Advertisement

نور_الأندلس


نور الأندلس




نور الأندلس

تأليف
أمين الريحاني




نور الأندلس

أمين الريحاني

الجزيرة الخضراء?


لم يكن من أغراضي في الرحلة المغربية أن أزور إسبانيا، ولكني بعد أن سِحْتُ في المنطقة، وشاهدت من أعمال الحكومة الحامية ما هو في دور الإنشاء، وما لا يزال عهدًا وأملًا، رأيت من الواجب عليَّ أن أقابل الجنرال فرنكو لأتحقَّق ما لاح لي — ولم أُخْفِهِ على القارئ — من أنوار وظلال الخطة المغربية الجديدة.
ولم يكن بحسباني أن الرحلة ستدوم شهرين، وتمتحن الأعصاب والعظم مني في أشد ساعات العمل تجوالًا وتفكيرًا، إنما كنتُ فَرِحًا بما تراكَمَ بين يدي من أسباب الدرس والكتابة، كما كنتُ مسرورًا بما مهَّدته الحكومة من سُبُل السياحة والعلم.
وها أنا ذا والرفيق البستاني على الدوام، نعود من تطوان إلى مطارها؛ لنطير هذه المرة في طيارة ألمانية إلى إشبيلية، لا تشبه طيارتنا الإيطالية في وجهها وأثاثها، وقد تشبهها باطنًا في الجهاز. إن على هذه الألمانية مسحة من العتق والقِدَم، لا تذهب بشيء من متانتها، وإن كانت المتانة غير معقودة بالراحة والهناءة.
ولقد أضحكني من قِدَمها — والمرجح أنها كانت في صباها للجيش — أن مجالسها القاسية مجهَّزة بالسيور، يشدها الركاب إلى أوساطهم إذا ما خطر لها، في منطقة من الرياح العاصفة، أن تعمل عملًا بهلوانيًّا، فتنقلب مثلًا ظهرًا لبطن أو جناحًا لدولاب!
ولله در جناحها الحامل لذيذ الذكريات للغريب القَصِيِّ من الأقاليم! لله در ذلك الجناح المضمَّخ بطيب إفنى والعرائش، المبرقش بألوان نهر الذهب Rio de Oros المتطرب بأفاويه وأغاريد الجزائر الخالدات. وهاك التعاويذ والطلاسم على الجناحين لتقي الطيارة نفثات الجن الجوية، وصولات الأرواح الصحراوية والأوقيانوسية، وهاكها تحت الجناحين حروفًا دُطْشَلنْدِيَّة? متصلة غير منفصلة، تبدأ بمقطع أخْط وتنتهي بمقطع شَخْطْ، وبينها مقاطع غزلية.? هذه الطائرة الألمانية كانت قادمة من الجزائر الخالدات؛ حيث يغرِّد الكنار المسحور على أفنان الخمائل الدرية، وتركب القيان الساحرة مناكبَ الأمواج الزمردية — هي سجعة من السجعات، تغتفرها لنا المقامات.
طرنا ساعة الضحى غربًا بشمال، فوق أرض غير مسحورة،? تتموج بالرُّبا الخضراء وبالحقول الموشاة بألوان الزرع الجديد، والتربة غير المزروعة. وما عتمنا أن صرنا فوق المياه، فدخلنا جوًّا مثقلًا بالضباب، إلا أنه يرقُّ في أماكن منه، فتخرقه أشعة الشمس الفاترة، وتنير رقعة من البحر وباخرة تمخر أمواجه. هي الحقيقة التي نتصورها، وإنْ كذَّبها البصر المخدوع الذي يُرِينا البحر ساكنًا، والباخرة نقطة في نون السكون. فوق بحرين من الضباب والماء نطير غربًا معرِّجين عن جبل طارق. ليس الجناح أن يطرح ظله على هذا الجبل — جبل طارق؟ أستغفر الله؛ إنه لجبل جَانْ بُولْ، إنه لبريطانيا العظمى، هو وما فوقه من سماء البِر والتقوى. كيف لا، وللحصون كما للقديسين هالةٌ هي رمز القداسة وحرمتها، فلا تُمتهن من البَر أو البحر، ولا من السماء، إلا إذا كان المتجاسر عليها حاملًا حديدًا ونارًا؟ وما كان الألمان حاملين يومئذٍ غير السلام وأبنائه، فجنحنا ونحن فوق المضيق إلى الغرب فالشمال، فغدت مدينة الجزيرة تحتنا، والصخرة إلى يميننا تتحجب بالضباب.
الضباب، كنَّا على نحو ألف متر فوق بحره الفضي، وكان جوُّنا صافيًا، إلا غشاء منه يُحس به ولا يُرَى، فيحجب الشمس ولا يحجب نورها.
الضباب والأرض والسماءُ، ونحن بينها، منسلخون عنها، ومتصلون بها. نسير، نطير آمنين مطمئنين. نحن الصبية الجبابرة، أبناء العلم، ندرك حرفًا من الناموس، فنعقل يومًا في استعماله، ونجن أيامًا، نسالم هذه الأرض حينًا، فننثر عليها ماء الورد من عليائنا، وحينًا نرميها بالحديد والنار، والأرض تستمر في دورانها، ولا تبالي بحديدنا، ولا بماء الورد.
وهي تدور تحت الطائرة دوريتها اليومية والسنوية، فيسرع الضباب فوقها من الشمال إلى الجنوب، ونسبح نحن فوق الضباب من الجنوب إلى الشمال. حركات أربع متناقضات غير متنافرات، شمالية وجنوبية وشرقية، وحركة الأرض السنوية.
ونحن في وسط هذه الحركات، ساكنون هادئون مطمئنون، ما دامت متناقضة غير متنافرة، فتسير كل منها في خط أيْنِشْتَيْنِي? غير مستقيم. أما خطنا الشمالي المستقيم، وخط الضباب الجنوبي المستقيم، فليسَا إلا مظهرًا من مظاهر النسبة الفلكية، والحدبة فيهما كائنة وإن كانت لا تُرَى؛ فهي ناشئة من الاحديداب الأرضي والفلكي تحتنا وفوقنا. وأما الخط المستقيم، فهو يستحيل في غير الكوارث والخوارق، حتى في سقوط القنبلة المقذوفة من الطائرة الحربية. فلا بد من حدبة في طريقها، ولو صعد الضباب عموديًّا علينا بسرعة تلك القنبلة المقذوفة من علٍ، لما ترك لنا مجالًا للنظر بالخطوط واعوجاجها، ولو طرنا نحن عموديًّا بسرعة البرق، أو بسرعة النور، فقد نتغلب لحظة على عوامل الاعوجاج في الكون، فنعلو إلى حد الاختناق في الفضاء، أو نهبط وأنف طائرتنا في التراب أو بين الصخور.
قلت إنها — لا فض جناحها — من الطراز القديم، تعلن بسيورها الأخطار الكامنة للإنسان، وتمتحن المناعة والشجاعة فيه بما تيبسه وتضيقه في مجالسها، ولا تحرمه استماع موسيقى الكائنات في محركاتها.
سألت القيِّم بصوتٍ يقلِّد صوتها ولا يدنو منه: ما علونا؟ فكتب في دفتر مذكراتي 1700M أي ألف وسبعمائة متر. فمن علو ألف وسبعمائة متر يجب أن نتصوَّرَ الحركات؛ لأننا قلَّمَا نشعر بها، اللهم إلا حين تنفصل قطع الضباب بعضها عن بعض، فتظهر من خلالها بقعة من الأرض الخضراء أو الدكناء، ويتبيَّن بالإضافة أن الضباب فوقها متحرك من الشمال إلى الجنوب — في حالنا الحاضرة — ونحن فوقه طائرون من الجنوب إلى الشمال.
وإننا لنشعر بذلك وندركه أيضًا عندما نرى خيال الطائرة على الضباب تحتها، ومع ذلك لا ندرك حقيقة السرعة ولا نشعر بها؛ فنظن أننا نطير طير الهون، والسبب في ذلك هو الفضاء حولنا، فليس فيه شيء جامد ساكن يصحِّح البصر المخدوع ويُنبِئ بالسرعة وحقيقتها الكيلومترية في الدقيقة. إنه — في حالنا الحاضرة — أربعة كيلومترات ويزيد.
وبعد خمسين من هذه الدقائق ترقُّ صفحة الضباب تحتنا، وتأخذ بالتقطُّع والانتشار، فيظهر من الجزيرة الخضراء — بلاد الأندلس — بعض رءوس جبالها، وهي كالجزر في البحر الأبيض الأمواج. ثم يتلألأ طرَف من اخضرار سهلها Vega الرحب المديد. ثم نتبيَّن، ونحن نهبط من عليائنا، طرق السيارات، وهي كظلال عمد البرق، وفيها الخنافس تدبُّ دبيبًا.
ثم نتبيَّن البيوت في الأرياف، والمواشي في الحقول، والدخان يصعد من مدخنة حمراء.
وبينا نحن نراقب التغيُّر في وجه الأرض وألوانه، يفاجئنا دولاب الطائرة بتحويلها إلى سيارة تدرج على الأرض دروجًا عنيفًا رجراجًا، فنتنبه للمطار؛ مطار إشبيلية.
? كُتِبت ????.? Deutchland.? M-CABY Aktiengerettschat.? الأرض المسحورة التي لا ينبت فيها شيء.? نسبةً إلى العلَّامة أينشتين مكتشف ناموس النسبة الكونية.
الأندلس


يقول علماء الجيولوجية: إن الأرض التي تُدعَى اليوم الأندلس هي الجزء الأخير من شبه الجزيرة الإيبرية الذي قُذِف به من جوف البحر إلى ما فوق المياه في الدور الجيولوجي الثالث Tertiary period وبعده.? وإن شبه الجزيرة هذه، التي كانت مغمورة بالمياه حتى ما وراء جبال أفريقيا الشمالية، كانت في شكل ساعة رملية، يصل طرفيها الكرويين عنق دقيق، فدُقَّ هذا العنق — انكسر — في صعود «الساعة» من البحر، خلال انفجارات بركانية، وتفتت صخور نارية في قعره، فتكوَّن بين البحرين الممرُّ الذي يُدعَى اليوم مضيق جبل طارق.
وإن الضغط الناشئ عن ذلك التفتُّت وتلك الانفجارات كان يختلف قوة ودفعًا، عملًا بمدى التفتُّت وعنف الانفجار، فتبرز الأرض فوق المياه بسائط منخفضة في بعض الأحايين، ورُبًا وتلالًا وجبالًا في بعضها الآخَر؛ فتبدو متدرجة، وتبدو متقطعة، بأنجاد وأغوار، وأودية وبطاح، كهذه الأرض التي نحن الآن فيها، الكائنة بين جبال مورينه اللاصقة بها شمالًا، وجبال إسبانيا الجنوبية العالية؛ أي جبال نافادا Sierra de Navada، وفيها القنة العليا التي تبلغ ثلاثة آلاف ومائتي متر فوق سطح البحر. وهذه البلاد، الأندلس، تُقسَّم جغرافيًّا إلى قسمين: الأندلس العليا والأندلس السفلى. فالعليا هي شمالي الوادي الكبير، والسفلى جنوبيُّه، وهي وأفريقيا الشمالية، كما أنهما وسوريا، في الإقليم الواحد، فتتشابه في الجفاف الصيفي، وفي الاعتدال كل فصول السنة، وفي النباتات والأطيار.
هذه الأرض الخصبة الناعمة الجوانب والرُّبا يشقُّها النهر الذي أسماه العرب الوادي الكبير، وهو وواديه آخِر ما برز فوق المياه، إذ كان الضغط تحتها قليلًا؛ لذلك لا يعلو عن البحر في أعلى مكان من أكثر من مائة وخمسين مترًا.
وإن الوادي الكبير هذا لأكبر نهر في إسبانيا بعد نهر إبرة، فهو ينبع في جبال قزَورلا Casorla، ويجتمع إليه أنهر عدة صغيرة، تجري من سفوح جبال مورينه، أعاليه هائجة صاخبة، ولكنه يصل إلى قرطبة هادئًا، ويجري في البسائط متسعًا مرتاحًا، فيصلح للملاحة الشراعية إلى إشبيلية، حيث السفن التجارية المعتدلة الحجم تبحر منها إلى خليج قادش فالبحر الأطلنتيق. وهذا النهر عرضة للفيضان المفاجئ السريع، من ذوب الثلج على الجبال، فيبلغ علوه — على ما يقال — ثمانية أمتار. شاهدته مرة في إشبيلية، في ربيع سنة ????، يوم بلغ ارتفاع المياه خمسة أمتار، فاستحالت أسواق المدينة أَنْهُرًا، وساحاتها بحيراتٍ. كانت الأندلس أيام العرب تنحصر في إشبيلية وقرطبة وجيان وغرناطة وملحقاتها، وهي تُقسَّم اليوم إداريًّا إلى ثماني ولايات،? أما اسمها فقد اختُلِف في تفسيره، فقيل إنه محرَّف من وندالسيا Vandalicia نسبةً إلى شعب الوندال، أو إلى اسم الميناء الذي عبروا منه البحر إلى أفريقيا؟ وقد قال بعض علماء الفرنجة إنها عربية الأصل معناها أرض المغرب، وهذا مستغرب! إلا أن في «القاموس»، مادة دلس: أدلست الأرض؛ أي اخضرَّت بالأدلاس، جمع دلس، وهو نبت يورق آخِر الصيف. فهل يصح الافتراض أن العرب اشتقوا من أدلس فعلًا للمطاوعة أندلس، ثم قالوا: الأندلس؟ إن لاخضرار الصيف في آخِر الصيف، بعد جفاف بضعة أشهر، بهجة تؤهِّلها لاسم خاص بها، ولكن بهجة الاخضرار دائمة في الفصول الأربعة؛ لأن أكثر هذه الأرض مغروسة بالزيتون. خارطة إسبانيا، وفي الدائرات مدن الأندلس المشهورة.
قال أحد علماء المسلمين إن النصارى حُرِموا جنة الآخرة، فأعطاهم الله جنة الدنيا؛ أي الأندلس. فلا ريب في النصف الأخير من هذه الكلمة، ولا عيب في النصف الأول إن كان الحارم الله.
فبعد أن خرجنا من المضيق المشهور في الطرف الشرقي من جبال مورينه، وشرعنا نهبط إلى السهول، تغيَّرَ كل شيء؛ الأرض والهواء والنبات وطبائع الناس.
مررنا بقصور متداعية كانت للعرب، وبأبراج بُنِيت في عهد الأمويين، فوصلنا إلى القرية El Carpio التي هي على الحدود بين الأندلس العليا والأندلس السفلى، بعد أن هبطنا من علو ثمانية آلاف متر عند سنتَالينة Santa Elena، إلى نيف ومائة متر فوق البحر عند قرطبة. وقبل أن ندخل العاصمة نمر بالمدينة الجديدة، التي تُدعَى باسم أختها العربية القديمة؛ أي الزهراء Mediva Azahra، مررنا بها ساعةَ كانت الشمس ترشقها بسهام الهجيرة، فكادت أسواقها تخلو من الناس. وقفنا في قرطبة للزيارة، وفي قولي قرطبة أقول: الجامع الكبير؛ ذلك الأثر التاريخي الديني الفني النادر النظير في العالم.? زرت الجامع سنة ????، فكانت دهشتي في هذه الزيارة الثانية عظيمة؛ في زيارتي الأولى كان الجامع كنيسةً بأجمعه أو كنيسة تكتنفها من الجهات الثلاث مجموعة من الكنائس الصغيرة، مثل الكاتدرائيات الغوطية، وكان السقف بروافده محجوبًا بسقف من الجص مبيض، وكانت قواعد العمد مدفونة تحت البلاط. عظمة تُذَل بالفأس والمعول، جمال يشوَّه باسم الدين، روعة تُكفَّن بالجص، وتُقبَّح بتماثيل تافهة من الجفصين.
رُوِي أن الملك شارلس الخامس قال يوم زار الجامع بعد أن استولى المسيحيون عليه: لو كنتُ عالمًا بما عزموا على عمله لما أذنت به؛ لأن ما بنيتم موجود في كل مكان، أما ما هدمتم فمنقطع النظير في العالم.
وبعد ستمائة سنة قامت الحكومة الإسبانية تُصلِح ما أفسده النصارى الأقدمون؛ فقد أخرجت من وراء الجص أمثلةً من الروافد المنقوشة الملونة، وقد كادت تبلى من ظلمات الجهل والتعصُّب، وراء ذلك السقف السمج، إلا أنه لا يزال للفن — شكلًا ولونًا — أثرٌ فيها، فباشَرَ الصُّناع عمل الروافد الجديدة الشبيهة بها بالنقوش والألوان الأصلية، وكانوا قد أنجزوا جزءًا من ذلك السقف، فأعادوا إليه جماله القديم، وهو إلى جنب ما بقي من السقف الأمسح المبيض، آية من الحسن والبهاء.
وممَّا عملوه لإتمام المنبر الفني أنهم حفروا حول قسم من العُمُد، نحو نصف ذراع، فبدت قواعده الجميلة، وأعادوا التبليط في مستوى الأرض الجديد.
وأهم من كل ذلك أنهم نزعوا من جوانب الجامع تلك المذابح، أو الكنائس الصغيرة، التي كانت تزيد في تشويهه.
أما القنادل، تلك المئات التي تنوِّر الجامع فتزيد بروعته وجلاله، فلم يَبْقَ منها غير قنديل واحد كبير من النحاس المطرق، يزيِّن اليوم القسم الذي لا يزال كنيسة تقام فيها الصلاة.
وكان أناس ساعة زيارتنا يصلون، وأناس من العمَّال في ناحية أخرى من الجامع يعملون في تجديده. وقد قيل لنا إن العمل سيتم بنقل هذه الكنيسة، فيغدو الجامع أثرًا من الآثار العربية الخالدة، أثرًا للزيارة والعلم فقط، كالحمراء في غرناطة، والصومعة في إشبيلية.
إن أجمل بقعة في الأندلس هي هذه التي بين قرطبة وإشبيلية، كنا نرسل النظر في الآفاق البعيدة المشرقة، والأرض بيننا وبينها تتموج ألوانًا بما في حقولها ورباها من البقع المزروعة والمحصودة، البقع الخضراء والحمراء والذهبية والبنيَّة، وهناك الأراضي التي تهبط وتعلو برفق ورشاقة، فتبدو كالأراجيح وقد غُرِست بالزيتون صفوفًا كأنها صفوف العمد في الجامع الكبير، أو صفوف من الجنود؛ جنود السلام.
هي ذي الطبيعة في مجدها، في لطفها وحسنها وسكوتها وثمارها.
وهاك الوادي الكبير يجتمع بنهر غرناطة، نهر الشنيل، بالقرب من بَلما دِل ريو Palma Del Rio، وفي بينا فلور Pena Flor شلالات تدير مياهها طواحين حديثة وقديمة، وبين القديمة طاحون من عهد العرب لا تزال عامرة. وهذه قرمونة قائمة على رأس الرابية، هي البلدة التي احتلها موسى بن نصير بعد احتلاله إشبيلية، يمر الطريق من أسفلها إلى أعلاها فينكشف منه الطرَف الغربي من جبال مورينه، التي قطعناها في ذهابنا إلى مدريد.
وهي ذي قلعة وادي الغار Alcala de Guadaira فرن إشبيلية ومورد خبزها، وزاوية من زوايا القلب الشارد في الرحلة الأندلسية الأولى، فقد طالما فرَّ هاربًا إليها من الحب، وعاد منها إلى العاصمة والحب رائده. ومن إشبيلية نصل بعد قليل إلى قرية حُسن الفرج على ضفة النهر، ولا بد من قديس تُدخِل القداسة الإسبانية رقبته في النِّير العربي. فقرية حُسْن الفرج التي كان يؤمُّها أهل إشبيلية العرب للتنزُّه، تُدعَى اليوم San Juan de Aznalfarache أي القديس حنا حسن الفرج! وفي سيرنا جنوبًا نمر بقرية الأختين Dos Hemanas، حيث قضينا في ربيع سنة ???? يومًا سعيدًا نقوم بعمل غير سعيد، وهو التفتيش في الريف على بيت نسكنه، إنما كان معنا مفتاح لبيت هو قُصَيْر منمنم، كثير الغرف والأروقة، وإلى جانبه مستودع مفتوح بابه، فدخلناه فإذا هناك مئات من البراميل الكبيرة ملأى بالزيتون الأخضر الفاخر المكبوس بالماء والملح. الزيتون! وكانت منَّا هجمة عليه، ذهبت بقيمة الغذاء الذي حملناه معنا من المدينة. وهذه الكروم التي تطبِّق الآفاق تذكِّرني بكروم زحلة، وهذه مدينة شريش المشهورة بخمورها. إننا الآن في الطرف الجنوبي الغربي من الأندلس السفلى، حيث تكثر كذلك المناجم والمرافئ التاريخية؛ ففي جوار شريش في شمالها الغربي، سان لوكار ده باراميدا Sanlucar de Barameda التي يصب الوادي الكبير في برزخها المتصل بالبحر. فقد كان ميناؤها عامرًا في الماضي، يجاري ميناء قادش، ومنه سافَرَ كولمبوس سفرته الثالثة إلى أمريكا، ومنها أبحر ماجلان Magellan ليرحل رحلته (????) حول الأرض. وفي ذلك الجوار اليوم أكبر معادن النحاس في العالم، فمعادن النهر الأحمر Rio Tinto شمالًا من ميناء حلفة Huelva شَغَلَها قديمًا الفينيقيون، واليوم تشغلها شركة إنكليزية فتستخرج منها مليون طن في السنة. وبالقرب من حلفا كذلك، على أربعين كيلومترًا منها مناجم ترشيش — ترشيش التوراة والفينيقيين، ترشيش الذهب. فمنها كانت ثروة مدينة صور.
ولا تزال قادش ميناء إسبانيا على الشاطئ الجنوبي من البحر الأطلنتيق. مررنا بها، أو بالحري بالقرب من خلجانها، وانتهينا في طريقنا الجنوبية إلى رأس بَرٍّ دونها، فجنحنا منه إلى الشرق الجنوبي، وبعد أربعين أو خمسين كيلومترًا دخلنا في غابات الصنوبر والسنديان، التي تكلِّل الرُّبا بجوار طريفة.
وها نحن أولاء على رأس برٍّ آخَر نطل على الثلاثة الأبحر: الأوقيانوس والخليج والبحر المتوسط، وبعد أن نطوي بضعة أكواع من الطريق، ونحن نهبط إلى مستوى البحر، ونشرف على جبل طارق، نصل إلى نهر العسل الذي يشرِّف مدينة الجزيرة.
? «بعد الدور الثالث ارتفع فوق البحر ثلاثة أرباع القارة الأوروبية»، درابير Draper في كتابه: «التطور العقلي في أوروبا».? هي: المرية، وقادش، وقرطبة، وغرناطة، وحلفة، ومالقة، وإشبيلية، وجيان.? كان في عهد الرومانيين معبد الجانوس Janus فتحوَّلَ في العهد المسيحي إلى كنيسة كبرى، فأقام المسلمون مسجدًا فيها، وتركوا نصفها للمسيحيين. وفي سنة ????/???م اشترى عبد الرحمن الداخل النصف الذي كانت الكنيسة فيه، ثم هدم البناء بأجمعه، وبنى موضعه مسجدًا هو نواة الجامع الحالي؛ فزِيدَ بمساحته في عهد الحكم الثاني، وأضيفت إليه الزيادة الكبرى في عهد عبد الرحمن الثاني، ثم في أيام الحاجب المنصور بعده؛ أي في النصف الثاني من القرن العاشر للميلاد.
إشبيلية


المدن بروحها لا بصروحها، وبرسالتها لا بمساحتها. المدن بعظمتها الثقافية لا بثروتها المحصية. المدن بما استمتعت وبما قاست، لا بما انطوى من زمانها، ولا بعدد سكَّانها. المدن بيومها الخالد المجيد، لا بأيامها التكلانية والتجارية.
المدن مثل المرأة في مزاجها وخيالها، في الباطن والظاهر من حالها، في زينتها وفتنتها، في أوابد هواها، في قيود حبها، في سبحتها وبخورها.
هذه المرأة هي إشبيلية? سيدة الشُّقيفات،? وبنت الكنيسة، وربة الخصب والمتع. ترقص فتسمع الدنيا صوت خُشَيْباتها، وتصلي فتردد صلواتها المدن والقرى، فهي الأم، وهي الابنة، وهي فتنة العاشقين! تضع المشط الرفيع العريض التاج في شعرها، وتهز رأسها غنجًا ودلالًا. تفتل خصرها، إذ تسكت الخشيبة بيديها، فتنفتح طيات فستانها، وتنتشر منه الأماني والصدود! ثم تضرب الأرض برجلها، فتنصت إليها قلوب الرجال.
إشبيلية الراقصة هي التي تقرِّر مصير الرجل، فتؤيِّده في حبه، ثم تقيِّده بالبنين. هي إشبيلية الرومان.
وإشبيلية المرتلة للعذراء، المشعلة الشموع للقديسين. هي إشبيلية الغوط والإسبان.
هي مدينة الأعياد، والمواكب والمهرجانات — مواكب القديسين، ومهرجانات الربيع، وحرب الثيران. هي مدينة البهجة والحبور، بما فيها من خمر وبخور، وبما يتضوَّع في عرصاتها من طيب الرياحين والزهور.
وإن لإشبيلية مزاجًا يتجسَّم حينًا في رب من الأرباب، فتُنظم القصائد، وتُصوَّر الصور، وتُنحت التماثيل، وحينًا يتجسَّم في غول أو جنِّيٍّ، فتأكل أبناءها، وتضرم النار في مرابعها.
وإن لها روحًا ترفل، مثل بناتها، في الدمقس وفي الحرير، روحًا تأبى العُري، روحًا تتقنع للتمثيل على مسرح الوجود، والخيال المنشود، تمثِّل أمام الله حينًا، وحينًا أمام إبليس، تمثِّل جميع أدوار الحياة تمثيلًا صادقًا رائعًا فيطرب الله، ويطرب إبليس، ويهمس كلاهما في أذنها بالكلمة التي تعيد إلى قلبها النورَ والبخور، ومُرَّ الشعور، فينور فيه الياسمين، وينور فيه الصبر والقندول.
وإن لإشبيلية رسالة هي رسالة الحياة الوارفة الظلال، الوافرة الأنوار؛ هي رسالة الحياة الطامعة بخلود طيبات الحياة؛ هي رسالة الحبيب والأديب، وحاملات الطيب؛ هي رسالة المطرود وصاحب الجنود.
لله درك، يا إشبيلية! إشبيلية الرومان والعرب والإسبان.
ثلاثة من عواهل روما وُلِدوا في كنفك،? وسيد من سادات العرب جلس على عرشك، وكبار ملوك قشتالة وأرغون حملوا سيفك ويراعك وصليبك. إشبيلية قيصر أنت، وإشبيلية المعتمد، كما أنت إشبيلية ألفونس العالم وفرنند القديس.
وحيث دُفِن فرنند — في قدس أقداسك? — دُفِن كذلك سفاح من السفاحين. وحيث جلس المعتمد — على عرش الحب والشعر ومكارم الأخلاق — جلس كذلك عاتٍ من العتاة المجرمين.? لله درك، يا إشبيلية! فما أرحبَ فِناءك، وما أبعد مدى حنانك!
يزرع المعتضد الزهور في جماجم أعدائه وأعدائك، ويزين بها حديقة القصر، فتبتسمين وتنشدين الأشعار.
يشرب أبناؤك مياه الحمام لِحَظيَّة الملك السفاح، فتضحكين وترقصين.
يذهب سيدك، فلا يذهب ما عندك من حب ووفاء، ويوم يعود تقدِّمين له قلبًا عامرًا بالوفاء والحب.
وأنتِ في تقلُّبك أحجل منك في قلبك.
سمعت المؤذن يؤذِّن، والكاهن يرتِّل، فخشعت وسجدت.
وشيدتِ المعابد والمساجد والكنائس بيدَيِ العبقرية والإيمان، فقال الله: أحسنتِ. وقال الفن: حبيبتي، أنتِ!
فزهوتِ، يا إشبيلية، وباهيتِ، ورحتِ تغنين للجلنار، وترقصين للورد والياسمين، ونادتك شريش? فلبيتِ، وما عصيتِ حبيبيك. شربتِ الكأس باسمهما، ثم الكأس على ذكرهما، فازددتِ جمالًا وافتنانًا. ثم أثلثت، ففرح إبليس.
والتهب دمك، فجلست جلسة الرومان، في ساحة الثيران، وهللت للذابحين: «أندا، أندا.»? رأيتِ الدم يجري على الرمل، فقلتِ: ذهبٌ وياقوت. وقبلت من يد الذابح عربون الغرام، وعُدْتِ إلى بيتك تحملين التذكار? الدامي، فعلَّقتِه بين الشموع. في الكنائس ضجة، وفي البيوت والمخازن ضجات. فالشمامسة ينظفون تماثيل القديسين والقديسات، والكهَّان يخرجون الحلي من أسفاطها، والخدم يزيلون الغبار عن الأثواب التاريخية والصور، والنجَّارون يبنون السدد والهوادج، والنساء يملأن القماقم بماء الورد، والبنات يضفرن أكاليل الزهور، وبائعو السمك يجلبون القناطير من القريدس،? ومعامل البيرة تضاعف إنتاجها. هي إشبيلية تتأهَّب لمهرجانها الأكبر، مهرجان الأسبوع المقدس، المهرجان المنقطع النظير في العالم المسيحي، بل في العالم أجمع. فمن أحد الشعانين إلى أحد الفصح تغدو إشبيلية بأجمعها مهرجانًا حافلًا باهرًا، يستمر أسبوعًا كاملًا، هو أسبوع الآلام عند نصارى الشرق، والأسبوع المقدَّس عند الأوروبيين.
وهو في ذلك الوقت من السنة أسبوع المواكب بل المعارض؛ فتخرج الهوادج من الكنائس كل يوم من ذلك الأسبوع بحسب برنامج تصدره حكومة إشبيلية، ثم تسير بموكب فخم ضخم إلى الكاتدرائية مارة بشارع المدينة المشهور، الضيِّق المتعرِّج الكثير القهوات والحانات ودور القمار، وهو صادق الاسم والرسم؛ هو شارع الحية Seirpis الذي تَحْدُث يومئذٍ فيه الأعجوبة الكبرى. كيف لا وهو على ضيقه وقصره يتسع للألوف من أبناء المدينة، والألوف من الزوَّار الأوروبيين والأمريكيين! وها هو ذا الموكب يجتاز شارع الحية في طريقه إلى الكاتدرائية، هو موكب من الهوادج يحمل كل هودج، بما عليه من تماثيل، عشرة أو عشرين من الرجال، يحملونه على الأكتاف، وهو مغطًّى من الجهات الأربع بأستار طويلة، فلا يُرَى من الحملة غير أرجلهم؛ فيبدو في مجمله كجنِّيٍّ ذي عشرين أو أربعين رِجلًا!
هذه الهوادج تقف من حين إلى حين لتستريح تلك الأرجل، ثم تستأنف السير، وأهل إشبيلية والمتفرجون من أربعة أقطار العالم، جالسون في القهوات، وفي الأطناف فوقها، أو واقفون في الحانات، يشربون البيرة، ويأكلون القريدس، وينتقدون الهوادج أو يثنون عليها.
ومن نوافذ البيوت وأطنافها تنثر النساء ماء الورد من قماقمهن على الموكب، ويرفعن أصواتهن وقلوبهن بالإنشاد والابتهاج، فيذكِّرْنَ العربيَّ، في وقفاتهن وغنَّاتهن، بأهل التجويد. فهل هي يا تُرَى من بقايا الروح العربية، تتوارثها الأصوات والقلوب الأندلسية؟
وعندما يكون الموكب سائرًا إلى الكنيسة الكبرى، تُرَى الهوادج جارية مجرى الشراع في الريح الطيبة، فلا تميد ولا تضطرب، ولكنها في عودتها من الكنيسة تبدو كالمراكب التي تتقاذفها الأمواج، فتخشى وأنت تنظر إليها أن تميد فتهوي إلى الأرض …
هي المواكب المقدسة يمشي فيها قلب إشبيلية التَّقِيُّ الطروب، ويجلس عقلها في الحان، متفرجًا على قلبه، وعلى بطنه، وعلى الأجنبيات الحسان، المتفرجات مثله، المشاركات له في شرب الجعة، وأكل القريدس.
هي المواكب المقدسة، موكب كل يوم، وموكبان يوم الجمعة العظيمة؛ واحد في الصباح، والثاني في المساء.
وفي ذلك اليوم يُسمَع الميزاريره Misarere نشيد الموت على الأرغن الكبير في الكنيسة الكبرى. وتُشعَل في اليوم التالي — أي في سبت النور — شمعة العيد الجبارة، التي تبلغ خمسًا وعشرين قدمًا طولًا، وأربعمائة كيلو وزنًا.
كدتُ أنسى حفلة الغسل، وهي من الحفلات المهيبة، تقام يوم الخميس في وسط الكنيسة، فيشهدها ألوف من الناس المزدحمين في الأروقة الرحبة. هو ذا مشهد من المشاهد الدينية، يمثِّله الأساقفة والكرادلة وبضعة صبيان فقراء، فيغسل كبير الكرادلة أرجلهم والناس في خشوع، ثم يمشي أمراء الكنيسة المتضعون في موكب بهيٍّ، وهم يردِّدون كلماتٍ لاتينية بلهجات غير متشابهة، تدل على ما بصدر كل منهم من حماسة أو فتور: «تديوم لودامس» مثلًا.
•••

في ربيع السنة الثالثة من الحرب العظمى?? شهدت المهرجان العظيم بمواكبه وحفلاته الدينية كلها. وفي الشهر الثالث من سنة النصر،?? في عهد الجنرال فرنكو، شهدت في إشبيلية كذلك مهرجانًا عظيمًا، وبالتدقيق أقول: شاهدته في الساعات الأخيرة من يومه الأخير، فحسبت الساعة يومًا، واليوم شهرًا. لقد حرمت إشبيلية المهرجانات مدة الحرب الوطنية، فتضاعَفَ شوقها إليها؛ فخرجت في ربيع هذا العام تحمد الله، وتسبِّح العذراء، وتحتفل بالنصر وتقيم المهرجان. خرجت بعشرين ألفًا من نسائها وبناتها ورجالها وشبانها إلى مركز السيدة ربة العيد، فكانت تتدفق مرحًا وطربًا وحبورًا.
والسيدة ربة العيد تُدعَى عذراء الطل أو الندى Virgen de la Roseo، ومركزها في مَريسما marisma، وهي قرية خارج إشبيلية، على خمسين كيلومترًا منها. وربة العيد تُدعَى كذاك الحمامة البيضاء، فيقام لها مهرجان يليق باسمَيْها الطاهرين، مهرجان يدوم ثمانية أيام. هي «عمارة» الحمامة البيضاء عذراء الندى، فيركب المعتمرون والمعتمرات الخيل والبغال والعربات الضخمة تجرها الثيران، ويحملون فرشهم ومواعينهم إلى مَريسما! هولا! كُرَّه! ويقيمون هناك في هرج ومرج، ومرح وطرب؛ يقيمون الصلوات، ويشربون البيرا، ويأكلون القريدس، ويصيدون الطيور!
قال الدليل: إنْ شئتم أن تشاهدوا الموكب راجعًا قبل أن ينتثر، فعليكم أن تلاقوه خارج المدينة.
استصوبنا الرأي، وسرنا نقطع الجسر عند برج الذهب إلى تريانا — بلدة العمال والمعامل، وخصوصًا منها معامل الزليج أي القيشاني. تريانا فخارية إشبيلية، ومربض عمالها.
وفي طريق الموكب العائد من مريسما، التقينا بطلائعه، بعد أن اجتزنا نحو عشرين كيلومترًا، واستقبلنا قسمًا منه، ثم انخرطنا في سلكه، وأمسينا من المعتمرين، ولا اعتمار غير الفضول!
ولكننا سررنا بما شاهدنا من مظاهر الفرح الشعبية، بخيلها ورجلها وعرباتها، وبدفوفها وشُقيفاتها، وما كان يسمع غير أصوات النساء يرتلن، ويضربن على الشقيفات، وصريف الدواليب الضخمة للعربات الخشنة تجرها الثيران.
وهناك عربات النقل الكبيرة وقد كدست فيها النساء بعضهن على بعض، أسراب منهن في أثواب العيد، الزاهية الألوان، كأنها قطعة من قوس قزح تجرها الثيران، والرجال على الخيل والبغال، في تلك القبعات السوداء القوراء القاسية، الرفيعة التاج، المجسمة فيها عظمة الرجل الإسباني (الكابابيرو-الفتى)، وقد أردف امرأته أو أخته أو عمته على حصانه أو بغله.
الدواليب الضخمة المطوقة بالحديد، وبينها عربات بمجالس من خشب، تجرها الثيران، ويسوقها رجال باسمو الوجوه، وإلى اليمين واليسار منهم أنوار وجوه الحسان، ووراءهم في العربة على فراش من التبن سرب منهن يغنين. هو ذا الموكب بصورة ظاهرة، وبروحه وقلبه.
يعود، بعد ثمانية أيام من الطرب، وبلوغ الأرب، ولا وهن ولا تعب، يعود كما خرج حاجًّا، في غمرة السرور والطرب.
وها هو ذا عائد، له أول وليس له آخَر، وها نحن أولاء في غمار المعيِّدين والمعيدات. مكره أخوك لا بطل! فلا طريق إلى المدينة غير هذا الطريق، والموكب يحتله احتلالًا مهرجانيًّا، فيسير سير السلحفاة ولا عجب؛ فقد قطعت ثيرانه في هذا اليوم أربعين كيلومترًا، والخيل والبغال مثل الثيران مكدودة مرهقة.
ويجب أن نقف في كل قرية لنسمع نساءها يرحِّبن بنا منشدات الأناشيد، ويجب أن نقف عند كل ساحة إلى جانب الطريق، ثم نستأنف السير. تتحرك السلحفاة! فيا قدِّيسة مريسما، يا سيدة الطل، يا أيتها الحمامة البيضاء طيري إلينا، وبجناحيك أنقذينا. لقد دنت الشمس من الأفق، وكادت تغيب.
أُشعلت في الطريق أنوار كهربائية ضئيلة، ونحن لا نزال في أوله، وقل في آخِره، وأمام الدير الذي كان في غابر الزمان قصرًا لفاتح المكسيك، وقاهر الهنود فرنندو كُرتيس Cortez. واعلم أعزك الله أن كرتيس أول مَن أدخل الخيل العربية إلى العالم الجديد. ومع ذلك يقول قاموس الأعلام: «يجب ألَّا ننسى، على ما كان من فضله في الاكتشافات، وتوسيع نطاق علومنا الجغرافية، أنه في معاملته للهنود أهل البلاد كان جائرًا عتيًّا.»
وهل نسيتِ الأقدارُ كرتيس الذي مات ها هنا في هذا القصر بالقرب من إشبيلية، منبوذًا منسيًّا؟ قيل إنه تصدَّى مرةً في آخِر أيامه، لعربة الإمبراطور «شارلس الخامس» فأنكره، فقال: «أنا الرجل الذي أعطاك من الولايات أكثر مما أورثك أجدادك من المدن.»
رحم الله كرتيس، وإن في العلم بعض التعزية والرحمة. فهل هناك مَن يعلمه بما كان من معاملة الحكومة الأمريكية بعده للهنود أبناء أولئك البُسَّل الذين تغلَّبَ هو عليهم؟ فإنهم اليوم، باسمهم واسم أجدادهم، يترحَّمون عليه.
وله الفضل الآن بما أنسانا من مرِّ الانتظار. فها هي ذي السلحفاة تتحرك، بل هي تمشي، بل هي تمشي مسرعة، وهاك فارسًا بين فتاتين يطلق لجواده العِنان. تقدَّسَ اسم «الحمامة البيضاء» فقد استجابت طلبنا!
ما كدت أنتهي من التسبيح حتى عادت السلحفاة إلى طبعها، وعاد الفارس إلى سابق سيره، يطمئن المليحتين، التي يحضن والتي يردف، يطمئنهما بصوت خشن وكلمات عذبة.
وكان الطريق يضيق في بعض الأماكن فيغص بالموكب، أو يحدث فيه احتقانًا، فيقف ربع ساعة – نصف ساعة – ثلاثة أرباع الساعة، اللهم هوِّنْ هوِّنْ!
فأسمع مَن يقول: تأمَّلِ الثيران يهُنْ أمرك.
كنت أتأمل غير الثيران، كنت أتأمل النساء المعيدات بأيديهن وأصواتهن، فما كانت تقف تلك الخُشيبات في «تَرْتَتاتها» حتى خلال الانتظار، ولا تلك الأصوات في أغانيها، بل كانت تزداد عملًا وعنفًا، لله درها!
وهذه الثيران، نعم هي مكدودة مرهقة، وصابرة مع ذلك طائعة صامتة. ما سمعتُ ثورًا يخور ولو مرة، وكنتُ أخشى أن يفلت بعضها من السيور، وتفر هاربة، فما كان شيء من ذلك.
ولكننا نحن الثلاثة أكثر منهم طاعةً وصبرًا وخنوعًا، فإننا أحرار نستطيع الفرار من السيارة، ولا نفعل.
فقال البستاني ألفريد: نحن نُجرُّ، وهم يَجرُّون.
فقلت: أَوَليس لجائع وعطشان من فضل في السكوت والصبر؟
وما كان في الطريق بائع كعك، أو سقَّاء سوس، ولا كان هناك مَن يفكِّر بغير النساء المسنوجة، أو بالحري بالرجال المسنوجة بالنساء، وأين السِّنْواج؟?? وأين النزل يلبي طلبنا؟ وصلنا بعد منتصف الليل، فشربنا الماء؛ لأن ا? «بار» كان مقفلًا، وجاءنا الخادم بشيء يشبه سناويج اللحم والجبن.
•••

