Advertisement

الدنيا_في_باريس


الدنيا في باريس




الدنيا في باريس

تأليف
أحمد زكي
إذا فاتك استطلاع دنياك والذيتضمنه في أفق باريس معرضفخذ بدلًا هذا الكتاب فإنهيمثل ما قد فاتنا ويعوِّضعلي رفاعة
تنبيه للقارئ


رأينا تقدم العصر في الكتابة والفكر، يوجب إتحاف أبناء العربية بالإشارات المستعملة في أغلب اللغات الأورباوية؛ لإرشاد القارئ على مواقع الوقوف القليل، والمستطيل، ومواضع التعجُّب والحيرة والاستفهام ونحو ذلك، لا جرم أن هذه الإشارات خير مرشد له في حسن التلاوة، وعدم خلط الجمل مع بعضها، كما هو حاصل في أغلب المطبوعات العربية، بحيث يضطر الإنسان كثيرًا لمراجعة نفسه وإعادة القراءة لمعرفة أول الجملة من آخرها.
وهذا بيان الإشارات بغاية الاختصار: (–) هذه العلامة في أول السطر تدل على دوران الكلام بين متكلم ومخاطب، وفي وسط الجمل تدل على كلام معترض خارج عن الموضوع، ولكن يزيده وضوحًا ويوجب على القارئ مزيد الالتفات على نحو ذلك.
(.) النقطة تدل على آخر الجملة أو انتهاء الكلام في الموضوع.
(؟) هي علام الاستفهام.
(!) للتعجب والحيرة والقَسَم والنداء والتحذير ونحو ذلك.
(،) هذه العلامة للوقف القليل في الجملة الواحدة.
(؛) هذه العلامة للوقف المستطيل في الجملة الواحدة، أو لفصل الجمل المستطيلة المتتابعة التي ترتبط بمعنى واحد أو بموضوع واحد.
(…) هذه النقط تفيد انقطاع الكلام أو حذف جملة أو التوقف والارتباك.
(:) تدل على المقول والاستشهاد والبيان والتفصيل وما يدخل في هذا الباب.
(«») توضع بين هذه الأقواس آيات مقتبسة أو أحاديث مشهورة أو أمثال متواترة أو حكم مأثورة ونحو ذلك، وقد توضع بينهما الكلمة المعربة أو العامية أو نحوها.

اليوم الأول (الجمعة ?? أبريل سنة ????)


– هل للقلم أن ينبري ويباري ويجري في ميادين القرطاس ويجاري؟
– لست أدري ولا المنجّم يدري.
– إذن دعني وشأني وكن طوع أمري، فإن أَمْلَى عليك الفؤاد، وحدَّثك الضمير وناجاك الوجدان، فسر بالبركة الربّانية على صفحات الطروس، واجْرِ باسم الله مجراك ومرساك حتى پاريس، وقبل أن تصل إلى وصف پاريز لا بأس أن تسير قليلًا في الدهليز وتمّثل الخاطر، وتنقل للقرّاء ما عندي من المشاعر، ولو أن الفائدة فيها قليلة، ولكن ما الحيلة وليس أمامك ما تصف غير الهواء والماء، ليس أمامك أرض حتى أقول الأرض والسماء.
بينما أنا أشاغل القلم وهو يشاغلني أثناء خروج السفينة من المينا؛ إذ لاحت مني التفاتة فرأيت ثلاثة من الطير، قد ظهرت من الصخر واقتفت أثرنا: نحن في الماء، وهي في الهواء.
حقَّقْت النظر وأرجعتُ إليها البصر، فإذا هي ثلاثة نوارس قد شغلتني عن نفسي … وعن القلم.
– أتدرى ما هي النوارس؟
– ؟؟؟
– اعلم — وفقك الله — أن النوارس جمع تكسير واحدُه «نَوْرس»، وهو طائر بحري: له صوت كريه ولحم كريه ومنظر كريه، والله أعلم.
رأيت النوارس الثلاثة تحلق في الجو ولا تستعلي، تتقارب من الباخرة ولا تستدني، تنشر أجنحتها في الهواء وتلبث ساكنة بلا حراك، كأنها معلقة في القبَّة الزرقاء بأسلاك يا لها من أسلاك: أسلاك تحملها الأملاك، فلا تراها العيون ولا تحوم حولها الظنون، والطير مع هذا السكون — الظاهر — تتبع الباخرة في سرعتها بحركة خفيفة تصدر من رأسها، فيا لهذا الطائر الصغير يتابع الباخرة في المسير. لعمري إن اثنين منها عبارة عن عائلة قائمة بنفسها؛ لاقتراب أحدهما من الآخر، وتحاورهما مع تجاورهما، واصطحابهما مع اقترابهما.
أما الثالث فلا أدري وجه اقترابه منهما! أهو رابطة القرابة أو حق من حقوق الارتفاق؟ ربما كان دخيلًا أو خليلًا، وعلى كل حال، فإن الطيور على أشكالها تقع.
ذلك لأنه كان يطير بعيدًا عنهما بمسافة لا تزيد ولا تنقص حتى إذا رآهما انقضَّا على غنيمة في جوف الماء، وقف متربصًا في مكانه وبقي لهما بالمرصاد، فإذا قضيا لبانتهما في الماء وعادا للأبصار حام حولهما: كأنه متحكك أو متجسس متلصص، أما إذا سنحت له الفرصة في سمكة فقلَّ أن ينتهزها: كأنما هو يسعى لغاية لست أدركها.
ومهما كان الأمر، فقد بقيت النوارس تتلاعب في الهواء، وما أعجب منظر الواحد منها: يحلق في الجو ويحملق بالعين، وإذا مال بجناحه قليلًا هوى جسمه إلى الماء، فيطوف عليه طافيًا حتى يقضي وطره، ثم يعود إلى طبقات العلاء فيتهادى ذات اليمين وذات الشمال، ولكنه مع كل ذلك ملازم للأدب والكمال، فلا يعلو عن «الصواري» والأدقال في أي حال.
بَقِيتُ ألاحظ النوارس وهي كأنها تلحظني حتى تجسَّم وهمي وظني: فتخيلت أنها حمام الزاجل قد أتت لي ببعض الرسائل، فتلهَّيْت بالنظر إليها عن انقباض كنت أجده في نفسي وضيق استولى على صدري واضطراب لَازَمَ فكري.
وأعلم من نفسي ويشهد الله أن هذا الاكتئاب لم يكن مصدره فراق الأوطان والأصحاب؛ بل كنت بعيدًا عن معاناة هذه اللوعة؛ لأن هذه المرة ليست أول غربة، فقد بارحت مصر في سنة ???? ثم في سنة ???? وهذه هي الثالثة.
أما الشوق والفراق والبحر والماءُ، فقد كتبت عنها بعض الشيء في المرة الأولى حينما كنت أبعث من أوروبا بالرسائل المعروفة ? «السفر إلى المؤتمر». فلم أجد في نفسي اليوم حاجة للضرب على هذه النغمة؛ إذ قد طالما نقَّر عليها أرباب الأقلام، وانشَحَذتْ في تنويعها وتجنيسها القرائح والأفهام.
وقد طبع الباري هذا المخلوق الضعيف القويّ، على حب الأَثَرَة والميل للأنانية، ولذلك لم أتعدَّ الناموس العام؛ فخصصت سفرتي الثانية لنفسي ولشخصي.
أما اليوم فقد قضى عليَّ واجب الجنسية والوطنية أن أخدم الناطقين بالضاد في هذه الرحلة الثالثة، ومن حسن الحظ حصولها في أثناء المعرض العام، وهكذا يكون العهد بيني وبينهم: عام لي وعام لهم، فمرّةً أُتعبهم وأُتعب نفسي، ومرّةً أروح بشرط أن أريح وأستريح.
أخذت الآن أسائل نفسي عن سبب الكآبة وموجب الانقباض، لعل السبب أن السفر هو في يوم الجمعة، وزيادة على ذلك في يوم ??.
سحقًا لهذا التشاؤم المزدوج وتعسًا لهذا النحس المثنَّى.
نعم إن المشارقة يعتبرون يوم الجمعة من أيام النحس فيمتنعون فيه عن أعمال كثيرة: أخصها السفر … فما الذي اضطرني لمبارحة القاهرة إلى الإسكندرية ومغادرة هذه إلى مارسيليا (أعني ركوب باخرة البر، وماخرة البحر) وكل ذلك في يوم الجمعة …؟! الله أكبر من هذه الجرأة!!!
ألم يلح عليّ كثيرون من ذوي ودِّي وقُربايَ بتأخير السفر ليوم السبت أو أي يوم آخر؟ فلما علموا بأن الباخرة ليست مثل وابور البر في القيام كل يوم وأنها لا تنتظرني، أشاروا باختيار باخرة أخرى، فكان جوابي: أن شركة الميساچيرى ماريتيم أرادت أن تعاكس العكوس وتعاند النحوس، وقررت سفر بواخرها في أيام الجمعة دون سواها، فأشاروا عليَّ بالتوجه عن طريق آخر إلى مينا أخرى على باخرة شركة ثانية، ولكن ماذا ينفع الحذر من القدر؟ وقد سبق السيف العذل؛ إذ كنت قطعت التذكرة ونَقَدْتُ الثمن …
أما نحس العدد ?? عند الإفرنج فأشهر من أن يذكر، ولا حاجة لبيانه سوى أن عقلاءهم مهما تعالوا، وفضلاءهم مهما ارتَقَوْا، لا يزالون يتوجسون شرًّا منه، ويتوقعون السوء فيه، ولذلك تراهم يتوقَّوْنه بكل الوسائط، فما ظنك بالسوقة والأوساط؟!
ما هذا الإقدام أيُجمع الشرق والغرب على التشاؤم من السفر في مثل هذه الظروف وأنا لست مضطرًّا، فما بالي أتجشّم هذا المركب الخشن؟
وبينما أنا غارق في بحر هذا الفكر المختلط، والباخرة ماخرة في البحر الأبيض المتوسط، وإذا بتسابيح من السماء، ونغمات في الفضاء، وزفرات من صميم الماء، وخفقان على أجنحة الهواء، تقول كلها بلسان واحد: «لا تثريب عليك اليوم دعْها سماوية تجري على قدر، إن الشؤم عند التشاؤم.» فسرّبت عني هذه الأفكار، وتركت المقادير تجري في أعِنَّتها.

اليوم الثاني (السبت ?? إبريل)


صفاء في البال وفي البحر، وراحة في الجسم وفي الفكر، منظر جميل ينشرح له الصدر.
هذه حالتي في اليوم الثاني.
تيقظتُ عند أذان الفجر. بل والحق يقال، عند صياح الديك؛ إذ أصبحتُ شتان شتان، وقد حيل بيني وبين الأذان لا بين العير والنزوان. أما سيد الدجاج، فها هو أراه بعيني، وهو أيضًا ينظرني. صعدت على سطح السفينة فلم أبصر سوى النوتية والملَّاحين، فرميت بالنظر إلى الجهات الخمس فما رأيت سوى ماء في ماء، وفوق رأسي سحاب يتبعه سحاب، حتى كأني (ولا تشبيه) مظلل بالغمام، وكانت الشمس قد أخذت في الإشراق، فأرسلت طلائعها في الآفاق، فخشيت من عبوس الجو، وزمجرة الريح، ووميض البرق، ودمدمة الرعد، ولذلك رضيت من الغنيمة بالإياب، وعدت أتعثَّر في أذيالي طالبًا النجاة من هول هذا الموقف.
غير أني في ساعة النزول لم أتمالك من إرسال نظرة خلفي، كأني أريد التحقق من نجاتي، فإذا بالنوارس الثلاث تخفق حول السفينة، كأن لها فيها نصيبًا أو غريمًا؛ فنزلت إلى مخدعي، وقلت في نفسي: «لا بد أن أشكوها إلى شركة البواخر في مارسيليا بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن سائر الركاب، فإن أنصفت. وإلا استأنفت الدعوى في پاريس، وعرضت الأمر على المعرض العام؛ لأنها لا بد أن تكون قضت ليلتها على أدقال الباخرة، بغير أجرة، ولو بنصف تذكرة.»
ولبثت في مضجعي حتى نادى لسان الحال: «ألا أيها النوام ويحكمو هبُّوا».
فأهرعوا كلهم، وهرولتُ خلفهم، ميمِّمين شطر قاعة الطعام، ثم صعدت إلى ظهر الوابور، ومعي بعض الأصحاب، من إفرنج وأعراب، كي نستنشق نسيم الصبا والصباح، وإذا بالنوارس كأنها تطلبنا بتركة أبيها، فنظرت إليها وأخذت أتوعدها وهي لا تبالي بتهديدي ولا بمقالي، حتى أرسل علينا المتفرد بالعدل سحابًا فيه طل بل وبل، فبقيت أتحمّله على أم رأسي حتى عرتني رِعدة وهِزة، فأصبحت كالعصفور بلله القطر، وأما الطيور فكانت في حرز حريز، كأنها تقول: «اللهم حوالينا ولا علينا.»
فعند ذلك لزمتُ الصمت والأدب، وقلت لنفسي: «دع الخلق للخالق.»

اليوم الثالث (الأحد ?? أبريل)


اسمع! إليك فائدة مجرّبة صحيحة تلقَّيْتها عن أحد الأشياخ من الدراويش، وقد ثبتت صحتها عندي الآن: ذلك أني أتردد في بعض الأوقات، إلى درويش أعتقد فيه الخير، وأسأله الدعاء. فلما علم بسفري إلى المعرض العام، قال لي: «يا بني! سمعت أنك قد تشكو من اضطراب البحر، فما الذي أعددته لاتِّقائه؟»
فقلت: «لا شيء يدرأ عني الدوار، وقد جرّبت كل ما وصفه الواصفون فما أجدى نفعًا.»
فقال لي: «إن شئت أن لا تضطرب في جوفك الأمعاء، ولا تعاندك الصفراء، فتوكل على الله، وكُلْ شيئًا من الفول المدمّس، في صباح يوم الرحيل، وعليك بالاعتقاد التامّ واليقين الصحيح، وإياك! إيَّاك! من الشك والارتياب فتندم.»
فصادفت هذه النصيحة هوى في فؤادي، ولذلك عملتُ بها، وقضيت من الفول مرادي. فلما وصلت الإسكندرية في ظهر يوم الجمعة الماضي، دعاني صديق حميم لتناول الغذاء، وكان معه شيخ لا من الدراويش ولا من البهاليل، وإنما تمشيخ وحشر نفسه في الطائفة، طمعًا في تقبيل اليد، ونوال الرّفد، والعيش الرغد. وقد زاد الصديق كرمه ولطفه، فإنه استحضر نوعًا من السمك المملح ليس في مصر أحد لا يعرفه بل يكاد المصري لا يُعرف إلَّا به.
فأخذ المتمشيخ يكثر من الإطناب في فوائده، والتنويه بفضائله حتى حرّك النّهم وأجرى اللعاب في الفم، فأقبلت عليه مودّعًا ومتزوّدًا حتى بلغت حد النصاب أو كدت؛ بل جاوزته وزدت، أما البصل فقد كنا في ميناه وقد ذهبت ساعة النحس، بانقضاء وقت الصلاة، ولذلك نلت منه ونال مني، حتى صرت أبتعد من كل من أتى ليودعني، فبهذا جرى القلم: اللذة يتبعها الألم.

اليوم الرابع (الاثنين ?? أبريل)


أشعة النهار وطلائع الأنوار تساقطت من السماء، وتسابقت في الفضاء حتى رست على وجه الماء، فبدا الإشراق على جبين الآفاق، وظهرت غرة الصباح على رؤوس الجبال، فحياها الضياء بالثناء والسناء، ثم حياها فأحياها، ووافاها بعد أن كان جناها، فخجلت السحب في علاها فظهر على هاماتها الاحمرار، وثبتت فلول جيوش الليل في تفانيها فسالت منها الدماءُ كالأنهار، وفي أثناء ذلك بزغ قوس من النار في ثنايا السحاب.
فنظرتُ إلى القمر وإذا به قد علاه الاصفرار، ثم ابيضَّت عيناه من الحزن، بل وجهه من الانكسار. وحينئذ ازداد الحريق في صياصي السحاب، واستمرّ الاشتعال في الازدياد والانتشار، حتى انصبغت دائرة الأفق بل ميدان القتال، ثم علا لسان النار بلا دخان، وازداد حجم ذلك القوس فصار كالقرص، وكله أنوار في أنوار. وعند ذلك لم يقرّ للقمر قرار، بل جنح إلى الفرار، وولَّى الأدبار. وترك الحكم والسلطان لرب النار والنور والنهار.
فلما تبددت كتائب الظلماء، وانتشرت رايات الضياء، في سائر الأرجاء، وتمَّ شروق الغزالة وطلع النهار، سبحت جميع العناصر باسم الواحد القادر، وعَنت الوجوه للحيِّ القيوم، وابتسمت الثغور، وانشرحت الصدور لعودة الحياة إلى الوجود.
هذا قليل من الشعر مقلوبًا في قالب النثر، ألهمه الإشراف على الإشراق فأملاه لسان الوجدان، على صفحات الجنان، فحرك كهرباء البنان فحطّ هذا البيان على وجه القرطاس؛ ليبيضَّ وجه الكاتب عند الناس.
وهذا وحق امرئ القيس والمتنبي! منتهى ما وصل إليه طوقي. فإن أعجب حِفْني وشوقي، فذلك قرَّة عيني وغاية قصدي.

اليوم الخامس (الثلاثاء ?? أبريل)


من ذا الذي قال: إن البحر له أمان؟ ومن ذا الذي غرَّه منه ظاهر الصفاء؟
ألا رحم الله صاحب نفح الطيب! حينما هاجر ديار الأندلس العزيزة قاصدًا ربوع مصر المحروسة، فقد أملى هذا البحر عليه:
البحر صعب المرام جدًّالا جعلت حاجتي إليه بل أليس البحر كالدهر في الغدر؟ حبذا اليوم السعيد نستغني فيه عن هذا البحر وأهويته، بل أهوائه؛ إذ يعمّ العمران شمال إفريقية فنذهب أو أبناؤنا أو أحفادنا، أو أعقابنا بطريق السكة الحديدية من الإسكندرية إلى رأس السلوم، إلى برقة، إلى طرابلس، فتونس، فالجزائر، حتى نقف عند طنجة بالمغرب الأقصى. ومن هنالك نجتاز البوغاز مثل طارق بن زياد فتستقرُّ أقدامنا في أوروبا!!!
بيني وبين البحر الأبيض المتوسط قصة واقعية، بل قضية يا لها من قضية!
في اليوم الأول عند خروجنا من المينا، صفق لنا الهواء فرحًا واستبشارًا ولعب الماء، اختيالًا واستكبارًا. فتهادت بينهما السفين ترقص ذات الشمال وذات اليمين، وبعد قليل انتهى التشخيص والتمثيل، فعاد السكون إلى الكون، والسكينة إلى النفوس، والانشراح إلى الصدور.
وكان الأمر كذلك في اليوم الثاني والثالث، وأما اليوم الرابع فعليه منّي ألف تحية وسلام، استأنسنا في بكرته برؤية شواطئ إيطاليا عن يميننا وشواطئ صقلّية العزيزة عن يسارنا. وكانت الجزائر تتلو بعضها وتجلو نفسها، وقد تخللتها صخور جسام، دفعت بها قوة البركان إلى أعماق الماء، فبقيت قدمها في القاع ورأسها في الهواء.
أما البحر فكان سكونه لا يكاد يخطر على الأحلام، ولا في الأحلام … ما رأيت في عمري فسقية، في قاعة حرمية أكثر منه صفاءً واستواءً؛ بل كان مصقولًا كأنه المرآة، أو على التحقيق إن الصانع رآه فاحتذاه في صقل المرآة.
لا غرو أن برزت القافلة من أوكارها وسراديبها، واحتشدت كلها على سطح الباخرة تعجب من هذا الصفاء وذلك البهاء، وبلغ السرور فينا منتهاه، حتى قال بعضنا لبعض: هكذا يكون السفر يوم الجمعة ويوم ?? فحسَدَنا الدهر وحقق قول الشعر:
إذا تم شيء بدا نقصُهُترقب زوالًا إذ قيل تَمّ صدق الشاعر في هذه المرة، وإن كان غير كذلك في ألف مرة ومرة، نعم فقد حسدنا أنفسنا على هذا النعيم، بل إن إيطاليا هي التي حسدتنا، لا شك في ذلك فقد اشتهرت في أهلها «الإصابة بالعين» حتى نحتوا لها اسمًا غريبًا وهو (Jettatura) وقالوا لمن اشتهر بها (Jettatore) أي الموقع أو الملقي، وهذا يوافق ما جاء في الحديث الشريف: «اتقوا العين فإنها تدخل الرجل القبر والجمل القدر.» وما المانع من انتقال كهرباء الإصابة بالعين من السكان إلى المكان، وحدوث تأثيرها من أرضهم على مركبنا وبحرنا؟
قمت في فجر اليوم كعادتي لمشاهدة الشروق، فإذا في الجو سحائب متراكمة متتابعة متلاحمة، وكلما حاولت الشمس التخلص منها والظهور للأعين من ثلمة بينها انضمت صفوفها والتصقت ببعضها فتغيب الغزالة عن الأبصار، وعندئذ أرسل ملك الرياح بلاغه الأخير إلى ملك المياه فقامت الحرب على قدم وساق.
فنظرت إلى أقصى الأفق من جهة الغرب وإذا بالرشاش يتطاير من الماء والرذاذ يتساقط من السماء. ثم انجلى البخار، وبان عن جيوش من الهواء انقضت من السماء، فرأيت الماء فغر لها فاه وأسكنها إياه وأدخلها في معاه، ثم اضطرب اضطرابًا شديدًا، وأرغى وأزبد لاشتعال نار الحرب في جوفه، ولذلك لم نشاهد شيئًا سوى أن السفينة صارت تعلو على جبال فوق جبال، ثم تهبط إلى هاوية ليس لها قرار، ثم يصدمها الماءُ والهواءُ فتكاد الجبال تنطبق عليها، فيجأر أهلها بالدعاء إلى رب العلاء فيتداركهم بلطفه الخفي، ثم تصطف الأمواج، وتخفق رايات الرياح فتعود الحرب بشدة تكاد تكون فيها الطامة الكبرى، وانقضاء الحياة الدنيا.
مسكينة الباخرة ومسكين من فيها! كأنها قفص تلاعبت به الزعازع وفيه أطيار لا تستطيع إلى النجاة سبيلًا، فنحن محبوسون فيها وهي رهن الماء والهواء، ثم تعالى الموج حتى بلغ الأوج ووثب على السفينة فتعدّاها من جانب إلى جانب. ثم لطمها الهواء على وجهها، وأجرى الماء من مقدمها إلى مؤخرها، فكانت في بحر وقد صار فيها بحر.
عندئذ استعددنا لملاقاة خالقنا والمحاسبة على ما قدمت أيدينا في حياتنا، وأعرف رجلًا من تجار الشوام المتوطنين بالمنصورة صار يتضرع إلى النوتية بأن يرموه في البحر، حتى ينتهي من عذاب الزوبعة وإنه لشديد. فلم يلتفت إليه أحد منهم؛ لأنهم التهوا عنه وعن طلبه بأخذ أهبتهم الكبرى.
فتركناهم وشأنهم يتصرفون في مركبهم كما يشاؤون، ونزلنا بكل صعوبة إلى أوكارنا في بطن الباخرة ونحن نهتف بذكر اللطيف الخبير، وما هو إلا أن شممتُ رائحتها من الداخل، حتى اعتراني غثيان فاضطراب في الرأس والأمعاء، وكان ما خفتُ أن يكون.
وما زلنا بين الموت والحياة، حتى مالت الشمس للغروب، فإذا بالسحب تبددت والمياه ركدت وشواطئ فرنسا بدت. فعاد إلينا الأمل تتبعه القوة والنشاط، ونسينا كلنا التسبيح والتهليل؛ لأن خطر الغرق قد فات.
قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ.

اليوم السادس (الأربعاء ?? أبريل)


الحمد لله أنزل السكينة على السفينة حتى دخلت المينا بالهينة، فما هو إلا أن لاح الفجر الكاذب، وظهر النبأ الصادق من المنار والأنوار بأنها استوت على جودي السلامة، والسلام!
فما صدَّقْتُ بوصولي إلى الفندق حتى طلبت الحمَّام، وبعد أن انتهيت منه طفت بمارسيليا وما العهد بيننا ببعيد، وهي ككل المدائن البحرية المتجرية، مكوَّنة من خليط عظيم من كافة الأمم والشعوب، وأول شيء وجهت إليه همي وهمتي التوجه إلى مطعم مشهور بصناعة البويَّابيس (La Bouillabaisse) وهي عندهم كالملوخية مثلًا عندنا وكالكبيبة عند الشوام، ولكن الحق يقال شتان بين الذي اخترناه واختاره جيراننا، وبين الذي اشتهرت مارسيليا وأهلها به، فإن طعامهم هذا فاخر لذيذ مغذٍّ خفيف سريع الهضم، وهو عبارة عن ثريد في شوربة السمك وعن أسماك متنوعة مطبوخة بطريقة مخصوصة، وكان بودِّي أن أصف ذلك أيها القارئ العزيز حتى تتلذّذ وتتشهى و«يجري منك الريق ويسيل»، ولكنني بكل أسف غير ماهر في هذا النوع من الوصف، وقد اقتصرت مهارتي في هذا الموضوع على الإجادة في أكل هذا الصنف من الطعام، فلك بل عليك أن تقلِّدني فهذا الضرب من التقليد ممدوح. أما المدينة وأحوالها وشوارعها ومنازلها ونحو ذلك، فقد ذكرت بعض الشيء عنها في السفر إلى المؤتمر، كما أن كثيرًا من إخواننا الذين يقولون إنهم كتبوا رحلتهم ووصفوا ما لاقوا فيها وما تأثر به وجدانهم وشعورهم، قد ترجموا عن كتب الإرشاد (Les Guides) المخصصة للأغراب، وعن بعض التواريخ وغيرها كل ما تهم معرفته عنها ويقدر الإنسان على تبيانه، والعلم به وهو في بلده من غير اغتراب ولا فراق، وحينئذٍ «فالإعادة ليس فيها إفادة». والأحسن عندي لمن يحضر هذه المدينة في بكرة النهار أن يرحل عنها بعد أن يطوف فيها قليلًا، ولكنْ لي عليه شرط واحد وهو: أن يبذل قصارى جهده في أكل البويَّابيس. وفيما عدا ذلك، فإنه يوفر درهمه ووقته، ويعلم أنني له من الناصحين. أما أنا فقد لبثت فيها يومًا واحدًا وليلة واحدة على نية الرحلة منها.

اليوم السابع (الخميس ?? أبريل)


مهما أوتى الإنسان من الإقدام وكان في عزيمته من المضاء وفي فؤاده واسمه من الذكاء، فلا شك أنه يكون عرضة للتردد في بعض الأحيان، وذلك ينشأ عن اضطراب الجسم أو الفكر، وكان هذا الاضطراب بنوعيه متوفرًا عندي حينما أصبحت قاصدًا پاريس.
وذلك أن القطار السريع (Le Rapide) يقوم من مارسيليا في الساعة التاسعة من الصباح ويصل العاصمة عند تمام الساعة العاشرة من المساء، ويقوم بعده قطار إكسبريس في الساعة العاشرة من الصباح ويصل مدينة الأنوار في الساعة الثامنة من صباح اليوم الثاني؛ فتكون مدة الإقامة في هذا القطار ?? ساعة، ومع ذلك فبعد التردد والتروي فضّلت الإكسبريس على السريع. – لماذا؟
– لأنني كنت لا أزال منهوك الجسم من تأثير البحر، فما أردت أن أصل پاريس وبي ضعف على ضعف، ولأنني ما شئت أن أدخل مدينة الأنوار في غير النهار، ولكن لكي لا أقضي الليل في القطار فتفوتني بعض المناظر الشائقة المعجبة، عقدت النية على قسمة الطريق حتى يكون مسيري في هذه المرة بأوروبا بغير إدلاج.
فتتمتع العين وينشرح الخاطر برؤية الخلوات والمزارع، وما فيها من الخضرة اليانعة مفرّشة على بسيط الدأماء، أو واصلة إلى عنان السماء.
رأيت على يميني الجبال قد اعتدى عليها الإنسان (كعادته) حتى «جاب الصخر بالواد»، فمهَّد منها مربعات تكاد تقاس بالأشبار وحرث بعضها للزراعة وغرس أكثرها بالأشجار، وكلها أشجار فاكهة متناسقة على مثال واحد وطول واحد وبُعد واحدٍ. نعم، إن الأرض مستوية ممهّدة مطمئنّة، وخطوط المحراث منتظمة معتدلة مستقيمة، ولكن وجهها كله حصباء وأحجار صغيرة متفتّتة منتشرة بين رمل غليظ أصفر فتتكون من هذا الخليط قشرة الأرض الظاهرية، وأما الذي تحتها فأدهى وأمرّ؛ إذ هو عبارة عن طبقات متراكبة من الصخر والحجر! أليس هذا يناقض على خط مستقيم ما نعهده في وادي النيل السعيد؟ أليس إن الإنسان يسير من مصبّ المحمودية عند الإسكندرية أو من ملتقى النهر بالبحر عند رشيد ودمياط حتى يضل إلى الشلال بالقرب من أسوان فلا يجد حجرًا صغيرًا يضرب به حدأة أو غرابًا؟
لله ما أسرع هذا الخاطر خصوصًا إذا كانت الأرض تُطوى أمام الإنسان والجبال تُأوّبُ معه والأشجار لا تلبث أن تبدو حتى تختفي فكيف لا يطير الفؤاد إلى البلاد، ويطوف في وديان الخيال، ويقف السائح بلا حراك، يقارن بين ما هنا وبين ما هناك؟

اليوم الثامن (الجمعة ?? أبريل)


يقتصر أغلب المصريين والشرقيين عند حضورهم إلى ديار أوروبا على زيارة العواصم الكبيرة والمدائن الجامعة، فيفوتهم، ولا شك، شيء كثير من معرفة الحياة البسيطة الساذجة المعتادة في الأرياف والخلوات؛ لذلك أرجوهم أن يحذوا حذوي ويزيدوا عني، فقد وجدت في هذا البندر الريفي المعروف ب?يلفرانش (Villefranche) راحة في الجسم وارتياحًا في النفس، خصوصًا وأن المأكل فيها (كما هي في الأرياف كلها) خالية من معالجات الكيمياء مجردة من تدبير الصناعة؛ فالزبدة فيها زبدة، والجبن جبن، والنبيذ نبيذ، واللحم غضّ (طازجه) وهكذا الباقي من الأصناف، بخلاف الحال في المدائن الكبيرة؛ إذ لا يكذب القائل أن لعلماء الكيمياء ولأهل المعامل فضلًا كبيرًا عليها في تكوين الزبدة والجبن والنبيذ، وأما اللحوم فالغش فيها معلوم، (وقد وصلت طلائع هذا التمدن والحمد لله! إلى القاهرة والإسكندرية! … أليس كذلك؟) بل ألم تسمع أيها القارئ بأنهم قد توصَّلوا في أمريكا لاصطناع بيض يشابه بيض الدجاج بالتمام؟ إذا كنت لا تعرف ذلك فاعلمه، وإذا كان بلغ مسامعك فتحقق مني صحته، وإني أجيز لك رواية ذلك. قمت مبكرًا فإذا كأني في أحد بنادر الأرياف بمصر: من صياح الديكة واضطراب الدجاج، وخوار البقر، وتغريد الأطيار فوق الأشجار، أما سلطان الطبعية فتركنا في الانتظار. نعم، فإن الحياة الآدمية بقيت مستكنّة حتى انتصفت الساعة السابعة من الصباح. فابتدأ القوم في النشور من الدور، وفي مقدمتهم صعاليكهم من الرجال والنساء مبكِّرين لأعمالهم والسعي على أرزاقهم.
ومما استوقف نظري واستغرق فكري، أن ذوي المتربة منهم يحتذون بجزم كلها أو نعالها فقط من الخشب، فترى بل تسمع الواحد منهم كأنه يمشي في موكب حافل، ومع ما هو فيه من الأطمار والأسمال تراه يسعى بين الطنين والرنين، كأنه ملك عظيم أو ملك كريم: يرفع رأسه اختيالًا واستكبارًا، ويهزّ كتفيه فرحًا واستبشارًا مرحًا وافتخارًا.
لمَ لا يكون كذلك؟
أليس أن كل واحد منهم يعتقد أن له حصة في ملك فرنسا؟ أليس أنه فوق ذلك، قد تصوّر له الأماني والأوهام، أنه ربما ساعده الزمان على الارتقاء إلى هذا الملك فصار رئيس الجمهورية في يوم من الأيام؟ كيف لا والشاهد أمام عينيه قريب؟ فها هو المرحوم فلكس فور رئيس الجمهورية السابق قد ارتقى هذه المنصة العالية، وتربَّع في هذا الدست الفخيم، مع أنه كان في أول أمره عاملًا عند الجلّادين والدبّاغين، وها هو الموسيو دومر (Doumer) الوالي الحالي للمستعمرة الفرنساوية الكبرى المعروفة بالهند الصينية، دخل قبل الآن في سلك الوزارة ناظرًا للمالية، وقد حجز أحد المحضرين — قبل ذلك ببضع أيام — على منقولاته؛ لتسديد ما عليه للمتعهد له بتوريد الخبز في كل صباح، فأمدَّه صديق حميم ورفع الحجز عنه، وقد نال فيما بعد وسام الافتخار؛ لأن هذا الصديق من أهل الجدارة والاستحقاق، ولكن لم يكن أحد يدري به لولا هذه اليد التي اصطنعها والمأثرة التي قدَّمها. فلما وُلِّيَ الرجل ناظرًا للمالية أوصت زوجته على فستان لتحضر به الحفلات الرسمية. فلما أحضرته الخياطة إليها طالبتها بنقد الثمن أولًا، وإلا رجعت ببضاعتها من حيث أتت، ويقولون: إن هذا أكبر برهان لحد الآن على عفة الرجل ونزاهته واستقامته، وعلى كل حال فالأمر الذي لا ريب فيه أنه إنما وصل إلى هذه المراكز السامية بهمته وجدّه وفضله.
فكيف تتصور بعد ذلك أن قصة الغسالة من الأساطير الموضوعة أو الحكايات الملفقة؟ إن كنت تعرفها فقد كفى، وإلا فاسأل عنها، أو أرح نفسك منها، أو انتظر عودتي وكل آتٍ قريب.
قلت: إنني أصبحت في هذا اليوم مبكرًا، فبعد أن شاهدت ما ذكرت، رأيت أن أسير في البندر وأطوف شوارعه على الأقدام، فأوصيت صاحبة الفندق بإرسال أمتعتي إلى المحطة مع عربة الفندق. غير أني لم أجد في هذا البندر شيئًا يستحق الالتفات، فقصدت المحطة وركبت الإكسبريس في الساعة الثامنة من الصباح، فلما مضى على الظهر ساعتان نزلت إلى مدينة سنس (Sens) وهي مشهورة بكنيستها الجامعة شهرة طبقت الآفاق، فتركت أمتعتي بالمحطة وهرولت إلى الكنيسة، فإذا هي فخيمة شاهقة من الطراز القوطي، كغالب أو كل الكنائس في بلاد الأندلس، ومن الغريب في تفشي الكفر بفرنسا أو ثوار الكومون (La Commune) أو (Les Communnards) قد تشفوا من الدين وأهله، فنزلوا بالمعاول على تماثيل القديسين التي على باب الكنيسة، وفي أسفل جدرانها فقطعوا رؤوسها كلها، انظر إلى أين وصلت الحماقة والغفلة! ومن الغريب أيضًا في تفشي الكفر بفرنسا الآن أن رجال الحكومة مهما كان مشربهم أو صبغتهم، يعملون على معاكسة الدين وأهل الدين بكل ما في وسعهم، وقد اتفق مؤخرًا أن مجلس البلدية في إحدى القرى راعى أميال الأهالي، فقرر إنشاء مدرسة يديرها رجال من الإكليروس فدخلها ?? تلميذًا. فلما علمت الحكومة بهذا القرار أصدرت أمرها بإبطاله حالًا، ولكيلا تكون عقبة في طريق التعليم، أنشأت مدرسة أهلية غير دينية فانتظم في سلكها تلميذان اثنان!
نرجع إلى الكنيسة. فقد رأيت في مخزن تحفها وكنوزها أشياء كثيرة ليس لها كبير قيمة، ومما استوقف نظري علبة أسطوانية من العاج مخروطة في قطعة واحدة من سن الفيل وعليها نقوش بديعة وأبيات عربية جميلة، لم أتمكن من نقلها، وإنما وقفت على ترجمة العلامة ده ساسي لها باللغة الفرنساوية، وهي من صنع البغاددة ولا شك أن أحد الصليبيين أحضرها من المشرق إلى هذه البلد، ورأيت أيضًا صليبيين يقولون: إنهما من خشب الصليب، وقد رأيت قبل الآن صلبانًا كثيرة من هذه القبيل في كنائس متعددة أثناء أسفاري، وعلمت بوجود أكثر منها في مدائن أخرى، لم يتيسر لي زيارتها.
ثم خرجت من الكنيسة، وطفت المدينة، وصعدت إلى أعاليها، فإذا هي في نظام كبير ولها رونق جميل.
حتى إذا حان الميعاد ذهبت إلى المحطة، وركبت القطار فوصلت پاريس في آخر النهار.

اليوم التاسع (السبت ?? أبريل)


أصبحتُ في هذه اليوم بمدينة پاريس.
أكثرت من وصف پاريس في رسائل «السفر إلى المؤتمر» بما أرى فيه الكفاية. فليراجعها من أراد فقد يجد فيها حاجته وزيادة.
نعم، لست أُنكر أن هذه المدينة يُستغرق وصفها الدفاتر والمجلدات، وتقف دون استيعاب ما فيها القرائح والأفهام، ولكني قد أدَّيت إتاوتي فيحق لي إذن ترك هذا المجال لغيري عساه يزيد ويُجيد ويفيد، فيصدق المثل السائر: «كم ترك الأول للآخر.»
وإنما أتحفك الآن أيها القارئ ببناء مستغرب، بل مستنكَر، بل مستكره، ومن باب الإخلاص أتقدم إليك بإنذار ودادي لتكون على بصيرة: إن كنت من الذين يتقززون فاترك السطور التالية وشأنها، ولك أن تمرّ عليها مرَّ السحاب أو مرَّ الكرام، ولك أيضًا أن تمر عليها بإسفنجة، ولك أن تمزق هذه الورقة، أو تحرقها أو تلاشيها بأية طريقة أخرى، وتتركني وحدي أعاني همي في يومي، وإن كان هذا يناقض العهد المعنوي الذي بينك وبيني، وهو أنك تتبعني حيثما وضعت قدمي، غير أني أجعلك الآن في حل من العهد شفقة عليك وحنانًا بك، وإياك ومخالفتي!
توجهت في ظهر هذا اليوم إلى أحد المطاعم الكبيرة في شارع الأوبرا.
(لا يزال باب الخلاص مفتوحًا، ولا يزال للقارئ مندوحة في ترك التلاوة، وإلا فإن أصرَّ على مخالفتي واتِّباعي في خطواتي، كان ذلك بمثابة تجديد العهد الوثيق في استيعاب الحكاية لآخرها).
طلبت قائمة المأكولات فرأيت اسم صنف من الألوان، فاشمأزَّت نفسي حتى وقعت القائمة من يدي، ثم تشجّعت وتغلبت على طبعي، وعاودت النظر إلى القائمة فعاودني التقزز والنفور، فخادعت نفسي وأدخلت عليها المحال وقلت لها: «لعل الباصرة أخطأت»، فأرجعت البصر أُولى وأخرى فارتدّت العين حسرى، وحينئذ قطعت جهيزة قول كل خطيب، وعرفت أن الصنف الذي في القائمة هو طعام مطبوخ من: «أبو هبيرَة أو أمّ هبيرَة».
لأنه يجوز أن يكون من الذكور كما يجوز أن يكون من الإناث، أظن القارئ لم يفهم مرادي بهذه الكناية، ويطالبني بتسمية الشيء باسمه المعلوم، فهو: «الخندع أو العلجوم».
«إني أسمع وأنا هنا همسًا يجيش في صدر القارئ: ما زاد البيان إلا إشكالًا بذكر الذكر فهلا وجبت التثنية بالمؤنث؛ ليستوي كافة القراء في الإدراك»، وهو كذلك فهي: القرة أو اللقاقة.
•••

أما إذا كان أحد المتفرجين يتكرم بقراءة هذه الرسالة أو يسمع بها، فربما لا يفهم غرضي ويطالبني بالاسم الفرنساوي (Grenouille) أو الإنكليزي (Frog) أو الأسباني (Rama) فقد أجبته على سؤاله مقدمًا، وعرف أن مقصودي الضفدعة. حقًّا! لم يبقَ بعد ذلك مجال للشك والارتياب، وقد فهم الناس أجمعون مرادي بل مراد القائمة بالتمام، والحمد لله على كل حال.
فوسوس لي إبليس بالتجربة، وانضمَّت إليه النفس الخبيثة (وهي أمّارة بالسوء). ولكن طبعي بقي مُصِرًّا على العناد والنفور، فاشتبكت المحاورة والمناظرة بين الطرفين، واشتد الجدال واللجاج بين الفريقين، وأنت تعلم أن «ضعيفين يغلبان قويًّا» فما بالك إذا كانا من القوة والبأس، بمكان إبليس والنفس، وكان خصمهما من الضعف بدرجة الطبع، وإن كان غلابًا فها هو قد أصبح مغلوبًا.
الخلاصة: أنني طلبت الخادم وأمرته بإحضار هذا الطعام. نعم نعم، طلبت هذا اللون، وأعني به أبا هبيرة أو العلجوم، فأحضر لي طبقًا في وسطه شيء مشتبك مرتبك، يشبه العقرب، سوى أنه أبيض. عظام دقيقة صغيرة تكسو أطرافها لحوم خفيفة مستديرة، وكلها على شكل مختلط مختبط، يزيد في الكراهة والنفور، فاصطكت أسناني، وانطبقت أجفاني، وحولت وجهي برعدة في رأسي، فجاء أبو مرة وقال لي: «جرب هذه المرة، ولك بعدها الخيار في الترك أو معاودة الكرة.» وتآمرت معه نفسي، فجاءت من الجهة الأخرى تدفعني وتصيح في أذني: «قد وجب عليك الثمن» فما بالك لا تمتحن، وأنت تعلم أنه عند الامتحان يكرم الضفدع أو يهان»، وما زالا ينقَّان على هذا المنوال، حتى أعدتُ صفحة وجهي بالتدريج إلى جهة الصحفة، ثم أغمضت عيني ومددت يدي وأخذت قطعة منها، وأنا أفكر في الألوان الشهية التي أسمع عنها. ثم رميت بالقطعة من الضفدعة في فمي، وصرت آكل قليلًا قليلًا وأنا أفكر في أصناف لذيذة قرأت أسماءها في الكتب. صرت أكل من الضفدعة بصفتها ضفدعة حتى أتيت على كل ما في الطبق، والحمد لله أولًا وآخرًا.
فصل فلسفي

قد اعتاد القراء على أني أكاتبهم أولًا فأولًا بكل ما يتأثر به الخاطر في وقته، وأقول لهم: إنني بالخصوص في وقت أكل الضفدع كنت أجهز اللقمة وأخطُّ الكلمة، وهكذا حتى انتهيت من الازدراد والتحرير.
أما الآن وقد استقرَّ هذا الطعام في جوفي وفي جوف … من جازف بنفسه وقرأ هذه السطور، فقد خطرت عليّ هذه الأسئلة:
(?) ما هو المانع العقلي أو الشرعي من أكل الضفدع (وهو صنف مخصوص)؟(?) أليس البدوى يتلذَّذ بالتهام الجراد؟(?) أليس الرفاعية وطائفة كثيرة من بني آدم يأكلون الثعابين؟(?) أليس الرشيدي يتفكَّه بأكل أم الخلول؟(?) أليس الإسكندري يهيم غرامًا ببراغيث البحر (الجمبري) وهي أشبه شيء بالديدان الكبيرة؟(?) أليس ساكنو السويس لهم تجارة كبيرة بالسرطان الذي يسمونه «أبو جلبمو» ويبدأون في أكله بأنفسهم، ثم بمن يحبون، ثم يفكرون في الفائدة التي تعود عليهم من بيعه؟(?) أليس الفلاح في صعيد مصر يتحيل بكل وسيلة لاصطياد فأر الغيط، حتى إذا أصابه انقلب به إلى أهله فرحًا مسرورًا، وصنع وليمة للأولاد والعيال والجيران، ويكون في القرية عيد مشهور؟(?) أليس أهل مصر عمومًا مغرمين بأكل الفسيخ غرامًا قد يصل بهم إلى درجة الهيام؟(?) أليس بعض النساء في الإسكندرية وغيرها من مدائن مصر يبحثن عن صغار الكلاب طلبًا للبسطة في الجسم؟ بل ألست تعلم مثلي ومثل كل الناس أنهنّ يتأنّقن في صنع مربى مشهورة عندهن وهي المسماة «بالمفتقة» ولا تصح إلا إذا كانت فيها تلك الحشرة التي لم يخلق الله أسود ولا أنتن ولا أبشع منها؟(??) أليس الناس كلهم يتفاخرون بأكل الدجاج المحمّر وهم يعلمون من أي مادة غذاؤه الخصوصي غالبًا؟ فلماذا لا يأكلون كلهم الضفدع أيضًا؟
ومهما كان الأمر فإنني أكلت منه. نعم نعم، أكلت الضفدع، فإن سمعت نصيحتي وأسعدك الزمان بالحضور لپاريس فتطلبه أو تطلب على الأقل مرقته (حتى إذا فاتك التوت لم يفتك شرابه)، وحينئذ يصح لك أن تقول: إنك تلذَّذت مثلي بنعيم الدنيا كما يقولون هنا.
غير أني مع كل ذلك، أجد ضميري ينبهني إلى التمثُّل أمام القارئ بقول ابن الفارض:
نصحتك علمًا بالهوى والذي أرى مخالفتي فاختر لنفسك ما يحلو
اليوم العاشر (الأحد ?? أبريل سنة ????)


افتح عينًا وأغمض الأخرى.
نظرت بعيني جميعًا إلى جهة الرّكز والهمس فلم أر أحدًا، وحينئذٍ لم أعبأ بالأمر، وبقيت مستمرًّا في طريقي …
– افتح عينًا وأغمض الأخرى وأطع.
في هذه المرة سمعت الصوت واضحًا، وأحسست بلكزة آلمتني فتلفتُّ حولي فلم أجد شيئًا فتعوذتُ بالله وبسملت وحوقلت وسجلت وهيللت، وسرت إلى مقصدي من هذه الرحلة …
– افتح عينًا وأغمض الأخرى.
عزيف مرعب شديد، خرق آذاني مع ما بها من الوقر. صحبته رعدة قوية في جسماني، مع ما به من الثبات، فداخلني الخوف والاضطراب، فرأيت وجوب الامتثال، وأغمضت العينين.
إذا بي في مدينة النحاس أو غيرها من مدائن الجان التي وصفها صاحب ألف ليلة وليلة، أسير بين قصور فاخرة شاهقة وأشجار زاهرة باسقة ومياه زاخرة دافقة، وغرائب وعجائب، وتماثيل وأنصاب، ومراكب في البحر وركائب في البر وخلائق لا تحصى، بأشكال لا تُستقصى، ودخان يرتفع إلى عنان السماء، ونقيع يثور في الفضاء وأصوات بكل اللغات، وازدحام عام وعجيج وضوضاء، كأنه قد نُفخ في الصور، فبُعثر من في القبور وسيق الناس إلى المحشر، بل إلى المعرض المنتظر.
هذا هو المنام الذي رأيته في اليقظة، حينما قصدتُ المعرض في هذا اليوم، فإنني بمجرد ما تجاوزت ميدان الائتلاف (پلاس دولا كونكورد) ورأيت الأبواب والبروج، والأعلام والبنود، ودخلت الدور والقصور وشاهدت ما فيها من الغرائب والبدائع، ابتهَجَت النفس، وقرَّت العين، وهام الفؤاد في وادي الخيال.
وقد كنت قبل مبارحتي القاهرة بشهر واحد، توفَّرت على قراءة «ألف ليلة وليلة» و«قصة سيف بن ذي يزن» لعلي أتوصل إلى معرفة مؤلفي هذين الكتابين أو عصرهما أو البلاد التي صنفاهما فيها، وغير ذلك من المباحث التحقيقية الوافية، وقد ظفرتُ بالمراد، وربما نشرتُ خلاصة هذا البحث فيما بعد، فبقي في النفس أثر من هذه الخوارق، ولا زال الخاطر متشبِّثًا بما مر عليه من تلك الغرائب، فكان ذلك سببًا في حلم المستيقظ الذي لا يكاد يراه النائم، إلا إذا حضر پاريس، فقد صحَّت فيها الأحلام، وأضغاث الأحلام.
غير أن الكمال لله وحده فإن المعرض لم يتمَّ للآن، ولا بد له من شهر أو شهرين حتى يكون حقيقة أعجوبة پاريس، بل أعجوبة الدنيا، وآية العصر بل آية الأعصار. فعلى المصري أن يتربَّص في بلاده حتى ينتهي الميعاد في المعرض، بين القصور التي هي منتهى الجمال والإبداع، تحفّ بها المعارج والأخشاب ويعلوها الغبار والتراب. وصرت أتنقَّل بين أنجاد ووِهاد وطرق معوجّة، وأخرى صاعدة هابطة، مدة ساعة وزيادة، حتى وصلت إلى القسم المصري، فوجدته للآن، مثل بقية الأقسام، بعيدًا عن التمام، ولكن القوم فيه وفي كافة أقسام المعرض، يبذلون قصارى الجهد، ومنتهى العناية للإتمام في أقرب وقت.
والخطأ كل الخطأ ناتج من افتتاح المعرض قبل الاستعداد، فكان من اللازم تأخيره المدة الكافية، حتى لا يضيع على الغريب وقته ودرهمه نظير هذا التسرع الذي يستحق من التاريخ اللَّوْم الشديد.
نعم، إن بعض الأقسام قد انتهى تمثيلها للأنظار، ولكنها من الملاهي التي اجتهد أصحابها في إتمامها، حتى لا تفوتهم دقيقة واحدة في اقتناص الدرهم والدينار.
فلهذه الأسباب حكمت محكمة التمييز بوجوب الانتظار، وإعادة النظر لاستيفاء التحقيق، حتى تصبح الدعوى صالحة للحكم، ويتيسر لكاتب المجلس أن يستحضر كافة الأوراق والمستندات، ويشرح المسألة عن تحقيق وتدقيق ومعرفة ويقين، وحكمت أيضًا بتأجيل ذلك مدة أسبوع، وألزمت المعرض بالمصاريف الرسمية وغير الرسمية.

اليوم الحادي عشر (الاثنين ?? أبريل سنة ????)


هذا هو يوم شم النسيم في مصر، ولكن ليس له أثر في پاريس وسائر بلاد الإفرنج، ولكوني لا زلتُ حافظًا لصفتي المصرية وصبغتي الشرقية، لا بد للقراء من أن يمنحوني الراحة، حتى أشاركهم في نعيمهم، كما أشركتهم في كل أحوالي، «فواحدة بواحدة سواءُ».
لذلك قصدت الخلاء فذهبت إلى قرية صغيرة تبعد بالإكسپريس بين القاهرة وبنها، والأجرة لا يمكن أن تذكر بجانب ما نغرمه في مصر، بل أخجل إذا قلت: إنها عبارة عن أربعة فرنكات ونصف، أي أقل من ثمانية عشر غرشًا صاغًا ببضعة ملاليم، وذلك عن الذهاب والإياب في الدرجة الثانية، وهذه القرية تسمى تريل (Triel) فلله ما أبدع هذه المناظر الشائقة، ولله ما أجمل تلك الأشجار والأزهار والجبال والقيعان، كلها بساط من السندس النضير قد نقَّطوه بالدنانير. ونحن في مصر لا يمكننا أن ندرك جمال هذه الخلوات؛ لأن أرضنا منبسطة، وليس فيها أشجار ولا غابات، ولا جبال بَرْقَشَتْهَا يد العناية على أجمل مثال، فلما وصلت هذه القرية شاقتني وراقتني، وعزمت الإقامة والاستراحة من ضوضاء پاريس وملاهيها، وسأصفها وأصف خلواتها، وكل آتٍ قريب.

اليوم الثاني عشر (الثلاثاء ?? أبريل سنة ????)


أصبحت بپاريس منقبضًا منها عقب ما رأيته من جمال الريف.
فقصدت زيارة المعارف وتعهّد المعاهد، ولكبر المدينة وضخامتها انقضى النهار بين دفعتين من الذهاب أو ثلاث، وغرمت ما غرمت من أجرة العربة، ولله الأمر من قبل ومن بعد، في القرب وفي البعد.

اليوم الثالث عشر (الأربعاء ?? أبريل سنة ????)


اضطرتني بعض الأشغال لتمضية هذا النهار في پاريس.
كنت قبل مبارحتي مصر يلومني كثيرون من إخواني وأصدقائي على تبكيري بالسفر خوفًا من البرد واشتداده في أوروبا، فلما ركبت الباخرة من الإسكندرية هبط ميزان الحرارة في اليوم الثاني إلى درجة ?? فوق الصفر، ثم صار يعلو وينزل متراوحًا بين ?? و?? حتى وصلنا مارسيليا فاستقرّ على ??، ولما وصلتُ إلى پاريس كان يتهادى بين ?? و?? وبقي كذلك لحد هذا اليوم، فاستغرب الناس كلهم من هذه الحرارة غير المعتادة بأوروبا وتخوَّفوا شرّ العقبى، فقام العلامة الفلكي المحقق المشهور الموسيو فلاماريون (Flammarion) ونشر عليهم جوابًا آتِي هنا على خلاصته؛ ليتحقق أصحابي أنني لم أهلك من البرد، وإنما أهلكني الغلاء وغير الغلاء، وخصوصًا عدم تمام المعرض، وهذه خلاصة الجواب نقلًا عن بعض الجرائد الكبرى. إلى هذا اليوم بقي الحر لطيفًا معتدلًا لا يشوبه برد حتى داخلت الدهشة أهل أوروبا، واستفهموا من عمدة علماء الفلك بپاريس وهو العلامة فلاماريون، عن سبب هذه الحرارة الصيفية التي خرجت عن الناموس المعتاد في شهر أبريل فقال: إن التوازن من مستلزمات الطبيعة. فكما هو ضروري في أغلب الكائنات، كذلك لابد منه في انتظام حوادث الكون والفساد، فقد كان البرد قاسيًا في شهر مارس وحينئذ فلابد من موازنته بحر استثنائي يحصل في أبريل لينتظم التوازن في الطبيعة. ومن الخصائص التي انفردت بها هذه السنة والتي تقدمتها، أن يناير كان فيهما أشد بردًا من فبراير، وأن مارس كان أصقع من فبراير، وليس في أحوال الجو الحالية دليل ينبئنا عن المستقبل من حيث الحرارة والبرودة، فإن التغيرات في الجو تحدث عن تيارات هوائية يستحيل على أهل العلم والتحقيق الإنباءُ عن مجاريها مقدمًا، وغاية ما يقال: إن أعوام ?? و?? و?? كانت درجة الحرارة فيها شديدة، ونظام الكون يستدعى وجود التوازن فلا بد حينئذ من ازدياد البرودة في سنة ???? أو سنة ????. ولكننا لا يمكننا تعيين واحدة منهما، فإن ذلك من مكنونات الغيب، ولا يتكفّل بكشفه إلا المستقبل.
ولا بد لي في هذه اليوم من أترك القارئ في وديعة الله؛ لأنني سأزور بعض المتاحف والمكاتب والمطابع والمدارس، وليس له فائدة في اتِّباعي فيها أو في جرِّي إياه إليها، وفي غدٍ تكون المقابلة معه، إن شاء الله.

اليوم الرابع عشر (الخميس ?? أبريل سنة ????)


پاريس مثل سائر عواصم أوروبا ومدائنها الكبرى، لها في العادة حركة هائلة يذهل أمامها العقل ويحار فيها الفكر، فكيف بها في أيام المعرض العام. لا جرم أنها تستدعي زيادة الخفة ونهاية النشاط، فإذا أراد الماشي أن ينتقل من إحدى حافتي الطريق إلى الأخرى، أي من برزوق إلى آخر أو (بالتعبير المتعارف في مصر الآن) من تلتوار إلى تلتوار (كذا) وجب عليه الإسراع في العَدْو والوثب والقفز مع الاحتراس الشديد، والالتفات التام إلى الخلف وإلى الأمام واليمين والشمال؛ لئلا تصدمه العربات المتعددة الأنواع والأشكال، مما لا يدخل تحت حصر، ولا يضبطه إحصاء.
أما إذا كان يجري على طريقة الشرقيين في التماهُل والتكاسل والنفخة والفخفخة والعظمة والأُبَّهة، فالأفضل له في رأيي أن يريح ويستريح.
– وكيف ذلك وهو يريد أن ينعم نفسه برؤية عظمة پاريس، أو ينعم على پاريس برؤية عظمة نفسه؟
– إذا كان ولابد، فليكن دائمًا في عربة، مترفعًا عن العامة؛ ففي ذلك السلامة.
ولكن ورد في الحديث «الدين النصيحة»، ولذلك أشعر في سريرتي باهتزاز كرقاص الساعة يدفعني إلى تحذيره من ذلك كلَّ التحذير، فإنه إذا ركب العربة لأجل مسافة واحدة واجب عليه دفع فرنك ونصف، طالت المسافة أو قصرت، على شرط أن لا ينزل منها. فإن فعل، ثم عاودها حوسب على أجرة ساعة، وهي فرنكان بالتمام، ولو كانت مدة ركوبه لم تزد على خمس دقائق. هذا خلاف الحلوان أو الهبة أو … البقشيش (Pourboire) فإنه أمر مقدس يجب التفكر فيه قبل الأجرة القانونية، وهو بالأقل عبارة عن قرش صاغ (? صلدي) عن المسافة الواحدة ونصف فرنك أي ?? صلدي عن الساعة، وهذه هي التعريفة المعتادة. أما أيام المعرض فإنها تزيد بحسب هوى الحوذي فهو الخصم والحكم، ويا ويل من ركب عربة على غير اتفاق، فيقع بين يديه، وهو يجور عليه ولا يبالي، فلينظر صاحبنا مقدار ما يلزمه من النفقات في الركوب وحده، وأما بقية المصاريف في الأكل والشرب والنوم والمشتريات واللوازم وغير ذلك، فربما تكلّمت عنها في يوم آخر متى توفرت لدي المعلومات الكافية بعد التجربة المرّة، المَرَّة بعد المَرَّة، وأمري لله وإليه أنيب.

