Advertisement

ولدي


ولدي




ولدي

تأليف
محمد حسين هيكل




ولدي

محمد حسين هيكل

إهداء


إلى روح ولدي ممدوح هيكل

الراقد في صحراء القاهرة إلى جوار ربه.. والذي تخطى الحياة ما بين ? من يونيو سنة ????، ?? من ديسمبر سنة ????. أهدي هذا الكتاب هيكل

تقديم


بقلم  محمد حسين هيكل
ما أعجب لعب الحوادث بنا، وتوجيهها إيانا! فلو أن هذا الكتاب نشر من عام مضى لنشر باسم غير اسمه، ولنظمت مواده غير نظامها الحاضر؛ فإلى عام مضى كان عزمي أن أجعل عنوانه «خلال أوربا»، وأن أرتب مواده على أنه كتاب سياحة، وأن أجعل إهداءه إلى زوجي أن كان من أجلها اجتيازنا أوربا شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولم يكن عنوان «ولدي» ليدور يومئذ بخاطري أو لتجرؤ أن تخطه يدي، أن كانت كلمة «ولدي» جديرة بأن تثير في نفسي وفي نفوس أحب الناس إليَّ آلم الذكرى وأفجع الأثر، لكن رحمة الله بنا وعطف القدر علينا وما عوضنا عما احتسبنا، خفف من لوعة هذه الذكرى الأليمة التي يثير خيال ورودها إلى النفس عبرات من مآق يعز عليَّ أن تنهل منها دمعة ألم واحدة. واليوم وإن بقيت في القلب ندوبه فإن الثغر ليفترُّ عن ابتسامة لهذه الطفلة التي رزقنا، والتي نرجو لها ما يرجوه أبر الآباء لأحب البنين، ونرجو بها في الحياة متاعًا حرمناه مدى سنوات أربع كنا نمد النظر نحو صيف كل واحدة منها بصبر ذاهب لنفرَّ من بلاد الذكرى المحزونة، آملين في فسحة بلاد الله عنها عوضًا. وهيهات أن تعوض بلاد الله جميعًا نفسًا كليمة، وقلبًا كسيرًا، وفؤادًا يتنزى ألمًا، إلا ما في تنوع مظاهرها واختلاف الليل والنهار فيها مما يصرف القلب إلى الجديد الذي يقع عليه، فينسيه من حر لوعته، ويسكن من نيران جراحه.
فقد ولد لي «ممدوح» في ? من يونيو سنة ???? بالقاهرة، في بيت جده لأمه، وكانت جدته لأمه في السادسة والثلاثين من عمرها، ولم يبقِ القدر لها من خلف غير زوجي وأختها. وكانت هذه الجدة الشابة يسيل وجودها كله رقة، وتكاد الأمومة تنسيها كل ما سواها من العواطف، وكانت مريضة بالسكر، فلما أنجبت ابنتها ولدًا جهدت في العناية بالطفل وأمه، وبالغت في الجهد حتى انهدت كل قواها، فمرضت واشتد بها المرض، فلم تستطع مداومة العناية بالطفل وبابنتها التي كانت في فراش الميلاد ما تزال. وكانت ابنتها الصغرى لمَّا تبلغ الثانية عشرة من عمرها، وكانت تتردد على المدرسة، فلم يكن يقع عليها — وهي في سنها وفي تلمذتها — أن تقوم بخدمة أمها، واضطرت ابنتها التي كانت موضع جهدها ورعايتها أن تترك فراشها لتقوم في خدمة هذه الأم المريضة في الليل وفي النهار أيامًا طوالًا أعلن الطبيب بعدها أنها في خطر، وأجريت لها عملية جراحية أسلمت روحها بعد يومين من إجرائها، وغادرت هذه الحياة صبح ? من يوليو سنة ????؛ أي بعد مولد ممدوح بسبعة وعشرين يومًا.
وحزنت زوجي لفقد أمها حزن جنون أنساها حالها، وأنساها ابنها، وأنساها صحتها، وعبثًا حاولت في الأيام الأولى أن أرد إليها شيئًا من صوابها. ولئن نسيت فلن أنسى قولها إنها كانت تتمنى لو أن الولد هو الذي مات، فنحن شابان ما نزال، والابن يعوض لكن الأم لا تعوض. ولعل فرط الحزن الذي أنطقها بهذه الكلمة غشَّى على بصرها فلم ترَ في حجب الغيب ما يكنه القدر لها، ثم لابنها. وأسلمت للحزن نفسها، وجعلت من واجبها المقدس زيارة قبر أمها وسيلة لمضاعفة أساها وحزنها. وأشهد أن المصاب كان جديرًا بكل هذا الأسى، لكنا في الحياة ألاعيب يعبث بها القدر، ولئن بلغنا على الحياة ما بلغنا من جاه ومكانة، ولئن امتلأت نفوسنا بما امتلأت به من عاطفة وفضيلة، لا يفوتنا أنَّا من القدر هاته الألاعيب، وأن عبث القدر بها بعض حقه، وأنَّا إذا أردنا أن نسمو على الحياة فنحدق إلى القدر وجهًا لوجه فلن يكون ذلك بالسخط منه والحقد عليه، ولكن بالإذعان له، والتسليم بحقه، والرضا بكل ما يصيبنا من جانبه. على أن أفدح ما تصيبنا به الحياة غير جدير أن يترك من الأثر في نفوسنا إلا ما يذره أعظم ما يسرنا، وكما أن السعي والعمل أكبر مسرة في الحياة تزيدنا رضًا على رضانا وغبطة على غبطتنا بكل خير نناله، فالسعي والعمل هما كذلك أكبر عزاء في أفدح شجن وأجل كارثة.
وتوالت الفصول والسنون، وهدأت في النفوس لوعة الحزن، لكن القدر الذي حرم زوجي أمها أبقى لها «ممدوحًا» وحيدًا يرجوها في براءة طفولته أن تجعل له أخًا وأختًا، فتكتفي هي عن الحرمان بحمد الله على جوده به علينا، وبالرجاء الحار أن يبقيه لنا. وكنت أشاركها من أعماق قلبي في هذا الدعاء أن كان الولد قرة عين لنا، وأن دفع تتابع السنين إلى نفوسنا أنه كل ما قدر لنا من خلف. وإنا لفي الأسبوع الأول من شهر ديسمبر سنة ???? إذا الولد يمرض مرضًا لم يلقِ الطبيب إليه أول الأمر بالًا، ثم إذا به يعلن بعد ثلاثة أيام أن المرض حمى الدفتريا. في تلك اللحظة اخترقت بصيرة الأمومة حجاب الغيب، وانهدت الأم باكية تنتحب كأنما رأت الموت رأي العين يمد يده إلى صغيرها يتخطفه منها، ثم تنبهت إلى واجبها نحوه فأسرعت ترعاه وتمرضه، وعالج الطبيب المرض أيامًا خيِّل إلينا فيها أن كل خطر زال، وأن دموع الأم التي انسكبت على قسوة القدر ألانت منه فرد اليد الغادرة الممتدة في جنح الظلام. وفي مساء السبت ?? من ديسمبر ذهبت إلى عملي وأنا أشد طمأنينة من كل يوم سبقه منذ مرض الطفل، فلما عدت عند منتصف الليل رأيت الأنوار في مسكني والباب مفتوحًا، فدخلت فقابلتني زوجي بهذه الكلمة: «ممدوح مات!».
تسري الرجفة إلى بدني ويقشعر الآن جسمي لكتابة هاتين الكلمتين وقد مضى على سماعي إياهما خمس سنوات وأشهر. نطقت زوجي بهذه العبارة الفاجعة في صمت الليل الخؤون، فأسرعت لأرى أين هو، ودخلت إلى غرفة النوم فإذا أمي جالسة إلى جانب السرير والطفل الذي أورثنا الثكل على ركبتيها، ومن حولها أختاي، اختار الله إحداهما إلى جواره في ? من أغسطس سنة ????، وثلاثتهن واجمات كسيرات القلب ينظرن في حسرة ملتاعة إلى هاته الأم الشابة التي فقدت وحيدها وهي ذاهلة لما تقدر مدى هذا المصاب الكارث، وتركتهن بعد أن قبَّلت جبين ولدي، وانتقلت إلى غرفة أخرى وقد هوى الحزن بقلبي إلى قرار سحيق. وانتقل ممدوح في عصر اليوم التالي من بيت أبويه إلى فلاة الصحراء ليرقد إلى جانب جدته الشابة في جوار الله، وعدت بعدما ودعته هذا الوداع الأخير ولا شيء أخشاه أكثر من ساعة ألتقي مرة أخرى بزوجي وقد تغيرت حياتنا وقد انطفأ سراجها وخيم عليها الظلام.
والتقينا في الصباح، فإذا ذهنها في شغل بمسائل كثيرة يحاول أن يظفر لكل منها بجواب، وإذا هي لما يرتكز الحزن في قرارة نفسها بمثل ما تركز بعد ذلك بأيام قلائل، وكانت كبرى المسائل التي تشغلها وتكاد تستأثر بتفكيرها، مبلغ ما علينا، هي وأنا، من تبعة في هذا الحادث، وهل كان محالًا علينا أن نتغلب على القدر وأن ندفع الموت عن فلذة كبدنا؟ وفي سبيل الجواب على هذه المسألة جعلت تحلل التفاصيل، وما فعلنا، وما كان يجب علينا أن نفعل، وكيف عاملنا طفلنا أثناء مرضه، وهل قسونا في كلمة صدرت منا إليه. وعلى أساس هذا البحث جعلت ترتب أحكامًا كالأحكام التي يرتبها الناس عادة — والسيدات بنوع خاص — على ما يؤديه غيرهم لهم من المجاملات، وما يترتب عليهم من دين لهذا الغير مقابل مجاملاته. وأدى هذا البحث بزوجي إلى تقدير فداحة ما أصابنا، وما ربما كان في مقدورنا دفعه، إلى نتائج خفتها وارتعت لها. ولست أدرى ما كان يؤول إليه الأمر لو أن شقيقتيَّ لم تكونا يومئذ إلى جانبها، ولم تقفا كل جهدهما على محاولة صرفها عن فاجع الأسى الذي ألقت بحياتها بين يديه، وكأنما كانت تستطيب عذابه وتجد اللذة في المزيد من مرارته.
أما أنا فأذعنت لحكم القضاء، وأسلمت أمري لله، إليه مصير الأمور، وواجهت الزمن ألتمس فيه ما عليَّ من واجب أؤديه، وكان أكبر واجبي يومئذ أن أعمل لعزاء زوجي، فهو لي أكبر عزاء؛ وهل كان يزعجني أكثر من أن أرى إنسانًا ارتبطت بحياته حياتي منذ عقدنا شركة نلتمس بها زينة للحياة تنسينا متاعبها، بل تجعل هذه المتاعب لذة ونعيمًا، فإذا زينة حياتنا تحطمت في لحظة ووقف اليأس البشع بشبحه المخيف يصدم شبابها الجدير بالأمل، وينذره بجدب الحياة، وأن لم يبقَ لزينة فيها رجاء! ولولا هذا الواجب الذي كنت أراه ملموسًا محسوسًا أمامي كل يوم مرات، لهون عليَّ القضاء من فجيعتي؛ فقد رأيت يومئذ أن لا عزاء في الحياة عن مصاب كمصابنا تتحطم له العزائم وتنشق منه المرائر خير من العمل يلقي الإنسان بنفسه في أحضانه، ويضاعفه ما استطاع إلى مضاعفته سبيلًا. لذلك عدت إلى مكتبي في اليوم الثالث، وأسلمت نفسي لمشاغل الصحافة الكثيرة المشاغل، وجعلت كل همي أن أنسى في العمل نفسي، وأن ألقي إليه كل بالي وكل تفكيري. والعمل خير بلسم لجراح الحياة بما يستغرق من انتباهنا، فيشغلنا عن جراحاتنا ويترك للزمان تضميدها في أناة ورفق. لكنى كنت لا ألبث حين أعود إلى بيتي أن أرى وأسمع ما يحرك ألمي، فجعلت ألتمس في بعدنا عن موضع الفجيعة سببًا للعزاء، وخيِّل إليَّ أني نجحت فيما حاولت من سفرنا إلى السودان لنشهد افتتاح خزان سنار، غير أني علمت عشية السفر بأن لا سبيل إلى مصاحبة زوجي إياي، وبعد تردد في السفر دونها رأت هي ضرورة سفري حتى تتفرغ هي لما كنا شرعنا فيه من البحث عن مسكن آخر لا تحدثنا جدرانه ولا يحدثنا نظامه، ولا تحدثنا كل صغيرة وكبيرة فيه، بما يحرك القلب ويهيج الشجن.
وعدت من السودان فألفيتها أتمت بحثها، وتبدأ يوم وصولي إلى القاهرة انتقالنا إلى المسكن الجديد. إذن فقد شغلت بعمل هي أيضًا، وإذن فهي واجدة في هذا العمل الجديد بعض السلوى. كان ذلك بعض رجائي، وبخاصة أن كان لها بنظام المنزل عناية تستغرق عادة الكثير من اهتمامها، لكنها هذه المرة اكتفت بالإشراف دون الاشتراك بالفعل، وتركت أكثر الأمر للعمال يقومون به بإرشادها، وما لبثت أن انتهت من وضع النظام الذي أرادت أن تتم كل واحدة من الغرف على نسقه حتى عادت يخترمها الهم وتتناوبها ألوان الألم.
وأخذت نفسي يومئذ بأن أقلَّ ما استطعت من الحديث في شجننا المشترك، وأن أنصرف بها إلى ضروب مختلفة من التفكير، لعلي أنجو بها ولو بعض الشيء من خيالاتها السوداء المضنية. ولست أدرى حتى اليوم أأسأت أم أحسنت في اختيار هذا المسلك، فقد فجعت من قبل ذلك ومن بعده في أخي وفي أختي وهما في ريعان الشباب الناضر، فلم يكن لأمنا حديث شهورًا متوالية بعد هاتين الفاجعتين غير ترديدها ما لمصابها في أغوار نفسها وطيات قلبها من عميق الأثر. أفترى تجد السيدات عن الألم عزاء في تذكر الألم؟ أم هن يرين في استذكار فلذة الكبد التي ذابت وذهبت ما يرد إليها في نفوسهن وهمًا من حياة؟ أم تراهن يحسبن القدر أبرَّ بهن في مستقبل أيامهن حين تدعوه كل أم بما تتقلى عليه نفسها من ذلك الحزن إلى الرثاء لها والإشفاق عليها؟ لست أدري! إلا أنني لو اعتقدت أن القدر يقبل بأي ثمن رجاء فذلك ألا يفجع أمًّا في ولدها، وألا يجود به عليها إذا كان قد كتب في لوحه أنه متوفيه قبلها؛ فالدمعة التي تسكبها الثاكل ولدها لا تنهمل من مآقيها، بل تنهار بنصيب من حبة عينها، ومن سواد نظرها، متصعدة إلى هناك زفرات ملتهبة متأججة من ذوب قلبها ومن حشاشة فؤادها. وأية دمعة وأية زفرة تذهب بالبصر وتحرق الكبد وتهدم الحياة غير هاته الدموع! ليست دموع أسى، ولا دموع حزن، ولا دموع ألم بالغة ما بلغت شدته وقسوته، بل هي أجزاء من الحياة تسيلها العين، وهي نفس تساقطها المآقي أنفسًا. وإني لأذكر وأنا أكتب هذه العبارة أمهات ثكلن بعد سن متقدمة وحيدًا لهن خلف أبناء، فلم يجدن في أبنائه عنه العزاء، وبقين السنين يذهب بصرهن، ثم سمعهن، ثم أبعاض حياتهن، وهن يحملن مع ذلك في كل موسم في محفة حزن سوداء إلى قبر هذا الذاهب تاركًا إياهن يتقلين على جمر الحسرات واللوعات. أفيردد الإنسان لأولئك البائسات بنكبتهن اليائسات من عيشهن ما يحرك شجونهن؟ أم يصرفهن عن هاته الناحية السوداء لعلهن يجدن في قبس من رحمة الله رجاء وأملًا؟
الناس فيما يخيل إليَّ من هذه الناحية أمزجة، ولعل النساء والرجال في اختلاف المزاج سواء، ولعل للأمل ولانقطاعه في المزاج أثرًا بالغًا؛ فما أزال حتى اليوم أذكر هذا الشيخ الذي كان يذري الغلال في قريتنا، وقد فقد وحيده البالغ ما يزيد على الأربعين، والذي رُزِقه بعد عدد من الأبناء ماتوا صغارًا، فلما فجع فيه ولم يبقَ لديه في عوض عنه رجاء، تولاه الذهول وانقلب الجو كله أمام نظره مليئًا بخيال وحيده الذاهب، حتى كان كلما سأله إنسان عن حاله وقف يرسل «المواويل»، يصعد في ألفاظها ما يكتوي به من نيران الهم واليأس، ويردد فيها ما أصابه من فجيعة جعلت حاله، وجعلت حياته، وجعلت الجو المحيط به، وجعلت كل بقية له في الحياة فجيعة تطير به على أجنحة من سعير الألم لتهوي به آخر الأمر إلى خلد الموت المريح يلقى فيه ابنه ويستعيد وإياه فيه ذاهب سعادته وهناءته.
وأذكر شيخًا آخر أوتي حظًّا من العلم غير قليل، مرض ولده الأكبر مرضًا خيف منه على حياته، فكان على ضعف بصره يقضي النهار على مقربة من ولده ينتف شعيرات ذقنه وتنهل الدموع الصامتة من عينيه، وظل كذلك حتى جاوز ولده الخطر ثم نجا.
وأذكر غير هؤلاء شيوخًا وشبابًا يختلف من العلم ومن الإيمان حظهم، وهم يذعنون للقدر ويأبون أن ينهدَّ ركن عزمهم، ويرون الحياة واجبًا يؤدي، وخير ما يعين على أدائه مواصلة الجهد للمزيد منه، فإن أصابهم التوفيق فذاك، وإلا فضمائرهم وقلوبهم وعقولهم في نجوة من الأسف والأسى، فإذا غلبهم ضعف الإنسان زمنًا فليكن واجبهم مغالبته والسمو فوقه والعود للقيام بأداء واجب الحياة.
وأنا من هؤلاء، فليس يسيغ عقلي أن ينهزم الإنسان أمام حادث من حوادث الحياة أيًّا كان جلاله، وأن يهن ويضعف، وإذا اضطر الإنسان للوقوف أو للتراجع يومًا، فليس وقوفه ولا تراجعه هزيمة تدك ركن عزمه، وإنما هي بعض أعمال الحياة كالتقدم والاندفاع سواء، وكما يصيب السوء المتقدم والمندفع وهما في أشد أوقات اعتزازهما بنصرهما وظفرهما، كذلك قد يفيد الواقف والمتراجع من موقفه الخير الوفير. ثم إن الحياة كثيرًا ما تهزمنا في ناحية لتصرفنا إلى ناحية غيرها يكون ظفرنا فيها أكبر أثرًا، ويكون ما نؤديه من واجب الحياة فيها أجدى على الحياة وأعود علينا بطمأنينة النفس، بل بالمجد، بل بالسعادة. فليس خليقًا إذن بإنسان أن يبقي كلمة الهزيمة في سجل ما يدور بخاطره من لفظ أو معنى، وليس خليقًا كذلك بإنسان أن يجعل للنصر معنى يقابل هذه الهزيمة التي يضطرب لهولها المتواكلون وضعاف العزم، وإنما النصر الحق المؤزر أن يتغلب الإنسان على ضعف نفسه، وأن يؤدى في الحياة واجبه بإخلاص للحياة.
هذا الإيمان عندي هو الذي دعاني أن أقل من التحدث إلى زوجي في شجننا المشترك، وأن أحاول صرفها إلى ضروب من التفكير مختلفة علَّها تجد في أحدها ما يعوضها عن سابق حياتها. ونجحت في حملها على القراءة والإكثار منها، وعاونتها على اختيار كتب من الأدب الفرنسي بالغة من جمال الأسلوب والتصوير ما يستهوي النفس ويأخذ باللب، على أني رأيتها تندفع في قراءتها باحثة عما يحرك شجنها، حتى إذا عثرت بشيء منه وقفت عنده وأعادت قراءته، ثم نقلته إلى كراسة خاصة واستذكرته عن ظهر قلب، واتخذته وسيلة لإسالة عبراتها في الفترات القصيرة التي تتاح لها الوحدة فيها. ولم تكن القراءة وحدها هي التي تستحيل في نفسها عبرة وشجنًا، بل كانت تجد في كل شيء تعالجه صورة الأسى والألم اللذين دستهما الفجيعة إلى قلبها وإلى أعصابها وإلى دمها وإلى وجودها كله، واللذين كسوا الحياة أمامها لونًا صحراويًّا ممحلًا هو لون اليأس القاتل. وضلت بأحلامها في هذه الصحراء المحيطة بها بعد أن أجدبت الواحة الوحيدة النضرة التي اشتملت كل رجائها، فإذا هذه الأحلام لا تجد رجاء إلا في الموت، أو فيما يشبه الموت من انقطاع عن العالم إلى دير من الأديرة أو خلوة من الخلوات. وكنت أحسب هذه الحال يذهب بها الزمان، وهذه الجراح يأسوها النسيان، فإذا صاحبتها هي التي يذهب الزمان رويدًا رويدًا بها، وكأن حياتها كلها جرح برؤه في انطفائه، وإذا هي تحول شخصًا آخر نظرته غير نظرتها التي عرفت وإبصاره مضطرب وأعصابه منهدة، وكل ما فيه نذر مخيفة، رغم ما كان لها من عنفوان شباب وصحة. ورأى الأطباء أن لا شيء من المرض بها، ونصحوا جميعًا بضرورة سفرها لتغيير الهواء.
وكنت يومئذ قد بلغ بي الملال ففكرت في هذا السفر، ولم أجد خيرًا من أوربا مصحًّا لزوجتي ولي، فسافرت وإياها في ?? من يوليو سنة ???? على الباخرة مونجوليا من بواخر (بنينسيولار وأورينتال) قاصدين مارسيليا فباريس، وكان لي أربعة عشر عامًا لم أرها لما ضربت الحرب ثم تصاريف الزمن بيني وبين أوربا جميعًا من حجاب، وقضينا في باريس ثلاثة أسابيع، ثم غادرناها إلى لندن حيث قضينا سبعة عشر يومًا، ومنها عدنا إلى باريس لنمر بها مرورًا، فقضينا بها أسبوعين آخرين. ومن باريس سافرنا في ?? من سبتمبر قاصدين جبال الألب في السافوا العليا لننتقل منها إلى سويسرا نقطعها من الطرف الفرنسي إلى الطرف الإيطالي، ثم ننحدر إلى البندقية نزورها ونأخذ بعد ذلك الباخرة حلوان من بواخر (اللويد ترييستينو) لترسو بنا في الإسكندرية في ?? من أكتوبر يوم تمام الشهر الثالث لمغادرتنا مصر. وبحسبي تقديرًا لأثر هذه السياحة أن أذكر كلمة كانت تكررها زوجي: «إن باريس ردت إليَّ طعم الحياة»، وأن أذكر كذلك ساعة ارتقينا الباخرة في تريستا لتعود بنا إلى مصر، وحين نظرت هي إلى الشاطئ فانهملت من عينها دمعة اختلطت بماء البحر أسفًا على سياحتنا الجميلة الساحرة التي انقضت وكأنها حلم معسول. وكان لمسافر ظريف ملاحظة أن العبرة المختلطة بماء البحر تعود بصاحبها إلى البحر والسياحة، والحق أنَّا من تلك الساعة نذرنا أن نجعل مصيفنا بعيدًا عن مصر، وكانت زوجي أشد على تحقيق هذا النذر حرصًا وأشد بضرورة الوفاء به إيمانًا؛ فكانت إذا انتصف الربيع تذكرني به، فنعد العدة ونختار الباخرة ونجهز متاعنا. وكذلك قضينا صيفي سنة ???? وسنة ????؛ ففي صيف ???? اخترقنا أوربا من الآستانة إلى بوخارست، فبودابست، ففينا، فبراج، فباريس، ثم عدنا إلى الوطن. وفي صيف ???? ذهبنا من جنوة إلى برن، فمايانس، فكولونيا، فبرلين فميونيخ، فبادجاستين، فباريس، ففيشي، ومنها إلى مارسيليا، فالإسكندرية. فلما كانت سنة ???? عاودنا الرجاء في أن نعود بآفاقنا إلى طفل تعوض علينا ابتسامته جمال أوربا وجمال العالم بأسره.
وإنا اليوم لنشكر القدر كلما ابتسمت طفلتنا، وكلما جمعت حياة الوجود كلها إلى جانبنا، سواء أكنا وإياها في غرفة صغيرة أو كبيرة من غرف منزلنا، أم كنا في الهواء الفسيح نسعد بها وهي تسعد هذا الهواء وتسعدنا به، وترينا زينة الحياة الدنيا، نجد فيها على الحياة عزاء، بل بالحياة سعادة، وتغنينا بذلك إلى حد عظيم عن التجوال في فضاء الله كأنا موكلون به نقطعه. وإني أذكر هذه السنين التي جبنا فيها أوربا من أقصاها إلى أقصاها لأذكر كثيرين، ولأذكر أضعافهم كثيرات، كانوا يقضون حياتهم يذرعون العالم من أمريكا إلى أوربا إلى مصر إلى الصين واليابان، ثم لا تجد نفوسهم إلى أي مكان في العالم مستقرًّا؛ لأنها نفوس قلقة هائمة تفتقد شيئًا كان سر حياتها وموضع رجائها، وكانت عنده تقف وبه تتعلق، فلما انتزع منها جعلت من العالم كله مسرح قلقها عليه وافتقادها رجاء جديدًا في عوض عنه. فأما الذين يسعدهم الحظ بالعوض فيعودون إلى ما كانوا قبل هيامهم في بلاد الله فيه، وأما الآخرون فيظلون تضيق بهم فسحة العالم زمنًا ثم يجدون في بعض العالم عن ضيقهم بعض السلوى زمنًا آخر، حتى تطمئن نفوسهم إلى الرجاء أو إلى اليأس. واليأس — كما قالوا — إحدى الراحتين.
وقد تركت هذه السنون الثلاث التي حببت إلينا الارتحال بعيدين عن مكان الذكرى الممضة آثارًا كانت الذكرى تتخلل بعضها فتزيده قداسة وجلالًا. والذكرى والرحيل وآثارهما هي التي أملت هذا الكتاب، وزوجي التي كانت الصورة الحية لقداسة الذكرى هي صاحبة الوحي لخير ما فيه، ولها من أجل ذلك الفضل الأكبر في تحريره فضلًا جعلني أطمع في إهدائه إليها، لكنها رأت أن يكون الإهداء لولدنا الذي تركناه إلى جوار ربه، والذي لو بقي حيًّا لكان اليوم يتدرج إلى الشباب ويمتع كهولتنا بما يفيض عنه من روعة الشباب وروائه. أما اليوم فحسبنا ما عوضنا القدر، ورجاؤنا أن تكون الحياة أبرَّ بنا من بعد، وأحنى على قلبين ذاقا ألم الفجيعة والثكل واليأس قرابة أربعة أعوام، ورأيا من قبل ذلك ومن بعده ما يهيض القلب ذكره، ولنا في عدل القدر أكبر الثقة بأن يحقق هذا الرجاء، وأن يجعل رحيلنا في المستقبل وما نكتب عنه مضيئًا بنور النعمة يكسوه ثوب من الطمأنينة للحياة، ويدفع إليه التفكير في مجد الإنسان وسعادته، بدل السعي لتبريد لوعة القلب والعمل لسلوته.

الكتاب الأول


??يوليو–?? أكتوبر سنة ????

بورسعيد – باريس


كانت معدات سفرنا لرحلة سنة ???? تامة يوم ?? من يوليو، لا ينقصها إلا أن نعرف بالدقة الساعة التي تبرح فيها الباخرة «مونجوليا» ميناء بورسعيد، ومع ترددي على «كوك» لأقف منه على الموعد المضبوط فقد كان آخر ما اتصل بعلمنا أن آخر قطار يدرك الباخرة هو الذي يغادر القاهرة في الساعة الحادية عشرة من صباح ?? من يوليو، وخيِّل إلينا أن هذا معناه أن الباخرة تتحرك بعد ساعة أو نحوها من وصول القطار إلى بورسعيد، ففضلنا أن نسافر بقطار الصباح الباكر، وجاءت الساعة التي يصل فيها القطار الذي أشار «كوك» إليه ولم تكن الباخرة قد وصلت الميناء، ولا كان أحد يعرف عن موعد وصولها بالدقة خبرًا، بل قيل لنا إنها قد لا تصل قبل صباح اليوم التالي، فأثار هذا التأخير في نفسي حالة عصبية أن كنت أعتبر كل ساعة أكسبها أدنى إلى تحقيق الغرض الذي من أجله نسافر، كما كنت أشعر بشيء من الطيرة ألا يكون كل شيء في السفر كما أريده أن يكون.
وفي الساعة الثامنة مساء قيل إن الباخرة تصل بعد ساعتين، وإن أنوارها ظهرت بالفعل على قناة السويس، وأقلتنا إليها الزوارق؛ إذ ليس في بورسعيد «أرصفة» ترسو عليها السفن. وسألنا الحمال عن متاعنا، فإذا به مبعثر فوق ظهر السفينة، فجمعناه على عجل من هنا ومن هناك، وشكرت للذين ودعونا متمنين لنا سلامة السفر، وأويت إلى مخدعي متعبًا منهوكًا بعد أن قضيت النهار كله منذ الصباح الباكر، وحين سفرنا من القاهرة، أنقلب بين مشاعر وإحساسات ليست كلها مما تبتهج له النفس، فلما تنفس الصبح إذا الباخرة تجري بنا فوق موج بسام تزجيه ريح رخاء، وإذا سطح السفينة الفسيح تتلطف أشعة الشمس عليه بما ينعش النفس من نسيم البحر الجميل. وكانت حياة السفينة وعباب البحر المحيط بها هي الانتقال الأول من بيئة الذكرى المريرة، لولا ما كان من سفر وحيدنا من قبل معنا على البحر بين موانئ مصر والشام، ولولا ما تدعو آفاق البحر النفس إليه من الاستجمام والتفكير والتذكر.
على أن ما في حياة السفينة من جديد، وما تعوَّد المسافرون على البحر خلقه من أنواع اللهو والمتعة، يهوِّن من غضاضة ساعات التفكرة والذكرى، ويخلق أمامنا عالمًا جديدًا يستغرق من تطلعنا بمقدار ما يستغرق السفر على البحر بين مصر وأوربا من أيام قلائل. والبواخر الإنكليزية أشد من غيرها إثارة للتطلع؛ فأنت في سريرك ما تزال تغط في نومك ولا تنتظر البتة من يزعجك عن فراشك، فإذا باب القمرة يدق حتى تستيقظ، وإذا القائم بخدمتها يحمل إليك فنجانًا من الشاي، وثلاث بسكويتات أو أربعًا، وتفاحة أو برتقالة أو واحدة غيرهما من الفاكهة، ويضع ذلك على الرف إلى جانب مخدعك تكاد تتناوله من غير أن تجلس في فراشك. فإذا اطمأن إلى أنك استيقظت أهدى إليك في رقة وأدب تحية الصباح، وسألك عن الساعة المضبوطة التي تريد أن تذهب فيها إلى حمامك، وهل أنت بحاجة قبلها إلى شيء من الماء الفاتر لتزيين ذقنك. هذه الحركة كافية لتدلك على أن الساعة أصبحت السادسة، وأن الوقت آن لتأخذ بأسباب اليقظة، على أنك في حل من أن تظل آخذًا بهذه الأسباب إلى ما بعد الساعة التاسعة حين تصعد لتناول إفطارك بغرفة الطعام؛ عصيدة وبيضًا ولحمًا وشايًا وفاكهة وما شئت إلى جانب هذا كله من المطعومات. وبعد الساعة التاسعة تبدأ اليقظة على سطح البواخر عامة والإنكليزية خاصة. ولقد يود المسافر، في اليوم الأول، بل في الساعات الأولى من سفره، أن يتعرف إلى البيت الجديد، بل المدينة الجديدة التي يقيم فيها أيام هذا السفر، فيلتمس صالون الباخرة وغرفة المطالعة وغرفة التدخين فيها، وما قد يكون في بعضها من صالونات وغرف عدة، فإذا استوى إليه علم ذلك كله عاد إلى سطح السفينة يمشي الهوينى يحاول أن يتعرف وجوه المسافرين معه. وهذه النظرة الأولى من المسافر إلى بيئته الجديدة تستغرق من وقته ساعات سفره الأولى، وتبعث إلى نفسه ما لكل جديد من لذة ما لم يحل دوار البحر بينه وبينها، فإذا انتصفت الساعة الحادية عشرة صباحًا رأيت عربة صغيرة يدفعها أحد خدم الباخرة، تتبعها عربة أخرى وعلى إحداهما فناجين الحساء «الشربة»، وعلى الأخرى بسكويت غير محلى ليتناول كل مسافر من ذلك حظه. وفي الساعة الأولى من بعد الظهر ينزل الكل إلى غرفة الطعام لتناول غدائهم، ثم تعقب ذلك فترة هدوء وسكينة ينتهزها بعضهم لينالوا غفوة الظهيرة على المقاعد الطويلة فوق سطح المركب لمن لم يشأ منهم أن ينزع ملابسه، وفي القمرات لمن أراد الراحة التامة. ولعل مواطنينا المصريين أشد الناس حرصًا على هذه الراحة التامة، فإذا كان العصر تناول المسافرون الشاي وأمضوا ساعة أو نحوها بعده، ثم سمعوا ناقوس المساء يدق يدعوهم ليعدوا أنفسهم لطعام العشاء ولارتداء ملابس السهرة، فإذا كانت الساعة الثامنة أشرقت غرفة الطعام بالسيدات في ملابس زينتهن، وفي حليهن البديع البريق، وبالرجال يلبسون الأسموكنج، ويتخللون السيدات في جلستهم إلى المائدة لتبدو كل جميلة منهن بينهم كأنها زهرة عطرة بين أوراق يانعة هي بالزهرة بر وعطف وحنان. وينتقل الكل لتناول القهوة في الصالون، وينسحب المدخنون من الرجال إلى سطح المركب أو إلى غرفة التدخين، ثم ينقسم الجمع طوائف، تهفو آذان طائفة إلى سماع الموسيقى، فتجد من سيدة بارعة، أو من رجل متقن، من يشنفها بحلو النغم، وتنتقل طائفة إلى حيث يلعب كل جماعة منها نوعًا من أنواع الورق على موائده الكثيرة في البار وفي غرفة التدخين وفي غيرها من الأماكن التي يهوي اللاعبون إليها. فإذا انتصف الليل أو قارب أن ينتصف بدأ الناس ينسلون لواذًا إلى مضاجعهم يقضون فيها ليلهم منتظرين دقات القائم بخدمة القمرة على بابها متى أصبحت الساعة السادسة، ثم دخوله بفنجان الشاي والبسكويت والفاكهة.
هذا نوع من الحياة جديد بالنسبة لسيدة مصرية لم تألفه من قبل، ولم يحل حائل دون أخذها منه بنصيب أية سيدة أوربية من المسافرات معها، وهو جديد وإن كانت قد رأت في مصر مظاهره؛ لأنه اشتراك في تمثيل رواية الحياة على صورة جديدة بدل الاكتفاء بالجلوس أحيانًا مع النظارة لمشاهدة ممثليها، وهو لذلك جدير بأن يحدث في نفسها ثورة تبعث إليها حياة جديدة كلها نشاط وحركة وإقبال على الحياة، بدل القعود والخمول وما ألف المصريات من التخلي عن الحياة. فليكن لهذه الثورة النفسية من الأثر المحسن ما رجونا من سفرنا فرارًا من وسط مليء بأشباح اليأس والألم.
لكن لا! إن الهزة الأولى لا تكفي لتذيب ما تركز في النفس من أكداس الهم ولتبعث إلى سواد الحزن أملًا في ابتسام؛ لذلك كان من بين المسافرين معنا سيدة فرنسية وزوجها، يحمل هو شارة الحداد وتلبس هي السواد، فما كان أسرعنا إلى التقرب منهما والتعرف إليهما والسؤال عن سبب حزنهما وأساهما، وروت السيدة طرفًا من قصتها، لكنها كانت في روايتها لا يخترم الهم كيانها، وكانت تبدى من الاستسلام للقدر ومن مجالدة الأسى مثلًا صالحًا يجعل الأم الثاكل تفكر من جديد فيما طالما ذكرته لها من أن الحزن لا يعيد مفقودًا، وأن مغالبة الألم والتغلب على اليأس خير ما يفتح مغالق الحياة وينير للأمل السبل إلى النفس ينشر في أنحائها من ضيائه ما يعيد إليها في الحياة كل رجاء. ولعل السيدة الفرنسية لم تكن وحدها التي مهدت للأمل والرجاء سبيلهما، فقد كان من بين المسافرين جماعة لا يهون عليك أن تتصور كيف لا ينكمشون معتزلين الحياة وهم مع ذلك مقبلون أشد إقبال عليها، مسلمون أنفسهم لألوان من المتاع فيها كأنما هم غارقون منها في لجج النعيم؛ فهؤلاء شيوخ وعجائز هدهم الكبر، وهم مع ذلك يأخذون كل مساء أبهج زينتهم، فإذا غادروا غرفة الطعام وجاء خدم الباخرة فخلقوا من أنفسهم موسيقيين يوقعون نغمات الجاز والفوكستروت والشارلستون هرعوا إلى حلقة الرقص كأكثر الشبان فيها نشاطًا ومرحًا. وهذه سيدة نصَفٌ آتية وحدها من أستراليا لم تنعم عليها الطبيعة بشيء من الجمال وإن أسبغت عليها فيضًا من الصحة والعافية تختفي في طيه سنها، تندفع إلى الرقص كلما عثرت بمن يرقص معها حياء من إلحاحها، ناسية سمن بدنها وانتفاخ وجهها حتى يكاد يبض منه الدم، مكتفية عن الجمال والشباب بالعافية المفتونة والماس الثمين تحلي به أصابعها وصدرها ورأسها. وهؤلاء شبان وفتيات من الإنكليز لا يدري أحد ما قد يكون انتاب حياتهم من فواجع، وهم يقضون نهارهم يلعبون نوعًا من التنس يطيقه سطح السفينة. أليس من هؤلاء العجائز والشيوخ والفتيات والشبان أحد غاله من أسباب الأسى ما غالنا، ومن لو تفتحت كلوم قلبه لألهبت صدره زفرات تفري المهجة وتذيب الحياة؟ وقد يكون فيهم هذا الرجل أو هذه المرأة، وقد يكون بينهم من هؤلاء أكثر من رجل أو امرأة. وأنَّى لنا أن نعرف والناس أسرار! لكن هاته الحياة الغريبة يجتمع فيها الناس بعضهم ببعض، رجالًا ونساء، ومن بينهم من تعرف ومن لا تعرف، تحمل الفرد على أن يتعالى كبرًا عن أن يحني لهم هامته، أو يظهر منه إلا ما تهش له الجماعة وتستريح إليه، كما يجعله يكبر في مغالبة ضعف نفسه لتسمو إلى مكانة من تحية الجماعة وإكرامها. حياة هذا شأنها تقوي النفس وتشغلها بكثرة تكاليفها عما يضعضع منها ويضعفها؛ ولنا في حياة المزارعين من أهل ريفنا مثل حي لصدق هذا الرأي، ولصلاح الحياة الحرة، ولدفعها صاحبها للسمو فوق مواطن الانحلال مما تهوي بالقلب إليه الحياة الحبيسة التي كانت نساء الطبقتين الوسطى والموسرة تحياها، والتي لا تزال حتى اليوم نصيب الكثرة الكبرى منهن. وكذلك يتجلى للناس أن الحرية قوام كل خير في نواحي الحياة جميعًا؛ ناحية العقل، وناحية الحس، وناحية العاطفة، وناحية الشعور، وأن الحرمان من الحرية وتقييدها مفسد للعقل والحس والعاطفة والشعور جميعًا، قاتل لحياة الإنسان كما يقتل الظلام والسجن حياة الحيوان والطير والنبات وكل ما في الوجود من صور الحياة.
وجازت الباخرة بنا «كريت» من غير أن نراها، ثم كنا في اليوم الثالث من سفرنا ننتظر أن تجتاز بنا بوغاز «مسينا»، وتناولنا شاي العصر واليابسة ما تزال تتبدى أمام النظر سرابًا لا تستقيم حدوده، فاستعنت بمنظار مقرِّب لأحد المسافرين، فأبصرت عن بعد نواتئ لعل أحدها دير أو ما يشبهه، على أنها ما انفكت تقترب ثم تقترب حتى انكشفت أمام النظر رمال «مسينا» القاحلة ورمال الجنوب الإيطالي المجدب. وكلما ازددنا من هذه الشواطئ الممحلة من كل علامات الحياة دنوًّا نجمت أمام النظر بعض علامات الحياة من منازل ومراعٍ للنعم، أو لعلها أشجار أصارها البعد في مثل نبات المراعي. والآن تبدأ تباشير مغيب الشمس، ويبدأ البوغاز في أضيق أجزائه ينكشف أمام العين لترى البحر من ورائه تنفسح لجته حتى تبتلع آفاق السماء وتبتلعها آفاق السماء. في هذه اللحظة وقفت محركات السفينة فجأة ليحاذر بها ربانها ما يحيط بها من صخور، كذلك قالوا، أما أنا فخيل إليَّ أن جلال هذه الساعة الساحرة وهذا المنظر العظيم في جماله وجدبه قد بلغ من نفسه مكان البهر، فاستمهل وتأنى ليزداد به ويزيد منه المسافرين متاعًا. ولم يكذبني المنظار المقرب حينما أراني، وما نزال بعيدين، ديرًا؛ فهذا البناء السامق في قمة الهضبة المطلة من «مسينا» على البوغاز صومعة أو دير أو طابية أقيمت لتحمي البوغاز وفناره، ولعله إلى الطابية أقرب، فهذا الفنار على قرب منه، بل بجانبه، يهدي البواخر التي ما تفتأ تعبر البوغاز، هو بحاجة إلى حماية كما يحتاج كل هادٍ إلى حماية. وعلى مقربة من الطابية، ما خلا حرمًا فسيحًا من الرمال، تقوم منازل منثورة على سفوح الهضبة لا أدري ما قوت أهلها وليس ما حولها من النبات إلا ما قدمت، وما سوى هذه المنازل القليلة على سفوح «مسينا» وجنوب إيطاليا فحجارة ورمل لا تنبت إلا التجرد والمحل، على أن لها في تجردها وإمحالها جلالًا وروعة كجلال موج البحر وروعته، ثم إن الحظ الحسن هو الذي ساقنا لنراها في ساعة المغيب حين تبدأ تكتسي، بدل قطوبها ساعات تجعد الضوء الباهر، وشيًا رطبًا تختلط فيه الحجارة بما يندى به أثير جو الغروب. وقد استوقف لين هذه الرمال والحجارة نظري زمنًا، ولفتني إلى ملاحظة لم تدُر من قبل بخاطري، فهبوط الظلام يُدخل على الأحياء الآهلة وحشة تزداد كلما أوغل الظلام إلى دجنته، وتصل بك إلى الفزع منها بعد أن تكون ألوان الخشية فالخوف فالوجل قد تسربت إلى نفسك مع كل قطعة تهبط من كسف هذا الظلام. فأما هذه البقاع القاحلة فأخوف ما تكون ساعات الظهيرة، وحين يبهر الضوء فيها الأبصار، فإذا تولت الشمس عنها بدأت تأنس إليها، ثم كان لك من نجمها، وإن غاب القمر، سمير وأنيس، وسبب هذا فيما إخال أن الأحياء أشد ما يخشى الحي، وأن الإنسان أخوف ما يخاف منه الإنسان؛ فظلمة الأحياء الآهلة لباس لكل ألوان الغدر والغيلة واللؤم والجريمة؛ أنت في كل خطوة لك فيها معرض لغادر يسلبك مالك أو حياتك، ولكمين ينصب حبائله لشرفك أو نفسك، والنور وحده هو الكفيل بهتك الكثير مما تخاف من غدر الغادر ولؤم اللئيم. فأما هذه الرمال المترامية أمامك والتي تشعر بنفسك فيها بعيدًا عن الناس والأحياء فلا تعرف الظلمة الحالكة فيها مكمنًا للؤم والغدر، ولا تخشى أنت فيها إلا الحيوان المفترس أنت ما حذرته أشد به فتكًا وأقوى عليه سلطانًا.
واجتازت الباخرة البوغاز، وأطلقت لمحركاتها العنان، وانطلقت محاذية شاطئ إيطاليا، والجو يظلم رويدًا رويدًا ونحن في شغل بذلك كله وبما تكشف عنه المقربات من أنوار تبدو على الشاطئ. وللمسافرين على البحر ولع أي ولع باستجلاء كل ما يستطيعون من مظاهر الحياة على الأرض، وكأنهم ما تزال تتحرك في نفوسهم غرائز الأقدمين من أجدادهم ممن كانوا يرون في البحر عدوًّا لدودًا لهم، ويرون في اقترابهم من اليابسة أنسًا لنفوسهم وسلم نجاة من خطر قد ينزل بهم، أو كأنما يدفع بهم إلى هذا الاستجلاء ما ركب فيهم من تطلع، فهم يحاولون والسفينة فوق البحر تجري بهم أن يستشفوا ما يجري خلال الجدران على أبعاد نائية. ولم يصرف المسافرين عن الإمعان في تطلعهم إلا رنين الأجراس تدعوهم كيما يتزينوا لطعام العشاء. وخيمت الظلمة على الوجود حين تناولنا القهوة في صالون الباخرة، وحين أعلن إلينا أنَّا بعد برهة سنمر ببركان «سترمبولي» الذي سكن منذ أيام هياجه، لكنه ما يزال يقذف في وجه السماء شيظانًا من نار يرسل الفينة بعد الفينة منها شواظًا. وعدنا إلى مراصدنا تجاه الشاطئ الإيطالي، وأمسك بعضهم مناظيرهم المقربة رغم حلكة الظلام، ثم نادى أحد هؤلاء: هذا شواظ رأيته. وحدقت الأبصار وامتدت الأعناق وحاذت السفينة منطقة البركان فإذا به يقذف من فوهته المتدثرة في حجاب الظلمة كل دقيقة أو دقائق قطعة مصهورة من حجر أو حديد تندفع في الجو كأنها شهاب ثاقب، أو كأنها النار التي يقص العجائز أن عيون الجن تتقد بها وتقدح منها شررها. وكلما دفعت فوهة البركان بواحدة من هذه القذائف ارتفع من بين المسافرين في صوت واحد نداء: ها هي ذي! ثم عادوا ينتظرون القذيفة التي تليها يتنفس عنها غليان هذا الجبل الهائج جوفه، ولما كثر ما رأينا منها هدأ نداء المسافرين شيئًا فشيئًا حتى سكن، وجعلوا ينصرفون واحدًا إثر واحد حتى باعدت الباخرة بينهم وبينها، ودخلت من الظلام في لجة كانت هي وحدها ضياءها.
وفي الغداة تناول الحديث وصولنا مارسيليا والساعة التي نبلغها فيها، وعلمنا أنَّا واصلون صباح الغد، وعلقت الباخرة الأخبار اللاسلكية التي نقلتها من المرفأ الفرنسي، فوصلت بذلك بيننا وبين حياة جديدة بمقدار ما زجت بما خلفنا في مصر في طيّ النسيان. وقصت هذه الأخبار ما تجيش به فرنسا من قلق بسبب هبوط سعر النقد فيها؛ فقد هوى سعر الفرنك حتى صار مائتين وأربعين للجنيه الإنجليزي، في حين لا يساوي الجنيه الذهب إلا خمسة وعشرين فرنكًا ذهبًا، وأدى ذلك إلى استقالة الوزارة الاشتراكية التي كان يرأسها هريو وقيام وزارة بوانكاريه الائتلافية. وقد نشأت عن الهبوط، على رواية اللاسلكي، قلاقل في باريس تنذر بقيام أهلها ضد الأجانب الذين يتلاعب نقدهم بأسعار نقدها، والذين جعلوا من غلاء الحياة على أهلها ما أزعجهم وأعاد أمام أبصارهم أسباب الثورات وأشباحها، وأعلن بعض المسافرين أنه سيبرح مارسيليا ساعة وصولنا إياها توًّا إلى سويسرا نجاة بنفسه من أن يزج بها في بلد يغلي جوفه بأسباب الثورة، كما كان يغلي جوف البركان الذي شهدنا من ساعات بقذائف الحمم … أما أنا فبقيت على عزمي أن نقصد توًّا إلى باريس؛ فهي خير مصح نبدأ به لزوجي ولي، وربما زاد من خيره أن يضطرب بأسباب القلق أهله بما يدعونا إلى مزيد من التفكير فيه وإلى مزيد مثله من نسيان أنفسنا. وقد شهدت من قبل في أمم مختلفة وفي باريس نفسها ظاهرات قلق بل ثورة، فألفيتها لا تمس إلا من ألقى بنفسه في غمارها وأخذ منها بنصيب.
ورست الباخرة بكرة الغد في مارسيليا، فلم نتمكن من مشاهدة مدخل مينائها الجميل بهضابه وبالقصور المتوجة هذه الهضاب، وأتممنا التأشير على الجواز، وجاء الحمالون فأنزلوا متاعنا إلى الشاطئ ومررنا به من الجمرك، وأقلَّتنا سيارة اخترقت بنا أحياء مارسيليا، فأرتنا من جديد حياة جديدة، وأنزلتنا فندق «نواي» لنبدأ فيه حياة الفنادق، فنبدأ حياة جديدة هي أيضًا.
•••

صعدنا إلى غرفة الفندق التي اخترنا، وصعد الحمالون إليها بمتاعنا، وأجابت جرسنا خادمة تخطو من الصبا إلى الشباب، صبوح الوجه باسمة السن، ضاحكة النظرة، متوردة الخد، ناصعة اللون، حلوة القسمات، متقاربة القوام، بضة من غير سمن، كلها حياة وصحة، وكلها هشاشة وبشاشة، ويكاد كل جسمها ووجهها ونظراتها وثغرها يصيح من فرط الشباب حبورًا ومرحًا، وما لبثت أن دخلت ففتحت النوافذ فأرتنا ميدانًا تتوسطه الأشجار باسمة الخضرة الزاهية، وأجابتنا إلى ما طلبنا في بشاشة، وخرجت كذلك في بشاشة، وأجالت زوجي بصرها في الغرفة مرة أخرى، وأطلت مرة أخرى من النوافذ، وجلست إلى المقعد الطويل تطوق ثغرها ابتسامة خالصة لم أشهد منذ ثمانية أشهر مثلها ناطقة بالغبطة والرضا، كأنها تستقبل بها هذا النوع الجديد من الحياة ترى فيه أملًا جديدًا في شيء من السعادة كان قد خيل إليها أنها فرت من بين يديها فرار الأبد، ولم يبقَ لها في شيء منها رجاء. وسعدت أنها بهذه الغبطة أن أيقنت فيها بداية البرء من سقمها النفسي الذي هد وجودها وضعضع صحتها. وبداية البرء بشير خير بتواتر تقدمه؛ لذلك أيقنت أنها واجدة في باريس الدواء الناجع لهذا السقم.
وخرجنا نجوب شوارع المدينة المحيطة بالفندق وندخل بعض متاجرها، وأخذنا عربة عند مقترب الظهر طافت بنا البرادو والكورنيش والكانبيير، ثم انتهت بنا إلى مطعم له شهرة في صنع سمك البويابيس. وأذكرني طواف العربة بنا في هذه الشوارع والمنتزهات البديعة على الشاطئ الفرنسي الجميل الكلمة المعروفة التي يسخر أهل باريس من أهل مارسيليا حين يقولونها: «لو أن باريس كان بها كانبيير لكانت مارسيليا مصغرة». ولئن يسخر أهل باريس من هذه الكلمة فللمرسيليين عنها من العذر أن متنزهاتهم هذه والبرادو في مقدمتها، لها من روعة الجمال ومن عناية بلدية المدينة بها ما ينقل إليك أثناء اجتيازك إياها من سحر ابتسام شجرها وزهرها، ومن التقاء هذا الشجر في بعض مواضعه بالكورنيش الذي يحاذي البحر وصخور شاطئه ما ينسيك كل شجن، ويطير بك على أجنحة الخيال والنسيم كل مطار.
وعدنا بعد تناول الطعام إلى الفندق نسأل عن مواعيد القطارات المسافرة إلى باريس معتزمين اجتياز طريقها أثناء الليل، لكن صديقًا ذكرني بجمال هذا الطريق، وبأنه جدير بأن يراه الإنسان في سفره، ولئن كانت أربعة عشر عامًا قد مضت منذ تركت فرنسا فإن ما لا يزال باقيًا من أثر جمال أريافها في نفسي جعلني أفضل الأخذ برأي صديقي. وكذلك أتاح لنا الحظ أن نقضي أربعًا وعشرين ساعة كاملة بمارسيليا هي أطول مدة أقمتها بها خلال المرات الكثيرة التي جزتها فيها.
وقضينا عصر ذلك اليوم نرتاد المدينة آنًا في عربة وآخر على الأقدام، وأحسب أن السير على الأقدام خير وسيلة لمن يريد أن يعرف شيئًا عن بلد يحل لأول مرة فيه. وإنَّا لفي مسيرتنا إذ استوقفنا بناء جميل فخم كله الرهبة والجلال، لا يشوبهما عبوس ولا ينقصهما حسن اتساق، وصعَّدنا النظر في واجهة البناء فإذا مكتوب على بابه: «قصر العدالة». هذا القصر إذن هو محكمة مارسيليا الكبرى، هو مأوى القانون ورجاله والعدالة وطالبيها، هو معبد كهنة الحرية والنظام في هذا العصر الديمقراطي الذي سما بحرية الفرد إلى مكان القداسة العليا، فلا رقيب عليها ولا حسيب إلا أن يحاول الفرد الاعتداء على حرية غيره، فإذا فعل ألقت عليه سلطة القانون يدها وجاءت به أمام هؤلاء الكهنة، وهم أفراد من أمثاله لا امتياز لهم فيما وراء جدران هذا المعبد عليه، فطبقوا عليه القانون الذي ارتضى، لا القانون الذي يفرض عليه ولو على كره منه. هذا المعنى جدير بأن يقام له هذا القصر، بل هذا المعبد الرهيب الجليل؛ فالعدل القائم على أساس الحرية الصحيحة هو أسمى المعاني الجديرة بالتقديس والإكبار. والناس ما استمتعوا بحريتهم، وما قام العدل بينهم ليكفلها ويحميها، جديرون بأن ينالوا كل ما يمكن أن يكون في الحياة من سعادة، وأن ينهضوا بالحياة وبالإنسانية إلى مرتبة الكمال التي ترجو الإنسانية بلوغها.
ومررنا بميدان فسيح لا تستوقف النظر عمارته، لكن زوجي استوقفتني منه عند منظر أثار دهشتها وعجبها لأخلاق «هؤلاء الفرنسيين»؛ ذلك شاب وفتاة يتحدثان في الطريق، فلما آن لهما أن يفترقا قبلته وقبلها واتخذ كل سبيله. أَوَليس مدهشًا حقًّا أن يتبادل شاب وفتاة القبلات في الطريق العام! بل في ميدان فسيح وبأعين جمهور المارة من غير أن يحول الخجل دون ارتكابهما هذا الفعل علنًا! وذكرت لها أن هذا من متعارف أخلاق الأوربيين، فهو لا يجرح حياء أحد، وهو كذلك لأنه قبلة أخوية للقاء أو وداع يعبر اللذان يتبادلانها عن إحساس جميل وعاطفة نبيلة. والأعمال تقدر، ويجب أن تقدر، بالنيات التي تدفع إليها أكثر مما تقدر لذاتها. والحياة الحرة التي بلغتها أوربا بعد جهاد طويل وثورات مضنية وتضحيات غالية، والتي أقامت بين الرجل والمرأة من المساواة والإخاء ما جعلهما يتبادلان العواطف والمنافع كما يتبادلها رجلان، أو كما تتبادلها امرأتان، قد قضت في القلوب والأذهان على الاعتبار الجنسي الوضيع الذي يجعله أكثر المصريين وأهل الشرق في المكان الأول من قدر صلات الجنسين الذكر والأنثى، وارتفعت بالنفوس إلى اعتبارات إنسانية سامية دفعت الناس جميعًا رجالًا ونساء إلى أن يتنافسوا كي يبلغوا على الحياة كل ما يستطاع من كمال، ومتى غلب نزوع النفس إلى السمو أهواء الجسم في التدلي إلى شهواته، اختلف معيار التقدير الخلقي، واختلف تبعًا له نظرنا إلى أعمالنا وأعمال غيرنا وحسن قدرنا إياها، أو إعراضنا عنها حياء منا أن تقع العين عليها. فقبلة شاب وفتاة في الطريق العام وضيعة مخجلة إذا كانت دوافع الجنس وحدها هي التي تهيج نفسيهما بها، وقبلة شاب وفتاة بريئة طاهرة ما كانت مظهر حب طاهر وعاطفة شريفة، وما دامت الحرية الحقة تفترض في الناس الطهر والبراءة، فليكن النظر العام للقبلات كلها على أنها قبلات إنسانية سامية، كقبلة الأخ لأخته، والأب لابنته، والخطيب لمخطوبته، ولتكن القبلة الوضيعة موضع إعراض عنها وإغفال لها، وكفى بصاحبيها جزاء شعورهما بعدها بأن العمل الذي أتياه ونفوسهما ملوثة يكون أبدع مظهر للطهر والبراءة صادرًا من عاطفة أنزه وأنقى. وبعد، فما هذه الصلات التي تلوث جمال القبلة وما قيمتها من نفوس مهذبة وأذهان مصقولة وعقول تدرك أن أكبر متاع في الحياة طرب الذهن لتفكير دقيق ومنطق سليم، وطرب الفؤاد لفن جميل وأدب رائع! وأجمل ساعات المرأة حين تبدو قطعة من الفن ومن التفكير، وحين تسمو كل الصلات بينها وبين الرجل لتكون فنًّا وتفكيرًا هي أيضًا.
وقضينا طرفًا من الليل متنقلين في أماكن مختلفة قريبة كلها من الفندق، وفي الصباح انطلق بنا القطار ووجهته باريس يقطع من جنات الله رُبًا وأودية وغابات وأنهرًا محاذيًا الرون السريع الاندفاع، وتتجلى للنظر من نوافذه أرض فرنسا الجميلة كلها حديقة يسقيها المطر، وتتدرج أغلب الأحايين مزارعها بين ارتفاع وانخفاض بما يلائم مسيل الماء عليها. وفي ديوان السكة الحديدية الذي كنا فيه رجال وسيدات غير ما ألفنا في أسفارنا بمصر، وهؤلاء وأولئك يتحدثون جميعًا بعضهم إلى بعض بعدما أحدث السفر بينهم التعارف. ومن بين السيدات جميلة تزهى بجمالها، ولكنها لا تراه وحده حياتها، ولا تحسب فرضًا على كل ما في الوجود أن يكون له عابدًا. ونزلت هذه السيدة كما نزل غيرها ليون والمحطات السابقة لها، وجعل رفقاء الديوان يتغيرون، يتركه بعضهم ليجيء إليه غيرهم؛ فلما تخطينا ديچون ولم يبق بيننا وبين باريس غير محطة لاروش لم يكن بالديوان غيرنا إلا سيدة نصفٌ أدنى إلى الكهولة صحبتنا من مارسيليا، وهي لا ريب تقصد مثلنا باريس. ومنذ تحرك القطار في الصباح جعلت تلتمس في حقيبتها غطاء من الشبكة لشعرها، وتعنى الحين بعد الحين بشيء من زينتها، وتقضي ما بين ذلك ملقية نظرها على كتاب بيدها أو مجيلة إياه في الفضاء، فلما انفردنا وإياها بعد ديچون اتصل بيننا وبينها حديث عرفتْ منه أننا مصريان نقصد إلى مدينة النور تسليًا بها عما أصابنا، وأنني أعرف باريس أن قضيت ثلاث سنوات في طلب العلم بها، وعلمنا نحن أنها كانت مدعوة في الحفل الذي أقامته شركة المساجيري ماريتيم لتدشين الباخرة ماريت باشا، وأن الباخرة سافرت بهم ذهابًا وجيئة بين مارسيليا وبرشلونة بإسبانيا، وأطلعتنا على صور صالون الماريت وغرفة الطعام بها وبعض غرف نومها. وسألتها هل دعيت بوصفها صحفية، ليكون لي شرف مزاملتها، فما كان أشد عجبي حين علمت أنها الكاتبة الفرنسية الكبيرة مارسيل تنير صاحبة «هللي» و«بيت الخطيئة» و«ملاحة العيش» وغيرها من الروايات التي يشيد بها الأدب الفرنسي وتشيد به. وذكرت لها ما قرأت منها وما أثار إعجابي من كتبها، فاستحيت وعدلت بنا عن حديث الأدب، وأخذت تحادث زوجي فيما لا يمل النساء الكلام فيه: الملابس، وأعطتها عنوان خياطة زكَّتها بأنها متقنة غير عالية الأجر، وحذرتها من المحلات الكبيرة التي تستغل الأجانب شر استغلال. وعجبت أنا لهذا حتى خالجني الشك في أمرها؛ فإن كانت حقًّا مارسيل تنير فما بالها تعدل عن حديث الأدب الفرنسي حتى كأنها لا تعرف عنه شيئًا؟ وما بالها وقد تجاوزت بعد الشباب مراحل تظهر كل ما أظهرت من عناية بزينتها؟ ثم ما بالها تقف من حديثها عند الملابس شأن أية فتاة وأية سيدة لم تنل من التثقيف والتهذيب حظًّا يذكر، بل لم تنل منهما أي حظ؟ ولكنها إن لم تكن مارسيل تنير فلماذا تسمَّت باسمها؟ وإن تكن هي حقًّا، وكان ما أثار عجبي أغلب شأنها، فما أشدها شبهًا بشعراء وأدباء عرفت وأعرف لا تلمح على سيماهم أي مظهر للنبوغ، بل للموهبة، وهم مع ذلك في الشعر والأدب فحول مقدمون، وكأنما يتنزل عليهم الوحي في سر من الناس، أو كأنهم إذا فرغوا من تصوير ما يلهمون شعرًا أو نثرًا خلت أفئدتهم في انتظار وحي جديد. وهذا جان جاك روسو الكاتب الخالد يذكر عن نفسه في اعترافاته أنه كان في الجماعات أقرب إلى العي وأبعد ما يكون عن حضور البديهة وتوقد الذهن. وهذا أمير الشعر العربي في عصرنا أحمد شوقي بك يصل منك الإعجاب بشعره إلى غاية المدى، فإذا تذاكرت معه في شيء عن الأدب العربي أو الأدب الفرنسي خيِّل إليك أنه لا يعرف شيئًا منهما. فلعل مارسيل تنير، إن تكن هي التي رأيتها، من طراز روسو وشوقي، أم لعلها استكبرت عن أن تحدثنا في أدب فرنسا وقد ذكرنا لها أننا مصريان، وفي ذهنها مثل ما في أذهان أكثر الأوربيين عن مصر صورة شوهاء بتراء لا تشرفهم؛ لأنها تدل على جهالة ما كان يصح بقاؤهم متورطين فيها. وإذا كان لي أن أبتعد عن هذا التأويل بعد ما عرفت مني أني قضيت بباريس ثلاث سنوات في الدراسة العالية فإني لا أظنه مستحيلًا، وقد رأيت من جهابذة العلم والأدب في أمم مختلفة بأوربا من يبلغ بهم سوء التصور حتى ليحسبون أن ليس ثمة معرفة بالعلم والأدب في غير أوربا ولغير الأوربيين …!
على أنها رأت حينما قاربنا باريس ألا تترك في خيال زوجي صورة وهمية من عاصمة فرنسا تجعلها، حين تراها مدينة كالمدائن، تشيح عنها بوجهها وترى رحيلها إليها وما قطعت من بحار وأقطار لهوًا وعبثًا، فذكرت لها أن باريس شوارع وطرقات ومنازل وعمارات، وأن بها أحياء فقيرة كغيرها من المدن وكالقاهرة نفسها، وأن الكثيرين الذين يفدون لأول مرة إليها يظنون قبل نزولهم إياها أن مبانيها حجر من ذهب وحجر من فضة، وأن هواءها معطر بالورد، وأنها بعض ما ورد في ألف ليلة وليلة من مدائن الخيال، فإذا رأوا أن لا شيء من ذلك فيها أعرضوا عنها واعتزموا الانصراف إلى غيرها، لكنهم ما يلبثون بها زمنًا حتى يتبدى لهم أن جمال باريس روح باريس، وأن الإنسان كلما ازداد بهذا الروح اتصالًا ازداد به تعلقًا وشغفًا. ووافقتها أنا على ذلك تمام الموافقة، وأضفت أن ما يبدو للنظرة الأولى من باريس هو أقبح جمال باريس، وأن طول المقام بها والمزيد من التعرف إليها والاختلاط بصميم حياتها، ذلك هو الذي يكشف عن روعة جمالها وعظيم بهرها.
وبلغ بنا القطار مدينة النور قبل منتصف الليل بساعة، فإذا أرصفة محطة ليون من محطاتها تكاد تكون خالية، وإذا نورها ضئيل، وإذا بنا نصيح بحمال ينقل متاعنا خارج المحطة فلا يجيبنا أحد زمنًا غير قليل، ومتاعنا كثير غير سهل الحمل، فجعلت أدور هنا وهناك مناديًا: شيال، شيال، حتى عثرنا منهم على من أوصلنا إلى «أوتموبيل» أقلنا ومتاعنا إلى فندق شاتام مجتازًا أكثر الشوارع خلاء وسكونًا في هذه الساعة الساكنة بطبعها من ساعات الليل. وكان السفر قد هدنا تعبًا ولغوبًا، فأوينا إلى غرفتنا منتظرين بكرة الصباح لكي نستقبل باريس وتستقبلنا باريس.