ونمنا تلك الليلة على أصداء الأغاني، وأصوات الشُّقيفات، التي كانت تتراجع في آذاننا، وتتردد في الأحلام، بل في الكوابيس.
كل ما يتجاوز حد المعقول، أو حد الإدراك الهنيء المستريح في عمله، يخرج عن وضعه الأصلي ومعناه؛ فالذي يحب الغناء مثلًا ويتذوقه لا تروقه شلالات منه، تتدفق من مائة حنجرة مجهودة، والذي يهوى مشاهدة الرقص لا يهزه مرقص يضم مائة أو خمسين من الراقصات والراقصين؛ فالعين لا ترتاح إلى ما لا تستطيع حصره في مشهد واحد، أو بصورة واحدة، والأذن لا تلتذ بغير الممكن استيعابه، بمجمله وبدقائق جزئياته، من الألحان.
هذا الذي أقوله في الغناء والرقص يصح كذلك في الكنائس الكبرى التي لا تتم فيها كل شروط العبادة، وأولها حصر الفكر والإرادة في الاتجاه الروحي، إلا إذا كان المتعبد ضريرًا، فلا يرى من الكنيسة غير غرضها الديني الأسمى، وأين هذا الغرض من الفنون الجميلة، أو غير الجميلة التي تملأ المكان بآثارها وخنفشارها، بتحفها وتوافهها، فتتحكم بالإحساسات، وتُبعِدها عن كل ما هناك من بواعث الغبطة والحبور.
يقول لك الدليل، وأنت سابح في لجج الجمال الهندسي الغوطي، بين العضادات الضخمة، تحت الأقواس الرفيعة، في نور مكرَّر بالزجاج الملون عليه الرسوم الدينية، التاريخية والخيالية، يقول لك الدليل، وأنت في هذه البهجة العالية: إن طول هذه الكنيسة خمسمائة قدم، وعرضها مائتان وخمسون قدمًا، فتهبط من عليائك، وتتحطم رءوس أحلامك. فهل أنا في مكتب أشتري قطعة من الأرض؟?? ويقول لك إن في الكاتدرائية خمسة وسبعين شباكًا من الزجاج المزين بالرسوم الملونة، فتود لو كانت كلها شباكًا واحدًا، بحجم معقول، تستطيع أن تدرسه بعينك وذهنك، وتحصره في قفص حبك؛ لتتلذذ بمحاسنه الجليلة كلها.
أما الخشب المحفور، على وفره وأنواع فنه في هذه الكنيسة، فهو دون الفن العربي الذي نشاهد في القصر أمثلة منه رائعة.
وأما أن في الكاتدرائية، إلى جانبيها، مجموعة من الكنائس الصغيرة، وكل كنيسة هي متحف للصور الزيتية والتماثيل، فليس في القول مبالغة، ولكن أكثر تلك الآثار الفنية هي الوسط أو الدون في الفنون.
وبينا أنت شاخص ببصرك إلى النافذة المدورة الكبيرة، فوق الباب الكبير، تلك النافذة التي هي كالشمس وقد رصعت بالزمرد والياقوت، يستوقفك الدليل، ويلفت نظرك إلى بلاطة تحت قدميك، قائلًا: ها هنا مدفون فرنندو كولون — كولمبس — ابن المكتشف العظيم. ابنه! نعم.
وها هو ذا الأثر التذكاري للوالد الخالد، هو مؤلف من قاعدة تقوم فوقها أربعة أشخاص رمزيون يمثِّلون الممالك الإسبانية الأربع: قشطيل وليون وأرغون ونبار، ويرفعون على أيديهم التابوت المحتوي على جثة خريستوفر كولمبوس، وعليه كتابة هي توبيخ لأميركا: «الناكرة الجميل، العاقَّة أمها إسبانيا.»?? وفي هذه الكنيسة مدفون كذلك الملك فرنند غالب العرب، ومعيد إشبيلية إلى الملك الإسباني (????م) فصار بعد موته القديس فرنندو. وها هنا، تحت المذبح المدفون أمامه القديس، بقيَّة ذلك الملك الآخَر الملقَّب ببطرس العاتي، ومعه حظيته ماريا باديليا.
هذا في التاريخ، وفي الكنيسة الشاملة برحمتها الملوك، القديسين منهم والخاطئين.
وأما في اللاهوت، ينبوع الأديان الأرضية والسياسية، فإن في الكاتدرائية أثرًا طريفًا منه هو «مذبح الجنب»، وفيه صورة زيتية للفنان الإشبيلي لويس ده فرغاس  Vargas تمثِّل آدم وحواء يعظمان مريم العذراء. هو التصوف أو طليعته في الفن الإسباني. شربنا على ذكر الحبيب مدامةسكرنا بها من قبل أن يُخْلَقَ الكَرْمُ أطلنا الوقوف في الكاتدرائية، وما كان غرضنا هذه المرة غير إعادة النظر — في صومعتها الشهيرة التي تُدعَى خيرالدا — إلى تمثال الفتاة القائم فوق القبة رمز الإيمان، وهو يدور على محوره كدولاب الهواء؛ لذلك سُمِّي خيرالدا Giraldillo. والذي يهمنا في هذه الصومعة أو المنارة، كما كان عرب المغرب يدعون المئذنة، هو أنها تمثِّل عهدين وفنين. بناها المعلم جابر في القرن الثاني عشر للسلطان أبي يعقوب يوسف الموحدي كما هو معلوم،?? وبنى البرج الأعلى فوق الصومعة في سنة ????، وهو من فن ا? «رنسانس»?? في الهندسة، وفي الفنين مثال لما يسميه الإسبان الأسلوب المدجن Estilo Modeian؛ أي الجامع بين الهندستين العربية والإسبانية.?? إن هذا الأسلوب لجدير بالدرس؛ لأن نزعاتنا الثقافية والفنية اليوم تعود إلى الجمع والإدماج؛ لتساعد في تقرُّب الشعوب بعضها من بعض.
في إشبيلية من هذا الفن الهندسي بيتان مفتوحان للسياح، هما بيت الكونت ده إلبا الحافل بالفنَّين العربي والغوطي، والنقوش في الآثار الفضية بالأسلوبين، وبيت بيلاطوس الذي كان في أيام صاحبه، فرنندو ده ريبيرا،?? محطَّ رحال الشعراء والفنانين، وفي مقدمتهم غنغورا وسرفنتس وهريرا، هو جامع، في أساليبه الهندسية، بين العربي والغوطي والإيطالي، جمعًا طريفًا منسجمًا، تلتئم فيه العناصر المختلفة، ولا تضيع أشكالها الأصلية. ومن أمثلة هذه الهندسة، غير هذين البيتين والصومعة: برج الذهب Torre de Oro الذي كان أصلًا أحد أبراج القصر، وجُعِل في عهد بدرو العاتي سجنًا وبيتًا للمال. فالقسم الأسفل المضلع بُنِي سنة ????، في عهد السيد أبي العلاء الحاكم الموحدي، والقسم الأعلى من العهد المسيحي بعده، وقد أسمي «برج الذهب» لا لأنه كان بيت المال؛ بل لأن لون القيشاني فيه ذهبي. هذه الأمثلة تثبت أن اندماج الفنين العربي والغوطي أو الإسباني ممكن، وهو جميل متى كان متناسقًا منسجمًا، كما في لاخيرالدا وبرج الذهب، وأما التزيين والنقش فإن في القصر أمثلة رائعة منهما.
هذا القصر مثل فارس مغوار قضى حياته في الغزوات والحروب، فطُعِن في وجهه وصدره وجوارحه كلها، ضرب فيه التشويه عصاه والدهر عوامل أيامه، وما زال بالرغم من ذلك معروفًا مهابًا بطلعته وروحه وعظيم خلقه.
بُنِي هذا القصر، أو ما كان مكانه من قصر وحصن للسلطان الموحدي أبي يعقوب يوسف (????) فتهدَّمَ في الحروب، وأعاد بناءه أيام الملك بطرس العاتي في القرن الرابع عشر، مهندسون وعمَّال من المغاربة المتنصرين Morescos. بهو للعذارى بقصر إشبيلية.
ثم شيَّدت الملكة إيزابلة الكنيسة في الطابق الثاني، ورمَّمَ وجدَّدَ فيه عمَّال ومهندسون إيطاليون للملك شارلس الخامس.
وقد أُصلِح ورُمِّم كذلك في عهد فيليب الرابع (????)، وفي القرن الثامن عشر (????) شبَّت فيه النيران، فذهبت بكثير من خشب سقوفه، فرُمِّم بعد خمسين سنة ????، ولا تَسَلْ لماذا أُهمِلَ خمسين سنة! هي الحروب التي تشغل الملوك والأمم عن كل شيء سواها.
ثم جُدِّد (????) في عهد الملكة إيزابلة الثانية تجديدًا كليًّا بالأسلوب الغرناطي تقليدًا للحمراء، بنقشه وحفره، وبنوافذه الشمسية Ajimez أي القائمة بين عمد مزدوجة رفيعة، ذات أقواس على شكل نعل الفرس — نعفرية.?? بَيْدَ أن فيه ما هو من غير هذا الأسلوب، وما هو مخلٌّ به، وما هو جامع بينه وبين غيره مما ذكرت.
ومع ذلك لا يزال على الإجمال معروفًا بطابعه الأول العربي، خصوصًا في روافد سقوفه وخشبها، المحفور الملوَّن منها، والمموَّه بالذهب.
أما جدران ردهة السفراء، فالمدقق النظر فيها يكتشف أشكالًا من الأسلوب المدجن، وأخرى في الإدماج والاختراع.
هي ذي عمد إيطالية Renaissance تحمل أقواسًا عربية نعفرية، وهاك منطقة بالخط الكوفي يتخلَّلها قطع بالخط الغوطي القديم في مدح الملك بطرس العاتي المشغوف بالحلي.?? وهذه مناطق أخرى من الحروف الكوفية، وإن كانت ألفاظها مشوشة، تتخللها دوائر مذهبة، تحتوي على صور أسد وأبراج أو قصور بالأسلوب الغوطي. إن هذا التقطيع لَجميل، بل هو في نظري ذروة بلغها الفن المزدوج، ذروة فنية ذوقية؛ فالمنطقة العريضة الطويلة المتواصلة من الكلمات الكوفية تُتعِب البصر وتُرهِق الذهن المستكشف خفايا ألفاظها؛ فيجيء هذا التقطيع مريحًا بأسده وأبراجه، ومفرحًا بتناسُقه وانسجامه وسهولة بيانه.
وتلك مناطق من الحفر والنقش والتلوين على الجدران، وهي غوطية الرسم والأسلوب، يحيط بها إطار عربي تُقلَّد فيه الحروف الكوفية والمغربية.
وهناك حائط حافل بالفن العربي، خطًّا ورسمًّا، من أسفله إلى أعلاه، تعدَّدَتْ مناطقه وتنوَّعَتْ، وهو واحد من أربعة حيطان تذكِّر بردهة السفراء بالحمراء، إنما يكلِّلها سقف بقبة من الخشب المحفور والملون الغوطي الشكل والأسلوب، ولا تنافُرَ بين هذا السقف وتلك الجدران، ولا بين الفنين، بل إن اقترانهما يبدو طبيعيًّا بجماليه: البساطة والبلاغة.
فهل يصح هذا الاندماج الفني الهندسي في الثقافتين العربية والإسبانية إرث الأجداد المتحاربين بالأمس، المتآخين اليوم في المغرب الأقصى؟
وهل يمكن الاندماج في عادات الشعبين وتقاليدهم، فتنشأ من ذلك حضارة شرقية غربية، عربية إسبانية؟ قد لا يكون ذلك ممكنًا إلا في البلاد التي يتم فيها تعاون الشعبين على أساس العلم والفن، وعملًا بالمصالح الاقتصادية المشتركة.
أما الأديان، فهي لا تَحُول في زماننا دون هذا الاندماج، وهذه الثقافة. الأديان قد تحارَبَتْ في الماضي، وتعبت من الحروب!
هل هناك فن في الهندسة والزخرف يصح أن يُدعَى فنًّا عربيًّا؟ أجيب: نعم. إلى البادية لأعطيك المثل والبرهان؛ هناك القصر أو الحصن أو الاثنان معًا، تراهما اليوم في نجد أو في إمارة من الإمارات على الشواطئ العربية، هما أساس كل فن دُعِي بعدئذٍ بالعربي أو المغربي.
وأما صفة البناء الأولية، فهي سور بأبراج، أو مربع بجدران عالية، وفيها أو في السور نوافذ صغيرة مرتفعة، وذلك للأمان والاطمئنان فيأمنون أعاصير الرمال، أو للدفاع عن الأهل والقبيلة فيأمنون غزوات العدو.
وفي داخل المربع أو السور حصن ببئر ماء، وبيوت حوله للسكن، بيوت من لبِن أو طين، جافة الظاهر، قاسية في بساطتها كالبادية نفسها، وكجو البادية. لا زهور، لا ألوان، لا مياه جارية، والنفس توَّاقة إلى ما حُرِمت، وعلى الأخص نفس العربي الذي نطق بالشعر، أو بالكلام الموزون المقفَّى منذ القِدَم، وقرأ في مظاهر الحياة شيئًا مما تنطوي عليه، وأشياء مما في قلبه.
إذن لا بد من شيء يلطِّف هذا الظاهر الجافَّ القاسي؛ فلجأ إلى الجص والألوان الأربعة — الأصفر والأخضر والأزرق والأحمر — يزيِّن بها حائطًا داخل بيته، وبابًا ونافذة. وإنك لتراه حتى اليوم يحفر الرسوم الهندسية دوائر ومربعات وخطوطًا بالجص على جدران المجلس أو غرفة القهوة، وتراه يصبغ أبوابه بالصبغة التي ذكرت، ويرسم فيها الدوائر المقسمة والمربعات القائمة والمائلة، وغيرها من الرسوم الجامدة.
هذه القاعة في بساطة المجموع وقساوته، وفي القليل من التزيين الداخل عليه تتمثَّل كذلك في لباس العربي، من الصوف كان أم من الخام ذي اللون الواحد، القاتم والأدكن، والخطوط القويمة البسيطة كخطوط السور للحصن أو القصر أو البيت العادي. مثال ذلك العباءة الفضفاضة ذات اللون الواحد، والخط الواحد، كأنها سور الرجل، ولكنَّ فيها حول الطوق وعلى الصدر قليلًا من التطريز بخيط الفضة أو الذهب؛ ليخفِّف من وجوم مجموعها، وينعش النفس التوَّاقة إلى الجمال.
هذا ما حمله العربي من البادية: ذلك القصر الواجم في ظاهره، المشرق بعض الإشراق في الداخل، وتلك العباءة الفضفاضة الخشنة، المطوقة بشيء من القصب — من الزينة — من الشعر. هذا ما حمله، مع الدين الجديد، دين التوحيد، إلى البلدان التي فتحها واحتلَّها وعمَّرَها.
وكان السوريون العرب — الغساسنة وغيرهم من اليمن والحجاز — قبل ذلك، في العهد الروماني الأول، قد أخذوا عن الرومان وعن الروم — البيزنطيين — بعدهم، شيئًا من فنونهم في الهندسة، وأضافوا إليها أشياءَ من عندهم — ومن وحي بلادهم وطبائعهم الشرقية — فصار للهندسة الرومانية Romanesque والبيزنطية شكل يُعرَف بالسوري، بالفن السوري. وعندما دخل العرب الشام حاملين من البادية مع الإسلام أوليَّاتهم الهندسية، كان في دمشق من الصنَّاع والبنَّائيين مَن طبَّقت شهرتهم الآفاق، فبلغت رومة والقسطنطينية.?? واجتمع الاثنان، العربي الفاتح والعربي الماهد، واقترن الفنان في دمشق. فمن سور الحصن تدرجنا إلى جدران القصور، المهيبة مثل السور في انبساطها القاتم الأصم، وفي القليل من نوافذها العالية، ومن القوس البيزنطية صنعنا قوسًا تلائم مزاجنا، أو تُشبِه شيئًا عزيزًا عندنا، هو نعل الفرس. ومن العمود الروماني نزعنا الضخامة ولزمنا أشكالًا تعودتها العين، وأحبها القلب، كالنخلة في صحن الدار، أو كالخيزرانة بيد الأعرابي!
ومن هذا الاختراع وذلك الاقتباس وُلِدت النوافذ الشمسية، ذات العمد الرفيعة المزدوجة والأقواس النعفرية، ومن الخط الواحد بالقصب وبعض الرسوم الهندسية بالجص تدرجنا إلى فن التقرنص، وإلى ذلك الذخر من النقش والرقم والتزيين التي دعاها العرب بعدئذٍ بالتسطير والتصغير والتوريق والتقضيب.
أجل، لقد نشأت تلك الأساليب في البناء، وتلك الأشكال في الزخرفة، من الفنين: الفن العربي الأوَّلي، والفن السوري الرفيع، واقترنا ونشأا فنًّا واحدًا خلال مائة سنة من الخلافة الأموية الأولى في المشرق والمغرب، فحمله مع دين التوحيد الفاتحون، حملوه من الشام إلى القيروان – إلى المغرب الأقصى – إلى فاس إلى ديار العدوة.
وقد كانت حصون المغرب وقصوره، قبل الفتح الإسلامي، على الشكل الخارجي الذي وصفت، فغدت بعد الفتح عربية في زينتها الداخلية. جاء الفاتحون يحملون الرماح بيدهم، والثقافة الجديدة مع الدين الجديد في القلوب.
وبعد أن دخلوا الأندلس، واستقروا بها، جاء إخوانهم المستعمرون من سوريا ومصر وفلسطين، وجاء مع السوريين — الشوام والحماصنة — البنَّاء والنقَّاش والرسَّام والمشتغل بالرخام.
هو ذا الفن العربي الذي بدأ يظهر في الفن الغوطي الإسباني في القرن الثاني بعد الفتح، وأصبح في القرن الحادي عشر شاملًا بنفوذه فنون الهندسة والتصوير، حتى في المواضيع الدينية؛ فقد عثر المنقبون في مكتبة الجمعية التاريخية بمدريد، على مخطوطات للرهبان?? مزينة صفحاتها الأولى بالحروف الملونة الشبيهة بالكوفية، وفيها كذلك رسوم لقصور عربية فخمة بنوافذها وأبراجها، وبأقسام من داخلها منقوشة مزخرفة. وكان قد تأسَّست في الشمال بدير من الأديرة مدرسةٌ للنسَّاخ، يتعلمون فيها الخط والرسم والتوريق — تصوير ورق الأشجار — العربية كلها، وكان لهذه المدرسة وآثارها تأثير بليغ في فنَّيِ التصوير والنحت، ليس في إسبانيا فقط، بل في أوروبا جمعاء.
ومن الطبيعي، والفن في ذلك الزمان ديني محض، أن تتأثَّر إسبانيا بفنون غيرها من الأمم المسيحية كالألمان والفلامند والطليان. وبما أن فنونها الأولى كانت منحصرة على الإجمال في تزيين الكنائس ومذابحها، حفرًا في الخشب، ونقشًا في الفضة والنحاس؛ كان الفن العربي، خارج المخطوطات التي مرَّ ذكرها، كبضاعة «التهريب» شيئًا محظورًا، ومع ذلك فإن الباحث المدقق يرى من آثاره — من التوريق والتسطير والتقضيب — في بعض صور المدارس الفنية التي نشأت في بلنسية وقشطيلة وليون وإشبيلية في مقدمتها.
فقد أخذت مدرسة إشبيلية عن الفن العربي الشيء الكثير، وموَّهته بالألوان القاتمة، والأساليب البلدية، فلا تظهر عروبته في مظاهرها الباهرة، وكان السبب في ذلك ما كان بين الأمتين من عداء واعتداء وحروب؛ فالفنان، وإن كان على الإجمال لا يذعن لمشيئة الوطن السياسية، كان يقتبس عن الفنون العربية، ويحاول أن يخفيها، أو أنه يسميها مغربية Moresque؛ لأن العداء بين الإسبان والمغاربة كان أخف منه بينهم وبين العرب. وقد يُستغرب قولي إن المصورين، وفي مقدمتهم موريليو وبتشيقو وزورباران، أخذوا عن الفنون العربية، مثل المهندسين والنقَّاشين؛ فاستوحوا تلك الأشكال الخارجية في تعمير الألوان والظلال في صورهم، كما استوحوا في الزخرف والتزيين ما كان منها داخل الجدران.
ولا يخفى على العارفين أن الصورة الزيتية، مهما يكن موضوعها، لا تتم ولا تظهر محاسنها، بدون التقسيم السوري في كتل النور والظل والخطوط، ثم اجتماعها في محور واحد، أو اتجاهها إليه. وهذا التقسيم والتعمير، والتكتُّل السوري المنبسط أو الناتئ المتناسق المنسجم في كل أشكاله، تجده ممثَّلًا أبدع تمثيل في مجموعة من القصور والأبراج والأسوار العربية أو المغربية، المتصل بعضها ببعض، القائم بعضها فوق بعض، كالنُّطُق في الجبال، فكأن البنَّاء مصوِّر، وكأن المصوِّر بنَّاء.?? أقف عند هذا الحد فيما هو مستتر، وما هو ظاهر، من عوامل الفن العربي في الفن الإسباني، وقد كان مجهولًا في الماضي، إلا عند الاختصاصيين، بل أقول: إن الباحثين في الموضوع قديمًا وحديثًا أهملوا أو جهلوا الأساس العربي — لا المغربي — الذي كشفتُ النقاب عنه، والفن السوري في الهندسة والتزيين الظاهر حتى في بعض الآثار البيزنطية والرومانية، ولا يصحُّ رأي، ولا يستقيم نظر في الموضوع، بدون درس الفنين السوري والعربي.
عليَّ كذلك أن أقول إن العوامل التي ذكرت هي كائنة، ليس فقط في فن الأولين من الإسبان، الذين قَلَّدوا كثيرًا وقَلَّمَا ابتدعوا، بل في آثار الفنانين، زعماء النهضة الفنية الوطنية، وفي مقدمتهم موريليو وزورباران وهريرا وبتشيقو وريبيرا، وكل هؤلاء نبغوا في زمن واحد — في القرن السابع عشر. فلم يكن الاقتباس في فن التصوير عن الفنون العربية مغلَّفًا بغلاف الخطر والتنكُّر كما كان في الماضي، في عهد الاستيلاء العربي.
وهذه الظاهرة في تاريخ الفن الإسباني والنهضة الإسبانية الوطنية حَرِيَّة بالتأمل، فما كان في البلاد أيام العرب شيء يُذكَر من الفن الإسباني والوطنية الإسبانية القومية الجامعة، والسبب في ذلك هو التجزؤ السياسي، والتفسُّخ الاجتماعي، والحروب الأهلية، فضلًا عن تلك التي قامت بينهم وبين العرب المغاربة.
ولكن هذه الآفات السياسية والاجتماعية والقومية كانت متأصِّلة في العرب أنفسهم؛ فقد كانت بلاد الأندلس مجزَّأة بينهم إلى إمارات صغيرة وكبيرة، وكان التفسُّخ الاجتماعي أو التحزب السياسي والإقليمي والمذهبي ضاربًا أطنابه بينهم، وكانت الحروب الأهلية في البلاد، فضلًا عن تلك الحروب التي قامت بينهم وبين الإسبان.
ومع ذلك فقد كانت النهضة العلمية والفنية عند العرب في أبهى مظاهرها، وما كان منها عند الإسبان شيء يُذكَر.
فما السبب؟ السبب في ذلك، على تشابُه البيئتين، اجتماعيًّا وسياسيًّا، هو أن العرب كانوا فاتحين محتلين سائدين، وأصحاب دعوة كبيرة — أصحاب دين جديد — وكان الإسبان مغلوبين على أمرهم، وواقفين في مجمل أحوالهم موقف الدفاع عن وطن هو لهم، وما هو لهم بسبب تخاذلهم.
ليس مَن ينكر أنهم، مع ذلك، أصحاب البلاد، وأن العرب الأجانب — نعم الأجانب — متغلبون فيها مسيطرون. فما ضرت الحزبية بهم ولا ضرهم التخاذل، كما ضر الإسبان المغلوبين.
ولا نهضة للفن أو للعلم أو للوطن في أمة مغلوبة، ولا يقوم لهذه الأمة قائم؛ لا تتفتح أزاهر نبوغها ولا تظهر أعلام نهضتها، ما دام للأجنبي يد في حكمها، أو تدخُّل سياسي في شئونها.
وهذا الذي أقوله في ماضي إسبانيا يصح في حاضر البلاد العربية، فإذا كان الحكم الأجنبي في إسبانيا هو سبب تقهقرها، أو بالحري سبب جمودها أثناء ذلك الحكم، فهو كذلك في البلاد العربية اليوم.
وليس في الحالين غير نتيجة واحدة. ما قامت النهضة الإسبانية الفنية الوطنية وازدهرت إلا بعد انقراض الحكم العربي في البلاد، ولا تقوم النهضة العربية الثقافية الوطنية وتزدهر ازدهارًا شاملًا، إلا بعد أن يخرج الأجانب المسيطرون من البلاد العربية.
•••