اليوم الخامس عشر (الجمعة ?? أبريل سنة ????)


انتقلت إلى الريف وهو عندي النعيم، فلستُ أرضى تكدير نفسي بالتحرير والتحبير، بل أتفرّغ للاستعداد للإقامة مدة شهر في تريل (Triel) وأنزل إلى پاريس عند شروق الشمس، وأعود منها عند الغروب.
اليوم السادس عشر (السبت ?? أبريل سنة ????)


توجهت إلى المعرض فإذا القوم في اهتمام زائد بإنجازه فعدت بعد أن دوَّنت بعض المعلومات مما أدَّخره لك في المستقبل، إن شاء الله ومن يعشْ يَرَه.

اليوم السابع عشر (الأحد ?? أبريل سنة ????)


هو يوم الراحة في بلاد الإفرنج، ولذلك قصدتُ بعض الخلوات والغابات على سبيل النزهة والرياضة. ونمتُ ليلتي في هناء وصفاء حتى تنفّس الصبح، فتيقَّظت على ألحان البلابل في الأشجار، فلله ما أحلاها وما أشجاها. وإن لم تصدِّقْني فتعالَ اسمع معي.

اليوم الثامن عشر (الاثنين ?? أبريل سنة ????)


ألم يَصدُق الأقدمون؟ نعم، إن العجلة معها الندامة، وأي ندامة بل أي شؤم تنفطر له القلوب وتذوب منه المرائر، أكثر من الحادثة القارعة والمصيبة الجامعة التي وقعت بالأمس في المعرض؟
انهدمت قنطرة أو ممشاة معلق في الهواء للتوصيل بين المعرض وبين القبة التي صنعوها تمثالًا وتقريبًا للسماء ذات البروج.
لا بد أن التلغراف طنّ ورنّ، وأَنَّ وَنَشَرَ الشجن والحزن في كل مسكن ووطن. منظر القنطرة بعد سقوطها.
في هذا الصباح دوى خبر هذا الحادث الأليم في كل الأرجاء، فتنبهت من نومي بين أشجان البلابل، وبلبال الشجون، وتغريد الطيور، وانهمار الدموع، وإشراق الشمس، وظهور اليأس على كل نفس.
فسألت عن الخبر، فعلمت بهذه الفاجعة. ويا لها من فاجعة! أقامت قيامة الأمة كلها على الحكومة، فأكثرت من تعنيفها ولومها على افتتاح المعرض قبل تمامه، مع أن الحادثة وقعت خارج دائرة المعرض، ولا ذنب فيها للقائمين بتنظيمه.
وتحرير الخبر أن الجماهير تقاطرت بالأمس بكثرة زائدة على المعرض؛ لكون أغلب الناس في فراغ من الأعمال في يوم الأحد، وكانت دائرة المعرض تموج بهم كأنها البحر الزاخر، فإنهم كانوا يعدون بمئات الألوف حتى بلغ عددهم ?????? نفسًا، وقد أقامت إحدى الشركات المالية قبة سماوية هائلة تمثل فيها الكواكب والنجوم والبروج بأكبر شكل وأبهى مثال، ولكنها خارجة عن دائرة المعرض، ولذلك طلبت الإذن بإقامة قنطرة هوائية ترتفع عن الأرض سبعة أمتار وتمتد على مسافة ??? (بثقل ??? كيلو عن كل متر مربع) حتى لا يضطر زائرو المعرض للخروج منه؛ لأجل الدخول فيها، ثم العودة إلى المعرض ودفع الأجرة مرتين.
وقد أتمت هذه الممشاة، لكن الحكومة لم ترضَ به، وظهر لها خلل فيه، وأوعز مهندسوها إلى الشركة المذكورة بتلافيه، ولذلك يحمد القوم هذه العناية الربانية، فلولاها لكان الخطر أكبر والمصيبة مضاعفة؛ إذ كان الناس يزدحمون عليها ازدحامًا فوق العادة، كما هو شأنهم في الإقبال على كل جديد، خصوصًا في پاريس، وعلى الأخص في المعرض، فكان عدد القتلى يعد حينئذ بالألوف من فوقها ومن تحتها. فالحمد لله الذي لطف بعباده في قضائه المحتوم.
فلما انتصفت الساعة الرابعة من النهار، انتشر صوت مريع بين الناس، وجهر الناعون على رؤوس الجماهير، بخبر هذه الفاجعة المحزنة، وإنها قضت على حياة الكثيرين وجرح فيها جمٌّ غفير، ثم جاءت الأنباء الرسمية مؤيدة بصحة هذا المعنى، فتبدّلت الأفراح وبكت العيون، وساد الحزن، وانفطرت القلوب، وهرع القوم إلى مكان الحادث ينتحبون ويبحثون على ذوي قرباهم ومودَّتهم.
كان هذا الممشاة مقامًا على دعائم من خشب، فلما تمَّ نزعوا الدعائم من تحته، فلم يلبث إلا أربع ساعات حتى انهار، فكان له قصيف يشبه هزيم الرعد، ودويّ المدافع، فتساقطت على المساكين المارّين، كُتل كبيرة من الأحجار والأخشاب والحبال المعدنية والقضبان الحديدية، فَعَلَا الصياح والصراخ إلى عنان السماء، حتى انفطرت القلوب وانشقت المرائر، وطلب الناس الفرار فترك الرجل زوجته، والأمُّ ابنَها، والأخ شقيقته، وكان كل إنسان يطلب النجاة لنفسه، وهو لا يصدق بها، ولذلك انتشر هول الفزع في دائرة كبيرة حول مكان الحادثة حتى تصور الناس أن النار أخذت في التهام المعرض بما فيه، وبمن فيه.
فبادر رجال المطافئ والعملة لإنقاذ الناس من الردم، فلاقوا المشاق التي لا توصف، وبادر الأطباء لإسعاف المجروحين والمحتضرين. وفي كل لحظة كانوا يسمعون الأنين والحنين والزفير والشهيق والحشرجة والكرير، فيرتفع العويل والنحيب بين الحاضرين، ثم استحضروا جميع الفعلة الذين يشتغلون في كافة أقسام المعرض، وشغلوهم طول الليل في إزالة الردم والبحث عن بقية القتلى والجرحى، ولا تسل عن إخلاص رجال الإنقاذ، وإلقائهم بأنفسهم في مهاوي الأخطار الأكيدة، والهلاك المحقق؛ لتخليص الأرواح والأشباح، حتى استوجبوا الثناء العام، كما هي عادتهم على الدوام، وأمروا بإبطال الزمور والطبول في تلك الليلة في المعرض، إشعارًا بالحداد العام، ثم حضر رجال النيابة والقضاء وشرعوا في التحقيق.
ثم أتى المحافظ وشاهد إخلاص بعض العملة في الإنقاذ، فنقد الفقراء منهم في الحال ??? فرنك لكل واحد، وحرَّر قائمة يطلب بها وسامات الامتياز لهم ولغيرهم.
وقد بلغ عدد القتلى ??، وأما الجرحى فكثيرون جدًّا، ذهب معظمهم إلى منازلهم، والذين بهم جراح جسيمة نقلتهم الحكومة إلى المستشفى، بعد أن أسعفهم الأطباء بالعلاجات المستعجلة في مكان قريب من ميدان الحادثة.
هذه هي خلاصة ما سمعته ممن رأوا الحادثة، وشاهدوا أعمال الإنقاذ، فعساها لا تتجدد، والحمد لله الذي جعلني أفضّل في يوم الأحد الماضي النزهة في الخلوات والرياضة في الغابات! ولو كنت أوتيت العلم بحصولها، لحضرت إلى مشهد الواقعة ووقفت بعيدًا عنها حتى أذكر للقراء ما تأثرت به الباصرة والبصيرة، أو كنت أخبرت القوم بالاحتياط والاحتفاظ، ولو أنهم ما كانوا يسمعون قولي، ولا ينفعهم نصحي، ولكن كنت أتسلّى بقول من قال: «إن المحب عن العذَّال في صممِ.»

اليوم التاسع عشر (الثلاثاء أول مايو سنة ????)


تجددت بالمعرض حادثة أخرى، مثل التي وقعت بالأمس، وهي من حسن الحظ أخفّ وطأة وأقلّ ضررًا، ولكنها فتكت بأربعة من الفعلة النقاشين؛ مات اثنان منهم والآخران على آخر رمق، ومن سوء الحظ أيضًا أن أحد العملة المصريين أصيب أثناء اشتغاله بالقسم المصري وقد نقلوه إلى المستشفى وهو في حالة الخطر. ولما كان هذا اليوم رأس السنة الهجرية، وهو عيد عام عند أهل الإسلام، رأيت مشاركة أهل ديني في الراحة والرياضة، خصوصًا وأن الحرّ شديد لا يطاق بدرجة لا يتصورها المتمتعون بهواء القاهرة، فليقبل القراء هذا العذر الواضح المزدوج، فإنهم كرام.

اليوم المتمم للعشرين (الأربعاء ? مايو سنة ????)


في مساء هذا اليوم يقوم البريد من پاريس إلى مارسيليا ومنها إلى الإسكندرية، وقد وردتني في الساعة الثالثة بعد الظهر، رسائل وكتب من مصر، فأجبت أصحابها، بعد أن اشتغلت طول الصباح بتجهيز هذه الرسائل على عجل: ولكن الحر لا يزال شديدًا لا يطاق، بل هو آخذ في الازدياد، فكيف يكون الحال في أغسطس؟ وقانا الله وإياك، آمين!

اليوم الحادي والعشرون (الخميس ? مايو سنة ????)


الكمال لله وحده! فهذا المعرض قد فتحوه رسميًّا، ودعوا إليه كافة الأمم والشعوب، ولكن شتان بين الرسمي والواقعي، فإنه لا يزال للآن غير مستوفى، وأينما سار الإنسان فيه وجد في طريقه آلافًا وأصنافًا من الفعلة والعمال، وكلهم مجدٌّ في إنجاز عمله وإبداعه على أبدع مثال، وإني أنصح القراء الذين يستطيعون سبيلًا إلى هذا الحج المدني المختلط أن يتربصوا قليلًا بل طويلًا، حتى يستكمل المعرض معدّاته، ويبرز للعيون في أكمل حالاته.
ولقد طُفْتُه مرارًا عديدة، لترتسم صورته العمومية في مخيّلتي، ولكن كان يحول دون المرام، وجود السقائل والأخشاب، وارتفاع الغبار والتراب، وانسداد الطريق المستقيم، وانحجاب أغلب المعروضات عن العين، فكنت بعد التَّعَب والنَّصَب، أؤوب بصفقة المغبون وأقول: إن غدًا لناظره قريب.

اليوم الثاني والعشرون (الجمعة ? مايو سنة ????)


ربما شكر القراء سعيي في هذا اليوم لجمع شذرات تاريخية على المعارض بوجه عام، فتكون بمثابة التمهيد لما تتوق إليه نفسي من التوصل لإحاطتهم علمًا بتفاصيل هذا المعرض العام، الذي ربما لا يتجدد نظيره ولا بعد مائة عام، وبه سيكون حُسن الختام في هذا القرن التاسع عشر من الميلاد.
انتقل الإنسان في أوائل التاريخ من طور البداوة والبساطة إلى مبادئ الحضارة والاجتماع. ثم أخذ يرتقي قليلًا قليلًا، حتى ملك عنان الطبيعة بأسرها، وأصبح سلطانَ الوجود يتصرف فيه وبه كما وكيف يشاء، ويستخدم قواه الظاهرة والكامنة لقضاء أغراضه المتجددة المتوالية اللامتناهية إلى أن وصل هذا المخلوق الضعيف إلى درجة جعل فيها المستحيل من أقرب الممكنات. فهذه عيوننا ترى وآذاننا تسمع! أليست متولّدات الليالي والأيام، لا تكاد تخطر على الخيال، ولا تدخل في دائرة الأوهام؟
لعمري! لا أدري متى يقف هذا التيار؟ ولا إلى أيّ حد يصل الإنسان، وها هو قد فاق آلهة الأقدمين، في الإيجاد والاختراع، وإظهار الخوارق والمعجزات، وإن هذا لشيء عجاب.
•••

اشتغل الإنسان في أول أمره بالفلاحة، فاضطرته إلى الصناعة، ثم دخل في غمار التجارة، وفي أثناء ذلك تقدم في أنواع المعارف. ثم اشتبكت معاملاته، وكثرت حاجاته، فاستخدم معلومه ومعقوله في سبيل التقدم والارتقاء، فقامت حينئذ أسواق التجارة، وكانت ولا تزال المحور الذي يدور عليه دولاب المدنية والحضارة.
ثم أشرك المعقول بالمصنوع.
فكان أبو التاريخ هيرودوت يتلو كتابه على قومه اليونانيين، وهم مجتمعون في الأسواق يتعاطون البيع والشراء، فأعجبتهم رواياته عن أسفاره في مشارق الأرض ومغاربها، وراقتهم أخباره عن الأمم الغريبة وأحوالها، فكانوا يجودون عليه ببعض ما كسبوا، حتى أصبح وله من قراءة التاريخ في الأسواق ثروة هائلة طائلة، يحسده عليها أكبر الآخذين بأسباب الأخذ والعطاء.
وهكذا كان الشأن عند جميع الأمم القديمة حتى وصل الدور إلى العرب. فكانت عكاظ مجتمعهم الأكبر في الجاهلية، والمربد في الإسلام، وهما سوقان عظيمتان، كان القوم يشتغلون فيهما بالبيع والشراء، والمناظرة والمفاخرة، وإنشاد الأشعار، وإظهار البراعة والإعجاز في سائر أنواع المعقول والمفهوم، وكان لهم في ذلك نظام بديع وترتيب عجيب، لا محل لذكره في هذا المقام.
وأنت خبير بأن السواد الأعظم من الذين رفعوا منار العرب والعربية، ووضعوا قواعد الفخر الباقي لهذه الأمة المجيدة، كانوا من أهل السياحة والتجارة، ولست في حاجة أيضًا لزيادة الإطناب في هذا الباب.
استمرَّ الحال على هذا المنوال عند أمم الشرق القديم والحديث، حتى دالت الأمور لأوروبا، وصارت السيطرة لأهلها والثروة في يد أبنائها، فحفظوا هذا التراث المجيد، الذي انتقل إليهم أو اغتصبوه، وأخذوا في إنمائه، حتى بلغوا ما بلغوا، والله بالغ أمره!
والظاهر أن أول معرض يصح وصفه بالصناعي حقيقة هو الذي أقيم بمدينة پراج (Prague) عاصمة بوهيميا في سنة ????، فكان من ورائه مكسب عظيم، وربح عميم للقائمين به والمشتركين فيه، فدبت الغيرة في أهل پاريس؛ فأقاموا في أيام حكومة المشيخة (Le Directoire) معرضًا في سنة ????. واحتفلوا بافتتاحه احتفالًا شائقًا. وكان عدد العارضين فيه ??? من أهل التجارة والصناعة والمعارف، فذاقت الأمة لذة المعارض، وعرفت فائدتها، فأقبلت عليها إقبال الجياع على القصاع. وهذا شأن الأمة الفرنساوية في كل جديد ومستظرف. ولكن الإنكليز فاقوا الأمم الأوروباوية التي تقدمتهم في هذا السبيل، فإنهم أخذوا النظرية عنهم، ولكن سبقوهم بمراحل في العمل والتطبيق، واجتناء الثمرات المادية أولًا والمعنوية ثانيًا، فقد أقاموا في سنة ???? أول معرض عمومي اشتركت فيه الأمم كلها. أنشأوا لهذا الغرض الدار الرحيبة المعروفة إلى الآن بقصر البلور، وكانت مساحة هذا القصر وملحقاته عبارة عن ????? مترًا مربعًا، وقد أثبت الإنكليز للعالم أجمع، فائدة المعارض العامة، حيث يتلاقى فيها أهل الأبحاث والأشغال والملاهي، فترتبط الأمم ببعضها، وتزيد المناظرة بين أفرادها، فيتقدم المجموع، ويرتقي الإنسان.
ولم تنشط أمة من أوروبا لتقليد الإنكليز في هذا العمل العظيم، خوفًا من مسابقة الأجانب لأبنائها ونَيْل قَصَب السَّبْق عليهم، مع أن نجاح معرض البلور كان ظاهرًا للعيان، ولا ظهور الشمس في رائعة النهار، فقد بلغ عدد زائريه ??????? من النفوس، والشركة التي أقامته ربحت ما يزيد على ?????? جنيهًا مصريًّا.
فلما رأى الإنكليز هذا السكون من أوروبا وأهلها، أقاموا معرضًا عامًّا ثانيًا في دوبلين حاضرة أيرلندة؛ ونجحوا أيضًا نجاحًا عظيمًا دعا الأمم الأخرى للاقتداء بهم، ولكن كان السبق في هذا المضمار لأمريكا، فإنها أقامت معرضًا عامًّا بمدينة نيويورك كان له دوي عظيم في الخافقين، ثم تنبهت أوروبا القديمة من سُباتها، فأقامت معرضًا عامًّا بمدينة موينخ عاصمة با?اريا بألمانيا.
وحينئذٍ هبت فرنسا أيضًا من رقدتها، ودخلت في غمار هذه الحركة الجليلة، فأقامت معرضًا عامًّا في سنة ????. وقد قامت شركة تجارية بإنشاء القصر المعروف بقصر الصناعة في ميدان شان دومارس (أي ميدان إله الحرب). وكانت مساحة هذا القصر وحده ????? متر مربع، وأما مسطح المعرض كله فكان ?????? متر مربع. ولكن الشركة لم تربح مثل أختها بلوندرة، وبقي هذا القصر كلًّا عليها حتى رأفت الدولة الفرنساوية بحالها؛ فاشترته منها لإقامة المعارض الأهلية السنوية فيه، وبقي كذلك حتى هدموه منذ بضعة أعوام، واستبدلوه بقصرين فاخرين هما المعروفان بالقصر الكبير والقصر الصغير، وسنأتي على وصفهما بالتفصيل.
ثم أقامت لوندرة معرضًا عامًّا ثانيًا في سنة ???? في قصر كنسنتون (Kensington Park) وهذا القصر هو الآن عبارة عن متحف جميل في عاصمة الإنكليز، وقد وصفته في رسائل «السفر إلى المؤتمر» فتابعتها پاريس في سنة ????، وكانت مساحة المعرض عبارة عن ?????? متر مربع. ثم تفنن الإنكليز حتى يكون لهم السبق في الإبداع والاختراع فابتدؤا في سنة ???? في عمل سلسلة معارض عمومية سنوية، بحيث يكون كل واحد منها خاصًّا بنوع واحد أو بطائفة معينة من الأعمال والمعروضات، ولكن النتيجة المالية التي يسعون دائمًا وراءها لم تأت وفق الحساب. فرأوا من الصواب العدول عن إكمال السلسلة بعد أربع سنوات، وقد رأوا من الأوفق لصالحهم أن يجيبوا الدعوة إلى المعارض العمومية الأخرى، ولا يقيموها في بلادهم، فتوفرت عليهم كثير من المغارم، وعاد عليهم هذا الأسلوب الجديد بكثير من المغانم.
وفي سنة ???? أقامت ويانة عاصمة النمسا معرضًا عامًّا، كان لقسم التربية والتعليم النصيب الأكبر فيه. ثم دخلت أمريكا في الميدان وأقامت معرضًا عامًّا بمدينة فيلادلفيا سنة ????. فلما كانت سنة ???? أقامت فرنسا معرضًا عامًّا كبيرًا، وبقي منه إلى الآن قصر التروكاديرو الجميل، وقد وصفته بالإيجاز في رسائل «السفر إلى المؤتمر»، وبلغ عدد زائريه أكثر من ?? مليونًا من النفوس، ومع هذا النجاح الباهر كانت نتيجته خسارة على الحكومة وعلى بلدية پاريس، وبلغ مقدارها ?? مليون فرنك.
ووصل التيار إلى أوستراليا؛ فأقامت في مدينة سدني (Sidney) سنة ????، وفي مدينة ملبورن (Melbourne) معرضين عامّيْن، ثم عادت المياه إلى مجاريها في أوروبا، فأقيم معرض عام بأمستردام بهولاندة (سنة ????) ثم في ان?رس ببلجيكا (????) ثم في برشلونة بأسبانيا وفي بروسل ببلجيكا (سنة ????) حتى كانت سنة ???? فأقامت فرنسا معرضها الأكبر، ولا يزال الناس يذكرونه للآن. وأكبر أثر بقي منه في عاصمة الفرنسيس برج إيفل الذي لا يزال يشرف على المدينة، وعلى معرضها الحاضر. ثم جاء الدور لبلاد الروسيا، فأقامت في مدينة موسكو سنة ???? معرضًا روسيًّا فرنساويًّا، ثم أقامت شيكاغو بأمريكا سوق العالم في سنة ????، وقد بلغ مسطحه ??????? مترًا مربعًا، أي أن مسطحه يزيد كثيرًا عن ضعف مسطح معرض پاريس سنة ????، ولكن هذا المعرض الحاضر، يزيد على الذي تقدمه بكثير من الغرائب والعجائب، كما يمتاز بجودة الإبداع وسلامة الاختراع.

اليوم الثالث والعشرون (السبت ? مايو سنة ????)


هذا اليوم قضيته في جمع معلومات إجمالية عن المعرض، وهي لازمة لمن يريد — وهو بعيد — أن تنجلي أمام بصيرته، هذه المظاهر الأنيقة، وهذا النظام البديع.
المعرض يشغل مساحة عظيمة قدرها ??? هيكتارات أي ??????? مترًا مربعًا? منها ?????? مترًا مربعًا أقيمت عليها المباني الفاخرة، والعمائر المتناهية في الجمال. عدد أبوابه ??، وأكبرها البوابة الأثرية الفخيمة (Porte Monumentale) الموجودة بقرب ميدان الائتلاف (Place de la Concorde). وقد وصفت هذا الميدان في رسائل «السفر إلى المؤتمر»، وسأصف هذا الباب الفخيم فيما يلي بالتفصيل الكافي، مع وضع رسومه الباهية الباهرة ومناراته الشائقة الشاهقة، حتى يتخيّله القراء كما أراه، في أجلى مظاهره، وأبدع مشاهده. بداخل المعرض زيادة عن ?? مطعمًا (لوكاندة) كبيرًا، غير القهاوي والبارات ودكاكين المشروبات، فإنها لا تكاد تحصى، وفيها يتناول الإنسان بعض المأكولات، وذلك خلاف الكشكات الكثيرة التي في قسم المواد الغذائية حيث يباع النبيذ والجعة وشراب التفاح.
وفيه عدد عظيم من المصارف (البنوكة): منها مما هو في بعض الأقسام الأجنبية، ومنها هو مقام في كشكات جميلة حول برج إيفل، وكلها تشتغل بكافة العمليات المالية.
وقد أقاموا فيه كثيرًا من المستشفيات الوقتية؛ للقيام بلوازم الخدمة الطبية المستعجلة، خلاف محال الإسعاف الموجودة بقره قولات البوليس.
أما نظام الضبط والربط، فيقوم به جنود متنوعة هذا بيانها: أولًا: ??? فارس حول الأبواب، ??? داخل حومة المعرض (من الحرس الجمهوري).
ثانيًا: ?? مفتشًا من الضباط انتدبتهم مصلحة الضبط والربط لهذا الغرض.
ثالثًا: ???? حارس في الأقسام المتنوعة، تحت أوامر المفتشين المذكورين.
رابعًا: ?? فرقة من جنود المستحفظين تحت رئاسة ?? أونباشي فوقهم ? من المفتشين.
والكل تحت أوامر ? من ضباط الأمن العام.
وزيادة على ذلك توجد علامات (سمافورات) موضوعة على أبعاد معلومة؛ لاستخدامها في إخطار رجال الحفظ ورؤساء الأمن العام، بأية حادثة أو حريقة تحصل من غير أدنى تأخير؛ ولتنبيههم أيضًا على شدة الازدحام في بعض الجهات والطرقات، حتى يتخذوا الاحتياطات اللازمة؛ لتسهيل المرور، ومنع الحوادث والأخطار.
وفوق هذا كله، قد وضعوا في داخل حومة المعرض وحوله رجالًا من العسس يركبون الدراجات. فيدورون بالليل بصفة «طوف»، ويسارعون إلى طلب النجدة والمعونة عند الحاجة.
وبما أن المعرض قائم على حافتي نهر السين، فلملافاة الأخطار التي ربما تحدث في النهر، جعلوا فرقة من جنود السباحة مخصّصة؛ لخفر الماء، ومراقبة الحوادث فيه، ولهم لباس خفيف بشكل ممتاز؛ فيسارعون لإنقاذ الغرقى عند أقل إشارة. الكمرك والدخول في المعرض: اعتبروا المعرض كمينًا حرة لا تجري فيها أحكام الرسوم، وذلك لتسهيل الورود إليه وزيادة الإقبال عليه. ولكن إذا خرجت البضاعة منه، وجب على صاحبها «المشتري» دفع الرسوم كما هي مقررة في الاتفاقيات الكمركية بين فرنسا والدولة التي خرجت البضاعة من معرضها.
البوسطة والتلغراف والتلفون: يوجد في حومة المعرض وملحقاته، تسعة مكاتب مستوفاة، تتعاطى كافة أعمال البريد والتلغراف والتلفون. ولكن الأمريكان أرادوا أن يمتازوا في كل شيء بكل شيء، فجعلوا الإذن بإدارة أعمال البريد في قسمهم بواسطة عمال من بني وطنهم، لزيادة التسهيل في أعمالهم. ولكن إدارة المكتب على حساب مصلحة البوسطة الفرنساوية. وخلاف ذلك يوجد في المعرض ?? علبة توضع فيها الرسائل والمكاتبات، ويأتي سعاة البوسطة في ساعات معينة لنقلها.أما التلغراف: فله مكتب واحد في الدور الثالث من برج إيفل، وفي كل دور من أدوار هذا البرج توجد غرفة تلفونية مخصصة لخدمة الجمهور. ويوجد في مساحة المعرض ?? غرفة تلفونية، لا ينقطع الزحام منها؛ لكثرة المخابرة بها في نفس المعرض أو بينه وبين پاريس، أو بينه وبين العواصم الكبرى المرتبطة بأسلاك التلفون بعاصمة فرنسا.
وسائط الانتقال بداخل المعرض: سقائل متحركة، يبلغ عددها ?? والرصيف المتحرك، والسكة الحديدية الكهربائية التي يسير القطار عليها مرة واحدة في كل دقيقتين، وسنشرحها بالتفصيل عند استخدامنا لها.
? لكي يقف القارئ على جسامة المعرض الحالي أُورِدُ له مسطحات المعارض السابقة في پاريس ليتمكن من المقارنة. سنة ????: ?????? متر مربع منها ?????? مشغولة بالمباني.
سنة ????: ?????? متر مربع منها ?????? مشغولة بالمباني.
سنة ????: ?????? متر مربع منها ?????? مشغولة بالمباني.
سنة ????: ?????? متر مربع منها ?????? مشغولة بالمباني.

المدة من ? إلى ?? مايو


هذه أربعة عشر يومًا، لا تشبه أيام السعادة التي أشار إليها الخليفة الأندلسي عبد الرحمن الأكبر.? لما تحققت بأن المعرض لم يتم للآن، رأيت أن الأفضل تأجيل الكتابة عليه حتى يتم جلاؤه وانجلاء العَمَلة عنه، وحينئذ يتجلى للناظر بأبدع شكل وأجمل نظام، ويكون للكاتب حينئذ مجال وأيّ مجال، فيتمكن من «تمثيل الحس، وانفعال النفس؛ إذ الباصرة تمقل، والخيال ينقل، والمفكرة تخبر، والضمير يملي ما يسبر».? ولذلك عقدت النية على الاستفادة من هذه المدة بالرياضة في بعض المدائن الخلوية في إقليم من الشمال وأخرى من الجنوب، وخصوصًا في الصقع الجليل المعروف باسم «هضبة الذهب» (Cote d’Or) ولقد لقيت في أهله من اللطف والإيناس، وإكرام الغريب، والإقبال عليه والحفاوة بشأنه، ما كاد ينسيني پاريس ومعرضها العام، ولكنني لا أنسى فضل عائلة بتي چان (Petitjean) الكريمة، فلها مني على هذه الصفحات أجمل الشكر وأكبر امتنان. وبما أن هذه الرسائل مخصصة للمعرض العام فلا وجه لوصف ما لاقيتُه أثناء هذه السفرة الصغيرة اللطيفة.
? وقد نقلتها عن الفرنساوية في كراسة صغيرة طبعت منذ أعوام.? عن مقدمة السفر إلى المؤتمر.
اليوم الرابع والعشرون (الاثنين ?? مايو سنة ????)


رجعت إلى باريس.
وأول شيء توجهتُ إليه هو المعرض. بالطبع! وإني أحمد الله إذ وجدته الآن قد قارب الكمال، وإن كانت الاحتفالات لا تزال تتوالى فيه بمناسبة افتتاح هذا القسم أو ذلك السرادق أو غيرهما من المعروضات.
وهل أنا في حاجة لتنبيه القارئ اللبيب إلى أنني أكتب هذه الرسائل بصفة سائح صادق يسطّر ما يرى ويخبر بما يشعر. لا دخل له في الدين ولا السياسة، ولا يد له في الأميال الخصوصية أو العمومية، إن رأى حسنة سجلها وبالغ في إظهارها والتنبيه إليها، حتى يترتب عليها في بلاده الأثر المحمود، وينتج عنها الغرض المطلوب، وإذا مرَّ على سيئة تشبَّه بالكرام فأغضى عنها وأغفل ذكرها، فإذا أشار إليها فإنما يكون بطرف خفي، وبعبارة قصيرة عسى أن يكون من ورائها مُزْدَجَر.
فدعني الآن أدخل هذا الميدان بالترتيب والانتظام، وسِرْ خلفي بسكينة وسلام حتى أمثل لباصرتك وبصيرتك هذا المعرض العام. الموسيو ألفريد بيكار مدير عموم المعرض.
منظر عموم المعرض

كل مصري يفارق معاهده في بلاده، يندهش من رؤية المدائن في أوروبا؛ إذ يرى المنازل مبعثرة على سطوح الأكام وسفوح الجبال، وهي متناثرة بغير انتظام — تقريبًا — بين الصخور والزروع، وكلها في صعود وهبوط. وقد راعني هذا المنظر حينما قدمت إلى أوروبا في المرة الأولى، وخصوصًا عند زيارتي سويسرا في المرة الثانية (سنة ????) حتى كاشفت بعض العارفين بهذا الاندهاش، فروى لي أسطورة لطيفة أوردها للقراء الآن، لوجه الشبه وتمام الارتباط: صعد أبو مرة (إبليس اللعين) في بعض الأيام على جبل عالٍ، وكان يحمل زكيبة كبيرة أودع فيها منازل كثيرة، ودورًا متعددة. فبينما هو في الطريق انخرقت الزكيبة من نقل المباني التي فيها، والشيطان لا يدري، فصارت المنازل تتناثر منها وتتساقط في الطريق خلفه، حتى وصل إلى قمة الجبل، فاستشعر هنالك بما حصل فداخله غيظ شديد، فألقى بالزكيبة وبما فيها من المنزل فاستقرت في مكانها إلى الآن.
على هذا المثال أقيمت مدينة لوزان (Lausanne) وسائر الأمصار في سويسرا وفي أغلب البقاع بأوروبا. والظاهر أن الطاغوت الخناس قد لحقته الغيرة، ودبت في قلبه عقارب الحسد من رؤية الدنيا في بهرجتها الفائقة، والعالم في جماله الرائع، فذهب إلى كل بقعة في الأرض، واختار أطيبها وأحلاها، ووضع هذه الطرائف والظرائف، وتلك الغرائب والعجائب في زكيبة هائلة سار بها إلى حيث لا أدري، حتى إذا وصل إلى پاريس، تقطعت أوصال الزكيبة، وتلاشت خيوطها كلها مرة واحدة: فتساقطت منها عجائب الدنيا، واجتمعت كلها في صعيد واحد. نعم، فإن الناظر إلى هذا المعرض يندهش وينذهل — ويحق له الاندهاش والانذهال — من مجموع هذا العمل واتساع نطاقه، ومن كثرة هاتيك العمائر وتنوّع أساليبها وطرازاتها. فقد اشتغلت فيه أمم الأرض كلها، وجمعوا تحائفهم وعجائبهم في هذه القصور الفخيمة، وتلك الجواسق التي تتجلى أمام العيون كأجمل ما يكون. وقد تسابقت الشعوب في إظهار مقدرتها وعظمتها، فقامت بينها الحرب العوان، ولكنها حرب أمان وسلام؛ إذ هي حرب التقدم والارتقاء.
وكأنما طافَ على هذه البقعة في پاريس طائف من السعالي أو مردة الجان، أو ملك من الملائكة الكرام، فضرب الأرض بأقدامه؛ فخرجت منها هذه المدينة المسحورة فتنة للعقول وعجبًا للأبصار؛ بل هي مدائن عجيبة أبرزها الإنسان الذي فاقت أعماله الآن خرافات أهل الطلاسم والأرصاد. كل واحدة تختال في أبهى حلل الجمال، وتمثل لنا عجائب خاصة بها، منفردة فيها مجتمعة بداخلها. وقد اجتهد أهل كل قرية في مجاراة الجيران، وإحراز قصب السبق في هذا المضمار، فأبدعوا وأغربوا في إنشاء العمائر وإقامة الآثار، ورفع العمدان ونحت الأنصاب، وزخرفة النقوش بباهي الأصباغ، وتزويق الجدران، بما لا يكاد يخطر على البال، كل ذلك مع العناية التامة بتنسيق الأزهار والأشجار، والإكثار من الرياحين في البساتين؛ ليجعلوها قرة للناظرين.
أول مرة قصدتُ المعرض، يَمّمت شطر الجهة التي فيها القسم المصري بالطبع.
فدخلت من باب التروكاديرو، وسرت في المعرض حتى وقفت على قنطرة يانا (Pont d’Iéna) فوق نهر السين، فانجلى لي منظر يفتن العقول، ويخلب الألباب، ويقضي بالعجب العجاب. رأيت الميدان المعروف باسم شان دمارس (Champ de Mars) أي ميدان إله الحرب، وفي وسطه برج إيفل المشهور. وهذا البرج هو الأثر الباقي مع رواق الآلات، من معرض پاريس السابق (سنة ????)، وهو يشرف على المعرض كله، بل على پاريس بكافة أرجائها، بل يراه الإنسان على بعد ساعات عديدة منها، وقد ألبسوه ثوبًا جديدًا من الأصباغ الزاهية، فأصبح قرة للعيون والألباب، ويراه الإنسان وهو بعيد عنه كأنه قريب منه، يكاد يلمسه بيده، ولكن أين الثريا من يد المتناول. وكلما اقترب منه بعد عنه، حتى يقف تحته ضئيلًا لا يكاد يذكر. ومن وراء هذا البرج قصر الماء، وعلى يمينه سراي الصنائع الكيماوية، وعلى يساره سراي الميكانيكا، وخلفه سراي الكهرباء، وعلى يمينها ويسارها سرادقات وجواسق عرضت فيها الأمم الأجنبية «القزانات» والمراجل وكل ما يتعلق بالوقود. وخلف هذه السراي بهو المهرجانات والاحتفالات الرسمية، وعلى يمين البهو ويساره، معروضات الأجانب في الزراعة والمواد الغذائية.
ويرى الإنسان على يمين البرج ويساره سلسلتين من العمائر الفخيمة والآثار الجليلة، وكلها تقضي بالدهشة والإعجاب.
فعن اليمين: قصر المرآة، قصر جمهورية الأكواتور (خط الاستواء) بأمريكا قصر التيرول. سراي مراكش، سراي التعليم، سراي الآداب والعلوم والفنون، سراي الهندسة الملكية ووسائط الانتقال في البر والبحر والهواء، وخلفها (خارجًا عن حومة المعرض) الملحق المقام في جهة ?نسن (Vincenne) ومسطحه ??? هيكتارًا أي ??????? متر مربع لعرض أدوات السكك الحديدية والترامواي والدراجات المعتادة والمتحركة بنفسها والآلات المولدة للحركة والآلات الزراعية والألعاب الرياضية على اختلاف أنواعها. وعن اليسار: قصر الأمومة (أي الأعمال الخاصة بالأمهات)، قصر مملكة صيام، قصر العجلات والدرَّاجات المتحركة بنفسها، قصر كلوب الألپ، سراي الأزياء في الملبوسات، قصر جمهورية سان مارين، قصر المناجم والمعادن، قصر الخيوط والمنسوجات والأثواب. منظر عموم المعرض في ميدان شان دومارس مأخوذًا من جهة التروكاديرو.
وهذا خلاف العدد الكثير من الملاهي والمتفرجات، والتياترات التي لا تكاد تُحصى مثل البندقية في پاريس، سراي البصريات، مناظر البر، مناظر البحر، الطواف حول العالم، الجوسق السويسري، القصر المتلألئ بالأنوار وغير ذلك، ويرى في هذه الجهة «القبة السماوية» خارجة عن دائرة المعرض، وقد اشتهرت بانهيار قنطرتها المعلقة المشؤومة.
ويرى في نهاية الأفق وخارجًا عن حومة المعرض: تلك الأرجوحة الهائلة التي يسمونها «عجلة پاريس الكبرى»، ثم القرية المنقولة من بلاد سويسرا.
وبعد أن أمتعتُ النظر، وأطلت التفكير في هذه المشاهد التفتُّ خلفي.
رأيت منظرًا لا يقل عن السابق في البهاء والرواء والأخذ بالألباب، وإن كان يخالف في الأشكال والطرازات والأنواع.
رأيت قصر التروكاديرو في أجمل صورة وأبدع مثال، يحف به من اليمين واليسار، سلسلتان من العمائر والمباني، وكلها تخالف بعضها مخالفة تامة من حيث الهيئة والشكل والترتيب؛ لأنها عبارة عن دُورٍ متنوعة أقامتها أمم متعددة، قد دخلت من عهد قريب في ميدان الحضارة الحاضرة.
في هذا القسم مناظر يرتاح لها الخاطر، وفيه ما يدل على ابتداء مفارقة البداوة، وفيه ما يدل على حالة البقاء في طور السذاجة والبساطة؛ لأن هذه البقعة مخصَّصَة للمستعمرات وبعض الأمم الأجنبية الثانوية.
فالقسم الذي على اليسار مخصَّص للمستعمرات الفرنساوية، مثل الجزائر وتونس والسودان الفرنساوي والكونغو والسنكال والدهمي وساحل العاج والهند الصينية وغيرها، وفي هذا القسم ملاهٍ وملاعب وتياترات ومتفرّجات متعددة، مثل: الأندلس في أيام العرب، وتياترو القمبوج، والديوراما وغير ذلك.
وأما القسم الذي على اليمين ففيه معروضات المستعمرات التي تمتلكها بقية دول أوربا، مثل: المعروضات الإنكليزية والهولاندية والروسية والبرتغالية وغيرها، وفي هذه البقعة أيضًا سراي الترانس?ال أمام المستعمرات الإنكليزية وسراي الصين. منظر عموم المعروض في جهة التروكاديرو مأخوذًا من ميدان شان دومارس.
منظر آخر لعموم المعرض في جهة التروكاديرو مأخوذًا من ميدان شان دومارس.
وفي النهاية، حسن الختام؛ إذ يرى الناظر درة بديعة تزدان بها هذه البقعة، وهي محطّ الرِّحال وكعبة الزُّوَّار.
– أتدري ما هي هذه الدرة الجميلة الثمينة؟
– أظنك تشير بها إلى القسم المصري، فهذا الوصف لا يكاد يصدُق إلا عليه.
– نعم، «فهذا هو الرأي الصواب، والأمر الذي لا يعاب» إن شاء الله.
أقول الحق؛ إنني وقفت نحو ساعة كاملة فوق قنظرة يانا، وأنا أنظر إلى الأمام ثم إلى الخلف. وبعدها أحيل الطرف إلى اليمين ثم إلى اليسار، ثم أعيد الكَرَّة فأجد المكرّر أحلى، وبقيت هكذا باهتًا ساكتًا متحركًا ساكنًا، دائرًا واقفًا، حتى تولَّاني التعب وأنا لا أدري لمن أمنح إكليل الجمال، ولا على من أنعم بتاج الفخار، ولا لمن أحكم بقصبات السبق في هذا المضمار، وفي آخر الأمر أرحت نفسي، وقلت: الحكم لله الواحد القهار.

اليوم الخامس والعشرون (الثلاثاء ?? مايو سنة ????)


أردت أن أنظر عموم المعرض في هذا اليوم من جهة أخرى، فدخلت باب الشانزليزي، فرأيت منظرًا بديعًا جديدًا، يوجب على الكاتب الإقرار بالعجز، يجعل المنشئ ينثني عن الوصف، فلهذه الأسباب حكمت المخيِّلة على اليَرَاع بالإمساك في هذا المجال، والعدل عن المجرى في هذا الميدان — الآن — فقابلت القضا بالرضا، ولكنني أردت أن لا يفوت القراء بعض ما نالني من الإعجاب، فها أنا أتحفهم في الصحيفة التالية، بصورة تمثل لهم على قدر الإمكان، بعض ما رأيته بالعيان، وهو والحق يقال: فوق الوصف والبيان.
ثم تمشيت حتى وصلتُ إلى قنطرة إسكندر الثالث، وهي آية (من) آيات البناء في الإبداع والإعجاز، وقد وقفت عليها أتأمل في عجائبها وغرائبها، وصروحها المتطالة، وبروجها المتعالية، وما ازدانت به من الأنصاب والنقوش، وكان منتهى عجبي عقدها الوحيد الفريد: فإنها قائمة على عين (بوابة) واحدة تدل على اقتدار الصانع ومهارته في جرأته، وقفت في وسط القنطرة متوجهًا نحو الغرب، فرأيت على جانبي النهر عجائب وغرائب لا تدخل تحت حصر. منظر عموم المعرض أمام الواقف في شارع نقولا الثاني مأخوذًا من باب الشانزليزي.
منظر عموم المعرض أمام الواقف في شارع نقولا الثاني (مأخوذًا من باب الشانزليزي)

الصف الأول: القصر الكبير (على اليمين) القصر الصغير (على اليسار) شارع نقولا الثاني. البساتين.
الصف الثاني: أي بين القصرين: صروح قنطرة إسكندر الثالث، منظر إجمالي لساحة الأنواليد.
فعن اليسار: قصور الدول الأجنبية بارزة رؤوسها في الفضاء وتكاد تتواصل مع السماء، بأبدع شكل وأجمل مثال، وقد أطلقوا على هذه الجهة اسمًا ينطبق عليها تمام الانطباق، وهو: «شارع الأمم» إذ تتوالى فيه القصور التي يقصر عنها الوصف ويحار فيها الطرف، فهذه الجهة فريدة في بابها؛ بل هي كجوهرة تتألق بالأنوار في وسط هذا المعرض الذي كله جمال في جمال. نعم، فهذا الشارع قد امتاز بغرابة المباني المتعددة الأشكال، المتنوعة الأصناف، مما انفردت به كل أمة من الأمم الراقية في معراج الحضارة، البالغة من المدنية أعلى مقام، وهي تتقاطر وراء بعضها على هذا الترتيب: إيطاليا، الدولة العليّة، الولايات المتحدة بأمريكا، أوستريا (النمسا)، البوسنة والهرسك، هنكاريا (المجر) بريطانيا العظمى، بلجيكا، النرويج، ألمانيا، أسبانيا، موناكو، السويد، اليونان، الصرب.
وخلف هذه القصور صفّ آخر فيه عمائر أقامتها بقية الأمم المشتركة في المعرض، وهي: الدانيميرك، البرتقال، الپيرو (بأمريكا)، إيران، لوكسمبرج، فينلندة (بالروسيا)، بلغاريا، رومانيا.
وعن اليمين: معرض الأزهار والأشجار (أمام القنطرة وخلفها، أي أنه يمتدّ على شاطئ النهر من ابتداء البوابة الأثرية حتى ينتهي أمام آخر نقطة من شارع الأمم)، ثم معرض مدينة پاريس، ثم شارع السرور والابتهاج، وهو يحتوي على ملاهٍ متنوعة متعددة مثل: دار المغاني، المطعم النمساوي الشيكي، دار القهقهة، الصور الحية، القط الأسود، الرولوت وغيرها من الملاهي الپارسية، وينتهي هذا الشارع بقصر الاقتصاد الاجتماعي والمؤتمرات الدولية، فانظر كيف جمع بين الجد والهزل.
ثم وقفت في وسط القنطرة، وأرسلت الطرف إلى جهة الجنوب فرأيت ساحة الأنواليد (Esplanade des Invalides) وقد تقاطرت فيها المباني الأنيقة ذات اليمين وذات اليسار؛ فالتي على اليسار خاصة بفرنسا، والتي على اليمين خاصة بالدول الأخرى. وهي مخصصة لكافة المعروضات المتعلقة بالأثاث، وسائر الطرائف التي تؤدي إلى زخرفة العمائر والمساكن في الداخل والخارج، وفيه معروضات الصياغة والجواهر وكل ما يدخل تحت هذا القبيل، والدول المشتركة في هذا النوع من المعروضات هي: اليابان، والنمسا، والمجر، والدانميرك، وإيطاليا، وبريطانيا العظمى، والولايات المتحدة بأمريكا، وألمانيا والروسيا، والبلجيكا.
وفي نهاية المنظر قبة الأنواليد الشاهقة تتجلَّى على هذا القسم بجمالها الرائع وإتقانها المتناهي، وهذه صورة تمثل هذا المنظر على قدر الإمكان، ولكن شتان شتان! بين الحقيقة والتصوير. منظر عموم ساحة الأنواليد.
منظر عموم المعرض في ميدان دومارس.

اليوم السادس والعشرون (الأربعاء ?? مايو سنة ????)


يسرُّني جدًّا أن يكون القارئ قد وقف الآن على حالة المعرض بالتقريب، وأن أكون قد توصلت إلى تمثيل مجموعة في مخيِّلته على قدر ما يسمح به الإمكان، وإلا فعذري واضح: فقد بذلت الجهد بغير إقلال، وأفرغت الوسع بلا إملال.
والآن أرجوه أن يتفضل معي، ويسير خلفي إلى المعرض من بابه الأكبر بسلام — لا بالركوع والسجود، أستغفر الله ولكن بالإعجاب والاندهاش، واستغراق الفؤاد في التأمل والاستبصار، وقصر الفكر على التدقيق والاستقصاء.
فهيا بنا إلى:
البوابة الأثرية الفخيمة La Porte Monumentale

فهي في غاية الفخامة والجلال: ثلاث أقواس تشقُّ كبد الفضاء، حتى تكاد تواصل عنان السماء، يشرف أحدها على ميدان الائتلاف، والآخران في داخل حومة المعرض العام، ومسافة الانفراج بينها عشرون مترًا بالتمام، وتجمعها قبة عديمة المثال، تتعالى عن الأرض بستة وثلاثين من الأمتار، وترتفع وحدها في الهواء مسافة ? أمتار، فتتألف البوابة البديعة حينئذ على شكل يشابه ما هو معروف «بالقمرية» في بساتين مصر ورياضها، ولكن أين الثريا من الثرى!
وهذه القبة تشغل مسطَّحًا من الأرض مساحته ??? متر مربع وتسع ???? شخص بالراحة ومن غير ازدحام، وفوقها تمثال كبير ارتفاعه ? أمتار، يمثل فتاة فتانة يرمزون بها إلى مدينة پاريس، وهي تدعو العالم للوفود والاحتشاد، وتقول بلسان الحال:
سارعوا أيها الغرباء والزوار!هلموا هلموا إلى المعرض العام!فهو المورد العذب الكثير الزحام! وتحت أقدامها رنك (شعار) مدينة پاريس: سفينة «يشق عباب الملك حيزومها بها» ولا تتغلب الأمواج على جسمها، ومكتوب على صدر السفينة هذه العبارة الرمزية المخصصة لها:Fluctuat nec mergritur (تمخر ولا تغرق)
ومجموع هذه البوابة كلها بملحقاتها ومداخلها يشغل مسطحًا من الأرض مساحته ???? مترًا مربعًا.
وهي مبنيَّة بنظام مبتكر جديد، ومزخرفة بأسلوب مستظرف بديع، فكلها جمال في ضياء، وبهاءٌ في سناء، والناظر إليها يخالها قطعة من «التنتلَّة» التي تتأنّق في اصطناعها العذارى والغادات، ويتَّشِح بها الجنس اللطيف فيزداد جمالًا على جمال، تزدان هذه البوابة في النهار، بتزاويق بهيجة مختلفة الأصباغ، تتوالى فيها زرقة اللازورد وخضرة الجنان، وبهاءُ العسجد والنضار، وتغشاها بالليل مصابيح الكهربائية مختلفة الأحجام والألوان، فتختال في حلل من البهاء تنكسف أمامها كواكب السماء. البوابة الأثرية الفخيمة وهي أهم أبواب المعرض.
وأمام البوابة ساريتان كأنهما مئذنتان رشيقتان، تخترقان طبقات الهواء، وقد تناهت فيهما الزخرفة والإتقان يظهران عند احتجاب الضياء، كأنهما علمان في رأسيهما ناران، ولكن نارهما برد وسلام: إذ هي منبعثة عن اشتعال الكهرباء.
ويبلغ عدد القناديل المختلفة المقادير والألوان ???? خلاف ?? مصباحًا متألقًا في القبة و?? سراجًا وهاجًا، ينبعث عنها الضياءُ في أعالي الفضاء.
وعلى يمين الداخل ويساره إفريزان فيهما تماثيل بارزة، تمثل أهل الصنائع والفنون، وقد أهرعوا بأتاوتهم إلى المعرض العام، وهي في غاية الإتقان يخالُها الرائي تتحاور في حركتها السريعة، وتحت هذا الإفريز إفريز آخر فيه أصناف متنوعة من وحوش البر والفلا.
فإذا صار الإنسان تحت القبة رأى تمثالين هائلين: يرمزان إلى الكهرباء ذات الأنوار وإلى الكهرباء ذات القوة الفعالة في جر الأثقال ورفع الأحمال، وهما عبارة عن امرأتين ضخمتين واقفتين في محرابين، ومعهما كافة الأدوات والمعدات التي يستعملها الإنسان للحصول على هذه القوة العجيبة، واستخدامها في النافع والضار.
ويرى أمامه باب التشريفات الكبرى تغشاه نقوش ورموز ورنوك تدل على أشعرة الشرف وشارات الإمارة في هذه البلاد، وفي أسفله أسماء الكثيرين من نوابغ الرجال وعلى يمين هذا الباب ويساره بابان معدّان لدخول الجماهير المتقاطرة إلى المعرض من هذه الجهة، للإعجاب بالبوابة البديعة التي وصفتها لك بما جاد به اليراع ووسعة المقام.
فمتى دخل الجمهور من القوس الأول، انحاز إلى اليمين وإلى اليسار؛ للوصول إلى حظيرة المعرض، وهنالك ?? مدخلًا في كل جهة، تتألف من مجموعها نصف دائرة، ويمكن أن يدخل منها في الساعة الواحدة ??? إنسان، وفوق هذه المداخل من الأمام ومن الخلف أسماءُ المدائن الكبرى بفرنسا مع شارتها الخاصة بها.
وأول شيء يصادفه الداخل هو البساتين والرياض، تختال في حُلَل من السندس والنّوار على اليمين وعلى اليسار، يكاد الناظر يتخيل أن الطبيعة أرادت أيضًا مجاراة الإنسان ومباراته في هذا المعرض العام، فجمعت محاسنها في هذه البقعة «جنتان عن يمين وشمال» و«حدائق ذات بهجة» وجمال. فيسير مبتهجًا مسرورًا بين أنواعٍ من الأزهار وأشكال من الأنوار، تأخذ بمجامع البصائر والأبصار.
وكأني بالقوم أرادوا إدخال الابتهاج في قلب الداخل، برؤية هذه الورود المزدهرة، وتلك الرياحين المنتثرة، بين الخضرة النضرة، لتحييه بالسلام والابتسام، وتجعله يلتمس العذر لأرباب الشعر، ومغردات الطير على الإطناب في فصل الربيع، والجنون بما فيه من الجمال والملاحة أو بما حوته الطبيعة من الرشاقة والخلاعة!!!
كيف لا، وهو يرى نباتات الظل وأعشاب الزخرفة، وكلها تختال في أبهى الألوان، وتسبح بحمد المصوِّر البديع، وتقول بلسان واحد: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ.? رأيت خمائل من النجوم الزواهر، لها ورق كالمخمل الباهر: مبرقش مبرقط قد تناهت فيه آيات التزويق والتنسيق، وبلغ غاية الإجادة في التدبيج والتنميق، بحيث كنت أخاله منسوجًا من الدمقس والحرير، فكنت أختلس الفرصة وألمسه بأصابعي المصرية، فيزيدني غرابة وإعجابًا!
وأما شجيرات الزينة في داخل المنازل من نخيل قصير وأعشاب متدلية أو متسلقة أو متعلقة أو منفرشة أو منبسطة أو ذات أخواص أو ذات أشواك أو متشابهة بالمخاريط والأهرام، أو بالمربعات والمكعبات والأجسام، فحدّث عنها ولا حرج، وهي واردة من جميع البقاع والأصقاع، وعلى كل واحد منها اسمه … ولكن من ذا الذي يحيط بها علمًا أو يقدر على بيانها أو ترجمة أسمائها، خصوصًا في لغتنا العربية الواسعة الضيّقة؟
بل أين هي الأوروپاوي الذي بلغ النهاية في العلوم والمعارف، وحاز قصب السبق على الأقران في أسمى المدارس، حتى يجيء إلينا ويشرحها لنا؟ ذلك وحقك هو العنقاء!!!
وناهيك أن بلدية پاريس أنفقت على هذه البقعة اليانعة المزدهرة مبلغ ?????? فرنك، أي زيادة عن ?? ألف جنيه مصري … فقط! وهذا خلاف العارضين الكثيرين فلهم جواسق وسرادقات ترى فيها ما ترتاح لرؤيته العين، وينشرح منه الفؤاد، ويأتيك بالشهية على غير ميعاد.
وفيما بين الخمائل والرياض فساق? وبحرات كثيرة في غاية الإبداع: ترسل الماء في الفضاء، فيتساقط متناثرًا متجمعًا كسبائك اللُّجين على سطوح من المرمر، أو في طسوت من الرخام؛ فيزيد النسيم اعتلالًا، والروح ارتياحًا، والقلب انشراحًا: والريح تجري رخاءً فوق بُحرتهاوماؤها مطلق في زيّ مأسورِ قد جُمعت جمع تصحيح جوانبها والماء يُجمع فيها جمع تكسيرِ وبينما يكون الإنسان لاهيًا ملتهيًا بمناظر الطبيعة البديعة؛ إذ تباغته الصناعة بآثارها بين كل لحظة وأخرى، فتسترق منه نظرة، يتبعها هو بالأخرى، ولكن الأولى له، والثانية ليست عليه، ذلك لأنه يرى على طول طريقه وبين الخمائل والحدائق، تماثيل نادرة المثال، وأنصابًا مختلفة الأنواع، تستوقفه رغم أنفه، وتقضي عليه بإعطائها قسطها من النظر والإعجاب.
هذه التماثيل بعضها خاص بفرنسا، ومعظمها وارد من الأقطار الأخرى. وأول ما يصادفه الداخل من البوّابة سبعان هائلان، يقرُّ الناظر لهما، بأن الأسد هو حقيقة ملك الوحوش وسلطان البراري. ولا أُتعب القلم والقارئ بذكر الباقي فهو شيء كثير.
وإنما أستميح الأذن من القارئ في الإشارة إلى تمثالين اثنين فقط، فإن تكرم فبها ونعمت، وإلا فإني لا أملك من نفسي شيئًا، فهذان التمثالان جعلاني أعرف كيف يكون تصوير الرعب أمام العيون، وكيف يكون إيصال الفزع إلى القلوب!
أولهما تمثال الزوبعة: وهي امرأة شوهاء، بل داهية دهياء، بل بسوس دهماء، قد امتطت جوادًا من خيول البحر، لا يدانيها سواه في الشناعة والبشاعة، والفظاظة والفظاعة، وتحت وحوش البحر في اضطراب واصطدام، واختباط واختبال، وهو عبارة عن قطعة هائلة من مجموعة تماثيل هائلة ستقيمها مدينة: درسدن (Dresden) عاصمة سكسونيا بألمانيا، في أهم ميادينها حول فسقية عظيمة، فوقفتُ مبهوتًا مذعورًا أمام هذا المنظر المريع، وتذكرت حالة البحر المسكين، وأنا في السفين في يومي الخامس الواقع في ?? أبريل. (وقد وصفت حالتي فيه في يومي الخامس). فهلَّا يعذرني القارئُ الآن على هذه المخالفة؟ أو على الأقل يستأنس في الحكم عليَّ بالظروف المخففة؟ وثانيهما: عبارة عن جنديين بأسلحتهما، هما من النحاس المسبوك …
– وهل هذا مما يستوجب الذكر وضياع الوقت؟
– نعم، وإليك البيان:
تراهما في هيئة قد برَّح بهما الظمأ حتى كاد يهلكهما، وقد أمسك أحدهما بخوذته، وفيها مصاصة من الماء، وأطبق عليها بكلتا يديه، كأن حياته فيها، وهو يخاف أن تفوته هذه البقية القليلة فتخرج روحه، فهو يتلهّمها وحده ويدافع عنها ويحافظ عليها جهده. وأما رفيقه فقد تشوَّهت معالمه وتبدَّلت ملامحه، وكاد يفارق الصورة البشرية؛ بل دخل في طور البهيمية وهو يستعطف صاحبه، بل يجاهده بما بقي فيه من القوة والحيل، ويحاول بكل مشقة اختطاف الخوذة الثمينة، أو استبقاء شيء فيها من حياة النفوس وهو لا يصل. والمنظر في غاية الشناعة يوجب انعطاف الألباب؛ بل انفطار الأكباد على من يقع في هذه الحالة التعساء، وقانا الله وإياك أيها القارئ الكريم، من هذه المصيبة التي لا يدرك مشقتها وعذابها الأليم، أهل البادية والسائحون في فيافي المفاوز، حياهم الله بالحيا وأغاثهم بالغيث على الدوام! آمين.
حينما رأيت هذا المنظر انفعلت حواسي وتأثرت نفسي، والتوت أمعائي، وجف لساني ونشف ريقي، وتصورت أنني أصبحت — والعياذ بالله — كالجاحظ لا في التحرير ولا في المنظر؛ بل في جحوظ العيون وخروجها عن الحد المعلوم. وتوهَّمتُ أنني قد آلت بي الحال إلى مثل ما رأيت، فأحسست بظماء يحرق في أحشائي، فصرت كالهائم أنظر ذات الشمال وذات اليمين، ومن حسن الحظ أنني رأيت بالقرب من هذا المكان قهوة بل موردًا سائغًا، فهرولتُ إليه كمن أصابه مس أو خبال، وشفيت الغليل وبللت الصدى، وحينئذ لهجت بتقديس الواحد الأحد الحي، الذي جعل من الماء كل شيء حيّ.
? ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ? فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (المؤمنون: الآية: ??).? جمع فسقية، وهي كلمة دخيلة على العربية في هذه العصور الأخيرة مأخوذة عن كلمة فرنساوية: ?سك (Vasque) وأفتكر أن الأب لامنس اليسوعي قال في كتاب الفروق: إنها مأخوذة عن (Piscina) پيسينا، أي بركة السمك في الأصل، وهو خطأ ظاهر، والبعد في التخريج والنقل واضح.
المدة (من ?? مايو إلى ?? يونيو سنة ????)


