Advertisement

في_صحراء_ليبيا


في صحراء ليبيا




في صحراء ليبيا

تأليف
أحمد محمد حسنين باشا




في صحراء ليبيا

أحمد محمد حسنين باشا



هذا الكتاب رواية عن رحلةفي التيه أو عن نزهة في الغابِصحراء في طول الظنون وعرضهاتُطوَى وتُنشر في فصول كتابِشوقي
إلى حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول

بنورك اهتديت في مجاهل الصحراء، فاقتحمتها يحدوني صوت الأمل في رضاك وتظلني رعايتك في جوها اللافح، وشمسها المحرقة، وبعطفك وتشجيعك مضيت، فلان لي صعبها، وسهل حزنها، وقصر بي مداها البعيد، فطويتها كما ينطوي هذا الكتاب، الذي تشرَّف باسمك، على ما يكتبه لك عبدك الخاضع، من إخلاص وولاء، وإني لأتقدم به إليك، كما يتقدم قاطف الزهرة إلى غارسها وساقيها ومجتني الثمرة إلى متعهدها وراعيها ولا زلت يا مولاي.
حضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر «الأسبق» إبان العهد الملكي.
عبدك الخاضع المطيع
أحمد محمد حسنين

مقدمة


حسن جميل، أن يقوم المرء بسياحة شاقة ليحصل رضى النفس من جراء الوجدانات المتنافرة التي يجدها، يلقي بنفسه في المفازات يحصل الإحساس بالوحشة؛ فإذا سنح له غزال، أو بدا له سرب من القطا في النهار، أو طلع في الليل نجم ألفه من قبل، حصل نوعًا خاصًّا من الإحساس بالأنس، يعروه كذلك إحساس القوة القادرة، ويدخل إلى نفسه شيء من الإعجاب بذاته، كلما ذكر تفرده بالحال التي هو فيها وتفوقه في اقتحام الأخطار على نظرائه وبيئته، يتناوبه الخوف والطمأنينة كلما قَلَّ ماؤه ثم ورد بئرًا أو ظن الهلاك ينتظره في بعض الطريق ثم نجا منه؛ كل هذه الأحاسيس تجعل للنفس رضى لا يعرفه إلا أهل الأسفار الشاقة إذا ذاقوه مرة قَلَّ أن يقنعوا بما نالوا منه، بل يطلبون المزيد من هذا الرضى فيصير لهم السفر لذة مقصودة لذاتها، يباشرونها كلما استطاعوا كما يباشر غيرهم لذات الإقامة سواء بسواء.
وحسن جميل أيضًا أن يحمل المرء نفسه على مشاق السياحة الخطرة وأهوالها، لا لأن به هذا الميل الذي ذكرنا، ولكنه يقتحم صنوف هذا العذاب ليصل إلى تقرير حقيقة أتنولوجية أو تعيين مواقع جغرافية أو ضبط معلومات جوية أو أرصاد فلكية … إلخ إلخ، فإذا ظفر بطلبته حصل على رضى النفس، لا نظنه من النوع الأول ولكنه رضى لا يقل عنه في أثره السعيد، بل يزيد عليه كثيرًا في قيمته وفي بقائه.
وأحسن من ذينكم وأجمل، أن يقع الوفاق بين رغبة النفس ومطلب العقل، أو بعبارة أخرى، بين اللذة وبين الواجب، فيعرض السائح نفسه لأخطار القفار؛ لأن اقتحام الخطر في ذاته يلذ لنفسه، ولأجل أن يحقق النفع العام بما يحاول من الاستكشاف وتنمية العلم الإنساني أو تجديده، كذلك كان صديقنا أحمد حسنين «بك» حين اقتحم صحراء ليبيا، وحين وضع بما وجد فيها من اللذة الشخصية، وما وُفق إليه من الاستكشافات العلمية، هذا الكتاب الذي نقدمه لقراء العربية.
اقرءوا كتابه تروا حبه لآفاق الصحراء وغرامه بكل ما في الصحراء، يتجلى في كل موطن بارزًا، يُغشِّي كل ما دونه من الإحساسات الأخرى، وليس في الصحراء إلا الوحشة والتفرد بنوع ما، وانقطاع النظر عن المرئيات المألوفة، والسمع عن الأحاديث المعتادة، والنفس عما في المدينة من دواعي الرجاء، وبواعث الخوف على السواء، يقص علينا هذا الرحالة النابه، أنباء ما استشعره من تلك الأحاسيس المتباينة جد التباين، يبسط لنا وصف ما لقيه من الضيق يومًا ومن الفرج يومًا آخر، يتحدث إلينا بكل ذلك، في نوع من الحنين إلى الصحراء، والشوق إلى استشعار تلك الإحساسات، كأنه لم يفارق الصحراء ومشاق الصحراء إلا كارهًا، ولم يرجع إلينا إلا بعد أن خلَّف هناك في تلك المفاوز، موضع حب ما زالت تساوره ذكراه، ومنازل نعيم ما زالت معقد حنينه وموضع مناه.
هذه النزعة البدوية من ناحية، وهذا الإخلاص للعلم والتضحية له بالمال وبالراحة من ناحية أخرى، ليسا موهبة عادية ولكنهما من خصال الطبع الاستثنائي، أو قد يكونان أثرًا ناميًا من آثار الانتقال الوراثي القريب، فما كل امرئ رحَّالة، ولا كل نفس تطيق ما أحبته نفس الرحَّالة أحمد حسنين ابن أستاذنا المرحوم الشيخ محمد حسنين ابن المرحوم أحمد حسنين باشا، لقد امتزج في نفسه حب السياحة بحب العلم والإخلاص له، فاتخذ من لذته الشخصية وسيلة للاستكشاف وأداء الواجب العلمي، وما أحسن أن يكون القيام بالواجب طوعًا لا إكراه فيه، ولذة لا يشوبها ألم!
نعلم شيئًا غير قليل من الصفات العامة المميزة للشعوب العربية من غيرها ومن بعضها والبعض الآخر، وأكثر ما نعلمه من ذلك قديم؛ لأنه يرجع في جملته إلى كتب السير القديمة ودواوين الشعر القديمة وبقية كتب الآداب، وَقَلَّ ما نجد الآن من الثقات مَنْ يخالطون البدو عن يمين مصر وعن شمالها؛ ليحققوا تلك المميزات الإتنولوجية التي لا شك في أن يد الدهر قد تناولتها، بالتغيير والتبديل والحذف والمسخ والتحسين، حتى كانت هذه الرحلة المباركة فكشفت عن مواطن جيراننا في الصحراء الغربية، وشيء غير قليل من عاداتهم ومواطن تفاؤلهم وتطيرهم، في وصف لذيذ وعناية تامة بالتفاصيل والدقائق.
قد يظن الحضري أن من السهل أن يركب الجمل، في قافلة تسير في الأرض أسابيع أو أشهرًا في رفقة كيفما اتفق، هذا الخاطر أبعد ما يكون عن حقائق الأشياء، فإن رحلة مثل رحلة حسنين «بك» في جوف الصحراء، لا سلامة منها إلا بأعجوبة أو بتوفيق من الله عظيم.
إن المسافر في مثل هذا الطريق؛ وفي مثل هذه القافلة التي ليس بينه وبين أحد أفرادها شبه في منازع النفس، ولا في التربية ولا في فهم الحياة، ولا في مقومات الأخلاق، معرَّض كل ساعة للهلاك من خيانة مَنْ معه ومن خطأ الدليل، ومن خور الرواحل، ومن عاديات الطبيعة التي لا ترحم عادياتها، متى أثارت رياحها رمال الصحراء فتدفن أحياء، أولئك الأشباح الإنسانية التي تتمايل على ظهرها، كأنها تعاقبها على ترك مواطنها الطبيعية، وغشيان ما شاءت الطبيعة أن يكون قفرًا من كل ساكن، وعلى الخصوص من بني آدم، وعلى هذا النحو، ينبغي أن نقدر شجاعة رحَّالتنا المصري، ومقدار إخلاصه للاستكشاف. الواقع أنها رحلة شاقة، قال الدكتور هيوم: إن رحلة أحمد بك حسنين قد فتحت أمامنا منطقة عظيمة كانت حتى الآن من مجاهل الأرض.
لو أن الطريق معبدًا والشقة محتملة، لما كان هناك ما يمنع من أن يجوب تلك الناحية من خلال الصحراء كل سائح، ولكني لا أذكر عالمًا قام بمثل هذه الرحلة منذ نبلاء «فيلي» في القرن الخامس والثلاثين قبل الميلاد.
ومع ذلك فإن بعض القطع القليلة التي وُجِدت من رحلاتهم، لا تدل على أنهم سلكوا تلك السبيل الوعرة التي سلكها أحمد حسنين «بك»، بل على العكس من ذلك، ربما كانت كل القرائن متضافرة، على أن سبلهم كانت قريبة من نهر النيل، وإن كانت في صحراء ليبيا عينها.
لا نظن أن الجمع بين أحمد «بك» حسنين وبين النبيلين «ميخو» و«هيركوف» في هذا المعنى يؤذن بالتلازم في مصر، بين النُّبل وبين الرحلات الخطرة، وإن كان النبلاء أقدر عليها من غيرهم في العادة، لا من حيث إنهم أطمح إلى المجد فحسب، ولكن لأن الرحلات من هذا القبيل قد تستتبع استعدادًا خُلقيًّا وأداة غالية بوجه ما.
لئن كان هيركوف موفدًا من قبل فرعون مصر «ميتيزوفيس الأول»؛ فلقد لقي حسنين «بك» بعد عودته من رعاية ملك مصر صاحب الجلالة فؤاد الأول، وعطفه ما يشجع في الواقع على مثل هذه الرحلات الخطرة.
عاد هيركوف في رحلته الثالثة بأنواع من الجلب أهمها قزمة فرح بها الملك الشاب «بيوبي الثاني» خليفة «ميتيزوفيس الأول» واتخذه ضحكة له، وأغدق من أجل ذلك على هيركوف نعمًا وتشاريف كانت تُضرب بها الأمثال.
لم يعد رحَّالتنا أحمد حسنين بقزمة ضحكة، ولكنه عاد بأرصاد فلكية، وتعيينات جغرافية قضى في تحليل نتائجها الدكتور بول مدير قسم مساحة الصحاري مدة شهرين، وفي خلاصة هذه التحاليل يقول الدكتور بول: «ربما يسمح لي أن ألفت النظر إلى أن رحلة أحمد بك حسنين، كما يظهر لي، هي فوز يكاد يكون فريدًا في تاريخ الاستكشاف الجغرافي.» وجاءنا أيضًا بنماذج جيولوجية قال فيها الدكتور هيوم مدير قسم الجيولوجية المصرية: «إن أحمد حسنين بك قد حصل برحلته على مجموعة ثمينة من النماذج الجيولوجية والصور الفوتوغرافية، تجعل من السهل على مَنْ خبروا جيولوجية الصحاري المصرية خبرة عملية أن يصلوا إلى نتائج صحيحة عن التركيب الجيولوجي للمنطقة التي اخترقها.»
كتاب رحَّالتنا حسنين بك على ما فيه من الحقائق العلمية ملحة أدبية، لم يكن رحَّالتنا مشهورًا قبل الآن بالتفوق في الكتابة، كما اشتهر بالتفوق في العلم، وفي وسائل الشجاعة والرياضات، ولكنه لما تهيأ له ظرف الكتابة والوصف سما إلى ألطف المعاني وترتيبها، وحسن الذوق في إيراد الحوادث، والتبسط في عرضها، إلى حد يصح اعتباره نموذجًا كتابيًّا، أتراه، كما يظهر لي، قد ترك التعمل ناحية ولم يزد على أن رسم بقلمه صورة ساذجة للمعاني التي أثرت في نفسه أثرًا عميقًا؟ يظهر لي أن لطف الحس في هذا المقام له أثره العظيم في رشاقة التعابير وجاذبية القصص.
مباركة هذه الرحلة التي أكسبت الوطن نوعًا جديدًا من المجد، وأكسبت علومًا عدة زيادة في موضوعاتها وضبطًا في تعييناتها وأجْدَتْ على النابغة أحمد «بك» حسنين مجدًا يبقى بقاء المعلومات التي أضافها إلى العلم، لا شك في أن بقاء الكتب رهن بما حوت من حق وبما أعطت لقارئها من لذة، وكل ذلك بين دفتي هذا الكتاب الذي يسرني السرور كله أن أقدمه إلى قراء العربية.
أحمد لطفي السيد
مدير الجامعة المصرية

الفصل الأول
الصحراء


كنت في رحلتي الأولى وسط الصحراء قد نذرت نذرًا ضللنا الطريق وأضعنا معه الأمل، فلا أثر للواحة التي التمسناها، ولا سبيل إلى بئر قريبة منا، هدَّ التعب أجسامنا، وتسرَّب اليأس إلى نفوسنا، وكانت الصحراء قاسية عاتية، فنذرت إن خرجنا منها أحياء أن لا أعود إليها ثانية.
مضى عامان على ذلك النذر فإذا بي في نفس الصحراء، وفي عين البقعة التي ضللنا عندها الطريق، ثم إذا بي عند ذات البئر التي أنقذت حياتنا في الرحلة السالفة.
أجل قد يكون للصحراء متاعبها ولها أيضًا ملاذها، وهي التي تستهوي عشاقها وتجذبهم إليها، افتتن بها كل مَنْ جاب فيافيها، افتتن بعظمتها المتمثلة في فضائها الواسع وسكونها العميق وحياة التنقل المحفوفة بالمخاطر، بل هي تلك المخاطر نفسها التي تفتنه، بل يفتنه الموت المنتشر في كل بقعة من بقاعها.
تَبْسَم فما أحلى ابتسامها، وتعبس فما أقسى عبوستها، تضحك نجومها فتستهوي عابر سبيلها، ويحتكم فضاؤها في القلب فتوقعه في أسرها، فيسير مغتبط النفس هانيها سير المؤتنس بها، المولع بجمالها، المفتون بعشقها، ولكنها كالغانيات شيمتها الغدر، فلقد تريك بعد تمام الرضا غاية الغضب ونهاية القساوة.
الصحراء ساحرة جذابة، إذا عرفتها تعلقت بها نفسك أبد الدهر، ولكن ليس من السهل أن تدرك سر سحرها ولا سبب خلابتها، بل كل ما تعرفه أنها تناديك، فينفذ نداؤها إلى صميم قلبك، وتدعوك فلا تلبث أن تشد الرحال إليها صاغرًا … يسوقك الحنين، وتدفعك الذكرى.
وأية ذكرى! …
تكون قد سِرْت عامة يومك على أقدام مقروحة … حتى السير أهون عليك من ركوب الإبل!
تلازم القافلة ساجي العينين تجرر قدميك على وقع خطى الإبل، وقد جف ريقك وتشقق حلقك ولا أثر لبئر تُرْوَى منها.
يسير رفقاؤك في هدوء وسكون وقد خفتت أصواتهم وانعدمت فيهم رغبة التغني، قلَّص وجوهم الجهد، وحالت إلى لون الدم عيونهم تبعث نظرة شاردة حائرة ملؤها اليأس، تستطلع الأفق وتستبين ذلك الخط الذي تلتقي عنده زرقة السماء بصفرة الرمال، فإذا به دائمًا باهت بعيد.
السكون شامل لا تصدعه إلا خضخضة النزر اليسير الباقي من الماء، في القِرَب المتهدلة على جوانب الإبل.
إننا في الصحراء لا نتحدث كثيرًا، فالصحراء تُعَلِّم السكوت، وإذا أحدق بنا الخطر تحاشينا النظر بعضنا إلى بعض وغنينا عن الحديث.
وماذا يجدي الكلام؟!
كل منا يعرف ما هو واقع، وكل منا يحتمله بصبر وجلد؛ إذ التضجر ضرب من اللوم على الله القدير، وهذه معصية لا يقدم عليها بدويٌ قط، ففي عقيدته أن الله كتب عليه هذه الحياة، وقدر عليه سلوك هذه الطريق، وقد تقوده إلى الموت الذي اختاره له، فلا بد له من الرضاء به، والبدويُ يقول: لا مفر مما كتبه الله أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ.? في مثل هذه الساعات، تقطع على نفسك المواثيق والعهود أن لا تعود إلى الصحراء قاطبة إذا خرجت منها حيًّا.
ثم ينتهي عمل اليوم وتحط الرحال ولا تنصب الخيام؛ لأن الرجال مجهدون غافلون عن التفكير في أجسامهم.
وكأنما الشمس قد نالها ما نالنا من تعب، وكأنما النهار الذي قطعته وإيانا في نضال الصحراء قد أسفر عن انهزامها كما أسفر عن انهزامنا، وكأنما صراع الصحراء قد أدمى وجهها؛ فإذا قرصها المهزول يرسل أشعة حمراء ضعيفة كأنها خيوط الدم، وكأنما الشمس قد عمدت مثلنا إلى الانزواء تضمد ثخين جروحها، وتجدد منهوك قواها حتى إذا تم لها ذلك، عادت وعدنا في نورها إلى مصارعة الصحراء، ولكن الصحراء لا تلبث أن تصرعها وتصرعنا … قصة كل يوم.
ثم يهبط الظلام شيئًا فشيئًا، تطارد طلائعه فلول النور، ويسجو الليل زاهر النجوم أو وضاح البدر، وربما كان ليل الصحراء أعجب نواحي الحياة فيها.
الأمير السيد محمد إدريس السنوسي.
يغشاك السكون ثم تحن إلى الحديث بعد سكوت يوم طويل، وتبدأ الْمُلَح فاترة فيجرؤ صغير القاقلة، أن يقذف بنكتة طريفة عالي نبرات الصوت عن رفقائه، وإن لم يكن طرب الفؤاد.
ثم تتوافق أصوات البدو غير شاعرين وترتفع وتتزن في ذلك المقام … فيدور الحديث.
هكذا الصحراء تبدأ سحرها.
يسري نسيم الليل عليلًا فينعش أرواح القافلة ولا تمضي دقائق قليلة حتى يبدأ النقر على «الفناطيس» الخالية، ويدور الرقص والغناء، والرجال يتعهدون الإبل أو يرتبون الحوائج ويصلحون السروج، فما يكاد يقع في آذانهم أول صوت من أصوات النقر أو الغناء، حتى يتجمع شملهم حول رماد النار الخابية، فيتوسم كل منهم وجوه رفقائه؛ ليطمئن عليهم ويتيقن سلامتهم، ويحاول كل منهم أن يكون أشد بهجة من جاره، لِيُقَوِّي عزيمته وَيُجَدِّد في نفسه الثقة والأمل والطمأنينة.
ونعمد إلى مغالطة أنفسنا، وهي مهمة تبدأ ثقيلة شاقة، نحاول أن نطرب وأن نبعث في ظلام حيرتنا ومتاعبنا نورًا، فيقول أحدنا: «إن جِمال القافلة على ما يرام، لقد تعهدت ذلك الجرح فإذا به أخف مما كنت أظن.» ويقول آخر: «أخبرنا بو حسن أنه رأى شارة البئر على مقربة إلى اليمين.» وهكذا نستدرج أنفسنا لنقنعها بأن كل شيء على ما نود ونرغب، وربما كان هذا كله تغريرًا منا بأنفسنا، ولكنها الصحراء قد خلبت ألبابنا وتغلب سحرها على عقولنا.
شأننا في ذلك شأن رجل شديد الوله بغادة فاتنة ساحرة، ولكنها قاسية جافية، تعرض عنه فتظلم الدنيا في وجهه، حتى إذا جن الليل وبسمت له استحالت الدنيا بأسرها إلى جنة ضاحكة، كذلك الصحراء تبسم لك فتنسى كل شيء، تنسى متاعبك وآلامك، تنسى الصعاب التي لاقتك والمشقات التي تنتظرك، تنسى كرب الحر والعطش، تنسى أنك أشرفت اليوم على الموت وأنه يرقبك غدًا، وأنه كامن لك عند كل خطوة، تبسم الصحراء فلا يبقى بعدها مكان جدير بأن تعيش فيه، ولا تطيب لك الحياة في غيرها من بقاع الأرض.
تبسم الصحراء فيعاودك حبها وتقبل عذرها، وتغفر ذنبها وتنقض عهد هجرانها.
ويسطو الرقص والغناء على ما بقي في نفوس القوم من قوة وجلد بعد جهد النهار، فتفتر العزائم، ويغلب النعاس على الأجفان فيرقدون تحت قبة السماء الصافية الجميلة وقد رصعتها النجوم.
قليلون من أهل المدن يعرفون لذة الجلوس في حلكة الظلام ورعي النجوم، ولا عجب إذا كان العرب أساتذة علم الفلك، فالأعرابي إذا انتهى من عمل يومه، خلا إلى نفسه وانقطع إلى ترسم حركات النجوم، وإمتاع روحه بما تبعثه فيها من الراحة، والشعور بالسمو إلى ما فوق العالم الأرضي.
وتقع النجوم من نفسه موقع الأصدقاء الأقربين الذين يلقاهم كل يوم، حتى إذا دارت بها قبة الفلك لم تغب فجأة كما يختفي المسافر عند الرحيل، ولكنها تحتجب تدريجًا كما يذوب الراحل في عين مودعه على أمل اللقاء القريب.
ويتصل الليل فينبعث من فم أول مستيقظ من رجال القافلة «حيَّ على الصلاة، الصلاة خير من النوم» وما زال في السماء قليل من النجوم المتناثرة، فيستيقظ القوم وكأنهم يجمعون عظامهم، فكل عضو من أجسامهم متألم وكل حلق جاف، ومع هذا فما أعظم التغيير الذي طرأ عليهم … سرى فيهم الأمل وتولدت الثقة، بل قد يعتقدون في ضمائرهم أن سيجري كل شيء على ما تهوى النفوس.
والدنيا بعد، فضاء مكفهر رطب، ونيران وقود الصباح وحدها تمزق برودة نسيم الشمال، فإذا كان الجو صحوًا لا سحاب فيه انتشر في السماء نور ضئيل، يرمي خلف الرجال والإبل ظلالًا مستطيلة رواغة دقت حتى ما تكاد تسميها ظلالًا، ثم يتخضب الفضاء بحمرة تبعث الدفء، وإنما تَبين ألوان الصحراء بين الفجر وبزوغ الشمس، حتى إذا طلعت ذكاء لم يبقَ في الصحراء إلا ذلك المنبسط السحيق من زرقة وصفرة، ثم تنصل الزرقة شيئًا فشيئًا حتى إذا انتصف النهار انمحت الألوان من السماء.
ويخلق الصباح قوة جديدة كما يبعث الليل السلام والسكينة.
تلك هي الساعات التي يتجلى فيها للإنسان سحر الصحراء وجمالها، في سكون هذا الفضاء المتسع، يدق الإحساس حتى إنه ليشعر قاطع الصحراء أحيانًا بقرب واحة عامرة، وتغلب غريزته أيضًا فيحس بمئات الأميال التي تبعده عن كل كائن حي.
وفي تلك اللانهاية الساكنة يصفو الجسم والعقل، وتُنقَّى الروح، فيشعر الإنسان بأنه أقرب إلى الله عز وجل، ويحس وجود قوة قاهرة، ليس لقوة أخرى أن تحول قلبه عنها، ويتسرب إلى نفسه الإيمان بالقدر الغالب، والاعتقاد بحكمة ما كتب الله، فيصبح شديد الاستسلام حتى يهون عليه بذل حياته للصحراء دون تبرم، وهناك حقًّا أوقات يشعر فيها بأن الحياة قليلة الوزن هينة.
وتكشف الصحراء من نفس الإنسان عن جوانبها الشريفة، فإنك إذا واجهت أهل المدن بالخطر، ناضل كل منهم عن سلامة نفسه، أما في الصحراء فتعظم نفس الإنسان وتنعدم الأنانية، ويفرغ كلٌّ قصارى جهده في خدمة زملائه ومساعدتهم، فإذا هدد الخطر قافلة من القوافل، وعنَّ لأحد أفرادها سبيل النجاة تنكب عنه ولم يترك رفقاءه لينجو بنفسه.
وأشد ما يهولك في الصحراء أن ينزُر الماء، وربما دار بخلدك في مثل هذه الحال، أن تستبقي لنفسك ما لديك منه، ولكنك بدلًا من هذا، لا تلبث أن تجدك حاملًا زجاجة ماء، وهي إذ ذاك أثمن ما تملك، تدور على الرجال تسأل كلًّا منهم هل يريد جرعة، تسألهم غير مكترث، كأنما أفرخ في روعك أن الماء غزير فائض عن حاجتك، تسألهم دون أن تُفكر في سلامتك الشخصية.
وهكذا تنعدم في الصحراء الأثرة والأنانية، فتقول لنفسك: مهما يكن مما قدَّر الله أن يقع، فليقع لرجال القافلة جميعًا؛ إذ إنك لا تريد النجاة وحدك، ذلك هو الشعور الذي يستولي عليك.
•••

لا أزال أزداد إعجابًا بالبدويِ كلما فكرت في ثباته وسكينته وشجاعته، التي لا يزعزعها شيء.
يدخل البدويُ الصحراء، وعماده ثلاثة: الجِمال، والماء، والدليل.
أما الجِمال فقد يخور أقواها وينفُق لغير سبب ظاهر؛ كما وقع لي حين تركت الكفرة ونفق جمل من خيرة جمالي في الليلة التالية، بينما قام أضعفها من الكفرة يتمايل تحت حمله ثم قطع نحو ???? كيلومتر ودخل الفاشر يقارب في خطواته.
وكنت قد أخذت على صاحبه إحضار تلك الدابة الضعيفة، فقال: «الله يحفظه.» وقد حفظه الله حقًّا وحفظنا كذلك؛ لأن موت جمل من جمال القافلة كارثة عظيمة، معناها إلقاء جُل أحماله إن لم نقل كلها.
أما الماء فيُحمَل أكثره في قِرَب، ولكنها قد تنثغر فجأة رغم تعهدها أيامًا وأسابيع أو يتبخر الماء منها، وربما اصطدم جملان في حلكة الليل فتنفجر قربة أو قربتان.
بقي الدليل

قد يقول الدليل — والأسباب كثيرة — إن الأرض تدور برأسه، ومعنى هذا أن رأسه طاح، وقد يضل الطريق إذا غامت الشمس بضع ساعات أو أخطأ في ترسم علم من أعلام الطريق.
عماد البدوي في اجتياز الصحراء كما قلت، ثلاثة: الجمال والماء والدليل، ولكنها جميعها لا تغني عن شيء آخر هو الإيمان، الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع، الإيمان الراسخ الوطيد.
ولطالما كنت أغمض عيني وأستعرض ما مر بي في مدى سبعة شهور طويلة فأشعر بأنني لا فضل لي فيما قمت به، وأنني لا أستطيع أن أفخر بنجاح رحلتي، وإذا رجع كل رحالة إلى ضميره لما استطاع أن يقول: فعلت. وكل ما يقوله: وُفِّقت، وما التوفيق إلا من عند الله.
الرحَّالة بملابسه البدوية.
قد تتجمل الصحراء ويلين مهادها، وقد يكون رجال القافلة نضر الوجوه مرحي الخواطر، ولكنها قد تكون أيضًا قاسية فتَّاكة، يضرب فيها على غير هدى، أولئك التعساء الذين كُتِب عليهم سوء الطالع، أن يهيموا في نواحيها مستيئسين، فإذا تهدلت رءوس الإبل من العطش والإعياء، ونزر الماء وما من أثر لبئر قريبة، ووجم رجالك وتطرق اليأس إلى نفوسهم، ونظرت في الخريطة فلم تجد أثرًا يهديك؛ لأن الطريق الذي تسلكه لم يكشفه أحد بعد، وسألت دليلك عن الطريق فهز كتفيه وقال: الله أعلم. وذرعت بنظرك الأفق، فإذا هو ذلك الخط الغائم المضطرب الممتد بين زرقة السماء الباهتة وصفرة الرمال، وأمعنت النظر في كل ما يحيط بك فما رأيت شارة أو علامة تبعث على بصيص من الأمل، وضاقت دائرة الأفق البعيد الشاسع حتى أصبحت طوقًا يضيق حول عنقك، ويغل حلقك الجاف، فهنا يشعر البدوي بافتقاره إلى قوة كبرى، أكبر من قوة الصحراء الفتاكة القاسية، وهنا يجأر باستدرار رحمة الله ولطفه، حتى إذا ضلت دعواته الطريق ضم «جرده» إلى جسده وتهالك على الرمال ينتظر الموت المحتوم في سكينة واستسلام.
هذا هو الإيمان الذي لا بد منه لمجتاز الصحراء.
? النساء: ??.
الفصل الثاني
وضع خطة الرحلة