قال فرنندو هرِّيرا Herrera أكبر شعراء الأندلس وابن إشبيلية، وأول المجدِّدين: «اللغة لا تموت ما دامت على ألسنة الناس وفي قلوبهم، وهي في حياتها الدائمة تستمر في الارتقاء والتحسن فتفوق في يومها أمسها، وتنبذ في سبيل التجدُّد كلَّ بالٍ قديم.» وقال لوبه ده فيغا Lope de Vega شاعر إسبانيا الكبير:?? «القليل وهو مِلْكي أعظم من الكثير وهو مِلْك غيري.» في هاتين الكلمتين نور يضيء مهد النهضة الأدبية الفنية الوطنية، التي ازدهرت في القرن السابع عشر، وقد كانت إشبيلية مهد تلك النهضة.
فأول مَن رفع مستواها الفني بالتماثيل المجردة من العوامل الفرنسية أو الغوطية أو الإيطالية، هو النحَّات مرتينس مونتانياس Martinez Montanes. وأول مَن أسَّسَ مدرسة للفنون على مبدأ التجدُّد هو ابن إشبيلية كذلك خوسه دي ريبيرا Jose de Ribera. وممَّن وُلِدوا في إشبيلية من الكتَّاب المجدِّدين: لوبه ده رويدا Lope de Rueda، وماتيو أليمان Mateo Aliman. ومن الفنانين زعماء النهضة: فرنسيسكو هريرا الأب وفرنسيسكو الابن، وفرنسيسكو بَتشيقو Patcheco، وزورباران Zurbaran، وموريليو Bartolome Morillo، وفلاسكيز Diego Velasquez. قبل هؤلاء كانت الفنون الإسبانية تقليدية محضة، سواء في أساليبها، أم في قيودها، أم قوالبها، وقد شاع يومئذٍ بين الفنانين ما هو شائع في ثقافتنا اليوم: النقل عن الأجانب، والتقليد، مع التقيُّد بالقديم، فكان ا? «باروك»?? من الفن، أي المبالغة في النزعات الأجنبية، الغوطية والعربية، رسمًا وشكلًا وخيالًا؛ فتفنَّنَ أشياعه في أثواب القديسين مثلًا وتطريزها دون النزعات الروحية، وفي الرءوس الطويلة والخوارق الدينية التي تمثِّلها بأسلوب مقتضب. وكاد ا? «رُكوكو»?? يقضي بخزعبلاته على فن التصوير، لولا العناصر الأجنبية الأخرى التي دخلت على الفن الإسباني، ورفعته إلى منزلة من الإبداع جديدة، وإن لم يكن ما أُبدع بشيء يُذكَر على أنه كان الخطوة الأولى في سبيل الاستقلال. ومن تلك العناصر الأجنبية السليمة عنصر ا? «فلاميش» Flemish الصافي منه والممزوج بالألماني، وأول مَن أخذ من فناني إشبيلية عن الفلاميش هو سنشيز ده كسترو Sanchez de Castro، وقد تبعه كثيرون. هذه المدرسة تمتاز بأشكال الفن الظاهرة، كقامات القديسين النحيلة، ووجوههم الطويلة المخروطة، وألوان أثوابهم الزاهية. ثم دخل إسبانيا الفن الإيطالي الجديد، ابن النهضة المعروفة بالرنسانس Renaissance، فكان لويس ده فاركاس Luis de Vargas وفرنسيسكو بتشيقو الرائدَين لها، الناشرَين أعلامها. وقد سافر إلى إيطاليا في عهد رفائيل وميكل آنْج؛ أي بعد سنة ????، كثيرون من فنَّاني البلاد، طالبين العلم في كَنَف كبار المعلمين، فبدأ النفوذ الإيطالي منذ ذلك الحين يعلو كل نفوذ آخَر ويتقدَّمه. هي النهضة التجديدية الأوروبية في إسبانيا.
وقد كان لزعمائها الذين ذكرت اتجاه واحد، إسبانيا الجديدة، على اختلاف الأساليب والأمزجة. فما خلت نزعاتهم من الخزعبلات، ولا كانت المبالغات الفنية دائمًا مرنة رصينة. خوَّف هرِّيرا زملاءه بضربات ريشته الغليظة، وبشرار مزاجه العصبي، وأضحكهم زورباران بشذوذه وادعائه. لا تقاليد ولا خيال ولا وهم في فن زورباران، ولا رصانة، فقد كان يجيء بصبيان الأزقة مثلًا ويُلبسهم قمصانًا من الخام ليمثِّل الملائكة في لوحاته تمثيلًا واقعيًّا غير خيالي، وله في ذلك شطحات إذا صحَّ التعبير الصوفي في فن بعيد من التصوف إلا في الحقيقة العارية المرعشة؛ فقد كانت النساء في زمانه يَلْبِسْنَ المشدات العالية فترق خصورهن وتصغر منهن الصدور، فجاءت القديسات في صور زورباران بصدور مسحاء كالرجال!
أما موريليو، كبير الفنانين وأشهرهم، فلم يخرج طوال حياته من إسبانيا، ولا كان مُكثِرًا في اقتباسه عن الإيطاليين العظام، مثل تيتيان وكورِّجيو وتِنتورتو?? في التلوين، وميكل آنج في العظمة على الإطلاق. بل مشى في سبيله كإسباني مستقل، وتطوَّر في أساليبه فكان منها ما يُدعَى بالبارد والحار والمبخر، بل قُسِّمت صوره إلى ثلاثة أقسام أو أدوار، وفي التقسيم تحكُّم واجتهاد، فإن في بعض صور الدور الأول، المصورة بالألوان الفاتحة الجافة، متانة ورصانة، وفي بعض صور الدور الثاني من التافه والركيك ما يمتاز به الدور الأول، وفي صوره الأخيرة، أي في الدور الثالث، ما يصح أن يُعَدَّ من الدورين الأول والثاني. لقد أجاد موريليو في تمثيل حياة الأنبياء والقديسين، كما أجاد في تصوير الأولاد؛ أولاد الأزقة، فإن في النوعين صدقًا وبلاغة وعلمًا بعيد القرار بكوامن النفس، بل إن الجمال الذي يتخلَّل نور عيون الصبيان في هذه اللوحات هو من رصانة الأنبياء، وما في عيون الأنبياء هو من روح الصبيان.
ومن أسلوب الدور الثاني صورة كبيرة في كاتدرائية إشبيلية للقديس أنطونيوس بلغ فيها ذروة الفن.
أما أسلوبه المبخَّر، فهو ذاك الذي تنتشر من ألوانه الحواشي الرقيقة كالضباب والبخار، وتلبسها روعة الغسق المتخلف فيه بعض ألوان الشمس الغاربة.
قلت: إن موريليو هو كبير فنَّاني ذلك العهد، وهناك أكبر منه هو فلاسكيز، وإن كان موريليو أشهرهم في إسبانيا، فقد كان فلاسكيز أشهرهم لدى العارفين المتذوقين روعة الفنون، وهو اليوم أشهرهم على الإطلاق. وُلِد مثل موريليو في إشبيلية، ولكنه وإن كان تلميذَ بتشيقو يُعَدُّ خارج مدرستها الفنية.
إن فلاسكيز في التصوير يمثِّل سرفنتس في الكتابة؛ فقد رفع الاثنان حقائق الحياة الإسبانية اليومية إلى مستوى النبوغ العالي، وهو مثل سرفنتس عبقري فذ، لا تصح المقارنة بينه وبين أحد من نوابغ الأمم الأخرى، رأى الفن في زمانه إسبانيًّا دينيًّا، فصمَّمَ على أن يجعله أوروبيًّا بل عالميًّا. في فنون زملائه طغت إسبانيا على أوروبا!
إن رمبرانت Rembrandt أعظم الفنانين بعد ميكل آنج، ده فنسي، تنحصر مزية لوحاته أحيانًا في النور، وأحيانًا في أزياء أشخاصه، وأحيانًا أخرى في شخصية المصوَّر نفسه، فتنقلك توًّا إلى مكان الحادث، أو إلى مقر الوحي في عمله. ليس لفلاسكيز شيء من هذه المزايا الفنية؛ فهو مثل ابن وطنه سرفنتس لا يقيِّد فنه بقيد من قيود الاصطلاحات الشكلية والشخصية. إن بصيرة الاثنين مثل بصرهما منطلقة شاملة نافذة تستكشف الطبيعة في جميع مظاهرها، في حقائقها ووقائعها، في الدائم والزائل منها، بدون خداع بصري أو حيلة فنية، فلا سرفنتس ولا فلاسكيز يتورَّع في تمثيلها بأحط مظاهرها وبأسماها. اذكر مواقع دون كيخوته تجدها كلها لا تميل قيد شعرة عن الواقع، يقابلها خياله في الحب، ومثله الأعلى في الفضيلة والإحسان. واذكر في لوحات فلاسكيز صور الملك فيليب والعائلة المالكة والمحبوس، والسيدة العذراء Madonna وهي صورة فلَّاحة أندلسية، ليس عليها مسحة شعرية أو دينية أسطورية أو خيالية. نَقل فلاسكيز من إشبيلية، حيث كان الفن خادمًا للدين والكنائس والأديرة، إلى مدريد — إلى العاصمة — إلى القصر الملكي في العاصمة؛ صورةً من صوره، تلك التي يتمثَّل الملك فيليب ممتطيًا جواده، ففتحتْ له بابَ القصر، وما لبث أن صار من المقربين في البلاط.
وقيل إن الملك فيليب الرابع، لما رأى صورة العائلة المالكة وفيها فلاسكيز نفسه واقفًا يصوِّرها، أخذ الريشة ورسم الصليب بالحبر الأحمر على صدر المصوِّر، ولكنه لم يمنحه الوسام قبل أن تمت الأصول التي تتعلق به؛ وهي أن تتعين لجنة للبحث في عائلته والتحقيق في نسبها، فقرَّرت تلك اللجنة بعد البحث أن عائلة فلاسكيز خالصة من شوائب الكفر، وشوائب الدم اليهودي أو المغربي، ومن دنس المكاسب في التجارة. هو ذا النبل الإسباني المؤيَّد — والمقيَّد — بالبلاط.
ويوم أعطى الملك الفنانين موضوع طرد المغاربة من إسبانيا يتبارون فيه، حاز فلاسكيز الجائزة بصورة صوَّرَها، ولم يحتفظ بها.
إن لفن فلاسكيز أدوارًا كما لفن موريليو وغيره من كبار الفنانين؛ فالدور الأول يمثِّل الطبيعة تمثيلًا صادقًا أمينًا بديباجة بارزة التقاطيع كالنقش في الحجر، وبانسجام من الألوان الحمراء والصفراء والبنيَّة.
والدور الثاني يبدأ بزيارته لإيطاليا، وتأثُّره بفنون ميكل آنج وتيتيان وتنتورتو، فشرع يصوِّر مثلهم في فيض من النور، وكان يصوِّر كذلك في النور المنعكس؛ ليلطِّف ألوانه، ويعزِّز الرحابة في أوضاعه وأشكاله.
أما في الدور الثالث، فالفكر هو الذي يتغلَّب في لوحاته، أو مزية الفكر السامي، التي تجمعه وسرفنتس في مستوًى واحد، وهذا الأسلوب ظاهر بأتم معانيه وأبلغها في لوحاته الحربية المشهورة التي تُدعَى الرماح Las Lanzas، وهي تمثِّل نهاية الحرب الإسبانية الفرنسية في فلافورس بعد حصار بريدا الطويل، وتسليم القائد جوستين إلى القائد ليونردو. وتمثِّل غير ذلك، تمثِّل كرم الأخلاق؛ فالقائد الإسباني لا يقبل سيف خصمه، بل يردُّه إليه ردًّا جميلًا كأنه يقول: سلمت كرامتك! هي نهاية حرب دامت ثماني سنوات، وانتهت كما أرادها الفنان، على ما قيل، فكان فلاسكيز أمير بيانها، وروح سِلْمها المكلل بمثل أعلى من مكارم الأخلاق. كان عهد الملك فيليب الرابع (????–????) العهد الذهبي في الفنون والعلوم، وكان كذلك، مثل عهد لويس السابع عشر، عنوانَ الفساد في الأخلاق، والتهتُّك والاستهتار في الهيئة الاجتماعية، وخصوصًا في البلاط الملكي. وفلاسكيز ذلك الرجل الكريم النزيه الطيب القلب، ذلك الفنان الأكبر في زمانه، والكبير فنًّا وحذقًا في كل زمان، عاش في تلك الموبقات، واحتمل ما احتمل، وصوَّر لزمانه صورة صادقة بليغة بدون مرارة أو ضغينة. على أنه وجد لما كظَم منفذًا حين صوَّر رجالًا في البلاط كانوا أقزامًا خَلقًا وخُلقًا، ما عدا الوزير الأول أوليفارس Olivares، فخلدهم في لوحاته بأسلوبه البليغ الصادق الضارب إلى الرمزية؛ فجاء أولئك الأقزام?? رموزًا للعالَم السياسي الاجتماعي الذي كان يتلاشى تصنُّعًا وفسادًا، وهذه اللوحات هي من فلاسكيز اعتراف صادق بما كان عالِمًا به، وساكتًا عنه إلا فيها. من العوامل الأجنبية التي عملت بالفن الإسباني في نشوئه وتطوره، وخصوصًا في هذه الحقبة من الزمن التي نُعنى بها، عامل شرقي غير عربي، وصل إلى إسبانيا في النصف الثاني من القرن السادس عشر مع عبقرية جديدة لشاب يوناني اسمه دومينكو ثيوتوكوبولي، فأطلق عليه اسم جنسيته، وصار مشهورًا في العالم بالإغريقي El Greco. لا يمكن ونحن نستعرض الفنون إجمالًا كركنٍ من أركان النهضة الإسبانية الجديدة، التي نشأت في إشبيلية، أن نخص كل فنان ممَّن ذكرنا بما يستحقه من البحث والتحليل، ولكننا معرِّفون كلًّا منهم إلى القارئ تعريفًا جزئيًّا؛ فعسى أن يحبب إليهم مواصلة الدرس والتعرُّف؛ لما في ذلك من لذة، ولما فيه أيضًا من الفائدة في تكوين الشخصية المثقفة التي لا يتم تكوينها إلا بمعرفة الفنون الجميلة.
هذه الكلمة نخطُّها اعتذارًا عمَّا طال في هذا الفصل، وعمَّا قصر في الوقت نفسه عن الإشباع للمواضيع الفنية التي تتعلق به، وأهمها — كما أسلفتُ القولَ — فلاسكيز وفنه. على أنَّ فلاسكيز كان معجبًا جِد الإعجاب بالفن الإغريقي، وما خلا محترفه، بإشبيلية أو بمدريد، من آثاره الفنية.
أما العامل الأجنبي في فن الغريكو فليس إيطاليًّا، مع أنه تلميذ تيشيان، وإنما هو بيزنطي؛ هو إرثه الجنسي الثقافي الفني، إرثه الشرقي، ظهر في لوحاته منذ بدأ يصوِّر في توليدو — طليطلة — المدينة التي أقام فيها، بعد سفره من مسقط رأسه، إلى إيطاليا.
وأما العامل البيزنطي، فهو لا ينحصر في التلوين فقط، بل يتجاوزه إلى الشكل؛ أي إنه يشمل القالب والمعنى والديباجة. وقد كان لأوَّل ما صوَّره وقعٌ مدهش في عالم الفن الإسباني، على وفرة الآثار الفنية فيه وكثرة الفنانين؛ فها هنا وجوه للقديسين غير مألوفة، وألوان للديباج والدمقس جديدة، ها هنا نوع من الأرجوان الذي لا يزال إلى يومنا نادرًا في غير صوَر الإغريقي.
وها هنا مقدرة غير اعتيادية في تأليف الألوان وتصريفها، ولجميع هذه المزايا كلمة شاملة المعنى؛ هي العظمة.
فالعامل البيزنطي في فن التصوير الإسباني هو قسم من العظمة التي تميِّز كذلك صور فلاسكيز عن سواها، كما أنه قسم من الفخامة التي تتجلَّى في الفن العربي بالحمراء، وعلى الأخص في الجامع الكبير بقرطبة. وهذا العامل ظاهر في أجمل وأروع مظاهره في الفن الإغريقي الخالد، ومع ذلك فما تعَدَّتْ شهرته في حياته إسبانيا، أو عالم الفن والمشجعين والمعجبين بالفن من أرباب الكنيسة. فظل هذا العبقري ثلاثمائة سنة مغمورًا بالخمول الذي يكاد يكون نسيانًا.
ثم بُعِث في أواسط القرن الماضي، وذاع اسمه وخبره وفنه، فوقف الناقدون أمام لوحاته وِقفة الإعجاب والإكبار.
ومن عجيب الظاهرات الفنية أن يكون هذا الرجل سلف الفنان الأكبر في القرن الماضي؛ أي سيزان Paul Cezanne، وأن يكون فنه أساسًا لفن الفرنسي الشهير وأتباعه. وكذلك قُلْ في فلاسكيز؛ فإن مدرسته ا? «إمبرثيونيزم» تمتُّ إليه بِصِلَةٍ كريمة، فالإغريقي وَلد سيزان، والإسباني ولد مونه ومانه ورنوار وبيسارو?? وإخوانهم الكثيرون. وها ها هنا أريد أن أقول كلمة في ا? «إمبرثيونيزم» وقد أضع لفظة عربية لها. فما هو أصل اللفظة الفرنسية، وما هو معناها؟ أول مَن خرج على المدارس الرسمية، وراح توًّا إلى الطبيعة يستخبر حالها، ويستطلع أسرارها، هو إدوار مونه، وأول ما قرَّره مونه هو أن مظهر الأشياء الزائل هو أهم للفنان من مظهرها الدائم. ثم شرع يدرس هذه المظاهر الزائلة في الأنوار والظلال، والأشياء الجامدة والمتحركة، ويصوِّرها في تلك الأحوال وهو متأثر بها، فلُقِّبَ لذلك با? «إمبرثيونست»، وترجَمَ كُتَّابُنا اللفظةَ إلى العربية ترجمة حرفية فقالوا: الفنان التأثيري والمدرسة التأثيرية. وهذا في نظري خطأ؛ لأن التأثير ممكن أن يكون دائمًا وزائلًا، ولا يُراد بالأصل الفرنسي غير الزائل كما قدمت. وإن في لغتنا العربية لفظةً تؤدي هذا المعنى كاملًا نجدها في مادة فعل. فمن اشتقاقاتها الفعل … وهاك بقية الخبر من القاموس:
الانفعالُ عند الحكماء التأثرُ، والانفعاليات عندهم الكيفيات الراسخة المحسوسة كصفرة الذهب، والانفعالات هي الكيفيات المحسوسة غير الراسخة — الزائلة — كصفرة الخوف (القاموس) أو كصفرة الأفق المقابل لمغرب الشمس.
إذن، يصح ويجب أن نقول: مدرسة الانفعالات، والفن الانفعالي، والفنانون الانفعاليون وصورة انفعالية.
وهذه المدرسة التي وُلِدت من التمرد على المدارس الرسمية الأرثوذكسية Acadamie Dogmatie تمتُّ بنَسبها، كما قدمت، لفلاسكيز، كما يمتُّ فن سيزان والمدرسة التي نشأت عنه في زماننا إلى الإغريقي الشهير ثيوتوكوبولي. بقي أن نذكر في هذه اللمحة الفنية العبقري الإسباني الآخَر الذي يشارك فلاسكيز في شهرته ومجده، ولا يشاركه في عذوبة النفْس وسمو التفكير، ولا عجب؛ فهو من غير زمانه ومن غير مكانه، جاء بعد فلاسكيز بنحو مائة سنة، وعاش في زمن الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، وشهد بعد عودة البوربون، روحتهم الأخيرة، ثم الحرب الأهلية الإسبانية، ومرحلة أخرى من مراحل التقهقر؛ إذ بيعت فلوريدا للولايات المتحدة، واستقلَّت بيرو والمكسيك.
كان لفرنسيسكو غويا Goya??الأرغوني Aragon المولد، قساوة جو الشمال، وجفاف سمائه، بل كانت عبقريته وليدة الفيافي والصخور، وربيبة الشمس المتهافتة من خلال الحجب، حجب الشك والازدراء؛ فاستعاض عن الحرارة بالأشعة الحادة النافذة، وجاءت في لوحاته الغبساء كمسحة من الغروب في وجه الغسق. إن غويا، في نزعته الشديدة إلى الطبيعة، وفي ملازمته لها على الدوام، في عُجَرها وبُجَرها، لَمِثلُ إميل زولا في الآداب. وهو في تهكُّمه مثل هوغرت Hogarth، وفي مجونه مثل رابيله Rabelais. وقد عبَّرَ عن كل ما اختلج في نفسه ولاح لخاطره، بالريشة والمنقاش، على اللوحة وفي لوح النحاس. فإن محفوراته Etchings مثل زيتياته — صوره الزيتية — لفي المنزلة الرفيعة العزيزة من الفن. وفيها جميعًا معرض طريف للحياة الإسبانية الدينية والسياسية والاجتماعية والتاريخية، فقد جاب فنُّه الأمة ومعاهدها، من مجلس التفتيش إلى المهرجانات، إلى ساحة حرب الثيران، إلى البلاط الملكي، إلى المراقص، إلى قدس أقداس الكنيسة نفسها؛ فتناول هذه المواضيع كلها بريشته وإزميله، وحوَّلها على لوحاته ونحاسه إلى مشاهد حية ناطقة صادقة ضاحكة متهكمة.
وإن ضحكة غويا غير ضحكة سرفنتس؛ فضحكة سرفنتس تضحك وتطرب في كل مكان، وضحكة غويا هي ضحكة حفَّار القبور حينًا، وحينًا ضحكة مدمن في حانة، ودائمًا هي ضحكة سيَّاف يقطع ولا يعدُّ الرءوس!
إن فن غويا لَفنٌّ إسباني مجرد من العوامل الأجنبية كلها، هو فن ديوان التفتيش الأعلى، هو فلاسكيز بدون حرارة قلبه، وهو سرفنتس بدون حرارة إيمانه.
•••

قال العرب في قرطبة وإشبيلية كلمة ردَّدَها الكتَّاب، ولا يزالون يردِّدونها حتى في هذا الزمان دون تروٍّ وتحقيق. فقد تَصدُق في العهد الأموي الذي ازدهر بالعلم في غرناطة واشتُهر بالطرب والغناء في إشبيلية، فكانت تروج هنا آلات الموسيقى كما تروج هناك الكتب، والأغلب أنها كلمة أقرب إلى النكتة منها إلى الحقيقة، وهي في الزمان الذي عنينا به، وفي زماننا، غير صحيحة. فإشبيلية كما تبيَّنَ هي مهب النهضة الفنية والأدبية في التجدُّد، وهي كذلك من الأشجار الأندلسية التي تغرِّد على أفنانها طيور المرح والمهرجانات، ولا فرق بينها — من هذا القبيل — وبين مدينة أخرى أندلسية؛ فقد شاركت غرناطة وبلنسية وقرطبة في نهضة التجدد، كما تشارك في هذا الزمان في كل مهرجان.
إنما تختلف إشبيلية عن سائر المدن بلطف مزاجها وتقلُّبه، وشدة هواها على الدوام. هي روح مركَّبة من أرواح مختلفة متعددة، صاخبة الألوان؛ حمراء حتى الأرجوان، صفراء حتى الذهب، زرقاء حتى اللَّازَوَرْدِ، خضراء حتى الزُّمرُّد. فهي الراقصة، وهي القديسة، وهي المحسنة، وهي العاتية القلب، وهي في هذا الزمان، أو بالحري بنتها تريانا عبر النهر، محور من محاور العمال؛ يتصاعد منها دخان المعامل، وخصوصًا معامل الزليج، ودخان الاضطراب والإضراب.
وهي على الدوام إشبيلية الشاعر والفنان، والعيد والمهرجان، وهي ساحة الثيران، وساحات البخور والصلبان، والخنجر ودولاب الزمان، هي هي إشبيلية فلاسكيز وموريليو وهرَّيرا، إشبيلية ألفونسو وفرنندو وريبيرا، إشبيلية المعتمد بن عباد، وبطرس ابن إبليس!
نعود إلى إشبيلية العرب، فنسمع الدليل يقول إن هذه المدينة، إشبيلية، كانت قديمًا مستعمرة إيبرية، قائمة على طريق التجارة بين قادش ومارندا وسكمنقا، فاستولى عليها يوليوس قيصر سنة ??ق.م، وبعد العهد الروماني صارت عاصمة الوندال، فعاصمة الغوط بعدهم، ثم جاء العرب — فنرجو الدليل الآن أن يستمع إلينا.
لقد كان أكثرهم في الفتح الأول من عرب الحجاز، وخصوصًا من أهل المدينة، ومعهم بضعة ألاف من البربر،?? فما طالت أيام الولاء بين الشعبين، حتى ذرَّتِ الفتنة قرنها في عمالة عبد الملك بن قطن، فقام البربر على العرب يساعدهم نصارى البلاد. وكان في سبتة يومئذٍ السوريون، من حمص ودمشق، يريدون العبور إلى الأندلس، وعبد الملك لا يجيز ذلك لثأر كان له على أولئك السوريين، حمله في صدره من الشام، بل من الحجاز. ولكنه وقد أحاق به خطر البربر، تناسى الثأر واستظهر السوريين، فعبروا المضيق وحاربوا في جيشه مستبسلين، فغلبوا البربر في مواضع عدة، واستتبَّ الأمر بعد ذلك للعرب.
هذا هو الفتح الثاني، والجيش الفاتح من سوريي حمص ودمشق، ويرأسه بلجُ القيسي من قبيلة قشير،?? فلما اختلفوا وعبدَ الملك؛ لأنه ما بَرَّ بوعده لهم، خلعوه ثم قتلوه، وولَّوا بلجًا مكانه. فقام أبناء عبد الملك يثأرون لأبيهم، فنصرهم المدنيون، وغيرهم من العرب، وبينهم عبد الرحمن اللخمي وعبد الرحمن الفِهري ورجالهما، ثم انضم إليهم أولئك البربر أعداؤهم بالأمس، وأصحاب ثأر اليوم، فبلغ عددهم جميعًا خمسين ألفًا، وما تجاوز عدد جيش بلج الاثني عشر ألف مقاتل.
وقعت الوقعة بين الجيشين (???م) فانتصر السوريون فيها، ودخلوا قرطبة ظافرين، ولكنهم فقدوا قائدهم بلجًا الذي جُرِح في تلك المعركة ومات بعد أيام قليلة، فعيَّنَ الخليفة هشامٌ ثعلبةَ اليمني عاملًا على الأندلس.
وكان ثعلبة أعدل أو أقل جورًا، في معاملته الأعداء؛ أي عرب الحجاز، أي القيسيين، وما زالت العداوات مع ذلك، بل شبَّت نار الحرب ثانيةً بين أبناء الوطن الواحد، وما هو في نظر أحد الفريقين كذلك. هو وطننا نحن العرب، وما أنتم إلا سوريون. نحن — السوريين — العرب، نحن اليمانيون، وما أنتم إلا قيسيون.
السيف يثبت ما نقول؛ انتصر السوريون ثانيةً على المدنيين. انتصر ثعلبة على أمية وقطن، ابني عبد الملك وجيشهما، فأخذوا منهم ألف أسير من رجال ونساء، وباعوا النساء كالأرقاء بالمزاد، فكان ذلك أفظع أعمالهم. العربيات تباع كالجواري؟! هي الصفحة السوداء في تاريخ السوريين الفاتحين، وهي التي زادت في النفرة والضغينة بين الحزبين؛ فقام فريق من العرب يحتجون عليهما ويطلبون من حنظلة الكلبي حاكم إفريقية أن يرسل إلى أرض العدوة مَن يستطيع أن يُعِيد النظام والعدل إلى مجاريهما القديمة؛ فأرسل حنظلة أبا خطار الكلبي، من وجهاء دمشق، فقبله السوريون والحجازيون.
وكان أبو خطار حكيمًا كريمًا، فاستبشر الناس به وبحكمه، فأول ما فعله أن أطلق سراح الأسرى، وأبطل بيع الجواري العربيات، ثم سرَّحَ الجنود وأقطعهم الأراضي، فأنزل الحمصيين بإشبيلية، والدمشقيين بالبيرة، والقنسريين بجين، والمصريين بتدمير، والفلسطينيين بالجزيرة وضواحيها.
وبعد ذلك؟ حرب أخرى وخلافة أموية جديدة، سنقص عليك قصتها عندما نصل إلى قرطبة.
قال الدليل: وعندما سقطت خلافة قرطبة قام كلُّ مَن مَلك فدانًا من الأرض ينصِّب نفسه خليفة في البلاد — ملوك الطوائف!
فنستأذن الدليل لننير زاويةً من علمه.
عندما سقطت خلافة قرطبة (????) استقلَّ زاوي بن زيري بغرناطة، وقام في إشبيلية القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل الحمصي من بني عباد?? يعلن استقلال المدينة، ويؤسِّس فيها الحكم الجمهوري. وكان هو رئيس الجمهورية الأولى — الجمهورية اسمًا على ما يظهر — فإن حكمه دام تسع عشرة سنة، فخلفه ابن عباد آخَر هو ابنه المعتضد، فحكم سبعًا وعشرين سنة، ثم المعتمد المشهور أبو القاسم محمد بن المعتضد، الذي حكم نحو خمس عشرة سنة، ومات في المنفى بأغمات.
هذه الجمهورية أو الإمارة دامت إذن ستين سنة لا غير، فانضمت إليها خلال هذه المدة: قرطبة التي كان يحكمها بنو جَهْور، والجزيرة ورندا وتوابعها التي كانت في حوزة بني حمود، ونبلة بني يحيى، وسلبة بني مرين، وطليطلة وسرقسطة حيث تولَّدت تلك الألقاب التي قال فيها الشاعر بيتًا من الشعر ذهب مثلًا، وما كان كاذبًا فيمَن أَسْمَوْا أنفسهم عماد الدولة ونظام الدولة وجناح الدولة … وهلم جرًّا.
في هذه الحقبة السعيدة من الزمن (????–????) كانت إشبيلية أول مدينة في الأندلس، فكَسَفَتْ قرطبة حتى في العلم والأدب، فكانت في أيام المعتمد على الأخص كحلب في عهد سيف الدولة، يقصدها الشعراء والأدباء من كل نواحي البلاد؛ ليتمتعوا بأنس أميرها الشاعر ومُعطياته.
وما طال صفاء الجو للشعر والشعراء؛ لأن ألفونس السادس ملك قشطيلة وليون قام يحارب المسلمين، ويشن على مدنهم الغارات ليخرجهم من البلاد، ومع أن ملوك المسلمين جمعوا يومئذٍ كلمتهم عليه، فما تمكَّنوا من خَضْد شوكته.
لنستنجد إذن بإخواننا عبر المضيق. هناك كان قد ظهر زعيم جديد للمرابطين، هو يوسف بن تاشفين، مؤسس مدينة مراكش، وفاتح بلاد تلمسان، فاستنجده الملوك المسلمون في الأندلس فسارَعَ يوسف إلى نجدتهم. وما كاد يصل إلى الجزيرة الخضراء حتى الْتحم جيشه وجيش النصارى في الوقعة المشهورة؛ واقعة الزلاقة، وكان منتصرًا.
نصر الله المسلمين على يد يوسف، ثم نصر يوسف على أمراء المسلمين، فقد رأى ابن تاشفين أن أولئك العرب المقسَّمِين المتحزِّب بعضهم على بعض لا يصلحون لِمُلك هو كالجزيرة في بحر النصارى؛ فأزاحهم عن عروشهم، وقرأ عليهم فصلًا من كتاب الفتوحات المباركة.
وقد أدرك المعتمد بن عباد أن نظم الأشعار لا يقي المُلك من الدمار؛ فاستلَّ سيفه على يوسف، وكان مدحورًا، فنُقِل هو والرميكية إلى أغمات بالمغرب، هو والرميكية صاحبة القصة المشهورة ببيت من الشعر:
نسج الريح على الماء زَرَد… … … … أَجِزْ يا ابن عمار.?? فأُغلِق على الوزير الشاعر، وفُتح على جارية كانت تتنزه في تلك الساعة على ضفة النهر الكبير، وهي قريبة من المَلك المتنكِّر ووزيره، فسمعته يقول:
نسجَ الريحُ على الماء زَرَد… … … … فقالت على الفور:
… … … …يا له درعًا منيعًا لو جَمَدْ! تلك الجارية هي الرميكية، وتلك الساعة هي الأولى من أيام وأشهر وسنين نادرة في حياة المحبين.
نسج الريح على الماء زَرَد!
وكان ملك المعتمد كالريح على الماء.
وكانت حياته والرميكية كالنسيم العاطر في روضة العاشقين.
قال الدليل: وحمل المهَّاد على المراويد — الموحدون على المرابطين — وانتزعوا المُلك منهم في سنة ????.
وبعد مائة سنة — ما أطول صبر أولئك الأقدمين! — أعاد المسيحيون الكرَّة على إشبيلية بقيادة الملك فرنند الثالث، فرنند القديس، ومساعدة العربي المسلم محمد بن يوسف بن الأحمر ملك غرناطة،?? فسلَّمَتِ المدينة بعد حصار دام ستة أشهر (????م). ودخل القديس إشبيلية ظافرًا، ثم طرد منها المسلمين — ثلاثمائة ألف من المسلمين.
•••

إيه إشبيلية العرب، ما أقصر يومكِ، وما أطول ذكراكِ!
وما أنصع يمينكِ، وما أقتم يسراكِ!
المعتمد الشاعر، والمعتضد السفاح، كلاهما كان أميركِ، وكلاهما كان نِيرًا عليك.
كلاهما أحب نفسه، ثم أحبَّك، وما أخلص لكِ.
نفس المعتمد في الجارية اعتماد.?? ونفس المعتضد في جماجم الأعداء، المزروعة بالزهور.
الشعر في الفواجع، والشعر في الغرام!
والحكم لله — وللمرابطين.
وهل يُحتقَر الشِّعْر، وهو من روح الله؟!
عادت الرميكية وأميرها من رحلة في الشمال حيث شاهدت الثلج على أفنان الأشجار، فراقها المشهد، وغدت في إشبيلية حزينةً تحنُّ إليه، فسألها أميرها الشاعر الملك: ما بكِ؟ فقالت: أشتاق إلى منظر الثلج. فقال سترينه من نافذة هذا القصر.
وجاء بأشجار من اللوز فغرسها في الحديقة، واللوز يزهر في الشتاء. وها هو ذا يا اعتماد، الثلج على الأفنان!
ما أجمل حبك، وما أرقَّ شعورك، وما ألطف خيالك، أيها الملك، يا شاعر الحياة!
وكان المعتضد يأمر بالتعذيب، وبالقتل، وبسلخ الجماجم، ولا يأذن لعينه أن ترى، ولا ليده أن تلمس غير الزهور.
ما أدق ظلمك، وما أرق خيالك الدموي، أيها الملك، يا شاعر الموت!
وبذكرى الاثنين يتلمظ التاريخ …
في حديقة القصر شجرة من المنغولية، جذعها ضخم قصير معقد قبيح الوجه، وأغصانها عالية وارفة زاهرة، هي أكبر شجرة شاهدت من نوعها، وهي رمز ذينك العهدين من حكم بني عباد. جذعها ضريح المعتضد، وزهرها يردِّد ذكرى المعتمد كل ربيع؟
وفي الطابق الأسفل من القصر، وراء شجرة المنغولية، ذلك الحمَّام الذي كانت تستحم فيه ماريا باديليه حظيَّة بطرس أخ المعتضد.
وجدران ذلك الحمَّام لا تزال تسمع قهقهة أولئك المخنثين الذين كانوا يشربون من الماء الذي تستحم فيه باديليه الحسناء.
وبطرس والمعتضد لا يسمعان اليوم غير قهقهة الأبالسة، وهم يهيئون لهما شرابًا من غسلين!
وفي جوار شجرة المنغولية، مقصورة الملك الحكيم الكريم،?? وتجاهها دروب منحنية بين الزهور والرياحين، تُدعَى درب العشَّاق، فيها نافورات تفاجئهم بمائها، فيضحك اللاعب واللعوب، وتغرِّد الطيور في القلوب! فيا أيها الملك الشاعر، ويا أيها الملك الحكيم، إن ذكركما الطيب لَخالد بين زهور المنغولية ورياحين درب العشَّاق!
? إسبيلتس Espiletis الرومان وسفيَّا Sevilla الإسبان، وإشبيلية العرب الذين عادوا في تعريبهم إلى الأسماء الرومانية.? الشُّقيفات مصغرة: هي صنوج من نحاس، أو من خشب تعقدها الراقصات بين أصابع اليدين، فترافق في إيقاعها حركات الراقصة الخفيفة.? في إيتاليكا، على سبعة كيلومترات من إشبيلية، وُلِد تراجان وهدربان وتيودسيوس، وهي اليوم تُقصَد لما فيها من الآثار الرومانية.? في فناء المذبح الكبير بالكاتدرائية، وتحت المذبح دُفِن القديس فرنند والملك بطرس الملقَّب بالعاتي.? المعتضد بن عباد سلف المعتمد.? شريش Jerez: بلدة مشهورة بخمورها.? أندا بالإسبانية: مرحى.? في حرب الثيران، مَن يذبح الثور يقطع أذنه، ويقدِّمها لمَن يحبها بين المتفرجين.? هو الجمبري في اصطلاح المصريين.?? سنة ????.?? سنة ????.?? سنواج، هي كلمة Sandwich الإنكليزية، أي قطعة لحم أو جبن أو غيرها بين قطعتين رقيقتين من الخبز، وعلى سبيل المجاز: كل شيء يختلف عن شيئين وهو بينهما كاللحم بين الخبزتين مسنوج، وسندويش هي بالفرنسية وغيرها من اللغات الأوروبية سنويش.?? ما دمنا في المساحات، فإني أنقل رقمًا آخَر يُثبِت أن كاتدرائية إشبيلية هي أكبر كنائس أوروبا، بعد كنيسة مار بطرس بروما، وهاك القياس بالتدقيق: مساحة كاتدرائية إشبيلية هي ?????? ألف قدم مربعة، ومساحة كنيسة القديس بطرس هي ?????? ألف قدم مربعة.?? ما ارتاحت عظام كولمبوس بعد موته؛ فقد توفي المكتشف العظيم في بايادوليد (?? مايو ????) ودُفِن في دير بإشبيلية، وبما أنه كان قد أوصى بأن يُدفَن في جزيرة سان دومنغو، نُقِلت جثته إليها سنة ????، ودُفِنت في كنيستها الكبرى. ثم استولت فرنسا على تلك الجزيرة في عهد نابليون الأول، فنُقِلت عظام كولمبوس منها إلى كاتدرائية هافانا، وعندما استقَلَّت جزيرة كوبا عن إسبانيا، نُقلت بقية كولمبوس الأرضية للمرة الأخيرة إلى كنيسة إشبيلية الكبرى (????) حيث هي اليوم.?? كانت لاخيرالدا هذه مئذنة الجامع الكبير الذي ظلَّ المسيحيون يصلون فيه مائة وخمسين سنة بعد استيلائهم على إشبيلية، أي من ???? إلى ????، وفي هذه السنة هُدِم الجامع ما عدا المئذنة والبوابة الشمالية التي تُفضي إلى الصحن، وهو اليوم يُدعَى «فناء الليمون». وبوشر بناء هذه الكنيسة، واستمر البناء مائة سنة قبل أن تمت بأجمعها.?? هذا الفن الإيطالي الحامل طابع النهضة الجديدة Renaissance، دخل إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر، وكان في أوج الإقبال يوم بُنِيت القبة فوق المئذنة.?? العرب الذين تخلَّفوا في إسبانيا بعد الجلاء الأول، وحافظوا على دينهم، يُدعَون المدجنين، ومنها Modejan، أخذها الإسبان ليعبِّروا بها عن هذا الفن الجديد الجامع بين ما تقدَّمَه من الفنون الهندسية وغيرها. وقد كان للملك بدرو الملقَّب بالعاتي حرس من المدجنين.?? آل ريبيرا من الأسر النبيلة في إشبيلية. سافَرَ أحدهم وهو المركيز ده طريفة إلى القدس، وباشَرَ بعد عودته بناء هذا البيت، فأطلق الناس عليه الاسم المعروف به اليوم؛ لأنهم ظنوه تقليدًا لبيت بيلاطوس.?? نحت العرب عبشمية من عبد شمس، وعبقسية من عبد قيس وغيرها، فكيف تنسب هذه الأقواس إلى نعل الفرس — وهي ما تتميَّز بها — إن لم نقل: نعفرية؟?? في هذا القصر قتَلَ الملك بطرس ضيفه أبا سعيد الغرناطي؛ طمعًا بجواهر كان يحملها، ومنها خاتم بياقوتة كبيرة أهداها بعدئذٍ إلى «البرنس الأسود» ولي عهد ملك إنكلترا إدورد الثالث كما يقول دوزي، وهي لا تزال محفوظة مع جواهر التاج الإنكليزي.?? بل كان للسوريين قبل ذلك بأربعمائة سنة، مثل هذه الشهرة. جاء في دائرة المعارف الإنكليزية في الجزء الثالث صفحة ??? ما يلي: في عهد الإمبراطور هدريان (???–???) نشأت في سوريا هندسة سورية شكلًا وزخرفًا؛ ذلك لأن في البلاد تكثر الحجارة ويقل الخشب، ولأن الروح الشرقية تميل إلى الزخرف والتزيين، وكثيرون من البنَّائيين في ذلك العهد وبعده كانوا سوريين، أو أنهم تمرَّنوا في سوريا، وآثار فنهم ظاهرة في قصر الإمبراطور ديركليسيان ? «سبالاتو»، وفي بعض مباني الإمبراطور قسطنطين في القسطنطينية.
?? منها مخطوطة للأخ بياتوس Beautus في سفر الرؤيا Apocalypse.?? ونساج. فصنعة النسج عند العرب وصلت في كمالها إلى فن جميل، وعلى الأخص فيما كان يزيِّن الديباجة من تصوير ورقْم وتلوين، مما استعان به الفنانون الإسبانيون.
قال الدكتور فرديناند كلر Keller السويسري في كتابه «غارة العرب على سويسرا»، الذي ترجمه الأمير شكيب أرسلان وضمنه كتابه «تاريخ غزوات العرب» صفحة ??? ما يلي: كانت مادة النسيج من الخز وخيوط الفضة مصنوعة بالتطريق، وكانت تدور بخيطان الفضة بنود من الحرير الأصفر بحيث لا تزال الفضة تلمع في أثناء النسيج، وتنعكس عليها ألوان الأطلس الأصفر، فيخال الرائي تلك الفضة ذهبًا.
هي هي القاعدة في وضع الألوان بعضها فوق بعض، رقائق متعاونة، فتنعكس خلال الأخلاط، وتزيد بجمال الصورة الفني.?? وله أربعمائة رواية تمثيلية.?? Baroque مدرسة للفنون يمتاز أسلوبها بالخطوط الملتوية المتقطعة، وتمتاز روحها بالخيال الشاذ، والتصور الشخصي المطلق من قيود التقليد.?? Rococo في هذه المدرسة تطوِّر ا? «باروك» Baroque تطورًا سلبيًّا زاد في التشويه منه، وذهب بالمحاسن، وعلى الأخص في التصوير.?? Titian, Corregio, Tintoreito.?? El-Boldo, El-Primo, El Nino.?? Monet, Manet, Renoir, Pissaro, Sisley, etc.?? كان مع طارق بن زياد عندما دخل الأندلس اثنا عشر ألف مقاتل، أكثرهم من البربر.?? هو القائد الذي أرسله الخليفة هشام ليؤدِّب البربر.?? بنو عباد ينتمون إلى المنذر بن ماء السماء من لخم، جاءوا الأندلس في جند حمص.?? المعتمد وابن عمار نديمه ورفيقه ووزيره، كانا يتنزهان في برج الفضة منتزه إشبيلية العام على ضفاف النهر الكبير.?? كان ابن الأحمر وابن حمود يتنازعان المُلك، فقُتِل ابن حمود في المارية (????) واستولى ابن الأحمر على غرناطة ومالقة، وعلى جيان التي اتخذها قاعدة لملكه، ومع ذلك ما خلا له الجو، وكان الملك فرنند الثالث قد استولى على قرطبة، وهمَّ بالزحف إلى جيان، فرأى ابن الأحمر من الحكمة أن يواليه، ويساعده في الاستيلاء على إشبيلية ليُبعِده عن عاصمته.?? اسمها اعتماد، والرميكية نسبة إلى سيدها الأول رميك.?? هو الإمبراطور شارلس الخامس (????–????) تنازَلَ عن العرش لابنه فيليب الثاني، وعاش سنتين بعد ذلك مغمورًا بلطف الحياة.
الفاتحون العرب والإسبان


