Advertisement

ابن جبير



صفحة : 1


بسم الله الرحمن الرحيم

تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار
ابتدئ بتقييدها يوم الجمعة الموفي ثلاثين لشهر شوال سنة ثمان وسبعين وخمس مئة على متن البحر بمقابلة جبل شليرعرفنا الله السلامة بمنه.
وكان انفصال أحمد بن حسان ومحمد بن جبير من غرناطة، حرسها الله للنية الحجازية المباركة، قرنها الله بالتيسير والتسهيل وتعريف الصنع الجميل، أول ساعة من يوم الخميس الثامن لشوال المذكور وبموافقة اليوم الثالث لشهر فبرير الأعجمي. وكان الاجتياز على حيان لقضاء بعض الأسباب، ثم كان الخروج منها أول ساعة من يوم الاثنين التاسع عشر لشهر شوال المذكور وبموافقة اليوم الرابع عشر لشهر فبرير المذكور أيضا.
وكانت مرحلتنا الأولى منها حصن القبذاق ثم منه حصن قبرة ثم منه مدينة استجة ثم منها حصن أشونة ثم منه شلير ثم منه حصن أركش ثم منه قرية تعرف بقرية القشمة من قرى مدينة ابن السليم ثم منها جزيرة طريف، وذلك يوم الاثنين السادس والعشرين من الشهر المؤرخ.
فلما كان ظهر يوم الثلاثاء من اليوم الثاني، يسر الله علينا في عبور البحر قصر مصمودة تيسيرا عجيبا، والحمد لله. ونهضا منه سبتة غدوة يوم الأربعاء الثامن والعشرين منه، وألقينا بها مركبا للروم الجنويين مقلعا الإسكندرية بحول الله، عز وجل، فسهل الله علينا في الركوب فيه.
وأقلعنا ظهر يوم الخميس التاسع والعشرين منه، وبموافقة الرابع والعشرين من فبرير المذكور، بحول الله تع وعونه، لارب غيره. وكان طريقنا في البحر محاذيا لبر الأندلس. وفار قناه يوم الخميس السادس لذي القعدة بعده عندما حاذينا دانية. وفي صبيحة يوم الجمعة السابع من الشهر المذكور آنفا قابلنا بر جزيرة يابسة ثم يوم السبت بعده قابلنا جزيرة منورقة. ومن سبتة إليها نحو ثمانية بحار، والمجرى مئة ميل.
وفارقنا برهذه الجزيرة المذكورة، وقام معنا بر جزيرة سردانية أول ليلة الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور، وهو الثامن من مارس، دفعة واحدة على نحو ميل أو أقل. وبين الجزيريتين سردانية ومنورقة نحو الأربع مئة ميل،فكان قطعا مستغربا في السرعة.

أهوال البحر
وطرأ علينا من مقابلة البر في الليل هول عظيم، عصم الله منه بريح أرسلها الله تع في الحين من تلقاء البر، فأخرجنا عنه، والحمد لله على ذلك. وقام علينا نوء هال له البحر صبيحة يوم الثلاثاء المذكور، فبقينا مترددين بسببه حول بر سردانية يوم الأربعاء بعده فأطلع الله علينا في حال الوحشة وانغلاق الجهات بالنوء فلا نميز شرقا من غرب، مركبا للروم قصدنا أن حاذانا، فسئل عن مقصده، فأخبر أنه يريد جزيرة صقلية وأنه من قرطاجنة عمل مرسية وقد كنا استقبلنا طريقه التي جاء من غير علم، فأخذنا عند ذلك في اتباع أثره، والله الميسر لارب سواه. فخرج علينا طرف من بر سردانية المذكور، فأخذنا في الرجوع عودا على بدء أن وصلنا طرفا من البر المذكور يعرف بقوسمركة، وهو مرسى معروف عندهم. فأرسينا به ظهر يوم الأربعاء المذكور والمركب المذكور معنا. وبهذا الموضع المذكور أثر لبنيان قديم ذكر لنا أنه كان منزلا لليهود فيما سلف.
ثم إنا أقلعنا منه ظهر يوم الأحد السادس عشر من الشهر المذكور، وفي مدة مقامنا بالمرسى المذكور جددنا فيه الماء والحطب والزاد. وهبط واحد من المسلمين ممن يحفظ اللسان الرومي مع جملة من الروم أقرب المواضع المعمورة منا فأعلمنا أنه رأى جملة من أسرى المسلمين نحو الثمانين بين رجال ونساء يباعون في السوق. وكان ذلك عند وصول العدو، دمره الله، بهم من سواحل البحر ببلاد المسلمين، والله يتداركهم برحمته.ووصل المرسى المذكور، يوم الجمعة الثالث من يوم أرسينا فيه، سلطان الجزيرة المذكورة، مع جملة من الخيل.فنزل إليه أشياخ المركب من الروم واجتمعوا به، وطال مقامهم عنده، ثم انصرفوا وانصرف موضع سكناه. وتركنا المركب المذكور في موضع إرسائه، بسبب مغيب بعض أصحابه في البلد، عند هبوب الريح الموافقة لنا.


صفحة : 2

وفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر لذي القعدة المذكور والخامس عشر من شهر مارس المذكور أيضا، وفي الربع الباقي منها، فارقنا بر سردانية المذكورة، وهو بر طويل جرينا بحذائه نحو المثتي ميل. ومنتهى دور الجزيرة، على ماذكر لنا، أزيد من خمس مئة ميل، ويسر الله علينا في التخلص من بحرها، لأنه أصعب ما في الطريق، والخروج منه يتعذر في أكثر الأحيان، والحمد لله على ذلك.
وفي ليلة الأربعاء بعدها من أولها عصفت علينا ريح هال لها البحر وجاء معها مطر ترسله الرياح بقوة، كأنه شآبيب سهام. فعظم الخطب واشتد الكرب وجاءنا الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة. فبقينا على تلك الحال الليل كله، واليأس قد بلغ منا مبلغه، وارتجينا مع الصباح فرجة تخفف عنا بعض ما نزل بنا، فجاء النهار، وهو يوم الأربعاء التاسع عشر من ذي القعدة، بما هو اشد هولا وأعظم كربا، وزاد البحر اهتياجا واربدت الآفاق سوادا، واستشرت الريح والمطر عصوفا، حتى لم يثبت معها شراع. فلجأ استعمال الشرع الصغار. فأخذت الريح أحدها ومزقته وكسرت الخشبة التي ترتبط الشرع فيها، وهي المعروفة عندهم بالقرية. فحينئذ تمكن اليأس من النفوس وارتفعت أيدي المسلمين بالدعاء الله عز وجل. وأقمنا على تلك الحال النهار كله. جن الليل فترت الحال بعض فتور، وسرنا في هذه الحال كلها بريح الصواري سيرا سريعا.
وفي ذلك اليوم حاذينا بر جزيرة صقلية. وبتنا تلك الليلة، التي هي ليلة الخميس التالية لليوم المذكور، مترددين بين الرجاء واليأس. فلما أسفر الصبح نشر الله رحمته، وأقشعت السحاب وطاب الهواء وأضاءت الشمس وأخذ في السكون البحر. فاستبشر الناس وعاد الأنس وذهب اليأس، والحمد لله الذي أرانا عظيم قدرته، ثم تلافى بجميل رحمته ولطيف رأفته،حمدا يكون كفاء لمنته ونعمته.
وفي هذا الصباح المذكور ظهر لنا بر صقلية وقد أجزنا أكثره ولم يبق منه إلا الأقل. وأجمع من حضر من رؤساء البحر من الروم وممن شاهد الأسفار والأهوال في البحر من المسلمين أنهم لم يعاينوا قط مثل هذا الهول فيما سلف من أعمارهم،والخبر عن هذه الحال يصغر في خبرها.
وبين البرين المذكورين بر سردانية وبر صقلية نحو الأربع مئة ميل.
واستصحبنا من بر صقلية أزيد من مئتي ميل، ثم ترددنا بحذائه بسبب سكون الريح. فلما كان عصر يوم الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور أقلعنا من الموضع الذي كنا أرسينا فيه، وفارقنا البر المذكور أول تلك الليلة. وأصبحنا يوم السبت وبيننا وبينه مسافة بعيدة، وظهر لنا إذ ذاك الجبل الذي كان فيه البركان، وهو جبل عظيم مصعد في جو السماء قد كساه الثلج. وأعلمنا أنه يظهر في البحر مع الصحو على أزيد من مسيرة مئة ميل. فأخذنا ملججين وأقرب ما نؤمله من البر إلينا جزيرة أقر يطش، وهي من جزائر الروم ونظرها صاحب القسطنطينية، وبينها وبين جزيرة صقلية مسيرة سبع مئة ميل، والله كفيل بالتيسير والتسهيل بمنه. وفي طول هذه الجزيرة، جزيرة أقر يطش المذكورة، نحو من ثلاث مئة ميل.
وفي ليلة الثلاثاء الخامس والعشرين من الشهر المذكور، وهو الثاني والعشرون من شهر مارس، حاذينا البر المذكور تقديرا لا عيانا. وفي صبيحة اليوم المذكور فارقناه متوجهين لقصدنا. وبين هذه الجزيرة المذكورة وبين الإسكندرية ستمئة ميل أو نحوها.
وفي صبيحة يوم الأربعاء السادس والعشرين منه ظهر لنا البر الكبير المتصل بالإسكندرية المعروف ببر الغرب، وحاذينا منه موضعا يعرف بجزائر الحمام على ما ذكر لنا، وبينه وبين الإسكندرية نحو الأربع مئة ميل على ما ذكر لنا فأخذنا في السير والبر المذكور منا يمينا.

البشرى بالسلامة
وفي صبيحة يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر المذكور أطلع الله علينا البشرى بالسلامة بظهور منار الإسكندرية على نحو العشرين ميلا، والحمد لله على ذلك حمدا يقتضي المزيد من فضله وكريم صنعه.


صفحة : 3

وفي آخر الساعة الخامسة منه كان إرساؤنا بمرس البلد، ونزولنا اثر ذلك، والله المستعان فيما بقي بمنه. فكانت أقامتنا على متن البحر ثلاثين يوما، ونزلنا في الحادي والثلاثين، لأن ركوبنا إياه كان يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شوال، ونزولنا عنه في يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة، وبموافقة السادس والعشرين من مارس، والحمد لله على ما من به من التيسير والتسهيل، وهو سبحانه المسؤول بتتميم النعمة علينا ببلوغ الغرض من المقصود، وتعجيل الإياب الوطن على خير وعافية، انه المنعم بذلك لارب سواه. وكان نزولنا بها بفندق يعرف بفندق الصفار بمقربة من الصبانة.

شهر ذي الحجة من السنة المذكورة
أوله يوم الأحد، ثاني يوم نزولنا بالإسكندرية.
فمن أول ما شاهدنا فيها يوم نزولنا أن طلع أمناء المركب من قبل السلطان بها لتقييد جميع ما جلب فيه. فاستحضر جميع من كان فيه من المسلمين واحدا واحدا وكتبت أسماؤهم وصفاتهم وأسماء بلادهم، وسئل كل واحد عما لديه من سلع أو ناض ليؤدي زكاكة ذلك كله دون أن يبحث عما حال عليه الحول من ذلك أو ما لم يحل. وكان أكثرهم تشخصين لأداء الفريضة لم يستصحبوا سوى زاد لطريقهم، فازموا أداء زكاة ذلك دون أن يسأل احال عليه الحول أم لا واستنزل احمد بن حسان منا ليسأل عن أنياء المغرب وسلع المركب.فطيف به مرقبا على السلطان أولا ثم على القاضي ثم على أهل الديوان ثم على جماعة من حاشية السلطان. وفي كل يستفهم ثم يقيد قوله. فخلي سبيله، وأمر المسلمون بتنزيل أسبابهم وما فضل من أزودتهم، وعلى ساحل البحر أعوان يتوكلون بهم وبحمل جيمع ما أنزلوه الديوان. فاستدعوا واحدا وأحضر ما لكل واحد من الأسباب، والديوان قد غص بالز . فوقع التفتيش لجميع الأسباب، ما دق منها وماجل، واختلط بعضها ببعض، أدخلت الأيدي أوساطهم بحثا عما عسى أن يكون فيها. ثم استحلفوا بعد ذلك هل عندهم غير ما وجدوا لهم أم لا.
وفي أثناء ذلك ذهب كثير من أسباب الناس لاختلاط الأيدي وتكاثر الزحام، ثم أطلقوا بعد موقف من الذل والخزي عظيم، نسأل الله أن يعظم الأجر بذلك. وهذه لا محالة من الأمور الملبس فيها على السلطان الكبير المعروف بصلاح الدين، ولوعلم بذلك على ما يؤثر عنه من العدل وإيثار الرفق لأزال ذلك، وكفى الله المؤمنين تلك الخطة الشاقة واستؤدوا الزكاة على أجمل الوجوه. وما لقينا ببلاد هذا الرجل ما يلم به قبيح لبعض الذكر سوى هذه الأحدوثة التي هي من نتائج عمال الدواوين.

ذكر بعض أخبار الإسكندرية وآثارها
فأول ذلك حسن وضع البلد واتساع مبانيه، حتى إنا ما شاهدنا بلدا أوسع مسالك منه ولا أعلى مبنى ولا أعتق ولا أحفل منه، وأسواقه في نهاية من الاحتفال أيضا. ومن العجب في وصفه أن بناءه تحت الأرض كبنائه فوقها وأعتق وأمتن، لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها وأزقتها تحت الأرض فتتصل الآبار بعضها ببعض ويمد بعضها بعضا.
وعانيا فيها ايضا من سواري الرخام وألواحه كثرة وعلوا واتساعا وحسنا مالا يتخيل بالوهم، حتى انك تلفي في بعض الممرات بها سواري يغص الجو بها صعودا لا يدرى ما معناه ولا لم كان أصل وضعها. وذكر لنا أنه كان عليها في القديم مبان للفلاسفة خاصة ولأهل الرئاسة في ذلك الزمان، والله أعلم، ويشبه أن يكون ذلك للرصد.

منار الإسكندرية
ومن أعظم ما شدهاناه من عجائبها المنار الذي قد وضعه الله عز وجل على يدي من سخر لذلك آية للمتوسمين وهداية للمسافرين، لولاه ما اهتدوا في البحر بر الإسكندرية، يظهر على أزيد من سبعين ميلا. ومبناه في غابة العتاقة والوثاقة طولا وعرضا، يزاحم الجو سموا وارتفاعا، يقصر عنه الوصف وينحسر دونه الطرف، الخبر عنه يضيق والمشاهدة له تتسع.
ذرعنا أحد جوانبه الأربعة فألفينا فيه نيفا وخمسين باعا ويذكر أن في طوله أزيد من مئة وخمسين قامة. وأما داخله فمر أي هائل، اتساع معارج ومداخل وكثرة مساكن، حتى أن المتصرف فيها والوالج في مسالكها ربما ضل. وبالجملة لا يحصلها القول، والله لا يخليه من دعوة الإسلام ويبقيه.
وفي أعلاه مسجد موصوف بالبركة يتبرك الناس بالصلاة فيه، وطلعنا إليه يوم الخميس الخامس لذي الحجة المورخ وصلينا في المسجد المبارك المذكور.


صفحة : 4

وشاهدنا من شأن عجبا لا يستوفيه وصف واصف.

مناقب الإسكندرية
ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة سلطانه: المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطب والتعبد، يفدون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوي إليه ومدرسا يعلمه الفن الذي يريد تعلمه وإجراء يقوم به في جميع أحواله. واتسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها متى احتاجوا ذلك، ونصب لهم مارستانا لعلاج من مرض منهم، ووكل بهم أطباء يتفقدون أحوالهم، وتحت أيديهم خدام يأمرونهم بالنظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء. وقد رتب أيضا فيه أقوام برسم الزيارة للمرضى الذين يتنزهون عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة، وينهون الأطباء أحوالهم ليتكفلوا بمعالجتهم.
ومن اشرف هذه المقاصد أيضا أن السلطان عين لأبناء السبيل من الغاربة خبزتين لكل إنسان في كل يوم بالغا ما بلغوا، ونصب لتفريق ذلك كل يوم انسانا امينا من قبله. ينتهي في اليوم ألفي خبزة أو أزيد بحسب القلة والكثرة، وهكذا دائما، ولهذا كله أوقاف من قبله حاشا ما عينه من زكاة العين لذلك. وأكد على المتولين لذلك متى نقصهم من الوظائف المرسومة شيء أن يرجعوا صلب ماله. وأما أهل بلده ففي نهاية من الترفيه واتساع الأحوال لا يلزمهم وظيف البتة. ولافائد للسطان بهذا البلد سوى الأوقاف المحبسة المعينة من قبله لهذه الوجوه وجزية اليهود والنصارى وما يطرأ من زكاة العين خاصة، وليس له منها سوى ثلاثة أثمانها والخمسة الأثمان مضافة للوجوه المذكورة.
وهذا السلطان الذي سن هذه السنن المحمودة ورسم هذه الرسوم الكريمة على عدمها في المدة البعيدة هو صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، وصل الله صلاحه وتوفيقه.
ومن أعجب ما اتفق للغرباء أن بعض من يريد التقرب بالنصائح السلطان ذكر أن أكثر هؤلاء يأخذون جراية الخبز ولا حاجة لهم بها رغبة في المعيشة لأنهم لا يصلون الا يزاد يقلهم. فكاد يؤثر سعي هذا المتنصح. فلما كان في أحد الأيام خرج السلطان المذكور على سبيل التطلع خارج بلده، فتلقى منهم جماعة قد لفظتهم الصحراء المتصلة بطرابلس، وهم قد ذهبت رسومهم عطشا وجوعا.
فسألهم عن وجهتهم واستطلع ما لديهم. فأعلموه أنهم قاصدون بيت الله الحرام وأنهم ركبوا البر وكابدوا مشقة صحرائية. فقال: لو وصل هؤلاء وهم قد اعتسفوا هذه المجاهل التي اعتسفوها وكايدوا من الشقاء ما كايدوه وبيد كل واحد منهم زنته ذهبا وفضة لوجب أن يشاركوا ولا يقطعوا عن العادة التي أجريناها، لهم فالعجب ممن يسعى على مثل هؤلاء ويروم التقرب إلينا بالسعي في قطع ما أوجبناه لله عز وجل خالصا لوجهه.
ومآثر هذا السلطان ومقاصده في العدل ومقاماته في الذب عن، فمنهم من يقول ثمانية آلاف ومنهم من يقول غير ذلك. وبالجملة فهي كثيرة جدا تكون منها الأربعة والخمسة في موضوع وربما كانت مركبة وكلها بآثمة مرتبين من قبل السلطان، فمنهم من له الخمسة دنانير مصرية في الشهر، وهي عشرة مؤمنية، ومنهم من له فوق ذلك ومنهم من له دونه. وهذه منقبة كبيرة من مناقب السلطان. غير ذلك مما يطول ذكره من المآثر التي يضيق عنها الحصر.
ثم كان الانفصال عنها على بركة الله تع وحسن عونه صبيحة يوم الأحد الثامن لذي الحجة المذكور، وهو الثالث لأبريل، فكانت مرحلتنا منه موضع يعرف بدمنهور، وهو بلد مسور في بسيط من الأرض أفيح، متصل من الإسكندرية إليه مصر. والبسيط كله محرث يعمه النيل بفيضه،والقرى فيه يمينا وشمالا لا تحصى كثرة.
ثم في اليوم الثاني وهو يوم الاثنين، أجزنا النيل بموضع يعرف بصافي مركب تعدية. واتصل سيرنا موضع يعرف ببرمة فكان مبيتنا بها، وهي قرية كبيرة فيها السوق وجميع المرافق. ثم بكرنا منها يوم الثلاثاء، وهو يوم عيد النحر من سنة ثمان وسبعين وخمس مئة المؤرخة، فشاهدنا الصلاة بموضع يعرف بطندته، وهي من القرى الفسيحة الآهلة، فأبصرنا بها مجمعا حفيلا، وخطب الخطيب بخطبة بليغة جامعة. واتصل سيرنا موضع يعرف بسبك وكان مبيتنا بها.


صفحة : 5

واجتزنا في ذلك اليوم على موضع حسن يعرف بمليج، والعمارة متصلة والقرى منتظمة في طريقنا كلها. ثم بكرنا منها يوم الأربعاء بعده. فمن أحسن بلد مررنا عليه موضع يعرف بقليوب على ستة أميال من القاهرة فيه الأسواق الجميلة ومسجد جامع كبير حفيل البنيان، ثم بعده المنية، وهو موضع أيضا حفيل، ثم منها القاهرة، وهي مدينة السلطان الحفيلة المتسعة، ثم منها مصر المحروسة. وكان دخولنا فيها إثر صلاة العصر من يوم الأربعاء، وهو الحادي عشر من ذي الحجة المذكور والسادس من أبريل، عرفنا الله فيها الخير والخبرة وتمم علينا صنعه الجميل بالوصول الغرض المأمول ولا أخلانا من التيسير والتسهيل بعزته وقدرته، أنه على ما يشاء قدير.
وفي يوم الأربعاء المذكور أجزنا القسم الثاني من النيل في مركب تعدية أيضا بموضع يعرف بدجة، وذلك وقت الغداة الصغرى، وكان نزولنا في مصر بفندق أبي الثناء في زقاق القناديل بمقربة من جامع عمرو بن العاص، رضي الله عنه، في حجرة كبيرة على باب الفندق المذكور.

ذكر مصر والقاهرة
فأول مانبدأ بذكره منها الآثار والمشاهد المباركة التي ببركتها يمسكها الله عز وجل: فمن ذلك المشهد العظيم الشأن الذي بمدينة القاهرة حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، وهو في تابوت فضة مدفون تحت الأرض قد بني عليه بنيان حفيل يقصر الوصف عنه ولايحيط الإدراك به، مجلل بأنواع الديباج، محفوف بأمثال العمد الكبار شمعا أبيض ومنه ما هو دون ذلك، قد وضع أكثرها في أتوار فضة خالصة ومنها مذهبة، وعلقت عليه قناديل فضة، وحف أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهبا في مصنع شبيه الروضة يقيد الأبصار حسنا وجمالا، فيه من أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة البديع الترصيع مالا يتخيله المتخيلون ولا يلحق أدنى وصفه الواصفون.
والمدخل هذه الروضة على مسجد على مثالها في التأنق والغرابة، حيطانه كلها رخام على الصفة المذكورة، وعن يمين الروضة المذكورة وشمالها بيتان من كليهما المدخل إليها وهما أيضا على تلك الصفة بعينها. والأستار البديعة الصنعة من الديباج معلقة على الجميع.
ومن أعجب ما شاهدناه في دخولنا هذا المسجد المبالاك حجر موضوع في الجدار الذي يستقبله الداخل شديد السواد والبصيص، يصف الأشخاص كلها كأنه المرآة الهندية الحديثة الصقل. وشاهدنا من استلام الناس للقبر المبارك،واحدا قهم به وانكبابهم عليه وتمسحم بالكسوة التي عليه وطوافهم حوله مزدحمين باكين متوسلين الله سبحانه وتع ببركة التربة المقدسة، ومتضرعين ما يذيب الأكباد ويصدع الجماد. والأمر فيه أعظم، ومرأى الحال أهوال، نفعنا الله ببركة ذلك المشهد الكريم. وإنما وقع الإلماع بنبذة من صفته مستدلا على ما وراء ذلك إذا لا ينبغي لعاقل أن يتصدى لوصفه لأنه يقف موقف التقصير والعجز. وبالجملة فما أظن في الوجود كله مصنعا أحفل منه، ولا مرأى من البناء أعجب ولا أبدع، قدس الله العضو الكريم الذي فيه بمنه وكرمه.
وفي ليلة اليوم المذكور بتنا بالجبانة المعروفة، وهي أيضا إحدى عجائب الدنيا لما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء صلوات الله عليهم، وأهل البيت رضوان الله عليهم، والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد والأولياء ذوي الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة. وإنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته فمنها قبر ابن النبي صالح، وقبر روبيل بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليهم أجمعين، وقبر آسية امرأة فرعون رضي الله عنها، ومشاهد أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين، مشاهد أربعة عشر من الرجال،وخمس من النساء. وعلى كل واحد منها بناء حفل. فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد وكل بها قومه يسكنون فيها ويحفظونها. ومنظرها منظر عجيب، والجرايات متصلة لقوامها في كل شهر.

ذكر مشاهد أهل البيت رضي الله عنهم


صفحة : 6

مشهد علي بن الحسين بن علي رضي الله عنه، ومشهدان لإبني جعفر بن محمد الصادق، رضي الله عنهم،ومشهد القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد بن علي زين العابدين المذكور، رضي الله عنهم، ومشهدان لابنية الحسن والحسين رضي الله عنهما،ومشهد ابنه عبد الله بن القاسم، رضي الله عنه، ومشهد ابنه يحيى بن القاسم، ومشهد علي بن عبد الله بن القاسم رضي الله عنهم، ومشهد أخيه عيسى بن عبد الله، رضي الله عنهما، ومشهد يحيى بن الحسن بن زيدين الحسن، رضي الله عنهم، ومشهد محمد بن عبد الله بن محمد الباقر بن علي زين العابدين الحسين بن علي، رضي الله عنهم، ومشهد جعفر بن محمد من ذرية علي بن الحسين، رضي الله عنهم، وذكر لنا أنه كان ربيب الإمام مالك، رضي الله عنه.
مشاهد الشريفات رضي الله عنهن
مشهد السيدة أم كلثوم ابنة القاسم بن محمد بن جعفر، رضي الله عنهم، ومشهد السيدة زينب ابنة يحيى بن زيد بن علي بن الحسين، رضي الله عنهم، ومشهد أم كلثوم ابنة محمد بن جعفر الصادق، رضي الله عنهم، ومشهد السيدة أم عبد الله بن القاسم بن محمد، رضي الله عنهم.
وهذا ذكر ما حصله العيان من هذه المشاهد العلوية المكرمة وهي أكثر من ذلك. وأخبرنا أن في جملتها مشهدا مباركا لمريم ابنة علي بن أبي طالب، رضي الله عنه. وهو مشهور لكن لم نعاينه. وأسماء أصحاب هذه المشاهد المباركة إنما تلقيناها من التواريخ الثابتة عليها مع تواتر الأخبار بصحة ذلك، والله أعلم بها.
وعلى كل واحد منها بناء حفيل، فهي بأسرها روضات بديعة الإتقان عجيبة البنيان، قد وكل بها قومه يسكنون فيها ويحفظونها. ومنظرها منظر عجيب. والجرايات متصلة لقوامها في كل شهر.
ذكر مشاهد بعض أصحاب النبي
بالقرافة المذكورة ومشاهد التابعين والأثمة والعلماء والزهاد والأولياء المشتهرين بالكرامات رضي الله عنهم أجمعين.
والمقيد يبرأ من القطع بصحة ذلك وإنما رسم من أسمائهم ما وجده مرسوما في تواريخها، وبالجملة فالصحة غالبة لايشك فيها، إن شاء الله عز وجل: مشهد معاذ بن جبل رضي الله عنه، مشهد عقبة بن عامر الجهني حامل راية رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مشهد صاحب بردة صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مشهد أبي الحسن صائغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مشهد سارية الجبل رضي الله عنه، مشهد محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، مشهد أولاده رضي الله عنهم، مشهد أحمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، مشهد أسماء ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، مشهد ابن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، مشهد عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مشهد ابن حليمة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مشاهد الأئمة العلماء الزهاد
مشهد الإمام الشافعي رضي الله عنه، وهو من المشاهد العظيمة احتفالا واتساعا. وبني بإزائه مدرسة لم يعمر بهذه البلاد مثلها، لا أوسع مساحة ولا أحف بناء، يخيل لمن يطوف عليها أنها بلد مستقل بذاته، بإزائها الحمام، غير ذلك من مرافقها، والبناء فيها حتى الساعة، والنفقة عليها لا تحصى. وتولى ذلك بنفسه الشيخ الإمام الزاهد العالم المعروف بنجم الدين الخبوشاني وسلطان هذه الجهات صلاح الدين يسمح له بذلك كله، ويقول: زد احتفالا وتأنقا وعلينا القيام بمؤونة ذلك كله، فسبحان الذي جعله صلاح دينه كاسمه.


صفحة : 7

ولقينا هذا الرجل الخبوشاني المذكور تبركا بدعائه لأنه قد كان ذكر لنا أمره بالأندلس. فألفيناه في مسجده بالقاهرة وفي البيت الذي يسكنه داخل المسجد المذكور، وهو بيت ضيق الفناء، فدعا لنا، وانصرفنا ولم نلق من رجال مصر سواه. مشهد المزني صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه، مشهد أشهب صاحب مالك رضي الله عنه، مشهد عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك رضي الله عنهما، مشهد أصبغ صاحب مالك رضي الله عنهما، مشهد القاضي عبد الوهاب رضي الله عنه، مشهد عبد الله بن عبد الحكم ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم رضي الله عنهما، مشهد الفقيه الواعظ الزاهد أبي الحسن الدينوري رضي الله عنه، مشهد بنان العابد رضي الله عنه، مشهد الرجل الصالح العابد الزاهد المعروف بصاحب الإبريق، وقصته عجيبة في الكرامة، مشهد أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه، مشهد المرأة الصالحة المعروفة بالعيناء رضي الله عنها، مشهد الروذباري رضي الله عنه، مشهد محمد بن مسعود بن محمد بن هارون الرشيد المعروف بالسبتي رضي الله عنه، مشهد الرجل الصالح مقبل الحبشي رضي الله عنه، مشهد ذي النون بن إبراهيم المصري رضي الله عنه، مشهد القاضي الأنباري، قبر الناطبق الذي سمع عند وضعه في لحده يقول: اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين، رضي الله عنه، مشهد العروس ولها أثر من الكرامة في حال جلوتها على زوجها لم يسمع أعجب منه، مشهد الصامت الذي يحكى عنه انه لم يتكلم أربعين سنة، مشهد العصافيري، مشهد عبد العزيز بن أحمد بن الحسن الخوارزمي، مشهد الفقيه الواعظ الأفضل الجوهري ومشاهد أصحابه بازائه رضي الله عنهم أجمعين، مشهد شقران شيخ ذي النون المصري، مشهد الرجل الصالح المعروف بالأقطع المغربي، مشهد المقرىء ورش، مشهد الطبري، مشهد شيبان الراعي.
والمشاهد الكريمة بها أكثر من أن تضبط بالتقييد أو تتحصل بالإحصاء وإنما ذكرنا منها ما أمكنتنا مشاهدته.
وبقبلة القرافة المذكورة بسيط متسع يعرف بموضع قبور الشهداء، وهم الذين استشهدوا مع سارية رضي الله عن جميعهم. والبسيط المذكور مسنم كله للعيان على مثال أسنمة القبور دون بناء. ومن العجب أن القرافة المذكورة كلها مساجد مبنية ومشاهد معمورة يأوي إليها الغرباء والعلماء والصلحاء والفقراء، والإجراء على كل موضع منها متصل من قبل السلطان في كل شهر، والمدارس التي بمصر والقاهرة كذلك، وحقق عندنا أن الإجراء على ذلك كله نيف على آلفي دينار مصرية في الشهر، وامع الخطبة اليوم، يأخذ الخطيب فيها مأخذ سني يجمع فيها الدعاء للصحابة، رضي الله عنهم، وللتابعين ومن سواهم ولأمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ولعميه الكريمين حمزة والعباس، رضي الله عنهما، ويلطف الوعظ ويرقق التذكير حتى تخشع القلوب القاسية وتتفجر العيون الجامدة. ويأتي للخطبة لابسا السواد على رسم العباسية. وصفة لباسه بردة سوداء عليها طيلسان شرب أسود، وهو الذي يسمى بالغرب الإحرام، وعمامة سوداء، متقلدا سيفا. وعند صعوده المنبر يضرب بنعل سيفه المنبر في أول ارتقائه ضربة يسمع بها الحاضرين كأنها إيذان بالإنصات، وفي توسطه أخرى، وفي انتهاء صعوده ثالثة. ثم يسلم على الحاضرين يمينا وشمالا ويقف بين رايتين سواد وين فيهما تجزيع بياض قد ركزنا في أعلى المنبر.
ودعاؤه في هذا التاريخ للإمام العباسي أبي العباس أحمد الناصر لدين الله ابن الإمام أبي محمد الحسن المستضيء بالله ابن الإمام أبي المظفر يوسف المستنجد بالله، ثم لمحيي دولته أبي المظفر يوسف بن أيوب صلاح الدين، ثم لأخيه ولي عهده أبي بكر سيف الدين.

قلعة القاهرة
وشاهدنا أيضا بنيان القلعة وهو حصن يتصل بالقاهرة حصين المنعة، يريد السلطان أن يتخذه موضع سكناه، ويمد سوره حتى ينتظم بالمدينتين مصر والقاهرة. والسخرون في هذا البنيان والمتولون لجميع امتهاناته ومؤونته العظيمة كنشر الرخام ونحت الصحور العظام وحفر الخندق المحدق بسور الحصن المذكور وهو خندق ينقر بالمعاول نقرا في الصخر عجبا من العجائب الباقية الآثار، العلوج الاسارى من الروم، وعددهم لا يحصى كثرة، ولا سبيل أن يمتهن في ذلك البنيان أحد سواهم.


صفحة : 8

وللسلطان أيضا بمواضع أخر بنيان والأعلاج يخدمونه فيه، ومن يمكن استخدامه من المسلمين في مثل هذه المنفعة العامة مرفه عن ذلك كله ولا وظيفة في شيء من ذلك على أحد.

مارستان المجانين
ومما شاهدناه أيضا من مفاخر هذا السلطان المارستان الذي بمدينة القاهرة. وهو قصر من القصور الرائقة حسنا واتساعا أبرزه لهذه الفضيلة تأجرا واحتسابا وعين قيما من أهل المعرفة وضع لديه خزائن العقاقير ومكنه من استعمال الأشربة واقامتها على اختلاف أنواعها. ووضعت في مقاصير ذلك القصر أسرة يتخذها المرضى مضاجع كاملة الكسى. وبين يدي ذلك القيم خدمة يتكفلون بتفقد أحوال المرضى بكرة وعشية، فيقابلون من الأغذية والاشربة بما يليق بهم.
وبازاء هذا الموضع موضع مقتطع للنساء المرضى. ولهن أيضا من يكفلهن. ويتصل بالموضعين المذكورين موضع آخر متسع الفناء فيه مقاصير عليها شبابيك الحديد اتخذت محابس للمجانين.
ولهم أيضا من يتفقد في كل يوم أحوالهم ويقابلها بما يصلح لها. والسلطان يتطلع هذه الأحوال كلها بالبحث والسؤال ويؤكد في الاعناء بها والثابرة عليها غاية التأكيد. وبمصر مارستان آخر على مثل ذلك الرسم بعينه.

مسجد ابن طولون
وبين مصر والقاهرة المسجد الكبير المنسوب أبي العباس أحمد بن طولون، وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة الواسعة البنيان، جعله السلطان مأوى للغرباء من المغاربة يسكنونه ويحلقون فيه، وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر. ومن أعجب ما حدثنا به أحد المتخصصين منهم أن السلطان جعل أحكامهم إليهم ولم يجعل يدا لأحد عليهم. فقدموا من أنفسهم حاكما يمتثلون أمره ويتحاكمون في طوارئ أمورهم عنده، واستصحبوا الدعة والعافية، وتفرغوا لعبادة ربهم، ووجدوا من فضل السلطان أفضل معين على الخير الذي هم بسبيله.

مآثر السلطان ومفاخره
وما منها جامع من الجوامع ولا مسجد من المساجد ولا روضة من الروضات المبنية على القبور ولا محرس من المحارس ولا مدرسة من المدارس إلا وفضل السلطان يعم جميع من يأوي إليها ويلزم السكنى فيها، تهون عليه في ذلك نفقات بيوت الاسوال.
ومن مآثره الكريمة المعربة عن اعتنائه بأمور المسلمين كافة أنه أمر بعمارة محاضر ألزمها معلمين لكتاب الله، عز وجل، يعلمون أبناء الفقراء والأيتام خاصة وتجرى عليهم الجراية الكافية لهم.
ومن مفاخر هذا السلطان وآثاره الباقية المنفعة للمسلمين القناطر التي شرع في بنائها بغربي مصر، وعلى مقدار سبعة أميال منها، بعد رصيف أبتدئ به من حيز النيل بازاء مصر كأنه جبل ممدود على الأرض، تسير فيه مقدار ستة أميال حتى يتصل بالقنطرة المذكورة، وهي نحو الأربعين قوسا من أكبر ما يكون من قسي القناطر. والقنطرة متصلة بالصحراء التي يفضي منها الإسكندرية، له في ذلك تدبير عجيب من تدابير الملوك الحزمة اعدادا لحادثة تطرأ من عدو يدهم جهة ثغر الإسكندرية عند فيض النيل وانغمار الأرض به وامتناع سلوك العساكر بسببه. فأعد ذلك مسلكا في كل وقت إن احتيج ذلك. والله يدفع عن حوزة المسلمين كل متوقع ومحذور بمنه.
ولاهل مصر في شأن هذه القنطرة إنذار من الإنذارات الحد ثانية يرون أن حدوثها يذان باستيلاء الموحدين عليها وعلى الجهات الشرقية، والله أعلم بغيبه، لا إله سواه.
معجزة البناء وبمقربة من هذه القنطرة المحدثة الأهرام القديمة، المعجزة البناء، الغريبة المنظر، المربعة الشكل، كأنها القباب المضروبة قد قامت في جو السماء، ولا سيما الاثنان منها، فانهما يغص الجو بهما سموا، في سعة الواحد منها من أحد أركانه الركن الثاني ثلاث مئة خطوة وست وستون خطوة. قد أقيمت من الصخور العظام المنحوتة. وركبت تركيبا هائلا بديع الإلصاق دون أن يتخللها ما يعين على إلصاقها، محددة الأطراف في رأي العين، وربما أمكن الصعود إليها على خطر ومشقة فتلفى أطرافها المحددة كأوسع ما يكون من الرحاب، لورام أهل الأرض نقض بنائها لأعجزهم ذلك.
للناس في أمرها اختلاف: فمنهم من يجعلها قبورا لعاد وبنيه، ومنهم من يزعم غير ذلك. وبالجملة فلا يعلم شأنها إلا الله عز وجل.


صفحة : 9

ولأحد الكبيرين منها باب يصعد إليه على نحو القامة من الأرض أو أزيد ويدخل منه بيت كبير سعته نحو خمسين شبرا وطوله نحو ذلك. وفي جوف ذلك البيت رخامة طويلة مجوفة شبه التي تسميها العامة البيلة يقال أنها قبر والله أعلم بحقيقة ذلك.
ودون الكبير هرم سعته من الركن الواحد الركن الثاني مئة وأربعون خطوة.ودون هذا الصغير خمسة صغار وثلاثة متصلة والاثنان على مقربة منها متصلان.
وعلى مقربة من هذه الأهرام بمقدار غلوة صورة غريبة من حجر قد قامت كالصومعة على صفة آدمي هائل المنظر، وجهة الأهرام وظهره القبلة مهبط النيل، تعرف بأبي الأهوال.
وبمدينة مصر المسجد الجامع المنسوب لعمر بن العاص رضي الله عنه. وله أيضا بالإسكندرية جامع آخر هو مصلى الله عليه وسلم الجمعة للمالكيين. بمدينة مصر آثار من الخراب الذي أحدثه الإحراق الحادث بها وقت الفتنة عند اتساخ دولة العبيديين، وذلك سنة أربع وستين وخمس مئة، وأكثرها الآن مستجد والبنيان بها متصل. وهي مدينة كبيرة والآثار القديمة حولها، وعلى مقربة منها ظاهرة تدل على عظمة اختطا طها فيما سلف.

روضة النيل
وعلى شط نيلها مما يلي غربيها، والنيل معترض بينهما، قرية كبيرة حفيلة البنيان تعرف بالجيزة. لها كل يوم أحد سوق من الأسواق العظيمة يجتمع إليها.
ويعترض بينها وبين مصر جزيرة فيها مساكن حسان وعلالي مشرفة وهي مجتمع اللهو والنزهة، وبينها وبين مصر خليج من النيل يذهب بطولها نحو الميل ولها مخرج له. وبهذه الجزيرة مسجد جامع يخطب فيه. ويتصل بهذا الجامع المقياس الذي يعتبر فيه قدر زيادة النيل عند فيضه كل سنة. واستشعار ابتدائه في شهر يونيه، ومعظم انتهائه أغشت، وآخره أول شهر أكتوبر. وهذا المقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر فيه الماء عند انسيابه إليه، وهو مفصل على اثنتين وعشرين ذراعا مقسمة على أربعة وعشرين قسما تعرف بالأصابع. فإذا انتهى الفيض عندهم أن يستوفي الماء تسع عشرة ذراعا منغمرة فيه فهي الغاية عندهم في طيب العام. وربما كان الغامر منه كثيرا بعموم الفيض. والمتوسط عندهم ما ستوفى سبع عشرة ذراعا، وهو الأحسن عندهم من الزيادة المذكورة.
والذي يستحق به السلطان خراجه في بلاد مصر ست عشرة ذراعا فصاعدا، وعليها يعطي البشارة الذي يراعي الزيادة في كل يوم والزيادة في أقسام الذراع المذكورة ويعلم بها مياومة حتى تستوفي الغاية التي يقضي بها. وان قصر عن ست عشرة ذراعا فلا مجبى للسلطان في ذلك العام ولا خراج.
وذكر لنا أن بالجيزة المذكورة قبر كعب الأحبار رضي الله عنه. وفي صدر الجيزة المذكورة أحجار رخام قد صورت فيها التماسيح، فيقال: إن بسببها لا تظهر التماسيح فيما يلي البلد من النيل مقدار ثلاثة أميال علوا وسفلا، والله أعلم بحقيقة ذلك.

عدل صلاح الدين
ومن مفاخر هذا السلطان المزلفة من الله تع وآثاره التي أبقاها ذكرا جميلا للدين والدنيا: إزالته رسم المكس المضروب وظيفة على الحجاج مدة دولة العبيديين. فكان الحجاج يلاقون من الضغط في استيدائها عنتا مجحفا ويسامون فيها خطة خسف باهظة. وربما ورد منها من لافضل لديه على نفقته ولا نفقة عنده فيلزم أداء الضريبة المعلومة، وكانت سبعة دنانير ونصف دينار من الدنانير المصرية التي هي خمسة عشر دينارا مؤمنية على كل رأس، ويعجز عن ذلك، فيتناول بأليم العذاب بعيذاب. كاسمها مفتوحة العين.


صفحة : 10

وربما اخترع له من أنواع العذاب التعليق من الأنثيين أو غير ذلك من الأمور الشنيعة، نعوذ بالله من سوء قدره. وكان بجدة أمثال هذا التنكيل وأضعافه لمن لم يؤد مكسه بعيذاب ووصل اسمه غير معلم عليه علامة الأداء فمحا هذا السلطان هذا الرسم اللعين ودفع عوضا منه مايقوم مقامه من أطعمة وسواها،وعين مجبى موضع معين بأسره لذلك، وتكفل بتوصيل جميع ذلك الحجاز لأن الرمس المذكور كان باسم ميرة مكة والمدينة، غمرهما الله، فعوض من ذلك أجمل عوض، وسهل السبيل للحجاج، وكانت في حيز الانقطاع وعدم الاستطلاع، وكفى الله المؤمنين على يدي هذا السلطان العادل حادثا عظيما وخطبا أليما. فترتب الشكر له على كل من الناس أن حج البيت الحرام إحدى القواعد الخمس من الإسلام، حتى يعم جميع الآفاق ويوجب الدعاء له في كل صقع من الأصقاع وبقمة من البقاع، والله من وراء مجازاة المحسنين، وهو، جلت قدرته،لا يضيع أجر من أحسن عملا . مكوس كانت في البلاد المصرية وسواها ضرائب على كل ما يباع ويشترى مما دق أوجل، حتى كان يؤدى على شرب ماء النيل المكس فضلا عما سواه. فمحا هذا السلطان هذه البدع اللعينة كلها وبسط العدل ونشر الأمن.
زمن عدل هذا السلطان وتأمينه للسبل أن الناس في بلاده لا يخلعون لباس الليل تصرفا فيما يعنيهم، ولا يستشعرون لسواده هيبة تثنيهم. على مثل ذلك شاهدنا أحوالهم بمصر والإسكندرية حسبما تقدم ذكره.

شهر محرم سنة تسع وسبعين
استهل هلاله ليلة الثلاثاء، وهو اليوم السادس والعشرون من أبريل، ونحن بمصر، يسر الله علينا مرامنا.
وفي صبيحة يوم الأحد السادس من محرم المذكور كان انفصالنا من مصر وصعودنا في النيل على الصعيد قاصدين قوص. عرفنا الله عادته الجميلة من اليسير وحسن المعونة بمنه، ووافق يوم إقلاعنا المذكور أول يوم من مايه بحول الله عز وجل. والقرى في طريقنا متصلة في أيضا بغربي النيل ميامنا لنا، وذلك كله يوم إقلاعنا المذكور وفي الثاني منه، المدينة القديمة المنسوبة ليوسف الصديق صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وبها موضع السجن الذي كان فيه، وهو الآن ينقض وينقل أحجاره القلعة المبتناة الآن على القاهرة، وهو حصن حصين المنعة.
وبهذه المدينة المذكورة مخازن الطعام التي اختزنها يوسف، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهي مجوفة على ما يذكر.
ومنها الموضع المذكور بمنية ابن الخطيب وهو بلد على شط النيل ميامنا للصاعد فيه كبير فيه الأسواق والحمامات وسائر مرافق المدن، اجتزنا عليه ليلة الأحد الثالث عشر لمحرم المذكور، وهو الثامن من يوم إقلاعنا من مصر، لأن الربح سكنت عنا فتربصنا في الطريق.
ولو ذهبنا رسم كل موضع يعترضنا في شطي النيل يمينا وشمالا لضاق الكتاب عنه، ولكن نقصد من ذلك الأكبر الأشهر.
وقابلنا على مقربة من هذا الموضع مياسرا لنا المسجد المبارك المنسوب لإبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله عليه وعلى نبينا، وهو مسجد مذكور مشهور معلوم بالبركة مقصود، ويقال: إن بفنائه أثر الدابة التي كان يركبها الخليل،صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.
ومنها موضع يعرف بأنصنا مياسرا لنا، وهي قرية فسيحة جميلة بها آثار قديمة، وكانت في السالف مدينة عتيقة، وكان لها سور عتيق هدمه صلاح الدين وجعل على كل مركب منحدر في النيل وظيفة من حمل صخره القاهرة فنقل بأسره إليها.
وفي صبيحة يوم الاثنين الرابع عشر من محرم المذكور، وهو التاسع من إقلاعنا من مصر، اجتزنا بالجبل المعروف بجبل المقلة وهو بالشط الشرقي من النيل مياسرا للصاعد فيه، وهو نصف الطريق قرص، من مصر إليه ثلاثة عشر بريدا، ومنه قوص مثلها.
ومما يجب ذكره على جهة التعجب أن من حيز مصر في شط النيل الشرقي مياسرا للصاعد فيه حائطا متصلا قديم البنيان، منه ما قد تهدم ومنه ما بقي أثره، يتمادى على الشط المذكور أسوان آخر صعيد مصر، وبين أسوان وبين قوص ثمانية برد. والأقوال في أمر هذا الحائط تتشعب وتختلف، وبالجملة فشأنه عجيب ولا يعلم سره إلا الله عز وجل. وهو يعرف بحائط العجوز، ولها خبر مذكور، أظن هذه العجوز هي الساحرة المذكور خبرها في المسالك والممالك التي كانت لها المملكة بها مدة.

ذكر ما استدرك خبره


صفحة : 11

وذلك أنا لما حللنا الإسكندرية في الشهر المؤرخ أولا عاينا مجتمعا من الناس عظيما بروزا لمعاينة أسرى من الروم أدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوههم اذنابها وحولهم الطبول والأبواق. فسألنا عن قصتهم، فأخبرنا بأمر تتفطر له الأكباد إشفاقا وجزعا. وذلك أن جملة من نصارى الشام اجتمعوا وأنشأوا مراكب في أقرب المواضع التي لهم من بحر القلزم ثم حملوا أنقاضها على جمال العرب المجاورين لهم بكراء اتفقوا معهم عليه، فلما حصلوا بساحل البحر سمروا مراكبهم وأكملوا إنشاءها وتأليفا ودفعوها في البحر وركبوها قاطعين بالحجاج، وانتهوا بحر النعم فأحرقوا فيه نحو ستة عشر مركبا وانتهوا عيذاب فأخذوا فيها مركبا كان يأتي بالحجاج من جدة، واخذوا أيضا في البر قافلة كبيرة تأتي من قوص عيذاب، وقتلوا الجميع ولم يحيوا أحدا. وأخذوا مركبين كانا مقبلين بتجار من اليمن، وأحرقوا أطعمة كثيرة على ذلك الساحل كانت معدة لميرة مكة والمدينة أعزهما الله، وأحدثوا حوادث شنيعة لم يسمع مثلها في الإسلام ولا انتهى رومي ذلك الموضع قط.
ومن أعظمها حادثة ستد المسامع شناعة وبشاعة، وذلك انهم كانوا عازمين على دخول مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وإخراجه من الضريح المقدس.
أشاعوا ذلك وأجروا ذكره على ألسنتهم. فآخذهم الله باجتراثهم عليه وتعاطيهم ما تحول عناية القدر بينهم وبينه. ولم يكن بينهم وبين المدينة أكثر من مسيرة يوم. فدفع الله عاديتهم بمراكب مرت من مصر والإسكندرية دخل فيها الحاجب المعروف بلؤلؤ مع أنجاد المغربة البحريين. فلحقوا العدو وهو قد قارب النجاة بنفسه فأخذوا عن آخرهم. وكانت آية من آيات العنايات الجبارية، وأدركوهم عن مدة طويلة كانت بينهم من الزمان نيف على شهر ونصف أو حوله.وقتلوا واسروا، وفرق من الأسارى على البلاد ليقتلوا بها، ووجه منهم مكة والمدينة. وكفى الله بجميل صنعه الإسلام والمسلمين أمرا عظيما، والحمد لله رب العالمين.

رجع الذكر
ومن المواضع التي اجتزنا عليها في الصعيد بعد جبل المقلة الذي ذكرنا أنه نصف الطريق من مصر قوص، حسبما تقدم ذكره، موضع يعرف بمنفلوط بمقربة من الشط الغربي ميامنا للصاعد في النيل، فيه الأسواق وسائر ماتحتاج إليه من المرافق، وهي بلدة في نهاية من الطيب ليس في الصعيد مثلها، وقمحها بجلب مصر لطيبه ورزانة حبته، قد اشتهر عندهم بذلك. فالتجار يصعدون في المراكب لاستجلابه.
ومنها مدينة أسيوط، وهي من مدن الصعيد الشهيرة، بينها وبين الشط الغربي من النيل مقدار ثلاثة أميال. وهي جميلة المنظر، حولها بساتين النخل، وسورها سور عتيق.
ومنها موضع يعرف بأبي تيج، وهو بلد فيه الأسواق وسائر مرافق المدن، وهو في الشط الغربي من النيل، ومنها مدينة أخميم،وهي أيضا من مدن الصعيد الشهيرة المذكورة بشرقي النيل وبشطه، قديمة الاختطاط عتيقة الوضع،فيها مسجد ذي النون المصري، ومسجد داود أحد الصالحين المشتهرين بالخير والزهادة، وهما مسجدان موسومان بالبركة، دخلنا إليها متبركين بالصلاة فيهما، وذلك يوم السبت التاسع عشر لمحرم المذكور.


صفحة : 12

ويهذه المدينة المذكورة آثار ومصانع من بنيان القبط وكنائس معمورة الآن بالمعاهدين من نصارى القبط. ومن أعظم الهياكل المتحدث بغرائبها في الدنيا هيكل عظيم في شرقي المدينة المذكورة وتحت سورها، طوله مئتا ذراع وعشرون ذراعا، وستعه مئة وستون ذراعا، يعرف عند أهل هذه الجهة بالبربا وكذلك يعرف كل هيكل عندهم وكل مصنع قديم. قد قام هذا الهيكل العظيم على أربعين سارية، حاشا حيطانه، دور كل سارية منها خمسون شبرا، وبين كل سارية وسارية ثلاثون شبرا، ورؤوسها في نهاية من العظم والإتقان قد نحتت نحتا غريبا فجاءت مركنة بديعة الشكل كأن الخراطين تناولوها، وهي كلها مرقشة بأنواع الأصبغة اللازوردية وسواها. والسواري كلها منقوشة من أسفلها أعلاها. وقد انتصب على رأس كل سارية منها رأس صاحبتها التي تليها لوح عظيم من الحجر المنحوت، من أعظمها ما كلنا فيه ستة وخمسين شبرا طولا وعشرة أشبار عرضا وثمانية أشبار ارتفاعا وسقف هذا الهيكل كله من ألواح الحجارة المنتظمة ببديع الإلصاق، فجاءت كأنها فرش واحد. وقد انتظمت جميعه التصاوير البديعة والأصبغة الغريبة، حتى يخيل للناظر فيها أنها سقف من الخشب المنقوش.
والتصاوير على أنواع في كل بلاط من بلاطانه، فمنها ما قد جللته طيور بصور رائعة باسطة أجنحتها توهم الناظر إليها أنها تهم بالطيران، ومنها ما قد جللته تصاوير آدمية رائقة المنظر رائعة الشكل. قد أعدت لكل صورة منها هيئة هي عليها، كإمساك تمثال بيدها، أو سلاح، أو طائر، أو كأس، أو شارة شخص آخر بيده، أو غير ذلك، مما يطول الوصف له ولاتتأتى العبارة لاستيفائه.
وداخل هذا الهيكل العظيم وخارجه وأعلاه وأسفله تصاوير كلها مختلفات الأشكال والصفة، ومنها تصاوير هائلة المنظر خارجة عن صور الآدميين يستشعر الناظر إليها رعبا ويتملأ منها عبرة وتعجبا. وما فيه مغرز اشفى ولاابرة إلا وفيه صورة أو نقش أو خط بالمسند لا يفهم. قد عم هذا الهيكل العظيم الشأن كله هذا النقش البديع. ويتأتى في صم الحجارة من ذلك مالا يتأتى في الرخو من الخشب، فيحسب الناظر استعظاما له أن عمر الزمان لو شغل بترقيشه وترصيعه وتزيينه لضاق عنه. فسبحان الموجد للعجائب لا اله سواه.
وعلى أعلى هذا الهيكل سطح مفروش بألواح الحجارة العظيمة على الصفة المذكورة، وهو في نهاية الارتفاع، فيحار الوهم فيها، ويضل العقل في الفكرة في تطليعها ووضعها.
وداخل هذا الهيكل من المجالس والزوايا والمداخل والمخارج والمصاعد والمعارج والمسارب والموالج ما تضل فيه الجماعات من الناس ولا يهتدي بعضهم لبعض إلا بالنداء العالي، وعرض حائظه ثمانية عشر شبرا، وهو كله من حجارة مرصوصة على الصفة التي ذكرناها.
وبالجملة فشأن هذا الهيكل عظيم ومرآه إحدى عجائب الدنيا التي لا يبلغها الوصف ولا ينتهي إليها الحد، وإنما وقع الإلماع بنبذة من وصفه دلالة عليه، والله المحيط بالعلم فيه والخبير بالمعنى الذي وضع له. فلا يظن المتصفح لهذا المكتوب أن في الإخبار عنه بعض غلو، فإن كل مخبر عنه، لو كان قسا بيانا، أو سحبابا يقف موقف العجز والتقصير، والله المحيط بكل شيء علما، لا اله سواه.

مواقف خزي ومهانة


صفحة : 13

وببلاد هذا الصعيد المعترضة في الطريق الحجاج والمسافرين، كإخميم وقوص ومنية ابن الخصيب من التعرض لمراكب المسافرين وتكشفها والبحث عنها وإدخال الأيدي أوساط التجار، فحصا عما تأبطوه أو احتضنوه من دراهم أو دنانير، ما يقبح سماعه وتشنع الأحدوثة عنه، كل ذلك برسم الزكاة دون مراعاة لمحها أو مايدرك النصاب منها، حسبما ذكرناه في ذكر الإسكندرية من هذا المكتوب. وربما الزموهم الأيمان على ما بأيديهم، وهل عندهم غير ذلك، ويحضرون كتاب الله العزيز تقع اليمين عليه. فيقف الحجاج بين أيدي هؤلاء المتناولين لها مواقف خزي ومهانة تذكرهم أيام المكوس. وهذا أمر يقع القطع على أن صلاح الدين لا يعرفه. ولو عرفه لأمر بقطعه كما أمر بقطع ما هو أعظم منه، ولجاهد المتناول له، فان جهادهم من الوجبات لما يصدر عنهم من التعسف وعسير الإرهاق وسوؤ المعاملة مع غرباء انقطعوا الله عز وجل، وخرجوا مهاجرين حرمه الأمين، ولو شاء اله لكانت عن الخطة مندوحة في اقتضاء الزكاة على أجمل الوجوه من ذوي البضائع في التجارات مع مراعاة رأس كل حول الذي هو محل الزكاة، وبتجنب اعتراض الغرباء المنقطعين ممن تجب الزكاة له لا عليه، وكان يحافظ على جانب هذا السلطان العادل الذي قد شمل البلاد عدله وسار في الآفاق ذكره، ولا يسعى فيما يسيئ الذكر بمن قد حسن الله ذكره، ويقبح المقالة في جانب من اجمل الله المقالة عنه.

أشنع ما شاهدناه
ومن أشنع ما شاهدناه من ذلك خروج شرذمة من مردة أعوان الزكاة، في أيديهم المسال الطوال ذوات الأنصبة، فيصعدون المراكب استكشافا لما فيها، فلا تركون عكما ولا غرارة إلا ويتخللونها بتلك المسال الملعونة مخافة أن يكون في تلك الغرارة أو العكم اللذين لا يحتويان سوى الزاد شيء غيب عليه من بضاعة أو مال. وهذا أقبح ما يؤثر في الأحاديث الملعنة، وقد نهى الله عن التجسس، فكيف عن الكشف لما يرجى ستر الصون دونه من حال لايريد صاحبها أن يطلع عليها، إما تستحقارا أو استنفاسا دون بخل بواجب يلزمها، والله الآخذ على أيدي هؤلاء الظلمة بيد هذا السلطان العادل وتوفيقه، إن شاء الله.

ما اجتزنا من المواضع
ومن المواضع التي اجتزنا عليها بعد إخميم المذكورة موضع يعرف بمنشأة السودان على الشط الغربي من النيل، وهي قرية معمورة، ويقال: إنها كانت في القديم مدينة كبيرة. وقد قام أمام هذه القرية، بينها وبين النيل، رصيف عال من الحجارة كأنه السور يضرب فيه النيل ولا يعلوه عند فيضه ومده فالقرية بسببه في آمن من أتيه.
ومنها موضع يعرف بالبلينة، وهي قرية حسنة كثيرة النخل، بالشط الغربي من النيل، بينها وبين قوص أربعة برد.
ومنها موضع يعرف بدشنة بالشط الشرقي من النيل، وهي مدينة مسورة فيها جميع مرافق المدن، وبينها وبين قوص بريدان.
ومنها موضع بغربي النيل وعلى مقربة من شطه يعرف بدندرة، وهي مدينة من مدن الصعيد كثيرة النخل مستحسنة المنظر مشتهرة بطيب الرطب، بينها وبين قوص بريد وذكر لنا إن فيها هيكلا عظيما، وهو المعروف عند أهل هذه الجهات بالبربا، حسبما ذكرنا عند ذكر اخميم، وهيكلها يقال أن هيكل دندرة احفل منه واعظم.
ومنها مدينة قنا، وهي من مدن الصعيد، بيضاء أنيقة المنظر ذات مبان حفيلة، ومن مآثرها المأثورة صون نساء أهلها والتزامهن البيوت، فلا تظهر في زقاق من أزقتها امرأة البتة، صحت بذلك الأخبار عنهن، وكذلك نساء دشنة المذكورة قبيل هذا. وهذه المدينة المذكورة في الشط الشرقي من النيل، وبينها وبين قوص نحو البريد.
ومنها قفط، وهي مدينة بشرقي النيل وعلى مقدار ثلاثة أميال من شطه. وهي من المدن المذكورة في الصعيد حسنا نظافة بنيان وإتقان وضع.


صفحة : 14

ثم كان الوصول قرص يوم الخميس الرابع والعشرين لمحرم المؤرخ وهو التاسع عشر من مايه، فكان مقامنا في النيل ثمانية عشر يوما ودخلنا قوص في التاسع عشر. وهذه المدينة حفيلة الأسواق متسعة المرافق كثيرة الخلق لكثرة الصادر والوارد من الحجاج والتجار اليمنيين والهنديين وتجار أرض الحبشة، لأنها مخطر للجميع، ومحط للرحال ومجتمع الرفاق، وملتقى الحجاج المغاربة والمصريين والإسكندريين ومن يتصل بهم، ومنها يفوزون بصحراء عيذاب، واليها انقلابهم في صدرهم من الحج، وكان نزولنا فيها بفندق ينسب لأبن العجمي بالمنية، وهي ربض كبير خارج المدينة، على باب الفندق المذكور.
ستهل هلاله ليلة الأربعاء، وهو الخامس والعشرين من شهر مايه، ونحن بقوص نروم السفر عيذاب، يسر الله علينا مرامنا بمنه وكرمه.
وفي يوم الاثنين الثالث عشر منه، وهو السادس من يونيه، أخرجنا جميع رحالنا من زاد وسواه المبرز، وهو موضع بقبلي البلد وعلى مقربة منه، فسيح الساحة، محدق بالنخيل، يجتمع فيه رحال الحاج والتجار وتشد فيه ومنه يستقلون ويرحلون، وفيه يوزن ما يحتاج وزنه على الجمالين. فلما كان إثر صلاة العشاء الآخرة رفعنا منه ماء يعرف بالحاجر فبتنا به. أصبحنا يوم الثلاثاء بعده مقيمين به بسبب تفقد بعض الجمالين من العرب لبيوتهم، وكانت على مقربة منهم، وفي ليلة الأربعاء الخامس عشر منه، ونحن بالحاجر المذكور، خسف القمر خسوفا كليا أول الليل وتمادى هدء منه. ثم أصبحنا يوم الأربعاء المذكور ظاعنين، وقلنا بموضع بقلاع الضياع. ثم كان المبيت بموضع يعرف بمحط اللقيطة، كل ذلك في صحراء لاعمارة فيها.
ثم غدونا يوم الخميس فنزلنا على ماء ينسب للعبدين، ويذكر انهما ماتا عطشا قبل إن يرداه فسمي ذلك الموضع بهما، وقبراهما به، رحمهما الله. ثم تزودنا منه الماء لثلاثة أيام، وفوزنا سحر يوم الجمعة السابع عشر منه، وسرنا في الصحراء نبيت منها حيث جن علينا الليل، والقوافل العيذابية والقوصية صادرة ووراردة، والمفازة معمورة أمنا.
فلما كان يوم الاثنين الموفي عشرين منه نزلنا على ماء بموضع يعرف بدنقاش، وهي بئر معينة يرد فيها من الأنعام والأنام مالا يحصيهم إلا الله عز وجل، ولا يسافر في هذه الصحراء إلا على الإبل لصبرها على الظماء. واحسن ما يستعمل عليها ذوو الترفيه الشقاديف، وهي أشباه المحامل، واحسن أنواعها اليمانية لأنها كالأشاكيز السفرية مجلدة متسعة، يوصل منها الاثنان بالحبال الوثيقة وتوضع على البعير ولها اذرع قد حفت بأركانها يكون عليها مظلة، فيكون الراكب فيها مع عديله في كن من لفح الهاجرة ويقعد مستريحا في وطائه ومتكئا ويتناول مع عديله ما يحتاج إليه من زاد وسواه ويطالع متى شاء المطالعة في مصحف أو كتاب. ومن شاء، ممن يستجيز اللعب بالشطرنج، أن يلاعب عديله تفكها واجماما للنفس لاعبه. بالجملة فإنها مريحة من نصب السفر. واكثر المسافرين يركبون الإبل على أحمالها فيكابدون من مشقة سموم الحر غما ومشقة.
وفي هذا الماء وقعت بين بعض جمالي العرب اليمنيين أصحاب طريق عيذاب وضمانها، وهم من بلي من أفخاذ قضاعة، وبين بعض الأغزاز بسبب التزاحم على الماء، مهاوشة كادت تفضي الفتنة ثم عصم الله منها.
والقصد عيذاب من قوص على طريقين: أحدهما يعرف بظريق العبدين، وهي هذه التي سلكناها، وهي اقصر مسافة، والآخر طريق دون قنا، وهي قرية على شاطئ النيل. ومجتمع هاتين الطريقين على مقربة من ماء دنقاش المذكور. ولهما مجتمع آخر على ماء يعرف بشأغب أمام ماء دنقاش بيوم.
فلما كان عشاء يوم الاثنين المذكور تزودنا الماء ليوم وليلة ورفعنا ماء بموضع يعرف بشاغب، فوردناه ضحوة يوم الأربعاء الثاني والعشرين لصفر المذكور وهذا الماء ثماد يحفر عليه في الأرض فتسمح به قريبا غير بعيد إلا أنه زعاق. ثم رحلنا مه سحر يوم الخميس بعده وتزودنا الماء لثلاثة أيام ماء بموضع يعرف بأمتان، وتركنا طريق الماء بموضع يعرف با... يسارا، وليس بينه وبين شاغب غير مسافة يوم، والطريق عليه وعر للإبل.


صفحة : 15

فلما كان ضحوة يوم الأحد السادس والعشرين لصفر المذكور نزلنا بأمتان المذكور، وفي هذا اليوم المذكور كان فراغنا من حفظ كتاب الله عز وجل له الحمد وله الشكر على ما يسر لنا من ذلك. وهذا الماء بأمتان المذكور هو في بئر معينة قد خصها الله بالبركة. وهو أطيب مياه الطريق وأعذبها، فيلقى فيها من دلاء الوارد مالا يحصى كثرة فتروي القوافل النازلة عليها على كثرتها وتروي من الإبل البعيدة الإظماء مالو وردت نهرا من الأنهار لأنضبته وانزفته.
ورمنا في هذه الطريق إحصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا، ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة اليمن، ثم من اليمن عيذاب. وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، فلقد خيل إلينا لكثرته أنه يوازي التراب فيمة. ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك تلتقي بقاعة الطريق أحمال افلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها تترك بهذه السبيل إما لإعياء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار، وتبقى بموضعها أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المارة عليها من أطوار الناس.
ثم كان رفعنا من امتان المذكور صبيحة يوم الاثنين بعد الأحد المذكور. ونزلنا على ماء بموضع يعرف بمجاج بمقربة من الطريق ظهر يوم الاثنين المذكور. ومنه تزودنا الماء لأربعة أيام ماء بموضع يعرف بالعشراء على مسافة يوم من عيذاب. ومن هذه المرحلة المجاجية يسلك الوضح، وهي رملة ميثاء تتصل بساحل بحر جدة يمشى فيها عيذاب إن شاء الله، وهي أفيح من الأرض مد البصر يمينا وشمالا.
وفي ظهر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور كان رفعنا من مجاج المذكور سالكين على الوضح.
شهر ربيع الأول استهل هلاله ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر يونيه ونحنن بآخر الوضح على نحو ثلاث مراحل من عيذاب، وفي وقت الغداة من يوم الجمعة المذكور كان نزولنا على الماء بموضع يعرف بالعشراء على مرحلتين من عيذاب، وبهذا الموضع كثير من شجر العشر، وهو شبيه بشجر الأترج لكن لاشوك له. وماء هذا الموضع ليس بخالص العذوبة، وهو في بئر غير مطوية. وألفينا الرمل قد انهال عليها وغطى ماءها، فرام الجمالون حفرها واستخرج مائها فلم يقدروا على ذلك وبقيت القافلة لاماء عندها.
فأسرينا تلك الليلة، وهي ليلة السبت الثاني من الشهر المذكور، فنزلنا ضحوة على ماء الخبيب، وهو بموضع بمرأى العين من عيذاب، يستقي منه القوافل وأهل البلد يعم الجميع، وهي بئر كبيرة كأنها الجب الكبير.

أحفل مراسي الدنيا
فلما كان عشي يوم السبت دخلنا عيذاب، وهي مدينة على ساحل بحر جدة غير مسورة، اكثر بيوتها الأخصاص، وفيها الآن بناء مستحدث بالجص. وهي من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائدا مراكب الحجاج الصادرة والواردة. وهي في صحراء لانبات فيها ولا يؤكل فيها شيء إلا مجلوب، ولكن أهلها بسبب الحجاج تحت مرافق كثير ولا سيما مع الحاج، لأن لهم على كل حمل طعاما يحملونه ضريبة معلومة خفيفة المؤونة بالإضافة الوظائف المكوسية التي كانت قبل اليوم التي ذكرنا رفع صلاح الدين لها، ولهم أيضا من المرافق من الحجاج اكراء الجلاب منهم وهي المراكب.
فيجتمع لهم من ذلك مال كثير في حملهم جدة وردهم وقت انفضا ضهم من أداء الفريضة. وما من أهلها ذوي اليسار إلا من له الجلية والجلبتان، فهي تعود عليهم برزق واسع. فسبحان قاسم الأرزاق على اختلاف أسبابها، لا اله سواه.
وكان نزولنا فيها بدار تنسب لمونح أحد قوادها الحبشيين الذين تأثلوا بها الديار والرباع والجلاب، وفي بحر عيذاب مغاص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها، وأوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف، وهو شهر يونيه العجمي والشهر الذي يتلوه، ويستخرج منه جوهر نفيس، له قيمة سنية، يذهب الغائصون عليه تلك الجزائر في الزوارق ويقيمون فيها الأيام فيعودون بما قسم الله لكل واحد منهم بحسب حظه من الرزق.


صفحة : 16

والمغاص منها قريب القعرليس ببعيد. ويستخرجونه في أصداف لها أزواج كأنها نوع من الحيتان أشبه شيء بالسلحفاة. فإذا شقت ظهرت الشقتان من داخلها كأنهما محارتا فضة، ثم يشقون عليها فيجدون فيها الحبة من الجوهر قد غطى عليها لحم الصدف. فيجتمع لهم من ذلك بحسب الحظوظ والأرزاق. فسبحان مقدرها لا اله سواه. لكنهم ببلدة لا رطب فيها ولا يابس قد ألفوا بها عيش البهائم؛ فسبحان مجبب الأوطان أهلها، على أنهم أقرب الوحش منهم الأنس.

آفة الحجاج
والركوب من جدة إليها آفة للحجاج عظيمة إلا الأقل منهم ممن يسلمه الله عز وجل، وذلك إن الرياح تلقيها علي الأكثر في مراس بصحارى تبعد منها مما يلي الجنوب، فينزل إليهم البجاة، وهم نوع من السودان ساكنون بالجبال، فيكرون منهم الجمال ويسلكون بهم غير طريق الماء. فربما ذهب أكثرهم عطشا حصلوا على ما يخلفهم من نفقة أو سواها. وربما كان من الحجاج من يتعسف تلك المجهلة على قدميه فيضل ويهلك عطشا. الذي يسلم منهم يصل عيذاب كأنه منشر من كفن، شاهدنا منهم مدة مقامنا أقواما قد وصلوا على هذه الصفة في مناظرهم المستحيلة وهيثاتهم المتغيرة، آية للمتوسمين.
وأكثر هلاك الحجاج بهذه المراسي. ومنهم من تساعده الريح أن يحط بمرسى عيذاب، وهو الأقل.
والجلاب التي يصرفونها في هذا البحر الفرعوني ملفقة الإنشاء لا يستعمل فيها مسمار البتة إنما هي مخيطة بأمراس من القنبار، وهو قشر جوز النارجيل يدرسونه أن يتخيط ويفتلون منه أمراسا يخيطون بها المراكب ويخللونها بدسر من عيدان النخل، فإذا فرغوا من إنشاء الجلبة على هذه الصفة سقوها بالسمن أو بدهن الخروع أو بدهن القرش، وهو أحسنها، وهذا القرش حوت عظيم في البحر يبتلع الغرقى فيه. ومقصدهم في دهان الجلبة ليلين عودها ويرطب لكثرة الشعاب المعترضة في هذا البحر.
ولذلك لا يصرفون فيه المركب المسماري.
وعود هذا الجلاب مجلوب من الهند واليمن، وكذلك القنبار المذكور.
ومن أعجب أمر هذه الجلاب أن شرعها منسوجة من خوص شجر المقل.
فمجموعها متناسب في اختلال البنية ووهنها، فسبحان مسخرها على تلك الحال والمسلم فيها لا اله سواه.
ولأهل عيذاب في الحجاج أحكام الطواغيت وذلك انهم يشحنون بهم الجلاب حتى يجلس بعضهم على بعض وتعود بهم كأنها أقفاص الدجاج المملوءة، يحمل أهلها على ذلك الحرص والرغبة في الكراء حتى يستوفي صاحب الجلبة منهم ثمنها في طريق واحدة ولا يبالي بما يصنع البحر بها بعد ذلك، ويقولون: علينا بالألواح، وعلى الحجاج وبالأرواح. وهذا مثل متارف بينهم. فأحق بلاد الله بحسبة يكون السيف درتها هذه البلدة، والأولى بمن يمكنه ذلك أن لا يراها وأن يكون طريقه على الشام العراق، ويصل مع أمير الحاج البغدادي، وان لم يمكنه ذلك أولا فيمكنه آخرا عند انفضاض الحاج، يتوجه مع أمير الحاج المذكور بغداد ومنها عكة، فان شاء دخل منها الإسكندرية، وان شاء صقلية أو سواهما. ويمكن أن يجد مركبا من الروم يقلع سبتة أو سواها من بلاد المسلمين. وان طال طريقه بهذا التحليق فيهون لما يلقى بعيذاب ونحوها.

أهل عيذاب
أهلها الساكنون بها من قبيل السوادان يعرفون بالبجاة، ولهم سلطان من أنفسهم يسكن معهم في الجبال المتصلة بها. وربما وصل في بعض الأحيان واجتمع بالوالي الذي فيها من الغز إظهارا للطاعة. ومستنابه مع الوالي في البلد، والفوائد كلها له إلا البعض منها.
وهذه الفرقة من السودان المذكورين فرقة أضل من الأنعام سبيلا واقل عقولا لا دين لهم سوى كلمة التوحيد التي ينطقون بها إظهارا للإسلام، ووراء ذلك من مذاهبهم الفاسدة وسيرهم مالا يرضى ولا يحل، ورجالهم ونساؤهم يتصرفون عراة الاخرقا يسترون بها عوراتهم، وأكثرهم لايسترون. وبالجملة فهم أمة لا أخلاق لهم، ولاجناح على لاعنهم.

أهوال بحر فرعون


صفحة : 17

وفي يوم الاثنين الخامس والعشرين لربيع الأول المذكور، وهو الثامن عشر من يوليه، ركبنا الجلبة للعبور جدة. فأقمنا يومنا ذلك بالمرسى لركود الريح ومغيب النواتية، فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء أقلعنا على بركة الله، عز وجل، وحسن عونه المأمول. فكانت مدة المقام بعيذاب، حاشا يوم الاثنين المذكور، ثلاثة وعشرين يوما، محتسبة عند الله، عز وجل، لشظف العيش وسوء الحال واختلال الصحة لعدم الأغذية الموافقة، وحسبك من بلد كل شيء فيه مجلوب حتى الماء، والعطش أشهى النفس منه. فأقمنا بين هواء يذيب الأجسام وماء يشغل المعدة عن اشتهاء الطعام، فما ظلم من غني عن هذه البلدة بقوله:
ماء زعاق وجو كله لهب
فالحول بها م أعظم المكاره التي حف بها السبيل البيت العتيق، زاده الله تشريفا وتكريما، وأعظم أجور الحجاج على ما يكابدونه ولاسيما في تلك البلدة الملعونة ومما لهج الناس بذكره قبائحها حتى يزعمون أن سليمان ابن داود، على نبينا وعليه السلام، كان اتخذها سجنا للعفارتة، أراح الله الحجاج منها بعمارة السبيل القاصدة بيته الحرام، وهي السبيل التي من مصر على عقبة أيلة المدينة المقدسة، وهي مسافة قريبة يكون البحر منها يمينا وجبل الطور المعظم يسارا، لكن للإفرنج بمقربة منها حصن مندوب يمنع الناس من سلوكه والله ينصر دينه ويعز لكمته بمنه.
فتمادى سيرنا في البحر يوم الثلاثاء السادس والعشرين لربيع الأول المذكور ويوم الأربعاء بعده بريح فاترة المهب. فلما كان العشاء الآخرة من ليلة الخميس ونحن قد استبشرنا برؤية الطير المحلقة من بر الحجاز، لمع برق من جهة البر المذكور، وهي جهة الشرق، ثم نشأ نوء أظلم له الأفق أن كسا الآفاق كلها، وهبت ريح شديدة صرفت المركب عن طريقه راجعا وراءه، وتمادى عصوف الرياح واشتدت حلكة الظلمة وعمت الآفاق، فلم ندر الجهة المقصودة منها، أن ظهر بعض النجوم فاستدل بها بعض الاستدلال وحط القلع اسفل الدقل، وهو الصاري.
واقمنا ليلتنا تلك في هول يؤذن باليأس، وارانا بحر فرعون بعض أهواله الموصوفة، أن أتى الله بالفرج مقترنا مع الصباح. فهدأ قياد الريح وأقشع الغيم وأصحت السماء ولاح لنا بر الحجاز على بعد لانبصر منه إلا بعض جباله، وهي شرق من جدة، زعم ربان المركب وهو الرائس، أن بين تلك الجبال التي لاحت لنا وبر جدة يومين، والله يسهل لنا كل صعب وييسر لنا كل عسير بعزته وكرمه.
فجرينا يومنا ذلك، وهو يوم الخميس المذكور، بريح رخاء طيبة، ثم أرسينا عشية في جزيرة صغيرة في البحر على مقربة من البر المذكور بعد أن لقينا شعابا كثيرة يكثر فيها الماء ويضحل علينا، فتخللنا أثناءها على حذر وتحفظ.
وكان الربان بصيرا حاذقا فيها، فخلصنا الله منها، حتى أرسينا بالجزيرة المذكورة، ونزلنا إليها وبتنا بها ليلة الجمعة التاسع والعشرين لربيع الأول المذكور، واصبح الهواء راكدا والريح غير متنفسة إلا من الجهة التي لا توافقنا فأقمنا بها يوم الجمعة المذكور. فلما كان يوم السبت الموفي ثلاثين تنفست الريح بعض التنفس، فأقلعنا بذلك النفس نسير سيرا وريدا. وسكن البحر حتى خيل لناظره صحن زجاج ازرق. فأقمنا على تلك الحال نرجو لطيف صنع الله عز وجل.
وهذه الجزيرة تعرف بجزيرة عائقة السفن، فعصمنا الله عز وجل من قال اسمها المذموم، وله الحمد والشكر على ذلك.

??? شهر ربيع الآخر
استهل هلاله ليلة السبت ونحن بالجزيرة المذكورة ولم يظهر تلك الليلة للأبصار بسبب النوء لكن ظهر في الليلة الثانية كبيرا مرتفعا، فتحققنا إهلاله ليلة السبت المذكور، وهو الثالث والعشرون من شهر يوليه، وفي عشي يوم الأحد ثانية أرسينا بمرسى يعرف بأبحر، وهو على بعض يوم من جدة، وهو من أعجب المراسي وضعا، وذلك أن خليجا من البحر يدخل البر والبر مطيف به من كلتا حافتيه فترسي الجلاب منه في قرارة مكنة هادئة.


صفحة : 18

فلما كان سحر يوم الاثنين بعده أقلعنا منه على بركة الله تع بريح فاترة، والله الميسر لارب سواه فلما جن الليل أرسينا على مقربة من جدة وهي بمرأى العين منا. وحالت الريح صبيحة يوم الثلاثاء بعده بيننا وبين دخول مرساها، ودخول هذه المراسي صعب المرام بسبب كثرة الشعاب والتفافها. وأبصرنا من صنعة هؤلاء الرؤساء والنواتية في التصرف بالجلبة أثناءها أمرا ضخما، يدخلونها على مضايق ويصر فونها خلالها تصريف الفارس للجواد الرطب العنان السلس القياد، ويأتون في ذلك بعجب يضيق الوصف عنه.
وفي ظهر يوم الثلاثاء الرابع من شهر ربيع الآخر المذكور، وهو السادس والعشرون من شهر يوليه، كان نزولنا بجدة حامدين لله عز وجل وشاكرين على السلامة والنجاة من هول ماعايناه في تلك الثمانية الأيام طول مقامنا على البحر، وكانت اهوالا شتى، عصمنا الله منها بفضله وكرمه، فمنها ما كان يطرأ من البحر واختلاف رياحه وكثرة شعابه المعترضة فيه. ومنها ما كان يطرأ من ضعف عدة المركب واختلالها واقتسامها المرة بعد المرة عند رفع الشراع ? حطه أو جذب مرساة من مراسيه، وربما سنحت الجلبة بأسفلها على شعب من تلك الشعاب أثناء تخللها فنسمع لها هدا يؤذن باليأس، فكنا فيها نموت مرارا ونحيا مرارا، والحمد لله على ما من به من العصمة وتكفل به من الوقاية والكفاية حمدا يبلغ رضاه ويستهدي المزيد من نعماهن بعزته وقدرتهن لا اله سواه.
وكان نزولنا فيها بدار القائد علي وهو صاحب جدة من قبل أمير مكة المذكور، في صرح من تلك الصروح الخوصية التي يبنونها في أعالي ديارهم ويخرجون منها سطوح يبيتون فيها. وعند احتلالنا جدة المذكورة عاهدنا الله عز وجل، سرورا بما أنعم الله به من السرمة، إلا يكونه انصرفنا على هذا البحر الملعون إلا أن طرأت ضرورة تحول بيننا وبين سواه من الطرق، والله ولي الخيرة في جميع ما يقضيه ويسنيه بعزته.