في باريس


بعد أسبوعين من مقامنا بباريس دلفت ضحى يوم منفردًا أسير الهوينى في طريق الأوبرا، من ميدان الأوبرا إلى ميدان التياترو الفرنساوي، أمتع النظر بما حوته حوانيت هذا الطريق ومخازنه من بديع الطرف ورائع آثار الفن، وانتهيت إلى قهوة الريجانس نحو الساعة الحادية عشرة، ولم أرَ أن أمكث على مائدة من موائدها الخارجية التي تشهد المارة في الميدان يسيرون جميعًا مسرعين؛ سواء منهم الرجال والنساء والشباب والشيب، بل جزت إلى داخل المكان وجلست إلى مائدة في أحد أركانه، وطلبت «نصفًا» من البيرة ثمنًا لجلوسي. وداخل الريجانس كداخل أكثر مقاهي باريس ضئيل الضياء، حتى لينيرونه بالكهرباء في الأيام الغائمة، وجعلت وأنا بمجلسي أجيل الطرف فيما حولي، وأفكر فيما أضيع فيه الزمن الباقي على موعد الغداء. وكان إلى جواري شخصان مكثا نحو ربع الساعة ثم انصرفا، وصرت بعد ذهابهما وحيدًا في المكان كله، فطلبت إلى الخادم أدوات الكتابة، وأخذت أسطر رسالة «للسياسة» عن باريس ورحلتي إليها، وما كان لي أن أفضي للناس فيها بما تتوجع له نفسي وأنا أشدهم مقتًا أن يرى أحدهم أي مظهر من مظاهر ضعفي، لكن الكاتب لا يصدر فيما يكتب إلا عن نفسه، وإذا تناول غير ما يدور بخاطره فإن ما يتناوله يصطبغ دائمًا باللون الذي يرى هو به الحياة؛ لذلك كانت مقدمة رسالتي الأولى من باريس كما يأتي:
أربعة عشر عامًا من الحياة (من سنة ???? إلى سنة ????) تقضت بين مغادرتي باريس بعد تمام دراستي بها، وعودتي إليها زائرًا متنزهًا ككل زائر متنزه، أما باريس فتغيرت؛ إذ صارت أكثر حياة وحركة، وأما أنا فتغيرت إلى نقيض ما تغيرت باريس. وما بالك بأربعة عشر عامًا هي خير أشطر الحياة تساقط واحدًا بعد الآخر في غيب الماضي بين حرب وثورات واضطرابات لم يرَ العالم ولم ترَ مصر لها نظيرًا! ما بالك بربيع الحياة تطوح به الحياة في السعير واللهب، وفي حمأة الجنون والهوس العالمي مما لا يزال يضطرب به جوف العالم! لذلك كان مقامي بباريس تملؤه الحسرات … أين الفؤاد الذي كان يهتز لما في باريس من روعة ولما في ضواحي باريس من جمال؟! أين النفس التي كانت لا تعبأ بالقذى التافه لأنها تستطيع أن تهضم الرواء العظيم الذي يشمل مدينة النور وتفيض مدينة النور به! وا أسفاه! إن الممعود ليضطرب لمرأى أطايب الطعام، والأعشى ليقذى بساطع الضياء، وهما مع ذلك يدركان لذة الطعام السائغ وبهاء النور الوضاء، كذلك من تحدرت سنو شبابه فعدا الزمن على فؤاده وخرم الهم شغاف قلبه، هو يرى بهاء الحياة وجمال الوجود ويقدرهما ويعجب بهما، لكن حجابًا ما يفتأ يغشى خاطره الكليم يجول بينه وبينها، ويجعل منهما، الحين بعد الحين، عذابًا له وألمًا، أرأيت إلى هذا البدر المحجوب بغلالة بنفسجية فوق قوس النصر؟ لقد كان من أربع عشرة سنة بدعة من بدائع باريس تتعلق بها الأنظار ساعات متواليات، ألم يكن البدر يومئذ عاشق السموات أنحله الحب وشفه الغرام والجنون؟ ألم يكن يحبو في غلالته مبطئًا آملًا في لقيا محبوبه شفاء من ألم أرَّقه وأضناه؟! أما اليوم فتحت قوس النصر قبر الجندي المجهول، وفي قلوب كثيرة قبور لجنود غير مجهولة: قبور إخوان وخلان وآباء وأبناء، نعم وأبناء! وهل لمن في قلبه قبر ابنه بالبدر أو بباريس عزاء؟! إنما عزاؤه في الحياة ملكه الحياة وإخضاعه إياها راضية أو كارهة.
ولكن … هل أنا وحدي تحدرت بي سنو الشباب، أم باريس هي أيضًا قد عانت ما عانيت وتألمت كما تألمت وحزنت بعض ما حزنت؟ أما الفرنسيون فيجيبونك أن باريس اليوم ليست باريس إلا أن يكون الصالح الذي أثم والبريء الذي أجرم ما يزالان هما إياهما، لأن أعينهما ما تزال تلمع حرصًا على الحياة، ولأن قواميهما لا يزالان معتدلين كما كانا. نعم لا يزال قوام باريس معتدلًا ليس كمثله اعتدال، وعيناها ما تزالان تلمعان حرصًا على الحياة، بل هي اليوم أكثر حياة وحركة. ما تزال باريس مدينة النور ومهبط وحي الفن، لكن نور باريس وفنها ليسا صفوًا كما كانا؛ لم تبقَ باريس الغادة الهيفاء، الضاحكة السن، الناعمة البال، المطمئنة للعيش، الواهبة للحياة كل ما في الحياة من جمال، بل ارتسم على جبين مدينة النور، ولا يزال أملس وضاء، جهام من وجل تقطب له ناظراها، فوقفت مستبسلة كي تدفع غارة الأجنبي وعدوان الجاهل جمالها وهيبتها المعتز بماله كي يملك هذا الجمال وهذه الهيبة من غير أن يكون قلبه وعقله وجنانه على ملكهما قديرًا.
أقرأ اليوم هذه المقدمة لرسالتي الأولى، فأسأل نفسي: أفكنت أكتبها بهذه النغمة المحزونة لو أنني ذهبت يومئذ إلى باريس زائرًا متنزهًا، ولم أذهب إليها مستشفيًا طالبًا الشفاء لشريكة حياتي وقد هدها المرض النفساني أضعاف ما هدني؟ لقد بدأنا سياحتنا بعد ذلك بعام، وبعد أن كانت النفس قد اطمأنت إلى ما أصابها، بزيارة الآستانة. وعن الآستانة كتبت ما سيتلوه القارئ من رسائل كلها الحرص على نسيان النفس في روعة الوجود لتنسى النفس فيها ما يحزنها ذكره، أما في باريس فكان الجرح لمَّا يندمل، وكانت اللوعة ما تزال تبرح بالنفس في ساعات الوحدة من مثل تلك التي كتبت فيها رسالتي الأولى، على أن مقتي لظهور الناس على ضعفي جعلني أخفيه فأجعله ضعف باريس وهمها بسبب تدهور سعر الفرنك يومئذ فيها، فأقول: هذا هو الهم الذي يخترم نياط قلب باريس اليوم، وهو لكل فرنسي همٌّ مقيم مقعد، فما تكاد تجلس إلى أحدهم وتتحدث إليه في أمر من الأمور حتى يكون عود الحديث وختامه عن الفرنك ولو كان بدؤه عن الأدب أو الفن أو السياسة أو أي ما شئت من شؤون لا ترى أنت لها بالفرنك علاقة أو صلة. وليس في ذلك من عجب والفرنك وهبوط سعره هو اليوم مرض فرنسا العضال، ومن شأن كل مريض أن يربط كل ما في العالم بمرضه؛ فالجو والشمس الساطعة أو الذابلة وضجة الناس واضطراب الحوادث وكل ما ينظر له الصحيح على أنه بعض مظاهر الحياة الدائمة التغير مع ثباتها الدائم، ينظر له المريض في علاقته بعلته، ويكاد يخيل إليه أنه يتغير ليزيده علة، أو ليدنيه من العافية، وهو لا يخفي أمر ذلك على جليس من جلسائه أو عائد من عواده، بل يتحدث به ويفيض في شرح صلته بأسباب علته، ويلتمس في كلمة من محدثه أو نظرة من نظراته بعض أسباب الشفاء.
ولو أن الحق وعرفان الجميل هما وحدهما اللذان أمليا عليَّ تلك الرسالة لاقتضياني ألا أسلم قلمي لوحي العاطفة وحده، وأن أذكر أن هذين الأسبوعين كان لهما من الأثر في نفسينا أطيبه، وأن كل يوم من أيامهما كان يوسع للفؤاد في فرجة الأمل ويحطم جانبًا مما أقامه الهم تمثالًا لليأس في قلب زوجي، ويعيد إليها رويدًا رويدًا طعم الحياة كما لا تفتأ تذكر. فقد قمنا بكرة الغداة من وصولنا، فدلفنا من الفندق في شارع «دونو» إلى طريق «الكابوسين»، ثم إلى ميدان الأوبرا، ومقصدي أن أريها دار الأوبرا البديعة وميدانها قلب حي الحياة من قلب باريس، وأن أسير وإياها في طريق الأوبرا الذي سرت ميممًا الريجانس فيه يوم كتبت رسالتي الأولى لترى معروضات حوانيته ومخازنه، واثقًا بأنها واجدة فيها من صور الجمال والزينة ألوانًا ليس لنا بها في مصر عهد، واجدة بذلك في الحياة جديدًا يسرِّي عنها برمها بالحياة ويفرج من ضيق صدرها بها. وعجبت أن لم تحقق البرهة الأولى ظني، فإنها ما لبثت أن أرادت مئات الأتموبيلات المتتابعة في طريق الكابوسين، ثم ما لبثت في تخطينا من ميدان الأوبرا إلى طريقها أن اضطربت أمام حركة الأوتومبيلات الذاهبة والآيبة بين ميدان الأوبرا وميدان الفندوم، وأن بدا عليها الضجر من هذه الضجة المفزعة، ثم لعلها، برغم حديث مارسيل تنير حين كانت تقدم باريس إليها، كانت تنتظر أن تحيط نظرتها الأولى إليها بغير ما أحاطت به. على أن هذا الضجر ما لبث أن زال أكثره حين جعلنا نقف أمام معروضات طريق الأوبرا في كل حانوت من حوانيتها ومخزن من مخازنها. ولطريقة العرض وحدها أثر في النفس كبير، والفرنسيون أكثر أهل الأمم في طريقة العرض براعة؛ لذلك استرعى نظرها الشيء الكثير مما تحتوي معارض هذه الحوانيت. استرعت نظرها صور وتماثيل، كما استرعت نظرها أقمشة وأزياء، فجعلت تقارن بين أزياء باريس وأزياء مصر مما أعترف بأني غير طويل الباع فيه، ولذلك اقتصرت على الاستماع إليها والموافقة على ما تبدي من الملاحظات في شأنه. وإنا لكذلك إذ غامت السماء وأرسلت رذاذًا جعلني أفكر في ضرورة المظلة، أو المطرية كما يسميها الفرنسيون، في بلاد ما أكثر المطر فيها صيفًا، وتابعنا طريقنا، حتى إذا كنا على مقربة من ميدان التياترو الفرنساوي أفضيت إلى زوجي بأنه يجدر بنا أن نقضي مساء اليوم نشهد التمثيل في «الكومدي فرانسيز»، فقالت: لكن الفصل صيف وفصل إجازات، أفلا تخشى أن يكون المتقنون من الممثلين قد غادروا باريس إلى مصايفهم وبقي من دونهم من الممثلين درجة؟
فأجبتها: لا عليك يا صديقتي، إن بيت موليير يعتبر في نظر كل فرنسي عنوانًا من عناوين مجد فرنسا، فلن يسمح رجاله لهذا المجد أن يتضاءل ضياؤه في الصيف أو في الشتاء، ولن تري يومًا في بيت موليير رواية لا ينال موضوعها إعجابك ولا يأخذك تمثيلها كل مأخذ.
وذهبنا وكانت رواية (الحب يرعى L’amour veille) فلما خرجنا كانت أشد مني إعجابًا ببيت موليير وتقديرًا له كآية من آيات مجد فرنسا، ولم تقف بتقديرها عند التمثيل والممثلين، بل كان الجمهور وكان جو المكان وعمارته وكل ما فيه ذا نصيب في هذا التقدير، فلم يكد أول فصول الرواية يرتفع الستار عنه حتى كانت المقاعد كلها قد جلس إليها النظارة ولم يبقَ منها مقعد خاليًا، وبرغم هذا الحشد العظيم لم تكن تسمع أثناء التمثيل همسًا أو جرسًا إلا ما يفيض به الإعجاب ببراعة ممثل أو ممثلة في موقف من المواقف من دوي المكان بالتصفيق. وزينة المسرح وملابس الممثلات بنوع خاص، كان من بعض ما لفت نظرها، على أن هذه اللغة الفرنسية الرقيقة القوية، وهؤلاء الممثلين والممثلات الذين يصورون بها أشد العواطف عصفًا بالنفس وأدق الأفكار اتصالًا بالذهن، ذلك هو ما أدى بالجمهور إلى إقباله وحسن استماعه وعظيم إعجابه، وهو ما أدى بنا إلى أن نكثر التردد من بعد على مسرح فرنسا القومي. وانتهى الفصل الأول من الرواية فتركنا أماكننا إلى بهو الممثلين مجتازين إليه من طريق الشرفة المطلة على ميدانه. والشرفة طويلة نحو ثلاثين مترًا، لكن طولها وحده ليس لافتًا للنظر، وإنما يلفته هاته التماثيل الكثيرة القائمة فوق عمدها على مقربة من جدار الشرفة على أبعاد متساوية. وهي تماثيل نصفية للمؤلفين المسرحيين، يبعث رأس كل مؤلف منهم إلى نفسك صورة ما ألف، وصلته هذه الصورة العصبية أو الدموية الخيالية أو الواقعية الشعرية أو المفكرة. وانتقلنا إلى البهو فإذا به أربعة تماثيل: أحدها تمثال كامل لفولتير بالحجم الطبيعي، وإذا النظارة يخطرون، يختال الشباب، وتبسم الرجولة، ويهن المشيب. والشرفة والتماثيل والبهو والنظارة كلها تحدثك عن المسرح وفنه وتملأ نفسك إقبالًا عليه وقدرًا إياه. ودق الجرس للفصل الثاني، فلما انتهى هبطنا نقضي الفترة التي بينه وبين الفصل الأخير في الطابق الأول وصالته المتصلة بميدان اللوفر، وفي الصالة وفي بهو الدخول تحدثت إلينا تماثيل موليير وراسين وكورثي، كما حدثتنا تماثيل كبار الممثلين والممثلات وفي مقدمتهم مونيه سولي. فلما صعدنا للفصل الأخير لفتت نظرنا لوحة على جدار السلم كتبت عليها أسماء من استشهدوا من رجال هذا المسرح في ميدان الشرف أثناء الحرب الكبرى دفاعًا عن وطنهم فرنسا، فأعادت بعض هذه الأسماء إلى الذاكرة صورًا محبوبة في براعة تمثيلها. وكذلك لم تكن الرواية التي نشهد هي وحدها مأخذ النفس، بل كانت البيئة كلها تنقلك إلى عالم الفن التمثيلي وتجعلك أدق شعورًا، ببدائع ما يجليه الممثلون والممثلات على المسرح أمامك. ورأيت في إعجاب زوجي بالمسرح دليلًا حسنًا على توفيق في اختيار باريس لتبدأ فيها استشفاءها، وعدت بها إلى الكوميدي فرنسيز بعد ذلك مرات، ولم تكن أمسية تمر من غير أن نذهب إلى أحد المسارح إلا نادرًا، على أن إعجابها بالكوميدي كان لا يفتأ في ازدياد. وإن أنسَ لا أنسَ يومًا كانت فيه إلى يميني وصديق من أساتذة كلية الحقوق الملكية إلى يساري، وكنا نشهد تمثيلية رواية «ابنة رولان»، ونسمع فيها ألبير لمبير ومدموازيل بييرا وزملاءهما من أكابر الممثلين والممثلات. و«ابنة رولان» رواية قديمة تقص تاريخ حادثة بين الأندلسيين وشارلمان ملك فرنسا، وفيها يتحدث شارلمان عن المسلمين بأنهم كفار، ويستنزل عليهم لعنة الله تطوح بهم في أعماق سقر. وكان ألبير لمبير يمثل شارلمان، فما كان أشد عجبي، وأنا أسمعه يرفع عقيرته بأشد عبارات التعصب ويدعو قومه إلى قتال هؤلاء المسلمين الكفار، أن أسمع عن يميني وعن يساري تصفيقًا حادًّا من مسلمة ومن مسلم تصطحبه عبارات الإعجاب بهذا الملك المجيد. والحق أن سمو فن الكاتب، وعظمة الممثل وبراعته قد أنست السامعين كل ما سوى الفن والإعجاب به، ذلك بأنه أخذ بالمشاعر جميعًا فأنساها الحياة الوضيعة وسما بها إلى حيث لا تقدر شيئًا غيره كائنة ما كانت المعاني التي يعبر عنها والصور التي يجلوها والعواطف التي يجيشها. وهل تريد للفن عظمة أكثر من أن يستر ما يملأ نفسك من العواطف العميقة ليقيم مكانها ما يناقضها كل المناقضة!
ولست بناسٍ لبيت موليير كذلك يوم شهدنا فيه رواية (الحب Aimer) تمثل، هذه الرواية الخالدة من روايات بول جرالدي يقص في جانب منها فجيعتنا؛ فهذان زوجان فقدا وحيدهما وأقفر العالم حولهما، وهوى الحزن بالأم فتعلقت بأسباب الحياة تلتمس عزاء ورجاء، وكان لهما صديق كثير التردد على البيت كثير التودد للزوجة، ما برح يزجي لها أسباب الإغراء حتى تعلقت به وأحبته وأعلنت ذلك إلى زوجها، وطمعت إليه في أن يرد لها حريتها لتلحق بصاحبها من غير أن يلحقها عار أو ضيم. وعبثًا حاول زوجها ردها إلى حمى الزوجية والواجب، ثم هدته الفكرة إلى أن ينزل عن الجهاد وأن يدع المحاولات، وأن يظهر كأنه لا يعنيه فراق زوجه، وأبلغها أنه أجابها إلى حريتها، فهي طليقة تفعل ما تشاء على ألا يبقى عنده منها في البيت أثر. وجمعت الزوج متاعها وكل ما كان في الدار لها، وأرادت أن تستأذن في الانصراف، فذكر لها زوجها أنها نسيت شيئًا لا يصح أن يبقى بعدها، وأعطاها صورة وحيدهما الذي غادرهما وغاله الموت منهما، وطلب إليها أن تحتفظ هي بها! وحدقت الأم إلى الصورة ثم ردت طرفها إلى زوجها تسأله: أحقًّا أن ذهابها ينزع حتى هذه الذكرى المقدسة من نفسه؟! وكان جواب الرجل الجريح في عزته، الجريح في أبوته، أنها هي التي تريد في سبيل هواها أن تمحو من كل نفس ذكرى فتاها. وكانت هذه الذكرى هي التي ردت إلى الأم أمومتها والى الزوجة زوجيتها، وهي التي ربطت بين هذين القلبين برباط مقدس لا يستطيعان، وإن حاولا، منه فكاكًا. لست بناسٍ ذلك اليوم، ولست بناسٍ عبرات خنقتني ولا سبيل إلى حبسها وإن حبست صوتي أن يجهش بالبكاء إشفاقًا على جارتي التي ترى على المسرح مأساة فجيعة الأم في وحيدها من جديد تمثل، فتحاول ما أحاول عبثًا من حبس صوتها خجلًا من الجمهور وضنًّا بالفن أن يفوته، وخيِّل إليَّ زمنًا أن الخير أن نغادر المكان، وأشرت بين فصلين بذلك إليها، فإذا هي أشد حرصًا على شهود هذه الرواية وأشد حبًّا للمسرح من أجلها. وكذلك كانت الكوميدي فرانسيز، حتى في إسالتها العبرات الصادقة من مآقينا، تمد يد الفن المحسنة فتجعل من كل عبرة بلسم شفاء لأشد جرح نفورًا، وكذلك كانت وستبقى بحق آية من آيات مجد فرنسا، وكنت أنا على حق حين اتخذت منها لصاحبتي أبرع وسيلة في باريس للسلوة.
وكما أنك تتخطى طريق الأوبرا ما بين معبد الموسيقى (الأوبرا) ومعبد التمثيل (الكوميدي فرانسيز)، فإنك إذ تسير في اتجاه الطريق نفسه ما تلبث بعد خطوات أن ترى أمامك المعبد الأكبر للنقش والتصوير؛ إذ تقابلك البوابات الضخمة المؤدية إلى الفناء الفسيح، فناء متحف اللوفر، والى حدائق التويلري البديعة الجمال بقوس نصر الكاروسل، وبالتماثيل الكثيرة الجميلة المنثورة فيها، وبأشجارها المكتملة النماء، وبفسقيات الماء يدور من حولها الأطفال يلعبون. وكنت قد رأيت منذ نزلنا باريس أنه لا يجمل بنا أن نزور متحف اللوفر في أيامنا الأولى، وألا نزوره قبل زيارة غيره من المتاحف، بل رأيت ألا نعجل بزيارة المتاحف، ففيها دائمًا هيبة ورهبة، ونحن في حاجة إلى رواء وبهجة؛ لذلك اخترقنا التويلري أول زيارة لنا إياها ميممين ميدان الكونكورد، وتقوم وسط جوه الأوربي الكثير التقلب مسلة الأقصر الفرعونية التي لم تعرف قبل انتقالها إليه ما تقلب الجو وما عبثه، وإن عرفت مدى ألوف السنين التي شهدت كيف تطل على معبد آمون وعلى معبد الأقصر وعلى آيات من مجد الفن الخالد الباقي، ووقفنا على إفريز حديقة المسلة نسرح البصر في الميدان الفسيح تقوم في جوانبه التماثيل الكبرى، ومن بينها تمثال مدينة ستراسبور كان إلى ما قبل الحرب الكبرى متشحًا جانبه بالسواد، وها هو ذا اليوم كغيره من التماثيل قد زال عنه السواد منذ استردت فرنسا الألزاس واللورين واستردت ستراسبور معها. وتقوم مع التماثيل نافورتا المياه البديعتان ترسلان بالمياه صوب السماء من أفواه السباع المتقابلة. وولينا وجهنا نحو الشانزليزيه مقابل حديقة التويلري، فلم يبلغ البصر مدى هذا الطريق العظيم عند قوس النصر الأعظم. وعلى يميننا امتد شارع رويال منتهيًا بكنيسة المادلين المهوبة العمارة في غير جفوة ولا قسوة، وعن يسارنا تخطى البصر نحو السين ليقع على قصر بوربون دار مجلس النواب الفرنسي. ما هذا كله؟! أين هذا في مصر؟ وأين هذا في أوربا، بل في العالم كله؟! ما هذا الجمال والجلال؟! وما هذه العظمة الباسمة اختيالًا وتيهًا؟! إن هذه المجموعة التي نشهد لمجموعة فذة في عالم العمارة وفنها، وهي بحاجة لكي تنال النفس ريها من بهائها إلى عشرات بل مئات من الزيارات لا تزداد النفس بعدها إلا تعلقًا وشغفًا باستجلاء بديع الدقات في صنعها. مع ذلك فهذا الميدان الفسيح المحيط بكل هذا الجمال قلَّ من يقف فيه اجتلاءً لجماله إلا الذين قدموا باريس وزاروه للمرات الأولى؛ فهو على أنه متحف تماثيل وعمارة هو متحف في الهواء الطلق، وهو متحف في وسط هذه الحركة العنيفة ما تكاد في ساعة من النهار تهدأ؛ ولذلك يمر الناس به سراعًا، تطير السيارات بمن تقله منهم، ويسرع المشاة إلى تخطيه لئلا تحطمهم السيارات ومن فيها. على أني بينما أشارك زوجي في الإعجاب بروعة الميدان وما فيه أسرعت بذاكرتي لفتة إلى الماضي حين كان الكونكورد بعض الميادين التي خطا بباريس فيها شبابي، وحين كانت المادلين أول عمارة باريسية فخمة وقع عليها بصري. وما عسى أن تفيد الذكرى أو ينفع رجع الشباب في مثل موقفي! فدلفنا متقين العجلات إلى الشانزليزيه متخطين إياه إلى الطرق المحاذية لا يفصلها عنه فاصل، وتزينها الأشجار تكاد تحسبها غابة لا يصل نظرك إلى آخرها، وألقينا عصا التسيار غير بعيد أن طال بنا السير، فاستوقفنا عربة أنزلتنا حيث نتناول طعام الغداء.
وعدنا بعد ذلك مرات، بل عشرات المرات إلى التويلري فالشانزليزيه، عدنا إليهما في ساعات مختلفة من الليل ومن النهار. أتراني أستطيع وصف ما تقع عليه العين منهما وما تنقله للنفس من إحساسات ومشاعر؟! من العبث أن أحاول وصف مجموعات العمارة مما تقع عليه العين في الشانزليزيه عند تقابل القصرين الكبير والصغير، يمر الشارع الذي يفصلهما لينتهي إلى جسر الإسكندر أبهى جسور السين وأروعها بنسوره المحلقة يلمع في الهواء لونها المذهب، ويسير الطريق من بعد الجسر حتى ينتهي إلى الأنفاليد مثوى نابليون ومستقر رفاته «بين أمة الفرنسيين التي أحب حبًّا جمًّا» كما كتب على باب قبره. ومن العبث أن أصف قوس النصر الأعظم غاية الشانزليزيه وملتقى شوارع باريس الاثني عشر الكبرى، ومن بينها طريق غاب بولونيا الذي ينتهي بك إلى مسرح ما في باريس من حياة وفن وعاطفة وشعر ورغبة. من العبث أن أصف لك هذا وكل من القصرين والجسر والقبر وقوس النصر، يحتاج كل واحد منها إلى دراسة في الفن ودراسة في التاريخ لوصفه، ويحتاج إلى أن تقف لذلك عنده الساعات تباعًا، ونحن أشد حاجة إلى السلوى منا إلى الدراسة، وأشد حاجة للمتاع بما تنقله إلى النفس هذه المجموعة الفذة في مجموعها من إعجاب بها، وبما تشتمل عليه من حركة دائمة النشاط، حتى لخيِّل لزوجي أول مرة رأتها أنها في يوم عيد، أو على حد تعبير سيدة مصرية جليلة، أنها في مولد النبي. والحق أن هذا النشاط الدائم الحركة في هذا الحي البديع من أحياء باريس يشعرك أنك في مثل يوم الحشر؛ أنت كل لحظة في وجل من العجلات، فإذا أنت ركبتها رأيتها مضطرة لأن تقف هنيهة بعد هنيهة خضوعًا لنظام حركة المرور، ولأن تدفع من البنزين ومن الجاز ما يضيق له في كثير من الأحايين صدرك ويزكم له أنفك، ثم إنك بالكونكورد والشانزليزيه ما مررت بهما صدر الليل أكثر متاعًا. في هاته الساعة حين يبدأ شيء من السكون ينسل إلى شوارع باريس وميادينها، يمسي الكونكورد والشانزليزيه بحرًا لجيًّا من ضياء المساء يكسو المار بهما من غير أن يغرقه، ويبتعث خيالاته إلى كل ما ينطوي عليه الليل من نعيم ومسرة، ويدعوه ليستمتع بنور الليل الذي لا تعرفه مدينة ما تعرفه مدينة النور، فإذا دلفت إلى الطرق المحاذية للشانزلزيه وجدت كل آن وحين ملك الحب يتمشى تحت أشجارها، أو يستريح إلى مقعد من مقاعدها مصورًا في شاب وفتاة أكثر أمرهما متخاصرين وهما يتناجيان بوحيه ويتابعان سعيدين مسرى أهوائه، وتتبدى لك هنا وهناك خلال أشجار هذه الطرق أنوار وضاءة تهدي إلى ملهى فيه طعام وشراب ورقص وموسيقى، وفيه للمترفين من أهل اليسار ما يخفف عنهم عبء أموالهم، وما يحدثهم غير حديث هؤلاء الذين يكتفون بالسماء والشجر ستارًا لحبهم لأنهم لا يجدون لغير السماء والشجر الوسيلة. فإذا أغذذت في الشانزليزيه سيرك مصعدًا نحو قوس النصر حتى تمر بالقصرين الكبير والصغير تقاربت في الطريق الفخيم الأنوار والفنادق والقصور فلم يبق للحب المطمئن في هذه الناحية ستار، وإن بقيت له بعد قوس النصر في طريق غاب بولونيا وفي كثير غيره من الطرق أستار. وفي هذه الناحية المهتوكة الضياء يقوم مسرح الفمنا، وملهى الليدو، وغيرهما من متع باريس ما جنَّ الليل أهل باريس. وقد استحدث في هذه الناحية من المقاهي والمطاعم والبارات ما جعلها — وهي التي كانت من قبل حي السادة والأرستقراطية من أهل باريس — تشبه «الجران بولفار» مسرح الديمقراطية التي سادت بعد الحرب فطغت على الأحياء جميعًا، وإن بقي حي الشانزليزيه في ديمقراطيته مكان أرستقراطية المال الذي جد بعد الحرب لمن كانوا من قبل لا يملكونه، وهذه المطاعم والمقاهي هي أنس الشرقيين الذين يقصدون باريس، لما تتيح لهم من حياة كلها الشبه بحياة الشرق في اطمئنانها وكسلها، فإذا أنت جاوزت المطاعم والمقاهي وبلغت قوس النصر وأدرت بصرك فيما حولك، رأيت بساط الليل ممدودًا فوق ما سوى الشانزليزيه من كبريات الطرق ليست فيها أنوار الشانزليزيه وليست فيها حياته.
وقفت يومًا إلى جانب قوس النصر أحدق إلى النار الخالدة يتبدى ما فوق قبر الجندي المجهول لهيبها، لم يكن هذا القبر ولا كانت هذه النار هنا من سبع سنوات ماضية، ومع ذلك صارا في عداد الخلد الذي صار قوس النصر قبلهما إليه؛ وهما بالخلد جديران؛ لأنهما يمثلان فكرة خالدة هي فكرة التضحية في سبيل الوطن؛ التضحية الصامتة المجهولة التي لم تفكر يومًا في أية فائدة مادية أو معنوية، ولا فكرت في مجد أو جاه أو بقاء على الزمن، التضحية يرتضيها صاحبها باسمًا سعيدًا لأنها واجبه يؤديه غير منتظر جزاء ولا شكورًا، لا لأنها وسيلة يمن بها على مواطنيه ليقتضيهم ثمنها مضاعفًا، التضحية الصادقة الخالصة إخلاص الأم لابنها، والمؤمن لله، والإنسان للوطن، التضحية في أسمى صور التضحية وأجل معانيها، هذا المعنى الخالد جدير بأن يكون مثاله في كل نفس خالدًا، وأنت لذلك تشعر أنه كان في هذا المكان منذ الأزل، وأن فراغ هذا المكان منه قبل أن يقام فيه إنما كان تفريطًا ممن أقاموا قوس النصر وهم يعلمون علم اليقين أن لا نصر في الحياة من غير تضحية.
ومتى أقيم قوس النصر؟ ومتى شق الشانزليزيه؟ ومتى أقيم القصران الكبير والصغير؟ ومتى مهد ميدان الكونكورد؟ ومتى نسقت حدائق التويلري؟ وكم من الأجيال أقامت قصر اللوفر؟ نعم! كم اقتضت هذه المجموعة نرتع خلالها ونستمتع بجمالها من زمان وجهد وعبقرية؟ قلَّ أن يعرض لنا هذا السؤال ونحن نتخطاها على حين يقضي بعضهم سنوات من حياته بل حياته كلها بتقصي أخبار هذا التاريخ العظيم الذي تنطوي عليه هذه البقعة من باريس، ليست أقدمها وإن كانت أروعها، وليست أبقاها أثرًا في النفس وإن كانت أشد أخذًا بالنظر وبهرًا للب. وأنت في غير حاجة إلى كل هذه الدراسة التي يقضي فيها من شاء السنوات ليقص أخبارها، بل أنت في غير حاجة للرجوع إلى قصص هذه الأخبار لتقدر ما ذاب من فلذات الإنسانية أذهانًا وأرواحًا وخيالات وعواطف وأذرعًا، ليذر لنا وللأجيال من بعدنا أن نشارك هؤلاء الذين سبقونا على الحياة في ارتشاف أكبر نصيب من حياة الكون والوجود كله. إن ما يقع عليه نظرك كفيل وحده بأن يريك من هذه الأجيال ونبوغها وسمو فنها وقوة عاطفتها ومتانة أذرعها وبنانها ما يشعرك أنك صغير بينها بانقطاعك عنها، كبير معها باشتراكك وإياها في ذوق الفن والسعي لمزيد منه تستمتع بالإنسانية به. حقًّا! إن الوطن ليس هو هذه الأرض التي نحفظ منذ صغرنا حدودها ونعتبر شركاءنا عليها إخوانًا وأعوانًا، بل إن للآباء والأجداد وللمقابر وللرفات لحظًّا من الوطن أعظم من حظ أرضه، وهذا الحظ هو الذي يجعل بقعة من الأرض وطنًا، ويجعل الوطنية روحًا، ويجعل لنا بهذا الروح إيمانًا نفتديه بمهجنا وأنفسنا وأرواحنا ونتخذ له من أرض الوطن معبدًا ومقامًا. فمن أولاء الذين أقاموا قوس النصر، وفيم أقيم؟ ومن أولاء الذين مهدوا ميدان الكونكورد ورفعوا تماثيله؟ وفيم مهد الميدان ورفعت التماثيل؟ وقصر اللوفر … كم من ملوك تعاقبوا عليه ومن مهندسين صوروه، ومن رجال فن نقشوه؟! والقصران والجسر وقبر نابليون وكل عمارة وكل أثر!! ليس هذا ثرى الوطن، ولكنه حياة ألوف الأجيال من أبناء هذا الوطن؛ ولذلك يدافع عنه أبناؤهم بإيمان وحرارة؛ لأنهم يدافعون عن آبائهم وعن تراثهم وعن أنفسهم وأرواحهم! يدافعون عن الدم الذي يجرى في عروقهم كما يدافعون عن الأرض التي يقوم عليها هذا التراث المقدس عندهم وعند كل الأجيال التي تخلفهم، والتي تطوي الرفات الغالية التي أقامت هذا التراث فأقامت منه للوطن هياكله ومعابده، وجعلت الوطن لذلك أكثر في النفوس قداسة، كما جعلت النفوس أكثر بالوطن إيمانًا.
هجست هذه الخواطر بنفسي، فأردت أن أفضي بها إلى زوجي لعلها تشاركني فيها أو تدلي إليَّ بخاطر جديد، لكني سرعان ما ترددت ثم أحجمت مخافة أن يثير ذكر الماضي شجنها بعد أن بدأ الأمل يفتح لها أحضانه، ويعدها في المستقبل متاعًا بجمال العالم كله يعوضها عن عالمها الذي ذهب. لقد سألت نفسي بعد أن اعتصمت بإحجامي بمَ كنت أجيبها لو أنها صاحت بي: لا كان وطن ثراه رفات الأطفال وفلذات الأكباد!
على أن ذكر هذا المجد في جانب من جوانب باريس هفا بذاكرتي إلى جانب آخر أشد اتصالًا بها، ذلك هو الشاطئ الأيسر والحي اللاتيني منه، هذا الحي الذي قضيت فيه خير ما قضيت بمدينة النور من شبابي. ولئن كان الشاطئ الأيمن حيث مسارح الأوبرا والأوبرا كوميك والكوميدي فرانسيز، وحيث الكونكورد وقوس النصر ومتحف اللوفر والجران بولفار وما يتصل به، قد أمتعني أيام ذلك الشباب بما نعمت به سواء أكنت مقيمًا ببعض أحيائه أم كنت مرتادًا إياه لأعود إلى حي الجامعة والكليات، فإن هذا الحي العلمي المليء بالشباب والنشاط وبالحياة الساخرة من الحياة وبالمتاحف والحدائق، هو الذي كوَّن شبابي ووجَّه معارفي ونظَّم إلى حد كبير خطة حياتي. وزادني شغفًا بزيارته شوق للأماكن التي سرت فيها، والمنازل التي أويت إليها، والمعاهد التي درست بها، والمكاتب التي ترددت عليها. وحديقة اللكسمبور طالما فتنت بجمال ربيعها، وإلى هواء هذا الحي الذي تنسمت، ووجوه شبابه الذين بينهم نشأت، وإلى فنه في متحف اللكسمبور وفي البانثيون وإلى الأوديون؛ كم صفقت لممثليه! وكم درت حول جدرانه وتحت أقبائه، أتعهد فيها عند فلاماريون الكتب الحديثة التي ظهرت، وأبحث لديه عن الكتب القديمة التي اندثرت، وأضيف من ذلك كله يومًا بعد يوم جديدًا إلى حياتي وإلى عاطفتي وإلى روحي وإلى ذهني. وما كانت زوجي لتخالف عن مشيئتي وأنا دليلها وقد أقمت لديها على حسن تصرفي الدليل. ومن اليسير عليك أن تصل إلى حي العلم بأن تتخطى السين على جسر الكونكورد أو جسر سولفرينو أو جسر اللوفر أو أي من هذه الجسور التي تقابل التويلري ومتحف اللوفر، وتكون بعد هنيهة في طريق سان جرمان تنحدر منه خلال أي من شوارعه الكثيرة إلى حيث تقصد عند الأوديون أو اللكسمبور أو البانثيون أو شارع المدارس أو بلفارسان ميشيل. وإلى هذه الأماكن مواضع ذكرى الشباب وطلب العلم، ذهبنا ذات صباح وفي نفسي للقياها بعد انقطاع أربعة عشر عامًا عنها هيبة ولهفة، وللوقوف بكل مكان تركت فيه بعض حياتي وترك لي على الحياة ذكرًا باقيًا شغف وحنين. ها نحن أولاء بشارع المدارس أمام كلية فرنسا (college de France) نصب أمامها تمثال كلودبرنار، وأقفلت أبوابها في هذا الفصل فصل الإجازات المدرسية. ومع إقفالها اخترق خاطري أبوابها، وحاولت أن أستعيد في ذاكرتي صورتها، فألفيتني داخلًا إليها منعطفًا عن يميني إلى قاعتها الكبرى لأستمع كما كنت من خمسة عشر عامًا أستمع إلى برجسن، ثم داخلًا إليها ميممًا بهوها الذي يواجه الباب لأستمع كما كنت أستمع إلى دركيم. لقد مات دركيم وشغل برجسن بالدعوة للعلم ولفرنسا، وما أزال أراني جالسًا في هذه القاعات الفسيحة يتابع ذهني آراء هؤلاء الفلاسفة الجبارين ومن حولي سيدات جاوزن الأمومة وشابات لما يدركنها، وقسس ورجال من كل الطبقات، والكل مصغٍ إلى هذا الفيض من نور التفكير العلمي السامي يرتفع بصاحبه فوق كل اعتبار ديني أو غير ديني، ويحله من كل قيد اجتماعي أو مادي، ويحلق به في سموات رفيعة ينسى فيها نفسه والعالم المحيط به، ويستمع لهؤلاء الدعاة إلى مدينة فاضلة جديدة تقوم على أسس العلم الواقعي الصحيح، لا على صور وهمية تخلقها الخيالات والأحلام. ويخرج المستمعون من هذه القاعات تحوي كل واحدة منها عالمًا كاملًا يعتقد صاحبه أنه عالم الحقيقة والكمال، فلا يأبهون ساعة خروجهم لضجة الحياة المحيطة بهم، بل ترى جماعات تسير منهم يتحدثون فيما سمعوا، ويبدي كل منهم عليه ملاحظته، وترى آخرين يسير كل واحد منهم منفردًا يحاول ذهنه أن يضع ما عرض عليه من النظريات موضع التحقيق والنقد العلمي. وهذا الاتجاه الذهني عندهم هو الذي يدعو الكثيرين منهم إلى الاعتكاف في قهوة أو محل حلوى أو نحو ذلك يجترون فيه هذا الغذاء العلمي الدسم، يرددونه ويلوكونه وينقدونه، يحاول كل منهم أن يكوِّن لنفسه فكرة ذاتية منه تتصل بتفكيره في نظام الحياة والعالم ليجاهد في حدود طاقته كي يسمو بنظام الحياة والعالم إلى مثال فكرته. ومن عند كلية فرنسا صعدت يسرة إلى سان جاك لأقف هنيهة أمام كلية الحقوق، أذكر لديها سنوات ثلاثًا كانت خلالها مثابة درسي ومآب تحصيلي، وأذكر كذلك أني كتبت على مناضد مكتبتها الغنية بألوف المجلدات الحقوقية والقضائية صحفًا غير قليلة من رواية «زينب»، كنت أجد في كتابتها فسحة واستراحة من عناء البحث والدرس. يا رعى الله أيام الشباب وذكرت دائمًا بالخير! إني لأراني الساعة داخلًا إلى الدهليز المؤدي إلى المكتبة متخطيًا إياه أقفز في نشاط ومرح عشر درجات أو نحوها لأكون في بهو الكلية، يخطر فيها الشباب فتيانًا وفتيات بين منتظر درسه وخارج منه، ويسرع آخرون إلى هذه المدرجات الكبيرة (الأمفيتاترات) يجلسون منها في المكان الخالي، ومنهم من يدخل في أعقاب الأستاذ، ومنهم من يضيع زمنًا من درسه، وأكثرهم متأبط كراسة يسطر فيها ما يلقى من علم، كيما يراجع ما فيه من نظريات وآراء من بعد. والأساتذة في عباءاتهم الطويلة وقبعاتهم الحمراء الصغيرة لا تكاد تستر إلا بعض رءوسهم يسيرون في وقار ورزانة، ومن ورائهم حاجب علقت في رقبته سلسلة طويلة من معدن وهو يحمل بين يديه عددًا من الكتب قلَّ أن يفتح الأستاذ منها كتابًا؛ لأنه يحيط بما فيها إحاطة مدقق ناقد ذي رأي مستقل وفكرة تكونت بعد قراءة أضعاف هاتيك الكتب التي يحملها حاجبه واتسقت له في كمال شبابه، ثم جعل يصقلها ويدقق في تحديدها وينفي كل ما يراه من زيف يختلط بها، حتى إذا بك حين تسمعه يلقيها وهو يهز رأسه الأبيض الشعر الجميل المشيب، تسمع الفكرة ملكت صاحبها كما ملكها، فسمت به وسما بها، وتملكته بمقدار ما أحبها، وصار يقلبها أمامك في حنان وإعزاز كما تقلب أنت طفلك العزيز قضيت لياليك وأيامك في العناية به وأعانك القدر إلى إنجاحه فصار عندك كل شيء، وصار عليك أعز من نفسك، وصرت تتعصب له وتغامر في سبيله على حين أنت متسامح في شأن ما سواه غاية التسامح. وذكرت وأنا في موقفي هذا من كلية الحقوق ذات مساء كنت أستمع فيه لجواز العلوم الجنائية إلى العلامة الكبير جارسون، الكبير على صغر جسمه وقصر قامته وبريق عينيه الضيقتين، وفيما هو يتحدث ضرب لنا مثلًا، رجلًا قصد إلى قتل ملك فأصاب شخصًا يشبهه ولم يصبه، أفيعاقب على جريمة قتل الملك وتطبق عليه الظروف المشددة؟ وآخر أطلق عيارًا على سرير شخص فلم يكن فيه، ما جزاؤه؟ فقلت أنا: إن المثل الأخير هو مثل الجريمة المستحيلة، وإن المثل الأول فيه جريمة مستحيلة بإزاء الملك، ولكنه القتل عمدًا بالنسبة لمن وقع عليه. وهنا أبرقت عينا جارسون وانطلق في فيض من الحجج بدأها بقوله: لكني لا أسلم يا سيدي بالجريمة المستحيلة، ليس هناك شيء اسمه الجريمة المستحيلة، فالركن المعنوي هو كل شيء، والركن المادي ثانوي بالنسبة له، ولو أن الركن المادي كان الأول في التقدير لما عوقب الشروع بعقوبة الجريمة التامة ولو كان شروعًا خائبًا. وانطلق في تدليله انطلاقة انقلب أمام أنظارنا أثناءها شابًّا عالي الكلمة متواتر الحجة ناهض الدليل، حتى كنا جميعًا في صمت ذاهل هو صمت الإجلال والإذعان. كذلك كان أستاذنا المغفور له جارسون ونحن نسمع له في شتاء ????–???? كذلك ارتسم أمامي ساعة وقفت أمام كلية الحقوق، وكذلك هو الآن، وكذلك ستبقى في نفسي صورته. وكمنبر هذا الشيخ الهرم السن الصغير الجسم الشاب القلب المتوقد الذكاء كانت تقوم منابر فحول القانون الجنائي والمدني والتجاري والدولي وغيرها من هذا العلم الذي ينظم صلات الأفراد والجماعات والدول، والذي يتصل من ناحية بأسمى النظريات الإنسانية والاجتماعية، ومن الأخرى بأدق تفاصيل الحياة العملية في تفاعلها تفاعل تعاقد وخروج عليه، وإجرام وإمعان فيه، وحرب وما يتبعها من عدة هلاك ودمار وإجراءات تنظيم ذلك كله، فتهون على الجمعية من سيئاته قدر المستطاع، وتجنبها شروره ما أمكن الإنسان أن يجنب نفسه الشرور.
ما أكبر رسالة كلية الحقوق وهذه غايتها، وعلى منابرها يجتمع النظر والعمل على سواء! لكن جلال الرسالة لم ينسني حين ذكرت أيام طلب العلم مآب هذا العلم حين الامتحان، وإني ليخيل إليَّ أن الامتحانات لو لم توجد لكانت علاقة الطلبة والأساتذة أكثر إجلالًا من الأولين وأكثر عطفًا ومودة من الآخرين، ولما رأينا ما في علاقاتهم من شوائب الضغينة المستخفة من الشباب بالمشيب، والازدراء المستكبر من المشيب للشباب. أم لعل الامتحانات ليست وحدها مبعث هذه الشوائب، فلها كذلك مبعث من ثورة الشبان يحاول الخروج على ما يسميه قواعد المشيب ونظمه البالية، ودفاع المشيب عن هذه النظم في انتظار اليوم الذي ترد الحياة فيه عقل الشباب إلى رأسه، فيدرك أن الثورة ليست إلا كبرياء الوهم الغرور، وأن التطور في أناة وروية وعلى مهل حذر هو وحده سبيل الإنسانية إلى الكمال.
ومن شارع سان جاك درنا إلى طريق سان ميشيل مجتازين إليه شارع سوفلو كظته حوانيت كتب الحقوق، وتطل نهايته القريبة من كلية الحقوق على البانثيون، في حين تطل نهايته المتصلة ببولفارسان ميشيل على حديقة الكسبور الرشيقة البديعة، ثم تخطينا ميدان السوربون ووقفنا نواجه مثوى الفن والأدب والفلسفة في نظامها العلمي المستند إلى التاريخ المطمئن أكثر من استناده إلى ما في كلية فرنسا من ثورات توجه تاريخ التفكير الإنساني وجهات جديدة. كم لهذا الاسم — اسم «السوربون» — من رنة في العالم كله! وكم لأساتذته في نفوس طلاب علمهم وفي نفوس علماء الأرض جميعًا من مكانة سامية ومقام رفيع! وكما كنت وأنا طالب حقوق أتردد الوقت بعد الوقت على كلية فرنسا، فقد كنت على السوربون أكثر ترددًا، وكان لي بالاستماع إلى بعض كبار أساتذته أمثال مسيو كروازيه ومسيو لانسون ولع خاص، وما أزال حتى اليوم أذكر هذه النغمة المطمئنة الرضية التي كان يلقي بها العميد كروازيه محاضراته عن أدب اليونان وعن فلسفتهم، حتى لتحسبه أفلاطون يتحدث إلى المشائين من تلاميذه، وإن كان تلاميذ كروازيه كلهم جلوس في «الأمفيتياتر» الكبير يتسع لعدة ألوف من بينهم الشباب والشيب، ومن بينهم نسوة يعدلن الرجال إن لم يفقنهم عدًّا. وفي نغمته الرضية أسبغ عليها علمه ومشيبه مزيدًا من الطمأنينة والرضا كان هذا العالم العظيم يصل ما بين أدب الأقدمين وفلسفتهم وأدب عصرنا وفلسفته، ويجمع بذلك في هذا البهو الفسيح قرونًا من الزمان عدة تتالت متصلة في تتابعها على الزمان واصلة بسلطانها الذهني بين مختلف الأمم في مختلف بقاع أوربا، بل في مختلف بقاع العالم القديم كله، ويخلق من هذه الصلة أمام سامعيه صورة من وحدة الحياة الإنسانية على هذا النحو في مختلف بقاعه وأزمانه، وهو لم يكن ينسى في مقارناته أن يصل بين أدب الإغريق والأدب الفرنسي، لكنه كان يشير إلى مجمل من هذه الصلة تحتاج إلى تفصيل يكفله لك مسيو لانسون في محاضراته عن تاريخ الأدب الفرنسي؛ وبخاصة أيام تأثر هذا الأدب بشعر اليونان والرومان ونثرهم في عصر راسين وكورني. وما كان أبدع بيان مسيو لانسون حين شرحه كيف استقل الأدب الفرنسي بنفسه بعد ذلك رويدًا رويدًا، وكيف بنى استقلاله على أسس من هذه الصلة بينه وبين الأدب القديم، ثم كيف تخلص في القرن الثامن عشر من هذا الأدب القديم وإن لم ينكره ولا أنكر عليه ما كان له من فضل في نهضة الأدب في فرنسا وفي أوربا كلها.
إلى يسارك وأنت منحدر في الزقاق المؤدي من السوربون إلى شارع المدارس كانت تقع مدرسة العلوم الاجتماعية العليا الحرة أثناء دراستي بباريس، ولعلها حتى اليوم ما تزال في هذا المكان، وكنا نذهب إلى هذه المدرسة مقابل اشتراك زهيد نؤديه لنستمع فيها إلى محاضرات في شئون اجتماعية مختلفة يلقي المحاضر منها اثنتين أو ثلاثًا حسب الموضوع الذي يختاره، وقد يفصل أسبوع بين المحاضرة والتي بعدها، وقد يفصل بينهما أسبوعان أو أكثر. وكانت هذه المدرسة أقسامًا يتصل كل قسم منها بعلم من علوم الاجتماع، والمحاضرون ليسوا دائمًا من كبار الأساتذة، بل بينهم من الشبان، ومن غير المشتغلين بالتدريس، من تشغل أذهانهم فكرة أو نظرية خاصة يدرسونها ويلقون على السامعين نتائج دراستهم فيها، ويطلبون إلى مستمعهم مناقشتهم فيما قد تعن لهم المناقشة فيه. ويقع في أحيان كثيرة أن يكون من بين المستمعين من هو أكثر تضلعًا من المحاضر، ومن كنا نجد في الإصغاء إليه لذة ومتاعًا يشاركنا المحاضر فيهما، ولا يأبى أن يعترف، إذا هو اقتنع بخطأ رأيه أو بنقص البحث فيه، بما أدى به إليه اقتناعه. وقد يطلب إلى المستمعين مهلة ليقوم فيها من جديد بدراسة فكرته وليلقي بعدها محاضرة يرجو مناقشه أن يكون من بين المستمعين إليها، ليكون البحث بينهما أداة للوصول إلى الحقيقة؛ فالوصول إلى الحقيقة يجب أن يكون الغاية العليا التي يتجه إليها نظر الإنسان المهذب.
يقابل شارع المدارس شارع مدرسة الطب، تقع فيه كلية الطب إحدى كليات جامعة باريس الكبرى، وعلى مقربة من كلية الطب تقع مدرسة الفنون الجميلة العليا، هذا خلا عددًا من المدارس الحرة ومن أبهاء الجماعات العلمية يقصد إليها كبار الأساتذة يلقون فيها محاضرات علمية وفلسفية واجتماعية وأدبية، ويبعثون فيها بذلك إلى الذهن وإلى الحس وإلى العاطفة ما ينبه نشاطها ويدعوها للإمعان في البحث الدقيق عن الحق والخير والجمال، مما تدعو إليه كلية فرنسا وكلية الحقوق والسوربون ومدرسة العلوم الاجتماعية العليا ومدرسة الفنون الجميلة، وهذه المدارس والكليات الكثيرة الجمة النشاط المنصرفة للدراسات العليا، والتي تجعل من هذا الحي اللاتيني القلب الحساس والذهن المفكر والعاطفة المتقدة والفن المبدع في باريس جميعًا.
أي المجموعتين أبهى جمالًا وأشد بهرًا: مجموعة الحي اللاتيني هذه، أم مجموعة اللوفر والتويلري والكونكورد والشانزليزيه؟ هذه الأخيرة هي الجمال البارع أمام النظر والزينة البادية لكل عين، أما الأولى فهي القلب الذي يوزع على باريس وعلى كثير من أنحاء العالم أسباب الحياة الإنسانية السامية؛ لذلك أحسب باريس بحيها اللاتيني أشد تيهًا وفخرًا، وأنها تعد في مجموعته التي أشرنا إلى بعض ما فيها أكبر سبب مجدها؛ لأنه مصدر كل مجد لها على المسرح وفي الفن الجميل وفي العلم وفي الطب وفي الحقوق وفي الأدب، وفي كل ما تزدهي به باريس على كل المدائن.
وفي باريس مجموعات شتى، مجتمع بعضها يصل بينه تجاوره، ومشتت بعضها يصل بينه تشابهه. ومن المجموعات التي تزدهي بها باريس ازدهاءها بالمجموعتين اللتين وصفنا، مجموعة عجائبها وآثارها وعماراتها، من مثل كنيسة نوتردام والأنفاليد مستقر قبر نابليون، وبرج إيفل والبانثيون واللوفر وما يخضع لعظمته من سائر المتاحف. وهذه المجموعة هي ما يقصد إليه زائرو باريس كما يقصدون إلى مجموعة ملاهيها في المولن روج والفولي برجير والأولمبيا وأشباهها من الأبهاء الموسيقية البديعة التي تجتمع فيها أسباب الفن بأسباب اللهو، وجمال الرقص بوضيع الرغبات؛ ذلك بأن أمثال تلك المجموعة الأثرية أو تكاد، وهذه المجموعة الناعمة باللهو والمسرة، هي كل ما يتحدث الأجانب من زوار باريس عنه كأنه كل ما في باريس. على أني كنت دائمًا عميق الشعور بأن أقوى ما تنبض به حياة باريس ليس في هاتين المجموعتين وإن كانتا في الطليعة من مواضع فخرها. أما حياتها النابضة فهي في هذا الحي اللاتيني، وفي تلك المظاهر التي تتصل بقوس النصر، ثم هي كذلك في مسارحها، بل لعل للمسارح على كل مجموعة سواها فضل الاقتدار على صلة ما بين الفرنسي والأجنبي بما لا تستطيعه الآثار والملاهي، وبما لا يستطيعه الحي اللاتيني لا يتذوق ما فيه إلا شاب مقبل على العلم والفن، أو شيخ اتصل بهما منذ شبابه ثم آلى أن يجعل منهما ختام حياته. أما مسارح باريس فتجمع من الثمرات أطيبها لتجليها على نظارتها بما يجعل منها سحرًا يفتن العقول ويملك القلوب، وإن في العشرات الكثيرة من مسارح باريس لما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وما فيه للروح غذاء وللفؤاد راحة وللقلب مسرة؛ فيها من ثمرات الذكاء الفرنسي أطيبها، ومن ثمرات الذكاء العالمي أجلها. ولو أن شيئًا كان لباريس جنانًا يترجم عما يدور بعقل العالم ولب الأديب وجنان الفنان ومطامع الوضيع وشره الحاكم وقسوة رجل المال، ويكشف بذلك ما تنطوي عليه الأضلاع وما يعبث بالعواطف ويلعب بالأهواء — لكانت المسارح هي هذا الترجمان القوي الصادق. ولم لا؟! وهل من بين آثار الفن ما يمتاز بكثرة الفنانين الذين يتعاونون في استظهاره ما يمتاز به المسرح؟ وهل كالمسرح فن يعبر بمثل قوته عن كل معاني الحياة؟ إنك لتقرأ القصة القصيرة أو الطويلة فتترجم كما يحلو لك ما وضعه الكاتب من صور ومعانٍ وعواطف، وتكون أنت في الوقت نفسه بطل الرواية وبطلتها وكل شخص من أشخاصها. وإنك لترى الصورة أو التمثال فتعيره من المعاني ما يشاء خيالك متأثرًا بظروف حياتك. ومثل الكتاب والصورة والتمثال غيرها من آثار الفن؛ فيها الفنان الذي أبدعها وأبدع ما فيها من قوة أو عظمة أو جمال، وفيها أنت تترجم هذه القوة أو العظمة أو الجمال كما تفهمها أو كما تريد أن تفهمها. أما المسرح ففيه الكاتب، وفيه فنانون قد لا يقل أحدهم عن الكاتب عظمة، يترجم كل منهم ما أراد الكاتب أن يظهره لك من الصور والمعاني، فإذا كان الكاتب عظيمًا في فنه، وكان الممثلون الذين يترجمونه لك عظماء كذلك في فنهم، كان مشهد الرواية التمثيلية لا شك قطعة فنية نادرة الجمال.
فإذا أضفت إلى ما تقدم زينة المسرح وما يتصل به في بعض الأحيان من موسيقى تعين الممثلين خير عون على أداء أدوارهم، كنت ميالًا كل الميل إلى مشاركة أنصار المسرح في رأيهم في امتيازه على غيره من الفنون، أو بعبارة أدق في جمعه مختلف الفنون معًا لتكون أكثر قوة في أداء ما في الحياة من معان وصور مختلفة أشد الاختلاف متناسقة في اختلافها أشد التناسق.
تحدثت من قبل عن الكوميدي فرانسيز التي تعتبر في العالم كله أبرع مسارح العالم دقة فن ومثال جمال، ويلي الكوميدي في عرف الفرنسيين مسرح الأوديون، وكلا المسرحين قوميان تتعهدهما الحكومة ولا يدخلها من الممثلين إلا الذين لهم في فنهم مقام محمود، لكن ذلك لا يعني أن ما سواهما من المسارح لا يمتاز هو أيضًا بمثل ما يمتازان به، بل إن كثيرًا من الممثلين والممثلات الذين رفعوا للفن المسرحي في فرنسا مناره، وكانوا نجومًا ساطعة في سماء هذا الفن في العالم كله، قد ظلوا حياتهم أو أكثرها بعيدين عن هذين المسرحين. وهذه سارا برنار، وهذا ساشا جيتري، وأضرابهما كثيرون لم يلتحق أحدهم ببيت موليير أو بالأوديون. والممثلون الثائرون على عرف الفن في زمن من الأزمان والذين يخلقون في الفن ويجددون، هم دائمًا بعيدون عن أن يظلهم علم الجماعة وإن كان كل منهما علمًا يستظل به؛ لذلك كان لكثير من المسارح في باريس من المقام في نظر الفنانين ما للمسارح القومية، وكان لها إلى جانب ذلك فضل الإقدام على التجديد في الفن بتمثيل روايات قد تظل عشرات السنين قبل أن تقرها هذه المسارح القومية، فإذا هي أقرتها كانت غرة في جبين الروايات التي تمثل فيها، وحازت من رضا الممثلين عنها، وتقدير النقادين لها، وإقبال الجمهور عليها، ما يدلك على فضل الذين سبقوا بتقديمها للجمهور ولنقد رجال الفن.
ثم إن لهذه المسارح غير القومية فضلًا؛ ذلك أنها أدل من المسارح القومية على تطور الروح القومية، وأنت إذا سمعت في الكوميدي فرانسيز أو في الأوديون روايات راسين وموليير وهوجو وبرنشتين فإنما تسمع المعاني الثابتة في النفس الفرنسية مما لا يسرع إليه التغيير، أما ما تسمعه في كثير من المسارح الأخرى من الروايات الجديدة ففيه مظاهر البحث العلمي عند آخر طور من أطواره، بل يعد آخر طور من أطواره أحيانًا. وفيه ما تأثرت به هذه المعاني الثابتة إلى حد كثير أو قليل حسب ما مر بفرنسا أو بالعالم من صور التطور المختلفة. ولقد يدهشك أن ترى هذه الآثار مصوغة في قوالب كلها الفكاهة والمجون، كما هو الحال في رواية (قسيسي عند الأغنياء) التي تمثل على مسرح سارا برنار، وفي رواية (الحقيقة العارية) التي تمثل على مسرح باريس، وفي رواية (لأول هذين الرجلين) التي تمثل على مسرح باليه رويال. وقد تكون هذه الآثار أقرب إلى الجد منها إلى الفكاهة، كما تراها في رواية (السجينة) على مسرح (فمينا). على أن الفكاهة في هذا الوقت أغلب، وترجع غلبتها إلى أن الناس لا يزالون منذ أيام الحرب ينفرون من كل منظر يثير الألم ويهرعون إلى حيث المجون واللهو وما يثير في النفس شهواتها الدنيا. وكما انتقلت موسيقى الرقص من الفالس وما إليه من نغمات هادئة أكثر الوقت إلى الجازباند وما إليه من نغمات — أستغفر الفن — بل من ضجات وحشية مضطربة ثائرة، كذلك انتقل الفن المسرحي في أكثر دوره من رزانة الحكمة وسكينة الفن إلى ثورة الحواس واضطرابها، ولست أدري أي هذين الأمرين إلى الطبيعة أقرب، لكني أميل إلى الاعتقاد بأن الفن وإن ضج وصخب ميال دائمًا إلى شيء من الاتساق والتجاوب أكثر مما في هذه الموسيقى وفي هذه الروايات الثائرة بالناس إلى المجون وإلى اللهو وإلى حكم الشهوات. على أن هذا المظهر من مظاهر التطور الطبيعي الذي نشأ عن الحرب له هو أيضًا قوته وإبداعه، ولقد ترى مظاهر المجون التي كان ينفر منها الذوق قبل الحرب أشد النفور قد هذبت ونظمت حتى كادت تصير هي أيضًا فنًّا، بل حتى صارت بمقدرة الممثلين فنًّا جميلًا إن أثار في النفس الطرب الماجن فلن يثير منها نفورًا أو اشمئزازًا، ولعل الزمن كفيل بالتوفيق بين هذا المظهر الجديد من مظاهر الحيوية الإنسانية وبين الفن في أرقى صوره وأسماها، ولئن تعذر ذلك على أهل هذا الجيل ممن شهدوا الحرب ومن لا تزال آلامها وأحزانها تحز في قلوبهم وأفئدتهم حتى ليطلبون في اللهو المضطرب منجاة من هذه الآلام والأحزان، لقد يكون لأهل الجيل الناشئ اليوم والطامح بإخلاص وحرارة إلى السلام والسكينة أن يقوم بهذا التوفيق، وأن يعيد إلى الفن المسرحي كل ما يرجو الفن من اتساق وتجاوب.
وليس معنى ما سبق أن الروايات التي تمثل اليوم على مسارح باريس ليس فيها ما كتب له البقاء، فمنها ما يفوق كثيرًا من الروايات التي تمثل على المسارح القومية قوة ودقة، كما أن الحرب الأخيرة وما خلفت من مظاهر ليست عرضًا ضئيلًا على الحياة بقاؤه، بل هي وقفة من وقفات الإنسانية عند أطوار الانتقال الكبرى، إن لم تظهر كل آثارها في فترة قصيرة كالفترة التي انقضت بين انتهاء الحرب وهذا الوقت الحاضر، فهي لا بد ستظهر متى هدأ غليان هذا البركان العالمي وعادت إلى الأمم قوة التفكير المطمئن الهادئ. لكن كثيرًا من هذه الروايات التي تمثل اليوم في مسارح باريس ستبقى بين آثار الفن الماضي وآثار الفن المقبل، وكأن فيها بعض نشاز لا أدري أهو يصرف عنها بعض اهتمام الأجيال المقبلة أم يجعلها أدعى للعناية بها والإقبال عليها.
ومهما يكن مصير هذه الروايات فستبقى مسارح باريس في المستقبل كما هي اليوم وكما كانت في الماضي آية من أروع آيات فتنتها، وسيجد الذين يقصدون باريس في مسارحها ما يزيد ليلها على النهار جمالًا فإذا هم غادروا هذه المسارح وقد انتصف الليل أو كاد ألفوا ليل باريس يقظًا وفنها نشيطًا، وإذا كتب عليهم أن يغادروا باريس ناجتهم مسارحها مع ما يناجيهم من كل ما فيها من فتنة وجمال وسحر: إني أنا الشباب الضاحك السن، المقبل على جد الحياة ولهوها بكل ما في الشباب من حرارة. وفي أحضان الشباب حياة ما تزال كل يوم تتجدد، وهي كل يوم خير منها بالأمس، ومن فاته الشباب فاتته الحياة، وليس الشباب شباب الجسوم، ولكنه شباب القلوب.
إذا كان للمسرح في باريس كل هذه الفتنة فإن لفن مسرحي يتصل به ويختلف عنه فتنة تزيد عند قوم عليه، وإن لم تنل عندنا نحن أهل مصر والشرق كل هذه الحظوة، ذلك الفن هو الموسيقى، ولقد يكون الجيل الناشئ بعدنا أشد منا لموسيقى الغرب ذوقًا كما أنا — فيما يخيل إليَّ — أكثر قدرًا للأدب والمسرح الغربي من الجيل الذي سبقنا. والأوبرا هي معبد الموسيقى الأكبر في باريس، وهي جديرة بأن تكون كذلك وفيها من روعة العمارة وجمال زخرفها ما تزدهي به على أبدع الهياكل وأجمل الكنائس أيًّا كان طرازها، والقلم لا ريب يضل بي إذا أنا حاولت وصف هذا المعبد، كما يضل الزائر للأوبرا في مختلف أنحائها للمرات العشر الأولى من زيارته إياها، وهو في أي ناحية كان ضلاله فيها سعيد بهذا الضلال الذي يؤدي به من بهو إلى بهو ومن مقصف إلى طنف، وكلها روعة تتلو روعة، تنتقل إليها جميعًا على سلم بالغ من الفخامة حدًّا تتضاءل أمامه كل روعة، فإذا خرجت إلى شرفتها المطلة على طريق الأوبرا أخذت أنواره البديعة اللألاء بنظرك مأخذ أنغام الموسيقى الشجية بسمعك، فإذا عدت بعد ذلك لتسمع الرواية الموسيقية التي تمثل رحت من زينة المسرح، ومن غناء المغنيات، ومن رقص الراقصات، ومن موسيقى مطربة ساحرة في نوع من البهر تذهل معه عن نفسك، ثم لا يردك منه إلا بهر مثله بالمتفرجات المستمعات جئن إلى الأوبرا كاملات العطر والزينة، فبعثن في جوها المرح الطروب مزيدًا من المرح والطرب يجعلك تود لو أن الهياكل والمعابد كلها كانت على هذا المثال، ولو أن الإنسان كان يجزى بعد الموت عن أعماله كما يجزى اليوم بهذا المتاع البارع عن مشقة يومه، وكما يتلهى به المترفون إضاعة للوقت لأنهم لا يعرفون في يوم مشقة.
والأوبرا هي القمة من هذا الفن المسرحي المتصل بالتمثيل؛ فالتمثيل فيها تطغى عليه الموسيقى ويطغى عليه الغناء والرقص أشد الطغيان، وبين هذه القمة من الفن الموسيقي وبين التمثيل المسرحي درجات، تبدأ عند اختلاط طرف من الأغاني والموسيقى بالتمثيل بمقدار لا يزيد على ما يدخله بعض الكتاب من شعر في نثرهم، ثم تتدرج لتكاتف التمثيل، ثم لتزيد عليه، ثم لتدنو من الأوبرا فيما تشهد من روايات بالأوبرا كوميك، حظ التمثيل فيها أكثر ظهورًا من مثله بالأوبرا، ولكنه قليل الظهور ومتصل بالغناء وبالموسيقى أوثق الاتصال. وهذا التدرج في معاهد الموسيقى يوازيه تدرج مثله في الموسيقى نفسها؛ فالموسيقى التي تسمعها في الأوبرا كوميك ليست هي الموسيقى الكبرى التي تسمعها في الأوبرا، بل هي موسيقى أخف وزنًا وأسهل مساغًا عند نفوس أمثالنا الذين لم تتصل هذه الموسيقى الأوربية بغرائزهم منذ نشأت هذه الغرائز. والغناء في هذه التفرقة كالموسيقى؛ ولذلك ترى الشرقيين أكثر إقبالًا على الأوبرا كوميك منهم على الأوبرا، كما أن أكثر الغربيين أشد للأولى ميلًا؛ لأنها لا تقتضي نفوسهم وعواطفهم ما تقتضيه الموسيقى الكبرى. فأما المسارح الموسيقية الأخرى من مثل (البوف بارزين) ومسرح (موجادور) وغيرهما فموسيقاها وغناؤها ورقصها فيها من الدعاية ما يجعلك أشد حبًّا للهوها ومرحها منك طربًا بموسيقاها وغنائها، وإن كانت أدوارها جميعًا أكثر رواجًا في أنحاء باريس وفي أنحاء العالم الغربي كله من الأدوار الفخمة الضخمة التي تغذي نفوس نظارة المسرحين القوميين: الأوبرا والأوبرا كوميك.
•••

أتراني وقد تحدثت عن بعض ما في باريس من عمارة وعلم وفن وأدب متناولًا ناحية أخرى أشد اتصالًا بالحياة، ولكنها تنال من عناية السائح في باريس حظًّا غير قليل؟ أتراني أتناول حديث الطعام والمطاعم؟ فالطعام في باريس فن جميل، وطهاته هم ولا ريب من خير طهاة العالم، حتى لتراك حين تقرأ عن فنادق لندن وفينا وبرلين وغيرها من كبريات العواصم تقرأ من حسناتها أن طهيها فرنسي. ومطاعم باريس فيها فن تمتاز به على غيرها من المطاعم وأكثرها له طابع خاص في عمارته، وفي طريق تقديم الطعام لزبائنه، وفي اختيار الأنبذة التي تزيد لونًا أو آخر من الطعام مساغًا ولذة. ولخدم هذه المطاعم أدب خاص بالطعام يجعلك له أكثر اشتهاء. على أن لبعض المطاعم من الطابع ما يدعو الأجانب إلى زيارته، كما يزورون اللوفر وقبر نابليون وبرج إيفل، أو كما يزورون متحف جريفان حيث تعرض الصور الشمعية تمثل الحياة تمثيلًا حيًّا. وأشهد لقد كان لمشوي (الرين بدوك) ولمشوي ميدان سان ميشيل من الجاذبية ما كان يذهب بنا إليهما في اغتباط وبهجة. ولغيرهما من المطاعم في أنحاء مختلفة من باريس ما لهما من جاذبية لبساطة الأثاث مع إبداع الطهي، أو لطرافة محببة في نظامها. ولست بناسٍ أول مرة ذهبنا فيها إلى مشوي الرين بدوك: دخلنا فإذا بنا في قاعة ضيقة لا تزيد على ستة أمتار في مثلها، يجلس إلى موائدها عدد يزيد على الأربعين أمامهم طعامهم وشرابهم، وإلى جانبهم في ناحية من المكان مشوي تدور عليه دجاجة لا يديرها أحد، وهم جميعًا في جذل ومرح، والخدم لا يكادون يشقون لهم طريقًا من بينهم لضيق المكان بهم، ويحمل أحدهم وهو في لباس الطهاة أصناف (الهرديفر) على صورة لم يألفها قط نظرنا؛ فالزبدة قطعة ضخمة تزن أكثر من سبعة أرطال أو ثمانية وضعت في «ماجور» كبير يقدم إلى كل طالب (هرديفر)، وتقدم معها كميات ضخمة من اللحوم والأكباد السمينة والسمك والسلطات المختلفة وغيرها مما لا يكاد الإنسان يجد بعده في نفسه للطعام مكانًا، لولا مرح المطعم ولذة الشواء والجدل الذي لا ينتهي بين الآكلين والخدم، جدل تشوبه النكتة الظريفة من هؤلاء ومن أولئك، وانتظارك حتى يجيء اللون الذي طلبت، فإذا بك حين مجيئه قد تجددت شهيتك، وقد فكرت في طلب غيره. وهذا المطعم فيه — خلا هذه الغرفة التي دخلت إليها أول مرة — غرفة مثلها في «البدرون» وغرفة مثلها فوقها، وكان الله يحب المحسنين. أما مشوي سان ميشيل فأفسح مكانًا وإن لم يكن أقل ازدحامًا. وغير هذين المطعمين مطاعم مختلف ألوانها، مختلف طابع كل منها، وإن ألف بينها جو باريس كله الظرف والرقة ليتهما كانا وحدهما طابع أهل باريس فلم تشبهما شوائب تجعل الكثيرين أشد حبًّا لباريس منهم لأهلها.
ماذا في باريس غير ما ذكرت مما يلفت النظر ويستنفد الوقت في المتاع به؟ أرى الجواب يسرع إلى نفسي: وماذا تراك ذكرت من باريس؟ ثم ماذا تراك تعرف منها برغم ما قضيته من السنين فيها؟ وهذا حق؛ فباريس عالم، بل في كل ناحية من باريس عالم، ثم إن كثيرًا مما أعرف منها لم يكن موضع عنايتنا في سفرنا فلم أذكر عنه شيئًا، وأنا إنما قصصت ما كنا نزور وما كنا به نشغف، وقصصته في إجمال ما كان لي أن أعدوه إلى التفصيل أو يضيق هذا الكتاب بأيامنا في باريس وحدها. وأشهد أن هذا الذي أغرقنا أنفسنا فيه من حياة باريس كان عظيم الأثر في عزائنا بما كشف لزوجي عن آفاق في الحياة جديدة، وما جلا أمام نظرها من صور الجمال في الحياة، حتى لكنا نتساءل أي هذه الصور أشد جمالًا، فلا نجد على سؤالنا جوابًا. جلست يومًا أتحدث إلى جماعة من أصحابي، وكان لأحدهم بلندن ولع قديم دعاه يومئذ أن ينظر إلى باريس نظرة فيها جفوة وقسوة، ثم شاءت المقادير أن تنقلب جفوته وقسوته حنانًا وحبًّا لباريس، وقد سمعنا نفاضل بين ما في باريس فنقدم مسارحها على متاحفها ومتاحفها على عمارتها، ونذهب في هذه المفاضلات إلى مدى بعيد، فقال: والله يا أخي إنك لترى باريس منذ يدخلها القطار من أية ناحية من نواحيها حتى يخرج من ناحيتها الثانية، ومن حين ينزل المطر من سمائها حتى يصل إلى حمم الأرض، فلا ترى إلا حسنًا يزحم حسنًا، وجمالًا يأخذ بتلابيب جمال.
وكانت لأحد كبار المصريين عبارة ظريفة رد بها على سائل يسأله: أيوافق على ذهاب ابنه في بعثة لباريس دون أن يخشى عليه الفتنة؟ فكان جواب الكبير: وما الخير في ذهابه إلى باريس إذا لم يفتن بها! اذهب به إليها، فمسيرته في طرقها وشوارعها أجدى عليه في تكوينه للحياة وحسن ذوقه إياها من كل درس يمكن أن يتلقاه هنا.
على أن باريس مدينة، مهما يكن فيها من جمال، وحياة المدينة المكتظة بالحياة المليئة بالعجلات المشبع جوها بأنفاس الناس ودخان المصانع وبنزين السيارات وكهارب الجو وكل البقايا والفضلات، تثقل على الصدر وتدفع أهل المدن لالتماس الهواء الطلق. ونحن كنا إلى الهواء الطلق أشد من كل من سوانا احتياجًا؛ فأعصابنا كانت أشد ما فينا كلالًا. والهواء وفسحة الجو خير ما يبرئ الأعصاب من كلاها، ومهما تكن التويلري واللكسمبور وما في باريس من حدائق كثيرة كفيلة بالتنفيس عن الناس في جو المدينة المثقل بما فيه، فهي في جوف المدينة، وهي لذلك متأثرة بجوها وما يحمل؛ لذلك أحاطت بباريس غابات، وأحاطت بها ضواحٍ يهرع أهل باريس إليها عادة كل أحد، وكنا نحن نهرع إليها في كل أسبوع مرات. وغاب بولونيا ألصق ضواحي باريس بباريس، وغاب بولونيا مرتع جمال ومسرح نعيم ومجمع مسرة، تتصل فيه حياة المدينة بحياة الضواحي وحياة العمارة بحياة الغاب؛ فيه البحيرات تتخلل أشجاره تخترقها الطرق البديعة النظام، وكأن هذا الغاب مدينة وحده، نسقت لتكون حديقة باريس وملجأ أهلها من كل نصب، ومراح شبابها كلما عزهم المراح. وأهل باريس يجدون فيه من الحرية ومن ألوان المتاع ما في الحياة الغربية مما يزيدنا للحياة حبًّا وبها إعجابًا.
دهشت زوجي ونحن بمارسيليا لمرأى ذلك الشاب وتلك الفتاة يتبادلان قبلة الوداع ساعة افتراقهما، أما اليوم فلم يبقَ لها أن تدهش لهذا الشباب المرح في زوارقه فوق سطح البحيرات، أو حين استلقائه على الأعشاب المخضرة بين أشجار الغاب، أو أثناء مسيرته تائهًا في أحلامه يتهادى لغير وجهة يعرفها، وهو في هذه الصور كلها لا يدور بخاطره ما يدور بخاطر الشرقي أن يتوارى من المحيطين به ممن تخطوا الشباب فجاءوا بأطفالهم يستمتعون وإياهم بهذا الجمال، ويرون أولئك الشبان في مرح الهوى، وأولئك الأغنياء ممتطين خيولهم أو تسرع بهم سياراتهم، ومرح الهوى في الحالين لهم رفيق، فيرون في أصائل الخيل وفي فخامة السيارات صورًا أخرى من الجمال تزيد الغاب إبداعًا وإن زجت به في غمار حياة المدينة وجعلت الكثيرين يلتمسون في ضاحية أكثر عن باريس نأيًا وسيلة للتخلص من جو المدينة ومن مشاغلها.
وضواحي باريس من هذا القبيل كثيرة لا يعنيك اختيار إحداها كلما حدثتك نفسك بالخلوة إليها والاستمتاع بجمال جوها وغابها. ذهبنا منها إلى فرساي وسان كلو وفنتنبلو وأنجان وسان جرمان وغيرها وغيرها، ومتعنا في قصر فرساي بآثار لويس الرابع عشر ملك العصر العظيم في تاريخ فرنسا، وبحديقة هذا القصر كم شهدت من غرام رجال القصر وسيداته، ثم أصبحت اليوم كما أصبحت غرف القصر متاع الجمهور الفرنسي، بل متاع أهل العالم كله، خاضعة بذلك لما تطورت إليه أفكار العالم حينما نقلت مصدر السلطة من الملك الذي كان يعد نفسه خليفة الله على الأرض إلى الأمة التي تنصب الملوك وتنصب رؤساء الجمهوريات وتملك الأمر طرًّا. وإلى هذا المصير الذي خضع له قصر فرساي خضع قصر فونتنبلو، وإن بقي محتفظًا من آثار نابليون بأكثر مما احتفظ به قصر فرساي من آثار لويس. فأما سان كلو وسفر وأنجان وغيرها من الضواحي فليس لها ما لفرساي وفونتنبلو من بهاء؛ إذ لم يكن لما بها من قصور أثر في التاريخ له من العظمة ما لنابليون وما للويس الرابع عشر. لكن في هذه الضواحي جميعًا متعة للنفس وسكينة للفؤاد برواء بهجتها ولين خضرتها ورقة هوائها ونمير مائها وما فيها من أسباب المسرة والنعيم، فإذا أنت قضيت بها نهارك وجاء عليها الليل ألفيت بها من مظاهر مدينة النور شيئًا غير قليل، وآنست في بساتينها وفي المطاعم والمقاهي المنثورة بين غاباتها أنوارًا تعبث بحجاب الليل وتدعوك إلى متاع به فيها يعوضك عن متاعك بليل باريس، وإن على صورة ريفية إلا يكن لها ما لليل باريس من بهاء، فلها ما لليل الريف من بهجة ورواء.
وقضينا بباريس ثلاثة أسابيع تغيرت أثناءها صورة الحياة أمام زوجي، لكنها بعد هذه الأسابيع الثلاثة بدأت تألف حياة باريس، وبدأت تعاودها الذكرى فيعاودها من الألم ما نسيت أول ما غمرتها هاته الحياة واستدعت كل انتباهها. وأشهد أنها جاهدت لتتغلب على أساها، ولتنسى في الحياة نفسها، لكنها كانت ترى في الوقت بعد الوقت ما يهيج هذا الأسى حين ترى أمًّا تفيض أمومتها على طفلها حنانًا وحبًّا، وحين ترى الأطفال يرتعون في الحدائق وبين أشجار الغابات، فتهيج أمومتها الجريحة من أساها ما تجاهد بعزم صادق أن تغالبه. وكثيرًا ما شعرت بهذا الجلاد النفساني، فجعلت كل همي أن أصرفها عنه إلى جديد، أو أن أمحو من نفسها اليأس ولو بوهم من رجاء، وكنت أنجح أحيانًا ثم تغلب الغريزة الإنسانية مجهودي، وتبعث إلى ما خلفت باريس من صفو الجو أمام ناظرها سحابة تسيل من عبرتها ما كان قد هدأ. وزاد في الأمر أنَّا في خلال هذه الأسابيع الثلاثة التقينا بمصريين ومصريات ممن نعرف، وتعرفنا إلى طائفة من المقيمين بباريس لم نكن من قبل نعرف، وشعرت هي بما لمبالغة هؤلاء وأولئك في حسن معاملتها من معنى الإحساس معها وتقدير ألمها، فازدادت ألمًا. عند ذلك فكرت في ضرورة الانغماس في بيئة جديدة تختلف عن بيئة باريس، ويكون بينهما ما بين البيئة الفرنسية والبيئة المصرية من بون، ولم أكن أعرف ألمانيا لأختار برلين، فآثرت أن نذهب إلى لندن، وأن ننتقل إلى البيئة الإنجليزية لعلنا نرى فيها جديدًا يشغل وينسي. وأعددنا للسفر متاعنا في الثاني عشر من أغسطس معتزمين أن نقضي بالعاصمة الإنجليزية أسبوعًا نعود بعده إلى القارة، وكان هواي أن نعود إلى بروكسل، ولم يدر بخاطري ساعة غادر بنا القطار محطة الشمال من محطات باريس أنه سيعود بنا بعد أسبوعين إلى هذه المحطة، وأن انتقالنا من بيئة باريس إلى لندن سيكون أكبر أثره أن يزيد زوجي لباريس حبًّا، وعلى العود إليها حرصًا.

في لندن


تقطع السفينة ما بين مصر والقارة الأوربية في أربعة أيام؛ أي مائة ساعة. وهي تقطع ما بين القارة وإنجلترا متخطية من كاليه إلى دوفر في ساعة واحدة. مع هذا يشعر الإنسان بتفاوت بين إنجلترا والقارة أكثر مما يشعر به بين مصر وأوربا، حتى ليخيل إليه أن مضيق المانش يفصل بين عالمين مختلفين. ولعل هذا الشعور يكون على أشده حين يجتاز الإنسان من مصر إلى إيطاليا أو إلى فرنسا ثم يجتاز من فرنسا إلى إنجلترا، فأما الذين يقصدون إلى البلاد الإنجليزية من ألمانيا فلا يبلغ منهم الشعور بالتفاوت كل هذا المبلغ، ويجدون وجوهًا من الشبه بين الأمتين لا شيء منها بين إنجلترا والأمم المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط؛ ذلك بأن بحر الروم هذا كان مستقر حضارات قديمة منذ ألوف السنين، ومذ كانت إنجلترا وألمانيا وبلاد الشمال الأوربي كله ما تزال تعصف بها ريح الوحشية والتأخر، وما تزال بعيدة عن أن تنال من الحضارة أي حظ أو تشاطر فيها بنصيب. وقد جمعت هذه الحضارات، التي يطلق الأوربيون عليها افتياتًا اسم الحضارة اللاتينية، بين مصر واليونان وروما والبلاد التي جاورتها وخضعت لها وأفادت منها. وهذه الجامعة ما تزال إلى يومنا، وإخالها لن تزال في المستقبل، مبعثًا لأوجه شبه شتى بين البلاد المحيطة بالبحر المتوسط. وهذه الجامعة هي التي تجعلك تشعر من التفاوت بين إنجلترا والقارة بأكثر مما تشعر به بين مصر وأوربا.
وأنت ترى هذا التفاوت في كل شيء، في الجو وفي البيئة الطبيعية وفي العمارة وفي صور الناس وطبائعهم وعاداتهم. وكم قيل إن الحرب الكبرى قربت بين إنجلترا والعالم، وأزالت ما كان في خلق الإنجليزي وطبعه من انقباض واعتزاز. وقد يكون حقًّا أن بين الإنجليز اليوم وما قبل الحرب فارق في ذلك محسوس، لكن الإنجليزي لا يزال هو الإنجليزي، إنجلترا لا تزال إنجلترا؛ فأنت تشعر لأول ما تتخطى دوفر ويتحدث إليك رجال الجمارك فيها أن للحياة هنا نظامًا غير الذي رأيت في فرنسا، وغير ما يمكن أن يجول بالخاطر عن نظام مصر؛ رجل الجمرك يحدثك في سكينة يسألك عن سبب زيارتك إنجلترا، وعن متاعك وما قد يكون فيه مما يستحق دفع الجمرك عليه، فإذا آنس الثقة بك من حديثك ونظراتك وفيما قد يفيده من جواز سفرك لم يثقل في شيء عليك، وتركك تجتاز إلى القطار أشد ما تكون طمأنينة له وثقة أنت أيضًا به. وأنت في القطار لا يسألك أحد عن تذكرة سفرك ولا عن أي شيء من أمرك، ويجتاز القطار بك الطريق من دوفر إلى لندن بين مروج باسمة الخضرة يزيد السحاب الذي يعترض جو إنجلترا في أحيان كثيرة خضرتها لينًا. فإذا وقف القطار في محطة فيكتوريا وانطلق بك الأوتموبيل في شوارع لندن، ألفيت حياة جديدة ونظامًا جديدًا وإدراكًا لمعنى المدينة وحياة المدينة غير ما خلفت وراءك في باريس. وأول ما يلفت النظر من ذلك سير العربات إلى يسار الطريق، وهي في غير إنجلترا تسير إلى يمينه، ويلفت النظر كذلك أن رجال البوليس كلهم طوال أقوياء يقظون، تلمح على وجوههم سمو قدرهم لواجبهم، وترى فيهم حقيقة ما يردده الإنجليز من أن الطريق ملك البوليس، هو الذي يحمي نظامه وينفذ القانون فيه. ثم إن عمارات لندن ليست هذه المباني الشاهقة التي ترى في باريس، والتي تنتظم شوارع بأكملها، بل هي أغلب أمرها دور مكونة من ثلاث طبقات أو أربع طبقات، ولا يزيد على ذلك إلا بعض العمارات في أحياء التجارة الكثيرة الحركة والنشاط. وخلال هذه الشوارع والطرق تمتد حدائق فسيحة متصلة تقوم مقام الرئة من قلب لندن وتزيد في مساحتها أضعافًا مضاعفة على التويلري واللكسمبور وبارك منسو وغيرها من حدائق باريس، وتخترقها الطرق تجري فيها العجلات على نحو ما ترى في غاب بولونيا. ثم إنك ترى التجارة محصورة في أنحاء معينة، على حين ترى أحياء فسيحة كلها منازل للسكنى تتخللها حدائق صغيرة تنفس عنها هي أيضًا. وفي أحياء التجارة لا تجد هذه المقاهي والمطاعم منظومة موائدها ومقاعدها على رصيف الشارع، حتى لتحسب أنك غير واجد في أنحاء العاصمة الإنجليزية كلها مكانًا تستريح إليه إذا أضناك السير وشق عليك طول الطريق، لكنك لا تلبث متى عرفت من حياة لندن بعض الشيء أن ترى في أماكن الشاي الكثيرة المنثورة في كل مكان، والتي لا تتبدى على الطريق أكثر مما يتبدى أي حانوت آخر، مواضع لراحتك، ثم ما تلبث أن ترى في عدد كثير من أماكن الشاي هذه من أسباب الترف، وجمال نغم الموسيقى، ومن أدوار الرقص، ما لا تذكر له في باريس مثلًا. وفي أبهاء الفنادق الكثيرة الكبيرة مأوى للراحة والترف قلَّ في كبريات فنادق باريس نظيره، فإذا طال مقامك بالعاصمة الإنجليزية وازددت بحياتها اتصالًا ألفيت فيها من دواعي النعيم غاية ما يصل إليه الترف، ثم هو ترف غير متكلف ولا مشوب بتقليد؛ لأنه ترف إنجليزي صميم. على أن أندية الليل التي يجتمع هذا الترف فيها هي أكثر الأمر في طبقات تحت الأرض تشعرك بما في غريزة الإنجليزي من حرص على أن يبدو أمام الناس في مظهر الجد والرهبة، فإذا خلا إلى نفسه استغرق في كل أسباب المتاع والنعمة، لا يحول حائل بينه وبين نيل كل ما يستطيعه منهما.
وأحسب أن الجد والرهبة والمتاع والنعمة كلها طبيعية في النفس الإنجليزية، وكلها ترجع إلى ما أصبح بعض غرائز الخلق الإنجليزي من الاعتزاز بالنفس والاعتماد عليها. فالإنجليزي لا يرى في الحياة رأي الفرنسي، ولا يجعل الادخار أكبر وسائله للاحتياط للمستقبل، بل يرى الإقدام والصبر والسعي المتواصل أكفل الأسباب التي تهيئ النصر في الحياة؛ لذلك تعيش إنجلترا معتمدة في عزلتها البديعة على قوة اتصالها بالعالم كله اتصالًا يكفل لها ما هي فيه من نعمة، ولو انقطع هذا الاتصال وانقطعت واردات العالم شهرًا واحدًا لطحنتها المجاعة. أما فرنسا وأكثر الأمم اللاتينية فحياتها وقوتها في الادخار، وفي الخوف المستمر من المستقبل والاحتياط له، وهذا الخوف هو ما يجعلك ترى حياة الفرنسي في بيته حياة شح وإقتار وانكماش أمام شبح الفقر.
وهذا الاعتماد على النفس والاتصال بالعالم هو الذي يجعل حياة الإنجليزي عزوة مستمرة للحياة وحرصًا على استنفاد ما بها من صنوف المتاع. قص عليَّ صديق سافر إلى برقة أثناء الحرب الإيطالية التركية سنة ???? ومر بالسلوم، أن الحامية المعسكرة بها كانت في قيادة مصري، فلم يكن بها غير الخيام والرمال، فلما أقام ببرقه الشهور التي استغرقتها الحرب ثم عاد منها في طريقه إلى مصر، ألفى قيادة حامية السلوم انتقلت لإنجليزي، وألفى خيمة القائد تحيط بها حديقة جميلة فيها حشائش خضر وأزهار ذات بهجة، ووجد في ضيافة هذا الإنجليزي المنقطع بالصحراء كل ما يطمع الإنسان في المدينة فيه من أنواع المتاع. وما رأيت أنا من حياة الإنجليزي بالسودان يؤكد هذا الذي رواه صديقي، فإذا كانت هذه حياة الإنجليزي خارج بلاده، وكان هذا مبلغ حرصه على المتاع بالحياة، فليس عجبًا أن تكون إنجلترا المظهر الأقوى لهذا الحرص، ولظهور الخلق الإنجليزي بكل ما فيه من اعتداد بالنفس واعتماد عليها.
والخلاف بين الخلق الإنجليزي والخلق الفرنسي يرجع في رأيي إلى أطوار التاريخ في الأمتين أكثر مما يرجع إلى عزلة الجزر البريطانية وإلى قسوة الطبيعة عليها وعدم برها بها، فقد أرادت أقدار التاريخ، ولعل الطبيعة البريطانية بعضها، أن يقوم النضال بين سلطة الملك وسلطة الأمة في إنجلترا منذ القرن السادس عشر، وأن تنتصر سلطة الأمة انتصارًا باهرًا، وبرغم ما حدث بعد ذلك من استبداد الزعماء والقادة بالأمة الإنجليزية ما استبد نابليون بفرنسا، فإن الروح القومية بالمعنى الديمقراطي شقت طريقها في إنجلترا في حين كانت سلطة الفرد ما تزال كل شيء على القارة. والروح القومية تسمو بنفس الفرد وتجعله يسعى إلى أسمى ما تقصد إليه الحضارة من غاياتها: إلى حرية الفرد وتضامن الجماعة، والحرص على حريته، فحرية ذويه، فحرية إنجلترا هو الذي قوى في الخلق الإنجليزي ما قدمنا من صفات، وهو الذي أدى به إلى أن يجعل لكلمة الدار “Home” معنى لا مثيل له في غير إنجلترا، والواقع أنه حيثما كان التسلط لفرد على الجماعة، وحيثما كان حكم المستبد هو القاعدة التي يؤمن الناس بها نظامًا لاجتماعهم، سواء أكان المستبد مصلحًا أم مفسدًا، فإن هذه المعاني الخلقية التي نمت في النفس الإنجليزية منذ النضال الأول بين سلطة الملك ظلت دفينة بل معدومة في النفوس التي كانت تؤمن بأن لا وجود لها إلا بمقدار ما يريد المستبد أن يكون وجودها؛ ولذلك كانت حياة كل فرد وحريته وماله في هذه البلاد معلقة بين شفتي الحاكم، تكفي كلمة لسعادة رجل، وتكفي كلمة أخرى لشقائه أو للقضاء على حياته. وفي ظل نظام كهذا تنمو أنانية الأفراد غاية النمو، فلا يفكر أحدهم في غير نفسه، وقلَّ منهم من يفكر في خير الغير أو يهب حياته لمصلحة الجماعة وعلى غير كره منه. فأما حيث تتحقق الحرية المدنية، ويصبح الحكم عملًا اجتماعيًّا كغيره من الأعمال الاجتماعية، فلا يبقى للحاكم على غيره أي حق، وحيث تصبح علاقات الناس مقررة بالقوانين بما يطمئن كل من معه إلى أن ماله وعمله وحياته بمأمن من كل اعتداء — ما لم يعتدِ هو على غيره — فهنالك يتأصل بين الناس نظام تقسيم العمل والتضامن فيه، ويهون على الفرد أن ينزل للجماعة مختارًا عما فاض عنه من ثمراته؛ ولذلك تراك حيث وجدت الحضارة أشد تأصلًا رأيت الناس أشد للحرية تقديسًا وللتضامن الاجتماعي سعيًا وعملًا. هذا ما ترى مظاهره في إنجلترا واضحة قوية بما ترى من قيام الحرية الفردية بالنفوس قيام الغريزة، ومن تقديسها، حتى يعتبر أي مساس بها جريمة دونها أية جريمة، وبما ترى من التضامن الاجتماعي الذي يجعل أغلب الأعمال ذات المنفعة العامة، من مثل الجامعات والمستشفيات مستقلة بذاتها قائمة على تبرعات الأفراد والهيئات، غير متصلة بالحكومة ولا خاضعة في قليل أو كثير لسلطانها. قص علينا صديق مصري أثناء مقامنا بلندن أن فتاة مصرية كانت تتعلم في أحد المستشفيات بها، وأنها كلفت جمع الإعانات من الجمهور لفائدة المستشفى، وما كان أعظم دهشتها حين مرت ببائع صحف فأعطاها جنيهًا، وبجزار فأعطاها خمسة جنيهات لهذا المستشفى! قد تدهشك ثقة بائع الصحف والجزار بالفتاة المصرية ودفعهم المال لها لمجرد إبرازها تذكرة شخصيتها، بل لقد تدهش هذه الثقة في فرنسا وفي بلاد كثيرة، لكنها مظهر الحياة في إنجلترا. فالإنجليزي يثق بنفسه ويثق بغيره؛ ذلك بأنه تاجر، وبأن الثقة في التجارة أساس النجاح، فأما من خان هذه الثقة فله الويل أكبر الويل من القضاء من ناحية، ومن ازدراء الجماعة الإنجليزية إياه من الناحية الأخرى، ازدراء لا يستطيع معه أن يعيش في إنجلترا كلها. وأستطيع أن أقص عليك من مظاهر هذه الثقة وما يقابلها من أمانة الشيء الكثير مما رأيت؛ فكثيرًا ما كنا نأخذ بضاعة من متجر ثم لا تعجبنا بعد يوم أو أيام، فنردها فيردون إلينا ثمنها من غير أن يفتحوا صندوقها، وكثيرًا ما نسينا ونسي غيرنا من معارفنا محافظ نقودهم في غرف الفندق الذي يقيمون به، ثم عادوا فوجدوها حيث كانت لم تمسسها يد وإن كانت الغرفة كلها قد نظفت وتغير فرشها. روى لي صديق أنه ذهب يومًا، قبيل سفره من لندن عائدًا إلى مصر، ليشتري هو وزوجه أشياء، فلما عادا إلى مسكنهما تفقد حافظة نقوده فلم يجدها، وكان بها كل ما بقي له من نقد! فتذاكر هو وزوجه أين دفعا آخر دفعة، فادكرا مخزنًا من المخازن الكبيرة والفتاة التي باعتهما فيه، وفي الصباح ذهبا إلى ذلك المخزن، فلما رأتهما الفتاة عن بعد أقبلت عليهما في ابتسام قائلة: إن لدي شيئًا لكما. وذهبت بهما إلى درجها وأخرجت منه المحفظة، وعبثًا حاول صديقي أن يدفع لها شيئًا؛ إذ رفضت أن تقتضي ثمنًا لأمانتها!!
هذه هي البيئة الإنجليزية التي نزلنا في ?? أغسطس سنة ???? ولنقف منها على ما ذكرت. قضينا بالعاصمة الإنجليزية سبعة عشر يومًا كان إخواننا المصريون المقيمون بلندن دليلنا إليها وسلوانا فيها، وما كنت لأدعي معرفتها ولم أقم بها أكثر من شهرين، منها ستة أسابيع في صيف ????، وأسبوعان في ربيع ????؛ لذلك وقفت معرفتي إياها عندما يعرف السائح من متاحف بلد من البلاد وآثارها الظاهرة وبعض الشيء عن مسارحها. وما كنا لنعنى بالمسارح وقد فتنتنا باريس عن مسارح العالم كله، فزرت وزوجي برج لندن حيث انبهر ناظرها بجواهر التاج البديعة وبماسة (كوهي نور) المنقطعة النظير في حجمها وصفائها، وحاولت أن أتسلق البرج على نحو ما صنعت في سنة ????، فصدت عن ذلك نفسي أن لم يبق لديها من تطلع الشباب ما تستهين في سبيله بالجهد والمشقة. وزرنا المتحف البريطاني وطفنا بأبهائه وصالاته المختلفة، وقفنا منها عند الصالة المصرية القديمة، ثم هبطنا إلى صالة التماثيل فوقفت أمام تمثال إيزيس الحبيسة في زجاجها. ما أعظم ما أخذني من البهر أمام هذا التمثال يوم وقفت أشاهده للمرة الأولى سنة ????! أما اليوم وقد رأيت الكثير من التماثيل المصرية فقد سلكته في عدادها وإن بقي في النفس من ذكرى بهرها ما يجعل له فيها إعزازًا ومحبة. وزرنا (الناشيونال جالري)، ووقفنا أمام صورة لإدي هملتن، وجبنا غير ذلك من أنحاء المدينة وروَّينا النظر بآثارها، ثم زرنا من أماكن الشاي ما كان لنا متعة بموسيقاه ومراقصه. على أن إخواني المصريين، ومن بينهم أصدقائي في السفارة وفي القنصلية المصرية، أغنوني كما قدمت عن أن أجعل من المتاحف والآثار كلها متاعي، وجعلوا من ضواحي لندن والريف الإنجليزي مواضع نزهتنا، حتى لقد خرجنا إلى هذا الريف أكثر من اثنتي عشرة مرة في الأيام السبعة عشر التي أقمناها بينهم، والحق أن هذه الضواحي وهذا الريف الإنجليزي البديع وما يجده الإنسان في هامبتن كورت وفي قصر وندسور وفي غيرهما من الأماكن الفخيمة من الآثار مما يصل بك إلى فرط البهر بسحر جماله وبارع فتنته.
بعد يومين من مقامنا دعانا صديق إلى نزهة على النهر، فركبنا السيارات العامة (الأتوبيس — أو البس على اختزال الإنجليز) إلى رتشمند إحدى الضواحي القريبة من لندن والمتصلة بها بالقطار والمترو أو «تحت الأرض» أو «الأنبوبة» (في تعبير الإنجليز؛ لأن النفق الذي تجري فيه أسطواني) وبالبس وبكل أسباب المواصلات. ورتشمند ضاحية جميلة هي طليعة الريف الإنجليزي البديع، وإذا قلت عن الريف الإنجليزي إنه بديع فأنت لم تقل في الحقيقة شيئًا؛ فالريف الإنجليزي، أو على الأقل ما رأيت منه، حديقة متصلة تجري خلالها الطرق العامة رصفت كلها بالأسفلت رصفًا يجعلها تصل ما بين إنجلترا وأسكتلندا بحيث يقطعها المسافر في الأوتومبيل وهو ناعم بسفره مستريح أشد الراحة له. ورتشمند ليست بعد من ريف إنجلترا، بل هي بساتين تصعد من شاطئ النهر إلى مرتفع عظيم يقع عليه البصر، فيبعث إلى النفس راحة وطمأنينة وإلى القلب سرورًا وسعادة بفتنة هذا الجمال. وبين هذه البساتين نثرت مبانٍ قليلة، بعضها فنادق وبعضها منازل صغيرة على طراز المنازل الإنجليزية المبنية بالآجر، تكتنفها من أمامها ومن خلفها حدائق تكاد أزهارها تكسو واجهة البيت جميعًا فتحيله كله زهرة ضاحكة. وجاورنا النهر وسرنا على شاطئه، فرأينا ما لا نظير له في غير إنجلترا؛ زوارق يخطئها العد، استقلها شبان وشيوخ وكلهم يجدفون في نشاط، وكلهم على الرياضة البدنية إقبال أي إقبال. وركبنا زورقًا بخاريًّا أخبرنا مضيفنا أنه يسير وغايته هامبتون كورت، فما كدنا نتخطى رتمشند حتى تبدى الريف الإنجليزي على شاطئ النهر في كمال روعته. ومن آن لآخر نمر ببعض الزوارق بها كل ما يجب لأدوات الشاي، وذكر صاحبنا أن بها كذلك طعامًا يكفي أصحابه آخر الأسبوع؛ أي من ظهر السبت إلى صبح الاثنين، يهجرون أثناءه العاصمة إلى صفو هذا الجو الجميل، مبتعدين بذلك عن ضجة المدينة وعما يفسد جوها حتى يضيق به الصدر. هذه بعض مميزات الخلق الإنجليزي المولع بالرياضة. على أن للإنجليز بالغ العذر لما يدعو ريفهم الجميل النفس له، ونهر التيمس نفسه قد زينته الصناعة خير زينة، وقامت على شاطئيه دور تحف بها الحدائق تزيد زينته بهجة وابتسامًا، ثم إنك حيث نزلت من هذا الريف وجدت أماكن لراحتك ولتناول طعامك وشايك، تحسبها أول الأمر غير قادرة من ذلك على كثير، ثم ما تكاد تدخل إليها حتى يشتملك جوها بكل ما يبعث الطمأنينة إلى نفسك. نزلنا مع صديقنا عند إحدى بوابات النهر الحاجزة مياهه تنظيمًا للملاحة فيه، وكانت ساعة الشاي، فملنا إلى دار مؤلفة من غرفتين هي دار خفير البوابات، فإذا به قد وضع في رحبة من الأرض أمامها بضع موائد للذين يتناولون الشاي، وإذا زوجه وابنته تقومان بخدمة من ينزلون عندهم لهذه الغاية، وتقومان لذلك بتحضير كل ما يلزم من فطائر وخبز وزبدة وكعك، وتقدمان ذلك نظيفًا لطيفًا تشتهيه النفس ويأخذ الإنسان منه ما يشاء راضيًا مغتبطًا ببساطته وإتقانه، سعيدًا بالهواء النقي وبمنظر النهر، ويجد الفتاة إذ تؤدي واجب الخدمة في رزانة ووقار كأنها تؤدي واجبًا مقدسًا. وأراد صاحبنا التبسط معها، فأجابت بكلمة وانفلتت لترى غيرنا ممن هم في حاجة إلى خدمتها، وضحكنا لهذا المظهر من الجد الذي إن اتفق وبساطة عيش الريف، فهو يتنافر والشباب، وهو أشد مع الأنوثة تنافرًا. وأدينا عن شاينا هذا دريهمات قمنا بعدها إلى النهر وإلى الزورق البخاري الذي أقلنا إلى رتشمند، ونحن — باليوم كله وبجمال الريف الإنجليزي وبهجة مناظره وبروعة الحدائق المنثورة هنا وهناك، مبعثرة خلال خضرتها دور الريف الصغيرة الرشيقة وبكل ما أحاط بنا وأمتع نظرنا — نشوة ومرح لا سبيل إلى مثلهما في جو المدينة، وإن عوض جو المدينة الناس من أسباب المرح والنشوة ما قد يهيج النفس أضعاف ما تهيجها نشوة الريف، ولكن على حساب الصحة وعلى حساب الأعصاب.
وسارت السفينة بنا بعد ذلك بأيام بين خضرة هذا الريف البهيج حتى بلغنا هامبتون كورت مقر أحد القصور الإنجليزية الملكية، والناس أشد بحدائق القصر ولعًا. فلئن كانت طنافس القصر وبديع أثاثه وما به من صور زيتية ينال الكثير منها الإعجاب العظيم، فإن هذه الحدائق الفسيحة الأرجاء والبحيرات الصغيرة التي تتخللها، والأزهار الباسمة الألوان وما يشتمل ذلك من جو صفو رقيق، كل ذلك يقتضي الناس أضعاف ما يقتضيهم القصر من الزمن الذي ينفقونه في الضاحية. ثم إن أكثر الناس يكتفون برؤية هذه الآثار الفنية مرة، ولكنهم مع ذلك يترددون على الحدائق وحشائشها وبحيراتها وأزهارها كلما دفعهم ملال المدينة إلى الخروج إليها لتنسم الهواء الصافي الصحيح. وفي هذه الحدائق تبسم الثغور وتفيض النظرات بمعاني المرح والغبطة، وتعود الحياة نعيمًا ومسرة يغريان بالحب وبالمودة وبكل العواطف الرقيقة الجميلة التي تحبب إلينا الحياة؛ إذ يهش لنا ما فيها ويجيبنا إلى ابتسامتنا لها بابتسامة كلها حنان وحب ومودة.
أما قصر وندسور، كما يسميه الإنجليز “Windsor Castle” فلا يزال منزلًا لضيوفهم من الملوك ورؤساء الجمهوريات. وهو حصن حقًّا في ظاهره، فأنت ما تلبث حين تدخل إلى فنائه أن ترى أمامك جدرانًا من الحجر لم تطلس ولم تنقش ولا تكاد ترى فيها نافذة أو فجوة، وتستدير إلى بابه فيزيدك الطريق إليه اقتناعًا بأنك أمام حصن من طراز برج لندن، لكنك متى تخطيت الباب إلى الدرج فواجهتك غرف القصر وأبهاؤه ألفيت نفسك في قصر منيف، بديع النقوش، ثمين الآثار، ملكي الغرف، بما فيها من صور زيتية ونقوش جدرانية وصور في السقوف وآنية في غرف المائدة وسرر في غرف النوم، وما إلى ذلك من مظاهر الجلال والأبهة مما ينسيك هامبتون كورت، بل مما ينسيك فونتنبلو. على أنك ما تكاد تذر القصر حتى يعاودك الشعور بأنك أمام حصن مهيب ليس حوله ما حول هامبتون كورت من حدائق غناء. ثم يصل ما بينه وبين قرية وندسور طريق قصير يقرب ما بين مقر الملك ومراح الشعب بما يرفع من معنى الديمقراطية إلى المكان الصحيح، وما يحقق الوحدة القومية المستندة إلى سيادة الأمة وإلى رمز هذه السيادة. كثيرة ضواحي لندن وإن لم أعرف بها قصورًا غير قصري وندسور وهامبتن كورت، وأكثر الضواحي يبذهما روعة وجمالًا. ذهبنا إلى بريتن وإلى إيسبون الواقعتين على شاطئ المانش. وذهبنا إلى غيرهما من الضواحي يقع بعضها على التيمس والبعض خلال الريف غير متصل بنهر ولا ببحر، فكنا في جولاتنا جميعًا نستمتع بنضرة وبهاء وصفو جو، وننعم خلال ذلك بأماكن الشاي الريفية الجميلة المنثورة خلال إنجلترا مثابة للسكينة والنعمة، على أنه لم يأخذ شيء بنظرنا في هذه الضواحي جميعًا ما أخذ منظر من أروع مظاهر التضحية وأبدعها؛ ذلك حين عرجنا أثناء تجوالنا أنحاء الجنوب الإنجليزي مما حول لندن على قرية المسنين، أو قرية ويتلي، كما يسمونها هناك باسم المحسن الذي أنشأها. هذه القرية الواقعة بين نضارة ريف إنجلترا يهز القلب مرآها كما تأخذ باللب فكرة الإحسان التي دفعت مستر ويتلي إلى إنشائها. لها بوابة حديدية فخمة، تخطيناها إلى غابة صغيرة تتخلل أشجارها الباسقة أزهار جميلة، ويمر الطريق من خلالها نظيفًا منتظمًا حسن الرصف يصل بين القرية وبينها. والقرية بيوت مشيدة كلها على طراز واحد غاية في البساطة، غاية في الحسن، بنيت من الآجر، وفي الطابق الأسفل منها غرفتان أو ثلاث غرف، وفي الطابق الأعلى غرفة أو غرفتان. لكن البناء على رشاقته وظرفه ليس هو الذي يسبغ على القرية جمالها؛ فمن حول كل من هذه البيوت حديقة ظريفة غرست على النظام الإنجليزي، فيها الأزهار مختلفًا ألوانها، وفيها الأشجار الزاهية الخضرة ما لم يذبل خضرتها قرُّ الشتاء. وخلال الأزهار والأشجار طرق ضيقة تفصل الجازون الذي يكسو الأرض بخضرته بعضه عن بعض، وتجعل الحديقة تبدو كأنها خريطة مرسومة على ذوق البستاني الفنان الذي يقوم على العناية بها. وفي جانب القرية كنيسة رشيقة هي أيضًا يحيط بها فضاء يسبغ عليها ما يجب لبيوت العبادة من هيبة. والمنازل والكنيسة ومستشفى القرية وما فيها من سائر صور الحياة منثورة تتخللها الحدائق والطرق، وتنبسط بينها ساحة واسعة مغروسة كلها إلا طريقًا يمر وسطها، ويقوم عند غايته تمثال مستر ويتلي منشئ هذه القرية. والقائم على زراعة الحدائق وتعهدها هم أولئك المسنون الذين بنيت القرية من أجلهم، كما أنهم هم الذين يعمرون دار العبادة كل يوم في أوقات العبادة، وهم وحدهم الذين يقيمون في القرية، فلست ترى فيها إلا من جاوز الخمسين على الأقل، وقد ترى فيها من أربى على الثمانين. وما أجمل منظرهم رجالًا ونساء وهم يروحون ويغدون أمام منازلهم يتعهدون الحديقة تارة ويتروضون تارة أخرى، وهم عن هموم الحياة وآلامها بمعزل بعد أن كالت الحياة لكل منهم نصيبه من هذه الهموم والآلام!
كلا! بل بقي لهم بعض همِّ الحياة؛ ذلك أن مستر ويتلي حين فكر في بناء قريته للذين يتجاوزون الخمسين وتضيق بهم سبل العيش، لم يرد أن يتركهم بغير عمل، ولم يرد أن يخليهم من كل تبعة. وما قيمة الحياة بلا عمل ولا تحمل تبعة؟! إنها تصبح إذن حملًا ثقيلًا وهمًّا دونه كل هم؛ لذلك اكتفى بأن شيد القرية ليسكنوا في منازلها، وقدم لهم الماء والكهرباء والوقود والدفء، وترك على عاتقهم العمل لكسب القوت. وإذن فعليهم تبعة ولهم عمل، وإذن فلديهم شفاء آلام النفس كلها. وهل غير العمل هذا الشفاء؟! وهل ينسى المكلوم القلب والمحزون كلومه وحزنه في خير من أحضان العمل؟! وهل ينسى المسن هموم الماضي وعبء الحاضر وخوف المستقبل في شيء خير من العمل؟!
لكن التقدم في السن يصل بالرجل وبالمرأة إلى تمام العجز عن العمل، ويضطرهما إلى انتظار غاية الحياة وهما ينظران إليها تفر سراعًا ولا يستطيعان إمساكها ولا شغلها؛ لذلك قرر مستر ويتلي أن يذهب كل من عجز عن العمل إلى المستشفى يقدم له فيه طعامه وشرابه إلى جانب ما كان يقدم له ولسواه من قبل، ويبقى فيه إلى أن ينقل منه إلى المقر الأخير ينتظر فيه الأبدية التي قدم في سبيلها من أنواع العبادة ما قدم.
هذه قرية ويتلي، وهي مثل من أمثال التضحية بالمال في سبيل خير الجماعة أدت إليه فكرة غاية في السمو والنبل؛ فمن الحق أن يصل الإنسان من عمله أيام المقدرة عليه إلى ما يخفف عنه عبء العمل حين الضعف وعدم استطاعة الإنتاج بما يكفي كل حاجات الحياة، لكن نظام الجماعة الحاضرة لا يكفل هذا الحق، وقد يكون عسيرًا أن يكفله، فعلى من يؤمن به أن يعمل ما استطاع لكفالته؛ فإن كان هذا المؤمن من الذين أتاحت الحياة لجدهم أو لعملهم أن يثمر ما يفيض عن حاجاتهم فيضًا عظيمًا، فخير ما يعمله، كفالة لهذا الحق، أن يقوم بمثل ما قام به مستر ويتلي، وأن يبني قرية على طراز قريته.
وأحسب أن الذين يؤمنون بما آمن به مستر ويتلي كثير، لكن الذين يدفعهم إيمانهم إلى القيام بمثل عمله قلة في أكثر الأمم، وغير موجودين في البلاد التي لم تتـأصل فيها بعد حضارة حرية الفرد وتضامن الجماعة، وقد يكون لهم شيء من العذر حتى في البلاد المتمدنة لضعف الجماعة في بعض الظروف عن حماية الفرد مما قد ينزل به من هموم وكوارث.
ولعل مصير مستر ويتلي نفسه، هذا المصير المحزن العجيب، مما ينهض حجة للأنانيين؛ فهذا الرجل المحسن العظيم الذي عمل لإنقاذ مئات ومئات من الذين قضوا حياتهم سعيًا وجدًّا وكادت الحياة تجني عليهم، هذا الرجل البر بالإنسانية قد مات منتحرًا. ولئن بقيت قريته تشهد بإحسانه وبقي تمثاله القائم بين أولئك الذين أنقذهم من براثن البؤس يدل على سمو نفسه، فإن فاجعة انتحاره تدل على أن كثيرًا من جوانب الحياة الإنسانية ما يزال لغزًا غامضًا عسيرًا حله، وأن الإحسان وإن عظم قد لا يكفي لسعادة الحياة، كما أن المجد والمال وكل ما ينظر إليه الناس على أنه غاية من الغايات التي يسعون إليها قد تجتمع كلها للرجل، ثم لا تكفي مع ذلك حتى لطمأنينته إلى الحياة، فيفر منها جميعًا ويطلب الراحة في أحضان العدم يصل إليه من طريق الانتحار.
•••

سبق أن قلت إن أصدقاءنا المصريين في لندن كان لهم أكبر الفضل في اتصالنا بكثير من نواحي حياتها وبالريف الإنجليزي البارع الجمال مما يحيط بها، وأشهد أنهم أحاطونا بكل صنوف العناية، حتى لم يكن يمر يوم لا نرى فيه جماعة منهم كل مقصدهم أن يروحوا عنا، وأن يعاونونا على نسيان ما شعرت بإخلاصهم في مشاركتنا فيه من أسانا. وإن أنسَ لا أنسَ ما كان لقنصل مصر يومئذ بلندن (صديقي مصطفى الصادق وأسرته الكريمة) من فضل مضاعف. ولن أنسى إلى جانب فضله إخواننا جميعًا ممن أخشى إن حاولت ذكر أسمائهم أن تخونني الذاكرة فلا يرد اسم أحدهم أو بعضهم، فيكون عليَّ في ذلك من إثم الجحود ما أرجو أن أبرأ منه. وهذه العناية من جانبهم وما اقترن بها من حفاوة شبابنا وفتياتنا الذين يتعلمون في إنجلترا هي التي جعلتنا نمد زمن بقائنا بالعاصمة الإنجليزية إلى أكثر من الأسبوع الذي اعتزمنا بقاءه بها، وقد كان مستطاعًا أن ننفذ خطتنا، وأن نذهب إلى بروكسل لنعود منها إلى باريس بعد أن ازدادت زوجي فتنة بها بعد مقامنا بلندن لو أن الأسبوع لم يمتد إلى أسبوعين، بل لقد حجزنا تذاكر العودة إلى باريس في ختام الأسبوع الثاني، فأصر إخواننا على أن نجيب دعوة دعينا إليها، فأجلنا سفرنا يومين آخرين، فلما كان الظهر من يوم ?? أغسطس ركبنا القطار لنعود إلى باريس كي نقيم بها يومين اثنين ننظم بعدها رحلتنا إلى الألب وسويسرا، لكن سحر باريس كان أقوى من عزيمتنا، فاستبقانا بها أسبوعين كاملين.

