Advertisement

الأيام_المبرورة_في_البقاع_المقدسة


الأيام المبرورة في البقاع المقدسة




الأيام المبرورة في البقاع المقدسة

رحلة الحج والزيارة إلى الأراضى الحجازية في عهد الملك عبد العزيز آل سعود

تأليف
محمد لطفي جمعة


آيات قرآنية وأحاديث نبوية


بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ? وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
آل عمران: ??–?? وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى? مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ? فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
الحج: ??–?? وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ? وَعَهِدْنَا إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـ?ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى? عَذَابِ النَّارِ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ? إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ? إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
البقرة: ???–??? وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـ?ذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ? فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ? وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
إبراهيم: ??–?? يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ? قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ? وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـ?كِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى? ? وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ? وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
البقرة: ??? إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ ? فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ? وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ
البقرة: ??? وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ? فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ? وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى? يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ? فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ? فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ? فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ? تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ? ذَ?لِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ? فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ? وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ ? وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى? ? وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ ? فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ? وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ ? إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ? فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَـ?ئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ? وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ? فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ? لِمَنِ اتَّقَى? ? وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
البقرة: ???–??? وقال ?: «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه».
وقال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
وقال: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإنى حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلى ما دعا به إبراهيم لأهل مكة».
وقال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدى هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى».
وقال: «صلاة في مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا في المسجد الحرام».

الفصل الأول
الحجاز على مدى العصور


البيئة والقوم والعقل والدين
(?) البيئة

منذ فجر التاريخ حاول المؤرخون والمفكرون أن يعللوا مظاهر حياة الشعوب بعلاقتها بالبيئة الطبيعية التى يعيشون فيها، معتقدين وجازمين بأن لطبيعة الأرض تأثيرا في تكوين الشعوب كتأثيرها في تكوين النبات والحيوان. وكان هيرودوت الذى يصفونه بأنه والد التاريخ أول من كتب في هذا الموضوع عند وصفه الأمم التى سافر إلى بلادها في الغرب والشرق. وقد علل ما رآه في أخلاق المصريين من الخفة والفرح والنزوع إلى الملاهى وأنواع العبادة وطراز العمارة والانطباع على الخضوع للدولة والهيكل، إلى طبيعة الأرض واعتدال المناخ وخصوبة المزارع وتوافر الخير وجريان النيل، وكان ابن خلدون بخير مؤلف استوفى هذا الموضوع حقه من البحث والإفاضة، وتتبع خطواته المؤرخ الإنجليزى باكل، ولكل من المؤرخين والاجتماعيين نظريات وبحوث تؤدى إلى هذه النتيجة، وقد بذهم جميعا بعد أن أفاد من كتبهم وأرائهم الإنجليزى هوستون تشمبرلين مؤلف كتاب أسس القرن التاسع عشر.
فهذه مسألة مفروغ منها، حتى لقد بنى على صحتها كثير من الكتاب نتائج ضخمة، فقد ذهب بعضهم إلى أن تكوين الطبيعة الإغريقية من جبال ووديان وبحار وجزر وخلجان وصفاء في الهواء ورقة في الجو، هذا التكوين أدى إلى ظهور العبقرية في الفنون والأدب والفلسفة، وأنه لولا تلك البيئة الساحرة ما ظهر أحد من هذه النواحى العقلية المتمايزة، وأن الرومان أنتجوا القانون بحكم بيئتهم، وأن الجرمان مالوا إلى الحروب وانطبعوا على الصبر والشدائد بحكم بيئتهم وكذلك الصين والهند واليابان وسكان بريطانيا العظمى.
وقد علق هؤلاء المفكرون شأنا كبيرا على نقاوة الجنس وعلى أن كل جنس ميسر لمظهر من مظاهر العظمة الإنسانية، فقالوا إن الجنس العربى الذى يمثله بدو الصحراء جنس نقى من السامية الأولى وأنهم ما زالوا كذلك منذ عهود لا يرجع إليها التاريخ لتناهيها وعراقتها في القدم، وأن البيئة الصحراوية أعدت هذا الشعب العربى البدوى إلى إظهار ناحية من نواحى الخير الإنسانى، وأنك عندما تتعمق في هذه البحوث الأتنولوجية والأتنوغرافية وما يتبعها من علم الاجتماع والسياسة الإنسانية لا تجد ناحية أجمع للعناية وأجدر بالنظر وأمتع للنفس في التحليل والاستنتاج من تتبع تأثير الطبيعة في نشوء الدولة وتحولها وتبين القواعد الأساسية للخطط السياسية التي تختطها في السلم والحرب، ومن بين تلك الخطط السلمية أتخاذ عقيدة وهذه العقيدة تؤدى إلى الحروب فترى الوحدة في الحالتين. في التحليل والاستنتاج من تتبع الطبيعة في نشوء الدولة وتحولها وتبين القواعد الأساسية للخطط السياسية التى تختطها في السلم والحرب، ومن بين تلك الخطط السلمية اتخاذ عقيدة وهذه العقيدة تؤدى إلى الحروب فترى الوحدة في الحالتين.
إذا حاولت تطبيق هذه القواعد التى تشبعت بها النفس على بلاد العرب بل على تلك الشقة من الجزيرة العربية التى تسمى بالحجاز تدهش من صحة النظرية. ها هو الشعب وها هي الأرض التى يقطنها، فالإنسان البدوى الحجازى أو المتحضر المكى والمدنى والطائفى ولتقتصر على تلك القرى الثلاث، هذا الإنسان نفسه جزء من تلك الطبيعة وقد تأثر بالطبيعة المحيطة ولم تتأثر الطبيعة به في شيء ما، لأنها بخلقتها غير قابلة للتأثر أو التغيير، فأثرها فيه أظهر من أثره فيها. هذا هو سطح أرض الحجاز وما فيه من جبال وأودية وساحل واحد وما فيه من نجود وقفار وبرار وليس فيه نهر واحد، وهذه طبيعة الجو قيظ واعتدال ومطر قليل وبرد شديد في الصحراء ولكنه لا يصل إلى درجة الجليد ولا يقتل السكان إلا إذا كانوا عراة حفاة جائعين، أما موارد الأرض الزراعية فمحدودة ومعروفة في بعض البقاع التى أدركتها عناية الله بشيء من الخصوبة.
وأما الموارد المعدنية فلم نسمع بها إلا أخيرا ففيها بعض الزيت وبعض الذهب ولكن لا أثر للحديد أو الفحم أو البرونز أو النحاس، وقد تكون تلك الجبال الشامخة أو الوديان الفسيحة مليئة بها ولكن شيئا من هذا لم يظهر ولم يقل به لفيف كبير من السائحين الإفرنج الذين ساحوا في هذه البلاد.
إن أوصاف الطبيعة الحجازية ليست في كل ما كتبه الكاتبون على ما يرام ولا تقضى حقوق هذه البقعة من الأرض، لأن الناظر يهوله ما يراه في أول الأمر من الجبال والوديان ويراها تتكرر فيحسها جميعا على وتيرة واحدة. ولكنها تكون غير ذلك إذا تعرض لبحثها ودرسها العالم الجيولوجي والخبير بالمعادن غير علماء الإفرنج الذين ذهبوا إلى الحجاز على استخفاء وتنكر، وهم في الحقيقة جواسيس لا علماء ورواد استعمار لا استفسار وطلائع غزاة لا هداة وأعداء ألداء في ثياب أصدقاء ومشركون في حلية المسلمين فهؤلاء لا خير فيهم ما عدا واحدا أو اثنين ممن أخلصوا وصدقوا.
كل من هذه العوامل كان له تأثير عظيم الشأن في طبيعة الاجتماع السياسي وتوجيهه ولا سيما في العصور البدائية عندما كان العقل البشرى في مهده والفكر في فجره وقبل أن يتفتحا عن أزهار الحضارة. حتى بعد الوحى المحمدى وظهور الإسلام بقى الإنسان الحجازى خاضعا لعوامل البيئة الطبيعية، على الرغم من نمو قدرته على تبديلها وتحويلها بعض التبديل والتحويل وفقا لإرادة الله والدين الجديد والنهضة الحديثة التى صحبت ظهور الإسلام.
إن الجبال التى تراها عن يمينك وعن شمالك من جدة إلى مكة ومن مكة إلى الطائف ومن مكة إلى المدينة قد فصلت بقاعا عن بقاع وقامت حوائل في العصور الأولى دون اتصال جماعات الناس التى تعيش في كنفها، وفي داخل هذه البقاع نشأت قبائل تختلف في طبيعة وحدتها الداخلية عن قبائل نشأت في السهول الفسيحة أو في الشعاب والأودية أو في القرى التى تحضرت حضارة بدائية، بل إن هذه الجبال وهي سلسلة السراة قد أعارت اسمها المفاد من وظيفتها إلى البلاد التى حجزتها عن بقية أرض الجزيرة شمالا وجنوبا وشرقا.
يقول مؤرخو العرب إن الجزيرة خمسة أقسام عند العرب في أشعارهم وأخبارهم، تهامة والحجاز ونجد والعروض واليمن وذلك أن جبل السراة وهو أعظم جبال العرب وأذكرها أقبل من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف بوادى الشام فسمته العرب حجازا لأنه حجز بين الغور وتهامة وهو هابط، بين نجد وهو ظاهر فصار ما خلف ذلك تهامة ونجدا وعروضا ويمنا.
أرأيت أن أسماء الأقسام نفسها مستفادة من وضعها الطبيعى واللساني، فالحجاز للحجز والحجب والحيلولة بين شرق البلاد وغربها، وتهامة للمنطقة الساحلية وما يقاربها وتقول تهائم كما تقول نجودا للدلالة في أصل استعمال الكلمة على المفرد والجمع كما تقول تهامتان ونجدان وحجازان وعروضان ويمنان. وقد سميت اليمامة والبحرين عروضا لما فيها من نجد وغور وانخفاض ومسايل أودية. واليمن تجمع التهائم والنجود والجبال والوديان وليس اسمها مشتقا من اليمن بمعنى الخير والرخاء والخصوبة كما توهم الإفرنج، فهذه البلاد كلها كانت في الجاهلية وفي أعماق التاريخ قانعة بأن تطلق عليها أسماء نكرات وتعرف بتقسيمها الجغرافى ولم تصل إلى طبقة البلاد التى تعرف بالأعلام.
طبعا إن الأسماء لا تعلل ولكنها إذا بلغت منتهى البساطة أمكن تعليلها بمدلولات الأسماء والكلمات، وإن هذه البلاد كانت تعيش عشرات الألوف ومئات الألوف وهي على هذه الحال من البداوة الهمجية والفطرة الجاهلية لولا ظهور الإسلام في إحدى قراها.
وقد ترى الجبال عن يمينك وعن شمالك وقد لا تقدر ارتفاعها وقد لا تعلم لحاجتك إلى أدوات العالم أن بعضها يصل إلى ???? قدم وإلى ???? قدم (شرقى مكة). وأن للبراكين يدا فعالة في تكوين سطح هذه الأرض الحجازية، فجميع الحرار التى رأيناها لم تكن سوى اندفاعات بركانية خلفت الحجازة السوداء النضرة فوق الرمال القديمة فأمسكتها عن التفتت والزوال. إن منظر الحرار لعجيب كأنك ترى قارا مذابا ومسكوبا على سطح الأرض فتجاعيده كتجاعيد السوائل المنصبة على الرمال. ولم يكن لى علم سابق بهذه الصور العجيبة في الجبال والحرار إلا من الحديث الشريف عن الحرتين المحيطتين بحدود المدينة المنورة، إلى أن ألقى أستاذ من كلية العلوم محاضرة في منى عن تكوين الجبال الحجازية فطابقت أقواله ما كان يدور في خلدي، لأن فكرتى الأصيلة لم تكن منصرفة إلى دراسة الطبيعة الحجازية ولا طبقات الأرض فيها حتى رأيت قوة تأثير الجبال والبراكين في تكوينها. وقد قرأت أوصافا لسواحل البحر الأحمر الغربية في كتب مختلفة ورسائل، فلم أجدها تختلف عن جبال الحجاز وأوديته.
أما جو الحجاز فقد لا يعتدل إلا أشهرا معدودة ثم يدركه القيظ والسموم اللاذع، كما وصفه لنا بعض كتاب العربية الذين أقاموا في مكة في أغسطس وسبتمبر ولم يطيقوا الحياة بين القيظ والرطوبة، وقد كان من حظى أن سافرت إلى الحجاز في ديسمبر ويناير وهما من أعدل أشهر السنة ومكة ألطف مشتى في الجزيرة، وكذلك لم أجد في مدينة الرسول بردا مزعجا، ولا في الطريق إليها أو العودة منها، ولعل حرارة الحب والشوق أدفاتنى. وقد وصف لى بعض أصدقائى المكيين، ولا سيما السيد عبد السلام غالى الإقامة في الخريف فقال إن الطقس الحار الجاف يتبدل، وتهب رياح جنوبية ذات رطوبة تجعل الإقامة في مكة شبه مستحيلة لاختلاط الحرارة بالرطوبة، وتقع مواسم الحج في هذه الأشهر بحسب الدورة القمرية فيعاني الحجيج والمقيمون مرارة العيش، والميسور منهم يهرع إلى الطائف صيفا وخريفا. وقد قضى رسول الله ثلاثا وخمسين سنة في هذا الجو الخانق بين نعمة الوحى ونقمة المكيين البلداء.
وطالما سمعنا عن الأمطار، فلم نر منها إلا رذاذا قليلا في طريقنا إلى المدينة، وقد تعجب إذ نسمع أن السيول تخرب البلاد، وتقلع الأشجار وتجرف كل ما يقف في سبيلها من عمار وشجر وحيوان، ولكن هذه الأمطار لا تبقى في الرمال أكثر من ساعة. ولكن هذه السيول هى المصدر الوحيد لتخصيب المراعى، وأهل البيداء أكثر الناس اهتماما بالمطر، وقد خلدوا حاجتهم إليه في أشعارهم، ووصفوا زواله عنهم في قصائدهم، وجعلوا الغيث مرادفا للخير وتراهم يقسمون السنة إلى خمسة فصول لا إلى أربعة.
فالسفرى أو الخريف يبدأ في أواخر سبتمبر بظهور نجم سهيل من أكتوبر إلى أول يناير، والشتاء من أول يناير إلى آخر فبراير، والسماك وعدته خمسون يوما، والصيف من آخر السماك إلى اوائل يونيو، ثم القيظ وينتهى ببداية السفرى. والأمطار في الحجاز تقع في السفرى وبعضها في الشتاء، وفي المدينة يزيد نزول المطر عن مكة وجدة، ولعل جدة من أقل بلاد العرب مطرا فقد لا يتجاوز كميته قيراطا أو قيراطين في أكتوبر ونوفمبر ويهبط إلى نصف قيراط فيما عداهما، وهكذا يعيش ألف ألف إنسان في الحجاز مقسمين بين الحواضر والبوادى يمثلهم في العالم أربعمائة مليون مسلم في مشارق الأرض ومغاربها.
(?) القوم

هنا الجنس السامى النقى ولا سيما في البوادى وهو العنصر الغالب، دع عنك خليط الأقوام التى أقامت واستقرت. وقد واليت الدرس بضع سنين في أصول الأرومة السامية حتى كونت اعتقادى بأن العرب هم أصل العرق السامى ومن أرومتهم تفرعت الأقوام الأخرى وتشعبت قبائلها، وهؤلاء البدو قد حافظوا على ساميتهم أكثر من سواهم وعلى دمائهم الصريحة النقية، وعلى تكوين عقولهم التى لاءمتها عقيدة التوحيد بعد جهاد يعد عنيفا بالنسبة للجزيرة ولا يعد شيئا مذكورا بجانب ما لقيته اليهودية والمسيحية في الأمم التى قبلتها بعد حروب دامية دامت مئات السنين، ثم نزعتها وخالفتها وانتحلت سواها بعد أن اتخذتها وسيلة لإذلال الآخرين.
وقد قال لى الأستاذ جويدى عندما كان منتدبا للتدريس في الجامعة المصرية في العقد الأول من القرن العشرين إن أصل الجنس السامى من بلاد ما بين النهرين، وأدلته محصورة في التوراة وهجرة إبراهيم وإسماعيل إلى الحجاز، وكان اعتقادى دائما أن مهد الجنس السامى هو جزيرة العرب نفسها وفيها نشأ ومنها شب ودرج وانتقل إلى الجهات الأخرى المجاورة لبلاد العرب، وقد أيدتها الاكتشافات الأثرية في جزيرة العرب نفسها جنوبا وشمالا ووسطا، والفرق بين نظرية جويدى والنظرية التى اهتديت إليها بالبحث كالفرق بين الذي يعول على نصوص التوراة والذى يعتمد على الحفائر والبحوث الأركيولوجية. وقد بنيت فكرتى أول الأمر على النزوحات التاريخية وتموجات الرحلات في سبيل المرعى والإقامة؛ فقد نزح الحميريون إلى العراق ونزحوا إلى مكة وإلى المدينة وجاءت قبائل شتى إلى مكة والعمالقة إلى يثرب بأسباب كثرة النسل وضيق أسباب المعيشة والجفاف والقحط والحروب والرغبة في الفتوح والاستيلاء. وأثبتنا هذا في كتاب ثورة الإسلام.
وهجرة النبى والمؤمنين نفسها وإن تكن محوطة بالقداسة والتمجيد، وقد سبقتها مفاوضات ومعاهدات وبيعات ثلاث، ما هي إلا نزوح قوم بسبب الاضطهاد الدينى إلى بلد أكثر أمنا وقبولا، وقد أفادت المدينة فوائد جمة من هذه الهجرة وأفادت الإنسانية كلها. وإنك ترى هذه الهجرات إلى الآن في زماننا الحاضر، فإن الأعراب ينتقلون من أواسط الجزيرة إلى أنحاء الهلال الخصيب انتجاعا للمرعى وهربا من موسم الجفاف والقيظ. وفي القرآن وصف لرحلة قريش في الصيف والشتاء، وحروب الاستعمار الأوروبى، نزوحات وهرب من الجوع إلى الشبع، وقد علل بعض المؤرخين أن رحلة المغامر البحرى ماجيلان إلى الشرق عن طريق المضايق التى تعرف في جنوب أمريكا الجنوبية باسمه، كانت بسبب البحث عن التوابل ومحرضات الشهية والأفاويه والبخور.. الخ وقد لقى حتفه بسبب تعرضه لعقائد أهل الفيلبين واعتداء رجاله على حريمهم.
فهذه الرحلات في طبيعة البشر كما هي في طبيعة الحيوان. ألم يقل العلماء إن وحوش أواسط أفريقيا كانت في شمال أوروبا وقد نزحت عند ظهور البرد والجليد في الأنحاء الشمالية. فأهل جزيرة العرب هم أجداد السمريين والكلدانيين والأكاديين الذين نزحوا إلى العراق قبل الميلاد بأربعين قرنا، ولا يبعد عن الحق أن مجيء إسماعيل إلى الحجاز كان عودة من العراق إلى الموطن الأصيل، ولما تكاثروا نزحوا إلى مدين والبطراء والجادور واستقروا فيها وأنشأوا الآكام والقصور والدويلات. والإسلام نفسه حمل العرب على الهجرة باسم الفتوحات والمغازى فوضعوا أيديهم على العالم المتحضر وتغلغلوا فيه إلى يومنا هذا.
وليس من المصادفات أن ظهر الإسلام في الحجاز، فإن مساحة البلاد تؤثر في اتجاهها الدينى والعقلى والسياسى، فإن الحجاز على صغرها كبلاد اليونان قد أنتجت أدبا ودينا وحكمة وفصاحة وفلسفة وأنشأت في كنفها لغة صارت من أغنى لغات العالم وأفصحها وأبلغها.
وللحجاز نوافذ تطل منها على مسالك البحار وهي ينبع ورابغ والوجه وجدة، فاتصلت بسائر الأمم عن طريقها واتسعت تجارتها في النقل وكانت قبل ذلك وبعده متصلة بممالك الأرض بسائر الأمم عن طريقها واتسعت تجارتها في النقل وكانت قبل ذلك وبعده متصلة بممالك الأرض عن طريق الدروب التى تسير فيها الإبل، فكان عمرو بن العاص يعرف مصر قبل أن يفتحها وقد غشى أنديتها ومغانيها وشهد الأحكام والنظم، كما شهد الجد واللعب في الإسكندرية، وكانوا على علم بالشام وفارس والهند والصين وبلاد الروم. وكانت الحجاز متمتعة بحماية الحدود الطبيعية ولم تخسر شيئا باختلاطها، لأنها احتفظت بنقاوة دمها ولم تصطدم بجيوش حضارات قديمة إلا بعد الإسلام الذى خلقها ولا نقول بعثها، لأنها لم تكن من قبله على قيد الحياة، والدليل على ذلك نكوصها عن مقاومة أبرهة الأشرم عندما هجم على مكة.
اصطدمت جيوش الحجاز بشعوب تفوقها حضارة ونظاما فكان ذلك مستهل طريقها إلى الإمبراطورية العربية. ولكن هذه الشعوب التى كانت تفوقها حضارة ونظاما كانت قد دب إليها الفناء والشيخوخة من طول ما استنامت للرخاء والنعومة والغنى فوافت نهايتها عند بداية الإسلام. ومن العجيب أن هذه الأمم لم تكن ذهبت فريسة الرخاء والليونة وحسب، بل فقدت حماستها في عقائدها وأضاعت ثقتها في أربابها حتى ولو كانت ذوات أديان منزلة كاليهود والنصارى. ثم ان هذه الأمة العربية التى أوحى الله إلى نبيها الإسلام لم تطل الإقامة في الجزيرة العربية، لأن هذا الإقليم المتناهى في شدة الحر وشدة البرد إلى جانب الجدب والجفاف والاعتماد على المرعى وهبوط المطر، لايواتى نشوء الطبقات العليا من ألوان الحضارة وأشكال الحكم، فإن وهج الشمس في الصحراء والبطائح التى يتولد فيها البعوض والجفاف المطلق والجبال الجرداء النارية التكوين، عوامل تحد من النشاط الاجتماعى فتحول دون قيام الهيئات السياسية والاجتماعية القوية.
ولذا لم يتخذ الإسلام مكة مقرا ولا عاصمة واختار الله له المدينة وهي أكثر اعتدالا. ثم لم يلبث الإسلام أن زحفت جنوده وجحافله على الشرق والغرب وفتحوا واستقروا وجلبوا أهلهم وذويهم وجعلوا الجزيرة مخزنا لرجال أقوياء أنقياء الدم صرحاء يغذون الجيوش الفاتحة، واختار معاوية بن أبي سفيان من هند آكلة الأكباد مدينة دمشق الفيحاء عاصمة لملكه، فصارت دولة الإسلام في عهده وعهود بعض خلفائه أقوى الدول بفضل المناخ والاعتدال والخصوبة، ولو أن الإسلام بقى محصورا في جزيرة العرب ما عمر قرنا واحدا بل كان يهلكه المكيون ومن ينضمون إليهم من القبائل، والدليل أن ملة إبراهيم قد طغى عليها عباد الأصنام ولم يكن للنصرانية أو اليهودية شأن يذكر في الحجاز، حتى أننا نرى الندوة وحلف الفضول شيئا كثيرا على هذه القرية المكية التى لم تعرف العدل ولا القانون.
لقد اتخذ الإسلام بفضل النبى وأراء صحابته والخلفاء الراشدين خير بقاع الأرض لنموه وتعهده، لأن جميع الدول الكبيرة نشأت في مناطق معتدلة وترى الدول ذات الأجواء المعتدلة والخصوبة الزراعية زاهدة في الاستعمار، وإن غامرت فيه فإنما تقليدا وطمعا ولايؤاتيها النجاح أبدا كالفرنسيين في مستعمراتهم.
وبسبب هذه الفتوحات وسرعة انتقال العرب إلى البلاد المفتوحة دبت القلة في السكان في البدو والحضر، وأهل مكة أنفسهم، ولو لم يرد إليهم في كل حين مهاجرون من البلاد الشرقية لآلوا إلى ندرة السكان التى أصابت المدينة المنورة، فقد أخبرنى أسعد طربزونى أفندى رئيس ديوان الإحصاء أنهم لا يزيدون على سدس المائة ألف، وكانوا مئة وسدس مئة ألف قبل الحرب الماضية، فأخرجوا من ديارهم ومات منهم كثير في الثورات والفتن، غير ما عانوه في دولة الأمويين من التدمير والتخريب.
والخلاصة في هذه المسألة أن الله أتخذ الحجاز ولا سيما القريتين وعاء لطهى الدين والدولة، وقسم أرزاق العالم في الحضارة والرحمة منهما وبقيتا على حالتهما؛ الأولى شرفت بالكعبة والمسجد الحرام والثانية تفوق المدائن ببيت النبى عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي هذا المعنى قال الشاعر الفحل النابغة الأستاذ البليغ السيد على العزبى:
قرى بوركت بالوحى شأنا وعزةويا للمعالى من قرى تفتح المدنا وقد دلنا البحث على أن وحدات البيئة الطبيعية صغيرة بالقياس إلى الشاسعة، والطبيعة هادئة بالمقابلة مع العنيفة الصاخبة، أتيح فيها النمو للعقل واتجه الفن إلى الجمال، والدولة إلى الحرية والإخاء والمساواة، وعلى هذا معظم تاريخ اليونان القديمة، وبلاد الحجاز بعد الإسلام، وهو يؤيد ما ذهبنا إليه من أن البيئة الطبيعية تؤثر في طبيعة الاجتماع البشرى وسياسة الدولة وعقيدتها وقد ثبت نقاء الدم الحجازى وخلوصه من كل شائبة.
ومن الناحية الاقتصادية لم يعول الحجاز على غير الموارد النباتية الضئيلة والحيوانية الكافية فكانت الإبل والماشية خير ما فيها. وكذلك اليونان فإن البحر أسعفها فكان واسطة اتصالها بالعالم القديم. أما المعادن فلم تلعب في بلاد العرب دورا مهما لأنه لم يكن منها شيء ولم يعرفوها إلا في السلاح الذى جلبوه من الشام واليمن، حتى أن رجلا صيقلا كان يصنع السيوف في مكة كان بمثابة أعجوبة يقف لديه النبى يشهد مهارته في صنعته. وحتى العجل والمركبات لم يصل إليها العرب فلم يعرفوا نقل التجارة على غير ظهور الجمال في زمن كانت العجلة فيه شائعة، وذلك لوعورة الطرق وصعوبة تسلق الجبال. وقد امتازت الحضارة الأوروبية بالمناجم والمعادن فتغلغلت في صميم نظمها الاقتصادية ولم تدخل السيارات في الحجاز إلا منذ عشرين عاما ولكنها لم تقض ولن تقضى على الجمال.
ومما ساعد على حفظ النقاوة البدوية في الحجاز أنها لا تصلح للاستعمار ولا يقدر الأوروبي أن يعيش فيها في غير حى السفارات والوزراء المفوضين في جدة والذين عاشوا فى صحاريها ظاعنين أو مقيمين يعدون على الأصابع في فترات متباعدة. ولكن هذه الشقة من الأرض رضى الله عنها، بأن أوحى إلى خير خلقه فيها أتم نظام لترتيب العلاقات بين الإنسان وربه وبين الإنسان، والإنسان، وهو القرآن الذى نص على ضرورة الهجرة في مواطن كثيرة وامتدحها ودعا إليها وحث عليها ووعد أصحابها بالجنة والجزاء الأوفى ووصف الناكصين عنها بالمستضعفين الذين يستحقون عذاب السعير.
دعا إلى الهجرة في سبيل الله لرؤية أيات الله في الآفاق، ودعا إليها للفرار من الظلم والاستبداد والاضطهاد وضيق الرزق، وإليها دعا في سبيل طلب العلم ودرس أحوال الأمم وتعرف الشعوب إلى بعضها بعضا، ودعا إليها للتجارة والكسب ولنشر الدين وفتح البلاد الغنية ومحاربة المظالم وتعليم الجهلة والأميين.
(?) دعاء إبراهيم للحجاز

لقد دعا إبراهيم للحجاز فقال: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.
ودعا من قبل لهذا البلد بالأمن ومجانبة عبادة الأصنام. وهذا البلد هو مكة الذى بنى فيه البيت المحرم، فهل استجاب الله دعوة هذا الرجل المكرم عند ربه، جد الأنبياء الأعلى من لدن يعقوب إلى محمد؟
من العجب العاجب أنك إذا طفت بشوارع مكة وخرجت إلى بطحائها بعد أن تمرق من ربع الحجون ثم توغلت في الوديان المحيطة بها على طريق جدة أو الطائف أو الرياض أو عرفة من أشعة الدروب التى تنفصل عنها كأنصاف أقطار لدائرة كبيرة، وكنت على بعض المعرفة بتاريخ تلك البلاد لتخيلت أن تلك البلدة وهاتيك النواحى لم تتغير منذ نشأتها، اللهم إلا باتساع يسير وما ذلك لتقصير السكان ولكن لضيق المكان وانحصاره بين جبال شاهقة.
ومع هذا الضيق في البلدة بالنسبة لمكانتها في العالم وكونها مركز العالم الإسلامى ووعورة الطرق إليها التى لا تشق إلا بشق الأنفس فإنك تجد الناس تنهال عليها بمطاياهم ومتاجرهم وأموالهم من كل فج عميق في مواسم مختلفة، فإن وجود الكعبة قد جعل أفئدة من الناس تهوى إلى الحجاز من جميع بقاع الغرب والشرق، وكان العرب ينظرون إلى مكة بإكبار واحترام، وينعكس هذا الاحترام على أهل البلد من قريش، وهم خدامها وسدنتها فذاع صيت مكة والمكيين وتكدست لديهم الأموال، لأن استقبال الحجيج والتجار لا يكلف المكيين ولكنه يكلف القادمين. فثارت أحقاد الجيران كقبيلة ثقيف في الطائف، وحسد اليمن أهل مكة وكانوا يتبادلون التجارة في رحلة الشتاء، وكانت ثروات اليمن ثابتة في مزارعهم وجواهرهم ومبانيهم، ولم تكن عندهم حنكة المكيين ولا حركتهم ولا ملكة التجارة، فظنوا أن ثراء المكيين راجع إلى إقبال الناس على العبادة في بيت الله، فطمع ملك اليمن في انتزاع مكانة مكة وتحويل تلك الأموال المتدفقة عليها إلى صنعاء، فأسس معبدا مسيحيا وأثثه بأفخر الأثاث وأثمنه ثم جهز جيشا جرارا بالعدد والعدد، ووجهه إلى مكة لهدم الكعبة. وضل قائد الجيش أبرهة كما ضل بعده الرومان واليونان في تلك الفيافى، حتى دنا من الطائف فخشى أهلها على بلدهم وأرشدوه إلى مكة، وعينوا له دليلا ومرشدا هو أبو رغال الذى ما زال قبره يرجم لخيانته.
فماذا كانت هذه البلاد الحجازية حتى بعد بناء الكعبة واشتهارها؟ ألا ترى أهل الطائف يخشون على بساتينهم فيبيعون جيرانهم بأبخس الأثمان، وهم أمنهم على ثمارهم وكان عليهم أن ينضموا إليهم في الدفاع عنهم. وماذا كان أهل مكة أنفسهم؟ إنهم خشوا على أموالهم المكدسة وتخلوا عن حماية الكعبة وهي بيت الله ومصدر أرزاقهم. إن عبد المطلب زعيم قريش فيما زعموا جاء إلى أبرهة يسأله رد إبل له ولم يفاوض أبرهة في شيء من شئون بلده ومعبده.
والناظر في المسافة القصيرة بين الطائف ومكة، يعجب من تفكك الروابط بين بلدين حجازيين متجاورين يحتاج أحدهما إلى الآخر حتما، ولكن معاداة القبائل ونفور ثقيف من قريش أعجزهما جميعا عن الاتحاد أمام الخطر المداهم، وقد بلغ حب المادة عن نفوسهم ما أعماهم من الوحدة حتى ولو في سبيل المال نفسه.
المشهور أن الفلاح يموت دون زرعه، والتاجر يهلك دون متجره، وهذا نفس ما تجلى عن هذه الحال، فإن البلدين فرطا في وطنهما ولم يفرطا في شيء من الزرع والضرع، فإن عبد المطلب راح يطلب من الغازى إبله، وثقيف راحت تقدم دليلا خائنا يدل الأشرم على الكعبه.
نعم قيل إن عبد المطلب وكل الدفاع عن الكعبة لصاحبها وربها، ولكن هذه لم تكن طريقة الإسلام ولم تكن طريقة الجاهلية في الذود عن حياضها، فما بلغت مكة في تلك الواقعة سؤدد الإسلام ولا حمية الجاهلية، بل كانت في دور انحطاط وانحلال، كانت مكة في هذه الحقبة من الزمن في الدرك الأسفل من الأخلاق، وفي يقينى أن أبرهة لم يجرؤ عليها لمجرد الطمع في مكانتها، بل لما اتصل به من ضعفها واضمحلالها.
(?) الرسالات السابقة على الإسلام في مكة العربية

عندما ترى الحجاز تنسى أنها جزء صغير من بلاد العرب، لأن جزيرة العرب في ذهنك هى الحجاز. وهذا الرأي خطأ جغرافى وخطأ تاريخى وسياسى واجتماعى ولكنه خطأ صار حقيقة. فما سمعنا بلغة حجازية أو نبى حجازى أو قرآن حجازى أو دين حجازى أو دولة حجازية، ولكن هذه كلها تنسب إلى العرب أو العرب تنسب إليها، فاللغة عربية والنبى عربى والحضارة عربية. ولكنك منساق إلى مسايرة هذا الخطأ ومنساق إلى مسايرة من معك من الرفاق الذين يصرفونك عن المثل العليا بتذكيرك بالطعام والشرب والحل والارتحال. فيصدونك — بحسن نية — عن التخيل وهو خير مواهب المقيم والظاعن.
هذه بلاد العرب حقا بصحرائها وجبالها وإبلها، ولكن أين الحقائق التى دلتنا عليها أسماؤها، أين حاتم طى؟ أين جبال رضوى؟ أين هود وصالح ولهما ذكر في القرآن عاطر؟ أين ثم أين؟ أليس للحاج أن يتزود من هذه المعالم تزوده من الكعبة ورسول الله وأحد وبدر؟
قالوا هذا جبل شمر، الذى كان موطن طى، وحاتمها الذى خلع على الكرم اسمه ووهبه الكرم رسمه، صار أحدهما علما على الآخر يتبادلان ظلال المعروف والإحسان سليقة وصنيعة لا ذريعة ووسيلة، وقد كانت القوافل تلتقى عند شمر في ذهابها من حرة إلى بطراء ومنها إلى بابل ومملكة المعينيين والسبئيين. أما رضوى فهو هذا الجبل وراء ينبع، وعن يمينه بشرق مداين صالح التى كان فيها النبى صاحب الناقة. أما هود فإن له قبرا بالجنوب على مقربة من تلك اليمن الغنية، التى لم تتتزحزح إلا قليلا عن عقيدتها الوثنية، والتى كان غناها حربا فغزاها الفرس والأحباش واليهود وخرج من أتباعها من يغزو مكة بالفيل.
وما زالت هذه البلاد مطمح أنظار الغزاة والفاتحين حتى في العصور الحديثة ومطمع الجواسيس في ثياب العلماء الذين يسعون في فك رموز الخطوط الحميرية والمعينية والسبئية وسرقة الحجارة المنقوشة والثمينة، جواهر العلم وجواهر الأرض.
لقد قيل لى إن نبى الله هودا ما زالت الموالد تقام له في سيف والزوار يقصدون إلى قبره، وهو الذى خذله قومه في حضرموت ولكن ما قيمة قولهم عن صحة موضعه. وإن خيالك ليسبح بين هذه المفاوز لتصل بين هود الذى ذكر في القرآن وتبوك التى جهز لها النبى في أخر حياته المباركة جيشا ليغزو تلك القرية القديمة على حدود درب الشام.
ويذكرنى اسم هود الذى قيل إن نزول السورة الموسومة باسمه أشاب رسول الله بقوم عاد الذين بادوا والذين أنكرهم الملحدون. إن قبر صالح الذى قتله قومه ما زال بين شبام ووادى سر. والذى أعلمه عن صالح أنه كان مبعوثا لثمود، وثمود قوم فنوا وبقيت آثار خطوطهم فى شمال الجزيرة، وما أظن صالحا تجاوز حدود نجران في صحبة رجل له كرامات أسموه «فيميون» لعله من أتقياء النصارى، بعث إلى قوم كانوا يعبدون النخلة (وهم في نطرى على جهالتهم أرقى من عباد الأصنام) ولكن صالحا كان لفيميون بمثابة موسى للخضر، وأرسله الله إلى ثمود وكان منهم بدليل قوله وَإِلَى? ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا فاختلف قومه في أمره فرقتين، فرقة تؤيده وهم المستضعفون، واخرى تناصبه العداء وهم المتكبرون أى الديموقراطية والأرستوقراطية، وهؤلاء كدأبهم في كل زمان ومكان يقترفون الجرائم فعقروا «ناقة الله» فأتتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وتركهم نبيهم صالح ناجيا، وكان الرسول لا يمر بمدائن صالح إلا مسرعا ملثما مخفيا وجهه ومغمضا عينه حتى لا يقع نظره على أرض قوم وقعت بهم نقمة الله.
وهذه الرجفة التى أصابت ثمود، والصيحة التى أخذتهم قتلتهم على مكانتهم، كأهل بومبى وهرقلم فهلك المستكبرون، كأن لم يغنوا فيها أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ? أَلَا بُعْدًا لِّثَمُودَ.
ولا يمل الكتاب الكريم أن يذكر صالحا وهودا في مقام واحد يسبقبهما قوم نوح وقوم لوط كقوله في سورة هود مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ? وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ، وقد لا تبدو بين هؤلاء الأنبياء وهذه الأقوام رابطة، ولكن التأمل المجرد يكفى لإظهارها وهى الهلاك الذى يعقب العصيان، فمنهم من هلك بالبحر أو بالريح أو بالرجفة أو بالتدمير (قوم لوط). وبذلك بقيت آثار ديار ثمود. كما ذكر القرآن في وصف هذه الديار وفي استيلاء ثمود على الأرض بعد عاد وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا، هذه البيوت التى ما زالت ماثلة فى زمن الرسول فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
وإنك ترى في القرآن لمحات من حياة هذا النبى الصالح وقومه، فتارة يصف جريمتهم وهي عقر الناقة، وطورا انقسام القوم فرقتين تختصمان سادة وعبيدا أو أغنياء وفقراء أو مستضعفين ومستكبرين، وأنهم يضطهدون النبى صالحا وأتباعه ويتلمسون مواطن الانتقام للبغضاء، فتارة يتحدونه بطلب معجزة، وطورا يتجاهلون رسالته أو يؤنبونه على أنه كان قبل رسالته رجلا معقولا من «العناصر الرشيدة» إلى أن ضل وجن، ثم إنهم يزعمون تطيرهم به وبمن معه، إلى أن تركزت عداوتهم في رغبة الخلاص منه بعد أن تخلصوا من ناقة الله وانحصرت فكرة الجريمة في تسعة (لاحظ كانت رءوس الشرك وأعدى أعداء النبى في مكة تسعة)، وهؤلاء التسعة الثموديون تآمروا على اغتيال صالح وقومه — وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ (يدل على أن لصالح عزوة وأولياء دم يطلبون بثأره) مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ.. ولكن الله أنقذ صالحا بمكره الأقوى وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ.
إذا كان صالح قد بعث إلى ثمود وهنا قبره وهنا بيوتهم المنقورة في الجبال وهذه خطوطهم، وقيل إنهم خلفوا عادا البائدة وأنهم هلكوا في يوم برجفة وصيحة وكانوا حزبين، وكانوا مجرمين بقتل الناقة، وبتدبير المؤامرة، وكانت لهم صروح وقصور وحضارة، فقد جعل الله لهود سورة باسمه، وأنه أرسل إلى عاد رجلا من رجالهم وَإِلَى? عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا دعاهم إلى عبادة الله فطالبوه بالبينة والبرهان ونسبوا رسالته إلى سوء اعتراه من بعض آلهتهم فإما مجنون وإما حاقد، فأهلكهم الله وأنقذ هودا والذين معه برحمته من عذاب غليظ.
ولم تكن عاد بأقل حضارة من ثمود، فكما كانت ثمود ممتعة بجنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم، كذلك كانت عاد قبلها تبنى بكل ريع وتتخذ مصانع للخلود وكانوا جبابرة في البطش وكانوا كذلك ممدودين بأنعم وبنين وجنات وعيون.. ولكنهم كذبوه فأهلكم الله. وقوم عاد يسبونه ويسفهونه ويكذبونه وهو ينصحهم وينذرهم ويذكرهم بأنهم خلفاء قوم نوح وأن الله زادهم عن أسلافهم بسطة في الخلق ولكنهم يأبون أن يتركوا آلهتهم التى كان يعبدها أباؤهم ويرتابون في وعوده، وهو يصفهم بالرجس وغضب الله وينعى عليهم تمسكهم بباطل آبائهم ويعيرهم بالقديم البالى من عقائدهم ومحافظتهم على ما لا يصلح لزمانهم وكانت عاقبتهم كعاقبة الظالمين.
لم يكن هود في حاجة إلى قومه بل كان من أشرافهم فهو منهم، ولكنه لا يسألهم على رسالته أجرا ويعدهم الغيث وقوة إلى قوتهم. كانت عاد جبارة تعصى الأنبياء وتطيع الطغاة والجبابرة لأن قوتهم المادية حاضرة مرئية ولا يدركون من الحياة جانبها المعنوى ولا يرقون إلى الإيمان بالله الذى لا تقع عليه أبصارهم كما تقع على الظالمين والأصنام، فكان عذابهم بقدر معصيتهم وتجبرهم وماديتهم، هؤلاء هم عاد أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ، هؤلاء وثمود والفراعنة ظغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. جمع الله للمرة الوحيدة بين عاد وثمود وفرعون.
ولكن ما هي إرم؟ أهو إرم جد عاد الأعلى أم اسم عاصمة ملكهم؟
إن سياق القرأن في سورة الفجر يدل على أن إرم هذه مدينة (والى هذا ذهب الزمخشري) إرم ذات العماد التى لم يخلق مثلها في البلاد مدينة ذات عمد لا مثيل لها في عصرها. وقد وصفت عاد الجبروت فلا عجب أن تشيد مدينة تشبه أخلاقها وتماثل مبانى الفراعنة، وقوم عاد الذين وصفهم القرآن وقبر هود عما في حضرموت وما زالت بلادا غنية وبها مبان مشيدة كأنها ناطحات السحاب. أترى شهوة المبانى العالية ما زالت في المواطن التى زاولها أهلوها، وأهل حضرموت رجال يهجرون أوطانهم في سبيل الغنى والتجارة في أقصى الشرق وقد لايعودون إليها وإن تركوا بها قصورا تصل ذروتها إلى الغمام.
وجملة القول أن نبيين عربيين قد سبقا إلى جزيرة العرب في الأزمنة القديمة، أحدهما في الشمال وثانيهما في الجنوب وقد كانت رسالتهما مفرغة في قالب واحد، تحذير من الطغيان والوثنية وتبشير بالرحمة والتوحيد، ويكاد نوع الجدل وانقسام الأمة وخبث الأعداء تكون واحدة، وتكاد عاقبتها تكون واحدة وهي نجاة النبى ومن اتبعه وهلاك القوم وديارهم.
ويظهر أن هودا كان لقوم أعظم من ثمود وتعد ثمود خليفة لعاد وحفيدة لقوم نوح في خلافة الملك في الجزيرة. كم كان بينهما من زمن؟ أنا لا أحب أن أعول على أى مرجع غير القرآن الذى لم يحدد تاريخا ولم يشغل بالجزئيات، قوم نوح ثم قوم عاد ثم ثمود. لكل من هذه الأقوام خلة تميزه، فنوح له السفينة والطوفان، وهود لقومه إرم ذات العماد والمبانى التى اتخذت للخلود، وثمود القصور في الوديان والبيوت المنحوتة في الجبال، هذه علائم وآثار. كان نوح في العراق وصالح في شمال الجزيرة وهود في حضرموت.
ماذا نرى بعد ذلك، وأية غاية يريدها القرآن من الجمع بين هذه الأقوام الثلاثة في معرض العبرة والوعظ؟
ألا ترى فيها مقدمة للرسالة المحمدية؟ وإنا لنراها أوقع من رسالة موسى لفرعون وعيسى لبنى إسرائيل.. لأن نوحا عراقى من صميم الساميين ولغته أقرب ما تكون إلى العربية، ولعلها العربية نفسها ببعض تحوير، وهود عربى حضرمى، وصالح عربى ثمودى.
وتلك المدن التى بعث إليها الأنبياء الثلاثة ليست غربية ولا بعيدة عن مكة، وكانت فى كل منها معابد وهياكل لآلهة قديمة معبودة من أجدادهم، وكانت لهم حياة مادية وفجور ومفاسق ومفاسد، تشبه ما كانت عليه مكة وكانت كلها في عز وسؤدد وهميين لا يصلان إلى عز الوحدة الدينية. وكانت حجتهم على أنبيائهم بالتكذيب والتسفيه والذعر من كونه خرج عليهم، والريب في رسالته واتهامه بالجنون أو بالحقد، وكلها من النوع الذى قوبل به محمد في مكة، ولعل إرم ذات العماد هذه كانت عاصمتهم التى كان فيها هيكل عاد وبها مخدع أربابهم كالكعبة.
ولكن نصيب نوح وهود وصالح من النجاح كان محدودا، لقد جاهد كل منهم على قدر طاقته، ثم نجا بنفسه بعد أن عاد على قومه وطلب إلى الله هلاكهم، وكانت أشد دعواتهم ما توجه به نوح إلى الله بعد ان كابد الفشل المرير في دعوتهم، وبعد أن دعاهم إلى الله ليلا ونهارا وسرا وجهارا ووعدهم بالخير، فجعلوا أصابعهم في آذانهم وأصروا واستكبروا واستعملوا في حربه سلاح التهكم وهو يبنى سفينته، وأفسدوا عليه ولده وزوجته وعددوا آلهتهم سواعا ويغوث ونسرا — عند ذلك دعا الله نوح رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا.
(?) النبوة

أترى هذه المثل الثلاثة في بلاد العرب لم ينجح أحد الأنبياء في هذه المدن، ولما بعث النبى كان في الجزيرة فريقان من أهل الكتاب، اليهود والنصارى، وكانوا في كل الجزيرة ينحصرون في يثرب ومكة والطائف ونجران واليمن، وكانت قبائل بأجمعها تدين بأحد هذين الدينين المنزلين غير المشركين. وكانت تبعة الرسول ضخمة صعبة تنوء عن حملها الجبال، وكادوا يهلكون لولا عناية الله ليعلم ذلك وهو من أنباء الغيب لأنه لم يكن لتلك الأمم تواريخ ولم يترك أنبياؤها كتبا وهم أنبياء وطنيون، ولا تقل مكانتهم عن مكانة أشراف البلاد، ألا ترى المتآمرين على صالح يخشون جانب وليه، كما خشى متأمرو قريش من عاقبة اغتيال النبى، فدبروا عملا يوزع دمه على القبائل، صورة من الماضى تجددت في المستقبل ولعل تحقيق تواريخ التنزيل يثبت أن آية المؤامرة على صالح سبقت حدوث المؤامرة على محمد، ومن عجائب المصادفة أن عدد ألد أعداء النبى صالح لم يزد عمن تربصوا للنبى محمد فى قريش.
وقد امتاز النبى بنجاحه على من سبقه من الأنبياء لا في وطنه وحده بل في جميع الأوطان، فقد كان يوسف وموسى في مصر، وإبراهيم ونوح في العراق، وعيسى في فلسطين، ومنهم من هلك قومه بدعوته عليهم، ولكن محمداً حارب قومه ولم يدع عليهم بل دعا لهم بالهداية.
وإنا نفيد من أخبار نوح وهود وصالح أن عقلية أقوامهم كانت كعقلية قريش وأهل مكة لا فرق بينهما، غير أن أهل مكة كانوا أكثر عتوا وغنى، وكانوا أكثر انغماسا في رجس المجتمعات البدائية، وكانوا أقسى قلوبا من ثمود وعاد وقوم نوح. فلم يسجل القرآن أن هذه الأقوام نالت بالأذى أحدا من الذين اتبعوهم، فلم يعذبوهم ولم يسجنوهم ولم يقيدوهم بالسلاسل، ولم يحرقوهم بحرارة الشمس، ولم يضربوهم كما فعل أهل مكة بالصحابة، بل وبمن أرقى من الصحابة وأرفع قدرا، وهذا بالطبع لعصمة الرسالة المحمدية وضخامة الدعوة القرآنية.
ولكننى أستنتج بعد عرض نتف من تاريخ تلك الرسالات الثلاث السابقة على الإسلام، أن الله أراد أن يجمع قوة النبوة في شخص واحد، يجعله خاتم النبيين لتلك البلاد وغيرها، وقوة البلاغة الإنسانية في كتاب واحد لم يفرط فيه من شئ، يجعله خاتمة الكتب لتلك الأمة وغيرها من الأمم، التى ما وجدت عقبة في طريق نقله إلى ألسنتها، وقوة الإعجاز في السياسة والمكر والحرب، فجعلها لهذا النبى وصحابته فصاحبهم التوفيق في تفكيرهم وغزواتهم وخططهم، وقوة العدل والحكمة والخير والخلق في أبطال الإسلام ومجاهديه، وقوة العلم والفهم والإدراك وطلب المعرفة في علمائه وأئمته وجعل من هذه كلها معجزة الإسلام.
لقد عرضت لى مسائل كثيرة أثناء تأملى في هذه الصحراء واستعراض تاريخها البدوى والحضرى والدينى والحربى والسياسى. وأثرها في الإنسانية قبل الرسالة المحمدية وبعدها. فرأيت أن الله سبحانه وتعالى قد أقام هذا الكون على نظام دقيق محكم، فجعل لكل شيء سببا لا يخرقه إلا عند الضرورة الملحة، كما هو الحال في معجزات المرسلين. أما ما وراء ذلك فإن الله تعالى قد أمر عباده المؤمنين بأن يحتاطوا لجميع الطوارئ، وأن يعدوا لأعدائهم ما استطاعوا من قوة في الحرب، وأن يطلبوا العلم ولو في الصين، وأن يسيروا في الأرض وأن يتأملوا في قوانين الكون وأن يقارفوا الحرب بالدهاء والسياسة والرحمة لمن لا يقدرون على شدة البأس ولا ذنب لهم مع ضعفهم إلا مشايعة الكثرة الغالبة. وقد يغضب الله أحيانا، فحذار إذن من غضبه الذى يلقى به أقواما كقوم نوح وعاد وثمود. ولكنه سبحانه وتعالى لم يضمر شيئا من هذا لأهل قريش ومكة. فقد أخذهم ورسوله بالحسنى، والموعظة والهزيمة، ولم يرغب في هلاكهم ليخرج منهم رجالا يشدون أزر النبى، لأن في مكة رجالا كالتسعة الذين تآمروا على صالح، والذين سخروا من نوح والذين هزأوا بهود، ولكن كان فيهم أيضا رجال كأبى بكر وعمر وعثمان وعلى وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن معاذ وأنس بن النضر. فكيف يهلك قوم على بكرة أبيهم، فهؤلاء وأمثالهم من الصحابة كانوا خلاصة الإنسانية، وذخيرة الإيمان وهداة الحضارة المقبلة وأبطال العالم الذين علموه الصداقة والعدل والقناعة ونبل المقاصد.
فقد انطوى أبو بكر على الإسلام، لأنه رأى في مرآة أدابه حقيقة نفسه، ولقى في سماحته عناصر فطرته، وانطوى الإسلام على أبي بكر، لأن شخصيته كانت صورة حية لأرفع تعاليمه وأسمى معانى روحانيته، فامتزج الإيمان بلحمه ودمه وامتزج بروحه وعقله، فباع نفسه لله سمحا بها رضيا وغدت حياته فداء لرسول الله ولدين الله، وغدا ماله رفدا في سبيل الله، وغدا أهله وولده ووطنه قربانا لرضاء الله.
كان أبو بكر قبل الإسلام شابا جميلا غنيا نبيلا، محدثا متفننا في ألوان الحديث يقبل عليه الرجال لما انفرد به من حفظ الأنساب، والنساء لما يلقين من المسرات بسماعه، وكان مدللا من والديه مطاعا مكرما، وهو مع ذلك قوى الإرادة لا يهاب ولا يتردد، ولا ينكث فى عهده ولا يخلف وعدا، ويتحمل الأذى أشد الأذى في سبيل رأيه ولا يرجع في كلمته ولا تتبدل ثقته في صديقه بعد أن يضعها، ولا يتحول قلبه عمن آمن به. وبالجملة كان أبو بكر يمثل أرقى عناصر الإنسانية في المجتمع المكى، يجود بماله ونفسه ويعمل على إنقاذ قومه من عواقب الضلال.
فهل كان في ثمود أو عاد مثله، ولو أن الله أهلك قريشا وأنقذ النبى وأتباعه فلمن كانوا ينشرون الدعوة، وبمن كانوا يسيرون لفتح العالم القديم؟
(?) التوحيد حقيقة أبدية أزلية خالدة

عندما كانت السيارة تنهب بنا الصحراء بين جدة والمدينة المنورة، قال أحد رفاقى إن الوعورة آتية من أنا نصعد في الوادى، لأن الأرض تميل إلى الانحدار من الشمال إلى الجنوب ولذا يكون الرجوع سهلا. ولكن يظهر لى أن النقيض أقرب إلى الحقيقة، أى أن الانحدار يبدأ من شواطئ البحر الأحمر متوغلا شمالا وشرقا، ولكن كان يشغلنى عن التصويب والتصعيد شدة الإمحال والجفوة وقلة العمران، بل انعدامه بتاتا إلا في تلك المقاهى المباركة على أصحابها والأليمة للنازلين بها، وإنى أتخيل راحة القوافل القديمة في ظلال خيامهم وقبابهم، وظهور جمالهم وشقادفهم، لا في ظلال هذه المقاهى التى ما زال بعضها مناخا للإبل وموقفا للسيارات، وماذا تكون أرض الحجاز لولا هذه المدن الثلاث، مكة والمدنية والطائف، وقد تميزت كل واحدة منها بما ليس للأخرى. فالأولى أم القرى لأنها حقا كبرى الثلاث، وأغناها وأفخمها وأعرقها في القدم والحضارة التجارية، وإن عظمتها قامت أولا على عين الماء والنشوء في ملتقى الطرق، فتتفرع عنها عشرات الدروب، نهى وردة السبل كوردة الرياح، ومركز الدائرة الذى تنفصل عنه أشعة وخطوط لا حدود لها، وهي مقر الكعبة، التى خصها الله بعنايته، وعاصمة ملك عتيق، ومقر مجتمع متمدن، محمية من كل نواحيها بالجبال الشاهقة، فترى ميناءها جدة أكبر موانى الجزيرة نجاحا، فلا رابغ ولا الوجه ولا ينبع تجاريها في الرواج والإقبال، ولا يكون السائح على شيء من النفع إذا لم يصل إلى مكة سواء أكان مستفيضا أو حاجا. ولم تقو الطائف على مقاومتها أو مزاحمتها مع ما أوتيت من خصوبة وخضرة وغنى، ويرجع بعض نجاح مكة إلى ذكاء أهلها وفطنتهم وسعة حيلتهم وملكة التجارة فيهم.
وإنك إذا خرجت إلى الصحراء بعد إقامة قصيرة أو طويلة في مكة وبعد آداء فريضة الحج، بما فيها من طراف وسعى ووقوف بعرفة ومبيت مزدلفة وإفادة ورجم ونحر، لتعود بذاكرتك إلى هذا الدين الذى تدين له، فإنه متسع أمامك كله في واد يرمز كل حركة وسكنة وكلمة إلى حقيقة من حقائقه، كأن الحج منهاج ملخص للعلوم التى درستها يطالعك في إيجازه بما احتوته مطولاته.
ما هذا الدين الذى شددت رحالك لتزور حرم الذى أتى به، وطلع على العالم في أواخر القرن السابع المسيحى؟ إنه دين ينهى عن العدوان، فلا حرب ولا طعان إلا إذا اعتدى عليه أو خشى الاعتداء عليه خشية صحيحة لا وهم فيها، إنه دين لا يحمل الحرب تحت ردائه، ولكنه يهرول إلى مأمنه ليعود مسلحا إذا رأي نفسه في خطر، أى أنه دين لا يعرف القوة المادية، إلا إذا رأى ضرورة الدفاع عن النفس، وهذا الدين ينهى عن اضطهاد أهل الأديان الأخرى، ويقبل الكثير مع الكثير من التسامح مع أهل الكتاب، وإن الأمثلة لتنهال على ذهنى وأنا أفكر فى ذلك ولا سبيل إلى تقييدها لكثرتها، وإن هذا الدين أكد التوحيد وجدد شبابه ووطد أركانه وثبت دعائمه بعد أن كادت تزول معالمه. فإنه من عهد موسى من خمسة آلاف سنة، لم تقم للتوحيد في العالم قائمة، وقد كان اليهود قليلا بالنسبة لأتباع بوذا وكونفس والمسيح. وكانوا مغلوبين على أمرهم في كل مكان وعصر وما حدث لهم في مصر تكرر في بابل فكانوا ملطمة الأمم.
ولكن القرآن يحدث الإنسانية عن موسى ورسالته وتوحيده وشعبه، كأنك تراهن جميعا، وكأنه مغرم بحب موسى، وذكره يتلذذ باسمه وشريعته، ثم ينعى على اليهود كفرهم بنعمة ربهم ورسالة نبيهم، فلا تفطن إلى أن التوحيد شيء مندثر، وأن الله يجدده على يد محمد، بل تحسب أن التوحيد حقيقة راهنة لم تفارق العالم طرفه عين، إلا كما فارقت الشمس الأرض لحظة اختفائها وراء الغمام.
التوحيد حقيقة أبدية أزلية خالدة. وإنك تعجب لتجرد هذا الدين من الأنانية والأثرة وحب الذات، فإن لجميع الأنبياء مكانتهم وذكرهم وفضائلهم، من أول آدم إلى زمنه ولهم المساواة في الكرامة ولا يفضل القرآن بعضهم على بعض، وإن أقدار الذين لم يذكروا فيه لا تقل عن أقدار الذين ذكروا، غير أن فيهم أعيانا ووجهاء وأئمة أفاض القرآن في سيرهم، وبيان معجزاتهم كنوح وإبراهيم وداود وسليمان ويوسف وموسى وعيسى، متبعا أخبارهم ومقتفيا آثارهم على أجمل صورة وأبلغ وصف وأبدع غاية، وهو لا ينسى هودا وصالحا ولوطا ويعقوب وشعيبا ويونس وزكريا ويحيى.
ومنهم أنبياء ضيعتهم أممهم، وكانت من الضلال بحيث ذبحت الدجاج الذى يبيض لها بيض الذهب، وقد بادت هذه الأمم نفسها عقيب قضائها على أنبيائها.
أما محمد نفسه الذى جاء بهذا القرآن فذكره قليل وذكر اسمه نادر: يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ، مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ، مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ، وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى? مُحَمَّدٍ.
والأولى مروية على لسان عيسى، والثانية في مكان التنبيه إلى أن موته لا يجوز أن يزعزع إيمان المسلمين، والثالثة في مقام نسخ التبنى، والثالثة في وصف الصحابة، والرابعة في مقام الأمر بالإيمان بالتنزيل.
أما لفظ محمود التى يجعلها البعض من أسمائه فهى وصف مقامه — أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا — وكان اسما شائعا حتى أطلقوه على فيل أبرهه.
وقد خاطب الله رسول العالمين بالعتاب في عَبَسَ وَتَوَلَّى?، وفي عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ، كما خاطبه بقوله يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ.
أما موسى فقد ناداه الله ست عشرة مرة في القرآن، وذكر وروى على لسانه ثلاثين قولا ووصف عشرين فعلا من فعاله، ونسب إليه ثلاثين حادثة، وذكره في مناسبات أخرى ثلاثين مرة فيكون اسمه مذكورا في القرآن ستا وعشرين ومائة مرة. دع عنك إبراهيم وعيسى وسليمان ويوسف.
فهذا القرآن الكريم لم يشغل بذكر الرسول الذى نزل عليه، ولم يعمل على تمجيده، لأن العقول ارتقت عن زمن التوراة والإنجيل اللذين اختص كل منهما بأنبيائه واقتصر على شئون قومه وعصره. وهذه ميزة كبرى للقرآن لأنه عالمي وأبدى. ولم يخش القرآن شيئا من تمجيد الأنبياء السابقين والسالفين، لأن بضاعته أحدث عهدا وأصلح لزمنه، ولأن صاحبه خاتم النبيين، ولم يجئ دينه لقوم دون أخرين، بل جاء رحمة للعالمين، وإن هذا الدين لم يجعل لأوليائه سلطانا، ما دام يجعل لرسوله سيطرة — لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ — بل أبي عليه أن يستغفر لوالديه أو يدعو على قومه.
وإذن يكون مبدأ التوحيد فيه نقيا، نقاوة لم تصل إليها عقيدة أخرى. وهذا الدين الذى أدين به أبسط الأديان وأبعدها عن التعقيد والعجمة، ولا يكلف عقلى في فهمه ما تكلفه مسألة حسابية. أضف إلى تلك الخصائص، أنه قرين التفكير التجريدى وقد تعرى الدين من كل ما يثير المخيلة أو يؤثر في الحواس، فلا موسيقى ولا بخور ولا زينات أو زخارف في المساجد كالتى في المعابد، ولا مبانى ضخمة تدخل الروع والرهبة في قلوب العابدين، ولا صورة لله ترعب المسلم بالانتقام، بل إنه إله رحيم لطيف ودود غفار شكور حليم كريم صبور، وليس بينى وبينه وسيط أو دخيل.
وقد أدهشنى هذا الشعور، فإن أمة كالأمة العربية في جاهليتها وفطرتها وخلو أرضها من كل ما يسر العين، أو يؤمن مخاوف الجسم من الجوع والعطش، كان خليقا بها أن تميل إلى دين فيه غموض وخفاء وحلية وفتنة للحواس، لأنها ظمآنة إلى هذه الزوائد ومحرومة منها، ولكن الدين في مجموعه يشبه المسجد الحرام والكعبة المكرمة. بناء مكعب في وسط فناء مسور تحت سماء تتلألا بالشمس والقمر والكواكب، وقد تفيض تلك السماء بالأمطار حتى تبلل ستور الكعبة.
إن هذا الرب الذى أعبده، لا يرضى أن يكون على الأرض صورة تمثله، أو تمثال يقربه إلى ذهنى، أو وثن أتزلف به إليه، أو نبى ذو سلطان أو ولى ذو شفاعة — مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
إن هذا الرب الذى أعبده غيور أشد الغيرة على عبده، فلا يحب أن ينحرف عن توحيده، ولا يحب للروح أن تسلك إليه إلا عن طريقه وحده، ويريد أن تعمل النفس البشرية على نجاتها وإنقاذها بذاتها لا بالواسطة.
انظر إلى هذه العظمة لله والثقة الكبرى بالنفس التى تخلص وتتخلص بجهدها — لها ما كسبت وعليها ما أكتسبت — فكرة الاستقلال في العمل والاستغناء عن الغير، وقد غمرت هذه النقاوة روح الرسول، فلم يتعلق بالدنيا ولم يسع لملك ولا مال، ولم يستمتع بأبسط الأمور وأيسرها، ألم يقل عبد الرحمن بن عوف، وهو من أقرب الناس إليه بعد الخلفاء وآل البيت: إنه لم يشبع من خبز الشعير، وأنه مات مدينا، وإنه قسم أرزاقا على الصحابة والمجاهدين تغنى أمما، ولم يدخل منها على نفسه وآل بيته قلامة ظفر، ولو قسنا عناءه وتعذيبه وما قاساء في جانب، وما فرح به رجحت كفة الآلام على اللذة. دع عنك الرضى بالحرمان والتعرض للأخطار ووقوع الأذى وتحمله. ولو أن غيره عمل لحساب من وكله ووكل إليه الأمر لم يقبل أن يحمل بعض حمله ولكن نبينا ورسول الله كان مغتبطا.
كان بعضهم يقول «إن الرسل رجال من صفوة أممهم، وهبوا أنفسا كبيرة وعقولا راجحة فعملوا على إسعاد الناس وتقريبهم من الخير، ووضعوا لذلك قوانين هدوا إليها، كما يهتدى الحكماء إلى وضع قواعد لإصلاح المجتمع الإنسانى، أو إلى كشف ما خفى عن غيرهم من أسرار الكون، ولما رسخ في يقينهم أن ما وصلت عقولهم الصافية إليه هو الحق، قالوا إنه من الله وسموه وحيا، وكأنما قولهم هذا من باب ثقة العالم بعلمه، ولكنه لا يجعل آراءهم وما جاءوا به بنجوة من تمحيص العقول ولا يمنحهم من الثقة فوق ما يكون لإخوانهم الحكماء المصلحين في كل زمان».
وهذا القول ومئات من أمثاله شاع على الألسنة وعلى رءوس الأقلام قبل اليوم بثلاثين عاما في مصر، ونحن نحب أن نصغى إليه إصفاء تاما، ولا نقطع الطريق على قائليه، لأنهم يعبرون عما في نفوسهم ويدلون بالحجة القائمة عندهم. ولا نحب الظهور بتفنيده، لأنه أيسر من أن تشرع الأقلام أو تشحذ الأذهان أو تحد الألسنة لنقضه، دع عنك نقد، إلا قوله «إنهم قالوا إنه من الله وسموه وحيا» فنسب الكذب إليهم وهو رذيل بعد أن نسب إليهم فضائل عدة ومواهب سامية جمة، فهم صفوة الأمم ذوو نفوس كبيرة وعقول راجحة، عملوا على إسعاد الناس وتقريب الخير، وأنهم حكماء ومصلحون للمجتمع كشفوا عما خفى عن غيرهم. فكيف بالله تجتمع كل تلك المناقب لرجل كاذب، وكيف تتجلى فيه الفضائل والرذائل في آن؟ وإن كانوا حقا حكماء ومصلحين، فلم تحملوا ما تحملوا من المذلة والهوان والتعذيب والاضطهاد، من قوم أعرضوا عنهم وساموهم سوء العذاب. ليس هؤلاء بحكماء بل بسطاء، مفوطون في حقوق أنفسهم. وقوله إنهم حكماء ومصلحون لا يقلل من ضعف قوله، فإن الحكماء معروفون وموصوفون في كل الأجيال، فما أحد منهم يعرض نفسه للبلاء ثم ينجو بنفسه، كما فعل فيثاغورس وأفلاطون ثم يكر بعد أن يفر، والحكيم تكفيه حكمته وعلمه وصفة نفسه كما كان كونفوس، والحكيم والمصلح لا ينسبان عملهما إلى غيرهما والنبى الذى ينسب علمه إلى ربه ويسلب نفسه أعظم ما تطمع إليه النفس البشرية وهو المجد، والذى يضحى بمجده ويأبى أن يذكر فضله مقترنا إلى اسمه، أرفع فيما نرى من أن يكذب على الله وأكبر مرؤة من أن يكذب على نفسه وأعظم أضعافا من أن يخدع الناس ويكذب عليهم بعد كذبه على الله ونفسه، والحكيم يعلم أن الله غنى عنه وعن علمه، والحكيم غير العالم الذى قال عنه «وكأنما قولهم هذا من باب ثقة العالم بعلمه» لأن هذه الثقة نفسها تتنافى والكذب وتحتم عليه أن يجهر برأيه ما دام معتزا به حتى ينسبه إلى الله وفيم كل هذا العناء؟ ليقول في النهاية إن أراء الأنبياء خاضعة للنقد. فلينتقد ما شاء ولا حاجة به إلى الدوران.
هذا دينى وهذا الرسول رسولى وهذا القرآن قرآنى. ولما بلغت رشد العقل والقلب دعانى ربى إلى بيته، لأقدم له فرائض العبودية بعتبة بابه فأمر لى بالطواف ببعض حجراته وأطلعني لطفا منه وفضلا على قليل من تحفه، وهي المبانى والمعانى التى ملأ بها الأرض والسماء والتى هي عوالم زاخرة، ولم يحرمنى أن أعرض هذه الآراء على نفسى كما وقرت في قرارة روحى وعقلى.
(?) الحياة الآخرة

وبعد أن انتقلت من النبوة انتقلت بفكرى إلى الحياة الآخرة فرأيتها في دينى تتميز بأشياء.
فالدين الإسرائيلى وهو الذى جاء بالتوحيد على سبيل التجربة في حالة الجمود الفطرى، واقتحم به شعبا جامدا يقول لنبيه أذهب للحرب أنت وربك ونحن قاعدون ها هنا، فاستأذن على أعظم دولة في عصرها، ونال منها نيلا بمعجزات تناسب زمنه ودهره ومعقولية معاصريه وأعدائه. أما الحياة الآخرة فلم يعرض لها موسى بقليل أو كثير. ولم تجيء في التوراة التى بين أيدينا آية واحدة تنبئ بها، بل جاءت على النقيض بما يشعر بأن الحياة الدنيا آخر كل شئ، ولذا دأب اليهود على الأخذ منها بأوفر نصيب لتصفية حسابهم قبل الموت أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فهذه ديانة لا ذكر فيها للثواب والعقاب بعد الموت. والقبر عندهم غاية كل حى بل غاية الغايات، والموت عندهم هادم اللذات ومفرق الجماعات.
فإذا درسنا مخيلة اليهود كما تتمثل في ديانتها، فهنا العدم المطلق والفناء المادى، والزوال الذى لا يعقبه بعث والرقدة التى لا قيام بعدها.
أما المسيحية فعندها سماء وفردوس ولكن في السماء نعيم غير ذى أشكال أو هي شيء لا يسعك أن تراه ولا تقع عليه العيون. واسمه عندهم ملكوت السموات. وملكوت السموات شيء لا يسعك أن تحيط به في الخيال، ولكنه مكان الرضى يسمح الله به لمن يشاء من عباده ولا سيما الفقراء والضعفاء ولا سيما ضعاف العقول les pauvers d’esprit حتى شاع المثل القائل «أيها الأخ الأبله لك الجنة يا عبيط» وأصلها من كلمة المسيح «ألا إن البلهاء لسعداء؛ لأن لهم ملكوت السموات». أما المسلمون فكيف تراهم يتخيلون السماء؟ إنها دار حقيقية فيها اللبن والعسل والعسجد، وفيها الأزهار والأشجار والحور العين، وهي كلها حقائق ومشاهدات، ولكن هذه الدار لا يصل إليها المسلم إلا بعد حساب دقيق وفحص وتمحيص ووزن أقواله وأفعاله بميزان لا يخطئ في ذرة ولا يفرط في قياس شعرة، فيكافأ على الخير ويجازى الجزاء الأوفى، كما يعاقب نقيضه بنقيض الجنة أى بالنار وعذاب الأجساد.
حسن جدا وطيب للغاية. إن للجنة أوصافا وردت في القرآن. وقبل هذا فإن نظرية الحساب والثواب والعقاب تتفق والعقل لأنها تنطبق على العدل.
وأذكر أن الجنة تدل بلفظها على ما كان خفيا غير مرئى، فالجن من لا يرى والجنين الذى في بطن أمه أى وراء حجاب، والمجنون الذى احتجب عقله أو مسه الجن، وجن الليل اشتد سواده حتى لا ترى فيه الأشياء لظلمته. فكيف وصف القرآن ذلك المكان المستور الذى أخفاه عنا ليزيد شوقنا إليه ويرتفع قدره قبل رؤيته، جنة الخلد وجنة المأوى، فروح وريحان وجنة النعيم، وجنة عالية وجنة عرضها السموات وجنة عرضها كعرض السماء، وأن يدخل جنة نعيم، وجزاهم بما صبروا جنة، وأزلفت الجنة للمتقين، ونادى أصحاب الجنة، وأما الذين سعدوا ففى الجنة، لنبوئنهم من الجنة غرفا، وأبشروا بالجنة، ولمن خاف مقام ربه جنتان، جنات عدن، جنات الفردوس، جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار، جنات من أعناب، أولئك في جنات مكرمون وجنات وعيون فأثابهم الله بما قالوا جنات، جنات معروشات، فأنبتنا به جنات، فأنشأنا لكم به جنات، وجنات ألفافا، في روضات الجنات الخ.
الجنة والجنات والجنان كثيرة الذكر في القرآن وفي الحديث، وهي ليست صورة ذهنية، ولكنها حقيقة راهنة ولها أوصاف غاية في الإبداع، والله الذى خلقها يراها ويصفها ويرغب فيها عبيده ويضاعفها لخيارهم، وليست مقصورة على الزرع والضرع ولذات العقل والروح، ولا هي محل مرور وليست مما يشتهيه البدوى في صحرائه، بل إنها فوق ذلك بمراحل وأبعاد شاسعة، فإن القرآن بعد أن أفاض بما أفضى من وصفها وبما شرحه من تفصيل محاسنها، جمع فأوعى بقوله فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
والحق أن الأوصاف التى أغدقها القرآن على الجنة لم يرها العرب، ولا نبى العرب فى حياته البشريه، ولا تحدث عنها أحد في كتاب منزل أو غير منزل قبل القرآن، وهذه الأرض الحجازية اللا متناهية في الجدب والجفاف والفاقة، والتى لا يعرف عنها جريان نهر أو نهير أو غدير أو قناة أو بركة ماء أو بحيرة مهما صغرت، ما عدا الآبار والأعين والتى جعل أهلها ورود الماء بماء من الكياسة وبعد النظر لقولهم أن ترد الماء بماء أكيس، قد جعل الله لهؤلاء جنة ذات بحار وأنهار تجرى فيها ومن تحتها، فيها الماء والشهد الحليب والرحيق.. الخ وفيها الأشجار الملتفة كناية عن نهاية الكبر، ووصفها بأنها عرض السموات أى الجزء الذى نراه من السموات، وزينها بقصور، وأسكن فيها الحور العين والولدان الذين هم كاللؤلؤ المنثور وجعل فيها الأواني التى من ذهب وفضة والأساور التى من ذهب، والعقود التى من ياقوت، وجعل ألوان الطعام من أشهى ما أكل الآكلون وجعل الشباب خالدا والسعد طريفا وتالدا.
ولم ير عربى قبل النبى ولا في عصره ولا بعده في الأرض مثل هذه الأوصاف حتى في سوريا أو مصر أو الأندلس. نعم كانت اليمن بلادا سعيدة خصيبة ذات أنهار وسدود تمنع السيل وتعين على ادخار الماء، ولكن اليمن لا تعدل جزءا من ألف مما جاء في القرآن عن جنات الخلد. وقديما زعموا أن خيال الشاعر قد يحتوى وصف المفاتن ولسانه يصوغها ويفرغها في قالب الإتقان. ولكن نبينا لم يكن شاعرا وما علمه الله الشعر ولا ينبغى له أن يقوله وجاء كتاب الله على لسانه العربى للضرورة — وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ? فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ — وجاء القرآن بلغة الواقع والأحوال الراهنة والحقائق الماسة مجاريا للحوادث، وقد تناول كل حادثة كما تعرض له في حينها، فكان من ثم نقيضا للفروض النظرية والمباحث الجدلية، حتى إنه على بعد عهده بالنظر إلى العصر الحاضر جاء أشد إيغالا في الواقعيات من المبادئ التى قامت عليها الحضارة العصرية.
فتناول هذا القرآن شئون الحياة اليومية ولم يقتصر على مسائل الأولوهية والنبوة والرسالات والأخلاق والاجتماع كما هو الحال في الديانة المسيحية، ولم يقتصر على تواريخ الأمم القديمة وتحليل بعض الأطعمة وتحريم البعض، والنهى عن المعاصى العشر، وإنذار الأمة بالويل والثبور وعظائم الأمور على ألسنة أنبيائها الذين صاروا ملوكها. وكذلك ترى القرآن يفيض بالوصايا في أمور المعيشة والزواج والمواريث وما شالكها. وليس في شيء من هذه جميعها نزعة خيالية أو شعرية تنبئ بأن وصف الجنة من توليد الخيال، أو تكرير الصورة الذهنية التى رأها النبى في آية بقعة من بقاع الأرض، وهو لم ينتقل من وطنه الأجرد الأمرد الذى لا نبات بعارضيه ولا ماء في جوانبه، إلا آبارا كدمعة الحزين في حفرة الخد الهزيل الغائر.
فصورة الجنة التى أتى بها الله في القرآن صورة الحق والصدق، ولست بحاجة إلى التماس التأييد أو شد أزر العقيدة الثابتة، لولا أن وقع لى كتاب النعيم والجحيم أو كتاب السماء وجهنم، تأليف سويدنبورج الذى عاش في القرن الثامن عشر وادعى الكشف وشرح الإنجيل، ووصف أنه كان له معراج ورأى فيه ما لا يختلف عن صفة الجنة في القرآن، ولم يكن نبيا، ولكن كانت له كرامات منها صدق الرؤية من وراء حجاب.
درت دورات أثناء سياحتى، وقد جعلت الله محجتى في حجتى فاختبرت نفسى ولم يكن غير الله الذى يختبرنى، وفحصت إيمانى وفحصت عقيدتى، فلم أجدنى مخالفا في شيء مما أثبته دينى لله وجعله أساسا للإيمان، ثم انتقلت للرسالة فهدانى الله إلى ما كنت أدعو أن يهدينى إليه فى شأن نبيه ورسوله محمد، ثم بلغ بى المطاف إلى أمر الآخرة، فاقنتعت أن الإيمان بالحياة الثانية حقيقة ثابتة بما تهدى إليه الفطرة ويدركه بادئ النظر، من وجود دار جزاء ينال فيها المحسن ثواب إحسانه وينال فيها المسيء عن إساءته، ومن أيقن بأن الله حكيم، لزمه بالبداهة أن يقر بأن الناس لم يخلقوا سدى.
وقد اطمأننت إلى الله في خجل، لأن ليس لى أن أطمئن خشية الغرور والفتنة، بل أكون أميل إلى الخوف والحذر منى إلى الرجاء، وأبعد عن الفرج منى إلى الحزن. غير أنى لما زرت منى ذكرت أن على جبلها انشق القمر في رواية عبد الله بن مسعود الصحابى الجليل وغيره، فانتفتح لعينى باب المعجزات على مصراعيه، وقديما لم أجار أحدا في فهم انشقاق القمر كما فهموه، ورأيت من يؤيدنى في رأيى من الأئمة كالقاضى عياض وفيلق من العلماء، وإذا سلمت فترا في انشقاق القمر استسلمت ذراعا في كلام الضب ونطق الغزال والجمل ونسج العنكبوت وبيض الحمام على غار ثور، وهي أشياء لا أمارى في قدرة الله عليها بل قدرة بعض الأرواح القوية المتمكنة، وقد اعترف القرآن لعيسى بإحياء الموتى وشفاء الأكمه والأبرص وخلق الطير، ولموسى بشق البحر وقلب العصا أفعى، وتفجر الماء من الصخر، فليس على الله ببعيد ولا على مقام محمد بكثير، أن تتم إحدى تلك المعجزات المنسوبة إليه. ولكن سبحان الله لا أدرى لم تشعر نفسى من الوهلة الأولى بالرغبة عنها، فما ألقيت إليها بالا وما كلفت ذهنى عناء التفكير بها، مع التسليم بها جدلا، ولكنها لم تشحذ عقلى يوما ولا سكنت في دخيلة نفسى ساعة من يوم.
أتدرى لم؟ لأجل القرآن وحده. فلئن جاء كل رسول ببينة تؤيد دعواه أنه مرسل من عند الله، فإليك معجزة محمد وهي القرآن، ولا يطلب عليها المزيد إلا مكابر ولو لم يؤت من العلم والفهم وحسن النية إلا القليل. فهل ترى أن بشرا يقدر على مثله وهل يستقل العقل البشرى بقليل أو كثير من تعاليمه وقوانينه وطرائقه وفنونه؟

الفصل الثاني
ماذا طرأ على الحجاز بعد ظهور الإسلام


لولا ما للحجاز من مكانة دينية بفضل الحرمين لغدا بلقعا وانقلب قاعا صفصفا، وكان أحق باسم الشق الخالى من الربع المهجور. وإنك تعجب كيف نشأت فيه لهجة قريش الفصحى التى اختارها الله لقرآنه. أما الآن وبعد أربعة عشر قرنا فإنك لا تجد لتلك البلاغة وجودا، لا بلاغة الشعر الجاهلى ولا بلاغة القرآن المعجزة. لم يحتفظ أهل الحجاز بفعل الأزمان والدول المتقلبة بشيء من العظمة القديمة غير المفادة من الكعبة والحرم المحمدى وشخصية الملك عبد العزيز.
أما اللغة الحجازية فلغة عامية تشوبها كلمات وتعبيرات أجنبية، سمعتها بأذنى ودونت بعضها، وتجدها في الكلام على مكة، وهي في المدينة أقل وفي جدة أكثر لاختلاطهم بالأجانب، وكثير من تجار جدة يتكلمون الإنجليزية والهولندية، وتجار مكة يتكلمون الهندية والجاوية والفارسية ولا سيما طائفة المطوفين، وللكلمات مقاطع ونبرات ونغمات مختلفة قد بعدت عن أصلها العربى، حتى الألفاظ الفصحى تطرق إلى لفظها ما لا يسمع عند سائر العرب، وسمعت في طريق المدينة عربية فصحى سليمة من كل شائبة على لسان الأطفال فإذا كبروا أدركتهم عجمة، وقد سمعت في الحجاز نجديين اصرح لغة من أهل الحجاز، والمطوفون في مكة والمزورون (من الزيارة لا التزوير معاذ الله) لاختلاطهم بالأجانب، تعودوا كل غريب أعجمى، ومنهم من يسمى السترة باسمها الإنجليزى (كوت)، وأفصح من سمعت من الحجيج هذا اليمنى الحاج ناصر الذى كان يتعقبنا بحب شديد، فهو ينطق الألفاظ من مخارجها الصحيحة، ويخطب خطبا طويلة مرتجلة في كل معنى ولا يخطئ ولا يعجم، وسمعت بعض البدو في مكة وفي الصحراء على السليقة والبديهة فكأنه تلقاها في المدرسة.
تدهش لحاضر هؤلاء الناس وأجدادهم الذين سعوا ليجعلوا من عكاظ موسما للأدب العربى ومعرضا لمنتخبات أفكار العرب وثمار عقولهم، والذين مزجوا الأدب بالعبادة حتى علقوا القصائد النابغة على جدران الكعبة، والذين قامت دعوتهم في الدين والسياسة على الخطب الرائعة، والذين اختار الله معجزة لنبيهم كتابا اشتهر في الكون بالبلاغة، وما زال محتفظا بمكانته بعد أربعة عشر قرنا إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، ولا ريب عند النقاد في أن الشعر الجاهلى كله الموجود بين أيدينا كان معظمه بلغة قريش، وغلبة اللغة في الجاهلية تدل على غلبة الحياة، ورأينا في الحضارة الجاهلية معروف فلا نعود إليه، وهو بإيجاز أن الإسلام خلق هذه الأمة خلقا ولم يتم بناءها كما زعم بعض المتخرصين، فلما نزل القرآن اتسعت دائرة الأفكار بما لا يقاس وشعروا بتطور عظيم في حياتهم، فعاش الحجاز بدافع تلك المؤثرات حياة جديدة قوامها السياسة والحرب والعلم والأدب.
وعلى الرغم من انصراف العرب إلى الفتح والغزو، فقد شغلتهم علوم القرآن درسا وتمحيصا وبحثا وتفسيرا، فنشأت في الحجاز علوم كثيرة احتضنتها الأمم الشرقية الحديثة العهد بالإسلام. وقد اصطبغ الحجاز بحضارة الأمم المغلوبة بعض الاصطباغ، فتدفقت الأموال على الحجاز وتبعتها الجوارى والسبايا والرقيق فملأت دور الحجازيين بألوان من الترف والرفاهية والمتع، ولهذه الحياة صور رائعة في الأغانى والعقد الفريد، ورفعت العصبية والجاهلية رأسها في عهد الدولة الأموية، وانقسم المسلمون على أنفسهم برغم القرآن والسنة وحداثة العهد بالرسول والصحابة. فكان في الحجاز عبد الله بن الزبير حفيد أبى بكر الصديق من ابنته أسماء، وفي العراق بنو هاشم، وفي الشام بنو أمية. وكان بنو أمية أقل الثلاثة وفاء لأنهم نقلوا مقر الخلافة من الحجاز فأرادوا شراء الذمم فأغدقوا على زعماء الحجاز الأموال والهدايا وحرموهم المناصب وحجروا عليهم في وطنهم فصار أهل الحجاز أهل ثراء ودعه بل صار الحجاز أرض النفى الحكومى، وإليه بعث معاوية أبا ذر الغفارى خوفا من اشتراكيته، والحسن بن على فأقام في المدينة إلى أن مات، وانغمس الحجازيون في الترف كالأمراء في المنفى ولم تعد لهم حاجة إلى العمل المجدى أو التجارة المنتجة ما دام مجرد وقوفهم موقف المعارض قد ضمن لهم الأرزاق الواسعة من دخل الدولة التى تحول مقرها. وفي شعر العرجى والأحوص ما يكفى للدلالة على هذه الحال. غير أن فريقا من أعيان التقاة في الحجاز عكفوا على العلم والفقه والدين، ولكنهم كانوا قلة بالنسبة للمنغمسين في الملاهى وقد وصلوا بالأدب إلى حالة تستدعى قول الناقد شعر حجازى لو ضغطه برد الشام لاضمحل.
وفى تلك الفترة ظهر في الحجاز عمر بن أبى ربيعة زعيم أهل الغزل، وهذا الرجل كان أشد فجرا من امرئ القيس، بل هو خليفة وإن كان قد فاقه في التهتك. وفي رأيى أن هذا الغزلى لم يكن صادقا فيما ادعاه من الحب وبلوغ الأمانى، بل كان شاعرا وحسب، كل حوادثه من نسج الخيال، أو هو يروى مغامرات أصدقائه عندما تعوزه الأخيلة، لأنه لو كان صادقا لعجز عن النظم بسبب الانهماك في شهواته، وقد أخذ الرواة أقواله قضايا مسلما بصدقها دون أن يعرضوها على النقد، وما كفاهم من كذب بشار بن برد الذى وصف نفسه بالجمال والنحول والقدرة على رؤية المحبوب وهو دميم وضخم وضرير. وهكذا كان عمر بن أبى ربيعه غزليا في الخيال وعاجزا عن كل ما يأتيه الرجال، إذ أن علم النفس أثبت أن زير النساء يعجز عن وصف ما يصل إليه من الغزوات في الغرام، وكذلك الشاعر يكون كثير القول قليل العمل. فنحن نعجب بعمر أديبا وشاعرا قادرا على رسم تصاوير الخيال بأرق لفظ وأجمله. على أن عمرا كان مداعبا وملاعبا في شعره أثاره من عفة، بيد أن العرجى والأحوص كانا إباحيين مهتوكى الستر لا يباليان بما يقولان وقد قدما للأجيال صورة مزعجة من حياة مكة والطائف. كان ابن أبى ربيعه مفتونا بشخصه ويهوى أن يشغل الناس بذاته فهو معبود النساء وهو الذى يتتبع خطواتهن ويفاجئهن أثناء المناسك ويصف محاسنهن في الطواف ويضرب لهن المواعيد ويضربنها له ويخلف ويخلفن أو يفى ويفين، ولكن كل موعد بقصيدة وكل لمحة بقصيدة ولك لقاء بديوان.
ولكن مكة لم تكن بلد قتال إلا في الجاهلية، ولم يتشجع المكيون ويشمروا ساعد الجد ولم يكشفوا عن سوق الهمة إلا على نبيهم وابن أخيهم ومنقذهم من الضلال إلى الهدى، أما غيره فليسوا من الشر في شيء وإن هانا، ألم تر كيف فعل ربك بهم عند قدوم أصحاب الفيل، فقد تقهقروا واضطربوا وأرسلوا من يسأل عن إبله ليظهروا اهتمامهم بملكهم الخاص دون بيت الله الحرام ولم يأخذهم البيت الحرام بوقاره، بل تابعوا مسراتهم عابثين غير عابئين، واتخذوا صفة أهل اللهو، واتخذوا أهم عدده وهي فنون الغناء والطرب ورنات الأعواد ونفخات الناى ودقات الدفوف وأنواع الأصوات، فأدخلوها من الفرس والروم ومصر وكان ابن مسجح أول من تلقى الألحان الرومية وابن سريح أول من تلقى الألحان الفارسية عند عتبة الكعبة نفسها، عندما سمع صناعا فارسيين يترنمون بألحان وهم يصنعون الشاذوران أو ذيل الكعبة المرمرى الموشى، وشيدت مدارس للموسيقى ومعاهد للغناء وتخصص رجال ونساء للتعليم وتلقين الناشئين فنون الطرب مثل كل بلد يؤول أمره إلى الزوال، فإن التخنث والتهتك في الهوى والفنون الرفيعة.. تسبق الاضمحلال.
ولم يكن هذا الميل إلى الطرب بطارئ على هذا المجتمع فقد كان في الخيف بمنى هيكل تعبد فيه الأصنام وتنشد فيه الأناشيد على الطريقة الوثنية وهو المكان بلا ريب الذى فيه مسجد الخيف، وقد صلينا فيه الظهر والعصر مجتمعين جمع تأخير عند وصولنا منى من مكة للتأهب إلى عرفات سنة بما فعل الرسول في حجة الوداع.
وإنك لتعد من صفحات كتب الأدب أسماء المغنيين والمغنيات بأكثر وأشهر مما تعد أسماء الفقهاء، كابن سريح ومسجح ومعبد وابن عائشة وطويس وغريض وجميلة وبثينة وعزة الميلاء وحبابة وسلامة وخليدة وربيحة، وكانت مجالس الغناء تتعدى حدودها بما تقضيه من ألوان اللهو والمجون. ولم يكن التهتك مقصورا على العامة، بل شمل الخاصة والأمراء والذين يسمونهم شرفاء ونبلاء حتى أن أبان بن عثمان الخليفة الثالث كان يحتضن طويسا المغنى من شدة طربه وإعجابه، وكان أمير المدينة عثمان بن حيان يجلس بين يدى سلامة المغنية ويبيح الإقامة بالمدينة للمغنيين إكراما لها، ولم تحدث في الحجاز إلا ثورة واحدة قام بها محمد بن عبد الله بن الحسن (النفس الزكية) فضيقوا عليه حتى قتلوه.
وهبط الحجاز بارتفاع الدولة العباسية ونزح معظم أهله إلى العراق وحل محلهم مهاجرون ومجاورون من الغرباء، وهؤلاء الغرباء تأثروا بالإسلام في موطنه واشتغلوا بالعلم وحثوا بعض أبنائه على الاقتداء بهم، فظهر في مكة والمدينة مالك بن أنس في الحديث والأزرقى في التاريخ والأدب، وابن إسحاق في السير، والواقدى في الحديث وتلميذه وكاتبه ابن سعد في الطبقات، وسفيان بن عيينة وربيعة الرأى في الفقه والحديث، إلى أن جاء القرن الخامس اندثرت معالم الحجاز، حتى أن الثعالبى صاحب يتيمة الدهر لم يذكره بكلمة، ولم يكد القرن السادس يصل إلى أواخره، حتى سقط الحجاز وانحط بعض أمرائه إلى درجة الوحشية حتى قتل حميضة أخاه أبا الغيث، وطبخ لحمه لإخوته المنازعين له في الإمارة، وقتل كبش بن منصور عمه مقبلا وتوضأ بدمه، فقتله أبناء أخيه ولعقوا دمه، فهذه القسوة عند الأمراء ورجوع بعض أعيان الحجاز إلى أكل اللحم البشرى، وشرب الدم قضى القضاء الأخير على البلاد، وفي زمن ابن بطوطة لم يكن في مكة والمدينة من العلماء أكثر من بضعة عشر شخصا.
ثم جاءت العهود التركية والشركسية والمماليك وأصبح كل ذى سلطان عالمى من ملوك المسلمين يطمع في الاستيلاء على الحجاز ليتحكم في الحرمين، لما لهما من التأثير في العالم الإسلامي ولتدعيم مركز القابض على زمامها، وكانت البلاد منذ أواخر القرن الرابع ترزح تحت حكم الأشراف الحسينيين.
وقد كانت مصر في تلك القرون المظلمة دائمة الاهتمام بالحجاز والحرمين وتعلقت قلوب كثير من ملوك الطوائف وأمراء المماليك بوقف الأموال وإرسال الأرزاق والمحامل بالكسوة والستور إلى الحرمين، وما زال ترى إلى اليوم أنواع التجميل والإصلاح المعماري مما أنفق عليه أمراء أمثال قايتباي في أواخر القرن الثامن الهجرى، وطمع السلطان الغورى وكان من أسمائه سلطان الحرمين الشريفين أن يبنى قلعة في جدة وقلعة في ينبع، فإنه منذ عهد الملك ظاهر بيبرس فإن الحج قد توقف عشر سنين، ومهما بعث الملك الظاهر من القوافل ينهبه البدو، فبعث بألف مملوك مع الكسوة وفي هذه السنة نفسها بعث هلاكوخان كسوة مكة مع عشرة آلاف من التتر من عسكره، فوضعوا كسوة هلاكوخان فوق كسوة الملك الظاهر، واتفق التتر مع أمير مكة على أن ينهبوا قافلة الحج المصرى، فلما عرف أمير الحج المصرى بهذا الاتفاق أمر بقتل أمير التتر في خيمته بعد نصف الليل فركب أمير مكة مع بعثتهم وفعل بالمسلمين ما فعل، ثم بعث المحمل المصرى إلى أمير مكة خطابا مضمونه العجب من مساعدته الكفار (أى التتر) فتهدده أمير مكة وتحداه، فأمر بيبرس بجمع الخيول البلق وجرد حملة قوامها سبعة آلاف جندى وبعث بها إلى الحج وبعث هلاكوخان بثلاثين ألفا إلى مكة، فركب الظاهر بنفسه هجينا وبلغ مكة في عشرين يوما، ولما التقى الجمعان وقع بينهما قتال عظيم، وركب مع التتر نائب مكة وظفر الظاهر بهم جميعا وقتل أمير مكة ونهب معسكر التتر. ورأى بيبرس شيخا شريفا يبارز مع هؤلاء فسأله الملك عن شخصه أجاب أنه الشريف عجلان، ويظن أنه أحد الذين حكموا مكة وإن كان هذا الاسم يشبه الأمير الذى تولى إمارة مكة سنة ???هـ في أيام بنى قلاوون، وهذه الصورة تتكرر على مدى الأجيال منذ الانحلال الحجازي وهبوط دول الإسلام، ووقوع بلاده في أيدى الترك والجراكسة والمماليك والأشراف إلى أن ولى مقاليده جلاله الملك عبد العزيز آل سعود فتبدلت الحال غير الحال ودخل الحجاز مرحلة جديدة من حياته ونهضته، كلها خير وبركة ورحمة وعدل وأمن وطمأنينة.
(?) الأمن في الحجاز