جدة
وجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور اكثر بيوتها اخصاص، وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين وفي أعلاها بيوت من الأخصاص كالغرف، ولها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر. وبهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة، وأثر سورها المحدق بها باق اليوم. وبها موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنه كان منزل حواء أم البشر، صلى الله عليه وسلم الله عليها، عند توجهها مكة، فبني ذلك المبنى عليه تشهيرا لبركته وفضله، والله أعلم بذلك.
وفيها مسجد مبارك منسوب عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ومسجد آخر له ساريتان من خشب الآبنوس ينسب ايضا إليه، رضي الله عنه، ومنهم من ينسبه هارون الرشيد، رحمة الله عليه.
واكثر سكان هذه البلدة مع ما يليها من الصحراء والجبال أشراف علويون: حسنيون وحسينيون وجعفريون، رضي الله عن سلفهم الكريم. وهم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقا، ويستخدمون أنفسهم في كل مهنة من المهن: من اكراء جمال إن كانت لهم، أو مبيع لبن أو ماء، غير ذلك من تمر يلتقطونه أو حطب يحتطبونه. وربما تناول ذلك نساءهم الشريفات بأنفسهن،فسبحان المقدر لما يشاء. ولاشك أنهم أهل بيت ارتضى الله لهم الآخرة ولم يرتض لهم الدنيا. جعلنا الله ممن يدين بحب أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وبخارج هذه البلدة مصانع قديمة تدل على قدم اختطا طها، ويذكر أنها كانت من مدن الفرس. وبها جباب منقورة في الحجر الصلد يتصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة وهي داخل البلد وخارجه، حتى انهم يزعمون إن التي خارج البلد ثلاث مئة وستون جبا ومثل ذلك داخل البلد. وعاينا نحن جملة كثيرة لا يأخذها الإحصاء. وعجائب الموضوعات كثيرة، فسبحان المحيط علما بها.

استغلال الحجاج


صفحة : 19

وأكثر هذه الجهات الحجازية وسواها فرق وشيع لا دين لهم قد تفرقوا على مذاهب شتى. وهم يعتقدون في الحاج مالا يعتقد في أهل الذمة، قد صيروهم من أعظم غلاتهم التي يستغلونها: ينتهبونهم انتهابا، ويسببون لاستجلاب ما بأيديهم استجلابا. فالحاج معهم لا يزال في غرامة ومؤونة أن ييسر الله رجوعه وطنه.ولولا ما تلافى الله به المسلمين في هذه الجهات بصلاح الدين لكانوا من الظلم في أمر لينادي وليده ولا يلين شديده. فانه رفع ضرائب المكوس عن الحاج وجعل عوض ذلك مالا وطعاما يأمر بتوصيلها مكثر أمير مكة، فمتى أبطأت عنهم تلك الوظيفة المترتبة لهم عاد هذا الأمير ترويع الحاج وإظهار تثقيفهم بسبب المكوس. واتفق لنا من ذلك أن وصلنا جدة، فأمسكنا بها خلال ما خوطب مكثر الأمير المذكور. فورد أمره أن يضمن الحاج بعضهم بعضا ويدخلوا حرم الله، فإن ورد المال والطعام اللذان يرسمه من قبل صلاح الدين والا فهو لا يترك ماله قبل الحاج. هذا لفظه، كأن جرم الله ميراث بيده محلل له اكتراؤه من الحاج. فسبحان مغير السنن ومبدلها.
والذي جعل له صلاح الدين، بدلا من مكس الحاج، ألفا دينار اثنان وألفا اردب من القمح، وهو نحو الثمانمائة قفيز بالكيل الإشبيلي عندنا، حاشا إقطاعات أقطعها بصعيد مصر وبجهة اليمن لهم بهذا الرسم المذكور. ولو لا مغيب هذا السلطان العادل صلاح الدين بجهة الشام في حروب له هناك مع الإفرنج لما صدر عن هذا الأمير المذكور ما صدر في جهة الحاج. فأحق بلاد الله بأن يطهرها السيف ويغسل أرجاسها وأدناسها بالدماء المسفوكة في سبيل الله هذه البلاد الحجازية لما هم عليه من حل عرى الإسلام واستحلال أموال الحاج ودمائهم.
فمن يعتقد من فقهاء أهل الأندلس إسقاط هذه الفريضة عنهم فاعتقاده صحيح لهذا السبب وبما يصنع بالحاج مما لا يرتضيه الله عز وجل. فراكب هذا السبيل راكب خطر ومعتسف غرر. والله قد أوجد الرخصة فيه على غير هذه الحال، فكيف وبيت الله الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام وجعلوه سببا استلاب الأموال واستحقاقها من غر حل ومصادرة الحجاج عليها وضرب الذلة والمسكنة الدينة عليهم، تلافاها الله عن قريب بتطهير يرفع هذه البدع المجحفة عن المسلمين بسيوف الموحدين أنصار الدين، وحز الله أولي الحق والصدق، والذابين عن حرم الله عز وجل، والغائرين على محارمه، والجادين في إعلاء كلمته وإظهار دعوته ونصر ملته، انه على ما يشاء قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير.

لا إسلام إلا في المغرب
وليتحقق المتحقق ويعتقد الصحيح الاعتقاد أنه لا إسلام إلا ببلاد المغرب، لأنهم على جادة واضحة لاينيات لها. وما سوى ذلك مما بهذه الجهات المشرقية فأهواء وبدع، وفرق ضالة وشيع، إلا من عصم الله عز وجل من أهلها. كما أنه لا عدل ولاحق ولا دين على وجهه إلا عند الموحدين، أعزهم الله، فهم آخر أئمة العدل في الزمان. وكل من سواهم من الملوك في هذا الأوان فعلى غير الطريقة يعشرون تجار المسلمين كأنهم أهل ذمة لديهم، ويستجلبون أموالهم بكل حيلة وسبب، ويركبون طرائق من الظلم لم يسمع بمثلها، اللهم إلا هذا السلطان العادل صلاح الدين، الذي قد ذكرنا سيرته ومناقبه، لو كان له أعوان على الحق... مما أريد الله عز وجل يتلافى المسلمين بجميل نظره ولطيف صنعه.

الدعوة المؤمنية الموحدية
ومن عجيب ما شاهدناه في أمر الدعوة المؤمنية الموحدية وانتشار كلمتها بهذه البلاد واستشعار أهلها لملكتها أن أكثر أهلها بل الكل منهم يرمزون بذلك رمزا خفيا حتى يؤدي ذلك بهم التصريح، وينسبون ذلك لآثار حدثانية وقعت بأيدي بعضهم أنذرت بأشياء من الكوائن فعاينوها صحيحة.
فمن بعض الآثار المؤذنة بذلك عندهم أن بين جامع ابن طولون والقاهرة برجين مقتربين عتيقي البناء، على أحدهما تمثال ناظر جهة المغرب وكان على الآخر تمثال ناظر المشرق، فكانوا يرون أن أحدهم إذا سقط أنذر بغلبة أهل الجهة التي كان ناظرا إليها على ديار مصر وسواها. وكان من الاتفاق العجيب أن وقع التمثال الناظر المشرق فتلا وقوعه استيلاء الغز)1( على الدولة العبيدية وتملكهم ديار مصر وسائر البلاد. وهم الآن متوقعون سقوط التمثال الغربي وحدثان مايؤملونه من ملكة أهله لهم إن شاء الله.


صفحة : 20

ولم يبق إلا الكائنة السعيدة من تملك الموحدين لهذه البلاد، فهم يستطلعون بها صبحا جليا ويقطعون بصحتها، ويرتقبونها ارتقاب الساعة التي لا يمترون في إنجاز وعدها. شاهدنا من ذلك بالإسكندرية مصر وسواهما مشافهة وسماعا أمرا غريبا يدل على أن ذلك الأمر العزيز أمر الله الحق ودعوته الصدق. ونمي إلينا أن بعض فقهاء هذه البلاد المذكورة وزعمائها قد حبر خطبا أعدها للقيام بها بين يدي سيدنا أمير المؤمنين، أعلى الله أمره، وهو يرتقب ذلك اليوم ارتقاب يوم السعادة وينتظره انتظار الفرج بالصبر الذي هو عبادة، والله عز وجل يبسطها من كلمة، ويعليها من دعوة انه على ما يشاء قدير.

من جدة حرم الشريف
وفي عشي يوم الثلاثاء الحادي عشر من الشهر المذكور، وهو الثاني من شهر أغشت، كان انفصالنا من جدة بعد أن ضمن الحجاج بعضهم بعضا، وثبتت أسماؤهم في زمام عند قائد جدة علي بن موفق، حسبما نفذ إليه ذلك من سلطانه صاحب مكة مكثر بن عيسى المذكور وهذا الرحل مكثر من ذرية الحسن بن علي، رضوان الله عليهما، لكنه ممن يعمل غير صالح، فليس من أهل سلفه الكريم، رضي الله عنهم.
وأسرينا تلك الليلة أن وصلنا القرين مع طلوع الشمس. وهذا الموضع هو منزل الحاج ومحط رحالهم، ومنه يحرمون وبه يريحون اليوم الذي يصبحونه.
فإذا كان في عشية رفعوا وأسروا ليلتهم وصبحوا الحرم الشريف، زاده الله تشريفا وتعظيما. والصادرون من الحج ينزلون به ايضا ويسرون منه جدة وبهذا الموضع المذكور بئر معينة عذبة، والحاج بسببها لايحتاجون تزود الماء غير ليلة إسرائهم إليه. فأقمنا بياض يوم الأربعاء المذكور مريحين بالقرين. فلما حان العشي رحنا منه محرمين بعمرة، فأسرينا ليلتنا تلك، فكان وصولنا مع الفجر قريب الحرم. فنزلنا مرتقبين لانتشار الضوء.
ودخلنا مكة، حرسها الله، في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر لربيع المذكور، وهو الرابع من شهر أعشت، على باب العمرة، وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة، والبدر قد ألقى على البسيطة شعاعه، والليل قد كشف عنا قناعه، والأصوات تصك الآذان بالتلبية من كل مكان، والألسنة تضج بالدعاء وتبتهل الله بالثناء، فتارة تشتد بالتلبية، وآونة تتضرع بالأدعية.فيما لها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر. أن وصلنا، في الساعة المذكورة من اليوم المذكور، حرم الله العظيم ومبوأ الخليل إبراهيم. فألفينا الكعبة الحرام عروسا مجلوة مزفوفة جنة الرضوان ومحفوفة بوفود الرحمن، فطفنا طواف القدوم، ثم صلينا بالمقام الكريم وتعلقنا بأستار الكعبة عند الملتزم، وهو بين الحجر الأسود والباب، وهو موضع استجابة الدعوة. ودخلنا قبة زمزم وشرينا من مائها وهو لما شرب له، كما قال، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. ثم سعينا بين الصفا والمروة، ثم حلقنا أحللنا. فالحمد لله الذي كرمنا بالوفادة عليه وجعلنا ممن انتهت الدعوة الإبراهيمية إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكان نزولنا فيها بدار تعرف بالنسبة الحلال قريبا من الحرم، من باب السدة أحد أبوابه في حجرة كثيرة المرافق المسكنية مشرفة على الحرم وعلى الكعبة المقدسة.

شهر جمادى الأول
استهل هلاله ليلة الاثنين الثاني والعشرين لأغشت، وقد كمل لنا بمكة، شرفها الله تع، ثماينة عشر يوما، فهلال هذا الشهر أسعد هلال اجتلته أبصارنا فيما سلف من أعمارنا. طلع علينا وقد تبوأنا مقعد الجدار الكريم وحرم الله العظيم والقبة التي فيها مقام إبراهيم، مبعث الرسول ومهبط الروح الأمين جبريل بالوحي والتنزيل، فأوزعنا الله شكر هذه المنة وعرفنا قدر ما خصنا به من نعمة، وختم لنا بالقبول، وأجرانا على كريم عوائده من الصنيع الجميل ولطيف التيسير والتسهيل بعزته وقدرته، لا اله سواه.
البيت المكترم له أربعة أركان. وهو قريب من التربيع. واخبرني زعيم الشيبيين الذين إليهم سدانة البيت، وهو محمد بن إسماعيل بن عبد الرحمن من ذرية عثمان بن طلحة بن شيبة بن طلحة بن عبد الدار صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وصاحب حجابة البيت: أن اربتفاعه في الهواء من الصفح الذي يقابل باب الصفا، وهو من الحجر الأسود، الركن اليماني، تسع وعشرون ذراعا وسائر الجوانب ثمان وعشرون، بسبب انصباب السطح الميزاب.


صفحة : 21

فأول أركانه الركن الذي فيه الحجر الأسود، ومنه ابتداء الطواف، ويتقهقر الطائف عنه ليمر جميع بدنه به، والبيت المكرم عن يساره، وأول ما يلقى بعده الركن العراقي، وهو ناظر جهة الشمال. ثم الركن الشامي، وهو ناظر جهة الغرب. ثم الركن اليماني، وهو ناظر جهة الجنوب. ثم يعود الركن الأسود، وهو ناظر جهة الشرق. وعند ذلك يتم شوطا واحدا.
وباب البيت الكريم في الصفح الذي بين الركن العراقي وركن الحجر الأسود، وهو قريب من الحجر بعشرة اشبار محققة. وذلك الموضع الذي بينهما من صفح البيت يسمى الملتزم، وهو موضع استجابة الدعاء والباب الكريم مرتفع عن الأرض بأحد عشر شبرا ونصف. وهو من فضة مذهبة، بديع الصنعة، رائق الصفة، يستوقف الأبصار حسنا وخشوعا للمهابة التي كساها الله بيته.
وعضادناه كذلك، والعتبة العليا كذلك أيضا. وعلى رأسها لوح ذهب خالص ابريز في سعته مقدار شبرين. وللباب نقارنا فضة كبيرتان يتعلق عليهما قفل الباب، وهو ناظر للشرق، وسعته ثمانية أشبار، وطوله ثلاثة عشر شبرا وغلظ الحائط الذي ينطوي عليه الباب خمسة أشبار.
وداخل البيت الكريم مفروش بالرخام المجزع، وحيطانه رخام كلها مجزع.
قد قام على ثلاثة أعمدة من الساج مفرطة الطول، وبين كل عمود وعمود أربع خطا. وهي على طول البيت متوسطة فيه. فأحد الأعمدة، وهو أولها، يقابل نصف الصفح الذي يحف به الركنان اليمانيان. وبينه وبين الصفح مقدارثلاث خطا. والعمود الثالث، وهو آخرها، يقابل الصفح الذي يحف به الركنان العراقي والشامي.
ودائر البيت كله من نصفه الأعلى مطلي بالفضة المذهبة المستحسنة، يخيل للناظر إليها أنها صفيحة ذهب لغظها. وهي تحف بالجوانب الأربعة وتمسك مقدار نصف الجدار الأعلى.
وسقف البيت مجلل بكساء من الحرير الملون. وظاهر الكعبة كلها من الأربعة الجوانب مكسو بستور من الحرير الأخضر وسداها قطن وفي أعلاها رسم بالحرير الأحمر، فيه مكتوب: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكةالآية، واسم الإمام الناصر لدين الله في سعته قدر ثلاث أذرع يطيف بها كلها. قد شكل في هذه الستور من الصنعة الغريبة التي تبصرها أشكال محاريب رائقة ورسوم مقروءة مرسومة بذكر الله تع وبالدعاء للناصر العباسي المذكور الآمر باقامتها، وكل ذلك لايخالف لونها، وعدد الستور من الجوانب الأربعة أربعة وثلاثون سترا. وفي الصفحين الكبيرين منها ثمنانية عشر، وفي الصفحين الصغيرين ستة عشر، وله خمسة مصاوئ، وعليها زجاج عراقي بديع النقش، أحدها في وسط السقف، ومع كل ركن مضوأ، والواحد منها لايظهر لأنه تحت القبو المذكور بعد. وبين الأعمدة أكواس من الفضة عددها ثلاث عشرة واحداها من ذهب.
واول مايلقى الداخل على الباب عن يساره الركن الذي خارجه الحجر الأسود، وفيه صندوقان فيهما مصاحف، وقد علاهما في الركن بويبان من فضة كأنهما طاقان ملصقان بزاوية الركن. وبينهما وبين الأرض ازيد من قامة. وفي الركن الذي يليه وهو اليماني كذلك لكنهما انقلعا وبقي العمود الذي كانا ملصقين عليه. وفي الركن الشامي كذلك وهما باقيان. وفي جهة الركن العراقي كذلك.
وعن يمينه الركن العراقي وفيه باب يسمى بباب الرحمة يصعد منه سطح البيت المكرم. وقد قام له قبو فهو متصل بأعلى سطح البيت داخله الأدراج.
وفي أوله البيت المحتوي على المقام الكريم. فتجد للبيت الكريم بسبب هذا القبو خمسة أركان، وفي سعة صفحيه قامتان، وهو محتو على الركن العراقي بنصفين من كل صفح، وثلثا قناة هذا القبو مكسوان بستر الحرير الملون كأنه قد لف فيه ثم وضع.
وهذا المقام الكريم الذي داخل هذا القبو هو مقام إبراهيم، صلى الله عليه وسلم الله على نبينا وعليه، وهو حجر مغشى بالفضة، وارتفاعه مقدار ثلاثة أشبار، وسعته مقدار شبرين، وأعلاه اوسع من اسفله، فكأنه، وله التنزيه والمثل الأعلى، كانون فخار كبير أو سطه يضيق عن اسفله وعن أعلاه، عايناه وتبركنا بلمسه وتقبيله، وصب لنا في أثر القدمين المباركتين ماء زمزم فشربناه، نفعنا الله به. وأثرهما بين وأثر الأصابع المكرمة المباركة. فسبحان من ألانه لواطئه حتى أثرت فيه ولاتأثير القدم في الرمل الوثير، سبحان جاعله من الآيات البينات.


صفحة : 22

ولمعاينته ومعاينة البيت الكريم هول يشعر النفوس من الذهول ويطيش الأفئدة والعقول، فلا تبصر إلا لحظات خاشعة وعبرات هامعة ومدامع باكية وألسنة الله، عز وجلن ضارعة داعية.
وبين الباب الكريم والركن العراقي حوض طوله اثناعشر شبرا، وعرضه خمسة اشبار ونصف، وارتفاعه نحو شبر، متصل من قبالة عضادة الباب التي تلي الركن المذكور آخذا جهته، وهو علامة موضع المقامدة إبراهيم، عليه السلام إن صرفه النبي، صلى الله عليه وسلم، الموضع الذي هو الآن مصلى الله عليه وسلم. وبقي الحوض المذكور مصبا لماء البيت إذا غسل، وهو موضع مبارك، يقال:انه روضة من رياض الجنة، والناس يزدحمون للصلاة فيه. وأسفله مفروش برملة بيضاء وثيرة.
وموضع المقام الكريم هو الذي يصلى الله عليه وسلم خلفه، يقابل مابين الباب الكريم والركن العراقي، وهو الباب أميل بكثير، وعليه قبة خشب في مقدار القامة أو ازيد مركنة محددة بديعة النقش، سعتها من ركنها الواحد الثاني أربع أشبار، وقد نصبت على الموضع الذي كان فيه المقام وحوله تكفيف من حجارة نصبت على حرف كالحوض المستطيل في ارتفاعه نحو شبر، وطوله خمس خطا، وعرضه ثلاث خطا. وأدخل المقام الموضع الذي وصفناه في البيت الكريم احتياطا عليه، وبينه وبين صفح البيت الذي يقابله سبع عشرة خطوة، والخطوة كلها فيها ثلاثة أشبار.
ولموضع المقام أيضا قبة مصنوعة من حديد موضوعة جانب قبة زمزم. فاذا كان في أشهر الحج وكثر الناس ووصل العراقيون والخراسانيون رفعت قبة الخشب ووضعت قبة الحديد لتكون أحمل للازدحام.
ومن الركن الذي فيه الحجر الأسود الركن العراقي أربعة وخمسون شبرا محققة. ومن الحجر الأسود الأرض ستة أشبار، وفالطويل يتطأمن إليه والقصير يتطاول إليه. ومن الركن العراقي الركن الشامي ثمانية واربعون شبرا محققة، وذلك داخل الحجر، واما من خارج فمنه إليه أربعون خطوة، وهو مئة وعشرون شبرا محققة، ومن خراجه يكون الطواف. ومن الركن الشامي الرسن اليماني ما من الركن الأسود العراقي لأنه الصفح الذي يقابله. ومن اليماني الأسود ما من العراقي الشامي داخل الحجر لأنه الصفح الذي يقابله.
وموضع الطواف مفروش بحجارة مبسوطة كأنه الرخام حسنا، منها سود وسمر وبيض قد الصق بعضها بعض، واتسعت عن البيت بمقدار تسع خطا إلا في الجهة التي تقابل المقام، فانها امتدت إليه حتى احاطت به. وسائر الحرم مع البلاطات كلها مفروش برمل ابيض، وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة، وبين الركن العراقي وبين أول جدار الحجر مدخل الحجر سعته أربع خطا وهي ست أذرع محققة كلناها باليد. وهذا الموضع الذي لم يحجر عليه هو الذي تركت قريش من البيت، وهو ست أذرع، حسبما وردت به الآثار الصحاح، ويقابله عند الركن الشامي مدخل آخر على مثال تلك السعة. وبين جدار البيت الذي تحت الميزاب والذي يقابله من جدار الحجر على خط استواء يشق وسط الصحن والمذكور أربعون شبرا، وسعته من المدخل المدخل ست عشرة خطوة، وهي ثمانية وأربعون شبرا، ودور الجدار رخام كله مجزع بديع الإلصاق... وهناك قضبان صفر مذهبة وضع منها في صفحة أشكال شطرنجية متداخلة بعضها على بعض وصفات محاريب، فاذا ضربت الشمس فيها لاح لها بصيص ولألاء يخيل للناظر إليها انها ذهب يرتمي بالأبصار شعاعه.


صفحة : 23

وفي ارتفاع جدار هذا الحجر الرخامي خمسة أشبار ونصف، وستعته أربعة أشبار ونصف. وداخل الحجر بلاط واسع ينعطف عليه الحجر كأنه ثلثا دائرة، وهو مفروش بالرخام المجزع المقطع في دور الكف دور الدينار مافوق ذلك، ثم الصق بانتظام بديع وتأليف معجز الصنعة غريب الإتقان رائق الترصيع والتجزيع رائع التركيب والرصف، يبصر الناظر فيه من التعاريج والتقاطيع والخواتم والأشكال الشطرنجية وسواها على اختلاف أواعها وصفاتها مايقيد بصره حسنا، فكأنه يجليه في أزهار مفروشة مختلفات الألوان محاريب قد انعطف عليها الرخام انعطاف القسي وداخلها هذه الأشكال الموصوفة والصنائع المذكورة وبازائها رخامتان متصلتان بجدار الحجر المقابل للميزاب أحدث الصانع فيهما من التوريق الرقيق والتشجير والتقضيب مالا يحدثه الصنع باليدين في الكاغد قطعا بالجلمين. فمر آهما عجيب، أمر بصنعتهما على هذه الصفة إمام المشرق أبو العباس أحمد الناصر بن المستضيء بالله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف العباسي، رضي الله عنه.
ويقابل الميزاب في وسط الحجر وفي نصف جداره الرخامي رخامة قد نقشت أبدع نقش، وحفت بها طرة منقوشة نقشا مكحلا عجيبا، فيه مكتوب: مما أمر بعمله عبد الله وخليفته أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين، وذلك في نسة ست وسبعين وخمس مئة. والميزاب في اعلى الصفح الذي يلي الحجر المذكور، وهو من صفر مذهب، قد خرج الحجر بمقدار أربع أذرع، وسعته مقدار شبر. وهذا الموضع تحت الميزاب هو ايضا مظنة استجابة الدعوة بفضل الله تع. وكذلك الركن اليماني ويسعى المستجار مايليه، وهذا الصفح المتصل به من جهة الركن الشامي.
وتحت الميزاب في صحن الحجر بمقربة من جدار البيت الكريم قبر اسماعيل، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعلامته رخامة خضراء مستطيلة قليلا شكل محراب تتصل بها رخامة خضراء مستديرة. وكلتاهما غريبة المنظر فيهما نكت تنفتح عن لونها الصفرة قليلا كأنها تجزيع، وهي أشبه الأشياء بالنكت التي تبقى في البيدق من حل الذهب فيه. و جانبه مما يلي لاركن العراقي قبر أمه هاجر، رضي الله عنها، وعلامته رخامة خضراء سعتها مقدار شبر ونصف.يتبرك الناس بالصلاة في هذين الموضعين من الحجر. وحق لهم ذلك لأنهما من البيت العتيق وقد انطبقا على جسدين مقدسين مكرمين نورهما الله ونفع ببركتهما كل من صلى الله عليه وسلم عليهما. وبين القبرين المقدسين سبعة أشبار.
وقبة بئر زمزم تقابل الركن، ومنها إليه أربع وعشرون خطوة. والمقام المذكور الذي يصلى الله عليه وسلم خلفه عن يمين القبة، ومن ركنها إليه عشر خطا. وداخليها مفروش بالرخام الأبيض الناصع البياض. وتنور البئر المباركة في وسطها مائل عن الوسط جهة الجدار الذي يقابل البيت المكرم، وعمقها احدى عشرة قامة حسبما ذرعناه. وعمق الماء سبع قامات على مايذكر. وباب القبة ناظر لشرق، وبابا العباس وقبة اليهودية ناظران الشمال.
والركن من الصفح الناظر البيت العتيق من القبة المنسوبة اليهودرة يتصل بالركن الأيسر من الصفح الأخير الناظر الشرق من القبة العباسية. فبينهما هذا القد من الانحراف. وتلي قبة بئر زمزم من وراثها قبة الشراب، وهي المنسوبة للعباس، رضي الله عنه. وتلي هذه القبة العباسية على انحراف عنها قبة تنسب لليهودية. وهاتان القبتان مخزنان لأوقاف البيت الكريم من مصاحف وكتب وأتوار شمع وغير ذلك. والقبة العباسية لم تخل من نسبتها الشرابية لأنها كانت سقاية الحاج وهي حتى الآن يبرد فيها ماء زمزم.
ويخرج مع الليل لسقي الحاج في قلال يسمونها الدوارق، كل دورق منها ذو مقبض واحد. وتنور بئر زمزم من رخام قد الصق بعضه ببعض الصاقا لا تحيله الأيام وأفرغ في أثنائه الرصاص. وكذلك داخل التنور. وحفت به أعمدة الرصاص الملصقة إليه إبلاغا في قوة لزه ورصه: اثنان وثلاثون عمودا قد خرجت لها رؤوس قابضة على حافة البئر دائرة بالتنور كله. ودوره أربعون شبرا، وارتفاعه أربعة أشبار ونصف، وغلظه شبر ونصف. وقد استدارت بداخل القبة سقاية سعتها شبر، وعمقها نحو شبرين، وارتفاعها عن الأرض خمسة أشبار، تملأ ماء للوضوء، وحولها مصطبة دائرة يرتفع الناس إليها ويتوضأون عليها.


صفحة : 24

والحجر الأسود المبارك ملصق في الركن الناظر جهة المشرق، ولا يدري قدر ما دخل في الركن، وقيل: إنه داخل في الجدار بمقدار ذراعين. وسعته ثلثا شبر، وطوله شبر وعقد، وفيه أربع قطع ملصقة. ويقال: أن القرمطي، لعنه الله، كان الذي كسره. وقد شدت جوانبه بصفيحة فضة يلوح بصيص بياضها على بصيص سواد الحجر ورونقه الصقيل فيبصر الرائي من ذلك منظرا عجيبا هو قيد الأبصار.
والحجر عند تقبيله لدونة ورطوبة يتنعم بها الفم حتى يود اللاثم أن يقلع فمه عنه، وذلك خاصة من خواص العناية الإلهية. وكفى أن النبي، صلى الله عليه وسلم اله عليه وسلم، قال: إنه يمين الله في أرضه . نفعنا الله لاستلامه ومصافحته، وأوفد عليه كل شيق إليه بمنه.
وفي القطعة الصحيحة من الحجر مما يلي جانبه الذي يلي يمين المستلم له إذا وقف مستقبله نقطة بيضاء صغيرة مشرقة تلوح كأنها خال في تلك الصفحة المباركة. وفي هذه الشامة البيضاء أثر: إن النظر إليها يجلو البصر. فيجب على المقبل أن يقصد بتقبيله موضع الشامة المذكورة ما استطاع.
والمسجد الحرام يطيف به ثلاث على ثلاث سوار من الرخام منتظمة كأنها بلاط واحد، ذرعها في الطول أربع مئة ذراع، وفي العرض ثلاث مئة ذراع. فيكون تكسيره محققا ثمانية وأربع مرجعا وما بين البلاطات فضاء كبير، وكان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، صغيرا. وقبة زمزم خارجة عنه، وفي مقابلة الركن الشامي، رأس سارية ثابتة في الأرض منها كان حد الحرم أولا.وبين رأس السارية وبين الركن الشامي المذكور اثنتان وعشرون جطوة، والكعبة في وسطجه على استواء من الجوانب الأربع، ما بين الشرق والجنوب والشمال والغرب. وعدد سواريه الرخامية التي عددتها بنفسي أربع مئة سارية واحد وسبعون سارية حاشا الجصية التي منها في دار الندوة، وهي التي زيدة في الحرم، وهي داخلة في البلاط الآخذ من الغرب الشمال، ويقابلها المقام مع الركن العراقي، وفضاؤها متسع يدخل من البلاط إليه. ويتصل بجدار هذا البلاط كله مصاطب تحت قسي حنايا يجلس فيها النساخون والمقرئون وبعض أهل صنعة الخياطة.
والحرم محدق بحلقات المدرسين وأهل العلم. وفي جدار البلاط الذي يقابله أيضا مصاطب تحت حنايا على تلك الصفة، وهو البلاط الآخذ من الجنوب الشرق. سائر البلاطات تحت جداراتها مصاطب دون حنايا عليها، والبنيان فيها الآن على أكمل ما يكون. وعند باب إبراهيم مدخل آخر من البلاط الآخذ من الغرب الجنوب فيه أيضا سوار جصية. ووجدت بخط أبي جعفر بن علي الفنكي القرطبي الفقيه المحدث: أن عدد سواريه أربع مئة وثمانون، لأني لم أحسب التي خارج باب الصفا.
وللمهدي محمد بن أبي جعفر المنصور العباسي في توسعة المسجد الحرام والتأنق في بنائه آثار كريمة. وجدت في الجهة التي من الغرب الشمال مكتوبا في أعلى جدار البلاط: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بتوسعة المسجد الحرام، لحجاج بيت الله وعماره، في سنة سبع وستين ومئة .
وللحرم سبع صوامع: أربع في الأربعة جوانب، وواحدة في دار الندوة، وأخرى على باب الصفا، وهي أصغرها، وهي علم لباب الصفا، وليس يصعد إليها لضيقها، وعلى باب إبراهيم صومعة قد ذكرت عند باب إبراهيم فيما بعد.
وباب الصفاء يقابل الركن الأسود بالبلاط الذي من الجنوب الشرق، وفي وسط البلاط المقابل للباب ساريتان مقابلتان الركن المذكور فيهما منقوش: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بإقامة هاتين الأسطوانتين علما لطريق رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، الصفا ليتأسى به حاج بيت الله وعماره، على يدي يقطين بن موسى وإبراهيم بن صالح، في سنة سبع وستين ومئة .
وفي باب الكعبة المقدسة نقش بالذهب رائق الخط طويل الحروف غليظها، يرتمي الأبصار برونقه وحسنه، مكتوب فيه: مما أمر بعمله عبد الله وخليفته الإمام أبو عبد الله محمد المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين، صلى الله عليه وسلم الله عليه وعلى الأئمة آبائه الطاهرين، وخلد ميراث النبوة لديه، وجعلها كلمة باقية في عقبه يوم الدين، في سنة خمسين وخمس مئة في صفحتي البابين على هذا النص المذكور.


صفحة : 25

ويكتنف البابين الكريمين عضادة غليظة من الفضة المذهبة البديعة النقش، تصعد العتبة المباركة تشف عليها وتستدير بجانبي البابين. ويعترض أيضا بين البابين عند إغلاقهما شبه العضادة الكبيرة من الفضة المذهبة هي بطول البابين متصلة بالواحد منهما الذي عن يسار الداخل البيت.
وكسوة الكعبة المقدسة من الحرير الأخضر، حسبما ذكرناه. وهي أربع وثلاثون شقة: في الصفح الذي بين الركن اليماني والشامي منها تسع وفي الصفح الذي يقابله بين الركن الأسود والعراقي تسع أيضا،وفي الصفح بين العراقي والشامي ثمان، وفي الصفح بين اليماني والأسود ثمان أيضا، وقد وصلت كلها فجاءت كأنها ستر واحد يعم الأربعة جوانب. وقد أحاط بها من أسفلها تكفيف مبني بالجص، في إرتفاعه أزيد من شبر، وفي سعته شبران أو أزيد قليلا، في داخله خشب غير ظاهر، وقد سمرت فيه أوتاد حديد في رؤوسها حلقات حديد ظاهرة قد أدخل فيها مرسى من القنب غليظ مفتول. واستدار بالجوانب الأربعة بعد أن وضع في أذيال الستور شبه حجز السراويلات وأدخل فيها ذلك المرس وخيط عليه بخيوط من القطن المفتولة الوثيقة.
ومجتمع الستور في الأركان الأربعة مخيط أزيد من قامة، ثم منها أعلاها تتصل بعري من حديد يدخل بعضها في بعض. واستدار أيضا بأعلاها على جوانب السطح تكفيف ثان وقعت فيه أعالي الستور في حلقات حديد على تلك الصفة المذكورة. فجاءت الكسوة المباركة مخيطة الأعلى والأسفل، وثيقة الأزرار، لا تخلع إلا من عام عام عند تجديدها، فسبحان من خلد لها الشرف يوم القيامة، لا إله سواه.
وباب الكعبة الكريم يفتح كل يوم اثنين ويوم جمعة إلا في رجب فإنه يفتح في كل يوم. وفتحه أول بزوغ الشمس، يقبل سدنة البيت الشيبيون، فيبادر منهم من ينقل كرسيا كبيرا شبه المنبر الواسع له تسعة أدراج مستطيلة قد وضعت له قوائم من الخشب متطأمنة مع الأرض لها أربع بكرات كبار مصفحة بالحديد لمباشرتها الأرض، يجري الكرسي عليها حتى يصل البيت الكريم. فيقع درجه الأعلى متصلا بالعتبة المباركة من الباب. فيصعد زعيم الشيبيين إليه، وهو كهل جميل الهيئة والشارة، وبيده مفتاح القفل البارك، ومعه من السدنة من يمسك في يده سترا أسود يفتخ يديه به أمام الباب خلال ما يفتحه الزعيم الشيبي المذكور، فإذا فتح القفل قبل العتبة ثم دخل البيت وحده وسد الباب خلفه وأقام قدر ما يركع ركعتين. ثم يدخل الشيبيون ويسدون الباب أيضا ويركعون. ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول، وفي أثناء محاولة فتح الباب الكريم يقف الناس مستقبلين إيها بأبصار خاشعة وأيد مبسوطة الله ضارعة وإذا انفتح الباب كبر الناس وعلا ضجيجهم ونادوا بألسنة مستهلة: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك،يا أرحم الراحمين. ثم دخلوا بسلام آمنين.
وف يالصفح المقابل للداخل فيه، الذي هو من الركن اليماني الركن الشامي، خمس رخامات منتصبات طولا كأنها أبواب تنتهي مقدار خمسة أشبار من الأرض، وكل واحدة منها نحو القامة، الثلاث منها حمر والاثنان خضراوان. في كل واحدة منها تجزيع بياض فلم ير أحسن منظرا منه كأنه فيها تنقيط. فيتصل بالركن اليماني منها الحمراء ثم تليها بخمسة أشبار الخضراء، والموضع الذي يقابلها متقهقرا عنه بثلاث أذرع هو مصلى الله عليه وسلم النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فيزدحم الناس على الصلاة فيه تبركا به. ووضعهن على هذا الترتيب، وبين كل واحدة وأخرى القدر المذكور. ويتصل بينهما رخام أبيض صافي اللون ناصع البياض، قد أحدث الله، عز وجل، في أصل خلقته أشكالا غريبة مائلة الزرقة مشجرة مغصنة وفي التي تليها مثل ذلك بعينه من ا لأشكال كأنها مقسومة، فلو انطبقتا لعاد كل شكل يصافح شكله، فكل واحدة شقة الأخرى لا محالة عندما نشرت انشقت على تلك الأشكال فوضعت كل واحدة بإزاء أختها. والفاصل منها بين كل خضراء وحمراء رخامتان، سعتهما خمسة أشبار لأعداد الأشبار المذكورة. والأشكال فيها تختلف هيئاتها، وكل أخت منها بإزاء اختها.وقد شدت جوانب هذه الرخامات تكافيف غلظها قدر إصبعين من الرخام المجزع من الأخضر والأحمر المنقطين ولأبيض ذي الخيلان كأنها أنابيب مخروطة يجار الوهم فيها. فاعترضت في هذا الصفح المذكور من فرج الرخام الأبيض ست فرج.


صفحة : 26

وفي الصفح الذي عن يسار الداخل، وهو من الأسود الركن اليماني، أربع رخامات: اثنتان خضراوان، واثنتان حمراوان. وبينهما خمس فرج من الرخام الأبيض. وكل ذلك على الصفة المذكورة.
وفي الصفح الذي عن يمين الداخل، وهو من الركن الأسود العراقي، ثلاث: اثنتان حمراوان، وواحدة خضراء. وتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض وهذا الصفح هو المتصل بالركن الذي فيه باب الرحمة، وسعته ثلاث أشبار، وطوله سبعة، وعضادته التي عن يمينك إذا استقبلته رخامة خضراء في سعة ثلثي شبر.
وفي الصفح الذي من الشامي العراقي ثلاث: اثنتان حمروان، وواحدة خضراء. وتصل بها ثلاث فرج من الرخام الأبيض على الصفة المذكورة.
ويكلل هذا الرخاخم المذكور طرتان؛ واحدة على الأخرى، سعة كل واحدة منهما قدر شبرين، ذهب مرسوم في اللازورد قد خط فيه خط بديع. وتتصل الطرتان بالذهب المنقوش على نصف الجدار الأعلى. والجهة التي عن يمين الداخل لها طرة واحدة، وفي هاتين الطرتين بعض مواضع دراسة.
وفي كل ركن من الأركان الأربعة ما يلي الأرض رخامتان خضراوان صغيرتان تكتنفان الركن، وتكتنف أيضا كل بابين من الفضة، اللذين في كل ركن كأنهما طاقان، عضادتان من الرخام الأخضر صغيرتان على قدر نقبيهما. وفي أول كل صفح من الصفحات المذكورة رخامة حمراء وفي آخره مثلها، والخضراء بينهما على الترتيب المذكور إلا الصفح الذي عن يسار الداخل، فأول رخامة تجدها متصلة بالركن الأسود رخامة خضراء، صم حمراء كمال الترتيب الموصوف.
وبإزاء المقام الكريم منبر الخطيب، وهو أيضا على بكرات أربع شبه التي ذكرناها. فإذا كان يوم الجمعة وقرب وقت الصلاة ضم صفح الكعبة الذي يقابل المقام، وهو بين الركن الأسود والعراقي، فيسند المنبر إليه. ثم يقبل الخطيب داخلا على باب النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهو يقابل المقام في البلاط الآخذ من الشرق الشمال لابسا ثوب سواد مرسوما بذهب ومتعمما بعمامة سوداء مرسومة أيضا وعليه طيلسان شرب رقيق، كل ذلك من كسا الخليفة التي يرسلها خطباء بلاده يرفل فيها وعليه السكينة والوقار، يتهادى رويدا بين رايتين سوداوين يمسكهما رجلان من قومة المؤذنين، وبين يديه ساعيا أحد القومة، وفي يده عود مخروط أخمر قد ربط في رأسه مرس من الأديم المفتول رقيق طويل في طرفه عذبة صغيرة ينفضها بيده في الهواء نفضا فتأتي بصوت عال يسمع من داخل الحرم وخارجه كأنه ايذان بوصول الخطيب، ولا يزال في نفضها أن يقرب من المنبر، ويسمونها الفرقعة. فإذا قرب من المنبر عرج الحجر الأسود فقبله ودعا عنده ثم سعى المنبر والمؤذن الزمزمي، رئيس المؤذنين بالحرم الشريف، ساع أمامه لابسا ثياب السواد أيضا وعلى عاتقه السيف يمسكه بيده دون تقلد له، فعند صعوده في أول درجة قلده المؤذن المذكور السيف. ثم ضرب بنعلة سيفه فيها ضربة أسمع بها الحاضرين ثم في الثانية. ثم في الثالثة. فإذا انتهى الدرجة العليا ضرب ضربة رابعة ووقف داعيا مستقبل الكعبة بدعاء خفي. ثم انفتل عن يمينه وشماله وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فيرد الناس عليه السلام. ثم يقعد ويبادر المؤذنون بين يديه في المنبر بالأذان على لسان واحد. فإذا فرغوا قام للخطبة فذكر ووعظ وخشع فأبلغ. ثم جلس الجلسة الخطيبية وضرب بالسيف ضربة خامسة. ثم قام للخطبة الثانية فأكثر بالصلاة على محمد، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعلى آله ورضي عن أصحابه واختص الأربعة الخلفاء بالتسمية، رضي الله عن جميعهم، ودعا لعمي النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، حمزة والعباس وللحسن والحسين وو الترضي عن جميعهم. ثم دعا لأمهات المؤمنين زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، ورضى عن فاطمة الزهراء وعن خديجة الكبرى بهذا اللفظ. ثم دعا للخليفة العباسي أبي العباس أحمد الناصر، ثم لأمير مكة مكثر بن عيسى بن فليتة بن قاسم بن محمد بن جعفر بن أبي هاشم الحسني، ثم لصلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب ولولي ههده أخيه أبي بكر بن ايوب. وعند ذكر صلاح الدين بالدعاء تخفق الآلسنة بالتأمين عليه من كل مكان.
واذا أحب الله يوما عبده القى عليه محبة للناس وحق ذلك عليهم لما يبذله من جميل الاعتناء بهم وحسن النظر لهم ولما رفعه من وظائف المكوس عنهم.


صفحة : 27

وفي هذا التاريخ أعلمنا بأن كتابه وصل الامير مكثر، وأهم فصوله التوصية بالحاج والتأكيد في مبرتهم وتأنيهم ورفع أيدي الاعتداء عنهم والايعاز في ذلك الخدام والاتباع والاوزاع، وقال: انه انما نحن وأنت متقلبون في بركة الحاج. فتأمل هذا المنزع الشريف والمقصد الكريم. واحسان الله يتضاعف من احسن عباده، واعتناؤه الكريم موصول لمن جعل همه الاعتناء بهم، والله عز وجل كفيل بجزاء المحسنين، انه ولي ذلك لارب سواه.
وفي أثناء الخطبة تركز الريتان السوداوان في أول درجة من المنبر ويمسكهما رجلان من المؤذنين، وفي جانبي باب المنبر حلقتان تلقى الرايتان فيهما مركوزتين. فإذا فرغ من الصلاة خرج والرايتان عن يمينه وشماله والفرقمة أمامه على الصفة التي دخل عليها، كأن ذلك أيضا ايذان بانصراف الخطيب والفراغ من الصلاة ثم أعيد المنبر موضعه بإزاء المقام.
وليلة أهل هلال الشهر المذكور، وهو جمادى الأول، بكر أمير مكة مكثر المذكور في صبيحتها الحرم الكريم مع طلوع الشمس، وقواده يحفون به والقراء يقرأون أمامه، فدخل علىباب النبي،صلى الله عليه وسلم ورجاله السودان الذين يعرفونهم بالحرابة يطوفون أمامه وبأيديهم الحراب. وهو في هيئة اختصار عليه السكينة والوقار وسمت سلفه الكريم، رضي الله عنهم، لابسا ثوب بياض متقلدا سيفه مختصرا متمتعا بكرزية صوف بيضاء رقيقة، فلما انتهى بإزاء المقام الكريم وقف وبسط له وطاء كتان فصلى الله عليه وسلم ركعتين. ثم تقدم الحجر الأسود فقبله وشرع في الطواف، وقد علا في قبة زمزم صبي، هو أخو المؤذن الزمزمي، وهو أول المؤذنين أذانا، به يقتدون وله يتبعون، وقد لبس أفخر ثيابه وتعمم، فعندما يكمل الأمير شوطا واحدا ويقرب من الحجر يندفع الصبي في اعلى القبة رافعا صوته بالدعاء ويستفتحه بصبح الله مولانا الأمير بسعادة دائمة ونعمة شاملة. ويصل ذلك بتهنئة الشهر بكلام مسجوع مطبوع حفيل الدعاء والثناء. ثم يختم ذلك بثلاثة أبيات أو أربعة من الشعر في مدحه سلفه الكريم وذكر سابقة النبوة، رضي الله عنهم، ثم يسكت،فإذا أطل من الركن اليماني يريد الحجر اندفع بدعاء على ذلك الاسلوب، ووصله بأبيات من الشعر غير الابيات الآخر في ذلك المعنى بعينه كأنها منتزعة من قصائد مدح بها. هكذا في السبعة الأشواط أن يفرغ منها. والقراء في اثناء طوافه أمامه. فينتظم من هذه الحال والأبهة وحسن صوت ذلك الداعي على صغره لأنه ابن احدى عشر سنة أو نحوها، وحسن الكلام الذي يورده نثرا ونظما، وأصوات القراء وعلوها بكتاب الله، عز وجل، مجموع يحرك النفوس ويشجيها ويستوكف العيون ويبكيها، تذكرا لأهل البيت الذين أدهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. فإذا فرغ من الطواف ركع عند الملتزم ركعتين ثم جاء وركع خلف المقام ايضا ثم ولى منصرفا وحلبته تحف به. ولايظهر في الحرم إلا لمستهل هلال آخر، هكذا دائما. والبيت العتيق مبني بالحجارة الكبار الصم السمر قد رص بعضها على بعض والصقت بالعقد الوثيق الصاقا لاتحيله الأيام ولا تقصمه الأزمان. ومن العجيب أن قطعة انصدعت من الركن اليماني فسمرت بمسامير فضة واعيدت كأحسن ما كانت، والمسامير فيه ظاهرة.
ومن آيات البيت العتيق أنه قائم وسط الحرم كالبرج المشيد وله التنزيه الأعلى. وحمام الحرم لاتحصى كثرة، وهي من الأمن بحيث يضرب بها المثل، ولاسبيل أن تنزل بسطحه الأعلى حمامة ولاتحل فيه بوجه ولا على حال. فترى الحمام يتجلى على الحرم كله، فإذا فربت من البيت عرجت عنه يمينا أو شمالا والطيور سواها كذلك. وقرأت في أخبار مكة أنه لاينزل عليه طائر إلا عند مرض يصيبه، فإما أن يموت في حينه أو يبرأ. فسبحان من أورثه التشريف والتكريم.
ومن آياته أن بابه الكريم يفتح في الأيام المعلومة المذكورة، والحرم قد غص بالخلق، فيدخله الجميع ولايضيق عنهم بقدرة الله، عز وجل، ولايبقى فيه موضع الاويصلي فيه كل أحد. ويتلاقى الناس عند الخروج منه، فيسأل بعضهم بعضا: هل دخل البيت ذلك اليوم? فكل يقول: دخلت ومليت في موضع كذا وموضع كذا حيث صلى الله عليه وسلم الجميع. ولله الآيات البينات والبراهين المعجزات، سبحانه وتع.


صفحة : 28

ومن عجائب اعتناء الله تبارك وتع به أنه لايخلوا من الطائفين ساعة من النهار ولا وقتا من الليل. فلا تجد من يخبر أنه رآه دون طائف به، فسبحان من كرمه وعظمه وخلد له التشريف يوم القيامة.
وفي أعلى بلاطات الحرم سطح يطيف بها كلها من الجوانب الأربعة، وهو مشرف كله بشر فات مبسوطة مركنة، في كل جانب من الشرفة ثلاثة اركان كأنها أيضا شرفات أخر صغار. والركن الأسفل منها متصل بالركن الذي يليه من الشرفة الأخرى. وتحت كل صلة منها ثقب مستدير في دور الشبر منفوذ يخترقه الهواء يضرب فيه شعاع الشمس أو القمر فيلوح كأنها أقمار مستديرة، يتصل ذلك بالجوانب الأربعة كلها، كأن الشرفات المذكورة بنيت شقة واحدة ثم احدثت فيها هذه التقاطيع والتراكين فجاءت عجيبة المنظر والشكل.
وفي النصف من كل جانب من الجوانب الأربعة المذكورة شقة من الجص معترضة بين الشرفات مخرمة فرجية طولها نحو الثلاثين شبرا تقديرا، تقابل كل شقة منها صفحا من صفحات الكعبة المقدسة قد علت على الشرفات كالتاج.
وللصوامع أيضا أشكال بديعة، وذلك أنها ارتفعت بمقدار النصف، مركنة من الأربعة جوانب بحجارة رائعة النقش عجيبة الوضع، قد أحاط بها شباك من الخشب الغريب الصنعة، وارتفع عن الشباك عمود في الهواء كأنه مخروط مختم كله بالآجر تختيما يتداخل بعضه على بعض بصنعة تستميل الأبصار حسنا. وفي أعلى ذلك العمود الفحل وقد استدار به أيضا شباك آخر من الخشب على تلك الصنعة بعينها. وهي متميزة الأشكال كلها لايشبه بعضها بعضا. لكنها على هذا المثال المذكور، من كون نصفها الأول مركنا ونصفها الأعلى عمودا لاركن له.
وفي النصف الأعلى من قبة زمزم والقبة العباسية التي تسمى السقاية والقبة التي تليها منحرفة عنها يسيرا المنسوبة لليهودية، صنعة من قرنصة الخشب عجيبة، قد تأنق الصانع فيها وأحدق بأعلاها شباك مشرجب من الخشب رائق الخلل والتأريج وداخل شباك قبة زمزم شطح وقد قام في وسطه شبه فحل الصومعة.
وفي ذلك السطح يؤذن الزمزمي، وقد انخرط من ذلك الفحل عمود من الجص واستقر في رأسه صفحة حديد تتخذ مشعلا في شهر رمضان المعظم.
وفي الصفح الناظر البيت العتيق من القبة سلاسل فيها قناديل من زجاج معلقة توقد كل ليلة. وفي الصفح الذي عن يمينه كذلك، وهو الناظر الشمال.
وفي كل جانب منها ثلاثة شراجيب مقومة كأنها أبواب قد قامت على سوار من الزجاج صغار لم ير أبدع منها صنعة، منها ماهو مفتول فتل السوار ولا سيما الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من قبة زمزم، فإن سواريه في نهاية من اتقان الصنعة، قد أدير بكل سارية منها رؤوس ثلاثة أو أربعة، وتحت مابين كل رأس ورأس ... وأحدثت فيه صنائع من النقش عجيبة المنظر، وربما فتل بعضها عن الصفة السوارية.
وهذا الجانب الذي يقابل الحجر الأسود من القبة المذكورة تتصل به مصطبة من الرخام دائرة بالقبة يجلس الناس فيها معتبرين بشرف ذلك الموضع لأنه أشرف مواضع الدنيا المذكورة بشرف مواضع الآخرة، لأن الحجر الأسود أمامك والباب الكريم مع البيت قبالتك والمقام عن يمينك وباب الصفا عن يسارك وبئر زمزم وراء ظهرك. وناهيك بهذا وينطبق على كل شرجب من تلك الشراجيب أعمدة حديد قد تركب بعضها على بعض كأنها شراجيب أخر. وأحد أركان شباك الخشب المحدق بالقبة العباسية بتصل بأحد أركان شباك القبة اليهودية حتى يتماسا. فمن يكون في أعلى سطح هذه ينفتل سطح الأخرى من الركنين المذكورين. وداخل هذه القباب صنعة من القرنصة الجصية رائقة الحسن.
وللحرم أربعة أثمة سنية وإمام خامس لفرقة تسمى الزيدية. واشراف أهل هذه البلدة على مذهبهم، وهم يزيدون في الأذان: حي على خير العمل إثر قول المؤذن حي على الفلاح، وهم روافض سبابون، والله من وراء حسابهم وجزائهم، ولايجمعون مع الناس إنما يصلون ظهرا أربعا، ويصلون المغرب بعد فراغ الأئمة من صلاتها.


صفحة : 29

فأول الأئمة السنية الشافعي، رحمه الله، وإنما قدمنا ذكره لأنه المقدم من الإمام العباسي. وهو أول من يصلي، وصلاته خلف مقام إبراهيم، صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا الكريم، إلا صلاة المغرب فإن الأربعة الأئمة يصلونها في وقت واحد مجتمعين لضيق وقتها: يبدأ مؤذن الشافعي بالإقامة، ثم يقيم مؤذنو سائر الأئمة. وربما دخل في هذا الصلاة على المصلين سهو وغفلة لاجتماع التكبير فيها من كل جهة. فربما ركع المالكي بركوع الشافعي أو الحنفي أو سلم أحدهم بغير سلام إمامه. فترى كل أذن مصيخة لصوت إمامها أو صوت مؤذنه مخافة السهو. ومع هذا فيحدث السهو على كثير من الناس. ثم المالكي، رحمه الله، وهو يصلي قبالة الركن اليماني، وله محراب حجر يشبه محاريب الطرق الموضوعة فيها. الحنفي، رحمه الله، وصلاته قبلة الميزاب تحت حطيم مصنوع له. وهو أعظم الأئمة أبهة وأفخرهم ألة من الشمع وسواها بسبب أن الدولة الأعجمية كلها على مذهبه، فالاحتفال له كثير، وصلاته آخرا . ثم الحنبلي، رحمه الله، وصلاته مع صلاة المالكي في حين واحد، موضع صلاته يقابل مابين الحجر الأسود والركن اليماني. ويصلي الظهر والعصر قريبا من الحنفي في البلاط الآخذ من الغرب الشمال، والحنفي يصليهما في البلاط الآخذ من الغرب الجنوب قبالة محرابه ولاحطيم له. والشافعي بازاء المقام حطيم حفيل.
وصفة الحطيم خئبنان موصول بينهما بأذرع شبه السلم تقابلهما خشبتان على تلك الصفة، قد عقدت هذه الخشب على رجلين من الجص غير بائنة الاتفاع. واعترض في أعلى الخشب خشبة مسمرة فيها قد نزلت منها طيف حديد فيها قناديل معلقة من الزجاج. وربما وصل بالخشبة المعترضة العليا شباك مشرجب بطول الخشبة.
وللحنفي بين الرجلين الجصيتين المتعقدتين على الخشب محراب يصلى الله عليه وسلم فيه. وللحنبلي حطيم معطل هو قريب من حطيم الحنفي، وهو منسوب لرامشت أحد الأعاجم ذوي الثراء، وكانت له في الحرم آثار كريمة من النفقات، رحمه الله. ويقابل الحجر حطيم معطل أيضا ينسب للوزير المقدم بهذا اللفظ المجهول .
ويطيف بهذه المواضع كلها، دائر البيت العيتيق وعلى بعد منه يسيرا، مشاعيل توقد في صحاف حديد فوق خشب مركوزة فيتقد الحرم الشريف كله نورا. ويوضع الشمع بين ايدي الأئمة في محاريبهم. والمالكي أقلهم شمعا واضعفهم حالا لأن مذهبه في هذه البلاد غريب. والجمهور على مذهب الشافعي وعليه علماء البلاد وفقهاؤها، إلا الإسكندرية وأكثر أهلها مالكيون وبها الفقيه ابن عوف، وهو شيخ كبير من أهل العلم، بقية الأئمة المالكية.
وفي إثر كل صلاة مغرب يقف المؤذن الزمزمي في سطح قبة زمزم، ولها مطلع على أدراج من عود في الجهة التي تقابل باب الصفا، رافعا صوته بالدعاء للإمام العباسي أحمد الناصر لدين الله ثم للأمير مكثر ثم لصلاح الدين أمير الشام وجهات مصر كلها واليمن، ذي المآثر الشهيرة والناقب الشريفة، فإذا انتهى ذكره بالدعاء ارتفعت أصوات الطائفين بالتأمين بألسنة تمدها القلوب الخالصة والنيات الصادقة. وتخفق الألسنة بذلك خفقا يذيب القلوب خشوعا لما وهب الله لهذا السلطان العادل من الثناء الجميل وألقى عليه من محبة الناس وعباد الله شهدائه في أرضه. ثم يصل ذلك بدعاء لأمراء اليمن من جهة صلاح الدين ثم لسائر المسلمين والحجاج والمسافرين، وينزل. هكذا دأبه دائما أبدا.
وفي القبة العباسية المذكورة خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع وفيه مصحف أحد الخلفاء الأربعة أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبخط يد زيد بن ثابت، رضي الله عنه، منتسخ سنة ثماني عشرة من وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وينقص منه ورقات كثيرة. وهو بين دفتي عود مجلد بمغاليق من صفر، كبير الورقات واسعها، عايناه وتبركنا بتقبيله ومسح الخدود فيه. نفع الله بالنية في ذلك.


صفحة : 30

وأعلمنا صاحب القبة المتولي لمرضه علينا: أن أهل مكة متى أصابهم قحط أو نالتهم شدة في أسفارهم اخرجوا المصحف المذكور وفتحوا باب البيت الكريم ووضعوه في القبة المباركة مع المقام الكريم: مقام الخليل ابراهيم، صلى الله عليه وسلم نبينا وعليه، واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم داعين متضرعين، وبالمصحف الكريم والمقام العغظيم الله متوسلين. فلا ينفصلون عن مقامهم ذلك إلا ورحمة الله عز وجل قد تداركتهم، والله لطيف بعباده، لااله سواه.
وبإزاء الحرم الشريف ديار كثيرة تطيف به لها مناظر وسطوح يخرج منها سطح الحرم فيبيت اهلها فيه ويبردون ماءهم في اعالي شرفاته، فهم من النظر البيت العتيق دائما في عبادة متصلة، والله ينئهم ماخصهم به من مجاورة بيته الحرام بمنه وكرمه.
وألفيت بخط الفيه الزاهد الورع أبي جعفر الفنكي القرطبي: أن ذرع المسجد الحرام في الطول والعرض ماأثبته أولا، وطول مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاث مئة ذراع، وعرضه مئتان، وعدد سواريه ثلاث مئة، ومناراته ثلاث، فيكون تكسيره أربعة وعشرين مرجعا من المراجع المغربية، وهي خمسون ذراعا في مثلها، وطول مسجد بيت المقدس، أعاده الله للإسلام، سبع مئة وثمانون ذراعا، وعرضه اربع مئة وخمسون ذراعا، وسواريه أربع مئة وأربع عشرة سارية، وقناديله خمس مئة، وأبوابه خمسون بابا، فيكون تكسيره من المراجع المذكورة مئة مرجع وأربعين مرجعا وخمسي مرجع.

أبواب الحرم الشريف
للحرم تسعة عشر بابا أكثرها مفتح على ابواب كثيرة، حسمبما يأتي ذكره إن شاء الله.
باب الصفا: يفتح على خمسة أبواب، وكان يسمى قديما بباب بني مخزوم.
باب الخلقيين. ويسمى بباب جياد الأصفر مفتح على بابين، هو محدث.
باب العباس، رضي الله عنه: هو يفتح على ثلاثة أبواب.
باب علي، رضي الله عنه: مفتح على ثلاثة أبواب.
باب النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: يفتح على بابين.
باب صغير أيضا بإزاء باب بني شيبة المذكور: لااسم له.
باب بني شيبة: وهو يفتح على ثلاثة أبواب، وهو باب بني عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء.
باب دار الندوة: ثلاثة، البابان من دار الندوة منتظمان، والثالث في الركن الغربي من الدار.
فيكون عدد أبواب الحرم بهذا الباب المنفرد عشرين بابا.
باب صغير بإزاء بني شيبة شبه خوخة الأبواب: لااسم له، وقيل: انه يسمى باب الرباط، لأنه يدخل منه لرباط الصوفية.
باب صغير لدار العجلة: محدث.
باب السدة: واحد.
باب العمرة: واحد.
باب حزورة: على بابين.
باب ابراهيم، صلى الله عليه وسلم : واحد.
باب ينسب لحزورة أيضا: على بابين باب جياد الأكبر: على بابين.
باب جياد الأكبر أيضا: على بابين.
باب ينسب لجياد أيضا على بابين. ومنهم من ينسب البابين من هذه الأبواب الأربعة الجيادية الدقاقين، والروايات فيها تختلف، لكنا اجتهدنا في اثبات الأقرب من اسمائها الصحة، والله المستعان لارب سواه.
وباب ابراهيم، صلى الله عليه وسلم، هو في زاوية كبيرة متسعة فيها دار المكناسي الفيه الذي كان إمام المالكية في الحرم، رحمه الله.
وفيها ايضا غرفة هي خزانة للكتب المحبسة على المالكية في الحرم. والزاوية المذكورة متصلة بالبلاط الآخذ من الغرب الجنوب وخارجه عنه. وبازاء الباب المذكور عن يمين الداخل عليه صومعة على غير اشكال الصوامع المذكورة. فيها تخاريم في الجص، مستطيلة الشكل كأنها محاريب، قد حفت بها قرنصة غريبة الصنعة. وعلى الباب قبة عظيمة بائنة العلو يقرب من لاصومعة ارتفاعها، قد ضمن داخلها غرائب من الصنعة الجصية والتخاريم القرنصية يعجز عنها الوصف. وظاهرها ايضا تقاطيع في الجص كأنها أرجل مدورة قد تركبت دائرة على دائرة. وفحل الصومعة المذكورة على أرجل من الجص مفتح مابين كل رجل ورجل. وخارج باب ابراهيم بئر تنسب إليه، عليه السلام.


صفحة : 31

وانما بدئ بباب الصفا لأنه أكبر الأبواب، وهو الذي يخرج عليه السعي. وكل وافد مكة، شرفها الله، يدخلها بعمرة فيستحب له الدخول على باب بني شيبة ثم يطوف سبعا ويخرج على باب الصفا ويجعل طريقه بين الاسطوانتين اللتين أمر المهدي، رحمه الله، فإقامتها علما لطريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، الصفا، حسبما تقدم ذكره. وبين الركن اليماني ست واربعون خطوة، ومنهما باب الصفا ثلاثون خطوة. ومن باب الصفا الصفا ست وسبعون خطوة. وللصفا أربعة عشر درجا، وهو على ثلاثة أقواس مشرفة، والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة، وقد أحدقت به الديار، وفي سعته سبع عشرة خطوة.
وبين الصفا والميل الأخضر مايأتي ذكره. والميل سارية خضراء، وهي خضرة صباغية. وهي التي ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من الحرم على قارعة المسيل المروة وعن يسار الساعي إليها. ومنها يرمل في السعي الميلين الأخضرين، وهما أيضا ساريتان خضراوان على الصفة المذكورة، الواحدة منها بإزاء باب علي في جدار الحرم وعن يسار الخارج من الباب، والميل الآخر يقابله في جدار دار تتصل بدار الامير مكثر. وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج ألفيت فيه منقوشا برسم مذهب: أن الصفا والمروة من شعائر الله الآية. وبعدها أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، أعز الله نصره، في سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة. وبين الصفا والميل الأول ثلاث وتسعون خطوة، وهي مسافة الرمل جائيا وذاهبا من الميل الميلين. ثم من الميلين الميل ومن الميلين المروة ثلاث مئة وخمس وعشرون خطوة. فجميع خطا الساعي من الصفا المروة اربع مئة خطوة وثلاث وتسعون خطوة.
وادراج المروة خمسة، وهي بقوس واحد كبير، وسعتها سعة الصفا سبع عشر خطوة. ومابين الصفا والمروة مسيل هو اليوم سوق حفيلة بجميع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية، والساعون لايكادون يخلصون من كثرة الزحام، وحوانيت الباعة يمينا وشمالا، وماللبلدة سوق منتظمة سواها إلا البزازين والعطارين، فهم عند باب بني شسيبة تحت السوق المذكورة وبمقربة تكاد تتصل بها.
وعلى الحرم الشريف جبل أبي قبيس، وهو في الجهة الشرقية، يقابل ركن الحجر الأسود، وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة الطيبة، ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة وسطه. وقرأت في اخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي أنه أول جبل خلقه الله عز وجل، وفيه استودع الحجر زمن الطوفان، وكانت قريش تسميه الأمين لأنه أدى الحجر ابراهيم، صلى الله عليه وسلم، وفيه قبر آدم، صلوات الله عليه، وهو أحد أخشبي مكة، والاخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية. صعدنا جبل أبي قبيس المذكور وصلينا في المسجد المبارك. وفيه موضع موقف النبي، صلى الله عليه وسلم، عند انشقاق القمر له بقدرة الله عز وجل. وناهيك بهذه الفضيلة والبركة والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء حتى الجمادات من مخلوقاته، لااله سواه.
وفي أعلاه آثار بناء جص مشيد كان اتخذه معقلا أمير البلد عيسى أبو مكثر المذكور، فهدمه عليه أمير الحاج العراقي لمخالفة صدرت عنه، فغادره خرابا.وألفيت منقوشا على سارية خارج باب الصفا تقابل السارية الواحدة من اللتين أقيمتا علما لطريق النبي، صلى الله عليه وسلم، الصفا داخل الحرم المتقدمتي الذكر: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله تع، بتوسعة المسجد الحرام ممايلي باب الصفا، لتكون الكعبة في وسط المسجد، في سنة سبع وستين ومئة. فدل ذلك المكتوب على أن الكعبة المقدسة في وسط المسجد، وكان يظن بها الانحراف جهة باب الصفا، فاختبرنا جوانبها المباركة بالكيل، فوجدنا الأمر صحيحا حسبما تضمنه رسم السارية.
وتحت ذلك النقش في أسفل السارية منقوش أيضا: امر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بتوسعة الباب الأوسط، الذي بين هاتين الأسطوانتين، وهو طريق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الصفا.


صفحة : 32

وفي أعلى السارية التي تليها منقوش أيضا: أمر عبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين، أصلحه الله، بصرف الوادي مجراه على عهد أبيه ابراهيم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وتوسعته بالرحاب التي حول المسجد الحرام لحاج بيت الله وعمارة. وتحتها أيضا منقوش ماتحت الأول من ذكر توسعة الباب الأوسط. والوادي المذكور هو الوادي المنسوب لإبراهيم، صلى الله عليه وسلم ،ومجرا على باب الصفا المذكور، وكان السيل قد خالف مجراه فكان يأتي على المسيل بين الصفا والمروة ويدخل الحرام، فكان مةة بالأمطار يطاف حول الكعبة سبحا، فأمر المهدي، رحمه الله، برفع موضع في أعلى البلد يسمى رأس الردم، فمتى جاء السيل عرج عن ذلك الردم مجراه واستمر على باب ابراهيم الموضع الذي يسمى المسلفة ويخرج عن البلد ولايجري الماء فيه إلا عند نزول ديم المطر الكثير. وهو الوادي الذي عنى، صلى الله عليه وسلم، بقوله حيث حكى الله تبارك وتع عنه: رنا اني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع، فسحان من أبقى له الآيات البينات.

ذكر مطة المكرمة واثارها
هي بلدة قد وضعها الله عز وجل بين جبال محدقة بها، وهي بطن واد مقدس، كبيرة مستطيلة، تسع من الخلائق مالا يحصيه إلا الله عز وجل. ولها ثلاثة أبواب: أولها باب المعلى، ومنه يخرج الجبانة المباركة، وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون. وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية عليها علم شبيه البرج، يخرج منها طريق المعرة، وتلك الثنية تعرف بكداء، وهي التي عنى حسان بقوله في شعره:
تثير النقع موعدها كداء فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم الفتح: ادخلوا من حيث قال حسان. فدخلوا من تلك الثنية. وهذا الموضع الذي يعرف بالحجون هو الذي عناه الحارث بن مضاض الجرهمي بقوله:
كأن لم يكن بين الحجون الصفـا أنيس ولم يسمر بمـكة سـامـر
بلى نحن كنا أهلهـا فـأبـادنـا صروف الليالي والجدود العواثر. وبالجبانة المذكورة مدفن جماعة من الصحابة والتابعين والأولياء والصالحين قد دثرت مشاهدهم المباركة وذهبت عن أهل البلد أسماؤهم. وفيه الموضع الذي صلب فيه الحجاج بن يوسف، جازاه الله، جثة عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهما. وعلى الموضع بقية علم ظاهر اليوم، وكان عليه مبنى مرتفع، فهدمه أهل الطائف غيرة منهم على ما كان يجدد من لعنة صاحبهم الحجاج المذكور. وعن يمينك، اذا استقبلت الجبانة المذكورة، مسجد في مسيل بين جبلين، يقال إنه المسجد الذي بايعت فيه الجن النبي، صلى الله عليه وسلم، وشرف وكرم.
وعلى هذا الباب المذكور طريق الطائف وطريق العراق والصعود عرفات، وجعلنا الله ممن يفوز بالموقف فيها. وهذا الباب المذكور بين الشرف والشمال، وهو المشرق أميل.
ثم باب المسفل: وهو جهة الجنوب، وعليه طريق اليمن، ومنه كان دخول خالد بن الوليد، رضي الله عنه، يوم الفتح.
ثم باب الزاهر: ويعرف أيضا بباب العمرة، وهو غربي، وعليه طريق مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وطريق الشام وطريق جدة، منه يتوجه التنعيم، وهو أقرب ميقات المعتمرين، يخرج من الحرم إليه على باب العمرة، ولذلك أيضا يسمى هو بهذا الاسم.
والتنعيم من البلدة على فرسخ، وهو طريق حسن فسيح، فيه الآبار العذبة التي تسمى بالشبيكة.
وعندما تخرج من البلدة بنحو ميل تلقى مسجدا بإزائه حجر موضوع على الطريق كالمصطبة يعلوه حجر آخر مسند فيه نقش دائر الرسم يقال إنه الموضع الذي قعد فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، مستريحا عند مجيئه من العمرة. فيتبرك الناس بتقبيله مسح الخدود فيه، وحق ذلك لهم، ويستندون إليه لتنال اجسامهم بركة لمسه. ثم بعد هذا الموضع بمقدار غلوة تلقى على قارعة الطريق، من جهة اليسار للمتوجه العمرة، قبرين قد علتهم أكوام من الصخر عظام، يقال إنهما قبرا أبي لهب وامرأته، لعنهما الله، فما زال الناس في القديم هلم جرا يتخذون سنة رجمهما بالحجارة حتى علاهما من ذلك جبلان عظيمان.


صفحة : 33

ثم تسير منها بمقدار ميل وتلقى الزاهر، وهو مبتنى على جانبي الطريق، يحتوي على دار وبساتين، والجميع ملك أحد المكيين، وقد أحدث في المكان مطاهر وسقاية للمعتمرين. وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصف عليه كيرزان الماء ومراكن مملؤة للوضوء، وهي القصاري الصغار. وفي الموصع بئر عذبة يملأ منها المطاهر المذكورة فيجد المعتمرون فيها مرفقا كبيرا للطهور والموضوء والشرب. فصاحبها على سبيل معمورة بالاجر والثواب.
وكثير من الناس المتاجرين من يعينه على ما هو بسبيله. وقيل: أن له من ذلك فائدا كبيرا.
وعن جانبير الطريق في هذا الموضع جبال أربعة: جبلان من هنا، وجبلان من هنا، عليها اعلام من الحجارة، وذكر لنا أنها الجبال المباركة التي جعل ابراهيم، عليه السلام، عليها أجزاء الطير ثم دعاهن حسبما حكى الله، عز وجل، سؤاله إياه جل وتع أن يريه كيف يحيي الموتى. وحول تلك الجبال الأربعة جبال غيرها، وقيل: أن التي جعل ابراهيم عليها الطير سبعة منها، والله أعلم.
وعند إجازتك الزاهر المذكور تمر بالوادي المعروف بذي طوى الذي ذكر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، نزل فيه عند دخوله مكة، وكان ابن عمر، رضي الله عنهما، يغتسل فيه وحينئذ يدخلها. وحوله آبار تعرف بالشبيكة، وفيه مسجد يقال انه مسجد ابراهيم، عليه السلام، فتأمل بركة هذا الطريق ومجموع الآيات التي فيه والآثار المقدسة التي اكتنفته.
وتجيز الوادي مضيق تخرج منه الأعلام التي وضعت حجزا بين الحل والحرام، فما دخلها مكة حرم وما خارجها حل، وهي كالأبراج مصفوفة كبار وصغار واحد بازاء آخر، وعلى مقربة منه تأخذ من أعلى الجبل الذي يعترض عن يمين الطريق في التوجه العمرة، وتشق الطريق أعلى الجبل عن يساره، ومنه ميقات المعتمرين، وفيها مساجد مبنية بالحجارة يصلى الله عليه وسلم المعتمرون فيها ويحرمون منها.
ومسجد عائشة، رضي الله عنها، خارج هذه الأعلام بمقدار غلوتين، واليه يصل المالكيون ومنه يحرمون. وأما الشافعيون فيحرمون من المساجد التي حول الأعلام المذكورة. وامام مسجد عائشة، رضي الله عنها، مسجد ينسب لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه.
ومن عجيب ما عرض علينا بباب بني شيبة المذكور عتب من الحجارة العظام طوال كأنها مصاطب صفت أمام الأبواب الثلاثة المنسوبة لبني شيبة، ذكر لنا أنها الأصنام التي كانت قريش تعبدها في جاهليتها، وكبيرها هبل بينها، قد كبت على وجوهها، تطؤها الأقدام وتمتهنها بأنعلتها العوام، ولم تغن عن أنفسها فضلا عن عابديها شيئا، فسبحان المنفرد بالوحدانية لا اله سواه. والصحيح في أمر تلك الحجارة أن النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. أمر يوم فتح مكة بكسر الأصنام واحراقها. وهذا الذي نقل إلينا غير صحيح وإنما تلك التي على الباب حجارة منقولة وعني القوم بتشبهها الأصنام لعظمها. ومن جبال مكة المشهورة، بعد جبل أبي قبيس، جبل حراء، وهو في الشرق على مقدار فرسخ أو نحوه مشرف على منى، وهو مرتفع في الهواء عالي القنة، وهو جبل مبارك، كان النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، كثيرا ما ينتابه ويتعبد فيه، واهتز تحته فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: اسكن حراء، فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد ، وكان معه أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما.ويروي: أثبت فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان ، وكان عثمان،رضي الله عنه، معهم، وأول آية نزلت من القرآن على النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، في الجبل المذكور وهو آخذ من الغرب الشمال، ووراء طرفه الشمالي جبانة الحجون التي تقدم ذكرها. وسور مكة إنما كان من جهة المعلى وهو مدخل البلد، ومن جهة المسفل وهو مدخل أيضا إليه. ومن جهة باب العمرة وسائر الجوانب جبال لا يحتاج معها سور. وسورها اليوم منهدم إلا آثاره الباقية وأبوابه القائمة.

بعض مشاهدها


صفحة : 34

مكة، شرفها الله، كلها مشهد كريم، كفاها شرفا ما خصها الل به من مثابة بيته العظيم وما سبق لها من دعوة الخليل إبراهيم وإنها حرم الله وأمنه، وكفاها أنها منشأ النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، الذي آثره الله بالتشريف والتكريم وابتعثه بالآيات والذكر الحكيم، فهي مبدأ نزول الوحي والتنزيل وأول مهبط الروح الأمين جبريل، وكانت مثابة أنبياء الله ورسله الأكرمين، وهي أيضا مسقط رؤوس جماعة من الصحابة القرشيين المهاجرين الذين جعلهم الله مصابيح الدين ونجوما للمهتدين.
فمن مشاهدها التي عايناها قبة الوحي، وهي في دار خديجة أم المؤمنين، رضي الله عنها، وبها كان ابتناء النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، بها، وقبة صغيرة أيضا في الدار المذكورة فيها كان مولد فاطمة الزهراء، رضي الله عنها، وفيها أيضا ولدت سيدي شباب أهل الجنة: الحسن والحسين، رضي الله عنهما، وهذه المواضع المقدسة المذكورة مغلقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها. ومن مشاهدها الكريمة أيضا مولد النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، والتربة الطاهرة التي هي أول تربة مست جسمه الظاهر، بني عليها مسجد لم ير أحفل بناء منه، أكثره ذهب منزل به. والموضع المقدس الذي سقط فيه، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للأمة أجمعين محفوف بالفضة. فيا لها تربة شرفها الله بأن جعلها مسقط أطهر الأجسام ومولد خير الأنام، صلى الله عليه وسلم الله عليه وعلى آله وأهله وأصحابه الكرام وسلم تسليما. يفتح هذا الموضع المبارك فيدخله الناس كافة متبركين به في شهر ربيع الأول ويوم الاثنين منه، لأنه كان شهر مولد النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وفي اليوم المذكور ولد،صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وتفتح المواضع المقدسة المذكورة كلها. وهو يوم مشهود بمكة دائما.
ومن مشاهدها الكريموةأيضا دار الخيزران، وهي الدار التي كان النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، يعبد الله فيها سرا مع الطائفة الكريمة المبادرة للإسلام من أصحابه، رضي الله عنهم، حتى نشر الله الإسلام منها على يدي الفاروق عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، وكفى بهذه الفضيلة.
ومن مشاهدها أيضا دار أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهي اليوم دارسة الأثر، ويقابلها جدار فيه حجر مبارك يتبرك الناس بلمسه، يقال: إنه كان يسلم على النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، متى اجتاز عليه. وذكر أنه جاء يوما، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم دار أبي بكر،رضي الله عنه، فنادى به ولم يكن حاضرا فأنطق الله عز وجل الحجر المذكور، وقال: يا رسول الله ليس بحاضر. وكانت إحدى آياته المعجزات، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.
ومن مشاهدها قبة بين الصفا والمروة تنسب لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وفي وسطها بئر يقال أنه كان يجلس فيها للحكم، رضي الله عنه. والصحيح في هذه القبة أنها قبة حفيده عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وبإزاء داره المنسوبة إليه، وفيها كان يجلس للحكم أيام توليه مكة. كذلك حكى لنا أحد أشياخنا الموثوقين. ويقال أن البئر كانت في القديم فيها، ولا بئر فيها الآن لأنا دخلناها فالفيناها مسطحة، وهي حفيلة الصنعة.
وكانت بمقربة من الدار التي نزلنا فيها دار جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، ذي الجناحين.
وبجهة المسفل، وهو آخر البلد، مسجد منسوب لأبي بكر الصديق، رضي الله عنه، يحف به بستان حسن فيه النخل والرمان وشجر العناب، وعاينا فيه شجر الحناء. وأمام المسجد بيت صغير فيه محراب، يقال: أنه كان مختبأ له، رضي الله عنه، من المشركين الطالبين له.
وعلى مقربة من دار خديجة، رضي الله عنها، المذكورة، وفي الزقاق الذي الدار المكرمة فيه مصطبة فيها متكأ يقصد الناس إليها ويصلون فيها ويتمسحون بأركانها، لأن في موضعها كان موضع قعود النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.