لندن – باريس – السافوا العليا


غادرنا لندن ظهر ?? أغسطس على قطار السهم الذهبي (The Golden Arrow) فجاء مجلسنا في ديوان به أربعة مقاعد جلس إلى أحدها شيخ إنجليزي كان غاية في الرقة والظرف. وقصته هي التي عادت بي إلى الطريق بين لندن وباريس، ولولاه لبدأت هذا الفصل بما سأذكره عن أسبوعينا بمدينة النور. تحدث إلينا طويلًا، فكان حديثه شهيًّا يدعو إلى الإقبال عليه كما يستغرق النظر تحديقه إلى الوجه الجميل الساحر. سنه أربع وسبعون سنة على قوله. رأيناه فوددنا لو كان معنا من أمتعة الشباب بحلته الباسمة، وتركناه عند دوفر وركبنا المانش ثم التمسناه على ظهر الباخرة ونحن على الاستماع لحديثه الظريف جد حراص، وهو بعد فخور بقوته وصحته، محب لما في الحياة من لهو ومسرة؛ قال: إني أقيم بباريس أتجر في الجلود منذ ثلاثين سنة، كنت فيما مضى أسافر إلى لندن ثلاث مرات أو أربع مرات في السنة؛ أما الآن فهبوط عملة فرنسا وغلاء الحياة في إنجلترا جعلني أزور لندن مرتين وكفى، وإذ كنت قد ولدت بها على مقربة من ميدان شيرنج كروس فلي فيها عدد من الأهل غير قليل، لكني لا أنزل عند أحد منهم أثناء زيارتي إياها، بل أنزل دائمًا بالنادي (Circle). فلست أريد أن أخضع لرقابة أحد إن أنا تأخرت في الدخول ليلًا، أو لذَّ لي أي نوع من أنواع اللهو. وكان يحدثنا وهو يتناول الطعام ويتناول معه قدحين من الوسكي، ولما سأل الغلام حسابه ودفع له اثني عشر شلنًا قال: لو علمت زوجي أني دفعت في أكلة واحدة مائة فرنك لغاضبتني أن لم أشترِ لها بهذا المبلغ قبعة تعجبها وأن أنفقته لنفسي؛ لذلك يحسن أن يخفي الرجل على زوجه ما يدعو لخصومة أو مغاضبة.
وظل يحدثنا في هذا وفي مثله حتى لم نشعر بالوقت ومره بين لندن ودوفر.
ولم يجد التماسنا إياه على الباخرة شيئًا أن حال اضطراب البحر بيننا وبين كل حديث، وانتقلنا من كاليه إلى باريس في ديوان لم يكن فيه من بين شركائنا، فلما كنا بالفندق شعرنا كأنا عدنا إلى بلدنا وأهلنا ومنزلنا، وخرجنا نلتمس بعض المسارح نقضي الأمسية به، ففاض هذا الشعور عن أنفسنا، وأحسسنا أنَّا لا نستطيع مغادرة هذه المدينة في الموعد الذي ضربنا، وكأنَّا منها مدنف مكبل بسحر فاتنته. وتعاقبت الأيام، وكانت زوجي قد عرفت من باريس مدة مقامنا الأول ما جعلها تنفرد بالبحث في مخازنها عما تريد، وأنجتني معرفتها من قضاء الوقت معها في مخازن اللوفر والبون مارشيه والسمارتين والفصول الأربعة وغيرها مما لا أطيق عليه صبرًا، كما أتاحت لي أن أذهب إلى باعة الكتب أبحث عن جواب عن سؤال كان ولا يزال حتى اليوم يتردد بخاطري عما صار إليه الأدب الفرنسي بعد الحرب؛ فقد كنا أيام مقامنا بالحي اللاتيني إبان طلب العلم نعرف الرءوس المتوجة في الأدب الفرنسي، وكنا نذكر أسماء أناتول فرانس وبول بورجيه وجول لمتر وإميل فاجيه وغيرهم، وكان لمن نعجب به منهم مكان القداسة في سويداء القلوب.
فمن هم أصحاب تيجان الأدب اليوم؟ حقًّا إن بول بورجيه لا يزال حيًّا ولا يزال لأدبه ما كان له من سمو المكانة، لكن فرنسا كانت غنية دائمًا بهذه الرءوس التي تعد بحق أبهى مظاهر مجدها. فمن هم هؤلاء الذين مهد لهم الخلود صفحة في كتابه وما يزالون بيننا تهز أقلامهم قلوبنا وعواطفنا وإحساسنا؟ سألت كثيرين، فذكروا لي أسماء ربما ألفت أذني بعضها ولكن قلبي لم يتحرك لواحد منها ما كان يتحرك لأولئك العظماء الذين بقيت أسماؤهم مقترنة بكتبهم في ذاكرتي وبإعزازهم ومحبتهم في قلبي. أفيكون هذا لانصراف الحياة بي عما كان شاغل معظم وقتي من مطالعة؟ أم اهتزت مذاهب الأدب مع ما هزته الحرب الكبرى فلم يثبت بعد منها ما يتوج رأس صاحبه؟ أم ضخامة ما يقوم به الناشرون من إعلان عن رجال القلم هو الذي ضلل الجمهور في شأن أقدارهم؟ لقد سمعت من هذه الإجابات غير قليل، وأعترف بأني حتى اليوم لا أستطيع الحكم أيها أدنى إلى الحق وأصدق للواقع تصويرًا.
فتنتنا مسارح باريس من جديد، حتى لكنا نقضي أحيانًا بعد الظهر ونقضي المساء جميعًا فيها، وما أكثر ما كنا نتحدث عن الموعد الذي نسافر فيه من باريس، فإذا بنا نرى رواية لها الشهرة يقوم بتمثيلها نوابغ الفن، فنحجز أماكننا بالمسرح الذي يمثلها قبل الموعد بأيام، ونرى أنفسنا لا مفر لنا من الانتظار هاته الأيام حتى نشهدها. فلما انقضى الأسبوع ثم انتصف الأسبوع الثاني منذ حضورنا من لندن، شعرت بأنه يجب أن أستجمع كل عزمي لأقهر كل ما يقوم من تردد بنفسي. وذهبت ضحى يوم إلى شركة القطارات السويسرية فحجزت تذاكري إلى إكس لي-بن فشاموني فجنيف فأنترلا كن فلوسرن فميلانو فالبندقية؛ وبذلك خطوت الخطوة الأولى في سبيل النصر، ثم طلبت إلى الشركة أن تحجز لي مقاعدي ليوم ?? سبتمبر فخطوت الخطوة الثانية. وإني لأذكر ما كانت تتبدى باريس فيه بعد هاتين الخطوتين من زينة، وما كان يظهر على لوحات الإعلان عن مسارحها من إبداعها الشيء الكثير مما خشيت معه أن أعود فأغير موعد السفر، على أني غالبت كل عوامل التردد، وبقيت على عزمي برغم ذلك كله.
ولما كانت عشية السفر ذهبت أنا وزوجي نودع غاب بولونيا ونودع باريس، وأرخى الليل سدوله، وأضاءت أنوار الكهرباء متسللة فيما بين أوراق الشجر من ثغرات، ومر الوقت مسرعًا كأنه بساعة أخرى ضنين، فطلبنا إلى سائق السيارة أن يسير الهوينى بعض الشيء في أنحاء الغابة قبل أن ينحدر بنا وسط باريس. وكم من مرة حزنا خلال الغابة في مثل هذه الساعة! وكم متع الفؤاد بما فيها من جم المعاني العذبة الساحرة! لكن هذه الساعة الأخيرة في الغاب كانت فريدة في معانيها، وفي عذوبتها، وفي سحرها؛ فكأنما كنت أرى في أثناء الشجر كله عيونًا باسمة وثغورًا متلألئة وأصواتًا رخيمة تدعونا ألا نفارق هذه العيون وهذه الأصوات، وتعدنا أن تكون أبهى جمالًا وأعذب مما كانت سحرًا. وخرجنا من الغابة إلى الشانزليزيه فكأن لم نره من قبل، وكأن أمواج النور المترامية من عند قوس النصر إلى ما بعد ميدان الكونكورد لم تكن من قبل وضاءة الضياء مثلها هذه الساعة. وأضاء برج إيفل من قمته إلى أخمصه بما لا عهد لنا من قبل به، وتبدت باريس غير باريس، ودعانا كل ما فيها ألا نغادرها. ولولا الشعور بأنَّا مغادروها ولا بد عما قريب، ولولا الأنفة أن تفتنني هذه اللعوب، لغلبت باريس عزيمتي، ولطال بنا أسرها الشهي المحبوب.
•••

غادرنا باريس صباح ?? سبتمبر سنة ???? قاصدين السافوا العليا لنمتع النظر بجبال الألب الرفيعة، وبثلوجها وأشجارها ومنحدرات مياهها، ولنتمتع بجوها اللطيف بعد أيام تشكى الناس فيها القيظ الذي لم يألفوه وإن احتفظت غانيات باريس بفرائهن استمتاعًا بزينتها. غادرناها وفي الجو نذر المطر، وفي نفوس المقيمين بها رجاء أن يذهب المطر بالقيظ وآثاره. وكانت إكس لي-بن، غاية القطار الذي أقلنا والذي يصلها بعد مسير تسع ساعات، لكن السفر في هذا الطريق لا يمله مسافر يسير به القطار بين سفوح خضراء وغابات كثيفة ومياه جارية، ويخترق به الأنفاق ليخرج من كل منها إلى منظر جديد جميل. وقد زاد هذه الطبيعة البديعة زينة أن ظلت السماء إلى ما بعد الزوال ممسكة ماءها، وإن بقيت الشمس وراء الحجب، فلما آن للقطار أن يستدير عند أبواب الألب بدأ المطر رذاذًا، ثم ما لبث أن هتن منه وابل أخذ على النظر السبيل لرؤية القمم التي نمر بها. ووصلنا إكس في منتصف الساعة الخامسة وقد سمحت السماء بفترة هدنة استطعنا خلالها أن ننتقل إلى مركبة الفندق لتصعد بنا في شوارع المدينة الصغيرة الجميلة إلى أعلاها، وما كدنا نستقر في غرفتنا سويعة حتى انهمر المطر من جديد بما أيأسنا من مغادرة صالات الفندق وصالوناته هذه الليلة، فلما كان موعد العشاء ذهبنا إلى غرفة الطعام وأخذنا منها مقاعدنا، وما هي إلا دقائق حتى رأينا منظرًا لفتنا واستثار دهشتنا؛ تلك عجوز نيفت لا شك على التسعين قد جلست في عربة صغيرة أنيقة ومن ورائها من يدفع بها في البهو إلى ناحية غرفة الطعام، فلما وصلت إلى باب هذه الغرفة عاونها رجل وامرأة — لعلهما من خدم الفندق — على النزول من العربة وأسنداها لتهبط الدرجتين وسارا بها إلى ناحية مائدتها يتقدمهم شاب في أغلب الظن أنه حفيدها، وانسحب الرجل والمرأة بعدما جلست هي بإزاء هذا الحفيد الوارث، ولما انتهيا من تناول الطعام جاء معاوناها وسارا بها إلى أن أجلساها في البهو تتناول قهوتها وتشنف آذانها بسماع الموسيقى.
كم قاست هذه السيدة من هموم الحياة وآلامها؟ ولقد تكون وهي في شيخوختها هذه قد فجعتها الأقدار بشر الفواجع، وقد يذكرها هذا الحفيد الذي يلازمها بصدع في قلبها ما ينفك تتفجر جوانبه بلذعات ألم لما يتدثر في ثوب الماضي، ولما يخفف الزمن من شدة وقعه، لكنها ما تزال تحيا. وفي الحياة جمال وروعة يعوضان مما ينزل بالناس من غدر القدر. فمن الحكمة أن ننسى في أحضان هذا الجمال وتلك الروعة أحزاننا وهمومنا، وأن ننهل منهما بما يطغى على كل ألم ويغرقه.
ولفت منظر هذه السيدة تُحمل إلى قاعة الطعام وإلى بهو الموسيقى نظرنا إلى غيرها من العجائز؛ ما أكثرهن! وما أرقهن! وما أشدهن ذوقًا للحياة واستمتاعًا بها! لا يكاد موعد طعام العشاء يجيء حتى تراهن قد لبسن لباس السهرة يبارين الفتيات البارعات في اعتدال القوام وارتداء ما يحلو لهن من الأزياء، فإذا كانت ليلة راقصة كن أسرع من بناتهن إلى الرقص وأكثر به حبورًا.
وكانت على المائدة المجاورة لمائدتنا عجوز حلوة النظرة بعينيها الزرقاوين، بيضاء الشعر بياضًا ناصعًا، وإنَّا لنتناول طعام الغداء يومًا أشرقت شمسه وصفت سماؤه وطاب هواؤه وتعطر بأريج الزهر جوه، إذا بها تقبل إلى مائدتها في ثوب أبيض وحذاء أبيض وقبعة بيضاء قد ظهر من تحتها شعرها الأبيض، وتبدو بذلك كأنها زهرة بيضاء ذات رواء وبهجة. ولو أنك نظرت إلى قوامها وهندامها وحسن ذوقها فيه لخلتها فتاة حريصة على أن تزيد جمالها جمالًا ببهاء الحلي والثياب.
لفت أولئك العجائز نظرنا، وكن في كثير من الأحيان موضع حديثنا أن كانت زوجي وما تزال تأسى لفقد أمها الشابة وابنها الطفل، ترى في استنفادهن الحياة وإمعانهن في المتاع بها مظهرًا مؤلمًا لظلم الطبيعة وغدر القدر، وكم حاولت أن أصرفها عن هذا، وأن أرجو لها مثل شيخوختهن، فتأبى إلا أن تجعل من ذكراها ما يصور لها تفاوت العدالة وتفريقها بين الناس بما يسلبها كل معنى العدالة، وكم رأيتها إثر أحاديثنا في هذا الشأن وبعد مشهد العجائز مقبلات على الرقص آخذات بأكبر نصيب منه، شاردة البال سارحة في تيهاء الخيال بما لم أكن أشك معه في أنها كانت تقول فيما بينها وبين نفسها: ما بال هؤلاء الجدات قد خلعن عذار الوقار وتهالكن على أنواع اللهو؟! هل حسبن أنهن مستعيدات في أحضانه شرخ الصبا وروعة الشباب، أم هن يزعمن المقدرة على خداع الحياة؟!
إنما العيش صحة وشبابفإذا وليا عن المرء ولَّى ألا إنه لأولى لأولئك العجائز اللاتي انحدرن إلى خريف العيش أن يترفقن بأنفسهن، وأن يقضين ما بقي من أيامهن في سكينة وهدوء، فلن يستطعن، ولو حاولن، أن ينعمن بأيامهن وأيام غيرهن، وليحمدن الله الذي مد في آجالهن على حين تتحطم على صخرات القدر أعمار شباب كانت الحياة أشد حاجة إليهم وإليهن، وكانوا وكن للحياة زينة ومجدًا.
أم لعل الذكرى وحدها لم تكن مثار هذه الصورة للمشيب في نفسها، لعل مثارها ما رسمته الحياة وما ثبتته منذ طفولتها في نفوسنا صورة للمشيب، ولمشيب النساء بنوع خاص؛ فهن قد فرغن من الحياة ونصبها والعيش وهمومه، فلم يبقَ لهن إلا أن يرتجين حسن الختام بالانقطاع لله لعبادته وتقواه، وفي انتظار هذا الختام يقضين بغيتهن في الحياة راكعات ساجدات قانتات ليغفر الله لهن ما تقدم من ذنبهن وما تأخر. هذه الصورة التي كانت تمثل في نفسي جلال المشيب وهيبته ما تزال تذكرني طفولتي، وتذكرني شيوخ قريتنا يجتمعون في المسجد قبيل الفجر لقراءة الورد حتى يحين أداء الفريضة، فيصلون ثم ينصرفون يسبحون بحمد الله ويقدسونه، ويقصون على من حولهم قصص الماضين، حتى تحين فريضة الظهر فيؤدوها في المسجد جماعة كما يؤدون سائر الفرائض. وما تزال هذه الصورة تذكرني كذلك عجائز القرية وهمُّ كل واحدة منهن أداء فريضة الحج وزيارة النبي ? والانقطاع بعد ذلك لله بالعبادة. على أن الحياة الغربية تأبى هذه الصورة وتنفر منها وتنكر على العجائز الفراغ من الحياة ونصبها والعيش وهمومه؛ لأنها لا ترى في الحياة همًّا أو نصبًا إلا يعوض منه ما في الحياة من رقة وجمال، وترى أن من الحق لكل إنسان أن ينعم بالعيش إلى آخر لحظاته، وأن ينظر إلى الموت على أنه عمل من أعمال الحياة هو آخرها؛ وإنما نكون سعداء إذا استطعنا أن نستمتع بحياة طويلة وموت جميل.
وأفضيت غير مرة بهذه الخواطر إلى زوجي، وذكرت لها أن الأيام لا تضيق بالشباب عن أن يتمتع بها إذا تمتع بها من تخطوا الشباب؛ فالأيام رحبة الصدر تقبل على كل من أقبل عليها، وتدبر عمن قطب لها جبينه، لا تفرق في ذلك بين شاب وشيخ، وبين رجل وامرأة، وهي في ذلك محسنة عادلة. وإذا كان الشيوخ والعجائز قد تخطوا إلى خريف الحياة، فللخريف جمال وروعة لا يقلان عن روعة الربيع وجماله، وما دمنا أحياء فللحياة علينا حق الاستمتاع بها؛ والصادق عنها كالجالس إلى صديق وفي، ثم هو مع وفاء صديقه منصرف عنه إلى التفكير فيما لا يرضاه، بل لعل الشيوخ والعجائز أحق أن يستمتعوا بالحياة من الشبان والغانيات؛ فهؤلاء ما تزال عليهم للحياة واجبات السعي والعمل، وما يزال شبابهم لذاته متاعًا لهم يغنيهم عن التماس غيره من أسباب المتاع. أما أولئك فقد أدوا للحياة واجبها، وقد أصيبوا في الحياة بألوان من المحن تؤلم ذكراها، ثم هم قد تحدر شبابهم في غيب الماضي؛ فالحياة عبء ثقيل عليهم حمله إذا هم لم يلتمسوا نسيان أثقاله في المرح والمسرة، والحياة كريمة محسنة لا تأبى المرح على عجوز ولا على شيخ إذا هدته حكمته فطلب من ألوان السرور ما يجمل الهرم ويجعله كالصبا بهاء وروعة. ولعل الإنسان إذا جلس إلى واحد من الذين تريدهم صورة المشيب في نفوسنا على الانزواء فرآه مقبلًا على الحياة محبًّا لها، يغتبط بجلسته معه مقدار اغتباطه بجلسته إلى شاب ذكي أو سيدة جميلة، في حين هو إذا جلس إلى منزوٍ عن الحياة زاهد في العيش لم يجد فيه مما يحسبه جلالًا وهيبة إلا ما يجده في الدور المهدمة الخربة التي تطن بأصوات الحشرات الكريهة، ولا تسمع فيها شدوًا مشجيًا كالذي تسمعه في القصور القديمة الآهلة بأسباب الحياة والنعمة.
لم يقف أمر العجائز اللاتي بعثن هذه الصور والتفكيرات إلى نفسينا عند من رأينا في الفندق؛ فقد تنفس الصباح بنا في إكس لي-بن عن جو صحو جميل زاده انهمار المطر صدر الليل صحوًا وجمالًا، فانحدرنا إلى ميدان المدينة العام حيث نبوع الماء المعدني يشربه المستشفون، وحيث تقوم عمارة الحمامات المعدنية، وحيث كازينو المدينة على مقربة منه، فألفينا حول العيون من العجائز كثيرات جئن مستشفيات مستمتعات. ولم نقصد نحن إكس للاستشفاء، وإنما قصدنا إليها أن كانت فاتحة الطريق إلى الألب الفرنسية ومناظرها البديعة وهوائها المحسن الصحيح الذي ينبه الأعصاب وينشطها ويزيد في الحياة ما يزيدنا حرصًا عليهًا؛ لذلك آثرنا أن نطوف المدينة ومجاوراتها، فركبنا عربة يجرها جواد واحد كي تمشي على مهل يسمح لنا بالتأمل فيما نرى، وتركنا لسائق العربة أن يكون دليلنا، فذهب بنا أول ما ذهب إلى «حلوق سرفوز» “Les Gorges de Cervoz” وهي أخدود عميق في الأرض يحيط بجانبيه صخر أملس رأسي الانحدار تجري فيه المياه المنحدرة من الجبال وتكسوه أشجار كثيفة. وهبطنا من العربة ودخلنا إليه، وأخبرنا السائق أنه منتظرنا عند غايته، فلما بلغنا أول الأخدود ألفينا زورقًا صغيرًا جدًّا يتسرب فوق الماء خلال الصخور الرأسية متجهًا صوب الانحدار من النبع حيث يهوي الماء إلى أخدود الحلوق مضطربًا هائجًا ينثر من حوله رشاشًا كأنه البخار الصاعد من الماء الفائر، ويبعث في عزله المكان الهادئ فصلت الأشجار بينه وبين حياة الطبيعة خريرًا أجش كأنه نزع الكليم من خيفة أن تفصل الحياة بينها وبينه. وبلغ الزورق الانحدار وسدت في وجهه السبيل، ولم يبقَ له إلا أن يعود، فارتقينا بضع درجات صنعت من الخشب، وجعلنا نسير والماء، ثم نصعد درجات أخرى نسير بعدها فوق الصخر، ويقينا السقوط إلى الماء درابزون من الخشب امتد حتى بلغ بنا مصدر النبع حيث فورة الماء الأولى، ومن هناك خرجنا، فألفينا عربتنا فركبناها، فسار السائق بنا يتسلق هضاب هذه المنطقة المحيطة بإكس، حتى إذا بلغ إحدى قممها أشار إلينا لنجتلي فيما حولنا هذا المنظر الجميل، منظر الجبال الخضراء السفوح تطل على بحيرة بورجيه تلقي عليها شمس ذلك اليوم الجميل أشعتها فيحيلها الموج لجينًا متكسرًا. وعدنا إلى الفندق حين استوت الظهيرة لنخرج منها بعد ذلك مصعدين في المرتفعات الذاهبة إلى ما بعد إكس، وكلها مزارع خضر ترتع فيها النعم وتقوم خلالها عزب صغيرة يقطنها مزارعون من أهل هذه الجبال يقومون فيها بأعمال الزراعة، ويعنون بتربية الماشية والدجاج عناية خاصة. بين هؤلاء المزارعين وخلال مزارعهم شعرت بحياة جديدة انتقلنا إليها بعد باريس ولندن؛ حياة صحيحة نتنفس برئتينا فيها هواءً نقيًّا يتخلل مسام الجسم جميعًا فينعش الروح والأعصاب، ويرتفع بالنفس لتشارك الكون في كل حياته، ولتشعر أن هذه الكائنات كلها من ماء ونبات وشجر وحيوان وطير، تحيا كما نحيا، وتتنفس كما نتنفس، وتنمو كما ننمو، وتحس كما نحس، فتألم وتطرب وتبتهج وتنقبض، وتشاركنا ونشاركها في هذا الكون، هو كله وحدة متصلة نحن بعضها، كما أن هذه الأحياء المحيطة بنا بعض آخر مثلنا، أو لعله أعظم في هذه الوحدة منا مكانًا. وفي صبح الغد ركبنا سفينة بخارية تخطت بنا بحيرة بورجيه لنزور عند شاطئها الثاني ديرًا ينقطع للعبادة فيه جماعة من الرهبان، ويحتوي بعض آثار فنية قيمتها في قِدمها، على أن ما يحيط بالبحيرة من جبال هي مقدمات الألب الفرنسية أسبغ على البحيرة من الجمال ما يكفل متاع من لا تعنيه آثار الأديرة، فلما عدنا كان القطار الذي سافر بنا إلى سان جرفيه يقوم على أثر عودتنا، على أنَّا آثرنا أن نقطع الطريق عند آنسي لنبيت بها ونطوف في صباح الغد أنحاء بحيرتها، ثم نستأنف السفر ظهر ذلك اليوم. ودعاني إلى هذا الإيثار ذكرى ما قرأت في جان جاك روسو عن آنسي وبحيرتها وما حولها ومنطقة شامبري كلها، هذه المنطقة التي كان عاشق الطبيعة يتحدث عنها في تهدج وإجلال، ويرى فيها مبلغ ما أبدع الله على الأرض من جمال، ولم يكذب الواقع ظني؛ فقد دارت بنا السفينة فوق بحيرة آنسي محاذية الشاطئ حينًا، متخطية البحيرة من جانب إلى الآخر حينًا، راسية عند بلاد هذا الشاطئ البديع، مفنية في دورتها ذهابًا وجيئة خمس ساعات كاملة استولى علينا البهر فيها جميعًا، ولم ندرِ أية بقعة من بقاع هذه الشواطئ يمكن أن تفضل الأخرى، وقامت القرى المتصلة بها بين ألوان من الخضرة ذات رواء ولين وبهجة، تظلها سماء تغري روحها بالمحبة والعطف، وتفتح النفس لحياة هذا الجو الفسيح كله جمال وهوى، وأشهد لقد انقضت الساعات الخمس، وعدنا إلى آنسي، وتناولنا فيها طعامنا وركبنا القطار ولا حديث لنا إلا بحيرة آنسي وسحرها وفتنتها، مما كان جديرًا بأن يسبينا عن أنفسنا ويمسكنا في إحدى قراها المحبوبة، لولا ثقتي بأننا في الألب نتخطى من جمال إلى جمال، فالخير في أن ننهل من هذا الجمال جميعًا.
وبلغ بنا القطار لفاييه، ثم صعدنا منها بالقطار الصاعد إلى سان جرفيه، أقمنا بها أربعة أيام خالدة على الزمن في النفس ذكراها. ها نحن أولاء في منطقة جبلية لا تعرف السهل ولا البطيح، وإن عرفت الغابات وعرفت السفوح الخضراء مراعي النعم ومراتعها. وها نحن أولاء نقضي الكثير من وقتنا نتغلغل خلال هذه الغابات ونتسلق هذه السفوح، ونندمج بكل وجودنا في هذه الطبيعة ننال منها متاعًا وصحة، ونقف فيها عند ساكني هذا الجبل يأنسون فيه بوحدتهم وسكينتهم أنس أهل المدينة بضجتهم ومضطربهم. على أن للطبيعة في كثير من هذه الأنحاء الجبلية بدائع تزار لتقدس الطبيعة فيها كما يقدس بارئ الطبيعة في هياكل المدن ومعابدها. ذهبنا يومًا إلى ثلوج بيوناساي “Glaciers de Bionassay” نشهد روعة الجبل عند قلله روعة تأخذ بالقلب والنظر والفؤاد. وثلوج بيوناساي ترتفع عن سطح البحر ألف متر وبضع مئات من الأمتار، وترتفع عن سان جرفيه ألف متر أو نحوها. ركبنا القطار الصاعد، فجعل يزحف متسلقًا الجبل بين الغابات تكسو أشجارها السفح من ناحية وتكسو الوادي المنحدر إلى يسار القطار من الناحية الأخرى. وعلى جوانب هذا الوادي تتبدى للنظر منازل منعزل بعضها كأنه صومعة الناسك، مجتمع بعضها كأنه عزبة وسط واحة من الشجر، ويزداد البطء بالقطار في زحفه وتسلقه كلما قام السفح أمامه عموديًّا أو يكاد، فيتيح لنا بطؤه أن نجتلي ما حولنا من جمال الجبل وسفوحه وأوديته. وظللنا كذلك ساعتين ثم بدأنا نشعر بالجو تهوي حرارته، وبالسيدات يضممن إليهن معاطفهن، وبأم أو جدة لعلها تطلب إلى فتاها أن يلبس المعطف. وبعد ساعة أخرى وقفنا في بطيح فوق الجبل به مطعم يتناول المسافرون فيه طعام الغداء ويجدون في نبيذه وسيلة للدفء، ثم يخرجون منه ليمتعوا نظرهم بهامات الجبال الرفيعة كستها الثلوج تيجانًا ناصعة البياض إلى ما تكسوها به الشمس ساعات بزوغها ومغيبها من تورد فحمرة فدم قانٍ ولهب مستعر. والجبل الأبيض من بين قلل الألب هذه جميعًا يسمو عليها رفعة هامة، ويكسوه الثلج بتاج تعنو له تيجانها جميعًا، فلما أمتع السفر من هذه المناظر أنفسهم عاد القطار زاحفًا متسلقًا، حتى بدأنا نقترب من نفق طويل تتجلى من ورائه ثلوج هائلة كساها ضوء الشمس نورًا لألاء انبهرت له نواظرنا، وخشعت قلوبنا وأفئدتنا، وبقينا محدقين إلى الثلوج لا نملك أن نميل بالنظر عنها أو أن نفكر في شيء سواها. تلك ثلوج بيوناساي التي قطعنا ويقطع المئات والألوف كل صيف هذا الطريق إليها عدا من يصلونها متسلقين الجبال على أرجلهم من الألبيين ومن ينسجون على منوالهم. واستمر القطار يتسلق فيقترب من هذه الفوهة الوحيدة التي تتبدى روعة هذا المنظر الباهر من خلالها، على حين يصدم النظر هذا الجبل الأجرد الذي يخرقه النفق فلا يقف عنده، ويعود ليحدق إلى ما بهره وسحره. وجزنا النفق، وظل القطار يسير بعده زمنًا حتى بلغ غايته. وهبطنا منه ثم صعدنا إلى ناحية الثلوج، وحاول بعضنا أن يبلغها، فإذا الطريق إليها وعر مخوف، وإذا بنا نقف زمنًا أمامها مشدوهين في ذهول، ثم يحاول بعضنا أن يصل ما بينه وبينها بحجارة يقذفها نحوها فتهوي في وسط الطريق ولا تبلغها. وآن للقطار أن يؤوب إلى سان جرفيه، فتركنا هذا المنظر الجميل إليه، فاخترق بنا النفق، ثم انطلق مضاعفًا سرعته حتى بلغ البطيح، ثم اجتازه وهبط بنا إلى حيث بدأ في الصباح صعوده، وترك لباصرتنا هذا المنظر العظيم الجميل ما نكاد نذكره حتى يتبدى أمامنا بسفوحه وأوديته وأشجاره ومنازله وبطيحه وثلوجه. والموقع الثاني الذي يحج الناس لزيارته هو شاغور ديوزا أو حلوق ديوزا، إذا أردت الترجمة الحرفية للاسم الفرنسي (Les Gorges Diozas) وإذا قلت ديوزا فلا تذكر بجانبها سرفوز، ولا تذكر شاغور حمانا، ولا تذكر أكثر مساقط المياه في الجبال مما رأيت؛ فلديوزا جمال وجلال لا يدانيه في تلك المساقط جمال أو جلال أو هيبة. دخلنا إلى حديقة أخذنا من غرفة فيها تذاكر تسمح لنا بزيارة المساقط، ثم تخطينا أبوابًا وسرنا في طريق ما لبث أن استدار فزجَّ بنا في جوف الصخر، حتى كنا نجيل البصر في كل ما حولنا فلا نرى إلا صخرًا يشقه الطريق كلما صعدنا وإياه زاد بنا في جوف الجبل إيغالًا. وبعد زمن سمعنا زئيرًا تتجاوب أصداؤه في هذه الفجوة من الجبل يصدمه جانب منها فيتلقاه جانب. ذلك زئير الماء المنحدر من قمة هذا الجبل فوق صخر لا يكاد يطمئن إليه حتى يسقط هاويًا فوق صخر آخر، ثم فوق صخر ثالث ورابع، وهو في كل واحدة من سقطاته يجأر ويزأر فلا يغنيه ذلك شيئًا، بل تدفعه السقطة إلى السقطة حتى يهوي إلى حضيض يجري فيه غديرًا ساكنًا مستسلمًا خاضعًا لإرادة الإنسان ولأهواء الأرض التي يجري بها. وتابعنا نحن إلى جواره مسيرتنا فوق مسالك من الصخر يفصلها عن الهاوية درابزون حاجز.. ثم أصبح الصخر ولا سبيل للمسير عليه، فمهدت الصناعة طريقًا من خشب يرتفع ثم يستحيل سلمًا تصعد إليه لتصل إلى مهبط الماء أول سقوطه. وهذا المهبط عالٍ يرتفع مئات الأمتار، ولذلك يقتضي صعود الدرج فيه عناء ومشقة، كما يتعرض الإنسان فيه لرذاذ هذا الماء الذي يستحيل كله رشاشًا أول ما يصدمه الصخر ساعة سقوطه عليه أو اصطدامه بجوانبه. على أنها مشقة لا تصد، ورذاذ منعش يزيد النفس بهذا المنظر ابتهاجًا وغبطة، ويدعوك لتتابع الدرج مستندًا إلى الدرابزون تارة وإلى جدار الصخرة تارة أخرى معجبًا بالماء وانحداره وزئيره، وبالصخر الأملس ينبت الماء العشب والشجر من خلاله، وبكل هذه الفجوة كأنها البئر، نقر في الجبل صاعدًا فوق الأرض يتدفق الماء من قاعه فيروي ما حوله ويكسوه جميعًا بهاءً وخضرة ونضرة. وغادرنا سان جرفيه إلى شاموني، غاية الألب الفرنسية وأكثر البلاد الجبلية ارتفاعًا وشهرة. وفي طريقنا إليها بالقطار الكهربي شققنا جبالًا جرداء وصخورًا بعضها فحمية اللون تلمع في تموج يجعلك تقتنع بأنها كانت أخشاب غابات هائلة أتت عليها ريح صرصر عاتية فعصفت بها، فضمرت تحت الأرض أكداس جذوعها فاستحالت جبلًا، فتفحمت فصارت ما ترى. وبين هذه الجبال وجبال بعدها انطلق القطار في أودية خضر ممرعة يروي بهاء خضرتها النظر الظمئ بعد تلك الجبال الفحمية إلى خضرة نضرة، فلما كنا بشاموني أحاطت بنا حياة الألب في أوضح صورها ومعانيها. يلبس الناس غير ما يلبس المصطافون في البلاد الأخرى، ويحمل الكثيرون في أيديهم عصيًّا في أطرافها حديد مدبب تعاونهم على تسلق الجبل. ولا تكاد تغادر المحطة وتميل بعد ميدانها إلى الشارع الرئيسي حتى ترى نهرًا يجري خلاله متدفقًا ماؤه الأبيض اللون كأنه ثلج ما يزال، وعلى حافة هذا النهر قهوة يقصد إليها من لا يريد المكث بأماكن الشاي والحلوى، على أن القهوة وأماكن الشاي قلَّ قاصدوها في شاموني؛ لأن زوار هذا البلد يقصدون نهارهم إلى الجبال يرتقونها ويستمتعون بجوها الصحيح، فإذا كان الليل وجدوا في فنادقهم ما يغني أكثرهم عن القهوة وعن مكان الحلوى.
وزرت كثيرًا من البلاد الجبلية المحيطة بشاموني، على أنَّا لم نكن لنغادرها دون أن نزور بحر الثلج بها. وتسلق بنا القطار الصاعد بعد ظهر يومنا الأخير بالمدينة إليه فوق سفوح قلَّ شجرها؛ أن كان جو المنطقة تكثر الثلوج فيه، وتنحط حتى في الصيف درجة حرارته إلى ما تتعذر معه حياة الشجر والنبات، فلما بلغ القطار غايته سرنا غير بعيد، فبصرنا بين جبلين بوادٍ منخفض يملؤه موج جامد لا حركة به، واستوقف هذا الموج نظرنا، فقيل لنا هو بحر الثلج، وطلب إلينا أن ننزل إليه وأن نسير فوقه. والذين يغريهم هذا النوع من الرياضة يلبسون فوق أحذيتهم جوارب حتى لا ينزلقوا فوق الثلج فيصيبهم من صلابته أذى، ويمسكون بأيديهم هذه العصي المدببة الأطراف يستعينون بها على حفظ توازنهم في مسيرتهم. وهبطنا حتى كنا عند شاطئ هذا البحر العجيب، ولم تطاوعنا أنفسنا على هذه الرياضة الخطرة، وإن كان من أهل هذه المنطقة من يعاونون عليها جماعة الذين تغريهم المخاطر ليقولوا إنهم فعلوها أكثر من معونتهم جماعة المولعين بالرياضة، والذين يقبلون عليها تدفعهم فطرتهم وسليقتهم أكثر مما يدفعهم التطلع أو حب الغريب من الأشياء. وبرغم ذلك كله وبرغم الذين تخطوا الجبل إلى بحر الثلج، فقد ظل بعضهم وفي نفسه ريبة أن يكون هذا الوادي كله بحرًا، أو بالأحرى نهرًا من الثلج، حتى كان المرتاضون فوقه يكسرون قطعًا منه يقذفون إلينا بها ليزيلوا كل شك من أية نفس تظل بها من الشك خلجة. وهو بالأحرى نهر الثلج، كالنهر في مجراه وفي طوله وفي عدم انفساح شاطئيه حتى لا تراهما العين معًا، لكن أهل هذه المنطقة يسمونه بحر الثلج إجلالًا وإكبارًا، ولأن موجه الجامد هو بموجب البحر أشبه.
وآن لنا بعد مقامنا بشاموني أن نغادر الألب الفرنسية، وأن نغادر فرنسا إلى سويسرا نبدؤها بجنيف، وفيما نحن نعد عدتنا لسفر يكاد يستغرق يومًا كاملًا استعدت أمام ذاكرتي هذه الأسابيع السبعة التي انقضت منذ سفرنا من مصر، والتي قضينا منها بفرنسا شهرًا كاملًا، فتوجهت بكل قلبي إلى هذه البلاد الجميلة وإلى عاصمتها مدينة النور، وإلى جبال السافوا شاكرًا بإخلاص أنعم الله علينا فيها أن أحالت لون الحياة أمام عيوننا فقضت فيه على صورة اليأس البشعة السوداء، وأن بدلتنا منها صورة فيها من بسمات الرجاء ما كنا نلتمس قبل سفرنا خيطًا منه فلا يساورنا أمل فيه. وعاد بنا القطار الكهربائي من شاموني إلى لفاييه، ثم انتقلنا إلى قطار آخر سار بنا ثلاث ساعات وسط زروع نضرة وجبال تتبدى قريبة آونة، بعيدة أخرى، مختفية حتى ما يكاد يلمحها البصر ثالثة. ومن هذا القطار انتقلنا إلى قطار ثالث بدأ مسيرته مع الليل حتى بلغ بنا الحدود بين فرنسا وسويسرا، ثم نزلنا جنيف، وأقلتنا خلالها عربة إلى فندق روسيا، أول الفنادق المطلة على بحيرة ليمان، وما هو إلا أن قاربت العربة جسر الجبل الأبيض الذي يجتاز البحيرة على مقربة من منابع نهر الرون وعند جزيرة جان جاك، فإذا الجسر كله أعلاه وأوسطه وأسفله عرس من الكهرباء يهز القلب بالفرح والنشوة، ويجعل الحياة أمام النظر كلها ضياء وأملًا، هنالك توجهت لله بشكر خالص مرة أخرى. لقد حشدت باريس ولندن أمام النظر والذهن والخيال فنونًا من ألوان الحياة جعلت زوجي ترى الحياة بغير العين التي كانت تراها بها قبل أن تحل فيهما، وتشعر بأنا قادرون على الحياة بالغة ما بلغت قسوة الحياة بنا، والألم والأذى اللذان يصلان منها إلينا؛ فكان لها من ذلك شفاء للنفس والروح. ولقد تكشفت السافوا العليا عن صور من جمال الطبيعة ومن صفو الهواء بما فيه شفاء للجسم وأعصابه. وها نحن أولاء ندخل من سويسرا في محفل الطبيعة الأكبر، فيه غذاء للروح والجسم معًا، فلنسارع إلى النهل من ذلك، وإلى الاستمتاع بعرس الطبيعة الدائمة الابتسام. لذلك ما كدنا نصعد إلى غرفتنا بالفندق حتى جلست أنا وزوجي إلى شرفته المطلة على هذا العرس، وعلى بحيرة ليمان، وعلى سماء وضاءة بنور القمر، وعلى جو معطر بأريج الجمال، وعلى حياة كلها نعمة كافر بالحياة من ينكرها، نستمتع بذلك كله فيدخل المتاع به إلى نفوسنا وقلوبنا وأرواحنا فيضًا من السعادة.

في سويسرا


«هنا يبتدئ الزمن القصير السعيد من أزمنة حياتي، هنا تجيء اللحظات السريعة الهادئة التي تجعلني أقول إنني حييت. إيه أيتها اللحظات الثمينة المأسوف عليها! ارجعي … ارجعي فاسترجعي مسراك الهني، انسابي في ذاكرتي إن استطعت أكثر بطشًا مما كنت في سرعة مرك. ما عساي أعمل لأطيل كما أريد هذه الذكرى البسيطة المؤثرة، ولأقول وأعيد الأشياء نفسها ولا يمل قارئ بإعادتها كما لا أمل أنا باستعادة ذكراها! ولو أن ما كان يومئذ كونته الوقائع والأعمال والألفاظ لاستطعت وصفه وتبيانه، ولكن ما تراني أذكر عن شيء لم يقل ولم يعمل بل لم يأخذ أي مكان من الفكر، ثم هو قد أذيق بل أحس، وليس لدي ما أستظهر به سعادتي غير ذلك الإحساس نفسه؟ كنت أستيقظ مع الشمس وكنت سعيدًا، كنت أتنزه وكنت سعيدًا، كنت أرى أمي وكنت سعيدًا، وكنت أتركها وكنت سعيدًا، كنت أقطع الغابات والأحراش، وكنت أجوب الأودية، وكنت أقرأ وأسكت وأشتغل في الحديقة وأجمع الفاكهة، والسعادة تتبعني حيث كنت ولا تستطيع تركي لحظة؛ لأنها لم تكن في شيء معين، بل كانت ممتزجة بنفسي وروحي.»
هذه صورة من اعترافات جان جاك روسو عن مقامه بالشارمت على مقربة من شمبري، وهي صورة صادقة للزمن الذي أقمنا بسويسرا؛ فقد كنا نجوب خلالها وكنا سعيدين، وكنا ننزل بلادها وكنا سعيدين، وكنا نهبط أوديتها ونصعد جبالها ونخترق ثلوجها ونركب بحيراتها ونتنسم هواءها ونستمتع بأرج عبيرها، وكانت السعادة تتبعنا حيث ذهبنا؛ لأنها لم تكن في شيء معين مما نرى أو نسمع، بل كانت ممتزجة بنفسينا وبروحينا.
والحق أن سويسرا جديرة بأن تبعث إلى أشد النفوس انقباضًا ما يزيل انقباضها ويفرج كربتها؛ فقد حبتها الطبيعة موقعًا وجوًّا وجمالًا لا يدانيه فيما رأيت من ربوع العالم كله جمال؛ جبالها وبحيراتها وغاباتها ذات حياة لا يعرفها غيرها من البحيرات والغابات والجبال؛ ذلك بأن أهل سويسرا مزجوا حياة الطبيعة بحياتهم، وحوروا في صورتها بما يلهمه ذوق الجمال للإنسان، فنفخوا في سفوح الجبال وفي أغوار صفائحها وفي أعالي قللها روحًا تجعل بين الإنسان والجبل شركة وثيقة الاتصال طويلة العمر قديمة التاريخ، أكبر غرضها التعاون على المزيد مما حبت الطبيعة الجبل به من جمال ليزداد الإنسان بالجبل وجماله متاعًا، وقد امتدت يد الإنسان إلى البحيرات كذلك، فجعلت في لجها وفي جوها الرقيق الصافي مثل هذه الشركة في المزيد من الجمال ومن المتاع به، وبلغ من متانة هذه الشركة بين الإنسان والطبيعة في سويسرا أن الإنسان يعجز اليوم لو حاول تصور أحدهما دون الآخر، عجزه لو أنه حاول أن يتصور جسمًا حيًّا لا روح فيه، أو روحًا يقع عليه الحس ولا جسم له تتصل بالحس أجزاؤه.
وهذه الشركة القديمة التي تعاقبت عليها الأجيال قد ربط بينها روح تضامن في سبيل غرض واحد وغاية مشتركة، هما بعث الحياة الإنسانية في هذه الكائنات الطبيعية ليجلي على أهل الأرض جميعًا صورة نادرة من الجمال الحي يستمتعون بها أحرارًا متساوين متاعًا مشتركًا. فأنت لا ترى صومعة معلقة في جبل تحدث عن زاهد منقطع إلى الله وعبادته، ولا ترى قصرًا منيفًا تحيط به أكواخ الأتباع والخدم محدثة عن أبيقورية مترف أثِر لا يعرف من الحياة غير نفسه، فإذا رضيت نفسه فعلى الحياة وعلى الإنسانية العفاء، بل أنت ترى الجمال منثورًا بأيدي الأجيال لمتاع من يتعاقب من الأجيال، وأنت ترى قوى الطبيعة كلها مسخرة لمتاع من شاء المتاع من أهل الإنسانية كلها، وأنت تحس حيث كنت من سويسرا كأن كل شخص من أهل هذه البلاد قد عاون جهد طاقته ليزيد في جمالها وليبعث إليها من جمال روحه كل ما حوت روحه من حب إياها وتعلق بها، وكأن كل إنسان رأى في شيء منها نبوًّا عن ذوق الجمال الوليد معه قد آلى على نفسه إلا أن يزيل النبو وأن يغرس مكانه من الجمال مزيدًا. والطبيعة العادلة المحسنة التي لا تنسى جزاء إنسان بإحسانه قد جزت هذا الشعب عن حبه الجمال أن ازدادت هي الأخرى جمالًا، وأن ازدادت في أحضان الألب تبرجًا وزينة، فثلوج سويسرا وأقمارها ونجومها وشموسها ليست ككل الثلوج ولا ككل الأقمار والنجوم والشموس، بل تكاد تكون من صناعة رب فن ماهر أبى عليه فنه أن يكون بين هذه الثلوج والكواكب وبين ما على الأرض من جمال نشاز، فشارك الإنسان في عبادة الجمال بأن جعلها أبهر زينة وأبرع جمالًا.
وهذا العرس الذي قابلتنا به جنيف على جسر الجبل الأبيض تتخطى فوقه بحيرة ليمان في اختراقها مدينة كالفن، هو بعض هذه الشركة المبدعة بين الإنسان والطبيعة، وإن لم يكن أروع ما أبدعت الشركة من منشآت فذة. وبحيرة ليمان من جنيف إلى مونتريه أكبر شاهد على افتنان السويسريين في المزيد من جمال البحيرة وشاطئها، على حين ترى شاطئها الفرنسي لا يلقى من العناية إلا ما تلقى جبال السافوا العليا. على أن ليمان وحدها بدعة ساحرة تتغنى مياهها، والجبال المحيطة بها والغابات الكاسية سفوح هذه الجبال، والسماء التي تظل الجبال، ولج البحيرة جميعًا، بأنغام من ألوان باهرة تلتهمها العين فيطرب لها القلب وتنتعش بها النفس، ويشعر الإنسان معها كأن روحه وفؤاده قد استحالا أوتارًا توقع هذه الأنغام عليها، وما كان أشد طربنا لهذه الأنغام حيث سرنا على شاطئ ليمان، أو صعدنا في الهضاب المحيطة بجنيف، أو جدفنا في زورق فوق البحيرة أو دارت بنا بواخرها لتمتع السائحين بمناظر شواطئها الساحرة! وما كان أشد اختلاف هذه الأنغام باختلاف ساعات الليل والنهار! ما كان أرقها وأجملها ساعات المغيب حين يتجاذب الليل والنهار حتى يتعانقا ثم يفنى أحدهما في صاحبه. قضينا بجنيف ستة أيام نستمتع بهذه الصور جميعًا في مرح ونشوة، ولا يدع لنا استمتاعنا بها أن نتابع ما كان يجري في عصبة الأمم، وكانت منعقدة وقتئذ، وكانت جريدتها تصل إلينا مع الصباح وقبل طعام الإفطار، فلما فكرنا في مغادرة جنيف إلى لوزان ولم نكن قد ارتقينا واحدًا من جبالها، استشرنا دليل «بدكر»، كما استشرنا رجال الفندق، فأشارا علينا بالصعود إلى جبل ساليف، فلما كان الصباح رأينا الجو مكفهرًّا، فترددنا بعض الشيء، وسألنا أهل الفندق: أهم يتوقعون مطرًا؟ قال أحدهم: كلا! فجو المطر تملؤه روائح السمك كأنما هو يقترب من سطح البحيرة لينعم بالماء الجديد الساقط إليها، وليس في الجو من هذه الروائح شيء.
وتخطينا جسر الجبل الأبيض Pont de mont Blanc إلى شارع الرون بالميدان الذي يقوم منه الترام إلى فيرييه ليتصل بالقطار الصاعد إلى الساليف، ومر الترام أثناء صعوده شوارع جنيف، بميادينها الفسيحة وطرقاتها الواسعة وبالخضرة الباسمة رجاء المطر، العابسة في هذا الجو المقطب الجبين بالسحب، ثم غادرنا حدود المدينة إلى الضواحي الناضرة التي تقوم في أحضان الألب على الحدود بين سويسرا وفرنسا، فلما اجتزنا هذه الحدود صعد إلى الترام عامل الجمرك الفرنسي، وسألنا عن جواز السفر، وكان معنا في القطار إنجليزيان ألقى عليهما هذا السؤال، وكنا جميعًا قد تركنا الجواز في فنادقنا؛ إذ لم يكن يدور بخلدنا أن نزهة ساعات قصيرة نتخطى فيها الحدود لنعود بعدها أدراجنا تحتاج إلى ما تحتاج إليه السياحات الكبيرة من عدة. وبعد أن ألح الرجل في ضرورة عودتنا من حيث أتينا تسامح وتركنا نسير في طريقنا. وما أدري أكانت تطيب نفسه بمثل هذا التسامح لو أنني كنت وحدي، أو لو أنه كان معي مكان السيدات الثلاث اللائي نظرن لهذا التصرف بدهشة باسمة، ثلاثة رجال بالغة حجتهم، ساحر بيانهم! وارتقينا القطار الصاعد إلى جبل ساليف، فجعل يتنسم الجبل بين سفوح قامت فوقها الأشجار الباسقة والشجيرات اليانعة، وأزهار قليلة منثورة من حين إلى حين، وكنا كلما تقدمنا ازداد الجو عبوسًا وتساقط السحاب في الأودية بين القمم والجبال المختلفة. على أن تلبد السماء من فوقنا وانحدار الغمام في الأودية المنخفضة دوننا لم يبلغ من الكثافة أن يحجب النضرة اليانعة المحيطة بنا، بل ظللنا في ارتقائنا ننعم بمنظر رقيق من ورق الشجر الأخضر لما تعد عاديات الخريف منه إلا على قليل، وكنا وكان المسافرون معنا يملؤنا الأمل أن يبدد خيط من ضياء الشمس هذا القتام الذي كان يزداد تراكمًا كلما ازددنا ارتفاعًا. وكيف نرجو، إذا لم ترسل الشمس من نورها الوضاء ما يجلو الجو، أن نرى ثلوج الجبل الأبيض التي طالما نعمنا من قبل بمرآها، أو أن نمتع النظر بخضرة الجبال التي لا يعلوها الثلج. لكن القطار وصل إلى غايته وأملنا ما يزال سرابًا، فصعدنا الجبل إلى فندق قائم فوقه كأنه صومعة الناسك في عزلته، ودخلنا غرفة الطعام نتناول غداءنا، فألفينا من فيها قد أقفلوا أبوابها ونوافذها اتقاء البرد القارس في هذه الظهيرة العابسة.
وفندق الساليف كفنادق الجبال في بساطته ورشاقته، لا ترى فيه آثار نعمة المدن من فرش وثيرة وأبهة ووجاهة، لكنك تجده ظريفًا في بساطته، نظيفًا كل النظافة، على مناضده مفارش بيضاء نقية من غير تطريز، وآنية بيضاء نظيفة، وكل ما تحتاج إليه في طعامك وشرابك. ولقد أخذنا مقاعدنا إلى إحدى مناضده وأدرنا نظرنا نلتمس الخادم فلم نجد أحدًا، فانتظرنا هنيهة ثم إذا باب فتح وظهرت منه فتاة لا أحسبها تزيد على الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمرها، وإذا هذه الفتاة هي وحدها القائمة بخدمة كل الذين يتناولون طعام الغداء ويبلغون الخمسة عشر عدًّا، تأتيهم بطعامهم وشرابهم وتقوم بمحاسبتهم وأهلها من ورائها يطهون الطعام لتقدمه هي إلى متناوليه.
كانوا يحدثوننا من سنين خلت أن صبيانًا أو فتيات كانوا سبب سعادة المتاجر التي يحلون بها، حتى كان التجار يتنازعونهم لتسعد بهم متاجرهم، وكنا بعد أن تحدرت من حولنا سنو الصبا نذكر هذه الأحاديث فنضحك منها ساخرين، ولو أن كلًّا منا أتيح له أن يرى صبية فندق الساليف وأشباهها من الصبايا القائمات بشئون التجارة في مدائن أوربا وأريافها لما سخرنا من هذه الأحاديث، ولصدقنا بما يحمله الصبا في إرادته من أسباب السعادة.
وصبية الساليف ليست ذات جمال فاتن، وليس لها من الدلال ما يهوي إليه الفؤاد؛ بل هي ككل الريفيات، كثيرة البساطة شديدة الحذر، تضن بالابتسامة مخافة أن تتهم بالخلاعة، وتقل من الكلام حتى لا تكاد تجيبك إلى ما تسأل عنه بجملة كاملة، وأرنبة أنفها المستديرة تربى على قصبة الأنف بما لا تقره قواعد الجمال. وهي بعد في لباس جمع إلى الذوق الريفي حشمة الفقر، وليس لها من رشاقة الباريسيات أو خفة بنات المدن كثير ولا قليل، لكن في أردانها مع ذلك أسباب سعادة هذا الفندق المنقطع في قمة الجبل والذي يأوي إليه مع ذلك من الناس غير قليل.
ذلك بأنها صبوح الوجه ضاحكة السن، وبأن الطبيعة قد جملتها من ذلك بما يعجز أمهر فنان في صناعة الجمال. ترى وجنتيها فتدهش لتوردهما، وترى صدغيها فتدهش لنقاء لونهما الأبيض المشرب حمرة، ولها شفتان دقيقتان لا يطاوعانها إلى عبوس لأنهما دائمتا الابتسام. ونظراتها البريئة وقوامها اللدن ما تزال فيهما كل معاني الطفولة المتدرجة إلى ريعان الصبا، الجامعة إلى الطهر النزيه أسباب النضارة الودود. فإذا أقبل ذلك كله عليك رأيت ابتسامه وسمعت حديثه وإن لم تبتسم هي ولم تتكلم، ورأيت إقباله عليك فأقبلك عليه في تلطف وابتسام، وسرك ما تقدم صاحبته لك لأنها هي التي قدمته لك.
ولذلك أقبل كل الذين نزلوا فندق الساليف على طعامهم أكثر اشتهاء له وحرصًا عليه، خلا شابًّا وفتاة لم يكونا أقل ممن سواهما على الطعام إقبالًا، ولكنهما كانا معرضين عن الصبية لاشتغال كل واحد منهما بصاحبه، ولقد بلغا من ذلك أن ترك الشاب مقعده بإزاء الفتاة إلى مقعد بجانبها ليكون أقرب إلى نيلها. وما كان ليلاحظ ذلك عليهما أحد أو يأخذهما به، والناس يحترمون الحرية احترام إجلال وتقديس، لولا عجائز جلسن بإزائها وجعلن يتهامسن لكل ما يرينه من حركاتهما، وكأنما كانت بين العجائز ثقيلة السمع، فكانت بعض عبارات حديثها لا تخفى على الحاضرين وإن لم تغير من أمر الشاب والفتاة شيئًا. ولعل كثيرًا من حديث أولئك الجدات كان يشير إلى أيام صباهن وحوادث غرامهن، وإلى تلك الأوقات اللذيذة التي هوت في ظلم الماضي تاركة وراءها ذكريات تطيب استعادتها ويحز الألم في النفس أن لا سبيل من بعد إلى مثلها، وأي شيء غير هذا تراهن يذكرن بإزاء الصبا اليانع تتقارب زهراته الندية! إنهن لا شك أبعد من أن ينلن مظاهر الحب بسوء وهن يرين في الحب حياة وقوة ولا يجدن في مظاهره ما يعافه معروف قومهن من قواعد الخلق. بل لعلهن كبعض أصدقائنا المصريين الذين تحدثوا في شتى الشئون إلينا يقلن لمن ينال المحبين بسوء ويرفع العقيرة ناعيًا الأخلاق وانهيارها: هون عليك يا صاح، ولا تقف عند النظر إلى هذه الشئون التافهة؛ فليست هذه كل حضارة الغرب وإن كانت بعض آثارها، بل انظر إلى ما حولك من سائر المظاهر في الفن والأدب والصناعة والاختراع والاستكشاف، فإذا علمت أن ذلك كله من عمل أولئك الذين تنعى عليهم سلوكهم وتعيبهم أخلاقهم، فراجع نفسك وتذكر أن هذه الحضارة اليانعة القوية الثابتة لا يقوم بإنشائها وحفظ كيانها من لا أخلاق له أو من ساء سلوكه.
وكان الجو خارج الغرفة يزداد قتامًا، والسحب تزداد تراكمًا، وخرج أحد الحاضرين بعد ما ارتدى معطفه ثم عاد معلنًا أن رذاذًا يتساقط وأن الوقت قرٌّ، وأن لا سبيل إلى نزهة الجبل. وكذلك تداعى كل أمل في مشاهدة الألب السويسرية والفرنسية من هذه القمة البديعة، ولم يبقَ إلا العودة إلى جنيف من طريقها الثاني المار بأنماس، فعكف الحاضرون على قهوتهم يشربونها، وعلى سجائرهم يدخنونها. وكان بيننا رجل وزوجه ومعهما ابنتهما الطفلة التي لا تزيد على السنتين من العمر إلا قليلًا، ولما رأت من السيدات مدخنات جعلت تضع في فمها عودًا دقيقًا تقلد به بنات جنسها ممن تخطين حدود الطفولة، ولقد كانت في تقليدها وفي لعبها وفي حديثها سلوى للحاضرين عن الجو وعبوسه والسماء وقتامها.
ثم غادر الناس الغرفة الدافئة بأنفاسهم وبحرارة الطعام والنبيذ، وانحدروا يطلبون المحطة في انتظار القطار، وتلفتُّ إلى ما حولي فإذا الأودية كلها قد ملأتها السحب حتى صار كل ما حولنا لجة من غمام غرقت فيها أطواد الجبال، فاختفى بعضها بما عليه من نبت وزهر وشجر، وبقيت ظهور بعضها طافية كأنما هي حيتان ضخمة تسبح في لجة السماء المذابة ركامًا. وسرحت النظر ألتمس الأفق، فإذا منظر قفر ما أذكر أني رأيت مثله في سياحاتي، وما أحسب كاتبًا يقدر على حسن وصفه مهما أوتي من البيان؛ فهذه الحيتان السابحة، وهذه اللجج المترامية، وهذه السماء المذابة تشتملها عند الأفق ظلمة تخلط الليل بالنهار في هذه الساعة التي تتكبد فيها الشمس السماء وتعالج عبثًا أن تنفذ إلى الوجود وتبعث إليه آية الحرارة والنور. وفي هذه الظلمة لا ترى سحابًا ولا جبلًا ولا سماء، وإنما هو ديجور منتشر تعبث فيه آلهة الظلمة بآمال الناس في خيط من ضياء. وفيما اليأس يعمل في النفوس إذا برق يخفق يخطف سناه الأبصار ويضيء لحظة هذا القتام الداكن، وإذا رعد يبعث إلى السكينة الموحشة فوق قلل الجبال زئيرًا تهتز له النفس من خيفة المطر الهتون. واستغرق البرق والرعد ثانية أو بضع ثوان، ثم عادت السكينة الموحشة والظلمة المهوبة، وازدادت أشباح الحيتان السابحة جلالًا ورهبة، ولكن السماء ظلت ممسكة ماءها إلا رذاذًا، وظل من حولنا ينظرون إلى ساعاتهم يقدرون الدقائق الباقية لوصول القطار. أما الطفلة التي كانت معنا في قاعة الطعام فلم يزدها البرق والرعد إلا إمعانًا في اللهو والضحك، وكأنها آمنة، ما رأت أباها، من عدوان الطبيعة وغدر القدر، وطالت الدقائق الباقية كأنما هي باقية على ساعة البعث والحساب.
ثم ظهر القطار زاحفًا إلى القمة، فعلت الثغور ابتسامة التحية وأخذ كل مكانه مطمئنًا إلى اتقاء ما يخشى من صيب السماء. وانحدر القطار صغيرًا ضئيلًا تحفه السحب من كل جانب فما يكاد النظر يرى من النبت المحيط به إلا القليل، واستبدلنا به غيره هبط بنا إلى أن اتصل السفح بالأرض، ثم استبدلنا بالقطار ترامًا أقلنا إلى جنيف مارًّا بأنماس في شوارع وطرق دون شوارع جنيف وطرقها جمالًا.
•••

وأصبحنا في الغد فإذا الجو مطير والسماء هتون والشمس في الحجب، فلزمنا فندقنا آملين صلاح الجو بعد الظهيرة، لكن المطر ظل هاتنًا فحبسنا في فندقنا، فلما كان المساء ذهبنا إلى مسرح الكوميدي نمضي فيه شطرًا من الليل نعتاض به عن سجن النهار، وخرجنا في منتصف الليل، وحاولنا أن نعود إلى الفندق على أقدامنا ليطول استمتاعنا برقيق هوائه، فلم يطل بنا السير أن انفجرت أفواه السماء أكثر تهتانًا منها طوال النهار، وذهبت من ناحية وزوجي من الأخرى نصيح بعربة أو أوتموبيل يقينا هذا المطر، على أنَّا لم نعبس له ولا بعث تهتانه إلى نفوسنا أي امتعاض؛ فقد كفل المرح الذي يملأ جو سويسرا كلها طمأنينة نفسينا إلى كل شيء واغتباطها بكل مظاهر الطبيعة وبالمطر يكاد يغرقنا رغم احتمائنا منه بالجدران والأبواب. وعثرنا آخر الأمر بأوتموبيل ركبناه إلى الفندق فقابلنا رجال السهرة فيه بابتسام لما رأوا ما عليه حالنا، فلما أخبرناهم أنا مسافرون في الغد إلى لوزان نصحوا إلينا أن نتخذ طريقنا إليها فوق البحيرة على الباخرة «هلفسيا»، أكبر بواخر ليمان وأكثرها جمالًا وحسن نظام.
ونزلنا «أوشي» ميناء لوزان على البحيرة، واخترت فندق بوريفاج حيث وقعت معاهدة لوزان. وأذكرني هذا الفندق نزولي صيف سنة ???? بفندق إنجلترا من فنادق أوشي؛ لأن لورد بيرون كتب به قصيدته «تشيلد هارولد»؛ فقد وضع فندق إنجلترا على جداره لوحة يسجل عليها هذا الحادث الجليل في تاريخ الأدب، ووضع فندق بوريفاج على جدار بهوه الكبير الذي وقعت المعاهدة فيه لوحة يسجل عليها هذا الحادث الخطير في تاريخ السياسة الدولية. وأوشي ضاحية ظريفة بسامة تقابل أفيان على الشاطئ الفرنسي لبحرية ليمان، ولكن لها من البهاء والجمال أضعاف ما لأفيان وإن لم تكن لها مثل مياهها المعدنية. وفندق بوريفاج زينة أوشي ببارع حدائقه المتدرجة من الهضبة التي يقوم الفندق عليها إلى الشارع المتصل بشاطئ البحيرة، وبجمال عمارته وبفسيح أبهائه وصالاته، وإنَّا لنتخطى صالوناته قاصدين إلى غرفة الطعام إذا بالسيدة التي نيفت على التسعين والتي استرعت نظرنا في إكس لي-بن حين جاءت إلى المائدة في عربة، ثم أسندها خادمان حتى أوصلاها إلى مجلسها بإزاء حفيدها، وإذا حفيدها يدفعها في عربتها، فلما وقع نظرها علينا ابتسمت وحيَّت برأسها تحية جميلة جعلت زوجي أشد بمشيبها برًّا وعلى المشيب كله عطفًا. ولعلها رأت بعد هذه الابتسامة أنه كان يحسن بالشيوخ وبالعجائز أن ينزووا حين كانت الحياة في اعتبار الناس شرًّا يتبرمون به ويتمنون الخلاص منه؛ لأنها كانت في نظرهم عبئًا ثقيلًا بما تقتضيه من جهد وكد لا عوض عنه في مرح أو مسرة؛ ولذلك كان من حقهم أن يروا الفضيلة في الزهد والانزواء، أما اليوم وقد تكدس في الحياة من أسباب النعمة ما خلقته الأجيال المتعاقبة خلقًا وما أبدعه الخيال والعقل، فقد وجب أن يتغير الاعتبار القديم، وأن ينظر الناس إلى الحياة على أنها خير يجتنى، ومورد سائغ يزداد عذوبة كلما كثر رواده والمستمتعون به، وكلما كان من بينهم هؤلاء الشيوخ والعجائز الذين يزيدون الحياة جمالًا بإقبالهم على الاستمتاع بكل ما فيها مما يرونه خيرًا ونعمة.
ويصل الترام بين أوشي ولوزان في دقائق معدودة مرتقيًا هضبة بنيت فوقها المدينة تطل منها على مياه ليمان، يستمتع أهلها بمنظرها في أماكن عدة منها. وليس في المدينة كثير يستوقف النظر ما يستوقفه قصر العدالة بها، قامت عمارته الجميلة بين حدائق وأشجار هي لأهل لوزان متنزه حر وموضع جمال ومسرة، على أنَّا لم نكن نعني بتقصي ما في المدينة من آثار وعمارة بعد الذي شهدنا منهما بالعاصمتين الفرنسية والإنجليزية وبعد قصور جمعية الأمم في جنيف، ثم إن ما يحيط بالمدينة من غابات كان أكثرها اجتذابًا لنا كي نجد فيه هذا الهواء الصافي الصحيح الذي يقوي حب الحياة في نفوسنا. خرجنا ذات صباح إلى غابة قاصية يقطع الترام أكثر من ساعة في مسيره إليها في بطيح من الأرض لا يقع النظر حتى آفاقه على جبل أو شبه من جبل. وهبطنا قرب الظهيرة، فكان أول همنا أن نعرف أين نتناول غداءنا، وسألنا فدلنا رجل هو وحده الذي استمر معنا إلى غاية ما وصل إليه الترام، على مكان قال إنه الوحيد في الناحية، وقطعنا إليه مسيرة ربع الساعة، فإذا هو كوخ ما كنا لنرضى أن نجتاز بابه لو لم يضطرنا إليه أن لا سبيل إلى غيره، ودخلنا إلى صالة فسيحة كثيرة النوافذ، بها بار وبها بضع مناضد حولها كراسي من الخشب المكسو بالقش من ذلك النوع الذي عفا ولم يعد يرى إلا في أحياء العوز والمتربة. ولم يك إلا دقائق حتى دخل إلى المكان عدة أشخاص في قبعاتهم ريشة خضراء وهم يلبسون لباس الصيد ويحمل كل منهم بندقيته ويتكلمون لغة لا نكاد نفهمها. وجاءت خادم سألناها عما تستطيع أن تقدمه لغدائنا، فعلمنا أنها تصيد السمك من نهر قريب، ولكن صيدها لم يكن في ذلك اليوم مثمرًا. وكنا قد رأينا حول المكان دجاجًا، فسألنا أتستطيعين أن تطهي لنا منه شيئًا، فترددت، ثم أجابت رغبتنا بعد ما أخبرتنا أن الطهي يحتاج إلى ساعة أو نحوها، فوافقناها على ذلك، وخرجنا نقضي هذه الساعة في الغابة الهائلة الممتدة إلى ما لا نعرف حدوده نجد خلالها روعة جمال وبديع متاع، وعدنا بعد انقضاء أكثر من ساعة، فقدمت الخادم الطعام إلينا دجاجًا وبطاطس أقبلنا على التهامه بشهية، ووجدنا فيه لذة لم نجدها في أفخر طعام تقدمه أعظم الفنادق، مما جعلنا نأنس إلى هذا الكوخ الذي كان موضع ازدرائنا وتقززنا حين وقع نظرنا عليه ساعة مجيئنا، وعدنا إلى الغابات حتى قارب المغيب، فعدنا إلى لوزان ثم إلى أوشي وكلنا على طعام العشاء إقبال وله شهية.
وآن لنا أن نغادر لوزان إلى أنترلاكن، فركبنا البحيرة حتى مونتريه والقطار إلى مدينة اليونج فراو. هنا يقف بي القلم إن أنا حاولت وصف هذا الطريق يتعلق النظر والقلب والفؤاد بكل جزء منه؛ لأنه يرى في كل جزء منه جمالًا جديدًا. مرت الباخرة «بففي» فذكرت روسو، وذكرت هلويز الجديدة، وذكرت بيرون وشلي، فكنت لهم جميعًا عذيرًا مما بعثته هاته البقاع إلى نفوسهم من حب وشعر وولع بالجمال وجنون بالطبيعة. كلا! ليست ليمان هنا بحيرة، ولا هذه الأرض من حولها شواطئ، ولا هذه المرتفعات جبالًا، وليست تظلنا هاهنا سماء كالسماء التي تظل العالم كله، بل هذه صورة افتن فيها خيال روفايل فنقشها بريشته ثم قيل لنا هي ماء وشواطئ وجبال وسماء، وكيف سما خيال روفايل ليضع في هذه الصورة الساحرة ما فيها من حياة وغرام وفتنة وبهر! لقد كنت أرى على وجوه المسافرين جميعًا من طمأنينة النعمة الراضية، وفي نظراتهم من الاستسلام لروعة هذا الجمال، مثلما ترى في نظرة المحب وعلى وجهه ساعة يلتقي بمحبوبته الفاتنة. وهل كانوا يستطيعون مقاومة هذا السحر وما حولهم من موج البحيرة وضحك الزهر وابتسام الشجر ورقة الهواء وخضرة السفوح وحنان السماء كله سحر وحب وهوى؟! وظلت الباخرة تجري بنا فترينا من اختلاف مناظر الشاطئ ما يزيد في أسره ألبابنا، حتى بلغنا مونتريه قرب الظهيرة، وأخذ حمال متاعنا على عربة يد وتبعناه إلى محطة السكة الحديدية نصعد الطرق إليها في هذه المنطقة الجبلية تتجاوز مدنها الشوارع مرتفعًا أحدها عن الآخر أمتارًا عدة. على أنا لم نسر وراءه غير بعيد حتى رأيناه يجري بالعربة، ثم انعطف إلى طريق غاب فيه عن أنظارنا، حتى خيل إلينا أنه فر بمتاعنا فرار لص أثيم… وأغذذنا السير حتى بلغنا المحطة وجعلنا نلتمسه فيها فلم نجده، فقصصنا الأمر على أحد رجالها فقيل لنا إنه قد يكون في المحطة العليا. والمحطة العليا ترتفع عن المحطة السفلى أكثر من عشرة أمتار يصعد الإنسان إليها على درج أحسبه منقورًا في صخر الجبل، فأشرت إلى زوجي أن تنتظر حتى أصعد فأرى الحمال وما صنع الله به وما صنع هو بمتاعنا ثم أعود إليها، ووقفت أجيل بصري في هذه المحطة العليا، فإذا الفتى مقبل عليَّ يخبرني أنه التمسنا فلم يجدنا، وأنه أودع متاعنا في الأمانات، وأن القطار يقوم في الساعة الثانية. وذهبت معه إلى الأمانات، فاطمأننت حين رأيت كل شيء كما أحب، وحمدت في نفسي للفتى أمانته وجزيته عنها، ثم عدت فهبطت، وخرجنا من المحطة إلى فندق يقابلها نتناول فيه طعام الغداء انتظارًا لموعد قيام القطار في الساعة الثانية من بعد الظهر.
وركبنا القطار وبدأ مسيره، ولئن كان الطريق الذي مر به والذي مر به القطاران الآخران اللذان انتقلنا إليهما حتى وصلنا أنترلاكن كله روعة؛ بسمو جباله البديعة السفوح وأوديته الممرعة الخضرة، إني لن أنسى حياتي الساعة الأولى لمغادرتنا مونتريه حين جعل القطار يتسلق الجبل ثم يستدير صاعدًا، فتتبدى البحيرة منحدرة إليها سفوح خضر غاية في النضرة، ثم يستدير ثانية فإذا الجبل يعدل البحيرة جمالًا، ثم يستدير مرة أخرى فإذا البحيرة في منظر أروع وأشد سحرًا. في هاته الساعة كان السَّفْر يبدون من الإعجاب كلما تبدت البحيرة لناحية منهم ما جعل العربة والقطار كله إعجابًا متصلًا. ويرتفع القطار فوق الجبل وتتبدى البحيرة أمام المنظر تتسع خضرة السفوح الفاصلة بيننا وبينها في كل استدارة للقطار فترينا منظرًا جديدًا عجبًا. وبعد استدارة أخرى أوغل القطار في الجبل يشق طريقه إلى سويسرا الألمانية.
وبلغنا أنترلاكن في الساعة العاشرة من المساء، وأوينا إلى فندق فيكتوريا ويونج فراو. وأنترلاكن قرية صغيرة لا يزيد سكانها من السويسريين على ألفين، ولكنها مصيف قد يقصد إليه عشرات الألوف كل صيف تجذبهم الأوبرلند تتجلى الألب فيها بما لا تتجلى بمثله من روعة في سائر أنحاء سويسرا مما شهدت؛ ذلك أن الألب فيها عظيمة الروعة بارتفاع قممها، وبأن الإنسان شارك في تجميلها وفي تيسير ألوف الأمتار التي ترتفعها ليصعد المصطافون إلى قممها أو ليخترقوا جوفها. هذا إلى أن بحيرة ثون وبحيرة بيين المحيطتين بها تبلغان الغاية من الروعة حين تحصرهما القمم الرفيعة تتراءى بعضها في إثر بعض، حتى لترى أحيانًا قممًا ثمانيًا تقابل نظرك، وترى الماء منحدرًا منها إلى البحيرة في اندفاع وقوة تحيلانه رغاء وزبدًا. ومما شارك الإنسان الطبيعة فيه مما حول أنترلاكن كثيرًا ما أذكر منه هنا ثلاث صور تصدم كل واحدة منها الخيال وإن تفاوتت في ذلك بين العجب المخيف في هاردركلم، والدهشة المرتاعة في بياتس هوهلن، والإجلال والإكبار في اليونج فراو. فأما الهاردركلم أو قمة الهاردر فالعجب فيها هو القطار الصاعد إليها. هو لا يصعد على السفوح منعرجًا مع ميولها كما كان يصعد القطار الذي ذهب بنا إلى الساليف أو إلى ثلوج بيوناساي في السافوا العليا، بل هو يصعد في خط مستقيم على شريط حديدي معلق فوق أخشاب في الهواء يعتمد على قواعد متينة فوق الجبل، ويصعد في زاوية أكثر من نصف قائمة. وهو قريب من أنترلاكن يصل إليه الإنسان في أقل من ربع الساعة سيرًا على الأقدام. ذهبنا إليه أصيل الغداة من وصولنا إليها، فألفينا المحطة في بناء به ثلاث غرف يصعد الإنسان إليها عشرين درجة أو نحوها، ومنها دخلنا إلى القطار عجلاته تحت عربته في مثل المثلث، ليكون الجلوس فيه مستريحين على مقاعد أفقية. وصعد القطار، فلم يكن إلا دقائق حتى كنا وإياه معلقين في الفضاء فوق شريطه، وحتى كنا ننظر من زجاج نوافذه فلا نرى حولنا إلا فضاء. وبدا على وجه بعض الراكبين نوع من الوجل خيفة أن يهوي وأن نتحطم فوق صخر الجبل. والقطار يسحبه جنزير تديره الكهرباء فيصعد ونصعد معه، فلما كنا عند منتصف الطريق مر بنا القطار الهابط، وظللنا نحن في ارتفاعنا حتى وصلنا القمة، فسرنا فوقها إلى فندق قريب من المحطة تناول المسافرون فيه فنجانًا من الشاي، لكن الجو ما لبث فيه أن دكن فلم يسمح لنا بمقام طويل فوق هذه القمة. درنا فيها فإذا الطرق الممهدة قليلة، وكأن الغاية من الصعود إليها أن يحدق الإنسان إلى سلاسل الألب في الأوبرلاند. ودكنة الجو تحجب بين النظر وهذه الجبال، فلا خير في المقام وقد انقطعت السبيل إلى هاته الغاية.
فأما البيانس هوهلن فيثير الدهشة المرتاعة حقًّا. أخذنا إليه الترام عند آخر البلد المتصل ببحيرة ثون، وانطلق بنا في طريق جميل محصور بين شاطئ البحيرة وسفح الجبل حتى وقف بنا في المحطة التي تؤدي إليه، وتسلقنا الجبل بضع مئات من الأمتار قامت على جانبي طريقها المتعرج في صعوده أشجار وحشائش، حتى كنا عند فوهة في الجبل تخطينا إليها بعد رسم دفعناه، فإذا بنا في فوهة مغارة نقرت في مختلف جوانبها كهوف صورت فيها تماثيل تصف حياة القديس بياتوس التي سميت هذه المغارة باسمه؛ فترى تمثال هذا الشيخ الطويل اللحية البيضاء وأمامه أدوات ما كان لأهل العصور القديمة، وفي كهف آخر تماثيل أهل العصر الحجري، وهلم جرًّا. وجاء الدليل خارجًا من فوهة المغارة الموغلة في جوف الجبل يتبعه زوار سبقونا إليها، وآن لنا أن ندخل بدورنا، فإذا نحن في مضيق من الصخر أشبه بأبواب بعض الأهرامات، وإذا بنا نوغل ثم نوغل في جوف الجبل وتضيء لنا الكهرباء الطريق نصف إضاءة لا تذهب بالظلمة ولا تذهب بالروعة. وبعد مسير عشر دقائق في هذه الدهشة الموحشة بدأنا نسمع خرير الماء في أعماق جوف الجبل، كأنما انفجر فيه شريان فهو مقبل علينا يكتسحنا. وما هي إلا لحظة حتى كنا نصعد درجًا نعبر بعده على قنطرة من خشب تقينا الماء وفيضانه. ونوغل ثم نوغل يتقدمنا الدليل ونحن آنًا نصعد درجًا وآنًا نهبط درجًا غيره، وثالثًا نكاد نخطو في الماء، وأنوار الكهرباء خلال جوف الجبل قد نظمت ولون بعضها بما يزيد المكان الموهوب مهابة والمدهش دهشة. وكنا نقف فوق قنطرة من الخشب نحدق دونها إلى الماء يتسرب خلال الجبل، فإذا موقفنا إلى جانب رجل وسيدة سبقانا إلى هذا المكان ثم بقيا لا تنفرج شفاهما عن كلمة إعجاب؛ لأنهما صنعا من الشمع ووضعا في هذا المكان العجيب ليزيداه عجبًا وإغرابًا. ويقص الدليل دقائق المكان مما خلفت العصور البعيدة في أطوار التاريخ في الصخر من آثار بعض الأسماك أو الحيوان أو ما يزعم أنه نقر المعتزلة الذين اختاروه مقامًا لهم أيام بياتوس وأتباعه من بعده، ونحن مأخوذون عن قصصه بعجيب ما حولنا وبموقفنا هذا، وقد ابتلعنا الجبل في جوفه كما ابتلع الحوت يونس في القصص المقدس، وانشعبت أمامنا المسالك حتى كدنا نضل لولا ان تقدمنا الدليل خلال شعبها، فلما آن لنا أن نخرج من جوف الجبل بقينا في دهشتنا وذهولنا حتى ركبنا الترام، ووصلنا إلى الفندق ساعة طعام العشاء.
وكان برنامجنا في الصباح أن نرتقي اليونج فراو المرتفع أربعة آلاف وثلاثمائة متر في هذه القطارات الصاعدة التي أنفقت الشركة السويسرية في إنشائها أكثر من عشرة ملايين فرنك ذهب، فلما جاء لنا الخادم بطعام الإفطار سألناه عن حالة الجو وهل هو ملائم أن نصعد، ونحن في خيفة أن يصيبنا ما أصابنا في جنيف يوم صعدنا الساليف، فأجابنا بأن السماء محملة بالسحب، وأن جو أنترلاكن ينذر بأن يكون مطيرًا اليوم كله، وأن التصعيد في الجبل وفوق السحاب خير ما نتقي به ظلمة اليوم. فلما أخبرناه بخبر الساليف ابتسم ابتسامة معجب باليونج فراو (السيدة الصغيرة) وذكر أن ارتفاعه إلى أضعاف ما يرتفع الساليف يسمو به فوق السحاب وفوق المطر. ولم يكذبنا الرجل؛ فقد خرجنا وركبنا القطار والمطر يداعب الوجوه مؤذنًا بأنه سينهمر بعد ساعة صيبًا هتونًا. وانطلق القطار مارًّا بمحطات شتى حتى وصل بنا إلى القطار الصاعد والسحب في الجو تزداد كل ساعة تراكمًا، وذهب القطار الصاعد يتسلق السفح تارة ويجري في بطيح فسيح من الجبل أخرى، ثم يتسلق ثم يجري، وهو كلما ازداد تصعيدًا ازدادت السحب من حوله تكاثفًا. حتى كنا في لجة لا نرى خلالها إلا مثل ما نرى في لجة ماء البحر إذا أنت غطست فيه. وظللنا كذلك زمنًا، ثم إذا القطار يخترق اللجة فجأة وينفذ منها، فإذا الشمس ساطعة والسماء صفو والجو إبداع، وإذا هذه اللجة تنحدر إلى أسفل منا، كلما أمعن القطار في صعوده، وإذا القمم تتبدى صاعدة من خلالها ممتدة إلى غاية مدى النظر، حتى لكأنما غرس هذا السحاب كله قممًا. ونزلنا من القطار في البطيح، وانتقلنا إلى القطار الصاعد إلى قمة اليونج فراو، وما هو إلا أن صعد بنا ثم استدار حتى دخل بنا في نفق جعل يصعد أثناءه ثم يصعد ويصعد، ونحن لا نعرف متى ينتهي النفق ولا إلى أي شيء ينتهي، ووقف القطار في محطة ونزل المسافرون منه فيها بإزاء كهوف فسيحة نقرت في الجبل، وينفذ النور من أشباه النوافذ فيها غطيت بالزجاج السميك اتقاء للبرد وأعاصير الطبيعة. وذهبنا إلى أحد هذه الكهوف على مقربة من النافذة، فإذا المنظر يقع منها على سفوح بيضاء لا يدرك حدودها، قد كستها الثلوج ثوبًا ناصعًا. ووضعت عند هذا الشبه النافذة مناظير مقربة يميلها الناظر إلى حيث شاء ليرى هذا العالم من الثلج الذي تخترق خلاله، والثلج لا شك يعلو هذا النفق الذي نسير فيه ما دام يمتد على ما دونه من قمم وأباطح. وعاود القطار مسيره حتى وقف بنا عند غايته، فهبطنا منه وصعدنا في رافع (أسنسير) وقف بنا في فناء غرفة الطعام، دخلنا إليها فإذا هي نقرت في الجبل، ونسقت أبدع تنسيق، وفرشت أوثر فراش، ودفئت وأعدت فيها خير وسائل الراحة، مما يجعلك وأنت في قمة من أعلى قمم الألب تجد من الرفاهية ما تجده في خير الفنادق وإن دفعت ثمنها غاليًا. وتناولنا طعام الغداء، ثم آن لنا أن نتسلق إلى القمة، وأن نخرج من فوهة النفق المؤدية إليها. يا لجلال الطبيعة وإبداع فنها البارع الباهر! ما كدنا نرتقي الدرجات القليلة ويأخذ الدليل بيدنا ونمسك العصي المدببة لتعاوننا في سيرنا، ونسير بضع خطوات، حتى أحسسنا أن عيوننا تكاد تعشى دون مقاومة لألاء هذا الضياء ترده الثلوج من أشعة الشمس الساطعة. وحاولنا الإمعان في السير، فأنذرتنا الثلوج تحت أقدامنا بالتعرض للانزلاق في كل خطوة نخطوها برغم العصي التي نعتمد عليها. وجازفنا مع ذلك وسرنا، فإذا إلى يميننا قبو نصح أهل المنطقة إلينا بالدخول فيه، فإذا هو مغارة كلها من الثلج قد مدت الكهرباء داخلها لتنير السبيل لمن يسلكون سبيلهم خلالها. وخرجنا من مغارة الثلج إلى بقعة من القمة كشفت عنها الثلوج وأحيطت بسياج من الخشب يحمي اللاجئين إليها من السقوط في الوهاد السحيقة المحيطة بها والمكسو بعضها بالثلج، على حين تجرد بعضها الآخر، أن ذاب أثناء الصيف ثلجه. وأحاطت بهذه البقعة وهاد وقمم تتالى أمام النظر، فينتقل من إحداها إلى الأخرى وهو بها وبالثلوج التي تكسوها وبهذا الجو الجبلي المنعش مغتبط أشد اغتباط. وكان الثلج يكسو أقرب الوهاد من بقعتنا، فيتخذ محبو الرياضة الجبلية طريقهم إليه يسيرون أو ينزلقون فوقه، ونحن فوق قمتنا وقوف نرقبهم ونزداد بمشاهدتهم غبطة على غبطتنا ومسرة على مسرتنا. وبقينا كذلك حتى آن للقطار أن يعود، فالتمسنا من جديد فوهة النفق، ونزلنا على الدرج إلى حيث «الأسنسير» وإلى حيث القطار الذي انحدر بنا خلال النفق حتى انتقلنا منه إلى القطار الثاني الذي ما لبث أن زج بنا من جديد في لجة السحاب لا سبيل إلى رؤية شيء من خلالها، وإن هوى بعد ذلك تهتن الأمطار فوقه، حتى إذا كنا من جديد بأنترلاكن كانت المدينة غرقى بمطر النهار كله، وكان قضاء الأمسية في الفندق أمرًا لا مفر منه.
وفي ظهر الغد ركبنا القطار إلى لوسرن بعد أن أعد رجال الفندق لنا طعام الغداء نتناوله أثناء الطريق؛ إذ لم يكن بالقطار عربة للطعام. وأعاد القطار في تلويه بين بحيرة بيين وبين الجبل صورة مصغرة من المنظر الذي رأينا عند مونتريه. وبلغنا لوسرن في المساء، فلما أصبحنا جعلنا ننعم ببحيرتها البديعة الجمال، وبمنظر جبلي الريجي والبيلات من حولها وبالزوارق تخطر فوق لجها، وشاركنا راكبي هذه الزوارق كما شاركناهم من قبل على بحيرة ليمان. فلما كان الغد أرشدنا دليل «بدكر» إلى غابة أخذنا القطار الصاعد إليها وجعلنا نجوس خلالها، حتى إذا كانت الظهيرة التمسنا مكانًا نتناول فيه طعام الغداء. ومع أن الدليل ذكر لنا أن بالغابة مطعمًا جميلًا، فقد وقفنا عند بناء خلناه هذا المطعم ولم يكن إياه، ولم نكن نعلم هذا! فجعلنا نطوف حوله نلتمس بابه، فإذا أبوابه موصدة كلها، وإذا بنا نعتقد أن لا سبيل لنا إلى طعام ما دام المطعم مقفلًا. على أن طوافنا هدانا في جانب منه إلى جوسق من خشب وضعت أمامه موائد ومقاعد، فحسبناه المطعم. وصفقنا فجاءت امرأة سمينة مفتولة الساعد حمراء الوجه تسألنا بالألمانية ما نريد؟ وعبثًا حاولنا أن نخاطبها بالإنجليزية أو الفرنسية؛ فهي لا تعرف غير الألمانية ونحن لا نعرفها؛ وإذن فلا سبيل إلى تفاهم إلا بالإشارة، وأشرنا إلى أفواهنا علامة أنا نريد أن نأكل، فجعلت ترطن ونحن لا نفهم، ثم انتهينا إلى أن قامت زوجي معها لترى ما قد يكون من طعام عندها، ثم عادت فذكرت أن غداءنا اليوم بيض ولحم بارد. ومع تفاهة هذا الطعام فقد اغتبطنا به أشد الاغتباط، وفاض بنا السرور أثناء تناوله ومن بعده، ونعمنا بهذه السعادة التي أحاطت بنا كل مقامنا بسويسرا والتي لم تكن في شيء معين، بل كانت في هذا الجو السعيد الصافي الذي يبعث إلى النفس نشاطًا يزيد فيها قوة الحياة فيعلو بها على الضعف وينسيها أحداث الزمن.
وقمنا بعد طعامنا لنطوف بالغابة، فلم نمضِ في السير أكثر من نصف الساعة حتى كنا عند هذا المطعم الذي أشار الدليل إليه، على أن ذلك زادنا غبطة بطعام الجوسق، وسرورًا بنزهتنا الجميلة خلال الغابة الفاتنة.
وفي صبح الغد ركبنا الباخرة على سطح بحيرة المديريات الأربع “Lac des Quatre Cantons” إلى فلولن لنذهب بالقطار منها إلى ميلانو، وجرت الباخرة بنا بين جبال يهز القلب سحر جمالها ويبعث إلى النفس فيضًا من الرضا عن الحياة ينسيها أن في الحياة همًّا أو سجنًا، ورفعت طرفي إلى السماء شاكرًا لله أنعمه، مودعًا جنته على الأرض في تخشع واعتراف بالجميل لن أنساه ما حييت. وجرى القطار بعد ذلك بنا مخترقًا نفق سمبلون فيما بقي من بلاد سويسرا الإيطالية حتى يصل الحدود التي تفصل بين سويسرا وإيطاليا. عند ذلك انتقلنا من القطار الدولي إلى قطار إيطالي، ومن بهاء مناطق الجبل إلى سهول لومبارديا، وعند ذلك بدأنا نشعر بأنا نقترب من مصر، ولكنا نقترب منها بأرواح جديدة، ونفوس قوية، وبحكمة في الحياة تسمو بنا فوق كل ضعف أمام الحياة.
في ميلانو


بعد خمسة وعشرين يومًا قضيتها في أحضان الطبيعة البديعة متنقلًا بين جبال السافوا العليا وثلوجها الناصعة البياض، وجبال سويسرا الخضراء الزاهرة المطلة على البحيرات الناطقة الجمال بآي السحر الفاتن، وبعد أن امتلأ ناظري وقلبي من هذه العظمة التي يشعر الإنسان أمام جمالها البارع وجلالها المهوب بصغره وضعفه، انتقلت في طريقي إلى تريستاكي أستقل الباخرة حلوان إلى مصر، وحططت أولى مراحلي بمدينة ميلانو حيث أقمت يومين وبعض يوم، وما كدت أتركها حتى امتلأ فؤادي وعقلي بشعور آخر غير ذلك الشعور الأول، وحتى جمعت ذاكرتي مما رأت عيناي وسمعت أذناي وفكر فيه عقلي وخالج خيالي صورة أخرى ليست أقل من جلال الطبيعة وهيبتها جلالًا ولا هيبة؛ تلك صورة مجد الإنسان. وتقاربت الصورتان واقتربتا، فأذكرتاني أن كل ما في الوجود من جمال وجلال إنما هو من خلق الإنسان، وأن الإنسانية كانت ولن تزال صاحبة مجد الحياة في العالم.
بلغنا ميلانو والشمس تكاد تتهيأ للانحدار إلى مغيبها، فلما اخترنا فندقنا، ونزعنا عنا غبار السفر، ونزلنا نرود المدينة، كان أول ما أخذ بناظرنا بناء فخم لا تحيط به النظرة ولا تستقر العين عند جزء منه حتى تدعوها سائر أجزائه إلى اجتلاء ما تتحدث به من معاني الجمال. واستشرنا الدليل، فإذا البناء كاتدرائية ميلانو الباهرة البارعة التي استنفدت من جهود رجال الفن أجيالًا متعاقبة قبل أن تتم، والتي تبدو أمامك في عظمتها وفخامتها كأنها جوهرة لم يدع الجوهري الصنع منها جانبًا إلا صقله وجمله. فلما كان اليوم الثاني مررنا بها كرة أخرى وقد ألقى النهار على تماثيلها خمس المائة والألفين من نوره ما جلاها لينطق كل منها بما أودعه صائغه من معنى ديني جليل، ثم دخلناها، فإذا داخلها أكثر هيبة وأدق صنعًا: ركبت في كل نوافذها التي تزيد على العشرين قطع من زجاج تزيد في كل واحد على مائتي قطعة، ونقش على كل قطعة منها صورة تمثل القصص المقدس وحديث المسيحية وأوليائها. وقامت فيها — على حد قول قسيس من قسسها — غابة من عمد من المرمر رفيعة ضخمة دقيقة الصنع أيما دقة، وتوسط الكنيسة قبر سان شارل وضع فيه تابوته من الفضة وحلِّي صدره وأصابعه بما أهدى الملوك لذكرى صاحب الجثة من نفيس الجوهر. وصعدنا إلى أعلى الكنيسة فإذا هذه الدرة الثمينة في جبين الفن ثمينة حتى في نظر الذين لم يقفوا على دقائق الفن، وإذا هي في تاريخ الفن الإنساني آية مجد وجلال لا تبلى.
وفي مساء ذلك اليوم ذهبنا إلى سكالا ميلانو، ولم تكن تمثل فيها أوبرا من الأوبرات؛ لأن أبوابها موصدة للأوبرا من أبريل إلى نوفمبر، لكنها كانت تصدح موسيقاها بألحان بتهوفن. وفي نفسي لبتهوفن ميل، بل حب لا أدري سببه؛ أهو لفنه، أم لمصابه في حياته بالصمم، أم لأنفته، أم لإيمانه بواجبه، أم لكل ذلك جميعًا؟ وكانوا يوقعون في هذا المساء لحن الريف (La Symphonie Pastorale) أحب ألحان بتهوفن إلى سمعي. وسكالا ميلانو أفسح مسارح أوربا، تتسع عند تمثيل الأوبرا لستمائة وثلاثة آلاف سامع، فلما دخلناها ألفينا أهلها وضعوا مكان مسرحها الفسيح مقاعد، وألفيناها تضيق بالحاضرين قعودًا ووقوفًا حتى ازدادوا عن خمسة آلاف عدًّا، وليقدرهم مقدرو الحفلات العامة بعشرة آلاف أو يزيدون، وصدحت الموسيقى، فتطاولت الأعناق وخفتت الأنفاس، ولم يكن بين هذه الألوف الحاشدة نابس أو هامس … وانتهى القسم الأول من اللحن فإذا هذه الصحراء الصامتة من بني آدم تنفجر بالتصفيق انفجارًا، وإذا مدير الجوقة يحيي شاكرًا فلا تزيد تحيته الحضور إلا إمعانًا في التصفيق اعترافًا بجميله أن أعاد إلى مسامعهم هذا اللحن المقدس من ألحان بتهوفن العظيم، وإذا الرءوس تهتز إعجابًا، والصدور تستنشق في هوادة وطمأنينة هذا الغذاء الفني الجميل الذي يسبغ على الحياة نعمتها، ويجعل لها من القيمة ما تستحق معه أن تحب وأن تخدم بإخلاص وعناية. ولما انتهى اللحن قلت في نفسي: «إن هذه الألوف الحاشدة لتنطلق أكفهم بالتصفيق إعجابًا بهذا اللحن الساحر، وهو بعدُ حكاية الطبيعة والحياة حكاية دقيقة صادقة؛ فلحن الريف ليس إلا أهل القرية في جذلهم يدهمهم الرعد والبرق والمطر وتحيط بهم شدة الطبيعة من كل مكان فينزوون ويبتهلون، فإذا أمسكت السماء وكفها، وأشرقت الشمس من جديد، عاد إليهم جذلهم وشكروا أنعم ربهم وزادوه حمدًا وتسبيحًا. وما أكثر ما تتكرر هذه الصورة في الحياة من غير أن تثير إعجاب معجب أو تصفيق مصفق، لكن جمع بتهوفن إياها وسوقه لها في صورة من الفن دقيقة هو مثار الإعجاب؛ فأي العنصرين أقوى: بتهوفن أم الطبيعة؟ وإذا كان الإنسان هو الأقوى أليس هذا مجدًا له ليس يعدله مجد؟!
ومن الحاضرين من ليسوا في الفن ذوي دقة، ومع ذلك مرت بهم نغمات أخذت منهم بشغاف القلب ومجامع الفؤاد، وأثارت مسرتهم بمثل ما تثير الكلمات القليلة التي يعرف الطفل كيف يقرؤها في مقال طويل زهوه ومسرته؛ أليس معنى هذا أننا كلما ازددنا لما في الحياة إدراكًا ازددنا للحياة حبًّا وكنا لها أدق تقديرًا؟ فإذا أحاط الإنسان بها من جانب الفن أو من جانب العلم خلق فيها جديدًا يزيدها حياة ويزيده مجدًا.»
وأوقع الموسيقيون لحنًا آخر من ألحان بتهوفن فيه من حكاية الطبيعة بعض ما في لحن الريف، فأعانني ذلك على متابعة ما أفكر فيه، ودارت بنفسي خواطر لم تقف عند بتهوفن وألحانه، زادتني كلها إيمانًا بأن الإنسان إن كان بعض ما في الوجود وكان بعضًا قليلًا فهو لا شك خالق مجد الحياة، وأن خياله كان في هذا الخلق أوفر حظًّا من عقله، أو أن عقله وخياله تعاونا في هذا الخلق، فكان من تعاونهما نعيم الحياة الذي يزداد كل يوم بما يزيدها خلقًا وإيجادًا.
وما جمال الطبيعة، وما نعيمها لو لم يتغنَّ بهما الشعراء ويلحنهما الموسيقيون ويصفهما الكتَّاب ويقيم لهما المثَّالون التماثيل ويفتن العلماء في بيان دقائقهما واستنباط سننهما؟ كيف نرى التجاوب والاتساق في الجبال والبحار وفي العاصفة المقوضة وفي المطر الهاتن يفر منه كل إلى وكره، لو لم يجتمع ذلك كله في خيال خصب كخيال بتهوفن، فيهضمه ويسيغه ويلحنه في لحن الريف البديع، أو كخيال روسو أو بيرون أو رفايل أو غير هؤلاء من رجال الفن الخالقين الذين يلبسونه من ثوب الفن ما يصل به إلى كل حس وكل قلب، فيطبع فيه ما شعر به الفنان من جمال فأنشأه إنشاء وخلقه خلقًا!! أوليس هذا التجاوب والاتساق هو جمال الحياة وزينتها؟ فالذين خلقوه هم الذين خلقوا جمال الحياة، وهم لذلك أصحاب مجد الحياة في العالم!
بل إن ألحان بتهوفن وقصائد بيرون وكتب روسو وصور رفايل وفلسفة أفلاطون ومخلفات كل فنان وكل عالم، لآثار خالدة هي ما للإنسان في الحياة من مجد وجلال، وإذا كانت جبال الألب المهوبة الخالدة العظمة والجلال تمتع اللب والخيال بعظمتها وامتدادها واختلاف مظاهرها وصورها، فإن كتدرائية ميلانو وحدها لا تقل عن جبال الألب كلها إمتاعًا للعقل والخيال بكل معاني العظمة والقوة والجلال والجمال، بل لعلها أكثر منها إمتاعًا وأبقى في النفس أثرًا؛ فإنك كلما وقفت تشهد نقوشها وتماثيلها وعمارتها رأيت في كل قطعة منها، بالغًا ما بلغ صغرها، ما أراد صانعها أن تحمل من أسرار ومعانٍ، فإذا أنت خلوت إلى نفسك وتمثلت هذه الجوهرة النفيسة من جواهر الفن وأردت استكناه دقائق أسرارها ومعانيها، رأيت أمام بصرك خلقًا عظيمًا كثير الأسرار جم المعاني، فآمنت بمجد أصحابه وبأنهم هم الذين جعلوا للحياة قيمتها.
وموسيقى بتهوفن، وكاتدرائية ميلانو، وآثار من ذكرنا من الفنانين في الشعر والأدب والتصوير، كل ذلك ليس إلا قطرة من هذا المجد الذي يبدأ مع الإنسان منذ كان الإنسان، والذي سيظل زينة الحياة ما بقيت الحياة. ما بالك بما خلفت حضارة مصر وآشور واليونان والرومان والمسلمين وبما تقيمه حضارة هذا العصر الذي نعيش فيه! وهل مما في الوجود شيء لم تصقله هذه الحضارات ولم تخلع عليه الطابع الذي له اليوم؟ بل هل في الوجود فكرة ليس الخيال الإنساني خالقها؟! فإذا كان عمل الإنسان فما جلال الطبيعة وما عظمتها أمام مجده الخالد الذي لا يبلى! وما جلال الطبيعة وما عظمتها إلا بعض خلق الإنسان فيما خلق من صور الفن وآي العلم.
•••