هذه قصة رحلة قمت بها سنة ???? من السلوك على شاطئ البحر الأبيض المتوسط إلى الأبيض عاصمة مديرية كردفان بالسودان، وهي مسافة قدرها نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة كيلومتر، قُطِعت على ظهور الإبل، وقد وُفِّقت فيها إلى العثور على واحتين مجهولتين هما «أركنو» و«العوينات»، وكانتا غير معرفتين قبل ذلك للجغرافيين.
وقد كانت الغاية الأولى من رحلتي هذه علمية، ولكني حاولت في هذا الكتاب أن أتجنب إرهاق القارئ بذكر المصطلحات الفنية، وأن أقدم إليه حكاية أرجو أن تكون شائقة حتى لِمَنْ يجهل مصر والسودان وصحراء ليبيا.
كان أكبر همي طول أيام حياتي، أن أجوب صحراء ليبيا وأصل إلى «الكفرة»، وهي مجموعة من الواحات في صحراء ليبيا لم يزرها قبلي إلا مستكشف واحد، فقد نجح المستكشف الألماني المقدام «رولفس» سنة ???? في القيام بهذه الرحلة، ولكنه لم يخرج منها إلا بحياته، بعد أن خسر جل مدوناته ونتائج ملاحظاته العلمية.
وقد أسعدني الحظ سنة ???? بلقاء السيد إدريس السنوسي في القاهرة عند عودته من الحج، والسيد إدريس هو شيخ الطائفة السنوسية التي مقر ملكها واحة الكفرة، وفي سنة ???? أوفدت في بعثة إلى السيد إدريس المذكور مع اللواء تالبوت باشا، أحد مشاهير الضباط البريطانيين المنتدبين للخدمة في الجيش المصري، كان قد ترك الخدمة العسكرية، وعاد إليها عند نشوب الحرب العظمى.
وكان أهم مقاصد هذه البعثة، الاتفاق مع السيد إدريس على منع العرب من الاعتداء على حدود مصر الغربية، ومنع القلاقل التي قد تُحدثها الحرب.
وقد انتهزت هذه الفرصة، فجددت علاقاتي مع السيد إدريس في «الزويتينة» وهي ثغر صغير بالقرب من «جدابيه» في برقة وكاشفته بغايتي، وقد عطف عليَّ السيد إدريس وسألني أن أحيطه علمًا بموعد سفري، متى شرعت في القيام بهذه الرحلة، حتى يقدم لي المساعدة والرعاية اللتين لا بد منهما لكل مسافر يقصد «الكفرة».
وقابلته بعد ذلك في «عكرمة» بالقرب من «طبرق» وأخبرته بعزمي على القيام بالرحلة بعد انتهاء الحرب الأوروبية، وكان معي إذ ذاك في «طبرق» المستر فرنسيس رود، وهو صديق لي قديم ترجع صلتنا إلى عهد الدراسة في كلية «باليول» بجامعة أكسفورد فاتفقنا أن نترافق في هذه الرحلة.
وانتهت الحرب فجاءتني مسز روزيتا فوربس — وهي الآن مسز مجراث — وتقدمت إليَّ بخطاب من صديقي رود راجية أن ترافقنا كذلك، فبدأت برسم خريطة لرحلة يرافقاني فيها، ولكن الموانع حالت دون مصاحبة المستر رود لنا، وقد أوشكنا أن ننتهي من كل ترتيب، وانتهى الأمر بسفر مسز فوربس معي سنة ???? مزودين بمساعدة السيد إدريس الذي قدَّم لنا ما يلزم للقافلة، فوصلنا الكفرة في يناير من سنة ????.
ولكن هذه الرحلة إلى الكفرة لم تزدني إلا حبًّا في التوغل في أحشاء تلك الصحراء الممتدة وراءها، وكان هناك إشاعات عن واحتين مجهولتين، لا يعرفهما كثير من أهل الكفرة إلا في أساطير الأولين وأخبارهم.
فلما عدت من الرحلة الأولى إلى القاهرة، صممت على القيام برحلة ثانية، وعزمت على الانحدار إلى الجنوب مخترقًا تلك الصحراء المجهولة إلى واداي والسودان، وزادني رغبة في القيام بهذه الرحلة الثانية، أن كل ما كان معنا في الرحلة الأولى من المعدات العلمية لم يزد عن بارومتر وبوصلة؛ ولذلك لم يكن في وسعي أن أقوم بعمل خريطة دقيقة للجهات التي اخترقناها، ولا أن أضبط مواقع الآبار وواحات الكفرة بالدقة، فداخلني ميل شديد إلى التحقق من النتائج العلمية التي وصل إليها «رولفس» من مكان الكفرة على الخريطة الجغرافية.
وفي سنة ???? تشرفت بعرض خطة رحلتي مخترقًا الصحراء، من البحر الأبيض المتوسط إلى السودان، على حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول، الذي كان قد تفضل فأبدى اهتمامًا برحلتي الأولى، ومنحني نوط الجدارة فأظهر عناية شديدة بفكرتي، وسمح بإعطائي إجازة طويلة، وتفضل بإصدار أمره إلى الخزينة المصرية بمنحي جميع النفقات التي تتطلبها هذه الرحلة، فلجلالته مني تقدير العبد المخلص، الذي يجهر بأن كل ما وُفِّقَ إليه من النجاح في هذه الرحلة، راجع إلى معونة جلالته الثمينة.
شاطئ السلوم.
وانتهيت من ترتيباتي وجمعت حوائجي في ديسمبر سنة ???? في دار أبي؛ حتى أحظى ببركته وصالح دعواته، وفقًا لتقاليدنا القديمة، قبل بدئي بعمل هذه الرحلة.
سدد الله خطاك

«سَدَّد الله خُطَاك» تجاوبت أركان الغرفة الفسيحة بهذه الدعوة الطيبة، التي امتزجت ألفاظها بما انتشر في الجو من ضوء الشموع وسحب البخور المتناثرة.
وكانت إلى جانب الحوائط، أكداس من حوائج السفر بين صناديق متفاوتة الأحجام من كبير وصغير وقِرَب الماء «وفناطيس» من الصفيح لحمله أيضًا، وحقائب مفعمة زادًا، ورزم من الخيام وجعب مختلفة من الجلد والمعدن تحوي بعض الأجهزة العلمية وكذلك أمتعتي الخاصة.
سكنت جَلَبتنا من إعداد كل شيء بعد حزمه وترتيبه، فوقفنا وسط الغرفة واجمين وليل مصر يسدل ستاره، والنسيم يحمل إلينا من ناحية الحديقة، تلك الهمهمة الخافتة التي تسري عند المساء في أحياء القاهرة.
كنا ثلاثة، أنا وعبد الله وأحمد، أما عبد الله فنوبي من أسوان وثقت به الثقة كلها، وكان عند حسن ظني به، وأما أحمد فنوبي من أسوان أيضًا صحبته في رحلتي، فكان طاهيها البارع وروحها الهفافة.
ووقف أمامنا شيخ طويل القامة ذو لحية بيضاء مسترسلة، يلبس قفطانًا من الحرير البرتقالي، وينبعث من وجهه الوسيم المتغضن، نور الصلاح والطمأنينة والتقوى، وتتساقط بين أصابعه الطويلة المنشرحة حبات سبحة من الكهرمان، ووقف إلى جانبه خادم يحمل مبخرة من الفضة، يتصاعد منها بخور زكي الرائحة ينشر في فضاء الغرفة حلقات رقيقة.
وضع ذلك الشيخ التقي سبحته جانبًا ثم رفع يديه نحو السماء، وتمتم بصوت خافت من فعل السنين، واضح من أثر اليقين، دعاء يستمطر به رحمة الله بالراحلين، ويضرع إليه تعالى أن يسدد خطانا، ويكلل بالنجاح مسعانا ويعيدنا سالمين غانمين.
وجعل يغادي في أنحاء الغرفة ويراوح بالمبخرة على كل حزمة من حوائج السفر مرددًا دعاء قصيرًا.
تلك هي حفلة التبرك، حفلة مباركة الأمتعة والحوائج التي استنَّتها العرب وجعلتها الأجيال المتعددة واجبًا مقدسًا قبل الرحيل، وقد فرَّط فيها الخلف وقلَّ استعمالها في أيامنا الأخيرة، أما أبي الذي يضيء سبل حياته سنا العرفان، ويشع فيها نور الرسول، فقد أبى إلا أن يؤدي هذا الواجب لابنه الوحيد المقبل على سفر طويل بعيد.
وقفت أمام ذلك الشيخ الصالح أتلقى البركة، فلم أعد ذلك المصري المتحضر، وإنما كنت بدويًا يعود إلى الصحراء حيث أقام أجداده وأسلافه قوائم خيامهم، ثم درت ويممت أبي.
لقد قضيت وإياه خمسة عشر عامًا — منذ أُرسِلت لتلقي العلم في أوروبا — تختلف مشاربنا وآراؤنا وتتباعد طرائقنا في الحياة، على أنني طالما تمنيت لو أني توفرت على درس ما مال إليه من العلوم، حتى أقتبس من معارفه الواسعة وأغترف من بحر علمه الغزير.
سمعته ذات يوم يقول عني لأحد زملائي: «إنه مخلوق لغير زماني فدعه يحصل ما يقتضيه زمنه من العلم والتهذيب.» وهكذا نشأت في غير نشأته.
وهكذا كان شأن أبي وشأني، أما الآن، وقد أقبلت على العودة إلى الصحراء التي نشأ فيها أجدادي فقد التقت خواطرنا، واجتمعت أفكارنا واتحد شعورنا، وعرف كل منا ما يخالج ضمير الآخر فتفاهمنا صامتين، وغشينا سكون قصير ثم وضع يديه على كتفيَّ وقال: «سِرْ يا بني رافقتك السلامة، وَسَدَّد الله خُطَاك ووهبك القوة وأنجح مسعاك.»
بوركت حوائج السفر وخرج عبد الله وأحمد إلى السلوم، بما ثقل منها وخليا لي الأدوات العلمية وآلات التصوير … وفي اليوم التاسع عشر من شهر ديسمبر أقلعت بي الباخرة من الإسكندرية إلى السلوم.
•••

ما كدت أنتهي من وضع هذا الكتاب حتى فوجئت بموت أبي، ففقدت بفقده خير النصراء النصحاء، فقدت الأب البار الشفيق، كنت إذا اشتدت صروف الحوادث واستحكمت حلقاتها، أجد عنده الكلمة التي تُفَرِّج الكرب، والنصيحة التي تفتح أبواب الفرج، والعظة التي تعيد للنفس المضطربة بأسها، وللحواس المضعضعة قوتها، وللعزيمة المزعزعة ثباتها.
كان الصديق الصادق إذا ضاقت السبل وانقطعت الأسباب، وتعقد الأمر وتكاثفت الظلمات، واشتدت الحيرة، فلا عجب إذا كان مصابي بفقده جللًا، وخطبي بموته جسيمًا، وإذا أحسست بعد غيابه بفضاء واسع وفراغ كبير، كان يملؤه صلاحه وتقواه، وسعه الله برحمته وأسكنه فسيح الجنة والرضوان.

الفصل الثالث
الزاد والمتاع


رست بي الباخرة في ?? ديسمبر سنة ???? في ميناء السلوم، وهي ثغر صغير قريب من حدود مصر الغربية، وكان الترتيب أن نأخذ الجمال من السلوم ونذهب عن طريق «الجغبوب» إلى «جالو» وهي المركز المهم لتجارة الصحراء، حيث يتم تنظيم كل شيء للبدء في رحلتنا إلى الجنوب.
ولمثل رحلتي هذه دائمًا مراحل عدة، ينتابك في كل مرحلة منها شعور خاص، وتلقى فيها تجاريب تختلف عما تلقاه في غيرها، فإني ساعة وقفت في دار أبي في تلك الغرفة التي يشيع في أرجائها القاتمة، عبق البخور، رأيت القيام بهذه الرحلة ضربًا من الأحلام يخلب لبي باحتمال تحقيقه وأن اليقين منه كان بعيدًا.
أما في السلوم فقد واجهتني الحقيقة الواقعة، التي تستلزم جمع الزاد والمتاع، وحزم كل شيء، بحيث يصغر حجمه ويسهل تناوله، وجرد كل شيء للتحقيق من وجوده، ثم الاتفاق مع أصحاب الإبل على المرحلة الأولى من الرحلة.
وعند «جالو» تبدأ المرحلة الثالثة، حيث أتقدم القافلة وأستقبل طريق «الكفرة» التي قطعتها من قبل ثم تنكرت لي معالمها، حتى إذا وصلت إلى الكفرة بدأت مرحلتي الأخيرة ضاربًا في أحشاء تلك الفيافي المجهولة التي لم تطأها قدما مكتشف من قبل.
وقد سبقني إلى السلوم عبد الله وأحمد ومعهما أمتعتي الضخمة، وكانا قد رتبا كل شيء يختص بسفرنا عن طريق الجغبوب، فأخذنا جميعًا في تحضير المتاع والزاد.
ولا يفوتني أن أصف في هذه المناسبة ذينك المصريين اللذين صحباني في هذه الرحلة.
كان عبد الله نوبيًّا من أسوان متين البناء متناسب الأعضاء، قويًّا، له عينان صغيرتان غائرتان … يلوح فيهما الذكاء والشمم، وكان يبلغ من العمر أربعين سنة خرج منها بعلم وافٍ واستظهار للقرآن الكريم.
وكان أول لقائي به سنة ???? حين كان في خدمة الأسرة الإدريسية بالقاهرة، وقد ملت إليه منذ رؤيتي له؛ لِمَا توسمت فيه من مخائل الذكاء والولاء، وكان من الأمانة بمكان فاستودعته المؤن والذخائر، وكان يعمل للطوارئ حسابًا فلا يخلو متاعه مما نحتاج إليه من سيور جلدية وإبر غليظة لرتق الأحذية؛ إلى أدوات أخرى لإقامة المعوَّج وإصلاح المكسور من أعمدة الخيام، وكان دائمًا على استعداد لمواجهة كل ظرف من الظروف، فكان في وسعه أن يظهرني بدويًا من عرب مصر الرحَّل أو تاجرًا أو موظفًا كبيرًا في الحكومة، كما حدث حين هبطنا ميدان الحياة الرسمية بالسودان، غير أن عبد الله كان فيه خاصية غريبة، هي أن النوم يغشاه بين الغروب وبعده بساعة أو اثنتين فيصعب كثيرًا إيقاظه من غفوته، وكان يتغلب النعاس عليه أحيانًا، وهو جالس يتحدث فلا يتمالك نفسه من أن يهوم، وإني لأذكر أننا فرغنا من العشاء ذات مساء، وحلت ساعة تهويمه فانتهز هذه الفرصة رفيقي البدوي الأمين «الزروالي» وكان قد انضم إلينا في «جالو» وأراد مداعبته فأخذ جانبًا من الزعتر، ووضعه في كوب الشاي الذي كان أمامه وصحا عبد الله فتذوق كوبه وعرف الأمر، فلم يقل شيئًا وأعاد كوبه إلى موضعه، وبعد قليل من الزمن التفت إلى «الزروالي» وقال: «أظن أنك تنتظر قادم وإني لأسمعه مقبلًا.» وما كاد «الزروالي» يقوم للتحقق مما سمع حتى أبدل عبد الله كوبه بكوب «الزروالي»، وكان نصيب الأخير أن جرع تلك الكوب الحريفة بينما عبد الله يهوم كعادته آمنًا مطمئنًّا.
وقد تجلت في عبد الله غريزة الاتجار في أجلى مظاهرها، حين وصلنا في نهاية رحلتنا إلى بعض البلاد الآهلة، وقد أعوزنا الطعام فقد جمع كل ما فاض عن حاجتنا مما خلا من علب الصفيح وزجاجات الأدوية إلى بعض أسلحة الأمواس المستعملة، واستبدل بكل ذلك من السكان زبدًا ولبنًا وتوابل وجلودًا.
وكان من الشمم وطيبة القلب على شيء كثير، وقد تألم عند عرضي شريط رحلتي أثناء إلقائي محاضرة شرفها جلالة الملك فؤاد في دار الأوبرا بالقاهرة، فإن عبد الله حين رأى نفسه في كثير من الصور في ثوب مهلهل، آلمه أن يظهر في تلك الحال الزريَّة أمام ملكه، وسألني بعد ذلك إن كان في المقدور أن أُغير تلك الصور بحيث يظهر فيها أحسن هندامًا وأسلم ثوبًا.
أما أحمد فكان كذلك نوبيًّا من أسوان منسرح القامة، صلب القناة وكان خادمي الخاص وطاهيَّ، وقد اختار حرفة الطهي على مبلغ تعلمه؛ لأنه أراد أن يكون طليقًا، وقد أبى أن ينزل على إرادة أبيه حين اختار له حياة دينية؛ لأنه لم يأنس إلى ما في تلك الحياة من بساطة وزهد وتقشف، وكان طروبًا أبدًا محبوبًا من جميع أفراد القافلة، رغم صبه اللعنات والشتائم من وقت لآخر، ولو أن غيره فاه بكلمة واحدة من ألفاظ السباب التي يفوه بها لكانت كافية لإراقة الدماء بين رجال القافلة، ولكنهم اعتادوا ذلك منه وكانوا يتفكهون به.
وكان من عادته إذا انتهى من الطهي أن يجلس إلى الأعراب ويهزأ من مبلغ معرفتهم بقواعد الدين، ويُظهر التفوق عليهم بإنشاء مقاطيع من شعر الزهد، ويحسن اختيار أشعار الغزل وروايتها، وطائفة من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام.
وكان أحمد هذا مخلصًا لي متفانيًا في خدمتي، لم يكن يفوته أن يقدم لي كوبًا من الشاي في أحرج الظروف وأقلها ملاءمة لذلك، وإني لأذكر أنَّا سرنا ليلة كاملة ثم حططنا الرحال وكان يشكو ألمًا في قدمه، فقلت له اعتباطًا حين أخذنا في نصب الخيام: إني لم أكن في حاجة إلى الفطور أو الشاي حتى أصحو من نومي، وسمحت له بالنوم فتركني، وما كدت أفرغ من إعداد غطائي حتى جاءني بكوب من الشاي يتصاعد منه البخار.
وكان على سبابه ولعنه رفقاءه البدو، لا يتوانى عن الاهتمام بتخفيف آلام مَنْ يمرض منهم فقد أخذ عني بالتدريج، فهم استعمال الأدوية التي معي، وكان كلما أُشكِل عليه معرفة دواء يجيئني بزجاجته للتحقق مما بها.
إن ما يحتاج إليه الإنسان في قطع الصحراء بسيط، والأشياء التي يحملها مجتازو الصحراء معروفة تكون متماثلة في كل حالة، فغذاء الصحراء هو الدقيق والأرز والسكر والشاي، وسكان الصحراء يحبون اللحم، ولكنه لا يمكن حمله بطبيعة الحال، فلا بد للإنسان من الصيد إذا أراد، أو الاستغناء عنه.
أما الشاي فهو شراب أهل صحراء ليبيا، وهم يفضلونه عن القهوة لسببين: أولهما ديني والثاني عملي، فقد حرم السيد ابن علي السنوسي على أتباعه عيش الترف وأمره نافذ؛ لأنه مؤسس الطائفة السنوسية المهيمنة على أمور البلاد التي أزمعت اختراقها، وقد تناولت أوامره تحريم الدخان والقهوة، ولكنها لم تتناول الشاي لأمرٍ ما، ولهذا تجد كل أتباعه يحبون الشاي إذا صحت المقارنة بين ذلك السائل العكر المر الذي يبعث النشاط في النفوس، نفوس الأعراب أثناء السير، وينعشها آخر النهار وبين ذلك الشراب الذهبي الشهي ذي الرائحة الذكية الذي يوسع حافات الموائد في بلاد الحضارة.
والسبب الثاني الذي يجعل أهل الصحراء يؤثرون الشاي على القهوة، أنه مُنَشِّط على العمل، وهم يشربونه عقب كل طعام ويختمون به رحلة اليوم.
والبلح من أهم الأطعمة في الصحراء إن لم يكن أهمها جميعًا، فإنه غذاء الرجال والجِمال؛ إذا نفد الزاد أو ضاق الوقت عن طهي شيء، وليس بلح الصحراء تلك الفاكهة الحلوة الشهية، التي يتلذذ بأكلها أهل الغرب على موائدهم ويحملونها معهم في سياحاتهم القصيرة، فإن البلح الذي يحمله قاطع الصحراء، يجب أن يكون قليل مادة السكر؛ لأن السكر يسبب العطش، ولا بد من الاقتصاد في الماء؛ إذ الآبار على مسافة أيام من بعضها البعض.
وقد أخذت معي بعض الأطعمة المحفوظة في العلب مثل لحم البقر والخضر والفاكهة، ولكن هذه العلب ثقيلة والإكثار منها يتطلب زيادة في عدد جمال القافلة، وكان معي بعض البن، ولكني لم أشرب القهوة إلا قليلًا، وقدمته هدايا إلى مَنْ صادقنا أثناء الطريق، وكان معي كذلك قليل من زجاجات أقراص اللبن المركز، وقد نفعتنا كثيرًا عند نقص مقدار الطعام، ولكن البدو لم يميلوا إلى هذه الأقراص؛ لأنها كما كانوا يقولون: تشبعهم بدون إمتاعهم بلذة التذوق.
هذا ما كنا نحمله من الأغذية، مضافًا إليه الملح والتوابل، وأخصها الفلفل لعمل «العصيدة»، ولا تخلو هذه الأغذية من التنويع القليل، ولكن التنويع في المأكل شيء يجب الاهتمام به في الصحراء، حيث تنقل المؤن دواب تعيش في الغالب على أكثر ما تحمله، ولم يكن معي طعام خاص شهي أستعين بلذته على إساغة الأرز والخبز والبلح والشاي؛ لأن مَنْ يجرب السفر في الصحراء ويتعلم دروسه، يدرك أنه يجب أن لا يختص نفسه بشيء دون رجال القافلة، فلا يحمل من لذائذ المأكولات ما لا يكفيهم جميعًا؛ إذ في الصحراء تنمحي الفوارق كلها، فلا تمييز بين رفيع ووضيع، غير أن التبغ كان الشيء الوحيد الذي ميزت به نفسي عن بقية الرجال، ولكن هذا لم يكن في الواقع خرقًا للقاعدة؛ إذ لم يكن بين رجال القافلة مَنْ يدخن إلا شخص واحد شاركني لذة التدخين التي نعمت بها أثناء الرحلة؛ لكثرة ما حملت معي من السجاير المصرية والطباق.
ويجيء الماء بعد هذا، وهو المعضلة الدائمة في الصحراء فقد رأينا رجالًا يمسكون عن الطعام أيامًا عديدة، ويصومون إلى آجال لا يصدقها عقل، إما لحاجة قضت بذلك أو على سبيل التجربة، أما إذا أمسك رجل عن الماء في الصحراء أربعة أيام فإنه يكون قد أتى بمعجزة، والصحراء لم تُسَمَّ صحراء إلا لخلوها من الماء، والماء أهم ما يتحتم على مجتازها التفكير فيه والعناية به.
ولقد حملنا الماء على طريقتين، فأخذنا حاجتنا منه في خمس وعشرين قربة من جلد الغنم، على أن هذه القرب سهل انفجارها إذا اصطدم جملان ليلًا في طريق صخرية؛ ولذلك أودعنا الماء الذي ربما مَسَّت إليه الحاجة في فناطيس مستطيلة من الصفيح، مدلاة على جوانب الجمال، وكان معنا ثمانية فناطيس، يسع الواحد منها ما يملأ ثلاث قرب، فكان كل ما معنا من الماء يكفي جميع أفراد القافلة في أطول المراحل بين بئر وأخرى، وقد قصرنا وضع الماء الاحتياطي على الفناطيس، وإن كانت أسلم عاقبة من القرب؛ لأن هذه لا تشغل حيزًا كبيرًا إذا خلت، فقد يكفي جمل واحد لحمل الخمسة والعشرين قربة الخالية، بينما لا تزيد حمولة الجمل الواحد عن أربعة فناطيس، سواء أكانت ملأى أم خالية ولم يكن معنا جمال نغنى عنها.
وكان معنا كذلك بعض «زمزميات» من القماش ولكننا ألقينا معظمها؛ لأنها كانت تضايقنا كثيرًا في حملها، وقد نفعنا القليل الباقي في تبريد الماء بعد ذلك، عند اشتداد الحر في السودان؛ فإن تبخر الرطوبة من منافذ قماش الخيش يحفظ للماء درجة حرارة معتدلة.
وكان من ضمن متاعنا أربع خيام منها ثلاث ناقوسية الشكل والرابعة مستطيلة، وكذلك من أدوات الطبخ أهمها «حلة» كبيرة من النحاس لطهي الأرز، وكان معنا — استعدادًا للطوارئ — صندوق صيدلة يحوي: الكينا، واليود، والقطن، والأربطة، وساليسلات البزموت. لمعالجة الدسنطاريا وأقراص من المورفين، وحقنة ومصل ضد لسع العقرب، نفعنا كثيرًا أثناء الرحلة في حالات حرجة، ودهان من الزنك لأجل الأجزيما، وأقراص ملينة وملح فواكه، وكان معي بعض الجهازات وبعض أسلحة الجراحة الطبية، وأدوات وأدوية لمعالجة أمراض الأسنان.
وكانت هذه الأدوية والجهازات، تساعدنا كثيرًا في علاج الأمراض البسيطة العادية، أما إذا اشتد المرض على عليل وضقت ذرعًا بعلاجه، فكان لا مناص لي من تفويض أمره لله قائلًا كما تقول العامة: الشفاء من عند الله.
وأخذت معي لقصد الصيد ودفع الطوارئ ثلاثة مسدسات كبيرة، وثلاث بنادق وبندقية أخرى لصيد الطيور، أهديتها قبل عودتي، بينما زدت أسلحتي ست بنادق أخرى ومسدسًا كبيرًا.
ولما وصلت تلك الأسلحة إلى السلوم في صندوق غريب الشكل، تهامس الناس أني أحمل مدفعًا رشاشًا لغاية خفية، اختلقوها وفقًا لأهوائهم ولم تخلُ هذه الإشاعة من الرواج.
وحملت معي خمس آلات للتصوير رغبة مني في أخذ مناظر الرحلة بحيث تظهر التفصيلات التي أعوذ بها عنها وافية واضحة ناطقة، وكان ثلاث آلات منها من نوع كوداك، وقد قامت بتأدية وظيفتها على أحسن ما يُرام حتى آخر الرحلة، وواحدة من نوع آخر، وقد أتلفها تسرب الرمال إليها، وكانت الآلة السادسة من آلات السينماتوغراف.
وقد استعملت في التصوير بهذه الآلات «فلمًا» من نوع «ايستمان كوداك» حفظته بعناية شديدة في علب صفيحية محبوكة القفل، ثم وضعت هذه العلب في صناديق من الصفيح ملأتها بنشارة الخشب، ووضعت كل هذه في صناديق من الخشب، ولم تكن العناية بهذه «الأفلام» زائدة عن الحد، نظرًا للحرارة الشديدة في مبدأ الرحلة، والأمطار الغزيرة التي هطلت بعد ذلك في السودان.
وكان طول الشريط السينماتوغرافي الذي حملته معي ???? قدم.
وقد كنت موفقًا في كل ما أخذته من الصور، ولم أحمض الجزء الكبير منها حتى عدت إلى مصر بعد ذلك بثمانية أشهر، ولكن الذي خسر منها قليل بالنسبة لمجموعها.
أما لباسي فكان ثوب البدوي العادي المكون من قميص وسروال وصديري من نسيج قطني أبيض وجرد عربي — والجرد هذا حزام من الصوف — وكوفية وعقال، وأخذت بعض ملابس حريرية وسراويل من الجوخ للبسها في مواقف خاصة، عند دخول الواحات والخروج منها، ومقابلة رؤساء العشائر، وكبار أهل الصحراء وحضور مآدبهم وغير ذلك.
ولم أرد أن أتزيا بزي أهل الصحراء حتى أنتهي من المرحلة الأولى، فتركت السلوم في «بدلة» من الخاكي وسروال ركوب نال منها القدم، وكنت غريب الهيئة وأنا أنتعل تلك المراكيب الصفراء التي لا ينفع غيرها للسير في الصحراء، وألبس تلك القلنسوة الصوفية دفعًا للبرد الشديد.
الشيخ عبد الله الصادق والأسطى أحمد الْمِصْرييْن من أسوان اللذين رافقا الرحَّالة في رحلته.
والعادة عند السفر في أراضي مجهولة في البلاد الشرقية، أن يقوم الإنسان بتقديم الهدايا إلى الرجال المشاهير الذين يلقاهم، فكان معي كمية وافرة من الحرير، والأواني النحاسية والمباخر المطعمة بالفضة وزجاجات الروائح العطرية، والمناديل الحريرية وأباريق وأكواب للشاي من الفضة، وأجراس فضية، يسر البدوي أن يستعملها في دعوة خدمه بدلًا من التصفيق بيديه، وكنت عند قيامي بهذا المقدار العظيم من الهدايا أظن أني عائد بنصفه.
ولكني لاحظت عند وصولي الكفرة أن الميل إلى قبول الهدايا لم يقتصر على مَنْ أدى لي خدمة في هذه الرحلة، ولكنه تجاوزهم إلى كل مَنْ أدوا إليَّ أية خدمة في رحلتي السابقة، مهما صغرت تلك الخدمة؛ ولذلك رأيت أن كل ما حملت لم يكن كافيًا لإرضاء مَنْ توقع الهدية قبل عودتي، وَمَنِ استحقها في رحلتي الثانية، ولم تكن هذه الهدايا مني طلبًا لخدمة أو توقعًا لنفع، وإنما كانت بمثابة تحية أو تذكار من بدوي من المدن إلى أخيه البدوي المقيم في الصحراء.
وكان أهم ما خرجت منه بفائدة عظيمة من هذه الرحلة، من حيث الأبحاث العلمية والتاريخية، تلك الجهازات العلمية والأدوات الفنية التي ذكرها الدكتور بول في تقريره الطبوغرافي في ذيل هذا الكتاب.
وقضيت في السلوم أسبوعين، كنت فيهما شديد الاهتمام بتهيئة أسباب الرحلة، صارفًا عنايتي في تنسيق كل شيء وترتيبه؛ لأن الأشياء التي تُنقل على ظهور الإبل، ويتحتم حملها كل صباح وإنزالها كل مساء، وصفها فوق بعضها؛ ليكون منها حائل يدفع البرد ويرد الاعتداءات المتوقعة، لا بد أن يُعتنى بحزمها والتأكد من سلامتها، فقد يحدث بعد سفر يوم طويل أن يستسهل الحمالون الذين نال منهم التعب، أو تغلب عليهم الإهمال أن يتركوا الأحمال تزل عن جوانب الجمال بدلًا من أن ينزلوها عنها برفق وعناية.