صفحة : 35

ومن الجبال التي فيها أثر كريم ومشهد عظيم الجبل المعروف بأبي ثور، وهو في الجهة اليمنية من مكة على مقدار فرسخ أو ازيد. وفيه الغار الذي آوى إليه النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مع صاحبه الصديق، رضي الله عنه، حسبما ذكر الله تع في كتابه العزيز. وقرأت في كتاب أخبار مكة لأبي الوليد الأزرقي: إن الجبل نادى النبي،صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فقال: إلي يا محمد إلي يا محمد فقد آويت قبلك نبيا. وخص الله، عز وجل، نبيه فيه بآيات فمنها أنه، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، دخل مع صاحبه على شق فيه ثلثا شبر وطوله ذراع، فلما اطمأنا فيه، أمر الله العنكبوت فاتخذت عليه بيتا، والحمام فصنعت عليه عشا وفرخت فيه. فانتهى المشركون إليه بدليل قصاص للأثر مستاف أخلاق الطريق، فوقف لهم على الغار وقال: ههنا انقطع الأثر، فأما صعد بصاحبكم من ههنا السماء أوغيض به في الأرض. ورأوا العنكبوت ناسجة على فم الغار والحمام مفرخة فيه، فقالوا: ما دخل هنا أحد. فأخذوا في الانصراف. فقال الصديق، رضي الله عنه: يا رسول الله لو ولجوا علينا من فم الغار ما كنا نصنع? فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: لو ولجوا علينا منه كنا نخرج من هناك، وأشار بيده المباركة الجانب الآخر من الغار، ولم يكن فيه شق، فانفتح للحين فيه باب، بقدر الله عز وجل، وهو سبحانه قدير على ما يشاء.
وأكثر الناس ينتابون هذا الغار المبارك ويتجنبون دخوله من الباب الذي أحدث الله عز وجل فيه، ويرومون دخوله من الشق الذي دخل النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، منه تبركا به. فيمتد المحاول لذلك على الأرض ويبسط خده بإزاء الشق ويولج يديه ورأسه أولا ثم يعالج ادخال سائر جسده. فمنهم من يتأتى له ذلك بحسب قضافة بدنه، ومنهم من يتوسط بدنه فم الغار فيعضه فيروم الدخول أو الخروج فلا يقدر فينشب ويلاقي مشقة وصعوبة، حتى يتناول بالجذاب العنيف من ورائه.
فالعقلاء من الناس يجتنبونه لهذا السبب، ولا سيما ويتصل به سبب آخر مخجل فاضح، وذلك أن عوام الناس يزعمون أن الذي لا يسع عليه ويمتسك فيه ولا يلجه ليس لرشدة. جرى هذا الخبر على السنتهم حتى عاد عندهم قطعا على صحته لا يشكون. فبحسب المتشب فيه المتعذر ولوجه عليه ما يكسوه هذا الظن الفاضح المخجل، زائدا ما يكابده بدنه من اللز في ذلك المضيق وإشرافه منه على المنية توجعا وانقطاع نفس وبرح ألم. فالبعض من الناس يقولون في مثل: ليس يصعد جبل ألي ثور إلا ثور.
وعلى مقرلبة من هذا الغار في الجبل بعينه عمود منقطع من الجبل، قد قام شبه الذراع المرتفعة بمقدار شبه القامة، وانبسط له في أعلاه شبه الكف، خارجا عن الذراع، كأنه القبة المبسوطة، بقدرة الله عز وجل، يستظل تحتها نحو العشرين رجلا، وتسمى قبة جبريل، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.
ومما يجب أن يثبت ويؤثر، لبركة معاينته وفضل مشاهدته: أن في يوم الجمعة التاسع عشر من جمادى الأولى، وهو التاسع من ستنبر، أنشأ الله بحرية فتشاءمت فانهلت عينا غديقة،كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وذلك أثر صلاة العصر ومع العشي من اليوم المذكور، فجاءت بمطر جود. وتبادر الناس الحجر فوقفوا تحت المزاب المبارك متجردبن عن ثيابهم، يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برؤوسهم وأيديهم وأفواههم مزدحمين عليه ازدحاما عظيما، أحدث ضوضاء عظيمة، كل يحرص على أن ينال جسمه من رحمة اله نصيبا، ودعاؤهم قد علا، ودموع أهل الخشوع منهم تسيل، فلا تسمع إلا ضجيج دعاء، أو نشيج بكاء. والنساء قد وقفن خارج الحجر ينظرن بعيون دوامع، وقلوب خواشع، يتمنين ذلك الموقف لو ظفرن به.
وكان بعض الحجاج المتأجرين المشفقين يبل ثوبه بذلك الماء المبارك ويخرج إليهن ويعصره في أيدي البعض منهن، فيتلقينه شربا ومسحا على الوجوه والأبدان.


صفحة : 36

وتمادت تلك السحابة المباركة قريب المغرب، وتمادى الناس على تلك الحال من الإزدحام على تلقي ماء الميزاب بالأيدي والوجوه والأفواه، وربما رفعوا الأواني ليقع فيها. فكانت عشية عظيمة استشعرت النفوس فيها الفوز بالرحمة ثقة بفضله وكرمه لما اقترن بها من القرائن المباركة، فمنها: أنها كانت عشية الجمعة وفضل اليوم فضله، والدعاء فيها يرجى من اله تع قبوله، لما ورد فيها من الأثر الصحيح، وأبواب السماء تفتح عند نزول المطر. وقد وقف الناس تحت الميزاب، وهو من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء، وطهرت أبدانهم رحمة الله النازلة من سمائه سطح بيته العتيق الذي هو حيال البيت المعمور، وكفى بهذا المجتمع الكريم والمنتظم الشريف، جعلنا الله ممن طهر فيه من أرجاس الذنوب، واختص من رحمة الله تع بذنوب، ورحمته سبحانه واسعة تسع عباده المذنبين، إنه غفور رحيم.
وذكروا أن الإمام أبا حامد الغزالي دعا الله عز وجل بدعوات، وهو في حرمه الكريم، في رغبات رفعها الله جل وتع، فأعطي بعضا ومنع بعضا. وكان مما منع نزول المطر وقت مقامه بمكة، وكان تمنى أن يغتسل به تحت الميزاب ويدعو الله عز وجل عند بيته الكريم في الساعة التي أبواب سمائه فيها مفتوحة فمنع ذلك وأجيب دعاؤه في سائر ما سأله.فله الحمد وله الشكر على ما أنعم به علينا. ولعل عبدا من عباده الصالحين الوافدين على بيته الكريم خصه الله بهذه الكرامة، فدخلنا، جميع المذنبين، في شفاعته، والله ينفعنا بدعاء المخلصين من عباده ولا تجعلنا ممن شقي بدعائه، إنه منعم كبير.

ما خص الله تع به مكة
هذه البلدة المباركة سبقت لها ولأهلها الدعوة الخليلية الإبراهيمية، وذلك أن الله عز وجل يقول حاكيا عن خليله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم:فأجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات، لعلهم يشكرون، وقال عز وجل: أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء . فبرهان ذلك فيها ظاهر متصل يوم القيامة، وذلك أن أفئدة الناس تهوي إليها من الأصقاع النائية والأقطار الشاحطة. فالطريق إليها ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة. والثمرات تجبى إليها من مكان، فهي أكثر البلاد نعما وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر.
ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أو أن الموسم ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب، فيباع فيها في يوم واحد، فضلا عما يتبعه، من الذخائر النفيسة كالجواهر، والياقوت، وسائر الأحجار، ومن أنواع الطيب: كالمسك، والكافور، والعنبر والعود؛ والعقاقير الهندية، غير ذلك من جلب الهند وتالحبشة، الأمتعة العراقية واليمانية، غير ذلك من السلع الخراسانية، والبضائع المغربية، مالا ينحصر ولا ينضبط، ما لو فرق على البلاد كلها لأقام لها الأسواق النافقة ولعم جميعها بالمنفعة التجارية، كل ذلك في ثمانية أيام بعد الموسم، حاشا ما يطرأ بها مع طول الأيام من اليمن وسواها فما على الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة إلا وهي موجودة فيها مدة الموسم. فهذه بركة لا خفاء بها وآية من آياتها التي خصها الله بها.
وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات فكنا نظن أن الأندلس اختصت من ذلك بحظ له المزية على سائر حظوظ البلاد حتى حللنا بهذه البلاد المباركة فألفيناها تغص بالنعم والفواكه: كالتين، والعنب، والرمان، والخيار، جميع البقول كالباذنجان، واليقطين، والسلجم، والجزر، والكرنب، سائرها، غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة. وأكثر هذه البقول كالباذنجان والقثاء والبطيخ لا يكاد ينقطع مع طول العام، وذلك من عجيب ما شاهدناه مما يطول تعداده وذكره. ولكل نوع من هذه الأنواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق يفضل بها نوعها الموجود في سائر البلاد، فالعجب من ذلك يطول.
ومن أعجب ما اختبرناه من فواكهها البطيخ والسفرجل، وكل فواكهها عجب، لكن للبطيخ فيها خاصة من الفضل عجيبة، وذلك لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها، يدخل به الداخل عليك فتجد رائحته العبقة قد سبقت إليك، فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه عن أكلك إياه، حتى إذا ذقته خيل إليك أنه شيب بسكر مذاب أو بجنى النحل اللباب، ولعل متصفح هذه الأحرف يظن أن في الوصف بعض غلو، كلا لعمر الله أنه لأكثر مما وصفت وفوق ما قلت، وبها عسل أطيب من الماذي المضروب به المثل يعرف عندهم بالمسعودي.


صفحة : 37

وأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب، وكل ما يصنع منها من السمن، فإنه لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة. ويجلب إليها قوم من اليمن يعرفون بالسرور نوعا من الزبيب الأسود والأحمر في نهاية الطيب، ويجلبون معه من اللوز كثيرا. وبها قصب السكر أيضا كثير، يجلب من حيث تجلب البقول التي ذكرناها والسكر بها كثير مجلوب وسائر النعم والطكيبات من الرزق، والحمد لله.
وأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر المعقود على صفات شتى، أنهم يصنعون بها حكايات جميع الفواكه الرطبة واليابسة. وف يالأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان، يتصل منها أسمطة بين الصفا والمروة، ولم يشاهد أحد أكمل منظرا منها لا بمصر ولا بسواها، قد صورت منها تصاوير إنسانية وفاكهية وجليت في منصات كأنها العرائس ونضدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة، فتلوح كأنها الأزاهر حسنا، فتقيد الأبصار وتستنزل الدراهم والدينار.
وأما لحوم ضأنها فهناك العجب العجيب، قد وقع القطع من كل من تطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا. وما ذاك، والله أعلم، إلا لبركة مراعيها، هذا على افراط سمنه، ولو كان سواء من لحوم البلاد ينتهي ذلك المنتهى في السمن للفظته الأفواه زهما ولعافته وتجنبته.
والأمر في هذا بالضد، كلما ازداد سمنا زادت النفوس فيه رغبة والنفس له قبولا، فتجده هنيئا رخصا يذوب في الفم قبل أن يلاك مضغا، ويسرع لخفته عن المعدة انهضاما. وما أرى ذلك إلا من الخواص الغريبة، وبركة البلد الأمين قد تكلفت بطيبه لا شك فيه. والخبر عنه يضيق عن الخبر له، والله يجعل فيه رزقا لمن تشوق بلدته الحرام، وتمنى هذه المشاهد العظام، والمناسك الكرام، يعزته وقدرته.
وهذه الفواكه تجلب إليها من الطائف، وهي على مسيرة ثلاثة أيام منها، على الرفق والتؤدة، ومن قرى حولها. وأقرب هذه المواضع يعرف بأدم، هو من مكة على مسيرة يوم أو أزيد قليلا، وهو من بطن الطائف، ويحتوي على قرى كثيرة، ومن بطن مر، وهو على مسيرة يوم أو أقل؛ ومن نخلة، وهي على مثل هذه المسافة؛ ومن أودية بقرب من البلد كعين سليمان وسواها، قد جلب الله إليها من المغاربة ذوي البصارة بالفلاحة والزراعة فأحدثوا فيه بساتين ومزارع، فكانوا أحد الأسباب في خصب هذه الجهات، وذلك بفضل الله، عز وجل، وكريم اعتنائه بحرمه الكريم، وبلده الأمين.
ومن أغرب ما ألفيناه فاستمتعنا بأكله وأجرينا الحديث بإستطابته، ولا سيما لكوننا لم نعهد، الرطب، وهو عندهم بمنزلة التين الأخضر في شجره يجنى ويؤكل، وهو في نهاية من الطيب واللذاذة، لا يسأم التفكه به، وابانه عندهم عظيم، يخرج الناس إليه كخروجهم الضيعة أو كخروج أهل المغرب لقراهم أيام نضج التين والعنب، ثم بعد ذلك عند تناهي نضجه يبسط على الأرض قدر ما يجف قليلا ثم يركم بعضه على بعض في السلاسل والظروف ويرفع.
ومن صنع الله الجميل وفضله العميم علينا أنا وصلنا هذه البدة المكرمة فألفينا كل من بها من الحجاج المجاورين ممن قدم عهده فيها وطال مقامه بها يتحدث على جهة العجب بأمنها من الحرابة المتلصصين فيها على الحاج المختلسين ما بأيديهم والذين كانوا آفة الحرم الشريف، لا يغفل أحد عن متاعه طرفة عين إلا اختلس من يديه أو من وسطه بحيل عجيبة ولطافة غريبة، فما منهم إلا أحذ يد القميص، فكفى الله في هذا العام شرهم إلا القليل، وأظهر أمير البلاد التشديد عليهم فتوقف شرهم، وبطيب هوائها في هذا العام، وفتور حمارة قيظها المعهود فيها، وانكسار حدة سمومها. وكنا نبيت في سطح الموضع الذي كنا نسكنه، فربما يصيبنا من برد هواء الليل ما نحتاج معه دثار يقينا منه. وذلك أمر مستغرب بمكة.


صفحة : 38

وكانوا أيضا يتحدثون بكثرة نعمها في هذا العام، ولين سعرها، وأنها خارقة للعوائد السالفة عندهم. كان سوم الحنطة أربعة اصواع بدينار مؤمني، وهي أو بتان من كيل مصر وجهاتها، والأوبتان قد حان ونصف قدح من الكيل المغربي. وهذا السعر في بدل لاضيعة فيه ولاقوام معيشة لأهله الا بالميرة المجلوبة اليه سعر لاخفاء بيمنه وبركته على كثرة المجاورين فيها في هذا العام وانجلاب الناس اليها وترادفهم عليها. فحدثنا غير واحد من المجاورين الذين لهم بها سنون طائلة أنهم لم يروا هذا الجمع بها قط، ولا سمع بمثله فيها. والله يجعله جمع مرحوما معصوما بمنه.
ومازال الناس فيها يسلسلون أوصاف أحوالها في هذه السنة وتمييزها عما سلف من السنين، حتى لقد زعموا أن ماء زمزم المبارك زاد عذوبة ولم يكن قبل بصادقها.
وهذا الماء المبارك في أمره عجب، وذلك أنك تشربه عند خروجه من قرارته، فتجده في حاسة الذوق كاللبن عند خروجه من الضرع دفيئا، وتلك فيه من الله تع آية وعناية، وبركته أشهر من أن تحتاج لوصف واصف، وهو لما شرب له كما قال، صلى الله عليه وسلم الله وسلم، أروى الله منه كل ظامئ اليه، بعزته وكرمه.
ومن الأمور المجربة في هذا الماء المبارك أن الإنسان ربما وجد مس الإعياء وفتور الأعضاء اما من كثرة الطواف أو من عمرة يعتمرها على قدميه أو من غير ذلك من الأسباب المؤدية تعب البدن، فيصب من ذلك الماء على بدنه فيجد الراحة والنشاط لحينه ويذهب عنه ماكان أصابه.

شهر جمادى الآخرة
استهل هلاله ليلة الأربعاء، وهو الحادي والعشرون من شهر شتنبر العجمي، ونحن بالحرم المقدس، زاده تعظيما وتشريفا. وفي صبيحة الليلة المذكورة وافى الأمير مكثر باتباعه وأشياعه، على العادة السالفة المذكورة في الشهر الاول، وعلى ذلك الرسم بعينه، والزمزمي المغرد بثنائه والدعاء له فوق قبة زمزم، يرفع عقيرته بالدعاء والثناء عند كل شوط يطوفه الأمير، والقراء أمامه، أن فرغ من طوافه، وأخذ في طريق انصرافه.
ولأهل هذه الجهات المشرقية كلها سيرة حسنة، عند مستهل كل شهر من شهور العام يتصافحون وينهئ بعضهم بعضا ويتغافرون ويدعو بعضهم لبعض، كفعلهم في الأعياد، هكذا دائما. وتلك طريقة من الخير واقعة في النفوس، تجدد الإخلاص وتستمد الرحمة من الله، عز وجل، بمصافحة المؤمنين بعضهم بعضا وبركة مايتهادونه من الدعاء. والجماعة رحمة، ودعاؤهم من الله بمكان.

جمال الدين وآثاره السنية?
ولهذه البلدة المباركة حمامان: أحدهما ينسب للفقيه الميانشي، أحد الأشياخ المحلقين بالحرم المكرم، والثاني، وهو الأكبر، ينسب لجمال الدين، وكان هذا الرجل كصفته جمال الدين، له، رحمة الله، بمكة والمدينة، شرفهما الله، من الآثار الكريمة والصنائع الحميدة والمصانع المبنية في ذات الله المشيدة مالم يسبقه أحمد اليه فيما سلف من الزمان ولا أكابر الخلفاء فضلا عن الوزراء.
وكان، رحمه الله، وزير صاحب الموصل، تمادى على هذه المقاصد السنية المشتملة على المنافع العامة للمسلمين في حرم الله تع وحرم رسوله،صلى الله عليه وسلم، أكثر من خمس عشرة سنة، ولم يزل فيها باذلا أموالا لاتحصى في بناء رباع بمكة مسبلة في طرق الخير والبر، مؤيدة، محبسة، واختطاط صهاريج للماء، ووضع جباب في الطرق يستقر فيها ماء المطر، تجديد آثار من البناء في الحرمين الكريمين.
وكان من أشرف أفعاله أن جلب الماء عرفات وقاطع عليه العرب بني شعبة، سكان تلك النواحي المجلوب منها الماء، بوظيفة من المال كبيرة على أن لايقطعوا الماء عن الحاج، فلما توفي الرجل، رحمه الله عليه، عادوا عادتهم الذميمة من قطعه.
ومن مفاخره ومناقبه أيضا أنه جعل مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، تحت سورين عتيقين أنفق فيهما أموالا لاتحصى كثرة. ومن أعجب ما وفقه الله تع اليه أنه جدد أبواب الحرم كلها.


صفحة : 39

وجد باب الكعبة المقدسة وغشاه فضة مذهبة، وهو الذي فيها الآن حسبما تقدم وصفه، وجلل العتبة المباركة بلوح ذهب ابريز، وقد تقدم ذكره أيضا. فأخذ الباب القديم وأمر بأن يصنع له منه تابوت يدفن فيه، فلما حانت وفاته أوصى بأن يوضع في ذلك التابوت المبارك ويحج يه ميتا. فسيق عرفات ووقف به على بعد وكشف عن التابوت، فلما أفاض الناس أفيض به وقضيت له المناسك كلها وطيف به طواف الافاضة، وكان الرجل، رحمه الله، لم يحج في حياته. ثم حمل مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وله فيها من الآثار الكريمة ما قدمنا ذكره، وكاد أشرافها يحملونه على رؤوسهم. وبنيت له روضة بإزاء روضة المصطفى، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وفتح فيها موضع يلاحظ الروضة المقدسة، وأبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله لسابق أفعاله الكريمة، ودفن في تلك الروضة، وأسعده الله بالجوار الكريم، وخصه بالمواراة في تربة التقديس والتعظيم، والله لا يضيع أجر المحسنين، وسنذكر تاريخ وفاته إذا وقفنا عليه من التاريخ الثابت في روضته، إن شاء اله عز وجل، وهو ولي التيسير، لا رب غيره.
ولهذا الرجل، رحمه الله، من الآثار السئية والمفاخر العلية التي لم يسبقه إليها الأكابر الأجواد وسراة الأمجاد فيما سلف من الزمان ما يفوت الإحصاء ويستغرق الثناء ويتصحب طول الأيام من الألسنة الدعاء، وحسبك أنه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة المشرق من العراق الشام الحجاز، حسبما نذكره، واستنبط المياه، وبنى الجباب، واختط المنازل في المفازات، وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وجميع المسافرين، وابتنى بالمدن المتصلة من العراق الشام فنادق عينها لمزول الفقراء أبناء السبيل الذين يضعف أحدهم عن تأدية الأكرية، وأجرى على قومة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم بمعيشتهم، وعين لهم ذلك في وجوه تأبدت لهم، فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها الآن. فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرفاق، وملئت ثناء عليه الآفاق.
وكان مدة حياته بالموصل، على ما اخبرنا به غير واحد من ثقات الحجاج التجار ممن شاهد ذلك، قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الأرجاء يدعو إليها كل يوم الجفلى من الغرباء فيعمهم شبعا وريا، ويرد الصادر والوارد من أبناء السبيل في ظله عيشا هنيئا، لم يزل على ذلك مدة حياته، رحمه الله. فبقيت آثاره مخلدة، وأخباره بألسنة الذكر مجددة، وقضى حميدا سعيدا، والذكر الجميل للسعداء حياة باقية، ومدة من العمر ثانية، والله الكفيل بجزاء المحسنين عباده، فهو أكرم الكرماء، وأكفل الكفلاء.

الأمور المحظورة في الحرام
ومن الأمور المحظورة في هذا الحرم الشريف، زاده الله تعظيما وتكريما أن النفقة فيه ممنوعة، لا يجد من ذوي اليسار إليها سبيلا في تجديد بناء أو إقامة حطيم أو غير ذلك مما يختص بالحرم المبارك. ولو كان الأمر مباحا في ذلك لجعل الراغبون في نفقات البر من أهل الجدة حيطانه عسجدا وترابه عنبرا، لكنهم لا يجدون السبيل ذلك، فمتى ذهب أحد أرباب الدنيا تجديد أثر من آثاره أو إقامة رسم كريم من رسومه أخذ إذن الخليفة في ذلك. فإن كان مما ينقش عليه أويرسم فيه طرز باسم الخليفة ونفوذ أمره بعمله ولم يذكر اسم المتولي لذلك. ولا بد مع ذلك من بذل حظ وافر من النفقة لأمير البلد ربما يوازي قدر المنفوق فيه. فتضاعف المؤونة على صاحبه وحينئذ يصل غرضه من ذلك.
ومن أغرب ما اتفق لأحد دهاة الأعاجم، ذوي الملك والثراء، أنه وصل الحرم الكريم، مدة حد هذا الأمير مكثر، فرأى تنور بئر زمزم وقبتها على صفة لم يرضها. فاجتمع بالأمير، وقال: أريد أن أتأنق في بناء تنور زمزم وطيه وتجديد قبته، وأبلغ في ذلك الغاية الممكنة، وأنفق من صميم مالي، ولك علي في ذلك شرط أبلغ بالتزامه لك الغرض المقصود، وهو أن تجعل ثقة من قبلك يقيد مبلغ النفقة في ذلك، فإذا استوفى البناء التمام، وانتت النفقة منتهاها، وتحصلت محصاة، بذلت لك مثلها جزاء على إباحتك لي ذلك.


صفحة : 40

فاهتز الأمير طمعا، وعلم أن النفقة في ذلك تنتهي آلاف من الدنانير، على الصفة التي وصفها له، فأباح له ذلك، وألزمه مقيدا يحصي قليل الإنفاق وكثيره. وشرع الرجل في بنائه واحتفل واستفرغ الوسع وتأنق وبذل المجهود، فعل من يقصد بفعله ذات الله عز وجل ويقرضه قرضا حسنا. والمقيد يسود طواميره بالتقييد، والأمير يتطلع ما لديه، ويؤمل لقبض تلك النفقات الواسعة بسط يديه، أن فرغ البناء على الصفة التي تقدم ذكرها أولا عند ذكر بئر زمزم وقبته، فلما لم يبق إلا أن يصبح صاحب النفقة بالحساب ويستقضي منه العدد المجتمع فيها، خلا منه المكان، وأصبح في خبر كان، وركب الليل جملا، وأصبح الأمير يقلب كفيه، ويضرب أصدريه، ولم يمكنه أن يحدث في بناء وضع في حرم الله تع حادثا يحيله، أو نقضا يزيله، وفاز الرجل بثوابه، وتكفل الله به في انقلابه وتحسين مآبه: وما انفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وبقي خبر هذا الرجل مع الأمير يتهادى غرابة وعجبا، ويدعو له كل شارب من ذلك الماء المبارك.

?شهر رجب الفرد
استهل هلاله ليلة الخميس الموفي عشرين لشهر أكتوبر بشهادة خلق كثير من الحجاج المجاورين والأشراف أهل مكة، ذكروا أنهم رأوه بطريق العمرة ومن جبل قعيقعان وجبل أبي قبيس، فثبتت شهادتهم بذلك عند الأمير والقاضي، وأما من المسجد الحرام فلم يبصره أحد.
وهذا الشهر المبارك عند أهل مكة موسم من المواسيم المعظمة وهو أكبر أعيادهم، ولم يزالوا على ذلك قديما وحديثا بتوارثه خلف عن سلف متصلا ميراث ذلك الجاهلية لأنهم كانوا يسمونه منصل الأسنة. وهو أحد الأشهر الحرم، وكانوا يحرمون القتال فيه، وهو شهر الله الأصم، كما جاء في الحديث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.

العمرة الرجبية
والعمرة الرجبية عندهم الوقفة العرفية، لأنهم يحتفلون لهها الاحتفال الذي لم يسمع بمثله ويبادر إليها أهل الجهات المتصلة بها، فيجتمع لها خلق عظيم لا يحصيهم إلا الله عز وجل. فمن لم يشاهدها مرأى يستهدي ذكره غرابة وعجبا، شاهدنا من ذلك أمرا يعجز الوصف عنه، والمقصود منه الليلة التي يستهل فيها الهلال مع صبحتها. ويقع الاستعداد لها من قبل ذلك بأيام، فأبصرنا من ذلك ما نصف بعضه على جهة الاختصار. وذلك لأنا عاينا شوارع مكة وأزقتها، من عصر يوم الأربعاء، وهي العشية التي ارتقب فيها الهلال، قد امتلأت هوادج مشدودة على الإبل مكسوة بأنواع كسا الحرير وغيرها من ثياب الكتان الرفيعة بحسب سعة أحوال أربابها ووفرهم، كل يتأنق ويحتفل بقدر استطاعته، فأخذوا في الخروج التنعيم ميقات المعتمرين، فسألت تلك الهوادج في أباطح مكة وشعابها، والإبل قد زينت تحها بأنواع التزيين، واشعرت بغير هدي بقلائد رائقة المنظر من الحرير وغيره، وربما فاضت الأستار التي على الهوادج حتى تسحب أذيالها على الأرض.
ومن أعرب ما شاهدناه من ذلك هودج الشريفة جمانة بنت فليتة عمة الأمير كثر، فإن أذيال سترة كانت تنسحب على الأرض انسحابا؛ وغيره من هوادج حرم الأمير وحرم قواده، غير ذلك من هوادج لم نستطع تقييد عدتها عجزا عن الإحصاء. فكانت تلوح على ظهور الإبل كالباب المضروبة، فيخيل للناظرإليها أنها محلة قد ضربت أبنيتها من كل لون رائق.
ولم يبق ليلة الخميس المذكور بمكة إلا من خرج للعمرة من أهلها ومن المجاورين، وكنا في جملة من خرج ابتغاء بركة الليلة العظيمة، فدنا لا نتخلص مسجد عائشة من الزحام وانسداد ثنيات الطريق بالهوادج، والنيران قد أشعلت بحافتي الطريق كله، والشمع يتقد بين أيدي الإبل التي عليها هوادج من يشار إليه من عقائل نساء مكة.
فلما قضينا العمرة وطفنا وجئنا للسعي بين الصفا والمروة، وقد مضى هدء من الليل، أبصرناه كله سرجا ونيرانا وقد غص بالساعين والساعيات على هوادجهن، فكنا لا نتلخص إلا بين هوادجهن وبين قوائم الإبل لكثرة الزحام واصطكاك الهوادج بعضها على بعض. فعاينا ليلة هي أغرب ليالي الدنيا، فمن لم يعاين ذلك لم يعاين عجبا يحدث به ولا عجبا يذكره مرأى الحشر يوم القيامة لكثرة الخلائق فيه، محرمين، ملبين، داعين علىالله عز وجل ضارعين، والبال امكرمة التي بحافتي الطريق تجيبهم بصداها حتى سكتت المسامع، وسكبت من هول تلك المعاينة المدامع، واذابت القلوب الخواشع.


صفحة : 41

وفي تلك الليلة ملئ المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا. وعند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير أمر بضرب الطبول والدبادب والبوقات إشعارا بأنها ليلة الموسم.
فلما كانت صبيحة ليلة الخميس خرج العمرة في احتفال لم يسمع بمثله انحشد ه أهل مكة على بكرة أبيهم، فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة وحارة حارة شاكين في الأحة فرسانا ورجالة، فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة، يتعجب المعاين لهم لوف ور عددهم، فلو أ،هم من بلاد جمة لكانوا عدبا، فكيف وهم من بلد واحد وهذا أدل الدلائل على بركة البلد. فكانوا يرجون على ترتيب عجيب، فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم يلعبون بالأسلحة عليها، والرجالة يتوائبون ويتثاقفون بالأسلحة في أيديهم حرابا وسيوفا وحجفا وهم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض والتضار بالسيوف والمدافعة بالحجف التي يستجنون بها. وأظهرون من الحذق لثقباف كل أمر مستغرب. وكانوا يرمون بالحراب الهواء ويبادرون اليها لقفا بأيديهم وهي قد تصوبت اسنتها على رؤوسهم وهم في زحام لايمكن فيه المجال، وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهواء فيستلقونها قبضا على قوائمها كأنها لم تفارق أيديهم، أن خرج الأمير يزحف بين قواده، وأبناؤه أمامه، وقد قاربوا من الشباب، والرايات تخفق أمامه، والطبول والدبادب بين يديه، والسكينة تفيض عليه، وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات بالنظارة من جميع المجاورين.
فلما انتهى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع، وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم والرجالة على الصفة المذكورة من التجاول. وقد ركب جملة من اعراب البوادي نجبا صهبا لم ير أجمل منظرا منها، وركابها يسابقون الخيل بها، بين يدي الأمير، رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناء عليه، أن وصل المسجد الحرام، فطاف بالكعبة، والقراء أمامه، والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة، فلما فرغ من الطواف صلى الله عليه وسلم عند الملتزم ثم جاء المقام وصلى الله عليه وسلم خلفه، وقد أخرج له من الكعبة ووضع في قبته الخشبية التي يصلى الله عليه وسلم خلفها. فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح به، ثم أعيدت القبة عليه، وأخذ في الخروج على باب الصفا المسعى. وانجفل بين يديه، فسعى راكبا والقواد مطيفون به، والرجالة الحرابة أمامه، فلما فرغ من السعي استلت السيون أمامه، واحدقت الأشباع به، وتوجه منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفا به، وبقي المسعى يومه ذلك يموج بالساعين والساعيات.
فلما كان اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة، كان طريق العمرة في العمارة قريبا من امسه، راكبين وماشين، رجالا ونساء والماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المبارك، تقبل الله من جميعهم بمنه.
وفي أثناء ذلك يلاقي الرجال بعضهم بعضا فيتصافحون ويتهادون الدعاءوالتفافر بينهم، والنساء كذلك. والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم، له يعبأون وله يحتفلون، وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون، وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم، يقدمون النظر في ذلك والأستعداد له بأشهر.

السر والماثرون
ومن لطيف صنع الله، عز وجل، لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه مجرمه الأمين، أن قبائل من اليمن تعرف بالسرو، وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسرة، كأنها مضافة لسراة الرجال، على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف، فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم، وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها، يستعدون للوصول هذه البلدة المبالاكة قبل حلولها بعشرة أيام، فيجتمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب اللوبياء مادونها، ويجلبون السمن والسعل والزبيب واللوز. فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة. ويصلون في آلاف من العدد رجالا وجمالا موقرة بجميع ماذكر. فيرغدون معايس أهل البلد والمجاورين فيه يتقوتون ويدخرون، وترخص الأسعار، وتعم المرافق. فيعد منها الناس مايكفيهم لعامهم ميرة اخرى. ولولا هذه الميرة لكان أهل مكة في شظف من العيش.


صفحة : 37

وأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب، وكل ما يصنع منها من السمن، فإنه لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة. ويجلب إليها قوم من اليمن يعرفون بالسرور نوعا من الزبيب الأسود والأحمر في نهاية الطيب، ويجلبون معه من اللوز كثيرا. وبها قصب السكر أيضا كثير، يجلب من حيث تجلب البقول التي ذكرناها والسكر بها كثير مجلوب وسائر النعم والطكيبات من الرزق، والحمد لله.
وأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر المعقود على صفات شتى، أنهم يصنعون بها حكايات جميع الفواكه الرطبة واليابسة. وف يالأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان، يتصل منها أسمطة بين الصفا والمروة، ولم يشاهد أحد أكمل منظرا منها لا بمصر ولا بسواها، قد صورت منها تصاوير إنسانية وفاكهية وجليت في منصات كأنها العرائس ونضدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة، فتلوح كأنها الأزاهر حسنا، فتقيد الأبصار وتستنزل الدراهم والدينار.
وأما لحوم ضأنها فهناك العجب العجيب، قد وقع القطع من كل من تطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا. وما ذاك، والله أعلم، إلا لبركة مراعيها، هذا على افراط سمنه، ولو كان سواء من لحوم البلاد ينتهي ذلك المنتهى في السمن للفظته الأفواه زهما ولعافته وتجنبته.
والأمر في هذا بالضد، كلما ازداد سمنا زادت النفوس فيه رغبة والنفس له قبولا، فتجده هنيئا رخصا يذوب في الفم قبل أن يلاك مضغا، ويسرع لخفته عن المعدة انهضاما. وما أرى ذلك إلا من الخواص الغريبة، وبركة البلد الأمين قد تكلفت بطيبه لا شك فيه. والخبر عنه يضيق عن الخبر له، والله يجعل فيه رزقا لمن تشوق بلدته الحرام، وتمنى هذه المشاهد العظام، والمناسك الكرام، يعزته وقدرته.
وهذه الفواكه تجلب إليها من الطائف، وهي على مسيرة ثلاثة أيام منها، على الرفق والتؤدة، ومن قرى حولها. وأقرب هذه المواضع يعرف بأدم، هو من مكة على مسيرة يوم أو أزيد قليلا، وهو من بطن الطائف، ويحتوي على قرى كثيرة، ومن بطن مر، وهو على مسيرة يوم أو أقل؛ ومن نخلة، وهي على مثل هذه المسافة؛ ومن أودية بقرب من البلد كعين سليمان وسواها، قد جلب الله إليها من المغاربة ذوي البصارة بالفلاحة والزراعة فأحدثوا فيه بساتين ومزارع، فكانوا أحد الأسباب في خصب هذه الجهات، وذلك بفضل الله، عز وجل، وكريم اعتنائه بحرمه الكريم، وبلده الأمين.
ومن أغرب ما ألفيناه فاستمتعنا بأكله وأجرينا الحديث بإستطابته، ولا سيما لكوننا لم نعهد، الرطب، وهو عندهم بمنزلة التين الأخضر في شجره يجنى ويؤكل، وهو في نهاية من الطيب واللذاذة، لا يسأم التفكه به، وابانه عندهم عظيم، يخرج الناس إليه كخروجهم الضيعة أو كخروج أهل المغرب لقراهم أيام نضج التين والعنب، ثم بعد ذلك عند تناهي نضجه يبسط على الأرض قدر ما يجف قليلا ثم يركم بعضه على بعض في السلاسل والظروف ويرفع.
ومن صنع الله الجميل وفضله العميم علينا أنا وصلنا هذه البدة المكرمة فألفينا كل من بها من الحجاج المجاورين ممن قدم عهده فيها وطال مقامه بها يتحدث على جهة العجب بأمنها من الحرابة المتلصصين فيها على الحاج المختلسين ما بأيديهم والذين كانوا آفة الحرم الشريف، لا يغفل أحد عن متاعه طرفة عين إلا اختلس من يديه أو من وسطه بحيل عجيبة ولطافة غريبة، فما منهم إلا أحذ يد القميص، فكفى الله في هذا العام شرهم إلا القليل، وأظهر أمير البلاد التشديد عليهم فتوقف شرهم، وبطيب هوائها في هذا العام، وفتور حمارة قيظها المعهود فيها، وانكسار حدة سمومها. وكنا نبيت في سطح الموضع الذي كنا نسكنه، فربما يصيبنا من برد هواء الليل ما نحتاج معه دثار يقينا منه. وذلك أمر مستغرب بمكة.


صفحة : 37

وأنواع اللبن بها في نهاية من الطيب، وكل ما يصنع منها من السمن، فإنه لا تكاد تميزه من العسل طيبا ولذاذة. ويجلب إليها قوم من اليمن يعرفون بالسرور نوعا من الزبيب الأسود والأحمر في نهاية الطيب، ويجلبون معه من اللوز كثيرا. وبها قصب السكر أيضا كثير، يجلب من حيث تجلب البقول التي ذكرناها والسكر بها كثير مجلوب وسائر النعم والطكيبات من الرزق، والحمد لله.
وأما الحلوى فيصنع منها أنواع غريبة من العسل والسكر المعقود على صفات شتى، أنهم يصنعون بها حكايات جميع الفواكه الرطبة واليابسة. وف يالأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان، يتصل منها أسمطة بين الصفا والمروة، ولم يشاهد أحد أكمل منظرا منها لا بمصر ولا بسواها، قد صورت منها تصاوير إنسانية وفاكهية وجليت في منصات كأنها العرائس ونضدت بسائر أنواعها المنضدة الملونة، فتلوح كأنها الأزاهر حسنا، فتقيد الأبصار وتستنزل الدراهم والدينار.
وأما لحوم ضأنها فهناك العجب العجيب، قد وقع القطع من كل من تطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا. وما ذاك، والله أعلم، إلا لبركة مراعيها، هذا على افراط سمنه، ولو كان سواء من لحوم البلاد ينتهي ذلك المنتهى في السمن للفظته الأفواه زهما ولعافته وتجنبته.
والأمر في هذا بالضد، كلما ازداد سمنا زادت النفوس فيه رغبة والنفس له قبولا، فتجده هنيئا رخصا يذوب في الفم قبل أن يلاك مضغا، ويسرع لخفته عن المعدة انهضاما. وما أرى ذلك إلا من الخواص الغريبة، وبركة البلد الأمين قد تكلفت بطيبه لا شك فيه. والخبر عنه يضيق عن الخبر له، والله يجعل فيه رزقا لمن تشوق بلدته الحرام، وتمنى هذه المشاهد العظام، والمناسك الكرام، يعزته وقدرته.
وهذه الفواكه تجلب إليها من الطائف، وهي على مسيرة ثلاثة أيام منها، على الرفق والتؤدة، ومن قرى حولها. وأقرب هذه المواضع يعرف بأدم، هو من مكة على مسيرة يوم أو أزيد قليلا، وهو من بطن الطائف، ويحتوي على قرى كثيرة، ومن بطن مر، وهو على مسيرة يوم أو أقل؛ ومن نخلة، وهي على مثل هذه المسافة؛ ومن أودية بقرب من البلد كعين سليمان وسواها، قد جلب الله إليها من المغاربة ذوي البصارة بالفلاحة والزراعة فأحدثوا فيه بساتين ومزارع، فكانوا أحد الأسباب في خصب هذه الجهات، وذلك بفضل الله، عز وجل، وكريم اعتنائه بحرمه الكريم، وبلده الأمين.
ومن أغرب ما ألفيناه فاستمتعنا بأكله وأجرينا الحديث بإستطابته، ولا سيما لكوننا لم نعهد، الرطب، وهو عندهم بمنزلة التين الأخضر في شجره يجنى ويؤكل، وهو في نهاية من الطيب واللذاذة، لا يسأم التفكه به، وابانه عندهم عظيم، يخرج الناس إليه كخروجهم الضيعة أو كخروج أهل المغرب لقراهم أيام نضج التين والعنب، ثم بعد ذلك عند تناهي نضجه يبسط على الأرض قدر ما يجف قليلا ثم يركم بعضه على بعض في السلاسل والظروف ويرفع.
ومن صنع الله الجميل وفضله العميم علينا أنا وصلنا هذه البدة المكرمة فألفينا كل من بها من الحجاج المجاورين ممن قدم عهده فيها وطال مقامه بها يتحدث على جهة العجب بأمنها من الحرابة المتلصصين فيها على الحاج المختلسين ما بأيديهم والذين كانوا آفة الحرم الشريف، لا يغفل أحد عن متاعه طرفة عين إلا اختلس من يديه أو من وسطه بحيل عجيبة ولطافة غريبة، فما منهم إلا أحذ يد القميص، فكفى الله في هذا العام شرهم إلا القليل، وأظهر أمير البلاد التشديد عليهم فتوقف شرهم، وبطيب هوائها في هذا العام، وفتور حمارة قيظها المعهود فيها، وانكسار حدة سمومها. وكنا نبيت في سطح الموضع الذي كنا نسكنه، فربما يصيبنا من برد هواء الليل ما نحتاج معه دثار يقينا منه. وذلك أمر مستغرب بمكة.


صفحة : 38

وكانوا أيضا يتحدثون بكثرة نعمها في هذا العام، ولين سعرها، وأنها خارقة للعوائد السالفة عندهم. كان سوم الحنطة أربعة اصواع بدينار مؤمني، وهي أو بتان من كيل مصر وجهاتها، والأوبتان قد حان ونصف قدح من الكيل المغربي. وهذا السعر في بدل لاضيعة فيه ولاقوام معيشة لأهله الا بالميرة المجلوبة اليه سعر لاخفاء بيمنه وبركته على كثرة المجاورين فيها في هذا العام وانجلاب الناس اليها وترادفهم عليها. فحدثنا غير واحد من المجاورين الذين لهم بها سنون طائلة أنهم لم يروا هذا الجمع بها قط، ولا سمع بمثله فيها. والله يجعله جمع مرحوما معصوما بمنه.
ومازال الناس فيها يسلسلون أوصاف أحوالها في هذه السنة وتمييزها عما سلف من السنين، حتى لقد زعموا أن ماء زمزم المبارك زاد عذوبة ولم يكن قبل بصادقها.
وهذا الماء المبارك في أمره عجب، وذلك أنك تشربه عند خروجه من قرارته، فتجده في حاسة الذوق كاللبن عند خروجه من الضرع دفيئا، وتلك فيه من الله تع آية وعناية، وبركته أشهر من أن تحتاج لوصف واصف، وهو لما شرب له كما قال، صلى الله عليه وسلم الله وسلم، أروى الله منه كل ظامئ اليه، بعزته وكرمه.
ومن الأمور المجربة في هذا الماء المبارك أن الإنسان ربما وجد مس الإعياء وفتور الأعضاء اما من كثرة الطواف أو من عمرة يعتمرها على قدميه أو من غير ذلك من الأسباب المؤدية تعب البدن، فيصب من ذلك الماء على بدنه فيجد الراحة والنشاط لحينه ويذهب عنه ماكان أصابه.

شهر جمادى الآخرة
استهل هلاله ليلة الأربعاء، وهو الحادي والعشرون من شهر شتنبر العجمي، ونحن بالحرم المقدس، زاده تعظيما وتشريفا. وفي صبيحة الليلة المذكورة وافى الأمير مكثر باتباعه وأشياعه، على العادة السالفة المذكورة في الشهر الاول، وعلى ذلك الرسم بعينه، والزمزمي المغرد بثنائه والدعاء له فوق قبة زمزم، يرفع عقيرته بالدعاء والثناء عند كل شوط يطوفه الأمير، والقراء أمامه، أن فرغ من طوافه، وأخذ في طريق انصرافه.
ولأهل هذه الجهات المشرقية كلها سيرة حسنة، عند مستهل كل شهر من شهور العام يتصافحون وينهئ بعضهم بعضا ويتغافرون ويدعو بعضهم لبعض، كفعلهم في الأعياد، هكذا دائما. وتلك طريقة من الخير واقعة في النفوس، تجدد الإخلاص وتستمد الرحمة من الله، عز وجل، بمصافحة المؤمنين بعضهم بعضا وبركة مايتهادونه من الدعاء. والجماعة رحمة، ودعاؤهم من الله بمكان.

جمال الدين وآثاره السنية?
ولهذه البلدة المباركة حمامان: أحدهما ينسب للفقيه الميانشي، أحد الأشياخ المحلقين بالحرم المكرم، والثاني، وهو الأكبر، ينسب لجمال الدين، وكان هذا الرجل كصفته جمال الدين، له، رحمة الله، بمكة والمدينة، شرفهما الله، من الآثار الكريمة والصنائع الحميدة والمصانع المبنية في ذات الله المشيدة مالم يسبقه أحمد اليه فيما سلف من الزمان ولا أكابر الخلفاء فضلا عن الوزراء.
وكان، رحمه الله، وزير صاحب الموصل، تمادى على هذه المقاصد السنية المشتملة على المنافع العامة للمسلمين في حرم الله تع وحرم رسوله،صلى الله عليه وسلم، أكثر من خمس عشرة سنة، ولم يزل فيها باذلا أموالا لاتحصى في بناء رباع بمكة مسبلة في طرق الخير والبر، مؤيدة، محبسة، واختطاط صهاريج للماء، ووضع جباب في الطرق يستقر فيها ماء المطر، تجديد آثار من البناء في الحرمين الكريمين.
وكان من أشرف أفعاله أن جلب الماء عرفات وقاطع عليه العرب بني شعبة، سكان تلك النواحي المجلوب منها الماء، بوظيفة من المال كبيرة على أن لايقطعوا الماء عن الحاج، فلما توفي الرجل، رحمه الله عليه، عادوا عادتهم الذميمة من قطعه.
ومن مفاخره ومناقبه أيضا أنه جعل مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، تحت سورين عتيقين أنفق فيهما أموالا لاتحصى كثرة. ومن أعجب ما وفقه الله تع اليه أنه جدد أبواب الحرم كلها.


صفحة : 39

وجد باب الكعبة المقدسة وغشاه فضة مذهبة، وهو الذي فيها الآن حسبما تقدم وصفه، وجلل العتبة المباركة بلوح ذهب ابريز، وقد تقدم ذكره أيضا. فأخذ الباب القديم وأمر بأن يصنع له منه تابوت يدفن فيه، فلما حانت وفاته أوصى بأن يوضع في ذلك التابوت المبارك ويحج يه ميتا. فسيق عرفات ووقف به على بعد وكشف عن التابوت، فلما أفاض الناس أفيض به وقضيت له المناسك كلها وطيف به طواف الافاضة، وكان الرجل، رحمه الله، لم يحج في حياته. ثم حمل مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وله فيها من الآثار الكريمة ما قدمنا ذكره، وكاد أشرافها يحملونه على رؤوسهم. وبنيت له روضة بإزاء روضة المصطفى، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وفتح فيها موضع يلاحظ الروضة المقدسة، وأبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله لسابق أفعاله الكريمة، ودفن في تلك الروضة، وأسعده الله بالجوار الكريم، وخصه بالمواراة في تربة التقديس والتعظيم، والله لا يضيع أجر المحسنين، وسنذكر تاريخ وفاته إذا وقفنا عليه من التاريخ الثابت في روضته، إن شاء اله عز وجل، وهو ولي التيسير، لا رب غيره.
ولهذا الرجل، رحمه الله، من الآثار السئية والمفاخر العلية التي لم يسبقه إليها الأكابر الأجواد وسراة الأمجاد فيما سلف من الزمان ما يفوت الإحصاء ويستغرق الثناء ويتصحب طول الأيام من الألسنة الدعاء، وحسبك أنه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طرق المسلمين بجهة المشرق من العراق الشام الحجاز، حسبما نذكره، واستنبط المياه، وبنى الجباب، واختط المنازل في المفازات، وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وجميع المسافرين، وابتنى بالمدن المتصلة من العراق الشام فنادق عينها لمزول الفقراء أبناء السبيل الذين يضعف أحدهم عن تأدية الأكرية، وأجرى على قومة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم بمعيشتهم، وعين لهم ذلك في وجوه تأبدت لهم، فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها الآن. فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرفاق، وملئت ثناء عليه الآفاق.
وكان مدة حياته بالموصل، على ما اخبرنا به غير واحد من ثقات الحجاج التجار ممن شاهد ذلك، قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء فسيحة الأرجاء يدعو إليها كل يوم الجفلى من الغرباء فيعمهم شبعا وريا، ويرد الصادر والوارد من أبناء السبيل في ظله عيشا هنيئا، لم يزل على ذلك مدة حياته، رحمه الله. فبقيت آثاره مخلدة، وأخباره بألسنة الذكر مجددة، وقضى حميدا سعيدا، والذكر الجميل للسعداء حياة باقية، ومدة من العمر ثانية، والله الكفيل بجزاء المحسنين عباده، فهو أكرم الكرماء، وأكفل الكفلاء.

الأمور المحظورة في الحرام
ومن الأمور المحظورة في هذا الحرم الشريف، زاده الله تعظيما وتكريما أن النفقة فيه ممنوعة، لا يجد من ذوي اليسار إليها سبيلا في تجديد بناء أو إقامة حطيم أو غير ذلك مما يختص بالحرم المبارك. ولو كان الأمر مباحا في ذلك لجعل الراغبون في نفقات البر من أهل الجدة حيطانه عسجدا وترابه عنبرا، لكنهم لا يجدون السبيل ذلك، فمتى ذهب أحد أرباب الدنيا تجديد أثر من آثاره أو إقامة رسم كريم من رسومه أخذ إذن الخليفة في ذلك. فإن كان مما ينقش عليه أويرسم فيه طرز باسم الخليفة ونفوذ أمره بعمله ولم يذكر اسم المتولي لذلك. ولا بد مع ذلك من بذل حظ وافر من النفقة لأمير البلد ربما يوازي قدر المنفوق فيه. فتضاعف المؤونة على صاحبه وحينئذ يصل غرضه من ذلك.
ومن أغرب ما اتفق لأحد دهاة الأعاجم، ذوي الملك والثراء، أنه وصل الحرم الكريم، مدة حد هذا الأمير مكثر، فرأى تنور بئر زمزم وقبتها على صفة لم يرضها. فاجتمع بالأمير، وقال: أريد أن أتأنق في بناء تنور زمزم وطيه وتجديد قبته، وأبلغ في ذلك الغاية الممكنة، وأنفق من صميم مالي، ولك علي في ذلك شرط أبلغ بالتزامه لك الغرض المقصود، وهو أن تجعل ثقة من قبلك يقيد مبلغ النفقة في ذلك، فإذا استوفى البناء التمام، وانتت النفقة منتهاها، وتحصلت محصاة، بذلت لك مثلها جزاء على إباحتك لي ذلك.


صفحة : 40

فاهتز الأمير طمعا، وعلم أن النفقة في ذلك تنتهي آلاف من الدنانير، على الصفة التي وصفها له، فأباح له ذلك، وألزمه مقيدا يحصي قليل الإنفاق وكثيره. وشرع الرجل في بنائه واحتفل واستفرغ الوسع وتأنق وبذل المجهود، فعل من يقصد بفعله ذات الله عز وجل ويقرضه قرضا حسنا. والمقيد يسود طواميره بالتقييد، والأمير يتطلع ما لديه، ويؤمل لقبض تلك النفقات الواسعة بسط يديه، أن فرغ البناء على الصفة التي تقدم ذكرها أولا عند ذكر بئر زمزم وقبته، فلما لم يبق إلا أن يصبح صاحب النفقة بالحساب ويستقضي منه العدد المجتمع فيها، خلا منه المكان، وأصبح في خبر كان، وركب الليل جملا، وأصبح الأمير يقلب كفيه، ويضرب أصدريه، ولم يمكنه أن يحدث في بناء وضع في حرم الله تع حادثا يحيله، أو نقضا يزيله، وفاز الرجل بثوابه، وتكفل الله به في انقلابه وتحسين مآبه: وما انفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وبقي خبر هذا الرجل مع الأمير يتهادى غرابة وعجبا، ويدعو له كل شارب من ذلك الماء المبارك.

?شهر رجب الفرد
استهل هلاله ليلة الخميس الموفي عشرين لشهر أكتوبر بشهادة خلق كثير من الحجاج المجاورين والأشراف أهل مكة، ذكروا أنهم رأوه بطريق العمرة ومن جبل قعيقعان وجبل أبي قبيس، فثبتت شهادتهم بذلك عند الأمير والقاضي، وأما من المسجد الحرام فلم يبصره أحد.
وهذا الشهر المبارك عند أهل مكة موسم من المواسيم المعظمة وهو أكبر أعيادهم، ولم يزالوا على ذلك قديما وحديثا بتوارثه خلف عن سلف متصلا ميراث ذلك الجاهلية لأنهم كانوا يسمونه منصل الأسنة. وهو أحد الأشهر الحرم، وكانوا يحرمون القتال فيه، وهو شهر الله الأصم، كما جاء في الحديث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.

العمرة الرجبية
والعمرة الرجبية عندهم الوقفة العرفية، لأنهم يحتفلون لهها الاحتفال الذي لم يسمع بمثله ويبادر إليها أهل الجهات المتصلة بها، فيجتمع لها خلق عظيم لا يحصيهم إلا الله عز وجل. فمن لم يشاهدها مرأى يستهدي ذكره غرابة وعجبا، شاهدنا من ذلك أمرا يعجز الوصف عنه، والمقصود منه الليلة التي يستهل فيها الهلال مع صبحتها. ويقع الاستعداد لها من قبل ذلك بأيام، فأبصرنا من ذلك ما نصف بعضه على جهة الاختصار. وذلك لأنا عاينا شوارع مكة وأزقتها، من عصر يوم الأربعاء، وهي العشية التي ارتقب فيها الهلال، قد امتلأت هوادج مشدودة على الإبل مكسوة بأنواع كسا الحرير وغيرها من ثياب الكتان الرفيعة بحسب سعة أحوال أربابها ووفرهم، كل يتأنق ويحتفل بقدر استطاعته، فأخذوا في الخروج التنعيم ميقات المعتمرين، فسألت تلك الهوادج في أباطح مكة وشعابها، والإبل قد زينت تحها بأنواع التزيين، واشعرت بغير هدي بقلائد رائقة المنظر من الحرير وغيره، وربما فاضت الأستار التي على الهوادج حتى تسحب أذيالها على الأرض.
ومن أعرب ما شاهدناه من ذلك هودج الشريفة جمانة بنت فليتة عمة الأمير كثر، فإن أذيال سترة كانت تنسحب على الأرض انسحابا؛ وغيره من هوادج حرم الأمير وحرم قواده، غير ذلك من هوادج لم نستطع تقييد عدتها عجزا عن الإحصاء. فكانت تلوح على ظهور الإبل كالباب المضروبة، فيخيل للناظرإليها أنها محلة قد ضربت أبنيتها من كل لون رائق.
ولم يبق ليلة الخميس المذكور بمكة إلا من خرج للعمرة من أهلها ومن المجاورين، وكنا في جملة من خرج ابتغاء بركة الليلة العظيمة، فدنا لا نتخلص مسجد عائشة من الزحام وانسداد ثنيات الطريق بالهوادج، والنيران قد أشعلت بحافتي الطريق كله، والشمع يتقد بين أيدي الإبل التي عليها هوادج من يشار إليه من عقائل نساء مكة.
فلما قضينا العمرة وطفنا وجئنا للسعي بين الصفا والمروة، وقد مضى هدء من الليل، أبصرناه كله سرجا ونيرانا وقد غص بالساعين والساعيات على هوادجهن، فكنا لا نتلخص إلا بين هوادجهن وبين قوائم الإبل لكثرة الزحام واصطكاك الهوادج بعضها على بعض. فعاينا ليلة هي أغرب ليالي الدنيا، فمن لم يعاين ذلك لم يعاين عجبا يحدث به ولا عجبا يذكره مرأى الحشر يوم القيامة لكثرة الخلائق فيه، محرمين، ملبين، داعين علىالله عز وجل ضارعين، والبال امكرمة التي بحافتي الطريق تجيبهم بصداها حتى سكتت المسامع، وسكبت من هول تلك المعاينة المدامع، واذابت القلوب الخواشع.


صفحة : 41

وفي تلك الليلة ملئ المسجد الحرام كله سرجا فتلألأ نورا. وعند ثبوت رؤية الهلال عند الأمير أمر بضرب الطبول والدبادب والبوقات إشعارا بأنها ليلة الموسم.
فلما كانت صبيحة ليلة الخميس خرج العمرة في احتفال لم يسمع بمثله انحشد ه أهل مكة على بكرة أبيهم، فخرجوا على مراتبهم قبيلة قبيلة وحارة حارة شاكين في الأحة فرسانا ورجالة، فاجتمع منهم عدد لا يحصى كثرة، يتعجب المعاين لهم لوف ور عددهم، فلو أ،هم من بلاد جمة لكانوا عدبا، فكيف وهم من بلد واحد وهذا أدل الدلائل على بركة البلد. فكانوا يرجون على ترتيب عجيب، فالفرسان منهم يخرجون بخيلهم يلعبون بالأسلحة عليها، والرجالة يتوائبون ويتثاقفون بالأسلحة في أيديهم حرابا وسيوفا وحجفا وهم يظهرون التطاعن بعضهم لبعض والتضار بالسيوف والمدافعة بالحجف التي يستجنون بها. وأظهرون من الحذق لثقباف كل أمر مستغرب. وكانوا يرمون بالحراب الهواء ويبادرون اليها لقفا بأيديهم وهي قد تصوبت اسنتها على رؤوسهم وهم في زحام لايمكن فيه المجال، وربما رمى بعضهم بالسيوف في الهواء فيستلقونها قبضا على قوائمها كأنها لم تفارق أيديهم، أن خرج الأمير يزحف بين قواده، وأبناؤه أمامه، وقد قاربوا من الشباب، والرايات تخفق أمامه، والطبول والدبادب بين يديه، والسكينة تفيض عليه، وقد امتلأت الجبال والطرق والثنيات بالنظارة من جميع المجاورين.
فلما انتهى الميقات وقضى غرضه أخذ في الرجوع، وقد ترتب العسكران بين يديه على لعبهم ومرحهم والرجالة على الصفة المذكورة من التجاول. وقد ركب جملة من اعراب البوادي نجبا صهبا لم ير أجمل منظرا منها، وركابها يسابقون الخيل بها، بين يدي الأمير، رافعين أصواتهم بالدعاء له والثناء عليه، أن وصل المسجد الحرام، فطاف بالكعبة، والقراء أمامه، والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة، فلما فرغ من الطواف صلى الله عليه وسلم عند الملتزم ثم جاء المقام وصلى الله عليه وسلم خلفه، وقد أخرج له من الكعبة ووضع في قبته الخشبية التي يصلى الله عليه وسلم خلفها. فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام فاستلمه وتمسح به، ثم أعيدت القبة عليه، وأخذ في الخروج على باب الصفا المسعى. وانجفل بين يديه، فسعى راكبا والقواد مطيفون به، والرجالة الحرابة أمامه، فلما فرغ من السعي استلت السيون أمامه، واحدقت الأشباع به، وتوجه منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفا به، وبقي المسعى يومه ذلك يموج بالساعين والساعيات.
فلما كان اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة، كان طريق العمرة في العمارة قريبا من امسه، راكبين وماشين، رجالا ونساء والماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المبارك، تقبل الله من جميعهم بمنه.
وفي أثناء ذلك يلاقي الرجال بعضهم بعضا فيتصافحون ويتهادون الدعاءوالتفافر بينهم، والنساء كذلك. والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم، له يعبأون وله يحتفلون، وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون، وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم، يقدمون النظر في ذلك والأستعداد له بأشهر.

السر والماثرون
ومن لطيف صنع الله، عز وجل، لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه مجرمه الأمين، أن قبائل من اليمن تعرف بالسرو، وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسرة، كأنها مضافة لسراة الرجال، على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف، فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم، وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها، يستعدون للوصول هذه البلدة المبالاكة قبل حلولها بعشرة أيام، فيجتمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب اللوبياء مادونها، ويجلبون السمن والسعل والزبيب واللوز. فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة. ويصلون في آلاف من العدد رجالا وجمالا موقرة بجميع ماذكر. فيرغدون معايس أهل البلد والمجاورين فيه يتقوتون ويدخرون، وترخص الأسعار، وتعم المرافق. فيعد منها الناس مايكفيهم لعامهم ميرة اخرى. ولولا هذه الميرة لكان أهل مكة في شظف من العيش.


صفحة : 42

ومن العجب في أمر هؤلاء المائرين أنهم لايبيعون من جميع ماذكرناه بدينار ولا بدرهم، إنما يبيونه بالخرق والعباءات والشمل، فأهل مكة يعدون لهم من ذلك مع الأقنعة والملاحف المتان وما أشبه ذلك مما يلبسه الأعراق ويبايعونهم به ويشارونهم. ويذكر أنهم متى اقاموا عن هذه الميرة ببلادهم تجب ويقع الموتان في مواشيهم وانعامهم، وبوصولهم بها تخصب بلادهم وتقع البركة أموالهم فمتى في قرب الوقت ووقعت منهم بعض غفلة في التأهب للخروج اجتمع نساؤهم فأخرجنهم. وكل هذا لطف من الله تع لحرمه البلد الأمين.
وبلادهم على ماذكر لنا خصيبة متسعة كثير التين والعنب واسعة المحرث وافرة الغلات، وقد اعتقدوا اعتقادا صحيحا أن البركة كلها في هذه الميرة التي يجلبونها، فهم من ذلك في تجارة رابحة مع الله عز وجل.
والقوم عرب صرحاء فصحاء جفاة أصحاء، لم تغذهم الرقة الحضرية ولا هذبتهم السير المدنية ولاسددت مقاصدهم السنن الشرعية، فلا تجد لديهم من أعمال العبادات سوى صدق النية، فهم اذا طافوا بالكعبة المقدسة يتطارحون عليها تطارح البنين على الام المشفقة لائذين بجوارها متعلقين بأستارها فحيثما علقت أأيديهم منها تمزق لشدة اجتذابهم لها وانكبابهم عليها، وفي اثناء ذلك تصدع لسنتهم بأدعية تتصدع لها القلوب وتتفجر لها الأعين والجوامد فتصوب. فترى الناس حولهم باسطي ايديهم مؤمنين على أدعيتهم متلقنين لها من السنتهم، على أنهم طول مقامهم لايتمكن منهم طواف ولا يوجد سبيل استلام الحجر.
واذا فتح الباب الكريم فهم الداخلون بسلام، فتراهم في محاولة دخولهم يتسللون كأنهم بعض ببعض مرتبطون، يتصل منهم على هذه الصفة الثلاثون والأربعون أزيد من ذلك، والسلاسل منهم يتبع بعضهم بعضا، وربما انفصمت بواحد منهم، يميل عن المطلع المبالاك البيت الكريم. فيقع الكل لوقوعه، فيشاهد الناظر لذلك مرأى يؤدي الضحك.
وأما صلاتهم فلم يذكر في مضحكات الأعراب أظرف منها، وذلك أنهم يستبلون البيت الكريم فيسجدون دون ركوع وينقرون بالسجود نقرا، ومنهم من يسجد السجدة الواحدة ومنهم من يسجد الثنتين والثلاث والابع ثم يرفعون رؤوسهم من الأرض قليلا وأيدهم مبسوطة عليها، ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع ثم يسلمون أو يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد، وربما تكلموا في أثناء ذلك، وربما رفع أحدهم رأسه من سجوده صاحبه وصاح به ووصاه بما شاء ثم عاد سجوده، غير ذلك من أحوالهم الغريبة.
ولا ملبس لهم سوى أزر وسخة أو جلود يستترون بها. وهم مع ذلك أهل بأس ونجدة، لهم القسي العربية الكبار كأنها في القطانين لاتفارقهم في أسفارهم، فمتى رحلوا الزيارة هاب أعراب الطريق الممسكون للحاج مقدمهم وتجنبوا اعتراضهم وخلوا لهم عن الطريق. ويصحبهم الحجاج الزائرون فيحمدون صحبتهم. وعلى ماوصفنا من أحوالهم فهم أهل اعتقاد للإيمان صحيح، وذكر أن النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ذكرهم واثنى عليهم خيرا، وقال: علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء. وكفى بأن دخلوا في عموم قوله، صلى الله عليه وسلم، : الإيمان يمان غير ذلك من الأحاديث الواردة في اليمن واهله.وذكر أن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، كان يحترم وقت طوافهم ويتحرى الدخول في جملتهم تبركا بأدعيتهم. فشأنهم عجيب كله.
وشاهدنا منهم صبيا في الحجر قد جلس احد الحجاج يعلمه فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص. فكان يقول له: قل هو الله أحد فيقول الصبي: هو الله أحد فيعيد عليه المعلم، فيقول له: ألم تأمرني بأن أقول: هو الله أحد? قد قلت. فكابد في تلقينه مشقة، وبعد لأي ماعلقت بلسانه. وكان يقول له: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، فيقول الصبي: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله. فيعيد عليه المعلم، ويقول له: لاتقل: والحمد لله انما قل: الحمد لله فيقول الصبي: اذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم، أقول: والحمد لله، للاتصال، واذا لم أقل بسم الله، وبدأبت قلت: الحمد لله، فعجبنا من أمره ومن معرفته طبعا بصلة الكلام وفصله دون تعلم.
وأما فصاحتهم فبديعة جدا، ودعاؤهم كثير التخشيع للنفوس، والله يصلح أحوالهم وأحوال جميع عباده بمنه.

عودة العمرة


صفحة : 43

والعمرة في هذا الشهر كله متصلة ليلا ونهارا، رجالا ونساء، لكن المجتمع كله انما كان في الليلة الاولى، وهي ليلة الموسم عندهم. والبيت الكريم يفتح كل يوم من هذا الشهر المبارك. فاذا كان يوم التاسع والعشرون منه افرد للنساء خاصة، فيظهر للنساء بمكة في ذلك اليوم احتفال عظيم، فهو عندهم يوم زينتهم المشهور المستعد له.
وفي يوم الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور شاهدنا من الاحتفال للعمرة قريبا من المشهد الأول المذكور في أوله، فكان لايبقى أحد من الرجال والنساء الاخرج لها. وبالجملة فالشهر المبارك كله معمور بأنواع العبادات من العمرة وسواها، ويختص أوله ونصفه من ذلك بخط متميز، وكذلك السابع والعشرون منه.
وفي عشي يوم الخميس المذكور كنا جلوسا بالحجر المكرم فما راعنا الا الامير مكثر طالعا محرما قد وصل من ميقات العمرة تبركا بذلك اليوم وجريا فيه على الرسم وابناؤه وراءه محرمين وقد حف به بعض خاصته. وبادر المؤذن الزمزمي للحين سطح قبة زمزم داعيا على عامته ومتناوبا في ذلك مع أخيه صغيره. وحانت صلاة العشاء مع فراغ الأمير من طوافه فصلى الله عليه وسلم خلف الامام الشافعي وخرج المسعى المبارك.
وفي يوم الجمعة السادس عشر منه خرجت قافلة كبيرة من الحاج في نحو اربع مئة جمل مع الشريف الداودي زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. وفي جمادى الثانية قبله كانت ايضا زيارة اخرى لبعض الحجاج في قافلة اصغر من هذه المذكورة. وبقيت الزيارة الشوالية والتي مع الحاج العراقي اثر الوقفة، إن شاء الله عز وجل. وفي التاسع عشر من شعبان كان انصراف هذه القافلة الكبيرة في كنف السلامة، والحمد لله.

عمرة الأكمة
وفي ليلة الثلاثاء السابع والعشرين منه. اعني من رجب، ظهر لاهل مكة أيضا احتفال عظيم في الخروج العمرة لم يقصر عن الاحتفال الأول، فانجفل الجميع اليها، تلك الليلة، رجالا ونساء على الصفات والهيئات المتقدمة الذكر تبركا بفضل هذه الليلة لأنها من الليالي الشهيرة الفضل. فكانت مع صبيحتها عجبا في الاحتفال وحسن المنظر، جعل الله ذلك كله خالصا لوجهة الكريم. وهذه العمرة يسمونها عمرة الأكمة، لأنهم يحرمون فيها من اكمة إمام مسجد عائشة، رضي الله عنها، بمقدار غلوة، وهي على مقربة من المسجد المنسوب لعلي، عليه السلام.
والأصل في هذه العمرة الاكمية عندهم أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، لما فرغ من بناء الكعبة المقدسة خرج ماشيا حافيا معتمرا واهل مكة معه فانتهى تلك الأكمة فأحرم منها، وكان ذلك في اليوم السابع والعشرين من رجب وجعل طريقه على ثنية الحجون المفضية المعلى التي كان دخول المسلمين يوم فتح لمكة منها، وحسبما تقدم ذكره. فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة في ذلك اليوم بعينه وعلى تلك الأكمة بعينها.
وكان يوم عبد الله، رضي الله عنه، مذكورا مشهورا، لأنه أهدى فيه كذا وكذا بدنة، عددا لم تتحصل صحته، فكنت أثبته، لكنه بالجملة كثير.
ولم يبق من أشراف مكة وذوي الاستطاعة فيها الا من اهدى، وأقام أهلها أياما يطمعون ويطعمون ويتنعمون شكرا لله، عز وجل، على ماوهبهم من المعونة والتيسير في بناء بيته الحرام على الصفة التي كان عليها مدة الخليل ابراهيم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فنقضها الحجاج، لعنه الله وأعادها على ما كانت عليه مدة قريش، لأنهم كانوا اقتصروا في بنائه عن قواعد ابراهيم، صلى الله عليه وسلم، وابقى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ذلك على حالة لحدثان عهدهم بالكفر، حسبما ثبت في رواية عائشة، رضى الله عنها، في موطإ مالك بن أنس، رضي الله عنه.

يوم طواف النساء


صفحة : 44

وفي اليوم التاسع والعشرين منه، وهو يوم الخميس، أفرد البيت للناس خاصة، فاجتمعن من كل أوب. وقد تقدم احتفالن لذلك بأيام كاحتفالهن للمشاهد الكريمة، ولم تبق إمرأة بمكة إلا حضرت المسجد الحرام ذلك اليوم. فلما وصل الشيبيون لفتح البيت الكريم، على العادة، وأسرعوا في الخروج منه وافرجوا للنساء عنه. وأفرج الناس لهن عن الطواف وعن الحجر ولم يبق حول البيت المبارك أحد من الرجال تبادر النساء الصعود، حتى كاد الشيبيون لا يخلصون بينهن عند هبوطهم من البيت الكريم، وتسلسل النساء بعضهن ببعض وتشابكن حتى تواقعن، فمن صائحة ومعولة ومكبرة ومهللة، وظهر من تزاحمهن ماظهر من السرو اليمنيين مدة مقامهم بمكة وصعودهم يوم فتح بيت المقدس، وأشبهت الحال الحال، وتمادين على ذلك صدرا من النهار، وانفسحن في الطواف والحجر، وتشفين من تقبيل الحجر واستلام الأركان. وكان ذلك اليوم عندهن الأكبر، ويومهن الأزهر الأشهر، نفعهن الله به وجعله خالصا لكريم وجهه. وبالجملة فهن مع الرجال مسكينات مفبونات يرين البيت الكريم ولا يلجنه ويلحظن الحجر المبارك ولا يستلمنه. فحظهن من ذلك كله النظر والأسف المستطير المستشعر. فليس لهن سوى الطواف على البعد، وهذا اليوم الذي هو من عام عام فهن يرتقبنه ارتقاب أشراف الأعياد ويكثرن له من التأهب والاستعداد، والله ينفعهن في ذلك، بحسن النية والاعتقاد، بمنه وكرمه.

غسيل البيت بماء زمزم
وفي اليوم الثاني منه بكر الشيبيون غسله بماء زمزم المبارك بسبب أن كثيرا من النساء أدخلن أبناءهن الصغار والرضع معهن، فيتحرى غسله تكريما وتنزيها وازالة لما يحيك في النفوس من هواجس الظنون فيمن ليست له ملكة عقلية تمنعه من أن تصدر عنه حادثة نجس في ذلك الموطن الكريم والمحل المخصوص بالتقديس، والتعظيم، فعند انسياب الماء عنه كان كثير من الرجال والنساء يبادرون اليه تبركا بغسل أوجههم وأيديهم فيه، وربما جمعوا منه في أوان قد اعدوها لذلك ولم يراعوا العلة التي غسل لها. وكان منهم من توقف عن ذلك، وربما لخظ الحال لحظة من لايستجيزها ولا يصوب العقل في ذلك. وما ظنك بماء زمزم المبارك قد صب داخل بيت الله الحرام وماج في جنبات أركانه الكرام ثم انصب ابازاء الملتزم والركن الأسود المستلم، أليس جديرا بأن تتلقاه الافواه فضلا عن الأيدي، وتغمس فيه الوجوه فضلا عن الأقدام? وحاشا لله أن تعرض في ذلك علة تمنع منه وشبهة من شبهات الظنون تدفع عنه، والنيات عند الله تع مقبولة، والمثابرة على تعظيم حرماته برضاه موصولة، وهو المجازي على الضمائر وخفيات السرائر، لا اله سواه.

شهر شبعبان المكرم
استهل هلاله ليلة السبت التاسع عشر لشهر نونبر. وفي صبيحته بكر الأمير مكثر الطواف على العادة في ذلك رأس كل شهر مع أخيه وبنيه ومن جرى الرسم بأستصحابه من القواد والأشياع والأتباع، وعلى الأسلوب المتقدم الذكر، والزمزمي يصرخ في مرقبته على عادته متناوبا مع أخيه صغيره.
وفي سحر يوم الخميس الثالث عشر منه، وهو أول يوم من دجنبر، بعد طلوع الفجر، كسف القمر، وبدأ الكسوف والناس في صلاة الصبح في الحرم الشريف، وغاب مكسوفا، وانتهى الكسوف ثلثه، والله يعرفنا حقيقة ألاعتبار بآياته.

زيادة ماء زمزم
وفي يوم الجمعة الثاني من ذلك اليوم أصبح بالحرم أمر عجيب وذلك أنه لم يبق بمكة صبي الا وصبحه واجتمعوا كلهم في قبة زمزم، وينادون بلسان واحد: هللوا وكبروا ياعباد الله، فيهلل الناس ويكبرون. وربما دخل معهم من عرض العامة من ينادي معهم بندائهم. والناس والنساء يزدحمون على قبة البئر المباركة لأنهم يزعمون، بل يقطعون قطعا جهليا لاقطعا عقليا، أن ماء زمزم يفيض ليلة النصف من شعبان.


صفحة : 45

وكانوا على ظن من هلال الشهر، لأنه قيل: أنه رؤس ليلة الجمعة في جهة اليمن. فبكر الناس القبة، وكان فيها من الازدحام مالم يعهد مثله، ومقصد التنور يستقون ويفيضون على رؤوس الناس الماء بالدلاء قذفا، فمنهم من يصيبه في وجهه ومنهم من يصيبه في رأسه غير ذلك. وربما تمادى لشدة نفوذه من أيديهم، والناس مع ذلك يستزيدون ويبكون، والنساء من جهة اخرى يساجلنهم بالبكاء ويطارحنهم بالدعاء، والصبيان يضجون بالتهليل والتكبير، فكان مرأى هلائلا مسموعا رائعا، لم يتخلص للطائفين بسببه طواف ولا للمصلين صلاة لعلو تلك تلك الأصوات وانشعال الأسماع والأذهان بها. ودخل القبة المذكورة أحدنا ذلك اليوم فكابد من لز الزحام عنتا ومشقة، فسمع الناس يقولون: زاد الماء سبع اذرع. فجعل يقصد من يتوسم فيه بعض عقل ونظر من ذوي السبال البيض فيسأله عن ذلك، فيقول وأدمعه تسيل: نعم زاد الماء سبع أذرع، لا شك في ذلك، فيقول: أعن خبرة وحقيقة? فيقول: نعم.
ومن العجيب أن كان منهم من قال: أنه بكر سحر يوم الجمعة المذكور فالفى الماء قد قارب التنور بنحو القامة. فيا عجبا لهذا الاختراع الكاذب، نعوذ بالله من الفتنة وكان من الأتفاق أن اعتنينا بهذا الأمر لغلبة الاستفاضة التي سمعناها في ذلك واستمرارها مع سوالف الأزمنة عند عوام أهل مكة. فتوجه منا ليلة الجمعة من أدلى دلوه في البئر المباركة أن ضرب في صفح الماء وانتهى الحبل حافة التنور وعقد فيه عقدا يصح عندنا القياس به في ذلك. فلما كان في صبيحتها وتنادى الناس بالزيادة، الزيادة الظاهرة، خلص أحدنا في ذلك الزحام على صعوبة ومعه من استصحب الدلو وأدلاه فوجد القياس على حاله لم نيقص ولم يزد، بل كان من العجب أن عاد للقياس ليلة السبت فألفاه قد نقص يسيرا لكثرة ما امتاح الناس منه ذلك اليوم. فلو امتيح من البحر لظهر النقص فيه، فسبحان من خص به من البركة ووضع فيه من المنفعة.
وفي صبيحة يوم السبت الخامس عشر منه تتبعنا هذا القياس استبراء لصحة الحال فوجدناه على ماكان عليه، ولو أن لافظا يلفظ ذلك اليوم بأنه لم يزد لصب في البئر صبا أول لدراسته الاقدام حتى تذيبه، نعوذ بالله من غلبات العوام، واعتدائها وركوبها جوامح أهوائها.

ليلة النصف من شعبان
وهذه الليلة المبالاكة، أعني ليلة النصف من شعبان، عند أهل مكة معظمه للأثر الكريم الوارد فيها، يبادرون فيها أعمال البر من العمرة والطواف والصلاة أفرادا وجماعة، فينقسمون في ذلك اقاساما مباركة، فشاهدنا ليلة السبت، التي هي ليلة النصف حقيقة، احتفالا عظيما في الحرم المقدس أثر صلاة العتمة، جعل الناس يصلون فيها جماعات جماعات، تراويح يقرأون فيها بفاتحة الكتاب ويقل هو الله أحد، عشر مرات في كل ركة أن يكملوا خمسن تسليمة بمئة ركعة، قد قدمت كل جماعة اماما، وبسطت الحصر وأوقدت الشمع واشعلت المشاعل وأسرجت المصابيح ومصباح السماء الأزهر الأقمر قد أفاض نوره على الأرض وبسط شعاعه. فتلاقت الأنوار في ذلك الحرم الشريف الذي هو نور بذاته، فيا لك مرأى لايتخيله المتخيل ولا يتوهمه المتوهم فأقام الناس تلك الليلة على أقسام: فطائفة التزمت تلك التراويح مع الجماعة وكانت سبع جماعات أو ثمانيا، وطائفة التزمت الحجر المبارك للصلاة على انفراد، وطائفة خرجت للاعتمار؛ وطائفة آثرت الطواف على هذا كله، أغلبها المالكية، فكانت من الليالي الشهيرة المأمولة أن تكون من غرر القربات ومحاسنها، نفع الله به ولا أخلى من بركتها وفضلها وأوصل هذه المثابة المقدسة كل شيق اليها بمنه.
وفي تلك الليلة المباركة شاهد أحمد بن حسان منا أمرا عجيبا هو من غرائب الأحاديث المأثورات في رقة النفوس وذلك أنه أصابه النوم عند الثلث الباقي من الليل، فأوى المصطبة التي تحف بها قبة زمزم مما يقابل الحجر الأسود وباب البيت فاستلقى فيها لينام فاذا بإنسان من العجم قد جلس على المصطبة بإزائه مما يلي رأسه. فجعل يقرأ بتشويق وترقيق، ويتبع ذلك بزفير وشهيق، أحسن قراءة واوقعها في النفوس وأشدها تحريكا للساكن، فامتنع المذكور من المنام استمتاعا بحسن ذلك المسموع وما فيه من التشويق والتخشع، أن قطع القراءة وجعل يقول:
ان كان سوء الفعال أبعدني، فحسن ظني اليك قربنـي

صفحة : 46

ويردد ذلك بلحن يتصدع له الجماد وينشق عليه الفؤاد. ومضى في ترديد ذلك البيت ودموعه تكف وصوته ترق وتضعف أن وقع في نفس أحمد بن حسان المذكور أنه سيغشى عليه؛ فما كان بين اعتراض هذا الخاطر بنفسه وبين وقوع الرجل مغشيا عليه من المصطبة الارض الا كلا ولا، وبقي ملقى كأنه لقى لاحراك به. فقام ابن حسان مذعورا لهول ماعاينه مترددا في حياة الرجل أو موته لشدة تلك الوجبة، والموضع من الارض بائن الاتفاع، وقام أحد من كان بازائه نائما، وأفاما متحيرين ولم يقدما على تحريك الرجل ولا على الدنومنه أن اجازت امرأة أعجمية، وقالت: هكذا تتركون هذا الرجل على مثل هذا الحال? وبادرت شيء من ماء فنضحت به وجهه، ودنا المذكوران منه وأقاماه فعندما أبصرهما زوى وجهه للحين عنهما مخافة أن تثبت له صفة في أعينهما وقام من فوره آخذا جهة باب بني شيبة. وبقيا متعجبين مما شاهداه، وعض ابن حسان بنان الأسف على مافاته من بركة دعائه اذا لم يمكنه الحال استدعاءه منه، وعلى أنه لم تثبت له صورة في نفسه، فكان يتبرك به متى لقيه.
ومقامات هؤلاء الأعاجم في رقة الأنفس وتأثرها وسرعة انفعالها وشدة مجاهداتها في العبادات وطول مثابراتها على أفعال البر وظهور بركاتها مقامات عجيبة شريفة، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وفي سحر يوم الخميس الثالث عشر من الشهر المذكور كسف القمر وانتهى الكسوف منه مقدار ثلثيه، وغاب مكسوفا عند طلوع الشمس، والله يلهمنا الاعتبار بآياته.