وردت هذه الخواطر إلى خيالي وتمكنتْ من نفسي على أثر ما شهدته في سكالا ميلانو، ففتحت أمامي عالمًا جديدًا من عوالم التفكير واسع المدى، وكم كان يسعدني أن أظل في أحضانه أجتلي من آثار هذا المجد الخالد ما فيه نعمة الحياة، لكني رأيت في جانب آخر من ميلانو ما بعث إلى نفسي لونًا من التفكير كالذي بعثته الكاتدرائية والأسكالا، وإن يكن من نوع آخر. هذا الجانب الآخر هو مقبرة ميلانو؛ فهي تصور صورة من مجد الإنسان ليست دون ما يصوره غيرها من خالد آثاره، لكن إحساسنا فيها كان متأثرًا بشعورنا، حتى كاد يحرك لاذع الألم في نفوسنا. وما أحسبنا وحدنا الذين تثير المقابر هذا الإحساس عندهم، بل لعله إحساس الناس جميعًا؛ فهم ونحن جميعًا تشتد للمقابر رهبتنا، ويشتد إليها هُويُّنا؛ نرهبها لأنها المثوى الذي نحمل إليه غير مختارين، ونهوي إليها لأنها مثوى الأعزة وفلذات الأكباد، ولأنها مستقر تاريخ الإنسانية الذي أورثنا من آثاره ما زادنا على الحياة سلطانًا ولها حبًّا. لذلك تهوي أفئدتنا إلى المقابر في خشوع ورهبة، فإذا اشتملنا سكونها المهيب تنازعت نفوسنا عوامل الإجلال والمخافة، والرجاء واليأس، ما لم تنحدر بنا عواطفنا في وهاد الحزن والألم فتنسينا ظلماتها الموحشة ما سواهما من العواطف والإحساسات.
وللمقابر على الأحياء سحر لا يقل عن سحر الحياة إياهم؛ فهم يؤمونها وإن اختلفت طوائفهم وتفاوتت مداركهم وانشعبت في زيارتها أغراضهم. وليست مقابر أعزتهم هي وحدها التي تسحرهم، بل هم يهوون إليها جميعًا وكأنما يردد عندها كل منهم في غور نفسه وقرارة فؤاده قول الشاعر:
وقال أتبكي كل قبر رأيتهلقبر ثوى بين اللوى فالدكادكفقلت له إن الشجا يبعث الشجافدعني فهذا كله قبر مالك وكأنما يجد كل منهم سر الحياة ومعنى الوجود دفينًا في كل قبر؛ فالمرأة الساذجة الذاهبة تستندي سر الصالحين وتستجدي بركتهم، والمنحدر في وادي الملوك إلى مقابر الفراعنة يستشف خلال ألوف سنين مضت عظمة الأزمان الغابرة، والسائر في بانثيون باريس يطوف بقبول الكتاب والشعراء والفلاسفة الذين طواهم البلى فخلدوا برغمه على وجه الزمان، والضارب في صحراء القاهرة بين مقابر مجهولة، أولئك وغيرهم تدعوهم المقابر إليها فيلبون الدعاء، وإن اختلف ما يصورونه لأنفسهم من غاية في إجابته. فإذا مثلوا في حضرة الموت رأوا كيف يستجن في الموت سر الحياة، فالتمست الساذجة من قبر الصالح الصحة والحب والسعادة، والتمس المنحدر في وادي الملوك إلى قبر الفرعون أسباب العظمة والمجد، والسائر في بانثيون باريس إلى قبور الفلاسفة والكتاب أسباب الحكمة والخلود، والتمس الضارب بين المقابر سر الحياة الدفين فيها.
وأين يلتمس الناس سر الحياة إن لم يلتمسوه في الموت وهو غاية الحياة ومدى ما يصل إليه علمهم منها! أولم ينفق كثير من المفكرين والفلاسفة أعمارهم في استكناه ما بعد الموت؟ والمقابر دور الموت، كما أن المنازل دور الحياة.
وهذه العواطف المختلفة التي تختلج في نفوسنا ساعة زيارة المقابر هي التي أدت بالناس منذ ألوف السنين إلى أن يجعلوا منها قصورًا فخمة تتجلى فيها المعاني التي جالت بنفوس الأحياء ممن بنوها، وما تزال أمم كثيرة تجعل من المقابر صلة الحياة بما بعد الحياة، وتسعى لتجعل مقابرها زينة للناظرين، فتجمل لهم الموت كما جملت الحياة. وإنك لترى من بدائع الفن في بعض المقابر ما تقف أمامه معجبًا به برغم ما يمثله من عواطف محزونة وقلوب كسيرة وأفئدة جريحة، والذين زاروا «جنوا» في إيطاليا يذكرون أن ليس فيها من آثار الفن غير مقبرتها. ومقبرة ميلانو هي أيضًا متحف من متاحف الفن، إن لم تبلغ كاتدرائيتها في العظمة ولم تبلغ بعض آثارها الأخرى في الجلال فهي ولا ريب أشد ما في ميلانو من الآثار رهبة، وأنفذها إلى النفس معنى.
زرناها في ثامن أكتوبر سنة ????، وكان يومًا غائمًا لم تبزغ منذ صباحه شمسه، وظل رذاذه يداعب السائرين في الطرقات حينًا بعد حين، ووصل بنا الترام في منتصف الساعة الثالثة بعد الظهر إلى أبواب المقبرة، فإذا بائعو الأزهار وبائعاتها انتحوا من الطريق جانبًا، وإذا رجال وسيدات وفتيات يبتاعون ما تنتعش له نفوس أعزائهم في وحدة القبر. ونظرت نحو المقبرة فإذا فناء فسيح شيد على جوانبه الثلاثة بناء فخم ويفصل بينه وبين الميدان سياج من عمد الحديد، فتخطينا السياج ووقفنا هنيهة نحدق في صدر الفناء إلى هذه العمد الرفيعة والأقواس فوقها، تحسبها عمد القصور وأقواسها. ومن فوق هذه العمد والأقواس التي تؤدي إلى منازل الدار الآخرة شيِّد طابق ثانٍ فيه عمد وأقواس، وفيه محاريب وتماثيل، وفيه صناديق كبيرة من حجر هي مثوى أصحاب التماثيل القائمة إلى جانبها. وأدرنا النظر يسرة فألفينا بواب هذه المقابر واقفًا على باب غرفته عرضت في زجاجها كتب هي دليل المقبرة وما فيها من تماثيل وأنصاب، فسرنا إليه نسأله: أيتقاضى من زائري هذه المقابر أجرًا غير ثمن الدليل؟ قال: إنما الأجر لمن يزور المقابر، وكل ما عليه أن يضرع عند الله لأهلها بدعوة صالحة.
سرنا في الفناء محاذين هذا الجناح الأيسر من سراي المدخل، فأخذ بنظرنا فيه باب نزلنا عنده خطوة، فإذا حولنا صناديق الحجر وتماثيل من احتوت الصناديق رفاتهم صنعت من المرمر صنعًا دقيقًا، ووضعت إلى جوانبها شواهد من المرمر كذلك، نقش عليها اسم صاحب التمثال ورجاء مغفرة من الله له. ويلي هذه الغرفة الضيقة دهليز أفقي طويل صفت المقابر عن جانبيه، ويشعر الإنسان في هذا المكان المسقوف الضيق بين هذه المقابر الكثيرة بشيء أقرب إلى الفزع منه إلى الرهبة، ويخيل إليه كأن ساعة الحشر دانية، ولا يجتلي جمال التماثيل ولا حلاوة الأزهار الملقاة على أقدامها وحول الشواهد المستغفرة لها بسبب هذا الفزع إلا قليلًا.
وعدنا إلى الفناء، وتخطينا بين العمد وتحت الأقواس إلى رحب المقبرة، فإذا بنا في ميدان فسيح يزيد على خمسين فدانًا، وإذا هذا الميدان حديقة ناضرة، نثرت فيها التماثيل على اختلاف صورها وأحجامها، وإذا بك يزايلك الفزع مخافة ساعة الحشر الدانية، وتطمئن نفسك إلى هذه الخضرة الباسمة وإلى الأزهار مختلفًا ألوانها، وإلى الأنصاب الرفيعة وقفت أو تمطت في حناياها وإلى جانبها ومن حولها تماثيل آية في الدقة. إذ ذاك تسائل نفسك: أهذه هي المقبرة التي تكنُّ في جوفها رفات أعزة تدمى لذكرهم قلوب وتذوب أكباد وتغوص في لجج الهم نفوس وأفئدة؟ يا ما أعجب نظر هؤلاء الناس إلى العيش! وما أشدهم حرصًا على المتاع بكل لحظة من لحظاته! ها هم أولاء قد جعلوا من منازل الموت زينة للحياة ومتاعًا لعيون الأحياء. ولعل أولئك الذين يحملون الورود والرياحين إلى القبور إنما يريدون أن يزيدوا جمال هذا المتحف الذي تفتخر به ميلانو وتجعله في حياتها عنوان عز ومجد.
ولكن هذه الخواطر التي مرت بالذهن عندما تخطينا إلى رحب المقبرة لم تلبث إلا يسيرًا حتى أذابتها حسرات نفذت إلى شغاف النفس مما تنطق به التماثيل في نظراتها المحزونة، وفي دمعات هامية من عيونها الحجرية على خدودها، وفي هذا التخشع والانكسار والاستسلام لجبروت الموت القاسي. وأكثر هذه المعاني المحزونة أثرًا في النفس ما جاور قبورًا أغلب الظن أن أصحابها ليسوا أغنياء. لا تعجب! إن هذه المقابر التي يدور في ظن الناس جميعًا أن أصحابها يرقدون فيها على بساط عدل ومساواة، يتفاوت أصحابها أمام أهليهم وأمام الناس في قدر ما كانوا وما صنعوا وما يستحقون من ذكر وأسى؛ فهذا القبر الذي عن يميننا عطل من كل تمثال، واكتفى أهله بشاهد توسطته صورة الشيخين الراقدين فيه، وهذا القبر الثاني إلى جانبه جلس إليه تمثال حسناء مرسل شعرها على ظهرها وصدرها في غير نظام، وقد بلغ منها الحزن مدى اليأس، فألقت بذراعيها فوق القبر، كأنما كانت تريد أن تنزع منه صاحبه المحبوب لتعيد إليه الحياة، فإذا أملها هباء، وذراعاها ملقيتان في عجز واستسلام، وإذا هي لا تملك غير دمع فياض وقلب متحطم؛ فأما ذلك النصب العالي إلى يسارنا فيتوسطه تمثال أبي الأسرة المدفونة تحته، وأحاطت به تماثيل نسوة ارتسم على وجوههن جمال الألم من غير أن تشوهه لذعات الحسرة.
وسرنا في طرق حديقة الموت ومتحفه، وما نكاد نخطو حتى تستوقفنا المعاني المختلفة تعبر بها التماثيل عما تكنه نفوس الأحياء من جزع أمام الموت، أو ألم لفراق عزيز ذاهب، أو فخر برجل عمَّر وترك وراءه ذكرًا يحسبه ذووه باقيًا. ثم وقفنا أمام قبر جثا فوقه تمثال طفل يصلي. يا رعاك الله يا صبي! على من تبكي ولمن تستغفر؟! من ذا أخرجك من براءتك وطهرك، ودس إلى قلبك الصغير ما في الحياة من هموم الألم وسمومه؟! أتصلي لأمك الشابة الصبوح ظلت مطوقة إياك بذراعيها حتى أثلجهما الموت وهي الآن تراب طهور يبعث لك في الحياة من الذكرى ما يغسل حوبات الحياة؟! أم هو أخ لك طفل مثلك شعرت بالوحشة لفراقه فجئت تدعوه إليك يؤنس وحشتك ويسلي هم وحدتك؟ أم لعلك أنت أيهذا التمثال تمثال الوحيد العزيز الراقد طي الثري؟! ادع أيها الحجر الصامت صاحبك وأطل الدعاء! أواه إنه لن يجيبك، وإنك لن تظفر من دعائك إلا بدموع كأنها الحمم تفري أكبادًا جرحى وقلوبًا كليمة، وتدك عزائم كانت أمام ما في الحياة أطوادًا كالجبال، ثم إذا الحياة أمامها سراب خادع ليس فيه من حقيقة إلا الدمع وإلا الألم.
واستغفرنا الله عما صنع بالصبي الراقد هناك في صحراء القاهرة، وأسرعنا إلى جانب آخر من جوانب المقبرة الفسيحة، وكأنما شعر السحاب بهمنا فبعث من عنده رذاذًا أطفأ ما التهبت به نفوسنا، ودعانا لنحتمي بجدار قريب. وكان على مقربة من الجدار قبر جلس إليه مثَّال ينقر في الصخر موضعًا لمصباح وضعه أهل القبر ليضيء ظلمته. ثم صعدنا درجًا إلى جانب الجدار، فإذا صناديق من حجر وتماثيل وشواهد نقشت عليها أسماء أصحابها، وكأنها تزدهي بمقامها في هذا المقام الأعلى. وسرحنا البصر في المقبرة فلم نحط بغايتها، وخشينا أن تقع العين على مثل تمثال ذلك الطفل، فسرنا في الطابق الثاني صوب باب المقبرة بين صناديق وتماثيل وشواهد كلها لقوم نعموا في الحياة بحظ يبعث إلى النفس الغبطة ولا يحز الفؤاد بلذع الألم.
وخرجنا فخفف عن النفس ما أحاط بنا من ضجة الحياة.
•••

وذكرت مقبرة ميلانو وتماثيلها وأنصابها وشواهدها يوم ?? ديسمبر سنة ????م، إذ كنا نجوب صحراء القاهرة نؤدي للصبي الراقد في مقابرها فرض الذكرى، وندع عنده قطعتين من فؤادينا الكليمين، لعلهما أروح لثراه من الورد والزهر. أيهما أبلغ بحديث الموت وعظمته: تلك الجنة في ميلانو، أم هذه الصحراء المنقطعة تسري فيها الأرواح بعيدة عن معاني الحياة الأرضية الوضيعة وإن جسمتها التماثيل ما جسمتها، وإن جلت عن صفائح الحجر وجنادله من معاني الألم والرهبة والجلال ما جلت؟ وأيهما أبقى في النفس أثرًا: هذا التمثال من الحجر تراه اليوم وتراه غدًا وتراه بعد سنين فإذا عواطفه لا تتجدد، وإذا عينه الدامعة لا تجمد دمعتها، وعينه الجامدة لا تجود بدمعة، أم هذه الدمعة الحية الحارة التي انسكبت بمرأى منك ومشهد ثم دخلت منك في عالم الذكرى المتجدد ما تجددت حياتك؟ قد تكون الدمعة الحية أبقى في نفسك أثرًا، لكنك أنت زائل كما زالت الدمعة التي رأيتها أنت وحدك. أما هذا التمثال من الحجر فقد تجسدت فيه عاطفة من العواطف هو عليها شهيد لكل من رآه، وهو أبقى منك على الحياة وأبقى مما تسطره.
ومرت بمخيلتي إذ ذاك صورة من هذه العواطف المحزونة أثارها الألم المبرح زمنًا، ثم ما زالت بها الحياة حتى استترت في قلوب أصحابها وصاحباتها تثيرها الأحداث وتكظمها المظاهر، وحتى انطوت في عالم الذكرى عند من شهدوها ومن شغلوا عنها من بعد بلهو الحياة. مرت في مخيلتي صورة الجدة العجوز فقدت ابنها الوحيد بين بنات سبع، ثم فقدت حفيدها الوحيد كذلك من هذا الابن، فابيضت عيناها من الحزن حتى لا ترى هذه الآلام المكدسة حولها تنم عنها نظرات بناتها وتنطق بها حال حفيدتها، ومرت صورة هذه الشابة الذاهلة المنهدة في سوادها بين قبرين: قبر أمها الشابة وقبر وحيدها الصغير، وأعمار الثلاثة ما تزيد على عمر شخص واحد يبكيه الناس أن ما يزال في الحياة له مطمع، وهي في مقامها هذا خرج بها اليأس عن أن تجد حتى في الدمع عزاء. وصورة أم ذات ولدين انفصل عنها أبوهما زمنًا ثم عاد إليهم وما كاد حتى اختطف الموت الاثنين جميعًا في عشرة أيام. وصورة … لكني ما كدت أبدأ أستعرض هذه الصور الحية ما تزال، وأتخيلها مصوغة في نحو تماثيل مقبرة ميلانو حتى هجم عليَّ خيال برج هائل من الآلام الإنسانية مكدسة بعضها فوق بعض وهي تدمى دموعًا سخينة وقلوبًا حرَّى وأفئدة مصدوعة وأكبادًا مكلومة، وفي كل قطرة من هذه الدماء تمثال ناطق بمعانٍ تنفطر لها النفوس وتتعذب لمشهدها الأرواح.
وفزعت لهذا المنظر، وجاهدت كي أمحوه من أمامي، فعدت إلى نفسي أحتمي بها من هول ما تلقى الإنسانية، وليس كالنفس حصن إليه يفزع العقل والخيال يدَّرعان به من خطوب الوجود. وساءلت: أليس في الحياة إلى جانب هذه الصور الرهيب منظرها صور ذات بهجة؟ أو ليس إلى جانب الحزن مسرة وإلى جانب الألم أمل؟ إن الذين تدهمهم الهموم يجدون عنها في حكمة الحياة وفي لهوها عزاء. والحكمة أبلغ في عزائها، ومن الحكمة ألا نرى في الموت إلا طورًا من أطوار الوجود كالحياة سواء. أترى أنَّا لم نكن جزءًا من الوجود قبل أن نكون أناسًا مثلما نحن في الوجود أناس؟! بلى! كنا في الوجود مثلما نحن فيه، وإذا كانت مشاغلنا في هذا الطور تحول دون أن نعرف ما سواه مما مررنا وسنمر به، فليس ذلك إلا لأنَّا نتوهم أنفسنا قطب الوجود ودائرة مركزه، ولو أنَّا عدلنا في النظر إلى الكائنات جميعًا لرأينا أنفسنا ذرة منها تستحيل في شتى الصور، ونحسب استحالتها وانتقالها فناءً وموتًا، والمقابر على ذلك أعدل شاهد؛ فلو أن مقابر من ماتوا من يوم وجدت الإنسانية على الأرض ظلت مقابر، لما وجد الأحياء لأنفسهم على وجه الأرض سكنًا، لكن المقابر استحالت حياة في صور وألوان شتى. ونحن الأحياء على صغر كمنا وقدرنا نستحيل كل يوم أحياء جديدة، ونحيل غيرنا إلى ألوان من الحياة أو — إن شئت — من صور الوجود.
ما لنا إذن نجزع من الموت ونهابه؟ أم نحن في الحق لا نجزع منه لأنفسنا، وإنما نجزع لما يحول بيننا وبين ما اعتدناه وألفناه؟ والحياة وكل ما فيها عادة، ولعل سائر صور الوجود عادة كالحياة الإنسانية، ولعل للنبات وللجماد نوعًا من الحس بالحياة إن اختلف عن حسِّنا بها فهو أوفر عقلًا وأسمى حكمة. وهذه الحيوانات الأخرى التي تتشابه وإيانا في نوع الحس بالوجود، لها من سليقتها ما يبعد بها عن الألم، فهي لا تشعر به إلا إذا أصابها ما يسببه، فإذا انقضى عادت إلى مرحها في الحياة ومتاعها بها، ولم تخلق لنفسها ما نسميه نحن عالم الذكرى نملؤه بالصور المثيرة للحزن والشجن.
ولعل هذا المعنى هو ما دفع أهل الغرب إلى أن يجعلوا من مقابرهم جنات، ولأسباب آلامهم تماثيل محسوسة، حتى إذا اعتادوا رؤيتها أنسوا إليها وارتبط بها خيالهم، فلم يخلق لهم كل يوم سببًا للحزن والألم جديدًا. فأما الحكيم الذي يؤمن بأنه بعض ذرات الوجود، سواء استوى إنسانًا أو انشعبت خلاياه في نواحٍ عدة، فليس في حاجة إلى تمثال يأنس به، بل تهديه حكمته إلى تجنب أسباب الألم ما استطاع، ليبقى له في الحياة المرح والمتاع.

في البندقية


البندقية! اسم ساحر جذاب لهاته المدينة التي أنبتها الماء، كما ينبت الصخر والشجر، وأنبتها فوق سبع عشرة ومائة جزيرة لا تتصل بغيرها من المدائن، وليس فيها غير الماء وسيلة للنقل بين بعض جزرها والبعض الآخر، مما جعل أهلها في عزلة تميزهم من غيرهم؛ وهي مع ذلك مهبط فن جميل يرجع في تاريخه إلى عصور قديمة كانت البندقية فيها ذات تاريخ مجيد في التجارة وفي الحضارة وفي السلطان، وكانت مرفأ من أكبر مرافئ بحر الروم ومن أشدها منعة وقوة.
لذلك كانت البندقية وما تزال ساحرة جذابة تهوي إليها الأفئدة، وتود أن تستمتع بها الأعين، وقلَّ أن لم يقصد إليها مسافر في إيطاليا، بل هي وجهة كثيرين يقصدون إليها من أقاصي العالم يشهدون فيها عظمة الماضي وسلطان الطبيعة وجمال الحاضر، ويشهدون فيها صناعات بديعة دقيقة إن وجدت في غيرها فهي لا توجد بهذا الإبداع ولا بهذه الدقة.
ولقد قصدت زيارتها عام ???? أثناء عودتي من باريس إلى مصر عن طريق سويسرا وإيطاليا، وكنت يومئذ في آمال الصبا وزهو الحياة، أحسب ما في الحياة ملكًا لي أصرفه أكثر مما يصرفني، وأنال منه أكثر مما ينال مني؛ لذلك كفاني أن علمت وأنا بميلانو أن مياه الشرب مقطوعة من البندقية، وأنها قد تظل كذلك أيامًا حتى عدلت عن زيارة المدينة الظمأى ناسيًا أو متناسيًا أن فيما قد يجلب إليها من المياه المعدنية وغير المياه المعدنية ما لا يذر إنسانًا ظمئًا. ومالي أزور مدينة ينقصها بعض أدوات الحياة مما قد أكون إليه بحاجة، أو مما قد يعجبني أن أحتاج إليه! ولم أكن في هذه السن قدرت مبلغ ضآلة الإنسان في الحياة وخضوعه لها، ومبلغ قصر الحياة وسرعة مرها؛ لقد كنت معتزمًا العودة إلى أوربا لإتمام دراستي بعد أشهر أقضيها بمصر، وبعد أشهر تكون أنابيب ماء البندقية أصلحت، فلأعدل إليها في طريقي يومئذ في غير خشية ألا أجد ما قد يعجبني أو أحتاج إليه.
وعدت في أواخر سنة ???? إلى باريس، ولكن من طريق مارسيليا، وأتممت ما ذهبت إليه وعدت إلى مصر في سنة ????، ولكن من طريق مارسيليا كذلك، وغامرت في ميدان الحياة، ثم ما هي إلا أشهر معدودة، ما هي إلا سنة ???? حتى أعلنت الحرب بين دول أوربا، وحتى صار الذهاب إلى أوربا محفوفًا بالمصاعب. وشهدت البندقية من آثار الحرب ما شهدت غيرها من المدائن أو أشد من بعض المدائن هولًا، ثم كانت الهدنة فالصلح فالحركة المصرية فالمشاغل التي تخضع الإنسان للحياة غير مختار. فلما قصدت إلى أوربا ألتمس في ربوعها الجميلة مصحًّا أستشفي أنا وزوجي فيه من مصابنا، زرت المدائن والأماكن التي عرفت شابًّا، والتي شهدتني وحيدًا سعيدًا بوحدتي مملوءًا بقوة الأمل في الحياة والتسلط عليها، فإذا بها تشهدني وقد تركت في نفسي كلومًا إن لم تضعضع من أملي وقوتي فقد خلطته من المرارة بما لم أكن أعرف في بدء الصبا وفي ميعة الشباب، إلا أن يكون ذلك حبًّا في أن أستمتع من الحياة بكل ما فيها من حلو يغيب عن الشباب رحيق حلاوته، ومن مر إن عرف الشباب لون مرارته فقد غاب عنه طعمه.
وكنت في هذه المرة شديد الحرص على أن أرى البندقية ولو انقطعت عنها مياه الشرب وفتك بالناس فيها الظمأ. وفيما يجري بنا القطار من ميلانو إليها عاودتني في ابتسامة ذكرى سنة ????، وهل تعاود الإنسان ذكرى الشباب في غير ابتسام! وإن إخفاقًا في الشباب تغالبه فتغلبه لأكثر ابتسامًا من مجد تنظر من عليائه إلى الحياة فلا ترى بعده إلا منحدرًا. فلما تخطى القطار اليابسة فوق الجسر الذي يفصل القارة عن المدينة الجزيرة، انفسحت عن يميننا ويسارنا آفاق الماء المختلط عندها بالسماء، وشعرنا بالبندقية تقترب، وتصور الذهن «الجندولا» زورق البندقية، وعادت إليه ذكريات ما سمع وقرأ عن كنيسة سان مارك وميدانها، وعن قصورها الفخمة، وعن شوارعها وطرقها المائية كلها، والتي تخطر فيها الجندولات ذاهبات آيبات.
في أي فندق تنزل؟ هذا هو السؤال الذي يرد إلى خاطر المسافر أول ما يقترب من مدينة يريد أن يحط فيها رحاله، وذكرت إذ ذاك حديثًا جرى بيننا وبين بعض أصحابنا في لندن، ومنهم من كان قنصل مصر في تريستا وزوجه، وقد تناول الحديث البندقية وآثارها، فلما عرفت زوج القنصل أنَّا قد نزور البندقية أشارت من بين آثارها إلى قصر قديم أصبح فندقًا باسم دانيلي، ووصفت ما فيه من زخرف العمارة وصفًا مشوقًا، فما لبثنا حين خرجنا من فناء المحطة وأحاط بنا رجال الفنادق أن نادينا برجل «دانيلي» ناولناه متاعنا فوضعه في جوندلته، ثم أعاننا حتى نزلنا إليها ودفع بها في القنال الكبير الذي يقسم المدينة شطرين كما يقسم السين باريس والتيمس لندن، وكما سيقسم النيل القاهرة عما قريب.
تحل الجندولا في البندقية محل العربة في سائر المدائن، وكما جنت الأوتموبيلات والتراموايات ووسائل النقل الميكانيكي على العربات بجيادها المطهمة، فقد بدأت الزوارق البخارية والسفن البخارية الكبيرة تجني على الجندولات في البندقية، وإن كان أهلها لا يزالون حريصين على الاحتفاظ بها احتفاظًا بطابع قومي كان رمزًا لهم كما يرمز لمصر ببعض آلهتها القومية. لكن الحضارة الحاضرة تجني على الآلهة، وتجني على العربات والجندولات في غير رحمة باسم التقدم والعلم؛ لذلك بدأت الجندولات الفاخرة تختفي وتحل الزوارق البخارية الجميلة السريعة محلها، ولم تبقَ إلا الجندولات العادية المعدة للإيجار وبعض جندولات احتفظ بها أصحابها أثرًا نفيسًا من آثار الماضي.
وتمتاز الجندولات على غيرها من الزوارق بأنها سوداء اللون طويلة ضيقة ترتفع على مقدمها ومؤخرها عمد من خشب مزخرف ينتهي باستدارة مستعرضة كأنها رأس الأفعى الحارس الذي يرسم على قبور قدماء المصريين، ومجاديف الجندولا ليست متصلة بها، بل يمسكها النوتي بيده ويعتمد على التجديف بها على جانب الزورق. وأهل البندقية صغارًا وكبارًا ذوو مهارة في تسيير جندولاتهم، وفي تفادي تصادم بعضها ببعض في أضيق الطرق وفي أحرج المنعرجات.
وسارت بنا الجندولا في القنال الكبير تقوم على شاطئيه قصور قديمة كما تقوم أيضًا منازل قديمة، حتى كنا عند جسر ريالتو يتخطى الناس القنال الكبير فوقه. وجسر ريالتو أو كبري ريالتو واحد من أكبر جسور البندقية الكثيرة التي تعد بالمئات. وجسور البندقية — إلا الصغير منها — عقود مقوسة من الحجر مما يضطر الناس إلى الصعود فوقها بدرج ثم النزول إلى الشاطئ الآخر بدرج كذلك، فأما جسر ريالتو فله من الامتياز على ذلك أنه محاط من جانبيه بعمد مزخرفة عقد فوقها جسر آخر لا يرتفع إليه أحد، ومن بعد هذا الجسر بقليل استدارت بنا الجندولا في طرقات ضيقة اختصارًا للطريق. وفي هذه الطرق الضيقة يتنادى المجدفون عند كل منعرج بصوت منغم لحرفي «هو» كما ينبه سائقو الأوتموبيلات بنفيرهم عند كل انحراف أو تقاطع في الطرق والشوارع.
ووصلنا «دانيلي» وارتقينا من الجندولا إلى سلمه النازل في الماء، واخترنا غرفتنا: إنه لقصر منيف، وهو قصر من طراز القصور القديمة، صنع أكثره من المرمر، وزينت نوافذه بزجاج ملون كزجاج الكنائس وبعض المساجد، يقابل الداخل من الباب بهو متسع يفضي إلى غرفة استقبال أكثر من البهو سعة وأدق عمارة. ولم نطل المكث فيه ساعة وصولنا، بل ما كدنا نزيل عنا غبار السفر حتى خرجنا والنهار في أخرياته نجتلي منظر الأدرياتيك، ونرى بعيدًا عن كبرى جزائر البندقية جزرًا أخرى منثورة تقوم فوق بعضها كنائس تظهر للنظر قبابها، وتبدو على البعض الآخر مساكن لا تستثير تطلع الناظر إليها. واستدرنا إلى يميننا وتخطينا جسرين بنيا أمام قصور أمراء البندقية الأقدمين، وانعطفنا يسرة فإذا بنا أمام ميدان سان مارك.
سان مارك! الكنيسة الفخمة القديمة، فخر البندقية وفخر العمارة البيزنطية! وأمامها ميدانها العظيم تحيط به من جوانبه الثلاثة الأخرى عمارات فخمة كانت قصور الأمراء في الماضي، ثم أنزلتها الديمقراطية فجعلت منها قهوات وحوانيت بقيت أميرة قهوات البندقية وأميرة حوانيتها. وبإزاء الكنيسة عمد ثلاثة من المرمر الأحمر الدقيق، وعلى مقربة منها إلى يمين الناظر إلى الكنيسة برج البندقية (Campanile) وإلى يسارها برج الساعة. ونسيت أن أذكر العمادين الحارسين واقفين على مقربة من الشاطئ قبل دخولك إلى ناحية الكنيسة فالميدان. أليست هذه مجموعة في فن العمارة والنحت لا تضاهيها حتى مجاميع بيزا وفلورنسا! ووسط هذه المجموعة الفخمة وفي هذا الميدان الفسيح المرصوفة أرضه بالرخام وبين هذه القهاوي والحوانيت يخطر حمام سان مارك أسرابًا وقد وقف عنده الناس يلقون إليه بالفتات طعامًا وهو إليهم مطمئن ولهم أليف. أليس حمام سان مارك حرامًا على كل يد قاسية! وقد كانت الحكومة تطعمه في الماضي وأيام الأمراء وتنزل بمن يعتدي على أية حمامة منه أشد الجزاء، أما اليوم فقد حل شعب البندقية محل الحكومة، وانعقدت بينه وبين حمام سان مارك الأزرق اللون في شيء من الخضرة التي تكسوه جمالًا وبهجة، ألفة وصداقة، حتى صار الاعتداء على هذا الطير الرقيق الأليف اعتداء على شعب البندقية يدفعه بما يدفع به العدوان على فرد من أفراده أو جماعة من جماعته.
الوقت مساء والنهار ولَّى، وليس إلى اجتلاء جمال الكنيسة والعمد والأبراج سبيل. فلندُرْ إذن في الميدان دورة قبل أن نعود إلى الفندق، وحذار أن تعثر القدم بإحدى حمائم سان مارك أو أن نزعجها، وليس ذلك احترامًا لعواطف شعب البندقية وكفى، ولكن جانب الخير في النفس الإنسانية يتغلب ما وجد مظاهر الخير في الجماعة بادية. والقسوة والشر لا يملكان الفرد إلا إذا اختفى المثل الصالح من أمامه، والقاسي يهيجه الدم ما رأى الدم، لكنه إن أحيط بعواطف الخير فقد حق على قسوته أن تنكمش حتى تتلاشى، فأما رجل الخير فيقطب للقسوة جبينه ولا يلجأ إليها إلا كارهًا، وهو ما رأى الرفق والبر والرحمة مطمئن لها فرح بها مغتبط بالحياة وبالنهل من وردها أشد الاغتباط.
ودرنا في ميدان سان مارك ثم عدنا إليه بعد طعام العشاء، ثم عدنا إليه في الغد وفي الأيام التالية إلى حين غادرنا البندقية ونحن نجتلي منه في كل مرة جديدًا؛ ذلك أن هذا الميدان قلب المدينة، معرض عام لكل صناعتها وتجارتها وفنها، وفيه معرض لكل ما تستطيع البندقية أن تجلوه للسائح من صناعة إيطاليا وتجارتها وفنها. وأشد ما يلفت النظر في الجوانب الثلاثة التي تشرف عليها الكنيسة من صدر الميدان دنتلا البندقية، والزجاج المصنوع فيها، ونقش الجلود نقشًا فنيًّا. وما أحسب سيدة من السيدات ذهبت إلى البندقية إلا سحرها هذا الميدان عن أن تشهد شيئًا غيره، لولا ما يكلفها ذلك من نفقة باهظة قد تجد في سائر كنائس البندقية وجزائرها المختلفة ملجأ للفرار منها. والحق أنهم يعرضون الدنتلا في صدور حوانيتهم عرضًا يهوي إليه لب الرجل، وما بالك بلب المرأة! ولست في هذا الصنف خبيرًا حتى تستوقفني دقائقه وإن اضطررت للوقوف مع من يعرف هذه الدقائق، وإن وجدت في ابتسامات الباعة والبائعات وفيما يجري من الحديث عن هذه الحلي التي تزيد الجميلة جمالًا في كل أجزاء جسمها ما جعلني أصغي لهذا الحديث بكل سمعي. فأما النقش على الجلد فكان يجذبني مباشرة ومن غير واسطة، وللكتب وجلودها، كعوبًا وزوايا، فضل في ذلك غير قليل. فكثير مما وقع في يدي منها أثناء مطالعاتي بالمكاتب المختلفة كان من مخلفات عشاق زخرف وقاء الكتب، وكان ذلك آية من آيات فن النقش على الجلد، لكن أهل البندقية لا يعرضون كتبًا في صدور حوانيتهم، يعرضون محافظ كبيرة ومحافظ للجيب وشباشب للسيدات كلها إبداع أي إبداع. ولعل السائح أقل ما يكون تفكيره في كتاب مزخرف التجليد ليهديه لزوجه أو لصديقه أو لصاحبته. ولشبشب مزخرف الجلد تخطر به فاتنة على سجاد عجمي وثير أبعث للوحي وأنفذ إلهامًا من كثير من الكتب المتقنة التجليد.
وصناعة الزجاج مزدهرة في البندقية أي ازدهار، ولقد أتيح لنا أن نرى معارض هذه الصناعة، وأن نرى كيف يقومون بها، ويكفي أن تقف إلى جانب العاملة التي تصنع الفسيفساء لتعجب لأناتها وصبرها وهي تأخذ قطعًا صغيرة من الزجاج المختلف الألوان، ثم ما تزال تضع كل لون في المكان الواجب أن يوضع فيه حتى تكون الصورة التي تنتج من ذلك في بهاء الصورة التي يراد رسمها. ألوف وألوف من هذه القطع يوضع بعضها إلى جانب بعض على لوح أبيض كما يضع النقاش ألوانه، لكن النقاش يستطيع أن يغير وأن يمحو وأن يصلح الخطأ؛ فأما الخطأ في نقش الفسيفساء فيجب أن يزال أولًا، وإزالته ليست أقل دقة من وضع الصواب من أول الأمر، أو من وضعه مكان الخطأ. وإذا كانت صناعات الزجاج الأخرى لا تحتاج إلى ما تحتاج إليه الفسيفساء من عناء فهي ليست لذلك أقل دقة ولا بهجة.
وفي الحوانيت الفسيحة على جوانب الميدان الثلاثة صفت هذه الصناعات، وصفت إلى جانبها غيرها مما ترى في إيطاليا كالتماثيل والصور، فإذا دخلت ألفيت معارض واسعة تقع العين فيها على ما تحار فيه إن كلفتها الاختيار منه، ولعل هذه الحيرة هي التي تنقذ كثيرين من باهظ النفقة، إذ يعدون أن يعودوا، ثم تشغلهم مناظر البندقية حتى يغادروها.
وفي ضحى وصولنا إلى البندقية صحبنا دليل دخلنا وإياه إلى كنيسة سان مارك، وسان مارك هو القديس الحارس لمدينة البندقية، نقل أهلها رفاته إليها من الإسكندرية في سنة ??? بعد الميلاد، وبنوا الكنيسة فوق القبر الذي ثوى فيه سنة ???، ثم أعيدت عمارتها بعدما التهمتها النيران في سنة ???، وجددت على الطراز البيزنطي في منتصف القرن الحادي عشر. وهي شرقية العمارة ككثير مما في البندقية، ولها قباب خمس شبهها بقباب المساجد غير قليل. والقباب الأربع التي تحيط بالقبة الوسطى تقوم فوق بناء على صورة صليب متساوية أضلاعه. وأرض الكنيسة وسقفها وجدرانها بدائع فنية ليس لها في غيرها مما رأيت من الكنائس نظير. نقشت الجدران والسقف بالصور المقدسة نقشًا بالفسيفساء والذهب والمرمر، فكانت كل صورة، بل كل قطعة، آية في جمال الفن ودليلًا على الدقة والأناة. وإذا كان ما شهدنا من صناعة الفسيفساء وما تحتاج إليه من صبر ودقة قد التجأ إليه الذين زخرفوا سان مارك فما أصبرهم حبًّا في الفن وابتغاء لوجه الله، وإن ما تشهد به سان مارك وما تشهد به كنائس البندقية الكثيرة ليقوم دليلًا على أن الإيمان وحده هو القوة التي تسمو فوق الطبيعة وفوق العقل وفوق التصور والتي تتم المعجزات، وعلى صدق كلمة الإنجيل أن لو ملأ الإيمان قلبك وقلت لهذا الجبل انتقل من مكانك ينتقل، فهو الإيمان بالله وبأوليائه الذي دفع أولئك الفنانين ليتموا في سان مارك وغير سان مارك بدائع في الفن معجزة، وهو الإيمان بالعلم وسلطانه الذي أخضع للإنسان قوى الطبيعة التي لم تكن تخضع من قبل للإنسان ولا لغير الإنسان.
وعلى مثال المساجد وغير المساجد من آثار العمارة الشرقية تحيط بالكنيسة من خارجها وتنتشر في داخلها عمد من الرخام الدقيق الصنع يبلغ عددها خمسمائة، ويعتلي باب الكنيسة المزخرف أجمل الزخرف بالفسيفساء المذهب تماثيل أربعة جياد من البرونز المذهب، كذلك ذكر الدليل أن أحد دوقات البندقية جاء بها من القسطنطينية في أواخر القرن الثالث عشر فزين بها هذا المكان المقدس، كما زعم أن نابليون أخذها أثناء غزوه إيطاليا، ثم أعيدت من بعد ذلك إلى حيث هي اليوم مثال حسن ودقة في الصناعة.
إلى جانب كنيسة سان مارك يمتد قصر دوقات البندقية مطلًّا من جانب على مدخل ميدان سان مارك، ومن الجانب الآخر على مياه الأدرياتيك. ودوقات البندقية هم حكامها أيام كانت جمهورية مستقلة تصل الشرق بالغرب وتتأثر دائمًا بالحضارة الغالبة، ولقد ترك الشرق فيها من الآثار الباقية أكثر مما ترك الغرب؛ فكنيسة سان مارك شرقية العمارة والزخرف، وأكثر كنائس البندقية وقصورها شرقية مثلها، ومن بين هذه القصور قصر الدوقات قام به أمراء البندقية عندما كانت البندقية جمهورية مستقلة، ثم أصبح اليوم متحفًا تعرض فيه النقوش والصور والتماثيل كما تعرض في غيره من قصور البندقية القديمة، وكما تعرض في كثير من القصور في فلورنسا وفي روما، في هذه القصور التي كانت في الماضي متاعًا لأمير أو لمحظية ملك، ثم جعلتها الحرية متاعًا مشاعًا للشعب كله يجتلي فيه من آثار الفن والعلم ما كان حرامًا على الشعب واستغلاله. ما أفخم قصر الدوقات هذا! يتخطى الإنسان بابه الخارجي إلى فناء فسيح يصعد بعده على سلم من الرخام إلى ديوان يطل على الفناء، ثم يدخل إلى غرف القصر فيرتقي إلى الطابق الأول سلمًا عريض الدرجات ما يكاد ينتهي منه حتى تقابله غرف القصر الفسيحة تغطي جدرانها أبدع النقوش والصور. وإن أنسَ لا أنسَ من غرف القصر غرفة مجلس أمير البندقية، مستطيلة تزيد على خمسة عشر مترًا في العرض وأربعين في الطول وقد صفت فيها المناضد كما تصف في مجالس الشورى. وفي صدر المكان منضدة رفيعة كانت مجلس زعيم الأمراء. دع عنك التاريخ وما كان الأمراء يصنعون، وقف محدقًا إلى هذا الجلال والجمال في الفن والعمارة حتى يبلغ منك الإعجاب حد الذهول. ويقول صديق كان معنا وهو يحدق معجبًا إلى الصور لتستوقف نظره صورة نقشت في السقف تمثل البندقية جالسة على عرش العالم لتشيع فيه العدل والسلام: «أليس هذا بعض فضل الاستبداد، كما أن الكرنك والأهرام وأبا الهول في مصر بعض فضله؟! وإذا استمتعت الشعوب بما تستمتع به اليوم من بدائع آثار الفن فهل ذلك إلا أن الاستبداد كان خيرًا في عصر من العصور؟!» ثم يقف هنيهة يراجع فيها نفسه ويذكر أن روح الجماعة الحرة قد شادت مثل ما شاد المستبدون، وأن آثار فن اليوم ليست أقل روعة وجلالًا من آثار فن الأقدمين.
وفي جانب القصر المطل على مياه الأدرياتيك والذي يجتلي الجزر القريبة، بهو تبلغ مساحته ضعف مساحة غرفة المجلس، لعله كان ملهى لأمراء البندقية وملعبًا للكواعب الحسان من بنات المدينة بالجزيرة ممن ترك جمالهن الرفيق المكسال في نفس دافنشي وتسيانو وروسو وغيرهم من كبار الكتاب والفنانين أثرًا تجتليه اليوم في مخالفاتهم الخالدة على الزمان.
وهبطنا نريد الخروج، فاستوقفنا أحد الحراس ليرينا جانبًا مظلمًا من جوانب القصر المنير؛ ذلك جانب السجون التي كان يسجن فيها المتهمون السياسيون: غرف ضيقة لا ترى شمسًا ولا يتجدد فيها هواء ولا يدخل أكثرها النور، وتدل وحشتها على سواد نفوس المستبدين الطغاة، وفي إحداها نافذة ضيقة تطل على جسر أطلق عليه أهل البندقية اسم جسر الدموع، ويرى السجين من خلالها نور الشمس وهواء الحياة وموج البحر. في هذه الغرفة كان يقضي المتهم السياسي الليلة السابقة على قتله فتذرف عينه الدمع. وما أحسب الظلمة كانوا يريدون بنقله ليرى بعض آثار الحياة أن يزودوه في لحظاته الأخيرة بشيء من المتاع، وإنما كانوا يريدون به أن تزيد حسرته فيزداد بذلك عذابًا. وقلب المستبد يستمرئ عذاب المظلوم، كما يستمرئ القلب الحر البر والرحمة.
وعدنا آخر النهار إلى ميدان سان مارك من جديد؛ ما أشد سحر هذا الميدان! إن الزمن الذي يكفيك لترى البندقية كلها خلا هذا الميدان لأقل من الزمن الذي تحتاج إليه كي تحيط بكل ما احتواه، أليس هو قلب البندقية ومجتمع أهلها والنازلين فيها؟ أوليست فيه أبدع آثارها؟ عدنا إليه آخر النهار إذن معتزمين أن نصعد إلى أعلى برج البندقية. وبرج البندقية ليس مستديرًا كالبرج المائل في بيزا، بل هو مربع كبرج فلورنسا، وهذا البرج أنشئ مكان برج قديم اختلَّت عمارته في سنة ????؛ لذلك ترى فيه من آثار حضارة هذا العصر مصعدًا يرتفع بك إلى أعلاه دون أن تتجشم ارتقاء مئات درجاته مما يصد عن غيره كثيرين ممن تقدمت بهم السن أو غدر بهم المرض. وتبدت شواطئ إيطاليا أمام نواظرنا ونحن فوق البرج خاشعة متواضعة، وتبدت كذلك أعالي البندقية بعد أن كانت تتيه كبرًا بارتفاعها، فهذه قباب سان مارك تلمع أشعة الشمس المتدرجة إلى المغيب فوقها فتذر رخامها متوردًا برهة، ثم ما تلبث القصور المحيطة بالميدان أن تحول دونها، وهذا برج الساعة وقف فوقه تمثالان يدقان على جرس هائل عدد ما ينقضي من حياة الوجود من ساعات، وهذه قباب الكنائس الكثيرة المنثورة في البندقية مدينة الكنائس، وهذه قصور الأمراء والفنادق المصطفة على رصيف سكيفولا، وثمة الحديقة العامة في آخر المدينة، وثمة ربوع أهل البندقية ومنازلهم وراء الفنادق متواضعة منحدرة في الماء.
بدأ الهواء يهبُّ باردًا حين بدأت الشمس تنحدر إلى المغيب، وبلغ من برودة الجو، وما نزال في منتصف أكتوبر، أن ذكر الناس زمهرير الشتاء، وظن عامل المصعد أن لا بد أن الناس هابطون اتقاء الهواء اللاذع، فصعد إلينا وفتح باب مصعده على مصراعيه، وقصد جماعة أصابتهم الرعشة يريدون الهبوط، لكنهم ما كادوا يقتربون من المصعد حتى عاودهم التردد، فعادوا يشهدون منظرًا جلَّ عن كل وصف: منظر الشمس المنحدرة نشرت حولها أبهى الصور والألوان. وعلى ركن ضيق من المكان يحميه الزجاج من لدغ الزمهرير اجتمع العشرات من الحاضرين يجاهد كل يفسح لصاحبه كي يجتلي مشهدًا قلَّ أن يتاح له اجتلاء مثله روعة وجلالًا وجمالًا وسحرًا، ونسينا البندقية والبرج، وسان مارك، ونسينا كل شيء إلا هذه الشمس التي صبغت الوجود نورًا ونارًا ودمًا، وصرنا لا نسمع إلا آهات الإعجاب تنطلق من صدور الحضور جميعًا بالرغم منهم، وظل عامل المصعد زمنًا ينتظر هؤلاء المرتعدين بقارس البرد المأخوذين بروعة المنظر، حتى أتاحت الرعشة له بعض أفراد هبطوا معه، ثم عاد إلينا وخرج من مكانه يشاركنا في عبادة الجمال. فلما آن للبحر أن يبتلع في جوفه ملك النهار هبطنا إلى البندقية والنفوس ذاهلة والوجوه واجمة والقلوب خفاقة بروعة المشهد العظيم.
أرأيت كيف خلق فن الإنسان وصنعته من هذا المكان الضيق، سان مارك، عالمًا فسيحًا يستوقفك أيامًا، وهو جدير بأن يستوقفك أسابيع بل شهورًا؟! على أن بالبندقية غير ميدان سان مارك وقصور الأمراء كثيرًا من الكنائس والمتاحف وما شادت العمارة مما يجذب السائح إليه.
ولقد زرت من ذلك ما اتسع وقتي لزيارته، والوقت في البندقية ليس يتسع لكل ما يتسع له في غيرها، وكيف السبيل إلى مثل سرعة الأوتموبيل في مثل هذه الطرق المائية الكثيرة التعاريج! وليس ذلك وحده ما يضيق من الوقت، بل إنك لتشعر أحيانًا إذ تجوب بعض أحياء البندقية بانقباض يزهدك في قضاء الوقت بها، فأكثر طرقها ضيقة غاية الضيق، حتى لتسائل نفسك كيف يعيش أهل هذه المنازل المحرومة ضوء الشمس الغائصة من أجيال وأجيال في الماء الراكد النتن الرائحة وأنت مضطر لكي تصل إلى بعض المتاحف والأماكن الفخمة إلى اجتياز هذه الطرق، وهي لذلك تصدك عن المضي في كثير من زيارتك، وتضطرك أن تذهب إلى بعض الجزر كليدو أوجويدكا تطلب فيها هواء أصح من هواء البندقية.
على أن الأثر الذي يبقى في نفسك من المدينة الجزيرة هو ميدان سان مارك؛ هو هذه البدعة الفنية التي جمعت الكنيسة والقصور والميدان والحمائم والدنتلا والزجاج والجلد المنقوش والتماثيل، والتي جعلت من البندقية متحفًا يمتاز على المتاحف كلها برشاقته وظرفه، كما تمتاز هي على المدائن كلها بطبيعة موقعها وعجيب تكوينها مما يجعلها ساحرة جذابة تهوي إليها الأفئدة، وتود أن تستمتع بها الأعين.
ولعل للبندقية سحرًا آخر لمحته عشية سفرنا منها؛ إذ كنت بالفندق على مقربة من سيدة أمريكية تتحدث إلى بعد خدمه بلهجة فيها من رفع الكلفة غير قليل، وبصوت كأنه متعب من الحياة ملول لما فيها، بعد أن فاض بصاحبته المتاع بها حتى سئمت كل متاع، وحتى تضعضعت أعصابها عن أن تطمئن لما اعتاده الناس لونًا للحياة، فهي قد زارت البندقية مرات كما زارت غيرها من البلاد والمماليك، لكن بها إلى ليل البندقية هوى لا تجد في نفسها مثله لليل مدينة غيرها، ليل البندقية الذي تسبح فيه الجندولات والزوارق بأنوارها الضئيلة المستحيية فوق لجة لا هي بالعباب يضطرب موجه ولا بالراكد، والتي تميل لذلك بمن فيها ميلًا رفيقًا يدع الخيال يذهب في مسارحه ناسيًا ما استطاع الضجر والألم، وتهزهم بحنان كأنها مهد الطفل تترفق في هزه يد أم رءوم، فتنيم في نفوسهم أنات مكظومة كانت تنفجر في الضوء الصارخ وفي الرجة العنيفة. إلى هذا الليل تهوي السيدة الأمريكية وقد يهوي كثير غيرها، وهذا الليل الساحر لا يستمتع به الذين يقضون ساعات نهارهم في التنقل بين المتاحف والكنائس وفي مشاهدة ما خلف ماضي البندقية العظيم من تراث خالد، والذين يقتضبهم الليل نومًا يستعيدون به نشاطهم لجلاد الأيام التي تليه.
لم أعرف إذن سحر ليل البندقية، ولم أعرف كذلك كثيرًا مما فيها؛ أنَّى لطاقة الإنسان أن يجتلي في أيام روح مدينة تضم ألوف أمثاله، وتضم إلى جانب هذه الألوف حياة ألوف من عصور الماضي ترك كل في روح المدينة من أثره ما تحتاج معرفته إلى انقطاع ودراسة؛ فليس ميدان سان مارك وحده، وليس ليل البندقية الذي يهز في رفق ملل من أضنت الحياة أعصابهم، وليست الكنائس والجزر وما بينها من طرق مائية، هي التي تجذب الناس إلى البندقية أو إلى أية مدينة سواها، وإنما يجذبهم إليها روح المدينة القديم الباقي على العصور، والذي يجعلنا نشهد في لحظة ما أتمه أمثالنا في أجيال وقرون.

بين صيفين


غادرنا البندقية إلى تريستا في الرابع عشر من أكتوبر، وأبحرت الباخرة حلوان بنا غداة ذلك اليوم، ورست بنا في الإسكندرية بعد مسيرة ثلاثة أيام كان البحر خلالها مصقول الصفحة، والهواء رخاء، وكل شيء على ما نود ونهوى. وانخرطنا من جديد في حياتنا العادية بنفوس هادئة وقلوب مطمئنة، يعاودها الأسى بين حين وحين، فنرى في مثل هاته الرحلة لونًا من لذة الحياة، إلا يكن فيه ما يجنب النفس الألم ففيه ما يحبب إلى النفس الحياة. وتركت رحلتنا في نفوسنا أثرًا جعلنا نردد دائمًا أنَّا متوجهون إلى أوربا كل صيف. وتقضت الشهور، وأقبل الربيع يحمل في أردانه حرارة الصيف، فبدأنا نفكر في رحلته، وتشاورنا في الطريق التي نسلك، واستنصحنا بعض أصدقائنا، ثم استقر بنا الرأي عند الذهاب إلى الآستانة ورومانيا دون أن نضع خطتنا لما بعدها؛ ذلك لأني أعتقد أن خير السياحات ما يترك فيه الإنسان الخطة للظروف، فلما كنا بعاصمة الإمبراطورية العثمانية التي لم تبقَ عاصمة كما لم يبقَ لآل عثمان ملك، ولا للأتراك إمبراطورية، فكرنا فيما عسانا نفعل بعد وصولنا قسطنزة، وتشاورنا وأصدقاؤنا الذين لقينا بالآستانة، فرسموا لنا طريقنا إلى بخارست فبودابست ففينا، قلت: إذن فليكن هذا طريقنا إلى باريس. ولو أن الوقت انفسح أمامي لكان لبرلين نصيب من رحلتي، فلما كنا بفينا ذهبنا بعدها إلى براج فباريس، واستغرقت رحلتنا هذه من ?? أغسطس إلى ? نوفمبر سنة ????، كانت حالنا النفسية أثناءها في طمأنينة سمحت لي بأن أسجل كثيرًا من الملاحظات في شئون شتى وقفت عليها، وأشهد أن سفراءنا وقناصلنا ورجال السلكين السياسي والقنصلي كانوا جميعًا ذوي عون صادق فيما وقفت عليه من ملاحظات؛ سواء بما أبدوه لي من معلومات كنت أسأل عنها، أو بما مكنوا لي من الاتصال بأهل البلاد التي مررت بها ممن لم أكن لأتصل بهم لولا حسن وساطة رجالنا المحترمين الذين شعرت لهم في نفسي بتقدير واعتراف بالجميل لن تنسيه الأيام.
وهذه الرحلة وما وقفت عليه خلالها من ملاحظات هي موضوع الكتاب الثاني.

الكتاب الثاني


?? أغسطس–? نوفمبر سنة ????

بين مصر والآستانة


الأكروبولس، الدردنيل، ظاهر الآستانة
سارت بنا الباخرة رومانيا عصر الثلاثاء ?? أغسطس سنة ???? من الإسكندرية قاصدة الآستانة، وبرغم ما بشر به صحو الجو من سكينة في البحر، ما كادت الباخرة تتخطى باب البوغاز وتشق طريقها خلال الموج حتى تدافع الموج عن جانبيها قويًّا آخذًا بعضه برقاب بعض، تدفعه «رومانيا» ويدفعها، فيعلو بها ويهبط ويميل بها يمنة ويسرة، حتى اضطر المسافرون جميعًا إلى الهبوط إلى مضاجعهم، ومنهم من وجد في النوم دواء من دوار البحر المضطرب، ومنهم من غلب الدوار نومه فصار يتقلب على جنبيه ثم لا يجد من دواره مقيلًا إلا أن يخلو جوفه من كل ما فيه.
وأصبح الأربعاء، فإذا البحر هادئ، وإذا النسيم بليل عذب، وإذا الموج قد اختفى تحت سطح الماء أو انحدر إلى القاع في انتظار إغارة أخرى، لكن السَّفْر ما زال أكثرهم في مضجعه خيفة أن يصيبه اليوم ما أصابه أمس، وعبثًا تحاول إقناع من استطعت منهم أن الهواء فوق سطح الباخرة رقيق منعش يذهب بما قد لا يزال من بقية الدوار، وكيف تقنعهم وهم أناس في فطرتهم المحافظة والخوف والتردد، لا يقدمون إلا كرهًا، أو إلا أن يدعوهم ظفر إلى ظفر مثله، ومغنم إلى مغنم جديد، فإذا ردت الحياة ظفرهم هزيمة حسبوا الهزيمة أمرًا عاديًّا وقنعوا من الغنيمة بالإياب، فإذا بدت لهم من جديد بشائر مغنم اندفعوا إليه كاشرة أنيابهم حاسرين عن أذرعهم، بادية مخالبهم، حمرًا عيونهم، ليس ينقصهم من شهوات الحيوان وسلائقه إلا خوف الارتكاس في هزيمة جديدة.
واطمأن الكل إلى السلامة بعد ما انتصف النهار ودعا الداعي إلى طعام الغداء، هنالك رأيت كثيرين يتسللون لواذًا من مضاجعهم إلى غرفة الطعام، ولما رأوا غيرهم يأكلون أكلوا، ولما اطمأنوا إلى السلامة وأمنوا الدوار ابتسموا واستأسدوا، وتقضى مساء الأربعاء في سمر ألذ سمر، وفي سماع الألحان الممتعة ينقلها «الراديو» إلى المسافرين من الآستانة تارة ومن فينا تارة أخرى ومن باريس ثالثة، وكذلك سخر لنا العلم كل ما في العالم، وكنا من قبل نضيق بعلم أضيق بقاع العالم ذرعًا.
وتكشف نهار الخميس عن اليابسة، فما لبثت أن بدت لذهني يونان القديمة، وما خلفت للعالم من شعر وأدب، ومن علم وفضل ما يزال العالم حتى اليوم ينهل منها أعذب ورد، وسيظل الإنسان يجد فيها من بدائع آثار الخيال والذهن خير متاع وخير غذاء.
وأقلنا زورق من الباخرة إلى مرفأ بيريه، ثم أقلنا ترام أثينا في نحو ربع الساعة، وصحبنا دليل طاف معنا في أوتموبيل أنحاء العاصمة الحديثة، فلقد كانت أثينا عدة عصور عاصمة الدنيا، ومستقر حضارة العالم، ومهبط وحي شعره وحضارته، أما اليوم فهي عاصمة اليونان التي كانت مغلوبة على أمرها خاضعة لحكم غيرها من أقل من ثلث قرن من الزمان، والتي ما تزال ميدانًا للاضطراب وللثورة وللفورات البركانية الإنسانية التي تنبئ عن عدم الاستقرار إلى حال يطمئن لها الإنسان.
والحق أن مظاهر أثينا الحديثة ليست مما يلفت النظر، ولا مما يقف عنده الفكر، كل ما فيها من مظاهر الحضارة مجلوب إليها عن غيرها، وتظهر فيه المحاكاة، ولا يبدو فيه شيء من الإبداع أو الذاتية؛ فهذا البرلمان وهذه المكتبة القومية وإلى جانبها الأكاديمية والكلية لا يأخذ بالنظر من أمرها إلا أنها تشرف على ميدان هو أفسح ميادين أثينا وأجملها. فأما الأرينا — أو كما تسمى في اليونانية «الأستاديوم» — والتي كانت مشهد الألعاب الأولمبية، فقد استحدثت منذ ثلاثين سنة ماضية، فطمست على آثار الملعب القديم الذي يثير في الذهن عصورًا كان فيها الجمال العريان خيرًا من الجمال الكاسي، كما أن الحقيقة العارية خير من الحقيقة الكاسية. وهذه العمائر ليست بعد من العظمة في مثل عظمة أشباهها في باريس ولندن والمدائن الكبرى مما أراد اليونان محاكاته، فإذا نظرت بعد ذلك إلى طرق المدينة ورصفها وإلى المصارف والمتاجر عن جانبيها، بدأت تدرك السبب الذي من أجله ينظر أهل أوربا الغربية إلى أهل أوربا الشرقية وإلى البلقان بنوع خاص، نظرهم إلى شعوب الشرق ممن يخضعون لحضارتهم ولا يجدون سبيلًا إلى السعادة والقوة والعظمة إلا بمحاكاتهم.
هذه الصورة التي تبعث بها النظرة الأولى لأثينا إلى الذهن لا تأخذ به طويلًا، فإنك ما تكاد ترتفع ببصرك فوق هذه المنشآت الحديثة حتى تأخذ به آثار عالية تعيد إلى ذهنك صورة الأقصر ومعبد آمون وبعض ما انتثر وراء ذلك في صحراء الدر من آثار مصرية، ثم إنك ما تكاد تسأل الدليل عنها حتى تنسى أثينا الحديثة، وحتى تنسى البرلمان والمكتبة والأستاديوم، وحتى تنسى الحاضر وما فيه، وحتى يتعلق بصرك وسمعك وفكرك وكل حس فيك وخيال بهذا الاسم الذي ينطق به الدليل الأكروبولس.
فلنذهب إذن إلى الأكروبولس، إلى المدينة العالية، وليدر بنا الأوتموبيل متسلقًا خلال الآثار ليقف عند أسفل جدارها، ولنتسلق على القدم سفح هذا التل المشرف على أثينا وعلى مياه البحر وأمواجه، ولنرتق درج هذا السلم المؤدي إلى معبد النصر المقصوص الجناح، ولنقف على مقربة من هذا المعبد نرسل الطرف إلى حيث حاول الفرس منذ أكثر من ألفي سنة اقتحام أثينا فاحترقت سفنهم، وتم للأثينيين النصر من غير كبير عناء، فأقاموا لنصرهم هذا المعبد، ولم يجعلوا له أجنحة يطير بها في عالم الخيال، خيال الفروسية والإقدام. ثم لنرتق من جديد مع دليلنا اليوناني المحدث عن القدماء كأنه أحدهم، ولنقف وإياه معجبين بهيكل تيزيه مستقر الحكمة والعلم، وبالعمد البديعة البسيطة النقش تحيط بالهيكل وقد نقشت الأحجار التي تصل بينها من أعلى نقشًا يونانيًّا قديمًا هو الجمال كله، ولندر مع هذا البناء ليقف بنا الدليل مشيرًا إلى مكان هناك في انحدار التلال حيث شرب سقراط السم تقديسًا للحرية والعلم، وإلى الناحية الأخرى من هذا القدس الذي شهد موت الحكيم لتحيي الحرية آثار ملعب كان اليونانيون الأقدمون يتلهون فيه بمشهد الخيل ولعبها، وإلى الناحية الأخرى من هيكل الحكمة هيكل ثانٍ اعتمد سقفه على ثلاث نسوة من بنات «كاريات» اللاتي عُرفن بالجمال أيام كان الجمال معبودًا، وكانت له آلهة تقدم لها القرابين اعترافًا بقداسته، وأولئك النسوة الثلاث اجتمع لهن من الرشاقة والقوة ما يلهم النفس معنى من الجمال غير ما ألفت من رقة تكاد لنحولتها تطير، ومن دماسة تكاد لجسامتها تكثف؛ رشاقة تجعل القوة لينًا وميسًا، وقوة تجعل الرشاقة مفتولة ذات قوام وهمة. ومن بين معبد الحكمة وهيكل الكارياتيد انحدرنا إلى متحف اجتمع فيه من آثار الفن القديم ما يلهمك صورة من تطور الفن على ما كنا نفهمه من استكشاف آثار توت عنخ آمون في طيبة؛ فهذه التماثيل المصرية القديمة جالسة وأيديها على أفخاذها، أو واقفة وأيديها إلى جوانبها، دليل السكينة والطمأنينة وهي عارية أو تكاد، وهذه التماثيل المصرية القديمة هي ما كان يفهم الكل أنه بدء عمل التماثيل في حياة الوجود. ومن هذا السكون المصري تطور النحت إلى الحركة في مصر واليونان، لكن الحركة في مصر كانت بسيطة كل البساطة، لا تزيد على يد ممدودة أو ساق متقدمة إلى الحركة، أما التماثيل اليونانية فبدأت ترتدي من اللباس ما أزال عريها، وبدأت ملامحها تدل — من غير حاجة إلى تمثيلها في صورة الطير أو الوحش — على ما يدور بخاطر أصحابها من أفكار أو عواطف أو شهوات، وكان الدليل ظريفًا حين كان يشير إلى بعض التماثيل الدقيقة الصنع قائلًا: وهذا تمثال من خير ما احتفظ به التاريخ لا ينقصه إلا أن يتكلم. وربما كان غير مبالغ في تقديره هذا؛ فمن تلك التماثيل ما أبدع فيه صانعه، حتى لتخاله، وقد انقضت عليه مئات السنين، كأنه يعبر عن فكرة تمر بخاطر ابن اليوم أو شهوة من شهواته، أو عاطفة من عواطفه، وكأنه ينبئنا بأن كمين ما في النفس الإنسانية خالد لا يغيره الزمان وإن تغيرت مظاهره بتغير الأزمان.
وانتقلنا في المتحف من غرف تطور الفن إلى غرف تطور الفكرة الإنسانية في الوجود وكماله، ووقفنا أمام تمثال يشير فيه كبير الآلهة هرقل إلى رجل يعبده موجهًا نظره إلى صورة الكمال على أنها أسمى صفات الألوهية، داعيًا إياه أن يعمل كي يصل إلى الكمال ليرقى إلى مصاف الآلهة. قال الدليل الشيخ يقص ما حفظ عن ظهر قلبه: وكذلك نرى أن معنى الألوهية في الأساطير اليونانية كان معنى إنسانيًّا صرفًا هو الكمال؛ فمن بلغ الكمال بلغ مراتب الآلهة. ولم يتطور هذا المعنى ليصبح صوفيًّا إلا بعد أن تدهورت الفكرة اليونانية القديمة السامية، وهذا هو سر تعدد الآلهة في العصور القديمة؛ فكل مظهر من مظاهر الكمال صفة من صفات الألوهية، وكل من سما إلى هذا الكمال شارك الآلهة في صفاتهم فكان منهم.
وخرجنا من المتحف، وجعلت أدور في أنحاء أطلال المدينة العالية «الأكروبولس»، وأجيل الطرف في سطوح منازل المدينة الحالية وهي ساكنة تحت الشمس كأنها هي أيضًا أطلال، أو كأنها توحي إلى النفس يومًا أن ستصبح فيه أطلالًا، وستذر فيه لألوف سنين مقبلة آثارًا كآثار المدينة القديمة.
واستندت إلى بقية جدار أشهد من عنده كثيرًا من الآثار، وذكرت ما خلف المصريون في طيبة وفي غير طيبة، ثم ما كان من غزو الرومان لأثينا ومصر، ثم ما عقب ذلك من عبر التاريخ حتى يومنا الحاضر، فإذا أمامي لجة من الزمن غرق فيها كل ما أذكر، وإذا بي أستعيد ما رواه التاريخ عن قدماء المصريين الذين انتقلوا إلى اليونان حين كان أهلها ما يزالون قبائل غير مستقرة، والذين استقروا فهدوا أهل اليونان إلى حياة الاستقرار، ووجهوهم بما لديهم من فن وعلم إلى ما برع اليونان من بعد فيه وما تركوا للعالم من تراث مجيد اهتدى العالم به حتى عصوره الأخيرة، وحتى فتح العلم أمامه أبوابًا جديدة لم تعرف في الأزمان القديمة على نحو ما نعرفها نحن اليوم، وعلى نحو قد يعرفه أبناؤنا من بعد ولا نعرفه نحن.
هذه إذن هي الأكروبولس، هذه الأطلال البالية اليوم والتي تطل من رفعتها على أثينا الجديدة، كانت في الماضي مستقر حضارة الماضي ومجده، وكان أهل هذه الحضارة يحكمون العالم ويتحكمون فيه؛ لأنهم أصحاب الحضارة الغالبة. ولأهل هذه الأكروبولس كان يدين أهل ذلك العصر في الأمم الأخرى بالطاعة، كما يدين أهل هذا العصر بالطاعة لباريس ولندن. وكان أهل هذه الأكروبولس يسومون، ولا ريب، من ألوان العسف ما يسوم أهل أوربا الغربية الناس اليوم، وكان أولئك ولا ريب، يقولون كما يقول هؤلاء: إن الأقدار قد ألقت على عاتقهم عبء تمدين العالم وتحضير أهله. وها نحن أولاء اليوم قد نسينا ما صنع الأقدمون كله خلا التراث الخالد الذي خلفوه للإنسانية تنعم به ويرتع خيالها وذهنها فيه، ولعل أبناءنا إذا أتيح لهم يومًا أن يكونوا أصحاب الحضارة الغالبة ويلقي القدر على عاتقهم عبء تمدين العالم وتحضير أهله، ينسون ما صنع بنا أهل الغرب، ولا يذكرون لهم إلا هذا العلم العظيم الذي فتح لنا ولأبنائنا من الأبواب ما لم يكن يحلم به أهل اليونان القديمة ولا أهل مصر القديمة، أولا يكون خيرًا لو أن أهل المدنيات الغالبة كانوا أقل صلفًا، ولم يغالوا في ادعاء تحضير العالم كله، وجعلوا التعاون والتضامن بديلين من العسف والتحكم، وهدوا الكل إلى سر الحضارة؛ لتصل الإنسانية إلى أبعد حدود الكمال في أقرب زمن ممكن، فتبلغ من صفات الآلهة ما يجعلها معبودًا لا يغلو إن هو ألَّه نفسه وعبد كماله؟ أم التحكم والعسف سلائق إنسانية لن يتغلب عليها متغلب بالغة ما بلغت حكمته، وإذن فستظل الإنسانية في بعدها عن الكمال تخلع صفاته على كل ما تريد أن يكون موضع إيمانها وعبادتها؟
… طال بي الوقوف معتمدًا إلى بقية الجدار حتى جاء الدليل ينبهني إلى أن الوقت قصير، وأنَّا ما نزال مضطرين إلى زيارة بعض أنحاء المدينة والطواف في متحف أثينا القومي، فانحدرت إلى حيث الأوتموبيل، وسرت ومن معي في طرق المدينة الحديثة، وزرنا المتحف وما اجتمع فيه من آثار عثر عليها المنقبون، وبرغم ما بين تلك الآثار من بدائع نادرة فقد ظلت الأكروبولس آخذة بخيالي وذهني فلم يستبقيا مما شهدت عيناي في المتحف كثيرًا.
وعدنا إلى بيريه فإلى الباخرة «رومانيا» التي أبحرت بنا في منتصف الساعة الثالثة بعد الظهر قاصدة الآستانة، فلما كنا في أخريات النهار نتحدث إلى ربانها عما يتوقع للجو وتقلبه وللبحر وموجه، طمأننا، ثم أشار علينا بأن نبكر في اليقظة صباح الجمعة لنشهد الباخرة ساعة دخولها الدردنيل ومرورها بين هذه الجبال التي شهدت من أهوال الحرب الكبرى ما شهدت، قال: قد لا تتاح لكم فرصة المرور في هذا المضيق مرة أخرى؛ وعلى كل حال فجدير بمن مر بالدردنيل للمرة الأولى أن يشهده فيذكر ما شهدت جباله القاحلة القاسية.
وفي الساعة الخامسة من صباح الجمعة كنا أيقاظًا، فارتدينا ملابسنا وزدنا عليها معاطفنا نتقي بها برد البحر في ساعة البكور، وخرجنا إلى سطح الباخرة ننتظر مشرق الشمس ومرور الباخرة من خلال الدردنيل، وكنا نحسب من يدفعهم التطلع إلى مثل تبكيرنا كثيرين، فإذا الكل في مضاجعهم إلا أشخاصًا معدودين من بينهم سيدة مسافرة وحدها وجدت في حماية بعض كبار البحارة ما أتاح لها الوقوف عند مقدمة الباخرة والاحتماء من البرد بما يحتمي به الربان وأعوانه.
وتبدي الدردنيل في هدأه الصباح وسكونه، وتبدت الشمس مشرقة من وراء جباله، وخطرت الباخرة بين هذه القمم الجرداء والناس من فوقها في طمأنينة وسكون، ولو أنَّا كنا في مثل هذا الوقت منذ عشر سنوات ماضية حين كان الدردنيل بقعة جهنمية في ميادين الحرب الكبرى لما خطر لمسافر أن يقترب من الدردنيل إلا كارهًا باسم متطوع أو جنديًّا يريد لأمته الظفر والاستعلاء.
فأما اليوم فها نحن أولاء نخطو خلاله آمنين، نلقي عليه نظرة إعجاب بالشمس البازغة والمياه المطمئنة، وبهذه الجبال الجرداء على الجانبين لا تميز فيها من آثار الإنسان شيئًا حتى يقع نظرك على أثر على الشاطئ الأوربي هو النصب الذي أقامه الحلفاء تذكارًا لمن استشهد منهم في هذه البقعة دفاعًا عن مبادئ الحلفاء التي كانت ترى الحرب دفاعًا عن الحرية، وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، والقضاء على المعاهدات السرية وعلى استعباد الشعوب، والتي انقلبت بعد ظفر الحلفاء عبثًا بمصير الشعوب وبحريتها. وحول هذا التمثال مقابر أولئك الألوف الذين استشهدوا وأكثرهم مخدوع بما زين الساسة من الألفاظ المعسولة، وأكثرهم يحسب أنه يستشهد في سبيل الحق والحرية.
ومررنا بشناق ومن بعدها بجاليبولي والجبال من الجانبين هي الجبال الجرداء، ثم تخطينا الدردنيل إلى مرمرة، فانفسحت عن جانبي السفينة أرجاؤه وصرنا يخبط بنا الماء كل جانب، ثم ما هي إلا سويعات حتى تبدى البسفور، وحتى بدت تباشير الآستانة وطلائعها.
الآستانة — القسطنطينية — بل، أستغفر الله، إستامبول، فذلك هو الاسم الذي قصره الأتراك على المدينة القديمة بعد ظفرهم الأخير، وبعد نقلهم عاصمة ملكهم إلى أنقرة. إستامبول وما حولها هو مدخل البسفور، هذا البوغاز البديع الجمال الفذ من بين ما أبدعت الطبيعة من أمثاله؛ الفذ بموقعه، وبتاريخه، وبما شهد من تطورات، وبالحركة السياسية والاجتماعية التي تدور اليوم حوله. والآستانة مدخل لا يقل عن البوغاز نفسه جمالًا ولا عظمة في الموقع الجغرافي، وفي التاريخ، وفي التطور السياسي.
تخطت الباخرة مرمرة إلى البسفور وإلى الآستانة على مهل، كأنما تريد أن تمتع ركابها بكل هذا الجمال، أو كأنما بهرت هي أيضًا برغم مرورها به عشرات المرات، ووقفنا نحن نحدق إلى ظاهر المدينة القديمة العظيمة التي أصبحت غير عاصمة، والتي شهدت حكم الرومان وبيزنطية وعظمة النصرانية، ثم اقتحمها محمد الفاتح فأقر فيها حكم المسلمين وجعلها خلفاؤه من بني عثمان مستقر خلافة المسلمين حتى أجلاهم الأتراك عنها وثلوا عرشهم منها، وتركوها اليوم مدينة سقط منها تاج الخلافة واسم العاصمة ثم بقي لها برغم ذلك كله جمال الطبيعة وعظمة التاريخ.
وقفنا نجتلي عروس البسفور تتدرج مبانيها صاعدة من مياهه، مرتفعة فوق التلال السبعة التي بناها عليها قسطنطين كي تضارع المدينة الخالدة والتلال السبعة التي بنيت عليها، لتكون كما كانت روما عاصمة الدنيا قوة وحضارة، وتتدرج هذه المباني لتندلع من خلال قباب مساجدها المآذن ذاهبة في السماء ينادى من فوقها للصلاة كلما آن موعد الصلاة. ومن حول هذه المساجد هابطة نحو البسفور تبدو سقوف وتبدو أبواب هي منازل المدينة؛ وتبدو، خلا السقوف وخلا الأبواب، قصور تشرف كلها على البسفور، تلاطم جدر بعضها مياه البوغاز البديع، ويرتفع بعضها فوق الجبال كأنه منارة تهدي السفن، أو حصن يحمي المدينة من عدوان هذه السفن.
وكان أقرب بناء إلينا قصر ضلمه بخشه، أم لعله لم يكن أقربها، وإنما كان أشدها لفتًا للنظر والذهن فبدا لذلك منهما قريبًا. والحق أنه أنسانا ما سواه؛ إذ صرنا لا نحدق إلى غيره ولا نوجه منظارًا مقربًا إلا إلى بديع صنعه ودقة عمارته، وإلى هذه الأقواس عقدت فوق نوافذه كلها الدقة، حتى لكأنها قطعة من الدنتلا صنعتها لنفسها سيدة صناع، محبة لفنها، لا تطيق أن ترى فيه إلا كمالًا، ومن هذه الدقة البالغة في التفاصيل تجتمع عظمة قل أن تضارعها عظمة؛ عظمة ليست في مجرد تجاوب أركان القصر بعضها مع بعض، فمنه أقسام لا تتجاوب مع سائره، ولكنها عظمة الاتساق في فن جميل لا نبو في قطعة من قطعه، ولا نشاز في نغمة من أنغامه، يدعو جمال كل جزء منه جمال سائرة كأنها أنغام تزداد عذوبة، وحلاوة كلما قلت تشابهًا وإن توافقت جوابًا. مدخل القصر كأنه قوس النصر زركشت جوانبه بنقوش عربية وأحاطت به عمد عربية كذلك، وعقدت فوقه شواهد وأفاريز عربية هي الأخرى دقيقة عظيمة، وعلى جانبي المدخل جناحان سما فوقهما عقد القوس كأنه رأس النسر المنتصر، وامتد الجناحان في دقة عمارة وزخرف بينه وبين زخرف المدخل اتفاق وتجاذب وتجاوب. وبعد أحد الجناحين مقاصير ذات أعمدة وقباب هي للكل خير كمال. وهذا القصر ومدخله وأجنحته ومقاصيره وقبابه هو مأخذ ذهن الداخل إلى الآستانة فوق موج البسفور، حتى لينسيه مآذن المساجد وتدرج العمائر فوق التلال، وينسيه قصورًا أخرى لا تقل عن «ضلمه بخشه» جمالًا، ولكنها ليست مثله على مياه البسفور ظهورًا وجلالًا.
واقتربت الباخرة من مرساها، واختفى القصر رويدًا رويدًا، وصرنا أمام الميناء وأمام الجمرك، وأنستنا مشاغل النزول إلى المدينة ما بدا منها على البسفور وما تدرج فوقه وما تحدث به المصريون ممن معنا عن قصر الوالدة أم المحسنين في ببك، وعن قصر الخديوي في شبوكلي. ووقفنا نحدق من فوق السطح إلى هؤلاء المستقبلين الذين حضروا على رصيف الميناء، وإلى هؤلاء الحمالين الذين تدافعوا نحو السفينة. قالت سيدة مصرية من بين السيدات المسافرات: لم يبقَ الآن في الآستانة طربوش! يرحم الله الإسلام! وضحك من الإشارة سيدات ورجال، وما أدري أفي ضحك السيدات شيء من الإشفاق على زوال الشارة الحمراء التي كان يتفق فيها الطربوش مع العلم التركي ويثير بها ذكرى الإسلام والخلافة الماضية؟ فأما ضحك الرجال فأذكرني برواية قصها عليَّ يومًا أحد أصحابنا في مصر، ولست كفيلًا بصحتها: ذلك أن شيخًا من شيوخ المسلمين ذهب يومًا في أنقرة لزيارة الغازي مصطفى كمال، وفيما هم يتحدثون مد الغازي يده فرفع عمامة الشيخ عن رأسه ووضع مكانها قبعته هو، ورجا الشيخ أن يظل كذلك إلى أن ينتهي المجلس. وفي شيخ تركيا كما في شيوخ الدين جميعًا في مختلف بقاع الأرض لين لذوي السلطان وأولي الأمر، فامتثل الشيخ لأمر الغازي وظل متقبعًا، حتى إذا انتهى المجلس استأذن ولبس من جديد عمامته. هناك سأله الغازي: أرأيت ديننا نقص شيئًا بلبسك القبعة؟ قال الشيخ: لا، فالدين في القلوب والرءوس، لا في الجبب والعمائم.
وجاء مراقبو جوازات السفر، فكانوا أول صلة بيننا وبين الحياة التركية، وعهدي بمراقبة الجوازات في فرنسا وإنجلترا وسويسرا وإيطاليا غير بعيد، ولكن ما أكبر الفرق! يكفي مراقب الجوازات في هذه البلاد أن يطلع على تأشيرة قنصل دولته بإباحة دخولك ليقنع منك بمعلومات طفيفة تختلف في مختلف الدول، ولكنها لا تزيد على السؤال عن سبب دخولك البلاد وعن المدة التي تنوي أن تقيم فيها. أما عمال إستامبول فأمامهم دفاتر قيدت فيها الأسماء، وأمام كل اسم ما لا يقل عن عشرين «خانة» تستوفى. وأشهد لقد تضايقت من هذه الإطالة، لكني أشهد كذلك أنها كانت بالنسبة لنا على غير طائل؛ فمنذ دخلنا الآستانة لم يسألنا أحد أمرًا، ولم نلقَ إلا كل تحية وإكرام.
ولعل ما يحيط بالحياة السياسية التركية في الوقت الحاضر وما عاناه الأتراك أثناء حروبهم من محن، هو الذي يدعوهم إلى كل هذا الاحتياط والتدقيق.
وأقلتنا الأوتموبيلات إلى الفندق في طرق صاعدة هابطة أذكرتنا مارسيليا والبلاد الجبلية، وإن لم تذكرنا رصف مارسيليا، بل أذكرتنا طرق الإسكندرية المؤدية إلى الميناء بأحجارها التي تضطرب فوقها العربات اضطرابًا وتحدث فوقها من الضجيج والعجيج ما يصم الآذان، وأنت مع ذلك مضطر، إن لم تجد أوتموبيلات، إلى مقاساة ذلك كله؛ لأنك لا تستطيع أن تسير على قدميك فوق هذه الأحجار التي تحفي الأقدام من خطوات معدودة.
ونزلنا فندق «بيرا بالاس» في غرف مطلة على قرن الذهب، فتبدى لنا، وإن كنا في قلب الآستانة، ظاهر من الآستانة جديد، تبدت مساجد تندلع مآذنها في السماء، وقصور تأخذ زينتها بالعيون، وإلى جانب المساجد والقصور منازل متواضعة يقطنها الفقراء ومتوسطو الحال، وتبدى من خلال ذلك كله أتراك اليوم في قبعاتهم وسراويلهم الأوربية؛ فكان لنا من هذا الظاهر الذي كشفته لنا غرفتنا صورة صحيحة لإبداع الطبيعة في وضع الآستانة، ولهذا التاريخ القديم الذي تمتاز به على كثير من المدائن؛ وللتطور العظيم الذي يهز اليوم أحشاءها، والذي لم يكن منه مفر لحياة تركيا الإسلامية وإن كره كثير من المسلمين.
على أن ما يدل عليه ظاهر الآستانة من موقع وتاريخ ونهضة ليس إلا صورة فيها كثير من الخداع يتجلى إذا أنت تغلغلت في حياة الآستانة أو بحثت في مختلف نواحيها، ولعل الأكثرين يعرفون عن موقعها الطبيعي وعن تاريخها كثيرًا، لكن النهضة الجديدة، وعلاقتها بهذا التاريخ وبهذا الموقع ورجاءها في مستقبل قريب، يحتاج إلى شيء من حدس الباحث، حدس قد لا يبعد كثيرًا عن الحق ما اعتمد على الملاحظة الصادقة.

الآستانة


موقع، وتاريخ، ونهضة
أذكر يومًا من صيف سنة ????، وكنت بمونتريه من أعمال سويسرا، إذ أخذ بنظري مغرب شمس بديع على بحيرة ليمان الساحرة الجمال، وكنت يومئذ أسيح وحدي ولم يكن لي بد من أن أفضي بإعجابي إلى أحد. وكان عامل الأسنسير (المصعد) أول من لقيت في هبوطي من غرفتي إلى قاعة الطعام، فسألته هل رأى الشمس وغروبها؟ ثم لاحظت له: كيف تكون بلاد بها هذه المناظر ولا يكون أبناؤها جميعًا شعراء؟! وابتسم الفتى قائلًا: إن في سويسرا شعراء، ولعله كان يستطيع أن يقول لي: ولم لا يكون الناس جميعًا علماء والعلم في متناولهم جميعًا والجامعات مفتوحة لهم أبوابها. إنما الشعر والعلم والحكمة هبات تخلعها الطبيعة على مختاريها، والذي يفيض إحساسه بمنظر مغرب الشمس البديع على بحيرة ليمان وبين جبال الألب فيتغنى بهذا المعنى صادقًا في التعبير عن شعوره، لا يكون إلا أحد الممتازين من أصحاب المواهب.
ولو أني اليوم كنت في مثل ما كنت فيه سنة ???? من تقدير الإنسانية ومواهبها لألقيت على أهل الآستانة السؤال الذي ألقيته على السويسري عامل الأسنسير، فكيف تكون بلاد بها هذا البسفور والجبال المحيطة به والتاريخ الذي يتوجه، ولا يكون أبناؤها شعراء جميعًا؟! بل كيف يشدو بالبسفور وجباله وأقماره وتاريخه أجانب أمثال بيير لوتي وكلود فارير أكثر مما يشدو بها أي تركي؟ ولكني اليوم أقل تقديرًا لطاقة الإنسانية منذ بدء الصبا؛ ولذلك كنت أكثر تفكيرًا في العوامل التي أدت بالأتراك إلى ألا يكون من بينهم مئات الشعراء الذين يتغنون بهذا الجمال الساحر بعض ما تغنى العرب بالعيس والبيداء والخيام والأطلال، ولست أعزو هذا إلا إلى هذا السبب الذي أحسبه متصلًا بعوامل شتى؛ بعضها براعة جمال البسفور براعة يقصر عنها الوصف؛ وبعضها تأثر الأتراك بالحياة الدينية من طريق قيامهم بأعباء الخلافة تأثرًا أنساهم ما في هذا العالم الفاني من جمال؛ وبعضها طبع الأتراك الحربي؛ وبعضها ما أحيط بالأتراك من عوامل قاسية أقامتها مقتضيات السياسة التي كانت تنظر إلى هذه الدولة الإسلامية نظرة عدوان وعسف؛ وبعضها — ولعله أهمها — قلة تقدير الرجال لهذا الجمال، لأن المرأة لم تكن تتوِّجه بتاج الحرية السافرة، وكل جمال لا تتوجه المرأة يقل قدر الرجل له؛ فالمرأة كمال الرجل ومنبع بقاء الإنسان وخلوده. وهل الجمال إلا كمال ما يراه الإنسان من مظاهر الوجود الباقية بقاء الخلد أو المتجددة تجددًا يجعلها باقية؟! والآن وقد سفرت المرأة التركية سفور حرية لا سفور ملبس، وقامت بالشعب التركي نهضة مدنية إلى جانب سلائقه الحربية، وأصبح يأخذ من الدنيا بنصيب كأنه يعيش أبدًا، فقد انفسح الأمل في أن يقوم من بين الأتراك ومن بين أهل عروس البسفور أولئك الشعراء الذين يلهمهم خلد الإنسانية المتجسد في المرأة أسمى معاني الشعر، فيسبغ خيالهم على هذه البقعة المباركة من بين ما باركت الطبيعة بجمالها وجلالها ما تثيره هي في نفوسهم الحساسة من صور الجمال والجلال.
والحق أن البسفور والآستانة بعض هذه الفلذات من الجنة فر بها آدم وحواء يوم أخرجهما منها ربهما، فنثراها في بقاع الأرض نثرًا، أليس أجمل ما في الحياة دوام تجددها إلى أن تستقر إلى خلد من السكينة يغنيها عن التجدد ويسمو بها من درجات الحياة إلى مراتب الآلهة! والبسفور والآستانة خلعت عليهما الطبيعة من دوام التجدد ما يمسك النظر عندهما أيامًا وأيامًا فلا يرى إلا جديدًا. انظر إلى هذه الجبال عن جانبي المضيق تتجدد صورها وألوانها كل لحظة من النهار بتغير الشمس عنها، وبالسحب تحجبها ثم تهتك حجبها، وبالمطر يهمي ثم يقلع، وبالرياح تهز أشجارها وحشائشها أو تذرها مطمئنة ساكنة، وانظر إلى هذه الصفحة، صفحة مياه البوغاز، راكدة مرة، متموجة أخرى، متلاطمة ثالثة، عابثة بالضوء وأشعته عبثها بالقتام ودكنته. وانظر إلى هذا القمر يحبو سابحًا في لجة السماء كما تحبو السفن تحته في لجة الماء. وانظر ما خلف التاريخ من قصور في عظمتها تجهُّم وفي ابتسامتها رهبة، ومن مساجد ترتفع فوق مآذنها الدعوة إلى الصلاة ينادي إليها اليوم متقبع لا تحجب القبعة ما بينه وبين الله أكثر مما كانت تحجب العمامة أيام كانت تركيا «الرجل المريض» تتنازع دول أوربا على اقتسام تركته. ثم انظر إلى ما أحدثت مدنية اليوم؛ انظر إلى سيدات تركيا السافرات المتوجات جمال القنن الرفيعة والموج الزاخر كما يتوجن جمال ما في السماء والماء، انظر إليهن ما يزلن في إقدامهن إلى الحرية على استحياء من هذه الحرية التي كانت بالأمس تحسب عليهن ذنبًا وعارًا، والتي هي اليوم زينتهن وزينة تركيا رجالًا ونساءً، شعبًا وقادة.
انظر إلى هذا كله وإلى دوام تجدد صور الجمال فيه يبهرك فيجل عن وصفك إياه … ما بالك إذا أنت أمعنت في ركوبك البسفور صوب البحر الأسود، فرأيت نفسك تحبو بك السفينة من جمال إلى براعة إلى بهر إلى ذهول لا يرد عليك روعك بعدها إلا موج هذا البحر الأسود المترامي العباب الداكن السحاب، بما أطلق على مياهه التي تعكس صورة سمائه ذلك الاسم الأسود!
على أنك واجد داخل الآستانة وخلال التلال السبعة التي بنيت عليها أودية وأخاديد لا تقل عن البسفور وجباله شعرًا. ذهبت أول ليلة نزلت فيها الآستانة مع أصحاب يقيم بعضهم بعروس البسفور، إلى ملهى في حدائق «تكسيم»، فرأيت فيه ما ترى في القاهرة وفي الإسكندرية من رقص وموسيقى تقوم بهما حثالات من طريدي الفن الأوربيين الذين لم يجدوا في بلادهم مرتزقًا، فهبطوا إلى حيث يتلقف الناس مظاهر مدنية الغرب الغالبة بحذافيرها، فلا تصل أيديهم أغلب الأمر منها إلا لما يلفظه أهلها احتقارًا واشمئزازًا، فطلبت إلى صديق لي يقيم بتركيا من سنوات أن نذهب في الليلة التالية لنشهد منظرًا تركيًّا بحتًا. قال صاحبي: إذن فلنشهد منظرًا تركيًّا قديمًا؛ فتركيا الحديثة لما تجدد لهوها المعيد لنشاط الحياة. وذهبنا إلى «شفلك بارك»، وكان الأتموبيل في طريقنا إليه يسير في طرق ترتفع، ثم ترتفع، ثم ترتفع، حتى إذا كنا عنده التوى الطريق منحدرًا، ثم وقفت العربة عند باب دخلنا منه إلى البارك مقابل أجر لا يزيد على خمسة مليمات، ونظرت فإذا وهدة مضيئة تنبعث منها أشعة الكهرباء مختلفة الألوان كما تنبعث أنغام موسيقى تركية رقيقة هادئة، وانحدرنا ثم انحدرنا في طرق عنيفة الانحدار والأنوار تقترب منا رويدًا رويدًا أثناء انحدارنا، فإذا بركة مستديرة من الماء صفت على جوانبها مقاعد جلس إلى بعضها رجال، وإلى بعضها سيدات، وإلى البعض سيدات ورجال معًا، وكل أولئك من صميم الأتراك. ودرنا حول الماء حتى اقتربنا من مكان الموسيقى ومقعد المغني، وتخيرنا مكانًا جلسنا إليه، وأجلت الطرف فيما حولي من مرتفع ومنخفض ومن بركة مياه ومن آلات طرب ومن سيدات في جمال قيان الرشيد ورقتهن، ثم خلتنا في إحدى ليالي الخليفة على ما وصفها «ألف ليلة وليلة»، لا ينقصها إلا الستور من ورائها الجواري، وإلا السقاة الحور والغلمان كأنهم اللؤلؤ والمرجان، لا أولئك الشحوط الخفراء المرتدون ثياب أهل الدنيا من «الجرسونات».
وشدا المغني على أنغام الموسيقى، وذكر صاحبنا أنه ينشد أهازيج في الحب، وكان غناؤه حبًّا شرقيًّا فيه استسلام حلو وعبادة وخضوع، حب لا يعرف الثورة ولا يعرف الانتحار، وإنما يعرف الضراعة والرجاء، ويعرف الشجا والدموع، حب يترفق صاحبه في النداء باسم محبوبته، ويرجو الليل أن يحمل على أجنحة الستر إليها رسالته، فإذا استبطأ الرسالة وحسب أن نداءه ذهب سدى لم يقتحم مستور الليل ولم يهتك حجبه، بل ازداد رفقًا، فوصل به الرفق إلى البكاء، ثم إذا خيط ضعيف من الأمل يبدو في سواد الدجنة، فإذا البكاء انقلب رجاءً باسمًا في غير ضحك، ثم يزداد الأمل فيزداد الرجاء معه، ويضعف الأمل فتغرورق العين من جديد، وبين رجاء يبسم وبكاء لذهاب الرجاء انقضى أكثر من دور من أدوار الغناء، وانقضى الوقت وقمنا تاركين وراءنا في «شفلك بارك» فلذة أخرى من سحر الجمال.
•••

ماذا فعل الإنسان بهذا الموقع الطبيعي من يوم استقر فيه واستعمره؟ هل حبب إليه هذا الجمال الحياة فشغف بها وهام؟ أم هو ازور عن الجمال وعن فتنة الطبيعة والدنيا وكان أكثر عكوفًا على العبادة والزهد كلما كانت الدنيا له أكثر فتنة؟ فأما ظواهر التاريخ فتدل على أن هذه البقعة باركتها الأديان أن جاهدت هي في سبيل رفعة الأديان، وأنها لذلك كانت في الدنيا وباطل زخرفها زاهدة. ألم يشدها قسطنطين لتضارع روما رافعة لواء المسيحية؟ ألم تبن فيها «أيا صوفيا» كنيسة لا تقل رهبة ومهابة عن كنيسة القديس بطرس في روما وإن تخلت لها عن الرشاقة والبهرج! وظلت مدينة قسطنطين تضارع روما مهدًا للنصرانية حتى فتحها المسلمون، فجعلوا من «أيا صوفيا» مسجدًا تقام فيه الصلوات ويؤدي الخليفة فيه فريضة الجمعة، ثم لم يكتفوا بأيا صوفيا، بل شادوا من المساجد لذكر الله عديدًا. ولعلهم شادوها لتشعر إذ تدخل فيها غير شعورك حين تدخل أيا صوفيا، فأنت تبهر، لا ريب، بعظمة عمارتها، وأنت تستشعر فيها الرهبة التي يبعث بها الإيمان إلى القلوب، كأنك في حضرة الله ذي الجلال، لكنك لن تستطيع أن تحول بين نفسك والإحساس بأن هذا المعبد كان كنيسة. وكيف تستطيع ذلك وكل ما حولك ينادي بأصل أيا صوفيا! هي في دسامة نقشها وفي تكفيت سقفها وجدرانها بالذهب كنيسة، وهي بالصلبان ما تزال بادية الأثر برغم محوها وطلاء مكانها كنيسة، وهي بوضعها الهندسي وبانحراف قبلة الصلاة فيها عن وسط جدرانها المقابل للباب كنيسة، وكل ما أضيف إليها من مرافق الوضوء ومن منبر الخطابة ومن مآذن الدعوة إلى الصلاة يبدو مضافًا برغم دقة صنعه والعناية باتساقه مع سائر المكان. فوجب أن يشيد المسلمون مساجد لا تقل عنها عظمة وإن استبقوها مسجدًا شاهدًا بفتحهم وغلبهم، ولقد فعلوا وبلغوا مما أرادوا كثيرًا. وجامع السليمانية لا يقل عن أيا صوفيا عظمة ولا مهابة ولا رهبة ولا جلالًا، شاده المعمار سنان بأمر سليمان القانوني، فجاء آية لإبداع فن المعمار في عصره؛ تدخله فإذا أنت يهبط عليك من كل جانب من جوانبه خشوع يمتلئ به قلبك، وابتهال لله أن يغفر ذنبك؛ خشوع تبعث به ظلال كأنها الظلمة المنتشرة في أرجاء بيت الله، وتبعث به عظمة عمارة المكان عظمة قليل مثلها في المعابد. عمد ضخمة النقوش، فوقها قبة كبرى تحيط بها قباب أو أنصاف قباب يمسك الكل سائر سقف المكان؛ وذلك كله مزخرف بنقوش من القيشاني ومن الذهب فيها عبوس وفيها رهبة. وفي أكثر من ناحية من المكان «مبلغات» وكرسي الكهف، وكلها كالقبلة وكالمنبر دقة نقش وصناعة. وأنت إذ تجتلي منها آية ذلك وجلاله وجماله لا تنسى السجاجيد سجاجيد هركة مما تطؤه قدمك باحترام وتقديس؛ لأنه فرش المسجد، ولأنه بديع جميل. وفيما أنت في متاعك بهذه العمارة العظيمة إذا رجال ونساء جاءوا إليها لا لمتاع كمتاعك ولكن لعبادة رب هذا البيت في ضراعة وإنابة، جاءوا فخلعوا قبعاتهم وتوضأوا وذهبوا إلى مكان الصلاة فنحوا القبعات جانبًا وصلوا. وكانت السيدة التي تؤدي فريضة ربها أثناء زيارتنا السليمانية منتحية مكانًا من المسجد لعله خصص للسيدات، ولا أحسبه كذلك بعد إذ أخبرنا الدليل في «أيا صوفيا» أن الرجال والسيدات يصلون جنبًا إلى جنب؛ لأن أولئك وهؤلاء سواسية أمام الله، فيجب أن يكونوا سواسية في بيت الله.
وبين أيا صوفيا والسليمانية جامع السلطان أحمد، وهو إن يك أقل منهما رهبة فله جماله. وفي الآستانة غير هذه المساجد الثلاثة مساجد لا يحصيها العد، لكل منها رهبة ولكل منها جمال، وتشهد كلها بأن الأديان باركت هذه البقعة، فصدف الناس عن جمالها وزهدوا في الدنيا وباطل زخرفها.
لكنك ما تكاد تذر المساجد ورهيب جلالها وتخرج إلى الدنيا وتطالع البسفور وقرن الذهب من جديد، حتى ترى أن ظواهر التاريخ هذه ليست إلا ظواهر، وأن هذه الفلذة من الفردوس فتنت الناس بجمالها فافتنوا في ألوان المتاع بها، وأن الذين شادوا هذه المساجد كانوا أشد أهل الأرض تورطًا في متع الحياة ولذاتها، وإنما كانوا يخدعون بها الشعب يصرفونه عن السمو بنظره إليهم ويخادعون بها الله يلتمسون إليه زلفى، بل لعل تورط أهل هذه البقعة في الآثام هو الذي دعاهم إلى كثرة التوجه إلى الله يستغفرونه عن خطايا لا مناص لإنسان من الوقوع فيها وحوله من المغريات بالإثم ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
انظر إلى هذه الدور الفخمة مما سوى المساجد؛ هي ليست دور علم، ولا مدارس فن، ولا هياكل حكمة، ولا متاحف آثار، وإنما هي قصور بناها الملوك والسلاطين والأمراء والأثرياء لمتاعهم ولذتهم، وما تزال كذلك إلى يومنا الحاضر إلا الأقل منها؛ فهذا قصر «تب كابو» الذي كان مقر ملك البيزنطيين فاستولى عليه الغزاة وجعله محمد الفاتح وخلفاؤه الأولون مقرًّا لهم، قد أصبح اليوم متحفًا يزوره الناس جميعًا، ولكن أتدري ما الذي يعرض فيه؟ تحف نادرة مما استولى عليه الغزاة أثناء فتحهم: عرش فارسي نفيس مرصع بالأحجار الثمينة، وعرش آخر مصري جاء به السلطان سليم لما غزا مصر، ثم تيجان سلاطين آل عثمان وخلفاء المسلمين. يا لجمال ما كان ينعم به خلفاء أبي بكر وعمر! كل تاج مرصع بماسات تخر أمامها كل امرأة ساجدة ولو كانت أشد الناس في الحياة زهدًا وإلى الله قربى، وإلى جانب الماس أحجار ثمينة من اللؤلؤ والمرجان والعقيق والفيروز جلت عن الأشباه والنظائر، وهذه التيجان تتتالى واحدًا بعد الآخر تحلي عمامات وضعت على رءوس وأجساد من قماش، وتاج كل خليفة يبذ تاج الخلفية الذي سبقه ثراء وسناء. وفي الأجنحة الأخرى من «تب كابو» مقاصير السلاطين، وكل مقصورة — أو كشك كما يسميه الأتراك — آية في ثراء التأثيث بالطنافس والمذهبات. وإذا كانت دقة الفن تنقص هذا الأثاث والمقاصير التي تشتمله فإن ما فيه من تكاثر وبهرج مكسال لينطق بحب أصحابه الجم للنعيم يغرقون فيه إلى الأذقان وإلى الرءوس. وإلى ناحية من القصر كشك بغداد يرسم في نفسك «بكنبه» و«شلته» يضيف إليها خيالك هذه العمائم الكبيرة التي تحمل التيجان، صورة الترف والرخو الغارق في أنهار من خمر وفي عبير المسك تنشره الجواري الجميلات البضات يتخللهن الغلمان يحملون «الشبكات» المرصعة المقابض بالدر والجوهر، هذا و«تب كابو» أقدم قصور الآستانة وأقلها زخرفًا وأكثرها حديثًا عن ثورات الانكشارية ممن كانوا يعلنون العصيان في فنائه أو في مياه البسفور التي تطل عليها نوافذه.
ولما انقضى لآل عثمان عهد الفتح واكتفوا بإمبراطوريتهم المترامية الأطراف في أوربا وآسيا وإفريقيا، فكر خلفاء محمد الفاتح من السلاطين في المتاع الجم بالدنيا ونعيمها، فلم يكفهم «تب كابو» وبنوا قصور «شراغان» و«ضلمه بخشه» و«يلدز» وغيرها، كما بنى الأمراء والوزراء من القصور ما تتزين به شواطئ البسفور وقمم تلال الآستانة. وفي هذه القصور اجتمع من أسباب الترف ما لم يعرفه لويس السابع عشر ولا غيره من أشد الملوك إمعانًا في الترف واللذة. زرنا قصر يلدز الذي أصبح اليوم ملكًا عامًّا، فأجرته بلدية الآستانة ناديًا للقمار وفندقًا ومطعمًا، فبهرتنا عظمته وجلاله، وإن لم يأخذ بالنظر فيه شيء من الفن ودقته. وطفنا أنحاءه وذكرنا قصر فرساي وقصر فونتنبلو بفرنسا، وقصر وندرسور بإنجلترا، وأسفنا أن أصبح مقر خلافة المسلمين وسلطان آل عثمان ملهى وملعبًا بدل أن يكون متحفًا قوميًّا أو يكون مدارس ومعاهد للعلم والفن. وفي أثناء زيارتنا القصر رأينا (الأغوات) الذين خدموا عبد الحميد إبان ملكه ما يزالون يحرصون على أن يظلوا في قصر كان مقر ملكه، ولو كانوا مع ذلك خدمًا لرعاياه وأتباعه، ولو خدموا سيدات من عامة الشعب بدل مئات الجواري الحسان اللائي كن لإمام المسلمين وخليفة رسول رب العالمين متاعًا ولذة. وكم من قصور كانت كقصر يلدز مباءة شهوات وملعب نسوة يتلهى بها أمير المؤمنين ساعة يستريح من حكم المؤمنين ومن السهر على طمأنينة دينهم ودنياهم وأنفسهم وأرواحهم! وكقصور الخلفاء كانت قصور الأمراء والوزراء، وكان ما يجبى من هذه الإمبراطورية العظيمة الممتدة من الأناضول إلى العراق إلى عدن إلى مصر وطرابلس وتونس، ينفق أكثره على ما في هذه القصور الكثيرة من ملاذ وشهوات يحرض عليها جمال هذه البقعة الساحرة من بقاع الجنان. فأما الشعب في تركيا وفي الإمبراطورية جميعًا فكان عبدًا يستغل لسد حاجات هذه الشهوات، ثم تشاد له المساجد ليسمع فيها من الوعظ ما يزهده في الدنيا ومتاعها طمعًا في الآخرة ونعيمها، فلا يسمو بنظره إلى هؤلاء المختارين لسعادة الدارين بالملك وبالخلافة، ولا يسألهم عما يستنزفون من عرق جبينه حسابًا.
على أن الشعب التركي المقيم مع حكامه على ضفاف هذه الفلذة من الفردوس لم يكن يستطيع أن ينسى نصيبه من الدنيا، وأن يتخلص من فتنة البسفور وسحره وإن كان هذا النصيب من فتات متاع الخلفاء والعظماء. وإن كان ما يقصه الكتاب وما ترويه الأقاصيص عن افتتان طوائف الأتراك جميعًا في ألوان المتاع، بل في التمتع بمتاع الآخرين، ليس إلا أثرًا محتومًا لهذا الجمال الذي خلعته الطبيعة على بقعة الأرض التي يعيشون فيها، فما من لذة أو متاع مما تشتهيه الأنفس إلا تسمع للترك فيه فنونًا لا تجاريهم في مضمارها أمة من الأمم.
هذا الانهماك في أسباب اللذة بعد استتباب أمر المماليك المفتوحة للأتراك هو الذي نزل بتركيا من مكان عزتها شيئًا فشيئًا، حتى جعل منها «الرجل المريض» زمانًا طويلًا، وهو كذلك الذي أثار من خلاله تركيا الفتاة، وهو الذي أدى آخر الأمر إلى نهضة تركيا الحديثة نهضة مكنت فيها الديمقراطية وأجلت عنها عوامل الاستهتار والفساد. وهذه النهضة هي التي جعلت من «يلدز» العاتبة ملعبًا للشعب، ومن شبان العصر الحاضر القوة الحاكمة لتركيا الحديثة. ومظاهر هذه النهضة هي ما نرى في تركيا كلها وما نرى في الآستانة من انتقال من أحلام «ألف ليلة وليلة» إلى الواقع المحسوس من حكم المدنية الغربية واستعلائها.
•••

وتتلخص النهضة التركية في الآستانة وفي غيرها في عبارة بسيطة: الفصل بين السلطتين الدينية والزمنية، وجعل علاقات الناس بعضهم ببعض زمنية كلها خاضعة لمبادئ الديمقراطية يمتد إليها جميعًا سلطان التشريع الذي يقوم به نواب الأمة، وقيام هذه النهضة بالإصلاح المستمد من الحضارة الغربية، وإقامة ذلك على أمتن أسس ممكنة، وتطبيق آثاره بقوة القانون على كل مظاهر الحياة. وكانت أولى مظاهره البادية للعيان هي الملبس؛ فكان العهد القديم يجعل لكل طائفة لباسها: يجعل لرجال الدين لباسًا، ولطوائف السراة لباسًا، وللفقراء لباسًا، كما كان يقضي بحجب المرأة عن الاشتراك في حياة الجماعة، فقضت النهضة الديمقراطية على هذه المظاهر المتباينة، وجعلت لباس أهل الحضارة الغربية (القبعة) لباس الناس جميعًا، كما حررت النساء وجعلت القبعة أو ما في صورة القبعة لباسهن جميعًا أيضًا. وإذن فقد أصبحت الآستانة متماثلة في صورة أهلها. حدثني صديق قال: كان المعممون في تركيا يحتشدون في ميدان فسيح فيها، فلا تكاد ترى غير بياض العمامة غطاء للرءوس، وكان هؤلاء يتخذون من لباسهم الذي يشبه المسوح وسيلة لامتيازات تخليهم من التكاليف العامة كالجندية وغيرها، وكانوا إلى جانب ذلك سبب ارتباك مستمر بسبب ما يخلقونه في نظام الحياة وفي سبيل التطور من مشاكل وعقبات، فلما زال هذا اللباس زالت معه الامتيازات والمشاكل، وأصبح الحكم للقانون وحده، وأيقن الناس أن نظام الطوائف في منافاته للديمقراطية يعطل كثيرًا من صور الحرية، فاستراحوا إلى هذه المساواة الجديدة أيما استراحة. وكان النساء يخرجن في ملابس مختلفة يدل بعضها على العظمة أو الاستعباد، فصرن جميعًا يخرجن سافرات، ويلقيين الرجال ويتحدثن إليهم ويبعثن إلى نفوسهم شعر الحياة والتعلق بها والعمل فيها؛ لأنهن صرن قوى ذات نشاط، لا مجرد متاع وضيع. وقوَّى الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية هذا الروح الجديد: روح المساواة، وبعث إلى نفوس الناس جميعًا شعورًا بالكرامة الإنسانية يتساوى فيها الكل؛ لا فارق بين غني وفقير وعامل وصاحب مال.
ومظاهر الحياة في الآستانة تشهد كلها بصدق ما قال صاحبي، وإن كانت آثار الماضي ومفاسده ما تزال تبدو هنا وهناك في كثير من المظاهر مما لم تمكن الأحوال العامة الدولة من إصلاحه، ومما لم تستطع النفوس التخلص منه في هذه البرهة الوجيزة التي انقضت على الإصلاح الوليد منذ أربع سنوات؛ فأنت لا ترى اليوم في الآستانة ما لا تزال تراه في القاهرة من أزياء مختلفة يقصر دون تباينها واختلافها كل ما خلق الخيال عن برج بابل، بل ترى تناسقًا ووحدة يتفق فيها الأتراك وغيرهم من أهل الحضارة السابقة، وبذلك قضى الأتراك على نظام الطوائف الذي كان يشعر بنضالها وعدوانها، وقضوا كذلك على شعار ليس من الدين ولا من مقوماته في شيء، ولكنه كان مظهر حرب دائمة بين أهل الأديان المختلفة، قد تتفق مع روح العصور الماضية ولكنها تنافي الروح الزمنية الحاضرة، وينكرها المعنى السامي الذي يجعل الإيمان صلة روحية بين المرء وربه لا يخضع لقانون ولا يحدده سلطان، على حين يحدد القانون صلة الإنسان تحديدًا يختلف حسب ما يقضي به خير هذه الصلات، ويتغير ما تغير تقدير الناس للحياة وسعيهم فيها.
ومظهر النهضة التركية في تحرير المرأة أجلى وأجمل، وإن كان قد استثار أسف كثيرين من الكتاب الأوربيين الذين كانوا يعجبون بحجابها الرقيق الذي يحيطها بالأسرار، كما كانوا يرون في زيها وفي زي الرجال ما يجعل الآستانة متحفًا لعاديات تبدو كأنها من الأحياء، ولها في نظر هؤلاء الكتاب بهاء الآثار القديمة وجمالها. قضت النهضة على هذه الصورة، وجعلت حياة تركيا حياة حاضر؛ لأن الأتراك يريدون — على حد تعبير قوي لتوفيق رشدي بك وزير الخارجية التركية — أن تكون لهم متاحف في المدن، لا أن تكون مدنهم متاحف. فكما تساوى الرجل التركي بالرجل الأوربي في مظهره، تساوت المرأة التركية بالمرأة الأوربية في حريتها وفي زيها؛ فأنت ترى الطرقات مكتظة بالرجال والسيدات على السواء، وترى مساواة في الحرية قد خلقت بين الجنسين الاحترام، وترى المرأة ازدادت بذلك نشاطًا وجمالًا. لم تبقَ الفتاة التركية الغضة البضة الكاعب اللعوب، ولم تبقَ نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل، ولم تبقَ أنوثتها تلك الأنوثة المبالغ فيها إلى حد لا تبقى معه لها غاية من الحياة غير إرضاء الرجل ومتاعه، بل أصبحت المرأة التركية إنسانًا كالرجل: تكاتفه في الحياة وتعاونه في القيام بأعباء النهضة، تراها وإياه في الطرقات وفي المنتديات العامة وفي أسباب السعي جنبًا إلى جنب محتفظة بكل المعاني الإنسانية. وأنوثة المرأة إحدى هذه المعاني التي يجب أن تكمل من غير أن تجني على كمال سائر المعاني الإنسانية، وبذلك رقيت المرأة ورقت، وبذلك صارت قوة في الحياة، وصارت شعرًا ذا معنى إنساني، وبذلك استحقت المحبة الصحيحة والإجلال والاحترام.
إلى جانب هذين المظهرين البارزين من مظاهر النهضة في الآستانة ترى نشاطًا في كل نواحي الحياة يؤذن بأن ينقل تركيا إلى الحضارة، إذا لم تك في العناصر الرجعية حياة باقية، وسمحت موارد الدولة باستمراره. والحق أن الآستانة بحاجة إلى أموال طائلة لتكون مدينة كبيرة يتفق مجهود الإنسان فيها مع ما حبتها الطبيعة به من جمال؛ فهذه القصور وتلك المساجد لا تكفي مظهرًا للجمال الذي يخلعه سعى الإنسان على مدينة خلعت عليها الطبيعة ما خلعت على الآستانة، بل يجب أن يغمر ما يجمل به الإنسان مدنية المدينة كلها وكل ما فيها ومن فيها، لا أن يكون وقفًا على أفراد، هم أهل الحكم والمتصلون بهم. ولأهل تركيا في القائمين بأمرها اليوم رجاء يمكن أن يتحقق، إذا لم تقم لعناصر الماضي قيامة من جديد.
على أن النهضة التركية أبعد مدى وأعمق أثرًا مما يتجلى في هذه المظاهر التي ترى في الآستانة، وقوتها على العناصر الفاسدة ومقدرتها على النهوض بتركيا يستحقان عناية تجعلنا نفرد لهما الفصل الآتي.