الفصل الرابع
التآمر والتفاؤل


انتهيت من وضع خطتي للانحدار جنوبًا إلى الجغبوب، ولكن حادثة وقعت لي قبل اليوم المحدد للسفر بيومين شغلت بالي؛ وذلك أني كنت جالسًا ذات مساء في غرفتي بمنزل استراحة الحكومة، أشتغل بفحص أجهزتي العلمية، فإذا بطارق على الباب، وحرت في التكهن بِمَنْ يريدني في تلك الساعة، ولكني تقدمت إلى الباب وفتحته قليلًا، فرأيت بدويًا لا أعرفه، متلحفًا بجردة، فأقفلت الباب في وجهه وسألته: مَنْ أنت؟ فقال: صديق، ولكني لم أطمئن إلى ذلك فسألته عن اسمه وعما يريد، فأجابني من وراء الباب: «أنا صديق أريد أن أسر إليك شيئًا لا بد من إخبارك به.»
ففتحت الباب وسألته الخبر فدخل بلهجة المستفسر: أظنك ستسير إلى الجغبوب من الدرب «الطوالي».
فأومأت برأسي أن نعم، فقال وفي لهجته شدة: لا تذهب.
فقلت: وَلِمَ هذا؟
فأجاب: إن البك غني يحمل معه ثروة طائلة، والأعراب أهل شره ونهم، والدائر على الألسنة، أن معك صناديق مملوءة ذهبًا.
قال لي هذا، بينا ينطق في عينيه اعتقاده بصحة هذه الإشاعة وإن ادعى غير ذلك، ثم ثنَّى قائلًا: لقد اتفق الجمالون مع أصدقاء لهم في الطريق، على الكمون لك ونهب ما معك، وقد تضيع مالك وتفقد حياتك إذا سلكت تلك الطريق.
فأجبته: إن في وسع كل إنسان أن يُدافع عن نفسه وعن ماله.
فقال: ذلك محتمل إن كان معك العدد الكافي من الرجال.
ولم يكن معي ذلك العدد الكافي فتطرقت في الحديث معه، إلى الاستفسار عن صحة هذا الخبر، فقص عليَّ القصة وكان صادقًا وزاد يقيني في صحة أخباره، أنه كان قريبًا لرجل أديت له خدمة حين أُوفدت في بعثتي الأولى إلى السنوسيين.
وشكرته على اهتمامه بتحذيري، واختفى الرجل في ظلام الليل، فخلوت بنفسي أعرض عليها التفكير في الخروج من ذلك المأزق الحرج.
وأهل الصحراء سريعون إلى التكهن بمقاصدك إن أمكنهم ذلك، فإن عجزوا ظنوا الظنون في كل ما تفعل أو تريد أن تفعل، وكان أكثر متاعنا في صناديق، والأعراب لا تفهم من الصناديق إلا أنها تحوي كنوزًا، وليس عجيبًا منهم وقد ظنوا مدفعًا تلك العلبة التي جئت بها وفيها ثلاث بنادق، أن يحسبوا آلات التصوير والأجهزة الفنية التي حملتها معي، نقودًا ذهبية أو سفاتج من الأوراق المالية، وليس بعيدًا أن يكون الرجال الذين أكريت جمالهم قد ظنوا أني مخترق الصحراء، بهذه الثروة الطائلة لسبب خافٍ عنهم ففكروا في سرقتي.
ولست أكتم القارئ أني لم أرتح إلى هذا الخبر، فإن استهلال رحلة بقتال لا يدعو إلى التفاؤل أو يشرح النفس، مهما أولينا فيه من فوز وخرجنا منه سالمين؛ ولذلك فضلت اجتناب هذه العقبة عن التعرض لها.
وأصبح الصباح فاستغنيت عن أصحاب الجمال الذين انكشف لي سر مؤامرتهم، واعتضت عنهم بآخرين يوصلونني إلى واحة سيوة، واستبدلت الطريق المستقيمة إلى الجغبوب بطريق تضطرني إلى قطع ضلعَيِ المثلث الذي تكون مواضع السلوم وسيوة والجغبوب رءوس زواياه، وقد أطال هذا التغيير مسافة القسم الأول من الرحلة، ولكن الزمن والمسافة هينان في سبيل سلامة الوصول.
وللسفر بطريق سيوة ميزات كثيرة؛ لأن هذه الطريق واقعة في الأملاك المصرية لا في تلك الأصقاع التي تسكنها القبائل التي ينتمي إليها الجمالون الخونة، ولأنها طريق مطروقة لا يجسر قطاع الطرق أن يقدموا على اغتيال المارة فيها، بدون التعرض للخطر، وقد حال إسراعنا في الرحيل بعد تغيير خطة السفر، دون تفكير المتآمرين علينا في إعداد خطة جديدة لنهبنا، إن كانوا قد فكروا في ذلك.
وهكذا ظننت السلامة في هذا التغيير والتبديل، ولم أكن مخطئًا في هذا الظن.
وبدأت القافلة سيرها في أول يناير، وبعد قيامها بثلاثة أيام تفضل الملازم «باثر» فاستصحبني في سيارة للحاق بها عند بئر «دجنيش» على بعد نحو ستة وثلاثين ميلًا من السلوم، ثم ودعت ذلك الضابط الرقيق، وأخذت مكاني بين رجال القافلة، وكانت المسافة إلى سيوة ستة أيام، قضينا وقتًا منها في إخفاء صناديقنا وعلبنا بين طيات حوائجنا، بحيث ظهر مجموعها كأنه أثاث عادي من أثاث البدو.
سيوة.
ولم يقع لنا في بحر هذه الستة أيام أمر ذو بال، اللهم إلا حادث كان أول ثلاثة بعثت في نفوسنا الفأل الحسن بنجاح الرحلة؛ وذلك أني رأيت في عصر اليوم الخامس غزالًا يرعى على مقربة من طريقنا، فتعقبته يحتثني الميل إلى تذوق اللحم الطري، وما كدت أتقدم له حتى سمعت صراخًا وعويلًا خلفي، قصد بهما رجال القافلة تثبيط همتي في صيده، ولم أفهم بادئ الأمر ما دعاهم إلى منعي من صيد ذلك الغزال، مع ما أعرفه في البدوي من حب اللحوم، وظننت أنهم خافوا عليَّ البعد عنهم وتعطيل سير القافلة، فلم أحفل بصراخهم وتقدمت إلى الغزال، وبعد أن طاردته قليلًا أطلقت النار عليه فأصبته في مقتل.
وما كدت ألحق بالقافلة حاملًا طريدتي حتى نالتني الدهشة مرة أخرى، فقد تقدم الرجال إليَّ يلوحون بأيديهم ويرسلون صراخًا يمتزج فيه الفرح بالتهاني، ولم ينقص عجبي من وقوفهم دون صيدي الغزال وترحيبهم بي بعد صيده، حتى سمعت منهم تفسير ذلك، ففهمت أن البدو يعدون أول طلقة من رئيس القافلة على طريدة بعد البدء في سير القافلة، فاصلة في خط الرحلة من النجاح أو الخيبة، فإن أخطأ الرامي أصاب القافلة مصيبة قبل انتهاء الرحلة، وإن أصاب، بسم الحظ لها وكُتب لها النجاح؛ ولذلك أشفق الأعراب من رؤيتي أقطع في حظ القافلة بهذه السرعة، ولو كنت أدري هذه النظرية، لأبقيت الطلقة الأولى حتى وصلنا الفاشر بعد ذلك بستة أشهر.
وأقمنا في سيوة ثلاثة أيام قضيناها في تأجير جمال أخرى للمرحلة إلى الجغبوب وعمل بعض الترتيبات النهائية.
وسيوة آخر مركز يتصل بالعالم المتمدين الذي أخلفه ورائي، فعندها تنتهي أعمال البريد والإشارات البرقية، ولا يوجد بعد سيوة شيء يُباع، إلا محصولات الصحراء والقليل من الأرز والقماش، وهذا غالي الثمن، إن فُرض وجوده.
وقد أكرم وفادتي وقام بمساعدتي في بحر الثلاثة أيام حضرة المأمور أحمد أفندي كامل والموظفون والملازم «لولر» قومندان قوة مصلحة أقسام مصلحة الحدود المرابطة هناك.
وسيوة أكبر الواحات وأجملها، تتفجر فيها عيون الماء العذب وتنمو فيها الفاكهة اللذيذة، وأخصها أجود أنواع البلح في العالم، وتقع العين فيها على مناظر بديعة، وعادات لأهاليها غريبة، ومن هذه العادات أن المرأة إذا فقدت بعلها، أمسكت عن الاستحمام أربعين يومًا واحتجبت عن الأنظار، يُقدَّم لها الطعام من ثغرة في الباب، فإذا انقضت هذه المدة ذهبت تستحم في بئر من الآبار، فتنكب كل إنسان عن المرور في طريقها وَسَمَّاها الناس «غولة» وتجنبوها؛ لأنهم يعتقدون أنها تجلب النحس لكل مَنْ يقع نظره عليها في ذلك اليوم.
وفي سيوة تُكدَّس أكوام البلح في سوقه الخاصة التي يُطلق عليها اسم «المسطاح»، وهذه الأكوام مقسمة حسب أنواع البلح؛ من جيد ورديء، ولا يقوم بحراستها أحد، ولكن الأيدي الغريبة لا تمتد إليها ولا تخلطها بقصد الانتفاع، على أن لكل إنسان أن يدخل هذه السوق وينال كفايته من أجود أنواع البلح بدون أن يدفع مليمًا واحدًا، ولكنه ليس في حِلٍّ من أن يحمل معه شيئًا.
وفي سيوة مقام لأحد الأولياء يُودع الناس حوله أشياءهم ليأمنوا عليها؛ فإذا فكر أحد في السفر، أخذ متاعه الثمين وتركه بالقرب من هذا المقام، فلا تمتد إليه يد إنسان، ولا يفكر أحد في التعدي على الأشياء المودعة عند هذا المقام، مهما غلا ثمنها؛ لأن الاعتقاد الساري الذي لا يتزعزع، هو أن الإنسان الذي يمد يده عند هذا المقام إلى شيء لا يملكه، يُبْتَلى بالنحس وسوء الطالع طوال أيام حياته.
وعند تأهبي للقيام من سيوة، تضاعف عدد رفقائي فقد أضفت من السلوم إلى عبد الله وأحمد رجلًا من قبيلة «المنفى» اسمه حمد، وكان أشد رجال القافلة إقبالًا على العمل وأصبرهم على التعب، فلا أذكر أني رأيته مرة متعبًا، وكان مشغوفًا بالجمال خبيرًا بأحوالها وشئونها فعهدت إليه ببعيري.
وأما رابع الرجال فكان إسماعيل، وهو شاب من سيوة يظهر عليه الضعف، ولكنه كان آخر مَنْ يتعب من السير ويمتطي ناقة، وقد عهدت إليه بالجواد الذي حصلت عليه في «جالو»، واختصصته بمرافقتي في تجوالي للبحث عن بعض العينات من طبقات الأرض، أو عند الاشتغال ببعض الأبحاث الفنية، فإن نشأته في واحة مصرية لها اتصال بحياة المدينة، بواسطة البريد والتلغراف، لم تخلق فيه تلك الرِّيبة التي اختُصَّ بها أهل الصحراء، وجعلتهم يُأوِّلون أقل عمل يأتيه الغريب تأويلات غريبة بعيدة عن الحقيقة، فإن من البدو مَنْ كان يظن أني أقتطع الأحجار؛ لأنها تحوي ذهبًا، أو أني أرتاد تلك الأصقاع لأمهد سبيل غزوها فيما بعد، وقد أحببت إسماعيل؛ لأنه لم يكن كذلك، ولأنه كان يطيعني طاعة لا يتسرب إليها سوء الظن بما أفعل.
وتركنا سيوة بعد استبدال جمالنا في اليوم الرابع عشر، وانقطعت آخر حلقة من حلقات اتصالنا بالعالم الخارجي، وما كدنا نقف بعد المرحلة الأولى، حتى خلعت ذلك الثوب البالي من الخاكي ولبست ثياب البدو وظننتني رجلًا من رجال الصحراء، وكان تأثير هذا التغيير سريعًا في رجالي، فقد تعودت منهم قبل ذلك أن يقربوني مرتبكين حيارى، ولكني ساعة تزييت بزيهم تقدموا إليَّ مقبلين عليَّ، وشدوا على يدي على طريقة البدو وقالوا: الآن صرت منا.
ووقعت لنا الحادثة الثانية التي تفاءلنا منها خيرًا بعد تركنا سيوة ببضعة أميال، فقد وجدنا بلحًا في طريقنا كان قد تناثر من بائع أثناء ذهابه إلى السوق، والبلح المنثور في طريق القافلة فأل حسن بنجاح الرحلة، وقد يحدث أحيانًا أن يتعمد أصدقاء البدوي نثر البلح في طريق القافلة قبل بدئها في السير حتى يعثر بها في سبيله، وقد زاد هذا الفأل الأمل في نجاح الرحلة بعد حادثة الغزال، ولكن الحادثة الأخيرة كانت أبعث الحوادث على حسن التفاؤل؛ وذلك أني كنت أرسلت رجلين من رجالي يحملان خطابًا إلى السيد إدريس في الجغبوب أعلمه فيه بقرب وصولي؛ فإن العادة في الصحراء ألَّا يفجأ الإنسان صديقًا أو ذا حيثية بدون سابق إعلان بمجيئه؛ لأن هذا الإعلان يُمَكِّن كلًّا منهما من ارتداء الملابس التي يليق في مثلها لقاء أهل الفضل والوقار.
وكانت مباركة السيد إدريس لرجالي باعثة في نفوسهم على الأمل العظيم بنجاح الرحلة وسلامتها من كل خطر، وحل وقت العصر، فودع كل منا الآخر ورُفعت الخيام وسارت القافلتان، فانحدرت قافلة السيد إدريس شرقًا إلى مصر، وتقدمنا غربًا إلى الجغبوب وما وراءها من صحراء مترامية الأطراف، وأراد رجالي أن يستزيدوا من بركة السيد إدريس، فصمموا على أن يتبعوا في سيرهم الطريق الذي سلكته قافلة شيخ السنوسيين وهي قادمة إلينا.
عَصَّارة زيتون بسيوة.
وحدث بعد تركنا سيوة بيومين، وكنت في مؤخرة القافلة، أن وقف سير الجمال فسألت عن سبب هذا الوقوف غير العادي، فكان الجواب أن رسلًا جاءوا يحملون خبر وصول السيد إدريس بعد ساعة، فما كاد رجالي يسمعون هذا الخبر حتى بان في عيونهم الطرب، فإن تقدم شيخ السنوسيين نفسه للقائنا في أول الرحلة يُفسَّر بفأل حسن، وقال الرسل: إنه يرجو البك أن ينصب خيامه حتى يجيء إليه، وهذا يُشعر بآداب الصحراء ويدل على السنن والعادات المتبعة فيها، ولم نكد نستقر، حتى رأينا طلائع قافلة السيد إدريس التي وصلت بعد قليل ونصبت خيامها على مقربة منا، وبعد ذلك بنصف ساعة تقدم السيد إدريس يحف به حشمه إلى خيامنا، وتقدمت أنا الآخر للقائه فقابلني مقابلة ودية، وجددنا مراسم تلك المعرفة القديمة، يظهر في وجهي أثر السرور، ويلوح الابتهاج على محياه، ولست أكتم القارئ أن الرحلة الأولى لم تُصب ذلك النجاح إلا برعاية السيد إدريس لنا وعنايته بنا، فما بالك بأثر هذه الرعاية في رحلتنا هذه، وهي أطول من تلك ثلاث مرات، وأدعى إلى توغلي في أرض أجهلها كل الجهل.
ودعانا لتناول الغداء في خيمته، وكان مكونًا من الأرز والدجاج المحشو وفطير البدو المسكر، يعقبه بعد ذلك أكواب الشاي المعطر بالنعناع وماء الورد، وشرحت له خطتي وحدثته بخبر العالم، فسرَّه كثيرًا علمه بنتيجة معاهدة فرساي، وطلب مني بعد ذلك أن أدعو جميع رجالي إلى خيمته ليباركهم، فجاءوا ووقفنا جميعًا نصغي إلى تلك الألفاظ تنحدر من بين شفتيه، فعادت إلى ذاكرتي تلك الساعة التي وقفت فيها أمام أبي، في تلك الغرفة المعطرة بعبق البخور، أتلقى مباركته ودعاءه لي، بينما يلوح في خاطري طيف الصحراء والإبل والحياة البدوية، لقد كان ذلك خيالًا تصورته، أما الآن فبدت لي الحقيقة ورأيتني في لباس البدو أتقدم القافلة وأستقبل الطريق المؤدية إلى قصدي.

الفصل الخامس
السنوسيون


لا يكمل سرد قصة عن صحراء ليبيا بدون ذكر السنوسيين الذي هم أهم عامل من عوامل النفوذ في تلك الأصقاع، وهذا الموضوع كبير، أحق به أن يُفصَّل في كتاب خاص، ولكني أقدم للقارئ في هذا الفصل القصير أهم نقط تاريخ السنوسيين.
لا يكوِّن السنوسيون شعبًا أو مملكة أو وحدة سياسية، وإن كان فيهم من هذه الأشياء خواص كثيرة، على أنهم من البدو الذين يسكن معظمهم صحراء ليبيا.
ويبسطون نفوذهم على مساحة عظيمة من تلك النواحي، وتسلم حكومات النواحي بأنهم قوة حقيقية في شئون أفريقيا الشمالية الشرقية، وهم مسلمون، وأحسن وصف لهم أنهم رابطة دينية زعامتها وراثية ونفوذها قوي في إدارة شئون سكان صحراء ليبيا.
ويمكن تقسيم هذه الطائفة إلى أربعة عصور اكتسبت الطائفة صبغتها في كل عصر منها من شخصية الزعيم، والزعماء الأربعة هم على التوالي: السيد ابن علي السنوسي مؤسس الطائفة، والسيد المهدي ولده، والسيد أحمد ابن أخ المهدي، والسيد إدريس بن المهدي زعيم الطائفة الحالي.
وُلِد السيد محمد بن علي السنوسي المعروف بالسنوسي الكبير في الجزائر سنة ???? هجرية، وهو من نسل الرسول عليه السلام، توفر على دراسة العلوم في جامعة القيروان، وفي فاس وفي مكة، حيث أخذ العلم عن الفقيه الشهير سيدي أحمد بن إدريس الفاسي وقد مالت نفسه إلى التقشف، وتمكن من نفسه اليقين بأن الدين الإسلامي مفتقر للرجوع إلى تلك الصورة الخالصة التي وضعتها تعاليم النبي عليه السلام.
وقد اضطر أن يترك مكة في السنة الأولى بعد الخمسين من عمره مدفوعًا بمعارضة المتقدمين في السن، من المتفقهين الذين خالفوه في بعض آرائه الدينية، فعاد عن طريق مصر إلى برقة، وأخذ يؤسس المعاهد لبثِّ تعاليمه بين أهل البادية، وسنتناول في شرح هذه التعاليم، ذكر ثلاثة أشياء لا مندوحة عن تفسيرها وهي الزاوية والإخوان والوكيل.
أما الزاوية فبناء مكوَّن غالبًا من ثلاث غرف، ويتوقف حجمها على أهمية المكان الذي تُقام فيه، وإحدى هذه الغرف خاصة بإعطاء الدروس التي يتلقاها صغار البدو عن الإخوان، والثانية مَضْيفة ينزل فيها المسافرون لتمضية ثلاثة الأيام التي يقضي بها كرم البدو، والغرفة الثالثة لسكنى الإخوان، وتُقام الزاوية عادة بالقرب من بئر يقف عندها المسافرون ويجاور الزاوية، في أغلب الأحيان، قطعة من الأرض يزرعها الإخوان.
والإخوان هم الأعضاء العاملون في هذه الطائفة وهم الذين ينشرون تعاليمها وأغراضها، والإخوان لفظ يُطلق على المفرد والجمع — في اصطلاحهم — وأما الوكيل فهو ممثل شيخ السنوسيين والقائم عنه بالأمر.
رأى مؤسس هذه الطائفة مسلمي برقة سادرين في غيابات الضلال، معرَّضين لخطر الاضمحلال السريع من الوجهتين الدينية والْخُلُقيَّة، فأراد أن ينتشلهم من وهدة السقوط، وَإِنَّا لنسوق بعض الأمثال لتلك الأعراض التي غيرت من معالم الدين الحنيف.
أسس بعض أصحاب النفوذ من شيوخ البدو في الجبل الأخضر، شمال برقة ضربًا من الكعبة قصدوا به تقليد البيت الحرام الذي قضى الإسلام بحجه، على كل مَنِ استطاع إليه سبيلًا، وقد أراد مؤسسو هذه الكعبة الزائفة، أن يدخلوا في أذهان البدو أن زيارتها، تقوم مقام حج بيت الله الحرام.
وأراد أولئك الشيوخ أن يتخلصوا من صوم رمضان، والانقطاع فيه إلى العبادة، فابتدعوا لذلك بدعة، هي أن يذهبوا قبل حلول رمضان بأيام إلى وادٍ اسمه وادي زازا، وهو معروف بقوة رجع الصدى الذي تردده جوانبه، ثم يصرخون جميعًا سائلين: «أي وادي زازا أنصوم رمضان أم لا؟» فيُجيب الصدى بالكلمة الأخيرة من هذه الجملة وهي «لا لا» ويتصور مَنْ سأل ذلك الوادي أنهم أصبحوا في حل من الإفطار فيفطرون، غير مقيدين بأوامر الدين الحنيف، قانعين بأن الأمر صدر إليهم بعدم الصوم.
ومما يُذكر أنه في بداية تعاليمه، أقيمت الصلاة فدخل المسجد أعرابي اسمه «مجرم» ووقف في الصف الأول يصلي لأول مرة، فقرأ الإمام آية: أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ فتأخر إلى الصف الثاني، فقرأ الإمام: ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآَخِرِينَ فتأخر مجرم إلى الصف الأخير، فقرأ الإمام: كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ فخرج مجرم من بين المصلين يعدو مهرولًا إلى داره، فسألته امرأته وقد رأته مضطربًا ما خطبه؟ فقال: «ها دوَّة الصلا دوَّة وعرة، هلك الأولين توخرت، هلك الآخرين توخرت، نادى بالاسم: يا مجرمين عدِّيت.»
مسطاح البلح بسيوة.
وكان في بدو تلك النواحي بقية من العادات البربرية القديمة، فكانوا يقتلون البنات خشية ما قد يجلبنه عليهم من العار، وهذه العادة المرذولة تحول بين هؤلاء القوم وبين التقدم إلى مصاف ناشري الدعوة للإسلام.
رأى مؤسس الطائفة السنوسية كل ذلك، فحاول في تعاليمه وإرشاداته أن يعود بالإسلام إلى قواعده في ذلك العهد الطاهر، وأسس السيد ابن علي أول زاوية في أرض إفريقية في واحة سيوة، وتقدم من تلك الناحية غربًا إلى برقة، فأسس الزوايا في «جالو» و«أوجله»، وتوغل غربًا في طرابلس وتونس ينشر تعاليمه بين البدو، وكان قد تقدمته إلى تلك النواحي شهرته الدينية والعلمية، فطلب وفادته شيوخ البدو وتنازعوا في سبيل إكرامه، وعاد إلى برقة سنة ???? هجرية فأسس زاوية كبيرة، في الجبل الأخضر، بالقرب من درنة، ودعاها الزاوية البيضاء، ولم يكن له حتى هذا العهد مركز ثابت؛ لأنه كان كثير التجوال، ينشر تعاليمه في كل مكان، فأقام في الزاوية البيضاء واستقبل الزوار من رؤساء قبائل برقة.
وكانت أهم تعاليم شيخ السنوسيين، الدعوة إلى الدين الإسلامي الحق، والتمسك الشديد بأوامر الله — سبحانه وتعالى — ونبيه الكريم، وليس أدل على تعاليمه من ذكر فقرة من كتابه إلى أهل «واجنجه» في «واداي» وقد رأيت أصله في الكفرة، وفيه يقول: أسألكم باسم الإسلام أن تطيعوا الله ورسوله فقد قال — سبحانه وتعالى — في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ويقول: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، ويقول: وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَ?ئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ? وَحَسُنَ أُولَ?ئِكَ رَفِيقًا.
أسألكم أن تطيعوا أوامر الله ورسوله فتؤدوا الصلوات الخمس وتصوموا رمضان وتؤاتوا الزكاة وتؤدوا فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، وتجتنبوا ما نهى الله عنه من قول الكذب والغيبة وابتزاز أموال الناس وشرب الخمر وتأدية شهادة الزور، وغير ذلك مما أمرنا الله باجتنابه، فإذا فعلتم ما أمر الله به، ورجعتم عما نهى عنه، أسبل عليكم نعمته الأبدية ومنحكم الخير والرزق الدائمين.
وكان أهم ما عُنِي به مؤسس الطائفة السنوسية الدعوة إلى الحياة الدينية الطاهرة، فلم يعمل لأن يكون زعيمًا سياسيًّا أو صاحب قوة زمنية، وكان في كل أعماله مثالًا صالحًا للتقوى التي دعا الناس إلى التحلي بها، ولم تكن له تعاليم خاصة في الفقه أو آراء شخصية في تفسير قواعد الدين، وكان أكبر همه، اتباع رجاله لقواعد الإسلام لا الإكثار من رسوم العقائد، والشيء الوحيد الذي أضافه إلى العبادات الدينية دعاء وضعه وردده السنوسيون بعد ذلك، وهو «حزب» على نحو الأحزاب المعروفة، بين طوائف الطرق الصوفية، وليس فيه ما يناقض تعاليم أئمة الفقه السابقين، أو يزيد عما نزل به القرآن، وإنما هو تعبير موافق لِمَا جاء في محكم التنزيل.
وقد جاء في كتابه إلى أهل واجنجه الذي سبقت الإشارة إليه، فقرة أخرى تبين الفكرة التي أقام عليها دعوته في سبيل رضاء الله وخدمة الدين؛ وهي: تنبيه الغافل، وتعليم الجاهل، وهدى مَنْ ضَلَّ سواء السبيل.
وقد نهى عن حياة الترف كل مَنِ انضم إلى طائفته، فمنع حيازة الذهب والجواهر إلا في حلي النساء، وحرم تدخين التبغ وشرب القهوة، ولم يأمر بطقوس أو فروض جديدة، وإنما طلب إلى الناس أن يتبعوا قواعد الدين في أبسط مظاهره، كما أنزل الله على رسوله الكريم، وكان في بدء دعايته، لا يجيز اتصال رجاله بالأجانب، كي لا يفسدوا عليهم عقائدهم إلى أن تتأصل تعاليمه في نفوسهم، بل كان لا يجيز اتصالهم بأهل البلاد الإسلامية التي يعتقد أنها حادت عن جادة الدين الحنيف.
وفي سنة ???? هجرية أسس السيد ابن علي في الجغبوب الزاوية التي أصبحت بعد ذلك مركز العلوم والعرفان للطائفة السنوسية، ولم يكن اختياره الجغبوب اعتباطًا أو اتفاقًا، وإنما نظر في اختياره هذا بعين الحكمة والروية، فقد قصد بانتخابها أن تكون مركزًا للتوفيق بين قبائل الصحراء المختلفة، ونشر راية السلام بينهم جميعًا، وقد جاء في خطابه المتقدم إلى أهل «واجنجه» وهم من السود: «يا أهل واجنجه إنا نريد أن ننشر السلام بينكم وبين الأعراب الذين يغيرون على بلادكم، ويستعبدون أولادكم ويبتزون أموالكم، وإننا بعملنا هذا نقوم بما أمر الله به في كتابه العزيز؛ حيث قال سبحانه وتعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا.? ويقول عَزَّ وَجَلَّ: فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ? وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ».? وكانت جغبوب مركزًا أُحسِن اختياره وصالحًا لأغراضه، فهي وسط قبائل في الشرق والغرب، كان النزاع بينها مستمرًا، ومن ثَمَّ، أمكن السنوسي الكبير أن يبسط نفوذه على المتنازعين، وأن يصلح ذات بينهم كما أمر بذلك الرسول.
وليست جغبوب من الوجهة العملية ناحية تصلح أن تكون مركزًا علميًّا أو دينيًّا، كما فكر السنوسي الكبير؛ لأنها ليست في خصب الواحات، إن صح أن تُسَمَّى واحة، فإن النخيل فيها قليل، والماء غير عذب، والتربة مستعصية على الزراعة، ولكن مركزها السياسي لا نزاع في صلاحه؛ ولذلك اتخذها مقرًّا له بدون تردد. وقد انقطَعَتْ فعلًا بعد إقامته هناك تلك الإغارات التي كانت مستمرة بين قبائل الشرق والغرب، وكان له الفضل في إيقافها، ولم يقتصر نفوذه على تلك النواحي، بل تعداها إلى قبائل برقة فقضى على ما كان بينها من عداء قائم من قديم الزمان.
بنت من سيوة.
وعاش السيد ابن علي ست سنين بعد أن اتخذ جغبوب مقامه، ومدَّ نفوذه شرقًا وغربًا حتى دعته إلى الكفرة قبيلة «زوي» — التي اشتهر رجالها بقطاع طريق برقة، وكانوا معروفين بين العرب بأنهم لا يخافون الله ولا يخشون الناس — وهي مركزهم المهم وسألته أن يؤسس زاوية له هناك، وقد رضوا أن يقفوا الإغارات والنهب ومهاجمة القبائل الأخرى، وعرضوا عليه ثلث أملاكهم في الكفرة، إذا رضي بأن يوفد إليهم أحد إخوانه ينشئ بينهم زاوية ينشر فيها تعاليمه ويعلم أبناءهم، ولم يتمكن السيد من الذهاب بنفسه، فأرسل أحد مشاهير الإخوان، وهو سيدي عمر أبو حواء؛ فأسس زاوية في «جوف» بالكفرة.
وبدأ ينشر تعاليم السنوسي الكبير بين أهالي قبيلة «زوي»، وأرسل السنوسي إخوانًا آخرين إلى جهات أخرى من صحراء ليبيا، ولم يمت حتى أصبح جميع البدو المقيمين على حدود مصر الغربية، وفي جميع نواحي برقة وطرابلس تلاميذه وأتباعه.
وقد مات سنة ???? هجرية في الرابعة والسبعين من عمره، ودُفِن في القبر الذي تظله القبة الشهيرة بالجغبوب.
وخلف السنوسي الكبير ولده سيدي محمد المهدي، وكان في السادسة عشرة من عمره عند موت أبيه، وقد قوَّى مركزه بين السنوسيين، على الرغم من حداثة سنه، عاملان مهمان: أولهما أنه كان في مجلس أبيه وأراد الانصراف، فقام أبوه وأصلح وضع حذاء المهدي بنفسه، وكان قد خلعه قبل أن يدخل على أبيه — وفي ذلك ما فيه من المهابة والتواضع — ثم التفت بعد ذلك إلى جلسائه وقال: «اشهدوا أيها الحضور أن ابن علي أصلح بنفسه وضع حذاء ولده المهدي.» وقد فهم الناس ساعتئذ أنه أراد بذلك أن يشعرهم بأن الولد لن يخلف أباه فقط، بل يقوم بعده أيضًا في صلاحه وتقواه.
أما العامل الآخر، فهو أنه جاء في بعض الأنباء القديمة، أن المهدي المنتظر الذي يرفع لواء الإسلام في نهاية العالم يصل سن البلوغ في غرة محرم ???? هجرية، وأن يكون من أب اسمه محمد وأم اسمها فاطمة، وقد جمع المهدي في نفسه كل الصفات التي قيل إنها وردت في أحد كتبهم؛ ولذلك تم اختياره خلفًا لكبير السنوسيين.
وانتشرت زوايا السنوسيين حتى صارت عند بلوغ السيد المهدي ثمانيًا وثلاثين زاوية في برقة، وثماني عشرة في طرابلس وتناثرت غيرها في بقاع إفريقية الشمالية، ولم تخلُ مصر من نحو عشرين زاوية، وقد قدر المحصون أن عدد مَن انضم لطائفة السنوسيين وأقر بالزعامة الدينية للمهدي عندما خلف أباه كان يتراوح بين مليون ونصف مليون وثلاثة ملايين.
والمهدي أشهر أفراد أسرة السنوسي، فقد رأى، من أول الأمر، أن نفوذ الطائفة يجد في جهات الكفرة والبلاد الجنوبية، مجالًا أوسع مما يجده في الشمال، فنقل مركز إقامته سنة ???? هجرية من الجغبوب إلى الكفرة، وقبل أن يترك مقره القديم أطلق جميع عبيده من الرق، ولا يزال بعض هؤلاء العبيد وأولادهم مقيمين في الجغبوب.
وكان انتقاله إلى الكفرة فاتحة عصر جديد في تاريخ السنوسيين، فقد تقدمت التجارة في عهده بين السودان وشاطئ البحر الأبيض المتوسط، عن طريق الكفرة حتى صارت الطريق الوعرة الخالية من الماء بين بئر «بو الطفل» بالقرب من «جالو» وبين بئر «الظيغن» في شمال الكفرة طريقًا تختلف إليها القوافل التجارية، ويرتادها المسافرون لزيارة الكفرة مركز طائفة السنوسيين، وبلغت الحركة في تلك الطريق حدًّا قال لي بدوي عنه: إنه كان في وسع الإنسان أن يسير نصف يوم من أول القافلة إلى آخرها، وكانت الطريق من الكفرة إلى «واداي» وعرة خطرة في تلك الأيام، فحفر المهدي بئري «بشرى» و«سارة» في الطريق الموصلة من الكفرة إلى «تكرو».
وكانت واحات الكفرة في أيام قبيلة «زوي» البدوية التي انتزعتها من قبيلة «التبو» السود مركزًا مهمًّا للسطو والاغتيال في صحراء ليبيا، وكان أفراد هذه القبيلة المتمردة ميالين للقتال، لا يخضعون لقوة أو قانون، ولا يرحمون مَنْ يخترق أراضيهم، فلم تخلُ قافلة تمر بالكفرة، من النهب والسلب أو الاضطرار لدفع جزية، وجاء المهدي فجعلهم ينزلون عن طلب تلك الجزية؛ لأنه أراد أن يؤمن الطريق الممتدة في صحراء ليبيا من الشمال إلى الجنوب، وأن ينمي تجارة تلك الأصقاع، وعمل على ذلك حتى قال لي أبو مطارى — وهو من شيوخ قبيلة «زوي» في الكفرة: إنه صار في وسع المرأة أن تسير من برقة إلى واداي بدون أن يتعرض لها أحد.
وبسط المهدي نفوذ السنوسيين في جهات كثيرة، وأرسل الإخوان يؤسسون الزوايا في البلاد الواقعة بين مراكش وفارس، ولكن أعظم أعماله، كانت في الصحراء بين البدو والقبائل السود، القاطنة جنوب الكفرة، فقد جعل من السنوسيين قوة روحية في تلك الأصقاع، وعاملًا قويًّا على بث السلام والإخاء بين القبائل، بل جعل منهم فوق هذا، هيئة تجارية كبرى، بفضلهم نمت التجارة وأزهرت، وأراد أن يبسط نفوذ الطائفة بنفسه في أواخر أيامه، فانحدر إلى الجنوب حتى وصل «جرو» جنوب الكفرة، وهناك وافاه القدر المحتوم فجأة سنة ???? ميلادية.
مات المهدي ولم يترك بين أولاده بالغًا، فخلفه في زعامة السنوسيين ابن أخيه السيد أحمد وصيًّا على السيد إدريس أكبر أبناء المهدي وخليفته الشرعي.
وخرج شيخ السنوسيين الجديد عن مناهج أسلافه، فأراد أن يجمع بين القوتين الزمنية والدينية، فإنه حين أخذ الإيطاليون برقة وطرابلس من الأتراك، حاول السيد أحمد أن يضيف إلى قوته الروحانية، ما تركه الأتراك من القوتين الزمنية والحربية، وقامت الحرب العظمى، فأراد أن يهاجم تخوم مصر الغربية تحت تأثير البعثات التركية والألمانية، وفشلت مساعيه حتى اضطر إلى السفر إلى تركيا في غواصة ألمانية.
وهكذا خالف ثالث الزعماء السنوسيين سياسة السنوسي الكبير وابنه المهدي، فإنهما رأيا أن الزعيم الديني لا يمكن منازعته في زعامته أو القضاء على مكانته، أما إذا خرج يتطلب السلطة الزمنية، فإن بضع هزائم حربية تكفي للقضاء على سلطانه وتدمير شهرته.
وقد كانت قوة السيد ابن علي والسيد المهدي راجعة إلى صفتهما الشخصية، وما يشع من تأثيرهما الروحاني، فخالفهما السيد أحمد في ذلك باعتماده على الأسلحة والذخائر والظروف، حتى إذا خانته كلها، لم يبقَ في يده من الأمر شيء، غير أنه مشهور بصلاحه وتقواه، وله مكانة عظيمة عند البدو، لشدة تمسكه بأمور الدين الحنيف، وَلِمَا بذله من المساعي في محاربة الطليان، واجتهاده في تخليص بلاده من ربقة الاحتلال.
قبة الجامع بالجغبوب.
ولما خرجت الزعامة من يد السيد أحمد عادت إلى الوارث الشرعي السيد إدريس، الذي يستمد بانحداره من صلب السيد المهدي قوة عظيمة ونفوذًا كبيرًا، وهو على تمتعه بهذه الميزة أهل لتمكين نفوذ السنوسيين، وإنجاح أغراضهم تحت زعامته، بما يتحلى به من الصفات الشريفة، من لين في الأخلاق إلى شدة في الحق؛ ولذلك لا يقر له بالطاعة والولاء، الإخوان السنوسيون فقط، بل أهالي صحراء ليبيا أيضًا.
وفي سنة ???? حصل اتفاق بين السيد إدريس وبين الحكومة الإيطالية، أقرت فيه إيطاليا للسيد بحقه في إدارة شئون واحات «جالو» و«أوجله» و«جدابيا» و«الكفرة»، وقد تجددت المصادقة على هذا الاتفاق بعد ذلك بسنتين في «رجمه» وحدث لسوء الحظ سنة ???? أن وقع خلاف بين الطرفين المتعاقدين، فوقف سير الاتفاق، وإني لأرجو أن يتجدد الاتفاق بين السيد إدريس والحكومة الإيطالية، فيعود إلى تلك الواحات، ما كان لها من أمن ورفاهية.
ولا نزاع في أن للنفوذ السنوسي في حياة سكان تلك النواحي أثرًا طيبًا، فالإخوان السنوسيون لا ينشرون العلم ويقيمون قواعد الدين ويبثون دعوته فقط، بل يقضون ويوفقون أيضًا بين الرجال والقبائل، وليس أدل على روح التوفيق والرغبة في نشر لواء السلام، من خطاب السنوسي الكبير إلى أهل «واجنجه» الذي ألقى تلك المهمة على عاتق السنوسيين الإخوان، ولم يخرج ولده المهدي عن هذا الميل في التوفيق، إن لم يكن زاده وقوَّاه.
ومهما كان ما قلناه: فإننا لم نغالِ فيما ذكرنا عن أهمية مظاهر الحكم السنوسي في حفظ الأمن، وصيانة السلام والسعي لِمَا فيه خير أهل الصحراء.
? الحجرات: ?.? الأنفال: ?.
الفصل السادس
جغبوب الهادئة