رمضان المعظم
استهل هلاله ليلة الاثنين التاسع عشر لدجنبر، عرفنا الله فضله وحقه ورزقنا القبول فيه. وكان صيام أهل مكة له يوم الأحد بدعوى في رؤية الهلال لم تصح، لكن أمضى الأمير ذلك ووقع الإيذان بالصوم بضرب دبادبه ليلة الأحد المذكور لموافقته مذهبة ومذهب شيعته العلويين ومن اليهم، لانهم يرون صيام يوم الشك فرضا، حسبما يذكر، والله أعلم بذلك.
ووقع الاحتفال في المسجد الحرام الهذا الشهر المبارك، وحق ذلك من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعيل وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نورا وسطع ضياء، وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقا؛ فالشافعية فوق كل فرقة منها قد نصبت إماما لها في ناحية من نواحي المسجد؛ والحنبلية كذلك؛ والحنفية كذلك، والزيدية، وأما المالكية فأجتمعت على ثلاثة قراء يتناوبون القراءة، وهي في هذا العالم أحفل جمعا وأكثر شمعا، لأن قوما من التجار المالكيين تنافسوا في ذلك فجلبوا لإمام الكعبة شمعا كثيرا من أكبره شمعتان نصبتا أمام المحراب فيها قنطار وقد حفت بهما شمع دونهما صغار وكبار. فجاءت جهة المالكية تروق حسنا وترتمي الأبصار نورا، وكاد لايبقى في المسجد زاوية ولا ناحية الا وفيها قارئ يصلي بجماعة خلفه، فيرتج السمجد لأصوات القراءة من كل ناحية، فتعاين الأبصار، وتشاهد الأسماع من ذلك مرأى ومستمعا تنخلع له النفوس خشية ورقة.

ومن الغرباء من اقتصر على الطواف والصلاة

في الحجر ولم يحضر التراويح، ورأى أن ذلك أفضل ما يغتنم، وأشرف عمل يلتزم، وما بكل مكان يوجد الركن الكريم والملتزم.
والشافعي في التراويح أكثر الأئمة اجتهادا، وذلك أنه يكمل التراويح المعتادة التي هي عشر تسليمات ويدخل الطواف مع جماعة، فاذا فرغ من الأسبوع وركع عاد لإقامة تراويح أخر وضرب بالفرقعة الخطيبية المتقدمة الذكر ضربة يسمعها المسجد لعلو صوتها، كأنها ايذان بالعود الصلاة، فاذا فرغوا من تسليمتين، عادوا للطواف اسبوع، فاذا كملوه ضربت الفرقعة وعادوا الصلاة تسليمتين، ثم عادوا للطواف، هكذا أن يفرغوا من عر تسليمات، فيكمل لهم عشرون ركعة، ثم يصلون الشفع والوتر وينصرفون.
وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئا، والمتناوبون لهذه التراويح المقامية خمسة أئمة، أو لهم إمام الفريضة، وأوسطم صاحبنا الفقيه الزاهد الورع أبو جعفر بن علي الفنكي القرطبي، وقراءته ترق الجمادات خشوعا. وهذه الفرقعة المذكورة تستعمل في هذا الشهر المبارك، وذلك أنه يضرب بها ثلاث ضربات عند الفراغ من أذان المفرب، ومثلها عند الفراغ من أذان العشاء الآخرة. وهي لامحالة من جميلة البدع المحدثة في هذا المسجد المعظم، قدسه الله.


صفحة : 47

والمؤذن الزمزمي يتولى التسحير في الصومعة التي في الركن الشرقي من السمجد بسبب قربها من دار الأمير، فيقوم في وقت السحور فيها داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور ومعه أخوان صغران يجاوبانه ويقاولانه، وقد نصبت في أعلى الصومعة خشبة طويلة في رأسها عود كالذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يقدان مدة التسحير. فإذا قرب تبين خيطي الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالإذان، وثوب المؤذنون من كل ناحية بالأذان. وفي ديار مكة كلها سطوح مرتفعة، فمن لم يسمع نداء التسحير ممن يبعد مسكنه من المسجد يبصر القنديلين يقدان في أعلى الصومعة، فإذا لم يبصرهما علم أن الوق قد انقطع.

سيف الإسلام
وفي ليلة الثلاثاء من الشهر مع العشي طاف الأمير مكثر بالبيت مودعا وخرج للقاء الأمير سيف الاسلام طغتكين بن أيوب أخي صلاح الدين، وقد تقدم الخبر بوروده من مصر منذ مدة ثم تواتر أن صح وصوله الينبوع، وأنه عرج المدينة لزيارة الرسول،صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم وتقدمت أثقاله الصفراء. والمتحدث به في وجهته قصد اليمن لاختلاف وقع فيها وفتنة حدثت من أمرائها، لكن وقع في نفوس المكيين منه إيجاس خيفة واستشعار خشية، فخرج هذا الأمير المذكور متلقيا ومسلما، وفي الحقيقة مستسلما، والله تع عرف المسلمين خيرا.
وفي ضحوة يوم الأربعاء الثالث من الشهر المبارك المذكور كنا جلوسا بالحجر لمكرم فسمعنا دبادب الأمير مكثر وأصوات نساء مكة يولولن عليه. فبينا نحن كذلك دخل منصرفا من لقاء الأمير سيف الاسلام المذكور وطائفا بالبيت المركم طواف التسليم، والناس قد أظهروا الاستبشار لقدومه، والسرور بسلامته، وقد شاع الخبر بنزول سيف الاسلام الزاهر، وضرب أبنيته فيه، ومقدمته من العسكر قد وصلت الحرم، وزاحمت الأمير مكثرا في الطواف.
فبينا الناس ينظرون اليهم اذا سمعوا ضوضاء عظيمة وزعقات هائلة، فما راعهم الا الأمير سيف الاسلام داخلا من باب بني شيبة ولمعان السيوف أمامه يكاد يحول بين الأبصار وبينه، والقاضي عن يمينه وزعيم الشيبيين عن يساره، والمسجد قد ارتج وغص بالنظارة والوافدين، والأصوات بالدعاء له ولاخيه صلاح الدين قد علت من الناس حتى صكت الاسماع وأذهلت الاذهان؛ والزمزمي المؤذن في مرقبته رافعا عقيرته بالدعاء له والثناء عليه؛ وأصوات الناس تعلو على صوته، والهول قد عظم مرأى ومستمعا. فلحين دنو الأمير من البيت المعظم أغمدت السيوف وتضاءلت النفوس وخلعت ملابس العزة وذلت الأعناق وخضعت الرقاب وطائت الالباب مهابة وتعظيما لبيت ملك الملوك العزيز الجبار الواحد القهار، مؤتي الملك من يشاء، ونازع الملك ممن يشاء، سبحانه، جلت قدرته وعز سلطانه.
ثم نهافتت هذه العصابة الغزية على بيت الله العتيق تهافت الفراش على المصباح، وقد نكس أذقانهم الخضوع، وبلت سبالهم الدموع. وطاف القاضي أو زعيم الشيبيين بسيف الاسلام، والأمير مكثر قد غمره ذلك الزحام، فأسرع في الفراغ من الطواف وبادر منزله.
وعندما أكمل سيف الاسلام طوافه صلى الله عليه وسلم خلف المقام ثم دخل قبة زمزم فشرب من مائها ثم خرج على باب الصفا السعي، فابتدأه ماشيا على مدميه توضعا وتذللا لمن يجب التواضع له، والسيوف مسلوتة أمامه، وقد اصطف الناس من أول المسعى آخره سماطين مثل ماصنعوا أيضا في الطواف، فسعى على قدميه طريقين من الصفا المروة، ومنها الصفا، وهرول بين الميلين الاخضرين، ثم قيده الاعياء فركب وأكمل السعي راكبا، وقد حشر الناس ضحى.
ثم عاد الامير السمجد الحرام على حالته من الارهاب والهيبة وهو يتهادى بين بروق خواطف السيوف المصلتة، وقد بادر الشيبيون باب البيت المكرم ليفتحوه، ولم يكن يوم فتحه، وضم الكرسي الذي يصعد عليه، فرقي الامير فيه، وتناول زعيم الشيبيين فتح الباب، فاذا المفتاح قد سقط من كمه في ذلك الزحام، فوقف وفقة دهش مذعور، ووقف الامير على الادراج، فيسر الله للحين في وجود المفتاح، ففتح الباب الكريم، ودخل الامير وحده مع الشيبي وأغلق الباب، وبقي وجوه الاغزاز وأعيانهم مزدحمين على ذلك الكرسي، فبعد لأي مافتح لامرائهم المقربين فدخلوا.


صفحة : 48

وتمادى مقام سيف الاسلام في البيت الكريم مدة طويلة، ثم خرج، وانفتح الباب للكافة منهم. فيا له من ازدحام وتراكم وانتظام، حتى صاروا كالعقد المستطيل وقد اتصلوا وتسللوا. فكان يومهم أشبه شيء بأيام السرو في دخولهم البيت، حسبما تقدم وصفه. وركب الامير سيف الاسلام وخرج مضرب أبنتيه بالموضع المذكور. وكان هذا اليوم بمكة من الايام الهائلة المنظر العجيبة المشهد الغريبة الشأن، فسبحان من لاينقضي ملكه ولا يبيد سلطانه، لا اله سواه. وصحب هذا الامير جملة من حجاج مصر وسواها اغتناما لطريق البر والامن فوصلوا في عافية وسلامة، والحمد لله.
وفي ضحوة يوم الخميس بعده كنا أيضا بالحجر المكرم، فاذا بأصوات طبول ودبادب وبوقات قد قرعت الآذان وارتجت لها نواحي الحرم الشريف. فبينا نحن نتطلع لاستعلام خبرها طلع علينا الامير مكثر وغاشيته الاقربون حوله وهو رافل في حلة ذهب كأنها الجمر المتقد يسحب أذيالها وعلى رأسه عمامة شرب رقيق سحابي اللون قد علا كورها على رأسه كأنها سحبابة مركومة وهي مصفحة بالذهب، وتحت الحلة خلعتان من الدبيقي المرسوم البديع الصنعة، خلعها عليه الامير سيف الاسلام، فوصل بها فرحا جذلان، والطبول والدبادب تشيعه عن أمر سيف الاسلام اشادة بتكرمته واعلاما بمأثرة منزلته. فطاف بالبيت المكرم شكرا لله على ماوهبه من كرامة هذا الامير بعد أن كان أوجس في نفسه خيفة منه، والله يصلحه ويوفقه بمنه.
وفي يوم الجمعة وصل الامير سيف الاسلام للصلاة أول الوقت وفتح البيت المكرم، فدخله مع الامير مكثر وأقاما به مدة طويلة ثم خرجا. وتزاحم الغز للدخول تزاحما أبهت الناظرين حتى أزيل الكرسي الذي يصعد عليه فلم يغن ذلك شيئا، وأقاموا على الازدحام في الصعود باشالة بعضهم على بعض، وداموا على هذه الحالة أن وصل الخطيب، فخرجوا لاستماع الخطبة، وأغلق الباب. وصلى الله عليه وسلم الأمير سيف الاسلام مع الأمير مكثر في القبة العباسية. فلما انقضت الصلاة خرج على باب الصفا وركب مضرب أبنيته. وفي يوم الأربعاء العاشر منه خرج الأمير المذكور بجنوده اليمن، والله يعرف أهلها من المسلمين في مقدمة خيرا بمنه.

? ? تراويح رمضان
وهذا الشهر المبارك قد ذكرنا اجتهاد المجاورين للحرم الشريف في قيامه وصلاة تراويحه وكثرة الأئمة فيه، وكل وتر من الليالي العشر الاواخر يختم فيها القرآن. فأولها ليلة احدى وعشرين، ختم فيها أحد أبناء أهل مكة، وحضر الختمة القاضي وجماعة من الأشياخ. فلما فرغوا منها قام الصبي فيهم خطيبا، ثم استدعاهم أبو الصبي المذكور منزله طعام وحلوى قد أعدهما واحتفل فيهما.


صفحة : 49

ثم بعد ذلك ليلة ثلاث وعشرين، وكان المختتم فيها أحد أبناء المكيين ذوي اليسار، غلاما لم يبلغ سنه الخمس عشرة سنة، فاحتفل أبوه لهذه الليلة احتفالا بديعا. وذلك أنه أعد له ثريا مصنوعة من الشمع مغصنة، قد انتظمت أنواع الفواكه الرطبة واليابسة، وأعد لها شمعا كثيرا، ووضع في وسط الحرم ممايلي باب بني شيبة شبيه المحراب المربع من أعواد مشرجبة، قد أقيم على قوائم أربع، وربطت في أعلاه عيدان نزلت منها قناديل وأسرجت في أعلاها مصابيح ومشاعيل وسمر دائر المحراب كله بمسامير حديدة الأطراف غرز فيها الشمع، فاستدار بالمحراب كله. وأوقدت الثريا المغصنة ذات الفواكه، وأمعن الاحتفال في هذا كله. ووضع بمقربة من المحراب منبر مجلل بكسوة مجزعة مختلفة الألوان. وحضر الإمام الطفل فصلى الله عليه وسلم التراويح وختم، وقد انحشد أهل المسجد الحرام اليه رجالا ونساء، وهو في محرابه لايكاد يبصر من كثرة شعاع الشمع المحدق به.العينين، مخضوب الكفين الزندين، فلم يستطع الخلوص منبره من كثرة الزحام، فأخذخ أحد سدنة تلك الناحي ة في ذراعه حتى القاه على ذروة منبره، فاستوى مبتسما وأشار على الحاضرين مسلما. وقعد بين يديه قراء، فابتدروا القراءة على لسان واحد. فلما أكملوا عشرا من القرآن، قام الخطيب فصدع بخطبة تحرك لها أكثر النفوس من جهة الترجيع لا من جهة التذكير والتخشيع، وبين يديه في درجات المنبر نفر يمسكون أتوار الشمع في ايديهم ويرفعون أصواتهم بيا رب، عند كل فصل من فصول الخطبة يكررون ذلك، والقراء يبتدرون القراءة في أثناء ذلك، فيسكت الخطيب أن يفرغوا ثم يعود لخطبة. وتمادي فيها متصرفا في فنون من التذكير.
وفي أثنائها اعترضه ذكر البيت العتيق، كرمه الله، فحسر عن ذراعيه مشيرا اليه، وأردفه بذكر زمزم والمقام فأشار اليهما بكلتا اصبعيه ثم ختمها بتوديع الشهر المبارك وترديد السلام عليه، ثم دعا للخليفة ولكل من جرت العادة بالدعاء له من الأمراء، ثم نزل، وانفض ذلك الجمع العظيم، وقد استظرف ذلك الخطيب واستنبل وان لم تبلغ الموعظة من النفوس ما أمل، والتذكرة اذا خرجت من اللسان لم تتعد مسافة الآذان.
ثم ذكر أن المعينين من ذلك الجمع، كالقاضي وسواه، خصوا بطعام حفيل وحلوى على عادتهم في مثل هذا المجتمع. وكانت لأبي الخطيب في تلك الليلة نفقة واسعة في جميع ماذكر.
ثم كانت ليلة خمس وعشرين، فكان المختتم فيها الإمام الحنفي، وقد أعد أبنا لذلك سنة نحو من سن الخطيب الأول المذكور. فكان احتفال الإمام الحنفي لابنه في هذه الليلة عظيما، أحضر فيها من ثريات الشمع أربعا مختلفات الصنعة:منها مشجرة مغصنة مثمرة بأنواع الفواكه الرطبة واليابسة، ومنها غير مغصنة. فصففت أمام حطيمه وتوج الحطيم بخشب وألواح وضعت أعلاه وجلل كله سرجا ومشاعيل وشمعا، فاستنار الحطيم كله حتى لاح في الهواء كالتاج العظيم من النور. وأحضر الشمع في أتوار الصفر، ووضع المحراب العودي المشرجب، فجلل دائره الاعلى كله شمعا، وأحدق الشمع في الأتوار به، فاكتنفته هالات من نور، ونصب المنبر قبالته مجللا أيضا بالكسوة الملونة. واحتفل الناس لمشاهدة هذا المنظر النير أعظم من الاحتفال الاول. فختم الصبي المذكور ثم برز من محرابه منبره يسحب أذيال الحفر في أثواب رائقة المنظر، فتسور منبره وأشار بالسلام على الحاضرين وأبتدأ خطبته بسكينة ولين ولسان على حالة الحياء مبين. فكأن الحال على طفولتها كانت أو قر من الاولى وأخشع، والموعظة أبلغ، والتذكرة أنفع.
وحضر القراء بين يديه على الرسم الاول وفي أثناء فصول الخطبة يبتدرون القراءة فيسكت خلال اكمالهم الآية التي انتزعوها من القرآن ثم يعود خطبته وبين يديه في درجات المنبر طائفة من الخدمة يمسكون اتوار الشمع بأيديهم ومنهم من يمسك المجمرة تسطع بعرف العود الرطب الموضوع فيها مرة بعد أخرى. فعندما يصل فصل من تذكير أو تخشيع يرفعون أصواتهم بيا رب يارب يكررونها ثلاثا أو أربعا، وربما جارهم في النطق بعض الحاضرين، أن فرغ من خطبة ونزل. وجرى الامام اثره على الرسم من الاطعام لمن حضر من أعيان المكان أما باستدعائهم منزله تلك الليلة أو بتوجيه ذلك منازلهم.


صفحة : 50

ثم كانت ليلة سبع وعشرين، وهي ليلة الجمعة بحساب يوم الاحد، فكانت الليلة الغراء، والختمة الزهراء، والهيبة والموفورة الكهلاء، والحالة التي تمكن عند الله تع في القبول والرجاء. وأي حالة توازي شهود ختم القرآن ليلة سبع وعشرين من رمضان خلف المقام الكريم وتجاه البيت العظيم? وأنها لنعمة تتضاءل لها النعم تضاؤل سائر البقاع للحرم.
ووقع النظر والاحتفال لهذه الليلة المباركة قبل ذلك بيومين أو ثلاثة، وأقيمت أزاء حطيم إمام الشافعية خشب عظام بائنة الارتفاع موصول بين كل ثلاث منها بأذرع من الأعواد الوثيقة، فاتصل منها صف كاديمسك نصف الحرم عرضا ووصلت بالحطيم المذكور، ثم عرضت بينها ألواح طوال مدت على الأذرع المذكورة، وعلت طبقة منها طبقة أخرى حتى استكملت ثلاث طبقات، فكانت الطبقة العليا منها خشبا مستطيلة مغروزة كلها مسامير محددة الأطراف لاصقا بعضها ببعض كظهر الشيهم نصب عليها الشمع، والطبقتان تحتها الواح مثقوبة ثقبا متصلا وضعت فيها زجاجات المصابيح ذوات الأنابيب المنبعثة من أسافلها.
وتدلت من جوانب هذه الألواح والخشب ومن جميع الأذرع المذكورة قناديل كبار وصغار وتخللها أشباه الأطباق المبسوطة من الصفر قد انتظم كل طبق منها ثلاث سلاسل تقلها في الهواء وخرقت كلها نقبا ووضعت فيها الزجاجات ذوات الأنابيب من أسفل تلك الأطباق الصغيرة لايزيد منها أنبوب على أنبوب في القد. وأوقدت فيها المصابيح، فجاءت كأنها موائد ذوات أرجل كثيرة وتشتمل نورا، ووصلت بالحطيم الثاني الذي يقابل الركن الجنوبي من قبة زمزم خشب على الصفة المذكورة اتصلت الركن المذكور، وأوقد المشعل الذي في رأس فحل القبة المذكورة، وصففت طرة شباكها شمعا مما يقابل البيت المككرم. وحف المقام الكريم بمحراب من الأعواد المشرجبة المخرمة محفوفة الأعلى بمسامير حديدة الأطراف، على الصفة المذكورة، جللت كلها شمعا. ونصب عن يمين المقام ويساره شمع كبير الجرم، في أتوار تناسبهاكبرا، وصفت تلك الأتوار على الكراسي التي يصرفها السدنة مطالع عند الإيقاد، وجلل جدار الحجر المكرم كله شمعا في اتوار من الصفر فجاءت كأنها دائرة نور ساطع، واحدقت بالحرم المشاعيل. وأوقد جميع ماذكر.
وأحدق بشرفات الحرم كلها صبيان مكة، وقد وضعت بيد كل منهم كرة من الخرق المشبعة سليطا، فوضعوها متقدة في رؤوس الشرفات. وأخذت كل طائفة منهم ناحية من نواحيها الأربعة فجعلت كل طائفة تباري صاحبتها في سرعة ايقادها. فيخيل للناظر أن النار تشب من شرفة شرفة لخفاء أشخاصهم وراء الضوء المرتمي الأبصار. وفي اثناء محاولتهم لذلك يرفعون أصواتهم بيا رب على لسان واحد، فيرتج الحرم لأصواتهم. فلما كمل ايقاد الجميع بما ذكر كاد يعشي الأبصار شعاع تلك الأنوار، فر تقع لمحة طرف الاعلى نور يشغل حاسة البصر عن استمالة النظر. فيتوهم المتوهم، لهول مايعاينه من ذلك، أن تلك الليلة المباركة نزهت لشرفها عن لباس الظلماء فزينت بمصابيح السماء.
وتقدم القاضي فصلى الله عليه وسلم فريضة العشاء الآخرة ثم قام وابتدأ بسورة القدر. وكان أئمة الحرم في الليلة قبلها قد انتهوا في القراءة اليها. وتعطل في تلك الساعة سائر الأئمة من قراءة التراويح، تعظيما لختمة المقام، وحضروا متبركين بمشاهدتها.
وقد كان المقام المطهر أخرج من موضعه المستحدث في البيت العتيق، حسبما تقدم الذكر أولا له، فيما سلف من هذا التقيد، ووضع في محله الكريم المتخذ مصلى الله عليه وسلم مستورا بقبته التي يصلي الناس خلفها. فختم القاضي بتسليمتين وقام خطيبا مستقبل المقام والبيت العتيق. فلم يتمكن من سماع الخطبة للازدحام وضوضاء العوام.
فما فرغ من خطبته عاد الأئمة لإقامة تراويحهم، وانفض الجمع ونفوسهم قد استطارت خشوعا، وأعينهم قد سالت دموعا، والأنفس قد أشعرت من فضل القدر المشرف ذكرها في التنزيل، والله، عز وجل، لايخلي الجميع من بركة مشاهدتها وفضل معاينتها، انه كريم منان، لا اله سواه.
ثم ترتبت قراءة أئمة المقام الخمسة المذكورين أولان بعد هذه الليلة المذكورة،بآيات ينتزعونها من القرآن على اختلاف السور، تتضمن التذكير والتحذير والتبشير، بحسب اختيار كل واحد منهم. ورسم طوافهم اثر كل تسليمتين باق على حاله، والله ولي القبول من الجميع.


صفحة : 51

ثم كانت ليلة تسع وعشرين منه، فكان المختتم فيها سائر أئمة التراويح ملتزمين رسم الخطبة اثر الختمة، والمشار اليه منهم المالكي، فتقدم باعداد اعواد بإزاء محرابه نصبها ستة على هيئة دائرة محراب مرتفعة عن الأرض بدون القامة يعترض على كل اثنين منها عود مبسوط، فأدير بالشمع أعلاها وأحدق اسفلها ببقايا شمع كثير قد تقدم ذكره عند أول الشهر المبارك واحدق أيضا داخل تلك الدائرة شمع آخر متوسط، فكان مغظرا مختصرا ومشهدا عن احتفال المباهاة منزها موقرا، رغبة في احتفال الأجر والثواب ومناسبة لموضع هيئة المحراب، نصبت للشمع فيه عوضا من الأتوار أنافي من الأحجار. فجاءت الحال غريبة في الاختصار، خارجة عن محفل التعاظم والاستكبار، داخله مدخل التواضع والاستصغار.
واحتفل جميع المالكية للختمة، فتناوبها أئمة التراويح، فقضوا صلاتهم سراعا عجالا، كاد يلتقي طرفاها خفوقا واستعجالا. ثم تقدم احدهم فعقد حبوته بين تلك الاثافي وصدع بخطبة منتزعة من خطبة الصبي ابن الإمام الحنفي فأرسلها معادة الاسماع نقيلا لحنها على الطباع، ثم انفض الجمع، وقد جعد في شؤونه الدمع، واختطف للحين من أثافيه ذلك الشمع، أطلقت عليه أيدي الانتهاب، ولم يكن في الجماعة من يستحى منه أويهاب. وعند الله تع في ذلك الجزاء والثواب، انه سبحانه الكريم الوهاب.
وانتهت ليالي الشهر ذاهبة عنا بسلام، جعلنا الله ممن طهر فيها من الآثام، ولا أخلانا من فضل القبول ببركة صومه في جوار الكعبة البيت الحرام، وختم الله لنا ولجميع أهل الملة الحنفية بالوفاة على الإسلام، وأوزعنا حمدا يحق هذه النعمة وشكرا، وجعلها للمعاد لنا ذخرا، ووفانا عليها ثوابا من لديه وأجرا يرجى بفضله وكرمه، أنه لايضيع لديه ايام اتخذ لصيامها ماء زمزم فطرا، إنه الحنان المنان، لارب سواه.

شهر شوال
استهل هلاله ليلة الثلاثاء السادس عشر من ينير، يمن الله مطلعه، ورزقنا بركته، وهذا الشهر المبارك هو فاتحة أشهر الحج المعلومات، وبعده تتصل ثلاثة الأشهر الحرم المباركات. وكانت ليلة استهلال هلاله من الليالي الحفيلة في المسجد الحرام، زاده الله تكريما؛ جرى الرسم المذكور ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم، وأوقدت الصوامع من الأربع جهات من الحرم، وأوقد سطح المسجد الذي في أعلى جبل أبي قبيس.وأكثر الأئمة تلك الليلة أحيا، وأكثر الناس على مثل تلك الحال بين طواف وصلاة وتهليل وتكبير، يقبل الله من جميعهم، أنه سميع الدعاء كفيل بالرجاء سبحانه لا اله سواه.

عيد رمضان
فلما كان صبيحتها وقضى الناس صلاة الفجر، لبس الناس أثواب عيدهم وبادروا لأخذ مصافهم لصلاة العيد بالمسجد الحرام، لأن السنة جرت بالصلاة فيه دون مصلى الله عليه وسلم يخرج الناس اليه، رغبة في شرف البقعة وفضل بركتها وفضل صلاة الامام خلف المقام ومن يأتم به. فأول من بكر الشيبيون، وفتحوا باب الكعبة المقدسة، وأقام زعيمهم جالسا في العتبة المقدسة، وسائر الشيبيين داخل الكعبة أن أحسوا بوصول الأمير مكثر فنزلوا اليه، وتلقوه بمقربة من باب النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فانتهى البيت المكرم، وطاف حوله أسبوعا، والناس قد احتفلوا لعيدهم، والحرم قد غص بهم، والمؤذن الزمزمي فوق سطح القبة على العادة رافعا صوته بالثناء عليه والدعاء له متناوبا في ذلك مع اخيه. فلما اكمل الأمير الاسبوع عمد مصطبة قبة زمزم، مما يقابل الركن الأسود، فعقد بها، وبنوه هن يمينه ويساره، ووزيره وحاشيته وقوف على رأسه وعاد الشيبيون لمكانهم من البيت المكرم يلحظهم الناس بأبصار خاشعة للبيت غابطة لمحلهم منه ومكانهم من حجابته وسدانته، فسبحان من خصهم بالشرف في خدمته. وحضر الأمير من خاصته شعراء أربعة، فأنشدوه واحدا اثر واحد أن فرغوا من انشادهم.


صفحة : 52

وفي اثناء ذلك تمكن وقت الصلاة، وكان ضحى من النهار، فأقبل القاضي الخطيب يتهادى بين رايتيه السوداوين، والفرقعة المتقدمة ذكرها أمامه، وقد صك الحرم صوتها، وهو لابس ثياب سواده، فجاء المقام الكريم، وقام الناس للصلاة، فلما قضوها رقي المنبر، وقد ألصق موضعه المعين له كل جمعة، من جدار الكعبة المكرمة، حيث الباب الكريم شارعا، فخطب خطبة بليغة، والمؤذنون قعود دونه في أدراج المنبر، فعند افتتاحه فصول الخطبة بالتكبير يكبرون بتكبيره، أن فرغ من خطبته.
وأقبل الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والتسليم والتغافر والدعاء مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم الله من فضله، وبادروا البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين مزدحمين عليه فوجا. فكان مشهدا عظيما وجمعا بفضل الله تعلى مرحوما، جعله الله ذخيرة للمعاد، كما جعل ذلك العيد الشريف في العمر أفضل الأعياد، بمنه وكرمه، إنه ولي ذلك والقدر عليه. وأخذ الناس عند انتشارهم من مصلاهم وقضاء سنة السلام بعضهم على بعض في زيارة الجبانة بالمعلى تبركا باحتساب الخطا اليها، والدعاء بالرحمة لمن فيها من عباد الله الصالحين من الصدر الأول وسواه، رضي الله عن جميعهم، وحشرنا في زمرتهم، ونفعنا بمحبتهم فالمرء، كما قال، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم مع من أحب.

مناسك الحج
وفي يوم السبت التاسع عشر منه، والثالث لفبرير، صعدنا منى لمشاهدة المناسك المعظمة بها ولمعاينة منزل اكتري لنا فيها اعدادا لمقام بها أيام التشريق، إن شاء الله، فألفيناها تملأ النفوس بهجة وانشراحا، مدينة عظيمة الآثار، واسعة الاختطاط، عتيقة الوضع، قد درست منازل يسيرة متخذة للنزول تحف بجانبي طريق كأنه ميدان انبساطا وانفساحا، ممتد الطول.
فأول مايلقى المتوجه اليها عن يساره، وبمقربة منها، مسجد البيعة المباركة، التي كانت أول بيعو في الاسلام، عقدها العباس، رضي الله عنه، للنبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، على الانصار، حسب المشهر من ذلك.
ثم يفضى منه جمرة العقبة، وهي أول منى للمتوجه من مكة وعن يسار المار اليها، وهي على قارعة الطريق مرتفعة للمتراكم فيها من حصى الجمرات. ولولا آيات الله البينات فيها لكانت كالجبال الرواسي لما يجتمع فيها على تعافب الدهور وتوالي الازمنة، لكن الله، عز وجل، فيها سر كريم من اسراره الخفيات، لا اله سواه. وعليها مسجد مبارك، وبها علم منصوب شبه أعلام الحرم التي ذكرناها، فيجعلها الرامي عن يمينه مستقبلا مكة، شرفها الله، ويرمي بهاسبع حصيات، وذلك يوم النحر اثر طلوع الشمس، ثم ينحر أويذبح ويحلق، والمحلق حولها، والمنحر في كل موضع من منى لأن منى كلها منحر، كما قال، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. وقد حل له كل شيء الا النساء والطيب حتى يطوف طواف الافاضة. وبعد هذه الجمرة العقبية موضع الجمرة الوسطى،ولها أيضا علم منصوب، وبينهما قدر الغلوة، ثم بعدها يلقى الجمرة الأولى ومسافتها منها كمسافة الأخرى.
وفي وقت الزوال من ثاني يوم النحر ترمى في الأولى سبع حصيات، وفي الوسطى كذلك، وفي العقبة كذلك، فتلك احدى وعشرون حصاة. وفي اليوم الثالث من يوم النحر، في الوقت بعينه، كذلك على الترتيب المذكور، فتلك اثنتان واربعون حصاة في اليومين وسبع رميت في العقبة يوم النحر وقت طلوع الشمس، كما ذكرناه، وهي المحلات للحاج ماحرم عليه سوى النساء والطيب، فتلك تكملة تسع وأربعين جمرة.وفي إثر ذلك ينفصل الحاج مكة من ذلك اليوم. واختصر في هذا الزمان إحدى وعشرون كانت ترمى في اليوم الرابع على الترتيب المذكور، وذلك لاستعجال الحاج خوفا من العرب الشعبيين غير ذلك من محذورات الفتن المغيرات لآثار السنن، فمضى العمل اليوم على تسع وأربعين حصاة، وكانت في القديم سبعين، والله يهب القبول لعباده.
والصادر من عرفات منى أول مايلقى الجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة. وفي يوم النحر تكون جمرة العقبة أولى منفردة بسبع حصيات، حسبما تقدم ذكره، ولا يشترك معها سواها في ذلك اليوم، ثم في اليومين بعده ترجع الآخرة على الترتيب حسبما وصفناه، بحول الله عز وجل.


صفحة : 53

وبعد الجمرة الأولى يعرج عن الطريق يسيرا ويلقى منحر الذبيح، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.حيث فدي بالذبح العظيم. وعلى الموضع المبارك مسجد مبني، وهو بمقربة من سفح ثبير. وفي موضع المنحر المذكور حجر قد الصق بالجدار المبني فيه أثر قدم صغيرة، يقال: إنه أثر قدم الذبيح، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، عند تحركه،فلان الحجر له بقدرة الله، عز وجل، إشفاقا وحنانا فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله.
ويفضى من ذلك مسجد الخيف المبارك، وهو آخر منى في توجهك، أعني من المعمورة منها بالبنيان. وأما الآثار القديمة فآخذة أبعد غاية أمام المسجد. وهذا المسجد المبارك متسع الساحة كأكبر ما يكون من الجوامع.والصومعة وسط رحبة المسجد. وله في القبلة أربعة بلاطات يشملها سقف واحد.
وهو من المساجد الشهيرة بركة وشرف بقعة. وكفى بما ورد في الأثر الكريم من أن بقعته الطاهرة مذفن كثير من الأنبياء، صلوات الله عليهم.
وبمقربة منه عن يمين المار في الطرق، حجر كبير مسند صفح الجبل مرتفع عن الأرض يظل ماتحته، ذكر أن النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، قعد تحته مستظلا ومس رأسه المكرم فيه فلان له حتى أثر فيه تأثيرا بقدر دور الرأس. فيبادر الناس لوضع رؤوس في ذلك الموضع تبركا واستجارة لها بموضع مسه الرأس المكرم أن لاتمسها النار بقدرة الله، عز وجل.
فلما قضى معاينة هذه المشاهد الريمة أخذنا في الانصراف مستبشرين بما وهبنا الله من فضله في مباشرتها. ووصلنا مكة قريب الظهر، والحمد لله على مامن به.
وفي يوم الأحد بعده، وهو الموفي عشرين لشوال، صعدنا الجبل المقدس حراء وتبركنا بمشاهدة الغار في أعلاه الذي كان النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، يتعبد فيه، وهو أول موضع نزل فيه الوحي عليه، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ورزقنا شفاعته، وحشرنا في زمرته، وأماتنا على سنته ومحبته، بمنه وكرمه، لا رب سواه.
وفي ضحوة يوم الثلاثاء الثاني والعشرين منه، وهو السادس من فبرير، اجتمع الناس كافة للاستسقاء تجاه الكعبة المعظمة بعد أن ندبهم القاضي ذلك وحرضهم على صيام ثلاثة أيام قبله. فاجتمعوا في هذا اليوم الرابع المذكور وقد أخلصوا النيات لله عز وجل، وبكر السيبيون ففتحوا الباب المكرم من البيت مقابم الخليل ابراهيم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعلى نبينا، ووضع على عتبة باب البيت المكرم، واخرج مصحف عثمان، رضي الله عنه، من خزانته، ونشر بازاء المقام المطهر، فكانت دفته الواحدة عليه والثانية على الباب الكريم. ثم نودي في الناس بالصلاة جامعة، فصلى الله عليه وسلم القاضي بهم خلف موضع المقام المتخذ مصلى الله عليه وسلم ركعتين، قرأ في إحداهما بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بالغاشية، ثم صعد المنبر، وقد الصق موضعه المعهود من جدار الكعبة المقدسة، فخطب خطبة بليغة و فيها الاستغفار ووعظ الناس وذكرهم وخشعهم وحضهم على التوبة والإنابة لله عز وجل، حتى نزفت دمعها العيون رداءه، وحول الناس أرديتهم اتباعا للسنة.
ثم انفض الجميع راجين رحمة الله عز وجل غير قانين منها، والله يتلافى عباده بلطفه وكرمه. وتمادى استسقاؤه بالناس ثلاثة أيام متوالية، على الصفة المذكورة، وقد نال الجهد من أهل الحجاز وأضر بهم القحط وأهلك مواشهيم الجدب، لم يمطروا في الربيع ولا الخريف ولا الشتاء إلا مطرا طلا غير كاف ولا شاف، والله عز وجل لطيف بعباده، غير مؤاخذهم بجرائمهم، إنه الحنان المنان، لارب سواه.


صفحة : 54

وفي يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال صعدنا جبل ثور لمعاينة الغار المبارك الذي أولى اليه النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مع صاحبه الصديق، رضي الله عنه، حسبما جاء في محكم التنزيل العزيز، وقد تقدم ذكر هذا الغار وصفته عنه، حسبما جاء في محكم التنزيل العزيز، وقد تقدم ذكر هذا الغار وصفته أولا في هذا التقييد. وولجناه من الموضع الذي يعسر الولوج منه على البعض من الناس تبركا بمس بشرة البدن بموضع مسه الجسم المبارك، قدسه الله؛ لأن مدخل النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، كان منه. وكان لأحد الصاعدين إليه ذلك اليوم من المصريين موقف خجله وفضيحة، وذلك أنه رام الولوج فيه على ذلك الموضع الضيق فلم يقدر بحيلة وعاود ذلك مرارا فلم يستطع حتى استوقف الناس ما عاينوه من ذلك وبكوا له إشفاقا ولجأوا الله عز وجل في الدعاء، فلم يغن ذلك شيئا، وكان فيهم من هو اضخم منه فيسر الله عليه. وطال تعجب الناس منه واعتبارهم.
وأعلمنا بعد انفصالنا في ذلك اليوم بأن هذا الموقف المخجل وقع لثلاثة أناس في ذلك اليوم بعينه، عصمنا الله من مواقف الفضيحة في الدنيا والآخرة.
وهذا الجبل صعب المرتقى جدا، يقطع الأنفاس تقطيعا، لايكاد يبلغ منتهاه إلا وقد ألقى بالأيدي إعياء وكلالا. وهو من مكة على مقدار ثلاثة أميال، وعلى ذلك القدر هو جبل حراء منها، والله تع لايخلينا من بركة هذه المشاهد بمنه وكرمه.
وطول الغار ثمانية عشر شبرا، وسعته أحد عشر شبرا في الوسط منه، وفي حافتيه ثلثا شبر، وعلى الوسط منه يكون الدخول، وسعة الباب الثاني المتسع مدخله خمسة أشبار أيضا، لأن له بابين، حسبما ذكرناه أولا.
وفي يوم الجمعة بعده وصل السرو اليمنيون في عدد كثير مؤملين زيارة قبر الرسول، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وجلبوا ميرة مكة على عادتهم، فاشتبشر الناس بقدومهم استبشارا كبيرا، حتى إنهم أقاموه عوض نزول المطر، ولطائف الله لسكان حرمه الشريف واسعة، إنه سبحانه لطيف بعباده لا إله سواه.

شهر ذي القعدة
استهل هلاله لية الأربعاء، بموافقة الرابع عشر من شهر فبرير، بشهادة ثبتت عند القاضي في رؤيته. وأما الاكثر الاغلب من أخل المسجد الحرام فلم يبصروا شيئا، وطال ارتفاعهم إثر صلاة المغرب، وكان منهم من يتخيله فيشير إليه فإذا حققه تلاشى عنده نظره وكذب خبره، والله أعلم بصحة ذلك.
وهذا الشهر المبارك ثاني الاشهر الحرم وثاني اشهر الحج، أطلع الله هلاله على المسلمين بالامن والايمان والغفرة والرضوان، بعزته ورحمته.

مسجد مولد النبي
وفي يوم الاثنين الثالث عشر منه دخلنا مولد النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. وهو مسجد حفيل البنيان، وكان دارا لعبد الله بن عبد المطلب، أبي النبي، صفة صهريج صغير سعته ثلاثة أشبار وفي وسطه رخامة خضراء سعتها ثلثا شبر مطوقة بالفضة فتكون سعتها مع الفضة المتصلة بها شبرا. ومسحنا الخدود في تلك الموضع المقدس الذي هو مسقط لأكرم مولود على الأرض وممس لأطهر سلالة وأشرفها، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ونفعنا ببركة مشاهدة مولده الكريم. وبازائه محراب حفيل القرنصة، مرسومة طرته بالذهب. وقد تقدم الوصف لهذا كله.
وهذا الموضع المبارك هو شرقي بالكعبة متصل بصفح الجبل. ويشرف عليه بمقربة منه جبل أبي قبيس، وعلى مقربة منه أيضا مسجد، عليه مكتوب: هذا المسجد هو مولد علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه؛ وفيه تربى رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وكان دارا لأبي طالب عم النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وكافله.

دار خديجة، رضوان الله عليها
ودخلت أيضا في اليوم المذكور دار خديجة الكبرى، رضوان الله عليها، وفيها قبة الوحي، وفيها أيضا مولد فاطمة، رضي الله عنها. وهو بيت صغير مائل للطول. والمولد شبه صهريج صغير وفي وسطه حجر أسود. وفي البيت المذكور مولد الحسن والحسين ابنيها، رضي الله عنهما، ومسقط شلو الحسن ولاصق بمسقط شلو الحسين وعليهما حجران مائلان السواد كأنهما علامتان للمولدين المباركين الكريمين. ومسحنا الخدود في هذه المساقط المكرمة المخصوصة بمس بشرات المواليد الكرام، رضوان الله عليهم.


صفحة : 55

وفي الدار المكرمة أيضا مختبأ النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، شبيه القبة، وفيه مقعد في الأرض عميق شبيه الحفرة داخل في الجدار قليلا وقد خرج عليه من الجدار حجر مبسوط كأنه يظل المقعد المذكور، قيل: إنه كان الحجر الذي كان غطى النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، عند اختبائه في الموضع المذكور، صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين. وعلى كل واحد من هذه الموالد المذكورة قبة خشب صغيرة تصون الموضع غير ثابتة فيه. فاذا جاء المبصر لها نحاها ولمس الموضع الكريم وتبرك به ثم أعادها عليه.
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر المذكور نفذ أمر الأمير مكثر بالقبض على زعيم الشيبيين محمد بن اسماعيل وانتهاب منزله ومصرفه عن حجابة البيت الحرام، طهره الله، وذلك لهنات نسبت اليه لاتليق بمن نيطت به سدانة البيت العتيق: ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم، أعاذنا الله من سوء القضاء، ونفوذ سهام الدعاء، بمنه.
وفي هذه الأيام السالفة من الشهر المذكور تو مجيء السرويين اليمنين في رفاق كثيرة بالميرة من الطعام وسواه وضروب الإدام والفواكه اليابسة فأرغدوا البلد؛ ولولاهم لكان من اتصال الجدب وغلاء السعر في جهد ومشقة، فهم رحمة لهذا البلد الامين. ثم توجهوا الزيارة المباركة، التربة المباركة، طيبة مدفن رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ووصلوا في أسرع مدة، قطعوا الطريق من مكة المدينة في يسير أيام، ومن صحبهم من الحاج حمد صحبتهم. وفي اثناء مغيبهم وصلت طوائف أخر منهم للحج خاصة لضيق الوقت عن الزيارة فأقاموا بمكة، ووصل الزوار منهم فضاق بهم المتسع.
فلما كان يوم الاثنين السابع والعشرين من الشهر المذكور فتح البيت العتيق، وتولى فتحه من الشيبيين ابن عم الشيبي المعزول، وهو أمثل طريقة منه على ما يذكر. فازدحم السرو للدخول على العادة، فجاموا بأمر لم يعهد فيما سلف، يصعدون أفواجا حتى يغص الباب الكريم بها فلا يستطيعون تقدما ولا تأخرا أن يلجوا على أعظم مشقة ثم يسرعون الخروج، فيضيق الباب الكريم بهم، فتتحدر الفوج منهم على المصعد وفوج أخرى صاعدة فيلتقيان وقد ارتبط بعضهم بعض، فربما جمل المنحدرون في صدور الصاعدين، وربما وقف الصاعدون للمنحدرين وتضاغطوا أن يميلوا فيقع البعض على البعض. فيعاين النظارة منهم مرأى هلائلا: فمنهم سليم، وغير سليم، وأكثرهم انما ينحدرون وثبا على الرؤوس والأعناق.
ومن أعجب ماشاهدناه في يوم الاثنين المذكور أن صعد بعض من الشيبيين أثناء ذل الزحام يرومون الدخول البيت الكريم فبلم يقدروا على التخلص فتعلقوا بأستار حافتي عضادتي الباب ثم إن أحدهم تمسك بإحدى الشرائط القنبية الممسكة للأستار أن علا الرؤوس والأعناق فوطئها ودخل البيت، فلم يجد موطئا لقدمه سواها لشدة تراصهم وتراكمهم وانضمام بعضهم بعض. وهذا الجمع الذي وصل منهم في هذا العام لم يعهد قط مثله فيما سلف من الأعوام، ولله القدرة المعجزة، لااله سواه.
وفي هذا اليوم المذكور الذي هو السابع والعشرون من ذي القعدة شمرت أستار الكعبة المقدسة نحو قامة ونصف من الجدر من الجوانب الأربعة، ويسمعون ذلك احراما لها، فيقولون: أحرمت الكعبة. وبهذا جرت العادة دائما في الوقت المذكور من الشهر. ولاتفتح من حين أحرامها الا بعد الوقفة.
فكأن ذلك التشمير ايذان بالتشمير للسفر وايذان بقرب وقت وداعها المنتظر، لاجعله الله آخر وداع، وقضى لنا اليها بالعودة وتيسير سبيل الاستطاعة بعزته وقدرته.
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين قبل هذا اليوم المذكور كان دخولنا البيت الكريم على حال اختلاس وانتهاز فرصة أوجدت بعض فرجة من الزحام، فدخلناه دخول وداع اذا لايتمكن دخوله بعد ذلك لترادف الناس عليه ولاسيما الا عاجم الواصلون مع الأمير العراقي، فإنهم يظهرون من التهافت عليه والبدار إليه والازدحام فيه ماينسي أحوال السرو اليمنيين لفظاظتهم وغلظتهم، فلا يتمكن لاحد منهم النظر فضلا عن غير ذلكن والله عز وجل لايجعله آخر العهد ببيته الكريم ويرزقنا العود ايه على خير وعافية بمنه ولطيف صنعه.


صفحة : 56

وفي يوم احرام الكعبة المذكور اقلعت من موضع المقام المقدس القبة الخشبية التي كانت عليه ووضعت عوضها قبة الحديد اعدادا للاعاجم المذكورين، لانها لو لم تكن حديدا لاكلوها اكلا فضلا عن غير ذلك، لماهم عليه من صحة النفوس شوقا هذه المشاهد المقدسة وتطارحهم بأجرامهم عليها، والله ينفعهم بنياتهم، بمنه وكرمه.
وفي يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور جاء زعيم الشيبيين المعزول يتهادى بين بنيه زهوا واعجابا ومفتاح الكعبة المقدسة بيده قد أعيد اليه، ففتح الباب الكريم وصعد مع بنيه السطح المبارك الأعلى بأمراس من القنب غليظة يوثقونها في أوتاد الحديد المضروبة في السطح ويرسلونها الأرض فيربط فيها شبيه محمل من العود ويجلس فيه أحد سدنة البيت من الشيبيين، فيصعد به على بكرة معدة لذلك في أعلى السطح المذكور، فيتولى خياطة مامزقته الريح من الأستار، فسألنا عن كيفية صرف هذا الشيبي المعزول خطته على صحة الهنات المنسوبة اليه، فأعلمنا أنه صودر عليها بخمس مئة دينار مكية استقرضها ودفعها. فطال التعجب من ذلك والاعتبار، وتحققنا أن إظهار القبض عليه لم يكن غيرة ولا أنفة على حرمات الله المنتهكة على يديه، مع كونها في خطة دونها الخلافة رفعة، والحال تشبه بعضها بعضا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، و الله المشتكى من فساد ظهر حنتى في اشراف بقاع الارض، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

منشأ الإسلام
وفي يوم الأربعاء التاسع والعشرين من ذي القعدة المذكور دخلنا دار الخيزران التي كان منها منشأ الاسلام، وهي بإزاء الصفا ويلاصقها بيت صغير عن يمين الداخل اليها كان مسكن بلال، رضي الله عنه، ويدخل اليها على حلق كبير شبيه الفندق قد أحدقت به البيوت للكراء من الحاج. والدار المكرمة دار صغيرة يجدها الداخل الحلق المذكور عن يساره، وهي مجددة البناء، أنفق في بنائها جمال الدين، المذكور أثره الكريم في هذا المكتوب، نحو الألف دينار نفعه الله بما أسلفه من العمل الصالح. وعن يمين الداخل الدار المباركة باب يدخلمنه قبة كبيرة بديعة البناء، فيها مقعد النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، والصخرة التي كان اليها مستنده، وعن يمينه موضع أبي بكر الصديق، وعن يمين أبي بكر موضع علي بن أبي طالب، والصخرة التي كان اليها مستنده هي داخلة في الجدار كشبه المحراب. وفي هذه الدار كان اسلام عمر بن الخطاب ومنها ظهر الاسلام على يديه، وأعزه الله به، نفعنا الله ببركة هذه المشاهد المكرمة والآثار المعظمة، وأماتنا على محبة الذين شرفت بهم نسبت اليهم، صلوات الله عليهم أجمعين.

شهر ذي الحجة
استهل هلاله ليلة الخميس بموافقة الخامس عشر من مارس. وكان للناس في ارتقابه أمر عجيب، وشأن من البهتان غريب، ونطق من الزور كاد يعارضه من الجماد فضلا عن غيره رد وتكذيب؛ وذلك أنهم ارتقبوه ليلة الخميس الموفي ثلاثين، والأفق قد تكاثف نؤه وترتاكم غيمه أن علته مع المغيب بعض حمرة من الشفق، قطمع الناس في فرجه من الغيم لعل الأبصار تلتقطه فيها، فبينما هم كذلك اذا كبر أحدهم، فكبر الجم الغفير لتكبيره ومشوا قياما ينتظرون ما لايبصرون ويشيرون مايتتخيلون حرصا منهم على أن تكون الوقفة بعرفات يوم الجمعة، كأن الحج لايرتبط الا بهذا اليوم بعينه، فاختلقوا شهادات زورية، ومشت منهم طائفة من المغاربة، أصلح الله أحوالهم، ومن أهل مصر وأربابها، فشهدوا عند القاضي برؤيته، فردهم أقبح رد وجرح شهاداتهم أسوأ تجريح وفضحهم في تزييف أقوالهم أخزى فضيحة، وقال: ياللعجب لو أن أحدهم يشهد برؤيته الشمس تحت ذلك الغيم الكثيف النسج لما قبلته، فكيف برؤية هلال هو ابن تشع وعشرين ليلةوكان أيضا مما حكي من قوله: تشوشت المغارب، وتعرضت شعرة من الحاجب، فأبصروا خيالا ظنوه هلالا. وكان لهذا القاضي جمال الدين، في أمر هذه الشهادة الزورية مقام من التوقف والتحري، حمده له أهل التحصيل وشكره عليه ذوو العقول، وحق لهم ذلك، فإنها مناسك الحج للمسلمين عظيمة، أتوا لها من كل فج عميق. فلو تسومح فيها بطل السعي، وفال الرأي، والله يرفع الالتباس وبأس بمنه.


صفحة : 57

فلما كانت ليلة الجمعة المذكورة ظهر الهلال أثناء فرج السحاب وقد اكتسى نورا من الثلاثين ليلة، فزعقت العامة زعقات هائلة وتنادت بوقفة الجمعة، وقالت: الحمد لله الذي لم يخيب سعينا، ولاضيع قصدنا. كأنهم قد صح عندهم أن الوقفة اذا لم تكن توافق يوم الجمعة ليست مقبولة، ولا الرحمة فيها من الله مرجوة مأمولة؛ تع الله عن ذلك علوا كبيرا.
ثم إنهم يوم الجمعة المذكور اجتمعوا القاضي فأدوا شهادات بصحة الروية تبكي الحق وتضحك الباطل، فردها وقال: ياقوم حتام هذا التمادي في الشهوة، والام تستنون في طرق الهفوة? وأعلمهم أنه قد استأذن الأمير مكثرا في أن يكون الصعود عرفات صبيحة يوم الجمعة فيقفوا عشية بها، ثم يقفوا صبيحة يوم السبت بعده ويبيتوا ليلة الأحد بمزدلفة، فإن كانت الوقفة يوم الجمعة فما عليهم في تأخير المبيت بمزدلفة بأس، اذهو جائز عند أئمة المسلمين، وان كانت يوم السبت فبها ونعمت. وأما أن يقع القطع بها يوم الجمعة فتغرير بالمسلمين وافساد لمناسكهم، لأن الوقفة يوم التروية عند الأئمة غير جائزة، كنا انها عندهم جائزة يوم النحر. فشكر جميع من حضر للقاضي هذا المنزع من التحقيق ودعوا له، وأظهر من حضر من العامة الرضى بذلك واصرفوا عن سلام، والحمد لله على ذلك.
وهذا الشهر المبارك هو ثالث الأشهر الحرم، وعشره الأولى مجتمع الأمم وموسم الحج الاعظم، شهر العج والثج، وملتقى وفود الله من كل أوب وفج، مصاب الرحمة والبركات، ومحل الموقف الاعظم بعرفات، جعلنا الله ممن فاز فيه بالحسنات، وتعرى به من ملابس الاوزار والسيئات، بمنه وكرمه، انه أهل التقوى، وأهل المغفرة، والامير العراقي منتظر لكشف هذا الإلباس عن الناس في أمر الهلال لعله قد اتضح له اليقين فيه، إن شاء الله.
وفي سائر هذه الايام كلها هلم جرا تصل رفاق من السرو واليمنيين وسائر حجاج الآفاق لايحصي عددها الا محصي آجالها وأرزاقها، لا إله سواه. فمن الآيات البينات أن يسع هذا الجمع العظيم هذا البلد الامين الذي هو بطن واد سعته غلوة أو دونها. ولو أن المدن العظيمة حمل عليها هذا الجمع لضاقت عنه. وما هذه البلدة المكرمة فيما تختص به من الآيات البينات في اتساعها لهذا البشر المعجز احصاؤه الا كما شبهتها العلماء حقيقة بأنها تتسع لوفودها اتساع الرحم لمولودها. وكذلك عرفات وسائر المشاهد المعظمة بهذا البلد الحرام، عظم الله حرمته ورزقنا الرحمة فيه بكرمه وفضله.
ومن أول هذا الشهر المبارك ضربت دبادب الأمير بكرة وعشية وفي أوقات الصلوات كأنها إشعار بالموسم، ولايزال كذلك يوم الصعود عرفات، عرفنا الله بها القبول والرحمة.
وفي يوم الاثنين الخامس أو الرابع من هذا الشهر وصل الأمير عثمان بن علي صاحب عدن، خرج منها فارا أمام سيف الاسلام المتوجه اليمن وركب البحر في جلاب كثيرة مشحونة بأحوال عظيمة وأموال لاتحصى كثرة لأنه طال مقابمه في تلك الولاية واستع كسبه. وعند خروجه من البحر بموضع يعرف بالصر. لحقت جلبة حراريق الأمير سيف الاسلام فأخذت جميع مافيها من الأثقال، وكان قد اسصحب الخف النفيس الخطير مع نفسه البر وهو في جملة من رجاله وعبيده، فسلم به ووصل مكة بعير موقرة متاعا ومالا دخلت أعين الناس داره التي ابتناها بها بعد أن قم نفيس ذخائه وناض ماله وجملة رقيقة وخدمه ليلا.
وبالجملة فحاله لاتوصف كثرة واتساعا، والذي انتهب له أكثر، لأنه كان في ولايته يوضف بسوء السيرة مع التجار، وكانت المنافع التجارية كلها راجعة اليه، والذخائر الهندية المجلوبة كلها واصلة يديه، فاكتسب سحتا عظيما، وحصل على كنوز قارونية، لكن حوادث الأيام قد ابتدأت بالخسف به، ولا يدري حال أمره مع صلاح الدين لم يكون، والدنيا مفنية محبيها، واكلة بنيها، وثواب الله خير ذخيرة، وطاعته أشرف غنيمة، لا إله سواه.
وبقيت الشهادة مضطربة في امر هذا الهلال المبارك الميمون أن تواصلت الأخبار برؤيته ليلة الخميس الذي يوافق الخامس عشر من مارس، شهد بذلك ثقات من أخل الزهد والورع يمنيون وسواهم من الواصلين من المدينة المكرمة لكن بقي القاضي على ثباته وتوفقه في القبول وارجاء الامر وصول المبشر المعلم بوصول الأمير العراقي ليتعرف من قبله ما عند أمير الحاج في ذلك.


صفحة : 58

فلما كان يوم الأربعاء السابع من الشهر المذكور وصل المبشر، وكانت نفوس أهل مكة قد أوجست خيفة لبطئه حذرا من حقد الخليفة على أميرهم مكثر لمذموم فعل صدر عنه. فكان وصول هذا البشير أمانا وتسكينا للنفوس الشاردة، فوصل مبشرا ومؤنسا، واعلم برؤية الهلال ليلة الخميس المذكور. وتواترت الأنباء بذلك، فصح الأمر عند القاضي بذلك صحة أوجبت خطبته في ذلك اليوم على ماجرت به العادة في اليوم السابع من ذي الحجة اثر صلاة الظهر، علم الناس فيها مناسكهم، ثم أعلمهم أن غدهم هو يوم الصعود منى، وهو يوم التروية، وأن وقفتهم يوم الجمعة، وأن الأثر الكريم فيها عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، بأنها تعدل سبعين وقفة، ففضل هذه الوقفة في الأعوام كفضل يوم الجمعة على سائر الأيام.

الصعود عرفات
فلما كان يوم الخميس بكر الناس بالصعود منى وتمادوا منها عرفات.وكانت السنة المبيت بها، لكن ترك الناس ذلك اضطرارا بسبب خوف بني شعبة المغيرين على الحجاج في طريقهم عرفات. وصدر عن هذا الأمير عثمان المتقدم ذكره في ذلك اجتهاد بل جهاد يرجى له به المغفرة لجميع خطاياه، إن شاء الله، وذلك أنه تقدم بجميع أصحابه شاكين في الأسلحة المضيق الذي مزدلفة وعرفات، وهو موضع ينحصر الطريق فيه بين جبلين فينحدر الشعبيون من أحدهما، وهو الذي عن يسار المار عرفات، فينتهبون الحاج انتهابا، فضرب هذا الامير قبة في ذلك المضيق بين الجبلين بعد أن قدم أحد أصحابه فصعد رأس الجبل بفرسه، وهو جبل كؤود، فعجبنا من شأنه، واكثر التعجب من أمر افرس وكيف تمكن له الصعود ذلك المرتقى الصعب الذي لايرتقيه. فأمن جميع الحاج بمشاركة هذا الأمير لهم، فحصل على اجرين: أجر جهاد وحج، لأن تأمين وفد اله عز وجل في مثل ذلك اليوم من أعظم الجهاد.
واتصل صعود الناس ذلك اليوم كله والليلة كلها يوم الجمعة كله. فاجتمع بعرفات من البشر جمع لايحصي عدده الا الله عز وجل. ومزدلفة بين منى وعرفات، من منى اليها مامن مكة منى، وذلك نحو خمسة أميال، ومنها عرفات، مثل ذلك أو أشف قليلا، وتسمى المشعر الحرام، وتسمى جمعا، فلها ثلاثة اسماء، وقبلها بنحو الميل وادي محسر، وجرت العادة بالهرولة فيه، وهو حد بين مزدلفة ومنى لأنه معترض بينهما.
ومزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين جبلين وحوله مصانع وصاريج كانت للماء في زمان زبيدة، رحمها الله. وفي وسط ذلك البسيط من الارض حلق في سوطه قبة في أعلاها مسجد يصعد اليه على أدراج من جهتين، يزدحم الناس في الصعود اليه والصلاة فيه عند مبيتهم بها. وعرفات أيضا بسيط من الأرض مد البصر، لو كان محشرا لخلائق لوسعهم، يحدق بذلك البسيط الافينح جبال كثيرة. قبله بنحو الميلين، فما أمام العلمين عرفات حل، ومادونهما حرم. وبمقربة منهما، ممايلي عرفات، بطن عرنة الذي أمر النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، بالاتفاع عنه في قوله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: عرفات كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، فالواقف فيه لايصح حجه، فيجب التحفظ من ذلك لأن الجمالين عشية الوقفة ربما استحثوا كثيرا من الحاج وحذروهم الزحمة في النفر واستدرجوهم بالعلمين اللذين أمامهم أن يصلوا بهم بطن عرنة أو يجيزوه فيبطلوا على الناس حجهم. والتحفظ لاينفر من الوقف حتى يتمكن سقوط القرصة من الشمس.
وجبل الرحمة المذكور منقطع عن الجبال قائم في وسط البسيط، وهو كله حجارة منقطعة بعضها عن بعض. وكان صعب المرتقى، فأحدث فيه جمال الدين المذكورة مآثره في هذا التقييد أدراجا وطيئة من أربع جهاته، يصعد فيها بالدواب المذكورة، وانفق فيها مالا عظيما.
وفي أعلى الجبل قبة تنسب أم سلمة، رضي الله عنها، ولا يعرف صحة ذلك. وفي وسط القبة مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه. وحول ذلك المسجد المركم سطح محدق به فسيح الساحة جميل المنظر، يشرف منه على بسيط عرفات. وفي جهة القبلة منه جدار، وقد نصبت فيه محاريب يصلي الناس فيها.


صفحة : 59

وفي أسف هذا الجبل المقدس، عن يسار المستقبل للقبلة فيه، دار عتيقة البنيان في أعلاها غرف لها طيقان تنسب آدم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. وعن يسار هذه الدار في استقبال القبلة الصخرة التي كان عندها موقف النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهي في جبل متطامن. وحول جبل الرحمة والدار المكرمة صهاريج للماء وجباب. وعن يسار الدار أيضا، على مقربة منها، مسجد صغير.
وبمقربة من العلمين، عن يسار مستقبل القبلة، مسجد قديم فسيح البناء، بقي منه الجدار القبلي، ينسب ابراهيم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فيه يخطب الخطيب يوم الوقفة، ثم يجمع بين الظهر والعصر. وعن يسار العلمين أيضا، في استقبال القبلة، وأدي الأراك، وهو أراك أخضر يمتد في ذلك البسيط مع البصر امتدادا طويلا.
فتكامل جمع الناس بعرفات يوم الخميس وليلية الجمعة كلها. وفي نحو الثلث الباقي من ليلة الجمعة المذكورة وصل أمير الحاج العراقي فضرب أبنيته في البسيط الأفيح، ممايلي الجانب الأيمن من جبل الرحمة في استقبال القبلة.
والقبلة في عرفات هي مغرب الشمس، لأن الكعبة المقدسة في تلك الجهة منها. فأصبح يوم الجمعة المذكورة في عرفات جمع لاشبيه له الا الحشر، لكنه إن شاء الله تع حشر للثواب، مبشر بالرحمة والمغفرة يوم الحشر للحساب؛ زعم المحققون من الأشياخ المجاورين أنهم لم يعاينوا قط في عرفات جمعا احفل منه، ولا أرى كان من عهد الرشيد، الذي هو آخر من حج من الخلفاء، جمع في الإسلام مثله، جعله الله جمعا مرحوما معصوما بعزته.
فلما جمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة المذكور وقف الناس خاشعين باكين، و الله عز وجل في الرحمة متضرعين، والتكبير قد علا، وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع فما رؤي يوم أكثر مدامع، ولا قلوبا خواشع، ولا اعناقا لهيبة الله خوانع من ذلك اليوم. فمازال الناس على تلك الحالة والشمس تلفح وجوههم أن سقط قرصها وتمكن وقت المغرب. وقد وصل أمير الحاج مع جملة من جنده الدارعين ووقفوا بمقربة من الصخرات عند المسجد الصغير المذكور. وأخذ السر واليمنيون مواقفهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبال عرفات المتوارثة عن جد فجد من عهد النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، لاتتعدى قبيلة على منزل أخرى.

قدوم الأمير العراقي
وكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قط مثله. وكذلك وصل الأمير العراقي في جمع لم يصل قط مثله، ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين، واحدتهن خاتون، ومن السيدات بنات الأمراء كثير، ومن سائر العجم عدد لايحصى، فوقف الجميع وقد جعلوا قدوتهم في النفر الإمام المالكي، لأنه مذهب مالك، رضي الله عنه، يقتضي أن لاينفر حتى يتمكن سقوط القرصة ويحين وفت المغرب. ومن السرو اليمنيين من نفر قبل ذلك. فلما أن حان الوقت أشار الإمام المالكي بيديه ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعا ارتجت له الأرض ووجفت الجبال، فياله موقفا ما أهون مرآه وأرجى في النفوس عقباه جعلنا الله ممن خصه فيه برضاه، وتغمده بنعماه، إنه منعم كريم، حنان منان.
وكانت محلة هذا الأمير العراقي جميلة المنظر، بهية العدة، رائقة المضارب الأبينية، عجيبة القباب والاروقة، على هيئات لم ير أبدع منها منظرا. فأعظمها مرأى مضرب الامير، وذلك أنه أحدق به سرادق كالسور من كتان كأنه حديقة بستان أو زخرفة بنيان، وفي داخله القباب المضروبة، وهي كلها سواد في بياض، مرقشة ملونة كأنها أزاهير الرياض. وقد جللت صفحات ذلك السرادق من جوانبه الأربعة كلها أشكال درقية من ذلك السواد المنزل في البياض يستشعر الناظر اليها مهابة يتخيلها درقا لمطية قد جللتها مزخرفات الاغشية.
لوهذا السرادق الذي هو كالسور المضروب أبواب مرتفعة كأنها أبواب القصور المشيدة، يدخل منها دهاليز وتعاريج ثم يفضى منها الفضاء الذي فيه القباب. وكأن هذا الأمير ساكن في مدينة قد أحدق بها سورها تنتقل بانتقاله وتنزل بنزوله، وهي من الابهات الملوكية المعهودة التي لم يعهد مثلها عند ملوك المفرب.


صفحة : 60

ودخل تلك الأبواب حجاج الأمير وخدمه وغاشيته، وهي أبواب مرتفعة، يجيء الفارس برايته فيدخل عليها دون تنكيس ولا تظأطؤ، قد احكمت اقامة ذلك كله أمراس وثيقة من الكتان تتصل بأوتاد مضروبة، أدير ذلك كله بتدبير هندسي غريب. ولسائر الأمراء الواصلين صحبة هذا الأمير مضارب دون ذلك لكنها عى تلك الصفة، وقباب بديعة المظر عجيبة الشكل قد قامت كأنها التيجان المصوبة، مايطول وصفه ويتسع القول فيه من عظيم احتفال هذه المحلة في الآلة والعدة وغير ذلك مما يدل على سعة الأحوال وعظيم الانخراق في المكاسب والأموال.
ولهم أيضا في مراكبهم على الإبل قباب تظلهم بديعة المنظر عجيبة الشكل قد نصبت على محامل من الأعواد يسمونها القشاوات، وهي كالتوابيت المجوفة، هي لركابها من الرجال والنساء كالامهدة للأطفال، تملأ بالفرش الوثيرة، ويقعد الراكب فيها مستريحا كأنه في مهاد لين فسيح وبإزائه معادله أو معادلته في مثل ذلك من الشقة الاخرى، والقبة مضروبة عليهما، فيسار بهما وهما نائمان لايشعران، أو كيفما أحبا، فعندما يصلان المرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين أن كانا من أهل الترفه والنعم فيدخل بهما راكبين وينصب لهما كرسي ينزلان عليه، فينتقلان من ظل قبة المحمل قبة المنزل دون واسطة هواء يلحقهما ولا خطفة شمس تصيبهما. وناهيك من هذا الترفيه فهؤلاء لايلقون لسفرهم، وإن بعدت شقته، نصبا، ولايجدون على طول الحل والترحال تعبا.
ودون هؤلاء في الراحة راكبو المحارات وهو شبيهة الشقادف التي تقدم وصفها في ذكر صحراء عيذاب، لكن الشقادف أبسط وأوسع، وهذه أضم وأضيق، وعليها أيضا ظلائل تقي حر الشمس. ومن قصرت حاله عنها في هذه الأسفار فقد حصل على نصب السفر الذي هو قطعة من العذاب.

اسيفاء حال النفر
ثم يرجع القول استيفاء حال النفر عشية الوقفة المذكورة بعرفات، وذلك أن الناس نفروا مها بعد غروب الشمس، كما تقدم الذكر، فوصلوا مزدلفة مع العشاء الآخرة،فجمعوا بها بين العشاؤين، حسبما جرت به سنة النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، واتقد المشعر الحرام تلك الليلة كلها مشاعيل من الشمع المسرج، وأما مسجده المذكور فعاد لكه نورا، فيخيل للناظر أليه أن كواكب السماء كلها نزلت به. وعلى هذا الصفة كان جبل الرحمة ومسجده ليلة الجمعة؛ ولن هوؤلاء الأعاجم الخراسانيين وسواهم من العراقيين أعظم الناس همة في استجلاب هذا الشمع والاستكثار منه إضاءة لهذه المشاهد الكريمة. وعلى هذه الصفة عاد الحرم بهم مدة مقامهم فيه، فيدخل منهم كل انسان بشمعة في يده، وأكثر ما يقصدون بذلك حطيم الإمام الحنفي لأنهم على مذهبه. وشاهدنا منه شمعا عظيما أحضر منه، تنوء الشمعة منه بالعصبة كأنه السرو، ووضع أمام الحنفي.
فبات الناس بالمشعر الحرام هذه الليلة، وهي ليلة السبت، فلما صلوا الصبح غدوا منه منى بعد الوقوف والدعاء، لأن مزدلفة كلها موقف وادي محسر، ففيه تقع الهرولة في التوجه منى حتى يخرج عنه. ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار، وهو المستحب، ومنهم من يلتقطها حول مسجد الخيف بمنى، وكل ذلك واسع. فلما انتهى الناس منى بادروا الرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم نحروا أو ذبحوا وحلوا من كل شيء إلا النساء والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة. ورمي هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر. ثم توجه أكثر الناس لطواف الإفاضة، ومنهم من أقام اليوم الثاني، ومنهم من أقام اليوم الثالث، وهو يوم الانحدار مكة. فلما كان اليوم الثاني من يوم النحر، عند زوال الشمس، رمى الناس بالجمرة الأولى سبع حصيات، وبالجمرة الوسطى كذلك، وبهاتين الجمرتين يقفون للدعاء، وبجمرة العقبة كذلك ولايقفون بها، اقتداء في ذلك كله بفعل النبي،صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.فتعود جمرة العقبة في هذين اليومين أخيرة، وهي يوم النحر أولى منفردة لايخلط معها سواها.
وفي اليوم الثاني من يوم النحرر، بعد ريم الجمرات، خطب الخطيب بمسجد الخيف، ثم جمع بين الظهر والعصر، وهذا الخطيب وصل مع الأمير العراقي مقدما من عند الخليفة للخطبة والقضاء بمكة على مايذكر، ويعرف بتاج الدين. وظاهر أمره البلادة والبله لأن خطبته أعربت عن ذلك، ولسانه لايقيم الإعراب.
الهبوط مكة

صفحة : 61

فلما كان اليوم الثالث تعجل الناس في الانحدار مكة بعد أن كمل هلم رمي تسع وأربعين جمرة: سبع منها يوم النحر بالعقبة، وهي المحللة؛ ثم احدى وعشرون في اليوم الثاني، بعد زوال الشمس، سبعا سبعا في الجمرات الثلاث؛وفي اليوم الثالث كذلك، ونفروا مكة؛ فمنهم من صلى الله عليه وسلم العصر بالأبطح، ومنهم من صلاها بالمسجد الحرام، ومنهم من تعجل فصلى الله عليه وسلم الظهر بالأبطح. ومضت السنة قديما بإقامة ثلاثة أيام، بعد يوم النحر بمنى، لإكمال رمي سبعين حصاة، فوقع التعجيل في هذا الزمان في اليومين كما قال الله تبارك وتع: فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه ومن تأخر فلا اثم عليه،وذلك مخافة بني شعبة ومايطرأ من حرابة المكيين.
وقد كانت في يوم الانحدار المذكور بين سودان أهل مكة وبين الأتراك العراقيين جولة وهوشة وقعت فيها جراحات وسلت السيوف وفوقت القسي ورميت السهام انتهب بعض أمتعة التجار، لأن منى في تلك الأيام الثلاثة سوق من أعظم الأسواق يباع فيها من الجوهر النفيس أدنى الخرز، غير ذلك من الأمتعة وسائر سلع الدنيا، لأنها مجتمع أهل الآفاق. فوقى الله شر تلك الفتنة بتسكينها سريعا. وكانت عين الكمال في تلك الوقفة الهنيئة، وكمل للناس حجم، والحمد لله رب العالمين.
نقل كسوة الأمير العراقي للكعبة وفي يوم السبت، يوم النحر المذكور، سيقت كسوة الكعبة المقدسة من محلة الأمير العراقي مكة على أربعة جمال، وتقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية، والرايات على رأسه، والطبول تهر وراءه، وابن عم الشيبي محمد بن إسماعيل معها لأنه ذكر أن أمر الخليفة نفذ بعزله عن حجابة البيت لهنات اشتهرت عنه، والله يطهر بيته المكرم بمن يرضى من خدمه بمنه. وهذا ابن العم المذكور هو أشبه طريقة منه وأمثل حالا، وقد تقدم ذكر ذلك في العزلة الأولى. فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى الكعبة. فلما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتغل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد الأبصار حسنان في أعلاها رسم أحمر واسع مكتوب في الصفح الموجه المقام الكريم حيث الباب المكرم، وهو وجهها المبارك، بعد البسملة: إن أول بيت وضع للناس لآية، وفي سائر الصفحات اسم الخليفة والدعاء له، وتحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صغارر بيض فيها رسم بخط رقيق يتضمن آيات من القرآن وذكر الخليفة أيضا. فكملت كسوتها، وشمرت أذيالها الكريمة صونا من أيدي الأعاجم وشدة اجتذابها وقوة تهافتها عليها وانكبابها. فلاح للناظرين منها أجمل منظر، كأنها عروس جليت في السندس الأخضر، أمتع الله بالنظر اليها كل مشتاق لقائها حريص على المثول بفنائها بمنه.

يوم الأعاجم العراقيين في البيت الكريم
كل يوم للأعاجم العراقيين والخراسانيين وسواهم من الواصلين مع الأمير العراقي. فظهر من تزاحمهم وتطارحهم على الباب الكريم ووصول بعضهم على بعض وسباحة بعضهم على رؤوس بعض كانهم في غدير من الماء، أمر لم ير أهوال منه، يؤدي تلهف المهج وكسر الاعضاء. وهم في خلال ذلك لايبالون ولايتوقفون، بل يلقون بأنفسهم على ذلك البيت الكريم، من فرط الطرب والارتياح، القاء الفراش بنفسه على المصباح. فعادت أحوال السرو اليمنيين في دخولهم البيت المبارك على الصفة المتقدمة الذكر، حال تؤدة ووقار بالإضافة هؤلاء الأعاجم الاغتام، نفعهم الله بنياتهم، وقد فقد منهم في ذلك المزدحم الشديد من دنا أجله، والله يغفر للجميع.
وربما زاحمهم في تلك الحال بعض نسائهم فيخرجن وقد نضجت جلودهن طبخا في مضيق ذلك المعترك الذي حمي بأنفاس الشوق وطيشه، والله ينفغ الجميع بمعتقده وحسن مقصده بعزته.
وفي ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المبارك، اثر صلاة العتمة، نصب منبر الوعظ أمام المقام، فصعد واعظ خراساني حسن الشاررة مليح الإشارة، يجمع بين اللسانين عربي وعجمي، فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان، فصيح المنطق، بارع الالفاظ، ثم يقلب لسانه للأعاجم بلغتهم فيهزهم اطرابا ويذيبهم زفرات وانتحابا.


صفحة : 62

فما كانت الليلة الأخرى بعدها وضع منبر آخر خلف حطيم الحنفي، فصعد اثر صلاة العتمة ايضا شيخ أبيض السبال، رائع الجلال، بارع التمام في الفضل والكمال، فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة، ثم تصررف في أساليب الوعظ وأفانين منالعلم باللسانين أيضا، حرك بها القلوب حتى أطارها واورثها احتداما بالخشية بعد استعارها. وفي اثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بمجن من الجواب السريع البليغ، فتحار له الالباب، ويملك كل نفس منه الإغراب والإعجاب، فكأنماهو وحي يوحى.
وهذا الذي مشى به وعاظ هذه الجهات المشرقية من القاء المسائل اليهم وافاضة شآبيب الامتحان عليهم من أعجب الأمور المعربة عن غريب شأنهم والناطقة بسحر بيانهم. وليست في فن واحد انما هي من فنون شتى. وربما قصد بها التعنيت والتنكيب فيأتون بالجواب كخطفة البرق وارتداد الطرف، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وبين أيدي هؤلاء الوعاظ قراء ينغمون بالقراءة فيأتون بألحان تكسب الجماد طربا واريحية كأنها المزامير الداودية. فلا تدري من أي أحوال هذا المجتمع تعجب، والله يؤتي الحكمة من يشاء، لا اله سواه، وسمعت هذا الشيخ الواعظ يسند الحديث خمسة من أجداده: جد عن جد، نسقا مسلسلا من أبيه اليهم على اتصال، كلهم له لقب يدل على منزلته من العلم ومكانته من التذكير والوعظ، فهو معرررق في الصنعة الشريفة، تليد المجد فيها.

سوق المسجد الحرام
وفي أيام الموسم كلها عاد المسجد الحرام، نزهه الله وشرفه، سوقا عظيمة يباع فيه من الدقيق العقيق، ومن البر الدر، غير ذلك من السلع. فكان مبيع الدقيق بدار الندوة جهة باب بني شيبة، ومعظم السوق في البلاط الآخذ من الغرب الشمال، وفي البلاط الآخذ من الشمال الشرق، وفي ذلك من النهي الشرعي ماهو معلوم، والله غالب على أمرره، لا اله سواه.

يوم الرحيل
وفي عشي يوم الأحد الموفي عشررين من الشهر المذكور وهو أول أبريل، كان مسيرررنا محلة الأمير العراقي بالزاهر وهو على نحو الميلين من البلد، وقد كمل اكتراؤنا الموصل، وهو أمام بغداد بعشررة أيام، عرفنا الله الخير والخيرة بمنه، فأقمنا بالزاهر ثلاثة أيام نجدد العهد كل يوم بالبيت العتيق، ونعيد وداعه.فلما كان ضحوة يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة المذكور، أقلعت المحلة على تؤدة ورفق بسبب البطء والتأخر ونزلت على نحو ثمانية أميال من الواضع الذي أقلعت منه بمقربة من بطن مرة، والله كفيل بالسلامة والعصمة بمنه.
فكانت مدة مقامنا بمكة، قدسها الله، من يوم وصولنا إليها، وهو يوم الخميس الثالث عشر لرربيع الآخر من سنة تسع وسبعين، إقلاعنا من الزاهر، وهو يوم الخميس الثاني والعشرين لذي الحجة من السنة المذكورة، ثماينة أشهر وثلث شهر، التي هي بحسب الزائد والناقص من الأشهر مئتا يوم اثنتان وخمسة وابعون يوما سعيدات مباركات، جعلها الله لذاته، وجعل القبول لها موافقا لمرضاته، بمنه، غبنا عن رؤية البيت الكريم فيها ثلاثة أيام: يوم عرفة، وثاني يوم النحر، ويوم الأربعاء الذي هو الحادي والعشرون لذي الحجة، قبل يوم الخميس يوم اقلاعنا من الزاهر، والله لايجعله آخر العهد بحرمه الكريم بمنه.