كل من يكتب عن الممالك والأوطان يبدأ بوصف الأرض وطبيعتها وقد استوفينا هذا في كتاب ثورة الإسلام وبطل الأنبياء، ثم يعرج على النبات والحيوان ويرتقى بمباحثه إلى أن يصل إلى السكان من جنس الإنسان.
فإذا أراد الكاتب أن يختصر الكلام ويحصره في أضيق مكان عن هذه الأرض، فلا يصف إلا الوديان والجبال وبعض النبات والنخيل والفواكه والخضر التى تنمو في الطائف ووداى فاطمة وبساتين المدينة، عدا عن شجر العشار والشراه والقريظة والدوم والأراك والعوسج والخروع والضرمة والرمث والخرمة والسيال والحنظل، وكلها من الأعشاب والنبات التى تنمو فى الأراضى الرملية، ولعل العرب ينتفعون بها وقد تغنوا ببعضها كالآراك والأثل وضربوا الأمثال بالبعض كالحنظل في مرارته.
أما الحيوان فهذه الجمال والخيل والحمر العالية الجيدة، وكثير من الزواحف والسبع والطيور الجوارح.
أما الإنسان وهو أهم هذه الكائنات وسيدها فهو النوع المعروف من الجنس السامى وقد قلب كل الأوضاع في جاهليته وإسلامه، جاهليته الأولى وجاهليته الثانية التى هو فيها الآن. وقد جمع النقيضين فكان بالدراسة أولى ولكن الحياة الاجتماعية تتناول مقومات كثيرة لا أثر لها في هذه البيئة، إلا إذا غضضنا النظر عن أشياء كثيرة، وضربنا الصفح عن أشياء أكثر. فإن وصف العرب ورد على ألسنة المسافرين والمتنقلين من جيرانهم وإخوتهم في الدين ونحن الآن نقتصر على وصف أهل البادية، أما أهل المدن فلهم مكانتهم في موضع آخر من هذا الكتاب.
وقد فهمت أن هؤلاء العرب على دين ملوكهم، ويتبعون أخلاقهم وسيرتهم فإذا كان الحاكم فى الحجاز (وهى البلاد التى رأيتها) من خيار الناس العادلين البعيدين عن المطامع كالملك عبد العزيز آل سعود كانت الحال في الشعب كذلك. وإن كان من الظالمين المتعنتين القساة الطامعين كما كان الحال في عهد الأتراك والأشراف كانت الحال في الشعب كذلك.
وإن الماضى القريب ما زال ماثلا أمام الأذهان ومحفوظا في ذاكرة كثير من النزلاء والأضياف والحجاج، لقد ضرب المثل بغدر الطوائف التى كانت تحتك بالحجيج في كل عام، وقال لى بعضهم إن هذه الطوائف ما زالت شرورها كامنة في صدورها، لا يكبتها إلا الخوف ولا يردعها إلا السيف، وأنها إن سنحت لها فرصة فلا تتردد في الأذى، وأن كثيرا منهم يحرقون الإرم على أنهم لا يستطيعون أن يفتكوا بالحجيج، وأنهم حاقدون على كل من يلزمهم خطط الطاعة والاستقامة، وقد ثبت انطباعهم على الشر وانتشرت أخبارهم وتواترت حتى بعد أن قطعت أيديهم عن الأذى بعشرين عاما، وحتى أن بعض الثقات من الكتاب اتخذ من قسوتهم وتوحشهم فى معاملة الحجاج مثلا على فظاعة الشرقيين عامة والمسلمين خاصة.
أما الآن فقد تغيرت الأحوال ولكن بعض المعاصرين للعهد القديم كالسيد عبد الوهاب نائب الحرم ومدير الأوقاف العامة، رووا لنا روايات صحيحة مؤيدة بالأدلة فكان الحج تجارة رابحة للحاكم وكان الحاج فريسة وقد يصف لك أحدهم حياة القوافل فكأنه يصف ركنا من الجحيم، فمن الضرب والقتل إلى التعدى على المال والسرقة والخطف ونهب الثياب والطعام وسوء الأدب والهرج والمرج والصياح والصخب واتخاذ الحيل لتغفل الحاج حتى تسرق أمتعته واستدراجه بعيدا عن مناخ الركب ليقضى عليه بضربة عصا وهي تلك العصا القصيرة التى يحمل أمثالها بعض الجناة في الممالك الأوروبية، فإن ضربة منها تخمد الأنفاس وهنالك يعريه من ثيابه وينتزع حزامه ويفر إلى الجبال، وإن كان جمالا أو حارسا يعود فينضم إلى الركب وقد ترك فريسته قتيلا أو بين الموت والحياة، وقد يتفق الجمالة واللصوص فيفاجئون القافلة من الجبال ويأخذون منها ما يأخذون ثم يقتسمونه، وطالما تساءلت نفسى، ألا تعترى هؤلاء القتلة خشية من الله فتلين قلوبهم، ويحاسبوا ضمائرهم قبل أن يتعمدوا التعدى على ضيوف الله في بيته الحرام والقاصدين إلى زيارة رسول الله؟!
أما الآن فقد تبدل الحال غير الحال، وأصبح الانطباع السائد لدى كل حاج أو معتمر أو زائر أو سائح أو مقيم، هو أن المملكة السعودية تنعم اليوم بصفاء روحى، وأن الناس يعيشون عيشة هادئة آمنة مطمئنة، لا خوف فيها ولا اضطراب ولا تنازع ولا تناحر، آمنين على أرواحهم وأنفسهم وأموالهم وممتلكاتهم وأعراضهم، حتى أصبح الأمن والاستقرار في ربوع البلاد مضرب الأمثال في جميع الأوساط الدولية، بعد أن كان الحجاز في يوم من الأيام مضرب الأمثال على اختلال الأمن واضطراب حبل النظام.
كان أول عمل قام به الملك عبد العزيز بعد أن فتح الحجاز سنة ????هـ/????م إرساء قواعد الأمن على أسس قوية متينة مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ?، فأعلن فى جموع الأهالى ورؤساء القبائل وزعماء العشائر أن دستور دولته هو كتاب الله وسنة نبيه، وأنه سوف يضرب بيد من حديد وبلا رحمة ولا شفقة على كل من تسول له نفسه العبث بالأمن، أو يحاول تعكير صفوه، وركز بصفة خاصة على توفير الأمن والطمأنينة لحجاج بيت الله الحرام فى جميع المشاعر والمناسك والطرقات المؤدية إليها.
وقد حرصت الحكومة السعودية أشد الحرص على تقديم أفضل وأجل الخدمات للحجاج، وخاصة توفير الأمن والطمأنينة لهم، لكى يؤدوا مناسكهم وشعائرهم في يسر واطمئنان وهو ما لمسناه في تلك الأيام المبرورة التى قضيناها في البقاع المقدسة.
لقد أصبح الحجاج الآن في عهد الملك عبد العزيز يعودون إلى أوطانهم في مشارق الأرض ومغاربها وألسنتهم تلهج بحمد الله وشكره، على أنه حقق آية الأمن في بيته الحرام على يد جلالته أطال الله عمره، وأصبح الحاج يقبل على الأراضى المقدسة في تلك الأيام المبرورة بالروح والجسد، فيجد السلام في المجتمع، والأمن في الطرق، والأمانة في الأيدى، والوئام في الأسرة، والكرامة في النفوس، والسكينة في القلوب، والرضا في العيش، والقناعة فى الرزق، والثقة في الحاكم، وقبل هذا كله وبعده الأمل الجميل في الله سبحانه وتعالى.
هذا هو الفرق بين مجتمع يفيض بالروح والإيمان ومجتمع يعيش بالآلات والغرائز، وذلك هو الفرق بين نظام يضعه الخالق عز وجل وينفذه الحاكم العادل، ونظام يضعه المخلوق وتنفذه المطامع والأغراض والشهوات، وإن المملكة السعودية تمضى اليوم على السياسة الشرعية الواعية التى عمل بها مؤسسها العظيم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل، لا تفرط في شيء من مبادئ الإسلام القويمة وتعاليمه الرشيدة، التى أثبتت التجارب أن تحقيقها والعمل بها ضمان للأمن والطمأنينة ووقاية من الفتنة والفوضى.
لقد أحيا الملك عبد العزيز التشريع السماوي، وأثبت الزمن أنه كاف لاستقامة الأمور وتقويم الاعوجاج وإصلاح النفوس وتهذيب العواطف وتقويم الأخلاق ودرء المفاسد وسد منافذ الشر، وفتح أبواب الخير والحق والعدل والرحمة، وهو ما يسميه العلماء بالدليل التاريخي، وقد قدمه الملك بين يدى الله وعلى مشهد من جميع الأمم والشعوب.

الفصل الثالث
من السويس إلى جدة


وردت ميناء السويس عشية الأربعاء ?? ديسمبر سنة ???? وحيدا بعد أن ودعت أولادى في محطة كوبرى الليمون. وكنت أشعر بوحدة أليمة يغلبها الإيناس بالله، وأتنقل بين الناس بعقل ذاهل وقلب مطمئن. فأنا مقبل على مغامرة ولكننى أسير آمنا كمن يؤخذ بيد، ويسير بين يديه شعاع هاد.
القطار السريع يقطع الصحراء حثيثا، وأنا أحاول التفكير في أهلى وولدى فلا أملك أحس إحساس المندوب لواجب يؤديه والمجيب لدعوة يلبيها. أشعر شعور المصير، لا المخير، وأخطو خطوات الأسير يسير عن طيب خاطر وأمشى مشية الحالم في عالم الصحو وأهيم هيام الصاحى في عالم الأحلام. لم تشتبك عواطفى مثل هذه الاشتباك قط، تتنازعنى شئون شتى، سبحانك يا ربى! ماذا يملك الإنسان لأخيه الإنسان غير ما يريده الواحد القاهر أو يسديه الوهاب الرحمن.
كنت قبل التوفيق إلى الحج إذا لقيت أحدهم قال لى وهو يتنهد، أه لو أتيح لى أن أحج معك، إذن لكنت أريحك من كل تعب وأخدمك في سبيل الله الخ، وكنت أصدق هذه الأقوال ظنا منى أن ما يعد به أحدهم لصحبتى حسبة لوجه الله في أداء فريضة مقدسة، ولكننى عند الاختبار والتجربة اكتشفت أن هذه النعمة الخلقية بعيدة المنال، وأنه لو كفاك الله شر الغنى ونجوت غير مجرح، وغدوت على الأكثر كما سرحت، لكان ذلك علامة الرضا، ويا حبذا لو هدانا الله جميعا لإحسان العشرة، وإلانة الجانب، والتعاون على البر والتقوى وكف اللسان إلا عن الخير، والجوارح إلا عن فعل المعروف وإغاثة الملهوف، متحملين الجفاء والأذى. ولعله يصح أنه ما تجهزت رفقة للحج إلا جهز إبليس معها رفقة من أجناده، تؤزهم إلى الشر أزا، وتبعدهم عن الخير بعدا وتثير الأخوين، فالسعيد من عصمه الله، فلا يعود الأحباب أعداء ولا الأصدقاء أضدادا، ولا الذين تعاهدوا على الإخلاص الدائم خصوصا ألداء.
أبحرت الباخرة كوثر في ظهر الخميس ?? ديسمبر سنة ????. وما زالت صفارة الرحيل تلعلع بصوت غليظ أليم يشعر بالفراق، وتؤذن بالوداع، فامتزج الحزن في نفسى بالفرح لبداية السفر، الذى يدنينى من أرض الحجاز، فقد علمت أن الزمان الذى تقتضيه الرحلة لا يزيد عن اثنتين وأربعين ساعة، وألقيت بنظرة على رصيف الميناء، فإذا بمئات الناس من كل سن وجنس وطبقة قد اصطفوا متلاصقين في ألوان زاهية، يلوحون بأيديهم ومناديلهم، ويكفكفون دموعهم وقد تصاعدت من موقفهم أصوات شتى، أنغام الموسيقى وزغاريد النساء ومناداة الأهل والأحباب، ولم يكن بين الواقفين والمودعين أحد يمت إلى بصلة، لأننى لا أحب أن أتحمل لوعة هذه الساعة الأخيرة، (ولكن جيرانا لى في بيتى يودعون أقاربهم المسافرين، فشملوني في جريدتهم بابتسامة وهتاف وإشارة)، وعندئذ تذكرت أولادى الذين تركتهم في عناية الله وخنقتنى عبرة طارئة ولكننى لم ألبث ذكرت ما ينتظرنى من الفرح لدى رؤية الكعبة والقرب من مستقر الرسول، هذا حلم حياتى العقلية وحياتى القلبية سوف يتحقق بعد خمسين ساعة، وقد امتلأت بعقيدة سعيدة، وهي أننى ألبى دعوة الله وأجيب النداء وأطيع الأمر بالحضور إلى ضيافته — فكيف أفكر في أولاد أو بنات أو نساء ورجال. لن أنظر إلى الوراء أبدا بل إلى الإمام، ولتكن نفسى مهيأة لكل ما ستعرضه العناية على من مناظر الجلال والجمال.
لن أكتب شيئا ولن أدون ولن أصف ولن أقبض على قرطاس وقلم. ليس للأدب هنا دخل، ولن أجعله حجابا بين ربى وبين روحى المتعطشة للتجلى والنور والحكمة تتلقاها وتطفئ ظمأها في نبعها وعند معينها الذى لا ينضب. ما أنا بالأديب الذى شد الرحال ليكتب ويصف ويسهب أو يوجز، ولا بالسائح الغريب الذى يطوى البر والبحر ليرى بعين الاستطلاع ويسمع بأذن الاستفهام والاستقراء. ما أنا بالمؤرخ الذى سنحت له فرصة السفر إلى بلاد كتب عنها وتعلق بها. ليتحقق ويحقق، حتى هذه الشهوة البريئة، شهوة الأديب والمؤرخ أعرضت عنها ولويت، ثم اقصيتها وكرهت أن أسمع من يقول لى غدا تكتب.. وتسجل.. ما أعجب عبث الناس وأقل انشغالهم بالجوهر. لقد كرهت أن أرى ورقا وقلما وكتابا وجريدة. ما أنا إلا فرد محمدى ينتهز فرصة النور واليقضة والإفاقة ولو كان يصحبها الموت الذى همس الناس باسمه وحسبوه كامنا في الأمواج أو مستخفيا وراء السحب في شكل غواصة أو لغم أو طائرة. ألم يحجم عشرات الألوف عن الحج في هذا العام خشية الخطر. هؤلاء المتخلفون يعلمون حقا أن الأعمار محدودة، وأماكن الموت معينة ولكنهم لأسباب يعلمونها أخروا حجهم عاما. أما أنا فقد ظننت أن ثمرة شوقي قد نضجت ولم يعد لي سبيل إلى تأجيل قطفها ولن يقف في طريقي حائل دونها. واتفق أن كان إلى جانبى رجل قد ألقى بعض ردائه على وجهه وهو يعج بالبكاء والشهيق، فدهشت له وأشفقت عليه ثم كشف وجهه فكان فلانا صاحبى، فلما رأى أننى عرفته زاد بكاؤه وألقى إلى: أسامع أنت هذه الأغنية «إمتى نروح لك يا نبى.. يا هناه اللى اتوعد؟».
– نعم وسمعتها منذ صعدت سلم الباخرة.
– أتصدق أننى كنت من السفر هذا العام يائسا، وأننى قبل السفر ببضعة أيام لم أصل إلى بعض ما أستعد به، وفجأة سمعت هذه الأغنية، فبشرت نفسى بها. وخرجت عن دارى وهذا النشيد العذب يطاردنى، فتم لى كل ما أنا في حاجة إليه في يومين اثنين ثم أرانى مدفوعا ومسوقا في ذهول إلى أن تسلقت درج الباخرة. وهذا النشيد من جديد يرن في أذنى. علاقة. إشارة. منبه. أمارة من … جرس الدعوة يرن. صوت من بعيد. فأجيب.
وكان كلام الرجل عذبا مؤثرا فقلت له: هذا حسن انقطاعك إلى الله فهنيئا لك ولم إذن بكاؤك؟
فقال الرجل وهو يضحك: هذه.. دموع الفرح، لقد أراد الله أن يسدد ديونى التى على، قلت لمن هذه الديون؟ قال له.. فإن عارا ونقيصة على المؤمن أن يموت وعليه دين من ديون ربه.. فكيف أحمده وكيف أشكره وكيف أثنى عليه.
فسرنى حديثه وسرى عنى وقلت له: كيف نحمده ونشكره؟ بهذا الذى أنت فيه، ألك أولاد؟
– أى نعم والله وقد تعلقوا بى ليصحبونى ويودعوني، فخفت عليهم هذا الموقف الذى تراه.
وكانت الباخرة تبتعد رويدا عن الميناء، وتدور وتنعطف وتعتدل وتنحرف وأصوات المودعين تصعد وتهبط وتقرب وتبعد، والأرض التى هم عليها تضيق وتتسع بحسب ذهابنا، حتى صاروا وصارت السويس وبواخرها الصاخبة بصفارات الوداع والتحية أثرا بعد عين، فحصلت للركب لوعة فرحت بها، لأنها لذة لاذعة.
وسمعت رنين الأجراس تدعو المسافرين إلى موائد الغداء. من ذا يا صاحبى يفكر في طعام أو شراب.. لم أذق الطعام منذ ثلاثة أيام إلا لمما لا كما، ولم يمضغ فكاى شيئا سوى سوائل الماء والقهوة والحساء، وانحدرت إلى القمريات التى نقطنها، ونظرت إلى وجهى في المرآة فأنكرت نفسى، هكذا يكون العاشق الذى يدنو من الحبيب، عقل ذاهل ولون حائل وبدن متضائل، ولكن مرجلا يغلى ويدفعه إلى الأمام. هذا الحبيب الوحيد الذى لا تخشى أن يتنكر لك أو تجده قد تغير، أو تهجس نفسك بخاطر غيبته، بل تتحقق أنك ستجده وتراه … وإذا تنبهت قليلا من غفوتك وجدته.. معك. أتشتاق إلى حبيب معك؟؟ سوف تسمعه مرحبا بك في بيته ومؤنسا لك في طريقك إليه ومضيئا لك سبيل زيارته.. يا للعجب فأى شيء فيك يزعجك ألا تراه مسرورا بانفعالك وانشغال قلبك وحيرتك وكثرة سؤالك. مرحبا مرحبا هل أنت ترحب أم هو؟ لم أستطع أن ألمس ثوبا ولا كتابا ولا ألقى نظرة على الطور ذلك الوادى المقدس طوى. لقد بدأت القداسة في البر والبحر والهواء. وتضاءلت الدنيا فى عينى، دنيا الناس والحياة والمرح، ودنيا الفكر والعمل والهموم الفارغة، دنيا التبعات الزائلة، ودنيا العرض والغرض والمرض، حتى هذا البحر الذى أحبه وأحب أن أطيل النظر إليه والاستمتاع بزرقته وخضرته وترامى شواطئه، ما زال يصغر في نظرى حتى اختفى، ما الباخرة إلا كستبان الخياط في بركة ماء حيال العظمة اللا نهائية، وما الدنيا كلها سوى ذرة في كون لا يقاس ولا يحد، وما الآفاق سوى خطوط رسمها الوهم على هامش صفحة الوجود الأزلى.
لقد صح في نظرى أن هذه الأربعين أو الخمسين ساعة بين السويس وجدة ستمر كلمح البصر أو أقل، وصح في نظرى أنها أجدى وأكثر بركة من أربعين أو خمسين سنة. ما قيمة الزمن وما حقيقة المكان. إنها سياحة الروح، مغامرة القلب في سبيل المثل العليا كلها. إنها مليئة بالإلهام، تتزاحم أثناءها الخواطر المعزية بالصيد والقنص، ولكننى سوف أتركها تمر طليقة. كل الصيد في جوف الفرا.. لا صائد ولا مصيد.
(?) أحاديث السفينة

كان حقا لى وعلى أن أصعد إلى ظهر الباخرة وأن أصافح الذين أعرفهم والذين لا أعرفهم غير عابئ بما أنا عليه من ضعف البدن بعد طول المسغبة والسهر، فخرج لى رجل له دين وعقل وقال: هل تغديت قلت لا فإنى لا أحس جوعا ولا ظمأ، وأحب أن أرى رفقاءنا في السفر، فسرنا إلى بهو الجلوس فألقينا عشرات من السادة وقد لبسوا ثياب التفضل، وأخذوا في الحديث فحييناهم وجلسنا فسألني غطريف منهم: هذه المرة الأولى لك في الحج؟
أجبت خجلا: نعم.
فابتسم وقال مزهوا: هذه لى الحجة الرابعة عشرة.
فتضاءلت أنا الذى لم أستطع إلى الأولى سبيلا إلا بشق الأنفس وهنأته وطلبت له المزيد من التقوى، وقال عيلم من الفضلاء: ما شاء الله كان. أتعلم أننى لا أكاد أصدق نفسى! أبعد السياحة في فرنسا، بعد باريس وجنيف تقصد إلى الحجاز؟
فقال صاحبى الذى جلبنى إلى هذه الحلبة من الفضلاء: ولم لا، كان يطلب العلم في أوروبا ويؤدى فريضة الحج في الحجاز. لا أرى من تناقض.
قلت: إن السيد لا يرمى بعجبه إلى التناقض، ولكنه يفرح إذ يرى رجلا مثلى طلب العلم فى أوروبا ثم يسعى في تحقيق فريضة كريمة، ويعمل عملا كان يظن أن أمثاله لا يعملونه لبعد الشقة بين المعيشة في الغرب وبين مشقة السفر إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.
فقال ثالث: أنا أعلم أن مبلغ تأثير هذا الحادث الجلل في حياتك سيكون عظيما وسيكون سببا للفت نظرك إلى دراسة تركيب الإسلام تحت ضوء المقررات الاجتماعية.
وقال الأول: هذا الذى أردته وأنا لا أشك في أن هذه الدراسة ستؤدى بكاتب مثله إلى فهم كثير من الأصول الإسلامية التى كانت سببا في تطور الأمة التى أخذت بها واطراد تقدمها، حتى وصلت إلى زعامة الإنسانية في جميع ناحيات النشاط العقلى والروحى والسياسى في مدة لا تكفى عادة للإيصال إليها.
وتدخل شيخ في الحديث ظهر بعد أنه قاض شرعى: إن شاء الله يكون من ثمرات الحج الوقوف على كثير مما اختصت به هذه الفريضة من عوامل البعث والإنهاض للجماعات، وفواعل التضامن والارتباط بين أفراد الأمة وطبقاتها. وليس في وسع أحد أن يتصور وسيلة لتنبيه العالم الإسلامى أوقع في النفس وأفعل في الهمم منها لحفولها بالأصول والفروع التى تعتبر بحق عوامل مؤدية لليقظة والحياة الفاضلة، فإذا تنبه المسلمون لدراستها تحت ضوء العلم الحديث كان ذلك فاتحة انتشار للإيمان والنور لا يقف عند حد.
وقد أعجبنى حديث الجماعة وخجلت من أنى حملت معى بعض كتب باللغة الفرنسية تبعا لعادتى في كل سفر أن أحمل أكثر ما أستطيع من المطبوع والمخطوط ولكننى تغلبت بسرعة على خجلى، وتكلم إلى طبيب فاضل: لا تظن الحجاز جنة يسكنها الملائكة وتتلاقى في ربوعها الأرواح العلوية، إنما هى بلاد كبلاد الله فيها الروح والمادة ولكنها خالية من تقليد الأجانب الذى تراه في مصر متفشيا، بل قد ترى آثاره في هذه الباخرة بين لفيف من الحجيج. أنا رجل صريح وجريح.
قلت: الطبيب لا يكون جريحا.
ففتح الطبيب فاه فبدا في جمال الفقمة ونعومتها وظرفها وقال: لقد فتنت للأسف بعض شعوب الشرق، ما عدا الحجاز بمظاهر الغرب ونظمه، وأسرفت في انتهاج كثير من أساليب الحياة فيه واستعارت الرث الخلق من ثيابه مع قليل من جديده ولفقت من زيها الأول ومن هذه الرقاع المستعارة لباسا مشوها لا هو شرقى ولا هو غربى، وأصبحت حياتها الاجتماعية أيضا ملفقة، لا هي دينية ولا هي غير دينية، وكلما هبت الريح طارت رقعة من هذا الزى والناس في هم مقعد مقيم من ضم هذه الرقاع بعضها إلى بعض.
فقلت: كان لى أن أعجب من تحمس الطبيب وتعصبه للشرق أكثر من عجب البعض من سفرى إلى الحجاز.
فقال القاضى الشرعى: لا عجب ولا عتاب. نحن لا نعرف أنفسنا وهذا شأن الضعف بعد القوة والخمول بعد النباهة والمذلة بعد المعزة. أترى يا حضرة (كذا) نعرة الديموقراطية الحديثة ودعوى التشرف بالانتساب إليها، لحسبان ورودها عن الغرب، وهي في الأصل شرقية عربية إسلامية، فأبو بكر تولى أمر الأمة بعد النبى بالانتخاب المباشر، فبايعه المسلمون يدا بيد في سقيفة بنى سعد التى سترى أثرها إن شاء الله في المدينة المنورة (فانتفضت كالعصفور المبلل وكدت أحتضن الشيخ الذى تكلم عن أحلامى كأنها حقائق راهنة)، وهذا فى العرف السياسى الحديث معناه أن الأمة الإسلامية منحته السلطة ليباشر بها مهمة القيام بشئون الدولة.
فقال رجل نحيف أسمر لم يتكلم قبل: ولكن الفرق بين الماضى والحاضر المجلس النيابي.
فنظر إليه القاضى شزرا وقال: اسمع يا سيدى. كان أبو بكر إذا أعضلت عنده مسألة سأل عنها أولى العلم في مجلس عام، وأمضاها على ما يستقر عليه اجتهادهم، ولم يستأثر بأمر من أمور الشعب ولم يتخذ له بطانة يكل إليها البت في الأمور ولا بت هو فيما لم يرد فيه نص صريح دون أن يعرضه على الكافة، معطيا الحق للأفراد على السواء في إبداء الرأى غير متقيد بقوم معين أو بطائفة من الناس.
وتكلم ناظر مدرسة ثانوية: هذا ندرسه للتلاميذ في المدارس. وقد تجلى المبدأ الديموقراطى إزاء الخلافة على عهد عمر الفاروق كل التجلى، فلم تبق منه جهة خافية يمكن أن يتقحم منها خصم لاتهام الإسلام بالعدوان على سلطة الأمة، فهو الذى قال أخطأ عمر وأصابت امرأة، والذى قال لو رأيتم في أعوجاجا فقوموه فقال أحد أفراد الأمة في المسجد لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، ومثل هذا القول لا يقال الآن في أية دولة شرقية ولا غربية.
وعاد القاضى الشرعى فقال: وأراد عمر أن يقيم الحد مكتفيا بعلمه في مسألة رآها بعينه، فقال له علي ابن أبي طالب: الحكم أن يأتى أمير المؤمنين على ما يقوله بأربعة شهداء وإلا اعتبر قاذفا وأقيم عليه الحد، وتاريخ القضاء الإسلامى حافل بأخبار دعاوى أقامها الأفراد على الخلفاء وصدور أحكام القضاة عليهم وخضوعهم لأحكامها.
وكانت السيدات يمرقن في طريقهن مرتديات البياض، سافرات لا يرفع أحد إليهن بصره، ولا تتصنع إحداهن مشية الدلال ولا تجر الذيول.
ويؤذن بالصلاة فينهض الناس ويصطفون وراء الإمام وتقام المكتوبة قصرا، ثم يستمعون إلى الواعظ، ثم يأوون إلى مخادعهم المطلة على الماء، فيضطجعون ويقرأون أو يغمضون ويحلمون فلم يكن للوقت حساب إلا أنه يدنينا رويدا رويدا من كعبة أملنا وقبلة رحلتنا.
إنك تصيب وتخطئ في عدد السلالم والقمريات وأبواب الأبهاء ومداخل الباحات، وأشخاص أصحابك وقد تشكلوا بأزياء غير مألوفة، فلم تبق عمامة أو طربوش لم تخلعها سلطة البحر، لتولى مكانها قلنسوة أو طاقية أو فطرة بدوية، ولم تبق جبة وقفطان أو سترة وبنطلون لم يحل محلها روب دى شامبر من الحرير أو الصوف ذى الألوان، أو قباء أو طيلسان، ولم يدم حذاء متسلطا على قدمين أو قابضا على الكعوب والأخماص، فقد خلعت كلها واستخلفت المباذل والنعال والتواسيم القصار.
ولم توشك الشمس أن تغيب حتى ساد الظلام، ولم يؤذن بنور إلا من وراء حجاب، فقد كان قانون التغمية سائدا في البحر سيادته في البر، خشية أن تكشفنا عين غادرة أو تصيبنا نفثات ساحرة، ونحن نسأل الله السلامة من كل قذيفة عوامة ونضرع إليه في المساء والصباح من المدفع الرشاش واللغم السباح، وكنت أضحك في أكمامى كلما اربدت وجوه بعض الوجهاء أو حملقت في الماء والجو عيون الأعيان، وأعجب كيف يدخل في روعهم أن مضيفهم الكريم يأذن أن يلقاهم أحد بالسوء أو يقطع عليهم طريق الوصول إليه، ولن حدث هذا الذى يخشون، فهو لا شك كائن ومقدر عليهم وهم أجنة في البطون، وإلا ما شدوا الرحال إلى قبور أعدت لهم في جوف البحر بين أمواج كالجبال، ولا قطعوا هذه الأميال إلا لينعموا بجنة الشهداء وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ? وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ولعل هذه المخاوف الخفية التى تذر قرونها هي التى لعبت بعقول المتخلفين من القادرين العازمين من أهل النعمة واليسار، فإن الدنيا المحببة قيراطا للرجل في داره، تحبب قراريط إذا انفصل عنها واغترب، وإن الموت الذى يظن الأمن في سربه أنه بعيد عنه يراه إذا فارق أهله قد دنا منه واقترب. وإنك لا تستطيع أن تطلب إلى الناس كافة إيمانا كاملا ويقينا قاطعا وتصديقا شاملا، فلو أنهم بلغوه ما جمعوا ولا خزنوا، ولو ذاقوا حلاوته وأمنه ما خافوا وما حزنوا، وكان الفقراء من الركب أكثرهم فرحا واطمئنانا وكثير منهم يود لو يقبض فيعلو إلى المعلاة أو يقبع في البقيع.
كان الحجيج يشعرون بالمرح ولا يعلم كلهم سببه، وله أسباب عدة، من أهمها خروجهم عن البيئة الخانقة لأنها بيئة المادة والشهوات والعبودية والروابط الدنيوية وألوان المذلة للمخلوق، والانصراف بحكم العادة والجهل والضعف عن الخالق، يسمعون القرآن يتلى عليهم ولا يفقهون، فلا يقفون عند روائع آياته ولا يتدبرون محكم بيناته يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
وكم مرات في اليوم والليل كنت وكان بعض هؤلاء الذين يقصدون إلى بيت الله الحرام نلقى رجالا ونساء لا ينصتون إلى قوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ? وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ.
وكم مرات في اليوم والليلة كنت وكان بعض هؤلاء الذين يقصدون إلى بيت الله الحرام نلقى رجالا ونساء ولا ينصتون إلى قوله وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
وكم مرات في اليوم والليلة كنت وكان بعض القاصدين إلى بيت الله الحرام نلقى رجالا ونساء لا يفطنون إلى آية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.
وكما مرات في اليوم والليلة كنت وكان بعض هؤلاء الذين يقصدون إلى بيت الله الحرام نلقى رجالا ونساء لا يتدبرون قوله تعالى إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ. وما أوجع الداء وما أشد البلاء عندما يكون المرض في عشيرتك وأهلك وأقرب الناس إليك وفي أصدقائك وأحبابك والذين ترعاهم وعهدتهم من زمن يعيد والذين رجوت الخير فيهم وعرفتهم كما تعرف أبناءك وإخوتك.
وما أوجع الداء وأشد البلاء عندما يكون المرض في رئيسك وزعيمك وحاكمك وولى أمرك والموكول إليه تدبير شأنك ومعلمك ومرشدك ومربيك والمسئول عنك والملقية على عاتقه تبعتك.
فلا ريب أنك تتنفس هواء البحر وروحك يتنفس الصعداء، ويفرح بالحرية ويتعلق بأهداب النجاة ولو إلى حين. وإلى هذه الخلة يرجع أشتياق الصالح للحج كلما حل موعده في الأعوام المقبلة فيسمح لروحه بأجازة سنوية تستجم فيها، وتستحم في حوض من الرضوان طامعا أن يخلص الروح من الأدران على قدر الطاقة الوسعة والإمكان. لقد تباعدت ذكريات الماضى وانحدرت وتقهقرت في هاوية النسيان فكأنها لم تكن، أعوام تلو أعوام وأشهر تزاحم أشهرا، دع عنك حلقات الليالى والأيام التى تسبك منها حلقات السنين، ودع عنك الساعات والدقائق والثواني التى تعدل دقات القلوب، فهذه تندمج بأسرع مما تمر في نسيج الزمن الغابر الذى صبغته يد الحاضر حتى نصلت ألوانه وبهتت مباهجه وانمحت معالمه، وحتى كأن الذين كانوا ما كانوا. أرأيت إلى الروح وهو يحاول الفرار فيفر فيحسب أنه فرار أبدى فيجبه بالحادثات أنه فرار إلى حين. أرأيت كيف يفر المؤمن بإيمانه وقلبه من أوساط الجحيم فيتخطى غدران الحمم، وأنهار النار وقمم البراكين ويتقى في فراره لذعات الأفاعى ولذعات العقارب ولفحات اللهيب الصاعدة من أفواه الهوات الفاغرة ولطمات أذناب الشياطين. يأتي على أمتى زمن يكون المتمسك فيه بإيمانه كالقابض على جمر يقفز به رءوس الجبال، أو كما قال.
إنك لتعاشر في تلك المحنة رجالا ونساء أوحت إليهم الأبالسة أن يشعروا العزيز بالمذلة والعالم بالجهالة والبصير بالعمى والغنى بالفقر والقانع بالجشع والراضى بالسخط والمطمئن بالغضب ويقنعوا العملاق الجبار بأنه قزم عاجز، والجميل السمح بأنه دميم قميئ، أرأيت عوامل النقص وفواعل التعجيز ووخزات التحدى وتضافر قوى الشر بالعين واللسان على قرة الخير لتزعزعها وتخلعها وتهوى بها إلى الحضيض. ألا إن هذه هي الملحمة والمعركة والمقتلة والقليب والمقبرة. ألا إن هذه هي ميدان الحرب ومحلة الدمار ومشهد التخريب، وعلى الروح أن تكافح وتنافح وتدافع إلى آخر قطرة من دمها وآخر شعاع من نورها لتنجو بنفسها. وهذه السياحة هدنة بين شقين من المعركة واستراحة ونقلة بين الأولى والأخيرة، ووقفة بين أطلال الآمال وبين صروح المستقبل وقلاعة وأطامه التى عليك أن تنتصر حيالها أو تلقى سلاحك.. ولن تلقى سلاحك، بل سوف تصبر وتصمد لتفوز، فإن الشدائد تصلح من النفس بمقدار ما تفسد من العيش، بل سوف تصبر وتصمد لتفوز، فإن الشدائد تصلح من النفس بمقدار ما تفسد من العيش، وإذا صمد الروح بفكره نحو خالقه على أنه لم يمتحنه إلا بما يوجب له مثوبة أو يمحص عنه كبيرة، ولذا وجب علينا أن نناجى وندعو ولا نقنط وأن لا نستصغر من كان الله مادته وعليه مدار ثقته.
آلة الباخرة تعمل بالزيت دون الفحم فلا تشعرك أثناء نومك بخفقان قلبها المزعج، ولا ترتج ولا تهتز لهدوء البحر، فليس الموسم موسم العواصف القواصف، ولكن الرقاد في القمرية يكاد يكون مستحيلا على الرغم من فتح النافذة ودوران المروحة الكهربائية، لأن معك سواك في مكان لا يتسع إلا لك، ولازدحام المكان بأدوات المسافرين واختلاف عادتهم ومزاجهم فى الصحو والنوم، فما زالوا في صعود وهبوط وفتح وغلق وبحث عن ثوب أو كتاب أو مسبحة أو طاقية أو حذاء.. والحق إنه القلق والأرق.
اكتشفنا بعد ظهر الجمعة أن للسيدات بهوا خاصا، يجلسن فيه ويستمعن إلى الوعظ.
(?) بينى وبين خطيب المسجد

كان الشيخ.. خطيبا ومدرسا في مساجد القاهرة، وجاء للحج للمرة السابعة عشرة، وهو يتحاشى الناس، ويحاول العزلة ويتلو القرآن ولا يقطع ورده إلا للقاء الأحباب ولا يغشى مجلسا، ولا يقتحم حلقة، ولا يتكلم إلا ردا على تحية، فأردت أن أتصيده لأنتفع بعلمه فلما حييته وهو مستند إلى دربزين الباخرة ظهره إلى البحر، ووجهه إلى المكتبة قال: من أنت فلم أملك الابتسام، لأنه نسينى بعد أن تعرفت إليه ولم أجد غضاضة في تذكيره. فضحك وامتشط لحيته وحملق وقال: ربما يدهشك أننى شغوف بالتنحى عن الاختلاط. هذه هي الطريقة المثلى.
قلت: أسمعت بخبر المريض المحتضر الذى نجا بأعجوبة وكانت الباخرة تزمع أن تعود إلى الطور بسببه قال: وكم لله من معجزة؟ وأى عجب في هذا؟؟ … اسمع يا سيدى! إنى كنت رجلا من صعيد مصر محبا للعلم، فنظرت في الكتب المشهورة وحضرت حلقات المشيخة المعتبرة حتى وصلت إلى أن هذا العالم المحسوس تحت تدبير خالق مدبر، منزه عن مماثلة المتحيزات والأعراض، وموصوف بكمال القدرة والعلم والرحمة واختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت فيها فائدة تساوى الفائدة التى وجدتها في القرآن الكريم.
فقلت له: إنى أحترم رأيك وأوقرك وأعتذر إليك إذا سألتك عن أى جديد في هذا، وقد بدأت حياتك حتما في كتاب القرية بحفظ القرآن وتجويده وتابعته في الأزهر الشريف، فبم احتجت لطول الزمن للوصول إلى هذه المسألة التى تفرغها في قالب كشف حديث؟
الشيخ: عليك نور! سألتنى وعلى أن أجيب. أترى الطفل والفتى واليافع والمراهق المجبر على حفظ القرآن حفظ استظهار، المرهق بسوط الفقيه والعريف، والمقيد بمواعيد المكتب مهددا بالفلقة بعد برق الشيخ ورعده وأمطار الزخمة والجريدة، أترى من كانت هذه حالته في نعومة أظفاره خليقا بأن يدوك معانى القرآن العظيم. ألا إن هذا النظر يأتى بعد هذه كلها وبعد تمام النضج وقد مارست العلم والدرس ودخلت ديوان الرجال، وحينئذ فتح على فرأيت القرآن يسعى في تسليم العظمة والجلال بالكلية لله تعالى.
قلت: ولكن القرآن الكريم يمنع من التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات كقوله فى الروح، ووصف البشر بعدم العلم وقلة التفقه وخلوهم من الألباب ورمى الكثرة بالميل إلى الضلال، ويقول في بعض الآيات الكريمة وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ? وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ. وأنت قرأت من قبل الفلسفة وعلم الكلام والمنطق طبعا وبعضا من علم النفس وماهية العقل، فكيف تمكنت من التوفيق بينها جميعا.
قال الشيخ: ما ذاك الذى عرضته إلا العلم بأن العقول البشرية تتلاشى وتضمحل في تلك المضايق العميقة والمناهج الخفية، إن العقل الإنسانى يضمحل أمام عظمة الله ولا سبيل إلى معرفة القرآن والوقوف على تفسيره إلا عن طريق الإلهام، لأن العقل يخذلنا في تأمل عظمة الكون وضخامة مظاهره ولا يسعفنا في تفهم دقائقه وصغائره ويصرح العلماء اليوم أن العلوم الحقة مثل الفلك والكيمياء والطبيعيات تعجز قوى العقل إذا تغلغل فيها.
وكانت الحلقة قد اتسعت واتصل بنا أفراد من الخاصة مثل الأستاذ الرياضى والطبيب النطاسى والأديب الكبير وأنصتوا للشيخ الذى كان كلامه كالفاكهة النادرة في غير موسمها.
فأعترض بعضهم على وصف العقل بالعجز، وآخرون على الوقوف في ممر الهواء والناس، فأوينا جميعا إلى بهو فسيح. وقال الشيخ: أنا لم أقل بعجز العقل عن تقليد أعمى أو تعصب ولكن عن عقيدة وخبرة واقتناع، ليس العقل هو المهيمن على الوجود الإنسانى، والوجدان هو مصدر المعلومات لا العقل، والعقل عاجر عن تفسير كل شيء في الكون.
فقال موظف كبير جاء على رأس بعثة كبيرة: يا سيدنا الشيخ إذا قللنا من قدر العقل، لم يبق لنا شيء واضح. الوجدان كلمة مبهمة غير محدودة. أما العقل فمحدود وواضح ومركزه المخ. وكلامك هذا يؤدى إلى سيادة التصوف والكشف، ويفتح علينا أبوابا واسعة جدا وثغرات لا نقدر على سدها.
فقال الشيخ: أنا قلت ما أعتقد.
فتدخل المهندس الكبير وقال: في الواقع إن الشيخ على حق في كل ما قال وإن كانت طريقته غير التى أقرتها أحدث الآراء الفلسفية. فإن هنرى برجسون زعيم فلاسفة هذا الزمان قال فى كتبه إن الوعى مستقل عن المخ، وأن الحقائق الكبرى لا تدرك عن طريق العقل، وإنما تدرك بالبصيرة أو الذوق، وفلسفة برجسون بعد تقليبها على وجوه كثيرة تشك في العقل وتراه محدودا قاصرا لا يستطيع الوصول إلى الحقيقة، لأن عمله التجريد والتحليل والتقسيم وكأن هذا الحكيم يزحزح العقل عن مكانته وينزله من عليائه. ويستبين عجز العقل عندما يحاول أن ينير عالم الروح أو يتغلغل إلى كنه الواقعات فإذا تخلصنا من سلطان العقل واعتمدنا على البصيرة استطعنا أن نعرف الحقيقة معرفة مباشرة.
فبهت أكثر السامعين، ونظروا إلى الشيخ وعاودوا الأستاذ المهندس العصرى الذى تلقى العلم في لندن وباريس وهو ثقة ثبت، فأكد لهم ما قال وأضاف آراء سابقة لكانت الألمانى حيث يقول في كتابه «تمحيص العقل الباحث» العقل جانب جزئى من جوانب الحياة وليس مهيمنا على الوجود وبين كانت وبرجسون مائة عام، فوقف الشيخ وقال متجها نحو القبلة: يا إله العالمين إنى أرى الخلق مطبقين على إنك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين فكل ما نطق به لسانى أو خطر ببالى ما سعيت به إلا في تقديس ما اعتقدت أنه الحق وتصورت أنه الصدق، فلتكن رحمتك مع قصدى لا مع حاصلى، فأعنى وارحمنى واستر زلتى وامح حوبتى، يا من لا يزيد ملكه عرفان العارفين ولا ينقص ملكه بخطأ المجرمين، والحمد لله والثناء عليك والصلاة على نبيك.
وفى هذه اللحظة أذن أذان العشاء ودق جرس العشاء. فذهب جماعة للطعام وجماعة للصلاة لرب الأنام، وخرج الشيخ في تواضع وخضوع لله.
(?) الإحرام في رابغ

ما زالت الباخرة كوثر سائرة في الهدوء نهارا وفي الظلام ليلا، حتى حاذينا ثغر رابغ من الشاطئ الشرقى، في اليوم الثالث من مسيرتنا، فجر السبت ?? ديسمبر فوجب علينا الإحرام. وهذا الثغر الذى يقف به المسافر إلى المدينة، لأنه ثلث الطريق الصحراوى إليها، على عرض?? درجة و?? دقيقة وطول ?? درجة و?? دقيقة وبينه وبين جدة مائة ميل وتسعة. وللإحرام غسل ونية وهتاف وهو التلبية «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك». ومنذ أن لهجت الألسنة بهذه التلبية وقع في قلبى صدق ما أحسسته، منذ حفزتنى أمور خارجة عن إرادتى للحج، وهو أننى أجيب دعوة توجهت إلى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وقد تسلطت هذه الفكرة على ذهنى وإرادتى فكنت أفكر وأقول وأعمل مدفوعا مساقا مصيرا غير مخير، وحتى الثواب لم أكن أفكر فيه ولا يشغل بالى إلا أن أسافر مسرعا وإن كنت لا أجهل قوله تعالى مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ولكن الكعبة وعرفة والرسول كانوا يملأون مخيلتى وذاكرتى، وكنت في أحيان كثيرة أذكر هذه النعمة فأستكثرها على نفسى، ويقينى أننى لم أقدم بين يدى الله ما استحق عليه هذا الجزاء، وليس بعد إنها نعمة عرفان ببعض قدرها الذى يساوى فى نظرى خير الدنيا.
بالإحرام تغيرت حياة الباخرة، فلم يعد أحد إلى لغو الحديث أو جدال، وحتى تحية السلام حل محلها هذه التلبية السعيدة وقد تحققت فكرة المساواة التامة بين الفقراء والأغنياء وستر الله عورة التفاوت بين عبيده، بذلك البياض السابغ الذى لبسناه جميعا منذ حاذينا ثغر رابغ. وقال رسول الله «أفضل الحج العج والثج» وهما رفع الصوت بالتلبية وإراقة دماء الهدى والضحايا كما قال في مواطن أن الحج المبرور لا يخالطه رفث ولا فسوق ولا جدال ولا إثم ولا سمعة ولا رياء، فيرجع (الحاج) كيوم ولدته أمه.
وإنك لترى استجابة الدعاء ومغفرة الذنوب ملازمة الحج، ما دمت تعتقد أنه إجابة لدعوة الله فتصبح من وفده وضيفه ولا عجب إذا دعاهم فأجابوا وسألوه فأعطاهم، ومن هنا نشأت قولة الصحابى ابن عمر رضى الله عنه إذا لقيت الحاج فسلم عليه وصافحه ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته فإنه مغفور له. ولا شبهة في أن من خرج حاجا أو معتمرا أو غازيا ثم مات فى طريقه كتب الله له أجر الغازى والحاج والمعتمر.
(?) حكمة الإحرام

لم أفهم حكمة الإحرام ولا لذته قبل أن أفعله، لقد تجلت لى معانى البيت الحرام. والأشهر الحرام التى أولها رأس السنة الهجرية ومعنى الإحرام نفسه لا يستبينه من كان مثلى إلا إذا دخله وداخله وطبقه فعلا ولا يمكن الاكتفاء فيه بالوصف أو الرؤية فإن لكل لباس حالة نفسية تلازمه، ولذا اصطنعوا ثياب الحرب والصيد والمآدب والمحاماة والرياضة، فإن كل ثوب أوفق ما يكون لصاحبه وأعون على أداء عمله الذى شق وقطع وخيط لأجله، وليس الإحرام بالحج أو العمرة أو بهما جميعا ليشعرك بالتقوى والدنو من القداسة والمساواة والإخاء وحسب، بل إنه يدعوك إلى تحريم ما لا يباح لك شرعا وما يباح لك أثناءه كالرفث والفسوق والجدال، وتشعر بأنك عاهدت الله أن تحضر بقلبك، حتى تصغى إلى دعوة الله، فتلبى فلا تغفل عن ذكر رب البيت الذى أنت مقبل عليه في ثياب التشريفة الكبرى، لقد أحسسنا أن البيت الذى يخلع الناس تعظيما له أثوابهم قبل الوقوف بعتبته بمسيرة يومين، ويشتملون فى القصد إليه ما ليس فيه شيء من المخيط لبيت مقدس، لا يقصد الناس إليه كما يقصدون إلى سائر البيوت، وأنه فوق بيوت الملوك وفوق مقاصير القياصرة وأواوين الأكاسرة.
ولذا قرنت التلبية بالإحرام، ثم إنك لتحس بحاجتك إلى الزهادة في الاجتماع بغير الله وإفراده بالقصد إليه دون سواء، فيذيقك حلاوة الطاعة وحلاوة العبودية ويشهدك إن كنت مخلصا لوجهه محبوبا لديه عند اللقاء الأسعد في بيته ما تصبو إليه ونفسك وَكَذَ?لِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، وهو البناء العظيم والمهندس المقيم الذى اختاره الله لعمارة هذا البيت الأسمى، وإن الله لرءوف بك فيكف بعد أن تتجرد جسدا وروحا إعظاما له وإجلالا لحرمه الشريف واقتداء بعمل الحبيب المحبوب لا ينعم عليك بأعظم النعم التى يرتاح إليها روحك؟
أما المحرم بهيئته فلبس إزار يستر به من السرة إلى أسفل الركبة وكساء يستر به كتفيه وصدره إلى أسفل الإزار ويكشف رأسه على صورة الذى يتلفع بفوطتين كبيرتين في الحمام، وكلما كان المحرم تفث الثياب والجسم كلما كان أقبل عند الله ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ، وهو تقليم الأظافر وحلق الشعر أو تقصيره، وإزالة ما يعلق بالبدن من الأوساخ، ولم تسمح الشريعة السمحاء بإهمال النظافة إلا في هذه الحالة وهي شريعة بنيت على محاربة الأقذار وطهارة الأبدان والأرواح في كل الحالات منذ المولد إلى الوفاة، إلا أن المحرم مقبل على الله في جهاد النفس والمقاساة في سبيله، فيتجمل بحلل المسكنة والخشية والفقر والاضطرار أمام ربه باختياره ليكون مقبولا لديه فلا يشغل بالتنعيم والترف والخيلاء، كما تبرأ عنده النية من الحول والقوة والغرض حتى حب الأهل والولد، وقد حدث لى عند السفر وشعرت به وسلمت فيه فأزهدنى الله وأنسانى أولادى وعنى بهم سبحانه وتعالى عناية لم تعدلها عناية.
(?) حجاج الدرجة الثالثة بالباخرة كوثر

سارت الباخرة ما عدا موظفيها وخدمها (إلا من نوى منهم العمرة أو الحج) تختال بحملها ممن لبسوا البياض، فتلقى العالم كالفلاح والعامل كالأمير، وظهر حجاج الدرجة الثالثة على وجه البحر بعد أن كانوا في عنابرها وهي نوع من مقابر الأحياء أو كالذين وصفهم أحد الكتاب الغرباء في قصة «آلة السياحة في الزمان» هؤلاء السفليون من الحجيج أجدر بالعناية ورب الكعبة من فريق الممولين، فإن الأغنياء قلة ينفق عليهم في وجبة واحدة أضعاف ما ينقف على ركاب الدرجتين الثانية والثالثة في وجبات عدة، وبين هؤلاء السادة مسافرون بدون مقابل، غير الجاه أو التوصية أو الملق والشطارة، وقد سمعت عن معاملة الدرجة الثالثة وهم خير الباخرة وبركتها، لأنهم يدفعون ثلاثة عشر ألف جنيه، في حين لم يدفع أهل الدرجة الأولى والثانية أكثر من أربعة آلاف جنيه والفرق في الأجور وإن كان ضعفين، إلا أن الفرق في العناية والخدمة عشرة أضعاف وقد تعود الناس أن يكتموا هذه الحقائق ليجاملوا ويحفظوا حسن المودة.
أما أنا فقد علمت أن هذه المئات كانت تنام مكدسة، وأنهم جاهدوا حقا في أيام البحر جهاد الأبطال، وتغلبوا على المهانة والحرمان بالصبر والإيمان، واحتملوا من سوء معاملة الخدم الذين انقلبوا سادة، ما يثير النفس ويقتضى التذمر والعصيان، فما قولكم في طعام يقسم بكبرياء ومن وغطرسة كأنه صدقة يجود بها بخيل لئيم. وقال لى أحد المسافرين: إن الاستجداء أكرم مما تشهد أعيننا وتسمع آذاننا … ولكنه في سبيل الله ورسوله. ولست على رأيه. فإن الله يحبذ الذل إليه والطاعة لنبيه، ولا يرضى بالمذلة للصوص ولخونة والسفلة وقطاع طريق البحر، وطغمة المستغلين للدين والدنيا وهؤلاء الخدم في الباخرة قد جعلوا لهم رؤساء من الأوشاب كل عتل زنيم ينهر المسافر ويزجره ويتهمه ويقصيه، وقد رأيت خدما يحرمون سيدة وأطفالها من طعام الإفطار في الدرجة الثانية لأنها تأخرت دقائق معدودة عن جرسهم المنحوس. وما هذا الإفطار الذى تدفع عنه عشرين قرشا سوى فنجان من الشاى الرخيص ونقطة من اللبن المخزون وكسرة من الخبز، وإنك لتخجل أن تطعمه الكلاب، دع عنك بقية الطعام الذى ليس له اسم ولا وصف ولا طعم سوى وضعه في أوان تشبه الأطباق. هذا في الدرجة الثانية، أما فى الدرجة الثالثة فقزان تغلى فيه حثالة الأسواق من لحوم خيل متحجرة إلى خضر من واق الواق، وشحم زهدت فيه عجلات القواطر، ورائحة تعافها أنوف المزكومين وتأبى النظر إليها محاجر الجماجم في المقابر، أما التوابل فألسنة للسب مشحوذة وأيد بالمن ممدودة وأعين دربت على نظرة السوء وأنفس بأحمال من الخبث والرياء لا تنوء، وبلغ البطر وسواد القلب من الطهارة والمقدمين أنهم يقذفون إلى البحر بما يتبقى من الطعام في القزان وبين المسافرين من لم يشبع، وإنهم لعقلاء وخيرا يصنعون، هؤلاء الطهارة والجراسن ليس السمك بأحب إليهم من حجاج بيت الله الحرام، وليسوا من السرف بحيث يقذفون طعاما يمكنهم حفظه لوجبة أخرى، ولكنهم يعلمون أنه إن أكل رجل منه كفايته يمسى ولا يصبح، وأن الطعام نفسه لا يتحمل البقاء فى الوعاء بعد طبخه إلا ساعة أو ساعتين ثم ينقلب وباء، ومن العجيب أن الباخرة لم تسحب وراءها قناطير من الأسماك البريئة التى تذهب ضحية مآدبها الاضطراية.
(?) معالم جدة

لم يعد بيننا وبين جدة إلا مسافة قصيرة تقطع في يوم واحد، فيحق دخولنا بعد عصر السبت ??، ولكن الباخرة تلكأت واستدارت ولفت وحادت لأسباب لدينا مجهولة، وكان الظن أنها كلما أسرعت كان أقرب إلى السلامة وأوفر لها في النفقة، ولكنهم زعموا أن النزول في جدة لا يحسن آخر النهار مع أن معالم جدة بدت لنا صباح السبت واضحة وظهرت سلسلة جبال الحجاز أولا كالضباب البعيد ثم كالسحاب ثم تجلت بألوان البنفسج واللازورد والفيروز والياقوت الأزرق والأحمر الوردى. وأمواه البحر نفسه ظهرت بألوان لا تقل جمالا عن ألوان الجبال، فهى بيضاء ناصعة ثم زرقاء سماوية فخضراء زمردية فحمراء مرجانية بألوان الشعب والمعادن والحجارة، ولا أظن في المحيطات الخمسة والبحار السبعة ألوان تعدل ألوان البحر الأحمر عند جدة، بدت في الصباح جبال الحجاز للعين المجردة فارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير والتسبيح وخالط الهيبة والخشوع بالقدوم على البيت الحرام الفرح والابتهاج بالوصول إلى أطهر بقعة وأقدس حرام.
فلما أرادت الباخرة أن تتمهل وتماطل شعرنا بهزات وشبه دوار وزاد أرقنا في الليل وقلقنا في النهار، ولكنا كنا منهمكين في التلبية والصلاة فلم نبال بما نعانيه ولم أر عبادة أو صناعة أو سياحة أو تجارة تفرغ قلب صاحبها من كل ما يعنيه في الحياة كهذه العبادة التى تستغرق القوى وتهضم الرغبات وتجب الشهوات وتصرف النفس عن كل ما عداها، وهذا دليل صدقها وعصمتها وحق الدعوة إليها حتى سمعنا آذان إبراهيم بالحج مرتين، الأولى بصوت إبراهيم الذى شكا إلى الله ضعف صوته وعجزه عن إسماع العالمين فقال له عليك الأذان وعلى البلاغ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، والثانية فرضه على أمة محمد في أركان الدين.
لم أحاول أن أعى أسماء المشاهير من الحجيج، ولكننى رأيتهم وحييتهم وصافحتهم، ولم أستبق عن ذواتهم في نفسى شيئا غير أنهم أعيان وعلماء وخاصة وكرماء ولم تتبق في ذهنى إلا صورة تسعة أو عشرة من رفقائى على المائدة أو جيرانى في الصلاة والرقاد، أو جلسائى فى الأبهاء أذكر منهم إبراهيم شكرى، وأحمد حسين وعبد القادر مختار ومختار عبد اللطيف والشاعر رمزى نظيم ولفيف من الفضلاء، ولقد لقيت «باشا» في زى مسكين فحييته ففرح لظنه أننى اكتشفت باشويته من وراء تغميته وما حييته إلا شفقة منى وحنانا على طبقته التى توهمته منها وظننته ضيفا. والحق أن أحدا لم يحاول أن يتعالى أو يصعر خده أو يرفع أنفه بعد الإحرام وخشعت القلوب والأبصار.
ومن حوادث الإحرام أن مطوفا اندس بين المسافرين ليضمن عملاء له قبل زملائه في جدة وقد طبع لنفسه تذكرة باسمه وصنعته وعنوانه وصورته، ثم أخذ يغشى المجالس ويلقن الناس بالإكراه صيغة التلبية كما لو كان امتحانا أو استجوابا ويحتم أن ينطقوا وراءه. وكان حاج دبت بينه وبين المطوف عاطفة استثقال لظله فانصرف عنه ولم يرض أن يجلس منه مجلس التلميذ من الأستاذ، فخرج المطوف عن دائرة حلمه ونظر إليه مغتاظا غيظا لم يقو على كظمه وأضاف إلى التلبية دعوة جديدة «اللهم اجعلنا مسلمين مؤمنين» ولم ينقصه إلا أن يقول «مطيعين للمطوفين وخاضعين»، فدعا لصاحبنا الحاج الذى كره المطوف بالدخول في زمرة المسلمين لأنه لم يؤمن به كما لو كان نوحا أو صالحا. ولا ينفر الحاج من المطوف أكثر من غريزة التطفل التى تتحكم في خلق المطوف، فيحسب كل حاج معدنا غير مصقول، أو مادة لم تتشكل ولن تفرغ إلا في القالب الذى يريده. وأعظم شيء في نظر المصرى أن لا يخضع للدليل الذى يعتبر عقله ورقة بيضاء أو لوحا لم يمسسه قلم بكتابه سابقة، وهذا الذى شهدته في هذا المطوف الذى اقتحمنا وحاول غزونا قبل بلوغ الغاية وظن بعض الحجيج متاعا توضع عليه اليد ويملك بالسبق وصيدا يظفر به ويحل له قبل دخول البيت الحرام، فكان خطؤه في سعيه إلى مصلحته أشد عليه من مصاولته ومجاولته، فنكبه مسلكه الصواب في بغيته، لأنه لم يعلم أن لكل وجهة من الجدوى مأتى تستنزل به عوائدها ويقرب معه ما استصعب منها ولو تعود حسن الرؤية لهداه الله إلى صالح التوفيق.
قضينا ليلة السبت ونحن على أشد ما نكون شوقا وأضجر ما نكون من تلكؤ الباخرة وتتبع المطوف المدسوس أثارنا حتى لكأن بينه وبين من لم يتخذوه ثأرا مبيتا، ويا ويلته كيف لم يعرف وهو كهل ناضج أن الحاج يتجهز في مصر بأسماء من يحتاج إلى معونتهم، وصاحبنا هذا ما زال يتدسس المسافرين حتى دخل في جملتهم وتلطف لجماعة الخدم حتى تزعمها بالحيلة وحس المداهنة فلا يعرضون له بطرد أو محاسبة.
وإنى ما سمعت من قبل عن المطوفين من سوء، وأحسنت بهم الظن كل الإحسان واعتبرت لقاءهم بركة وتحيتهم حسنة والترحيب بهم من أسباب المغفرة، ولم أصدق قط ما رواه عنهم حاج حانق أو عاذل، ولم أعتقد قط أنهم جمعوا مالا من ظلمهم أو سوء تسلط وفظاظة طبع ولم يتحيلوا قط للوصول إلى منفعة لا يبلغونها بالحق غير أنى رأيت بعض المؤلفين يدافعون عنهم دفاعا حارا، وهذا المؤلف لم يجربهم ليصدق حكمه ولم يصحبهم ليصح رأيه فيهم، ولكنه تطوع فملأهم بالشبهات وانتحل لهم المعاذير ولم يوجه إليهم تهمة.
والأفضل أن تترك هذه الطائفة ليحكم كل حاج على مطوفه دون دعاية أو ترويج أو تمحل، فإنها من أهم الطوائف في الحجاز إن لم تكن أهمها قاطبة وألصقها بالحجيج حتى لا تخفى عليهم من شئون الرجال والنساء خافية من ساعة الورود إلى ساعة الصدور، فهم ألزم لك من ظلك وألصق بك من جلدك حتى يصبحوا أعلم بك من أهلك وولدك.
(?) الوصول إلى جدة

فى صبح الأحد ????/??/?? ألقت الباخرة مراسيها على بعد أميال من الثغر الذى بدا كالحلم الأبيض طولا وعرضا وارتفاعا، وإن المدينة ليست بيضاء في حقيقتها ولكن الله بيض وجهها في نظر القادمين.
وبعد برهة من توقف آلات السفينة شق البحر علينا أسطول صغير من السنابك واللنشات والشراعيات ذوات المداخن والأجنحة والساريات، وتسلقت الباخرة فرقة من الحمالين والبحارة والمطوفين والسماسرة ورجال الحكومة والأطباء والقناصل والشرطة والبصاصين ووكلاء الشركات الأجنبية والتجار والأصدقاء والأشراف. ولم تلق الباخرة مراسيها على هذا البعد إلا لقلة عمق الماء وانتشار الشعب في جوار الميناء حتى أن بعض البواخر ليحدوها الشوق فتعانق شعبا عناقا يطول أو يقصر تبعا لتوفيق المسافرين، وفي الميناء باخرة غرقت بعد أن احترقت.
وكان بعضنا منشغلا بجمال البر والبحر، وبعضنا يحقق النظر في وجوه الصاعدين ليجد السحنة الجداوية، فما رأى سوى زنوج وهنود وبخاريين وجاويين وبدوا وليس لجدة طابع وإن كنا التمسناه في كل قادم. وقد جاء الحمالون والبحارة في ثياب خلقة لحاجتهم منذ بداية الحرب وتوقف الملاحة، ولكنهم يتكلمون ويتحكمون لعلمهم بأنهم يحتكرون النقل والتعدية، فلا الحكومة تعترض رزقهم ولا تتصدى لهم ولا الحاج يتأفف لأول عهده بالحجاز وما زال سفطه عامرا. ثم قبل ذلك وبعد ذلك لا جدال في الحج ونحن أحوج ما نكون إلى تلبية نكسب بها أجرا لا إلى نقاش نوفر به دينارا.
غير أن شيئا واحدا لم يرق الحجيج، هو أن أصحاب اللنشات حملوها فوق وسعها في الذهاب وأخذوا ما شرطوا، ولدى العودة منعوا أن ينزل من جدة إلى الباخرة أكثر من أربعة أشخاص فى كل لنش فجاؤوا جدة قبل الحج ثقالا وعادوا من جدة بعد الحج خفافا وقد بلغت معظم اللنشات من القدم ما لا تؤمن معه عاقبة النزول بها.
ويخيل إلى أن تلك النقالات البخارية «الكهنة» تخزن من الموسم إلى الموسم ولا تنشط إلا شهرا، ففيها المخرق والممزق والمحطم والمعرض للاحتراق والغرق، ولكن الله سبحانه وتعالى كفيل بالنجاة والإنقاذ فيرسل الريح رخوا رهوا يزف موكب أضيافة المحرمين القاصدين إليه يملأ شراع المراكب ريحا طيبة ويملأ نفوسنا فرحا وزهوا، فتترامى إليك عن بعد أصوات الفرح والأغانى والأناشيد والزغاريد المصرية التى تسمعها في الأفراح والأعياد فلا تبالى خوفا ولا حزنا، ولا تشعر إلا بأنك محمول على أجنحة الملائكة وتبدو لك جزيرة سعد، وجزيرة سعيد وقرى الصيادين، ثم يأخذك جمال البحر وبياض جدة كبطن سمكة فضية ممتدة تتنفس الهواء وتداعبها أشعة الشمس الذهبية.
واسمها جدة بالضم الطريق الممتد وبالكسر اليمن والسعادة وبالفتح الطريق الواسعة، وكلها أسماء صحيحة لأنها طريق فسيحة تؤدى إلى اليمن والسعادة، ولا أعرف من تاريخها شيئا غير أن النبي رعى غنما بينها وبين مكة وأن قضاعة سكنتها وأن الذى جعلها ثغرا حكومة الإسلام في خلافة عثمان، وهي ميناء مكة كما أن ينبع الماء ميناء المدينة ورابغ بين الأثنين، ومن شعبها المرجان واليسر، ومن نبات مائها العندم أو دم الأخوة، ولعل البحر الأحمر اكتسب اسمه من انتشار هذا اللون بمائة، وكثير من أهل جدة يحبون اللون الأحمر، وقد استعصت هذه الميناء على أسطول البرتغال في نصف القرن العاشر الهجرى، ومنازلها عالية كمكة والمدينة ذات سقوف عالية ونوافذ كبيرة ومشربيات ورواشن وزينتها الخشب المنقور، ولو طليت بلون الجوز لعادت كقصور المماليك التى تقلدها في العمارات الشبيهة بالعربية (أرابسك).
لقد لقينا قنصل مصر، وحكام المدينة وأعيانها ورحبوا بنا ثم أسلمونا إلى طائفة المطوفين الذين جلسوا صفين على سرر متقابلين يسألون كل حاج في رفق عن اسم مطوفه ويعرضون عليه خدمتهم، كالمرضعات القادمات من البادية، فحفظك اسم واحد منهم رحمة وتعويذة، ويا حبذا لو يكون غائبا ولا وكيل له، فتشعر أنك طليق لا قيد عليك وتدفع له ما يشاء.
ثم يتلقاك عمال الجمرك وهم سادة ظرفاء ذوى عمائم وقفاطين، ففاحص الجواز فحمالو البر، ثم تخرج إلى الشوارع المتربة الشديدة القيظ والعفار في آخر ديسمبر كأنك في مصر في بوؤنة فتستمتع بصيف جديد لم تلده شمسك.
(?) فندق الحكومة السعودية بجدة

وسرنا إلى فندق الحكومة السعودية بجدة وهو في قصر قديم مظهره لا يدل على حقيقته، فإن بداخله غرفا فسيحة كالتى ما تزال تجدها في سوق السلاح وفي القلعة ذات ليوان وصفة ورواشن وسقف عال وأركان هادئة مفروشة بالسجاد الفاخر والاسرة الثمينة النظيفة، ولا يغيظك فى جدة إلا الماء الملح الذى يصفى من ماء البحر فتتجرعه يائسا ويشتد ظمأك فكأنك تشرب ظمأ وعطشا لا ماء يطفئ العطش، ولا يشرب بها إلا الماء المعدنى إن وجد وماء المطر في بيوت قليلة، وقيل لى إن بها عينا اسمها عين الرغامة لم نذق طعمها رغم ما بذلنا، لأن أهل جدة استطعموا ماء الكنداسة وأحبوا أن يتفكهوا بماء المطر وهي محفوظة عندهم في صهاريج كصهريج السيد البدوى.
(?) أسواق جدة

وقد سرنا عصرا في أسواقها فرأينا الأصداف واللؤلؤ والمرجان والأقمشة والعطور والجلود، والأنماط والسجاجيد وبضائع الهند واليابان ومصر والشام والحبوب والثمار، والمصوغ من الفضة والذهب، وبها بعض الخانات للروم والأوروبيين الذين يقطنونها، وهي المدينة الوحيدة التى يدخلها الفرنجة ولا نفوذ لهم فيها، وفيها مساجد جميلة ودور شاهقة وسلالمها مذمومة لارتفاع الدرج وضيقه، وأجمل قصورها في حى البنوك والقناصل لهولاندا وروسيا وإنجلترا وفرنسا، وبها حدائق وطنف وستور من الحبائل لمنع الذباب والبعوض وعلى أبوابها الخدم وفيها النور الكهربائى والمذياع، وابتنى بعض تجار الهند من أسرة زينل قصرا فخما على شاطىء البحر يلقاك عند دخولك جدة من مكة أو من المدينة.
(??) بيت الأفندى نصيف

وأكرم بيت فيها وأفخمه وأعلمه وأرحبه بيت الأفندى نصيف، عيلم البلد وغطريفها وحجتها في العلم والدين والأدب والاجتماع والتاريخ، ودرجه سهل هين يصعد عليه الفارس بجواده فلا يجد حرجا، وبه مكتبة خاصة تحوى عشرين ألف كتاب من نفائس المطبوع والمخطوط، وهو مفتوح على مصراعيه لكل ضيف، وتعقد به مجالس الأدب والسمر في كل ليلة.
وطفنا بالأسواق وهي طويلة عريضة مسقفة، والتجارة في أيدى الهنود والجداويين والحضارمة والأعجام والبخاريين والسمرقنديين والأروام، ونقودهم الروبية والريال السعودى والجنيه المصرى والإنجليزى والريال اليمنى، والغرباء أغنى أهل البلد وقد تصل ثروة بعضهم مليونا وبعض سراتها أفنوا أموالهم في الكرم والعلم والإحسان، وفي ظاهرها مصنع لتكرير الذهب وخزانات للبترول، والتعليم فيها محدود ويجيد بعضهم اللغات الأجنبية وحساب التجارة، ولم أر بها صحيفة وإن كان بها بعض المكتبات ملحقة بتجارة أخرى، فترى بقالا كتبيا وخياطا كتبيا وبزازا كتبيا حتى ذكرت المرحوم الساسي الذى كان يبيع الكتب والبطاطين والزيت المغربى، كما رأيت في سويسرا مكتبة شهيرة تبيع قوارير العسل.
وما زال حاكمها يسمى قائمقاما كما كان في عهد الترك والأشراف، ولكن زيارة الملك والأمراء والوزراء لجدة لا تنقطع فإنها مقر السفراء الذين لا يتعدونها ما لم يكن أحدهم مسلما كوزير مصر والأفغان وإيران والترك والصين، والأسواق حافلة بالبضائع والناس فى موسم الحج، وهم يرفعون الأثمان درجة للرواج ويجلبون إليها ما لا تجده إلا في أسواق الحجاز، والأثمان أرخص من أثمان مكة والمدينة لأنها لا تتحمل نفقات النقل.
أما الفندق الذى نزلناه وهو الوحيد فخدمته حسنة وبه تليفون يصل إلى مكة وإلى أعيان المدينة تطلبهم بأسمائهم فتقول «يا مركز أعطنى بالإ (أى بالله أقسمت عليك) فلانا يا أخويا!» فيصلك به ويبحث لك عنه إن كان غائبا، وبها بريد وبرق ومصرف هولاندى ومراكز شرطة ومحكمة شرعية.
(??) قبر حواء بجدة

وبجدة قبر حواء أم العالمين، وطوله مائه وخمسون مترا وارتفاعه متر وعرضه ثلاثة، وكانت هناك قبة على موضع السرة الشريفة، وأى سرة أشرف من تلك التى جملت الجنس الإنسانى كله وتمخضت عن شيث ونوح الخ! ولعل هذا الضريح كان هيكلا جاهليا للأمومة فلما جاء الإسلام أبقت عليه عادة التقديس.
غير أنه لا سادن له وإن كان به مزورون يدلونك على موضع القدمين والرأس والعين. ومن سوء الأدب أن نجادل في مدفن الأم حواء حتى ولو لم نهتد إلى قبر زوجها رأبينا.
ويؤيدنا فى احترامنا أن الشريف عون الرفيق حاول منذ خمسين عاما أن يهدم «قبة السرة»، فاعترضه القناصل وأدخلوها في حماية الدول بحجة ظريفة وهي أن حواء ليست أم المسلمين وحدهم وإنما هي أم البشر جميعا، فصدع الشريف وأرغم على البر بوالدته.
وقد بالغ الذين زعموا أن جدة بلدة لا تطاق ولا يعاش فيها لشدة حرها وكثرة عفارها وخطر بعوضها، وقد زرناها ثلاث مرات أقصرها أولاها وهي التى وصلنا بها من الباخرة ظهر الأحد ?? وواصلنا السير منها إلى مكة في الساعة الثالثة ليلا بالتوقيت العربى.
ولم يكن زهقنا من جدة، ضيقا بها ولا خوفا من بعوضها ولا ضجرا من مائها، ولكن تعجلا منا في الوصول إلى مكة المكرمة، التى صارت في ذهنى كلما دنوت منها حقيقة مجردة، كما كانت من قبل موطن الأحلام.
والمسافة بين المفوضية المصرية وفندق جدة قصيرة جدا. ولكننا لم نقسها في ذهابنا إلى الغداء على مائدة الوزير المفوض. ولا أنسى يقظتى من رقدة الظهر، رقدة يستريح الجسم فيها بعد طول السهاد في الباخرة، فقد لمست الفراش الثابت واستسلمت للنوم، وما كدت أشعر بلذة الغفوة التى هي بعد طول السهر أعظم نشوة حتى شعرت بيد وصوت يدعونى صاحبها لليقظة، بالله ما تمتعت في حياتى بمثل هذه الراحة، وإلا انتزعنى منها أولاد الحلال البررة. غداء الوزير المفوض! فنهضت أجر رجلى وألم أطراف الإحرام وأشكر الله الذى أكرمنى أول وصولى بغدائين، واحد في الفندق وآخر في قصر المفوضية!