في عصر اليوم التالي لمقابلة السيد إدريس رأينا قبة مسجد الجغبوب البيضاء تنيف على المدينة، فاتبعنا عوائد البدو وحططنا رحالنا على مسافة من المدينة، وأرسلنا رسولًا يحمل خبر وصولنا، فعاد بعد ساعتين يخبرنا باستعداد القوم للقائنا، وتقدمت القافلة إلى المدينة، حتى إذا صارت على مقربة من أسوارها، أرسلنا طلقات النار في الهواء، وقابلنا بباب المدينة سيدي حسين الوكيل، وهو ممثل السيد إدريس في تلك المدينة، ويرافقه جميع الإخوان المدرسين في جامع الجغبوب، واصطف الطلبة على جانبي الطريق، ورحبوا بنا مهللين، ونحن نخترق صفوفهم، فكان لهذا الترحيب صدى سرور يتردد في قلوبنا.
دخلت الجغبوب وكأني عائد إلى وطني، فقد كانت في رحلتي الأولى منذ سنتين قريبة من غايتي، غير أنها الآن النقطة التي تبدأ منها رحلتي الثانية، أو في الواقع نقطة من عدة نقط، لكنها على أي حال بداية الرحلة الطويلة النائية التي تنتظرنا.
وأحسست عند دخولها برد فعل يعتري كل مَنِ انتهى من سفر طويل، وكان شعوري خليطًا من التشوُّف والتأثر؛ لأن الانتهاء من رحلة واستئناف السفر إلى أخرى ظرفان متباينان يهيج كل منهما في النفس عواطف متباينة.
وقد كنت واقفًا أود الإسراع في الرحيل، ولكن عدم وجود الجمال اضطرني إلى الإقامة في الجغبوب نحو خمسة أسابيع، وكنت قد أرسلت قبل قيامي من السلوم رجلًا اسمه السيد علي السعيطي، وكلفته أن يسبقني إلى الجغبوب بالطريق المستقيمة ليؤجر جمالًا، ويعدها حتى ألحق به عن طريق سيوة ولكني لم أجده، وسمعت أنه انحدر إلى الغرب، إلى جدابيا غير موفق؛ لأن الأعراب الذين لقيهم بعد سفره من السلوم، لم يرضوا أن ينزلوا له عن دوابهم التي كنت في حاجة إليها، ولم يوفق عليٌّ إلى إيجاد الجمال في جدابيا كذلك، ولم تصلني أخباره لمدة أسبوعين، وبعد ذلك عرفت السبب في عدم توفقه، وهو أن الطريق من الجغبوب إلى جالو وَقْفٌ على رجال قبيلتي زوي والمجابرة، لا يجرؤ على اجتيازها غيرهم من رجال القبائل الأخرى إلا بإذن منهم.
وأنساني جمال الجغبوب وهدوءها، شوقي إلى استئناف السفر، فإنها بلد عامر بالعلم والدين، وإن لم تكن مركزًا للتجارة أو الزراعة؛ إذ الصالح للزراعة فيها بقاع متناثرة من الأرض، تخرج القليل من الخضر والبلح، ويستغلها العبيد الذين أطلقهم السيد المهدي عند انتقاله إلى الكفرة.
ومركز حياة الجغبوب مسجدها الكبير الذي يسع زهاء الستمائة نسمة ومدرستها، وهي مركز التعليم الديني لطائفة السنوسيين، ويحيط بالمسجد بعض منازل يسكنها أفراد الأسرة السنوسية والإخوان، ويتناثر داخل أسوار المدينة وخارجها قليل من المنازل الخاصة، ويسكن زهاء الثلاثمائة طالب في منازل صغيرة بالقرب من المسجد.
وقد وصلت الجغبوب إلى أوج شهرتها في عهد السيد ابن علي السنوسي الكبير حين اتخذها قصبة لطائفته، ووليه ابنه المهدي، فظلت حافظة شهرتها مدة اثنتي عشرة سنة حتى انتقل إلى الكفرة، فأصبحت هذه مركز أعمال السنوسيين.
ورجعت الجغبوب إلى عهدها الزاهر أيام السيد أحمد الشريف، الذي كان وصيًّا على السيد إدريس قبل بلوغه، وكانت أهميتها تزيد وتقل تبعًا لترك السنوسيين لها، أو رجوعهم إليها، فإن فُرض أن جعلها السيد إدريس عاصمة السنوسيين أصبحت مدارسها ومنازلها في بحر شهرين عامرة بأعضاء الطائفة والطلاب، يقصدها الأتقياء من كل صوب لزيارة ضريح السنوسي الكبير، ولكني عند زيارتي لها لم أجد بها إلا ثمانين طالبًا بدويًا، تتراوح سنهم بين الثامنة والخامسة عشرة، يأخذون العلم على الإخوان، وإنما قَلَّ عدد الطلاب لقلة عدد المدرسين، فإن السيد إدريس الذي تفضل بمقابلتنا في طريقه إلى مصر، كان يقيم في ذلك الوقت ببلده جدابيا الواقعة على مسافة بعيدة من غرب الجغبوب.
ومسجد «الجغبوب» به غرفة داخلية تحوي مقصورة من النحاس، فيها ضريح ذلك الرجل الكبير الذي طلب لقومه مظهر الإسلام الطاهر المتين في بساطته، والذي لا تشوبه شائبة من الحياة المادية، ويزور هذا الضريح كل مَنْ قدر على السفر مِمَّنِ اتصل بالطائفة، وأراد أن يجدد المواثيق على اتباعه تعاليم السيد السنوسي الكبير، وإنما يقصد الطلاب الجغبوب لأمرين فإما أن يتهيأوا ليصبحوا إخوانًا للطائفة، أو ليعودوا إلى ديارهم في الواحات المختلفة، وقد تزودوا من العلم؛ ما يجعلهم يهيمنون هيمنة دينية على رجال قبائلهم.
قبر السيد ابن علي السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية في الجغبوب.
ولم يكن يشغلني شاغل في هذه المدينة الهادئة، إلا اهتمامي باستحضار الإبل التي توصلني إلى جالو الواقعة على مسافة ??? كيلومترًا تقريبًا إلى الغرب، وفيما عدا هذا، قضيت أيامي في الجغبوب في التبصر والتأمل وإعداد ما يلزم للرحلة.
وللصحراء في العقل والروح تأثير يغاير تأثير حياة المدن الصاخبة، فإني أيام جست خلال هذه المدينة الصغيرة أو خرجت إلى الواحة التي تحيط بها، أو وقفت تحت ظلال المسجد الندية، أو جلست في برجه، أساجل علماء البدو مختلف الحديث، وأرى الليل يمد رواقه على القبة البيضاء، وما تشرف عليه من تلك الأبنية المتلاصقة، خلصت من توافه المشاغل التي تبعثها حياة المدن المزدحمة بسكانها المتناحرين على الحياة.
ومرت بي الأيام فقضيتها بين تنزه في الصباح وأداء صلاة الظهر في المسجد، ثم تناول الطعام في هدوء، حتى إذا انتهيت منه قضيت وقتًا في تعهد معداتي العلمية وآلات التصوير، ثم صليت العصر واسترحت قليلًا، وتناولت العشاء وجلست إلى رجالي أوزع عليهم أكواب الشاي على طريقة البدو، وبعد أن أصلي العشاء أخلص إلى النجوم فأناجيها، وأطلق خيالي في سماء الليل الساكن، ثم أنقلب إلى فراشي، فأهنأ بنوم لا يذوقه ساكن المدن.
وقد راقني من بين الإخوان الذين رأيتهم في الجغبوب رجلًا استرعى لُبِّي لعدم اختلاطه بي أو محادثته إياي، وقد حاولت أن أعلم سر ذلك من بقية الإخوان، فلم أفلح حتى علمت أخيرًا قصة الرجل بطريق الصدفة.
كان سيدي … شيخًا ذا وجه صبيح يظهر فيه الكبر وتلوح دلائل احتقار الحياة، في شفته المتقلصة وإن لم تنصفه الدنيا في أيامه الأخيرة، وكنت في زيارتي الأولى للجغبوب، قد أقمت في داره الخالية، وحاولت أن أطيل معه الحديث فلم تُتَح لي الفرصة المناسبة، ولما هبطت الجغبوب هذه المرة جاءني يُرحب بي ليلة وصولي فأحسست في ضمير ذلك الشيخ مأساة يخفيها عن الناس، وهو رجل من قبيلة البراعصة، من خيار رجال البدو، أهل الشمم ولكنه كان ينعى على الأقدار، ولا يستسلم لحكم الدهر، وكثيرًا ما أدهشني ذلك منه فإني أعرف في نفوس العرب الرضا بصروف القضاء، وكان كل مَنْ يحيطون بي في الجغبوب يمثلون الإنسانية الخيِّرة الرضية إلا سيدي … فكان وحده دون بقية الإخوان صورة محزنة للكبرياء المحطمة.
وحدث لي ذات مساء عند عودتي من المسجد أن لقيت مبروكًا، وهو من عبيد سيدي المهدي الأقدمين فحييته ورد التحية بأجمل منها، ثم جلست أجاذبه أطراف الحديث؛ فبدأنا بذكر قطعة الأرض الصغيرة التي يتعهد زرعها فقال: «ليس لدينا من الغذاء شيء كثير، ولكن بركة سيدي المهدي تجعل من قليلنا كثرة.» وفي هذه اللحظة اجتاز صحن المسجد، وقد بدأ الغسق يرخي غلالته، رجل منسرح القامة في ثوب أبيض، يمرق كأنه شبح من الأشباح، وكان ذلك الشيخ البراعصي فأشرت إليه بأصبعي وقلت لجليسي: «لست أكتمك أن صحة هذا الرجل لم ترقني حين زارني اليوم، إني لأعجب ما خطبه؟!» فأجابني مبروك قائلًا: «إن هذا الشيخ لا يشكو داء، وإنما يتألم لخيانة أخيه التعس الذي جلب على نفسه غضب أسيادنا السنوسيين.» واستطرد بعد ذلك في قصته فانكشف لي سر ذلك الشيخ الحزين.
القافلة في زوبعة بين الجغبوب وجالو.
كان أخوه سيدي … وكيلًا أمينًا للسيد المهدي في الجغبوب صاحب أمر ونهي، حدث له أيام طفولته أن سقط عليه حائط فحطم رأسه، وكان السنوسي الكبير على مقربة منه فأسرع إليه وعصب رأسه قائلًا: ستكون هذه الرأس في مقبل أيامها منبعًا للعلم والعرفان. وقد صدقت نبوءته، فقد أرسله أبوه إلى الجغبوب أيام إقامة السنوسي الكبير بها وتركه يطلب العلم في مسجدها العامر، وأصبح بعد ذلك كبير الإخوان وشيخ المدرسين في الجغبوب وشاعرًا نابغًا يخطو إلى المجد.
ومات السنوسي الكبير، فاتخذه سيدي المهدي وكيله الوحيد في الجغبوب حين نزح إلى الكفرة وائتمنه على أملاكه، ووكل إليه إدارة كل شيء في تلك المدينة، ولكن الله أراد أن يضربه مثلًا لِمَنْ يخون السيد ولا يكون عند حسن ظنه به، فقد أغوته الحياة الدنيا فمال إليها، وبدد أكثر أملاك المهدي، وباع الكثيرين من عبيده وابتز كل ما وصلت إليه يده من المال.
داخل الجامع بالجغبوب.
وكتب الله عليه العقاب ففضح سر خيانته، وكان آخر مظهر من مظاهرها — والخبر مفتقر إلى الأدلة — أنه كتب إلى كبير من الكبراء في مصر — قيل إنه أجنبي — يخبره أن السيد المهدي بعيد في الكفرة، وأن الجغبوب لا تُمانع في إلقاء مقاليد أمورها لِمَنْ يستولي عليها. وكان سيدي محمد العابد السنوسي يقيم في الجغبوب في ذلك الوقت، فسمع بكتابة ذلك الخطاب، وعرف أنه مرسل إلى مصر عند هجوم الليل، فأرسل في الحال اثنين من الإخوان يكمنون للرسول في الطريق ويأخذون الرسالة منه، وجيء بالرسول بعد يومين، فاطلع سيدي العابد على الكتاب، ولم يَقُلْ شيئًا، ولكنه هَيَّأَ قافلة للرحيل إلى الكفرة، وسأل الوكيل أن يصحبه، فحاول الاعتذار بكبر سنه وضعف صحته، ولكن العابد أصر على مرافقته له، فاضطر إلى القبول، وقطعوا الصحراء صامتين حتى وصلوا الكفرة، فأظهر العابد ذلك الكتاب إلى السيد المهدي.
وفي يوم الجمعة التالي لوصولهم دعا السيد المهدي جميع الإخوان للاجتماع بعد صلاة الجمعة في مسجد التاج، ثم وقف بينهم ملتفتًا إلى الوكيل وقال: «يا سيدي … إنك لتعلم علم اليقين ما فعلت.» فوجم الحضور وعلموا أن في الأمر شيئًا، فاشرأبت أعناقهم إلى سماع الحديث، واستطرد المهدي في حديثه فقال: «ولكنا لن نجزيك على ذلك، سندعك تعيش ونجري عليك رزقك المألوف، والله يتولى عقاب مَنْ يخفر ذمتنا، غير أنَّا نطلب إليك أن تقرأ على الجمع الحافل من الإخوان هذا الكتاب الذي خطته يدك.» فلم يَسَع الرجل إلا الإذعان لأمر المهدي؛ فقرأه والإخوان تلوح في وجوههم الدهشة من خيانته وهو موضع ثقة المهدي.
وانتهى الرجل من قراءة الكتاب فقال المهدي: «سنعفيك بعد الآن من مشقة النظر في أمورنا.» ثم صرفه المهدي فانقلب المسكين إلى داره مريضًا ومات بعد ذلك بأيام قليلة وتبعه ولداه بعد بضعة أشهر، وتزوجت بنتاه من رجلين من الأسرة السنوسية، وقد استولت الأسرة السنوسية على جميع أملاكه وكتبه، وكانت مكتبته من أعمر مكتبات الطائفة، ولم يبقَ من أسرته إلا أخوه هذا الشيخ البالي الذي ورث عنه بيته الخالي في الجغبوب وعاره الملصق به، وبموت هذا الأخ تنقرض أسرة هذا الشقي الذي وثق به السيد السنوسي فلم يكن عند حسن ظنه به.

الفصل السابع
الولائم والأدوية


لقد أظهر الزعماء السنوسيون من دلائل كرمهم شيئًا كثيرًا، وجروا على سُنَّة البدو في إظهار ذلك، تبعًا لمكانة رب البيت والضيف، ووفقًا للظروف ومناسباتها؛ فإن المسافر إذا حل بواحة أو بلدة في الصحراء، كان معه رجال قافلته، وما يحتاج إليه من ضرورات العيش، ولا ينزل ذلك المسافر في فندق أو في دار صديق، وإنما يتخذ له مقامًا منفردًا فينصب خيامه ويقيم فيها أو يسكن في دار تُوضَع تحت تصرفه، كما حدث لي في الجغبوب وجالو والكفرة.
فإذا حل ضيف المدينة أظهر كبراؤها كرم الضيافة نحوه، فدعوه إلى تناول الغداء أو العشاء في منازلهم أو أرسلوا إليه الطعام بخيامه أو داره، وسأفيض في وصف كرم البدو إذا دعوا أحدًا إلى منازلهم عند التكلم عن إقامتي في جالو، فقد دعاني في هذه المدينة زهاء الخمسة عشر وجيهًا من وجوهها، أما في الجغبوب فقد أبدوا لي ذلك الكرم بإرسال ألوان الطعام إلى داري، وقد تمتد ضيافة البدوي لضيفه ثلاثة أيام أو سبعًا تبعًا لمنزلة الرجلين.
وقد حدث بعد وصولي الجغبوب ببضعة أيام، أن تفضل فتيان في الثالثة عشرة والخامسة عشرة من عمرهما، وهما سيدي إبراهيم وسيدي محيي الدين، وهما أصغر أبناء السيد أحمد المقيم الآن بالحجاز، والذي كان الوصي على السيد إدريس — فأظهرا نحوي من دلائل الكرم، ما ترك لهما في خاطري أجمل ذكرى، فقد وصل إلى داري بدوي ومعه عبدان ينوءان تحت عبء الأطعمة ونثرا أمامي صحاف الطعام المتنوع، فوجدتني مضطرًّا إلى تذوق ما لا يقل عن عشرين صنفًا، وجلس ممثل ضائفي بأدب واحتشام، لا يمد يده إلى شيء بينما أصبت قليلًا من كل صَحْفِه، وظل يشرف على تقديم ما يجعلني راضيًا ويسامرني أثناء تناولي الطعام. وهذا البدوي من قبيلة البراعصة، التي اشتهر رجالها بأنهم الطبقة الراقية لأهل الصحراء، وامتازوا بطول القامة وجمال الخلقة وعزة النفس والشجاعة؛ فإن البراعصي لا يحجم عن مقابلة الإهانة بالسيف ولو انفرد بين رجال قبيلة بأسرها.
جلست أتناول الطعام ترعاني عين هذا البدوي ويخدمني العبدان، ولست أدري لكثرة ما قُدِّم إن كان في إمكاني أن أذكر الألوان الشهية التي ملأت الخوان، ولكني أذكر أن ذلك لم يخلُ من جميع أصناف اللحم والخضر والفطائر.
واللحم من أهم أنواع طعام البدوي وأخصه لحم الخراف، وهو قوام حياة البدوي إذا لم يكن مسافرًا، ولا تكمل ضيافة البدوي لنزيله إلا بتقديم اللحوم التي أُحضرت خصيصًا له، فإذا أراد البدوي أن يدعو أحدًا لتناول الطعام نحر له شاة، والعادة أن لا يجهز شيئًا أو يذبح ذبيحًا حتى يحضر الضيف فيرى بنفسه أن كل شيء قد أُعدَّ له وحده، وربما طلب رب الدار من ضيفه سكينًا يذبح بها الشاة، حتى يؤكد له أنه يقوم نحوه بكل أنواع الإكرام.
وإنما يبين كرم البدوي في كثرة ألوان الأطعمة التي يقدمها لضيفه، فإن الطعام في الصحراء أهم مظاهر الكرم، وهو في تلك الأصقاع الساذجة، كل ما يتحدث به الناس، ولم تخلُ إقامتي في الجغبوب من حادثتين أبانتا لي أن الشرق والغرب على كثرة ما بينهما في الاختلاف، متفقان اتفاقًا ظريفًا في بعض الميول، وأولى هاتين الحادثتين فكهة والثانية لا تخلو من عاطفة تشوبها فكاهة.
كنت قد أمرت رجالي أن لا يردوا أحدًا يقصدني في طلب دواء، فجاءني أحد الإخوان السنوسيين يطلب دواء لسعاله، فأعطيته زجاجة من الشراب الخاص بمداواة السعال، وجاءني بعد يومين قائلًا أن الجرعات الأولى التي تناولها أفادته فائدة عظيمة دفعته إلى إفراغ ما في الزجاجة، وسألني أن أعطيه زجاجة أخرى ثم انصرف. وكان عبد الله حاضرًا فالتفت إليَّ وقال هازئًا: «لا أعجب إذا طلب سيدي الإخواني زجاجة أخرى؛ فإن الشراب شهي لذيذ وإنه ليشربه متلذذًا بطعمه لا متداويًا.» وأظن أن عبد الله كان مصيبًا في تعبيره، فطالما لاحظت أثناء إقامتي بإنجلترا أن الأطفال يؤكدون لآبائهم فتك السعال بهم وإن برئوا منه، وإنما يدفعهم إلى ذلك حلاوة الدواء وطيب مذاقه.
وقد اعتاد رجالي أن يفخروا أمام البدو، بأني أحمل في حوائجي الدواء لكل علة، فجاءني فتى تحت تأثير تابعي أحمد يسألني شيئًا يداوي به جارية من السهو والنسيان، فكان جوابي على ذلك: إني رأيت بعد تجاربي العديدة في كثير من الممالك، أن منع الخدم من النسيان لا يقل صعوبة عن منع الماء من الغوص في الرمال.
صحن الجامع بالجغبوب.
أما الحادثة الثانية فكان بطلاها يختلفان كل الاختلاف: جاءني عبد أحد الإخوان يستشيرني في شيء كلفه سيده بعرضه عليَّ؛ لأنه لا يجمل به أن يسره إليَّ شخصيًّا؛ فإن آداب البدو تقضي أن لا يذكر إنسان زوجه أمام غيره، بل أن لا يذكر سيدة لا يعرفها المتحدثان، أما العبد فيمكنه أن يقول ما تأبى كرامة السيد التصريح به.
جاءني ذلك الخادم، فقال: «إن زوج سيدي عاقر، وإن ذلك يؤلم بعلها كثيرًا، وإن سيده واثق أن إزالة ذلك العقم لا بد في استعمال الأدوية التي أحملها من عجائب علم الغرب.» وما كاد يتم حديثه حتى عادت بي الذكرى إلى أيامي الأخيرة في أكسفورد؛ فذكرت خادمًا في الجامعة، كان لطيف العشرة ولكنه شديد الحياء.
جاءني ذلك الخادم ذات يوم وكنت أهيئ أسباب عودتي إلى مصر، وبعد أن استجمع كل جرأته للجهر بما يضمر، سألني هذا السؤال: «إذا سمحت يا سيدي أن أسأل فضلك أفضيت إليك بحاجة لي، إن زوجي عاقر والطبيب عاجز عن مداواتها وليس لديه ما يقترحه، فإذا عدت يا سيدي إلى بلدك الذي سمعت أنه يحوي طلاسم عجيبة تؤثر في كل شيء، فتنازل بالبحث لي عن طلسم للحبل، وأرسله عسى أن يرزقنا الله ولدًا، ولست أكتمك يا سيدي أني لا أعتقد بالسحر، ولكن الحيل ضاقت بي في سبيل هذا الأمر.» ولم يسعني وقد رأيت انشغال باله، وكشفه لي عن بنات صدره، إلا أن أجيبه بجد وعطف، أني سأفعل ما أنا قادر عليه، ولم تدعني الحاجة بعد ذلك إلى البحث عن طلبته؛ لأنه مات قبل أن أعود إلى أكسفورد، تاركًا وراءه ذكرى طيبة بين طلبة كلية «بليول».
ذكرت كل هذا وعبد ذلك الإخواني منتظر، ولكني لم يسعني أن أبطئ في إعطائه ما طلب إلى سيده، وأتيحت لي فكرة للخروج من هذا المأزق، فأعطيت الخادم نصف زجاجة أقراص اللبن المركز، وأمرته أن يجعل السيدة تتناول ثلاث حبات منها حتى تنفرج الأزمة وانصرف الخادم؛ ففكرت في المقابلة الغريبة بين هاتين الحادثتين، فهناك في أكسفورد أهاب علم الغرب بقوة الشرق الروحية، وقد أعوزت تجاريبه السبل في إيجاد دواء للحمل. وهنا في الجغبوب طلب الشرق مساعدة العلم الغربي بعد أن ضاقت به الحيل في العلوم الروحانية، وهكذا يظل الشرق والغرب معتقدين في قوة المجهول العجيبة.
السيد حسين وكيل الأمير السيد إدريس السنوسي بالجغبوب.
وطالت عليَّ الإقامة في الجغبوب، ولكن عيشتي الهادئة وتمتعي بلطف البدو وبشاشتهم لم يُنسياني التفكير في أمر الإبل؛ فبعثت الرسل إلى جميع النواحي المجاورة في طلبها وزدت مبلغ الأجر لأصحابها، ولكني لم أظفر بطائل، وسألت السيد حسينًا مساعدته، ولكنه أقر لي بعجزه عن عمل أي خدمة لي، وأرسلت رسولًا إلى سيده يحمل إشارة برقية إلى السيد إدريس في مصر أعلمه فيه بحيرتي، وأسأله المساعدة؛ فجاءني الرد منه بأسرع مما كنت أنتظر طالبًا إلى السيد حسين أن يقدِّم لي ما في طوقه من المساعدة، ولكن السبل كانت مسدودة. وأخيرًا وقد سدت منافذ الأمل، وصلت قافلة من قبيلة «زوي» كانت قد تركت جالو إلى سيوة في طلب البلح، فأردت تأجير إبل القافلة، ولكن أصحابها لم يرغبوا في العودة بدون البلح الذي قصدوا استجلابه، غير أني وجدت في آخر الأمر طريقة لحملهم على النزول عن جمالهم، فأعلمتهم بواسطة سيدي حسين أن الأوامر صدرت من الحكومة المصرية بمنع رجال قبيلة زوي من الدخول في الأراضي المصرية حتى ينحسم النزاع بينهم وبين أولاد علي المقيمين في مصر، ذلك النزاع الذي نشأ عن ثأر متحكم بين رجال القبيلتين منذ بضع سنين.
ورأى رجال القافلة أن التقدم إلى مصر غير ميسور خوف العقاب، فلم يبقَ أمامهم وقد حُجِزوا في الجغبوب إلا العودة من حيث أتوا فكان ذلك ما قصدت، وساعدني على رضائهم بتأجير إبلهم إخبارهم بأوامر الحكومة المصرية وكتاب السيد إدريس واستمالة السيد حسين لهم، ووعدي بإعطاء أجر باهظ جروني إليه لاحتياجي إلى جمالهم، وانتهت تلك الأيام السعيدة التي قضيتها تحت ظلال القبة البيضاء.
وانقضت كذلك أيام الهدوء والتفكير والتأمل في ظل القبة البيضاء، وأيام القلق للرغبة في السفر والبحث عن ممهداته، فأدرت وجهي إلى الغرب قاصدًا جالو في ?? فبراير بعد أن أقمت في الجغبوب ?? يومًا كاملة.