صفحة : 63

ثم أقلعنا من ذلك الموضع إثر صلاة الظهر من يوم الخميس، بطن مر، وهو واد خصيب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة الماء تسقى منها أرض تلك الناحية. وعلى هذا الوادي قطر متسع وقرى كثيرررة وعيون، ومنه تجلب الفواكه مكة، حرسها الله، فأقمنا به يوم الجمعة لسبب عجيب، وذلك أن الملكة خاتون بيت الأمير مسعود ملك الدروب والأرمن وما يلي بلاد الروم، وهي احدى الخواتين الثلاث اللاتي وصلن للحج، مع أمير الحاج أبي المكارم طاشتكين مولى أمير المؤمينين، والموجه كل عام من قبل الخليفة، وله بتولي هذه الخطة نحو الثمانية أعوام أو أزيد، وخاتون هذه اعظم الخواتين قدرا، بسبب سعة مملكة أبيها. والمقصود من ذكر أمرها أنها أسرت من بطن مر ليلة الجمعة مكة في خاصة من خدمها وحشمها، فتفقد موضعها يوم الجمعة المذكور، فوجه الأمير ثقات من خاصة أصحابه يستطلعونها في الانصراف، وأقام بالناس منتظرا لها. فوصلت عتمة يوم السبت، وأجليت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون، وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون، فمنهم من يقول: أنها انصرفت أنفة لبعض مانتقدته على الأميرر، ومنهم من قال: أن نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها المثابة المكرمة، ولايعلم الغيب الا الله. وكيفما كان الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها، وأطلق سبيل الحاج، ولله الحمد على ذلك.
وأبو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود، كما ذكرناه، وهو في بسطة من ملكه واتساع من أمرته، على ماحقق عندنا، أكثر من مئة الف فاررس، وصهره عليها نور الدين صاحب آمد وماسواها؛ ويركب له أيضا نحو اثني عشر الف فارس. ولخاتون هذه افعال من البر كثيرة في طريق الحاج: منها سقي الماء للسبيل، عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة، ومثلها للزاد، واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير ذلك نحو المئة بعير. وأمورررها يطول مصفها، وسنها نحو خمسة وعشرين عاما.
ولخاتون الثانية، أم عز الدين صاحب الموصل، زوج قطب الدين بن اتابك أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام، رحمه الله، ولهذه أفعال كثيررة من البر. وخاتون الثالثة ابنة الدقوس صاحب اصبهان من بلاد خراسان، وهي أيضا كبيرة القدر عظيمة الشأن منافسة في أفعال البر. وشأنهن جمع عجيب جدا فيما هن بسبيله من الخيل والاحتفال في الأبهة الملوكية.
ثم اقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين الذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان، ثم اسرينا اليها نصف الليل وصبحناها بكررة يوم الأحد. وهي في بسيط من الأرض بين جبال، وبها آبارر معينة تنسب لعثمان، ررضي الله عنه، وشجر المقل فيها كثيرر، وبها حصن عتيق البنيان، ذو أبراج مشيدة غير معمور، قد أثر فيه القد، وأوهته قلة العمارة ولزوم الخراب. فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين.
فلما كان اثر صلاة الظهر أقلعنا خليص، فوصلناها عشي النهار. وهي أيضا في بسيط من الأررض، كثيرة حدائق النخل، لها جبل فيه حصن مشيد في قنته. وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب. وبها عين فوارة قد أحدثت لها أخاديد في الأرض مسربة يستقى منها على أفواه كالآباررر، يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط المتصل، والله يغيث بلاده وعباده. وأصبح الناس بها مقيمين يوم الأثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء. وبهذه المحلة العراقية ومن انضاف اليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات هندسي غريب. ولسائر الامراء الواصلين صحبة هذا الأمير مضارب دون ذلك لكنها على تلك الصفة، وقباب بديعة المنظر عجيبة الشكل قد قامت كأنها التيجان المنصوبة، مايطول وصفه ويتسع القول فيه من عظيم احتفال هذه المحلة في الآلة والعدة وغير ذلك مما يدل على سعة الأحوال وعظيم الإنخراق في المكاسب والأموال.


صفحة : 64

ولهم أيضا في مراكبهم على الإبل قباب تظلهم بديعة المنظر عجيبة الشكل قد نصبت على محامل من الأعواد يسمونها القشاوات، وهي كالتوابيت المجوفة، هي لركابها من الرجال والنساء كالامهدة للأطفال، تملأ بالفرش الوثيرة، ويقعد الراكب فيها مستريحا كأنه في مهادلين فسيح وبإزائه معادله أو معادلته في مثل ذلك من الشقة الأخرى، والقبة مضروبة عليهما، فيسار بهما وهما نائمان لايشعران، أو كيفما أحبا، فعندما يصلان المرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين أن كانا من أهل الترفه والنعم فيدخل بهما راكبين وينصب لهما كرسي ينزلان عليه، فينتقلان من ظل قبة المحمل قبة المنزل دون واسطة هواء يلحقهما ولاخطفة شمس تصيبهما. وناهيك من هذا الترفيه فهؤلاء لايلقون لسفرهم، وإن بعدت شقته، نصبا، ولايجدون على طول الحل والترحال تعبا.
ودون هؤلاء في الراحة راكبو المحارات، وهي شبيهة الشقادف التي تقدم وصفها في ذكر صحراء عيذاب، لكن الشقادف أبسط وأوسع، وهذه أضم وأضيق، وعليها أيضا ظلائل تقي حر الشمس. ومن قصرت حاله عنها في هذه الأسفار فقد حصل على نصب السفر الذي هو قطعة من العذاب.

استيفاء حال النفر
ثم يرجع القول استيفاء حال النفر عشية الوقفة المذكورة بعرفات، وذلك أن الناس نفروا منها بعد غروب الشمس، كما تقدم الذكر، فوصلوا مزدلفة مع العشاء الآخرة، فجمعوا بها بين العشاءين، حسبما جرت به سنة النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، واتقد المشعر الحرام تلك الليلة كلها مشاعيل من الشمع المسرج، وأمامسجده المذكور فعاد كله نورا، فيخيل للناظر اليه أن كواكب السماء كلها نزلت به. وعلى هذه الصفة كان جبل الرحمة ومسجده ليلة الجمعة؛ لأن هؤلاء الأعاجم الخراسانيين وسواهم من العراقيين أعظم الناس همة في استجلاب هذا الشمع والاستكثار منه إضاءة لهذه المشاهد الكريمة. وعلى هذه الصفة عاد الحرم بهم مدة مقامهم فيه، فيدخل منهم كل انسان بشمعة في يده، وأكثر مايقصدون بذلك حطيم الإمام الحنفي لأنهم على مذهبه. وشاهدنا منه شمعا عظيما أحضرمنه، تنوؤ الشمعة منه بالعصبة كأنه السرو، ووضع أمام الحنفي.
فبات الناس بالمشعر الحرام هذه الليلة، وهي ليلة السبت، فلما صلوا الصبح غدوا منه منى بعد الوقوف والدعاء، لأن مزدلفة كلها موقف وادي محسر، ففيه تقع الهرولة في التوجه منى حتى يخرج عنه. ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار، وهو المستحب، ومنهم من يلتقطها حول مسجد الخيف بمنى، وكل ذلك واسع. فلما انتهى الناس منى بادروا لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم نحروا أو ذبحوا وحلوا من كل شيء الا النساء والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة. ورمي هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر. ثم توجه أكثر الناس لطواف الإفاضة، ومنهم من أقام اليوم الثاني، ومنهم من أقام اليوم الثالث، وهو يوم الانحدار مكة. فلما كان اليوم الثاني من يوم النحر، عند زوال الشمس، رمى الناس بالجمرة الأولى سبع حصيات، وبالجمرة الوسطى كذلك، وبهاتين الجمرتين يقفون للدعاء، وبجمرة العقبة كذلك ولا يقفون بها، اقتداء في ذلك كله بفعل النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. فتعود جمرة العقبة في هذين اليومين أخيرة، وهي يوم النحر أولى منفردة لايخلط معها سواها.
وفي اليوم الثاني من يوم النحر، بعد ريم الجمرات، خطب الخطيب بمسجد الخيف، ثم جمع بين الظهر والعصر، وهذا الخطيب وصل مع الأمير العراقي مقدما من عند الخليفة للخطبة والقضاء بمكة على مايذكر، ويعرف بتاج الدين. وظاهر أمره البلادة والبله لأن خطبته أعربت عن ذلك، ولسانه لايقيم الإعراب.

الهبوط مكة


صفحة : 65

فلما كان اليوم الثالث تعجل الناس في الانحدار مكة بعد أن كمل لهم رمي تسع وأربعين جمرة: سبع منها يوم النحر بالعقبة، وهي المحللة؛ ثم احدى وعشرون في اليوم الثاني، بعد زوال الشمس، سبعا سبعا في الجمرات الثلاث؛ وفي اليوم الثالث كذلك، ونفروا مكة؛ فمنهم من صلى الله عليه وسلم العصر بالأبطح، ومنهم من صلاها بالمسجد الحرام، ومنهم من تعجل فصلى الله عليه وسلم الظهر بالأبطح. ومضت السنة قديما بإقامة ثلاثة أيام، بعد يوم النحر بمنى، لإكمال رمي سبعين حصاة، فوقع التعجيل في هذا الزمان في اليومين كما قال الله تبارك وتع: فمن تعجل في يومين فلا اثم عيه ومن تأخر فلا اثم عليه،وذلك مخافة بني شعبة ومايطرأ من حرابة المكيين.
وقد كانت في يوم الانحدار المذكور بين بسوادان أهل مكة وبين الأتراك العراقيين جولة وهوشة وقعت فيها جراحات وسلت السيوف وفوقت القسي ورميت السهام وانتهب بعض أمتعة التجار، لأن منى في تلك الأيام الثلاثة سوق من أعظم الأسواق يباع فيها من الجوهر النفيس أدنى الخرز، غير ذلك من الأمتعة وسائر سلع الدنيا، لأنها مجتمع أهل الآفاق. فوقى الله شر تلك الفتنة بتسكينها سريعا. وكانت عين الكمال في بتلك الوقفة الهنيئة، وكمل للناس حجهم، والحمد لله رب العاليمن.

نقل كسوة الأمير العراقي للكعبة
وفي يوم السبت، يوم النحر المذكور، سيقت كسوة الكعبة المقدسة من حلة الأمير العراقي مكة على أربعة جمال، تقدمها القاضي الجديد بكسوة الخليفة السوادية، والرايات على رأسه، والطبول تهر وراءه، وابن عم الشيبي محمد بن اسماعيل معها لأنه ذكر أن أمر الخليفة نفذ بعزله عن حجابة البيت لهنات اشتهرت عنه، والله يطهر بيته المكرم بمن يرضى من خدامه بمنه. وهذا ابن العم المذكور هو أشبه طريقة منه وأمثل حالا، وقد تقدم ذكر ذلك في العزلة الأولى. فوضعت الكسوة في السطح المكرم أعلى الكعبة. فلما كان يوم الثلاثاء الثالث عشر من الشهر المبارك المذكور اشتفل الشيبيون بإسبالها خضراء يانعة تقيد الأبصار حسنا، في أعلاها رسم أحمر واسع مكتوب في الصفح الموجه المقام الكريم حيث الباب المكرم، وهو وجهها المبارك، بعد البسملة: إن أول بيت وضع للناس الآية، وفي سائر الصفحات اسم الخليفة والدعاء له، وتحف بالرسم المذكور طرتان حمراوان بدوائر صغار بيض فيها رسم بخط رقيق يتضمن آيات من القرآن وذكر الخليفة أيضا. فكلمت كشوتها، وشمرت أذيالها الكريمة صونا لها من أيدي الأعاجم وشة اجتذابها وقوة تهافتها عليها وانكبابها. فلاح للناظرين منها أجمل منظر، كأنها عروس جليت في السندس الأخضر، أمتع الله بالنظر اليها كل مشتاق لقائها حريص على المثول بفنائها بمنه.

يوم الأعاجم العراقيين في البيت الكريم
وفي هذه الأيام يفتح البيت الكريم كل يوم للأعاجم العراقيين والخراسانيين وسواهم من الواصلين مع الأمير العراقي. فظهر من تزاحمهم وتطارحهم على الباب الكريم ووصول بعضهم على بعض وسباحة بعضهم على رؤوس بعض كأنهم في غدير من الماء، أمر لم ير أهول منه، يؤدي تلهف المهج وكسر الأعضاء. وهو في خلال ذلك لايبالون ولا يتوقفون، بل يلقون بأنفسهم على ذلك البيت الكريم، من فرط الطرب والارتياح، القاء الفراش بنفسه على المصباح. فعادت أحوال السرو اليمنيين في دخولهم البيت المبارك على الصفة المتقدمة الذكر، حال تؤدة ووقار بالإضافة هؤلاء الأعاجم الاغتام، نفعهم الله بنياتهم، وقد فقد منهم في ذلك الزدحم الشديد من دنا أجله، والله يغفر للجميع.
وربما زاحمهم في تلك الحال بعض نسائهم فيخرجن وقد نضجت جلودهن طبخا في مضيق ذلك المعترك الذي حمي بأنفاس الشوق وطيشه، والله ينفع الجميع بمعتقده وحسن مقصده بعزته.
وفي ليلة الخميس الخامس عشر من الشهر المبارك، اثر صلاة العتمة، نصب منبر الوعظ أمام المقام، فصعد واعظ خراساني حسن الشارة مليح الإشارة، يجمع بين اللسانين عربي وعجمي، فأتى في الحالين بالسحر الحلال من البيان، فصيح المنطق، بارع الالفاظ، ثم يقلب لسانه للأعاجم بلغتهم فيهزهم اطرابا ويذيبهم زفرات وانتحابا.


صفحة : 66

فلما كانت الليلة الأخرى بعدها وضع منبر آخر خلف حطيم الحنفي، فصعد اثر صلاة العتمة أيضا شيخ أبيض السبال، رائع الجلال، بارع التمام في الفضل والكمال، فصدع بخطبة انتظمت آية الكرسي كلمة كلمة، ثم تصرف في أساليب الوعظ وأفانين من العلم باللسانين أيضا، حرك بها القلوب حتى أطارها وأورثها احتداما بالخشية بعد استعارها. وفي أثناء ذلك ترشقه سهام من المسائل فيتلقاها بمجن من الجواب السريع البليغ، فتحار له الالباب، ويملك كل نفس منه الإغراب والإعجاب، فكأنما هو وحي يوحى.
وهذا الذي مشى به وعاظ هذه الجهات المشرقية من القاء السائل اليهم وافاضة شآبيب الامتحان عليهم من اعجب الأمور المعربة عن غريب شأنهم والناطقة بسحر بيانهم. وليست في فن واحد انما هي من فنون شتى. وربما قصد بها التعنيت والتنكيب فيأتون بالجواب كخطفة البرق وارتداد الطرف، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وبين أيدي هؤلاء الوعاظ قراء ينغمون بالقراءة فيأتون بألحان تكسب الجماد طربا واريحية كأنها المزامير الداودية. فر تدري من أي أحوال هذا المجتمع تعجب، والله يؤتي الحكمة من يشاء، لا اله سواه، وسمعت هذا الشيخ الواعظ يسند الحديث خمسة من أجداده: جد عن جد، نسقا مسلسلا من أبيه اليهم على اتصال، كلهم له لقب يدل على منزلته من العلم ومكانته من التذكير والوعظ، فهو معرق في الصنعة الشريفة، تليد المجد فيها.

سوق المسجد الحرام
وفي أيام الموسم كلها عاد المسجد الحرام، نزهه الله وشرفه، سوقا عظيمة يباع فيه من الدقيق العقيق، ومن البر الدر، غير ذلك من السلع. فكان مبيع الدقيق بدار الندوة جهة باب بني شيبة، ومعظم السوق في البلاط الآخذ من الغرب الشمال، وفي البلاط الآخذ من الشمال الشرق، وفي ذلك من النهي الشرعي ماهو معلوم، والله غالب على أمره، لا اله سواه.

يوم الرحيل
وفي عشي يوم الأحد الموفي عشرين من الشهر المذكور، وهو أول أبريل، كان مسيرنا محلة الأمير العراقي بالزاهر وهو على نحو الميلين من البلد، وقد كمل اكتراؤنا الموصل، وهو أمام بغداد بعشرة أيام، عرفنا الله الخير والخيرة بمنه، فأقمنا بالزاهر ثلاثة أيام نجدد العهد كل يوم بالبيت العتيق، ونعيد وداعه. فلما كان ضحوة يوم الخميس الثاني والعشرين من ذي الحجة المذكور، أقلعت المحلة على تؤدة ورفق بسبب البطء والتأخر ونزلت على نحو ثمانية أميال من الموضع الذي اقلعت منه بمقربة من بطن مرة، والله كفيل بالسلامة والعصمة بمنه.
فكانت مدة مقامنا بمكة، قدسها الله، من يوم وصولنا اليها، وهو يوم الخميس الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعين، اقلاعنا من الزاهر، وهو يوم الخميس الثاني والعشرين لذي الحجة من السنة المذكورة، ثماينة أشهر وثلث شهر، التي هي بحسب الزائد والناقص من الأشهر مئتا يوم اثنتان وخمسة وأربعون يوما سعيدات مباركات، جعلها الله لذاته، وجعل القبول لها موافقا لمرضاته، بمنه، غبنا عن رؤية البيت الكريم فيها ثلاثة أيام: يوم عرفة، وثاني يوم النحر، ويوم الأربعاء الذي هو الحادي والعشرون لذي الحجة، قبل يوم الخميس يوم اقلاعنا من الزاهر، والله لايجعله آخر العهد بحرمه الكريم بمنه.
ثم أقلعنا من ذلك الموضع اثر صلاة الظهر من يوم الخميس، بطن مر، وهو واد خصيب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة الماء تسقى منها أرض تلك الناحية. وعلى هبذا الوادي قطر متسع وقرى كثيرة وعيون، ومنه تجلب الفواكه مكة، حرسها الله، فأقمنا به يوم الجمعة لسبب عجيب، وذلك أن الملكة خاتون بنت الأمير مسعود ملك الدروب والأرمن ومايلي بلاد الروم، وهي احدى الخواتين الثلاث اللاتي وصلن للحج، مع أمير الحاج أبي المكارم طاشتكين مولى أمير المؤمنين، الموجه كل عام من قبل الخليفة، وله بتولي هذه الخطة نحو الثمانية أعوام أو أزيد، وخاتون هذه أعظم الخواتين قدرا، بسبب سعة مملكة أبيها. والمقصود من ذكر أمرها أنها أسرت من بطن مر ليلة الجمعة مكة في خاصة من خدمها وحشمها، فتفقد موضعها يوم الجمعة المذكور، فوجه الأمير ثقات من خاصة أصحابه يستطلعونها في الإنصراف، وأقام بالناس منتظرا لها.


صفحة : 67

فوصلت عتمة يوم السبت، وأجليت في سبب انصراف هذه الملكة المترفة قداح الظنون، وسلت الخواطر على استخراج سرها المكنون، فمنهم من يقول: انها إنصرفت أنفة لبعض ما انتقدته على الأمير، ومنهم من قال: إن نوازع الشوق للمجاورة عطفت بها المثابة المكرمة، ولا يعلم الغيب الا الله. وكيفما كن الأمر فقد كفى الله العطلة بسببها، وأطلق سبيل الحاج، ولله الحمد على ذلك.
وأبو هذه المرأة المذكورة الأمير مسعود، كما ذكرناه، وهو في بسطة من ملكة واتساع من امرته، على ما حقق عندنا، أكثر من مئة ألف فارس، وصهره علهيا نور الدين صاحب آمد وما سواها؛ ويركب له أيضا نحو اثني عشر الف فارس. ولخاتون هذه افعال من البر كثيرة في طريق الحاج: منها سقي الماء للسبيل، عينت لذلك نحو الثلاثين ناضحة، ومثلها للزاد، واستجلبت لما تختص به من الكسوة والأزودة وغير ذلك نحو المئة بعير. وأمورها يطول وصفها، وسنها نحو خمسة وعشرين عاما.
ولخاتون الثانية، أم عز الدين صاحب الموصل، زوج قطب الدين بن اتابك أخي نور الدين الذي كان صاحب الشام، رحمه الله، ولهذه أفعال كثيرة من البر.
وخاتون الثالث ابنة الدقوس صاحب اصبهان من بلاد خراسان، وهي أيضا كبيرة القدر عظيمة الشأن منافسة في أفعال البر. وشأنهن جمع عجيب جدا فيما هن بسبيله من الخيل والاحتفال في الأبهة الملوكية.
ثم أقلعنا ظهر يوم السبت الرابع والعشرين لذي الحجة المذكور ونزلنا بمقربة من عسفان، ثم اسرينا اليها نصف الليل وصبحناها بكرة يوم الأحد. وهي في بسيط من الأرض بين جبال، وبها آبار معينة تنسب لعثمان، رضي الله عنه، وشجر المقل فيها كثير، وبها حصن عتيق البنيان، ذو أبراج مشيدة غير معمور، قد أثر فيه القدم، وأوهته قلة العمارة ولزوم الخراب. فاجتزناها بأميال ونزلنا مريحين قائلين.
فلما كان اثر صلاة الظهر أقلعنا خليص، فوصلناها عشي النهار. وهي أيضا في بسيط من الأرض، كثيرة حدائق النخل، لها جبل فيه حصن مشيد في قنته. وفي البسيط حصن آخر قد أثر فيه الخراب. وبها عين فوارة قد أحدثت لها أخاديد في الأرض مسربة يستقى منها على أفواه كالآبار، يجدد الناس بها الماء لقلته في الطريق بسبب القحط المتصل، والله يغيث بلاده وعباده.
وأصبح الناس بها مقيمين يوم الاثنين لإرواء الإبل واستصحاب الماء.
وبهذه المحلة العراقية ومن انضاف اليها من الخراسانية والمواصلة وسائر جهات الآفاق من المواصلين صحبة أمير الحاج المذكور جمع لايحصي عدده الا الله تع، يغص بهم البسيط الأفيح، ويضيق عنهم المهمة الصحصاح، فترى الأرض تميد بهم ميدا، وتموج بجميعهم موجا، فتبصر منهم بحرا طامي العباب، ماؤه السراب، وسفنه الركان، وشرعه الظلائل المرفوعة والقباب، تسير سير السحب المتراكمة، يتداخل بعضها على بعض، ويضرب بعضها جوانب بعض. فتعاين لها تزاحما في البراح المنفسح بهول ويروع، واصطكا كا نبع المحارات فيه بعضه ببعض مقروع، فمن لم يشاهد هذا السفر العراقي لم يشاهد من أعاجيب الزمان مايحدث به ويتحف السامع بغرابته، والقدرة والقوة لله وحده، وحسبك أن النازل في منزل من منازل هذه المحلة متى خرج عنها لبعض حاجة ولم تكن له دلالة يستدل بها على موضعه ضل وتلف وعاد منشودا في جملة الضوال، وربما اضطرته الحال الوصول مضرب الأمير ورفع مسألته اليه، فيتأمر أحد المنشدين ببريحه والهاتفين بأوامره ممن قد أعد لذلك أن يردفه خلفه على جمل ويطوف به المحلة العجاجة، وهو قد ذكر له اسمه، واسم جماله، واسم البلد الذي هو منه، فيرفع عقيرته بذلك معرفا بهذا الضال ومناديا باسم الجمال وبلده، أن يقع عليه، فيؤديه اليه. ولو لم يفعل ذلك لكان آخر عهده بصاحبه الا أن يلتقطه التقاطا أو يقع عليه اتفاقا. فهذا من بعض عجائب شؤون هذه المحلة، وعجائبها أكثر من أن يحيط بها لوصف. ولأهلها من قوة الجدة واليسار مايعينهم على ماهم بسبيله، والملك بيد الله يؤتيه من يشاء.


صفحة : 68

ولهؤلاء النسوة الخواتين في كل عام، إذا لم يحجبن بأنفسهن، نواضح مسبلة مع الحاج يرسلنها مع ثقات يسقون أبناء السبيل في المواضع المعروف فيها الماء، وفي الطريق كله، وبعرفات، وبالمسجد الحرام، في كل يوم وليلة، فلهن في ذلك أجر عظيم، وما التوفيق الا بالله جل جلاله. فتسمع المنادي على النواضح يرفع صوته بالماء للسبيل، فيهطع اليه المرملون من الزاد والماء بقربهم وأباريقهم فيملأونها، ويقول المنادي في اشادته بصوته: أبقى الله الملكة خاتون، ابنة الملك الذي من أمره كذا، ومن شأنه كذا. ويحليه بحلاه، إعلاانا باسمها، واظهارا لفعلها، وستجلابا للدعاء لها من الناس، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وقد تقدم تفسير هذه اللفظة خاتون، وأنها عندهم بمنزلة السيدة أو مايليق بهذا اللفظ الملوكي النسائي.
ومن عجيب هذه المحلة أيضا، على عظمها وكبرها، وكونها وجود دنيا بأسرها، أنها اذا حطت رحالها، ونزلت منزلها، ثم ضرب الأمير طبله للإنذار بالرحيل، ويسمونه الكوس، لم يكن بين استقلال الرواحل بأوقارها ورحالها وركابها الا كلا ولان فلا يكاد يفرغ الناقر من الضببة الثالثة الا والركائب قد أخذت سبيلها. كل ذلك من قوة الاستعداد، وشدة الاستظهار على الأسفار، والحول والقوة لله وحده، لا اله سواه.
واسراؤها بالليل بمشاعيل موقدة يمسكها الرجالة بأيديهم، فلا تبصر قشاوة من القشاوات الا وأمامها مشعل، فالناس يسيرون منها بين كواكب سيارة توضح غسق الظلماء، وتباهي بها الأرض أنجم السماء. والمرافق الصناعية وغيرها من المصالح الدينية والمنافع الحيوانية كلها موجودة بهذه المحلة غير معدومة، ووصفها يطول، والأخبار عنها لاتنحصر.
فلما كان ظهر يوم الاثنين اثر الصلاة أقلعنا من خليص مرتحلين، وتمادى سيرنا العشاء الآخرة، ثم نزلنا ونمنا نومة خفيفة، ثم ضرب الكوس فأقلعنا وأسرينا ضحى من النهار، ثم نزلنا مريحين أول الظهر من يوم الثلاثاء، ثم أقلعنا من منزلنا ذلك واد يعرف بوادي السمك، اسم يكاد يكون واقعا على غير مسمى فنزلناه مع العشاء الآخرة، وأصبحنا به مقيمين يوم الأربعاء لتجديد حمل الماء، وهو بهذا الوادي في مستنقعات، وربما حفر عليه في الرمل، فأقلعنا منه أول ظهر يوم الأربعاء المذكور، ثم أجزنا مع الليل عقبة محجرة كؤودا ذهب فيها من الجمال كثير. ونزلنا في بسيط من الأرض، ونمنا نصف الليل، ثم رحلنا في مهمة افيح بسيط ممتد مد البصر، ورمله منثالة، فمشت الجمال فيها دون مقطرة لانفساح طريقها.
ثم نزلنا مريحين قائلين يوم الخميس التاسع والعشرين من ذي الحجة، وبيننا وبين بدر مقدار مرحلتين، فلما كان أول الظهر رحلنا مقربة من بدر فنزلنا بائتين.ثم قمنا قبل نصف الليل فوصلنا بدرا وقد ارتفع النهار. وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة، وبها حصن في ربوة مرتفعة، ويدخل اليها على بطن واد بين جبال. وببدر عين فوارة، وموضع القليب الذي كان بإزائه الواقعة الاسلامية التي أعزت الدين وأذلت المشركين، هو اليوم نخيل، وموضع الشهداء خلفه، وجل الرحمة الذي نزلت فيه الملائكة عن يسار الداخل منها الصفراء، وبإزائه جبل الطبول، وهو شبيه كثيب يزعمون أن أصوات الطبول تسمع بها كل يوم جمعة، كأنها آثار أنذارات باقية بما سلف من النصر النبوي في ذلك الموضع، والله أعلم بغيبه.
وموضع عريش النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، يتصل بسفح جبل الطبول المذكور، وموضع الوقيعة أمامه. وعن خيل القليب مسجدن يقال: أنه مبرك ناقة النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.وصح عندنا، على زعم أحد الأعراب الساكنين ببدر، أنهم يسمعون أصوات الطبول بالجبل المذكور، لكن عين لذلك كل يوم اثنين ويوم خميس. فعجبنا من زعمه كل العجب ولايعلم حقيقة ذلك الا الله تع.
وبين بدر والصفراء بريد، والطريق اليها في واد بين جبال تتصل بها حدائق النخيل، والعيون فيها كثيرة: منها حصنان يعرفان بالتوأمين، وحصن يعرف بالحسنية، وآخر يعرف بالجديد، حصون كثيرة، وقرى متصلة.

شهر محرم سنة ثمانين وخمس مئة


صفحة : 69

استهل هلاله ليلة السبت بموافقة الرابع عشر لشهر أبريل ونحن مقلعون من بدر الصفراء، فبتنا باستهلاله بهذه البقعة الكريمة: بدر، حيث نصر الله المسلمين وقهر المشركين، والحمد لله على ذلك. وكان نزولنا بالصفراء اثر صلاة العشاء الآخرة. فأصبحنا يوم السبت، مستهل الهرل المذكور، مقيمين مريحين بها، ليتزود الناس منها الماء ويأخذوا نفس استراحة الظهر. ومنها المدينة المكرمة إن شاء الله ثلاثة أيام، فأقلعنا منها ظهر يوم السبت المذكور، وتمادى السير بنا اثر صلاة العشاء الآخرة، والطريق في واد متصل بين جبال، فنزلنا ليلة الأحد، ثم أقلعنا نصف الليل، وتمادى سيرنا ضحى من النهار، فنزلنا مريحين قائلين ببئر ذات العلم، ويقال: أن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قاتل الجن بها، وتعرف أيضا بالروجاء. والبئر المذكورة متناهية بعد الرشاء لا يكاد يلحق قعرها، وهي معينة.
ورحلنا منها اثر صلاة الظهر من يوم الأحد، وتمادى بنا السير اثر صلاة العشاء الآخرة، فنزلنا شعب علي، رضي الله عنه، وأقلعنا منه نصف الليل تربان، البيداء، ومنها تبصر المدينة المكرمة، فنزلنا ضحى يوم الإثنين الثالث لمحرم المذكور بوادي العقيق، وعلى شفيره مسجد ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، والمدينة من هذا الموضع على خمسة أميال، ومن ذي الحليفة حرم المدينة مشهد حمزة قباء، وأول مايظهر للعين منارة مسجدها بيضاء مرتفعة، ثم رحلنا منها اثر صلاة الظهر من يوم الاثنين المذكور، وهو السادس عشر لإبريل، فنزلنا بظاهر المدينة الزهراء، والتربة البيضاء، والبقعة المشرفة بمحمد سيد الأنبياء، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم صلاة تتصل مع الأحيان والآناء.
وفي عشي ذلك اليوم دخلنا الحرم المقدس لزيارة الروضة المكرمة المطهرة، فوقفنا بإزائها مسلمين، ولتر جنباتها المقدسة مستلمين وصلينا بالروضة التي بين القبر المقدس والمنبر، واستلمنا أعواد المنبر القديمة التي كانت موطئ الرسول، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، والقطعة الباقية من الجذع الذي حن اليه، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهي ملصقة في عمود قائم أمام الروضة الصغيرة التي بين القبر والنبر، وعن يمينك اذا استقبلت القبلة فيها، ثم صلينا صلالة المغرب مع الجماعية. وكان من الاتفاق السعيد لنا أن وجدنا بعض فسحة في تلك الحال لاشتغال الناس بإقامة مضاربهم، وترتيب رحالهم، فتمكنا من الغرض المقصود، وفزنا بالمشهد المحمود، وأدينا حق السلام على الصاحبين الضجيعين: صديق الاسلام وفاروقه، وانصرفنا رحالنا مسرورين، ولنعمة الله علينا شاكرين. ولم يبق لنا أمل من آمال وجهتنا المباركة ولا وطر الا وقد قضيناه، ولا غرض من أغراضنا المأمولة الا وبلغناه، وتفرغت الخواطر للإياب للوطن، نظم الله الشمل، وتمم علينا الفضل، والحمد لله على ماأولاه وأسداه، وأعاده من جميل صنعه وأبداه، فهو أهل الحمد والشكر ومستحقه لا اله سواه.

ذكر مسجد رسول الله وذكر روضته المقدسة
المسجد المبارك مستطيل، وتحفه من جهاته الأربع بلاطات مستديرة به، ووسطه كله صحن مفروش بالرمال والحصى، فالجهة القبلية منها لها خمس بلاطات مستطيلة من غرب شرق، والجهة الجوفية لها أيضا خمس بلاطات على الصفة المذكورة، والجهة الشرقيةب لها ثلاث بلاطات، والجهة الغربية لها أربع بلاطات.
والروضة المقدسة مع آخر الجهة القبلية بما يلي الشرق؛ وانتظمت من بلاطاته ممايلي الصحن في السعة اثنين ونيفت البلاط الثالث بمقدار أربعة أشبار، ولها خمسة أركان بخمس صفحات، وشكلها شكل عجيب، لا يكاد يتأتى تصويره ولا تمثيله، والصفحات، وشكلها شكل عجيب، لا يكاد يتأتى تصويره ولا تمثيله، والصفحات الأربع محرفة من القبلة تحريفا بديعا، لايتأتى لأحد معه استقبالها في صلاته لأنه ينحرف عن القبلة.
وأخبرنا الشيخ الإمام العالم الورع، فقية العلماء، وعمدة الفقهاء، أبو ابراهيم اسحاق بن ابراهيم التونسي، رضي الله عنه، أن عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، اخترع ذلك في تدبير بنائها مخافة أن يتخذها الناس مصلى الله عليه وسلم.


صفحة : 70

وأخذت أيضا من الجهة الشرقية سعة بلاطين فانتظم داخلها من أعمدة الأبلطة ستة.وسعة الصفحة القبلية منها أربعة وعشرون شبرا، وسعة الصفحة الشرقية ثلاثون شبرا، ومابين الركن الشرقي الركن الجوفي صفحة سعتها خمسة وثلاثون شبرا. ومن الركن الجوفي الغربي صفحة سعتها أربعة وعشرون شبرا.
وفي هذه الصفحة صندوق آبنوس، مختم بالصندل، مصفح بالفضة، مكوكب بها، هو قبالة رأس النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وطوله خمسة أشبار، وعرضه ثلاثة أشبار، وأرتفاعه أربعة أشبار. وفي الصفحة التي بين الركن الجوفي والركن الغربي موضع عليه ستر مسبل، يقال: إنه كان مهبط جبريل، عليه السلام. فجميع سعة الروضة المكرمةمن جميع جهاتها مئتا شبر واثنان وسبعون شبرا.
وهي مؤزرة بالرخام البديع النحت الراشع النعت. وينتهي الإزار منها نحو الثلث أو أقبل يسيرا، وعليه من الجدار المكرم ثلث آخر، وقد علاه تضميخ المسك والطيب بمقدار نصف شبر، مسودا، مشققا، متراكما مع طول الأزمنة والأيام. ولاذي يعلوه من الجدار شبابيك عود متصلة بالسمك الأعلى، لأن أعلى الروضة المباركة متصل بسمك المسجد، و حيز إزار الرخام تنتهي الأستار، وهي لازوردية اللون، مختمة بخواتيم بيض مثمنة ومربعة. وفي داخل الخواتيم دوائر مستديرة ونقط بيض تحف بها، فمنظرها منظر بديع الشكل. وفي اعلاها رسم مائل البياض. وفي الصفحة القبلية أمام وجه النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، مسمار فضة، هو أمام الوجه الكريم فيقف الناس أمامه للسلام.و قدميه، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، رأس أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، ورأس عمر الفاروق مما يلي كتفي أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما فيقف المسلم مستدبر القبلة ومستقبل الوجه الكريم، فيسلم ثم ينصرف يمينا وجه أبي بكر، ثم وجه عمر، رضي الله عنهما. وأمام هذه الصفحة المكرمة نحو العشرين قنديلا معلقة من الفضة، وفيها اثنان من ذهب. وفي جوفي الروضة المقدسة حوض صغير مرخم،في قبلته شكل محراب، قيل: إنه كان بيت فاطمة، رضي الله عنها، ويقال: هو قبرها، والله أعلم بحقيقة ذلك.
وعن يمين الروضة المكرمة المنبر الكريم، ومنه اليها اثنتان وأربعون خطوة، وهو في الحوض المبارك الذي طوله أربع عشر خطوة، وعرضه ست خطا، وهو مرخم كله، وارتفاعه شبر ونصف، وبينه وبين الروضة الصغيرة، التي بين القبر الكريم والمنبر، وفيها جاء الأثر أنها روضة من رياض الجنة، ثماني خطوات.
وفي هذه الروضة بتزاحم الناس للصلاة، وحق لهم ذلك. وبإزائها لجهة القبلة عمود، يقال: إنه مطبق على بقية الجذع الذي حن للنبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وقطعة منه في وسط العمود ظاهرة يقبلها الناس ويبادرون للتبرك بلمسها ومسح خدودهم فيها، وعلى حافتها في القبلة منها الصندوق. وارتفاع النبر الكريم نحو القامة او أزيد، وسعته خمسة أشبار، وطوله خمس خطوات، وأدراجه ثمانية، وله باب على هيئة الشباك مقفل يفتح يوم الجمعة، وطوله أربعة أشبار ونصف شبر.
والمنبر مغشى بعود الآبنوس، ومقعد الرسول صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، من أعلاه ظاهر قد طبق عليه بلوح من الآبنوس غير متصل به يصونه من العقود عليه، فيدخل الناس أيديهم اليه ويتمسحون به تبركا بلمس ذلك المقعد الكريم.وعلى رأس رجل المنبر اليمني، حيث يضع الخطيب يده اذا خطب، حلقة فضة مجوفة تشبه حلقة الخياط التي يضعها في اصبعه صفة لاصغرا لأنها أكبر منها، لاعبة تستدير في موضعها، يزعم الناس أنها لعبة الحسن والحسين، رضي الله عنهما، في حال خطبة جدهما، صلوات الله وسلامه عليه.
وطول المسجد الكريم مئة خطوة وست وتسعون خطوة، وسعته مئة وست وعشرون خطوة، وعدد سواريه مئتان وتسعون، وهي أعمدة متصلة بالسمك دون قسي تنعطف عليها، فكأنها دعائم قوائم، وهي من حجر منحوت قطعا قطعا ململمة مثقبة توضع أنثى في ذكر ويفرغ بينهما الرصاص المذاب أن تتصل عمودا قائما، وتكسى بغلالة جيار، ويبالغ في صقلها ودلكها فتظهر كأنها رخام أبيض.


صفحة : 71

والبلاط المتصل بالقبلة من الخمسة بلاطات المذكورة تحف به مقصورة تكتنفه طولا من غرب شرق، والمحراب فيها. ويصلي الإمام في الروضعة الصغيرة المذكورة جانب الصندوق، وبينهما وبين الروضة والقبر المقدس محمل كبير مدهون عليه مصحف كبير في غشاء مقفل عليه هو أحد المصاحف الأربعة التي وجه بها عثمان بن عفان، رضي الله عنه، البلاد. وبإزاء المقصورة جهة الشرق خزانتان كبيرتان محتويتان على كتب ومصاحف موقوفة على المسجد المبارك.
ويليهما في البلاط الثاني لجهة الشرق أيضا دفة مطبقة على وجه الأرض مقفلة هي على سرداب يهبط اليه على ادراج تحت الأرض يفضي خارج المسجد دار أبي بكر الصيدق، رضي الله عنه، وهو كان طريق عائشة اليها. وبإزائها دار عمر بن الخطاب، ودار ابنه عبد الله، رضي الله عنهما: ولاشك أن ذلك الموضع هو موضع الخوخة المفضية لدار أبي بكر التي أمر النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، بإبقائها خاصة.
وأمام الروضة المقدسة أيضا صندوق كبير هو للشمع والأنوار التي توقد أمام الروضة كل ليلة. وفي الجهة الشرقية بيت مصنوع من عود هو موضع مبيت بعض السدنة الحارسين للمسجد المبارك، وسدنته فتيان أحابيش وصقالب ظراف الهيئات نظاف الملابس والشارات، والمؤذن الراتب فيه أحد أولاد بلال، رضي الله عنه. وفي جهة جوف الصحن قبة كبيرة محدثة جديدة تعرف بقبة الزيت هي مخزن لجميع آلات المسجد المبارك ومايحتاج اليه فيه. وبإزائها في الصحن خمسة عشر نحلة. وعلى رأس المحراب، الذي في جدار القبة داخل المقصورة، حجر مربع أصفر قدر شبر في شبر، ظاهر البريق والبصيص، يقال: إنه كان مرآة كسرى، والله أعلم بذلك. وفي أعلاه داخل المحراب مسمار مثبت في جداره فيه شبه حق صغير لايعرف من أي شيء هو، ويزعم أيضا أنه كان كأس كسرى، والله أعلم بحقيقة ذلك كله.
ونصف جدار القبلة الأسفل رخام، موضوع إزارا على إزار، مختلف الصنعة واللون، مجزع أبدع تجزيع. والنصف الأعلى من الجدار منزل كله بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء، قد انتج الصناع فيه نتائج من الصنعة غريبة تضمنت تصاوير أشجار مختلفات الصفات مائلة الأغصان بثمرها. والمسجد كله على تلك الصفة، لكن الصنعة في جدار القبلة احفل. والجدار الناظر الصحن من جهة القبلة كذلك، ومن جهة الجوف أيضا. والغربي والشرقي الناظران الصحن مجردان أبيضان ومقرنصان قد زبنا برسم بتضمن أنواعا من الأصبغة، مايطول وصفه وذكره من الاحتفال في هذا المسجد المبالاك المحتوي على التربة الطاهرة المقدسة، وموضعها أشرف، ومحلها أرفع من كل ماتزين به.
وللمسجد المبارك تسعة عشر بابا، لم يبق منها مفتحا سوى أربعة في الغرب: منها اثنان، يعرف أحدهما بباب الرحمة، والثاني بباب الخشية، وفي الشرق اثنان: يعرف أحدهما بباب جبريل، عليه السلام، والثاني بباب الرجاء ويقابل باب جبريل، عليه السلام، دار عثمان، رضي الله عنه، وهي التي استشهد بها. ويقابل الروضة المكرمة، من هذه الجهة الشرقية، روضة جمال الدين الموصلي، رحمه الله، المشهور خبره وأثره، وقد تقدم ذكر مآثره.
وأمام الروضة المكرمة شباك حديد مفتوح روضة، تنسم منها روحا وريحانا. وفي القبلة باب صغير واحد مغلق، وفي الجوف أربعة مغلقة، وفي الغرب خمسة مغلقة أيضا، وفي الشرق خمسة أيضا مغلقة؛ فكملت بالأربعة المفتوحة تسعة عشر بابا. وللمسجد المبارك ثلاث صوامع: :إحداها في الركن الشرقي المتصل بالقبلة، والأثنتان في ركني الجهة الجوفية صغيرتان كأنهما على هيئة برجين، والصومعة الأولى المذكورة على هيئة الصوامع.

ذكر المشاهد المكرمة التي ببقيع الغرقد
فأول مانذكر من ذلك مسجد حمزة، رضي الله عنه، وهو بقبلي الجبل المذكور، والجبل جوفي المدينة، وهو على مقدار ثلاثة أميال. وعلى قبره، رضي الله عنه، مسجد مبني. والقبر برحبة جوفي المسجد، والشهداء، رضي الله عنهم،بإزائه، والغار الذي أوى اليه النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم،بإزاء الشهداء أسفل الجبل. وحول الشهداء تربة حمراء هي التربة التي تنسب حمزة ويتبرك الناس بها.


صفحة : 72

وبقيع الغرقد شرقي المدينة، تخرج اليه على باب يعرف بباب البقيع، وأول ماتلقى عن يسارك عند خروجك، من الباب المذكور، مشهد صفية عمة النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، أم الزبير بن العوام، رضي الله عنه، وأمام هذه التربة قبر مالك بن أنس الإمام المدني، رضي الله عنه، وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء. وأمامه قبر السلالة الطاهرة إبراهيم ابن النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعليه قبة بيضاء. وعلى اليمين منها تربة ابن لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه، اسمه عبد الرحمن الأوسط، وهو المعروف بأبي شحمة، وهو الذي جلده أبوه الحد، فمرض ومات، رضي الله عنهما. وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب، رضي الله عنه، وعبد الله بن جعفر الطيار، رضي الله عنه. وبإزائهم روضة فيها أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وبإزائها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ويليها روضة العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي، رضي الله عنهما، وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع الصاق، مرصعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة، وأجمل منظر. على هذا الشكل قبر إبراهيم ابن النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ويعرف ببيت الحزن، يقال: إنه الذي أوت لايه والتزمت فيه الحزن على موت أبيها المصطفى، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين، رضي الله عنه، وعليه قبة الصغيرة مختصرة. وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أم علي، رضي اله عنها وعن بنيها.
ومشاهد هذا البقيع أكثر من ان تحصى لأنه مدفن الجمهور الأعظم من الصحابة المهاجرين والأنصار، رضي الله عنهم أجمعين. وعلى قبر فاطمة المذكورة مكتوب: ماضم قبر أحد كفاطمة بنت أسد رضي الله عنها وعن بنيها.
وقباء قبلي المدينة، ومنها اليها نحو الميلين. وكانت مدينة كبيرة متصلة بالمدينة المكرمة. والطريق اليها بين حدائق النخل المتصلة. والمخيل محدق بالمدينة من جهاتها، وأعظمها جهة الغرب. والمسجد المؤس على التقوى بقباء مجدد، وهو مربع مستوى الطول والعرض، وفيه مئذنة طويلة بيضاء تظهر على بعد، وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعليه حلق قصير شبه روضة صغيرة يتبرك الناس بالصلاة فيه. وفي صحنه، ممايلي القبلة، شبه محراب على مصطبة، هو أول موضع ركع فيه النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. وفي قبلته محاريب وله باب واحد من جهة الغرب، وهو سبعة بلاطات في الطول، ومثلها في العرض.
وفي قبلة المسجد دار لبني النجار، وهي دار أبي أيوب الأنصاري. وفي الغرب من المسجد رحبة فيها بئر، وبإزائها على الشفير حجر متسع شبيه البيلة يتوضأ الناس فيه. ويلي دار بني النجار دار عائشةن رضي الله عنها، وبإزائها دار عمر ودار فاطمة ودار أبي بكر، رضي الله عنهم، وبإزائها بئر أريس حيث تفل النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فعاد ماؤها عذبا بعدما كان أجاجا وفيه وقع خاتمه من يد عثمان، رضي الله عنه، والحديق مشهور.
وفي آخر القرية تل مشرف يعرف بعرفات، يدخل اليه على دار الصفة حيث كان عمار وسلمان وأصحابهما المعروفون بأهل الصفة. وسمي ذلك التل عرفات لأنه كان موقف النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، يوم عرفة، ومنه زويت له الأرض فأبصر الناس في عرفات. وآثار هذه القرية المكرمة ومشاهدها كثيرة لاتحصى.
وللمدينة المكرمة أربعة أبواب، وهي تحت سورين، في كل سور باب يقابله آخر، الواحد منها كله حديد، ويعرف باسمه باب الحديد؛ ويليه باب الشريعة ثم باب القبلة، وهو مغلق؛ ثم باب البقيع، وقد تقدم ذكره. وقبل وصولك سور المدينة من جهة الغرب بمقدار غلوة تلقى الخندق الشهير ذكره الذي صنع النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، عند تحزب الأحزاب.


صفحة : 73

وبينه وبين المدينة، عن يمين الطريق، العين المنسوبة للنبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعليها حلق عظيم مستطيل؛ ومنبع العين وسط ذلك الحلق كأنه الحوض المستطيل. وتحته سقابتان مستطيلتان باستطالة الحلق. وقد ضرب بين كل سقاية وبين الحوض المذكور بجدار، فحصل الحوض محدقا بجدارين. وهو يمد السقايتين المذكورتين، ويهبط إليهما على أدراج عددها نحو الخمسة والعشرين درجا. وماء هذه العين المباركة يعم أهل الأرض فضلا عن أهل المدينة، فهي لتطهر الناس واستقائهم وغسل أثوابهم. والحوض المذكور لا يتناول فيه غير الاستقاء خاصة صونا له ومحافظة عليه. ومبقربة منه، مما يلي المدينة، قبة حجر الزيت، يقال: إن الزيت رشح للنبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، من ذلك الحجر. ولجهة الجوف منه بئر بضاعة، وبإزائها لجهة اليسار جبل الشيطان حيث صرخ، لعنة الله، يوم أحد، حين قال: قتل نبيكم.
وعلى شفير الخندق المذكور حصن يعرف بحصن العزاب، وهو خرب، قيل: إن عمر، رضي الله عنه، بناه لعزاب المدينة. وأمامه، لجهة الغرب على البعد، بئر رومة التي اشترى نصفها عثمان، رضي الله عنه، بعشرين ألفا. وفي طريق أحد مسجد علي، رضي الله عنه، ومسجد سلمان، رضي الله عنه، ومسجد الفتح الذي أنزلت فيه على النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، سورة الفتح.
وللمدينة المكرمة سقاية ثالثة داخل باب الحديد يهبط اليها على ادراج وماؤها معين. وهي بمقربة من الحرم الكريم. وبقبلي هذا الحرم المكرم دار امام دار الهجرة مالك بن أنس، رضي الله عنه. يطيف بالحرم كله شارع مبلط بالحجر المنحوت المفروش. فهذاذكر ماتمكن على الاستعجال من آثار المدينة المكرمة ومشاهدها على جهة الاقتضاب والاختصار، والله ولي التوفيق.

الخاتون بنت الأمير مسعود
ومن عجيب ماشاهدناه من الأمور البديعة الداخلة مدخل السمعة والشهرة، أن احدى الخواتين المذكورات، وهي بنت الأمير مسعود المتقدم ذكرها وذكر أبيها، وصلت عشي يوم الخميس السادس لمحرم، ورابع يوم وصولنا المدينة، مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، راكبة في قبتها، وحولها قباب كرائمها وخدمها، والقراء أمامها، والفتيان والصقالب بأيديهم مقامع الحديد يطوفون حولها، ويدفعون الناس أمامها، أن وصلت باب المسجد المكرم، فنزلت تحت ملحفة مبسوطة عليها، ومشت أن سلمت على النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، والخول أمامها، والخدام يرفعون أصواتهم بالدعاء لها، إشادة بذكرها، ثم وصلت الروضة الصغيرة التي بين القبر الكريم والمنبر فصلت فيها تحت الملحفة، والناس يتزاحمون عليها، والقامع تدفعهم عنها. ثم صلت في الحوض بازاء المنبر، ثم مشت الصفحة الغربية من الروضة المكرمة فقعدت في الموضع الذي يقال: انه كان مهبط جبريل، عليه السلام، وأرخي الستر عليها، واقام فتيانها وصقالبها وحجابها على رأسها خلف الستر تأمرهم بأمرها، واستجلبت معها المسجد حملين من المتاع للصدقة. فما زالت في موضعها الليل.

وعظ رئيس العلماء
وقد وقع الإيذان بوصول صدر الدين رئيس الشافعية الأصبهاني الذي ورث النباهة والوجاهة في العلم كابرا عن كابر لعقد مجلس وعظ تلك الليلة، وكانت ليلة الجمعة السابع من المحرم. فتأخر وصوله هدء من الليل والحرم قد غص بالمنتظرين، والخاتون جالسة موضعها. وكان سبب تأخره تأخر أمير الحاج لأنه كان على عدة من وصوله، أن وصل ووصل الأمير، وقد أعد لرئيس العلماء المذكور وهو يعرف بهذا الاسم، توارثه عن أب فأب، كرسي بأزاء الروضة المقدسة، فصعده، وحضر قراؤه أمامه، فابتدروا القراءة بنغمات عجيبة وتلاحين مطربة مشجية، وهو يلحظ الروضة المقدسة فيعلن بالبكاء ثم أخذ في خطبة من انشائه سحرية البيان، ثم سلك في أساليب من الوعظ باللسانين، وأنشد أبياتا يديعة من قوله، منها هذا البيت، وكان يردده في كل فصل من ذكره، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، يشير الروضة:
هاتيك روضته تفوح نسيما صلوا عليه وسلموا تسليما

صفحة : 74

واعتذر من التقصير لهول ذلك المقام، وقال: عجبا للأكن الأعجم كيف ينطق عند أفصح العرب وتمادى في وعظه أن أطار النفوس خشية ورقة، وتهافتت عليه الأعاجم معلنين التوبة، وقد طاشت البابهم، وذهلت عقولهم، فيلقون نواصيهم بين يديه، فيستدعي جلمين ويجزها ناصية ناصية، ويكسو عمامته المجزوز الناصية، فيوضع عليه للحين عمامة أخرى من أحد قرائه أو جلسائه ممن قد عرف منزعه الكريم في ذلك، فبادر بعمامته لاستجلاب الغرض النفيس لمكارمه الشهيرة عندهم، فلا زال يخلع واحدة بعد أخرى، أن خلع منها عدة وجزا نواصي كثيرة، ثم ختم مجلسه بأن قال: معشر الحاضرين، قد تكلمت لكم ليلة بحرم الله عز وجل، وهذه الليلة بحرم رسوله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ولابد للواعظ من كدية، وأنا أسألكم حاجة أن ضمنتموها لي أوقت لكم ماء وجهي في ذكرها. فأعلن الناس كلهم بالإسعاف، وشهيقهم قد، فقال: حاجتي أن تكشفوا رؤوسكم، وتبسطوا أيديكم، ضارعين لهذا النبي الكريم في أن يرضى عني، ويسترضي الله عز وجل لي. ثم أخذ في تعداد ذنوبه والاعتراف بها، فأطار الناس سمائهم، وبسطوا أيديهم للنبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، داعين له، باكين متضرعين، فما رأيت ليلة أكثر دموعا، ولا أعظم خشوعا، من تلك الليلة، ثم انفض المجلس وانفض الأمير وانفضت الخاتون من موضعها. وعند وصول صدر الدين المذكور، أزبل الستر علنها وبقيت بين خدمها وكرائمها متلفعة في ردائها فعاينا من أمرها في الشهرة الملوكية عجبا.
وأمر هذا الرجل صدر الذين عجيب في قعدده وأبهته، وملوكيته، وفخامة آلته، وبهاء حالته، وظاهر مكنته ووفور عدته، وكثرة عبيده وخدمته، واحتفال حاشيته وغاشيته، فهو من ذلك على حال يقصر عنها الملوك. وله مضرب كالتاج العظيم في الهواء، مفتح على أبواب على هيئة غريبة الوضع، بديعة الصنعة والشكل، تطل على المحلة من بعد، فتبصره ساميا في الهواء. وشأن هذا الرجل العظيم لا يستوعبه الوصف؛ شاهدنا مجلسه فرأينا رجلا يذوب طلاقة وبشرا، ويخف للزائر كرامة وبرا، على عظيم حرمته وفخامة بنيته، وهو أعطي البسطتين علما وجسما، استجزناه فأجازنا نثرا ونظما. وهو أعظم من شاهدنا يهذه الجهات.
وفي يوم الجمعة المذكور، وهو السابع من محرم، شاهدنا من أمور البدعة أمرا ينادى له الإسلام: يالله يا للمسلمين. وذلك أن الخطيب وصل للخطبة، فصعد منبر النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهو، على ما يذكر، على مذهب غير مرضي، ضد الشيخ الإمام العجمي الملازم صلاة الفريضة في المسجد المكرم. فذلك على طريقة من الخير والورع، لائقة بأمام مثل ذلك الموضع الكريم. فلما أذن المؤذنون قام هذا الخطيب المذكور للخطبة، وقد تقدمته الرايتان السوداوان وقد ركزنا بجانبي المنبر الكريم، فقام بينهما، فلما فرغ من الخطبة الأولى، جلس جلسة خالف فيها جلسة الخطباء المضروب بها المثل في السرعة، وابتدر الجمع مردة من الجذمة يخترقون الصفوف، ويتخطون الرقاب، كدية على الأعاجم والحاضرين لهذا الخطيب القليل التوفيق، فمنهم من يطرح الثوب النفيس، ومنهم من يخرج الشقة الغالية من الحرير فيعطيها، وقد أعدها لذلك، ومنهم من يخلغ عمامته فينبذها، ومنهم من يتجرد عن برده فيلقي به، ومنهم من لا يتسع حاله لذلك فيسمح بفضلة من الخام، ومنهم من يدفع القراضة من الذهب، ومنهم من يمد يده بالدينار ولا دينارين غير ذلك، ومن النساء من تطرح خلخالها وتخرج خاتمها فتلقيه، ما يطول الوصف له من ذلك. والخطيبن في أثناء هذه الحال كلها، جالس على النبر يلحظ هؤلاء المستجدين المستسعين على النار بلحظات يكرها الطمع ويعيدها الرغبة والاستزادة، أن كاد الوقت ينقضي، والصلاة تفوت، وقد ضج من له دين وصحة من الناس، وأعلن بالصياح وهو قاعد ينتظر اشتفاف صبابة الكدية وقد أراق عن وجهه ماء الحياء، فاجتمع له من ذلك السحت المؤلف كوم عظيم أمامه، فلما أرضاه قام وأكمل الخطبة وصلى الله عليه وسلم بالناس. وانصرف أهل التحصيل باكين على الدين، يائسين من فلاح الدنيا متحققين أشراط الآخرة. ولله الأمر من قبل ومن بعد

صفحة : 75

وفي عشي ذلك اليوم المبارك كان وداعنا للروضة المباركة والتربة المقدسة، فيا له وداعا عجبا ذهلت له النفوس ارتياعا حتى طارت شعاعا، واستشرت به النفوس التياعا حتى ذابت انصداعا وما ظنك بموقف يناجي بالتوديع فيه سيد الأولين والآخرين، وخاتم النبيين، ورسول رب العالمين? إنه لموقف تنفطر له الأفئدة، وتطيش به الألباب الثابتة المتئدة، فوا أسفاه واأسفاه كل يبوح لديه بأشواقه، ولا يجد بدا من فراقه، فما يستطيع الصبر سبيلا، ولا تسمع في هول ذلك المقام إلا رنة وعويلا، وكل بلسان الحال ينشد:
محبتي تقتضي مقامـي وحالتي تقتضي الرحيلا بو أنا الله بزيارة هذا النبي الكريم منزل الكرامة، وجعله شفيعا لنا يوم القيامة واحلنا من فضله في جواره دار المقامة، برحمته انه غفور رحيم، جوا كريم. وكان مقامنا بالمدينة المكرمة خمسة أيام، أو لها يوم الاثنين وآخرها يوم الجمعة.

من المدينة العراق
وفي ضحوة يوم السبت الثامن لمحرم المذكور، والحادي والعشرين من شهر أبريل، كن رحيلنا من المدينة المكرمة العراق، قرب الله لنا المرام وسهل علينا السبيل. واستصحبنا منها الماء لثلاثة أيام، فنزلنا يوم الاثنين، ثالث يوم رحيلنا المذكور، بوادي العروس، فتزود الناس منها الماء، يحفرون عليه في الأرض بئرا فينبع منها ماء عذب معين يروي الأمة التي لا يحصى لها عدد من هذه المحلة مع جمالها التي تنيف على عددها، ولله القدرة سبحانه.
وصعدنا من وادي العروس أرض نجد، وخلفنا تهامة وراءنا، ومشينا في بسيطة من الأرض ينحسر الطرف دون أدناها ولا يبلغ مداها، وتنسمنا نسيم نجد وهواءها المضروب به المثل، فانتعشت النفوس والأجسا ببرد نسيمه وصحة هوائه. ونزلنا يوم الثلاثاء، رابع يوم رحيلنا، على ماء يعرف بماء العسيلة. ثم نزلنا يوم الأربعاء، خامس يوم رحيلنا، بموضع يعرف بالنقرة، وفيها آبار وصانع كالصهريج العظام، وجدنا أحدها مملوءا بماء المطر، فعم جميع المحلة ولم ينضب على كثرة المحلة واستماحها.
وصفة مراحل هذا الأمير بالحاج أن يسري من نصف الليل ضحية، ثم ينزل أول الظهر، ثم يرحل وينزل مع العشاء الآخرة. ثم يقوم نصف الليل؛ هذا دأبه.
ونزلنا ليلة الخميس الثالث عشر لمحرم، وسادس يوم رحيلنا، على ماء يعرف بالقرورة، وهي مصانع مملوءة بماء المطر. وهذا الموضع هو وسط أرض نجد. وما أرى أن في المعمور أرضا أفسح بسيطا، ولا أوسع أنفا، ولا أطيب نسيما ولا أصح هواء، ولا أمد استواء، ولا أصفى جوا، ولا أنقى تربة، ولا أنعش للنفوس والأبدان، ولا أحسن اعتدالا، في كل الأزمان، من أرض نجد. ووصف محاسنها يطول والقول فيها يتسع.
وفي يوم الخميس المذكور، مع ضحوة النهار، نزلنا بالحاجر، والماء فيه في مصانع، وربما حفروا عليه حفرا قريبة العمق يسمونها أحفارا، واحدها حفر. وكنا نتخوف في هذا الطريق قلة الماء، لاسيما مع عظم هذا الجمع الأنامي والأنعامي، الذين لو وردو البحر لأنزفوه واستقوه، فأنزل الله من سحب رحمته ما أعاد الغيطان غدرانا، وأجرى المسول سيولا، وصير الوهاد مملوءة عهادا. فكنا نبصر مذانب الماء سائحة على وجه الأرض فضلا من الله ونعمة، ولطفا من الله بعباده ورحمة، والحمد لله على ذلك. وفي اليوم المذكور أجزنا بالحاجر واديين سيالين، وأما البرك والقرارات فلا تحصى.
وفي يوم الجمعة بعده نزلنا ضحوة النهار سميرة، وهي موضع معمور، وفي بسيطها شبه حصن يطيف به حلق كبير مسكون، والماء فيه في آبار كثيرة إلا أنها زعاق ومستنقعات وبرك، وتبايع العرب فيها مع الحاج فما أخرجوه من لحم وسمن ولبن، ووقع الناس على قرم وعيمة، فبادروا الابتياع لذلك بشقق الخام التي يستصحبونها لمشاراة الأعراب لأنهم لا يبايعونهم إلا بها.


صفحة : 76

وفي ضحوة يوم السبت بعده نزلنا بالجبل المخروق، وهو جبل في بيداء من الأرض، وفي صفحة الأعلى ثقب نافذ تخترقه الرياح. ثم رحنا من ذلك الموضع وبتنا بوادي الكروش على غير ماء، ثم أرينا منه وأصبحنا على فيد يوم الأحد وهي حصن كبير مبرج مشرف في بسيط من الأرض يمتد حوله ربض يطيف به سور عتيق البنيان، وهو معمور بسكان من الأعراب، ينتعشون مع الحاج في التجارات والمبايعات وغير ذلك من المرافق، وهناك يترك الحاج بعض زادهم إعدادا للإرمال من الزاد عند انصرافهم، ولهم بها معارف يتركون أزويتهم عندهم. وهذا نصف الطريق من بغداد مكة على المدينة، شرفها الله، أو أقل يسيرا، ومنها الكوفة اثنا عشر يوما في طريق سهلة طيبة، واليماه فيها بحمد الله موجودة في مصانع كثيرة. ودخل أمير الحاج هذا الموضع المذكور على تعبئة وأهبة ارهابا للمجتمعين به من الأعراب لئلا يداخلهم الطمع في الحاج، فهم يلحظونهم مستشرفين مكانهم لكنهم لايجدون اليهم سبيلا، والحمد لله. والماء بهذا الموضع كثير في آبار تمدها عيون تحت الاض، ووحد الحاج فيها مصنعا قد اجتمع فيه الماء من المطر، فانتزف للحين، وامتلأت أيدي الحاج القرمين من أغنام العرب بالمبايعة المذكورة، فلم يبق مضرب ولا خيمة ولا ظلالة الا و جانبها كبش أو كبشان، بحسب القدرة والوجد فعم جميع المحلة غنم العرب. وكان ذلك اليوم عيدا من الأعياد، وكذلك عمتهم أيضا جمالهم لمن أرد الابتياع منهم من الجمالين وسواهم للاستظهار على الطريق. وأما السمن والعسل واللبن فلم يبق الا من تحمل أو استعمل منها بقدر حاجته.
وأقام الناس يومهم ذلك مريحين بها ظهر يوم الاثنين بعده، ثم أسروا نصف اليل ترتيب سيرهم المذكور قبل، ونزلوا ضحوة يوم الثلاثاء الثامن عشر لمحرم، وهو أول يوم من مايه، بموضع يعرف بالأجفر، وهو مشتهر عندهم بموضع جميل وبثينة العذريين، ثم أقلعنا ظهر يوم الثلاثاء المذكور على العادة ونزلنا بالبيداء مع العشاء الآخرة، ثم أسرينا منها ونزلنا ضحوة يوم الأربعاء بزرود، وهي وهدة في بسيط من الأرض فيها رمال منهالة، وبها حلق كبير داخلة دويرات صغار هو شبيه الحصن، يعرف بهذه الجهات بالقصر. والماء بهذا الموضع في آبار غير عذبة، فنزلنا ضحوة يوم الخميس الموفي عشرين لمحرم،والثالث لمايه، يموضع يعرف بالثعلبية ولها مبنى شبه الحصن خرب لم يبق منه الا الحلق، وبإزائه مصنع كبير الدور من أوسع مايكون من الصهاريج وأعلاها، والمهبط اليه على أدراج كثيرة من ثلاث جهات، وكان يه من ماء المطر ماعم جميع المحلة. ووصل هذا الموضع جمع كثير من العرب رجالا ونساء واتخذوا به سوقا عظيمة حفيلة للجمال والكباش والسمن واللبن علف الإبل، فكان يوم سوق نافقة.
وبقي من هذا الموضع الكوفة من المناهل التي تعم جميع المحلة ثلاثة: أحدها زبالة، والثاني واقصة، والثالث منهل من ماء الفرات على مقربة من الكوفة. وبين هذه المناهل مياه موجودة لكنها لاتعم، وهذه الثلاثة المذكورة هي التي تعم الناس والإبل وهي التي تردها رفها. وفي هذا المنهل الذي للثعلبية شاهدنا من غلبة الناس على الماء أمرا هائلا لايكاد يشاهد مثله في تغلب المدن والحصون بالقتال. وحسبك أن مات في ذلك الموضع ضغطا بشدة الزحام وغطا تحت الماء بالأقدام سبعة رجال بادروا لمورد الماء فحصلوا على مورد الفناء، رحمهم الله، وغفرلهم.


صفحة : 77

وفي ضحوة يوم الجمعة بعده نزلنا بموضع يعرف ببركة المرجوم، وهي مصنع وقد بني له فيما يعلوه من الأرض مصب يؤدي الماء اليه على بعد واحكم ذلك احكاما يدل على قدرة الإتساع وقوة الإستطاع. ولهذا المرجوم المذكور مشهد على قارعة الطريق وقد علا كأنه هضبة شماء، وكل مجتاز عليه لا بد أن يلقي عليه حجرا. ويقال: إن أحد الملوك رجمه لأمر استوجب به ذلك، والله أعلم. وبهذا الموضع بيوت كثيرة للعرب. وبادروا للحين بما لديهم من مرافق الأدم يبيعونها من الحاج. وكان هذا المصنع مملوءا من ماء المطر، فغمر الناس وعمهم، والحمد لله. وهذه المصانع والرك والآبار والمنازل التي من بغداد مكة هي آثار زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور زوج هارون الرشيد وابنة عمه؛ انتدبت لذلك مدة حياتها، فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع تعم وفد الله تع كل سنة من لدن وفاتها الآن. ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكت هذه الطريق، والله كفيل بمجازاتها، والرضا عنها.
وفي ضحوة يوم السبت بعده نزلنا بموضع يعرف بالشقوق، وفيه مصنعان ألفيناهما مملوءين ماء عذبا صافيا. فأراق الناس مياههم، وجددوا مياها طيبة، واستبشروا بكثرة الماء، وجددوا شكر الله على ذلك. وأحد هذين المصنعين صهريج عظيم الدائرة كبيرها لايكاد يقطعه السابح الا عن جهد ومشقة. وكان الماء قد علا فيه أزيد من قامتين. فتنعم الناس من مائه سباحة، واغتسالا، وتنظيف أثواب، وكان يومهم فيه من أيام راحة السفر.
ومن لطائف صنع الله تع بوفده وزوار حرمه أن كنت هذه المصانع كلها عند صعود الحاج من بغداد مكة دون ماء، فأرسل الله من سحب رحمته ما أترعها ماء معدا لصدر الحاج، فضلا من الله، ولطفا بوفده المنقطعين إليه.
ورحنا من ذلك الموضع المذكور وبتنا بموضع يعرف بالتنانير، وكان فيه أيضا مصنع مملوء ماء. وأسرينا منه ليلة يوم الأحد الثالث والعشرين لمحرم، واجتزنا سحرا بزبالة، وهي قرية معمورة، وفيها قصر مشيد من قصور الأعراب ومصنعان للماء وآبار، وهي من مناهل الطريق الشهيرة. ونزلنا عندما ارتفع النهار من اليوم المذكور بالهيثمين، وفيها مصنعان للماء، ولا نكاد نمو بحول الله يوما بموضع الا والماء يوجد فيه، والشكر لله على ذلك.
وبتنا ليلة الاثنين الرابع والعشرين لمحرم المذكور على مصنع مملوء ماء، فسقى الناس بالليل واستقوا. وهذا الموضع هو دون العقبة المعروفة بعقبة الشيطان. ومع الصباح من يوم الاثنين المذكور صعدنا العقبة، وليست بالطويلة الكؤود، ولكن ليس بالطريق وعر غيرها، فهي شهيرة بهذا السبب. ونزلنا عند ارتفاع النهار على مصنع دون ماء وأجزنا مصانع كثيرة، ومامنها مصنع الا و جانبه قصر مبني من قصور الأعراب، والطريق كلها مصانع. ورضي الله عن التي اعتنت بسبيل وفد الله هذا الاعناء.
ثم نزلنا ضحوة يوم الثلاثاء بعده بواقصة، وهي وهدة من الأرض منفسحة فيها مصانع للماء مملوءة وقصر كبير وبإزائه أثر بناء، وهي معمورة بالأعراب، وهي آخر مناهل الطريق، وليس بعدها الكوفة منها مشهور الا مشارع ماء الفرات، ومنها الكوفة ثلاثة أيام، وبها يتلقى الحاج كثير من أهل الكوفة وهم مستجلبون إليهم الدقيق والخبز والتمر والأدم والفواكه الحاضرة في ذلك الوقت. وينهئ الناس بعضهم بعضا بالسلامة، والحمد لله عز وجل، على مامن به من التيسير والتسهيل حمدا يستوجب المزيد، وستصحب من كريم صنعه المعهود.
وبتنا ليلة الأربعاء السادس والعشرين بموضع يعرف بلورة، وفيها مصنع كبير وجده الناس مملوءا فجددوا الاستسقاء ورفهوا الإبل. ثم أسرينا منها، وأجزنا سحر يوم الأربعاء المذكور بموضع يعرف بلورة، وفيها مصنع كبير وجده الناس مملوءا فجددوا الاستسقاء ورفهوا الإبل. ثم أسرينا منها، وأجزنا سحر يوم الأربعاء المذكور بموضع فيه آثار بناء يعرف بالقرعاء، وفيه أيضا مصنع ماء، وله ستة مخازن، وهي صهاريج صغار، تؤدي الماء المصانع، استقى الناس فيها وسقوا. وكثرت المصانع حتى لاتكاد الكتب تحصرها ولا تضبطها، والحمد لله على منته وسابغ نعمته.


صفحة : 78

وبتنا ليلة الخميس بعده على مصنع عظيم مملوء ماء، ثم نزلنا ضحوة اليوم المذكور بمنارة تعرف بمنارة القرون، وهي منارة في بيداء من الأرض، لابناء حولها قد قامت في الأرض كأنها عمود مخروط من الآجر، وقد تداخل فيها من الخواتيم الآجرية مثمنة ومربعة أشكال بديعة. ومن غريب أمرها أنها مجللة كلها قرون غزلان مثبتة فيها، فتلوح كظهر الشيهم. وللناس فيها خبر يمنع ضعف سنده من اثباته. وعلى مقربة من هذه المنارة قصر ذو بروج مشيدة، وبإزائه مصنع عظيم وجد مملوءا ماء، والحمد لله على مامن به.
واجتزنا عشي يوم الخميس المذكور على العذيب، وهو واد خصيب، وعليه بناء، وحوله فلاة خصيبة، فيها مسرح للعيون وفرجه. وأعلمنا أن بمقربة منه بارقا. ووصلنا منه الرحبة، وهي مبقربة منه، وفيها بناء وعمارة، ويجري الماء فيها من عين نابعة في أعلى القرية المذكورة. وبتنا أمامها بمقدار فرسخ، ثم أسرينا ليلة الجمعة الثامن والعشرين لمحرم المذكور نصف الليل واجتزنا على القادسية، وهي قرية كبيرة، فيها حدائق من النخيل، ومشارع من ماء الفرات وأصبحنا بالنجف، وهو يظهر الكوفة كأنه حدبينها وبين الصحراء، وهو صلب من الأرض منفسح متسع، للعين فيه مراد استحسان وانشراح. ووصلنا الكوفة مع طلوع الشمس من يوم الجمعة المذكور، والحمد لله على ما أنعم به من السلامة.

ذكر مدينة الكوفة
هي مدينة كبيرة عتيقة البناء، قد استولى الخراب على أكثرها، فالغامر منها أكثر من العامر. ومن أسباب خرابها قبيلة خفاجة المجاورة لها، فهي لا تزال تضربها، وكفاك بتعاقب الأيام والليالي محييا ومنفنيا. وبناء هذه المدينة بالآجر خاصة، ولا سور لها. والجامع العتيق آخرها ممايلي شرقي البلد، ولا عمارة تتصل به من جهة الشرق. وهو جامع كبير، في الجانب القبلي منه خمسة أبلطة، وفي سائر الجوانب بلاطان. وهذه البلاطات على أعمدة من السواري الموضوعة من صم الحجارة، المنحوتة قطعة على عطعة، مفرغة بالرصاص، ولا قسي عليها، على الصفة التي ذكرناها في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهي نهاية الطول، متصلة بسق السمجد، فتحار العيون في تفاوت ارتفاعها. فما أرى في الأرض مسجدا أطول منه ولا أعلى سقفا.
وبهذا الجامع المكرم آثار كريمة: فمنها بيت بإزاء المراب عن يمين المستقبل القبلة، يقال: انه كان مصلى الله عليه وسلم ابراهيم الخليل، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعليه ستر أسود صونا له، ومنه خرج الخطيب لابسا ثياب السواد الخطبة. فالناس يزدحمون على هذا الموضع المبارك للصلاة فيه. وعلى مقربة منه، ممايلي الجانب الأيمن من القبلة، محراب محلق عليه بأعواد الساج مرتفع عن صحن البلاط كأنه مسجد صغير، وهو محراب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وفي ذلك الموضع ضربه الشقي اللعين عبد الرحمن بن ملجم بالسيف، فالناس يصلون فيه باكين داعين. وفي الزاوية من آخر هذا البلاط القبلي، المتصل بأخر البلاط الغربي، شبيه مسجد صغير محلق عليه أيضا بأعواد الساج، هو موضع مفار التنور الذي كان آية لنوح، عليه السلام، وفي ظهره، خارج المسجد، بيته الذي كان فيه، وفي ظهره بيت آخر يقال إنه كان متعبد إدريس، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ويتصل بهما فضاء متصل بالجدار القبلي من المسجد، يقال إنه منشأ السفينة. ومع آخر هذا الفضاء دار علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والبيت الذي غسل فيه. ويتصل به بيت يقال إنه كان بيت ابنة نوح، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم.
وهذه الآثار الكريمة تلقيناها من ألسنة أشياخ من أخل البلد فاثبتناها حسبما نقلوها إلينا، والله أعلم بصحة ذلك كله.
وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت صغير يصعد إليه فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب، رضي الله عنه. وفي جوفي الجامع على بعد منه يسير سقاية كبيرة من ماء الفرات فيها ثلاثة أحواض كبار.


صفحة : 79

وفي غربي المدينة على مقدار فرسخ منها المشهد الشهير الشأن المنسوب لعلي ابن أبي طالب، رضي الله عنه، وحيث بركت ناقته وهو محمول عليها مسجى ميتا على مايذكر. ويقال: إن قبره فيه، والله أعلم بصحة ذلك. وفي هذا المشهد بناء حفيل على ماذكر لنا، لأنالم نشاهده بسبب أن وقت المقام بالكوفة ضاق عن ذلك، لأنالم نبت فيها سوى ليلة يوم السبت. وفي غدائه رحلنا ونزلنا قريب الظهر على نهر منسرب من الفرات. والفرات من الكوفة على مقدار نصف فرسخ مما يلي الجانب الشرقي. والجانب الشرقي كله حدائق نخيل ملتفة يتصل سوادها ويمتد امتداد البصر. ورحلنا من ذلك الموضع وبتنا ليلة الأحد منسلخ محرم بمقربة من الحلة ثم جئناها يوم الأحد المذكور.

ذكر مدينة الحلة
هي مدينة كبيرة، عتيقة الوضع، مستطيلة، لم يبق من سورها الا حلق من جدار ترابي مستدير بها. وهي المدينة اأسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية. وهيو قوية العمارة، كثيرة الخلق، متصلة حدائق النخيل داخلا وخارجا، فديارها بين حدائق النخيل، وألفينا بها جسرا عظيما معقودا على مراكب كبار متصلة من الشط تحف بها من جانبها سلاسل من حديد كالأذرع المفتولة عظما وضخامة ترتبط خشب مثبتة في كلا الشطين، تدل على عظم الاستطاع والقدرة؛ أمر الخليفة بعقدة على الفرات اهتماما بالحاج واعتناء بسبيله وكانوا قبل ذلك يعبرون في المراكب، فوجدوا هذا الجسر قد عقده الخليفة في مغيبهم، ولم يكن عند شخوصهم مكة شرفها الله.
وعبرنا الجسر ظهر يوم الأحد المذكور ونزلنا بشط الفرات علىمقدار فرسخ من البلد، وهذا النهر كاسمه فرات، هو من أعذب المياه وأخفها، وهو نهر كبير زخار، تصعد فيه السفن وتنحدر.
والطريق من الحلة بغداد أحسن طريق وأجملها، في بسائط من الأرض وعمائر، تتصل بها القرى يمينا وشمالا. ويشق هذه البسائط أغصان من ماء الفرات تتسرب بها وتسقيها، فمحرثها لاحد لاتساعه وانفساحه، فللعين في هذا الطريق مسرح انشراح، وللنفس مراح انبساط وانفساح، والأمن فيها متصل، بحمد الله سبحانه وتع.

شهر صفر سنة ثمانين
هلاله على الكمال من ليلة الاثنين، بموافقة الرابع عشر من مايه، استهل هلاله ونحن على شط الفرات بظاهر مدينة الحلة.
وفي ضحوة يوم الاثنين المذكور حلنا وأجزنا جسرا على نهر يسمى النيل، وهو فرع متشعب من الفرات، وكان عليه ازدحام، فغرق كثير من الناس والدواب في الماء. فتنحينا مريحين أن انفرج ذلك الزدحام، فغرق كثير من الناس والدواب في الماء. فتنحينا مريحين أن انفرج ذلك المزدحم وعبرنا على سلامة وعافية، والحمد لله.
ومن مدينة الحلة يتسلسل الحاج أرسالا وأفواجا: فمنهم المتقدم، والمتوسط، والمتأخر، لايعرج المستعجل على التغذر، ولا المتقدم على المتأخر، فحيثما شاؤوا من طريقهم نزلوا وأراحوا واستراحوا، وسكنت نفوسهم من روعة نقر الكوس الذي كانت الافئدة ترجف له بدارا للرحيل واستعجالا للقيام، فربما كان النائم منهم يهذي بنقر الكوس فيقوم عجلا وجلاثم يتحقق أنها من أضغاث أحلامه فيعود منامه.
ومن جملة الدواعي لافتراقهم كثرة القناطير المعترضة في طريقهم بغذاد، فلا تكاد تمشي ميلا الا وتجد قنطرة علىنهر متفرع من الفرات، فتلك الطريق أكثر الطرق سواقي وقناطير، وعلى أكثرها خيام فيها رجال محترسون للطريق اعتناء من الخليفة بسبيل الحاج دون اعتراض منهم لاستنفاع بكدية أو سواها.
فلو زاحم ذلك البشر تلك القناطير دفعة لما فرغوا من عبورها ولتراكمةا وقوعا بعض على بعض.
والأمير طشتكين المتقدم الذكر يقيم بالحلة ثلاثة أيام أن يتقدم جميع الحاج ثم يتوجه حضرة خليفته. وهذه الحلة المذكورة طاعة بيده للخليفة.
وسيرة هذا الأمير بالرفق بالحاج والاحتياط عليهم والاحتراس لمقدمتهم وساقتهم وضم نشر ميمنتهم وميسرتهم سيرة محمودة، وطريقته في الحزم وحسن النظر طريقة سديدة، وهو من التواضع ولين الجانب وقرب المكان على وتيرة سعيدة، نفعه الله ونفع المسلمين به.