النهضة التركية


ليست ابنة اليوم، ولا خلق مصطفى كمال، هذه النهضة الاجتماعية التي تبدو مظاهرها اليوم في الآستانة وفي غير الآستانة من بلاد تركيا، إنما يرجع تاريخها إلى زمن بعيد لا يقف عند سنة ???? حين أعلن الدستور العثماني، بل يرجع إلى حين تألفت جمعية الاتحاد والترقي، وإلى ما قبل ذلك حين وضع المرحوم مدحت باشا دستور الدولة العثمانية الأولى، وحين قام الأمير صباح الدين يدعو إلى اللامركزية. من ذلك الزمن القديم في التاريخ فكرت الأدمغة الصالحة في تركيا في نهضتها الصحيحة، لكن الخليفة العثماني وما حوله من عوامل الرجعية كانوا يومئذ من القوة والبطش بما أضاع نتائج هذه المجهودات الأولى، وإن بقي لها من الأثر في نفس الشعب التركي ما جعله على أتم استعداد لتأييد حركات الإصلاح. فلما تألفت جمعية الاتحاد والترقي وأعانت نهضة تركيا الفتاة ونجحت بتأييد الجيش في إلزام الخليفة السلطان عبد الحميد أن يعلن الدستور، كانت تركيا مستعدة للتضحية في سبيل تأييد هذه الحركة، وإن كانت الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف أقل من تركيا لهذه التضحية استعدادًا، ثم إن الأتراك أنفسهم لم يكونوا يومئذ ينظرون للعرب نظرة النظير للنظير، بل كانوا يشعرون بأنهم غزوا البلاد العربية كلها غزوًا وفتحوها بحد الحسام، ونشأ عن ذلك أن لم تلقَ فكرة اللامركزية ولا فكرة مساواة الممتلكات بتركيا نجاحًا يربط دائرة الإمبراطورية العثمانية المرنة برابطة تجعل كل جزء من أجزائها يذود عن حياضها بالحماسة والغيرة اللتين تذود بهما تركيا، ويدفع كل معتدٍ على أي جزء من الإمبراطورية كأنه معتدٍ على كيانه الخاص وعلى استقلاله وعزته.
وأدى وقوف تركيا هذا الموقف من ممتلكاتها إلى نتائجه اللازمة إبان الحرب الكبرى، فعلى الرغم من أن تركيا كانت دولة الخلافة الإسلامية، ومن أن هذه الممتلكات كانت إسلامية كلها، فإن مظالم عصر الاستبداد التركي الذي سبق الدستور وعدم الاعتداد بلا مركزية هذه الممتلكات بعد الدستور، وقفها من تركيا إبان الحرب غير موقف المدافع عن كيانها، بل إن الحجاز انتقض على تركيا جهرة بزعامة الملك حسين بن علي ووقف في صف الحلفاء، وانتهت الحرب بانحلال تركيا انحلالًا أيأس منها المسلمين وأيأس كثيرًا من أبنائها، وأطمع اليونان أن تعلن الحرب كي تصل أو يصل الحلفاء إلى اغتنام الآستانة، ثم كانت هذه المعجزة من معجزات التاريخ، وكان هذا النصر الباهر الذي أحرزه مصطفى كمال، فأجلى به اليونان والحلفاء عن بلاده، وطهرها من سلاطين آل عثمان الخلفاء، وأقر لها صلح لوزان، وألغى منها الامتيازات الأجنبية، وجعلها دولة في مصاف الدول العزيزة المحترمة.
لكن هذا النصر لم يرد شيئًا من ممتلكات تركيا، ولم يعد إليها إمبراطوريتها القديمة المترامية الأطراف، بل بقيت حدود تركيا لا تضم بين جوانبها غير الأتراك. على أن هذا الذي أصاب تركيا كان له أحسن الأثر في نهضتها الاجتماعية؛ فقد أزال كثيرًا من العوائق التي كانت تقف في سبيل النهضة التركية، وآن للأتراك أن يقيموا حياتهم الاجتماعية على أسس سليمة ثابتة غير متأثرة بمخلفات الماضي وملكه وخلافته، ولا بالإمبراطورية المشتملة على عناصر شتى غير العنصر التركي الذي كان يعد نفسه سيدًا لها وحاكمًا.
وأول ما أفادته النهضة التركية من هذا الوضع الجديد، ومن انتصار مصطفى كمال وانتشاله بلاده من الاضمحلال، أن أمكن تطبيق المبادئ الديمقراطية الصحيحة على ما يفهمها أهل هذا العصر الحاضر تطبيقًا دقيقًا، والتخلص بذلك من المساومات في المبادئ، مساومات كانت السبب في القضاء على كثير من النهضات، فهذه المبادئ الديمقراطية هي التي سعى إليها الذين ظفروا بدستور سنة ????، وهي التي أراد رجال تركيا الفتاة وأعضاء الاتحاد والترقي أن تستظل تركيا بلوائها. لكن دستور سنة ???? ما كاد يعلن حتى رحب به سكان الدولة العلية على السواء؛ لأن كل طائفة من الطوائف كانت تحسب الاستبداد القديم مقيدًا لها، وكانت ترجو في النظام الجديد محققًا لمطامعها الخاصة، ولو كانت هذه الطائفة بطبيعة تكوينها خصمًا لدودًا للديمقراطية؛ لأن طبيعة النظام الديمقراطي لا تقر الطوائف. رحب بهذا الدستور رجال الدين، كما رحب به رجال المال ورجال الأعمال، واجتهد كل أن يخضعه لمطامعه الذاتية، ونشأ عن ذلك أن الذين أحدثوا الثورة من أجل الدستور وخلعوا عبد الحميد في سبيل توطيد دعائمه، انقلبوا هم أيضًا يتلفتون يمنة ويسرة يبحثون عن أعداء النظام الذي أقاموه ليقلموا أظافرهم، كما كان عبد الحميد يبحث عن أعداء نظام الملك المطلق والخلافة الإسلامية ليقضي عليهم فيقضي على أعداء الله والملك.
طوعت إذن ظروف تركيا الجديدة لمصطفى كمال وأعوانه أن يحطموا قيود الماضي، وأن يعمموا النظام الديمقراطي في إصلاحهم على وجه صحيح، وكان أول ما صنعوا من ذلك أن ألغوا أول مظهر من مظاهر نظام الطوائف: ألغوا الرتب والنياشين فيما عدا صفوف الجندية، ثم ألغوا طائفة رجال الدين بوصفها طائفة، وإن جعلوا للتعليم الديني في جامعتهم مقامًا محمودًا، فلم يبقَ أولئك الباشوات ولا أولئك المشايخ الذين يعيشون من لقبهم لا من شيء آخر، والتزم الكل أن يلبسوا لباسًا واحدًا هو لباس أهل أوربا، لم يستثنِ الإصلاح منهم أحدًا إلا أفرادًا هم الموثقون الشرعيون الذين يحملون ترخيصًا خاصًّا بلبس العمامة وأداء وظيفتهم. ولكيلا يكون هذا الإصلاح مظهرًا للإصلاح ويفي، وليكون إصلاحًا حقيقيًّا، قامت حوله حركة نشاط كبيرة في مرافق الحياة المختلفة؛ إذ قررت الدولة مجانية التعليم بجميع درجاته الابتدائية والثانوية والعالية، كما قررت إجبارية التعليم الأولي، وخصصت من ميزانية قدرها مائة وثمانون مليونًا من الجنيهات التركية (حوالي ثمانية عشر مليونًا من الجنيهات المصرية) سبعة ملايين ونصف مليون جنيه تركي للتعليم الثانوي والخاص، ومليون جنيه للتعليم العالي؛ فأما التعليم الأولى والابتدائي فتتعهده مجالس الولايات (مجالس المديريات) وتنفق عليه وتنفذ القوانين الخاصة به تنفيذًا دقيقًا.
ويقابل هذا النشاط في التعليم نشاط في مرافق الدولة الأخرى، وإن وجب الاعتراف بأن ظروف تركيا المادية من جهة، والعقلية التركية المحافظة بطبعها من جهة أخرى، وتاريخ التطور التركي في العصور الأخيرة وما تأثر به من انكماش عن الإصلاح الواسع المدى من جهة ثالثة، كل ذلك ما يزال بادي الأثر في الإصلاح ومظاهره. وإني ليخيل إليَّ أن مدينة كالآستانة لها ما لها من جمال موقع وعظمة تاريخ، ما كانت لتترك كما هي متروكة اليوم من غير عناية بتجميلها لو أنها كانت في يد غير يد الأتراك، ولو أن النهضة الحالية كانت غير النهضة التركية سواء أكانت الآستانة عاصمة الدولة أم لم تكن. ولم يتح لي أن أجوس خلال تركيا الداخلية لأحكم حكمًا صادقًا على مبلغ نشاط النهضة فيها، لكن الذين رأوا أنقرة يشهدون بسرعة تقدمها، كما أن مظاهر الحياة في الآستانة نفسها أكثر نشاطًا.
زرت جماعة من رؤساء تحرير الصحف التركية، وكان مما سألت أحدهم عنه ما قاموا به من جهود ليرقوا بالصحافة إلى حيث هي اليوم: جمال طباعة وتصوير وورق؛ فكان جوابه أن النهضة العامة أدت إلى هذا الرقي؛ لأنها أدت إلى زيادة في التضامن وفي اشتباك المصالح وفي كثرة تداولها، وفي تزايد تداول الأفكار والآراء معها، فكان لزامًا أن ازدادت مقطوعية الصحف، فأقبل أهلها على تحسينها في حدود مواردهم. وكلما قويت النهضة وتشابكت المصالح وازداد النشاط، وجد الكل الدافع إلى الرقي والإصلاح.
لكن أمرًا يلفت النظر إلى هذه النهضة التركية ويدفع إلى المساءلة عن مبلغ ثباتها وعدم تعرضها لرد فعل يعود بتركيا إلى مثل ما كانت أو إلى شيء منه، ذلك أن هذه النهضة تبدو كأنها ليست أثرًا محتومًا لتطور طبيعي، وأنها مصنوعة على يد مصطفى كمال وأصحابه الذين فرضوها على تركيا فرضًا من طريق التشريع، وألزموها الأخذ بها بقوة القانون وبما وراء القانون من الجندي وسيفه ومدفعه؛ فالرتب ألغيت بالقانون، والعمائم ألغيت بالقانون، ولبس الرجال القبعة والزي الأوربي بالقانون، وسفرت النساء وخرجن إلى مجتمعات الرجال بالقانون. فإذا حدث، لسبب من الأسباب أن جاءت حكومة غير هذه الحكومة وألغت هذه القوانين، ابتهج الناس أيما ابتهاج بالعودة إلى سيرتهم الأولى، ولم يجد هذا الإصلاح الحاضر من يؤيده وينصره ويقف في سبيل تداعيه وعودة الحال الأولى.
هجست هذه الخواطر بنفسي، وجعلتني أشفق على هذه النهضة الديمقراطية الجميلة من الرجعية ومن رد الفعل، فأفضيت بها إلى رؤساء تحرير الصحف الذين زرتهم وسألتهم رأيهم فيها؟ فاطمأنت نفسي إلى جوابهم، وإلى هذه النهضة التي خفت عليها؛ قال قائل منهم: إن هذه النهضة ليست بنت المصادفة ولا ثمرة شهوة من شهوات مصطفى كمال، ولكنها بنت الحاجة، حاجة ماسة كانت تشعر بها الأمة في أعماق نفسها، ولكنها كانت تلقى من بعض الطوائف معارضة باسم الدين، وكان رجال الحكم الماضي يؤيدون هذه المعارضة حرصًا على نفوذهم الذي يظل قويًّا في رأيهم ما بقيت طوائف كثيرة يعارض بعضها بعضًا عن النظر إلى الاستبداد ومظالمه. ولأضرب لك مثلًا: حاجة كان يشعر الكل بها وكان الكل يخشى من المطالبة بالإصلاح لسدها، تلك هي المحاكم الشرعية؛ لم يكن رجل ولم تكن امرأة ألقت به أو بها المقادير في براثن هذه المحاكم إلا كان يعلو منها ضجيجه، وكان يرى فيها المفاسد بأنواعها مجسمة، وكان كثيرون يتحدثون عن هذه المفاسد ويصفونها بأقبح الصفات؛ مع ذلك لم يجترئ أحد على المطالبة بإلغائها مخافة الصيحة باسم الدين، فلما سنت الجمعية الوطنية القوانين المدنية وألغت المحاكم الشرعية، ويسرت إجراءات الأحوال الشخصية كما تيسر غيرها من قبل، شعر الكل كأن كابوسًا زال عن صدورهم، وفرحوا لهذا الإصلاح أي فرح، ولن يستطيع حاكم بالغة ما بلغت قوته أن يعود بهم إلى ذلك النظام العتيق القديم الذي كان موضع شكواهم جميعًا.
وقال آخر وكنت أحدثه عن المرأة التركية وسفورها واختلاطها بالرجال: لا تصدق أن القانون هو الذي دفع المرأة لتسفر وتتمتع متاعًا صحيحًا بحريتها؛ فالمرأة كانت تشعر بالحاجة إلى ذلك شعورًا قويًّا، لكنها كانت تجد في سبيلها أوهام العامة ومحافظة رجال الحكم واستبقاءهم هذه الأوهام، وكل ما فعله القانون الجديد أن أزال من سبيلها هذه الأوهام؛ بأن جعل العامة يشكون في صحتها وفي اتصالها بالدين، فلما زال العائق اندفعت المرأة إلى السفور وإلى الحرية كما يندفع الماء الحبيس فيزول في اندفاعه أسنه، ويروي كذلك الأرض لتنبت بهجة وجمالًا. والعامة اليوم تنظر إلى سفور المرأة وإلى اختلاطها بالرجال نظرة سرور وطمأنينة؛ لأنها رأت كذب ما كان يزينه لها الرجعيون وأعداء الحرية، وأحست إحساسًا صادقًا بما في الحرية من جمال، وبما يترتب على الحرية من تبادل الاحترام.
قال محدثي: ولو أنك كانت أتيحت لك فرصة التحدث إلى السيدات التركيات في منازلهن لسمعت منهن كثيرًا، فهن يذكرن الحرب والنصيب الذي قمن به فيها، ويذكرن اشتغالهن حينئذ بكل شئون الحياة؛ لأن الرجال جميعًا كانوا في خطوط القتال. مدى ثماني سنوات كاملة، من سنة ???? حين أعلنت الحرب العظمى إلى سنة ???? حين ألقى مصطفى كمال بجيوش اليونان وراء أزمير، وهن متوليات أمور الحياة كلها، وهن لِما تولين منها صالحات مدبرات حكيمات. أفتكون المرأة كذلك يوم البأس والشدة، فإذا استقر السلم في نصابه وآن لكل أن يجني نصيبه يكون نصيبها أن تسجن من جديد في عقر دارها وأن يسدل على وجهها السواد؟ كلا! هي تحتفظ بحريتها وقد كان لها في تحرير بلادها نصيب، وهي تحتفظ بالحرية في كل مظاهرها، وتعرف كيف تجعل هذه الحرية موضع الاحترام والإجلال.
وهذا حسن ويدعو إلى كثير من الطمأنينة على هذه النهضة التركية الحديثة، لكن استمرارها يحتاج إلى جهود عظيمة لا محل للخوف على استمرارها ما دامت الحال في تركيا كما هي اليوم، وما دام التشريع يسرع إلى علاج كل نقص يخشى تسربه إلى حركة الإصلاح، لكن هذه السبيل في تعهد الحركات الاجتماعية استثنائية بحتة، وما لم تجد الحركة في الشعور العام مؤيدًا لها ومن رجال الفكر والقلم أنصارًا وأعوانًا، فإنها تتعرض للخطر متى دب إلى النفوس أنها حركة صناعية. لهذا لفتُّ نظر بعض الذين حدثتهم وأبديت لهم أن العلماء والكتاب هم عمد النهضات القومية أكثر من التشريع بما يبثونه من ثقة في النفوس بهذه النهضات، وبما يخلقونه من جو يجعل الرجعة مستحيلة. وسألتهم عن الجامعة والعلماء والكتاب في تركيا وما ينفقون من جهود في هذا السبيل؛ قال رئيس تحرير «وقت»: ما زال تأييد النهضة الحاضرة في بداءته من جانب الجامعة والعلماء؛ لأن هؤلاء لا يزالون في أول العهد بنهضتهم العلمية، فهم في أشد الحاجة إلى وقف كل جهودهم على نجاحها، ومتى نجحت فسيكون لها ولا ريب من الأثر في دعم النهضة ما لسائر الجامعات في أنحاء العالم المختلفة، لكن لنا في تركيا الحاضرة من هذه الدعامة بديلًا متينًا؛ تلك هي الأندية التركية، هذه الأندية منبثة في كل ناحية من أنحاء المملكة؛ وتضم بين أعضائها عشرات الألوف من الأتراك المستنيرين الذين أخذوا على عاتقهم تأييد النهضة الحاضرة وبث روحها في نفوس الشعب بكل الوسائل الناجعة. وهي تعمل إلى جانب عمل الحكومة الرسمي عملًا معنويًّا عظيمًا لا يقل أثرًا في نتيجته عن التشريع وعن التنفيذ. ولقد بلغت هذه الأندية من النجاح في بث الدعوة وفي تنظيم الحركة الاجتماعية بما في الناس من دروس وتعاليم حظًّا عظيمًا؛ حتى لقد أرادت بعض ولايات الدول الشرقية المجاورة أن تنظم أندية تنضم إلى الأندية التركية، لكن حركتنا قومية بحتة؛ لذلك تركنا لهؤلاء المجاورين أن يؤسسوا أنديتهم إن شاءوا من غير أن يكون لنا بهم اتصال؛ حتى لا تبعثر مجهودات تركيا ولا تضل بها المطامع والأوهام. وعمل هذه الأندية لا يقل عن عمل الجامعات والكتاب قيمة؛ لأنه صادر عن اقتناع وإيمان، فليس عضو من أعضائها إلا يشعر بأن واجبه في هذا السبيل لا يقل عن واجبه في الدفاع عن الوطن حين كان الوطن في خطر؛ وحين كان كل تركي يقدم حياته في الحرب طائعًا فداء لواطنه.
ولقد قرأت في بعض ما كتب عن تركيا وأنديتها ما أيد أقوال محرر «وقت» من أن المجهود المعنوي الصادق الذي تحتاج إليه النهضات لنجاحها يبذل في تركيا على خير وجه وبكل إخلاص وصدق، وهذا باعث جديد من بواعث الاطمئنان على هذه النهضة وعلى استمرارها، لكن ذلك لا يزيل كل المخاوف؛ فهنالك دعامة أخرى من دعائم النهضات لست أدري أتستطيع تركيا الحصول عليها أم لا تستطيع؛ تلك هي الدعامة المادية؛ فكل نهضة نفسية تحتاج كي تتم ثقتها بنفسها إلى أن ترى آثارها ومظاهرها محققة في الواقع وأمام العيان. وقد يكون لدى الشعب من الأناة ما يحول دون استعجاله هذه الآثار وما يحمله على التريث والانتظار، لكن من الشعوب العَجِل الذي يريد أن تتحقق كل مطامعه في سنوات قلائل، ولست أستطيع الحكم على النفسية التركية في الوقت الحاضر، لكن شؤون تركيا المادية لا تدفع إلى النفس الاعتقاد بإمكان تحقيق كثير من المظاهر المادية للنهضة الحالية في زمن قصير؛ فتركيا تنفق قسمًا كبيرًا جدًّا من ميزانيتها الصغيرة في شؤون الجيش والدفاع القومي، ومواردها محدودة لا يبدو أنها تسمح بزيادة في الضرائب وفي إيرادات الميزانية في زمن قريب. وما تحتاج إليه تركيا من إصلاح تدعو إليه النهضة كثير جدًّا؛ فالآستانة كما رأيت متحف تاريخ قديم أكثر منها دار حضارة هذا العصر الذي نعيش فيه، وهي اليوم، وأحسبها ستبقى زمنًا طويلًا، مرآة تركيا لأبنائها وللنازحين إليها، ولن تستطيع السياسة وأحداثها أن تسلب مدينة لها ما لموقع الآستانة من روعة؛ حق الأولوية والسبق، وميزة أن تكون عروسًا بين مدائن العالم المتمدن. ثم إن ما يقال عن إنشاء أنقرة والسير في ذلك سيرًا سريعًا لا يدل على أكثر من نشاط الأتراك نشاطًا عظيمًا في سداد حاجاتهم السياسية التي يقتضيها موقفهم الحاضر، لكن مظاهر النهضات من مقتضيات الحضارة؛ فآثار الفن الجميل من متاحف وتماثيل ومن نقوش وصور؛ ومظاهر العلم من متاحف فنية وزراعية وصناعية؛ ومظاهر الحضارة في نظام المدن، ذلك كله في حاجة إلى موارد مادية عظيمة جدًّا أخشى أن تكون تركيا الحاضرة عاجزة عن تقديمها؛ وربما ظلت كذلك زمانًا طويلًا.
فإذا كان الشعب التركي شعبًا عجلًا يريد أن تحقق النهضات كل آماله في سنوات، كان هذا العجز المادي موضعًا من مواضع الخوف على النهضة الحالية، وأما إن كان له من الأناة والروية والصبر ما يمكنه من تقدير ظروفه، ومن السير في حدود موارده، ومن الاغتباط بالنتائج التي يجنيها شيئًا فشيئًا، فإن النهضة ستؤتي كل ثمرها وإن احتاج ذلك إلى عشرات السنين، وكل ثمرة جديدة تزيد الموارد المادية وتزيد النهضة ثباتًا وقوة.
وأكبر الرجاء أن تكون جهود الشعب التركي في العمل السلمي عظيمة كما كانت جهوده في الحرب؛ فإن أثر هذه النهضة لا يقف عند تركيا ولا تحده حدودها، بل هي نهضة لشعوب الشرق كلها، هذه الشعوب التي كان الكثير منها خاضعًا لحكم تركيا المستبدة؛ متأثرًا بنظمها وبأوهام القائمين بالأمر فيها، لكأنما كانت تركيا تلك حائلًا بين المدنية والتقدم وبين الشرق النشيط التواق للمدنية والتقدم. وهذه الشعوب ناهضة كلها اليوم نهضة جليلة مباركة تمسك مصر منها بالزمام؛ فكل نجاح تلقاه النهضة في أحدها هو نجاح للنهضة فيها جميعًا، وكل تغلب من جانب الأتراك على ما يمكن أن يقف في سبيل نهضتهم تحطيم لهذا السياج القديم الذي حال أجيالًا طويلة بين الشعوب التي كانت تشملها الإمبراطورية العثمانية وبين التقدم والعمران. وتحطم هذا السياج يفتح بابًا جديدًا لسيل المدينة من الغرب إلى الشرق؛ ولسريانها من الشرق الأدنى لتتصل بمدنية الشرق الأقصى التي تقدمت في القرن الأخير تقدمًا أدهش العالم كله.
وهذا الرجاء الذي يجيش بنفس كل صادق الإخلاص للإنسانية في تقدمها لترفع منار الحضارة إلى أسمى ذراه، يدعونا إلى تأييد هذه النهضة التركية بكل ما لدينا من قوة، وإلى الأمل أكبر الأمل في تذليل المصاعب المادية التي قد تقف في سبيلها وقد تجعل للرجعية بابًا تطل منه مرة أخرى. على أنَّا ننظر للمستقبل وكلنا ثقة بأن باب الخوف هذا لن يفتح، وبأن تركيا الناهضة ستجني من نهضتها الاجتماعية خير ثمراتها، وبأن الشرق كله سيجني مثلها نهضاته؛ فتتحطم بذلك قيود الاستعمار؛ وتسير الإنسانية إلى الأمام متكاتفة متضامنة لا يذل فيها شعب لشعب، ولا فرد لفرد.

من الآستانة إلى بخارست


وداع الآستانة – البسفور والبحر الأسود – بخارست ورومانيا
صباح الخميس ? سبتمبر، جلست إلى نافذتي أجيل البصر في قرن الذهب وفيما وراء قرن الذهب من مباني الآستانة. بعد سويعات سأركب الباخرة إلي قسطنزة ثم إلى بخارست في طريقي إلى باريس، وبعد سويعات تختفي هذه المناظر عن عيني. ومن يدرى! أيتاح لي أن أراها في حياتي مرة أخرى؟ هذه القباب والمآذن الذاهبة في السماء محدثة عن المساجد تحتها، أبدع فيها الفنانون ما شاء لهم المعمار، أو هي قباب ومآذن ليس فيها من الفن شيء أن أقامها من أراد بها العبادة لوجه الله وحده، وهذه المنازل المتدرجة من شاطئ الماء إلى أعالي تلال الآستانة، وهذه الصفحة؛ صفحة الماء المتموج تحت ضياء الشمس الساطعة؛ وهؤلاء الأتراك الذين يغدون ويروحون وكلهم في زي واحد وهندام متسق، هذا كله وما وراء هذا من سائر ما في الآستانة من جمال البسفور، وحديث التاريخ، وآثار النهضة، مما شهدت عيناي ستة أيام تباعًا سيتدثر كله في حجب الماضي وطيات الغيب، ويظل منه عندي ذكرى وخبر! أيا صوفيا المسجد الذي كان كنيسة وما يزال كل ما فيه يحدث عن ماضيه، وما يزال كل ما فيه من جمال وروعة بعمده الضخمة وزجاجه الملون السندسي ومنبره البديع وبسطه الثمينة؛ والسليمانية المسجد الإسلامي البحت كله الرهبة والجلال، وجامع السلطان أحمد، وقصور (تب كابو) ويلدز وضلمه بخشه، هذا كله مما رأيت وما كنت أن أرى حتى أمس سيفر مني ويغيب عني إلى أجل لا أدري من أمره شيئًا. وكل هذا كان محببًا إليَّ؛ لأنه صورة حية لخيالات ذهنية امتلأ بها رأسي منذ زمان طويل، وهأنذا ما أكاد أشعر بها بعض حسي وبعض حياتي حتى أحسها تختفي آخذة معها بعض حسي وبعض حياتي!! ما أشد الإنسان صلابة وقسوة! ينفصل كل يوم من حياته جزء يبتر منه بترًا، وهو عن ذلك لاهٍ وله أكثر الأمر باسم، لكن جمال الطبيعة في هذا الموقع لا يسهل على النفس انفصاله منها؛ ولذلك طال تحديقي من نافذة غرفتي إلى قرن الذهب وإلى مساجد الآستانة وبيعها الصاعدة من الماء حتى تلامس الأفق، وحتى تكون فيه صورة لا تشبع عين من النظر إليها.
وداعًا للآستانة ولكل ما فيها إذن، وداعًا جميلًا لأيام قليلة كان فيها كل ما في الآستانة طروبًا باسمًا؛ وكان من لقيت من المصريين بشًّا رقيقًا. وداعا لهذا القسم من عمري تحدَّر في هاوية سحيقة لن يرى بعدها النور، ولنستقبل سفرنا راجين آملين.
وذهبنا إلى المرفأ؛ واجتزنا الجمرك بعدما أعددنا لذلك عدتنا من الحصول على إجازة من البوليس بمغادرة الآستانة؛ فأنت لا تدخل الآستانة إلا بجواز، ويقال إنك لم تكن تستطيع أن تتحرك في أنحائها منذ زمن غير بعيد إلا بجواز. ومن جديد راقب عمال الجمرك متاعنا، وما أدري ونحن نغادر بلادهم ما شأنهم به. ثم علونا سطح الباخرة التي تقوم بالسياحة بين الآستانة وقسطنزة، ولم يكن لنا والباخرة راسية في الميناء أن نرى غير بناء الجمرك، ولا جمال فيه ولا عزاء عن النظر إليه إلا لطف إخواننا الذين كلفوا أنفسهم مؤونة توديعنا.
وتناولنا طعام الغداء ولما تتحرك الباخرة، ثم أقلعت، حتى إذا توسطت البسفور صفحة مصقولة تحت الشمس تطوقه من الجانبين مناظر صاغتها الطبيعة وحدها في يوم من ستة أيام الخلق، كنا لوداع عروس البسفور أكثر أسفًا؛ لما في هذا البوغاز من الجمال، بل لما فيه من عرائس الآستانة وأشقودرة عن جانبيه؛ وجزائر الأمراء ناتئة في مياهه، وكل واحدة منها يتوسطها جبل نثرت على سفوحه المنازل تحدق إليها وتحدق إليك كأنما تدعوك إليها وهي مطلة على البحر من ناحية وعلى السفح من الأخرى. ومن ذا استطاع ألا يجيب دعوة جزائر الأمراء للتصعيد فيها حتى قمة جبليها، ليحدق إلى البسفور وما حوله، وليستمتع بهواء أنقى هواء وأحلاه! ثم ابتعدت السفينة رويدًا رويدًا مجاوزة ببك إلى ترابيا تتجلى عندها أنضر السفوح وأبهجها، ووقفت إلى جانب مكان الربان أرقب من خلال زجاج نوافذها كيف تتخطى السفينة البسفور إلى البحر الأسود، وأنتظر أن أرى حصون البوغاز التي قصَّ عليَّ إخواني بالآستانة أنها معاقل تركيا ضد عدوان بواخر روسيا من البحر الأسود على الآستانة. والآن فها هي الجبال تقترب وقد صرنا ولا ريب على قيد خطوة من هذا البحر الأسود ومن حصون البوغاز. لكن لا! لقد نتأ أمام النظر جبل جديد يتصل بالجبلين ويقف في طريق السفينة، أفتراها تتسرب هي الأخرى خلال الأنفاق تحت الجبال؟ أدرت النظر في كل جانب رجاء أن أتبين الفرجة التي تنفذ منها، فارتد بصري حائرًا؛ عن اليمين فرجة أو شبه فرجة وعن الشمال مثلها، والباخرة متقدمة في سيرها لا تتجه يمنة ولا يسرة، كأنما تريد أن تتسلق سفوحه بين الأعشاب والأشجار، وظللنا على ذلك زمنًا خلته طويلًا، ثم تبينت الأعلام في الماء هادية طريقنا إلى اليمين، فاستدرنا فيه، وإذا نحن ما نزال بين جبال خضراء السفوح في شيء من ذبول أوليات الخريف، ثم إذا جبل يقطع علينا الطريق من جديد، استدرنا عنده فتبدت منازل على السفوح، وتبدت حصون البوغاز، وتبدى هناك عند مرمى النظر عباب البحر الأسود المترامي إلى ما وراء الأفق، عن قريب ندخله ونجتازه إلى قسطنزة فنصلها في الساعة الرابعة صباحًا.
وجلست مستدبرًا البحر الأسود، مستقبلًا البوغاز الساحر، ألقي عليه آخر النظرات وأودعه راجيًا في الحياة يوم عودة إليه واجتياز إياه إلى حيث لا أدري الآن. يا عجبًا! إن في هذه البقعة من الأرض لجمالًا باهرًا، فما للإنسان الذي جعل جنات من سويسرا ومن السافوا ومن التيرول ومن غيرها من البقاع التي جادت عليها الطبيعة ببعض ما جادت به على البسفور من جمال، قد ترك هذا البسفور في روعة الوحشة الطبيعية! أأولاء أناس وأهل البسفور غير هؤلاء الناس؟ هل عجزت الإمبراطورية العثمانية القديمة كلها عن تجميل هذه البقعة الضيقة منها ولم تعجز عن أن تشيد في الآستانة مساجد وقصورًا؟! ألا لعل تركيا الحاضرة على صغرها تستطيع بمعجزة كالمعجزة التي أظفرتها في الحرب الأخيرة أن تقوم للبسفور بما عجز السلاطين الخلفاء عن القيام به.
وخطرت السفينة فوق موج البحر الأسود تعكس مياهه دكنة سمائه رغم الشمس البازغة، وتوارت الشواطئ بحجاب الأفق، وتمطى الناس على مقاعدهم اتقاء دوار بدأ يداعب بعض الرءوس، وظل من لا يخافون الدوار يدورون فوق السفينة، ثم آن للناس أن يتناولوا طعام العشاء وقد اطمأنت صفحة الماء، لكي يكون لهم متسع في الوقت يستريحون فيه إلى النوم ليقوموا في الساعة الثالثة استعدادًا للنزول.
وفي منتصف الساعة الرابعة تبدى فنار قسطنزة، وبعد ذلك بقليل رسونا ومررنا بالجمرك وبمراقبة الجواز، وفيهما بعض ما في تركيا من دقة، ثم انطلق بنا القطار قبيل الساعة السادسة قاصدًا بخارست مارًّا في طريقه بأرض زراعية مسطحة أشبه بأراضي مصر، وفيها الذرة والغلال وغيرهما من المزروعات؛ لذلك لم يأخذ بالنظر خلال الطريق غير الجسور الكبيرة، عبر القطار فوقها الدانوب، وعبر بعض منخفضات فيها مياه لم أدرِ أراكدة أم جارية.
ونزلنا بخارست والصورة التي لدينا منها فاترة بعض الفتور، ولقد سمعت عنها غير مرة ما سمعته عن بروكسل وجنيف وبعض المدائن أنها باريس مصغرة، لكن إخوانًا يقيمون بها ذكروا أن ليس فيها ما يقف النظر عنده، وقصدنا إلى فندق «أثينا بلاس»، ثم أخذنا تذاكرنا على الدانوب إلى بودابست، وخرجنا إلى ظاهر المدينة في طريق «كسلف»، فبدا لنا منها أول شبه بباريس؛ فهذه الطريق تشبه الشانزليزيه في سعتها، وفي الأشجار المغروسة خلالها والمنازل الرشيقة على جانبيها وقوس النصر في آخرها. وبعد قوس النصر تستمر طويلًا بين المزارع كما يصل الشانزليزيه إلى غاب بولونيا، لكن «كسلف» من الشانزليزيه كالكارت بوستال من صورة بديعة كالجيوكندة أو أية صورة بديعة أخرى: فيها رسم الأصل ولكن ليس فيها شيء من حياته. وأين الطريق في أية مدينة من مدائن العالم بحياة الشانزليزيه! أين لطريق أن يبتدئ من اللوفر ومن حدائق التويلري ومن ميدان الكونكورد لينتهي إلى قوس النصر ولترى على جانبيه «الجران باليه» و«البتي باليه»، ولتطالع من خلال الطرق المتصلة به قبر نابليون في الأنفاليد، وليطالعك من خلال برج إيفل! لكن طريق كسلف رسم على صورة الشانزليزيه، فجعل لبخارست الحق في أن تكون باريس الصغرى.
وغربت الشمس وأضاءت الأنوار بالمدينة، وسرت يهديني صاحبي خلالها لأرى فيها من باريس شبهًا جديدًا، سرنا قاصدين حدائق «ششمجيو» لنري فيها بحيرة كبحيرة غاب بولونيا ومطعمًا كمطاعمه، فمررنا بطرق متسعة غاصة بالمارة، وأكثرهم أوانس جعلن من وجوههن وأنفسهن متاعًا للناظرين. أليست هذه باريس؟ والحوانيت تعرض المبيعات في زجاجها المضيء كحوانيت باريس في الشوارع الكبرى.
وهذه أيضًا في بخارست اسمها الشوارع الكبرى، ولها على شوارع باريس الكبرى امتياز، فأنت تمر بها على قهوة «بكادلي»، واسم بكادلي معروف في لندن غير معروف في باريس، ثم تمر بعد ذلك بالطواحين الحمراء Moulins Ronges وبغير الطواحين الحمراء من أسماء ملاهي باريس التي أصبحت اليوم أسماء عالمية كأسماء عظماء الرجال. وحدائق ششمجيو تتوسط المدينة كحدائق «هيد بارك» بلندن، وبها بحيرة صناعية تخطر فوقها زوارق صغيرة تمسك الأوانس أكثر الأمر بمجاديفها. والمطعم على حافة البحيرة أضاءت سماءه الأنوار المختلفة الألوان، فطرحت على صفحة الماء الساجية بكساء الليل ملاعب نور تزيدها الزوارق والأوانس المجدفات نورًا ولعبًا. لهذا كله يسمون بخارست باريس الصغرى… وقد يكون في هذا بعض العزاء لمن لم يعرف باريس، أما صاحبي الذي وصفها بأن ليس فيها ما يقف النظر عنده، وأما أصحابي الآخرون الذين جعلوا صورتها فاترة في نفسي، فهؤلاء جميعًا لا يقنعون بباريس الصغرى، ولا يقنعون بغير باريس الكبرى أو بما يدانيها من كبريات المدائن، وقد يكون لهم من ذلك عذر، فمن عرف العالم صغر العالم في عينه، وصار لا يرضيه إلا خير ما في العالم وأعظمه. كما أن من عرف الناس صغر شأن الناس عنده، فأصبح لا يرى الخير منهم إلا في قليل، أما الأكثرون فيرضون من الحياة بكل بريق تجود به الحياة، ويجدون في كل باريس صغرى عزاء عن باريس الكبرى وغيرها من كبريات المدائن، وهؤلاء في الحياة أوفر من السعادة حظًّا، وأعظم من الرضا نصيبًا.
ولكن، أشرقية بخارست أم غربية؟ أم هي لا شرقية ولا غربية؟ هي في مظهرها أقرب إلى الغرب، ولكنها تتصل بالشرق في كثير، وكأنها لا تزال متأثرة بحكم الترك الذي لم يصرفه الاستقلال عنها إلا من ستين سنة، وكما تحبو تركيا الآن نحو حضارة الغرب حبت رومانيا منذ استقلت نحو هذه الحضارة، فنالت منها نصيبًا، وبقي لها من ماضيها نصيب.
فليس لأهلها من النشاط في حركتهم مثل ما لأهل الغرب، وإن كانوا أكثر من أهل الشرق نشاطًا، وما يزال فيها من تراث الشرق بقاء الأمية في بعض أنحائها، وبقاء البؤس المستسلم مستحوذًا على أطرافها، ثم إن الطبيعة لم تجد عليها بما يعوضها عن شرقيتها ويجعل المظهر الغربي ظاهرًا فيها ظهورًا واضحًا.
ونحن نقصد الغرب نخلط به شرقيتنا؛ لذلك قصدنا غداة وصولنا بخارست إلى مصيف «سنايا» المرتفع بين الجبال، والذي يبعد مسيرة أربع ساعات في القطار عن عاصمة رومانيا. قصدناها لنقيم بها حتى صباح الاثنين، ولنعود منها فنقضي ببخارست ساعات، ثم نغادرها إلى جيورجيو، ونأخذ الباخرة من مرسى رمضان على الدانوب كي تقلنا إلى بودابست.
وسار بنا القطار الذاهب إلى «سنايا» بين سهول ومزارع حتى وصلنا بلوشتي، ثم عاد أدارجه زمنًا ليعدل عن طريق سنايا. ها نحن أولاء قد انتقلنا حقًّا إلى طبيعة غير طبيعة بلادنا، طبيعة يألفها من زار فرنسا وإنجلترا أو سويسرا، ومن اخترق خلال الألب جناتها اليانعة. ها هي ذي الجبال تعلو وتنشق أثناءها مسارب الماء المتدفق من الثلوج المتراكمة فوق قللها لتنحدر في أخاديد إلى الغوطات والأودية، ولتنبت أحراش الأشجار المختلفة ما تزال زاهية برغم اقتراب الخريف، وها هو ذا القطار يشق الماء والخضرة وتحدق إليه وجوه حسان استقلت القطار إلى «سنايا»، وها هو ذا الجو بدأ يتغير؛ بدأ ذلك القيظ الذي ضاق به ذرعنا في بخارست تنجلي غمته لينعش هواء الجبل الجميل النفوس والقلوب، ثم هذه سنايا تقترب، وهذا القطار يقف عندها فننزل منه لنتسلق أول خروجنا من باب المحطة سفوحًا ودرجًا وسفوحًا أخرى، كي نصل إلى فندق سنايا بلاس، فنطل من نوافذه على جبال دائمة الخضرة متجددة الجمال تحت ضياء الشمس كلما أضاءت، وتحت الغمام كلما حجب الشمس الغمام.
«سنايا» مصيف الأسرة الملكية، وبها قصران يتحدث عنهما المتحدثون، فلا بد لنا من زيارتهما، وإذ كان الوقت مساء فلتكن الزيارة صباح غد، ولنقضِ سويعات هذا النهار ومساءه في الحديقة الجميلة أمامنا وفي طرق سنايا المشوقة فوق السفوح. ما أكثر زوار سنايا! وما أشدهم حرصًا على المتاع بهوائها الطلق وبمناظرها الجميلة! لا ريب أنه سيقصد كثيرون منهم قصر الملك صباح غد مثلنا، ولا ريب أنهم سيقضون أحدهم في متاع جميل بعطلة الأسبوع والهواء الجميل.
وقمنا في الصباح قاصدين القصر، فاجتزنا في الطريق إليه كنيسة القرية متقنة البناء، في سقفها وزجاجها ومنارات أجراسها الرفيعة المذهبة شيء من الفن غير قليل، وفيها من عباد الله الذين جاءوا يرتجون عن آلام العيش سلوة، وفي الحياة هذا الخيال الذي يسعى الكل وراءه ويسميه السعادة خلق كثير. دخلناها هنيهة ثم صعدنا فوق الجبال نطلب القمة، وهبطنا من جديد إلى الطريق المؤدي إلى قصر الملك، وسرنا فيه مع السائرين، وتمر بنا الأتموبيلات قاصدة إليه مسرعة، فلما تكشفت للنظر أعاليه كنا أمام منظر من أبهى مناظر الطبيعة نظمتها يد الإنسان ونسقتها، وكنا أمام قصر عمارته وحدائقه وفساقيه وتماثيله ومياهه فنًّا جميلًا.
القصر على ربوة عالية تحيط به حدائق نسقت فيها الأزهار مختلفة الألوان متجاوبتها، حتى لكأنها ليست ألوانها، وإنما صبغها بها نقاش على ما يريد فن الألوان ويهوى، وهي مع ذلك أزهار طبيعية ذات شذا وذات جمال. وفساقي المياه تتخلل الزهر وتقوم فوقها تماثيل تحكي صور الحياة من مختلف ألوان الحياة، والقصر الفخم مشيد خلال ذلك كله لا تدري أكبير هو أم صغير؛ لأنك في شغل بدقائق فن العمارة والنحت والتمثيل فيه عن تقدير مساحته، فأبوابه وجدرانه وأبراجه ومناراته فن كلها لذاتها، وفن بالنقوش والتماثيل المتصلة بها، كل قطعة فيه تحفة، وهذه التحف لا يزال داخلها مصونًا لم يفتضه الجمهور كما افتض يلدز وفرساي وفتنبلو وغيرها؛ لأن رومانيا لا تزال ملكية، وما يزال لها ملك وإن كان طفلًا، ولكن بحسب الجمهور ظاهر القصر وحدائقه وتماثيله، ففيها من روعة الفن وجماله ما يأخذك عن نفسك ساعات وأيامًا.
في هذا القصر مات الملك فرديناند، وفي هذا القصر تقيم أحيانًا الملكة الكاتبة المحبة للجمال في كل شيء وفي الإنسان مع كل شيء، ولهذا يبقى القصر قدسًا لا تطؤه أقدام الجماهير، وإن كان قد بني بأموال الجماهير، وبالعرق الذي يتصبب من جبينهم، وبالدماء التي تجري في عروقهم.
وقضينا بقية النهار في إعجاب بالقصر وفي جولات في أنحاء سنايا، حتى إذا أقبل الليل أقبل البرد معه، فأوى الناس إلى الفنادق وما بين الجدران. وفي الساعة السابعة من صباح الغد عدنا بالقطار إلى بخارست فبلغناها قبيل الظهر وطفنا بأنحائها، وفي الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم ركبنا القطار إلى جورجيو فرمضان، واستقللنا الباخرة قاصدين بودابست.
ومع أنَّا لم نرَ إلا قليلًا من هذه التي يسميها أهلها باريس الصغيرة فقد عرفت أثناء إقامتي القصيرة بها شيئًا عن رومانيا غير قليل، وقد غادرتها آسفًا، وكيف لا يأسف الإنسان لمغادرة بلد عرف فيه إنسانًا ظريفًا يوحي إليك كل معاني المحبة والصداقة لأول ما تعرفه، ولا يتركك إلا بعد أن يترك في نفسك أجمل أثر من رقته ووداعته وجميل عشرته!

شيء عن رومانيا


كان مقامنا في رومانيا قصيرًا، فلم نمكث في بخارست أكثر من ثلاثين ساعة، وقضينا في الذهاب إلى سنايا وفي المقام بها وفي العودة منها وفي السفر إلى مرفأ رمضان، لنركب الدانوب إلى بودابست، ثماني وأربعين ساعة، لكني صادفني من الحظ في هذه الفترة القصيرة أن قابلت رجال مفوضية مصر في بخارست، واتصلت من طريقهم بأحد كبار الصحفيين، وعرفت بسببهم شيئًا عن رومانيا قد يعنيني الوقوف عليه للإحاطة ببعض شأن هذه البلاد، ولأنه مقدمة صالحة لكثير من الأفكار والخواطر التي أثارها عندي ما رأيت حيث نزلت بوادابست وفينا، وحيث تبينت فيهما وفي براج بعض الآثار السياسية والاقتصادية للحرب الكبرى وللصلح العجيب الذي نشأ عنها.
أول ما يشعر به من ينزل رومانيا ويتصل بأحد الرومانيين، هذا الزهو بما كسبت رومانيا في صلح سنة ????م، والحيرة في السبيل إلى الاستفادة من هذا الكسب؛ فبخارست كانت وما تزال بلدًا بلقانيًّا، لكنها كانت عاصمة سبعة ملايين، فأصبحت عاصمة سبعة عشر مليونًا بما أضافت إليها معاهدات الصلح من مغانم الحرب التي حكم الحلفاء بأنها من حقهم وحق من انضم إليهم، وكيف السبيل إلى هذه الاستفادة؟ وكيف يمكن أن تكون بخارست عاصمة كبيرة؟ في هذا يفكر أهل رومانيا وساستها، وإن كانوا في شغل بمسائل شخصية شتى تجعل تفكيرهم هذا بطيء النتائج.
والحق أن أمام الساسة الرومانيين مشاغل كثيرة تجعل جهادهم، ليقيموا دولة واحدة من رومانيا القديمة ومن الأجزاء التي ضمت إليها من النمسا ومن المجر ومن بعض ولايات الجنوب، جهادًا عسيرًا شاقًّا، وليست تقف مشقتة عند ما اضطرب ويضطرب به بلاط رومانيا من أهواء وميول، لجلالة الملكة ماري الكاتبة المقتدرة منها حظ غير قليل، بل إن بين ولايات رومانيا القديمة التي لم تتحرر من الحكم التركي إلا منذ ستين سنة، وهذه الولايات الجديدة التي كانت مع المجر ومع النمسا، بونًا شاسعًا في الحضارة وفي الثقافة وفي نظام الحياة. سكان هذه الولايات الجديدة لا يكاد يكون فيهم أميون، وسكان رومانيا القديمة أكثرهم أميون، والمتعلمون من أهل هذه الولايات الجديدة لهم ثقافة قديمة كانوا يشيدون عليها مع أهل النمسا وأهل المجر، وليس للمتعلمين من أهل رومانيا القديمة مثل هذه الثقافة، ثم إن أهل هذه الولايات الجديدة ما يزال لهم إلى الممالك التي انسلخوا عنها حنين، وما يزال في نفوسهم عليها عطف، في حين أن أهل رومانيا القديمة يعتبرون النمسا ويعتبرون ألمانيا دولًا أعداء، ويدينون لفرنسا وللثقافة الفرنسية بإيمان لا يدين به من أخضعهم الصلح لحكمهم.
نشأ عن هذا الاختلاف بين العنصرين شقاق في شئون كثيرة هو بعض هذه المتاعب التي تجدها رومانيا في إيجاد الوحدة بين أجزاء رومانيا الكبرى، وأول مظاهر هذا الشقاق ما تعلق بحكم البلاد. صحيح أن لرومانيا برلمانًا مكونًا من مجلسين، على خلاف غيرها من دول البلقان التي اختارت نظام المجلس الواحد، وصحيح أن الولايات التي ضمت بعد الصلح لأهلها حق الانتخاب كأهل رومانيا القديمة، ولكن أهل رومانيا القديمة ينادون بأنهم أحق من أهل الولايات الجديدة بالحكم، وأن أهل هذه الولايات لا حق لهم في التذمر من هذا الحق؛ فهم الذين ضحوا في الحرب، وهم الذين كان لهم إلى جانب الحلفاء النصر والظفر، والحكم حق للغالب لا للمغلوب، ثم إن هؤلاء الذين كانوا مع الولايات المعادية لرومانيا في الحرب لما تبلغ نفوسهم من الصفو ما يجعل منهم رومانيين بالعاطفة مثلما هم رومانيون بالقانون. والحكم إن لم يقترن بالعاطفة الوطنية كان وبالًا على البلاد التي يسود فيها. فإلى أن تندثر في النفوس عواطف المنافسة والبغضاء، وإلى أن تصبح رومانيا الكبرى وطنًا للكل متأصلًا الإحساس به في النفوس، يكون من الخطر على رومانيا أن يتولى الحكم فيها غير أهلها الأقدمين.
فأما أهل الولايات الجديدة فلا ينكرون على أهل رومانيا القديمة حقهم في ولاية الحكم، ولكنهم ينكرون أن يكون هذا الحق مقصورًا عليهم، وألا يمتد إليهم هم أهل الولايات الجديدة، ولهم حجتهم، فهم قد أصبحوا رومانيين بالقانون، فيجب أن يكون لهم ما لكل روماني من حق لا فرق بين قديم وجديد، وهم أرقى عقلية وثقافة وأكثر علمًا وبصرًا بأمور الحكم، فاشتراكهم في تولي شئون الدولة يصلح من هذه الشئون، ثم إن العاطفة الوطنية لا تتولد في نفوسهم وفي نفوس أبنائهم بهذا الحرمان الذي يراد قسرهم عليه، وإنما تتولد وتنمو بازدياد المصالح المشتركة بينهم وبين بني وطنهم أهل رومانيا القديمة، ولا يتم هذا الاشتراك مع إقصائهم عن الحكم، ولا تنمو العاطفة الوطنية في نفس من يحس بظلم كان لا يحس بمثله قبل أن ينضم إلى رومانيا. والعواطف يرثها الأبناء عن الآباء، وما دام أهل الولايات الجديدة أكثر عددًا، وسيكون أبناؤهم كذلك، فسيكون لهؤلاء الأبناء لا شك نصيب في الحكم، وسيكون هذا النصيب مشوبًا في نفوسهم بعاطفة ليست هي عاطفة الامتزاج التام مع مواطنيهم أهل رومانيا القديمة.
إلى جانب هذه المشكلة القائمة بين الأقدمين من أهل رومانيا وبين الولايات الجديدة، مشكلة أخرى يتشعب حولها الرأي؛ تلك أن حالة رومانيا الاقتصادية سيئة كحالة الدول التي اشتركت في الحرب؛ سواء منه المنتصر والهزيم، ولرومانيا في الولايات الجديدة موارد ثروة لا نهاية لها ولكنها تحتاج إلى الاستغلال، وإذا كانت منابع البترول تستغل اليوم فيها استغلالًا صالحًا فإن كثيرًا جدًّا من هذه المنابع لا يزال بكرًا لما يتفرع؛ فأما الغابات التي تجعل رومانيا من أكثر بلاد العالم ثروة في الأخشاب، فما يزال بعضها تأوي إليه الحيوانات الضارية، لأن يد الإنسان لم تعمل فيها عملًا، وكالبترول والأخشاب موارد للثروة كثيرة تجعل من رومانيا ميدانًا اقتصاديًّا بالغًا في الغنى، لا عيب فيه إلا عجز صاحبه عن استغلاله. وكثيرون من الكتاب وأهل الرأي في رومانيا ينادون بضرورة الاستعانة برأس المال الأجنبي عن طريق القرض، لاستخراج ما في باطن الأرض من معادن، ولإدخال أخشاب الغابات ميدان الصناعة، وأصحاب هذا الرأي لا يريدون أن يكون لليد الأجنبية في الاستغلال مدخل، فهم يعترضون أشد الاعتراض على منح امتيازات للشركات الأجنبية، كالامتيازات التي منحت في الماضي لشركات إنجليزية وغير إنجليزية في استنباط البترول من الأرض، لكنهم يرون أن لا سبيل غير الاقتراض وغير الاستفادة بالغنى الأجنبي، على أن يكون عاملًا لا صاحب مال، إلى أن تدخل هذه الأموال الطائلة المهملة في عداد المقومات.
غير أن الحكومة تقف في وجه هذا الرأي وترى الاكتفاء برءوس الأموال القومية، حتى لا يتسرب لحكومة أجنبية خيال بإمكان الاستفادة اقتصاديًّا أو سياسيًّا من رومانيا بسبب ما يكون لأهلها من رءوس أموال في القروض الرومانية، ولهذه الحجة ظاهر من الوجاهة يدفعه معارضو الحكومة بأن رءوس الأموال لم تعطِ في أمة مستقلة حقًّا لأمة أخرى تتدخل بموجبه في شئونها، وبأن الحكومة إنما تذهب هذا المذهب لأن المصارف ورءوس الأموال التي توظف في موارد ثروة رومانيا ملك لأنصار الحكومة الذين يخشون إن دخلت أموال جديدة في ميدان الاستغلال أن تقل أرباحهم وهم عليها أشد مما هم على المصلحة العامة حرصًا.
ومشكلة ثالثة تجعل جهاد الرومانيين في سبيل وحدة رومانيا الكبرى عسيرًا، وتجعل نتائجه بعيدة، تلك ما حدث في هذه البلاد أخيرًا من توزيع الثروة العقارية توزيعًا قضى على كبار الملاك قضاء مبرمًا، فمجاورة رومانيا لروسيا جعلتها مستعدة لعدوى البلشفية أكبر استعداد، وقد بلغ أمر ذلك في زمن من الأزمان أن تعرض العرش للانهيار، وأن تعرضت البلاد للثورة، فلم تجد الحكومة ولم يجد الملك يومئذ وسيلة لتفادي ما رأوه كارثة مقبلة إلا أن سنوا قانونًا وزعت بموجبه أملاك كبار المزارعين على صغارهم وعلى الفلاحين بثمن صوري، فأصبح الكل ملَّاكًا، ودافع الكل عن الملكية، واتقت رومانيا البلشفية، إذ تلهَّى كل مزارع فقير كان مستعدًّا للثورة بما ناله عن طريق القانون بعد أن كان له أمل في نيل مثله من طريق الثورة.
وقد أصابت نتائج هذا القانون أهل الولايات الجديدة كما أصابت رومانيا القديمة، بل إن بعض كبار الملاك في الولايات الجديدة ممن احتفظوا بجنسيتهم القديمة ليضجون اليوم بالشكوى ويرفعون عقائرهم بأن هذا التشريع لا يجوز أن يسري عليهم، وكبار الملاك من أهل رومانيا القديمة ومن الولايات الجديدة متذمرون بطبيعة الحال من قانون أنتج لهم أن أصبحوا فقراء مسودين بعد أن كانوا أغنياء سادة، وليس ينتظر منهم في مثل هذا الظرف أن يكونوا في الجهاد الجديد لوحدة رومانيا الكبرى أعوانًا متحمسين، فإذا ذكرنا أنهم أكثر الطوائف ثقافة وأرقاها إدراكًا، بسبب مركزهم الاجتماعي القديم، بدا لنا مقدار عظم هذه المشكلة مضافة إلى المشاكل الأخرى التي تقف في سبيل الجهاد لتنظيم رومانيا الكبرى.
على أن هذه ليست كل المصاعب التي تقف في سبيل جهود رجال رومانيا، فثم مصاعب غيرها ليست أقل منها دقة وإثارة لعناية الجمهور والساسة جميعًا، وأولى هذه المصاعب مسألة العرش والجالس عليه؛ فمنذ تنازل البرنس كارول عن ولاية أبيه مفضلًا أن يتبع الغانية التي أحبها وأحبته ليطوفا أنحاء الأرض، وليقيما كلما حلت لهما الإقامة في أم المدن باريس، ومنذ آلت ولاية العهد إلى البرنس الطفل ميخائيل الجالس اليوم على عرش جده، من ذلك الحين تكوَّن في رومانيا حزب يطالب ببقاء العرش لكارول، وكان هذا الحزب صغيرًا بادئ الأمر، وكانت الملكة ماري أم كارول من ألد خصوم أعوانه، فلما توفي الملك فرديناند وأقسم نواب الأمة يمين الولاء لميخائيل، بدأ حزب كارول يزداد ويقوى، ومع أن المسيو برتيانو رئيس الوزارة الرومانية الحاضرة وأشد أنصار سياسة الملكة ماري أيدًا وقوة كان في صف الملك الطفل بادئ الأمر، فهو قد بدأ يشعر بالحركة لكارول تقوى وتنتشر في حزب الفلاحين بنوع خاص، وهو قد بدأ لذلك يفكر في التوفيق بين الملكة وابنها، وفي دعوة كارول إلى عرش أبيه بشروط اتصل بي أن المفاوضة دائرة بشأنها بين رئيس وزارة بخارست وبين البرنس وأعوانه في باريس، غير أن ذلك ليس معناه الثقة بإمكان التفاهم؛ فهذه المفاوضات ما تزال سرية صرفة، ثم إن البرنس كارول ما يزال له خصوم في رومانيا، وهم إن قل عددهم فلهم من تأييد الملكة الكاتبة عون وقوة لا يستهان بهما.
ومشكلة غير كل ما تقدم تعوق الجهود التي تبذل لتنظيم رومانيا الكبرى، تلك أن خصوم الوزارة الحاضرة يرون أنها تعتمد في البرلمان على كثرة زائفة لا تمثل رأي البلاد، فقد استعملت في الانتخابات الأخيرة ألوان من العسف والاضطهاد، بل من الغش ومن التزوير مما تحدثت به الصحف وأكدته في حينه دون أن تجرؤ الحكومة على محاكمة المسئولين فيها، وإنما لجأت الحكومة إلى هذه الوسائل في الانتخابات بعد أن أخفقت مساعٍ كان يبذلها المقربون لقلب جلالة الملكة في سبيل التوفيق بين الأحزاب المختلفة على قاعدة تأييد سياستها، وحكومة هذا مبلغ الثقة بها لا تستطيع أن تفرغ للإصلاح، ولما تقتضيه مشكلة تنظيم رومانيا الكبرى من جهود جسام.
وهذه المشاكل التي استطعت أن أقف عليها هي قليل من كثير مما تضطرب به سياسة رومانيا، وبسببها تعددت الأحزاب في هذه المملكة إلى يحد لم يعرف حتى في فرنسا. ويتصل رجال هذه الأحزاب بزعمائهم أكثر من اتصالهم بمبادئهم؛ لأن لكل مطامع، وكل يتعجل فرصة تحقيقها. والحرب بين هذه الأحزاب حرب عنيفة لا هوادة فيها ولا رحمة، ووسائلها هي وسائل كل حرب حزبية: الخطابة والصحافة، وشدة هذه الحرب واشتغال كل حزب بتأييد رأيه للوصول إلى الحكم أكثر مما يريد به الوصول إلى نتيجة سريعة في تنظيم المملكة الكبيرة التي آلت للرومانيين بعد الحرب يجعل هذا الموارد الاقتصادية العظيمة التي كانت لرومانيا من قبل والتي ضمت إليها مع الولايات الجديدة، معطلة دون استغلال على الطريقة التي تقضي بها الحضارة الحديثة.
•••

إلى متى يظل هذا الشلل المقعد لرومانيا عن النهضة السريعة؟ هذا ما يتعذر التكهن به، ولعل قياسه إلى تقدم الصحافة ونهضتها يشوبه شيء من المجازفة، فالصحافة في رومانيا تقدمت في الظروف الأخيرة، وتتقدم الآن تقدمًا سريعًا؛ لأنها أصبحت أداة قوية في الحياة العامة، أصبحت سلطة رابعة، بل صاحبة جلالة. أصبحت كذلك بطبيعة الظروف وبطبيعة هذه المشاكل التي أشرنا إليها، والتي جعلت من الصحافة قوة كقوة الجيش في تأييد حكومة أو مناهضتها. وليس لغير الصحافة من مرافق رومانيا كهذه الظروف التي دفعت بالصحافة إلى الأمام، على أن تقدم الصحافة تقدمًا يشعر الإنسان بأنه أكيد ثابت، يبعث إلى النفوس الاعتقاد بأن الصحافة ستكون أداة نهضة لسائر المرافق، وبأن هذا التشعب في الحزبية وفي المصالح سينتهي في زمن غير بعيد إلى تغلب بعض الآراء وبعض المصالح تغلبًا صحيحًا سببه الاقتناع والإيمان القائمان على تقدير سليم، فنهضة المرافق كلها نهضة أكيدة ثابتة كنهضة الصحافة نفسها.
والحق أني رأيت من نهضة الصحافة ومن أفراد هذه النهضة في بخارست ما أدهشني، فقد زرت إدارة جريدتين، تصدر إحداهما في الصباح جريدة إخبارية، وتصدر الثانية في المساء حزبية مؤيدة لرأي المعارضين للحكومة، واسم الأولى «الصباح» واسم الثانية «الحقيقة»، وكلتاهما تقوم بأمرها إدارة واحدة وتحرير متصل، وإن كان لكل منهما نظامه الخاص وحجمه ومطابعه وورقه، وكان أول ما استوقف نظري انتشار كلتا الجريدتين في دولة لا يزيد سكانها عن سكان مصر إلا قليلًا؛ فكل منهما تطبع مائة وأربعين ألف نسخة، وتطبعها باللغة الرومانية التي لا تقرأ إلا في رومانيا. ولم تنتشر هاتان الصحيفتان ولا غيرهما من صحف رومانيا هذا الانتشار إلا بعد الحرب وبعد انضمام الولايات المتعلمة من المجر ومن النمسا إلى رومانيا.
ولذلك بدأ أرباب هذه الصحف يعنون بأمرها عناية كبرى. أليس انتشارها يزيد في إيرادها! فإذا أصلحت إحداها شيئًا من أمرها سبقت غيرها. فلتتسابق جميعًا في مضمار الإصلاح، ولتقم جميعًا بالنهضة الصحفية، وهي تقوم بهذه النهضة مطمئنة واثقة. رأيت في إدارة هاتين الصحيفتين — الصباح والحقيقة — أحدث آلات الطباعة وأسرعها، ورأيت أصحاب الجريدتين قد وضعوا برنامجًا لإصلاحهما كي تقفا إلى جانب أحسن الصحف في أكثر الأمم تمدنًا، وحددوا لتنفيذه عشر سنوات مضى منها خمس. من هذا الإصلاح أن أضافوا إلى دار الجريدتين دارًا أخرى، وجعلوا من الدارين عمارة شاهقة تدور في طبقاتها جميعًا فلا ترى إلا معدات الطباعة والتصوير، خلا غرف الأخبار والتحرير، وتري من هذه المعدات جديدًا جيء به لزيادة الإتقان والدقة. ولو أن القارئ كان صحفيًّا متصلًا بطباعة الصحف لقصصت عليه من أمر ذلك الإصلاح في فن الطباعة ما يشركه معي في الدهشة والإعجاب.
وليست تقف إدارة الصباح والحقيقة عند إصدار الجريدتين، يتولى رئيس تحريرها المستر بتساري بمعونة زملائه إصدار عدة نشرات أخرى، بعضها للأطفال، وبعضها لسواد الجمهور، وبعضها للخاصة، يقرب لك طائفة من هذه الطوائف أسباب النهضة العالمية بالطريقة التي تقربها إلى إدراكها وإلى سلامة حكمها، وتلك أسباب جديدة تتعجل نهضة رومانيا برغم الحوائل والمشاكل السياسية التي أوردت. ولا ريب في أن لغير هاتين الصحيفتين من الجهد المحمود مثل ما لهما.
•••

على أن الجهد للنهضة العامة يجب أن يكون عنيفًا، فإن في بعض المرافق ركودًا يقابل هذا التقدم في أمر الصحافة أو يزيد عليه، وإذا كان ما قصصت من أمر الغابات والمناجم وآبار البترول إنما وقفت عليه من طريق الرواية والإطلاع، فإن ما رأيت في المزارع أثناء سياحتي من قسطنزة إلى بخارست، برغم خصب أرض رومانيا خصبًا عجيبًا، هو بعض مظاهر هذا الركود. ومظهر آخر هو السكة الحديدية؛ فعربات الدرجة الأولى في رومانيا دون عربات الدرجة الثانية في مصر. ركبنا القطار من بخارست إلى جيورجيو قاصدين مرفأ رمضان لنأخذ الباخرة إلى بودابست. والقطار يقوم الساعة السادسة ويصل الساعة التاسعة مساء. دع عنك فرش الديون وعدم العناية به، ويكفيك معي أن تنظر إلى هذا المصباح الذي يقال إنه يضيئه؛ مصباح ضئيل يضاء بالزيت ولا يكاد يضيء. كنا ثلاثة في الديوان لا يرى واحد منا وجه صاحبه، ولا يتبين من كل شخصه إلا شبحًا يتحرك أو يسكن. والمحطات تضيئها مصابيح البترول من طراز نمرة ? الذي بطل استعماله بمصر أو كاد حتى القرى والأرياف. والقطار يقطع هذه المسافة التي لا تزيد على ستين كيلومترًا في أكثر من ثلاث ساعات. هذا مع أن الطريق من بخارست إلى جيورجيو ومرفئها من الطرق التي تصل بين رومانيا وغيرها من دول البلقان.
وما كان أسعدنا بالخلاص من هذا القطار وبالنزول إلى السفينة النهرية (ساترنس) التي تقلنا إلى بودابست، وكم كنا نود أن ننتقل إلى أوربا التي نعرف بعد أسبوعين من مغادرتنا مصر، لكنا وجدنا عقبة أخيرة؛ تلك هي جمرك الخروج من رومانيا. نعم! جمرك الخروج! وكان أثقل من جمرك الخروج من تركيا، فقد سألنا عماله عن النقود التي معنا، ولما أخبرناهم أنا لم يبق معنا من النقود الرومانية إلا القليل لم يكفهم هذا، بل سألوا عن غير النقود الرومانية، واضطررت أن أبرز لهم تذكرة شخصيتي بوصفي رئيس تحرير السياسة ليعفوني من أسئلتهم الكثيرة، وليعتذر أحدهم بأن قوانين الدولة تقضي بألا يخرج منها نقد بغير إذن من وزارة المالية، وبأنه تجاوز عن عدم حصولي على هذا الإذن لوجود موظف المالية إلى جانبه ولتسامحه. وشكرت، ونزلنا قاصدين السفينة معتقدين أنَّا انتهينا، فإذا بنا يجب أن ننتظر حتى نمر أمام عامل مراقبة الجوازات، وانتظرنا ثم مررنا، وأقلعت بنا الباخرة وأنا أقول في نفسي: أوليس خيرًا لهؤلاء الناس أن يحسنوا معاملة الأجانب الذين يزرون بلادهم ساعة مغادرتهم إياها!
ثم صرفني عن التفكير في رومانيا وفي جمركها هذا البدر المكتمل تكبد السماء وألقى على موج ماء الدانوب كساء من لجين، وقديمًا كان البدر لي صديقًا، وكان لي عن كثير من مشاغل الحياة خير عزاء.