الفصل الرابع
إلى مكة المكرمة


فى المفوضية المصرية كان مجمع العلماء والسادة الأجلاء وحديث الوصول وذكر الكعبة وسيرة الرسول وأصناف طعام لا تخالف ما يؤكل في مصر أو على ظهر الباخرة، ما عدا الحبحب (البطيخ أو الخريز) في غير الأوان، واستقبال القنصل ووكيله بأدب جم وإتيكيت يشرح الصدر ونظام يفوق الوصف.
ولكن متى نسافر إلى مكة؟ اليوم. وأية سيارة لورى تضم كياننا وتحمل متاعنا ومتى نصل. وأين المطوف أو وكيله، وقد قيل لنا إنه يتسلمك من الباب إلى الباب ويقابلك في جدة لدى البلوغ ليودعك بها لدى القفول؟ المطوف قد يسوف. وليس للكواشين ميعاد.
عدنا إلى الفندق وجلسنا في التخت الأول (غرفة فسيحة في الدرجة الأولى) وصلينا متوجهين إلى تلك الكعبة التى نرتقبها، وعما قليل نفذ السير إليها في البر لنعوض اليوم الذى فقدناه فى البحر، وعما قليل جاءنا صالح بنبأ. لن نسافر في لورى لأنها ترج العظام وقد أراد قائمقام جدة الشيخ إبراهيم بن المعمر حفظه الله أن يتفضل علينا بسيارته الخاصة، فأبى الوزير إلا أن يتحفنا بسيارته وسائقها محمود السوداني الفقيه وهو من حذقة القائدين الحماة.. على بركة الله. كان معنا أضياف أبت مرؤة المرافقة أن نتركهم لوحدة اللورى وأبت السيارة وسائقها أن يحملاها أكثر من وسعها، وأوشكنا أن نظلم أنفسنا ونعدل، ولكن الله سلم. ونهضنا نربط ونحزم ونودع الذين استطابوا قضاء الليل في جدة لأن للنهار أعينا يرى بها ما لا يراه الظلام. ولكنى عزمت أن أستبدل أعين القلب بأعين النهار. ودفعنا حساب الجلوس في الفندق وقصدنا إلى بيت الله الكريم في الساعة الثالثة ليلا وهي تقرب من التاسعة بالتوقيت الإفرنجى.
وانطلقت السيارة ونحن نلبى تارة ونكبر أخرى ولا نمل ولا نتعب. وإنه منظر لا ينسى وفترة من الدهر تترك في النفس أوقع الأثر وحلم يتحقق وأمل يتحول من الخيال إلى الحس.
(?) فى الطريق إلى مكة

كنت أتخيل قافلة الجمال والاهتزاز المنظم على وتيرة واحدة في الشقدف أو على أظهر العيس التى «تطوى البيد طى» التى قال الله في حقها إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، ولكن الله يخلق ما لا تعلمون ويريد أن يخفف عنا، رأفة منه وحنانا.
لم يكن في السماء نور غير نور الكواكب، ولكن محمود الفقيه السائق الحاذق يعرف طريق مكة معرفة أكيدة ويتقن السير في الصحراء.
رأينا أشباح الجبال في الليل وهي غرابيت سود، وأحسسنا الهواء البليل، ولكن شعرنا بأننا نقطع أرضا جرداء لا حياة فيها لنبات أو حيوان. أشباح حجارة قائمة لا تتنفس، وجبابرة من رؤوس جبال تجرى سراعا كأعمدة البرق لراكب القطار، سلسلة لا تنقطع كأن حلقاتها ملتحمة بيد الدهر، وهنا وهناك أعشاب النجيل والعقول لها قباب واطئة وقد يكمن فيها ضب أو ذئاب. لا بد أن يكون هذا الجبل هو القائم وبعده الرغامة ثم أم السلم، وهذه قهوة في الطريق وهي تعرف بأسماء أصحابها، ولها في حياة الصحراء شأن كبير، فهى المطعم والاستراحة والفندق ومصنع تصليح السيارة ومأخذ الماء والبنزين، وفي جوارها يكمن الشرطى المحافظ على الأمن والموظف الذى يفحص الكواشين، وبجوارها الصراف الذى يعطيك القروش والهللات بدل الريالات، وبائع القوقع المستخرج من البحر وتاجر السمك الحديث العهد بالصيد.
وهذا الوادى الذى نسير فيه بين جبلين من اليمين والشمال يضيق ثم يتسع فمن الذى شقه ورسمه وسهله للمسافرين؟ ومن الذى فتحه ولم يكبد سكان جدة ومكة وأرباب القوافل مشقة نسف الجبال لصنع الأنفاق؟
كان سائق سيارتنا صامتا، لا ينطق إلا بلمحة تاريخية أو فتوى شرعية أو نبذة من تاريخ الصالحين. شعرنا أنا نميل إلى جنوب بشرق قبيل بلوغنا بحرة وهي مسقط رؤوس الذين اسمهم بحراوى وينتسبون إليها من أهل السويس وبورسعيد، وكانت مبيت الحجيج في القوافل بعد جدة، ولكنا مرقنا بها مروق السهم لأن المسافة التى تبلغ خمسة وسبعين كيلو قد آلى سائقنا الهمام أن يقطعها في عددها دقائق لسببين؛ الأول أن سيده الوزير يحب أن يقطعها في ثلاثة أرباع الساعة، والثانى أنه يريد أن يعود إلى جدة لأنه موظف حكومى ويجب أن يحفظ النظام ويتبع القانون، ولكن محمودا لم يقل شيئا من هذا، وإنما فعل فعل الذى لا يقول.
(?) التكارنة

بعد بحرة بدأنا نرى أشباحا في الظلام، أشباح إنس لا جان، هؤلاء حجاج من التكارنة والهنود يقطعون الصحراء مشيا على الأقدام، كان لهم «سيلوهيت» عجيب تكاد تراهم كرسوم سوداء على ورقة بيضاء، طوال القامة كبار الهامة، محرمون يحملون على رؤوسهم أحمالهم، متاعهم وطعامهم إلى حين، لا يبالون ما يلقاهم في الطريق وهم يسيرون أزواجا وأفرادا لا جماعات.
لقد احتقرت نفسى، وقل في نظرى مجهودى الذى لا يعد شيئا بالنسبة إلى مجهود هؤلاء المقطوعين. أقطع البيداء بالسيارة وهم يقطعونها حفاة عراة حاملين، وكلنا نقصد عبادة واحدة في مكان واحد لرب واحد.
كدت أستوقف السيارة لأسير معهم أو أنقلهم معى ولكن رفاقى نهونى قائلين هذا تقصير منك في البلوغ وسوف ترى من هؤلاء الكثير. ثم إنهم منذ مئات السنين فعلوا هذا وآباؤهم وأمهاتهم من قبل، ولكن هذا لم يقلل من شأنهم في نظرى ولم يرفع من قدرى في عين نفسى اللهم غفرانك هؤلاء أفضل منى. هذا معنى الحج الذى أدركته قديما أن أسير إليك حاسر الرأس خاشعا حافى القدمين.
فقال أحدهم وهو في عنفوان الشباب: ولكنك تهلك قبل أن تصل، أتسير في مصر من القاهرة إلى طنطا على قدميك؟ فصبرت على أحر من الجمر، وقلت لا أقل من أن نقف لنعطيهم زادا وماء، فقالوا معهم كل ما يطلبون والأمر لله.
هذه قافلة جمال ولكن قائدها لا يغنى لها. فأين حادى العيس؟ لقد سلبت الحضارة من قلبه أفراح الحياة وكتمت ظروف العيش أنفاسه وأخفتت صوته. وهذه الإبل الضئيلة تسير في توأدة غير محتاجة إلى الأنغام. ما أجمل الصورة في الظلام، خط طويل ذو سنامات متحركة وأعناق طويلة، تسيل بها البطاح وقد حملت أحمالا من الميرة والصناديق في ظل الجبال. هذه هى الجبال والجمال في ضوء كواكب السماء. انظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى الجبال كيف صنعت، وإلى السماء كيف رفعت، وانظر تلك السماء التى زينها الله بمصابيح. ما أجمل تلك المعانى التى لم يكف القرآن عن التنبيه عليها ولفت أنظار المسلمين إليها. ولكنى رأيتها الليلة رأى العيان. هذه حياة العرب. سمعت عن ملحد مرتاب أنه رأى الطائرة فلمح إلى آية الإبل سخرية، وهو رجل من العراق، ولكنه لم يجد من يقنعه، هذه الإبل خدمت ألوف السنين، ولم تستعمل في شر وقضى عليها أن يخدم وتحلب وتنتج وتنقل الناس والتجارة، ثم تنحر هديا وطعاما، أما الطائر فقد استعملت للفتنة والقتل، وسرعة عطبها خير دليل على ريح الشر الكامن فيها، مولولا الطائرات ما هلكت أمم آمنة ولا تحكم الأقل الأقسى في الأكثر الأرحم، فلنترك الملحد في غيه نطلب له ولأمثاله الهداية، ولا نود أن يذهب ضحية إحدى تلك الطائرات التى أعجبته أكثر من صنع الله. وهو بعد، ألا يعلم ان مخترع الطائرة نفسه ومسيرها ومصححها قد خلقه الله من قبل وهداه، فالإبل أكرم عند الله من الطائرة، لأن الله خلقها مباشرة أما الطائرة فمخلوقة في الدرجة الثانية، لأنها مصنوعة بيد من خلقه الله وأرشده. سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـ?ذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ.
بعد بحرة استع الوادى واتصل بوادى فاطمة، وهو أكثر أرض الحجاز خصوبة، وقد ملكته قبائل الأشراف وزرعوا فيه الخضر والبقول التى تمون مكة، وفيه عيون ماء كثيرة، وها نحن نشم ريح الزرع من نخيل وأعناب، ونلمح مجارى الماء ويحمل إلينا النسيم عطر البساتين، ولا أدرى لم اشتهرت بحرة ولم تشتهر جدة أو الشميسى، وهو الجبل الأشم الذى في سفحه الحديبية التى وقع فيها صلح الحديبية، وتمت محالفة العشر السنوات بين النبى والمشركين، ولم أدر لم أطلقوا اسم الجبل ونسوا الحديبية وهو أخف وأظرف وأمجد في التاريخ. كان الشاطر محمود يود أن يحرق الشميسى أو يلحسه، أى يتغفلنا فلا يقف فيه ويحرمنا من استنشاق هواء استنشقه رسول الله وصحابته من خيرة المهاجرين والأنصار، ويضنن علينا بالصلاة في هذا المكان الطاهر. ولكن الله أكرم. إن الشاطر محمود يمر بالشميسى عشرات المرات في كل عام ولا يلقى إليه بالا، ولعله لم يسمع باسم الحديبية إلا على لسان سيده الوزير. ولكنا وقفناه بالقوة متعللين بالتعب والرغبة في شرب الشاهى. والحق أننا نريد أن نخطو حيث خطأ الحبيب ونصلى حيث صلى، فاستقبلنا صاحب القهوة وتوضأنا وصلينا وشربنا الشاهى إلا محمود، فإنه أبى وقال في صيغة بروتوكولية «أنا موظف حكومة لا أستطيع الانتظار، وأريد العود الليلة إلى جدة لأن رئيسى المباشر (كذا) لا يطيق صبرا عن ركوب السيارة. فهيا» ونظرت في وجهه ورأيت لمحات لم أستبنها في جدة، إنه سائق غير عادى، ومن الخطر أن تكل أمورك إليه. أهى نعرة الوظيفة أم نعرة الفقه الذى يدعيه أم غريزة الإرهاب للوصول إلى أعلى مكافأة من الراكبين. لعله توهم أننا نسافر إلى مكة بغير أداء، أو أن سيده قدم السيارة متورطا أو أننا قوم ينطلى علينا التهويش، وقد جاملناه المجاملة كلها، وكان كلما تلطفنا استشاط غيظا وحمية كحمية الجاهلية الأولى.
سرنا في طريقنا فألقينا سيارة سيدتين كريمتين ضل بهما السائق ونفد زيته، ولو لم يدركهما الله برحمته لقضتا الليل في الظلام والبرد، وإحداهما مسنة عليلة تنقل على مقعد متحرك، فتوسلنا إلى سائقنا أن يسعفهما وهذا واجبه ولكنه أبى واستكبر ونفخ وطبخ وأنب ووبخ، وصار يقول لأحدنا «اسمع أنت يا شيخ أنا موظف حكومة» والله لقد ثبت لدى تجلى الله سبحانه علينا بالحلم والصبر فقد حلمنا وحملنا وصبرنا وكان السير أهون من هذه السيارة الحدباء وسائقها الموظف المتفقه (وسيأتى سر فقهه فيما بعد)، وصار أحدنا يرجو الآخرين فى الاحتمال، ويذكره بأنه لا جدال ولا فسوق في الحج فنلبى ونكبر ونرجو ولا نأمر.. وأخيرا خضع هذا الجبار وأسعف سيارة السيدتين وسار بنا إلى باب مكة من ناحية الحجون، وهو الباب الذى دخل منه الرسول عليه الصلاة والسلام.
وقبيل الوصول لقينا قهوة على اليسار مضاءة مزدحمة، فنادى أحدنا باسم المطوف فوجدناه مصادفة وكنا سمعنا عنه الثناء الجم، فأقبل الرجل وهو ضئيل الجسم خفيف الوزن أندنونسى السحنة، له وفرة من الشعر، وثيابه حسنة ومحضره مقبول، ومعه ابنه في التاسعة من عمره، قد سهر الليلة بطولها مع والده ليقابل الحجيج، فأشفقنا على الصغير وأردنا أن نصطحب الوالد والولد إلى المسجد الحرام لنطوف طواف القدوم والسعى، ولكن السائق الكريم المؤرخ الثبت، والفقيه المتبحر فقد البقية الباقية من عقله «ورأسه وألف سيف» لا يتحرك ولا ينتقل بنا، لأن السيارة قد تلفت ولأن «السوستة» عدمت ولأن «الفتيس» اضطربت و«الدبرياج» حرقت الخ، وأقام الدنيا وأقعدها، وأخذ يحوم حوالينا ويصرخ، ويجمع الناس من القهوة والطريق ويتلوى كالحنش، ولم تنفع معه حيلة. أنترجل ونسير ونحن على قيد دقائق والليل مضى معظمه ونفوسنا مهيأة وفرحة بالوصول. وأين لنا سيارة في هذا الليل تبلغ بنا المسجد الحرام. وصار يخطو ويصيح لنا «أنت يا شيخ وأنت يا شيخ» ثم التفت إلى ولم أكن حركت لسانى بكلمة سوى التلبية منذ قمنا من جدة، وقال «أنت يا شيخ ساكت (كذا) ما تقول كلمة. أترى السيارة قد عطبت وسيدى.. وأنا موظف الدولة … الخ»، فنظرت إليه باسما وقلت: «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيكإن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك».
وتعلق المطوف وابنه بأهدابنا وجلسا على ركبنا، وضغط جمهور المكيين الجالسين بالقهوة على السائق فحوقل بعد أن زأر وزمجر، وطغى وتكبر وقال: الأمر لله.
وسرنا والمطوف وولده يقطر جبينهما ماء الخجل، ولا يعلمان لهذا المسلك الشاذ سرا، ولفت المطوف انتباهنا إلى قبر السيدة خديجة منذ صرنا بحذاء المعلاة فقرأنا الفاتحة.
(?) فى ضواحى مكة

وسرنا نخترق ضواحى مكة في سكون الليل، ونصعد في هضبات ونهبط في «مطبات» وندخل فى حارات ضيقة وأخرى واسعة ونرى بين الذهول والفرح أبوابا عتيقة وعتبات برتها أقدام الداخين والخارجين، ونرفع ببصرنا فنرى رواشن وسقوفا عاليا، وطنفا ونوافذ مغلقة يتخللها ضوء ضئيل. ونسمع همسات ولا نرى وجوها فقد انقطع سير المارة بعد نصف الليل. ويصل إلى سمعنا في كل حين صفير طويل من أركان مظلمة، وهم الشرطيون يتنادون بالصفير دون النداء أو السعال كالبلاد الأخرى.
ثم بلغنا سوقا فيها بعض الدكاكين وبعض المارة، فقال المطوف هنا أقرب مكان إلى المسجد الحرام، فترجلنا وتشاورنا في الجزاء الذى نقدمه في خضوع للباشسائق خشية أن يغضب أو يتهمنا بشروع في رشوة، فجمعنا ما أجمعنا على قربه من الكفاية — لأن مثله لا يدفع له إلا مبلغ من الميزانية بعد موافقة المجلسين — وتقدمنا إليه كالجرذان التى اتفقت على وضع الجرس في عنق السنور، فلما رأى المال القليل ضحك وتمايل وتثنى وأبى واعتذر وقال يا سادتى سامحونى. أنا خادمكم وأقسم قسما. وقلنا له لن يعلم أحد بما جرى منك علينا. فأخذ المال وانصرف وحمدنا الله.
أى وربى وربك لم نتحامل على هذا الرجل ولا غيره من الرجال، ولم نرغب في محاسبته أو شكاته، ولكنا أسفنا على ما يفقده الرجل الفطرى لدى الاحتكاك بالحضارة، فإن الحياة فى هذه المدينة (جدة) وقيادة السيارة تعد حضارة بالنسبة لهذا الإنسان.
وماذا حمل الأنبياء للأمم من التعاليم، وأى شيء أفادته المجتمعات المختلفة في خلال العصور. إن رسالة الأنبياء معروفة في كل زمان ومكان، وهي تلطيف خشونة الطبيعة البشرية، وقهر ميولها البهيمية، وردها إلى حدود الاعتدال، وتوجيه الشخصية الإنسانية وجهة الخير والسمو والصلاح، وإلى أن العدوان الذى يرتكبه الإنسان في حياته الأرضية يحاسب عليه فى تلك الحياة.
ألست ترى ألوفا مؤلفة من الجماعات قائمة في الأرض على أخلاق السباع والذئاب والدببة؟ فهؤلاء يعيشون تبعا لقانون الغابات والأحراج ولهؤلاء نزلت الأديان لتهذيب فطرتهم التى تكاد تكون وحشية. لم يكن هذا السودانى ليشغل بالنا لو لم نكترث لمستقبل الإسلام والمسلمين، وقد حاولنا توطينه أى تحقيق وطنه فلم نفلح وكان أحدنا وأصله ضابط بالسودان يناغيه كما تناغى الأم ولدها العاق قائلا: هل أنت من الخرطوم أم من أم درمان؟ أنا حضرت موقعة توشكى وفتحت عموم السودان (كذا).
ولكن الرجل لم يكن يلين ولا يعامل أضياف الوزير إلا كأحجار النرد التى تطرح بها مكعبات «الزهر» كيف تشاء. فما يكون شأنه لو يؤتى سلطة حقيقية؟ بل ماذا فعل كافور بالمساكين من رعاياه؟ ألم يعلم فضل الإسلام عليه وأنه لم يجعل لأبيض على أسود فضلا إلا بتقوى أو بعمل صالح، وأن رسول الله ولى بلالا المدينة وفيها كبار الصحابة وأصله مملوك حبشى اشتراه أبو بكر وأعتقه، وأن أبا ذر الغفارى احتد على أسود في حضرة الرسول وقال له يا ابن السوداء، فغضب النبى وقال له إنك امرؤ فيه جاهلية ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل.
فلم أراد هذا السودانى أن يكون له علينا جميعا نفوذ وأمر وتحكم؟! لأنه سائق سيارة أعارها مولاه ضيوفه مسافة الطريق من جدة إلى مكة وقبلوها متورطين لا مضطرين خشية أن يوصفوا بإباء الكرامة على صديق!

الفصل الخامس
أمام الكعبة المشرفة


بسم الله الرحمن الرحيم
يوم الجمعة ? يناير سنة ???? الساعة ?? وربع عربى. في البيت المحرم أمام الكعبة المشرفة.
اللهم إن هذا الحرم حرمك والبلد بلدك والأمن أمنك والعبد عبدك، جئتك بذنوب كثيرة وأعمال سيئة أسألك مسألة المضطرين إليك، المشفقين من عذابك أن تستقبلنى بنحض عفوك وأن تدخلنى فى فسيح جنتك.
اللهم إن هذا حرمك وحرم رسولك، فحرم جسدى على النار، اللهم أمنى من عذابك يوم تبعث عبادك.
اللهم حمدا وشكرا وثناء عليك لما أنعمت على وتفضلت وتكرمت وأحسنت بإمتاعى بدخول بلدك وغشيان بيتك العتيق المعظم، وسماحك لى على عصيانى وضعفى وخطئى وذنوبى بأن أصلى وأمرغ جبينى في تراب عتبات بيتك.
يا رب. لقد رأيت آيتك. فسمعت نداءك ولبيت دعوتك. في وقت ما كنت أظن فيه أننى جدير بهذا العطاء الجزيل، فقد أعطيتنى كثيرا ولكنه قليل بالنسبة إلى كرمك ولا غرابة ولاعجب أن تشمل المذنب بعفوك وأن تسدل عليه أستار رحمتك.
اللهم إن قلبى فارغ إلا من محبتك، ورقبتى معتوقة إلا من الذل إليك والخضوع لك، وعقلى غير مشغول إلا بك.
يا رب سبحانك لقد أعطيتنى هذا العطاء الجسيم في الوقت الذى كنت فيه أشد احتياجا إليك.
شكرا يا رب لقد صليت إليك صلاة الحاجة والاضطرار، وأعلنت شوقى بقلبى ولسانى لك في صلاتى فما كان أسرع ما دعوتنى.
عندما قربت من مكة المكرمة ليلا في الساعة السادسة من ليلة الأحد ?? ديسمبر شعرت بهزة ورجفة يمازجهما الفرح والاستبشار.
لقد ذكرت ربى ورسوله وذكرت عطف ربى روحمته، وذكرت الإيمان الذى ملأ قلبى وجعلنى أنسى كل شيء في سبيل هذه التلبية. وعندما دخلت من باب السلام وقرأت آية القرآن وظهرت لى أنوار الكعبة، وبدا لى بيت الله الحرام في جلاله وجماله وبهجته وروعته، نسيت كل شيء وسهوت عن كل شئ واجتمعت الدنيا والآخرة كلها في هذا البناء الضخم الرقيق، وخيل إلى أننى أراه منذ الأزل وأستمتع به من قبل أن أولد، وأننى ما زلت له مصاحبا في طفولتى ورجولتى، وأنى أراه في صحوى وفي رقودى وفي أحلامى، وأننى أراه في كل وقت وفي كل مكان وأنه مستودع أسرار في نفسى وأنه غلاف نفسى، وأن نفسى وروحى تحيط به، وأن قلبى يتسع له اتساع عينى وبصرى وأن الكعبة جزء منى ببنيانها وأننى جزء منها، وأنها سر وجودى ووجود سرى ومطلع نور قلبى.
لا أذكر تصويرها ولا أذكر وضعها، لقد نسيت كل شيء إلا صورة حقيقتها. لقد كنت في نصف الليل، وكان المسجد هادئا ويكاد المطاف يكون خاليا، وهذا هو الحجر الأسود كسواد العين في جفون من الفضة، فهويت إليه وقبلته في شغف، لقد استلمه رسول الله وفي هذا الجو عاش وتنفس حبيبى محمد، وتألم وصبر حتى أنقذ هذا المكان المقدس من الشر والكفر والأوثان.
أترى المعركة الكبرى والنصر الأعظم. هل كانت المعركة على مكة أو على الكعبة، على الجسد أم على الروح. وهذه هي الأستار السوداء المطبوعة باسم الله وبالصلاة على رسوله، وهذا الباب ذو الروعة، وتلك العتبة المرتفعة والملتزم الذى به يتشبث الزائرون والطائفون. نور فوق نور ورحمة تلاحقها رحمة.
وهذا الإحرام الذى كسوتنى به تشريفا وتعظيما لى لأكون جديرا بالمثول بين يديك في بيتك، ما أعظم معناه وما أكبر قيمته، أية كسوة تعدله وأى وسام يدنو منه؟ أليس القادرون على هبة الكسوة وتقليد النيشان والإنعام بالوسام يقفون مثلى بين يديك، لقد نسيت كل شيء حتى شخصى وحتى النسيان، وحتى الكلام الذى درجت على النطق به والتفكير فيه قبل تحريك اللسان وبعده. صرت كالعجينة القابلة لكل صورة والشمع اللين الذى ينطبع فيه الهيئة التى يريدها المشكل لها، والمصور الذى يعطيها شكلها وتكوينها.
لست أذكر أحدا إلا الله، ولا أحب أحدا إلا الله، ولا أعبد أحدا إلا الله، ولا أمجد أحدا إلا الله، وهذه الحياة التى يحرص الناس عليها فلا أحرص عليها ولا أكترث لها، وها أنا ذا أضعها عند عتبة بيت الله حيث لا يظلم أحد ولا يهدر دم ولا يعبد إله غيره. ليس الوهم الذى يصور لى هذه الحال ولا استعداد النفس الذى يضئ قلبى ولكنه الحق الذى أراه ولا ينكره بصير. «اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام وأدخلنا الجنة دار السلام، وتعاليت ياذا الجلال والإكرام، اللهم افتح لى أبواب رحمتك ومغفرتك وأدخلنى فيها. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله». السماء والكعبة المكسوة بالسواد، الناطقة بالتوحيد ورسالة محمد النبى الفريد، وحمام الحمى يطوف ويحوم وهو آمن في الليل والنهار وما أعظم منظر السماء فوق الكعبة، ولكننى لا أجرؤ على النظر إليها، ولا أعلم أشكال النجوم التي تشرف علينا في دورتها السعيدة. إنه منظر ومظهر ومخبر ومشعر لا ينسى، بل لا يغادر القلب بعد الليلة مطلقا، ولا يغيب عن عين الروح أبدا، إنها رؤية ورؤيا تصحبانك إلى أن تلقى ربك. إن صلاة فى هذا المسجد بمائة ألف صلاة كما قال رسول الله، وكيف لا تكون كذلك وإنها لمقابلة كبرى ووقفة عظمى، وخشوع لم يسبقه خشوع مثله ونور يقذف في قلب الطائف والواقف والقائم والراكع والساجد.
هل تكفى دموع الفرح؟ وهل يكفى تجدد الأمل بل تجدد الحياة في التعبير عما يختلج القلب فى تلك البرهة التى تقصر حتى تكاد تكون لمحة، وتطول حتى تكاد تكون دهرا؟ ألا كل عمر في غير هذه البقعة مضيع، وكل رجاء يوجه لغير صاحب هذا البيت خائب، وكل سعى لغير هذا الرب مردود، وكل توجه لسوى الواحد الأحد مقلوب. اللهم صحح في طرفة عين أخطائى وزلاتى وقوم اعوجاجى، وأنر بصيرتى وأرفع الغشاوة عن بصرى واهد قلبى وسدد خطواتى.
(?) قبل طواف القدوم

كانت الساعة السادسة ليلا عندما وقفنا بشارع لا نعرف اسمه متأهبين لطواف القدوم، وكنت أشعر بالإيناس ولا أحس للغربة أثرا. هذا وطن الروح كأننى عشت في تلك المدينة المجهولة لى طول حياتى. ولكن كيف أجهلها وأنا الذى كتبت عنها وقرأت أكبر مما كتبت وفكرت أكثر مما قرأت وكتبت. ليس الخبر كالعيان. إن الخرائط والرواية لا تغنى عن المشاهدة شيئا. ها نحن أولاء نسير على أقدامنا في طرق مكة وهذا الشارع الذى نعبره هو نفسه المسعى الذى سنعود إليه عما قليل، وهذا باب السلام الذى فرشت حواشيه بالمرمر وأحاط به الجلال والإكرام.
يا للروعة ويا للجلال! هذا المسجد الحرام، وهذه الكعبة المكرمة التى تتجه إليها وجوه أربعمائة مليون من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها عند كل صلاة خمس مرات في النهار والليل.
نحن في الساعة الثانية بعد نصف الليل. صف هذه الساعة بما تشاء إنها لا تحسب من العمر، بل من الدهر. ليست ليلة الزفاف أسعد ليالى الحياة كما يزعم العوام. بل هذه الليلة وهذه الساعة السعيدة بين كل الساعات أحب أن يقف فيها دولاب الزمن. وأن تبقى فسيحة مديدة فى سكون. وهذه اللذة النادرة التى شعرت بها عند المواجهة لم أحلم بأن مثلها يكون قبل تذوقها. وهذا التجلى الذى ملأ القلب فرحا ونورا، إنى أحملق ولا أستطيع إطباق الجفون وقلبى يخفق بما لم يسبق له مثيل. يكاد ينفجر من الفرح أو ينشق من قوة الانفعال. هل ينتقل العقل إلى الهالة. أم ينفصل الروح عن الجسد. هل تصحبنا ملائكة الرحمة في هذا المقام. ماذا تجدى الدموع والموقف موقف وحى وإلهام. ماذا ادخرت لى يا رب من سعادة وكيف استحققت عندك هذه النعمة وهل أنا جدير بها. فكيف أشكرك يا رب وكيف أثنى عليك، ألا إن كل شيء في الدنيا حرفة ومهنة وصنعة إلا الوقوف بين يديك والصلاة لك، وارتفاع الصوت بالدعاء إليك. ألا إن كل وعاء يملوه كل شيء إلا وعاء القلب فلا يملؤه بالرحمة إلا أنت. ألا إن كل مطمع في غيرك سخرية ومهزلة، وكل أمل في سواك مضيعة ومجبنة، وكل طلب ممن عداك معرة ومذلة.
لو لم يفرض على الدعاء هنا في بيتك، وقد وعدت به ضعفاء من خلقك لما تشجعت عليه. لقد أراه تناقضا كما أراه محتما. ألست أنت الذى تعلم السر والنجوى وتعلم السر وأخفى وتتغلغل معرفتك بين ثنايا الروح والجسد وتطلع بما لا يقوى على علمه أحد. فكيف أنطق لتعريف العارف وكيف أجأر لأسمع من يسمع دبيب النمل وسريان الدم في العروق وطلوع الأنفاس وهبوطها في صدور الأجنة وحفيف الكواكب في سيرها، وكيف أصوغ الكلمة أمام من أوحى بأبلغ الكلم وجوامع الكلم وأحكم الكلم؟ ولكن كيف تدعونى إليك وتجدنى أبكم لا أنطق وتخلقنى ولا أثنى عليك، وتحقق لى أمنيتى ولا أشكرك، إنى فرحان بك يا رب فأولنى نعمة شكرك، وفقير إليك يا رب فأغننى بالقناعة والعفة وعز الإيمان والستر، ومهيض الجناح مكسور الخاطر فاجعل جناحى عاليا واجبر كسر خاطرى، وأطلقنى أحلق في سماء رحمتك، وأعطنى من لدنك سلطان وليا، وهبنى القول الحق والقول الفصل، وأرض عنى ولا تغضب على أبدا، واذكرنى يا رب ولا تنسنى واحفظنى من نسيانك، ونسيانى عجزى وضعفى وحاجتى إليك.
ها هم الناس يظنون أن الشمس حياتى قد أذنت بمغيب، وها أنت تدعونى إلى حوض جنتك ورحمتك لأقوى على العيش والكفاح في سبيلك. اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه وعظمه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما. اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام.
أيها المطوف أين أنت؟ أتلقن الناس جميعا دعاء واحدا؟ نعم لأن الناس وإن اختلفوا موطنا ومقصدا وأعمارا وعقولا إنما يعبدون إلها واحدا له بيت واحد ومسجد واحد. ألم تر أننا إذا أشرفنا على مكة ونظرنا إلى بيوتها قلنا «اللهم اجعل لى بها قرارا وارزقنى رزقا حلالا، اللهم إن هذا الحرم حرمك، والبلد بلدك والأمن أمنك، والعبد عبدك، جئتك من بلاد بعيدة بذنوب كثيرة، وأعمال سيئة، أسألك مسألة المضطرين إليك المشفقين من عذابك». أما أنا فلا أذكر ذنوبى في رحابك فقد وسعت رحمتك كل شيء ولا تخطر الأعمال السيئات ببالى بل أذكر الحسنات والخيرات وأنك كتبت على نفسك الرحمة بعبدك وأنك أمرت وأمرك لا ينقض بأن الحسنات يذهبن السيئات، فأى خير لى في اقتراف ذنوب والمجيء بها إليك، لقد حططت عملى عن كاهلى مذ نويت الحضور إليك وأنت في كل مكان، ولكن هذا محل الاختصاص بالنعمة، ودائرة الحكم بالرحمة وملتقى جميع القلوب والشفاه والأيدى على الركن والمستلم والملتزم، وموضع تمريغ الخدود على العتبات ومظهر التشريفة الكبرى في بلاط رب السموات. أتحتم أيها المطوف الطيب على أن أقول ما لا يجيش به قلبى، وأخفى ما يعتلج في فؤادى، أأنطق بالمحفوظ المطبوع وأكتم ما يتردد في روحى منذ القدم؟
(?) طواف القدوم

كنا في الهزيع الأخير من الليل عندما بدأنا الطواف، وكان الطائفون والمستلمون قلة مدهشة، حتى لكأنها فرصة علوية ساقها الله إلينا رحمة لنخلو بالكعبة والأركان هنيهة فى هدوء الليل. لم نزاحم ولم نقاتل ولم نؤذ أحدا ولم يؤذنا أحد، قال رسول الله لعمر: يا أبا حفص إنك رجل قوى فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذى الضعيف، ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا كبر وامض. وقد رأى خيار الصحابة رسول الله يستلم ويقبل، وكان بعضهم يزاحم حتى يدمى ولا سيما ابن عمر وقد لا يجد المؤمن صبرا عن تقبيل الحجر الأسود، حتى الذى حفظ حديث الرسول لعمر وحديث عمر عن الحجر. لقد شبهت الحجر بعين الله تفاصحا لا يقينا وكناية لفظية لا تدينا ولا شهودا، ولكن قالوا الحجر يمين الله وعليه تعاهد العرب قبل الإسلام وتحالفوا وعليه تزاحموا وتغالبوا بعد الإسلام، وإليه هويت الأفئدة بدعوة إبراهيم، فيريد المؤمن أن يكون فؤاده معهم كما أراد ابن عمر أن يكون من بين تلك الأفئدة.
لا أريد أن أستلم الأركان كلها ما دمت أطواف حول البيت، ولكننى أخضع للسنة، يقولون الركنان الشاميان، والمطوف يقول واحد شامى وآخر عراقى، وهذه بدعة فلم يكن للعراق ركن ولا يستلم إلا الأسود ويكبر الله عند اليمانى. ثم ها أنا أدور حول الكعبة سبعة أشواط وأدعو في كل شوط بدعاء خاص أردده وأضيف إليه. لقد افتتحت الطواف وبدأته بالحجر وأتممته وختمته بالحجر، وأستلمته بيدى وقبلته بفمى ووضعت جبينى عليه علامة السجود لله. ولم سبع مرات؟ أحب أن أطوف سبعين مرة سبعا فلا أرتوى ولا أشبع. أن عدد السبعة مقدس ورمز للكواكب وللسموات والأرضين وأيام الأسبوع وأطوار الحياة وأقصى عمر الإنسان، وفترات السعد في مدى الأيام، ولكن هذا طواف القدوم لا يجوز إلا مرة واحدة بسبعة أشواط وسبعة أدعية، ألا ترى أمرا عجبا! كأننى أطوف طول عمرى وليس شيء على غريب في هذا المسجد إلا وجوه الناس فإنى أستغربها وأدهش لها وأحب الخلوة وأملكها على الرغم في هذا المسجد إلا وجوه الناس فإنى أستغربها وأدهش لها وأحب الخلوة وأملكها على الرغم منها فأنقطع وأحتجب، وأغيب فلا أراهم ولا يرونى. ليس في قلبى حب إلا لله، ولا أشعر بغضا أو كراهية لأحد، كأننى ولدت محرما وأود أن أكون محرما إلى الأبد، كما أحب أن أخرج من الحياة على هذه الصورة. لقد قصدت إلى البيت لصاحبه وقصدت إلى البيت لأنظر إلى صاحبه مرة فهو ينظر إلى دائما ويرانى أبدا، ليس بكثير على صعلوك أن يترقب رؤية الملك، ولا بعبد حقير ذليل أن يرفع عينيه لطلعة سيده. أنا أقل منهما وأضعف، ولكننى أؤمن بأن الله يسمح لى برؤيته، أليس يقول الحديث القدسى إنه ينزل إلى السماء الأخيرة القريبة من الدنيا ليشفى المريض ويغنى الفقير ويقضى حاجة السائل ويجيب دعوة الداعى، أهو في حاجة إلى النزول ليدنو ويسمع الأنين والشكوى.
فها أنا في بيته، وفي ملتزمه، وفي مقام خليله، وحجر ابن خليله وبين زمزم والحطيم، فمتى وأين وأيان وكيف يكون التجلى إن لم يكن الآن وهنا. ومتى يكون تجنى العبد ودلاله وتطلعه وطمعه وعشمه ورجاؤه إن لم يكن هنا والآن. الآن وهنا؟ المجاهدة للمشاهدة، ومن قصد إلى البيت لا يرجع بدون الفوز برضى صاحبه. ألا نقبل الجدران حبا بساكنها. اللهم أسألك يا رب ألا تقطعنى بعد اليوم وألا تحرمنى وأن تدخلنى هذا المقام وألا تحكم على بالخروج منه أبدا وأن تمنحنى هذه الخلة ولا تحجبها عنى أبدا واجعل شهودى هذا البيت مظهرا لعجائب قدرتك وغرائب حكمتك وبدائع صنعك، وارفع اللهم غطائى فأشهد بيتا عامرا بربه وعرشا مليئا باستواء الرحمن، وأن ترينى في مرآة تجليك جلالك وجمالك، وأن تطبع في قلبى معانى صفاتك، وأن تملأ روحى بنورك حتى ترى روحى أيتك في بيتك وفي محيطات الأكوان «الله نور السموات والأرض»، اللهم كما أحرم جسدى اجعل روحى محرما لا حل بعده ترينى وجهك الأسنى من قبل ومن بعد وفي سائر الكائنات.
لقد أردت واشتقت وطلبت وتمنيت أن يكون هذا المسجد وهذه الكعبة معى أينما ذهبت، كيف حاولت أن أقتطف الزهرة وأختطف النظرة، وأحتضن الكعبة كما لو كانت غصنا وأحملها على كتفى وصدرى كما لو كانت طفلا. وما هي بالحمل الذى لا يقدر عليه ولا بها من الثقل ما لا تستطيع يدى أن تمتد إليه. جسمى يطوف حول البيت ووجداني يحوم حول نور الآيات، والروح تطوف حول قداسة العزة والرحمة والجبروت. ألا إننى أرى البيت فأرنى البيت ورب البيت، ثم أنعم على فأرنى رب البيت دون البيت. اللهم اجعل لى وجدانا لا فقد بعده ونورا لا ظلام وراءه. ألا نعبد الله كأننا نراه فكيف لا نطوف البيت ونحن نراه وهل بعد هذا السكر إفاقة، أم أن هذه غفوة ليس وراءها صحوة، ويقظه لا قتلوها سنة، وقيام لا يعقبه قعود وأستشهاد في الحب يلازمه الشهود. وعندما نشعر بأن اتجاهنا نحوك قد كمل، نسألك الثبات في الأمر والسكينة في الفناء والجمع، اللهم سألتك أن تجمع بين عبادتى وعبوديتى، وأن تفرق بين طاعتى ومذلتى فلا تجعلنا نطيع أحدا سواك ولا نذل لأحد سواك.
سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والصلاة والسلام على رسول الله ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار.
(?) الهرولة

بعد الطواف صلينا ركعتين في مقام إبراهيم يحتم فيها سورة الإخلاص وقل يا أيها الكافرون. لقد هرولنا مضطبعين كلما قربنا من مرأى جبل أبى قبيس تخليدا لذكرى طواف النبى والمهاجرين عندما أذنت قريش لهم بالطواف، فأحلوا لهم البلد وقبعوا على سفوح الجبال المحيطة بها ليشرفوا على محمد وأصحابه، مترقبين أن يشمتوا بهم لما أصابهم من هزال الجوع واصفرار الحمى، ولكن الله حفظهم فأظهروا عضلات أذرعهم وضخامة مناكبهم وقوة سيقانهم وسرعة أقدامهم، وقد نصح الرسول بهذه السنة تغمية على كفار قريش ليموتوا بغيظهم. تأمل لقد صارت مكايدة الأعداء جزءا من العبادة، لأن هذه الهرولة لم تكن جزءا من الطواف السابق للبعثة، ولذا يسهل علينا أن نعلم قداسة السنة في المناسك. فإذا قلنا إن الرسول قبل الحجر واستلم ولامست جبهته الشريفة بعض أجزائه، وجب علينا أن نفعل ذلك، لأن الله أذن للنبى أن يعلمنا مناسكنا، ولعل رسول الله لم يقصد إلى أن تخلد تلك الهرولة على وجه الدهر، لأن لها مناسبة اقتضتها وانتهت بها. ولعل الماكرين من أهل مكة أدركوا الحيلة قبل أن يغادروا سفوح جبالهم، فإنهم لا يخفى مثل هذه المظاهرة البريئة على فطنتهم، فما محمد إلا ابن بلدهم ووليد مدينتهم، ولكن المسلمين لم يريدوا أن يغيروا شيئا مما رأوا عليه نبيهم في أداء فريضته، وأن البركة لتحصل للطائف إذا هرول، لأنه يقر النبى على خطته التى ردت بعض كيد المشركين إلى نحورهم، وهكذا تجد أصول بعض العبادات متغلغلة في شئون إنسانية بحتة.
وفى ظنى أن كل ما أعان على نجاح الرسالة يعد في نظرى إلهيا ومقدسا بحسب الأوقات والملابسات التى أحاطت به، ولعل الكمد الذى أصاب قريشا ساعد على نفخة في روح الإسلام وتشجيع بعض المترددين على الانضمام إليه.
(?) السعى بين الصفا والمروة

خرجنا من باب الصفا غير مصدقين أننا نغادر الكعبة، حتى لضرورة السعى بين الصفا والمروة ولكنه فراق مؤقت لم يكن منه بد. وكنا ما زلنا في وقت لا يتبين فيه الخيط الأبيض من الخيط من الخيط الأسود، وما كان أعظم دهشتى عندما وجدت المسعى شارعا مبلطا بالحجر الأزرق الغليظ الذى بين مربعاته الضخمة فوارق وعلى جانبه دكاكين ومتاجر ومنه تتفرع حارات وشوارع، لأننى كنت أتخيله سكة سلطانية ذات رمال صفراء وصخور جرداء. ولعله كان كذلك في زمن النبى، فإن دار الأرقم ما زالت في الصفا وهو أحد طرفى السعى. لعل الطريق كان كما تخيلته قبل بناء المسجد وتعمير البلد، فإن مكانة هذا الشارع من البلد وقربه من الكعبة لايسمحان بتركه على ما وهمت. وقد ظن غيرى أن يكون أيضا محاطا بالأشجار والأنهار كأنه جزء من حديقة غناء أو جانبا من بستان زاهر. ولعمرى لو كان كذلك لكان السعى لذة بدنية كما أنه لذة روحية. ولكن يضيع على أهل مكة متاجر كثيرة، وأرباح كثيرة ومسالك آهلة ومداخل عامرة.
إن السعى يكمل الطواف وليس يشبهه في شيء إلا مصاحبة الدعاء، وأنه كله إحياء لذكرى لهفة هاجر على ظمأ ولدها إسماعيل، وكانت لهفة صادقة، أما هرولتنا بين العلامتين فمصطنعة وهي سنة من هاجر ولم تكن نبية ولكنها جدة عليا لعدنان. ومن العجب أنك تجد في جدة قبر حواء ولا تجد في مكة أو ضواحيها قبر هاجر، والسعى أشواط سبعة تقرب في مجموعها نحوا من ثلاثة آلاف متر. وكنت قد دعوت مع المطوف والجمهور دعاء المقام والحجر والبئر فما بقى على إلا أن استسلم في السعى لهذا المرشد الأمين فيما يتعلق بتكرار ما يقول إلا موقفى بالصفا والمروة فقد كنت أدعو بما يلهمنى به الله. وتلطف المطوف المساعد الذى ندبه المطوف الأصيل فقال لى هذا الدعاء اجتهاد، غير أن آية الصفا والمروة تنطوى على سر عظيم إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ ? فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ? وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ فقد توهم فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِوَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا أن السعى نوع من التطوع وأنه لا شيء علينا إن لم نطوف بهما. وقد سبقنا إلى هذا الخطأ عروة، فقد قال لعائشة رضى الله عنها: أرأيت قول الله تعالى إن الصفا والمروة.. فقالت له أم المؤمنين: لو كانت كما تقولون لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما. كان الأنصار يتحرجون أن يسعوا بينهما، لأنهما كانوا في الجاهلية يهلون لمناة، فلما أسلموا سألوا النبى فنزلت هذه الآية. وقد عرفت أن الصفا والمروة كانا قاعدتين لوثنين هما أساف ونائلة، كان الأنصار يهلون لهما في الجاهلية فكرهوا أن يعودوا إلى موضعيهما على الصفا والمروة لئلا يفعلوا في الإسلام عبادة كانوا يفعلونها في الجاهلية. وكان أنس بن مالك صريحا فقد قال لعاصم، كنا نكره السعى بين الصفا والمروة لأنه كان من شعائر الجاهلية فمنعت الآية هذا الحرج من صدور الأنصار.
المهم في السعى أننا نقف عند كل جبل منهما وندعو الله بما نشاء ونلهم، وأننا نهرول عند بطن الوادى ثم نعود إلى الهوادة بعد الهرولة في الذهاب والعودة، وكان رسول الله يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعى، ويقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى، لقد أحببت السعى لأنه نسك غريب في بابه يدنينا من تحقيق غايتنا من الشعور بالتعب في سبيل هذا العمل المبرور، وكنت قبل أن أكابده أسأل كل من أقابله عن شروطه وأركانه ووصفه، فلم أنتفع علما يقينا من أحدهم مهما تفصحوا وبالغوا في البلاغة والبيان، وقد أخفوا عنى مظهر الدكاكين، وأوهمنى آخرون أن السعى يتم مع الحفاء بعد حفاوة الطواف، وحسبت أن الصفا والمروة ما زالا جبلين يمكن تسلقهما، وها أنا أرى درجات سلالم عند الجبلين وشارعا وسوقا بل أسواقا وازدحاما بعد نصف الليل، فما بالك به قبل الظهر وبعد الظهر وعند الغروب وانتشار الأنوار.
ومن نعم الله أن يباح السعى على ظهور الإبل والخيل والسيارات وعلى سرر من الجريد محمولة على أعناق الرجال، ولكننى أحسنت الظن بقوة بدنى فسعيت على قدمى مرحا، فلما أشرفنا على النهاية شعرت بالتعب، وأدهشنى أن أحد الساعين من رفاقى ساءه أن أتعب فقال كلاما دل على عقله وقلبه، ولا شك في أن الدعاء والتلبية والذكر والصبر خير من الفسوق والجدال في الحج، وعند ذلك خطر ببالى ما روى أن النبى رأى رجلا يتهادى أو يترنح ماشيا بين ولديه يريد الحج فسأل أصحابه: ما شأن هذا فقيل له يا رسول الله إنه نذر أن يزور البيت ماشيا على قدميه. فقال: كلا إن الله لغنى عن أن يعذب هذا نفسه، أحملوه على بعير. فحملوه. فلا عجب أن أشعر بالتعب بعد طول السهر والصيام، ولكن بعض المؤمنين المخلصين الذين وعدوا بمعونتى، أبوا إلا أن يعيبوا على شعورى. لم يكن السعى ليهمل وهو متصل بشعائر الدين وتاريخ الإسلام، فما هذا الجبل الصفا إلا طرفا من أبى قبيس وما هذا الجبل الأخضر الذى بجدار المسجد إلا بداية الهرولة التى تعود بعدها إلى الهوينى والهوادة. ومن الدعاء المقفى الذى يكاد يكون موزونا وأنت تسعى «رب اغفر وارحم واعف وتكرم — وتجاوز عما تعلم — إنك تعلم ما لا نعلم — إنك أنت الأعز الأكرم». لقد قطعت السعى بعد الشوط الرابع لأتنفس، وكان أحد الفضلاء من المخلصين لا يسره إلا أن يرانى مجندلا فأسعفتنى السيدة الكبيرة بدواء ينعش القلب نقاط أربع عشرة في قدح ماء، فأتممت السعى والدعاء.
وقطعت المسافة من الطريق إلى بيت المطوف، وهنا بدأت السعادة الحقة. فقد استعرضت حوادث اليوم قبل النوم وقبل أن أغتسل الغسل الذى يسبق التحلل من الإحرام، فمن وصول بالبحر إلى نزول بجدة وجلوس في جدة، وقطع الطريق بينها وبين مكة، وطواف القدوم وبه السعادة التى أرجو أن تدوم، واستلام الحجر الأسود، والصلاة في مقام إبراهيم تجاه باب الكعبة وهو قائم على أربعة أعمدة تحيط به مقصورة من نحاس داخلها الحجر الذى كان يقف عليه الخليل وقت بناء الكعبة وطفت خارج حجر إسماعيل مبتعدا عن الشاذروان المجعول وقاية للجدار، ومررت بالملتزم وفيه باب الكعبة، ووضعت صدرى عليه ودعوت الله بما ألهمنى «اللهم يا رب البيت العتيق اعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وإخواننا وأولادنا من النار، يا ذا الجود والكرم والفضل والمن والعطاء والإحسان، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزى الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إنى عبدك وابن عبدك واقف تحت بابك ملتزم بأعتابك متذلل بين يديك أرجو رحمتك وأخشى عذابك يا قديم الإحسان» وزاحمت مرغما دون أذى لأحد، وكان صياح الداعين وتوسلهم وبكاؤهم يفتت الأكباد ويشرح الصدر، لأنه دعاء مستجاب فكم هموم حطها رجال ونساء عن كواهلهم في هذه البقعة وكم أمال تجددت وكم قلوب مشتعلة وأحشاء مكتوية أطفئت نارها وهدأ سعيرها. وشربت من ماء زمزم واقفا في نفس المكان الذى روى لى السقاء أن الرسول وقف فيه وشرب من فم القربة الناعمة، طالما سمعت محدثك وجليسك إذا صليت أمامه وهو يقول لك حرما، وإذا توضأت قال من زمزم، وها أنا أصلى في الحرم وأشرب ماء زمزم وأتوضأ منه لصلاة الفجر. اللهم إنى أسألك شفاء من كل داء وسقم برحمتك يا أرحم الراحمين.
لقد استحضرت هذه الواقعات فكان يوما سعيدا وليلة سعيدة من صباح ?? ديسمبر إلى صباح ?? طول يوم الأحد وليلة الأثنين ولم يمض علينا من فراق مصر إلا ثلاثة أيام. إن بين الأيام والليالى أوقاتا سعيدة لا يعدلها الدهر، فهذه ساعات معدودة وأيام مبرورة لم تكن من قبل معروفة لدينا ولكنها محدودة عند الله من قبل قد أرانا فيها ملكوت البحر والأرض والسموات وغمرنا فيها بنعم لم تحدثنا بها أنفسنا فله الثناء والشكر.
(?) التحلل من إحرام العمرة

كان لنا بد الطواف والسعى أن نتحالى من إحرام العمرة. فنغتسل ونلبس ما شئنا من ثياب، ففعلنا واضطجعنا ساعة أو بعض ساعة، طلع بعدها النهار وكنت أحسب أننى لا أقوى على النهوض، ولكن ما كان أعظم دهشتى عندما رأيتنى أصح وأقوى مما كنت منذ أعوام طويلة، وكأننى رجعت القهقرى عشرة أو عشرين عاما، فنزلت إلى البلد المكرم من محلة القرارة القريبة من المسعى ومن المسجد الحرام لأرى هذا المسجد في ضوء النهار، فكان ضوء الطواف والفجر في نفسى أقوى من ضوء الشمس، ورأيت هاتيك الجبال المحيطة بالكعبة ومنها جبل أبى قبيس وعليه البيوت والمنازل وكأن المدينة في قاع بوتقة تحيط بها دائرة البوتقة. ملتقى سيول وأمطار ووديان تحرسها الجبال، ولذا تتجمع الأمواه في المسجد ولعله أخفض مكان في البلد وانخفاضه رمز خضوعه وعلامة ركوعه لصاحبه الذى أرسل نبيين لبنائه، ثم اختار أفضل الأنبياء لإعلاء كلمته بوحى كلماته التى آلى على نفسه حفظها إلى آخر الدهر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. ثم خرجت إلى شوارع تلك المدينة التي لها في ذهني أثر كبير.

الفصل السادس
جولة في مكة المكرمة


(?) التكية المصرية وبعض معالم مكة

كان علينا أن نزور ما يسمونه بالتكية المصرية، لأن بها مجمع السادة الأعيان من المصريين، وملتقى الأماثل الماجدين، فلما دنوت منها شعرت بانقباض في النفس وانصراف عن خطتها، ولكنى لم أفاتح أحدا ممن معى، وإن اسم التكايا منذ سمعته لا يحمل لى معنى ساميا ولا يشرح صدرى. وقد لقينا بها إكراما ومودة وقهوة مصرية وسجاير مصرية كأننا تشوقنا إلى هاتين العاهتين، أو كأننا جئنا إلى بلاد السجاير والقهوة!!.. وما أنا بشارب ولا مدخن، والأدهى أن الدخان الذى يقدم إليك لا يمت إلى مصر بصلة.
وأثناء جلوسى في تلك التكية علمت السبب الذى نفرنى منها قبل أن أراها، وهو أن ساحتها اتخذت فيما مضى في عهد الأشراف موضعا لتنفيذ أحكام الإعدام، وفيها كانت تجرى دماء الأشقياء الذين يقع عليهم القصاص، وكل مكان كهذا تكون عليه زهامة الموت وزخامة قبض الأرواح، على أن الأحاديث التى سمعتها في التكية لم تكن تقل عن قبض الأرواح انقباضا وغما.
(?) التعرف على بعض الأثار المحمدية

هرولت مسرعا وأخذت بتلابيب المطوف ذاك الذى قيل إنه «سيسرون» الحاج ودليله ومرشده. وكان مطوفى أبو الطيب عثمان الراضى رجلا عجبة، عالم في قشرة بندقة، فهو يضحك وهو مهموم، ويبكى وهو مبتسم، ويؤكد لك وهو يرتاب ويريبك وهو متأكد. خليط من ذكاء العرب والجاويين، ومزيج من خبرة المشرقين الأدنى والأقصى، يطفو على الجميع ثقافة دينية تاريخية أدبية لا بأس بها، وهو سلفى المذهب فسألته أين مولد الرسول وبيت خديجة ودار الأرقم ومولد على، فقال لى ليس شيء مؤكد يا أستاذ، إنما دار الأرقم في نهاية الصفا عند المسعى، فسألته من أين أحضر الفطير المحشو باللحم وصفار البيض والكرات الأخضر فدلنى عليه بالتأكيد عند صانعه في أول طريق جياد، المؤدى إلى الفندقين والتكية ودار الأيتام وبيت إمام الحرم. ولكن لم يكن لى بالفطير شغف بقدر ما كان لى برؤية الآثار المحمدية الصحيحة، وأنا أعلم أن بعض الآثار مزيف، فقبر حواء في جدة مثلا لا حقيقة له وكذلك قبر آمنة بنت وهب أم الرسول في المعلاة لا أصل له، لأننى أعلم يقينا أنها ماتت في عودتها من المدينة بعد زيارة قبر زوجها عبد الله والد النبى، ودفنت في الأبواء، وكان يصحبها في زيارتها حموها عبد المطلب وجاريتها أم أيمن ومحمد صبيا في السادسة من عمره. أما قبور عبد المطلب وأبي طالب وعبد الله بن الزبير فلا شك فيها. وبيت أبى طالب أشار إليه المطوف ونحن في السيارة وهو مولد على كرم الله وجهه، أما مولد النبى فبيت ارتفع عنه الطريق ذراعين وينزل إليه بسلم حجرى إلى فناء ساحته والمقصورة التى ولد فيها الرسول ثمانون مترا وبالمقصورة رخامة مقعرة لتعيين مسقط رأسه عليه الصلاة والسلام.
وهذه الدار هي التى ورثها محمد عن والديه، ووهبها عقيلا ابن عمه أبى طالب فباعها ولده لمحمد بن يوسف الثقفى أخى الحجاج، فأدخلها في داره التى بناها وعرفت بدار ابن يوسف، واشترتها الملكة خيرزان أم الرشيد، ففصلت المولد الشريف وأعادتها على ما كانت عليه وجعلت منها مسجدا، ولم يفعل ابن يوسف ما فعل محوا للآثار ولكن تمشيا مع المبادئ الإسلامية الصحيحة وهي عدم تمجيد المبانى إكراما لأصحابها، ولكن الخيزران لم تنظر إلى كرامة المكان وحسب، بل نظرت أيضا إلى معانى التاريخ، فليس كل أثر تاريخى يمجد ويعبد أو يلهى عن توحيد الله أو يؤخذ منه هيكل وثنى، ولكن فيه عبرة. نعم إن مولد محمد بحالته يدل على بساطة شأنه، وإن داره لم تكن كدار أبى سفيان التى ما زالت شاخصة بتبجح الجاهلية الأولى، واتخذوا منها الآن بعد تدمير وتعمير مستشفى، وهي التى قال محمد عنها من دخل دار أبي سفيان كان آمنا، وتبقى هذه الدار على وجه الدهر والذى شرفها بعفوه لا يعرف موضع ميلاده، والذى وهب هؤلاء الناس الملك والسيادة ومكن لمعاوية رضى الله عنه أن يتربع فى دست الملك في دمشق وأن يجرد جيوشا لمحاربة على وأن يؤسس أكبر دولة في الإسلام، هذا الذى صنع يقول لى المطوف بلغته «ما هو مؤكد!» فقلة له: ولد محمد بن عبد الله وآمنة بمكة يا شيخ أم لم يولد؟ قال: بلى. قلت: أين ولد في الحجون أو في محلة الشامية أو في جرول.. أين يا مطوف الخير؟ فسكت.
ومع هذا وهذه، وصمته وتردده، فإن مكة نفسها تعد له مولدا وموطنا، وخصومه قالوا عنه «محمد المكى»، فقد عاش فيها ثلاثا وخمسين سنة كاملة وتيتم فيها وشب فيها وسافر منها إلى الشام مع عمه، وعلى تجارة زوجته، وتزوج فيها من خديجة ورزق أولاده منها بهذه المكة أو البكة أو البقعة المباركة التى فيها بيت الله. فهى على سعتها مولد له ومولد لنبوته ومولد لرسالته غير منكور ولا مدافع. وكل شارع أو جادة أو محلة أو حارة تحمل آثار أقدامه. فإن لم أجدها في مولده الذى ينكمش المطوف عن دلالتى عليه، فأنا أجدها يقينا فى المسجد وحول الكعبة وفي بئر زمزم ومقام إبراهيم وحجر إسماعيل، ثم أجدها في بيت أم هانى حيث المئذنة التى يؤذن منها الفجر والأوقات كلها، وفي دار الأرقم وفي المسعى وبجوار الصفا والمروة وفي جبل أبى قبيس وفي غار حراء.
وإن خشيتم أن تظهروا فقره بمولده وهو ثمانون مترا مربعا فهذا أمر لم ينكره أحد، وسجله القرآن والحديث وأثبته النبى، ولا يهمنى مجد عبد المطلب ولا غناه ولا شرف محتده، فليبتدئ تاريخ هذه الأسرة وهذا البيت من الحفيد لا من الجد، وإنه شرف تعلمون أنه عظيم، وأنت أيها الشيخ المطوف تعلم أن أقصى ما أقوله إذا وقفت معك أو بدونك بهذا المكان، هو قراءة الفاتحة وصلاة ركعتين لله والصلاة على نبيه، ففيم هذا التجنى، وإننى والله لست غاضبا ولا عاتبا ولكننى متعجب. ليس في مكة متاحف ولا ملاهى وليس الحاج قادما للمتاحف أو ليلهو، ولكن ليغذى روحه وعقله، وإن لمحب التاريخ والأدب تطلعا قويا ونهما لا يشبعه إلا أن يرى ويسمع ويتعلم، ليقنع عقله وخياله كما يشبع روحه، فإذا لم نر هذه الآثار فأى شئ نرى بعد بيت الله، وإذا سألنا سائل عالما كان أم جاهلا أرأيت مولد محمد بمكة فما أقول له؟ وعندما أكتب عن مكة كيف أغفل ذكر هذا المكان الذى هو سند تاريخى، ووثيقة حجرية صخرية في زمن يطالبونك فيه بالوثائق، ويأخذون عليك أن تكتب سطرا على بلد لم تزره أو أثر لم تره وتدرسه. أترانى أقيم ثلاثة أيام بمكة لأصلى بمسجد الخيف، وأرجم الجمرات وأنحر الأنعام وأقيم بمكة الأسبوعين ولا أرى مولد النبى، وباسم هذا المولد وتخليدا لهذه الذكرى تقام الحفلات في أنحاء العالم الإسلامى عشرات الأيام في كل عام، كأن هذا المطوف لم يخرج من موطنه، ولم يقرأ شيئا عن حياة مصر الإسلامية، حقا إن مطوفى رجل متردد، وما له إلا أن يرجل شعره الأسود الناعم، ويتلفع بالفطرة الناصعة البياض والعباءة النجدية ثم ينشد لنا شعر المرحوم والده.
(?) دار السيدة خديجة

ولذا قصدت إلى دار خديجة عليها الرضوان والسلام، وهي فضلى نساء العالم وصديقة، فلم يهمنى أن أراها قطعة أرض فضاء، ما دمت أرى البقعة نفسها، لأننى أعلم أنها لو بقيت دارا لهدمت وبنيت مرارا فإذا كانت الكعبة هدمت وبنيت مرات وهي بيت الله، أفلا تهدم البيوت العادية ثم تبنى، ويكفينى أن تقول هنا عاش محمد وخديجة ورزقا أولادهما جميعا ما عدا إبراهيم الذى ولد في المدينة من مارية القبطية. هذه الدار وهي دار خديجة بنت خويلد، تعد مثالا لبيوت الطبقة الميسورة الشريفة في مكة التى لم تجلب المال بالسلب والنهب، ولم تتعامل بالربا ولم تقتض المكسب الحرام كما كان يفعل بنو عبد شمس في الجاهلية. وهذه الدار لا تزيد عن سبعين ومائتى متر مربع وكانت تدل في تقسيمها على حسن الذوق، فهى أحتوت أربع غرف، ثلاث منها داخلية لعيشة الأسرة وواحدة منعزلة لضيوف رسول الله، ومن الثلاث غرفة للرسول وخلوة للعبادة، وبآخر الدار مخزن مساحته مائة متر لتجارة خديجة. بساطة عظيمة في نظام محمود، كأنه بيت حديث في قلب الحضارة العصرية، وفي غرفة لا تزيد سعتها عن ثلاثين مترا، عاشت خديجة في رعاية زوجها وولدت فاطمة زوجة على، وفي هذا البيت عاش محمد من نصف العقد الثالث إلى ما بعد الخمسين بثلاث سنين، وفيه نزل الوحى، وتدثر، وتزمل، ومنه كان يخرج إلى غار حراء وإلى كفاح قريش في المسجد، وفي الطرق، وإلى دعوة القبائل فى المدن والأسواق، وإليه كان يأوى حتى بعد وفاة خديجة بأربع سنين، وفي تلك الغرفة الخاصة رقد على ليحل محله في أيهام المتأمرين على أنه في فراشه، فتحول نظرهم عن اغتياله قبل هجرته.
عاش محمد في هذا المكان بعد الدعوة ثلاث عشرة سنة، عيش القناعة والعفة والتقوى، فلم يتخذ من دعوته وسيلة إلى مجاراة الأغنياء في مظاهر الحياة المادية، ولم ينتفع في عيشته الراضية بمال ولا جاه، ولم تحدثه نفسه بتقليد أحد من الذين وصفوا أنفسهم — طغيانا وكفرانا — أنهم سادة قريش، ولم يكونوا سادة أحد حتى ولا سادة أنفسهم، فقد حكمتهم شهواتهم وتملكتهم غوايتهم، وتسلطت عليهم مناعم الدنيا وزينتها وترفها، فأظلمت قلوبهم وتقيدت أرواحهم بسلاسل المطامع فلم يجدوا منها قدرة على فهم الرسالة ولا مطاوعة لإجابة الدعوة. هؤلاء السادة الملفقين قالوا ليس له بيت من زخرف، وقالوا لم لم ينزل هذا الكتاب على رجل من القريتين عظيم، وكان في أعينهم قذى، وفي قلوبهم سواد وعلى بصائرهم حجب، فلم يروا عظمته، لأن عقولهم معلقة بنوع واحد من العظمة وهي عظمة المادة والمال والجاه، المادة التى عبدوها، والمال الذى أباحوا كسبه من أى طريق، والجاه الذى سعو إليه جهدهم مهما تجرحت أعراضهم، ومهما ديس شرفهم، أو تدنست كرامتهم، لم تكن هذه مثلهم العليا ولا غاية الرفعة في أنظارهم، بل كانت أخيلة العظمة عندهم بهيمية دنيئة، وتفاخر بالألقاب وتسابق إلى النهب وجرى وراء الملذات وتسخير للعبيد واستتثمار للنساء والأولاد، وأين هذه كلها من دعوة محمد، وعقيدة محمد، ورسالة محمد، ومن يكون محمد في نظرهم، وهم الذين علموا مولده أو لم يعلموه، وعرفوا بيت زوجته، ولعلهم ما لمحوه في مجالسهم إلا مرة أو مرتين ولم يكن في شبابه بالذى يغشى أماكنهم أو يدور دورانهم ويلف لفهم. وإنى أرجح أن أعمامه الذين تعصبوا عليه، ما فعلوا إلا ممالأة للبيوت الكبيرة، أى ذات الكبائر، كما تنضم الأفراد للأحزاب طلبا لرفدها وبرها في العصر الحديث، جريا وراء منصب أو سعيا في ترشيح لانتخاب، وكلما أمعن المنافق في الظهور بكراهية قريبه أو نسيبه أمام خصومه، كلما قربوه ظنا منهم أنه يضحى بصلة الأرحام في سبيلهم، وما فعل هذا العباس ولا أبو طالب لمكانتهما ونبلهما. وليس هذا المكان في بحث هذه المسائل.
عند باب هذه الدار، أو من إحدى نوافذها على بعض الأقوال ودع النبى مكة عند هجرته فارا بدينه وعقيدته، مدركا مدى السخط والغدر والانحطاط الذى وصلت إليها الذهنية المكية، وترك داره ودار خديجة، فاستولى عليها عقيل بن أبي طالب فاشتراها معاوية وجعل منها مسجدا، وعمرها بعده ملوك وأمراء توقيرا لمقام فاطمة الزهراء سيدة نساء العالم وأمها خديجة الصديقة التى خدمت الدين بحياتها ومالها وعقلها وخلقها الكريم.
ماذا يقول المطوف المرتعب من الشك والريبة في صحة نسبة الأماكن إلى ذويها، هذا ليس بيت خديجة وهذا ليس جبل أبي قبيس وهذه ليست الكعبة وهذا ليس المسجد الحرام وهذه ليست مكة! رحماك يا رب لقد أفرغ أحد الكتاب مدادا كثيرا في رفع قضية المطوفين والدفاع عنهم وبكى واستبكى على هذه الطائفة المحرومة المظلومة، وهذه الفئة الجليلة الكريمة التى أفرادها خدم الحاج وحشمه وأساته وأنسه وهداته وسربه وأمنه ومأمنه ومسرته وموضع سره الخ وما عهدت أحدا ظلمهم من قبل ولا أظن أحدهم شكا إليه أو تفجع بين يديه. وفي ظنى الآن أن رئيسهم أو عميدهم ونقيبهم وكل الكاتب فرسم صورة وهمية للحيف الواقع على المطوفين من الحجيج، ولعله لم يصغ قط إلى شكاية حاج، لأنه لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، والحاج بطبيعته وخلقه لا يشكو ولا يتألم ولا ينأى عن الكرامة والكرم، وما لدينا من فراغ فى الوقت أوسعه في الصدر لنحصى أغلاطا وأخطاء لأحد، وما لدينا أضابير ولا كناشات لنسجل أخبار أحد بغير المحامد والمبرات، وماذا يملك القاصد إلى الله ليغفر له ذنوبه؟ أتراه يجدد ذنبا أو يلحظ ذنوب غيره في ساحة العفو الشامل. غير أننى لا أريد أن يشترك أحد من المعاصرين في هضم حقوق النبى، فقد اغتال المشركون بيوته وبيوت الذين هاجروا قبله وبعده، ونحن الآن ننكر نسبة هذه البيوت إلى أربابها ونتوارى وراء الشك والريب وقولة «ما هو مؤكد ياسيدى» و… «ما فش (كذا) شيء قطعى» في المدينة عاش فيها النبى ثلاثا وخمسين سنة حتى ولا مكان مولد الزهراء البتول بنت الرسول ?؟!
(?) دار الأرقم وإسلام عمر بن الخطاب

أما دار الأرقم وهي في المقام الثالث بعد هذين الأثرين فما زالت في زقاق على يسار الصاعد إلى الصفا وقد رأيناها ليلة السعى وهي مقر الإسلام والمسلمين ما داموا في جمعية سرية يعبدون الله خفية ويقرأون القرآن في تستر، حتى نصرهم الله بعمر بن الخطاب، وهذه الدار مغلقة ومنسدة وأخبرنى المطوف أنه لا يدخل إليها أحد، وهذه الدار التى قدمها الأرقم المخزومى لرسول الله وأصحابه كانت المعقل الأول للإسلام لقاء المسجد الذى كانت فيه الأصنام. هذه الدار أول البيوت التى أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال، كانت مختبأ رسول الله ومبتدأ الإسلام، الذى دخل منه إلى الحياة العامة، وتدرج من غار حراء وبيت خديجة وهو الوسط العائلى (محمد وخديجة وعلى وأم أيمن)، ولعل أهم ما حدث في هذه الدار بعد الصلاة وذكر الله مشهد إسلام عمر فيها، فإن الإجماع على أنه قصد إليها ليرهب رسول الله، أو يلومه على دعايته التى آذت عمرا في أخته ورحمه، ولا أسلم أبدا بأن عمرا كان في ذهابه إلى دار الأرقم يقصد إلى إلحاق الأذى بالنبى، لأن عمرا كان يسمع بلا ريب أن محمدا يسأل الله أن ينصر الإسلام به وفي هذا الدعاء وحده دليل على تقدير عمر ومكانته، فهو على حالته الأولى قبل الإسلام يسره أن يراه الغير أهلا للنصر والنجدة ولا سيما أنه رجل راجح الفكر، غريزة العدل فيه قوية متغلبة وبعد النظر من أرجح مواهبه وهو الذى قالت فيه عائشة «من رأى ابن الخطاب علم أنه خلق غنى للإسلام، كان والله أحوذيا نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها»، وكان عمر في يوم الحادث العظيم فى حياته وفي تاريخ العالم في السادسة والعشرين من عمره، ولكنه كان مخلوقا ليكون أحد زعماء الدنيا وأبطال العالم وأوحد العادلين بين الملوك. وقيل إنه كان من زعماء قريش وكان سفيرهم في حربهم وسلمهم. لست أدرى لم لا أريد أن أصدق بسهولة نية الاعتداء على النبى تجول في صدر عمر، ولعله اتخذ مظهر الشدة ليلتمس به عذرا عند أصدقائه، قيل إنه خرج متقلدا سيفه وهذا ليس بغريب فكل عربى كان يتقلد سيفا، ليقتل محمدا، وهو لا يعلم بعد أن أخته وختنه (أى زوجها) قد اتبعا دين محمد. هذا ما يرويه أنس بن مالك أى أن عمرا خرج للتعدى على النبى قبل أن يتحقق من إسلامه أخته وأنه وطىء جسم صهره وأدمى وجه أخته ثم قرأ آيات من القرآن فقال دلونى على محمدا، فكيف يقول الآن دلونى على محمد وهو راجع من طريقه إليه بغير دليل هو يعرف دار الأرقم حقا.
وهذا الذى يريبنى في هذه الرواية ويجعلنى أؤكد أنه لم يكن قاصدا إلى التعدى على النبى، ولعله أيضا لم يطأ زوج أخته ولم يدم وجهها مهما كان شديدا فقد كان سيدا شريفا لا يستبيح ضرب النساء، وأصدق ما في الرواية في رأيى أن خبابا بن الآرت مدرس القرآن لأخت عمر وزوجها قال له: سمعت رسول الله يقول اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبى جهل بن هشام، فتأثر عمر بهذا التقدير كما تأثر بسماع ما تيسر من آيات القرآن كقوله: إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَـ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي وهذه آية قوية تتجلى لذهن عمر بالجبروت والذاتية العظمى فسرى سرها في نفسه وأعده للقاء النبى. فلما انطلق إلى بيت الأرقم في زقاق الصفا وهو أحد الجبلين اللذين سعينا بينهما الليلة، وجد ببابها حمزة وطلحة وغيرهما من أصحاب الرسول. فخاف بعض القوم منه واطمأن له آخرون. ويؤيد الرأى بأنه لم يكن يقصد سوءا أنه ألقى بنفسه بينهم وهم بالنسبة له كثرة ولو أراد شرا لاصطحب من قريش نفرا يعينه على وثبته، وإلا فإن اغتياله وهو وحده أمر سهل على رجلين كحمزة وطلحة، دع عنك ثلاثين أو أربعين رجلا كانوا في تلك الدار التى تتسع لمائة رجل، فقد كانت ذات فناء غير مسقوف مساحته ثلاثون مترا وغرف لا تقل عن الفناء. ولم تحدث الرجة التى زعمها بعض كتاب السير عند مقدم عمر لأنه لم يكن هناك ما يدعو إليها وكان النبى في خلوة يوحى إليه، ألم يقل حمزة عند ما رأى عمرا مقبلا: نعم فهذا عمر، إن يرد الله به خيرا يسلم ويتبع الرسول، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا، أيكون عمر سفير قريش وأحد زعمائها ولا يعرف أنه مقبل على خطر إذا أراد سوءا بزعيم جماعة متسترة متحصنة متحفزة للدفاع عن نفسها وهي مجهولة العدد عند عمر. فأين فطنته وحساب العواقب وبعد النظر؟
على أن الرسول لم يمهله حتى يفصح عن قصده، فقد أدخلوا عمرا عنده فأخذ بمجامع ثيابه ثم نثر فيه نثرة، فما تمالك عمر أن وقع على ركبتيه ثم قال: أما أنت بمنته يا عمر؟ وكان عمر منتهيا، ولم يدن من دار الأرقم إلا ناضجا ومستسلما، فلما أعلن إسلامه كبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، وخرجوا جميعا إلى طريق المسعى في صفين حتى دخلوا الكعبة فلما رأت قريش حمزة وعمر أصابتهم كآبة لم تصبهم مثلها، فسماه رسول الله الفاروق يومئذ.
هذا موقف حاسم في الإسلام بلا أقل ريب، قد أحاط به بعض الاضطراب في التسجيل، لأن عمرا كان شديدا في الحق وكان ذا قوة بدنية وبأس وصراحة في القول، وكان منظره، ومدخله يدعوان للرهبة، وكان مع النبى في دار الأرقم رجال، إن لم يعدله في قوة البدن واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا شك أن أربعة أو وخمسة يغلبونه بقوتهم، وليس المجال للمقارنة في العدل أو الخلق أو القدرة السياسية، ومن الحكمة والحنكة أن يستدرج عمر إلى دار الأرقم فإنه خليق بأن يلفته جرس القرآن ويستولى على لبه، وخليق بأن يخضع لشخصية الرسول وهي جذابة فاتنة وأقوى من شخصيته، وهو خليق لفطرة العدل فيه أن يعمل على إنصاف هؤلاء الذين كابدوا من كبراء قريش ما كابدوا، وانضمامه إليهم إن لم يرجح إحدى الكفتين، فيوجد الموازنة وإن لم يكن هذا العيلم الغطريف ليعى معانى القرآن فمن يكون، ونحن لا نذكر سيئات سادة قريش ولا سيما الذين «رضى الله عنهم» لأنهم أسلموا فيما بعد!!
لقد آمن عمر بالله ورسوله غير ناظر إلى شيء من منافع الدنيا، لإن الإسلام كان قلة مغلوبة، وحتى لو كانت كثرة غالبة فلم يكن عمر بالذى تفتنه الكثرة الغالبة بمالها وميولها.
كيف لا تمر بى هذه الخواطر كلما سعيت ووصلت إلى الصفا وبيت الأرقم المخزومى على يسارى يفتح إلى الشرق؟
(?) دار أبى سفيان

أما دار أبى سفيان بمكة فهى الآن مستشفى وتقع في شارع السوق التى كانت توصلنى إلى مسكنى في محلة القرارة على يسار السالك من «المدعى». أستغفر الله للزمان الذى أبقى على دار أبى سفيان وعفى على دار عبد الله وآمنة وهي مولد رسول الله، وأعتذر للدهر الذى شاءت أحداثه أن تزول آثار منزل خديجة بنت خويلد وزوجها محمد، فلا ترى منها إلا الأرض الفضاء وذلك المطوف الأديب الأريب المتجمل بالشعر المخضوب المتدلى على صدغيه، يقول لك بصوت ناعم كأصوات الندمان في إيران القديمة «ما في شيء مؤكد يا سيدى!» فتسأله إن كان يعنى أن هذه ليست البقعة التى كان مشيدا عليها بيت خديجة، فيجيب إجابة ملتوية ويقلب وجهه فى السماء كأنه يلتمس جوابا من النجوم التى تظهر في وضح النهار ولا تظاهره على الإنكار.
عجبا! هذا بيت أبى سفيان باق على الدهر.. لأن محمدا لم يأمر بهدمه ولا أحدا من خلفائه فعل هذا، وهو الذى أوعز إلى المكيين أن يسلبوا منازل المهاجرين وينهبوها.. لأن محمدا لم يقابله بمثل بعض فعاله، بل زاد فجعل من يدخل داره آمنا، دار أبي سفيان التى خرجت منها عقارب الكفر وأفاعى الفتنة قبل الإسلام وبعده.. ولكن أليس الإسلام يجب ما قبله.
فكيف أبقى الإسلام على دار أبى سفيان ودار عثمان بن عفان ولم يبق على مسقط رسول الله ومسكن خديجة بنت خويلد ومحمد بن عبد الله؟ ومن ذا الذى أسلمنى لهذا المطوف الأديب الأريب الذى معظمه من جاوه ومستصغره من مكة الذى يقول كلما سألته عن دار الرسول ودار والديه وعمه وجده يقول لى ما في شيء مؤكد يا سيدي. أرأيت دليلا بدويا من نزلة السمان أو الطالبية الواقعتين تحت ظل الهرم وأبى الهول إذا سأله سائح عن هذين الأثرين العظيمين يقول في جرأة «ما في شيء مؤكد يا سيدى.. الأهرام.. أبو الهول.. كل ما قيل أو بعضه ظن» أترى السائح الغريب يصدق هذا؟
أبو سفيان!.. في مكة، أبو سفيان في دار الندرة، أبو سفيان رأس المؤامرة. أبو سفيان يعذب المؤمنين في شعاب مكة. أبو سفيان في أحد.. هند وأبو سفيان. أبو سفيان وهند.. أبو سفيان في الحديبية.. أبو سفيان في الخندق.
بالها من صحيفة سوابق مخزية. لقد أطال الله عمره حتى أذاقه كئوس الذل والهوان على يد نفسه لا على يد أحد، ورده إلى أرذل العمر حتى عاد لا يعلم بعد علم شيئا، وجعله يفقد إحدى عينيه اللتين طالما امتلأتا بالحقد والحسد والغيظ من محمد، فجاء يجرر أذيال الذل يرجو من النبى أن يردها إلى وجنته كما فعل لأحد المؤمنين فعادت أجمل مما كانت وأصح وأحد! فقال له الرسول: استبق جزاءك عن فقد عينك للجنة.
لقد قدم أبو سفيان على رسول الله المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش الرسول طوته عنه فقال يا بنية ما أدرى أرغبت بى عن هذا الفراش أم رغبت به عنى؟ قالت بل هو فراش رسول الله وأنت رجل مشرك نجس ولا أحب أن تجلس على فراش الرسول.
قال وهو يحاول التشبه بأهل الخجل، لأنه ليس منهم: والله لقد أصابك يا بنية بعدى شر!
والله يعلم أن الشر أصابه هو، ولم يصب بنيته التى أصابها الخير كله بزواجها من رسول الله. لم يكتف هذا الرجل بهذا الكسوف الذى لو أصاب الجبل لتصدع، وخرج يقصد إلى الرسول فكلمه فلم يرد عليه شيئا، إليس أبو سفيان هذا هو الذى صرخ بأعلى صوته في موقعه أحد «أعل هبل» ها هو هبل قد علا، ولكنه علاك وركب قفاك وحط بكلكله على ظهرك فاحمله يا أبا سفيان إلى يوم القيامة «أعل هبل».
إن محمدا قد مات، وها أنت ترى بعينيك (قبل أن تفقأ إحداهما) أن هبلا لم يعل وأن سيدك ومولاك — أستغفر الله بل سيد الكون — لم يمت، وأنه عاش وانتعش وفاز وانتصر إلى أن عفا عنك وعتق عنقك من النار يا سليل الأوثان وزعيم الشرار، ولعلك تفغر فاك وتتعثر في أذيالك وتتخبط في مشيتك، عندما تسمع أن محمدا قد جعل من يدخل دارك آمنا، ولكن لا أحسب أن شعاعا من نور الحق قد وصل إلى قلبك، وأن ذرة من ضمير حى تعمر قلبك، لقد أسلمت فرقا وجبنا وضغفا وأنت تضمر الكفر والبغضاء، وقد قبل المسلمون خضوعك سياسة وتأليفا، كما أغدقوا عليك من الغنائم ليملأوا عينك الفارغة وقلبك الظمآن للسلب ونفسك الجاهلية المتعطشة لخطف ما ليس لك بحق، فلم يرك أحد تتعفف ولا تقدم بين يدى الله شيئا يغفر الله لك به ما جنيته فيما مضى. النبى الذى لم يعرف عنه أنه ترك سؤالا بغير جواب لم يرد عليك شيئا، ثم ذهبت إلى أبى بكر فأبى أن يكلم رسول الله لك.
أتدرى ماذا كان يريد أبو سفيان من هذه المساعى الخائبة في عاصمة الإسلام في السنة الثامنة للهجرة؟ لقد بعثته قريش إلى الرسول ليشد عقد الحديبية ويزيد في مدته، مع أن العقد لما يقطع سنتين من السنوات العشر المنصوص عليها في صلبه، وذلك لأن قريشا غدرت ونقضت المعاهدة على ما فيها من الضيم للمسلمين والغبن عليهم والنفع لقريش، فرهبت قريش الذى صنعت وأرادت أن تسبر غور المسلمين وتمتحنهم، فأرسلت هذا العتل العتيق في الكفر والطغيان ليعجم عودهم بحيلة شد العهد وزيادة مدته وهو لعشر سنوات لم يمض منها سوى اثنتين، فلما أصابه الفشل في بيت بنته وهي إحدى زوجات الرسول، وبين يدى الرسول نفسه الذى كظم غيظه عندما رآه ولم ينبس ببنت شفة، وعند أبى بكر الذى أذاقه أبو سفيان الأمرين خلال ثلاث عشرة سنة، وأرسل في أثر النبى وأثره جواسيس يقتلونهما لينالا جائزة مالية، ذهب بصفاقته المعهودة إلى عمر فقال أبو حفص الشجاع العادل: أأنا أشفع لكم إلى الرسول، فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به!
صفع أبو سفيان على وجهه من عمر، فجرر أثقاله إلى على وعنده فاطمة وابنهما الحسن بن على، فتذلل الشيخ الخبيث (حينئذ لأنه أسلم بعد ذلك والسيف على عنقه وعنق المرأة هند أنثاه أكلة الأكباد)، وكان يعرف كيف يتذلل لأن الكرامة بريئة منه، قال لعلى ابن أبى طالب وهو أحد ضحاياه قبل الإسلام وضحية ولده معاوية، وكما سوف يكون الحسين ضحية حفيده يزيد زاده الله عذابا، تذلل الرجل وقال لعلى: إنك أمس القوم بى رحما، وإنى قد جئت فى حاجة فاشفع لى إلى رسول الله.
فقال على: ويحك يا أبا سفيان.
فالتفت إلى فاطمة متوسلا وقال في ذلة الشيخ الخرف: هل لك أن تأمرى بنيك هذا (الحسن) فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟
فقالت: والله ما بلغ ابنى أن يجير الناس.
فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إنى قد أجرت بين الناس.
كل ذلك الهوان لينجو بجلده النجس (كما وصفته ابنته أم حبيبة)، وخوفا على دمه المهراق، ولك أن تتخيل كيف قابله الناس في المسجد، وكيف تقبلوا استجارته واستشفاعه، وركب بعيره وانطلق في طريقه إلى مكة، ولعله تذكر عودته من أحد ظافرا منذ خمس سنين وهو يحسب إذ ذاك أنه قضى على المهاجرين والأنصار وقتل الإسلام في مهده. فما كان أذله هذه المرة وأحقره وأوجده وأضعفه!!
لقد سرته السنة الخامسة للهجرة فساءته الثامنة أضعاف ذلك، ولقد سر في الحرب وساءه الله في السلم وأذله حتى التمس جوار طفل يحبو، وحتى زعم في عمى الوجل والاضطراب أن عليا أمس القوم به رحما ونسى أن أمس القوم به رحما حقا هي ابنته من صلبه أم حبيبة قد خذلته وطردته من بيتها. هذا هو أبو سفيان الذى ما زالت مكة محتفظة بداره.
لقد كانت دار الأرقم عزيزة عند رسول الله، وازدادت معزة يوم إسلام عمر، وهذه الذكرى تتجدد في ذهن كل مسلم عند سعيه وبلوغه الصفا، والعرب في أشعارهم يخاطبون الأطلال والآثار:
يا دار مى أين مى؟ تكلمى!رحلت؟ فما لك بعدها لم تهدمى وقالوا: عم صباحا أيها الطلل البالى.
وقالوا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
وقالوا: أمن تذكر جيران بذى سلم.
ولكن دار الأرقم باقية والقرآن باق، وعدل عمر وسيرة عمر ورحمة عمر وشدة عمر وسياسة عمر وحكومة عمر باقية كلها في التاريخ، فلا يذهب بها شئ، وإن لفى السعى والدعاء عند الصفا لمعنى لا يغيب عنى ولا عن أذهان الذين جددوا هذه الدار وحافظوا على ذكراها، كأبى جعفر بن أبى منصور وزير الشام والموصل في القرن السادس الهجرى، فقد فطن هذا الماجد وهداه الله إلى هذه المعانى السامية وهو يعلم أنه لن يوجد في المسلمين من يعبد الأرقم المخزومى أو يسجد لداره، لأنه يوجد فرق كبير بين الموعظة الحسنة بشهود الآثار واللذة العقلية التى تجعل السائح يتكبد مشقة الأسفار وبين اتخاذ الأرباب من الأخشاب والحجارة أو التهالك على عبادة الأشخاص.
(?) موقع مكة وجبالها وطقسها وشوارعها وبيوتها وأسواقها