رأيت من باب الواجب أن لا أتكلم على معروضات الأجانب، حتى يتم أمر يهمني ويهم سكان مصر: ألا وهو انتهاء القسم المصري والاحتفال بافتتاحه، وحينئذ أفتتح به رسائلي على المعرض العام، كما هو اللائق، فإن رضي القراء فبها، وإلا فالذوق والمجاملة حكمان بينهم وبيني على أنه لم يَفُتْهُمْ شيء، وأتعشم أن المستقبل يكون مكللًا بالنجاح والفلاح.
وقد كان الغرض الأصلي من مجيئي لپاريس معالجة أذني اليسرى من وقْر ألمَّ بها، ودويِّ لازمها، وطنين مستديم فيها، بعد أن أتعبت أطباء مصر وأتعبوني، فأشار عليّ بعضهم أن لا ألتمس العلاج إلا من طبيب حصر عنايته في تطبيب هذا المرض، فقصدت ثلاثة من أشهر الحكماء، وأنطس الأطباء الذين انقطعوا لدرس هذا الفرع ومعالجته، حتى أصبحوا يشار إليهم بالبنان، وأصبح كلامهم مسموعًا في كل الآذان باستئذان وبغير استئذان. وفي آخر هذه المدة تحققت أن لا مناص لي من حمد الله تعالى على السراء والضراء، وصرت لا أسأله دفع القضاء، بل اللطف فيه، فإن حكماء پاريس (ولا أقول كلهم) لا يكادون يمتازون عن أضرابهم عندنا، إلا بزيادة التعقيد في إعطاء المواعيد، والمبالغة في الفخفخة عند السماح بالمقابلة، وإلزام القاصد بالسعي في التزلف إليهم، والتقرب منهم، ونيل الحظوة عندهم، فحيا الله هذه الصناعة! ويا ليتني كنت طبيبًا!
ولما كان اليوم التالي قد تحدّد لافتتاح المعرض المصري عزمتُ على تمضية ما بقي من إجازتي لزيارة المعرض العام بالتفصيل، فإن أقسامه كلها قد كادت تبلغ التمام.

اليوم السابع والعشرون (السبت ?? يونيو سنة ????)


في صباح هذا اليوم احتشدت الخلائق بالقسم المصري بجهة التروكاديور؛ لحضور الاحتفال بافتتاحه على يد الأمير الجليل دولتلو الپرنس محمد علي باشا شقيق ولي النعم مولانا الخديوي الأفخم، وتقاطر المدعوون من الأكابر والأشراف من أهل فرنسا والغرباء إلى ساحة الاحتفال، وكذلك معظم المصريين الموجودين الآن بپاريس، لبّوا الدعوة وسارعوا بالحضور للاشتراك في تفخيم الاحتفال، وإعطائه حقه من الرونق والبهجة والجلال.
فلما أزفت الساعة الحادية عشرة قبل الظهر بالتمام، إذا بالتهليل والتكبير في الآفاق، وإذا بالطبل والمزمار يعزفان بالنشيد الخديوي، إشعارًا بوصول دولة الپرنس في موكبه السعيد؛ فوقفت الجموع بخشوع، وانفرج الازدحام بانتظام؛ إجلالًا لمقام الوافد الكريم، وتقدم لاستقباله عند نزوله في باب يانا مديرو شركة المعرض المصري، وهم جناب الخواجه فيليب فضل الله بولاد وعزتلو السيد مصطفى بك الديب، وجناب الخواجه ديمتري حبيب بولاد، ثم ساروا في خدمته الشريفة حتى وصل بعد خطوات قليلة إلى رحبة أمام باب المعبد المصري، فتقدم للتشرف بالسلام عليه أكابر الحاضرين من مصريين وفرنساويين. ثم سار الجميع خلفه بسكينة ووقار، حتى وصل دولته إلى الباب، فانفرج أمامه ودخل الهيكل المصري، ووقف بجانب تمثال من الرخام الناصع، يمثل صورة مولانا المحبوب عباس باشا الثاني، وتبعه في الدخول الجم الغفير من الكبراء العظماء مثل جناب الموسيو أرنست كارنو مساعد مدير عموم المعرض ومندوبي إنكلترة وأمريكا والبرتقال وعائلة دولسپس كلها والپرنس وزينوسكا والبرنسس زوجته? والپرنس حيرد وقنصل جنرال الدولة العلية وبوغوص باشا نوبار، وبارو باشا ومحمد بك عرفي، وأحمد بك خيري، ومحسن بك راسم، ومحمود بك صديق، وبطرس بك مشاقه، وعز الدين بك شريف، ومحمد بك فريد، وحسن بك رفقي، والخواجه جرجي الخياط، وإسماعيل بك عاصم المحامي، والدكتور الكحال أمين أفندي أبو زيد، وجناب الموسيو باربييه دومينار من أكبر علماء فرنسا ومدير مدرسة اللغات الشرقية بپاريس، وجناب الموسيو هوداس من أكبر أساتذتها، وكافة أرباب الأقلام وأصحاب الجرائد، وطائفة كثيرة من أعيان الأمريكان، وسائر إخواننا المصريين، وخصوصًا الطلبة الموجودين بهذه العاصمة الآن. وبعد أن وقف هذا الجمع العظيم في هذا المعبد البديع، أعلن دولة الأمير بافتتاح المعرض منذ اليوم للجمهور، فلبثوا برهة يتأملون في معجزات الأسلوب المصري القديم في فن البناء والزخرفة، ثم ساروا خلف الأمير الفخيم إلى قاعة أخرى في الوكالة العربية، مفروشة بالسجاجيد الكبيرة الغالية القيمة، وسيكون فيها سينماتوغراف كبير (أي آلة الصور الفوتوغرافية المتحركة) لتمثيل هيئات المصريين الآن وأحوال معائشهم على ضفاف النيل. ثم انتقلوا إلى حوش الوكالة العربية الجميلة، ومنه صعدوا إلى الدور العلوي، وحينئذ وقف الجميع مبهوتين، معجبين ببدائع الصناعة العربية في البناء والنقش والزخرفة. فقد اجتمعت محاسنها كلها في غرفة جميلة أنيقة، تمثل البهو المشهور في دار الوكالة السياسية الفرنساوية بمصر القاهرة، ثم نزلوا إلى التياترو المصري، وهو عبارة عن هيكل بديع يمثل أحسن ما صنعه الفراعنة، وأبقاه الدهر لفخر مصر. وبمجرد وصول الجموع ارتفع الستار عن مئات من المشخصين والمشخصات، بين مصريين وأحباش، وسودانيين وشوام، وقامت الجوقة كلها بتلحين النشيد الخديوي والفرنساوي بغاية الانتظام في الأصوات والآلات. ثم شخَّصوا ثلاثة فصول من رواية حماسية تمثل عنترة العبسي بطل الجاهلية. وبعد ذلك انفضَّ الاحتفال على أجمل منوال وأكمل حال، وخرج دولة البرنس مودَّعًا بالعيون مشيَّعًا بالقلوب بغاية الإكبار والإجلال.
وقد أعجب الإفرنج عمومًا بما رأوه في هذا اليوم. وأما الجرائد فقد خصصت كلها فصولًا ضافية لوصف الاحتفال، والمبالغة في الإطراء على المعرض المصري والقائمين بتنظيمه.
•••

وهنا لابد لي من الانتقاد على إدارة المعرض العام، فإنه لم يبلغ للآن كمال الانتظام. فمن ذلك أن الإدارة تعلن في كل أسبوع مرة أو مرتين عن ليالي الزينة والوقود، فيجيء الميعاد ولا تكون الأنوار كما في الحسبان؛ لأن الأسلاك قد انقطعت، أو باتت غير صالحة لنقل التيار، أو تكون غير واصلة للجهات المطلوبة، أو سارية في جهات نساها المهندسون، أو غير ذلك من الفلتات والغلطات، أو تكون الآلات غير وافية بحاجة المعرض، بالنسبة لمساحته الكبيرة أو نحو ذلك من العوائق المتجددة المتوالية، وبعد التي واللتيا، توصلوا في الأسبوع الماضي لجعل النور كافيًا وافيًا، حتى كان هذا الصباح فإذا بنبإ وصل لنا بأنه قد حيل بين كثير من الأقسام وفي جملتها المصري، وبين تيار الكهرباء، ولذلك لم يكن في الإمكان تشغيل السينماتوغراف، وتمثيل معيشة المصريين أمام الأنظار، وهذا مما يوجب الأسف الكثير؛ لأن هذه المناظر غريبة جدًّا: فمن جملتها هيئة الاحتفال بموكب المحمل الشريف، كما نراها في القاهرة بالتمام، وهيئة صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان في جامع عمرو بن العاص بمصر القديمة، وحضور عزيز مصر للصلاة بموكبه الحافل، وكان عدم وصول التيار الكهربائي سببًا أيضًا في عدم اختتام الاحتفال برؤية قبور الأقدمين من الفراعنة؛ لأن السراديب بقيت في ظلامها الحالك، مع أني رأيتها قبل اليوم فإذا بها تمثل مدافن القوم كما هي منقورة في حميم الجبال أو قيعان الرمال وحولها الحنوط والأكفان والمسارج والتمائم وغير ذلك مما نراه في الصعيد بالتمام.
•••

أنتقل الآن لوصف القسم المصري وتمثيله لأنظار القراء فهو يشتمل على ثلاثة أقسام: أولها: المعبد المصري.
ثانيها: الوكالة العربية.
ثالثها: التياترو.
الواجهة الأصلية البحرية للقسم المصري على سكة يانا (أ) واجهة التياترو (ب) واجهة الوكالة العربية (ج) هيئة سبيل الكيخيا بالنحاسين (د) واجهة معبد دندور.
أما المعبد: فهو قائم على الزاوية الواقعة بين سكة يانا وشارع مجد بورج، ومساحته تبلغ ??? متر مربع تقريبًا، ويُصعد إليه بدرجات رحيبة كبيرة توصل إلى بابه الفخيم، المزدان بعمدان في غاية الارتفاع والجمال.
واجهته الأصلية البحرية تطلُّ على سكة يانا، وتمثل هيئة أحسن هيكل أبقاه الزمان، من عمائر المصريين الدينية في أيام البطالسة: وهو هيكل دندور، ببلاد النوبة، وقد اختاروه لبقائه محفوظًا من عبث الزمان، وعبث الإنسان، ولبعده الشاسع عن القاصدين والزائرين.
وواجهته الشرقية قائمة على شارع مجد بورج. وفيها تمثال سيتي الأول مجسمًا منقولًا عن هيكل أبيدوس، ونقوش بارزة عن الهيكل المذكور، وعن هياكل عابد القرنة، وأبو سمبل، والكرنك، وصورة قبر رمسيس الثالث، وهيئة الرعاة بمواشيهم، والنوتية بزوارقهم في تلك الأحقاب الخالية، وصورة قبور سقارة، وتمثال يحاكي أحد الأنصاب المقامة في هيكل أبو سمبل وغير ذلك.
وأما واجهته الخلفية أو القبلية: فهي تحاذي قسم المعرض الياباني، وتطل على نهر السين، وتمثل هيئة قصر أُنس الوجود (أو معبد بلاق) بالقرب من شلّال أسوان، وتزدان بعمدان تحاكي تلك التي انتهى إليها الإبداع والإتقان، والجمال والكمال في ذلك الهيكل المشهور، الذي لم يترك مقالًا لقائل، بل لا يزال محلًّا للإعجاب المتوالي، على مدى الدهور والعصور.
وأما الجهة الرابعة: فهي محل الاتصال بين المعبد والوكالة العربية. والهيكل يزدان من داخله بعمدان جميلة بديعة الصنعة، تحيط ببهوه الفسيح، وفيه رواميز ونموذجات، لقليل من المحصولات والمصنوعات المصرية، مثل القطن بشجيراته أو ببزرته أو بعد حليجه، ومثل القمح بسنابله ونحو ذلك، وبعض العطور المصرية والسجاجيد والأسلحة.
ولكن الذي يوجب الأسف الكبير، أنه لا يمثل حالة مصر، ولا درجة تقدمها في هذه الأيام؛ إذ لا يرى الزائر فيه شيئًا يستدلُّ به على حركتها في التجارة والصناعة، والعلم والأدب، ولذلك فالمعروض فيه لا يكاد يذكر.
وتحت الهيكل قبور تمثل التي كان المصريون ينحتونها في متون الجبال أو بطونها لحفظ أجسادهم من التلاشي والزوال، وفيها موميات كثيرة صحيحة مما عثر عليه الباحثون في وادي النيل.
وأما الوكالة: فلها واجهتان، إحداهما بحرية على سكة يانا، والأخرى قبلية تطل على معرض اليابان وعلى نهر السين، ومسطحها يبلغ ???? متر مربع تقريبًا، وفيها تتمثل حقيقة حالة المعيشة في مصر الآن. وكلها مبنيَّة على الطراز العربي الجميل.
وتتصل واجهتها مع المعبد بسبيل بديع، يحاكي الذي شاده الأمير عبد الرحمن كتخذا، ولا يزال باقيًا للآن بشارع النحاسين بقسم الجمالية في مصر القاهرة.
وبابها منقول عن باب بديع جميل يكاد يكون عديم النظير: أعني به ذلك الباب الذي طالما مَرَّ أمامه المصريون أفواجًا، وهم لا يلتفتون إلى جماله، ولا يشعرون بندرة مثاله، هو باب وكالة النحاسين المعروفة الآن بوكالة القطن، في سوق خان الخليلي. وهنا أرجو القارئ أن يتوجه إليه، حتى إذا ما وقف أمامه شاركني في الإعجاب والاستحسان، وشكرني على هذا الإرشاد؛ بل شكر شركة المعرض على سلامة الذوق وحسن الاختيار.
وفوق الباب: قبة بديعة تمثّل تلك القباب التي كان يتفاخر بها المماليك أيام دولتهم، ويتأنَّقون في زخرفتها فوق مساجدهم وأضرحتهم. وهي كثيرة الشبه بقبة مسجد قايتباي بالصحراء (أي بالقرافة): ولكن القبة الأصلية أجمل وأفضل.
وعلى يمين الوكالة ويسارها؛ بابان آخران، يمثلان بعض المداخل التي قد يمرُّ القارئ أمامها، ولا يكاد يلتفت إليها: وأحدهما بالغورية والثاني بشارع الأزهر. فمن هَزَّه حبُّ الاستطلاع إلى زيادة الوصف والبيان، فليتوجه إلى هذين الشارعين، وليبحث عن أجمل بابين، لينظر هذا الجمال في العمارة والبناء. الواجهة الغربية وهي تمتد على طول التياترو وتحتها دكاكين لبيع البضاعة الشرقية.
وإذا دخلنا من باب الوكالة، تمثَّلت أمام عيوننا مصر وما فيها، وتخيَّلنا أنفسنا على ضفاف النيل، من رؤية الملابس وسماع الأصوات، ومشاهدة الهيئات والحركات التي تنقلنا إلى الوطن المحبوب، نقلًا يقارب الحقيقة أو يضارعها بالتمام، فكأنهم نقلوها بقوة السحر، ركنًا من أركان مصر في هذا العصر، وأودعوه في هذه البلاد، تحفة للقُصَّاد، ونجعة للروَّاد، وفي دهليز الوكالة «وحوشها» دكاكين صغيرة وكبيرة مشحونة بالبضائع والأسباب وفيها مئات من المتَّجرين على اختلاف الأصناف والأنواع.
ولكن يلزمنا أن نرجع إلى الباب، لننظر (التبات) وقد بلغ منتهاه، نرى رجلًا متمشيًا متكئًا على مكسلة الباب بهيئة تمثِّل الكسل، ومرتديًا بالجبة والقفطان، وفوق رأسه عمامة لا تعرفه ولا يعرفها، إلا في هذه الأيام.
وهو يسمي نفسه الشيخ توفيق، ويضحك على ذقون الإفرنج؛ إذ يزعم أمامهم أنه من أشياخ الأزهر، ويكتب لهم أسماءهم باللغة العربية تذكارًا لزيارتهم القسم المصري في المعرض العام. (أ) الواجهة الخلفية للتياترو. (ب) الواجهة الخلفية للوكالة. (ج) الواجهة الخلفية للمعبد الواجهة القبلية للقسم المصري، وتحتها دكاكين لبيع البضاعة الشرقية والعاديات والمخلفات المصرية.
وهم يتهافتون عليه، ولا يكادون يُفْلِتون من بين يديه، حتى لقد بلغ مكسبه في المدة الأولى من ?? إلى ?? قرشًا في اليوم الواحد، ولا بد له من زيادة الأرباح بنسبة الإقبال المقبل على المعرض المصري، والرواج الذي لا بد له منه.
ويا ليته كان حسن الخط!
بل بالعكس.
ويا ليته كان شيخًا حقيقيًّا فيكون مكسبه حلالًا!
بل هو الخواجه توفيق شلهوب المستخدم بقنصلاتو إيران بالإسكندرية.
ألا قاتله الله! جمع الثلاثة في واحد: فهو شامي في عجمي في مصري، وأي مصري؟ مصري متمشيخ، لكنه يستحق المدح على معرفته بأساليب انتهاز الفرصة واقتناص المكاسب بأية وسيلة، فلنتركه على الباب يتصيَّد الداخل والخارج من الغرباء، حتى يصل إلى الحد، أو يقف أو يوقف عند الحد.
وفي داخل الوكالة حوش مكشوف، يرى منه الناظر في الدور الأول «حضيرًا» فيه أروقة مثل التي بداخل المساجد والوكائل، فيصعد إليها بسُلَّم كبير، فيجد الغرفة الجميلة المعروفة (ببهو فرنسا)، وهي في دار الوكالة السياسية الفرنساوية بالقاهرة، تمثّل في منازل الأجانب غرف القصور العربية بمشربيَّاتها البديعة، بسقوفها الجميلة، بأركانها الأنيقة بزواياها الجميلة، بقاعاتها الحرمية الفاخرة، وهي التي كانت تزدان بها قصور أجدادنا وأسلافنا، فتركناها من باب الحماقة العظمى، والتقليد الأعمى، وآثرنا اتخاذ الطراز الأوروپاوي المختذل، الذي أصبح عندنا منعزلًا غريبًا منقطعًا يتيمًا، فهو لا شرقي ولا غربي، وفي هذه الغرفة الجميلة يشعر الإنسان «بطراوة» لطيفة، ناشئة عن التدبير الهندسي العربي ومراعاة لضرورات الجو في أرض مصر، وفيها السجاجيد الثمينة، والنقوش البديعة، والألوان الزاهية، والأثاثات العربية الفاخرة، مع المصابيح النحاسية، المشغولة شغلًا عجيبًا تحار فيه الأفكار، فرحمة الله على تلك الأيام!
وبجانب هذا البهو، غرفة أخرى مفروشة بالسجاجيد الفاخرة، وفيها فتاة أرمنية لم تتجاوز السبعة عشر ربيعًا. وهي جميلة، لكن الله خلقها مجرَّدة من اليدين والساعدين، وقد لطف بها في قضائه، فمنحها القدرة في رجليها على عمل كل ما يتعاطاه النساء من غزل ونسج وكنس وإصلاح شعرها بالمشط والضرب على آلات الطرب وغير ذلك. فهي والحق يقال أعجوبة من فلتات الطبيعة. الواجهة الشرقية على شارع مجد بورج وهي تمتد على طول المعبد وتحتها من اليسار أي من الجهة الشرقية القبلية باب المدافن.
أما التياترو فهو عبارة عن معبد فرعوني قديم تتقدمه — كالعادة — عمدان عالية، وتكتنفه صروح طائلة. وهو مزخرف من الداخل برسوم وتصاوير كثيرة تمثل حالة مصر القديمة.
فواجهته البحرية منقولة عن أفخر آثار الفراعنة: تزدان بأعمدة تحاكي التي في هيكل مدينة آبو.
وأما واجهته الغربية، فهي محطُّ الأنظار على الدوام: يتمثل فيها أمينوفيس الثالث وهو يتقدم أمام إلهه رع (الشمس)، وتتمثل فيها جنود مصر، وهو يقاتلون أعداءها (منقولًا عن هيكل الأقصر)، ورمسيس الثالث في موكبه الحافل (عن مدينة آبو) وهيئة مسكن ومعيشة قدماء المصريين في داخليتهم.
وأما الواجهة القبلية ففيها رمسيس وهو يُعذّر الأسارى ويعذبهم، وهو عائد من الشام مظفرًا منصورًا (عن معبد الكرنك).
وهذا التياترو يشغل مسطحًا قدره ???? متر مربع تقريبًا، وقد خصصوا ربعه لمرسح التشخيص والباقي للمتفرجين، وفيه جم غفير من الممثلين والممثلات يشخّصون روايات عنتر ووقائع كسرى مع العرب وغيرها … مع الأمر الذي لابد منه وهو … وهو الرقص بجميع أنواعه في الحماسة والغزل والرشاقة والخلاعة. ويا حبذا لو حذفوا منه بعض الفصول وأخصها رقص القلَّة والبطن (فإنهما على رأي المثل العامي: بالبطن). ولكن الشركة لا يمكنها أن تكسب شيئًا من المال، وتعوّض ما تكبدته من النفقات الطائلة في تشييد المعبد والوكالة، إلا إذا راعت أميال المتفرجين من الإفرنج؛ ليزيد على التياترو الإقبال ويتوالى عليها الرواج، بتوافد الأفواج على الدوام، كما أن أكابرنا والمتنورين فينا يتزاحمون على تياترو الأوپرا لرؤية الراقصات الإفرنكيات، ودفع الأجور الغالية؛ لاستئجار الكراسي والمقاصير.
ولكن الذي يجب تسطيره بالشكر والثناء هو أن مديرها الفاضل الخواجه فيليب بولاد قد راعى نواميس الآداب الشرقية بقدر الإمكان، ففصل الممثلين عن الممثلات، وجعل بينهما حجابًا حصينًا وحاجزًا منيعًا. فلا يكاد الصنفان يلتقيان إلا في ساحة المرسح أو قبله وبعده بقليل، وذلك من لوازم الضرورات التي تخرج عن حد الاستطاعة.
هذا، وقد رأيت كثيرًا من الأقسام التي شادتها الدول الأجنبية، وتحققت أن أغلبها لا يضاهي هذه العمارة المصرية البديعة في الحسن والإتقان. ولو كانت قائمة بجانب مباني الأمم الأخرى لزادت بهاءً وروَاءً، ولفاقت الأقسام المجاورة لها حسنًا وإتقانًا، لا سيما وأن الأشجار تحفّ بها الآن من أغلب الجهات فتحجب مناظرها، ومهما كان الأمر فليس كل ما يتمنّى المرء يدركه، وفي هذا القدر كفاية الآن والسلام.
? البرنسس ويزينوسكا لها مقام جليل في كل أوروبا، وهي التي سعت في تأليف جمعية من النساء؛ لتوطيد السلام، وبلغ عدد أعضائها والمنضمين إليها خمسة ملايين ونصف مليون من سيدات العالم كله اللائي لهنَّ مقام كبير وشأن خطير.
معرض الكلاب (الجمعة ?? مايو سنة ????)?


هذا آخر يوم لمعرض الكلاب، ولذلك بادرتُ بالذهاب إليه لرؤية هذه الطائفة النافعة من خلق الله، والقارئ لا يستكثر على الكلب أن يكون له معرض خاص في هذا الزحام العام، فقد بلغ من عناية الإفرنج له أن لهم جمعيات متعددة بقدر عدد أنواع الكلاب، ومنها واحدة عمومية لتحسين هذا الصنف على الإطلاق.
ولهذا المعرض جوائز ومكافآت ونشانات كثيرة، أهمها يقدمها ناظر الداخلية بنفسه باسم الحكومة الجمهورية، والباقي من الجمعيات المشار إليها.
أقيم هذا المعرض في ساحة البرتقال ببستان التويلري، أي بالقرب من المعرض العام، وإن كان خارجًا عن حومته، ورأيت فيه الكلاب أصنافًا وأجناسًا. فمنها الحارس والنافع المصاحب والصديق، ومنها كلاب الزخرفة والزينة، وغير ذلك مما لا يحصره الإحصاءُ. وأخص ما استوقف أبصاري وأفكاري كلب الرعاة والجعاري والزغاوي، والسلوقي المعتاد، والسلوقي الأشهب، وقانص الذئب، وقاتل الثور، وكلب القصابين، وكلها مرتبة بنظام بديع في أماكن معدة لها تفي باحتياجاتها وراحتها.
رأيت للكلاب أحوالًا مختلفة وأطوارًا غريبة في احتشادها العظيم من بقاع الأرض، كلها في نقطة واحدة. وكل واحد منها كأنه يجتهد في استلفات الأنظار. وكان أغلبها هراء وعواء وضغاء، ووَقْوَقَة وعويل وهرير، وصِياح ونُباح، فتتألف من هذه الجلبة المختلطة، ألحان تأنف منها الآذان.
فكان لها مناظر متعددة، وأشكال مستغربة: فمنها ما يخاله الناظر من طائفة القرود والقطاط، ومنها ما يشبه فراؤُه جلد الفار، ومنها لا يكاد يختلف عن الشاة أو الجدي أو الخنزير. ومنها المبرقط والمبرقش، والغزير الوبر والأملس الجلد، ومنها كلاب لها وجوه كالبوم أو الضباع أو الآساد فسبحان الخلّاق البديع، إنه على كل شيء قدير! رسوم بعض أنواع الكلاب في معرضها.
أما هيآتها: فكانت من الغرابة بمكان. تَرَى بعضها جالسًا بعظمة وجلال، والآخر جاثيًا مستغرقًا في الأفكار، ومنها ما يغلب عليه الازدراء بالناس، فيسترسل في المنام. ومنها الفخور بما حازه من النشانات، والمختال بما ناله من شهادات الشرف والامتياز.
وكنت أرى علامات الذكاء، وإشارات الفطانة، بادية على ملامح أغلب هذه الحيوانات التي خصها الله بمميزات لو اجتمعت كلها في إنسان واحد لكان من الأولياء الكرام، بل من ذا الذي يخالف الحقيقة إذا قال: إن مجموع الذكاء فيها كان أكثر مما هو في كثير من المتفرجين عليها!
ثم انتقلت للمكان المخصص لكلاب الزينة والزخرفة، واللهو المؤانسة، فلم أتمالك من إنشاء هذا الشعر:
وإذا نظرت إلى الكلاب وجدتها تشقى كما تشقى العباد وتسعدُ فقد رأيتها متكّئة على وسائد من الحرير، وزرابيّ من الإستبرق، ولها مخادع تغشاها القطيفة اللطيفة، تسترها كلل «ناموسيات» من التَّل النفيس أو الخز الثمين. ولها مستكنات تأوي إليها، وهي عبارة عن سرادقات ومحفَّات، تدل على تمام عناية صويحباتها بها. لعمري إنها تستحق هذا الالتفات! فقد شاهدت بينها ما يشابه العرائس التي يتلاعب بها الفتيات والعذارى في صغرها ونظافتها ورشاقتها، بحيث لا يخالها الإنسان إلا أُلعوبة أو أعجوبة، ولا يكاد يتصورها من الكائنات الحية، لولا دلائل الروح ومظاهر في الحركات والأصوات، وقد شاهدت فيما بينها كلبًا صغيرًا لا يوازي حجم الأرنب وصاحبته تطلب فيه ??? فرنك، ورأيت آخر يشابه الشبل وله وبر أبيض وعمره سنتان، وقد نال الجائزة الأولى وصاحبه يطلب فيه ???? فرنك. فدعاني ذلك لاستقصاء الأثمان بوجه عام، فإذا بها تتراوح بين ??? فرنكًا و? آلاف وعشرة آلاف فرنك، ومنها ما لا يبيعه صاحبه أو صاحبته ولا بملك كسرى.
أليست هذه ثروة طائلة، يعيش بها الفلاح في بلادنا قرير العين مضمون المستقبل؟ تقريبًا! ولكن القوم في أوروبا وأمريكا بلغوا من التأنُّق والرفاهة حدًّا يفوق المعقول، وانهالت عليهم الثروة بسبب اجتهادهم واشتغالهم، حتى أصبح بعضهم لا يعلم ماذا يعمل بها! اللهم ارزقني واحدًا أو اثنين أو ثلاثة من هذه الكلاب فأبيعها وأستريح من هذا العذاب!
وأجمل منظر في هذا اليوم هو مسابقة السيدات (من فرنسا وغيرها) لإحراز قصب السبق في تربية كلاب الزينة والزخرفة، فكانت الواحدة منهن تحضر أمام مجلس المحلَّفين وتعرض كلبها على مائدة كبيرة، فيفحصونه مليًّا ثم يقررون له نشانًا أو وسامًا أو … لا شيء، وتخرج صاحبته من بين يدي لجنة الامتحان وهي متأثرة بالعواطف التي تلازم الفشل أو النجاح. رسوم بعض أنواع الكلاب في المعرض الخاص بها.
وفي أثناء هذا الامتحان كان بعض أعضاء الجمعيات المذكورة ينفخون في أبواق الصيد بأناشيد مخصوصة.
ثم انتقلت إلى معرض الصور الخاصة بالصيد والقنص. فرأيت ألواحًا كثيرة وتماثيل متعددة، وميداليات ومصنوعات من المعادن على أشكال متنوعة ومشغولات من المينا الدقيقة اللطيفة تشابه الحليّ والمجوهرات. ومما استوقف نظري لوحة تتمثل فيها غادة لطيفة راكبة فوق سرب من الغزلان، والكلاب تلهث وراءها. فما رأيت في عمري ظباءً فوق ظباء إلا في هذا الخيال الذي يمثل آلهة الصيد عند اليونان، تتبعها حاشيتها من الجنيات والأعوان.
ورأيت لوحًا آخر فيه تخييل لطيف، يحسن إيراده في هذا المقام، عله يكون فيه تنبيه لقريحة الشعراء.
اجتمعت محكمة الجنايات، وجلس القضاة حول رئيسهم والكتبة وأعضاء النيابة في أماكنهم. ووقف المحامون والمحضرون والخفر والجنود؛ ثم حضر الأخصام والشهود. وكلهم أشخاص من الكلاب والأدياك والأطيار. وكل واحد متشح بالملابس والوسامات الخاصة بوظيفته، حتى الجندي تراه واقفًا بملابسه العسكرية، وفوق ظهره «جربنديته» وبين يديه بندقيته، ثم صدر الحكم على الثعلب الخبيث بالإعدام شنقًا في نفس غرفة الجلسة جزاءً له على عبثه بين الدجاج والأطيار فصلبوه بلا رحمة. وكانت السنانير واقفة تنظر من بعيد وفرائصها ترتعد. ورأيت تحت المشنقة طيورًا متعددة مخنوقة قد أحضرتها النيابة بصفة دلائل محسوسة. وفوق المشنقة قصيدة قصيرة هذه ترجمتها: ليتأمل الناظر، وليعتبر من يشعر بأنه ارتكب الجناية، فويل للرذيلة، فإن العدالة لابد أن تقبض على الثعلب عاجلًا أو آجلًا.
أُهرعتُ في صباح هذا اليوم إلى موقفي بالأمس، فدخلتُ من البوابة الفخيمة، وسرت بجلال ووقار بين عبير الأزهار، وتمايل الأشجار، وتغريد الأطيار، حتى خلت نفسي قد انتقلت إلى عالم كله أسحار في أسحار، أو إلى عالم الجنون، بل ملكوت الجنان.
كيف لا، وقد كنت أسير في طريق الشانزليزيه (أي جنات النعيم) والأشجار متناسقة متتابعة على ستة صفوف بين صنوان وغير صنوان. ثم وقفت في منتصف الرحبة المتكوّنة من تقاطع شارع الشانزليزيه بالشارع المستجدّ المعروف الآن بطريق نقولا الثاني، فرأيت عن يميني عمارتين بديعتين بل أثرين فخيمين خالدين: هما القصر الكبير والقصر الصغير، وسأصفهما لك بلا إمهال ولا تأخير، وكانت على يساري قنطرة إسكندر الثالث، وهي آية الآيات في الزخرفة والإبداع والبراعة والإعجاز. يجري تحتها نهر السين وفيه تمخر البواخر الرشيقة ذهابًا وإيابًا، وكلها مشحونة بآلاف وآلاف من الخلائق على اختلاف الألسنة والعقائد والأوطان. ثم استقبلت القنطرة، ووقفت مبهوتًا صامتًا أتأمل في قصور الأمم الأجنبية تتقاطر بعضها وراءَ بعض، والرايات والأعلام فوق رؤوسها وهي متخالفة في الألوان والأشكال، وكل واحد منها يحبس الفكر والطرف، ويستغرق الوقت في الوصف.
فلم أر أحسن من الرجوع إلى القصرين معلِّلًا النفس بإشراك القارئ معي في قليل مما تمثل أمام إنسان العين وعين الإنسان.
القصر الكبير

وقفت أمامه أقدم رِجلًا وأؤخر أخرى، لا من باب التردد والإحجام، ولكن من باب التأمل والإعجاب. ولذلك يحسن تغيير التعبير: كنت أمامه أتقدم خطوة وأتأخر خطوتين، مثل أولئك السفراء الذين كانوا يَفِدُون على ملوك الشرق وخلفاء الإسلام، إظهارًا لمزيد الإعظام والاحترام. بل كيف تسمح للإنسان نفسه أن يتهجّم على هذا القصر الفاخر من غير أن يقف أمامه هنيهة بل برهة، يجيل الطرف في محاسنه وبدائعه.
في هذه اللحظة تحققت أنه قد يكون للشعراء وأهل الخيال نظر يخرق الحجاب ويخترق السحاب، وأن قلوبهم لها عيون، يرون بها ويروون ما كان وما يكون، ولله في خلقه شؤون، لا ريب عندي أن هذا الأثر الجليل، قد رآه الشاعر بنور البصيرة، قبل أن أراه بالعين الباصرة، بآلاف من الأعوام، فوصفه وسبحان الناطق على كل لسان:
قصر عليه تحية وسلامُ خلعتْ عليه جمالها الأيامُ فقد بلغت واجهته حدَّ الإعجاز في العمارة والزخرفة بالأنصاب، وله بوابة واسعة لا عالية، فيها عشرة أعمدة توصل إلى ثلاثة أبواب، أوسطها معد للاحتفالات والتشريفات، وعلى يمين البوابة ويسارها رواقان، في كل واحد منهما ?? عمودًا، وعلى عضادتي البوابة تمثالان هائلان. منظر القصر الكبير للفنون الجميلة.
يكادان يناطحان السماك في السماء، ويسترقان السمع من الملأ الأعلى، هذا خلاف التماثيل والأنصاب المتنوعة المتعددة التي بين الأعمدة وبعضها، وتحتها أشجار وأزهار مصفوفة بأشكال رائقة تسر الناظرين.
وأمام البوابة تماثيل كثيرة من النحاس: أجملها تمثال أرسله قيصر الروسيا، وهو عبارة عن بطرس الأول مؤسس الدولة الروسية، بصفة جندي باسل يقبل طفلًا رضيعًا بين ذراعيه، هو لويس الرابع عشر ملك فرنسا.
ويتألف هذا القصر من ثلاثة أقسام متمايزة، مأخوذة من ثلاثة رسوم مختلفة، قدَّمها مهرة المهندسين. ولكن مجلس المحلفين عند اختيار الرسم الأوفق رأى أن يأخذ من كل شيء أحسنه، وأن يضم الثلاثة الأجزاء بعضها إلى بعض، وقد كان.
ومتى دخل الإنسان في هذا القصر وجد فناءً رحيبًا إهليلجي الشكل، طوله ??? متر، وعرضه ??، وتعلوه على مسافة ?? مترًا من الأرض، قباب واسعة من الزجاج والحديد، ومن منتهى المهارة في صنع الزجاج بهذه الأيام، أن في هذه القباب ألواحًا منحنية مقنطرة طولها ???? أمتار، وعرضها متر كامل، وسمكها سنتيمتر واحد.
وفي هذا الفناء سلالم كثيرة توصل إلى الدكّة الأرضية وإلى الدور العلوي. وفي كل منهما أروقة متعددة، وغرف جميلة يبلغ مجموع طولها ??? مترًا في عرض ?? مترًا.
وفي منتهى الفناء سلم التشريفة، وهو في غاية الإبداع يستند على أعمدة من الفرفور الأخضر كأنها سوق الأشجار. ولذلك أرادوا زيادة التشبيه والتضليل، فسكبوا من «ورق الحديد الأخضر» درابزونات في قوالب مخصوصة، على شكل النبات والأوراق والأزهار فيصعد عليه الإنسان: كأنه طائر في أيكة أو عصفور في قفص، وهو أسلوب جديد بديع في إقامة السلالم.
وقد بلغت نفقات هذا القصر ?? مليون فرنك، وهو مقام على أرض مساحتها ????? متر مربع. وبعد انقضاء المعرض يبقى هذا القصر مع القصر الصغير المواجه له، وأما بقية العمائر والقصور التي في المعرض فتزول كأنها لم تكن، فحياتها كالأزهار: يوم أو بعض يوم.
وسيبقى هذا القصر مخصصًا لإقامة المعارض السنوية الخصوصية المتعلّقة بالخيل والصور والرسوم والزراعة، ونحو ذلك من الاحتفالات. ولذلك هندموه بمراعاة الاحتياجات المستقبلة على قدر الإمكان. وجعلوا في أسفله «بدرونات» واسعة يمكن أن تسع ??? رأس من الخيل على الأقل.
ويشتمل القصر الآن على ثلاث معارض: أولها: المعرض المئيني للفنون الفرنساوية وفنون الزخرفة، وهو يشمل المدة المنحصرة فيما بين سنتي ???? و????.
ثانيها: المعرض العشري للفنون الفرنساوية من سنة ???? إلى سنة ????.
ثالثها: المعرض العشري للفنون عند الأمم الأخرى.
فالقسم الأيمن من هذا القصر في الفناء وفي الدَّوْر الأرضي والعلوي مخصص للصنفين الأولين، والقسم الأيسر موقوف الآن، لعرض ما أبرزته قريحة الأمم الأجنبية في الرسم والتصوير والنقش وصنع التماثيل. وهذا بيان الأمم التي تبارت في هذا المضمار، رتَّبته على حروف المعجم:
أرچنتين، أسبانيا، أكواتور، ألمانيا، أوروجاي، أوستريا، إيطاليا … برتقال، بريطانيا العظمى، بلجيكا، بولي?يا … تركيا، جواتمالا … الدانمرك، الروسيا، رومانيا … سان مارين، السويد، سويسرا، سل?ادور? … شيلي … الصرب … لوكسمبرج … موناكو … نورويج … هاواي، هنكاريا، هولاندة … الولايات المتحدة … اليابان، اليونان. وفي الفناء تماثيل تفوق الحصر، منحوتة من الأحجار والرخام أو مسبوكة في قوالب من الجبس أو من الشبهان، وكلها هائلة الجثة ضخمة التركيب: بعضها مفرد وبعضها مركب من جملة أشخاص، وبعضها عبارة عن خيالات وأوهام، وأخرى يرمز بها إلى المعاني والأفكار: كتماثيل الحقيقة والفزع، وينبوع النهر والبكاء، والنوم والرؤيا، والفرح والموت، والحياة والعودة من السفر، والإحسان والفضيلة، والرذيلة، والشيخوخة والجمال، والقوة والحلم، والنصر والمروءَة، والكرم وغير ذلك من المعاني التي تخطر على البال، مثل: العشق وهو يخلب الفؤاد ويصرع الرجال ويفتن النساءَ والأطفال، ومثل الحرية وهي تنير العالم بضيائها الساطع، ومثل الدهر في زي شيخ كبير جالس بسكينة ووقار، وفي إحدى يديه منجل يحصد به العالم وفي الأخرى الجماجم، وأمامه بنكام أو ساعة رملية يستدل بها على انقضاء الآجال وفناء العالم.
وهنالك تماثيل أخرى تحاكي الطبيعة وتمثل الإنسان في جميع أحواله وأطواره وأفعاله، وحركاته وسكناته بالليل وبالنهار، أو تمثل أشخاصًا مشهورين في التاريخ أو آلهة اليونان وغيرها من الأوثان، وبعض الملائكة الأبرار وبعض الأنبياء الكرام. عدا تماثيل الحيوانات الأليفة والنَّفورة والوحوش في القفار والبحار. ومما راعني من هذا القبيل تمساح أخرج رأسه من الماء وقبض على ساق فيل عظيم ورد ليشفي الغليل فاشتبكا ببعضهما، فلا مندوحة لهما عن الخلاص. وإنسان في العصر الحجري يقتل الدبّ الكاسر بعد أن أصابته منه جراح بليغة وهو لا يبالي بها.
وآساد تتقاتل، وإنسان الغاب يفترس رجلًا متوحشًا، وقرد مفترس من النوع المعروف بالغورلَّا قد اختطف امرأة بديعة الجمال.
ومما استوقف نظري في هذه التماثيل المتزاحمة تمثال فيكتور هوجو شاعر الفرنساويين، بل متنبي الإفرنج وتحت أقدامه وحوله تماثيل ورموز كثيرة، تمثل الشعر والموسيقى والرواية والتاريخ والشهرة والإعجاب. ومع كل واحد منها إكليل يحاول السبق في وضعه على رأس الشاعر. فكيف لا يتفانى الناس هنا على اكتساب الأدب والآداب. ورأيت في معروضات إسبانيا قبرًا فخيمًا حوله الملائكة تبكي والناس مصعوقين من شدة الأسى والعويل.
ولمن أقيم هذا الأثر؟ لرجل اشتهر عندهم بالغناء والتلحين. فكيف لا يتهالك الناس على إحياء الطرب وإجادة الصوت لنيل الصيت؟
ثم صعدت إلى الدور الأرضي والدور العلوي، فرأيت ألواحًا من الصور والرسوم ذات الألوان المختلفة، مما يجلّ عن الوصف ويتعاصى عن الحصر، ولا أصف لك شيئًا منها؛ لأنها كلها تتمثل للرائي منتعشة بالحياة، ولا ينقصها سوى ذلك النسيم الرباني: الروح. بل إذا أحدقت النظر إلى صورة منها تخيلتها تناديك أو تناجيك، وإذا أبعدت عنها ذات اليمين أو الشمال، رأيتها تتابعك بالنظر، وترنو إليك بالطرف، ومهما تحولت عنها تحولت إليك.
والخلاصة: إنني أدعوك أيها القارئ أن تنظر إلى الطبيعة كلها، وما انطوى بين الأرض والسماء، وأن ترسم ذلك على مقلة العين، ثم تستغرق في فكرك بالليل وبالنهار: فكأنك حينئذ شاركتني في رؤية هذه الصور كلها بالتمام، وما أغرب تركيب الألوان على صفحات القماش: فالناظر إلى بعض هذه الألواح (بلا قافية) يرى الظلام والأفياء، والظلال والأضواء، كما هي في الطبيعة بحيث تظهر الصورة المسطَّحة كأنها جسم له ثلاثة أبعاد، أليس هذا مما يخلب العقول ويسحر الألباب؟
واعلم أن المتفرج والطائف مهما تدرَّعا بالصبر والثبات لابد لهما من الكلال والملال، والاعتراف في آخر الأمر بالعجز عن الاستيعاب، أما أنا فبعد التعب والنصب أخذتني الشفقة على سيقاني، فجلست في إحدى غرف الراحة أُجيل الطرف ذات اليمين وذات الشمال، وأتردد بالفكر بين الشرق والغرب؛ فخطر لي أن الأَوْلى بالشفقة والرحمة هم أولئك المساكين الذين يسمونهم بالمحلّفين؛ إذ كيف يتوصلون للحكم بين هذه المعروضات الكثيرة؟ كيف يمكنهم أن يميِّزوا أحدها على الآخر بقصب السبق في هذا الميدان؟ مع أنها تعدّ بآلاف الألوف، وكلها قد توفرت فيه صفات الجمال والكمال، كان الله في عونهم.
نعم، إنني لست من أهل هذا الفن، ولكن ها هو حكمي بالإجمال على بعض ما عرضه أبناءُ الدول الأجنبية:
إيطاليا: يغلب في رسومها البهجة والنضارة والفرح والخلاعة.
ألمانيا: رسومها فيها وقار وجلال وسواد وظلال.
بريطانيا العظمى: تمتاز بمناظر البحر وأدواته.
أما اليابان: فحيا الله أهلها، فقد بيضوا وجه الشرق بين أمم الغرب بمعروضاتهم البديعة الأنيقة، وتصويرهم الطبيعة بما يقارب أو هو الحقيقة.
وهنا يجب عليَّ أن أحيط القارئ بتعبي في الصعود والنزول والذهاب والإياب؛ لرؤية الرسوم المعروضة باسم الأتراك. فبعد البحث الشديد والإلحاح في السؤال عن الطريق (وهو ذل وقاك الله منه!)، رأيت أربعة ألواح لرجل يضع إمضاءه على بعضها باسم «چاهين»، ويضع على البعض الآخر اسمه بالكامل «إدجار چاهين» فطأطأتُ الرأس، وأغمضتُ العين، وأخفيتُ الوجه خجلًا وحياءً من تقحمه على عرض أشياء لا يرضى بها صغار المكاتب خصوصًا في هذا الميدان. فإنه اشتغل بنقل بعض ما نراه في جرائد الإفرنج الهزلية بتصوير جهة من أحد شوارع پاريس، أو بعض أشخاص إفرنكية في غاية البساطة مع منتهى الخلاعة … ونحو ذلك مما يتلقاه التلامذة من مبادئ فن التصوير، ورأيت له أيضًا صورة السفير العثماني الحالي بپاريس، وهي لا بأس بها. ولكن الحق يقال: إنه ما كان يصح له المباراة في هذا المضمار، فإنه لا يعود عليه ولا على أمته بشيء من الفخار … بل بالعكس، واآسفاه! وكان الأَوْلى له أن يحذوَ حذو بعض الإفرنج في نقل صورة المعيشة الشرقية، أو مناظر البسفور الشائقة، أو غير ذلك مما انفردت به بلاد الترك وغيرها، فإنها كانت حينئذ تستجلب الأنظار والإعجاب، ولكن قدّر فكان، ولذلك خرجت من القصر بعد العصر، جامعًا بين الإعجاب والاكتئاب.
القصر الصغير

بين الأشجار الباسقة، والأطيار الناطقة، والأزهار اليانعة، والرياض الباسمة، يتجلَّى بناءٌ فخيم، يواجه القصر الكبير، يقف أمامه الجمُّ الغفير، وتأُمُّه الجماهير تتبعها الجماهير: هذا هو القصر الصغير!
ما ألطف هذا الاسم! أليس كل صغير في الطبيعة أحلى وأجمل؟ فهذا القصر كذلك، وإن كانوا وَسَمُوه بالصغير، فما ذلك إلا لعدم اتساع مساحته، أما شكله وبناؤُه فيسحران العقول ويخلبان الألباب.
أُقيم هذا القصر الأنيق على مسطح من الأرض قدره ??? متر مربع، وبلغت نفقاته ?? مليونًا من الفرنكات، وسيبقى بعد انتهاء المعرض العام ملكًا خصوصيًّا لمدينة پاريس، أي لمجلسها البلدي، تجعله متحفًا خاصًّا بها، وذلك في نظير اشتراكها مع الحكومة في مصاريف المعرض، ودفع مبلغ ?? مليون فرنك من صندوقها.
بابه معقود رفيع البناء، يحفّ به صفّان من العمدان، ويُصعد إليه بدرجات واسعة منحوتة من الحجر الجلمود، توصل إلى دركاه مستديرة تعلوها قبة شاهقة. وهذه الدركاه يتلوها فناءٌ مكشوف للسماء يدور حوله رواقان متوازيان.
فإذا قصده الإنسان وطاف في الرواقين حتى وصل إلى نقطة الابتداء، رأى تحائف وعجائب يستغرق وصفها الوقت ولا يفي به التعبير.
يرى في وسط الدركاه تمثالًا على جواد، وكلاهما في الحديد غاطس، وهذه آلات الحرب التي كان يتدرّع بها أحد ملوك فرنسا المشهورين.
ثم يجد على اليمين والشمال دهليزين، يوصِّلان إلى الأروقة المستديرة، وفيهما صنوف من الزرود والتروس، والدروع والخوذ، واللامات والطاسات، ونحو ذلك من آلات الحرب والجلاد التي كانت مستعمَلة في القرون الوسطى، قبل اختراع البنادق والمدافع، وقبل أن تُوَلِّي أيام الشجاعة والبسالة والإقدام، وتقوم بدلها قوة الآلات الساحقة الماحقة على أبعاد هائلة. وكل هذه الأدوات موضوعة بالكيفية والهيئة التي كان القوم يستعملونها بها في تلك العصور، عصور الحماسة والشهامة.
•••