في بوادبست


بعد أربعة أيام على الدانوب
لما اعتزمت اجتياز أوربا عن طريق الآستانة فروما فالمجر والنمسا، روى لي صديق عن أحد أصحابه ركب قطار إكسبريس الشرق من الآستانة إلى باريس، فظل يشعر بأنه لم يصل أوربا، حتى إذا اجتاز القطار البلقان إذا هذا القطار عينه قد صار أنظف مما كان؛ لأن الوسط الذي أحاط به خلع عليه من معاني البهجة ما نبه النفس إلى جمال فيه لم تكن لتعنى به في غير وسط أوربا الراقي، ولست أستطيع أن أقول ما قاله صاحب صديقي، فإنني لم أركب إكسبريس الشرق، وإنما ركبت السفينة النهرية على الدانوب، وأشهد لقد شعرت ساعة نزلنا إليها في مرفأ جيورجيو بعبء ينزاح عن عاتقي، وبغبطة تشيع في كل نفسي، ألم نقطع في القطار من بخارست إلى السفينة ثلاث ساعات لم نرَ فيها ضياء الكهرباء ولم نتبين فيها مظهرًا للحضارة؟ ألم نجتز جمرك المرفأ بعد عناء أي عناء؟
وها نحن أولاء تحيط بنا الأنوار من كل جانب، وهذا البدر يعين الكهرباء ويمد على صفحة الماء من ضيائه ما يذيب فيه فضة ونورًا، لكن هذا الإحساس بالطمأنينة لم يمازجه ما كنت أرجو من إعجاب بشواطئ الدانوب؛ فقد ظللنا بين رومانيا من جانب، وبلغاريا ويوجوسلافيا من الجانب الآخر، وليلتين لا نرى على الشاطئ إلا مزارع لا يحدها سوى الأفق، ولا يحدث شيء مما عليها عن جمال، وكادت النفس تمل هذا المنظر المتشابه الذي لا يبعث إليها بجديد لولا أن أسعدتنا جبال «بوابات الحديد» بإحساس جديد. ما أشبه هذه الجبال بجبال البسفور! وما أشبه الدانوب بينها بالبوغاز هناك! ننظر فإذا الجبال عن أيمان الركب وشمائلهم وأمامهم ومن خلفهم، وإذا الدانوب بحيرة ضيقة تحصرها السفوح القاسية القليلة الشجر والخضرة، ثم إذا السفينة كأنها وسط هذه البحيرة حيرى وقف ربانها حركتها ومال بها إلى أحد الشاطئين حتى يتميز الطريق. وما هي إلا سويعة حتى تدور السفينة وتتقدم، وإذا هي من جديد تحصرها وسط بحيرة ضيقة جبال تسد عليها الجهات الأربع، وعلى سفوح هذه الجبال ضياع منتثرة، وقرى صغيرة، وعليها طرق تمر من فوقها العربات والدواب والناس، ولكنها خالية أكثر الوقت من كل مارٍّ، ورَكْب السفينة فرحون بهذا المنظر الذي يحدث لهم في كل آن جديدًا يبعث في نفوسهم شوقًا لجديد غيره، ويذرها حية متجددة لا يتطرق إليها السأم ولا الملال ولا شيء مما إليهما من علائم الجمود والموت.
لست أدري أغلوت في نسبة هذا الإحساس إلى ركب السفينة، لكن ذلك هو ما بدا لي منهم، أو هو ما لاحظت منهم، وهو إحساسي أنا بأن جمال الحياة إنما هو تجديد مظاهر الحياة؛ فجمال سكينة الخلد يبهر ولا يسحر، وهو أثر نرتجيه بعد الحياة، وإن أعجبنا أن نتخيل صورة جماله قبل بلوغه. ولعل شعوري هذا هو الذي يجعل الجبل أحب إليَّ من البحر؛ فإذا كان في البحر وموجه وزوابعه وعواصفه من التجدد مما يجعل راكبه دائم اليقظة، فإن البحر ما صفا متشابه، وهو إن ابتعث الخيال إلى تصوير ما وراء الأفق من غيب عجيب، فإنه لا يحرك المشاعر في كل لحظة بجديد، فأما الجبل فمأوى المباغتات في كل خطوة من خطواته؛ انظر إلى هذا السحاب المتراكم فوق الأرض يحجب الشمس ويحيل النهار ليلًا، والناس في كل لحظة يتوقعون الودق يخرج من خلاله ينهمر هتونًا! هأنتذا تصعد الجبل فتخترق هذا السحاب فتعلو فوقه فتراه بين سفوح الجبل لججًا من دخان، وترى الثلوج على قيد النظر منك. وحذارِ من الثلج؛ ففيه فرجات للأقدام فيها مزالق. بل ما لنا ولهذه المراقي العنيفة الرفيعة في الجبال نلتمس عندها دوام الجدة؟! إن في أقل الجبال ارتفاعًا مفاجآت تتكرر ولا يأمنها أشد الناس بالجبل معرفة، وفي المفاجآت جمال وحياة، فإن أنت لم تكلف نفسك مؤونة العرض لها واكتفيت من الجبل بصخرة تجلس فوقها، رأيت حولك من تعدد مناظر الجبل ما يقل مثيله في البحر، مع ما للبحر من هيبة وجلال.
وانحدرت الشمس وراء جبال أبواب الحديد، وانتشرت الظلمة في السماء رويدًا حتى اكتسى بها كل الوجود، ثم أصبحنا فإذا نحن فوق السفينة على الماء تحيط بشاطئيه سهول لا يقف النظر فيها سوى الأفق، هنالك بدأ الملال يعاودنا، ملال لم أجد سبيلًا إلى التغلب عليه إلا أن بدأت أكتب الرسائل الأولى من هذه السلسلة الثانية. فلما كنا عصر الجمعة تبددت على الدانوب بشائر بودابست، تبدت جسور تتلوها جسور، وبدت على قيد النظر جبال ومبانٍ شاهقة. إذن فقد نجونا من الملال وآن لنا أن ننزل منازل الحضارة، وأنستنا النجاة من الملال سخطنا على من أشار علينا بسياحة يمل الإنسان فيها الطمأنينة وتجهده أثناءها الراحة، حتى ليود لو لم يكن في الحياة راحة ولا طمأنينة.
ونزلنا بودابست، وقصدنا فندق سان جلير. وللفنادق في المدن أثر في النفس كبير؛ هي التي تدفع إليك بالفكرة الأولى والأثر المادي المباشر عن المدينة. وفندق سان جلير كخير الفنادق التي زرت في مصر وفي مختلف عواصم أوربا، فإذا أضفت إلى ما تركه نزولنا به من حسن الأثر، هذا العناء الذي أضجرنا من الراحة، وهذه الأيام التي قضيناها في بلاد البلقان، سهل عليك أن تدرك مدى الأثر الجميل لما استقبلنا به بودابست.
على أن هذا الأثر الجميل جعل يزداد بعد ذلك، والأسبوع الذي قضيناه في عاصمة المجر هو، ولا ريب، من خير أسابيع هذه السياحة برغم جهلنا للغة وعدم وجود أي مصري نستطيع التفاهم معه أو نعرف البلد من سبيله. وإذ كنت لا أستطيع أن أقول إن مغادرة السفينة لبلاد البلقان قد جعل السفينة خيرًا مما كانت، فإن الذي شعرت به أثناء مقامي في بودابست هو أنني انتقلت حقًّا إلى أوربا حيث جمَّل الإنسان الطبيعة بما أوحاه له ذوقه من الجمال، فجعل منها لنفسه متاعًا صحيحًا، وحيث أنشأ مظاهر الفن الجميل في خير صورها، وحيث أطلق الفكر الإنساني حرًّا في الإعراب عما يجول به، حرًّا في تنفيذه، لا تقيده الجماعة بأوهامها ولا تكرهه على الخضوع لأعباء خرافاتها.
ثمانية عشر يومًا منذ غادرت مصر لم أشهد فيها من مظاهر الفن الغربي شيئًا يقف عنده النظر، فسألت حاجب (بواب) الفندق لأول ما وصلنا وبعدما أزلنا عنا غبار السفر عن ملهى نستمتع فيه بالموسيقى والغناء، ونشهد فيه مختلف المناظر، ودلنا الحاجب على الأورفيوم (?orpheum) فذهبنا إليه، وسمعنا موسيقى وغناء، وشهدنا مناظر ورقصًا. ما أكبر الفرق بين الذي رأينا وبين ما يعرض علينا في ملاهي مصر! فيما رأينا ببودابست فن أن يك من الفن الخفيف فهو فن تشعر بجماله وببراعة أصحابه، فن يقصد منه إلى إرضاء النفس الإنسانية لا إلى إثارة مشاعر الإنسان الدنيا، فن تبتهج له تارة وتضحك أخرى، وتخرج آخر الليل محدثًا نفسك عما شاهدته من جمال، مكتفيًا به غير باحث بعده إلا عن راحتك وطمأنينتك إلى عمل الصباح، وهذا ما شعرت أنا به مع جهلي للغة، ما بالك لو أني كنت أعرفها، فأضيف إلى شعر الموسيقى والغناء شعر اللفظ الجميل الترتيل. وكنا نود أن نرى غير هذا الفن الخفيف في الموسيقى شيئًا من الجد نسمعه في الأوبرا، لكن أوبرا بودابست لم تكن تفتح أبوابها إلا في أول أكتوبر؛ أي بعد الموعد الذي حددناه لمغادرتنا إياها، فذهبنا إلى ملعب للأوبرات شهدنا فيه رواية ألكسندرا، رواية ظريفة فيها كثير من الكلام وكثير من الغناء، والموسيقى تساير الكلام كما تساير الغناء. وخلاصة الرواية أن يحب فتى في الجيش ألكسندرا الجميلة وتحبه، ثم يراها القائد فيغرم بها، ويكره الفتى الضابط على تركها أو تجريده من سلاحه، ثم يقيم القائد حراسًا من الجند على الفتاة، فإذا جاء دور الضابط الذي يحبها في حراستها ألبسها ملابسه، فخرجت ساعة استبدال الحارس، فرأى القائد في تعريض كل من المحبين نفسه للهلاك دليلًا على إخلاصهما لحبهما وإقدامهما على التضحية في سبيله، فنزل عن شهوته احترامًا لهذه العاطفة الشريفة وتركهما يقترنان.
وكانت الممثلة التي قامت بدور ألكسندرا بارعة الجمال براعة عاونت على حسن التمثيل، وأعانها جمال الصوت، فاجتمع لها من ذلك كله ما شد إليها أنظار الجمهور وقلوبه وعواطفه، حتى لم يكن فصل من فصول الرواية يتم حتى تدمى الأيدي بالتصفيق، وحتى يهرع الكثيرون إلى ناحية المسرح يمتعون عيونهم عن قرب بجمال هذه الفتاة الفتانة؛ رشيقة القوام نحيفة، حلوة النظرة والابتسامة، يزين قوامها ملابسها ويضيف إلى رقتها جمالًا ورشاقة ورقة، فهي قطعة فنية أبدعها الخالق لتكون كمالًا وزينة، ولتكون على المسرح زهرة بجمالها، وبلبلًا بصوتها، وروحًا ملائكيًّا برشاقتها وخفتها وبوجودها البسام كله.
لم نكن في حاجة إلى فهم اللغة المجرية لتسري إلى نفوسنا كل المعاني وكل العواطف التي كانت تعبر عنها هذه الفتاة التي ينطق وجودها كله بأرق المعاني وأجملها، ولولا ضيق وقتنا وكثرة مشاغلنا لترددت لأرى ألكسندرا وسحرها الجمهور سحرًا يجذبه إليها ويقفه عند أقدامها.
هذا الفن الجميل في الموسيقى وفي الغناء والتمثيل يزين مدينة من أجمل المدن موقعًا على ضفاف نهر الطونة، وإذا لم يكن للدانوب جمال البسفور، فإن الجبال الصغيرة التي تتخلل المدينة والتي جعل المجريون منها حدائق لنزهتهم، تضيف إلى الدانوب جمالًا، ثم إن يد الإنسان لم تترك هذا النهر من غير أن تجعل من الجسور التي يعبر الناس عليها فوقه ومن القصور القائمة على ضفتيه ومن التماثيل المطلة على مياهه ما يكسوه بهجة وجمالًا. صعدنا غداة وصولنا في جبل سان جلير المجاور لفندقنا، وكنا نحسب أن سنصل من سفحه إلى ارتفاع غير بعيد ثم نعود أدراجنا، فإذا بنا نسير في طريق معبَّد تحيط به حدائق وأشجار حتى يصل إلى حصن قديم أقيم في الماضي للدفاع عن المدينة، ثم ينحدر الطريق إلى الناحية الأخرى من الجبل تحيط به الحدائق والأشجار، حتى يصل إلى تمثال سان جلير يطل من فوقه كهف تنحدر عنده المياه على جسر إليزابث المعلق، ويبارك بالصليب في يده عاصمة المجر منذ القدم. وذهبنا يومًا على شواطئ النهر المنظمة أبدع تنظيم، حتى وصلنا إلى جزيرة سانت مارجريت. جزيرة صغيرة لو أنها تركت وشأنها لما كان لها شأن ولا كان فيها جمال، لكن يد الإنسان جعلت منها جنة صغيرة بما غرست فيها من حدائق ومن أشجار باسقة، وبما عطرت به جوها من ألوف أشجار الورد التي غرست على حافتها عند ملتقاها بمياه النهر. ولست أستطيع أن أصف جمال جسر فرانس جوزيف الذي كنا نطل عليه من نوافذ فندق سان جلير؛ فن وجمال في عمارته يكاد ينسيك جمال جسر الإسكندر في باريس، فإذا أنت نظرت إليه وإلى البقعة المحيطة به ليلًا بهرتك الأنوار، وكان نظامها أكثر لك بهرًا من لألائها. وكم من سويعات قضيتها محدقًا إلى هذا الجسر وأنواره مأخوذًا بها عن كل ما سواها، ناسيًا نفسي وناسيًا برد الليل وما قد يجره من مذهبات الصفو. على أن هذه الجسور وجزيرة سانت مرجريت والتماثيل البديعة المطلة على الدانوب، ليست شيئًا إلى جانب المباني الفخمة البديعة القائمة على ضفتيه، ولو لم يكن من هذه المباني إلا البرلمان المجري وقصر الهابسبور لكفى بهما لشاطئ الطونة جمالًا، لكن القصور المشيدة تتتالى على الجانبين، ومنها الفنادق الضخمة، ومنها المتاحف البديعة العمارة، ومنها القصور القديمة، ومنها مباني الحكومة ذات الرهبة والهيبة والجلال. وفوق مياه الطونة وتحت جسوره وحول جزيرة سانت مارجريت وبين هذه العمائر المشيدة كلها الجمال الفني البارع، تحبو الزوارق وتمخر السفن وتتهادى المراكب، فتضيف إلى روعة الفن حياة، وإلى جمال تناسقه روحًا ونشاطًا.
وداخل هذه المباني أجمل وأروع من مظاهرها؛ دخلنا البرلمان ودخلنا قصر الهابسبور. وبرلمان المجر من أفخم برلمانات العالم عمارة، ومن أحسن ما في عمارة العالم كله عظمة ودقة وإتقانًا، ما يكاد يواجهك سلمه الكبير حتى تقف عند أول درجة من درجاته مأخوذًا مبهورًا. يا للعظمة ويا للروعة ويا للجمال! كلا! ليس هذا درجًا يرتقي عليه إلى طابق أعلى، وإنما هو معرض فسيح لأكثر آيات الفن الجميل بهاء ودقة! ما هذه العمد، وما هذه التماثيل وما هذه الصور! ثم ما هذا السقف! قف بربك أيها الدليل ولا تسرع! ذر لنا من الوقت ما يروي ظمأ العين والنفس والروح من هذه الفتنة في العمارة! عرض كل درجة من درجات هذا السلم ثلاثون مترًا أو يزيد، وعلى الجدران إلى جانب الدرج صور ونقوش وتماثيل وعمد اقتعدت على تيجانها ثريات الكهرباء جل جمالها عن وصف الكاتب، ونقش السقف وصوره! إن القلم ليقصر عن وصف هذا كله في رسالة، بل في كتاب، وأشك في أن تستطيع ريشة الرسام استظهاره، بل يجب أن يتعاون قلم الكاتب وريشة الرسام وشدو المغني ونغم الموسيقي ليعبر عن هذا التجاوب والاتساق في جمال نادر المثال. فليعذرني القارئ إذا لم تجد عليه وقفتي عند أولى درجات السلم الكبير شيئًا، وليصعد معي إلى منتصفه، ثم ليقف مرة أخرى ذاهلًا مبهوتًا؛ أي شيء هذا الذي يؤدي إليه السلم الكبير؟! هو القبة La Coupole قبة برلمان بودابست. وبحسب القارئ أن أخبره أني حسبتها قاعة العرش أول ما دخلتها ليقدر جمالها الملوكي. دع البسط النفسية التي تفرشها، فالبسط من اليسير في كل وقت أن تبدل، ولكن انظر إلى عظمة العمارة ودقة الفن فيها وفي زخرفتها، هذه القبة الرفيعة التي تتسع مساحتها لبناء كامل كسيت جدرانها بالخشب الثمين، وزخرف هذا الخشب بنقوش كلها الدقة، وكفتت بوارزه بالذهب، لا ترى فيه تظاهرًا بالفن، وإنما ترى فيه جمالًا فنيًّا باهرًا. وليست هذه القبة قاعة عرش، وإنما هي صلة ما بين قاعة الشيوخ وقاعة النواب والسلم الكبير، بينها وبين كل من القاعتين صالة تدخين واستراحة فيما تماثيل وأنصاب يأخذ جمالها بالذهب فيريحه من عناء الفكر، فأما القاعتان فآيتان ليس لي إلى الحديث عنهما من سبيل أو أعيد ألفاظ السحر والبهر والذهول، ثم أين لي ألفاظ فن العمارة والزخرفة لأصف إتقان القباب والنوافذ المتصلة بها والعمد التي تقوم القباب فوقها على الجدران من ألوان النقش البديع، ومن حول القبة والصالات وقاعات الانعقاد غرف لا عدد لها للوزراء، ولمكتب كل من المجلسين وسكرتيريته وإدارته، ومن وراء ذلك كله منظر بديع على الدانوب وجسوره وسانت مارجريت وزهرها وعبيره.
فأما قصر الهابسبور فيرجع تاريخ عمارته إلى ما قبل وصول الأتراك المجر في القرن الخامس عشر، ولعله ترك في نفس الأتراك أثرًا عميقًا؛ ففي عمارته وفي أخشابه وتذهيبها مثل لما ترى في يلدز الكبير في الآستانة، لكن فيه إلى جانب ذلك عظمة وفنًّا لم نشهدهما في شيء مما شهدنا في الآستانة. هو يقع من شاطئ الدانوب المقابل للبرلمان على ربوة عالية، وفي ظاهره من الوجاهة ومن العظمة ما يقفك عنده ولو لم تعرف أي شيء هو. يصعد من أسفل سفح الربوة إلى أبواب القصر سلم فسيح من الرخام، بل — أستغفر الله — سلمان من الرخام يقابل كل واحد منهما الثاني، وينعرجان فيقتربان ثم ينعرجان فينفسحان، وهما أثناء اقترابهما وانفساحهما تحيط بهما حدائق نسقت من الجازون والزهر أبدع تنسيق. على أن الباب الذي يؤدي إلى هذين السلمين مغلق الآن. وللقصر طريق آخر، فأنت ترتفع إلى الربوة في فنكلير (مصعد الجبل) لا يقتضيك أثناء الصعود دقيقة كاملة، فإذا خرجت منه كنت بحذاء القصر المؤدي إلى حدائقه. دخلنا إليه ووقفنا بين الخضرة والأزهار نشاهد جمال عمارته البارع من ناحية، ونشهد الدانوب يجري خاضعًا تحته من ناحية أخرى، ثم تقدمنا نسائل عن الوسيلة إلى دخوله، فلم يكن من يجيبنا حتى اعتزمنا الخروج معتقدين أن ليس إلى زيارة داخله من سبيل. وفي منصرفنا لقينا رجلًا داخلًا إليه، فسألناه فأجابنا بإنجليزية ضعيفة كي نتبعه، وأخذنا تذاكر زيارة القصر، وانتظرنا ذلك الرجل هنيهة ثم تبعناه إلى غرف القصر وأبهائه. ما أشبه سلمه بسلم ما شهدنا في بودابست من متاحف، بل إن الفكرة فيه لهي الفكرة في سلم البرلمان، تتصل كل درجة من درجاته بما بين الجدارين، ويصعد السقف مع الدرج كلما صعد، لكن هذا السلم على عظمته وسعته بسيط لا يقفك عنده. وهذه الغرف الأولى الشبيهة بغرف يلدز لا تقفك هي أيضًا إلا بما يقص الدليل من تاريخ الملوك والملكات الذين أقاموا بها. وفي آخر هذه الغرف غرفة أقامت بها «بلاكون» زعيمة الشيوعيين الذين داهموا المجر في سنة ????، وأقام بها الرفقاء أعضاء الدولية الثالثة، فدمروا وأفسدوا فيها كثيرًا، وقد أعادته الحكومة الحاضرة إلى سابق حاله، لكن في القصر بعد هذه الغرف الأولى عجبًا، تخطينا وراء الدليل إلى دهليز أضاءه الدليل بنور الكهرباء الذي أضاء كذلك غرفة بعيدة، وبينا هو يفعل إذا بنا في متحف للجمال نادر المثال، كسيت كل جدران الغرفة بأثمن الأخشاب نقشت أدق النقش وحفرت فيها إطارات صور زيتية بديعة لبعض آل الهابسبور. وأستار النوافذ! يا لجمال النسيج والصناعة والنقش! والمدفأ بدعة وحده، والمناضد المرصع ظاهرها بطلاء من المينا صُوِّر على ما يريد جمال الفن أن يصور، وإن أنسَ لا أنسَ نقش الخزائن المستندة إلى الجدران، خزائن لباس الملكة وخزائن عطرها. ألا ليست هذه الغرفة بحاجة إلى ضوء النهار مخافة أن يكسف نوره بعض ساطع هذا الجمال، لكن انظر! لقد أزاح الدليل أستار منافذه وأطفأ ضياء الكهرباء، فإذا الغرفة تتبدى في صورة جديدة من الجمال ليس أقل من الصورة الأولى بهاء وروعة. وكذلك الجمال الصحيح لا يجني عليه وضح النهار جنايته على الجمال المصنوع الذي يحتاج إلى ضوء مصنوع مثله لتألفه العين. ثم انظر! إن هذه النافذة لتطل على حديقة تستريح العين والنفس والفؤاد بالنظر إليها أي استراحة، ومن وراء ذلك الدانوب لا يكاد يبدو؛ إذ يحجبه جناح من أجنحة القصر فلا تراه العين إلا بعيدًا بعيدًا.
وانتقل بنا الدليل من هذه التحفة الفنية مقر أسرار الملكات إلى أبهاء الملك ذات الفخامة والمهابة والعظمة؛ فهذه الصالة الأولى بهو استقبال السفراء ورجال الدولة، تزين جدرانها تماثيل وصور، وتزين سقفها الفسيح صورة واحدة عظيمة، وتطل نوافذها على الدانوب، وهي غرفة قديمة بنيت في عصور الملوك الأولين. أما هذه الصالة الثانية فحديثة لا يرجع تاريخ عمارتها إلى أكثر من مائة وخمسين سنة، تصل إليها من الصالة الأولى بعد مرورك بصالة أخرى جعلت موضعًا يذر فيه ضيوف الملك سيدات ورجالًا معاطفهم وفراءهم، ثم ينزلون إلى الصالة الثانية صالة الرقص المتصلة من ناحية أخرى بالمقصف. وصالة الرقص هذه يحار فيها الوصف وهي خالية، ما بالك ساعة كنت تزين بالأزهار والرياحين وتعبق بعطور السيدات يفوح شذاها من أكتافهن وأذرعهن ومن ملابسهن ومن بسماتهن، وتترنم بأنغام الموسيقى يوقعها فنانو الملك من المقاصير العالية القريبة من السقف البعيدة عن الراقصين والراقصات، فكأنما تتنزل إليهم وإليهن من سموات الوحي! وهذه الصالة الثانية من الرخام كلها؛ جدرانها وتماثيلها ونصبها وكل ما فيها رخام مجزع بديع اللون يضيف إلى الرقص والموسيقى وإلى ملابس السيدات وعطرهن جمالًا ورقة. وصور سقفها زينة أخرى تضاف إلى ذلك كله، فإذا آن للرقص أن ينتهي انصرف الكل إلى المقصف. ذكر الدليل أنه كان يحتاج إلى أكثر من أربعمائة كيلو من الحلوى وحدها لكفاية هؤلاء الزائرين إلى جانب ما يتناولون من مرطبات ومفرحات.
هذا القصر القديم القائم على ضفة الدانوب اليمنى من أكثر من خمسمائة سنة يمثل الملك وعظمة الاستبداد وبطشه وجبروته، والبرلمان القائم على الضفة اليسرى من أقل من خمسين سنة يمثل سلطة الأمة ونظام الديمقراطية؛ فكرتان خصيمتان شبت في سبيل خصومتها ثورات وأعلنت حروب وأزهقت أنفس وأريقت دماء، ولم تهدأ العداوة بينهما يومًا من الأيام إلا أن تذل إحدى الفكرتين للأخرى وتحتمي في كنفها. وقصر الملك يحتمي اليوم في كنف قصر الشعب بعد أن أكره الشعب الملك على أن يقام له قصر يكون أعلى من قصر الملك منارًا وأروع جمالًا وأبعد سلطانًا. والقصران مع ذلك هما بجمالهما زينة الدانوب في مروره ببودابست، وربما ظل صاحبا القصرين زينة نظام الحكم لو أنهما تعاونا في سبيل جمال الحياة ما تعاون القصران في بعث معاني الجمال إلى البقعة التي يقومان عليها.
هذان القصران وما يتصل بهما من مبانٍ فخمة أخرى، وما يصل بين هذه المباني من جسور، بديعة وما تزدان به شواطئ النهر من طرق وحدائق، وما يجري فوق مياهه من زوارق وسفن ومراكب، كل ذلك يجعل لبودابست رونقًا ليس للقاهرة؛ حيث يشقها النيل شيء من مثله، على أن ذلك ليس كل ما في بودابست من جمال؛ فهي في امتدادها عن يمين النهر ويساره تتسع في طرق جميلة تزيدها بلدية المدينة اليوم جمالًا بحسن رصفها، كما أنها جميلة بالمباني العظيمة المطلة عليها. والحق أن بودابست من خير المدائن التي تضارعها عمارة وسكانًا في مبانيها ونظامها، وإن بها لطريقًا يمتد في آخرها باسم طريق أندرياستي، ويصل إلى غاب يشبه غاب بولونيا، وهو في جماله يذكرك حقًّا بطريق غاب بولونيا أضعاف ما يذكرك به طريق كسلف في بخارست. وفي غابة بودابست يقع المتحف الزراعي الذي زرناه صباح اعتزمنا السفر إلى فينا بالقطار الذي يغادر عاصمة المجر في الساعة الأولى بعد الظهر، فكاد لجماله ودقته الفنية والعلمية وإبداع ما فيه يفوت علينا قطارنا. لكني سأختم هذا الفصل بالحديث عن المتحف، ويجب أن أتحدث قبل ذلك عن غابة يتوج أعلاها برج إليزابث، هي خير من تلك الغابة التي تشبه غاب بولونيا، بل وهي قطعة من سويسرا نقلت على ضفاف الدانوب.
فقد أخبرني مجري تعرفت إليه في رومانيا وعلم أني ذاهب إلى بودابست، أن جبل القديس حنا ومن فوقه برج إليزابث يستحق الزيارة، وتفضل فكتب لي العنوان باللغة المجرية، فأرينا هذا العنوان لسائق أوتموبيل، وركبنا وما ندري ما جبل القديس حنا ولا ما برج إليزابث، فسار الأوتموبيل بادئ الأمر في طريق لا يلفت النظر فيها كثير، حتى لخيل إلينا أن السائق لم يفهم مقصدنا، واستوقفناه ومر رجل، فلما رأى عنوان صاحبنا المجري أشار إلينا أنَّا في الطريق، ولم تك بعد ذلك إلا دقائق وإذا نحن نصعد سفح جبل بين أشجار غابة يانعة غاية في الجمال. ومع أنَّا على أبواب الخريف فما تزال أوراق الشجر خضراء، وكان السحاب قد حجب الشمس، وتساقط رذاذ زاد المنظر بهجة، وجعلت السيارة تدور على سفح الجبل صاعدة صاعدة، حتى إذا بلغت في مسيرتها ارتفاعًا غير قليل رأينا أشجار الغابة تقل كثافتها، ورأينا الدانوب وبودابست يتبديان في هوة سحيقة بعيدة القرار يملؤها ضباب السحاب، فلا ترى من منازل بودابست ومن النهر وسفنه وجسوره إلا أشباحًا. وتابعت السيارة صعودها، ثم وقفت بنا عند قهوة، واضطررنا إلى الصعود بقية الطريق على الأقدام، ولم نتجشم كبير عناء لنبلغ البرج الذي يتوج قمة الجبل ونطل من فوقه على السفوح، تكسوها الأشجار وعلى النهر وعلى المدينة؛ هنالك وقفنا نقدس هذا الجمال الرائع أنبتته الطبيعة فنظمه الإنسان على ما أراد له فنه وذوقه الجمال. وظللنا في إعجابنا زمنًا، ثم عدنا أدراجنا مملوءة نفوسنا طمأنينة بما رأينا مما زادنا حبًّا لبودابست وأسفًا على جهل لغتها وعلى أنها ليست اللغة الفرنسية لتكون عاصمة المجر هي باريس الصغيرة حقًّا.
أما المتحف الزراعي فآية لم أرَ مثلها فيما شهدت من متاحف المدن المختلفة؛ دخلناه وما تزال أمامنا على مغادرة بودابست ساعات، فدخلنا قصرًا فخمًا واجهنا أمام بابه سلم في شكل سلم عمارة البرلمان وسلم قصر الهابسبور، لكن حبلًا مكسوًّا بالقماش الأحمر دلنا على أنه مقفل، فدرنا فإذا الأبواب كلها مقفلة عدا باب صالة واحدة وجدنا بها تماثيل وصورًا دقيقة الصنع غاية الدقة لمختلف الحيوانات؛ للخيل والبقر والكلاب والفيلة، حتى لقد بلغ من دقة بعضها أن جعله حيًّا تلمح فيه ذكاء ونشاطًا، فلما طفنا في أنحائها وخرجنا منها ورأينا أنفسنا أمام أبواب مدت حولها الحبال دلالة على إغلاقها، شعرنا بشيء من ضيعة الرجاء في متحف طالما حدثنا عنه في رحلتنا المحدثون، ثم ألفينا رجلًا هابطًا على السلم، فأقدمنا وصعدنا ودرنا في صالة فيها تماثيل أبدع الخيل وأصائلها، وفي أخرى فيها تماثيل الطيور الداجنة في مختلف أدوار حياتها منذ البيضة إلى الجنين فيها إلى الفرخ إلى الطائر في كمال قوته، وفيما نحن هناك إذ أقبل حاجب يشرح لنا بالمجرية بعض ما نرى، ثم أشار إلينا هل نحن استأذنا مدير المتحف في زيارته؟ ولما أجبناه بالسلب سار بنا إلى غرفة المدير، فحدثناه بالإنجليزية طالبين هذه الزيارة، وكلف المدير الحاجب أن يطوف بنا في المتحف، فشكرنا وخرجنا. انقضت ساعتان كاملتان ونحن نطوف في هذا القصر مسرعين مخافة أن يفلت موعد القطار، ومخافة أن يفوتنا شيء من هذا الجمال والعلم والفن مما اجتمع في المتحف. ليس صنف من أصناف الزراعة المعروفة في المجر، ولا حيوان من الحيوانات الزراعية، ولا صناعة مما يتصل بالزراعة، إلا مثِّل هنا تمثيلًا علميًّا دقيقًا؛ فالحرير منذ شرنقته إلى أن يصير حريرًا ومختلف ما يصنع منه ممثل كمال التمثيل؛ لأن دود القز يتغذى على التوت، فهو إذن متصل بالزراعة. والأخشاب كلها منذ كانت شجرة إلى أن صارت صالحة لصناعة الأثاث. والنحل والعسل، والقمح والخبز على مختلف أنواعه، والآلات الزراعية، وكل شيء زراعي على أحدث ما أدى إليه العلم؛ وهذا كله في نظام جميل كله الفن، وهذا كله يسحرك عن نفسك وعن وقتك إلا أن تكون مثل ما كنا على سفر.
وهذا المتحف الزراعي الفذ بجماله العلمي ودقته مقفل الأبواب دون الكثيرين؛ لأن العلماء الذين يحتاج إليهم أمر العناية به ليسوا فيه، لعجز ميزانية المجر عن أداء ما يحتاجون إليه من رواتب! أليس هذا محزنًا؟
•••

ونسيت أن أذكر زيارتنا لمتحفي الفن الجميل في بودابست وزيارات غيرها، لكن بحسبي ما ذكرت لتترك بودابست في نفسنا من جميل الأثر ما لم تتركه مدائن غيرها، وربما كان مرورنا بها قبل مرورنا بما سواها من كبريات مدائن أوربا له من هذا الأثر فضل، لكنا تركناها بعد زيارة المتحف الزراعي ونحن نود لو أن لدينا من الوقت ما يسمح بمقام فيها أطول مما قمنا، وما نزال إلى اليوم كلما ذكرناها ننعم بتلك الذكرى ونتمثل ما اجتمع أمامنا من جمال الطبيعة وجمال الفن، فنسعد به بمقدار ما تحتمل النفس في الحياة من سعادة.

المجر ضحية الحرب وبعيثتها


أشرنا في الفصل السابق إلى المجري الذي لقينا أثناء سفرنا من بخارست إلى سنايا، وأشار علينا بزيارة جبل سان جان وبرج إليزابث، وإذ كان هذا المجري عضوًا في السلك السياسي فقد تفضل فأعطاني بطاقة قدمني بها إلى الكونت شاكي عامل الاتصال في وزارة خارجية المجر برجال الصحافة، وذكر لي أنه أو سكرتيره يستطيع أن يرشدني إلى ما أريد أن أرى في المجر وفي عاصمتها، وذهبت غداة وصولي بودابست إلى وزارة الخارجية، وطلبت مقابلة الكونت شاكي، فأخبرني سكرتيره، بعد أن حمل إليه بطاقتي أنه مشتغل في لجنة، وأنه على استعداد لمقابلتي في وقت آخر إذا كان لدي ما أريد أن أحدثه فيه، كما أنه كلفه أن يقوم بما يستطيع به من خدمتي. وسكرتير الكونت شاكي شاب ظريف يتقن الفرنسية، فلما أخبرته أني أريد زيارة بودابست والمجر قدم له كتابًا عن بودابست، ودلني على شركة السياحة المجرية لأقف منها على كل ما أريد معرفته، ثم أشار إلى خريطة المجر المعلقة على الجدار مبينًا لي الأماكن التي تلفت نظر السائح. وخريطة المجر هذه ليست خريطة المجر الحديثة على نحو ما وضعت معاهدات الحرب حدودها، بل خريطة المجر القديمة وضع على حدودها الجديدة خط أحمر ظاهر تمام الظهور.
وإذ استطرد بنا الحديث عن المجر أشار المجري موظف الخارجية إلى ما وراء الخط الأحمر قائلًا: كانت هذه الأراضي كلها ضمن المجر قبل الحرب، أما الآن فقد أخذت هذا القسم الشرقي رومانيا، وأخذت هذا القسم الجنوبي يوجوسلافيا وإيطاليا، وأخذت هذا القسم الشمالي تشيكوسلوفاكيا. انظر إلى هذا القسم الشمالي، هو على صورة الغول Dragon، وكذلك كانت المجر ضحية الحرب وإن لم تك لها في إعلانها يد، ولا كانت عليها في آثامها تبعة. كذلك قال سكرتير الكونت شاكي، وقاله في لهجة تدل على الأسف، وفي لغة واضحة صريحة، لكنه لم يكن بليغًا في أسفه على ما أصاب المجر من نكبة الحرب بلاغة جماعة من عامة المجر لا يعرفون الفرنسية ولا يدلون على عواطف الحزن بأكثر من إشارات لم تكن أقل أثرًا في نفوسنا من عبارة ذلك الشاب المهذب المتعلم. بينا كنا نزور المتحف الزراعي في صحبة العامل الذي كلفه مدير المتحف بمصاحبتنا وقفنا بإزاء خريطة للمجر كخريطة وزارة الخارجية، وأشار الرجل بيده إلى المجر القديمة وإلى حدود المجر الجديدة، وكاد الدمع يذرف من عينه، ثم فهمنا منه مبلغ أساه على أن صارت المجر صغيرة كما أكرهها الظافرون في الحرب أن تكون. وأشهد لقد كان حزن هذا الرجل البسيط ناطقًا في نبرات صوته وفي حركاته العصبية. رحم الله أيامًا كنا نشهد فيها الفرنسيين يجللون بالسواد تمثال ستراسبور القائم في ميدان الكونكورد بباريس حزنًا على الألزاس واللورين! وبقي هذا الشعور بالألم لضياع فلذة غالية من الوطن ينتقل في أفئدة الفرنسيين من جيل إلى جيل، حتى كان هو الحافز الأقوى لفرنسا أن تثابر في الحرب العظمى وتنتهي إلى الفوز، وأن تظفر من جديد بالألزاس واللورين، وها هم أولاء المجريون يبكون على ما ضاع منهم، ويبكي مثلهم أهل النمسا، ويبكي الألمان — ولكن في إباء وبدموع حائرة في محاجر العيون — على الألزاس واللورين وعلى بولونيا وعلى دانتزج. ترى ماذا يكون من أثر ذلك كله في مستقبل أوربا؟ وهل هي الحرب؟ أو هي الثورات تتنفس عنها هذه الأفئدة المكلومة؟
وكان يسيرًا أمر هذا الإحساس الذي يغذيه المجريون في نفوس أبنائهم لو أنه وقف في حدود بودابست، لكنا رأيناه متجليًا كذلك في ربوع المجر؛ إذ زرنا منها غير قليل مما أشار علينا سكرتير الكونت شاكي بزيارته. وفي هذه الربوع المجرية جمال ولها روعة، رغم سهولة أراضيها الزراعية، مما يجعلها عظيمة الشبه بوادي النيل. تناولنا طعام الغداء في قرية مازاكوفتش عند صاحب فندق، أستغفر الله، بل حانة، بل محل عطارة كالذي في الريف. وكان صاحب هذا المكان يعرف بعض الإنجليزية، فإذا به يحدثنا حديث موظف الخارجية وعامل المتحف الزراعي، وإذا به يخفق فؤاده لوعة وأسى لهذا الذي سلخه الحلفاء من وطنه كرهًا واعتسافًا.
•••

ومازاكوفتش هذه قرية ظريفة يقصد إليها كثير من السائحين أيام الأحد، وهم يقصدونها يجذبهم إليها إعلان عما يرتديه أهلها في ذلك اليوم من ملابس قومية، وما تطرزه بناتها بالحرير المختلف الألوان. قصدنا إليها صباح الأحد الثامن عشر من سبتمبر فقضينا أكثر من ساعتين في قطار السكة الحديدية يقطع بنا مزارع وحقولًا وبعض أحراش قليلة، فلما وقف في محطتها إذا سرب من بناتها في هذه الملابس القومية يستقبلن النازلين فيها وملابسهن مزركشة بتطريز الحرير ناصعة الألوان الحمراء والصفراء، ووقف السرب باسمات بناته يحيين النازلين قرية مازاكوفتش، ولا يأبين على من يريد أن يأخذ صورتهن الشمسية بالوقوف أمامه ما أرادهن أن يقفن. وجاء معهن رجال ارتدوا هم أيضًا الزي القومي، وبمقدار ما يلفت زي البنات النظر تزورُّ العين عن زي الرجال ازورارًا؛ فهو جلابية عليها جاكتة وبرنيطة سوداء عالية يطوقها نطاق أخضر وتزينها ريشة في بعض الأحايين، أما أحذية هؤلاء الرجال فضخمه تناسب أعمال الزراعة.
وما هو إلا أن انحدر السائحون إلى طرق القرية حتى ركب هؤلاء الفتيات عربة وعدن بها من حيث أتين، ولم نرَ لهن بعد ذلك من أثر، فدلنا ذلك على أنهن مجرد إعلان عن قريتهن، فأما سائر أهل البلد فيلبسون لباسًا قوميًّا حقًّا ولكن في زخرف أقل بكثير من زخرف أولئك الفتيات، فأما الرجال فرأينا في طرق القرية من خرقهم غير ما يرتدي الذين صحبوا البنات إلى المحطة، تتدلى على سيقانهم أمراط مزركشة بالحرير زركشة أردية الفتيات أو هي أثمن، وصدرياتهم مزركشة كذلك بالحرير، وكلهم في لباس العيد القومي، أما البنات والأولاد فالأقلون منهم يرتدون هذا الرداء المجري الخاص، على حين يحتفظ الأكثرون برداء كل يوم، مما يدل على أن الحياة الأوربية العامة تجني على هذه الآثار القومية وتنذر بأن تقضي عليها عما قريب.
كانت زيارتنا هذه لمازاكوفتش أول زيارات هذا العام للقرى الأوربية؛ لذلك أذكرتني زيارات قمت بها في ست عشرة سنة مضت في قرى التورين بأواسط فرنسا، وزادني لتلك الزيارات القديمة تذكرًا ما بين التورين والمجر من شبه في سهولة الأرض واعتدال الجو، وأذكرتني أكثر من هذا ما بين عيش القرويين الأوربيين وعيش القرويين في مصر من فرق شاسع وبون بعيد. في مازاكوفتش مدرسة ومستشفى، وكلتاهما جميلة يبعث تناسقها إلى نفوس أهل هذه الأرياف معاني التجاوب والجمال، ويشعرهم بما في العيش من نعمة ما أراد الإنسان أن يجعل العيش ناعمًا، وما عاون الطبيعة وهذبها لتجيب نداء النفس الطامحة إلى صور الجمال؛ هذا فضلًا عما إلى جانب المدرسة والمستشفى من كنيسة ومن حديقة عامة، ومن مظاهر أخرى ترضي مطامع نداء النفس الإنسانية.
ووقفنا عند بعض نوافذ منازل القرويين فعجبنا، لا تزيد مساحة المنزل على مساحة منزل الفلاح المصري، لكن للمنزل نوافذ، ومن نافذة غرفته الواحدة يتبدى السرير ومنضدة عليها كتب قد يتعذر عليك أن تدقق في استشفافها لما يحول بينك وبينها من أستار على النافذة من الدنتلا أحيانًا، ومن تطريز ربة البيت أحيانًا أخرى، تطريزًا جمع بين الدقة والجمال. في موقفي هذا تذكرت الفلاح المصري، وتذكرت الكلمة الكاذبة التي يقولها الأكثرون على أنها حقيقة مقررة: مصر بلاد غنية. نعم، قد تكون هذه الكلمة صادقة إذا أخذنا بأقوال النساك: «القناعة كنز لا يفنى، والغنى غنى النفس، وأنت أكثر الناس غنى ما كنت أكثر في الدنيا زهدًا، فأغناك زهدك عن الناس.» لكنها كلمة كاذبة بالمعنى الذي يقولها أصحابها به، وبالمعنى الاقتصادي الذي يقدر الغنى في كل الأمم على موجبه. هذا الفلاح المصري الذي تتصبب ثروة مصر من عرق جبينه لا يعرف منزله سريرًا ولا كتابًا ولا شيئًا من معاني النعمة الإنسانية، بل هو بالوجار أشبه منه بالبيت، وللحيوان فيه من أسباب الحياة مثل ما للإنسان أو خير مما للإنسان، وهو مع ذلك بعض رأس ماله، كما أن بيت الفلاح المجري وبيت الفلاح الأوربي، بعض رأس ماله! فأما فرق أسباب المعيشة بين الفلاح المصري وغيره من فلاحي أوربا، فيثير في النفس من عواطف الإشفاق عليه ما لو عرفه لكما رضي عن حاله ولا صبر عليها، وأحسب أنه ليس له عن هذا الشظف عزاء يمسكه في سكينته إلا ما يرى من عيش الموسرين إلى جانبه وعظيم شبهه بعيشه؛ فهؤلاء الموسرون من المصريين يؤثرون الآخرة على الأولى، أو هم بالأحرى يؤثرون اكتناز المال فيكونون عبيده، على إنفاقه ليكون لهم متاعًا ونعيمًا، وهم في عبوديتهم للمال يحسبون أنهم سادة غيرهم؛ لأن هذه العبودية تنحيهم بعض الشيء من تحكم الغير فيهم.
•••

وما رأينا وما سمعنا في مازاكوفتش هو ما رأينا وما سمعنا في بلاتون فيرد، وإن تكن الطبيعة عند بلاتون غيرها عند مازاكوفتش، فهذه القرية لا تزيد على غيرها من القرى في موقعها وفي نظامها إلا هذا الزي القومي الذي وصفنا، أما بلاتون فتقع على بحيرة تبعث في النفس خيالًا وإن كان ضئيلًا من بحيرات سويسرا. وصلنا إلى محطتها في السكة الحديدية للحكومة، وانحدرنا وسط طرق القرية قاصدين إلى مرسى سفينة البحيرة. طرق كطرق مازاكوفتش وسائر قرى المجر مما شهدنا في أسفارنا، وكطرق القاهرة نظامًا ورصفًا واتساعًا، بل إن في بلاتون من الجمال ما ندر أن تجد في القاهرة مثله. فيها فندق يطل على البحيرة كأنه فندق سميراميس إذ يطل على النيل، ولا يقل عنه وجاهة ولا نظامًا، وبين الفندق والبحيرة ومباني القرية ميدان فسيح غرست فيه الحدائق ونسقت فيه الأزهار خير تنسيق، وبإزاء هذه الحدائق أقيمت حمامات على البحيرة كحمامات سان استفانو نظامًا وعناية، وفي طرق القرية متاجر وحوانيت قلَّ أن تجد مثلها متاجر وحوانيت في رمل الإسكندرية جميعًا.
على الجانب الثاني من بحيرة بلاتون تقوم قرية شيوفك، يصل الإنسان من «بلاتون فيرد» إليها على متن باخرة صغيرة تقطع الطريق في ساعة من الزمان، وتقع مساكن شيوفك بين غابات وأحراش تذهب مع النظر إلى غاية الأفق، وقد كانت في ذلك اليوم — ولم يكن يوم أحد — ساكنة لا يرى الإنسان فيه من المارة إلا بعض العجائز والخادمات، ولا يرى من الناس إلا بعض عمال يشتغلون على مقربة من البحيرة، على أن بها رغم سكينتها وهدوئها مطعمًا ظريفًا عند مرسى الباخرة، يجد فيه الإنسان طعامه وشرابه بسيطًا نظيفًا يطمئن إليه كل الطمأنينة، كما يطمئن إلى خدمة زوج صاحبه السمينة، حتى لتحسبها سيدة مصرية من أهل الجيل الماضي.
شيوفك وبلاتون فيرد وغيرهما من القرى الواقعة على شواطئ بحيرة بلاتون مصايف ظريفة يؤمها أهل المجر وغير أهل المجر من السائحين، وهي لذلك — كأكثر المصايف الأوربية — بلاد رشيقة خفيفة الروح، قصد بها أهلها أن ينسى السائحون بين أشجارها وأزهارها ومياهها المتأنقة تحت ضوء الشمس وأشعة القمر ما ينوءون به عامهم من متاعب ومشاغل، بل إن أهل هذه المصايف لم يكتفوا بما حبت الطبيعة به بلادهم من صور الجمال، فزادوها جمالًا بما شادوا من عمائر ظريفة، وبما جلبوا من ألوان التسلية كالموسيقى والرقص والتمثيل وغيرها، والحق أن المصطافين في هذه البلاد ينسون مشاغل الحياة ومتاعبها نسيانًا تامًّا، ويمتعون أنفسهم بهذه المشاهد والملاهي متاعًا صحيحًا يريحهم ويعيد إليهم قوتهم ونشاطهم ليعودوا إلى عمل الحياة بقوة مضاعفة.
مع هذا فقط سمعنا من صاحب مطعم شيوفك تلك النغمة الحزينة، نغمة الأسى على ما ضاع من المجر الكبرى، وما آل إليه هذا الوطن العزيز في حدوده الضيقة الجديدة التي أكرهه عليها المنتصرون في الحرب على حين لم تكن للمجر في الحرب يد، ولا عليها في إعلانها تبعة.
•••

على أن أهل المجر لا ينسون إلى جانب مصابهم هذا ما أنقذتهم عصبة الأمم من إفلاس هددهم بالبلشفية شر مهدد، حتى لقد فتح أمامها أبواب بودابست وطوَّع للثائرة الشيوعية «بلاكون» أن تجلس في قصر الهابسبور؛ فقد أصاب المجر ما أصاب النمسا من مجاعة بسبب تدهور أسعار قطع الكورون، فتدخلت عصبة الأمم وأنشأت لهذه الدولة عملة جديدة هي البنجو، وثبتت سعرها بأن أعفت المجر من دفع أقساط ديون الحرب عشر سنوات كاملة، فكان من أثر ذلك أن صرت تلمح الرخاء في أنحاء المجر، رخاء سببه خصب أرض هذه البلاد وإقدام أهلها على العمل والسعي لاستنقاذ وطنهم المحبوب من مخالب العسر والفاقة.
ثم إن أهل المجر ليذكرون إلى جانب هذه الحسنة حسنة أخرى، إن لم يكن لهم فيها كل العزاء عن مصابهم، فلهم من الاعتزاز بها ما يهوِّن بعض الشيء من وقع المصاب، تلك الحسنة هي استقلال المجر استقلالًا صحيحًا يمكنها من أن تفكر في شئونها غير خاضعة إلا لما توجبه مصلحتها؛ فقد كانت أيام اندماجها في إمبراطورية النمسا والمجر خاضعة لحكم النمسا، بل كانت معتبرة مستغل النمسا ومخزن طعامها، وإذا كان من الغلو تشبيه ما كان بينها وبين النمسا بما بين الهند وإنجلترا، فإنها كانت دائمة الإحساس بأنها في مقام دون ما يتفق ومطامعها القومية والجنسية، أما اليوم وقد استقلَّت وبعثتها الحرب أمة لها وحدتها بعد أن كانت هي ضحية الحرب، فأمامها من الظروف الاقتصادية ما يمكنها من أن تستعيد مكانتها في زمن قصير أو طويل.
وإنك لتلمح من مظاهر هذا الاعتزاز في أنحاء المجر جميعًا الشيء الكثير: تلمحه في القرى كما تلمحه في بودابست، فإلى جانب الأسى على ما أصاب الوطن العزيز من انتقاص أطرافه تهتز النفس المجرية بذكريات المجر القديمة وبما سلف للأجداد من تاريخ مجيد، كما تهتز بالأمل الكبير في مستقبل زاهر، وبالرجاء في علاقات دولية صالحة.
كان معنا في ديوان السكة الحديدية بين بودابست ومازاكوفتش سيدتان وثلاثة رجال ظلوا يتحدثون معظم الطريق، وخرجت إلى ممر العربة وخرج بعد ذلك أحد هؤلاء الرجال ووقف إلى جانبي يسألني الأسئلة العادية التي توجه للسائح عن جنسيته وعما في بلاده، ثم استطرد بنا الحديث إلى المجر، فتحدث عما أصابها بسبب الحرب، وانطلق بعد ذلك يتحدث عن الترك وغزوتهم المجر وصدهم بعد ذلك، وعما للجنس المجري من صلابة في العمل وقوة في الإرادة، وما يرتجيه المجريون بعد استقلالهم من أمل واسع في مستقل مجيد. وعجيب أنك تقرأ الشيء الكثير عن الدعوة لانضمام النمسا إلى ألمانيا، وعن رغبة النمسا في هذا الانضمام، وعن تخوف الحلفاء من آثاره؛ فأما المجريون فلا يبتغون عن استقلالهم بديلًا، وإنك لو امتحنت نفوسهم وتسمَّعت إلى خفايا ضمائرهم إذن لرأيت فيها مثلما كان في نفوس الفرنسيين قبل استرداد الألزاس واللورين. وكيف يكون أمرهم غير هذا وهم يستبقون خريطتهم كما كانت قبل الحرب يرتجون في حادث جديد أن ينصفهم من ظلم الحرب!
وفي انتظار هذا الحادث ترى المجر التي كانت ضحية الحرب والتي بعثتها الحرب، تجدُّ وتعمل لتكون قوة اقتصادية في المستقبل، وإذا كانت بعيدة اليوم غاية البعد عن حدود هذا الميدان فهي تعمل بكل ما أوتيت من قوة لبلوغه، وقد لا يتعذر عليك أن تتصور ما يكون من أثر ذلك في سياسة أوربا المستقبلة، وما يكون من تأثيره في سلام العالم.

مغرب شمس


بين بودابست وفينا
يقوم قطار الإكسبريس الذي يغادر بودابست إلى فينا في الساعة الواحدة بعد الظهر، أو في الساعة الثالثة عشرة كما يقول دليل السكة الحديدية. وكانت الساعة الثانية عشرة والنصف حين كنا ما نزال مأخوذين بجمال العلم والفن فيما نرى من معروضات متحف بودابست الزراعي، وخرجنا بعد دقائق إلى الغابة وجعلنا نطوف نلتمس أوتموبيلًا يقلنا إلى الفندق، وما فتئ لدينا بعض الرجاء في اللحاق بالقطار، لكن كل دقيقة، بل كل ثانية كانت تمر كانت تضعف عندنا هذا الرجاء، وما أشد إذ ذاك حنقنا كلما مر بنا أوتموبيل مشغول براكبيه، ويزيد بنا الحنق والغيظ كلما مرت برهة ونحن نسرع مهرولين إلى أبواب الغابة، ومع أنَّا سررنا كل السرور بمقامنا في عاصمة المجر، ولم يكن لينتقص من سرورنا أن نقضي فيها يومًا آخر، فإن اعتزامنا مغادرتها وإخطارنا الفندق بهذا جعلنا نرى في مقاومة الظروف لعزمنا تحديًا لإرادتنا فاستثارة لغريرة نضال الظروف وحرصًا على التغلب عليها حتى لا تطأطئ الأنفة الإنسانية فينا لأحكام المقادير إذا كانت قديرة على أن تظل حاكمة للمقادير مصرفة للظروف. لذلك فرحنا وزاد بنا الفرح حيث استوقفنا أوتموبيلًا يقلنا، وإن ظل فرحنا ممزوجًا بالخوف ألا يتحقق عزمنا، وطلبنا إلى السائق أن يسرع إلى الفندق، وجعلنا ننظر إلى عقارب الساعة في كل دقيقة عدة مرات، وصرفنا شغلنا هذا عن التفكير في الاستمتاع بجمال الوقت وبالشمس المشرقة في سماء صفو، وبالهواء الرقيق المنعش لكل ما في المدينة والباعث لها مختلف صور النشاط المرح الجميل.
وبلغنا الفندق، ولم يبقَ على موعد القطاع غير ربع ساعة، ودفعنا حسابنا، وطلبنا إلى رجال الفندق إنزال متاعنا. على أن فكرة مرت بخاطر السائق وأفضى بها إلينا عن طريق مترجم الفندق جعلتنا أكثر اطمئنانًا لإدراك القطار؛ ذلك أن يذهب بنا إلى محطة «بودابست كلانفرد» بدل الذهاب إلى المحطة العامة، وإذ كانت «كلانفرد» ضاحية والطريق إليها خلوًا، فيمكن العربة أن تنهب الطريق المختزل إليها، فنستفيد بضع دقائق تكفل لنا إدراك القطار.
ووصلنا المحطة، وتولى الحمالون العناية بمتاعنا بعد ما اطمأنت نفوسنا إلى أنَّا انتصرنا على الظروف واحتفظنا بأنفتنا الإنسانية عزيزة كريمة، وبقينا ننعم بهذا الانتصار في انتظار القطار، وننعم معه بما شغلنا قبل ذلك عنه من جمال الوقت وصفو السماء ورقة الهواء، ولما أوينا إلى ديواننا في القطار وأوى إليه معنًا متاعنا كان لنا في ابتسامنا للانتصار شاغل عن التفكير في مغادرة بودابست، وفي انحدار أيام جميلة من حياتنا في غيابات الماضي وما يثيره إحساس كهذا من بعض الوجوم في قراره النفس. وذهب القطار ينهب بنا سهول المجر، ويلقي من الضوء الساطع على خضرتها البادية الذبول لمقتبل الخريف ما جعل هذه الخضرة تبسم وتنتعش وتشعر بريح كأنه ريح الربيع. وتبدت من هذه الخضرة الذاهبة مع سهول المجر إلى غاية حدود الأفق ألوان ضاحكة وأخرى باسمة تتعاقب مع سير القطار مبتهجة كلها بضياء الشمس وبنفحة ربيعية ضعف فيها أملها منذ توالت عليها رياح الخريف. وظللنا كذلك ساعتين متعاقبتين اقتربنا أثناءهما من الحدود بين المجر والنمسا، وفيما نحن كذلك مبتهجين مع الزرع والشجر بلألاء الضياء إذا غمام بدأ يعترض صفو السماء، وإذا سحب بدأت تنضم للغمام وتتراكم ثم تتراكم حتى أذهبت الأمل الربيعي الضاحك، وأعادت إلى الخضرة الباسمة قتامًا ورعدة. وأعان السحاب ريح بدأت بليلة رقيقة ثم تزايدت حتى صارت صرصرًا عاتية، وتلاطمت السحب فإذا البرق يخطف الأبصار، وإذا الرعد تصطك له المسامع، ثم إذا المطر ينهمر انهمار السيل، فلا يمنع انهماره خطف البرق ولا قصف الرعد ولا تزايد دكنة السحاب وقتام الجو. على أن عزيمة القطار المستمدة من عزيمة الإنسان لم تهن ولم تفتر، بل ظل مواصلًا طريقه يشق الرياح والمطر ويهزأ بالبروق والرعود. واحتمينا نحن في ديواننا بأن أحكمنا إقفال نوافذه، وكنا قبل ذلك قد فتحناها لنتصل من نفحة الربيع بأمل لم يلبث أن ولى وذهب. ويخطف البرق ويقصف الرعد وتضرب أمواه المطر زجاج النوافذ كأنها أسواط من نقمة السماء، وننظر نحن إلى ذلك كله مبتهجين به ابتهاجنا بالشمس والضوء والهواء الرقيق من قبل، واجدين فيه جديدًا تطرب له النفس طربها لكل جديد لا يصيبها منه مكروه.
ووقف القطار في محطة الحدود بين الدولتين اللتين كانتا قبل الحرب دولة واحدة ذات كلمة رهيبة، ونظرنا فإذا مراقبو الجواز ورجال الجمرك قد التحف كل واحد منهم معطفًا من جلد يسبح به في لجة الجو، ويصعدون إلى القطار لأداء واجبهم، فيتركون معاطفهم المطيرة عند أبواب العربات ويمرون يحيون السَّفْر في رقة وأدب، ويؤشرون على جوازاتهم ويسألونهم عن متاعهم في رقة وأدب كذلك. والمطر أثناء ذلك دائم الانهمار، والجو قتام، والسحب متراكمة، والظلمة شملت الجو حتى ما تكاد ترجو في شعاعة من الشمس تبعث إلى هذا المأتم المكروب عزاء أو أملًا. وظللنا كذلك بعدما انطلق القطار في أرض النمسا، ظللنا ساعة أو أكثر من ساعة نستمع إلى نقر المطر على الزجاج، ونرقب تسرب بعضه بين أخشاب النوافذ، فلما آن لهذه الثورة أن تهدأ، وللسماء أن تمسك ماءها، وللسحب أن يتوارى بعضها بعدما أضناه الانهمار، كنا قبيل الغروب، وعلى ساعة من «فينا».
وحانت منا التفاتة إلى ناحية الغرب، فإذا صيحة تدفعها الغريزة إعجابًا وإكبارًا، وإذا أنفاسنا تمسكها الصدور أمام جلال المغرب الرائع، بقيت في هذا الجانب من السماء سحب منثورة اختبأ وراءها قرص الشمس ليرسل في أثير الهواء المشبع بذرات الماء من أشعته الدامية ما تخشع أمامه القلوب تقديسًا لجماله الباهر. وتحيط أطواق من عسجد ومن لجين بالسحب البعيدة عن القرص، فتجعل منها في لجة السماء بحيرات سبكت شواطئها من فضة ومن ذهب، ثم إذا هذه الأطواق تستحيل في مختلف ألوان قوس قزح التي حللتها كرات الماء الباقية معلقة في الهواء. ثم إذا الغرب كله التهب بنار وبنور يسرع تتابع ألوانه، كأنما تتلاعب بها بلورات الماء التي انعكست عليها أشعة ضياء الشمس المسرعة الانحدار، وازدادت حمرة السماء كأنما اختلط فيها باللهيب دم جعل ينهمر انهمار المطر من قبل، أثرًا لمعركة حامية أعلنها الملائكة والشياطين بين السحاب والسماء، وكلما توالت هذه الصور الأخاذة باللب والفؤاد ازددنا تقديسًا للطبيعة المحسنة الجزاء بعد غضبها وثورتها، وأذكرني هذا المنظر وملائكته وشياطينه حديث عكرمة إذ قال: والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك يقولون لها اطلعي، فتقول أأطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها شيطان حتى يستقبل الضياء يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع على قرنيه فيحرقه الله تحتها. وما غربت قط إلا خرَّت لله ساجدة فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب على قرنيه فيحرقه الله تحتها؛ وذلك قول النبي ?: «تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان». ذكرت بإزاء منظر الغروب الرائع حديث عكرمة هذا، وسألت نفسي: أكل هذا اللهب وكل هذه الدماء التي اصطبغت بها السماء لهب شيطان واحد ودماؤه، أم هو لهب المعركة الحامية بين الملائكة والشياطين ودماء عديد منهم لا يحصيه علم الإنسان؟!
ظلت المعركة السماوية حامية الوطيس زمنًا لم نرَ فيه المتحاربين، ولم نرَ غير آثارها الدائمة التغير يتغالب فيها الدم واللهب والفضة والذهب، وكأنما كان هؤلاء الملائكة والجن فنانين في قتالهم، فلا يرضون أن يتناثر من دمهم ولهبهم ومن فضتهم وذهبهم إلا المقادير التي تبدع في السماء أبهى الصور وأكثرها أخذًا باللب ولعبًا بالفؤاد. فهذا الشفق الملتهب بالحمرة القانية شق طريقه من خلال شعاع متورد، كأنما الشمس تعود أدراجها كي تعيد إلى النهار المحتضر حياة ونشاطًا، ثم لا يلبث الشعاع أن يخبو لتندلع في نواحي السماء الداكنة الزرقة ألسنة كأنها في حمرتها ألسن الثعابين الضخمة المخوفة، ويبدو في الجانب الآخر قوس قزح بألوانه السبعة، ثم يختفي، ثم يبدو من جديد، ثم إذا اللهب القاني قد غمر ألسنة الثعابين وامتد حتى أحاط سحبًا مجاورة بأطواق من نار، ثم إذا هدنة في المعركة السماوية يشعرك بها بدء انحلال الدماء واستحالة لون السماء إلى شيء من الزرقة، ثم ما نلبث أن نرى صورة أخرى للمعركة بدت في الجانب الشرقي من السماء، حتى لكأنما لهذه الحرب ميادين مختلفة مثلما كان للحرب العظمى. ولقد كان هذا المغيب حقًّا مغيبًا أعظم، وكان هذا الشفق مما يتضاءل أمام جلاله كل شفق.
وشدت أنظارنا إلى السماء أثناء هذه الحالات جميعًا ونحن ذهول، شردت ألبابنا في عبادة هذا الإبداع، مفتونون به عن كل ما يتخطاه القطار من سهل أو جبل، ناسون أن ثم أرضًا، وأنَّا نقطع أبعاد هذه الأرض إلى غاية نقصدها. ولم نتبادل أثناء ذلك إلا عبارات الإعجاب: أجدَّ في السماء جديد يهتز الفؤاد لروعة جماله؟ ولم يوقظنا من ذهولنا إلا أن تبدت عمائر «فينا» يحجب بعضها بعض السماء، هنالك أدركنا أن في الحياة شيئًا غير ما كنا نشهد، وأسفنا لهذا الذي أفسد علينا بهرنا وذهولنا، والذي نبهنا إلى الزمن وفراره، وإن كانت الطبيعة قد عنيت بأن تهوِّن علينا من أسفنا، فلم تقم عمائر فينا إلا ساعة آذن المغيب بالانحدار في غيابات الليل وظلماته.
وذكرت خلال الدقائق الباقية على دخول القطار المحطة مغارب الشمس التي بقيت مرتسمة صورتها في نفسي فصارت بذلك جزءًا من حياتي؛ ذكرت مغرب شمس سنة ????، وأنا على بحيرة ليمان صحبها مطلع قمر ما رأيت وما أحسبني أرى مثله شعرًا وجمالًا، وذكرت مغرب شمس شهدته في الرفييرا ووراء جبال «فل فرانش» وآثاره الفاتنة على البحر المتوسط، وذكرت مغارب شمس مصر الساحرة، ومن بينها ما شهدت بين طهطا وسوهاج سنة ????، لكني لم أذكر في هذه كلها ولا في غيرها واحدًا في روعة هذا المغيب الباقية آثاره الذاهبة تتبدى بين عمائر عاصمة النمسا.
أم هي كانت ما كان هذا المغيب روعة وجلالًا، ولكننا معشر الإنسان نستمتع بما في الحاضر من مسرة أو ألم، ومن حزن أو فرح، حتى يهوِّن علينا النسيان أمره، ليكون دائمًا متاعنا بجمال الحاضر ونعيمه دائم التجدد لا تفسده الذكريات الحية لما ابتلعه جوف الماضي من مشاهد ومشاعر؟ لا أدري! ولكني ما أزال أذكر مغيب الشمس بين بودابست وفينا وقد مضى عليه أكثر من شهرين، وأحسبني ما رأيت مثله مغيب شمس ولا مشرقها، ولا مطلع قمر ولا مغيبه.
•••

ووقف القطار وشغلنا بالنزول منه وبتعهد متاعنا حين حمله إلى أوتموبيل يقلنا إلى فندق اختاره رجال فندق بودابست، وكان جو فينا في هذه الساعة معطرًا بما خلف المطر في السماء من صفو وفي الجو من رقة وفي الطرق من نظافة، وجعلت العربة تدور بنا في شوارع خالية إلا من قليل من المارة وقليل من العربات، حتى وصلنا إلى «الرنج» أكبر شوارع العاصمة وأجملها، وهناك استدارت العربة حتى وقفت عند فندق أستوريا، فأوينا إلى الغرفة التي اخترناها فيه، وظللنا هنيهة ننتظر أن يصعد عماله لنا بالمتاع.
أتدري فيم كان حديثنا حين نزلنا إلى المدينة من جديد؟ كان هذا المغرب البديع الذي اتشحت به السماء فأحيت صورتها في النفس أساطير النيران المقدسة وآلهتها والقرابين التي تقدم إليها عن عقيدة وإيمان: وما نزال حتى اليوم كلما ذكرنا هذا المغرب نعود بنفوسنا إلى الساعة التي شهدناه فيها فنحياها من جديد، وننسى حين نحياها حياة الحاضر ومشاهده ومحسوساته.
وكم يحيا الإنسان في حاضره من ساعات ماضية تجدد في نفسه ذكريات مقدسة كلها حتى ما يبعث منها للنفس أعمق الألم، وهذه الساعات هي حياة الإنسان، لأنها كل ما كسبه الإنسان من الحياة، هي وحدها التي عشناها عيشًا إنسانيًّا صحيحًا، لم نكن أثناءها صورة متجددة من كل الخلائق ينسخ الحاضر منها الذاهب، بل كنا إيانا، فيها بلغت نفسنا أسمى ما تستطيع النفس بلوغه في هذا العالم، فاحتوت العالم وسمت بمعناه إلى أسمى ما تستطيع إداركه من المعاني؛ هذا هو العيش، وهذه الساعات دون غيرها هي الحياة.

في فينا


قاتل الله الحرب! لقد جنت على كل شيء في أوربا، بل في العالم، كما جنت على أرواح الذين استشهدوا فيها وعلى قلوب الذين اكتووا بنارها، كانت «فينا» تعد قبل الحرب عروس مدائن أوربا، وكانت تنافس باريس وتجد كثيرين يحكمون لها بالتفوق عليها، وها هي ذي اليوم أشبه ما تكون بعزيز قوم ذل. ما تزال آثار الماضي بادية في قصورها الفخمة، وفي دار الأوبرا البديعة التي كانت أبهى معاهد الموسيقى في أوربا، وفي طرقها الفسيحة الجملية، وفي ضواحيها النضرة. وهياكل هذه الآثار تشهد اليوم في خضوع وانكسار مصير عاصمة إمبراطورية النمسا والمجر الحسيرة؛ تشهد عاصمة لم يبقَ لها من ملكها عشر معشار ما كان لها، فقد علتها غبرة ترهقها قترة، وأصبحت تعمل بيديها لكسب العيش، وكانت أسباب العيش والنعمة تأتيها طائعة من كل مكان، ويزيد عدد سكانها على مليونين، وكان قبيل الحرب يقارب ثلاثة الملايين، وكانت تعتمد في عيشتها يومئذ على إمبراطورية تعدادها ستون مليونًا أو يزيدون، وهي اليوم تعتمد على جمهورية لا تكاد تبلغ ستة ملايين؛ لذلك تكثر فيها الفورات والاضطرابات؛ لأن أهلها في حيرة كيف ينظمون حياتهم، وكيف يصلون من العيش إلى ما يتفق ومكانتهم من الحضارة وإن بعد كل البعد عن أن يشابه في شيء ما عرفوا قبل نكبة الحرب وسان جرمان. ذهبنا إلى دار الأوبرا لنشهد فيها تمثيل رواية «مدام بترفلاي»، فأخذتنا روعة عمارتها، لكنا أخذنا أكثر من ذلك بحال أثاثها الذي أصبح لا يتفق وروعة هذه العمارة. ومن عادة دور الأوبرا في عواصم أوربا جميعًا أن يلبس الناس في ملابس السهرة، وكانت دار فينا في مقدمة الكل في هذا الشأن، وكانت نساء فينا في شعورهن بتفوقهن في الجمال على سائر نساء أهل أوربا يتغالين في التزين، يكاثرن به أوفر النازلات في عاصمة النمسا غنى وجاهًا. لكن نساء النمسا وإن بقي لهن جمالهن الممشوق في اعتدال القامة وصفاء اللون ووسامة القسمات، اعتدالًا وصفاء ووسامة لا ينافسهن فيها أحد، فقد أزالت الحرب عنهن أسباب البهرج والزينة، وانتزعت منهن الحلي وثمين الجواهر، فلم يبقَ لدار الأوبرا أن تقتضي أحدًا لباس السهرة؛ لذلك ذهبنا كما يذهب الناس جميعًا إليها في ثياب النهار. على أن ما جنت الحرب على ثروة فينا لم ينل منها، فقد غنى الممثلون رواية «بترفلاي» بالألمانية، وكنا لا نفهم منها حرفًا، وصدحت موسيقى هذه الرواية الساحرة، فتتبعنا كثيرًا منها، وتذوقنا الغناء والموسيقى والتمثيل مما بعث أمامنا برهة من حياة «فينا» الجميلة عاصمة الإمبراطورية التي لم تعرف الشظف ولم تعرف الذلة، فازددنا بذلك أسفًا على ما أصارتها الحرب اليوم إليه.
أدت هذه الحال الاقتصادية السيئة إلى أن المتاجر الكبرى صار أكثرها يأخذ بنظام الممارسة في البيع والشراء، حتى لم يكد يكون لشيء ثمن محدود! وإذا كان هذا النكوص في الخلق التجاري مما يلاحظ في بلاد كثيرة غير فينا، بل مما يلاحظ في باريس، فإنه لم يصل إلى ما وصل إليه في فينا مما يشعرك بسوء الحال رغم وجود كفايات علمية وصناعية وتجارية عظيمة في المملكة. وصل هذا الخلق في فينا إلى أن البلدية تحدد الأجور لكل غرفة من غرف الفنادق تحديدًا يعلن على جدار الغرفة، مما يبعث على الظن بأن لا سبيل لرجال الفندق إلى التلاعب بهذه الأجور، ومع ذلك فإنك تصل من غير كبير عناء إلى خفض هذا الأجر لسبب أو لآخر يتقدم به أصحاب الفندق على أنه أدى بهم إلى إكرامك. ودخلنا غداة وصولنا فينا متجرًا من متاجر أزياء السيدات، وأعجبت زوجي قبعة فيه، لكنها استكثرت الثمن. وما أشد عجبنا ساعة خروجنا إذ نادتنا البائعة تسألنا كم نريد أن ندفع، وتناقشنا في شيء من الضراعة. ودخلنا يومًا آخر متجرًا من تلك المتاجر أيضًا في ميدان الأوبرا، أكبر الميادين شأنًا وأكثرها في اتصاله «بالرنج» تجارة، فاشترينا تطريحة بما يقرب من نصف الثمن الذي عرض علينا أول الأمر، ومن ذلك كثير يسوءني ذكره وما تزال فينا في نكبتها، وقد يسائل إنسان: ولمَ نلوم إذن تجارنا في خان الخليلي وتراجمتنا الذين يبيعون السائحين ما يسمونه الأشياء الخاصة بمصر وهو أتفه ما بها، ويمارسونهم في ذلك على الصورة التي يصفها السائحون الأوربيون بأتعس الألوان، ويرتبون بعد ذلك عليها ما شاءت لهم أهواؤهم في تصوير مصر والشرق ومقدرة أهلهما على الاضطلاع بعبء الحضارة؟ وليس جوابنا على هذا أن تجار «فينا» هم كتجار خان الخليلي، ولا أن كتَّاب أوربا على حق يصورون به مصر والشرق صورة منتزعة من القروش أو الجنيهات التي يدفعونها للتراجمة ولتجار السجاجيد والنحاس وغيرهم ويلذعهم إنفاقها. فالسائحون الأوربيون الذين ينزلون مصر وينزلون الشرق يجيئون إلينا أكثر الأحايين وهم لا يعرفون من أمرنا ولا من لغتنا ولا من تاريخنا أكثر مما تهديهم إليه كتب السفر الموجزة التي يقرءونها في قطار السكة الحديدية، وهم يزدادون إعجابًا بما تذكر تلك الكتب أنهم سيرونه بمقدار بعد هذا الذي سيرون عن الحقيقة وعن المعقول، وطائفة من الكتاب الأوربيين هم — مع الشيء الكثير من الأسف — وسائر السائحين في هذا المعنى سواء، ثم هم يجيئون ممتثلين غرورًا بأنفسهم واحتقارًا لهذه البلاد «الشرقية» التي يزورونها على أنها مصح مفيد بصفو هوائه، ومتحف جميل بقديم آثاره، فأما أن في هذا المتحف المصح شعبًا له حياة وله مميزات وله نشاط وله أثر في حياة العالم، فذلك ما قد تعلموا منذ صغرهم أن يضعوا من أمره على عيونهم غشاوة، فإذا ذهبوا إلى متجر ذهبوا مع مترجم، ثم طلبوا أنفس الأشياء، فبالغ لهم التاجر بعض الشيء في ثمنها؛ لأنه يتحدث إلى قوم لا يفهمهم ولا يفهمونه، فحسبوا هم أنه يغلو أضعافًا مضاعفة؛ لأنهم رأوا مثل هذا الذي يعرض عليهم بربع الثمن الذي يذكر لهم، لكنه من صناعة أخرى ومن خامات أخرى، كذلك يقول لهم التاجر! وما شأنهم بالصناعات والخامات ما دام المنظر هو هو، والمظهر هو هو، ثم إن عليم التفاوت في إدراك مختلف معاني الحياة، وفي تقدير آثار الفن بنوع خاص، قد باعد ما بين الشرق والغرب في تقدير هذه الآثار التي يوجد في بلادنا منها كثير؛ تاجر يعرض على سائح قطعة من خشب المشربيات (الأرابسك) فيطلب التاجر فيها عشرة قروش فيدفع السائح دهشًا لتفاهة الثمن، ويطلب التاجر في مثلها خمسين قرشًا فيدفع السائح دهشًا لقلة الثمن، ويطلب جنيهًا فتدهش السائح قلة الثمن. المسألة إذن ليس فيها شيء من الاشتراك في التقدير؛ كل هذا ولا دخل مطلقًا لحال مصر الاقتصادية في الموضوع. أما تاجر فينا فيمارسك؛ لأن سوء حال النمسا الاقتصادية تدفعه إلى ذلك، أو إلى أكثره بالرغم منه؛ تدفعه إلى ذلك وهو يعلم أنك تفهمه وتقدر بلاده كشعب قبل أن تقدرها كمصح، وكحياة نشيطة عاملة قبل أن تكون متحفًا لروائع الفن ولعاديات الماضي.
على أن هذه الحالة الاقتصادية السيئة وما نجمت عنه من حال سياسة أبدعتها الحرب والصلح جميعًا، جعلتك في حل من أن ترى من «فينا» متحفًا لآثار حياة انقرضت شهدنا نحن جميعًا انقراضها، ولما تقم بهذه الآثار حياة جديدة تجعلها، وإن حدَّثت عن ماضٍ مجيد، ليست أقل بلاغة في حديثها عن حاضر عتيد؛ تذهب إلى اللوفر وإلى فرساي وإلى فونتنبلو، فتحدثك في عظمة عن ملوك فرنسا حتى الثورة حين كان اللوفر مقرهم جميعًا، وحين كانت التويلري متاع نزهتهم ونزهة متاعهم، وحين كان فرساي المحدث الأكبر عن لويس الرابع عشر، وفونتنبلو عن نابليون، لكنها إلى جانب حديثها هذا عن الماضي القريب أو البعيد تحدثنا عن حاضر مجيد ليس أقل من ذلك الماضي عظمة وجلالًا؛ لقد انتقل تراث أولئك الملوك فسار ملكًا مطمئنًا للشعب، فنظمه في تلك القصور التي آلت إليه هي أيضًا كما شاء له ذوقه الجمال، ووضع الفكرة الملوكية التي بادت في المكان الذي يريد خياله أن يكون لها من بين المعروضات الحية في نظام الفن الديمقراطي. أنت تشعر باستقرار هذا الملك للشعب بمقدار ما ترى من عنايته وتنسيقه، أما في قصر البراطرة بفينا، وأما مصيفهم بضاحية شنبرون، فتشعر إذ تدخلها بأنها كانت مأهولة إلى قريب بملاكها، وأنهم هددوا فيها وأزعجوا عنها فولوا عنها فرارًا، ولم يتركوا لغيرهم من حياتهم فيها أثرًا مذكورًا. يصل الإنسان من فندق أستريا الذي نزلنا به إلى قصر البراطرة في بضع دقائق يقطعها سيرًا على الأقدام في طريق غير فسيح، فإذا آن له أن يمر بظاهر القصر وأن يقترب من أبوابه، رأى على يمينه عمارة من نوع عمارة القصر الواقع على يساره مقفلة الأبواب لا يحدث شيء حولها عنها ما هي … سألنا فإذا هي إسطبلات الإمبراطور، ولكن أين العربات وأين الجياد المطهمة وأين ما نرى من ذلك في «البتي تريانون» حين نزور فرساي؟ المالك الجديد، الشعب، لمَّا يعرف كيف يكون نظامها، ولعله لما يتسلمها من الحراس الذين قد يردونها كاملة، وقد يردون نصفها أو ما دون النصف. وجزنا هذه العمارة المقفلة، فدعتنا تماثيل فخيمة لنستدير عندها، فإذا تلك بوابة القصر، وإذا له بابان عن اليمين وعن الشمال، عقد فوقهما قبو بمقدار عرض العمارة يمتد النظر بعده في فضاء، ثم تقف عمارة ثانية دون امتداده. وآثرنا قبل دخول القصر أن نرى ما وراء القبو مما بين العمارتين، فدلفنا فإذا بنا في فناء هائل هائل يحيط بفسحته أجنحة القصر الأربعة، ويقوم في وسطه تمثال الإمبراطور فردريك، ويحدث خلال النظر في فسحته عما يمكن أن يكون ذلك القصر وما يمكن أن يحتوي، وللحظتي أيقنت أن مجرد المرور بغرفة من غير وقوف بأيها يحتاج إلى ساعات عدة، ما بالك إذا أردت أن تنال من كل غرفة خطفة عين! وعدنا إلى الأبواب فصعدنا سلمًا فيه من سلم قصر الهابسبور ببودابست شبه غير قليل، نشهد آثار الملكية الساقطة عن عرشها سقطة لا يزال دويُّها في الآذان. من تسع سنوات فقط، في سنة ????، كان يقيم في هذا القصر إمبراطور النمسا والمجر وخليفة الإمبراطور الهرم فرنسوا جوزيف الذي شهد القصر من آثار بذخه وترفه قبل الحرب ما يصبح حديث خرافة إلى جانب ألف ليلة وليلة. في هذه العشرات، بل المئات، بل أكثر من ذلك من الأبهاء والصالات والغرف والمقاصير والحجرات وملحقاتها من المتزينات والحمامات، كان الترف يسيل أنهارًا، وكان الملك وحاشيته وبلاطه وخدمه وحشمه يجدون في النعمة بهذا كله ما يمكنهم من حسن القيام على سياسة المملكة والقضاء على دسائس أعداء الملك، وهذا كله كان يستنزف من أموال ودماء وقرابين وأعطيات ورشى كل ما يمكن أن يصل إليه؛ لأن أضعاف ما يمكن أن يصل إليه هو في رأي الملك ورجاله بأشد الحاجة إليه لحسن سياسة الدولة ولقيام النمسا مقام العظمة الذي كانت تقفه بين الأمم. وها هم أولاء الذين كانوا يحسنون سياسة النمسا والمجر ويستعينون على حسن سياستها بهذا المتاع كله قد فروا فرار الآبق، وتركوا النمسا كليمة محطمة تئن أنين الجريح في حياته، بل الجريح أكثر من ذلك كرامة وعزة، إذ أصبحت النمسا تدوسها أقدام من كانوا يطأطئون رءوسهم أمام عظمتها ويخشعون ضراعة واسترحامًا.
ومصيف شونبرن أبلغ من قصر «فينا» حديثًا بهذه المعاني عن الملوكية الساقطة. وشونبرن ضاحية جميلة، تقع على نحو ساعة من فينا، ويصل إليها المسافر بالقطار وبالأوتوبيس وبالأوتموبيل، والطريق إليها جميل لا يمله النظر في أي جزء من أجزائه، وبالضاحية إلى جانب القصر مساكن ومقاهٍ لم أسأل: أهي استحدثت بعد الصلح وبعد أن آل القصر إلى الشعب فأصبح من حقه أن تكون ملاهيه إلى جانب مصيف الإمبراطور بعد أن انهار صرح الإمبراطورية؟ أم كانت هناك من قبل بتسامح القصر ورجاله عنها؟ على أنه لا يجذب الناس شيء مما بالضاحية إليها لو لم يكن القصر بها. وما تقول في أبدع عمارة وأروع نقوش للجدران، وأبهى صور زيتية، وأثمن تصوير في القماش من طراز الجوبلان! بل ما تقول في أكثر من ذلك كله: في حدائق هي الآية الكبرى في فن الحدائق! نعم، يتحدث هذا القصر المصيف حديث الترف المستغرق كل ما يتسع خيال أهل الفن جميعًا له من صور الترف، والمستنزف من أموال الدولة ودماء الأمة ما لا غنى عنه لقيام الإمبراطورية ولطمأنينة الإمبراطور وبلاطه. ولست أريد أن أفجأ خيال القارئ فأذكر له أن إحدى غرف القصر يطلق عليها اسم غرفة الملايين؛ لما أنفق في تزيين جدرانها بالذهب من ملايين الكورونات الذهب، بل من ملايين الجنيهات الذهب. ولست أريد أن أذكر أن بالقصر غرفة «لماري أنتوانت»، وأخرى لنابليون أيام حكم النمسا، وأخرى «لماري لويز» التي صارت من بعد زوجًا لنابليون، وأن هذا القصر يحتوي على كل ذكر من ابنهما ملك روما الطفل الذي أصبح من بعد دوق ريخشتدات، والذي مات بشونبرن من مائة سنة مضت. كلا! فليس من قصدي أن أقص حديث التاريخ، وإنما أذكر أن هذه الغرف والأبهاء والحجرات حوت في شونبرن من النفائس والطنافس ومن بديع المناضد، والموائد، وقد كسيت جدرانها بالذهب تارة وبالجوبلان أخرى، ما لو أراد مؤرخ أو رجل فن أن يقف عنده لاستنفد منه كتابًا ذا أجزاء عدة. هذه كلها والحدائق البديعة من ورائها وبركة المياه الجارية يصعد الإنسان درجات إليها في طريق الأقواس العالية أقواس الجلوريت (Gloriette) المطلة على فينا، والتي كان يستريح نابليون لتناول طعام الإفطار عندها، ذلك كله أكبر شهيد بما كان للإمبراطورية من الفضل على فن يجتمع في قصر بعد أن تذاب في سبيله أفئدة وتستنزف دماء، وتراق في سبيل الكد والكدح له مهج وأرواح، وهو اليوم باقٍ يشهد بانهيار هذا النظام الذي أقامه، والذي لم يجد في النمسا ما يقوم مقامه. على أنك ترى في قصر شونبرن ما لا تراه في قصر البراطرة بفينا، فناحية من قصر شونبرن تكاد تكون كقصور فرساي واللوفر، أو بالأحرى كقصر وندسور، احتفاظًا بروعته الإمبراطورية وتنسيق أثاثه ومعرفة الناس مواقعه، أما قصر «فينا» فهو على ما حدثتك كأنما فر منه بالأمس أهله، فما يدري نظامه بعدُ مَن وضعوا أيديهم عليه، ذلك بأن الإمبراطور كان يسمح للشعب، أو — بكلمة أدق — للرعية، بأن تزور شونبرن في أيام معينة، وكان يعد ذلك تفضلًا منه عليهم، وكان رجال القصر في تلك الأيام يجمعون أثاث القصر في ناحية ويحمونه بالحواجز من حبال وغيرها يقيمونها بين الشعب الذاهل إجلالًا لعظمة إمبراطوره وبين هذه الطنافس والنفائس المقدسة مما لا يجوز أن تقع عليه عين من غير أن تختلط في آي الإعجاب والإكبار بآي التقديس والإجلال، فلما ذهبت الإمبراطورية وآل القصر للشعب، لم يكن الشعب في حاجة إلى أكثر من الاحتفاظ بالقصر كما كان أيام الإمبراطور يتفضل عليه بزيارته، ومن أن ينزع من نفسه ومن خياله المضطرب بالتقديس والعبادة هذا الاضطراب المذل المخجل.
أما قصر «فينا» فلم يكن الشعب يعرفه، ولم يكن يتاح له أكثر من أن يمر بفنائه الفسيح الهائل؛ لذلك ظل كل ما فيه سرًّا من الأسرار إلا على رجال البلاط الذين فروا مع الإمبراطورية حين فرت، أما من بقي منهم فلم تبقَ لأحد به ثقة، مما جعل الشعب نفسه يفكر في أن يعيد النظام إلى قصر الإمبراطور، وما أوسع الهوة بين الرعية وقصر الراعي! لذلك ظل نظام القصر غير مكتمل، لأن المالك الجديد بحاجة إلى زمن وإلى مجهود لإكماله، ولأن لديه من سائر نواحي حياته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مما خلفت الحرب ما يشغله عن هذا اللون من ألوان الكمال الذي لا حاجة تمس إليه، ولا ضرورة تلجئ إلى الإسراع فيه.
•••

وهذا الشعب النمسوي في فينا والذي يعدل ثلث سكان النمسا كلها، ماذا تراه يفعل لحياته؟ أن بين ماضيه القريب وبين حاضره لهوة سحيقة أكبر من كل ما يتصور الخيال، هوة ليس سببها سقوط الإمبراطورية كما سقطت الملكية في فرنسا أيام الثورة الكبرى، ولو أن الأمر كان كذلك لهان الخطب، ولتمخض النظام القديم عن النظام الجديد في ظاهر من الثورة، ولكن في تطور يستبقي من القديم صالحه ويقضي فيه على ما دعا إلى الثورة عليه، ويشيِّد في أناة ورفق تلك المدينة الفاضلة الجديدة التي سعت الثورة إليها، والتي لا تزيد في أكثر الأحايين، فضلًا على ما ثار الناس عليه، وإن كانت دونه سوءًا وشرًّا، لكن ما أصاب النمسا بفعل الحرب قد حطم النمسا نفسها ولم يكتفِ بتحطيم نظامها. لم تبقَ إمبراطورية النمسا والمجر، ولم تبق مملكة النمسا وحدها، بل فُصلت المجر وقُلِّمت كما قدمنا، ثم قلمت النمسا بشر مما أصاب المجر، فهبط تعدادها من أكثر من خمسة وثلاثين مليونًا إلى ستة ملايين، وانتزعت منها أكثر أجزائها قدرة وأعظمها خصبًا وأوفرها إنتاجًا، وألقيت تلك العاصمة المجيدة القديمة (فينا) وما حولها من ملايين أربعة على خريطة أوربا، كما تمسك الرجل فتجز ساقيه وذراعيه وتحطم رأسه وتدق صدره ولا تبقي فيه إلا جذعًا يحيا ولا يعرف من الحياة غير الألم، فماذا يصنع هذا الشعب وهذا ما أصابه، وهو شعب مجيد ذو تاريخ يحدث عن أنه كان إلى يوم أعلنت الحرب صاحب كلمة مسموعة في سياسة أوربا كلها؟ بل لعل النمسا لو وقفت من مقتل ولي عهدها في «سيراجيفو» غير ما وقفت، ولم تندفع في السياسة التي دفعتها إليها ألمانيا وجنحت إلى السلم، لما نشبت الحرب كما نشبت، ولما ألقي على النمسا ما ألقي عليها من تبعات يعلم الله والتاريخ أن تلك الأمم الاستعمارية جميعًا متساوية فيها إزاء الحرب، وأن ما يتحمله بعضها من أعذار لإلقاء التبعة على البعض لا يدفع إليه إلا فزعه المرعب من أشباح ملايين الموتى والمدن المخربة والقلوب المفجوعة والنفوس الكليمة بالأيم واليتم وبكل أسباب الرزيئة والفجيعة.
نعم! ماذا يصنع هذا الشعب الذي رزأه الصلح أكثر مما رزأته الحرب؟ هو يجاهد ليعيش كما يجاهد المريض ليبرأ، وهو يأمل في العيش أمل المريض في البرء، لكنه يحس بفداحة عبء العيش، ويضعف في كثير من الأحيان أمله فيه، حتى ليتنفس في تلك الأحيان عن الاستغاثة مصوغة في طلب الانضمام إلى ألمانيا، وما هذا الطلب إلا استغاثة مؤلمة قاسية! أليس معناها ألا تبقى النمسا دولة، وألا تبقى فينا عاصمة دولة، وألا يبقى الشعب النمسوي شعبًا له كلمة مسموعة في الحياة الدولية، وأن يفنى هذا كله في جمهرة الولايات الألمانية المتحدة ليكون ولاية منها! وقد يصعب أن يكون له ما لها وعليه ما عليها! ولعل الشعب النمسوي إذ يرسل صيحة الاستغاثة هذه يريد أن يقول إنه لم يندفع إلى الحرب إلا بتحريض ألمانيا، فيجب أن تحمل ألمانيا وزر ما أصابه فتعينه عليه، وألا تذر ما مزقه الحلفاء به يجني عليه حتى يكاد يأتي على حياته، فإن يكن للصيحة هذا المعنى، أفحق أن الحلفاء مزقوا النمسا جزاء لها عن إعلانها الحرب على صربيا وروسيا؟ لكن ألمانيا لم تمزق ما مزقت النمسا وقد تضامنت معها وكانت المحرك الأول لها في كل تصرفاتها إزاء حادث «سيراجيفو»! وإنما وقف الحلفاء إزاء ألمانيا موقف المتهيب إلى حد غير قليل؛ لأنهم رأوا فيها قوة شباب ليس من اليسير أن تذعن، وللقوة أيًّا كانت احترام وتقدير. والقوي يهاب القوي وإن انتصر عليه، لكنه لا يرأف بالهزيم إذا كان ضعيفًا إلا أن يكون رجل شرف وعاطفة، والأمم لا تعرف العواطف، وأمم أوربا بنوع خاص قد أثبتت أن الشرف الدولي مرن يمكن أن يتشكل مع الحوادث على ما تريده الحوادث أن يكون.
هذه الصيحة بطلب الانضمام إلى ألمانيا غير مرجوة الثمرة القريبة؛ لأن النمسا تعلم كما تعلم ألمانيا أن الحلفاء يقفون في وجهها ويعترضونها بكل ما أوتوه من قوة، وهم إذا كانوا قد أقاموا التحالف الصغير من بولونيا وتشيكوسلوفاكيا ولتوانيا ويوجوسلافيا سدًّا بينهم وبين البلشفية! فهم لا يريدون أن تزداد ألمانيا قوة على قوتها بانضمام النمسا إليها، ليتجدد أمامها شبح الحرب، ولتكون ألمانيا والنمسا منضمتين قديرتين وهما دولة واحدة أن تسحقا هذا الحلف الصغير بمعاونة روسيا في أيام، لتدور رحى حرب كبرى من جديد؛ لذلك يقاوم النمسويون ما هم فيه من ضيق بكل ما أوتوا من وسائل، ويجدون من حكمة الحلفاء ما يكفل الوقت بعد الوقت إمدادهم بما يستبقي أملهم وإن لم يدفع إلى نفوسهم رجاء في سيادة أو رفعة. والظاهر من هذا ومما تراه في المجر وفي غيرها من البلاد التي تعاني متاعب الحرب الاقتصادية أن سياسة الحلفاء قد انقلبت بعد الحرب من النقيض إلى النقيض. فهي لم تبقَ كما كانت سياسة تنافس وتكاثر في سبيل الاستعلاء والظفر بإغراق الأسواق، بل أصبحت سياسة تجويع يعقبه تفريج لا يزيد على إزالة أثر الجوع. وقد سلكوا هذه السياسة مع ألمانيا نفسها، حتى اقتنعوا بفسادها، وبأن رخاء كل أمة من أمم العالم رهن برخاء العالم جميعًا، أما مع غير ألمانيا فلا يزالون يلجئون إلى تجارب غايتها إبعاد شبح الحرب مع استبقاء سائر الدول في مكان الانحناء أمام إرادتهم.
هذه الحال النفسية ظاهرة الأثر في كل ما تراه في «فينا»: في هذه الطرق الفسيحة التي تدل على عز الماضي والمهملة اليوم أو تكاد محدثة بنكبة الحاضر، وفي هذه القصور التي كانت آهلة فأقفرت، وفي المتاجر التي صارت إلى حال لا تحسد عليه، وفي هذا المرح المتكلف الذي يشعر الإنسان بأن النمسويين إنما يلجئون إليه كما يندفع المصاب لنسيان همه في الشراب أو في الميسر أو في واحدة من هذه الشهوات الدنيا التي لا يلجأ إليها الإنسان عادة إلا كارهًا. ولقد التمسنا يومًا مع أصحاب عرفناهم في «فينا» حانة من حانات اللهو يدعونها «الهاورجة»، فانطلقت الأوتموبيلات بنا إلى خارج «فينا» أو ما يكاد، ثم وقفت عند باب تخطينا منه إلى فناء محطم البلاط، ثم إلى غرفة فسيحة شبه مظلمة مدت فيها الموائد وجلس من حولها الرجال والسيدات، وكلهم يتناولون نبيذ العام، نبيذًا طفلًا لم يحبس في دن ولم يفكر أحد في تعتيقه، وهو لذلك لا يصعد إلى موضع الأسرار ولا يزيد على أن يبعث إلى الناس سرورًا طفلًا هو الآخر، ينسيهم همَّ الحياة زمنًا. وهذا النبيذ العام رخيص قليل الكلفة تقدَّم معه ألوان من الطعام رخيصة قليلة الكلفة أيضًا، يتناولها قاصدو «الهاروجة» في مرح وغبطة ينسون أثناءها ما يثقل كواهلهم من هم: وما أشد إقبال هؤلاء النمسويين على أي سبب من أسباب المسرة أو اللهو يجدونه في هذا المكان الذي تدعو دكنته إلى الانقباض، لولا النبيذ ولولا قصد السرور الذي يجيء الناس به يريدون أن يحققوا بالنبيذ أسبابه، فلما انتصف الليل تركنا الحانة وعدنا إلى فندقنا لنهيئ متاعنا كي نغادر «فينا» في الصباح.
وكأنما طافت بنا من فينا ريح كآبة وهمٍّ، جعلتنا ونحن بالقطار في طريقنا إلى براج نفكر فيما عسى أن نفعل، وإلى أين عسى أن نذهب، ولعل هذا سبب هيام النفس بالإسراع إلى منزل سرور وغبطة ينسيها ما بعثت إليها أوربا الوسطى من كآبة وهم، تألمًا مع أممها لما نكبها به الحلفاء في معاهدات الصلح بغيًا بغير حق.

براج – باريس – مصر


ترددنا آخر أيامنا بفينا بين السفر منها توًّا إلى باريس بقطار الشرق، وبين السفر إلى براج نزور فيها «كارلسباد» ونذهب منها إلى برلين ثم إلى باريس. وكان لنا ببراج صديق لا معدى لنا عن زيارته فيها وبيننا وبينها ساعات، فكتبنا إليه نذكر أنَّا قادمون عليه، وأخذنا تذاكر إلى عاصمة المملكة الجديدة — التي خلقها الحلفاء بمعاهدات الصلح لغاياتهم السياسية — تشيكوسلوفاكيا، وهبطناها، فاستقبلنا بلد جميل، تطل محطة السكة الحديدية أول مغادرتك إياها على حدائق ذات بهجة، وتجد بجوارها فندق ولسن، فيه كل أسباب الطمأنينة والراحة. وما لبثت بعدما أويت إلى الفندق واستعدت أمام ذاكرتي خريطة أوربا التي كنت أعرف قبل الحرب، والتي لم يكن فيها شيء اسمه تشيكوسلوفاكيا، حتى عاد هذا الاسم القديم الكثير الذكريات مرتسمًا أمام خيالي (بوهيميا) يمثل هذه القطعة من أوربا وتمثل براج كورته. بوهيميا، نعم! بلد غجر أوربا، ولكن غجر بغير هذا المعنى الوضيع الذي أضفاه الناس على هذه الكلمة عندنا في مصر، بل بالمعنى الذي يحبه رجال الفن ويعززونه. غجري؛ أي رجل لا يحب الاستقرار ولا يطمئن إلى الحياة المطمئنة، ولا يرضى عن العيش الساكن المتشابه مما تكره الناس عليه حياة الاستقرار والصناعة. وأحيا ذلك في ذاكرتي قصة «هنري ميرجيه»: «مناظر من حياة الغجر»، أولئك الذين لا يعرفون أين ولا كيف يقضون ليلهم، فإذا قضوه لم يعرفوا أين ولا كيف يقضون نهارهم، وليس ذلك لعجز منهم عن تدبير ليلهم ونهارهم، وإنما هو ازورار عن الحياة المنتظمة، وعن ذلك العيش الناعم الذي يتوهمه بعض الناس غاية النعمة والسعادة، وحب لمفاجآت الحياة والعبث بها والاستمتاع بما يسميه الناس شرها كالاستمتاع بما يتوهمونه خيرها. ذلك مذهب في الأبيقورية يعشقه الفن ويحسبه نوعًا من الترف لا يتذوقه، إلا من أوتوا في الفن موهبة عظيمة. استعادت ذاكرتي قصة ميرجيه وجعلت أسائل نفسي: ماذا عسى أن تكون عاصمة بلاد الغجر، وأي ألوان من الفن أبدعت فيها مواهب هؤلاء الذين لا يعترفون لغير رجال مذهبهم بموهبة في الفن؟
ونزلنا المدينة القديمة التي أصارتها الحرب عاصمة من بعد الحرب، هي ولا ريب مبنية على تلال لا يمكن أن يعزى إلى غيرها ذهاب بعض شوارعها مرتفعة أكثر من الأخرى، وإن لم تك في شيء من الارتفاعات العنيفة التي تعرفها شوارع البلاد الجبلية. والنهر يجري خلالها وإن لم يشطرها. وللمدينة على جانبيه بهجة ليست في شيء من بهجة بودابست ولا من بهجة أكثر البلاد النهرية التي رأينا، على أن بشوارعها وبمتاجرها وفي ظاهر أهلها روحًا من المرح لعله هو هذا الاستخفاف بالحياة مما عرف عن البوهيميين. مرح يبدو أثره في كثير من فنونهم وألوان العيش عندهم؛ ففي كثير من المتاجر يرى الإنسان صناعة الزجاج المزخرف بالغة من التأنق والدقة مبلغًا إلا يكن فيه من البهر ما في زجاج البندقية، ففيه من معنى الفن ما يسمو في نظر البعض على زجاج البندقية. وهنا رأيت لأول مرة انتشار المطاعم «الأوتوماتيك» انتشارًا يجعلك تعتقد أنها بعض مكونات الحياة في براج؛ ففي شارع واحد من شوارع المدينة الرئيسية أربعة من تلك المطاعم، يكفيك أن تدخل أحدها لتجد في زجاجه ألوان الطعام والشراب مما تحب، فإذا أعجبك صنف من هذه الأصناف فما عليك إلا أن تضع مبلغًا مكتوبًا على الزجاج في ثقب بجواره، فإذا هذا الطعام أو الشراب يتقدم بنفسه من الزجاج إليك دون أن تمد يدًا أو تحتاج في تناوله إلى خدمة أحد. وعلى هذه المطاعم يقبل كثيرون ساعة الظهيرة بنوع خاص حين يخرجون لتناول طعام غدائهم يريدونه قليل الثمن قليل الكلفة، فيهرعون إلى هناك يتناولون «الساندويتش» أو البيض أو السمك أو أي نوع شاءوا من أنواع الطعام أو الخضار مما تراه وراء الزجاج. وقد لا يطيق أحدهم صبرًا على أن يتم تناول هذا الطعام الخفيف في هذا المكان، فما يكاد يجيء على الشطر الأكبر منه حتى يأخذ سائره بين يديه وييمم شطر الباب ليتم هناك تناوله وليتم في الطريق مضغه. وهذا النوع من العيش وتلك الدقة في الفن مما أشرنا إليه في الزجاج وفي كثير من صناعة بوهيميا الخاصة، تبرز لك فكرة خاصة عن هذه المدينة.
إلى جانب هذا الفن وهذا المرح في عاصمة تشيكوسلوفاكيا، ففيها من الآثار ما يشهد بأنه بلد قديم بين بلاد أوربا قلَّ من كبرياتها من تعرف ما يعرف من الآثار القديمة؛ فيها ساعة في ميدان ضيق يشير إليها أهل المدينة على أنها من أقدم الساعات المعروفة، وتتصل ببوابة تذكرك إذ تراها «ببوابة المتولي» بالقاهرة، وهي على ضيقها يمر من تحتها الترام، فيقف ساعة مروره حركة الجهة كلها وقفًا تامًّا، وفيها سراي رئيس الجمهورية يقيم فيه مسيو مازاريك مطلًّا على النهر ومتصلًا بمتحف جميل يزوره الناس ليروا فيه بعض الآثار البوهيمية في الفن الجميل وصورة من تاريخ بوهيميا. ولقد كان من شأن هذا كله أن يستبقينا ببراج أسبوعًا على الأقل، لكنا لم نقم بها غير أيام؛ إذ كانت حالتنا النفسية قد بدأت تهوي إلى السآمة والملل، وبدأت نفسنا تشعر بحنين إلى باريس عجيب … حنين لذاع فيه معنى تأنيب النفس كيف نمضي كل هذا الوقت بعيدين عنها وهي هي صاحبة الفضل علينا، وهي هي التي حلت من قلب زوجي وحلت من قبل ذلك بسنين كثيرة من قلبي أنا محل إعزاز وإكرام، حتى لأعدَّها وطني من ناحية الثقافة والتهذيب، لكن برلين على مقربة منا، أفلا نذهب إليها؟ كلا! كلا! لم تبقَ للنفس طاقة بالسفر إلى بلد غير باريس، ولم تبقَ لها طاقة بالمقام بعيدًا عنها، لم تبقَ لها طاقة بأن تشاهد ما حولها في براج، وبأن تقف مأخوذة معجبة به كما وقفت في الآستانة ورومانيا وبودابست. والطريق بين براج وباريس يستغرق ثمانٍ وعشرين ساعة. فليكن! ولتكن مشقة الطريق بعض ما نكفر به عن التباطؤ على باريس، كما أن مشقة الحج إلى بيوت الله المقدسة بعض ما يزيد الحاج أجرًا. وعبثًا حاول صديقنا أن يستبقينا معه ببراج زمنًا أطول لنزور معًا «كارلسباد»، فقد نفد كل ما في النفس على اللحاق بباريس من صبر، ودلفت أنا وزوجي يومًا مطيرًا في الطريق الموازي لطريق فندقنا، حتى بلغنا محلات كوك، فأخذنا منها تذاكرنا وحجزنا للغداة أماكننا، وأنبأنا بذلك صديقنا، وكنا في الساعة العاشرة من صباح الغد نودعه وأهله ويودعوننا.
وانطلق بنا القطار، وانكشف من حولنا السهل وانفسح الأفق، وليس قطار براج – باريس من نوع السهم الذهبي الذي يصل بين لندن وباريس فلا يقف بينهما إلا ريثما ينتقل المسافرون على الباخرة فوق المانش؛ كلا! بل هو يقف في محطات شتى كانت «بلسن» في مقدمتها. ولبلسن في البيرة شهرة عالمية؛ لذلك ما كاد القطار يقف بها حتى رأينا باعة البيرة يجرون بعرباتها، ورأينا المسافرين يتسابقون إلى شربها، كأنما هي جرعة من ماء زمزم يتبركون بها. وهؤلاء الباعة يحمل الواحد منهم في يده عشرة أكواب، فإذا وزعها طار إلى عربة يجيء منها بأكواب أخرى. وعاود القطار انطلاقه بعد ما ترك للمسافرين الفترة الكافية للمتاع ببيرة بلسن، وبقينا تحيط بنا الطبيعة الأوربية السهلة في هذه الجوانب من بوهيميا وألمانيا، حتى إذا كان الصباح كنا عند الحدود الفرنسية، وكنا قد بدأنا نشعر بأن السفر حقًّا قطعة من العذاب، لكن وجهتنا باريس، وقد قطعنا أكثر من عشرين ساعة، فلم يبقَ إلا أقل من ثماني ساعات؛ فلنصبر، ولنمد الأعناق تجاه مدينة النور، فإذا بلغناها في الساعة الأولى من بعد الظهر كان لنا أن نسرع إلى مخادعنا، وأن ننال فيها قسطًا من الراحة يعوضنا عن هذا الجهد المضني وهذه المشقة التي هدت الجسم ورضته.
لكنا ما كدنا نصل باريس حتى شعرنا بحياة جديدة ونشاط جديد يسريان إلى أعصابنا وإلى قلوبنا وإلى أرواحنا، شأنك حين تلقى أعزة لم ترهم من زمان، فإذا رأيتهم بعثت الغبطة بهم إلى نفسك انتعاشًا يقضي على كل ما قد ينتابها من سآمة أو ملل، وبلغنا من ذلك حتى لم تطرف لنا بغفوة عين، بل قمنا بعد أن نظمنا متاعنا في غرفة الفندق، ونزلنا نطوف أنحاء باريس نتنسم ريحها ونحس روحها، ونضم إلى صدرنا ما في كل نسمة من نسماتها من عطف وفن وحياة، ونحن الذين أجهدنا السفر لم نطق صبرًا على مسارح باريس ألا نؤمها، فأخذنا تذاكرنا في ممثل «أنتوان» وقضينا إلى منتصف الليل يغالبنا التعب ونغالبه ويعيننا التمثيل الجميل المملوء بالنكتة الظريفة والحكمة السامية والحياة القوية على التغلب عليه، وانخرطنا في حياة باريس فرحين بها مستبشرين بكل شيء فيها، ميممين التويلزي والكونكورد والشانزليزيه تارة، مستمتعين بغاب بولونيا تارة أخرى، منتقلين إلى الشاطئ الأيسر حينًا، مسافرين إلى ضواحي العاصمة الكبيرة حينًا آخر، مقرين دائمًا إقرارًا خالصًا بالجميل الذي غمرتنا به مدينة النور منذ ردت إلى زوجي طعم الحياة.
على أن ظرفًا خاصًّا كشف لنا من باريس عن ناحية ما كنا لولاه لنراها، ذلك ما كان من زيارة جلالة ملك مصر لعاصمة الجمهورية الفرنسية واستقباله بها رسميًّا في اليوم التذكاري لموقعة نافارين التي فيها حطم حلفاء ذلك العهد، ومن بينهم فرنسا، أسطول مصر حين صولتها وسطوتها أيام حكم محمد علي، حتى لا تكون دولة قوية على البحر الأبيض تنازع دول أوربا السيادة فيه، وكان ذلك في ?? أكتوبر سنة ????. وأكتوبر في باريس شهر ساحر تعود فيه لباريس كل حياتها؛ إذ يعود إليها كل أهلها، فينشط كل شيء فيها، ويزداد نشاطًا بجو الخريف الساحر تتضوع به كل أرجائها. وقد زاد ذلك في غبطتنا بالزيارة الملكية لعاصمة الجمهورية، كما زاد فيها أن وزارة الخارجية الفرنسية والجمعيات والهيئات الفرنسية التي احتفلت لجلالة الملك فؤاد دعت زوار باريس من المصريين جميعًا إلى جميع حفلاتها؛ بهذا أتيح لنا أن نحضر حفلة المسيو دومرج رئيس الجمهورية في قصر الإليزيه، وأن نشهد في بهوها الفسيح الجميل تمثيل قطع من روايات مختلفة يقوم بها ممثلو الكوميدي فرانسيز والأوبرا كوميك والأوبرا وموسيقاروها، وأن نشهد كذلك حفلات في الجمعية الجغرافية وفي متحف اللوفر وفي أماكن شتى، وأن نستمع إلى أكابر العلماء والوزراء الفرنسيين يرحبون بجلالة الملك ويوضحون بين يدي جلالته ما يعرضونه أمامه مما يقع عليه نظره. وما كان أظرف مظهر بعض البارزين في الحياة السياسية منهم والمعروفين بالتطرف في الرأي الجمهوري وهم يقومون بواجب الضيافة والإكرام في ظرف ورقة. كان مسيو هربو الزعيم الاشتراكي والجمهوري المتطرف وزيرًا للمعارف فللفنون الجميلة بطبيعة الحال، وكان عليه لذلك أن يستقبل الزائر الكريم في صالة بمتحف اللوفر نظِّم فيها معرض لصور تتصل بمصر وتاريخها من بينها صورة لمحمد علي الكبير، فلما دخل جلالته صالة ذلك المعرض خطب مسيو هريو بين يديه مشيدًا بأعماله وأعمال أبيه وجده، مستريحًا إلى أن الخلاف في العقيدة السياسية لا يغير شيئًا من واجبات اللياقة، كما يجب ألا يغير شيئًا من أسباب المودة أو الصداقة.
وآن لنا أن نعود إلى مصر، فأقلتنا إليها الباخرة «إكسفردشير» وأرتنا أثناء سفرها على البحر منظرًا عجبًا؛ فقد كان المسافرون أصيل يوم سادرين في مرحهم ولهوهم، وإذا سحب تحجب الشمس، وإذا موج يهز السفينة، ثم إذا المطر ينهمر هتونًا فيحيل الوجود كله؛ سماءه وموجه وبحره وسفينته، ماء يجعلنا في آن سابحين غرقى، ويبعث إلى نفوسنا من أسباب الرهبة ما يزيدها انكماشًا كلما برز الوجود أمامها بما يشعرها بعظمته وصغرها أمامه. وظل تهتان المطر سويعة، ثم أمسكت السماء وإن بقيت الشمس في حجاب من السحب، على أن هذه السويعة أدنت ساعة مغيب بديع ردتنا سابحين غرقى في لجة عسجدية، مما أفاضت السماء على السحب، وما سكبت في الماء من ذوب أشعتها القانية الحمرة، حتى لكأنها تهمي دمًا يصبغ الجو كله مدى ساعة كاملة، تجيء بعدها ظلمة الليل فتبتلع كل أثر للمغيب.
وبلغنا مصر وانخرطنا في حياة العمل، حتى إذا كنا في أول يونيو سنة ???? في عطلة عيد الأضحى باغتني أوتموبيل، فاضطررت إلى وضع ساقي في الجبس ولزوم منزلي ستة أسابيع كاملة خرجت بعدها متعب الأعصاب محتاجًا أشد الحاجة إلى الراحة والسكينة، ففكرت من جديد في أن أفي بالنذر الذي نذرته لنقضين الصيف في أوربا، واخترت جنوا مرفأ البداية لرحلتي، وغادرت القاهرة في ?? يوليو لأستقل الباخرة «أوزارامو» في ميناء بورسعيد. غادرتها وجو مصر السياسي مثقل باحتمالات ما كنت لأستطيع — وأنا فيما أنا فيه من جهد — أن أقوم على وجه مرضٍ بواجبي الصحفي، وكأنما أراد القدر أن يجعل نصيبي من الاستشفاء في هذه الرحلة أوفر من نصيب زوجي؛ فقد أشار الطبيب عليَّ بأن أذهب إلى «بارجستين» أعالج بمياهها ما أصاب كتفي اليمنى أثناء مقامي بالدار سجين ساقي، ولم أكن أدري أن القدر المحسن قد كتب لنا في لوحه أن يكون هذا الصيف آخر صيف لاستشفائنا، وأن سيعود لنا أكبر الرجاء في العوض عما أصابنا قبل صيف العام المقبل، فتكون مغادرتنا مصر إلى أوربا في مهمة سياسية بدل أن تكون مهمة استشفاء وانتظار ورجاء.