منذ ألف ومائتين وسبع وعشرين سنة — أي في سنة ??? — وقف عند أبواب مدينة ماردا? جيش من العرب والبربر عدده عشرة آلاف، وقيل ثمانية عشر ألفًا بقيادة موسى بن نصير. وكان أهل المدينة قد أقفلوا أبوابها، ووقفوا في الأبراج وعلى السور يدافعون عنها، فدار القتال بينهم وبين العرب، واشتد وطال.
وكان موسى قد فتح إشبيلية، بعد أن حاصَرَها أشهرًا، وقرمونة، بعد قتال شديد، فأبت عليه همته العالية أن يعود من أمام ماردا مدحورًا.
استمر القتال، تتخلله الحيل الحربية، وأولها وأحبها لدى العرب الكمين، وكان الليل حليف الكمين؛ فانقضَّ على أهل المدينة عند خروجهم صباحًا للقتال، ففتك بهم فتكًا ذريعًا، فمات كثيرون، وفرَّ الآخرون هاربين.
مع ذلك ثبت أهل ماردا في الدفاع من وراء سورهم المنيع، فعمل العرب دبَّابة، دبَّ تحتها الفدائيون إلى برج من أبراج المدينة، فنقبوا الصخر الكلسيَّ، ووصلوا إلى حائط في داخله من الجلمود، فعملوا فيه الفئوس والمعاول، فاستفاق من صوت ضرباتهم العدوُّ، وقابلهم بما كان منهم يوم الكمين، فاستشهد جميع مَن كانوا تحت الدبابة، وأُسمِي ذلك البرج بعدئذٍ برج الشهداء.
وكانت بعدئذٍ الهدنة، فخرج وفد من أهل المدينة يفاوِض في الصلح، فدُهشوا لما رأوا أن قائد الجيش شيخًا ذا لحية بيضاء؛ فاستمعوا إليه وحملوا شروطه إلى أهلهم. كان ذلك في أواخر رمضان.
ثم عادوا في اليوم التالي، فإذا الشيخ صاحب اللحية البيضاء كهل بلحية حمراء، هو هو موسى بعينه، وقد صبغ لحيته بالحناء للعيد، أو لحسناء من حسان ماردا، والنصيريون كما يظهر قوَّامون على الأعجميات. فقد تزوَّج عبد العزيز بن موسى أغيلونة زوجة ردريق ملك الغوط بعد الوقعة التي قُتِل ذلك الملك فيها، وها هو ذا والد عبد العزيز أبو اللحية الحمراء، يمشطها بأنامله الرفيعة ويردُّ ذلك الوفد عن وجهه قائلًا: لا يرجع العرب عن قصدهم، ولا يغيِّرون في مطالبهم.
عاد الوفد يشاوِر أهله، فصبر المارديون، وما وهنوا في المساومة علَّهم يخلِّصون شيئًا من المفروض عليهم، ولو حليَّ الكنائس، فعادوا يساومون، أو كما يقول المؤرخ يراوضون.
وكان مجيء الوفد للمرة الثالثة يوم العيد، عيد الفطر، فدهشوا، صعقوا بما شاهدوا؛ إن هذا العربي لمن الجن يأكل ولد آدم، بل هو من الأنبياء يعمل العجائب، كيف لا وقد كان منذ يومين ذا لحية بيضاء، وكان بالأمس أحمر اللحية، وهو اليوم شاب ذو لحية سوداء! يغيِّر هؤلاء العرب لحاهم، ولا يغيِّرون كلامهم!
فما راوَضَ المارديون في ذلك اليوم، ولا فاوضوا، ولا جادلوا، ولا ساوموا، بل عادوا توًّا إلى أهلهم يقولون: إن مَن نقاتل أنبياء يتخلقون كيف شاءوا، فقد صار ملكهم شابًّا بعد أن كان شيخًا. أعطوه ما يسأل، ولا تترددوا، ولا تماطلوا، ولا تسوِّفوا.
صالح أهلُ ماردا العربَ — سقيًا في الجنة للحية موسى! — على كل ما طلبوا، فدفعوا للمسلمين دِيَة القتلى يوم الكمين، وأموال مَن فرُّوا من المدينة هاربين، وحليَّ الكنائس للقائد نفسه!
ثم فتحوا له المدينة في ذلك اليوم، يوم عيد الفطر من سنة أربع وتسعين للهجرة (???م).
كان موسى بن نصير اللخمي الحجازي كبير الهمة، عظيم الخلق، طموحًا شجاعًا، شديد الإيمان والإرادة. هو فاتح المغرب ومدوِّخ البربر، البربر الذين ارتدوا اثنتي عشرة مرة في أقل من اثنتي عشرة سنة.
علَّمهم موسى الإيمان والطاعة والإخلاص باسم الله والرسول، ووضع في رءوسهم عيونًا ترى لهيب نار الجحيم، والكافرين فيها وتحتهم المرتدُّون! فهو الذي رفع أعلام العرب والإسلام في بلدان المغرب كلها، وأدخلها في حوزة العرب المسلمين.
وهو الذي فاوضه يليان حاكم سبتة في أمر الأندلس، وشوَّقه إلى غزوها بما لدى طارق من الجنود، وبما يقدِّمه هو من السفن. قيل إن يليان فعل ذلك انتقامًا من الملك ردريق، والذي يظهر أنه فعل ما فعل لِيُبعِد أولئك العرب والبربر المسلمين عنه.
فكتب موسى إلى الخليفة الوليد يستأذنه في غزو الأندلس، فكان جواب الوليد أن اتقِ الله ولا تغررْ بالمسلمين في بحر شديد الأهوال. فأصلح موسى علمه بالبحر الشديد الأهوال قائلًا: إنه خليج يُرَى من أوله ما وراء آخِره.
وغلبت إرادة موسى خوف الخليفة، فأرسل وليَّه طارق بن زياد يفتح الأندلس.
وجاءته أخبار طارق تثير أشواقه إلى الفتوحات، وتغضِّبه بما فيها من تصرُّف يخالف أمره؛ فصمَّمَ على الغزو في دار العدوة، وشمَّر في الإعداد له، فعبر المضيق بعد طارق بسنتين بذلك الجيش من وجهاء العرب وعرفاء البربر، ومعهم واحد من أصحاب النبي محمدٍ عمرُه مائة سنة، وكثيرون من أبناء الصحابة.
ومشى موسى في غير الطريق الذي سلكه طارق، ففتح إشبيلية، كما قدمت، ثم قرمونا، ثم ماردا.
وزحف بعد ذلك شمالًا إلى طليطلة حيث كان وليُّه طارق بن زياد، فخرج لملاقاته وتعظيمه، فكان سلام وكان بعد السلام أن وضع موسى السوط على رأس طارق، ووبَّخه فيما كان من خلاف رأيه، ثم سأله عن الغنائم عندما دخل طليطلة فأتاه بها، وعن تلك المائدة …
تلك المائدة التي تغزَّل بها صاحب القصة في كتاب «ألف ليلة وليلة»، فقال إنها من عجائب الدنيا، وهي مائدة بوجه من المرمر في إطار من الخشب المذهَّب، وبأرجل من الذهب الصافي.
وكانت إحدى تلك الأرجل مكسورة، فوضع السوط على رأس طارق، فأقسم طارق بالله وبالنبي أنه لا يعلم — والله كذلك أصبتها. فأمر موسى بأن يُعمَل لها رِجل من ذهب، ثم وُضِعت في سفط من الخوص، وحُمِلت مع الغنائم.
يقول أحد المؤرخين إن موسى رضي بعد ذلك عن طارق، ومشى وإياه، مشى خلفه في جيوشه إلى الثغر الأعلى، فافتتحوا سرقسطة.
ويقول آخَر من المؤرخين إن طارقًا شكا موسى إلى الخليفة الوليد، وأيَّدَه في شكواه رسول الخليفة مغيث الرومي، فكان ذلك من أسباب النكبة التي نُكب بها.
ولكن المؤرخين متفقون في أن موسى وطارقًا اشترَكَا في غزو بلاد الشمال، فكان طارق ورجاله في المقدمة، فيجيء موسى مكمِّلًا عمل مولاه، ومثبتًا ما عاهَدَ الأهالي عليه.
مشوا في البلاد فاتحين ظافرين غانمين الغنائم، حاصدين زرع قلوب نضج للمنجل، فما كان هناك مَن يقول لا، ولا مَن كان يعارض بغير طلب الصلح.
قلت إن موسى كان عالي الهمة طموحًا شجاعًا، وما كانت إرادته مجردة من قوة التصوُّر؛ فنظر إلى تلك البلاد الشمالية، ورأى وراءها الأرض الكبيرة، أي أوروبا، فطمع بأن يقطعها فاتحًا بسم الله والرسول للعرب والمسلمين، وأن يعود إلى الشام عن طريق ألمانيا فالآستانة فآسيا الصغرى، فيسلك بعده الأندلسيون العرب طريق البر إلى الشرق بدل طريق البحر.
ولكن الخليفة الوليد قطع عليه تلك الرؤية المجيدة، فكتب يلح عليه في القدوم إلى دمشق؛ ليقف منه على حقيقة خبر الأندلس.
فقال موسى للرسول مغيث الرومي: في الشمال بلاد تنادينا، تنادي المسلمين تعالَ معنا نفتحها، فتكون شريكنا في الأجر والغنيمة، ثم نعود إلى الشام.
فزحفوا إلى جليقيا Galicia فافتتحوا الحصون، وبلغوا صخرة … على البحر الأخضر (كذا)، وكانوا كلما مَرَّ قوم منهم بموضع استحسنوه حطوا به الرحال، ونزلوه قاطنين. وبينما هو في هذه الفتوحات، إذ قَدِمَ عليه رسول آخَر من الخليفة أردف به مغيثًا، ومعه كتاب فيه توبيخ لإبطائه في العودة.
فعاد موسى من جليقيا، واستخلف ابنه عبد العزيز على إمارة الأندلس التي اندمجت يومئذٍ في ولاية المغرب، وأقرَّه بمدينة إشبيلية.
وركب البحر بعد ذلك ومعه طارق بن زياد، وأحمال من الغنائم والأموال والجواهر التي لا يُقدَّر قدرها، وثلاثون ألف رأس من السبي.
عاد الفاتح ظافرًا غانمًا، فماذا لقي من مليكه أمير المؤمنين؟
قيل إنه ما وصل إلى دمشق حتى مات الوليد وخلفه أخوه سليمان، وقيل إنه لما توجَّهَ إلى المشرق، وانتهى إلى مصر، بلغه الخبر بمرض الوليد، ووافاه كتاب يستحثه على القدوم، وكتاب آخَر من سليمان يثبِّطه، فأسرع موسى في العودة ووفد على الوليد قبل وفاته بثلاثة أيام، ودفع إليه ما معه من الذخائر والأموال، فغاظ ذلك سليمان وأساء مكافأته حين أفضى الأمر إليه.
قال المؤرخ: أوقفه في يوم شديد الحر في الشمس، وكان رجلًا بادنًا ذا نسمة — ربو — فوقف حتى سقط مغشيًّا عليه، وقال له سليمان: كتبتُ إليك فلم تنظر كتابي. هلم مائةَ ألف دينار. فقال: يا أمير المؤمنين، أخذتم ما كان معي من الأموال، فمن أين لي مائة ألف؟ فقال سليمان: لا بد من مائتي ألف. فاعتذر، فقال الخليفة: لا بد من ثلاثمائة ألف دينار. وأمر بتعذيبه، وعزم على قتله وقتل جميع أولاده.
ولقد أمر عامله بإفريقية بأخذ عبد الله بن موسى بن نصير وتعذيبه، واستئصال أموال بني موسى، فسجنه الأمير وعذَّبَه ثم أمر بقتله.
وأما عبد العزيز بن موسى فلما بلغه ما حلَّ بأبيه وأخيه وأهل بيته، خلع ابن مروان، فجاء أمر سليمان إلى وجوه العرب بالأندلس بقتله، فقتلوه وأرسلوا برأسه إلى الخليفة.
فلما أُحضِرَ الرأس بين يدي سليمان، استدعى إليه موسى بن نصير، وقال: أتعرف هذا؟
فقال موسى: نعم، أعرفه صوَّامًا قوَّامًا، فعليه لعنة الله إن كان الذي قتله خيرًا منه.
وذُكِر في وفاة موسى أنه حجَّ مع الخليفة سليمان، فلما وصَلَا إلى المدينة قال لأصحابه: لَيموتَنَّ بعد غدٍ رجل قد ملأ ذكره المشرق والمغرب.
وكان موسى? ذلك الرجل.? •••

منذ أن فُتِحت ماردا (???م) إلى أن استعادها الملك ألفونس التاسع (????م) كانت في حكم العرب، مدينة عربية إسلامية.
توطَّنوها خمسمائة وست عشرة سنة، وكانوا سادتها، ولم يَبْقَ فيها اليوم من آثارهم الظاهرة القائمة غير الحصن.
على أن فيها، وفي ضواحيها من آثار الرومان، شيئًا كثيرًا؛ فقد كانت أصلًا مستعمرة عسكرية رومانية ثم صارت، بعد أن استقر الرومان في البلاد، قاعدة لولاية لوسيتانيا التي امتدت غربًا إلى البحر، وهي لشبونة عاصمة البرتغال اليوم، على خط العرض الواحد، وبينهما من المسافة ما بين إشبيلية وماردا؛ أي نحو مائتي كيلومتر.
دخلناها قبل الغروب قادمين من إشبيلية، راغبين في المبيت فيها، فكان نُزُلها غاصًّا بالضباط الإسبان والمُسرَّحين من الجيش.
وما رسخ في الذهن مما شاهدناه، ونحن نمر بأسواقها، غير مشهد من مشاهد الحرب المحزنة. هو في حقل قبالة إحدى ساحاتها، شبيه بهرم من الحديد المكسر المكدس بعضه فوق بعض؛ هو بقايا سيارات ودراجات ومدافع وغيرها من الآلات المحطمة والمعطلة لحرب هذا الزمان الميكانيكية، فقد كانت ماردا، على ما يظهر، مرفقًا من مرافق الثورة تصب فيه خرابها، وهو أول ما شاهدنا من خرائبها، وخرائب العمران.
شتان بين حروب الزمان الغابر وحروبنا، شتان بين خسارة وخسارات، بين دكِّ الحصون وهدم الأبراج والأسوار بالأمس، وتدمير كل ما ينتجه العلم ويصنعه الإنسان، في هذا الزمان.
واصلنا السير شمالًا بشرق إلى تروخيو Trujillo تَرخيَّة العرب، فدخلناها بعد الغروب، وحططنا في النُّزُل رحالنا — حقائبنا — ثم خرجنا لساعة النزهة في ساحة المدينة قبل العشاء، فجلسنا في رواق قهوة من المقاهي، قبالة الكنيسة القائمة فوق الساحة والبلدة تحتها، وأمام الكنيسة تمثال لرجل على جواد هو ابن ترخيو وبطلها فرنسيسكو بيزارو Pizzaro. بيزارو! عادت بي الذكرى إلى أيام المدرسة بنيويورك؛ إذ كنَّا ندرس تاريخ أمريكا، وما يزين ويشين أوله من الاستكشافات والفتوحات والاغتصابات، الإسبانية والإنكليزية والهولندية والفرنسية.
وها نحن أولاء في بلدة أحد أولئك المكتشفين الفاتحين، بل في ولاية استرمادورا، مهد الكبار والصغار، مَن خاضوا البحار واقتحموا الأهوال والأخطار، في العالم الجديد من الإسبان.
والمحزن هو أن أكثرهم نُكبوا في آخِر أمرهم كما نُكب موسى بن نصير وولداه وآل بيته.
أما وقد قصصنا عليك قصة موسى بماردا، فسنقصُّ الآن قصة ابن تروخيو فرنسيسكو بيزارو وبعض زملائه من الفاتحين الإسبان. فالدهر قُلَّبٌ في الناس والأمم، يُركبهم يومًا منكبيه إلى ذروات المجد والثروة، ويومًا يركبهم كالكابوس فينامون نومة «رِبْ فان وِنْكَل» وأهل الكهف.
خمسمائة سنة ركب الدهر الإسبان، فاستكنُّوا تحت كابوسه، بعد أن أنُّوا، ثم هجعوا هجعتهم الطويلة — خمسمائة سنة!
ثم ظهرت علامات اليقظة، فقاموا يدافعون عن الوطن، فاستعادوا طليطلة وإشبيلية وماردا، ووقفوا عندها، ومَن يقف يركبه الدهر!
جدَّدَ العرب صولتهم في غرناطة فأنَّ الإسبان ثانيةً، ثم استكنُّوا وعادوا إلى هجعتهم التي دامت مائتين وخمسين سنة.
ثم اتحدَتْ مملكتَا أرغون وقشطيلة، ووُلِدت إسبانيا الجديدة. نهض الشعب الإسباني.
وكانت حروف الطباعة قد اكتُشِفَتْ في أوروبا، وكان كولمبوس قد اكتشف عالمًا جديدًا، وكان قد انتصر فرنند وإيزابلة المتحدين على أبي عبد الله آخِر بني الأحمر.
وبعد اكتشاف أمريكا سَرَتْ في البلاد روح المغامرة والاستكشاف طمعًا بالذهب، وحبًّا بنشر الدين المسيحي الكاثوليكي — خسئت يا لوثير! — بين الهنود. فإن خسرت روما ألمانيا، في تلك النهضة الإصلاحية اللوثيرية، فإسبانيا الابنة التقية النقية الغيور تجيئها بعالم جديد.
منذ سبعمائة سنة كان طارق وكان موسى، واليوم — في هذا القرن السادس عشر — يوم كرتيز ومليباو وبيزارو وبنسه ده ليون وغيرهم.
منذ سبعمائة سنة مشت روح البطولة والمدنية من الشرق إلى الغرب، ولا تزال بعد سبعمائة سنة، بعد ألف سنة، تمشي غربًا — غربًا عبر الأوقيانوس — إلى العالم الجديد.
ومن العالم الجديد غربًا — غربًا عبر الأوقيانوس الهادي إلى الشرق الأقصى — إلى اليابان،? ومن اليابان تستأنف السير غربًا إلى الصين، إلى الهند، إلى الأفغان وإيران، إلى البلاد العربية! هي ذي المرحلة الكبرى للمدنية، وهي غير رحلتنا الآن. لنعد إذن إلى إسبانيا، إلى تروخيو مسقط رأس المستكشف الفاتح فرنسيسكو بيزارو.
•••

ما كاد كولمبوس يعود من رحلته الأولى حتى انتشرت في أوروبا، وخصوصًا في إسبانيا، وعلى الأخص في مقاطعة استرمادورا روح المغامرة والاكتشاف. كان بيزارو يومذاك في العشرين من سنه، يرعى خنازيره في حقول تروخيو، فترك تلك الحقول وباع تلك الخنازير، وسارَعَ إلى إشبيلية المدينة القريبة من البحر، ينشد سفينة تحمله إلى العالم الجديد، فالتقى بكولومبوس وانخرط في سلك بحَّارته في رحلته الثانية.
وبعد عودته من تلك الرحلة رافَقَ بلباو في رحلته إلى أمريكا الجنوبية. بلباو مكتشف الأوقيانوس الهادي، كما سنذكر في الكلام عنه. كان يزن ذات يوم شيئًا من الذهب جمعه من الأهالي، فضرب أحد الهنود الميزان بيده ونثر الذهب على الأرض قائلًا: إن كان هذا ما تطلبون وتشتهون، فأنا أدلكم على بلاد يأكل أهلها ويشربون بآنية من الذهب.
كان ذلك الهندي يعني مملكة بيرو التي عزم بلباو على اكتشافها، فحالت الأقدار دون ذلك، وقد خدمت تلك الأقدار بيزارو، الذي عاد إلى بلاده ليهيِّئ حملةً لاكتشاف بيرو وفتحها.
وقد اشترك في مشروعه، اثنان من أبناء وطنه؛ أحدهما جندي مغامر اسمه دياغو ده ألمِغرو، والثاني كاهن عليم بأمور الدنيا حكيم، اسمه هرنندو لوك.? أبحر بيزارو بمائة من رجاله الأشداء في سنة ????، ولحق به شريكه الجندي بحملة أخرى، فوصلت الحملتان بعد سنة إلى بيرو، وألقوا مراسيهم في ميناء بلدة قريبة من مدينة طُمبيز Tombez. فنزل الإسبان إلى البر بشيء من الأهبة التي كان لها وقعها في قلوب الأهالي الهنود، فرحَّبوا بالأجانب أجمل ترحيب، وهم يظنونهم من أبناء الآلهة.
وكأنهم ثبتوا في ظنهم عندما زاروا السفينة، وشاهدوا ما فيها من أسباب العلم بالملاحة ومن الذخيرة والمئونة والدجاج؛ فعجبوا جدًّا للدجاج، وقدموا للأجانب في اليوم التالي هدية الترحيب والضيافة خبزًا وثمارًا ورأسين من اللاما؛ غنم البيرو التي أسماها الإسبان الجمال، وقد أهدى بيزارو زعيم القوم فأسًا من حديد، وهو أندر وأعز عندهم من الذهب عند النصارى.
– وهذه البندقية! أشار الزعيم إليها. فسأله بيزارو بواسطة الترجمان إذا كان يريد أن يشهد عملها، فأجاب الهندي بالإيجاب؛ فأمر بيزارو أحد رجاله أن يطلق بندقيته على هدف من خشب، فأطلقها، فلما سمع الزعيم ورجاله دويَّ البارود ورأوا فعله في الخشب المحطم، رفعوا أيديهم إلى السماء خاشعين مكبِّرين.
وكانت أخبار بيزارو قد انتهت إلى ملك البلاد الإنكا، كما يُدعَى الإنكا أتاولبا El-Inca Atahualpa، فأذن لهم في النزول بطمبيز، ثم في المثول بين يديه، فاحتال بعدئذٍ بيزارو على الإنكا وقبض عليه، وسجنه في بيت من البيوت التي نزلوها. لقد اكتشفنا بلادًا جديدة، فيجب أن نحتلها باسم الملك، ولا يسهل ذلك بغير هذا العمل الذي يُلقِي الرعب في قلوب أهل البلاد.
وقد حار أتاولبا بأمر هؤلاء الناس؛ فلو كانوا من أبناء الآلهة لما كانوا يقابلون معروفه بالإساءة، فسألهم ذات يوم ما يريدون، فأجاب الكاهن: نريد أن نهديك إلى الدين الصحيح. وأجاب بيزارو: ونضم ملكك إلى ملك إمبراطور إسبانيا.
فهزَّ رأسه ثم قال: أخبروني أنكم تريدون الذهب. فإن أطلقتم سراحي أفرش لكم هذه الغرفة بالذهب.
أرسل بيزارو إلى رفيقه الكاهن نظرة استفهام وإعجاب، ثم سمع أتاولبا يقسم بربه، ورآه يرفع يده إلى أعلى ما يستطيع من الحائط، ويقول: إن أطلقتم سراحي أملأ لكم هذه الغرفة إلى هذا الحد بالذهب.
يقول المؤرخ بريسكوت Prescott: كان طول الغرفة ?? قدمًا، وعرضها سبعة عشر قدمًا، وعلو الحائط حيث انتهت يد الإنكا سبعة أقدام؛ فلا عجب إذا قَبِل بيزارو ووعده خيرًا. فأرسل الإنكا رسله إلى المدن والدساكر يجمعون باسمه الأواني والمواعين والتحف الذهبية، ما في المعابد منها وما في القصور الملكية، ويجيئون بها إليه. وكان من بيزارو برهانًا على حسن نيته أن رفع القيود عن الإنكا، وأذن لأهله وبعض وجهاء المدينة في زيارته، فكانوا يخلعون نعالهم قبل أن يدخلوا الغرفة المسجون فيها.
فقال بيزارو لكاهنه: نحن لا نحترم قديسنا احترام هؤلاء البرابرة لمليكهم، ولكنهم على ضلال، وكل ما عندهم من الذهب هو في غير محله.
وما مرَّ الشهر حتى جاء الرسل بالذهب، بالتحف والأواني والمواعين الذهبية، فملئوا الغرفة بها إلى الحد الذي أشار إليه الإنكا بيده، فكادت عيون أولئك الإسبان تطير من رءوسهم، لما شاهدت.
وقد قرَّر بيزارو القسمة، بعد أن أفرز ما يوازي الخمس ليُرسَل إلى الملك بإسبانيا.
وقرَّر كذلك أن تُصهَر تلك الآنية والمواعين والكنوز؛ ليتمكَّن من توزيع قسمة رجاله على السواء بينهم.
على أنهم أبقوا على بعض التحف الفنية لتُرسَل إلى الملك، ومنها ما هو آية في التوريق وتقليد الأزهار والثمار، وكان بيت القصيد عرنوس من الذرة بحَبِّه الذهبي الملفوف بأوراق من فضة، وقد تدلَّت منه شرابة خيوطها من ذهب.
صُهِر الباقي من الذهبيات، وأُعِيد صبه سبائك بالوزن الواحد، فبلغت قيمتها ما يوازي ثلاثة ملايين ليرة إنكليزية!
فأين منها غنائم طارق وموسى؟ وأين من هذه التحف المائدة الذهبية التي أصابها طارق في طليطلة؟
وبعد كل هذا لم يظفر أتاولبا بحريته، فلقد صدق هو وبَرَّ بوعوده، وأخلف بيزارو وشركاه بوعودهم.
فكيف يستولون على مملكة بيرو ومليكها حيٌّ يُرزَق؟
لقد قدموا للجريمة بعمل مسيحي، وكان الكاهن هذه المرة ممثل الدور الأول في الرواية.
– إلهك، يا أتاولبا، غير الله خالق السموات والأرض، وخالقك وخالقنا.
– خالقكم وخالقي؟ إذن نحن إخوان.
– إخوان بالرب.
– نريد أن نعرِّفك إليه، تعالَ ونقرِّبك منه قبل أن نعيد إليك حريتك، وقبل كل ذلك يجب أن تُنكِر إلهك وتَنبذه؛ فلو كان إلهك حقًّا لَخلَّصَك من الأسر، بل ولما أذن في أسرك.
هو ذا البرهان الذي أفحم أتاولبا؛ لماذا يتركني الرب ربي، فلو كان ربًّا لما تركني.
وقيل إن أتاولبا اعتنق الدين المسيحي، وكتب اسم الله على ظفر إبهامه، وشرع يردِّده صباح مساء، وهو لا يزال أسيرًا.
قال الكاهن لوك: ولك في الدين الصحيح التعزية الكبرى.
وماذا بعد ذلك؟
قال المؤرخ بريسكوت: إن إعدام آخِر إنكا لمملكة بيرو، الإنكا أتاولبا، لَمِن أفظع ما ارتكبه أولئك الإسبان.
أسلفت القول إن لبيزارو شريكين، وقد شهدت وسمعت شريكه الكاهن، أما شريكه الجندي دياغو ده ألمِغرو فقد توغَّل في اكتشافه شواطئ شيلي، وعاد إلى بيزارو يقتسمان ملكهما، فاختلَفَا في الحدود والسيادة واحترَبَا، فغلب بيزارو ألمِغرو، وأمر بإعدامه فأُعدِم.
وكان للقائد ألمِغرو ابنٌ هُمَام محبوب من رجاله، فلما قام يثأر لأبيه نصروه، وراحوا جميعًا يطلبون بيزارو، فظفروا به في عاصمة بيرو وقتلوه سنة ????.
انتهت هذه الأخبار المفجعة إلى الإمبراطور شارلس الخامس، فعيَّنَ نائبًا له في البلاد الجديدة، التي اكتشفها بيزارو، وبعث معه قوة كافية لقمع الفتن وتثبيت الأمن والنظام، فأرسلها نائب الملك فور وصوله إلى بيرو على ألمِغرو ورجاله الثائرين، فوقعت بينهم الوقعة التي قُتِل فيها الابن وجُرِح وأُسِر أكثر رجاله.
كذلك انتهت المقدمات الدموية للاستيلاء المنظم، وكذلك انتهت حياة بطل تروخيو وشركائه في اكتشاف أرض الذهب واغتصابها من أهلها الهنود.
•••

ليس بعد اكتشاف كولمبوس لأمريكا أهم من اكتشاف بلباو للأوقيانوس الهادي، وبلباو Vaco Nunez De Balboa هو أشرف المكتشفين الإسبان نفسًا، وأكرمهم خلقًا، وأحرصهم على العدل وأسبابه في معاملة الناس، هنودًا كانوا أم بيضًا. وبلباو هو كذلك من هذه المنطقة الإسبانية، استراموني? من بلدة فيها تُدعَى شريش الكابايرو Jerez De Cabaillero، وقد رافق كولمبوس مثل بيزارو في رحلته الأمريكية الثانية. ثم رحل رحلات إلى أمريكا الوسطى، كان هو قائد حملاتها، فبلغ أرضًا في العنق الذي يصلها بأمريكا الجنوبية، اسمها داريان Darien أول مستعمرة إسبانية هناك، وخليجًا يمتد منها غربًا، فجازه بلباو ذات يوم، ووصل إلى جبل أخذ يصعد فيه حتى أدرك الرأس منه، فوقف مبهوتًا، «صامتًا على قمة داريان» كما يقول الشاعر الإنكليزي فيه؛ إذ أشرف على بحر عظيم ظَنَّه لأول مرة بحر الهند. وخَرَّ بلباو ساجدًا يشكر الله، ثم نزل من الجبل إلى الشاطئ الغربي، وصاح بملء صوته قائلًا: هذا البحر وهذه الأرض ملك إسبانيا، وإني أرفع فوقها العلم الإسباني باسم الله والملك.
وكان بلباو قد عزم على مواصلة الاكتشاف على تلك الشواطئ الغربية؛ ليصل إلى البلاد التي قيل له عنها إن أهلها يأكلون ويشربون في آنية من ذهب؛ أي بلاد بيرو، التي اكتشفها بعده بيزارو، كما قدمت.
ولكن حاكم مستعمرة داريان، ابن بلاده الذي يُدعَى بدرارياس Padrarias حال دون قصده، حسدًا وكيدًا، بعد أن اكتشف الأوقيانوس الهادي، بل اتَّهمه بمخالفة الأوامر التي تتعلق بالاكتشافات والمكتشفين. «لقد أقدمت، يا بلباو، على عملك بدون إجازة؛ فأنت مذنب، بل أنت متمرد على القانون.» لله من القانون بيد صغار الأنفس والعقول! وما شأن بلباو وبدرارياس غير شأن كل كبير ذي عبقرية، وكل صغير ذي سيادة.
ولقد زكَّى ذو السيادة حسده وكيده بالغدر، فأغرى بلباو بكتاب استدعاه فيه إليه، فلما حضر ألقى القبض عليه وسجنه، ثم اتهمه بخيانة الوطن، وأجبر القاضي على أن يحكم عليه بالإعدام.
وقد نُفِّذَ الحكم في ساحة أكلا Acla من مستعمرة داريان سنة ????. •••

وهذا بُنسه ده ليون الذي حارَبَ العرب في غرناطة، والهنود في العالم الجديد؛ فقد رافق كولمبوس في رحلته الثانية، وعُيِّنَ حاكمًا لناحية من المستعمرة الأولى التي أسَّسَها في جزيرة هايتي، وأسماها إسبانيا الصغيرة Espanola. خوان بُنسه ده ليون Juan Ponce de Leon هذا، سمع ذات يوم الهنود يتحدثون عن نبع ماء في البر الكبير له مزية إلهية، فهو يجدِّد الحياة، ويحفظها في ميعة الشباب. وكان بُنسه في اللامْأَلِف من عمره، والأَلِفْبَاء من جديد آماله، فشمَّر في الاستعداد للرحلة الكبرى، للاكتشاف العظيم. وهل اكتشاف أعظم منه في العالم الجديد، بل في العالم كله؟!
أبحر بنسه ده ليون ورجاله من إسبانيا الجديدة، ينشدون ذلك النبع، فوصلوا إلى أرض كثيرة الأزهار؛ فأسماها لذلك فلوريدا، ونزلوا فيها. ومشوا يبحثون داخل البلاد ويسألون، ولا يبالون بالمشقات والأخطار، بل يحاربون وهم يبحثون، يحاربون الهنود الذين كانوا يصدُّونهم ويردُّونهم ويرمونهم بالنبال.
وأين نبع ماء الشباب؟! بدأ الرجال يشكُّون، ويشكُّون في صحة ما سمعوا؛ فقد كان ذلك النبع يتوارى كلما تغلغلوا في البلاد، يتوارى في عالم العدم!
وأوشك رجال خوان بُنسه ده ليون أن يتمرَّدوا، وما سكنت عداوات الهنود، فتراجعت الحملة إلى شاطئ البحر، ومنه إلى المستعمرة بجزيرة هايتي.
أما قائدها فقد لقي بعض التعزية في اكتشافه أرضًا جديدة جميلة خصبة، وعاد إلى إسبانيا يحمل النبأ العظيم إلى الملك، فعيَّنَه الملك قائدًا حاكمًا Adelantado للبلاد الجديدة فلوريدا، على شريطة أن يؤسِّس فيها مستعمرة. حشد خوان بُنسه ده ليون جيشًا للمستعمرة، وعاد به إلى أرض الأزهار، وما كانت العودة حميدة؛ فما كاد المستعمرون ينزلون إلى البر، ويشدُّون الأوتاد حتى قامت عليهم قيامة الهنود، وَلْوَلَ الهنود مستنفرين وهرولوا مستبسلين: العدو، العدو! جاءوا يطردون العدو من بلادهم، وشنُّوها عليه حربًا حامية؛ فقتلوا عددًا من الإسبان، وشرَّدوا الآخَرين.
وقد أُصِيب بُنسه ده ليون سنة ???? بسهم ما شفي من جرحه. مَن لم يَمُتْ بالسيف مات بالنبال!
ما كان الهنود معادين لمكتشف نهر الميسسبي وواديه، فرنندو ده سوطو Fernando de Sato ابن بلدة بلباو، ورفيق بيزارو إلى بيرو. وما كان ولاؤهم مجرَّدًا من الريب والتفلسُف.
– إن كنتَ ابن الشمس، كما تدَّعِي، فأعطنا البرهان. نشِّفْ هذا النهر، نصدقك.
لقد كانت حملة ده سوطو أكبر الحملات الاستكشافية وأتمها، حملة مؤلفة من ستمائة رجل بمعداتهم للقتال، وبنوافل الأبهة، حملة فخمة بخيلها وبنادقها ورماحها وأعلامها وأبواقها وخوذاتها اللامعة.
فلا عجب إذ استقبلها الهنود بشيء من الولاء، ولكن البلاد التي حلُّوها، وتغلغلوا في أوديتها وجبالها، وفي فيافيها ومستنقعاتها، كانت أصرح من الهنود وأصدق، قولًا وفعلًا، صيفًا وشتاء، في حرها وبردها وعمقها وتجهُّمها.
فلقد أمعنتْ تلك الحملة شمالًا وغربًا وشرقًا، فجابت الأراضي التي هي اليوم ولايات ألاباما وأركانسو وتانيسي، شرق النهر وغربه، وقاست من المشقات أشدها، ومن خيبة الآمال أقساها. لا كنوز، ها هنا، ولا ذهب.
إنما ها هنا حرٌّ في الصيف، وبرد في الشتاء، وجوع وبرغش وحُمَّى، فَتكَتْ كلها بتلك الحملة، فذهبت في سنتين بأكثر من نصفها، وعاد الباقون شبه حفاة عراة يتقهقرون إلى ساحل البحر.
وما نجا ده سوطو من ضربات إسرائيل في وادي الميسسبي.
مَن لم يمت بالسيف من المكتشفين، مات بالنبال، ومَن لن يمت بالنبال مات بالحمى!
وقطعوا جذع سنديانة وحفروه، وواروا جثة زعيمهم فيه، ثم بحثوا في النهر عن عمق ساتر حنون، فأنزلوه هناك سنة ????.
وجاء الرسول من قِبَل زعيم الهنود يسأل عن الزعيم ده سوطو، فقيل له إن الله استدعاه إليه لأمر مهم.
ثم جاء ومعه شابان من الهنود فقال: من عاداتنا، عندما يموت رجل عظيم أن نرسل واحدًا منَّا يرافقه في عالم الأرواح؛ فالزعيم يقدِّم هذين الشابين لتختاروا واحدًا منهما.
فأجاب كبير القوم لويس ده مَسكوزو Mascoso قائلًا: لم يَمُتِ الزعيم، بل سافر إلى السماء، وقد رافقه كثيرون من رجالنا. إننا نشكر زعيمكم، ونرجوه وشعبه أن يُقلِعوا عن هذه العادة البربرية. ? ماردا العرب هي بالإسبانية Meriad، وكانت تُدعَى في عهد الرومان إمريتا Emerita.? وُلِدَ موسى بن نصير اللخمي بمكة في سنة ?? للهجرة، في خلافة عمر بن الخطاب، وولي أمر إفريقية من قِبَل الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة ??، أي في السبعين من سنِّه، وتوفي سنة ??/???م بوادي القرى.? ما تقدَّمَ من هذا الفصل هو خلاصة أخبار لمؤرخي العرب والفرنجة، نقلها وعلَّقَ عليها الأميرُ شكيب أرسلان في كتابه «تاريخ غزوات العرب».? قبل سنة ???? كان لليابان سور معنوي منيع كسور الصين الحقيقي يفصلها عن العالم، وما انهدم ذلك السور، وانفتحت أبواب اليابان للمدنية الغربية، إلا بعد أن عقدت الولايات المتحدة لأول مرة في سنة ???? معاهدةَ سلام وولاء، وبدأ الشبان اليابانيون يؤمُّون كليات أمريكا وإنكلترا يتلقنون فيها العلوم الحديثة، والفضل في عقد تلك المعاهدة لرجل أمريكي واحد هو الكومودور بيري Perry.? Hernando Luque. Diego de Aliegro.? Estremeno نسبةً إلى Estremadura، ومتى شذَّتِ اللغة الإسبانية تشذُّ بلا عقل.
أبطال طليطلة