صفحة : 80

وفي عصر يوم الاثنين المذكور نزلنا بقرية تعرف بالقنطرة كثيرة الخصب، كبيرة الساحة، متدفقة جداول الماء، وارفة الظلال بشجرات الفواكه، من أحسن القرى وأجملها، وبها قنطرة على فرع من فروع الفرات كبيرة محدودبة، يصعد اليها وينحدر عنها، فتعرف القرية بها، وتعرف أيضا بحصن بشير. وألفينا حصاد الشعير بهذه الجهات في هذا الوقت الذي هو نصف مايه.
ورحلنا من القرية المذكورة سحر يوم الثلاثاء الثاني لصفر، فنزلنا قائلين ضحوته بقرية تعرف بالفراش، كثيرة العمارة، يشقها الماء، وحولها بسيط أخضر جميل المنظر. وقرى هذه القرية المذكورة خان كبير يحدق به جدار عال له شرفات صغار.
ثم رحلنا منها ونزلنا عشي النهار بقرية تعرف بزريران، وهذه القرية من أحسن قرى الأرض، وأجملها منظرا، وأفسحها ساحة، وأوسعها اختطاطا، وأكثرها بساتين ورياحين وحدائق نخيل. وكان بها سوق تقصر عنه أسواق المدن. وحسبك من شرف موضعها أن دجلة تسقي شرقيها، والفرات يسقي غربيها، وهي كالعروس بينهما، والبسائط والقرى والمزارع متصلة بين هذيه النهرين الشريفين المباركين.
ومن شرف هذه القرية أيضا أن بإزائها، لجهة الشرق منها، إيوان كسرى وأمامها بيسير مدائنه. وهذا الإيوان بناء عال في الهواء، شديد البياض، لم يبق من قصوره إلا البعض، فعايناها على مقدار الميل سامية مشرفة مشرقة، وأما المدائن فخراب، اجتزنا عليها سحر يوم الأربعاء الثالث لصفر فعاينا من طولها واتساعها مرأى عجيبا. ومن فضائل هذه القرية أيضا أن بالشرق منها بمقدار نصف فرسخ مشهد سلمان الفارسي، رضي الله عنه. فما اختصت تربتها بهذا الدفين المبارك، رضي الله عنه، إلا لفضل تربتها.
والقرية على شط دجلة، وهي تعترض بينها وبين المشهد الكريم المذكور، وكنا سمعنا أن هواء بغداد ينبت السرور في القلب، ويبعث النفس دائما على الانبساط والأنس، فلا تكاد تجد فيها إلا جذلان طربا، وإن كان نازح الدار مغتربا، حتى حللنا بهذا الموضع المذكور، وهو على مرحلة منها، فلما نفحتنا نوافح هوائها، ونفعنا الغلة ببرد مائها،أحسنا من نفوسنا، على حال وحشة الاغتراب، دواعي من الإطراب، واستشعرنا بواعث فرح كأنه فرحة الغياب بالإياب، وهبت بنا محركات من الإطراب، أذكرتنا معاهد الأحباب، في ريعان الشباب. هذا للغريب النازح الوطن، فكيف للوافد فيهاعلى أهل وسكن
سقى الله باب الطاق صوب عمامة ورد الاوطـان كـل غــريب وفي سحر يوم الأربعاء المذكور رحلنا من القرية المذكورة واجتزنا على مدائن كسرى حسبما ذكرناه وانتهينا صرصر وهي أخت زريران المذكورة حسنا أو قريب منها. ويمر بجانبها القبلي نهر كبير متفرع من الفرات عليه جسر معقود على مراكب تحف بها من الشط الشط سلاسل حديد عظام، على الصفة التي ذكرناها في جسر الحلة، فعبرناه وأجزنا القرية ونزلنا قائلين، وبيننا وبين بغداد نحو ثلاثة فراسخ.
وبهذه القرية سوق حفيلة ومسجد جامع كبير جديد. وهي من القرى التي ثملأ النفوس بهجة وحسنا. وهذان النهران الشريفان دجلة والفرات قد أغنت شره تهما عن وصفهما، وملتقاهما مابين واسط والبصرة، ومنها انصبابهما البحر، ومجراهما من الشمال الجنوب، وحسبهما ماخصهما الله به من الركة هما وأخاهما النيل، مما هو مذكور مشهور، ورحلنا من ذلك الموضع قبيل الظهر من يوم الأربعاء المذكور وجئنا بغداد قبيل العصر، والمدخل اليها على بساتين وبسائط يقصر الوصف عنها.

ذكر مدينة السلام بغداد
هذه المدينة العتيقة، وأن لم تزل حضرة الخلافة العباسية، ومثابة الدعوة الإمامية القرشية الهاشمية، قد ذهب أكثر رسمها، ولم يبق منا الاشهير اسمها. وهي بالإضافة ماكانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها والتفات أعين النوائب اليها كالظل الدارس، والأثر الطامس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر ويستدعي من المستوفز العقلة والنظر الا دجلتها التي هي بين شرقيها وغربيها منها كالمرآة المجلوة بين صفحتين أو العقد المنتظم بين لبتين، فهي تردها ولا تظمأ، وتتطلع منها في مرآة صقيلة لاتصدأ، والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ، هو من ذلك على شهرة في البلاد معروفة موصوفة، ففتن الهوى، الا أن يعصم الله منها، مخوفة.


صفحة : 81

وأما أهلها فر تكاد تلقى منهم الا من يتصنع بالتواضع رياء، ويذهب بنفسه عجبا وكبرياء، يزدرون الغرباء، ويظهرون لمن دونهم الأنفة والإباء، ويستصغرون عمن سواهم الاحاديث والأنباء، قد تصور كل منهم في معتقده وخلده أن ألو جود كله يصغر بالإضافة لبلده، فهم لايستكرمون في معمور البسيطة مثوى غير مثواهم، كأنهم لايعتقدون أن الله بلادا أو عبادا سواهم، يسحبون أذيالهم أشرا وبطرا، ولا يغيرون في ذات الله منكرا، يظنون أن أسنى الفخار في سحب الإزار، ولا يعلمون أن فضله، بمقتضى الحديث المأثور، في النار، يتبايعون بينهم بالذهب قرضا، ومامنهم من يحسن الله فرضا، فلا نفقة فيها الا من دينار تقرضه، وعلى يدي مخسر للميزان تعرضه، لا تكاد تظفر من خواص أهلها بالورع العفيف، ولاتقع من أهل موازينها ومكاييلها على من ثبت له الويل في سورة التطفيف، لايبالون في ذلك بعيبن كأنهم من بقايا مدين قوم النبي شعيب. فالغريب فيهم معدوم الإرفاق، متضاعف الإنفاق، لايجد من أهلها الا من يعامله بنفاق، أو يهش اليه هشاشة انتفاع واسترفاق، كأنهم من التزام هذه الخلة القبيحة على شرط اصطلاح بينهم واتفاق، فسوء معاشرة أبنائها يغلب على طبع هوائها ومائها، ويعلل حسن المسموع من أحاديثها وانبائها، أستغفر الله الا فقهاءهم المحدثين، ووعاظهم المذكرين، لاجرم أن لهم في طريقة الوعظ والتذكير، ومداومة التنبيه والتبصير، والمثابرة على الإنذار المخوف والتحذير، مقامات تستنزل لهم من رحمة الله تع مايحط كثيرا من أوزارهم، ويسحب ذيل العفو على سوء آثارهم ويمنع القارعة الصماء أن تحل بديارهم، لكنهم معهم يضربون في حديد بارد، ويرومون تفجير الجلامد، فلا يكاد يخلو يوم من أيام جمعاتهم من واعظ بتكلم فيه، فالموفق فيهم لا يزال في مجلس ذكر أيامه كلها، لهم في ذلك طريقة مباركة ملتزمة.

مجالس علم ووعظ
فأول من شاهدنا مجلسه منهم الشيخ الإمام رضي الدين القزويني رئيس الشافعية، وفقيه المدرسة النظامية، والمشار اليه بالتقديم في العلوم الأصولية. حضرنا مجلس بالمدرسة المذكورة اثر. صلاة العصر من يوم الجمعة الخامس لصفر المذكور، فصعد المنبر، وأخذ القراء أمامه في القراءة على كراسي موضوعة، فتوقوا وشوقوا، وأتوا بتلاحين معجبة، ونغمات محرجة مطربة، ثم اندفع الشيخ الإمام المذكور فخطب خطبة سكون ووقار وتصرف في أفانين من العلوم، من تفسير كتاب الله عز وجل، وايراد حديث رسوله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، والتكلم على معاينة. ثم رشقته شآبيب المسائل من كل جانب، فأجاب، وما قصر، وتقدم وماتأخر، ودفعت اليه عدة رقاع منها، فجمعها جملة في يده وجعل يجاوب على كل واحدة منها وينبذ بها أن فرغ منها.
وحان المساء فنزل وافترق الجمع. فكان مجلسه مجلس علم ووعظ، وقورا هينا لينا، ظهرت فيه البركة والسكينة؛ ولم تقصر عن ارسال عبرتها فيه النفس المستكينة، ولا سميا آخر مجلسه، فإنه سرت حميا وعظه النفوس حتى أطارتها خشوعا، وفجرتها دموعا، وبادر التائبون اليه سقوطا على يده ووقوعا، فكم ناصية جز، وكم مفصل من مفاصل التائبين طبق بالموعظة وحز فبمثل مقام هذا الشيخ المبارك ترحم العصاة، وتتغمد الجناة، وتستدام العصمة والنجاة، والله تع يجازي كل ذي مقام عن مقامه، ويتغمد ببركة العلماء الأولياء عباده العاصين من سخطه وانتقامه برحمته وكرمه، وانه المنعم الكريم، لا رب سواه، ولا معبود الا اياه.
وشهدنا له فيها مجلسا ثانيا اثر صلاة العصر من يوم الجمعة الثاني عشر من الشهر المذكور، وحضر ذلك اليوم مجلسه سيد العلماء الخراسانية، ورئيس الأئمة الشافعية، ودخل المدرسة النظامية بهز عظيم وتطريف آماق، تشوقت له النفوس، فأخذ الإمام المتقدم الذكر في وعظه مسرورا بحضوره، ومتجملا به، فأتى بأفانين من العلوم، على حسب مجلسه المتقدم الذكر. ورئيس العلماء المذكور هو صدر الدين الخجندي المتقدم الذكر في هذا التقييد، المشتهر المآثر والمكارم، المقدم بين الأكابر والأعاظم.


صفحة : 82

ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه، الإمام الأوحد، جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي، بازاء داره على الشط بالجانب الشرقي وفي آخره على اتصال من قصور الخليفة وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب الشرقي، وهو يجلس به كل يوم سبت، فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمرو ولازيد، وفي جوف الفرا كل الصيد، آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة ومالك أزمة الكلام في النظم والنثر، والغائص في بحر فكره على نفائس الدار، فاما نظمه فرضي الطباع، مهياري الانطباع، وأما نثره فيصدع بسحر البيان، ويعطل المثل بقس وسحبان.
ومن أبهر آياته، وأكبر معجزاته، أنه يصعد المنبر ويبتدئ القراء بالقرآن، وعددهم نيف على العشرين قارئا، فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية من القراءة يتلونها على نسق بتطريب وتشويق، فاذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية، ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات أن يتكاملوا قراءة، وقد أتو بآيات مشتبهات، لايكاد المتقد الخاطر يحصلها عددا، أو يسميها نسقا. فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن في ايراد خطبته، عجلا مبتدرا، وأفرغ في أصداف الأسماع من ألفاظه دررا، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فقرا، وأتى بها على نسق القراءة لها، لامقدماولا مؤخرا. ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها. فلو أن أبدع من في مجلسه تكلف تسمية ماقرأ القراء آية آية على الترتيب لعجز عن ذلك، فكيف ينتظمها مرتجلا، ويورد الخطبة الغراء بها عجلا أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون، وان هذا لهو الفضل المبين فحدث ولا حرج عن البحر، وهيهات ليس الخبر عنه كالخبر ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر، طارت لها القلوب اشتياقا، وذابت بها الأنفس احتراقا، أن علا الضجيج، وتردد بشهقائه النشيج، وأعلن التائبون بالصياح، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح، كل يلقي ناصيته بيده فيجزها، ويمسح على رأسه داعيا له، ومنهم من يغشى عليه فيرفع في الأذرع اليه، فشاهدنا هولأ يملأ النفوس انابة وندامة، ويذكرها هول يوم القيامة، فلو لم تركب ثبج البحر، وتعتسف مغازات القفر الا لمشاهدة مجلس من مجالس هذا الرجل، لكانت الصفقة الرابحة والوجهة المفلحة الناحجة، والحمد لله على أن من بلقاء من تشهد الجمادات بفضله، ويضيق الوجود عن مثله.
وفي أثناء مجلسه ذلك يبتدرون المسائل، وتطير اليه الرقاع، فيجاوب أسرع من طرفة عين. وربما كان أكثر مجلسه الرائق من نتائج تلك المسائل، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، لا اله سواه.


صفحة : 83

ثم شاهدنا مجلسا ثانيا له، بكرة يوم الخميس الحادي عشر لصفر، بباب بدر في ساحة قصور الخليفة، ومناظره مشرفة عليه. وهذا الموضع المذكور هو من حرم الخليفة، رخص بالوصول اليه والتكلم فيه ليسمعه من تلك المناظر الخليفة ووالدته ومن حضر من الحرم. ويفتح الباب للعامة فيدخلون ذلك الموضع، وقد بسط بالحصر.وجلوسه بهذا الموضع كل يوم خميس. فبكرنا لمشاهدته بهذا المجلس المذكور، وقعدنا أن وصل هذا الحبر المتكلم، فصعد المنبر، وأرخى طيلسانه عن رأسه توااضعا لحرمة المكان، وقد تسطر القراء أمامه على كراسي موضوعة، فابتدروا القراءة على الترتيب، وشوقوا ما شاءوا، وأطربوا ما أرادوا. وبدرت العيون بارسال الدموع. فلما فرغوا من القراءة، وقد احصينا لهم تسع آيات من سور مختلفات، صدع بخطبته الزهراء الغراء، وأتى بأوائل الآيات في أثنائها منتظمات، ومشى الخطبة على فقرة آخر آية منها في الترتيب أن أكملها، وكانت الآية الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس فتمادى على هذا السين وحسن أي تحسين، فكان يومه في ذلك أعجب من أمسه، ثم أخذ في الثناء على الخليفة والدعاء له ولوالدته، وكنى عنها بالستر الأشرف، والجناب الأرأف. ثم سلك سبيله في الوعظ، كل ذلك بديهة لاروية؛ ويصل كلامه في ذلك بالآيات المقروءات على النسق مرة أخرى. فأرسلت وابلها العيون، وابدت النفوس سر شوقها المكنون وتطارح الناس عليه بذنوبهم معترفين، وبالتوبة معلنين، وطاشت الألباب والعقول، وكثر الوله والذهول، وصارت النفوس لاتملك تحصيلا، ولا تميز معقولا، ولاتجد للصبر سبيلا.
ثم في أثناء مجلسه ينشد بأشعار من النسيب مبرحة التشويق، بديعة الترقيق، تشعل القلوب وجدا، ويعود موضعها النسيبي زهدا. وكان آخر ما أنشده من ذلك، وقد أخذ المجلس مأخذه من الاحترام، وأصابت المقاتل سهام ذلك الكلام:
أين فؤادي أذابه الوجـد وأين قلبي فما صحا بعد
ياسعد زدني بذكـرهـم بالله قل لي فديت ياسعد ولم يزل يرددها والانفعال قد أثر فيهن والمدامع تكاد تمنع خروج الكلام من فيه، أن خاف الإفحام، فابتدر القيام، ونزل عن المنبر دهشا عجلان وقد أطار القلوب وجلا، وترك الناس على أحر من الجمر، يشيعونه بالمدامع الحمر.
فمن معلن بالانتحاب، ومن متعفر في التراب. فياله من مشهد ماأهول مرآه، وما أسعد من رآه نفعنا الله ببركته، وجعلنا ممن فاز به بنصيب من رحمته، بمنه وفضله.
وفي أول مجلسه أنشد قصيدا نير القبس، عراقي النفس، في الخليفةن أو له:
في شغل من الغرام شاغـل من هاجه البرق بسفح عاقل يقول فيه عند ذكر الخليفة:
ياكلمات الله كوني عوذة من العيون للإمام الكامل ففرغ من انشاده وقد هز المجلس طربا، ثم أخذ في شأنه وتمادى في ايراد سحر بيانه، وما كنا نحسب أن متكلما في الدنيا يعطي من ملكة النفوس والتلاعب بها ما أعطي هذا الرجل، فسبحان من يخص بالكمال من يشاء من عباده لا اله غيره.
وشاهدنا بعد ذلك مجالس لسواه من وعاظ بغداد ممن نستغرب شأنه، بالإضافة ماعهدناه من متكلمي الغرب. وكنا قد شاهدنا بمكة والمدينة، شرفها الله، مجالس من قد ذكرناه في هذا التقييد، فصغرت، بالإضافة لمجلس هذا الرجل الفذ، في نفوسنا قدرا، ولم نستطب لها ذكرا. وأين تقعان مما أريد وشتان بين اليزيدين، وهيهات الفتيان كثير، والمثل بمالك يسير ونزلنا بعده بمجلس يطيب سماعه، ويروق استطلاعه.
وحضرنا له مجلسا ثالثا، يوم السبت الثالث عشر لصفر، بالموضع المذكور بازاء داره على الشط الشرقي، فأخذت معجزاته البيانية مأخذها، فشاهدنا من أمره عجبا، صعد بوعظه أنفاس الحاضرين سحبا، وأسال من أدمعهم وايلا سكبا، ثم جعل يردد في آخر مجلسه أبياتا من النسيب شوقا زهديا وطربا، أن غلبته الرقة فوثب من أعلى منبره والها مكتئبا، وغادر الكل متندما على نفسه منتحبا، لهفاف ينادي: ياحسرنا واحرابا، والمنادون يدورون بنننحيبهم دور الرحى، وكل منهم بعد من سكرته ماصحا، فسبحان من خلفه عبرة لأولي الألباب، وجعله لتوبة عباده أقوى الأسباب، لااله سواه.


صفحة : 84

هي كما ذكرناه جانبان: شرقي وغربي، ودجلة بينهما فأما الجانب الغربي فقد عمه الخراب والستولى عليه، وكان المعمور أولا. وعمارة الجانب الشرقي محدثة لكنه مع استيلاء الخراب عليه يحتوي على سبع عشرة محلة، كل محلة منها مدينة مستقلة، وفي كل واحدة منها الحمامان والثلاثة والثمانية منها بجوامع يصلى الله عليه وسلم فيا الجمعة، فأكبرها القرية، وهو التي نزلنا فيها بربض منها يعرف بالمربعة على شط دجلة بمقربة من الجسر، فحملته دجلة بمدها السيلي، فعاد الناس بعبرون ابا ولزرق، والزوارق فيها لا تحصى كثرة، فالناس ليلا ونهارا من تمادي العبور فيها في نزهة متصلة رجالا ونساء. والعادة أن يكون لها جسران: أحدهما مما يقرب من دور الخليفة والآخر فوقه لكثرة الناس. والعبور في الزوارق لا ينقطع منها.
ثم الكرخ، وهي مدينة مسورة.
ثم محلة باب البصرة، وهي أيضا مدينة، وبها جامع المنصور، رحمه الله، وهو جامع كبير عتيق البنيان حفيله.
ثم الشارع، وهي ايضا مدينة، فهذه الأربع أكبر المحلات.
وبين الشارع ومحلة باب البصرة سوق المارستان، وهي مدينة صغيرة، فيها المارستان الشهير ببغداد، وهو على دجلة، وتتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس، ويطالعون احوال المرضى به، ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون اليه، وبين أيديهم قومة يتناولون طبخ الأدوية والأغذية، وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت وجميع مرافق المساكن الملوكية، والماء يدخل اليه من دجلة.
وأسماء سائر المحلات يطول ذكرها، كالوسيطة، وهي بين دجلة ونهر يتفرع من الفرات وينصب في دجلة، يجيء فيه جميع المرافق التي في الجهات التي يسقيها الفرات. ويشق على باب البصرة الذي ذكرنا محلته نهر آخر منه وينصب أيضا في دجلة.
ومن أسماء المحلات العتابية، وبها تصنع الثياب العتابية، وهي حرير وقطن مختلفات الألوان.
ومنها الحربية، وهي أعلاها، وليس وراءها الا القرى الخارجة عن بغداد أسماء يطول ذكرها.
وباحدى هذه المحلات قبر معروف الكرخي، وهو رجل من الصالحين مشهور الذكر في الأولياء. وفي الطريق باب البصرة مشهد حفيل البنيان داخله قبر متسع السنام، عليه مكتوب: هذا قبر عون ومعين، من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وفي الجانب الغربي أيضا قبر موسى بن جعفر، رضي الله عنهما، مشاهد كثيرة ممن لم تحضرنا تسميته من الأولياء والصالحين والسلف الكريم، رضي الله عن جميعهم.
وبأعلى الشرقية خارج البلد محلة كبيرة بازاء محلة الرصافة، وبالرصافة كان باب الطاق المشهور على الشط، وفي تلك المحلة مشهد حفيل البنيان، له قبة بيضاء سامية في الهواء، فيه قبر الإمام أبي حنيفة، رضي الله عنه، وبه تعرف المحلة. وبالقرب من تلك المحلة قبر الإمام احمد بن حنبل، رضي الله عنه، وفي تلك الجهة أيضا قبر أبي بكر الشبلي، رحمه الله، وقبر الحسين بن منصور الحلاج. وببغداد من قبور الصالحين كثير، رضي الله عنهم. وبالغربية هي البساتين والحدائق، ومنها تجلب الفواكه الشرقية.

دار الخلافة
واما الشرقية فهي اليوم دار الخلافة، وكفاها بذلك شرفا واحتفالا ودور الخليفة مع آخرها، وهي تقع منها في نحو الربع أو أزيد، لأن جميع العباسيين في تلك الديار معتقلون اعتقالا جميلا لايخرجون ولايظهرون، ولهم المرتبات القائمة بهم. وللخليفة من تلك الديار جزء كبير،قد اتخذ فيها المناظر المشرفة والقصور الرائقة والبساتين الأنيقة. وليس له اليوم وزير انما له خديم يعرف بنائب الوزراة، يحضر الديوان المحتوي على أموال الخلافة وبين يديه الكتب فينفذ الأمور؛ وله قيم على جميع الديار العباسية، وأمين على سائر الحرم الباقيات من عهد جده وأبيه وعلى جميع من تضمه الحرمة الخلافية، يعرف بالصاحب مجد الدين استاذ الدار، هذا لقبه، ويدعى له إثر الدعاء للخليفة، وهو قلما يظهر للعامة اشتغالا بما هو بسبيله من أمور تلك الديار وحراستها والتكفل بمغالقها وتفقدها ليلا ونهارا.


صفحة : 84

هي كما ذكرناه جانبان: شرقي وغربي، ودجلة بينهما فأما الجانب الغربي فقد عمه الخراب والستولى عليه، وكان المعمور أولا. وعمارة الجانب الشرقي محدثة لكنه مع استيلاء الخراب عليه يحتوي على سبع عشرة محلة، كل محلة منها مدينة مستقلة، وفي كل واحدة منها الحمامان والثلاثة والثمانية منها بجوامع يصلى الله عليه وسلم فيا الجمعة، فأكبرها القرية، وهو التي نزلنا فيها بربض منها يعرف بالمربعة على شط دجلة بمقربة من الجسر، فحملته دجلة بمدها السيلي، فعاد الناس بعبرون ابا ولزرق، والزوارق فيها لا تحصى كثرة، فالناس ليلا ونهارا من تمادي العبور فيها في نزهة متصلة رجالا ونساء. والعادة أن يكون لها جسران: أحدهما مما يقرب من دور الخليفة والآخر فوقه لكثرة الناس. والعبور في الزوارق لا ينقطع منها.
ثم الكرخ، وهي مدينة مسورة.
ثم محلة باب البصرة، وهي أيضا مدينة، وبها جامع المنصور، رحمه الله، وهو جامع كبير عتيق البنيان حفيله.
ثم الشارع، وهي ايضا مدينة، فهذه الأربع أكبر المحلات.
وبين الشارع ومحلة باب البصرة سوق المارستان، وهي مدينة صغيرة، فيها المارستان الشهير ببغداد، وهو على دجلة، وتتفقده الأطباء كل يوم اثنين وخميس، ويطالعون احوال المرضى به، ويرتبون لهم أخذ ما يحتاجون اليه، وبين أيديهم قومة يتناولون طبخ الأدوية والأغذية، وهو قصر كبير فيه المقاصير والبيوت وجميع مرافق المساكن الملوكية، والماء يدخل اليه من دجلة.
وأسماء سائر المحلات يطول ذكرها، كالوسيطة، وهي بين دجلة ونهر يتفرع من الفرات وينصب في دجلة، يجيء فيه جميع المرافق التي في الجهات التي يسقيها الفرات. ويشق على باب البصرة الذي ذكرنا محلته نهر آخر منه وينصب أيضا في دجلة.
ومن أسماء المحلات العتابية، وبها تصنع الثياب العتابية، وهي حرير وقطن مختلفات الألوان.
ومنها الحربية، وهي أعلاها، وليس وراءها الا القرى الخارجة عن بغداد أسماء يطول ذكرها.
وباحدى هذه المحلات قبر معروف الكرخي، وهو رجل من الصالحين مشهور الذكر في الأولياء. وفي الطريق باب البصرة مشهد حفيل البنيان داخله قبر متسع السنام، عليه مكتوب: هذا قبر عون ومعين، من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وفي الجانب الغربي أيضا قبر موسى بن جعفر، رضي الله عنهما، مشاهد كثيرة ممن لم تحضرنا تسميته من الأولياء والصالحين والسلف الكريم، رضي الله عن جميعهم.
وبأعلى الشرقية خارج البلد محلة كبيرة بازاء محلة الرصافة، وبالرصافة كان باب الطاق المشهور على الشط، وفي تلك المحلة مشهد حفيل البنيان، له قبة بيضاء سامية في الهواء، فيه قبر الإمام أبي حنيفة، رضي الله عنه، وبه تعرف المحلة. وبالقرب من تلك المحلة قبر الإمام احمد بن حنبل، رضي الله عنه، وفي تلك الجهة أيضا قبر أبي بكر الشبلي، رحمه الله، وقبر الحسين بن منصور الحلاج. وببغداد من قبور الصالحين كثير، رضي الله عنهم. وبالغربية هي البساتين والحدائق، ومنها تجلب الفواكه الشرقية.

دار الخلافة
واما الشرقية فهي اليوم دار الخلافة، وكفاها بذلك شرفا واحتفالا ودور الخليفة مع آخرها، وهي تقع منها في نحو الربع أو أزيد، لأن جميع العباسيين في تلك الديار معتقلون اعتقالا جميلا لايخرجون ولايظهرون، ولهم المرتبات القائمة بهم. وللخليفة من تلك الديار جزء كبير،قد اتخذ فيها المناظر المشرفة والقصور الرائقة والبساتين الأنيقة. وليس له اليوم وزير انما له خديم يعرف بنائب الوزراة، يحضر الديوان المحتوي على أموال الخلافة وبين يديه الكتب فينفذ الأمور؛ وله قيم على جميع الديار العباسية، وأمين على سائر الحرم الباقيات من عهد جده وأبيه وعلى جميع من تضمه الحرمة الخلافية، يعرف بالصاحب مجد الدين استاذ الدار، هذا لقبه، ويدعى له إثر الدعاء للخليفة، وهو قلما يظهر للعامة اشتغالا بما هو بسبيله من أمور تلك الديار وحراستها والتكفل بمغالقها وتفقدها ليلا ونهارا.


صفحة : 85

ورونق هذا الملك انما هو على الفتيان والأحابش المجابيب، منهم فتى اسمه خالص، وهو قائد العسكرية كلها، أبصرناه خارجا أحد الأيام وبين يديه وخلفه أمراء الأجناد من الأتراك والديلم وسواهم، وحوله نحو خمسين سيفا مسلولة في أيدي رجال قد احتفوا به فشاهدنا من أمره عجبا في الدهر، وله القصور والمناظر على دجلة.
وقد يظهر الخليفة في بعض الأحيان بدجلة راكبا في زرورق. وقد يصيد في بعض الأوقات في البرية، وظهوره على حالة اختصار تعمية لأمره على العامة، فلا يزدادأمره مع تلك التعمية الا اشتهارا. وهو مع ذلك يحب الظهور للعامة ويؤثر التحبب لهم، وهو ميمون النقيبة عندهم قد استسعدوا بأيامه رخاء وعدلا وطيب عيش فالكبير والصغير منهم داع له.
أبصرنا هذا الخليفة المذكور، وهو أبو العباس أحمد الناصر لدين الله بن المستضيء بنور الله محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف، ويتصل نسبه أبي الفضل جعفر المقتدر بالله، السلف فوقه من أجداده الخلفاء، رضوان الله عليهم بالجانب الغربي أمام منظرته به وقد انحدر عنها صاعدا في الزورق قصره بأعلى الجانب الشرقي على الشط، وهو في فتاء من سنه، اشقر اللحية صغيرها كما اجتمع بها وجهه، حسن الشكل، جميل المنظر، أبيض اللون، معتدل القامة، رائق الرواء، سنه نحو الخمس وعشرين سنة، لابسا ثوبا أبيض شبه القباء برسوم ذهب فيه، وعلى رأسه قلنسوة مذهبة مطوقة بوبر أسود من الأوبار الغالية القيمة المتخذة للباس مما هو كالفنك وأشرف، متعمدا بذلك ذي الأتراك تعمية لشأنه، لكن الشمس لاتخفى وأن سترت، وذلك عشية يوم السبت السادس لصفر سنة ثمانين، وأبصرناه أيضا عشي يوم الاحد بعده متطلعا من منظرته المذكورة بالشط الغربي، وكنا نسكن بمقربة منها.
والشرقية حفيلة الأسواق عظيمة الترتيب، تشتمل من الخلق على بشر لا يحصيهم الا الله تع الذي أحصى كل شيء عددا. وبها من الجوامع ثلاثة، كل يجتمع فيها: جامع الخليفة متصل بداره، وهو جامع كبير، وفيه سقايات عظيمة ومرافق كثيرة كاملة، مرافق الوضوء والطهور؛ وجامع السلطان، وهو خارج البلد، ويتصل به قصور تنسب للسلطان أيضا المعروف بشاه شاه، وكان مدبر أمر أجداد هذا الخليفة، وكان يسكن هنالك، فابتنى الجامع أمام مسكنه؛ وجامع الرصافة، وهو على الجانب الشرقي المذكور، وبينه وبين جامع هذا السلطان المذكور مسافة نحو الميل، والرصافة تربة الخلفاء العباسيين، رحمهم الله. فجميع جوامع البلد ببغداد المجع فيها أحد عشر.

الحمامات والمساجد والمدارس
وأما حماماتها فلا تحصى عدة، ذكر لنا أحد أشياخ البلد أنها بين الشرقية والغربية نحو الألفي حمام، وأكثرها مطلية بالقار مسطحة به، فيخيل للناظر أنه رخام اسود صقيل. وحمامات هذه الجهات أكثرها على هذه الصفة لكثرة القار عندهم، لأن شأنه عجيب، يجلب من عين بين البصرة والكوفة، وقد أنبط الله ماء هذه العين ليتولد منه القار، فهو يصير في جوانبها كالصلصال، فيجرف ويجلب وقد انعقد، فسبحان خالق مايشاء لا اله سواه.
وأما المساجد بالشرقية والغربية فلا يأخذها التقدير فضلا عن الاحصاء.
والمدارس بها نحو الثلاثين، وهي كلها بالشرقية، وما منها مدرسة الا وهي يقصر القصر البديع عنها وأعظمها وأشهرها النظامية وهي التي ابتناها نظام الملك، وجددت سنة أربع وخمس مئة. ولهذه المدارس أوقاف عظيمة وعقارات محبسة تتصير الفقهاء المدرسين بها، ويجرون بها على الطلبة مايقوم بهم، ولهذه البلاد في أمر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم وفخر مخلد، فرحم الله واضعها الأول ورحم من تبع ذلك السنن الصالح.

أبواب الشرقية الأربعة
وللشرقية أربعة أبواب: فأولها، وهو في أعلى الشط، باب السلطان، ثم باب الظفرية، ثم يليه باب الحلبة، ثم باب البصلية. هذه الأبواب التي هي في السور المحيط بها من أعلى الشط أسفله، هو ينعطف عليها كنصف دائرة مستطيلة. وداخلها في الأسواق أبواب كثيرة. وبالجملة فشأن هذه البلدة أعظم من أن يوصف، وأين هي مما كانت عليه? هي اليوم داخلة تحت قول حبيب:
لاانت انت ولا الديار ديار الرحيل من بغداد الموصل

صفحة : 86

واتفق رحيلنا من بغداد الموصل اثر صلاة العصر من يوم الاثنين الخامس عشر لصفر، وهو الثامن والعشرون لمايه، فكان مقامنا بها ثلاثة عشر يوما، ونحن في صحبة الخاتونين: خاتون بنت مسعود المتقدمة الذكر في هذا التقييد، وخاتون ام عز الدين صاحب الموصل، وصحبتهما حاج الشام والموصل وأرض الأعاجم المتصلة بالدروب التي طاعة الأمير مسعود والد احدى الخاتونين المذكورتين، وتوجه جاج خراسان ومايليها صحبة الخاتون الثالثة ابنة الملك الدقوس، وطريقهم على الجانب الشرقي من بغداد، وطريقنا نحن الموصل على الجانب الغربي منها. وهاتان الخاتونان هما أميرتا هذا العسكر الذي توجهنا فيه وقائدناه، والله لايجعلنا تحت قول القائل:
ضاع الرعيل ومن يقوده ولهما أجناد برسمهما، وزادهما الخليفة جندا يشيعونهما مخافة العرب الخفاجيين المضرين بمدينة بغداد، وفي تلك العشية التي رحلنا فيها فجأتنا خاتون المسعودية المترفة شبابا وملكا، وهي قد استقلت في هودج موضوع على خشبتين معترضتين بين مطيتين الواحدة أمام الآخرى وعليهما الجلال المذهبة، وهما تسيران بها سير النسيم سرعة ولينا، وقد فتح لها أمام الهودج وخلفه بابان، وهي ظاهرة في وسطه متنقبة، وعصابة ذهب على رأسها، وأمامها رعيل من فتيانها وجندها، وعن يمينها جنائب المطايا والهماليج العتاق، ووراءها ركب من جواريها قد ركبن المطايا والهماليج على السروج المذهبة وعصبن رؤوسهن بالعصائب الذهبيات والنسيم يتلاعب بعذباتهن، وهو يسرن خلف سيدتهن سير السحاب. ولها الرايات والطبول البوقات تضرب عند ركوبها وعند نزولها.
وأبصرنا من نخوة الملك النسائي واحتفاله رتبة تهز الأرض هزا، وتسحب أذيال الدنيا عزا. ويحق أن يخدمها العز، ويكون لها هذا الهز، فان مسافة مملكة أبيها نحو الأربعة أشهر، وصاحب القسطنطينية يؤدي اليه الجزية، وهو من العدل في رعيته على سيرة عجيبة، ومن موالاة الجهاد على سنة مرضية.
وأعلمنا أحد الحجاج من أهل بلدنا أن في هذا العام الذي هو عام تسعة وسبعين الخالي عنا استفتح من بلاد الروم نحو الخمسة وعشرين بلدا، ولقبه عز الدين، واسم أبيه مسعود، وهذا الإسم غلب عليه، وهو عريق في المملكة عن جد فجد. ومن شرف خاتون هذه واسمها سلجوقة، أن صلاح الدين استفتح آمد بلد زوجها نور الدين، وهي من أعظم بلاد الدنيا، فترك البلد لها كرامة لأبيها وأعطاها المفاتيح، فبقي ملك زوجها بسببها. وناهيك من هذا الشأن والملك ملك الحي القيوم، يؤتي الملك من يشاء لا إله سواه.
فكان مبيتنا تلك الليلة بإحدى قرى بغداد، نزلناها مضى هدء من الليل، وبمقربة منها دجيل، وهو نهر يتفرع من دجلة يسقي تلك القرى كلها.
وغدونا من ذلك الموضع، ضحى يوم الثلاثاء السادس عشر لصفر المذكور، والقرى متصلة في طريقنا، فاتصل سيرنا إثر صلاة الظهر، ونزلنا وأقمنا باقي يومنا ليلحق من تأخر من الحجاج ومن تجار الشام الموصل. ثم رحلنا قبيل نصف الليل، وتمادى سيرنا أن ارتفع النهار، فنزلنا قائلين ومريحين على دجيل. وأسرينا الليل كله، فنزلنا مع الصباح بمقربة من قرية تعرف بالحربة، من أخصب القرى وأفسحها. ورحلنا من ذلك الموضع وأسرينا الليل كله، ونزلنا مع الصباح من يوم الخميس الثامن عشر لصفر على شط دجلة بمقربة من حصن يعرف بالمعشوق، ويقال: انه كان متفرجا لزبيدة ابنة عم الرشيد وزوجه، وعلى قبالة هذا الموضع في الشط الشرقي مدينة سر من رأى، وهي اليوم عبرة من رأي: أين معتصمها، وواثقها، ومتوكلها? مدينة كبيرة قد استولى الخراب عليها الا بعض جهات منها هي اليوم معمورة. وقد أطنب المسعودي، رحمة الله، في وصفها ووصف طيب هوائها ورائق حسنها.وهي كما وصف وإن لم يبق الا الأثر من محاسنها، والله وارث الأرض ومن عليها، لا اله غيره فأقمنا بهذا الموضع طول يومنا مستريحين، وبيننا وبين مدينة تكريت مرحلة، ثم رحلنا منه وأسرينا الليل كله، فضبحنا تكريت مع الفجر من يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر، وهو أول يوم من يونيه، فنزلنا ظاهرها مستريحين ذلك اليوم.

ذكر مدينة تكريت


صفحة : 87

هي مدينة كبيرة واسعة الأرجاء، فسيحة الساحة، حفيلة الأسواق، كثيرة المساجد، غاصة بالخلق، أهلها أحسن أخلاقا وقسطا في الموازين من أهل بغداد، ودجلة منها في جوفيها، ولها قلعة حصينة على الشط هي قصبتها المنيعة، ويطيف بالبلد سور قد أثر الوهن فيه. وهي من المدن العتيقة المذكورة.
ورحلنا مع عشي اليوم المذكور واسرينا طول الليل، وأصبحنا يوم السبت الموفي عشرين منه بشط دجلة، فنزلنا مريحين. ومن ذلك الموضع يستصحب الماء ليوم وليلة، فاستصحبناه. ورحلنا ذلك اليوم ضحوة، فأسرينا الليل، ونزلنا لأخذ نفس راحة واختلاس سنة نوم، فهو منا هنيهة، ورحلنا وأسأدنا الصباح. وتمادى سيرنا أن ارتفع النهار من يوم الأحد بعده، فنزلنا قائلين بقرية على شط دجلة تعرف بالجديدة، وبمقربة منها قرية كبيرة اجتزنا عليها تعرف بالعقر وعلى رأسها ربوة مرتفعة كانت حصنا لها، وأسفلها خان جديد بأبراج وشرف حفيل البنيان وثيقه. والقرى والعمائر من هذا الموضع الموصل متصلة. ومن هنا ينتثر انتظام الحاج في المشي فينبسط كل في طريقه متقدما ومتأخرا، وبطيئا ومستعجلا، آمنا مطمئنا.
فرحلنا منها قريب العصر، وتمادى سيرنا المغرب، ونزلنا آخذين غفوة سنة خلال ما تتعشى الإبل. ورحلنا قبل نصف الليل وأدلجنا الصباح.
وفي ضحوة هذا اليوم، وهو يوم الاثنين الثاني والعشرين لصفر، والرابع ليونيه، ومررنا بموضع يعرف بالقيارة من دجلة، وبالجانب الشرقي منها، وعن يمين الطريق الموصل، فيه وهدة من الأرض سوداء كأنها سحابة قد أنبط الله فيها عيونا كبارا وصغارا تنبع بالقار، وربما يقذف بعضها بحباب منه كأنها الغليان، ويصنع له أحواض يجتمع فيها فتراه شبه الصلصال منبسطا على الأرض أسود أملس، صقيلا ورطبا، عطر الرائحة، شديد التعلك، فيلصق بالأصابع لأول مباشرة من اللمس، وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعلوها شبه الطحلب الرقيق أسود تقذفه جوانبها فيرسب قارا، فشاهدنا عجبا كنا نسمع به فنستغرب سماعه.
ومبقربة من هذه العيون على شط دجلة عين أخرى منه كبيرة، أبصرنا على البعد منها دخانا، فقيل لنا: أن النار تشعل فيه اذا أرادوا نقله فتنشف النار رطوبته المائية وتعقده، فيقطعونه قطرات ويحملونه، وهو يعم جميع البلاد الشام عكة جميع البلاد البحرية، والله يخلق مايشاء، سبحانه تع جده، وجلت قدرته، لارب غيره. ولا شك أن على هذه الصفة هي العين التي ذكر لنا أنها بين الكوفة والبصرة، وقد ذكرنا أمرها في هذا التقيي، ومن هذا الموضع الموصل مرحلتان.
وأجزنا تلك العيون القارية ونزلنا قائلين، ثم رحنا وسرنا العشي، ونزلنا بقرية تعرف بالعقيبة، ومنها تصبح الموصل إن شاء الله فأسرينا منها بعد نصف الليل ووصلنا الموصل عنذ ارتفاع النهار من يوم الثلاثاء الثالث والعشرين لصفر، والخامس من يونيه، ونزلنا بربضها في أحد الخانات بمقربة من الشط.

ذكر مدينة الموصل
هذه المدينة عتيقة ضخمة، حصينة فخمة، قد طالت صحبتها للزمن، فأخذت أهبة استعدادها لحوادث الفتن، قد كادت أبراجها تلتقي انتظاما لقرب مسافة بعضها من بعض، وباطن الداخل منها بيوت، بعضها على بعض، مستديرة وللمقاتلة في هذه البيوت حرز وقاية، وهي من المرافق الحربية. وفي أعلى البلد قلعة عظيمة قد رص بناؤها رصا، ينتظمها سور عتيق البنية مشيد البروج، وتتصل بها دور السلطان. وقد فصل بينهما وبين البلد شارع متسع يمتد من أعلى البلد أسفله. ودجلة شرقي البلد، وهي متصلة بالسور، وأبراجه في مائها.
وللبلدة ربض كبير فيه المساجد والحمامات والخانات والأسواق، وأحدث فيه بعض أمراء البلدة، وكان يعرف بمجاهد الدين، جامعا على شط دجلة، ما أرى وضع جامع أحفل منه، بناء يقصر الوصف عنه وعن تزيينه وترتيبه، وكل ذلك نقش في الآجر. وأما مقصورته فتذكر بمقاصير الجنة، ويطيف به شبابيك حديد، تتصل بها مصاطب تشرف على دجلة لامقعد أشرف منها ولا أحسن، ووصفه يطول، وانما وقع الإلماع بالبعض جريا الاختصار، وأمامه مارستان حفيل من بناء مجاهد الدين المذكور.


صفحة : 88

وبنى أيضا داخل البلد وفي سوقه قيسارية للتجار، كأنها الخان العظيم، تنغلق عليها أبواب حديد، وتطيف بها دكاكين وبيوت، بعضها على بعض، قد جلي ذلك كله في أعظم صورة من البناء المزخرف الذي لامثيل له. فما أرى في البلاد قيسارية تعدلها.
وللمدينة جامعان: أحدهما جديد، والآخر من عهد بني أمية. وفي صحن هذا الجامع قبة، داخلها سارية رخام قائمة، قد خلخل جيدها بخمسة خلاخل مفتولة فتل السوار من جرم رخامها، وفي أعلاها خصة رخام مثمنة يخرج عليها أنبوب من الماء خروج انزعاج وشدة، فيرتفع في الهواء أزيد من القامة كأنه قضيب من البلور معتدل ثم ينعكس أسفل القبة. ويجمع في هذين الجامعين القديم والحديث، ويجمع أيضا في جامع الربض. وفي المدينة مدارس للعلم نحو الست أو أزيد على دجلة، فتلوح كأنها القصور المشرفة. ولها مارستان حاشا الذي ذكرناه في الربض.
وخص الله هذه البلدة بتربة مقدسة فيها مشهد جرجيس، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وقد بني فيه مسجد، وقبره في زاوية من أحد بيوت المسجد عن يمين الداخل اليه. وهذا المسجد هو بين الجامع الجديد وباب الجسر، يجده المار الجامع من باب الجسر عن يساره. فتبر كنا بزيارة هذا القبر المقدس والوقوف عنده، نفعنا الله بذلك.
ومما خص الله به هذه البلدة أن في الشرق منها اذا عبرت دجلة على نحو الميل تل التوبة، وهو التل الذي وقف به يونس، عليه السلام، بقومه ودعا ودعوا حتى كشف الله عنهم العذاب، وبمقربة منه على قدر الميل أيضا العين المباركة المنسوبة اليه، ويقال: أنه أمر قومه بالتطهر فيها واضمار التوبة، ثم صعدوا على التل داعين.
وفي هذا التل بناء عظيم هو رباط يشتمل على بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقايات، يضم الجميع باب واحد، وفي وسط ذلك البناء بيت ينسدل عليه ستر وينغلق دونه باب كريم مرصع كله، يقال: أنه كان الموضع الذي وقف فيه يونس، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، ومحراب هذا البيت يقال. انه كان بيته الذي كان يتعبد فيه، ويطيف بهذا البيت شمع كأنه جذوع النخل عظما، فيخرج للنا هذا الرباط كل ليلة جمعة ويتعبدون فيه. وحول هذا الرباط قرى كثيرة، ويتصل بها خراب عظيم، يقال: انه كان مدينة نينوى، وهي مدينة يونس عليه السلام، وأثر السور المحيط بهذه المدينة ظاهر، وفرج الأبواب فيه بينة، وأكوام أبراجه مشرفة. بتنا بهذا الرباط المبالاك ليلة الجمعة السادس والعشرين لصفر، ثم صبحنا العين المباركة، وشربنا من مائها وتطهرنا فيها وصلينا في المسجد المتصل بها، والله ينفع بالنية في ذلك بمنه وكرمه.
وأهل هذه البلدة على طريقة حسنة، يستعملون أعمال البر، فلا تلقى منهم الاذا وجه طلق وكلمة لينة، ولهم كرامة للغرباء واقبال عليهم، وعندهم اعتدال في جميع معاملاتهم. فكان مقامنا في هذه البلدة أربعة أيام.

المشاهد الدنيوية الحفيلة
ومن أحفل المشاهد الدنيوية المريبة بروز شاهدناه يوم الأربعاء ثاني يوم وصولنا الموصل للخاتونين: أم عز الدين صاحب الموصل، وبنت الأمير مسعود المتقدم ذكرها، فخرج الناس على بكرة أبيهم ركبانا ومشاة، وخرج النساء كذلك، وأكثرهن راكبات، وقد اجتمع منهن عسكر جرار. وخرج امير البلد للقاء والدته مع زعماء دولته. فدخل الحاج المواصلة صحبة خاتونهم على احتفال وأبهة قد جللوا اعناق ابلهم بالحرير الملون، وقلدوها القلائد المزوقة.
ودخلت خاتون المسعودية تقود عسكر جواريها وأمامها عسكر رجالها يطوفون بها، وقد جللت قبتها كلها سبائك ذهب مصوغة أهلة ودنانير سعة الأكف وسلاسل وتماثيل بديعة الصفات، فلا تكاد تبين من القبة موضعا، ومطيتاها تزحفان بها زحفا، وصخب ذلك الحلي يسد المسامع، ومطاياها مجللة الأعناق بالذهب، ومراكب جواريها كذلك؛ مجموع ذلك الذهب لايحصى تقديره. وكان مشهدا أبهت الأبصار، وأحدث الاعتبار، وكل ملك يفنى الا ملك الواحد القهار، لاشريك له.
وأخبرنا غير واحد من الثقات، ممن يعرف حال خاتون هذه، وأنها موصوفة بالعبادة والخير، مؤثرة لأفعال البر. فمنها أنها أنفقت في طريقها هذا الحجاز، في صدقات ونفقات في السبيل، مالا عظيما، وهي تحب الصالحين والصالحات تزمورهم متنكرة رغبة في دعائهم. وشأنها عجيب كله على شبابها وانغماسها في نعيم الملك. والله يهدي من يشاء من عباده.


صفحة : 89

وفي عشي اليوم الرابع من المقام بهذه البلدة، وهو يوم الجمعة السادس والعشرين لصفر المذكور، ورحلنا منها على دواب أشتريناها بالموصل تفاديا من معاملة الجمالين، على أن القدر المحمود لم يسبب لنا الا صحبة الأشبه منهم، ومن شكرناه على طول الصحبة، وتماديها من مكة، شرفها الله، الموصلن فأسرينا ليلة السبت بعيد نصف الليل ثم نزلنا بقرية من قرى الموصل، ورحلنا منها ضحوة يوم السبت المذكور، وقلنا بقرية تعرف بعين الرصد، وكان مقيلنا تحت جسر معقود على واد يتحدر فيه الماء، وكان مقيلا مباركا. وفي تلك القرية خان كبير جيد. وفي محلات الطريق كلها خانات. واتفق مبيتنا تلك الليلة بالقرية المذكورة، واسرينا منهاواصبحنا يوم الاحد بقرية تعرف بالمويلحة، وأسرينا منها وبتنا بقرية كبيرة تعرف بجدال لها حصن عتيق. وفي يومنا هذا رأينا، عن يمين الطريق، جبل الجودي المذكور في كتاب الله تع الذي استوت عليه سفينة نوح، عليه السلام، وهو جبل عال مستطيل. ثم رحلنا في السحر الأعلى من يوم الاثنين التاسع والعشرين لصفر، فكان مبيتنا في قرية من قرى نصيبين، ومنها اليها مرحلة، ويعرف الموضع المذكور بالكلاي.

شهر ربيع الأول من سنة ثمانين
استهل هلاله ليلة الثلاثاء، بموافقة الثاني عشر من يونيه، ونحن بالقرية المذكورة، فرحلنا منا سحر يوم الثلاثاء المذكور ووصلنا نصيبين قبل الظهر من اليوم المذكور.

مدينة نصيبين أبقاها الله
شهيرة العتاقة والقدم، ظاهرها شباب، وباطنها هرم، جميلة المنظر، متوسطة بين الكبر والصغر، يمتد أمامها وخلفها بسيط أخضر مد البصر، قد أجرى الله فيه مذانب من الماء تسقيه، وتطرد في نواحيه، وتحف بها عن يمين وشمال لساتين ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، ينساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السوار، والحدائق تنتظم بحافتيه، وتفيء ظلالها الوارفة عليه، فرحم الله أبا نواس الحسن بن هانئ حيث يقول: طابت نصيبين لي يوما فطبت لها ياليت حظي من الدنيا نصيبين فخارجها رياضي الشمائل، أندلسي الخمائل، يرف غضارة ونضارة، ويتألق عليه رونق الحضارة، وداخلها شعت البادية باد عليه، فلا مطمح للبصر اليه، لاتجد العين فيه فسحة مجال، ولا مسحة جمال. وهذا النهر ينسرب اليها من عين معينة منبعها بجبل قريب منها، تنقسم منها مذانب تخترق بسائطها وعمائرها ويتخلل البلد منها جزء، فيتفرق على شوارعها ويلج في بعض ديارها ويصل جامعها المكرم منه سرب يخترق صحنه، وينصب في صهريجين: أحدهما وسط الصحن، والآخر عند الباب الشرقي منه، ويفضي سقايتين حول الجامع.
وعلى النهر المذكور جسر معقود من ضم الحجارة يتصل بباب المدينة القبلي. وفيها مدرستان ومارستان واحد، وصاحبها معين الدين أخو عز الدين صاحب الموصل، ابنا أتابك. ولمعين الدين أيضا مدينة سنجار، وهي عن يمين الطريق الموصل.
ويسكن في احدى الزوايا الجوفية من جامعها المكرم الشيخ أبو اليقظان الأسود الجسد الأبيض الكبد، أحد الأولياء الذين نور الله بصائرهم بالإيمان، وجعلهم من الباقيات الصالحات في الزمان، الشهير المقامات، الموصوف بالكرامات، نضو التبتل والزهادة، ومن أخلقت جدته العبادة، قد اكتفى بنسج يده، ولا يدخر من قوت يومه الثلاثاءأسعدنا الله بلقائه، وأصحبنا من بركة دعائه عشي يوم الثلاثاء مستهل ربيع الأول، فحمدنا الله عز وجل على أن من علينا برؤيته، وشرفنا بمصافحته، والله ينفعنا بدعائه، انه سميع مجيب، لا اله سواه.


صفحة : 90

فكان نزولنا بها في هان خارجها، وبتنا بها ليلة الأربعاء الثاني من ربيع الأول. ورحلنا صبيحته في قافلة كبيرة من البغال والحمير: حرانيين وحلبيين وسواهم من أهل البلاد، بلاد بكر وما يليها، وتركنا حاج هذه الجهات وراء ظهورنا على الجمال، فتمادى سيرنا أول الظهر، ونحن على اهبة وحذر من إغارة الأكراد الذين هم آفة هذه الجهات من الموصل نصيبين مدينة دنيصر يقطعون السبيل ويسعون فسادا في الأرض، وسكناهم في جبال منيعة على قرب من هذه البلاد المذكورة، ولم يعن الله سلاطينها على قمعهم وكف عاديتهم، فهم ربما وصلوا في بعض الأحيان باب نصيبينن ولا دافع لهم ولا مانع الا الله، عز وجل . فقلنا يوم الأربعاء المذكور، ورأينا ذلك اليوم، عن يمين طريقنا، بقرب من صفح الجبل، مدينة دارى العتيقة، وهي بيضاء كبيرة، لها قلعة مشرفة. ويليها بمقدار نصف مرحلة مدينة ماردين، وهي في صفح جبل في قنته لها قلعة كبيرة هي من قلاع الدنيا الشهيرة، وكلتا المدينتين معمورة.

مدينة دنيصر
هي في بسيط من الأرض فسيح، وحولها بساتين الرياحين والخضر، تسقى بالسواقي، وهي مائلة الطبع البادية، ولا سور لها، وهي مشحونة بشرا، ولها الأسواق الحفيلة، والأرزاق الواسعة، وهي مخطر لأهل بلاد الشام وديار بكر وآمد وبلاد الروم التي تلي طاعة الأمير مسعود وما يليها، ولها المحرث الواسع، ولها مرافق كثيرة. فكان نزولنا مع القافلة ببراح ظاهرها، وأصبحنا يوم الخميس الثالث لربيع الأول بها مريحين، وخارجها مدرسة جديدة بقية البناء فيها، ويتصل بها حمام، والبساتين حولها، فهي مدرسة جيدة بقية البناء فيها، ويتصل بها حمام، والبساتين حولها، فهي مدرسة ومأنسة. وصاحب هذه البلدة قطب الدين، وهو أيضا صاحب مدينة دارى ومدينة ماردينة ماردين ورأس العين، وهو قريب لابني أتابك.
وهذه البلدة لسلاطين شتى كملوك طوائف الأندلس، كلهم قد تحلى مجلية تنسب الدين، فلا تسمع الا القابا هائلة، وصفات لذي التحصيل غير طائلة، قد تساوي فيها السوقة والملوك، واشتراك فيها الغني والصعلوك، ليس فيهم من اتسم بسمة به تليق، أو اتصف بصفة هو بها خليق، الا صلاح الدين صاحب الشام وديار مصر والحجاز واليمن، المشتهر الفضل والعدل، فهذا اسم وافق مسماه، ولفظ طابق معناه، وماسوى ذلك في سواه فزعازع ريح، وشهادات يردها التجريح، ودعوى نسبة للدين برحت به أي تبريح
ألقاب مملكة في غير موضعهـا كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد ونرجع حديث المراحل، قربها الله: فكان مقامنا بدنيصر أن صلينا الجمعة، وهو اليوم الرابع لربيع ) الأول(، تلوم أهل القافلة بها لشهود سوقها، لأن بها يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد بعدها سوق حفيلة، يجتمع لها أهل هذه الجهات المجاورة لها والقرى المتصلة بها، لأن الطريق كلها يمينا وشمالا قرى متصلة وخانات مشيدة، ويسمون هذه السوق المجتمع اليها من الجهات البازار، وأيام كل سوق معلومة.
ورحلنا إثر صلاة الجمعة فاجتزنا على قرية كبيرة لها حصن تعرف بتل العقاب، هي للنصارى المعاهدين الذميين، ذكرتنا هذه القرية بقرى الأندلس حسنا ونضارة، تحفا البساتين والكروم وأنواع الأشجار، وينسرب بإزائها نهر ترف الظلال عليه، وخطها متسع، والبساتين قد انتظمته، وشاهدنا بها من الخنانيص أمثال الغنم كثرة وأنسا بأهلها. ثم وصلنا عشي النهار قرية أخرى تعرف بالجسر، هي الآن لناس من المعاهدين، وهم فرقة من فرق الروم، فكان مبيتنا بها ليلة السبت الخامس لربيع المذكور، ثم أسحرنا منها ووصلنا مدينة راس العين قبيل الظهر من يوم السبت المذكور.

مدينة رأس العين


صفحة : 91

هذا الاسم لهامن أصدق الصفات، وموضوعها به أشرف الموضوعات، وذلك أن الله تع فجر أرضها عيونا وأجراها ماء معينا، فتقسمت مذانب وانسابت جداول تنبسط في مروج خضر، فكأنهاسبائك اللجين ممدودة في بساط الزبر جسد، تحف بها أشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها آخر أنتهائها من عمارة بطحائها. وأعظم هذه العيون عينان: احداهما فوق الأخرى، فالعليا منهما نابعة فوق الارض في صم الحجارة كأنها في جوف غار كبير متسع يبسط الماء فيه حتى يصير كالصهريج العظيم ثم يخرج ويسيل نهرا كبيرا كأكبر مايكون من الانهار وينتهي العين الأخرى ويلتقي بمائها. وهذه العين الثانية عجب من عجائب مخلوقات الله عز وجل، وذلك أنها نابعة تحت الأرض من الحجر الصلد بنحو أربع قامات أو أزيد، ويتسع منبعها حتى يصير صهريجا في ذلك العمق، ويعلو بقوة نبعه حتى يسيل على وجه الأرض. فربما يروم السابح القوي السباحة الشديدة الغوص في أعماق المياه أن يصل بغوصه قعره فيمجه الماء بقوة انبعاثا منبعه، فلا يتناهى في غوصه مقدار نصف مسافة العمق أو أقل شيئا؛ شاهدنا ذلك عيانا. وماؤها أصفى من الزلال وأعذب من السلسبيل، يشف عما حواه، فلو طرح الدينار فيه في الليلة الظلماء لما أخفاه، ويصاد فيها سمك جليل من أطيب مايكون من السمك.
وينقسم ماء هذه العين نهرين: أحدهما آخذ يمينا، والآخر يسارا. فالأيمن يشق خانقة مبنية للصوفية والغرباء بإزاء العين، وهي تسمى الرباط أيضا، والأيسر ينسرب على جانب الخانقة وتفضي منه جداول مطاهرها ومرافقها المعدة للحاجة البشرية، ثم يلتقيان أسفلها مع نهر العين الأخرى العليا، وقد بنيت على شط نهر هما المجتمع بيوت أرحى تتصل على شط موضوع وسط النهر كأنه سد. ومن مجتمع ماء هاتين العينين منشأ نهر الخابور.
وبمقربة من هذه الخانقة بحيث تناظرها مدرسة بإزائها حمام، وكلاهما قد وهى وأخلق وتعطل، وما أرى كان في موضوعات الدنيا مثل موضوع هذه المدرسة، لأنها في جزيرة خضراء والنهر يستدير بها من ثلاثة جوانب والمدخل اليها من جانب واحد، وامامها ووراءها بستان، وبإزائها دولاب يلقي الماء بساتين مرتفعة عن مصب النهر. وشأن هذا الموضع كله عجيب جدا: فغاية حسن القرى بشرقي الأندلس أن يكون لها مثل هذا الموضع جمالا أو تتحلى بمثل هذه العيون، ولله القدرة في جميع مخلوقاته.
وأما المدينة فللبداوة بها اعتناء، وللحضارة عنها استغناء لاسور يحصنها، ولادور أنيقة النباء تحسنها، قد ضحيت في صحرائها كأنا عودة لبطحائها، وهي مع ذلك كاملة مرافق المدن، ولها جامعان حديث وقديم، فالقديم بموضع هذه العيون، وتتفجر أمامه عين معينة هي دون اللتين ذكرناهما. وهو من بنيان عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، لكنه قد أثر القدم فيه حتى آذن بتداعيه. والجامع الآخر داخل البلد، وفيه يجمع أهله. فكان مقامنا بها ذلك اليوم نزهة لم نختلس في سفرنا كله مثلها.
فلما كان عند المغيب من يوم السبت الخامس لربيع المذكور، وهو السادس عشر ليونيه، رحلنا منها رغبة في الإسآد وبرد الليل وتفاديا من حر هجيرة التأويب، لأن منها حران مسيرة يومين لاعمارة فيها. فتمادى سيرنا الصباح ثم نزلنا في الصحراء على ماء جب وأرحنا قليلا، ثم رفعنا ضحوة النهار من يوم الأحد وسرنا ونزلنا قريب العصر على ماء بئر بموضع فيه برج مشيد وآثار قديمة يعرف ببرج حواء، فبتنا به، ثم رفعنا منه بعد تهويم ساعة وسرينا الصباح، فوصلنا مدينة حران مع طلوع الشمس من يوم الاثنين السابع لربيع المذكور، والثامن عشر ليونيه، والحمد لله على تيسيره.
مدينة حران حفظها الله بلد لا حسن لديه، ولا ظل يتوسط برديه، قد اشتق من اسمه هواؤه، فلا يألف البرد ماؤه، ولاتزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه، ولا تجد فيه مقيلا، ولا تتنفس منه الا نفسا ثقيلا، قد نبذ بالعراء، ووضع في وسط الصحراء، فعدم رونق الحضارة، وتعرت أعطافه من ملابس النضارة.


صفحة : 92

أستغفر الله كفى بهذا البلد شرفا وفضلا أنه البلدة العتيقة المنسوبة لأبينا إبراهيم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وله بقبليها بنحو ثلاثة فراسخ مشهد مبالاك فيه عين جارية كان مأوى له ولسارة، صلوات الله عليهما، ومتعبدا لهما. ببركة هذه النسبة قد جعل الله هذه البلدة مقرا للصالحين المتزهدين، ومثابة للسائحين المتبتلين. لقينا من أفرادهم الشيخ أبا البركات حيان بن عبد العزيز حذاء مسجده المنسوب اليه. وهو يسكن منه في زاوية بناها في قبلته، وتتصل بها في آخر الجانب زاوية لابنه عمر قد التزمها وأشبه طريقة أبيه فما ظلم، وتعرفت منه شنشنة أعرفها من أخزم. فوصلنا الشيخ وهو قد نيف على الثمانين، فصافحنا ودعا لنا وأمرنا بلقاء ابنه عمر المذكور، فملنا اليه ولقيناه، ودعا لنا، ثم ودعناهم وانصرفنا مسرورين بلقاء رجلين من رجال الآخرة.
ولقينا أيضا بمسجد عتيق الشيخ الزاهد سلمة، فلقينا رجلا من الزهاد الأفراد فدعا لنا وسألنا، وودعناه وانصرفنا. وبالبلد سلمة آخر يعرف بالمكشوف الرأس، لايغطي رأسه تواضعا لله عز وجل حتى عرف بذلك، وصلنا منزله فأعلمنا أنه خرج للبرية سائحا.
وبهذه البلدة كثير من أهل الخير، وأهلها هينون معتدلون، محبون للغرباء مؤثرون للفقراء. وأهل هذه البلاد من الموصل لديار بكر وديار ربيعة الشام على هذا السبيل من حب الغرباء واكرام الفقراء؛ وأهل قراها كذلك. فما يحتاج الفقراء الصعاليك معهم زادا، لهم في ذلك مقاصد في الكرم مأثورة. وشأن أهل هذه الجهات في هذا السبيل، عجيب، والله ينفعهم بما هم عليه.وأما عبادهم وزهادهم والسائحون في الجبال منهم فأكثر من أن يقيدهم الإحصاء، والله ينفع المسلمين ببركاتهم وصوالح دعواتهم، بمنه وكرمه.
لهذه البلدة المذكورة أسواق حفيلة الانتظام، عجيبة الترتيب، مسقفة كلها بالخشب.فلا يزال أهلها في ظل ممدود، فتخترقها كأنك تخترق دارا كبيرة الشوارع، قد بني عند كل ملتقى أربع سكك أسواق منها قبة عظيمة مرفوعة مصنوعة من الجص هي كالمفرق لتلك السكك. ويتصل بهذه الأسواق جامعها فالمكرم، وهو عتيق مجدد قد جاء على غابة الحسن، وله صحن كبير فيه ثلاث مرتفعة على سوار رخام، وتحت كل قبة بئر عذبة، وفي الصحن أيضا قبة رابعة عظيمة قد قامت على سوار من الرخام دور كل سارية تسعة أشبار، وفي وسط القبة عمود من الرخام عظيم الجرم دوره خمسة عشر شبرا.
وهذه القبة من بنيان الروم، وأعلاها مجوف كأنه البرج المشيد، يقال: انه كان مخزنا لعدتهم الحربية، والله أعلم. والجامع المكرم سقف بجوائز الخشب والحنايا، وخشبة عظام طوال لسعة البلاط، وسعته خمس عشرة خطوة، وهو خمسة أبلطة، ومارأينا جامعا أوسع حنايا منه. وجداره المتصل بالصحن، الذي عليه المدخل اليه، مفتح كله أبوابا، عددها تسعة عشر بابا: تسعة يمينا، وتسعة شمالا، والتاسع عشر منها باب عظيم وسط هذه الأبواب، يمسك قوسه من أعلى الجدار أسفله، بهي المنظر، جميل الوضع، كأنه باب من أبواب المدن الكبار. ولهذه الأبواب كلها أغلاق من الخشب البديع الصنعة والنقش، تنطبق عليها على شبه أبواب مجالس القصور. فشاهدنا من حسن بناء هذا الجامع وحسن ترتيب أسواقه المتصلة به مرأى عجيبا قلما يوجد في المدن مثل انتظامه.
ولهذه البلدة مدرسة ومارستان، وهي بلدة كبيرة، وسورها متين حصين بنيان الجامع المكرم. ولها قلعة حصينة مما يلي الجهة الشرقية منها منقطعة عنها بفضاء واسع بينهما، ومنقطعة أيضا عن سورها بحفير عظيم يستدير بها قد شيدت حافاته بالحجارة المركرمة، فجاء في نهاية الوثاقة والقوة. وسور العلقة وثيق الحصانة. ولهذه البلدة نهير مجراه بالجهة الشرقية أيضا منها بين سورها وجبانتها، ومصبه من عين هي على بعد من البلد.


صفحة : 93

والبلد كثير الخلق، واسع الرزق، ظاهر البركة، كثير المساجد، جم المرافق، على أحفل مايكون من المدن. وصاحبه مظفر الدين بن زين الدين، وطاعته صلاح الدين وهذه البلاد كلها من الموصل نصيبين الفرات، المعروفة بديار ربيعة، وحدها من نصيبين الفرات مع مايلي الجنوب من الطريق وديار بكر التي تليها في الجانب الجوفي كآمد وميافارقين وغيرها مما يطول ذكره ليس في ملوكها من يناهض صلاح الدين، فهم طاعته وان كانوا مستبدين، وفضله يبقى عليهم، ولو شاء نزع الملك منهم لفعله بمشيئة الله.
فكان نزولنا ظاهر البلد بشرقيه على نهيره المذكور، وأقمنا مريحين يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بعده، وإثر الظهر منه كان اجتماعنا بسلمة المكشوف الرأس الذي فاتنا لقاؤه يوم الاثنين، فلقيناه بمسجده، فرأينا رجلا عليه سيما الصالحين وسمت المحبين مع طلاقة وبشر، وكرم لقاء أوليائه الصالحين وعباده المقربين.
وفي ليلة الأربعاء التاسع لربيع المذكور كان رحيلنا بعد تهويم ساعة، فأسرينا الصباح ونزلنا مريحين بتل عبدة، وهو موضع عمارة، وهذا التل مشرف متسع كأنه المائدة المنصوبة، وفيه أثر بناء قديم، وبهذا الموضع ماء جار. وكان رحيلنا منه عند المغرب، واسرينا الليل كله، واجتزنا على قرية تعرف بالبيضاء فيها خان كبير جديد، وهو نصف الطريق من حران الفرات، ويقابلها على اليمين من الطريق، في استقبالك الفرات الشام، مدينة سروج التي شهر ذكرها الحريري بنسبة أبي زيد اليها، وفيها البساتين والمياه المطردة حسبما وصفها به في مقاماته.
فكان وصولنا الفرات ضحوة النهار، وعبرنا في الزوارق المقلة المعدة للعبور قلعة جديدة على الشط تعرف بقلعة نجم، وحولها ديار بادية، وفيها سويقة يوجد فيها المهم من علف وخبز، فأقمنا بها يوم الخميس العاشر لربيع الأول المذكور مريحين خلال ماتكمل القافلة بالعبور. واذا عبرت الفرات حصلت في حد الشام وسرت في طاعة صلاح الدين دمشق.
والفرات حد بين ديار الشام وديار ربيعة وبكر. وعن يسار الطريق، في استقبالك الفرات الشام، مدينة الرقة، وهي على الفرات، وتليها رحبة مالك بن طوق وتعرف برحبة الشام، وهي من المدن الشهيرة، ثم رحلنا منها عند مضي ثلث الليل الأول وأسرينا ووصلنا مدينة منبج مع الصباح من يوم الجمعة الحادي عشر لربيع المذكور، والثاني والعشرين ليونيه.

مدينة منبج
بلدة فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، يجف بها سور عتيق ممتد الغاية والأنتهاء، جوها صقيل ومجتلاها جميل، ونسيمها أرج النشر عليل، نهارها يندى ظله، وليلها كما قيل فيه: سحر كله؛ تحف بغربيها وبشرقيها بساتين ملتفة الأشجار، مختلفة الثمار. والماء يطرد فيها، ويتخلل جميع نواحيها، وخصص الله داخلها بآبار معينة، شهدية العذوبة، سلسبيلية المذاق، تكون في كل دار منها البئر والبئران. وارضها أرض كريمة، تستنبط مياها كلها. وأسواقها وسككها فسيحة متسعة، ودكاكينها وحوانيتها كأنها الخانات والمخازن اتساعا وكبرا، وأعالي أسواقها مسقفة.
وعلى هذا الترتيب اسواق أكثر مدن هذه الجهات، لكن هذه البلدة تعاقبت عليها الأحقاب، حتى أخذ منها الخراب. كانت من مدن الروم العتيقة، ولهم فيها من البناء آثار تدل على عظم اعتنائهم بها. ولها قلعة حصينة في جوفيها تنقطع عنها وتنحاز منها. ومدن هذه الجهات كلها لاتخلو من القلاع السلطانية وأهلها أهل فضل وخير، سنيون شافعيون، وهي مطهرة بهم من أهل المذاهب المنحرفة، والعقائد الفاسدة، كما تجده في الأكثر من هذه البلاد، فمعاملاتهم صحيحة، وأحوالهم مستقيمة، وجادتهم الواضحة في دينهم من اعتراض بنيات الطريق سليمة.
فكان نزولنا خارجها، في أحد بساتينها، وأقمنا يوما مريحين ثم رحلنا نصف الليل، ووصلنا بزاعة ضحوة يوم السبت الثاني عشر لربيع المذكور.

بلدة بزاغة
بقعة طيبة الثرى، واسعة الذرى، تصغر عن المدن وتكبر عن القرى، بها سوق تجمع بين المرافق السفرية، والمتاجر الحضرية. وفي أعلاها قلعة كبيرة حصينة، رامها أحد ملوك الزمن فغاظته باستصعابها، فأمر بثلم بنائها، حتى غادرها عورة منبوذة بعرائها. ولهذه البلدة عين معينة يخترق ماؤها بسيط بطحاء ترف بساتينها خضرة ونضارة، وتريك برونقها الأنيق حسن الحضارة.


صفحة : 94

ويناظرها في جانب البطحاء قرية كبيرة تعرف بالباب، هي باب بين بزاعة وحلب، وكان يعمرها منذ ثماني سنين قوم من الملاحدة الإسماعيلية لايحصي عددهم الا الله، فطار شرارهم، وقطع هذه السبيل فسادهم واضرارهم، حتى داخلت أخل هذه البلاد العصبية، وحر كتهم الأنفة والحمية، فتجمعوا من كل أوب عليهم، ووضعوا السيوف فيهم، فاستأصلوهم عن آخرهم، وعجلوا بقطع دابرهم، وكومت بهذه البطحاء جماجمهم، وكفى الله المسلمين عاديتهم وشرهم، وأحاق بهم مكرهم، والحمد لله رب العالمين.
وسكانها اليوم قوم سنيون، فأقمنا بها يوم السبت ببطحاء هذه البلدة مريحين، ورحلنا منها في الليل وأسرينا الصباح، ووصلنا مدينة حلب ضحوة يوم الأحد الثالث عشر لربيع الأول، والرابع والعشرين ليونيه.

مدينة حلب
بلدة قدرها خطير، وذكرها في كل زمان يطير، خطابها من الملوك كثير، ومحلها من التقديس أثير، فكم هاجت من كفاح، وسلت عليها من بيض الصفاح، لها قلعة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، معدومة الشبه والنظير في القلاع، تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع، قاعدة كبيرة، ومائدة من الأرض مستديرة منحوتة الأرجاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، فسبحان من أحكم تقديرها وتدبيرها، وأبدع كيف شاء تصويرها وتدويرها، عتيقة في الأزل، حديثة وأن لم تزل، قد طاولت الأيام والأعوام، وشيعت الخواص والعوام، هذه منازلها وديارها، فاين سكانها قديما وعمارها? وتلك دار مملكتها وفناؤها فأين امراؤها الحمدانيون وشعراؤها? أجل، فني جميعهم، ولم يأن بعد فناؤها فيا عجبا للبلاد تبقى وتذهب أملاكها، ويهلكون ولا يقضى هلاكها، تخطب بعدهم فلا يتعذر ملاكها، وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها. هذه حلب، كم أدخلت من ملوكها في خبر كان، ونسخت ظرف الزمان بالمكان، أنث اسمها فتحلت بزينة الغوان، ودانت بالغدر فيمن خان، وتجلت عروسا بعد سيف دوالتها ابن حمدان، هيهات هيهات سيهرم شبابها، ويعدم خطابها ويسرع فيها بعد حين خرابها، وتتطرق جنبات الحوادث إليها، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لا اله سواه، سبحانه جلت قدرته.
وقد خرج بنا الكلام عن مقصده، فلنعد ماكنا بصدده، فنقول: ان من شرف هذه القلعة أنه يذكر أنها كانت قديما في الزمان الأول ربوة يأوي اليها ابراهيم الخليل، عليه وعلى نبينا الصلاة والتسليم، بغنيمات له فيحلبها هنالك ويتصدق بلبنها فلذلك سمت حلب، والله أعلم. وبها مشهد كريم له يقصده الناس ويتبركون بالصلاة فيه.
ومن كمال خلالها المشترطة في حصانة القلاع أن الماء بها نابع، وقد صنع عليه جبان، فهما ينبعان ماء فلا تخاف الظمأ أبد الدهر، والطعام يصبر فيها الدهر كله، وليس في شروط الحصانة أهم ولا آكد من هاتين الحلتين. ويطيف بهذين الجبين المذكورين سوران حصينان من الجانب الذي ينظر للبلدن ويعترض دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه والماء ينبع فيه. وشأن هذه القلعة في الحصانة والحسن أعظم من أن ننتهي وصفه. وسورها الأعلى كله أبراج منتظمة، فيها العلالي المنيفة، والقصاب المشرفة، قد تفتحت كلها طيقانا. وكل برج منها مسكون، وداخلها المساكن السلطانية، والمنازل الرفيعة الملوكية.
وأما البلد فموضوعه ضخم جدا، حفيل التركيب، بديع الحسن، واسع الأسواق كبيرها، متصلة الانتظام مستطيلة، تخرج من سماط صنعة سماط صنعة أخرى أن تفرغ من جميع الصناعات المدنية، وكلها مسقف بالخشب، فسكانها في ظلال وارفة. فكل سوق منها تقيد الأبصار حسنا وتستوقف المستوفز تعجبا.
وأما قيساريتها فحديقة بستان نظافة وجمالا، ومطيفة بالجامع المكرم، لا يتشوق الجالس فيها مرأى سواها ولو كان من المرائي الرياضية. وأكثر حوانيتها خزائن من الخشب البديع الصنعة، قد اتصل السماط خزانة واحدة وتخللتها شرف خشبية بديعة النقش وتفتحت كلها حوانيت، فجاء منظرها أجمل منظر وكل سماط منها يتصل بباب من أبواب الجامع المكرم.


صفحة : 95

وهذا الجامع من أحسن الجوامع وأجملها، قد أطاف بصحنه الواسع بلاط متسع مفتح كله أبوابا قصرية الحسن الصحن، عددها ينيف على الخمسين بابا، فيستوقف الأبصار حسن منظرها، وفي صحنه بئران معينان. والبلاط القبلي لامقصورة فيه فجاء ظاهر الاتساع رائق الانشراح. وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره، فما أرى في بلد من البلاد منبرا على شكله وغرابة صنعته، واتصلت الصنعة الخشبية منه المحراب فتجللت صفحاته كلها حسنا على تلك الصفة الغريبة. وارتفع كالتاج العظيم على المحراب وعلا حتى اتصل بسمك السقف، وقد قوس اعلاه وشرف بالشرف الخشبية القرنصية، وهو مرصع كله بالعاج والآبنوس، واتصال الترصيع من المنبر المحراب مع ما يليها من جدار القبلة دون أن يتبين بينهما انفصال، فتجتلي العيون منه أبدع منظر يكون في الدنيا، وحسن هذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف.
ويتصل به من الجانب الغربي مدرسة للحنفية تناسب الجامع حسنا واتقان صنعة فهما في الحسن روضة تجاور اخرى. وهذه المدرسة من أحفل ما شاهدناه من المدارس بناء وغرابة صنعة، ومن أظرف مايلحظ فيها أن جدارها القبلي مفتح كله بيوتا وغرفا ولها طيقان يتصل بعضها ببعض، وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنبا، فحصل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك العنب متدليا أمامها، فيمد الساكن فيها يده ويجتنيه متكئا دون كلفة ولا مشقة. وللبلدة سوى هذه المدرسة نحو أربع مدارس أو خمس. ولها مارستان.
وأمرها في الاحتفال عظيم، فهي بلدة تليق بالخلافة، وحسنها كله داخل لا خارج لها الا نهير يجري من جوفيها قبليها ويشق ربضها المستدير بها، فإن لها ربضا كبيرا فيه من الخانات مالا يحصى عدده. وبهذا النهر الأرجاء، وهي متصلة بالبلد وقائمة وسط ربضه. وبهذا الربض بعض بساتين تتصل بطوله. وكيفما كان الأمر فيه داخلا وخارجا فهو من بلاد الدنيا التي لانظير لهاءن والوصف فيه يطول.
فكان نزولنا في خان يعرف بخان أبي الشكر، فأقمنا به أربعة أيام ورحلنا ضحوة يوم الخميس السابع عشر لربيع المذكور، والثامن والعشرين ليونيه. ووصلنا قنسرين قبيل العصر، فأرحنا بها قليلا ثم انتقلنا قرية تعرف بتل تاجر، فكان مبيتنا بها ليلة الجمعة الثامن عشر منه.
وقنسرين هذه هي البلدة الشهيرة في الزمان، لكنها خربت وعادت كأن لم تغن بالأمس، فلم يبق الا آثارها الدارسة، ورسومها الطامسة، ولكن قراها عامرة منتظمة لأنها على محرث عظيم مد البصر عرضا وطولا. وتشبهها من البلاد الأندلسية جبان، ولذلك يذكر أن أهل قنسرين عند استفتاح الأندلس نزلوا جيان تأنسا بشبه الوطن وتعللا به مثلما فعل في أكثر بلادها، حسب ما هو معروف.
ثم رحلنا من ذلك الموضع، عند الثلث الماضي من الليل، فأسرينا وسرنا ضحوة من النهار، ثم نزلنا مريحين بموضع يعرف بباقدين في خان كبير يعرف بخان التركمان، وثيق الحصانة. وخانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة، وأبوابها حديدن وهي من الوثاقة في غاية. ثم رحلنا من هذا الموضع وبتنا بموضع يعرف بتمنى في خان وثيق على الصفة المذكورة.
ثم أسحرنا منه يوم السبت التاسع عشر لربيع الأول المذكور، وهو آخر يوم من يونيه، ورأينا عن يمين طريقنا بمقدار فرسخين، يوم الجمعة المذكور، بلاد المعرة، وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه، ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين، وهي من أخصب بلاد الله وأكثرها أرزاقا. ووراءها جبل لبنان وهو سامي الاتفاع، ممتد الطول، يتصل من البحر البحر، وفي صفحته حصون للملاحدة الإسماعيلية، فرقة مرقت من الإسلام وادعت الإلهية في أحد الانام، قيض لهم شيطان من الإنس يعرف بسنان خدعهم بأباطيل وخيالات موه عليهم باستعمالها، وسحرهم بمحالها، فاتخذوه الها يعبدونه ويبذلون الأنفس دونه، وحصلوا من طاعته وامتثال أمره بحيث يأمر أحدهم بالتردي من شاهقة جبل فيتردى ويستعجل في مرضاته الردى، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء بقدرته، نعوذ به سبحانه من الفتنة في الدين، ونسأله العصمة من ضلال الملحدين، لارب غيره،ولا معبود سواه.