الفصل الثامن
زوابع الرمال في طريق «جالو»


تركت الجغبوب في يوم من خير الأيام التي جرت عادة البدو أن يتفاءلوا بها.
كان ذلك يومًا عاصفًا تُسفِي فيه الريح الرمال، والعرب يقولون: إن القافلة التي تبدأ رحلة في عاصفة يكون نصيبها التوفيق وتصيب حظًّا طيبًا.
وأكبر ظني أن العرب ابتدعوا هذه الفكرة قديمًا للرضا بما هم واقعون فيه كل يوم، والنزول على ما تضطرهم إليه طبيعة الصحراء، وإلا فإن البدوي في هذا يكون كالمصري أو السوداني إذا قال: إن السفر محبوب في يوم مشمس، أو الإيقوسي إذا تمنى اليوم الممطر لسفره؛ إذ زوابع الرمال في الصحراء أمر عادي قد يلقاه مجتازها، في أي مكان وآونة، على أنها تجربة شاقة ومحنة قاسية يعاني الإنسان هولًا شديدًا في احتمالها.
يُصبح والسماء صافية والجو خالٍ مما يُنذر بعاصفة أو يُشعر بريح، وتبسم الصحراء لنا ونحن نهم بالرحيل، فتتحرك القافلة فرحة مبتهجة وتسير فرحة طروبة، وما هو إلا قليل زمن حتى يهب نسيم بليل، لا يُعرف مأتاه يمضي همسًا فوق الرمال، ثم يشتد دون أن نشعر بذلك، وإلى هذا الحد لا نلقى من هبوبه ما يضايقنا.
ثم ينظر الإنسان إلى وجه الصحراء فإذا سطح الأرض قد تغير تغيرًا غريبًا، وإذا ذرات الرمال ترتفع قليلًا، وتنبجس وتدور كأنها بخار يتصاعد من ثقوب لا عدَّ لها، في أنابيب مُدَّت تحت ذلك السطح، وتزيد ثورة الرمال شيئًا فشيئًا كلما ازدادت الريح قوة، حتى يُخيَّل للإنسان أن سطح الصحراء كله يرتفع إطاعة لقوة دافعة رافعة تحته.
ويتطاير الحصى ويتناثر فيصيب قصب الأرجل والركب والأفخاذ، ويتصاعد رشاش حبات الرمال الراقصة على الأجسام، حتى يلطم الوجه ويدوم فوق الرءوس.
ثم تغيم السماء فلا يرى البصر إلا أشباح الجمال القريبة منه وتثور الطبيعة، فكأن في الجو قُوًى خفية تصيب العذاب لطمًا وقذفًا ولدغًا.
وخير لِمَنْ تدهمه الزوبعة أن تهب الريح من ورائه؛ لأن لطم الرمال وجهه عذاب أليم، وفوق هذا، فليس في وسعه أن يبقى مفتوح العينين، ولا هو يجسر أن يغمضهما، فلئن كان لدغ حبات الرمال شرًّا وبلاءً ففَقْدُ الطريق شرٌّ أعظم وبلاء كبير.
ولحسن الحظ أن الريح تهب في عصفات متلاحقة تتراوح بين الثلاث والأربع، وتعقب كل طائفة منها ثوانٍ قليلة، تسكن فيها الريح فتريح النفوس؛ ذلك أن الإنسان عند عصفها يدير وجهه ويتقي الرمال بطرف «كوفيته»، ويكاد يمسك عن التنفس حتى تجيء فترة السكون، فيكشف عن وجهه ويلقي نظرة سريعة يتبين الطريق ويعجل بالتأهب للهبَّة الثانية. وكأن هنالك شيطانًا هائلًا عاتيًا ينفخ تلك العصفات، والهبات الداوية في الرمال فيسفيها فوق رءوس المسافرين ويدوي في الفضاء صوت يصم الآذان، وكأن هذا الصوت من يد ذلك الشيطان، تضرب بأصابع قوية خشنة، ضربات متناسقة على أوتار مشدودة من الحرير.
متى بدأت زوبعة الرمال لم يكن للمسافر إلا أن يندفع في سيره غير وانٍ؛ فإن الرمال إذا أصابت شيئًا ثابتًا سواء أكان ذلك الشيء عامودًا أم جملًا أم رجلًا تكدست حوله حتى تصبح ركامًا، وهكذا إذا كان في السير عذاب وأهوال، ففي الوقوف الموت الزؤام.
وقد تظل زوبعة الرمال على أشدها «خمس أو ست ساعات»، وليس في ميسور القافلة أن تتابع التقدم حينئذ إلا مع الحرص الشديد على تبين الطريق حتى لا تخطئه.
وإذا تمردت العاصفة واشتدت، فإن الإبل تكاد لا تتقدم، ولكن غريزتها تجعلها تتوقع الموت إذا وقفت في السير، ويتجلى ذكاؤها الغريزي فيها عندما يبدأ نزول المطر؛ إذ لا تحس خطرًا فتقف بغتة أو ترقد.
وتدفع العاصفة ذرات الرمل فتخترق كل شيء يحمله الإنسان، تملأ ثيابه وطعامه، تملأ حوائجه وآلاته العلمية، تبحث عن موضع الضعف فيما يذروها فتنفذ إليه منه حتى يحس بها ويتنفسها ويأكلها ويشربها، وربما نفذت ذرات الرمال الدقيقة في مسام جلده فآذته كثيرًا.
ويعرف البدوي خصائص هذه العواصف، فيحيط بها علمًا كل غريب عن الصحراء، يقول البدوي: إن الريح التي تنذر بالعاصفة تهب مع النهار أو تقر مع غروب الشمس، ولا تقوم العاصفة في ليلة مقمرة ولا تثور بين العصر والمساء، ولكن كل هذه القواعد الطيبة اختلَّت في رحلتنا إلى «جالو»؛ فقد ثارت العواصف والقمر مشرق، وثارت والليل بهيم، وأصابتنا زوابع بدأت قبل الفجر وأخرى ظلت إلى ما بعد الغروب بزمن طويل، ودهتنا عواصف جمعت بين العصر والمغرب حتى ما أحسسنا لضوء النهار بين هذين فارقًا.
واختلفت أنواع العواصف التي أصابتنا، فكان منها الضعيف والقوي، والقصير الأمد والطويل الهبوب، والثائر بالنهار والقائم بالليل.
هذا حال الصحراء في شدتها وقسوتها، في غضبها وثورتها، على أنها لا تلبث أن تكشف لنا عن وجهها الجميل، وتطلع علينا بصحيفة جديدة من صحف سحرها، فقد يحدث في المساء أن نكون في صراع هائل مع كتائب الرمال السافية، فتسكن الريح فجأة، كأنها أُمِرتْ فامتثلت، ثم تقر حبات الرمل الدقيقة، كأنها ضباب يستقر، ويُشرق القمر فتأخذ الصحراء شكلًا جديدًا تحت ضوئه السحري الباهت الذي يغمر نواحيها …
أكانت هناك منذ هنية زوبعة ثائرة كادت تودي بحياة القافلة؟ مَنْ يستطيع أن يذكر ذلك؟ هل يُعقَل أن هذا الفضاء الهادئ البديع كان قاسيًا قط؟! مَنْ يستطيع أن يُصدق هذا؟!
وهكذا لم تكن رحلتنا إلى جالو بالسهلة؛ فقد كانت زوابع الرمال تضايقنا باستمرار، وبلغت في بعض الأحايين حد الخطر، وكان الشق الثاني من الطريق مملوءًا بغرود من الرمل اضطرت القافلة إلى تجنبها بالسير حولها، مع ما في هذا التعرج من إجهاد للفكر ومشقة كبرى في تتبع البوصلة.
وقد زاد هذا الواجب من جراء ثورة الزوابع، وسفيها الرمال في أبصار رجال القافلة ورغمًا من هذا تابعنا السير مجدين.
وكان لنا ساعات لهو وسرور أثناء هذه المرحلة، رغم ما لاقينا من أذى الرمال؛ فإن الذاكرة لا تنسى الليالي البهيجة، التي كنا نجتمع فيها حول نار الحطب نتناول كئوس الشاي بعد العشاء، فيبدأ الحديث رفيقنا مغَيِّب الشيخ الكبير وألسنة النيران الراقصة تنعكس على لحيته الشعثاء التي وخطها الشيب، ويقص علينا فصولًا من تاريخ قبيلة زوي، أيام كان جدُّه يقصد واداي لمحاربة قبائل السود ويغنم الجمال والعبيد.
ويتبعه الرفيق صالح فيطرفنا بأخبار الربح الطائل الذي جناه ابن عمه حين سافر سفرته الأخيرة إلى واداي، فلم يحارب أحدًا، وإنما جاء منها بالجلود وريش النعام والعاج وباع كل ذلك في أسواق برقة.
وكانت تميل نفسي إلى سماع أغنية من أغاني العرب فأطلب ذلك من عليٍّ، وكان شاعرًا أو خطيبًا لأخت حسين الذي تنم صباحة وجهه عن جمال أخته. وهنا تتجه أنظار عليٍّ إلى عمه مغيب كأنما يسأله أن يأذن له إجابة طلبي، وهو مشغول عنا بسبحته متعمدًا عدم الالتفات إلى مجرى الأمور الجديد؛ لأن الشيخ البدوي لا يليق لوقاره أن يستمع أغاني الحب من صغار الشبان، ولكن احترامه لي يدعوه إلى الرضا بذلك وعدم ترك المجلس، فيقول لعلي بصوت خافت: «غَنِّ البك ما دام يحب أغاني البدو.» فيبدأ علي الغناء بصوته الرخيم الذي تحمله أجنحة نسيم الليل البليل، بينما تتهالك حبات سبحة مغيب بين أصابعه منتظمة متوافقة كأنما لا يشغله شاغل عن الانقطاع لأداء فروض تعبده، ويغني عليٌّ فيقول:
مَضِيت أغني وكل النجع يسمع ليحمرا مثيل الدم مخروطة عود البَشَمخَضْره يعرفها اليَمْ?إن كان لَقِيتها في الطريق خرْقَه نُرُشَّها دم ويسكن صوت علي فلا أدري أي الشيئين أسرع انحدارًا، أخيالي في مسراه البعيد أم حبات سبحة مغيب بين أصابعه؟ ثم يغني علي:
يا بصيلاة? السقَّاي?يَمْ? ريقا عسل فوق السنون جرَّايالسَّمِح خَشْمِك ونابك العوَّاي?يا مُصيْلِيبا? مرقوق بصيد الخلا جرَّاي?أتْلميِّني مِعَاكِ ولَّا صابك راي?بَطْنك ضامر سوط? مرقد صدرك جَنَّهالغيُّ ما يتخبَّاوالأجل عند الله حتى إذا انتهى من غنائه غشي القافلة سكينة شاملة اللهم إلا أزيز النار الخامدة، والصوت المتناسق، المنبعث من حبات السبحة التي تغير هزجها تغييرًا محسوسًا؛ لأن أصابع مغيب وقفت بغتة ثم أسرعت في إطلاق الحبات كأنما أراد ذلك الشيخ، أن لا يشعرنا بوقوفه عن التسبيح، وإنما ألهاه عن الاضطراد في تسبيحه تحليق خياله في سماء الماضي الذي كان فيه شابًّا محبًّا، والذي هاج ذكرياته غناء عليٍّ، وَمَنْ يدري إذا كان كل جالس معنا عاشقًا، وكان من حسن حظه أنه لم يمسك سبحة تفضح سره.
قاضي جالو.
واجتزنا بئر سلامة، وهي عبد الجغبوب بسفر يوم، فاخترقنا ناحية بها بقايا غابة متحجرة، وكنا نمر في سيرنا بقطع كبيرة من الأحجار قائمة، كأنها أعلام في الطريق، وقد كانت هذه الصخور منذ أجيال بعيدة أشجارًا نامية، ولكن عوامل الطبيعة نقلتها من مملكة النبات إلى مملكة الجماد، وكان هناك قطع قليلة متناثرة من الأخشاب المتحجرة، ولكن أغلبها كان مدفونًا تحت الرمال، وإنما بقيت القطع الكبيرة ظاهرة؛ لأن عوائد الصحراء تقضي على مَنْ يمر بعلم ساقط من هذه الأعلام أن يقيمه. ومن العادات أيضًا أن تُوضَع في الدروب الجديدة أكداس من الصخر متقطعات تدل القوافل على تلك الدروب.
وقد يحدث أن يمر الإنسان بشجرة أو شجيرة قد علق بها خرق من الأثواب، ويتعين عليه أن يضيف إليها شيئًا من حوائجه فيكون تكدس هذه الأشياء دليلًا على وجود الشجرة في درب مطروق، يشجع التابعين على مواصلة السير فيه؛ لأن الشعور بمرور زميل سابق أمر ينعش قاطع الصحراء، في ذلك السكون الشامل والفضاء الممل بتشابه مناظره. وإن رؤية روث الجمل وعظامه المبيضة، بل العثور بهيكل عظمي لمسافر قضى في الطريق يسرُّ عَيْنَ المارِّ بها؛ لأنها تؤكد له مرور قافلة في تلك الطريق من قبل.
وبعد تركنا الجغبوب بقليل عثرنا بعلم مغاير لأعلام الطريق المألوفة، وكان ذلك أكوامًا صغيرة من الرمل، كأنها بيوت النمل ممتدة تعترض السبيل، وَيُسَمَّى هذا العلم علم «بو الظفر» وهو في الحقيقة رمز لعادة بدوية ظريفة، فإن المتعارف أنه إذا مرت قافلة بهذا العلم، وكان فيها مَنْ مرَّ به لأول مرة، فعلى المسافرين الجدد أن ينحروا شاة للمسافرين القدماء الذين مروا به من قبل. وهذه العادة مشهورة بعادة بو ظفر، فإذا لم ينتبه سالكو هذه الطريق لأول مرة إلى أداء هذا الواجب، نبههم إليه مَنْ سبقهم إلى قطعها، بأن يتقدموا القافلة ويهيلوا أكوام الرمل في سبيلها حتى إذا أوشكت القافلة أن تجتازها صرخوا قائلين «بو ظفر» … «بو ظفر»، فانتبه رفقاؤهم ونحروا الشاة وأُقِيمت المأدبة المألوفة.
وكان في قافلتنا كثيرون لم يعبروا تلك الطريق من قبل، وكنت بين هؤلاء، وأعددت العدة قبل تركي الجغبوب فاشتريت شاة أنحرها لِمَنْ تقدمني في اجتياز تلك الطريق من أفراد القافلة، ولذلك لم يكن رفقائي في حاجة إلى تكديس أكوام الرمل في سبيلي، وتنبيهي إلى هذه العادة الطريفة.
وقد أسعدنا الحظ في هذه الرحلة، فوجدنا مراعي لجمالنا على طول الطريق، حتى وصلنا جالو، وقد وقع لنا أحيانًا أننا حدنا عن الطريق السوي للوصول إلى البقاع العشبية، ولكنا كنا موفقين دائمًا إلى إيجاد ما ترعاه إبلنا.
وتنمو في هذه النواحي ثلاثة أنواع من الأعشاب، فالبلبال عوسجة ذات أوراق لا تصلح طعامًا للجِمال، وهي لا تنمو إلا على مقربة من الآبار، ولا تمسها الإبل عادة إلا إذا أحست بجوع شديد، وهنا يُخشى عليها من المرض إذا لم يراقبها أصحابها مراقبة شديدة، والضمران عوسجة أخرى تشبه البلبال، ولكن أوراقها أشد سوادًا وسيقانها سمراء تصلح وقودًا وهي جافة، وهذه الشجيرة طعام جيد للجمال التي تُقبل على أكلها بشهية، أما النوع الثالث من هذه الشجيرات فاسمه النشا، وهي شجيرة ذات أوراق رقيقة متوشجة يصل ارتفاعها إلى علو قدم، وهي صالحة لأكل الجمال، وإنما تنمو هذه الشجيرات في فصل الشتاء حيث يسقط المطر القليل؛ ولذلك لا يقوى البدوي على قطع المسافة بين الجغبوب وجالو في فصل الصيف ما لم يكن قد حمل معه علف إبله.
ووصلنا بئر عزيلة — وهي أول بئر أبي سلامة في اليوم العاشر من رحيلنا عن الجغبوب، وعلم هذه البئر قليل من الشجر والأدغال الصغيرة المخضرة، وقد أمكننا أن نصل إلى الماء العذب بعد أن جرفنا الرمالة الهديلة على جوانب البئر، ولكنا لم نصل منه كثيرًا؛ لأن مذاق ما وصلنا إليه بعد ذلك لم يكن في عذوبة ما وصلنا إليه أول الأمر.
وبعد ذلك بيومين أشرفنا على ظاهر واحة جالو، ولم نكد نقرب الواحة حتى اندفع إلينا رسول جاء لمقابلتنا حاملًا خطابًا من سيدي محمد الزروالي — وهو من الإخوان السنوسيين — الذي أمره السيد إدريس أن يرافقنا إلى الكفرة، وطلب مني الرسول أن أحط رحالي حتى يَتَهَيَّأ القوم لمقابلتنا بِمَا يجب من الحفاوة والإكرام.
بلدة جالو.
وكان السيد إدريس قد أخبر رجال جالو عند تركه جالو قبل ذلك بشهرين أني قادم إليهم، وأمرهم أن يتلطفوا في لقائنا، وقد توقع أهل المدينة وصولنا مدة طويلة حتى إذا أبطأنا عنهم ظنوا أننا غيرنا الطريق إلى الكفرة.
ونصبنا الخيام على مقربة من المدينة، وبعد ذلك بساعات قليلة جاءنا جمع من البدو ووقفوا صفًّا طويلًا مهيب الهيئة على طول طريق قرية «اللبة»، وهي إحدى القريتين اللتين تكونان جالو، وتقدمنا إليهم ونحن في أجمل لباس وأصلحه لذلك اللقاء الرسمي، وكان مع رجالي من الذخيرة ما يكفيهم لطلقات الترحيب.
واقتربت منهم فصافحت سيدي السنوسي قد ربوه، وهو قائمقام تلك الناحية، وصافحت كذلك أعضاء مجلس جالو وأشرافها، وخطبنا القائمقام مرحبًا، فرددت عليه وأطلق رجالي النار مرحبين، ثم دخلنا المدينة فقصدت الدار التي وُضِعت تحت تصرفي، واستقبلت أعضاء مجلس جالو وسيدي الفضيل عم السيد إدريس، وتناولت العشاء مع سيدي قد ربوه السنوسي وقضيت المساء أناقش سيدي زروالي في وضع الخطط لرحلتنا إلى الكفرة.
? الجميع.? نرجسه.? البستاني.? يا أم.? الأبيض مثل العاج.? ذات الوسط.? أي مثل الأسد وهو يجري.? هل تقبلينني أم أنت تحبين شخصًا آخر.? أي مثل السوط الرقيق.
الفصل التاسع
في واحة جالو