مثِّلْ لنفسك نجدًا من الأرض ثمانمائة متر فوق سطح البحر، فيه ضلوع وتجاويف هي منازل المياه ومجاريها، وبطاح شاسعة بينها مزروعة قمحًا، مغروسة زيتونًا، يحيط بها عند الأفق هلال من الجبال العالية. ثم مثِّلْ في وسط ذلك النجد رابية صخرية تعلو مائة متر عن مستواه، يجري عند سفحها ويكتنفها نهر نشيط ضحَّاك، هو الطاخوس، فتتصل صخور ضفتيه العاليتين بالصف الأول من الحجارة المرصوفة المتراصة على تلك الرابية، وقد تخلَّلها خطوط وحروف رفيعة معوجة كالظلال الممدودة المتقطعة؛ هي ذي طليطلة بأسواقها وساحاتها وبيوتها المزدحمة، وهي ذي طليطلة في بيئتها الجغرافية.
ثم عُدْ معي إلى الزمان الغابر البعيد، الذي كان ينطق بلسان الرومان، نجتمع بمؤرخ اسمه ليفي Levy فيقول لنا: طليطُم؟ نعم، طليطُم Toletum هي ضيعة في شبه جزيرة إيبيروس، ضيعة صغيرة في مركز من الأرض حصين، استولى عليها أبناء بلادنا في السنة الثانية والتسعين والمائة ق.م، فأقاموا فيها حصنًا صار مستعمرة عسكرية، ثم مستعمرة مدنية، وبعد ذلك أمست من البلدان التابعة لولاية كنتيريه. ويقول غير ليفي من المؤرخين إن ابن طليطم كان يدفع الخراج لروما، ويحمل السلاح ليحارب في الجيش الروماني من أجل روما، ويستجير بآلهة روما على حكَّامها فيجيرونه — بعد موته! وجاء بعد الرومان إلى طليطُم قوم من الغوط النصارى، المتشعثة شعورهم، الناعمة نظراتهم، فحوَّلوا المعابد إلى كنائس، وسرت إليهم من الشرق نزعات لاهوتية في طبيعة المسيح ومشيئته الإلهية والبشرية، فعقدوا المجتمعات لتمحيص تلك النزعات، فازداد شعورهم تشعُّثًا ورءوسهم وجعًا. فقال فريق منهم: الحق مع آريوس. فضَجَّ الفريق الآخَر وهو يُقسِم بروما المستقيمة الرأي، واستمروا متنازعين متخاصمين حتى انتصرت الآريوسية في بلدهم — انتصرت إلى حين. ثم قام أحد ملوك الغوط يطهِّر البلد من تلك الهرطقة الخبيثة، فطهَّرَها تطهيرًا، وغسلها بالدم، وأعادها إلى حضن الكنيسة الرومانية الكاثوليكية المقدسة سنة ???م.
وأولئك الغوط النصارى المتشعثة شعورهم الساجية عيونهم اللطيفة اللحاظ، كانوا يتسلون بتعذيب اليهود، ويتقربون من الله وقديسيه بأموال يبتزونها من «شعب الله الخاص»، فلما جاء طارق بن زياد من جنوبي المضيق، ووضع السيف في رقبة مليكهم ردريق، ومشى بجيشه المظفر في البلاد، فاتحًا غانمًا باسم الإسلام والعرب، كان يمشي أمامه أبناء إسرائيل أدلاء أولياء، فيَصدُقونه الخبر فيما كان عامرًا من البلاد وخصبًا من الأرض.
ووصل طارق إلى طليطُم ففتحها، وغنم الغنائم، وخيَّرَ الغوط أهلها في واحدة من ثلاث نِعَم؛ فمنهم مَن فادوا بآريوس وروما ودخلوا في الإسلام، ومنهم مَن فرُّوا هاربين، ومنهم مَن دفعوا الجزية، وأقاموا والمسلمين في طليطلة — طليطلة الآن — آمنين مطمئنين.
وثبتت قدم العرب في طليطلة، فبنوا المساجد، وأنشئوا المدارس والمعاهد الصحية، لهم ولإخوانهم الجُدُد والذمِّيين، ثم قالوا لأولئك الذمِّيين قولًا صريحًا أيَّدوه بالسيف الناطق في غمده: أنتم في ذمة الإسلام، وهؤلاء اليهود في ذمتكم أبناء بلدكم إخوانكم؛ فأَحسِنوا إليهم نُحسِنْ إليكم.
تنفَّسَ بنو إسرائيل الصعداء، ورفعوا الصلوات إلى ربهم يهوه؛ ليكلأ الإسلام والمسلمين، وشرعوا بعد ذلك يُصلُّون بلغة الفاتحين — سبحان رب العالمين!
ونشأ في طليطلة جيل من الناس يتكلمون باللسان العربي، ويكتب النابغون منهم الكتب وينظمون القصائد باللغة العربية؛ فآكلوا المسلمين وشاربوهم، وشهدوا أنهم من خير الناس، وبما أنهم لم يشهدوا غير ذلك سُمُّوا: مُوزاراب Mozarab؛ أي مستعربين. انعقدت عُرَى الولاء والإخاء بين جميع سكان طليطلة في ذلك العهد العربي السعيد، الذي دام ثلاثمائة وخمس وسبعين سنة، منقطعًا طبعًا في سعده، تقطُّع حبل الخير في الإنسان.
ومما لا ريب فيه أنه كان أسعد زمان من أزمنة هذه المدينة، فازدهرت فيها الثقافة العربية العبرية، وشيِّد فيها صروح للعمران؛ فتعددت أنوال النسيج، وتجددت مصانع الحديد والسلاح، فازداد عمران طليطلة، وبلغ عدد سكانها مائتي ألف نفس. طليطلة السعيدة، بنت قرطبة السُّعدى. وبعد ذلك؟ لكل شيء إذا ما تَمَّ نقصان!
وما أسرع ما كان نقصانه في العرب، وما أشده وأعمَّه، العرب … ليس في الفاتحين شعب يضاهيهم اقتدارًا وانتصارًا، وليس في المتقهقرين مَن يستطيع أن يشق غبارهم. سقطت قرطبة، فتعدَّدت القرطبات الساقطات، بل تعدَّدت الإمارات المستقلات، والألقاب والسخريات، والضغائن والمذلات، إنما لطليطلة في عهد بني ذي النون يوم آخَر من أيام النعيم، يوم مقداره خمسون سنة.
ثم دارت بهم الأيام، فجاء ملك البلدين المتحدين، قشتالة وليون، الملك ألفونس السادس، سنة ????، يساعده ذلك البطل الصنديد زيد السروجي — السيد ابن بيبار — فتغلَّبَ على أصحابها العرب، ودخل المدينة ظافرًا، وصلى كُهَّانُه صلاتهم الأولى في مسجدٍ من مساجدها، وبعد سنتين نقل عاصمته من برغوس إليها، فتغيَّرَت روح طليطلة، تغيَّرَت وما تطورت، بل عادت إلى الوراء، إلى عهد الغوطيين، وعادت إليها الشعور المشعثة، دون العيون الناعمة اللحاظ.
بل كانت العيون في الزمان الجديد حمراء جاحظة باسم الدين الصحيح، دين المسيح، فتركَّزت السيادة وانحصر خيرها وشرها، كما انحصر صَوْلها وطَوْلها، في الإكليروس. وأمست طليطلة تُدعَى «روما إسبانيا»، فاشتهر فيها أصحاب الأرجوان ذوو القلنسوة منهم، وذوو العراقية الحمراء، الأساقفة والكرادلة، أولو الأمر والنهي، فكانوا دولةً ضمن دولة، فأنشئوا المدارس، وأسَّسوا المستشفيات وعمَّروا الجسور والحصون، وجدَّدوا في الناس النعرة الدينية الخبيثة، نعرة التعصب والاضطهاد؛ فكان اليهود أول المضطهدين. أجل، قد عاد الناس إلى تقليد أجدادهم الغوط؛ إلى تعذيب اليهود فيسخَّرون ويُبلَّصون، ويسامون أنواع الذل والعذاب، باسم «الدين الصحيح؛ دين المسيح».
قال المؤرخون إنه ليس من حادث في تاريخ إسبانيا في القرون الوسطى إلا ولأساقفة طليطلة يد فيه، إن خيرًا أو شرًّا.
وهذا الكردينال مندوسه Pedro Gonzalez de mendoza عدو العرب عمومًا، وعدو بني الأحمر على الأخص، صليبه سيف على غرناطة، وسيفه صليب فيها، وما مات سيادة الضون بدرو، قبل أن رأت عيناه آخِر ملوك العرب يخرج مدحورًا من الحمراء. وهذا الكردينال سزنروس Ximenez de Cisneros يفرض مشيئته على صاحب الجلالة نفسه، وعندما يُسأل عن مصدر سيادته يطلُّ من طَنْف قصره بمدريد على جيشه المحشود في ساحة القصر.? أيذكرك هو وأخوه ده مندوسه بكردينال فرنسا الشهير ريشيليو؟ لقد كانت قرطبة مهد أمثال ريشيليو، فكانوا يُعدُّون بالعشرات، فكَسَفتْ عظمتهم عظمة الملك، وقد أبى فيليب الثاني أن يستظل بظلهم، فنقل بلاطه إلى مدريد التي صارت بعد ذلك عاصمة إسبانيا الوحيدة.
منذ ذلك الحين بدأت طليطلة مرحلتها الأولى في التقهقر، وما طال أمرها هذا حتى أمست من الدرجة الرابعة أو الخامسة في مدن إسبانيا، وأمست المائتا ألف من سكَّانها عشرين أو خمسة وعشرين ألفًا فقط.
وطليطلة اليوم هي المدينة الإسبانية الوحيدة التي لا يزال طابعها العربي سليمًا في شكله القديم، لا جديد في بناء طليطلة، ولا تجدُّدَ في حياتها؛ بيوتها عالية واجمة، ذات أبواب ضخمة، مصفحة بالحديد، بخوخات تذكر بأبواب القلاع والقصور، وبحلقات — دقاقات — طريفة الأشكال، وبنوافذ تفتح على الصحن لا على الجادة، وأكثر تلك الجادات لا تأذن لغير الأرجل البشرية أن تطأ حجارتها — وأرجل أشباح الماضي كذلك — فيسود فيها على ازدحامها سكون رهيب. هو الماضي يحيِّيك صامتًا، وقد يهمس في قلبك باللسان العربي كلمة حنين وأسًى، من وراء خَوْخَة مفتوحة تنيرها عين نجلاء، أو من خلال الدقات لحلقة صقلتها أيدي الطوارق والطرَّاق.
أسواق طليطلة وجاداتها، إنها في ضيقها والتفافها واعوجاجها لكالسراديب، تضيع فيها، وإن كنت لا تضيع في لندن أو باريس، وإنك لَتفرحن بالجادة إن كنتَ من أولئك الذين تروقهم الاكتشافات التاريخية والمعنوية في غابر الأحقاب والأجيال. تلك الجادات تنقلك روحًا وجسمًا إلى عهد العرب في القرن الثالث للهجرة.
وإن في طليطلة، كما في كل مدينة إسبانية كبيرة، كاتدرائيةً غوطية، وأبراجًا عربية وصروحًا متداعية تُدعَى «ألكَزار»، وبيوتًا تاريخية هي متاحف فنية وأثرية، منها بيت الفنان المشهور الإغريقي الإسباني El Greco. أما قصر طليطلة، فهو مثل صورةٍ من صور ذلك الفنان العظيم، عُثر عليها في خرائب الزمان، محروقة الأطراف بالية ممزقة، فيلوح خلال الخروق فيها والحروق، شيءٌ من جمال عتيق، في بقية من الألوان الرائعة. ولقد شاهدته في مثل هذه القرون الغابرة، فهو كثير النكبات، دُمِّر ثلاث مرات، وذهب مرتين فريسةَ النيران، فأُعِيد بناؤه في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وأُسِّسَ فيه سنة ???? مدرسة عسكرية.
فالقصر قصور بحصون وأبراج، في قلبه صحن بأروقة إغريقية الهندسة، وفي وسط الصحن تمثال لكارلوس الخامس ممتطيًا حصانه.
هذا قبل الثورة الأهلية الأخيرة، وأما بعدها فالقصر عاد إلى ما أَلِفَه في الماضي من الدمار. تدخل إليه من بين الردوم، وتقف في صحنه أمام قاعدة التمثال، والحصان مطروح على الأرض، والفارس — كارلوس الخامس — لا يزال على الصهوة، كأنه جزء متمِّم لها! ضربه بقنبلةٍ طيارةٌ من طيارات الحكومة الجمهورية رَمتِ الحصان وما رمتْ راكبه! قال الدليل التقيُّ: هي ذي أعجوبة من أعاجيب الحصار، بل من أعاجيب إسبانيا الخالدة؛ يسقط حصانها ولا تسقط هي!
والحق يقال إن حصار القصر في الشهرين الأول والثاني من الثورة لَمِن أروع مظاهر البطولة البشرية، فقد كاد العالم ينسى طليطلة، وكادت طليطلة تتوارى في خمول ذكرها عن عين الشهرة والتاريخ، فأعادها ذلك الحصار إليهما، بل عاد بها إلى أيامها الأُوَل؛ العربية والغوطية المشهورة بالبسالة والبطولة، فوقف العالم صباح مساء من شهري أوغسطس وسبتمبر ???? يستمع إلى حديث ذلك الحصار وأهله الفدائيين.
كان الجنرال خوسه مُسْكَرْدو Jose Moscardo مدير الفرع الرياضي في المدرسة العسكرية يوم أُعلِنت الثورة، وكان في طليطلة كما في القصر بضع مئات من الجند والدرك والكتائب الإسبانية ناقمون على الجمهوريين، ناهدون مثله لمقاومتهم؛ فلما أُعلِنت الثورة هبُّوا للانضمام تحت لوائها. وقد دخل القصر مع ستمائة من الدرك نحوُ ثلاثمائة من المدنيين؛ نساء الجنود وأولادهم، فبلغ عدد المتحصنين فيه ألف وثمانمائة نفس، منهم ألف ومائتان يستطيعون أن يحملوا السلاح للدفاع. وقد انتخب الضباطُ كبيرَهم الجنرال مسكردو قائدًا، فأمر في ?? يوليو بأن تُقفَل كل أبواب القصر، وأُعلن فيه الحكم العرفي.
منذ ذاك اليوم بدأ الحصار، فطار فوق القصر طائرات الحكومة، ورَمَتْ بعض القنابل، فقُتِل اثنان، وجُرِح أحد عشر. ثم رَمَتِ المناشير وفيها بيان وإنذار، ذهَبَا مع الريح، بل كانت القنابل والإنذارات تزيد المتحصنين رغبةً في الدفاع وشدةً في المقاومة.
وكان للجنرال مسكردو ابنٌ في السادسة عشرة من سِنِّه، قبضت عليه الحكومة في مظاهرات ضدها، فخطر لقائد المركز بمدريد خاطر نفَّذَه في الحال؛ أمر بأن يحضر ابن الجنرال إلى مكتبه، ثم تناوَلَ التليفون، وطلب القصر بطليطلة، فدار بينه وبين الجنرال مسكردو الحوار التالي:?القائد بمدريد: إلى جنبي الآن ابنك لويس المتهم بالاشتراك في مؤامرة على سلامة الدولة، فإن سَلَّمت عُفِي عنك وعنه، وإن لم تسلِّم ذهبَتْ حياته جزاءَ خيانتك. إننا نعطيك عشر دقائق لتقرِّر ما تريد، وها هو ذا ابنك لويس يكلِّمك.الابن: ألو بابا، كيف أنت؟الأب: في حالة حسنة يا ولدي. ماذا تريد؟الابن: لا شيء، لا شيء. يقولون إنهم سيعدموني بالرصاص إن لم تسلِّم القصر، فلا تهتم لأمري.الأب: اسمع يا ولدي، إن كان صحيحًا ما يقولون فسلِّم نفسك إلى الله، واهتف ليحيا السيد المسيح، ولتحيا إسبانيا، ومت ميتة الأبطال والشهداء.الابن: أقبِّلك يا أبي قبلة الوداع.الأب: أقبِّلك يا ولدي وأستودعك الله.القائد: سأنتظر عشر دقائق لتجاوب الجواب الأخير.الجنرال مسكردو: لا حاجة إلى الانتظار، اعملوا ما تشاءون؛ فالقصر لا يُسلِّم قطعًا. أُعدِم ابن الجنرال مسكردو بالرصاص في ذلك اليوم، واستمر الحصار، فازداد المتحصنون نشاطًا وعزمًا.
ثم حاولت الحكومة أن تخلِّص النساء والأولاد قبل أن تضرب الضربة القاضية؛ فقالت في منشور رمته إحدى طائراتها إنها ستعفو عنهن وعن أولادهن إن استسلموا وأخلدوا بعد ذلك إلى السكينة، فقالت النساء للجنرال ليبلِّغ الحكومة أنهن يفضِّلن الموت مع رجالهن على هذا الأمان.
هي بطولة المسيحيين الأولين، فرائس السباع بروما. هي البطولة التي تتجاوز حد الشجاعة الجسمانية؛ لأن منشأها العقيدة والإيمان، وقد تجَلَّتْ في أولئك الإسبان، وفي ذلك المكان التاريخي، وفي تلك المدينة القديمة الجليلة، كأن أرواح شهداء الماضي وأبطاله قد تجسَّمَتْ فيهم، فكانوا جميعًا قلبًا واحدًا وروحًا واحدة مع زعيمهم وقائدهم مسكردو، ذلك الأب الروماني وابن هذا الزمان العجيب، الشامل لكل ما مضى، الخصب في كل شيء.
استمرَّ الحصار شهرًا، وتلا الشهرَ شهرٌ آخَر، والحكومة ترمي القصر بالقنابل من مدافعها الضخمة، وبالقذائف من الطائرات. ثم في ? أيلول طلبت من القيادة أن ترسل إليهم رسولًا حاملًا قرارًا فيه خيرهم، فجاء الرسول فأُدخِلَ القصر بعد أن شُدَّتِ العصابة على عينيه ثم حُلَّتْ في مكتب الجنرال مسكردو، فكان حديث وكان سكوت. أُخرِج الرسول من القصر كما أُدخِلَ إليه، فعاد يحمل جواب مسكردو، بل جواب عائلته المحصورة جميعًا؛ تفضِّل الموت على التسليم، إنما تطلب من الحكومة طلبًا واحدًا فقط، وهو أن ترسل إلينا كاهنًا يعرفنا ويعطينا القربان المقدس.
أبطال طليطلة! لقد سار اسمهم سير البرق في العالم، وكتبت الجرائد المقالات في تمجيد البطولة الروحية، التي لا يزال لها صوت وأثر في مدنيتنا المادية، بل إن هؤلاء الإسبان فاقوا ببطولتهم بطولة أجدادهم الأقدمين في حصار نومنسيه.? أجابت الحكومة طلبهم بأن أرسلت كاهنًا إلى القصر، فقام بواجبه، فسمع المحاصرون القدَّاس، واعترفوا وتناولوا القربان المقدس، وعمَّدت أمٌّ طفلها ابن شهر — وُلِد في ذلك الحصار — وهي تقول: فدية لمَن فدانا بدمه على الصليب وفدية لإسبانيا.
ثم مضتِ الحكومة في عملها، وقد كانت حفرت لغْمًا تحت القصر من الجهة الجنوبية الغربية، وحشت الصخور في الأساس بالديناميت.
وفي صباح اليوم الثامن عشر من أيلول أُشعِلت النار في الأسلاك الممتدة إلى تلك الألغام، فحدث الانفجار الذي ملأ السماء دخانًا ودويًّا، وتردَّدت أصداؤه في أسس المدينة، وفي اضطراب أمواج النهر الذي يحيط بها.
وقد تلا ذلك الانفجار هجوم على المحاصرين، فصمدوا للعدو في الأروقة والسراديب، واحتدمت المعركة في دخان ذلك الانفجار، وبين الجدران المتهدمة، فكُتِب النصر لرجال الجنرال مسكردو.
رجع جيش الحكومة مدحورًا، واستأنَفَ العمل في الحفر تحت القصر ووراء جدرانه، فكان المحاصَرون يسمعون وقع أصوات الحديد على الصخور، ولا ينتظرون هذه المرة هجومًا من الجنود، بل من حجارة القصر بنفسه وقد دُمِّرَ تدميرًا: سنموت جميعًا تحت الردم وبين الأنقاض.
وما مات غير قليل منهم في كل مدة الحصار،? وقد شُوهِدَ في ذلك، بعد الانفجار الهائل، عساكر قادمين إلى المدينة، من غير جهة مدريد؛ هي النجدة، نجدة الثوار، وصلت الطليعة قبل الغروب، وكان أول مَن دخل القصر، من كوة جدار مهدوم، مغربيٌّ من الجنود المغاربة يحمل بشائر الخلاص. وفي اليوم التالي وصل جيش الإنقاذ بقيادة الجنرال فاليرا Valera، فانكفأ جيش الحكومة عن المدينة، ودخل المنقذون القصر في عاصفة من الفرح تتخلَّلها إشراقات من الدموع. ? لما سُئِل الخليفة المعز لدين الله كيف يثبت نسبه الفاطمي؟ أجاب مشيرًا إلى سيفه: بهذا. ثم نثر حفنة من الذهب في مجلسه قائلًا: وبهذا.? هذا الحوار مكتوب على لوحة معروضة في مكتب القائد مسكردو، وقد كان ذلك المكتب يوم زرنا القصر لا يزال كما كان في أيام الحصار.? نومنسيه Numentia في مقاطعة أراغون، حاصَرَها القائد الروماني سبيو سنة ???ق.م حصارًا طويلًا ثم دمَّرَها.? استمر الحصار شهرًا وثمانية وعشرين يومًا، فمات ثمانون من ألف وثمانمائة نفس، وكان عدد الجرحى والمرضى يوم الإنقاذ نحو خمسمائة.
طبائع الأرض وأهلها


عدنا من طليطلة إلى مدريد لنسلك طريقًا ملكيًّا آخَر إلى قرطبة، فسرنا جنوبًا بشرق إلى أرَنخُوِيس Aranjuez، المدينة الإسبانية التي ليس فيها أثر عربي أو غوطي؛ فقد أُسِّسَتْ في القرن الرابع عشر لأخوية من الأخويات الدينية، ثم صارت مصيفًا للملكة إيزابلَّة، ثم محطة صيد لملوك قشتالة، فشُيِّدت فيها القصور، وغُرِست الحدائق بكل نادر من الشجر والزهور، وهي لا تزال مشهورة بحديقتها الغنَّاء، وبطيورها الغرِّيدة، خصوصًا القبَّرة، وبحرِّها في الصيف، وحميَّاتها! فهل كانت كذلك عندما اختارتها الملكة التقية النقية مصيفًا لها؟ مررنا بها مرَّ الجاهل السعيد، فما شممنا نفح طيبها، ولا سمعنا عندليبها، ولا وقفنا لنتحقَّق ما يقوله الدليل عنها، وإنه لَعجيب هذا التغيُّر في المناخ، والأرض واحدة في طبيعتها وعلوها. ليس بين أرنخويس وطليطلة مثلًا غير خمسة وثلاثين كيلومترًا، ولا تفاضل في العلو، ولا في جمال المكان؛ فنهر الطاخوس يجري في سهول المدينتين ويطوقهما بذراعيه، ومع ذلك فإن أرنخويس تنفرد بالحر والحمى، كما تنفرد بالقبَّرة التي تغرِّد على أفنان أشجارها المجلوبة من إنكلترا، وبالهليون الذي ينبت في أرضها.
إننا لا نزال في نجد إسبانيا، على تلك المائدة المربعة من الأرض، الممتدة شرقًا بغرب وشمالًا بجنوب، لتصل في منحدراتها العنيفة إلى البحر الأبيض والأوقيانوس، وقد قامت في شمالها الغربي جبال الرحمة بين القشتالتين الجديدة والقديمة، وفي جنوبها جبال مورينه بين قشتالة الجديدة والأندلس، تتنوَّع التربة فيها، فتخصب وتجدب وتبور، كما يتغيَّر وجهها ومناخها، وفيها التناقض الذي نجده أحيانًا في أسماء ضياعها، كقصر القديس حنا مثلًا، فمن أين جاء القصر للقديس؟ أو كيف اتصل القديس بالقصر؟ قد لا نجد في غير إسبانيا مثل هذه التناقضات في الاسم الواحد.
ولذلك أسباب طبيعية تاريخية ولغوية؛ فالقصر Alcazar بناه العرب طبعًا، واللفظة تعشَّقَها الإسبان، فزرعوها في كل مكان. أما السبب التاريخي، فهو أن ذلك القصر بعد أن آلَ إلى النصارى جُعِل مقرًّا للقديس حنا وإخوانه — لأخوية القديس حنا — التي كان من شأنها أن تجاهِد العرب، وتستأصل شأفتهم، ثم خمدت نار تقواها، وما بقي من خبرها غير «قصر القديس حنا» الذي اشتُهر بعد ذلك بنبيذه شفاعةً بنصف اسمه، وبمعامل صابونه شفاعةً بالنصف الآخَر. ليس كل حصن أو قصر كان للعرب ثم صار للإسبان، ينعم بمثل هذا التحول أو التطور؛ فقصر الجعفرية بسرقسطة أمسى بعد عزه وفضله مركزًا لديوان التفتيش Inquisition. وفي الطريق الذي سلكه موسى بن نصير وأدلته اليهود إلى أشتورية قريةٌ وُلِد فيها مَن لا تزال تحمل اسمه تُركويمادا Torquemada أكبر عدو للذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين. رحم الله فرائسه جميعًا. إن نجد إسبانيا ليختلف عن نجد البلاد العربية في علوه المستمر المستوي على مسافة بضع مئات من الكيلومترات كيفما كان الاتجاه، في حين أن نجد العرب الذي يبدأ في الحجاز عند حضن — مَن رأى حضنًا فقد أنجد — يأخذ في الانحدار المتواصل غير المحسوس، فيصل تدريجيًّا إلى مستوى البحر في الأحساء، وهو في طبيعته الجغرافية والجوية واحد، فلا تتغيَّر التربة، ولا يتغيَّر المناخ، إلا في بعض الواحات، مثل العارض. أما في نجد إسبانيا فإن العلو، بعد أن اجتزنا مائة وخمسين مترًا من مدريد هو واحد ونيف وستمائة متر فوق البحر، ولكن طبيعة الأرض بعد «قصر القديس حنا» هي غيرها في طليطلة وجوارها.
فبعد القصر ندخل في الناحية العليا من مقاطعة لامنشا La Mancha العربية الاسم، أطلقه عليها العرب ليبسها? ومحلها. وهي الكلمة التي حفظها الإسبان في جغرافيتهم وفي آدابهم، بل هي اللفظة التي خلَّدها سرفنتس في بطل كتابه ضون كيخوته ده لامنشا. وها هنا، في جوار القديس حنا وقصره قرية طُبوزو Tobaso مسقط رأس تلك الدرة اليتيمة والخريدة الكريمة، أميرة الحسن والبهاء وربة الحب والوفاء، دُلشنية الطوبزية، عروس أحلام الضون كيخوته. وها هنا كذلك أرغَماسيَّة Argamasilla التي يقال إنها الباب الذي أطل منه على العالم رأسُ ذلك البطل العظيم، ولكن المؤلف سرفنتس يشك في ذلك، وما حقَّقَ حضرته في الأمر لكي لا تنفرد بلدة من البلدان الإسبانية بفخر المولد الكيخوتي. لامنشا، هي بلاد ضون كيخوته، وليس لمسقط رأسه بلد معروف ليتنافس به المتنافسون. لامنشا، وكفى. ليت شعري! لِمَ اختار المؤلف هذه الأرض اليابسة العابسة ليمثِّل فيها أعظم أدوار العبقرية خصبًا وإشراقًا؟ أَلِيُتِمَّ غرضه في تصوير زمانه اليابس العابس، وأبناء زمانه الماحلة أيامهم وأحلامهم بريشة السحر والسخرية؟ إني أجنح إلى هذا الظن. وكأني به يقول: هاكم العوسج ينبت تينًا، وهاكم التين وقد استحال عوسجًا، إيهٍ يا أشراف إسبانيا، ويا أبناء إسبانيا المقلدين للأشراف! أنتم اليوم العوسج، وقد كنتم التين، وأنتِ يا لامنشا، يا عوسجة إسبانيا ستصبحين تينة مثمرة ثمارًا طيبة للعالم أجمع. هذه هي — في نظري — رسالة سرفنتس في ضون كيخوته، وما سوى ذلك في الكتاب تفكهة وتطريب.
ليحارب إذن دواليب الهواء في هذه الصحراء، وفي صحراء إسبانيا الاجتماعية. هي ها هنا حقيقة ورمز، وما هي عالية. كان الهواء يعصف، مثل عبقرية سرفنتس، من تحت إلى فوق، فيقتصد الفلاح المنشاوي بضع دواليبه، فيجعلها من ثمانية إلى عشرة أقدام فقط فوق الأرض؛ لذلك يستطيع الفارس أن يجرد عليها سيفه أو يذيقها طعن رمحه، كما فعل ضون كيخوته، ومزَّقَها شر ممزق. أتقول إنها هي التي مزَّقت، وما وقَّرت؟ لست أذكر ما فعلت بالبطل المغوار، أو ما فعل هو بها؛ لأن عهدي بالقصة قديم.
وفي هذه الجبال تاب ضون كيخوته إلى الله، تنسَّكَ وتعبَّدَ وتقشَّفَ، وجلَدَ نفسه كفَّارةً عن ذنوبه من الفروسية، وتزلفًا إلى مليكة قلبه دلشنية الطبوزية. وفيها كذلك اجتمع بالساحر منتيسينوس، بكهفه المثير الشهير، الذي كان منجم نحاس في عهد الرومان.
لنَدَعِ الغابر من تواريخ وأساطير، ونأخذ الحياة في حاضر خبرها وخيرها، فإن في هذه الأرض قرًى كثيرة، تبدو كالبثور في وجه المجدور، وليس فيها صرح قائم غير الكنيسة، أو شيء متحرك غير دواليب الهواء، وفي هذه الأرض حياة زراعية اجتماعية قديمة العهد — رأينا النساء يحملن على رءوسهن الجرار وقد ملأنها ماءً من العين كأنهن لبنانيات أو فلسطينيات.
ورأينا العجلة الكبيرة المتقلقلة، ذات الدولابين الضخمين المقرقرين، يجرها بغل أو ثور، أو اثنان من البغال أو الثيران. رأينا هذه العجلات تتقلقل، وسمعناها تقرقر في القرى وفي المدن.
وهاك فلاح لبنان أو فلسطين، بل فلاح بابل وآشور، يحرث أرضه — يدغدغها — بمحراث ما بَلِيَ، وقد يكون محراث اللبناني أطول وأمتن ظفرًا من محراث الفلاح المنشاوي، الذي يجره بغل في الغالب أو بغلان.
عجبت لهذا القديم العاصي على أدوات الزراعة الحديثة في أرض مثل إسبانيا كثيرة السهول، ولا عجب أن ظل مستعصيًا في جبال لبنان ومنحدراتها الكثيرة الدكات، حيث يستحيل استعمال المحراث التجاري أو آلة الحصاد الميكانيكية.
ورأينا النساء في ساعة الغروب يحصدن بالمناجل قمح السنة، ويذكِّرنك بصورة ميليه Millet المشهورة. إن الإسبان متشبثون بالتقاليد، مقيمون على ما ورثوه من عادة وعقيدة، إن كان في الزراعة أم في الدين، أو في البطولة — كما قدمت — أو في المعاملات التجارية، وإنهم لَمثل العرب لا يُحسِنون الإعلان لأنفسهم، بل يستنكرونه، ولا يرغبون كثيرًا في الدعاية، دينِ حكومات وأمم هذا الزمان. هم قانعون قنوعنا، متوقِّرون توقُّرَنا، ومؤجلون إلى الغد ما يستطيعون أن يعملوه في الحال. هذه الآفة تجمع بيننا وبينهم، كما تجمع القناعة والوقار بين المزارعين والتجار.
ولقد قدَّمت مثلًا من عجيب قناعتهم وصدقهم في المعاملة؛ إذ قصصت عليك قصة ساعتي في برغوس، وهاك من الأمثلة غير ذلك: وقفنا مرة في إحدى القرى؛ رغبةً بفنجان من القهوة، فجاء صاحب المقهى يخدمنا، ولكنه عندما علم برغبتنا وبأننا أبناء مدينة، أو من أهل الأمصار كما يقول عرب البادية، قال لنا: قهوتنا غير صالحة لكم، إن مشيتم إلى ساحة القرية — وهي قريبة — تجدوا ما يسرُّكم.
وكنَّا ندخل المخزن بمدريد فنسأل عن حاجة ما فتحضرها البائعة باسمة، أو البائع ساكتًا، دون أن يفوها بغير كلمة السعر، وإن كانت غير موجودة فالكلمة التي تُسمَع لا تجاوز الحقيقة، فلا يحاول صاحب المخزن أن يبيعك شيئًا آخَر، أو يلفت نظرك إلى ما هو قريب مما تبتغيه أو شبيه به: غير موجود، سنيور. وقد تتبع هذه الجملة في بعض الأحايين كلمة أخرى: قد تجد ما تريد في المخزن الفلاني في الجادة الفلانية.
قلت إن الإسبان متشبثون بالتقاليد، مقيمون على ما ورثوا من عقيدة وعادة؛ فيجب عليَّ أن أقول كذلك إتمامًا للحقيقة في جميع نواحي الحياة، إنَّ في إسبانيا روحًا جديدة، وخصوصًا في المدن الكبرى وفي السياسة والاجتماع. كنتُ في إسبانيا منذ ربع قرن، في السنة الثانية من الحرب العظمى، وكنت في ارتيادي المقاهي أعجب لوجهها المذكَّر ولِجوِّها العريق في التذكير. ما كنت أشاهد امرأة في مقهًى، وقلَّمَا كانت تُرَى ماشيةً في الشارع دون خادمة أو وصيفة لها، اللهم إلا إذا لم تكن من إحدى الطبقتين الوسطى أو العُليا. كانت المرأة إسبانية عربية.
أما اليوم فالمرأة الإسبانية أمستْ أوروبيةً، وهي تشارك في الأعمال الاجتماعية والسياسية كالرجال، ومع ذلك فهي لا تزال على شيء كثير من حشمة المرأة العربية، وهذا ما يَزيد في فضلها وفتنتها. المرأة الإسبانية مهما يكن اهتمامها بشئون بلادها السياسية والاجتماعية، لا تنطلق في زَهْوِها ومرحها، مثلًا، انطلاقَ الأمريكية أو الفرنسية، ولا تسترسل في حريتها الفكرية والنفسية استرسال الإنكليزيات.
ولا يزال في الرجل الإسباني أشياء من طبيعة العربي، من رجولته وخشونته؛ فهو في معاملته للمرأة لا يخنع خنوع الأمريكي، ولا يتصلَّب تصلب الألماني، ولا يجامِل مجاملة الفرنسي أو الإنكليزي، بل هو يجري على الطريقة الجامعة بين التقييد والتسريح، بين المعروف والعدل، فلا يحبس المرأة بالبيت في هذا الزمان، ولا يبالغ في المجاملة، كما يفعل الأمريكيون خصوصًا في الأماكن العمومية.
أعود إلى الأرض والتاريخ وأحوال الناس. لقد كان الإسبان في جهادهم العرب يتركون بورًا كل أرض يخرجونهم منها؛ ليحشدوا فيها الجيوش، ويواصلوا الجهاد؛ لذلك نرى في البلاد الكائنة بين الأندلس وقشتالة؛ أي في لامنشا واسترمادورا، كثيرًا من الأراضي غير المشجرة، وقُلِ اليابسة المالحة. فبعد أن أخرجوا العرب منها، أو بالحرِيِّ بعد أن انتزعوا قرطبة وإشبيلية وطليطلة وبلنسية من أيديهم، بقيت الأراضي المجاورة لتلك المدن والمقاطعات جدباء مدة من الزمن، وقد شغلتهم الاضطرابات الداخلية، والحروب الأهلية، بعد ذلك عن حراثتها؛ فاكتسبت طبيعة الجدب والبوار.
على أن للوضع الطبيعي الجغرافي مفعوله في خصب الأرض وجدبها، وما كل هذه الفيافي تشكو إهمال الإنسان لها، بل فيها ما يشكو إهمال الطبيعة نفسها، فتبعد عنها النهرين: وادي يانا ووادي النهر الكبير، وتحرمها المياه. كذلك كانت عندما رآها العرب للمرة الأولى، وأطلقوا عليها الاسم المعروفة به اليوم، إنما قُسِّمت بعد ذلك إلى قسمين: الأعلى والأسفل، والاسم والمسمى في القسم الأعلى، أما في الأسفل عند بلدة ألبيناس Valdepenas ودونها جنوبًا فلا يبقى غير الاسم، فتَخْضَوضِر الأرض، وتكثُر الكروم بين مزروعاتها. ولا نزال مع ذلك في نَجْدِ إسبانيا، المتعدد الوجوه في سهله وجبله، وها نحن أولاء ندنو من أعلاه في جبال قطعناها من الغرب في الطريق إلى مدريد، ونجتاز الآن طرَفها الشرقي. هي جبال مورينه Sierra Morena القائمة بين نهر وادي يانا والوادي الكبير، وفيها ممر خشن الجوانب والطلعة، رفيع رائع مهيب، ووادٍ ذكَّرني بوادي اليرموك، نصعد فيه بين نَفْنَفَيْنِ من الصخور الدكناء، ترافقنا سكة الحديد بالوادي تحتنا، فتظهر وتتوارى في بضعة أنفاق، كما يظهر ويتوارى بين الصخور رفيقُها النهر الصغير. الماء والبخار والبنزين في الممر الواحد! ذلك الممر أو المضيق — بل هو الاثنان معًا — يُدعَى بالإسبانية Puerto de Despenaperros، ويُدعَى كذلك «قمة الكلاب»، هو الباب بين الأندلس وقشتالة، كان قديمًا طريق الفاتحين في زحفهم من الجنوب إلى الشمال، إلى قلب إسبانيا، ثم إلى رأسها في أشتورية. بلغنا من علو الممر ثمانمائة متر، ثم أخذنا في الهبوط، فأطللنا بعد قليل على السهول الفُيَّح المتموجة اخضرارًا، وعلى الجبال المكللة بالثلج هناك في الأفق الجنوبي البعيد، هناك ا? «سيرا ده نافادا» Sierra de Navada. وهاك أول محطة لسكة الحديد في الأندلس، اسمها القديسة هيلانة Santa Elena، وخبرها خبر تلك الجزيرة الحاملة اسمها، المشرفة بذكر أكبر الفاتحين. فمن واترلو Water loa إلى جزيرة القديسة هيلانة، ومن هيلانة الأندلس هذه إلى واترلو العرب، «إلى لاس ناباس ده طلوزا» Las Navas de Tolosa القريبة منها. هناك نُكبوا نكبتهم الكبرى، هناك وقف لهم ملوك النصارى يمدهم جيش من الصليبيين الفرنسيين والإسبان الذين حاربوا في الشرق. وكان العرب الموحدون قد جدَّدوا الجهاد يقودهم الخليفة يعقوب المنصور، فانتصروا على الملك ألفونس الثامن في وقعة العرَّاقة سنة ????. وحاولوا بعد ذلك أن يجدِّدوا استيلاءهم على البلدان التي وراء جبال مورينه، في قلب إسبانيا؛ أي على طليطلة وسرقسطة وتوابعهما، فقام بانبارة، بعد انكسار الصليبيين للمرة الأخيرة في فلسطين، يدعو ملوك النصارى لجهاد المسلمين في الأندلس؛ فلبَّى الدعوة ملوك قشتالة والبرتغال وأرغون ونبارة، وجاءهم فِزعًا أولئك الصليبيون العائدون مكسورين من الشرق؛ جاءوا يبغون الانتقام. فزحف جيش الحلفاء الجرار إلى الأندلس، ووقف بعد أن اجتاز ممر دسبنيابوروس، بالقرب من سانتا إلبينا.
وخرج العرب والبربر بقيادة الخليفة الناصر خلف المنصور يعقوب، فالتقوا في هذا الجوار بجيوش الحلفاء، ووقعت بينهم الوقعة الكبرى، وقعة العقاب تموز سنة ???? التي تُدعَى في التواريخ الإسبانية Las Navas da Tolosa؛ تلك الوقعة التي قضت على دولة الموحدين بقرطبة — ما عاشت بعدها غير خمس وعشرين سنة — وردَّتِ العربَ إلى الجنوب، إلى غرناطة، إلى الشواطئ البحرية، فما تشوَّقوا بعد ذلك إلى ما وراء جبال مورينه. ? النشاة: الشجرة اليابسة جمع نشًا (القاموس). والمنشا: اسم مكان.
قرطبة?