ويرى عربات حربية وأخرى ملوكية مما يُحمل على الأعناق، أبدعُها مركبة على قاعدة تشابه السحلفاة، وأخرى مصنوعة في كتلة من الخشب على هيئة النمر الكاشر الكاسر، وقد جوّفوا ظهره على هيئة كرسيّ يجلس عليه الراكب بتمام الراحة.
وكل هذه الطرائف تاريخية، محفوظة في المتاحف أو عند بعض الغواة من أهل الثروة، وقد كانت لملوكهم أو شجعانهم أو أمرائهم أو غيرهم من المشاهير والأعلام.
وإذا دخل الزائر في الرواقين المستديرين وجد متحفًا عجيبًا غريبًا نادر المثال، كيف لا وهو خلاصة المتاحف في فرنسا كلها، وقد قصدوا بتنظيمه أن يضعوا أمام الأنظار: كيفية تقدم الصناعات الفنيّة وترقّيها بالتدريج، من الابتداء إلى آخر القرن الماضي.
فيرى أعمال الصياغة والمجوهرات بحسب اختلاف الدول والأوقات، ويرى شمعدانات غريبة الأشكال، وأخصُّها شمعدان صغير على هيئة فسقية بديعة، فوقه إناء يتناثر منه الماء، فتدور الشموع بالأنوار، فيتضاعف الضياء بشكل تنشرح له العين ويقر به الفؤاد، ويرى مداليات وموائد وكراسي وسكردانات ورسوم وتصاوير ونقوش ومراوح، وعلب دقيقة من الذهب الإبريز، وأخرى تزينها المينا بشكل جميل دقيق. وساعات جميلة فاخرة مما يعلق بالحائط أو يقام بجانب الجدران، أو يوضع فوق الموائد، وكل هذه التحف غريبة في بابها تستوقف الزائر ويحار فيها الواصف، فضلًا عن كونها كلها من المخلفات التاريخية المتصلة السند.
ولا أرى حاجة للإطالة في وصفها والتعريف بها، أو إحاطة القارئ علمًا بماهيتها وكيفياتها وأشكالها وأسماء أصحابها في الغابر أو في الحاضر، فذلك مما لا تسعه الدفاتر، وإنما لابد لي من ذكر مثال واحد ليستعين به على تخيُّل هذه الطرف العجيبة: فمن أغرب ما رأيته ساعة مركبة فوق أرغن صغير، وتحته تخت آلاتيه وموسيقارين (موسيقاتية) وأهل رقص وطرب، وأمامهم رئيسهم في يده عصاه، لضبط حركاتهم وأصواتهم ونغماتهم، فكأنه الملك في يده الصولجان. وكل ذلك مصنوع من الفخار المطليّ بالمينا، المنقوش بالألوان الزاهية والأصباغ الباهية، تحيط به الأزهار البديعة الرائقة، وكل ذلك من شغل سكسكونيا. وهذه الأشخاص الصغيرة محفوظة تمامًا فلا ينقص أحدها ولا أصبع واحد. وهي مصنوعة من عهد بعيد، ولكن عناية القوم بالتحائف على وجه العموم أبقتها سليمة إلى الآن حتى كأنهم قد أحضروها بالأمس من معمل الصانع.
ولكن أين هذه الساعة من تلك التي يقف الناس أمامها أفواجًا أفواجًا وكلهم مبهوتون حائرون من شكلها بل من القيمة التي وصلت إليها:
قاعدة مربعة من الرخام، تزدان بنقوش بارزة تمثّل بعض الملائكة الكرام، وطائفة من آلهة الغرام، وفوقها أسطوانة من المرمر منقوشة نقشًا بديعًا، تحيط بها ثلاثة تماثيل تُعرف عند الإفرنج: «بالمحاسن الثلاث» (Les Trois Graces) في أيديهن أغصان متواصلة ببعضها وبينهن، وهذه الأغصان تزدان بالأزهار والأثمار. وكل واحدة من المحاسن واقفة بهيئة مخصوصة تسر العقول وتخلب الألباب. إحداهن تشير بإصبعها إلى شيء كالجرن موضوع فوق الأسطوانة وعلى حافته بيان عدد الساعات. وربما كان في داخل الأسطوانة أدوات الحركة فتدور حافة الجرن، ويكون تعيين الساعة بواسطة إصبع الغادة، وفوق الجرن غطاءٌ من الرخام يزدان بالأزهار. وهذه الساعة يمتلكها رجل من كبار الفرنساويين اسمه الكونت كامندو (Camondo) والغريب في قصتها أن أصل ثمنها ??? فرنك، واشتراها هو بعشرة أمثال ذلك المبلغ، وعد القوم ذلك حماقة منه وسفاهة وجهلًا، وأراد أبوه أن يحجر عليه أمام «المجلس الحسبي»، كما أنه سعى من جهة أخرى في إرساله إلى مستشفى المجاذيب. ثم ظهرت قيمتها عند العارفين فعرضوا عليه عشرة أمثال ما دفع، فرفض فضاعفوا له العطاء وهو مصرٌّ على الإباء، فجاءه رجل من أغنياء الأمريكان وعرض نصف مليون من الفرنكات فلم يقبل، فزاد حتى وصل إلى المليون وصاحبها لا يعرف الإجابة بغير كلمة «لا» حتى جاءَه في هذه الأيام الأخيرة عطاء من رجل من أغنياء الإنكليز بمبلغ مليون ونصف مليون من الفرنكات أي ???? جنيه إنكليزي تقريبًا، فكتب صاحب الساعة يقول له ما خلاصته: «إن الساعة قد أصبحت في غير ملكي، ولستُ إلا كالحارس عليها الحفيظ بها فإنني أوصيت بها لمتحف اللو?ر. فإن شئت أن تشتريها فضاعف الثمن الذي عرضته، وأرسل إلى إدارة المتحف مباشرة مبلغ ? ملايين من الفرنكات يكون نصفها باسمك والنصف الآخر باسمي حتى يتسنى لهذه الإدارة تخصيص المبلغ لمشتري التُّحف والطرف.» فلم يَرَ الإنجليزي وجهًا للقبول؛ إذ ليس له حظ في دفع ماله لمساعدة غير بلاده. ولهذه الساعة خفير مخصوص قد هام بها غرامًا؛ فهو لا يكاد يبارحها، ولا ينفكُّ عن الوقوف أمامها والنظر إليها. حتى لقد عرضوا عليه الترقية بالانتقال، فشاكل صاحبها في الرفض، وقال: «لا أُفارق ساعتي دقيقة واحدة.»
وفي هذا القصر أيضًا ستائر وطنافس وأبسطة من الحرير المنقوش بهيئة مناظر متنوعة وصور جميلة بالغة في الإتقان، بحيث يخالها الناظر ألواحًا من القماش قد صوّرها أبرع النقاشين بأزهى الألوان وأبهى الأدهان. قطعة من الرخام من صنع المتفنن فالكونيه (Falconet) وهي عبارة عن ساعة تحملها المحاسن الثلاثة، ومعروضة في القصر الصغير يمتلكها الآن الكونت كاموندو، وعرضوا عليه في ثمنها ??????? فرنك فلم يقبل، وهو من سراة الإسرائيليين المثرين بپاريس.
ثم يمر الإنسان أمام مجموعة بديعة من تماثيل البرونز (الشبهان) ألطفها في الصناعة بل أبشعها (في النفس) صورة لبوة قد افترست جوادًا كريمًا، وهنالك مجموعة أخرى تُلقي الرعب في رُوع الناظر، والحقيقة أنها عبارة عن مصابيح تلقي الرعب في قلب الظلام، فيتولّى أمام أشعة الضياء التي ترسلها في الغرف والمناظر. هذا خلاف عِضَادات الأبواب التي كانت في قصور القدماء، وكلها من المرمر الثمين والخشب النفيس.
أما الخشب فقد جمعوا منه تحائف يحار فيها العقل ولا يشبع منها الطرف، فكله مشغول شغلًا دقيًّا دقيقًا رقيقًا.
ومما أعجبني كثيرًا مصنوعات البرونز وظهور الترقِّي التدريجي في أعماله، والتأنق المتوالي في طرقه وشكله ونقشه وزخرفته. فيرى الإنسان صناعته متدرجة من الساذج الخشني إلى نهايات الإتقان والكمال.
وكذلك الحال في مشغولات النُّحاس والعظم والعاج والخزف والفسيفساء والزجاج، ومصنوعات الحديد في «الكوالين» والأقفال والأغلاق والضباب والمفاتيح والأمواس والميرى والسكاكين والسيوف والبنادق والتماثيل، وأشغال المينا والطلاء والتمويه والتذهيب.
وأما الصحون فقد رأيت من تأنق القوم السالفين أنهم كانوا يصطنعونها بغاية اللطافة، ويغشونها برسوم رائقة تناسب الغاية التي وضعت من أجلها. فمثال ذلك الصحون والطاسات والجامات والكاسات التي كان يستعملها أهل الترف والنعيم، ترى عليها عبارات وأشعارًا في مدح المُدام والهُيام.
وأما الكتب القديمة: فكلها مؤلفة من رقوق رفيعة وجلود صقيلة تزدان بالرسوم والتزاويق.
وهناك مجموعة بديعة من النقود الذهبية والفضية والنحاسية ومن الأختام وغير ذلك.
وفي وسط الرواقين الدائرين حول بعضهما الفناءُ المكشوف للسماء، وهو على هيئة نصف دائرة تحيط به عمدان باسقة رائقة تحفُّ برواق داخلي. وفي هذا الفناء ثلاث بحرات جدرانها مموهة بالذهب النضار، وفي وسطها نوافير بديعة ترسل إليها الماء كحبال الخيال، أو كشعاع اللجين وحولها ورود وأزهار، قد تجلت محاسنها، في أبدع صورها بفضل فصل الربيع. ألا قاتلهم الله فقد حققوا وَهْم شاعر الأندلس:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ذهب الأصيل على لُجَيْنِ الماءِ واعلم أن هذا القصر قد جعلوه في أيام المعرض متحفًا عموميًّا لكافة ما أبرزته قرائح أرباب الفنون والصناعات في فرنسا منذ ابتداء المدنية إلى آخر سنة ???? فيما يختص بالأثاثات وزخرفة داخل المساكن والمعابد والعمائر الأثرية العمومية. على أن ذلك لم يمنعهم من استعارة بعض التحائف من المتاحف الأجنبية، ومن بعض الغواة من الغرباء؛ لتكميل سلسلة التدرّج والارتقاء كما فعلوا في مصنوعات العاج مثلًا.
والخلاصة: أن جميع التحف والطرف مجموعة في هذا القصر بنظام بديع وأسلوب لطيف. بحيث يجد العالم في هذه المجموعات ضالته المنشودة، ويرى فيها المتفرج ما تقرُّ به عينه ويرتاح خاطره. ويرى الإنسان تقدم الفن بالتدريج في أشغال العظم والعاج والبرونز والحديد (في الأسلحة والمشغولات والأقفال) والخزف (في صناعة الفخّار والقيشاني والصيني) والخشب المنقوش و«الموبيليات»، وفي المنسوجات (من أقمشة وطنافس وتطريزات)، وفي الجلود وفي صياغة المعادن (المجوهرات والساعات) وفي المينا وفي الزجاج وفي الفسيفساء، وفي ضرب السكة (أي النقود)، وفي الكتابة وتزويق الكتب وطبعها.
وأغلب المصنوعات الداخلة تحت هذه الأنواع مرتبة بحسب العصور التي صُنعت فيها. وهيهات هيهات أن يكون لهذا المتحف مثيل في العالم كله؛ لأنه خلاصة المتاحف كلها، وهيهات هيهات أن يسمح الزمان باجتماعه مرة ثانية في هذا القصر أو في غيره. ولذلك يخرج الإنسان من هذا المتحف العجيب النادر مبهوتًا، ويداخله الأسف من كون هذه الذخائر النفيسة والأعلاق الثمينة ستتبدد بعد بضعة شهور، وترجع إلى مكامنها؛ إذ يطوف عليها (هي أيضًا) هادم اللذات ومفرق الجماعات.
? (الدنيا في پاريس) أخرنا نشر هذا الفصل إلى اليوم مع أنه وصلنا قبل رسالة افتتاح القسم المصري مراعاة لأهمية القسم المصري لدى القراء.? جمهوريات بأمريكا (أرچنتين، أوروجاي، بولي?يا، جواتمالا، سان مارين، سل?ادور).
قنطرة إسكندر الثالث


نهر السين يشق پاريس نصفين، ولزيادة العمار وكثرة الاتصال قد وضع القوم عليه قناطر كثيرة، في أماكن عديدة بحيث يكاد يكون بين القنطرة والثانية مائة متر بالأكثر في المتوسط. وقد بلغ عددها إلى الآن ??، ولا يُستبعد أنه يجيء يوم تتقارب فيه القناطر من بعضها حتى لا يبقى للنهر والملاحة، إلا منافس قليلة فيما بينها. وهذه القناطر مقامة في عصور مختلفة وبطرازات متنوعة.
•••

ولكن أحسنها وأمتنها هي القنطرة الجديدة المعروفة باسم قيصر الروس السالف، وذلك أن المهندسين تقدموا في فن سبك الحديد، ولذلك حاولوا كثيرًا تقليل عيون القناطر حتى لا تكون «بغالها» عقبة في طريق الملاحة، ولا مجلبةً للضرر والتّلف في أيام الفيضان، بسبب مقاومتها للتيار، وقد توصَّلوا لهذين الغرضين في هذه الأيام بأمريكا ثم بأوروبا، ولكنْ بقيت القناطر عبارة عن أقفاص هائلة من الحديد لا تحتوي على شيء من محاسن العمارة والبناء، ولا ترتاح لرؤيتها العيون. حتى جاءَت هذه القنطرة جامعةً بين المنفعة والجمال: إذ توفرت فيها المزايا المذكورة مع حسن المنظر وجمال المخبر ولطافة العمارة، فإنها ملقاة على النهر بلا سند ولا عمَد إلا على ضفتيه مباشرة، ولذلك فليس لها إلا «عين» واحدة، ولكنها كالعين التي تكرم من أجلها ألف عين.
وهذه القنطرة عريضة جدًّا (?? مترًا) بحيث أصبحت تسمح بسهولة المرور من فوقها ومن تحتها. وقد تعب في صنعها المهندسون الميكانيكيون والمعماريون، ولكنهما فازا فوزًا عظيمًا بجعلها متناهية في الفخامة والضخامة والجلال، مع الرشاقة واللطافة والجمال، فجاء منظرها موافقًا لما حولها من العمائر والقصور.
نعم، توصّل المهندسون لاصطناعها من الحديد مع رونقته وزخرفته حتى أصبحت أعجوبة من أعاجيب المعرض، وستبقى كذلك إلى ما شاء الله. فإنها والحق يقال تخلب الأنظار، سواءٌ مَرَّ الإنسان في الزوارق من تحتها أو وقف عليها أو أرسل إليها رائد الطرف وهو بعيد عنها، فإنه يرى في هذه الحالة الأخيرة قوسًا هائلًا من الحدائد مُلقًّى على جانبي النهر بانحناء خفيف لا يكاد يذكر بالنسبة لطوله العظيم. ولذلك جاءت «طبلية» القنطر محاذية لمستوى السكَّتين المتواصلتين بواسطتها. ومع ذلك فقد توصّلوا لجعل هذا الانحناء الخفيف كافيًا لمرور البواخر في النهر كعادتها، فانظر إلى هذه الدقة وهذا الضبط في حساب «وتصميم» المهندسين. فقد خططوا كل ذلك بالقلم الرصاص على سطح القرطاس، ثم حفروا الأساس ووضعوا الجدران وسبكوا الحديد وركبوه مع بعضه فوق النهر، فجاء كما وصفوا أو كما رسموا من غير أن يختل بشعرة واحدة. ولذلك فالمسافة بين «مفتاح عقد» القنطرة وبين سطح الماء هي ? أمتار و? مليمترات في الأيام المعتادة، فإذا ارتفع سطح الماء في منتهى الفيضان كانت المسافة عبارة عن ???? أمتار.
وطول هذه القنطرة ??? أمتار ونصف متر، وعرضها ?? مترًا نصفها للطريق والنصف الثاني منقسم شطرين بين البرازيق (التروتوار). وجسمها يتألف من ?? قوسًا من الفولاذ في كل الجانبين، وذلك لكي يمتنع الضرر الذي يصيب الحديد من اختلاف درجات الجوّ، ولكن يتدرج الثقل فيكون منتهاه في الخفة في وسط القنطرة، ومنتهاه في الشدة مرتكزًا على أطرافها المستندة على «بغال» من الصوّان والجرانيت، مبنيّة بغاية المتانة ونهاية الصلابة، لتحمل ثقل القنطرة الهائل? حتى لقد بلغ حجم الأساسات ????? متر مربع، وبلغت أكلافها وحدها مليونًا ونصف مليون من الفرنكات. قنطرة إسكندر الثالث.
و«بغال» القنطرة معقودة من جانبي النهر، فيسير من تحتها طريقان بل قبوان تمر في أحدهما الآن عربات الأومنيبوس والترامواي التي تجرها الخيول أو البخار أو الكهرباء؛ لأن جادّتها المعتادة، قد دخلت في حومة المعرض العام، ومتى انتهى هذا السوق الكبير رجعت العربات لخطتها المعتادة، وبقي الطريقان تحت القنطرة لمرور الناس على الأقدام أو في عربات الركوب.
وأمام القنطرة رحبتان مستديرتان، إحداهما على اليمين والأخرى على اليسار. وأول ما يلاقيه الإنسان على الجانبين عند اقترابه من القنطرة من الضفتين هو هرم صغير من الصوان الوردي المصقول، فوقه أربعة مصابيح كبيرة. وهو قائم على نقطة الاتصال بين الرصيف والقنطرة، وبعده بقليل أسد متَّشح بوشاح من الأزهار والأثمار، وبجانبه طفل صغير يلاعبه ويداعبه، وكأنه واقف لحراسة السلّم الصاعد من حافة النهر إلى هذه القنطرة، وبعده قصار وزهريات من المرمر الناصع، منقوشة نقشًا بديعًا ويتلوها الصرح الهائل. فتكون الصروح أربعة مثل كل الزخارف التي أشرنا إليها. وفوق هذه الصروح أربعة تماثيل كبيرة من البرونز مموّهة بالذهب، وكلها رمزية تشير إلى شهرة الفنون وشهرة العلوم وشهرة الصناعة وشهرة التجارة.
وهذه الصروح عبارة عن عمدان مربعة السطوح، وزواياها مؤلّفة بانحناء لطيف يصعد من أسفلها إلى تيجانها، وعند قواعدها تماثيل كبيرة من الحجر تشير إلى فرنسا في عصور مجدها الأربعة.
أما درابزونات القنطرة فهي منقسمة بكتل كبيرة من الصخور الملساء تعلوها تماثيل صغيرة من البرونز على هيئة أطفال راكبين فوق وحوش البحر، وبينهم ثريّات بديعة ومصابيح أنيقة من البرونز المموّه بالذهب، تحيط بهما أطفال تمرح وتلعب مع الأسماك، أو ترقص حول الأنوار؛ تجمعهم مع بعضهم حبال من الأغصان قد تألّفت من أزهار البحار. وما أعجب منظر هذه القنطرة في النهار، فإذا أقبل الظلام كانت كشعلة من النار أو مشاعل من الأنوار.
وفي وسط القنطرة «خرطوش» مكتوب عليه هذه العبارة: قنطرة إسكندر الثالث. وهذه الجملة منقوشة أيضًا على الصروح الأربعة. وذلك تخليدًا لاسم القيصر السابق، واختاروا هذا الاسم إكرامًا لابنه نقولا الثاني قيصر الروسيا الحالي أثناء زيارته لپاريس على أثر التحالف الروسي الفرنساوي، وكان هو الواضع للحجر الأول فيها بقدوم من الذهب الخالص في حفلة جليلة بلغت النفقة عليها ?? ألف فرنك. وكان ذلك في ? أكتوبر سنة ????.
أما القنطرة فقد بلغت أكلافها كلها ? مليونات فرنك منها مليون واحد لزخرفتها وزينتها.
استطراد

المعرض العام قائم على ضفتيْ نهر السِّين، ويتصل جانباه بالقناطر الأصلية المستديمة، وهي قنطرة الإسكندر الثالث وقنطرة الأنواليد وقنطرة الألما وقنطرة يانا. ولكن ضرورة المواصلات وكثرة الزحام أوجبتا إنشاء ثلاث مماشٍ وقتية على النهر لتسهيل المرور على الزائرين، وكلها من الفولاذ ومبنيّة بغاية المتانة والإحكام، فاثنتان منهما أقيمتا بجانب قنطرتي الأنواليد والألما وستزولان بانتهاء المعرض. أما الممشاة الثالثة فستكون مستديمة؛ لأنها مقامة في مكان يحتاج إلى كثرة المرور والعبور. وهي فيما بين قنطرتي الألما ويانا، وتوصل شارع المانوتانسيون Rue de la Manutention والضفة المقابلة له من النهر، حيث فيها الآن قصر الجيوش البرية والبحرية. ? يبلغ ثقل الفولاذ وحده المستعمل في القنطرة ???? طونولاطة.
الرصيف المتحرك والقطار الكهربائي


بالنسبة لاتساع المعرض وجسامة مساحته، قد افتكر القائمون بتنظيمه في الطرق التي تسهل بها المواصلات بين أجزائه وأطرافه، فمن ذلك القناطر والمماشي على نهر السين، والقناطر والمماشي المعلقة في الهواء فوق الشوارع المعتادة، والكراسيّ المتحركة في نفس حومة المعرض تسير بالمُقْعدِين من الزائرين، أو الذين يضنيهم التعب من الرجال والنساء أو الذين بهم عاهة من الأمراض أو زمانة من الزمان. ثم السلالم الصاعدة بقوة الكهرباء من الأدوار الأرضية إلى الطبقات العليا في قصور المعرض، فأما العجلات والعربات والدرَّاجات فاستعمالها ممنوع على وجه الإطلاق. ولكن أهم وسائط الانتقال العمومية في المعرض: الرصيف المتحرك والقطار الكهربائي. صورة القصر الصغير وفيه خلاصة المتاحف وأنفس الذخائر وقد وصفناه في الجزء الماضي.
فأما الرصيف المتحرك

فلا أدري من ذا الذي قال من علماء الإفرنج ولعله بسكال: «إن الأنهار طرق سيارة.» ولكننا قد رأينا الآن في هذا المعرض طريقًا سيارًا ليس من الماء في شيء؛ بل كله من الأخشاب يتحرك بقوة الكهرباء. وقبل أن أصف تأثُّري من هذا الطريق الغريب، لا بد للقارئ من بعض البيان والتفصيل.
في الحافة القبلية من المعرض، يرى الإنسان سواري وأساطين من الأخشاب يبلغ عددها ??? قائمة بجانب بعضها ومرتبطة ببوائك (لا بواكي) من الحديد والفولاذ ترتفع عن سطح الأرض ? أمتار، ويتألف منها شكل رباعي زواياه منحنية، ويبلغ امتداده ???? أمتار، وفوق هذا البوائك، رصيف تسمع له جعجة كأنك بالقرب من طاحون هائل يصدق عنده المثل القائل: أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا. وهذا الرصيف يتحرك في اتجاه واحد بلا انقطاع من الصباح إلى المساء: فهو حينئذٍ كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها. والكهرباء ترسل قوتها العجيبة إلى أضراسٍ تتداخل مع بَكَرَات وعجلات موضوعة تحت الرصيف، كما هو الشأن في أضراس الساعة.
وعلى مناسبة ذكر الساعة أقول لك أيها القارئ العزيز: إن الرصيف يدور في اتجاه يعاكس سير عقارب الساعة أعني من اليسار إلى اليمين. فتنتقل الحركة من الأضراس إلى البكرات فتدفع عرقًا من الخشب مرتبطًا بالرصيف، فيسير الرصيف إلى الإمام على الدوام.
وهذا الرصيف يتألف من ثلاثة شرائط متوازية: أولها: ثابت، وعرضه ???? متر، ويبتدئ بحاجز ثابت منيع. وثانيها: له حركة خفيفة، وعرضه ???? سنتيمتر. وثالثها: سريع السير، وعرضه متران، وينتهي بحاجز حصين يتحرك معه.
ولكي يتمثل هذا الرصيف في نفس القارئ أرجوه أن يتصور شريط التلغراف أثناء نقله للمراسلات البرقية، وانتشاره بقوة الميكانيكا من البكرة المطوي عليها. أو يتصور ذلك الشريط اللامتناهي الذي يخرجه «الحاوي» من فيه في الموالد والأسواق. أو يتصور سواقيَ (نواعير) كثيرة مصفوفة لا بالطريقة الرأسية المعتادة في المزارع والبساتين، بل أفقية موضوعة بجانب بعضها على شكل دائرة كبيرة يحيط بها «تونس» أو «طونس» عظيم فيه القواديس. أو يتصور عجلة ملقاة على الأرض وتدور على محاور متعددة … بل فليقرب من الحقيقة ويتصور قطارًا من قطارات السكة الحديدية مقلوبًا وثابتًا، أي إن ظهره موضوع على الأرض، وعجلات العربات هي التي تدور وحدها بسرعة مستديمة ومنتظمة، وفوقها شريط السكة الحديدية متعشّق فيها بأضراس: فهو الذي ينتقل بالحركة الآتية إليه من سير العجلات، فتنعكس القضية حينئذ (كما هو الواقع في الرصيف المتحرك)، ويكون القطار ثابتًا، والقضبان متحركة بالسقف المركب عليها من الخشب، وتنتقل بالناس من غير أن تقف في المحطات. وهذا السقف مؤلف من قطع عديدة متداخلة متعاشقة في بعضها، ومرتبطة بمفاصل كثيرة بحيث لا تفترق عن بعضها، وبحيث يسهل عليها الالتواء في الزوايا والمنحنيات.
وهذا القطار مزدوج، نصفه يسير بسرعة خفيفة جدًّا تجعل الطفل الصغير والشيخ الفاني يتمكنان بغاية السهولة من الوثوب عليه، بل من الانتقال إليه من الرصيف الثابت المعتاد. وذلك الانتقال أيسر من ركوب الإنسان في عربة الترامواي الكهربائي حينما تبتدي في حركتها بغاية البطء. ومع ذلك فقد وضعوا فيه أعمدة قصيرة من الخشب، على رأس كل واحد منها كرة حمراء يستعين الخائفون بها فتمتنع عنهم الكلفة في الركوب، وتزول المشقة على الإطلاق. وكذلك الحال في النزول بالتمام، وهذا الرصيف يسير ببطء زائد كالقطار «القشاش».
وأما النصف الثاني: فهو ملاصق له، وفيه أعمدة أخرى مثله، ويسير بسرعة مضاعفة كأنه «الإكسپريس» يستخدمه المستعجلون. والرصيف الأول يجري بسرعة ? كيلو مترات في الساعة، والثاني يقطع في سيره ? كيلو مترات في الساعة. وبهذه المثابة ينتقل الإنسان من الثابت إلى «القشاش» إلى «الإكسپريس» على معدلٍ واحدٍ من السرعة. فإنه في الحالة الأولى يكون بنسبة صفر إلى أربعة، وفي الحالة الثانية بنسبة ? إلى ? فلا يشعر الإنسان بأدنى مشقة في الحالتين. وحينئذ فمتى كان على الرصيف المتحرك الأول فأيسر ما يكون انتقاله إلى الرصيف الثاني، كما انتقل من الرصيف الثابت إلى الرصيف الذي يسير بقوة ? كيلو مترات.
وفي أقل من لمح البصر ينتقل الإنسان من الرصيف الثابت إلى الأول فالثاني، فيجد نفسه في قطار يجري به بسرعة ? كيلو مترات. وفائدة هذا القطار المتواصل المتوالي (لأنه قطار حقيقي) أنه لا يقف في «المحطات»، ولا يرسل الشّرار ولا قمامات الفحم إلى عيون الراكبين. فيتسنَّى لهم التمتع باستنشاق الهواء ورؤْية ما حولهم من المناظر التي تمتدّ على بعد ? كيلومترات. حتى إذا راقهم أحدها انتقلوا بالتدريج أو بوثبة واحدة إلى الرصيف الثابت. ولبثوا ما شاؤوا في مكانهم، أو تطيب لهم موالاة السير مع أحد الرصيفين المتحركين.
أما السرُّ في مسير الرصيفين بحركتين مختلفتين مع أن القوة الكهربائية واحدة فيها، فهو مثل حركة عقربي الساعة اللذين يدوران بقوة ميكانيكية واحدة، وأحدهما يقطع محيط الساعة في ساعة واحدة ويدل على الدقائق، والثاني: يقطعها في ?? ساعة ويدل على الساعات. ولزيادة الإيضاح أقول: إن كلًّا من الرصيفين مركَّب على عجلات صغيرة متوالية تجري على قضيبين متوازيين من الحديد، مثل التي تجري عليها «الوابورات». وهذان القضيبان مركَّبان — كما ذكرنا — على السواري والعمدان. وفي بعض هذه العمدان يظهر تأثير الكهرباء فينتقل إلى البكرات الموضوعة تحت الرصيفين فيتحركان كما يدور الحبل على بكرة البئر. ودائرة البكرات التي تحت الرصيف الأول تعادل ضعف التي يتحرك بها الرصيف الثاني، ولذلك تكون حركته ضعف حركة الرصيف الأول بالتمام.
وقد حسبوا عدد الذين يمكن انتقالهم بهذا الرصيف، وهذا بيانه على وجه التقريب:
إذا فرضنا أن الرصيف البطيء الحركة لا يُستخدم إلا لانتقال الناس إلى السريع الذي يبلغ عرضه مترين في طول ???? مترًا فيكون مسطحه وحده عبارة عن ???? متر مربع، ومن المقرر على وجه العموم أن المتر المربع الواحد يسع ? أشخاص واقفين بجانب بعضهم بتمام الراحة. فإذا فرضنا أن المتر الواحد يقف فيه شخصان فقط؛ فحينئذ يسع الرصيف السريع ???? × ? = ????? شخص في آن واحد. وحيث إنه يُتم دورته في ?? دقيقة وهو يشتغل مدة ?? ساعة، فهو ينقل في اليوم الواحد ????? × ?? أي ??????، فإذا تحقق ذلك فلا ينتهي المعرض حتى يكون الرصيف السريع قد نقل من الخلائق ?????? × ??? أي أكثر من ستة وتسعين مليونًا من خلق الله.
ويبلغ ثقل الفولاذ المستعمل في البوائك ???? طونولاطة، ووزن الأحبال النحاسية الكهربائية ????? كيلو جرام. وهنالك ??? محركًا كهربائيًّا لتوليد الحركة في هذا الشريط الطويل. الرصيف المتحرك.
شرح الصورة:

أول سطر: صورة قمم الأساطين والبوائك.
ثاني سطر: الرصيف السريع الحركة بدرابزون، وفيه رجل ثم آخر وزوجته ثم رجل ثالث.
ثالث سطر: الرصيف البطيء، وفيه امرأة ثم رجل آخر يتلوه ثالث في حالة الانتقال للرصيف السريع.
رابع سطر: الرصيف الثابت، وعليه ثلاثة رجال، ثم رابعهم وهو يحاول الانتقال إلى الرصيف البطيء، ثم امرأة تجتهد أيضًا في الركوب على الرصيف الأول.
وخلف ذلك كله المحطة بقبابها العالية، وفيها مصباحان كهربائيان، وخلفها الأشجار وراءها منارة قصر السويد.
•••

للرصيف المتحرك تسع محطات، فاخترت إحداها وصعدت على السلم بعد أن دفعت الأجرة، وقدرها نصف فرنك أي ?? مليمًا. فدخلت المحطة، وهي عبارة عن تجويف واسع في الرصيف الثابت، ووقفت أتأمل في حركة الرصيفين وفي مسيرهما بالناس، ثم تقدّمتُ إلى الرصيف «القشاش» ووضعت يدي على كرة حمراء فوق أحد العمدان الثابتة على الرصيف المتحرك بحركة خفيفة، ثم تعوذت من الشيطان، وذكرت الاسم الأعظم، ووضعت قدمي اليسرى على الشريط ورفعت الأخرى في الهواء فوجدتني محمولًا على ظهر الرصيف. فكأنني (بلا تشبيه ولا تلميح) سليمان فوق بساط الريح. وإذ لم أشعر بمشقة ولا ارتجاج، انتقلت إلى «الإكسپريس» فأحسست بالتدريج اللطيف في الانتقال من ? إلى ? ومن ? إلى ?. ولكنني داخلني الغرور (خصوصًا بعد التشبه بالذي سخرت له الرياح، وخضعت له الجان والأرواح) فأردت أن أضاعف السرعة أيضًا، فصرت أمشي خببًا على الشريط، وهو يوالي سرعته بانتظام. فكنت كالسائر فوق عربة الوابور أو على سطح الباخرة أثناء سيرهما الشديد،? فتضاعفت قوة مسيري مضاعفة غريبة حتى أصبحت (ولا فخر) من «أهل الخطوة»، فغبطت نفسي على هذه الحظوة. وتذكرت قول شاعر العرب: ملك الملوك إذا وهبْ لا تسألنَّ عن السببْ ولما تحققت أنني أضحيت من الذين لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ سرت مسرعًا على الشريط السريع في عكس اتجاهه؛ لأنني (في هذه الحالة) أنفت السير من الشمال إلى اليمين، ولكنني كنت ثابتًا لا أتحرك من مكاني، فإنني كلما رفعت قدمًا سار بي الشريط، فإذا وضعته واتجهت إلى الأمام كان الشريط يعاندني ويتجه إلى الخلف، فبقيت معه في خلف مستديم: أنا أعدو إلى الأمام وهو يوالي سيره إلى الوراء بلا مبالاة بي، فكانت القوتان تتكافئان، والحركتان تتعادلان، والنتيجة أنني أبقى ثابتًا في مكاني؛ لأنه مستمر على الهروب من تحت أقدامي. فكنت حينئذ كالسرطان في البحر وفي النهر: يمشي دائمًا إلى الخلف، بل كنت كالنائم تولاه الكابوس وناله الفزع والفَرَق، من مثل الحرق أو الغرق. فهو يريد أن يسرع في العَدْو والنجاة وتخونه رجلاه، وتغدره قواه، فيبقى في مكانه ويزداد خوفًا واضطرابًا بمناسبة مضاعفة الخطر ودوام اقترابه: حتى يمنَّ الله عليه بالخلاص من شؤم هذه الرؤيا كما حصل لي حينما اعتدلت في اتجاه الشريط السريع.
ثم انتقلت إلى الخفيف الحركة فالثابت. وصرت حينئذ أخالف في الوثوب والانتقال من الواحد إلى الآخر، وكانت مناظر المعرض تتجلى منتشرة أمامي في أبهى حلاها. حتى إذا خرج بنا الرصيف عن جهة المعرض، رأيت نفسي محاذيًا للدور الأول من الدور والمساكن.
وحينئذ أشفقت على السكان فإنهم معرضون على الدوام، لنظرات الخاص والعام، والقريب والغريب من الملايين المتوافدين على المعرض من أقطاب الأرض وأقطارها. لا جرم أنهم لا يستطيعون إقفال النوافذ، ولا إبقاءَها مفتوحة؛ ففي الحالة الأولى: يكونون محرومين من الهواء؛ وفي الثانية: يكونون معرَّضين للأنظار، وخصوصًا لآلات الفوتوغراف، فإن أصحابها يتمكّنون بغاية السهولة من استراق حركاتهم وأحوالهم، وهم لا يشعرون. نعم، إن سكان تلك الدور يمكنهم أن يلبثوا في مكانهم، ويرون حينئذٍ أهل الأرض قاطبة بأزيائهم وألوانهم ولغاتهم، يمرون أمامهم كما تمر الجنود أمام الملوك أيام الاستعراض العام. ومن جهة أخرى بأخذ صورة هؤلاء المصورين؛ إذ ألهتْهُم صناعتهم عن حركة الرصيف، فوقعوا عليه مضطربين متخبلين في آلاتهم، ولكن لا بد للسكان من انتظار هذه الفرصة التي تختل فيها موازنة المصورين. وهيهات أن تقع وهيهات أن يقعوا! ولذلك انتقل كثير من سكان تلك الأدوار على نية الرجوع إليها بعد انتهاء المعرض.
أما أنا، فجلست على قهوة في الرصيف الثابت؛ ليكون لي حظ من مشاهدة الخلائق تمرُّ أمامي كما مررت أنا أمام غيري، فرأيتُهم يمرون سراعًا تباعًا، أفرادًا وأزواجًا، نساءً ورجالًا، كبارًا وأطفالًا: كأنهم أشباح مرسومة على ستارة خيال الظل. وكانت الناس تمر أمامي كأني أراهم في المنام أو كأنهم مسوقون بيد القدرة «نعم، القدرة الكهربائية» إلى يوم المحشر الأكبر، بل إلى حومة المعرض العام.
ومن أهم وأغرب ما رأيته موكب العروس فوق الرصيف المتحرك، وبيان ذلك:
إن القوم يتهافتون على هذا النوع من الانتقال، ولهم به ولوع وغرام، لا يكاد يخطر على البال. وهم يتفنَّنُون في ركوب الرصيف والمسير والرقص عليه بكيفيات تعادله في الغرابة.
ولكن الذي فاق الكل هو موكب العروس في جلوتها، فإنها ركبت بملابسها الناصعة البياض مع عريسها متَّشِحًا بالسواد وأهلهما وأصهارهما ومعازيمهما والمهندراية، وغيرهم من الأتباع ولوازمه «الزفة» والاحتفال. وأتم هذا الجمع الغريب اللطيف، الدورة مع الرصيف، وهم مصطفُّون عليه صفوفًا متوالية متقابلة. وأخذوا يتناولون الطعام، ويتعاطون المدام، ويتبادلون أقداح الراح، في حظٍّ وانشراح وغناء وهتاف، والناس بجانبهم وأمامهم وقبلهم وبعدهم، يضاعفون لهم ولأنفسهم موجبات الفرح والسرور، فهكذا وإلا فلا.
القطار الكهربائي

اعلم أن القطار الكهربائي يشابه عربات الترمواي في القاهرة. غير أنه يسير بسرعة عظيمة مستمرة؛ لأن طريقه محصورة وخاصة به، وهو لا يقف إلا في خمس محطات معينة فقط. وهنالك فارق آخر، وهو أن التيار الكهربائي لا يجيئه بأسلاك معلقة في الهواء، بحيث يجعل الشوارع أشبه بالأقفاص؛ بل هو يسير بموازاة القطار أو بين الشريطين متولدًا في شريط ثالث، يلامسه على الدوام جهاز حكاك بارز من العربة فيأخذ منه ما يلزمه من قوة الكهرباء. وهذا القطار يسير تارة بموازاة الرصيف المتحرك وتارة أسفل منه. ويكون في كثير من الأحيان تحته بالتمام، وسرعة هذا القطار أكثر من الترامواي الكهربائي بكثير: أولًا: لشدة التيار وزيادة قوته.
وثانيًا: لأن طريقه خالٍ من العوائق الطارئة بسبب مرور الناس والعربات.
وثالثًا: لعدم اضطراره للوقوف لأجل النزول أو الركوب — اللهم إلا في المحطات المعينة.
ومعدل سرعته في الساعة الواحدة ?? كيلومترًا، وابتعاد الشريطين عن بعضهما متر واحد، ومن مميزاته أيضًا عدم وجود الآلة البخارية تضايق الراكبين بصفيرها وسعيرها، وهو يسير بعكس اتجاه الرصيف المتحرك، أي إنه يتبع في سيره حركة عقارب الساعة، أعني من اليمين إلى اليسار، وأُجرة الركوب فيه قرش صاغ واحد.
ويمكن أن تسير في الساعة الواحدة ?? قطارًا تجري وراء بعضها كما هو حاصل في أيام الزحام، وخصوصًا الآحاد الأعياد، وطول هذا الخط الكهربائي ???? مترًا. وعدد عرباته التي تتولد فيها الحركة ?? قوة الواحدة منها ?? حصانًا. وعدد عرباته المعدة للقطر والإنجرارية ?? والعربة من النوع الأول تسع ?? شخصًا، منهم ?? قعودًا، والعربة من النوع الثاني تسع ?? شخصًا، نصفهم وقوفًا، وكل قطار يتألف من ثلاث عربات، أولاها: تتولد فيها الحركة الكهربائية، فهو يسع حينئذ ?? + ?? + ?? = ??? راكب، وحينئذٍ فهذه السكة الكهربائية يمكنها أن تنقل في الساعة الواحدة في أيام الزحام ???? شخص؛ لأنها تستعمل ?? قطارًا تجري وراءَ بعضها، وحيث إن مدة مسير القطارات هي ?? ساعة في كل يوم فيمكنها أن تنقل في اليوم الواحد ?????? شخص، فإذا صرفنا النظر عن ثلث هذا العدد، وضربنا الباقي في عدد أيام المعرض لكانت النتيجة هكذا:
????? × ??? = ????????
أي أنه ينقل في مائتي يوم ستة عشر مليونًا من النفوس بالأقل.
واعلم أن الرصيف المتحرك والسكة الكهربائية هما لشركة واحدة رأس مالها ? ملايين من الفرنكات، والقريب من اليقين أنها ترجع بصفقة المغبون.
وقد ركبت هذا القطار فأخذني الدوار. وكنتُ حينما يمر بموازاة الرصيف المتحرك، أنظر إليه فأخاله ثابتًا، والناس عليه واقفون، وما ذلك إلا لشدة سرعة القطار بالنسبة لحركة الرصيف، وقد أتمّ دورته، وأوصلني إلى مكاني الأول في ?? دقيقة، بما في ذلك مدة الوقوف في المحطات.
? سوى أن السير عليهما ينتهي، ويضطر الإنسان للنكوص على أعقابه، وأما السائر على الشريط المتحرك فلا ينتهي مداه؛ بل يمكنه الاستمرار إلى ما شاء الله.
ذرة من عجائب الكهرباء والميكانيكا في المعرض


هذه القوة العجيبة هي روح المعرض، وقد ظهرت بها خوارق العادات ومنتهى المعجزات، فلا يكاد الباحث يجد من الوقت أو الورق أو العقل ما يكفي لوصف أو معرفة ما أبداه الإنسان بواسطتها من خبايا المكنونات، وغرائب الأعمال: فهي طلسم الطلاسم وسر الأسرار، يسخرها العقل في الإتيان بما لم يكن يحلم به الأولون، حتى أهل الخرافات والأقاصيص، وسنصف ما وصل إليه علمنا وبحثنا فيما يجيء من الرسائل بقدر المستطاع، وإلا فالإحاطة أمر يعجز عنه البشر أجمعون، كما أنهم لم يقفوا إلى اليوم على حقيقة هذا السر الغامض.
فهذه الكهرباء في المعرض قد سحرتنا وأدهشنا، ثم علمتنا وأفادتنا بما لم يكن يخطر على قلب بشر، وفوق ذلك أطعمتنا وجددت قوانا، بعد أن أنهكها طول التسيار في فسيح المعرض، الذي هو عبارة عن مختصر الأكوان، وحقق الاسم الذي اخترناه «الدنيا في پاريس»، ويصح لنا أيضًا أن نسميه: «بالعالم الصغير» تشبهًا بساداتنا الصوفية في تعريف الإنسان.
نعم أتاح لنا الحظ أن نتمتع في المعرض بالمآكل الكهربائية. فلعنة الله على الضفدعة ويومها، ولكن يجب علينا أن نذكر قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ فهي أصل اكتشاف الكهرباء كما هو معلوم، فلا ينبغي لنا بعد هضمها إلا أن نذكرها الآن بالرحمة وطلب الغفران.
شوربة بالكهرباء، سمك بالكهرباء، خضار بالكهرباء، يَخْنِي بالكهرباء، بفتيك بالكهرباء، فطورات بالكهرباء، حلويات بالكهرباء … إلخ إلخ.
لا يظن القارئ أن هذه الأصناف صنعتها الكهرباء بواسطة آلة ميكانيكية طاهية، فإن القوم لم يتوصلوا إلى اليوم لتحقيق هذه الأمنية، وإن كانوا قد أصبحوا يستخدمون الآلات بدل الإنسان في معظم الأعمال. حتى لقد رأيت في المعرض، وخصوصًا في مصنوعات كندا والولايات المتحدة وألمانيا، آلات تصنع الأحذية «الجزم».
وكان اختراع هذه الماكينات لبيت تجاري كبير في غربي أمريكا يبلغ عدد العملة فيه ??? (ستمائة) نفس، والأغرب أن هذا الجيش الجرّار، لا يشتغل إلا بمراقبة الآلات ونظام سيرها وحركة إدارتها، كما هو الشأن في وابورات الري والطحين والحليج وما شابهها. فجميع الجزم فيه ما تصنعه الآلات، ولذلك صار ثمنها زهيدًا جدًّا في كندا، وفي الأقاليم الغربية من جمهورية أمريكا العظيمة. وقد رأيت هذه الآلات في سيرها العجيب، وكيفية انتهاء عمل الجزمة فيها على شكل بديع أنيق، وعلمت أن الجزمة لا تتم في ذلك المعمل المستعجل، إلا بعد أن تمرّ بين أيدي ??? عاملًا، ومع ذلك فلا يستغرق كمال صنعها، سوى ?? دقيقة ونصف دقيقة، أي أقل من نصف ساعة.
وإليك التفصيل: دقيقة واحدة ونصف لتفصيل الجلد، ? دقائق لخياطته، ? دقائق ونصف لوضعه في القالب، ? دقائق ونصف لعمل النعل، و? دقائق ونصف أيضًا لوضع العُرَى والعيون والأزرار والقياطين «والتشطيب» على اصطلاح أهل الحرف والصنائع.
ويبلغ ما يتم صنعه في هذا العمل ألف حذاء في اليوم الواحد، وقد رأيت أيضًا آلات أخرى لمسح الجزم وتنظيفها وتمويهها بالألوان، فمتى يتاح للأزبكية أن تزدان بالعدد الكثير منها حتى نستريح من البرابرة وإلحاحهم وإلحافهم؟ فإن الإنسان يضع في فوهة في أعلاها قطعة من النقود تساوي ? مليمات تقريبًا. فإذا كانت زائفة أعادتها الآلة بغاية الأدب، وأبرزت أمامه كلمة «ولك الشكر»، وإذا كانت معتبرة صحيحة حفظتها لصاحبها بغاية الأمانة، ثم تنفتح أمام الطالب جملة عيون يضع فيها رجله على التوالي، فتمرّ عليها فرش متعددة متنوعة؛ لإزالة الوحل والغبار، ولضربها «بالبوية» المطلوبة، ثم تجفيفها وتلميعها، وهكذا الحال في الرجل الأخرى. وبعد تمام العملية تظهر صفيحة معلنا بالختام: «ولك الشكر يا مولاي!»
أما الآلات الطاهية بنفسها، فلم يتوفق القوم لإيجادها الآن. وحينئذ فليطمئن الطهاة على مراكزهم أمام النار — ولكن إلى حين، حتى تتّحد الميكانيكا والكهرباء على إراحتنا منهم إلى ما شاء الله. ولا شك أن الأمل سيتحقق قريبًا، فإن أهل التفنن والاختراع لا يزال يدفعهم ما يلاقيه الناس من سماجة الطباخين ومعاكساتهم إلى مواصلة الليل بالنهار؛ للحصول على الآلة التي يدخلون الأرنب حيًّا في أحد أطرافها، ويخرجونه من الطرف الآخر طعامًا شهيًّا للآكلين، وبجانبه قبعة (برنيطة) رسمية تسر الناظرين والمتقبعين.
كيف لا وقد صنعوا الأطيار تحاكي عرائس الأشجار في القفز والتغريد؟! أوَلم يتوصلوا من زمان مديد؛ لاختراع آلة لضرب الأعداد مهما كثرت فيها الأرقام، أو تنوعت الكسور الاعتيادية والأعشارية؟ ولكن هذه الآلة التي كانت موضع العجب والاستغراب، قد أصبحت من الأمور البسيطة التافهة بجانب الآلة الجديدة التي اخترعها لحل المعادلات الجبرية، رجل من علماء أمريكا اسمه چ. ب. جرانت (G. B. Grant) من أهل مدينة بوستُن. ولا يخفى على من يتعاطون العلوم الرياضية صعوبة حل المعادلات وطول الوقت الذي تستغرقه، وألوف الأرقام التي تستوجبها، ولذلك تلقَّاها العلماء بالتبجيل والتهليل، والتبريك والترحيب؛ لأنها توفر عليهم الوقت الطويل والعناء الكثير، وتضبط حساباتهم بالتدقيق. وليس في المعرض كله سوى مطبخ كهربائي واحد، كائن على ضفة نهر السين تحت القصر الخاص بدولة إسپانيا. وربما كان لأجدادنا الأندلسيين (رحمهم الله) قسط وافر من الأسباب التي دعت إلى وجوده، فقد احتوى هذا القصر على نفائس وذخائر ليس لها قيمة تقف عندها. ولذلك حظروا استعمال النار وزيت الحجر (البترول) وغاز الاستصباح في الدور الأرضي تلافيًا لأخطار الحريق، وزيادة في الحرص على هذه الكنوز التي لا نظير لها على وجه الأرض: فمن ضمنها قباء أبي عبد الله، آخر سلاطين بني الأحمر بآخر معقل للمسلمين في الأندلس: غرناطة. ومن ضمنها أيضًا أسلحة السلطان المذكور، وجرابان كان يضع فيهما نسختين جليلتين من الكتاب الكريم. وهي آيات من محاسن الصناعة العربية الأندلسية، لا تزال ولن تزال شاهدة بفضل هذه الأمة المجيدة التي أخنى عليها الزمان، وفي القصر المذكور أيضًا عمامة حربية من النحاس المُحلَّى بالفضة، كان يضعها أمير البحر الجزائري المعروف بخير الدين المشهور عند الإفرنج ببربروس (ذي اللحية الشقراء) فيعرفه الإفرنج في البحار، ويتعلَّقون بأذيال الفرار، ولكنه كان يتصيَّدهم كما يتصيد القط الفأر.
غير أن هذا المنع لم تنثنِ أمامه عزيمة المالكين لطلسم الكهرباء، فعرضوا على الحكومة الإسبانية أن تأذن لهم في استعمال الوقود الكهربائي، فارتاحت وأباحت، لعدم تولد الدخان والرماد والروائح الكريهة التي تنشأ عن مواد الحريق المعتادة، وأيضًا لامتناع خطر الحريق على الخصوص. موناكو/رومانيا/أسبانيا/ألمانيا (صور بعض قصور الدول الأجنبية، وسيرد الكلام عليها في شارع الأمم).
وهذا المطعم يمكن أن يأكل فيه ??? إنسان في كل يوم. وقد بلغ عدد الذين ترددوا عليه من يوم افتتاحه في ?? أبريل إلى يوم ?? يونيو الماضي ???? نفس. وحسبوا مقدار ثمن الوقود عن كل أكلة كاملة، فإذا هو قرش صاغ واحد فقط، وهو بلا شك ثمن زهيد.
وكيفية تهيئة الألوان بالكهرباء أن تيارها يمر على مواد كثيرة الصلابة شديد المقاومة؛ فتسخن ثم تحمى، ثم تصهر حتى تصل إلى درجة الاحمرار والاشتعال. وحينئذ يتولد منها حرارة شديدة جدًّا. وهذه المواد مركبة من البارود المعدني الموصل للحرارة، مختلطًا بأجسام خزفية لا توصلها. وهي مصنوعة على شكل أساطين دقيقة أو قضبان جزئية أو صفائح صغيرة ونحو ذلك.
وفي هذا المطعم وجاقٍ كبير طوله متران وعرضه ???? متر، فيه ثمانية كوانين (مواقد)، ويمكن أن تصل درجة الحرارة فيه إلى ?????. وهنالك أيضًا مقلاتان كبيرتان وفرنان تختلف درجة الحرارة فيهما، نظرًا لاحتياجات الطهاة، وفيه حوض كبير لتسخين الماء يسع ?? لترًا، وآخر مثله في الاتساع لأجل أصناف الخضار. وفيه فوهتان صغيرتان لعمل القهوة والشكولاته والشاي.
ويقول العارفون: إن مصاريف الكهرباء في هذا المطبخ لا تزيد عن أثمان الوقود بالأنواع الأخرى في بقية المطاعم في المعرض.

ليالي الزينة والوقود


بعد أن فرغ الانتظار في انتظام الأنوار، تجلّت الكهرباء بين كتائب الظلماء، فخجلت كواكب السماء مما رأينا من بهاء السناء. فمن ذا الذي يتاح له وصف هاتيك المشاهد أو التعبير عما خالج الضمير، أمام هذه المناظر؟
العين ترى عجبًا، والقلب يزدهي طربًا، واللسان يتلعثم عيًّا، والبنان يضطرب عجزًا، والعقل يندهش، والفكر يحار، والإنسان كله انذهال في انذهال.
فلو بعث إسماعيل لوادي النيل، وعاد السعد لخدمته، والمجد لدولته، فازدانت له القاهرة بالأنوار والأضواء، وخفقت على نواصيها رايات العظمة والكبرياء، وتجلت بأجمل مجاليها في أحلى لياليها، ما كانت أمام العيون إلا كالنقطة في النون؛ بل جزء من مليون، مما حارت فيه الأنظار والأفهام، حينما انتظمت الزينة في هذا المعرض العام.
بل تصور بغداد وما كانت عليه بغداد في أيام بني العباس وخصوصًا واسطة عقدهم الفريد، هارون الرشيد. وافرض أن الشرق صافاه الزمان، فرجعت له سطوته وبهجته وأعاد الله دوره كما هي سنته، فاحتفلت أممه في دار السلام بهذا العصر الجديد، وهذا اليوم السعيد، احتفالًا لا يعادله احتفال، ولا يكاد يخطر على البال. فتأنقت في الاختراع، وتفنّنت في الإبداع، وكان لها مظهر أكبر ومنظر أفخر، يفوقان هواجس النفس وأضغاث الأحلام.
ثم ضاعفت هذا المنظر الموهوم مئات وآلاف من المرات، ثم كرر النظر بعين الخيال وضاعفه أيضًا إلى ما شاء الله: تتكوَّن أمام بصيرتك صورة طفيفة من منظر المعرض في ليالي الأنوار.
•••

الكهرباء: تتدفق كأنها سيول من الأنوار في المجاري والأنهار، في المسالك والشوارع بين المباني وفوق الأشجار، على صفحات الماء وفي كبد السماء. فتتعدد الأشباح في المجيء (و) الرواح.
ازدانت نحور القصور، بقلائد من النور: وأشرقت القباب والأبواب، وتمايست المآذن والأنصاب، واشتعلت المنائر في كبد الفضاء، واحترقت القناظر على وجه الماء: وكل ذلك نور في نور، بل نور على نور.
كنت في النهار أرى الفساقي والنوافير، والمساقط والبحرات، والجداول والأنهار، يتلاعب فيها الماء بين أبسطة الأعشاب ووقفت خمائل الأزهار: فإذا هي كلها الآن نار في نار، فيا لله من الكهرباء، جمعت بين الأضداد الأعداء!
وقفت على قنطرة بين نيران مستعرة، فإذا بضفتي النهر أسلاك متوازية من النضار، بل سلاسل متوالية من الضياء، وكلها تتعاكس وتتلاعب على صفحات الماء، فيتضاعف البهاء بلا انتهاء، ويمسي النهر عبارة عن تيار من النار، يراه الإنسان فيداخله الفَرَق والانبهار، حتى كأن زوارق البخار قد اعتراها ما اعتراها فخافت واختفت وخفت صفيرها ونعيرها؛ فلست تبصر لها ظلًّا، ولست تسمع لها ركزًا!!! وكنت أينما أرسلت الأنظار أرى النار تلتهم النور والنور يلتحم بالنار، ونظرت فوق الصروح والبروج فإذا الأعلام والبنود تمور كلها بالنور، بلا خفقان في متألق الفضاء.
كانت الفنارات تدور بالنور، وترسله كتائب كتائب تسطو على أقاصي الآفاق، وسهامًا نافذة في كبد الظلماء، شعاعها يتحرك بسرعة فائقة فيضيءُ الأعالي بالتوالي، ثم يغرب عن بعضها فيتولاها الظلام، فيتخيل الناظر أنه في منام، مررت بطرقات كثيرة وأخصها شارع التفريح (Rue de la Gaité) وهو الذي اجتمعت فيه ملاهي پاريس، فرأيت أغصان الأشجار، فيها فوانيس من الأوراق مختلفة الألوان والأشكال، فتنبعث فيها ومنها الأنوار، فتظهر الأغصان كأنها مزدانة بالأثمار والأزهار والأنوار، وتزداد الخضرة نضرة تقر لها العيون وتنشرح منها النفوس. كان دخولي إلى المعرض في هذه الليلة البيضاء من البوابة الفخيمة فرأَيت ما رأيت، حتى لقد خطر على بالي أن هذا هو الغاية والنهاية. وقلت في نفسي: ليس في الإمكان أبدع مما كان إلى أن وصلت إلى قنطرة يانا، فوقفت عليها، وقد تضاءلت في نظري تلك المشاهد التي رأيتها كأكبر وأجمل ما يكون. رأيت عَلَمًا في رأسه نار، أستغفر الله وأستسمح طيف الخنساء. بل رأيت عَلَمًا كله نار في نار … رأيت برج إيفل عبارة عن أقواس هائلة من الضياء، ترتفع فوقها خطوط مستطيلة من الضياء، تعلوها حبال وأسلاك تكاد تخترق السماء وتصل إلى الملأ الأعلى، بل إلى أعلا العلاء. رأيته كسلسلة (دلاية) هائلة من النضار. قد ازدان بها نحر الأرض وصدرها، لتفاخر السماء وزُهرها، وتباهي السيارات بأسرها.
أما الحديد فلا يراه ذو البصر الحديد، وكأنما الأنوار معلقة (في) الفضاء بيد القدرة، فسبحان من خلق الإنسان ضعيفًا قويًّا، ومنحه ذلك الجوهر اللطيف الغير المحسوس، الذي يدرك كل شيء ولا يدرك نفسه، أليس العقل في الإنسان مثل الكهرباء في الوجود؟
نظرت خلفي إلى جهة التروكاديرو، فرأيت الفساقي ترسل رشاش الماء، بل ذرات الهباء، ممزوجة بأشعة الأنوار على أشكال أنيقة وألوان بديعة تسرُّ الناظرين. وهذه الأشكال والألوان تتغير من ثانية إلى أخرى، وتتسرّب على درجات طويلة عريضة، صاعدة في الهواء وهابطة إلى الأحواض، والناس أمامها صامتون باهتون، لا يدرون بماذا يعبرون عن هذا العجب العجاب، فلا تسمع من الواقفين والواقفات، إلا آه! تتبعها آهات!!!
عدت بالنظر إلى قصر الماء والكهرباء، فرأيت (في هذه الدنيا) ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
صعدت فوق برج إي?ل، فكنت كأني فوق سارية من النور، على سفينة من النور، سارية في بحر من النور، وأحسست في نفسي بالقصور عن وصف هذا المنظور.
هذا الذي رأيته صورته لك بقدر الإمكان، وقدر ما وسعه المقام، وقد شاهد المعرض غيري، من فرسان الأقلام، وأهل التصرف بمليح الكلام فحبَّذا لو جالوا وصالوا في هذا الميدان، وتفضلوا بزيادة التصوير والبيان، ففوق كل ذي علم عليم.