الكتاب الثالث


?? يوليو–?? أكتوبر سنة ????

بين بورسعيد وجنوا


أتراني أتحدث مرة أخرى عن الطريق بين مصر وأوربا؟ وأي جديد أقول في الماء والسماء ورفاق السفر وما قد يتخلل ذلك من صحو في الجو أو هياج في البحر أو دوار يصيب الراكبين أو مرح يلهو به كل ليقطع أيام البطالة والكسل؟ على أني شعرت في سفري هذا الأخير بين بور سعيد وجنوا بحالات نفسية لم يكن لي من قبل بها عهد، ولست أدري إلى أي سبب أردها، فلقد كان البحر هادئًا والجو صفوًا طول الطريق، والباخرة الألمانية «أوزارامو» باخرة عادية في كل شيء فيها، وفي ركابها أكثر من كل شيء فيها، فماذا عسى أن تكون المؤثرات التي دفعت إلى نفسي تفكيراتها في هذا السفر؟ أهي الموسيقى الألمانية التي كان يعلبها موسيقار الباخرة طول الطريق؟ أم هي قراءتي ما كتبه «جول لمتر» عن «لا مارتين»، وما كتبه «إدوارد شوريه» عن «موسى»؟ أم هي حاجتي إلى التفكير في شيء غير المضطرب السياسي الذي خلفته ورائي في مصر؟ أم هو هذا الضعف الثائر الذي يملأ النفس إثر المرض وإثر الحوادث؟ لست أدري أي هذه العوامل أكبر أثرًا في نفس كانت في حاجة أشد الحاجة إلى الراحة من التفكير ومن الحركة ومن كل صور النشاط العصبي، كي تستعيد بالراحة قسطًا من نشاط فتر فيها قبيل مغادرة مصر ومغادرة العمل. ولعل الموسيقى كانت أكبر العوامل أثرًا؛ فما عرفت في كل البواخر التي سافرت عليها واحدة كهذه الباخرة الألمانية تسمع فرقة على ظهرها من الموسيقيين المتقنين في الصباح وبعد طعام الغداء وساعة الشاي وبعد العشاء توقع أحسن الألحان لأكبر المنشئين، فتملأ نفسك كل يوم مدى ثلاث ساعات أو تزيد بأحلى الأنغام وأبدعها، وبأكثرها سموًّا بك فوق المطامع الدنيا إلى عالم روحاني تنهل عواطفك العليا منه أعذب ورد، ويتهادى فؤادك فيه فوق موج هادئ حينًا، مضطرب آخر، ساكن ثالثًا، سابح بروحك وبنفسك في لجة من عذب النغم.
ما عرفت مثل هذه الفرقة فوق كل البواخر التي سافرت عليها، وكل ما أذكر أني سمعته من موسيقى، فتلك أنغام الرقص الحديث يوقعها خدم الباخرة ليتسلى بها الركب سويعة، وليساعدوا بها مِعَدهم على هضم طعام العشاء، ولست أنكر رغبتي عن موسيقى الرقص الحديث هذه وما تشنف به المسامع أنغام الجازبند والشارلستون وغيرها مما لا أذكر له مثيلًا قبل الحرب، ومما أنشأته الحرب إرضاء لشهوات الجماهير ثمنًا لفضلها في القتل والقتال دفاعًا عن الوطن؛ فهذه الجماهير لم تكن لتسيغ الموسيقى «الكلاسيك»، ولم يكن يحلو لها تجارب نغم الأجسام في رقص الفالس وغيره، ولم يكن المؤلفون يعنون يومئذ بإرضاء هذه الجماهير التي كانت قانعة بالعيش في بقعة الأرض التي ولدت فيها، سعيدة بهذا العيش أكبر السعادة، زاهدة في الموسيقى وفي الرقص وفي كل ألوان الترف، ناظرة إليها جميعًا على أنها بعض آثار البطالة مما يتسلى به الأغنياء الفارغون على ملال الوقت، فلما آن لهذه الجماهير أن تخرج من أوكارها إلى ساحات القتال، وأن تبدي من البطولة في الدفاع عن أوطانها ما أبدت في الحرب الكبرى، لم يكن بد من أن تعلو الأنغام التي تلذ الجماهير ولو إلى حين ينسى فيه الناس الحرب وما تطلعت إليه العيون من شهوات الإنسان الدنيا إلى حد التلذذ بالسفك وإراقة الدماء، ثم تعود بعد ذلك الموسيقى الإنسانية إلى مكانتها من النفوس الراقية. ولست أنكر أن من حق الملايين التي استماتت في الدفاع عن أوطانها، والتي استهانت لذلك بالموت، أن تنعم بما يرضي شهواتها على عجل، خيفة أن يجيئها الموت قبل أن ترضي هذه الشهوات، لكن ذلك لا يمنعني من أن أرغب عن تلك الموسيقى.
أنا أرغب عنها وإن كنت أرى الجماهير تتحرك لها وتطير إليها، لا بالنفوس والأسماع وكفى، بل بالأجسام والأرجل أيضًا. وإذا طارت الجماهير إلى شيء لم يستطع كثيرون أن يقفوا دون مجاراتها والإعجاب بها؛ أليست الجماهير هي قوة الحياة البريئة السليمة من أمراض التفكير والرفاهية والتسامي بالنفس أو بالروح أو بالعاطفة أو بغير هذه من المشاعر التي أحس بها المعلمون والمترفون، أو ادَّعوا في نظر البعض، أنهم أحسوا بها؟ ومن ذا يستطيع أن يقف أمام تيار قوة الحياة البريئة من هذه الأمراض، بل من ذا يستطيع تجنبها والازورار عنها وعدم متابعتها إلا رجل لا يزال يقدر للتفكير وللروح وللعاطفة قيمتها ويراها فوق المستوى العادي، فليس يليق بصاحبها أن ينزل إلى هذا المستوى من غير أن ينكر نفسه.
على أن فرقة «الأوزارامو» لم تضن على السَّفْر بليلة تحييها رقصًا من هذا الرقص الحديث، وفي هذه الليلة وقفت أشهد الراقصين وأسمع لأنغام الموسيقى. ما أكبر الفرق بين هؤلاء الأشخاص الذين أرى الآن يرقصون وبين هؤلاء الأشخاص أنفسهم إذ يستمعون إلى الأنغام السماوية يحيي بها الموقعون أسماء كبار الموسيقيين من أهل القرن الماضي! بل ما أكبر الفرق بين نفسي وأنا أراهم وبين نفسي وأنا أسمع لتلك الموسيقى السماوية؛ ها هم أولاء أمامي يرقصون، وهأنذا أشهدهم وأسمع إلى موسيقى تعيد إلى نفسي ذكر «دلوكة أبي الودع» في قرى الريف. انظر إلى شفاههم تبسم طربًا للساعة التي هم فيها بسمة لا تخلو من معنى قوي فيه رغبة وفيه وحشية، وانظر إلى حدق عيونهم ليس فيه معنى من معاني الأمل، ولا هو يرنو ندبًا إلى بعيد في عالم الأماني، بل هو يضحك سعيدًا باللحظة الحاضرة ناسيًا فيها كل ما سواها، شأن الحيوان جميعًا لا يعرف الماضي ولا المستقبل، لأنه لا يذكر ولا يرجو ولا يتمنى، ثم انظر إلى هذه الحركات؛ حركات الأجسام والأرجل، وما أظنك إلا تشاركني في أنها لا تعبر عن أنغام الأجسام في صورة تغتبط لها المعاني السامية. انظر إلى هذا كله وانظر إليَّ أنا أيضًا، فأنا أضحك ملء أشداقي، ولا أعرف من كل ما حولي غير هذا المنظر الساذج في براءته الحيوانية، والذي يجذبني إليه لأنه يثير من نفسي ميلها إلى الراحة. وهل أدعى إلى الراحة من أن أقف العقل فلا يفكر، والنفس فلا تحلم، وأن نستسلم بكلنا لحواسنا المشغولة بما أمامها من لهو الحاضر!
هأنذا الآن أستمع من جديد مع هؤلاء الأشخاص الذين كنت أشهدهم يرقصون إلى الموسيقى بالمعنى الذي تفهمها به الإنسانية السامية. انظر إلى حدق العيون وبسمات الشفاه ترَ الماضي وذكرياته، وترَ المستقبل وآماله، وترَ المعاني الإنسانية مرتسمة على كل جبين. هنا مسارح الأمل ولواذع الألم، وهنا يتصل الإنسان بالوجود اتصالًا روحيًّا خالصًا.
أنت هنا لا ترى غرائز تحركها الأنغام الوحشية، ولكنك ترى أرواحًا تستحيل أنغامًا وتذهب مع الأنغام إلى حيث يريد مؤلفها أن تذهب. إن هذه الموسيقى لا تنسيك نفسك، ولا تنسيك الماضي والمستقبل لتقيدك باللحظة الحاضرة. كلا! إنها لتوقع من نفسك على أوتارها التي تكونت في الماضي والتي ترجو للمستقبل، فتستثير من هذه الأوتار معاني ما أشد ما تشعر أنت بالحاجة إلى التعبير عنها، فتعجز الكلمات وتعجز الأصوات عن أدائها غير صوت الموسيقى الشجي الحنون.
أترى؟! لقد أنستني الموسيقى نفسي، وأنستني ما قصدت إلى كتابته، وهذا الذي أشرت إليه عما شهدت في ليلة الرقص التي أحيتها فرقة «الأوزارامو» لما يأت موضعه. فليلة الرقص هذه كانت ليلة السبت ونحن ركبنا الباخرة ليلة الأربعاء، وفيما بين الأربعاء والسبت قرأت وفكرت واطمأنت نفسي إلى أن أكتب شيئًا عن هذا السفر. والمقارنة بين موسيقى الرقص الحديث والموسيقى الإنسانية، وأن الأولى بعض نتائج الحرب، لم تكن بنت ليلة السبت بل كانت سابقة لها. لكن الموسيقى هي أول ما لقيني في تلك الباخرة الألمانية ساعة صعدت إليها في ساعة الشاي، وساعة عدت إليها في المساء بعد وقت قضيته في بورسعيد في صحبة خير صحبة. والموسيقى ساحرة، فليعذرني القارئ إذا أنا سُحرت ونسيت نفسي في حديثها وفي المقارنة بين ما قارنت بينه منها.
ثم لعل على الموسيقى بعض التبعة في تأثري بما تأثرت به من بعد، فلست أعهد نفسي سريعة إلى الطيرة ولا إلى التفاؤل، وليس يسيغ عقلي أن يكون لحادث يقع نبوءة بحادث بعده لا صلة له به. مع هذا فقد تحطم زجاج إحدى نوافذ الباخرة في يوم الأربعاء، فإذا أعصابي تهتز وإذا بي أتطير. ولماذا؟ ما علاقة نافذة تحطم زجاجها بالحوادث التي تقع بعد ذلك؟ أريد أن أعزو هذا إلى شحذ الموسيقى لنفسي، ولعلي أجد في ذلك عذرًا خيرًا من العذر الصحيح، خيرًا من أن أعصابي كانت مجهودة ساعة تركت مصر إلى حد أن هبطت إلى مستوى من لم تهذب أعصابهم، فهبطت إلى التأثر بما به يتأثرون، وإلى الإيمان بما به يؤمنون.
ولقد أضحك الآن من نفسي إذ أذكر جهادها لتصل بين هذا الحادث وحادث آخر وقع في يوم الخميس، فبينما الجو صحو في الساعة السادسة من مساء ذلك اليوم والبحر ساكن والشمس تنعكس أشعتها على صفحة الماء، إذا ضباب يهبط دفعة واحدة حتى حجب الشمس وملأ الجو بريح كريح الدخان، ثم إذا بنا في ظلمة لا يبصر الإنسان معها شيئًا، حتى لقد اضطر ربان السفينة إلى أن يطلق في الجو صفارته ليسمع البواخر التي يمكن أن تكون على مقربة منا، فلا ترتطم بنا ولا تذهب أرواحنا وأرواح سَفْرنا إلى قاع البحر. هنالك تصورت الموت جاثمًا خلال هذا الضباب الكثيف، وذكرت زجاج النافذة المحطم، وأيقنت بأنه سيصيبنا، ولا شك، مكروه، وأسلمت أمري لله، إليه تصير الأمور. والمسافرون غيري في مرح كأن لا ضباب يجثم الموت خلاله، وكأنهم لا يذكرون النافذة التي تحطمت، فأعجب لهم وما يصنعون. واستمر قتام الجو ساعة كاملة كان صفير الباخرة، أو نحيبها إن شئت، يعلو بين فترة وفترة اتقاء الخطر، أو كأنها تستمطر الرحمات على هذا الجدث السابح سيبتلعه الموج عما قريب، فلما تكشف الجو عاودتني سكينة مشوبة بالخوف. من يدري! أليس الإنسان يسير في الطريق فيدهمه أوتموبيل قد يقضي على حياته وقد يصيبه بمكروه؟ وقد تصطدم الباخرة وسط هذا الضباب فلا ندري أينا ينجو وأينا تبتلعه رحمة الله.
أضحك الآن، بعد يومين اثنين، من تفكيري في تلك الساعة، ولا عجب من ذلك التفكير ولا من هذا الضحك؛ فأربعة أيام في جو كهذا الجو البديع الذي تخطر الباخرة فوقه قمينة بأن تعيد النشاط والقوة إلى أضعف الأعصاب، وإلى أعصابي التي كانت مضناة ساعة غادرت مصر. على أن هذه اليقظة العصبية بعد ذلك الحادث اصطحبت بقراءة من شعر «لامارتين» وبأخرى عن حياة موسى، فجعلني ذلك كله أفكر فيما حولي من لا نهايات لا تحدها الآفاق تفكيرًا أشرك القارئ فيه وأترك له حرية تقديره، معتذرًا له دائمًا بأني ربما كنت ما أزال في حالة فكرية كتلك الحال العصبية التي ضحكت منها.
يعرف القراء مقدمة كتاب الرحالة الكبير أحمد بك حسنين عن رحلته خلال صحراء ليبيا؛ وكل من يعرف هذه المقدمة لا يستطيع أن ينسى هذه الصحف البديعة الخالدة التي دبَّجها يراع حسنين عن الإيمان سندًا للنفس وسط الصحراء. هذا الإيمان الذي يعتمد عليه راكب الصحراء أكثر من اعتماده على إبله؛ لأن الإبل قد تنفق، وأكثر من اعتماده على دليله؛ لأن الدليل قد يضل، والذي يحبب إليه الموت فيها لأنه موت في أحضان الرحمن الرحيم، هذا الإيمان هو الذي كنت أفكر فيه حين كنت أقرأ شعر لامارتين وحياة موسى، وحين كانت تهبط كسف الضباب فتملأ الجو وتحجب عن عيوننا ذلك الحيز الضيق المتصل بيننا وبين الأفق، وتعرِّضنا بذلك للخطر وللهبوط إلى قاع البحر بين الأسماك.
ولكن ما أكبر الفرق بين إيمان وإيمان! ما أكبر الفرق بين إيمان بالحب العطوف الرفيق يصل بين الخلائق بعضها وبعض، ويصل ما بين الحاضر والماضي والمستقبل، وإيمان بالعدم يبتلع الأشياء في جوفه الأسود فلا يبقي منها ولا يذر ولا يصل بين شيء منها والشيء الآخر بصلة، وإيمان عبوس بالقدر القاسي فيه العذاب وفيه الألم وفيه الانتقام تمتد أيديها الملتهبة لتحرق ما في الأرض وما في السماء فتذرها هشيمًا تذروه الرياح. دع عنك هذا الإيمان بالعلم إيمانًا خلاصته أنَّا لا نعرف من العالم إلا قليلًا، وأنَّا يجب أن نحتاط فلا نقامر بعقولنا ولا بنفوسنا في مجاهل ما لا نعلم.
وبين هذه الصورة من الإيمان ذكرت تاجور شاعر الهند، وذكرت شخصه المهيب المحترم، وصوته العذب الملائكي الذي يسيل محبة ورحمة. الإيمان والعلم خصيمان؟ ولماذا؟ الإنسان والوجود خصيمان؟ ولماذا؟ الحياة والموت خصيمان؟ ولماذا؟ أليس ذلك كله بعض ما في الوجود؟ وكيف يكون البعض خصمًا لكلٍّ هو منه ولا حياة له إلا به؟ وهل كان للناس أن يصلوا إلى العلم الذي وصلوا إليه لو لم يسبق العلم إيمان؟ فإذا هم جمعوا إلى علمهم اليوم إيمانًا أوسع مدى وأسمى غاية من إيمان أسلافهم فقد يصبح بعض هذا الإيمان علمًا في المستقبل، وقد يرتفع بهم وبإيمانهم درجات جديدة. ولم لا؟ أليس للوجود وحدة كما أن لكل ذرة من ذرات الوجود وحدة؟ وكيف نأبى على الكل صفة نعترف بها لجزء منه؟ وإذا لم نكن نحن قد بلغنا من العلم إلى معرفة دقائق وحدة الوجود هذه، فنحن نستطيع أن نحسها وأن نقدرها، وأن نؤمن لذلك بها كما آمن آباؤنا من قبل بأشياء أصبحت بعض ما يحيط به علمنا إحاطة تامة نعرف منه كل سننه وقوانينه، فليكن من عمل المفكرين منا أن يفكروا في الوجود كوحدة، وفي صلة هذه الوحدة بأجزائها صلة نظام ورفق كالذي نراه في صلات الموجودات جميعًا. وهم، ولا ريب، مهتدون في مستقبل قريب أو بعيد إلى شيء من سنن وحدة الوجود على صورة علمية إن لم يتح لنا الاهتداء إليها جميعًا على هذه الصورة العلمية.
•••

كذلك كنت أفكر صباح الجمعة، فلما كانت الظهيرة وتناولنا طعام الغداء، وسمعنا إلى الموسيقى وفكر البعض في الهبوط إلى مضاجعهم، إذا برجال الباخرة يوزعون على الناس قبعات من ورق صنعت على أشكال مختلفة، بعضها صيني وبعضها هندي وبعضها تركي وبعضها تيجان للسيدات تلمع فيها أحجار كما يلمع الألماس. ما هذا؟ ذلك ما لم أعرفه لساعتي؛ لأني ركبت الباخرة من بورسعيد، فأما الذين استقلوها من قبل ذلك بأسابيع فيعرفون أن ليلة السبت ليلة راقصة هي التي حدثتك من قبل عن موسيقاها، وهي ليلة راقصة في ملابس الخفية.
وأنت تعرف كيف يفتنُّ الأوربيون في ملابس الخفية؛ لذلك اتخذ كل من القبعات التي أشرت إليها ما يتفق وما عنده من لباس، واستعدوا بذلك لحفلة المساء، فلما كنا ساعة الطعام إذا كلٌّ قد استبدل ملابس السهرة بملابس عجيبة؛ فشيخ عرب و«قبضاية» وصيني، وآخرون اكتفوا بالقبعات التي اختاروا ساعة الظهر، فأما السيدات فافتنت كل منهن ما استطاعت، وبلغ بعضهن من ذلك حدًّا بدا على غرابته جميلًا، وبلغت أخريات من التستر حدًّا ظريفًا. واجتمع الرجال والنسوة من الدرجتين الأولى والثانية بعد أن استمتعوا بعشاء خاص في هذه الليلة الخاصة، ودقت الموسيقى ودار الرقص، ونسي الناس أنفسهم في هذه اللحظة التي لا تعود إلا كل أسبوع مرة، ولهم عن هذا النسيان العذر. ليس بعضهم قد قضى على سطح البحر ستة أسابيع في حين قضى آخرون ثمانية وغيرهم عشرة! فماذا تراهم يصنعون؟ ألا لو أنهم كانوا فلاسفة لوجدوا في تشابه الحياة حولهم ما يزهد في الحياة وفي الفلسفة بعد هذا الزمن الطويل. ما بالك وأكثرهم من رجال المستعمرات الإنجليز والألمان ممن يعودون إلى بلادهم ممتلئة نفوسهم إليها حنينًا وشوقًا! هم إذن في حاجتهم إلى اللهو مفعمون بالليلة الراقصة سرورًا، وهم إذن في هذه الحال الساذجة التي وصفت لك.
وفي صباح السبت عدت أسائل نفسي: ما مكان هؤلاء الراقصين في نظرية وحدة الوجود؟ وإذا مكانهم في هذه النظرية أمتع مكان، أليسوا هم الإنسانية مصغرة وحدتها الكبرى! فهم لا يعرف أحدهم الآخر من قبل إلا على أنه إنسان لا يعنيه من أمره أهو غني أو فقير، عظيم أو حقير، كما لا يعنيه من أي جنس هو؛ بينهم الإنجليزي الحاكم في جنوب إفريقية، والبلجيكي المستعمر في الكونجو، والألماني المقيم في إفريقية مالكًا لقطعة أرض ضيقة أو واسعة بعد أن كان قبل الحرب سيدًا للمستعمرات الألمانية الإفريقية حتى انتزعها الحلفاء قسرًا من ألمانيا، وإلى جانب هؤلاء جميعًا جماعة من الذين استوطنوا إفريقية، فهم إنما يغادرونها إلى أوربا كما نغادر نحن مصر طلبًا للراحة أو الاستشفاء، وحرصًا على الوقوف على أحدث صور حضارة الإنسان. هؤلاء جميعًا وغيرهم معهم اجتمعوا في ملابس الخفية يحيون ليلة راقصة وهم يرقصون على أنغام الموسيقى، سواء أكانت هذه الموسيقى دلوكة العبيد أم كانت أرقى صور الفالس، فإن الأنغام تتصل بنفوسهم وهي التي تحركهم، تتصل بنفوسهم وتصبح جزءًا من مجموعهم ومن هذه الوحدة التي تمثل الإنسانية مصغرة، وقد لا أعدو الحق كثيرًا إذا ذكرت أن هذه الوحدة من الموسيقى والكهرباء والناس ما كانت لتكون لولا أن السفر على الباخرة وفوق سطح البحر. وإذن فالباخرة والبحر بعض هذه الوحدة، وبين هذه المكونات للوحدة جميعًا رابطة تربطهم هي الجاذبية، إذا اخترت تعبير علماء الطبيعة، وهي التقارب Des Affinites إذا اخترت تعبير علماء النفس، وهي الحب إذا سموت بهذه الكلمة إلى معناها الروحاني تعبر به عن سر الحياة الذي يربط الكائنات جميعًا إنسانًا وجنًّا وملائكة، أرضًا وسماء وأثيرًا، صراطًا وجنة وسعيرًا، برابطة القربى والمودة والوحدة التي تبعث فيها الروح وتبعث فيها الحياة. وأصبحنا يوم الأحد وللسَّفْر جميعًا حديث واحد: اليوم سنرى في طريقنا جزيرة «ألبا» حيث نفي نابليون لأول مرة، ومنها عاد ليرتقي عرشه ثانية في فرنسا حتى يهوي نجمه فينهزم في واترلو وينفى أخيرًا إلى جزيرة القديسة هيلانة. واليوم نستعيض بمرأى جزيرة «ألبا» عن مرأى جزيرة كورسكا مسقط رأس نابليون. وكذلك اتصلت النفوس في هذا الجو المطمئن الساكن بروح قوية عاصفة سخرت العالم لشهواتها منذ أكثر من قرن من الزمان، وتختلف هذه الفترة عن غيرها من فترات التاريخ لا لشيء إلا لذكرها هذه الجزر التي شهدت مثل هذا الدور من أدوار التاريخ. وظللنا كذلك طيلة النهار تتبدى لنا بين وقت ووقت شهبات من الأرض يذكر الربان أن بعضها مصب «التبر» حيث تقوم المدينة الخالدة روما العظيمة، وأن الآخر نتوء من إيطاليا وسط البحر، حتى إذا قاربت الساعة الثامنة من المساء وآن للشمس أن تنحدر في مغيبها كانت «ألبا» قد تكشفت لنا وما كدنا نتم تناول طعام العشاء.
انظر إلى الشمس تنحدر في مغيبها وتخلف بعدها ألوانًا مختلفة من برتقالي وبنفسجي! وانظر إلى هذا الهلال الوليد يحبو على استحياء في لجة السماء ويرقب «ألبا» وإيطاليا وأضواءهما التي بدأت تظهر في جوف الليل الساجي وما تزال موليات الضياء تغالب سواده! ثم انظر إلى مياه البحر! لقد كان البحر في أثناء سياحتنا كلها جميلًا رفيق الموج حلو النسيم، لكنه الليلة ملائكي وأكثر من ملائكي؛ يسري النسيم منه فوق صفحة مصقولة صقل المرآة أو هي أصفى، تنعكس عليها تلك الأشعة المتعاقبة الألوان مما خلفت الشمس ساعة مغيبها، وتندمج فيها الساعات القليلة التي يحاول الهلال أن يبعث بها من سمائه، والليل يطارد النور ويطرده، فتبدو أنوار «ألبا» مبعثرة كأنها النجوم ألقي بها في الماء، أنوار يقف عندها نظرك وانتباهك وسمعك وقلبك وكل حواسك، وتنسيك نابليون والتفكير فيه، والتاريخ وصفحاته، والماضي والمستقبل، وكأنما هي والماء والنسيم والهلال وكل ذلك المنظر الساحر ينسكب في نفسك انسكابًا ويجري في روحك عذبًا سلسبيلًا. ويدور الناس إلى الجانب الثاني من الباخرة ليروا شاطئ إيطاليا وفناره وأنواره، وإذا «ألبا» تجذبهم إليها من جديد، كأن النسيم إلى ناحيتها غير النسيم إلى الجانب الثاني، وكأن روحها التي حسبنا أنَّا نسيناها في جمال الوقت، هذه الروح التي قويت بقوة نابليون واشتدت جاذبيتها بشدة جاذبيته، لها على كل ما يحيط بها من بحر وقمر ونسيم وناس سلطان ليس لأحد دون الولاء له سبيل.
ما بال البحر في الليلة الأخيرة من ليالي سياحتنا يلبس كل زخرفه ويزدان، كأنما يريد أن يكفر عن هياج منه سلف، وما كان خلال رفقته إيانا إلا أرقَّ صاحب وألطف عشير! أم مثله في ابتسامته هذه الساحرة كمثل الفاتنة تودعك بابتسامة أشد في نفسك فعلًا من ابتسامة اللقاء، لتكون بهذه الابتسامة أسيرها، فلا تبرح طول بعدك عنها عن التفكير فيها واللهفة عن ساعة لقائها.
وكلما فكرنا في مغادرة «ألبا» لنستريح، خفنا أن تتخطى الباخرة الجزيرة الساحرة وقد فاتنا من سحرها كثير أو قليل، فلما بدأت تبعد عنا جعلت أنوارها تتدثر في جوف الليل رويدًا رويدًا، حتى صارت شبحًا، فخيالًا، فوهمًا، فماضيًا نذكره مغتبطين بذكره. هنالك أخذنا مجالسنا إلى جانب زوجين بلجيكيين لهما على الباخرة ثلاثة وعشرون يومًا، قصا علينا عن سياحتهما وعن الكنجو البلجيكية شيئًا غير قليل، ثم قمنا جميعًا إلى مخادعنا نعد متاعنا للنزول به في الصباح الباكر إلى جنوا.
ودخلت الباخرة الميناء والسَّفْر لا يزالون نيامًا، فلما علونا سطحها قابلتنا البواخر الكثيرة متراصة متزاحمة، وفاجأت نظرنا مباني الميناء، فأخرجنا ذلك من طمأنينة السكينة إلى حلبة ما كان أحلى الفرار منها والبعد عنها! ورست السفينة فإذا المستقبلون من أجناس مختلفة يتحدثون بلهجات ولغات مختلفة، ويقصون من أخبار تجارة الحياة ما ينسي التفكير في وحدة الوجود، ويعيد الذهن إلى نطاق ضيق من التفكير في الإنسانية أممًا وأفرادًا تتنافس وتتباغض ويفني بعضها بعضًا، ثم انحدرنا إلى جنوا وأقمنا بها يومين لقينا فيهما من لهيب القيظ ما وددنا معه لو أنَّا أقمنا على ظهر الباخرة حتى «سوذامبتن» أو «رتردام» أو «هامبور»، لكنا لقينا في جنوا أنيسًا أنسانا ظرفه قيظها حتى حين حديثه عن قيظها، ولقينا فيها صورة أخرى من صور وحدة الوجود أشد للنفس أخذًا من كل ما أجاله البحر في ذهني من خواطر. وإذ انقطع رجاؤنا في أن نجد بإيطاليا غير القيظ المحرق، فقد تركناها بعد هذين اليومين إلى سويسرا، آملين أن نجد في جوها وفي جبالها وفي جمالها ما يعيد إلى النفس السكينة التي عرفت أيام سفر البحر، والتي نسيت في جنوا من شدة القيظ الذي زاد في رطوبته وثقله على قيظ مصر.

جنوا – برن


وحدة الوجود أيضًا
هذه جنوا وشوارعها المرصوفة بالبلاط المتصاعدة من شاطئ البحر رويدًا رويدًا أحيانًا، المتمردة أحيانًا أخرى حتى لتضطرك أن ترتقي أسبابها بسلم، وهذه العربة تجري بنا وبمتاعنا وسط طرق المدينة القديمة الضيقة حتى ما تكاد تتسع لعربتين، ومع ذلك يقوم على جانبيها أفخم المباني وأكثرها عظمة وجمالًا. وتجتاز العربة هذه الطرق إلى ميدان واسع كبير، فيه بناء أوبرا المدينة ومتحفها الأكبر، ومنه شقت الطرق الحديثة المتسعة، ثم ها هي ذي تقف بنا أمام فندق «برستول» في شارع ?? سبتمبر، فيصعد رجاله إلى إحدى الغرف بمتاعنا، ومنه نتحدث إلى القنصلية المصرية لنجد في القنصل خير عون لنا في مدى اليومين اللذين أقمناهما بالثغر الإيطالي القديم.
أتدري لماذا جعلت جنوا فاتحة طريقي إلى أوربا هذا العام؟ لقد أذكر لك سببًا له قيمته على بساطته، ولكنه في الحقيقة ليس كل السبب؛ ذلك أني رأيت أن أغير ما استطعت الثغور التي أصل عن طريقها أو أغادر منها أوربا، لكي أرى من هذه الثغور وأقف من الطرق التي تتصل بها على ما يزيدني بأوربا معرفة وبصور بلادها علمًا. ذلك هو القصد الظاهر — على حد تعبير القانونيين — من تصرفي، لكن سببًا آخر أقوى بكثير من هذا، هو الذي جذبني إلى ذلك الثغر، سببًا جعلني ألزم نفسي السفر عن طريقه أو العودة منه هذا العام؛ ذلك أني منذ زرت مقبرة ميلانو من سنتين مضتا ورأيت فيها تلك التماثيل الحزينة الناطقة بآلام الإنسان لفقد أعزائه، والتي يسيل فيها الحجر عبرات ودموعًا سخينة، حتى لكأنما تسري إلى جموده أشجان القلوب الكليمة، من ذلك اليوم نذرت زيارة جنوا لزيارة مقبرتها. أليس الذين رأوها يتحدثون بعظمتها ويذكرون أنها أكبر المقابر، وأن تماثيلها أفصح التماثيل نطقًا وأبلغها عبارة عن آلام النفس عند فراق الأعزة! فكيف لي ألا أزورها، وألا أجدد فيها عهودًا مضت، وألا أذكر فيها من جديد قول الشاعر:
لقد لامني عند القبور على البكىرفيقي لتذراف الدموع السوافكوقال: أتبكـي كـل قبر رأيتـه لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك؟!فقلت له: إن الشجا يبعث الشجافدعني فهـذا كلـه قبر مالـك لذلك ما لبثت أن سألت عن «الكامبوسانتو»، وأن ذهبنا إليها نذكر فيها غيرها من المقابر، ونذكر في تماثيلها مقبرة ميلانو، وليس في جنوا إلا من يدلك على «الكامبوسانتو»؛ أين هي. وهل بين الأحياء من لا يعرف مقره الأخير والمقر الأخير لأحبته وأعزته من قبله! وهل بينهم من لم يذرف الدمع الغزير على قبر من القبور!
ووقفنا على باب المقبرة العظيمة خشعًا تملأ قلوبنا الرهبة، وقفنا ونحن لم نرَ بعد قبرًا ولا تمثالًا ولا شيئًا يدل عليها، فهي ليست كمقبرة ميلانو يرى الداخل من أبوابها الأولى ما وراء هذه الأبواب، وإن كانت أكثر من مقبرة ميلانو ظهورًا من الخارج؛ لأنها تقع على سفوح مرتفعة بعضها فوق بعض درجات، فأنت ترى أعاليها قبل أن تصل إليها، كما أنك تراها كلها كلما ارتفعت فوق السفوح الصاعدة أعلى منها ذاهبة إلى قمة «الريجي» المطل على جنوا كلها. وقفنا خشعًا تملأ قلوبنا الرهبة، ثم تخطينا الباب خطوات، فإذا عن يميننا وعن شمالنا دهاليز تمتد إلى عشرات الأمتار وقد حجبت بين جدارين، وضع في كل جدار منها توابيت الموتى أصبحت كأنها بعض الجدار، ونقش على كل منهم اسم صاحبه وتاريخ مولده ووفاته، وطلب الغفران والرحمة له، فلخصت بذلك حياته الإنسانية جميعًا؛ عظيمًا كان أو حقيرًا، كبيرًا كان أو صغيرًا، وهذه التوابيت التي يكاد يخطئها العد، هي توابيت الذاهبين من أهل جنوا، وتوابيت أغراب اختاروا جنوا واختارتهم جنوا لتكون مثواهم الأخير ومقرًّا لرفاتهم، فنقش ذووهم على توابيتهم ما يدل على مكان مولدهم. ومن بعد هذه الدهاليز دهاليز أخرى تمتد مثلها عشرات الأمتار، وهي أكثر منها عرضًا بعض الشيء؛ فعلى جانبيها مكان التوابيت مقابر، وعلى المقابر تماثيل تحكي فجيعة قوم في عائلهم، ومن حول القوم ملائكة الرحمة يعزونهم إن كان عن فقد الأعزة عزاء، ومثل هذه الدهاليز دهاليز أخرى في أماكن كثيرة من المقبرة المتسعة التي تضم بين الجدران والدهاليز ألوفًا وألوفًا من قبور الفقراء لا تماثيل عليها، وترتفع الدهاليز درجات على سفح المقبرة الفسيحة، فلا تضيق بالعصور المختلفة ممن يغادرون هذه الدنيا، فيبكيهم أهلهم ويجسدون بكاءهم في الحجر الصامت المحزون. يا ما أخصب خيال الإنسان في التعبير عن الألم! فهذه سيدة ترفع الغطاء عن وجه فقيدها وتنظر إليه مرة أخرى لعل دبيب الحياة يدب إليه من جديد! وهي خلال هذا الوهم من الأمل الكاذب قد رسم الحزن اليائس على ملامحها صورة الألم المجسد، وهذه أسرة تندب ربها ومنهم الطفل لما يعرف الهم ولا الألم وهو مع ذلك يبكي لبكاء أهله! وهذا ملك يطير بجناحيه نحو تمثال الرجل الذاهب إلى ربه بعد حياة قضاها في المحاماة، والملك يمسك بين يديه لوح المحامي وقد خطت عليه كلمتان هما فخر حياة المحامي: الأمانة والحقيقة، وهذا نبيل يأبى أهله بعد موته إلا أن يكون قبره نبيلًا، وإن كانوا لا يذكرون عنه هو شيئًا. وبين الدهاليز تقوم قباب رفيعة، بعضها كنائس وبعضها قبور، وكلها تأخذك بعظمة عمارتها وجمال ما يحيط بها من عمد ونقوش، كما تأخذك قبور الفقراء الذين ذكرت، وهي ألوف مؤلفة بهيبة بساطتها وقد افترشت كلها ثرى المقبرة العظيمة يذهب النظر لدرك غايتها فإذا النظر يرتد وهو أقصر من أن يدرك لها غاية.
وعدنا أدراجنا إلى باب المقبرة، فقابلتنا عند مدخلها عربة تحمل ميتًا وأهله يسيرون وراءه حافين من حوله رجالًا ونساء وأطفالًا خشعًا أبصارهم منكسة رءوسهم بطيئة خطاهم إلى المقر الأخير يوارون فيه جثمان عزيزهم، أو هم يذهبون به إلى الأتون يحرقون فيه هذا الجثمان لتبقى منه حفنة من تراب يودعونها قبرًا يزورونه بعد ذلك. أولا يستحيل كل جثمان ترابًا فيزوره الناس؟ وقد تزور هذا التراب أجيال بعد أجيال إذا كان صاحبه عظيمًا. والحق أن الناس لا يزورون التراب، ولكنهم يزورون الذكرى؛ لأنهم يكونون أشد لها تمثلًا كلما كانوا أكثر من بعض آثارها قربًا. وأي أثر أقدس عندهم من هذا التراب الذي كان يومًا من الأيام إنسانًا مثلهم ذا حركة وإدارة وحياة، والذي لم يروه حين استحالته ترابًا، فهم يتصورونه كما كان إنسانًا أيام حياته، وفي نفوسهم اليوم منه ذكرى أقدس مما كانت حياته ألف مرة!
وأخذنا الطريق إلى مقر الأحياء من جديد، فعادت بي مقبرة جنوا إلى التفكير في وحدة الوجود، وأرتني صورة أكثر أخذًا للنفس من الصورة التي أحيت هذه الفكرة في نفسي وأنا على الباخرة؛ فتلك الألوف المؤلفة من قبور العظماء والبسطاء إنما تحوي خلالها فترة من حياة الإنسانية هي التي نسميها الماضي، وهي صاحبة الأثر الأكبر في الحاضر وفي المستقبل. وهذه المباني الضخمة مما رأينا ونرى في جنوا، وهذه الأشجار المغروسة على سفوح الريجي، وهذه الصور من آثار الحياة ومما نتمتع نحن ويتمتع غيرنا من الأجانب ويتمتع أهل جنوا به، هي من عمل هذه الأجيال المتعاقبة الثاوية في تلك البقعة الضيقة إلى جانب سعة جنوا وفسحتها.
وهذه الأجيال لم تكن تفكر فينا يوم أقامت تلك المباني ورصفت تلك الطرق وغرست تلك الأشجار، وإنما كانت تفكر في حاضرها مأخوذة به عن الماضي وعن المستقبل، كما أنَّا لا نفكر في هذه الأجيال التي سبقتنا حيث نرى آثارها، وإنما نفكر في متاعنا نحن بهذه الآثار، ومتاعنا بعض حياتنا بل هو قوام حياتنا، وإذن فقوام حياتنا هذا هو في كل ذرة من ذراته أثر من عمل تلك الأجيال التي سبقتنا، وأثر من الكائنات المحيطة بنا؛ يابسة كانت أم بحرًا أم سماء، مادة كانت أم قوة. وإذن فليس ثمة ماضٍ أو حاضر أو مستقبل وليس ثمة زمان ولا مكان إلا بمقدار ما يحتاج إليه عرف حياتنا القصيرة أداة للتفاهم، كي نزداد بما في الوجود متاعًا لنزداد به اتصالًا وفيه اندماجًا، وإنما الكائن الحقيقي هو هذه الوحدة للوجود، ليس ما فيه من مختلف الصور إلا بعض مظاهره الدائمة التشكل والتلون في مختلف الأجرام التي نسميها الكواكب، وفي مختلف الصور الصغرى التي نسميها كائنات كل كوكب، وأقل الكائنات إحساسًا بوجوده الخاص أكثرها سلامة اندماج في وحدة الوجود، وأكثرها لذلك طمأنينة وسعادة؛ ألست ترى أنك لا تفكر في معدتك وفي قلبك وفي أي عضو من أعضائك ما دام هذا العضو سليمًا قائمًا بأداء وظيفته في وحدة وجودك الخاص مطمئنًّا إلى ذلك غير مستشعر له ألمًا، فإذا أصاب هذا العضو ما تألم له وأفقده طمأنينته بدأت تشعر له بوجود خاص وتفكر فيه تفكيرًا خاصًّا، ليس هو الطمأنينة ولا السعادة التي تبتغي والتي لا تعرفها كاملة إلا في نسيانك نفسك كل النسيان. وفي أدائك واجبك للوجود أداء تحس أنت أنه طبيعي، كأداء القلب أو أي عضو من أعضائك ما له من وظيفة في مجموع وجودك، وهذه الطمأنينة الساجية إلى الاندماج في الوجود هي أسمى صور حكمة الوجود؛ لأنها مظهر وحدته، وهي لذلك قوام السعادة لكل من أسبغها عليه الوجود.
وبلغنا الفندق وقد أجهدنا القيظ، فأوينا إليه لنستريح زمنًا، وأقبل المساء فخرجنا إلى أنحاء المدينة طمعًا في جو أجمل، لكنا لم نجد من ذلك إلا ما نجده في ليالي الإسكندرية الساكنة الهواء الرطب المبلل، فلما كان الصباح أخذنا تذاكرنا توًّا إلى «برن» عاصمة سويسرا، وحدثتنا النفس بالسفر لوقتها لولا موعد الشاي الذي دعينا إليه، وتناولناه وخرجنا نبتغي عند قمة الريجي هواء ألطف وأصفى. وصعد بنا الأوتموبيل متعرجًا في طرق أذكرتنا طرق لبنان، يحاذي الطريق الجبل عن جانب والهاوية عن الجانب الآخر، ونطل نحن من ناحية الهاوية على سفوح قليلة الشجر أو قاحلة، ونطل في قاع الهاوية على مباني جنوا وعلى «الكامبوسانتو»، ونرتفع والأوتموبيل تجري مستديرة مع السفح حتى تبلغ بنا فنادق الريجي، وفي أحدها جلسنا نطل على المدينة كلها ونستمتع فعلًا بهواء رقيق ونسيم خفيف تمنينا معه لو أنَّا نزلنا في هذا الفندق من ساعة جئنا إلى جنوا، والمساء يقبل في بطء، والنسيم يزداد صفوًا، ومباني جنوا في قاع الهاوية تتدثر رويدًا رويدًا بالظلم، فلما انتصفت الساعة التاسعة نزلنا إلى المدينة من جديد لنقيم بها ليلتنا ولنغادرها ظهر اليوم التالي.
•••

وقام القطار بعد الزوال بخمس دقائق وبلغ بنا ميلانو في الساعة الثانية والربع، وفيها انتقلنا إلى قطار آخر قام الساعة الثالثة والثلث، وفي هذه الساعات الثلاث كان الحر أشد ما يلهب الأنفس وتضيق به الأنفاس، ولقد ظل كذلك طيلة مسيرة القطار من ميلانو إلى أن وصل شواطئ «لوجانو» إحدى البحيرات الإيطالية الكبرى. هنالك لَطُف بعض الشيء، وهنالك بدأت تباشير الألب. هذه الجبال البديعة التي تحيل الصيف شتاء والماء ثلجًا. على أن لطف الجو لم يقترن بجمال المنظر، حتى تخطينا نفق سمبلون وصرنا في أرض سويسرا، في هذه الفلذة الأخرى من فلذات الجنان هوت إلى أرضنا لتكون للعالم متاعًا وسحرًا، ولست أدري كيف صنع بالجبال في هذه البقعة من بقاع الأرض لتبلغ من الجمال هذا المبلغ الذي ينسيك كل متاعب جسمك وهموم نفسك، والذي يقصر معه خيالك عن أن يجد لوصفه ما يضارعه روعة وبهرًا، والذي يشد إليه بصرك وأنفاسك وأعصابك وكل وجودك، فما تكاد تعود إلى نفسك أو إلى رفيقك لتحدثه عن هذا الجمال هنيهة حتى تتجلى صورة أخرى من صوره فتقطع عليك حديثك وتجرك إلى نافذة القطار يجري فيشق النفق بعد النفق، ويريك بعد كل نفق جمالًا جديدًا، جمالًا يجمع إلى العظمة الروعة، وإلى السحر البهر، جبال تحجب الشمس، وقد كست الخضرة كل سفوحها، وتوَّج الثلج هاماتها، وجرت المياه في أخاديدها، فأسمعك خريرها أنغامًا عذابًا، ورأيت من اجتماعها نهرًا يجري ماؤه صافيًا سلسبيلًا، وتنفسح الجبال عن غوطة كست الزرع أرضها من الخضرة ألوانًا متفاوتة، وكست الأزهار خضرتها بالبنفسجي وبالأصفر وبالأحمر، وكل واحد منها مختلف ألوانه، ويتعاقب ذلك بعضه في أثر بعض كأنك تشهده في «السينما»، ولكن أي سينما؟! سينما الخالق العظيم، سينما الوجود الحي بعظمته وجلاله، ويزداد الجلال وتتعاظمك العظمة كلما انحدرت الشمس وراء سلاسل الأجبال، فلا تكاد أنت تحقق أخيالًا ما ترى أم حقيقة؟ وفي الغوطات الخضرة تقوم منازل قليلة كما تقوم على السفوح أكواخ منعزلة، كأنما قصد بها أربابها أن تكون صوامع للعبادة، فإذا هبطت الظلم رأيت هذه المنازل تضيء بالكهرباء، حتى لتمسي وقد حجبها الضوء فلم يبقَ منها إلا ضياؤها، وكأنما هي ثريات منثورة في الوادي بين زروعه التي اكتست هي أيضًا ظلمة، ويرتفع القمر وما يزال في العاشرة من ليالي ميلاده فوق هذه الكائنات جميعًا، فيغمرها بضياء رقيق رطب، لا يقطع ظلمة الوادي ولكنه ينير السماء فيحيل سواد الليل فيها زرقة لا تخلو من سواد، ويجري القمر مع القطار الذاهب بنا إلى برن، ثم يقف في إحدى المحطات ليرينا منظرًا فريدًا من مناظر الطبيعة الساحرة. فقد ارتفع إلى يميننا جبل جلل الثلج قمته، ثم ألقى القمر على هذه القمة بشعاعه، فعكس الثلج ضياءه وتبلج بنوره، فشف حتى صار بلورًا منيرًا. وخيل إليَّ في بهري بهذا المنظر أن القمة قمر ندف ثلجًا، أو أنها قمة نسجت أقمارًا، أو أن الثلج والقمر تضامَّا فجعلا من هذا الضياء فجوة من نور الفجر البشير بالحياة والنور تبعث إلى ركن من الخليقة مطمئن إلى الليل الساجي حياة ونورًا، ونسينا القطار ونسينا السفر ونسينا كل ما حولنا، سوى طاقة القدر، هذه هي وحدها منية المتمني، وجعلنا نلتمس لها صورة في كل ما يدور بالخاطر من صور الخيال، فإذا كل خيال دونها جمالًا، وإذا كل خيال يستطيع أن يستمد منها له خيالًا.
وفيما نحن في بهرنا مأخوذون، إذا القطار تحرك، وإذا هذا المنظر الفريد يتوارى عن أعيننا لتشهده أعين غيرنا، وإذا الظلمة تحجب عنا ما حولنا إلا أضواء المساكن المنعزلة على السفوح والقرى المبعثرة في بطون الوادي. وبقينا زمنًا نتحدث عن فجوة الفجر وطاقة القدر، ثم أغمضت عيني فذكرت جان جاك روسو، هذا الكاتب الفيلسوف الذي عاد بالناس إلى عبادة جمال الطبيعة، والذي جعل من وطنه سويسرا معبد هذا الجمال، ذكرته وذكرت كيف اختص بحيرة ليمان بالحظ الأكبر من وصفه ومن عبادة جمال الطبيعة؛ لأن ليمان بحيرة جنيف، وجنيف مسقط رأس روسو، فعجبت كيف يكتفي عابد جمال الطبيعة بركن من الأرض ضيق يقصر عليه عبادته كما يكتفي عابد جمال المرأة بإحدى بنات حواء يجعل منها قدس عبادته جميعًا. وإذا كانت واحدة من النساء تمسك رجلًا بأسره مستعينة عليه في ذلك بغريزة بقاء الجنس في خير ظروف الحياة، فأية غريزة تمسك رجلًا كذلك بأسره في حدود بقعة من الأرض؟ أليس ذلك لأن الوطنية غريزة أيضًا، وأنت ترى في بقعة الأرض المحبوبة كما ترى في المرأة المحبوبة صورة الوجود كاملة في ظنك، فأنت لذلك ترى فيهما كل وحدة الوجود!
ثم أحسب لو أن روسو حاول أن يصف جمال الطبيعة في سويسرا كلها بدل أن يقتصر على ليمان، لضاق بذلك ذرعًا، ثم لوقف من وصفه عند هذه الصور التي نراها، جماعةَ المسافرين، فلا نستطيع أكثر من تسجيل أثرها في أنفسنا. وليست هذه عبادة الجمال عبادة حقيقية؛ فالعبادة استغراق العابد في المعبود، هي نوع من الفناء يرضاه الإنسان طائعًا مختارًا؛ لأنه يشعر فيه بلذة عظيمة هي لذة انضمام الجزء لصورة من الكل الأعظم الذي يصوره من الوجود لنفسه. وهؤلاء الذين يعبدون ويفنون في عبادتهم هم الشعراء حقًّا، وهم الذين يتركون على الحياة أثرًا باقيًا ما دام لمعبودهم على القلوب سلطان يبهر القلوب.
وفيما كنت أفكر مأخوذًا بما رأيت، مرت بخاطري صورة ماضي الشرق وعظمته، يومئذ كانت سويسرا وكانت جبال الألب وكان القمر يلمع على الثلج ويخلف منه ليلة القدر. فما لهذا الجمال لم يخلق في نفوس أهله من العظمة مثلما كان لأهل الشرق؟! وهل كانت هذه الصحاري الفسيحة الممتدة على جانبي النيل أيام الفراعنة امتدادها اليوم، والصحراء الممتدة حول بيت المقدس مبعث الديانتين الموسوية والمسيحية، وصحراء العرب المحيطة بمهبط الرسالة على محمد (عليه السلام)، هل كانت هذه الصحاري يومئذ أفعل أثرًا من تلك الجبال البديعة؟ ثم ما لها تبعث إلى من تحيط بهم خمولًا واستسلامًا بعد أن كانت تبعث إليهم بالنشاط والقوة؟ أم لعلها كانت في الماضي مبعث القوة الروحية صاحبة الأثر الأكبر في الجماهير، على حين كانت القوة المادية الكمينة في جبال الألب ما تزال لم تفترع ولم تلد للناس هذه الكهرباء وما قلبت الكهرباء والقوى المحركة الأخرى من نظام العالم، فلما بدت هذه القوى الكمينة في المادة أشعلت أرواح المحيطين بها من الناس بأقوى مما كانت الصحاري تشعل أرواح من تحيط بهم فتمدهم بالخيال والشعر؟ وهل لنا، إن صح هذا، أن نيأس وأن نستسلم لليأس؟ أم لعل في خيال الصحاري وفي سرابها قوى كمينة لم تفترع، فإذا آن لها أن تفيض على الناس ما عندها غاضت الألب وقواها، وتجلت روح الشرق بازغة من جديد؟ أم الحق أن لا شرق ولا غرب ولكنها وحدة لا تعرف زمانًا ولا مكانًا، تنتقل مظاهر القوة فيها لأعيننا نحن الذين نرى من كل ما في الحياة فترات قصيرة فنحسبها في ناحية تارة وفي أخرى تارة أخرى، في حين هي قوة الكل حيثما بدت مظاهرها؛ فهي ملك الكل، بل هي من هذا الكل جزء لا يتجزأ؟
وفيما أنا في تفكيري في روسو، وفي وحدة الوجود، وفي جمال الطبيعة، وفي الشرق والغرب، إذا أنوار تبدو، هي أنوار العاصمة السويسرية، وإذا نحن يجب أن نعنى بمتاعنا عند وقوف القطار. ووقف القطار ونزلنا، وأوينا إلى فندقنا بعد يوم قائظ قضيناه نقطع أراضي إيطاليا، وبعد مساء استقبلتنا به سويسرا، فأنسانا القيظ وإجهاده، وأنسانا بجماله الفتان كل ما سوى سويسرا وطبيعتها البارعة الفتنة.

أعياد سويسرا


ليست طبيعة البلاد المحيطة بالعاصمة السويسرية (برن) من الجمال بمثل ما ترى محيطًا ببحيرة ليمان ولا عند أنترلاكن أو لوسرن، فأنت تقطع الطريق بينها وبين بازل وبينها وبين زوريخ وشافوزن. فلا ترى من شاهقات الجبال المغطاة بالثلج ومن الأودية المنخفضة تجري خلالها المياه، مثلما ترى حول ليمان وحول البحيرات السويسرية الأخرى، لكنك مع ذلك واجد حول برن من صور الجمال ما امتازت به سويسرا جميعًا؛ يجري خلال المدينة نهر «الآر» متعرجًا ملتويًا، وترتفع على جانبيه منازل ومروج محيطة بتلك المنازل، وسفوح ترتفع وترتفع لتكون طرق المدينة ومبانيها الكبرى. وفي برن من المباني الكبرى عدد غير قليل يبهر النظر لعظمته وجماله؛ فمقر حكومة الولايات السويسرية والبنك السويسري وبنك المقاطعة تقع كلها في ميدان واحد، وتقع معها أفخم فنادق المدينة، وتطل كلها من ظاهرها على الآر وجبال الجورتون، فتستهوي إليها أهل برن والسائحين يجلسون فيها على مقاعد كثيرة مدت خلال الحدائق الخضراء زانتها أزهار ألوانها ذات بهجة تتوسط خضرة الحدائق وتروق العين بروائها وجمال منظرها الضاحك العذب الابتسام، وإلى الجانب الثاني من المدينة تقوم جبال متصلة بجبال الجورتون، وهي مثلها ليست شاهقة ولا مهوبة. وفي هذا الجانب الثاني مستشفيات بديعة الموقع فخيمة العمارة، لكن «برن» مع هذا كله مدينة وليس فيها ما في البلاد الصغرى من بهجة الجبل والبحيرات، ثم إن الجو كان فيها أول يوم نزولنا إياها حارًّا يذكر أهلها أنهم لم يروا مثله منذ سنة ???? مضرب المثل في حرارة الجو بسويسرا؛ لذلك آثرنا بعد يومين أن نقيم بأعلى قمة الجورتون، فنكون على ربع ساعة من وسط برن، ونتمتع في الوقت نفسه بجمال الجبل وغاباته، وبمناظر الجبال الشاهقة الأخرى المنثورة في أنحاء سويسرا المختلفة.
يصل بين برن والجورتون ترام صاعد (فنكلير)، وعلى دقيقة أو دقيقتين من أعلى الفنكلير فندق الجورتون، نزلناه وأقمنا به أربعة أيام، وأكبر غايتنا أن نشهد من فوق ثلوج اليونج فراو والبيلات وغيرهما من شاهقات سويسرا منظر الشمس الغاربة والقمر الطالع متوردًا ثم فضيًّا ناصعًا، ولقد شهدنا هذا المنظر في آخر أيام مقامنا بالجورتون ونحن خشية ألا نشهده في وجل أي وجل؛ ففي اللحظة التي بلغنا فيها الجورتون تلبد الجو بالسحاب، ثم بدأ المطر يهتن تتبعه بروق ورعود، ذكر لنا صاحب الفندق أنه كان في انتظارها بعد أربعة أسابيع جافة من كل مطر، صافية السماء لضوء الشمس ولشعاع القمر. وانتظرنا أن تقلع السماء، وأن يغيض الماء، وأن يطلع القمر، وأن تتبدى القمم وثلوجها ساعة طلوعه ومغيب الشمس بما يشفي ظمأ نفوسنا المشوقة لهذا المنظر الساحر، لكن المطر ظل يهتن طول الليل إلا قليلًا. على أنَّا استعضنا يومئذ بمنظر قلَّ من مثله نظيره، ذلك منظر قوس قزح في ساعة المغيب؛ فقد وجدت الشمس الغاربة خلال الركام فرجة نفذ منها شعاعها متخللًا بلورات الماء المتساقط مطرًا، فإذا قوس قزح بألوانه السبعة ينتشر في السماء ويشطرها شطرين: مظلم ومضيء؛ مظلم ناحية الغرب القريبة من الشمس، ومضيء ناحية الشرق البعيدة عنها، وما أكثر ما رأيت قوس قزح في أرياف مصر وفي غابات أوربا! لكن أقواس قزح تتفاوت على ما يظهر في جمالها كما يتفاوت جمال منظر عن منظر، وصورة عن صورة، وامرأة عن امرأة. ولعلي لا أذكر أني شهدت قوس السماء في مثل بهر قوسها؛ إذ شهدته من الجورتون في صفاء ألوانه أو في جمال المنظر الذي كشف عنه؛ فلقد كان هذا القوس كأنما نظمت وراءه الأجبال والغابات والثلوج بيد ماهرة، أو كأنما رفع الستار عن مسرح ينظمه الإنسان بما لا يدع لصورة من الجمال في الخلق أن تبذه، وكلما ازدادت الشمس نحو المغيب انحدارًا ازدادت ألوان القوس سطوعًا وازداد ما وراءها ضياء. ولم يستطع أحد ممن كانوا معنا في صالة الطعام ساعتئذ ألا يترك طعامه وألا يذهب إلى جانب النافذة يقدس من خلالها هذا السحر الذي اندمج في نفوسنا واندمجت فيه نفوسنا فما نطيق له تركًا أو إلى الطعام عودة. وبين المأخوذين ببهر هذه الساعة التي تجلى فيها جمال الخلق في أبهى صورة شيخ جاوز السبعين طويل اللحية أبيضها، ومن حوله ابنته وحفيدته، وهم جميعًا معجبون بالمنظر، وهو من بينهم أشدهم إعجابًا، وكأنه وهو في سنه المتقدمة أقربهم إلى سمو الفناء في وحدة الوجود، وأدناهم إلى هذه الوحدة وأكثرهم كلفًا، وبقي هذا القوس الساحر يأخذ القلوب إليه حتى آن لمبعثه ذات البهاء أن يتوارى، وأن يترك عالمنا لليل يبتلعه في جوفه الأسود الداكن.
على أن قوس قزح جدد في أنفسنا الأمل أن تنقشع السحب وأن يطلع القمر، وأن نخف إلى المنظر الذي شد ما شاقنا مرآه: منظر القمر يتوج هام الجبال وثلوجها، فلما تناولنا طعامنا خففنا إلى ناحية باب الفندق لنأخذ طريقنا إلى أعلى مكان في قمة الجورتون المطلة على سائر قمم الألب الرفيعة، لكنا ما كدنا نبلغه حتى ألفينا السماء قد عادت تهمي فيذهب تهتانها بأملنا الذي كان قد تجدد. وفيما نحن واقفون أقبل صاحب الفندق يجري وقد بلله المطر، فرأى ما تنم عنه وجوهنا من شكاية؛ إذ ذاك هز كتفيه وضحك وقال: «وماذا تريدون؟ إن لنا لأربعة أسابيع جافة من كل مطر، حتى يبس الزرع وجف الضرع، وصرنا ننتظر مثل هذا اليوم بصبر ذاهب! ألستم ترون إلى الأرض كيف اقشعرَّت، وإلى المرعى كيف جف، وإلى الشجر كيف عراه الذبول؟ فإذا جاءت السماء يومين أو ثلاثة أيام بمطرها المحسن عادت إلى الأرض بهجتها وأخذت من جديد زخرفها، ولم يكن لإنسان إلا أن يزداد لذلك بهجة، ثم عادت المواشي ترعى ويدرُّ ضرعها وتعطي من خيراتها، وعادت الخضر إلينا بعد أن كدنا نكون منها في يأس مقيم، وإنكم لواجدون في بهاء الصباح غدًا ما يعوضكم من هذه الليلة المطيرة …».
وصدق الرجل، فكان الصباح صفو السماء، جميل الشمس، رفيق الجو، مما سمح لنا بالتجول في الغابات ما شئنا، حتى إذا أحسسنا الجهد جلسنا إلى مقعد بين الأشجار الرفيعة تحجب شعاع الشمس، وإن عني أهل المنطقة بأن يقصوا أمام النظر أغصان الأشجار ليستطيع الاستمتاع بالسفوح الهابطة إلى برن، وبنهر الآر وبعاصمة سويسرا ومبانيها المختلفة. لكن النهار ما كادت تجيء مولياته، والشمس ما كادت تنحدر إلى ناحية الغرب لترسل حولها من لهبها المطمئن ما يصبغ السماء وردًا ودمًا، حتى كانت السحب قد تراكمت من جديد، وحتى نزل المطر فأذهب أملنا في رؤية القمم الشماء المجللة بالثلوج تحت أشعة مغيب الغزالة ومطلع البدر. وظللنا كذلك ثلاثة أيام تباعًا نستمتع طوال النهار بصحو، حتى إذا جاءت الساعة المرجوة، ساعة المغيب، التهمتها منا السحب والتهمها المطر التهامًا، وكاد اليأس يتولانا من الاستمتاع بهذا المنظر، حتى إذا كانت آخر ليالي مقامنا بالجورتون — وكانت ليلة تمام القمر بدرًا — إذا كل أملنا يتحقق، وإذا نحن نشهد من أعلى قمة الجورتون عيدًا من أبهى أعياد الطبيعة، كان مقدمة لنشهد بعد يومين من زوريخ عيد استقلال سويسرا، ولنشهد بعد يوم ثالث عيدًا محليًّا ظريفًا في شافوزن.
كانت الساعة السابعة من مساء ذلك اليوم الأخير من مقامنا بالجورتون حين عدنا من وسط الغابات قاصدين أعلى قمة الجبل، لكن الشمس كانت ما تزال عالية في السماء فآثرنا البقاء على مقعد نطل منه على برن حتى تقرب ساعة المغيب. وقبيل الساعة الثامنة حانت منا التفاتة نبهتنا إلى أن الشمس بدأت تنحدر، فيجب أن نذهب إلى أعلى القمة. وذهبنا فألفينا عندها جمعًا عظيمًا جاءوا كلهم لمثل ما جئنا له من استمتاع بعيد الطبيعة. واتجهت الأنظار إلى ناحية الألب الشماء، وحدقت العيون إلى الثلوج الناصعة تحت ضياء الشمس لما يلهبه المغيب، وكنت لا تسمع إلا همسًا يتخلل الوقت بعد الوقت صمتًا مطلقًا. ومن بين هذا الجمع عجائز يمتعن أنظارهن وأفئدتهن ونفوسهن بمتاع طالما شهدنه عهد الصبا وهن اليوم له أشد شوقًا. ومن بين أولئك العجائز واحدة ما تكاد تمسك نفسها جالسة، فهي تعتمد إلى كتف ممرضة تلزمها جلست إلى جانبها وإلى جانب العجائز صبية وأطفال غير السيدات والرجال، جاءوا جميعًا يحققون بمجيئهم وحدة الحياة الإنسانية، ويحققون بفنائهم في المنظر الذي ينتظرونه وحدة الوجود.
وانحدرت الشمس نحو الغرب واحمر نورها … انظر الآن إلى قمم الثلج؛ يا لبهاء الجمال الباهر! ما أشد هذا العيد سحرًا، لقد استحال الثلج وردًا، فالورد عسجدًا، فالعسجد دمًا، فدكن الدم حتى أظلم، ويستحيل الثلج في هذه الألوان مبطئًا متمهلًا والأنظار إليه مشدودة حتى لا يفوتها منه منظر، والقمر يحبو من وراء الثلوج متوردًا ليستحيل هو أيضًا رويدًا رويدًا إلى لون الذهب، والسماء من وراء ذلك تضرب فيها أشعة الشمس وتطوق ما بها من سحب بمثل ما تصبغ به الثلج من ألوان، وأنت بين هذه المناظر كلها تائه اللب مشرد النفس مسحور، يتجاذبك الخوف أن ينتهي العيد، والرجاء أن ترى استحالات أخرى في لون الثلج وفي ضياء القمر. وتضيء أنوار الكهرباء في برن فلا تلتفت إليها عين، وكانت ترى لها في الليالي السابقة، وهي سترى لها بعد سويعات، روعة وجمالًا. ثم أظلم الثلج كله، وبدأ بعض الحاضرين يقومون، وقامت هذه العجوز المتهدمة تتداعى أوصالها، فما تكاد الممرضة الشابة تقيم أعضاءها المحطمة. لكن هذا القتام في الثلج لم تمضِ عليه فترة حتى عكس لون السماء الذي استحال كله لهبًا ودمًا. انظر الآن من جديد واستمع إلى آهات الإعجاب تنفثها الصدور وتصدرها القلوب! لكن وا أسفا! لقد كانت هذه الفتنة في السماء صحو الاحتضار … فما هي إلا دقائق حتى اختفى كل شيء فلم يبقَ لشعاع الشمس أثر، وإن أضاءت السماء جميعًا بنور القمر. ولم يكن شعاعه لينعكس على الثلوج وراءه، فلم نكن لنرى منها فجوة الفجر أو ليلة القدر، فحمدنا الطبيعة على أن لم تضاعف عيدها بسحر جديد، حتى لا تمسكنا طيلة الليل إلى جانب منظر ما أشك في أنه كان ينسينا طعام العشاء ونوم الليل. وعدنا أدراجنا إلى الفندق يملأ أفئدتنا البهر وقلوبنا السحر، وتلهج ألسنتنا بالحديث عن متاع بالجمال قلَّ أن يكون مثله متاع.
وغادرنا الجورتون ضحي اليوم التالي إلى برن، وغادرناها بعد الظهر إلى زوريخ فأمضينا بها ليلتنا، ثم قمنا أول يوم من أغسطس نبتغي أن نطوف أرجاءها لنرى ما فيها، فلم نلبث أن غادرنا الفندق، فسارت أقدامنا إلى البحيرة، وسألنا عن موعد قيام الباخرة التي تطوف أنحاءها، وعلمنا أن الباخرة التي تقوم صباحًا قد أقلعت من ربع ساعة، وأن الأخرى تقوم في الساعة الثانية بعد الظهر، فاتجهنا مع شاطئ البحيرة لحظة، وركبنا الترام نبتغي ظاهر المدينة، ودلتنا أعلام الطريق على أن صاعد الجبل على مقربة منا، وأنه يرتفع بنا إلى غابات «ولدر». وفيما نحن في طريقنا إلى محطة الصاعد قابلتنا فتيات يبعن شارات لم نعرف ما هي، ولذلك لم نشترها. وصعدنا إلى «ولدر»، وقضينا بين الغابات البديعة إلى الظهيرة، ثم عدنا فتناولنا طعام الغداء في الفندق. ماذا عسى أن تكون هذه الشارات التي أرادت الفتيات بيعها لنا؟ إن كثيرين من النازلين في الفندق وكذلك رجاله جميعًا ليحملونها! لعلها شارة جمعية من الجمعيات الخيرية، ولعل لها أمرًا لا بد أن سنقف عليه، لكن الوقت الباقي على موعد قيام الباخرة قليل؛ لذلك أسرعنا في تناول الطعام، وقمنا إلى الباخرة التي طافت بنا في أنحاء البحيرة جميعًا. ولبحيرة زوريخ ما لسائر بحيرات سويسرا من روعة وسحر، ولتشكل مياهها مع ألوان السماء تارة وخضرة الشجر أخرى ما يأخذ النظر ويسحر اللب. وكنا بهذا الجمال في سحر أي سحر، لكن الناس على ظهور الباخرة كثيرون جدًّا، حتى لتستوقف كثرتهم النظر، ومنهم كثيرون يحملون هذه الشارة التي أرادت الفتيات بيعها لنا؛ فماذا عسى أن تكون؟ وأي شيء دعا هؤلاء الكثيرين، رجالًا ونساء، إلى ترك أعمالهم؟ وكنا على وشك السؤال عن هذا وعن غيره من مثله لولا أن عاد فأنسانا إياه جمال البحيرة وجمال شواطئها، فلم يبقَ في أذهاننا موضع للالتفات إلى غير هذا الجمال وتلك الفتنة صورت خضرة، وماء، وسماء. فلما أتمت الباخرة سياحتها وعادت في الساعة السابعة مساء إلى زوريخ وعدنا إلى الفندق، رأينا عددًا من هذه الشارات عند بواب الفندق، فسارعت إليه وسألته عنها، فإذا بهذا اليوم عيد حرية سويسرا، وإذا هذه الشارات شارات عيد الحرية، طبعت لذكراه في يوم أول أغسطس سنة ????.
عيد الحرية في سويسرا! بلاد الحرية والمثل الأعلى فيها! أليس هذا جميلًا؟ أليس جميلًا أن يذكر الغني المفرط الغنى يوم غناه، والرجل العظيم أول أيام عظمته؟ أَوَليس أجمل من هذا أن تذكر الأجيال التي تستمتع بالحرية في يوم مولد الحرية تضحيات الأسلاف الذين أراقوا دماءهم وأهدروا منافعهم في سبيل حرية غيرهم من غير أن تكون لهم هم مطامع خاصة وغايات عاجلة؟ وإذ يذكر الناس ما فعل أسلافهم لهم يشعرون بهذا الدين الكبير عليهم الذي يجب أن يؤدوا مثله لأخلافهم، كما يطالب الإنسان بأداء دين حياته لابنه لا لأبيه.
وشاركنا السويسريين في عيدهم، فحملت على صدري شارة من شارات عيدهم، ونزلنا نطوف في المدينة علَّنا أن نجد فيها ما يدلنا على ميول أهلها، لكن الحوانيت مقفلة جميعًا، والطرقات خالية أو تكاد، والناس في مرحهم بعيدهم قد خرجوا إلى ظاهر المدينة نهارهم كما خرجنا نحن أيضًا، ومنهم من آب ومنهم من لا يزال في مرحه، والذين آبوا ينتظرون في منازلهم الساعة العاشرة من المساء؛ ساعة العيد الكبرى.
وعدنا إلى الفندق، ولبسنا كما لبس القوم ملابس العيد، وشاركناهم في الاحتفال به، وكيف لا نشاركهم فيه والفندق الذي نقيم به يكاد يكون مستقر العيد! فلقد ازدانت حدائقه بالكهرباء تخللت أشجارها جميعًا، وازدانت حشائش الحدائق بالشموع صفت على حافاتها بعد أن وضعت في أكواب ملونة تقي ضوءها عبث النسيم، وازدانت البحيرة أمامه بأبدع الزينة؛ إذا اتشحت بواخرها جميعًا بالأنوار المختلفة الألوان، ورسم في مقدماتها بالأنوار كذلك علم سويسرا يتوسط فيه الصليب الأبيض رمز السلام رقعة حمراء هي الدماء التي ما تفتأ الأمم تريقها آنًا بعد آن باسم حرية الشعوب تارة، وباسم سلامها أخرى.
وكانت الساعة العاشرة حين بدأت الألعاب النارية تقذفها مياه البحيرة، فتعلو وتعلو، ثم تنفجر في جوف السماء وفي لجة ضوء القمر، وتهبط بعد ذلك شهبًا ساطعة إلى الماء من جديد. وما كاد الناس يسمعون فرقعة الألعاب حتى خفوا إلى ناحيتها؛ ما أعظم عيد الحرية وما أروعه! انظر إلى هذا الشعب السويسري من أهل زوريخ اجتمع كله في بقعة ضيقة فوق جسر البحيرة حتى ليشفق الإنسان على الجسر أن يميد به! اجتمع في هذه البقعة ليحيي الحرية في يوم عيدها، وليشهد كل واحد صاحبه على أنه وصحته وماله وحياته فداء هذه الحرية، ثم ليبتهج حتى يبلغ ابتهاجه حد اللهو أن بقيت هذه الحرية مصونة لا يفكر أحد في الاعتداء عليها، وأن بقي الشعب السويسري اليوم كما كان من قبل مضرب المثل في الحرية الكاملة والديمقراطية الصحيحة.
وكانت الألعاب النارية مدى الساعة التي استمر إطلاقها فيها من أماكن مختلفة في البحيرة جميلة حقًّا، فلما أطلق آخر سهم من سهامها فارتسم العلم السويسري خلاله، بدأ القوم ينصرفون عائدين لاستكمال لهوهم بعيدهم، أو للاستجمام في منازلهم استعدادًا لعمل الصباح، وأقلعت باخرة بأنوارها ذاهبة من زوريخ إلى البلاد الواقعة على جوانب البحيرة، والتي جاء أهلها يشاركون أهل عاصمة المديرية في العيد الأكبر، وبدأت الأنوار كلها تخبو رويدًا رويدًا، والليل يستعيد حكمه، ثم كانت الهجعة انتظارًا ليوم جديد.
•••

وأصبحنا نطوف في شوارع زوريخ، وترى فيها النظام الجذاب الذي برع أهالي سويسرا فيه تجميلًا لبلادهم ليجذبوا السائحين إليها، فهي جميلة في طبيعتها، جميلة في مدنها، جميلة في حوانيتها، جميلة في طريقة عرض بضائعها، جميلة في كل ما يلتفت إليه النظر من صور الجمال مما يستطيع الإنسان توفيره للإنسان. وغادرنا المدينة بعد الظهر قاصدين شافوزن لنرى مساقط الرين، ثم لنتخطى الغابة السوداء، ولنصل إلى ماينس فنركب الرين منها إلى كولونيا، كي نرى معرض الصحافة ونحضر مؤتمرها.
ولست أتحدث الآن عن مساقط الرين وروعة جمالها؛ فلهذا الحديث موضع من بعد، ولست أتحدث عن شافوزن فهي قرية أو تكاد، وإنما أتحدث عن عيد محلي ظريف في شافوزن ساقته المصادفة لنشهده في الليلة الوحيدة التي أقمناها بها، كما ساقت لنا المصادفة عيد الجمهورية في زوريخ وعيد الطبيعة في الجورتون، وكما ساقت لنا قبل ذلك عيد الليلة الأخيرة من ليالي سفرنا على البحر قبل إرساء الباخرة بنا في جنوا.
فلشافوزن، كما لكل كورة سويسرية، موسيقاها، وقد طلبت الجالية السويسرية في باريس إلى بلدية شافوزن أن ترسل لها بموسيقاها كي تحيي بها عيد الحرية السويسرية في قلب العاصمة الفرنسية، وأجابت بلدية شافوزن الطلب مغتبطة مبتهجة. وأحيت الموسيقى العيد، فدعاها عمدة باريس ودعتها بلدية العاصمة الكبرى، ثم آن لها أن تعود إلى شافوزن، وكان ذلك حين وجودنا بها ووقوفنا على مقربة من محطة السكة الحديدية فيها. وكما اجتمع أهل زوريخ في الليلة السابقة على جسر البحيرة يحيون عيدهم اجتمع أهل شافوزن حول المحطة يستقبلون موسيقاهم ويحيونها بالأعلام والأزاهير، فلما أقبل القطار اهتزت الأعلام في المحطة، فقابلتها أعلام الموسيقى تهتز في وسط القطار، ثم صدحت الموسيقى بنشيد اهتزت له الأفئدة والقلوب. ما أجمل الشعور القومي العام صادرًا من أعماق النفوس وتحركه عاطفة بريئة من كل غاية، منزهة إلا من حب الوطن! واصطف الناس في الطريق وفسحوا لرجال موسيقى بلدتهم ممرًّا يسيرون فيه، ونزل هؤلاء الموسيقيون إلى الطريق، ثم صدحوا فحركوا القلوب والأشجان من جديد، وانفرط عقد القوم حيث توارت الموسيقى عن أنظارهم في ظلمة الليل وذهب كل إلى ناحية.
ولم ندرِ نحن كيف نقضي برهة من الزمن، حتى دلنا رب الفندق على «الكونسرت» تصدح فيه الموسيقى، فلما استقر بنا المقام فيه وطابت لسماع موسيقاه نفوسنا، إذا ضجة كبيرة تعلو خلاله، وإذا رجال موسيقى البلدية يتخللونه وعلى وجوههم البشر بعد أوبتهم من أم العواصم، وإذا الناس من أهل شافوزن يصافحون أولئك القادمين ويقبلونهم، وإذ أحدهم يقبل على مائدة اصطف إلى جانبها بعض الفتيات فيقبِّل إحداهن ويجلس إلى جانبها، وإذا مرح عام يسود المكان ويغطي على صوت موسيقاه وعلى أحاديث المتحدثين على مسرحه، وإذا هذه الضجة تستمر حتى قيامنا إلى فندقنا نأوي إليه.
وفي الصباح الباكر أخذنا القطار الذاهب إلى كولونيا بعد أن يقطع الغابة السوداء ويحاذي الرين، لكنا آثرنا أن نغادره عند ماينس لنقيم بها يومين، ثم لنذهب منها إلى كولونيا على الرين لنرى بدائع ضفافه. ولشدَّ ما سعدنا لهذا التدبير، وابتهجنا بما أتاح لنا أثناء مقامنا بماينس أن نذهب إلى فرانكفورت، وأن نرى بيت الشاعر الفيلسوف الألماني العظيم جيتى.

بيت جيتى


الرين والغابة السوداء
قضينا في شافوزن ليلة واحدة، بلغناها عصر اليوم الثاني من أغسطس وغادرناها بكرة الصباح من اليوم الثالث منه، ولم نكن نتوقع أن نرى عيدها المحلي الذي أشرت في الفصل السابق إليه، فلم يكن هذا العيد داعية سفرنا إليها، إنما دعا إلى هذا السفر أن بها مساقط الرين، وأنها على أبواب الغابة السوداء، وفرض على عشاق الرين أن يروا مساقطه، وعلى الذين يقصدون الرين أن يمروا بالغابة السوداء.
ومساقط الرين تقع عنه بلدة نوهاوزن المتصلة بالترام مع شافوزن، ولا يستغرق الترام في مسيرته بين البلدين أكثر من عشر دقائق، ولقد ركبناه بعد وصولنا شافوزن، وتركنا متاعنا في أحد فنادقها القروية البحتة، فلما نزلنا منه دلتنا أعلام الطريق على اتجاه المساقط، فتبعناها حتى كنا عند الجسر الذي يتخطى الناس ويتخطى القطار الرين من فوقه، ونحن نحسب أنا سنرى عنده كل مناظر المساقط التي أسمعتنا طول طريقنا إليها دوي انحدارها، وأطمعتنا بذلك في جمال لم تكذبنا إياه، لكنا لم نرَ من فوق الجسر إلا جمالًا عاديًّا: مياه تنحدر هابطة نحو صخور تتلقاها فترغي وتثير حولها زبدًا، له كما للانحدار جماله، لكنه ليس الجمال الذي وصف لنا الواصفون، والذي تتحدث عنه الكتب كأنه من عمل الجن أو كأنه بعض مناظر السحر.
هذا جمال كم رأينا من مثله في مختلف المنحدرات في سويسرا وفي فرنسا، بل في لبنان نفسها. وإن في منحدر مساقط ديوزا على مقربة من سان جرفيه، وفي دوي مياهها المهوب، وفي تجهم قطع الجبل التي تنحدر المياه عنها، لمَا يلفت النظر أكثر من هذا المنظر. كذلك قلنا ونحن نتخطى الجسر إلى الناحية الثانية من النهر، فلما كنا في الناحية الثانية قابلنا لوح مكتوب عليه: «إن شئت أن ترى المساقط في كل روعتها فسر ثلاث دقائق أخرى.»
وكان لزامًا أن نسير؛ إنَّا لم نجئ إلى هنا إلا لرؤيتها، فلنسر، ثم لنصعد، ثم لنأخذ تذاكر دخول، ثم لنصعد من جديد لنرى من المساقط منظرًا جديدًا، منظرًا غير ما شهدنا من قبل في سويسرا وفي لبنان وفي فرنسا، ثم لنهبط من جديد لنكون أقرب من المساقط ولنراها أشد روعة، ثم لنهبط ثالثة ولنهبط رابعة، لننسى في كل مرة ما شهدنا من صور الجمال غير هذا الجمال، ولنستغفر الرين ما كفرنا بجماله قبل أن نقف على حقيقة جماله، ولنعترف أمامه أن الكفر بالشيء أثر من آثار الجهل به.
سرنا إذن بعدما تخطينا الجسر، وصعدنا في طريق كثير الالتواء غير معبد، ثم قابلنا مدخل بناء قديم كتب عليه أنه قصر لاوفن، وطلب منا أن ندفع فرنكًا مقابل دخول عن كل شخص، ودفعنا مترددين، وتقدمتنا سيدة تهدينا السبيل، وتخطت بنا وسط غرف فيها أشغال من الخشب معروضة للبيع، وجعلت تحدثنا كي نشتري منها تذكارًا لزيارتنا، فازداد أسفنا لما أضعنا من جهد، وخيل إلينا أن هذا المكان ليس إلا شباكًا نصبت لبيع ما به باسم الفرجة على مساقط الرين. فلما بلغنا الشرفتين المطلتين على المساقط من أعلى القصر القديم تركتنا السيدة وقالت: أمامكم أربعة مناظر متعاقبة للمساقط، فاهبطوا إليها بسلام.
وكان لهذا المنظر الأول جمال وكانت له روعة: تبدت الصخور الثلاث الجاثمة خلال مجرى النهر، ولكل واحدة منها صورة الصخرة الأخرى، وتبدى التواء النهر عند هذه الصخور التواء يزيد في انحدار مياهه قوة وفي مضارب زبدها بشاطئه الأيسر روعة وحشية تأخذ الفؤاد كما تأخذه كل مناظر القوة والوحشية. وبدا الجسر بعيدًا وراء الصخور، فلم نلتفت إليه إلا ريثما نعرف منها موقعه، ثم ثبت نظرنا على الصخور قامت إحداها ضخمة مرتفعة فوق الماء يضربها فيرتد عنها هائجًا طائرًا رشاشه حولها سخطًا واستسلامًا. أما الثانية فخالية من وسطها لا يدري أحد كيف نقرت، والماء يدور من حولها مرغيًا مزبدًا، ثم ينحدر بينها وبين الصخرة الأولى إلى هاوية لم نقدر مدى عمقها من مكاننا العالي الرفيع. أما الثالثة فصغرى الصخرات الثلاث، وهي أشبه ما تكون في تواضعها بصخور شلال حلفا، وهي مثلها جاثمة مجثم الفيل الضخم العظيم، والماء يرطم الصخرات والصخرات ترطمه، فيستحيل زبدًا ينحدر إلى القاع العميق تحته، وسحب الماء فوق ذلك تحول دون شعاع الشمس أن يصل إلى الماء وإلى الصخور.
وانحدرنا إلى غرفة فيها زجاج ملون يحيل لون الزبد إلى مختلف ألوانه الحمراء والصفراء والزرقاء، لترى فيه العين أمثال مناظره ساعة الغروب وساعة مطلع الفجر وفي ضحوة النهار، حتى لا يأسف زائر على أن لم يزره في الساعات جميعًا، ثم انحدرنا بعد ذلك إلى مكان صفت حوله مناضد هو أقرب إلى المساقط وأشد تجلية لروعة جمالها. وعلى هذه المقاعد يجلس الناس يمتعون أنظارهم بفتنة هذا العمل الجميل من أعمال الطبيعة الذي لا قبل للإنسان بمثله. فجلسنا مع الجالسين، وأخذنا الإعجاب فأنسانا الجسر وما رأينا عنده، وأنسانا الصعود إلى هذا القصر، بل أنسانا ما حولنا من أمثالنا المعجبين، وطال بنا المجلس أن حسبنا أن ليس بعده مزيد من جمال، وأصرت زوجي على أن تظل في مكان الإعجاب هذا لا تبرحه، وانحدرت أنا نحو المنظر الثالث الذي يلي هذا الموقع، فهبطت طريقًا ضيقًا استدار في طريق آخر، ثم إذا بي أمام صخرة لا يرى الإنسان معها من مساقط الرين شيئًا، ولكني ما لبثت أن رأيت رجلًا خارجًا من جوف الصخرة، خلال نقر فيها، فدخلت من حيث خرج، واستدرت مع الصخرة، فإذا بالمنظرين السابقين من مناظر المساقط دون هذا المنظر الثالث روعة بمراحل، وإذا بي أعود أدراجي صائحًا بزوجي أن تنزل لترى. ويضيع صوتي في خوار الهدير فلا تسمعه، فأصعد وأصعد حتى صرت إلى جانبها وأنا أكرر الصياح: تعالي تعالي! إن ما ترين هنا ليس شيئًا، إن الجمال كل الجمال في المنظر الثالث! وهبطنا معًا، واجتزنا الصخرة، ووقفنا تتحرك في صدورنا آهات الإعجاب والتقديس. لم يبقَ جسر، ولم تبقَ صخور، ولم يبقَ ماء، وإنما هو زبد ورغاء يندفعان بقوة أشد قوة في هذا الالتواء، فيخيل للإنسان أن الصخر سيميد، وأن الأرض ستنشق، وأن ستسقط السماء وتنهد الجبال هدًّا، وهذا الزبد والرغاء ينبعث من قوة انحدارها رشاش كأنه البخار امتلأ به الجو كله أمام النظر، فكأنما النهر كله بخار لا ماء فيه، والدوي الهائل يزلزل السمع ويزلزل النفس ويزلزل الوجود كله زلزالًا عظيمًا. والشمس في السماء تحاول أن تخرق السحب لتبعث بشعاع إلى هذا المنظر، فيستحيل الشعاع رشاشًا وبخارًا، كأنه بعض هذا الماء الهائج في انحداره، وكأنه له ما للماء من دوي وزئير. ونحن والذين جاءوا ليشهدوا هذا المنظر وقوف نقدس القوة الهائلة تقديس إعجاب بل عبادة؛ وكيف لا نقدسها ولم يبقَ لنا عاصم منها غير الصخرة التي قد تتحطم تحت سلطانها فإذا نحن هباء! ويصيبنا الوقت بعد الوقت منها رشاش، فنستريح له كأنه ماء زمزم أو ماء بعض البقع المباركة. أليس هو أثر هذه القوة الطبيعية الكبرى؟ أليس مظهر عظمة الوجود في بعض أركانه؟ أوليس كلها مظهرًا للعظمة مقدسًا؟ ورشاش العظمة مقدس كالعظمة نفسها، أو له على الأقل بعض قداستها!
وأطلنا الانتظار أمام هذه الصورة البديعة من صور المساقط، حتى كادت موليات النهار تنذرنا بضرورة الإسراع بالأوبة، لكن منظرًا رابعًا لا يزال باقيًا، ويجب أن نهبط إليه، فهبطنا. أتراني مستطيعًا وصف كل شيء من هذا الذي نرى! لقد أصبحنا لا نرى من المساقط إلا رشاشًا يندفع اندفاع القذيفة ويكاد يحطم ما أمامه تحطيمًا. على أن هذا الرشاش انتشر أمامنا فأصبح عالمًا استغرق كل حواسنا وكل حديثنا وكل تفكيرنا، واستبقانا أمامه زمنًا جاء خلاله جماعة تقدموا على سلم من الحديد إلى ناحية، فإذا بهم قد امتدت إليهم من ألسنة رجعتهم القهقرى في خيفة وإعجاب. وفي هذه اللحظة تكشف بعض السحب، فإذا الشمس قد انحدرت وراء الجبال وأرسلت من أشعتها ما ألهب الأفق، لكن الرغاء والرشاش لم يعبآ بهذا اللهب وبقيا في ناصع بياضهما، وكأنهما يقذفان إلى لجة النهر ثلجًا مندوفًا ما يكاد يصل إلى اللجة حتى يستحيل ماء مثلها، له زرقه كزرقتها. ولما آن للنفس أن تستجم لتبتعث في أطوائها هذه المناظر البديعة النادرة، عدنا أدراجنا وقد تولانا من البهر ما ألقى علينا من وجوم الصمت بما لا مستطاع معه لأكثر من ألفاظ الإعجاب بقدس الجمال في أحد مناظر الطبيعة البديعة. وارتقينا طريقنا حتى كنا عند المقاعد، فإذا الناس قد بدءوا ينصرفون أن كانت لجة الليل قد بدأت تدعوهم إلى الانصراف، وأن كان مطلع القمر متأخرًا تلك الليلة. وانصرفنا نحن أيضًا نحدث أنفسنا ويتحدث كل إلى صاحبه بما تكنه نفسه وبفاحش ما يدعو إليه حكم النظرة الأولى من خطأ.
وعاد بنا الترام إلى شافوزن، فرأينا فيها عيد الموسيقى البلدية، ثم غادرناها بكرة الغد قاصدين اختراق الغابة السوداء. ترى أنكتفي منها بالمرور أم ننزل بها؟ لكنا يجب أن نكون بكولونيا بعد غد كي نستعد لمؤتمرها. والذهاب من ماينس إلى كولونيا بطريق الرين الذي اعتزمنا ركوبه يقتضي يومًا كاملًا. إذن فلنذهب مباشرة إلى ماينس، ولنخترق هذه الغابة في القطار. وكثيرًا ما كان طريق القطار في أجمل المواقع، ولعله كذلك كان في هذه الغابة؛ فلقد كان يجري بنا بين أشجار كثيفة قاتم لون ورقها، لعله هو الذي دعا إلى تسميتها السوداء، فلما كنا على مقربة من تريبرج، إذا بنا أمام جبال شاهقة ليست دون جبال سويسرا رفعة، وإذا الأودية والغوطات عند سفوح الجبال منحدرة انحدارها في سويسرًا، وإذا القطار يشق النفق إثر النفق حتى اجتاز أربعة عشر نفقًا. مناظر رائعة تجعل للذين يغرمون بجمال هذه الغابة السوداء الحق كل الحق فيما هم به مغرمون.
وظللنا بين الأشجار بعد ذلك حتى بلغ القطار «بادن بادن»، وحتى اقترب بذلك من محاذاة الرين، لكن مجرى النهر ظل بعيدًا منا، وظللنا نمر بسهول في أثر سهول تقوم عليها المزروعات المختلفة، وبين حين وحين ترتفع في الجو مداخن المصانع معلنة أن هذه المنطقة الغنية التي استهوت أفئدة الحلفاء في أعقاب الحرب بما فيها من فحم ومعادن إلى جانب ما يكسو أرضها من شجر ونبات، هي منطقة صناعية بمقدار ما هي منطقة زراعية. وفيما نحن نشهد هذه المناظر في روعة تعاقبها وننتظر السويعة الباقية على بلوغ ماينس، إذا بلد كامل زرعت أرضه كرومًا، لعلها من الكروم التي جعلت لنبيذ الرين شهرته، ثم تبدى النهر محاذيًا القطار، وظل كذلك حتى دخلنا ماينس نقضي بها ليلتين ثم نغادرها توًّا إلى كولونيا لنشهد معرض الصحافة، ولنحضر مؤتمرها.
وقصدنا أحد فنادق ماينس فقيل لنا إنه ليس به مكان، فقصدنا آخر فقوبلنا بهذه العبارة، وقصدنا ثالثًا ورابعًا، وجعلنا ندور ومعنا في العربة متاعنا، حتى انتهينا إلى فندق واضطررنا إلى الإقامة به اضطرارًا. ومع أن ماينس مدينة جوتنبرج، ومع وقوعها على الرين، ومع ما بها من أشياء تستحق الوقوف عندها، فقد كانت هذه الصعوبة التي قابلتنا في الفنادق مما صرف أنفسنا عنها إلى حد كبير. ولقد لاحظنا في أسفارنا جميعًا أن أول أثر يتركه بلد من البلاد في نفس النازل به يتعلق بالفندق الذي يأوي إليه، وبمقدار ما يجد فيه من راحة وطمأنينة، فهو عنوان المدينة عند الإنسان، وفضلًا عن هذا فإن لطمأنينة الحياة المادية أثره في الحياة النفسية. ألست تجدك إذا نزل بك همٌّ أو مرض رغبت عن كثير من ألوان التفكير والإحساس والشعر مما كنت ترغب من قبل فيه؟ ولذلك كان توفير الطمأنينة المادية للناس من كل الطبقات مما يزيدهم إقبالًا على الحياة ويزيدهم إنتاجًا فيها. بذلك قال الاقتصاديون بعد أن رآه أرباب الأعمال رأي العين، وعلى أساسه طلبوا للناس مزيدًا من العلم بالحياة بكل ما فيها ليزدادوا بها استمتاعًا، وعليها حرصًا، وفيها إنتاجًا. على أن هذا الذي لقينا في ماينس وصرفنا إلى حد كبير عن زيارة أماكنها المختلفة كان له من ناحية أخرى أثر حسن، ذلك أنَّا اعتزمنا أن نقضي اليوم الذي كان مقدرًا أن نقيمه بها في فرانكفورت التي تبعد عنها في القطار السريع نصف ساعة. وفرانكفورت مدينة كبيرة فيها ضعف ما في ماينس من متاع، ثم إن في فرانكفورت بيت الشاعر الفيلسوف الألماني الكبير جيتى، ومهما يكن في ماينس مما يجذب النظر ويلفت الحواس فهو ليس ببالغ شيئًا إلى جانب ما تبلغه من النفس زيارة بيت جيتى. إذن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
وذهبنا في اليوم التالي إلى فرانكفورت. ما هذه المحطات الضخمة التي تقابلك في كل مكان في ألمانيا؟ فمنذ تركنا شافوزن ودخلنا الغابة السوداء ونحن لا نفتأ نرى بين حين وحين محطات دونها محطة عاصمتنا، مع أن هذه البلاد ليست عواصم، وما كان منها عاصمة فهو عاصمة مقاطعة نعدها نحن مديرية. ومحطة ماينس ومحطة فرانكفورت من أكبر هذه المحطات وأفخمها، فإذا أنت خرجت من المحطة قابلتك فرانكفورت بعظمة وفخامة وجلال، وتسير فإذا طرق متسعة جميلة الرصف بالأسفلت متسعة الأرصفة، تظلها على الجانبين أشجار لا أدري ما حاجة أهل هذه البلاد الشمالية إلى ظلالها، وفي القاهرة العظيمة لا نرى في الشوارع شجرة تظل المارة في أشد أيام الهجير. وتنتقل من ميدان المحطة الفسيح فإذا بك بعد زمن قصير في ميدان ليس أقل منه سعة، وهو محاط بالحدائق والتماثيل، وفي أحد جوانبه تمثال بسمرك العظيم، وعلى مقربة من هذا الميدان ميدان آخر فيه من ناحية تمثال لجوتمبرج تحف به من حول القاعدة تماثيل نسوة تمسك كل واحدة بيدها أثرًا من آثار الطباعة أول عهد الناس بها، وفيه من الناحية الأخرى تمثال لجيتى يطل على الحدائق البديعة نسقت من حوله، وكذلك تجدك تجتاز طريقًا فسيحًا إلى ميدان كالأولين أو أعظم منهما، وكذلك تظل حتى تصل إلى فرانكفورت القديمة التي لم تكن قد عرفت الأوتموبيلات والأوتوبيسات والتراموايات، والتي كانت كذلك في غنى عن هذه السعة في الشوارع، فإذا بك ترى طرقًا ضيقة ومنازل قديمة، وإذا في إحدى هذه الطرق بيت جيتى.
وأخذنا تذاكر الدخول، ودخلنا وفي النفس للمكان إجلال ومنه هيبة؛ هنا ولد وتربى شاعر ألمانيا وفيلسوفها العظيم، وعلى هذا السلم الذي ترتقي للأدوار العليا ثم تهبط — ومن يدري فلعلنا لا نعود إليه بعد أبدًا — وطئت قدماه مئات المرات بل ألوفها. وفي تلك الحديقة الصغيرة التي تراها في فناء الدار جلس يفكر ويستوحي آلهة الشعر والحكمة، وبوحي هذه الآلهة كتب آياته في «فوست» وفي «فرتر» وفي غيرهما من كتبه الخالدة التي جعلته رجل العالم كله بدل أن يكون رجل ألمانيا وحدها. نعم! هنا ولد جيتى وتربى ونشأ وكتب، وإلى هنا قصدنا ويقصد الناس لتمتلئ نفوسهم هيبة بذكرى جيتى وما خلد على الزمن من أثر عظيم. وسواء لديهم أكانت دار جيتى كوخًا أم قصرًا، وسواء أكان أثاثها مخملًا أم صوفًا، فليس ذلك يعنيهم إلا لأن فيه تجلت آثار هذه الروح الكبيرة التي وجهت تفكير العالم وشعوره وجهة أسمى، وجعلت للحياة شعرًا أغزر مادة وأقوى إلهامًا، وهدت الناس السبيل إلى متاع بحياة العاطفة أعمق غورًا وأبعد أثرًا.
وهذه الدار التي نشأ فيها جيتى هي دار أبويه، وهي تدل على أنهما كانا على حظ من السعة غير قليل، وأن أباه كان رجل علم ودراسة، فنشأ هو بين الكتب والموسوعات فتذوق منها خياله وتذوق عقله، كما نشأ على ضفاف نهر المين وعلى مقربة من الرين وبدائع جماله، فأحب الحكمة والجمال جميعًا، وعرف الفلسفة والشعر معًا، وأولع بالعلم وما يقتضيه من منطق، كما هام بالخيال الفسيح تمد بدائع الرين فيه وتزيده سعة وفسحة. ترتقي إلى الطابق الأول على سلم خشبي متسع، فتقابلك عند وصولك إلى هذا الطابق صالة فسيحة وضع فيها تمثال لجيتى حين كان في الثانية والثلاثين من عمره، كما ترى بها مكتبة أبيه وفيها من الكتب الفرنسية والكتب الألمانية ما يغطي أكثر جدرانها، أما مكتبته هو ففي الطابق الثاني، وهي لا تزيد على رفوف قليلة من صنع يده حين كان صبيًّا، وبها بعض كتب هي كتبه المختارة. أما المكتب الذي كتب عليه «فوست» و «فرتر» والدواة والريشة اللتان خطتا هذين الكتابين العالميين، فكلها بسيطة أشبه ما تكون بأدوات تلاميذ المدارس الثانوية. وليس حول المنزل مما كان قائمًا أثناء حياة الشاعر الفيلسوف ما يوحي معاني الجمال أو الحكمة؛ فحكمة جيتى وصور الجمال التي صورها إنما كانت قائمة في نفسه، وكانت أثرًا من آثار دراسته وجولاته بين مختلف صور الطبيعة يختزنها ثم يقلبها، ثم يتمثلها، ثم تصبح بعضًا منه، ثم تفيض عنه، فلا يرى مفرًّا من تسطيرها على الورق لتكون هذه الآيات البينات التي أورثنا. وغير مكتبة الأب ومكتب الابن ترى مخلفات جيتى في هذا المنزل بالغة كلها غاية البساطة، فإذا عدت إلى الطابق الأرضي ودخلت إلى مطبخ البيت، وجدت من عناية أم الشاعر به ما يدلك على أن القوم كان لهم بالطعام ولع، ولفن الطعام إكرام وتقدير؛ فليس شيء من معدات طهي النشويات والحلويات وغيرها إلا تجده كاملًا. وإلى جانب المطبخ غرفة الطعام بها غير المائدة والمقاعد عدة تطريز لأم جيتى ما يزال باقيًا عليها أثر من آثار يدها، ولعلها كانت تظل في هذه الغرفة أثناء طهي الطعام لتباشره ولتشرف عليه، ولتستوثق من أنها وزوجها وابنها سينالون من شهي الغذاء ما تطمئن له بطونهم وقلوبهم، وتستريح له نفوسهم وأعصابهم.
على أنك واجد إلى جانب حديقة الفناء متحفًا صغيرًا يدلك على أن الشاعر الكبير كان يعنى بالجمال لذاته عناية معناها أن الجمال كان بعض جوانب نفسه، أو أنه كان ضياء هذه النفس فأضاءت به على الوجود كله. فهذه الصور والمناظر البديعة النقش والتلوين تدل على دقة في الاختيار وعلى ذوق للجمال يقدر حقًّا معنى الجمال. وهذه الموضوعات التي تمثلها الصور من مظاهر العواطف المختلفة تحدث عن نفس دقيقة الحس هي نفس الشاعر بمعنى كلمة الشاعر في كماله، فإذا أضفت هذه الناحية من نواحي نفس جيتى إلى الناحية التي يدل عليها ولعه بالكتب ناحية الحكمة والفلسفة، وإلى الناحية التي تكونت من عناية أمه بطعام الأسرة جميعًا، عرفت كيف تأتَّى لهذه المواهب الممتازة أن تؤتي كل تلك الثمرات الشهية الخالدة.
وغادرت هذا البيت البسيط القديم ونفسي تحدثني كيف يترك هذا المنزل من الأثر فيها أبلغ مما تركت آثار الملوك وذوي التيجان بالغة ما بلغت عظمتهم، وكيف يكون له من الإجلال والاحترام أكثر مما كان للقصور التي رأيت في الآستانة وفي بودابست وفي فينا وفي فرساي وفي وندسور، ولم يكن جواب نفسي عن سؤالها عسيرًا؛ فتلك القصور الفخمة الضخمة كانت تأخذ العين عمارتها والنفس عظمتها؛ وعمارتها البديعة وعظمتها الفخمة ليست من صنع الملوك الذين أقاموا بها والذين جعلوا أنفسهم أربابًا فيها، وإنما هي من صنع موهوبين في الفن وفي العمارة، كما كان جيتى موهوبًا في الشعر وفي الحكمة؛ فنحن إذن لا نذكر الملوك الذين نزور قصورهم، وإنما نذكر بديع صنع الصانعين فيها. وإذا كان لهؤلاء الملوك أنفسهم من ذكر فقلما يخلو مما تغص به النفس ويضيق له الصدر. أما هذا البيت البسيط القديم فعظمته ليست في عمارته ولا في أثاثه ولا في نقوشه، وإنما عظمته في عظمة ذكرى الروح العظيم الذي أفاض ويفيض على الإنسانية جميعًا حكمة وشعرًا وجمالًا.
•••

وعدنا آخر النهار إلى ماينس، حتى إذا كان الصباح بكرنا باليقظة وذهبنا إلى الباخرة النهرية التي تقلنا على نهر الرين إلى كولونيا، وكما تقع فرانكفورت مسقط رأس جيتى على أحد روافد الرين كذلك تقع «بون» مسقط رأس الموسيقار النابغة العظيم بتهوفن. والرين وشواطئه بين كولونيا وبون قصيدة جديرة بعبقرية جيتى، وأنشودة جديرة بنبوغ بتهوفن؛ تقع العين من هذه الهضاب الخضراء على شعر وعلى أنغام تشيع في النفس البهجة والطرب، وتستثير في جوانب الفؤاد لحن المسرة الذي اقتضى بتهوفن كل حياته الموسيقية ليضعه وليطرب له. ولقد كنت أعجب لكاتب كبير مثل «لوتي» كيف تتكرر في كتاباته عبارات الإعجاب والهيام والبهر والجمال والروعة في وصف المناظر المختلفة التي تقع عليها عينه، وكيف يقف فنه البديع عند هذه الألفاظ العامة، وكيف لا تترجم له المناظر التي يراها عن أفكار مختلفة، أما اليوم وأنا أتخطى من سويسرا إلى الغابة السوداء إلى شاطئ الرين، فأرى «للوتي» أبلغ العذر. إن أغنى اللغات لأعجز عن أن تعبر عن هذه الصور المتتالية من الجمال الساحر بأكثر من هذه الألفاظ، ولست أدري أتستطيع أنغام الموسيقى التي تتحدث إلى النفس دون استعانة بغيرها أن تعوضنا عن هذا الجمال ألحانًا. وأنا الآن إذا حاولت أن أصف ضفاف الرين بين كولونيا وبون فلن أجد من العبارات إلا ما سبق لي ذكره؛ فهي جبال قليلة الارتفاع، تغطيها الخضرة المختلفة الألوان، فتضحك، أو بعبارة أدق، تبتسم أمام النظر ابتسامة الغبطة والنعيم، وتبعث إلى النفس بهذه المشاعر. والنهر خلال هذه الجبال يتلوى يمنة تارة ويسرة تارة أخرى، ويتجلى أمام عينك على سفوح هذه الجبال الزاهية بخضرتها المزدهرة منازل وقرى ومدائن وقصور. وبينا أنت بالمنظر الذي أمامك مأخوذ إلى حد البهر، إذ ترى النهر يستدير من جديد، وإذا منظر آخر هو الجبل والخضرة كذلك، ولكنه جبل غير الجبل، وخضرة غير الخضرة، وجمال غير الجمال، فبهر غير البهر وغبطة غير الغبطة ونعيم غير النعيم. وهذه الحصون القديمة تمر بك فتحدثك عن تاريخ قديم ما تكاد تذكره حتى تنسيك إياه الخضرة المتجددة الحياة مع كل يوم جديد، وتحسب نفسك كلما تلوَّى النهر حبيسًا في بحيرة من بحيرات سويسرا أسيرًا لفتنة جمالها، لولا أن الجبال دون الجبال ارتفاعًا وإن كانت الأشجار وخضرتها لا تقل عن الخضرة والأشجار رواءً وروعة، ويبلغ منك هذا الجمال حتى تود لو ترى جبلًا أجرد السفح أو سهلًا يمرح النظر في امتداده، ولا ينيلك الرين ولا شواطئه من مبتغاك شيئًا، وتذكر من تلوِّي الرين تلوي البسفور وتلوي الدانوب عند أبواب الحديد. والفسفور، ولا ريب، أروع بمياهه البديعة الزرقة، وبجباله المختلفة الألوان، لكن خضرة سفوح جبال الرين أكثر نضرة وأبهى غضارة وأدعى للإعجاب بالإنسان ومعونته الطبيعية لتزداد على جمالها جمالًا. وأبواب الحديد على الدانوب أكثر مهابة بعظيم ارتفاعها، فالإنسان بينها في شعور دائم بالرهبة والجلال، لكن ابتسامة الرين العذبة أشهى وأحلى، ويزيدها عذوبة أنها ليست ابتسامة متكررة في صورة واحدة، بل هي تختلف، كما تختلف ابتسامة المرأة الجميلة بين ابتسامة السرور وابتسامة الرضا وابتسامة الإعجاب وما شئت من ابتسامات هي للنفس نعيم وغبطة ومسرة. وتقف الباخرة عند كوبلنز وعند بون، ويتغير أثناء ذلك لون السماء، ويهتن المطر فلا يزيدها هذا التغير في الجو والمناظر إلا بهاء وروعة، وتخطر الباخرة الضخمة بعد بون والناس مطمئنون لما يجدونه فيها من كل ألوان المتاع، حتى تصل إلى كولونيا بعد الساعة الخامسة، أو بعد الساعة السابعة عشرة كما يقول الأوربيون.
وكذلك وصلنا كولونيا، وكذلك كنا في المدينة التي أقيم فيها أول معرض عالمي للصحافة، والتي يعقد فيها أول مؤتمر عالمي للصحافة كذلك، وهي كذلك المدينة التي تقوم فيها أبدع كنائس ألمانيا القديمة. فلنقم بها حتى نشهد المعرض والمؤتمر، وحتى نرى ما يهيئ لنا المعرض والمؤتمر فرصة رؤيته من مشاهد وآثار.