من آفات عرب الفتح الأُوَل أنهم كانوا مستأثرين بالحكم، وغير عادلين في توزيع الغنائم بين المجاهدين، ومن آفات إخوانهم البربر، الذين رافقوا طارق بن زياد وموسى بن نصير، أنهم كانوا متقلِّبين في نزعاتهم السياسية، وأشد رغبةً بالغنائم منهم بالنعيم الدائم، بل كان في العرب أنفسهم كثيرون من هؤلاء المجاهدين في سبيل الدنيا وحطامها.
ومن آفات أولئك العرب الحزبيات الإقليمية؛ اليمنية والقيسية، والدولية؛ الأموية والعباسية، والمذهبية؛ الإفريقية الشيعية والأندلسية السنية.
وقد كانت الضغائن الحزبية متأصلة في صدورهم إلى حدٍّ منكر مخيف. قال أحد زعماء القيسيين: «لو أن دماء أهل الشام جُمِعت لي في قدح لشربتها.» بل كان بغض القيسي لليمني، وبغض اليمني للقيسي، أشد من بغض العرب للأعاجم.
وما اختلف البربر عن العرب في ضغائنهم وأهوائهم؛ فكانوا ينحازون حينًا إلى هذا الحزب وحينًا إلى الآخَر، فيستلُّون على القيسية مثلًا سيفًا كان يقطر بدماء اليمنية.
ومن آفات العرب والبربر على السواء أنهم يؤثرون الأشخاص في الأحكام على الوطنية، والقوة القاهرة على الحق المشروع، فينفرون مع كل مستنفِر، ولا يحسبون للمستقبل ولا لنتائج الأمور حسابًا.
ومن آفات الحكم العربي الإسلامي القديم أنه كان مبنيًّا على أوضاع دينية — تعد مُنزَّلة — وشخصيات تنفِّذها وتحافظ عليها، بدل أن يكون مؤسَّسًا على أنظمة مدنية، ودستور يحدِّد نطاقها ويحافظ عليها، فيتعلم الناس احترام الدستور احترامهم في الأقل للشخص الحاكم به، ويذبُّون عن النظام والقانون ذبَّهم عن هذا المعز لدين الله، أو ذلك المعتصم بالله تعالى.
لست أُنكِر أن الأحكام الأوروبية في ذلك الزمان كانت على الإجمال من هذا النمط العربي الشخصي الارتجالي، ولكنها تطوَّرت إلى ما هو فوقها؛ أي إلى وطنية بأنظمة، ودولة بدستور، فنشأ من الفوضى الإسبانية مثلًا نظام سياسي مدني شمل قشتالة وليون، ثم قشتالة وأرغون، فأصبح بعد ذلك إسبانيًّا دوليًّا، ثابت الأركان، وذا مرونة مع ذلك تقبل التطور.
أما الأحكام العربية والدول الإسلامية صاحبة الصول والطول في المشرق والمغرب، فما كان فيها ثابتًا إلا الجمود، والتقيد بأوضاع جامدة، لا تقبل التطور البتة، أو بالحري لا تقبل التطور ما دامت تُعَدُّ مُنزَّلة. فإما أن تُلغَى بأجمعها، وإما أن تبقى دائمًا على جمودها. هذا في الماضي وفي كل الدول الإسلامية العربية وغير العربية، ولكن ناموس النشوء والارتقاء في زماننا تغلَّبَ على «المنزلات» في الأوضاع السياسية، فتطوَّرت في العراق وفي مصر تطورًا أوروبيًّا؛ إذ أُنشِئت في البلدان حكومة مدنية دستورية.
فلو أن هذا التطور حدث في إسبانيا الإسلامية قبل حدوثه في إسبانيا المسيحية، فتكلَّلت الخلافة بدستور يُرفَع على الخليفة والرعية، ويُحترَم احترام الكتب الدينية، وبكلمة أخرى صريحة صحيحة، لو كان العرب متحدين في وطنيتهم اتحادهم الديني في العهد الأول للإسلام، ولو أنهم نبذوا الأوضاع الجامدة في الحكم نبذهم لها في الفلسفة وفي الشعر، ولو أنهم أدركوا معنى التضامن والوطنية فقدَّموا الضمان العام على الضمان الخاص الحزبي أو الشخصي، وعدلوا عن الاستظهار بالأعاجم على إخوان لهم من دينهم وجلدتهم؛ لقامت الدولة العربية المتحدة على أُسُس متينة وطيدة ثابتة، ولَدامت في إسبانيا حتى هذه الأيام.
وهناك أسباب أخرى لضعف العرب وفساد أمرهم، منها التسري وما يخلفه في الحريم، وفي الأمة، وفي الملك، من مشاكل واضطرابات وفتن، ومنها في ذلك الزمان تزوُّج المسلمين بالمسيحيات، وقد شاع شيوعًا ذريعًا خصوصًا في قشتالة وأرغون، فنشأ في البلاد صنف من الناس سُمُّوا المولَّدين وهم المولِّدون لكلِّ ما فيه اضطراب وفساد في الهيئة الاجتماعية وفي السياسة والدين. ما كان أولئك المولَّدون من الذين آمنوا، ولا من الذين كفروا، بل كانوا إمعاتٍ، حطَّابين في كل وادٍ، معفرين في كل كَرْمة وحصاد.
وشر المولَّدين على الأمة مولَّد في البيت المالك، فإن تقلَّدَ الحكم كان ضعيف الهمة والرأي، مراوغًا متذبذبًا، وإن تقلَّدَه أخ له أو ابن عم كان مثيرًا عليه الفتن طمعًا بمنصبه.
وقد مُنِيت الخلافة الأموية الأندلسية بمثل هذا الرجل، وهي في إبَّان مجدها وعمرانها، فكان ذلك من الأسباب التي عجَّلت بالطور الأخير من تاريخها، طور التقهقر والفساد، طور الفوضى والفتن، طور الاضمحلال.
قبل ذلك كانت تنعم بحكم فريد في القوة والعدل وحسن التدبير، هو حكم ذلك الأموي العظيم عبد الرحمن الثالث الملقَّب بالناصر، وقد دام خمسين سنة، كانت الأندلس فيها مطلعًا لأنوار العلم والمدنية والعمران، وكان الخليفة الناصر في مقدمة عواهل زمانه عظمةً وحكمةً واقتدارًا. فهو جدير إذن بكل ما صاغه له مؤرخو العرب وشعرائهم من المديح على غلوِّه.? وقد دام ازدهار الملك، ورونق الحضارة في عهد ابنه الحكم الثاني، الذي اقتفى أثر والده، وكان إلى ذلك محبًّا للعلم والعلماء مشجِّعًا على الأعمال الثقافية والعمرانية، ولكنه أساء إلى الإرث الأموي الملكي فيما أدخل عليه من دم أعجمي؛ فقد تزوَّجَ الحكم بامرأة من شعب آل «باسك» Basque الإسباني الديار، اسمها أورورا Aurora، فدُعِيت بالعربية صبحًا، فولدت ابنًا كان وحيد أبيه هو هشام الذي خلفه سنة ??? على العرش. هشام بن الحكم من صبح الباسكية — هشام الثاني — هو مَن أشرت إليه كسبب من أسباب التقهقر في الملك والأمة، خلال عشرين سنة؛ أي بعد وفاة حاجبه ابن عامر، وإلى أن احتدمت الحروب الأهلية فأدَّتْ إلى الفوضى والاضمحلال، وإليك البيان.
بعد وفاة الحكم الثاني خلفه ابنه هشام القاصر، فتولَّتِ الحكم أمه الباسيكية، بمشاركة غالب عم الحاجب ابن عامر وأكبر القادة في الجيش.
وكان الحاجب مزاحمهما ومناوئًا لهما، فحجر على الخليفة، فانتصر له غالب، وكان وصبحًا حلفًا عليه، فقامت الحرب بينهما، أي بين غالب والحاجب صهره، فاستظهر غالب بنصارى ليون، وما كان منتصرًا؛ فقد قُتِل في المعركة التي كُتِب فيها النصر لصهره، فدخل قرطبة مظفَّرًا، واستقل بالحكم.
ومما هو جدير بالذكر أن ابن عامر أحَبَّ صبحًا في صباها، وعندما تلاشى ذلك الحب غدت خصمًا للحبيب، لا دفاعًا عن حقوق ابنها فقط، بل تشفِّيًا وكيدًا؛ فقد حرَّضت الحكام ورجال الدولة عليه، ولا سيما زيري بن عطية، عامل الخليفة في أفريقيا الذي كان يخشاه ابن عامر، وقلَّمَا يخشى سواه.
كان ابن عامر محمد بن عبد الله حاجبًا للخليفة الحكم الثاني، حاجبًا يعرف حدود وظيفته فلا يتعدَّاها؛? لأن صاحب السلطة كان كذلك صاحب الأمر والنهي. أما في خلافة ابنه هشام فقد صار الحاجب الحاكم بأمره، بل الطامع بالعرش. ها هو ذا النقص في الوطنية والدين، وها هي ذي إحدى آفات الحكم العربي الشخصي الارتجالي. فمهما يكن المرء عظيمًا فهو لا يطمع، إن كان سليم الوطنية، باغتصاب الملك، فيزج بالبلاد في غمرة من الفوضى تُفضي إلى الانحلال والاضمحلال. مما لا ريب فيه أن الحاجب ابن عامر كان شجاعًا وكان تقيًّا، وكان غيورًا على الإسلام، بل كان بطلًا من كبار أبطال الجهاد. غزا في سبع وعشرين سنة ستًّا وخمسين غزوة — غزوتين كل عام، في الربيع وفي الصيف — وكان فيها كلها مُوفَّقًا.
أجل، كان مُوفَّقًا، كذلك كان يقول المؤرخون العرب والشعراء، ويقولونها مبتهجين مفتخرين. فما هو ذلك التوفيق؟ إن من حوادث التاريخ وأعمال رجاله الأقدمين ما هو خير على الدوام، ومنها ما هو شر في كل زمان ومكان، ومنها بين الاثنين ما هو خير وشر في زمانه. أما غزوات الحاجب ابن عامر الملقب بالمنصور،? فما هي من الصنف الأول ولا من الصنف الثاني، وليست شرًّا وخيرًا في كل زمان ومكان، ولا نستطيع أن نقول في هذا الزمان، ونحن نعيد النظر في التاريخ لنمحص ما فيه من حقائق وأوهام؛ إنها كانت في زمانها ومكانها من الخير الذي يرضي الله تعالى. وغزا بنبلونة، ودوَّخ أرضها، وفتح معاقلها، وخرَّب حصونها.
وغزا لشبونة فدوَّخ البسائط، وفتح المعاقل، وخرَّب الحصون، وأفسد العمائر، وغنم الغنائم، وسبى السبايا، وعاد مظفرًّا.
وجاء شنتياقب، فهدم مصانعها وأسوارها وكنيستها، وعفَّى آثارها، فعادت هشيمًا كأن لم تغنَ بالأمس.
وكانت جيوشه تَذبح الرجال من النصارى، وتسبي النساء والأولاد، فيباعون أرقَّاء في أسواق قرطبة وإشبيلية وغرناطة.
ومع ذلك أقول إن الغزو غزو، إن كان من المسلمين أم من النصارى، وقد كان في الماضي في كل مكان، نهبًا وسلبًا وقتلًا وتدميرًا. ليس من أجل ذلك إذن أقف مترددًا في إعجابي بابن عامر الحاجب المنصور، ولكن هذا الغازي العظيم في تقواه، الحامل علم الإسلام وسيفه، والحامل تابوته معه في غزواته، الجامع من غبارها اللاصق بأثوابه لتُصنَع منه لبنة تُوضَع تحت رأسه في ذلك التابوت؛ هذا الغازي العظيم لم يترك أثرًا من آثار العمران والرقي في البلدان التي غزاها، ودوخ أرضها، وخرَّب حصونها.
لا يا سيدي، ليس في كل بلاد الأندلس العربية أثر واحد من آثار المنصور الحميدة، وقد كان مع ذلك طامعًا بالعرش، وغير مبالٍ بنتيجة عمله.
فلو لم يكن الخليفة هشام القاصر ما كان الحاجب المتطاول، ولو لم تكن المرأة الأعجمية النصرانية في حريم الحكم الثاني ما كان هشام، وما كان حاجبه.
وقد اتخذ في الاغتصاب أسلوبًا دقيقًا، فالحاكم بأمره عشرين سنة أراد أن يكون الحاكم بأمر الله، ولكنه صانَعَ الأمة فقال في الأول: إني الحاجب ولقبي المنصور، فلا أريد أن أسمَّى بغير الحاجب المنصور. ثم أضاف إليه سنة ???م لقب المؤيد، المنصور المؤيد، وقلَّد ابنه عبد الملك الحجابة. وفي سنة ??? أمر بأن يُدعَى وحده في المملكة بالسيد: السيد المنصور المؤيد.
ومع كل ذلك لم يكن الخليفة، فاستمر في مساعيه حتى حمل الخليفة على أن يوقِّع صك التنازل له عن العرش.
السيد المنصور المؤيد، وابنه عبد الملك حاجبه، وهشام مجرد من الخلافة سجين في قصره؛ إذن لقد كان ابن عامر مدمِّرًا، وكان مغتصِبًا، وكان إلى ذلك السببَ الأولَ في اتحاد ملوك النصارى على المسلمين.
ست وخمسون غزوة مُوفَّقة، وهذه الغزوة الأخيرة تذهب بمجد غزواته كلها. تألَّبَ ملوك النصارى على المنصور، والتقت جيوشهم الجرارة بجيوشه المؤلَّفة من العرب والبربر والصقالبة عند نهر الدويرة، فدارت المعركة بينهم (????/????م)، واستمرت من الفجر حتى الغروب، وعندما طلب المنصور قواده في المساء ليشاور معهم في الأمر، قيل له إنهم سقطوا صرعى في القتال، وقد سقط ألوف غيرهم من المسلمين ومن النصارى، ولكن الغلبة لم تكن للمسلمين. هي المعركة الأخيرة التي خاض عبابها، وكان منهزمًا مدحورًا، فما عاش بعدها غير سنتين وبضعة أشهر.
مائة سنة من اليُمْن والمجد، تبدأ بخلافة عبد الرحمن الثالث، وتستمر في عهد الحَكَم الثاني، فيعتريها في الربع الأخير حماسة دينية من الطراز الأول، جدَّدها الحاجب المنصور في غزواته، فنبَّهت ملوك النصارى إلى وجوب الاتحاد لمقاومتها، وتجديد الحملات على العرب.
وقد تلا هذه الحقبة من الزمن ثلاثون سنة سوداء، بدأت بعهد عبد الملك المظفر، ابن الحاجب المنصور، الذي حكم سبع سنوات حُكْم أبيه، فاشتعلت نار الفتنة في قرطبة، فأخمدها المظفر، وقتل رجالها، وما غيَّرَ شيئًا في سياسة الحاجب تجاه الخليفة المسجون، فاستمرت أمه الباسيكية تقاوِم بني عامر بشتى الأساليب الظاهرة والخفية، دون أن تؤثِّر في عزمهم وخيانتهم.
فبعد وفاة عبد الملك قام بالأمر أخوه عبد الرحمن الملقَّب بشنجول،? ويظهر أن أبناء الحاجب المنصور كانوا مثله في حبهم للألقاب؛ فبعد أن انتصر المظفر على أعدائه انتحل لقبًا آخَر هو سيف الدولة، وعندما خلفه أخوه عبد الرحمن لقَّبَ نفسه بالناصر لدين الله، شنجول الناصر لدين الله! هي حقًّا من المهزلات المفجعات. وقد اقتدى شنجول بأبيه في تشديد العسر على الخليفة الأموي، والاستبداد والاستقلال بالمُلك، إنما كان دون أخيه شجاعة، وما كان على شيء من دهاء أبيه. شنجول المولَّد السخيف العقل طلب من الخليفة هشام أن يجعله ولي عهده، ففعل ذلك قانونيًّا بشهادة القضاة، فأثار عليه وعلى شنجول أكابر المسلمين، وفيهم القرشيون والأمويون، فبايعوا محمد بن هشام، ولقَّبوه بالمهدي بالله، ثم قبضوا على شنجول، واحتزوا رقبته، وحملوا رأسه إلى الخليفة الجديد. وجاء رؤساء البربر ينصرون هذا الخليفة المهدي، فانقلب عليه فريق من الأمويين؛ نكاية بأولئك البربر أعدائهم، وبايعوا هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، ولكن السواد كانوا مع المهدي، فقبضوا على هشام وأخيه أبي بكر، وأحضروهما بين يديه، فأمر بضرب عنقيهما.
وفرَّ سليمان ابن أخيهما — ابن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن — فاجتمع خارج قرطبة بالبربر، فبايعوه على الخلافة ولقَّبوه بالمستعين.
هذان الخليفتان، المستعين والمهدي، كمَّلا العمل المنكر الذي باشَرَه الحاجب المنصور وأبناؤه؛ فقد نصر كليهما فريقٌ من البربر، وآخَر من العرب، فقامت الحرب الأهلية بينهم، وكانت أشد ويلًا على البلاد مما تقدَّمَها من الفتن العامرية؛ ذلك لأنهما استعانَا بالنصارى الواحد على الآخَر.
راح المستعين يستعين ? «ابن ألفونس»،? فأعانه على المهدي. وجاء المهدي يدعو «ابن ألفونس» للتحالف، فلبَّى الدعوة مسرورًا، ولسان حاله يقول: أحارب الواحد منهما بالآخَر، فأُفني الاثنين.
ودخل المستعين قرطبة ظافرًا، ثم طُرِد منها.
ودخل المهدي العاصمة منتصرًا، ثم خرج منها مدحورًا مذمومًا.
وأعاد المستعين الكرَّة، بمساعدة النصارى، فدخل المدينة ظافرًا للمرة الثانية.
وكرَّر المهدي الإعادات، بمساعدة النصارى كذلك، فاحتلَّ قرطبة ثانيةً، احتلالًا قصير الأجل، فكانت النهاية للخليفتين كما تشتهي العواذل.
وما استطاع مَن خلَفَهما من الأمويين، في السنوات القليلة التالية، أن ينقذوا السفينة من الغرق، فحكم المرتضي — عبد الرحمن الرابع — ست سنوات حكمًا متزعزعًا (????–????)، وما كمل المستظهر السنة فخلَفَه ابنه المستكفي، فحكم أربع سنوات حكمًا مرقعًا، وكان لهشام الثالث آخِر الأمويين، أربع سنوات من الصداع انتهت ???? بدور التفكك الذي تبطَّل فيه العرب والبربر، فاستقلوا بالأعمال، كل في ناحيته، باديس في غرناطة، والغزني في روندة، والبرزالي في قرمونة، والهراون في شريش، وهلمَّ جرًّا. ثم تقمَّصَ الزعماء ملوكًا بألقاب ضخمة، قال فيها الشاعر قولة الحق؛ فكان بنو عباد في إشبيلية، وبنو ذي النون في طليطلة، وبنو هود في سرقسطة، وبنو أبي عامر في بلنسية، وبنو جهور في قرطبة، وهلمَّ جرًّا مرة أخرى.
فرح ملوك النصارى بملوك الطوائف، ولكنهم كانوا مثلهم في تلك الحقبة من الزمن؛ مشتَّتي الكلمة، متخاذلين متحاربين. فمرَّتْ خمسون سنة وهذه الحال شاملة بضرباتها المسلمين والنصارى، إلا أنه تخلَّلها في تاريخ المسيحيين إشعاعات اليقظة والنشاط، فحملوا حملات موفَّقة على أعدائهم؛ فكانت طليطلة أول مدينة انتزعوها منهم، ثم استولى السيد ابن بيبار على بلنسية، ووصل ألفونس السادس إلى طرف الجزيرة، إلى طريفة، فقضى على السيادة العربية فيها، وعوَّلَ على مواصلة الجهاد ليُخرِج العرب جميعًا من البلاد.
فكتب بعض ملوك الطوائف إلى بطل المغرب يومئذٍ يوسف ابن تاشفين يستظهرونه على العدو، وقصده المعتمد بن عبَّاد بنفسه، مؤيدًا لزملائه، فجاز يوسف بجيشه المضيق، وراح يطلب ألفونس فالتقى به بالقرب من باداخوس، وهناك الْتحم الجيشان في المعركة التي تُدعَى الزلَّاقة سنة ????، فهُزِم النصارى شر هزيمة فيها، واضطر بعد ذلك ابن تاشفين أن يعود إلى إفريقية؛ ليقمع فتنة شبَّتْ هناك نارُها، فعاودت الاضطرابات الأندلس بعد عودته، فكتب إليه العلماء يدعونه لحكم البلاد.
وقد كان يوسف — على ما يظهر — قانونيًّا، فاستفتى علماءه في فتح الأندلس والاستيلاء عليها لإنقاذ المسلمين فيها من فساد ملوكهم، فقال العلماء إن ذلك جائز بل واجب، فأرسل إذ ذاك جيشًا بقيادة ابن أبي بكر، فاستولى على تلك الدويلات كلها، ونقل أصحابها إلى إفريقية، وفي مقدمتهم المعتمد بن عباد، الذي أُنزِل وعائلته في أغمات، بالقرب من مراكش، حيث قضى بضع سنوات تحقق صحة كلمة قالها، وهي: حرز الجِمَال في إفريقية ولا رعاية الخنازير في قشتالة. والشاعر في كلماته، مثله في خياله.
أمير لا يبالي بحقائق الوجود، فيموت — وقد مات المعتمد في سنة ???? — متمِّمًا واجباته الشعرية!
•••

قام المرابطون? بدعوة دينية، تطهيرًا — كما كانوا يقولون — لما اعترى الإسلام من الفساد، وشره ما تفشَّى في الأندلس؛ فأفتى علماء المغرب بفتحها، وانتزاعها من يد العرب، «المتساهلين في دينهم»، وما كان الفتح متعسرًا؛ لأن العرب أنفسهم عاونوا الفاتح، بل استظهروا به على الأعداء النصارى كما تقدَّم، فظهرهم وكمَّلَ عمله فنبذهم ظهريًّا. وكان مذهب المرابطين قائمًا بالتفسير اللفظي الحرفي للقرآن، فيقفون عند ظواهر المعاني ولا يتعدونها، فاتُّهِموا بالتجسيم؛ أي إن الله جسم على صورة الإنسان، وهو نظريًّا عين الكفر، وأما عمليًّا فقد كان المرابطون من غلاة الدين، بل التدين، فعدُّوا تساهُل الأمويين من المفاسد التي جاءوا يُصلِحونها.
ولو لم يقم عليهم أصحاب دعوة أخرى من المسلمين في المغرب، لَتألَّبَ عليهم ملوك النصارى لشدة ما كان من غلوهم الديني، ولكن حكمهم في الأندلس لم يَدُمْ غير ست وخمسين سنة. ففي أواسط القرن الثاني عشر قام الموحِّدون يتهمون المرابطين بما كان المرابطون يتهمون به ملوك الطوائف.
ومَن هم الموحِّدون؟ هم التابعون لاثنين من كبار المغاربة العرب — كبار النفوس والهمة والكلمة، درَجَا من كوخ الضعة، وتدرَّجَا إلى ذروات السيادة والمجد — أحد هؤلاء الاثنين هو محمد بن تومرت السوسي، من قبيلة مصمودة، ابن خادم القناديل في مسجد قريته، وقد اشتُهر منذ صباه بالتقوى والتعبُّد، ثم ادَّعَى أنه شريف علوي، ولقَّبَ نفسه بالمهدي، فشاع أنه صاحب كرامات وقيامات يئولها بالقيام بأمر الله. فمن عجائبه أنه شرب البحر مرتين، وأمر الجبل فجثا معه لله تعالى! ومن أخباره التاريخية أنه حج وهو في الثامنة والعشرين من سنه، ولما عاد من الحجاز باشَرَ الدعوة للتوحيد ولتطهير الإسلام من الأرجاس. والآخَر هو عبد المؤمن بن علي الفخاري — كان أبوه يصنع الفخار — الذي هام على وجهه منذ صباه طالبًا للعلم، فاجتمع بابن تومرت، فتآلَفَا وتآخَيَا — النفوس جنود مجنَّدَة — ثم اشتركَا في الدعوة.
كان ابن تومرت في البدء الأستاذ، وعبد المؤمن الطالب، ثم صار الأستاذ المهدي، والطالب قائدًا لجيشه، وقد خرَجَا من ضواحي وهران ومعهما بعض الأتباع في أول أمرهما، فمروا بتلمسان، واستمروا سائرين إلى فاس، فمراكش قاعدة المرابطين، حيث أعلنوا الدعوة وبدءوا بثها في البادية والحضر، فاضطهدوا وازدادوا قوة وعددًا. ومن أعمال ابن تومرت في جهاده المرابطين أنه أنشأ مجلس شورى يمثِّل القبائل التي والته، فساعَدَ المجلس في حشد جيش للجهاد، وكان عبد المؤمن قائدًا لذلك الجيش، فكُتِبَ له النصر في المعارك والتوفيق في الفتوحات.
وبعد أن توفي ابن تومرت سنة ???? تمشَّى عبد المؤمن على الخطة التي اختطها له، فوصل في فتوحاته إلى وهران، ثم إلى تونس، ودونها إلى برقة، فحدود مصر. خلال ذلك جاز المضيق إلى الأندلس فحمل على المرابطين هناك حملات متوالية (????–????)، فانتصر عليهم في كل مكان، واستأصل شأفتهم، ثم أسَّسَ على أنقاض الدولة الأموية دولة الموحدين التي دامت مائة سنة، وكان هو أول مَن جلس منهم على عرش عبد الرحمن الأموي الكبير.
أما مذهب عبد المؤمن فهو جامع لأشياء من شتى المذاهب الإسلامية، منها الأشعرية والمعتزلة، ومنها الرجوع إلى الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، مع ترك الرأي والقياس. وقد عاد إلى تأويل ما اشتُبه من الآيات والأحاديث، دون التفسير اللفظي؛ لأن الاعتقاد بظاهر الآية قد يبعث إلى التجسيم، وهذا ينافي صفات الكمال اللازمة للربوبية؛ لذلك كفَّرَ المرابطين ودعاهم بالمجسمة.
ثم تخلَّصَ من هذا التناقض كله إلى الدعوة المبهمة؛ أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأضاف إليها في الإمامة النظرية الشيعية الاثني عشرية، فجاء مذهبه مركَّبًا، كما ترى، من شراذم المذاهب المتناقضة.
ومع ذلك فقد كانت دولة الموحدين على قِصَر عهدها من أعظم الدول الإسلامية، فعادت الحضارة في الأندلس إلى الازدهار بعد أن كادت تضمحل في عهد ملوك الطوائف وفي آخِر عهد المرابطين.
قال أحد كتَّاب المغرب في المؤمن إنه «بسط الحضارة العربية الأندلسية في المغرب، فحافَظَ عليها حتى بعد زوالها من الأندلس.»? دخل الإسلام إسبانيا من الجنوب، وزحف فاتحًا إلى بلاد الشمال، فعاد منها مدحورًا، وألقى بِجِرانه في الأرض الدافئة الساكنة الخصبة؛ أي الأندلس.
ثم جاء الإسلام الأفريقي من البادية، ومن جبال الأطلس، بروح جديدة نشيطة عنيفة؛ فجدَّدَ للعرب مجدًا، تخلَّلته فترات دامسة.
ولكن روح النشاط والعنف سَرَتْ من أولئك المغاربة إلى المسيحيين أنفسهم، فجدَّدَتْ في الشمال، بين صخوره وفي خشونة جوانبه، روحَ الفتح والجهاد.
أي إن نصارى الشمال حملوا على المسلمين في الجنوب بالروح الصحراوية الجبلية التي كانت للإسلام الأفريقي، فكُتِبَ النصر النهائي لأهل البلاد.
قلت النصر النهائي، والأصح أن أضيف إليها النسبي — النصر النهائي النسبي — فبعد وقعة العقاب، التي ينتهي عندها الدور التوحيدي المجيد، استمر الموحِّدون في الحكم نحو خمسين سنة، فأخذت خلالها سيادتهم في الانحطاط، فخسروا قرطبة سنة ????، وإشبيلية سنة ???? وملحقاتهما.
ولأمر ما توقَّفَتْ بعد ذلك حركات ملوك النصارى. سكنت قشتالة، تقاعدت أرغون، نامت ليون، ومَرَّ عليها كلها، وهي في هذه الحال، مائتان وخمسون من السنين!
وما نامت أمة العرب، ولا تقاعدت، ولا سكنت ريحها، بالرغم عن كل ما خسرته من البلدان؛ فقد قامت بعد دولة الموحدين دولة جديدة، أخت الدولة الأموية في العظمة والمجد، والحضارة والعمران، هي الدولة العربية الثالثة في الأندلس، دولة غرناطة لبني نصر، تلك الدولة التي أسَّسَها محمد بن يوسف بن الأحمر،? ودامت عزيزة عامرة مائتين وخمسين سنة. ? عبد الرحمن بن معاوية الأُموي الملقَّب بالداخل، أسَّسَ الدولة الأموية في الأندلس سنة ????/???م وجعل عاصمتها قرطبة، وقد دامت تلك الدولة حتى سنة ????/????م ثم تفكَّكت، فأمست دويلات عدة في عهد ملوك الطوائف. أما قرطبة فقد انضمت إلى إمارة إشبيلية في سنة ????م، وفي سنة ????م استولى عليها المرابطون، فالموحدون في سنة ????، ثم انتزعها من الموحدين في ?? تموز سنة ???? الملك القديس فرديناند، فانتهى حكم العرب فيها.? وغلو العرب في المديح أو في الذم يبلغ بعض الأحايين حدَّ السخرية والاستهجان. فمما يُحكَى عن هذا الخليفة العربي العظيم أنه أراد الفصد يومًا، فقعد في البهو الكبير المشرِف بأعلى مدينة الزهراء، واستدعى الطبيب لذلك، فأخذ الطبيب الآلة وجسَّ يد الناصر، فبينما هو كذلك إذ أطل زرزور فصعد على إناء من ذهب في المجلس، وأنشد هذا البيت من الشعر:أيها الفاصد رفقًا بأمير المؤمنيناإنما تفصد عرقًا فيه محيي العالمينا? وقد كان الحاجب في تلك الأيام شبه وزير للخليفة.? المنصور لقب اتخذه غير واحد من الخلفاء والملوك، منهم بل أولهم المنصور العباسي، ومنهم الذهبي السعدي سلطان المغرب، ويعقوب المنصور الخليفة الموحدي. ? كان ابن المنصور من أم ولد نصرانية هي ابنة الملك شنجة Sancha ملك ليون، فدعته شنجول تذكُّرًا باسم أبيها.? أي ابن الملك ألفونس المعروف بابن البربرية.? المرابط: الملازم ثغر العدو، ومنها مجازًا المرابطون؛ أي الملازمون ثغور أعداء الدين، والمربوط، ويقول الفرنجة مارابو Marabu: الزاهد الحكيم المنزِّه نفسه عن الدنيا.? كان عبد المؤمن أديبًا ينظم الشعر، وله وزير شاعر مثل ابن عمار وزير المعتمد بن عباد، هو أبو جعفر بن عطية. قال الراوي: مَرَّ عبد المؤمن ببعض طرق مراكش، ومعه وزيره ابن عطية، فأطلت من الشباك جارية بارعة الجمال، فقال:أَسَرَتْ فؤادي من الشباك إذ نظرتْ
وسأل وزيره أن يجيز، فقال:حوراءُ ترنو إلى العشَّاق بالمُقَل
عبد المؤمن: كأنما لحظها في قلب عاشقها
ابن عطية: سيف المؤيد عبد المؤمن بن علي
? بنو الأحمر من قبيلة بني نصر التي تمتُّ برَحِم ماتَّة إلى سعد بن عبادة الخزرجي الصحابي.
معرض فني في دير


كان أسير الحرب في الماضي شبيهًا بالرقيق، تتداوله أيدي الفاتحين، فينتقل كسلعة من بلاد إلى بلاد، ويسوء أو يحسن حاله بحسب ما يكون من أحوال سادته الخلقية والمادية.
وكان العرب، في غالب أمرهم هذا، من السادة الكرام، يتاجرون بالرقيق تجارةً شريفةً، لا غبن ولا ظلم فيها، ويُشغِّلون الأسرى بالأعمال العمرانية، وعلى الأخص بالتي يُحسِنونها، إلى أن يفديهم أهلهم أو أصحابهم أو دولهم.
وكان من حظ بعض الأسرى أنهم دخلوا في خدمة العرب الخاصة، دخلوا بيوت المسلمين، فصاروا من أهلها، بعد أن تعلَّموا الدين، وأصبحوا إخوانًا للمؤمنين، ولا حرج إنْ قلنا إنَّ أولئك الأسرى كانوا يُرفَعون إلى منزلة الموالي والعبيد المقرَّبين.
ومنهم في المغرب وفي الأندلس الصقالبة، وهم أصلًا من قبائل «سلاف» Slavs، أسرهم الألمان في حروبهم، ثم باعوهم إلى العرب تماديًا في إذلالهم، كما كانوا يظنون، باعوهم إلى ا? «ساراسين» فأحسن ا? «ساراسين» معاملتهم، كما كانوا يفعلون بغيرهم ممَّن ملكت أيمانهم، وصاروا يسمون كلَّ مَن يأسرون من الشعوب الأخرى باسمهم؛ أي صقالبة. وكثر الصقالبة في الديار العربية الإسلامية، فصار الولد الصقلبي في الحريم، والحاجب الصقلبي في مَشور الخليفة، والمولى الصقلبي في خدمة الوجهاء والأئمة، والجندي الصقلبي في الجيش أو بالحري في الحرس الملكي، بل كان في بلاط أمير المؤمنين بقرطبة، خصوصًا في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، «جيشٌ» منهم، وفيهم من كل نواحي بلاد الفرنجة، حتى من البلدان التي على شواطئ البحر الأسود، وكلهم يُدعَون صقالبة.
ومنهم مَن كانوا — مثل الموالي في العهد العباسي — أدباء وشعراء وأصحاب صناعات، فنعموا في كَنَف العرب، ومارسوا المهن التي كانت تلذُّ لهم ممارستها. كانوا أسرى وأرقاء أحرارًا!
ولكنهم في انتقالهم إلى غير العرب من السادة الفاتحين، أو المفتدين، أو الشارين، كانوا يعودون أسرى وأرقاء، ويُعامَلون كذلك. هذا إذا عدل فيهم سادتهم الجُدُد.
وكانت حوادث الانتقال، على أنواعه، تتلو كل حرب من الحروب، وكل غزوة من الغزوات، وما كان العرب فيها غير أصوليين، بل كانوا مثل أعدائهم في السلب والنهب والأسر والتدمير.
وهاك مَثَلَهم الأعلى، حاجبَ الخليفةِ هشامٍ؛ ابنَ عامرٍ محمدًا الملقَّب بالمنصور، وقد غزا في حياته خمسين غزوة موفَّقة كلها، وهاك مثالًا من غزواته: فقد وصل مرة إلى أقصى بلاد الشمال، إلى جليقيا، إلى بلدة شنتياقب Santiago هناك، فاكتسحها وأسر الأسرى من أهلها، وجرَّد كنيسة قديسها ساجاكوب من تُحَفها وأجراسها، وحمَّلَ الأسرى تلك الأجراس إلى قرطبة. ودالت الأيام بأهلها، فسقطت خلافة قرطبة بعد عشرين سنة من وفاة المنصور، فدخل النصارى الفاتحون المدينة، وكانت تلك الأجراس لا تزال محفوظة، فأعادوها على ظهور الأسرى المسلمين، إلى كنيستها في شنتياقب بجليقيا.
ولقد خصَّ المنصور الناحية التي نحن الآن فيها بغزوة من غزواته، فاكتسح الأديرة الغنية بالتُّحَف، ومنها دير سان بدرو، قبل أن دُفِن فيه السيد رُوي بيبار وزوجته وحصانه.
توفي الحاجب المنصور سنة ???? بعد وفاة السيد بثلاث سنوات، وكان مثله في خاتمة حياته مدحورًا محزونًا. توفي السيد بعد أن كسره المرابطون، وتوفي المنصور بُعَيْد وقعة نهر الدويرة، التي قاد ابنه فيها جيوش العرب على ملوك النصارى الثلاثة؛ أي ملوك ليون ونبارة وقشتالة، وكان فيها مدحورًا.
وعاد الظافرون من الأندلس يحملون الغنائم، ويسوقون الأسرى من عرب وصقالبة؛ فأنزلوهم في الأديرة التي اكتسحها المسلمون سابقًا، ليقوموا بالأعمال في الحقول والمصانع، ومن تلك الأديرة دير سيلوس Silos، على نحو ستين كيلومترًا من برغوس، فقد كان فيه زهاء مائة أسير. وسيلوس دير قديم، أقدم من العرب في الأندلس، بناه أحد ملوك الغوط في القرن السادس للميلاد، وكان مشهورًا في أوروبا خصوصًا عندما كان الأب دومينيق — القديس دومينيق بعدئذٍ — يدير شئونه. هو دير للرهبنة الدومينيقية، وقد عاد إليه الدومينيقيون الفرنسيون يوم طُرِدوا من فرنسا سنة ????.
كذلك يقول دليل بيديكر، ويقول أيضًا ما يُدهش السائح في هذا الزمان، فمنذ ربع قرن لم تكن الطرقات في إسبانيا كلها صالحة للعربات، وما كانت تصل إلى كل الأماكن التاريخية في البلاد؛ فكان على السائح الراغب في زيارة دير سيلوس مثلًا أن يسافر با? «ديليجانس»؛ أي عربة البريد، إلى قرية بَرْبَاديُّو Barbadillo، ومنها على الخيل أو البغال إلى الدير في الجبل، فتستغرق الرحلة يومين. أما اليوم — وأما نحن — فقد خرجنا من برغوس في السيارة بعد الغداء، فوصلنا إلى الدير بعد ساعة، وأقمنا فيه نطوف في ربوعه ثلاث ساعات، ثم عدنا إلى النُّزُل مساءً للعشاء.
•••

الطريق بهيج، يزيِّن جانبيه الحور الباسق، ويمتد اخضرار السهول إلى الآفاق المشرقة، إلا ما هناك من القرى، وقد مررنا بثلاثة منها دكناء سمراء لاصقة بالأرض، مثل التي شاهدنا في الطريق من إشبيلية إلى مدريد، لا شامخ فيها من بناء غير الكنيسة.
استقبلنا عند باب الدير أحد الرهبان، ورافقنا دليلًا، فمشينا في خطواته توًّا إلى بيت القصيد فيه، وهو الصحن بأروقته الأربعة، المسقوفة كلها بالخشب المحفور، الشبيه في ألوانه فقط بالروافد العربية الأندلسية.
هذا الصحن بأروقته الأربعة وعُمُدها وأقواسها، هو أجمل مثال في إسبانيا للفن الروماني Romanesque، فالأروقة تقوم على عُمُد مزدوجة، بأقواس مستديرة، وتيجان بتماثيل هي بيت قصيدها، كما أن الصحن بمجمله هو بيت قصيد الدير. عند تلك التيجان ينتهي في نظري الفن الروماني، وبتلك التيجان يقوم المعرض الفني الذي أشرت إليه في عنوان هذا الفصل، ومنها نستمد البرهان على أن إدارة الدير كانت بأيدي رهبان أفاضل، يُحسِنون معاملة الأسرى، فيُطلقون حريتهم في الأعمال التي يُحسنونها؛ لأنهم — أي أولئك الرهبان — كانوا يقدِّرون الأعمال الفنية قدرها.
قلتُ إنه عند التيجان ينتهي الفن الروماني؛ لأن التماثيل الصغيرة التي تزيِّنها هي جامعة في أساليبها ومواضيعها سائر الفنون، فكل عمود يختلف في نقش تاجه وتماثيله عن الآخَر. من تلك النقوش ما هو روماني، ومنها ما هو شرقي فارسي، وشرقي هندي، ومنها ما هو غوطي، ومنها العربي الأندلسي، والبيزنطي العربي. فمن الرموز الحيوانية، إلى الأشكال الهندسية، إلى التوريق والتخريم، إلى الوجوه الساحرة والساخرة والمروعة المصنوعة بشتى الأساليب، وبدرجات من الإتقان، فيها الجيد والوسط والدون؛ هاك معرض الأسرى الفنانين في ذلك الزمان، وبينهم المقلِّد والطالب والأستاذ والعبقري.
قال الراهب الدليل: في القرنين الحادي عشر والثاني عشر كان المسيحيون والمسلمون في حروب مستمرة، فيأسر المسلمون الأسرى، ويستخدمونهم في بيوتهم، وفي تعمير مدنهم، وكذلك كان يفعل المسيحيون بأسرى المسلمين. وقد كان منهم في هذا الدير كثيرون، وبينهم الصُّنَّاع الحاذقون بالنقش والتصوير؛ فصنعوا العُمُد والتيجان لهذه الأروقة، ونحتوا التماثيل التي زُيِّنَتِ العُمُد بها بعدئذٍ.
إن أولئك الأسرى الفنانين قد تعلَّموا واقتبسوا فنون مَن تقدَّمهم في المشرق والمغرب، فنقل الواحد منهم عن البيزنطيين، والآخَر عن رسوم فارسية شاهدها، وغيره عن الغوط والعرب، وكان هذا الفنَّان قرأ في بعض الكتب عن التقمُّص الهندي، فصوَّر رءوسًا بشرية فوق مناكب حيوانات رهيبة أو قبيحة أو داجنة، وذاك كان يحسن النقش العربي، فجاء عمله الممثِّل لخطوط الرواشن والرُّقُم أبدع تمثيل.
إن في الأروقة الأربعة في الطابق الأول، ستين زوجًا من تلك العُمُد، وفي الطابق الثاني مثلها، وكلها بتيجان منقوشة بالنقوش المختلفة، ومزيَّنَة بالتماثيل المتنوعة، التي ذكرتُ. هو ذا معرض أولئك الأسرى الفنانين العرب والصقالبة، الذين نعموا في أَسْرِهم ها هنا، بدير سيلوس، وليس ما يدل على الحقيقة وعليهم غير كلمة من خَبَرِهم تناقَلَتْها الأجيال، وهذه الآثار الفنية الطريفة. فإن في الدير مكتبة تحتوي على خمسة عشر ألف كتاب، وليس فيها كتاب واحد، على ما علمت، يذكر في فقرة أو حاشية أولئك الأسرى الفنانين، رحمهم الله.
ومن آثار دير سيلوس متحف طبيعي صغير، معروضة فيه أمثلة من معادن تلك الناحية، وطبقاتها الجيولوجية، ومن طيورها وحيواناتها، وبينها الصقر والهدهد، والذئب والخنزير البري.
ومن مآثر رهبان الدير الأساتذة، أنهم يعلِّمون اللاهوت في مدرسته اللاهوتية، ويصنعون الخمر، لا للتجارة، بل لأنفسهم وللطلبة؛ عونًا على اللاهوت.
كان الرئيس قد علم بالزائر العربي، فجاء إلى غرفة الاستقبال يرحِّب بنا، وقد حدَّثَنا عن زعيم البلاد الجنرال فرنكو حديث معجب به، فقال: هو من الشمال، من غليسيا، وعباقرة الإسبان كلهم من الشمال.
لا أظن أن حضرة المحترم أراد أن يغمط الأندلس حقها، وأن يُنكِر شهرةَ أبنائها العباقرة من عرب وإسبان، إنما هي كلمة قالها، ولكنه استفزَّني، وما شئتُ أن أذكر العرب تأدُّبًا، فقلت: وهل ننسى أن فلاسكيز وُلِد بإشبيلية، وأن الدكتاتور الجنرال بريمو ده ريفيرا من شريش؟
كان أحد الرهبان قد جاء بشيء من خمر الدير، في كئوس لا عيب فيها إلا أنها صغيرة، فشربت كأسي قبل أن ذكرت فلاسكيز، فقال الرئيس الظريف الخفيف الروح، بعد جوابي على كلمته: تستحق كأسًا أخرى!
وكنتُ قد كتبتُ في كتاب الدير الذهبي هذه الكلمة: في العزلة نجد الله. فقلت لحضرته بمناسبتها: وإني مسيحي ثالوثي. فابتسم وأمر بالكأس الثالثة، له ولي، فأثلثنا على ذكر الحبيب، سبحانه وتعالى.