شارع الأمم


جزء كبير من المعرض يمتدُّ على الضفة اليسرى من نهر السين، وهو من أغرب الغرائب التي قل أن يجتمع نظيرها على وجه الأرض؛ إذ تتلاقى فيه الأمم والشعوب، والقبائل والبطون، ويسمع الإنسان كافة اللغات، ويرى جميع الأجناس والأزياء. ويجد نفسه كأنه ينتقل في المنام من إقليم إلى إقليم، ومن مناخ إلى مناخ، ويشاهد حينئذ أصناف العمارة وطرازات البناء في سائر أرجاء العالم، فكيف لا يتصور بعد ذلك أن «الدنيا في پاريس»؟
اشتهر أحد القصصيين برواية خيالية، سماها: «الطواف حول الأرض في ثمانين يومًا».? وفي هذا المعرض يتاح للزائر أن يرى أهم وأكبر وأجمل وأفخر، ما حوته الكرة الأرضية في ظرف ثمانية أيام أو ثماني ساعات، وصاحبنا بنى روايته على الأوهام، وأما الزائر فيجد الحقيقة في المعرض مجسَّمة للعيان. فانظر، يا رعاك الله! إلى هذا التقدم وهذا الاختصار، واحكم معي بأن الحقيقة قد فاقت الخيال.
هذا، وقد اجتهدت كل دولة في إظهار أحسن مآثرها ومفاخرها في فن العمارة والبناء، كما أنهن تنافسن في جعل قصورهن تحتوي على أثمن الكنز وأفخر الذخائر، حتى إن بعضهن (مثل ألمانيا وإسبانيا) عرض تحائف ونفائس تتعذر رؤيتها في بلادها الأصلية، اللهم إلا لأفراد قليلين يكادون يُعدّون على الأصابع.
وبعض هذه القصور مخصص للاحتفالات والاجتماعات الرسمية، وبعضها فيه معروضات أيضًا. ومنها ما هو محفوف بالجلال والوقار فلا يدخله الإنسان إلا باستئذان، ومنها هو أشبه بسوق عام أو بسويقة كلها ازدحام في اختلاط في اختباط، وهنالك قصور تزيد في شأن الأمم التي أقامتها، وبجانبها أخرى توجب الخجل والاستخفاف. وسنتكلم على هذه العمائر واحدة واحدة، وربما استطردنا في الكلام إلى ذكر ما امتاز به أهلوها من الاختراعات والصناعات، فإن الحديث شجون.
•••

فأول ما يصادفه الإنسان وهو ذاهب إلى برج إي?ل:
(?) قصر إيطاليا

وهو عبارة عن عمارة شامخة تكاد تناطح السحاب، وتستغرق الإعجاب، وتحتكر الاستحسان العام: (?) لكونها أول ما يصادفه الإنسان فتحدث في نفسه ذلك التأثير المعروف عند علماء البديع ببراعة الاستهلال.
(?) لكونها تفوق قصور الدول كلها في الاتساع والارتفاع، فإنها قائمة على مربع من الأرض طوله ?? مترًا وعرضه ?? مترًا ونصف متر.
(?) لكونها تزدان بالقباب البالغة في الجسامة والضخامة.
(?) لكونها تزدهي بالأصباغ الجميلة، والألوان الباهرة، وخصوصًا ما يشبه الذهب الإبريز، وولوع النفس به معلوم.
(?) لكثرة ما بظاهرها وداخلها، وعلى شرفاتها من التماثيل والأنصاب التي فاقت حد النصاب.
(?) لجمعها بين الدين والدنيا، فإنها من الخارج تمثل القصور الفاخرة التي تختال بها إيطاليا على ما عداها من الأقاليم، وأما الداخل فشكله يشبه الكنائس الكبرى الجامعة.
واعلم أن الحكومة الطليانية، على ما بها من الفقر والاحتياج، قد قررت نصف مليون من الفرنكات؛ لإقامة هذه العمارة الأنيقة وحدها، وجعلتها بحيث يخيل لزائرها أنه في إيطاليا نفسها؛ إذ يرى مصنوعاتها الفاخرة في الأواني الخزفية والنحاسية والزجاجية والبلورية (بلون واحد فأكثر) ومشغولات المينا والمعادن المطروقة.
وأما السقوف فتتدلى منها ثريات من البلور هي منتهى الجمال والإتقان في هذا الباب، تضاء في الليل بالكهرباء فيتألق بريقها، وينتهي البصيص والوبيص إلى درجة تحار فيها الأنظار والأفكار. وقد كثر إقبال الناس على هذه الثريات فبيع بعضها أكثر من مائة مرة.
ومن أعجب ما يراه الناظر في هذا القصر مشغولات التنتلة من الحرير، فإن شكلها يروق العيون وصناعتها تعرب عن دقة فائقة تقضي بالعجب العجاب، خصوصًا إذا علم القارئ أن القائمات بعملها فتيات لا تزيد أجرة الواحدة منهن عن فرنكين أو ثلاثة في الأسبوع، مع أن ما تصنعه الواحدة منهن في اليوم الواحد يباع بمئات الفرنكات، ومن أغرب ما في هذا القصر نادرة تدل على طول الصبر، الذي يكاد يقارع الدهر: كتاب يحتوي على تاريخ فرنسا من سنة ???? إلى سنة ????، وكله مكتوب بالقلم القوطي (Gothique)، وهو بالنسبة للكتابة الإفرنجية كالخط الكوفي بإزاء الحروف التي انتزعها منه الوزير ابن مُقْلَة البغدادي وجرينا عليها في الشرق إلى الآن. والكتاب مُؤَلَّف من رقوق تزدان بصور ملونة في غاية البهاء والجمال. وهذا القصر كله مبني من الأخشاب، فلا يدخله الحديد إلا بالقدر اللازم لربط السقوف والجدران، ولكن يغشاه الجصّ والجبس على طبقات ومربعات تجعل البناء يتمثل أمام الأنظار كأنه من الصخور الصلدة، والأحجار الجامدة، ونفيس الرخام.
وقد اشتركت إيطاليا في ?? قسمًا من أقسام المعرض، وفي ثلاثة من ملحقاته، وصرفت على ذلك ?????? فرنك أخرى؛ لتظهر أنها قد عادت لها الحياة، وأنها دخلت في طور الشبيبة بين الأمم.
ومتى خرج الإنسان من عتبة إيطاليا وسار خطوتين وجد نفسه بأرض الدولة العلية إذ يرى:
(?) القصر العثماني

يخفق فوقه الهلال، فترتاح الروح، وينشرح الفؤاد؛ إذ يجد الإنسان نفسه كأنه في بلاده وبين أقوامه. نعم، فهو قصر جليل يمثل العمائر الإسلامية الشرقية على أحسن مثال.
وقد أسفتُ كثيرًا من كون المهندس الذي أقامه وبناه ليس من الأتراك العثمانيين، بل من أبناء فرنسا، ومثل ذلك يقال أيضًا: عن القسم المصري والفارسي والمراكشي والصيني، والذي يوجب الأسف الأكبر، أن هذه السراي العثمانية الفاخرة عبارة عن سوق يكثر فيها ازدحام السوقة والباعة المتسببين في بيع السلع الإسلامبولية القليلة، والرومية الكثيرة. وأهم هذه البضائع وأكثرها عددًا، ما كان مصنوعًا في أوروبا برسم المشرق خاصة، فيعودون به إليها، ويتيسّر لهم بيعه على الإفرنج ونوال الأرباح الوافرة. صورة القصر العثماني.
لم أر شيئًا من خيرات الأرض في بلاد الدولة (العلية) (وهي كثيرة متعددة متنوعة) سوى بعض رواميز من أوراق الدخان، وقد احتكرته شركة أجنبية، وبعض أنواع معادن الصنفرة بإزمير: لشركة أجنبية أخرى، وبيانو لطيف ودراجة جميلة، ولكنهما ليستا من صنع العثمانيين، بل لبيت تجاري ألماني، ورأيت بعض قضبان للسكة الحديدية، وبعض نموذجات من الفحم الحجري: وكلاهما قد نال الامتياز باستغلاله واستخراجه بعض المتمولين من الإفرنج.
ورأيت محصولات النبيذ الذي تشتغله المستعمرة الإسرائيلية في فلسطين بأرض الشام: وهو من خيرات تلك البقعة الواسعة التي اشتراها البارون هرش، وجعلها ملجأً لفقراء اليهود المطرودين من ممالك أورپا، ورأيت أيضًا زجاجات كثيرة من كونياك بولاناكي الذي يصنعه بالإسكندرية. ورأيت الجدران كلها تغشاها سجاجيد وطنافس، وإذا بها كلها معدة للبيع وأثمانها مرموقة عليها، وهي لتجار من الإفرنج الأوروباويين، وخصوصًا محل تجارة ميدان كليشى بپاريس (A la place de Clichy). فتركت ذلك كله أسفًا وخجلًا، ودخلت بهو الاستقبال أو «غرفة التشريفة» فابتهجت طربًا: إذ رأيت نفسي في قاعة كبيرة مفروشة بالسجاجيد الفاخرة الغالية، من أرضها لجدرانها لسقوفها، وفيها «كوشة» ثمينة مثل التي يعدها أكابر الأعاظم للعرائس في ليالي الزفاف. ورأيت الستائر من الأكلمة الفاخرة، وفي الغرفة أثاث نفيس من الصناعة الشرقية والطراز العربي. وكل هذه الموائد والكراسيّ ونحوها مغشى بسجاجيد ذات قيمة. وفي داخل الغرفة «خزنة» تليق بها من كل وجه، فوقفت لحظة أتردد بين الإعجاب والابتهاج، ثم جلست على ديوان هناك لأستريح قليلًا، وقلت في نفسي: «في هذا الكفاية: فكل الصيد في جوف الفرا.» وكأن الدهر أجابني: «يا لها من فرحة لو تمتِ.» فقد حانت مِنِّي التفاتة فرأيت على أحد الكراسي بطاقة من الورق السميك مكتوبًا عليها عبارة فرنساوية وبحروف فضية وذهبية: (A la place de Clichy) فعلمت وتحققت بمنتهى الأسف أن كل ما في هذه الغرفة والتي بجانبها لمحل تجارة كليشي أيضًا. فمن لي بمن يبلغ العثمانيين بأن القليل الذي ظهر من صناعتهم وبراعتهم في پاريس، يستوجب الفخر الكثير والذكر الحميد، ويعود عليهم بالربح العظيم والخير العميم؟ فعساهم ينتبهون فينفعوا وينتفعوا، فإني رأيت أغلب العارضين من الحرافيش الذين ينتسبون إليهم لنوال الأرباح باسمهم وَإِذَا خَلَوْا إِلَى? شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ،? وإنا منهم لبريئون. ومن الذين أقبلوا على عرض بعض المصنوعات بالقصر العثماني يونان إسلامبول (وفي جملتهم حتى صانع أحذية) وكثير من الإفرنج المقيمين بأوروبا المتّجرين ببضائع المشرق. حتى التياترو فهو ليس بعثماني، بل هو يضارع ويعارض المصري والفارسي في كون الراقصات والطبالين من أبناء وادي النيل، وفيه روايات باللغة العربية، والذين التزموا تشغيله واستغلاله هم الخواجات شيحه وفرعون، ومسديه وصهيون. وكان القائم بإدارة التشخيص وعمل الروايات صاحبنا خليل أفندي حصلب. ويا ليت الأول والثاني كانا انضمّا إلى القسم المصري لتتم المشاكلة والمطابقة.
وقد اجتهد بعض السوريين في تمثيل أورشليم بأعلى هذا القصر، فيراها المتفرج بقبورها وطلولها ومساجدها ومآثرها ونحو ذلك. وهي عبارة عن أقمشة كبيرة صوَّرها بعض مهرة الصناع الفرنساويين.
ثم بحثت كثيرًا وسألت طويلًا عما سمعته من أن الأميرال أحمد باشا صنع جملة مراكب حربية صغيرة من الخشب، تمثيلًا لدوننمة كبيرة، وأنها كلها من صنع يده. فلم أعثر عليها ولم أجد أحدًا يرشدني إليها، فخرجت من القصر، وطلبت ذلك في قصر الجيوش البرية والبحرية وفي الجواسق الملحقة به، وفي قصر الملاحة التجارية والحربية، وفي غير ذلك مما توهمت أن تكون به الدوننمة فلم أهتدِ لأحد يهديني. وقد بارحت پاريس في يوم ?? يوليو ولم أقف لهذه الدوننمة على أثر، وربما كان قد تأخَّر إرسالها لپاريس.
نرجع للقصر العثماني، فإنني أحمد الله الذي أتاح لي في الختام، رؤية شيء من المعروضات يستحقُّ الذكر ويوجب الفخر، ألا وهو:
المحراث البخاري

فتضاعف عندي الفرح والسرور، خصوصًا وأني رأيت هذه التحفة على غير انتظار، ولكونها منسوبة إلى مصر، فإن الذي اخترعه هو بوغوص باشا نوبار. ومما زادني ارتياحًا وابتهاجًا، أنه لما جاءت لجنة المحلفين ونظرت هذا المحراث، وفَّته حقه بالتمام من الإعجاب والاستحسان. وقد طلبتُ من الموكل به تسييرَه أمامي ففعل، ولعدم إلمامي بهذه الأمور، طلبت من أحد أصدقائي المصريين العارفين بالزراعة، فقدَّم لي شرحًا وافيًا، آتي هنا على ترجمة خلاصته، بغير إشارة إلى اسمه إجابة لطلبه وإلحاحه:
ساعدني الحظ فحضرت حفلة أقيمت بمصر لاختبار هذا المحراث في أرض طفلية، أي كثيرة الصلابة، فإذا هو عبارة عن «لوكوموبيل» معتاد مركب عليه المحراث مؤلفًا من ثلاث صفائح حديدية فيها أضراس من الفولاذ كثيرة العدد والمتانة، وهذه الصفائح تشابه المنشار المستدير، فمتى سار الوابور الزراعي (اللوكوموبيل) دارت الصفائح فحفرت الأرض، وجعلت عاليها سافلها، وقبلت أجزاءَها على بعضها، ثم سحقتْها سحقًا على امتداد ثلاثة أمتار. وبعد مرور الوابور، يجد الإنسان الأرض ممهدة كأحسن ما يكون، ومعدة لاستقبال «التقاوي» والبذور.
ومن أكبر مزايا هذا الاختراع أنه يعمل في الأرض في مرة واحدة كما لو جرى عليها المحراث المعتاد ست أو سبع مرات. ويمكن حرث ?? فدادين به في اليوم الواحد. ولا شك أنه سيترتب عليه انقلاب عظيم ومفيد في نظام الزراعات الواسعة والأباعد الكبيرة؛ لأنه يمتاز عن المحاريث البخارية المستعملة في مصر بما يأتي: أولًا: أن ثمنه أقل منها بمقدار الثلث.
ثانيًا: أن المحاريث المستعملة في مصر وفي غيرها من الأقطار تقلّب الأرض، ولكنها لا تسحقها بل تتركها كتلًا (قلقيلًا) كبيرة بجانب بعضها فتستدعي الحال لمرورها عليها ثانية وثالثة مع المشط وغيره من الآلات الخاصة بذلك في المزارع.
ولا تزال بعض الكتل (القلقيل) باقية على حالها بعد تكرار العمل، مع أن تحويل الأرض لمسحوق ناعم مما يفيد الزراعة، من الوجهة الكيماوية والطبيعية؛ إذ يجعل الهواء وأشعة الشمس تتخللها كما ينبغي فتأتي بالمحصول الوافر.
وقد وجه العلماء عنايتهم في هذه السنين الأخيرة لهذه المسألة المهمة، وهي سحق الأرض، ولم يتوصلوا لوجود آلة عملية تفي بالمقصود. ولذلك قابلوا هذا الاختراع المصري الجديد بالاحتفال والاستحسان.
ومن مزايا هذا المحراث: عدم وجود الأحبال في أشباهه المستعملة بمصر، وسهولة الدوران والانتقال، وأنه بعد إتمام عملية الحرث يمكن استخدامه لرفع المياه وري الأرض بعد حرثها، ومتى جاء المحصول أمكن تشغيله لدرس الغلال.
•••

فخرجت من هذا القصر وأنا أتمنى لهذا الاختراع المصري نجاحًا لمصر، وفي مصر، بل وفي العالم كله.
واعلم أن مقدار ما أنفقته الدولة العلية على اشتراكها في المعرض بلغ ??????? فرنك، وهو مبلغ لا شك جسيم.
ثم لا أدري كيف وجدتُ نفسي في عالم جديد إذ رأيت:
(?) القصر الأمريكاني

قال هيرودوت: «إن مصر أرض العجائب.» ولكن ذلك قبل اكتشاف العالم الجديد بقرون وأجيال، أما الآن فأمريكا هي أم الغرائب ومعدن العجائب. وطالما سابقت أوروبا، فسبقتها؛ بل إنها لا تزال حائزة للقدح المعلَّى، في مضمار التقدم والاختراع. والدلائل أكثر من أن يحصيها سِفر أو أسفار.
وهذه الأمة تحب الانفراد والإغراب؛ لاستلفات الأنظار ونوال الامتياز على الدوام. فهذا القصر عبارة عن نادٍ يجتمع فيه أبناء تلك الأمة الجليلة للمحادثة والمسامرة. فيجدون فيه كافة التسهيلات التي توفر عليهم التعب، وتختصر لهم الوقت وتقرّب منهم البعيد، فيكون الرجل منهم فيه كأنه في بلاده وبين خلّانه، وجرائده ومرشديه، وناقلي خطبه وأقواله بالكتابة المختزلة (Sténographie) وآلات الكتابة التي تريحه من إمساك القلم (Type Writer). وهنالك تجيئه أسعار البورص فيما بين الساعة ? و? بعد الظهر، ويمكنه الاستعلام في الصباح عن مقادير الأسعار في نيويورك وشيكاغو. وليس في هذا القصر شيءٌ من المعروضات على الإطلاق سوى قائمة منقوشة على عضادات أحد الأبواب ببيان الأقسام التي تفتخر فيها أمريكا بعرض مصنوعاتها ومخترعاتها ودلائل تقدمها حسًّا ومعنى. يتألف هذا القصر من ثلاثة أدوار، غير الطبقة الأرضية التي تحتوي على مكاتب للاستعلامات وللبوسطة والتلغراف وبنك مالي، حتى لا يحتاج أبناء أمريكا إلى غيرهم في شيء. وفيه دفتر كبير يكتبون فيه أسماءهم وعنواناتهم وأماكن إقامتهم؛ ليتعرفوا ببعضهم، ويتمكنوا من الاجتماع لقضاء الحوائج والأشغال، وفيه مصعدتان (Ascenseurs) من آخر طرز يفوق كل أمثاله في أوروبا، وهما مخصصتان لتوفير الوقت عليهم، ورفع المشقة عنهم في الصعود والنزول بواسطة السلالم إلى ومن الأدوار العليا وفي الدور الأول: غرف للمطالعة والجرائد الأمريكية كلها ومعظم الأوروباوية المهمة. وفيه غرف فرشتها رسميًّا بعض الولايات، لإظهار ما امتازت به من خيرات الطبيعة أو اجتهاد الإنسان. وأما الدور الثاني: فهو للمندوب العام ومساعده وكاتب أسراره وبقية رجال إدارة المعرض الأمريكاني في پاريس. والدور الثالث: مخصص للاجتماعات والاحتفالات العمومية وغرف للمحلفين وللمؤتمرات الخصوصية، وتأسيسات النساء ولغرفة التجارة الأمريكية بپاريس. وتعلو هذا القصر قبة شاهقة داخلها مدهون بالألوان الباهية بحيث تمثل الراية الأمريكية في تجويف جميل على مثال بديع، ويوجد بأسفله لوكندة أمريكية وقهوة تشاكلها.
ومما يستحق الذكر في هذا المقام بمناسبة الإشارة إلى ما خصصوا له الدور الثالث في القصر المذكور أن رجلًا من أغنيائهم واسمه أنطوني پوللوك (Antony Pollok) غرق مع إحدى البواخر الأطلانطيقية الكبيرة وهي قادمة من أمريكا إلى فرنسا، فخصم ورثته من تركته مبلغ ?????? فرنك وقرروه جائزة تعطى في القسم الأمريكي لأحسن آلة وأداة يخترعها الناس لنجاة الغرقى ويعرضونها في پاريس. فانظر إلى أين وصل التفنن بهم في فعل الخيرات ونفع الجنس البشري، فيا حبذا لو قرأ هذه السطور بعض أبناء الأغنياء في بلادنا وتنافسوا في هذا الطريق، بدلًا من الطرق الأخرى المعروفة لهم المأثورة عنهم، حتى إنه لا يمضي عليهم إلا زمن يسير، فيصبحون من ذوي المتربة، ويتقلَّبُون على الثَّرى (أو على الحديدة)، ويكونون مضغة في الأفواه، وسببًا في الخزي والعار. وجميع القصر الأمريكي مبني من الأخشاب ورسمه وهندسته وأدواته وبناؤه وطلاؤه وزخرفته ونقشه كله من أمريكا، وبمعرفة الصناع الأمريكيين، وقد بلغ الاعتماد الذي قررته هذه الجمهورية لإقامة قصرها وللاشتراك في سائر أقسام المعرض مبلغ ??????? فرنك، وبلغ عدد العارضين من أبنائها ???? نفس. وامتازوا بما قدموا في المعادن والمناجم والمنسوجات والملبوسات والميكانيكا والكهرباء والزراعة والصنائع الكيماوية وأعمال الهندسة الملكية ووسائط الانتقال والعلوم والمعارف والآداب والصنائع المختلفة، (وخصوصًا فيما يتعلق بالمفروشات على أنواعها) وفي أدوات الحرب في البر والبحر، وفي الرسوم والتصاوير، وفي الأزهار والأثمار، وفي المؤتمرات والاقتصاد الاجتماعي، وفي الملاحة التجارية وفي الغابات والصيد في البر والبحر وغير ذلك.
ولا يسعنا المقام لتفصيل كل ما رأينا من معروضاتها. وإنما نذكر شيئًا عن الزراعة التي هي أساس الثروة في مصر. فللأمريكان قسم مخصوص في رواق الآلات يتألف من ثلاثة أدوار، وفيه معرض مفيد جدًّا لأدوات الزراعة وكيفية تقدمها الفائق، منها ما هو متركب من جملة أدوات كثيرة متعقدة في بعضها، ولكنها تؤدي لأرباب الزراعات الواسعة أكبر خدمة وأجلَّ منفعة، فمثال ذلك آلة للحصيد من وظيفتها حصد الزرع ثم جمعه حزمًا حزمًا، ثم ربط كل حزمة على حدتها، ثم حمله إلى المكان الذي يريده سائق هذه الآلة النافعة.
أما الدور العلوي فهو أهم من ذلك، فإن فيه غرفة للمذاق مجانًا لوجه الله تعالى، ولذلك فهي كالمورد العذب يَؤُمّها الزائرون، وإن كانوا مثلي لا يدرون شيئًا في فن الفلاحة، فيتناولون بعض المشروبات، يرون مطابخ من آخر طراز يطبخ القوم فيها ألوانًا أمريكية مختلفة في كل يوم، وأنواعًا كثيرة من الفطير. وكل ذلك مصنوع من الذرة؛ لكي يتحقق الملايين الذين يزورون المعرض من فائدة هذا المحصول، ويتيسّر حينئذ للأمة الأمريكية، زيادة الاستفادة من كثرة تصديره إلى أوروبا، ورئيس هذا المطبخ أحد ميرالايات العسكرية، وفيه طاهيان وزنجيتان مشهورتان بعمل أنواع الفطير والحلوى من الذرة.
وقد كانت الحكومة الفرنساوسة قررت لهذه الأمة النشيطة مساحة قدرها ????? قدم مربع، متوزعة في سائر أرجاء المعرض وأقسامه، ولكن العارضين الأمريكيين وعددهم لا يقل عن ???? مع بعد الشقة، ما زالوا يوالون الاعتراض بالرجاء، ويتابعون الاستعطاف بالإلحاح حتى نالوا ????? مترًا مربعًا، خلاف الأرض التي أقيم عليها القصر الرسمي.
ومما امتازوا به في معروضات المعادن هرم كله من خالص الذهب الإبريز، تبلغ قيمته مليونًا من الدولارات، أي: ?????? جنيه مصري.
أما الكهرباء والميكانيكا، فلهم فيهما المقام الأول والنصيب الأوفر. ولا غرو فمنهم أديسون، صاحب الاختراعات العجيبة التي لا تحصى في العدد، ولا يفوقها شيء في الأهمية والفائدة العامة. وهنالك يرى الإنسان مقدار ما أدخلوه من التحسينات في التلفون والتلغراف وجميع الأعمال التي تدخل فيها القوة الكهربائية.
ومن الغريب أنهم انفردوا عن سائر الأمم بالاشتراك في كافة أقسام المعرض حتى في القسم الاستعماري، مع حداثة عهدهم بالدخول في هذا الميدان، فإنهم لم ينتزعوا جزيرة كوبا من يد الأسبان إلا بالأمس.
وقد بلغ ما أنفقته هذه الجمهورية العظيمة على اشتراكها في المعرض ثلاثة ملايين وربع مليون من الفرنكات.
أقول الحق: إنني بعد أن طفت بالقصر الأمريكي، وفي سائر الأقسام الخاصة بالولايات المتحدة، عجبت لهذه الأمة التي ظهرت من عهد قريب على صفحات الوجود، ومع ذلك أفادت بني الإنسان بما لم تتوصل إليه أمة من الأمم الكبيرة القديمة.
وما خرجتُ من القصر الأمريكاني حتى رأيتُ نفسي في أوروبا ثانية إذ رأيت:
(?) القصر النمساوي

أقامته مملكة النمسا المعروفة بأوستريا، وأتت بكل ما فيه من الزخارف والنقوش من بلادها حتى لا يكون لفرنسا فيه أثر سوى الأرض المقام عليها، ومساحتها ??? متر مربع.
امتاز هذا القصر عن أمثاله باحتوائه على معرض الصحافة ففيه ???? جريدة نمساوية، تترجم عن أميال الأحزاب العديدة والطوائف المتباينة التي يتألف منها جسم هذه المملكة. وهي في أكثر من عشرين لغة، وتدل على مقدار تأثير الرأي العام في تلك الأصقاع. أما الصحائف والمجلات الخصوصية، أي العلمية والفنية، فلها أيضًا شأن خطير ومقام كريم. ورأيت هنالك بعض الأعداد الأولى من تلك الجرائد محفوظة مع تقادم الزمان، ولم أَرَ جريدة واحدة عربية أو تركية مع أن بلاد البوسنة والهرسك في قبضة النمسا الآن.
ومما انْفَرَدَ به هذا القصر أيضًا: احتواؤُه على معرض البوسنة والتلغراف، ولا يخفى على ذوي المعرفة والاطِّلاع، أن لأهل هذه البلاد اليدَ الطُّولى في تعميم المواصلات البريدية والبرقية في أوروبا، وأن لهم فيها الاختراعات الكثيرة المفيدة، وأخصها إرسال جملة رسائل برقية في آن واحد على سلك تلغرافي واحد إلى جهات مُتعدِّدة.
وقد اشتهرت أرض النمسا بينابيعها المعدنية، ولذلك ترى مياهها كلها معروضة فيه، وكل ينبوع يتفنَّن صاحبه في بيان فوائده ومزاياه، كأنه ماء الحياة.
وأجمل غرفة فيه هي المخصصة لبلاد دلماسيا، ففيها أنواع السلاح القديم الفاخر، والوشي المرقوم والتطريز والتدبيج بما يقرب من الصناعات الشرقية، وفيه أساور وجواهر وعقود وقراطق مرصعة بالأحجار الكريمة بحيث يخالها الإنسان آتية من بلاد عربية.
وقد أقامت هذه المملكة خمس عمائر أخرى في المعرض، أهمها في سراي الغابات والحراج، ثم القصر التيرولي وهو رشيق أنيق، تكتنفه أربعة أبراج، وحوله روض بسام له أريج وعبيق بحيث يخيَّل للزائر أنه في تلك البقعة البهيجة النضيرة، وهو جامع بين الحصن المنيع والقصر الرفيع. وكله من الأخشاب النفيسة التي تنتجها غابات تلك البلاد، وسينقلونه بعد المعرض إلى التيرول فلا يضيع عليهم شيء من المصروف، وبعض غرفه من عمل تلامذة مدرسة الصنائع. وفيه معروضات قليلة لم يستوقف نظري وفكري فيها إلا شيئان: أولهما: كرسي شمعة مطعَّم بالعاج والصدف والباغة بالشكل الشرقي تمامًا، كما هو المعهود قديمًا بمصر في عهد المماليك، حتى البرامق شكلها مصري بحت، فيخاله الناظر إليه من أهل بلادنا أنه كان في ملك السلطان قايتباي، أو أنه مسروق من دار التحف العربية بالقاهرة، أو أنه مصنوع في ورشة برويزا وهاتون أو ملّوك أو نحوها من الذين أعادوا في هذه الأيام صناعة أجدادنا. وليس فيه شيء على الإطلاق يشير إلى أنه من بلاد الإفرنج، أو أنه من مصنوعاتهم المحلية الخاصة ببعض أصقاعهم، سوى أنه منسوب للتيرول ومصنوع في بلدة كورتينا دامبتزو Cortina d’Ampezzo، وهي منفردة إلى الآن بهذه الصناعة في تلك الأقطار الشمالية، وثمنه ??? فرنك.
وثانيهما: مائدة تنطوي على بعضها، ويقال فيها مثل ما قيل في الكرسي، وثمنها ??? فرنك.
وهنا محل للسؤال عن مناسبة وجود هذه الصناعة بتلك البلاد، وعن الداعي لبقائها فيها زاهرة رائجة إلى الآن، وعن الارتباط الذي ربما كان بين التيرول ومصر في وقت من الأوقات. وهنا أيضًا محل للعجب بل للخجل: إذ كيف تبقى هذه الصناعة الفائقة المعجبة في بلاد الشمال مع أن أهلها في مصر قد فَرَّطُوا فيها وفي المخلَّفات الجميلة التي أبقاها لهم الدهر حتى جاءهم أفرنكي فأعادها لهم وهو الخواجه برويز.
ومما امتازت به النمسا في المعرض آلات الجراحة. ولا غرابة فلأهلها الباع الطولى والقدح المعلّى في صناعة الطب والجراحة، وهم كعبة المرضى من جميع بقاع الأرض.
وامتازت أيضًا في صناعة الكراكات الهائلة التي تمهد الجبال وتفتت الصخور في قيعان البحور. وأهمها عبارة عن مركب بخاري كبير جدًّا فيه الماكينات بقواديسها، وبجانبه مركب آخر يشبه الصندل أو الماعون، فتُلقِي القواديس الموادَّ في المركب الثاني فتدخل في أنبوبة تتصل بأخرى موضوعة على عربات واقفة على سكة حديدية، وتتواصل العربات وعليها الأنابيب بالامتداد المطلوب؛ لإلقاء المواد في الجهة المقصودة بعيدًا عن الشاطئ، وقوة الدفع تستمر بواسطة الماكينات التي تُحدث تأثيرها في قاع البحر وفي القواديس وفي دفع المواد إلى المسافة المطلوبة.
وقد بلغ ما صرفته النمسا على اشتراكها في المعرض ? ملايين ونصف مليون من الفرنكات.
وبجانب هذا القصر عمارة شرقية إسلامية وهي عبارة عن:
(?) قصر البوسنة والهرسك

فيه كثير من البوشناق يشتغلون أمام الجماهير الذين يتقاطرون على زيارة هذا الجوسق الظريف، ويرون فيه بدائع صناعتهم المشتقة من الصناعة العربية الإسلامية. فإن أهل هذه البلاد يبلغ مجموعهم الآن ??????? نفس؛ منهم ????? كاثوليكي و?????? أرثوذكسي، والباقون مسلمون، فهم يزيدون عن الثلث بقليل. وكل هؤلاء الأقوام من السلالة السلافية، وكلهم يتكلمون باللغة الصقلبية، غير أن المسلمين وعددًا عظيمًا من مواطنيهم يحسنون اللسان التركي أيضًا. واعلم أن المسلمين هنالك من ذرية أشراف تلك البقعة الذين دانوا للإسلام في أيام الفتح العثماني.
وقد رأيت أعمالهم في النقش على النحاس والخشب وتطريز الحرير، فإذا بها تماثل مصنوعات الآستانة المعروفة عندنا، وكلها تزدان بكلمات وعبارات حروفها عربية.
وفي هذا القصر مناظر تمثل عاصمة البلاد المعروفة باسم سراية فو، ويكتبها الإفرنج هكذا: (Serajewo) وعلى يمينها ويسارها صورة أجمل ما في هذه البلاد من المناظر، وهي: مساقط الماء في الجهة المعروفة بسراي يايتزه (Yaïtze) ومنابع بونا (Buna) وقد دبرو الماء بحيث يسيل ويتفجر حقيقة بجانب الرسوم والمشاهد، كما دبروا النور الكهربائي لإضاءة التصوير، ولكي يخال الإنسان نفسه قد انتقل حقيقة إلى تلك الأصقاع، خصوصًا وأن الأهالي من رجال ونساء، وجنود وحجَّاب كلهم يشتغلون في القصر بملابسهم الوطنية التركية. وفي داخل القصر أيضًا تمثيل «حرملك» إسلامي «مفتخر» وهيئة بعض الدور البوشناقية الحديثة التي لعامة القوم هنالك. وفيهما تماثيل من الشمع تمثل الرجال والنساء والحشم والخدم بملابسهم المألوفة وعلى هيئاتهم المعتادة في داخل بيوتهم. والحرملك مزدان بأخشاب مخروطة ومصنوعة صناعة دقيقة على الشكل المتعارف في مشربيات القاهرة.
ومما استوقف نظري بنوع خصوصي في معروضات نظارة المعارف بالدور العلوي كثير من المطبوعات التي تدل على حركة التقدم العقلي. كما أن الطبقة السفلى مخصصة لإظهار الارتقاء المادي. غير أنني لم أجد به سوى ثلاثة كتب فقط بحروف عربية (ويا ليتها لم توجد): أحدها: كتاب صغير لتعليم اللغة التركية. وثانيها: سالامة. وثالثها: قرأت على الصحيفة الأولى منه ما نصه بالحرف الواحد: حاشية حداد النصول على مرآة الوصول شرح مرقاة الوصول تأليف الفاضل المحقق والمولى المدقق مصطفى صدقي المفتي بمدينة موستار، طبع في مطبعة الحكومة في سراي بوسنة سنة ????.
وحينئذ خرجت من هذا القصر، داعيًا لهذه الأمة بدوام التقدم والارتقاء مع المحافظة على القليل الذي أبقاه لها الزمان، وفي نفسي ما في نفسي من الأسف والأشجان. فرأيت قصر هنكاريا فكأنها محصورة بين النمسا والمجر حتى لا تفلت من أيديهما، والملك لله يؤتيه من يشاء.
(?) قصر هنكاريا

من المعلوم أن هذه المملكة تابعة للنمسا، ولكن لها استقلالًا داخليًّا خاصًّا بها. فحكومتها مستقلة عن النمسا تمام الاستقلال ومن كل وجه بمجلس نوابها ونظارها، ولا ترتبط بالنمسا إلا بوجودهما معًا تحت سلطة إمبراطور واحد. وهذه هي أول مرة انفردت فيها بنفسها في المعارض العامة، ولذلك أرادت الظهور في ميدان الحياة وبين الأمم، فتأنقت في بناء قصرها حتى جعلته محطًا للزوار والأنظار. وهو عبارة عن بناء فخيم لا يقدر الإنسان أن يقول: إنه قصر أو كنيسة أو دير، بل هو كل ذلك، ولا شيء من ذلك في آنٍ واحد. وهو يحتوي على نفائس وذخائر ويبلغ عددها ???? قطعة مع تمثيل الأواني والأسلحة التي كانت تستعملها الأمة المجرية قبل زمان التاريخ. ومتى دخل الإنسان من الباب وجد أمامه هيئة قبور أثرية فخيمة من المرمر ومن النحاس، أقيمت لبعض ملوكهم وملكاتهم وشجعانهم في القرن السادس عشر والسابع عشر للميلاد.
والقصر كله مبنيٌّ بالعقد، وفيه متحف من الآلات التي يستعملها الفرسان والنقود القديمة. وفيه عظام هيكل آدمي وجدوه في القرن التاسع للميلاد، واستدلوا مما بجانبه من عظام الحيوانات الهائلة والتمائم والتعاويذ ونحوها، على أنه لأحد الوثنيين. وأجَلُّ شيء فيه غرفة الفرسان المعروفين باسم الهوسار أي العشرينيين؛ لأن الحكومة المجرية في بعض حروبها مع الأتراك أخذت رجلًا من كل عشرين نفسًا من مجموع الأمة. وفي هذه الغرفة مجموعة فاخرة من الأسلحة والدروع والسيوف واليطقانات والخوذ والطاسات واللامات والسروج. وكل غرفة لها سقف مخصوص بنقوش تنفرد بها عما عداها، وفيها رايات من التي غنموها أثناء حروبهم.
وقد عرضت هنكاريا في غير هذا القصر مؤلفات رجل أريب له عندهم المكانة الأولى من الاحترام والإجلال؛ لأنه ألّف لهم روايات يبلغ عددها مائة مجلد كبير، وكلهم يقرؤونها كلها، بل قد ترجمت بحيث لو جمعوا الأصل والتراجم لتألفت منها مكتبة واسعة، وللمجر في عمل الأثاث (الموبيليات) امتياز كبير ظهر بمقارنتها على مصنوعات الأمم الأخرى في المعرض، وامتازت هنكاريا في غير هذا القصر بما أرسلته من الأحجار المختلفة الأنواع وخصوصًا الصخور الملحية.
وقد بلغ مجموع ما أنفقته مملكة هنكاريا على اشتراكها في المعرض مليونين من الفرنكات، ومن هذا القصر ننتقل إلى الغرب المطلق وندخل في:
(?) القصر البريطاني

إذ يتصور الإنسان أنه انتقل إلى الجزائر البريطانية حقيقة، فإنه قصر بسيط من الظاهر يجلله السواد الوقار، بينا القصور التي تكتنفه تزدهي بالألوان والأنوار. ولكنه يحتوي على كل ما يلزم لراحة الإنسان، ويوجب على داخله الانبهار والاندهاش؛ إذ يرى فيه صورًا مرسومة على ستائر من الحرير ليس لها قيمة، وألواحًا نقشتها يد أبرع المتفننين، وجلَّت عن النظير والمثيل، وغرفة في الدور العلوي مغشّاة بالقطيفة الثمينة والمخمل النفيس، فيمكنهم نقلهما بعد المعرض والاستفادة منهما، بخلاف الدول الأخرى فإن الأصباغ والأدهان التي غرمت عليها الأصفر الرنان، ستدخل في خبر كان، هي والجدران تحت معول البناء. وفيه مجموعة من الأواني الصينية من أول صناعتها وترقيتها بالتدريج حتى وصولها إلى نهايات الإتقان والكمال في النقش والزخرفة والجمال: وليس لها نظير في سائر المعرض.
وفي إحدى غرف القصر سرير بسيط وثلاث سجاجيد عجمية، وبقية الغرف مفروشة بحصر من النخ تشبه الذي يستعمله البرابرة في مصر. ولها أبسطة فاخرة لم يفرشوها حتى لا يهلكها كرّ الغداة ومرّ العشي، بل كرّ الرجال ومر النساء (بفتح الميم وضمها).
وهذا القصر مُعَدّ لنزول ولي عهد السلطة الإنكليزية، حين قدومه لزيارة المعرض. ولذلك لا يدخله الناس جزافًا ولا يتقحّمونه أفواجًا، بل جماعات جماعات، وبانتظام، فمتى فرغت ثُلّة تلتها أخرى، بعد الاستئذان من الحجّاب.
فمن ذا الذي يفتكر أن هذه الدولة الفخيمة الهائلة، يكون قصرها في غاية البساطة؟ ولكن تلك سنة الإنكليزي على الدوام في كل مكان، وإذا أردت الوقوف على دلائل عظمتهم فاتبعني أيها القارئ العزيز إلى مستعمراتهم، فمثلهم كرجل آتاه الله بسطة في الرزق والجاه، وخصه بالأملاك الواسعة والضياع التي تدرّ البركات والخيرات، ومع ذلك تراه يقيم في منزل بسيط، ولكن لا ينقصه شيء من حاجات الرفاه والنعيم.
المستعمرات الإنكليزية

يبلغ مسطح الأرض المقامة عليها ???? متر مربع في جهة التروكاديرو، تحيط بها قصور اليابان ومصر والترنسفال والمستعمرات الهولندية والجزائر.
وهي تنقسم إلى قسمين متجاورين: أحدهما لبلاد الهند، والثاني لسائر المستعمرات. ومن الغريب أن البناء الذي أقيم لها كله من أخشاب استحضروها من بلاد السويد في شمالي أوروبا، مع أن الهند والمستعمرات الإنكليزية مشهورة بغاباتها الكثيرة الكثيفة النفيسة، ولكن للقوم مقصد اقتصادي، وهو أن ثمن ومصاريف استحضار الأخشاب من السويد لا يذكر في جانب تكاليف الإتيان بها من الهند والمستعمرات.
•••

«فأما الهند» فموارد الثروة والصناعة فيها أشهر من أن تذكر وأعرف من أن تعرف. ونكتفي بالإشارة إلى قليل يدل على الكثير: رأيت فيها جميع العطور والأبازير والأفاوية والتوابل التي جعلت للهند شهرة طبقت الخافقين. وهذا خلاف الجواهر والأسلحة والأحجار الكريمة واللؤلؤ المختلف الألوان والباغة بأشكالها العجيبة، مما يقف الإنسان أمامه حائرًا مبهوتًا.
وقد امتازت معروضات بنجاب في مصنوعات الفضة والنحاس المموه بالمينا والحرير والخشب، ومعروضات مدارس بمصنوعات الذهب والأخشاب العطرية المشغولة بكيفية أنيقة وبأواني النحاس والفخار، ورأيت في معروضاتها صحونًا من الخشب لا يخالها الناظر إلا ذهبًا حوى جواهر.
وأما ولاية ميسور فقد امتازت بأعمال الحرير والتطريز والتدبيج والموائد المطعمة بسن الفيل، وولاية بنقال (Bengale) بسن الفيل، والتماثيل، والشفتشي، والزجاج الرقيق. وفي داخل هذا القصر بوابة أثرية فخيمة، تمثل قنطرة مشهورة في بلاد بُرما، وهي كبيرة بحيث يتيسر للفارس أن يمر بجواده تحتها، وكلها من الخشب النفيس المنقوش نقشًا بديعًا، المفرَّغ تفريغًا عجيبًا، وفيه محاريب، وحنايا، وزوايا، وخبايا تحتوي على تماثيل صغيرة لآلهتهم الكثيرة.
ورأيت فيها صورة سمو النظام، ولفظة نظام عندهم مثل كلمة خديو عندنا، وهو صاحب حيدر آباد الدكن، ومن كبار ملوك الهند الذين حافظوا على الاستقلال، مع الارتباط ببعض قيود بحكومة الهند. رأيته بالملابس الإفرنكية من ساسه إلى راسه، ولا شيء فيه يدل على أنه من ملوك المشرق سوى عمامته الهندية الضخمة. فهو مثل الأتراك والمصريين في الاندفاع مع تيار الغرب وترك الزي الشرقي الأهلي.
والخلاصة: إن الإنسان بعد بضعة دقائق في هذا القصر تتمثل له حالة الهند وأهلها، ومصنوعاتها ونباتاتها، ومعادنها وحيواناتها، وسائر محصولاتها. ولكن الذي يفوق ذلك كله في الغرابة أن حكومة الهند أعلنت عدم إمكانها تقرير المصاريف اللازمة لاشتراكها في المعرض نظرًا لما حل بها من القحط والمجاعة والطاعون، بحيث أثقل كاهلها، ومد يدها للسؤال، فدبت النخوة في رأس رجل من دار الندوة البريطانية (البرلمان) وهو المستر ?. سميور كنج وتبرع لذلك بمبلغ ????? جنيه إنكليزي من جيبه الخاص، ولكن لما عرضت لجنة المعرض الإنكليزي رسوم هذه السراي وتصميماتها على إدارة المعرض العام بفرنسا، قضت ببعض تعديلات وتغييرات، فجاراها المهندسون الإنكليزيون. ولكن ذلك لم يرق في عين المتبرع فسحب ماله وكاد المشروع يذهب أدراج الرياح، لولا أن تداركته حكومة الهند وأعلنت اللجنة بأنها مستعدة لتقديم مبلغ الاثني عشر ألف جنيه من خزينتها.
•••

«وأما سيلان» فهي الجزيرة المشهورة عند العرب وفي كتبهم باسم سرنديب، ويحق لنا أن نفيض قليلًا في الكلام عليها، لقلة العلم بها وبأحوالها، خصوصًا وقد رأينا في القسم المعدّ لها كثيرًا من البيانات والمعروضات التي أفادتنا في بضعة ساعات فوائد جمة عن ماضيها وحاليها وآتيها. ولا يطمعن القارئ في الإشارة إلى كل ما رأيناه، فإن ذلك يستغرق مجلدًا ضخمًا، ولا نكون قد وفَّيْنا الكلام حقه.
كانت هذه الجزيرة تسكنها في سالف العصور قبيلة من المتوحشين تسمى الودَّاه، ولا يزال بعض أفراد قليلين منها في أقاصي الغابات وأعماق الكهوف إلى هذه الأيام. ولو كنا من العالمين باللغة السرنديبية لتلونا أفكارهم ومعتقداتهم فيما تركوه من الصحائف المكتوبة على الخوص، وعرفنا كيف أن إلههم بوذه تقمّص ??? مرة، ولوقفنا أيضًا على مذاهبهم في الفلسفة والأخلاق، وعلى عقيدتهم التي يدين بها أكثر من ??? مليون من بني آدم، وهم يفاخرون بأن أبا البشر قد وضع قدمه في جزيرتهم في أول نزوله إلى هذه الأرض، وأن أثر قدمه لا يزال باقيًا على قمة أحد جبالهم.
هذه الجزيرة كائنة في الأوقيانوس الهندي، وموقعها في الجهة الغربية من الطرف الجنوبي لبلاد هندستان، ويبلغ عدد أهلها ? ملايين ونصف مليون من النفوس. ولا يتجاوز عدد الإفرنج فيها ???? نفس بما فيهم الحامية الإنكليزية.
والسرداق المخصَّص لها في المعرض يشابه هيكلًا بوذيًّا، ويحتوي على بيان كافة محصولاتها الطبيعية. فترى الأشجار فيه بحيث تستدلُّ على مقدار الخصوبة العظيمة في أراضيها. ولها أزهار مختلفة الأشكال والألوان، وتحتها حيوانات كثيرة غريبة من أسود وفهود وقرود، وسبنديات وغيالس وسناجب، ودلادل وأيائل وأفيال وأفناك ويحامير محجلة وخفافيش وخنازير وسنانير وقطاط الزباد … وغير ذلك من الطيور والهوام والحشرات.
وقد رأيت هنالك أعجب مجموعة للأحجار الكريمة، ولا نظير لها في كثرة العدد وجسامة المقدار وصفاء المائية، وبجانبها اللآلي والدراري في أصدافها. ومن معادنها الرصاص الذي يستعمل في الأفلام وهو المسمى بالبلومباچين. ويبلغ ثمن ما تصدره منه سيلان إلى الخارج ?? مليونًا من الفرنكات في كل عام.
والشجرة الطيبة المباركة في تلك الأصقاع هي شجرة النارجيل، المعروف عندنا بجوز الهند: فمنها يستخرجون زيتًا يستعمل كثيرًا في اصطناع الصابون، ومنها يصنعون كثيرًا من الحلوى والمربيات اللذيذة، وفضلاتها تتغذى بها البهائم غذاءً نافعًا.
والخلاصة: إن جزيرة سيلان تستفيد من هذه الشجرة في كل عام مبلغًا قدَّروه بأربعين مليونًا من الفرنكات، وهم يصطنعون من أليافها وأوراقها حبالًا وأسفاطًا وأنخاخًا، ويستعملون أفلاقها في المباني والعمارات.
وقد كانت شجيرة البن من موارد الثروة الطائلة والرزق العظيم في تلك البلاد، غير أن حشيرة طفيلية تسلَّطَت عليها فأعدمتها. ولذلك رأت الحكومة الإنكليزية أن تسبدلها بما يعوض على الأهالي هذه الخسارة الجسيمة، فاستلفتت أنظارهم إلى الشاي بعد أن أدرّت عليهم الخيرات بإدخال شجرة الكنكينا إلى بلادهم، ولذلك عملوا بنصيحتها منقادين.
وقد كانت مساحة الأرض التي استنبتوا بها الشاي ?? فدادين في سنة ????. فلم تأت سنة ???? حتى بلغت ?????? فدان، وفي سنة ???? بلغ الشاي الصادر من الجزيرة ??? رطلًا، فما جاءت سنة ???? حتى وصل إلى ????????? رطلًا، وفي سنة ???? كان الشاي المستهلك في إنكلتره بنسبة ?? في المائة من وارد الصين و?? في المائة من الهند و? في المائة من سيلان. وفي هذه الأيام نزل وارد الصين إلى ? في المائة وبلغ وارد الهند ?? في المائة ووصل وارد سيلان إلى ?? في المائة، ومع ذلك فقد هبطت أسعاره في لوندره هبوطًا عظيمًا عن ذي قبل.
وقد رأيت الفرنساويين جميعهم يقرّون في هذا السرادق بأرجحية الطرق الإنكليزية في الاستعمار، ويعترفون بأن جيرانهم في هذا الميدان لا يُشقّ لهم غبار، ويُعيِّرون حكومتهم بالتأخُّر في هذا المِضْمار.
•••

«وأما كندا» فهي من أهم مستعمرات الإنكليز بأمريكا، كانت في الأصل ملكًا لفرنسا، ولا يزال أغلب المستعمرين بها من أبنائها. ثم استولت عليها بريطانيا العظمى، وتوصلت إلى جعلهم يخلصون لها الولاء. ويبلغ عدد سكانها خمسة ملايين من النفوس. وهم يحسنون التكلم بالفرنساوية والإنكليزية على حد سواء. ومعروضاتها تشغل أربعة أخماس القسم الخاص بالمستعمرات الإنكليزية. وأهلها يبارون الأمريكيين والأوروبيين في كل مضمار، فقد امتازوا بالبراعة في الزراعة والصناعة، كما اشتهروا بالمهارة في التجارة، حتى أصبحت بلادهم جنة تفيض عليهم الخيرات والبركات. وخص الله أرضهم بالغابات العظيمة والمعادن الوفيرة، وقد تقدّموا في المعارف لدرجة يغبطهم عليها كثير من الأمم المتمدِّنة التي تعدّ الآن في الطبقة الأولى، حتى لقد انبهر القائمون بالتربية والتعليم في أوروبا من المكانة العالية التي وصلوا إليها على حداثة عهدهم.
ووقفت أنا — بصفتي المصرية وصبغتي الشرقية — باهتًا حائرًا حاسرًا، وقلت: هكذا الدهر أدوار، والأيام دُوَل بين الناس.
رأيت معروضات هذه الأمة الجليلة بجانب معروضات إنكلترة في كافة أقسام المعرض، وكلها تشهد بفضلها وتدل على عظيم تقدمها وارتقائها، مع أن الأمم الصغيرة إذا وقفت بجانب الأمم الكبيرة، كان ذلك موجبًا للحطّ من مقامها. وهكذا كان لهذه الأمة مقام كريم في معروضات الفنون الجميلة، والآداب والمعارف والفنون، وعمل الآلات والكهرباء، والهندسة الملكية ووسائط الانتقال، والزارعة وتربية الأزهار والأثمار، والغابات، ومصائد الأسماك، والمحصولات الغذائية، والمناجم والمعادن، وزخرفة المساكن وتأثيثها، وصناعة المنسوجات، والمتحصّلات الكيماوية، والصنائع المختلفة مثل الورق ولوازم السفر والكاوتشوك (وخصوصًا اتخاذ الأحذية منه)، وفي الوسائط الصحية والأعمال الخيرية.
•••

«وأما أستراليا الغربية» فيخال الإنسان نفسه في منام، إذا علم بأن العلماء والمكتشفين كانوا منذ ثلاثين سنة فقط يرودونها ويتعرّفون مجاهلها، كما هو الشأن الآن في أواسط أفريقية، وقد وصلت في مدة قليلة إلى درجة عظيمة من التقدم الذي لا نظير له في التاريخ. وما أحسن شهادة الأرقام في هذا المقام: كان عدد سكانها في سنة ???? لا يزيد عن ???? نفسًا، فوصل في سنة ???? إلى ?????، وفي سنة ???? إلى ??????، أي إن مجموع سكان هذه المستعمرة كلها لا يكاد يساوي عدد النفوس في إحدى المديريات الصغيرة بالقطر المصري،? ومع ذلك فسأروي لك بعض ما رأيته في معرضها، وهو مما يقضي بالعجب العجاب. أول ما يراه الداخل إلى سرادقها كتلة عظيمة الحجم من الفحم الحجري، وزنها أربع طولوناتات ونصف، ويقول الخبيرون: إنه من أجود الأنواع. وقد كان اكتشافه بأرضها في سنة ????، ومتى تم استغلال مناجمه كلها تتضاعف ثروتها — بلا شك — مئات من المرات. فإن الذي عليه مدار سطوة إنكلترة وثروتها هو موقعها الجغرافي ووجود هذا المعدن في بواطنها حتى أطلقوا عليه اسمًا غريبًا وهو: «خبز الصناعة». فبلاد أوستراليا أصبحت تشابه إنكلترة من هذين الوجهين. فهل تكنّ الأيام للبلاد الشرقية إنكلترةً ثانيةً يكون لها في الشرق ما لمملكة البحار في الغرب.
رأيت في معرضها أيضًا جذوع أشجار هائلة من غاباتها الكثيفة المظلمة، حيث لا يندر أن يبلغ ارتفاع الشجرة ??? قدم.
ورأيت رواميز جليلة من الأصواف، ولا غرو فهي موطن أحسن أنواع الشعاري، ومنها تستورد المعامل في العالم كله المقدار الأعظم من أوبار الماعز والضأن. ومن ذا الذي يجهل وفرة اللحوم فيها، حتى إنها تصدِّر منها الكميات العظيمة إلى بلاد أوروبا وغيرها، محفوظة كما ينبغي بالوسائط التبريدية التي تقيها من العفونة والفساد، وتجعلها أمام المتناول كأنها مأخوذة من حيوان قد ذَبَحُوه منذ بضعة ساعات.
وهذه البلاد أصبحت بفضل العقل والاجتهاد تكاد تستغني عن صنائع بقية الأمم ومحصولاتها. ففيها معامل كبيرة كثيرة: للأحذية والصابون والشمع والسجائر والزيوت والمربيات والحلويات والسروج والعربات (بسائر أصنافها) والفُرَش (بضمة ففتحة) والإطارات (البراويز) والأمتعة والأثاثات والمفروشات ونحو ذلك. وقد رأيت في معروضاتها آثار هذه المصنوعات كلها، وهي دليل على استمرار التقدم والعمران.
ولكن أين هذه الصناعات، وأين هذه المصنوعات من تلك الحرفة التي تفوقها كلها في المال والجمال والجلال، واختلاب العقول واستهواء الأفكار؟ فلقد رأيت من آثارها ما يجعل الناظر والباحث في حيرة مستمرة أمام الذهب في هذه المستعمرة، رأيت التِّبْر بأصنافه وأنواعه وركائز الإبريز وقضبان النضار وسبائك العسْجد بدرجة تُسيل اللعاب وتسبي الألباب. ناشدتك الله! أنى يرى الإنسان (ولو في المنام) كنزًا مثل الذي رأيته بالعيان في المعرض العام. ومن الغريب أن هذا الكنز يشبه الدفائن والتي يذكرها أهل الخرافات والأوهام. نعم تحيط به الطلاسم والأرصاد، ويقف في وجه قاصده الموكّلون والأعوان، غير أنهم في صورة إنسان؛ إذ كلهم من الحجّاب والأعوان. فكنت أنظر، مثل أبطال الروايات والأقاصيص، إلى كتل الذهب كما هي في باطن الأرض، مختلطة بصخور الكوارتز أو بعد استخلاصها من الشوائب الأخرى، وكلها على حالها الطبيعية فليس للصانع فيها من أثر، كما لم يكن لي عليها من سلطان سوى النظر، فكانت العين بصيرة واليد قصيرة. ولكنني حمدت الله الذي لا يحمده على الضراء سواه، وتمثلتُ بقول الشاعر الأوَّاه:
وإنك إن أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًا أتعبتك المناظرُ رأيت الذي لا كُلّه أنت قادرٌ عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ ولقد آليت على نفسي في هذا المقام أن أتأسّى عن وضع اليد وحبسها، بإرسال العين إلى هذه العين وحسنها، وإطلاق العنان للسان والبنان في بيان وصفها، حتى يشاركني القراء في اللوعة والحسرة، ويعذروني ألف مرة ومرة.
فقد كان استكشاف أهم مروج الذهب في هذه المستعمرة في سنة ???? فقط، فبالغ القوم في العناية باستخراج دفائنه وكنوزه، وكل يوم جشعهم يزيد ويتجدد والمعدن لا ينفد. حتى لقد بلغ المتحصل منه ??? مليون من الفرنكات، في ظرف سبع سنوات، أين منها السبع السمان في عصر فرعون وهامان؟ ولا يتصورنَّ القارئ أو السامع أن هذا المبلغ البليغ الهائل فيه شيء من المبالغة أو الإغراق أو المغالاة، بل هو ثابت من الأرقام الرسمية والإحصاآت الصحيحة المعتمدة، ولا غرابة في ذلك فإن مسطح مروج الذهب يزيد عن مليون كيلو متر مربع!!!
وقد رأيت الركائز الطبيعية من النضار على أشكال مختلفة وصور متنوعة كما وجدوها في دفائنها. وأغربها ما يخاله الناظر قد صنعته الطبيعة على مثال «التنتلة» التي يتأنق في صنعها العذارى. ومن هذه الركائز ما توازي قيمته أكبر ربح يناله الإنسان إذا أسعده الحظّ في يانصيب البنك العقاري — أي مائة ألف فرنك — ولكن الطبيعة أجود وأصدق من سراب البنك الكاذب: فقد شاهدت ركائز أخرى توازي قيمتها ضعفي ذلك، بل وثلاثة أضعافه: أي ?????? فرنك!!! وهي من النوادر في أسواق الذهب بل أسواق العجب. ولذلك يعتبرها العارفون (وخصوصًا الفقراء من الكتاب والقراء) من أغرب ما حواه هذا المعرض العام، ورأيت قطعة من الذهب الإبريز وزنها ??? جرامًا وقيمتها ???? فرنكًا، قد وجدوها في سلالة «جيب» رجل ألقى بنفسه في أحد الأنهار، وغالب الانحدار «وقاوح التيار» حتى تحصّل على هذا النضار، ولكن ما لبث أن خانته قواه، وصرعته المياه، فذهب ضحية هواه، من حيث كان يرجو غناه، فرحمة الله، على شهيد الثروة والرفاه! وكلنا ذلك الرجل في هذه الحياة!
ورأيت نصفين آخرين من ركيزة واحدة قد عثر عليها رجلان من عَمَلَة المناجم، فاقتسماها بالعدل والإنصاف، فجاء الفرق بين الشطرين عبارة عن ?? فرنكًا ونصف فرنك، ثم اقترعا عليهما فيما بينهما، والقسم الأكبر يزن ??? جرامًا وثمنه ???? فرنكًا، وقد اشترت الدولة منهما هذين النصفين لحسن نيتهما ومهارتهما في القسمة وعدم بغي أحدهما على الآخر. ورأيت بعيني رأسي، وقبضت بكلتا يديَّ ومنتهى قوَّتي على ستة قضبان من خالص الذهب الإبريز، فما استطعت حملها ولا زحزحتها عن مكانها. ولو كان في مكاني عنترة أو جبار الجبابرة لأقرَّ مثلي بالعجز وعدم المقدرة: ومجموع ثمنها ??.??? جنيهًا إنكليزيًّا، وهي عبارة عن محصول الذهب في شهر واحد من منجم واحد، وقد تكون منها ثروة طائلة لإحدى عشرة عائلة!
والخلاصة: إن الداخل إلى هذا القسم من المعرض يخرج منه (مثلي) وقد زهد في هذه الحياة أو بلغ منه الهوس مُنتهاه؛ إذ يكون قد رأى بعينيْ رأسه، أو لمس بأصابع يده أكبر كوم من الذهب في أصغر مكان بهذا المعرض العام، بل في هذا العالم كله، فكيف لا يحتقر بعد ذلك ما يقرأه أو يسمعه عن الكنوز والدفائن، والأرصاد والطلاسم، وهذا خيال، وذلك عيان؟ نعم! نعم! فإن قيمة الذهب الذي عرضته هذه المستعمرة (المبروكة أو الملعونة) يبلغ ثلاثة ملايين من الفرنكات.
وقد رأيت هنالك هرمًا، ولا كالأهرام؛ لأنه كتلة من الذهب الوهّاج يمثل بطوله وعرضه وارتفاعه وسمكه حجم الذي استخرجه القوم من هذه المستعمرة المسحورة، ورأيت عليه نقوشًا كثيرة ليست من الهيروغليفي في شيء، بل كلها أرقام أرشدتني إلى أن المتحصل من هذا المعدن الثمين كان في سنة ???? عبارة عن ??????? أوقية ثمنها ??????? جنيهًا إنكليزيًّا، وأن عموم محصوله من سنة ???? إلى سنة ???? كان ??????? أوقية يبلغ ثمنها ???????? من الجنيهات الإنكليزية. مع أن إيراد هذه المناجم كان في أول سنة استكشافها، وهي سنة ???? عبارة عن ??? من الأواقي لا يتجاوز ثمنها ???? من الجنيهات، فانظر يا رعاك الله! إلى اطراد هذه الزيادة التي يضيع معها الرشد والصواب، وسارع معي في البعد عن مكان الفتنة والغواية.
ولكنني على رأي المثل العامي «خرجت من العرب هاربة، فلقيت الترك والمغاربة.» إذ رأيت في ركن آخر أن عجائب البحر تفوق عجائب البر؛ ففضلًا عما حواه باطن هذه الأرض من الذخائر والكنوز، تحتوي بحارها على ثروة لا تنفد وأخصُّها اللؤلؤ. فقد رأيت إيوانًا شائقًا يتألّف من جدرانه لأعمدته لسقوفه لأفاريزه من أصداف الداري وهي كبيرة فسيحة، مصفوفة بتنسيق بديع يوجب الاستحسان ويقضي بالعجب العجاب. وفي وسطها تمثيل رجل من الغطاسين الذين ينزلون إلى أعماق البحر لالتقاط الدر، وهو بملابسه اللازمة من الكاوتشوك? لكي يمتنع نفوذ الماء إلى جسمه، وعليه الأثقال الكافلة لسرعة نزوله إلى هاوية اليَمِّ، وعلى رأسه ناقوس كبير بحيث يبقى رأس الرجل في تمام الحرية في حركاته، وفي الناقوس ثلاث فتحات عليها نظارات من البلّور؛ ليرى وهو في أعماق الماء مكامن اللؤلؤ سواء كانت أمامه أو عن يمينه أو عن يساره، وفوق الناقوس جهاز متصل بأنبوبة طويلة متينة تغوص معه ويبقى طرفها في البر، وبها يتحدد الهواءُ للرجل حتى يتمكن من البقاء في الماء ما شاء. ولست أطيل عليك الكلام بوصف ما رأيته من اللآلئ والدراري التي يلتقطها هذا المسكين، وينتفع بها غيره من أهل الملايين سنة الله في خلقه، ولكنني أذكر لك صليب الجنوب: فكل في الصد جوف الفرا.
هذا الصليب الغريب العجيب عبارة عن سبعة دراري يتيمة كبيرة، مصفوفة بجانب بعضها على خط مستقيم، وعلى يمين الثانية ويسارها درّتان كبيرتان مثلها، فيتألف من هذه التسعة لآلئ صليب طبيعي. وهذه المجموعة النادرة المثال قد وجدها القوم في مصائد اللؤلؤ في سنة ???? في صدفة واحدة كما هي الآن بالتمام، ملتحمةً ببعضها تمام الالتحام. فحفظوها وحافظوا عليها؛ لجمالها، وصفاء مائها، وغرابة تركيبها الذي يعدُّ من فلتات الطبيعة، وهي كنز ثمين، وتبلغ قيمته ???? جنيه إنكليزي.
نظرة عمومية على المستعمرات الإنكليزية