لولا هذه الخواطر ومثلها ما وجدت للسير معنى في تلك الشوارع، وهي لا تزيد عن شوارع تحت الربع والغورية وسوق السلاح في القاهرة وهي ذات ذكريات محلية، أما شوارع مكة فذات ذكريات عالمية بما بلغته من الشهرة ومذ كرمها الله بالبعثة النبوية واختارها لتكون مجلى الأنوار المحمدية. لقد دونت ما فيه الكفاية من تاريخ هذا البلد وتكوينه في كتاب ثورة الإسلام، ولا أرغب أن أمس تاريخها القديم أو الحديث في هذه الصفحات من قريب أو بعيد، وأقصر على مشاهدتى في بلد لم أعرفه بالرؤية من قبل.
يدهشك أولا أنها تظهر لك فجأة ولا تبدو لك أطرافها وأنت قادم عليها، ذلك أنها واطئة محصورة بين جبال، وإن كانت تعلو على سطح البحر بضعة مئات من الأمتار لأن الأرض في صعود من جدة إلى بقية بر الحجاز شمالا، وهذا سبب المشقة في الذهاب وقلتها نسبيا في العودة سواء في ذلك ظهور الجمال أو مقاعد السيارات. وكذلك يلفتك حرارة الجو فأنت لا تشعر ببرد في أشد أشهر الشتاء، فنحن في آخر ديسمبر، وكأننا في حلوان في أواخر الربيع فما بال أهل البلد في أغسطس، ولم نسمع أن هذا الحر الشديد منع أحدا من الحج وما قتل أحدا منهم، ولكن الذين سافروا إليها في الصيف من أصدقائى، وصفوا لى لياليها وصفًا يضيق الصدر، ويزيد في ضيق الصدر شعور المقيم بأنه محاط بالجبال التى تمنع عنه النسيم، وهذه الجبال كلها بركانية التكوين وإن أنافت على جبال الشام في الارتفاع، فإنها لوقوعها في المنطقة الحارة لا ينزل عليها الثلج مثل جبال الشام، ولذا لا نجد في الجزيرة الأنهار الكبار التى نجدها في الأراضى الضارية في الشمال، ويقول بعض علماء الفرنجة: إنه كان في جزيرة العرب أنهار عظيمة وعمران عظيم قبل عصر التاريخ ويدل على ذلك وجود الوديان العميقة. وقد أبدى هذا الرأى علماء أعلام ممن درسوا طبائع الأرض وتواريخ الحضارات في عرض البحث فى أصول الخيل العربية ولا سيما النجدية منها.
تبدو لك المدينة وأنت على أبوابها، فتجد أن الجبال التى صحبتك في الطريق من جدة ما زالت تثبت وجودها وشموخها، فهذه جبال الفلج وقيقعان والهنيدى ولعلع وكداء (وهو الذى دخل الرسول من ناحيته فاتحا في سنة ? للهجرة) وأبى قبيس وخندمة وكدى، فإذا كنت في الحرم ورفعت رأسك إلى أعلى رأيت سفوح هذه الجبال عامرة بالبيوت التى تتدرج عليها إلى قلب الوادى كما تبدو لك قرى لبنان بأنوارها ليلا من رأس بيروت. وقد تتسع هذه البيوت لإيواء مائتى ألف نفس من الحجيج وقد يصلون إلى ربع مليون، وأعظم تلك المنازل في القرارة التى نزلنا بها، ونحن لا نعلم أنها أخطر أحياء مكة شأنا من حيث عراقة الدور، ولكن المطوف لم يخبرنا تواضعا، وقد درسنا هذا الخط أثناء إقامتنا، فلم نجد به إلا بيت عبد المطلب أحد أشراف مكة وبضعة بيوت أخرى، وليس في القرارة على قدم عهدها وعظم مكانتها من آثار العمارة القديمة شيء مما يراه السائح في مصر والشام إلا بيت عبد المطلب هذا، أو قصر الشريف ناصر كما يسميه البعض، وهو في نظرى أجمل بيت في مكة القديمة، لأنن العمارة تتحول الآن نحن جرول، وفيه قصور الملك والأمراء والوزراء على أنماط عربية حديثة ذات عمد وبوائك ومداخل فخمة وجمال في الصناعة وفخامة في المنظر ولا سيما قصر الوزير عبد الله بن سليمان.
وإنك لتعجب إذ ترى دار الأرقم المخزومى ودار ابن عباس ودار أبى سفيان ولا تجد في مكة القديمة أثرا يجاريها، وما حفظت إلا لأنها في المسعى وقد كانت هذه البيوت وغيرها مآمن للمشركين يوم دخل النبى مكة فاتحا وهي أيضا تحمل ذكريات ذويها وقد حقنت دماء كثيرة وتبلغ أعمارها أربعة عشر قرنا، ولا يهم تهدمها أو عمارها بقدر ما تهم المعانى التى تدل عليها جدرانها. فبيت الله كان مركزا لدائرة من بيوت الارستوقراطية المكية، بنوها على كثب منه تقربا، وقد ذهبت خصيصا إلى شعب بنى هاشم وشعب المولد ثم شعب بنى عامر، وهنا كانت مساكن عبد المطلب، وهذه المواضع نفسها تدل على عراقة بيته ومكانة الدوحة الهاشمية، وهي مجاورة لدار الخيرزان وما زال المكان يقطنه الأشراف يتوارثونه جيلا بعد جيل، لأن أرض البناء في مكة قليلة وكل ذراع ينتفع به ويستفاد منه ذكر حسن أو اسم طيب، ومن هذه الشعاب ما بنى فيه عبد الله بآمنة (شعب المولد) ومنها ما نفى إليه أبو طالب والنبى وأهلهما عند المقاطعة التى تحالفت عليها قريش، أما باقى قريش فكانوا في الجهة الأخرى من الحرم، خصوصا جهة الشمال ومن دونهم باقى أهل مكة. فقد كان الشرف المكى في الجاهلية ينال بالدنو من البيت الحرام، والدليل على عراقة بنى هاشم وبنى عبد المطلب، ومنهم أبو طالب وعبد الله والد النبى قرب دورهم من المسجد الحرام، وهذا برهان تاريخى مادى. فقد كان الحرم الشريف بين هذه البيوت مائلا إلى الجنوب مما يلى جبل أبى قبيس وهذه البيوت للأشراف الجاهليين تحيط به وتجاوره وبين هذه البيوت كلها غير الجوار روابط مصاهرة وقرابة دم، وصداقات ومعزة متبادلة لم يقطع أسبابها إلا ظهور النبى العظيم بدعوته التى قضت على أسباب النعرة الجاهلية والعنجهية السفيانية التى لنبى عبد شمس ولبعض أعمام محمد نفسه وأذناب هاتين الأسرتين.
وما أفضنا في هذه الناحية، إلا لنرد على الذين زعموا أن محمدا كان من بيئة وضيعة، وأن الذى رفع شأنه مؤرخو الإسلام بعد عظمة الدولة، فزوروا التاريخ وكتبوا ليثبتوا له ما لم يكن لآبائه، وهذه فرية من فريات المستشرقين اليهود والأرمن والقساوسة، وبعض الملحدين الشعوبيين المصريين وغيرهم. ونحن لا يهمنا في حقيقة الأمر شيء من هذه الأكاذيب، لأن محور البحث ليس يدور على إثبات انحدار محمد من نسل قارون أو بلوغ ثروة أبيه وعمه مليونا من الذهب، ليس هذا محور بحثنا ولو كانت وفرة المال سبب النبوة لاتخذ الناس أنبياء من بابل وآشور واليمن، وكذلك لا تكون النبوة سببا لوفرة المال عند ذويها. فكيف يقوم الدليل على كرم المحتد، إن لم نقدم هذا البرهان الذى أدى إليه بقاء بعض تلك الدور أو آثارها؟
وفى تجربتى أن بيوت مكة تتشابه بفرق واحد، وهو أن بيوت الكبراء ذات هناء وبيوت غيرهم لا فناء لها، فهذا البيت الذى كنا نسكنه في القرارة على شمال الصاعد من المدعى له فناء صغير وعلى يمين الداخل شبه قفص للخدم وينتهى الفناء إلى مجلس سفلى، كأنه منظرة في دوار ريفى ودور مسروق، ثم يصعد في درج غليظ إلى الطبقات العليا وهي منازل لا يشرف على بنائها مهندس ولا معمار، ولا هم لبناتها إلا في رفع سقوفها وتعديد طبقاتها وتوسيع شرفاتها ونوافذها، لتجلب لهم الهواء في الصيف، ولكن كل شيء في مكة خفيف الروح، حتى هؤلاء الهنود والبخاريين الغامضين والصيارف الذين يمتصون الفضة امتصاصا، كل هذا اللطف في الشمائل متحكم في نفسى، لأن محمدا خطر في شوارعها ولو أنه تألم — لا بأس — فقد نصره الله ورد كيد خصومه في نحورهم، ولأجل عين محمد تكرم ملايين الأعين، وقد أحب وطنه حبا جما، وخرج منه مرغما بأمر الله ووقع بخاتم النبوة توقيعا معنويا على أن هذا البلد الكافر في الجاهلية، لا يصلح لنبات الإيمان إلا في قلوب تعد على الأصابع، وفي هذا البلد عبد محمد ربه، وأوحى إليه، وسهر الليالى في التحنث، وتحمل الوحدة وسعد بالإيناس، وشغلت نفسه وعمر فؤاده بنعمة المشاهدة.
فما أطربنى كلما خطوت خطوات وخطرت وتأملت الأماكن التى أحب فيها خديجة وأولاده وارتفع فيها صوته بالقرآن وبالجدل والخطب والحوار. إلى هذه الدرجة كانت قوية عظيمة شديدة حتى تركت اهتزازات جبارة ما زالت تتخلل الهواء والمبانى، وإلى هذه الدرجة كنت أشعر بطواف الملائكة وتزاحم الأرواح، فما أعجبه مسرحا وأعذبه مقرا لله ومظهرا لعظمته.
مكة قرية ولكنها صارت أم القرى، ولذا ترى فيها حتى بعد تقسيم قصى لها أرباعا على صورة المدن التى رأها في الشام وهو صبى، شارع «دائر الناحية» كما ترى في القرى، ولكن هذا الشارع الذى يتوسطها ويشقها من الغرب إلى الشرق، يختلف اسمه باختلاف المواطن والأقسام، فإذا ابتدأنا غربا بجرول، وهو الخط الذى تتسع نحوه المدينة بالقصور المنشأة حديثا، وهو أفضل البلد هواء ورواء وبهجة، فالاسم حارة الباب نسبة إلى باب جرول، ثم الشبيكة حتى إذا وصل إلى الحرم صار محلة الشامية وفيه فرع لعين زبيد وبيوت بعض الأعيان، فإذا انعطف إلى الجنوب عن يمين الحرم سمى السوق الصغيرة، ثم جياد وفيه قصر الحميدية، وهو دار الحكومة الآن، وفيه مكاتب البريد والبرق والتكية المصرية التى لا أحبها كثيرا، وهذه المبانى تقابلها مبانى الحرم وبعض أبوابه، ومنها مدخل لهيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإذا بلغت الصفا سمى الشارع بالمسعى ثم القشيشية فسوق النجدية، وهو من أزحم الطرق فى بعض الأيام، وبه تباع السجاجيد وتعرض مفروشة في الطريق وتحصل المساومة والدلالة بأصوات مرتفعة، وبه تباع العباءات النجدية والنحاس والخردوات والفواكه والتمر والنقل وهو يوصل إلى باب مكة الشرقى أو باب المعلاة، وفي كل ركن من أركان الشارع مركز للشرطة ودار مدير الأمن بجوار التكية ومقر الأمير فيصل نائب الملك في الحجاز في القصر الذى كان للشريف حسين، ولكن القبو الذى كان يسجن فيه الناس كالباستيل معطل ولا يدخله أحد.
وطالما وجدنى المطوف ضالا في هذا الشارع فدلنى على الحرم أو على القرارة وقد تسير فيه السيارة زمنا طويلا إذا أخطأنا إرشاد القائد ذات اليمين أو ذات الشمال، لتشابه الأجزاء ووحدة الدكاكين في الأوضاع، واتفاق السالكين في الثوب والفطرة والعقال.
أما الطرق والشوارع التى في شمال الحرم فهى محلة الشامية وعلى بعض جدرانها يافطة مكتوبة بأحرف بيضاء على لوحة زرقاء وفي هذه المحلة وهي أكبر محلات مكة، سوق البلد ذات الحوانيت والمتاجر التى تحوى الأقمشة الواردة من الأقطار والتحف والسجاد والمأكل، وليس بينها شيء من نتاج مكة غير الخبز وأنواع من الجبن والمربى، وقد صار الدخان يباع جهارا وكذلك تصاوير فوتوغرافية، وليس للكتب موضع إلا بجوار باب السلام وليس هنا صناعات أكثر مما يحتاج إليه الحاج كالجلود والأكياس، ومعظم الصانعين من الأجانب كالترك والسوريين والعراقيين والمصريين. وقال لى أحدهم «ضرريوك» أى لا ضرر «معليهش» ثم أردفها بقوله إنه تركى الأصل، أما الهنود والبخاريون فبعضهم في غاية الغلظة والقسوة والعنف.
وبعض المكيين من التجار هم مكيون حكما، لأن أصولهم من جيل واحد أو جيلين والكثرة ذات سماحة وأدب ويبيعون بالشيمة أى حسب مرؤة الشارى، وهي أكثر توريطا من تحديد الأثمان، ولم نجد أرهاقا ولا زيغا ولا زيفا أثناء إقامتنا، ولعل بعض السبب راجع إلى قلة الحجيج فلم يزيدوا عن عشرة آلاف وهم في كثير من المواسم يبلغون مئة ألف أو ضعف ذلك.
وفى محلة الشامية القرارة التى سكناها والنقا والسليمانية والجدرية والبراضية، وفى هذه الطرق، والواسع الفسيح والضيق المختنق. وترى بعض الأعراب قد سبقوا أهل باريس إلى استعمال ما يسمى في فرنسا كاش نيه «تغطية الأنف» وهو الحرير أو الصوف الذى يتقون به الزكام في الشتاء، وهنا يضع العرب أطراف كوفيتهم على أفواهم وأنوفهم ويثبتونها فى عقالهم اتقاء البرد.
ولعلك لا ترى من أنواع البشر ما ترى بمكة في موسم الحج، وهم على كل حال من الغنى والفقير، والعلم وضده، والنظافة وما يقابلها، وبعضهم ذوو شعور متدلية متلبدة كالتماثيل القديمة، وبعضهم ذوو لحى طويلة إلى الصدور، ومعظم النساء الواردات من تركستان وقشغر والقوقاز عجائز ذوات وشم يملأ صفحة الوجه كأنها مكتوبة بالأخضر بأحرف كوفية، والملابس من كل صنف ولون، وأعجب ما ترى في المسعى وهم مأخوذون بالهرولة والدعاء ومجذوبون عن كل شيء عدا أداء هذا الركن.
وقد اتخذت كل أمة من المسلمين أفرادا من المطوفين يعرفون لغتهم، وسافروا إلى بلادهم ووثقوا بينهم صلات متينة وتواصوا في الانتفاع بهم، فلا يتعدى مطوف الشاميين على المصريين، ولا مطوف الهنود على الترك وهكذا، كذلك اتخذ كل من هذه الأجناس الإقامة فى جهة معينة، والمغاربة والسوريون يسكنون شمال مكة، والهنود والجاوة في الشمال الغربى، وأهل اليمن والتركستان في المسفلة، والمصريون في وسط المدينة مثل القرارة التى استقرت بها إقامتنا. وفي الخمسين ألفا من المكيين وهي حوالى ثلث السكان لا توجد أسرة مكية حقا وصدقا، سوى أسرة الشيبى سادن الكعبة بالوراثة من عهد الجاهلية.
وإنك تزاحم في كل مكان أعرابا من نجد ومن أنحاء الجزيرة، وبخاريين وهنودا وأندنوسيين وأفغانا وسوريين وتونسيين ومراكشيين، وأخلاطا من الزنوج والتكارنة والصين واليابان وبعض جزر المحيط، وتكاد تقرأ على كل وجه اسم بلد صاحبه وإن خمنته أو حدثتك به نفسك من قبيل الحدس والظن فقل أن تكذبك فراستك وأنت لا تعرف لذلك سببا. أما المصريون ولا سيما الفلاحون منهم فأشهر من نار سواء بكلامهم أو أزيائهم أو بساطة قلوبهم الظاهرة، يبدو عليهم ذكاء فطرى، ووحشة الاغتراب، والنساء أشد تحملا من الرجال وأقدر على المشقة، وهن دائمات الزغردة دائبات على العبادة في الحرمين.
ولكن انقراض المكيين أو بعبارة أخرى القرشيين من مكة ليس معناه أنهم أخذوا الكرامة والإمارة والثراء والرفادة والجاه معهم، فإن من الذين توطنوا من الأجناس الأخرى ذوى بيوت كريمة وجاه طويل عريض، ووجاهه وغنى وأدب وعفة وهذا من معانى «الإسلام لا وطن له» فقد زارنا لفيف من أعيان البلاد. وليس كلهم مكيون وبعضهم من الهنود مثل الدهلوى وسنبل والمفتى وشلهوب، وعرفنا من الحضارمة باجنيد وباناجة وباحكيم وباذرعة ومن الشوام الجبرى والخوشانى والخشيفانى، ومن المصريين القطان ومنهم السيد عباس أمين العاصمة والزقزوق والرشيدى، ومن العراقيين مهدى بك مصلح مدير الأمن العام، ومن الترك أدهم بك صهر سمو الأمير فيصل وغيرهم عشرات، ومن داغستان وتركستان علماء فضلاء لهم مؤلفات مقروءة ومجاورة مشهورة.
(?) شخصية يمنية عجيبة

كان يتردد علينا أشخاص من كل جنس ومن كل لون عقلى ومنهم من يزورنا بالدار أو نلقاه بالمسجد أو بفندق مكة ويصل معنا إلى درجة الصداقة على قرب مدى الصلة، ومن هؤلاء رجل يمنى اسمه الحاج ناصر بن حسن المحويتى الصنعائى في حدود الأربعين، أسمر اللون أسود العينين شديد الذكاء (والمكر؟) قصير القامة ضئيل البدن يبدو تارة في زى مسكين كأنه يستجدى، ثم تراه يلبس الثياب الثمينة المزركشة الموشاة والعمامة الفخمة والجبة البراقة يفوح منه أعطافه العطر الزكى، يقول إنه يحفظ القرآن ويطلب العلم والقراءة في مسجد صنعاء، وقد حج عشر مرات وهو يسكن صنعاء والحديدة، وله أربعة بيوت مستورة ويقوم بالوعظ الدينى وهو شاعر وخطيب ومنشد ومؤذن وجواب آفاق، متعدد المواهب ونواحى التفكير كأنه جملة رجال في رجل واحد، ويحمل عكاز الحاج كما يحمل قلم الكاتب وتعويذة الخائف من الحاسد، ومكحلة الإثمد وسفط الغنى، وهو بعد يحمل بين شدقيه لسانا بعشرة ألسنة ينطق فصيحا وسريعا ويخرج من حنجرته صوتا بديعا يترنم بالأناشيد والأشعار، ويتلو الخطب الطوال والقصار فى حب الوطن وتمجيد الدين. وذكرى الأحباب، والحنين إلى الأهل والأصدقاء والحث على الجهاد. أتراه يجهل جريدة مصرية أو مجلة إسلامية أو يتلعثم في تاريخ حركة وطنية أو سرد مسألة شرقية، أو تخفى عليه خافية من شئون السياسة الدولية؟ لا هذا ولا ذاك ولا هذه ولا تلك. يقبل منك فتات الخبز، ويهدى إليك ريالات اليمن مموهة بالذهب، تدعوه إلى زيارة مصر فيدعوك إلى مصاهرته وهذه بنته ليلى جاريتك والمحسوبة عليك والقائمة لك بين يديك! وإليك نموذج من شعره:
نحن لا نخشى أزيز الطائراتلا ولا نرهب قصف المدفعللوغى نمشى بعزم وثباتلا نبالى لو بنار المصرعنحن رمز للمعالى، نحن سور اليمننحن خدام البلاد، نحن خدام الوطن ولا يسعك بعد رؤيته وسماع حديثه إلا أن تحبه فإنك تعثر به في كل مكان، ولا يصبر على فراقك لحظة من الزمان، ويلبس لكل حالة لبوسها، ولكنه لا يدعى إلى القصور، إما لأنه ليس من الأعيان، وإما لأنه معروف بشدة الذكاء وسعة الحيلة، ومن طرافة أخباره أنه تزين بزى كبير يمنى، وحمل عكازا يده من فضة ومسبحة من اليسر وهو المرجان الأسود واعتجر بعمامة كالعمارة المصغرة، وتكحل ومشط لحيته وزاد عينيه بريقا ثم تسلل إلى بهو الاستقبال فى منى، فجاء ثلاثة من الشرطة والتقطوه، كما تلتقط الشعرة من العجين، فقام في سماحة الاستسلام مسلما قيادة لرجال الأمن، كأنه متمدن يسلم نفسه بلا نزاع ولا جدال. ومن ظرفه أنه يدركك أنى تكون، فقد ودعنا في مكة وقال إنه مسافر إلى اليمن بعد أن رأيناه في منى وفي عرفات وفي المسجد عشرات المرات وفي الفنادق الكبرى، ولم يدهشنا شيء كحضوره إلى المدينة على غير انتظار فإذا هو يقفز في خفة ورشاقة كالجرادة، ويدلف إلى غرفتنا فى التكية المصرية، فمن هداه إلينا ودله علينا وكشف له عن نزلنا وفي الحرم النبوى وفى الروضة في كل صلاة تقريبا. وكنا تواعدنا أن نراه في جدة لنهدى إليه ريالات مصرية مقابل الريالات اليمنية، بعد أن حملناه خبزا يابسا فقبله كأنه سائل يجمع فتات الموائد، ولكنه لم يظهر في جدة والتمسناه في الدار التى وصفها لنا، ولكن لم نجد له أثرا وهو كثعلبة الذى له في كل واد أثر.
ولكن.. ما أعظم ذهولى عندما تركنا فندق جدة في طلوع الفجر بعد الصلاة متصلا، وسرنا نقصد إلى الباخرة وسمعت ورائى دبيبا وصوتا خافتا، وإذا بالشيخ ناصر يتعقبنا فى رفق وهوادة وينادينا، لقد كان لهذا اللقاء المفاجئ روعته ودهشته ولهذا الوفاء النادر دهشته، وها هو يقبلنا ويضمنا ويقبل أيدينا ويصافحنا، ويسير معنا يحرس متاعنا إلى الميناء، ويمرق من باب الجمرك كالسهم ولا يسأل عن جواز سفره، ثم يودعنا وداعا حارا ويكاد يتشبث باللنش الذى ينقلنا إلى كوثر، ثم يقف على طرف الرصيف يلوح لنا بيديه ومنديله فيكون شبحه آخر من ترى من ثغر جدة.
وركبنا الباخرة وأنا أترقب أن أراه يروح ويجئ وهو يقول إحدى خطبة «يا بنى عدنان! يا بنى قحطان السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقد طم الوادى على القرى فما بالكم استنمتم وكنتم بالأمس كأسد الشرى. عودوا إلى مجدكم وتعاونوا على البر والتقوى فإن الإيمان يزعزع جبال رضوى. شمروا عن ساعد الجد واكشفوا عن ساق العمل، واصلوا الليل بالنهار فكل من سار على الدرب وصل، والعز لا ينال بالآمال ولكل زمان دولة ورجال.. يا بنى قحطان! … الخ».
هذه صورة رسمها عاجز عن استيفاء هذا اليمنى العجيب حقه، وإنه لشخص غامض محاط بالأسرار. وما هى؟ … وقد تعلق به شاب مصرى اسمه إسماعيل حب الرمان فتبعه ليرافقه فى عودته إلى اليمن.

الفصل السابع
لقاءات وخطب ومآدب


(?) من رجال الحكومة السعودية

وممن عرفناهم غير رجال الحكومة خالد بن القرقنى، وقد أطلق عليه جلالة الملك اسم خالد أبو الوليد تفاؤلا، وبشير السعداوى وهما من أعضاء مجلس الشورى الذى ينعقد برياسة سمو الأمير فيصل، ويقدم القوانين التى تنفذها الحكومة بعد الفحص والتمحيص، وقد دعانا خالد بك إلى الغداء في بيته، كما دعانا السادة يوسف ياسين، وسرور الصبان، وزرنا الوزراء فى مكاتبهم ودورهم ردا لزيارتهم في بيتنا، وأنسنا بلقاء السيد عبد الوهاب نائبا الحرم ومدير الأوقاف العامة، وهو سمير الأمراء وخزانة أدب وتاريخ للعهدين العثمانى والشريفى، والسيد جميل داود معاون أول وزارة الخارجية والدكتور محمود حمدى مدير الصحة العامة، والشيخ عبد الله الفضل معاون سمو الأمير فيصل والسيد صالح شطا نائب رئيس مجلس الشورى وإبراهيم الشورى مدير مكتب الدعاية والشيخ إبراهيم سليمان رئيس ديوان الأمير فيصل والشيخ حمد سليمان وكيل وزير المالية.
(?) الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ

وفى مقدمة من أنسنا بلقائهم من أهل العلم الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ من سلالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة الوهابية ونجله، والشيخ الكبير قاضى القضاة فى نجد وشيخ الإسلام وعمره ثمانون عاما وهو رجل هادئ الطبع جم الحياء طويل الصمت نحيل البدن يخضب لحيته بالحناء، ينطق بالحكمة ويصلى في الصف الأول مؤتما بابنه أحيانا عندما يعتذر إمام الحرم الشيخ عبد الظاهر أبو السمح، وهو يفرح بالغرباء ويقربهم، ولا يحضر الولائم وهو خير خلف للشيخ بليهيد، وكان هذا الأخير أعجوبة الزمن في العلم والدراية والرواية في الدين والأدب والتاريخ والشعر، ولا يزيد طوله عن فتى مراهق ومات وعمره تسعون عاما فخلفه ابن حسن وهو بمثابة الوزير الدينى أو مفتى الدولة، ولكنه بعيد عن كل مظهر من مظاهر العظمة، وهو جم الحلم والتواضع، ولمجلسه هيبة ومحبة ولا دخل له في الأمور السياسية أو الإدارية.
(?) مجلس الشورى ومجلس الوكلاء

أما مجلس الشورى الذى يصبغ الحكم بصبغة نيابية، فأعضاؤه يعينون تعيينا باختيار جلالة الملك، ومشورة سمو الأمير أحيانا، وعددهم اثنا عشر عضوا، ولهم مرتبات ثابتة، والمجلس يرأسه الأمير فيصل نائب الملك في الحجاز وميزان الحكم في البلاد، ووكيله صالح شطا، وأعضاؤه الشيبى (سادن الكعبة) والخطيب (من الأعيان) وعبيد المدنى ومحمد مغيربى والغزاوى (شاعر الملك) والفضل الخ، وأحدهم نقيب المطوفين، وليس هذا بالكثير عليه لأن الرفادة انتهت إلى تلك الطائفة وتوزعت بين أفرادها.
واختصاص المجلس التشريع والنظر في بعض القضايا المهمة، كما كان اختصاص الشريف قديما، فكانت السلطة مقسمة بينه وبين الوالى العثمانى الذى كان مقره قصر الحميدية، فالمجلس التشريعى ورث الشريف (قبل أن يصير ملكا) في اختصاصه وحل سمو الأمير محل السلطان العثمانى ممثلا في شخص واليه على مكة، ولكن سلطة سمو الأمير أوسع، لأنه يستمدها من جلالة الملك والده الذى هو ملك الحجاز كما هو ملك نجد، ولأنه محبوب حبا جما من أهل البلاد، ويفض المجلس أى نزاع ينشأ بين السلطات في الاختصاص، كأنه مجلس الدولة فى التشريع الحديث، ويشرف على الحكم مجلس الوكلاء، وهو أعلى من مجلس الشورى ورئيسه الأمير فيصل، وأعضاؤه الأمير عبد العزيز بن إبراهيم (أمير المدينة سابقا) والرواف وعبد الله الفضل، واختصاصه الفصل في قرارات مجلس الشورى، إما بالتصديق عليها أو تعديلها، كمجلس الأعيان أو الشيوخ.
ولعل الرجل القانونى إذا حاول شرح نظام الحكومة الحجازية، يجد بعض الصعوبة من الوجهة الدستورية، ولكن القوم اجتهدوا في التوفيق بين القديم والحديث، وأبقوا ما كان صالحا، وعدلوا ما يقبل التعديل، وأقاموا حدود الله، وعملوا بالمبدأ القائل القانون الوسط يصلح بالرجل الصالح، فاختاروا لحكومتهم رجالا أكفاء، يخافون الله ويهابون الملك ويحاسبون ضمائرهم، وفي هذا القدر كفاية لإجراء العدل، وتراهم أخذوا من كل شيء أحسنه، ولم يبالغوا في المحافظة على الصور والأشكال بقدر المحافظة على الجوهر واللباب.
ولا ريب أن أهل الحجاز راضون بهذا الحكم ومستبشرون به، وقد رفعت عن صدورهم وظهورهم مظالم كثيرة كانوا يعانونها في العهود الماضية، وما زالوا يتحدثون بها، فلا إرهاق ولا ضرائب فادحة، ولا مصادرة أموال، ولا اعتقال بغير قضاء، ولا تحكم في أعناق الرجال، ولا إرهاب ولا تسخير ولا متاجرة بالماء والخبز في المواسم، وهذه نعم يحمدون الله عليها.
(?) مقابلة الملك عبد العزيز بصفة خاصة

قابلت الملك عبد العزيز بصفة خاصة بالقصر القديم، الساعة الرابعة عربى يوم الثلاثاء ? من ذى الحجة سنة ????هـ الموافق أول يناير سنة ????، وقد جلسنا في بهو فيه مقعد معد لجلالته، وكان في الغرفة بعض ضيوف ولعلها غرفة انتظار بالنسبة لنا، ثم صعدنا إلى مجلس الملك، وكان جالسا ومحاطا بالأمراء والوزراء وكبار رجال الدولة وكان أظهر ما فيهم سيوفهم المختلفة الأشكال والألوان، ونهض الملك وصافحنا وتحدث إلينا وسمعت أقواله وهو يتكلم بصوت رقيق فقال «نحن لا يهمنا شيء غير طاعة الله سبحانه وتعالى ورسوله محمد ?، وقد ضحينا بكل شيء في سبيل إعلاء كلمة الحق ورفعة شأن المسلمين، ونحن نحب مصر والمصريين والملك فاروق نحبه وندعو له بخير فقد حمل أعباء الملك صبيا، وإن العلاقة بين مصر والحجاز قوية ومتينة وإن الاعتداء على مصر كالاعتداء على الكعبة أو على عينى».
ثم قال إنه لا يهمه الملك، وأن الحب ينصرف كله إلى رسول الله، وهو أعز عليه من ماله وولده ونفسه وملكه، وحبه مفروض من الله علينا، ثم تكلم عن حالة المسلمين وعن اجتماع كلمتهم وتأييدهم حتى يعودوا إلى ما كانوا عليه في الصدر الأول من الإسلام.
ثم ارتجل جلالته في الحاضرين الخطاب التالى:
فبدأ الكلام بحمد الله والثناء عليه، وتذكر نعماء الله وأفضاله، وسرد تاريخ نشأة الدعوة للإسلام في نجد وما لاقت، ثم قال جلالته لما قمنا بهذه الدعوة إلى الله ما كنا نرجو إلا الله ولا نخاف إلا هو، وقد كان الناس يسمون آباءنا وأجدادنا بالخوارج والحقيقة أننا لم نخرج إلا على الأهواء الفاسدة، التى اخترعها الناس في الدين، وما قمنا إلا لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر، ولا نريد من الناس إلا أن يؤمنوا بالله وحده، خرجنا في بلادنا ونحن ضعفاء، وحاربنا بعض الأنصار وبعض الحكومات وكانت النتيجة أن أخرجنا من ديارنا وبلادنا، أسر منا من أسر وقتل منا من قتل، كل ذلك في سبيل الله وفى سبيل نصرة دينه وإعلاء كلمته.
إن الذى يهمنا في هذه الحياة هو إعلاء كلمة الله، وهذه الألقاب التى يستعملها الناس من ألقاب الملوكية وأمثالها من المخترعات ليست محببة إلينا، وإنما المحبب إلينا أن نكون عبادا لله، وأن نبذل أنفسنا وحياتنا في سبيل الله، لقد قالوا عنا من قبل الأوقاويل، وقالوا عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إنه يقول إن الله استوى على عرشه كاستوائى هذا فى مجلسى، تعالى الله أن يكون له مثيل أو شبيه، ونحمد الله ان أظهر الحق وأبان للناس ما نسعى إليه ولقد أعطانا الله من الدنيا الشيء العظيم لا بحولنا ولا بقوتنا وإنما بحول الله وقوته، فالواجب يقضى علينا أن نشكر انعم الله ونقوم بالنصح لله والرسوله ولعامة المسلمين، وأن نوصى بذلك أبناءنا من بعدنا ولا نبالى بما يصيبنا في سبيل ذلك، قال ? في حديث قدسى عن الله «وعزتى وجلالى ما اعتصم أحد بى فإن كادته السماوات بمن فيهن والأرضون بمن فيهن فإنى أجعل له من ذلك مخرجا ومن لم يعتصم بى فإنى أقطع يديه من أسباب السماء وأخسف به من تحت قدميه الأرض فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه» فالله سبحانه وتعالى لا يعصى إلا بعلمه ولا يطاع إلا بإذنه.
أقول إنه ما دام الله معنا فلا نبالى بأحد ونحن نحب آل بيت رسول الله ونشهد الله على حب من قام بأمره، وأما من عمل ما يخالف أمر الله ويخالف أوامر جده فلا نحبه ونشهد الله على بغضه.
إن هذا الشعب الكريم سكان هذا البيت الأمين فالحمد لله الذى أرانا منهم ما نحب ورأيت منهم ما أعرفه من إخلاصهم وحبهم وإنى على يقين بأن كل من كان يحب دينه ويحب الإسلام وفيه مسكة من عربية ملزم بالإخلاص لى والمحبة، وذلك لما أعلمه في قلبى من النصح لهم جميعا فلم أنم وهم ساهرون، بل أسهر إذا ناموا وأفكر فيما يصلح حالهم وأمرهم، فلا اقتصدت دونهم مالا ولا قصرت في أمر أستطيعه في تأمين راحتهم وبذل النفس والنفيس في مصلحتهم، وليس لى مقصد في هذه الحياة إلا السعى لإعلاء كلمة الله … ولو أصبحت رمادا ما دام أن ذلك يدخل الناس في توحيد الله ويسبب إعلاء لكلمة الله. وكل ما أرجوه لأهل هذا البيت الحرام أن يكونوا سعداء في الدارين آمنين في أوطانهم، وأحبهم كما أحب نفسى وأحب عائلتى وأسأل الله أن يجمع كلمة المسلمين والعرب ويوفقهم لما فيه الخير وأن ينصر دينه ويعلى كلمته آمين.
(?) خطبتى في حضرة الملك

وبعث أن ألقى الملك كلمته، ألقيت الخطبة الآتية بين يدى جلالته: حضرة صاحب الجلالة المعظم عبد العزيز آل سعود

تفضلتم وأذنتم لنا بهذه المقابلة السعيدة عقيب تشريفكم من الرياض فوجب الشكر علينا لهذه المكرمة التى هي من بعض إكرام الله لنا منذ تشرفنا بالوصول إلى هذه البلاد. وقد كان إعجابنا عظيما بانتشار الأمن في بيت الله الحرام، وسيادة العدل وانتشار الرحمة والرخاء بين سكان هذا البلد المكرم، وقد صدق الله سبحانه وتعالى عند وصفه بأنه واد غير ذى زرع واستجاب الله دعوة إبراهيم إذ جعل أفئدة من الناس تهوى إليه ورزقه من الثمرات أطيبها وأحسنها وأعذبها، وكيف لا تتجلى مكارم الله في بيته وهو موئل كل مؤمن ومستقر كل قاصد إلى وجهه الكريم، وقد أقبلنا وإن كنا قلالا في هذا العام بسبب انتشار نيران الحرب في العالم إلا أننا لقينا من العناية وحسن اللقاء ما يدخر في كل عام لعشرات الألوف من قومنا ومن سائر الأقوام، وليس جديدا على مسامعكم أن من يسرى في الليل كمن يسير فى النهار على كل ضامر أو على السيارة أو على قدميه يكون آمنا مطمئنا كما سرينا وشعرنا فى طريقنا بين جدة ومكة، وقد رأينا في الحجاز جلالا وجمالا وأدبا وكرما والأشياء من معادنها لا تستغرب.
ويسرنا أن نقول إن الرائى غير السامع وشاهد العيان يختلف عن المكتفى بما يصل إلى الآذان، وقد شهدنا بأنفسنا مظاهر السعادة والنجاح والرخاء مرفرفة على هذه البلاد المقدسة، ومذ ركبنا البحر كنا نعلم حق العلم أننا ما خرجنا لرياضة أو نزهة أو مشاهدة البر والبحر ولكن خرجنا لنقبل بكليتنا على الله لنزوره في بيته ليرينا ملكوت السموات والأرض بشهود الآيات في الكائنات كما قال الله تعالى وَكَذَ?لِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.
وما كدنا نخطو إلى المسجد الحرام في طرق مكة المكرمة حتى لمسنا بأعيننا ومشاعرنا التفاف الشعوب العربية والإسلامية من أطراف الأرض حول هذه الدولة التى سهلت سبيل الحج لهم ولنا وإقرارها بالزعامة المحمدية وإحياء الشريعة السمحاء التى سهر مليكها على إقامة حدود الله في بيت الله ووطن نبيه عليه أفضل الصلاة، وأقام نفسه وحكومته لمحاربة أسباب الانحطاط في العقائد والأخلاق بهذه الحركة المباركة المطهرة للدين من أدران الشرك لأوثان هذا الزمان، فقدرت مصر هذه الجهود وهي التى ما انفكت من قديم الزمان، قبلة للأمم المجاورة، ونبراسا للشعور الشرقية من عهد البابليين والآشوريين والفينيقيين والكنعانيين والعرب. فتارة تجذبهم إليها التجارة وطورا محالفات الحرب والسياسة، وحينا يدفعهم إليها طلب العلم. ولم تقصر مصر في حق أحد من هؤلاء، حتى إن بعض كبار فلاسفة اليونان أمثال أفلاطون وأرسطو وبيثاجورس والمؤرخين كهيرودوتس والشعراء كهوميروس خاضوا غمار البحار للوصول إليها والاقتباس منها والاهتداء بهديها، ونجد هذا ثابتا في كتبهم وداواوين شعرهم.
ولكن الله طهر مصر بالإسلام منذ ألف وثلثمائة عام فاتجه أهلها غنيهم وفقيرهم وكبيرهم وصغيرهم إلى هذه الأرض المقدسة، وفيها كعبة الله التى يتجه إليها المصلى في كل يوم خمس مرات، ولم تفتنهم بلاد الغرب وإن كانوا أفادوا منها ما جاءت به الحضارة المادية. أما حضارة الروح ووطن الروح فهما في هذه البلاد بين مكة والمدينة، في هذين الحرمين الشريفين الطاهرين.
ومصر هذه التى دانت لها الدانية قد دانت لمصدر الأنوار ومهبط الوحى ومقر الإيمان، وقد جئنا نقتبس من أنوارها ونملأ أرواحنا بما يفرغه الله في قلوب عباده الطائعين المخلصين.
وإننى لا أتكلم باسم الحكومة أو الشعب، لأننى لست سوى فرد من الرعية ولكننى أتكلم مسلما فلا أبالغ إذا قلت إن مصر كلها تتجه في موسم الحج إلى هذه البلاد ولا تقصر طوال الأعوام في الاهتمام بها، فقد جعلكم الله أمة وسطا بين سائر الأمم الإسلامية وربطنا بكم بجانب الارتباط الدينى وبارتباطات اجتماعية وقومية، فلغتنا واحدة وعواطفنا واحدة ومصالحنا واحدة، وقد سمعنا من جلالتكم ما يدل على محبة مصر وتقدير جلالة ملكها المحبوب والعطف على شعبها، وهذه العواطف الصادقة السامية تجد صداها في قلوب المصريين وتقوم عليها الأدلة والبراهين في كل وقت وحين، ولم يقتصر اهتمامنا على المودة والمجاملة، بل تعدى إلى المحبة العميقة والانشغال بأحوال هذه البلاد التى انبعث منها القرآن الكريم والدعوة المحمدية وقد حقق الله على أيديكم آية الأمن عند دخول بيت الله الحرام وهذه من نعمة عليكم وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا.
وما زلنا جميعنا نذكر زيارة أنجال جلالتكم أصحاب السمو الأمراء سعود وفيصل وخالد على سنوات متفرقة فكانوا سفراء حب ووئام، وتركوا في قلوب المصريين وحيثما حلوا أجمل الذكريات، ولا أنسى الأيام التى لقيت سموهم فيها في ريف مصر وحواضرها. وها هو الله قد حقق أملى فأطعت آيته بعد أن فهمت معناها وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وآية منفعة يسعى إليها المؤمن أعظم من أداء هذه الفريضة والاستمتاع بزيارة هذه الأرض ورؤية عجائبها المادية والروحية وقد وضع الله بيته في مكة، التى لا نبات فيها ولا معادن ولا حيوان إشارة إلى أنه إنما يقصد إليه من تجرد بقلبه عن الأغراض والغايات الدنيوية وحتى يكون جيران هذا البيت فرغت قلوبهم من التعلق بما يشغلها من زينة الحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع.
وقد رأينا هذا المثل الأعلى في شخص ملك هذه البلاد الذى لا يعير الدنيا وزينتها ما يشغل عباد السعادة المادية والمال والسلطان، ولا يكترث للمظاهر ولا ينشغل إلا بلباب الأمور فزادكم هذا الزهد والإخلاص تقديرا لأنكم لستم ممن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها.
يا طويل العمر، أشكر جلالتكم باسم رفاقى الذين تشرفوا هذا الصباح بهذه المقابلة الخاصة وندعو لكم بالتوفيق والنجاح والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(?) الأمير عبد العزيز بن إبراهيم

وقد لقينا الأمير عبد العزيز بن إبراهيم أحد أمراء نجد وعضو مجلس الوكلاء في قصره بالفلق وهو شيخ جليل في الثمانين من عمره كان حاكم المدينة المنورة من جهة الحكومة السعودية لمدة ثلاث سنين، عمل فيها على حفظ النظام وتأمين الناس ورد الحقوق وتطمين الضعفاء، ووقف القبائل المتمردة عند حدها، وحمى الحجيج من المطامع. وكان في أول أمره قائدا على قبائل الإخوان التى هزمت جيوش الشريف حسين وأولاده، ودخل مكة والمدينة على رأس الجيش السعودى يقود ألوف الشروج (أى القادمين من الشرق ويقصد إلى نجد) وقد روى لنا أنه كان عادلا أثناء ولايته شديدا في الحق يكرم الضيف ولا يتقيد بنظام رسمى، وقد أقام في بيت من أصغر البيوت على مقربة من ديوان حكمه ولا يبعد كثيرا عن التكية المصرية ومحطة السكة الحديد.
أما الآن فيعيش في مكة في بيت خاص، وله إيوان يزينه أنجاله وأصهاره، ويقف بين يديه وأيدى ضيوفه خدم نجديون يلبون نداءه في طلب الجهوة والشاهى وفي إعداد السماط النجدى لمن يقبل دعوته.
والرجل طويل القامة ثابت التقاطيع كأنه لفرط قوة خلقه وضبط نفسه تمثال من العاج، شديد اليقظة قوى الإدراك حاضر البديهة والذاكرة، لا تغيب عنه حوادث الماضى القريب أو البعيد، عالى الجبين عريض ما بين الوجنتين أبيض الشعر ذو صوت هادئ وأعصاب تطيعه، فلا عجلة ولا انفعال ولا تردد، وقد لبس لبس المتوسطين ولا يحمل في جيوبه إلا فاخر البخور والعطور التى يغدق منها تضميخا وتبخيرا لأضيافه.
دخلنا عليه جالسا في أعلى إيوانه فنهض لتحيتنا وتعرف بنا وتحدث إلينا، وكان عن يمينه تليفون يقضى به حوائجه كعادة حكام الحجاز يجعلونه في مجالسهم وفي بساتينهم، وبعد ترحيبه بنا سألنا عن حوائجنا في مكة ثم تناول المسرة وقال «يا مركز! أجول الباخرة كوثر متى تجوم عندما تعرف تعلمنى طال عمرك!».
وبعد أن شربنا القهوة والشاى أمر بتجميرنا، فأحضر خادم التجمير مبخرة نحاسية صغيرة ذات مرآة في كل جانب من جوانبها وأخرج الأمير من جيبه العود الجاوى والمسك الزكى وفتات العنبر ووضعها بيده في نار المبخرة وطاف بنا الغلام، فكنا نملأ ثيابنا ثم نطبق أطراف القباء ونهزه علامة الاكتفاء فيعيدها بأمر مولاه ثانية وثالثة وهذا منتهى الكرم.
ودخل رجل نجدى فدنا من الأمير وقبل أنفه ودعا له، وتناولنا حديث الأدب والتاريخ وسألنا عن راحتنا ودعانا للطعام وقدم إلينا سيارته في صحبة أحد أنجاله، وقد ترك في ذهنى أثر أمير من القرون الوسطى ذوى الوجاهة والشهامة والوقار الذين لايضحكون ولا يهزلون ولا يتهاونون ولا يعرفون من الحياة إلا جدها ومجدها وأخذها وردها ولا يعرفون من أدواتها إلا السيف والقلم.
يسرك أن ليس في أخلاق هؤلاء السادة تصنع ولا تجمل ولا ملاطفة مفتعلة بل صراحة وصدق وعزيمة ورجولة تتفقدها في غيرها من الطبقات وفي غيرها من البلاد فلا تجدها.
قيل عنه إنه كان قاسيا في المدينة وقد ضجت منه بعض الناس فحققت هذا الأمر بنفسى فى أربع مسائل، الأولى أنه كان جالسا في نافذة قصره فرأى رجلا يمشى على صورة لم تعجبه وأثارت ريبتة فدعاه إليه وتعمد نهره فظهر أنه لص فار بما سرقه فنسبوها إلى فراسة المؤمن ويقظة الحاكم، والثانية أن مطوفا زاحمه في الروضة وأخذ مكانه المحجوز فلما لقيه قال له لم فعلت ذلك أجاب أن المسجد بيت الله وأردت أن أصلى الجمعة في هذا المكان المحبوب وأنت أمير البلد تصلى في الروضة كل وقت إن شئت وأنا قادم من مكة فهش له وأكرمه، وثالثة أنه أقام حد السرقة في سبابة رجل نكش في زنبيل بن وعرفه والأمر أن لا يلمسه بل يتركه حيث رآه، وعاقب قتلة بالقصاص على طريقة تؤثر في أذهان البدو وعفا عن أسفرين فاتعظوا وثابوا إلى رشدهم وتابوا. ودخل عليه جماعة من الحجيج وقالوا له لم نجد في المدينة بيتا يضيفنا غير بيت الأمير وقد وصلنا في أول الليل ولم نصل وهو يعلم وهم يعلمون أن بيوت المدينة ولا سيما حول الحرم الشريف معدة لأمثالهم وأنها لا تضيق بعشرين ألف زائر، ولكنه قبلهم وأكرم مثواهم وأمر ببقاء المسجد مفتوحا بعد موعده ليتمكنوا من الزيارة والصلاة وبقوا طول إقامتهم ضيوف الأمير.
حقا إن أهل المدينة أهل كياسة وظرف وتجمل ولا يستحقون شيئا من الشدة أو الارهاب، ولكن هذا الأمير لم يعامل أهل المدينة بشيء منها إنما عمل على تخويف البدو والغرباء وتطهير مدينة النبى مما يخالف الشريعة، ولم يجلب المخالفات إلا النزلاء والمنقطعون، والشدة بعض الأحيان كالسموم التى تستعمل علاجا ناجعا ولا تقتل المريض فلا لوم على الطبيب إذا لجأ إليها عند الحاجة. ولذا ترى أشد ناقديه لا ينكرون عليه عدله وشهامته وأخذ الشرار بالعنف وهم الذين يستحقونه.
(?) الأمير مساعد

وما دمنا في صدد الأمراء فإليك كلمة عن الأمير مساعد.
فى منى وفي سفح الجبال المحاذية لمسجد الخيف على مقربة من مقر الأمن العام ومركز الشرطة خيمة صغيرة لا تتسع لأكثر من عشرة أشخاص وفي أحد أركانها حشية ومساند يجلس عليها ويرتكن إليها شاب في مقتبل العمر، أسمر اللون واسع العينين عريض الجبين يلبس العباءة النجدية والغطرة والعقال، يبدو على وجهه الحليق لندرة الشعر علائم الذكاء الخارق والإرادة القوية والرغبة الشديدة في المعرفة والظمأ إلى حيازة العلم، وأمامه في جلسة الجثوم والتحفز لتلبية النداء أربعة من النجديين لا تختلف ثيابهم كثيرا عن ثياب الأمير، وقد طبعت على وجوههم أمارات الجد والشجاعة مع الطاعة المطلقة والحب للسيد الجالس قبالهم. هذا هو الأمير مساعد أخو الملك عبد العزيز — يعيش معظم وقته في الرياض ويزور مكة أحيانا ويؤدى دائما فريضة الحج.
ابتسم عند دخولنا واستقبلنا استقبال الصديق القديم، فهو يقرأ دائما كل ما ينشر في مصر ويعرف العلماء والكتاب معرفة القارئ المجد الشغوف الطالب للمزي، وذكره واحد من رفاقنا بمقابلته في العام الماضى أو الذى قبله فذكره وذكر ما دار بينهما من الحديث.
هذا الأمير الوديع يحب مصر والمصريين والأدب والأدباء ويعنى بخدمه كأنهم أصدقاء ويتحدث إليهم في رقة وعطف، فإذا استنبطا شيئا لا يغلو في الطلب ولا يرفع صوته بل يصحب كلمته بقوله بالا (بالله عليك أن تفعل كذا)، وهو يظن أن عافيته (صحته) لا تعينه على طول الدرس أى على السفر إلى مصر، ولكنه يتنزه ويحب الأزهار ويعرف أسماءها وكان معنا شاعر فطلبنا إليه أن يرتجل بيتا أو بيتين أو مقطوعة من الزجل ورجوناه رجاء شديدا بعد أن تبسط معه الأمير في الحديث ولكنه اعتذر فقال أحدنا لعل شيطانه لا يصحبه في حضرة الأمير فقال الشياطين كثيرة في منى ومن حقها أن تعصى، لأننا نرجمها كبيرها وصغيرها.
وسألنا عن الكتب الجديدة والقديمة، ولم نخف عليه دهشتنا من انزوائه فقال إنه يحب العزلة، وقد رأيناه قبل يوم أو يومين ممتطيا صهوة جواده وحوله حرس من فرسانه يرجمون وهم على ظهور خيلهم فقال كل المناسك تتم لمن شاء راكبا أو راجلا رحمة من الله بعبيده.
وشربنا واعتذرنا وودعناه وفي صوته رنة الأسف لفراقنا لأن مثله يأنس بالأضياف ويرى فيهم جزءا من الحياة التى يتخيلها ويعيشها في ذهنه، حياة المجالس الأنيسة والأحاديث الطويلة في الاجتماع والأدب، وقد حملنا في الذاكرة صورة له من أجمل الصور. أما شاعرنا محمود نظيم الذى كان يبعثر شعره وينثره فقد عاوده صفاء قريحته وأخذ ينظم ويرتجل بعد خروجنا من الخيمة بلحظة ثم قال: الحق إنه ارتج على في حضرته لأننى شعرت برقة روحه وصفاء نفسه فشغلت بها ولم أقو على النظم.
(?) العشاء على مأدبة الملك

وجه رئيس ديوان جلالة الملك رقاع الدعوة إلى حوالى خمسمائة مدعو من كبار وأعيان وفود بيت الله الحرام لتناول طعام العشاء على مائدة جلالة الملك حفظه الله في مساء السبت ? من ذى الحجة الموافق ? يناير سنة ???? بعد صلاة المغرب مباشرة، وكانت السيارات قد أعدت لنا لنقلنا من دار الحكومة إلى القصر الملكى، وفي القصر كان رجال الدولة يستقبلون المدعوين ويجلسونهم في الغرف المعدة لجلوسهم. ثم دعانا رجال القصر إلى مقابلة الملك فى صالون الاستقبال الكبير بالطابق العلوى، وبعد السلام على جلالته أديرت علينا القهوة العربية، وبعد ذلك دعانا جلالته إلى تناول طعام العشاء وتوجه جلالته وفي صحبته الحاضرون إلى صالون الاستقبال الكبير فأديرت علينا القهوة العربية، وتحدث الملك إلى الحاضرين وألقى كلمة نصح فيها المسلمين بما هو واجب عليهم نحو أنفسهم من التمسك بتوحيد الله وإفراده بالعبودية والإخلاص له في الطاعة.
(?) خطبتى في حفل العشاء

ثم نهضت بعد ذلك وألقيت الخطاب التالى:
نص الخطبة التى ألقيت في الاستقبال الأول في قصر الملك يوم ? يناير سنة ????. حضرة صاحب الجلالة الملك وحضرات أصحاب السمو الأمراء

وحضرات أصحاب المعالى والسعادة الوزراء والسفراء والحاجين إلى بيت الله العتيق.
إن كانت الخطب تفتتح وتستهل بأسماء العظماء من بنى الإنسان فباسم الله سبحانه وتعالى وبالصلاة على رسوله الأكرم محمد بن عبد الله أفتتح كلمتى في حضرة صاحب الجلالة المعظم الملك عبد العزيز الأول.
طالما تاقت نفسى من زمان طويل إلى زيارة الأراضى المقدسة لأداء فريضة الحج وزيارة مسجد الرسول، ولكن الاستعداد والتمنى والتأهب بالمال والعتاد لم تكن كلها وإن اجتمعت مع تمام العافية كافية لإتمام هذا الأمر. وإنما عندما يريد الله سبحانه وتعالى فيتفضل بدعوة العبد للوقوف بين يدى ربه في بيته المعظم، فلا يعوقه أبدا عن تلبية الدعوة لا قلة في المال ولا تقصير في الاستعداد ولا ضعف في البدن، بل تواتيه من الله كل القوى حتى يأخذ أهبته فلا يبالى بعد ذلك بمشقة ولا يحمل هما. وما بالكم برجل هو منذ نيته ومفارقته بيته وأهله، ضيف الله المدعو إلى رحابه.
ولذا منذ وطئت أقدامنا — أستغفر الله بل منذ لمست جباهنا تراب أرض الحجاز الطاهرة المقدسة ونحن نشعر كأننا محمولون على أجنحة الملائكة، وقد هدانا الله وأرشدنا وحفنا، له الشكر والحمد، بسائر وسائل الراحة وقد صدق الله آيته وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى? مَا رَزَقَهُم وقد شاء الله سبحانه وتعالى لكل حاج أن يستمع لدعوة الله ولأذان إبراهيم. فالحمد لله على سابغ نعمه، كما نحمده على أن حقق آية الأمن في البيت العتيق، وسائر سبله على أيدى جلالة الملك الذى يزيده حبا في أنفسنا وكرامة لدينا عميق محبته لمصر وجلالة ملكها، كما تفضل جلالته لدى تشرفنا بمقابلته الأولى بالتعبير عن أسمى عواطف الود لمصر وللعالم الإسلامى وأجل أمانيه في نهضة الإسلام في العلوم والمعارف والشرائع ومكارم الأخلاق.
وقد برهن جلالته بتطبيق أحكام الشريعة المحمدية على صلاحيتها لكل زمان ومكان، فأقام حدود الله وسنة محمد عليه الصلاة والسلام، ذلك النبى بل بطل الأنبياء وسيد الكون ونور الآفاق ذلك المبعوث لإقامة الحق وإتمام مكارم الأخلاق الذى ولد يتيما ضعيفا، فأراد الله أن يظهر آيته الكبرى في ضعيف ويتيم من قريش، ليرفع به شأن وطنه وسائر الأوطان ويعم خيره الإنسانية في كل زمن، وتلك هي كبرى الآيات ولا عجب إذا شغلتنى ذكرى الرسول في هذا البلد الحرام، ففيها ولد ونشأ وترعرع وشب عن الطوق وإليها وأهلها وجه دعايته ورسالته التى أمره الله بإبلاغها.
والمسلمون اليوم الذين تمثلهم هذه الوفود الحاشدة من جميع القارات تقريبا والناطقين بالشهادتين بأكثر من عشرين لسانا، المسلمون اليوم ينقصهم مذكر مؤثر يذكرهم بدين الله وبحقه عليهم، حق العمل وحق الجهاد، والعمل هو من الجهاد أو هو أكبره كما قال رسول الله حين عودته من إحدى غزواته رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. والمسلمون اليوم لا ينقصهم العلم بما عليهم لله في أنفسهم وفي إخوانهم، ولكن ينقصهم العمل بما عندهم من العلم المستفيض فيهم، وفي حياة الرسول عليه الصلاة والسلام خير هداية لمن يحب العمل من الحاكمين والمحكومين.
لقد اشتهر الرسول في وسط أعدائه وفي وسط المشركين بالأمانة والاستقامة والصدق، لأنه لم يعرف عنه غيرها منذ نعومة أظفاره، فكان زواجه وكانت صداقته واتباع الناس إياه وطاعتهم لربه ثمرة هذه الأخلاق الكريمة، ولذا وجب على المسلمين الحاكم منهم والمحكوم أن يتحلوا بهذه الصفات اقتداء بالرسول.
وقد رأيت بعينى وسمعت بأذنى في هذه البلاد ما يبشر بالعودة إلى ذلك العصر الذهبى، عصر صدر الإسلام. وقد كانت البيئة الاجتماعية قبل الإسلام، بيئة يغلب عليها الشر فلما جاء محمد برسالته السماوية طفق يجتث منها أصول الفساد، وطفق يصلح ويهذب ويطهر، حتى ذهب عنها الرجس وشاع فيها الطهر وعم فيها النور وأصبح من ينشا فيها ينشأ صحيحا سليما سويا قويما، كالزرع في التربة الطيبة يأتيه النور وعناصر القوة والنمو من كل مكان، ثم أراد الله أن يديم نعمة الأصلاح على تلك البيئة العربية التى تأثرت بالوحى الإلهى وبالروح المحمدى فأقام فيها الحدود حدا بعد حد، وهذه الحدود بمثابة الحصون التى تقام حول المجتمع كالقلاع المسلحة التى تقام حول المدن، تلك القلاع المسلحة تحفظ البلاد من هجوم الأعداء وتلك الحصون الشرعية تحمى المجتمع من الشرور وتقيها تطرق الفساد، فجلد على الخمر وجلد ورجم على الزنا، وحرم الخلوة ومنع الاختلاط إلا لضرورة وقطع يد السارق وحرم الربا وأوجب الزكاة، وأمر بالصدقة ونهى عن البخل والإسراف، وقد اعترض بعض الناس على الحدود، ونعتوها بالشدة ونصحوا بالعدول عنها إلى عقوبات أخف منها وضعتها الجماعات التشريعية، ولكن هذه العقوبات الحديثة لا تقل عن الحدود، ففيها الإعدام بأنواع وألوان، وفيها السجن الانفرادى والعزلة التامة والصمت الذى لا يتخلله رؤية ولا سمع ولا نطق وهي تورث فقد الرشد وضياع العقل، حتى ثار العلماء على العقوبات في العهد الحديث، وزعم بعض الناقدين أن الحدود قاسية بنسبة قسوة البدو فجاءت لتكبح جماحهم وتصد من قوتهم، وهذه أقوال مردودة فقد فرض على الحاكم أن يدرأ الحدود بالشبهات والأخبار متواترة في حياة الرسول وحياة الخلفاء، وكيف أنهم جعلوا يتلمسون الشبهات في شهادة حتى ينجو المتهم المشكوك فى تهمته.
ولم تكن الحدود هي العقوبات المباشرة، بل يسبقها التعزير والإنذار، وإن الحدود التى منها القصاص وفيه حياة الأمم والأفراد لم تمنع انبعاث الرحمة والنور في بغداد وفي دمشق والقاهرة وفي بلاد الأندلس وإسبانيا العربية، بينما كان كثير من الأمم الغربية غارقة فى بحور من ظلمات الجهل والقسوة، كما يشهد بذلك كثير من المؤرخين.
وإن حياة محمد لأكبر دليل على الرحمة والحنان على سائر المخلوقات فلم تقتصر رحمته على الإنسان بل تعدت إلى الحيوان والنبات والجماد، والقرآن الكريم يذكر الرحمة والعفو والصفح الجميل في مئات المواطن، وكتب ربكم على نفسه الرحمة، ووصف نفسه بأنه رحمن ورحيم.
وأوصى على بن أبى طالب وهو ابن عم النبى وربيبه ومعينه في الحرب والسلم بعد أن أصابه عبد الرحمن بن ملجم بخنجر وهو قائم في المحراب يصلى أن لا يمثلوا بقاتله، وكان عمر بن الخطاب يبكى إذا رأى يتيما يحرم من الطعام. وكان معاوية من أحلم ملوك الأرض كما كان عمر أعدلهم على الإطلاق، وفي الأزمنة التى نشرت الحضارة لواءها على العالم كانت فكرة محمد ورسالة محمد وهجرة محمد هي السبب الأول لسعادة الأمم والجماعات في أنحاء العالم التى دخلها الإسلام فاتحا أو منقذا أو حليفا. ولكن أمما كثيرة كانت تقدم الضحايا البشرية فى قديم الزمان وأكبر ما يضحى به في شريعة الإسلام الإبل والحملان.
جاء محمد بالنور والرحمة والهداية وجاء بشريعة تكاد تسوى بين الملك وبين الرعية، فالفرد له حقوق لا تقل عن حقوق الملك المتوج وعلى الملك المتوج واجبات ينوء بها ظهره وكلها لمصلحة الأفراد كما رأينا في هذه البلاد، وبفضل محمد ودين محمد وشريعة محمد وتبشيره وإنذاره ووعد القرآن ووعيده كان الواعظ يدخل على الخليفة فيقرعه حتى يبكى كما فعل بعضهم مع هارون الرشيد وغيره من أمراء المؤمنين والولاة، مما لو قيل بعضه لعظماء أوروبا لاعتبروه إهانة في حق الأمير، يستحق قائلها عقوبة الحبس الطويل.
وكان كثير من الأئمة والعلماء يفرون من وظيفة القضاء حتى يجلدوا أو يسجنوا أو يجردوا من أموالهم وما ذلك إلا خوفا منهم أن يخطئوا في الحكم فيظلموا أحدا من الناس بحسن نية. فخشية الله وحدها والتقوى التى تلقنوها عن محمد هي التى زهدتهم في المناصب الكبيرة، وغيرهم في الممالك الأخرى يتهافتون عليها لما تجلبه من المنافع. وإذن فالقول بصعوبة إحياء الشريعة أو استحالة تطبيقها في الزمن الحديث قول لا ينطبق على الواقع ولا يمنعه من مظاهر الحضارة مانع.
إن حياة النبى ملأى بالعبر والمواعظ والحكم، التى لم تتح لنبى آخر في حياته ولا بعد مماته. وإن التحدث في تلك الحياة العامرة المباركة التى قضاها الرسول في خدمة ربه وشعبه بل شعوب الأرض جميعا، لتحلو لى في هذه الليلة السعيدة بمسمع من الملك العظيم الذى يحب محمدا أكثر من حبه نفسه وأهله ونور عينيه كما سمعت منه بأذنى ولا سيما في هذا البلد المكرم مكة المكرمة مهبط الوحى أولا ومقر البيت العتيق، التى لا نخطو في طرقها وشعابها ودوربها خطوة إلا ونتنفس الهواء الذى تنفسه رسول الله وتقع أقدامنا على مواطئ قدميه الشريفين، ونصلى بالمسجد المحرم فنضع جباهنا موضع جبهته الشريفة وتلك نعمة لا تقدر بمال ولا حياة، وسعادة لا تقاس بها سعادة أخرى.
كان من خواتيم حياة الرسول تلك الخطبة الكبرى، خطبة الوداع التى يصح أن تكون وصية للإنسانية أيها الناس إنما المؤمنون إخوة فلا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفسه، ألا هل بلغت اللهم اشهد فلا ترجعن بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده كتاب الله وسنة نبيه ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.
وأوصى عليه الصلاة والسلام بالمرأة والضعيف واليتيم والبائس الفقير وهو يكاد يقول لهم إنه قبوض إلى الله في عامه هذا أيها الناس اسمعوا منى أبين لكم فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا في موقفى هذا
فأى رحمة أكبر من هذه الرحمة وأى حنان أعظم من حنان الله ورسوله على المؤمن. كان النبى صاحب الغزوات والملاحم ينقلب في بيت ملاكا كريما وديعا حتى إنه ليصلى فيتسلق ظهره الحسن بن على فيطيل سجوده حتى يترجل الغلام من تلقاء نفسه، وكان رحيما بالنساء، بذكرى أمه وبزوجات أعمامه وبناتهن وذوات القربى وبجواريه ومرضعته وأخواته فى الرضاع، وكان رحيما بنسائه حتى إنه في بعض رحلاته ببعض زوجاته يأمر أنجشة الحبشي قائد الراحلة فيقول له «رفقا أنجشه بالقوارير» تشبيها للمرأة بقارورة المسك سريعة العطب فياحة العبق — فأية رحمة تعدل هذه الرحمة وأى عدل يقرب من هذا العدل؟
كان رسول الله يحكم في القضايا وقد جعل للمتقاضين دستورا فقال إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إلى ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته فأقضى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق من أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار.
أرأيت كيف يحدد رسول الله عمل القاضى وتبعته كما يحدد تبعه المتخاصمين، هذا أيها الملك المعظم منهاج محمد الذى تجاهد في سبيل اتباعه وتلك خطته التى نحمد الله على أنك سلكتها وعملت على تعميمها بإذن الله حتى ينهض الإسلام والمسلمون في هذا القرن الرابع عشر الهجرى كما نهض الغرب في القرن الرابع عشر المسيحى، فإن أربعة عشر رمز التمام والإحياء في حياة الأمم. أما ما ينسب إلى الحكم الرشيد العادل من الشدة، فلا نبالى به ولا نكترث له فإنما يمليه الضعف والركاكة في الأخلاق — ورضوان الله على من قال: اقدعوا هذه النفوس عن شهواتها فإنها طلعة، فإنكم إلا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية، إن هذا الحق ثقيل مرئ وإن الباطل خفيف وبئ وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة ورب نظرة زرعت شهوة وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا.
لقد طفنا ببلاد الحجاز بعد أن ودعنا وراءنا عالما ليس فيه إلا صولة تناهض صولة، ودولة تبلغ دولة، وأنظمة عراها تغير الإنسان فهى تحتضر، وأخرى تسرب إليها الضلال فهى تنتظر، والأمم بين أنصار هذه وأنصار تلك مواد تهلك في التجارب، وحطام تلتهمها الأغراض والمآرب، وأموال تنفق في العتاد، وأرواح تزهق في الصراع وآمال تذهب مع الرياح. فلما أقبلنا على هذه البلاد وجلنا فيها جولة بالجسد والروح فوجدنا السلام في المجتمع والأمن في الطرق والأمانة في الأيدى والوئام في الأسرة والكرامة في النفوس والسكينة في القلوب والرضا فى العيش والثقة في الحاكم والأمل في الله.
ذلك هو الفرق أيها الحجاج المحترمون بين نظام يضعه الخالق وينفذه الملك العادل، ونظام يضعه المخلوق وتنفذه المطامع والأغراض والشهوات، وذلك هو الفرق بين مجتمع يعيش بالروح والإيمان ومجتمع يعيش بالآلات والأجساد والمشاعر، وذلك هو المفهوم من دين سماه الله الإسلام وجعل تحية أهله السلام وقرن فيه الصلاة دائما بالسلام، ووصف أهله بأنهم الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما.
إن الإسلام الذى جاء به محمد بن عبد الله القرشى المكى المدنى دستور ثابت خالد يحقق للإنسان بشريعته السمحة نعمة الأخوة ونعمة الحرية والمساواة، ونعمة العدل، وقد أزال الفروق وعدل المقاييس والموازين، وألف القلوب بالبر وشفى الصدور بالتعاون لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـ?كِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ. كان محمد وحيدا بنفسه فأنضم إليه الصحابة فقوى بهم عضده ونصر الله الإسلام وأيده بأمثال أبى بكر وعمر وعلى وعثمان وقد أحبوا الرسول لأنه رجل قوى الخلق حلو الشمائل فصيح اللسان قوى البيان كامل الإنسانية مهذب الطبع رضى النفس شجاع مؤيد بالوحى الإلهى وبقوة الحق، ولما جاءته الرسالة امتاز بأكمل ما امتاز به الأنبياء وكبار الدعاة إلى الحق من اليقظة والحكمة وتخير الأوقات والأمكنة وأختيار الأصحاب والأنصار ولم ير الاكتفاء بالحجة والبرهان، بل أعمل الحيلة وأدار الرأى وطلب القوة في مظانها فلما واتت له القبائل التى ناصبته العداء وانتصر، عفا وغفر لأنه خادم الحق وأمينه وناصره ومعينه لا يرى أن نفسه له ولا أن أهله له ولا أن شيئا في الحياة له، بل كان شيء عنده وفي مقدوره للحق وفي سبيل الحق.
وإن هذه الوداعة وهذا الاستسلام للحق وفناء الذات لم تكن سمة الرسول عن ضعف أو استكانه فقد قام منذ بضع سنين قبل الفتح الأخير والنصر التام بما لا يقوى عليه البشر ولو اجتمعوا، رجل خال من كل قوة وسلاح إلا مضاء العزيمة وصلابة الإيمان أمام عالم دنيوى تدعمه قوة العدد والعدد، وتؤازره حرارة عقيدة قديمة شب عليها وورثها عن أسلافه واتخذت لها في قرارة نفسه وأعماق تاريخه جذورا ليس من السهل اقتلاعها، وليس هذا حسب، بل إن هذه العقائد القديمة والنظم التى صحبتها في قريش ومكة وغيرها وفي عشيرته وأهله وفي الفرس والروم والهند والصين ومصر وكل شعوب الأرض قد ضمنت للأفراد والجماعات منافع مادية ومعنوية لا تحصى، وبنوا عليها حياتهم وحياة أخلافهم وأنسالهم، وهم كلهم في جانب ومحمد وحده في أول أمره في الجانب الآخر، وهنا بدأت المعركة بين القادم الجديد وبين القديم كله، فرد أعزل يحارب عصرا رافضا غاضبا ذائدا عن أديانه وملله وتراثه وحضارته.
هذه الملحمة العجيبة من يستطيع أن يقدم عليها غير نبى مؤيد بالوحى الإلهى؟ ومع الأهوال التى صاحبت هذه الملحمة فقد خرج الفرد الأعزل ظافرا منتصرا على كل القوى. تلك هي المعجزة، لقد أبصر كل مكفوف وسمع كل أصم وبعث كل راقد في القبور بسبب هذه الدعوة الرنانة، التى كان أول رنينها في هذه المدينة مكة التى ما زالت محتفظة بأثار هذا الرسول الأعظم، فقد رأينا مولد النبى ورأينا بيت خديجة كما زرنا قبرها في المعلاة ورأينا دار الأرقم وبيت أبى طالب وبيت عبد المطلب وصلينا في المسجد الذى قرأ فيه الرسول سور القرآن الأولى، وفي هذا المسجد نفسه وحول تلك الكعبة المشرفة اجتمع كبراء أمته وعرضوا عليه ثرواتهم، ووعدوه أن ينصبوه ملكا عليهم بشرط أن يتركهم على دين آبائهم، وأن يتخلى عن دعوته وهذا إقرار منهم بعظمته وسعادته واستحقاق الجلوس على عرش بلاده إن شاء، ولكنه رفض المال والمجد والسلطان وأبى عليهم إلا أن يقولوا لا إله إلا الله وأن يحطموا أصنامهم، ليعبدوا إلها واحدا فردا صامدا لم يلد ولم يولد. بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما خاطبه فى الأمر عمه أبو طالب فقال إنه لو وضع القمر في يمينه والشمس في شماله لما عدل عن هذا الأمر، ولو قدر أهل الأرض على منح المال والملك فلن يقدروا على نقل النيرين. وكانت وسيلته في نفاذ إرادة الله وتحقيق غايته إقناع الخصوم بأنه مجرد من كل غاية دنيوية ثم صبر وثابر حتى استطاع أن ينقل قبسا من نور الإيمان الذى في قلبه إلى قلوب الناس جميعا وبذلك تمت المعجزة، وبذا تمكن الرجل الواحد الأعزال من إخضاع العالم لدين الله وطبع الإنسان بطابعه على وجه الدهر وأبد الآبدين.
هنا أختم كلمتى التى حاولت أن أعبر بها عن شعورى في موقفى هذا سائلا الله سبحانه وتعالى أن يظهر الإسلام على حقيقته وأن ينصر شريعته وسنة رسوله، وأن يعين المسلمين على النهوض من كبوتهم متخذين حياة الرسول مرآة لهم، يرون فيها صورة مجدهم القديم ويرسمون على صفحتها صورة مجدهم المبعوث من إيمانهم وقوة أخلاقهم، داعيا الله أن يوفق ملوك المسلمين، وفي مقدمتهم جلالتكم إلى خير ما يعود علينا بالخير والبركات، وأن يجازيكم خير الجزاء على ما عملتم بإحياء الإحسان والعدل والرحمة والمساواة بين الناس والله يشكركم على محبتكم مصر وجلالة ملكها المعظم فاروق الأول حفظكما الله ذخرا وزادكم قوة وإيمانا وعدلا إنه سميع الدعاء.
وبعد ذلك نهض أبو الإقبال اليعقوبي الشاعر الفلسطينى، وألقى قصيدة استعيدت بعض أبياتها، كما ألقى شاكر قصيدة في هذا الحفل جاء فيها:
بلد آمن وبيت أمانومليك دستوره القرآنلم ير الناس مثل عصرك عصراأزهر الدين فيه والإيمانقبس من شريعة الله عدللاح فيه التوحيد والبرهانقد تجلت فيه الشريعة نوراوتجلى للناس منها البيانأيدته عناية الله حتىرسخت في بنائه الأركانوأقام الدين الحنيف قويمافتعالى بفضله البنيانفاذكروا نعمة الإله عليكمنعمة دون حقها الشكران(??) حفل دار الأيتام

وكنا في عصر ذلك اليوم قد حضرنا مع جلالة الملك والأمراء والوزراء ورجال الدولة حفل دار الأيتام، ذلك المشروع الخيرى العظيم الذى قام على رعاية جلالته وعطفه وأريحيته بعد أن أسس الدار مهدى بك المصلح. وقد ألقى أحمد إبراهيم الغزاوى شاعر الملك قصيدة بين يدى جلالته جاء فيها:
انظر إلى الدار التى هي ملجأأو ثروة تزكو على الإنفاقتتجاوب الأصوات في جنباتهابالشكر منطلقا من الأعماقلم يذكر التاريخ من حسناتهامأوى كهذا في التراث الباقىإن العروش بقاءها ونماءهافى البر لا في البغى والإرهاق وكان مهدى بك المصلح رئيس هيئة دار الأيتام ومؤسسها قد وجه الدعوة لحوالى مائتى مدعو من كبار رجال الدولة وأعيان البلاد وكبار حجاج بيت الله الحرام، وقد شاهدت نزلاء هذه الدار من اليتامى، وقد استولى عليهم الفرح والبهجة، واصطف تلاميذ الدار على جانبيها لاستقبال الملك مرددين الأناشيد والأهازيج وافتتح الحفل بتلاوة أحد التلاميذ ما تيسر من آى الذكر الحكيم، ثم دارت محاورات بين التلاميذ إحداها عن التوحيد والأخرى عن السيف والقلم وغير ذلك من المحادثات.
وألقى الشاعر الفلسطينى أبو الإقبال كلمة مرتجلة، كما ألقى عبد الحميد الخطيب قصيدة جاء فيها:
يا أيها الملك الذىبنداه قد سعد اليتيمأضحى له دار كدار الأغنياء بها يقيمعصر أقيم الشرع فيـه وسيرة السلف القديمووفود بيت الله قدنعموا بأمن مستديم كذلك ألقى فضيلة الشيخ محمد شطا كلمة في الحاضرين، وبعد ذلك أديرت المرطبات والقهوة العربية وتفقد الملك أرجاء الدار وغرفها وفصولها الدراسية.
(??) لقاء الأمير فيصل ورجال الدولة

وما دمنا في مقام ذكر الحفاوة والتكريم الذى قوبلنا به اثناء وجودنا بمكة، فقد سعدنا بلقاء الأمير فيصل نائب جلالة الملك في الحجاز والشيخ عبد الله الفضل معاون الأمير والشيخ إبراهيم السليمان رئيس ديوان الأمير والشيخ عبد الله السليمان وزير المالية وأخيه ووكيله الشيخ حمد السليمان وإبراهيم بك أدهم صهر الأمير فيصل ومهدى بك المصلح مدير الأمن العام، ومن المقربين جدا لجلالة الملك والشيخ عباس قطان محافظ مكة ورئيس البلدية والسيد عبد الوهاب نائب الحرم المكى ومدير الأوقاف العامة، وهو سمير الأمير فيصل ويحكى له نوادر وطرائف عن العهد العثمانى والسيد صالح شطا نائب رئيس مجلس الشورى وبشير بك السعداوى من حاشية جلالة الملك وأحد المجاهدين الليبيين ضد الاستعمار الإيطالى والفارين من مظالم هذا الاستعمار، وإبراهيم الشورى مدير مكتب الدعاية والسيد حمزة غوث وزير الحجاز في العراق والسيد جمال داوود معاون أول وزارة الخارجية والدكتور محمود حمدى وزير الصحة العمومية وعبد السلام غالى مدير لوكندة الحكومة بمكة المكرمة والتشريفاتى بديوان وزير المالية، وسعد الله الجابرى اللاجئ السياسى السورى والشيخ الشيبى سادن الكعبة المشرفة وعضو مجلس الشورى.
وممن لقينا من الأدباء والشعراء والشخصيات العامة ولقينا منهم كل حفاوة وترحيب الشاعر الأديب فؤاد شاكر والسيد عبد الحميد الخطيب وأبو الإقبال اليعقوبى الشاعر الفلسطينى الملقب بحسان فلسطين وأحمد إبراهيم الغزاوى شاعر الملك والشيخ ناصر بن معمر وكيل أمير الطائف والشيخ محمد حسين نصيف من أعيان جدة وغيرهم.
وقد أقام لنا عبد السلام غالى مأدبة حضرها شاعر الملك إبراهيم الغزاوى وسليم أبو الإقبال اليعقوبي ولفيف من أدباء مكة وقد ألقيت فيها الخطب والكلمات والقصائد.
(??) خطبتى بدار الشيخ محمد سرور الصبان

كذلك أقام لنا إمام الحرم المكى وليمة، كما أقام الشيخ يوسف ياسين سكرتير خاص جلالة الملك ورئيس الشعبة السياسية بالقصر العالى وليمة ضمت كثيرين من الشخصيات البارزة، ودعانا خالد بك القرقنى مستشار الملك إلى مأدبة عشاء وقد أطلق الملك على القرقنى اسم خالد أبو الوليد تفاؤلا.
كما دعانا الشيخ محمد سرور الصبان مدير عام وزارة المالية يوم ? يناير سنة ???? إلى مأدبة ألقيت فيها الخطب، ويعد الشيخ سرور الصبان المثل الأعلى في الأخلاق وأكبر رجل فى المروءة وله مكانة اجتماعية وأدبية بارزة في المملكة.
أما خطبتى التى ألقيتها بدار الصبان مساء ذلك اليوم فهى الآتية: حضرة صاحب السعادة السيد محمد سرور الصبان وحضرات الحجاج الكرام وحضرات أفاضل الحجازين

من يوم أن وطئت أقدامنا أرض الحجاز أستغفر الله بل لمست جباهنا أرض هذ البلاد المقدسة ونحن نشعر بعواطف جميلة قوية جديدة، تتملك أنفسنا وأنا هنا أتكلم بألسنة إخواني المصريين الذين حجوا للمرة الأولى.
أى نعم لأن أرض الحجاز وبيت الله الحرام، ودار الرسول عليه السلام تعد الوطن الثانى لكل مسلم. لقد سمعنا فيما مضى أن بلاد فرنسا كانت وطنا ثانيا لكل غريب عنها ولو كان قادما إليها من أقصى أقطار العالم، وقد شعرت بذلك أيام طلب العلم في تلك الدولة الغربية، ولكن الشعور الذى شعرت به في الحجاز مخالف لشعور الماضى. إن مكة المكرمة تعد عاصمة الإسلام بحق، ولذا وجب على كل المسلمين أن ينظروا في شؤون الإصلاح الاجتماعى والاقتصادى في فترة الحج، الذى أراده الله عبادة روحية ثم مصلحة قومية لكل الأمم، ولا سيما في هذا الزمن الذي قامت فيه بعض الأمم تعتدى على حرية الشعوب باسم الديكتاتورية والحكم الفردى والطغيان ضد الممالك، والدول الديموقراطية التى تمثل الحرية والإخاء والمساواة وهي مبادئ الإسلام الصحيحة. فوجب علينا اليقظة والتنبه والعمل على نصرة العدل والحق لخير الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
وإنى أهيب بكل الأغنياء في كل البلاد الشرقية أن يعملوا على الإصلاح والتعليم وتقويم اعوجاج الحياة، فتنمو بذلك ثروتهم وتتحسن أحوالهم، وتربى مراكزهم الاجتماعية بما يعود عليهم من النفع العميم، فليست الحياة لهوا ولعبا ولا طعاما وشرابا وليست الحياة أنانية ومصالح ذاتية بل هي منافع عامة. وإن الأمم تتأخر تبعا لأنانيتها وحبها لذاتها، وترتقى بنكران الذات والتضحية بالمال والوقت للصالح العام كما صنع رسول الله عليه الصلاة والسلام وكما يأمرنا الله سبحانه وتعالى في كتبه المنزلة.
أنا والله أتكلم بشعورى متأثرا بما رأيته في هذه البلاد، وممتلئا أملا بتحقيق هذه الأمانى الإنسانية على أيدى العاملين من أبناء الأمم الإسلامية.
تأملوا في تاريخ العالم تروا أن الإسلام لم يكن دينا فحسب، بل كان وما زال حضارة ومدنية، وقد نشأت العلوم والفنون والصناعات منذ ثمانماية عام تقريبا في دمشق وبغداد والقاهرة والقيروان، ثم جاءت فترة القرون الوسطى والحروب الكبرى ثم ظهرت معالم المدنية الحديثة فساهمنا فيها قليلا، ولكن اعترانا الخمول والجمود، وضعفنا عن تبادل الرأى، ولأن تمد الشعوب الحرة يدها إلى بعضها بعضا لمناصرة الحرية والقضاء على مظالم الطغيان ونشر لواء العدل والثقافة، التى هي كلمة واسعة النطاق تتلاءم مع طبيعة الأمم حسب استعدادها وكفاءتها.
كلما اجتمعنا على انفراد تحرقنا إلى الإصلاح منفردين، حتى إذا كتبت الأفكار في الصحف أو قيلت في الخطب تساءلنا عن المقصود بالنهضة القومية. الجواب هو العمل على تنظيم الخير ومحاربة الشر، وقد قال رسول الله المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا وقال فى حديث آخر إن جسم الأمة إذا مرض أحد أعضائه تألمت له الأعضاء الأخرى أو كما قال، فهذا هو التضامن الاجتماعى بعينه. أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل، إننى أمثل فريق المصريين الذين يميلون إلى الديمقراطية الإسلامية وإعلاء شأن الإسلام، وليس فيكم أيها المواطنون والحجاج الكرام من لا ينطبق عليه هذا الوصف.
وفى الختام أتقدم بالشكر لحضرة النابغة الفاضل والوطنى الصادق صاحب هذه الدار الكريمة الذى دعانا لهذا الاجتماع الجميل، داعيا له بالتقدم والسعادة والنجاح في ظل جلالة الملك عبد العزيز آل سعود ورجال حكومته الكرام وأفاضل الحجازيين الذين لقينا منهم كل مودة ومحبة وإخلاص. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الفصل الثامن
صور من الحياة في مكة


هذه صور خاطفة من حياة مكة التى أكرمنا أهلها وسادتها، فنقلونا بين ربوعها متنزهين ومتفرجين، فكنا نقطع المسافة بين جياد وجرول مخترقين ربع الحجون في طريق الخروج إلى بستان الزاهر، وهو أجمل مراتع البلد وأحلى مغانيها، وقد قيل لنا من قبل أن ليس بمكة رزع ولا ضرع ولا يقول هذا القول إلا من لم ير هذا البستان ولم يمر بالقهوات المعلقة في الطريق تظللها الأغصان، وهناك فى فضاء واسع يعرض الجيش ويدرب قبل عرضه في منى، وهناك تستنشق هواء جميلا، يعوض على رئتيك ما احتاجت إليه في شعاب مكة ودروبها، ولا تجد مثله إلا في أعالى جياد، وعلى سفوح الجبال التى ملأها اليمانيون بخيامهم، فإنهم يؤمون الجبال، ويقطنون في شقوقها على عادتهم في بلادهم، فتراهم ليلا في أنوارهم وصباحا عند شروق الشمس ينطلق دخان قراهم، فإذا قربت مناظرهم إليك بمنظار مقرب، رأيت قوما بعدد النمل لا يزيد أحدهم في القياس عن الأنملة، يروحون ويجيئون محرمين، ويطهون طعامهم ويخبزون خبزهم ويقيمون الصلاة في تلك الخيام البعيدة عن الزحام ومواطئ الأقدام وتردد الأنفاس بعيدا عن الأصوات والتراب، وليسوا يمانيين فقط بل ترى التكارنة والهنود يصنعون صنعهم، ويتعلقون بحبال الهواء في الجبال مثلهم، ولا ينزلون منها إلا لصلاة الجماعة أو إتمام المناسك، فإذا وردوا منى وجدوا شقوقهم تنتظرهم في جبالهم، فلا ينحدرون منها إلا للصلاة في الخيف ونمرة قبل الوقوف بعرفة.
وخيرا يفعل هؤلاء اليمانيون، فإن الاختلاط لا ينفع وقد يضر فقد أدى اختلاط الأجناس بمكة إلى نتائج عجيبة فقد صاروا خليطا في خلقهم وفي خلقهم، وقد جمعوا على الرغم منهم بين الوداعة والتعاظم، والاستكانة والكبرياء، والليونة والصلابة والسكون والغطرسة والحدة والبساطة، والدهاء والحركة والكسل، وكل خلق من هذه مكتسب بالوراثة أو مفاد من طول المعاشرة، فهذا الجنس الذى دعينا إليه في بيت الهنود في حارة الفلق، وصعدنا إليه في سيارة تئن أنين التى تضع حملها، قد جمع من كل جنس حتى تحسب أنه معرض إنسانى أو متحف عالمى، ثم تلمس عقلية تكاد تكون واحدة فكلهم يهمس وكلهم يصغى إليك في أدب ويشتاق إلى أخبار وطنك وكل الأوطان، ولكنه لا يبدأ بالسؤال أبدا، وكلهم يصغى إلى المذياع ويفهم لغته ويفسر أخباره ويعلل غرائب الحوادث. وكلهم يدخن النارجيلة التى تقف بينهم كأنما إنسان عاقل، أو ظئر ذات جملة أثداء ترضع كلا منهم بأنفاس خانقة، وبينا ترى الرجل يؤنسك برقة الحضرى ودماثة المتمدن، إذ تراه قد أستوحش وأغلظ في كلامه مع غيرك وقد لا يعى سرعة انتقاله وتحوله، فإذا فطن إليها عاد إلى محاسنة من تخشن له.
(?) أهل مكة

هذه الصفات تنطبق على العامة والدهماء الذين قضت عليهم الضرورات بالاختلاط، أم طبقة الأعيان والشرفاء، فلم يدخلوا في عناصرهم غريبا ولم يغلبهم طبع طارئ، ولا خلق شاذ، فترى الأدب العربى الخالص الذى ورثوه عن أجدادهم وفطروا عليه، وإنى أعارض الذين يزعمون أن هؤلاء المقيمين في مكة، وعددهم لا يقل عن مائة ألف ليسوا من مكة في شئ، بدعوى أن المكيين الأصلاء انقرضوا، وحل محلهم الغرباء وليس من أصل البلد من يستحق لقب المكى إلا أسرة الشيبى. هذا كلام جاهل بقوانين الوراثة والتأثر بالبيئة والجو. دع عنك ما يفاد من جوار بيت الله الحرام. فسواء أكان هؤلاء الناس هنودا أو جاويين أو أعجاما أو مصريين، فإنهم أهل مكة وأهل الحرم الشريف وجيرانه وخدمه الذين لزمت علينا محبتهم وإكرامهم، وإن العجب أن يقول لك مفت غريب عنهم إنه لا تنطبق عليهم شروط الواقفين في حجتهم، لأن أهل مكة وورثة سكان بيت الله الحرام قد انقرضوا وأنك لا تجد بين المعلاة والمسفلة رجلا أو امرأة أو طفلا ينطبق عليه ذلك الوصف وشرط الواقف غير أسرة الشيبى، وعليك أن تجرى وراء القبائل الرحالة في الجبال المقفرة بين جدة والمدينة لتجد المستحقين في تلك الأوقاف، ليحرم هؤلاء المساكين المقيمين في جوار الحرم الشريف.
إن أهل الحرم وأهل مكة هم المقيمون الآن في بيوت مكة وشعابها، وهم الذين تراهم بمختلف الوجوه والأزياء والذين يقيمون بالكعبة والمقام ولا يوجد رأى يخالف ذلك إلا رأى لا يتفق والعدل في شئ.
(?) اللغة والأدب والشعر النبطى في الحجاز

إن الذى ينتظر أن يسمع في مكة لغة عربية فصحى، أو تقرب من الفصحى يخطئ كثيرا ويخيب رجاؤه، فزمن الوحى والإلهام وجوامع الكلم قد ولى وراح، وهذه معجزة جديدة للقرآن، فهذه البلاد التى بعث فيها النبى والصحابة الكرام ونطقوا بأبلغ الكلام وحفظوا كلام الله ورسوله، ولم يتغير طقسها ولا هواؤها وكانوا ينظمون شعر المعلقات ونبغ فيهم أمرؤ القيس والأعشى والنابغة وقيس بن ساعدة ومئات غيرهم، أصبحوا لا يحسنون النطق بلغة أجدادهم إلا قليلا، فقد سمعنا أحدهم يقول لطبيب: «يا حكيم عساك صاحب الرأى المفلح! بى ضر وشكاتى طويلة كما العجد (العقد) ما تنحل» وآخر «أبويا ندبنى أعلمك (أخبرك) أن دواك ما أتى بخير»، وآخر يدفع عن نفسه تهمة ضربه عراقيا «أنا من ثجيف وإيش هذا العراجى اللى يمنع سبيلى حنا (نحن) ما له شأن يجولون عنه إنه لوى رجاب (رقاب) العراج ودس خشومهم في التراب» وآخر «لا تواخذنى أنا عجلان وصاحب الحاجة ملحاح» ولكن غير هذا البدوى وأمثاله نادرون، أما الكافة فيقولون عن ملك فلان حج فلان أى حقه وحجته تأنيث حق كما يقول المصريون «بتاعه» و«بتاعته»، ويقولون هيا صلون المغرب واركبون أى صلوا واركبوا ويحذفون الدال من لعندنا (لعنا) واللام من كملنا (كمنا) و(داحين) هذا الحين وما فش (لا يوجد) و(ازهم عليه) أى ناده أو ادعه وبالا (أى نعم) كقول الشام لكان والرجل عندهم زلمه وجمعه أوادم والأولاد بزوره واتجعمص (اجلس) وفصخ حداك اخلع حذاءك والشرجية (طاقية حرير) والبل والإبل وانجلع ابتعد وهرج (تكلم) وحبحب للبطيخ وبازان لحوض الماء واللبة (تصبيرة أو تعتيمة). والطلى (خروف) وجمعه طليان.
ولم أعرف من الناظمين في البادية غير ثلاثة أو أربعة أولهم عبد الله بن الرميح وخضر بن عويد النمرى، أما الكتاب فقد عرفت منهم كثيرين، وفي مكة والمدينة شعراء وكتاب وقل من يكتب اللغة الصحيحة في غير الحجاز، وقد أطلعت على كتاب بقلم كبار عتيبة ومنه «نسمع عندهم في هالجرايد بين قادح ومادح وحنا حاربنا الترك وابن رشيد والشريف ما صارت فوايههم (أى روائحهم) مثل فوايه ابن رفادة فارة منطلقة من جحرها نرجو أن تفكنا من هذه العلة التى بكبودنا حطت أعدائنا الحبة قبة والفارة أسد وحنا ممددين رجلينا أحد يزرع وأحد يركب.. وحنا لا عاد أكلنا ولا شربنا ولا عاد نمنا الليل وحنا مدخلينك على الله الخ».
والشعر يسمى الآن بنبط وقد نظم خضر النمرى نبطا حجازيا.
أما عبد الله بن رميح العيسى العقيلى النجدى فقد روى لى أنه ولد سنة ????هـ ونشأ وتربى بين والديه ثم تغرب عشرين عاما، عاشر خلالها شيوخا ورؤساء قبائل وزعماء عشائر وتجارا وحكام بلاد، كما صادف شرارا يجحدون الجميل، ويكافئون المحسن بالسيئة والمثل المشهور بينهم «إذا لم تنفع فضر»، وقال إنه أسدى الجميل إلى غير أهله من هؤلاء «الأنذال» ووضع الندى في غير موضعه، فأرادوا هلاكه عسى أن يكون من وراء هلاكه نفع لهم ولو بسيط، وأن أهل هذا الزمان يميلون إليه إذا أقبلت الدنيا عليه واعتدل الزمان ويتبرأون منه ويتحاشونه إذا مال الدهر به، وقال إنه بسبب كثرة التنقل في البلاد وراء الرزق، فقد حرم الذرية وأصبح بسبب ذلك أشبه بالطير في الهواء لا دار ولا مأوى.
وقد نظم ابن رميح سنة ????هـ منظومة بالشعر النبطى ضمنها بعض النصائح، التى يقول عنها إنه إذا أمعن فيها العاقل ودقق النظر فإنها تفيده في دنياه وآخرته عملا بقوله ? «نصيحة المسلم على أخيه فريضة». وقد نظمها مخمسة على حروف الأبجدية.
(?) شمائل أهل مكة