جالو واحة من أهم واحات برقة، وهي على مسافة ??? كيلومترًا من أقرب نقطة من شاطئ البحر الأبيض المتوسط وراء جدابيا، وعلى مسافة ??? كيلومتر من الكفرة الواقعة في الجنوب مباشرة، وهي الواحة التي تُخرج أكبر كمية من البلح في جميع تلك الجهات، وفوق هذا فإنها المنفذ الذي تصدر عن طريقه حاصلات واداي ودارفور بعد مرورها بالكفرة.
ويمر بجالو كل ما يُرسل من الجهات الأخرى إلى الكفرة ولقد نعتها السيد البشاري، وهو من كبار شيوخ قبيلة المجابرة فقال: إن الصحراء بحر وجالو ثغر ذلك البحر.
وقد كانت هذه المدينة في أوج عزها منذ نحو ثلاثين عامًا أيام كان المهدي متخذًا الكفرة قصبة للطائفة السنوسية، فكان يرتادها كل أسبوع قوافل مؤلفة من مائتين إلى ثلاثمائة جمل تسير بينها وبين جهات الجنوب، ولكن هذه الحركة كانت قد نزلت إلى العُشر أيام زرتها، غير أنها تزداد ثانية في الصيف أيام موسم البلح، وجالو مؤلفة من قريتين تفصلهما مسافة ميل وهما «العرق» و«اللبه»، وتتناثر أجمات النخيل بين هاتين القريتين وحولهما، ولا يقل عدد نخيل هذه الناحية عن مائة ألف نخلة.
وتقع «أوجلة» على مسافة اثني عشر ميلًا من غرب جالو، وهي الواحة القديمة التي قال عنها هيرودوت: إنها شهيرة ببلحها.
وفي «أوجلة» هذه قبر عبد الله الصحابي الذي اشتُهر بأنه كان كاتب النبي عليه السلام، وهذه القصة مشكوك في صحتها، على أن النبي ? قد اتخذ كاتبًا اسمه عبد الله الصحابي، وأن هذا الصحابي هبط شمال أفريقيا، وأن هنالك قبرًا لرجل بهذا الاسم في «أوجلة»، وكم من أخبار صحت في الأذهان على أساس أوهى من هذه الشواهد.
ويرون أن السنوسي الكبير وجد جثة سيدي عبد الله الصحابي مدفونة في ناحية بعيد، ورأى في بعض أحلامه روح ذلك الجسد النائي تقول له: «أخرجْ جسدي من مقره وضعه على جمل، وحيثما وقف بي الجمل ابْنِ لي ضريحًا.» وأطاع السنوسي الكبير الأمر وسافر بالجثة حتى وصل أوجلة، وعندها وقف الجمل بغتة، وأبى أن يتقدم في سيره، فأُقِيم ضريح محل وقوف البعير.
ويعتقد الناس أن لمؤسس الطائفة السنوسية، وأعضاء الأسرة السنوسية، وكبار الإخوان، قوة خفية ومعرفة بالغيب، وكان للسيد المهدي قُوًى خفية غريبة يسميها البدو كرامات، وقد أخبرني أحد الإخوان في جغبوب بقصة عنه قال: جاء المهديَّ أعرابيٌّ جاهل يريد طلب العلم عليه في جغبوب، ولم يكد يفاتح المهدي في أمره حتى تذكر أن موسم البذر قد حلَّ، وأن ليس له مَنْ يتعهد أرضه في غيابه، فرأى الصلاح في السفر إلى بلده، حتى ينتهي من موسم الحصاد، ثم يعود لطلب العلم، وقصد السيد المهدي ليودعه قبل سفره، فدخل غرفته، وأخذ مجلسه، وانتظر حتى يبدأ المهدي الحديث، كما جرت العادة، وتغافل المهدي عنه لحظات، فغلب البدوي النعاس، وأغفى قليلًا ثم استيقظ على صوت المهدي الخافت بقوله له: «الآن هدأ بالك وقرَّت نفسك؛ لأنك تعلم أن الأمور هُيِّئَت لك على ما يرضيك.» وقد هدأ بال البدوي حقًّا؛ لأنه رأى في تلك الغفوة القصيرة حلمًا تمثل له فيه أخوه يحرث الأرض، ويبذر حب الشعير، واستطرد المهدي في حديثه فقال: «انزل علينا ضيفًا وتوفر على الدرس، وأسأل الله أن يهديك سواء السبيل، ولا تخَفْ شيئًا، فقد رأيت كيف سارت أمورك على ما تحب، وأن الله رحيم يلحظنا جميعًا بعين عنايته.» فأقام الرجل بجغبوب ولم يعد إلى بلده إلا أيام الحصاد، وعاد بعد ذلك إلى جغبوب، فأخبر أحد الإخوان تحقيق رؤياه في دار المهدي حين رأى أخاه يبذر الحب في أرضه، وزاد على هذا، أن قطعة الأرض التي رآها تُبذَر في رؤياه، كان يجري فيها العمل في نفس الوقت الذي شاهد فيه الرؤيا.
وأخبرني حاكم جالو بقصة أخرى قال: «كنت مسافرًا مع جماعة من الرفقاء من بنغازي إلى جغبوب لزيارة السيد المهدي، فأخطأنا موضع بئر في الطريق، وشعرنا بضيق شديد لقلة الماء، وأمسى المساء، فالتفت إليَّ أقل رجال القافلة رغبة في زيارة المهدي وقال: «أما وقد أحضرتنا لزيارة ذلك الرجل التقي ذي الكرامات؛ فهلا سألته أن يرسل إلينا ما يبل أوامنا، إن كان من التقوى والصلاح بحيث تقول.» وحدث في تلك الليلة بجغبوب أن السيد المهدي استيقظ من نومه، ونادى عبدين من عبيده وأمرهما أن يقوما في الحال، فيحملا الزاد والماء على خمسة جمال، وأن ينطلقا إلى الصحراء ويأخذا السبيل التي أشار إليها، فلا يقفان حتى يلتقيا بقافلة في الطريق، فمضيا سبيلهما بقافلتنا وقد أشرف رجالها على الهلاك.»
ولا يزال بين رجال الطائفة إخوان قدماء يخشاهم أعضاء الأسرة السنوسية أنفسهم، خوفًا من تأثير قواهم الخفية، ومن بين هؤلاء رجل يعيش في الكفرة، وكان في ماضي أيامه إخوانيًّا في زاوية ببرقة، فأحضر أحد البدو غنمه تستقي من البئر القريبة من الزاوية، فشرد بعضها وأكل الشعير الناجم في قطعة الأرض المجاورة للزاوية، وأنذر الإخواني ذلك الأعرابي أن يقف غنمه عن إتلاف الزرع، فأظهر الطاعة والسهر على قطيعه، ولكنه كان ناويًا في نفسه أن يطلق غنمه على الزرع فتأتي عليه؛ ولذلك أطلقها في غفلة من الإخواني، وخرج هذا من الزاوية فرأى الغنم تفتك بشجيرات الشعير، فصبَّ عليها اللعنة قائلًا: «أهلك اللهُ الغنم التي تأكل زرع الزاوية.» ويقول رواة هذه القصة: إنه لم تخرج شاة واحدة وهي حية من مزرعة الزاوية.
ولا يزال البدو إلى هذه الأيام، يخشون أسرة السنوسيين لا لسلطتهم الزمنية، وإنما للقوة الروحية التي يعتقدون وجودها فيهم؛ فإن السنوسي إذا صبَّ لعنته على أحد، ظل طول عمره خائفًا متوقعًا أن يصيبه مكروه، وقد يتحاشاه إخوانه، بل وأهله، حتى لا ينالهم أذى مما يصيبه.
ومن المسائل المشهورة في هذا الشأن، مسألة رئيس كتبة السيد المهدي الذي يعيش الآن في الكفرة نصف مشلول، وقد زرته فرأيته سعيدًا راضيًا، رغم عجزه عن تحريك جسمه، ثم رأيته مرة أخرى فأنس إليَّ وسألني، وهو يتردد بين الاعتقاد والشك، إن كان بين أدويتي شيء يقيه من مرضه، وترددت في الإجابة عليه؛ لأني لم أرد أن أقطع أمله، ورأى ذلك في عيني، فلم يترك لي الوقت الكافي للرد عليه وقال: «لقد كتب الله عليَّ ما أنا فيه وكان الذنب ذنبي، أمرني السيد المهدي أن أسافر شمالًا فَلَمْ أَقْوَ على عصيان أمره، ولكني أردت أن أخلص من تلك الرحلة بعد أن وصلت الهوَّارى، فكتبت إليه مدعيًا المرض، وجاء رده بإعفائي من إتمام الرحلة، إن كنت صادقًا فيما ادعيت، وفي اليوم التالي أصابني الشلل وَحُمِلت إلى الكفرة ولا أزال بها إلى الآن، وكان ذلك منذ خمس وعشرين سنة.»
وقد أخبرني حاكم جالو بقصة أخرى حين كنا نتناقش في الكرامات قال: «قامت عاصفة شديدة في أوجلة أسْفَتْ الرمال حتى غطت قبر السيد عبد الله الصحابي، فأحضر العبيد لرفع الرمال المهيلة عن القبر، وبينما كان الفعلة دائبين في عملهم دخل الحاكم الغرفة التي بها المقام، فنشق رائحة بخور قوية، ونادى أحد العبيد، فسأله: هل أطلق أحد بخورًا؟ فأنكر الرجل، ولا يزال زائر هذه الغرفة في هذه الأيام يشم تلك الرائحة الزكية، وإن لم ينطلق أي بخور في نواحيها.»
وجالو مركز قبيلة المجابرة «البدو» شيوخ تجار صحراء ليبيا وبها بعض رجال قبيلة «زوي»، ولكن أكثرية الألِفين الذين يقيمون فيها من المجابرة، ولهؤلاء ميل غريب للتجارة، فإن الرَّجل منهم يفخر بأن أباه مات فوق سرج جمله، كما يفخر ابن الجندي بأن أباه مات في ميدان القتال.
وكانت العلاقات متوترة أيام إقامتي بجالو بين السلطات الإيطالية وبين السيد إدريس، فمنعوا إرسال البضائع من بنغازي وغيرها من ثغور برقة إلى البلاد الداخلية؛ ولذلك ارتفعت أثمان الحاجيات ارتفاعًا سريعًا في مدن الصحراء كجدابيا وغيرها، وسمع تجار المجابرة من أهل جالو بحالة التجارة في جهات الشمال، وكان معهم بضائع كثيرة من مصر، فلم يترددوا في الاستفادة من هذه الفرصة، وغيروا وجهتهم فساروا شمالًا بدلًا من أن ينحدروا جنوبًا وباعوا بضائعهم في جدابيا فربحوا ربحًا وافرًا، ثم عادوا سراعًا إلى مصر والجنوب يطلبون بضائع أخرى وعادوا بها إلى جالو، فقارنوا بين ارتفاع الأثمان في جدابيا والكفرة، ثم اختاروا منهما أعمرهما سوقًا لتجارتهم.
وأَعْجَبُ ما في الصحراء سرعة انتقال الأخبار من بلد إلى آخر، مع ما هنالك من بعد الشقة بين تلك البلاد؛ فإن المسافة بين جالو وجدابيا خمسة أيام، وبين جالو والكفرة زهاء الخمسة عشر يومًا، ومع أن القوافل تسير بسرعة غير كبيرة، وأحسب أن التعليل الصحيح لهذا، هو أن كل شيء في الصحراء نسبي؛ فالأخبار تسير مع خطو الجمال، وكذلك كل ما عداها.
وإن اشتهر المجابرة بالتفوق على غيرهم في الاشتغال بالتجارة، فإن لقبيلة «زوي» ما يدعو إلى الفخار، والمنافسة بين هاتين القبيلتين كامنة تهيجها الظروف من وقت لآخر.
والزوي محسودون من جميع قبائل برقة؛ لأن منهم علي باشا العابديه، وهو الذي يلي السيد إدريس في المرتبة بين السنوسيين، وعلي باشا هذا جندي ماهر، وكان سندًا قويًّا للسيد إدريس وموضع ثقة عنده.
وقد تناولنا ذات ليلة حديث المنافسة بين زوي وباقي القبائل، وكان ذلك في جالو بعد تناول العشاء، فناقش سيدي صالح وهو من سلالة النبي عليه الصلاة والسلام لا ينتسب لأي قبيلة في برقة — مع رجلي مغيب الزروالي، وهما من قبيلة زوي في شأن تلك المنافسة، وبعد أن سمع منهما الإفراط في مديح قبيلتهما، هز رأسه ثم قال: «قد يكون تاريخ الزوي مجيدًا كما يقول سيدي مغيب، ولكنهم قوم لا يخشون الله.» فانطلق مغيب قائلًا: «والله يا سيدي صالح إنهم يخشون الله ولكنهم لا يخافون الإنسان، والويل لِمَنْ يتعرض لقافلتهم أو يسطو على خيامهم.» ثم التفت إليَّ وقال: «لقد باركنا السيد المهدي؛ إذ هبط علينا في الكفرة قصبتنا ثم اختفى منها.» ولم يقل مات؛ لأن السنوسيين لا يفوهون بكلمة الموت، وإنما يستعملون كلمة اختفى وما ماثلها في التعبير؛ إذ الشائع بينهم أن المهدي لم يمت، وأنه يهيم في نواحي الأرض حتى يعود إلى رجاله أهل الصحراء، وأحب شيوخ السنوسيين إلى الزوي السيد المهدي؛ لأنه نقل مركز حركة الطائفة إلى الكفرة، وبنى فيها قبة المسجد التي هي أجمل مظاهر فخر تلك المدينة.
وقد علمت بعد تجاريب عديدة أن أفراد قبيلة زوي يضمرون العداء للأجانب، فقد وضح لي وأنا المسلم ابن ذلك الرجل التقيِّ العالم بالأزهر الشريف، وموضع ثقة السيد إدريس أنهم لا يرضون إقامتي في الكفرة، وبان لي ذلك جليًّا حين سمعت أن أحدهم تمنى لو أني أفارق الكفرة إلى الأبد بعد مغادرتي لها، على أني بالرغم من معرفتي بهذا النفور، لا أظن أن في استطاعتي أن أجد رجلًا أقدر على قطع الصحراء، وأعلم بطرق السير فيها من أفراد هذه القبيلة التي كَونوا جزءًا من قافلتي، فقد كان الزروالي، وهو مثال الزوي الصحيح، أمتع رفيق لي في السفر وأحق أفراد القافلة باعتمادي وثقتي.
وبدوي برقة يجري في عروقه دم العرب الذين اجتازوا شمال إفريقية في طريقهم إلى الأندلس، وهو بالرغم من اختلاطه برجال القبائل الأخرى، محافظ على كثير من تقاليده العربية القديمة، فجريمة القتل عند السنوسيين تفصل فيها قوانين البدو الخاصة، والعادة أن يتداخل الإخواني في الخصومات ويصلح ذات البين بين المتخاصمين، فيأخذ القاتل وشيخًا من شيوخ قبيلته ويقصد خيام المقتول فينصب خيامه على مقربة منها، ثم يتقدم مع القاتل إلى أفراد أسرة القتيل قائلًا: «معي قاتل رجلكم.» ثم يأخذ بيده ويقول: «هذا قاتل ولدكم، أسلمكم إياه؛ فافعلوا به ما أنتم فاعلون.» فيكون الجواب عادة: «سامحه الله وأنزل عليه عدله ورحمته.» ثم يأخذ الإخواني بعد ذلك في تسوية مقدار الدية، وهي في الغالب: ثلاثة آلاف ريال وعبد يكون معروف الثمن في سوق الرقيق.
ولأقارب القتيل حق الاختيار بين قبض المال أو أخذ قيمته جمالًا وغنمًا وما إليهما من حوائج البدو، فإن آثروا المال قُسِّمَ دفعه على أقساط تجري من سنة إلى ثلاث سنين، واتفق على ذلك وانتهى الأمر، وقد يحدث في أحوال نادرة أو يقع إذا كان طلب الثأر مستحكمًا بين رجال القبيلتين، أن يرفض قبول الدية، ومعنى هذا أن في نية قبيلة القتيل أن تقتل قاتله أو أحد أقاربه أو رأسًا من رءوس قبيلته.
وشبان البدو وعذاراهم مطلقون في الاختلاط بعضهم ببعض، ولا تحجب المرأة إلا في الأسر الكبيرة، ويعرف الشاب موضع أمله في الزواج فيقصد خيامها ويغنيها من شعره، فإن مالت نفسها إليه خرجت وساجلته الغناء من مقولها أو من منقولها، ويقصد الشاب أهلها بعد ذلك ويدفع المهر إن تم الاتفاق، ثم يعود إليها في حفل من أصحابه، ويأخذها إلى داره تحف بهما الفرسان المتخطِّرة، وتدوي فوق رءوسهما طلقات البنادق.
وقد يَفِر الحبيب بحبيبته فينتهي الأمر بين قبيلتيهما بسفك الدماء؛ لأن البدو يعدون الفارَّ بحبيبته سارقًا لها، وعقود الزواج يجريها الإخواني ويتم العقد وفقًا للشرع الإسلامي الشريف، والزواج عند العرب في سن مبكرة تتوقف على نمو البنت، والغالب أن تتزوج البنت في سن الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، ويتزوج الشاب بين السابعة عشرة والعشرين، والقادر من البدو يتزوج اثنتين أو أكثر، ولكن الأولى في هذه الحال تبقى سيدة الدار بيدها أمر تدبيرها، وتُفضل على ضراتها، بما فيهن أقربهن وأَجلُّهن إلى بعلها في كل ما يتعلق بالشئون المنزلية.
وقد سمعت بشبان كثيرين تدلهوا في حب مَنْ لم تصل إليها أيديهم، ورأيت بعيني ضحية من ضحايا الحب، جاءني شاب بدوي يسألني دواءً، وكان نحيلًا منسرح القامة متناسق الأعضاء، فتقدم إليَّ وقال: أريد دواء يهبني الصحة، فسألته ماذا يشكو، فهز رأسه وقال: «الله أعلم.» وكان في هيئته غرابة حيرتني، ولكني خرجت من هذا بإعطائه بعض أقراص مركزة من اللبن، وأمرته أن يتناول منها ثلاثة كل يوم.
وما كاد الشاب يمضي حتى دخل رجل مسن وجلس القرفصاء، ثم قال: «وهبك الله الصحة وجعل الشفاء على يديك، لقد قصدك ابني مستشفيًا وأعطيته الدواء، فهل تدري ما علته، لقد جئتك أشكو عنه بعض ما يحس، إنه يشكو ضعفًا وصداعًا قاسيًا، وإذا جن الليل هجر الناس والتمس الوحدة، وقضى طول ليله خاليًا بالصحراء.» فقلت للشيخ: «لقد أعطيت ابنك ما آمل أن يخفف عنه بعض آلامه.» فأجاب وفي صوته رنة حزن: «الشفاء من عند الله غير أني أعلم الطريق إلى شفائه، ولكن الأقدار كتبت عليه أن لا يبرأ الدهر من دائه، فهو يحب غادة رفض أبواها أن يزوجاها منه.» فقلت له: وَلِمَ لا تسعى في سبيل التوفيق بينهما، وقد عرفت مبعث داء ابنك؟ فأجابني الشيخ: «لقد فات الوقت؛ فإن الفتاة أصبحت زوجًا، وعلم الله أنها تشكو داء ابني على بعد المزار وتنائي الدار.» ثم قام وترك خيمتي ينطق الحزن في عينيه، ويبين الاستسلام في مشيته.
الرمال تغطي النخيل في جالو.
ومن ظريف ما رواه لي أحد الإخوان أنه جاءه فتى وذكر له أنه تدله بحب غانية، كما تدلهت بحبه، ولكن أهلها أبَوْها عليه، وذكر أنه سيعمد وإياها إلى الفرار، وهذا يفتح باب الثأر بين أسرتيهما فأطرق الإخواني قليلًا، وأشار عليه بأن يوعز لحبيبته بالتظاهر بالصرع كل مساء عند غروب الشمس وكان ما أشار به.
وكان هذا الإخواني مشهورًا بين القوم بالدراية في مداواة العلل والأمراض، فجاء أهل الفتاة إليه يطلبون عونه وطبه فعكف يصف لها الوصفات المختلفة، دون أن تبرأ من الصرع بطبيعة الحال، حتى إذا عِيلَ صبرهم قال لهم: لقد ضاقت حيلة الطب بها، ولم يبقَ إلا أن أستمد من حول الله وقوته ما يكون فيه الشفاء، فأعطوني بعض ملابسها أقرأ عليه آيات وأدعية، ثم أتوسدها في رقادي الليلة، وفي الصباح أخبركم بما توصي به الرؤيا، فجاءوه «بعصبتها»، وفي اليوم التالي قال لهم: لقد رأيت حلمًا والله أعلم بما فيه الخير، لقد كُلِّفتُ من الرؤيا أن أطلب منكم أن تعقدوا عقدها على «فلان»، وفي اليوم نفسه سأكتب حجابًا أُلهِمتُ صيغته، فإذا انقضى أسبوع دون أن يصيبها الصرع زوِّجوها منه، وإلا فاحملوه على طلاقها، وهذا سبيل شفائها الوحيد، وإلا بقيت طول عمرها يصيبها الصرع. فأطاع أهلها ما أمرهم به الإخوان وتزوجا.
ولم أستطع في جالو، كما عز عليَّ من قبل في الجغبوب، أن أجد جَمَّالًا في انتظاري، ولكن السبب في الحالين لم يكن واحدًا، ولم تكن حيرتي هذه المرة بحيث ضايقتني كالمرة السالفة، فقد كنت اتفقت على أجر الجَمَّال، وكان صاحبها عمر أبو حليقة، على قدم الاستعداد للمسير عند عودة إبله من مراعيها؛ فإن البدوي العاقل لا يدع جماله تقطع مرحلة بعيدة، من غير أن يشبعها علفًا ناضرًا قبل رحيلها. والمرحلة إلى الكفرة طويلة وخالية من كل مرعى، وتضطر الجمال في قطعها إلى الاكتفاء بالبلح الجاف، والجمَّال يعدُّ البلح الجاف مؤذيًا لكبد جماله فيدعها تأخذ كفايتها من الأعشاب قبل السير.
وكان أبو حليقة قد أرسل إبله إلى مرعى قريب وأمر رعاتها أن يحضروها في اليوم المحدد، ولكن الإبل لم تظهر في الموعد المضروب، وعجبت لذلك في اليوم الأول ثم انشغل بالي في اليوم الثاني، وتملكتني الحيرة في اليوم الثالث خيفة أن تكون الجمال قد أَبِقت من رعاتها، على أن شيئًا من ذلك لم يكن، فقد ظهرت في اليوم الرابع أكمل ما تكون تأهبًا للسير. وكَرَيْتُ خمسة وثلاثين جملًا بأجر باهظ، مع أنه كان في مقدوري أن أشتري الجمل منها بثمن يتراوح بين اثنتي عشر وثمانية عشر جنيهًا، بينما طلب أبو حليقة في الجمل الواحد ثلاثة عشر جنيهًا ونصف جنيه أجرًا عن الشهرين أو الثلاثة الأشهر التي يستغرقها السفر إلى «بشة» في واداي.
وكان تأجير الجمال أوفق لي؛ لأن امتلاكي الإبل يُوقع عليَّ مسئولية سلامتها طول الطريق، ويضطر رجالي إلى الانقطاع لتعهدها مدفوعين بالأمانة والرغبة في نجاح الرحلة، ولكن مرافقة أبي حليقة ورجاله لجماله مهدت سبيل العناية بها، والسهر عليها طول الطريق، فإن أبا حليقة لم يغفل لحظة عن تعهد جماله، فكان يخفف أحمال الضعيف منها أو المريض، وظل مشغولًا بها إلى آخر الرحلة، فلم آبه كثيرًا بما بذلت من مال في سبيل تحقيق رغائبي.
وأعوزتني الرجال كذلك على وجود أولئك الأربعة الذين انقطعوا لخدمتي ورافقوني من القاهرة والسلوم وسيوه؛ وهم: عبد الله، وأحمد، وحمد، وإسماعيل. فضممت إليهم خمسة آخرين وهم: الدليل السنوسي أبو حسن، وسعد الأوجلي، وحمد، وفرج العبد، والسيد محمد الزروالي الذي تفضل السيد إدريس فأمره بمرافقتي إلى الكفرة، وكان مع أبي حليقة ولده وجمَّالان. وزاد على جميع هؤلاء خمسة من قبيلة التبو؛ وهم من العبيد الرحالة «في تيبستي» الواقعة في الشمال الغربي من واداي، وكان عبد الله، والسيد الزروالي، رئيسي القافلة فكان أولهما منوطًا بحراسة الحوائج والمؤن، وثانيهما قائمًا بتعهد الرجال والجمال، والحق أقول: إن هذين الرجلين كانا أصلح رفيقين يصحبهما الإنسان في رحلة صحراوية.
وكنا في حاجة إلى ملابس وبعض أنواع من الأطعمة، وفي عوز شديد إلى أحذية؛ فإن الحذاء البدوي الخالي من الكعب — وهو أصلح الأحذية للسير على الرمال — هو كل ما تصل إليه يد السائح في الصحراء، ولكنه يبلى بسرعة، ويضطر صاحبه إلى رتقه في الطريق، فكان على كل منا أن يجهز الجلود اللازمة لرتق حذائه حتى يصل الكفرة.
ووجدت في جالو صانع أحذية شهير، وهو حميدة الذي كنت لقيته منذ سنتين في الكفرة، فاستدعيته وأعطيته الأحذية التي صنعها لي إذ ذاك، وهي في حاجة ماسة إلى الترقيع، ففرح كثيرًا حين طلبت منه إصلاحها، وكان حميدة رجلًا مهيب الطلعة يصح أن يحسبه رائيه قاضيًا أو عضو مجلس على الأقل، وقد اختلف إلى داري، يعمل في رتق أحذيتي الخمس، وصنع أحذية أخرى لرجالي، وإصلاح سروجنا، وغيرها من الحوائج الجلدية، وكان يسره كثيرًا أن أدعوه للغذاء ثم أقدم له بعد ذلك كوبًا من الشاي، وحدث ذات يوم أن أخذه السعال عند تقديم الشاي إليه، فأظهرت إشفاقي عليه من دائه فنظر إليَّ من وراء كوب الشاي، وقال بصوته الخافت: «إن الشاي الذي تقدمه لي يشفيني من السعال يا سيدي البك، ولا أجد الشفاء في غيره.» ولم تَخْفَ عني هذه الإشارة اللطيفة فأتحفته بقليل منه قبل تركي جالو.
السيد محمد الزروالي الذي رافق الرحَّالة من جالو.
واشتريت ملابس لرجالي وسمنًا وزيتًا وشعيرًا ووقودًا وثماني قِرَب، وأخبرني علي كاجا، وهو عبد السيد إدريس الصفي ووكيله الأمين في جالو، أن سيده أمر بوضع مخازنه تحت تصرفي فشكرته، ولم أمدد يدي إلى شيء، فقد تركتُ مصر مزوَّدًا بكل ما أحتاج إليه وأنا أعرف فوق هذا أن ما لديهم يحتاجون إليه أشد احتياج لتعذر الحصول عليها في الصحراء.
وقضيت في جالو عشرة أيام في إعداد العدة لرحيلي، وفي قبول دعوات مشايخ العرب، وردِّ هذه الدعوات، والانقطاع إلى أشغالي العلمية.
وكانت المآدب التي أُقِيمتْ لي غاية في إظهار كرم البدو، فتناولت عشاء أول يوم في دار السنوسي «قدر بوه» حاكم جالو، وتغذيت في اليوم التالي عند البشاري أكبر تجار المجابرة وأشهرهم، ووقف في خدمتنا مع أبنائه أثناء تناول الطعام كما هي عادة البدو.
وتلقيت الغداء في اليوم الثالث من أعضاء المجلس وشاركني فيه الزروالي وعلي كاجا ومغيب، وجرى لي بعد الغداء حديث مع القاضي عن تاريخ السنوسيين، فأراني خطابات من السنوسي الكبير وابنه المهدي، وجاء العشاء في هذا اليوم من عند الحاج فرحات، وهو من كبار تجار المجابرة أيضًا، وشاركني فيه الحاكم والزروالي وعلي كاجا ومغيب وعبد الله.
وفي اليوم الرابع تناولت عند الحاج علي بلال المجبري غداءً، تقول عنه مفكرتي إنه جيِّد جدًّا «وأنه حضره الجمع المعتاد»، وجاءني العشاء من عند الحاج سعيد وهو من تجار المجابرة أيضًا.
وفي اليوم التالي تغديت بدار الحاج غريبل، وفي المساء وقع لي أهم حادث من حوادث الضيافة التي لقيتها، ووضح لي كرم البدو بأجلى مظاهره حين دعاني فضليات نساء الأسرة السنوسية إلى تناول العشاء.
كان يقيم بجالو نساء كثيرات من الأسرة السنوسية بينهن زوج السيد إدريس وأخته، وقد أرسل إليَّ أولئك السيدات الكريمات بعد وصولي جالو بقليل يدعينني للعشاء، وهذا حادث غير عادي؛ لأن نبيلات الصحراء لا يولمن الولائم للرجال كما تفعل نساء الغرب، وأدركت بطبيعة الحال أني غير مدعو لتناول العشاء مع داعياتي، ولكني قدرت هذا العطف من ناحيتهن فقبلت دعوتهن راضيًا شاكرًا، وجاءني السيد الزروالي والحاكم في الوقت المحدد لمرافقتي إلى دار الضيافة، وكانت دار الحكومة في عهد الأتراك فأدخلنا إلى غرفة فسيحة ينبعث في جوها بخور زكي الرائحة، وينتشر فيها نور ضعيف من سراج نحاسي فاخر، وشموع كثيرة، ويلقي أشعته النديَّة على ما في الغرفة من سجاجيد ثمينة وطنافس حريرية، فيرسل عليها أضواء بهيجة.
وكان القائم بإكرامنا سيدي صالح وهو بعل سيدة من سيدات الأسرة السنوسية، فأشرف على نفر من العبيد قدموا إلينا ما لذ وطاب من طعام وشراب، وبعد أن نلنا من كل ما قُدِّمَ إلينا جريًا على عادة البدو، جاءنا العبيد بطسوت من النحاس فغسلنا أيدينا، ثم تناولنا ثلاثة أكواب الشاي المعتادة، ونُثِرت علينا قطرات الورد وأُطلِق زكي البخور، وبعد ذلك تقدم إليَّ رئيس العبيد باحتشام وهمس في أذني سائلًا إن كنت أحب أن أسمع شيئًا من الأغاني؛ فيدير لي حاكيًا «فونوغراف» ويسمعني بعض أسطوانات لمشاهير مطربي مصر، فأبيت شاكرًا على تلطفه، وربما كنت في ذلك مغضبًا رفقائي، وإنما دفعني إلى الإباء رغبتي في الاستمتاع بوجودي في تلك الغرفة ذات الأثاث الفاخر والجو المعطر، وإطلاق العنان لخيالي، بعيدًا عن صخب المدن وجلبتها في مناحي الصحراء، ومحالي حياتها البدوية والإيناس إلى روحها التي تشيع في نفسي الخالية المنفردة.
وانطبعت ذكرى هذه الليلة الفريدة في خاطري، لما رأيت من جمال المكان وأحسست من بعد عن العالم، وما شعرت به من لذة الاستمتاع بضيافة شريفات البدو اللاتي اختفين عن عيني، وكن ماثلات فيما أظهرن نحوي من دلائل الكرم والرعاية، وحمَّلت رئيس العبيد أجل تحياتي إلى السيدات، وسألته أن يبلغهن تقديري لهذا العطف الشديد، ثم خرجت إلى الصحراء في تلك الليلة البديعة تلعب كف النسيم بثنايا «جردي» فتثير في الجو ما علق به من نشر البخور، وتهيج في خاطري ذكرى تلك الغرفة السحرية التي نعمت فيها بذلك المجلس الشهي.
وأصبح الصباح فأعددت وليمة أرد بها ضيافة مَنْ أكرموني أثناء الأيام الماضية، ولكن غرفتي الحقيرة التي تتناثر فيها أمتعة سفري لم تكن من كمال الاستعداد بحيث تُقارَن بتلك الدار الجميلة التي تناولت فيها عشاء الأمس، غير أن علي كاجا أخذ على نفسه أن يجعل هذه الغرفة صالحة للوليمة بقدر ما تسمح به الظروف، فاستعار من بيت السيد إدريس سراجين بديعين من النحاس، وبعض أبسطة فاخرة، وأضاف إلى ذلك بعض الرياش الأخرى، وخلق من الغرفة بهوًا يليق بإقامة مأدبة. وكان بين ضيوفي: حاكم المدينة، وأعضاء مجلسها، وأخوان سنوسيان، والقاضي، وعلي كاجا، وموسى ضابط المدفعية السنوسية، والسيد الزروالي. ولبست أفخر ثيابي البدوية ثم وقفت في خدمتهم، كما يقف ربُّ الدار البدوي، وقد سألني بعضهم مِمَّنْ زار المدن أن أجلس معهم وأشاركهم الطعام، ولكني أبيت واعدًا أن أفعل ذلك إذا شرفوني بالزيارة في القاهرة، وقد أظهر طاهيَّ أحمدُ حذقًا شديدًا في تنويع ألوان الطعام، فقدَّم شيئًا من الصِّحَاف الأوروبية لم يَسَع ضيوفي معها السكوت عن مدحها والثناء على طاهيها، وكانت وليمتي هذه آخر الولائم فتُرِكتُ بعدها أتناول طعامي خاليًا هادئًا، وقد أراحني ذلك كثيرًا وإن شكرت لضائفِيَّ ما أظهروا نحوي من دلائل الكرم.
وقد اهتممت أثناء إقامتي في جالو بعمل بعض الملاحظات العلمية، فرصدت الشمس والنجوم لمعرفة خطوط الطول والعرض، وواصلت ملاحظة البارومتر والترمومتر؛ لمعرفة ارتفاع المكان ولما رُوجِعت ملاحظاتي في هذا الشأن على الملاحظات البارومترية التي أُخِذت في سيوة في اليوم نفسه، ظهر لي أمر هام؛ وهو أن سطح جالو في هذه الأيام أعلى منه بمقدار ?? مترًا أيام زارها «رولفس» سنة ????، فقد قرر هذا الرحَّالة أن جالو تكاد تكون موازية لسطح البحر ووجدتها أعلى منه بستين مترًا، وكان تغير وجود هذا الفرق واضحًا أمام عيني، فقد رأيت الرمال المتراكمة تتكدس حول جذوع النخيل وعلى جدران المنازل تكاد تغمرها جميعًا.
وكانت نتيجة ذلك أن انتقل بعض سكان المدينة من مساكنهم القديمة وبنوا ديارهم في جهات أكثر ارتفاعًا، وما زاد ارتفاع جالو عن سطح البحر زهاء مائتي قدم في بحر أربع وأربعين سنة إلا تلك الرمال المضطردة التراكم التي تسفيها العواصف، فتعترضها الأشجار والمنازل وتجعلها ركامًا.
وكانت الدار التي أقمت فيها وقيدت بها ملاحظاتي أعلى من بقية دور جالو بزهاء العشرين مترًا، وكنت شديد الحرص في أخذ هذه الملاحظات؛ لأن البدو يسيئون الظن بكل جهاز علمي فما بالك بآلة «التيودوليت» التي ربما ظنوا أني باستعمالها أرسم خريطة لتلك الأصقاع بقصد العودة لغزوها، ولم يَفُتني وقد رآني شيخ من شيوخ البدو وأنا أشتغل بالتيودوليت أن أفسر له بسرعة واهتمام أني أعمل في إعداد إمساكية لشهر رمضان، وكان عبد الله — وليس بالبدوي الساذج — يعينني كثيرًا في سبيل تمهيد ملاحظاتي العلمية، وكان اختصاصيًّا في الاحتيال على تفادي العقبات التي تعترض سبيل أعمالي، مظهرًا في ذلك حذقًا شديدًا في منع سوء التفاهم.
كنت ذات يوم أعمل على مسافة من جالو بعض الملاحظات بواسطة جهازي، فمر بنا أحد سكان المدينة، وسأل عبد الله: ماذا تعمل؟ فقال له: إننا نأخذ صورة لجالو، فقال البدوي: «أتأخذون صورتها على هذا البعد؟!» فأجابه عبد الله على الفور: «إن هذه الآلة تجتذب الصورة فتطير إليها وتنطبع فيها.» فقال البدوي المرتاب: «وكيف يجتذب الصندوق صورة؟!» فهز عبد الله كتفيه وقال: «سَلِ المغناطيس كيف يجذب الحديد؟» وهكذا انتهت هذه المناقشة التي أظهر فيها عبد الله حذقًا ولباقة.