امتازت معارضها بالجد فلا يشوبها هزل؛ إذ جردوها من الملاهي والتياترات والحوانيت، ونحو ذلك من المساخر، وجعلوها كدرس مفيد من كل وجه فلا يخرج منها الزائر إلا وقد ازداد علمًا وعجبًا.
هذا، وقد اتَّفقت حكومات المستعمرات البريطانية على إقامة مطعم استعماري بجانب هذه المعروضات، بحيث لا يدخله شيء من المآكل والمشارب والمصنوعات والمحصولات إلا ما كان واردًا من إحدى تلك المستعمرات، وقد كان له نجاح باهر، خصوصًا وأنه كان سببًا (في بابه) في زيادة العلم بوجوه الارتزاق في هذه المستعمرات، فلله درهم!
وإني أكتفي الآن بما خطه اليراع في هذا المقام، وربما تكلمت عما يستحق الذكر من معروضات الإنكليز الواردة من بريطانيا العظمى نفسها، أثناء سياق الحديث عن القصور والجواسق والدساكر التي عرضت فيها الأمم كلها صنائعها ومآثرها مصفوفة إلى جانب بعضها. ولكنني أنبِّه القراء إلى أن القصر البريطاني أقيم هيكله من الحديد لا من الخشب، وفوقه طلاء من الجبس والجير؛ ليكون كغيره شبيهًا بالبناء، وقد خرجت منه فرأيت بجانبه:
(?) قصر بلجيكا

وهو بناء فخيم جليل، يستوقف الأنظار، والحق يقال: أقامته هذه المملكة النشيطة على مثال دار أمانة إحدى حواضرها الشهيرة، وهي مدينة أودنارد (Audenarde). وقد انتهت في هذه الدار برعاية المهندسين في هاتيك الأقطار، وجاءت الصورة في پاريس طبق الأصل بالتمام، وهو مثل أغلب مباني المعرض: من حيث كونه مقامًا من الأخشاب، يغشاها الشيد والجبس، على مثال البناء المنسوب لبغداد، ولكنهم موّهوا هذه القشرة بطريقة تجعلها كأنها من الأحجار الصلدة قد مرّت عليها الأيام والأعوام، فيخدع الناظر حتى يخاله أثرًا عتيقًا، ولكن لم تعبث به صروف الزمان. أما الأصل، فهو من صنع مهندس متفنِّن من أبناء بروسل? واسمه ?ان پيد (Van Pede) ويلقبونه «عاشق الأحجار». وما أصدق هذا النعت عليه! فإن غرامه بل هيامه بتعشيق الأحجار وتنسيقها وتزويقها على صور الأوراق والأزهار (وخصوصًا سلطان الجنان) وتخريمها، ونحتها على هيئة الحيوان (وخصوصًا الأفعوان الذي أخرج الإنسان من الجنان) كل ذلك يدل المتأمّل في بناء هذا القصر ونقوشه وأساطينه على هذا الغرام، بحيث يكاد يقول بلسان الحال: سبحانك ربي! إنْ هذه إلا صناعة عُباد الأحجار والأوثان! قصر بلجيكا.
في واجهته الأصلية بوابة عظيمة تحفُّ بها بوائك فوقها شرفة (بالكون). وفوق عقد البوابة صرح ممرّد كأنه «التنتلة» في الأحجار، يعلوه بطل من صناديد الشجعان.
وقد اكتفت بلچيكا في هذا القصر بإظهار ما وصلت إليه من الإبداع في صنعة المعمار. ولذلك ترى كل من نظر إليه يشهد لها بالسبق في هذا الميدان، أما مصنوعاتها ففي سائر أقسام المعرض، تشهد لها أيضًا بالتقدم والبراعة في مضماري التجارة والصناعة.
وفي الدور الأسفل من هذا الجوسق، بهو تكتنفه غرفتان لتمثيل أهم المناظر الشائقة في أكبر حواضر البلچيكا مع كافة البيانات التي تلزم للطائف في هذه البلاد، من جداول وبرنامجات ورواميز ومؤلفات ونحو ذلك، وأخصها البيانات التي تدلك على تقدم تجاراتهم ورواج سلعهم في البلدان الأخرى، حتى في نفس ألمانيا وإنكلترة وفرنسا، وكل ذلك تشويقًا وتحريضًا لزوّار المعرض على الرحلة إلى بلادهم وصرف المال في أرضهم. وهكذا هم يستجرُّون المكاسب والمغانم.
أما الدور العلوي: ففيه غرف الاحتفال والاستقبال. وفي وسطه بَهْوٌ كبير فيه تحف نادرة المثال.
ومما يجب ذكره في هذا المقام أنهم احتفلوا بافتتاح هذا القصر في يوم ?? مايو سنة ????، وقد زرته مرارًا، فما كان يؤذن لي ولا لغيري برؤية شيء سوى ما في الدور الأرضي. فكان اشتياقي يزداد في كل يوم لرؤية ما أعدَّه القوم في الدور العلوي؛ لأن الإنسان مطبوع على الولوع بالممنوع، أو كما قيل:
أحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعَا
فسعيت حتى توصلت بعد التعب لزيارة هذا الدور في يوم ? يوليو، فرأيت العمّال لا يزالون يشتغلون بتنسيق أبسطة عجيبة، وطنافس ثمينة، وغير ذلك من الأثاثات القديمة التي انتهت إليها صناعة أجدادهم الأولين، وهم بها يفاخرون الآخرين. ومن الغريب أن هذه التحف النادرة، قد أرسلها رجل واحد من أغنيائهم اسمه دسونزي Dsonzee، وكلها مما جادت به قرائح أرباب الفنون في متوسط القرون. وليس لهذه المملكة نصيب في الاستعمار، فإن الكونجو البلچيكي الكائن في أواسط إفريقية هو عبارة عن ولاية مستقلّة تمام الاستقلال. وقد اتفقت السياسة الأوروباوية على تمليكها لشخص ملك البلچيكا الحالي وهو ليوپولد الثاني. ولم تشترك هذه الولاية المستقلة في معرض پاريس، ولكن أهل بلچيكا قد امتازوا بصنع ما يلزم للمستعمرات عمومًا والبلاد القاصية، حتى لقد احتكروا توريد ما يلزم من العربات والأدوات والقضبان والآلات لكافة السكك الحديدية في بلاد الصين. ولذلك اتفقت جمعية الصنّاع المتحالفين فعرضت في الجناح الأيسر من قصر التروكاديرو ومجموعة من مصنوعاتهم التي برسم المستعمرات، وأخصها الزجاج والخرز والمسامير ومشغولات الحديد المتنوعة والمنسوجات القطنية وغيرها.
نعم، إنك لا ترى فيها ما يدلُّ على التأنق في الصناعة، ولكنها دليل على تقدم القوم في التجارة، وفوقانهم على غيرهم في معرفة طرق الاكتساب. وقد بلغ ما قررته بلچيكا لاشتراكها في المعرض مليونًا واحدًا من الفرنكات، ثم خرجت من هذا القصر فدخلت في:
(?) قصر النرويج

من المعلوم أن هذه البلاد واقعة في الشمال الغربي من أقصى أوروبا، ويتكوّن منها مع السويد شبه الجزيرة المشهورة باسم إسكنديناوة. وهما مملكتان مرتبطتان ببعضهما، ولكن لكل واحدة منهما نظام خاص، واستقلال تام بشؤونها الداخلية من جميع الوجوه: كما هو الشأن في النمسا والمجر، فلا يجتمعان أيضًا إلا في شخص الملك، وهو الآن أوسكار الثاني، الذي فاق كل ملوك عصره في تشجيع أهل العلم وإيصال الرفد إليهم وإغداقه الفضل عليهم، حتى الشرقيين والناطقين بالضاد.
ما أشبه أهل هذه المملكة بالمجريين في الغيرة الشديدة على استقلالهم، واغتنام كل فرصة للمناداة به والمحافظة عليه! حتى إنهم جعلوا بين سرادقهم في هذا المعرض العام وبين الجوسق الذي أقامته مملكة السويد سدًّا منيعًا، بل سدودًا عديدة من العمائر الخاصة بألمانيا وأسبانيا وموناكو واليونان، ولو استطاعوا لجعلوا بينهما بُعد ما بين المشرقين.
يمتاز هذا القصر بالألوان الزاهية من أخضر وأحمر وأبيض، كما جرت به العادة في أرياف تلك الأصقاع الباردة القريبة من المنطقة الجامدة، وكله من أخشاب الصنوبر المقطوعة من غاباتهم، وليس عليها مثل قصور الدول الأخرى طلاء من الجبس والجير. بل زينته وزخرفته منحصرة في تقطيع الأخشاب بالمنشار وتعشيقها مع بعضها، على أشكال رائقة جميلة، ومن المميزات الخاصة به أنه صنع كله في بلاد النرويج، ثم جاؤوا به قطعًا قطعًا إلى پاريس وركبوها على بعضها فجاء هذا الجوسق (الكشك) فتنة للأنظار ومحطًّا للزوار، وسينقلونه بعد انتهاء المعرض إلى بلادهم وينتفعون به. وقد قرر مجلس نوابهم مبلغ ?????? فرنك لاشتراكهم في المعرض العام.
ومن أكبر مميزات هذه الأمة: مهارة أبنائها في السباحة والملاحة، ولا يكاد يكون لهم مثيل في تربية الغابات والانتفاع بأخشابها وسائر محصولاتها. ولذلك امتاز قصرهم أيضًا بعرض كل ما له علاقة بهذه الأمور، وببيان تفنّنهم في وسائل الاستفادة من بحارهم وحراجهم. والذي يستوقف أنظار الزوار هو تمثال الرحالة الدكتور نانسن الذي كاد يصل إلى القطب الشمالي، وطبقت شهرته الخافقين. ترى نصفه العلوي من الرخام، بجانب سفينته المسمّاة (فرام Fram = إلى الأمام)، وهو كأنه يحدِّثك عما صادفه في رحلته العجيبة المجيدة، ويسرد لك ما لاقاه فيها من الغرائب والشدائد، ويقول لك بلسان الحال: كيف استخدم ما حوله من الكلاب والدوابّ، والآلات والأدوات، بينما كانت تتزاحم عليه جبال الثلوج وشدائد البرود التي تحرق (نعم تحرق!) الأبدان وتصقع الإنسان والحيوان. ومما يجب ذكره في هذا المقام، وينبغي تداوله على ألسنة الخاص والعام أن جلالة إمبراطور ألمانيا الحالي وهو غليوم الثاني المشهور بسعة المدارك والتضلُّع من كافة المعارف، الممتاز على أمثاله بالبسالة والإقدام، قد بالغ في الاحتفال والاحتفاء بهذا البطل المقدام، حتى إنه في أثناء مقابلته استدعى أولاده في حضرته وقال لهم: يا بَنِيَّ إنكم لا تزالون في نعومة الأظفار وشَرْخ الصِّبا، فلستم تفقهون ما أتمه لكم هذا الإنسان الذي ترونه أمامكم الآن. ولكنكم متى علمتم تاريخه في مستقبل الأيام، ترنَّحَت أعطافكم عجبًا وخفق فؤادُكم طربًا؛ إذ تتذكرون أنكم رأيتموه بالعيان. فاحفظوا هذه الصورة الجليلة على صفحات الفؤاد، واجعلوا لها في نفوسكم محل الإجلال والاعتبار. فهكذا يكون الملوك، وهكذا تكون الأفكار والأقوال!
أما أنا … نعم لم يسعدني الحظ الأعمى بأن أكون من أبناء الإمبراطور، ولم يسعفني الطالع برؤية طلعة نانسن المشهور، ولكن ذلك لم يُنْسِني هذه الكلمات الحكيمة الرشيدة أمام هذه الصورة المجيدة. ومن فاتته العين اكتفى بالأثر، وعلى القارئ أن يقنع بالخبر.
وقد رأيت في القصر أساليب القوم في اصطياد الأسماك الهائلة، ولا سيما الحوت (الهائشة)، وبجانبها طيور الصخور ووحوش البرور والبحور. وهل كنت في منام أو ألعوبة في يد الأحلام والأوهام؟ ولكنني أحقق للقراء أنني كنت أشمّ رائحة البحر ومحصولات البحر، ولم يرع قلبي ولم يسترعِ ناظري مثل شيخ البحر (الفقمة) المسمى بالفرنساوية (Phoque) حيوان ضخم الجثة كأنه أسد الشرى، له يدان مثل قوائم الثيران، ونابان كأنياب الأفيال، بل كأنهما أوهما «أنياب أغوال»، بل انظر يا رعاك الله إلى هذا المثال.? وترى هنالك أيضًا صور ديار القوم في عصور مختلفة وطرائقهم في الانتقال، وخصوصًا الزحافات (Traineaux) التي تجرها الكلاب على صحاري الثلوج. قلنا: إن ملك هذه البلاد أوسكار الثاني مشهور بمحبة العلم والعلماء، فلا غرو أن أصبحت بلاده كلها عكاظًا في عكاظ، ولا غرابة في أن نظارة المعارف كان لها في هذا القصر مكان رحيب بل أعظم نصيب. فهنالك ترى المعروضات التي أرسلتها مدارسها الكثيرة وهي لا تقل عن عشرين نوعًا، حتى الطباخة والملاحة وصيد البحر لها عند القوم مدارس خصوصية.
وقد امتازت النرويج في جملة أقسام من المعرض، ففاقت الأمم الأخرى في قسم التغذية بعرض المربيات والمأكولات المحفوظة من سائر الأصناف والأنواع، فإن لها في هذا النوع من التجارة أهمية عظيمة لا تزال آخذة في الزيادة والانتشار في سائر الأقطار، حتى لقد بلغت قيمة الصادر منها في سنة ????: ???????? فرنكًا. وقد امتاز أهلها أيضًا بصناعة البيرة (الجعة) المشهورة بصفائها وحسن مذاقها، كما شهد به السائحون في بلادهم، وكما تحققه الزائرون لمعروضاتهم.
وقد امتازت أيضًا بما عرضته من معادنها وأحجارها ومصنوعاتها، وخصوصًا سجاجيدها وأكلمتها وأبسطتها وطنافسها: فإنهم يصنعونها باليد بحيث تكون كل واحدة منها فريدة في بابها، ولا تماثلها قطعة أخرى، فانظر إلى ما يقتضيه هذا التفنن من إعمال الفكر مع اليد، في تجديد الاختراع بمقدار عدد القطع المصنوعة! ولما كانت هذه المصنوعات لا يتيسّر اقتناؤها إلا لمن آتاه الله بسطة في العيش، فقد قامت بينهم شركة تعضدها الحكومة بحولها وبمالها لإسعاف الفقير بما يلزم من الفراش والرياش. فنالت نجاحًا وقامت بخدم جليلة.
واشتهر أهل هذه البلاد بالدعة وبالميل إلى المسالمة، ومع ذلك فكأني بهم قد وصل إلى آذانهم قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ.? فلذلك تفننوا أيضًا في اصطناع آلات القتال وعرضوها في قسم الجيوش البرية والبحرية، فحياهم الله وبَيَّاهم!
وعند خروجي من هذا القصر رأيت وجوب زيارة السويد معتذرًا إلى أصحابنا أهل النرويج، فإن السياسة والملك قَضَيَا بانضمام الأمتين إلى بعضهما، وحسبي أنني مَيَّزتهم بالتقديم.
(??) قصر السويد

يستوقف الأنظار بجلاله وفخامته، خصوصًا وأنه يعلوه صرح رفيع العماد يرسل سهمه في كبد الفضاء، على ارتفاع ?? من الأمتار.
امتاز نساء هذه البلاد بالمهارة في الترقيم، والرشاقة في التطريز، والإجادة في التدبيج. وقد رأيت في القصر بعض العذارى والفتيات يتنمَّقن في هذه المصنوعات أمام الزائرين والزائرات. وكذلك كثير من الصائغين يشتغلون بعمل الحليّ والحلل بأشكال تناسب ذوقنا، فترتاح النفس (خصوصًا الشرقية) من رؤية الصناعة والصانعين. كيف لا وأن منسوجات هذه الأقطار المترامية في الشمال، وهي بلاد النرويج وفنلنده والبلغار، تحاكي ما اشتهر به الشرق،? في حياكة الأقمشة والأبسطة وتزويقها بالأشكال والألوان، حتى خيل لي أن الفريقين تلقَّيَا عن أستاذ واحد، ونسجا على منوال واحد. فإذا قلنا: إن البلغار أخذت ذلك عن الأتراك، فمن أين وصل أهل أقاصي الشمال، وبقي فيهم إلى الآن، مع أنه كاد يضيع من المشرق أمام انهمار تيار المصنوعات والأساليب والتقاليد الغريبة؟ إن في ذلك لحكمة لمن يفقه أو يتدبر … ومما أوجب عندي زيادة التأمل، صورة كبيرة تمثل هيئة القصر الملوكي في استكهلم عاصمة تلك البلاد. نعم، إن ذلك ليس بغريب في القصور الأخرى. ولكن إذا ظهر السبب زاد العجب، فإن صانع هذه الصورة … هو البرنس أوچين ابن ملك السويد والنرويج، رسمها بنفسه على أحسن مثال، لإظهار المكانة التي يجب أن يصل إليها أبناء الملوك في العلوم والفنون، والسعي في نوال الفخار بالكدّ والاجتهاد، لا عن طريق الميراث والميلاد، فمن لنا …؟ تمثال الجمال في أقاصي الشمال «قصر السويد».
ويحك! … صهٍ! صهٍ!
•••

رأيت هنالك صورة الليالي في الشتاء وصورتها في الصيف بتلك الأصقاع، وهي تكاد تُغْنِي الناظرين عن رؤية الطبيعة، فإن الأولى تمثل أحد المعاهد فوق الدائرة القطبية بمائة كيلو متر نحو الشمال، وفيها غلام لاهستاني (أي لاپونيا = Laponie) يرعى قطيعًا من الرانات? في انتظار أهل القافلة، وترى الكواكب قد علاها الاصفرار، وفي أقصى الأفق نيران باهية تترامى كأنها الصواريخ والألعاب النارية في كبد السماء، دلالة على قرب بزوغ الشَّفَق الشمالي: والكهرباء هي التي تقرب الحقيقة بل تكاد تمثلها بالتمام. أما المنظر الثاني: فيمثل حالة استكهلم في ليلة ?? يونيو التي يكون فيها الاحتفال بعيد القديس يوحنا،?? ترى هذه العاصمة عند انتصاف الليل، ساكنة هاجعة كأنها في منام، وأرصفة البحر خالية من الأقدام، والماء يتسلسل بلطافة وانتظام. وهو ماء حقيقي يتموج ويجري فيه التيار، كما هو الحال في بحار تلك الديار، والماء لا يشق أديمه زورق ولا يعلوه غمام. وكل ذلك بقوة الكهرباء. وترى المنازل عاليها وسافلها يغشاها ضياء الزبرقان قد علاه الاكفهرار، مؤذنًا بانصرام الليل واقتراب النهار، ولكنه ليس بالفجر الصادق ولا الكاذب، بل هو وسط بين الخيط الأسود والخيط الأبيض، لا يمكث إلا لحظة أو بعض لحظة. وفي جهة الغرب ترى النار تتلهَّب في الفضاء منبعثة عن أشعة سلطان الضياء، الذي لا يكاد يحتجب في تلك الأنحاء، وهو منظر يقضي بالعجب العجاب على السائحين الذين يزورون هذا الصقع، وليس لهم به من عهد. ومما امتاز به هذا القصر أن مصلحة البريد والتلغراف في بلاد السويد، قد ربطته مع كافة أقسام المعرض التي اشتركت فيها مملكتها بأسلاك التلفون، وجعلت المخاطبة بها مجانًا لجميع الناس، ووضعت مركز هذه الأسلاك فيما عرضته في القسم الخاص بالكهرباء. وأنت تعلم أن هذه البلاد قد اشتهرت بالبراعة في صناعة التلفون وأدواته، وكادت تحتكرها في كافة أقطار الأرض، حتى إن أغلب، بل كل، الجهازات التي تستخدمها الشركات الإنكليزية المؤسسة في القطر المصري، تستوردها من هنالك لأفضليتها من حيث العمل ورخص الأسعار. وقد انتشرت أسلاك التلفون في بلادهم انتشارًا يفوق التصديق، حتى ثبت من الإحصاء أن ثلث أهاليها قد أدخلوا التلفونات في دورهم وحوانيتهم، ولم تعادلهم في ذلك أمة من الأمم الأخرى.
وهذا القصر كله من باطنه وظاهره مركّب من الأخشاب ليس إلا، وقد أقامته شركة النجارين في استكلهم، ثم فكّوه قطعًا وأرسلوها بطريق البحر إلى النهر حتى رست في قلب پاريس، أمام الرصيف الذي أقاموها عليه، قصرًا أنيقًا يعجب الناظرين بلغت أكلافه ?????? فرنك. وهو مقام على أرض لا تزيد مساحتها عن ??? مترًا مربعًا. ومن المهارة والوطنية أنهم بعثوا إلى عاصمة فرنسا اثني عشر عاملًا فقط من بلادهم فركبوا القطع المفككة، وعشّقوا الأجزاء المتفرقة، من غير أن يحتاجوا لفرنسا ولا لأهلها في شيء ما.
ومن أعجب ما حواه مجموعة أنيقة في وسطه تتألف من التحائف والنفائس والحلي والجواهر التي قدمها الأهالي لمليكهم الحالي، بمناسبة أعياده العديدة. رأيت فيها صفيحة عليها نصُّ خطبة (يقولون إنها رشيقة اللفظ بليغة المعنى) قدمها البناؤون الأحرار (الماسون) إلى هذا الأخ المتوَّج في حفلة عيده الذهبي الماسوني، أي عند دخوله في السنة المتمِّمة للخمسين من انتظامه في هاتيك العشيرة، والخطبة مرقومة على صفيحة من الفضة الخلصاء دلالة على نقاء السرائر وإخلاص الضمائر.
واعلم أن أوسكار الثاني هو أول ملك زار المعرض، ثم تلاه جلالة الشاه المعظم مظفر الدين صاحب إيران، فعساه يجرى على أثره في ترقية أمته، وإعلاء منار المعارف؛ ليفتخر به الشرق، ويكون خير وارث لتاج الأكاسرة الكرام.
جائزة إنقاذ الغرقى

أشرت في (القصر الأميركاني) من «الدنيا في پاريس» إلى الجائزة الجليلة التي خصصها ورثة الأمريكي أنتوني پولُّك، لمن يخترع أحسن جهاز لإنقاذ الغرقى. وقد علمت من الجرائد الواردة في هذه الأيام أن أرباب القرائح والعقول الذين تسابقوا لنوال هذا المبلغ الطائل ?????? فرنك وصل عددهم إلى ??? مخترعًا. وقد اجتمع مجلس المحلفين للنظر في أساليبهم، فوجد مع الأسف أنها كلها لا تفي بحاجات الغرقى ولا بغرض المتبرعين. فلذلك حكم بأنه ليس فيهم من يستحق نوال الجائزة بأكملها، غير أن رجلًا من أبناء لوندرة واسمه المستر روپر (Roper) عرض جهازًا يمتاز على ما قدمه مسابقوه، وعلى ما تقدم من أمثاله إلى هذا اليوم، فرأى المحلفون فيه ما يوجب مكافأة بعشر الجائزة فقط: أي عشرة آلاف فرنك. ثم قرر المحلفون جعل المبلغ الباقي جائزة جديدة لمن يوفقه حسن حظه وسلامه اختراعه، لإيجاد الوسيلة الكافلة لسلامة السفائن من الغرق (وبنوع أخص) لنجاة كافة ملاحيها وركابها، فيما إذا تغلَّب عليها اليمّ وقضي الأمر. وقرر المجلس المذكور إصدار برنامج ببيان تفاصيل المسابقة في هذا المضمار، والشروط الواجب مراعاتها على كل من يريد المباراة فيه. وسينشرها على العالم كله في أول يناير سنة ????، ويبلِّغها إلى الحكومات بأجمعها؛ لتعميم العلم بها في كافة بقاع الدنيا.
وكنت أودُّ لو تأخرت عن مصر هذه المصيبة التي ألمَّت بأبنائها في هذا الشهر بغرق الباخرة «الشرقية»، بل كنت أودُّ أنه ما كان. ولكن بهذا قضت الأيام، ولا حول ولا قوة إلا بالله! وهل يتاح لرجل من أبناء مصر نوال هذه الجائزة أو الإقدام على الدخول في هذا الباب؟ …
لست من الأنبياء، ولكني أقول: كلا ثم كلا وألف كلا …
الإسكندرية في ?? سبتمبر ????
جوائز لأهل العرفان في المعرض العام

للأوروباويين شغف عظيم بتنشيط أهل المعارف بالمال الذي هو حياة الوجود، وعلة الارتقاء والعمران. وقد ذهب عصر الخلفاء وانقضى من الشرق وكأني به لن يعود، إلا إذا صحّت الأحلام. ولكن أغنياءه الكثيرين يتفانوْن في جمع المال من الحرام ومن الحلال، ثم تراهم (وخصوصًا أبناءهم من بعدهم) يبذرونه فيما يعود عليهم وعلى بلادهم وأممهم بالخزي والعار والخسران. فلم يبقَ لأهل القلم وسيلة سوى ذكر مآثر أمثالهم في الغرب، ومعاودة الضرب على أسماعهم، كلما حانت الفرصة عساهم يفيقون، أو علّهم تتنبّه فيهم عاطفة من عواطف أجدادهم، فيكون لهم لسان صدق في الآخرين، وحسنة يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وأقتصر الآن على ذكر ما جاد به واحد فقط من المحسنين بحجة هذا المعرض العام. وهم في كل يوم لهم حجة، وأغنياؤنا لهم في كل ساعة ألف حجة على التقتير والتبذير في غير مواضعهما، حتى ساءت سمعتهم بين الأمم.
ففي فرنسا رجل من الأغنياء اسمه أوسيرس (له نصيب أكبر من مسماه الذي كان إله الخير والبركة عند قدماء المصريين) قد تبرَّع بمناسبة معرض پاريس السابق (في سنة ????) بجائزة قدرها ?????? فرنك لأعظم عمل يقام فيه، يجمع بين المهارة والجسارة، ونالها المهندس الذي بنى رواق الآلات.
ثم اغتنم فرصة هذا المعرض فتبرع بمائة ألف فرنك أخرى لمن يأتي بأجمل عمل أو بأفيد مشروع فيه، وعهد بتقرير هذه الجائزة إلى نقابة الصحافة في پاريس.
وكأني به لم يكتف بهذه الأريحية العظيمة؛ بل رأى أن هذه الجائزة لا تتكرر فلا يكون له يد في دوام التحريض على الإتيان بعظائم الأعمال، فسلك في سبيل الإيقاف خطة أرجو أن يكون لها صدى في بلادنا وتأثير على الواقفين من أبنائها: فإنهم لا يعرفون سوى تقرير المبالغ الطائلة على بعض القبور، فلا يكون من ورائها سوى زيادة عدد الكسالى بيننا وانغماسهم في الملاهي والمحرَّمات، وحرمان الأمة من أعمال أيديهم وعقولهم، وبئست العاقبة، ذلك أنه أوقف على مجمع العلماء بفرنسا (Institut de France) دُورًا وأملاكًا كثيرة يبلغ ريعها ????? فرنك في كل عام. وقرر لهذا الوقف شروطًا تدل على سعة مداركه، وسموّ أفكاره، وطموح نظره العالي إلى موالاة الخير على بني الإنسان، وعندي أنه بذلك يخلد اسمه مقرونًا بالمدح والحمد، أكثر من ذلك الذي كان يعبده آباؤنا الأولون. فقد قرر الموسيو دانيال أوسيرس أن إيراد هذه الأملاك يتجمّد في كل ثلاث سنوات، حتى يتحصل منه مبلغ مائة ألف فرنك، ويعطي جائزة لمن يأتي بأعظم اكتشاف أو بأجلِّ عمل في بحر الثلاث سنوات الماضية: في المعارف أو الآداب أو الفنون أو الصنائع أو (بطريقة الإجمال) في أي أمر يعود بالخير العام على جميع الأنام، وقال: إن أقصى أمانيه أن ينال هذه الجائزة المشتغلون بالجراحة والطب، إذا توصَّلُوا لإيجاد الدواء الشافي أو المخفف للأدواء والأسقام التي لا تزال إلى الآن بحيث لا ينجع فيها علاج أو دواء؛ حتى ولو لم يتيسّر لهم سوى الدلالة على الوسائل التي تكون ممهّدة لمقاومتها أو الشفاء منها.
واشترط أن المجمع المذكور يعقد جمعية عمومية في كل ثلاث سنوات، ويقرر الجائزة لمن يفوز بقصب السبق في هذا الميدان. وقد زاد هذا الجواد على كرمه، فقرنه بجميل اللطف وحسن الانعطاف؛ إذ قرر على المجمع المذكور أن لا يكتفي بمن يتقدم إليه من الطالبين، بل أوجب عليه البحث بنفسه أيضًا على أهل الفضل والاستحقاق؛ لأنهم يمتازون في الغالب بالتواضع والانزواء والاعتكاف. وقد نظر الرجل إلى وطنه وما له عليه من الحقوق، فقصر الجائزة على أبناء فرنسا دون سواهم. فإذا كان العمل قد اشترك فيه أكثر من واحد اشتراكًا أصليًّا جوهريًّا بطريقة متلازمة لا انفكاك فيها، وجب تقسيم الجائزة على المشتركين بقدر حصتهم في الاجتهاد والإيجاد. ثم نظر إلى بني الإنسان بوجه عامّ، فقضى أن الجائزة إذا صادف حلول ميعادها أحد المعارض العامة تُعطَى لمن يستحقُّها، فرنساويًّا كان أو غير فرنساوي، ولكنها على كل حال لا تعطى إلا لرجل واحد حتى يصح الانتفاع بها على وجه التحقيق. وإذا كان ميعاد المعرض يأتي بعد حلول ميعاد الجائزة بسنة أو سنتين وجب الانتظار وإضافة الريع إلى قيمتها حتى تبلغ ?????? أو ?????? فرنك.
فهكذا تكون الهمم! وهكذا يكون الكرم! وبمثل هذا تحيى الأمم!
تشخيص المعرض وبيان عظمته بالأرقام

طلب مني جماعة من أكبر أهل القطر فضلًا وعلمًا ومقامًا أن أتحف قراء «الدنيا في پاريس» بزيادة في التفصيل على عظمة المعرض فوق البيانات الوافية التي صدرت بها هذه الرسائل، فما رأيت أفضل من تعريفي القارئ بالطريقة التي كنت أقضي بها نهاري، وإيراد بعض إحصائيات رويتها عن الثقات.
•••

هذا المعرض قائم على فسحة مترامية الأطراف بحيث لا يمكن لأي إنسان أن يقول: إنه طافه كله أو رأى جميع ما فيه، أو فحص كافة المعروضات: فإن ذلك يحتاج لسنين تُعَدّ بالعشرات، وهيهات! هيهات! أن يلمّ العقل بما حواه، وإني أجاهر بأن نفس القائمين بنظامه لا يجسرون على الادعاء بالإحاطة بما فيه؛ بل إن المتولِّين ترتيب بعض الأقسام أو غرفة واحدة، لا يسعهم مثل هذا التصريح. ولا غرابة فإن القارئ قد يشتري لنفسه أو لبيته بعض الملابس والأثاث، وكثيرًا ما يذهل عنها، أو يجهل موضعها؛ بل ربما نسي وجودها، فجددها عند حاجته إليها.
ترى الرسوم والجداول والقوائم والتقاويم والرواميز وكافة أنواع المعروضات مصفوفة في الأرض، أو ملصوقة على الجدران، أو متعلقة بأهداب السقوف، سواء كان البناء من طبقة واحدة أو مثنى أو ثلاث. فكيف تتمكن من رؤيتها ومعرفة كل ما فيها؟
تدخل من أحد أبواب المعرض، وترسم لنفسك خطة تسير بمقتضاها، فلا تلبث أن ترى نفسك كبني إسرائيل في التيه. كلها تتجاذبك، فلا تعود تدري ماذا ترى وإلى أين تسير.
يفتح المعرض أبوابه من الساعة الثامنة فلا ترى سوى جيوش من الكناسين والفراشين والموردين والمتعهدين والبدالين والجزارين والسماكين والبستانيين ونحوهم ونحوهم، قد احتلُّوا رحباته وساحاته وباحاته وعمائره ودساكره بأنفسهم وبأتباعهم وبدوابهم وبمركباتهم للقيام بلوازم الحياة والنظام في هذا الكائن الهائل. حتى إذا جاءت الساعة العاشرة من الصباح، برز متبرجًا متبهرجًا يسترق الأنظار ويستغرق الأفكار، فتقضي فيه ساعة: ثلاثة أرباعها في التسيار والمزاحمة والانتقال، والربع الباقي في المشاهدة والاستقصاء. وحينئذ يحل وقت الطعام، فإن لم تبادر وجب عليك الصيام (ولا أجر لك).
علمتَ أن مسطح المعرض لا يقل عن ??????? متر مربع، وأن مبانيه تشغل نحو النصف أو ?????? متر مربع على وجه التحقيق. وإذا قلت لك الآن: إن نصف هذا النصف مشغول بالمطاعم وما يلزمها ويتبعها من المرافق، فاعلم أني لا أكون بعيدًا عن الحقيقة؛ إذ لا تكاد ترى قصرًا أو أدوارًا أو جوسقًا أو دسكرة أو قمرية أو كوخًا أو أي مكان مسقوف — إلا وفي أحد أركانه أو تحته أو بلصقه أو فوقه مطعم، اللهم إلا إذا لم يكن هو كله مخصصًا للآكلين والشاربين.
وفضلًا عن ذلك فإن عامة الإفرنج وسوقتهم، وخصوصًا أهل الأرياف منهم، يدخلون المعرض ومعهم «الزوَّادة» فيأكلون ويشربون تحت ظل الأشجار أو فوق بساط الأعشاب. فإذا أتاح الله لك عدم الانشغال بالمعروضات، وتوجهت إلى أحد المطاعم في الوقت اللازم، فربما عثرت على مكان تجلس فيه وتستريح … حتى يأتيك الخادم بما تسدُّ به الرمق. نعم، إنك ترى في كل مطعم جيشًا من الخدم، وتراهم يهرولون في الإقبال ويسرعون في الإدبار، ولكنهم أقل من القليل في جانب الواردين والمتردِّدين، فلا تكاد ترى مقعدًا خاليًا ولا يدًا عاطلة ولا فمًا ساكتًا (عن طلب المآكل) أو ساكنًا (عن المضغ والازدراد والالتهام)، والناس كلهم في خبال واستعجال كأنهم يتزوَّدُون من هذه الحياة الدنيا. وقد علمني الاختبار أن أطلب ثلاثة أو أربعة ألوان في آنٍ واحد، وأكتب أسماءها للخادم: فيمضي ولا يأتي بها كلها؛ لأن غيري كلفوه أيضًا بطلبات أخرى. ولكنه كان يحضر لي لونًا بعد لون، فكنت أستحليها في المذاق بغير مرارة الانتظار. وبهذه الوسيلة كان يتوفر لي قليل من الوقت، أخصصه لرؤية المعرض في ساعة الأكل.
فكنت أراه بخلاف المعهود، في كل جهاته وسائر طرقاته وغالب عماراته؛ إذ يكون عبارة عن مطعم هائل قد اجتمع فيه الآكلون، وهم بعشرات الألوف يعدون: وقد برزت منهم الأحداق إلى الصحاف والأطباق، وفغرت الأفواه والأشداق، وامتدت الرؤوس والأعناق، حتى إذا أسعفهم الغلمان بالألوان، تناولوها مسرعين «مسعورين»، وعجلوا بها إلى هاوية البلاعيم، بعد أن أعملوا فيها الأضراس، واستعانوا على الازدراد والالتهام بالشراب الحلال والحرام، ثم يتعجلون في الخروج لإخلاء المكان لغيرهم من الواقفين لهم بالمرصاد، المتربصين نهايتهم بفارغ الاصطبار. فإذا كانت الساعة الثانية أقفلت المطاعم كلها أبوابها في أوجه المساكين المتأخِّرين، فيُقضى عليهم بالتبلُّغ حيثما كان وكيفما اتفق، وتتجدد هذه الحال من الساعة السادسة إلى التاسعة في كل مساء. وكنت في الغالب أتناول غذائي كل يوم في مملكة غير التي أكلت فيها بالأمس، حتى أكون طفت الأرض آكلًا … شاربًا … حامدًا … شاكرًا؛ وذلك لعدم الخروج من حومة المعرض وتوفيرًا للوقت … ولأجرة الدخول مرة ثانية.
وأعظم ما فقدته من الزمن كان في الانتقالات؛ لبعد المسافة، وانعدام وسائل المواصلات السريعة في داخل المعرض.
•••

كان يَرِدُ على المعرض في بعض الأيام نصف مليون من النفوس بل ??????، أي نحو عدد سكان القاهرة، وأنت تعلم أن أهل پاريس يزيدون قليلًا عن مليونين ونصف مليون، وعدد العربات التي فيها من جميع الأنواع لا يتجاوز ?? ألف عربة، فلذلك كانت وسائل الانتقال من المعرض وإليه غير كافية على الإطلاق، حتى لقد تألّفت شركات كثيرة جديدة، وأُهرع الجم الغفير من الفلاحين ومعهم عربات «طوفانية» لتكثير وسائل الانتقال، وصارت المدينة وأهل المدينة ورجال البلدية والحكومة يصرخون — مع كل ذلك — ويتضجَّرون من عدم كفاءة شركات الأومنيبوس والترامواي الحيواني والبخاري والكهربائي والزوارق البخارية. فإذا كان الإنسان ساكنًا في أطراف المدينة، أو على مقربة من رأس أحد الخطوط أوجب عليه التبكير في القيام وأخذ تذكرته في أوائل المبكرين؛ ليضمن له مكانًا في إحدى العربات أو البواخر العمومية، وإلا اضطر لانتظار الباخرة أو العربة الثانية أو الثالثة وهلم جرًّا. فإن كان بعيدًا عن رأس الخط ضاع عليه الزمن الكثير إن لم يؤثر اتباع الطريقة الفضلى، وهي استخدام تلك الوسيلة الصادقة النافعة الناجعة التي منحها الباري لكل إنسان، وأعني بها الأقدام؛ لأن خسارة نصف ساعة في المشي أولى من انتظار ساعتين أو ثلاث، وهيهات أن يتسنَّى له الركوب مع تزايد الازدحام كلما مضت ساعة من النهار. أما استخدام عربات الركوب فلا ينبغي له أن يفتكر فيه إلا إذا كان من أصحاب اليسار أو كان مضطرًّا للإقرار رغمًا عن ميزانيتِه بأن «الوقت أثمن من المال.»
ولا تتصورنَّ أن الزحام في المعرض أَثَّر على پاريس في شيء ما، فهي هي المدينة المعروفة الموصوفة، المشهورة المشهودة، والمعرض مدينة طارئة مسحورة، قائمة إلى جانب الأولى مستقلة عنها في كل لوازمها الكثيرة.
•••

هذه المدينة المسحور تحتوي على أكثر من مائة ألف ساكن: من تاجر وصانع ومحترف ومتسبب (وهم العارضون) خلاف المستخدمين عندهم والمساعدين لهم (وهم أضعافهم)، ويزورها في اليوم أربعة أمثال من فيها على التعديل المتوسط. وفيها كل شيء حواه البر والبحر أو تضمّنه باطن الأرض، أو كانت له علاقة بالهواء والسماء. وفيها كافة أصناف الخلائق بجانب بعضها من أبيض إلى أصفر ومن أسود إلى أحمر. وفيها من بدء تلك الكراريس التي يخطها الأطفال في الكتاتيب (وهم لا يزيد سنهم عن الرابعة) لحد الآلات الضخمة الهائلة المخيفة التي تنقل في اليوم الواحد آلافًا من الناس إلى آلاف من الكيلومترات، وتعمل في الدقيقة الواحدة ما يعملُه آلاف من الناس في اليوم أو في الأسبوع، أو تبيد في الثانية الواحدة آلافًا من الأجساد، ويقف أمامها ابن آدم حائرًا باهتًا مذعورًا. وفيها أفخرُ الكنوز المجموعة في متاحف العالم كله.
وإنني أرجو القارئ أن يتبعني فيما يأتي؛ ليعلم شيئًا عن عظمة هذه المدينة الهائلة.
تقررت إقامة المعرض في ?? يوليو عام ????، فاهتمت بأمره الأمم الحية الحساسة كلها، واجتهد المجتهدون الذين يصح أن تطلق عليهم لفظة «إنسان» لإظهار ما وصلوا إليه من المكانة العالية في معترك الحياة، ومضمار الفخار. وتدرج الناس كلهم في سبيل نظامه وانتظامه، فما جاءت سنة ???? حتى وصل عدد القائمين بترتيبه ???? نفس من أرباب المدارك والاطِّلاع، وحينئذٍ استقرَّ مندوبو الدول في نفس پاريس لمباشرة العمل. فجاء على أثرهم العارضون من ????? إلى ????? إلى ????? إلى ?????? بل أزيد. وتكاثرت العلاقات مع إدارة المعرض العامّ، حتى بلغ عدد المكاتبات الصادرة منها ??????? رسالة. ولا شك أن عدد الوارد يضاهيها، إن لم يزد عليها. وبلغ عدد العملة التابعين لهذا الديوان الكبير ????? نفس من شغال ومستخدم وصاحب امتياز ورب التزام. أما الذين طلبوا من هذا الديوان الإذن بزيارة المعرض في الثلاثة شهور الأخيرة من عام ????، أي قبل الافتتاح الرسمي وانتهاء الأعمال، فقد زاد عددهم على ????? نفس، ووردت إلى هذا الديوان طلبات تزيد على ?????? لنوال التذاكر المجانية، وشفع أصحابها كتابتهم بمستنداتهم وصورتهم الفتوغرافية، فبحث فيها ورتبها ولصق الصور على التذاكر وختمها وسجّلها، وذلك غير الطلبات التي أهملها، وغير التي صرح بها بعد انقضاء شهر أغسطس الماضي.
•••

بلغ عدد العمال المشتغلين في القسمين الكبيرين من المعرض (الشانزليزيه والشان دومارس) ???? عامل مستديم من عام ???? إلى ????، وكان هؤلاء هم الأساسيون (الثملية). أما المعاونون لهم (الظهورات) فكانوا كثيرين جدًّا، ومنتشرين في جميع أنحاء فرنسا وكافة بقاع الدنيا: يقطعون الصخور الكبيرة، ويصبُّون الكتل الهائلة من الحديد (في فرنسا)، ويصنعون أبوابًا لا يكاد العقل يتصور جسامتها وضخامتها (في الهند الصينية)، ويصبون في قوالب هائلة معبدًا وثنيًّا كبيرًا (في بلاد الجاوه) وغير ذلك، فكان ما يصنعه العامل الواحد في حومة المعرض مكملًا لما عمله عشرون آخرون على الأقل: بحيث لا يقل مجموع العمال الذين اشتغلوا بأحداث وتشييد هذه المدينة المسحورة عن ?????? نفس في مدة أربع سنوات متواليات.
أما الصخور التي استعملت في بناء القصر الكبير والصغير فقد بلغ وزن بعضها ???? كيلو جرام: أي ثمانية طونولاطات، أي قريبًا من ??? قنطارًا. وكانوا يقطعونها بمناشير الألماس؛ لزيادة التعجيل في العمل والإتقان. وقد استنفد القوم مناجم كثيرة من الفحم والحديد اللذين أودعتهما فيها الطبيعة، وتركوها قاعًا صفصفًا. ولقد بلغ وزن الحديد المستخدم في بهو الاحتفالات وحده ?????? كيلوجرام، أما مجموعه في مباني المعرض وسقائفه فهو ???????? كيلوجرام، ومساحة الأرض المغطاة بسقائف الحديد تبلغ ?????? متر مربع. وقد كان نقل هذا الحديد على ????? عربة من عربات البضاعة في السكك الحديدية، فلو جعلناها مصفوفة بجانب بعضها لتألَّف منها قطار طوله ??? كيلومترًا، أي أن أول هذا القطار يكون في القاهرة وآخره في دمنهور.
أما الآجُرّ والزجاج والأصباغ (البويات) والطلاء (الورنيش) والجبس والجص والجير والشيد، فقد كان استعمالها بما تُوجِبُه هذه النسبة الهائلة. واستشهد على ذلك بمثال واحد: وهو أن برج إي?ل وحده اشتغل بتجديد ألوانه ?? عاملًا في مدة ستة شهور بلا انقطاع، وقد بلغ ثقل هذه الأصباغ وحدها ????? كيلو.
ومن الغرائب أن هذه المدينة توجد تحتها مدينة أخرى لا يراها الناظرون، ولكن العلم بشيء منها يزيد في الحيرة والاندهاش. نعم، فإن تحت المعرض شوارع حقيقة يبلغ عرضها مترين و?? سنتي، وارتفاع عقدها وقبوها متران و?? سنتي، ومجموع طولها ???? متر، وهي عبارة عن قنوات تحت ميدان شان دومارس يجري فيها الماء والبخار والكهرباء. وكذلك الكتفان (أو البغلتان) الغائصان في أعماق الأرض على ضفتي النهر؛ لاستناد قنطرة إسكندر الثالث عليهما؛ فقد بلغ البناء فيهما ????? متر مكعب، وهذا البناء كله مدفون في الماء، فلا تكاد تراه العين أو يتخيَّله الذهن.
تلك بعض أرقام تدل على عظمة المدينة المسحورة وضخامتها، ولكن الرشاقة والخلاعة اللتين استأثر بهما أبناء الفرنسيس كان لهما فيها أكبر حظ وأوفر نصيب، فإنهم تعللوا بوجود المنفرجات والمنعرجات بين الدُّور والقصور والعمائر والدساكر، فجعلوها رياضًا غنَّاء وحدائق فيحاء مسطحها ?????? متر مربع، منها ????? فَرَشُوه بالعشب النضير بساطًا عديم النظير. وفي هذه الحدائق ???? شجرة، و???? نجم، و?????? نبات من ??? نوع من الأزهار وغيرها، وهم يتعهدونها كلها بالعناية يوميًّا؛ بل وبالتجديد عند اللزوم، ويسقونها بما يعادل ?????? لتر من الماء تقريبًا في كل يوم.
أشهر ما امتاز به هذا المعرض توليد قوتي الحركة والكهرباء في مدينته العجيبة الغريبة، فإنه يرسل ما يلزم من الأولى للآلات والمعامل والمصانع، وكل ما له علاقة بالأعمال الميكانيكية في النهار، حتى إذا احتجبت الشمس ظهر المعرض كله مُتألِّقًا بالأنوار، ولأجل ذلك عرضوا في قسم الكهرباء والآلات جهازات لتوليد القوة المزدوجة اللازمة، ومنها ما تعادل قوته ???? حصان بخاري، فتتولد عن مجموعها في كل دقيقة واحدة قوة تعادل ????? حصان بخاري. وإذا دعت الضرورة أمكن لهم مضاعفة ذلك، أي جعلها ????? حصان بخاري.
وحياة المعرض بالليل أكثر منها بالنهار، فتراه لذلك يستهلك من الأنوار ما يزيد على حاجة مدينة كبيرة يبلغ عدد سكانها ?????? نفس، وقد استخدموا فيه كافة وسائل الإضاءة من مصابيح الزيت والبترول والغاز والإسيتيلين … ولكن الفضل الأكبر واليد الطولى، هما للكهرباء بلا مراء. بل انظر إلى ما يأتي:
البوابة الأثرية وحدها تضيئها في كل ليلة ???? مصباحًا من المصابيح المعظمة للنور و?? فانوسًا كبيرًا، وفي قسم الشانزليزيه ??? فانوسًا كبيرًا، وفي قسم الأنواليد ???? مصباحًا، وعلى قنطرة الإسكندر الثالث ???، وفي بهو الاحتفالات ????، وفي القصر المنير ????? مصباح صغير (ولكن أنوارها تتضاعف إلى ما شاء الله بفضل البلّور والزجاج)، وفي قصر الكهرباء ?? فانوسًا كبيرًا و??? مصباح معظم للأنوار، وفي قصر الماء ???? مصباح متصل بالجهازات التي تنوع أنوارها وألوانها بما يدهش العقول وخصوصًا الأبصار! (وأسلاك هذا الاتصال لا يقل طولها عن ?? كيلومترًا)؛ فإذا جمعنا كل هذه الأنوار إلى بعضها؛ لَتَألَّفَت منها ثريّا تتيه على الثريّا؛ إذ يكون ضوؤها معادلًا لسبعة آلاف ألف شمعة. وأما القوة التي تتولد عنها هذه الأنوار في ليالي الزينة والوقود المعتادة، فإنها تكفي لرفع برج إي?ل في مدة ?? دقيقة فقط إلى ارتفاع ??? متر في الفضاء. وأنت تعلم أن ارتفاعه ??? متر وأن ثقله ??????? كيلوجرام.
وبهذه المناسبة أقول: إن الفحم الحجري الذي يستهلكه المعرض في كل يوم لتوليد هذه القوة الهائلة هو عبارة عن ??? طونولاطه. وأما الماء اللازم لإدارة هذه الآلات فهو ?????? لتر في كل ساعة واحدة؛ فلو تركوا حنفياته مفتوحة مدة عشر ساعات فقط، لأغرق ميدان شان دومارس كله وجعله بحيرة يبلغ عمقها ? سنتيمترات. وقد أخبرتك أن هذا الميدان تبلغ مساحته ?? هكتارًا مربعًا. ولو أوقدوا تحت هذه البحيرة المتباعدة الأطراف، المائتي طن من الفحم التي يستخدمونها في المعرض يوميًّا، لأوصلت حرارة مائها كله إلى درجة ?? فوق الصفر بميزان سانتيغراد. وليست الكهرباء وحدها هي التي تبتلع الماء، بل هنالك أيضًا نوافيره وفواراته ومساقطه الصناعية في القصر المخصص له، فقد يصل عرضها إلى ?? أمتار وارتفاعها إلى ?? مترًا. ويلزم لها في الساعة الواحدة أربعة ملايين ونصف مليون لتر من الماء.
ولهذه المدينة حُرَّاس وأعوان، فإن حركتها لا تسكن إلا بعد انتصاف الليل بثلاث ساعات؛ إذ تنطفئ الأنوار كلها. ولكن لا ينقطع منها طواف العسس والنوبة، وهم لا يقل عددهم عن ??? رجل، بخلاف الخفراء المخصصين لبعض الأقسام، بجانب كنوز نادرة وتحف نفيسة. ويتعاقب طوف العسس مع طوف المطافئ مبالغة في الحفظ والوقاية: فلا يكون السكون والهجوع تامّين على الإطلاق في هذه المدينة الوفيرة الغنى، حتى في أخص الأوقات بالمنام.
فإذا لاحت غرّة الصباح، أي في مبدأ الساعة الخامسة، استيقظ عمال البساتين والحدائق لكنسها ورشها وتجديد نظامها. ثم يتوارد المراقبون على أبواب المعرض حتى تكون الساعة السادسة، فتشتد الحركة وترتفع الجلبة بمجيء المورّدين وعمالهم وما معهم من الأصناف، وخصوصًا خدم القهاوي والمطاعم والتياترات والملاهي بلوازمهما. وفي الساعة الثامنة يأتي الوقّادون والميكانيكيون؛ لينفخوا روح الحياة في هذا الكائن العظيم، فترتفع في الفضاء قعقعةٌ يصحبها دويّ هائل وارتجاج متواصل، دلالة على أن دواليب الآلات البخارية والكهربائية قد أخذت في الدوران. فإذا جاءت الساعة الثامنة توافد السكّان الرسميون لهذه المدينة العجيبة على أبوابها، وهم: ??? مراقب لدخول الجمهور، و???? حارس في الأروقة والقصور، و?? بستانيًّا للقيام بالرش في الحدائق والجنات، و??? رجل من أرباب الحفظ والشرطة، و??? فارس و??? جندي من الحرس الجمهوري، وبعض رجال البوليس الدرّاجين (أي راكبي الدراجات) وفرقة الغطّاسين و?? رجلًا من رجال المطافئ. فمجموعهم يبلغ نحو ???? رجل كلهم بالكساوي الرسمية. وزد عليهم ???? غلام بالأقل من المستخدَمين في القهاوي، خلاف المتخصصين لخدمة المطاعم والملاهي الأجنبية?? ودافعوا الكراسي المتحركة وعمال البريد والسكة الحديد، ونحو ???? نفس ممن يبيعون تذاكر الدخول على الأبواب. فلا يقل جمع الجموع الرسمية من هؤلاء السكان عن ????? إنسان، يكتسب الواحد منهم في المتوسط ?? فرنكًا في اليوم على الأقل. أما عدد الداخلين يوميًّا إلى هذه المدينة فيبلغ متوسطه ?????? نفس بالأقل، ويقول أهل الإحصاء: إن مجموعهم سيصل عند انتهاء المعرض إلى ?? أو ?? مليونًا من بني آدم، ولا غرو فقد بلغ عدد القادمين من الأغراب عن طريق محطة الشمال بمدينة پاريس ???????، وذلك من ?? أبريل إلى ?? يونيو، ومن محطتي الشرق (ستراسبورغ والباستيل) في شهر مايو فقط ??????? ومن محطتي الغرب (سان لازار ومونبارناس) في النصف الأول من شهر يونيو ???????، بل قد بلغ عدد الراكبين من سكان پاريس من محطة سان لازار إلى محطة الأنواليد بالمعرض في يوم أحد واحد في شهر يونيو ??????، بل قد اتفق كثير من أهل القرى، في فرنسا وبلچيكا وألمانيا، على التقتير والتوفير من قوتهم اليومي مدة بضعة شهور حتى تجمّد لهم مبلغ زاروا به المعرض: وكانوا يحضرون إليه زرافاتٍ زرافاتٍ وعلى رؤوسهم علامات اصطلاحية؛ ليتعارفوا بها، ويتجمعوا بالنظر إليها، فلا يضلُّون ولا يتفرقون في الازدحام الشديد.
بل فرض أمير بخارى جزية على رعاياه؛ ليجمع المال اللازم لزيارة المعرض والاشتراك فيه، بل جاءت إليه قوافل من بوادي بلاد العرب قطعت المسافة في ?? شهرًا مشتغلة بالكسب والتجارة في أثناء طريقها، بل إن رجلًا متوسط الحال من أهل ويانة عاصمة النمسا اصطنع لنفسه كرسيًّا كبيرًا له عجلات ووضع فيه زوجته وولديه، ثم صار يدفع الكرسي أمامه حتى دخل المعرض، بل إن أحد كبار المعامل في أسكتلندة (من أعمال بريطانيا العظمى) لم يَرَ طريقة لمكافأة الصادقين المجتهدين من عماله سوى أنه أرسل ???? منهم على نفقته الخصوصية إلى ذلك المعرض، بل إن ??? رجل من صائدي الأسماك في أحد ثغور فرنسا (وهو بولونيا) اشتركوا مع بعضهم فوفروا من ثمرة أتعابهم الزهيدة مبلغًا تيسر لهم به زيارة المعرض، بل إن ??? تلميذ من طلبة المدارس في بلاد السويد اقصدوا من مصروف «جيبهم» مبلغًا حجوا به إلى هذه الآية الكبرى؛ ليزدادوا علمًا واطِّلاعًا في وقت قصير وبمال يسير. بل إن اثنين من الشبان تراهنا مع جماعة آخرين على أن يذهبا من أطراف النمسا إلى وسط المعرض سائرين على الأقدام، وهما يدفعان أمامهما برميلًا كبيرًا مصنوعًا بإحكام، يدفعانه على الطرقات وعلى منزلقات الروابي والجبال في الصعود، ويحفظانِه من التهشم والانكسار في حالة الاندفاع والسقوط أثناء الهبوط، وقد كسبا الرهان؛ بل إن العَمَلة المشتغلين بالبساتين في بلاد الدانيمرك، وبالكروم في بلاد البرتقال، وبالحديد في بلاد المجر، وبالفنون في بلاد النمسا توافدوا جماعات جماعات بمثل هذه الوسائل للتمتّع بمجالي هذا المعرض الجميل الهائل. وبهذه المثابة كانت حومته تحتوي في كل يوم ??? ألف إلى ??? ألف نفس من جميع الطبقات والعناصر والأصقاع والممالك.
وهذا بيان بسيط بليغ عن مقدار المأكول والمشروب في المعرض في شهر واحد: أولًا: (بالكيلو جرام): ?????? من اللحوم، و????? من الأسماك، و????? من الطيور، و?????? من الزبدة والمسلي والجبن، و???? من البيض، و?????? من الخبز، و????? من الملح، و???? من الفلفل، و???? من الخردل (المستردة).
ثانيًا: (بالهكتولتر): ????? من النبيذ، و????? من الجعة (البيرة) و???? من الكحول والمشروبات الروحية، وهذا وذاك خلاف الأصناف الأخرى التي لا تدخل تحت حصر، ولا يضبطها ميزان ولا مكيال.
ولأجل زيادة التقريب إلى الأذهان، أقول: إن المشروب في يوم واحد معتاد يبلغ ?????? لتر من الجعة أي ?????? كوب?? و?????? لتر من النبيذ، وأما المأكول من الأصناف الأساسية فكان عبارة عن ????? رطل من الخبز، و??? ثور، و??? رأس من الضأن، فتأمل! أما ثروة هذه المدينة العديمة النظير، فتعد بالمليارات، ولا سبيل إلى التقدير. فإن المصنوعات الفنية المجموعة في القصر الكبير والصغير وفي قصور الأمم الأخرى، مما لا يكاد العقل يقبل قيمته؛ لأنها تفوق كل الحدود فنتركها وشأنها. واعلم أن بابًا واحدًا في ملهى واحد (وهو الطواف حول الأرض) جعلوه محاكيًا لباب أحد المعابد الهندية، فزادت أكلافه على ????? فرنك، ومعرض الجواهر وحده يساوي مئات الملايين؛ إذ فيه حجر واحد من البهرمان أي اللعل وهو الياقوت Rubis قوَّموه بمبلغ ?????? فرنك. وقد أفضنا لك في الكلام على الملايين المعروضة في القسم الخاص بأوستراليا في صحيفة ??? وما يليها، وقد عرضت مستعمرة الكاب أي «راس الرجا» حجر الماس واحد، وأمّنت عليه إحدى شركات التأمين من السرقة «السكورتاه» بمبلغ ?? ملايين من الفرنكات (وهو بعض قيمته). وبلغت قيمة التأمين من السرقة على القصر الكبير والصغير وحدهما ?? مليونًا من الفرنكات، مع أنهم يؤكدون أن التحائف التي في القصر الصغير تزيد على ذلك زيادة فاحشة. ومعرض مدينة پاريس مؤمَّن عليه بمبلغ ?????? فرنك، ومجموعات بعض المعارض الرجعية (Expositions Rétrospectives) بمبلغ ?? مليونًا. فإذا أضفنا إلى ذلك المبالغ المخصصة للتأمين على الحريق أيضًا وصل مجموعها عن هذه الأنواع الثلاثة فقط ??? ملايين. ومع ذلك فهنالك معروضات كثيرة لم تجترئ شركات التأمين على ضمانها؛ لارتفاع قيمتها إلى ما هو فوق المعقول، فبقيت بلا تأمين تحت حراسة الأعوان والأرصاد والموكّلين؛ وذلك مثل قصر المجر وغيره، والحق يقال: إن ثروة هذا المعرض لا يمكن الوصول إلى معرفتها أو تقديرها، ولو بطريق التقريب والتخمين. وذلك بخلاف ميزانيته فإنها معلومة ظاهرة؛ إذ هي تتألف من ??? مليون من الفرنكات (?? من البونات و?? من الحكومة و?? من بلدية پاريس) بخلاف ما يُستولَى عليه من قيمة الامتيازات والالتزامات والمزادات. وأما مصروفه فقد بلغ ?? مليونًا لبناء القصرين، و????? فرنك للبساتين والرياض، ومليونًا واحدًا لزخرفة قنطرة إسكندر الثالث، فهو ينفق عن سعة وبيد مبسوطة، حتى إن مصاريفه في ليلة الوقود الواحدة تكلفه ?? ألف فرنك وزيادة.
وبلغت مقادير الاعتمادات التي قررتها الدول الأجنبية لاشتراكها في المعرض ?? مليونًا، وأكبرها ما صرفته النمسا (???????)، فألمانيا (???????)، فالولايات المتحدة بأمريكا (???????)، وكل هذه الاعتمادات هي في الحقيقة إيرادات دخلت في خزينة المعرض.
أما الملاهي المتنوعة والالتزامات الصغيرة والامتيازات الحقيرة: فكان له منها دخل عظيم؛ فقد رسا المزاد على نشر البرنامج الرسمي، أي قائمة كافة المعروضات (Catalogue) بمبلغ ??? ألف فرنك، ودفع قصر البصريات عن إيجار الأرض التي يشغلها ?????? فرنك، وقصر الأزياء ??????، وقرية سويسره ??????. بل إن أحد الملاهي في جهة التروكاديرو التزم بدفع مبلغ ?????? فرنك … فقط لأجل أن ينال الإذن بفتح بابين موصِّلين لحومة المعرض. وبائع السجق أو تذاكر البوستة داخل المعرض يجب عليه أن يدفع رسمًا للإدارة قدره أربعة آلاف أو خمسة آلاف فرنك، وإدارة مناظر «الطواف حول الدنيا» التزمت باستعمال رأس مال قدره ? ملايين، وأقل ملهى في شارع پاريس المسمى بشارع التفريح تديره شركة رأس مالها ?????? فرنك. فانظر بعد هذه الأرقام وهذه البيانات إلى ما يجرّه المعرض من تداول الأموال، وتبادل المنافع، واشتراك المصالح. فكل ذلك موجب لازدياد الثروة وتوسيع نطاق العمران. ولا شك أن الأمة والأفراد الذين قاموا بهذا العمل الجسيم الهائل خير قيام، قد وصلوا إلى درجة عالية ومكانة راقية من العلم والحضارة، ومن المقدرة على العمل وتذليل الصعوبات الحسية والمعنوية. وسيبقى هذا الأثر النافع من كل الوجوه خالدًا في النفوس والصدور، وبه يكون أفخر وأفخم ختام للقرن التاسع عشر الذي ينتهي في هذا العام.
عود إلى المحراث البخاري