صفحة : 96

وجبل لبنان المذكور هو حد بين بلاد المسلمين والإفرنج، لأن وراءه أنطاكية واللاذقية وسواهما من بلادهم، أعادها الله للمسلمين، وفي صفح الجبل المذكور حصن يعرف بحصن الأكراد، هو للإفرنج، ويغيرون منه على حماة وحمص، وهو بمرأى العين منهما. فكان وصولنا مدينة حماة في الضحى الأعلى من يوم السبت المذكور، فنزلنا بربضها في أحد خاناته.

ذكر مدينة حماة
مدينة شهيرة في البلدان، قديمة الصحبة للزمان، غير فسيحة الفناء، ولا رائقة البناء، أقطارها مضمومة، وديارها مركومة، لايهش البصر اليها، عند الإطلال عليها، كأنها تكن بهجتها تخفيها، فتجد حسنها كامنا فيها، حتى اذا جست خلالها، ونقرت ظلالها، ابصرت بشرقيها نهرا كبيرا، تتسع في تدفقه أساليبه، وتتناظر بشطيه دواليبه، قد انتظمت طرتيه، بساتين تتهدل أغصانها عليه، وتلوح خضرتها عذارا بصفحتيه، ينسرب في ظلالها، وينساب على سمت اعتدالها، وبأحد شطيه المتصل بربضها مطاهر منتظمة بيوتا عدة، يخترق الماء من دواليبه جميع نواحيها، فلا يجد المغتسل أثر أذى فيها وعلى شطه الثاني المتصل بالمدينة السفلى جامع صغير قد فتح جداره الشرقي عليه طيقانا تجتلي منها منظرا ترتاح النفس اليه، وتتقيد الأبصار لديه. وبإزاء ممر النهر بجوفي المدينة قلعة حلبية الوضع، وإن كانت دونها في الحصانة والمنع، سرب لها من هذا النهر ماء ينبع فيها، فهي لا تخاف الصدى، ولا تتهيب مرام العدى.
وموضوع هذه المدينة في وهدة من الأرض عريضة مستطيلة، كأنها خندق عميق، يرتفع لها جانبان: أحدهما كالجبل المطل، والمدينة العليا متصلة بصفح ذلك الجانب الجبلي، والقلعة في الجانب الآخر في ربوة منقطعة كبيرة مستديرة قد تولى نحتها الزمان، وحصل لها بحصانتها من كل عدو الأمان، والمدينين السفلى تحت القلعة متصلة بالجانب الذي يصب النهر عليه، وكلتا المدينتين صغيرتان. وسور المدينة العلينا يمتد على رأس جانبها العلي الجبلي يطيف بها.
وللمدينة السفلى سور يحدق بها من ثلاثة جوانب، لأن جانبها المتصل بالنهر لايحتاج سور. وعلى النهر جسر كبير معقود بصم الحجارة يتصل من المدينة السفلى ربضها. وربضها كبير فيه الخانات والديار، وله حوانيت يستعجل فيها المسافر حاجاته أن يفرغ لدخول المدينة، وأسواق المدينة العليا أحفل وأجمل من أسواق المدينة السفلى، وهي الجامعة لجميع الصناعات والتجارات، وموضوعها حسن التنظيم، بديع الترتيب والتقسيم، ولها جامع أكبر من الجامع الأسفل، ولها ثلاث مدارس ومارستان على شط النهر بإزاء الجامع الصغير.
وبخارج هذه البلدة بسيط فسيح عريض قد انتظم أكثره شجيرات الأعناب وفيه المزارع والمحارث، وفي منظره انشراح للنفس وانفساح. والبساتين متصلة على شطي النهر، وهو يسمى العاصي، لأن ظاهر انحداره من سفل علو، ومجراه من الجنوب الشمال، وهو يجتاز على قبلي حمص وبمقربة منها.
فكان مقامنا بحماه عشي يوم السبت المذكور، ثم رحلنا منها وأسرينا الليل كله وأجتزنا في نصفه هذا النهر العاصي المذكور على جسر كبير معقود من الحجارة، وعليه مدينة رستن التي خربها عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وآثارها عظيمة. ويذكر الروم القسطنطينيون أن بها أموالا جمة مكنوزة، والله أعلم بذلك، فوصلنا مدينة حمص مع شروق الشمس من يوم الأحد الموفي عشرين لربيع الأول، وهو أول يوليه، فنزلنا بظاهرها بخان السبيل.

مدينة حمص
هي فسيحة الساحة، مستطيلة المساحة، نزهة لعين مبصرها من النظافة والملاحة، موضوعة في بسيط من الأرض عريض مداه، لايخترقه النسيم بمسراه، يكاد البصر يقف دون منتهاه، أفيح أغبر، لاماء ولاشجر، ولاظل ولا ثمر، فهي تشتكي ظماءها، وتستقي على البعد ماءها، فيجلب لهامن نهيرها العاصي، وهو منها بنحو مسافة الميل، وعليه طرة بساتين تجتلي العين خضرتها، وتستغرب نضرتها، ومنبعه في مغارة يصفح جبل فوقها بمرحلة بموضع يقابل بعلبك، أعادها الله، وهي عن يمين الطريق دمشق.
وأهل هذه البلدة موصوفون بالنجدة والتمرس بالعدو لمجاورتهم اباه، وبعدهم في ذلك أهل حلب. فأحمد خلال هذه البلدة هواؤها الرطب، ونسيمها الميمون تخفيفه وتجسيمه، فكأن الهواء النجدي في الصحة شقيقه وقسيمه.


صفحة : 97

وبقبلي هذه المدينة قلعة حصينة منيعة، عاصية غير مطيعة، قد تميزت وانحازت بموضوعها عنها. وبشرقيها جبانة فيها قبر خالد بن الوليد، رضي الله عنه، هو سيف الله المسلول، ومعه قبر ابنه عبد الرحمن، وقبر عبيد الله بن عمر، رضي الله عنهم. وأسوار هذه المدينة غاية في العتاقة والوثاقة، مرصوص بناؤها بالحجارة الصم السود، وابوابها أبواب حديد، سامية الإشراف، هائلة المنظر، رائعة الإطلال والأناقة تكتنفها الأبراج المشيدة الحصينة. وأما داخلها فما شئت من بادية شعثاء، خلقة الأرجاء، ملفقة البناء، لا اشراق لآفاقها، ولا رونق لأسواقها، كاسدة لاعهدلها بنفاقها. وماظنك ببلد حصن الأكراد منه على أميال يسيرة، وهو معقل العدو، فهو منه تتراءى نارة، ويحرق اذا يطير شراره، ويتعهد اذا شاء كل يوم مغارة.
وسألنا أحد الأشياخ بهذه البلدة: هل فيها مارستان على رسم مدن هذه الجهات? فقال، وقد أنكر ذلك: حمص كلها مارستان تبيينا شهادة أهلها فيها وبها مدرسة واحدة، وتجد في هذه البلدة عند اطلالك عليها من بعد في بسيطها ومنظرها وهيئة موضوعها، بعض شبه بمدينة إشبيلية من بلاد الأندلس، يقع للحين في نفسك خياله، وبهذا الاسم سميت في القديم، وهي العلة التي أوجبت نزول الأعراب أهل حمص فيها، حسبما يذكر. وهذا التشبيه وان لم يكن بذاته، فله لمحة من احدى جهاته.
وأقمنا بها يوم الأحد المذكور ويوم الاثنين بعده، وهو الثاني ليوليه، أول الظهر، ورحلنا منها وتمادينا العشي، ونزلنا بقرية خربة تعرف بالمشعر فعشينا بها الدواب، ثم رحلنا عند المغرب وأسرينا طول ليلتنا، وتمادى سيرنا الضحى الا على من يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور، ونزلنا بقرية كبيرة للنصارى المعاهدين تعرف بالقارة، ليس فيها من المسلمين أحد، وبها خان كبير كأنه الحصن المشيد في وسطه صهريج كبير مملوء ماء يتسرب له تحت الأرض من عين على البعد، فهو لايزال ملآن، فأرحنا بالخان المذكور الظهر ثم رحلنا منه قرية تعرف بالنبك، بها ماء جار ومحرث متسع، فنزلنا بها للتعشية، ثم رحلنا منها بعد اختلاس تهويمة خفيفة.
وأسرينا الليل كله، فوصلنا خان السلطان مع الصباح، وهو خان بناه صلاح الدين صاحب الشام. وهو في نهاية الوثاقة والحسن، بباب حديد على سبيلهم في بناء خانات هذه الطرق كلها واحتفالها في تشييدها، وفي هذا الخان ماء جار يتسرب سقاية في وسط الخان كأنها صهريج، ولها منافس ينصب منها الماء في سقاية صغيرة مستديرة حول الصهريج ثم يغوص في سرب في لأرض.
والطريق من حمص دمشق قليل العمارة الا في ثلاثة مواضع أو أربعة، منها هذه الخانات المذكور مريحين ومستدركين للنوم أول الظهر، ثم رحلنا وجزنا بثنية العقاب و منها يشرف على بسيط دمشق وغوطتها، وعند هذه الثنية مفرق طريقين: أحداهما التي جئنا منها، والثانية آخذة شرقا في البرية على السماوة العراق، وهي طريق قد قصد لكنها لاتدخل الا في الشتاء. فانحدرنا منها بين جبال في بطن واد البسيط ونزلنا منه بموضع يعرف بالقصير، فيه خان كبير والنهر جار أمامه، ثم رحلنا منه مع الصبح وسرنا في بساتين متصلة لايوصف حسنها، ووصلنا دمشق في الضحى الأعلى من يوم الخميس الرابع والعشرين لربيع الأول والخامس ليوليه، والحمد لله رب العالمين.

شهر ربيع الآخر
استهل هلاله يوم الأربعاء بموافقة الحادي عشر ليوليه، ونحن بدمشق نازلين فيها بدار الحديث غربي جامعها المكرم.

مدينة دمشق


صفحة : 98

جنة المشرق، ومطلع حسنه المشرق وهي خاتمة بلاد الاسلام التي استقرينانها، وعروس المدن التي اجتليناها، قد تحلت بأزاهير الرياحين، وتجلت في حلل سندسية من البساتين، وحلت من موضوع الحسن بالمكان المكين، وتزينت في منصتها أجمل تزيين، وتشرفت بأن آوى الله تع المسيح وأمه، صلى الله عليه وسلم الله عليهما، منها ربوة ذات قرار ومعين، ظل ظليل، وماء سلسبيل، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل شبيل، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بمجتلى صقيل، وتناديهم: هلموا معرص للحسن ومقيل، قد سمت أرضها كثرة الماء حتى اشتاقت الظماء، فتكاد تناديك بها لاصم الصلاب: أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب؛ قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزهر، وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، فكل موضع لحظته بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد النظر، ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لاشك فيها، وإن كانت في السماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها.

جامعها المكرم
هو من أشهر جوامع الإسلام حسنا، واتقان بناء، وغرابة صنعة، واحتفال تنميق وتزيين. وشهرته المتعارفة في ذلك تغني عن استغراق الوصف فيه. ومن عجيب شأنه أنه لاتنسج به العنكبوت ولاتدخله، ولا تلم به الطير المعروفة بالخطاف. انتدب لبنائه الوليد بن عبد الملك، رحمه الله، ووجه ملك الروم بالقسطنطينية يأمره بإشخاص اثني عشر ألفا من الصناع من بلاده، وتقدم اليه بالوعيد في ذلك أن توقف عنه. فأمتثل أمره مذعنا بعد مراسلة جرت بينهما في ذلك مما هو مذكور في كتب التاريخ. فشرع في بنائه، وبلغت الغايات في التأنق فيه، وانزلت جدره كلها بفصوص من الذهب المعروف بالفسيفساء، وخلطت بها أنواع من الأصبغة الغربية، قد مثلت أشجارا، وفرعت اغصانا منظومة بالفصوص، ببدائع من الصنعة الأنيقة المعجزة وصف كل واصف، فجاء يغشي العيون وميضا وبصيصا. وكان مبلغ النفقة فيه، حسبما ذكره ابن المعلى الأسدي في جزء وضعه في ذكر بنائه، مئة صندوق، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار ومئتا ألف دينار، فكان مبلغ الجميع أحد عشر ألف دينار ومئتي ألف دينار.
والوليد هذا الذي اخذ نصف الكنيسة الباقية منه في أيدي النصارى وأدخلها فيه، لأنه كان قسمين: قسما للمسلمين وهو الشرقي، وقسما للنصارى وهو الغربي، لأن أبا عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه، دخل البلد من الجهة الغربية، فانتهى نصف الكنيسة، وقد وقع الصلح بينه وبين النصارى، ودخل خالد بن الوليد، رضي الله عنه، عنوة من الجانب الشرقي وانتهى النصف الثاني وهو الشرقي، فاجتازه المسلمون وصيروه مسجدا، وبقي النصف المصالح عليه وهو الغربي كنيسة بأيدي النصارى، أن عوضهم منه الوليد، فأبوا ذلك، فانتزعه منهم قهرا وطلع لهدمه بنفسه، وكانوا يزعمون أن الذي يهدم كنيستهم يجن، فبادر الوليد وقال: أنا أول من يجن في الله، وبدأ الهدم بيده، فبادر المسلمون وأكملوا هدمه. واستعدوا عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، أيام خلافته وأخرجوا العهد الذي بأيديهم من الصحابة، رضي الله عنه، في ابقائه عليهم، فهم بصرفه اليهم، فأشفق المسلمون من ذلك ثم عوضهم منه بمال عظيم أرضاهم به،فقبلوه.
ويقال: إن أول من وضع جداره القبلي هود النبي، عليه السلام. وكذلك ذكر ابن المعلى في تاريخه، والله اعلم بذلك، لا اله سواه، وقرأنا في فضائل دمشق عن سفيان الثوري، رضي الله عنه، أنه قال: إن الصلاة فيه بثلاثين ألف صلاة. وفي الحديق عن النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، أنه يعبد الله عز وجل فيه بعد خراب الدنيا اربعين سنة.

تذريعه ومساحته وعدد أبوابه وشمسياته
ذرعه في الطول من الشرق الغرب مئتا خطوة، وهما ثلاث مئة ذراع، وذرعه في السعة من القبلة الجوف مئة خطوة وخمس وثلاثون خطوة، وهي مئتا ذراع. فيكون تكسيره من المراجع الغربية أربعة وعشرين مرجعا.


صفحة : 99

وهو تكسير مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، غير أن الطول في مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، من القبلة الشمال. وبلاطاته المتصلة بالقبلة ثلاثة مستطيلة من الشرق الغرب، سعة كل بلاط منها ثماني عشر خطوة، والخطوة ذراع ونصف، وقد قامت على ثمانية وستين عمودا، منها أبرع وخمسون سارية، وثماني أرجل جصية تتخللها، واثنتان مرخمة ملصقة معها في الجدار الذي يلي الصحن، وأربع أرجل مرخمة أبدع ترخيم، مرصعة بفصوص من الرخام ملونة، قد نظمت خواتيم، وصورت محاريب وأشكالا غريبة، قائمة في البلاط الأوسط، تقل قبة الرصاص مع القبة التي تلي المحراب، سعة كل رجل منها ستة عشر شبرا، وطولها عشرون شبرا، وبين كل رجل ورجل في الطول سبع عشر خطوة، وفي العرض ثلاث عشرة خطوة فيكون دور كل رجل منها اثنين وسبعين شبرا. ويستدير بالصحن بلاط من ثلاث جهاته: الشرقية والغربية والشمالية؛ سعته عشر خطا، وعدد قوائمه سبع وأربعون: منها أربع عشرة من الجص، وسائرها سوار. فيكون سعة الصحن، حاشا المسقف القبلي والشمالي، مئة ذراع. وسقف الجامع كله من خارج ألواح رصاص.
أعظم مافي هذا الجامع المبارك قبة الرصاص المتصلة بالمحراب وسطه، سامية في الهواء، عظيمة الاستدارة، قد استقل بها هيكل عظيم هو غارب لها، يتصل من المحراب الصحن، وتحته ثلاث قباب: قبة تتصل بالجدار الذي الصحن، وقبة تتصل بالمحراب، وقبة تحت قبة الرصاص بينهما. والقبة الرصاصية قد أغضت الهواء وسطه، فإذا استقبلتها ابصرت منظرا رائعا، ومرأى هلائلا، يشبهه الناس بنسر طائر، كأن القبة رأسه، والغارب جؤجؤه، ونصف جدار البلاط عن يمين، ونصف الثاني عن شمال، جناحاه. وسعة هذا الغارب من جهة الصحن ثلاثون خطوة، ثهم يعرفون الموضع من الجامع بالنسر لهذا التشبيه الواقع عليه. ومن أي جهة استقبلت البلد ترى القبة في الهواء منيفة على كل علو كأنها معلقة من الجو.
والجامع المكرم مائل الجهة الشمالية من البلد. وعدد شمسياته الزجاجية المذهبة الملونة أربع وسبعون: منها في القبة التي تحت قبة الرصاص عشر، وفي القبة المتصلة بالمحراب مع مايليها من الجدار أربع عشرة شمسية، وفي طول الجدار عن يمين المحراب ويساره أربع وأربعون، وفي القبة المتصلة بجدار الصحن ست، وفي ظهر الجدار الصحن سبع وأربعون شمسية.
وفي الجامع المكرم ثلاث مقصورات: مقصورة الصحابة، رضي الله عنهم، وهي أول مقصورة وضعت في الإسلام، وضعها معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما، وبإزاء محرابها عن يمين مستقبل القبلة باب حديد، كان يدخل معاوية، رضي الله عنه، المقصورة منه المحراب. وبإزاء محرابها لجهة اليمين مصلى الله عليه وسلم أبي الدرداء، رضي الله عنه، وخلفها كانت دار معاوية، رضي الله عنه، وهي اليوم سماط عظيم للصفارين، يتصل بطول جدار الجامع القبلي، ولاسماط أحسن منظرا منه ولا أكبر طولا وعرضا. وخلف هذا السماط على مقربة منه دار الخليل برسمه، وهي اليوم مسكونة، وفيها مواضع للمكادين. وطول المقصورة الصحابية المذكورة أربعة وأربعون شبرا، وعرضها نصف الطول.
ويليها لجهة الغرب، في وسط الجامع، المقصورة التي أحدثت عند إضافة النصف المتخذ كنيسة الجامع؛ حسبما تقدم ذكره، وفيها منبر الخطبة ومحراب الصلاة.
وكانت مقصورة الصحابة أولا في نصف الحظ الإسلامي من الكنيسة، وكان الجدار حيث أعيد المحراب في المقصورة المحدثة، فلما أعيدت الكنيسة كلها مسجدا صارت مقصورة الصحابة طرفا في الجانب الشرقي، وأحدثت المقصورة المحدثة أكبر من الصحابية. وبالجانب الغربي بازاء الجدار مقصورة أخرى هي برسم الحنفية يجتمعون فيها للتدريس وبها يصلون. وبإزائها زاوية محدقة بالأعواد المشرجبة كأنها مقصورة صغيرة. وبالجانب الشرقي زاوية أخرى على هذه الصفة هي كالمقصورة، كان وضعها للصلاة فيها أحد أمراء الدولة التركية، وهي لاصقة بالجدار الشرقي. وبالجامع المكرم عدة زوايا على هذا الترتيب يتخذها الطلبة للنسخ والدرس والانفراد عن ازدحام الناس، وهي من جملة مرافق الطلبة.


صفحة : 100

وفي الجدار المتصل بالصحن، المحيط بالبلاطات القبلية، عشرون بابا متصلة بطول الجدار قد علتها قسي جصية مخرمة كلها على هيئة الشمسيات، فتبصر العين من اتصالها أجمل منظر وأحسنه. والبلاط المتصل بالصحن، المحيط بالبلاطات من ثلاث جهات، على أعمدة، وعلى تلك الأعمدة أبواب مقوسة تقلها أعمدة صغار تطيف بالصحن كله.
ومنظر هذا الصحن من أجمل المناظر وأحسنها، وفيه مجتمع أهل البلد، وهو متفرجهم ومتنزهم كل عشية، تراهم فيه ذاهبين وراجعين من شرق غرب، من باب جيرون باب البريد، فمنهم من يتحدث مع صاحبه، ومنهم من يقرأ، لايزالون على هذه الحال من ذهاب ورجوع نقضاء صلاة العشاء الآخرة ثم ينصرفون، ولبعضهم بالغداة مثل ذلك، وأكثر الاحتفال انما هو بالعشي فيخيل لمبصر ذلك أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم لما يرى من احتفال الناس واجتماعهم، لايزالون على ذلك كل يوم. وأهل البطالة من الناس يسمونهم الحراثين.
وللجامع ثلاث صوامع: واحدة في الجانب الغربي، وهي كالبرج المشيد، يحتوي على مساكن متسعة وزوايا فسيحة راجعة كلها أغلاق يسكنها أقوام من الغرباء أهل الخير، والبيت الأعلى منها كان معتكف أبي حامد الغزالي، رحمه الله، ويسكنه اليوم الفقيه الزاهد أبو عبد الله بن سعيد من أهل قلعة يحصب المنسوبة لهم، وهو قريب لبني سعيد المشتهرين بالدينا وخدمتها، وثانية بالجانب الغربي على هذه الصفة، وثالثة بالجانب الشمالي على الباب المعروف بباب الناطفيين.
وفي الصحن ثلاث قباب: إحداها في الجانب الغربي منه وهي أكبرها، وهي قائمة على ثمانية أعمدة من الرخام، مستطيلة كالبرج، مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة، كأنها الروضة حسنا، وعليها قبة رصاص كأنها التنور العظيم الاستدارة، يقال: إنها كانت مخزنا لمال الجامع، وله مال عظيم من خراجات ومستغلات تنيف على ماذكر لنا على الثمانية آلاف دينار صورية في السنة، وهي خمسة عشر ألف دينار مؤمنية أو نحوها. وقبة أخرى صغيرة في وسط الصحن مجوفة مثمنة من رخام قد ألصق أبدع إلصاق، قائمة على أربعة أعمدة صغار من الرخام وتحتها شباك حديد مستدير، وفي وسطه أنبوب من الصفر يمج الماء علو، فيرتفع وينثني كأنه قضيب لجين، يشره الناس لوضع أفواهم فيه للشرب استظرفا واستحسانا، ويسمونه قفص الماء. والقبة الثالثة في الجانب الشرقي قائمة على ثمانية أعمدةعلى هيئة القبة الكبيرة لكن أصغر منها.
وفي الجانب الشمالي من الصحن باب كبير يفضي مسجد كبير، في وسطه صحن، قد استدار فيه صهريج من الرخام كبير، يجري الماء فيه دائما من صحفة رخام أبيض مثمنة قد قامت وسط الصهريج على رأس عمود مثقوب يصعد الماء منه اليها، ويعرف هذا الموضع بالكلاسة، ويصلي فيه اليوم صاحبنا الفقيه الزاهد المحدث أبو جعفر الفنكي القرطبي، ويتزاحم الناس على الصلاة فيه خلفه التماسا لبركته واستماعا لحسن صوته.
وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي مسجد من أحسن المساجد وأبدعها وضعا وأجملها بناء؛ يذكر الشيعة أنه مشهد لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه. وهذا من أغرب مختلقاتهم. ومن العجيب أنه يقابله، في إلجهة الغربية في زاوية البلاط الشمالي من الصحن، موضع هو ملتقى آخر البلاط الشمالي مع أول البلاط الغربي، مجلل بستر في أعلاه، وأمامه ستر أيضا منسدل، يزعم أكثر الناس أنه موضع لعائشة، رضي الله عنها، وأنها كانت تسمع الحديث فيه. وعائشة، رضي الله عنها، في دخول دمشق كعلي، رضي الله عنه، لكن لهم في علي، رضي الله عنه مندوحة من القول، وذلك أنهم يزعمون أنه رؤي في المنام مصليا في ذلك الموضع فبنت الشيعة فيه مسجدا. واما الموضع المنسوب لعائشة، رضي الله عنها، فلا مندوحة فيه وإنما ذكرناه لشهرته في الجامع.


صفحة : 101

وكان هذا الجامع المبالاك، ظاهرا وباطنا، منزلا كله بالفصوص المذهبة، مزخرفا بأبدع زخاريف البناء المعجز الصنعة، فأدركه الحريق مرتين، فتهدم وجدد، وذهب أكثر رخامه، فاستحال رونقه، فأسلم مافيه اليوم قبلته مع الثلاث قباب المتصلة بها. ومحرابه من أعجب المحاريب الاسلامية حسنا وغرابة صنعة، يتقد ذهبا كله. وقد قامت في وسط محاريب صغار متصلة بجداره تحفها سويريات مفتولات فتل الأسورة كأنها مخروطة، لم ير شيء أجمل منها، وبعضها حمر كأنها مرجان. فشأن قبلة هذا الجامع المبالاك، مع مايتصل من قبابة الثلاث، واشراق شمسياته المذهبة الملونة عليه، واتصال شعاع الشمس بها، وانعكاسه كل لون منها، حتى ترتمي الأبصار منه أشعة ملونة، يتصل ذلك بجداره القبلي كله، عظيم لايلحق وصفه ولاتبلغ العبارة بعض مايتصوره الخاطر منه، والله يعمره بشهادة الإسلام وكلمته بمنه.
وفي الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان رضي الله عنه، وهو المصحف الذي وجه به الشام وتفتح الخزانة كل يوم إثر الصلاة فيتبرك الناس بلمسه وتقبيله ويكثر الازدحام عليه.
وله أربعة أبواب: باب قبلي، ويعرف بباب الزيادة، وله دهليز كبير متسع، له أعمدة عظام، وفيه حوانيت للخرزيين وسواهم، وله مرأى رائع، ومنه يفضى دار الخيل، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي كانت دار معاوية، رضي الله عنه، وتعرف بالخضراء؛ وباب شرقي، وهو أعظم الأبواب، ويعرف بباب جيرون؛ وباب غربي، ويعرف بباب البريد؛ وباب شمالي، ويعرف بباب الناطفيين.
وللشرقي والغربي والشمالي أيضا من هذه الأبواب دهاليز متسعة، يفضي كل دهليز منها باب عظيم، كانت كلها مداخل للكنيسة فبقيت على حالها، وأعظمها منظرا الدهليز المتصل بباب جيرون، يخرج من هذا الباب بلاط طويل عريض قد قامت أمامه خمسة أبواب مقوسة لها ستة أعمدة طوال. وفي وجه اليسار منه مشهد كبير حفيل كان فيه رأس الحسين بن علي، رضي الله عنهما ثم نقل القاهرة. وبإزائه مسجد صغير ينسب لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه. وبذلك المشهد ماء جار. وقد انتظمت أمام البلاط أدراج ينحدر عليها الدهليز، وهو كالخندق العظيم، يتصل باب عظيم الارتفاع، ينحسر الطرف دونه سموا، قد حفته أعمدة كالجذوع طولا وكالأطواد ضخامة.
وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قامت عليها شوارع مستديرة، فيها الحوانيت المنتظمة للعطارين وسواهم، وعليها شوارع أخر مستطيلة فيها الحجر والبيوت، وفي وسط الدهليز حوض كبير مستدير من الرخام عليه قبة تقلها أعمدة من الرخام، ويستدير بأعلاها طرة من الرصاص واسعة مكشوفة للهواء لم ينعطف عليها تعتيب. وفي وسط الحوض الرخامي أنبوب صفر يزعج الماء بقوة فيرتفع الهواء أزيد من القامة لم.وحوله أنابيب صغار ترمي الماء علو فيخرج عنها كقضبان اللجين، فكأنها أغصان تلك الدوحة المائية ومنظرها أعجب وأبدع من أن يلحقه الوصف.


صفحة : 102

وعن يمين الخارج من باب جيون، في جدار البلاط الذي أمامه، غرفة، ولهاهيئة طاق كبير مستدير فيه طيقان صفر قد فتحت أبوابا صغارا على عدد ساعات النهار ودبرت تدبيرا هندسيا، فعند انقضاء ساعة من النهار تسقط صنجتان من صفر من فمي بازيين مصورين من صفر قائمين على طاستين من صفر تحت كل واحد منهما: أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب، والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان، فعند وقوع بالبندقتين فيهما تعودان داخل الجدار الغرفة، وتبصر البازيين يمدان أعناقهما بالبندقتين الطاستين ويقذفانهما بسرعة بتدبير عجيب تتخيله الأوهام سحرا، وعند وقوع البندقتين في الطاستين يسمع لهما دوي، وينغلق الباب الذي هو لتلك الساعة للحين بلوح من الصفر؛ لا يزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار حتى تتغلق الأبواب كلها تنقضي الساعات، ثم تعود حالها الأول. ولها بالليل تدبير آخر، وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة اثنتي عشرة دائرة من النحاس مخرمة وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، وفإذا انقضت عم الزجاجة ضوء المصباح وفاض على الدائرة أمامها شعاعها، فلاحت للأبصار دائرة محمرة، ثم انتقل ذلك الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل وتحمر الدوائر كلها، وقد وكل بها في الغرفة متفقد لحالها، درب بشأنها وانتقالها، يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج موضعها. وهي التي يسميها الناس المنجانة.
ودهليز الباب الغربي فيه حوانيت البقالين والعطارين، وفيه سماط لبيع الفواكه، وفي أعلاه باب عظيم يصعد اليه على أدراج، له أعمدة سامية في الهواء. وتحت الأدراج سقايتان مستديرتان: سقاية يمينا، وسقاية يسارا، لك سقاية خمسة أنابيب ترمي الماء في حوض رخام مستطيل. ودهليز الباب الشمالي في زوايا علىمصاطب محدقة بالأعواد المشرجبة، وهي محاضر لمعلمي الصبيان.
وعن يمين الخارج في الدهليز خانقة مبنية للصوفية في وسطها صهريج ويقال: أنها كانت دار عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، ولها خبر سيأتي ذكره بعد هذا. والصهريج الذي في وسطها يجري الماء فيه، ولها مطاهر يجري الماء في بيوتها. وعن يمين الخارج أيضا من باب البريد مدرسة للشافعية في وسطها صهريج يجري الماء فيه ولها مطاهر على الصفة المذكورة.
وفي الصحن بين القباب المذكورة عمودان متباعدان يسيرا لهما رأسان من الصفر مستطيلان مشرجبان قد خرما أحسن تخريم، يسرجان ليلة النصف من شعبان فيلوحان كأنهما ثريتان مشتعلتان. واحتفال أهل هذه البلدة لهذه الليلة المذكورة أكثر من احتفالهم ليلة سبع وعشرين من رمضان المعظم.
وفي هذا الجامع المبارك مجتمع عظيم، كل يوم اثر صلاة الصبح، لقراءة سبع من القرآن دائما، ومثله اثر صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية، يقرأون فيها سورة الكوثر الخاتمة. ويحضر في هذا المجتمع الكوثري كل من لايجيد حفظ القرآن. وللمجتمعين على ذلك اجراء كل يوم يعيش منه أزيد من خمس مئة إنسان. وهذا من مفاخر هذا الجامع المكرم. فر تخلو القراءة منه صباحا ولا مساء. وفيه حلقات للتدريس للطلبة، وللمدرسين فيها إجراء واسع، وللمالكية زاوية للتدريس في الجانب الغربي، يجتمع فيها طلبة المغاربة، ولهم إجراء معلوم.
ومرافق هذا الجامع المكرم للغرباء وأهل الطلب كثيرة واسعةز وأغرب مايحدث به أن سارية من سواريه، هي بين المقصورتين القديمة والحديثة، لها وقف معلوم يأخذه المستند اليها للمذاكرة والتدريس. أبصرنا بها فقيها من أهل اشبيلية يعرف بالمرادي. وعند فراغ المجتمع السبعي من القراءة صباحا يستند كل انسان منهم سارية ويجلس أمامه صبي يلقنه القرآن. وللصبيان أيضا على قراءتهم جراية معلومة. فأهل الجدة من آبائهم ينزهون أبناءهم عن أخذها وسائرهم يأخذها وهذا من المفاخر الاسلامية.
وللأيتام من الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير، يأخذ منه المعلم لهم مايقوم به وينفق منه على الصبيان مايقوم بهم وبكسوتهم؛ وهذا أيضا من أغرب مايحدث به من مفاخر هذه البلاد.


صفحة : 103

وتعليم الصبيان للقرآن بهذه البلاد المشرقية كلها انما هو تلقين، ويعلمون الخط في الأشعار وغيرها، تنزيها لكتاب الله عز وجل عن ابتذال الصبيان له بالإثبات والمحو. وقد يكون في اكثر البلاد الملقن على حدة والمكتب على حدة فينفصل من التلقين التكتيب، لهم في ذلك سيرة حسنة. ولذلك مايتأتيى لهم حسن الحظ، لأن المعلم له لايشتغل بغيره، فهو يستفرغ جهده في التعليم والصبي في التعلم كذلك، ويسهل عليه لأنه بتصوير يحذو حذوه.
ويستدير بهذا الجامع المكرم أربع سقايات، في كل جانب سقاية، كل واحدة منها كالدار الكبيرة محدقة بالبيوت الخلائية، والماء يجري في كل بيت منها. وبطول صحنها حوض من الحجر مستطيل تصب فيه عدة أنابيب منتظمة بطوله. وأحدى هذه السقايات في دهليز باب جيرون، وهي أكبرها وفيهامن البيوت ماينيف على الثلاثين، وفيها زائدا على السقاية المستطيلة مع جدارها حوضان كبيران مستديران يكادان يمسكان لسعتهما عرض الدار المحتوية على هذه السقاية، والواحد بعيد من الآخر، ودور كل واحد منهما نحو الأربعين شبرا، والماء نابع فيهما. والثانية في دهليز باب الناطفيين بإزاء المعلمين، والثالثة عن يسار الخارج من باب البريد، والرابعة عن يمين الخارج من باب الزيادة. وهذه ايضا من المرافق العظيمة للغرباء وسواهم. والبلد كله سقايات قلما تخلو سكة من سككه أو سوق من أسواقه، من سقاية، والمرافق به أكثر من أن توصف، والله يبقيه دار اسلام بقدرته.

مشاهده المكرمة وآثره المعظمة
فاولها مشهد رأس يحيى بن زكرياء، عليه السلام، وهو مدفون بالجامع المكرم في البلاط القبلي قبالة الركن الأيمن من المقصورة الصحابية، رضي الله عنهم، وعليه تابوت خشب معترض من الأسطوانة، وفوقه قنديل كأنه من بلور مجوف، كأنه القدح الكبير، لايدري أمن زجاج عراقي أم صوري هو أم من غير ذلك. ومولد ابراهيم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم وعلى نبينا الكريم، وهو بصفح جبل قاسيون عند قرية تعرف ببرزة، وهي من أجمل القرى، وهذا الجبل مشهور بالبركة في القديم لأنه مصعد الأنبياء، صلوات الله عليهم، ومطلعهم، وهو في الجهة الشمالية من البلد وعلى مقدار فرسخ، وهذا المولد المبارك غار مستطيل ضيق، وقد بني عليه مسجد كبير مرتفع مقسم على مساجد كثيرة كالغرف المطلة، وعليه صومعة عالية، ومن ذلك الغار رأى، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، الكوكب ثم القمر ثم الشمس، حسبما ذكره الله تعلى في كتابه عز وجل، وفي ظهر الغار مقامه الذي كان يخرج اليهن وهذا كله ذكره الحافظ محدث الشام أبو القاسم بن هبة الله بن عساكر الدمشقي في تاريخه في أخبار دمشق، وهو ينيف علىمئة مجلد. وذكر أيضا أن بين باب الفراديس، وهو أحد أبواب البلد، وفي الجهة الشمالية من الجامع المبارك، على مقربة منه جبل قاسيون، مدفن سبعين ألف نبي، وقيل: سبعون ألف شهيد، وأن الأنبياء المدفونين به سبع مئة نبي، والله أعلم.
وخارج هذا البلد الجبانة العتيقة، وهي مدفن الأنبياء والصالحين، وبركتها شهيرة. وفي طرفها مما يلي البساتين وهدة من الأرض متصلة بالجبانة، ذكر انها مدفن سبعين نبيا، وعصمها الله ونزهها من أن يدفن فيها أحد، والقبور محيطة بها، وهي لا تخلو من الماء حتى عادت قرارة له، كل ذلك تنزيه من الله تع لها.
وبجبل قاسوين أيضا لجهة الغرب، على مقدار ميل أو أزيد من المولد المبارك، مغارة تعرف بمغارة الدم، لأن فوقها في الجبل دم هابيل قتيل أخيه قابيل ابني آدم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، يتصل من نحو نصف الجبل المغارة، وقد أبقى الله منه في الجبل آثارا حمرا في الحجارة تحك فتستحيل، وهي كالطريق في الجبل، وتنقطع عند المغارة، وليس يوجد في النصف الأعلى من المغارة آثار تشبهها، فكان يقال: أنها لون حجارة الجبل، وانما هي من الموضع الذي جر منه القاتل لأخيه حيث قتله حتى انتهى المغارة، وهي من آيات الله تع، وآياته لاتحصى.


صفحة : 104

وقرأنا في تاريخ ابن المعلى الأسدي أن تلك المغارة صلى الله عليه وسلم فيها ابراهيم وموسى وعيسى ولوط وأيوب، عليهم وعلى نبينا الكريم أفضل الصلاة والسلام. وعليها مسجد قد أتقن بناؤه، ويصعد اليه على أدراج، وهو كالغرفة المستديرة، وحولها أعواد مشرجبة مطيفة بها، وبه بيوت ومرافق للسكنى. وهو يفتح كل يوم خميس والسرج من الشمع والفتائل تقد في المغارة، وهيو متسعة. وفي أعلى الجبل كهف منسوب لآدم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وعليه بناء، وهو موضع مبارك. وتحته في حضيض الجبل مغارة تعرف بمغارة الجوع، ذكر أن سبعين نبيا ماتوا فيها جوعا، وكان عندهم رغيف فلم يزل كل واحد منهم يؤثر به صاحبه ويدور عليهم من يد يد حتى لحقتهم المنية، صلوات الله عليهم. وعلى هذه المغارة أيضا مسجد مبني، وأبصرنا فيه السرج تقد نهارا.
ولكل مشهد من هذه المشاهد أوقاف معينة من بساتين وأرض بيضاء ورباع، حتى أن البلد تكاد الأوقاف تستغرق جميع مافيه. وكل مسجد يستحدث بناؤه أو مدرسة أو خانقة يعين لها السلطان أوقافا تقوم بها وبساكنيها والملتزمين لها وهذه ايضا من المفاخر المخلدة. ومن النساء الخواتين ذوات الأقدار من تأمر ببناء مسجد أو رباط أو مدرسة وتنفق فيها الأموال الواسعة وتعين لها من مالها الأوقاف. ومن الأمراء من يفعل مثل ذلك، لهم في هذه الطريقة المباركة مسارعة مشكورة عند الله عز وجل.
وبآخر هذا الجبل المذكور، في آخر البسيط البستاني الغربي من هذه البلد، الربة المباركة المذكورة في كتاب الله تع: مأوى المسيح وأمه، صلوات الله عليهما، وهي من أبدع مناظر الدنيا حسنا وجمالا واشراقا واتقان بناء واحتفال تشييد وشرف وضع، هي كالقصر المشيد، ويصعد اليها على أدراج. والمأوى المبالاك منها مغارة صغيرة في وسطها، وهي كالبيت الصغير. وبإزائها بيت يقال: إنه مصلى الله عليه وسلم الخضر صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، فيبادر الناس للصلاة بهذين الموضعين المباركين، ولاسيما المأوى المبارك. وله باب حديد صغير ينغلق دونه، والمسجد يطيف بها، ولها شوارع دائرة، وفيها سقاية لم ير أحسن منها، قد سبق اليها الماء من علو، وماؤها ينصب على شاذروان في الجدار متصل بحوض من رخام يقع الماء فيه، لم ير أحسن من منظره.وخلف ذلك مطاهر يجري الماء في كل بيت منها ويستدير بالجانب المتصل بجدار الشادروان.
وهذه الربوة المباركة رأس بساتين البلد ومقسم مائه، ينقسم فيها الماء على سبعة أنهار، يأخذ كل نهر طريقه، وأكبر هذه الأنهار نهر يعرف بثورا، وهو يشق تحت الربوة، وقد نقر له في الحجر الصلد أسفلها حتى انفتح له متسرب واسع كالغار، وربما انغمس الجسور من سباح الصبيان أو الرجال من أعلى الربوة في النهر واندفع تحت الماء حتى يشق متسربه تحت الربوة ويخرج أسفلها، وهي مخاطرة كبيرة.
ويشرف من هذه الربوة على جميع البساتين الغربية من البلد، ولا اشراف كإشرافها حسنا وجمالا واتساع مسرح للأبصار. وتحتها تلك الأنهار السبعة تتسرب وتسيح في طرق شتى، فتحار الأبصار في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاع انصبابها. وشرف موضوع هذه الربوة ومجموع حسنها أعظم من أن يحيط به وصف واصف في غلو مدحه. وشأنها في موضوعات الدنيا الشريفة خطير كبير.
ويتصل بها أسفل منها، بمقربة من المسافة، قرية كبيرة تعرف بالنيرب، قد غطتها البساتين، فلا يظهر منها الا ماسما بناؤه. وبها جامع لم ير أحسن منه مفروش سطحه كله بفصوص الرخام الملون، فيخيل لناظره أنه ديباج مبسوط. وفيه سقاية ماء رائقة الحسن، ومطهرة لها عشرة أبواب، يجري الماء فيها ويطيف بها. وفوقها لجهة القبلة قرية كبيرة، هي من أحسن القرى، تعرف بالمزة، وبها جامع كبير وسقاية معينة، وبقرية النيرب حمام، وأكثر قرى هذه البلدة فيها الحمامات.


صفحة : 105

وفي الجهة الشرقية من البلد، عن يمين الطريق مولد ابراهيم، عليه السلام، قرية تعرف ببيت لاهية، يريدون الآلهة، وكانت فيها كنيسة هي الآن مسجد مبالاك، وكان آزر أبو ابراهيم ينحت فيها الآلهة ويصورها فيجيء الخليل ابراهيم، صلوات الله عليه وعلى نبينا الكريم، فيكسرها. وهي اليوم مسجد يجتمع فيه أهل القرية، وسطحه كله مفروش بفصوص الرخام الملونة، منتظم كله خواتيم وأشكالا بديعة، يخيل لمبصرها أنها فرش متقنة مزخرفة، وهو من المشاهد الكريمة.
وللربوة المباركة أوقاف كثيرة من بساتين وأرض بيضاء ورباع. وهي معينة التقسيم لوظائفها. فمنها ماهو معين باسم النفقة في الأدم للبائتين فيها من الزوار، ومنها ماهو معين للأكسية برسم التغطية بالليل، ومنها ماهو معين للطعام، تقاسيم تستوفي جميع مؤنها، ومؤن الأمين الراتب فيها برسم الإمامة، والمؤذن الملتزم خدمتها، ولهم على ذلك كله مرتب معلوم في كل شهر. وهي خطة من أعظم الخطط.
والأمين فيها الآن من بقية المرابطين المسوفيين ومن أعيانهم، يعرف بأبي الربيع سليمان بن ابراهيم بن مالك، وله مكانة من السلطان ووجوده الدولة وله في الشهر خمسة دنانير حاشا فائدة الربوة، وهو متسم بالخير ومرتسم به، وهو متعلق بسبب من أسباب البر في ايواء أهل الغرب من الغرباء المنقطعين بهذه الجهات، يسبب لهم وجوه المعايش من إمامة في مسجد أو سكنى بمدرسة تجرى عليه فيها النفقة أو التزام زاوية من زوايا المسجد الجامع يجبى اليه فيها رزقه أو حضور في قراءة سبع، أو سدانة مشهد من المشاهد المباركة يكون فيه، ويجري عليه مايقوم به من أوقافه، غير ذلك من الوجوه المعاشية على هذه السبيل المباركة مما يطول شرحه. فالغريب المحتاج هنا، اذا كان على طريقة الخير، مصون محفوظ غير مريق ماء الوجه.
وسائر الغرباء ممن ليس على هذه الحال، ممن عهد الخدمة والمهنة، يسبب له أيضا أسباب غريبة من الخدمة. أما بستان يكون ناطورا فيه، أو حمام يكون عينا على خدمته، وحافظا لأثواب داخليه، أوطاحونة يكون أمينا عليها، أو كفالة صبيان يؤديهم محاضرهم ويصرفهم منازلهم، غير ذلك من الوجوه الواسعة.
وليس يؤتمن فيها كلها سوى المغاربة الغرباء، لأنهم قد علا لهم بهذا البلد صيت في الأمانة، وطار لهم فيها ذكر، وأهلها لا يأتمنون البلديين. وهذا من إلطاف الله تع بالغرباء، وله الحمد والشكر على مايولي عباده. وإن شاء أحد المتعلقين بأسباب المعارف التعرض هنالك للسطان يقبله ويكرمه ويرتبه ويجري عليه بحسب قدره ومنصبه، وقد طبعت هذه البلاد وملوكها على هذه الفضائل قديما وحديثا. وقد تسلسل بنا القول غير الباب الذي نحن فيه، والحديث ذو شجون، والله كفيل بحسن العون، لارب سواه.
وبغربي البلد جبانة كبيرة تعرف بقبور الشهداء، فيها كثير من الصحابة والتابعين الأئمة الصالحين، رضي الله عنهم، فالمشهور بها من قبور الصحابة، رضي الله عنهم، قبر أبي الدرداء وقبر زوجته أم الدرداء، رضي الله عنهما، وموضع مبارك فيه تاريخ قديم مكتوب عليه في هذا الموضع قبر جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم، منهم فضالة بن عبيد، وسهل بن الحنظلية، من الذين بايعوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، تحت الشجرة، وخال أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه؛ وقبره مسنم في الموضع المذكور.
وقرأت في فضائل دمشق: أن أم المؤمنين أم حبيبة أخبت معاوية، رضي الله عنهما، مدفونة بدمشق. وقبر واثلة بن الأسقع من أهل الصفة. وفي الجهة التي تلي هذا الموضع المبارك تاريخ فيه مكتوب: هذا قبر اوس بن أوس الثقفي. وحول هذا الموضع المذكور، على مقربة منه، قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. وفي رأس القبر المبالاك تاريخ باسمه، رضي الله عنه.
والدعاء في هذا الموضع المبارك مستجاب، قد جرب ذلك كثير من الأولياء وأهل الخير المتبركين بزيارتهم قبور كثيرة من الصحابة وسواهم من الصاليحن ممن قد ذهب اسمه وغبر ذكره، ومشاهد كثيرة لأهل البيت، رضي الله عنهم، رجالا ونساء، وقد احتفل الشيعة في البناء عليهم، ولها الأوقاف الواسعة.


صفحة : 106

ومن أحفل هذه المشاهد مشهد منسوب لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قد بني عليه مسجد حفيل رائق البناء، وبإزائه بستان كله نارنجن والماء فيه من سقاية معينة. والمسجد كله ستور معلقة في جوانبه صغار وكبار. وفي المحراب حجر عظيم قد شق بنصفين والتحم بينهما ولم يبن النصف عن النصف بالكلية، يزعم الشيعة أنه انشق لعلي، رضي الله عنه، اما بضربه بسيفه أو بأمر من الأمور الإلهية على يديه. ولم يذكر عن علي، رضي الله عنه، أنه دخل قط هذا البلد، اللهم الا أن زعموا أنه كان في النوم، فلعل جهة الرؤيا تصح لهم اذ لاتصح لهم جهة اليقظة. وهذا الحجر أوجب بنيان هذا المشهد.
وللشيعة في هذه البلاد أمور عجيبة، وهم أكثر من السنيين بها. وقد عمروا البلاد بمذاهبهم، وهم فرق شتى: منهم الرافضة، وهم السبتابون؛ ومنهم الإمامية والزيدية، وهم يقولون بالتفضيل خاصة؛ ومنهم الإسماعلية والنصيرية وهم كفرة فإنهم يزعمون الإلهية لعلي، رضي الله عنه، تع الله عن قولهم؛ ومنهم الغرابية، وهم يقولون: أن عليا رضي الله عنه، كان أشبه بالنبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، من الغراب بالغراب، وينسبون الروح الأمين، عليه السلام قولا تع الله عنه علوا كبيرا؛ فرق كثيرة بضيق عنهم الإحصاء، قد أضلهم الله وأضل بهم كثيرا من خلقه، نسأل الله العصمة في الدين، ونعوذ به من زيغ الملحدين. وسلط الله على هذه الرافضة طائفة تعرف بالنبوية، سنيون يدينون بالفتوة وبأمور الرجولة كلها. وكل من الحقوه بهم لخصلة يرونها فيه منها يحزمونه السراويل فيلحقونه بهم، ولا يرون أن يستعدي أحد منهم في نازلة تنزل به، لهم في ذلك مذاهب عجيبة. واذا أقسم أحدهم بالفتوة بر قسمه. وهم يقتلون هؤلاء الروافض أينما وجدوهم. وشأنم عجيب في الأنفة والائتلاف.
ومن المشاهد المكرمة مشهد سعد بن عبادة رئيس الخزرج، صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، وهو بقرية تعرف بالمنيحة شرقي البلد وعلى مقدار أربعة أميال منه. وعلى قبره مسجد صغير حسن البناء، والقبر في وسطه، وعند رأسه مكتوب: هذا قبر سعد بن عبادة رأس الخزرج، صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. ومن مشاهد أهل البيت، رضي الله عنهم: مشهد أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، ويقال لها زينب الصغرى، وأم كلثوم، كنية أوقعها عليها النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، لشبهها بابنته أم كلثوم، رضي الله عنها، والله أعلم بذلك، ومشهدها الكريم بقرية قبلي البلد تعرف براوية على مقدار فرسخ، وعليه مسجد كبير، وخارجه مساكن، وله أوقاف، وأهل هذه الجهات يعرفونه بقبر الست أم كلثوم، مشينا اليه وبتنا به وتبركنا برؤيته، نفعنا الله بذلك.
وبالجبانة التي بغربي البلد، من قبور أهل البيت، كثير، رضي الله عنهم، منهما قبران عليهما مسجد يقال انهما من ولد الحسن والحسين، رضي الله عنهما، ومسجدآخر فيه قبر يقال أنه لسكينة بنت الحسين، رضي الله عنهما، أو لعلها سكينة أخرى من أهل البيت ومن المشاهد أيضا قبر بجامع النيرب، في بيت بالجهة الشرقية منه، يقال أنه لأم مريم، رضي الله عنها. وبقرية دارية قبر أبي مسلم الخولاني، رضي الله عنه،وعليه قبة هي علامة القبر، وبها أيضا قبر أبي سليمان الداراني، رضي الله عنه. وبين هذه القرية وبين البلد مقدار أربعة أميال، وهي لجهة الغرب منه. ومن المشاهد الكريمة التي لم تعاينها ووصفت لنا قبرا شيث ونوح، عليهما السلام، وهما بالبقاع، وهي على يومين من البلد وحدثنا من ذرع قبر شيث فألفى فيه أربعين باعا، وفي قبر نوح ثلاثين. وبإزاء قبر نوح قبر ابنة له. وعلى هذه القبور بناء، ولها أوقاف كثيرة، ولها قيم يلتزمها.
ومن المشاهد المباركة أيضا، بالجبانة الغربية وبمقربة من باب الجابية، قبر أويس القرني، رضي الله عنه، وقبور خلفاء بني أمية، رحمهم الله، يقال: أنها بإزاء باب الصغير بمقربة من الجبانة المذكورة، وعليها اليوم بناء يسكن فيه.


صفحة : 107

والمشاهد المباركة في هذه البلدة أكثر من أن تنضبط بالنقييد وانما رسم من ذلك ماهو مشهور ومعلوم. ومن المشاهد الشهيرة أيضا مسجد الاقدام، وهو على مقدار ميلين من البلد ممايلي القبة على قارعة الطريق الأعظم الآخذ بلاد الحجاز والساحل وديار مصر. وفي هذا المسجد بيت صغير فيه حجر مكتوب عليه: كان بعض الصالحين يرى النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، في النوم، فيقول: ههنا قبر أخي موسى، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. والكثيب الأحمر على الطريق بمقربة من هذا الموضع وهو بين غالية وغويلية كما ورد في الأثر، وهما موضعان. وشأن هذا المسجد في البركة عظيم، ويقال: إن النور ما خلا قط من هذا الموضع الذي يذكر أن القبر فيه حيث الحجر المكتوب. وله أوقاف كثيرة. فأما الأقدام ففي حجارة في الطريق اليه معلم عليها، تجد اثر القدم في كل حجر، وعدد الأقدام تسع، ويقال. أنها أثر قدم موسى، عليه السلام، والله أعلم بحقيقة ذلك، لا اله سواه.

شهر جمادى الأول
استهل هلاله ليلة الجمعة، بموافقة العاشر لشهر أغوشت العجمي.
بعض أحوال البلد لهذه البلدة ثمانية أبواب. باب شرقي، وهو شرقي وفيه منارة بيضاء يقال: أن عيسى، عليه السلام، ينزل فيها، لما جاء في الأثر أنه ينزل بالمنارة البيضاء شرقي دمشق، ويلي هذا الباب باب توما، وهو أيضا في حيز الشرق؛ ثم باب السلام، ثم باب الفراديس، وهو شمالي؛ ثم باب الفرج، ثم باب النصر، وهو غربي؛ ثم باب الجابية كذلك ؛ ثم باب الصغير، وهو بين الغرب والقبلة.
والمسجد الجامع مائل الجهة الشمالية من البلد، والأرباض به مطيفة الا من جهة الشرق مع مايتصل بها من القبلة يسيرا. والأرباض كبار، والبلد ليس بمفرط الكبر، وهو مائل للطول، وسككه ضيقة مظلمة، وبناؤه طين وقصب، طبقات بعضها فوق بعض، ولذلك مايسرع الحريق اليه، وهو كله ثلاث طبقات، فيحتوي من الخلق على ماتحتوي ثلاث مدن، لأنه أكثر بلاد الدنيا خلقا، وحسنه كله خارج لاداخل.
وفي داخل البلد كنيسة لها عند الروم شأن عظيم، تعرف بكنيسة مريم، ليس بعد بيت المقدس عندهم أفضل منها. وهي حفيلة البناء، تتضمن من التصاوير أمرا عجيبا تبهت الأفكار، وتستوقف الأبصار، ومرآها عجيب، وهي بأيدي الروم، ولا اعتراض عليهم فيها.
وبهذه البلدة نحو عشرين مدرسة، وبها مارستانان قديم وحديث، والحديث أحفلهما وأكبرهما، وجرايته في اليوم نحو الخمسة عشر دينارا، وله قومة بأيديهم الأزمة المحتوية على أسماء المرضى وعلى النفقات التي يحتاجون اليها في الأدوية والأغذية وغير ذلك، والأطباء يبكرون اليه في كل يوم ويتفقدون المرضى ويأمرون بإعداد مايصلحهم من الأدوية والأغذية حسبما يليق بكل انسان منهم. والمارستان الآخر على هذا الرسم، لكن الاحتفال في الجديد أكثر. وهذا القديم هو غربي الجامع المكرم. وللمجانين المعتقلين أيضا ضرب من العلاج، وهم في سلاسل موثقون، نعوذ بالله من المحنة وسوء القدر. وتندر من بعضهم النوادر الظريفة، حسبما كنا نسمع به. ومن أعجب ما حدثت به من ذلك: أن رجلا كان يعلم القرآن، وكان يقرأ عليه أحد أبناء وجوه البلد ممن أوتي مسحة جمال، واسمه نصر الله، وكان المعلم يهيم به، فزاد كلفه حتى اختبل وأدي المارستان، واشتهرت علته وفضيحته بالصبي، وربما كان يدخله أبوه اليه، فقيل له: اخرج، وعد لما كنت عليه من القرآن. فقال متماجنا تماجن المجانين: وأي قراءة بقيت لي? مابقي في حفظي من القرآن شيء سوى: اذا جاء نصر الله فضحك منه، ومن قوله. ونسأل الله العافية له ولكل مسلم، فلم يزل كذلك حتى توفي سمح الله له.
وهذه المارستانات مفخر عظيم من مفاخر الإسلام، والمدارس كذلك. ومن أحسن مدارس الدنيا منظرا مدرسة نور الدين، رحمه الله، وبها قبره، نوره الله. وهي قصر من القصور الأنيقة، ينصب فيها الماء في شاذ روان وسط نهر عظيم ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة أن يقع في صهريج كبير وسط الدار.
فتحار الأبصار في حسن ذلك المنظرن فكل من يبصره يجدد الدعاء لنور الدين، رحمه الله. وأما الرباطات التي يسمونها الخوانق فكثيرة، وهي برسم الصوفية. وهي قصور مزخرفةن يطرد فيها جميعها الماء على أحسن منظر يبصر.


صفحة : 108

وهذه الطائفة الصوفية هم الملوك بهذه البلاد، لأنهم قد كفاهم الله مؤن الدنيا وفضولها، وفرغ خواطرهم لعباته من الفكرة في أسباب المعايش، وأسكنهم في قصور تذكرهم قصور الجنان. فالسعداء الموفقون منهم قد حصل لهم بفضل الله تع نعيم الدنيا والآخرة. وهم على طريقة شريفة، وسنة في المعاشرة عجيبة، وسيرتهم في التزام رتب الخدمة غريبة، وعوائدهم من الاجتماع للسماع المشوق جميلة، وربما فارق منهم الدنيا في تلك الحالات المنفعل المثابر رقة وتشوقا. وبالجملة فأحوالهم كلها بديعة، وهم يرجون عيشا طيبا هنيئا.
ومن أعظم ماشاهدناه لهم موضع يعرف بالقصر، وهو صرح عظيم مستقل في الهواء، في أعلاه مساكن لم ير أجمل اشرافا منها، وهو من البلد بنصف الميل، له بستان عظيم يتصل به، وكان متنزها لاحد ملوك الاتراك. فيقال: أنه كان فيه احدى الليالي على راحة، فاجتاز به قوم من الصوفية، فهريق عليهم من النبيذ الذي كانوا يشربونه في ذلك القصر. فرفعوا الأمر لنور الدين، فلم يزل حتى استوهبه من صاحبه ووقفه برسم الصوفية مؤبدا لهم. فطال العجب من السماحة بمثله، وبقي أثر الفضل فيه مخلدا لنور الدين، رحمه الله.
ومناقب هذا الرجل الصالح كبيرة، وكان من الملوك الزهاد. وتوفي في شوال سنة تسع وستين وخمس مئة، واستولى بعده على الأمر صلاح الدين، وهو على طريقة من الفضل شهيرة، وشأنه في الملوك كبير، وله الأثر الباقي شرفه من ازالة المكوس بطريق الحجاز، ودفعه عوضا عنها لصاحب الحجاز. وكانت الأيام قد استمرت قديما بهذه الضريبة اللعينة أن محا الله رسمها على يدي هذا الملك العادل، أصلحه الله.
ومن مناقب نور الدين، رحمه الله تع، أنه كان عين للمغاربة الغرباء، والملتزمين زاوية المالكية بالمسجد الجامع المبارك، أو قافا كثيرة، منها طاحونتان وسبعة بساتين وأرض بيضاء وحمام ودكانان بالعطارين. وأخبرني أحد المغاربة الذين كانوا ينظرون فيه، وهو أبو الحسن علي بن سردال الجياني المعروف بالأسود: أن هذا الوقف المغربي يغل، اذا كان النظر فيه جيدا، خمس مئة دينار في العام. وكان له، رحمه اللهن بجانبهم فضل كبير، نفعه الله بما أسلف من الخير، وهيأ ديارا موقوفة لقراء كتاب الله عز وجل يسكنونها.

مرافق الغرباء
ومرافق الغرباء بهذه البلدة أكثر من أن يأخذها الاحصاء، ولاسيما لحفاظ كتاب الله، عز وجل، والمنتمين للطلب. فالشأن بهذه البلدة لهم عجيب جدا.
والاتساع أوجد. فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل هذه البلاد ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثيرة فأولها فراغ البال من أمر المعيشة، وهو أكبر الأعوان وأهمها، فاذا كانت الهمة فقد وجد السبيل الاجتهاد، ولا عذر للمقصر الا من يدين بالعجز والتسويف، فذلك من لايتوجه هذا الخطاب عليه، وانما المخاطب كل ذي همة يحول طلب المعيشة بينه وبين مقصده في وطنه من الطلب العلمي، فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك، فادخل أيها المجتهد بسلام، وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والاولاد تقرع سن الندم على زمن التضييع، والله يوفق ويرشد، لا اله سواه، قد نصحت أن ألفيت سامعان وناديت أن اسمعت مجيبا، ومن يهد الله فهو المهتد ، جلت قدرته، وتع جده. ولو لم يكن بهذه الجهات المشرقية كلها الا مباجرة أهلها لإكرام الغرباء وايثار الفقراء، ولاسيما أهل باديتها، فانك تجد من بدار بر الضيف عجبا، كفى بذلك شرفا لها. وربما يعرض أحدهم كسرته على فقير فيتوقف عن قبولها، فيبكي الرجل ويقول: لو علم الله في خيرا لأكل الفقير طعامي، لهم في ذلك سر شريف.

من عجيب أمر المشارقة


صفحة : 109

ومن عظيم أمرهم تعظيمهم للحاج، على قرب مسافة الحج منهم، وتيسير ذلك لهم، واستطاعتهم لسبيله. فهم يتمسحون بهم عند صدورهم، ويتهافتون عليهم تبركا بهم. ومن أغرب ما حدثناه من ذلك: أن الحاج الدمشقي مع من انضاف اليهم من المغاربة عند صورهم دمشق في هذا العام، الذي هو عام ثمانين، خرج الناس لتلقيهم: الجم الغفير نساء ورجالا، يصافحونهم ويتمسحون بهم، وأخرجوا الدراهم لفقرائهم يتلقونهم بها، وأخرجوا اليهم الأطعمة. فأخبرني من أبصر كثيرا من النساء يتلقين الحاج ويناولنهم الخبز، فإذا عض الحاج فيه اختطفنه من أيديهم وتبادرن لأكله تبركا بأكل الحاج له ودفعن له عوضا منه دراهم، غير ذلك من الأمور العجيبة ضد ما اعتدنا في المغرب في ذلك، وضع بنا في بغداد عند تلقي الحاج بها مثل ذلك أو قريب منه. ولو شئنا استقصاء هذه الأمور لخرجت بنا عن مقصد التقييد، وانما وقع الإلماع بلمحة دالة يكتفى بها عن التطويل. وكل من وفقه الله بهذه الجهات من الغرباء للانفراد يلتزم أن أحب ضيعة من الضياع فيكون فيها طيب العيش، ناعم البال، وينثال الخبز عليه من أهل الضيعة، ويلتز الإمامة أو التعليم أو ماشاء. ومتى سئم المقام خرج ضيعة أخرى أو يصعد جبل لبنان أو جبل الجودي فيلقي بها المريدين المنقطعين الله، عز وجل، فيقيم معهم ماشاء، وينصرف حيث شاء.
? نصارى جبل لبنان ومن العجب أن النصارى المجاورين لجبل لبنان اذا رأوا به بعض المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا اليهم، ويقولون: هؤلاء ممن انقطع الله عز وجل فتجب مشاركتهم.
وهذا الجبل من أخصب جبال الدنيا، فيه أنواع الفواكه، وفيه المياه المطردة والظلال الوارفة، وقلما يخلو من التبتيل والزهادة. واذا كانت معاملة النصارى لضد ملتهم هذه المعاملة فما ظنك بالمسلمين بعضهم مع بعض.

? الحرب واتفاق النصارى والمسلمين
ومن أعجب مايحدث به أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين ونصارى، وربما يلتقي الجمعان ويقع المصاف بينهم ورفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض عليهم. شاهدنا في هذا الوقت، الذي هو شهر جمادى الأولى، من ذلك خروج صلاح الدين بجميع عسكر المسلمين لمنازلة حصن الكرك، وهو من اعظم حصون النصارى، وهو المعترض في طريق الحجاز والمانع لسبيل المسلمين على البر، بينه وبين القدس مسيرة يوم أو اشف قليلا، وهو سرارة أرض فلسطين، وله نظر عظيم الاتساع متصل العمارة، يذكر أنه ينتهي أربع مئة قرية، فنازله هذا السلطان وضيق عليه وطال حصاره.
واختلاف القوافل من مصر دمشق على بلاد الافرنج غير منقطع. واختلاف المسلمين من دمشق عكة كذلك. وتجار النصارى ايضا لايمنع أحد منهم ولا يعترض. وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم، وهي من الآمنة على غاية. وتجار النصارى أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم، والاتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال. وأهل الحرب مشتغلون بحربهم، والناس في عافية، والدنيا لمن غلب.
هذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك. ولاتعترض الرعايا ولا التجار، فالأمن لايفارقهم في جميع الأحوال سلما أو حربا. وشأن هذه البلاد في ذلك أعجب من أن يستوفى الحديث عنه، والله يعلي كلمة الإسلام بمنه.

دمشق وآثارها
ولهذه البلدة قلعة يسكنها السلطان منحازة في الجهة الغربية من البلد، وهيو بإزاء باب الفرج من أبواب البلد، وبها جامع السلطان يجمع فيه، وعلى مقربة منها، خارج البلد في جهة الغرب، ميدانان كأنهما مبسوطان خزا لشدة خضرتهما، وعليهما حلق، والنهر بينهما، وغيضة عظيمة من لحور متصلة بهما، وهما من أبدع المناظر، يخرج السلطان اليهما ويلعب فيهما بالصوالجة ويسابق بين الخيل فيهما، ولا مجال للعين كمجالها فيهما. وفي كل ليلة يخرج أبناء السلطان اليهما للرماية والمسابقة واللعب بالصوالجة.


صفحة : 110

وبهذه البلدة أيضا قرب مئة حمام فيها وفي أرباضها، وفيها نحو أربعين دارا للوضوء يجري الماء فيها كلها. في هذه البلاد كلها بلدة أحسن منها للغريب، لأن المرافق بها كثيرة. وفي الذي ذكرناه من ذلك كفاية، والله يبقيها دار اسلام وأسواق هذه البلدة من أحفل اسواق البلاد وأحسنها انتظاما وابدعها وضعا، ولاسيما قيسارياتها، وهي مرتفعات كأنها الفناديق مثقفة كلها بأبواب حديد كأنها أبواب القصور، وكل قيسارية منفردة بضبتها واغلاقها الجديدة. ولها ايضا سوق، يعرف بالسوق الكبير، يتصل من باب الجابية باب شرقي. وفيه بيت صغير جدا قد اتخذ مصلى الله عليه وسلم، وفي قبلته حجر يقال: أن ابراهيم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم،كان يكسر عليه الآلهة التي كان يسوقها أبوه للبيع.
وحديث الدار المنسوبة لعمر بن عبد العزيز، التي هي اليوم خائفة للصوفية، وهي في الدهلير الذي في الباب الشمالي المعروف بباب الناطفيين، وقد تقدم التنبيه عليها قبل هذا، حديث عجيب، وذلك أن الذي اشتراها وبناها وجعل لها الأوقاف الواسعة وأمر بأن يدفن فيها وأن يختم على قبره القرآن كل جمعة وعين من تلك الأوقاف لمن يحضر ذلك كل جمعة رطلا من خبز الحواري، وهو ثلاثة أرطال من أرطال المغرب، رجل من العجم يعرف بالسميساطي، وسميساط بلدة من بلاد العجم، وكان موصوفا بالورع والزهد، وأصل يساره وتموله، فيما ذكر لنا، أنه الفى يوما من الأيام بالدهليز المذكور ازاء الدار المذكورة رجلا أسود مريضا مطروحا بموضعه غير ملتفت اليه ولا معتنى به، فتأجر فيه والتزم تمريضه وخدمته والنظر له اغتناما للثواب من الله عز وجل، فحانت وفاة الرجل، فاستدعى ممرضه السميساطي المذكور فقال له: أنت قد أحسنت الي وخدمتني ولطفت في تمريضي واشفقت لحالي وغربتي، فأنا اريد أن اكافئك على فعلك بي زائدا مكافأة الله عز وجل عني في الآجل، إن شاء الله؛ وذلك أني كنت من أحد فتيان الخليفة المعتضد العباسي، ومعروفا بزمام الدار، وكانت لي حظوة ومكانة، فعتب علي في بعض الامر، فخرجت طريدا، فانتهيت هذه البلدة، فأصابني فيهامن أمر الله مااصابني، فسببك الله لي رحمة، فأنا اقلدك أمانة وأعهد اليك فيها عهدا، اذا انا مت وغسلتني فانهض على بركة الله تع بغذاد وتلطف في السؤال عن دار صاحب الزمام فتى الخليفة، فاذا ارشدت اليها فصرف الحيلة في اكترائها، وارجو أن الله يعينك على ذلك، واذا سكنتها فاعمد موضع، سماه له فيها وذكر له امارة عليه، فاحفر فيه مقدار كذا وانزع اللوح الذي تجه معترضا تحت الأرض وخذ الذي تجده مدفونا تحت الأرض وصرفه في منافعك ومايوفقك الله اليه من وجوه البر والخير مباركا لك في ذلكن إن شاء الله.
ثم توفي الرجل الموصي، رحمه الله، وتوجه الموصى اليه بعهده بغداد، فيسر الله له في اكتراء الدار وانتهى الموضع المذكور فاستخرج منه ذخائر لا قيمة لها، عظيمة الشأن،كبيرة القدر، فدسها في احمال متاع ابتاعها وخرج دمشق من بغداد، فابتاع الدار المذكورة المنسوبة لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وبناها خانقة للصوفية واحتفل فيها وابتاع لها الأوقاف ضياعا ورباعا وجعلها برسم الصوفية، وأوصى بأن يدفن فيها وأن يختم القرآن على قبره كل جمعة، وعين لكل من يحضرذلك ماذكرناه. فوجد الغرباء والفقراء في ذلك مرفقا كثيرا. فتغص الخانقة بالقرأة كل جمعة، فإذا ختموا القرآن دعوا له وانصرفوا واندفع لكل واحد منهم رطل من الخبز، على الصفة المذكورة. وبقي للمتوفى جميل الأثر والخير، رحمه الله ورضوانه عليه.
والكوثرية التي ذكرناها ايضا بالجامع المكرم، والمقروءة كل يوم بعد العصر، المعينة لمن لايحفظ القرآن كان اصلها ايضا أن أحد ذوي اليسار توفي واوصى بأن يدس قبره في الجامع المكرم واوقف وقفا يغل مئة وخمسين دينارا في السنة برسم من لايحفظ القرآن ويقرأ من سورة الكوثر الخاتمة، فينقسم له أربعون دينارا، في كل ثلاثة أشهر من السنة. ويذكر أن أحد الملوك السالفين توفي أيضا وأوصى بأن يجعل قبره الجامع المكرم بحيث لايظهر، وعين أوقافا عظيمة تغل نحو الألف دينار وأربع مئة دينار في السنة وزائد لقراء سبع القرآن كل يوم.


صفحة : 111

وموضع الاجتماع لقراءة هذا السبع المبارك كل يوم، اثر صلاة الصبح، بالجهة الشرقية من مقصورة الصحابة، رضي الله عنهم، ويقال: أن في ذلك الموضع هو القبر المذكور. وقراءة السبع لاتتعدى ذلك الموضع متصلا مع جدار القبلة الجدار الشرقي، والله عز وجل لايضيع أجر المحسنين. وبقيت هذه الرسوم الشريفة مخلدة مع الأيام، نفع الله بها راسميها. وناميك فيها من بلاد يهدى فيها لهذه الصنائع الزلفة لرضوان الله، عز وجل، وللفقراء الملتزمين الجلوس في الجانب الشرقي من الجامع المكرم، الذين ليس لهم مأوى يأوون اليه، وقف وصعه بعض المتأجرين الموفقين برسمهم، مايطول ذكره من المآثر الاخراوية الصدقية التي كفل الله بها غرباء هذه الجهات.
ومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلاد المستحسنة، المرجو لهم فيها من الله، عز وجل، قبول، أنهم في كل سنة يتوخون الوقوف يوم عرفة بجوامعهم اثر صلاة العصر، يفق بهم أئمتهم كاشفي رؤوسهم داعين ربهم التماسا لبركة الساعة التي يقف فيها وفد الله عز وجل وحجيج بيته الحرام بعرفات، فلا يزالون واقفين داعين متضرعين الله عز وجل، وبحجاج بيته الحرام متوسلين، أن يسقط قرص الشمس ويقدروا نفر الحاج فينفصلوا باكين على ماحرموه من ذلك الموقف العظيم بعرفات وداعين الله عز وجل في أن يوصلهم اليها ولا يخليهم من بركة القبول في فعلهم ذلك.

من أعظم المناظر في الدنيا
ومن أعظم ما شاهدناه من مناظر الدنيا الغريبة الشأن، وهيا كلها الهائلة البنيان، المعجزة الصنعة والاتقان، المعترف لوصفها بالتقصير لسان كل بيان: الصعود أعلى قبة الرصاص المذكورة في هذا التقييد، القائمة وسط الجامع المكرم، والدخول في جوفها، واحالة لحظ الاعتبار في بديع وضعها، مع القبة التي في وسطها كأنها كرة مجوفة داخلة وسط كرة أخرى أعظم منها؛ صعدنا اليه في جملة من الأصحاب المغاربة ضحوة يوم الاثنين الثامن عشر لجمادى الأولى المذورة من مرقى في الجانب الغربي من بلاط الصحن كان صومعة في القديم، وتمشينا على سطح الجامع المكرم، وكله ألواح رصاص منتظمة، كما قد تقدم الذكر لذلك، وطول كل لوح أربعة أشبار، وعرضه ثلاثة أشبار، وربما اعترض في الألواح نقص أو زيادة، حتى انتهينا القبة المذكورة، فصعدنا اليها على سلم منصوب، وريح الميد تكاد تطير بنا، فحبونا في الممشى المطيف بها، وهو من رصاص، وسعته ستة أشبار، فلم نستطع القيام عليه لهول الموقف فيه، فأسرعنا الولوج في جوف القبة على أحد شراجيبها المفتحة في الرصاص، فأبصرنا مرأى تحار فيه العقول، وتفق دون ادراك هيبة وصفه الافهام، وجلنا في فرش من الخشب العظام حول القبة الصغيرة الداخلة في جوف القبة الرصاصية على الصفة التي ذكرناها، ولها طيقان يبصر منها الجامع ومن فيه، فكنا نبصر الرجال فيه كأنهم الصبيان في المحاضر.
وهذه القبة مستديرة كالكرة، وظاهرها من خشب قد شد باضلاع من الخشب الضخام موثقة بنطق من الحديد، ينعطف كل ضلع عليها كالدائرة وتجتمع الأضلاع كلها في مركز دائرة من الخشب أعلاها. وداخل هذه القبة، وهو مايلي الجامع المكرم، خواتيم من الخشب منتظم بعضها ببعض قد اتصل اتصالا عجيبا، وهي كلها مذهبة بأبدع صنعة من التذهيب، مزخرفة التلوين، بديعة القرنصة، يرتمي الأبصار شعاع ذهبها، وتتحير الألباب في كيفية عقدها ووضعها لإفراط سموها؛ أبصرنا من تلك الخواتيم الخشبية خاتما مطروحا جوف القبة، لم يكن طوله أقل من ستة أشبار في عرض اربعة. وهو تلوح في انتظامها للعين كأن دور كل واحدة منها شبرا وسبران الغاية لعظم سموها.
والقبة الرصاص محتوية على هذه القبة المذكورة وقد شدت أيضا بأضلاع عظيمة من الخشب الضخام، موثقة الاوساط بنطق الحديد، وعددها ثمان وأربعون ضلعا، بين كل ضلع وضلع أربعة أشبار، قد انعطفت انعطافا عجيبا، واجتمعت أطرافها في مركز دائرة من الخشب اعلاها، ودور هذه القبة الرصاصية ثمانون خطوة، وهي مئتا شبر وستون شبرا، والحال فيها أعظم من أن يبلغ وصفها، وانما هذا الذي ذكرناه نبذة يستدل بها على ماوراءها.


صفحة : 112

وتحت الغارب المستطيل المسمى النسر، الذي تحت هاتين القبتين، مدخل عظيم هو سقف للمقصورة، بينه وبينها سماء جص مزينة، وقج انتظم فيه من الخشب مالا يحصى عدده، وانعقد بعضها ببعض، وتقوس بعضها على بعض، وتركبت تركيبا هائلا منظره. وقد أدخلت في الجدار كله دعائم للقبتين المذكورتين. وفي ذلك الجدار حجارة، كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة، لاتنقلها الفيلة فضلا عن غيرها. فالعجب كل العجب من تطليعها ذلك الموضع المفرط السمو، وكيف تمكنت القدرة البشرية لذلك، فسبحان من ألهم عباده هذه الصنائع العجيبة، ومعينهم على التأتي لما ليس موجودا في طبائعهم البشرية، ومظهر آياته على أيدي من يشاء من خلقه، لا اله سواه? والقبتان على قاعدة مستديرة من الحجارة العظيمة قد قامت فوقها أرجل قصار ضخام من الحجارة الصم الكبار، وقد فتح بين كل رجل ورجل شمسية، وستدارت الشمسيات باستدارتها، والقبتان في رأي العين واحدة، وكنينا عنها باثنين لكون الواحدة في جوف الأخرى، والظاهر منها قبة الرصاص.
ومن جملة عجائب ماعايناه في هاتين القبتين أن لم نجد فيهما عنكبوتا ناسجا على بعد العهد من التفقد لهما من أحد والتعاهد لتنظيف مساحتهما، والعنكبوت في أمثالهما موجود كثير. وقد كان حقق عندنا أن الجامع المكرم لاتنسج فيه العنكبوت، ولايدخله الطير المعروف بالخطاف، وقد تقدم ذكرنا لذلك في هذا التقييد. فانصرفنا منحدرين، وقد قضينا عجبا عجابا من هذا المنظر العظيم شأنه، المعجز وضعه، المرتفع عن الإدراك وصفه، ويقال: أنه ما على ظهر المعمور أعجب منظرا ولا أبعد سموا ولا أغرب بنيانا من هذه القبة الا مايحكى عن قبة بيت المقدس، فانها يحكى أنها أبعد في الارتفاع والسمو من هذه وجملة الأمر أن منظرها والوقوف على هيئة وضعها وعظيم الاستقدار فيها عند معاينها بالصعود اليها والولوج داخلها من أغرب ما يحدث به من عجائب الدنيا، والقدرة لله الواحد القهار، لا اله سواه.

رتبهم في جنائزهم
ولأهل دمشق وغيرها من هذه البلاد في جنائزهم رتبة عجيبة، وذلك أنهم يمشون أما الجنائز بقراء يقرأون القرآن بأصوات شجية، وتلاحين مبكية، تكاد تنخلع لها النفوس شجوا وحنانا، يرفعون أصواتهم بها، فتتلقاها الآذان بأدمع الأجفان، وجنائزهم يصلى الله عليه وسلم عليها في الجامع قبالة المقصورة، فلا بد لك جنازة من الجامع، انتهوا بابه قطعوا القراءة، ودخلوا موضع الصلاة عليها، الا أن يكون الميت من أئمة الجامع أو من سدنته، فإن الحالة المميزة له في ذلك أن يدخلوه بالقراءة موضع الصلاة عليه. وربما اجتمعوا اللعزاء بالبلاط الغربي من الصحن بإزاء باب البريد، فيصلون أفرادا أفرادا، ويجلسون وأمامهم ربعات من القرآن يقرأونها، ونقباء الجنائز يرفعون أصواتهم بالنداء لكل وصل للعزاء من محتشمي البلدة وأعيانهم ويحلونهم بخططهم الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم بالإضافة الدين، فتسمع ماشئت من صدر الدين أو شمسه أو بدره أو مجمه أو زينه أو بهائه أو جماله أومجده أو فخره أو شرفه أو معينه أو محييه أو زكيه أو نجيبه، مالا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة؛ وتتبعها، ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضا من سيد العلماء وجمال الأئمة وحجة الإسلام وفخر الشريعة وشرف الملة ومفتي الفريقين، مالانهاية له من هذه الألفاظ المحالية. فيصعد كل واحد منهم التشريعة ساحبا أذياله من الكبر، ثانيا عطفه وقذاله. فإذا استكملوا وفرغوا من القراءة وانتهى المجلس بهم منتهاه قام وعاظهم واحدا واحدا بحسب رتبهم في المعرفة فوعظ وذكر ونبه على خدع الدنيا وحذر وأنشد في المعنى ماحضر من الأشعار ثم ختم بتعزية صاحب المصاب والدعاء له وللمتوفى ثم قعد، وتلاه آخر على مثل طريقته أن يفرغوا ويتفرقوا. فربما كان مجلسا نافعا لمن يحضره من الذكرى.