برغوس بلد السيد?


بين إشبيلية وبُرغوس مسافات جغرافية وجوية واجتماعية وأخلاقية. أما المسافة الجغرافية فقد تكون أقصرها؛ لأن السبعمائة كيلومتر بين المدينتين تقطعها جوًّا في ساعتين، وبرًّا في ثماني ساعات.
وأما المسافات غير الجغرافية فهي تبدأ بعد أن تصل من إحدى المدينتين إلى الأخرى، فيعكر مزاجك إن كنت صافي المزاج، ويصفو إن كان عكرًا، وتشتاق إلى الآفاق الواسعة المشرقة إن كنت قادمًا من الأندلس، وتتعب منها إن كنت قادمًا إليها من جبال كُنْتَيْرية. يرطب الهواء هنا فيكثف ويُضني، ويجفُّ هناك فيَخفُّ ويُنعش، وقد تجف في الشمال الوجوه والنفوس، فيُمعن الناس في الجِد ويقسون، وتجيء حتى مهرجاناتهم دكناء اللون شمالية.
ولا حرج إن قلنا مجملين إن إشبيلية عربية، ومدريد إسبانية، وبرغوس غوطية، غوطية ألمانية، إن كان في كنيستها الكبرى وسراياها القديم، أم في بيوتها القاتمة الجبين، أو في ساحاتها الصغيرة المتأنقة في وجومها ومنطقها.
هو التقليد الغوطي، والفن الغوطي، والروح الغوطية، وقُلْ هو جو الشمال، وأفق الشمال والطبائع الشمالية. يمشي الناس في خط مستقيم إلى أغراضهم، وإن اعوجَّت الأسواق وضاقت؛ لأن جوانب الطريق جافة، وليس فيها ما يجذب النظر أو يستوقفه. ويسلكون المسلك القويم في معاملاتهم؛ لأن الاعوجاج متعب، وهو فوق ذلك يُورِث المشاكل ووجع الرأس. أما أن يسرعوا أو يبطئوا في السير والسلوك، فذلك أمر ثانوي، أو أنهم يفضِّلون الرفق والتمهُّل على الكدح والإسراع.
وهاك المثلَ لما قدَّمْتُ: تعطلت ساعتي في برغوس، كما اعتَلَّتْ صحتي، لسبب واحد على ما أظن، هو الطقس، فمن سماء تطوان المشرقة وجو إشبيلية العاطر، طرنا ثم وثبنا وثبة واحدة إلى الإقليم البارد، والرطوبة والمطر والأوحال، والزكام بالساعة وبصاحبها! فحملناها أنا والرفيق البستاني، ترجماني الملازم، إلى أحد أطباء الساعات، فوضع الزجاجة على عينيه وفحصها، ثم أعادها قائلًا: ليس في الإمكان إصلاحها.
فأخذناها إلى زميل له في الشارع نفسه، ففعل ما فعل الأول، وبعد الفحص أعادها إليَّ وهو يهز رأسه. ثم قال: الجزء المكسور فيها غير موجود عندي، فإن شئتَ أصنعه، ولكن ذلك يستغرق من الثلاثة إلى الأربعة الأسابيع. فما شئتُ ذلك؛ لأني لم أجئ برغوس لأقضي فيها أكثر من ثلاثة أيام.
وقد أجاب حضرته على سؤال آخَر قائلًا: قد تجدون مثل الجزء المكسور عند غيري، ولكني أشك في ذلك.
دخلنا إلى مخزن الساعات الثالث، وخرجنا منه إلى الرابع، فقال الطبيب المستقيم الرأي: هذه الساعة ثمينة، فالأحسن ألَّا تصلحها في هذا البلد.
أربعة منهم — وطبيب الساعات في الدنيا مثل طبيب الأسنان — ينفضون أيديهم من ساعتي، ويزدرون فرصةً للعمل والكسب. فهل تظن أن أمثالهم في الدنيا كثيرون؟ أنا لا أظن أنهم موجودون في غير برغوس.
وعندما رحنا نشتري ساعة وقتية للسفر، تقوم مقام المعطلة، كان التاجر يعرض بضاعته، وينطق بكلمات قليلة، جلُّها أرقام، وهل عندكم أرخص من هذه؟
الجواب: قد تجدون عند فلان في الشارع الفلاني.
والسيد التاجر فلان يرينا ما عنده دون إسراف في القول أو العمل، وآخَر يعيد الساعات إلى مكانها، ويعود هو إلى كرسيِّه، دون أن ينطق بكلمة واحدة. لا تشويق ولا مساومة، ولا ابتسامة تجارية أو غير تجارية، فالكلمة اللطيفة الوجيزة الهادئة تقرن بروح مثلها، ولا اكتراث بما جاء من رزق أو فات، هي ذي ناحية من برغوس، وهو ذا صنف من أبنائها.
وفي هذه المدينة مقاهٍ، في شارعها الواسع الوحيد، على إحدى ضفتي النهر، تطمح إلى العلاء المدني — الباريسي أو المدريدي — فتبلغه في النظافة والأثاث والأناقة، وتفوقه في الخدمة وفي السكينة التي تجلب الذين يؤمُّونها.
ومن هذا الشارع تصعد المدينة إلى سفح الرابية التي تقوم فوقها، فتفضي الأسواق بكآبتها إلى ساحات صغيرة صامتة، ومنها إلى جادَّات ضيقة متعرجة، تحنو البيوت فيها بعضها على بعض، وفيها الكاتدرائية غائصة إلى وسطها، فلا يُرَى منها فوق السطوح غير القباب.
ولهذا الشارع الباريسي أو البرليني حاجب في حلة خضراء، واقف بينه وبين النهر، هو الإسبالون Espalon؛ أي المنتزه، وله صنو على الضفة الأخرى، فيُسمَّى هذا: المنتزه الجديد، وذلك الذي أمام المقاهي: المنتزه القديم. وبين الاثنين يجري نهر أرلنسون Arlanzon المتدفق من جبل ليس ببعيد تدفُّقًا قصير المدى، فيصل إلى المدينة ساكنًا مُتَّضعًا، فيجر أذياله الرقيقة من الشرق إلى الغرب، ثم غربًا بجنوب ليتحد، قبل أن يصل إلى بلنسية Balencia بنهر يجري جنوبًا إلى الشمال هو بسورغة Pasuergo، فيمران ببلد الوليد Valladolid متحدين متعاظمين، ويصطدمان بعدها بالنهر الأكبر نهر دويرو Duero، فيبلعهما ويحملهما في جوفه، كما حمل الحوتُ يونان في قديم الزمان، يحملهما إلى سمورا Zamora، فبلاد البرتغال، فالأوقيانوس! وبرغوس تقلِّم أشجار حديقتها، وتشرب القهوة أو الخمر أمام تلك الأشجار الجميلة الأشكال، الأنيقة الصفوف، ولا تبالي بمصير نهرها الوديع.
ولبرغوس كما لغيرها من مدن إسبانيا التاريخية، كاتدرائية غوطية الهندسة، شوَّهَها الزمان والإنسان، بما أضافَا إليها من بناء وزينات ومشاين. فهي من هذا القبيل أعظم الكاتدرائيات الإسبانية، تقوم في سفح الرابية، وتلصق بها كجزء منهما ضخم عجيب.
وهي على ضخامتها وتفرُّعها ضائعة بين الرابية والمدينة، كما أن شكلها الهندسي الأصلي ضائع في الإضافات التي بُنِيت حوله، وهي كثيرة، بل هي بالتدقيق خمس عشرة كنيسة أُلصقت بجوانبها وزواياها، فصارت وهي داخل الكنيسة الكبرى تتنازعها قلوب المؤمنين وأنظارهم.
في إحدى هذه الكنائس الصغيرة، أعني «كنيسة الجسد المقدس»، صندوق لبطل برغوس في قديم الزمان، بل بطل إسبانيا في كل زمان، الملقَّب بالسيد، وقصته طريفة نقصُّها عليك فيما بعدُ. فاعلم الآن أن ذلك الصندوق الذي يزين كنيسة «الجسد المقدس» هو هو الصندوق الذي ملأه السيد حجارةً ورملًا، وخدع به يهوديين من يهود برغوس. هي كذلك من القصص الطريفة.
ولقد أسَّسَ هذه الكاتدرائية في الربع الأول من القرن العاشر، الملكُ فردينند الثالث وأسقف إنكليزي، ثم وكَّلَا بها الزمان، والمهندسين الألمان والفرنسيين، وأهالي برغوس الذين كانوا يشتغلون يومًا على ما يظهر وينامون ثلاثين، فاستمروا والزمان والمهندسين ثلاثمائة وستًّا وأربعين سنةً في بنائها التام الأتم سنة ????–????.
فهل يُستغرَب فيها تعدُّد الأساليب الهندسية والفنية؟ وهل يُستغرَب التناقض والتنافر فيها؟ لقد ضاع القديسون والقديسات في زخرف طامٍ من الزخارف الفضية والمرمرية والذهبية والخشبية والجصية، فلا عجب إذا كان الزائرون يتيهون فيها.
•••

برغوس — برغشت العرب — هي متربعة على مائدة من الأرض تعلو زهاء ألف متر عن البحر، أسَّسَها سنة ???م الكونت القشتالي دباغو بورسيلوس Porcelos وما عزز استقلالها، فجاء ملك أشتورية يحميها. على أن الحماية الأشتورية لم تَدُمْ طويلًا؛ فقد قام حاكم المدينة أردونو على آل بورسيلوس، باسم الحرية والاستقلال، فذبحهم جميعًا، ثم قام الأهالي على أردونو فألحقوه بآل بورسيلوس، وأسَّسوا حكومةً جمهورية رأسها اثنان من أبناء برغوس الأبرار، حفظ التاريخ والمدينة اسميهما.
وما طالت مع ذلك أيام تلك الجمهورية؛ لأن ابن برغوس الأبر فرنان غنسالس Gonzales فضَّلَ الإمارة عليها، وشيَّد لها ولنفسه قصرًا على رأس الرابية، فنعمت في عهده، وانتقلت بعده بعُرس ملكي إلى مجد أعلى، فقد كان ذلك العرس، وكانت برغوس من جهاز العروس، فضُمَّتْ إلى مملكتي قشتالة وليون المتحدتين، وجُعِلت العاصمة لقشتالة القديمة. ثم تكلَّل مجدها بأسقفية أُسِّسَتْ فيها، ولكن الإكليل كان — مثل الأمجاد التي تقدَّمَتْه — قصيرَ الأجل؛ فقد أُسِّست الأسقفية سنة ????، وسقطت طليطلة العربية بيد المسيحيين سنة ????، فنُقِل بلاط الملك من قشتالة إليها.
كَسَفتْ طليطلة برغوس، ولكنها مع ذلك احتفظت بشيء من شهرتها حتى أيام فيليب الثاني، الذي جعل مدريد عاصمة إسبانيا الوحيدة، فأمست برغوس بعد ذلك نكرةً بين المدن. قال كاتب زارها في القرن السابع عشر: لم يَبْقَ من برغوس غير الاسم.
إنما عادت بعد ذلك إلى الحياة والازدهار، وهي اليوم مدينة عامرة بمعنى العمار الأوروبي لا الأمريكي. فليس فيها بناء جديد، ولا زيادة كبيرة في عدد سكانها، الذين يَرْبُون على الثلاثين ألف نفس.
وفي برغوس كثير من الآثار القديمة المخلِّدة لذكر أبنائها الأبرار، منها قدس القديسة مريم، وهو أثر قديم جليل بأبراج جانبية، ومسلات، وتماثيل لمؤسس المدينة، ولرئيسَيْ جمهوريتها ولغُنسالس والسيد، ومنها الجسر الذي يصل المتنزه الجديد بالمتنزه القديم، وهو مزيَّن بتماثيل ملوك الغوط والإسبان.
وفي الجهة الجنوبية من النهر قسم آخَر من المدينة، وهو دون القسم الشمالي في عمرانه. إنما هناك الأديرة — وما أكثرها في برغوس وجوارها! — الأديرة العامرة والمهجورة، والمتحولة إلى مراكز للعمران، منها دير سان بدرو القرديني Cardena، حيث دُفِن السيد وزوجته شمينة وحصانه ببيشا. وما أكثر البيوت في الناحية الشمالية التي تنقلك بواجهاتها والأبراج إلى جانبيها، والأشكال القردينية Gargoyles لمزاريبها، إلى القرون الوسطى، وعلى الأخص إلى أوروبا الغوطية في ذلك الزمان! قلت إن لكل مدينة إسبانية كنيسة كبرى تعلوها، تشمخ فوقها، وهذا لا يصح في برغوس؛ لأن الرابية هي القائمة فوق البلدة وفوق الكنيسة الكبرى.
وعلى رأس تلك الرابية قصر متداعٍ، أو خرائب كانت قصرًا، وهي اليوم زريبة للمواشي. ذلك القصر كان لفرنان غنسالس، ثم صار مقرًّا لأمراء قشتالة، ومَرْبَعًا للأفراح الملكية؛ فقد تزوَّجَ فيه إدوار الأول ملك إنكلترا بألينور أميرة قشتالة، وفيه بدأ السيد مرحلة من مراحل مجده، يوم اقترانه بشمينة Ximena حفيدة الملك ألفونس الخامس. وهناك تحصَّنَ الفرنسيون في حروبهم النابليونية الإسبانية، عندما حاوَلَ الدوق ولنغتون سنة ???? أن يأخذ برغوس، فرُدَّ عنها، ثم سلَّمت في السنة التالية.
وفي الطريق من الكنيسة الكبرى إلى القصر، بالقرب من المقبرة، كان البيت الذي وُلِد فيه السيد.
أما وقد أخبرتك أين دُفِن السيد، وأين تزوَّجَ، وأين وُلِد، فإنك سائل ولا شك السؤال السديد: ومَن هو هذا السَّيِّد، أو السِّيد؟
•••

روي دياز ده بيبار Ruy Diaz de Vivar، هو في إسبانيا عنتر والسفاح وأبو زيد السروجي في شخص واحد. هو عنتر بشجاعته لا بشعره، وهو السفاح بقساوته ومطامعه، وهو بخفته وظَرفه ومَكْرِه أبو زيد السروجي. أما لقبه السيد، فقد أطلقه عليه العرب المحبون له، والمعجَبون به، فأخذه الإسبان عنهم، وصار يُعرَف في تاريخهم وأساطيرهم وأشعارهم بالسيد El Cid. والسيد سيِّدان: سيد التاريخ، وسيد الأساطير.
أما سيد التاريخ، فهو ذلك الرجل الذي عاش في القرن الحادي عشر (????–????)، وكان في مغامراته وكبائر أعماله، الشريفة وغير الشريفة، الصليبية وغير الصليبية، في الحرب وفي السِّلْم — القليل يومئذٍ — وفي الغزوات المسيحية والإسلامية — يومًا على الكفار ويومًا معهم — كان السيد المثلَ الأعلى للبطل القشتالي من القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وأصبح بعد ذلك بطل إسبانيا الأمجد، بطلها التقليدي التاريخي الأسطوري.
كان أول نبوغه في الحرب التي قامت بين الملكين، سانتشو القشتالي وسانتشو النبارِّي Navarre، وكان هو في جيش الأول، فبرز ذات يوم في ساحة القتال وحده يدعو قائد ملك نبارة للنزال. هي الطريقة العربية، وقد أخذها على ما أظن عن العرب. – تعال نفصل الأمر بسيفنا، فإما أن أقطَّ رأسك أو تقطَّ رأسي.
نزل البطلان إلى الميدان، وكان السيد منتصرًا، فقبَّلَه الملك على كتفيه، ولقَّبَه بالبطل المجاهد Compeador، ثم زوَّجه بحفيدة سلفه ألفونس الخامس، وأرسله إلى إشبيلية يَجبي الخراج. كان المعتمد بن عباد لا يزال يومئذٍ على العرش، فاستعدَّ لاستقبال السيد بما يستحقه من الإكرام؛ بالسيف! ولكنه كان يومئذٍ في حرب وابنَ الأحمر صاحب غرناطة، فوصَلَ السيد إلى إشبيلية قبل أن يتفرَّغ المعتمد لأمره.
وصل إلى إشبيلية والحرب قائمة حامية، فسمع: مَن يحارب السيد؟ فجال وصال على هامش المعركة — حارَبَ لنفسه — قبل أن انتصر ابن عباد على عبد الله بن الأحمر، وعاد بما غنم من أموال وأسرى إلى برغوس.
مرتِ السنون وهو يقوم بهذه الغزوات باسم الملك وللملك، فيغزو «الكفار» يومًا، ويومًا يشنها على أعداء قشتالة في أراغون ونباره، حتى مُنِي أخيرًا بما يمنى به مَن يخدمون الملك.
– السيد يا مولانا يغزو باسمكم، ويغنم الغنائم ويسبي السبايا، ولا يعرف غير نفسه، وهو يَجبي الخراج ولا يؤدي منه إلى خزانة الملك غير اليسير.
وقلَّ في الملوك مَن لا يصدِّق الواشي، فغضب ألفونس السادس غضبةً ملكية، ونفى السيد من قشتالة.
كان روي يومئذٍ في الخمسين من عمره، وفي حاجة إلى المال، فسارَعَ أبو زيد السروجي إلى نجدة عنتر، ودبَّرَ الأمر. هي قصة الصندوق الذي رأيناه في الكنيسة، وأصبح كنزًا من كنوزها. هي حيلة السيد أبي زيدٍ السروجي، الذي ملأ ذلك الصندوق حجارة ورملًا، وأقفله بأقفال من حديد، وختمه وجاء به على ظهر أحد خدمه إلى راشيل وبيداس اليهوديَّيْنِ في المدينة، فخاطبهما قائلًا: «في هذا الصندوق جواهري وكنوزي كلها، جئت أرهنها عندكم، فقد طردني الملك من بلاده، وعليَّ مال لرجالي وخدمي، وعليَّ واجب لزوجتي قبل الرحيل، فاحتفظوا بالصندوق إلى أن أعود، وأعطوني ستمائة دوقة — ستمائة لا غير — فالجواهر والكنوز في الصندوق تساوي أضعاف أضعاف هذه القيمة.»
دفع اليهوديان المال، واحتفَظَا بذلك الصندوق إلى أن عاد السيد، أو إلى أن شاء رب إسرائيل أن يكشف الخدعة. وهناك روايتان يردِّدهما التاريخ: الأولى تثبت أن السيد فك الرهن، والثانية تنفي ذلك.
بعد أن تسلَّمَ المال من بيداس وراشيل خرج السيد من قشتالة غازيًا بلاد المسلمين، ومعرِّجًا على ديار اليهود، اليهود والمسلمون أعداء الدين والدنيا، مالهم حلال، ودمهم في بعض الأحوال — كذلك يقول الله لعبده روي بيبار، ويقول كذلك حبوا أعداءكم — فيمتشق روي السيف حينًا، وحينًا يلوِّح بالصليب العاجي الذي كان يحمله دائمًا.
سيف الكثلكة في رقاب المسلمين، ولكن في المسلمين الشجاع والكريم والهمام والحكيم، والمنتفعون حتى في الدين.
– هذي هي مصلحتنا، يا سيد، وتلك هي مصلحتك؛ فعليك أو علينا أن نجمع بين المصلحتين ونوحِّدهما.
– دمكم حلال لي، ولكنه لا ينفعني. تعالوا إذن نوحِّد الغارات والغزوات ونتقاسم الغنائم.
هي الأمثولة العربية التي تعلَّمَها السيد، فعزَّز في شخصه أبا زيد السروجي، وعزل السفاح. النهب النهب، وإذا كان لا بد من القتل، فالخير للدين الصحيح ولكنيسة المسيح، هو أن نرسل المقتول إلى الجحيم لا إلى السماء. ما لي وهداية الكفار، فإن الله يهدي مَن يشاء. كذلك يقول أصدقائي المسلمون.
لم يكن السيد صليبيًّا، بالرغم من صليبه العاجي الذي كان يحمله دائمًا، ولا كان مبشِّرًا منذرًا. لم يكن قصير النظر، بعيد الخيال، يُجنُّ بالدين، ويرى في سيفه الرحمة، رحمة السيف! لا، ما كان مجاهدًا في سبيل الله، ولا من أجل السيد المسيح والعذراء القديسة، بل كان يحب القتال حبه للمال، وثَّابًا خفيف اليد والرِّجل، متحركًا على الدوام، ولكنه يختلف عن الأعرابي في أنه كان نهَّابًا غير وهَّاب.
قال أحد الكتَّاب فيه إنه كان غوطيًّا في القتال، وفنيقيًّا في حب المال؛ أي إنه كان مسيحي الاسم فينيقي المزاج والنزعة، ولكن الفطرة الغوطية كانت تستيقظ من حين إلى حين، فتتغلب على الوثنية الفينيقية. المسيح سيدي وعميدي، والعذراء أمي الحنون، فماذا عملت من أجلهما؟ لا شيء، لا شيء.
وفي عاصفة من التقوى يشنُّ غارة دينية صليبية، فيقتل «الكفار» حيث يثقفهم، ويقدِّمها كفَّارة بين يدي سيده الإلهي، وأمه السماوية، ثم يعود إلى سجيته الوثنية الفينيقية العربية، إلى عنتر وأبي زيد السروجي.
– ولماذا نقتل الكفَّار، يا فانس (أحد قواده) لماذا؟ أليس خيرًا من ذلك أن نواليهم، وننتفع بهم؛ فإن فيهم الحكام وفيهم الأغنياء، وفيهم الشجعان المفلسين المجاهدين. فهؤلاء إن أحسنا معاملتهم وأشركناهم في الغنائم يجاهدون معنا، يساعدونا على أبناء دينهم الأغنياء والحكَّام.
وهناك المَلك الذي نفاه، والمسيحيون الذين كادوا به ووشوا به. فهل يجوز أن ينساهم؟ كلا، وسيتعاون وأخاه المسلم على البر والتقوى. أجل، إن في المسلمين مَن يُؤَاخُون غير المسلم لأغراضهم الخاصة، مثل ابن هود صاحب سرقسطة.
إلى ابن هود إذن، نتحالف وإياه في سبيل الله. الله أكبر! الله أكبر!
تعلَّمَها السيد، وحمل المقتدر بن هود على أعداء ابن هود المسلمين، ها هو ذا بطل النصارى شاهرًا سيفه، وعلى أعداء السيد النصارى، ها هو ذا بطل المسلمين، وقد هداه الله.
قضى السيد ثماني سنوات يغزو الغزوات المسيحية الإسلامية الفينيقية السروجية.
– والحمد لله رب السموات والأرض، كنتُ فقيرًا فأصبحتُ غنيًّا؛ غنيًّا بالذهب وبالأملاك والأموال. صاهرت الأمراء، ونازلتُ الملوك، فكنتُ منتصرًا في المعارك، ومنتصرًا في القصور. المسلمون يحترمونني، والنصارى يخافونني، واليهود يدفعون … أنا السيد، صاحب الصولة والاقتدار … وهناك في المغرب جوامع وقصور — ويهود — وهناك أناس ينادونني وينتظرون، ولكني باقٍ ها هنا … فإن في بلنسية الغنيمة الكبرى.
بلنسية الجالسة على عرشها بين البحر الأبيض و النهر الأبيض Guadalaviar، دخلها العرب في سنة ??? للميلاد، فحكموها باسم الخليفة بدمشق، ثم باسم الخليفة بقرطبة، وبعد سقوط قرطبة بيد النصارى استقلَّ بها ابن أبي عامر وخلفاؤه من آل بيته، ثم استولى عليها المرابطون سنة ????، يوم كان السيد يعدُّ العدة للزحف إليها. وجاء السيد بسبعة آلاف مقاتل أكثرهم من المسلمين العرب، فسارَعَ يوسف بن تاشفين سيد المرابطين إلى نجدة المدينة.
والتحم الجيشان الإسلامي المسيحي والإسلامي المغربي، فتراجَعَ المغاربة وكانت الخدع الحربية التي لا يُبارَى السيد فيها؛ فبعد أن حاصَرَ المدينة حصارًا دام تسعة أشهر، قال أبو زيد السروجي الكلمة التي كانت المفتاح، فانفتحت بوابة السور.
سلَّمت بلنسية سنة ???? فدخلها السيد ظافرًا، وحكمها أربع سنوات حكمًا سديدًا عادلًا.
على أن المرابطين استمروا يحومون حولها، ويشنون الغارات، فناجَزَهم السيد، وردَّهم عنها مرارًا، فحملوا عليه الحملة الموفَّقة سنة ???? وهزموه، وكادوا يأسرونه.
تلك السنة كانت آخِر ما قُدِّرَ له من الحياة الدنيا، وقد تكون الهزيمة عجَّلت بأجله.
ولكن زوجته شمينة استمرت بعد موته تناجز المرابطين، وقد قبضت على زمام الحكم، وجلست على كرسيه ثلاث سنوات.
قال المؤرخ المحقق: عندما رأت شمينة أنها لا تستطيع أن تواصِل الدفاع عن المدينة، فرَّتْ هاربةً إلى بلاد الشمال، ومعها جثة زوجها، فدفنتها بدير قردينية، قرب برغوس عملًا بوصيته.
وقال القصصي بِلِسَانَيِ المؤرخ والشاعر: عندما رأت شمينة أن لا بد من الفرار، امتطت ببيشا جواد زوجها، ووضعت الجثة أمامها، وأغارت فاخترقت صفوف المغاربة المحاصِرين المدينة …
وللسيد الخرافي قصص ودواوين، أهمها «ملحمة السيد»، وهي أقدم الملاحم الإسبانية، «وأيام السيد» وهو تاريخ روائي، أو رواية تاريخية شبيهة في أسلوبها بالروايات التاريخية في كتاب ألف ليلة وليلة. هذا فضلًا عن القصائد، وقد نُظم باللغة الإسبانية وحدها أكثر من مائتي قصيدة في مدحه وتمجيده.
أما الرواية في دفنه فلا غبار عليها، ولكن عظامه، مثل عظام كولمبوس بعده، تعذَّبَتْ عذابًا غير أبدي؛ فكانت عرضة لحوادث الزمان، وحمَّى الإيمان في الإنسان، زهاء ثمانمائة سنة، فنُقِل بعض العظام خلال تلك المدة إلى بلدة في ألمانيا، وبعضها إلى بيت ببرغوس، ثم نُقِل الباقي منها سنة ???? إلى مقرها الأخير — إن شاء الله — بكنيسة السراي، القريبة من الكاتدرائية، حيث شاهدنا صندوق «الجواهر والكنوز» التي خدع به السيد ذينك العبرانيَّيْنِ راشيل وبيداس رحمهما الله.
•••

في برغوس وليون نشأت العصبية التي قاومت المسلمين، وتغلَّبَتْ بعد مائتي سنة عليهم، تغلُّبًا جزئيًّا — وتغلَّبَتْ كذلك على نفسها — فإن إسبانيا المسيحية روحيًّا هي في دمها عالمية، كيف لا وقد جرت في عروقها دماء الفاتحين الرومان والغوط والعرب والبربر، وكل منهم يحمل في عروقه مزيجًا من دماء الأقدمين الشرقيين والغربيين.
لقد انبعثت هذه الشعوب كلها وتجدَّدَتْ، فتوحَّدت روحها في إسبانيا، هذا في الكيان الجنسي القومي؛ أي في العصبية. وأما في الدين، فقد كانت إسبانيا في أيام السيد مسيحية إسلامية يهودية، إنما المسلم فيها كان سائدًا، والمسيحي مسودًا، واليهودي أقلية تائهة تافهة.
بل لقد كان هناك سادة من المسلمين تجري في عروقهم دماء الغوط واليهود، وكان هناك أساقفة من النصارى امتزج بدمهم دم عربي يمني، أو سوري، أو بربري، وكان هناك شعراء وعلماء من اليهود تربَّت أمهاتهم في الحريم.
أما القصر القديم الغالب أو المغلوب، وهو واحد في الجميع — ذلك القصر الساكن، أو المتحرك، أو المضطرب الهائج، طبقًا لليقظات وللفرص والأحوال — فقد يتغيَّر اسمًا، ولا يتغيَّر هدفًا وعملًا.
وقد تغيَّر في إسبانيا ثلاث مرات في ألف سنة، فكان وثنيًّا رومانيًّا، وكان مسيحيًّا غوطيًّا، وكان مسلمًا عربيًّا. ثم عاد مسيحيًّا كاثوليكيًّا، وهذا طبيعي؛ لأن المسيحية الغوطية لعنتها روما، وروما أم إسبانيا منذ القديم. فطبيعي أن تكون مسيحيتها كاثوليكية مقدَّسة.
أما غير الطبيعي في أمرها الوطني الديني، فهو أن اليهود والعرب والإسبان تآلَفوا في معاملاتهم وتزاوجوا، وما تآلَفت أديانهم ولا تسالمت، بل ازدادت نفورًا بعضها من بعض، وغلا بعضها على بعض، فتحاربت وتطاحنت.
وكانت في بعض الأحايين تتهادن بدون مقدمات أو تفاهم، إنما تتعب من الحرب فتسكن وتنام، فيتحارب إذ ذاك العربي مع الإسباني لمآرب غير دينية، ويتحارب الإسباني مع العربي؛ نكايةً بإخوانه الإسبان، أو طمعًا باسترجاع مدينة أو مقاطعة ذهبت من يده.
«وخرج المهدي ومعه ابن أذفونش لقتال المستعين بالله؛ فانهزم ومَن معه من المسلمين والمسيحيين.»
«وكان موسى أمير سرقسطة يحارب المسيحيين (???)، فظفر بهم في بعض الوقائع، إلا أنه انكسر في آخِر الأمر، وتغلَّبَ عليه ملك أشتورية، فعزله الخليفة الحَكم من إمارة سرقسطة، فاستشاط غيظًا، وانحاز إلى المسيحيين، وزوَّجَ ابنته بملك نابارا Navarre.» «وثار نصارى نابارا على حكَّام الفرنسيين سنة ??? من شدة عسفهم وجورهم، واتفقوا مع المسلمين، فسلَّموهم مدينة بنبلونا.»
ومَن هم الذين ساعدوا السيد ليتغلب على المرابطين، ويستولي على بلنسية؟ هم المسلمون العرب.
ومَن هم الذين أعانوا فرنندو الثالث على ابن عباد بإشبيلية؟ هم العرب المسلمون.
فلا تَسَلْ عمَّا يفعله الناس، وتفعله الأمم، عندما تشتد بينهم العداوات، وتسيطر الأهواء على عقولهم وأعمالهم.
أَوَمَا كان العرب أنفسهم في قرطبة وفي بغداد يكيد بعضهم لبعض، ولا ينظرون في مصالح الدولة والدين إلى أبعد من مدى الكيد والضغينة؟? وما كان الإسبان، كما قدمت، على غير هذه الحال، قبل اتحادهم الوطني الكاثوليكي، الذي أخرجهم عن عالميتهم الأولى، وجعلهم باسم فرديناند وإيزابلة، إسبانيين فاتحين مستعمرين.
ومع ذلك فقد كان للتغلُّب أسبابٌ غير التحزُّب والتخاذل في المغلوبين، وغير المكائد والأحقاد.
كان الإيمان قوة العرب الغالبة في بداية أمرهم، وكانت الحركة الدائمة — الغزو والحروب — تدعم الإيمان تارةً، وطورًا تغذِّي العصبية وتهيجها؛ فيتغلَّب باسمها وقوتها عبد الرحمن الأموي مثلًا على يوسف بن عبد الرحمن الفِهْرِي، وتتأسَّس الخلافة الأموية في الأندلس، ويتغلب باسم الإيمان وقوته المنصور بن أبي عامر مثلًا في غزواته كلها — وعلى الخليفة نفسه.
هذه الحقيقة تصحُّ كذلك في عكسها، أو بالحري في مَن حاربوا العرب؛ فقد كانت قوة الإسبان تظهر حينًا في العصبية الناهضة، وحينًا فيما تجدَّد من إيمان. هذا في الجنوب، وفي قلب إسبانيا؛ أي في قشتالة وأراغون.
أما في الشمال، في جليقيا وأشتورية كما في فرنسا، فلم يكن الإيمان المسيحي عدو العرب الغالب، ولم تكن العصبية، بل كان عدوهم، في الشمال، الشمالَ نفسه: البرد ورطوبة الهواء والأوحال والرياح والثلوج؛ فلا رجال أفريقيا، ولا عرب الجزيرة يتحملون برد الجبال والأصقاع الشمالية.? إن بلد الوليد مثلًا تعلو عن البحر سبعمائة متر، وليون ثمانمائة، وإن ميزان الزئبق في ذلك الإقليم يسقط إلى الدرجة الخامسة عشرة — فرنهيت — تحت الصفر. فما هذه بأرض تصلح للنبت العربي، إن كان بذره من شبه الجزيرة أو من المغرب. وإن قلتَ: تلك جبال اليمن، وفيها أعلى مما ذكرتَ من البلدان! ذَكَّرتُكَ بالحقيقة الجغرافية الأخرى؛ وهي أن اليمن العالي — ذمار وصنعاء ومناخة — هو على اثنتي عشرة درجة من خط الاستواء، وإسبانيا الشمالية، في مقاطعة برغوس مثلًا، هي في الدرجة الثالثة والأربعين من خطوط العرض.
فاليمني ابن ذمار أو صنعاء، الذي يبرد في فصل الشتاء، يموت بردًا في بلد الوليد، فضلًا عن جليقيا وأشتورية.
وقد خَبر ذلك العربُ أنفسهم يوم زحفوا من الأندلس شمالًا بغرب، ووصلوا إلى أشتورية وجليقيا، فما عتموا أن انكفئوا عنهما، وساروا شرقًا إلى وادي أبيره، ومنها عادوا إلى قلب إسبانيا، فاستقروا في طليطلة وماردا، حيث البرد شتاءً لا يجاوز الحد الذي يتحملون.
? برغشت العرب.? بينما كان ملوك قرطبة يراسلون قياصرة القسطنطينية الذين كانوا في حرب مع مسلمي الشام وفارس ومصر، كان خلفاء الشرق يعقدون معاهدات مع ملوك الفرنسيس الذين كانوا في حرب مستمرة مع مسلمي الأندلس (الأمير شكيب أرسلان، «تاريخ غزوات العرب»، صفحة ???).? قال أحد شعرائهم بعد غزوة في الجبال العالية.يحل لنا ترك الصلاة بأرضهموشرب الحميا وهو شيء محرمفرارًا إلى نار الجحيم فإنهاأرق علينا من شنير وأرحم
نور الأندلس?