ولكن أهل مكة من ألطف خلق الله وأحسنهم خلقا، تولاهم الله برحمته وعطفه، وفيهم طبقة من المهذبين تعد من أرقى طبقات المتحضرين، ولهم عناية بالكتب والأدب، ويحبون المصريين حبا جما ويكرمون وفادتهم ويبذلون في رضى الحجيج كل مرتخص وغال ولا يردون لهم طلبا. وليس فيهم غير مسلم بعد نزول الآية الشريفة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـ?ذَا وهم يراقبون الأجانب مراقبة شديدة، فلا يتعدى أجنبى جدة وينبع وصنعاء ما لم يدخل مستخفيا ومدعيا الإسلام، كما فعل ريتشارد برتون الإنجليزى وسنوك هورجرنجه الهولندى وجيرفيه كورتلمون الفرنسى وبوركهاردت السويسرى، وويفل الإنجليزى وعبد الله فيلبى الإنجليزي، ولكن هؤلاء جميعا وثلاثة أو أربعة غيرهم دخلوا بدسيسة من أهل البلاد، وانتحلوا الإسلام وزعموا أنهم ترك أو شركس.
وأهل مكة يحبون الظهور بالعظمة والفخفخة، ويتقنون زينة الثياب ويتحلون بالخناجر فى المناطق، والعمائم الموشاة والعباءة الموشاة بالقصب، ويتفاخرون بكثرة الطعام والشراب ويدافعون عن أخلاق بلدهم رجالا ونساء، وفي الحق أننا لم نطلع على سوء من أحد ولا سمعنا سبا ولا شتما في الطريق، وكلهم يقيمون الصلاة وقد يتركون متاجرهم بغير حراسة أثناء الصلاة.
وما زلنا ولن ننسى طوال الحياة منظر الصلاة في المسجد الحرام، عندما يلتف المصلون حول الكعبة وراء إمام واحد مصرى من مدينة الاسكندرية اسمه الشيخ عبد الظاهر أبو السمح وهو عالم جليل سلفى صالح محبوب، يرتل القرآن أثناء الصلاة ترتيلا جميلا ويقيم العبادة التى تتجاوب أصداؤها في أنحاء العالم خمس مرات في النهار، فلا تسمع إلا همهمة الحمام وحفيف الثياب، ووسوسة السلاح عند الركوع والسجود والقيام، يسود عليها جميعا صوت القرآن الكريم وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. هذه هي الحقيقة الأزلية التى دامت واستمرت وفنى كل ما قاومها من باطل المشركين وجهل الجاهلية وحماقة الكفار، الذين دعوا إلى نعيم الدارين فأبوا واستكبروا استكبارا، فهلك منهم من هلك وذل من ذل إلى أن أسلم فى اللحظة الأخيرة طمعا وخوفا، فلم ينس المسلمون أن يقولوا عنه «رضى الله عنه» لأنه أسلم فيما بعد. تلك والله بلاد كأننى أعرفها وأعيش فيها منذ خلقتى ونشأتى، فلم أجد بها وحشة ولا غربة، ولم أشعر فيها بحسرة ولا لهفة، ولم أحمل بها هما ولا غما، ولم يعترنى ضيق فى ليل أو نهار. أينما سرت شعرت روحى بالأمن، كأنك من هذا البيت في مأمن من عاديات الدهر وكأن الشيطان لا يجرؤ على الدنو منك ليوسوس لك، ولا يسهل على شرير من بنى آدم أن يعتدى عليك. كأن ستارا من الاطمئنان والحماية مسدول علينا، وإنى لأعجب لمن كانوا يصورون الحج سلسلة مشقات، ويحذرون المسافرين من أخطار لم نر لها شبحا.
وإن في هذا المسجد العظيم لأكبر متعة للنفس، وإن فيه لسرا يخفى على العقول والقلوب ويظهر في الروح والفؤاد ليس مستفادا من تاريخه ولا مما جرى حوله ولا ممن عاشوا فيه، وعبدوا وحاربوا لأجله، وهاجروا في سبيله ولا من موقعه في قاع بلد عتيق محاط بالجبال ولا من حومان الحمام حوله، ولا من كونه مركزا لدائرة الإسلام ومقصودا من كل ركن من أركان العالم. ولكن هناك سرا خفيا قويا يجذبك ويرعبك فتشعر بالهيبة والحب والمخافة والاطمئنان، إن هناك سرا ….
(?) الحج دعوة من الله

أحب أن أقول شيئا لا يجوز لى أن أنساه أو أغفله، وهو إجماع يتوارد عليك بأن الحج دعوة من الله، ومعظم الحجيج يروى لك حديثا كالخرافة في ظاهره، وهو أنه لم يكن مستعدا ولم تكن لديه نية وكان يؤخر، وفي اللحظة الأخيرة تهيأ له كذا وكذا مما لم يكن في حسبانه، وبعضهم يعتبر نفسه مقصودا بعناية خاصة ثم لا يلبث أن يرى مئات بل ألوفا قد وافتهم هذه العناية، وقد أراد الله بتعميمها أن يقنع عباده بهذه الآية، وأن السعى المبذول جانب الإنسان إن لم يصحبه توفيق فلا خير فيه. ليس هذا المقصود بهذه الظاهرة، بل إن هناك من لا يسعى مطلقا ويسير وقد يسير مرغما وهو يكاد يكون مسلوب الإرادة، فيلقى من اليسر وتسهيل الأمور ما يعد التقصير معه جناية، وإنه ليحاول التقصير فلا يملكه، ويعمد إلى التراخى فيجد ما يدفعه، وما تزال الأشياء تفقد قيمها المألوفة ويزداد الأمر الذى يسير فيه قيمة حتى تتضاءل الحياة كما يتلاشى أثر الوطن الذى يودعه، والناس الذين يراهم ويسمع كلامهم.
قضينا في مكة أياما قصارا مرت كالآحلام، ولكنها مليئة بالحوادث وإن ذكرياتها لمن تلك الذكريات التى تشعر وأنت تعيشها أنها وردت سجل الخلود من ذهنك، وانطبعت في مخيلتك انطباعا لن يعتوره بهوت ولا انمحاء.
(?) روعة البيت العتيق، الرحالة الأجانب في بيت الله الحرام

والأمر الثانى الذى أردت تأكيده بعد التوفيق للحج لمن أراد الله، روعة البيت العتيق روعة مستقلة عن كل سبب مما يدخل في باب التعليل والتفسير، فإنه ليس مقصورا على المسلم والمؤمن، والمسوق إلى الله بإخلاص، بل يتعداهم جميعا إلى الكاذب والخادع والجاسوس الذى لا يدين بدين الإسلام أو غيره من الديانات كما وقع لكل أجنبى اندس في غمار الطائفين واتخذ لذلك لسانا وثيابا ومظهرا غير لسانه وثوبه ومظهره. هذا الرجل من أمثال بيرتون الذى وفاه عارفوه حقه من وصفه بالنفاق والكبرياء والغرور والعنجهية يتجلد ويعتمد على برود طبعه وتماسك خلقه، ويدخل إلى الكعبة بصفاقة وجه وقلب مريض لا يلبى نداء الله ولا يؤمن بما هو مقبل عليه، ولا يدفعه شيء سوى التجسس والبغض واستنباط الحيلة للكيد لمن يؤمنون برب هذا البيت، وأفضل ما نلتمسه له من العذر حب استطلاعه ورغبته في الوقوف على حقيقة هذا الأمر في مكانه مع سبق علمه به، علم قراءة وسماع، فهو يريد علم المشاهدة والملابسة.
هذا الإنجليزى المدسوس خارت قواه وانحلت أعصابه واعتراه ذهول كاد يكشف ستره ولكن الله ستره لأنه جاء إلى بيته والكريم لا يهين دخيله ولو كان كاذبا مداجيا مرائيا.
وهذا نفسه الذى أصاب ويقل المستكشف الجغرافى في سنة ???? (أنظر كتاب حاج عصرى تأليف أ.ج.ب. ويقل عضو الجمعية الجغرافية الملكية طبع لندن سنة ???? ص ??? وما بعدها) فقال «إن التأثير الظاهر الذى تملكنى هو تأثير فوق العادة. إنه عجيب مدهش فشعرت بغريزتى أننى أرى شيئا لا مثيل له بل وحيد في الكون ولا يمكن أن يوجد منظر يشبه سواء أكانت روح المكان الساكن به Genius Locé أو محيط به أو بترتيب المكان أو بقوة الإيحاء النفسى بالاعتقاد المهول الملاصق بهذا المربع الصغير في الوسط، لا يمكننى أن أقول مصمما. فمهما كان الأمر وتفسيره الذى أنا عنه عاجز، فقد شعرت بتأثير فوق الطبيعة، وأن بعض الحجاج يشهدون المنظر لأول مرة فلا يتحركون وأكثرهم يصابون بالبكم المؤقت». لقد تعمدت أن أنقل عبارته كنصها وقد تبدو عليها ركاكة مقصودة وقد كتبها الرجل بحذر شديد، ونشرها بعد كتابتها بثلاث سنوات وراجعها بعده سواه من أهل الحيطة والحذر. ولكنها في مجموعها لا تخالف وصف ما يشعر به المسلم نفسه، فهو يخفى وصف الرعب الذى أصابه والرهبة التى قذفت في قلبه، حتى ليبعث فكرة القدماء من أن أرواح الأرباب القديمة من عهد آلهة الخير تسكن الكعبة وتحل بها، وأن اهتزاز ستور الكعبة ليس بفعل الهواء وإنما بأجنجة الملائكة.
هذا الإنجليزى الواعى القادم لغاية حربية وسياسية، لم يتمالك أن أقر واعترف بهذه الروعة وهذا الرعب، وهو ليس بالرجل العادى ولا عابر سبيل، فقد ساح في أوروبا كلها ورأى كنائس لا عدد لها في لندن وباريس ورومه، ونشأ في طفولته على تقديس تلك المعابد المزينة المتبرجة تبرج الجاهلية الأولى، والتى أنفقت على زينتها وتبرجها ملايين الجنيهات وصنعت فيها التماثيل والصور التى أنتجتها عقول عباقرة الفنون من القرن الثالث عشر للقرن العشرين وأختيرت لها أجمل البقاع وأغلاها صقعا، وأحيطت بمظاهر الجمال والجلال المصطنعة وأطلقت فيها الأنغام الموسيقية والأصوات العذبة ترتل وتنشد، وانتشرت في بعضها روائح البخور وتجمل قساوستها وزوارها بأجمل الثياب وأغناها ولبسوا المخمل والمخرق، وتحلوا بالجواهر والتيجان، ولكن هذا الرجل لم يكتب سطرا واحدا عن هذه الأماكن ولم يهتم بتغيير دينه واسمه وثيابه وطعامه وشرابه ليرى أحدها. بل إنه هنا استهدف للقتل مرارا سواء فى المدينة المنورة أو في مكة أو في الطريق (أيام قوافل الجمال) ولم يبال، واستهدف للموت بالأدواء الفتاكة من الجراثيم المهلكة، التى سرعان ما كانت تودى بحياته لشرب ماء ملوث أو أكل طعام ردئ أو لمس ثياب شخص موبوء يحمل الجرثومة وينقلها ولا يموت بها. كل هذا تعرض له هذا الرجل لا إيمانا ولا حبا ولا نية ولكن ليرى. وكان يمكنه أن يتصنع الشجاعة والاستهتار ويزعم أنه لم يشعر بشيء، ولكنه وصف المستهترين بأنهم يرتج عليهم ويذهلون ويصابون بالخرس حيال ماذا؟ … حيال هذا المربع الصغير من البناء المستور بستار أسود فى مسجد يكاد يكون عاريا من كل حلية، ولا سقف له تزينه صور الملائكة بأبهى الألوان ولا حلية على جدرانه كالتى تراها في كنائس بطرس وبولس والفاتيكان ونوتردام وفلورنس وميلانو الخ.
فسبحان الناطق على كل لسان، بل سبحان من هذا بيته، لقد ذاق هذا المسكين انزعاج الرؤية ولم يذق حلاوة الاطمئنان التى تتلوه وتاه في حيرة الذهول التى تصيب الناظر للوهلة الأولى، ولم يشعر بإحساس الحفظ والصون الذى يحيط المؤمن الخاشع، وهذا نصيبه لأنه لم يأت الله في بيته بقلب سليم، وهو لو فعل ذلك لحظة لآمن به، وانظر قد أنجاه الله في مكة وكانت الأعين ترقبه، وكان يخشى أن يقع عليه بصر نافذ وبصيرة نيرة وهو لا يعلم أنه مراقب ومنظور ولكن الله يمتد كرمه حتى لأمثاله، ويستمر ستره حتى يخرجوا من حرمه.
انظر ما جرى له بعد ذلك في اليمن وفي صنعاء نفسها وهو تحت حماية القنصل والأسطول، لقد قبض عليه الاتراك وضربوه وسجنوه وقيدوه بالحديد وسير به في طرق صنعاء في حال يرثى لها (ص ??? من كتابه) وألقى به غيابة السجن ثم طرد من البلاد ولم يجد من قومه من يأخذ بيده. وهذا الرجل يلوم الحكومة العثمانية على سلوكها هذا المسلك معه، ويعجب لحكومة متمدينة تعامله هذه المعاملة، ولا يلوم نفسه على أنه زور جوازا وانتحل دينا واسما وتجرا على دخول بلد مقدس محرم عليه دخولها وخالط عبادا يعبدون ربا هو لا يؤمن به، وشاركهم قداسة لا حق له فيها، وأفسد ذمم المسلمين الذين تستروا عليه بالمال ويعلمون أنه لم يتطهر ولم يتجه لله مخلصا ويحمل رجسا من الشيطان، هو يرى جواز ذلك كله وإباحته وحقه في عمله، أما أن حكومة شرقية مسلمة تثور لكرامتها وتمنع اعتداءه وتصون بلادها من أمثاله فهذا أمر يدهشه، ويقتضى منه التذلل لوزارة الخارجية في طلب التعويض (?? ألف جنيه) له ولخادمه متذرعا بجنسيته، فيرد عليه وزيرها وهو سير ادوارد جراى قائلا إن الحكومة العثمانية محقة فيما فعلت بك (خطاب ص ??? تاريخه ????/??/??) وأن سفير بريطانيا في تركيا سير لا وثر لا يملك أن ينصرك بعد الذى فعلته، لأن مسلكك أدى للجزاء الذى لقيته، فلا تستحق أن يدافع عنك لدى حكومة ستامبول.. الخ.
فضحت نفسك أيها العضو الجغرافى، لقد عاملك الله بكرمه في الحرمين على سوء نيتك وفساد طويتك وجعل ممن كشفوا أمرك وكتموه رجالا من طراز الجنتلمان حتى أسلمت نفسك وسعيت إلى حتفك بقدمك وكنت على وشك أن تشنق بباب الصباح في صنعاء، وأنت تعلم أن الشنق بباب اليمن فبلعت ريقك حتى الصباح. أرأيت أنك لم تلق شيئا من هذا ما دمت في أرض الحجاز، وكان أخلق بهم أن يفعلوا ولكن الله سترك ليؤدبك تأديبا على قدر هوان شأنك وجعل الذين لا يتخلون عن أحد ولو كان نملة، يتخلون عنك ويهملون شكواك بعد تذللك.
أما جيرفيه كورتلمون الفرنسى، فقد عاد من الحجاز وقد وقف البقية الباقية من عمره على خدمة الشرق والإسلام وألف كتابا في جغرافيا العالم ووصف رحلته يعد من أمهات الكتب ولم يعلم عنه أنه تجسس لأحد، وكذلك سنوك هيرجرونجيه حاز ثقة المسلمين الذين عرفوه ودافع عن الإسلام لآخر لحظة من حياته وأصلح ما استطاع من مظالم هولندا في أندنوسيا، وأما بوركهاردت فقد مات في الثالثة والثلاثين من عمره ودفن في قرافة باب الفتوح وقبره موجود بها ومكتوب عليه «هذا قبر المرحوم إلى رحمة الله تعالى الشيخ حاج إبراهيم المهدى ابن عبد الله بوركهرت اللوزانى تاريخ ولادته ?? محرم سنة ???? وتاريخ وفاته إلى رحمة الله بمصر المحروسة في ?? ذى الحجة سنة ????هـ» فهو الذى أوصى باسمه وضبط تاريخ ولادته بالهجرى ووصف نفسه بأنه شيخ وحاج وأنه مهدى بن عبد الله.

الفصل التاسع
قدوم الملك عبد العزيز للحج


(?) حفاوة رجال الحكومة السعودية

ليس من حقنا أن نغفل ما لقيناه من الحكومة السعودية خاصة ومن أهل البلاد عامة، من الإكرام والجمائل التى تكررت في كل صباح ومساء، «فقد دعونا إلى قصورهم وأقاموا لنا الولائم التى برعوا في تنظيمها وآنسونا في بساتينهم وأغدقوا علينا من أدبهم وظرفهم وأطلعونا على نظم الحكم والإدارة وكلفوا رجالا فضلاء بصحبتنا في غداواتنا وروحاتنا وسهلوا لنا الانتقال في الأماكن القصية والقريبة، ودعونا إلى زيارة معاهدهم ومدارسهم وحفلاتهم، ولم يدخروا وسعا في العناية براحتنا والسؤال عنا وزيارتنا في بيت المطوف بمحلة القرارة بين المدعى والفلق، وجعلوا لنا المجالس المختارة في الحفلات الكبرى، ولم يشعرونا في وقت ما بأنهم يبذلون جهدا في راحتنا، مع أننا لو أنفقنا كثيرا وتعبنا كثيرا ما تم لنا شيء مما تم في لطف وأدب كأن المحسن إلينا ذو حياء يمنعه عن أن يظهر بإحسانه.
(?) قدوم الملك عبد العزيز إلى مكة للحج

منذ الخامس من ذى الحجة بدأنا نأرق، فقد شاءت الأقدار أن يكون بيت المطوف مطلا على شبه ميدان ترده الجمال والجمالة والسيارات وتطرح على قارعته أمتعة القوافل فيصخب الجمالة والحمالة ويتنادون وينقلون الشقادف والخيام وينشرون الرايات والأعلام، ويعدون الأواني والأوعية استعدادا لرحيل الحجاج إلى منى وعرفات، وفي الحق أنهم لم يجنوا علينا فقد كان نومى على الخصوص غرارا، ولم يكن انزعاجا ولكن انشغالا، فقد شاهدنا منذ ثلاثة أيام وصول الملك عبد العزيز آل سعود من الرياض إلى مكة وسمعنا طلق المدافع من قلعتها التى في جياد فرحا بسلامته، ورأينا وفود الحكومة والشعب تهرع إليه وأعيان جدة والطائف ينضمون إلى أعيان مكة للقائه، فلما دخل جلالته بادر هو وأنجاله الأمراء ورجال حكومته الوزراء ورجال بلاطه وحاشيته من الحرس إلى طواف القدوم وقد أخلى لهم المطاف ولم يخل المسجد.
وإخلاء المطاف لا يخالف ولا يحرم أحدا، فإنه لا يتجاوز ساعة من الزمان وليس كثيرا على رجل كالملك عبد العزيز فعل ما فعل تسهيلا للحج وتأمينا للطريق ويقوم بغسل الكعبة المشرفة بنفسه، فلا يرى عاقل عادل على هذا الأمر غبارا بل هو واجب يشكر عليه من يؤديه. كان جلالته أعلى الطائفين والساعين قامة وأرفعهم هامة وأكثرهم التصاقا بالكعبة وأعظمهم جلالا وهيبة، وأقربهم إلى العروبة في ملامحه وهيئته، وأكثرهم اجتهادا في الأداء وهرولة عند لزوم الهرولة كلما دنا من ضلع الهرولة المقابل لجبل أبى قبيس، أما سعيه الذى شهدنا، وأسعدتنا المصادفة برؤيته فكان في سيارة على ضوء المشاعل، يحف به الحرس، ولكنه من التواضع لله والشعور بعظمته سبحانه وتعالى بحيث يجمع بين روعة الإيمان وسكينة الخشوع للواحد الديان، فكان في الحق منظرا فخما ومظهرا رائعا بعد الغروب وفي ضوء المشاعل، وكان المتفرجون واقفين صفوفا متراصة ليس بينهم وبين المطاف إلا خطوات، والشرطة منتشرة فى الفضاء بين الجمهور والطائفين، فلا تسمع إلا صدى أدعية الطواف في الأشواط المكررة، وتنظر إلى الكعبة ليلا فتراها في زينة ربانية وقد كساها الله جمالا وجلالا وهيبة، وهذا الملك ورجاله وأنجاله في ظلها يدورون حول المركز كالكواكب السيارة حول الشمس، يستمدون من نورها وحرارتها، تحت أقدامهم المرمر الملون وفوق رؤوسهم قبة السماء المشرقة بنجومها، المتلالئة بأنوارها. وإنك لا تملك إلا أن تعجب بملك يطوف ويسعى أو واقفا في المحراب يصلى حيث يتجلى جمال العبودية على الإنسان المفروض أنه سائد بحكم مكانته على غيره من البشر. وإن لهذا الموقف لجلاله وعظمته التى لا تقل عن عظمة الملك والجلوس على العرش والقبض على الصولجان، لأنه موقف الحمد لله سبحانه وتعالى الذى أنعم على الملك بسلطانه وأفاض عليه من قوته وارتفاع شأنه، وكلما خضع العبد لله — ولو كان ملكا — ارتفعت مكانته عند الرب المعبود وعند سائر العابدين.
وأقرب دليل على سمو مكانه العبودية لله سبحانه وتعالى ما جاء في القرآن الكريم في وصف الإسراء، وهو من أعظم الدرجات التى بلغها النبى محمد عليه الصلاة والسلام قوله عز شأنه سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فلم يصف رسوله الذى أرسله رحمة للعالمين ولا حبيبه الذى اختصه بأعلى مكان بين النبيين، إلا بوصف العبودية وهي بلا شك أعظم وأعلى.
كان منظر الملك وهو يطوف ويسعى بالغا غاية الجمال والكمال مع بساطته التى لا حد لها، فلا طقوس ولا مراسم ولا سادن ولا كاهن، ولا تاج ولا عرش، بل انتعال يكاد يكون حفاء ورأس حاسر لله خضوعا وإحرام واضطباع وتنفيذ دقيق لأوامر الله، وهكذا طاف الرعايا من كل الأمم والملوك لكل الدول، والنبى الأعظم منذ شبابه إلى حجة الوداع قبل وفاته»، ليسوا — وهم يطوفون — رعايا ولا ملوكا ولا وزراء ولا عظماء، ولكن عبيد الله الذى سوى بينهم في عبادته وبين جميع خلقه.
طاف الملك طواف القدوم وسعى في سيارته، ولا حرج على من يسعى راكبا، وكان طريق المسعى خاليا إلا من المتفرجين والشرطة، وقد منع السعى فيه مؤقتا خوفا على الساعين من تزاحم السيارات لا تعطيلا ولا حظرا. أتظن المطاف قد خلا بعد خروج الملك أو أن أحدا تبعه ليرى المنظر اللامع المضئ بالمشاعل بين الصفا والمروة؟ كلا! فإن المنتظرين عادوا إلى الطواف وانهمروا كما تنهمر مياه النهر بعد حبسها هنيهة بقوة أعظم من قوتها الأولى، والتأم المطاف وعلا الهتاف إلى عنان السماء بالأدعية والتلبية، حتى إذا نودى لصلاة العشاء انتظمت الصفوف وبرزت الأغوات بعصيهم والشرطة بقضبانها الخشبية، وقامت الصلاة قامت الصلاة. وكذلك المسعى لم يلبث الملك وركبه أن قضوا ساعتهم بين الصفا والمروة حتى عاد الهجوم على الطريق، فترى أشكال الناس وألوانها من كل فج جماعات وأفرادا يهرولون ويهدئون السير ويصعدون درج الجبلين داعين ملبين متوسلين إلى الله.

الفصل العاشر
إلى منى


كان الاستعداد للخروج إلى منى على ساق وقدم، وكلما سرت في شوارع مكة رأيت جمالا ورجالا ومتاعا وأعمدة وخياما ونحاسا وحبالا وسلالم أخشابا وشقادف أجزاعا وأغصانا وأكواما من الفراش، وأكداسا من سجاجيد ووسائد وحشايا وأزيارا وقللا صغارا وكبارا (ويسمون واحدتها شربة) وأقداحا وألواحا وحقائب حتى تكاد تحسب أن مكة خرجت أثقالها وتركت بيوتها ومخازنها خالية على عروشها، ونحن في لوعة الانتظار وحرقة الفراق للكعبة وقد رأيناها أحرمت، أو هكذا يعبرون، وهو تعبير لا يروقنى لأن القادمين عليها يحرمون لله.
فقد قص الشيبى المحترم أطراف ذيل الستر القديم الذى يخلع يوم العيد، لتحل محله الكسوة الجديدة، ورأينا بعض الستر القديم يعرض في الأسواق للبيع يتهافت عليه الحجاج قبل سفرهم إلى منى فهو كالباكورة الشهية أو الفاكهة قبل أوانها بقليل.
كنا نترقب أن نشد رحالنا في الصباح كما وعدنا المطواف، لنأخذ راحتنا في منى طول النهار (الثامن من ذى الحجة)، لكن مطوفنا قوال ومكثار من القول والوعود وضحاك وبشوش، لا تفارق الابتسامة ثغره الإندنوسى ولكن قليلا ما يفعل، وتراه دائما مشمرا عن ساعد الجد، فترى الساعد ولا ترى الجد إلا نادرا. فهو يذهب ويعود حاملا أخبار الشركة وما قيل له وما وعد به ووصف السيارة التى وقع عليها اختياره «أبشر يا سيدي إنها سيارة كالطيارة تقيل العثار ولا تثير العفار وتحمل الأثقال ولا تغرز في الرمال، وسائقها شوفير نابغ يطوف البر ما بين جدة ورابغ في ساعتين فما بالك به إذا الخ».
– ولم عدت بهذه الأقوال العقيمة بدون هذه الدرة اليتيمة؟
– أبشر يا سيدي عدت لأطمئنكم وأجلو صدأ صبركم الخ.
فنمنا وصحونا وصلينا وقرأنا ثم نمنا وصحونا، وكلما سمعنا نفيرا ها هو أخونا المطوف أبى أن يسوف ولكن أضغاث أحلام. وكنت أجمع الرفاق خشية أن يتفرقوا في الآفاق. فكان الشاعر وهو هاوى أسواق ينتهز فرصة ليمرق فيشترى مجموعة مسابح أو طقم قهوة أو عقود مرجان أو فصوص عقيق أو يساوم على سجادة استهوت لبه وملكت قلبه وهو يود ولو يفقد أبحر الشعر كلها أن يدخل بها بر مصر ليغرسها في القصر. وهذا الآخر حب الرمان ناهيك بمن يقدر على اصطياده والتقاطه، فقد شغف باللوز المقشور والفاكهة التى يحمل اسمها والتمر المدنى والعجوة، وأخوف ما أخاف أن تصل السيارة الموعودة وأحدهما أو كلاهما غائب فتقوم حجة المطوف من أنه لم يجدنا فلا عذر لنا إذا فاتت علينا صلاة الظهر والعصر مقصورة ومجتمعة جمع تأخير في مسجد الخيف.
وأخيرا في الساعة التاسعة نهارا هل المطوف والسيارة والسائق فيا لها من فرحة. فركبنا ولبينا محرمين «منفرحين» مستبشرين وسرنا في نهر من السيارات والقوافل وموكب من الأصوات والتهليل والتكبير، وقد سبقنا الناس بيوم أو يومين على جمالهم أو خيلهم وبغالهم وحميرهم أو على أقدامهم، واتجهنا إلى طريق الشرق مارين بالمعلاة ثم ملنا ميلا خفيفا إلى الجنوب بين جبلين في واد يتفاوت عرضه من مائة متر إلى خمسمائة متر بين سلسلتين من الجبال البركانية ذات الألوان الداكنة والصخور الصلدة المكونة تكوينا هندسيا كأنها صنع حفار ماهر، وحركة الناس لا تنقطع انهيالا، وفي نهاية مكة من هذه الناحية (البياضية) رأينا عن يمينه قصر الشريف عبد المطلب يحيط به بستان أغلب أشجاره من شجر السدر.
(?) غار حراء

وبعد ميلين من السير في أرض بين السهل والوعر على يسارنا جبل النور الذى فيه غار حراء حيث تعبد النبى عليه الصلاة والسلام وجاءه الملك بالقرآن للمرة الأولى وقمته عالية جدا وبارزة عن جميع القمم وظاهرة على شكل هندسى يشبه المنحرف وأنها تطل على ما حولها من القمم، وقد صدق الذى وصفه بالنور فإنه أبرز الجبال وأوضحها جبينا وأشمخها رأسا وأشعها ضياء كأن حوله شبكة من أشعة بنفسجية، وكأن قمته الفذة لارتفاعها ورفعتها ضاربة بجمالها ووسامتها إلى السماء تتلقى نورا فوق نور. فملأنا به أبصارنا وتعلقت به قلوبنا وتواعدنا على أن نصعد إليه بعد عودتنا من عرفة وإن كانت الطريق إليه وعرة. وقسنا في الخيال مسافة الطريق بينه وبين دار النبى في مكة، فهالنا الأمر وما كان يتكبده رسول الله في السير أو الركوب إليه ثم صعوده وخلوته بعيدا عن أهله وأولاده، ولم يكن أكبرهم بلغ الخامسة عشرة من عمره ثم الصوم والحرمان والتقلب على الرمل في محراب لا تزيد سعته عن جلسة الرجل ولا ارتفاعه عن قامته وفي مهب رياح عاتية. يسعى إليه وحيدا في غير جلبة، وخفية لا يعرف أحد من أخباره شيئا إلا خديجة زوجته الحنون التى كانت تقلق عليه أحيانا، فتبحث عنه وتصل إليه لتنقل القليل من خبز الشعير وأدام الزيت، وأهل مكة ولا سيما الأغنياء منهم فى لهوهم وسمرهم لا يعون من أمره شيئا والله يدبر لهم أشياء، وقد اختار ذلك الرجل المفرد المنقطع برأس الجبل في عزلة الملائكة صابرا وراضيا مستمتعا بأنس الله إلى أن ينقلب هذا الغار منارا يضيء العالم بالنور الذى يخرج منه، ويرشد كل غارق في بحار الدنيا إلى بر الأمان.
وكان هذا المكان يتحنث الناس فيه قبل الإسلام، ولكن واحدا منهم قبل محمد لم يسعده الله بالوحى. وإذن نحن نسير في طريق سار النبى فيها وشهد مناظرها، نسير تبعا لسنته ونفاذا لأمر ربه الذى اختاره وصدق وعده بعد حياته بألف وأربعمائة سنة!
ثم انعطفنا قليلا نحو الجنوب ولم نغادر جبل النور بنظرنا، ولعلنا رأينا مسجدا قيل إنه موضع المبايعة الأولى، وقد صلى فيه رسول الله، والصلاة فيه مستحبة ولكن علينا أن نجد السير إلى مسجد صلاته فيه سنة مؤكدة.
(?) الوصول إلى منى

وبعد ثلاثة أميال وصلنا إلى منى والمسافة كلها قطعتها السيارة في نصف ساعة وتقطعها الجمال في ساعتين والراجل في ثلاث ساعات، وكنا تارة نفترق عن درب الإبل وطورا نشاركها وأربابها ينادون على كل سائر «رويكب» ليريحوا المشاة من الطريق. فرأينا بباب منى وعند مدخلها على اليسار جمرة العقبة وهي تمثال إبليس الكبير (كذا) وهو عمود مربع من البناء ارتفاعه ثلاثة أمتار في عرض مترين مقام على قطعة صخر عالية عن الأرض بمقدار نصف ارتفاعه وفي أٍسفله حوض من البناء تسقط فيه حجارة الرجم (الجمار) التى يقذفه بها الحاج بعد الإفاضة من عرفة والمبيت بمزدلفة (حيث تجمع الجمار) والعود إلى منى. وكنت جد مشتاق لرؤية هذا الشيطان ويطربنى أن أسمع وصف رجمه والبحث في علته، ولم أكن أعلم أنه بدلا من الشيطان الواحد يوجد ثلاثة شياطين في منى، هذا الكبير ثم اثنان أصغر منه حجما. فلما رأيتها جميعا عجبت لهذا التثليث الشيطانى وهما في الشارع العمومى الذى اسمه السوق أحدهما في وسط الطريق والآخر على يمين السالك إلى عرفه بعد أخيه بخطوات. ولم أعلم أن رجم هذه الثلاثة المذكورة يقتضى إقامتنا في منى ثلاثة أيام، لا عمل لنا بها إلا هذه العملية، وكنت أسمع أن بعض الناس يحنق فيطلق الرصاص عليها وبعضهم قذفها بالملبس المحشو باللوز ولكل منهما علة اقتضت هذه المخالفة!! وصلنا بيتا رقم ?? في الشارع العام يرى المطل من نوافذه منظرا عجيبا، فالحركة لا تنقطع ذهابا وإيابا والسيارات لا تخترقه خوفا على المشاة، ووجدنا البيت الذى أهدى إلينا مفروشا بالنمارق والوسائد والأغطية النفيسة وقد نصبت فيه أدوات الطهى والقهوة وجهز بالماء ولكن سلالمه متعبة للغاية، وإنه لنعمة بالنسبة إلى الخيام التى يقيم فيها الحاج من كل قطر، وليس في غير هذا الشارع والذى وراءه بيوت اختص بها سادة مكة وأعيانها، وبعضها بالغ حد الفخامة ويبلغ إيجاره مائة جنيه في الأيام الثلاثة أو الأربعة.
ومنى نفسها ضاحية جيدة الهواء ولعلها كانت في الجاهلية ذات أصنام ومعابد وقداسة، ولكنها بعد الإسلام صارت محطة انتقال بين مكة وعرفة ومستقرا للعيد وهيكلا للأضاحى وقد جست خلالها فتخيلتها كالجسم الإنسانى، رأسه جبل عرفة وعنقه المزدلفة وقلبه مسجد الخيف ومعدته تنطوى على العقبة والجمرتين، وفي ظهره مسجد إبراهيم وغاره. وقد تخيلت هذه الصورة التشريحية عندما بدأت أرسم خريطة لهذه الأماكن لأتعرف عليها، وقد استجد عليها قصر الملك والسبيل المصرى، ومكاتب البرق والبريد ومقر الشرطة، فهذه زوائد لا تغير من شكل الصورة الطبيعة، ولم أتمهل في النزول إلى الطريق لأدرك صلاة العصر والظهر فهالنى ازدحام السبيل بالمارة وخيل إلى أنه أكثر من زحام مكة، ولعله كذلك لضيق البلاد وانحصارها في شارعين حتى إذا خرجت من السوق ظهرت الخيام متلاصقة متصلة متجاورة، لأن البيوت المفروشة لاتتسع لهؤلاء جميعا.
(?) لقاء

لقد بادرت إلى المسجد، وقبيل دخوله فكرت في إنسان عرفته في مصر وكانت له معزة فما عجبت إلا أن أراه أمامى فصافحته ثم حاولت أن أكلمه فلم أنطق بغير التلبية ولم أطق على رؤيته صبرا فتخلصت منه وأنا أعجب لحالى معه، وبادرت إلى المسجد فصليت تحت القبة التى صلى في مكانها رسول الله، وأجلت طرفى في فضاء المسجد الدى يتسع لألوف الرجال لو صلوا به جماعة ودعوت حيث يجب الدعاء وخرجت، وكان الإنسان الذى لقيته في انتظارى فدعانى إليه فلم أسمع صوته ولم أره بعد ذلك في الحج مع أنك قد تلقى الرجل ثلاث مرات في اليوم الواحد وأنت لا تقصد إليه.
واتسع الشارع أمامى اتساعا مهولا ورأيت في وسطه ألوف الجمال بالشقادف صادرة ومغذية السير في نظام وهدوء، ترى رجالا شعثا غبرا وذوى وفرة وعراة الصدور إلى البطون ومحرمين، مشاة وراكبين، ونائمين في شقادف ونساء في شقادف كمهود الأطفال محبوكة الأطراف شدت إليها النسوة بألياف وليس عليها ستور ولا يظللها غطاء، وأخرى مظللة مستورة وهم خليط من أهل مصر والهند والسودان ونجد والشام، تترامى بهم الإبل إلى أقصى مكان ليقضوا ليلهم، ورجالا على حمير معهم أطفالهم ونساؤهم، وشيوخ ومرضى وعجزة، ورجلا أعمى مقطوع اليد يقوده ولد صغير بحبل، جعله في كوع الذراع الذى فصلت كفها، ومنظر الذراع المبتور الكف بشع مخيف وإن كان الجرح قد التأم منذ سنين والرجل يستجدى في وعاء يمسكه الغلام، أما يده اليسرى فهو يستند بها على عكاز ويكاد يكون جسمه عاريا ما عدا عورته. وعيناه بيضاوان وشعر رأسه أبيض. فما تكاد تلمحه حتى تهولك ضخامة جسمه وطول قامته وقوة عضله على ذلته، فماذا كان هذا الرجل في شبابه وتسأل نفسك أية علاقة بين الجريمة والعمى والشيب، وأية عبرة هذه التى تسير في الطريق، تلك الموعظة العارية العمياء التى تلفت الأنظار. وهل هذا الولد ولده من صلبه أم أجير، فإن كان ولده أية صورة تنطبع في ذهنه عن شقاء أبيه وعن بشاعة السرقة. وأين ملف قضيته، ولم جاء منى أيصعد هو أيضا إلى عرفات رافعا يده إلى السماء يطلب المغفرة؟ وكم يد مقطوعة ترتفع إلى السماء، ذبول الشباب وفقد البصر وقطع اليد واضطرار التسول. إن الله قادر على كل شيء وهو الذى أراد هذا فنفذه في عبده وما زال هذا العبد حيا يسعى على رزقه.
(?) تنفيذ الحدود في المملكة وسيادة الأمن

إن السجن بل الأشغال الشاقة المؤبدة إذا عاش المعاقب بها خمسا وعشرين سنة هجرية أو ثلاثة أرباعها يزول أثرها في المجتمع فلا يحمل صاحبها (وقد يكون قاتلا أو فاسقا بإكراه) علامة ظاهرة عليها. أما هذه العقوبة فهى تاركة أثرا لا يزول، وقد قصد بها الشارع السمائى أن يقطع دابر الجريمة التى هي أشد الجرائم كيدا وغيظا بمن تقع عليه، ولو أنها نفذت يوما في كبير أو عظيم لاستقام الناس وحاسبوا أنفسهم، ولا يكفى أن تنفذ في صغارهم فلا يرضينى أن يعاقب سارق الرغيف أو الدرهم، ويفلت سارق الألوف أو الأرزاق والذى يسطو على شقتك كالذى يسطو على مالك. وسارق المال تقطع يده. أما سارق الثقة فأى عضو منه يقطع؟ أيظن الناس أن في الأخذ بالشريعة الإسلامية إعناتا وأرهاقا للناس. قد يكون في الحدود بعض الصرامة ولكنها عقوبات إذا نزلت بالجناة بلا شفقة ولا رحمة يكفى تطبيقها مرات معدودة، وقد ظهرت هذه النتيجة في الحجاز وأقر كل الناس بانقطاع السرقة وسيادة الأمن سيادة مطلقة، حتى صارت مضرب الأمثال وعليها إجماع الأمم التى يحج أبناؤها كل عام.
نعم قد يبدو هذا الأمر عجيبا في الوقت الذى اتجهت فيه أنظار المصلحين إلى معالجة الإجرام بإصلاح نفوس المجرمين وإلى اقتلاع أسباب الشر بتهذيب الأشرار في غير عنف ولا إغلاظ، وقد كتبوا على السجون نفسها أنها أماكن تهذيب وإصلاح، واعتبروهم في بعض البلاد مرضى أحق بالعلاج منهم بالعقاب، وأنهم ضحايا الوراثة والبيئة والفساد الاجتماعى، وبعض البلاد كفرنسا وإيطاليا أخذت في التشديد، واتجه بعض الشراح والفقهاء إلى التقليل من مبدأ درء الحدود بالشبهات فعاقبوا على التفكير وعلى وقوف المتهم مواقف الريبة وألفوا كتبا في ذلك.
إن أفكار الملاينة والإشفاق على المجرم تأتى وهو أمامك عرضة للحكم، ولأنك لم تر ما فعل ولم يقع عليك فعله، ولكن أسمع شهادة المجنى عليه وتخيل الواقعات كما وقعت وضع نفسك موضع الفريسة. إن المجرم نفسه هو الذى شاهد الحالتين، حالة إجرامه وحالة رأفتك به، وهو إذا تركته يفلت يعود حتما إلى فعله طمعا من جديد في رأفتك أو أملا في الفرار أو لأنه مدفوع رغم أنفه بمرض عقلى أو خلقى، وقد تكون القسوة وسيلة إلى اقتلاع الجريمة من أساسها ما دمت تعدم الأداة التى يقترف بها. ولا ننسى أن اللص المقطوع اليد قد يصبح رئيس عصابة، ولا يعدم أيادى شتى يصطنعها لتنفيذ تدبيره ولكن أتباعه يتعظون به إذا رأوه والذين لم يسرقوا يحافظون على أمانتهم بعد رؤيته، لأن جانبا من الناس كبيرا يخاف ولا يخجل ويرهب ولا يستحى.
لست أنكر أن بعض النفوس تصلح باللين، ولكن أكثرها لا يصلح إلا بالعقاب الشديد، ألا تراهم في اليابان يعدمون تجار المخدرات، وفي أوروبا يقتلون على خيانة الوطن وفي ألمانيا يستأصلون أعضاء التوليد ممن تؤذى وراثتهم مجموع الأمة إذا تناسلوا، ألم يخطفوا الأطفال في أمريكا ليتاجروا بهم. ويعذبوا آباءهم أشد العذاب قبل أن يردوهم وقد يقتلونهم بعد أخذ الفدية. ويكون الخاطف والدا ذا زوجة وأطفال، وهو يخطف طفل غيره ويعذبه ويقتله ثم يأخذ ثمنه مالا. أى شفقة يستحقها ذلك المجرم وإن كان عذره المرض فأى فائدة على المجتمع من حياته؟ والمرأة التى تدس السم لزوجها وذويها ثم يشفق عليها المحلفون لجمالها وصباها، والرجل الذى يقتل صاحبه أو زوجته ليأخذ مال التأمين عليها. الحق إن المجتمع الإنساني بلغ درجة من الفجر والاستهتار والاستباحة تجعل العقوبات الحاضرة لينة، بجانب فجره واستهتاره واستباحته، ربما كانت الجماعات الفطرية أحق بالشفقة لأنها ما زالت في شبه جاهلية لم يصلها نور ما يسمى سخرية بالحضارة والمدنية، أما المتحضرون فهم منذرون ولا عذر لديهم، والأجسام المتنعمة أحق بسياط الجلاد وأبدان الذين عاشوا في الرفاهية بين المراوح والمدافئ وفي ظلال القصور والبساتين أجدر بالتعذيب إذا لم يحترم أصحابها تلك النعم ولم يقابلوها بالشكر، وأول درجاته الاستقامة والأمانة والشرف. ولكن إذا كان التشريع في أيدى هذه الطبقات فلا رجاء في أن تصل إلى غاية محمودة، لأن المجرم لا يشرع لنفسه عقوبة قاسية.
إذا امتدت يد رئيس ملجأ إلى طعام اللاجئين وثيابهم وعلاجهم حتى ذبلوا وماتوا فأى عقاب يستحق؟ وإذا أحسنت إلى خادم وأطعمته وكسوته أعواما وسرق مالك وأعان عليك فأى عقاب يستحق؟ على أن الشريعة التى أعدت لهؤلاء العقوبة التى يستحقونها على عهد أعدل خلفائها وكان مشهورا بالشدة في العدل، أوقفت تنفيذ قطع اليد في عام المجاعة، وسبقت قانون بيرانجيه بألف وثلثمائة سنة، وقبل عمر نهى رسول الله الذى تشدد في قطع يد امرأة شريفة تشفعت له فيها ابنته فاطمة — نهى أن تقطع الأيدى في الغزو وكتب عمر بن الخطاب ألا يجلدوا أمير جيش ولا سرية ولا رجلا من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار. وكف عمر بن عبد العزيز عن حد رجل على الخمر، لأنه فر من سجنه وحارب مع المسلمين وعمل على نصرهم فعفا عنه وآلى على نفسه ألا يحده بعد ذلك، أى سامحه في ما تأخر من ذنبه وما تقدم.
فهذه مراعاة للظروف دلت على أن الإسلام ليس جامدا وأنه يصلح لكل زمان، وأنه يتمشى مع الروح الجديد ويتفوق عليه، وإذا كانت غاية الأمم الإسلامية تقليد الحضارة الأوروبية وأخذها بحذافيرها والجرى وراءها جرى التابع الذليل، فقد عرفوا اليوم بعد أن أظهرت التجارب زيفها وزيغها وبعد أن حكم عليها حكماؤها بالكتب والخطب (غروب الغرب لاوزوالد شبرنجر، ومستقبل العالم لـ هـ. ج. ولز، وخطبة بيتان بعد هزيمة وطنه فرنسا). إن الرجوع إلى المدينة الإسلامية أحق والاكتفاء بأخذ النافع عن أوروبا أولى. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ? وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ.
(?) السبيل المصري

صلينا وقصدنا إلى السبيل المصرى وقد سمى سبيلا مجازا، لأنه بناء فخم ولكن المستأثرين به هم طائفة الموظفين وحريمهم كعادتهم في مصر، ولهم هنا مرتبات وأرزاق، ولكنهم درجوا على المهانة والتطفل والاستغلال، فهذه الوجوه التى لقيتها في الباخرة «على حساب الميرى» هي نفسها التى تراها في مكة «على حساب الميرى» وفي منى «على حساب الميرى» وفي المدينة المنورة «على حساب الميرى» وهم في كل مكان يصخبون ويضحكون ويمرحون ويدخنون ويتبادلون النكتة البائخة ويتقارضون الثناء المبتذل وتأبى عليهم «كرامتهم» أن يتركوا «الميرى» دون أن يتمرغوا في ترابه ثم يشمخون بأنوفهم على الفقراء والمساكين والمرضى وأبناء السبيل الذين يعيشون «على حساب الميرى» باسم مواساتهم وخدمتهم والإحسان إليهم. سرعان ما تراهم في كل مكان عمره الميرى يتبخترون في المنامات الحريرية ذات الألوان النسوية ويتطرفون متصنعين حلاوة الشمائل، ولا يضبطون أنفسهم يوما ليظهروا بمظهر الوقار والجد فى أشراف بقاع الأرض. يالله! اللهم لا اعتراض ولا جدال ولا فسوق في الحج، أية صورة نعطيها للأرض وللسماء وأين يكون موضعنا يوم الموقف العظيم؟!! عدنا أدراجنا بعد أن رأينا المناظر التى تفتت الأكباد، ولا تزيد أهل الفراغ إلا ضحكا تنشق منه خصورهم وتضيق عليهم فساتينهم الحريرية المحزقة، وبتنا ليلة حسنة في حديث وتفكير، وكان المطوف قد قبض ثمن الأضاحى ووعد بذبحها فلما تساءل أحدنا عن مقدار وفائه بالأمانة أجاب آخر «الذبح فى رقبته» أى الأمانة في عنقه، وكان الرجل قد حمل معه أكثر من عددنا أقارب وأهلا وخدما فكنا أربعة أو خمسة في حمى عشرة ولا حيلة لديه إلا الشاهى و«اللبة» التى لم تغادرنا فى منى وصحبتنا من مكة وذكرها يغنى عن وصفها ووصف الخبز الذى يصحبها، إلى أن اهتدى أحدنا إلى الخبز البخارى والفول المدمس واللوز المقشور وبعض الفاكهة.

الفصل الحادي عشر
الوقوف بعرفة


(?) يوم عرفة

فى الصباح الباكر فقد المطوف شعوره كعادته كلما عزمنا على الرحيل وكيف لا يفقده اليوم وهو يوم عرفة، لقد خلع ثيابه منذ الفجر واكتفى بإزار من القماش الملون على هيئة أهل جاوه. وهات السيارة وأين السائق وانهض يا عبد الله هذا المتاع كله يجب أن ينقل إلى عرفة حيث أعد لنا سرادقا يباهى به سرادق الأمراء، وقد تحركنا الساعة الثالثة صباحا وتركنا الشياطين وراءنا والمساكين والمساجد، فمررنا بقصر الملك والمصطبة التى كانت تنصب فيها خيام الحكومات السالفة وبها مركز الشرطة وإدارة الأمن العام والجبال وقد ازدحمت شقوقها بالحجاج من اليمن والهنود والتكارنة وقد أخذوا هم أيضا في النزوح بعد صنع الإفطار على نار جمعوا إليها الأحطاب من كل مكان تاركين خيامهم التى لا مطمع فيها لأحد. ومن ثم يضيق الوادى ويتغير اسمه إلى وادى محسر حتى إذا وصلنا إلى المزدلفة أخذ الطريق في الاتساع وعلى يميننا المشعر الحرام وبه مسجد على جبل قزح ثم يضيق الوادى ويتخذ اسم وادى عرنة حتى إذا دنونا من مسجد نمرة اتسعت أرجاؤه إلى الشمال والجنوب ونحن نتبع في سيرنا خطوات النبى في حجه عملا بسنته، فقد صلى في هذا المسجد صلاة الظهر والعصر مقصورتين مجتمعتين جمع تقديم لأن وقت العصر يقضى في موقف عرفة مشغولا بالدعاء والتلبية.
(?) الصلاة في مسجد نمرة

وقد اختار لنا المطوف الجلوس في قهوة امرأة سوداء انتظارا للصلاة، وكان في هذا الوقت مجنونا حقا، فقد كان يلازم أسرة غنية ويسره أن يظهر اهتمامه بها فلم يكف عن أعمال بهلوانية غاية في الغرابة، فقد تهدل شعره الأسود وتعرى نصف بدنه كأن بينه وبين الإحرام والمناسك ألفة تبيح هذه الحرية، ولم يتخل عن عصاه ذات المقبض الفضى وأخذ يصول ويجول وينادى غلمانه ويبحث عن سيارة الأسرة ويقول سبقوا ما سبقوا أه يا زيد (أحد الأسماء) أنت مجنون. لقد تاهوا وضلوا الطريق ولن يصلوا إلى الخيمة الفخمة التى صنعتها لهم الخ.
ونحن ننظر وندعو ونقرأ القرآن ونستعين على هذه الحال بالصبر والنجوى ويلهث الرجل ذاهبا أيبا قائما قاعدا، ثم افتقد أحدنا فلم يجده فقال ضاع ألم أقل له لا يبرح. فلم يبرح؟ وعاد صاحبنا معتذرا بأنه يحب اللف ليعرف كل «حاجة»، وأخيرا قمنا للصلاة وأجلسنا المطوف في صف خارج عن الصفوف وقلدنا غيرنا من الهنود واليمن فطاف بهم طائفون من الشرطة فأخرجوهم ودنا منا شرطى لين، فأشار إلينا بالرجوع قليلا فرجعنا ثم جاء شرطى آخر فحتم علينا أن نقوم، ولم يكن وراءنا موضع لقدم فلم يقتنع وألح وقبض على عصاه يهش بها علينا ثم استغلظ الأمر فذهب وعاد بشخص صغير الرأس جدا كبير الجسم يلبس ثياب الضباط ولعله كبير الشرطة في المسجد، فجاء إلينا متعمدا وأمرنا بالخروج باسم الأمن العام فلزمنا الصمت، فحمل علينا بعصاه يتهددنا فقال واحد من جيراننا إن وقت الصلاة أزف ولا ضرر منا على الأمن ولعلنا نكون ضيوف الحكومة فقال: أنا ما أعرف معاك ورجة؟ أسكت ثم عاد إلينا حاملا علينا حملة منكرة ثم قبض هذا الرجل في مسجد نمرة على يد سيفه وهم بتجريده في وجه أحدنا لأنه كلمه قائلا: يا أخى تلطف بنا فقال: أتلطف؟ كيف أتلطف. أنت ضيف معك ورجة. ولا أدرى والله كيف صرفه الله عنا ولكنه لم ينصرف تماما وصار يجرر حمائل سيفه ويلعب بها ويعود إلينا فإذا توسم في وجه أحد أنه سيتكلم أو يعاتب يشير إليه في عنف وغلظه اسكت.. إلا تسكت.
طبعا إنه متطوع بهذه الغلظة، ولكن ليس من ينجيك منه وليس من يدفع عنك أذاه ولن يصل صوتك إلى أذان الذين يعرفونك فلم يكن سوى الله مخلصا من هذه الورطة.. ثم خطب الخطيب وقامت الصلاة وخرجنا مهللين مكبرين ملبين في طريقنا إلى عرفة.
(?) إلى عرفة

عاد المطوف صارخا إنه وجدها ما هى؟ مسألة أرخميدس؟ كلا الأسرة الغنية! أين؟ فى السرادق الذى أعده لها وأن رجله لم يضل ولم يخطئ بل أخذ سمته إلى الخيمة في وقار الصبى الذى سوف يخلف معلمه. الحمد لله! جاء دورنا فودعنا الزنجية صاحبة القهوة وأخذنا مقاعدنا في السيارة وودعنا مسجد نمرة وفي وسطه ينتهى حرم مكة ونصفه الشمالى في الحل، وبعده بقليل إلى الشرق رأينا العلمين وهما عمودان من البناء يدلان على حدود عرفة وقد حلق الجبل على الوادى وقفله إلى الشرق بهيئة قوس كبير، وهذا الجبل هو عرفة أو جبل عرفات وفى شماله صخرة عالية بارزة هي جبل الرحمة وسفحه الجنوبى حد عرفة من الشمال، وجبل الرحمة هو الذى كان يقف عليه الرسول عليه الصلاة والسلام في حجه ليخطب أقوامه وفي أسفله مسجد الصخرات وبجوار هذا المسجد مجرى عين زبيدة إلى مكة. وكان الوادى والجبال والسفوح ممتلئة بالخيام والناس والدواب والسيارات أضعاف ما كانوا عليه في منى أو في أى مكان آخر. وإنك حيث مددت بصرك رأيت الخلائق تتماوج في إحرامها تماوج البحر في يوم عاصف وتسمع أصواتا من كل فج وبكل لغة وكان الحاج في هذا العام عشرة آلاف، فما بالك عندما يكون ربع مليون محشورين في هذا المكان، الذى يتسع لهم بلا ريب، أرأيت هذه التجربة للموقف العظيم يوم القيامة كما صورته الديانة الإسلامية؟ ألم يجمعنا الله في واد واحد في يوم واحد وفى ساعة واحدة؟ أرأيت كيف تكون التلبية وفهمت سر هذه الكلمة التى نطقنا منذ أحرمنا «لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».
(?) الوقوف بعرفة

هذا جبل عرفه ولكن الحج يتم بالوجود في الوادى واقفا أو جالسا. ولولا هذا لراحت أرواح كثيرة. إن جبل عرفة قد يبلغ أربعمائة قدما في الارتفاع وقد يشبه هرما عظيما بعض الشبه، وقد يتسلقه الألوف من القادرين على تسلق الجبال، وقد تسلقوه فعلا فكأنك ترى خلية من النحل وتسمع أزيزها وطنينها عن بعد، فالكل يلبون والكل يدعون ويبكون ويجأرن، ويعجون بأصواتهم إلى الله في هذا السهل وهذا الجبل اللذين يستجاب فيهما الدعاء. وعما قليل نكون بينهم ولولا قلة الحجيج ما أستطعنا أن نصل إلى خيمتنا، وقد ضل المطوف طريقه واختلطت عليه الرايات والأعلام والمعالم، وأخيرا اهتدينا ولم يبهرنا شيء في الخيمة التى نصبها، لأنا شغلنا بهذا المنظر الفخم في الوادى الرحب في ظل هذا الجبل العالى وتلك الصخرة التى نسبت إلى الرحمة.
وفى هذا الوادى يجمتع كل عام عدد من المسلمين قد يبلغ نصف مليون في أعوام الرخاء والأمن، وقد يصلون إليه كما وصلنا، ولكنهم كأمواج المحيط وقد سبقهم ألوف الرجال من أهل المدينة والبادية لإعداد هذه الخيام ونقل هذه الأوانى وإقامة هذه المآدب. فقد بلغنا بعد الظهر بساعتين وعلينا أن نأكل لنتقوى على العبادة. ولم نكد نفرغ من الطعام حتى نهضنا، وكنا ببركة الله على مقربة من جبل الرحمة، فشددنا إليه نلبى ونجأر بالدعاء وقد تفرغت قلوبنا ونفوسنا إلا من حب الله وطاعته وذكره.
هذا هو الحج، ليس المرحلة الأخيرة منه بل هو الحج نفسه، قال رسول الله «الحج عرفة» أى الوجود بها من الزوال إلى بعد الغروب، ساعات من النهار وقليل من الليل، لقد كان هذا المكان منذ ثلاثة أيام خاليا مقفرا إلا من الله وذكرى رسوله، وسيبقى غدا كما كان ويبقى على طول العام إلى العيد المقبل، وقد بقى هكذا ألوف السنين قبل الإسلام وبعده وقد صقله الحج صقل الوادى، فجلاه وأناره وصقل الجبل فتبدى لنا في صورة فاخرة.
هؤلاء الناس الذين تسلقوا يريدون أن يزدادوا بركة وقربا من الله وأن تكون تلبيتهم على الجبل، فسددنا وصعدنا وزاحمنا بالمناكب لنقف في موقف رسول الله ولنصلى حيث صلى ولنستروح مكان ناقته التى خطب عليها خطبة الوداع. كنا متعوبين منهوكين ولكن الله نفخ فينا من روحه فاستعدنا قوتنا كاملة ودعينا في نور الشمس وحرها، ولم نكترث للقيظ عند اشتدداه، ولم نكترث لم يصيبنا، ولن يصيبنا إلا الخير من عند الله الذى تشرفنا بإجابته في البلد الحرام وفي الجبل المقدس سائرين في خطوات نبيه متممين الركن الخامس والفريضة الأخيرة لدينه.
إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ? إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. ونحن الآن نستغفر ونتوب وندعو ونبتهل ونتوسل ونطلب من الله أن يفى وعده، وهو الوفاء كله فيغفر لنا ذنوبنا ويبعثنا بعثا جديدا. وهؤلاء الأعراب كالحجر المرصوص في جوف الجبل ينادون، وخلف الجبل وقف الملك عبد العزيز ورجاله وأنجاله على ظهور الإبل من الصباح إلى المساء يتلون دعواتهم ومن ذا الذى يستطيع أن يدون الدعاء الذى دعا به أو يستعيده بعد النطق به، إنه فيض وغموض وعجز، وإن الله يلهمك ما يريد أن يحققه لك فهو يستجيب دعاءك، فيعطيك ما يريد، وإنك تدعو لأحد الناس ولم يكن ببالك ثم تنسى من تتعمد أن تدعو له. وتطلب من الله ما لم تفكر فيه من قبل وتهمل ما كنت به مشغولا. أليس هذا دليل على أن إرادة الله سابقة حتى في دعائك إليه؟ ألست ترى أنك في هذه الساعات المعدودة قد أوتيت قوة أيام، وأنك تجردت عن نفسك فلا تكاد تشعر بما حولك إلا شعور الفرحة التى ينبغى أن تنتهزها وهو شعور يخالف شعورك في الكعبة. كأنك لا ترى أحدا وأنت ترى الكل في الكل ولا تخشى أحدا وأنت تخشى الواحد الأحد. وتنادى بصوتك وفي الحقيقة ينادى معك مئات الألوف، وتلبى والله يجيبك بإجابة دعائك واطمئنان بالك، فتشعر وأنت تدعو بانشراح الصدر وصفاء الفكر وتشعر حقا أنك تولد ميلادا جديدا، وكأنك تغرق في حوض من ماء النقاء والطهر وكأنك تخلع ثيابا قديمة وترتدى ثوبا قشيبا، وكأن حملا ثقيلا قد انحط عن كاهلك، وكلما دعوت كررت واستعذبت التكرار وكلما لبيت وجدت لها في فمك طعما جديدا، وفي سمعك صدى جديدا، وما تزال تجدد وتتجدد وتتسع نفسك وينطلق روحك، وتتصل ذاتيتك فتهبط من الجبل وأنت تخطو خطوات لا عهد لك بها من قبل وتتنفس أنفاسا عميقة، وكأنك صورة مجسمة لسر السورة الكريمة أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى? رَبِّكَ فَارْغَب.
وما تكاد تلمس الوادى المقدس بقدميك، وأدى عرفة الذى يعمر بالناس يوما في العام ولعله عامر بملائكة الرحمة والأرواح الطاهرة طول العام، حتى تدركك خشية وخشوع ورهبة يصحبها اطمئنان فتعود إلى الصلاة والتلبية والدعاء حرصا منك على تلك الفرصة النادرة التى قد لا تسنح لك مرة أخرى. وربما لم تكن فكرة الحرص هي التى تحرك قلبك بل امتلاؤك بالحب والخير وطاعة القوة التى توجهك، فتواصل هذه العبادة الفريدة في بابها وتذكر في غموض عدد الملايين التى لا يحصرها الإحصاء التى انطلقت أصواتها في هذا الوادى في مثل هذا اليوم على مدى الأدهار منذ شرع الحج للناس في حياة إبراهيم، ويتبين لك الحق من ربك، ولا تكاد تجرأ على رفع بصرك إلى أعلى الجبل وكأنه ليس كغيره من الجبال التى ما كففت عن النظر إليها من أول رحلتك إلى آخرها.
هذه أدعية جديدة تفيض بها النفس وينطلق ببعضها اللسان، ويحبس بعضها في قلبك فلا تحرك به لسانك. هذه أمانى. هذه توسلات. هذا اعتراف بين ربك وبينك. هذا ابتهال بتوبة. هذا شعور بأن الله يغفر الذنوب جميعا. وشعور بأنك لم تشرك به قط، وبأنك جد سعيد، لأن الله اختار لك هذا الدين الجلى السهل الهين، دين الفطرة الذى هو خلاصة الأديان كلها ونقطة اجتماع العقل والقلب وارتكاز عقيدة لا تكلفك التنازل عن منطقك وتفكيرك ولا تتطلب منك التسليم بما لا يقبله عقلك واختبارك، ولا يربطك بها إلا جمال صدقها وجلال بساطتها، وإنك أثناء هذه كلها لا تشعر بتعب ولا كلل ولا ملال، ولا تزهق ولا تجوع ولا تظمأ ولا تفكر فى أحد سوى ربك ورب هذه الألوف المجتمعة، ورب هذا الجبل وهذا الوادى، بل إن محمدا عليه الصلاة والسلام على شدة حبك إياه وعلو مكانته عند الله، تلك المكانة التى أنت متاكد منها، لتراه في موقف العبودية وأقفا في هذا المكان يلقى خطبة الوداع قانعا بالاستشهاد بالله، وبالسامعين على أنه بلغ الرسالة، تلك الخطبة الخالدة التى وردت سجل الأبد فى تاسع ذى الحجة سنة ??هـ (?مارس سنة ???م) في مستهل فصل الربيع فلا قيظ ولا قر، بل اعتدال في الجو وقدرة على تحمل الموقف. خطبة تصح وحدها أن تكون دستورا للأمم، لأنها انتظمت قوانين دولة وقواعد إنسانية واشتملت على الأسس المبدئية التى قامت عليها حياة الدولة الحديثة وحققت المساواة بين الناس، وردت الحقوق إلى نصابها ورفعت ألوية العدل خفاقة، وأعلت من شأن المرأة بعد أن كانت ذليلة مهينة في كل الأمم، وحددت واجبات الزوجية على الوجه الذى يكفل سعادة الأسرة، وأعلن فيها حربا شعواء على الربا وخص بالذكر عمه فقال ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، كما خص دم ابن عم آخر بأنه موضوع وهو ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وختم هذه الخطبة الكبرى بقوله السديد الملهم: أيها الناس أسمعوا قولى واعقلوه تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه فلا تظلمن أنفسكم. اللهم هل بلغت.
وقد سرنى ألا يخطب خطيب على الجبل تقليدا لما فعل رسول الله، فقد كان منظرا فريدا فى تاريخ هذا الدين، فلا يجوز أن يمثل أو يتكرر أو يعاد. وأنك لو رأيت هذه العدد الضخم من الناس من كل جنس ولون ولغة، وكل مشغول بنفسه يدعو ويتعبد، ظننت أنهم مفترقون بافتراق الأجناس واللغات والمذاهب، ولكن هذا الاختلاف ظاهر والحقيقة أن أرواحهم مرتبطة ارتباط نقاط الماء في غدير أو ذرات الجسم الواحد وقد تجردوا عن ذواتهم فلا يكادون يشعرون بما حولهم من مظاهر الحياة، وساد الوجدان على وجود الأبدان وتغلبت الأرواح على الأجسام، وتجلت مظاهر الوحدة والتوحيد في عشرات الألوف (وأحيانا في مئات الألوف) الذين لبسوا البياض، وكشفوا عن الرءوس وانصرفوا عن كل مطلب إلا مطلب المغفرة والرضوان، ورفعوا أكف الضراعة إلى الرحمن وكأن الملائكة قد كتبت في الآفاق بخط من نور قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ — وإنه سبحانه لجدير بأن يستجيب دعاء هذا الموكب الإنسانى الذى يمثل يوم الحشر العظيم، وقد جاءوا ملبين طائعين مستغفرين تائبيين منيبين، والذى يجيب دعوة الداعى في عقر داره، ويبر الأشعث الأغبر في الفلوات لخليق بأن يستجيب للذين حضروا من كل فج، واستكملوا شروط الحضور والوقوف بين يديه في مذلة وخشوع متكبدين مشقات، مهما تضاعفت لا تعدل ما شرطه الله من أجر ورحمة.
تنطلق الأصوات بيقين ويتردد صداها بإرادة رب العالمين فيدوى الصوت والصدى في الجو والهواء وقمم الجبال وفسحة الوادى، كأنها رجع وترنيم من الملائكة المطهرين، فتهتز النفوس وتخفق القلوب التى في الصدور، وتفيض الأعين بالعبرات وترتجف الأيدى المرفوعة إلى عنان السماء، وتضطرب السيقان وتتزعزع الأقدام لولا تثبيت من الله يصلب الأعواد ويدعم الأفئدة، ويقيم، ويقيم الأجساد. ألا إنها لساعات رهيبة تلك التى يقضيها الحاج في سفح عرفات وفي ظل جبل الرحمة، ألا إنها ليقظة تامة شاملة كالعاصفة التى تميل بالسفينة فى وسط الأمواج التى كالجبال ثم تعتدل بها في رفق ورحمة، وكأن حادثات الحياة السيء منها والحسن تعرض على صاحبها في لمحة عين كما يرى الغريق الذى دنا من الهلاك سلسلة أعماله، فيدرك الله بالاستغفار والتوبة ليقلب صفحة جديدة في سجل حياته قبل أن يقف هذا الموقف الذى لا ينفعه فيه أسف ولا ندم ولا بكاء وعويل. وهنا تدركنا غشية كالحلم الطويل المليء، بالمخاوف تارة، وبالأمان طورا فنصحو وقد تعلقنا بالأمل في كرم الله وعفوه فيتجلى علينا برأفته وحنانه فيتجدد الأمل ويسبق وعد الله بالرحمة عهدنا بالتوبة والرجوع.

الفصل الثاني عشر
الإفاضة من عرفة إلى المزدلفة


فى طرفة عين تغيب الشمس وراء الأفق وتملأ الجو بالشفق، ويمتد الظلام بعد النور فترتفع الأصوات من جديد بالدعوات، وتذرف الأعين دموعها الطاهرة، ويؤذن فينا بالنفور، ويا لها من ساعة نتخيل فيها أنه لن ينجو أحد من زحام أو صدام أو جراحات، ولكن الله الذى كتب على نفسه الرحمة، والذى خلق النجدة والإسعاف والذى دعاكم إلى بيته ورحابه يسدل الستر والوقاية عليكم، فلا يصيب أحدكم أذى مهما علا ضجيج السيارات، وتجاوبت أصداء الأصوات ومهما جدت العجلات فى السير يسبقها النفير ويلحقها عجيج البعير، ومهما تشابكت حبال الخيام وتحركت الأوتاد واختلط الحابل بالنابل، واصطكت الشقادف بالمحفات، فإن الله كفيل ووكيل وحفيظ فلن يصيبكم سوء، ولن تعودوا من موقفكم هذا إلا بأجمل الذكريات ولن تنفروا من عرفات إلا مغمورين بالسرور.
وكان ملك الحجاز وآله ورجاله قد غادر الموقف الشريف موليا وجهه شطر المزدلفة وتبعه الحجيج في وسط زحام لا يوصف، فلا سيل العرم ولا شلالات نياجرا وفيضان نهر النيل بأكثر وأروع في هذه «المغربية» من سيل الناس وفيضهم وانهمارهم وقد حمل كل حاج حمله وركب مركبته أو تسلق ظهر جمله أو اعتلى صهوة جواده أو جد السير على قدميه، وقد سلكنا الطريق الذى عاد منه رسول الله في حجته.
ولم نصطبر حتى نعتدل في الطريق أو نطمئن إلى الخطة التى تسلكها السيارات والدواب بل بادرنا بالتهليل والتكبير، وقد جعلنا جبل الرحمة وراء ظهورنا، وعلمى عرفة أمامنا حتى إذا وصلناهما خرجنا من بينهما وسرنا في طريق المشاة والفرسان، حتى وصلنا قرب المزدلفة فرأينا منظرا عجبا — هذه السوق الكبيرة ليس مثلها شيء ولا أسواق منى، فهذا صراخ وصخب وضجيج لا ينتهى، على سلع تباع وعلى أثمان تعرض بكل لهجة ولغة وصوت، وهذه أسماء ينادى بها على أشخاص ضلوا الطريق وأشباح ظلال في النور وفي الظلام كأنه معرض كبير، ولكن علينا أن نبيت في هذا المكان في العراء بعيدا عن الضوضاء والأضواء، فانتحينا ناحية منبسطة ونزلنا بها وأناخ المطوف جماله التى تحمل متاعه وعياله واتخذ سائق سيارتنا ركنا وفرشت سجاجيد وأكلمة على الحصباء واتخذ كل منا مضجعه في العراء كما بات فيها رسول الله، وقد خيرونا بين المذاهب الأربعة ومنها ما يكتفى بقضاء ساعة أو ساعتين ريثما نجمع الجمار لرجم الأبالسة. ففضلنا سنة الرسول على ما فيها من مشقة وانتقال من عز السرادق الذى نصب لنصف يوم إلى افتراش الغبراء طوال الليل. وقد صلينا المغرب والعشاء مجتمعين جمع تأخير مع قصر العشاء وكان إمامنا من الفضلاء الذين يقرأون السور الطوال، وأخذنا نجمع الجمرات وعددها تسع وأربعون جمرة من كل شكل وصورة في حجم معين لا ينقص عن الحمصة ولا يزيد عن البندقة.
وكان المفترض أن نحيى هذه الليلة بالصلاة والذكر والدعاء إلى أن يتنفس الصبح. ولكن جماعتنا بعد أن تعشوا على «لبة» من النوع الذى يحسن إعداده مطوفنا الأريب وفكوا لحام عدد من علب اللحوم والأسماك المحفوظة وتفكهوا بالزيتون الأسود والحلاوة الطحينية، وضعوا رؤوسهم على وسائد مرتجلة من ثياب ورابطات وحزم وتدثروا بأصواف تقيهم برد الليل القارس. وحاولت ذلك فلم أفلح فقد لذعنى البرد في أضعف جزء في جسمى حتى أرقنى وأسفت على أن السرادق الفخم الذى نصب في عرفة ولم ننتفع به لم ينقل بقضة وقضيضه إلى هذه الصحراء الواسعة لنقضى به سواد الليل، وليتنا قضينا نصف اليوم في عرفة بغير سرادق فقد كان سهلا علينا ذلك، ولكننى لم أراجع أحدا ولم أسأل أحدا لأننى سمعت أننا نبيت في العراء حتما، ولما مضى من الليل هزيعان وانكسر ظهر الظلام وأنا أتقلب وأتمشى متأملا في السماء وفي ظلال الجمال وأحاول التخلص من ضوضاء السوق فلا أستطيع، أويت إلى السيارة لألتمس بها مرقدا فجلست فيها أذكر الله حينا وحينا أغفو فيوقظنى صوت مصرى متلهف على رفيقه الذى لا يجده «يا حاج دسوقى!» أين ذهب الحاج دسوقى المسكين؟ هل فر أو نفر وهل على قيد الحياة ما زال؟ ثم يلذعنى البرد لأننا ما زلنا محرمين ولا يسترنى إلا البشكير الأبيض وإن هذا البشكير السريع الانزلاق يكشف من حنايا الضلوع ما لا تستطيع ستره إلا بعد أن يتمكن البرد منه. ولكن الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين فما يصيبنا من سوء بسبب عبادته ولا يلحقنا أذى ونحن نؤدى واجبنا نحوه سبحانه. كان الأستاذ عبد الوهاب عزام نصح لى أن أحمل معى سجادة وبطانيتين ووسادة ويا لها من نصيحة غالية لم أجد أنفع منها، فقد ضمنت الفراش والغطاء والمتكأ وأرض الله واسعة الفضاء، وكلما حاولت الانتفاع بنصيحة صديقى الفاضل الورع، نقل الهواء إلى سمعى صوت الباحث عن الحاج دسوقى يشق أجواز الفضاء مثنى وثلاث ورباع وأنا أشفق عليه ويحزننى أنه لا يجد من يشاركه التفتيش عن هذا الحاج الشارد فى فيافى المشعر الحرام. فأذكر الله وأدعو ثم تأخذنى سنة من النوم ويعود الصوت «يا حاج دسوقى!» إلى أن تنفس الصبح وطلع الفجر فنهضت ونهض رفاقنا وتوضأنا وصلينا بعد أن تحققنا الوقت واستعددنا للذهاب إلى المشعر الحرام.
(?) المشعر الحرام

فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ? وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ ? إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ صدق الله العظيم.
والمشعر الحرام تل صغير قليل الارتفاع أقيم عليه مسجد المزدلفة ويدعى عنده بدعاء يختم بآية ربنا آتنا في الدنيا حسنة … وقد وقف النبى على جبل قزح بعد الفجر وبين أن مزدلفة كلها موقف والمشعر الحرام هو هذا الجبل أو هو المزدلفة كلها، ولذا وقف الرسول بالمشعر الحرام بعد صلاة الفجر ثم فصل عنه قبل طلوع الشمس إلى منى، وأنه في هذا اليوم وهو يوم النحر (أول عيد الأضحى) رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس.
(?) علاقة الدين الإسلامى بالجبال

عند شروعنا في العودة إلى منى مر بنفسى خاطر غريب وهو علاقة الدين الإسلامى بالجبال، فقد نزل في بلاد الحجاز وهي سلسلة جبال متصلة وواد غبر ذى زرع وتحنث النبى في غار حراء بأعلى جبال النور الذى ما زال ماثلا، واختفى وصاحبه أبو بكر في غار بجبل ثور بعد أن دعا إلى الدين في مكة وهي مدينة محاطة بالجبال من كل صوب، وجعل الله الحج مبتدئا بالطواف ثم بالسعى بين الصفا والمروة وهما جبلان ونهاية الحج الوقوف بجبل عرفة وجبل الرحمة والمشعر الحرام وهو جبل:
وتوقا فهم فوق الجبال عشيةيقيمون بالأيدى صدور الرواحل فهناك جبال ثور وثبير وحراء والصفا والمروة وعرفة وقزح..
نعم لا عجب في ذلك فقد تجلى الله على موسى على جبل منذ ثلاثة وأربعين قرنا وخاطبه وأنعم عليه بلقب الكليم، كليم الله كما أنعم على إبراهيم بخلة خليل الله. ومن عجب أن موسى لم يكن فصيحا، ليظهر الله آيته فيمن يختاره وهكذا تكلم عيسى بن مريم على جبل الزيتون وكذلك رست سفينة نوح على الجودى، فلا عجب أن تظهر آيات الله في دين محمد على رؤوس هذه الجبال أو سفوحها وهي التى تحدث عنها القرآن في مواطن كثيرة ليجعلها من أيات خلقه في أشكالها وأحجامها وألوانها ورفعتها، وهي التى إذا اجتمعت إلى الجمال في بطون الأودية ليلا وإلى كواكب السماء المضيئة أعطت للذهن صورة من أجمل صور الخليقة ومظهرا لقدرة الله ووحدته وجمال صنعه، وهي التى جعلها مقرا لكثير من أسراره ووحيه. وكان النبى يقول في أحد إنه جبل يحبنا ونحبه فتعجب لقوله لأن الموقعة الوحيدة التى هزم فيها المسلمون كانت موقعة أحد لأنها وقعت في سفح هذا الجبل وسنتكلم عنهما في وصف زيارتنا للمدينة المنورة.
وفى النهاية يكاد يكون الجبل هو الجماد الأوحد الناطق بقدرة الله لاتجاهه إلى أعلى ورسوخه على وجه الأرض وبلوغه سنا لا يبلغه نبات ولا حيوان وهو مع ذلك منبت للزرع وملجأ للحيوان وقد يكون مسكنا للإنسان، وهو بعد ابن الأرض وثمرة بطنها وكتلة النار المتجمدة في أحشائها وصنعة معملها الكيماوى الذى لا تراه العين ويثبته العلم، بل آية الله على أزلية خلقه فما أعظم أزلية الخالق.
إنك إذا صعدت في الجبال شعرت بأنك أقرب إلى الله وهو وهم الخيال لأن الله ليس فى السماء وحدها ولكنه في كل مكان ولكنها حال تشعرك بالسمو والرفعة والخلوص من أدران الدنيا وطبقات الهواء المشبعة بالدخان والنقع وفضلات البشرية، إن هذه الجبال رمز الخلاص من الدنيا والتعلق بالعلى والتطلع إلى الرفعة والحنين إلى عالم الروح. وإنها فعلا تكاد تكون عروشا للأرواح الخيرة. فهؤلاء الإغريق اتخذوها ولا سيما جبال أولمب مسكنا لأربابهم الخرافية وجعلوها المحل المختار لزفس وأسرته ومجلى لبلاطه وحكومته ومعتركا لإرادات الآلهة الوثنية التى عبدوها. فلم اختار هومير هذه الأماكن العالية وفي الأرض ما هو أجمل منها وأنضر وأعمر وأبهج؟ وفي البحر من الروعة ما قد يفوق روعة الأرض، ولكن اليونان لم يسكنوا فيها إلا إلها واحدا. ولكن المعانى التى أرادها الإسلام بالجبال وعلاقة الدين والشعائر غير المعانى الأخرى التى تفرعت عنها عبادة الوثنية، وما الأحجار المقدسة إلا — أجزاء من الجبال. فهذا الحجر الأسود والحجر المنقط الذى في زاوية الركن اليمانى حجران لهما أشباه كثيرة إما من النيازك وإما من صخور الجبال.
الوثنيون عبدوا الحجارة لأنها كانت توحى إليهم بعض القداسة التى تتطلبها نفوسهم وتطيقها عقولهم وقد يجعلونها على هيئة واحدة وينحرون لها الذبائح ومن هنا الهيكل وما زال يسمى إلى الآن مذبحا. حتى في كنائس إنجلترا وأمريكا، وقد يخيل عقل القبيلة فتتوهم أن حجرا بعينه تسكنه روح الشر فيتقونها بالعبادة، وكلما كان الحجر أحمر كان إلى التقديس أقرب لأنه يدل على لون له صلة بالأضاحى، مع أن اللون الأحمر لا يدل العلماء إلا على أوكسيد الحديد، واللون الأحمر مهيب ومقدس لأنه لون الدم والدم محترم لأنه يسيل من ذبح الضحايا سواء أكانت بشرية كالحال عند اليونان والرومان أم حيوانية كما هي الحال في بعض بلاد الشرق.
وإنك لتعلم أن بعض الهنود في قلب بلادهم ووسطها يعبدون هضبة مارنج بورو ويسمونها الجبل المقدس ويذبحون ضحاياهم حيالها على حجر مفرطح ذى سعة وهم يدقون الطبول ملتمسين من ربهم هطول المطر، صائمين عامدين واثقين من استجابة صلواتهم، وعبد الفينيقيون حجرا لا يخالف اللات التى عبدتها ثقيف، وعبد اليونان حجرا أطلقوا عليه اسم هرمس أو عطارد وما زال بعض الغربيين إلى القرن السابع المسيحى يعبدون الأحجار في إنجلترا وفرنسا وفى أيرلاندا (انظر ص ??? تاريخ الحضارة من بدايتها تأليف لورد أفبرى). وفي بارس يوجد متحف جيميه وهو بحاثة مستنفض فرنسى من مدينة ليون وفيه أعظم آثار الشرق الأقصى زرناه في سنتى ???? وسنة ???? وبه مجموعة كبيرة من الحجارة الدينية.
وإذن تكون الأمم القديمة وبعض الأمم الحديثة حسب ترقيها العقلى أو انحطاطها قد عبدت الحجارة لذاتها أو لأنها رموز لأربابهم من الكواكب وغيرها، وقد قضى الإسلام على ما يشبه هذه السخافات ولم يبق لها أثرا إلا ما تطأه الأقدام، فقد كنا ندوس عند دخولنا إلى المسجد الحرام أو خروجنا منه عند باب السلام حجرا ضخما يشبه درجة السلم مغروزة في الأرض وقيل لنا إنها تمثال الصنم أساف، ولا نستبعد ذلك لقربها من شارع المسعى لأن هذا الصنم ورفيقته نائلة كانا على الصفا والمروة. فهذه الجبال وهذه الحجارة التى تبدأ بالحجر الأسود وتنتهى بالجمرات التى نلتقطها لنرجم بها الشياطين قد طهرها الإسلام وجعلها مظاهر عبادة تتصل بملة إبراهيم بصلة التوحيد والتمجيد لرب السماوات والأرض وليس فيها شيء يلمس أو يقدس لذاته، حتى إن القرآن روى على لسان مشركى قريش أنهم اتخذوا أصنامهم زلفى لله وتقربا لا عبادة، والمقصود أن بعضهم احتقر عقله فالتمس هذا العذر فالآية رواية وحكاية على ألسنتهم، والحقيقة أنهم عبدوها واتخذوها آلهة ولم يخلصهم منها إلا القرآن الكريم والنبى العظيم.
(?) جمرة العقبة

قبل شروق الشمس بنصف ساعة وبعد التقاط الحصى لنرمى بها جمرة العقبة وأصلنا السير إلى منى، وكنت أجلس إلى جانب سائق السيارة الذى قضى ليله يسعل سعالا قويا جافا يكاد يشق صدره، فسألته فقال إنه قادم من البصرة ليحج ويرتزق بسيارته وهي من نوع «البوكس» وتتسع لعشرة غير متاعهم المحزوم بأعلى السقف الذى كنا نتوهم أنه يسقط على بعض الرؤوس لثقله وخفة الخشب، وكان عبد الله هذا يرفق بنا في «المطبات» مجاملة للشيبة (يعنينى) جزاه الله خيرا فقد سلكنى في سلك الشيوخ الذين يترفق بهم لشعرات بيضاء أورثتها الهموم وسهر الليالى، وسرنا في سكينة ووقار مهللين مكبرين وقد وصار كل واحد منا حاجا بحق وجهاد وصار بعضنا حاجا مرارا:
رب حج قد صار حجا مراراشاكرا من تواتر الإسعاد مصلين على النبى إلى أن بلغنا وادى محسر وعلينا أن نهرول إن كنا مشاة أو نسرع إن كنا راكبين، لأن الإسراع في السير في هذا الوادى مطلوب من الذكر والأنثى والجمل والسيارة، ووادى محسر ضيق بين جبال وطوله نصف كيلو وهو برزخ بين المشعر الحرام ومشعر منى وبين آخره وبين جمرة العقبة ثلاثة كيلو مترات ونصف، وسبب هذه الهرولة والإسراع بالدواب والعجلات أنه محل نقمة، لأن الله أنزل نقمته وعقوبته على جيش أبرهة الذى جاء بالفيل لهدم الكعبة فأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، قال عكرمة: كل من أصابته حجر جدرته. وقصة الفيل معروفة والتعليل في القضاء على الجيش معقول. وسواء أمر أصحاب الفيل بهذا الوادى أم لم يمروا فإنه يدلنا على أنهم دنوا من الكعبة ولم يصلوا إليها وهلكوا دونها. وهذا يناقض ما زعمه البعض من أن الفيل مدفون بباب جرول أحد أبواب مكة وكانت عليه قبة كبيرة، وكان السائق عبد الله خبيرا بكل المناسك فأسرع السير بعد أن أخذ إذن الشيبة (أعنى أنا) لأن الإسراع سنة.
ولما وصلنا إلى منى وكنا محرمين أسرعنا بالذهاب إلى جمرة العقبة وهي كما وصفناها سلفا عند وصف الدخول إلى منى في سفح جبل فاصل بين طريقين ويبتدئ هذا الجبل من هذه الجمرة ويمتد إلى شرقها وقبالته منازل فخمة رأينا فيها أعيانا من العرب جالسين يشربون القهوة ويدخنون النارجيلة وعلى أفواه بعضهم ابتسامات لم نفسرها. فوقفنا في أسفل الوادى وجعلنا الكعبة عن يسارنا ومنى عن يميننا واستقبلنا الجمرة وبدأنا برميها بسبع حصيات باليد اليمنى قائلين في كل رمية الله أكبر، وكنا قد قطعنا التلبية قبل الرمى، وبعد الرمى اتجهنا إلى بيت الله الحرام ودعونا الله بما ألهمنا وكنا باسطين الأيدى في اتجاه هؤلاء الأعيان الذين ما زالوا مبتسمين «مبسوطين منفرحين».
وهناك شهدنا مناظر عجيبة، فقد كان طريق منى يعج بالناس من كل زى وصورة وكلهم قاصدون إلى الجمرة أو منصرفون عنها وفيهم الكفيف والمبصر والشيخ الفانى والفارس والفتى والمرأة العجوز ولا تسمع إلا «الله أكبر» ورنين الحصوات في أصداغ الجمرة التى تخيلتها قبل رؤيتها صورة أو تمثالا للشيطان، ولكنها لم تكن سوى مستطيل من الحجر مرشوش بالجير وكلها تسقط في حوض حوله.
الحق إنك تدهش للغل الذى يظهر في رمى بعض الناس، فكأنهم يؤدون هذا النسك بانفعال غيظ شديد للعداء الشديد بينهم وبين إبليس، وكانت العجائز من النسوة يرفعن أذرعتهن ويصرخن ويصبن الهدف، فإذا أخطأن أعدن الكرة بفرح، ولا أنسى امرأة لا تزيد في الطول عن متر وتزيد في العمر عن ثمانين وتكاد تكون كفيفة ولكنها كانت تجتمع على نفسها وتلتوى ثم تقذف. أما الرجال فبعضهم رمى في هدوء وبعضهم أطلق غدارة برصاص وفي هذا العمل خطر على الراجمين وكان الزحام شديدا على قلة الحاج فكيف إذا كان عددهم مائة ألف.
وقد سمعت أن ناسا يداسون تحت الأقدام في مثل هذا اليوم ولا يدرك استغاثتهم أحد لشدة الزحام، كما أن النفور من عرفات يعرض البعض للأخطار ولكن الله يسلم ويحمى الضعفاء دائما.
(?) حكمة الرجم

وبعد أن رجمنا ودعونا أخذت أسأل نفسى: أى غرض وراء هذا العمل. ليس هذا بإبليس ولا صورته ولا تمثاله فما الحكمة؟ الجمرة الغرض أو الهدف ويطلق على الكبير اسم جمرة العقبة وهو الذى يرجم في هذا اليوم وحده، أيقطع الإنسان علاقته بالشيطان أم أنه يظهر سخطه عليه أم يطلب في صمت من الله أن يصونه من غوايته أم أنه ذكرى للعنة إبليس الذى استغوى آدم وحواء أم أننا نفعل هذا لنكون في أنفسنا جرثومة البغض لإبليس فلا نعود نطيعه أو نتبع هواه؟
لا شك في أن الرجم علامة سخط وغضب وعقوبة على بعض الجرائم الشديدة، ألم يقل المسيح للناس من لم يخطئ منكم فليرمها بحجر وهي عقوبة الزانى عند اليهود. وكان قوم نوح يتوعدونه بالرجم إن لم يكف عن دعوتهم إلى الله لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ، وكذلك أهل مدين أنذروا شعيبا نبيهم بالعقوبة نفسها قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ? وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ? وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ. وكلا القومين سوى بين الجريمة وبين الدعوة إلى الله على لسان نبى. وقوم شعيب اعترفوا بعدم الفهم وبدلا من محاولة الفهم زهقوا ممن يدعوهم إلى الخير، ورجم اليهود عجان بن زواح وأهله ومتاعه بالحجارة، ورجم النصارى شجرة تين لعنها المسيح لأنها لم تثمر، ورجم العرب واليهود الزناة وقبور من ينقمون عليهم، وما زال قبر أبى رغال في المغمس (بين مكة والطائف) مرجوما إلى الآن لأنه كان خائنا جاسوسا وقد قاد أصحاب الفيل إلى طريق مكة:
إذا مات الفرزدق فارجموهكما ترمون قبر أبى رغال وهذا تخليد جميل للعنة الجواسيس والخونة والذين يرشدون الأعداء إلى أوطانهم وهي جريمة الخيانة العظمى، والمسلمون يرجمون قبر أبى لهب لأنه عدو النبى الألد وقبر أبى جهينة لأنه ظلم في حكم مكة وقبر يزيد بن معاوية لسوء سيرته وبشاعة فعله مع آل البيت وقبر مسلم بن عقبة بين مكة والمدينة لأنه فتك بأهل المدينة ولم يرع حرمة محمد عليه الصلاة والسلام في أنصاره وجيرانه. وأهل أوروبا يصنعون تمثالا من الخشب والقماش على صورة المغضوب عليهم ويحرقونه، وإن كان أحرقوا كتبه وصحفه، والأمريكان يشنقون الزنوج المتهمين بالتعدى على امرأة بيضاء ويحرقون جثتهم، وهذه كلها مظاهر السخط.
وأخيرا ظننت أن رجم الشيطان تذكير بفشله في إحباط الإسلام وعجزه عن تضييع الرسالة المحمدية مع أنه لم يفشل في إخراج أدم وحواء من الجنة — ألم يقل النبى في خطبة الوداع «أما بعد أيها الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضى به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم».
وهذا الرجم لفت للمسلمين ووعظ أنهم لا يفرطون للشيطان حتى فيما يحقرون من أعمالهم وتنبيه لأن يحذروه على دينهم طبعا.
إنك تجد لكل نسك من مناسك الحج تعليلا وتفسيرا يرتاح إليه خاطرك أو تعوقك نفسك عن أن تناقشه، ومن تفسير الرجم أن الشيطان عرض لإسماعيل فأمره إبراهيم أن يحصبه بالحصى رمزا لنبذ الخطايا والآثام، فصار سنة عن إبراهيم وإسماعيل قبله الرسول ونفذه.
إنى لا أنكر أن كثيرا من السخف قد دس على الإسلام ولا سيما على ألسنة الذين يتحرون غاية الإتقان في تفسير المعضلات أو تعليل المناسك وهم من ذوى العقول الضئيلة في القديم والحديث، فإذا أعوزتهم أدلة العقل أو آثار التاريخ لم يتورعوا أن يتبرعوا بالاختلاق والاختراع وتنميق الأسباب والعلل مما يخجل المرء أن يجاوب به طفلا على سؤاله، وإنهم ليروونه كأنهم شهدوه، فسيدنا إبراهيم أوعز إلى ولده إسماعيل أن يرجم الشيطان الصغير ففعل، وجاء الشيطان الكبير فوسوس لإبراهيم فتولى رجمه بنفسه وذلك في طريقهما إلى مكان الذبح بين مدخل منى ومخرجها. وإنك تعجب أن تزول ملة إبراهيم وإسماعيل وهي الحنيفية أو الحنيفة وتنمحى عقيدة التوحيد وتحل الأصنام في الكعبة وهي بيت الله الحرام وتبقى سنة الرجم التى استنها إبراهيم يوم شحذ مديته ليذبح بها ولده وهي أتفه من أن يبقى أثرها فى أذهان الذين تغلبوا على الإيمان الأول وجلبوا الأوثان من كل فج عميق.
إن في جميع الأديان تقاليد لا تعلل وتجب المحافظة عليها، ومنها هذا الرجم الذى يشير إلى مقاطعة الشيطان ومغاضبته والثورة على وسوسته وإعلان الخروج على تضليله، ولست براجع عن هذا الرأى، وقد أيدنى فيه قول رسول الله في خطبة الوداع قد يئس الشيطان أن يعبد فى هذه الأرض، وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ? وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ? فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ? مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ? إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ? إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ صدق الله العظيم.
أترى جوته الشاعر الألمان وكاتبهم وفيلسوفهم وحكيمهم وراويتهم وقصاصهم جاء بأكثر من معانى هذه الآية في أعظم كتبه «فاوست» وهو المثل الأقصى في إطاعة الشيطان وعصيان الحق والحكمة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا.
لم تغب هذه الآية الفذة من سورة إبراهيم عن ذهنى منذ سمعت بنسك الرجم واتخذت منى فى نظرى شأنا وشغلت منه حيزا ولم أعبأ بما قال البلهاء إن الإقامة في منى بعد عرفة فسحة وعيد واستجمام بعد مشقة الحج.. ألا إنه هراء، لقد تضخم في فكرى معنى هذه الآية، هذا الحوار العجيب بين الشيطان وأحزابه من بنى الإنسان إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ? فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم.
وإنك لترى العجب في هذه الآية لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ وانتهى العقد بين إبليس وأحزابه وقد لاموه وعاتبوه وحاولوا التنصل من تبعة أعمالهم التى زعموا أنه أوعز بها إليهم وسهل لهم ركوب متنها وقد أتوها باختيارهم وهم في أعلى درجات التلذذ بها. قال هو الآخر متملصا متخلصا واضعا التبعة على كواهل أصحابها دون كاهله، وهذه خلة مأثورة وحيلة مشهورة ولم يكن ينقصهم إلا قليل تفكير ليفطنوا إليها قبل وقوعهم في حبائلة. قال يا أحزابى وأتباعى كفوا عن عتابى فقد وعدكم الله الحق ووعدتكم. ولم يصف وعده كما وصف وعد الله. ولأن وعده معلوم لهم وكان في وقته شهيا طليا فكيف يصفه وهم يعرفونه، أما وعد الله فقد عرفوه وأعرضوا وإن لم يعرفوه فقد آن لهم أن يعرفوا بأنه حق، فاستجبتم للشيطان وتعلقتم بأهداب وعده، ولا تلتمسوا منى معونة فلن أقدر عليها ولن تقدروا على عونى، وقد ظلمتم أنفسكم ووجب العذاب الأليم عليكم.
لقد وصف الشيطان في القرآن بأنه رجيم وكان الرجم في كل العصور علامة السخط وعقاب المذنبين عند اليهود والنصارى والمسلمين — وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ — لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ — إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ — وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ — لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ — وَجَعَلْنَاهَا رُجُومً — لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ — فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ — مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ — مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. هذه آيات جعل الرجم فيها عقابا للإنس والجن والشياطين، فماذا يكون رجم الجمرات (وهى الأهداف التى تمثل الشياطين) إلا صورة ذهنية يخرجها إلى حيز الفعل لمقاطعة الشيطان والسخط عليه، لا لأنه وسوس لإسماعيل وإبراهيم في منى أو غيرها، ألم يفعل هذا الخبيث وأتباعه غير هذا حتى يستحق العقوبة العلنية الأبدية الإجتماعية في مناسك الحج. ألا إنك لو حاولت، ما أحصيت مساويه ولا دنوت من الإحصاء الصحيح منذ ثورته على أمر السجود لآدم إلى وقتنا هذا، وإن عددت شياطين الجن (وهو محال) فلن تعد شياطين الإنس وهم لا شك في وجودهم ولا حصر لعددهم.
فأى عجب في نسك الرجم وأى اعتراض عليه وإنى أراه من أهم المناسك وأوقع المظاهرات بالفعل، فإنك لا تملك بعد محاولة التطهر والاستغفار والاتصال بالحق والمناجاة من أعلى الجبال وطى مسافة البعد بين الأرض والسماء والمبيت بعراء مزدلفة حيث تتسلح بالحصوات وتتأهب للموقعة الأخيرة بين طهرك ورجس الشيطان وخير الله وشر إبليس وبين توبتك وسابق معاصيك وبين هدايتك وخوف الرجعى إلى ماضيك، إنك لا تملك بعد هذه كلها إلا أن تظهر نيتك بالاعتراف بجميل الله عليك بهذا الرجم المثلث بالحصوات التسع وأربعين، وليس في الأمر جاهلية ولا وثنية ولا تقليد مبهم ولا انتحال لما كان عليه المشركون.
ولست في حاجة لأن تسأل الناس حكمة الرجم أو تنتقده، فإن لم تكن قد فهمت ووعيت فلا يفيدك أحد شيئا ولا يزيدك جواب المسؤول إلا خبالا وتضليلا وليس المجيب بمضطر لأن يقص عليك نبأ إبراهيم وإسماعيل كأنه رآهما وشهد وسوسة الشياطين لهما. وهذه التفاسير والتعاليل العليلة هي التى أجرت ألسنة الموعودين من إبليس وأعوانه بالنقد والتجريح، وقد فتح البلهاء لهم أبوابا ما كان أحراهم أن يسدوها بإيمانهم أو قبولهم الأمر الواقع حتى يفتح عليهم أو صمتهم عما لا يدركونه إلى حين. لذا كنت أصبر على مضض لكل من يسألنى ولا أجيبه.
لست والله أعرف الدين إلا كتلة واحدة وكلا لا يتجزأ. فإما أن تقبله جميعه أو تتركه، وليس لك الخيار إلا في هذا، أما أن تزعم الإسلام وتدعيه لنفسك ثم تقبل ما تشاء وترفض ما تشاء من أركانه وفرائضه فليس من الإسلام في شئ. وما هذا الدين بحاجة إلى من يشرحه أو يبشر به بعد خلود القرآن وحفظ الذكر وبعد انتشاره في أنحاء العالم منذ أربعة عشر قرنا.
لئن تعب النبى عليه الصلاة والسلام وعانى في قريش وفي المدينة من المشركين واليهود والمنافقين، فقد كان تعبه وعناؤه وجهاده مجدية، وقد حول أولئك الأميين إلى أئمة هدى وولاة عدل وفقهاء نفس وساسة يفخر التاريخ بهم وعلماء تروى آثارهم ويتحدث الناس بطيب أخبارهم وأساة للإنسانية من جروحها تنفجر منهم ينابيع الرحمة، يضعون نظم الإصلاح وقواعد الاجتماع، رفعوا قدر العلم بعد أن أنكروه وجعلوا العقل هاديا ومرشدا والقرآن إماما.
أما هؤلاء المعاصرون المتحضرون المتمدنون المتعلمون الغارقون لقمم رؤوسهم في نعم الله فأى عذر لهم. أتراك أيها المؤمن الوديع كفيلا بهدايتهم ولم تهدهم أحقاب وأجيال وأقوال وأفعال في طريق الحق لا تحصى. فتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتحتال على إلانة قلوبهم وتتولى إنارة الطريق لنفوسهم وهم منك يضحكون وبإيمانك يستهزئون.
(?) التحلل من الإحرام

بعد رمى جمرة العقبة عدنا إلى دارنا عدد ?? الشارع الكبير وكلفنا المطوف بالذبح ثم حلقت رأسى وكان الفضل في هذه السنة للشاب المهذب إبراهيم شكرى بك الذى فضل الحلق على التقصير، فقام بهذا العمل خير قيام بموسى الأمان ولم يجرحنى إلا جرحا واحدا على حداثة عهده بهذا الفن الجميل وهو الحلاقة، وزادنى إكراما بعد عتقى من الجراحات أنه لم يطلب على عمله أجرا غير الشكر وتناول العشاء، ولو لا ما كنت أسلم رأسى لمحترف خوف العدوى ولأنى لم أحلق حلاقة تامة قبل هذه فكانت على يد أحد الأعيان الحائزين شهادة الرزاعة العليا الناعمين بالأملاك الواسعة فشكرا لله على أن جعل لى معينا ارستوقراطيا على أداء هذا الواجب.
(?) طواف الإفاضة

كانت التضحية بما توفق إليه المطوف من الهدى وحلق الرأس وقلم الأظافر تحللا أصغر، فبادرنا إلى مكة لطواف الإفاضة وهو الثانى بعد طواف القدوم، وعندما بلغنا مكة لم نجد بها من أهلها إلا القليل ووجدنا البيوت والدكاكين مغلقة، فقد هرع أهلها للحج ومعونة الحجيج، فطفنا بغير هرولة وصلينا ركعتى الطواف وشربنا من ماء زمزم كما فعل النبى، فإننا كنا نتتبع سنته خطوة بخطوة، ثم خرجنا من المسجد الحرام لنعود وأفتى أحدهم بالسعى وصممت على أن لا أسعى لاعتقادى أن السعى لا يكون إلا مرة واحدة، ولم أجد في تكرير السعى فائدة وأن الشريعة أحكم من أن تقتضيه مرتين في حجة واحدة وهو سير منوع في طريق جاف ودعاء سبق أن دعوناه، وقد بقيت نفسى متعبة من السعى الأول، وعاد بعضهم بعد أن قطع شوطا واحدا وهو يقول «أذبح عشرة خراف ولا أسعى مرة ثانية» فطمأنته لأن السنة أن يسعى مرة واحدة وقلت إن حذف الهرولة من الطواف دليل على عدم ضرورة السعى لأن الرمل لا يكون مطلوبا إلا فى الطواف الذى بعده سعى. ووافقنا المطوف على هذا وهو مفتى محلة القرارة بين المدعى والفلق.
وبعد أن أخذنا قسطا من الراحة وأكلنا نصيبا من اللوز والفاكهة لتجديد قوانا، عدنا إلى منى متحللين التحلل الأكبر وقد لبسنا ثيابنا العادية بعد الإحرام وشعرنا بألم عند فراق ذلك الزى الدينى الذى صحبنا في أداء أشرف المناسك وأكرمها عند الله.
فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا صدق الله العظيم.
تأمل إن الله يطلب منك ذكره كذكر الآباء، مع أننا لا نذكر الآباء ولا الأبناء ولا الازواج في هذه المواطن، ولكن الله أراد أن ينبهنا إلى شأن الآباء وأنه عندما أراد أن يطلب إلينا أقصى ما يكون من الذكر له ذكرهم وأنه أراد أن يتحبب إلينا لأنه يحبنا أشد من حب آبائنا إيانا ويلفتنا إلى حمده على أنه يسر لنا أداء هذه الفريضة.