الفصل العاشر
في الطريق


تأهبت للسير يوم الخميس ?? مارس فصحوت في الساعة السادسة أهيئ حوائجي، وقضينا في إعداد كل شيء ثلاث ساعات كما هي العادة في أول يوم من أيام السفر؛ نظرًا لعدم تعود القافلة على ما يستلزمه السفر من ربط وحل، وكان علينا أن نسير على عادة البدو من «التجهيز»، وهو الاصطلاح الذي يطلق على الذهاب إلى بئر قريبة قبل البدء في سير طويل، والاستعداد في بحر بضعة أيام لعمل الترتيبات الأخيرة، بعيدًا عن مشاغل حياة المدن، وكانت بئر بو الطفل وهي على بعد ثلاثين كيلومترًا تقريبًا من جالو — البقعة التي أردنا أن نجري عندها «التجهيز».
وبعد أن تم حزم كل شيء جاءنا حاكم المدينة وأشرافها وإخوانها، ليقوموا بتوديعنا فجلسنا جميعًا القرفصاء، نتشاور في أمر الرحلة، وكنت قد سافرت إلى الكفرة، قبل هذا بسنتين، في ظروف أكثر موافقة وأسعد حظًّا، ومع ذلك، فقد ضللت الطريق قبل الوصول إلى الكفرة، وكان الجو في رحلتنا السالفة أشد ملاءمة والريح والعواصف أضعف هياجًا، والقافلة أقل عددًا.
ولم تشغلني في رحلتي الأولى مسألة إعداد الجمال وعلفها وتهيئة الرجال وطعامهم وأدواتهم؛ لأن السيد إدريس تفضل فقام عني بتعهد القافلة ولوازمها، وكانت هذه الرعاية من جانبه، باعثًا قويًّا على تهدئة خواطر البدو وإزالة ريبهم، ومحو نزعة الكراهية فيهم للأجانب، ولكني وجدتني هذه المرة مضطرًّا لترتيب كل شيء بنفسي، مع ما يبعث في نفوس العرب من الدهشة أمثال هذه القافلة الكبيرة، التي تحمل كمية وافرة من الحوائج التي تستلزمها رحلة طويلة.
والطبيعة القاسية في قطع المسافات الطويلة الخالية من الماء، وهي فيها عدو الإنسان الوحيد، وفي مقدورها أن تكون عدوًّا لدودًا إذا شاءت، ولكن تضامن الرجال وغيرتهم على العمل، ما يجعل القافلة تهزأ بالحوادث، وتمضي في سيرها آمنة مطمئنة. وكان رجالي الأربعة الذين استحضرتهم من القاهرة والسلوم وسيوة، على أحسن ما يكون؛ من لطف المعاملة مع كل مَنْ لاقينا، وكان الزروالي وهو الإخواني الذي انتدبه السيد إدريس لمرافقتنا مثال اللطف والإخلاص، وقد أفرغ كل جهده في توفير أسباب الراحة أثناء الرحلة، والحقَّ أقول: إني لم أكن أحمل همًّا للطوارئ مهما قست علينا الطبيعة.
وبعد أن حمَّلنا الجمال بدأت حفلة «الموادعة» التي اعتادها العرب؛ فوقفت مع رجالي على شكل نصف دائرة، وواجهنا شيوخ جالو وإخوانها، وقد وقفوا على شكل نصف دائرة أخرى، ورفعنا الأكُفَّ خاشعين مبتهلين أن يبارك الله رحلتنا، وأن يسدد خطانا ويرجعنا سالمين إلى الأوطان، وقرأنا الفاتحة وأمَّن عليها أكبر الإخوان سنًّا، ثم تبادلنا الشد على الأيدي، وبدأنا السير بين صراخ الرجال تستحثُّ الجِمال، وزغردة النساء تدوي في الفضاء.
وزاد إقبالنا على السفر، ما حدث لنا عند اختراقنا اللبة، وهي ثانية القريتين اللتين تكوِّنان مدينة جالو، فقد لاح لنا على جانب الطريق، بدوية رشيقة القوام قد انفردت وهي مسدلة نقابها على وجهها، فلما مررنا بها أدار رجالي الأبصار إلى الغانية وصرخوا بصوت واحد «وجهك وجهك» فعطفت البدوية وأزاحت نقابها، وهي خفرة فكشف عن وجه بديع القسمات صافي الأديم، ينمُّ عَمَّا عُرِفَ في غواني البدو من حياء وجلال، وبهر جمالها رجالي وملك أدبها نفوسهم، فأرسلوا عبارات الإعجاب والسرور، ولم يسعني أمام ذلك إلا أن أسير على عوائد البدو في مثل هذه الظروف، فأمرت رجالي أن يفرغوا البارود عند قدميها، فتقدم حامد ورقص أمامها رقصًا رشيقًا، كأنما يوقع له الطبل إيقاعًا منتظمًا، وهو ممسك بندقيته فوق رأسه بكلتا يديه جاعلًا فوهتها إلى الأمام، ثم اقترب منها وهو يغني أنشودة بدوية من أناشيد الغرام، حتى إذا صار قبالتها هوى على ركبة واحدة وصوب بندقيته إلى موطن قدميها ثم أطلق النار على قيد شعرة منهما، وكان هدفه من القرب والدقة بحيث أصاب لهب البارود حذاء الصبية فشاطت جوانبه، ولم تجفل عند إطلاق النار، بل ظلت منتصبة القامة فخورة بالشرف العظيم الذي نالته؛ لأن الحذاء الشائط في أرجل الغادة البدوية دليل فخار، تسمو إليه فتيات الصحراء.
وحاكى سعد أخاه حامدًا حتى إذا انتهى من إطلاق النار، صرخ رجال القافلة مهللين مستبشرين، وبدأنا المسير وبسمت الصبية في أثرنا كأنما سَرَّها ما لقيته من إكرامنا لها، تفاؤلًا بالوجه الصبيح تشرق علينا طلعته، في أول ساعة من ساعات السفر، واحتوانا فضاء الصحراء، فوصلنا بعد سير ثماني ساعات إلى بئر أبي الطفل حيث نوينا الإقامة يومًا، وقضينا ليلتنا أطرب ما تكون، وسمرنا حتى منتصف الليل في حديث وغناء، حتى إذا تَهَيَّأ رجالي للنوم، أخذت «غليوني» وانطلقت أخلو بنفسي، ولم يكن أحب إليَّ في الصحراء من تلك الرياضة الانفرادية التي أدخن فيها «غليوني» الأخير قبل الإقدام على السفر الطويل، وأنا هادئ البال وادعه.
وكنت راضيًا عن كل شيء، يسرني التوفيق في اليوم السعيد، ويملأني الأمل في الغد، إذا أخطأني الحظ في يومي الحاضر، ولا أكون مبالغًا إن قلت: إني لم أدخل فراشي ليلة من ليالي السفر، وأنا أحمل في نفسي همًّا من الهموم، مهما ضايقتني الظروف أو آذتني الأحوال.
وقضينا اليوم التالي في التمهيدات الأخيرة للسفر، ولحقنا أبو حليقة صاحب الجِمال في قافلة صغيرة مكونة من ثلاثة جمال، وتبعه في نفس اليوم رجل من جالو.
وكنا في حاجة إلى حبال ومشد، ولكن بائعيها بالغوا في طلب الثمن، وأطال عبد الله معهم الفصال وترك البت في أمر الشراء حتى آخر لحظة، واتفق مع رجل منهم اسمه السنوسي أبو جابر، على أن يتبعنا بالحبال إلى أبي الطفل، وحضر الرجل فجاء إلى خيمتي وأخبرني أن له أخًا في واداي، وطلب مني أن آخذه معنا، على شريطة أن يخدمنا طول الطريق قيامًا منه بنفقات الرحلة، فتوسمت الرجل وعرفت أنه جدير بمرافقتنا، وساقني منه على الخصوص ظرف وفكاهة نحن أحوج ما نكون إليهما في قطع الصحراء، فقد تخون الإنسان قواه فيستعين على تحمل التعب بإشغال باله بسماع الْمُلَح المستطرفة، وكنت أود أن يرافقنا، ولكن ذلك لم يكن بالأمر الهيِّن، كما يدل ذلك الحديث الذي جرى بيني وبينه.
قلت: إِنَّا مسافرون في التوِّ، وليس لديك من الوقت ما يُمكنك من السفر إلى جالو والعودة بأمتعتك.
فقال: «إن لدي كل ما أحتاجه.»
فسألته وأنا أدور بعيني مندهشًا: «وأين حوائجك؟»
فأشار إلى قميصه وعصاه، وقال: «هات كل ما يلزمني.»
جمل ينفُق في الطريق.
فضحكت من أعماق قلبي حيث رأيت أن هذين الشيئين هما كل ما يحتاجه الرجل في رحلة صحراوية متعبة، وشاركني في ضحكي طروبًا، ورضيت بمرافقته لنا، ولم أندم على ذلك فيما بعد، فقد خبرته أثناء السفر فكان من أحسن رجالي.
وسقينا الجمال في اليوم التالي ولم نكن في ذلك بالمتعجلين؛ لأن حال الجمال أهم شيء في قطع الصحراء، ولا يُكتفى بإشباعها وتسمينها قبل الرحيل، بل يجب تركها تشرب جهدها من الماء وفق رغباتها والسماح لها بعد ذلك بالراحة، واستعدت الجمال فحمَّلناها بعناية شديدة؛ لأن وضع الأحمال بدقة على ظهور الإبل في مبدأ الرحلة يوفر وقتًا طويلًا وعناءً شديدًا أثناء السير، فقد يوفر المسافر يومًا أو يومين من الوقت المحدد للرحلة إذا لم يُضع وقتًا طويلًا في وضع الأحمال ورفعها يومًا بعد يوم.
وتأهبنا للسير في منتصف الساعة الثالثة، وما كادت الإبل تتحرك حتى دوى صوت أبي حليقة بالأذان جريًا على عادة البدو عند البدء للسير، فإن التقاليد البدوية تزعم أن القافلة التي تستهل سيرها بالأذان تختمه بالأذان كذلك غير ملاقية في الطريق أذى أو مصيبة. وقد زاد عدد القافلة بالتدريج حتى أصبحت تضم تسعًا وثلاثين جملًا وواحدًا وعشرين رجلًا وجوادًا وكلبًا، فكان رجال القافلة وأنا ورجالي الأربعة عبد الله وحمدًا وأحمد وإسماعيل والسيد الزروالي، وأبا حليقة صاحب الجمال وابنه وابن أخيه وعبده وداود عم الزروالي. وكان مزمعًا السفر على جمله الوحيد إلى واحة تيزربو لإحضار زوجته وابنته. ودليلنا أبو حسن والسنوسي بو جابر صاحب القميص والعصا، وحمد الزوي مغنينا المطرب وسعد الأوجلي، وفرج العبد وعبدان من قبيلة التبو وبرفقتهما ثلاثة جمال، وثلاثة عبيد آخرين من نفس القبيلة، ومعهم ثلاثة جمال محملة بضائع بقصد تسليمها إلى بعض تجار الكفرة.
واتجهنا جنوبًا قاصدين الكفرة، وكان يوم الرحيل حارًّا شديد الريح، ورمال الأرض المنبسطة متماسكة، تتناثر عليها صغار الحصى، وكان مقصدنا الأول بئر الطيغن التي قدرنا الوصول إليها في تسعة أيام، وكانت العادة قبل عهد السنوسيين، أن تُقطَع هذه المرحلة في بحر أربعة أيام، من غير أن تقف القوافل في الطريق، لتناول الطعام أو طلب الراحة، ولكن السنوسيين أبطلوا هذا وأدخلوا عادة حمل الزاد والماء الكافِيَيْن للقيام بهذه المرحلة في ضعف الوقت السابق، وتمكين الرجال والجمال من الراحة كل يوم.
ولم تقبل الجمال على السير بادئ بدء؛ لأنها لم تكد تترك مراعيها التي تؤثر العودة إليها عن السير في الصحراء، فحاول أبو حليقة أن يجعل تجار التبو يتقدمون القافلة بجمالهم، ولكنهم رفضوا ذلك بلباقة؛ لأن السير في المقدمة شاق على الجمال؛ إذ يُفضل الجمل أن يلحق سابقه عن أن يسير في الطليعة غير تابع؛ ولذلك يضطر الجمَّال المتقدم في بعض الأحيان إلى الاستمرار في السير باللكز والضرب بالعصا، وهذا هو السبب الذي دعا العبيد إلى تفضيل السير في مؤخرة القافلة؛ حتى لا يضطرون إلى استحثاث إبلهم، ولم يأبَ أبو حليقة أن ينزل لهم عن هذا، ولكنه استفاد من خدماتهم أثناء السير.
واستمر اشتداد الحر وهبوب الريح حتى عصر ذلك اليوم، ثم حل المساء فقرَّت الريح واستحالت نسيمًا بليلًا، وبدأت الصحراء تأخذ رونقها الساحر، وإني لأجد في يومياتي التي كنت أكتبها أثناء الطريق بضع فقرات دونتها؛ وصفًا لإحساسي عند عودتي إلى هذه الصحراء التي طرقتها من قبل، وشعوري بالاقتراب من الجهة التي ضللت فيها الطريق منذ سنتين، وإلى القارئ بعض ما كتبت: هذه عين الصحراء المنبسطة التي تهيج في خاطري ذكريات قديمة، ما أكثر الإنسان غفرًا لشمس الصحراء المحرقة، ورياحها العاتية إذا هدأ المساء، وغربت الشمس، وطلع القمر، وهبَّ النسيم وانيًا بليلًا! وما أسرع ما ينسى أخطارها في الاستمتاع بملذاتها التي تحببها إليه رغم قساوتها وجفائها!
إني لأنسى آلامي في كوب من الشاي وفي «غليون» أدخنه ورجال القافلة نيام، وتحمل أذيال النسيم عبقه الفيَّاح، وأجد لذة في رؤية انعكاس ألسنة اللهب على وجوه رفقائي بين شيخ مغضَّن الجبين، وشاب ناعم الأديم، وتطربني ملاحظة الرجال يعملون، فمنهم الموفقون ومنهم الخائبون، ويملأ نفسي فوق كل هذا، إحساسي بالقرب من الله جَلَّ وعلا والشعور بحضرته.
صحونا في اليوم الثامن عشر في الساعة السادسة فحملنا جمالنا في ?? دقيقة ولم نستطع تحميلها بهذه السرعة، لولا عنايتنا بتحميلها أول الأمر في جالو وبئر بو الطفل، على أَنَّا لم نبدأ السير إلا في الساعة التاسعة؛ لأن الإسراع في إعداد العدة للرحيل يُضايق البدوي الذي يكره أن يضطر إلى الإسراع في تناول طعامه، وأن يُحرَم من دقائق الفراغ اللازمة لتنظيم حركة الهضم وخلق الرضا في نفسه، والعاقل بين رؤساء القوافل مَنْ يلاحظ كل هذا قبل إصدار أمره بالرحيل. وإني لأرى الفرصة هنا مناسبة، لإعطاء القارئ صورة ليوم من أيام السفر يكون مثالًا لجميع الأيام التي قضيناها في السفر إلى أن وصلنا لواحة أركنو.
كانت رحلتنا هذه في شهر مارس، ومع هذا، فقد كان البرد شديدًا يضطرني إلى الاستيقاظ بعد الفجر بقليل؛ لأن البقاء في الفراش يعرضني لفتك البرد القارس، رغم ما أشعر به من الدفء في أكياس النوم وتحت ملاءة البدو الصوفية، وأنظر من ثنايا الخيام فأرى نجوم الصباح تغيب وهي حيرى كسالى، أصحو فأجد أحد رجالي قد أوقد النار وأشعر بدافع إلى الإسراع في طلب الدفء، فألتف بجردي وألف كوفيتي حول أذني، ثم أندفع إلى النار مقرورًا في تلك الساعة المبكرة من الصباح، أقف إلى جانب النار، ثم أدور بعيني فأرى الرجال منكمشين من فعل الصقيع وإن صحوا من نومهم جميعًا، وألحظهم وقد أَنِسوا إلى الدفء في ألفاف جرودهم وكل ما وصلت إليه أيديهم من الثياب، واعتدنا متى كان الماء وفيرًا أن تُدار أكواب الشاي فيشربوها، ثم تسري فيهم روح العمل، فينطلق كلٌّ إلى عمله، ويقوم الجمَّال بعَلْف إبله بلحًا «جافًّا» تلتهمه بما فيه من حصى وتراب وتأخذ في مضغه، ثم يتعهد الجِمَال فيخفف عبء ما شكا منها بالأمس ثقل أحماله، ويحسن وضعها على ظهر ما آذاه سوء ترتيبها من قبل، ويقوم رجال آخرون فيحلون خيامنا الثلاث المنصوبة على شكل مثلث تضم أضلاعه إبل القافلة، ويفرزون ويعدون للتحميل حوائجنا التي كدسناها وأقمناها لوقايتنا من الريح الباردة.
وفي هذه الأثناء أكون مشغلًا بملاحظة البارومتر والترمومتر، وتدوين ما قيداه من الملاحظات في يوميتي العلمية، ثم أتحقق من وجود شريط للتصوير «فيلم» جديد في آلات التصوير، أفعل هذا، وأنا أسمع أصوات الرجال تشيع بين الخيام، خافتة النبرات، تحت ما تلثَّمَ به الرجال من الكوفيات وغيرها من الملابس.
الرحَّالة مع عصفور وقع من شدة العطش في وسط الصحراء، بين بئر بو الطفل والظيغن.
وبعد طعام الفطور وقد يكون عصيدة أو أرزًا وهما طعامان بسيطان، ولكن الأيدي تهوي عليهما في كلتا الحالتين بهيئة شديدة؛ لأن الإنسان لا يشعر في الصحراء بما يشعر به ساكن المدن، من عدم الميل إلى الفطور، ويعقب الفطور ثلاثة أكواب من الشاي يحتسيها الرجال في بطء وهوادة؛ لأن إنزال البدوي على الإسراع في تناولها يضايقه، ويفقده الميل إلى العمل ويجعله يتباطأ في إنجازه.
ويشعر رجال القافلة بعد الفطور بالدفء والرضا والاستعداد للعمل، فيسرعون في تحميل الجمال، رغم عناد صغارها التي لا تخلو قافلة منها، والتي تمرق من تحت أحمالها وترمي بها إلى الأرض بعد وضع كل شيء على ظهورها. وكان السيد الزروالي وعبد الله يشرفان على دقة التحميل والعناية به؛ لأن إضافة نصف ساعة إلى الوقت المقدر لهذا، توفر علينا تأخير ساعات في الطريق، إذا زلت الأثقال، أو آذى الدواب سوء توزيعها على ظهورها.
وتستعد القافلة للسير، فَأُعَرِّف الدليل اتجاه سير اليوم، ويرسم خط السير في الرمل، فأحقق ذلك على إبرة البوصلة، وهو يلحظني غير راضٍ مني بعدم الثقة فيما يقول، ولكني أرضي نفسي بذلك؛ لأني أضمن بملاحظة البوصلة، من وقت لآخر، صحة اتجاه سير القافلة سحابة اليوم. ولست أنكر أن ذلك الاحتراس الشديد كان ضربًا من الوسواس في نفسي؛ لأن السنوسي أبا حسن كان لا يخطئ غرضه كأنه حمامة تقصد وَكْرَها، وإن كان يصيبه وسط النهار بعض الحَيْد عن جادَّة السبيل؛ لأنه يعتمد على ظله في السير فيخونه في الظهيرة إذا اختفى تحت قدميه.
ويحار الدليل في ساعة الغسق، وهي وقت انتشار الشفق بين غروب الشمس وطلوع النجوم؛ لأن الجهات الأصلية تلتبس عليه إذ ذاك في منبسط الصحراء؛ ولذلك كانت البوصلة نافعة في بعض الأحايين؛ كما حدث يومًا في إحدى رحلاتي عند الغسق؛ إذ رأيت بفضلها الدليل وقد حاد ما يقرب من التسعين درجة عن سواء السبيل، ومع هذا، فدقة الدليل الماهر في ملاحظة الاتجاه الصحيح حذق خارق للطبيعة.
نفرغ من مشاورة بعضنا البعض في أمر الطريق الذي سنسلكه في يومنا، وننتهي من تحميل آخر جمل من جمال القافلة، فيتقدم الدليل وتتبعه الجمال واحدًا بعد الآخر، ويدفئ الرجال أيديهم وأرجلهم آخر مرة على صهيد النار الخابية، ثم يلبسون أحذيتهم البدوية ويسرعون إلى اللحاق بإبلهم، وهم يُغنُّون جذلين ينعش نفوسهم نسيم الصباح، ويبعث فيهم النشاط والهمة.
وتشتد حرارة الشمس بعد ذلك، فإذا لم تكن هنالك ريح تكسر من شدة حرارتها، نزع الإنسان ما التحف به من الغطاء حول أذنيه وعنقه، وانتهى به الأمر إلى خلع جرده ووضع ما نضا من الثياب على ظهور الجمال، ثم أخذ الجميع يتبادلون النُّكت ويتسابقون في العَدْو، وهم فَرِحون ناشطون ثم يلتئمون بعد ذلك جماعات، على طول القاقلة، ويتساجلون الحديث في مختلف الشئون، وكثيرًا ما كنت أتقدَّم القافلة، أو أتعقَّبها على مسافة، كي ألاحظَ دقَّة اتجاه المسير بالوحدة، وأشعر بالوحدة وأنعم بجَمال الصحراء.
وينتصف النهار، فتُخامِرني بعضَ الأحيان ذكرياتٌ بعيدة تقطع عليَّ خطَّ التفكير في جَمال الطبيعة، فيتمثَّل لي غشياني المطاعم المألوفة في المدن البعيدة، واستمتاعي بمختلف ألوان الأطعمة التي أتشهَّاها في تلك الساعة من النهار، فيبغتني أحمد أو عبد الله في هذه الآونة، فيضع في يدي كيسًا من البلح يمحو هذه الأحلام، وإن كنت ألتهم ما فيه بشهية، لا أقبل بمثلها على طعام في بلاد الحضارة والمدنية والرفاهية.
ولا نقف السير لتناول الغداء؛ لأن الجِمال تأكل مرَّتين في النهار.
ومتى حللنا بواحة عمدنا إلى أخذ حاجتنا من الخبز؛ ولذا فإنه يكون طريًّا عادة عند خروجنا من الواحات، ويصيب كلٌّ منا رغيفًا أو نصف رغيف، حتى إذا طال بنا السير بين واحة وأخرى جفَّ الخُبْز أو نَفَد، فقنعنا بالبلح الذي لا ينقطع عنا مَوْرِدُه.
وكان من عادتي أن أضع خيمة مطويَّة على ظهر جَمَل من جِمال القافلة، حتى يرقُدَ عليها كلُّ مُتعَب من السَّيْر فيستريح، وكان يُسمِّيها أحمد «الكلوب»، وإني لأذكر أن عبد الله الْتَمَسَنِي ذاتَ يوم ليعطيني نصيبي من الخبز والبلح، فسأل أحمد: «أين البك؟» فقال له أحمد، وهو يغمز بعينيه: «إن البك يتناول غذاء اليوم في الكلوب.» وقد يمتطي الإنسانُ بعيرَه فيغفو قليلًا على ظهره، ولكنه يفضِّل المشي؛ لأن سير الجمل بطيء يمكِّن صاحبه من ملازمة القافلة، وكثيرًا ما يكون السير على الأقدام أقلَّ إنهاكًا للقوى من الركوب.
القافلة في عرض الصحراء بين بئر بو الطفل ومنطقة الظيعن.
وقد يلُوح طول اليوم مجرى من الماء يبرق أمام القافلة عند الأفق، ولكن هذا المجرى الموهوم لا يقرب من رائيه، ويظل يغريه ببرودة مائه وعذوبته، حتى إذا جنحت الشمس للغروب انمحى السراب الذي خدع الأبصار طويلًا.
ويلوح نوع آخر من السراب في بكرة النهار، فتتراءى البلاد النائية معكوسة في السماء على مقربة من خط الأفق، وليس هذا النوع من السراب خداعًا للبصر كسابقه، ولكنه صورة منعكسة للبلاد الواقعة على مسافة عشرات الأميال، قدَّام رائي السراب، وتنمحي هذه الصورة بغتة إذا توسطت الشمس كبد السماء.
ويؤثر انعكاس الأضواء تأثيرًا عجيبًا في نواحي الصحراء، فيبدو الحجر الصغير على بعد مِيل، صخرة كبيرة قائمة كأنها علم من أعلام الطريق، ويتشكل هيكل الجمل أو الإنسان أو جزء من ذلك الهيكل بأشكال غريبة. ولا تخدع البدوي هذه المظاهر؛ لأنه خبرها طويلًا، أما القول بأن السَّراب يغر البدويَّ ويضله طريقه ويُورِده موارد الهلاك فقول مبالغ فيه؛ لأن المتعود قَطْعَ الصحراء يميز السَّراب الحقيقي، وقد يتبين البلاد من رؤية صُورِها المنعكسة في صفحة السماء فيساعده هذا على السير.
وتشتد الحرارة بعد الظهر فيبطؤ سير الإبل ويغشى القافلة هدوء وفتور، فإذا قرب المساء وبرد الجو جدَّت الإبل في السير، واندفعت قبل أن تحِين ساعة ضرب الخيام وحداها الرجال بالغناء يستحثونها للمسير، فأسرعت هاشَّة لهذا التشجيع.
وأغاني البدو بسيطة شعرية تنم عن حياة الصحراء، فتمثل إحداها بدويًّا ينتظر القافلة المنشودة في إحدى الواحات ويغني إبلها المقبلة بما يأتي:
الليل هَوِّد والمرازم? تاقتوأنتِ لفيتي? والخواطر راقت ثم يغني بجماله فيقول:
كم مَنهل في ذرا غرد?عاميه سفو الترابجئتيه بالجوز والفردساهره كل غابي ويخاطب جماله فينشد:
كم مَنهل بين جارات?عافية? مَيه ما لها تهيه?تجيه حنى كيف السواراتإللِّي تدق في الخارجيه? ويحدث آخر جماله فيقول:
كم علو قابلها وفيه مواير?جاءتك كما فِرَق الحمام الطاير أما الأغنية التي أنقلها فيما يلي، فتمثل مكان الجمل من نفس البدوي، فهو أعز ما يملك وأضن ما يجود به، وهو لا ينزل عنه حتى يموت في سبيل المحافظة عليه، وقد يتحين البدوي الفرص للثأر من قاتل أخيه أو ابنه، ولكنه إذا ضاع جمله هامَ على وجهه فلا يقر له قرار، حتى يسترجعه ولو سفك في سبيل ذلك دمه، والمثل البدوي يقول: «اللي ما يصونها ما هي له.» وهذا ما يحدو به البدوي تنويهًا بجمله وافتخارًا به:
في شأنك ضنا?الأجواد يا حنَّانهباتو مراميما هو واجبَّانه?? والبدوي ينشد من الأغاني ما يوافق الظروف التي يتغنَّى بها، فينشد الأغنية الأولى إذا طالت عليه الشقة إلى الواحة التي ينشدها، ويغني الثانية إذا قرب من الأصقاع التي تتناثر فيها تلال الرمل، وينشد الثالثة والرابعة إذا أشرف على بئر، ويتغنَّى بالأخيرة إذا دخل أرضًا يسكنها أعداؤه.
وكان من دأبي إذا حلَّ وقت الغروب، أن أسير على مقربة من الدليل؛ حتى أعينه على السير في الطريق السويِّ بواسطة إبرة البوصلة؛ لأنه قد يخطئه قبل أن تطلع النجوم، فيهتدي بها، ثم ينتشر الظلام فيُعطَى الدليل سراجًا نسير على نوره الضئيل في تلك الحُلْكَة الشاملة، وكان كلما ابتعد عنا نوره وراغ منا، ازددنا إسراعًا في محاولة اللحاق به، وتحب الجِمال خاصة أن ترى السراج ينير في أبصارها وتندفع إلى الأمام في أثره.
وهكذا، تمضي بنا اثنتا عشرة ساعة أو ثلاث عشرة ساعة ونحن سائرون، وقد تعاكسنا المقادير فلا نسير هذا الزمن الطويل، ثم تنتهي مرحلة اليوم، وتحين ساعة حط الرحال، فينادي الدليل: «الدار يا عيَّان» ويكرر هذا النداء بعده جميع رجال القافلة، ثم يضمون جمالهم ويقسمونها جماعات بين حاملات الماء، وناقلات الخِيَام، وحاملات الحوائج المُعَدَّة لعمل المتاريس، وتَبْرُك الجمال راضية عن دنو الساعة التي ترتفع فيها الأثقال عن ظهورها، وتأخذ الرجال في رفع أحمالها، فأُشرِف على ذلك بنفسي، خوف الإهمال، فقد تتهاون الرجال بعد جهد السير في إنزال الصناديق التي تحوي أجهزتي العلمية وآلات التصوير، فيحطمون ما فيها، وتُصَفُّ الحوائج على شكل سدٍّ يدفع الريح إن كانت شديدة الهبوب، وتُنصَب الخيام على شكل مثلث، إلا إذا كان الجو صحوًا والريح رخاء. ولست أدري أي الوقتين أحب إلى نفسي وأمتعها، أهو وقت ضرب الخيام بعد سفر يوم طويل، أم وقت فَكِّها في الصباح استعدادًا للمسير؟!
ثم تُوقَد النار وتتصاعد ألسنة الوقود فتُلقِي ضوءَ لهبها على الرِّمال وتضطرم، فيكون أول همِّنا الشاي الذي أُقَدِّر فائدته وأذوق لذَّاته، رغم اسوداد لونه ومرارة طعمه؛ فإن البدوي يأخذ «حفنة» من أوراق الشاي وأخرى من السُّكَّر، ويلقي بهما في وعاء الماء حتى إذا غلى ما فيه، رفعه عن النار ووزَّع أكوابه على إخوانه؛ فجدَّد نشاطهم وأنعش نفوسهم وَقَوَّاهم.
ويشرب الرجال الشاي، ثم يُعِدُّون العَشاء ويتناولونه ويعلفون إبلهم ويستعدُّون للنوم، أما أنا فأكون في ذلك الوقت منهمكًا في مقارنة الساعات الست التي أحملها، وتقييد الصُّوَر التي أخذتها سحابة اليوم وتغيير «أفلام» السينما في الظلام، ووضع أسماء العيِّنات الجيولوجية التي جمعتها، وترتيب مواضعها، وكتابة يومياتي وملاحظاتي العلمية وغيرها. ولم أكن لأقوى على القيام بعمل كل هذا، لولا ما دبَّ في أوصالي من تأثير الشاي، وربما نشطتني أكوابه فأحسست ميلًا إلى التجول في الصحراء، فإذا لم تكن الريح باردة سرت نصف ميل، وأنا أُدِير البصر من وقت لآخر، فأرى أشباح الرجال فوق أديم السماء عند الأفق. ويبدو لعيني فيملك لُبِّي منظرُ الخيام المتقاربة والحوائج المكدَّسة والجِمال الباركة، ينعكس على كل ذلك بصيص النور المنبعث من النار الخامدة، في وسط ذلك المنبسط المنتدح من الرمال. ويغمرني السكون من جميع نواحيَّ، فلا أسمع همس النسيم بين الأغصان، ولا خرير الماء في الغدران كما يسمعها المنفرد في الأحراج الملتفة الأشجار، ولا يقع في أذني صوت الأمواج وهي تتكسَّر على جوانب السفينة، كما يُصغي إليها راكب البحر:
غَمَرَتْنِي سَكِينَةُ الْكَوْنِ حَتَّىكِدْتُ أُصْغِي إِلَى حَدِيثِ السُّكُونِ? ثلاثة نجوم.? وصلت.? تل من الرمل.? تلال حجرية صغيرة.? به.? حد.? أي: مثل الأسورة المصوغة في الخارج.? أمارات.? أولاد.?? أي: قُتِلوا في سبيل الدِّفاع عنها ولم يُدفَنوا.
الفصل الحادي عشر
الطريق إلى بئر الظيغن