من حسنات الحياة والكفارات عن ذنوب الناطق بالضاد؛ الحجُّ إلى الحمراء التي قال فيها الشاعر:
تمد لها الجوزاءُ كفَّ مصافحويدنو لها بدر السماء مناجيا ومن حظي أني كنتُ من الحاجِّين. زرت تلك البلاد المباركة في موسم ظننته أولًا موسم الأعياد، ولكني بعد أن طفت شوارع سفيليا — إشبيلية — وتنشقت هواءها، وشممت طيبها، وسمعت حمَّارها وفلَّاحها وشريفها يتغنون ? «أندلثيَّا» — وهو يلفظون السين ثاء — ويناجون ربة السرور ليلَ نهار بعيونهم وبأرواحهم الخفيفة ساعة الأشغال، وبالعود والقانون ساعة اللهو والطرب؛ علمت أن عام تلك البلاد مواسم، وموسمها أعوام دون انقطاع.
فأندلُثيَّا بلاد الرقص والقمار، بلاد الكنائس وصراع الثيران، إنها قطب السرور في فلك الإسبان، بل هي في نظر الأندلسيين بلاد الله وحدها، وقد قال أحد ظرفائها: «خلق الله العالم في ستة أيام، ثم جلس في اليوم السابع في الأندلس ليستريح.»
على أن الزائر لا يرى حتى للخالق تعالى فرصة للسكون أو مجالًا للارتياح؛ فالكنائس مثل المقاهي والمسارح وبيوت الميسر، كلها أبدًا مفتوحة، تتمثَّل فيها الحركة الدائمة، والناس قائمون قاعدون يودِّعون عيدًا ويستقبلون عيدًا. ومن غريب الأمور أن حيث تكثر الأعياد تقل الصلاة؛ فالأندلسيون قلَّمَا يصلُّون رغم مواكبهم الدينية العظيمة وموسيقى كنائسهم الرهيبة الفخيمة، وقد يَحُول الجمال الظاهر في الاحتفالات دون الصلوات، وقد يستغني المرء أحيانًا بالحركة عن البركة؛ إذ لا وقت لمَن عيده دائم أن يحاسب نفسه، أو يحسد جاره، أو ينشغل بالتذمر والشكوى.
والذي يُخَيَّل لي أن الله بعد أن جلس في الأندلس يستريح، بارَكَها ثم هجرها! وأبناء البلاد حتى الآن يعيِّدون كتلاميذ المدرسة عند تغيُّب المعلم، وما أجمل ما فاح من تلك البركة، وما تجلى وما تجسَّد في تلك البقعة من الأرض! ففي سمائها وفي شمسها عرش للعيد وَهَّاج، وفي بساتينها وفي مروجها حلة للعيد لا تبلى، وفي هوائها جرثومة سحر تدخل قلبك فتسرع ترقص فيه حتى تستهويك وتستغويك فتخفف الروح منك إلى نقطة الدائرة في مدينة الطرب والسرور، فتسترسل مثل أبناء البلاد، وتسير معهم من عيد صغير إلى عيد كبير، إلى عيد أكبر، إلى عيد الأعياد في الربيع.
ثلاثة أبواب ينبغي أن تظل مفتوحة في وجه الأندلسي: باب المقهى، وباب ا? «كاسينو»، وباب الكنيسة. فهو إذا خسر في المقامرة يؤم الكنيسة أو المقهى حسب ذوقه وإلهامه؛ ليغيِّر من حظه. ولم أرَ ما سوى ذلك في تلك البلاد للهرب من الأعياد بابًا مفتوحًا، إلا إذا لجأ السئوم إلى الجبال، أو طفق يركض جنوبًا حتى قادش أو مالقة، فيعتصم هناك بالبحر، أو لبس قبع الخفاء الذي يجده في خزانة الغابر من الزمان.
لكن مهلًا! ففي قلب الأندلس ملجأ قلَّما يلجأ الأندلسيون إليه. هناك مقام لا تسمع فيه ضجة العيد، ولا تصل إليه أصداء الأغاريد، مقام، بل مقامات هي أجمل ما في الأندلس أثرًا وذكرًا، وقد كان لها من السرور أيام زاهرة، ومن الطرب ليالٍ باهرة عاطرة، ومن المجد أعلام وقباب ومعاهد وأنصاب، ما تبقى منها اليوم غير قصور متهدمة نبتت في جدرانها الأعشاب، ونظم العنكبوت مرثاته فوق النوافذ والأبواب، وجلس في عروشها العالية السكون، ودُفِن في جناتها المهجورة الشعر والأدب والفنون. وإنك لَتسمع لسكونها المهيب وخلوِّها من الأنس الرهيب همس الشمس، وهي تتمشى في عرصاتها، ووقع نقط الندى من أغصان الليمون والرمان على ورق الورد والبيلسان.
طلول كانت بالأمس معاهد وقصورًا، هي دائرة المجد وقطب الحبور، في قناطرها وقبابها وأبوابها صناعة دقيقة نادرة، وفي كل رسم من رسومها آية جمال تُدهِش حتى اليوم أرباب الفن، وفي كل بيت من الشعر على جدرانها درة من المعنى، أو زهرة من التقوى منقوشة في بلاط منقطع النظير لونًا وتذهيبًا.
وصنائع الزليج في حيطانهاوالأرض مثل بدائع الديباج هذي آثار العرب وقد أمست عروسًا لربة النسيان، ومدفنًا لمجد الزمان، وظلالًا تجلب الأحزان، وعِبرة بليغة للإنسان. وهي رغم ذلك بهجة للناظرين، ومصدر وحي لأرباب الفنون والمتفننين. ولكن الذكرى … لله من ذكرى تقبض على النفس فتجعلها كالجماد! لله من آثار تبتهج لمرآها العين فيذوب لمعناها الفؤاد! لله من بلد تغَنَّتْ بمكارمه كل بلاد! لله من عزكم ومجدكم ابنَ أمية وابن عباد وعبد الرحمن والمنصور والمعتمد، مَن شادوا معاهد العمل والدين! طالما اهتزت النفس لذكر مآثركم، وطالما وقفت العين شغفًا عند أسمائكم في التاريخ، وطالما تاقت النفس مني والعين إلى مشاهدة ما تبقَّى من تلك الآثار المجيدة. ها قد استُجِيبَتْ طِلبتي؛ فقد وطئت أرضًا عطرتها شمائل العرب، وجُلْتُ في بلادٍ عمَّرتها همم العرب، ووقفت أمام عروش هدمتها عصبية العرب.
سررت أني فزت بمهرب من العيد، فرحت كالهائم أنشد تحف النسيان بل مُخَبَّآت الزمان، وما البادي من أثر غير غلاف لكنز مكنون يستخرجه العلم وتجلوه الفنون. فمن قصر إلى برج، ومن برج إلى متحف، سرت كالهائم الولهان، نسيت العيد في القريب البعيد من الماضي المجيد، فمن ا? «هرلدا»؛ أي المئذنة التي شادها المهندس جابر للخليفة يوسف بن يعقوب، إلى برج الذهب الذي شاده ابن العلاء على ضفة الوادي الكبير، ومن البرج إلى القصر الذي لم يَزَلْ فيه زاوية عامرة يقيم فيها ملك الإسبان عندما يؤمُّ إشبيلية، ومن القصر إلى المتحف، وفيه من آثار الفنون والعلم ما يدهش. هذه أبواب خلاص من الأعياد … ولكن الفرح بالخلاص لا يلبث أن يزول، فيحل محله كآبة شديدة الوقع تكاد تشابه حزن المحب في فراق الحبيب. وفي مشاهدة الطلول والآثار يسترسل المرء الرقيق الشعور إلى مثل هذه العواطف، ومتى تكاثرت الأحزان واشتدت يقام لها في القلب عيد، فيضحك صاحبها وهو يبكي، ويردِّد الألحان وهو ينوح.
وقفت في تلك المئذنة القائمة إلى جانب كاتدرائية إشبيلية وهي أعظم كنيسة في أوروبا بعد كنيسة القديس بطرس في روما، فانكشفت تحت عيني مدينة هي مشرقية، بل مغربية في سطوحها البيضاء، وجادَّاتها العوجاء، وعرصاتها الخضراء، ومصاطبها الحافلة بالفل والقرنفل والمردكوش، وأهلها السائرين في الأسواق كأن لا شغل لهم غير شم النسيم وقطف الزهور؛ فتراءَى لي العيد ثانيةً كأنه يقول: لا مهرب لك مني وأنت في هذه البلاد! فحوَّلت نظري إلى القصر وبستانه الفسيح الجميل، ثم إلى البرج على ضفة نهر الكبير، فساح بي الفكر إلى الشام، إلى الكوفة، إلى الحجاز، إلى الحرمين. جالت بي الأحلام، فأدنتني من مجد العرب الغابر، بل مثَّلته أمامي حيًّا.
عرب الأندلس، عرب الشام، عرب العراق، عرب الهند. أيعرف بعضهم بعضًا اليوم إذا اجتمعوا في نجد مثلًا أو في الحجاز؟ وأي صلة بين بني عبَّاد في أوج مجدهم وبني أمية، وبين بني العباس وبني بربر المغول؟ بل أي صلة تصلهم كلهم بعرب الجزيرة؟ وأي من تلك الدول العظيمة يُدرِك سرَّها اليوم أبناءُ اليمن مثلًا، ويحترمون شارتها، ويؤمِّلون بتجديد عزها؟ أليس للعرب من الفكر نَيِّرًا إلا إذا احتكَّ بأفكار بعيدة غريبة؟ أَوَلَا يثمر النبوغ العربي إلا إذا لُقِّح بنبوغ أجنبي؟ هل الفضل ببغداد كان للبرامكة، وبالشام لبيزنطية، وبالأندلس للفرنجة، وبسمرقند للعجم، وبكشمير للهنود؟ فما السبب في مجدٍ شادَه أولئك العرب خارج الجزيرة؟ وما السبب في قِصَر عهده واضمحلاله؟
•••

زرت الأندلس حاجًّا لا باحثًا منقبًا، وعدت منها وفي نفسي بهجةُ مَن شاهد أجمل الآثار وحدَّث أفضل مَن في الديار.
فبعد أن شاهدت ما في إشبيلية من الآثار العربية والإفرنجية أيضًا، وأصبحت في محشر من الأعياد، قلت في نفسي: الهرب رأس الحكمة. فسافرت إلى غرناطة قاعدة الدنيا في ذلك الزمان وحاضرة السلطان، وأقمت في القصبة الحمراء أسبوعًا وددت لو كان أشهرًا، وكان قصدي أن أقيم ثلاثة أسابيع لولا دفُّ العيد وزَمْرُه.
فقد صادَفَ أن زيارتي كانت في الربيع، ولم يكن أهل غرناطة قد أقاموا بعدُ مهرجان أيار، عيد الأندلس العظيم — وهو شبيه بعيد النيروز عند العجم والعرب، وقد يكون أُخِذ عنهم — وكنت شاهدت في إشبيلية فاتحة ذا المهرجان الذي يدوم شهرًا كاملًا، وهربت منه كما قلت، ولكن الويل للهاربين؛ فها إنه لحقني بِخَيْلِه وَرَجْلِه، بخيامه ونوباته ومشعوذيه، بأعلامه وراقصاته وأغانيه، فهربت ثانيةً، تركت الحمراء وقصورها الحافلة بجيِّد الشعر في مدح ملوكها، وذكر مجالسها، ووصف جناتها وبركاتها، وسافرت إلى قرطبة مسقط رأس ابن رشد أبي الوليد؛ لأشاهد فيها الجامع الكبير الذي شيِّد، عهد عبد الرحمن الأول، مسجدًا صغيرًا، فنما والدولة نموًّا طبيعيًّا؛ إذ أضاف إليه خلفاء عبد الرحمن الأربعة أقسامًا كبيرة زادت بفخامته وجماله، وهو اليوم كنيسة قائمة على عُمُد الجامع القديم التي تتجاوز الألف.
وصلت إلى قرطبة مساءً، وأنا أحمد الله على خلاصي من المهرجان، لكني ما كدت أنزل من عربة السكة إلا ورب العيد والأغاريد والكابوس العنيد … فظننت أنها أصداء من غرناطة لم تَزَلْ ترن في أذني، فدخلت المدينة مستعيذًا مستسلمًا، فإذا بالأصوات وقد تضاعَفَتْ وتعدَّدَتْ وتجدَّدَتْ وتردَّدَتْ. لها غنات وهدير، غريبة الألحان والأغاني والضوضاء، وقد ملأت الفضاء وحيَّرَتْ حتى السماء، فلا زئير الأُسْد وقد خالطها صفير البلابل، ولا نهيق الحمير بين عجيج الثيران وصياح الديوك، ولا صدى المدافع وقد تخلَّلَها نعيق البوم وعواء الثعالب، ولا الأبواق وقد نفخت فيها القرود، ولا الدفوف في أيدي الجنود؛ بل كلها اجتمعت في قرطبة ضجيجًا وتصاعدت عجيجًا، كأنها ألحان من الجحيم. سددت أذني مستغفرًا الله مسترحمًا، فإذا بصوت يهمس فيها: يا هارب، يا جبان، هي نوبات المهرجان.
«عيد بأية حال عدْتَ يا عيد!» … أَلَا مهرب منك في بلاد الأندلس؟! أَلَا ملجأ للغريب فيها من نعيمك وخمرك وطبلك وزمرك؟! وقد زاد في الطين بلة أن المنازل والفنادق بسبب هذا العيد المبارك كانت كلها ملآنة، لا غرفة ولا فرشة ولا مسند فيها لغريب ولا لقريب.
فبعد أن جُلنا المدينة كلها أو ما تلألأ بالأنوار منها، وأجرة العربة تصعد كالزئبق في تموز، ودليلي الترجمان يحرك يديه ويهز كتفيه، شاكيًا خجلًا من ضيق بلده في وجه الزائر الكريم، وقفنا عند بوابة كبيرة إلى جانبها مصباح صغير ضئيل، فترجَّلَ الدليل، وقال كمَن أُنزِلَ عليه الوحي: «انزل يا سنيور انزل! سآخذك إلى بيت عمي، وهو بيت يليق بك.»
فنزلت والحقيبة بيدي، وكذلك قلبي، فمشيت وراءه، وكان المصباح عند الباب آخِر عهدي آنئذٍ بالنور. مشينا في زقاق ضيق لا يمكن أن يقع السائر فيه؛ لقرب حائطيه الواحد من الآخَر، إلا إذا وقع على وجهه أو ظهره، ومنه إلى ساحة منَّ عليهما ببعض النور مصباحٌ من شباك مفتوح. تنفستُ الصعداء، ولكننا لم ندخل الساحة إلا لنخرج منها إلى شبه جادة فيها شبه قنديل ظننته لبعده بصيص الحباحب، ولم نصل إليه لأتحقق ظني، بل سرنا يمينًا ثم شمالًا إلى زقاق آخَر مظلم، وقف الدليل فيه وقال: أعطني يدك! فأنزلني دَرَجًا درجاتُه مثلُ دكات لبنان متهدمة، وهو يقول: لا تخف وصلنا. وأنا أسائل نفسي: أيقيم عمه تحت الأرض؟
نزلنا الدرَج دون حادث يستوجب عناية طبيب، فانبسطت أمامنا طريق شعَّ فيها ما كدنا نسيناه من حقيقة النور. مشينا مسرعين، فإذا هناك مصباح لا ريب فيه فوق باب مفتوح، دخلناه كأنه باب الجنة، وسرنا إلى فِناء الدار فكانت عامرة بالأنوار، فيها أقفاص تغرد فيها الطيور، ومستنبتات نوَّرَتْ فيها الزهور، ولكن الدار خالية من الإنس، وقد كان أهلها في المدينة يعيدون، ما سوى رب البيت وهو شيخ جليل، فتقدَّمَ يتأهل بالغريب وبالدليل.
تكلَّمَ الدليل فابتسم الشيخ، وسار وهو يشير أن أتبعه، فأدخلني غرفةً صغيرة لا نافذة فيها ولا شباك، إلا أن في بابها — وهو قبالة الحوض من الفِناء — ثقوبًا تؤذن بدخول الهواء وصوت خرير الماء، وبعد المساومة — لا ضيافة في الأندلس اليوم — سألني الشيخ عن أصلي. فقلت: عربيٌّ، فهشَّ وبشَّ، ونادى قريبه وهو يشير إلى قلبه ويقول: كلنا هنا عرب. إلا أنه تقاضاني أجرة الغرفة ثلاثة أضعاف إكرامًا للعيد، وقبض القيمة سلفًا إكرامًا — على ما أظن — للعرب.
وبعد حديث كان الترجمان صلته، علمت أن الشيخ ممَّن يعجبون جدًّا بعرب الأندلس، وإن كان لا يعرف للضيافة معنًى، ويعرف للمال ألف معنًى. فهو في هذا مثل كل الإسبان، بل مثل أكثر الأوروبيين اليوم، وهو من القليلين في الأندلس الذين يفرِّقون بين العرب والمغاربة، أو بين مَن جاء من بر الشام ومَن جاء من أفريقيا؛ فلا يقول «مورو» إذا أراد أن يقول «عربي»، والعكس بالعكس. وهو يفضِّل الأمويين على سواهم، ويعجب بما كان لقرطبة في عهدهم من الشهرة والمنزلة في العلوم والفنون. وأخبرني أيضًا أن له ولعًا في درس الآثار، وبالأخص آثار قرطبة العربية، ودلَّني إلى بيوت في المدينة لا ذِكْرَ لها في كتاب الدليل حيث تُشاهَد فيها نماذج من البلاط الزليجي؛ أي المزجج المذهَّب.
ولم يخطر ببال الشيخ — وقد أطلق لِلِّسان العِنان — أن قد أكون تَعِبًا نَعِسًا من السفر والضجر، فقد سُرَّ بغريب الصدفة، واسترسل في سروره، ودعاني إلى رَدهة الاستقبال ليريني أثرًا جميلًا نادرًا، وحقًّا إني انتعشتُ بما شاهدتُ، فتجدَّدَتْ فيَّ الرغبة بالسهر والحديث. كيف لا والأثر عربي، ذكَّرني بما قرأته مرة عن أحد الأولياء، وكان قد مَرَّ بالزهراء قصر المنصور، فقال: «يا دار فيك من كل دار، فجعل الله منك في كل دار!» ولم يكن بعد دعوته إلا أيام يسيرة حتى «نُهِبت ذخائرها، وعَمَّ الخراب سائرها».
وهاك أثرًا جميلًا من ذاك الخراب في تلك الردهة الأوروبية الفرش والبناء. على الجدران الأربعة زُنَّار من البلاط الزليجي منقوش فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله على نعمة الإسلام.»
وكذلك نتف من الشعر مفكَّكة الألفاظ، مقطَّعة المعنى، سألني الشيخ قراءتها وترجمتها، ففعلت طاقتي، فهَزَّ رأسه موافقًا وسُرَّ جدًّا، ثم قال: وعندي أثر آخَر يهمك. وحمل القنديل الذي كان على الرف، وخرَجَ يتقدمنا إلى زقاق خارج الدار، وهناك في حائط ظاهره قديم حجرٌ منقوش فيه «رشد»، وقد كاد يمحو الأحرفَ الزمانُ، فقرأتها مدهوشًا، فهَزَّ الشيخ رأسه، وقال: لا شك عندي أن هذا بيت آفِرُّوس — أي ابن رشد — الذي كان يعلِّم الفلسفة في كلية قرطبة.
والأغلب أن بيت الفيلسوف وبيوت كبار المسلمين أُصِيب بما أُصِيبت به قصور السلاطين، فتبعثرت حجارته، ورسا في ذا الجدار بعضها، ولكني لم أحاول أن أزعزع رأي الشيخ أو أفسد ظنًّا له فيه فخر، فقلت: وهل هذه الدار قديمة؟ فقال: الغرفة التي تنام فيها هي أقدم ما في الدار بناءً، وهذا الحائط من حيطانها.
عدت إلى غرفتي، وأنا لا أدري أني دُرت مع الشيخ حولها، فدخلتها والهواجس تملك نفسي وتتجاذب الفكر مني. نعم، إن ما شاهدته لتافه جدًّا بالنسبة إلى الفخامة والعظمة في قصور إشبيلية وغرناطة، ولكن العين لا ترى ما تراه النفس، وقلَّمَا تحسب للرؤيا حسابًا. إن ثلاثة أحرف عربية منقوشة في حجر لِشِبْه نافذة في غرفة صغيرة، أرتني — بل قرَّبت منِّي — ذلك العهد القديم المجيد.
قد يكون هذا البيت بيتَ ابن رشد! قد تكون هذه الغرفة، وهندستها عربية، غرفةَ ابن رشد الخصوصية! أضغاث أحلام! قد يكون الحجر من حجارة قبر ابن رشد، فالإفرنجة هدموا وبعثروا حتى قبور المسلمين. اعترتني الرعشة من ذي الذكرى.
على كل حال وجدت نفسي تلك الليلة في دار لم تزل الروح العربية حية فيها، الروح الخالدة في الشعر وفي العلم وفي الفنون، الروح الحافلة بمصابيح من النور كابن رشد، والإدريسي، وابن العوام أبي زكريا، والخلف أبي القاسم، وابن زيدون، وابن الخطيب، وأصحاب الموشحات.
ها إن آثارهم أمست في كل دار من دور الفرنجة، وهم أو أبناؤهم اليوم من المعجبين بهم، ففي قلب الأندلس روح العرب خالدة، ولكنَّ مُلكًا شيَّدوه أمسى أثرًا من الآثار، ومجدًا أقاموه استحال طللًا من الأطلال، ومعاهد عِلْم أسَّسوها لم يَبْقَ منها حجر على حجر، إلا ما استقَرَّ — بعد انفجار بركان التعصب — في حائط جديد أو في بيت حقير مجهول.
فما السبب يا تُرَى في سقوط ذلك الملك الذي شعَّت أنواره في ظلمات أوروبا كنجوم البادية في الدجى؟ وما السبب في اضمحلال أركانه وأصوله؟ ما السبب في قِصَر عهده وزوال مجده؟
أقفلت الباب ونزعت ثيابي وأنا هدف لمثل ذي التساؤلات، ثم أطفأت الشمعة، وسرت إلى السرير مضطرب النفس أعلِّلها بالنوم، ولكني توسَّدتُ الأرق وأن أسمع خرير الماء في فِناء الدار، وأرى منعكسًا على الحائط نقطًا من النور الذي دخل متكسرًا من ثقوب الباب، وما هي إلا هنيهة حتى بدأت تلك النقط تمتد، فاتصل بعضها ببعض، وأصبحت كدائرة وهي ترتج وتتحرك. نهضت من السرير لأرى ما في الدار، فتحت الباب وخرجت مستكشفًا، فإذا هناك مستنبتات الزهور والشاذروان والأقفاص والعصافير فيها نائمة، ولا نور غير ما يشع من المصباح في الإيوان. عُدت إلى غرفتي وأنا أظن أن ما بدا لي إنما هو خدعة البصر، فإذا بالنور، بعد أن أقفلت الباب، قد أحاط بالكرسي كالهالة، واستحال دفعة واحدة شخصًا هيوليًّا، بل رأيت — جالسًا أمامي — شيخًا جليلًا يشبه صاحب البيت، إلا أنه لابس جبة وعمامة.
ذعرت وهممت بالخروج، فسارَعَ مُطمئِنًا وقال بالعربية: السلام عليكم.
فقلت: ورحمة الله وبركاته، أيتفضل سيدي الشيخ باسمه الكريم؟ فقال: ابن رشد يدعو لكم بالخير وطول البقاء.
– أبو الوليد؟
– بعينه.
– ولِمَ استحققتُ من فضلكم ذي الزيارة؟
– فكَّرْتَ يا ريحاني وسألتَ، فجئتُ أجلو فكركَ وأجيب سؤالكَ.
– غمرتني والله بفضلك.
– الفضل لذويه أرباب الفكر والرؤيا، ولستُ اليوم منهم.
قال ذلك وهو يهز رأسه كمَن تؤلمه الذكرى.
– ولكن زَيْتك يا سيدي لم يَزَلْ يشتعل في مصابيحهم.
– نعم، في مصابيح الفرنجة لا العرب، والسبب في ذلك أن قد امتزَجَ بزيتنا كثيرٌ من الماء، ولم يُحسِن العرب تصفيته مثل الفرنجة. أجل، قد خالَطَ علومنا كثير من الخرافات والتقاليد والأوهام، نظرنا إلى العالم خلال ستار هو الإسلام، كان شفافًا باهرًا في الأحايين كحالة قرطبة عهد بعض الأمويين، فتراءت لنا، من حقيقة الوجود والكون، أشياء جُلِّيَّ بعضها وبعضها غامضٌ أو مقطع، فاستخدمنا منها ما استطعنا وأهملنا منها ما أهملنا، كرهًا أو جهلًا، ما خالف قواعد الدين. لا يخدعنك ما تقرؤه في التاريخ عن تساهل الخلفاء في الأندلس وحلمهم، فإنهم — ما خلا اثنين أو ثلاثة — آثروا الملك على العلم، والسيادة المطلقة على الحرية والعدل. كان أكثر العلماء والشعراء يأتمرون بأمرهم ويتزلفون إليهم، فجاء علمهم ناقصًا، بل مزيجًا من العلم والخرافة والخيال، وكان الفيلسوف الحقيقي مكروهًا، فجارَى ودارَى اتقاء سيادة مطلقة، جائرة، عمياء. ولا شك أنك تعلم ما كان من إحراق الكتب في هذه المدينة في عهد المنصور، ثم في عهد أولئك البرابرة المرابطين، حتى إن أحد قضاة قرطبة أصدر فتواه بإحراق كتب الغزالي، وحرَّمَ قراءة «إحياء علوم الدين»، مع أن الغزالي من أكبر المزَّاجين. هذا أحد الأسباب في سقوط الملك العربي في الأندلس.
وهناك أسباب أخرى، فاذكر — رعاك الله — أن في أوائل الفتح؛ أي حتى مجيء عبد الرحمن الأموي، كان الخليفة في الشام يعيِّن عامله على الأندلس حينًا وحينًا يُجِيز لوالي إفريقية أن يعيِّن مَن يريد من رجاله، فكان العامل تارةً من قِبَل الخليفة نفسه، وتارةً من قِبَل واليه في إفريقية، وأخرى كان العامل يعيِّن نفسه، وهذا ما مكَّنَ في الطامعين بالملك روح القومية? أو العصبية، وهي جرثومة خطل جاءت من الشام، فنخرت في عرش السلطان فزعزعته، ثم هدمته، فلا الدين ولا اللغة ولا الخطوب السياسية أزالت شيئًا من العصبية أو لطَّفت في الأقل سورتها. وقد كنا ذلك الزمان نظن أن لا خير في العصبية التي لا تكون اللغة أو الدين ركنًا من أركانها، لا خير فيها لشعب ناهض نشيط طامع بالسيادة والاستيلاء، ولكن نعلم اليوم أن التقاليد الدينية كالقبائل تولِّد تلك الروح المحدودة التي لا ترى — في غير شئونها وفي غير عاداتها وتقاليدها، في غير دائرتها الضيقة الصغيرة — ما يستحق غير الازدراء والكره والذم والاضطهاد؛ فلا خير في العصبية دينيةً كانت أو جنسيةً. – وهل يرى سيدي الأستاذ خيرًا في عصبية كبرى تجمع عصبيات أكثر الناطقين بالضاد مثلًا؟
– إذا كان ذلك ممكنًا فهو غير مستحسن اليوم وغير مفيد، بل قد يضر؛ ففي ضخامة الملك العربي استبداد — قابِلْ بين حكم الخلفاء الراشدين وبني العباس مثلًا — وفي الاستبداد جهل، وفي الجهل حيف على العلم والعلماء؛ ذلك لأن العرب بل المسلمين لا يزالون في دائرة من الدين ضيقة لا يخترق النور حدودها الكثيفة، وأميرهم العالِم لا يُرضِي العامة، وأميرهم الجاهل لا يُرضِي الخاصة المفكرة، فلا يستطيع الحكم إلا بالقوة، والقوة عيب قبيح في هذا الزمان.? – وهل لعرب الجزيرة أمل بالترقِّي والتمدُّن؟
– لا أمل ما دامت العصبية أساس أعمالهم؛ فالعصبية من أهم الأسباب في سقوط العرب في الأندلس وفي الشام وفي العراق وفي الهند. قد جاءوا هذه البلاد مثلًا ومعهم نزعاتهم اليمنية والمضرية والقيسية والشامية، وما مرَّ عشرون سنة حتى اشتعلت الحرب بين قحطان ومضر، وكانت أول حرب أهلية في الأندلس، وأخذت هذه الروح العصبية تمتد بامتداد الملك، فكان ملكًا واهيًا متزعزعًا. لقد تفكَّكَتْ أوصاله، فكان في «المرية» ملك، وفي «مرسيا» آخَر، وفي «غرناطة» سلطان، وآخَر في «إشبيلية»، وهم يتقاطعون ويتطاحنون، فجاء يوسف بن تاشفين البربري، فاغتنم فرصة خلافهم ونزاعهم فسَادَ، ثم اعترى قوم يوسف ما اعترى سلفاءه، فتعاون الفرنجة عليهم فتغلَّبوا وسادوا. كذلك كان في دولة المغول في الهند، فإن نزعاتهم القومية تغلَّبَتْ عليهم، فمهَّدتِ السبيلَ لتغلُّب أمراء الهند على ملكهم العظيم القصير العهد.
وأطرق الشيخ عندئذٍ ثم قال: إن للعرب فضلًا لا يُنكَر، وإنْ بالَغَ الناس بذكره، وقد سمعتك تسائل نفسك سؤالات يُشتَمُّ منها إنكار هذا الفضل. أنت مُصِيب في قولك: إن نبوغ العرب قلَّمَا يثمر إلا إذا احتكَّ بنبوغ غيره من الشعوب. ولكن هذا الاحتكاك لم يذهب بميزة النبوغ العربية، بل أظهرها قوية نيِّرة مشعشعة، أخفت في نورها الباهر ميزة النبوغ الأجنبي، ونور العرب شديد التوهُّج، جميل الأشعة، سريع الانطفاء، والصبغة العربية أو ميزة النبوغ الخاصة بالعرب ثابتة في الصناعات والفنون. فإذا كان للرومان فضل في تَدْمر، ولبزنطية فضل في الشام، ولبني ساسان والبرامكة فضل في بغداد، وللفرنجة فضل في قرطبة، وللهنود فضل في كابول؛ فذلك لأن النبوغ العربي بعث ما دُفِن من علومهم وفنونهم، فأضاءها وأحياها، وأعاد إلى مدنياتهم مجدها، وقد تَجَلْبَبَ جلبابًا عربيًّا فخيمًا. إن النبوغ العربي استولى في الماضي على النبوغ الأجنبي، فاستخدمه وانتفع به، وهو اليوم واقف بين قوات من النبوغ الأوروبي عظيمة لا يستطيع اقتحامها.
– وهل يستطيع الانتفاع بها مع حفظ الميزة العربية فيه؟
– نعم، إذا كان العرب يدركون أسباب سقوطهم في الماضي فيتقونها.
– وهل لسيدي الشيخ أن يذكر غير ما ذكر من أسباب السقوط؟
– قد أشرت إلى العصبية الدينية، فأزيدك إيضاحًا، واعلم رعاك الله أني أتكلم الآن مسلمًا، وإنْ كنَّا في العالم الخالد مجرَّدين تمامًا من صبغات الأديان كلها، أتكلم الآن مسلمًا؛ لأني لم أزل أذكر القوم الذين كان الجسد منهم، وأقام بينهم فترة من الزمان، ولم أزل أنظر إلى تلك الذاتية الإسلامية كمَن ينظر إلى خيال الحبيب في بحيرة الذكرى. على أني لو عدتُ اليوم إلى الحبيب، فلا أظنني أكون من الراغبين فيه المعجبين به. لا يُدهشنَّك ما أقول؛ فإن الاسلام اليوم لم يَزَلْ كما كان يوم كنتُ أعلِّم الفلسفة في كلية قرطبة، إسلامًا في الدين وفي السياسة وفي الاجتماع. إن النبي أول مَن شاد العصبية العربية على هذه الأركان الثلاثة، لكن خلفاءه أساءوا الاستعمال، فكان أنَّ الخليفة رفع صولجانه فوق الأرض ومده إلى السموات، وفي الجمع بين السلطتين السياسية والروحية إفساد للاثنين، وهذا الخلط في الأحكام مثل الخلط في العلوم، يبدو القبيح فيه أولًا فينمو سريعًا فيفسد الصحيح، ولو سُئل النبي في ذا الخلط لما كان عنه اليوم راضيًا.
– وهل يرى سيدنا الشيخ في جوهر الدين خلاصًا للناس من شكليات الأديان وسيادات الدنيا؟
– إن نظر الإنسان محدود، كذلك نظر الأرواح، على أن آفاقنا على كل حال أوسع جدًّا من آفاق الأحياء حتى الصالحين المقربين منهم؛ فالمسافة بين جرم وآخَر عندنا كالفرسخ مثلًا عندكم. ويصح هذا القياس في المعنويات أيضًا؛ لذلك أقول، إجابةً لسؤالك: إن كل ما ظهر في العالم حتى اليوم من حقائق الاجتماع والسياسة والدين، إنما هو خاضع لناموس التطور والتحول، ناموس النشوء والارتقاء، وهذا الناموس صحيح في الطبيعيات وفي الاجتماعيات وفي الروحيات أيضًا، صحيح على قدر ما نرى الآن. وقد يسلك بنو الأرض وكل حي فيها سبيله ألفًا بل ألوفًا من السنين، فيصلون إذ ذاك إلى حيث ينتهي السبيل ويبتدئ سبيل آخَر قد يكون أوسع منه وأطول. إن الله لا يكشف لسكان الأرض من أسرار الوجود إلا ما كان موافقًا لحال الإنسان المادية والروحية، والكشف يكون بالنسبة إلى الرقي في الحالين. إنه تعالى مقيم الحدود وعالم بها، فلا يقدِّم لكم في الأرض من حقائبه إلا ما تستطيعون هضمه واقتباسه، فلو أُعلِمتم مثلًا ما قد يكون حال البشر بعد ألف سنة، لما كنتم بذا العلم راضين؛ لأنه إذا أُنبِئتم بحال أحسن كرهتم ما أنتم فيه، وإذا أُنبِئتم بسوء المستقبل أسأتم إلى الحاضر باسترسالكم إلى الشهوات واللذات، فتفسدون حسناته الحقيقية على قلتها. وحالنا نحن عالم الأرواح شبيه نوعًا بحالكم، إلا أن حدود الإدراك عندنا أبعد من حدودكم؛ لذلك أقول إن ناموس النشوء والارتقاء اليوم أمامكم وحولكم وفوقكم وفيكم، فادرسوه وافقهوه وانتفعوا به، ولا تمدوا أيديكم إلى ستار الأسرار إذا رأيتموه يتحرك، بل كونوا متيقظين متبصرين، راغبين بكل مظهر من مظاهر الحقيقة والوجود، تائقين إليها، وانبذوا من ثمار البارح ما لا يليق بمائدة اليوم.
وما كاد يُنهِي كلامه حتى زال النور دفعةً واحدة، إلا نقطًا كانت تهتز فوق كرسي فارغ، وقد انعكست على الحائط خلال الثقوب في الباب.
? كُتِبت في الأندلس سنة ???? (الناشر).? يريد القبلية أو الإقليمية (الناشر).? كانت المشكلة العربية في ذلك العهد مشكلة تحرُّر من الحكم العثماني، على أن في عبارة المؤلف نفسها ما يدل على اهتمامه بالوحدة العربية (الناشر).
لائحة تاريخية


بالدول الإسلامية وحكامها العرب والبربر في الأندلس منذ الفتح (???م) إلى سقوط غرناطة (????).
العمال: عددهم اثنان وعشرون، أولهم طارق بن زياد سنة (???/???م)، وآخِرهم يوسف بن عبد الرحمن الفهري سنة (????/???م).?
الأمويون: عددهم عشرون، أولهم عبد الرحمن بن معاوية الملقَّب بالداخل، وآخِرهم هشام الثالث ابن عبد الرحمن الرابع سنة: من ???? إلى ????، أي من ???م إلى ????.
ملوك الطوائف: عددهم خمس وعشرون، وأجدر تلك الإمارات بالذكر إشبيلية بني عباد، وعدد أمرائها ثلاثة لا غير، القاضي المؤسس وابنه المعتضد، وحفيده المعتمد، من سنة ???? إلى سنة ???، أي من سنة ????م إلى سنة ????.
المرابطون: عددهم ستة، أولهم يوسف بن تاشفين، وآخِرهم يحيى بن غافية، من سنة ???? إلى سنة ???، أي من سنة ????م إلى سنة ????.
الموحدون: عددهم ثلاثة عشر، أولهم عبد المؤمن بن علي، وآخِرهم أبو العلاء الواثق، من سنة ???? إلى سنة ???، أي من سنة ????م إلى سنة ????.
النصريون: عددهم واحد وعشرون، أولهم يوسف بن نصر الملقَّب بالغالب، وآخِرهم محمد الحادي عشر أبو عبد الله، من سنة ???? إلى سنة ???، أي من سنة ????م إلى سنة ????.
? كان عامل إفريقية من قِبَل الخليفة بدمشق يعيِّن العمَّال على الأندلس في بدء الأمر، ثم صار الخليفة نفسه يعيِّنهم، فأصبحوا مثل عمَّال إفريقية مرتبطين بديوانه الملكي.