أشرت في الرسالة التاسعة الصادرة في ?? أغسطس سنة ???? إلى هذا المحراث الذي اعتبره علماء الفلاحة والميكانيكا من أفضل آيات المعرض، وأطنبتُ في شرحه، وبيان فوائده على قدر ما وسعه المقام.
ومن الغريب أن هذا البحث الذي كان يجب أن يهتمَّ له أهل مصر بنوع خصوصي؛ لكون الاختراع منسوبًا إليهم (ويؤجر المرء رغم أنفه.)، ولكون فوائده العظمى تعود على مزارعهم، لم يتفطَّنوا إليه بالكلّيَّة، إلا نفرًا قليلًا طلبوا مني زيادة الشرح والبيان. أما مجموع الأمة ومجموع جرائدها فقد بقيا في غفلة ومنام.
أفلا يحق لمصر أن تخجل من تركها هذا الأمر المهم في زوايا النسيان؟ وأن تتنبه له جريدة «البشير» الغرّاء؛ وهي كما يعلم الناس لسان حال الآباء اليسوعيين، وتطبع في بيروت، وقد وقفت نفسها على خدمة المذهب الكاثوليكي والأدب العربي. ولكنها بحق لها الفخر والشكر؛ لأنها رأت وجه الفائدة، فنقلت عبارة المحراث «عن الدنيا في پاريس» كيف لا وإن جريدة «صدى الأهرام» التي تطبع في الإسكندرية تنبّهت لهذا الفصل ولو بعد حين فنقلته في أواخر سبتمبر الماضي عن «البشير» عن «الدنيا في پاريس». نعم، كان الأجدر بها أن تكون السابقة في التنبيه إليه والتنويه به؛ لأنها سبقت «البشير» في الاطلاع عليه، ولأنها أحقّ منه بخدمة مصر. وعلى كل حال فهي جديرة بالثناء؛ لأنها انفردت عن سائر الجرائد المصرية بهذه المأثرة، ولو أنها جاءت متأخرة.
ولقد صدق القائل: «ليس لنبي كرامة في وطنه.» فإنني رأيت كثيرًا من الإفرنج بمصر يلهجون بأمر هذا المحراث، بناءً على ما رأوه في جريدة «إجبشان غازت»، وقد نشرت عنه فصلًا طويلًا باللغة الفرنساوية في عددها الصادر ? أكتوبر وما يليهِ، ولم تخرج عن حد الوصف والبيان اللذين سبقناها فيهما بإتحاف قراء العربية.
فحبذا لو أفاقت جرائدنا المصرية من غفوتها وغفلتها، وخصصت لمثل ذلك شيئًا من وقتها وكتابتها، ووفّرت جزءًا من مائة مما اعتادته من الثرثرة والمهاترة، والوقيعة ببعضها في المناظرة والمكابرة، فذلك أخلق بها وأيسر لما خلقت له، والله ولي التوفيق.
عود إلى آلة مسح الأحذية

ومما يدخل في هذا الباب أيضًا أنني أشرت في صحيفة ??? من الرسالة الثامنة الصادرة في الرابع من شهر أغسطس سنة ???? إلى الآلة الميكانيكية التي تمسح بنفسها الأحذية (الجزم). وهنا أستميح القراء في إبداء سروري الكثير؛ لأنني سبقت في ذلك جريدة «الديبا» الشهيرة التي تطبع في نفس پاريس، ويكاد يكون لها في فرنسا ما لجريدة التيمس من المكانة العليا في بريطانيا العظمى، فإنها إنما أشارت إلى هذا الاختراع في عددها الصادر في ?? سبتمبر الماضي، ولست أرى بعد ذلك موجبًا لزيادة الإطالة في الكلام، وإنما أشرت إلى هذا الأمر والذي قبله لخطارة الجرائد المذكورة، ولأهمية المواضيع التي دار البحث عليها.
أما كون البعض أو الأغلب اتخذوا كثيرًا من البيانات التي أوردتها، والتحقيقات التي تحصّلت عليها، ثم وسعوها ونفخوا فيها، فذلك مما يسرُّني أيضًا وإن كانوا لم … يعرفوا الفضل لأصحابه؛ لأن هذه عادة الكتّاب في الشرق، ولا أرى موجبًا للإيضاح؛ لأن الأمر عندي طفيف تافه، وإنما أسأله تعالى أن يكثر بيننا من الكتاب والباحثين الجديرين بهذا النعت؛ لنتعاون كلنا على رفع شأن الشرق، بنيّة خالصة، وقلب سليم. صورة الفقمة التي سبق الكلام عليها في الرسالة الحادية عشرة.
هذا، وقد سألني بعض المغرمين بالميكانيكيات عن اسم وعنوان الشركة القائمة بعمل آلات مسح الجزم فأفيدهم أنها تسمى: شركة الآلات الماسحة للجزم نمرة ?? شارع جسر أنتين بپاريس Société Française Cireurs Automatiques 23 Rue de la Chaussée d’Antin Paris. (??) القصر الألماني

المعارض على العموم كلها ميدان مغالبة ونضال ومزاحمة ورجحان بين أهل الصناعات والتجارات وكل ما يدخل في حيِّز الأفكار والأعمال، فإذا كانت عمومية دولية، اتسعت فيها دائرة القتال، ولكنه قتال سكينة وسلام: يفوز فيها الغالب بالافتخار، ويستفيد المغلوب بالاعتبار والاستبصار، وكلاهما يقول:
وحيثما كلنا يسعى إلى غرضٍ فحبذا فاضل منا ومفضولُ وقد كانت للمعارض اليد الطولى في ارتقاء الشعوب والأجيال إلى الدرجة العصرية التي لا يكاد يدركها طائف الخيال، ولا يحوم حولها طائر الأفكار.
فلما عزمت فرنسا على إقامة هذا المعرض الهائل، دعت الدول كلها والأمم بأجمعها؛ للاشتراك معها في تمجيد هذا القرن التاسع عشر: تمجيدًا يليق بما تَمَّ فيه من الاكتشافات والاختراعات، وخصوصًا تقريب البعيد، وجعل المستحيل من الممكنات، فلبَّاها العالم بأسره، ووالت الأمم الحية الحساسة سعيها بالليل والنهار؛ لإبراز ما وصلت إليه من علالي الارتقاء وموجبات العزّ والفخار. وكانت ألمانيا (جارتها وخصيمتها) أوّل من أجاب النداء؛ لتثبت على رؤوس الأشهاد في هذه الفرصة السانحة، أنها قطعت في طريق التقدم والعمران شوطًا لا يدانيها فيه غيرها من الأمم والبُلدان، ولتبرهن أنها السابقة على حدٍّ سواء: في مضماري السيف والقلم، وأنها تكاد تكون المنفردة بين الأمم: في الأخذ بناصيتي العلم والعمل.
فتألَّفت آلاف من اللجنات في عواصمها وحواضرها وقواعدها؛ لإرشاد الأمة بأجمعها إلى الوسائل التي تضمن لها الحلول في المقام الأوَّل، والاستقرار في المركز المحمود، والرسوخ في المقام المغبوط، وساعدتها الصحافة على اختلاف المشارب والأميال، وتباين المقاصد والأغراض، وانبرى أهل اليَرَاع واللسان في ميادين الجرائد وفوق أعواد المنابر، وكان أهل المظاهر والحيثيات يستخدمون جاههم ونفوذهم في النوادي والمجتمعات: وكلهم يرمون إلى قصد واحد ألا وهو وجوب التعاون (بالإجماع والاجتماع) للوصول إلى هذه الغاية السامية التي لا تكاد تُنال في مثل هذا المجال. وتَخالَطَ الوزراء والحكام بأصحاب التجارة والصناعة والزراعة، يشجِّعونهم ويحضُّونهم بما هو أشبه بالأمر الواجب الامتثال، وكان مصدر هذه الحركة الجسيمة العميقة شخص ولا كالأشخاص، بل فرد واحد اجتمعت فيه الآلاف، وهو هو الغربيّ، الذي يصدق عليه قول العربي:
وليس على الله بمستنكرٍ أن يجمع العالم في واحدِ هذا هو إمبراطورهم الهمام المقدام (غليوم الثاني) حامل لواءهم الأكبر، والمتحلي بتاجهم الأفخر، والقابض على صولجان ملكهم الأزهر، وقائد العسكر المظفَّر، المجدِّد في الغرب لسنَّة هارون والمأمون في الفوز بأكبر نصيب في جميع العلوم والفنون، وفي رفع شأن أهل المعارف وموالاتهم بالعنايات والعوارف، وإدنائهم إلى مقامه العالي، وغمرهم بفضله المتوالي. ومن كان هذا نعته فليس بعجيب ما نرويه عنه: من أنه كان لا يأنف من محادثة الصغير ومجاملته، وحث الكبير وملاطفته؛ ليجعل أمته في مقدمة الأمم، كما جعل لدولته المقام الأوَّل في سياسة الدول، حتى صَحَّ لها أن تتمثل بقول السموأل:
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ولا ينكرون القول حين نقولُ فقد أمر بفتح اعتماد قدره ستة ملايين وربع مليون من الفرنكات؛ لاشتراك دولته في المعرض العام. ثم دلَّتْه بصيرته الكاشفة وحكمته السامية إلى أن هذا المبلغ البالغ لا يفي بما قام في نفسه الكبيرة، وطمحت إليه همته الجليلة من التوسع في الاشتراك والاجتهاد في الفوقان والرجحان؛ لإحراز قصب السَّبْق في كل ميدان، فزاده حتى أوصله إلى ?????? أي ?????? من الجنيهات المصرية، ثم إنه أَمَرَ بعمل مسابقة بين نوابغ المهندسين الألمانيين لرسم القصر الذي تتمثل فيه دولته في شارع الأمم بمعرض پاريس. فلما تقدموا إليه بما ابتكرته قرائحهم عقد جمعية من أكابر العلماء تحت رياسته الفعلية (لا الفخرية)، وكان في وسطهم في برلين أشبه الملوك بالمأمون العباسي في بغداد، والحكم الأموي الأندلسي في قرطبة: يشاركهم في البحث والمناقشة، والتعقب والاستدراك، والاستحسان بالبرهان والتعليل بالدليل حتى قَرَّ الرأي على أحد المشروعات، ثم انفرد هو بهذا المشروع، وتولَّى تنقيحه بنفسه، تنقيحًا طأطأ له العارفون رؤوسهم؛ لا لكونه الإمبراطور، بل لأنهُ العالم العامل والحافظ العارف والحجة الثقة، أبدى من سُمُوّ الأفكار، وبُعد الأنظار ما جعلهم كلهم يشهد لهُ بإصابة المرمى وتوفيق الأمر طبق المرام.
وهكذا فلتكن الملوك والحكام.
هذا، وقد أعرب (بل ترجم) مدير المعرض الألماني عن رأي الإمبراطور في الغرض الذي تسعى وراءه ألمانيا، إذ قال: «إن الملأ يتغامزون علينا، ويعيروننا باصطناع الخسيس الرخيص. وسيتحقق الناس أجمعون بأن هذا الانتقاد ليس له نصيب من الصواب والسداد متى رأوا معروضاتنا سابقة فائزة في كل باب.»
وقد هَبَّت الأمة الألمانية عن بَكْرَة أبيها، فأظهرت أن هذا الظن كله إثم وإفك وبُهتان، إنما دعا إليه انخذال الأغيار في ميدان المناظرة في الاصطناع، والمزاحمة في الاتِّجار، وأن هذه كانت — ولا تزال — الحجة التي يتمسك بها المغلوب في أي مضمار.
ولم يكتفِ الإمبراطور بذلك؛ بل انتقى بنفسه جميع الأعضاء العاملين في القسم الألماني، وأمرهم أن يحيطوه علمًا بكل دقيق وجليل، وأشرف بنفسه على جميع أعمالهم، حتى تتحقق أمنيته في جعل المعروضات الألمانية — رسمية أو غير رسمية — ذات الفائدة الكبرى والمظهر الأَبْهَر؛ ليكون مجموعها من نوادر الزمان، يتحدث عنها الركبان وتُضرب بها الأمثال. وتعلقت إرادته بجعل القصر الألماني دليلًا على ثمرات العقول ونتائج الآداب في إمبراطوريته الواسعة الأطراف، فجاء هذا القصر جامعًا للأعمال التي ساعدت على تحرير الفكر وزينته، وللأعمال التي حولت الفكر إلى ما يعود بالخير العام على بني الإنسان.
ونحن نصف لك الآن هذا القصر الجليل بالتفصيل القليل، ثم نجري على عادتنا مع الأمم الأخرى في إتباعه بالكلام على معروضات الألمان بوجه عام.
•••

أرسلت ألمانيا عمّالًا من أبنائها؛ لتشييد هذا القصر على مسطح من الأرض لا يتجاوز ??? متر مربع. وقد جعلوه دليلًا كاملًا على أساليبهم في العمارة والبناء، قديمًا وحديثًا. ولم يتفق ذلك لأمة أخرى، فكل واجهة من واجهاته الأربع لها رمز مخصوص، ومنظر مخصوص، وكلها تدل على الضخامة والفخامة، والمتانة والصلابة، مع ما فيها من أساليب الزخرفة والرفاهة.
ولا يدخله الناس جزافًا بل طائفة بعد أخرى، فلما تجاوزتُ بابه عَرَتْنِي (مثل الذين معي ومثل الذين سبقوني والذين لحقوني) دهشة يصحبها إعجاب وإجلال، وتملّكت فؤادي عواطف التبجيل والتوقير، وأرسلت الطرف إلى ما حواه، وجسماني كله خاضع رغمًا عني لعلامات الإكرام والإعظام.
فقد امتاز هذا القصر المتناهي في الجلال والجمال، من حيث التشييد والبناء، بأمرٍ لم يخطر على العقول والألباب. لذلك ترى العامة والذين ينظرون إلى الأشياء بنظر سطحي، وفكر بسيط، يخرجون منه وهم لا يدرون شيئًا سوى أنهم معجبون بما فيهِ من موجبات الأُبَّهة ومجالي البهاء. نعم، فقد جعلوه دليلًا على ما وصلت إليه العقول، وأبرزته القرائح في بلادهم من الوجهة العلمية فقط، وشحنوا أقسام المعرض الأخرى بنتائج هذه الأفكار وآثار هذه التصورات من الوجهة العملية. رأيت فيه مجموعة الكتب وكافة طرائق التدريس والطبع والنقش والتصوير والتعريف والإعلام والإعلان. فهو يحتوي على خلاصة ما جادت به العقول، ودلت عليه المدارك في سائر أنواع العلوم. وليس على التاجر والصانع والزارع وسائر طبقات الناس، سوى الاسترشاد بما حوته هذه الأوراق.
فالقصر هو إذن عبارة عن معرض للكتاب، وأنت أدرى أن الكتاب هو أقوى آلة وأفضل سلاح في ميدان الفوز والفتح والنجاح. فكأن هذا القصر مدرسة لكل داخل، إذا تصفّح الكتب وقف بالطريقة النظرية على حركة ألمانيا وتقدّمها المدهش. فإذا أراد أن يقرن العلم بالعمل، ويعرف مقدار ما وصلت إليه من العظمة والجلال، توجه إلى سائر أقسام المعرض فرأى ما يوجب له الحيرة والذهول.
وأول ما يراه الداخل هرم ضخم أقاموه في وسط البهو الكبير، من سائر أصناف حروف المطابع، ورأى على قمة الهرم تمثال غوتمبرغ الذي تفخر به ألمانيا على المتمدِّنين أجمعين؛ لأنهُ مخترع فن الطباعة التي هي أساس الحضارة العصرية.
وقد ازدانت جدران هذا البهو الشائق بتمثيل أطوار الإنسان من يوم بلوغه سن الرشاد، إلى أن يأتيه الكتاب، إلى أن يُحشر في يوم الجزاء؛ لينال حقه من العذاب، أو يصيبه نصيبه من العقاب، وفوق رؤوس الزائرين يرى الإنسان في السقف صورًا رمزية تمثل الحقد والحسد والحرب وكافة الرذائل والنقائص التي ينحصر فيها شقاء بني آدم.
فإذا صعد إلى الدور العلوي ارتاحت نفسه وانشرح صدره؛ إذ يرى ثلاث صور تمثل «الدين والوطن والعدل» أي ينابيع السعادة والهناء في هذه الدنيا، وهي بحيث تأخذ بالعقول وتستهوي الألباب، وإذا تنقّل في غُرَفِه زادت دهشته من معروضات ثمرات العقول في بطون الدفاتر والأوراق.
وفي هذا الدور يرى الممتازون (بتذاكر خصوصية صعبة المنال) غرف الاستقبال، وقد انتهت إليها أساليب الزخرفة وفنون الجمال؛ ذلك لأن الإمبراطور العظيم أراد أن يجعلها تحفة لا تخطر على البال، وتكون فتنة للعقول والألباب، فأرسل إليها طرفًا عديمة النظير، مما جمعه جده فردريك الكبير، وطال تشوف الناس لرؤيتها، وخصوصًا أهل فرنسا؛ لأنها من آثار أرباب القرائح من آبائهم الأولين، وهي عبارة عن تصاوير وتزاويق وموائد ومفروشات وأثاثات وستائر وأبسطة وطنافس … ونحو ذلك من بدائع التحف التي يقف العقل أمامها باهتًا حائرًا. فكنت أرى أعاظمهم يكادون يلتهمونها ولا يشبعون من النظر إليها، وتبدو عليهم علائم الحسرة واللهفة واللوعة والإعجاب والاستحسان التام. ويكاد لسان حالهم يقول: «هذه غنائم توازي ولايتي الألزاس واللورين.»؛ لأن ألمانيا أحرزتها في السلم بقوة الدرهم والدينار، كما استولت على المقاطعتين في زمن الحرب بقوة الصارم البتّار. وقد استحسن كتَّابهم وفضلاؤهم ذوق الإمبراطور في إرسال هذه التحف إلى معرضهم، ولطالما كانوا إليها مشتاقين، وعندي أنه رمى طائرين بحجر واحد: فإنه جاملهم، وأجاب أمنيةً كانت تتردّد في أفئدتهم من زمان مديد، وأظهر للناس فضل ألمانيا بتوصلها إلى الاستئثار بهذه الذخائر والأعلاق، ومحافظتها عليها.
أما الغرف التي وضعت فيها هذه النفائس فجديرة بالإعجاب من كل الوجوه؛ لأن سقف إحداها كأنه الفضة الخالصة، بل هو أحلى وأغلى؛ إذ هو الپلاتين إن لم يكن بعينه فبلونه، ومما يستحقّ الذكر لأبناء الشرق (الذين لا يدركون إلى الآن قيمة التصاوير والنقوش) سكردان بديع مغشّى بالذَّبَل (الباغة) كأنها قطعة واحدة، وهي مصفحة بالفضة والبلور. ورأيت في إحدى الغرف تمثالًا نصفيًّا ل?ولتير حكيم فرنسا الشهير، وكان الناس يتقاطرون لرؤيته أفواجًا، وكان من أكبر أصدقاء فريدريك المذكور. وقد بالغوا في الاحتفاظ بالتحف التي فيه، فلا يراها إلا خواصّ الخواصّ، كأن أبناء الألمان أدركوا قول العربي: (كل معروض يهان)، ولو في المعرض العام.
والخلاصة: إن الطائف في غرف الدور العلوي يرى حركة العقل مستمرة، ويخرج من القصر متعجبًا مندهشًا، خصوصًا وأن ألمانيا ليست مثل بعض الدول والأمم الثانوية في جعل قصرها المنيف عبارة عن سوق وقهاوٍ ومراقص وملاهٍ … ونحو ذلك من السخريّات، بل هو عبارة عن معرض العقل والعلم والجدّ، ولله في خلقه آيات.
(??-?) عموميات على المعروضات الألمانية

اشترك أهل هذه البلاد في أغلب أقسام المعرض، وناظروا بل فاقوا الجمّ الغفير، بل السّوادَ الأعظم من العارضين: في حسن الذوق، وكمال الإتقان، واسترعاء الأنظار، واختلاب الألباب.
وكأني بهم قد أرادوا جعل الضخامة رائدهم، فاتخذوا الضخامة شعارهم في كل معروضاتهم.
فلقد امتاز قصرهم الرسمي بالضخامة في البنيان، وفي السلم الكبير المنقور في الرخام، وفي الثريات المعلقة في السقوف، وفي التصاوير التي ازدانت بها الجدران.
وانفردت رسومهم وتصاويرهم في قصر الفنون الجميلة بالضخامة أيضًا، خصوصًا مع الستائر الصفيقة، والطنافس الكثيفة، التي كانت تخفت معها الأصوات، وتوجب على الطائفين خشوعًا تامًّا كأن على رؤوسهم الطير.
وتجلت الضخامة في أكبر مظاهرها في معروضات الصنائع المختلفة بقسم الأنواليد، حيث يرى الزائر في وسط القسم المخصص لألمانيا صخورًا كبيرة متراكمة على بعضها، وفوقها نسر ضخم، قد نشر جناحيه في الفضاء، وهو يصرع بمخلبيه تنِّينًا هائلًا، وحول هذا النسر الذي هو شارة الدولة ورنكها، حوانيت أرباب المصنوعات كأنها تستظل بجناحيه، وتستمد منه القوة والنشاط … وخصوصًا الضخامة.
وإذا ذهب الزائر إلى قسم الآلات التي عرضتها الأمم والشعوب استَرْعَت الضخامة أبصاره، وتملّكتْ فؤاده فانصرف بكليته إلى القسم الألماني. كذلك تسود الضخامة على مصنوعات الحديد الألمانية في سراي المعادن، فإذا ذهب الإنسان لمعروضات الزراعة رأى الضخامة في المحصولات الألمانية تكاد تفترس بكل ما حولها مما أبرزته أراضي الأمم الأخرى، باجتهاد العاملين في حرثها وغرسها، واستنباتها واستثمارها. وكأني بالقوم خافوا انطماس آثار الضخامة إذا ولَّى النهار، فجعلوها في الليل ترفع لهم المنار على سائر الأنوار. فلذلك ابتنوْا «فنارًا» أو منارًا تمثيلًا لواحد مما في بلادهم، فتراه بالليل يقذف بأنوار الكهرباء إلى جميع الجهات في أعالي الفضاء، بحيث تتضاءل أمامه أنوار الفنارات الأخرى، وتبقى كأنها قناديل الزيوت، أمام السراج الوهّاج. لعمري! لقد توصل القوم لإلزام تسعة أعشار الزائرين بالإقرار بأنهم المنفردون بالضخامة. ولذلك كان لهم النجاح التام في هذا المعرض العام.
وحيثما نظر الباحث في المعروضات الألمانية أخذه العجب والاندهاش من براعتهم في التنسيق، وإبداعهم في إظهار المعروضات، بما يستوقف الرائح والغادي، ويقضي لهم بالأفضلية والرجحان. حتى الأشياء الدقيقة والجواهر الأنيقة، تراها مجتمعة مع بعضها بما يوجب الإقرار بانفرادهم في إظهار الضخامة في أكبر مظاهرها، وأنهم دون سواهم المحتكرون لها، ولكن إذا نظرت إلى هذه المعروضات وجدتَها منسجمة برقّة، ومرتَّبة بلطافة، بحيث لا تفارقها العين، إلا بعد طول النظر والاستمتاع، وخوفًا من ضياع الوقت الثمين، وطمعًا في رؤية غيرها من الغرائب والتحائف. وطالما وقف الپاريسيون والپاريسيات معجبين ومعجبات بما عرضه أهل ألمانيا من الحلي والجواهر، والعقود والقلائد، وفضّلوها على ما اشتهرت به پاريس، وكادت تحتكره في العالم (هذا هو الذي سمعته ورأيته، وليس لي خبرة بهذه الأمور).
حتى الألاعيب بمناظرها وحركاتها كانت تستوجب انشراح أطفال الفرنساوية وغيرهم؛ فتفترّ ثغورهم وتبرق أسِرَّتهم،?? وتمتد إليها أيديهم اللطيفة ضاحكين فرحين منشرحين، ولا يبدو منهم نصف هذه العواطف أمام معروضات الأمم الأخرى التي تهتم بها أحلامهم الصغيرة، ويباتون يعلمون بها ومعها. والخلاصة: أن الإجماع حكم بالأولوية للألمان في كل ميدان، وإذا قلنا: إن حكم العامة والجمهور، لا يعتدّ به في مثل هذه الأمور، وكذبنا قول القدماء: (ألسنة الخلق أقلام الحق.) فلا بد من أن نطأطئ الرؤوس أمام تأييد هذا الحكم من المحكمة المختصة بالفصل في هذه المسائل الفنية، فإن لجنات المحلفين المحكمين المختارين من جميع الأمم والشعوب، قد قضت للألمان بإحراز قصب السبق في كل رهان، وحكمت لهم بمكافآت لم تنلها أمة أخرى: لا في العدد، ولا في الأهمية، ولا علوّ الدرجات، وليس يمكن الطعن في أمثال هؤلاء القضاة بأنهم انخدعوا مثل العامة أمام الزخارف الظاهرية، أو حسن التنسيق وجمال الترتيب؛ فثبت من ذلك أن تقدمهم أصبح بديهيًّا في جميع الصنائع، وأنهم تقدموا بسرعة حتى أدركوا شأو الأمم الأخرى في زمن قصير، ثم فاقوها وفاتوها بمراحل كثيرة.
وقد طبعوا برنامجات ضخمة ببيان معروضاتهم على التفصيل. والأمر الذي يستحق الذكر في هذا المقام أنهم صبُّوا حروفًا قوطية مخصوصة لطبع هذه البرنامجات؛ لتأتي على غير مثال سابق بما حوته من النقوش والزخارف.
وحينئذ فلا غرابة في أن ينابيع الثروة قد تفجَّرت في بلادهم، وفاضت الأموال عليهم حتى توصلوا إلى رفاهة لم تكن معروفة عنهم، ولم يكونوا يعرفونها منذ عشرين عامًا. بل شكت الجرائد الفرنساوية نفسها، من أن كثيرًا من أبناء بلادها يرسلون بما يتوفر لديهم من المال إلى ألمانيا لاستغلاله واستثماره بما يعود عليهم بالنفع الكثير. بل لا غرابة أيضًا في كون أوساطهم أصبحوا يأنفون من الركوب في عربات الدرجة الثانية من قطارات السكة الحديدية مع أن الكثير من أغنياء الإنكليز لا يستنكفون الركوب في الدرجة الثالثة (في بلادهم!) إن لم نقل: إنهم يفضلونها تفضيلًا. ولقد كان أكثر السيَّاح الذين تتطلع لرؤيتهم في الشتاء الأقاليم التي خصها الله ببعض المزايا مثل بلاد مصر وجنوب فرنسا وإيطاليا أكثرهم من الإنكليز والأمريكان والروس، فأصبح الألمانيون الآن ولهم القدم المعلّى في هذا الميدان. ألا ترى أنهم يتوافدون في كل عام في بواخر مخصوصة إلى شطوط النيل؟ وما ذلك كله إلا بفضل العلم والصناعة والتجارة، فإنها أساس الثروة والرفاهة والاقتدار.
فسلامًا سلامًا على كل من عرف قدرها، وسعى في إعزاز وطنه بها، ويا حبذا لو كان لهذا الكلام صدى في ديار مصر وبين أهلها! اللهم اجعلهم ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه!!
(??-?) شذرات على بعض المعروضات الألمانية

من أغرب الغرائب التي لا يكاد يصدقها القارئ: أن أبناء ألمانيا هم الذين كانوا متعهدين بإضاءة القسم الأعظم من المعرض العام بالنور الكهربائي. (وأنت تعلم مقدار كراهة الفرنساويين لهم، ومقدار أثرتهم بأنفسهم وتفانينهم في الأنانية والوطنية … ولكن للضرورة أحكام!)
ولكن هذا الاستغراب يزول إذا علمنا أن الألمان قد كادوا يحتكرون الإضاءة بالكهرباء في سائر بقاع العالم، وأن في بلادهم شركة كبيرة توزع الكهرباء حتى في القرى الصغيرة والعزب والكفور، وتقدم لمشتركيها ما يلزمهم من حركة وحرارة ونور، ولذلك فلا غرابة في رجحانهم العظيم على سائر الأمم الأخرى من هذه الوجهة. وهم عرضوا في المعرض العام آلة لتوليد هذه القوة السحرية العجيبة، وهذه الآلة وحدها أكبر وأضخم وأعظم من كل آلة وُجدت فيه، وهي وحدها تكفي لإنارة پاريس كلها؛ لأن قوتها ????? حصان! وقد اشترتها أمريكا بمبلغ جسيم جدًّا لا أتذكره الآن، فقد ضاع رقمه من المفكرات والمعلقات التي أخذتها من پاريس.
وامتازت ألمانيا في قسم الآلات امتيازًا ضخمًا هائلًا على جميع الأمم الأخرى. فمن أعجب العجائب أنها كانت أوَّل دولة أعدت إحدى الآلات الكبيرة التي تبلغ زنتها ?? طونولاطه لتوليد الحركة في المعرض العام، فإنها شادت قنطرة متحركة ضخمة، استعان بها القوم على نقل ووضع الجهازات المجتمعة في رواق الآلات.
وهذه القنطرة تعدّ من معجزات الميكانيكا والكهرباء؛ إذ يكفي رجل واحد (إن لم نقل غلامًا) لحريكها وإدارتها، فيكون لها دويٌّ لطيف يشابه غطيط النائم، فترفع الأثقال التي لا تكاد تتصورها العقول بكل سهولة، ثم تحملها بلا عناء وتسير بها الهوينا، وتدور بها بغير مشقة بل برشاقة، حتى تضعها في المكان اللازم، وقد قضت هذه الآلة على كل من شاهدها من جميع الأمم الأخرى بالعجب العجاب. فشهدوا لألمانيا بالسَّبْق والبراعة والإبداع، فنالت بهذا أول نجاح ضخم هائل. ولكنها لم تقف عنده بل عقّبته بغيره وبغيره، حتى حيرت العقول والأفكار.
ولها في قسم الآلات آلة ثقلها ????? كيلو، ولها أيضًا عجلة لمنشار كبير محيطها هائل جدًّا، بحيث اضطر العارضون لاستعارة عربة من عربات السكّة الحديدية المستعملة في عمل مدافع كروپ؛ لأجل نقل هذه الآلة وهذه العجلة من بلادهم إلى پاريس؛ لأن شركات السكك الحديدية المعتادة تعجِز عن عمل مثل هذه العربات البالغة في الكبر والضخامة.
ومن الغرائب أنني لما زرت قسم الطباعة في المعرض العام رأيت مطبعة عجيبة عرضتها إدارة إحدى الجرائد الفرنساوية التي لا تعادلها في الانتشار صحيفة أخرى عندهم، فإنها تطبع في كل يوم واحد مليون نسخة (???????). وفي كل أسبوع يظهر لها ملحق أدبي مصور بالرسوم المختلفة، وتطبع منه مئات من الآلاف توزّعها في سائر الأقطار، بأزهد الأثمان: (ثمانية بارات أو ملّيمان في الجملة أو أقل). لا شك أن القُرَّاء أدركوا أني أشير بذلك إلى جريدة الپتي جورنال (Le Petit Journal) أي الجريدة الصغيرة. وهذه المطبعة عبارة عن أسطوانات كثيرة متوالية متصلة ببعضها، تشغل مسطحًا من الأرض لا يقل طوله على صحائف مستديرة من الفولاذ؛ ليتحمل قوة الضغط وكثرة الطبع، ويضعونها فوق هذه الأسطوانات. ثم يضعون بجانب هذه الآلة العظيمة لفائف كبيرة من الورق قد صنعته الفابريقات برسمها مخصوصًا بها، ثم يُدخلون طرف اللفة في فم الآلة، فتدور به وتنقله من أسطوانة إلى أخرى، حتى يخرج من الطرف الآخر مطبوعًا بالألوان المختلفة أو باللون الأسود فقط، وكل نسخة تكون منفردة عن الأخرى بمقص ميكانيكي، ومطوية على بعضها بتدبير الميكانيكا أيضًا، فيتسلَّمها الباعة أو توضع في الغلاف، وترسل للمشتركين في سائر أنحاء فرنسا وفي كافة أقطار المعمور. فأعجبتُ بها كثيرًا ولكني مشَيْتُ بضعة خطوات، فرأيت للألمانيين بجانبها آلة أخرى شبيهة بها من كل الوجوه، وتؤدي جميع وظائفها بالتمام، ولا عيب فيها سوى أنها تزيل من نفس الناظر إليها كل أثر من الإعجاب الذي تملَّك فؤاده برؤية جارتها؛ ذلك لأنها تفوقها من حيث السرعة والإتقان … والاقتصاد. فإن الألمانيين رأوا المطبعة الفرنساوية تشغل مسطحًا كبيرًا من الأرض، وتمتد على مسافة طويلة هم في حاجة لاستعمالها في منافع أخرى، ورأوا أن أمتار الأرض تباع بالدنانير الكثيرة. وأما الارتفاع في طبقات الجوّ فهو ميسور لمن يملك مترًا أو مترين حتى يمكنه أن يصل بين الأرض والسماء، إن استطاع لذلك سبيلًا، فدعاهم حب الاقتصاد إلى وضع الأسطوانات كلها فوق بعضها بدلًا من اصطفافها بطريقة أفقية، وتوفر عليهم بذلك مسطح الأرض؛ ليضعوا فيه آلات أخرى. فأصبحوا لا يحتاجون إلا لغرفة يكون مسطحها عشرة أمتار مربعة بدلًا من اضطرار الفرنساويين لوضع آلتهم في غرفة يعادل مسطحها ضعف ذلك تقريبًا. وأما السقف فيمكن رفعه إلى ما شاء الله؛ بل إن في ارتفاعه مزايا صحية كثيرة لا تُنْكَر.
ومن الغرائب أيضًا، أنني رأيت بهذا القسم فتاة جالسة أمام ماكينة (ولا أريد وضع الاسم بالعربي) وهي ترفع قدمًا وتضع أخرى. والماكينة تشتغل بخياطة ملازم كتاب، بسرعة تقتضي بالعجب العجاب. وأقول الحق: إن الكتاب والماكينة لم يسترعيا نظري كثيرًا … ولكنني أردت التحكك (عفوًا) فقد جاءت النتيجة بفائدة كبيرة من حيث الاطلاع والمعرفة، وعادت على الألمان بالفخر (والفخفخة)، وذلك أنني جعلت الكتاب حجَّةً لي، فأخذت أنظر إليه وإذا به دليل للمعرض العام يطبعه مخزن البون مارشي (Au Bon Marché)، وهو أحد المخازن الثلاثة التي لا يعادلها غيرها في پاريس، من حيث الكبر والجسامة واتساع نطاق الأعمال. فتَذَرَّعْتُ بهذه الوسيلة لفتح باب المسامرة مع تلك الفتاة الزاهرة، ولكنها، وآسفاه! لم تكن تعرف شيئًا من الفرنساوية، وأنا لست أدري كلمة واحدة من الألمانية، فقضت عليّ الظروف بالاستعانة بترجمان … وليته ما كان فعرفت منها (بواسطته) أن إدارة المخزن المذكور تطبع من هذا الكتاب نسخًا تُعد بمئات الآلاف، وستقدمها هدية لعملائها وزبائنها، زيادة في إشهار أعمالها والتعريف بتجارتها، وعرفت أن هذه الآلة واردة من ألمانيا. ولعلمي بما بين الألمانيين والفرنساويين من الضغائن والسخائم أظهرت عجبي من كون بيت من بيوتاتهم التجارية يعهد بهذا العمل الجسيم في نفس پاريس وفي قلب المعرض العام، لمن ينظر إليه قومه بعين العداوة والبغضاء، فقالت لي (دائمًا بواسطة الترجمان!): «إن هذه الآلة من أحدث اختراعات الألمان، وليس لدى الفرنساويين ولا غيرهم ما يضارعها في سرعة العمل وإتقانه مع رخص الأسعار، ولذلك اضطروا (رغمًا عنهم) لمقاولة الصانع الألماني على تجليد هذا الكتاب حتى يظهر في أقرب الأوقات، وتُعْطَى الهدية في أوانها.» ولما رأت مني علائم الاستغراب والاستنكار، أرشدتني للبحث فيما حولي وحولها من جميع آلات وأدوات التجليد التي عرضتها الأمم الأخرى. فرأيتها قد أخبرت بالواقع، وانصرفت من حضرتها تتناوبني عواطف الأسف والإعجاب!
•••

ومن الغرائب أنني لما دخلت في قصر الصحة أعجبت كثيرًا بما حواه من وسائط الوقاية من الأمراض وحفظ صحة الأجسام. ولا يخفى أن الذي له الفضل الأكبر على جميع بني الإنسان، في درء كروب المكروب، هو رجل الدنيا وواحدها «پاستور» (Pasteur) ولذلك جعلوا أهم غرفة في القصر باسمه، ولكن ماذا ينفع العلم بلا عمل، أو ما هي ثمرته إذا لم تتحقق نتائجه في الوجود؟ كيف لا وإنَّ أهل فرنسا لا يزالون يشكون من توالي النقص في عدد السكّان، ويسعون بكل الوسائل للوصول إلى زيادة نموّهم، حتى إن رئيس الجمهورية السابق المرحوم فيلكس فور لم يأنف من التوجه بنفسه، وبموكبه الرسمي إلى أحد المستشفيات؛ لتشجيع إحدى العذارى على … إتيانها بمولود، لم تعدمه الحياة كأمثالها ولم تتركه في الطرقات عرضة للأخطار وتحت رحمة البوليس، عساه يأخذه حيًّا إلى دار اللقطاء، بل غالبت الحياء وخضعت لعواطف الأمومة. ولذلك رأى الرئيس المذكور وجوب تشجيعها؛ ليأتي هذا المثال الصغير بالفوائد الكبرى في زيادة عدد السكان. فنفحها بِصِلَةٍ كبيرة من المال أملًا في استئصال العادة الجديدة التي تمكنت منهم ورسخت في نفوسهم؛ وهي عادة قطع النسل التي شاعت الآن في أوروبا، ولكن بطريقة جديدة مبتكرة منكرة، تنطبق على رذائل المدنية الحاضرة. ذلك أن التنمق والرفاهية قد أخذا من القوم كل مَأْخَذ، حتى كثرت حاجاتهم فأصبحوا يخافون العيلة والعيال، ويخشون الإملاق على ما هم فيه من كثرة المال والنوال. فأما الطبقات العالية فيخشى السيدات فيها آلام الحَبَل وأوجاع الولادة. ولكن هذا الخوف أقل عندهن مما يتفانين في تحاشيه من ذبول زهرتهنَّ، وضياع بهجتهن بضخامة خصورهنَّ وذهاب نحو ذلك من المحسنات التي إذا أتت عليها الطبيعة مع توالي الأعوام أعادتها لهنَّ زخارف الصناعة، بما فيها من البهارج والتضليل، فاستعنَّ بتقدُّم الطبّ الحديث على … «تطويش» أنفسهنَّ! فبعد أن كانت الخصيان من خصوصيات الرجال في الأيام القديمة وببلاد المشرق، أصبح النساء في بلاد المغرب يستأصلنَ المبيض وبيت الولادة بواسطة الأطباء في آخر القرن التاسع عشر! وبذلك يمتنع الحبل والولادة على الإطلاق، ويبقى للمرأة رواؤها وبهاؤها ما شاء الله. كان السابق في هذا الميدان أولئك اللائي يتخذن عروضهنّ تجارة لاكتساب القوت، وسَرَتْ هذه العادة إلى نساء الطبقة العليا للمحافظة على الجمال. ثم انتقلت إلى الوسطى خوفًا من الإملاق، وبقيت الطبقة الدنيا، ولا شك أنها ستدانيها عما قريب.
– ما لنا ولهذا الاستطراد؟
– قد جرَّ إليه الحديث وهو شجون. ولكنني أعود إلى سراي الصحة فأقول: إنني رأيت فيه بين جهازات الصحة وأسباب الشفاء وموجبات العافية ودواعي إطالة الأعمار ثلاث شمعدانات من المعدن على طاولة بسيطة، فيمر أمامها الناس ولا يلتفتون إليها، منذهلين بما يرونه من تزويق البطاقات، وتنسيق القوارير والجهازات، وألوان المكروبات، وغير ذلك مما يستوقف الأنظار ويحبس الأفكار. ولكنني من باب الصدفة نظرت إليها، فإذا هي واردة من ألمانيا، وهي على هيئة برج إي?ل المشهور في پاريس، وليس عليها نقوش أو بجانبها زخارف، بل ترى على كل واحد منها ورقة بسيطة؛ ففي الأول بيان عدد سكان ألمانيا في سنة ????، وفي الثاني مقدار عددهم في سنة ????، وفي الثالث عددهم في سنة ????. والأوَّل أصغر من الثاني، وكلاهما لا يداني الثالث في الارتفاع. وكان عدد القوم في السنة الأولى لا يزيد عن ?? مليونًا من النفوس، فتضاعف في مدة ?? سنة؛ إذ بلغ ?? مليونًا وزيادة. مع أن الأمة التي ظهر فيها پاستور لا يزال عددها آخذًا في النقصان!!! فاعجب، إن كان بقي في نفسك مكان للإعجاب! أليس أن هاته الشمعدانات وحدها أفضل من كل تلك التجهيزات والتحضيرات والاستعدادات والأقرباذينات؟ لعمري! كان لألمانيا أن تكتفي بهذه النتيجة دلالة على تَوَخِّيها الفائدة العملية في كل أعمالها. بل إنها أظهرت فوق ذلك مقدار عنايتها بالصحة العمومية: ففيها مدارس خصوصية للصحة بلغ أساتذتها ?? أستاذًا لكل واحد منهم دار مخصوصة ومعمل مستقل، وتمدُّهم الدولة بإعانات مالية جسيمة. وللألمان ملاجئ صحية لمعالجة الداء الخنازيري، وليس في فرنسا كلها ملجأ واحد من هذا القبيل.
ولذلك ترى هذا الداء الخبيث يحصد وحده من أبنائها في كل عام ?????? إنسان: منهم ??? نفس في كل أسبوع بمدينة پاريس وحدها!!! وبجانب الشمعدانات المذكورة تماثيل أبراج وأهرام وأساطين ومخاريط (تذكر الضخامة! الضخامة! حتى في التمثيل!) تختلف في الارتفاع، وتدل على عدد سكان المدائن الكبرى في تلك البلاد، وبجانبها قوارير أو أشكال هندسية ترتاح لها النفوس، وتبتسم الثغور باختلاف الألوان، وفيها بيان الأمراض السائدة في تلك البلاد، وطرق مقاومتها والوقاية منها.
•••

وقد رأيت في قصر الجيوش البرية والبحرية تمثيل أحد المستشفيات العسكرية الألمانية. ومساحته تبلغ ????? من الأمتار المربعة، ويسع ??? من الأسرَّة؛ منها ثلاثة برسم الضباط. ولا يقل المسطح الذي يخصّ كل سرير فيها عن ? أمتار مربعة و? سنتي، ولا تقلّ كمية الهواء الخاصة به عن ?? مترًا مكعبًا و? سنتي، وكمية عموم المباني هي عبارة عن ثمن مساحة عموم الأرض، والسبعة أثمان الباقية مخصصة للطرقات والمماشي والعرصات والفسحات والحدائق والبساتين.
وقد بلغت أكلاف البناء (بخلاف ثمن الأرض) عن كل سرير واحد ???? مارك، ويدخل في هذه القيمة ما يخص كل سرير من عموم الأثاث والمفروشات. فإذا صرفنا النظر عنها كان ما يخص السرير الواحد من البناء ???? ماركًا، وقد وضعوا في المستشفى جهازات ميكانيكية وآلات بخارية، يكون بواسطتها التسخين والتدفئة والتهوئة، ورفع الماء من الآبار العميقة والإضاءة بالكهرباء، وتشغيل المطابخ والمغاسل البخارية والجهازات في الحمامات، وجهازات التبخير والتطهير بالبخار، وفيها أيضًا أنابيب تأتي بالهواء النقي المفيد بنسبة ?? مترًا مكعبًا لكل سرير، فإذا كان فصل الشتاء أرسلته الآلات ساخنًا إلى الغرف، فتكون حرارتها مناسبة لحالة العليل.
وهنالك طلبمات تمتص الهواء الفاسد وتقذف به إلى الخلاء بعيدًا عن المستشفى، والساعات كلها تديرها الكهرباء، وفيه التلفون للمخاطبة بين أجزائه مع بعضها وبين الخارج في المدينة وما يرتبط بها من الجهات، وهنالك أيضًا معمل صحي كيماوي لأجل الأبحاث البكتريولوچية والكيماوية. وأما غرفة العمليات فقد انتهت إليها براعة أهل الفن، وأصبحت مثال الكمال، وفيه أيضًا غرف لما يسمونه «المعالجة الطبية الميكانيكية» وللتكبيس وللمعالجة بالكهرباء، وله صيدلية خاصة به.
هذا هو مستشفى الحامية العسكرية في مدينة پوتسدام Potosdam، ولا أظن له مثيلًا عند الأمم المتمدّنة الأخرى، ولذلك ترى الألمان يباهون به ويفتخرون. وقد اندهشتُ كثيرًا من ألمانيا؛ لأنها لم تعرض في هذا القصر شيئًا من أدوات الحرب وآلات الهلاك؛ بل أبقتها مثل الأمم الكبرى سرًّا مصونًا وخبرًا مكتومًا، فلا ترى هنالك إلا تمثيلات السفائن والدوارع الحربية كأنها ملكة البحار، أو كأنها أرادت أن تعارض إنكلترة في هذا المعرض العام.
ومما يدل على ذوق الألمانيين وحسن مجاملتهم لضيفانهم، أنهم لم يفعلوا مثلهم ولا مثل الأمم الأخرى في عرض مزايا وآثار انتصارهم في حرب السبعين، حتى لا يجرحوا خواطرهم ويثيروا أشجانهم. وقد اعترف لهم أخصامهم والناس أجمعون بهذه الكياسة وهذه المحاسنة في المعاملة!
ولا بأس من الاستطراد في هذا المقام بسرد بعض إحصائيات نقابل فيها بين ألمانيا وبين فرنسا على الخصوص، وبينها وبين أوروبا بطريق العموم؛ لإظهار درجة تقدمها العجيب.
السكان

يبلغ عدد السكان في ألمانيا ???????? نفس في سنة ????، أي يخص الكيلومتر المربع فيها ?? ساكنًا، وبلغ عدد زيادتهم ?? في المائة من سنة ???? إلى سنة ????. وفرنسا عدد سكانها ???????? في سنة ???? يخص الكيلومتر المربع منهم ?? ساكنًا. وعدد سكان برلين ?????? يقابلهم في پاريس ??????? ولكن ألمانيا تحتوي على ?? مدينة كبيرة يزيد عدد السكان في كل منها عن ?????? نفس، وليس في فرنسا إلا ?? مدينة من هذا القبيل.
الجيوش وصحتها والانتحار فيها

في السلمفي الحربعساكر ألمانيا سنة ???????????????عساكر فرنسا سنة ???????????????
وكان عدد عساكر الألمان الذين لا يعرفون القراءة والكتابة في سنة ???? بنسبة واحد وربع في المائة، أي أربعة أنفار في كل خمسمائة عسكري، ولكن هذه النسبة أخذت في النقصان بطريق التدريج، تبعًا لزيادة تَرَقِّي هذه الأمة المتوالي، حتى وصلت إلى أقل من ربع جزء في المائة (????)، أي أقل من نفر واحد في كل أربعمائة نفر، أي ثلاثة أنفار في الألف. مع أن عددهم في فرنسا هو ??? في الألف.
وبهذه المناسبة أقول: إنهم حسبوا مقدار خطوة العسكري الألماني بنسبة غيره من جنود الدول الأخرى، فوجدوا أنه في الدقيقة الواحدة يقطع ?? مترًا و? سنتي، مع أن الروسي يقطع ?? مترًا و?? سنتي، والنمساوي يقطع ?? مترًا و? سنتي، والفرنساوي والطلياني يقطع كل منهما ?? مترًا. فانظر إلى هذا التقدم الألماني المادي أيضًا.
وقد اعتنت كل دول أوروبا بصحة الجنود، حتى نزل عدد الوفيات فيها نزولًا كليًّا. ولكن الفائزة عليهن كلهن في ذلك أيضًا إنما هي ألمانيا. وأكتفي بسرد الجدول الآتي عنها وعن فرنسا فقط لتظهر المقابلة: عدد الوفيات في الألففرنسامن سنة ???? إلى سنة ?????????من سنة ???? إلى سنة ???????من سنة ???? إلى سنة ???????ألمانيامن سنة ???? إلى سنة ????????من سنة ???? إلى سنة ???????من سنة ???? إلى سنة ????????
وفي نظير ذلك بلغ عدد الذين ينتحرون من كل ?? ألف جندي ألماني ?? جنديًّا، وأمثالهم بنسبة هذا العدد في فرنسا ?? جنود فقط، فانظر إلى تقدم الألمان حتى في الانتحار!
البحرية