الفصل الثالث عشر
خطبتى في منى


(?) دعوة الملك عبد العزيز

عدنا إلى منى وإلى بيتنا مطمئنين إلى أننا قضينا المناسك وما علينا إلا أن نبقى يومين أو ثلاثة بمثابة الهدنة والاستجمام لنتم الرجم ولنعمر منى التى سوف تخلو عما قريب كما خلت عرفة والمزدلفة، وقد علمنا بدعوة الملك للقائه في اليوم الثانى من العيد في قصره بمنى وحفلة استعراض الجيش.
(?) خطبتى بمنى يوم عيد الأضحى

وقد ألقيت الخطبة التالية في منى الساعة الرابعة عربية نهارا يوم عيد الأضحى بحضور الملك ورجال الدولة والسفراء وكبار الحجاج من جميع الأقطار: يا طويل العمر

الحمد لله سبحانه وتعالى والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله. مهما عجز اللسان عن البيان ومهما استولى علينا السرور والفرح والخشوع والخضوع بعد أداء فريضة الحج، فإننى أستجمع من ضعفى قوة ومن تشتت الذهن حيال العظمة الربانية لأحاول التعبير عما يكنه قلبى وقلب كل حاج شملته العناية الإلهية والرحمة والصمدانية أثناء الوقوف بعرفة وبعد هذا اليوم العظيم في تاريخ حياة كل مسلم منذ ألف وثلثمائة وستين عاما.
وأول ما يتبادر إلى ذهنى بعد التوجه بالشكر إلى الله سبحانه وتعالى الآية الشريفة وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـ?ذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ وقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يحقق هذه الآية الشريفة على يد جلالتكم فصار هذا البلد آمنا حقا، بل صار أمنة وأمن الطرق الموصلة إليه مضرب الأمثال في سائر الأقطار ولهج به القاصى والدانى، وقد امتد الأمن إلى طريق المدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وأصبح الحمل والذئب يتلاقيان فلا يعتدى الذئب ولا يرتعد الحمل ونشر السلام رأيته وضرب الاطمئنان خيامه وأطنابه على قفار كانت مواطن الرعب ومشاهد السلب والنهب وصدى أصوات الرعب. فما أعظم ما اختاركم الله لأدائه لتسهيل السبيل على الحجيج الذى يرد من كل فج تحقيقا للآية الكريمة الثانية حيث قال الله في محكم قرآنه وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى? كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى? مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ? فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ.
وقد اتبعتم سنة الله في الترقى، فلم تحرموا الفقير من بهيمة الأنعام ولم تمنعوا امتطاءها في طول الجزيرة وعرضها وهي سفينة الصحراء بل أضفتم إليها ما أخذته الحضارة من وسائل النقل السريع المنظم وأصبحت وديان الجزيرة ودوربها تجمع بين مظاهر شتى من خيرات الله وخلائقه وثمرات اختراع الفكر الإنسانى. وهكذا ثبت للعالم أن أبناء هذه البلاد الكريمة العتيقة جديرون بنهضة الإسلام والسير به في طرائق الترقى والإقدام، فلم تعرف دولتكم من يوم جلوسكم على العرش رجوعا إلى الوراء ولا سير القهقرى (مارش ان أريير) بل كانت خطتكم وخطة حكومتكم وشعاركم «إلى الأمام! إلى الأمام!» وقد جعلكم الله أمة وسطا تحيط بكم أكبر مجموعة من الأمم الإسلامية التى كان لها في تاريخ الإسلام أعظم شأن. وقد رأيتم بالفطنة النافذة والفطرة الكريمة أنه إن جاز لكل بلاد العالم أن تخضع إلى القوانين الغربية أو تجعل منها ومن الشريعة المحمدية مزيجا يناسب الزمان والمكان، فلا يجوز لهذه البلاد العريقة في الإسلام أن تخضع في قوانينها لغير القرآن والسنة، وهكذا أحييتم التشريع السمائى وأثبت الزمن أنه كاف لاستقامة الأمور وتقويم الاعوجاج وإصلاح الأشخاص والأشياء، وهذا ما يسميه العلماء بالدليل التاريخى وقد قدمتموه بين يدى الله وعلى مشهد من جميع الأمم.
إن جزيرة العرب التى دان لكم قاصيها ودانيها عن طيب خاطر ووضعت فيكم بعد الله رجاءها هي بمثابة المركز للإسلام والوطن الروحى لسائر المسلمين من سائر الأقطار ولا عجب، فقد كان الحج رمزا لهذه الإرادة الإلهية إذ جعل الكعبة المشرفة مركزا للدائرة وما تزال تلك الدائرة تلتئم حتى يكون الطواف حول الكعبة. الطواف يرسم فيه الطائف دوائر سبعة ثم يكون الحجر المستلم الملثوم مركزا لدائرة الطواف حيث تلتقى أكف المؤمنين وأفواههم. أى أن دوائر الإسلام تنتهى بالمحبة بين جميع الشعوب الإسلامية حول بيت الله الحرام حيث ينشر الأمن أطنابه ويطير حمام الحمى مترنما بآية الله، حول ذلك البيت العتيق الذى وصفه الكتاب بقوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا.
يا طويل العمر! لقد شهدنا من آثار الحضارة في مكة خيرا كثيرا واجتهادا وفيرا في نشر التعليم وإجراء الصدقات وفض الخصومات وإيواء اليتامى وتعليمهم ونشر الإخاء والمساواة وموالاة الإحسان وتفريج الضيق، ومن أعظم ما رأينا اليوم أثناء عرض جيوشكم الظافرة طاعة لله في قوله وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ، وقد سرنا وأفرحنا كما سر كل مسلم وأفرحه نظام هذا الجيش وعدده وعدده ومماثلته لأحدث الجيوش من آثار العصور الغابرة وملازمة لعهود الهمجية، فقد دل التاريخ ودلت التجارب المعاصرة على أن الحروب هي القاعدة وأن السلام هو الاستثناء، وأن عقلاء العالم هم الذين يحتفظون بالترياق حذر السموم وبالوقاية خشية استفحال الداء، وأن الاستعداد للحرب لا ينافى حب الأمان، وأن الحيدة المسلحة خير من الاستسلام، وأن تدريب الرجل وبث روح الشجاعة في أفراد الشعب ووقفهم على قدم الاستعداد من أوجب الفروض وأعظم النعم على الحاكم والمحكوم ولا سيما إذا كان ولى الأمر ملما بأحوال الأمم ومحيطا بأحوال الممالك وكانت كلمة الأمة والحكومة واحدة ومقصدهم واحدا، وكان أول ما يسعون إليه الخير العام والمصلحة القومية، وقد نرى كل حاج على العموم وكل مصرى على الخصوص يغتبط لقوة الحجاز ونجد والحكومة السعودية لما توثق من عرى المحبة والمودة بين الأمتين والحكومتين وجلالة الملكين، وقد سمعنا من لسان جلالتكم في المقابلة الخاصة الأولى التى تفضلتم بها غداة تشريفكم من عاصمة ملككم الرياض ما يدل على صدق المحبة وتبادل الإخاء.
ومهما تكن أحوال العالم في أيامنا هذه، فإن الحجاز خاصة وجزيرة العرب عامة بلاد آمنة مطمئنة كالجزيرة الهادئة الناجية في وسط بحر هائج متلاطم بالأمواج، وقد أحييتم يا جلالة الملك بجانب شريعة الإسلام في الأحكام والضرب على أيدى الجناة والاقتصاص من المستهترين، فكرة المؤتمر الإسلامى العام الذى يجتمع بمنى وعرفة، وهو المقصد الأسمى من أداء فريضة الحج، ولا شك أنكم أدركتم الغاية الشريفة التى قصد إليها الشارع من الاجتماع بمنى قبل الحج وبعده لرمى الجمرات، أى لمقاومة الشر وجمع كلمة الخير، فمن الإقامة بمنى والوقوف بعرفة وجود في مكان واحد يجتمع فيه كل الذين وفدوا من الأقطار المختلفة وهم وإن اختلفت أجناسهم وتغايرت ألسنتهم وآراؤهم قد توحدت وجهتهم وتفردت غايتهم. تجمعهم صحراء منى وعرفة وتضمهم إلى قلب ذلك الجبل وواديه المنبسط أمامه المشرف عليه جبل الرحمة، ذلك الجبل الجليل الذى ألقى منه رسول الله خطبة الوداع الخالدة. وإن هذا الاجتماع الإسلامى العظيم يتم بين يدى الله وفي حضرته في يوم يكون فيه الإنسان مأخوذا بروعة العبادة التامة التى تجمع سائر العبادات. وإن لفى اجتماع منى وعرفه لذلك المعنى الأسمى اجتماع المسلمين من جميع الأقطار ليشهدوا منافع لهم وليتعارفوا ويتشاوروا فيما يعود على الإسلام والمسلمين بالخير العميم، وإن في هذه الاجتماعات المتواترة في أهم الأيام تزكية وتضحية وقنوتا وزهدا في أعراض الدنيا ورجاء في خير الآخرة لداعيا للتراحم والتعاطف واهتمام الغنى بحال الفقير والسعيد بالشقى والميسور المنعم بالبائس المحروم، وإن في هذه الاجتماعات لرمزا للمساواة التى أمر الله بها وسنتها سنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، فلم يجعل الله فرقا إلا بالتقوى حيث قال أكرمكم عند الله أتقاكم ولم يقل أغناكم ولا أجملكم ولا أدهاكم ولا أذكاكم ولا أعلاكم مكانة في الدنيا بل أكرمكم أقربكم إلى الطاعات والاستقامة. وقال الرسول عليه الصلاة والسلام الناس سواسية كأسنان المشط وقال خليفة رسول الله بما استعبدتموهم وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، هذه المبادئ الإنسانية السامية هي نفسها مبادئ الإسلام وتتجلى بأجمل معانيها في أرض الحجاز حيث تجتمع عشرات الألوف وأحيانا مئات الألوف من سائر الأقطار فتنغمس تلك النفوس المتلمسة للنجاة عند المشاعر الحرام في تيارات الطهارة والاستغفار والتوبة والمحبة المطلقة لله ورسوله ولإخوانهم في الجنس والدين، وإن اختلفت اللغات.
فما أعظم النعمة التى وهبها الله لمن يتولى حكم هذه البلاد فيعينه الله لإظهار الدين على حقيقته بعد أربعة عشر قرنا من ظهوره في نفس هذه البلاد. وقد صحت في نظرنا الحقائق الخاصة بهذه البلاد فكل ما تخيلناه قبل رؤيتها رأيناه ملموسا، فهذا الجفاف والجفاء فى الطبيعة وسلاسل الجبال البركانية التى خرجت من بطن الأرض مصهورة حتى إن بعضها لا يزال محتفظا بلون النار بعد أن هبط أجيجها بمئات ألوف السنين، وسبحان الذى جمع في خلقه بين ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ? وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ صدق الله العظيم. ومع هذا الإقحال والإمحال نبت هذا الدين العظيم ونما وترعرع أصله في السماء وفروعه وأغصانه وأفنانه في الأرض لهداية مئات الملايين من البشر. وكل هذه الحقائق تبدو لنا بمعانيها السامية العميقة، بفضل أداء تلك الفريضة الفريدة في بابها والمتمايزة على كل ما عداها مما يماثلها في كل الأديان منذ الخليقة إلى الآن.
وإننى أنتهز هذه الفرصة الوحيدة في هذا اليوم السعيد الذى اجتمع فيه المسلمون من سائر الأقطار في صعيد واحد في قصر الملك المعظم في منى لأحث الأغنياء على البذل في سبيل نصرة الإسلام وإعلاء كلمة الدين والتعاون على خدمة المسلمين بالعلم والخروج من ظلمات الجهل إلى أضواء المعرفة التى تؤدى بهم إلى سعادة الدارين، وبالآداب المحمدية الكاملة والمثل الصالحة فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق. وكفانا موعظة ولو لأيام معدودة أن نعلم أيات الله فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ صدق الله العظيم.
أيها الملك المعظم، سمعتك بأذنى تأخذ على الشاعر والخطيب كليهما إذا لم يقدما مشيئة الله يقينا منك بأن الله وحده هو الفعال لما يريد وأن هذه القدرة التامة والإرادة المطلقة تتعلق بأكبر الأمور وأصغرها وأن الإنسان مهما علت مكانته فهو ضعيف أمام الله جلت قدرته، فأدعو الله بإذنه أن يديم الأمن في هذه البلاد، وأن يستجيب دعوة إبراهيم أبد الدهر ونهاية الزمان رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ وأن يعز الإسلام بمن حقت فى عهده آية الأمن، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـ?ذَا بَلَدًا آمِنًا. والله بمشيئته يؤيدكم ويوفقكم لتعلو كلمة الدين ويوثق بين قلوبكم وقلوب المصريين في عهدكم هذا وعهد جلالة مولانا الملك فاروق الأول ملك مصر آمين.
وبعد أن حضرنا حفلة التشريفة الكبرى سرنا قبل صلاة الظهر إلى الجمرة الأولى من ناحية مسجد الخيف ووجدنا عندها ما وجدنا من الزحام والخيل والجمال والحمير فحصبناها بالحصى على الطريقة السابقة ودعونا. وبعض الناس يطلب أن تدعو بقدر تلاوة سورة البقرة كلها وأنت في موقف الدعاء باسط كفيك مطاطئ الرأس، ولكن هذا غير متيسر ولم نر أحدا يفعل ذلك فاكتفينا بالدعاء الوجيز، ثم رمينا الجمرة الوسطى ثم سرنا إلى أن بلغنا العقبة التى رجمناها أمس ثم انصرفنا. وفي اليوم الثالث فعلنا كما فعلنا في اليومين السالفين.
وتركنا منى آسفين عليها فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ولم نترك في منى إلا قوما قليلا من الشيعة والأعجام واليمانيين الذين يلزمون الجبال. وهذه الأيام اسمها أيام التشريق أى تقديد لحم الأضاحى وقد سبقها يوم التروية أى سقاية الهدى قبل ذبحه، ولم نتمكن من الذهاب إلى المحصب وهو بين قصر جلالة الملك وجبانة المعلاة، لأن الذهاب إليه يقتضى مبيتا كمبيت المزدلفة وصلاة الأوقات كلها وهو ليس من مناسك الحج والسنة فيه غير مؤكدة.

الفصل الرابع عشر
انتظار السفر إلى المدينة المنورة


سرعان ما حزمنا أمتعتنا وعدنا إلى مكة في صباح اليوم الأخير، وكانت الطريق مزدحمة ازدحاما شديدا جدا وكان التعب قد بلغ منا مبلغا عظيما، وأنا لا أشعر بالتعب كالمخدر فلم نذهب إلى الدار ولم نلجأ إلى الراحة بل قصدنا إلى المسجد، وفي الطريق بقرب المسجد سمعت ورائى امرأة تقول «حاسب يا سيدى» ولم تنته حتى شعرت بمقدمة الشقدف تصدم ظهرى صدمة عنيفة، فألهمنى الله الإسراع إلى جدار المسجد والنجاة من مواطئ الإبل، وبقيت هكذا مرتكنا إلى أن مرت القافلة عائدة من منى فقصدت إلى التكية المصرية أشعر بدوار وهبوط عظيمين، فلم أجد إسعافا غير القهوة والدخان وأنا أمقتهما. والأحاديث الطويلة التى تذكرك بأخبار المقاهى في ريف مصر، فشعرت بضيق شديد واختناق وأمامى طبيبان فلم تهادودنى نفسى أن أطلب معونتها لأنهما «اجتماعيان» وعلى جانب كبير من الظرف وطلاقة اللسان، فلم أحب أن أنقلهما من جو الأقوال إلى الأفعال، وقمت إلى غرفة فى التكية لأرقد بضع دقائق فإذا هي أشبه الأماكن بالحواصل القديمة وفي غاية من القذارة والإهمال وفي وسطها فسقية (يا للتناقض) ذات ماء آسن، فارتميت وأنا أشعر بالموت ولم أجد أحدا يسأل عنى ولم يعطل أحد الأطباء تيار حديثه العذب ليعودنى ولم أجد نورا ولا ماء. ودخلت فى بحران الحمى فناضلت بالدعاء والاستغاثة وأنا في جوار بيت الله ولا أدرى كم دامت علتى، ولكنى عندما نهضت وجررت رجلى وجدت الظلام مخيما والجو مكتوما فخرجت وإذا بالمجلس ما زال منعقدا والدخان عاقد قبابا زرقاء والحديث العذب يفيض من الأفواه المصرية اللطيفة وربما كانت «النكتة أخذة حدها» تكملة لمجالس منى في السبيل المصرى. ولم أكره في حياتى مكانا كالذى التجات إليه مرغما. وخرجت أجرر أذيال الكلال إلى حفلة عشاء وسمر بريئ فلم أمد للطعام يدا ولم أنطق بكلمة ولم أصنت إلى ما قيل وخشيت إن أنا نمت أن يتمكن الضعف منى.
ولما كان الصباح بدأنا أيام الانتصار للفسح وهي أن تأمر الحكومة بالسفر لمن يقصدون إلى زيارة الحرم النبوى، فاعترانى خمول وخمود خشية أن لا أستطيعها وزاد شوقى إلى الرسول زيادة عظيمة فملك مشاعرى فكنت أقضى الساعة كأنها يوم طويل وأقضى الليل بطوله ساهرا معرضا للذع البعوض الذى قيل إنه ينقل عدوى الحمى المتقطعة، وكانت تعتربنى أحيانا رجفات ورعشات فأعزوها إلى البرد والتعب ولا أردها إلى الحمى. وكانت الإضاءة في مسكنى رديئة لا تمكننى من المطالعة إلا بمشقة شديدة، فأقضى الليل بين تحمل اللذع ومحاولة النوم ثم السهاد في الظلام ولم أكن أعلم كم يطول الانتظار، وزهدت في مشاهدة المدينة ولا يعزينى إلا الصلاة في المسجد والطواف.
وفى تلك الفترة كان يزورنا الحاج ناصر اليمانى الذى وصفته فيسرى عنى وقد فقدت لذة المطالعة واعترانى ضجر شديد في انتظار الفسح، ولكن لا بد من تلبية دعوات الغداء والعشاء والإقامة أياما معدودات وتقبل أحاديث المتظرفين والمتأنقين، والصبر على كل ما ترى وتسمع فصبرت، وكان المفترض أن تكون هذه الأيام هدنة واستجماما بين العودة من مناسك الحج والزيارة المحمدية. ولكننى منذ عدت إلى بيت المطوف شعرت بحرج وضيق شديدين وساءنى أن أرقد من جديد فى هذا الفراش تحت تلك الكلة وفي هذه الغرفة وأن أسمع نفس الأصوات والنغمات التى ضجرت منها فى انتظار السفر إلى منى وعرفات، وهيئ إلى هذا البيت في القرارة قد انقلب سجنا ضيقا وكان على أن انتقل إلى أحد الفندقين، ولكننى آثرت التحمل كسبا للأجر وضبطا للنفس وصبرا على النائبات، وقد التمست الهناءة في الصلاة والطواف وقراءة القرآن، ولكن دعوة النبى لأضعف محبيه كانت أشد من قدرتى على الصبر، وكان على أن ابتسم لإخواننا المصريين وأتقبل نكاتهم.
وإنى أحمد الله على أننى لم أتكلم ولم أعترض ولم أطالب بشيء، وقد دعينا إلى حفلة العشاء الرسمية الأخيرة في قصر الملك فلبيتها، وقد أخذنا نجول بالأسواق يستحسن أصحابى بضائع وأنا كالمنوم لا أرى في شيء جمالا أو غناء غير زيارة الرسول، وقد نسيت القراءة والكتابة والطعام والشراب وكانت حرارة الشوق صامته مكتمة فازددت بها اكتواء. وأخذت مكة تستعد من جديد للزيارة وأخذت السيارات تروح وتجئ، واحتلت جمال الزيارة الفضاء أمام فناء دارنا بالقرارة بين المدعى والفلق، وأخذ المطوف يعدنا باصطحابنا إلى المدينة ثم يروغ ويقدم إلينا أحد أقاربه وقد شبهه أحدنا بدوجلاس فيرينكس لشدة مبالغته في التأنق و«الشبوبية».
ويلح هذا القريب في الالتصاق والتودد والتوسل إلى الأسرة الكريمة التى كانت تصحبنا كان عليه مأمورية يجب أداؤها وهو بلا ريب لن ينفعنا في شيء وقد نشأت بينه وبين بعض رفاقنا نوع من عدم الاستخفاف لروحه ودمه. وأخذ المطوف يصعد إلى أعلى داره ويرتل القرآن بصوت مرتفع ثم يتحفنا باللبة التى كادت تذهب بصحتنا وقدرتنا على مقاومة الأمراض، ولا أدرى الآن كم يوما قضيت على هذه الحال. فلما عثرت بأحد الوزراء رجوته أن يعجل لى بالفسح ولقيت موظفا مصريا حسن المكانة وسألته مخرجا من موقفى هذا ولم أكن أعلم أننا نعود من مكة إلى جدة لنبرحها إلى المدينة. فوعدنى خيرا ولكنه لم يستطع أن يفعل شيئا — وجاء المطوف يقول إن فلانا لما علم أن فلانا ذاهب معكم إلى المدينة (كذا) بكى بكاء مرا فلا بد أن تسمحوا له بمرافقتكم — ولم ننبس نحن بكلمة قبول وبدا علينا الرفض البات لكيهما وله نفسه إذا قدمها على مذبح السفر.
وأقمنا حفلة غداء وتكريم للسادة الحجازيين الذين أكرمونا وصبرنا على حفلة الشاى التى يقيمها أمير الحج وقد وقعت في الساعة الخامسة بعد الظهر وأحضرت المطوف وسلمته الإذن بالسفر فأخذ يتلوى كعادته ويتجعمص أمامى ويبدى معاذيره ويدس لنا أقاربه دسا مريبا وتهيأت لطواف الوداع وانتظرت طويلا وطفت بعد أن أذن الله بالسفر.

الفصل الخامس عشر
إلى المدينة المنورة عن طريق جدة


كنت قد استخرت الله في أن لا أفكر في المدينة المنورة مطلقا ما دام أمامى فرض الحج، وأن أدعو الله أن يسهل لى السبيل، وقد تعلمت بالفعل بعد ذلك أن الله هدانى للطريقة المثلى، وهى الكف عن التفكير في شيء لم يؤن أوانه، وأنه لا تمكن الزيارة قبل الحج، وبعد الحج فالله كفيل بالتيسير، فالله سبحانه وتعالى الذى أقامنى من بلدى في دجى الليل وتعهدنى في كل خطوة لن يضن على بنعمة الزيارة وهي أقل من نعمة الحج، وذلك بعد أن كنت مشوقا للزيارة، حتى فكرت فى الذهاب إلى المدينة في الفترة التى بين الوصول إلى مكة بعد طواف القدوم وبين السفر إلى منى، وكانت بضعة أيام أولى بى أن أقضيها في الاستمتاع بعبادة الله في الكعبة، وسمعت أن طبيبا مدنيا ينوى السفر في عمل مهم قبل الحج فسألته في ذلك فقال إننى أضيع فرصة الحج ولا أشتفى ولو كان الوقت طويلا لتمكنت، وأخيرا اهتديت إلى الصبر.
لقد صبرت في مصر أعواما وأعواما فما بالى لا أصبر الآن أياما أقضيها في أعظم نسك؟ ولكننى لم أعتب على نفسى ولم أصفها بالعجل.
هذا يا سيدى هو بعض الشوق الذى أتلفنى بعد الحج وجعلنى على حال تسر الحبيب المرتقب، فكنت أستثقل كل شيء إلا الكعبة والمسجد الحرام وأنفر من كل إنسان يخاطبنى في شيء غير الزيارة النبوية، وعدت لا أصلح لشيء من أشياء الدنيا ولا أحب أن أقرب أحدا وإن تكلمت ففى ضرورة وإن استعمت فعن أدب ومجاملة لا صفاء فيهما.
كم تظن بقاء هذه الحال؟ أربعة أيام كأنها أربعة أعوام، لقد تعجلت وطفت طواف الوداع وسرت في شوارع مكة ساهما من القرارة إلى المسجد ومن المسجد إلى القرارة ومن القرارة إلى جياد ومن جياد إلى جرول.
وأخيرا لقينى الذى بشرنى بأن «السفر بكرة»!
تذكر أيها القارئ ليالى الأعياد التى كنت تقضيها ساهرا، منتظرا طلوع النهار لتلبس ثيابا جديدة فلا تنام ولكنك تصحو المرة بعد المرة وما زال الليل مخيما والفجر بعيد المنال، تتوهم أنك تنام ولست بالنائم، هذا عندما كنت طفلا.
ولكنك عندما شببت وصرت شابا وهمت حبا وانتظرت في إقامة أو سفر لقاء الحبيب أترى كيف تعد الثوانى وكيف تطول الدقائق وتعطل حركة الزمان فلا تتزحزح عقارب ساعتك.
هكذا كانت حالتى في اليوم والليل اللذين تلوا تلك البشرى. وهذا فسح خاص بنا أم هو الفسح العام المنتظر. ولكن ما يهمنى أن يكون الفسح عاما أو خاصا؟
ها هي السيارة ينطلق نفيرها قبيل الفجر لندرك الصلاة في المسجد الحرام وننفصل عن مكة مباشرة. وها هو المطوف الشهم يعود إلى «الحنجلة» والركوب على الرفرف وينصحنا بشراء خبز طازج ومآكل أخرى ويوصى السواق بنا خيرا ويوصى مبعوثه العباس معنا في مأمورية الله أعلم بها وقد اطمأن إلى توزيع «فيربنك» المبعوث الثانى مع أسرة كريمة، فقصدنا إلى فندق مصر في جياد لنصطحب الأسرة الكريمة وفاء بالوعد الذى تقدم بيننا ولكن تحسبهم أيقاظا وهم نيام فلا سبيل إلى التمسك ولا سبيل إلى الانتظار.
وكان علينا أن نعود أدراجنا إلى جدة وقد وصفت الطريق بين مكة وجدة في مكان آخر من هذا الكتاب، ولم يتبق إلا وصف جمال الصباح وبرودته وتيقظ الجبال تحت نور الشمس وفرحنا بالبدء فى الزيارة الشريفة، وبدأ السائق ينبئنا بأنه لم يسلك طريق المدينة منذ ثلاث سنوات ولكن يسترشد بالدروب ولا سبيل إلى الضلال في الطريق.
(?) فى منزل الافندى نصيف

دخلنا جدة في الساعة الثالثة بالتوقيت العربى في فجر الحادى عشر من شهر يناير سنة ????، ووقفنا بباب الأفندى نصيف وهو الذى زارنا في مكة عند قدومه لاستقبال الملك قبل السفر إلى منى ولكننا لم نستبن حقيقته في تلك المقابلة الأولى في القرارة، لأن المكان لم يكن يسمح بطول الجلوس إليه والرجل لا يكون على حقيقته في منازل الناس كما يكون فى منزله إلا نادرا، أما في جدة فقد ظهر لنا على حقيقته. هو رجل في السبعين من عمره أسمر اللون هادئ الصوت معتدل القامة أبيض الشعر ممتلئ الجسم تشعر بقوة بدنه وعقله وخلقه وإيمانه، ويتحدث إليك فترى علمه وأدبه ونبل أصله وتطوف بيته فلا تلقى إلا كتبا حيث توجهت، كتبا في بهو الاستقبال وفي المكتبة وفي غرفة الطعام وفي فناء الدار وفي النوافذ وفي صوانات خاصة بها وعلى المقاعد والأرائك وبين الدرف ووراء الأبواب، حينما كنت تطل عليك الكتب المجلدة والمجزعة، الكتب الثمينة النادرة، المخطوطة والمطبوعة، لقد هجمت الكتب على هذا الرجل حتى لتكاد تتخيل أنه مخلوق في جو من الكتب، ولا عجب فقد حكى لى أنه اشترى كتبا بمائة جنيه هدية من جده أول ما اشترى وأنه ورث ألوفا من هذا الجد الكريم ولم يعلق والده بكثير من تراث أبيه ولكنه هو أعاد هوى جده فأحيا القديم وجدد ما اندثر وأضاف وزاد على الكثير، وإنه لعالم شغوف بالكتب خبير بما فيها، فلم يجمعها زينة ولا مباهاة ولا انتظار للمراجعة، ولكنه قرأها ويقرأها ويرشدك إلى فصول ونبذ ثم ينهض فيخرج الكتاب والاستشهاد الذى ذكره.
ولا يقل عنه ولداه العمر والحسين عن هذه المحبة للكتب والتعلق بها. وأعجب من هذا أن لكل منهما كتبا غير كتب أبيه وأخيه وقد هجمت كتبهما هما الآخران على سكنهما في الطابق الأعلى، غير أنهما أضافا إليها كتبا حديثه ومجلات وصحفا وكتبا أجنبية بالتركية والفارسية والإنجليزية والهولاندية ومجموعات نادرة من التحف والتصاوير القديمة من بينها صورة شمسية لوالدهما وهو في الشهر السابع من عمره عملها له سنوك هيرجرونجيه المستشرق الهولندى في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، كذلك ترى صورة جده وأبيه، وإن عند الأفندى نضيف لمجالس علم وأدب ودين وحكمة وتصوف وتاريخ، ولكنه قليل التكلم عن نفسه كثير الكلام عن أصدقائه من علماء الشرق والغرب وكثير الكلام عن كتبه التى يعرفها صفحة صفحة ويفتأ يقيدها ويبوبها وينظمها ويعلق عليها كعلماء السلف، وهو يستعين في ذلك بفطاحل من أهل البلد وقد ذكر لنا لفيفا من فضلاء المصريين أمثال المرحوم أحمد زكى باشا وقد فهم أخلاقه وطباعه على قصر إقامته.
ولما كان الصباح قد ترعرع وحلت دورة الضحى وهو يعلم أننا على سفر طويل فقد دعانا إلى الإفطار، فرأينا مائدة لا تطوى مفارشها في قاعة فسيحة لا تقفل أبوابها ولا يدفأ ماؤها المتدفق ولا تتوقف لخدمها حركة ولا تنطفئ لها نار، ولا غرابة فإن إكرام الأضياف من أصغر أفضال هذا البيت على قاصديه والعلم أكبرها وأعلاها، وقد افترقنا مودعين بصالح دعائه وجميل صنع أسرته وأبنائه على أن نلتقى بإذن الله لدى العودة من المدينة عن طريق جدة فهى باب الحجاز الذى منه ندخل ومنه نخرج.
(?) الطريق بين جدة والمدينة المنورة

لقد هالنا ما رأينا في جدة من خانات وبقالين من الأورام الذين تجدهم في كل مكان كالذباب والبعوض لمص الدماء ونقل العدوى.
خرجنا على بركة الله من باب جدة في الساعة السادسة بالتوقيت العربى وكنا نود أن نسير إلى المدينة في نفس الطريق التى سلكها النبى مارا بالتنعيم وعسفان والحجفة ورابغ والأبواء (وبها قبر والدته) وآبار الشيخ والمساجيد وذو الحليفة وآبار على فالمدينة المنورة وطول هذه المسافة ??? كيلو مترا.
ولكن هذا ليس ميسورا لأننا نقصد إليها من جدة فنمر بتول ودهبان ورابغ وبئر الشيخ وآبار بنى حصانى وبئر سعيد وبئر درويش والمساجيد ومستورة والمسيجيد وآبار على. ونحن نعلم أن للمدينة أربع طرق هي السلطانى والفرعى والغاير والشرفى وقد أصبحت طريق السيارات غير طرق القوافل التى ما زالت تسلك القديم، ولكن المستورة ورابغ وبئر الشيخ من أهم المحطات التى يمر بها الجميع، والمسافة من جدة إلى رابغ تعدل ثلث الطريق ومعظمها على مقربة من شاطئ البحر الأحمر حتى لإنك تشم ريح ملحه وتتنسم هواءه في كل لحظة. وهذه النواحى بين مكة والمدينة يسكنها عرب الأشراف من ذوى حسين وبنو لحيان وبشر وحمران وزبيد وصبح والأحامدة والحوازم والرحلة وعوف وعمرو وبنو سالم واللهبة ومسروح وعتيبة ومطير، وقد عددنا ست عشرة قبيلة ولكنهم يبلغون العشرين تقريبا وقد أخذ بعضهم في الزوال والانقراض وبعضهم في الارتحال، ولكن قبيلة من هذه القبائل تركت آثارا تدل عليها وأنسالا من ذراريهم وما تزال الاخلاف تحفظ من خلائق الأسلاف ما يدل عليهم.
وهذه الطريق بين مكة والمدينة (عن طريق جدة) ذات شأن كبير في حياة الحجاز وتاريخ، فهذه الأبواء التى دفنت فيها آمنة بنت وهب زوج عبد الله بن عبد المطلب والدة محمد عليه الصلاة والسلام في سنة ?? قبل الهجرة في عودتها من المدينة إلى مكة وكانت تزور قبر زوجها المدفون في بيت أخواله بنى النجار.
وعلى المقربة من مستورة المكان الذى حصلت فيه موقعة بدر الشهيرة وهي مقر ثلاث قبائل صبح والأحامدة وغاب عن ذهنى اسم الثالثة.
ورابغ ميقات الإحرام للمصريين وبينها وبين جدة ??? ميلا وهي ميناء صغير على البحر الأحمر كينبع، وفي الجديدة قبر عبد الرحيم البرعى المصرى وقد مات في طريقه إلى المدينة وله ديوان شعر، كما توفى الإمام الشاذلى في عذيب في طريق الحج أيضا.
والكلام على هذه المحطات يهمنى كثيرا لأنها محتفظة بالمناظر والمشاهد والمرئيات التى شهدها النبى والصحابة منذ الهجرة وقبل الهجرة بألوف السنين، ولأنها كانت مسارح لحياة النبى وجهاده وحروبه وأٍسفاره وهجرة المسلمين الأولين، ولأن القبائل التى تقطنها لم تتغير عن الذين قطنوها من ألوف السنين، غير أن الفقر والحاجة والأمراض والجهل قد ضربت أطنابها بينهم فقضت على كثير منهم ممن تخلفوا عن قوافل الحضارة وتمسكوا بأهداب العادات الفطرية ولم يفوزا من الدنيا إلا بالصورة الإنسانية والنطق باللغة العربية وما عدا ذلك فهم باقون على خلقة الأوادم «والزلمات»، وبعضهم لا يعرف اسمه وبعضهم يولد ويموت بن الجبال المقفرة والصحارى ولم ير وجها غير وجوه والديه وأخوته والإبل والأغنام، وأول ما سمعت عنهم في التكية المصرية وقد وصفوا لى وصفا يفتت الأكباد ولا سيما الأطفال منهم، وقد زعم محدثنى أن هؤلاء هم المستحقون في أوقاف الحرمين لأنهم من ذرية الرسول (كذا) وأنه بحث وفحص وحقق ودقق فلم يجد في مكة من يستحق ريع الأوقاف المرصودة على الحرمين لأن كل المقيمين غرباء عن مكة وهم هنود وجاويون وتركستان وضاغستان وسوريون الخ.. ولما كان لا يستطيع أن يلحق بالذرية في الجبال فقد توقف صرف الإحسان … وقد عجبت لكلام المتكلم واعتقدت أنه حيلة خيالية لغل اليد عن معونة أهل مكة، فلما رأينا هؤلاء الأعراب في تلك المحطات أدركنا كثيرا من شؤونهم.
وأولا يجب أن نقول إن أسماء هذه الأماكن لا تنطبق في كثير من الأحوال على الواقع، فإن الحديبية وهو الاسم القديم للمكان الذى تم فيه الصلح المعروف باسمه صارت الشمسى نسبة إلى جبل هناك أحمر اللون تصنع منه الأساطين وتبنى بعض المساجد أو القصور، وكثير من أساطين المسجد الحرام من حجارة هذا الجبل.
وكذلك تغيرت وتبدلت أسماء هذه الأماكن بين مكة والمدينة، ولكنها كلها تدل على شيء واحد وهو اسم لمسمى لا يختلف، بئر ماء أو شجيرات أو جبل وهذه الآبار تختلف عذوبة وملوحة، وهذه الجبال تفترق لونا وارتفاعا وقد انتهز أفراد من هؤلاء العرب فأسسوا مقاهى من أجزاع النخل وجريده وأثثوها بمقاعد وأسرة من جريد النخل وجعلوا في كل قهوة «نصبة» لصنع القهوة والشاى وبعضها يصنع الفطير ويطهى السمك الجاف المتجمد بعد طليه بالكركم، ولا تزيد المحطة بعد ذلك عن بضعة أكواخ من الجريد أو الصفيح أو اللبن وليس فيها شيء من بيوت الشعر الموصوفة في الكتب والتى كنا ننتظر أن نراها، وإننا لنرى في مصر المتحضرة وفي أطراف العواصم هذه الخيام ولا نجد لها أثرا في هذه الطريق الطويلة.
والجلوس والمبيت في أحد هذه المقاهى بلاء وشر مستطير لا يقدر عليه إلا الذى حباه الله القوة والصبر. بيد أن الحكومة السعودية جعلت في «بحرا» استراحة صحراوية تسمى فندقا وجعلت بها إدارة للبرق والبريد على قرب المسافة بين بحرا وجدة وبينها وبين مكة، كما جعلت فندقين في أبيار بنى حصانى والمسيجيد على طريق المدينة (وبعض الناس ينطقها مساجيد) مما يؤدى إلى اللبس أحيانا، والفرق بين هذه الفنادق والمقاهى التى يبيت فيها الناس فى العراء كبير جدا.
ولولا لكاعة السواقين أو سابق اتفاقهم مع أصحاب المقاهى ورغبتهم في إطالة المسافة ليكثر البقشيش ما كانت هناك حاجة للمبيت، فقد عرفت كثيرا من أصدقائى يقطعون المسافة فى تسع ساعات بنسبة خمسة وخمسين كيلو في الساعة، ولو أنهم صمموا على السير أربعين كيلو مترا في الساعة لم يقتضهم الأمر أكثر من اثنتى عشرة ساعة، ولكن بعض السائقين يتعمد أن يضللك وأنت على أبواب جدة أو يتعمد كسر إحدى العدد بالسيارة قبيل الوصول إلى المدينة فتقضى الليل مرغما في مكان بعيد عن المساجيد وعن أبيار بنى حصانى.
منذ غادرنا جدة ظلع علينا فيالق من البدو، يصطفون يمينا وشمالا، وقد خاطبت منهم مئات وأطلت الكلام مع بعضهم، إنهم يعرفون قبائلهم ومقرها، وبعضهم لا يعرف آباءه ويعيش مع أمه وأخواته، وبعضهم لا يعلم بوجود عالم خارجى ويقول «كوش» بلغة الهنود أى «اقذف النقود»، وبعضهم لا يميز بن الهللة واللحاف فيقول «أعطنى هللة وإن لم يكن معك فأعطنى لحافا أو ثوبا»، ولا يجيدون النطق باللغة ويكتفون بمقاطع ونظرات وإشارات يدوية يتبادلونها مع بعضهم بعضا، وهم على نصيب من الذكاء، يغيرون نغمات أصواتهم ثم يكررون جملا بعينها ويقول أحدهم «يا عم يا أبو بتاع مصر»،«يا أبويا يا حاج مصرى».
وإنك تعدهم على طول الطريق بعشرات الألوف، فلا تكاد تقف في إحدى هذه المحطات حتى يخرجوا عليك من كل فج حتى يملأوا الوادى، ولو تأملت قليلا لوجدت أنهم ليسوا أهل أحد الحرمين ولا حماة الطريق ولا شيء مطلقا سوى أنهم سلالة القبائل التى كانت تقطع طريق الحج والزيارة واشتهرت بالقوة والسلب والنهب والفتك والتمثيل بالقوافل، فقد روى لنا أنهم كانوا قبل العهد السعودى يذبحون الحجاج ذبحا من أقفيتهم ليسرقوا كمرهم وهو مظنة مالهم وذهبهم وخصوصا الجاويين والمصريين، وكانوا يحبون على الجبال حبوا، ويطعنون بالخناجر ويخنقون الفريسة حنقا شنيعا. وروى لى بعضهم أنه رأى بعض جبابرة هؤلاء اللصوص يستجدون في مدن الحجاز.
لم تزدنا رؤية هؤلاء الأعراب إلا عجبا وإعجابا بالرسالة النبوية التى ظهرت في هذه البلاد وازدهرت بين هذه الجبال بجهاد رجل واحد لم يؤازره إلا الله جل شأنه ولفيف من الرجال الذين حببهم الله فيه وبضع نسوة من المؤمنات الصالحات.
(?) بعض مشاهد الطريق من جدة إلى المدينة المنورة

كنا كلما وقفت بنا السيارة في مقهى أو محطة، يكتظ الفضاء بهؤلاء الأعراب، فنسألهم ونحاول فهم كلامهم ونستفهم منهم، وخلاصة أقوالهم أنهم لا عمل لهم طوال العام، وهذا صحيح، لأنه لا زراعة ولا صناعة ولا تجارة في تلك البادية. إنك إن حاولت أن تستبقى فى ذهنك صورة هؤلاء الأعراب صغارهم وكبارهم من بدو الصحراء فإنك تحار حقا، إنهم لا ينقلون إلى ذهنك شيئا عن جنس معين من أجناس البشر، فهم لا يحملون طابعا خاصا غير السمرة الشديدة وهي من أثر الشمس والهواء وكأن جلودهم مدبوغة وليس في أبصارهم حدة ولا جمال، وكثير منهم استعلت رؤوسهم شيبا وتجعدت جلودهم، ونساؤهم اللواتى رأيناهم عجائز قعد بهن الدهر وما زلن محجبات ببراقع وخمر وليس هنا مجال البحث في تحسين أحوال هؤلاء البدو من الأعراب.
يخيل إليك أنه من الصعوبة إنقاذ هؤلاء السكان من جدة إلى المدينة، لأنك إذا أحييت جيلا منهم فلا تملك أن تحبى الذى بعده لأنهم لن يتعودوا السكنى في بيوت ولن يتعلموا علما أو صناعة أو حرفة وقد مضت عليهم هذه القرون وهم على حالتهم فقد خلقهم الله هكذا وهو يتولاهم.
إننى لم أر في طول الطريق مساكن تؤوى هؤلاء البدو سوى تلك القرى الصغيرة التى تنمو بجوار المقاهى، وحتى رابغ التى تعد ميناء على البحر الأحمر وفيها ثلاث مقاه أو أربعة ومصنع فطير ومقلى أسماك، فإن أهلها يعيشون من بيع الأصداف الملونة وبعضهم يبيع أغذية ضئيلة للمسافرين كالحليب والبيض والدجاج، والمياه كدرة والقهوة والشاى من أراد الأصناف والأوعية قذرة ولا توجد أماكن للوضوء والماء ينقل في صفائح (تنك) وفي قرب من الجلد ولا أمان لمأكول أو مشروب في هذه الأماكن مطلقا، وكنا ننتظر أكلة سمك في رابغ بشوق عظيم فلما رأيناه نيئا زهدناه، ولما رأيناه مطهيا فررنا منه، فهو عبارة عن نوع من الأسماك الجامدة التى لا دسم فيها وقد طعنها الصياد بسكين في جنبها لا أدرى لماذا، ولها لون أغبر فإذا أضافوا إليها الكركم وقلوها صارت كالأسماك الخشبية التى توضع على موائد المسارح لتوهم النظارة أن الممثلين يأكلون أو كفواكه الجبس الملون التى تشبه الفواكة الطبيعية.
وأخيرا بحثنا عن رجل ميسور لنستدل منه على حال تلك القبائل فدلونا على أحد أصحاب تلك المقاهى ممن يربحون طوال العام من المسافرين، فتقدم إلينا هو وأخوته وأبناؤه وهم نحاف الأبدان دقيقو السيقان قصار القامة لا تكاد أجسامهم تشتد إلى عضل، ولكن عظامهم متينة وبعضها بارز وهم يلبسون قصمانا قصيرة عليها أحزمة من الجلود وعلى رؤوسهم طاقيات ملونة وبعضهم يلبس نعالا، وهؤلاء يعدون من أغنياء تلك المناطق لأن لهم مصادر كسب منظم ويعملون في مقاهيهم طوال العام. ودلنا حديثهم على أن في بعض تلك النواحى أشجارا من الليمون والفواكه ومياها عذبة وأن الوقت الحاضر خير من الماضى وأن السيارة خير من الجمل ولكن الجمال لا يستغنى عنها وأن صاحب الجمال كان ينتفع على طول السفر من الحاج، أما الآن فسائق السيارة يأخذ أجرا معلوما، فسألتهم عن المساكن فلم يدلونى على شيء وأشاروا إلى مبانى القرية التى هى أكواخ وإلى ما وراء الجبال.
وفى هذه المقاهى ترى صيارف يحملون النقود ويبدلون الورق بالفضة والمعدن ولهم رئيس يشرف على خمسة أو ستة أشخاص منهم، وهم يحاولون أن يأخذوا عمولة أكبر من عمولة المدن، ورأينا صغارا بينهم أطفال لهم وجوه جميلة وأعين سوداء يقظة وذكاء وفطنة وابتسامات بريئة ومنهم الأخوة والأخوات وأبناء العمومة والخئولة، وبعضهم يأنس إليك ويطرد رفاقه ليريحك لأنه يعلم أنهم يضايقونك ثم يحدثك عن نفسه ويذكر اسمه واسم إخوته ولا يذكر اسم والديه ويضحك لك وكأنه قادم للفرجة والاستطلاع، وقد يكون في الواقع أحق الجميع وأجدرهم بعناية الله ومعروفك، وترى هذا الطفل الخجول المتعفف أجمل الأطفال وأنبلهم وأعدلهم لسانا وأفصحهم منطقا وأكثرهم قناعة، ولو أنه وأمثاله وجدوا عناية صحية وتعليما ووقاية لكانوا رجالا نافعين، وفيهم فتيات لا تقل الواحدة منهن في الحسن وجمال التقاطيع وبهاء الطلعة عن بنات الأسر الكريمة، وهن ذوات خفر وحياء ونظافة، وهن أيضا صالحات للتربية والتهذيب، فيا حبذا لو عنيت حكومة الحجاز بانتقاء بضع مئات من هؤلاء الأطفال وتعهدتهم بالتربية والتهذيب وضمتهم إلى ملاجئ الأيتام في مكة والمدينة والرياض والطائف، فقد يصلحون جنودا وموظفين كما تصلح الفتيات للصناعات المنزلية كصنع السجاد ونسج الصوف.
وإنه جميل بالحكومة أن تنشر الأمن في ربوع البلاد وأن تكف الأيدى عن السرقة وتكبح جماح الشرار بالحدود وبقوة القانون ورهبة السلطان، وأجمل منه أن ينتخب الصالح ويمنع أذى الطالح في هذه البلاد المقدسة، وإن صناعة السيارات والقيادة وتصليح المعطل والمعطوب وأعمال التنقيب عن البترول وأعمال البريد والبرق تحتاج كلها إلى عمال من أهل المدينة وأهل الصحراء.
(?) قوافل الجمال في الصحراء

طبعا كان السفر على الجمال لذيذا وجميلا، وإنك لتختار الجمل لأنه سفينة الصحراء منذ آلاف السنين، وقد ورد ذكره في القرآن بوصفه آية في الخلق في عرض الكلام على السماء وعلى الجبال وتحدثا بنعمة الله على العرب، وقد سمعت عراقيا يسخر من الجمال في جنب الطائرة، وقد غاب عن ذهن هذا المعترض العاجز عن خلق بعوضة أشياء كثيرة، ولو أنه هو الذى اخترع الطائرة حق له من باب التفاخر الأخرق أن ينتقد خلقه الله، وفي ظنى أن كل مخترع لا يملك إلا أن يعجب بخلق الله على الأقل، لأن الجمل يتناسل ولكن الطائرة تصنع كل واحدة بذاتها.
غاب عنه أن الجمل يتحمل من المشاق ما لا يتحمله مخلوق آخر. وأن الطائرة إذا استنفذت بنزينها أو زيتها تقع براكبها، أما الجمل فيتحمل الظمأ شهرا وقيل شهرين لأن له أربع معدات وتجويفا لخزن الماء وقد ترشح أوعيته عشرين لترا ويتحمل الجوع ويتغذى من أدهان سنامه وهو حيوان حرب وسلم ونقل ويضبط بخطواته زمن رحلته فلا يؤخر ساعة ولا يتقدم.
وعلى كل حال فقد قضى الجمل مأرب الإنسانية في آسيا وإفريقيا وعاصر الحضارات ولم ينقرض وفيه من الفصائل ما ينهب الأرض نهبا، وفيه من شدة الذكاء وحسن العشرة والحلم على رزالة بعض الناس ما يجعله في الدرجة الأولى، وقد جعل أصحابه منه بيتا، فهو لا يكفى لمجرد الحمل بل يبنون عليه غرفة يسافر فيها اثنان نياما وقعودا وعلى جنوبهم وهم يستقبلون الهواء أو يسدلون الستور ويقطع بهم الفيافى وهم في راحة نسبية، بل يتحمل سلما من الخشب على عنقه يتسلق عليه راكبه ليتعلق بأخشاب الشقدف الذى ينقله ويأويه.
إن أجمل منظر في الصحراء ومن أجل مناظر الدنيا قافلة من الجمال تسير ليلا في ضوء القمر وعن يمينها سلسلة من الجبال، وقد رأينا هذا المنظر ليالى عدة في طريقنا من جدة إلى مكة ومن جدة إلى المدينة ذهابا وعودة، وكررنا آية الله في الجبال والسماء والكواكب والجمال وهي من آيات الصحراء.
ولكن جمال الحجاز أصغر من جمال مصر، لأنها سخرت للنقل منذ ألوف السنين فاتخذت صورة خاصة، ولعل غذاءها ليس كافيا ولذا ضمرت وهزلت وتوالدت على هذه الصورة، وفي الحجاز إبل عظيمة في الضخامة وفي السرعة وهي أغلى وأعز من إبل النقل التى تعد من طبقة العمال فى عالم الحيوان كما تعد الإبل الممتاز بضخامتها وسرعتها من طبقة الأعيان.
لم نر بيتا واحدا في مسافة ألف كيلو متر سوى منزل من الحجارة السوداء البركانية مصفوفة على بعضها بأحجام متقاربة بدون مونة أو لحام إلى ارتفاع ثلاثة أمتار، وما بقى مجبور بالغاب والجريد، وبيتا آخر خلقته الطبيعة من ألواح ضخمة من الحجارة الطويلة العريضة وهو من عجائب الصنع، وخيمة واحدة من خيش بال أمامها كلب هزيل ويضع عنزات ضعيفة تقفز وتثب ووراءها أطفال.
أما الجمال العربى الذى تغنى به الشعراء وليلى وبثينة وسلمى وهند ودعد، فهذه ألفاظ لا مدلول لها وكذلك جيش الفرسان والأبطال والعناتر والعشاق والشعراء فلا أشباه لهم، ولا شك في أن هؤلاء البدو المعاصرين لا يعرفون أسماءهم وقبيلة قريش نفسها لا وجود لها وإن كان بعض العلماء حققوا واستقصوا فعثروا بجماعة لا تبين كلاما ولا تعرف دينا في أحد أركان الدهناء وهي تحمل اسم قريش العظيم الذى بعث الله منه نبيا وأنزل عليه قرآنا.
نعم لقد كان ركب القوافل في العهود الماضية قبل العهد السعودى بغير ضمان، وكان بين أيدى «المقومين» والمطوفين كالطير الضعيف في يد الطفل المجنون، وناهيك بهاتين الطائفتين اللتين امتلأتا طمعا وغدرا وخبثا فيما مضى.
لا تملك في طريقك إلى المدينة أن تأكل أو تشرب مهما طالت المسافة أو تعبت أوجعت، وإذا حاولت الأكل في السيارة فإن اهتزازها كاف لمنعك من المضغ أو الازدراد، أما الماء فإن حارسه يرتوى به ويضع فمه حيث يجب أن تضع فمك، وإن جاز هذا في بئر زمزم لقداستها فلا تملك أن تضغط على نفسك لتجيزه في الصحراء.
(?) ليلة في الطريق بين جدة والمدينة

أما الليالى التى تقضيها في آبار على أو مستورة أو دهبان فهى ليالى عذاب، فإنك ترقد على خوص الجريد المجدول وقد ينخرق بك أو أنت تتوهم ذلك. وقد تنكسر أعواده وهي من أغصان الشجر المربوطة بألياف، وإنك لتجاور من تعرف ومن لا تعرف، وما تزال طوال الليل تفزع لأصوات السيارات الوافدة وصخب السواقين والمسافرين يتنادون ويسعلون، ويرحبون ويودعون وينادون «القهوجى» لينادى على مطالبهم، ثم يخنقك دخان التنباك الردىء ودخان النيران والأحطاب التى تسوى عليها القهوة والشاى، وإنك لتعاف النظر إلى الخادم والمخدوم وإلى كؤوس الشاى وفناجين القهوة وأكواب الماء والصوانى الغريبة التى تحمل عليها تلك السموم، ثم يكح اليقظون والركود كحا مستمرا منبئا بسائر الأمراض ويئن البعض ويحلم أحلاما ناطقة، ثم إذا جاء الفجر الكاذب نهض بعض المصابين بالأرق يؤذنون أذان الفجر، فيهب آخرون معترضين لأن الوقت لم يدخل ثم الصلاة خير من النوم ثم ينتقد أحدهم هذا الأذان لأنه غير شرعى ولا ينتظر نهاية الجدل بل يؤذن الأذان الشرعى فتنهض من بعد هذه المعارك تجرر رجليك منهوك القوى وقد اشتد البرد وترى في الجو عاصفة رملية عنيفة وتسمع صرير الرياح وقد تضعضعت أضلاعك وأثقلت أجفانك وتغير طعم فمك وتطلب الخلوة لقضاء حاجتك فيدلك القهوجى المعلم على جحر عميق فتتبين أنه شق أفعى غليظة قد ألفت جوار القهوة، ويطمئنك المعلم بأنها لا تؤذيك لأنها أليفة فتثب وثبة يهلع لها القلب وقد تدق العنق، وتذهب إلى السائق فإذا به المسكين يعط غطيطا في نوم عميق وتحاسب المعلم فيحاسبك على كذا ريالات كأنك قضيت ليلتك في فندق فخم. ثم تشرب الشاى ويشربه أصحابك وينهض السائق ويمد يده إلى المحرك فإذا به متوقف من شدة البرد وإذا بكذا قد توقف وذاك وهذا. فإذا كنت عزمت على الرحيل فى الساعة الخامسة صباحا لا تنتقل بإذن الله إلا في العاشرة ثم تغرز العجلات في الرمل فتدفها (أى تدفعها) أنت ومن معك إلى أن يشاء الله أن تسير.
إنك لا تشعر بشيء من هذا وأنت تعمله أو تعيش فيه ولا تحس ألما ولا وجعا لأنك مشوق ومتعجل ولأنك تقارن بين حال الأمن والثقة بالوصول وبين ما كان يصيبك لو كنت تزور من ثلاثين سنة مضت وكنت تحت رحمة المقوم والجمال والمطوف فتحمد الله حمدا كثيرا وتشكر أفضاله ونعمه عليك، وإنك لتقطع ساعات بدلا من الأيام التى كنت تقضيها في السفر على الإبل، ولست اليوم معرضا للذبح من الخلف أو بضرب العصا الغليظة على أم الرأس أو الطعن بخنجر وأنت تتوضأ أو تقضى حاجتك، ولست معرضا للسب أو التهديد والوعيد والإرهاب التى كانت من أسلحة المقومين والجمالة والمطوفين، تلك الطوائف التى كانت تستحق الرجم كما ترجم الجمرات.
فماذا عليك لو تعبت قليلا ليلة أو ليلتين وتقذرت أو شعرت بصداع أو توعك وتصلب فى المفاصل من البرد، إنها لعبة أطفال بجانب بعض ما جرى لأبطال الحج القديم في عهد حكومة الأشراف.
(?) خواطر ومشاهد الطريق من جدة إلى المدينة المنورة

كنا ننهض من المحطات والمقاهى وقد ملئت أنفسنا بما ملئت به فنستقبل الآفاق والجبال والرمال فلا نرى من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب غير صحراء حجرية وجبال صخرية ونفود رمال وأحقاف من بحار صفراء لها تموجات كتموجات الماء وهي رمل ناعم تسوخ فيه الأقدام كما تسوخ في الماء … وإنك لتعجب من أرض لا ينبت فيها نبات ولا يخضر فيها عشب ولا تسمع فيها خرير جدول من ماء ولا ترى العين أثرا للخصوبة، غير أن الله اختارها وأسكن فيها ذرية الأنبياء فدعوا لساكنيها بالخير والبركة وهوى الأفئدة إليهم إلى أن بعث الله فيهم محمدا رسولا وهاديا ونبيا كريما فقويت شوكتهم وظهرت عبقريتهم وملكوا العالم فى عشرين عاما ثم عاد معظمهم من أهل هذه البيداء إلى الجهل الفقر والضعف والمرض عندما وكلوا إلى أنفسهم.
نهضوا ببعثة نبيهم ونهوض رجاله الذين أطاعوا الله وأطاعوه فضربوا الكفر ضربة لم تقم له بعدها قائمة، وضربوا الذل والمهانة والفقر والظلم وأنقذهم الله من الهمجية والجاهلية وفك ما كان في أعناقهم من أغلال الاستبداد وما كان في أرجلهم من سلاسل المذلة لينظروا إلى آيات الله في الآفاق فشملوا الصين والهند وأوروبا ومصر، ثم عادوا فاستكانوا واستسلموا للشهوات وباعوا أنفسهم للملذات وتعلقوا بأهداب النعيم الأرضى وغفلوا عن وعود الله ووعيده، فعادوا إلى ما كانوا عليه وأشد. فإن بؤسهم في الجاهلية كان مفهوما قبل أن يجيئهم النور أما الآن فما عذرهم فيما تدهوروا إليه، لقد أثبتوا أنهم لا يفلحون إلا بمحركات من السماء والأرض، وأنهم إذا تحركوا أفلحوا ونجحوا حتى إذا انتهى أجل الوحى والإلهام وقضى العظماء نحبهم عادوا إلى أسوأ مما كانوا فيه.
وإن هذه الحال إن لم تقض علينا بسوء الظن بالنوع البشرى كله، فهى على الأقل تقنعنا بأن الحياة ولا سيما حياة الأمم جهاد مستمر يقوم به الزعماء والقادة والمصلحون وتسير به الرعية في طرق النجاح ولا يترك أمرهم إليهم فإذا تركت أمورهم إليهم عادوا إلى الحضيض فى بضعة قرون.
وحتى الأدب الرفيع والشعر والخطابة وحياة القبيلة التى كانت في الجاهلية والتى انتجت رجالا فهموا الوحى وعنت رؤوسهم للقرآن ولمحمد وأحبوه وتعلقوا به وصدقوه، هذه الحياة لم يحافظوا على مستواها الذى كانوا عليه قبل الدعوة المحمدية. لقد خرج النور المحمدى من جوف هذه الفيافى والقفار والذين قاموا بعبء الإسلام هم أجداد هؤلاء الأحفاد وهم جيوش الفتوح المحمدية فأين أثر من آثارهم وجذوة من نارهم وقبس من أنوارهم؟ لا شيء.
أحقا أنه من هذه الدياجير خرجت حضارة العرب؟ أحقا من هذه الجبال والرمال فج النور الإسلامى، أحقا في هذه الوديان وفي تلك المدن القليلة العمران نزل وحى من السماء على فرد من هذا الشعب، فنهض الشعب وجمعت حكومته بين دفتيها دولة الرومان واليونان وأسبانيا وإيطاليا وفرنسا وبعض المانيا وسويسرا وجزر البحر الأبيض غربا ومصر وفارس وبابل وآشور والشام وشمال إفريقيا وقرطاجة والصين والهند شرقا والسودان جنوبا والترك والموغول شمالا؟
أحقا أن هؤلاء هم أحفاد الذين نشروا الفنون والعلوم والأداب والصناعات وحملوا شعلة الحضارة التى أنارت ظلمات المعمورة وبنوا القصور ومصروا الأمصار ودونوا الدواوين في كل الممالك التى حكموها واشتهروا بالنبل والكرم والعدل والنجدة والشرف الرفيع؟
كنت قبل رؤية هذه البلاد أجاهر وأفاخر وأباهى بأن الحضارة الأوروبية وليدة الحضارة العربية وأعلم أن مؤرخى أوروبا وأمريكا لا ينكرون هذا وأن كثيرا منهم لفتوا أنظار العالم إلى ذلك وأقاموا البراهين المحسوسة على صدقه، وكنت أقول إن الإسلام ضرب على أيدى الظالمين وأسقط ملوك أوروبا المستبدين وأن العرب هم الذين خلقوا مدينة ترفل في أثوابها أمم العالم القديم والحديث وتنعم ببحبوحتها ورفاهيتها شعوب لم تكن خلقت ولا تكونت ولا رأت النور، أما وقد رأيت هؤلاء الأعراب في تلك الرمال فقد صرت أكذب نفسى.
إلى هذا يؤدى البطر وحجود النعمة والكفران بفضل الله والتراخى والاندفاع في عبادة المادة. إلا إن هذا وإن أحزننى وقبض نفسى، إلا أنه عظم قدر النبى الذى أقصد إلى زيارته في قلبى وإن لم يكن في حاجة إلى هذه التجربة القاسية. إنه بفعل هذا الرجل الفذ بين الرجال ومعونة الله قد تمت هذه المعجزة، بل هذه المعجزات التى لم يأت التاريخ بمثلها فيما مضى من العصور. ولأجل هذا كان محمد يتعذب ويتألم ويضطهد ويشتم ويضرب ويشرع في قتله ويجرح ويشج رأسه وتكسر أسنانه ويخرق شدقه ويكسر عظم كتفه. كان يدعوهم إلى هذا المجد ويعدهم به فصدق الله وعده. ثم حذرهم الله في القرآن وفي الحديث وفي خطبة الوداع وأوصاهم خيرا فسمعوا ونسوا فكانت هذه عاقبة الأمور.
ألا إن هذه من أعظم مواعظ الزيارة والحج والحجة القائمة على صحة الدين وصدق النبوة، وإن الذى نراه من بقايا هذه النعم في أقطار الأرض هو من فضل قوة الاستمرار بدفعة تلك القوة المهولة التى لا تقاس ولا تقدر.