معرض الصحافة في كولونيا


تقع كولونيا على ضفة الرين اليسرى، وتتصل مع ضفته اليمنى بجسرين وبجسر ثالث كان قائمًا من القوارب المتصل بعضها ببعض من شاطئ إلى شاطئ، وقد زال الآن ليحل محله جسر آخر. وعلى هذه الضفة اليسرى تقوم نواحٍ ضمت إلى كولونيا منذ سنة ????، وإن كانت مبعثرة على الضفة هنا وهناك بحيث ترى بين كل واحدة منها والأخرى منبطحات فسيحة مغطاة بالحشائش الخضراء. ويقوم أحد هذه المنبطحات على الرين مقابلًا لكولونيا، وكانت تقوم على بعض أجزائه في الماضي معسكرات ألمانية من معسكرات عاصمة الرين التي كانت من أمنع الحصون، ولم تكن منعتها ترجع إلى حاجات الدفاع عن ألمانيا وكفى، بل كانت ترجع كذلك إلى أن كولونيا حصن الكاثوليكية في ألمانيا البروتستانتية، فكان من رأي الحكومة المركزية أن تحتفظ فيها بقوى كثيرة حتى لا تفاجأ فيها بثورة أو بانتفاض.
على المنبطح المقابل لكولونيا أقيم معرض الصحافة، أو بعبارة أدق، أقيمت مدينة الصحافة، وهذا الحصن القديم الذي جرد منذ زمن من قواته، قلب نظامه فأصبح قسمًا من هذا المعرض، نظم فيه تاريخ الصحافة في العالم على وجه علمي له حديث بعد، وبُني بعد هذا الحصن قسم فسيح عرضت فيه الصحافة الحديثة وحاجاتها المتعددة وصلاتها بكل أسباب المعرفة والإذاعة في العالم.
ومن بعد هذا القسم أقامت بعض الصحف الألمانية وبعض مصانع المطابع «الروتاتيف» الألمانية دورًا لها، ثم أقيم بعد ذلك في نصف دائرة، معرض صحافة الدول المختلفة، خصص فيه لكل دولة مكان بمقدار ما طلبت منذ بداءة المعرض، وأمام هذا القسم نافورة مياه بديعة تقع وراءها وعن جوانبها مقاهٍ ومطاعم، ثم تمتد الخضرة بعد ذلك فسيحة ذات نضرة إلى مرمى النظر. وفي منتهاها وعند حدود المعرض تقوم أماكن اللهو «غير الخفي» على حد تعبير القائم بأعمال القسم المصري. وفي هذا القسم قسم الملاهي تعلن المتاجر والمصانع المختلفة عن تجارتها وعن مصانعها في صور من الإعلان شتى.
ويكاد يستحيل على العين أن تحيط بجوانب المعرض ولو وقف الناظر في نقطة الوسط منه، على أنه يؤخذ، ولا ريب، في موقفه هذا بحدائق المعرض وبفروش الحشائش فيه، قبل أن يؤخذ بدوره ومبانيه، وليس ذلك لأن عمارة هذه الدور لا تلفت النظر، كلا! فهي ببنائها جميعًا بالأجر، وببرجها العالي، وباستدارة قسم معارض الدول تأخذ العين وتستوقف الالتفات. على أن حدائق المعرض ونافوراته ومباني المقاهي والمطاعم المبعثرة فيه ذات بهجة، وأبهجها هذا القسم الفاصل بين مباني المعرض ومقاهي الحشيش، فهو حديقة جميلة تزينها الأزهار وترتفع فيها مياه نافورة، على حين تنعقد فوق نافورة أخرى قبة المياه المندفعة من جوانبها يداعبها شعاع الشمس أثناء النهار، كما تنعكس عليها في الليل مختلف ألوان ضوء الكهرباء المنبعث هو أيضًا من بين منابع المياه.
ولقد عنيت مدينة كولونيا إلى جانب هذا التجميل للمعرض وإقامة أسباب الراحة والسرور به بتجميل ما جاور المعرض من أجزاء المدينة وتمهيد أسباب الراحة لزائريها الذين يقصدون المعرض؛ ففي كل ليلة تنير جسر «هوهنزلرن» وتنير لجة مجاوراته بما يضيء صفحة النهر بضياء عسجدي يكاد يكسف أنوار البواخر النهرية التي ما تفتأ على النهر في ذهاب وأوبة. وفي مكانين مختلفين على شواطئ النهر ينزل زوار المعرض إلى فلائك بخارية تنقلهم من المعرض وإليه طيلة النهار وإلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل. أليست المقاهي والملاعب تبقى مفتوحة إلى الساعة الثالثة صباحًا؟ فليتوافر لقاصديها أكبر قسط من الراحة كما توفر المدينة لهم في أنوار الجسر من بهجة العين ما يسرها، وكما تزيدهم سرورًا بين آن وآن حين تضيء قبة الكنيسة التاريخية الكبرى.
وحسنًا يفعل الذين يقيمون المعارض إذ يجمعون فيها اللهو إلى جانب ما يعرضون؛ ففي اللهو ما يغري كثيرين بالذهاب إليها وبمشاهدة المعروضات، والاستفادة من هذه المشاهدة استفادة يثابون بها رغم أنوفهم. ثم إن الذين يقصدون المعارض للدراسة والبحث في حاجة إلى الراحة كلما أجهدتهم الدراسة وأتعبهم البحث، وفي حاجة كذلك إلى التسلية واللهو. ومثل معرض الصحافة أحوج لهذا الجمع من سواه من المعارض، فهو معرض عقلي وعلمي، وهو لذلك أشد للباحث إجهادًا وأقل لغير الخبير استلفاتًا. فإذا لم يكن إلى جانبه ما يسلي المجهود وما يستبقي غير الخبير تثاقل قاصدوه ومل زائروه، وفاتت بذلك الفائدة الكبيرة المرجوة منه.
وهذا المعرض الدولي بكولونيا من أشد المعارض استنفادًا لمجهود الخبراء وأقلها لفتًا لغيرهم، ما عدا بعض أجزاء منها كانت الدعاية فيها مقصودة أكثر من الصحافة ومن العلم، وهو لذلك أشد احتياجًا لما يجذب إليه؛ فهذه الحدائق والمقاهي والملاهي هي بعض الضروريات التي لا مفر منها فيه، وهذا القطار الصغير، أو القطار القزم، كما أسمته إدارة المعرض، يطوف بالزائرين في مختلف جوانبه ويروِّح عنهم بعض الشيء من تعبهم. ثم إن المعرض في حاجة إلى ذلك كله؛ لأنه متسع مناحي البحث، لا يكفيك لزيارته زيارة مفيدة يوم أو أيام، ولعلي لا أبالغ إذا قلت إن الذي يقصد إلى دراسة المعرض دراسة علمية صحيحة بحاجة إلى أسابيع يقصرها على هذا الغاية وينتهي منها إلى الإحاطة بالصحافة كعلم إحاطة جمة الفائدة.
ومع هذا التوسع في عرض تاريخ الصحافة والطباعة توسعًا يكفي للإحاطة العلمية بهما، فقد توجه أكثر من واحد من الكتاب والصحفيين في الأمم المختلفة باعتراض على المعرض وعلى وصفه بالدولية؛ لأن ألمانيا وحدها استقلت بعرض تاريخ الصحافة والطباعة، ولأنها استأثرت في الصحافة الحالية بوضع ما رأت عرضه من أسبابها وأدواتها، ولأنها لم تترك للدول الأخرى أكثر من عرض ما عندهم في دورهم المختلفة. وزاد بعضهم على هذا الاعتراض اعتراضًا آخر، هو أن لوحات المعرض كتبت جميعًا بالألمانية، والألمانية ليست من جهة اللغة الدولية المعترف بها، وليس من جهة أخرى ما يحول دون كتابة هذه اللوحات بعدة لغات. وقد يكون لكل من هذين الاعتراضين وجاهته، وإن كان الإنصاف لا يبرئ كلا الاعتراضين من التطرف في معنى الدولية. وهو تطرف دعا إليه اعتزاز كل بقوميته يريد أن يكون لها نصيب من الاشتراك في المعرض وإدارته، ومن التطرف مطالبة الألمان أن يعترفوا بأن لغتهم ليست لغة دولية؛ إذ كل اعتراف من هذا القبيل في الظروف الحاضرة يجرح عزتهم القومية ويعيد لهم ذكرى مؤلمة لما أصابهم في الحرب الكبرى.
وكان للألمان بالقسم التاريخي الذي نظموه اعتزاز أي اعتزاز! سألني مدير المعرض بعد أربعة أيام من مقامي بكولونيا ومن مقابلتي الأولى له: أزرت المعرض؟ وهل أعجبني؟ فلما أجبته أني طفت به جميعًا ولم يبقَ إلا القسم التاريخي، كان جوابه: لكن القسم التاريخي أهم أقسام المعرض وأدعاها للإعجاب. ولقد صدق الرجل إلى حد كبير، وتجلى لي صدقه في اليوم التالي لحديثنا هذا، مع أن زيارتي لذلك القسم التاريخي كانت زيارة عجلى، حتى لقد فاتني أن أمر ببعض غرفه العليا، ومع أن سكرتير المعرض الذي تفضل فصحبني أثناء هذه الزيارة لم يكن لديه من فسحة الوقت أكثر من ساعتين يدلني فيهما على ما لم أتمكن من معرفته بتلك اللوحات المكتوبة بالألمانية وحدها.
فهذا القسم التاريخي يعرض الطباعة، ويعرض صناعة الورق ويعرض الصحافة من أول نشأتها، ويعرض كذلك الأدوات التي استعانت بها الصحافة لاستقاء أخبارها من رجالة وفرسان وحمام زاجل ومركبات تجرها الخيل وبريد وبرق ولاسلكي في عصورها المختلفة، ويعرض ذلك كله عرضًا علميًّا دقيقًا، ويبين لك الكثير منه، ويبينه لك كله كما كان في مختلف عصوره. فمطبعة جوتنبرج موجودة شبيهتها، وموجود إلى جانبها من العمال من يرتدون ملابس عصر جوتنبرج، وصناعة الورق في أيامها الأولى كذلك، أما طرق الأخبار فمصورة بالرسوم أحيانًا وبالتماثيل الصغيرة أحيانًا أخرى. ولعل الكثيرين يضحكون مما كان يصنع آباؤنا في عصورهم الماضية، وإن كان آباؤنا في تلك العصور كانوا يزهون بما عندهم زهونا نحن اليوم بما عندنا. على أنك إذا انتقلت من هذا القسم الذي يعد قديمًا ويعد فاتحة عهد الطباعة والصناعة إلى ما تلاه حتى يومنا الحاضر، رأيت تطورات مدهشة في فكرة الصحافة نفسها وفي طريقة عرضها للأشياء والآراء؛ فصحافة الثورة الفرنسية غير صحافة نابليون، وغير صحافة سنة ????، وغير صحافة الأجيال التي تلت ذلك حتى جيلنا الحاضر، ولعلك مستطيع أن تستخرج من هذه التطورات التاريخية مذاهب في الصحافة لا تقل شيئًا في تأثيرها في الحياة العالمية عن المذاهب الاقتصادية والمذاهب الدينية. ولا ريب أنه إذا كانت المذاهب الاقتصادية قد تركت في حياة الإنسانية أثرًا كالذي تركته المذاهب الاجتماعية والمذاهب الدينية والمذاهب العلمية، فإن المذاهب الصحفية قد تركت مثل هذا الأثر أو أكثر منه، وتدل معروضات القسم التاريخي فيما تدل عليه على أن الصحافة قد حظيت بنصيب من الحرية في مختلف العصور أكثر مما حظيت المذاهب الاقتصادية والدينية، وقد أباحت هذه الحرية الصحفية لمذاهب الصحافة المختلفة — صحافة الرأي وصحافة الأخبار وصحافة التهكم بالكلام أو بالتصوير — أن تتجاور في غير عداوة كالعداوة التي توجد بين مذاهب الاقتصاد أو الدين المختلفة مما يتدخل القانون لقمعه. ثم إني ما أحسب قوة اجتماعية كالصحافة استطاعت أن تستفيد من كل مبدعات العقل البشري في الكشف أو الاختراع استفادتها مما أنتجه الخيال والشعر والفنون جميعًا؛ وقوة هذا شأنها جديرة بالبحث العلمي الصحيح.
وأنت تستطيع أن تستكمل صورة تطور الصحافة إذا انتقلت من القسم التاريخي الذي لم يترك صورة من صور الصحافة في مذاهبها المختلفة، ومن بينها الصحف العلمية والصحف الأدبية والصحف النسوية والصحف الفنية وصحف الألعاب الرياضية وتطورات كل من هذه الصحف في مختلف العصور، إلى القسم المجاور له في المعرض والذي يعرض تفاصيل صحافة العصر الحاضر والأدوات المتصلة بها. وإذا كان طابع هذا القسم ألمانيًّا صرفًا فإن الصحافة في ألمانيا اليوم لا تختلف عن الصحافة في غيرها من أمم العالم. فإذا أنت وقفت من هذا القسم عند الصورة التي وضعت لتبين كيفية اتصال العالم التلغرافي واللاسلكي ورأيت المحطات المختلفة مصورة أثناء اشتغالها بما يتصل بها ويصدر عنها من حركات الكهرباء، لم تكن أمام صورة للصحافة الألمانية وحدها، بل للصحافة في كل أمم العالم في الوقت الحاضر. وإذا أنت انتقلت إلى قسم البريد ونظامه، كنت كذلك أمام نظام البريد في مختلف أمم العالم. على أن الصحفي المصري يشعر أمام ما يرى بالأسف أن كانت هذه الاختراعات وكل هذا التقدم العلمي دون أن يكون لمصر من نصيب، ثم هو يشعر كذلك بأسف خاص حين يقف أمام ماكينات كثيرة تستفيد منها الصحافة في أمم أوربا ولا تستطيع الصحافة العربية الاستفادة منها، بسبب عدم إتقان أشياء كثيرة خاصة بالحروف العربية؛ من ذلك «اللينوتيب» في صوره المختلفة، فهو يسمح للصحف الغربية أن تطبع كل يوم بحروف جديدة يراها القارئ نظيفة واضحة سهلة، على حين تبقى صحفنا في استعمالها للحروف الموزعة في الصناديق تطبع شهورًا متعاقبة بهذه الحروف عينها، حتى تراها في زمن من الأزمان متآكلة يكاد يغيب عنك منها الشيء الكثير، ويكاد يضيع لذلك عليك ما يقصده الكاتب. كذلك ماكينات الكتابة المتصلة اتصالًا كهربائيًّا والتي تسمح لك أن تكتب على إحداها في بلد من البلاد، فإذا ما كتبته قد خطته الماكينة الأخرى في بلد آخر، كما تحدِّث أنت شخصًا بالتليفون وأنت في بلد وهو في آخر. وربما كان لدى الصحفي المصري ما يقلل دواعي الأسف ألا تتمتع الصحافة العربية بهذه الاختراعات الجديدة باستعارة ما في أوربا، وهو صعوبة هذه الاستعارة، لحاجتها إلى ما يمهد للعربية ما تفيده من هذه الاختراعات، ولحاجتها بجانب ذلك إلى رءوس أموال طائلة ما تزال الصحافة وما تزال الطباعة العربية على العموم قاصرة دون الحصول عليها.
ومن إضاعة الوقت وصف هذه الآلات والأدوات التي تشغل طابقين كبيرين في المعرض؛ فلن يستطيع الواصف تصوير الأشياء تصويرًا يجعل القارئ بحيث يراها أو يدرك من أمرها إلا بمقدار ما يسمع من المخترعات الكثيرة في التلغراف اللاسلكي والتليفون اللاسلكي والراديو، وما يقرأ عن المطابع التي تطبع أربعين ألفًا في الساعة وأكثر. ثم إن هو حاول هذا التصوير فلن تكفي لوصف كل ماكينة رسالة طويلة ينتهي الشعر والخيال بالتغلب فيها على الوصف الفني الدقيق الذي لا يعنى به إلا الفنيون، وقليل هم بين القراء، وقليلة حاجتهم إلى الوصف؛ لأنهم يريدون أن يروا رأي العين وأن يفهموا، فإذا أنا أشرت إلى التلغراف وإلى البريد في الحديث من أقسام المعرض، وأشرت إلى تطور الطباعة وتاريخ الصحافة في القسم التاريخي، فما ذلك إلا لتكون أمام القارئ فكرة عن كل من هذين القسمين اللذين يعرضان تطور الصحافة عرضًا مستوفى دقيقًا.
يبقى بعد القسمين السابقين قسم ثالث اصطلحت إدارة المعرض على تسميته بأقسام الدول أو بمعارض الدول، وفي هذا القسم عرضت كل دولة ما رأت عرضه من أمر صحافتها وتاريخها وحاضرها عدا ألمانيا؛ ذلك بأنها كما رأيت العامل المهم في المعرض كله، وبأنها تريد أن تكون للمعرض إلى جانب صبغته الدولية صبغة ألمانية، معناها أن لألمانيا برغم الأحداث الأخيرة من العظمة ما لا تزعزعه الأحداث؛ لذلك تركت ألمانيا لكل صحيفة ألمانية شاءت أن تقيم لنفسها معرضًا خاصًّا مستقلًّا تعرض فيه مطبعتها وتعرض فيه مطبوعاتها.
وأقسام الدول أو معارض الدول تستثير من عنايتك الشيء الكثير؛ ذلك بأن أكثرها لا يقف عند عرض الصحافة وتاريخها وأطوارها وأدواتها عند هذه الأمم، بل يتعدى ذلك إلى شيء من نشر الدعوة لما ترى هذه الأمم ضرورة نشر الدعوة له مما في بلادها؛ فروسيا التي تشغل قسمين كاملين من أقسام المعرض تبهر الأنظار بشيء لا علاقة له بالصحافة ألبتة؛ فأنت ترى حركة دائمة في أسطوانات تدور، وعجلات تدير شرائط طويلة كتبت عليها عبارات مختلفة، وأنوارًا تضيء وتنطفئ، وضجة تقفك عندها بالرغم منك، هذه الضجة هي الدعاية للبلشفية ولما يزعم الروسيون لها من أنها أسبغت على روسيا من خيرات وجرَّت لها من مغانم دفعت الكل إلى التلذذ بالعمل والسعادة في الحياة. وما أكثر ما يقع نظرك على أرقام يزعمون أنهم يؤيدون بها أقوالهم هذه، وليس يدري أحد مبلغ حظها من الصدق ولا مدى إمعانها في الكذب.
كما تنشر روسيا الدعوة للبلشفية تعرض السويد في صورة رقيقة ظريفة مصنوعاتها المختلفة وما امتازت به من ثروة وما في بلادها من جمال تتيسر رؤيته لمن يشاء بسبب سهولة المواصلات. فأما سويسرا فشطر من معرضها مخصص للدعوة إلى السياحة فيها، والسياحة في سويسرا هي في الحق شطر كامل من حياة سويسرا، وأما إسبانيا فدلت بما بالغت في تجميل معرضها بأنها لا تزال يجري في عروق أبنائها مقدار غير قليل من دم العرب الأندلسيين.
لم يتلُ القارئ فيما سلف شيئًا عن الصحافة في معارض الدول، ولي عن تقديم ما قدمت مما في هذه المعارض عذري؛ فهو أكثر فيها ظهورًا من الصحافة وأمرها، وهو الذي يستوقف النظر للوهلة الأولى، ثم هو كل شيء في بعض المعارض، فليس في معرض تركيا إلا بضع سجاجيد عرضها محل من محلات السجاجيد. وليس في معرض رومانيا إلا بعض ملابس للسيدات تباع وتشترى، فأما الصحافة في هذين المعرضين فلا تزيد على مجموعة جرائد ملقاة على منضدة كتلك المجموعات التي تراها في الفنادق والمقاهي معدة ليسلي القراء بها وقتهم فلا يشعروا خلاله بالملال. لكن ذلك ليس معناه أن الصحافة لم تعرض في المعارض كلها على الصورة الواجبة؛ فلقد عنيت بعض الدول بأمرها العناية التي تجعلها حقًّا في المحل الأول من مرافقها جميعًا؛ عنيت بعض الدول بأمرها من الجهة التاريخية، ومن الجهة الإحصائية، ومن ناحية الطباعة والتوزيع، عناية بالغة غاية الجمال، قريبة كل القرب من تصوير الحالة العلمية للأمور الصحفية في كل واحدة من تلك الدول. ولنأخذ سويسرا مثلًا، فأنت ترى على جدرانها خرائط إحصائية بالصحف التي كانت تظهر فيها منذ مائة سنة أو أكثر، وبتطور هذه الصحافة مع الزمن إلى وقتنا الحاضر. وليست تقف تلك الإحصائية عند الأرقام العامة عن مجموع الصحف، بل هي تتناول مع ذلك من التقسيم ما يدلك على تطور الصحف على اختلاف أنواعها من سياسية واجتماعية وعلمية وغيرها، وإلى جانب هذه الخرائط الإحصائية إحصائية بالصحف السويسرية الحاضرة، وأخرى بتقسيم هذه الصحف إلى جرائد رأي وجرائد أخبار، ونسبة جرائد الرأي إلى جرائد الأخبار في سويسرا هي ?? في المائة لجرائد الرأي، و? في المائة لجرائد الأخبار. ويدهش الناظر لهذه النسبة المئوية في زمننا هذا الذي تتزايد فيه الجرائد الإخبارية حتى تكاد تطغى على جرائد الرأي وتضطرها إلى أن تجعل القسم الإخباري منها ذا أهمية كبيرة، لكن دهشته تزول حين يرى إلى جانب هذه النسبة السبب الذي أدى إليها؛ فسويسرا هي المثل الأعلى للبلد الديمقراطي؛ كل مديرية من مديرياتها (Canton) مستقلة بشؤونها الداخلية، وكل واحدة من هذه المديريات تحكم نفسها، لا بطريق الانتخاب المباشر، بل بطريق التصويت المباشر؛ فكلما أريد اعتماد مبلغ من المبالغ، أو سن قانون من القوانين، وجب أخذ رأي الشعب، ولكي يستنير الشعب يجب أن تؤيد أمامه أوجه النظر المختلفة لقبول الاعتماد أو لرفضه، والصحافة هي الوسيلة لهذا التأييد؛ لهذا كانت صحافة سويسرا صحافة رأي. ولتعدد المديريات كانت صحف سويسرا كثيرة العدد جدًّا بالنسبة لمجموع السكان والمساحة، وكان السويسريون لهذين السببين من أكثر أهل الأمم قراءة للجرائد، وكان لا بد لذلك من استنباط الوسائل لسهولة توزيعها. ووسائل التوزيع وغيرها مما يتصل بالصحافة في سويسرا معروض أيضًا على صورة جذابة أخاذة للنظر. وبمثل هذه العناية عرضت السويد وعرضت بولونيا وغيرهما شؤون صحافتها على صورة تختلف عن الصورة التي عرضتها بها سويسرا؛ لأنها تتفق مع الحياة العامة لكل واحدة من هذه الأمم، وقد يعجب الإنسان إذ يعلم أن فرنسا وإنجلترا وأمريكا أقل الدول عناية بعرض شئون صحافتها في هذا المعرض الألماني الدولي. وقسم فرنسا معروضة فيه شؤون الصحافة الفرنساوية ونتف من تاريخها عرضًا أنيقًا، ولكنه لا يدل على كثير مما يريد المدقق أن يقف عليه من شؤون صحافة بلاد الثورة الكبرى والثورات التي تلتها.
وقد يود القارئ أن يقف على الطريقة التي عرضت بها شؤون الصحافة المصرية، والحق أن المجهود الذي بذل في عرضها غير قليل؛ فهي حديثة العهد بالوجود، لا يرجع تاريخها إلى أكثر من خمسين أو ستين سنة مضت. وإلى أواخر القرن الماضي كانت الصحافة المصرية ضعيفة ضعفًا ظاهرًا، وصحافة اليوم لا سبيل إلى عرضها بأكثر من وضع مجموعاتها لمن شاء أن يتصفحها؛ لذلك عرضت نماذج من الصحف المنقرضة، كما عرضت نماذج من الصحف الحديثة؛ لكن ذلك لم يُشفع بشيء من الإحصاء، ولم ينل حظًّا من التقسيم العلمي الذي تحتاج إليه المعارض.
•••

أمام نصف دائرة أقسام الدول حدائق تتلوها نافورات المياه وبركها، ثم الحدائق والمطاعم وأماكن اللهو مما سبق أن تكلمنا عنه، ومن هذه المجموعة كلها يتكون معرض الصحافة، وقد أثار هذا المعرض عند طائفة من علماء الألمان وأساتذتهم البحث في الصحافة والعلوم الصحفية، وهل تكون الصحافة علمًا يدرس أو لا تكون. وللقيام بهذا البحث عقدوا في أبنية المعرض مؤتمر الصحافة الدولي الذي اجتمع في يوم ? أغسطس واختتم في يوم ?? أغسطس، والذي تناول بحث هذا الموضوع بما لا يدخل في نطاق هذا الكتاب.

في الطيارة من كولونيا إلى برلين


كان برنامج سفري أن أذهب من كولونيا إلى برلين بعد انتهاء مؤتمر كولونيا؛ لأشهد للمرة الأولى العاصمة الألمانية الكبيرة، ولأرى مجهود هذه الأمة الممتلئة حياة ماثلًا في أم القرى الألمانية، وقد يدهش القارئ لشخص قضى في أوربا أيام الدراسة سنوات، وزارها بعد ذلك غير مرة، كيف لم يزر برلين من قبل. وبرلين جديرة بكل إعجاب، وقد يجوز لي أن أعتذر بعدم معرفة اللغة الألمانية وعدم استطاعتي لذلك أن أتصل بأهلها وأدرك من أسرارها ما لا سبيل إلى إدراكه لغير عارف لغة البلاد التي ينزلها. ولهذا العذر لا شك وزنه وأثره، لكن سببًا آخر — قد يضحك القارئ منه كما أضحك أنا اليوم — كان أقوى أثرًا؛ ذلك أن دراستي في فرنسا كانت ما بين سنة ???? وسنة ????، وفي هذه السنوات كانت الخصومة بين فرنسا وألمانيا مستحرَّة، وكانت كل واحدة منهما تروج الدعاية ضد الأخرى بكل ما أوتيت من قوة، وما بين ما كانت تذيعه فرنسا عن جارتها أن في أخلاق أهلها غطرسة وجفاء، وأنهم ثقال الظل غلاظ الأكباد، وأن عسكريتهم قد جعلت منهم آلات لا تعرف شيئًا اسمه التفكير ولا الفن ولا الحرية، وإنما يقف علمها عند أن تؤمر فتطيع.
وقد بالغ بعض الكتاب الفرنسيين في تجسيم هذه الصورة عن ألمانيا، حتى ليحسب الإنسان أنه معرَّض ساعة ينزل بين الألمان للقبض عليه لأتفه سبب، وأن تساء معاملته لغير موجب، ويكفيك أن تطلع على ما كتبه جي دموباسان في هذه الناحية ليقشعر بدنك من قسوة هؤلاء الألمان الوحوش؛ فكيف يتسنى لمن يدرس في فرنسا، ومن يعجب بالظرف والرقة فيها، أن يغامر بنفسه فيذهب إلى بلاد الغطرسة والقسوة والتوحش! فلي إذن العذر إن أنا لم أزر برلين ولم أرَ من الألمان أحدًا.
وتقضَّت السنون بعد ذلك، وكانت الحرب، وبدا الإنسان في كل قسوته وتوحشه لا فرق بين ألماني وغير ألماني، وفترت في النفس أوهام الصبا، وتكشفت عن الحياة أستار الأماني البراقة، فظهر الناس جميعًا أمام البصر تصرفهم غرائزهم فتسخِّر عقولهم كما تسخر خيالهم وفنهم، وتسخر من منطقهم الذي يسمونه منطق العقل وما هو إلا منطق الغريزة الحيوية المشتركة بين الإنسان وغير الإنسان، تدفعهم جميعًا إلى البحث عن أسباب الطمأنينة والسعادة، فإذا كان للألمان في هذه الأسباب رأي غير رأي الفرنسيين أو الإنجليز، فلا تثريب عليهم في ذلك؛ سواء أكان رأيهم أدنى إلى الصواب أم أدنى إلى الخطأ.
فلنذهب إذن إلى برلين، قال صاحب: ولم لا تذهبون إليها بالطيارة وهي تقطع المسافة بين كولونيا والعاصمة في ثلاث ساعات، على حين تقطعها القطارات السريعة في عشر، وفي كل يوم بين كولونيا وبرلين طيارة يسافر الناس عليها، والكل متفق على أن السفر بالهواء مريح أكثر من سفر القطار ومن سفر البواخر. وهي بعد تريكم مناظر الأرض في صورة لم تروها من قبل، على حين أنكم رأيتم صورة هذه المناظر بالقطار حتى لم يكد يبقى لكم في شيء منها جديد. وما أحسبكم من أولئك الذين يخشون السفر الجوي لما يتوهمونه من أخطاره، وأنتم تعلمون أنه من مأمنه يؤتى الحذِر، وأن الخطر كمين في كل خطوة من خطى الإنسان، فلو أنه حاول دائمًا أن يحاذره لما تحرك ولا خطى خطوة … وظل هذا الصاحب بنا يحاول إقناعنا، وأعانه في ذلك أن جماعة ممن عرفت في المعرض ألمانيين وغير ألمانيين سمعوا منه اقتراحه فوافقوه عليه، وقص بعضهم أنه امتطى الهواء مرات، وأنه يجد فيه من الراحة ما لا يجده على الأرض ولا على البحار.
ومع ذلك بقينا مترددين. السفر بالطيارة جميل، وقد حدثني كثيرون من قبل عنه، وأخبروني أن ليس به ما يتعب إلا دوي أجنحة الطيارة دويًّا يصم الآذان، مع ذلك ففي ركوب الهواء مجازفة ما دامت الطيارات لا تزال معرضة للاحتراق، ولقد جاهدت بعد وصولي برلين أن أقنع جماعة ممن رأيت من المصريين أن يسافروا في الطيارة، فكان من عدم اقتناعهم ما سوغ أمامي ترددنا الأول.
على أن هذا التردد لم يطل، فلقد ذهبت إلى كوك في كولونيا، وطلبت إليه تذكرتين للطيران يوم الاثنين الثالث عشر من أغسطس، وفي صباح ذلك اليوم شحنت ما حسبت أن الطيارة لا تتسع لغيره من متاعنا، وإن رأيت بعد وصولي إلى المطار أنها كانت تتسع لأكثر منه، وبعد ربع ساعة من ظهر ذلك اليوم ركبنا سيارة «اللفت هانزا» الذاهبة إلى المطار، ومعنا صاحبنا الذي أشار بركوب الطيارة، وقطعت بنا السيارة أنحاء المدينة وخرجنا إلى ظاهرها، وبلغنا محطة الطيران، وما كدنا ندخل ونلقي بأبصارنا على المطار حتى ألفينا أكثر من طيارة ذات سطح واحد، لكن الساعة الواحدة والدقيقة الخامسة لم تكن قد حانت بعد، فجلسنا في مطعم لن نتناول فيه طعامًا، ولكنا جعلنا نطل منه على هذه الطيارات المستعدة للطيران. وفي الساعة الواحدة أقبلت إلى المطار تجري على عجلها طيارة ذات سطحين، ونادى المنادي: إلى برلين.
إذن هذه هي طيارتنا، فلنطر إليها حتى تطير بنا، وسبقتني زوجي، فلما لحقت بها أخبرتني أنها سمعت أثناء مرورها شخصًا عند مؤخرة الطيارة يذكر أن بها عطبًا وأنه يصلحه، فلما أردت أن أسكن من هذه الناحية روعي وروعها بأن سألتها كيف فهمت كل هذه العبارة الطويلة بالألمانية، أخبرتني أن الشخص كان يتكلم الفرنسية؛ فنحن إذن سنكون على أجنحة الهواء في طائرة بذنبها عطب، وإذن فلله الأمر من قبل ومن بعد، ولكل أجل كتاب، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
ولست أدري ماذا كان يجري إليه حديثنا عن هذا العطب ولم تلتفت إليه جارة لنا فتخوض معها زوجي في حديث، فتعلم منها أنها فرنسية، وأنها وحيدة في سفرها، وأنها حضرت على هذه الطيارة من باريس فلم تجد في سفرها نصبًا، بل لم تجد إلا الراحة التامة والسكينة كل السكينة، لولا ضجة المحركات المزعجة التي لا مفر معها من أن يملأ الإنسان أذنيه قطنًا ليستطيع احتمالها مع شيء من العناء، ثم قالت كي تطمئننا: ولقد نزل بنا الطيار نزولًا بديعًا لم نشعر معه بأي شيء … وجعلت تمدح هذا السفر بالطيارة، وتذكر أنها ذاهبة بها من باريس إلى برلين، لتمضي بالعاصمة الألمانية أسبوعًا ثم تعود بالطيارة كذلك إلى باريس. ولما كانت قد ذكرت أن هذا هو سفرها الأول في الجو، فقد جعلنا نسألها عما شعرت به أول ارتفاع الطيارة وأثناء مسيرها وحين هبوطها، ونسأل عن تفاصيل أخرى لم تدُر بخاطرنا قبل أن نجد أنفسنا في هذا المضيق.
لم يدفعني إلى كتابة كلمة «المضيق» هذه شيء من معنى الخشية أو التخوف؛ فطيارتنا والطيارات الأخرى التي رأينا مضيق فعلًا؛ فهذه الأجنحة الفسيحة تضم بينها غرفة في صورة غلاف جسم الطائرة سواء بسواء، والغرفة التي كنا بها تتسع لعشرة أشخاص فقط، ركب منهم ثمانية وبقي مقعدان خاليان، وصادف أن كان الثمانية: أربع سيدات وأربعة رجال. وعرض الطيارة، أو بعبارة أدق، هذه الغرفة الضيقة، تتسع لمقعدين من نوع «الفوتي» الذي يريح الجالس عليه كل الإراحة، وبين المقعدين ممر ضيق لا يكاد يتسع للشخص الواحد إلا بمشقة، ووراء المقاعد في هذا المضيق مكان يوضع فيه المتاع إلى جانب دورة المياه، فأنت إذن ترى أننا كنا في «مضيق» بالصورة المادية الصحيحة لهذه الكلمة، وأني إذ تحدثت عن المضيق لم أقصد به إلى أي معنى آخر.
وكان مقعدي في المقدمة، فليس بيني وبين الطيار غير حاجز ضعيف. والمقدمة تطل على ما في الطيارة من أدوات وعُدد تلفت النظر إليها؛ فهذه المحركات الحديدية الضخمة على صورة المروحة الكهربية تدور في حركة سريعة فتدور معها لوالب وزنبركات ويايات تعدها بالعشرات، وكلها تدق في نظام هو بعينه نظام نبض الحياة في الإنسان، وهي بعينها دقات قلب المرء، وهذه الزنبركات واللوالب واليايات صغيرة إلى جانب هذا المحرك الضخم العظيم، والجناحان المزدوجان عن يميننا وعن يسارنا فسيحا السعة، حتى لا يكاد المضيق الذي يحشر الناس بينهما تتعلق به العين أو تعنى به النفس لولا أنَّا جاثمون بين جدرانه المتينة.
الساعة الأولى والدقيقة الخامسة! الموعد الذي قيل لنا إن الطيارة ستتحرك فيه، وها هي ذي مع ذلك لم تتحرك؛ إذن فلا بد أن يكون العطب الذي بالمؤخرة داعيًا إلى التأخر، ولكن ليكن! فماذا عسانا نستطيع أن نقول ومعنا ستة آخرون تبدو عليهم الطمأنينة، فلننتظر … وها هي ذي الساعة الأولى والربع والطيارة مع ذلك لم تتحرك! والأولى والثلث والطيارة مع ذلك لم تتحرك! أي عطب هذا الذي اقتضى إصلاحه هذا الوقت كله؟ والآن ها هي ذي الساعة الأولى والدقيقة الخامسة والعشرون، وها هو ذا طيار يمر من بيننا ويأخذ مجلسه إلى جانب زميله ويجيب عن سؤال زميله في لهجة استخفاف: لقد كان عطب تافه في المؤخرة أصلحناه في الوقت المناسب، وما يزال أمامنا خمس دقائق.
ما يزال أمامنا خمس دقائق؟ نعم! كذلك أجابتنا السيدة الفرنسية التي تحدثنا إليها وتحدثت إلينا؛ فالطيارة تدخل المطار الساعة الأولى والدقيقة الخامسة، لكنها لا ترتفع طائرة إلا في الساعة الأولى والنصف. ألا لو علمنا ذلك لما كان ثمة موضع لعدِّنا الدقائق والثواني لحسباننا العطب سبب التأخير.
وفي الساعة الأولى والنصف تمامًا أقبل إلى ناحية الطيارة ضابط المطار، فصفر إيذانًا لها بالسفر، وجرت الطيارة على عجلها حتى توسطت المطار عند ضابط آخر واقف إلى جانب علم مثبت في الأرض، هنالك رأينا الأرض تبتعد عنا رويدًا رويدًا من غير أن نشعر ونحن في الطيارة بأكثر من حركة الصاعد (الأسنسير) حين ارتفاعه، لكن ضيق المحشر الذي حشرنا فيه جعل أنفاس الأشخاص العشرة الذين يشغلونه تجعل منه بوتقة، فخلعت معطفي في أثناء ارتفاع الطيارة، ثم جعلت أحدق إلى الأرض وما عليها من شجر وعمارة وهضاب وجبال تبتعد عنا رويدًا رويدًا، وكلما آن للطيارة أن تزداد ارتفاعًا شعرنا بها تهبط فجأة بعض الثانية، ثم ترتفع من جديد فلا نشعر بارتفاعها. وأشهد لقد هبطت في شيء من السرعة فخلت قلبي يهبط، وأحسب أن الذين كانوا يطيرون مثلنا للمرة الأولى هبطت قلوبهم كذلك معها، لكنها في هذه المرة ارتفعت ثم ارتفعت ثم ازدادت ارتفاعًا، حتى بلغ ما بينها وبين الأرض ألفًا وخمسمائة متر.
وفي أثناء هذا الهبوط ثم الارتفاع كنا في شغل بحركة الطيارة عن أن ندقق في الإحاطة بما تقع عليه أنظارنا من زجاج نوافذها، وكنا كذلك ممتلئي النفوس شعورًا بأنَّا لا نقدر من أمرنا على شيء، وبأنَّا في حاجة إلى عون كل القوى لتمدنا من لدنها بما يعيننا على مواجهة هذا الجديد الذي لا نعرفه قبل ساعة حشرنا فيه، وإن كنا قد سمعنا وقرأنا عنه ما جعل من اليسير علينا أن نهرع إليه لنزداد بأمره خبرًا، لهذا دعتني زوجي أن أقرأ «أية الكرسي»، وانطلق لسانها هي بالدعوات الحارة إلى الله رجاء كل مستعين، وذكرت أهلنا ومن خلفنا في مصر، فوجهت إلى السماء من صالح الدعوات لهم ما يرتفع به القلب حين يصفو من مشاغل الحياة الدنيا. على أننا لم نستطع التفاهم على ما نقرأ وما نتلو من الدعوات إلا زمنًا يسيرًا؛ فقد قوي دوي المحركات أثناء مسير الطيارة وارتفاعها، حتى كان لا يسمع أحد أحدًا، ولا يستطيع جار أن يتفاهم مع جاره إلا بالكتابة.
وفيما هي في ارتفاعها كانت تسير بنا صوب برلين؛ أين نحن الآن منا في القطار، نطل من نوافذه الواسعة على المزارع تارة وعلى الجبال أخرى وعلى الأنهار ثالثة، نعبرها فوق الجسور المختلفة الصناعة! ها نحن أولاء تشهد أعيننا الجبال والمزارع والأنهار والغدران والقصور والطرقات، وكلها كأنها خطوط مستقيمة تارة، ملتوية أخرى، خضراء حينًا، مغبرة حينًا آخر، لامعة بالموج ثالثًا! ولكنها في هذه الأحوال جميعًا لا تزيد على خطوط رسمت على خريطة مسطحة مستوية من الأرض، لا تختلف في شيء عن الخريطة السطحية المستوية من الورق التي ترسم عليها الصور الطبيعية والجغرافية لهذه الكائنات التي نراها عن قرب بارزة أو غائرة، مرتفعة أو منخفضة، ضخمة أو ضئيلة. وكما صرنا بالعادة نعرف ما تشير إليه الألوان على الخرائط، كذلك استطعنا أن نعرف ما تمر فوقه الطائرة في مروقها كالسهم، فنميز بين الجبل والسهل والبناء، وإن كنا ننظر إليها جميعًا نظرة علو واستكبار، فلا نرى لها من العظمة ولا من الجمال ما نراه لها؛ إذ نمر بها ونحن صغار إلى جانبها وهي عظيمة تبهر عظمتها الأبصار ويأخذ جمالها القلوب؛ ولم لا ننظر إليها كذلك؟ ألنسا منها في سمواتها العلى؟ ألسنا نطل من نوافذ زجاج الطيارة فنراها صغيرة دوننا، ونرى قممها التي كانت شامخة متعالية وقد طأطأت هامتها لنا وكشفت عما كان مخبوءًا منها لأنظارنا؟ فماذا بقي منها غيبًا علينا حتى نجلها أو نعظمها! والإنسان لا يجل إلا العيب، ولا يعظم أمامه إلا المحجب.
وهدأت النفس واطمأنت إلى مكانها بعد روعها من سلوك السبيل إلى هذه المكانة، ألم يكن هذا السبيل مجهولًا أمامها؟! فلتستعن إذن بالغيب وبالمجهول ما دامت قادمة على غيب ومجهول! لتصبح ذرة في وحدة الوجود العظيمة، ولتفنَ مع غيرها من الذرِّ، ولتلتمس لها في فنائها هذا أنسًا لها من وحشة، ومعونة على المجازفة، وسكينة في أحضان الاستسلام. أما وقد تسنمت الذروة وأطلت من فوق الكائنات على هذه الكائنات فما الروع، وما الغيب، وما الاستعانة إلا ضعف غير لائق بالنفس التي تؤمن بالعلم، نعم! ما دام العلم فالوجود كله للإنسان، وإذا هو لم يكن لإنسان اليوم فهو لإنسان مائة سنة أو ألف سنة أو ألوف من السنين مقبلة. أليس الوجود هو هذا الذي نحدق إليه حولنا؟ أولسنا نكشف كل يوم منه عن جديد؟ ففيم استحالة أن نكشف يومًا من الأيام عنه كله؟
وذهبت في هذه التأملات وفي مثلها، لكني شعرت بشيء يلفتني عنها ويردني إلى حقائق الوجود الذي حولي؛ ذلك هو البرد الذي جعل يشتد رويدًا رويدًا. أليست طيارة قد ارتفعت ألفًا وخمسمائة متر! فهذا الهواء الذي كانت الأنفاس أدفأته قد بدا يتأثر شيئًا فشيئًا بالجو المحيط بالقفص الذي نحن فيه، وها هو ذا الآن قد أمسى باردًا، فأنا في حاجة إلى معطفي أضعه على ساقي؛ كلا! بل أرتديه، فدفء ساقي لم تدفأ له أكتافي. وارتديته ثم ضممته إليَّ كأشد ما يضم الإنسان إليه رداءه في ساعات القرِّ المرعد، وعدت إلى تفكيري من جديد، عدت إليه إذ ليس لي إلى غيره من سبيل، فلست أستطيع أن أتحدث إلى جارٍ لي وقد ملأت أذنيَّ قطنًا أتقي به دوي المحرك المزعج المصم.
ولعلي كنت أجد من مجرد التأملات مندوحة لو أنه كانت تحت نظري خريطة تفصل لي ما نمر به من بلاد وما تقع عليه العين من مناظر، أو لو كان معي منظار معظَّم أتبين به هذه البلاد والمناظر، لكنه لم يكن مع أحد ممن في الطيارة جميعًا خريطة ولا منظار، وأحسب أن هذه الخرائط لم توضع بعد للمسافرين بالطيارات؛ لأن عددهم لا يزال قليلًا، أو لأن سرعة الطيارة تجعل التحديق إلى ما نمر به أمرًا غير ميسور.
ها ساعتان مضتا وبقي لنا ساعة كاملة للهبوط في مطار برلين، فماذا عساي أصنع؟ أسندت رأسي إلى زجاج الغرفة وأغمضت عيني فنمت، وأحسبني نمت هنيهة غير قصيرة؛ فقد شعرت بجاري يوقظني، ورأيته يشير إلى ما تمر الطيارة فوقه، ويكتب إليَّ على غلاف كتاب معه: برلين. إذن وصلنا! ولكن لا! فكيف تكون هذه برلين ونحن نرى تحت أنظارنا غابات مبعثرة هنا وهناك، ونرى بحيرات تلمع مياهها خلال الغابات، ونرى كل ما عهدنا في المروج الفسيحة وفي الأحراش الواسعة! صحيح أن هذه الأشجار الخضراء وتلك البحيرات التي تتخللها تحيط بها عمارات وأشباه عمارات، لكن العمارات صغيرة لبعدها عن النظر؛ ولاكتظاظ ما تجاور منها؛ ولتبعثرها بما تفصل الغابات والبحيرات بينها. فهل تكون العاصمة الألمانية في هذا الجمال الذي تجلوه نظرة الطيارة منها؟ لا بد أن يكون ذلك هو الواقع؛ لأن الساعة أوفت على الرابعة والنصف، ولكن كيف تكون هذه برلين؟! وصادف أن أشار إليَّ جاري الأمريكي بأنَّا ننزل عند «مجدبرج»؛ أو بينها وبين برلين! ولم يَرُعني إلا الطيارة قد بدأت تهبط ثم تهبط … حتى قاربت الأرض؛ وحتى صرنا نستطيع أن ننزع القطن من آذاننا فلا يزعجنا دوي المحرك؛ ولم نشعر في أثناء هبوط الطيارة بأكثر من مثل حركة هبوط الأسنسير أيضًا، ثم جرت الطيارة بعد ذلك على عجلها في المطار حتى أبوابه، فوقفت وهبطنا منها فوق درج صغير.
هبطنا منها، وجعل ركابها يهز بعضهم يد بعض حمدًا لله على السلامة، وأقبل علينا حاجب المفوضية المصرية يخبرنا أن القائم بأعمال المفوضية تفضل فحضر بنفسه، وسلمنا الحاجب متاعنا؛ وذهبنا جميعًا إلى الفندق؛ فأوينا إليه وأنا أشد ما أكون غبطة بسفري هذا، ورجاء في تقدم المواصلات الجوية تقدمًا يقرب أجزاء العالم بعضها من بعض؛ ويجعل العالم كرة صغيرة في قبضة الإنسان.

في برلين


صدقت نظرة الطائر إلى برلين؛ فهي غابات وأحراش وبحيرات تغطي من المساحة القائمة فوقها مبانيها أضعاف ما تقوم عليه المباني. نزلنا من المطار إلى فندق «إدن» بالأحياء الجديدة من المدينة؛ فتخطت السيارة بنا إليه شوارع تحيط بها من الجانبين؛ أو من أحدهما، غابات تذهب مع البصر حتى لا يرى شيئًا غير أشجارها؛ ثم وقفت عند باب الفندق؛ فإذا إزاءه غابة هائلة أعادت إلى الذهن غاب بولونيا بجوار باريس، ونزلت بعد الغروب مع صديق رقيق يعرف المدينة العظيمة حق المعرفة، فاخترق بي طرقًا أخرى حتى وصلنا إلى بحيرة جلسنا في منتزهٍ على شاطئها، وفي الأيام التي قضينا ببرلين لم يكن يوم ينقضي دون أن نخترق غاب «التيرجارتن» أو أن نذهب إلى إحدى الغابات الكثيرة الأخرى المنثورة ببحيراتها خلال العاصمة الألمانية الهائلة وشوارع المدينة المحاطة على جانبيها بالمنازل والمتاجر أكثرها فسيح مغروسة وسطه الأشجار؛ ويجري الترام فيه فوق الحشيش الأخضر؛ حتى لتظنك حيثما كنت في حدائق ناضرة. والألمان مزهوون أشد الزهو بنظام مدينتهم هذا، ويعتبرون الغابات المنثورة خلالها، والتيرجارتن أكبرها وأفسحها، بمثابة الرئة من برلين تنفس عنها ولا تضطر الناس إلى الخروج منها ابتغاء هواء نقي وجو صافٍ ما دام هواء المدينة دائم التجدد بمروره بهذه الرئة التي تفرز فاسده وترد إلى المدينة النقي الصالح، وهم أشد زهوًا بشوارع مدينتهم وبنظافتها وبدقة نظام المرور فيها. والحق أن شوارع برلين ليس كمثلها سعة ونظافة في باريس أو في لندن؛ حتى لكانت زوجي تشير مازحة إليَّ أن يجب ألا ألقي بقية سيجارتي بها لتظل في نظافتها وفي لمعانها. فأما المرور فمنظم تنظيمًا أوتوماتيكيًّا بالأنوار الحمراء والخضراء والصفراء، تشير بالمرور أو بالانتظار، فتجيب الأوتموبيلات إشارتها في رضا واطمئنان. أخذ ذلك كله نظري؛ فجعلت أسائل نفسي كم يقتضي ذلك كله من العناية به لتبقى برلين دائمًا كما أراها؟ وتردد هذا السؤال بخاطري غير مرة؛ فألقيت به على أحد شبابنا المقيمين هنالك، فذكر لي أن ميزانية بلدية العاصمة وحدها خمسون مليونًا من الجنيهات؛ أي ما يكاد يعادل الضعفين لميزانية الدولة المصرية كلها.
ويخيل إليَّ أن النظافة بعض الغرائز الألمانية. أقمنا بفندق «إدن» أيامًا انتقلنا بعدها إلى فندق «الإسبلاناد»، فكان مما لاحظناه فيهما جميعًا أن جماعة من الخدم لا يفتئون، منذ الصباح الباكر إلى المساء المتأخر، ينظفون الأراضي والجدران والنوافذ والأبواب والسقوف، وكأنهم كلما فرغوا عادوا ينظفون من جديد، مستعينين بكل ما هدى إليه العلم وبكل ما تعاونهم به الكهرباء. وما أشك في أن سائر فنادق برلين وكل منازلها تلقى من العناية بنظافتها كل ما تدفع إليه هذه الغريزة على نحو ما رأينا في الفندقين اللذين نزلنا بهما؛ وعلى نحو ما هو بادٍ بصورة تلفت النظر في كل شوارع المدينة وطرقاتها.
على أن ما يسَّر لبرلين سعة شوارعها أن برلين مدينة حديثة، لا يرجع تاريخ أكثر الأحياء فيها إلى مائة سنة، ولا يرجع أبهى أحيائها إلى أكثر من خمسين سنة، وحداثتها هي بعض ما يطوع للناس في باريس وفي غير باريس أن يوجهوا لها ما يوجهون من نقد؛ فهي عندهم كالرجل المحدث الثروة؛ كان بالأمس في كوخ أو في بيت صغير، فلما أنعمت المصادفة عليه بما أنعمت من ثروة، تبدى في وجاهة المحدثين ووقاحتهم، وابتنى لنفسه قصرًا على أحدث طراز وجهزه بأحدث أسباب النعمة، فأما العريقون في حسبهم ونسبهم فيقيمون في قصور آبائهم وأجدادهم، قد لا تبدو هذه القصور في وجاهة دور المحدثين ولا في ترفها؛ ولكن لها من حديث التاريخ ما تعتز به؛ إذ في كل غرفة من غرفها وفي كل بهو من أبهائها من الذكريات ما يتضاءل أمامه هذا الجمال الحديث طهيه. ثم إن مقاومة هذه القصور القديمة لصروف الزمن قد جعلتها بمأمن من زعازع الحياة، على حين ما تزال دور المحدثين عرضة لأعنف الهزات كيما تستقر، فإذا كانت شوارع برلين وغاباتها على ما وصفت، فليس في برلين ما يحدث حديث باريس وحديث روما وحديث لندن؛ وليس فيها من صور الفن ما محصه الزمن في بوتقته القاسية، فسما على الزمن وارتقى إلى مكان الخلود.
لست أريد أن أقف عند هذا النقد وبرلين أمامي في جلال جمالها وبهر عظمتها تحدث حديث الروعة والبهاء؛ ولكنى أعترف بأن بي ضعفًا أمام القديم، يجعلني أقف بين يديه خاشعًا مقدسًا. قد يكون هذا الضعف في نفسي المصرية راجعًا إلى تقديسي آثار الفراعنة الأقدمين، وقد يكون راجعًا إلى اعتقادي بأن ما يتركه الزمن من ندوب فيما يعجز الزمن عن دك صرحه أبلغ حديثًا من كل فن حديث. على أن هذا الضعف لم يحل بيني وبين الإعجاب ببرلين والاستمتاع بما فيها من جمال وعظمة تتجلى فيما للألمانيين من ميل خاص للضخم وللعظيم، حتى إن أهل ألمانيا رجالًا ونساء أضخم من غيرهم من أهل أمم الشمال، كما تتجلى في دأبهم وتعمقهم بما يجعلهم يميلون في طريقة بحثهم وتفكيرهم إلى التقصي لأبعد الحدود؛ كي يظهر بحثهم عظيمًا وتفكيرهم ضخمًا، كيما يظهر كل أثر لبحثهم في العلم أو الصناعة ضخمًا عظيمًا. وكان أول ما لفت نظري من مظاهر عظمتهم أن الشهوة لم تخرج بهم ما خرجت بالفرنسيين أثناء الحرب إلى صغائر تأباها العظمة؛ من ذلك أن الفرنسيين ألغوا من حياتهم ما له أيسر اتصال بألمانيا، فاستبدلوا بما كان من أسماء الشوارع متحدثًا عن الإمبراطورية أسماء فرنسية أو متصلة بالحلفاء، أما في برلين فلا يزال الميدان الذي يقابل ميدان الكونكورد يدعى، كما كان يدعى قبل الحرب، ميدان باريس، وكما بقي لهذا الميدان اسمه فقد بقيت سائر الأسماء لم تغير، ولو بعض ما عفت عليه عداوة الحرب. وميدان باريس يتصل من ناحية بالتيرجارتن، ويفصل بينه وبينها عقد كأنه قوس النصر يسمى «برج براندبور»، ويتصل به من ناحيته الأخرى طريق «أنتردن لندن»؛ أي طريق الزيزفون، منافسًا طريق الشانزليزيه بباريس، ممتدًّا حتى يبلغ غايته عند تمثال القيصر فرانس جوزيف، وتقوم على جانبيه مبانٍ غاية في الفخامة؛ منها مباني الجامعة، وبناء دار الأوبرا والمكتبة الملكية والترسانة، ويتخطى السائر أحد فروع الأسبري إلى «اللستجارتن»، وهي حديقة قامت خلالها تماثيل شتى كلها للنصر والغلب، وكلها تدخل في روعك سجايا ألمانيا الحربية متجلية ناطقة، في التماثيل نفسها أو في الصور البارزة التي نقشت على قواعدها. وأشد هذه التماثيل أخذًا للنظر تمثال فردريك غليوم الثالث، على أنك إذ تقف معجبًا بالحديقة وتماثيلها يأخذ نظرك بناءان غاية في العظمة والفخامة: أحدهما القصر الملكي؛ والثاني الكنيسة «الدوم»، ولم نزر نحن القصر؛ ولكنا زرنا الكنيسة. هي كنيسة جميلة، لكنها حديثة بنيت في هذا القرن المتم العشرين؛ إذ تمت عمارتها في سنة ????، وهي على جمالها لا تبعث إلى النفس شيئًا من معنى الرهبة التي تبعثها إليها كنائس كثيرة مما زرنا، وبحسبي أن أذكر أن هذه المعاني الدينية التي شعرنا بها العام الماضي في كنيسة ميلانو والتي شعرنا بها منذ أيام في مدينة كولونيا، لا تجد أي مدخل إلى النفس في كاتدرائية برلين، ما بالك بما تبعثه إلى النفس كنيسة نوتردام في باريس، وكنيسة القديس بطرس في روما؟! دخلناها فإذا هي أقرب إلى أن تكون بهو محاضرات منها إلى أن تكون مكان عبادة، بل إن بهو السوربون الكبير لأكثر منها مهابة ورهبة، وعلى جدرانها وفي بعض مقاصيرها العليا صور لا تعبر عن معنى ديني رهيب. وصعدنا إلى طابقها الأعلى، فإذا به تزين جدرانه صور جميلة تجعل المكان متحفًا أكثر منة كنيسة، وما أدري لعل جماعة البروتستانت يريدون لبيوت الله في مذهبهم ألا تبلغ هيبتها من النفس موضع الرهبة؛ حتى تكون عبادة المرء ربه عبادة جمال لا عبادة سر قوي مخوف. أم لعل الأمر لا يتصل بالبروتستانتية، وإنما يتصل بمذهب جديد في فن العمارة، على أنه أيًّا كان السبب في هذه البدعة في المعابد فإني أراني أشد ميلًا للهيبة في العبادة ولو كانت عبادة الجمال.
يتصل طريق الزيزفون «الأنتردن لندن» بأكثر الأحياء التجارية في برلين نشاطًا وحركة، فهو يقطع شوارع «ولهم شتراس» «وفردريك شتراس»، ويوازي «ليبزج شتراس»؛ وكلها شوارع تنبض بحركة برلين في التجارة نبضًا قويًّا. ويمر هذا الشارع الأخير، كما تمر شوارع غيره، بمتاجر فرتيم التي تزدهي برلين بعظمتها وضخامتها وتضعها مكانًا عليًّا فوق اللوفر والبون مارشيه في باريس، بل فوق سلفردج وهارودز في لندن. وأشهد أن فرتيم عظيم حقًّا؛ ففيه كل صنوف التجارة من مصرف إلى محل الفاكهة والخضر وما بين ذلك، لكني أشهد كذلك أني شعرت بفرق بين فرتيم ومتاجر باريس الكبرى، كالذي شعرت به بين طريق أنتردن لندن والشانزليزيه، فكلا الطريقين جميل وعظيم؛ لكن طريق باريس — على ما وصفت في الكتاب الأول من هذا المؤلف — مجموعة فيها اتساق عجيب، حتى لكأنما لوحظ في كل بناء شيد فيه أنه يجري مجرى الاتساق مع سائر الأبنية؛ فأما طريق برلين فينقصه هذا الاتساق، وترى فيه من صور النبو عن فن الجمال ما يفجأ نظرك مع إعجابك بما هو عليه من عظمة ونظافة، كذلك ينقص الاتساق والجمال الفني متاجر فرتيم على عظمتها وضخامتها، وهو ينقص الكثير مما ترى في برلين؛ لأن العظمة والضخامة مقدمة عند الألمانيين على الاتساق وجمال التجاوب.
يعاودك الشعور بهذا المعنى إذ تتخطى الطريق الذي يخترق التيرجارتن والذي أقيمت على جانبيه تماثيل ملوك ألمانيا في عصورها المختلفة بما يجعله حقيقًا بأن يدعى الطريق الملكي. كل واحد من هذه التماثيل جميل، والطريق في اختراقه الغابة جميل، لكنا نحن الذين اعتدنا ذوق الجمال على ما فرضته في نفوسنا الثقافة، كنا نشعر في هذا الطريق بنقص في الاتساق، ولكنه كان مع ذلك ومع قربه من فندق «الإسبلاناد» يجعلنا نهرع إليه المرة بعد المرة لنستريح إلى جماله؛ ولشد ما ذكرت خلال المرات التي اخترقناه فيها نصف دائرة الملكات في حديقة اللكسمبور بباريس؛ وما فيها من معادن، وما لجمال تجاوبها واتساقها من سحر يحببها إلى النفس. وبرلمان برلين القريب من ها الطريق الملكي، فيه كذلك من الفخامة والضخامة أكثر مما فيه من حسن التجاوب والاتساق، لكن ذلك لا يعني نقص الجمال في هذه التماثيل والمباني والطرق، وإنما يعني أن الألمان أكثر تقديرًا للفخامة منهم للاتساق في الجمال، وهذا ما يؤدي بهم إلى تفضيل موسيقى فاجنر الضخمة على غيرها من أنغام الموسيقى الإيطالية والفرنسية الميالة دائمًا إلى الاتساق والانسجام.
على أن الضخامة التي امتازت بها الميول الألمانية لم تبدُ في أوضح مظاهرها ما بدت لنا في مصانع الكهرباء لشركة زيمن، ومصانع الكهرباء هذه تقع بمدينة زيمن على نحو الساعة من أهلها، وصعدنا إلى إدارتها مع مهندس الشركة في مصعد «أسنسير» ضخم يديره مزارع خضراء ذات بهجة تنساب خلالها أحيانًا غدران صغيرة، وقد زرناها يومًا بدعوة رقيقة من أهلها، وصعدنا إلى إدارتها مع مهندس الشركة في مصعد «أسنسير» ضخم يديره عامل مبتور الذارع من أيام الحرب. وقوانين ما بعد الحرب في ألمانيا تقتضي هذه المصانع الكبرى أن تستخدم نسبة معينة ممن أصابتهم الحرب بعاهة من العاهات؛ لتعلم الأمة أن ما يصيب أبناءها في سبيلها لن يحول بينهم وبين الكسب وعول ما تلقي عليهم المقادير عولهم من أهل وولد. وبعد أن قابلنا مديري المصنع ذهبنا في أوتموبيل جرى بنا نحو ربع الساعة إلى مصنع الأسلاك الكهربية. أية ضخامة هذه! لقد قابلنا شيخ ألماني جاوز السبعين طويل القامة جم النشاط، طاف معنا في هذه المصانع التي تتسع لسبعة آلاف من العمال ساعات متوالية، كان نشاطه في ختامها كنشاطه في بدئها، وكان أول ما اتجه بنا نحوه الماكينة المحركة لجميع الآلات التي تدير مصنعه، والتي قيل عنها إنها أقوى محرك من نوعها في أوربا كلها، ثم انحدرنا إلى مصانع الأسلاك، فإذا الضخامة هي الضخامة، وإذا العمال والعاملات ينقلون الأسلاك إلى الماكينات فتخرج منها، في دقائق، مستوية صالحة، ثم تلتف على عجل من الخشب ينقلها إلى ماكينات أخرى تكسوها ورقًا، ثم إلى ماكينات ثالثة تكسو الورق قارًا، ثم ماكينات تكسو القار كاوتشوكًا، ثم تلتف الأسلاك كلها معًا بالعدد المطلوب، وتحاط بأنابيب من الزنك تحميها حين تلقى في الماء لنقل أخبار العالم التلغرافية والتليفونية في أنحاء المعمورة. وكضخامة مصنع الأسلاك مصنع الأمشاط وما إليها مما يصنع من الكاوتشوك ممزوجًا بمسحوق الفضة، فأما مصانع مولدات الكهرباء من مساقط المياه فأشد من ذلك ضخامة بكثير، وما ترى في مصانع زيمن من ضخامة تراه في مطابع أولشتين التي ترتفع اثني عشر طابقًا، كلها ماكينات ومطابع تخرج مئات الصحف والمجلات في كل يوم.
على أنك إذ تزور هذه المصانع وتلاحظ هذه الضخامة ترى نفسك أمام مظهر بالغ غاية الروعة، لا في اشتراك الرجال والنساء في العمل على قاعدة المساواة في المجهود والإنتاج، ولكن في عناية هذه المصانع بطمأنينة العمال والارتقاء بعيشهم ليكون عيشًا إنسانيًّا صحيحًا إلى حدود تستريح لها النفس التي تؤمن بالديمقراطية غاية الاستراحة. تناولنا طعام الغداء مع مديري مصنع زيمن، فعلمنا أن الطعام الذي تناولناه هو الطعام الذي يتناوله العمال جميعًا تطهوه لهم الكهرباء، وأرونا في أولشتين حمامات العمال وأماكن غدائهم، فإذا الحمامات كأفخم ما تعرف الطبقات الراقية، وإذا الغداء صحي جيد. وبمدينة زيمن مساكن صحية أمامها حدائق يأوي إليها العمال الذين يشتغلون في المصانع، ولا عجب في ذلك كله والحركة الاشتراكية في ألمانيا حركة قديمة قوامها الديمقراطية الصحيحة التي تأنف التحكم البلشفي كما تأبى الاستبداد الفردي، وهذه النعمة التي توفرها المصانع الكبرى لعمالها هي خير كفيل بتثبيت أقدام الحرية وإقامة أسس السعادة الإنسانية.
هذا التعاون بين المال والعمل هو الذي يجعل للحياة جمالًا لا سبيل إليه حين يتنافسان، ويطوِّع للناس جميعًا ذوق هذا الجمال، بل النهل منه أحرارًا سعداء. والحق أن في برلين موارد لهذا النهل شتى يرودها الناس من مختلف الطبقات. كانت الأوبرا الكبرى معطلة، فذهبنا إلى أوبرا البلدية لعلها في حكم الأوبرا كوميك بباريس، وهناك سمعنا موسيقى وغناء أنسيانا الضخامة والعظم، وأعادا إلى أنفسنا من معاني الاتساق وجمال التجاوب ما أشجانا وأطربنا، ثم مثلت أوبرا صامتة لا غناء فيها، لكن تهيئة مسرحها جعلتنا نحس كأنَّا في عالم من الملائكة والجن تطير أشخاصه إلى سماوات نارية الحمرة حينًا، بديعة الخضرة حينًا آخر، تسعدها موسيقى هي الجمال كل الجمال، وذهبنا يومًا إلى «الكولزيم»، فإذا به يجمع بين الضخامة والجمال في عمارته، وإذا المناظر المختلفة التي تعرض فيه تفوق بكثير ما يعرض من مثله بباريس في مسارح الأولمبيا وأشباهها، وإن لم يكن فيه شيء مما في الفولي برجير والمولن روج. وأراد أصدقاؤنا الترويح عنا ليلة، فذهبوا بنا إلى ملهى من نوع فريد في بابه، على كل مائدة من موائده تليفون، ولكل مائدة رقم، فإذا أردت التحدث إلى أي شخص على أية مائدة طلبت رقمه فتحدثت إليه وسألته: أيرغب في الرقص أم لا يرغب؟ ثم تابعت الحديث ما شئت وما دام محدثك على استعداد لمتابعته. هذه موارد مرح قلَّ في غير برلين نظيرها، أما ما له نظائر في سائر المدن فببرلين ما لا يعد ولا يحصى، وإن يكن أكثره دون ما بباريس بهاء وروعة.
على أن ما ببرلين من صور الجمال وما يتخللها من غابات وبحيرات يدعوك إلى أن ترى مجاورات برلين، وإلى أن تزور ضواحيها، وإلى أن تزور بوتسدام بنوع خاص؛ ففي بوتسدام قصور ثلاثة ملكية؛ منها قصر فردريك الأكبر، وقصر سان سوسي وحديقته، وفيها الطاحون التاريخية التي أراد الإمبراطور ضمها لقصره، فأبى صاحبها وأنصفه القضاء من الإمبراطور بحكم سجَّل للعدل في ألمانيا هذه الكلمة المشهورة: «إن في برلين قضاة»، وسجل للإمبراطور احترام العدل باستبقائه الطاحون بإذن صاحبها أثرًا قوميًّا ناطقًا بقداسة العدالة وسموها فوق كل اعتبار وفوق كل مقام. ذهبنا إليها نشق طريقًا تحيط به سهول ممرعة الخضرة المموهة بالزهر مختلفًا ألوانه، وتتخطى بحيرات وغابات حتى دخلناها، فذهبنا إلى قصر بوتسدام، ومررنا فيه بغرف فردريك الأكبر، ثم زرنا حديقة «سان سوسي»، وتناولنا طعام الغداء في مطعم يطل على نهر الهافل، ومع أن الإمبراطور غليوم كان يقيم في بوتسدام كما كان الإمبراطور فرنسوا جوزيف يقيم في شونبرن، فإننا لم نشعر هنا بمثل ما شعرنا به العام الماضي حين زرنا فينا؛ لم نشعر بما رزأت به الحرب ألمانيا، ولا شعرنا بأن أهل هذه القصور قد فروا منها ولم يضع الشعب، مالكها الجديد، يده عليها. كلا! بل شعرنا في ألمانيا بأن لهزيمتها عظمة لعلها أروع ما شعرنا به للنصر من عظمة في كثير من الدول المنتصرة، شعرنا فيها بقوة وشباب ومضاء عزيمة للعمل بما فوق طاقة الإنسان؛ للتغلب على ما أصابها، وللسمو بنفسها فوق همومها. ولئن بدت على الوجوه سحابة كآبة وهمٍّ كلما ذكر الألمان الحرب وانتصار الحلفاء فيها وتجريدهم ألمانيا العظمى من ممتلكاتها؛ فإن القلوب الفتية الكبيرة التي تحتل ما بين جنبي كل ألماني تنبض في اللحظة نفسها بمعاني الإخلاص المتقد لهذا الوطن الذي يجب أن يسمو إلى مثل ما كان له قبل الحرب من مكانة، وبروح التضحية أكبر التضحية في سبيل درك هذه الغاية العليا. وهذه العزيمة هي التي دعت الحلفاء إلى أن يروا سلام العالم متصلًا بسلام ألمانيا، وإلى أن يروا ضرورة وجود ألمانيا معهم في عصبة الأمم، وجلائهم عن أرضها، واعترافهم لها بسمو مكانتها وعظيم مجهودها.
وآن لنا أن نغادر برلين قاصدين «بادجاشتين»، فأقلَّنا قطار سافر في الساعة العاشرة مساء إلى ميونيخ حيث قضينا أربعًا وعشرين ساعة سافرنا بعدها إلى التيرول البديع نخترق جباله وأوديته حتى نزلنا بادجاشتين.

ميونيخ – بادجاشتين – باريس – مصر


نزلنا ميونيخ وفي ذاكرتي منها أنها بلد البيرة، ولم تكذبني ذاكرتي؛ فقد أوينا بمتاعنا إلى الفندق، وتناولنا فيه طعام الإفطار، ثم نزلنا نسير على هدى الدليل، فلم نسر غير بعيد حتى كنا في أحد شوارعها الكبرى وبه ستة مصانع كبرى للبيرة أو أكثر من ستة، فإذا على هذه المصانع منذ الساعة الحادية عشرة من الصباح إقبال، وإذا الناس ينتظرون تناول طعامهم بها يقدم لهم منه «البفتيك» الضخم والبطاطس الجم، لكن هذه الصورة المرتسمة في الذاكرة بسبب ما لميونيخ في صناعة البيرة من شهرة، ما تلبث أن تتفانى كلما ازداد الإنسان تطوافًا في نواحي المدينة المختلفة، فرآها مدينة قديمة لها ما للمدن القديمة من جلال، ورأى فيها من آيات الفن في مختلف الصناعات، ومن صور الجمال في التماثيل الكثيرة المنثورة في ميادينها، ما يشعرك بأنها جديرة بأن تقضي فيها أيامًا بدل أن تقضي فيها يومًا واحدًا. دخلنا إحدى كنائسها لما اعتدنا أن نراه في الكنائس من جمال العمارة، ولما تدفعه إلى النفس من معنى مهوب، فألفيناها إلا تكن في شيء من عظمة «الدوم» ببرلين فهي أشد منها مهابة وجلالًا، ووقفنا في أكثر من ميدان فيها، فأعجبنا ما فيها جميعًا من فساقي وتماثيل وخضرة زاهية، ثم خرجنا إلى ظاهرها قبيل مغيب الشمس، فإذا بنا في غابة جميلة توسطتها بحيرة، فجلسنا إليها نستمع إلى الموسيقى عندها. وذهبنا في المساء إلى بهو فيه طعام وشراب وطرب وغناء، وغادرناها صبح الغد إلى بادجاشتين بالتيرول النمسوي وفي النفس من ألمانيا إكبار لعزيمتها وأسف على ما أصابها، وقد عاودنا هذا الشعور بعد عام من ذلك اليوم حين كنا بلندن في «الكورنر هاوس»، وقد جلس إلى جانبنا جماعة من السيدات والرجال لا تقل سن أحدهم عن الخمسين، وكانوا يتناولون طعام الغداء، إذ دقت الموسيقى بلحن وقف له مئات ممن في البهو جميعًا وعلى وجوههم آثار الغبطة. أما هم فاضطربت أيديهم وسقطت الشوك والسكاكين منهم وانهلت العبرات من عيونهم وحاروا هنيهة بين الوقوف والجلوس، ثم وقفوا ودمعهم مدرار ووجوههم محتقنة، فلما تم اللحن وجلس الناس جلسوا، وأخرج كل منديله يكفكف به واكف دمعه ويمسح به أنفه، وإن بقيت صدروهم مضطربة تهتز بالفجيعة والأسى؛ ذلك بأنهم ألمان، وأن اللحن الذي سمعوا لحن نصر الحلفاء على ألمانيا، فهو ما كاد يبدأ حتى تحركت في نفوسهم العزة المهيضة والعظمة المنهدة، فلم يستطيعوا كظم ما في نفوسهم، وعجزت عزائمهم عن التغلب على عواطفهم، واندفعت أنا معهم فلم أطق في تأثري بجلال هذا المظهر العظيم حبس عبرة أشارك بها المخلصين لوطنهم في سمو إخلاصهم له وتقديسهم إياه، وما يزال هذا الشعور يعاودني، وما أظن أن الأيام قديرة على أن تقضي عليه في نفسي.
من التجوز أن تسمى بادجاشتين قرية؛ فهي، بعبارة أدق، مصح بادجاشتين؛ فليس بها منازل لأهلها، وإنما كلها فنادق ومتاجر، وما بها من منازل فيؤجره ذووه للنازلين بها للاستشفاء؛ ذلك بأن من يصح أن يسموا أهلها لا يقيمون بها إلا في فصل السياحة، فإذا جاء الشتاء بثلجه وزمهريره تركوها وهبطوا الوادي إلى هفجاشتين التي تسكن طوال السنة. فنادق بادجاشتين رشيق أكثرها، وقد جهزت كلها في الطابق الأسفل منها بحمامات للاستشفاء؛ لأنه يقال إن في مياهها راديوما. وبالمصح على مقربة من المحطة كرسال تصدح الموسيقى فيه كل يوم صباحًا ومساء، وبه كذلك بعض مقاهٍ وأندية يختلف المستشفون إليها. على أن المقام بالمصح يومًا أو يومين يورث النفس الملل، ويدفع الإنسان إلى التخلص منه بالانطلاق فيما يحيط ببادجاشتين من غابات قائمة على السفوح المحيطة بها، وكلها فتنة باهرة ببساطتها وطيب هوائها وانسياب المياه في الأخاديد خلالها، وفي هذا الجو الحر الطليق ترتفع نفس الإنسان إلى أسمى مكان في تقديس الحرية وعبادة الجمال، ومن السرور الجم بالاشتراك المطلق مع الطبيعة البديعة في عظمتها وإبداعها. وقد نظمت الطرق التي يسير المصطافون فيها تنظيمًا يزيد في متاعهم بالجمال حولهم، ويدعوهم إلى الشعور العميق بمتاعهم. على أنك لا تكون أقل سرورًا إذا أنت ضللت الطريق فانطلقت خلال الغابات على غير هدى، حتى تهديك المصادفة طريقك. وإني لأذكر يومًا كنت فيه أنا وزوجي واثنان من المصريين وسيدة نمسوية نقصد مقهى يبعد عن بادجاشتين نحو نصف الساعة، فاخترنا طريقًا غير طريقه الذي اعتدنا، وسرنا فيه فضللنا وجعلنا نهبط سفوحًا ونصعد أخرى، والجهد ينال منا والطريق لا يستبين أمامنا، حتى قضينا أكثر من ساعة قبل أن نهتدي، ثم كنا بهذا الضلال كلنا السرور، وكنا نضحك بنفس راضية وقلب مطمئن ساعة بلغنا المقهى وجلسنا نتصبب عرقًا، وكلنا يحاول أن يفر من تبعة هذا الضلال.
على أن الفتنة الباهرة في مجاورات بادجاشتين تذبل وتنسى إذا ذهب الإنسان يخترق بالأوتموبيل أو الأوتوبيس جبال التيرول. هنا يحار الإنسان أيهما أروع: أوبرلاند سويسرا أم تيرول النمسا! ولقد قضينا يومًا نخترق هذه الجبال، وهأنذا أكتب بعد مضي ثلاث سنوات إلا أشهرًا وما يزال قلبي تهزه المناظر العظيمة الرائع سحرها. انطلقت بنا سيارة الأتوبيس في نحو الساعة العاشرة، وراحت تقطع سهولًا وأودية ترى سلاسل الجبال بعيدة عند آفاقها، حتى وصلنا بحيرة زي (زيلمسي) تقع على شاطئها قرية ظريفة هي إحدى مصايف التيرول، وبعد فترة قضيناها بها عاودت سيارة الأوتوبيس انطلاقها صاعدة سفح الجبل، حتى وقفت بنا عند صاعد شمتنهوهن؛ صاعد من نوع غير كل ما رأينا من قبل، فهو ليس بالفنكيلير يجري القطار على شريطين بينهما شريط مسنن يعاونه على الصعود وعلى الهبوط، وهو ليس من نوع صاعد الهاردركلم يجري على شريط معلق فوق سارية وتجذبه الجنازير، بل هو صندوق معلق في جنزير، معرض إذا انقطع الجنزير لأن يهوي ويتحطم على الصخور. وركبنا هذا الصندوق وجذبه الجنزير حتى كنا عند قمة الجبل، وفي فندق فوق القمة تناولنا طعامنا، وطفنا نمتع الطرف من فوق الجبل بما حولنا، ولم يكن ما حولنا غير جبال تغطي بعض قممها ثلوج قليلة أذاب الصيف سائرها، فلما آن للصندوق أن يهوي بنا معلقًا في جنزيره هبطنا وعدنا إلى أوتوبيسنا مسرورين بما رأينا، لكنها ما كادت تنطلق بنا بعض الساعة حتى نسينا كل ما رأينا، وحتى ابتلعتنا جبال سالزبرج وعظمة طبيعة التيرول الرهيبة المجدبة، وحتى شعرنا بأوتوبيسنا وبأنفسنا بعوضة على قرن ثور، بل دون البعوضة بمئات المرات كمًّا، وأقل من البعوضة شعورًا بوجودنا في هذه العزلة المهوبة بين الجبال الشاهقة والمنحدرات المخيفة. والعربة تجهد نفسها في تسلق السفح وفي متابعة التسلق، فلا تزداد الجبال أمامنا إلا ارتفاعًا. والتوى الطريق أمامنا وانطبقت شواهق القمم من حولنا، فحبستنا في مضيق تنحني أمام رهبته رهبة جبال البسفور وبوابات الحديد. وآن للعربة أن تستدير فتنحدر فتقطع طريقًا للسكة الحديدية يجتاز خلال أنفاق بين جبلين، هبطنا من فوق أحدهما لنتسنم غارب الآخر، ولتجري فوق النفق، ثم لترتفع أمتارًا وعشرات الأمتار فوقه ليزج بنا من جديد بين جبلين، فتتلوى على سفوح أقل من سفوح الجبال الأولى جدبًا وأكثر منها ابتسامًا، وإن لم تكن أقل منها رهبة. ووقفت العربة بنا فجأة بين هذه الجبال، وأشير إلينا بالنزول منها وبأنها ستنتظر في الجانب الآخر من مساقط كسل (كسلفال) غاية مسيرتنا، وخاتمة مطافنا، وتاج ما رأينا من جمال طول يومنا، ودخلنا واجتزنا هذه المساقط من جانب إلى جانب. ماذا أقول وبأي ألفاظ أعبر عن مشاعري وعن إحساسي؟! وكيف أردد الصيحات التي تنفس عنها صدري وهتف بها فؤادي وقلبي لهذا السحر البارع والفتنة الساحرة؟! ليست كسلفال مساقط كمساقط الرين، وكان الأجدر بها أن تدعى حلوقًا، وهي أفخم مائة مرة من حلوق سرفوز، وأبهى وإن لم تكن أعظم من حلوق ديوزا. كان الجانب الذي دخلنا منه غاية انحدار المساقط، فكانت روعة الانحدار عنده على أيسرها، لكن دوي المياه لفتنا إلى متابعة انحدارها، فإذا هي تتلوى ثم تتلوى، وإذا نحن فوقها حينًا وإلى جانبها حينًا آخر؛ على الصخرة، وعلى درج من الخشب أو من الحديد أخرى. والدوي يزداد والحلوق تغص بمياهها، ونحن مأخوذون بهذه الروعة الحبيسة بين الجبال نسينا فيها أنفسنا ونسينا تفكيرنا، وملأ الدوي والماء والرشاش كل وجودنا، ففنينا في هذه القطعة من الكون، وصار وجودنا كله يدوي بالإعجاب والطرب دويًّا يندفع في آهات من المسرة والانشراح حينًا، ومن البهر والروعة حينًا، ومن التقديس والإجلال حينًا، ومن الإسلام والإذعان لهذه القوة الكونية العظمى ننسى عظمتها ما حبسنا أنفسنا بين الجدران، فإذا اندمجنا فيها وأصبحنا بعضها عظمنا بها وانطوى في نفوسنا العالم الأكبر بانطوائنا فيها، وصرنا لها ومنها كما صارت لنا ومنا.
وتدرجنا الحلوق ثم تدرجناها حتى فجأتنا عند أعلاها فجوة عميقة يهبط الماء إليها، ولا ندري إلى أين يتسرب منها؛ لعل له تحت الجبال أنفاقًا يتسرب فيها عالم من الجن كما نطرب نحن للمسير وهذه الحلوق والمساقط التي شهدت. وإلى هذه الفجوة يهبط الإنسان بدرج وضعته يد الصناعة لتزيد الناس سحرًا بجمال الطبيعة، وهبطنا فإذا كل ما حولنا يزيدنا غبطة وسرورًا، وإذا نحن نصعد بعد ذلك لنتناول الشاي في بيت صغير قام إلى جانب هذه الحلوق المساقط، لتعود بنا العربة بعد ذلك أدراجها إلى بادجاشتين ونحن في ذهول مأخوذون بما رأينا، حريصون على أن ننهل أثناء مقامنا بالتيرول أكبر حظ من جماله.
لكنَّا لم نقم بعد ذلك ببادجاشتين إلا يومين غادرناها بعدهما قاصدين باريس، وبلغناها بعد سفر ست وعشرين ساعة وشوقنا إليها على أشده، ونعمنا فيها بما لا تشبع النفس من النهل منه والنعمة به، على أننا صدمنا في أيامنا الثلاثة الأخيرة بها بموت المغفور له عبد الخالق ثروت باشا، ثم غادرناها إلى فيشي فأقمنا بها أربعة أيام سافرنا بعدها إلى مارسيليا فإلى الإسكندرية لننخرط في الحياة من جديد منتظرين أن نفي للصيف المقبل بنذرنا أن نقضيه مستشفين في أوربا من مصابنا.
غير أن القدر المحسن، القدر البار الرحيم، رأت عدالته السامية أنَّا كفَّرنا خلال سنوات أربع عما لا أدري مما قد يكون فرط منا، وإنَّا لفي منتصف أبريل سنة ???? إذ عاودنا الأمل في أمومة جديدة وفي أبوة جديدة؛ أمل كانت ثمرته هاته الطفلة التي تسعدنا وتتنفس ابتسامتها لنا عن أريج ما في العالم كله من سعادة.
فليكن في ذمة الله ما احتبسنا، ولتكن هذه البقعة الطاهرة في صحراء القاهرة وسيلتنا إلى مغفرة من الله ورضوان، ولعل القدر الذي مد يده المحسنة فضمد بها جراحات قلوبنا، يكون أبرَّ بنا وأحنى علينا، وشكرًا لهذه البلاد والدول في أوربا التي كانت لنا عزاء وسلوى، وكان جمالها وفنها وعلمها كما كان اندماجنا فيها ونهلنا منها مصدر الوحي لما في هذا الكتاب.