بخاريةحمولتها بالطنشراعيةحمولتها بالطنمجموع سفائن ألمانيا (سنة ???)????????????????????مجموع سفائن فرنسا (سنة ???)???????????????????السفائن المستجدة بألمانيا سنة ????????????????السفائن المستجدة بفرنسا سنة ????????????????السفائن التجارية بألمانيا (سنة ??)?????حمولتها ??????? طولانوطةالسفائن التجارية بفرنسا (سنة ??)?????حمولتها ?????? طونولاطة
وأكبر شركات الملاحة في الدنيا على الإطلاق شركة الخط بين هامبورج وأمريكا، ومقرّها في هامبورج بألمانيا، ثم تليها شركة ألمانيا الشمالية ومقرها في بريمن Bremen من أعمال ألمانيا، وتأتي بعدها شركة الملاحة البريطانية الهندية ومقرها في لوندرة، ثم شركة الپننسولار الشرقية (P. & O.) ومقرها بلوندرة أيضًا، ثم شركة إيلدر ودمستر وشركاهما ومقرها بليفر پول من أعمال إنكلترة، ثم شركة الميساچيري ماريتيم الفرنساوية ومقرها في پاريس. وأكبر سفائن العالم الباخرة أوسيانيك لإنكلترا حمولتها ????? طونولاطة.
ثم الباخرة دوتشلاند لألمانيا ?????.
ثم الباخرة پوتسدام لهولندة ?????.
ثم الباخرة سان لويس لأمريكا ?????.
ثم الباخرة لالورّين لفرنسا ?????.
السكك الحديدية والتلغرافات والتلفون

مجموع طول السكة الحديد بألمانيا (سنة ??) ????? ميلًا.?? مجموع طول السكة الحديد بفرنسا (سنة ??) ????? ميلًا.?? والتلغرافات فيها بهذه النسبة.
إيراد السكك الحديد بألمانيا من الركاب والبضائع (سنة ??) ???????? جنيه إنكليزي.
إيراد السكك الحديد بفرنسا من الركاب والبضائع (سنة ??) ???????? جنيه إنكليزي.
ومن دلائل الترقِّي الهائل في ألمانيا اتِّساع نطاق التليفون بها: ففي سنة ???? كانت ??? بلدًا من بلدانها مرتبطة ببعضها بأسلاك التلفون مع العاصمة الكبرى (برلين). وقد بلغ طول أحد الخطوط ???? كيلو وزيادة، وعدد مكاتب التلفون في هذه البلاد يزيد على ?????? مكتب: منها في برلين وحدها ?? ألف مشترك، أي بقدر عدد المشتركين في فرنسا كلها!
الثروة العمومية

أما ثروة الأمم الكبيرة في سنة ?? فكانت كما يأتي: الولايات المتحد بأمريكا??? مليارًا من الفرنكاتبريطانيا العظمى??? مليارًا من الفرنكاتفرنسا??? مليارًا من الفرنكاتألمانيا??? مليارًا من الفرنكاتروسيا??? مليارًا من الفرنكاتالنمسا والمجر?? مليارًا من الفرنكاتأسبانيا?? مليارًا من الفرنكاتإيطاليا?? مليارًا من الفرنكات
وكان بِنَاءً على ذلك متوسطُ الضريبة التي يدفعها كل فرد في فرنسا ?? فرنكًا في العام، وفي إنكلترة ??، وفي ألمانيا ??، وأقل الأمم روسيا (?? فرنكًا). ولكل أهل النعيم في هذا الموضوع هم أهل إمارة موناكو في جنوب فرنسا، فإنهم لا يعرفونها ولا تعرفهم. وفي نظير ذلك فإن متوسط ثروة كل فرد من أهل فرنسا ??? فرنكًا وفي ألمانيا ??? من الفرنكات وفي روسيا ?? فرنكًا فقط.
أما مصاريف الدخان في سنة ???? فكانت باعتبار ثمانية فرنكات و?? سنتيم عن كل واحد من أهل فرنسا، وفرنك واحد وربع فرنك عن كل إنسان في أرض ألمانيا.
الميزانية العمومية والديون الأهلية

إيراداتمصروفاتفي فرنسا بالجنية الإنكليزي (سنة ???)??????????????????في ألمانيا بالجنيه الإنكليزي (سنة ???)????????????????
مجموع دين ألمانيا (سنة ??): ????????? جنية إنكليزي، وفوائدها ??????? جنيهًا.
مجموع دين فرنسا (سنة ??):?? ?????????? جنيه إنكليزي، وفوائدها ???????? جنيهًا. التجارة بين ألمانيا وفرنسا

الصادر من ألمانيا إلى فرنسا (سنة ??)???????? جنيه إنكليزيالصادر من فرنسا إلى ألمانيا (سنة ??)???????? جنيه إنكليزي
ومن الغريب أن فرنسا مع كونها بلاد النبيذ، فإنها تحتاج كثيرًا إلى البلاد الأخرى. والدليل على ذلك أن الوارد لها من هذا الصنف يزيد كثيرًا على الصادر منها.
الاستعمار

دخلت فرنسا في هذا الميدان منذ قرون طوال، بخلاف ألمانيا فإنها حديثة العهد به. ومع ذلك فانظر إلى الجدول الآتي: المساحةالسكانالمستعمرات الفرنساوية (سنة ??)??????? كيلومتر مربع????????المستعمرات الألمانية (سنة ??)??????? ميلًا مربعًا??????
العلم والصناعة بألمانيا

كان بها (سنة ????) ?? مدرسة كلية جامعة فيها ???? أستاذًا ومدرسًا و????? من الطلبة الرسميين. والتعليم في هذه البلاد إلزامي وشائع شيوعًا لا نظير له عند أمة أخرى. وقد انفرد الإغريق (اليونان) بالعلوم الفلسفية في العصور الخالية، والعرب في القرون الوسطى، والألمان في هذا الزمان. ولا تزال هذه البلاد تتقدم في الصناعة تقدمًا أوجب الخوف والاضطراب في نفوس الأمم التي كانت تعلوها قبل ?? سنة من الزمان.
وفي سنة ?? كان ?? في المائة من أهاليها يشتغلون بالزارعة، و?? في المائة يعيشون من عملهم في المناجم والصنائع، و?? في المائة من التجارة ونقل الأرزاق. وفي سنة ???? كان مسطح أرضها منقسمًا بهذه الكيفية: ??? في المائة مخصص للفلاحة والزراعة، و??? في المائة للكلأ والمراعي، و??? تغطيه الغابات.
انتشار اللغة الألمانية

وإذا نظرت إلى الجدول الآتي علمت تقدُّم الألمان في نشر لغتهم، وزيادة عدد المتكلمين بها، وإن كانوا أقل من الإنكليز والروس بكثير: القرن السابع عشرالقرن الثامن عشرالقرن التاسع عشراللغة الإنكليزية? ملايين?? مليونًا??? مليونًااللغة الروسية?? مليونًا?? مليونًا??? مليوناللغة الألمانية?? مليونًا?? مليونًا?? مليونًااللغة الفرنساوية?? مليونًا?? مليونًا?? مليونًااللغة الأسبانية?? مليونًا?? مليونًا?? مليونًااللغة الطليانية?? مليونًا?? مليونًا?? مليونًا
تنبيه:

هذه الإحصائيات منقولة كلها عن المصادر الفرنساوية والإنكليزية الوثيقة، وأخصها تقويم هاشيت لعام ???? (Almanach Hachette 1900) وكتاب العلم العام Le Tout Savoir Universel، وتقويم ويتكر الإنكليزي لسنة ???? Whitaker’s Almanach 1900، وغيرها من الجرائد والمجلات. وقد عرف القرَّاء أنني لا أدري شيئًا من الألمانية، وحسبي هذا القول برهانًا على وجوب الثقة بهذه الأرقام، والاعتماد على هذا الإحصاء؛ فإن الفضل ما شهدت به الأعداء. (??-?) خصوصيات على المعروضات الألمانية

تجارة الكتب

في ألمانيا شركة تسمى «شركة صناعة الكتاب الألمانية» قد احتكرت كافة الصنائع والأعمال التي تتعلق بظهور الكتاب. وكان تأسيسها في سنة ????، فتقدَّمت ونجحت حتى إنها امتلكت أرضًا فسيحة في «ليپسك» Leipzig بلغت قيمتها ?????? مارك.?? وأقامت فيها دارًا وصلت أكلافها إلى ما يزيد عن مليون ونصف مليون مارك. وقد اتَّسَع نطاق أعمالها في البلاد الأجنبية حتى وصل عدد أصحاب المطابع غير الألمانيين المشتركين فيها إلى ???، مع أن مجموع أعضائها هو ???. وهذا يدلك على مقدار أهميتها في غير ألمانيا. ولكي تعرف أيها القارئ الفطين رجْحَان ألمانيا على سائر أمم الدنيا في تجارة الكتب، أنقل ذلك الإحصاء الآتي نقلًا عن أصدق المصادر الفرنساوية، وهو إنما يدل على التجار الألمانيين فقط في سائر أنحاء المعمور: ففي ألمانيا???? مدينة فيها???? تاجر كتبوفي أوستريا??? مدينة فيها??? تاجر كتبوفي أوروبا بأسرها??? مدينة فيها???? تجار كتبوفي أمريكا كلها?? مدينة فيها??? تاجر كتبوفي أفريقيا المسكينة? مدينة فقط فيها?? تاجر كتبوفي آسيا المسكينة?? مدينة فقط فيها?? تاجر كتبوفي أوستراليا? مدن? تجار كتب
وهاك جدولًا آخر ببيان الكتب التي طبعها التجار الألمانيون: في سنة ???? طبعوا????? كتابًافي سنة ???? طبعوا????? كتبفي سنة ???? طبعوا????? كتابًافي سنة ???? طبعوا????? كتابًافي سنة ???? طبعوا????? كتابًا
وكل كتاب يطبعون منهُ عشرات ومئات آلاف من النسخ. وهذا بخلاف الكتب الخاصة بالتلحينات الموسيقية، فإنها لم تدخل في هذا الإحصاء:
بل لها جدول خاص بها، وها هو: في سنة ???? طبعوا????? تأليفًا موسيقيًّافي سنة ???? طبعوا????? تأليفًا موسيقيًّافي سنة ???? طبعوا????? تأليفًا موسيقيًّافي سنة ???? طبعوا????? تأليفًا موسيقيًّافي سنة ???? طبعوا????? تأليفًا موسيقيًّا
وقد بلغ عدد المشتغلين بالعمولة في نشر وترويج هذه الكتب من أهل ليپسك وحدها ???: يتعاملون مع ?.??? تاجرًا. ومن أهل برلين ?? وكيلًا (قومسيونجيًّا): يتعاملون مع ??? تاجرًا، ومن أهل ستتوتجارت Stuttgard ?? وكيلًا: يتعاملون مع ??? تاجرًا. وقد سارت جرائدهم أيضًا في طريق التقدم على هذه النسبة: فقد بلغ عدد المجلات الدورية والجرائد السياسية المطبوعة والمنشورة في ألمانيا ???? مجلة في آخر سنة ????، ومنها جريدة «الفرانكفورتر چورنال»، كان أول ظهورها في سنة ????، وجريدة «مجدبورج زيتونغ» في سنة ????، وجريدة «لي پسكرزيتونغ» في سنة ????.
وإليك جدولًا آخر ببيان المطبوعات من الكتب العادية والتلحينات الموسيقية في كل عام بالممالك الكبيرة؛ ليظهر الفرق العظيم في جانب ألمانيا: فرنسا????? كتابإيطاليا???? كتاببريطانيا العظمى???? كتابالولايات المتحدة???? كتاب
ومما امتازت به الطباعة الألمانية أنها احتكرت تقريبًا الكتب الشرقية. ونحن أعرف الناس بأن هؤلاء القوم ينقّرون عن آثار أسلافنا التي لا نكاد حتى إلى الآن نسمع بها، أو نتصوّر وجودها. وهم يطبعونها ويستفيدون منها مالًا وعلمًا وفضلًا. وأما نحن … نحن أبناءَ العرب الكرام، وسلالة الشرقيين الأماجد، فقد قنعنا بالافتخار بالعظم الرميم، وأصبحنا في هذا الأمر الخاصّ بنا، عالةً عليهم؛ نستقي من بحرهم، ونتناول من فضلاتهم. نعم، فقد طبع الألمان أهم كتب أئمتنا في التاريخ والجغرافية والأدب وسائر العلوم، ثم تجيء بعض مطابعنا فتسرق عنهم ولا تخجل من عدم نسبة الفضل إليهم في هذا الباب. ويا ليت أصحاب المطابع في مصر يعادلونهم في صحة الطبع ودقة التصحيح، وتقريب التناول وتسهيل المأخذ! بل إن الكتاب المطبوع أولًا في ألمانيا ثم في مصر بعد عشرات من السنين، لا يزال يساوي في القيمة (حسًّا ومعنى) عشرة أمثال تلك الهذيانات التي يطبعونها في مصر، (انظر كتاب تاريخ ابن الأثير، ونفح الطيب، وكتاب الكامل للمبرد، وسيرة صلاح الدين، والفخري، وكشف الظنون، وفصل المقال فيما بين الشريعة والفلسفة من الاتصال لابن رشد، وكتاب الحيوان والإنسان من رسائل إخوان الصفا، وغيرها وغيرها، تجد الفرق عظيمًا يوجب لهم الفخار، ويقضي علينا بالعار!)
وإليك أسماء كتب عربية نفيسة طبعوها ونحن لا نعلم ولا ندري: الآثار الباقية عن القرون الخالية للبيروني.
عجائب المخلوقات للقزويني.
تاريخ الطبري الكبير (تاريخ الأمم والملوك).
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم وهو المعروف بجغرافية المقدسي.
الأحكام السلطانية للماوردي.
الأخبار الطوال للدينوري.
أخبار العصر في انقضاء دولة بني نصر (ببلاد الأندلس).
الاعتبار لابن منقذ.
رحلة ابن جبير.
البيان والإعراب عمَّا بأرض مصر من الأعراب للمقريزي أيضًا
منتخبات للمقريزي.
أنساب الأشراف وأخبارهم للبلاذري.
كتاب البلدان لليعقوبي.
تاريخ الأصفهاني.
تاريخ اليعقوبي.
تواريخ مكة: للأزرقي والفاكهي وابن الفاسي وابن ظهيرة وابن النهرواني (ونحن أحق بها!)
كتاب الجبال والأمكنة والمياه للزمخشري.
صفة جزيرة العرب لابن الحائك.
فتوح البلدان للبلاذري.
أثولوجيا أرسطاطاليس في الفلسفة.
اختصار رسائل إخوان الصفاء.
الإلمام بأخبار من بأرض الحبش من ملوك الإسلام للمقريزي.
تاريخ الوزراء السلجوقيين للأصفهاني.
شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون في تاريخ الأندلس.
عجائب الهند.
الفتح القسي في الفتح القدسي للعماد.
الفهرست للوراق.
تجارب الأمم لابن مسكويه.
أخبار المغرب لابن عذاري المراكشي.
مراصد الاطلاع.
مسالك الممالك للإصطخرى.
المسالك والممالك لابن خرداذبة.
معجم البلدان لياقوت الحموي.
المشترك لياقوت الحموي.
التنبيه والإشراف للمسعودي.
المعارف لابن قتيبة.
تلخيص أخبار المغرب للمراكشي.
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.
مختصر كتاب البلدان لابن الفقيه.
المكتبة الصقلية: وفيها منتخبات من ?? كتابًا عربيًّا على جزيرة صقلية Sicile.
النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة للمحقق المصري تغري بردي.
جغرافية الإدريسي (صفة جزيرة العرب والأندلس ومصر والسودان والمغرب).
رسالة حي بن يقظان.??
كتاب الأمانات والاعتقادات.
أسرار العربية للأنباري.
الأضداد للأنباري.
شرح مفصل الزمخشري لابن يعيش.
تهذيب الأسماء في اللغة للإمام يحيى النووي.
فصيح ثعلب (كان أول طبعه في ليبسك سنة ????).
لب اللباب في تحرير الأنساب للسيوطي.
معجم ما استعجم للبكري (طبعه رجل من علمائهم بخطه في مطبعة حجر، وليس فيه غلطة واحدة من حيث الشكل والضبط والدقة).
الحادي والعشرين من الأغاني.
ديوان علقمة الفحل.
ديوان صريع الغواني.
أشعار الهذليين.
طبقات الشعراء لابن قتيبة.
الموشى في الأدب.
المفضليات في المختار من أشعار العرب.
هذا قليل من كثير من الكتب التي طبعت في ألمانيا وحدها، ولا حاجة لنا في هذا المقام بالإشارة إلى الجمّ الغفير من المصنَّفات العربية النفيسة النادرة التي طبعت في پاريس وإيطاليا ولوندره وغيرها.
وإذا التمسنا عذرًا لإقدام الألمان وغيرهم من أهل أوروبا على طبع هذه المؤلفات المفيدة؛ لتعلُّقها بالجغرافية والتاريخ والفنون المتنوعة بل وبلغتنا وآدابها، وقلنا: إن حالة تقدمهم هي التي ساقتهم إلى ذلك، وتأسَّيْنا عن تأخُّرنا عنهم في هذا الميدان بمثل هذا الكلام، فكيف نغتفر لأنفسنا سبقهم لنا في أخص الدعائم التي يقوم عليها ديننا؟
نعم، قد طبع الألمانيون التوراة والإنجيل باللغة العربية في بلادهم. وربما كان لهم شبه حق في السبق إلى ذلك، لعلاقة العهد العتيق والعهد الجديد بدينهم. ولكننا نراهم أيضًا طبعوا التوراة السامرية، ولنا أن نقول: إن لها علاقة بدينهم وبتاريخ دينهم وبالخلافيات في مذاهبهم.
ولكن … ما قول سادات المشرق الأعلام، وجهابذة علماء الإسلام، الذين لا صفة لهم في الوجود إلا بخدمة الدين الحنيف، وإعلاء كلمة الإيمان الشريف؟ ألا يخجلون أمام أنفسهم، وأمام وسيلة ارتزاقهم وسبب جاههم، وأمام نبيِّهم وإلههم، إذا قلت لهم: إن هؤلاء الألمان قد طبعوا تفسير القاضي البيضاوي في ليپسك سنة ???? ميلادية، وأردفوه بفهرست جامع لبيان ما فيه من اللغات والاصطلاحات، وأسماء الرجال والنساء والأماكن، وبيان الملل والنحل والشواهد. فجاءت طبعتهم أكثر فائدة وأسهل تناولًا وأيسر استخدامًا بما لا يقدر.
أما دار الخلافة ومقر السلطنة الإسلامية الكبرى، فقد بقيت متأخِّرةً عنهم بنحو ?? سنة، ولم تطبع هذا الكتاب النفيس إلا في سنة ????، وجاءت نسختها قاصرة عن نسخة الألمان، مع أنها كانت أحق بالزيادة في العناية والإتقان؛ لمجيئها متأخِّرة، ولظهورها في عاصمة عواصم الإسلام.
بل ما قول سادات المشرق وجهابذة علماء الإسلام الذين لا صفة لهم في الوجود إلا بخدمة الدين الحنيف، وإعلاء كلمة الإيمان الشريف؟ ألا يخجلون أمام أنفسهم، وأمام وسيلة ارتزاقهم وسبب جاههم، وأمام نبيهم وإلههم، إذا قلت لهم: إن هؤلاء الألمان قد طبعوا صحيح البخاري سنة ???? ميلادية، أي منذ ?? سنة شمسية، مع أن القاهرة لم تطبعه على الحجر إلا في سنة ????، وبولاق لم تطبعه بالحروف إلا في سنة ????، أي منذ ?? سنة هلالية، فكأنهم باشروا طبعه معنا أو بعدنا بقليل، والفرق بين الطبعتين يشهد لهم بالفضل ويعود عليهم وحدهم بالفخار؟
بل ما قول سادات المشرق الأعلام، وجهابذة علماء الإسلام، الذين لا صفة لهم في الوجود، إلا بخدمة الدين الحنيف، وإعلاء كلمة الإيمان الشريف؟ ألا يخجلون أمام أنفسهم، وأمام وسيلة ارتزاقهم وسبب جاههم، وأمام نبيِّهم وإلههم، إذا قلت لهم: إن هؤلاء الألمان قد طبعوا كتاب الله الكريم طبعًا مُتقنًا جميلًا جدًّا، وإنهم استنفدوا فيما بينهم جميع نسخ الطبعة الأولى، فاضطروا أمام تيار تقدمهم واندفاعهم المستمر في طريق العلم إلى طبعه مرة ثانية ثم ثالثة ورابعة?? بلغوا فيها النهاية والإتقان. ونحن قد روينا عن أشياخنا عن صاحب ديننا: «إن الله يحب من عبده إذا عمل عملًا أن يتقنه.» يحزنني وايم الله أن أقابل بين جمال النسخ المطبوعة عندهم بما ظهر في بلادنا؟ لعل ساداتنا العلماء الأعلام وحماة دين الإسلام يجيبون بأن الله قضى على هذا الدين بأن يكون رفع شأنه وإعلاء كلمته، على يد أعاجم الغرب في هذا الزمان، كما قضى بذلك لأعاجم الشرق في صدر الإسلام.
فيا ضيعتاه! ويا ضيعتاه!!!
الفوتوغرافيا في ألمانيا

شاع التصوير الشمسي اليوم بين كل الطبقات شيوعًا لا نظير له في أي أمر آخر من أعمال الناس، ولذلك تقدم هذا الفن وسهل تناوله على كل إنسان، فتراه في يد الصانع المنقطع له والعالم الذي يتعمق في البحث والتحقيق والغاوي والرائح والغادي. وبناءً على ذلك تألفت مصانع خصوصية لكل ما يتعلق بالفوتوغرافيا في جميع أنحاء العالم. ولكن الفائزة على الجميع في هذا السبيل هي أيضًا مصانع ألمانيا، فإنها تصنع وتصدر عددًا يخرج عن حد المعقول من الجهازات والآلات والأدوات والمتحصلات الكيماوية. وامتازت الجرائد الألمانية المصورة على أمثالها في سائر أنحاء المعمور، بالاستفادة من المحسِّنات العصرية في هذا الموضوع، وأخصها ما جادت به قرائح الأمريكيين. وبالنظر لتقدم الكيميا الألمانية تقدمًا باهرًا، قد ارتقى هذا الفن عندهم بما لا تضارعهم فيه أمة أخرى، خصوصًا فيما يتعلق باصطناع الورق الفوتوغرافي، حتى أصبحوا كلهم عالة عليهم يؤدون لها الإتاوة عنه، فهكذا يكون الارتقاء.
الصناعة الزراعية في ألمانيا

بلغ عدد العارضين من أهل الصنائع الزراعية في ألمانيا ثلاثمائة وخمسين نفسًا، منهم نحو الثلث (???) عرضوا كل ما يتعلق بالتعليم الزِّراعي، ووسائل الاستغلال الزراعي، وعلم الزراعة، وإنشاء دُور التجارب والامتحان فيما يعود بزيادة المحصولات وتعدُّدِها وتنوُّعها. ومما شهد به الزائرون لهذا القسم: اجتهاد الألمان، وصرف عنايتهم الكبرى؛ لتحسين آلات الزراعة وأدواتها والوسائط التي يستغلُّون بها كل ما يمكن للأرض أن تُدِرَّه على المشتغلين العاملين من صنوف الخير ومصادر البركة: بشرط أن لا يتناولها الضعف وأن تعود لها قوتُها، وترجع إليها عناصرها الأساسية كأحسن ما كانت.
ويظهر من معروضاتهم أنهم يتوصَّلُون دائمًا للحصول على الثمرات والمحصولات السليمة الخالية من المفاعيل الكيماوية؛ لأنهم يعملون في كل أحوالهم طبقًا للأحكام التي يقرِّرُها أساتذة مدرسة الطب العليا، فيما يتعلق بتنظيف الجهازات والآلات على اختلاف أنواعها.
وأهم صناعة زراعية عندهم هي عمل السكر الذي يستخرجونه من البنجر فقط. ومن المعلوم أن علماء الكيمياء بفرنسا هم الذين اكتشفوا منذ قرون تقريبًا كيفية استخراج السكر من هذا النبات، وكأني بهم (مثل پاستور بعدهم) إنما أرادوا أن يخدموا الألمان!!! فإنهم صاروا يجاورونهم ويزاحمونهم في صناعة السكر، حتى كادوا يفوقونهم في ذلك؛ لأن كافة علماء الزراعة بألمانيا يهتمون اهتمامًا زائدًا بهذا النوع من الزراعة؛ فتحسّنت تحسنًا عظيمًا جدًّا، كما تدل علية الأوراق والإحصائيات التي عرضوها في رواق الآلات، وفي قصور شان دومارس. والدليل على ذلك أنهم توصلوا لاستخراج السكر من البنجر بمقدار ?? بل ?? في المائة بل ?? في الأعوام التي يجود فيها المحصول، ويكون الموسم طبق المرام.
وأهم معامل السكّر وأكبرها عندهم هي التي امتازت بها مملكة سكسونيا، ففيها أكثر من ??? فابريقة بلغ مقدار ما عصرته في سنة ???? من البنجر ?? مليون طونولاطة، وذلك هو محصول ?????? هيكتار من الأرض فبلغ مقدار ما استخرجته من السكّر المختلف الأنواع ??????? طونولاطة.
وعدد العمال في هذه الفابريقات يبلغ ????? ذكورًا وإناثًا، وجهازاتها وآلاتها من أحدث الاختراعات وأكملها إتقانًا.
ولذلك فلا غرابة في كون الصادر من سكر ألمانيا إلى الخارج تبلغ قيمته ????????? من الماركات. بل أن تُصدر أيضًا إلى البلاد الأخرى عددًا عظيمًا من الآلات والمرشحات والمعاصر اللازمة لاستخراج السكر من البنجر.
وأغلب الفابريقات تصنع السكر «الخام»، ثم تتولاه معامل التكرير الخصوصية فتصفيه وتنقيه، ثم تسلِّمه للتجار.
وبعد صناعة السكر في الأهمية ببلاد ألمانيا تجيء صناعة الأرواح الكحولية (الكؤلات)، وهم يتحصلون عليها من المواد الزراعية فقط، ولا يلتجؤون مثل بعض الأمم الأخرى للحصول عليها بوسائل التقطير الصناعية. وتبلغ كميّتها في العام الواحد ??????? هيكتولتر، منها: ??????? يستهلكونها في نفس ألمانيا للقيام بالاحتياجات الأهلية العادية، و?????? للوازم الصناعة فيها، والباقي وقدره ???? هيكتولتر يُصدِّرونه في تجارتهم مع الأمم الأخرى.
وبعد هاتين الصناعتين، تجيء صناعة تجفيف «رغاوي» البيرة?? وقيمتها في السنة الواحدة ?? مليونًا من الماركات، ثم صناعة النشا (?? مليونًا من الماركات)، ثم تحضير الجعة أي البيرة (??? مليونًا من الماركات)، ثم إن الفضلات والثفالات الزراعية المرتَجَعة من هاتيك الصناعات يستفيدون منها مبلغًا لا يقل في العام الواحد عن ?? مليونًا من الماركات!!! وليس في الأرض إنسان يجهل أهمية البيرة الألمانية وعموم انتشارها، كيف لا وهنالك ??? معمل لاصطناع الشعير الخاص بها وحشيشة الدينار اللازمة لها و????? معمل لاصطناع هذه الجعة المشهورة فيها أكثر من ?????? عامل. وقد بلغ محصول البيرة في ألمانيا في سنة ???? أكثر من ?? مليون هيكتولتر.
الكيمياء الألمانية

أكثر الفرنسانيون من تعيير الذين قالوا: إن معرضهم العام سيكون عنوان الفخار لصنائع الألمان، واكتفوا بالتعيير والتشهير والتحقير، وغفلوا عن المباراة والمجاراة والمنافسة والمناظرة. حتى إذا فتح المعرض أبوابه للناس جاء الحكم منطبقًا ومترتبًا على القياس. ولكن كان أهل العقول الراجحة منهم أوَّلُ المعترفين بهذه الحقيقة، ولذلك جاهروا بين قومهم بأن المعرض الصناعي الألماني هو أعجوبة الأعاجيب. نعم، فقد أجهد الألمان أنفسهم، وتوسَّعوا في صرف وقتهم ومالهم، واشتركوا فيه عن بَكرة أبيهم من الإمبراطور حتى أحقر العمال. ولذلك فازوا بالقدح المعلّى في كل ميدان، ونالوا قصب السبق في كل رهان: خصوصًا فيما يتعلق بالكيمياء والكهرباء.
ولقد شهد الناس قاطبة بأن قسم الكيمياء الألماني كان من أعجب عجائب المعرض العام، وعاد الذين شاهدوه من العوام حيارى مُنذهلين.
أما العلماء والعارفون من أبناء فرنسا فقد أقروا بهزيمتهم الأدبية أمام هذا الاجتهاد الفائق، ولا شك أنهم يداخلهم (رغمًا عنهم) الإعجاب بهؤلاء القوم مع الخجل أمامهم والغيرة منهم، خصوصًا إذا تذكَّروا أن الذي اخترع الكيمياء الحديثة هو أحد أجدادهم الأمجاد، وأعني به لا?وازييه Lavoisier?? وأن هذا العلم الجليل النافع ارتقى إلى هذه المكانة العالية بفضل الأغيار والأضداد، كما حصل في استخراج السكر من البنجر! هذا القسم الألماني كائن في وسط البهو المخصص لما عرضته الأمم كلها من صنائعها الكيماوية. ومعروضات أصحابنا مرصوفة في ?? صندوقًا من الزجاج، كلها تشاكل بعضها في حسن الذوق، وجمال الصناعة، وفي وسطها هرم كبير من الملح (تذكر الضخامة!) وهي تنقسم إلى ثمانية فروع: الفرع الأول: للصناعات الكيماوية الكبرى، وأهم ما فيه الطرائق المستعملة في اصطناع أملاح البوتاسا، التي اشتهرت بها ألمانيا وكادت تكون المحتكرة لها في العالم كله؛ فقد بلغت قيمة ما تصدِّره من هذا الصنف إلى الخارج في كل عام نحو ???????? من الفرنكات. ومما كان يستوقف الأنظار في هذا الفرع أيضًا ذلك السائل الأصفر الذي تذوب فيه المعادن كلها (ما عدا الحديد ففيه بأس شديد!) كما يذوب السكر في الماء: أعني به الكلور السائل الذي يتحصّلون عليه بالطرق الكهربائية؛ وذلك بتحليل الملح البحري المعبر عنه في اصطلاح أهل الكيمياء بكلورود الصوديوم، فترسب الصودا في قاع الأواني ويعلوها الكلور في حالة غازية، وحينئذٍ فليس أسهل من تحويله بعد ذلك إلى حالة السيولة. وفي هذا الفرع أيضًا رواميز كثيرة لمعادن متنوعة، تمتاز بما وصلت إليه من نهايات الصفاء والنقاء، وتشهد للألمان بحسن الأسلوب الذي ابتدعوه؛ لأجل تمام الانتفاع بدرجات الحرارة العالية في صهر المعادن وتنظيفها. وبيان ذلك: أنهم يسخّنون أحد الأكاسيد المعدنية المعروفة بجانب المعدن الجديد المشهور باسم الألومنيوم، فتحدث في داخل البوتقة حرارة فائقة الحدّ بحيث لا يقاومها شيء من المواد. وبهذه الطريقة يتحصّل القوم بكل سهولة على تنظيف المعادن من كل شائبة، وعلى لحامها ببعضها أيضًا، مهما كانت درجة تنافرها!ومما امتاز به هذا القسم أيضًا صناعة الحامض الكبريتيك. ولكي يفهم القارئون مقدار أهمية هذا الحامض يلزمنا أن نأتي لهم بشرح قليل: فقد أجمع العلماء، وتطابق أهل الرأي والمعرفة على أن درجة تقدم الأمم وارتقائها في سلم الحضارة والعمران تقاس بمقدار ما تنتجه مصانعها من الحامض الكبريتيك؛ ولذلك وجب علينا أن نظهر مقدار التحسين الجسيم والتسهيل العظيم اللذين فاق بهما الألمان أمم هذا الزمان، مع الإشارة إلى ما كان لأجدادنا العرب الكرام من سابق الفضل في هذا المقام. فإن أول من اكتشف هذا السائل النافع هو أبو بكر الرازي: فكان أعجوبة عند أهل الكيمياء، وطُرفة يتحدثون بها في زمانهم. فلما ارتقى هذا العلم إلى الدرجة التي وصل إليها الآن، صار هذا السائل العجيب من ألزم لوازم الحياة والعمران؛ لأنه أصبح الأصل الفعّال في كثير من الصناعات. لذلك عُنِي القوم بالاجتهاد في تيسير الحصول عليه، حتى نزل ثمن الكيلو منه — بفضل أولئك الألمان — إلى ملليمين اثنين فقط (أي أقل من نصف قرش صاغ) بعد أن كان ثمنه إلى عهد قريب لا يقل عن جنيه وربع، فتأمل! بل إن الطرق الألمانية ستسمح بتقليل ثمنه عن ذلك أيضًا. فهل بقي مجال للقول بتقدُّم الألمان؟
أما الفرع الثاني: فيشتمل على المتحصّلات الكيماوية. وفي هذا المقام تشهد الأمم كلها بالسبق أيضًا لأولئك الألمان. فقد قاموا في هذه المصنوعات من أدناها إلى أرقاها: من القلويات، إلى الأنتيپرين، إلى السَّكَّرين، لغاية ذلك المصل العجيب Serum المنسوب إلى بهرنغ وكوخ (من أكبر علمائهم، ومن أكبر علماء العالم في هذا الزمان)، بل لغاية تلك المواد العجيبة التي تستعمل بواسطة أشعة رنتجن في تصوير بواطن الأجسام، واختراق ما وراء الحجاب.
أما الفرع الثالث: فقد عرضوا فيه محصولات الصناعة الكيماوية الصغرى: فيه رواميز من لوازم التصوير الشمسي، ومن الأتربة النادرة التي تتولَّد بها الحرارة البالغة منتهى الدرجات.
والفرع الرابع: فيه الألوان والأصباغ المعدنية، والمواد الهلامية التي يستخرجونها من العظام مثل الجلاتين والغراء.ماذا يقال عن هؤلاء الألمان الذين توصَّلوا لاختراع عظلم صناعي (نيلة صناعية)، وألَّفوا للاتجار بهذه النّيلة شركة كبيرة من أغنيائهم، جعلت أسواق النيلة النباتية الواردة من الهند في اضطراب وارتباك، وأنزلت على أسعارها النزول الذي لا يلبث أن يتلوه الانحلال، فيزول هذا الصنف من النبات، كما دخلت الفوة من قبله في خبر كان.ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن الفرنساوية والإنكليزية كانوا السابقين إلى استخراج الألوان والأصباغ من الفحم الحجري، ولكن هذه الصناعة قد تلاشت عندهما، بل هجرت ديارهما، واستوطنت ألمانيا حيث رسخت قواعدها وعلا بنيانها، وتأصّلت عروقها؛ فزهت وأزهرت وأثمرت، وجنى منها أبناء الألمان الخير العميم، لقاء اجتهادهم المتواصل في كل ما يعود على بلادهم بالرفاهة والسعادة. لذلك كثرت عندهم معامل الإنيلين، وأهمها (معمل الإنيلين والصودا) في مدينة بادن، فإن عدد العمال فيه لا يقل عن ???? يدير أمورهم ??? عالمًا كيماويًّا حائزًا لشهادة الدكتورية، فتأمل!وليس يسمح لنا المقام بتعداد النتائج التي حصل عليها الألمان بواسطة علم الكيمياء. ولكن لا بد لنا من الإشارة إلى أنهم أصبحوا يستحضرون الروائح والأعطار الزكية بطرق صناعية جعلتنا جميعًا في غِنًى عن المحصول القليل من الأزهار الطبيعية، وليس لهم من مناظر في هذا المجال؛ فهم السابقون فيه أيضًا بلا جدال! وراوميزها معروضة في الفرع السابع.
أما الفرع الثامن: فقد كان فيه عجيبة ولا كالعجائب: عجيبة تستوقف الأبصار وتحار فيها الأفكار، وأعني بها تلك الآلة الحديثة التي اخترعها أحد علمائهم، وهو الدكتور لينده Linde لصناعة الهواء السائل. وسيكون لهذا الاكتشاف شأن عظيم في مستقل الصناعة ومقتبل الأيام.فإن العلماء حينما توصَّلُوا لجعل الغازات سائلة كان الناس يظنون أن لا فائدة تُرْتَجى من وراء هذا الاكتشاف، سوى ترويح النفوس في المعامل بعد المتاعب اليومية. ولكن ما لبث أهل الجدِّ والاجتهاد في أوروبا حتى عرفوا بهذه الواسطة المواد التي تتركب منها الغازات، فاستخدموها في الصناعات بما عاد على التجارة بالنفع الجسيم، على ما هو مشاهد الآن. ونكتفي في التمثيل لذلك بما أشرنا إليه من سيولة الكلور، وهنالك غازات أخرى أسالوها وفائدتها معلومة عند أهل الفنِّ وأرباب الاطِّلاع.
أظن القارئ الكريم يوافقني بعد هذا البيان على ما قررته من تقدم أولئك الألمان، وبراعتهم في كل ميدان، وأنهم استفادوا من هذا المعرض العام أكثر من سائر الأنام. ولكن لا تسمح لي نفسي بختام هذا الفصل الطويل، بعدما شحنته بالشواهد والأرقام والتفاصيل، قبل أن أستميحه الإذن الشريف، في التنويه بأمر يستحق التعريف:
فمن أعجب العجائب أنني لمَّا زرت القسم الخاص بالعلوم والمعارف في المعرض العام، رأيت لألمانيا أيضًا اليد الطولى، والكعب الأعلى، وما لَكَ ولحكمي؟ بل اسمع ما حكم به ثقاة الفرنساويين أنفسهم في هذا الباب! وأنت تعلم أن «الفضل ما شهدت به الأعداء»، خصوصًا إذا كان الخصم هو الحكم، كما هو الشأن في هذه الحال. ولست أريد أن أذكر لك إلا أمرًا واحدًا يهمنا جميعًا: وهو تعلم اللغات الحية، أي التي لا تزال مستعمَلة بين الناس، لا التي أبادها الحدثان بانقراض أهلها الأقدمين من صحيفة الوجود. وذلك لأن اللغات الحية هي أسّ التواصل وواسطة الرواج الآن في التجارات والمعاملات. فاعلم — وفقك الله — أن نظارة المعارف الفرنساوية انتدبت لجنة من أكابر الأساتذة القائمين لديها بالتعليم الثانوي؛ لتنظر في البيانات والمعروضات التي قدمتها الأمم كلها في هذا المعرض العام، دلالة على درجتها في التربية وتثقيف الأذهان. فجاء في تقرير الأستاذ الفرنساوي المكلَّف بالبحث فيما يتعلق بتعليم اللغات الحية (ومن جملتها العربية وإن كان أهلها …) ما ترجمتُه بالحرف الواحد: «إن ألمانيا فاقت الأمم طرًّا في حسن التعليم بطريقة عملية توصل الطالب إلى المرام، في أقرب وقت ومن أيسر طريق»!!!
هذا، وقد برعت ألمانيا أيضًا، في القصر الذي أعدَّتْه إدارة المعرض العام للهندسة الملكية ووسائط الانتقال، بما قدمته من نموذجات القناطر و«الأهوسة» والتُّرَع والخلجان والسفن … ونحو ذلك، فقد رأيت هنالك آلة لرفع مياه المصارف والمجارير، تطردها بقوة هائلة إلى مكان سحيق؛ لكي تعالج هنالك بعيدًا عن المساكن والسكان، بما يعيدها صالحة للزراعة وري المحصولات، ورأيت سفائن مخصوصة لكسر ركائم الثلوج التي تصادفها أثناء سيرها في منجمد البحار، ورأيت أصناف النباتات التي يستعملونها في تثبيت تلال الرمال، حتى لا تنهال على أرض المزارع ومجاري المياه، ورأيت مثالًا لقطار بخاري مخصّص لارتقاء الجبال التي تكاد تكون قائمة عمودية. وهذا القطار التمثيلي الصغير يتحرَّك فيصعد في ثنايا الجبال وتضاعيفها، ثم ينزل عنها كما صعد «بامان وطمان»، مع أنه في الحالتين يوجب الدهشة في الأفكار والاقشعرار في الأبدان. فسبحان من سخَّر البخار والكهرباء لأهل هذا الزمان!
يجدر بنا الآن أن نحبس اليراع بعد أن أكثر الجوَلَان بين معروضات الألمان، راخيًا العنان للإعجاب والاستحسان، وحسبنا أن نقول: إن مشاهدتنا هي عشر معشار ما اعترف لهم به الأغيار قبل الأنصار، وعسى أن يكون لأقوالنا صدًى أو بعض صدًى في هذه الديار، فتعود على أهلينا بالنفع والفخار، إن شاء الله!
? وقد ترجمها حضرة يوسف بك آصاف إلى اللغة العربية.? البقرة: ??.? أقل مديريات القطر المصري سكانًا إقليم بني سويف (??????) ثم الفيوم (??????) ثم القليوبية (??????)، وهي المديرية الخصيبة الكائنة على أبواب القاهرة، وعدد السكان فيها يعادل ضعفهم في أوستراليا الغربية، ويزيد مع ذلك فلا يتجاوز إيرادها في العام ?????? جنيه مصري (انظر ميزانية سنة ????). وأما أوستراليا الغربية فلا يقل إيرادها عن مليونين من الجنيهات الإنكليزية. فتأمل.? الكوتشُج كما يسميه المسلمون في السنكال حيث استفدت ذلك منهم في معرضهم.? ولا تقل بروكسل، وإن كانت تكتب في الإفرنجية هكذا (Bruxelles) فإن أهلها يهملون النطق بالكاف فاحفظ ذلك وتنبه إليه، وهي عاصمة بلجيكا.? سنصدر هذه الصورة المريعة البديعة في الرسالة القادمة (الإدارة).? سورة الأنفال: من الآية: ??.? رأيت في معروضات فنلنده — التي سيأتي الكلام عليها — أحزمة من الصوف تخيلتها آتية من المحلة الكبرى، ولكنها قد ضلت محلها في معرض مصر!!! فاستقرت بجوسق هذه البلاد القريبة من المنطقة الجامدة … فرارًا من الحرّ وتبديلًا للهواء.? الرانة (Le renne) حيوان خاص بالمنطقة الشمالية بمقدار البعير يستخدمونه في الجليد والزمهرير كما يستخدم الأعراب الجمل في الهجير والسعير.?? أي بعد الانقلاب الصيفي بثلاثة أيام، فإن يوم ?? يونيو هو أطول أيام السنة.?? فقد بلغ عددهم ??? نفس في تياترو الهند الصينية وحده.?? الكوب لفظ عربي معروف، ومن الغريب أن مقلوبه (بوك = Bock) هو اللفظ الإفرنكي المستعمل بنوع خصوصي للدلالة على الكأس الذي يشربون فيه الجعة.?? جمع سِرَار بكسر ففتح، وهو خطوط الكفّ والجبهة، والخطوط في كل شيء، يقال: شرقت أسرّة وجهه. ا.?.?? تسعة أعشارها للحكومة، وبلغ مجموع أكلافها ????? عن كل ميل، ومصاريفها (سنة ??) ???????? جنيه إنكليزي، وعدد عمالها ?????? نفس.?? أغلبها لشركات مالية والقليل الطفيف للحكومة، وبلغ مجموع الركاب فيها (سنة ??) ????????? نفس.?? لاتدانيها أية أمة أخرى في كثرة الديون الباهظة التي عليها.?? المارك يساوي خمسة قروش صاغ تقريبًا.?? طبعت في مطبعتي وادي النيل والوطن بمصر منذ ?? سنة، ثم طبعت في ليدن منذ ?? سنة، لكن نحن في الثرى وهم في الثُّريّا كما هو شأنهم وشأننا حتى في الكتب التي سبقوا فطبعوها ثم تطفَّلنا عليهم فيها.?? ولا بأس من زيادة البيان في هذا المقام، فإن الألمانيين طبعوا المصحف الشريف سنة ???? ثم في ليپسك في سنة ????، ثم فيها في سنة ????، ثم فيها في سنة ????، ثم فيها في سنة ????، ثم فيها أيضًا في سنة ????. وقد سبق بعض علماء أوروبا فطبعوه أيضًا في غير ألمانيا في سنة ???? وفي سنة ???? وفي سنة ????، أي أن أول طبعه في بلاد أوروبا كان منذ ??? سنة شمسية. أما بلاد المشرق فكان السابق فيها إلى طبعه أعجام شيراز، ولكن في سنة ???? هجرية، ثم أهل الهند في سنة ????. أما بولاق فجاءت على أثرهم في سنة ???? أي منذ ?? سنة هلالية فقط، وكانت أول طبعة له بالمشرق قد ظهرت منذ ?? أي نصف قرن إلا قليلًا، مع أن أوروبا بدأت بطبعه منذ أربعة قرون إلا قليلًا فتأمَّلْ وتحسَّرْ!?? يجففون الزَّبَد الذي يطفو على هذا المانع، ثم يبيعونه للخبّازين، فيستخدمونه بدل الخميرة.?? حتى لقد اكتفى العلّامة ورتز (Wurtz) بأن عرفها في قاموسه بأنها «علم فرنساوي»، ولكن أصبح هذا التفريق قاصرًا عن الحقيقة، بل بعيدًا عنها.
وليمة مشايخ البلاد


قال أحد فلاسفة اليونان: «الناس صنفان: فالأكثرون يأكلون ليعيشوا، والأقلون يعيشون ليأكلوا.» وعلى كل حال، فالطّعام هو قوام الأجسام. فلذلك ترى كافة أحوال ابن آدم تنتهي بالولائم.
وبمناسبة هذا المعرض دعت الحكومة الفرنساوية عُمَد البلاد ومشايخ القرى لولمية كبيرة في ?? سبتمبر سنة ????، واختارت هذه اليوم لقيام أوّل جمهورية فيه لفرنسا، منذ مائة عام وثمانية أعوام. وكانت قد دعت في مثل هذا اليوم من سنة ???? في أثناء المعرض الماضي ????? رجل منهم. ولكن عددهم وصل في هذه السنة إلى ????? شيخًا، مُدت لهم الموائد والأسمطة والخوانات، في خيام وصواوين وفسطاطات، ضربتها في ساحة بستان التويلري.
ولكي يتصور القارئ مقدار هذه الموائد نقول له: إنها لو صُفَّتْ متلاصقة بجانب بعضها لبلغ طولها سبعة كيلومترات، أي مثل المسافة بين محطة القاهرة ومحطة شبرا، بحيث اضطر القائمون بنظام الموائد لاستخدام التلفون والدراجات والسيارات (أي عربات الأتوموبيل المتحركة بقوة الكهرباء) في نقل الأوامر «وتشهيل» الطلبات، واستخدمت مائة وخمسين رجلًا مدة يومين كاملين … فقط في ترتيب «السُّفَر» ووضع لوازمها من الفوط والشوك والملاعق والسكاكين والصحون ونحوها. وبلغ عدد الطهاة ??? رجل في ?? مطبخًا. وإذا أضفنا إلى الطباخين الأنفار المستخدمين بصفة «مرمتون» وخادمي الموائد وساقي الشراب؛ لتضاعف العدد عشر مرات، وصار ???? إنسان.
حيَّا الله المشايخ! سواء كانوا في مصر أو في پاريس. فهم دائمًا المتصدرون في الولائم، الخبيرون بالمطاعم، بل هم الذين «يعرفون من أين تؤكل الكتف» وهم هم العالمون بأساليب الاستدراج إلى الدعوة لتحقّ لهم المأدبة. فإن لم تتحقق عمدوا إلى الضيافة ليصحّ القِرَى لهم. وإلا عمدوا إلى الزيارة فتعجب لهم التحفة، وتراهم إذا بنى الرجل دارًا، طالبوه بالوكيرة،? فإذا ملك عقارًا وجبت لهم الشندخة فإذا تزوّج صحت لهم الوليمة، فإن رزق بمولود انطلت ألسنتهم بالخُرْس، فإذا حلق شعر المولود، وخاف منه العقوق لزمته لهم العقيقة، فإن ختنه فلا يقبلون معاذيره إلا إذا دعاهم للعذيرة، وإلا طلبوا من القاضي تعزيره. فإن هرب منهم ثم عاد لوطنه فلا مخلص له إلا بالنقيعة، فإذا ركن إلى الممات، حقت على ورثته الوضيعة. ثم دار الدور عليهم حتى تدور عليهم الدائرة. ولذلك لا غرابة في كونهم «أهل خبرة» بالبلع والسرط واللعق والجوع والسفّ والحسو، كما أنهم برعوا في التطعُّم والتلمُّظ والتذوُّق وفي القضم والخضم، وخصوصًا الغذم والقشم، وعلى الأخص اللوس والقش والتقشُّش والتمشُّش، والزمزمة والهمهمة، والقعقعة، والطعطعة، واللفلفة، واللعمظة، والكظكظة. فلا غرابة إذن في نزول هؤلاء المشائخ المتقبعين على الموائد، حتى لم يدعوا مجالًا لجائل ولا مأكلًا لآكل، وهذا بيان بعض ما استهلكه حضراتهم من الأصناف.
?????? رغيف، و????? زجاجة نبيذ معتاد، و????? من النبيذ العال، و??? من الشمپانيا، و????? زجاجة ماء، و???? دج Faisans و???? بطة، و???? كيلو من السمك، و???? كيلو من أطايب اللحم البقري، و???? قطعة من أصناف الطير وغير ذلك. وهنا يلزمنا الوقوف عند هذا الحدّ، فإن مجرد ذكره يكفي لمنع تطرُّق الجوع إلى البطون عدة شهور. وقد يبالغ الإفرنج وكثير من المتفرنجين منا بتعيير الفلاحين وأهل الأرياف في بلادنا، ونحن نذكر ما أتاه هؤلاء المشائخ في بلاد المدنية والرّقة من أساليب التنطع. وإنما نسرد حادثة واحدة؛ وذلك أنهم كانوا يجلسون على الموائد بحسب المقاطعات والمديريات، ولكي لا يضلّوا السبيل في وقت البطون، ولا تضيع منهم العقول أمام المشروب والمأكول، وضعت على الموائد قواعد رشيقة من النحاس وفوقها بطاقة باسم المديرية أو المقاطعة؛ ليهتدوا بها في هذا الزحام الشديد؛ فلما أكلوا هنيئًا، وخصوصًا لَمَّا شربوا مريئًا، ودارت الخندريس بالرؤوس، ولعبت الشمول بالعقول، أخذوا هذه القواعد ببطاقاتها، ثم ثبتوها فوق قبعاتهم (برانيطهم)، وساروا صفوفًا في الشوارع يصيحون ويصخبون، ويتغنَّون ويترنمون، ويتمايلون ويترنحون، حتى دخلوا المعرض على هذا الأسلوب، وكان في مقدمة كل طائفة المديرون والمحافظون، بملابس التشريفة الكبرى، تزدان صدورهم بكل وسام ونشان، يحيط بها الوشاح المثلّث الألوان؛ فكانوا أعجوبة بل أضحوكة في المعرض العام.
•••

تمام!
? غير أن أشياخ فرنسا سبقونا في زيادة التفنُّن، فهم يطلبون من الباني أن يرش أو يفرش عمارته بالشمپانيا Arroser ou sabler de Champagne، وهم إنما يرشون بها حلاقيمهم، ثم انتقلوا من البناء ففرضوا الشمپانيا على سائر الأحوال … آه! لولا أنها حرام!
الخاتمة


بقلم  أحمد  زكي
لقد مثَّلْتُ للقارئ الكريم الفاضل في هذه الصحائف القلائل شيئًا طفيفًا مما رسمه الناظر على صفحات الخاطر وأودعه العيان في خزانة الوجدان. أما الإحاطة فليست في الإمكان … لأي إنسان، ومع ذلك فلا تزال عندي أشتاتٌ من البيانات والمعلومات، وطرائفُ من المعلّقات والمفكرات، يستغرق نشرها المجلدات والمجلدات، ويستوجب صرف الوقت الكثير والمال الوفير، وهما (بحمد الله) ليسا متوفّرَيْن الآن. ولكن ربما ساعدت الأيام على إبرازها بطريق الجمع والتفريق، وهو أمر موكول للتوفيق.
ناهيك بهذا المعرض العام، الذي استنفد ملايين القناطير، من الدنانير، واستجمع كل ما وصل إليه أهل التفكير، من التدبير، وتعاون فيه أهل العلم والعمل، من كافة الملل والنحل، حتى فاق المنظور والمأمول، وحارت فيه العقول، وضلّت الأفهام، وكلّت الأجسام، واختتم به القرن التاسع عشر أيَّمَا اختتام!
وقد جريت في التعبير على أسلوب جديد، فلا يروق المتمسكين بتقديم التقاليد، الغافلين بمنهاجهم القديم العقيم، عما حدث في العالم من التقدم العظيم. ومن المعلوم عند الخاص والعام أن رأي هذا الفريق العتيق لا يهمني على الإطلاق؛ فإنما الحكم للاستقبال! وحسبي أنني فتحت هذا الباب، وستقرعه الناشئة التي عليها وحدها مدار الآمال! فإنما الزمان سائر إلى الأمام، وكل أمة لا تجاري حركة التقدم في مضمار الأفكار، وقفت في سبيل الحياة والعمران، وحاق بها الخسار والبوار.
تلك لعمرك! أيها القارئ الكريم عِلَّةُ الشرق والشرقيين. فالواجب على أهل الفطانة من أبنائه أن يتنبَّهوا بعد طول السُّهَاد، لملاقاتها بناجع العلاج حتى يعودوا إلى مجد آبائهم الصحيح، ويرجع إلى شرقهم العزيز رجحانه القديم، وتكون بلادهم مشرقًا لشمس المعالي والأفكار، كما هي مظهر لسلطان النهار.
وغاية الأمل أن تتوصل الشبيبة المصرية إلى محاربة تلك العادة السقيمة القديمة التي تميل بقومنا إلى التنميق والتزويق، وجعل المعاني مسخرة للألفاظ، تدور معها أينما دارت، وتسير ذليلة وراءها أينما اجتذبها الهوى، وأنَّى اقتادتها الحذلقة. فإذا ما وصل أصحابنا، أهل البراعة والأدب؛ لجعل الكتابة بمثابة الخطابة والكلام المألوف المفهوم، مع جعل الألفاظ لباسًا للمعاني لا يزيد عليها ولا تجرر أذياله وراءها على غير طائل، ومع اختيار الأساليب المستجادة المقبولة القريبة من الأذواق والعقول (كما هو الشأن في اللغات الحية الراقية بأهليها وكما تقضي بها حاجتنا في العصر الحاضر) صحَّ لنا أن نعتمد على مستقبل تبتسم له الثغور، وتنشرح منه الصدور، وتلك لعمرك! هي عين البلاغة الصحيحة. وإلا فالوقوف عند ما رسمه الأسلاف الكرام، بمناسبة حاجاتهم في زمانهم، أو الإصرار على المحاولة في تقليدهم (بغير جدوى) في أساليبهم التي انقضى دورها بانقضاء أيامهم يكون تقصيرًا منا أمام أنفسنا وأمام لغتنا وأمام مستقبلنا؛ بل إننا بذلك نسجل بيدنا أننا قضينا على وطننا ومعارفنا بالانحطاط والانحلال، نعوذ بالله من شر المنقلب وسوء المآل!
هذه نفثة مصدور، رأيت أن أختم بها هذه السطور، عسى أن يتفكر فيها أولو الألباب!
•••

أما هذه الرسائل، فكما يراها الناظر مجردة عن النقل والتعريب، اللهم إلا فيما دعت إليه الحالة من إحصاء أو استقصاء، مما لا مَفَرّ من أخذه عن أهله، وفيما سوى ذلك لم يَجْرِ قلمي إلا عن مشاهدة واختبار. وكانت وجهتي مصرية عربية شرقيّة، في كل سطر خطّه اليَراعُ أو فِكْر أملاه الجنان. وحسبي أنني وفّيت كل موضوع دخلت فيه حقَّه من البحث والبيان، حتى جعلت القارئ مشاركًا لي في الشعور والإعجاب، أو في النفور والاستغراب. فهذا هو الأسلوب الذي أعتقده متشبعًا بالحياة، منطويًا على حقيقة إحساس وصحة وجدان. وهذا هو الطريق الذي أدعو إليه فضلاء الكتاب، خصوصًا إذا ذهبوا إلى بلاد الغرب، ورأوا ما رأوا من عظم المدنية وجلالة الحضارة، حتى يتأتى لنا التأثير على الجمّ الغفير من القارئين والسامعين؛ فتتولد في قومنا حركة في الأفكار يكون من ورائها عظائم الأعمال، وننال بها المجد الصحيح، ويحق بعد ذلك لأبنائنا أن يفاخروا بنا، كما قد اكتفينا بالتحدث بما كان عليه أجدادنا، وما وصل إليه أسلافنا، وما فعله الأوّلون السابقون، وهو منتهى التحقير لأنفسنا! فعسى أن يكون لهذه الكلمات صَدًى في النفوس، وتأثير في القلوب، فنطرح السفاسف والهذيان، ونركب متن الجِدِّ والاجتهاد، فيكون لنا لسان صدق في الآخرين، إن شاء الله!