صفحة : 113

ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتمويل والتسويد وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة، واذا لقي أحد منهم آخر مسلما يقول: جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة، كناية عن السلام، فيتعاطون المحال تعاطيا، والجد عندهم عنقاء مغرب، وصفة سلامهم ايماء للركوع أو السجود، فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض، وبسط وقبض، وربما طالت بهم الحالة في ذلك، فواحد ينحط وآخر يقوم، وعمائمهم تهوي بينهم هوبا. وهذه الحالة من الانعكاف الركوعي في السلام كنا عهدناه لقينات النساء، وعند استعراض رقيق الإماء، فيا عجبا لهولاء الرجال، كيف تحلوا بسمات ربات الحجال، لقد ابتذلوا أنفسهم فما تأنف النفوس الأبية منه، واستعملوا تكفير الذمي المنهي في الشرع عنه لهم في الشأن طرائق عجيبة في الباطل. فيا للعجب منهم، اذا تعاملوا بهذه المعاملة وانتهوا هذه الغاية في الألفاظ بينهم فبماذا يخاطبون سلاطينهم ويعاملونهم? لقد تساوت الأذناب عندهم والرؤوس، ولم يميز لديهم الرئيس والمرؤوس فسبحان خالق الخلق أطوارا، لاشريك له، ولا معبود سواه.
ومن عجيب حال الصغير عندهم والكبير، بجميع هذه الجهات كلها، أنهم يمشون وأيديهم خلف قابضين بالواحدة على الأخرى، ويركعون للسلام على تلك الحالة المشبهة بأحوال العناة مهانة واستكانة، كأنهم قد سيموا تعنيفا، وأوثقوا تكتيفا، وهم يعتقدون تلك الهيئة لهم تمييزا لهم في ذوي الخصوصية وتشريفا، ويزعمون أنهم يجدون بها نشاطا في الأعضاء، وراحة من الاعياء، والمحتشم منهم من يسحب ذيله على الأرض شبرا أو يضع خلفه اليد الواحدة على الآخرى، قد اتخذوا هذه المشية بينهم سننا، وكل منهم قد زين له سوء علمله فرآه حسنا، أستغفر الله منهم فإن لهم من آداب المصافحة عوائد تجدد لهم الإيمان، وتستوهب لهم من الله الغفران، لما بشر بيه الحديث المأثور عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، في المصافحة، فهم يستعملونها اثر الصلوات، ولاسيما اثر صلاة الصبح وصلاة العصر.
واذ1 سلم الإمام وفرغ من الدعاء أقبلوا عليه بالمصافحة، وأقبل بعضهم على بعض يصافح المرء عن يمينه وعن يساره، فيتفرقون عن مجل مغفرة، بفضل الله عز وجل، وقد تقدم الذكر فيما سلف من هذا التقييد أنهم يستعملونها عند رؤية الأهلة، ويدعو بعضهم لبعض بتعرف بركة ذلك الشهر ويمنه واستصحاب السعادة والخيثر فيه وفيما يعود عليه من أمثاله، وتلك أيضا طريقة حسنة ينفعهم الله بها لما فيها من تعاطي الدعوات وتجديد المودات، ومصافحة المؤمنين بعضهم بعضا رحمة من الله تع ونعمة.

حسن سيرة السلطان
وقد تقدم الذكر أيضا في غير موضع من هذا الكتاب عن حسن سيرة السلطان بهذه الجهات: صلاح الدين أبي المظفر يوسف بن أيوب، وماله من المآثر المأثورة في الدنيا والدين، ومثابرته على جهاد أعداء الله، لأنه ليس أمام هذه البلدة بلدة للاسلام، والشام أكثره بيد الإفرنج، فسبب الله هذا السلطان رحمة للمسلمين بهذه الجهات، فهو لايأوي لراحة، ولايخلد دعة، ولايزال سرجه مجلسه؛ انا بهذه البلدة نازلون منذ شهرين اثنين وحللناها وقد خرج لمنازلة حصن الكرك، وقد تقدم الذكر أيضا له، وهو عليه محاصر حتى الآن، والله تع يعينه على فتحه. وسمعنا أحد فقهاء هذه البلدة زعمائها المسلمين بسدة هذا السلطان والحاضرين مجلسه يذكر عنه في حضرة محفل علماء البلد وفقهائه ثلاث مناقب في ثلاث كلمات حكاها عنه رأينا اثباتها هناك: أحداها أن الحلم من سجاياه، فقال، وقد صفح عن جريرة أحد الجناة عليه: أما أنا فلأن أخطئ في العفو أحب الي من أن أصيب في العقوبة. وهذا في الحلم منزع أحنفي. وقال أيضا، وقد تنوشدت بحضرته الأشعار وجرى ذكر من سلف من أكارم الملوك وأجوادهم: والله لو وهبت الدنيا للقاصد الآمل لما كنت أستكثرها له، ولو استفرغت له جميع ما في خزانتي لما كان عوضا مما أراقه من حر ماء وجهه في استمناحه اياي. وهذا في الكرم مذهب رشيدي او جعفري.


صفحة : 114

وحضره أحد مماليكه المتميزين لديه بالخطة والأثرة مستعديا على جمال ذكر أنه باعه جملا معيبا أو صرف عليه جملا بعيب لم يكن فيه، فقال السلطان له: ماعسى أن أصنع لك، وللمسلمين قاض يحكم بينهم، والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة، وأوامره ونواهيه ممتثلة، وإنما أنا عبد الشرع وشحنته، والشحنة عندهم صاحب الشرطة، فالحق بقضي لك أو عليك. وهذا في العقد مقصد عمري. وهذه كلمات كفى بها لهذا السلطان فخرا، والله يمتع ببقائه الإسلام والمسلمين بمنه.

شهر جمادى الآخرة
استهل هلاله ليلة الأحد التاسع من شهر شتنبر العجمي ونحن بدمشق، حرسها الله، على قدم الرحلة عكة، فتحها الله والماس ركوب البحر مع تجار النصارى وفي مراكبهم المعدة لسفر الخريف المعروف عندهم بالصليبية، عرفنا الله في ذلك معهود خيرته، وتكفلنا بكلاءته وعصمته، بعزته وقدرته، انه سبحانه الحنان المنان، ولي الطول والاحسان، لارب غيره، وكان انفصالنا منها عشي يوم الخميس الخامس من الشهر المذكور، وهو الثالث عشر من شهر شتنبر المذكور، في قافلة كبيرة من التجار المسافرين بالسلع عكة.

من أعجب الأحاديث
ومن أعجب مايحدث به في الدنيا أن قوافل المسلمين تخرج بلاد الافرنج وسبيهم يدخل بلاد المسلمين، شاهدنا من ذلك عند خروجنا أمرا عجيبا، وذلك أن صلاح الدين عند منازلته حصن الكرك، المتقدم الذكر في هذا التاريخ، قصد اليه الافرنج في جميعهم، وقد تألبوا من كل أوب وراموا أن يسبقوه موضع الماء ويقطعوا عنه الميرة من بلاد المسلمين. فصمد لهم وأقلع عن الحصن بجملته وسبقهم موضع الماء. فحادوا عن طريقه وسلكوا طريقا وعرا ذهب فيه أكثر دوابهم، وتوجهوا حصن الكرك المذكور، وقد سد عليهم بنيات الطرق القاصدة بلادهم ولم يبق لهم الا طريق عن الحصن يأخذ على الصحراء ويبعد مداه عليهم بتحليق يعترض فيه. فاهتبل صلاح الدين في بلادهم الغرة وانتهز الفرصة وقصد قصدها عن الطريق القاصدة، فدهم مدينة نابلوس وهجمها بعسكره فاستولى عليها وسبى كل من فيها وأخذ اليها حصونا وضياعا. وامتلأت أيدي المسلمين سبيا لايحصى عدده من الافرنج، ومن فرقة من اليهود تعرف بالسمرة منسوبة السامري. وانبسط فيهم القتل الذريع، وحصل المسلمون منها على غنائم يضيق الحصر عنها، مااكتفت من الأمتعة الذخائر والأسباب والأثاث، النعم والكراع، غير ذلك. وكان من فعل هذا السلطان الموفق أن أطلق أيدي المسلمين على جميع مااحتازته، وسلم لهم ذلك، فاحتازت كل يد ماحوت وامتلأت غنى ويسارا. وعفى الجيش على رسوم تلك الجهات التي مرعليها من بلاد الفرنج، وآبوا غانمين فائزين بالسلامة والغنيمة والاياب، وتخلصوا من أسرى المسلمين عددا كثرا، وكانت عزوة لم يسمع مثلها في البلاد.
وخرجنا نحن من دمشق وأوائل المسلمين قد طرقوا بالغنائم كل بما احتواه وحصلت يده عليه، وكان مبلغ السبي آلافا لم نتحقق احصاءها ولحق السلطان بدمشق يوم السبت بعدنا الاقرب ليوم انفصالنا وأعلمنا أنه يجم عسكره قليلا وبعود الحصن المذكور، فالله يعينه ويفتح عليه بعزته وقدرته. وخرجنا نحن بلاد الفرنج وسبيهم يدخل بلاد المسلمين، وناهيك من هذا الاعتدال في السياسة فان مبيتنا ليلة الجمعة بدارية، وهي قرية من دمشق على مقدار فرسخ ونصف ثم رحلنا منها صبيحة يوم الجمعة بعده قرية تعرف ببيت جن، هي بين جبال، ثم رحلنا منها صبيحة يوم السبت مدينة بانياس، واعترضنا في نصف الطريق شجرة بلوط عظيمة الجرم متسعة التدويح، أعلمنا أنها تعرف بشجرة الميزان، فسألنا عن ذلك، فقيل لنا: هي حد بين الأمن والخوف في جهة بلاد المسلمين ولو بباع أو شبر أسر، ومن أخذ دونها جهة بلاد الافرنج بقدر ذلك أطلق سبيله، لهم في ذلك عهد يوفون به، وهو من أظرف الاتباطات الافرنجية وأغربها.

ذكر مدينة بانياس


صفحة : 115

هذه المدينة ثغر بلاد المسلمين، وهيو صغيرةن ولها قلعة يستدير بها تحت السور نهر يقضي أحد أبواب المدينة، وله مصب تحت أرجاء . وكانت بيد الافرنج فاسترجعها نور الدين، رحمه الله. ولها محرث واسع في بطحاء متصلة يشرف عليها حصن للافرنج يسمى هونين، بينه وبين بانياس مقدار ثلاثة فراسخ. فهم يتشاطرون الغلة على استواء، ومواشيهم مختلطة، ولا حيف يجر يبنهما حصن الافرنج المذكور فكان مبيتنا بها، ثم رحلنا منها يوم الاحد سحرا، واجتزنا في طريقنا بين هونين وتبنين بواد ملتف الشجر، وأكثر شجره الرند، بعيد العمق كأنه الخندق الشحيق المهوى، تلتقي حافتاه، ويتعلق بالسماء أعلاه، يعرف بالاسطيل لو ولجته العساكر لغابت فيه، لا منجى ولا مجال لسالكه عن يد الطالب فيه؛ المهبط اليه والمطلع عنه عقبتان كؤودان، فعجبنا من أمر ذلك المكان. فأجزناه ومشينا عنه يسيرا وانتهينا حصن كبير من حصون الافرنج يعرف بتبنين، وهو موضع تمكيس القوافل، وصاحبته خنزيرة تعرف بالملكة، وهو ام الملك الخنزير صاحب عكة، دمرها الله، فكان مبيتنا أسفل ذلك الحصن، ومكس الناس تمكيسا غير مستقصى، والضريبة فيه دينار وقيراط من الدنانير الصورية على الراس، ولا اعتراض على التجار فيه لأنهم يقصدون موضع الملك الملعون، وهو محل التعشير، والضريبة فيه قيراط من الدينار، والدينار أربعة وعشرون قيراطا.
وأكثر المعترضين في هذا المكس المغاربة، ولا اعتراض على غيرهم من جميع بلاد المسلمين، وذكل لمقدمة منهم أحفظت الافرنج عليهم، سببها أن طائفة من أنجادهم عزت مع نور الدين، رحمه الله، أحد الحصون فكان لهم في أخذه غنى ظهر واشتهر، فجازاهم الافرنج بهذه الضريبة المكسية ألزموها رؤوسهم، فكل مغربي يزن على رأسه الدينار المذكور في اختلافه على بلادهم. وقال الافرنج: أن هولاء المغاربة كانوا يختلفون على بلادنا ونسألهم ولا نرزأهم شيئا، فلما تعرضوا لحربنا وتألبوا مع اخوانهم المسلمين علينا وجب ن نضع هذه الضريبة عليهمن فللمغاربة في أداء هذا المكس سبب من الذكر الجميل في نكايتهم العدو يسهله عليهم ويخفف عنتهم عنهم.
ورحلنا من تبنين، دمرها الله، سحر يوم الاثنين، وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة، سكانهاكلها مسلمون، وهم مع الافرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة، وذلك أنهم يؤدون لهم نصف الغلة عند أو أن ضمها وجزية على كل رأس دينار وخمسة قراريط ولايعترضونهم في غير ذلك، ولهم على ثمر الشجر ضريبة خفيفة يؤدونها أيضا. ومساكنهم بأيديهم وجميع أحوالهم متروكة لهم. وكل مابأيدي الافرنج من المدن بساحل الشام على هذه السبيل، رساتيقهم كلها للمسلمين، وهي القرى والضياع، وقد اشربت الفتنة قلوب اكثرهم لما يبصرون عليه اخوانهم من أخل الرساتيق المسلمين وعمالهم، لأنهم على ضد أحوالهم من الترفيثه والرفق. وهذه من الفجائع الطارئة على المسلمين: أن يشتكي الصنف الاسلامي جور صنفه المالك له، ويحمد سيرة ضده وعدوه الملك له من الافرنج، ويأنس بعدله، ف الله المشتكي من هذه الحال، وحسبنا تعزية وتسلية ماجاء في الكتاب العزيز: أن هي الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء.
فنزلنا يوم الاثنين المذكور بضيعة من ضياع عكة، على مقدار فرسخ، ورئيسها الناظر فيهامن المسلمين مقدم من جهة الافرنج على من فيها من عمارها من المسلمين. فأضاف جميع أهل القافلة حفيلة أحضرهم صغيرا وكبيرا في غرفة متسعة بمنزله وأنالهم ألوانا من الطعام قدمها لهم، فعمهم بتكرمته. وكنا فيمن حضر هذه الدعوة.


صفحة : 116

وبتنا تلك الليلة وصبحنا يوم الثلاثء العاشر من الشهر المذكور، وهو الثامن عشر لشتنبر، مدينة عكة، ودمرها الله، وحملنا الديوان، وهو خان معد لنزول القافلة، وأمام بابه مصاطب مفروشة فيها كتاب الديوان من النصارى بمحابر الآبنوس المذهبة الحلى، وهم يكتبون بالعربية ويتكلمون بها، ورئيسهم صاحب الديوان والضامن له يعرف بالصاحب، لقب وقع عليه لمكانه من الخطة، وهم يعرفون به كل محتشم متعين عندهم من غير الجند. وكل مايجبى عندهم راجع الضمان، وضمان هذا الديوان بمال عظيم. فأنزل التجار رحالهم به ونزلوا في أعلاه، طلب رحل من لاسلعة له لئلا يحتوي على سلعة مخبؤءة فيه وأطلق سبيله فنزل حيث شاء. وكل ذلك برفق وتؤدة دون تعنيف ولاحمل. فنزلنا بها في بيت اكتريناه من نصرانية بإزاء البحر، وسألنا الله تع حسن الخلاص وتيسير السلامة.

ذكر مدينة عكة دمرها الله وأعادها
هي قاعدة مدن الافرنج بالشام، ومحط الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، مرفأ كل سفينة، والمشبهة في عظمها بالقسطنطينة، مجتمع السفن والرفاق، وملتقى تجار المسلمين والنصارى من جميع الآفاق، سككها وشوارعها تغص بالزحام، وتضيق فيها مواطئ الأقدام، تستعر كفرا وطفيانا، وتفور خنازير وصلبانا، زفرة قذرة، مملوؤة كلها رجسا وعذرة. انتزعها الافرنج من أيدي المسلمين في العشر الأول من المئة السادسة، فبكى لها الاسلام ملء جفونه، وكانت احد شجونه. فعادت مساجدها كنائس، وصوامعها مضارب للناقيس، وطهر الله من مسجدها الجامع بقعة بقيت بأيدي المسلمين مسجدا صغيرا، يجمع الغرباء منهم فيه لإقامة فريضة الصلاة. وعند محرابه قبر صالح النبي، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء، فحرس الله هذه البقعة من رجس الكفرة ببركة هذا القبر المقدس.
وفي شرقي البلدة العين المعروفة بعين البقر، وهي التي أخرج الله منها ابقر لآدم، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم. والمهبط لهذه العين على أدراج وطية، وعليها مسجد بقي محرابه على حاله،ووضع الافرنج في شرقيه محرابا لهم. فالمسلم والكافر يجتمعان فيه، يستقبل هذا مصلاه وهذا مصلاه. وهو بأيدي النصارى معظم محفوظ، وأبقى الله فيه موضع الصلاة للمسلمين.
فكان مقامنا بها يومين، ثم توجهنا صور يوم الخميس الثاني عشر لجمادى المذكور، والموفي عشرين لشتنبر المذكور على البر، واجتزنا في طريقنا على حصن كبير يعرف بالزاب، وهي مطلة على قرى وعمائر متصلة وعلى قرية مسورة تعرف باسكندرونة، وذلك لمطالعة مركب بها أعلمنا أنه يتوجه بجاية طمعا في الركوب فيه، فحللناها عشي يوم الخميس المذكور، لأن المسافة بين المدينتين نحو الثلاثين ميلا، فنزلنا بها في خان معد لنزول المسلمين.

ذكر مدينة صور دمرها الله تع
مدينة يضرب بها المثل في الحصانة، لاتلقى لطالبها بيد طاعة ولا استكانة، قد أعدها الإفرنج مفزعا لحادثة زمانهم، وجعلوها مثابة لأمانهم، هي أنظف من عكة سككا وشوارع، وأهلها ألين في الكفر طبائع، واجرى بر غرباء المسلمين شمائل ومنازع، فخلائقهم أسجح، ومنازلهم أوسع وأفسح، وأحوال المسلمين بها أهون واسكن، وعكة أكبر وأطغى وأكفر.
وأما حصانتها مناعتها فأعجب مايحدث به، وذلك أنها راجعة بابين: أحدهما في البر، والآخر في البحر، وهو يحيط بها الا من جهة واحدة، فالذي في البر يفضى اليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة، كلها في ستائر مشيدة محيطة بالباب، وأما الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيدين ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعا منها، يحيط بها سور المدينة من ثلاثة جوانب ويحدق بها من الجانب الآخر معقود بالجص. فالسفن تدخل تحت السور وترسو فيها، وتعترض بين البرجين المذكورين سلسلة عظيمة تمنع عند اعتراضها الداهل والخارج، فلا مجال للمراكب الخارج الا على أعينهم، فشأن هذه الميناء شأن عجيب في حسن الوضع، ولعكة مثلها في الوضع والصفة لكنها لا تحمل السفن الكبار حمل تلك وانما ترسو خارجها والمراكب الصغار تدخل اليها، فالصورية أكمل وأجمل وأحفل.
فكان مقامنا بها أحد عشر يوما، دخلناها يوم الخميس وخرجنا منها يوم الأحد الثاني والعشرين لجمادى المذكورة، وهو آخر يوم من شتنبر، وذلك أن المركب الذي كنا أملنا الركوب فيه اسصغرناه فلم نر الركوب فيه.


صفحة : 117


عروس افرنجي في صور
ومن مشاهد زخارف الدنيا المحدث بها زفاف عروس شاهدناه بصور في أحد الأيام عند مينائها، وقد احتفل لذلك جميع النصارى رجالا ونساء، واصطفوا سماطين عند باب العروس المهداة، والبوقات تضرب والمزامير وجميع الآلات اللهوية، حتى خرجت تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال، كأنهما من ذوي ارحامها، وهي في ابهى زي، وافخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهب سحبا على الهيئة المعهودة من لباسهم، وعلى رأسها عصابة ذهب قد حفت بشبكة ذهب منسوجة، وعلى لبتها مثل ذلك منتظم، وهي رافلة في حليها وحللها، تمشي فترا في فتر مشي الحمامة أو سير العمامة، نعوذ بالله من فتنة المناظر، وأمامها جلة رجالها من النصارى في أفخر ملابسهم البهية، تسحب أذيالها خلفهم، ووراءها أكفاءها ونظراؤها من النصرانيات يتهادين في أنفس الملابس ويرفلن في أرفل الحلى، والآلات اللهوية قد تقدمتهم، والمسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا في طريقهم سماطين بتطلعون فيهم ولا ينكرون عليهم ذلك، فساروا بها حتى أدخلوها دار بعلها، وأقاموا يومهم ذلك في وليمة. فأدانا الإتفاق رؤية هذا المنظر الزخرفي المستعاذ بالله من الفتنة فيه.

مسلمو عكة
ثم عدنا عكة في البحر، وحللناها صبيحة يوم الاثنين الثالث والعشرين من جمادى المذكورة، وأول يوم من شهر أكتوبر، واكترينا في مركب كبير نروم الاقلاع مسينة من بلاد جزيرة صقيلة، والله تع كفيل بالتيسير والتسهيل بعزته وقدرته. وكانت راحتنا مدة مقامنا بصور بمسجد بقي بأيدي المسلمين. ولهم فيها مساجد أخر. فأعلمنا به أحد أشياخ أهل صور من المسلمين أنها أخذت منهم سنة ثماني عشرة وخمس مئة، وأخذت عكة قبلها باثنتي عشرة سنة بعد محاصرة طويلة وبعد استيلاء المسغبة عليهم؛ ذكر لنا أنهم انتهوا منها لحال نعوذ بالله منها، وأنهم حملتهم الأنفة على أن هموا بركوب خطة عصمهم الله منها، وذلك أنهم عزموا على أن يجمعوا أهاليهم وأبناؤهم في المسجد الجامع ويحملوا السيف عليهم غيرة من تملك النصارى لهم ثم يخرجوا عدوهم بعزمة نافذة ويصدموهم صدمة صادقة حتى يموتوا على دم واحد ويقضي الله قضاءه. فمنعهم من ذلنك فقهاؤهم والمتورعون منهم وأجمعوا على دفع البلد والخروج منه بسلام. فكان ذلك، وتفرقوا في بلاد المسلمين. ومنهم من استهواه حب الوطن فدعاه الرجوع والسكنى بينهم بعد أمان كتب لهم في ذلك بشروط اشترطوها، والله غالب على أمره، سبحانه جلت قدرته، ونفذت في البرية مشيئته، وليست له عند الله معذرة في حلول بلدة من بلاد الكفر الا مجتازا، وهو يجد مندوحة في بلاد المسلمين، لمشقات وأهوال يعانيها في بلادهم: منها الله ذكره، وأعلى خطره، لاسيما من أراذلهم وأسافلهم؛ ومنها عدم الطهارة، والتصرف بين الخنازير، وجيمع المحرمات؛ غير ذلك مما لاينحصر ذكره ولاتعداده، فالحذر الحذر من دخول بلادهم، والله تع المسؤول حسن الإقامة المغفرة من هذه الخطيئة التي زلت فيها القدم، ولم تتداركها الا بعد موافقة الندم، فهو سبحانه ولي ذلك، لا رب غيره.

أسرى المسلمين
ومن الفجائع التي يعانيها من حل بلادهم اسرى المسلمين، يرسفون في القيود، ويصرفون في الخدمة الشاقة تصريف العبيد، والأسيرات المسلمات كذلك، في أسواقهم خلاخيل الحديد، فتنفطر لهم الأفئدة ولا يغني الإشفاق عنهم شيئا.
ومن جميل صنع الله تع لأسرى المغاربة، بهذه البلاد الشامية الإفرنجية، أن كل من يخرج من ماله وصية من المسلمين بهذه الجهات الشامية وسواها إنما يعينها في افتكاك المغاربة خاصة لبعدهم عن بلادهم وأنهم لا مخلص لهم سوى ذلك بعد الله عز وجل، فهم الغرباء المنقطعون عن بلادهم. فملوك أهل هذه الجهات من المسلمين والخواتين من النساء وأهل اليسار والثراء إنما ينفقون أموالهم في هذه السبيل. وقد كان نور الدين، رحمه الله، نذر في مرضة اصابته تفريق اثني عشر الف دينار في فداء أسرى من المغاربة، فلما استبل من مرضه أرسل في فدائهم، فسيق فيهم نفر ليسوا من المغاربة، وكانوا من حماة من جملة عمالته، فأمر بصرفهم واخرج عوض عنهم من المغاربة، وقال: هؤلاء يفتكهم أهلوهم وجيرانهم، والمغاربة غرباء لا أهل لهم. فانظر لطيف صنع الله تع لهذا الصنف المغربي.


صفحة : 118

وفيض الله لهم بدمشق رجلين من مياسر التجار وكبرائهم وأغنيائهم المنغمسين في الثراء: أحدهما يعرف بنصر بن قوام، والثاني بابي الدار ياقوت مولى العطافي، وتجارتهم كلها بهذا الساحل الإفرنجي، ولاذكر فيه لسواهما، ولهما الأمناء من المقارضين، فالقوافل صادرة وواردة ببضائعهما، وشأنهما في الغنى كبير، وقدرهما عند أمراء المسلمين والإفرنجيين خطير، وقد نصبهما الله عز وجل لافتكاك الأسرى المغربيين بأموالهما وأموال ذوي الوصايا، لأنهما المقصودان بها لما قد اشتهر من امانتهما وثقتهما وبذلهما أموالهما في هذه السبيل ينفقان أموالهما ويبذلان اجتهادهما في تخليض عباد الله المسلمين من أيدي أعداء الله الكافرين،والله تع لايضيع أجر المحسنين.

سوء الاتفاق
ومن سوء الاتفاقات، المستعاذ بالله من شرها، أنه صحبنا في طريقنا عكة من دمشق رجل مغربي من بونة عمل بجاية،كأن أسيرا فتخلص على يدي أبي الدر المذكور وبقي في جملة صبيانه، فوصل في قافلته عكة، وكان قد صحب النصارى وتخلق بكثير من أخلاقهم، فما زال الشيطان يستهويه ويغريه أن نبذ دين الإسلام فكفر وتنصر مدة مقامنا بصور. فانصرفنا عكة، وأعلمنا بخبره، وهو بها قد بطس ورجس، وقد عقد الزنار، واستعجل النار، وحقت عليه كلمة العذاب، وتأهب لسوء الحساب، وسحيق المآب، ونسأل الله عز وجل أن يثبتنا بالقول الثابت في بالدنيا والآخرة، ولايعدل بنا عن الملة الحنفية، وإن يتوفانا مسلمين، بفضله ورحمته.
وهذا الخنزير صاحب عكة، المسمى عندهم بالملك، وحجوب لايظهر، وقد ابتلاه الله بالجذام، فعجل له سوء الانتقام، وقد شغلته بلواه في صباه، عن نعيم دنياه، فهو فيها يشقى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. وحاجبه وصاحب الحال عوضه خاله القومس، وهو صاحب المجبى، واليه ترتفع الأموال، والمشرف على الجميع بالمكانة والوجاهة، وكبر الشأن في الإفرنجية اللعينة، القومس اللعين، صاحب طرابلس وطبرية، وهو ذو قدر ومنزلة عند الإفرنج، وهو المؤهل للملك والمرشح له، وهو موصف بالدهاء والمكر. وكان أسيرا عندنور الدين نحو اثنيت عشرة سنة أو أزيد، ثم تخلص بمال عظيم بذل في نفسه مدة صلاح الدين وعند أول ولايته، وهو معترف لصلاح الدين بالعبودية والعتق.
وعلى بادية طبرية اختلاف القوافل من دمشق لسهولة طريقها، ويقصد بقوافل البغال على تبنين لوعورتها وقصد طريقها، وبحيرة طبرية مشهورة، وهي ماء عذب، وسعتها نحو ثلاثة فراسخ أو أربعة، وطولها نحو ستة فراسخ. والأقوال فيها تختلف، وهذا القول أقربها الصحة، لأنالم نعاينها، وعوضها أيضا مختلف سعة وضيقا. وفيها قبور كثيرة من قبور الأنبياء، صلوات الله عليهم، كشعيب وسليمان ويهوذا وروبيل وابنة شعيب زوج الكليم موسى وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وجبل الطور منها قريب.
وبين عكة وبيت المقدس ثرثة أيام. وبين دمشق وتبنه مقدار ثمانية أيام، وهو بين المغرب والقبلة من عكلة جهة الإسكندرية، والله يعيده أيدي المسلمين، ويطهره من أيدي المشركين، بعزته وقدرته.

عكة وصور
وهاتان المدينتان، عكة وصور، لابساتين حولهما، وانما هما في بسيط من الأرض أفيح متصل بسيف البحر، والفواكه تجلب اليهما من بساتينهما التي بالقرب منهما، ولهما عمالة متسعة، والجبال التي تقرب منهما معمورة بالضياع، ومنها تجبى الثمرات اليهما. وهما من غر البلاد. ولعكة في الشرق منها، مع آخر البلد، واد يسيل ماء. ولها مع شاطئه مما يتصل بالبحر بسيط رمل لم ير أجمل منه منظرا ولاميدان للخيل يشبهه، واليه ركوب صاحب البلد كل بكرة وعشية، وبه يجتمع العسكر، دمره الله. ولصور عند بابها البري عين معينة ينحدر اليها على أدراج. والآبار والجباب بها كثيرة لاتخلو دار منها، والله تع بعيد اليها و اخواتها كلمة الإسلام بمنه وكرمه.

في المركب الشراعي


صفحة : 119

وفي يوم السبت الثامن والعشرين لجمادى المذكورة، والسادس لأكتوبر، صعدنا المركب، وهو سفينة من السفن الكبار، بمنة الله على المسلمين بالماء والزاد، وحاز المسلمون مواضعهم بانفراد عم الإفرنج. وصعده من النصارى المعروفين بالبلغريين، وهم حجاج بيت المقدس، عالم لايحصى ينتهي أزيد من ألفي انسان، أراح الله من صحبتهم يعاجل السلامة ومأمول التسهيل والصنع الجميل بمنه وكرمه، لامعبود سواه. ونحن به منتظرون موافقة الريح وكمال الوسق، بمشيئة الله عز وجل.

شهر رجب الفرد
استهل هلاله ليلة الثلاثاء، بموافقة التاسع لشهر اكتوبر، ونحن على ظهر المركب بمرسى عكة منتظرون كمال وسقه والاقلاع باسم الله تع وبركته وجميل صنعه وكريم مشيئته. وتمادى مقمنا فيه مدة اثني عشر يوما لعدم استقامة الريح.
وفي مهب الريح بهذه الجهات سر عجيب، وذلك أن الريح الشرقية لاتهبق فيها الا في فصلي الربيع والخريف، والسفر لايكون الا فيهما، والتجار لا ينزلون عكة بالبضائع الا في هذين المفصلين. والسفر في الفصل الربيعي من نصف أبريل، وفيه تتحرك ريح الشرقية وتطول مدتها آخر شهر مايه، وأكثر وأقل بحسب مايقضي الله تع به. والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر، وفيه تتحرك الريح الشرقية، ومدتها أقصر من المدة الربيعية، وانما هي عندهم خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يوما وأكثر وأقل.وما سوى ذلك من الزمان فالرياح فيه تختلف، والريح الغربية أكثرها دواما. فالمسافرون المغرب و صقلية و بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق، فسبحان المبدع في حكمته، المعجز في قدرته، لا اله سواه.
وكنا كول هذه المدة التي أقمنا فيها على ظهر المركب نبيت في البر ونتفقد المركب في الأحيان. فلما كان سحر يوم الخميس العاشر لرجب المذكور، والثامن عشر لأكتوبر، أقلع المركب، وكنا على عادتنا في البر بائتين، ولم يحسن النهار للروم بأهبة السفر، فضيعنا الحزم ونسينا المثل المضروب في اعداد الماء والزاد وإن لا يفارق الإنسان رحله. فأصبحنا والمركب لاعين له ولا أثر، فاكترينا اللحين زورقا كبيرا له أربعة مجاذيف وأقلعنا نتبعه. وكانت مخاطرة عصم الله منها فأدركنا المركب مع العشي، فحمدنا الله عز وجل على ما من به، وكان أول ذلك اليوم يوم شدتنا في هذا السفر الطويل، وآخره والحمد لله يوم فرجنا، ولله الحمد والشكر على كل حال.
واتصل جرينا والريح الموافقة تأخذ وتدع نحو خمسة أيام، ثم هبت علينا الريح الغربية من مكمنها دافعة في وجه المركب، فأخذ رئيسه ومدبره الرومي الجنوي، وكان بصيرا بصنعته، حاذقا في شغل الرياسة البحرية، يراوغها تارة يمينا وتارة شمالا طمعا أن لايرجع على عقبه، والبحر في أثناء ذلك وهو ساكن، فلما كان نصف الليل، أو قريب منه، ليلة السبت التاسع عشر لرجب المذكور، والسابع والعشرين لأكتوبر، ترددت علينا الريح الغربية فقصفت قرية الصاري المعروف بالأردمون والقت نصفها في البحر مع ماتصل بها من الشراع، وعصم الله من وقوعها في المركب، لأنها كانت تشبه الصواري عظما وضخامة، فتبادر البحريون اليها، وحط شراع الصاري الكبير، وعطل المركب من جريه، وصحيح بالبحريين الملازمين للعشاري المرتبط بالمركب، فقصدوا نصف الخشبة الواقعة في البحر وأخرجوها مع الشراع المرتبط بها، وحصلنا في أمر لا يعلمه الا الله تع، وشرعوا في رفع الشراع الكبير، وأقاموا في الأردمون شراعا يعرف بالدلون، وبتنا بليلة شهباء، أن وضح الصباح، وقد من الله عز وجل بالسلامة.
وشرع البحريون في إصلاح قرية أخرى من خشبة كانت معدة عندهم، والريح الغربية على أول لجاجها، ونحن بين اليأس والرجاء نتردد مغلبين حسن الثقة بجميل صنع الله تع وحفي لطفه، ومعهود فضله، سبحانه، هو أهل ذلك، جلت قدرته، وتناهت عظمته، لا إله سواه.
وفي يوم الأربعاء الثالث والعشرين منه تحركت الريح الشرقية نسيما فاترا عليلان فاستبشرت النفوس بها رجاء في نمائها وقوتها، فكانت نفسا خافتا، ثم بعد ذلك غشى البحر ضباب رقيق سكنت له أمواجه فعاد كأنه صرح ممرد من قوارير ولم يبق للجهات الأربع نفس يتنسم، فبقينا لاعبين على صفحة ماء، تخاله العين سبيكة لجين، كأنا نجول بين سماؤين. وهذا الهواء الذي يسميه البحريون الغليني.


صفحة : 120

وفي ليلة الخميس الرابع والعشرين لرجب المذكور، وهو أول يوم من تونبر العجمي، كان للنصارى عيد مذكور عندهم احتفلوا له في إسراج الشمع، وكاد لايخلوا أحد منهم، صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، من شمعة في يده، وتقدم قسيسوهم للصلاة في المركب بهم، ثم قاموا واحدا واحدا لوعظهم وتذكيرهم بشرائع دينهم، والمركب يزهر كله أعلاه وأسفله سرجا متقدة، وتمادينا على تلك الحالة أكثر تلك الليلة، ثم أصبحنا بمثل ذلك الهواء الساكن، واتصل بنا ذلك لا ليلة الأحد السابع والعشرين منه، فتحركت ريح شمالية، فعاد المركب بها لحريته واستبشرت النفوس، والحمد لله.

شهر شعبان المكرم
غم هلاله علينا، فأكملنا عدة أيام رجب،فهو على الكمال من ليلة الخميس، بموافقة الثامن من نونبر، وقد تم لنا على ظهر البحر، ومن يوم إقلاعنا من عكة اثنان وعشرون يوما حتى عدمنا الأنس، واستشعرنا القنط واليأس، وصنع الله عز وجل مأمول، ولطفه الحفي بنا كفيل بمنه وكرمه. وقل الزاد بأيدي الناس، لكن هم من هذا المركب بمنه الله، في مدينة جامعة للمرافق، فكل ما يحتاج شراؤه يوجد، من خبز، وماء، ومن جميع الفواكه والأدم، كالرمان والسفرجل والبطيخ السندي والكمثرى والشاه بلوط والجوز والحمص الباقلاء نيا ومطبوخا والبصل والثوم والتين والجبن والحوت، وغير ذلك مما يطول ذكره؛ عاينا جميع ذلك يباع. وفي خلال هذه الأيام كلها لم يظهر لنا بر، والله يأتي بالفرج القريب.
ومات فيه رجلان من المسلمين، رحمهما الله، فقذفا في البحر، ومن البلغريين اثنان أيضا، ومات منهم بعد ذلك خلق كثير، وسقط منهم واحد في البحر حيا، فاحتمله الموج أسرع من خطفة البارق، وورث هؤلاء الأموات من المسلمين والنصارى البلغريين رئيس المركب، لأنها سنة عندهم في كل من يموت في البحر، ولاسبيل لوارث الميت ميراثه. فطال عجبا من ذلك وفي سحر يوم الثلاثاء السادس من الشهر المؤرخ، والثالث عشر من نونبر، ظهرت لنا جبال في البحر، وقد اشتدت الريح الغربية، وتو اعصارها، وكانت تتقلب بالقبول والدبور. فألجأتنا تلك الجبال، فأرسينا عنده. وسألنا عن الموضع، فأعلمنا أنهمن جزائر الرمانية. وهذه الجزائر تنيف على الثلاث مئة وخمسين جزيرة، وهي عمل صاحب القسطنطينية، والروم يحذرون أهلها كحذر المسلمين، لأنهم لاصلح بينهم فأقمنا بذلك المرسى يوم الثلاثاء المذكور وصدر يوم الأربعاء بعده. ونزل من تلك الجزيرة قوم بايعوا أهل المركب بعض ساعة من النهار في الخبز واللحم بعد أمان أخذوه.
ثم أقلعنا يوم الأربعاء يوم الخميس بعده بر جزيرة أقريطش، وهذه الجزيرة أيضا لعمل صاحب القسطنطينية، وطولها ينيف على الثلاث مئة ميل، وقد تقدم ذكرها في سفرنا البحري الإسكندرية، فبقينا نجري بطولها وهي منا على اليمين، والبحر في أثناء ذلك كله هائل، والريح لاتوافق، ونحن ننتظر الفرج من الله عز وجل بصبر جميل، ونرتقب منه جل جلاله معهود التيسير والتسهيل بمنه ولطفه.

ثورة الريح الشمالية
وفي يوم السبت العاشر لشعبان المذكور، السابع عشر لنونبر، انقطع عنا بر الجزيرة المذكورة، ونحن نجري بريح شمالية موافقة، فذئرت وعصفت فطار لها المركب بجناحي شراعه، والبحر بها قد جن واستشرى لجاجه وقذفت بالزبد أمواجه، فتخال غواربه المتموجة جبالا مثلجة، ومع تلك استشعرت النفوس الأنس، وغلب رجاؤها اليأس، وقد كنا مدة الستة وعشرون يوما المذكورة، التي لم يظهر لنا فيها بر، نرجم الظنون، ونغازل المنون، حذرا من نفاد الزاد والماء، والحصول بين المهلكين الجوع و الظماء، فمن قائل يقول: انا قد ملنا في جرينا بر المغرب، وهو بر افريقية، وآخر يزعم: أنا قد ملنا بر الأرض الكبيرة، بر القسطنطينية ومايليها، ومنهم من يقوا : اللاذقية جهة الشام، ومنهم من يقول: دمياط بر الاسكندرية. وكنا نحذر أن تلجئنا الريح احدى جزائر الرمانية الخالية، فنشتوفيها، أو تضطرنا الحال المعمور منها. وليس في هذه الوجوه المتوقعة كلها وجه فيه حظ لمختار، حتى أتى الله بالفرج، وأذهب الباس والياس، ومكن في النفوس الإيناس، بعد مكابدة الأمرين، ومقاساة البرحين، فلله در القائل:
البحر مر المذاق صعب لاجعلت حاجتي الـيه.
أليس الماء ونحن طـين فما عسى صبرنا عليه

صفحة : 121

ونحن الآن يفضل الله تع نتطلع البشرى بطهور بر صقيلة، ان شاء الله.

الرياح العاصفة الغريبة
وفي النصف من ليلة الأحد الحادي عشر منه انقلبت الريح غريبة، وكشف النوؤ من الغرب، وجاءت الريح عاصفة فأخذت يناجهة الشمال. وأصبحنا يوم الأحد المذكور والهول يزيد، والبحر قد هاج هائجه، وماج مائجه، فرمى بموج كالجبالن يصدم المركب صدمات يتقلب لها على عظمة تقلب الغصن الرطيب، وكان كالسور علوا فيرتفع له الموج ارتغاعا يرمي في وسطه بشىبيب كالوابل المنسكب. فلما جن الليل اشتد تلاطمه، وصكت الآذان غماغمه، واستشرى عصوف الريح. فحطت الشرع، واقتصر على الدلالين الصغار دون انصاف الصواريز ووقع اليأس من الدنيا، وودعنا الحياة بسلام؛ وجاءنا الموج من كل مكان، وظننا أنا قد أحيط بنا، فيا لها ليلة يشيب لها سود الذوائب، مذكورة في ليالي الشوائب، مقدمة في تعداد الحوادث والنوائب ونحن منها في مثل ليل صول طولا، فأصبحنا لم نكد. فكان من الاتفاقات الموحشة أن أبصرنا بر إقريطش عن يسارنا، وجباله قد قامت أمامنا، وكنا قد خلفناه عن يميننا، فأسقطتنا الريح عن مجرانا، ونحن نظن أنا قد جزناه. فسقط في أيدينا،وخالفنا المجرى المعهود الميمون، وهو أن يكون البر المذكور منا يمينا، في استقبال صقيلة. فاستسلمنا للقدر، وتجرعنا غصص هذا الكدر، وقلنا:
سيكون الذي قضـي سخط العبد أو رضي وفي أثناء ذلك انبسطت الشمس، ولان البحر قليلا، وصمعنا نروم أخذ مرسى في البر المذكور أن يقضي الله قضاءه وينفذ حكمه، ولكل سفر أوان، وسفر البحر إنما هو في إبانه، والمعهود من زمائه، لا أن يعتسف في فصول أشهر الشتاء اعتسافنا له، والأمر لله من قبل ومن بعد فالحذر الحذر، من ركوب مثل هذا الخطر، وأن كان المحذور لايغني عن المقدور شيئا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثم إن الريح ساعدت عند استقبالنا لابر بعض مساعدة، فانصرفنا عنه وتركناه يمينا وعدنا قريب من المجرى المقصود، وجرينا بعض ليلة الثلاثاء الثالث عشر منه، وقد تم لنا على ظهر المركب أربعة وثلاثون يوما، والشرع مصلبة، وهو عندهم أعدل جري لأنه لايكون أربعة وثلاثون يوما، والشرع مصلبة، وهو عندهم أعدل جري لأنه لايكون الا بالريح التي تتلقى مؤخر المركب في مجراه، فأصبحنا يوم الثلاثاء المذكور على مثل تلك الحال، وساعدت الريح، ففرحنا وسررنا، وطلعت علينا مراكب قاصدة مقصدنا فاستبشرنا بها وعلمنا أنا على مجرى مقصود، ولله الحمد والشكر على كل حال من الأحوال.
ثم انقلبت الريح غربية، وهبت عاصفا، فألجأتنا اضطرارا بعد أن جرت لنا بعض ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء مرسى من مراسي جزائر الرمانية، وهو رأس الجزيرة، ومنه الأرض الكبيرة مجاز فيه الاثنا عشر ميلا، فأصبحنا به يوم الخميس الخامس عشر لشعبان المكرم، والثاني والعشرين لنونبر، فحمدنا الله عز وجل على ما من به من السلامة، وتوافت بعدنا ذلك المرسى خمسة مراكب، منها اثنان كانا قد أقلعا من بر الاسكندرية عن عهد نحو خمسين يوما فأسقطتهما الريح، فأقمنا بذلك المرسى أربعة أيام، وجدد الناس به الماء والزاد لأن العمارة كانت منا قريبا، فنزل أهل الجزيرة وبايعوا أهل المركب في الخبز واللحم والزيت وما كان عندهم من الأدم. ولم يكن خبزهم برا خالصا انما كان خليطا بالشعير وكان يضرب للسود. فتهافت الناس عليه غلائه، ولم يكن بالرخيص في سومه، وشكروا الله على ما من به عليهم.
وفي هذا المرسى كمل لنا على ظهر البحر أربعون يوما، والحمد لله على كل حال، ومدة مقامنا بالمرسى لم يفتر عصوف الريح الغربية، وعادت أشد ما يكون هبوبا. فحمدنا الله تع على أن لم تأخذنا ونحن على ظهر البحر جارين، والحمد لله على جميل صنعه.


صفحة : 122

وأقلعنا من المرسى المذكور يوم الاثنين التاسع عشر لشعبان المذكور، والسادس والعشرين لنونبر، بريح طيبة موافقة، فاستبشرنا بها واستطلعنا جميل صنع الله عز وجل ولطف قضائه، لارب سواهز وتمادى سيرنا يوم الخميس الثاني والعشرين لشعبان، والتاسع لنونبر، ثم انقلبت الريح غريبة وأنشأت سحابة فيها رعد ولطف قضائه، لارب سواه. وتمادى سيرنا يوم الخميس الثاني والعشرين لشعبان، والتاسع لنونبر، ثم انقلبت الريح غربية وأنشأت سحابة فيها رعد قاصف، وزجتها ريح عاصف، وتقدمها برق خاطف، فأرسلت حاصبا من البرد صبته علينا في المركب شأبيب متداركة، فارتاعت له النفوس، ثم أسرع انقشاعها، وانجلى عن الأنفس ارتياعها، وبتنا ليلة الجمعة مبيت وحشة وطالعنا. فيا لها بشى ومسرة، لو لم تعد حسرة في كرة فأمسنا ليلة السبت، وهو أول يوم من دجنبر، ونحن على ادراكه في اقل من ثلثها أو منتصفها، ولكل أجل كتاب وميقات، وكم أمل تعتر دونه الآفات، فما كان الا كلا ولا حتى ضربت في وجوهنا ريح أنكصتنا على الأعقاب، وحالت بين الابصار والاتقاب. وما زالت تعصف، حتى كادت تنسف وتقصف، فحطت الشرع عن صواريها، واستسلمت النفوس لباريها، وتركنا بين السفينة ومجريها، وتتابعت علينا عوارض ديم، حصلنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظلم، وعباب الموج تتو صدماته، وتطفر الألباب رجفاته. فنبذت نفوسنا كل أمنية، وتأهبت للقاء المنية.
وقطعنا هذه الليلة البهماء في مصادمة أهوال، ومكابدة أو جال، ومقاساة أحوال، يالها من أحوال ثم أصبحنا يوم السبت ليوم عصيب، أخذ من هول ليلة بأوفر نصيب، والأمواج والرياح تترامى بنا حيث شاءت، وقد استسلمنا للقضاء، وتمسكنا بأسباب الرجاء. ثم تداركنا صنع الله تع مع السماء ففترت الريح ولان متن البحر وأسفر وجه الجو. وأصبحنا يوم الأحد ثاني دجنير، والخامس والعشرين لشعبان، وقد بدل لنا من الخوف الأمان وتطلعت الوجوه كأنها انتشرت من الأكفان، وساعدت لريح بعض مساعدة. فعدنا نطلب من البر أثرا بعد عين، ونرجم الظنون بين متى وأين، والله عز وجل لطيف بعباده، وكفيل بمعهود صنعه الجميل ومعتاده، لارب سواه.

شهر رمضان المعظم
استهل هلاله ليلة الجمعة السابع لشهر دجنبر ونحن بإزاء الأرض الكبيرة على متن البحر مترددين، وقد من الله علينا بريح شرقية فاترة المهب سرنا بها سيرا رويدا حتى وصلنا هذا الموضع من ازاء الأرض الكبيرة المذكورة، وأبصرنا فيها ضياعا عمارة كثيرة، أعلمنا أنها من قلورية، وهي من بلاد صاحب صقلية، لأن بلاده في الأرض الكبيرة تتصل نحو شهرين. وبهذا الموضع نزل كثير من البلغريين فائزين بأنفسهم لمسغبة مست أهل المركب لعدم الزاد ونفاده. وحسبك أنا كنا نقتصر على مقدار رطل من الخبز اليابس نتقسمه بين أربعة منا نبله بيسير من الماء فنتبلغ به. وكل من نزل من البلغريين باع فضلة زاده، فترفق المسلمون بابتياع ما أمكن منه على غلائه وانتهى مقدار خبزة بدرهم من الخالص، فماظنك بمدة شهرين على ظهر البحر في مسافة ظن الناس أنهم يقطعونها في عشرة أيام أو خمسة عشر يوما الغاية، فالحازم من أدخل زاد ثلاثين يوما، وسائر الناس لعشرين يوما، ولخمسة عشر يوما.
ومن العجب في الاتفاقات في الأسفار البحرية أنا استطلعنا على ظهر البحر أهلة ثلاثة أشهر. هلال رجب، وهلال شعبان، وهلال رمضان هذ1. وفي يوم مستهله مع الصباح أبصرنا أمامنا جبل النار، وهو جبل البركان المشهور بصقلية، فاستبشرنا بذلك، والله تع يعظم أجورنا على ماكابدناه، ويختم لنا بأجمل الصنع وأسناه، ويوزعنا في كل حال شكر ما اولاه، بمنه وكرمه.
ثم حركتنا من ذلك الموضع ريح موافقة، فلما كان عشي يوم السبت ثاني الشهر المذكور اشتد هبوبها فزجت المركب تزجية سريعة، فلم يكن الا كلا ولا حتى أدتنا أول المضيق والليل قد جن، وهذا المضيق ينحصر فيه البحر مقدار ستة أميال، وأضيق موضع فيه ثلاثة أميال يعترض من بر الأرض الكبيرة بر جزيرة صقلية، والبحر بهذا المضيق ينصب انصباب السيل العرم، ويغلي غليان المرجل، لشدة انحصاره وانضغاطه، وشقه صعب على المراكب. فاستمر مركبنا في سيره، والريح الجنوبية تسوقه سوقا عنيفا، وبر الأرض الكبيرة عن يميننا، وبر صقلية عن يسارنا.

الإشراف على الغرق


صفحة : 123

فلما كان مع نصف ليلة الأحد الثالث للشهر المبارك، وقد شارفنا مدينة مسينة من الجزيرة المذكورة، دهمتنا زعقات البحريين بأن المركب قد أمالته الريح بقوتها أحد البرين وهو ضارب فيه، فأمر رئيسهم بحط الشرع للحين، فلم ينحط شراع الصاري المعروف بالأردمون، وعالجوه فلم يقدروا عليه لشدة ذهاب الريح به، فلما أعياهم مزقه الرائس بالسكين قطعا قطعا طمعا في توقيفه، وفي أثناء هذه المحاولة سنح المركب بكلكله على البر، والتقاه بسكانيه، وهما رجلاه اللتان يصرف بهما، وقامت الصيحة الهائلة في المركب، فجاءت الطامة الكبرى، والصدعة التي لم نطق لها جبرا، والقارعة الصماء التي لم تدع لنا صبرا، والتدم النصارى التداما، واستسلم المسلمون لقضاء ربهم استسلاما، ولم يجدوا سوى حبل الرجاء استمساكا واعتصاما.
وتعاورت الريح والأمواج صفح المركب حتى تكسرت رجله الواحدة فألقى الرائس مرسى من مراسيه طعما في تمسكه به، فلم يغن شيئا، فقطع حبله وتركه في البحر، فلما تحققنا أنها هي قمنا فشددنا للموت حيازيمنا، وأمضينا على الصبر الجميل عزائمنا، وأقمنا نرتقب الصباح أو الحين المتاح، وقد علا الصياح، وارتفع الصراخ من أطفال الروم ونسائهم، والقى الجميع عن يد الإذعان، وقد حيل بين العير والنزوان. ونحن قيام نبصر البر قريبا، ونتردد بين أن تلقي بأنفسنا اليه سبحا، أو ننتظر لعل الفرج من الله يطلع صبحا. فأحضرنا نية الثبات، والبحريون قد ضموا العشاري لإخراج المهم من رجالهم ونسائهم وأسبابهم، فساروا به البر دفعة واحدة، ثم لم يطيقوا رده، وقذفه الموج مكسرا على ظهر البر، فتكمن حينئذ اليأس من النفوس، وفي أثناء مكايدة هذه الأحوال أسر الصبح، فجاء نصر الله والفتح، وحققنا النظر فاذا بمدينة مسينة أمامنا على أقل من نصف الميل وقد حيل بيننا وبينها، فعجبنا من قدرة الله عز وجل في تصريف أقداره، وقلنا: رب مجلب اليه حتفه في عتبة داره.

الزوارق المغيثة
ثم تمكن الشروق فجاءتنا الزوارق مغيثة، ووقعت الصيحة في المدينة، فخرج ملك صقيلة غليام بنفسه في جملة من رجاله متطلعا لتلك الحال: وبادرنا النزول في الزوارق والأمواج لشدتها لاتمكنها الوصول المركب. فكان نزولنا فيها خاتمة الهول العظيم، ونجونا البر منجى أبي نصر عن قدر. وتلف للناس بعض أسبابهم فتسلوا عن الغنيمة بإيابهم.
ومن العجب، على ماأخبرنا به، أن هذا الملك الرومي المذكور أبصر فقراء من المسلمين يتطلعون من المركب وليس لهم شيء يؤدونه نزولهم لأن أصحاب الزوارق أغلوا على الناس في تخليصهم، فسأل عنهم، فاعلم بقصتهم، فأمر لهم بمئة رباعي من سكته ينزلون بها، وخلص جميع المسلمين عن سلام، وقيل: الحمد لله رب العالمين.
وفرغ النصارى جميع ماكان لهم فيه، فأصبح في اليوم الثاني وقد جعلته الأمواج جذاذا، ورمت به البر أفلاذا، فعاد عبرة للناظرين، وآية للمتوسمين. ووقع العجب من سلامتنا منه، وجددنا شكر الله عز وجل على مامن به من لطيف صنعه وجميل قضائه وتخليصه لنا من أن يكون هذا القدر ينفذ علينا في الأرض الكبيرة أو إحدى جزائر الروم المعمورة. فكنا، لو سلمنا، نستعبد للابد، والله عز وجل يعيننا على أداء شكر هذه المنة النعمة، وما تداركنا به من لحظات الرأفة والرحمة، إنه على ذلك قديرن وبعوائد الفضل والخير جدير، لا إله سواه.
ومن جملة صنع الله عز وجل لنا، ولطفه بنا، في هذه الحادثة، كون هذا الملك الرومي حاضرا فيها. ولولا ذلك لانتهب جميع مافي المركب انتهابا، وربما كان يستعبد جميع من فيه من المسلمين، لأن العادة جرت لهم بذلك. وكان وصول هذا الملك لهذه البلاد، بسبب اسطوله الذي ينشئهن رحمة لنا، والحمد لله على مامن به علينا من حسن نظره الكفيل بنا، لا إله سواه.

مدينة مسينة من جزيرة صقلية


صفحة : 124

هذه المدينة موسم تجار الكفار، ومقصد جواري البحر من جميع الأقطار، كثيرة الأرفاق برخاء الأسعار، مظلمة الآفاق بالكفر لايقر فيها لمسلم قرار، مشحونة بعبدة الصلبان، تغص بقاطنيها، وتكاد تضيق ذرعا بساكنيها، مملوءة نتنا ورجسا، موحشة لاتوجد لغريب أنسا، أسواقها نافقة حفيلة، وأرزاقها واسعة بإرغاد العيش كفيلة، لاتزال بها ليلك ونهارك في أمان، وإن كنت غريب الوجه واليد واللسان، مستندة جبال قد انتظمت حضيضها وخنادقها، والبحر يعترض أمامها في الجهة الجنوبية منها. ومرساها أعجب مراسي البلاد البحرية، لأن المراكب الكبار تدنو فيه من البر حتى تكاد تمسه وتنصب منها البر خشبة يتصرف عليها، فالحمال يصعد بحمله اليها ولا يحتاج لزوارق في وسقها ولا في تفريغها الا ما كان مرسيا على البعد منها يسيرا، فتراها مصطفة مع البر كاصطفاف الجياد في مرابطها واصطبلاتها، وذلك لإفراط عمق البحر فيها، وهو زقاق معترض بينها ونبين الأرض الكبيرة، بمقدار ثلاثة أميال، ويقابلها منه بلدة تعرف برية، وهي عمالة كبيرة. وهذه المدينة: مسينة، رأس جزيرة صقلية، وهي كثيرة المدن والعمائر والضياع، وتسميتها تطول.
وطلو هذه الخزيرة: وهو يأتزر بالسحب لإفراط سموه ويعتم بالثلج شتاء وصيفا دائما، وخصب هذه الجزيرة أكثر من أن يوصف، وكفى بأنها ابنة الأندلس في سعة العمارة، وكثرة الخصب والرفاهة، مشحونة بالأرزاق على اختلافها، مملوءة بانواع الفواكه واصنافها، لكنها معمورة بعبدة الصلبان، يمشون في مناكبها، ويرتعون في أكنافها. والمسلمون معهم على املاكهم وضياعهم، وقد حسنوا السيرة في استعمالهم واصطناعهم، وضربوا عليهم اتاوة في فصلين من العام يؤدونها، وحالوا بينهم وبين سعة في الأرض كانوا يجدونها، والله عز وجل يصلح أحوالهم، ويجعل العقبى الجميلة مآلهم، بمنه. وجبالها لكها بساتين مثمرة بالتفاح والشاه بلوط والبندق والإحاص وغيرها من مالفواكه.

المسلمون في صقلية
وليس في مسينه هذه من المسلمين الا نفر يسير من ذوي المهن، ولذلك يستوحش بها المسلم الغريب، وأحسن مدنها قاعدة ملكها، والمسلمون يعرفونها بالمدينة، والنصارى يعرفونها ببلازمة، وفيها سكنى الحضريين من المسلمين، ولهم فيها المساجد، والأسواق المختصة بهم في بالأرباض كثير. وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها، وسائر مدنها كسرقوسة وغيرها. لكن المدينة الكبيرة التي هي مسكن ملكها غليام أكبرها وأحفلها وبعدها مسينة. وبالمدينة إن شاء الله يكون مقامنا، ومنها نؤمل سفرنا حيث يقضي الله عز وجل من بلاد المغرب إن شاء الله.

الملك غليام وحسن سيرته
وشأن ملكهم هذا عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين واتخاذ الفتيان المجابيب، ولكهم أو أكثرهم كاتم إيمانه متمسك بشريعة الإسلام، وهو كثير الثقة بالمسلمين وساكن اليهم في أحواله والمهم من أشغاله، حتى أن الناظر في مطبخته رجل من المسلمين، وله جملة من العبيد السود المسلمين، وعليهم قائد منهم. ووزراؤه وحجابه الفتيان، وله منهم جملة كبيرة، هم أهل دولته والمرتسمون بخاصته، وعليهم يلوح رونق مملكته، لأنهم متسعون في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة، ومامنهم إلا من له الحاشية والخول والأتبارع.

القصر الأبيض
ولهذا الملك القصور المشيدة والبساتين الأنيقة، ولاسيما مجضرة ملكة المدينة المذكورة. وله بمسينة قصر أبيض كالحمامة مطل على ساحل البحر. وهو كثير الاتخاذ للفتيان والجواري. وليس في ملوك النصارى أترف في الملك ولا أنعم ولا أرفه منه، وهو يتشبه في الأنغماس في نعيم الملك وترتيب قوانينه ووضع أساليبه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهة الملك واظهار زينته بملوك المسلمين، وملكه عظيم جدا. وله الأطباء والمنجمون، وهو كثير الاعتناء بهم، شديد الحرص عليهم، حتى أنه متى ذكر له أن طبيبا أو منجما أجتاز ببلده أمر بإمساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسليه عن وطنه، والله يعيذ المسلمين من الفتنة به بمنه. وسنة نحو الثلاثين سنة، كفى الله المسلمين عاديته وبسطته. ومن عجيب شأنه المتحدث به أنه يقرأ ويكتب بالعربية، وعلامته، على ما أعلمنا به أحد خدمته المختصين به: الحمد لله حق حمده. وكانت علامة أبيه: الحمد لله شكرا لأنعمه.
المسلمون في دولة عليام

صفحة : 125

وأما جواريه وحظاياه في قصره فمسلمات كلهن. ومن أعجب ماحدثنا به خديمه المذكور، وهو يحيى بن فتيان الطراز، وهو يطرز بالذهب في طراز الملك: أن الافرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة، تعيدها الجواري المزكورات مسلمة، وهن علىتكتم من ملكهن في ذلك كله، ولهن في فعل الخير أمور عجيبة. وأعلمنا أنه كان في هذه الجزيرة زلازل مرجفة ذعر لها هذا المشرك. فكان يتطلع في قصره فر يسمع الا ذاكرا لله ولرسوله من نسائه وفتيانه، وربما لحقتهم دهشة عند رؤيته، فكان يقول لهم: ليذكر كل أحد منكم معبوده ومن يدين به؛ تسكينا لهم.
وأما فتيانه الذين هم عيون دولته وأهل عمالته في ملكه فهم مسلمون، ما منهم إلا من يصوم الأشهر تطوعا وتأجرا، ويتصدق تقربا الله وتزلفا، ويفتك الأسرى ويربي الأصاغر منهم ويزوجهم ويحسن إليهم، ويفعل الخير ما استطاع. وهذا كله صنع من الله عز وجل لمسلمي هذه الجزيرة وسر من أسرار اعتناؤ الله عز وجل بهم. لقينا منهم بمسينة فتى اسمه عبد المسيح، من وجوههم وكبرائهم، بعد تقدمه رغبة منه تلينا في ذلك، فاحتفل في كرامتنا وبرنا وباح لنا بسره المكنون بعد مراقبة منه مجلسه أزال لها كل من كان حوله ممن يتهمه من خدامه محافظة على نفسه. فسألنا عن مكلة قدسها الله وعن مشاهدها المعظمة وعن مشاهد المدينة المقدسة ومشاهد الشام، فأخبرناه، وهو يذوب شوقا وتحرقا، واستهدى منا بعض ما استصحبناه من الطرف المباركة من مكة والمدينة قدسهما الله، ورغب في أن لا نبخل عليه بما أمكن من ذلك. وقال لنا: أنتم مدلون بإظهار الإسلام، فائزون بما قصدتم له، رابحون إن شاء الله في متجركم. ونحن كاتمون إيماننا، خائفون على أنفسنا، متمسكون بعبادة الله وأداء فرائضه سرا، معتقلون في ملكة كافر بالله، قد وضع في أعناقنا ربقة الرق، فغايتنا التبرك بلقاء أمثالكم من الحجاج، واستهداء أدعيتهم، والاغتباط بما نتلقاه منهم من تحف تلك المشاسهد المقدسة، لنتخذها عدة للإيمان، وذخيرة للأكفان، فتفطرت قلوبنا له إشفاقا ودعونا له بحسن الخاتمة، واتحفناه ببعض ما كان عندنا مما رغب فيه. وأبلغ في مجازاتنا ومكافأتنا واستكتمناه سائر اخوانه من الفتيان.
ولهم في فعل الجميل أخبار مأثورة، وفي افتكاك الأسرى صنائع عند الله مشكورة. وجيمع خدمتهم على مثل أحوالهم. ومن عجيب شأن هؤلاء الفتيان أنهم يحضرون عند مولاهم فيحين وقت الصلاة فيخرجون أفذاذا من مجلسه فيقضون صلاتهم. وربما يكونون بموضع تلحقه عين ملكهم فيسترهم الله عز وجل، فلا يزالون بأعمالهم ونياتهم وبنصائحهم الباطنة للمسلمين في جهاد دائم، والله ينفعهم ويجعل خلاصهم بمنه.
ولهذا الملك بمدينة مسينة المذكورة دار صنعة البحر تحتوي من الأساطيل على ما لايحصى عدد مراكبه، وله بالمدينة مثل ذلك.

مغادرة صقلية
فكان نزولنا في أحد الفنادق، وأقمنا بها تسعة أيام، فلما كان ليلة الثلاثاء الثاني عشر للشهر المبارك المذكور، والثامن عشر لدجنبر، ركبنا في زورق متوجهين المدينة المتقدم ذكرهان، وصرنا قريبا من الساحل بحيث نبصره رأي العين، وأرسل الله علينا ريحا شرقية رخاء طيبة زجت الزورق أهنأ تزجيه وسرنا نسرح اللحظ في عمائر وقرى متصلة وحصون ومعاقل في قنن الجبال مشرفة، وأبصرنا عن يمننا في البحر تسع جزائر قد قامت جبالا مرتفعة: على مقربة من بر الجزيرة اثنتان منها، تخرج منهما النار دائما، وابصرنا الدخان صاعدا منهما، ويظهر بالليل نارا حمراء ذات السن تصعد في الجو، وهو البركان المشهور خبره، وأعلمنا أن خروجها من منافس في الجبلين المذكورين يصعد منها نفس ناري بقوة شديدة تكون عنه النار، وربما قذف فيها الحجر الكبيرر فتلقي به في الساعة الهواء لقوة ذلك النفس وتمنعه من الاستقرار والانتهاء القعر، وهذا من أعجب المسموعات الصحيحة.
وأما الجبل الشامخ الذي بالجزيرة، المعروف بجبل النار، فشأنه أيضا عجيب، وذلك أن نارا تخرج منه في بعض السنين كالسيل العرم، فلا تمر بشيء الا أحرقته حتى تنتهي البحر فتركب ثبجه على صفحة حتى تغوص فيه، فسبحان المبدع في عجائب مخلوقاته، لا اله سواه. أن حللنا عشي يوم الأربعاء، بعد يوم الثلاثاء المؤرخ، مرسى مدينة سفلودي، وبينهاوبين مسينة مجرى ونصف مجرى.

مدينة شفلودي من جزيرة صقلية


صفحة : 126

هي مدين ساحلية كثيرة الخصب، واسيعة المرافقن ومنتظمة أشجار الأعناب وغيرها، مرتبة الأسواق، تسكنها طائفة من المسلمين، وعليها قنة جبل واسعة مستديرة، فيها قلعة لم ير أمنع منها اتخذوها عدة لأسطول يفجؤهم من جهة البحر من جهة المسلمين، نصرهم الله. وكان اقرعنا منها نصف الليل، فجئنا مدينة ثرمة ضحة يوم الخميس بسير رويد. وبين المدينتين خمسة وعشرون ميلا، فانتقلنا فيها من ذلك الزورق زروق ثان اكتريناه لكون البحريين الذين صحبونا فيه من أهلها.

مدينة ثرمة من الجزيرة المذكورة
هي أحسن وضعا من التي تقدم ذكرها، وهي جصينة، تركب البحر وتشرف عليه، واللمسلمين فيها ربض كبير لهم فيه المساجد، ولها قلعة سامية منيعة. وفي أسفل البلدة حمة قد أغنت أهلها عن اتخاذ حمام. وهذه البلدة من الخصب وسعة الرزق على غاية. والجزيرة بأسرها من أعجب بلاد الله في الخصب وسعة الأرزاق. فأقمنا بها يوم الخميس الرابع عشر للشهر المذكور، ونحن قد أرسينا في واد بأسفلها ويطلع فيه المد من البحر ثم ينحسر عنه. وبتنا بها ليلة الجمعة، ثم انقلب الهواء غربيا، فلم نجد للإقرع سبيلا، وبيننا وبين المدينة المقصودة المعروفة عند النصارى ببلارمة خمسة وعشرون ميلا، فخشينا طول المقام، وحمدنا الله ع على ما أنعم به من التسهيل في قطع المسافة في يومين، وقد تلبث الزوارق في قطعها، على ما أعلمنا به، العشرين يوما والثلاثين يوما ونيفا على ذلك.
فأصبحنا يوم الجمعة منتصف الشهر المبارك على نية من المسير في البر على أقدامنان فنفذنا لطيتنا وتحملنا بعض أسبابنا وخلفنا بعض الأصحاب على الأسباب الباقية في الزورق، وسرنا في طريق كأنها السوق عمارة وكثرة صادر ووارد، وطوائف النصارى يتلقوننا فيبادورن بالسلام علينا ويؤنسوننا، فرأينا من سياستهم ولين مقصدهم مع المسلمين ما يوقع الفتنة في نفوس أهل الجهل، عصم الله جميع أمة محمد، صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم، من الفتنة بهم بعزته ومنه، فانتهينا قصر سعد، وهو على فرسخ من المدينة، وقد أخذ منا الإعياء فملنا اليه وبتنا فيه.
وهذا القصر على ساحل البحر مشيد البناء عتيقه قديم الوضع من عهد ملكة المسلمين للجزيرة، لم يزل ولا يزال، بفضل الله، مسكنا للعباد منهم، وحوله قبور كثيرة للمسلمين: أهل الزهادة والورع، وهو موصوف بالفضل والبركة مقصود من كل مكان، وبإزائه عني تعرف بعين المجنونة، وله باب وثيق من الحديد، وداخله مساكن، وعلالي مشرفة وبيوت منتظمة، وهو كامل مرافق السكنى، وفي اعلاه مسجد من احسن مساجد الدنيا بهاء، مستطيل ذو حنايا مستطيلة، مفروش بحصر نظيفة، لم ير أحسن منها صنعة، وقد علق فيه نحو الأربعين قنديلا من أنواع الصفر والزجاج، وأمامه شارع واسع يستدير بأعلى القصر، وفي أسفل القصر بئر عذبة. فبتنا في هذا المسجد أحسن مبيت وأطيبه، وسمعنا الأذان وكنا قد طال عهدنا بسماعه. وأكرمنا القوم الساكنون فيه. وله إمام يصلي بهم الفريضة والتراويح في هذا الشهر المبارك. وبمقربة من هذا القصر، بنحو الميل جهة المدينة، قصر آخر على صفته يعرف بقصر جعفر، وداخله سقاية تفور بماء عذب. وأبصرنا للنصارى في هذه الطريق كنائس معدة لمرضى النصارى، ولهم في مدنهم مثل ذلك على صفة مارستانات المسلمين، وأبصرنا لهم بعكة وبصور مثل ذلك، فعجبنا من اعتنائهم بهذا القدر.
فلما صلينا الصبح توجهنا المدينة فجئنا لندخل، فمنعنا وحملنا الباب المتصل بقصور الملك الأفرنجي، أراح الله المسلمين من ملكته، وادينا المستخلف من قبله ليسألنا عن مقصدنا، وكذلك فعلهم بكل غريب، فسلك رحاب وابواب وساحات ملوكية، وأبصرنا من القصور المشرفة والمياد

صفحة : 127

ين المنتظمة والبساتين والمراتب المتخذة لأهل الخدمة ماراع أبصارنا وأذهل أفكارنا، وتذكرنا قول الله عز وجل ولو لا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون وأبصرنا فيما أبصرناه مجلسا في ساحة فسيحة قد أحدق بها بستان وانتظمت جوانبها بلاطات، والمجلس قد أخذ استطالة تلك الساحة كلها، فعجبنا من طوله واشراف مناظره، فأعلمنا أنه موضع غذاء الملك مع اصحابه وتلك البلاطات والمراتب حيث تقعد حكامه. وأهل الخدمة والعمالة أمامه. فخرج تلينا ذلك المستخلف يتهادى بين خديمين يحفان به ويرفعان أذياله، فأبصرنا شيخا طويل السبلة أبيضها ذا أبهة، فسألنا عن مقصدنا وعن بلدنا بكلام عربي لين، فأعلمناه، فأظهر الإشفاق علينا وأمر بانصرافنا بعد أن أحفى في السلام والدعاء، فعجبنا من شأنه.
وكان أول سؤاله لنا عن خبر القسطنطينية العظمى وما عندنا منه، فلم يكن عندنا مانعلمه به، وقد نقيد خبرها بعد هذا. وكان من أغرب ماشاهدناه من الأمور الفتانة أن أحد من كان قاعدا عند باب القصر من النصارى قال لنا عند انصرافنا عن القصر المذكور: تحفظوا بما عندكم يا حجاج من العمال الممكسين لئلا يقع عليكم. وظن أن عندنا تجارة تقتضي التمكيس. فاستجاب له أحد النصارى، فقال: ما أعجب أمرك، يدخلون حرم الملك، ويخافون من شيء، ماكنت أود لهم الا آلافا من الرباعيات، انهضوا بسلام لاخوف عليكم. فقضينا عجبا مما شاهدناه وسمعناه.
وخرجنا أحد الفنادق فنزلنا فيه، وذلك يوم السبت السادس عشر للشهر المبارك، والثاني والعشرين لدجنبر، وفي خروجنا من القصر المذكور سكلنا بلاطا متصلا مشينا فيه مسافة طويلة، وهو مسقف، حتى انتهينا كنيسة عظيمة البناء. فاعلمنا أن ذلك البلاط ممشى الملك هذه الكنيسة.

ذكر المدينة التي هي حضرة صقلية
هي بهذه الجزائر أم الحضارةن والجامعة بين الحسنين غضارة ونضارة، فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر، ومراد عيش يانع أخضر، عتيقة أنيقة، مشرقة مونقة، تتطلع بمرأى فتان، وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان، فسيحة السكك والشوارع، تروق الأبصار بحسن منظرها البارع، عجيبة الشان، قرطبية البنيان، مبانيها كلها بمنحوت الحجر المعروف بالكذان، يشقها نهر معين، ويطرد في جنباتها أربع عيون، قد زخرفت فيها لملكها دنياه، فاتخذها حضرة ملكه الإفرنجي أباده الله، تنتظم بلبتها قصوره انتظام العقود في نحور الكواعب، ويتقلب من بساتينها وميادينها بين نزهة وملاعب، فكم له فيها، لاعمرت به، من مقاصير ومصانع، ومناظر ومطالع، وكم له بجهاتها من ديارات قد زخرف بنيانها، ورفه بالأقطاعات الواسعة رهبانها، وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها، وعسى الله عن قريب أن يصلح لهذه الجزيرة الزمان، فيعيدها دار إيمان، وينقلها من الخوف للأمان، بعزته، انه على مايشاء قدير.
وللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الإيمان، يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموع، لهم أرباض قد انفردوا فيها بسكناهم عن النصارى، والأسواق معمورة بهم وهم التجار فيها، ولا جمعة لهم بسبب الخطبة المحظورة عليهم، ويصلون الأعياد بخطبة دعاؤهم فيها للعباسي، ولهم بها قاض يرتفعون اليه في أحكامهم، وجامع يجتمعون للصلاة فيه ويحتفلون في وقيده في هذا الشهر المبارك، وأما الساجد فكثيرة لاتحصى، وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن. وبالجملة فهم عزباء عن اخوانهم المسلمين تحت ذمة الكفار ولا أم لهم في أموالهم ولا في حريمهم ولا أبنائهم، تلافاهم الله بصنع جميل بمنه.
ومن جملة شبه هذه المدينة بقرطبة، والشيء قد تشبه بالشيء من إحدى جهاته، أن لها مدينة قديمة تعرف بالقصر القديم هي في وسط المدينة الحديثة، وعلى هذا المثال موضوع قرطبة، حرسها الله. وبهذا القصر القديم دياركأنها القصور المشيدة لها مناظر في الجو مطلة تحار الأبصار في حسنها.

كنسية الإنطاكي


صفحة : 128

ومن أعجب ماشاهدناه بها من أمور الكفران كنيسة تعرف بكنيسة الأنطاكي، أبصرناها يوم الميلاد، وهو يوم عيد لهم عظيم، وقد احتفلوا لها رجالا ونساء، فأبصرنا من بنيانها مرأى يعجز الوصف عنه، ويقع القطع بأنها أعجب مصانع الدنيا المزخرفة جدرها الداخلة ذهب كلها، وفيها من ألواح الرخام الملون مالم ير مثله قط، قد رصعت كلها بفصوص الذهب وكللت بأشجار الفصوص الخضر ونظم أعلاها بالشمسيات المذهبات من الزجاج، فتخطفت الأبصار بساطع شعاعها، وتحدث في النفوس فتنة نعوذ بالله منها، وأعلمنا أن بانيها الذي تنسب اليه أنفق فيهاقناطير من الذهب، وكان وزيرا لجد هذا الملك المشرك، ولهذه الكنيسة صومعة قد قامت على أعمدة سوار من الرخام ملونة وعلت قبة على أخرى سوار كلها فتعرف بصومعة السواري، وهي من أعجب مايبصر من البنيان، شرفها الله عن قريب بالأذان، بلطفه وكريم صنعه.
وزي النصرانيات في هذه المدينة زي نساء المسلمين: فصيحات الألسن، ملتحفات، منتقبات، خرجن في هذا العيد المذكور وقد لبسن ثياب الحرير المذهب، والتحفن اللحف الرائقة، وانتقبن بالنقب الملونة، وانتعلن الأخفاف المذهبة، وبررن لكنائسهن أو كنسهن حاملات جميع زينة نساء المسلمين من التحلي والتخصب والتعطر. فتذكرنا على جهة الدعابة الأدبية قول الشاعر:
أن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جآذرا وظبـاء ونعوذ بالله من وصف يدخل مدخل اللغو، ويؤدي أباطيل اللهو، ونعوذ به من تقييد، يؤدي تفنيد، أنه سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة. فكان مقامنا بهذه المدنة سبعة أيام، ونزولنا بها في احد فنادقها التي يسكنها المسلمون، وخرجنا منها صبيحة يوم الجمعة الثاني والعشرين لهذا الشهر المبارك، والثامن والعشرين لشهر دجنبر، مدينة أطرابنش، بسبب مركبين بها: أحدهما يتوجه الأندلس والثاني سبتة، وكنا أقلعنا الاسكندرية فيه، وفيهما حجاج وتجار من المسلمين، فسلكنا على قرى متصلة وضياع متجاورة، وأبصرنا محارث ومزارع لم نر مثل تربتها طيبا وكرما واتساعا، فشبهناها بقنبانية قرطبة، أو هذه أطيب وأمتن.
وبتنا في الطريق ليلة واحدة في بلدة تعرف بعلقمة، وهي كبيرة متسعة، فيها السوق والمساجد، وسكانها وسكان هذه الضياع التي في هذه الطريق كلها مسلمون، وقمنا منها سحر يوم السبت الثالث والعشرين لهذا الشهر المبالاك، والتاسع والعشرين لدجنبر، فاجتزنا بمقربة منها على حصن يعرف بحصن الحمة،وهو بلد كبير فيه حمامات كثيرة، وقد فجرها الله ينابيع في الأرض وأسالها عناصر لايكاد البدن يحتملها لإفراط حرها، فأجزنا منها واحدة على الطريق، فنزلنا اليها عن الدواب وأرحنا الأبدان بالاستحمام فيها. ووصلنا أطرابنش عصر ذلك اليوم، فنزلنا فيها في دار اكتريناها.

ذكر مدينة اطرابنش من جزيرة صقلية
هي مدينة صغيرة الساحة، غير كبيرة المساحة، مسورة بيضاء كالحمامة، مرساها من أحسن المراسي وأوفقها للمراكب، ولذلك يقصد الروم كثرا اليها ولاسيما المقلعون بر العدوة، فإن بينها وبين تونس مسيرة يوم وليلة، فالسفر منها اليها لايتعطل شتاء ولا صيفا الا ريثما تهب الريح الموافقة، فمجراها في ذلك مجرى المجاز الغريب. وبهذه المدينة السوق والحمام وجميع مايحتاج اليه من مرافق المدن، لكنها في لهوات البحر لإحاطته بها من ثلاث جهات، واتصال البر بها من جهة واحدة ضيقة، والبحر فاغر فاه لها من سائر الجهات، فأهلها يرون أنه لا بدله من الاستيلاء عليها وأن تراخى مدى أيامها، ولايعلم الغيب الا الله تع.
وهي مرفقة موافقة لرخاء السعر بها لأنها على محرث عظيم، وسكانها المسلمون والنصارى، ولكلا الفريقين فيها المساجد والكنائس، وبركها من جهة الشرق مائلا الشمال على مقربة منها جبل عظيم مفرط السمو متسع في أعلاه قنة تنقطع عنه، وفيها معقل للروم، وبينه وبين الجبل قنطرة، ويتصل به في الجبل للروم بلد كبير، ويقال إن حريمه من أحسن حريم هذه الجزيرة، جعلها الله سببا للمسلمين.