الفصل السادس عشر
خواطر بين مكة والمدينة


لم يفطن بعض رفقائى الذين أكرمنى الله بصحبتهم إلى تعليل شدة رغبتى في الإسراع إلى زيارة مدينة الرسول. وظن بعضهم أن ضجرأ لا سبب له قد تولانى. كيف ذلك وهنا بيت الله الحرام وهنا الكعبة المكرمة وهنا المسجد الذى شهد أهم حوادث الإسلام قبل الهجرة وفيه مركز دائرة الإسلام، وفيه الصلاة بمائة ألف صلاة وفي المدينة ذاتها ذكريات الرسول وآل بيته وصحابته على مدى ثلاث وخمسين سنة. أى بلد أحفل من هذا البلد بكل ما يهم المسلم المتطلع لإدراك الإسلام على حقيقته؟
غير أننى كنت أشعر أحيانا بالغيظ الشديد كلما سرت في حارات مكة وأزقتها، الغيظ المكظوم والغضب الشديد لا على الأحياء الذين يروحون ويجيئون ولا على المبانى والطرق والجبال والهضاب، ولكن على أسلاف هؤلاء الذين سكنوا هذه الجبال وهذه الوديان، فتارة أتهمهم بالغباء والغفلة وظلام القلوب ونكران الجميل والقسوة البربرية وسواد الضمائر، وطورا أود أن يبقوا فى كل جيل منذ هلاكهم إلى هذا العصر حتى يروا بأنفسهم ماذا جد على العالم بفضل مواطنهم الصادق الأمين الذى وعدهم فكذبوه وحدثهم عن خيرات هذه الدنيا التى ينالونها لو آمنوا برسالته ومجدوا ربه وربهم، دع عنك ما وعدوا به من جزء الآخرة وهو الجزاء الأوفى، وقد قامت الأدلة العلمية على حقيقة الوجود الروحى وحقيقة البعث والنشور والثواب والعقاب وعلى ألسنة الأرواح التى شهد بصحة رسالتها أكبر عدد من علماء المادة في العالمين القديم والجديد.
وكنت أتخيل أن كل شارع من شوارع مكة قد شهد خطوات الرسول وشهد شيئا من أضطهاد أهل هذا البلد للنبى وأصحابه وتعذيب بعضهم في السجون والكهوف وتقييدهم بالسلاسل وطرحهم في حرارة الشمس عراة الأجساد حتى يموتوا أو ينقذوا بالمال الكثير. لم أتخيل عشرات الجهود الجبارة التى بذلها هؤلاء المكيون في محاربة النبى ومحاولة قتله واقتفاء آثاره إلى أسوار تلك المدينة التى لجأ إليها في حمى الله ورعاية الأنصار وحشد الجيوش وتحريض القبائل ومحالفة اليهود. فلما تم للرسول النصر ودخل هذا البلد فاتحا لم يشأ أن ينتقم من أحد ولا يقتص من أحد ولا يتقصى أخبار أحد ممن شنوا عليه الغارات وودوا بجدع الأنوف وقطع الرقاب أن يلحقوا به أنواع الأذى، وقد كان هذا الصفح الجميل من أعظم أعمال التاريخ وأعجبها، وقد رأينا أنبياء يتبرأون من أممهم كالمسيح وآخرين يذبحونهم بأمر الله كموسى وغيرهم يشمتون بهم كهود وصالح ونبيا يدعو عليهم أقسى الدعاء ويطلب إلى الله في حرقة أن يهلكهم ويبيدهم كنوح. ولكن محمدا لم يدع عليهم بل دعا لهم بالهداية والرحمة وأمل فيهم خيرا ولم يخرج على قواعد الرحم والرحمة والعفو والمغفرة حتى وصفه الله بأنه رؤوف رحيم.
(?) الهجرة

فكنت أشتعل شوقا لرؤية الطريق الطويل الصعب الذى قطعه النبى في هجرته والذى عاوده مرات ليحج مرة وليعقد صلح الحديبية المرتجل وليعود فاتحا ثم يرتد إلى المدينة التى أختارها وجعلها الله وطنه الصحيح الجدير به.
لقد كانت الهجرة عملا جليلا في تاريخ الإنسانية وأجل عمل في الإسلام. ولم يكن شوقى إلى السفر نفورا من مكة معاذ الله ولكن قلبى كان شديد العطف والمحبة لرسول الله فأسارع إلى رؤية الأماكن التى وقع بصره عليها وهو يفر إلى الله بروحه وجسده ورسالته وبقية قرأنة من هذه الوجوه الكالحة وتلك القلوب السوداء والعقول الماكرة والنفوس الدنية التى شغلت بالشهوات والمطامع والملذات والخمر والميسر، وتلك الألسنة البذيئة الحادة التى تفردت في صياغة المطاعن والشتائم لرجل لم يكن لعانا ولا شتاما ولا حقودا ولا غضوبا. ألا نغضب له؟ ألا نسخط على الذين أبت مكارم أخلاقه أن يسخط عليهم؟
إن الله سبحانه وتعالى أمر الرسول فعلا أن يعفو ويصفح ولكن صحابته كانوا يظنون أن فتح مكة يوم انتقام وملحمة وقصاص وانتقام عادل من الله ورسوله فردهم الرسول بقوله إنه يوم المرحمة!! وجعل مكة ساحة للعفو الشامل بدلا من العقاب الشامل والقضاء على عناصر الشرك والفوضى والفساد وتطهير المكان من السكان الذين نجسوه برجسهم ودنسوه بمسالكهم، ولم يتسامح رسول الله في حقوقه الشخصية وحده بل تسامح بالنيابة في حقوق المؤمنين الذين عذبوا في مكة كأبى بكر الصديق الذى ضرب في المسجد بالأيدى وغيرها حتى اختلطت تقاطيع وجهه من شدة الورم وأغمى عليه مرتين وكاد يفارق الحياة، وبلال وغيرهما.
كان محمد منذ الرسالة المثل الأعلى في النشاط واللباقة والفصاحة وقوة العارضة والحجة والخلق مجتمعة. وقد أحبه وتعلق به منذ الساعة الأولى خيرة أهل العقل واللباقة والفصاحة أمثال أبى بكر وعبد الرحمن بن عوف وعمر. ولكن محمدا كان هو الزعيم والخصيم القوى الشكيمة الذى لا يجدع أنفه. وقد أفشى القرآن أسرارهم حتى عرفوا أنفسهم في الصورة التى رسمها لهم وبدأت تجعلهم سخرية العرب. فأصروا على مقاومته بالقوة لا بالحجة وبالعداء لا بالجدل وبالحديد والنار لا بالدليل والبرهان، لأن أدلته لا تنقضى وبراهينه لا تدحض. كانوا أول الأمر يحاربونه بسلاح السخرية كما فعل قوم نوح وعاد وثمود وكما يفعل كل المتحضرين في مواجهة عبقرى مصلح، لأن لسان السخرية اللاذع قد يقضى على الرجل الضعيف وحتى الرجل القوى إن كان يمنعه حياؤه عن المثابرة أو ترجح كرامته على أداء رسالته. وكم نبى ضيعه قومه بهذا السلاح الدنىء ولا سيما في الشرق.
فكان محمد في أول أمره في نظرهم شاعرا أو ساحرا أو مجنونا أو مفتونا، فكذبهم الله فى سورة القلم مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ * فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ. وتدرجوا في وصمته ببذاءتهم إلى دعوته وأتباعه، فما الدعوة إلا خداع وغرور وما الأتباع الذين صدقوه وآمنوه بوحيه إلا أراذل البلد وسفلتها، ولكنهم رأوه مستمرا غير عابئ بسخريتهم وسمعوا الله يكذبهم بآيات بينات فتعلقوا بأهداب الإعجاز فقالوا نسلم جدلا بأنك نبى ومبعوث وأنك تتلقى الوحى من السماء وهذا بلا ريب يجعل المعجزات والعجائب وخوارق العادات تحت أمرك ويمينك فهات المعجزات، حول جبال مكة جنانا وأوديتها أنهارا وجدبها خصوبة وحجارتها أشجارا وثعابينها أطيارا مغردة ووحوشها أنعاما فإن عجزت عن هذا فليكن لك بيت من زخرف كبيوت اليهود الذين يتمتعون في الدنيا التى لن تعقبها حياة ولا جنة، أو فلتصعد إلى السماء وإن لم تستطع أن تأتى بهذه الخيرات فأنزل علينا عقاب الله فليسقط السحاب عليهم كسفا أو فليأت بالله والملائكة قبيلا — وهذا التحدى إن يدل على شيء فعلى غيظهم وقصر عقولهم.
فلما أعيتهم الحيل حاولوا إرشاءه بالمال والملك وعرضوا عليه عرش القرية!! ثم أخذوا يفتنون أصحابه بالحيلة والإغراء، وكان المسلمون قلة وعشيرة محمد تعد على الأصابع والمشركون كثرة غالبة، فلجأوا إلى أسلحة الأذى والعذاب. وقد فتن بعض المسلمين من شدة البلاء، فإن الطبيعة الإنسانية تختلف ضعفا وقوة في التحمل. وبعد ثلاث عشرة سنة أيقن النبى بوحى من الله وبعد طول الاختبار أن عناد هؤلاء المشركين لن ينطوى ولن يقف عند حد وأنه لن يقوى مهما صنع على مقاومتهم، وأن عقول أهل مكة ونفوسهم مجدبة كأرضها، وأنهم كالأنعام بل أضل، فأعد عدته للفرار إلى الله منهم ومن شرهم وإنقاذ رجاله وقرآنه إلى بيئة أخرى صالحة للعمل غير هذه البيئة الجاحدة. فكانت الهجرتان إلى الحبشة وإلى يثرب وهي آخر ما يلجأ إليه المحق الضعيف في مقاومة المبطل القوى.
كان على محمد بعد أن تأكد أن هذا البلد لا يصلح لدعوته أن ينتقل إلى بلد آخر يعد فيه عدته ويكون فيه طبقة من الرجال ويعد فيه السلاح والعتاد والمال لمقاومة هؤلاء الناس والتغلب عليهم وقهرهم لا حبا بهم ولا وفاء لهم ولكن استخلاصا لبيت الله من رجسهم. كان عليه أن يسترد الكعبة من مغتصبيها الذين وضعوا أيديهم عليها بالباطل واستغلوها فيما لم ترفع لأجله من الاستقسام بالأزلام وابتزاز أموال الحجيج واحتواء الأصنام التى قاومها مؤسسها إبراهيم في بلده، ولو أن محمدا خرج من مكة ليفر بنفسه وينجو بصحبه ودينه ما ظهر الإسلام بمظهره الصحيح، لأن الرسالة تأيدت بفتح مكة وقهر المعاندين وإذلالهم — ولكن النبى عندما حان حين هؤلاء الشرار لم يمكن السيف من أعناقهم بل وضع الندى موضع السيف وقلدهم عقودا من بره ورحمته وعفوه وصفحه.
وأمست حياة النبى مع أهل مكة مستحيلة، فقد حرصوا على أن لا يفر فيفوتهم تعذيبه والقضاء عليه فسجنوه وقومه وحاصروهم في بعض شعاب مكة وقد رأيتها بعينى وهو نوع من النفى التحكمى، وضربوا عليهم نطاقا ووقعوا وثيقة على مقاطعتهم وتركهم يموتون جوعا، كما تفعل بعض الدول الحديثة، فانظر إلى هذا الشر الجديد كيف فطنت إليه قريش من ألف وأربعمائة سنة، وهذا دليل على أنهم كدوا قريحتهم وقدحوا زناد عقولهم وتفننوا في التعذيب والتنكيل، ولم يطل هذا الحصار أو السجن شهرا أو شهرين أو عاما أو عامين بل ثلاثة أعوام حتى سئمه بعض قادتهم وأنفوا أن يظلم هؤلاء الناس وعلى رأسهم نبى يوحى إليه وفيهم النساء والأطفال والشيوخ والمرضى. لقد سمع المارة أصوات صغارهم من وراء الشعب وهم يتضورون جوعا فجمع أحد الناس شجاعته ومزق العهد أو القانون الذى كان معلقا على الكعبة بحكم الحبس والمحاصرة، وخرج محمد وقومه إلى بلد لم يروه منذ ثلاث سنين وعادوا إلى مخالطة قوم تساووا في الأذى لهم، فالذين حبسوهم لم يسمعوا صوت احتجاج من بقية أهل البلد ولو كانت البقية ساخطة على تلك العقوبة الصارخة التى لا يستحقها نبى لهبت في وجه الظالمين الذين اعتقلوا النبى وعشيرته من بنى هاشم وعبد المطلب فاشترك أهل البلد كلهم في إقرارها فجورا وجبنا ولؤما.
عاد النبى إلى مخالطة هؤلاء الناس من جديد ولا بد أنهم كانوا يتنكرون له ويقطبون ويعبسون في وجهه وهم يودون لو تذهب دعوته صرخة في واد أو نفخة في رماد، ولو أنه أقام على هذا الضيم لكان لهم ما أرادوا، ولو أنه أراد الفرار بنفسه كما فعل صالح في ثمود أو هود في عاد لكانت عاقبته كعاقبتهما. ولو كان قريبا من شاطئ البحر لبنى سفينة كنوح وفر من هذا الوادى المجدب المقفر الذى لا تصلح الإقامة فيه لأحد.
كان البيت المحرم غاية محمد ووسيلته وهدفه وأمنيته، كان يريد إتمام الدين وإتمام القرآن واسترداد الكعبة، ولكن ما أجمل هذه كلها لولا لؤم قريش وأهل مكة.
كان محمد يرى في مكة بحق مسقط رأسه ومقر أجساد جده وعمه ومولد أولاده وزوجته ومدفنها، فله فيها أعزة تحت الثرى وله فيها ذكريات والوطنى المخلص وله فيها شبابه وبعثته وله فيها غار حراء وجبل النور الذى صعد إليه واعتكف فيه وأتاه الوحى من ربه، وله فيها الدار التى بنى فيها بخديجة بنت خويلد، له فيها القاسم والطيب وقد توفيا صغيرين وهما حشاشة قلبه، دع عنك رسالته العليا وبعثته رحمة للعالمين.
وإن الله لم يقيد رسالته بهذه القرية، فكانت خطوته الأولى نحو الطائف مقر قبيلة ثقيف وهي قبيلة لا تقل عن مكة جحودا وإلحادا ولؤما. ولكن لعل خصوبة أرضها وجودة ثمارها وطبيعة الزراعة واعتدال جوها صيفا تكون قد لطفت من أخلاق ساكنيها ولعل ثقيفا هذه (التى مكنه الله منها بعد ذلك تمكينا) تجيره عملا بفضائل العرب التى طنطنت بها ألسنة الشعراء حتى يبلغ رسالته أو يتخذ من التجائه إليها استجماما وهدنة. ولكن عين قريش لم تكن غامضة وأحقادهم لم تكن خامدة وكيدهم لم يهدأ ولم يبرد، فبعثوا وراءه من يحذر ثقيفا منه (وكانت هي الأخرى ذات أصنام وأوثان). وهذا بعد أن عرض نفسه على القبائل في عكاظ وغير عكاظ. وكانت حجة الثقفيين حاضرة ولا غبار عليها في نظر الوثنيين الإباحيين. قومك أدرى بك منا، فلو وجدوا في دعوتك خيرا ما كذبوك ولا تركوك. فلم يجد الرسول بالطائف برا ولا معونة فأعرضوا عن سماعه وردوه أقسى رد، ولم يقنعوا بهذا أو ذاك بل أغروا السفهاء به وحرضوا الصغار عليه ورشقوه بالحجارة وتتبعوه. (تصور واحكم بالله كيف أنه عفا عنهم عند المقدرة ولم يحكم السيف في أعناقهم أليس هذا وحده معجزة نبوته). فالتجأ محمد وتابعه زيد بن حارثة إلى جدار من جدران ثقيف وكان جريحا داميا من أثر الحجارة ومجهودا من شدة التعب وسوء اللقاء، فانظر إلى ما جرى على لسانه وهو في أشد حالات النفس ضيقا وضنكا، إنه لم يصخب ولم يغضب ولم يدع على أحد ولم يضعف إلا لربه، لقد فاضت أشجانه ولم يتحرك لسانه بسوء واعتلجت همومه في صدره ولم ينطق بفحش بل أنطقه الله بمناجاة تنطبق على إيمانه وعلى خلقه العظيم، وقد كان خلقه القرآن فقال «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى!» ذلك الدعاء العجيب النافذ وتلك المناجاة الخالدة. وقد رق القلب عداس أحد الخدم إليه، وعداس مسيحى فحمل إليه عنقودا من عنب وهدى الله عداسا إلى الإسلام وعاد محمد أدراجه إلى مكة وكان أهل مكة يظنون أنه خرج ولا يعود، ولكن المطعم ابن عدى أحد سادتهم عرض عليه أن يجيره فقبل جواره كما قبله أبو بكر من قبل. وقد سبق إلى علم الله أن في هذا القدر من المشقة كفاية في هذا البلد ولم يبق لمحمد إلا أن يصبر ويكف عن الدعوة فيهم.
(?) الاوس والخزرج واليهود في يثرب

وقد اختار الله لتلقى هذه الدعوة بعد المؤمنين الذين قبلوها في مكة قبيلتى الأوس والخزرج. لقد كف محمد عن دعوة قريش بعد يوم الطائف ألم يقل «إلى من تكلنى؟ إلى بعيد يتجهمنى؟ أم إلى عدو ملكته أمرى (أى إلى ثقيف وقريش) إن لم يكن بك على غضب فلا أبالى ولكن عافيتك هي أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بى غضبك أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك». ولم يكن هناك غضب ولا سخط، ولم تكن هناك ظلمات ولا حلك. ولكن الغضب والسخط كانا على قريش وثقيف والظلمات والحلك كانت في قلوبهم. وقد مد الله لهم في طغيانهم حتى يعلم رسوله حقيقة أمرهم وعدم صلاحيتهم فلا يحزن عليهم ولا تبقى في نفسه حاجة من قبلهم.
وآذن الله للأنصار أن يدخلوا في الميدان فدخلوا بالبيعات الثلاث المتعاقبة وأهمها بيعة العقبة الكبرى المشهورة وهي مكان بين مكة ومنى وقد شيد محل الشجرة مسجد خشية الفتنة بها إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ? فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، وقد صدق الله وعده مع الأنصار والمهاجرين ومن أوفى عهدا من الله سبحانه. لقد فاز الأوس والخزرج بنعمة الاستجابة لدعوة الرسول أولا وقبل كل شيء لأنهم موعودون بحظ عظيم وخير كبير فهذا نصيبهم وقد ضاربوا فسحبوا العدد الرابح.. دقة بخت ناجح صادفهم بعناية الله. ولم يكن الرسول غير عليم بأهل المدينة، ففيهم أحواله من بنى النجار وزعيمهم أبو أيوب الذى صار لقبه الأنصارى وكان رجلا من سادة يثرب وشرفائها. وكان الرسول يذهب إلى المدينة طفلا في صحبة والدته وجده عبد المطلب ليزورا قبر والده. وبعد البعثة والبيعة الثانية أرسل النبى مصعبا بن عمير ليفقه الأنصار في دينهم وليقف على أخبار يثرب وحالها ويسبر غورها وقد قام بعمله خير قيام، فكان أول سفير في الإسلام بعد المهاجرين إلى الحبشة، وقد عاد مصعب بأخبار تبشر بالنجاح وتؤذن بفوز النبى وتمهد له سبيل الانتقال من قرية الكفر والضلال والفساد إلى مدينة النور والتقوى والنجدة والمكارم وعاصمة الإسلام المشرقة.
لقد كان الأوس والخزرج رجالا ولم تكن فيهم خنوثة ولا ليونة ولا نفاق كغيرهم، وأمثالهم من وعد أوفى ومن تحدث صدق ومن قال «أنا منك وأنت منا ومن جاءنا من أصحابك أو جئتنا فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا» فهو ينتوى فعلا أن يقف إلى كلمته ويبقى بجوار وعده.
وقد تعلل كثير من المؤرخين في أسباب مسارعة الأوس والخزرج وانتحلوا وجوها كثيرة منها جوار اليهود وهم أهل كتاب، وأن الأوس والخزرج لقفوا من أفواه اليهود ألفاظ الدين والنبوة والوحى والناموس والرسالة، فكان ذلك بمثابة الإعداد والترتيب والتجهيز واستعداد العقول، وقالوا لأنه غريب وهم أقرب إلى تصديقه والفرح به للظفر بخير دعوته. وكل هذا ليس صحيحا أو على الأقل ليس الحق كله. وأبعد من الحق اتصالهم باليهود أهل الكتاب. وأقول كل من يتصل باليهود قديما أو حديثا ينفر منهم فإنهم أهل استغلال ونهب والتواء واعوجاج فلا يبشرون أحدا ولا يطمئن إليهم أحد وليس من دأبهم أو من دينهم أن يدعوا أحدا إلى دينهم وهو جمعية سرية محبوكة مغلقة موصدة لاعتقادهم أن تعليمه وقف عليهم وعلى ذراريهم ولذا لم يزيدوا ولم ينتشروا في الأرض بحمد الله ولحسن حظ العالم، وأن الأمم التى تصطبغ بصبغتهم تكون أقسى الأمم وأفظعها، والأفراد الذين يخدمونهم من الملل الأخرى يكتسبون كثيرا من الرذائل ولو كانوا متمسكين بدينهم الأول.
فالأوس والخزرج لم يكسبوا من اليهود لينا في القلوب يقربهم من محمد ولو كانت عمدة النبى في هدايتهم على تلك الخلة وحدها ما فاز منهم بطائل.
قل إن النقيض هو الصحيح أى أن الأوس والخزرج رأت في الرسول وكتابه قوة يقاومون بها اليهود أصدقك، ولكن لا تقل إن اليهود حرثوا المدينة ومهدوا السبيل للهجرة وعلموا الأوس والخزرج اصطلاحات الأديان فلم يستغربوها من الرسول، فلم يكن النبى لتجتمع عليه كلمة اليهود والأوس والخزرج أبدا، لأنه لو ظهر أنه النبى الذى كانت تنتظره اليهود لاشتد به ساعدهم على الأوس والخزرج، ولو كان للأوس والخزرج وحدهم لعارض اليهود في وجوده وقاوموه بكل قوتهم (كما فعلوا بعد ذلك)، ولعل ابن إسحاق قد دنا من هذه الحقيقة عندما كتب «فلما كلم رسول الله أولئك النفر (من الأوس والخزرج) دعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا والله إنه للنبى الذى توعدكم به يهود فلا يسبقكنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا ما عرض عليهم من الإسلام» يعنى أن الأوس والخزرج كانوا يبحثون عن نبى يقاومون به ظلم اليهود ودعواهم العريضة في الوقت الذى كان أهل مكة يطردون نبيهم ويزهدون فيه ويتمنون هلاكه ويعملون على قتله. فصعدت أسهم النبى في المدينة بقدر ما هبطت في مكة. وهذا من لطف الله بالمدينة. ولم يكن اليهود ينتظرون نبيا ولا وليا ولم يكونوا في حاجة إلى شيء من هذا. وكانوا راضين عن دينهم الذى طال عليه القدم وكاد يبيد كرضى أهل مكة عن أوثانها. ولكن الأوس والخزرج كانوا قلقين يبحثون عن رجل عظيم يخرجهم من الوثنية ولا يخضعهم لليهود، ولذا كانوا أرقى من أهل مكة ومن بقية أهل المدينة أمثال لاوى وقينقاع.
كان اليهود مغلوبين على أمرهم حربيا في المدينة لأن الأوس والخزرج دخلت المدينة ونزلت عليهم فاتحة غالبة، ولكن اليهود تمكنوا من البقاء بدهائهم وسياستهم المالية التى تفتح لهم الأبواب الموصدة، وقد اختاروا المدينة لأنها جمعت بين الزراعة والصناعة والتجارة فلم يكن يزحزحها أحد من بقعتها، إنهم لا يتزحرحون إلا إذا عذبوا واضطهدوا، أما إذا ترك حبلهم على غاربهم فإنهم يبتلعون كل شيء وينفون أهل البلاد عن أوطانهم ويغتصبون أرضهم بعد أن يفقروهم ويجردوهم مما يملكونه. يقال إن اليهود في ظل أسطورة نبيهم الذى ينتظرونه توعدوا غزاتهم من الأوس والخزرج بالفناء فحقد العرب عليهم، ولكن هذا تهويش وأن الأوس والخزرج ما استجابوا للنبى إلا لذاته وقد تمشينا مع ابن إسحاق لأنه ينفى ما أردنا نفيه.
كان اليهود في المدينة يفرقون بين القبيلتين ليسودوا حتى أهرقت الدماء وتولدت الأحقاد والثارات وكان اليهود كلما أشعلوا النار أعلنوا الحياد وهم يتمنون في قلوبهم أن تهلك القبيلتان ليفرحوا فرح المغلوب الذى يهلك عدوه، ألم يتوعدوهما بأنهم يقتلونهما بقيادة النبى المنتظر قتل إرم وعاد. وما زال اليهود يفتنون ويدسون حتى حميت وطيس الحرب بين القبيلتين وأرغمت كل قبيلة فريقا من اليهود أن ينضم إليها. واليهود يبغضون الحرب لأنها تعطل الأعمال وتقف حركة القروض وتلهيهم عن الفوائد الباهظة وعن سلخ جلود الملل الأخرى لا حبا في السلم أو حقنا للدماء، فإنهم يحبون أن تهرق الدماء وتسفك وأن تسيل النفوس على حدود السيوف بشرط أن تكون غير دمائهم المسفوكة وغير أرواحهم الزاهقة. ولكن هذه المرة تورطوا وكانت موقعة بعاث الحاسمة بعد البعثة المحمدية بثمانى سنين، ولم يكن النبى إلا متتبعا أخبارها متنسما حوادثها وقتل من أكابر الخزرج وبنى قينقاع ومن الأوس وقريظة وبنى النضير كثير من الرجال ذوى الحول والطول كالذين قتلوا بعد ذلك في بدر من قريش، وهم ممن كان لا يؤمن أو يتكبر ويأنف أن يدخل في الإسلام وهم في درجة أبى سفيان وأبى جهل وأبى لهب، وهؤلاء الناس لم يكن أمتناعهم كله تكذيبا أو ارتيابا أو استمساكا بالأصنام، ولكن كان امتناعهم تكبرا زائفا، كان يعز عليهم أن يتبعوا محمدا أو يصدقوا به. وهو علة نفسانية قوامها الغرور والانخداع وظلام في القلوب لا يرون به تطور الزمان وضرورة التغيير وصمم في الآذان لا يسمعون بها صليل الأجراس تنبىء بالعهد الجديد.
لو كانوا أقل تعصبا لأشخاصهم وحبا لأنفسهم وأقل أنانية وأثرة لاستمعوا للنبى من الوهلة الأولى. ولكن كيف يكون؟» أن يخضع هؤلاء لمحمد بن عبد الله اليتيم المتوسط الحال أو قل الفقير ويقبلوا أمره ونهيه. فلو أن محمدا وافى إلى الأوس والخزرج في العقبة فى حياة هؤلاء العتلات اليثربيين ما اتبعوه ولو سمعوا عنه (ولا بد أنهم سمعوا) ما وافوه إلى البيعة الأولى والثانية. ومن هنا كان حديث البخارى عن عائشة رضى الله عنها: كان يوم بعاث (الفاصل في الحرب اليثربية) يوما قدم الله لرسوله ? في دخولهم الإسلام (الأوس والخزرج) فقد رسول الله ? وقد افترق ملؤهم وقتلت سراتهم، كانت عائشة فى هذا اليوم طفلا لا يزيد عمرها عن خمس سنين أو سبع، وكانت في بيت أبيها في مكة فوصل علم هذه الحوادث من الرسول والصحابة. ولم ينقله البخارى إلا لانطباقه على الواقع، وإذن كان دخول الأنصار في الإسلام مسألة بعد الهجرة ذات شأن وموضوع تحقيق وتدقيق وبحث وفحص، وقد تداولته الأفكار لتمحيصه على نوع من فلسفة التاريخ لأنه يتناول موضوعا تقديريا.
فالنظرية المحمدية أن موقعة بعاث هي التى مهدت السبيل للهجرة إلى المدينة وليس اليهود ولا الأنصار من تلقاء أنفسهم، وبعاث تعده النظرية المحمدية التى تشرحها عائشة منحة من الله، فقتل فيها من زعماء اليهود وزعماء الأوس والخزرج عدد كبير كانوا يأنفون لكبريائهم أن يسايروا المتوسطين في قبول الدعوة لأنهم يحسون من أنفسهم معزة كافية لا يحتاجون معها إلى التماس المعونة من نبى مرسل شأنهم في ذلك شأن عتاة قريش الذين ذبح معظمهم في بدر وبقيت أذنابهم كأذناب الأفاعى.
ومن هذا يبين أن الكبراء والأمراء وأصحاب «المصالح الحقيقية» هم الذين وقفوا في مكة في طريق النبى وأمثالهم لو لم يذبحوا في يوم بعاث لوقفوا في طريق هجرته ولو هاجر رغم أنوفهم لأخرجوه من بلدهم، بل لو أنهم عاشوا لما تجرأ خمسة وسبعون رجلا على بيعة الرسول البيعة الكبرى، ومع ذلك فقد بقى فيهم من هذا النمط من الرجال عبد الله بن أبى بن سلول، رأس المنافقين وحليف اليهود الذى فعل الأفاعيل ودبر المكايد للنبى وخذله في أحد وشمت به بعدها وهاج سخط المسلمين، حتى عرض ابنه من صلبه (وكان مؤمنا) على النبى أن يحز رأس والده عقابا له على نفاقه، وهذا الرجل كان له بعض العذر لأنه قبيل دخول النبى فى المدينة يوشك أن يتولى الملك في يثرب ويعقد له الخرز وهو بمثابة التتويج، فلما ورد الرجل الأعظم خابت أمال ابن سلول وأرغم على الإسلام رياء. والرجل الثانى من هذا النمط المدعو أبو عامر الراهب الذى حارب النبى في أحد في صفوف أهل مكة المشركين ونصب له شركا وحفر له حفرة وقع فيها. وهذان الرجلان قد شقيا بشرفهما في المدينة بعد انقراض طبقتهما من «الشرفاء» ولم يجدا لهما متكأ من نمطهما ولكنهما عاشا حتى كادا للنبى.
وهكذا نرى حركة الأقضية والأقدار في صالح النبى في يثرب قبل الهجرة ببضع سنين بينما كانت تلك الأقدار نفسها تعمل ضده في مكة وتحثه بهذا النفور المولود في قلوب المكيين على هجر مكة وتركها. فالذى قطع الأمل في البلد الحرام وصله في المدينة المنورة والنبى لم يحرك ساكنا ولم يكن نجاح محمد في إقناع الأنصار مجرد توفيق من الله له وحده بل كان توفيقا لهم لأنهم أقبلوا عليه بنية قبول دعوته ولم يكن اجتماعهم مصادفة ولكن الأنصار جاءوا مكة يحجون في الظاهر ويتقربون إلى محمد في الباطن، ولا نجزم بأن هذا هو الوضع الدقيق للحوادث التى سبقت الهجرة ولكن نعتقد أنه أقرب الأوضاع للحقيقة ونحن لا نحب أن نسلم بالأخبار على علاتها الظاهرة ونحب أن لا نقنع بسرد الواقعات كما سردها السابقون أو المعاصرون خالية من التفسير القريب من العقل.
إن عائشة تعد بعاثا يوما ربانيا أى تمهيدا من الله للهجرة. وهو كذلك وإن كان هذا يستتبع أن جميع الحوادث التى سبقته من أول نزول اليهود والعرب بهذا البلد وتطور الحوادث الاجتماعية والنفسانية والاقتصادية في هذا السبيل، ولا يجوز لنا أن نسأل لم تمت هذه المعجزة في المدينة ولم تتم في مكة وهي وطن النبى ومنزل الوحى ومقر البيت الحرام، لأن الجواب عندنا وفي عقيدتنا هو أن الله قد أراد هذا ولم يرد لأهل مكة هذه النعمة خالصة بل أرادها للمدينة. ونقول أيضا إن الأوس والخزرج كانوا في مجموعهم أرقى من قريش وأفضل وأقل عيوبا وعندهم استعداد لما لم يكن المكيون استعدوا له ولم يقبلوه إلا بالسيوف على أعناقهم، ثم إن الهجرة خلعت على الإسلام صفة عالمية، فقد نشط من عقال وخرج إلى آفاق أفسح وأِشرق وأعلى من أفق مكة الضيق المظلم، ويدلك على هذا، الفرح العظيم الذى استقبل به أهل المدينة رسول الله والاحتفال البالغ والأناشيد والطبول التى لقوه بها بينما كان شرار مكة ومجرموها قد وضعوا لرأسه ثمنا وجائزة (مثل أهل أمريكا) لمن يأتى به حيا أو ميتا. بينما كان الأنصار ينتظرون بفارغ الصبر في نصف الطريق، حتى أن أمثال عبد الله بن أبى بن سلول وأبو عامر الراهب وكبار اليهود لم يستطيعوا أن يكدروا صفاء الاحتفال باستقباله.
إن حياة هذا الرجل السلولى الخزرجى جذابة للمؤرخ في تلونها وتقلبها ولعب الأقدار به، وليس هنا موضع درس تاريخه وفحص نفسيته على ضوء العلوم الحديثة وإنما موضعه في كتابنا (بطل الأنبياء)، ولكن لا يسعنا أن نمر به هنا مرورا هينا لأهمية الدور الذى لعبه في حياة المدينة. فهو تارة يبدو أمينا وطورا خائنا وتارة مخلصا وطورا مخادعا حتى يختلط الأمر، تراه طورا مسلما وتارة شديد الحرص على خذلان الإسلام ومناصرة أعدائه. وكان الرجل كأهل بلده ما عدا اليهود وثنيا مشركا، وكانت عداوته للنبى شخصية، عداوة حسد وغيرة وبغضاء كالتى يحملها الرجل الذى حرم من منصب رفيع ورأى غيره يحل محله، وهو بعد غريب عن بلده وقبيلته وقد واتاه النجاح وهو لا يعلم إلى أى ارتفاع يصعد وأى مجد ينال، فأصابه الكمد.
لقد خالف قبيلته في الطمع في أرض قريظة والنضير وخالفهم في محاربة الأوس وبقية اليهود (قينقاع) ودافع عن أولاد اليهود الذين قتلتهم قبيلته، وتراه بذلك قد لفت الأنظار إليه، فاليهود أحبوه وقبيلته تحب أن يرتفع شأنه والأوس تشكر له سعيه في الصلح فكادت الأحزاب تجمع على تنصيبه ملكا وتضع الخرز على جبينه وحدث الأخذ والرد والتقريظ والنقد والترشيح والترجيح وهي التى تسبق الحوادث الكبيرة. وهذا المسلك الذى كان يجرى في أسوار المدينة ولو عقيب بعاث دل على أنهم أرادوا أن يسلموا قيادهم لرجل منهم ليحكم البلد ويمنع الحروب ولم يكن غيره مسالما محبا لليهود في الظاهر، لذلك اشتد حقده على محمد الذى حرمه لذة الملك في المدينة وأشتد غليان غيظه حتى أنه لما قابل لفيفا من أصحاب الرسول فيهم أبو بكر وعمر وعلى يسيرون في نزهة خلوية تحت أعناب المدينة ونخيلها قال المطالب بالعرش لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم؟ (يقصد إلى الصحابة)، فأخذ بيد أبى بكر فقال: مرحبا بالصديق سيد بنى تيم وشيخ الإسلام وثانى رسول الله في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله ?، ثم أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيد بنى عدى الفاروق القوى فى دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله. ثم أخذ بيد على فقال مرحبا.. يا ابن عم رسول الله ? وختنه سيد بنى هاشم ما خلا رسول الله.
فقال له علي ولم تجز عليه حيلته، وإن كان كل ما قاله صدق «اتق الله يا عبد الله ولا تنافق فإن المنافقين شر خليقة الله تعالى» فقال المنافق رأس الضلال الذى جعل النفاق فنا متقنا وجعل النفاق منه وعاء للخبث وعلما على الرذيلة: مهلا يا أبا الحسن إلى تقول هذا؟ والله إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم. ثم افترقوا.
فقال ابن أبي نابغة النفاق لأصحابه الذين شهدوا هذا الموقف: كيف رأيتمونى فعلت؟
فأثنوا عليه خيرا.
انظر هذا موقف من أبسط مواقف عبد الله الذى قلنا إنه ذو شخصية تصمد للطعن واللعن والنيل والقدح ولكنه نجا بجلده بسبب إيمان ولده لا بسبب مهارته وحذقه وإتقانه للنفاق، وأكثر من هذا أن النبى كان يلتمس له الأعذار فيفلت من العقاب كرما منه وجودا.

الفصل السابع عشر
عود إلى طريق بين مكة والمدينة


لو أن رجلا دفع إلى ألف جنيه متوسلا أن أقطع هذه الطريق في غير زيارة الرسول مكتفيا بالذهاب دون الإياب فلا أرضى، ولكنه لو طلب إلى أضعاف هذا القدر من المال وقدرت عليه فى سبيل زيارة الرسول عليه الصلاة والسلم حبيبى وقرة عينى بل قرة الأعين إذن قبلت راضيا مبتهجا شاكرا الله وداعيا لمن ينيلنى هذه الحظوة، وأقبل لو كانت المشقة مضاعفة حتى ولو بلغت الموت، فإن الطريق شاقة حقا وصعبة حقا، مشقات يقصر دونها العقل والجسم، ولكن الشوق في الذهاب والامتلاء بالسرور بعد الزيارة يذهبان بالمتاعب فتذوب كما يذوب السكر في الماء القراح.
أقول الامتلاء بالسرور ولا أذكر حسرة الوداع لدى مغادرة الحرم النبوى والشعور بأن سلاحا ماضيا يحز في القلب للحرمان من نعمة الجوار والاستمتاع بالسلام على النبى والصلاة عليه والدعاء له أمام المقصورة الشريفة في هدوء الليل أو منبثق الفجر أو في رابعة النهار. إنها لذة لا تعدلها لذة وعبادة لا تدانيها عبادة وشبع ورى للنفس والروح هيهات تشعر بهما في غير هذا المكان بعد البيت المحرم.
الطريق يا لها من طريق! إن كانت على ظهور الجمال فأربعة عشر يوما بلياليها على سفينة الصحراء تلك الإبل الوديعة الصابرة القانعة التى تدب دبيب السلحفاة ولكنها تقطع المسافة (نحوا من ألف كيلو متر ذهابا وإيابا) في رتابة ونظام وانسجام، كأنها واعية قداسة المسير ومقدرة نعمة السعى إلى بلد الرسول، وإن كانت في السيارة فإنك تقضى الأربع عشرة ساعة كأنها أيام بلياليها، غير أنك تطوى البيد طيا في بطحاء رطبة على مقربة من شاطئ البحر الأحمر ثم تنتقل إلى صحراء الرمال التى لا يحدها البصر شمالا وجنوبا وتحدها جبال الحجاز التى تبدأ عند جدة. وإنها لجبال عجيب أمرها تترامى لك في صعود وهبوط وارتفاع وانخفاض وبعد وقرب، وقد تكون طبقات متراصة بعضها أمام بعض كستور عالية من الصخر، زاهية الألوان بين الأحمر والأزرق والأسود والأخضر والأصفر والبنفسجى، سلسلة من الأهرام التى شيدتها يد القدرة الصناع على مدى ملايين السنين في بيئة مقفرة، تلك رمال ناعمة وأخرى خشنة، والناعمة لينة هينة حتى لتغوص عجلات السيارة فلا تدور ولا تتحرك ولا تتقدم ولا تتأخر إلا إذا اجتمع عدد عديد من الرجال ليحملوها حملا، لأن الدفع لا يكفى لإنقاذها. وإذا خرجت من بقعة (الانغراز) صادفتك مساحة «المطبات» فتنقلب السيارة لعبة في يد الصحراء كالوابور الصغير في يد الطفل الجبار! حتى لقد سمعت للسيارة بعد تحملها جهود الإخراج من الرمال المتكدسة أنينا كأنين الكائن الحى بعد المجهود العنيف، كأن الحديد والنار والأسلاك والأنابيت تتأوه من شدة ما عانت.
ثم تنتقل إلى خطة صخرية انتثرت فيها الأحجار المدببة من كل حجم وشكل، وأطراف بعضها كرؤوس الحراب وجنوب بعضها كحدود المدى، ولكن المطاط المتراكم على العجلات المنفوخة يهزا بهذه الأسلحة المصوبة إليه ويكر ويفر ويعلو ويهبط ويهزم تلك الأحجار. تنظر على مدى البصر يمينا وشمالا ومن أمام ومن وراء، فلا ترى إلا ميدانا مزروعا بتلك الأحجار ولم يقو كائن من البشر على جمعها وإبعادها عن الطريق.
وأنت كلما جددت السير، لقيت أشياء لا تصدقها إن لم ترها بعينك، ترى حجاجا من الهنود منقطعين منفردين ومجتمعين شيوخا طوالا في التسعين ذوى لحى بيضاء يحمل أحدهم عكازا ووعاء وصرة ثياب يسير على قدميه من جدة إلى المدينة (تصور!) على قدميه كما سار من جدة إلى مكة، ومن مكة إلى منى ومن منى إلى المزدلفة ومن المزدلفة إلى عرفات، ثم عائدا منها جميعا على قدميه أيضا، ثياب بالية، وقديد وخبز قليل ولا ماء يطفى ظمأه ولا خيمة تقيه البرد والحر والعفار، ولا سلاح يدافع به عن نفسه. وهم على طول الطريق لا ينقطعون رجالا ونساء ليلا ونهارا فجرا وغسقا، سلسلة بشرية من لحم ودم وعظم يحركها سر عجيب لا يدركه إلا من يرى من وراء تلك الهياكل النادرة من قوة الإرادة، محركا قويا هو الإيمان الذى يسوقهم سوق السياط فيستعذبون العذاب في هذه الأرض المقدسة.
أما السود ويسمونهم تكارنة فحدث عنهم ولا حرج، فقد كان لقاؤنا بهم أول ما لقيناهم في طريق جدة إلى مكة في حلك الليل أشباحا سودا رجالا كالعمد، ونساء كالأساطين طولا وعرضا وشموخا وضخامة رؤوس كالبنيان وأبدان كالجدران وأقدام براها السير حافية على الرمل وعلى الصخر وبين الأعشاب الشائكة. يحملون أحمالا من الأوعية وأدوات الحياة يسيرون ممتلئين حياة وقوة وإعجابا، تلمع أعينهم وأسنانهم في سواد الليل وتبرق جلودهم في وهج الشمس كأنها مدهونة بزيت لامع لا يبدو عليهم تبرم ولا تعب، ومنهم نساء كالإبل ارتفاع هامة وصبرا وطول أناة، وقد تحمل إحداهن في جيب وراء ظهرها طفلا تتدلى أقدامه وينظر إليك بعينين صغيرتين تكاد من حبك إياه وإشفاقك عليه تلتهمه التهاما. قد يجلسون في منتصف الليل ويشعلون نارا ويرطنون بلسانهم، ويتحدثون عن ذلك النبى الذى يقصدون إليه فلا تدرى ماذا يقولون.
يا محمد! السلام عليك لقد بلغت الفضيلة والوسيلة وأتاك الله المكانة العليا التى استحققتها، ما أعظم ربك الذى صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده!
يارسول الله ها هي الدنيا بأسرها من كل لون ومن كل ركن من أركان العالم ومن كل لغة وجنس وصنف وسن قد أقبلت عليك في ضيافة ربك قد أتمت مناسكها وقدمت على بلدك تحييك وتصلى عليك وتصلى في مسجدك فيما بين بيتك ومنبرك، في تلك الروضة من رياض الجنة التى لا يسيطر عليها رضوان، فصارت مباحة لكل مسلم يصلى فيها فيتذوق نعيم الآخرة وهو ما زال حيا على الأرض.
هؤلاء السود الذين لا يفهمون من اللسان العربى إلا كلمة التوحيد وكلمة الصلاة عليك قد فضلت أحدهم على السيد القرشى وقلت «لا فضل لعربى على أعجمى ولا أسود على أبيض إلا بالتقوى». إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ. هنا يا حبيبى يا رسول الله ما زالت أرضك بعد خمسة عشر قرنا أرضا حرة لا يشعرون فيها بالأسر الذى يشعرون به في المستعمرات التى يعيشون فيها ويتنفسون فيها نسيم الحرية والمساواة والإخاء. كم عددهم؟ وكم فرسخا بريا وميلا بحريا بين بلادهم وبلدك؟ ترى كم شهرا يقضون في أداء هذه الفريضة وفي تلك الزيارة، الله أعلم.
ثم تأتى الجبال تصاوير صخرية سوداء وصفراء مستديرة وبيضاوية ومستطيلة ومربعة بعضها مرتكز على بعض، متساندة كأنها أحياء وبعضها كعمد بناء لم يتم المعمار تشييده، وبعضها متبلور فى أشكال هندسية كالمسدس والمخمس والمخروط، وبعضها في صور حيوانات رابضة وأخرى كالنساء جاثمة، وجوه بشرية ورجال وطيور وألواح وعمد ودوائر وأكر وصوالج، وبعضها لا يزال أحمر بلون النار كأنها خارجة من أتون البركان لم تبرد وقد مضى عليها ملايين السنين في لفح الهواء وبرودة الشتاء، ولكنها ما زالت متوهجة كتوهج الشمس، وبعضها أسود كأنه احترق حتى كاد يكون فحما، وبعضها بنفسجى ضارب إلى الزرقة وكثير منها كمن نحته نحات ماهر، أو صنعه خراط جبار أعمل المخراط في الصخر مئات السنين حتى أكسبه تلك الصورة.
ثم تأتى الدروب وهي أودية ضيقة بين جبلين شاهقين قد صنعت طبقات بعضها فوق بعض وبجوار بعض كالغابات الملتفة، أشجار باسقة من الصخر ذات أغصان وأفنان وثمار، كل هذه كانت في جوف الأرض وأخرجتها، أهذا هو المعنى بقوله سبحانه وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا؟ أهذه أثقال الأرض؟ ترى ما وزنها ما عمقها؟ ما بعد انغراسها في أحشاء الأرض تلك الأرض التى كما تمخضت عنها كذلك أنبتت الزهرة اليانعة العطرة، والثمرة الناضجة اللذيذة والحبة والنواة والقمحة والشعيرة والسمسمة؟ تلك آيات الله تتفتح النفس لتدرك معناها وتمتلأ بالإعجاب بربها.
ويضيق الوادى وتتقارب الجبال حتى لكأنها تتعانق أتذكر تلك الأزقة الضيقة في بعض أحياء القاهرة التى تكاد النوافذ ذات المشربيات فيها تلتقى على رؤوس المارة وحتى يكاد يكون الجالسان فيها يتناجيان من طرف إلى طرف ومن جانب إلى جانب ويتبادلان أقداح الماء أو أطباق الحلوى، هكذا اقتراب الجبال فوق رؤوس السائرين في الوادى. من هذا الزقاق الضيق على مسافة طويلة يمر به كل قاصد إلى المدينة وكل عائد منها.
هل كان الجبلان كتلة واحدة، رتقا ثم فتقناهما؟ أم أن هذا الوادى نفق خرقته يد القدرة قبل إتقان اختراق الأنفاق؟ في هذا الدرب الذى يشبه «ثقب الفار» كان البدو قبل عهد الملك عبد العزيز يكمنون لقطع طريق القوافل وضرب الضرائب على الحجيج، وقيل كانت امرأة تنادى وتفرض حق المرور فتلبى القافلة وتطيع وكيف لا؟ والجبل من العلو والتمكين بحيث يملك الطفل الواقف بعاليه أن يتحكم في جيش بأسفله، فلو أنه رماه بالحصى لأصاب منه مقاتل ولا يطوله ورصاص البنادق.
حتى إذا خرجنا من ذلك الدرب انبسطت الأرض بواد عريض غنى بالحجارة المتناثرة التى لم تمسسها أيدى البشر، وهنا ترى العجب من الألوان والأشكال والأوضاع، إليك جدران من الصخر الطبيعى كأنها بيوت اتخذتها الأرواح سكنا، وإليك أعمدة عالية بلون الجرانيت ولون البن ولون الكركم ولون الحبر الأحمر والأزرق والأسود، وتلك ألواح سود كالاردواز الهائل لم يخط الإنسان عليه سطرا، وتلك أركان وزوايا وتهاويل كمسرح لم يلعب عليه الممثلون دورا، وتلك جبال مشرشرة كأسنان المنشار انتظاما واتساقا، وأخرى مشغولة كالدنتلة على ستار من الحرير الأزرق، أين من إبداع صنعها الماترهورن واليونجفراو والجبل الأبيض بسويسرا؟ حتى إذا أقبل الظلام وظهر الشفق في الآفاق اصطبغت تلك العجائب بلون الورد، وشيئا فشيئا تتوارى قمم الجبال وسفوحها كمن يلتف في عباءة من السواد أو قباء من قطع الليل ليأوى إلى فراشه وما فراشها إلا السماء والأرض.
وإنك في إحدى الليالى كالتى سافرنا فيها لتشهد ظهور القمر في ليلة التمام، فيا لها من شقة تلك التى قطعها من وراء الجبال ليتجلى على الصحراء، إنك لتشهد فيه صفرة كأنه أجهد نفسه وهو يتسلقها ثم يبدو كبد السماء ضئيلا مضىء لا يستطيع على نوره التام أن يغمرها بشيء من لجينه الذى يبدو لك على صفحة الماء أو خلال الأشجار والأغصان في بستان ثم يصغر البدر في نظرك. أسمعت أن البدر يصغر في نظرك، أشعرت أن هذا الجرم السماوى الأشهر يفقد جلاله وروعته وجماله وضياءه يصغر ولمعته حيال الكائنات الأرضية؟ إنك لتراه هنا فتشفق عليه، بل لا تكاد تتعرف عليه هنا!! لا ذكرى ولا عاطفة ولا شعر ولا كلام، رأيت قمر السماء فأذكرتنى!! لله ما أضال هذا وما أكذبه وما أضعفه! إنك تطرد الشعر وتنبذه، وتستصغر شأنه، شعر الغرام وشعر الغزل، شعر الأنوثة النواحة الندابة.
هنا جلال وجمال من نوع آخر، هنا جلال الله وجماله وقدرته، هنا أيته الكبرى، هنا لا نور ولا ضياء ولا انبثاق إلا نور صاحب البلدة الطيبة التى أنت مقبل عليها، الآن بدأ النور المحمدى.
أشرقت الشمس من وراء الغمام إشراقا عجيبا هي الأخرى تجاهد لتشق طريقها بين الغمام على رؤوس الجبال، ولكنها تبدو بيضاء باهته أشعتها باردة والهواء يهب من كل ناحية، وإذا عرضت للشمس فلا تحس حرارتها، والسيارة تجد السير هازئة بالصخور عابثة بالصخور كأنها هي الأخرى هائمة في حب النبى «إمتى نزورك يا نبى؟» ألم يقولوا إن الجمال تصوم وتهيم وتحث السير كلما دنت من البقاع الطاهرة؟ أى والله إن سيارتنا كانت تردد أغانينا وتعيد بصوت عجلاتها واتزان محركها دعواتنا وتهليلنا وتكبيرنا وصلاتنا الخارجة من أعماق قلوبنا.
ها هي المحطة الأخيرة قد دنت وبانت اللابتان، تلك الحدود السوداء المحيطة بالمدينة التى قال النبى إنها لا تتغير إلى يوم القيامة، هذه هي بداية الحرم المدنى إنها أنوار حقيقية، لا مجاز فيها ولا تشبيه، قليلا قليلا تبدو المدينة فيفعل منظرها فينا فعل السحر، فتضئ قلوبنا وأعيننا ونشعر بأشعة من نوع جديد تخترق الجو، فأفحص نفسى هل تأثرت بحديث الناس؟ هل هي أسطورة أم إيحاء نفسى؟ هذا نور حقيقى حتى إن دموعنا التى تتساقط على خدودنا دموع الغبطة والفرح وتحقيق الأمانى الكامنة، دموع الشوق المحرق والوجد المقيم المقعد، لا تغشى الأبصار ولا تحجب عنها هاتيك الأنوار. المدينة راقدة كالنعامة البيضاء كالطاووس الأبيض مثل كتلة من الفضة لا تحتاج إلى نور الشمس، والقبة الخضراء الشامخة قائمة بين المآذن المتعددة. هنا تحت هذه القبة التى ليس لها مثيل في العالم يرقد جثمار محمد عليه الصلاة والسلام وجسد أبى بكر وعمر.
لقد صار الخيال حقيقه والحلم مادة ملموسا والأمنية محسوسا لا شك فيه، وعما قليل وعلى الرغم من مشقة السفر ومتاعب البدن سندخل من باب السلام إلى ذلك المسجد الكريم وإلى تلك المقصورة الشريفة بعد أن نسير مسرعين في دروب تلك المدينة التى سار فيها رسول الله وصحابته وأمته، هذه هي المدينة التى عاش فيها الحبيب أطيب سنى حياته، هذه أرض مقدسة حقا، في كل زقاق منها وفي كل جدار وفي كل مسجد ومحراب أثر من حياته وسيرته وخطواته وأنفاسه وصوته وقامته وجماله وإيمانه وإخلاصه وصدقه وجهاده وذكاؤه وخلقه، أكاد أسمع صوته وأرى وجهه ملثما وغير ملثم، وأكاد ألثم يده وأقبل قدمه وأمرغ وجهى في ترابها، تراب هذه المدينة التى قال إن ترابها شفاء من كل داء.
هنا مسجد بنى ظفر على أبواب المدينة، صلى فيه الرسول، وهذه الوديان المحيطة بنا والمزارع الغضة والبساتين الخضراء والنخيل الشامخة ألم يأكل من ثمارها ويشترك في زرعها ويشرف على نتاجها؟ ألم يقع بصره الشريف على قوافل من الإبل تسير كما سارت منذ ألف وخمسمائة عام، ألم يشرب من أمواه هذه الآبار، بئر أريس وبئر رومية وعين عروة، ألم يسجد ? في هذا المسجد وكان معرشا بالأغصان وقائما على أجزاع النخل، دع عنك هذه الزخارف وأصرف نظرك برهة عن الألوان الزاهية ونقوش الذهب وألواح المرمر الملون، وأنس قليلا ذلك القيشانى وتلك القباب الشامخة واغمض أجفانك وافتح أعين قلبك. ألم يعش في هذا البيت على يسارك؟ ألم يخرج من هذا الباب من بيته ليخطب على هذا المنبر، وليصلى في هذا المحراب وراءه الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وعبد الرحمن وسعد وزيد وأسامة؟ ألم يركع ويسجد بجبينه الشريف الوضاء على هذه البقعة بعينها؟ أهناك شك في أن صوته كان يدوى في هذا الفراغ الذى امتلأ وفي هذا الجو المحيط بنا ونحن نصلى ونقرأ القرآن ونسمع الحديث. أهناك ريب في أن هذا باب الوفود وهذا موضع السرير وهنا موقف الحرس المسلح الذى صرفه بعد نزول آية وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، أهنا شك في أن النبى نزل في بيت أبى أيوب المجاور وكان يزور بيت على وعمر وعثمان ويدخل من «خوخة» أبى بكر ويخطر بحلاوته وجماله وجلاله ورفعة قدره بين تلك المعالم، وأنه بشر العشرة الكرام بالجنة، وأنه كلم العالم بالروح والقلب من تلك القطعة من الأرض السعيدة التى لا يعلوها في الشرف مكان إلا مبنى الكعبة والمسجد الحرام؟ إلا إن هذه الكعبة المعظمة في مكة المكرمة قد شرفت به لأنه هو الذى بإذن الله وأمره طهرها من رجس الأوثان والأصنام وسخافة الشرك بصاحب البيت سبحانه وتعالى. أى نعمة أعظم وأى سعادة أبهر وأى فرحة أبقى وأدوم من الرؤية والسماع والاستمتاع بهذا النعيم؟ أستغفر الله جهدى أى مسجد يحلو لى فيه الاعتكاف بعد الحرمين؟ وأى محراب يجمل بى أن أصلى أمامه بعد الوقوف لدى هذين المحرابين، أما الكعبة فمحرابها لا يحد لأنه هو الكعبة نفسها فمن آية ناحية وقفت فهذا وجه الله وقبلته، وأما هذا المسجد المحمدى فمحرابه محرابه ومنبره منبره.
شكرا لك اللهم! ما أحلى العبادة التى يمازجها الحب ويخالطها التقديس وتدفع إليها العاطفة الجامحة والصلاة التى لا يشوبها رعب ولا رهبة ولا خوف، لقد انتزع الله الخوف والحزن من قلبنا. أليس من يدخل بيت الله آمنا ومن يدخل بيت الرسول آمنا آمنا مستمدا من ربه؟ أليست العبودية المحمدية سيادة على الكون وسيطرة على الدنيا، لا يشوبها شرك ولا يلوثها تعدد لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ صدق الله العظيم.
قال لى بربك ما ملك كسرى وما عرش قيصر بل ما عروش الجبابرة وما ملك يوهمون أنه لا يعلى وهو رهن ساعة، وسادة على الشعوب لا يحدوها إلا الخوف على الدنيا وجيوش جرارة ودول لا تأمن عادية الزمان — قل بربك ما أولئك جميعا مضافا إليه الظلم والاستبداد والطغيان والذل والقتل وإهراق الدماء، بل ما قيمة التحكم في ملايين الذهب من الأصفر الرنان حيال هذه العظمة المتجلية في هذا المكان؟ إنه حكم العالم وحكم السماء في الأرض وما زال يحكمها وينفذ أمر الله فيها. ما قيمة كل أولئك أمام هذه المقصورة، وذلك المنبر وهذا المحراب وهذه الروضة كما كانت جميعا لا كما هي الآن، ما قيمة أولئك في شعرة من شعره أو ظفر من أظفاره ?، دع عنك حياته الكاملة وعمله الناجح بإذن الله، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.
(?) الوصول إلى المدينة المنورة

قمنا من المحطة الأخيرة لنصل إلى المدينة مع الظهر فتأخرنا إلى العصر وقد قطعنا واديا كله صخور مدببة، ودروبا خفية بين الجبال ورمالا ناعمة ونفذنا من نقر الغار الذى يضيق عن راحلتين وهو جبال شاهقة لا يصل البصر إلى ارتفاعها إلا بمشقة ولا نرى إلا نورا وظلاما وأشعة ضئيلة وصخورا عالية بعضها على صور الحيوان والإنسان.
وبعد الظهر بساعتين رأينا جبل أحد وهو جبل يرتاح النظر إليه، ثم أبصرنا بأهلة مآذن الحرم المحمدى الشريف فتطاولت الأعناق وتجاولت الأحداق في هاتيك الأنحاء مستطلعة أنوار القبة النبوية الخضراء، حتى إذا تجلت لنا مناظر المدينة بفخامتها واخترقت أشعة النور المحمدى أجواز الفضاء، خفقت قلوبنا وانهمرت دموعنا وانشرحت صدورنا وطارت أرواحنا شعاعا إلى ذلك المقام، وطفرت أفئدتنا لترتمى على عتبات سيد الأنام وخير الخلق على الإطلاق نور الأنوار وسيد الأبرار شفيع المؤمنين ومعتق الأعناق من النار، مصدر هناء الإنسانية وسر حقيقة الحضرة الإلاهية وصدى صوت العناية الربانية.
وماذا يملك العقل غير الخضوع للذهول والحيرة؟ وماذا يملك اللسان سوى أن يلهج بالتحية والإكرام والصلاة والسلام؟ وماذا يملك الوجدان غير التسبيح باسم الواحد الديان؟ وكيف تملك الثبات في القلب والاستمساك باللب ما لم تحطك عناية الله ورسوله لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ؟ لقد طرنا ولبينا وأحسسنا بالأرواح والملائكة وخرجنا عن حدود البشرية وانطلقنا من قيود أبداننا وتجلت علينا حالة علوية وانفصلنا عن هذه المادة الجثمانية ومتنا وحيينا حياة تقربنا من هذه القوة النبوية وعشنا لحظة أدركنا فيها لذة تحقيق هذه الأمنية ولمسنا ملكوت السموات فلا الأرض أرض ولا السماء سماء ولا هذا نراه بمرئى ولا الذى نسمعه بمسموع، فقد امتزج الفرد بالمجموع وعدنا جنودا مجندة وأرواحا محتشدة وأنفاسا غير مترددة، فيا لها من منة كبرى ونعمة عظمى، هنيئا له الذى يتمتع بها ولو بعض لحظة أو لمعة أو لمحة أو طرفة عين.
ودخلنا بسيارتنا وأجسامنا باب المدينة ووطئنا بعجلاتنا أرض البلد الطاهر المقدس وحق علينا أن تطاه جباهنا وأن نكتحل بترابه قبل أن تمتلئ أبصارنا برؤية الحبيب، وقلوبنا بنوره عن قريب.

الفصل الثامن عشر
فى المسجد النبوى


(?) أمام المسجد النبوى

المدينة المنورة في الساعة ?? ونصف صباح ?? يناير سنة ????.
ذهول يصحبه حضور بديهة، وغيبوبة يحرسها حضور بديهة، وتنويم تلازمه يقظة، وفرحة تملأ القلب، وغبطة تملك النفس، وشعور بعبودية، وأمن ومعزة، ودهشة لا يفيق منها العقل مع اطمئنان لا تشوبه مخافة، وإحساس بتحقيق أمل كبير لعل كان أعظم الآمال الروحية، كأن الروح عادت إلى وطنها على باب الكعبة أولا وأمام المقصورة المحمدية ثانيا، واندفاع قوى نحو الاندماج ومحبة فياضة تملأ الجوانح، وانسلاخ يكاد يكون تاما عن الدنيا وما فيها، وكأن ما أشهد من الأحياء والكائنات أشباح لا دخل لها فيما أحس به وأراه وأسمعه.
المدينة المنورة، يثرب، مدينة النبى. هذه كلها بعض المشاعر التى تملكتنى طول الطريق من مكة إلى المدينة وقد زادت وتضاعفت عندما وقع بصرى على الحرم المحمدى، شوق شديد ووجد يصعد من الأحشاء ويملأ الصدر ثم يطغى على العقل ويتمكن من العواطف، فتجيش النفس ثم تفيض العين بالدموع، دموع الفرح والشكر العميق لله سبحانه وتعالى على منح هذه النعمة.
كنت في الساعة الثامنة بالتوقيت العربى من نهار ?? يناير سنة ???? داخلا باب المدينة وأنا لا أصدق عينى منهوك القوة من أثر الطريق الذى قطعته السيارة المجدة في عشرين ساعة، وقد عزمت على أن أقضى بقية اليوم والليل في الراحة استعدادا للساعة الكبرى، ساعة المواجهة، ولكننى بعد هنيهة لم أستطع البقاء في الفراش لحظة، فبادرت إلى الحرم فى انتظار تلك الساعة التى أقف فيها موقف الخشوع لأنطق بكلمات السلام والتحية على الرسول، تلك التحية التى كانت تحدثنى بها نفسى منذ أكثر من عشرين عاما، السلام عليك ورحمة الله يا حبيبى يا محمد، السلام عليك يا سيدي وقرة عينى يا رسول الله!!
إنه لشعور عجيب عندما وطئت أقدامى (التى أحسست أنها تشرفت وصارت سعيدة) أعتاب باب السلام ودنوت من الصلاة من مرقد الجثمان الأطهر والبدن الأشرف، في البيت المطهر والمسجد المكرم.
ما أكبر المقام وما أعظم الرهبة والجلال والجمال! وما ألطف الجو المحيط بهذا النور! يتكلمون عن النور الذى ينبثق من المدينة المنورة، وإنه لحق ولكنه نور تشعر به الروح حقا كلما اخترقنا وتقدمنا. هذا هو المسجد الذى دخلته للمرة الأولى ذاهلا بعد مشقات تفتت البدن وتنهك قواه فتنهار المقاومة ولكنها لا تمس التماسك الذى يسود النفس ويعير البدن قوة، فما أعذب التعب الذى لقيته على مسافة الطريق.
كأنه حلم عجيب!
هذا هو المسجد الذى أختارته الناقة وبركت أمامه، والذى بنى من الأشجار وجذوع النخل. انظر الآن ما أشد الكرامة وما أعظم الزينة وما أغلى التحف والأعلاق وما أبدع الخطوط التى كتبت بها الآيات الشريفة والأحاديث الكريمة.
كنت أرى كل شيء ولا أرى شيئا، واستوعب كل شيء ولا أشعر به إلا من وراء حجاب شفاف.
هذا مقام الرسول عليه الصلاة والسلام ومقره وبيته ومسجده ومنبره وروضته.
من أعجب الأحاسيس أن الذى جاء بالشريعة وهبط عليه الوحى الإلهى قد نجح النجاح كله وتوفق التوفيق كله، فلم يخرج عن حدود البشرية ورفع لواء التوحيد عاليا، ومهما أختلط التوحيد في ذهن المسلم المحمدى بتمجيد الرسول الذى قاسى وعانى وتعب وجاهد وكافح ونافع وقاوم وحارب وسالم وحالف وخالف، فإن هذا التمجيد مهما بلغ من الدرجات فإنه لا يطغى مطلقا على فكرة التوحيد، وناهيك بمن نزلت في حقه آية إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ، ولكن ما زال في القرآن الكريم وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ? أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ! وما هو إلا بشير ونذير وما هو إلا بشر مثلكم وما هو عليهم بمسيطر، ليس لك من الأمر شىء، وهو الذى يعاتبه الله في رفق وحنان — عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ — عَبَسَ وَتَوَلَّى? * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى?.
سبحانك اللهم وبحمدك ما أعظمك وما أصدقك وما أكرمك وما أعدل الحدود التى وضعتها وأقومها، وما أكبر حكمتك التى جمعت بين حب الرسول وتمجيده، وبين معاملته معاملة العبد الخاضع المطيع والمبلغ الأمين سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا، جمعت بين عبوديته وبين عظمته وتقديره، وجعلت الاستغفار لك وله والأمر له ولك بغير شرك واندماج، فأنت أنت بذاتك وصفاتك وأسمائك الحسنى، وهو هو بعبوديته وطاعته وإسلامه وإيمانه.
هذه الأفكار المحدودة الظاهرة الجلية الواضحة البارزة وقفت حجابا حاجزا بين الشرك والتوحيد. انظر إلى هذه المعجزة التى لا يدركها العقل إلا بعد تأمل عميق ونظر طويل يسبقهما نور من الله وهداية. هذا النبى أتم أعمالا يكاد العقل لا يصدقها لضخامتها، وفى فترة قصيرة لم تصل إلى ربع قرن، ولا يمكن للعلم أن يحيط بها وقد شغلت علماء العالم فى الشرق والغرب ألفا وأربعمائة عام، وما زالت مصدرا لبحوث ودراسات لا تنتهى آخر الدهر، وكان المشركون يطلبون معجزة. أية معجزة؟ المعجزة في ظلام قلوبهم وقصر إدراكهم وسواد نفوسهم فلم يروا ولم يسمعوا، ولكن هذه الأعمال العظيمة لم توعز إلى أحد من الصديقين والصحابة بمكانة للرسول تزيد على التى أرادها الله له وألح هو على الاحتفاظ بها لنفسه.
إنك ترى هنا مسجد الرسول وبيته ومقصورات أمهات المؤمنين وخوخة أبي بكر وباب جبريل وجيرة رسول الله، ترى مسجده على ما كانت عليه عند تأسيسه، وترى الأماكن التى كان يعيش فيها ويتعبد ويخطب ويصلى ويركع ويسجد ويدعو ويتلقى الوحى. هذه أسطوانة أبي لبابة وأسطوانة السرير والأسطوانة الحنانة، لقد تغيرت المعالم بالزينة والتجميل ولكن الحقائق والأشياء باقية على ما كان عليه، فهى رؤية يقينية لا شك فيها، وهذا المكان الواطئ المرخم هو الصفة التى كان يجلس عليها أهل الصفة وهم الفقراء من المسلمين المنقطعين للعبادة بباب المسجد، وبيت عمر وبيت عثمان رضى الله عنهما، وبجوار الجثمان الشريف الذى تدل على موضعه مقصورة فيها كوة مفتوحة، كوتان تدل على موضعى أبى بكر وعمر فهما الرفيقان والضجيعان.
انظر إلى التحقيق الذى ليس وراءه تحقيق، تحقيق وثبوت في القرآن ومثلهما في الحديث والسنة، وتحقيق في الأزمنة والأمكنة. هذا لا شك مسجد الرسول وضريحه، وهذا بيته ومقصورات زوجاته. تلك نعمة أنعم الله بها عليه لم ينعم بها على أحد من أنبيائه ورسله من آدم إلى الآن.
أين قبور الأنبياء السالفين وأين منازلهم ومدافنهم؟ إنك لا تجد من ذلك شيئا محسوسا، ولكنك تقرأ وتسمع وتؤمن، أما هنا فإنك تلمس ما قرأت وسمعت وتتحقق ما تلوت، ولا يخطر ببالك خاطر عن الحياة الخاصة والعامة وإلا وتجد دليله وبرهانه حاضرا في الاذهان وماثلا أمامك، ففى هذا المكان كان يعيش ويتكلم ويوحى إليه ويتحدث ويخطب ويصلى ويعبد ويرشد وينصح ويهدى، وفي هذا المكان كان يناجى ربه ويرى الرؤى الصادقة، وفي هذا المكان كانت زوجاته أمهات المؤمنين وذريته وذوى رحمه وأقاربه وصحابته وأنصاره، وكان هذا المسجد يردد في دجى الليل وفي بزوغ الفجر أصوات المؤذن بلال فيذيع الصدى وتلتقفه الآذان وتتيقظ به المشاعر «الصلاة خير من النوم، والله أكبر.. لا إله الله. محمد رسول الله».
الحياة اليومية والحياة الليلية، الحياة الخاصة في سورة الحجرات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ. وهي سورة مدنية. ولكن رسول الله لم يشك ولم يتألم ولم يعتب على أحد لأنه كريم ذو حياء عظيم والحياء جزء من إيمانه، فالله ينصح هؤلاء الأعراب ويبين لهم السبيل. هذه هي الحجرات أمامى التى كان يرتفع فيها صوت النبى ولا يريد الله أن ترتفع فيها أصوات الأعراب على صوته، ولكن هناك الصحابة والأنصار والأزواج الذين تجملوا بالآداب المحمدية، إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ أُولَـ?ئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى? ? لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ، هذه هي الحجرات إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى? تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ ? وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ، ولم تكن الحياة الخاصة في هذه الحجرات التى أراها أمامى والتى هي الآن موضع التقديس والإكرام ومقر الدعاء، لم يكن رفع الأصوات والنداء من وراء الحجرات هما وحدهما اللذان استدعيا نزول الوحى بتلك السورة العجيبة إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. أليس هو الذى وضع نظام الإخاء بين المهاجرين والأنصار قبل أن يفكر فيه رجال الثورة الفرنسية منذ مائة وخمسين عاما، وهنا أيضا كان الاحتكاك بالحياة يحرك العواطف والأهواء حتى في عشرة النبى وفي جواره يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى? أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى? أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ? وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ثم يأتى سيل من الرزائل النفسية يريد الله أن يطهر منها أوساط المسلمين.
(?) حياة المسجد النبوى

إن كل ما رأيته في حياتى بعد أن سمعت به وجدته أقل مما تخيلته إلا الحرمين، الكعبة ومسجد الرسول.
أما الحرم المدنى فآية في الإبداع، تبدو القبة الخضراء والمآذن الأربع فتنهمر الدموع ويفرح القلب ويزول التعب والمشقة وتشعر بسرور اللقاء المرتقب وتحقيق الأمل، فإذا وصلت إلى باب السلام من أى شارع انفتح أمامك عالم من الجمال والجلال، ولكن الجمال غالب وخفة الروح والظرف والكياسة فتؤخذ النفس، تسير في المسجد فلا تهولك الزينة والزخاف المتكاثرة المتراكمة كأنه متحف من أعظم المتاحف بقدر ما تشعر بالاطمئنان كأنك وصلت إلى الحمى وقد وصلت فعلا وحقا لا قولا ولا ظنا، حتى إذا بلغت المنبر والروضة وأشرفت على المقصورة وبها شباك النبى، عراك ذهول وفرح واستغراق وحيرة وهدى. وتسأل نفسك هل هذه حقيقة أم خيال وكيف وصلت إلى هذه النعمة الكبرى ووقفت بالمواجهة أمام رسول الله المرسل رحمة للعالمين؟ هذا محمد عليه الصلاة والسلام تحييه وتسلم عليه وتصلى عليه فترتجف ثم تستقر وتطمئن ويثبت البصر بعد أن يزيغ، ترى الكون بل محور الكون ومركز الدائرة في نقطة أمامك هي أضخم من الدنيا بما فيها وأغلى وأثمن وأعظم، وتتلو دعاءك متلعثما مبهورا باهتا مسرورا ناسيا كل شيء في العالم حتى نفسك واسمك وشخصك إلا أنك كائن فانٍ في حضرة الرسول.
حركة دائمة وحياة مستمرة بل أنهار من الحياة جارية لا تنقطع وتكاد تتخيل أن عدد الداخلين والمصلين والداعين والزائرين يبلغ عدد الطائفين حول الكعبة، وقد تختلف وجوههم باختلاف حالتهم النفسية بعد الحج، وهؤلاء أقوام من كل الأمم ومن كل الطبقات الاجتماعية في كل الأمم، هنود وصينيون وجاويون وبخاريون وعراقيون وسوريون ومصريون وأحباش وسودانيون وترك وعرب من كل أطراف الجزيرة، كلهم في خشوع وأدب وفرح وفي صمت وفي شغل وفي أصوات خافتة وفي حركة دائمة دائبة وفي دعوات حارة وفي طلبات من الله وشفاعة للرسول، يتخللهم المدنيون من خدم المسجد وغيرهم وكلهم متجملون هادئون صابرون قانعون نظاف الثياب واللحى والعمائم، يروحون ويجيئون يهنئونك بالوصول ويدعون لك ويعرضون عليك إرشادك والدعاء لك، فتتبين أولا أجزاء الحرم المستطيل، المحرابان والمنبر والروضة والمقصورة والمدعى إلى يمين الزائر للمقصورة وله باب عليه ضبة وأقفال من الفضة، فتصل إلى باب جبريل وباب الوفود والصفة ثم قسم مصلى النساء (القفص)، وصفة النساء وقد جلسن متجاورات من كل بلد وجنس عابدات قانتات مصليات داعيات مبتهلات.
وكلما أنهيت زيارتك وجدت نفسك ثانية أمام المقصورة مجذوبا إليها بأقوى من المغنطيس، كأنك لا تريد فراقها أو تحتضنها وتشعر بصوت باطنى ينقل إليك الأنس والبشرى فيمتلأ قلبك بالدم ويندفع في جميع شرايينك وتبتهج وتشعر بصحة ونماء وقوة لم تكن تعهدها من قبل وصفاء في الذهن وسعة في العقل والإدراك كأنك ولدت من جديد، وتمر بك صور من الماضى في مختلف الأماكن وصور الأشخاص من أحباب وغير أحباب فتجرى سراعا كأنها أشباح لا تعد ولا تحسب لها قيمة وتنسى الدنيا ولا تذكر إلا المقصورة وصاحب المقصورة.
وتغمض عينك فترى الرسول خطيبا ومصليا وداخلا وخارجا إلى بيته، وتراه بعد جالسا على السرير وحوله الحرس يتلقى الوفود وترى جماله وتسمع صوته وقد اجتمع التاريخ كله في لحظة وفي مكان صغير أمام عينك وازدحمت الأفكار والخواطر عليك تتزاحم بالمناكب فلا تدرى ماذا تذكر وماذا تقيد من هذا الهجوم المفاجئ، ثم تفتح عينك مرة أخرى فترى تلك الأساطين الحمراء بلون الطرابيش ضخمة عالية متلاصقة مجتمعة متفرقة رافعة قبابها كأنها أذرع ضخمة واصلة إلى قبة السماء فينبهك المدنيون يحملون أباريق من الفخار غاية في الأناقة وطاسات من المعدن الأبيض يملأونها بماء الزرقاء لتشرب، ثم تسمع القرآن يتلى والدروس تقرأ فى الحديث والفقه والتفسير من صالح التونسى وأبو الطيب الأنصارى (خير علماء الحجاز) وعبد الرؤوف عبد الباقى (المصرى)، وقد جلس حول العلماء مئات من الطلاب ذوى اللحى للتبرك بسماع العلم بجوار رسول الله، فإذا نودى على الصلاة جاء الإمام السعودى وهو شيخ عالم فاضل أسمر اللون (سمعته في خطبة الجمعة وأهم ما فيها الدعاء للسلف الصالح والصحابة والعشرة المبشرين بالجنة)، فتنتظم الصفوف في برهة وتتدفق الألوف بسرعة البرق بلا جلبة ولا ضوضاء ويترك أهل المدينة حوانيتهم في حراسة الله ويدخلون للصلاة.
أما صلاة الفجر فآية الآيات ومظهر الجمال. وقد رأينا غنيا هنديا بجوار زوجته تصلى وقد لبسا حللا من أثمن الحلل وتسترت الحاجة الهندية فلا يبين منها شيء حتى إذا سجدت عنى خادم أو قريب بستر الثياب على أطرافها حتى المكسوة بالجوارب.
تخيل أن هذه الحالة دامت في هذا الحرم ألفا وأربعمائة عام وما زالت سائرة في طريقها ولايوجد ما يدل إلا على نموها وزيادتها.
كان كفار قريش يقولون ليس له بيت من زخرف ولم لم ينزل القرآن على رجل من القريتين عظيم، فإن لم يكن اكتفوا بما رأوا في حياته بعد انتصاره وبعد ما وصلوا هم إلى مناصب الملك والعظمة وفتوح العالم، فلتبعث روح رجل مكابر منهم ليرى بعينه ماذا أعطى الله من الخير لمحمد بعد التحاقه بالرفيق الأعلى فيعض الروح المبعوث بنان النادم، لقد صدق وعد، ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، ثم خلد دينه واسمه ورسالته على مدى الدهر فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـ?كِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.
(?) رئيس الأغوات خليل أغا

يجلس الآن على ما يسمى دكة الأغوات مقابل مقصورة السيدة فاطمة وهو رجل كبير جدا وديع الأخلاق يلبس البياض ووجهه مستدير وعلى عينيه نظارة سوداء وبجواره خزانة وكيس، ويصلى حيث هو جالسا قال لى إنه هاجر من مصر بعد الثورة العرابية بقليل سنة ????هـ ووصل إلى المدينة سنة ???? أى منذ ?? سنة وعمره لا يقل عن ?? سنة، وهو خادم الحجرة النبوية على الأقل خمسين عاما وهو رئيس لخمسة عشر أغا لهم أشكال مختلفة بين الطول والقصر، وكل له ثوب بألوان خاصة وأحزمة مختلفة الألوان وكذلك عمائمهم ما عداه فهو يلبس البياض، وقال لى إن الخروق الهلالية التى في النحاس المكتوب عليه «لا إله إلا الله الملك الحق المبين محمد رسول الله الصادق الوعد الأمين» كانت تطل مباشرة على الكوكب الدرى في الأطلس الأحمر والقصب وقد سحبت منها في عهد الأتراك. وقال لى خليل أغا إن السلاطين عينوا ?? أغا لخدمة الحرم المحمدى والحجرة الشريفة النبوية وأعطى السلطان لكل منهم بيتا خاصا وكانت تجرى عليهم مرتبات بالذهب ضخمة، وقال لى إنه صحب ثلاثة من العظماء إلى داخل الحجرة، الخديوى عباس حلمى سنة ???? فكان يرتجف ولا يرى موضع الزيت في القناديل التى كان يملأها ولو ترك وحده بدون مرشد ما أمكنه أن يتحرك خطوة واحدة. والثانى أنور باشا وكان مسلكه كمسلك الخديوى في الزيارة من الرهبة وحسن الأدب. أما الشريف حسين فقد خطا خطوة ثم جفل وفر خارجا ولم يطق إتمام الزيارة داخل الحجرة الشريفة.
وتكلم عن تفصيل حياة النبى فقال إن المقصورة الشريفة تحوى غرفة نوم النبى مع السيدة عائشة وهي التى دفن فيها، وصفة كانا يجلسان فيها (شبه قاعة جلوس) ثم فناء خارجى أو حوش كان يستقبل به رسول الله ضيوفه، وعلى التحقيق كانت السيدة فاطمة مع زوجها سيدنا على فى هذا البيت نفسه في حياتها، ولما ماتت دفنت بحجرتها ولكن زوجها نقلها ليلا إلى البقيع، ولذا ليس ثابتا أنها مدفونة هناك.
وهناك فضاء في المكان يقال إن عيسى عندما ينزل آخر الزمان يدفن به الخ، وسألته عن مساكن زوجات النبى الأخريات فقال إنها كانت في صف جدار المحراب الثانى الآن وقد أدخلت في المسجد ووضعت علامة عليها عبارة عن ألواح كبيرة من الرخام الأبيض.

الفصل التاسع عشر
خطبتى أمام أمير المدينة المنورة


(?) دعوة الأمير عبد الله السديرى أمير المدينة المنورة

فى يوم ?? يناير سنة ???? دعانا الأمير النبيل عبد الله السديرى أمير المدينة المنورة إلى مأدبة عشاء بقصره، وقد ألقيت فيها الخطب والقصائد، وألقيت خطبة في هذا الحفل جاء بها مما وعته الذاكرة: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أفضل الخلق أجمعين صاحب هذه المدينة الطيبة والمهاجر إليها والساكن بها والمبعوث منها يوم الدين.
لا يمكن لإنسان مهما كانت قوته وفصاحته فما بالكم بضعيف عاجز مثلى أن يرفع صوته متكلما أو خطيبا في مدينة النبى، ولكن الذى يبرر جرأتى حبى وامتلاء نفسى بأجمل المعاني وأجل المقاصد، وإننى منذ لمست جبهتى تراب هذا البلد الأمين الذى وصفه الرسول بأنه شفاء من كل داء وأنا أشعر بحياة جديدة تدب في روحى وعقلى وقلبى وجسدى، حياة ملؤها الإيمان واليقين والثقة، حياة روحها الحب الخالص والاطمئنان الشديد بعد الشوق الملتهب، ومهما قلت في هذا المعنى فإن اللسان يعجز ومعين البلاغة ينضب ما لم يدركنى المدد من الله والمعونة من روح رسول الله وحبيبه.
سمعت في هذا القصر على لسان بعض عظماء البلاد العربية سؤالا ظاهره الاستعلام وباطنه الدهشة من اتخاذ البلاد العربية وطنى العزيز مصر زعيمة للبلاد العربية، وأنا أعلم أنه طرح على بساط البحث بحسن نية وكيف لا يتوافر حسن النية في مكان إن لم يكن أطهر بقعة على سطح الأرض بعد الكعبة المشرفة، فهو بلا شك مهبط الوحى ومصدر الإلهام ومقر خلافة الإسلام مئات السنين وكعبة الزائرين المتشرفين بحب الرسول منذ ألف وثلثمائة عام، والحقيقة أن مصر لا تتمايز على أحد من الأوطان الآخرى إلا بانصراف كثير من علمائها ومفكريها إلى التعاون مع هذه البلاد المقدسة على إنهاض الإسلام وخدمة المسلمين والإشادة بسيرة رسول الله الذى بعثه ربه وربنا رحمة للعالمين. أما كثرة العلم أو كثرة المال والمكانة السياسية ومظاهر الحضارة وتوافر أنواع السعادة المادية والمعنوية والنبوغ في فنون السياسة والحرب والضرب بكل أداة وسهم في فروع الإصلاح الاجتماعى، فهذه كلها وإن كانت نعما ومزايا لا يستهان بها إلا أنها وربى تتضاءل حيال هذه المدينة في ماضيها وحاضرها. فماضيها معروف للجميع إذ كانت مؤئل الرسول والصحابة وخاصة المهاجرين وملجأهم ومستقرهم ومعقلهم وحصنهم وموطن الدولة الإسلامية من بدء نشأتها إلى أن بلغت أشدها، ومن هذه السهول والوديان سارت جيوش النبى في مغازيها وفتوحها، ومن أطامها وقلاعها تجهزت جنود الله للحروب التى كانت في أول أمرها غزوات صغيرة بدأت بموقعة بدر الحاسمة في تاريخ العالم وانتهت بفتوح مكة التى أيدت الإسلام تأييدا أبديا على وجه الدهر — إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ? إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا. وقد قضى رسول الله ومن معه أياما بل أشهرا وأعواما عصيبة منذ بركت ناقته المباركة في مبركها المعروف بقباء إلى أن دخلت جيوشه المظفرة أبواب مكة المكرمة، ومن عجائب الأمور التى لا تتم إلا بمعجزة من أعظم المعجزات، أن خالدا بن الوليد رضى الله عنه الذى كان السبب الأول فيما جرى في موقعه أحد وكان على رأس فرسان المشركين، هو نفسه الذى دخل تحت أعلام رسول الله فاتحا مكة. وعندما قال أحد مشاهير الصحابة ولعله سعدا بن أبى وقاص «اليوم يوم الملحمة» أجاب رسول الله «اليوم يوم المرحمة!» فكيف لا نمجد المدينة وكيف لا نقدسها وهي وطن الأنصار الذين نصر الله بهم نبيه فلم يرتابوا في أمره، ولم يشكوا في رسالته، ولم يخافوا قريشا وحلفاءهم ولم يدعهم إلى التردد فقر النبى ولا ضعفه ولا تألب القبائل عليه وإعراضهم عنه وحكمهم بنفيه وتشريده من وطنه بعد أن عجزوا عن مقاتلته والتآمر على قتله.
لقد كان إحساسنا عجيبا عند دنونا من أسوار المدينة وعندما بدت لنا قبة الحرم النبوى ومآذنه الخمس، بل منذ وطئنا أرض الحجاز بجباهنا كان شغلنا الشاغل بعد أداء فريضة الحج أن نستمتع بالزيارة وأن نقف حيال مقصورة الرسول خاشعين وأن نصلى في الروضة الشريفة بين المنبر والبيت التى وصفها الرسول بأنها روضة من رياض الجنة. وهذه الأحاسيس القوية العجيبة هي التى ملكت علينا أفكارنا وأذهلتنا ذهولا مبارك فلم نشعر بمتاعب الطريق ولم نتململ ولم نشك ولم نجع ولم نظمأ، وإن كنا أكلنا فقد أكلنا تشبها بالآكلين دون أن نشعر بمسغبة، وإن شربنا فما شعرنا بعطش بل كان ارتواؤنا بشعورنا كافيا وكاملا، وإن نمنا فى الطريق فإنما كان نومنا غرارا تمازجه أسعد الأحلام وأبهى الرؤى للقرب من بلد الحبيب.
كنت أنا الضعيف بالذات قبل الورود على هذا المنهل العذب وأنا بعيد في وطنى الثانى وفى الليل البهيم أشعر بوهج نيران الشوق تصعد من أعماق أحشائى إلى صدرى وقلبى، وكانت أمواه دموعى لا تطفىء هذه النيران المتأججة إلى أن من الله على بهذه الزيارة وهذه الوقفة وتلك الصلاة وهاتيك الجولات في الجوار وتلك التجليات، فخفت وطأة النيران وتحولت نورا وشوقا ملحا إلى الإقامة الدائمة ولكن ما أصدق المحب الذى له فضل السبق وهو الذى قال محبتى تقتضى مقاهى وحالتى تقتضى الرحيلا.
يتكلمون عن أنوار المدينة ويتبادلون الرأى ويعللون بأنها نتيجة لحالة نفسية وأنها عدوى معنوية تصيب العاشقين فيتوهمون. والحقيقة أنها حقيقة تبدو في لمحات تراها الروح ثم تراها العين. ولا يمكن الإجماع والتواتر أن يخطئا معا وقد لمحتها وأدركتها بعد أن كنت أحن إليها. دع عنك هذه الراحة التى شعرت بها بعد السفر والعادة أن لوعثائه تعبا ولمتاعبه أثرا، ولكن حالتى كانت حالة قوة ونشاط وفتوة وعزم.
ولم أكد أشرف على باب السلام حتى تملكننى روعة الجمال وتجردت روحى من كيان الجسد وكان ما أملت ورجوت في الله أن يكون من الثبات والفرح والاطمئنان والبشرى ولك عقل خليق بأن يتزعزع، وكل قلب جدير بأن ينفجر، وكل نفس حقيقة بأن تطير شعاعا أمام هذا المنظر. إذ أننى لا أرى أمامى مسجدا ومحرابا ومنبرا ومقصورة وأساطين، بل أرى تاريخ الكون والعالم، وأرى بعين الحقيقة جنان الخلد ويد الرحمن وسر الخليقة والبعث وألمس عناية الله سبحانه وتعالى برسوله الذى خلده وشرح صدره ورفع ذكره وعززه ونصره، أرى عناية الله برسوله متجلية هنا في هذا المكان لينشر فضله في كل مكان، هذا النبى العربى في وطنه وهذا مسجده الذى فيه صلى وصام واعتكف وأم المؤمنين وخطب فيهم وبين لهم دينهم وتلا عليهم قرآنه، هذا هو المسجد الذى أسسه رسول الله على جزوع النخل وجعل سقيفته من عرائش الجريد فأراد الله أن يصير أجمل مكان للعبادة في العالم، وهذه هي الأساطين التى جلس بجوارها وقابل وفوده ومنها صرف حرسه عندما نزلت آية وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، وهنا كانت تتعبد عائشة وفي هذا البيت عاش رسول الله وحوله صحابته وقرابته وخلفاؤه وأعوانه وقواده وزوجاته وخدمه وبناته وابنه إبراهيم وكل من ورد ذكره في الحديث الشريف والسيرة المحمدية الطاهرة.
فى هذا المكان هنا وفي طرفة عين مرت أمام روحى تلك المظاهرة النورانية الكاملة وطافت بى تلك الأطياف الساحرة، في طرفة عين تجلى على هذا النور الخاطف ورأيت هذه الشخصيات وتلك العهود تمر سراعا ولكنها تترك في الروح أثرا لا ينمحى، فلم أشعر بغرابتى عنها ولا باغترابى عن وطنى، لأن هنا وطن الروح ومقرها الأبدى. فلم أفطن في أول الأمر إلى شيء من أشياء هذه الدنيا ولا إلى خاطر من خواطر هذه الحياة. إذ ما تكون الدنيا في عالم الروح وما هي المادة والمجد والسعادات في عالم اللا نهاية حيال تلك الأزلية التى لا تقاس ولا تذرع ولا توزن ولا تقدر.
ولكن حقيقة واحدة وقفت أمامى برهة وإن لم تشغلنى عما كنت فيه. تلك هي البرهان الأعلى الذى أراده الله ببقاء البلد والمسجد والمقصورة، فكم بلد بل أمة بك كوكب أعظم من أى بلد وأى أمه هلكت واندثرت في بحر ألف وأربعمائة عام في مشارق الأرض ومغاربها بل في آفاق السماء نفسها — كواكب لا عدد لها خبت نارها وانطفأ نورها وتلاشت ولم تعد مرئية ولا مسموعا عنها، ولكن مسجد الرسول ومقصورة الرسول ومدينة الرسول باقيات خالدات على ما كانت عليه في حياته وبعد التحاقه بالرفيق الأعلى، لا يحرسها جيش ولا تسهر عليها جنود ولا يتفانى أحد في شيء أكثر من تجميلها وتزيينها وترميم بعض ما يحتاج إلى الترميم منها.
تلك معجزة المعجزات. لا رسول ولا نبى له ما لهذا النبى، فلا قبورهم معروفة ولا أضرحتهم موصوفة، ولا معابد لهم تقام فيها الصلوات ولا ذكر لهم إلا في ثنايا الكتب المقدسة وعلى أطراف ألسنة المتعبدين حتى إن شرائع معظمهم قد زالت من الوجود وليس ما يدل عليها إلا إشارات خافتة. أما محمد عليه الصلاة والسلام فهذه آثاره وهذه آياته وهذه بيوته وهذا محرابه وذاك منبره وهنا بيته وبيوت زوجاته وبيوت صحابته وخلفائه، وفي ساحات هذا المسجد العظيم على مسمع من صاحبه الراقد فيه وبجواره صديقه أبو بكر وخليفتهما عمر ما زال القرآن مقروءا ومتلوا، وما زال الحديث النبوى محفوظا ومكتوبا ومدروسا ومفسرا. وهذه الصلوات الخمس تقام من الفجر إلى العشاء، وهذا البقيع الذى دفن فيه الصحابة وأفراد الأسرة المحمدية آل البيت، فذاك قبر ولده إبراهيم وهذه مدافن زوجاته وأحفاده الحسن وزين العابدين والباقر وبعض أعمامه وابنته فاطمه، فمن أين يأتى الشك وكيف يتسرب الارتياب. تلك الفكرة الدنيوية الوحيدة التى مرت بخاطرى فاستبقيتها في مكنونات نفسى.
تلك ساعات بل لحظات نحياها حياة صحيحة وهي التى نتزود منها لبقية العمر حتى ولو كتب الله لنا السعد بالعود الأحمد إلى مقام الرسول عليه الصلاة والسلام.
عندما من الله على بالزيارة الشريفة ووقفت بالمواجهة المكرمة لم أستطع رفع صوتى بالسلام والتحية وقد أخضعنى الله بدون إرادتى ولا علمى لطاعته في العمل بآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ وقوله لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا. وكيف لا تكون إقامتى في المدينة نعيما وعزا وسعادة وقد قال الرسول المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وهي التى تنفى خبثها، وقد قال الإمام مالك للرشيد «لا أوثر الدنيا على المدينة». وقد من الله سبحانه وتعالى على كل ساكن هنا بنعمة كبرى فإن الفوز في استيطانها والسعادة في مجاورتها فهى منبع أنوار الوحى المحمدى ومطلع أقمار الحقيقة الإسلامية والدار التى أختصها الله لهجرة حبيبه وظهور دينه ومحل إعلامه بالحق وإذعان الخلق وأحب البقاع إلى الله سبحانه وتعالى بعد مسجده الحرام وموطن أحب الخلق إليه ومهبط الملائكة المقربين ومنزل الروح الأمين ومثوى الأكرمين من السادة القادة الأنصار والمهاجرين، ثم جعلنا الله مصدر القوة ومقر الحكم وعاصمة الدولة ومصدر الشريعة ومنبع الحكمة المحمدية ففاقت عواصم الدنيا، فلا طيبة ولا منفيس ولا عين شمس ولا بابل ولا صنعاء ولا دهلى أو بكين في الشرق ولا أثينا ولا إسبرطة ولا رومة في الغرب بلغت إحداها ما بلغت هذه المدينة في العظمة والمجد والقوانين والسياسة والحكمة ومتانة الآداب ومكارم الأخلاق وحقائق الحضارة.
وما ظهرت عظمة العواصم العالمية كبغداد والقاهرة ودمشق وقرطبة وغيرها في الشرق والغرب إلا بفضل الأشعة النورانية والروحية والمبادئ الإنسانية التى انبعثت وانبثقت من هذه المدينة. ولم تقتصر مفاخر المدينة على ما أسلفت إجمالا لا تفصيلا، بل زادها الله فخرا على مفاخرها فاختارها محلا للطيب الجيد الكريم الزكى الطاهر الحكيم نور الآفاق المبعوث لإقامة الحق وإتمام مكارم الأخلاق سيد الكون وبطل الأنبياء أبى القاسم محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام، فجعلها مضجعا للطود الأسم والجبل الشامخ ومرقدا للبدر الزاهر والنور الباهر بعد أن كانت عرشا لدولته وديوانا لحكومته ومصرا لصحابته، فصارت مفزعا للمحبين المتشوقين وملجأ للعشاق الوالهين، وما أعظم فخرى أن أكون في صفوت هؤلاء المتعلقين بأهداب تمجيده وتعظيمه، الغارقين في محيط حبه.
فلا عجب ولا غرابة أن أسجل في هذا الموقف العظيم مظاهر حبى واحترامى، وكيف لا أغضى عند القرب من مرقد الحبيب الأعظم الذى حاطه الله بالعطف والحنان فانتشر الحنان والرحمة حوله حتى ليحفظ عقول المحبين وقلوبهم وأبصارهم ويثبت أفئدتهم وأقدامهم لدى المقابلة التى تملأ الروح قوة جديدة كما يملأ المحرك الكهربائى الأعظم أداة في أشد الحاجة للتيار الموجب للبقاء والانتعاش، وكيف لا أقوال «اللهم إنى أسألك الثبات في الأمر وعزيمة الرأى وشكر النعمة ووفقنى لحسن الأدب» حيال هذا النبى العظيم الذى قال الله تعالى مخبرا عن أدبه في ليلة الإسراء مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى?.
فحبنا لرسول الله يقتضى كثرة ذكره والثناء عليه والاقتداء به وطاعة الله، وما حب الرسول إلا من حب الله سبحانه وهو القائل قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ.
وفي ختام هذه الكلمة التى أفسحتم صدوركم لسماعها أشكر الله على أن أتاح لى ورفاقى هذه الزيارة المقدسة التى سافرت إليها أضعف ما أكون بدنا، فلم أكد أبدأها إلا وأنا بحمده أحسن ما أكون قوة وجلدا، وقد نظرت في نفسى فإذا هي تطهرت وأشتدت واستقامت وانتظمت، وما زلت أسير في طرق البلد التى سار فيها الرسول واستنشق الهواء الذى استنشقه واستقبل الهواء الذى استقبله ويقع بصرى على الجبال والوديان التى وقع عليها بصره الشريف وأشرف من الماء الذى شربه وأصلى في المساجد التى كرمها الله بصلاته وألثم الأرض التى سجد بجبينه الطاهر عليها وأتعقب خطواته المحببة في مسجده وحول مقصورته وأساطينه وفي الأزقة وفي موقعة أحد وفي البقيع وعند اللابتين وفي ثنيات الوداع، وعلى هاتيك الهضاب التى تسلقها وفي ذلك الفضاء الواسع الذى دوى فيه صوته خطيبا وقائدا وهاديا ومبشرا ونذيرا.
ربى أوزعنى أشكر نعمتك والصلاة والسلام على أفضل خلقك ورضوانك على آل بيته وصحابته وخلفائهم وأنسالهم إلى يوم الدين، والشكر لجلالة الملك عبد العزيز ولأمير طيبة النبيل عبد الله السديرى.
(?) موقعة أحد عن كثب

بادرت ورفاقى صباح ?? يناير سنة ???? إلى زيارة أحد، جبل أحد وميدان موقعة أحد. وقد مررنا بالجبل في طريقنا إلى المدينة ولا أدرى لم شعرت بالميل إلى هذا الجبل عندما وقع بصرى عليه. وكان النقيض أولى وأحق لأنه شهد هزيمة للمسلمين ما كان أغناهم عنها وما كان أحوجهم إليها! لست أدرى لم وقع في قلبى حب هذا الجبل وذكراه لا تسر ولم تكن الهزيمة هى وحدها التى حركت أشجانى ولكن مصرع حمزة بطل هذه الموقعة وبطل كل موقعة أو غزوة شهدها والسوء الذى نال ذكراه بالتمثيل الذى افتعلته امرأة كانت مشركة اسمها هند لا أدرى أم من أو بنت من تكون هذه الهند، وقد حزن الرسول حزنا مضاعفا سبعين مرة وعبر عن حزنه بالصلاة عليه مع كل شهيد صعد روحه إلى السماء في تلك الموقعة.
ولكن واعجبا كانت نفسى تتوثب وتفيض فرحا نقيض ما كنت أتوهمه قبل أن أرى أحدا بأعوام. كنت انتظر أن تفيض عينى بالدموع عند رؤية الميدان وأضرحة الشهداء وعلى رأسهم حبيب النبى وعمه الأعز حمزة الذى آمن به وجاهد في سبيل الله بجانبه ومحا زلة أبى طالب وكان في مقدمة الذين أشترى الله أنفسهم بأن لهم الجنة.
واعجبا ما علة هذا المرح في مكان يجب فيه البكاء، ألم يحرح النبى في هذا المكان، ألم تسر شائعة خبيثة بأنه قتل ونزلت هنا آية وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ? أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى? أَعْقَابِكُمْ؟!
ولم أفطن أبدا لغبائى وفرط جهلى وقصور عقلى أنها كانت هزيمة محتومة واجبة، لأن الله قلبها نصرا مبينا وجعل منها درسا عميقا للمسلمين واستبان فيها الحق وحصحص، وظهر المنافقون واليهود على حقيقتهم، ورفع رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول عن وجهه تلك الأقنعة السبعة التى كان يسد لها على سخائم نفسه وتكاد تطل من عينيه، وكان يحسد الرسول وينفس عليه الرسالة والوحى والسلطان الذى دانت له القبائل في البدو والحضر، فكان عدوا في ثياب صديق.
وأعجبنى في أحد أنها ما زالت محتفظة بحقيقة أوضاعها، فهذا الجبل لا يتقلقل ولا ينقل، وهذا الوادى الفسيح خير ميدان للقتال أحسن النبى أختياره وأحكم وضع خطته وأتقن تقسيم قواه الحربية قائدا محنكا على قلة جيشه وكثرة عدوه. وإن كان المشركون قد اختاروا ميدانهم وحتموا الحرب على المسلمين في هذه البطحاء، فيا لهم من دهاة حرب وقد تحملوا عناء الانتقال بعددهم وعددهم وقضهم وقضيضهم مسافة ??? كيلو مترا ومعهم الزاد والعتاد والإبل والنساء والطبول وخط رجعتهم طويل وطريقهم إلى «مكتهم» وعرة محفوفة بالمكاره وقد حشدوا الجنود وحملوا السلاح والعمد والأوتاد لينتصروا أو يهلكوا فيهلك معهم الشرك والكفر والنفاق.
ومهما تكن حوادث أحد دامية أليمة فقد تجلت فيها بطولة المسلمين ونصرة الله إياهم بأن لموا شعثهم وجمعوا كلمتهم واتقوا اقتفاء العدو أثرهم إلى المدينة وهي على قيد أميال معدودة، ووفقهم الله وهداهم إلى أن جعلوا من هذه الهزيمة نصرا مبينا، وقد تقع في بعض الأذهان استحالة ذلك فلا يتخيل إنسان أن هزيمة تكون نصرا. ولكن البريطان في الحرب هذا الزمان جعلوا من هزيمتهم في دنكرك أحد ثغور فرنسة الشمالية نصرة ومعجزة وكرامة وإن فقدوا فيها زهرة شبابهم وخيرة قوادهم وسراة جنودهم وأغلى ما ادخروه من سلاح وذخيرة، حتى لقد نعى رئيس وزارتهم وأعول في خطبة رنانة رددت صداها أسلاك البرق في أنحاء العالم وعدها الأعداء قبل الأصدقاء شجاعة في وقت الشدة وجرأة في الاعتراف بالواقع، قال الرجل إن ما أعدوه في عامين أو ثلاثة راح في ضحوة نهار، وحاول الأعداء أن يهلكوا البقية الباقية فتعقبوا الفارين وحصروهم بين ماء البحر ونيران القنابل، ولكنهم بعد ذلك صمدوا وجمعوا من عناصر الضعف وحدة للقوة ومن شتات الشمل ربطة وعصبة.
ولا أشبه أهل أوروبا بأحد من العرب الذين رفعوا راية الإسلام في أحد، ولكن التاريخ يعيد نفسه ويتكرر في صور متشابهة في حياة الأفراد والجماعات، فقد صارت أحد واقعة شهيرة لا بهزيمة المسلمين النكراء التى سببتها مطامع فرقة من الحرس وخروجهم عن طاعة أمر الرسول ولكن بما تلاها من الواقعات.
وإن في حلكة هذه المعركة لأشعة من نور الإيمان والبطولة تتجلى في النساء والرجال لم يسعنى وأنا واقف في هذا الميدان الضاحى المتلألأ بأنوار الصباح والحافظ في ثنايا أثيره لأشباح وأرواح إلا أن تمر بذهنى كأنى أراها وأسمعها، حوادث ماثلة في عالم الحقيقة لا فى عالم الخيال وحده، فهذا أنس بن النضر الذى غاب عن غزوة بدر وكان قد حزن لذلك النصر الذى فاته أن يساهم فيه فقد قال للرسول: لئن الله أشهدنى قتال المشركين ليرين الله ما أصنع.
فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء.
يقصد إلى أصحابه الذين تركوا حماية ظهر الرسول وهو واقف موقف القيادة على تلك الربوة التى أراها وراء ظهرى وقد بنيت عليها دور ونبتت في سفحها منازل. لم يعتذر أنس ابن النضر (وهم عم أنس بن مالك الذى سمى باسمه) عن فعلة أصحابه بل تبرأ إلى الله أيضا مما فعل المشركون.
وتقدم أنس ابن النضر أحد أبطال أحد إلى سعد بن معاذ وقال له: يا سعد بن معاذ! الجنة ورب النضر إنى أجد ريحها من دون أحد.
وكان هذا الرجل صادقا فيما قال وليس في قوله ذرة من خيال، فإن نظرية تداعى الأفكار Association des Idèes في الفلسفة الحديثة وعلم النفس تؤيده، فإنه لم يشم ريح الجنة توهما ولكن حقا، وتعليل ذلك أن صدق إيمانه قد ذهب به إلى درجة الإحساس بنعيم الجنة فعلا فصار يشم رائحة نعيم الجنة حقيقة حال جهاده. إن قانون تداعى الأفكار أو الخواطر وترابطها قانون ثابت من قوانين علم النفس وهو ورود الخواطر في الذهن يتلو بعضها بعضا، وهذا الرجل أنس بن النضر مثال حى لهذا القانون النفسى. أنظر إنه غاب عن موقعة بدر فتمنى إلى الله أن يشهده قتالا آخر مع المشركين، إن غيابه ينطوى على عجزه فتداعى إليه خاطر يمثل موقعة أخرى تكون فيها الغلبة للمسلمين كبدر يكون له فيها قدح. ويعد الرسول ويعاهد الله على الاستبسال فينهزم أصحابه فيعتذر لهم، وفي الوقت نفسه عن طريق تداعى الخواطر يبرأ إلى الله من فعل المشركين، ثم هو يرى الميدان ويصمم على الوفاء بوعده للرسول وعهده لله فيعزم على التضحية وبذل النفس. فتحضر له صورة الجنة ويشم ريحها، لأن التضحية والاستشهاد في ذهنه قد جعلنا في القرآن والحديث قرينين للجنة فصار يشم رائحتها حقيقة.
ولأجل أن تقرب الفكر من ذهن المستزيد نقول إن خواطر الحرب والنصر والاستشهاد والوفاء بالوعد والعهد كانت تجرى في ذهن أنس بن النضر بحيث يشعر بها قوية فوارة، وكانت متصلة ببعضها بعضا بدر، أحد، الله، الرسول، التضحية، الجنة، الاعتذار عن هفوة المسلمين الذين تنحوا عن ظهر القيادة العليا، التبرؤ من فعل المشركين.. طبقا لنظام محدود، هذا التتابع في الخواطر هو التداعى بنفسه، فغيابه عن بدر دعا حضوره في أحد، واعتذاره عن انهزام الحرس وتكالبهم على أسلاب المشركين الذين ظنوهم مغلوبين فارين دعا البراءة من فعل المشركين بما فيهم انتهاز خالد بن الوليد على رأس الفرسان فرصة الارتباك في صفوف المسلمين وانحصارهم بين نارين، وخاطر دخوله في المعمعة وبذله أقصى الغايات حتى الموت دعا إلى ذهنه خاطر الجزاء الأوفى للشهداء والمجاهدين وهو نعيم الجنة، ومن هنا شم ريحها وقال لسعد بن معاذ: الجنة إنى أجد ريحها من دون أحد، فكان قوله صدقا وحقا، لأنه نتيجة حقيقية لتداعى الخواطر في ذهنه وإن لم يكن صرح بها لسعد لأن الوقت لا يسمح ولعله لا يدرك طريقه هذا التداعى، لأن الخواطر كما تجرى في الذهن قد تهبط إلى هامش الشعور أو تصدر عن اللا شعور فتحدث حالات نفسية متتالية. ولكن هذا كله قد سبقه يقين ثابت في نفس صافية نقية بأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. فكان أنس بن النضر لا يبالى بمفارقة الحياة ولذاتها بل يحتقرها ويهجرها عمدا ويتمنى الموت في سبيل الله كى يظفر بما تتوق إليه نفسه من حب الرسول ومرضاة الله.
ولكن أنس بن النضر لم يقف طويلا عند هذه الحقيقة التى كانت أمنية مجردة، فهجم على أعدائه وهو يضرب فيهم ذات اليمين وذات الشمال، وسعد بن معاذ ينظر إليه ويعجب من تنكيله بالمشركين المنتصرين حتى قال لرسول الله: فما استطعت يا رسول الله أن أحصى ما صنع أنس بالمشركين.
لأن استبساله لم يشعره بخوف أو وجل على نفسه ممن قد يكون بين المشركين من أمثاله المستبسلين في سبيل عقيدتهم أو عصبيتهم وحميتهم وهو وهم من عنصر واحد وشجاعة واحدة لم يفرق بينهما إلا عقيدة التوحيد وشخصية الرسول. فكان أنس في ذلك اليوم المشهود يحارب وهو موقن بأنه صائر إلى الفناء لا محالة وأنه سيلقى حتفه بلا ريب، وقد وجدوا بجثته بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بسهم وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته.
كان جزاؤه في الدنيا أن نزلت فيه آية مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ? فَمِنْهُم مَّن قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ? وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
إنى عرضت لذهنى هذه المواقف الجلى وأشباهها مرات ومرات بضعفى واستكانتى لدى هذا المشهد العظيم. ما أنا؟ من أنا؟.. بعد ألف وأربعمائة عام في أرض تخضبت بدماء الأبطال من شهداء الإسلام. ما نحن؟.. من نحن في هذا العصر الذى تبدلت فيه الأحوال وانزوت الأمم فى زوايا اللذات والمطامع وصار الجبن والحرص أكبر ما يتحكم في الضمائر. ما نحن.. ومن نحن حيال هذه البطولة الماثلة والعظمة التى لا تزول ولا تتضاءل؟ ما أنا.. من أنا؟ عابر سبيل ينتمى عن بعد سحيق تمشى على هامة الأجيال إلى هذه العصبة الطاهرة المجاهدة بزعامة الرسول. لست زائرا ولا سائحا ولا مستطلعا ولا معتبرا، ولكننى جئت مشاركا خاشعا ومصليا خاضعا وممجدا لهذا الماضى الجليل، راجيا داعيا جاثيا أن يعيد الله إلى قلوب أقوامنا ذلك الإيمان الذى كون رجالا كأنس بن النضر.
ألا إنى أشفق على هذه الأرض أن تطأها قدمى وهي خليقة بأن تمسها شفتاى وجبهتى. أحب أن أقيم هنا في نور النهار وظلام الليل وفي وحدة الجبل وصحبة الوادى أحس حفيف أجنحة الملائكة واستمتع بأخيلة الأرواح المرفرفة.
ظن المشركون أن هذه الموقعة هزيمة خاتمة وأنهم استراحوا من محمد وجيوش محمد وقرأن محمد وأبطال محمد. كما أيقن الأوربيون أن وقعة «وطرلو» ختمت حياة نابوليون. ولكن شتان بين الوقعتين. فقد كانت أوامر بونابرت هي التى سببت الهزيمة، أما في أحد فقد كان عصيان بعض الجند سبب الهزيمة. وكان بونابرت في ختام حياته الجندية، أما محمد فما زال بعد الخمس والخمسين في عنفوانه، وما زالت أمامه حروب ومواقع وغزوات ومشاهد في مكة والمدينة وحنين وقينقاع وخيبر، ولم يتطرق ضعف إلى بدنه أو ذهنه أو روحه بل كانت عناصر حيويته فى نماء وتقوية نادرتين ومخالفتين لقوانين الطبيعة بعد الكهولة.
ولم يكن أنس بن النضر بأدبه ومنطقة وهدوء أعصابه وصدق تصميمه وتفانيه في الوفاء بوعده وعهده بدعا بين الصحابة الذين يعلمون من شجاعة نبيهم وفضيلته فوق ما يتخيله العقل، أليس هو القائل «والذى نفسى بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عنى ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل».
أسمعت؟ إن النبى لا يرى أن حياة واحدة تكفى لشفاء غليله من الجهاد في سبيل الله، بل يطلب حيوات متعددة واستتشهادا يتكرر. إنه يعتذر عن تخلفه عن بعض السرايا ويتمنى أن يذهب مقاتلا مع كل جماعة سواء أقلوا أم كثروا لا أن يبقى مع الصحابة الذين لا يستطيعون الغزو ولا تطيب أنفسهم بالبعد عن الرسول مع القلة في معدات الحرب.
لا يشير الرسول إلى تعدد الحياة الإنسانية على ظهر الأرض، ولكنه أراد التعبير بأبلغ ما تصل إليه من الرغبة في إطالة العمر للجهاد. وقد نسبت مثل هذه الأمنية إلى أحد أبطال الوطنية الهندية في العقد الأول من هذا القرن فكان لها دوى في العالم ونقلت إلى كل اللغات، لأن الرجل وهو على النطع قال إنه يهب حياته لأمه الرؤم (الهند) ويتمنى أن يموت ثم يبعث فيجاهد في سبيلها حتى يستحق الموت فيموت ثم يبعث فيجاهد ليموت ثم يبعث وهكذا إلى آخر الدهر.. وهذا القول الذى أثار إعجاب الأمم حتى الذين وقفوا منه موقف العداء وقضوا عليه بالقتل، كان الهندى مسبوقا إليه بألف وأربعمائة عام على لسان النبى العربى في مجال أليق وأدق، ولكن سواء أكان الهندى يعلم ما قيل قبله أم لم يعلم فإن هذا الخاطر يعد أعلى ما وصلت إليه النفس البشرية في حب التفاني في المبدأ وطنيا كان أم دينيا. ووروده على لسان النبى والزعيم يجعل له شأنا أعلى وصدوره عنه منذ ?? قرنا يزيد في قيمته ويرفع من قدره.
وإن لهذه الرغبة في تعدد الحياة للنيل من الخصوم في سبيل المبدأ، قد جعلها الله للمسلمين الأولين في جهادهم أية ونص عليها نصا صريحا. لم يطلب النبى تعدد الحياة وتكرار العيش والموت ولو قتلا حبا بالحياة أو حبا بالقتل ولكن ليتمكن أكثر من أعداء الله وأعدائه فقال الله يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ? إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ? وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ * الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ? فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ? وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ ? وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
هذه أحد. هذا جبل أحد ومكان الموقعة لست بمجال الكتابة عليها بالتفصيل وقد وفيته حقه في كتاب بطل الأنبياء، فلا أعود إليه وأنا هنا عابر سبيل لا مؤرخ. أنا زائر لأحد المشاهد. أمام المسجد الذى صليت فيه والبئر التى توضأت منها وضريح حمزة الذى ما زالت معالمه ظاهرة وأضرحة المؤمنين المجاهدين الذين، وإن فنيت معالمها الخارجة، فإن أبدانهم ما زالت على نضرتها وخضرتها، وإن بليت تلك الأبدان فما زالت أرواحهم في نعيم الجنة الذى اشتمه أنس بن النضر.

الفصل العشرون
مزارات المدينة المنورة


المزارات التى قمنا بها في ضواحى المدينة المنورة يوم ????/?/?? (?) الآبار

وأولها بئر الخاتم، وهذه البئر واقعة غربى مسجد قباء بنحو ?? مترا ويصعد إليها بدرج فى بناء عتيق وعمقها حوالى اثنى عشر مترا وحولها لفيف من الناس يخرجون الماء ويسقون الزائرين وماؤها عذب وعليها قبة وبجوارها حمام وبركة، والماء يستخرج منها بواسطة (السانية)، وبجوارها قبة أخرى ذات محراب عليه كتابة باللغة التركية وهي منسوبة لصاحبها أريس ولا يعلم وقت حفرها، والماء غزير شديد الحلاوة لأنه نابع من الصخور، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يجلس على قفها ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، وقد سميت بئر الخاتم لأن خاتم النبى الذى ورثه أبو بكر فعمر فعثمان سقط من إصبع عثمان ابن عفان فيها بعد ست سنوات من خلافته، وقيل إن رسول الله تفل فيها فأكسبها هذه الحلاوة.
وقد اشترى عثمان بئر رومة (بناء على إشارة النبى وجعلها وقفا على المسلمين) من صاحبها اليهودى بمائتى ألف درهم، ولما ثارت المدينة على عثمان ومنعت عنه الماء حتى أشتد ظمأه فصعد إلى أعلى منزله الذى رأيناه وقال أيها المسلمون أتعلمون وتشهدون أننى اشتريت بئر رومة ووقفتها عليكم فكيف تحرموننى شربة ماء.
وأشار النبى على أبي طلحة الخزرجى المثرى الشهير أن يقف بئر حاء ففعل ووقفها على المسلمين لما سمع قول الله لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى? تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، لأنها كانت أحب أمواله إليه فقبل منه الرسول أصل رغبته.
وبئر بضاعة باقية إلى الآن مثل كل هذه الآبار وكانت تابعة لسقيفة بنى ساعدة بالسحيمى وتبعد عنها ? دقائق والبئر والسقيفة كانتا لبنى ساعدة وبين البئر والسقيفة زقاق ضيق.
وبئر السقيا جنوبى محطة السكة الحديد شرب منها الرسول وتوضأ وعلى أرضها عرض الجيش الذاهب إلى بدر واشتراها سعد بن أبى وقاص.
وبئر عروة نشرب منها طول إقامتنا في المدينة وهي بطرف حرة الوبرة الغربى عن يمين الطريق لمن يسافر إلى مكة وتبعد عن المدينة ?? دقيقة من باب العنبرية ويستخرج ماؤها بالدلاء تارة وبالسانية طورا، وأمواهها غزيرة وصافية وأشهى مياه المدينة ولها لذة خاصة وليس بالمدينة عين أعذب منها وكان ماؤها يرسل في قوارير إلى هرون الرشيد، وعروة هو ابن الزبير، وماؤها كأنه معدنى خفيف يفيد الكلى والمعى ومستساغ جدا وفوق ماء الزرقاء بمراحل، والزرقاء في المدينة كعين زبيدة في مكة وجلبها معاوية.
بئر عثمان في طريقنا إلى أحد وهي في مزرعة وماؤها حسن وقد زرناها قبل الظهر وهي واسعة وعميقة جدا والوصول إلى مائها شاق ولم أجد في كتب تاريخ المدينة ما يبرر تسميتها ولكن هذه شهرتها.
(?) أودية المدينة

أهم الأودية وادى العقيق ويقع في غربى المدينة ويشقه طريق مكة وأقرب الطرق من المدينة إليه باب العنبرية ويبعد عن المدينة نحو نصف ساعة وهواؤه صاف منعش وتربته رملية تكتسى حمرة في الغالب. وهو الآن مملؤ بالتلال الخربة وهي آثار قصور منها قصر عروة بن الزبير وقصر مراجل وقصر عبد الله بن عامر ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص ويزيد بن عبد الملك بن المغيرة وقصر عاصم بن عمرو بن عمر بن عثمان بن عفان وقصرى عنبسة وعبد الله أحفاد عثمان بن عفان.
هذا قليل من كثير من قصور وادى العقيق، وكانت به بساتين ومزارع لأبى هريرة وعروة بن الزبير ومروان بن الحكم ومزارع الجرف التى منها الزين مزرعة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وليس بوادى العقيق اليوم إلا مزارع وبساتين متفرقة تعرف بمزارع الإحساء، وفى البخارى أن رسول الله قال «أتانى الليلة آت فقال صلى في هذا الوادى المبارك»، وبدأ عمرانه من الوقت الذى أقطع فيه النبى كامل العقيق لبلال بن الحارث المزنى بحجة نبوية نصها «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله بلال بن الحارث أعطاه من العقيق ما أصلح فيه معتملا وكتب معاوية» ا.هـ.
فلم يعمل بلال شيئا في العقيق، فنزع عمر بن الخطاب ملكيته وأقطعه الناس لاحتياجهم لما كثر الناس في المدينة حيث كانت العاصمة. إذن عمران العقيق الفعلى مقرون بحادثة تصرف عمر فيه فأنشئت به البساتين والقصور الفيحاء.
ومنها وادى بطحان بغربى مسجد المصلى من المدينة إلى الحرة الغربية، وروى عن عائشة أن رسول الله قال «إن بطحان على ترعة من ترع الجنة»، ووادى مذينيب على سبعة أميال من المدينة وعليه كانت منازل بنى النضير وهم أول من حفر به وبنى وغرس ونزلت عليهم بعض قبائل العرب، وقد أجلى النبى بنى النضير بسبب غدرهم في غزوة الأحزاب فأصبحت من أملاك المهاجرين قسمها النبى بينهم خاصة دون سواهم إغناء لهم وكان ذلك برضى الأنصار.
وهذه الأودية وغيرها أودية سيول عددها ستة تكتنف المدينة المنورة. وأما اليوم فالعقيق مقفر، ووادى رانوناء فأرض بلقع وكان متنزها جميلا وقد نقر في أحد صخوره بخط قديم وهى صخرة عظيمة جدا بقرب السدود التى بوادى رانوناء على يسار الذاهب إليهما من قباء:
هضاب بهذا السد بالصلد كلهاعلى كل واديها جنان من الأرضوإن الغوانى لا يزلن يردنهوكل فتى سمح سجيته غض(?) الجبال

أحد والحرتان

قال رسول الله: هذا جبل يحبنا ونحبه وبه الوقعة المشهورة سنة ? هجرية، وهو صخرى من الجرانيت طوله من الشرق إلى الغرب ستة آلاف متر وفيه رؤوس وهضاب كثيرة حتى كأنها جبال مستقلة ولونه أحمر وألوان أخرى كالأخضر والإثمد والأصفر.
وأثناء زيارتنا لموقعة أحد رأينا جبل عينين أو جبل رماة وهو صغير أحمر جنوب ضريح حمزة يفصل بينهما وادى قناة وفي ركن الجبل الشرقى مسجد صغير وبيوت وحوانيت لبعض أهل المدينة، وكان مصرع عم الرسول في موضع المسجد المشار إليه صلى النبى عليه في هذا الموضع وعلى جبل عينين وضع النبى ?? راميا وأمرهم بعدم التحرك.
عندما وقع بصرنا على جبال الحجاز لأول مرة في طريق جدة إلى مكة جزمنا فورا بأنها من أصل بركانى وقد أيدنا في هذا الرأى بدون اتفاق سابق أحد أساتذة كلية العلوم بالجامعة المصرية في محاضرة ألقاها بمنى في اجتماع أعضاء بعثات الجامعة والأزهر وطلاب العراق، وتأيد الرأى كلما توغلنا في الوديان المنشقة بين الجبال على طول الطرق التى قطعناها فى جملة ليال وأيام بين مكة والمدينة حتى بلغنا الحرتين أو اللابتين وهما المنطقتان السوداوان المحيطتان بالمينة عند مدخلها، وهما من الحجارة السوداء النخرة المؤلفة من السوائل البركانية المتجمدة، وهما حرة واقم وحرة الوبرة (راجع الحديث النبوى)، وواقم اسم حصن بنى الأشهل، وفي حرة واقم كانت منازل بنى النضير وبنى قريظة من اليهود ومنازل بنى ظفر من الأنصار وبنى عبد الأشهل وبنى زعور الأنصاريين وما زال هنا مسجد باسم بنى ظفر.
أما حرة الوبرة ففى ضاحية المدينة الغربية وبها المدرج الذى يقال إنه ثنية الوداع وبها منازل بنى سلمة وقصر عروة وبئره ومزارعه وبعض قصور العقيق ومسجد القبلتين.
والمناصع وزقاق البدور يتخلى فيها لقضاء الحاجة، والمهراس وهو أقصى شعب أحد يجتمع المطر في نقر كبار وصغار، والمهراس اسم لتلك النقر. عطش رسول الله يوم أحد فجاءه على فى درقته بماء من المهراس فوجد له ريحا فعافه وغسل به الدم عن وجهه وصب على رأسه، وهو المهراس الشرقى دون الغربى والطريق إلى المهراسين من قبور شهداء أحد:
فسل المهراس ما ساكنهبين أغراس وهام كالحجل وزغابة موضع قرب المدينة آخر العقيق غربى قبر حمزة، وبها كان نزول قريش في غزوة الخندق وهي مجمع سيول المدينة.
ويثرب اسم كان يطلق في الجاهلية على عموم المدينة وقال الله يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ وهو اسم إحدى قرى المدينة وأكبرها وأصلها اسم رجل هو ابن عبيل أول من نزل المدينة. وكان بقربها سوق وبها أطلال منازل يقال إنها كانت ليهود يثرب واستوطنها بنو الحارثة من الأنصار بعد نزوح اليهود.
البقيع معناه موضع أصول الشجر وهو مقبرة المدينة منذ عصر الرسالة إلى اليوم، وبها ????? صحابى وهي على مقربة من باب الجمعة.
(?) أبواب المدينة

بدأ تحصين المدينة من وقعة الخندق، ولها الآن سور قوى، ولها الباب المصرى والباب الشامى وباب قباء وباب بصرى، والباب المجيدى وباب الجمعة وباب الحمام، والباب الجديد.
(?) الأسواق

أراد رسول الله أن يجعل للمدينة سوقا فأتى سوق بنى قينقاع ثم جاء سوق المدينة فضربة برجله وقال: «هذه سوقكم فلا تضيق ولا يؤخذ فيها خراج» وهي تسمى بالمناخة وبها الآن عمارات وحوانيت ومخازن، ومن الباب المصرى السويقة التى بها أكثر متاجر وأغناها في المعادن والأقمشة.
أما ثنية الوداع فهى بين هضبتى سلع، وهما اثنتان واحدة على طريق مكة والأخرى على طريق الشام وهي التى استقبل بها الرسول أهل المدينة منشدين:
طلع البدر علينامن ثنيات الوداعوجب الشكر عليناما دعا لله داعأيها المبعوث فيناجئت بالأمر المطاع(?) الخندق

كان حفره من شمال المدينة الشرقى إلى غربيها وكان حده الشرقى طرف حرة واقم وحده الغربى غربى وادى بطحان حيث طرف الحرة الغربية (حرة الوبرة)، فكان شكل نصف دائرة، طرفها الغربى يقع غربى مسجد المصلى والشرقى عند مبتدأ حرة واقم في الشمال الشرقى. وهو اليوم مطمور ولا يعرف موضعه بالتحقيق لأن وادى بطحان استولى على موضعه وصار مسيله فى الخندق.
(?) سقيفة بنى ساعدة

جلس فيها النبى وفيها بيعة أبي بكر وهي خارج سور المدينة قريبا من بئر بضاعة وفي طريق السحيمى المتجة شرقا من الباب الشامى إلى باب بصرى خارج السور، بناء ذو شرفات وبابه مسدود وبجانبه قبة صغيرة هو سقيفه بنى مساعدة.
(?) المساجد

مسجد بنى ظفر، أتى النبى بنى ظفر في مسجدهم هذا فجلس على الصخرة التى فيه ومعه بعض الصحابة وأمر قارئا فقرأ حتى أتى فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَـ?ؤُلَاءِ شَهِيدًا. فبكى الرسول حتى اضطرب لحياه فقال: أى رب! شهيد على من أنا بين ظهرانيهم فكيف بمن لم أر.مسجد القبلتين (زيارتنا له ????/?/??) على هضبة مرتفعة من حرة الوبرة يشرف على وادى العقيق وفي القسم الداخلى منه محراب لمكة وفي الخارجى محراب للشام، صلى فيه الرسول إلى بيت المقدس، وفيه أمر بالتحول إلى الكعبة واستقل المسلمون وغيظ اليهود فقالوا مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فأجاب الله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ? فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ.مسجد ذو باب ضرب النبى فيه قبة في غزوة الخندق. مسجد الفتح على قطعة من جبل سلع في ناحيته الغربية ويشرف على مجرى سيل بطحان ومبنى فى عهد الرسول ويوصل إليه بدرج عدته ?? درج، دعا فيه الرسول على الأحزاب في وقعة الخندق ثلاث مرات، وفي الثالثة استجيب له فعرف البشر في وجهه، ولما فتح على المسلمين من تفرق الأحزاب وعودتهم سمى المسجد مسجد الفتح. (?) الدور

دار أبى بكر: اقتطعها له الرسول شرقى المسجد النبوى قبالة دار عثمان الصغرى وهي فى الطرف الشمالى من طريق البقيع وبها توفى أبو بكر. دار أبى أيوب الأنصارى: أحد بنى النجار من الخزرج أخوال عبد المطلب جد الرسول، وفي دار أبي أيوب هذه كان نزول الرسول أول مقدمه إلى باطن المدينة من قباء، أقام فيها بين سبعة أشهر واثنى عشر شهرا وكان مقامه من الدار بالسفل ثم انتقل بعد ذلك إلى العلو، وكان نزل بدارى كلثوم بن الهدم وسعد بن خيثمة الأنصاريين أول مرة حين وصوله إلى قباء مهاجرا من مكة إلى المدينة. والقصر الوحيد الذى ما زالت أطلاله ماثلة هو قصر سعيد بن العاص بالعقيق.

الفصل الحادي والعشرون
خواطر العودة


(?) ابتهال

كلما أظن أننى ختمت رحلتى إلى الحجاز أعود فأذكر أننى نسيت شيئا ثمينا، لابد من تدوينه أو كلمة طريقة سمعتها أو خاطرا جميلا مر بنفسى أثناء السعى أو الطواف أو بالوقوف بعرفة أو زيارة الحرم النبوى على صاحبه أفضل الصلاة والسلام. ثم يلحقنى الشوق إلى تلك الأماكن المقدسة التى لم أعرف قدرها حق المعرفة أثناء زحمتى في السفر والانتقال والحركة الدائمة التى يقتضها أداء الفريضة، فألوم نفسى وأندم أشد الندم وأطلب من الله في هدوء الليل أن يمن على بنعمتى الحج والزيارة لاستمتع وأغمر نفسى من جديد في هذا الحوض السعيد وأتوهم أننى أكون هناك أقرب إلى الله مع أنه سبحانه وتعالى أخبر بعبيده وأنا أقلهم وأفقرهم وأنه أقرب إلينا من حبل الوريد.
فيا للعجب من حالة النفس بل من حالاتها المترددة المتعددة، ويا للعجب للحقائق الثابتة التى لا شك فيها تصبح كالأوهام والمتع العظمى التى لا تنال إلا بشق الأنفس تغدو كالأحلام.. فأين أنا الآن من لذة الإحرام ومن التمسح بأستار الكعبة والشرب من زمزم وصلاة الركعتين بالمقام؟ وأين أنا من الحطيم ألمسه وأتلمسه والملتزم أمرغ على حجارته خدى وأتحسسه. وأدعو ربى كما دعا الرسول بما أشاء؟ وأين أنا من هوى الطواف واستلام الحجر والتهليل والتكبير عند الأركان والهرولة والأضطباع حذاء جبل أبي قبيس وعند حجر إسماعيل؟.. أين أنا من هذا العز العظيم والخير الذى ليته يدوم ويقيم؟ بل أين أنا من زيارة المقصورة النبوية صباح مساء، والصلاة في الروضة الشريفة والركوع والسجود حيث كان يركع ويسجد الرسول وآل البيت والصحابة الأكرمون. كنت أمرح بطيشى كالطفل في دار أبيه، وأشعر بأننى أعرف هذا المسجد المحبوب مطمئنا إلى كل ركن فيه. لا والله لست بالغريب ولا القادم من مكان بعيد للقاء الحبيب، بل هنا ولدت وترعرت ونشأت، وفي كنف هذا النبى الأعظم بلغت وفرعت، وحول هذه الأساطين قبل اليوم وقفت وركعت، وهذه السماء رأيتها وتلك الآفاق تفوقتها وتلك الخطوات ترسمتها وقفوتها، ومن هذه الأمواه العذبة شربت وكرعت، وعلى هذا التراب الذى كالإثمد قبل الآن تمرغت، ولدى هذا المحراب الأسنى للعبادة خلوت وتفرغت.
يا رب! لم أكن أعرف الحب كما عرفته الآن … بل عرفته. ولم أكن أدرى ما الشوق المتأجج فى الحشا حتى تذوقته واكتويت بناره ولكنها برد وسلام.
يا رب لقد أخطأت وأذنبت وهفوت ولم أشكرك حق شكرك ولم أعبدك حق عبادتك ولم أغترف كما يجب على وقد كنت على شاطئك وحيال محيطك ولم أنتبه من غفلتى حتى فارقت، ولكنك تعلم كيف فارقت. كنت كمن يسير في نومه ولا يدرى ما الفرق بين أمسه ويومه. كنت منساقا في طريقى كالبوصلة المختلة التى دأبها إلى الشمال. إلى النور، إلى الرحمة، إلى الحنان، إلى ساحة العفو، فعدت أدراجى كما تفقد الإبرة قوة الجاذبية التى هي في فطرتها وطبيعتها، فركبت البر والبحر عائدا. وقد لوثتنى عاطفة الفرح بالعودة والحنين إلى الأهل والولد ولم أدر إذ ذاك أنك أنت السيد والأهل والولد. لقد تعذبت منذ عدت. وتولعت بعد أن رجعت، وغبت عن وجودى بعد أن أبت.
اللهم إننى سألتك أن يكون ذهابى إليك بلا عودة. ولكنى لا ريب ما زلت ناقصا ولن أزال حتى ترضى عنى وتحن على بنعمة الذهاب إليك وإلى حبيبك ذهابا لا رجوع بعده.
(?) طواف الوداع

الآن.. الآن أذكر الطريق وأعود بذهنى إلى طواف الوادع. ما أمر الفراق. ولو إلى حين. البعد عن هذا المكان المكين والركن الركين، والنبى الأمين وعن هاتين القريتين حيث كان نورك. يا نور السموات والأرض. لقد كانت روعة تامة وأخذة كاملة لم أستطع أثناءها أن أتنفس كأن روحى مشدود بحبال وثيقة إلى تلك المشاهد والمشاعر، إلى تلك الجبال الشوامخ وإلى قممها التى سطعت عليها أضواء بهائك قبل أن تنزل إلى الوادى. هذه الجبال في منى التى كالقلاع تتحصن فيها الأرواح لتلقى أشعة جمالك وجلالك، وتلك المواطن التى تحمل كل بقعة فيها وإن صغرت أثرا من آثار رحمتك وسرا مكنونا من أسرار تجلياتك، هذا الوادى المقدس من مكة إلى عرفة، وتلك المساجد التى كانت قبل هياكل ومعابد. وتلك البيع والصوامع التى عبدت فيها الأوثان فتطهرت ودوت في زواياها وعلى رؤوسها نغمات التوحيد ورنات الآذان.
لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
اللهم لبيك. اللهم لك الشكر والثناء على أن أنطقتنى بها في زمانها ومكانها، اللهم لك الحمد والوفاء على أن ترطب لسانى بحروفها وألفاظها واطمأن قلبى بمعانيها ومراميها ولك الشكر يا ربى على أنك ألهمتنى الإخلاص لدى الهتاف بها.
يا رب ارحمنى وأجعلنى جديرا بمخاطبتك بها ومناجاتك من حضيض ذنوبى وجهلى وجحودى إلى ذروة مغفرتك وعلمك ورحمتك. اللهم أجعل هذه التلبية بداية يقظة روحى وتنبه قلبى وزوال غفلتى.
مضت يا رب ثلاثة أشهر بلياليها وأيامهاه وحرها وقرها وكأنها ثلاثة بل ثلاثون عاما، ما أطولها. وكأنها ثلاث ثوان لا أفرق بين الزمن.
اغفر يا ربى لعبدك ابن هانى الذى قال:
إلهنا ما أعدلك!مليك كل من ملكلبيك قد لبيت لكلبيك إن الحمد لكوالملك لا شريك لكما خاب عبد سألكأنت له حيث سلكلولاك يا رب هلكلبيك إن الحمد لكوالملك لا شريك لكوالليل لما أن حلكوالسابحات في الفلكعلى مجارى المنسلككل نبى وملكوكل من أهل لكسبح أو لبى فلكيا مخطئا ما أغفلكعجل وبادر أجلكواختم بخير عملكلبيك إن الحمد لكوالملك لا شريك لكوالحمد والنعمة لك لم أسافر إلى الحجاز بأحقاد فأقول قد نسيت أحقادى، ولم أسافر تاركا ورائى مالا ونشبا فأقول خلفت مالى وعتادى، ولم أترك ورائى جهادا في سبيل المجد فتخليت عن جهادى، ولكننى تركت أهلى وأولادى وهم الضعفاء. وهذا سر بينك وبين عبدك، فلا أبوح ولا أقول شيئا. لو قطعونى أو شوونى شيا! فلا أبوح ولا أقول شيئا. وقد نسيتهم وتخليت عنهم عالمًا في أية يد تركتهم وتحت أية عين لا تأخذها سنة ولا نوم خلفتهم ولأية «عناية» استودعتهم، ولكننى لم أنس أن أدعو لهم في بيتك المكرم وعند حبيبك المعظم وفي ظلال جبال النور والرحمة وتحت سماء النعمة والمنة، دعوت إلى ذلك الذى كتب على نفسه الرحمة، خالق الخلق ورازقهم ووالد من لا والد له. وما تزال تلك الدعوة قائمة. وحق جمالك ونورك وجلالك وعبيدك الذين فضلتهم، ورجالك الذين اخترتهم، وملائكتك الذين قربتهم ووكلتهم، لن تعود هذه الدعوة غير مجابة ولن يرجع العبد التائب المنيب إلا جبرته وأكرمته. وحقك لا يشاركك في قلبى شريك، ولا ينازع حبى إياك منازع، إياك نعبد وإياك نستعين. ولا أحد من هؤلاء العبيد الذين زعمت أننى راحل لأدعو لهم عند ربهم، لقد كذبت على نفسى وكذبت عليهم، لقد سافرت إليك وهاجرت إليك وإلى رسولك وأنت أعلم وغيرك لا يعلم. ولكننى اتخذت هذه الذريعة لاطمئنانهم وتأمينا لقلوبهم.
وإلا فمن هؤلاء الذين أسافر لأجلهم وأنزل ضيفا في بيتك بسببهم. ألا تصل دعوتى إليك وأنا في جب عميق. ألم تصل إليك دعوة يوسف في السجن ويونس في بطن الحوت وموسى في القفر وأمه في البعد والحرمان، وإبراهيم وهو يستعد للمروق من النيران، وفيهم أنبياء وأولياء وصديقون، وأنت بإجابة دعوتى أخلق وأحرى لحقارة شأنى وضعة مكانتى بالنسبة إليهم، ودأبك أن تلبى دعوة الأضعف والأعجز والأحقر والأحوج، وكلما وضعتنى في مرتبة الضعف والمذلة لك كنت باستجابة دعائى أجدر وأسرع.
الله الله!الحمد للهالله الله!الشكر لك. لقد كنت مغرورا عندما قلت إنك دعوتنى إلى الحج فلبيت دعوتك فأكرمتنى. استغفرك وأتوب إليك. من أنا؟ ما قيمتى ما قدرى حتى يدعونى ربى. جهل وطيش وحماقة وغرور!
سعادتى في ذلى إليك وهنائى في أن أنسى كل شيء وأول ما أنسى نفسى لأذكرك. وحياتى في التلاشى والتفانى ولا أجرؤ أن أقول فيك. فمن أنا حتى أقولها؟ تراب الأرض بل أقل. لا قيمة لى إلا بأنك خلقتنى فتمجيدى خلقك تبرير ذكرى لديك والتمجيد منك وإليك. حقى أن أخجل وأن أستحى، وألتمس عن بعد أثارة من رضى وإن كان الشوق إلى القرب يكوينى.
كنت أسأل صاحبى هل عرفت الله؟ والآن أعض بنان الندم على جرأتى. أفى حاجة أنت لتعرف. وبم تعرف بالعقل والقلب. بالنفس والروح. بالجسم والجوارح. بالأنوار الغامرة والمشاعر المدركة. بالخيال والذاكرة. ولكن ما هذه كلها. ألفاظ وأحرف. أليست هذه كلها انعكاسات من أشعة نورك، وأهتزازات من حركة الكون الذى أوجدته وأفنيته بإرادك. وهل تحتوى الذرة كواكب المجرة. وهل ينطوى نور الشمعة على نور الشمس، أو يحتوى المصباح إشعاع الكوكب السيار. إن صح هذا أو ذاك وهذه وتلك، جاز في العقول أن تدركك العقول بغير آثارك، لا بكنهك وماهيتك. وإن أدركت حبة أو نواة سر الخليقة، أدرك الإنسان سر وجودك. وهذا القول منى جراءة ووقاحة وغرور، فهل يجوز لى أن أتكلم ولو غامضا مستخفيا متسترا. وهل أنت في حاجة إلى عجزى لإظهار قوتك، وهذا العى وتلك الفأفأة للتدليل عليك، إنها وحقك نفثة مصدور، لكنها نفثة مصدور إذا جاش لغام عن نواحيها هوى. ما هذا الذى أقول. لقد فتنت وأدركنى الجهل والغرور، كنت أريد أن أقول إن سلواى أن اقرا عن الحج وأستمتع بالذكرى ما فاتنى في الحضور، وأتقرب بالصدق للتوبة عن الكذب. واعترف بالحق لأننى أخجل من الاعتراف لله وهو يعرف ذنوبى. وقد عصيت عامدا وأذنبت واقترفت قاصدا، وهفوت وأخطات عالما بما أفعل مدركا حقيقة ما أقدمت عليه. ولا يهمنى قربت منيتى أو بعدت ودنا أجلى أم أقصى. ولكن يريحنى أن أتطهر. وقد تطهرت بمجرد التفكير في التطهر. لقد كنت أزعم أننى أتجنب الدنايا عن يقين بشرها لا خوفا من تبعتها، ولكن هذا الزعم غرور ولغط وهذيان. وما ينبغى لى أن أترفع عن خوف التبعات كمن لا يبالى بها، وعندى الآن اتقاء التبعة خيرا أعم من اتقاء الشر وإن طم، فهذه كانت عقيدة متفسخة وغرورا وتكبرا. وحتى إذا تعففت مجبرا فلا قيمة لعفتى، وإن تماديت طامعا فى المغفرة فغلطة مزرية بشرف الإيمان، ولا أريد أن أكتب للأجيال المقبلة، فما هي الأجيال المقبلة، ولا أطمع في هداية المعاصرة. فمن أكون وما تلك المعاصرة. أريد فقط أن أحاسب نفسى وأشكمها وأذلها وأعرفها قدرها وهو أقل من أن يوصف بأنه قدر بين الورى، وليس لى تجاه ربى حق مطلقا ولا أطالبه بشيء مطلقا، ولا أقسم عليه ولا أدعوه حتى ولو كان الدعاء لب العبادة أو نخاعها، ولا أملك أن أضع نفسى موضع من يذكر ربه بنفسه فأكون من أهل الغفلة وأنا بالفعل منهم قبل أن أرتكب هذه الحماقة. ولست أدرى حقا كيف أعبد الله ولو عبادة قريبة من الحقيقة. الصلاة لا تكفينى أستغفر الله، حالات النفس المتتالية لا تنيلنى منها بغيتى.
ولكننى أفرح دائما بالتوبة — أقصد بالتوبة الاعتراف والندم. أما العزم على عدم العودة فهراء، لأن الاعتراف نصف التوبة والندم نفسه دليل العزم على الإقلاع. وظنى أن التوبة تغفر حقوق الله وظلمى نفسى بارتكاب المعاصى. أى نعم لقد ظلمت نفسى بارتكابها، فمن الذى تألم وتعذب قبل كل مقارفة وأثناءها وبعدها غيرى، ومن الذى خدع نفسه وحسن لها ما تشتهى غيرى، وإذن كان من حق نفسى على أن أتوب مراضاة لها ومصالحة ومعذرة. فقد سخرتها فسخرت جسدى فيما لم أكن أقبله. إن لهذا الإجمال تفصيلا ليس هذا مكانه.
أشعر أن التوبة أساس لكل مقام ترقى إليه العبد حتى ينتقل من هذه الحياة. ومن لا توبة له لا حال له ولا مقام له، وحقا لقد شعرت بذلك وفي هذه الأماكن المطهرة تفتحت لى أبواب القيم، قيم الأشياء بحسب جواهرها لا أعراضها، فما وراء المبانى إلا المعانى، وما وراء الألفاظ إلا الأرواح. فقد جعلت أراقب خواطرى مراقبة دقيقة وأقاوم السىء منها جهد طاقتى، لتتهيأ لى القدرة على خواطر المعاصى. وإن كان الوقوع فيها أبعد ما يكون.
(?) الزهد وبغض الدنيا

غير أن أمورا قليلة غمضت على كالزهد وبغض الدنيا. أما الاستقامة فواجبة وقد قال الله تعالى للمعصوم الأعظم ? فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ فما هو الزهد وما هو حب الدنيا. إذا كانت الأشياء تتميز بضدها، فحب الدنيا منصب على حب المال سواء أعقبه إسراف وتبذير أن بخل وشح، ولكن هل نملك أن نبغض المال جملة وبه قضاء الحاجات، وأظن المراد بالدنيا ما زاد عن الحاجة المشروعة، لعدم تمكين حلاوة المال في القلب واستطاعة الشهوات في كل وقت. وما محاربة حب المال في القلب إلا كمحاربة كل شيء أخر غير الله كحب البنين والبنات. ومحبة الله تقتضى بغض الدنيا بالقدر الذى ظننت، ولا شك أن الله يبادل العبد حبا بحب وحنانا بحنان، ولا ريب أيضا في أن حب الدنيا وإن كان أظهر ما يكون في حب المال، لأنه جماع المطالب وأداة البلوغ للأمانى ووسيلة الوصول إلى الأغراض القريبة والبعيدة قاطبة، إلا أن شهوات الدنيا ولذاتها لا تحصى، فقد كانت قديما محصورة في الرياسة والولاية والمأكل والملابس وادخار المفاخر والاستمتاع بالزواج ونشوة الشراب وقدرة التحكم في الخلق. أما الان فقد تعددت إلى غير حصر وتنوعت حتى ليس لأنواعها رابط ولا ضابط. وإنك حيت تحاول سردها، لكأنك تجعل للحضارة فهارس ومسارد، حتى أصغر الجوارح قد كبلوها بأغلال من أسباب النعيم والرفاهية والترف. وحتى أصلب أنواع الحديد والفولاذ وأقوى تيارات الكهرباء سخروها ليتخذ منها الإنسان لذة محصورة في أضيق نطاق. فكأن الكون بما فيه وقف على راحته، وكأن جميع القوى رصدت على إحاطته بهالة من دوافع التكليف والمشقة الحقة والموهومة.
كان القدماء يعتبرون التبحر في العلوم والتدقيق في الفنون والأخذ بأطراف الآداب أو التعمق في الفلسفة، رغبة في الدنيا واتباعا للهوى حتى لتكاد تنطق ألسنة القوم بأن ذرة من عمل الفقير المجرد وإن لم يعمل شيئا من الفضائل أفضل من المتعبدين ومعهم الدنيا. لأن العبادة من حب الدنيا شغل للقلب وتعب للبدن، وإن تلك العبادة وإن كثرت قليلة وإنما هى كثيرة في أوهامهم لأنها صورة بلا روح وأشباح خالية غير حالية وليس لأصحابه نور الزهاد.
فماذا يقول هؤلاء الأتقياء أئمة الورع ودعاة الزهد في الدنيا وبغضها، لو رأوا حاجة الإنسان العصرى في حله وارتحاله، في صحوه ونومه، في قيامه وقعوده، في طعامه وشرابه، فى خلعه ولبسه وتسليته وتحليته. وما حقيقة هذا الزهد الذى أكثروا من ذكره. أليس هو ترك الميل إلى الدنيا بالحب دون خلو اليد منها. بلى! إن جمهرة الصحابة والتابعين درجوا على خلو اليد. وكيف يتفق هذا والله سبحانه لم ينه عن الصناعات والحرف والتجارة واتخاذ وسائل الكسب المشروع، وهذه كلها حرب على خلو اليد، وهلا يكون العبد مقبولا إلا إذا كان مفلوكا، ولم تكون الفلاكة والفاقة مصاحبتين للزاهدين والفضلاء في الإسلام؟
والله ينعم ويحب أن تتحدث عن نعمته والرسول يقول إن الله يحب أن تظهر آثار النعمة على صاحبها، والنعمة مظهر الرضى والرضى لا يكون إلا عن زاهد مبغض في الدنيا. أهناك تناقض؟ قلت درج الصحابة والتابعون على خلو اليد من الدنيا، ولكن هل كان ذلك تعبدا أو رغبة فى أن يكونوا قدوة للمحجوبين عن مشاهدة الأكابر فلذلك أظهروا لهم الزهد في الدنيا بخلو اليد ونهوهم عن التبسط في الدنيا خوفا عليهم أن يدخلوا في محبتها فلا يهتدون بعد ذلك للخروج عن حبها والمزاحمة عليها.
أرى بخشوع وخضوع ورهبة وخوف ورجاء أن الزهد الحقيقى لا يكون إلا في ما لم يقسم للزاهد. وأما ما قسم له فلا يصح له أن يزهد فيه بتركه، وإنما الزهد فيه يكون بترك الميل إليه عادة بحيث لا يضن به على مستحقه ولا ينشغل به عن ربه.
أحب أن يكون هناك طريق وسط. جميل منك أيها العبد أن تفعل المندوب كأنه واجب وأن تجتنب المكروه كأنه حرام وأن تبتعد عن الحرام كأنه كفر. ولكن ما على العبد العابد أن ينتوى القيلولة ليتقوى على قيام الليل، ولبس الثياب الفاخر إظهارا لنعمة الله دون حظ النفس، وأكل الطيب من الطعام والحلو المثلوج من الشراب لشكر الله وإرضاء للبدن. ألم يقل رسول الله إن لبدنك عليك حقا. وهذا فيلسوف المتصوفة الشاذلى يقول لأصحابه كلوا من أطيب الطعام وأشربوا من ألذ الشراب وناموا على أوطأ الفراش والبسوا ألين الثياب فإن أحدكم إذا فعل ذلك وقال الحمد لله يستجيب كل عضو فيه للشكر بخلاف ما إذا أكل خبز الشعير بالملح ولبس العباءة ونام على الأرض وشرب الماء الأجاج السخن وقال الحمد لله، فإنه يقولها مشمئزا ساخطا على مقدور الله، والاشمئزاز والسخط يرجحان في الإثم على التمتع بالدنيا بيقين، فإن المتمتع بالدنيا فعل ما أباحه الله سبحانه وتعالى، ومن كان عنده اشمئزاز وسخط فقد فعل ما حرمه الحق عز وجل.
ألم نر في الحج حكما نادرة؛ هذا الإحرام ثوب تشريفة للقدوم على الله. وثوب مساواة بين سائر القاصدين لساحته. فالرأس التى تتحلى بالتاج تحسر وتكشف، واليد التى تقوى بالصولجان تخلى منه وتحرم، والجسم الذى يصان بالحرير والكتان والصوف يعرى منها ويكتفى بالبياض، والأقدام التى تنتعل أفخر الجلد وأثمنه وقد تكون شراك نعالها خيوط الذهب تكاد تحفى إلا من سيور صلبة تحز فى كعوبها وأخامصها.
ثم هذا الطواف والتزاحم بالمناكب وهز الأكتاف لدى الهرولة وهناك السعى وهو مذلة كل جبار فما أتمه قوى إلا هده وأنهكه وجهده وحتى ليتفصد منه العرق شتاء، وهذه الأشواط المتعددة والنوم في العراء والوقوف تحت هاطل المطر أو مصائب الأشعة في مختلف الأجواء على سفوح الجبال. ألا تمحو هذه الشعائر ولو مؤقتا فواصل الطبقات وتجذب الأنوف الشامخة إلى تراب الأرض وتهون في رفق وترتيب عظمة الدنيا على المعتزين بها. أليس في هذا بعض حل لمشكلة الطبقات ومحاربة الكبرياء وإطفاء نار الحسد في قلوب المظلومين والمغبونين والمهملين من دورة دواليب الحظ الحسن في ناحيتهم والذين جرفتهم تيارات السخط والغيظ والذين سلحتهم الأحقاد على المغتصبين والذين أدمت قلوبهم تصرفات الظالمين والذين ضافت بهم الدنيا ففروا إلى الله ملتمسين معونته ومحو شقاوتهم وإثبات سعادتهم وتعويض ما فاتهم؟
ماذا الذى جلب الشقاء على العالم المتحضر غير رؤية هذه المناظر ومقاساة هذه المآسى — فالفوارق كبيرة والهوات متسعة. وإنى لا أتكلم عن الكاملين فإنهم لا يشغلهم عن الله تعالى في الكونين شاغل. ولكن أتكلم عن القاصرين وحتى الذين هجروا العقائد وتنصلوا عن الفضائل، وتوهموا أنهم اكتشفوا لغز الحياة أحاجيه وهي تسلط القوى على الضعيف وغلبة الظالم للمظلوم واهتداء السالبين إلى حيلة لم يهتد المسلوبون إليها. حتى المتصوفين فى الشرق يخافون على الناس سوء العواقب من هذه المسألة فيقول أحدهم «فسلم يا أخى لكل من تراه متجملا بالثياب من القوم إلا إن خفت على أتباعه أن يتبعوه (أو يحسدوه أو يغاروا منه!) مع الجهل بمشهده، فلك أن تنهاه عن ذلك خوفا على تلاميذه أو أن تأمره بأن يقول لهم لا تقتدوا بى في حسن الملابس والمناكح (كذا) والمراكب فإن هذا ليس لكم الآن».ا.هـ. بحروفه.
(?) صنعة المحاماة والسعى في طلب الرزق

منذ اتجه ذهنى إلى التقوى وحب الله ورسوله وظهورى بحكم طبيعة الأشياء بمظهر المدافع عن الدين والمتمسك بأهدابه بعد تعب شديد طويل في البحث في أصوله وفروعه، سمعت من الناس لغطا عن صنعة المحاماة التى أمارسها وقد يجبهنى بعض السفهاء بقوله: ما رأينا محاميا تقيا ورعا، ويقول بعضهم إن المحامين يجعلون الحق باطلا والباطل حقا. وبعضهم: إن المحاماة تتنافى والتقى. وكنت أجد الرد عليهم عسيرا لأنه يبدأ وينتهى برعاية ضميرى وتقيدى بالحق والفضل وتعففى عن الظلم والأذى، وفي هذا كله ما يشعر بتزكية النفس التى أبغضها من قلبى ولا أصدقها في نفسى وإن لم ترها الناس فهيهات أن يكفى الكلام فيها أو ينفع.
وقليلا من المرات كنت أكتفى بقولى: هذا رزقى الذى أقامنى الله فيه وهيأه لى وإننى عامل جهد طاقتى على تحرى العدل والحق ولا أزيد، ولا أذكر أننى غششت أحدا وأذكر حديث الرسول عليه الصلاة والسلام «من غشنا فليس منا» ورواية أخرى من غش أمتى ليس منى، وقد سمعت مثل هذا اللغط في الحجاز وعلى ظهر الباخرة كوثر. وسألت عن المحامين في مكة والمدينة فلم أجد لهم وجودا غير واحد عرفوه إلى بأنه محام أمام المحكمة الشرعية وليس فى الحجاز سواها من محكمة. ولما سألت قاضى جدة وهو فاضل نبيه قال لى يقدم أحد الرجال ورقة بالدعوى على لسان المتقاضى.
ولكن أهل الحجاز يسمعون ويقرأون عن المحامين في مصر وغيرها، فيرسمون في أخيلتهم هذه الصورة التى تنفى الصلاح والتقوى. وأصل حديث الغش أن رسول الله مر في السوق على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت بللا فقال ما هذا يا صاحب الطعام فقال يا رسول الله أصابته السماء قال: أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، ثم قال ? «من غشنا فليس منا». ولو اتسع لى مجال القول مع الذين يتهمون حرفة بأسرها بتنافيها والتقوى كالذى ينسب إلى الطب من تطويل أجل العلاج ليجلبوا المال من ألم المرضى والذى ينسب إلى التجار، لقلت لهم إن كل إنسان يعرف في حرفته ما تقع به التقوى وما به يقع الغش، وقد جعل الله عباده أمناء على أنفسهم في حرفتهم وسائر أمور معاشهم فإذا غش خان دينه ونفسه والناس أجمعين. وفي يقينى أن كل من نصح في حرفته ولم يعتمد عليها بارك الله له في مكسبه منها وضاعف أجره من حيث لا يحتسب ولم يحرم من رزقه ولم يقتر عليه.
أمران هما التقوى في العمل وعدم الاعتماد الكلى على مصدر الرزق بل التوجه إلى الله فيه وهذا خشية حصر همته في أناس بعينهم أو في عمل بعينه، وقد كابدت هذا بنفسى، فطالما عولت على شيء من شخص معين فيفسد الأمل ويصدر لى المطلوب من غيره، وطالما عولت في قضاء حاجة على رجل من أقدر الناس على قضاء مثلها فلا ألقاه، وإن لقيته يرتج على وإن خاطبته لا يجدى الخطاب شيئا، وقد أحاول حل المسألة بوسائل متقنة ولا ينفع الاجتهاد شيئا حتى إذا أن أوان حلها حلت ميسرا مسهلا لم يكن يخطر ببالى. واعتقادى دائما في أمرين الاجتهاد ما أمكن وبذل النفس والنفيس في الوصول، والاعتماد على الله ما أمكن وإخلاء البال من النتائج، ولا أجد منافاة بين الاجتهاد للكسب الحلال والعبادة ولم تحصل لى «أزمة ضمير» مطلقا لأننى لم أخالف هذا المبدأ قط لأنى أعانى غاية المعاناة في عملى.
وقد أعجبتنى عبارة قالها لى صديق قبل سفرى إلى الحجاز وقد وسطته لقضاء مصلحة فى اللحظة الأخيرة وقلت له «أقصد أن أدعو الله لأولادى في بيته المحرم وأعبده في الأماكن الطاهرة وأجاهد النفس في الكعبة وفي الحرم النبوى!!» فقال لى وكان يسوق السيارة التى تقودنا إلى محل قضاء المصلحة «البيت الذى فيه أولادنا أصلح محل للعبادة والدعاء» فقلت له صدقت، هذا هو محل الجهاد، محل للجهاد لا ريب فيه وللدعاء وللاستجابة فإن الله قريب مجيب الدعاء.
وهذا يذكرنى بقول أحد الصالحين «عليكم بالسبب وليجعل أحدكم مكوكه سبحته وقدومه سبحته والخياطة سبحته والسفر سبحته» يعنى أن العمل للرزق عبادة، وقد مر رجل برسول الله فنهض بعض الصحابة لتكريمه فقال الرسول من هذا؟ قالوا: رجل يقوم الليل ويصوم الدهر ويعبد الله حق عبادته. فقال: ومن يطعمه ويكسوه. قالوا: كل منا يصله بما يستطيع من بر قال: أقلكم خير منه. فكأنه عليه الصلاة والسلام وضع السعى على الرزق في المرتبة الأولى ثم يتلوه أى شىء. ولما رأى عمر بن الخطاب انصراف بعض المسلمين إلى العبادة معتمدين على الصدقات والغنائم خطب في المسجد وهو أمير المؤمنين «فوضع الأمر على بلاطة» وصارحهم على عادته المحمودة فقال رضى الله عنه «أيها المسلمون إن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة وإن الله خلق الناس وجعلهم يرتزقون من بعضهم بعضا».
وقد أجمع العلماء على أن الكسب واجب وجوبا مؤكدا ملحقا برتبة الإيمان، وقال بعضهم إن من لا كسب له فهو كالمرأة لا حظ له في الرجولية. وكان هذا القول عندما كانت المرأة محجبة ومقصورة على تدبير المنزل، أما الآن وقد تغيرت الدنيا فقد تعلمت وخرجت وبرزت فى الأسواق وساهمت في العمل لتكسب كسب الرجال، وقد صار عدد من النساء المتعلمات طبيبات ومحاميات وناظرات مدارس وبعضهن يشتغل بالتجارة والزراعة وأوتى منهن البعض توفيقا ونجاحا كبيرا فأصبح الكسب على الرجال ألزم.
وسألت رجلا فاضلا ماذا يقصد بالسبب، فأجابنى هذا الجواب العجيب لو أن رجلا مقعدا جلس في مكانه ونقل ترابا من يمينه إلى يساره فهذا سبب. وهو بالطبع يقصد المبالغة لأن نقل التراب من اليمين إلى الشمال لا ينفع أحدا ولكنه انطباق على غاية الشارع وموافقة لأمره أى أن أيسر الأمور يؤدى للارتزاق، وقال رجل آخر حكم المعدم الذى لا حرفة له ولم يتخذ سببا حكم البومة الساكنة في الخراب ليس فيها نفع لأحد.
ولولا اتباع أوامر الله ونصيحة النبى وخطبة عمر بعد اجتهاد أبى بكر ما تمكن المسلمون من النجاح في البلاد التى فتحوها وفيها أمم ذوات أديان شتى وطبائع مختلفة قد دأبت من ألوف السنين على الجد والعمل والربح. ولأن رسول الله لما ظهر بالرسالة لم يأمر أحدا من أصحابه بترك الحرفة التى بيده بل أقرهم على حرفهم وأمرهم بالنصح فيها.. فإن الحرفة لا تنافى الإيمان ولا تمنع العبادة ولا تحجب التقوى، بل على النقيض تراها خير ميدان لظهور فضائل الرجل لاحتكاكه بالناس واختلاطه بهم وامتحان نفسه وضميره. ولا يكون ظهور معادن الرجال على حقيقها إن لم تدعكهم الممارسة في الحياة العامة والحياة الخاصة. ولم يفرق الإسلام بين الحرف رفعة وانحطاطا ومشقة وسهولة ونظافة وقذارة، والمسلم الذى يكسب من حرفته ولو كان مكروها كالحجام والقنوانى والسنادسى والجلاد والزبال خير من المتعبد الذى يكسب عن طريق دينه ويحسن إليه الناس بصلاحه.
غير أن الإسلام ليقوم على حسن تقسيم الثروة وتوزيعها وإحداث التوازن بين الناس فى الاقتصاد نهى عن المكاثرة ولو في الحلال، ونص الشارع على أن التكاثر والتفاخر مذموم شرعا، ولست أعلم يقينا عن صحة الحديث «من طلب الدنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقى الله تعالى وهو عليه غضبان» وأقول إن بعض الصحابة أثرى كعبد الرحمن بن عوف وهو من الصحابة المبشرين بالجنة. غير أن الإسلام حرم الربا وهو سبب للتكاثر بغير مجهود وإلحاق الأذى بالمعدمين. والذى أظنه أن الرزق لو جاء واسعا كثيرا وفيرا بغير قصد الإكثار والمفاخرة كان جميلا ومقبولا.

الفصل الثاني والعشرون
خطبة الباخرة كوثر


(?) خطبة الباخرة كوثر عند العودة إلى أرض الوطن مساء يوم ?? يناير سنة ????

اجتمع الحجاج لدى عودتهم على ظهر الباخرة كوثر في البهو الكبير بالدرجة الأولى، وطلبوا إلى هذا الضعيف إلقاء كلمة بعد الحج فقلت: إخوانى الحجاج إلى بيت الله ورسوله الأعظم

لست أخفى عنكم أننى قصدت إلى وجه الله الكريم وانتويت أن لا أتكلم ولا أكتب شيئا لئلا يكون للكلام عن شخصى أثر يخرجنى عن طاعة أو يدخلنى في معصية فلا تنتظروا منى فصاحة ولا بيانا ولكن أقول الحقائق المجردة.
منذ سنوات طويلة فتحت القرآن الكريم في مكان فوجدت آية لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ فسألت صاحبا فقال إنها بشرى لك بالحج ولكن بعد مشقة شديدة، وقد ذقت هذه المشقة في الحرمان من الحج سنين طويلة، وبعدها وقفت أمامى آية أخرى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، فهذه الأستطاعة ما مداها وما عمقها وقد تلمستها بضع سنين وسألت الله متى تتوافر في هذه الاستطاعة والأعوام تجرى والمواسم تفر والعمر ينقضى، وما زلت أمنى النفس وأقنعها بأن الاستطاعة محصورة في الزاد والراحلة وأمن الطريق، والعقبات وأقوال الناس تقف في طريقى ولم تنفعنى أشواقى وتحرقى حتى أراد الله سبحانه وتعالى فدعانى في ظرف من أعجب الظروف، فلم أكن مستعدا ولم أكن مستطيعا، ولكننى سارعت إلى استجابة دعوة الله غير مبال بما توهمته من الصعاب وضاربا صفحا عن سائر العقبات حتى أعمالى وأولادى، وقد خجلت أن أحمل هموما ثقة بالله العلى العظيم وقد شهدت في نفسى حقيقة باهرة وهي أن مجرد استجابة دعوة الله قد فتحت لى باب التوفيق على مصراعيه، فلم أدر عدد أنواع التسهيل والتيسير التى أنعم الله بها على منذ خرجت من دارى إلى هذه الساعة وبيننا وبين العود إلى الوطن ساعات معدودات، وتحققت أن الله يسوقنى ويسوق أمامى النعم الجزيلة في روحى وعقلى وبدنى وحولى وأمامى، فلا يمكن أن أعبر عن عواطف شكرى الله إلا بتقرير هذه الحقيقة لا افتخارا ولا مباهاة، ولكن تحدثا بنعمة الله.
وكيف لا أهاجر في سبيل الله ورسوله ولم يمنعنى من الحج مرض قاطع أو سلطان جائر.
وعدت بعد الحج معكم وأنا أكاد أجاهر بضرورة تحتيم الحج على كل مسلم في شبابه ولا أنتظر أن يبلغ الرجل أربعين أو خمسين أو ستين عاما، فإن الوقوف على حقائق الحج فى الشباب أعظم وأغلى وأنفع من اللجوء للحج لأجل التوبة في ختام الحياة، بل الحكمة أن يحج الرجل وهو قادر على الاستمتاع بالدنيا ومعرض لإغرائها فيتمكن من الارتفاع والسمو أثناء القدرة والقوة البدنية. ولذا كان سرورى عظيما برؤية بعثة الجامعتين، جامعة فؤاد والجامعة الأزهرية وقوامهما شبان في مقتبل العمر، فإن نشأتهم مع هذه الطريقة المحمدية تقيم شرورا كثيرة وآلاما بالغة في هذه الحياة يتعرض لها ويذهب ضحيتها كثير من القادرين الذين يرجئون الحج ليشربوا كأس الحياة حتى الثمالة، هؤلاء لا أتكلم عنهم ولا أجرؤ على وصفهم فإنهم لا يبخلون بمالهم وقوة أبدانهم ومصالحهم بل يبخلون على أرواحهم وقلوبهم وأفئدتهم. ومن أستطاع وأخر الحج حتى مات فليمت على أى دين شاء، لأن الله تعالى يقول مَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ.
ومن حسن التوفيق أننى علمت أن عمر بن الخطاب قال لقد هممت أن أكتب إلى الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلا، وإننى أحب أن أتوجه لكل واحد منكم أن ينصح ذويه وأصدقاءه من القادرين أن يبادروا إلى إتمام هذه الفريضة المباركة التى بدونها لا يتم الإسلام ولا تفهم أسرار الإيمان حتى لا ينطبق على الشيخ الطاعن في السن بدون حج قوله تعالى قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ أو فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ. وأعترف أننى لست متعمقا في التفسير ولكن أغلب الظن أن الرجوع والتأخير ينصبان على معان من بينها التقصير في الحج عند الاستطاعة، ومن ذا الذى لا يستطيع الآن والاستطاعة محصورة في الزاد والراحلة وأمن الطريق، وقد يكون الزاد حرفة أو صنعة وقد تكون الراحلة عافية يمكنه بها المشى، وقد يكون أمن الطريق وجود الرفيق.
وقد رأيتم بأعينكم كما رأيت بنفسى في دجى الليل وفي وضح النهار بين جدة ومكة وبين جدة والمدينة ذهابا وإيابا رجالا ونساء يقطعون الليالى والأيام سيرا على الأقدام تلبية لنداء الله. تمر بهم قوافل الإبل فلا تزيدهم إلا صبرا على المشقة وتطير حولهم السيارات تنهب الأرض، فلا تقلل من ثباتهم وإيمانهم وتحملهم ومعظمهم من السودان ومن الهنود وبينهم الشيوخ الشائبون والنساء الضعيفات يحملن أطفالهن ولا يبالين شيئا.
أستغفر الله لست أنتقد أحدا ولا ألوم أحدا ولا أعتب على أحد ولكننى أقصد إلى الخير وأتوب إلى الله.
لقد هالت حالتى أحد جيرانى الأقربين وهو جالس بينكم الآن، فقال لى فى اليوم الأول من إبحار الباخرة من السويس «إنها شجاعة كبيرة وجرأة أن تترك أولادك فى عناية الله فكيف تركتهم؟» وكنت معه أتسلق أحد سلالم الباخرة في الظلام، وحملت فورا قوله على أحسن محمل ولم يذهب ذهنى إلى معنى من المعانى غير حب الخير الذى يكنه الجار للجار ولم أر وجهه في الظلام وهو يتكلم ولم ير هو كذلك وجهى ولكنه سمع صوتى، قلت له هذا سؤال يحمل الجواب عليه في ثناياه؛ أنت قلت تركتهم في عناية الله فما بعدها؟
حقا إن القصد إلى الحج يهذب النفوس ويلهم أفضل الأفكار. وقد رأى هذا الجار العزيز المهذب بعينيه وسمع بأذنيه ولا مس ملامسة الحواس عناية الله بى في كل خطوة خطوتها فى سبيل الله، ولا بد أن أدرك أن هذه العناية لم تكن مقصورة على شخصى بل امتدت بقدرة الله إلى من أحب في دارى وفي غيرها، وقد كتب الله سماع دعوته إلى دار السلام سماع قبول وطاعة وشرح صدرى كما شرح صدوركم للهجرة إليه لزيارته سبحانه في بيته ففزنا بالوصول، وأسمعنى كما أسمعكم أذان الخليل فلبينا مسرعين إلى بيته المحرم حتى دخلنا مقام إبراهيم آمنين فأشهدنا سبحانه جماله الأعلى ونحن محرمون تجردا من مظاهر هذه الدنيا.
وما زالت أقول إن القول والوصف في حكمة الحج وأسراره ومعانيه لا تغنى شيئا. ولا بد للمسلم أن يرى بعينه وأن يسمع بأذنه حتى يدرك الحقيقة، فالحج كما رأيتم فريضة واحدة ولكنه يجمع سائر الفرائض، فنحن نحج ونصلى ونتشهد ونزكى ونصوم وهذا معنى أن الحج تاج لأركان الإسلام، فلا يوجد داع لتأخيره.
كنت كغيرى متشوقا إلى الإحرام ولم يشبعنى من وصفه شيئا، وكنت مشتاقا إلى الكعبة ولم يسعفنى وصفها ولا القراءة عنها، وكنت متحرقا لزيارة الرسول فلم يغننى شيء قبل إتمامها والوقوف موقف المواجهة والمقابلة والصلاة في الروضة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام.
لقد أدهشنى قول كثير ممن قابلتهم في الحجاز وفي مصر وذلك قبل الحج بأن من يحج إلى بيت الله ورسوله يشتاق إلى الحج في كل عام إذا أقبل موسمه، وأدهشنى أكثر قول بعضهم وهو حق إنه حج مرات عدة، فيسألنى هذه المرة الأولى فأقول نعم، يقول حججت ثلاث مرات وهذه الرابعة، وأخر يقول إنه حج سبع مرات، فحاولت أن أدعى تكرار الحج لأصون وجهى، فقابلنى من قال إنه حج أربع عشرة مرة وهذا رقم بلا ريب قياسى، فأسأل الله أن يمن على أن أعدله فى عدد المرات، وإنه قريب يجيب دعوة الداعى، وليس بالكثير عليه أن يمن على بهذه النعمة التى لا أطلبها لطول العمر ضمنا ولكن نيلا لرضاء الله قبل لقائه.
وكيف أدهش لمن حج أربع عشرة مرة ولا أدهش لسيدة في غاية الجمال تخرج بمفردها لصلاة الفجر في الحرمين فيحيطها الله بهالة من نوره وتكاد ترى الملائكة تحرسها عن يمين وعن شمال؟ وكيف لا أدهش لنعمة الله على رجل يقيم في جوار رسول الله سنوات عدة ويقول إنه ينتظر أن يلقى ربه ويدفن بالبقيع؟ وكيف لا أدهش لنعمة الذين كتب الله لهم الرحمة والخير الأعم بميلادهم في هذه البلاد وجوار الحرمين؟
ألم تروا إلى مكة وهي خالية خاوية بعد أن عدنا من عرفات لطواف الإفاضة وكيف أم مدينة بأسرها قد شدت رحالها لأداء الفريضة، فلم يبق بها إلا الأقلون عددا أو العاجزون عن السير والركوب، وكيف سمعت من مطوفى أن أهل بيته بكوا بكاء مرا ليحجوا وقالوا كيف يحج القادمون من آخر الدنيا ولا نحج ونحن على مسيرة ساعتين من الموقف العظيم.
والحج أشهر معلومات فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، وقد رأيت الحق في جانبهم وسرنى أن رأيتهم بين الألوف المؤلفة التى تعمر بها الوديان والجبال في ظلال الجبال وفى ساحة الله الرحيبة وعلى سفح جبل الرحمة تحت القباب وساعين حفاة حاسرين بين الظهر إلى ما بعد الغروب.
كيف يكفى الوصف لنقل هذا المشهد الرهيب بين كل المشاهد في اليوم التاسع من ذى الحجة سنة ????هـ وقد كان الحج خفيفا فما بالك عندما تكتظ مئات الألوف وتتصاعد الأصوات والأنفاس بالقول الكريم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك!
أليس في هذه التلبية تصديق ما قلته دون أن يسبق إلى علمى، وهو أن نعمة الحج دعوة من الله يقبلها المسلم ويلبيها ويسارع إلى ساحة ربه في فى مسجده ليصلى ويطوف حول كعبته المكرمة محرما بالعمرة أو بالحج أو كليهما من ذى الحليفة والحجفة ورابغ ويلملم وذات عرق وقرن للمدينة والشام ومصر واليمن والعراق ونجد وما والاها.
ألم تروا إلى ملك البلاد ورجاله محرمين في الطواف والسعى والوقوف بعرفة حيث لا ملك إلا الله، ولا عظيم إلا خالق السموات والأرضين، وقد عاهدنا كلنا متساوين ربنا أن نكف عما لا يباح وأن نتجرد وأن نغيب عن الدنيا وأن نحضر بأرواحنا حتى نصغى إلى دعوة الله فنلبيها فلا نغفل عن ذكره ولا ننساه، ومن قصد إلى الله بإخلاص وحب وطاعة يفرده الله تعالى ويجمله بجمال العبودية الخالصة لوجهه الجميل ويشهده في بيته جماله وضياءه الأبهى ونوره الأسطع ولديها يرى البيت سبحان ربه وهذا هو الحج الأكبر.
إن قلبى يفيض بحمد الله وشكره على أنه لم يمهلنى حتى رأيت الكعبة فأنزل حبها في قلبى على صورة لم أِشعر بها من قبل، وما حبها إلا حبه، فتحول هذا البناء الضخم من الحجر إلى أشعة مضئية طرت بها فرحا، وشعرت أن قلبى قد احتواها ولم يعد أحد بقادر على نزعها، ولم يكن يكفينى أن أطوف بها أو تطوف بى أو أحملها على صدرى إلى اللحظة الأخيرة التى هى الأولى، وما زلت هكذا أصلى حتى استقرت في مكانتها فما جلالها إلا جلاله وما جمالها إلا جماله وما سرها إلا سره ومعناه وآيته ومظهره ومغناه.
أرأيتم هذا الحلم الفاتن والرؤيا الساحرة والخميلة الجميلة التى ولجنا بابها منذ صعدنا إلى ظهر هذه الباخرة في يوم الخميس ?? ديسمبر، لقد استمر هذا الحلم وما زلت سائرا في ثناياه وأعطافه سائحا سياحة الروح التى لا نهاية لها — لقد مررت بأشياء هذه الدنيا من نوم ويقظة وطعام وشراب دون أن أشعر بها حقا كمن في سفينة في نهر يغمس يديه ويرقب التيار ولا يعير الضفاف التفاتا ولا يبالى أن ترسو أو تجرى ولا يفتنه منظر ولا مظهر ولا يلفته صوت ولا صدى، ويود راكب السفينة أن يغرق في النهر فقد تكون نجاته في غرقه وحياته في موته ولقاؤه في مفارقته.
يزعم بعض الذين لقيتهم أنهم طافوا ولم يجدوا كل ما وجدوه في زيارة الحضرة المحمدية، هؤلاء أدعو لهم ولا أرثى لهم، فإن الله أحن وأكرم، هؤلاء يعذرون لأنهم صادقون، هؤلاء سوف يرون الأشعة التى فوق غيرها، هؤلاء كمن كمل إيمانه فاشتاق إلى الحج ولم يستطع فكان شوقه دليلا على محبته لله وكمال إيمانه فعندما يستطيع تتم نجاته.
حقا إن مسجد الرسول وبلده ومقصورته أعظم ما في العالم بل أكبر ما في الكون، ولكن بعد بيت الله وكعبته، لأن الأصل أكبر من الفرع وأعظم ولولا الشمس ما ضاء القمر، ولولاهما ما عاشت الأرض نهارا وليلا.
لقد نعمت كما نعمتم بزيارة الرسول عليه الصلاة والسلام وهناك الحب والاطمئنان والفرع بلقاء الحبيب وفي مكة الرهبة والروعة بعد اليقظة، يقظة الروح والتشبه بالحركة الدائمة وإدراك دورة الأفلاك وإدراك مركز العالم في الكعبة ومركز الكعبة في الحجر الأسود. حيث تجتمع جميع الأيدى بيمين الله وتلتقى الشفاه والأفواه في قبلات لا عدد لها تتكون منها قبلة واحدة يتلقاها صاحب البيت وربه رمز الوحدة، وحدة الوجود ووحدة الخالق المعبود الواحد الأحد الفرد الصمد.
فى المدينة نور لا يخبو وفي الكعبة حزمة أنوار، في المدينة شخصية فذة ومفرد علم وفرد محبوب، وفي الكعبة ذات وصفات ومحرك واهتزازات، ذات ولا حصر، وصفات ولا تحديد، ومحرك لا تدخل حركته في تحديد، واهتزازات شاملة واصلة إلى ما ليس وراءه بعد حتى يكون وهو القرب الذى ليس أقرب منه شىء.
نعم لقد فهمت سر قولهم الذى يهمسون به همسا. إن لصاحب المدينة المنورة سيرة وتاريخا وأخبارا ومواقع وانتصارات وحوادث وأحاديث، قد انتزعوا مما وعوه منها صورة متجسدة قاسوها على أحوالهم مع الفوارق العظمى. أما الله فلا تاريخ له، لأنه خالق التاريخ ولا أخبار لأنه منشيء الكون ومعيده، ولا يقاس بانتصار لأنه هو الناصر والمنصور والمحب والمحبوب والمتجلى على سائر الكائنات، وليس بالمحدود وعقل الإنسان محدود، فلا يمكنهم انتزاع صورة تدخل في حيز الكعبة وتنطبق على المخيلة. ولكنهم لو نظروا قليلا لرأوا أن صاحب المدينة صورته أعظم من إطارها، وحقيقته أعظم من آثارها والنهير من النهر والغدير من السيل الكبير والزهرة من الأكمام والفنن من الأغصان والفرح من الجذع الأعظم، كما أن الشعاع منبعث من المصباح والعبق من العطر.
إننى لا أدرى شيئا ولا أعلم شيئا ولا أحب أن يؤخذ شيء من قولى حجة على، لقد طلبتم إلى أن أتكلم فأردت أن أصارحكم ونحن نعلم أن القول لا ينقل المعانى ولا يؤدى الغاية المنشودة. إن الحج فريضة والزيارة منحة وشوق ومودة وعرفان بالجميل واعتراف بفضل لصاحبه، ألسنا نقول بالتواتر عند الزيارة الشريفة بعد السلام والتحية أشهد أنك رسول الله قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في أمر الله فجزاك الله عن صغيرنا وكبيرنا خير الجزاء؟
أليس هذا هو الشكر بعينه للرسول. فيكف يكون الشكر للمرسل والباعث والملهم والموفق لنجاح الرسالة، وخير ما يقال في هذا المجال إن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله وحبه وحب رسوله، وكفى الرسول فخرا قول الله إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وكفاه عظمة أنه المظهر الأعلى لقدرة الله وإرادته وهديه ورحمته.
لقد سألنى أحد أصدقائى في مكة عن حكمة استبقاء الحج في الإسلام كما كان في الجاهلية وهو الطواف والسعى والمرور بمنى والمزدلفة والوقوف بعرفة، فأجبته جوابا مؤقتا وهو جالس بينكم فأقول الآن إن عرب الجاهلية كانوا أطفالا في إدراك الحقائق العليا فعبدوا الأصنام وتناقضوا مع أنفسهم بدعوى اتخاذها زلفى إلى الله، فلم تتسع أفكارهم للتوحيد وهو أعظم ما كشف الله عنه للإنسان منذ الخليقة إلى الأبد، وقد ورثوا الكعبة وملة إبراهيم فداوموا الطواف ودنسوا الكعبة بالأوثان، فليس الحج في الإسلام جزءا من تركة الجاهلية ورثها الإسلام، ولكنه استرداد العقار والمنقول، لقد استرد محمد وهو من نسل إبراهيم وإسماعيل الكعبة والحنيفية: استرد بيت الله وعقيدة التوحيد وهو في عصره الوارث الأوحد، وعاد فقسم التركة على كل من آمن بالله ورسوله، فاستعاد حقه الذى اغتصبته الشياطين والأصنام، شياطين الإنس والجن والأصنام المستوطنة والدخيلة، أما الشياطين فورثت الرجم بالجمرات، وأبت بالحصى واللعن والحسرات، فكل من يزعم أن الجاهلية كانت على أرقى من هذا غير متثبت.
وهناك من يزعم مغامرا بما ليس له علم به أن الحج عند الجاهلية كان رمزا نفسيا إلى استجماع الأرواح كلها في معنى واحد هو إنسانيتها، مستدلا على ذلك بأشهر الحج التى تبطل فيها الحرب وتسقط الشهوات ويأمن العدو عدوه الخ، وأن الإسلام توسع توسعا منتظما فى الحقيقة النفسية الإنسانية العامة ففرض الصلاة والصوم وعدل في الحج.
وهذا الرأى مردود ومرفوض، لأنه يجعل الإسلام جزءا مكملا ومنقحا لدين الجاهلية، والحقيقة غير هذا، لأن الإسلام هو ملة إبراهيم وكان إبراهيم مسلما لا نصرانيا ولا يهوديا ولا وثنيا، وقد ثار على الأوثان وسبق الأديان المنزلة بمئات السنين إن لم يكن بألوفها، وهو أول من أنقذ البشرية من تقديم الضحايا الإنسانية واستبدل الأغنام بها.
وذكر الإنسانية في عرض عقائد الجاهلية وطقوسهم شنشنة وطنطنة وحذلقة وزندقة. الإسلام كما جاء به محمد شىء، والحج كما أراده الله في القرآن ومحمد في السنة شىء. والطواف بالكعبة واستلام الحجر في الجاهلية شيء آخر. قال الله في آل عمران مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَـ?كِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فهل نصدق القرآن أن نصدق المتحذلقين الذين تخيلوا أنهم يبحثون ويفهمون إذا ربطوا الجاهلية بالإسلام بتلك الحبال الرثة، وهي وحدة العقيدة أو تكميل العقيدة أو تتويج الحضارة الجاهلية بدين محمد، فإلى صاحبى هذا الذى سألنى أقول إن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يكن حرا في قبول الحج أو رفضه، ولم يستبق الحج من شعائر الإسلام لأنه لم يجد أفضل منه، إنما هو الله الذى استبقى الحج لأنه هو الذى شرعه أول مرة وأمر إبراهيم بالأذان به قبل أن يولد محمد بأجيال، وأن الله هو الذى هدى إليه محمدا وأمره به، ولو كان الحج من خصائص الجاهلية لمحاه رسول الله وحاربه كما في كل شعائرهم وتقليدهم، والذين يقولون بهذه الفكرة لا يعرفون تاريخ الرسالة حق معرفته ولم يقرأوا القرآن حق قرءاته.
لم تخل سياحة الروح من انشراح الصدر أحيانا بالسرور والضحك، فالحج فرح عام وإن كان حكما رائعة. روى لى صديق أن صاحبا له سأله في المسجد الحرام بمكة عن القبلة فضحك المسؤول وقال له ألا ترى الكعبة؟ فقال بلى! ولكن إلى أى اتجاه أصلى.
وحكى لنا كبير سورى أنه صعد إلى منى وعرفات قبل موعد الحج بثلاثة أيام ومعه أداة التصوير، فسألناه: لم رعاك الله تعجلت قبل الموعد؟ فقال صاحبه وهو يداعبه: داعيكم يزمع السفر قريبا، فأراد أن يرى عرفة قبل السفر!!
وكان معنا سائق سيارة رسمية لموظف مصرى والسائق سودانى فقال في عرض مديح نفسه: إن الباشا يحبنى لأننى أقطع المسافة بين جدة ومكة في أقل من ساعة فقال أحدنا: غيرك يفعل هذا. فقال: ولسبب أخر أيضا وهو أننى مرة علمته التيمم لأن الحنفية كانت بعيدة.
وكانت البعثة الأزهرية تحت رياسة صاحب الفضيلة الشيخ محمد «الساكت» وخطيبها في منى يوم عاشوراء «الشيخ الخرساء!!» ولذا كانت الخطب مستفيضة!
ودعى فريق من الحجاج والصحفيين إلى دار أحد الهنود لقضاء سهرة في دار بها مذياع، فتعرفوا إلى صاحب الدار فسأل أحدهم أين تقيم حضرتك، فأجاب «أم القرى»، ووطنك الأصلى؟ «الرياض»، وأى الأصوات تريد أن تسمع؟ أجاب: «صوت الحجاز». والثلاثة أسماء جرائد تظهر فى مكة.
وكان أحد السراة يصحب خادما سودانيا فقال له بعد زيارة الكعبة من بنى الكعبة من بنى الكعبة يا فرج؟ أجاب سيدنا محمد.
فقال لا. قال السودانى: سيدنا على قال مولاه: لا.
قال السودانى يائسا: الشيخ على المليجى. وهو أحد مشايخ الطرق في قريته.
ومررنا صباح ?? يناير سنة ???? بفنار أبو الكيزان، فاستوقفت الباخرة إشارة لا سلكية نصها «متنا جوعا لأن الباخرة عايدة لم تحضر الأقوات منذ ثلاثين يوما».
فأرسل المسيرى بك إليهم زورقا بخاريا بطعام كاف وأشاروا إشارة الوصول والشكر، وكان موظف بالجمارك المصرية حسن النية يدون في مذكراته يوميا كل الحوادث فكتب في دفتره: أرسلنا إليهم لحما وخبزا وفاكهة وقد ماتوا جوعا. ثم سال عن تاريخ الوفاة ليدونه بالدقة!!
ولما بلغنا محجر الطور بدأ تبادل البرقيات بين الحجاج وأقاربهم في القاهرة وغيرها، فكان كل تلغراف يصل هكذا الطور.. فلان أفندى. نهنئكم بسلامة الوصول، وورد ذكر هذه النكته فروى أحدهم ما كتبه موظف مصرى يدعى مبروك إلى أحد الكبراء ينعى والده فدون الخبر هكذا والدكم انتقل إلى رحمة الله.. مبروك (وهو اسمه).
وكان أكثر الحجاج نصيبا من البرقيات تاجر ظريف اسمه الحريرى فتسلم في دفعة واحدة عشرين برقية، فقال رجل لم تصله رسالة واحدة: يا سلام يا أخى كل هذه التلغرافات للحريرى، فأجاب الحريرى على الفور: الناس مقامات (إشارة إلى مقامات الحريرى).
انظر إلى أيامى في الحجاز بألم وأسف شديد، كأنه حلم لذيذ ألقته الأيام بإذن الله بين يدى كالكنز الثمين ثم انطوت صفحته في عالم الأشباح، ولكنه ما زال ماثلا أمام الروح يزداد صفاء وجلاء ونورا.
انظر إنى لتعرونى هزات الحنين إلى وطن الروح بأكثر مما كانت تعرونى هزات الحنين لوطن الأجساد حيث كان الأهل والولد. وكلما قرأت أو سمعت أو ذكرت اسم مكة أو المدينة المنورة يقفز قلبى في صدرى ويطفر طفرة قوية، وإنى لأرقد خالى الذهن وإذا بالرؤى تزحمنى فأرى الكعبة وزمزم والمقام وأشعر كأننى ما زلت أطوف في رداء الإحرام.
يا لها من أيام سعيدة مبرورة لم أعرف حق المعرفة ولم أقدرها حق قدرها. مرت كزمان الوصل كالحلم أو كخلسة المختلس!
إخوانى الحجاج
أدعو الله أن يعيدنا إلى تلك البقاع المقدسة مرات ومرات وأن يسعدنا بتلك الأيام المبرورة في ظلال الكعبة المشرفة وبجوار النبى عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.