سأقيد من الآن فصاعدًا ما كتبته في يومياتي يومًا بعد يوم.
الأحد ?? مارس

قمنا الساعة التاسعة صباحًا ووقفنا الثامنة والنصف مساء، قطعنا ?? كيلومترًا، وكانت أعلى درجة للحرارة ?? وأسفلها ?، كان اليوم غائمًا والمساء صحوًا، أمطرتنا السماء رذاذًا بعد الظهر، وثارت ريح عاصفة من الشمال الشرقي تحوَّلت إلى زوبعة رمال في منتصف الساعة الثالثة، وسكنت الريح عند الغروب، ثم ثارت ثانية في الثامنة مساء، الشمس غائبة والدليل حائر بعض الحيرة في تحديد الجهات، كما أتبيَّن ذلك من ملاحظة البوصلة، ظهرت الشمس في منتصف الساعة السادسة، فأقام الدليل معوج سيره، ظهرت نجمة القطب في السابعة والنصف فاهتدى بها، وَيُسَمِّي العرب هذا النجم «الجدي». الأرض منبسطة كعهدنا بها أمس، ولكنها متموِّجة الأديم قليلًا، يتناثر عليها «أكوام الصوان» الكبير القاتم اللون.
وأصبح الصباح فطرب رجال القافلة حين رأوا عند الأفق عقدًا من الأشباح ينبئ باقتراب طليعة قافلة، وتحققت القافلة بمنظاري، وأدرته على الرجال فنزعنا البنادق من أماكنها على ظهور الجمال، وأسرع رجال «التبو» إلى رماحهم، واصطف الجميع على ناحية القافلة القريبة من القادمين، وصوَّبوا الأنظار يَقِظِين يتأكدوا من سلام القادم أو عدائه.
ولم يمضِ بنا القليل حتى تيقنا صداقة القادمين، فتلاقى رجال القافلتين وجلسوا القرفصاء يتبادلون الأخبار، تاركين جِمالهم تسير بطيئة الخطو، وكان الحديث دائرًا عَمَّنْ تزوَّج أو مات أو أثرى متناولًا ما نشأ من طلب ثأر جديد، ومَا قَرَّ من عداء قديم، ثم قام الرجال مُوَدِّعين داعين بالتوفيق، ولحق كل فريق بقافلته، ولعمري إن هذه المقابلة الهفافة في صميم الصحراء هي عند العرب بمثابة البرقيات اللاسلكية.
بئر الحرش في الكفرة منطقة الظيغن.
الاثنين ?? مارس

قمنا الساعة الثامنة والربع صباحًا وقفنا في الثامنة والنصف مساء، وقطعنا ?? كيلومترًا، وكان أعلى درجة للحرارة ?? وأقلها ?، وكان الجو صحوًا جميلًا، وقامت ريح قوية من الشمال الشرقي، وقرَّت عند الظهر، وانتشر في العصر سحاب صبير، وكانت الشمس شديدة الحرارة تَعُوقنا عن الإسراع في السير، حتى إذا حلَّ المساء، رطب الجو، فجددنا في السير، وكانت الأرض منبسطة صلبة يكسوها بساط من الحصى الرقيق. وفي السادسة مساء، قطعنا منخفضًا من الأرض قد قامت على جانبه الأيمن صخرة رمادية اللون، وقامت على بعد كيلومتر منها إلى اليسار صخرة بيضاء.
كنا في هذه المرحلة نَخُبُّ في السير، وكان البدو والعبيد يتسابقون ويقفزون، وعبيد التبو سُذَّج على الفطرة سليمو النية فقراء، حريصون على ما يملكون فيلبسون قميصًا من القطن وسروالًا يحافظون عليهما كل المحافظة، ويتمنون لو ظلًّا على أجسادهم أبد الدهر، فإذا امتطى أحدهم جملًا خلع سراويله خشية أن تبلى أو تتقطع، ثم علقها على ظهر الجمل، فإذا أراد النوم خلع ملابسه خيفة أن تَحتَكَّ بالرمال فتبلى، ويكتفي بالالتحاف بمعطفه الفرو. وحدث أن البدو أخذوا سراويل أحد العبيد وهو على ظهر جمله، ثم أخفوها فلما ترجَّل والتمسها فلم يجدها، خاف أن تكون قد زلَّت عن الجمل وسقطت على الأرض في بعض نواحي الطريق، فأسرع بالعودة جاريًا ملء ساقيه يبحث عن ضَنائنه، وأوغل في الصحراء حتى لم يبن منه إلا شبح ضئيل في ذلك المنبسط الممتد من الرمال؛ فأشفقنا عليه وأطلقنا النار ندعوه، فعاد بعد تردد وانضمَّ إلى القافلة كاسف البال، غير أن طرب المازحين به كشف له سرَّ الأمر فَرُدَّت إليه سراويله، وكان سروره باسترجاعها شديدًا فلم تغظه تلك المداعبة الثقيلة.
وحدث في الليلة الماضية أن أغار الجِمَال على خيمتي وهددتني بهدمها عليَّ، والإبل دواب شديدة الذكاء تحب أن تَحُكَّ رقابها على حبال الخيام فإذا نام رجال القافلة، جاست خلال الخيام تطلب ذلك، فيدخل أحدها رأسه من ثنايا الخيمة حتى يتحقق نومي، فإذا لم يسمعني أنهره، علم أني غارق في سبات عميق، فأخرج رأسه ثم بدأ في حكِّ رقبته على الحبال، وبعد قليل ينضم إليه الكثير من إخوانه، ثم يأخذ الجميع في هذا العمل حتى أفرغ من نومي ظنًّا مني أن العواصف الشديدة تزعزع أركان خيمتي.
ومرت بنا الأيام فما ازددت إلا وثوقًا بأبي حليقة وتقديرًا له، فقد كان رجلًا قليل الكلام ذا قلب كبير ونفس خيِّرة، وكان موضع احترامنا جميعًا لكبر سنه وشيبه؛ لأن رجال الصحراء يجلون رجل التجاريب الذي لقنته السنون دروس الحكمة؛ ولذلك كنت أنا والسيد الزروالي نستضيء برأي أبي حليقة من وقتٍ لآخر، وكان حاذقًا في عرض آرائه عليَّ، وكانت من العقل بحيث أقدرها حقَّ التقدير، وكان دائم العناية بِجِماله، لا يني سحابة يومه عن إرسال صوته الرنان في الفينة بعد الفينة يخاطب رجاله أو جِماله، فيقول لعبده إبراهيم: «إن الجمل الأبيض تعب؛ فلتخفِّف بعض أثقاله في الغد وتضعها على ظهر الجمل الأسمر.» ثم يلتفت إلى بقية الرجال، فيقول: «ناجوا الجمال أيها الرجال وغَنِّها صوتًا يا إبراهيم.» وما أصدر أبو حليقة هذه الأوامر إلا لعلمه أن التشجيع يدفع الإبل إلى الإيجاف في السير، ثم ينادي جماله فيقول: «ابتغي الدليل أيتها الإبل العزيزة.» وينظر إلى حمد فيقول: «ناشدتك الله يا حمد إلا عدلت سرج هذا الجمل فإنه يؤذيه.» ويظل على هذه الحال من الإشراف على القافلة، حتى إذا انتشر الشفق قال: أوقدوا السراج؛ فإن الجِمال تحب النُّور.
وإنما تظهر قيمة الجمل بعد اختبار طويل، فهو ذكي كالجواد إن لم يكن أذكى منه، وهو أطيب منه نفسًا في بعض الأحايين؛ فإن العرب تقول بحق: «هذا الرجل صبور كالجمل.» وإن آذى رجل جملًا حمل الأذى في نفسه، ولم ينتقم على الأثر، ويصبر له حتى يتكرر الأذى منه، فيفكر في الانتقام ولا يوقعه به والقوم حوله، بل ينتهز فرصة انفراده به ليجزيه الجزاء الحق، فَيُغِير عليه ويلقيه على الثرى أو يرفسه ثم يطأه بخُفَّيه.
وقد حدث أن جملًا داس أحد الرجال ثم بَرَك عليه وأبى أن يتحرك عنه، رغم ما لاقى من ضرب رفقاء ذلك التَّعِس الذين جَرَوا لإنقاذه، وظل الجمل باركًا فوقه حتى مات.
وقد يظن البعض أن جمال القافلة يُربَط بعضها إلى بعض ويقودها الدليل، ولكن الواقع أن الجمل يصعب إبعاده عن بقية القافلة؛ لأنه يَعرِف بغريزته أن تركه وحيدًا يجلب عليه الموت؛ ولذلك يظل ملتصقًا بالقافلة جهد الطاقة، وإن لم يُربَط إلى سائر إخوانه.
ومن آلم المناظر رؤية جمل جهد في الطريق، وهو يحاول اللحاق بالقافلة؛ فإنه يحكي إذ ذاك الجندي المحارب أثناء التقهقر، يعتريه الجهد والإعياء فلا يستطيع مسايرة إخوانه الجنود، وهو في الوقت نفسه يعرف أنه ليس في ميسور أحدهم أن يحمله ويسير له، كما يعرف أن في التخلف عنهم موته المحقق.
ويُظهر الجمل ذكاءً شديدًا بعد إخراجه من الواحة والقذف به في الصحراء؛ فإنه يحاول في المساء أن يتسرَّب فيعود إلى الواحة، وإن مرَّ على تركها ثلاثة أيام أو أربعة، وقد وقعت غيرُ مأساة للقوافل التي تركها جِمَالها ليلًا ضاربة في أحشاء الصحراء، أو قافلة إلى معاطنها والرجال على بعد أيام من البلد الذي يقصدونه، وربما حدث حادث للقافلة يمنع رجالها من إتمام رحلتهم، فتتمها الإبل التي طرقت تلك السبيل سنين عديدة وخبرت دروبها.
وقد حدث بينما كنا نقترب من جالو بعد تركنا خيام البدو الذين استكرينا ثلاثة من جمالهم، أن جملًا فتك به الداء وانقطع أملنا منه، فَقَسَّمَ أصحابه حمله على الجملين الآخرين، وَتُرِكَ في الصحراء رغم إلحاحي عليهم بقتله ليرحموه من آلام الموت البطيء، وقد عرضت عليهم ثمن الجمل، إن سمحوا لي أن أقضي عليه ولكنهم رفضوا قائلين: «إن هذا الجمل كريم الأصل، وهو منهوك القُوَى لا يلبث أن يعود إلى خيامه بعد أن يستريح.» وقد علمت بعد ذلك أن الجمل عاد فعلًا إلى معطنه، وأنه أجود صحة.
وادي الكفرة.
ويحسُّ الجمل أن له دليلًا، فإذا وقفنا في وسط الصحراء نتناقش في أمر السبيل الذي نسلكها، اجتمعت الجمال حول الدليل حتى يسير، فتتبعه غير حافلة بسائر رجال القافلة.
ولا يتقدم الجمل الدليل في العادة، فإذا سار قدامه غير حافل به، فاعلم أن الصلاح في اتباع ذلك الجمل؛ إذ من المحقَّق أنه يعرف المكان الذي تريده القافلة.
ويقول البدو: إن الجمل الذي رعى مرة في واحة لا يُخطئ السبيل إليها، وإن فصلتهما الأيام الطوال، وللبدو قصة منافسة مشهورة يزعمون أنها وقعت بين قطاة الصحراء والجمل. تقول القطاة: «إني لأضع بيضي في الصحراء وأطير أيامًا ثم أعود لفقسه.» ويجيب الجمل: «إن أمي إذا شربت من بئر ولم أزل في بطنها سافرت أيامًا، ثم عدت فشربت من نفس البئر.»
وقد رأيت بعيني جملًا تقدَّم القافلة ونحن على مسيرة أربعة أيام من بئرٍ ذاق ماءها قبل ذلك بأربع سنوات، ويعرف الناس قصة عن جمل أنقذ قافلة في سفرها من الواحات الداخلة إلى واحة العوينات، كان دليل تلك القافلة موغلًا في الصحراء متبعًا في سيره وصف أحد أصدقائه فأخطأ السبيل؛ لأنه لم يطرقها من قبل وهامت القافلة على وجهها اثني عشر يومًا، ونفد الماء وفقدوا الرجاء، فاندفع الجمل بغتة وتقدم القافلة، فسارت في أثره ونجت؛ لأن ذلك الجمل سافر إلى العيونات قبل ذلك ببضع سنين، فنشق الماء، كما يقول البدو، على مسيرة يومين وأوصل القافلة إلى إحدى الآبار.
ويستطيع الجمل المتدرب أن يسافر أسبوعين في الشتاء من غير أن يذوق الماء، وقد يصبر في الصيف اثني عشر يومًا، ويعلف البدو جمالهم حشيشًا إذا أمكنتهم الفرص حتى إذا رموا بها في الصحراء أطعموها بلحًا جافًّا أو شعيرًا. وأغلب جمال برقة إبل «حملة»، وأسرع الإبل عدوًا جمال قبيلتي «التبو» و«الطوارق» التي تمتاز ببياضها ونحافة أوصالها ورشاقتها، ويقطع جمل الحملة ?? ميلًا في اليوم، ويسير الهجين الطوارقي أربعين ميلًا، وربما قطعن ستين دفعة واحدة.
وقد يكون الجمل مخلصًا لصاحبه محبًّا له، فإن الناقة الكريمة لا ترضى ممتطيًا لها غير صاحبها، والعادة أن يُحْمَل الماء على ظهور الجمال الْمُسِنَّة الرزينة التي لا يُخْشَى من نزاقتها على ما تحمل من الْقِرَب، وهي تعلم أنها تحمل أعزَّ حوائج القافلة، فإذا انتهى سير اليوم، وحانت ساعة رفع الأحمال، انتحت ناحية بعيدة عن بقية الجمال؛ خوفًا على الْقِرَب التي تحملها من الاصطدام وانبجاس ما تحمله من الماء.
وقد رأيت جمالًا تحوم حول الخيام، ثم تقترب من قِرَب الماء الملقاة على الأرض بعضها إلى بعض، وهي مغطاة بحيطة وتحفظ؛ حتى لا تطأها بأقدامها، كأنها تشعر بقيمة تلك الْقِرَب، وأهمية ما تحويه من المياه فتدور حولها. وقد اخترت جملًا فأخذته مدة طويلة يحمل خيمتي وكتبي وأجهزتي العلمية، وإنما وقع اختياري عليه لقوته وكبر سنه، وكان من عادته إذا أصبح الصباح وبدأت عملية التحميل أن يقصد خيمتي من تلقاء نفسه، ثم يبرك بالقرب منها؛ انتظارًا لوضع الأحمال فوق ظهره.
والجمل بعل غيور والناقة زوج مخلصة، والناقة لا تترك سيدها ووليها من الجمال فتتبعه أينما ذهب، والويل للجمل الذي تحدثه نفسه بالاعتداء على ناقة جمل آخر.
وقد اعتدتُ كل صباح ومساء أن أساير أبا حليقة وأحادثه عن الجِمال والصحراء وتاريخ البدو، فكنت لا أجبهه بالأسئلة تفاديًا من إساءته الظن بي؛ لأن البدو سريعو الريبة يشكون في الدافع إلى سؤالهم، وكنت رغم حبي للعرب وبلادهم، أجد نفسي مضطرًّا إلى تجنب ما يثير الشكوك، والتحايل في الحديث على فهم الكثير من الآراء والمعلومات.
وقد قال لي ذلك الشيخ الوقور: «أتى على قومنا حِينٌ من الدهر كانوا يجهلون فيه الكفرة، ولاحظ بدوي من قبيلة الغوازي في الأبيض — وهي واحة صغيرة قريبة من بئر أبي الطفل — أن غُرابًا دأب على الطير صوب الجنوب، كلما أشرقت الشمس، والعودة ثانية بعد ذلك، فراقبه البدوي زمنًا طويلًا، ثم قام يتبعه في مطاره إلى الجنوب، وأوغل في الصحراء حتى وصل واحة «تيزربو» فقضى أيامًا في ظاهر الواحة، ولقي الماء الذي يرجعه إلى وطنه، فرجع وأخبر إخوانه بوجود نخيل وماء في صميم الصحراء، فاجتمعوا وأغاروا على «تيزربو» وافتتحوها، ثم تقدموا إلى «بوزيمه» و«ربيانه» و«الكفرة»؛ وهذه هي الطريقة التي وصل بها البدو إلى الكفرة.»
وراقني جواد أبي حليقة منذ رأيته أول مرة في جالو، فتاقت نفسي إليه، وسأل عبد الله إن كان في الإمكان شراؤه، فطلب فيه صاحبه ثمنًا باهظًا؛ ولذلك أظهرت عدم الاهتمام وتركت الأمر للظروف. وكان أبو حليقة لا يسمح لأحد من أفراد أسرته بركوب هذا الجواد؛ لأن كرامته لا ترضى ذلك ولكنه تفضل فسمح لي أن أمتطيه كلما أردت الركوب، فأكثرت من ركوبه حتى خُيِّل أني صاحبه دون أبي حليقة.
وتعب ثلاثة من الجمال فبركوا من غير أن يأذن لهم أحد، وليس من عادة الجمال أن تفعل هذا، ما لم يكن هناك سبب قوي، فرفعنا أثقالهم طلبًا لإراحتهم، وأضعنا بعض الوقت في ذلك، ولكنا استعضنا ما فقدناه في نسيم المساء.
وقد وضعت نُصب عينيَّ أن أحادث يوميًّا كل رجل من رجال القافلة؛ فسهَّل ذلك مجرى الأمور، ومكَّنني من استقاء بعض المعلومات من وقت لآخر، فعلمت أن البدوي يميز أثر جماله ويمكنه أن يتبين إن كانت الجمال التي سبقته في الطريق ملكًا لرجال قبيلة مجاورة له أم لا. ويُعرَف أيضًا جمال التبو من شكل أخفافها واقتفاء خطواتها، وجمال التبو أصبر جمال البدو على السير، ويمكن استخدامها في الشمال بصحراء برقة، وفي الجنوب بأراضي السودان، والكفرة محطة لاستبدال جمال القوافل التي تسير شمالًا وتنحدر جنوبًا.
وقد أخبرني الدليل أبو حسن بحيلة يعملها البدو حين يطلقون جمالهم أو ماشيتهم ترعى، فإنهم يحلبون الإبل والماعز في الصباح ويدفنون قِرب اللبن حتى يظل رطبًا، ولكن لصوص الصحراء من المهارة بحيث يعرفون مخابئ هذه الْقِرَب؛ ولذلك يدفن العربي الماكر قِرْبتين إحداهما تحت الأخرى، ويملأ السفلى منهما لبنًا عذبًا والعليا لبنًا حامضًا، ويقع اللص على الْقِربة العليا فلا يبحث عن غيرها، وهكذا يجد صاحب الْقِرَب لبنه العذب سالمًا عند عودته مساء.
ورأينا أسرابًا من صغار الطير تخفُّ إلى الشمال، وكان بعضها من التعب بحيث أقبل على ما قدَّمنا له من الماء، وقد جثم أحدها على يدي ليشرب، ويرى الإنسان على مقربة من الآبار النزرة الماء، نثارًا من الأجنحة والريش والعظام، يفصح عَمَّا حدث لأصحابها من مأساة. فقد تكون هذه البقايا آثارًا لبعض الطيور الرَّحَّالة، التي وقعت على البئر وقضت أيامًا على حافتها تسترد قواها لاستئناف المطار، وتعيش على الماء الذي لم تجد صعوبة في الوصول إليه؛ نظرًا لأن بعض القوافل حفرت تلك البئر حديثًا، وتأنس الطيور إلى تلك البئر، ثم تنهال الرمال عليها شيئًا فشيئًا حتى تملأها، فيجف الماء ولا يبقى من البئر إلا ثرى من الرمل ندي، فتموت الطيور عطشًا. وربما وصلت الطيور إلى تلك البئر الجافة وقد أنهكها التعب، فعجزت عن الطيران مائة ميل أو مائتين للبحث عن الماء، فظلت مكانها حتى تموت عطشًا.
منزل السيد العابد السنوسي بالكفرة.
ومررنا في الساعة العاشرة والنصف صباحًا بتلال من الرمل تُسَمَّى «الخويمات»، على بعد ثمانية أو عشرة كيلومترات من يسارنا، وكانت هذه التلال، كاسمها، تحكي خيامًا صغيرة بيضاء قد نُصِبت على رمال الصحراء. وفي منتصف الساعة الخامسة مساء، رأينا عن يسارنا على بعد ثلاثين كيلومترًا، علمًا يُسَمَّى «الفريِّق» أي فريق صغير من التلال المتجاورة؛ وهو عبارة عن أربعة تلال رملية على صفٍّ واحد. وفي الساعة السادسة وربع، لحظنا قمة علم آخر في الجهة الجنوبية الشرقية يُسَمَّى «المعزول»، وقد سُمِّيَ كذلك لأنه بمعزل عن بقية التلال، وكان هذا العلم غير واضح لبعد المسافة.
وقد أنعش نفوسنا رؤية هذه الأعلام، واستدللنا منها على تقدمنا في السير، وزاد فينا اليقين أن دليلنا رجل قادر بالرغم من أن البدو يقولون في أمثالهم: «لا يُعْرَف الدليل الماهر إلا بعد الوصول إلى البئر.» ولهم الحقُّ في ذلك؛ لأنهم في الطرق الخالية من الأعلام لا يتحققون صدق الطريق إلا في نهاية المرحلة.
وأظهر السنوسي أبو حسن حدَّة بصره العجيبة، حين أخبرنا في بكرة الصباح قبل حل خيامنا أنه رأى علم «الخويمات» رغم ضباب الصباح، ولم يتمكن رجال القافلة من تحقيق هذا الخبر حتى رأوا العلم بأعينهم بعد ذلك ببضع ساعات، ومررنا في طريقنا في العصر بهياكل بيضاء لبعض الجمال، فكان لذلك في نفوسنا فرح شديد، ولا عجب في ذلك فالبدوي يحب رؤية عظام الجمال لسببين أولهما: أن أي شارة تدل على مرور أحد قبله تشجعه على السير في تلك المفاوز المتشابهة، وثانيهما: أن عظام الجمال أكثر ما تكون على مقربة من الآبار؛ لأن الجمال أكثر ما تكون تعرضًا للموت في نهاية الرحلة، حين يرهقها أصحابها وقد عزَّ الماء، ولا يحب البدو أن يستعملوا كلمة هيكل للدلالة على بقايا تذكِّرهم بالموت؛ فيطلقون عليها كلمة غزال.
الخميس ?? مارس

صحوت في منتصف الساعة السادسة صباحًا، فشاهدت شروق الشمس عند الساعة السادسة و?? دقيقة وقيَّدت ذلك، وبدأنا السير في الساعة الثامنة فقطعنا ?? كيلومترًا في أراضي منبسطة من الرمل المتماسك والحصى، وقد ظلت تلال «المعزول» طول الصباح عن يسارنا على بعد ?? كيلومترًا، ولكنا تجاوزناها بعد الظهر.
وقد سمعت في الصباح مناقشة بين الزروالي وعبد الله في أمر تلك الأصقاع الممتدة التي كنا نقطعها.
قال الزروالي: «إن أرضنا مقدسة.»
فردَّ عليه رجل مصر ساخرًا قائلًا: «نعم؛ إن لها مستقبلًا عجيبًا، وإني لأعتقد أن سيكون فيها موقف الحشر؛ لأنها المنطقة الوحيدة التي أوجدها الله سبحانه وتعالى حفراء قفراء واسعة بحيث تسع العالمين.»
وكان عبيد التبو يجرون يمينًا ويسارًا ويتقدمون القافلة للبحث عن روث الجمال؛ ليتخذوا منه وقودًا، فقد اعتادوا أن يعيشوا بمعزل عن بقية أفراد القافلة، ومالت نفوسهم إلى الاستئثار بنار خاصة، يوقدونها ليلًا على مسافة قصيرة من مضرب الخيام. وكان روث الجمل كل ما تصل إليه أيديهم من الوقود، فكانوا يستفيدون من سرعة عَدْوهم، ويحيدون عن طريق القافلة مسافات، بلغت أربعة أميال في بعض الأحايين للبحث عن هذه المادة الثمينة!
وكان البدو لا يرضيهم عادة هؤلاء العبيد من سبق القافلة وجمع الروث، ولكن العبيد لم يخرجوا في ذلك عن قوانين الصحراء التي تقول: «إن أول مَنْ يضع يده على شيء في الطريق مالك له بدون منازع.» ولكن البدو كان لهم حجة يدفعون بها هذا الحق، فكانوا يقولون للعبيد: «ليس لكم دليل يتقدمكم، ولا أنتم راضون أن تتقدموا القافلة خوفًا من حمل جمالكم على السير بضرب العصى، وتنتهزون الفرصة فتتركونها لأنها تتبع جمالنا، وتجرون لجمع الروث؟» ويقول العبيد: «تريدون أن نقود جمالنا فتسبقونا إلى جمع الروث الذي هو ملك لنا؛ لأنَّا أول مَنْ يعثر به وأنتم سائرون إلى جنب إبلكم.» واشتد النزاع بينهم فسألوني حكمي، فقضيت أن الحق في جانب البدو، وأن ليس للعبيد حق في الاستئثار بالروث، ولكني مع هذا كنت لا أمنع إعطاء العبيد طعامًا ساخنًا من المؤن العامة كل مساء؛ لفقرهم المدقع، ولقلة ما لديهم من المؤن التي جاءوا بها لأنفسهم.
ويختلف عبيد التبو عن البدو في كثير من الخصال والعوائد؛ فالعبيد قلما يستعملون النار في تحضير طعامهم، وإن أَنِسوا إليها وفرحوا بها وهم يُجفِّفون لحاء النخلة عند قمتها ويطحنونه، ويصنعون من ذلك مسحوقًا يضيفون إليه بلحًا وجرادًا مسحوقَيْن، وهم لا يدعون أحدًا إلى اقتسام طعامهم كما يفعل البدو، ولا يتأخرون عن تلبية الداعي إلى طعامه، والبدو يأخذون عليهم هذه النقيصة.
وعبيد التبو يتعمَّدون أن لا يتركوا في طريقهم شيئًا من أشيائهم؛ لأنهم يخافون خرافة مؤدَّاها: أن مَنْ يلتقط شيئًا سقط منهم، لا بد أن يستولي عليهم يومًا من الأيام.
وهم قوم ذوو أجسام متينة البناء، أهل جد وعمل، ولكنهم شديدو السذاجة في نظام معيشتهم وتفكيرهم، على أنهم الآن آخذون في الاختلاط بالبدو ومحاكوهم في كثير من طبائعهم.
ومرض أحد الجِمال في ذلك اليوم، فلازمه أبو حليقة ثم حجمه عند ذيله، ورجونا أن يكون أتمَّ صحة بعد راحة الليل.
وكان معنا المقدار الكافي من الماء، فاتفقنا أن نتناول كوبًا من الشاي، فتقدمت القافلة مع أبي حليقة والزروالي وعبد الله، وأخذنا الدليل حتى يحدِّد لنا الطريق السويَّ حتى إذا صرنا على مسافة كافية، أسرعنا في إيقاد النار، وغلينا الشاي، ولحقت بنا القافلة، فناولنا كل رجل يمر بنا كوبًا من الشاي، ولم تقف القافلة عن السير أثناء ذلك حتى إذا مرَّ بنا آخِرُ الجمال، جمعنا حوائجنا ولحقنا بالقافلة، وهي تسير سيرًا بطيئًا، وكان أبو حليقة يمتطي جمله والزروالي وعبد الله يركبان جملًا واحدًا، وكنت معتليًا ظهر الجواد.
ولا يسعني هنا إلا الإقرار أن الجواد «بركة» كان شديد النفع لي في كثير من المواقف، فكنت أجمع به الإبل من مراعيها التي لا تتركها إلا بعد تردد وامتناع شديدين، وكنت أركبه لزيارة الأماكن الشيقة إذا وقفنا في واحة من الواحات، تاركًا الإبل تستريح أو ترعى، وكنت أتقدم به القافلة وأتخلف عنها؛ لعمل بعض الملاحظات أو الحصول على بعض العينات الجيولوجية، وكنت أظهر فوق متنه بمظهر لائق بشيخ في طليعة قافلته حين تدخل واحة أو تتركها.
الجمعة ?? مارس

قطعنا ?? كيلومترًا وهبَّت في ليلة الأمس ريح قوية من الشمال الشرقي، بدأت في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وظلت الريح تهب طول النهار، واشتدت بين الساعة الواحدة والثالثة ولم تقر إلا عند المساء، وكان الجوُّ معتدلًا صحوًا قرب المساء، ورأينا في الساعة الخامسة مساء تلال الرمل المسمَّاة «المعازيل» على مسافة ?? كيلومترًا في الجهة الجنوبية الشرقية.
وراق الرجال أن يسيروا عامة اليوم، فأبدوا مجهودًا كبيرًا للبدء بالسير في الساعة الثامنة قاصدين أن يمشوا ?? ساعة، ولكن الجمل المريض عاقنا عن تحقيق هذه الفكرة، فقد ضعف حتى اضطررناه إلى النهوض حين حان وقت الرحيل، وهز أبو حليقة رأسه، ثم قال: «سيكون لحم هذا الجمل طعامًا لنا قبل انتهاء اليوم.» وبعد ذلك بساعتين برك الجمل وأبى أن يقوم فذبحه رجال أبو حليقة بعد ذلك بقليل، وتركنا ثلاثة رجال وجملين لحمل لحمه واللحاق بنا، ولم نكد نسير قليلًا حتى جاءني أبو حليقة يتخطر على ظهر جمله، ثم قال: «إنه جمل سمين فلنقف قليلًا.»
السيد العابد السنوسي وكيل السيد إدريس وابن عمه بالكفرة.
ووقفت القافلة لعلمي بميل البدو إلى أكل اللحوم، وأوقدت النار وأُدِيرت الشواء على الرجال، فأكلوا إلا أنا وخادمي المصريان، وسألني أبو حليقة عن امتناعي، فأخبرته أني لا أميل كثيرًا لأكل لحم جمل مريض، فقال: «إنه خير من السمك الصغير — يريد علب السردين التي كانت معنا — فقد رأينا الجمل يُذبَح، ولكن مَنْ يدري ماذا أصاب هذا السَّمَك الصغير بعد إخراجه من البحر.»
وجفف البدو ما بقي من لحم الجمل، ثم نسلوه خيوطًا دقيقة يضعونها في أرزهم وعصيدتهم بعد ذلك، وعند استئنافنا السفر بعد الظهر، قال لي أبو حسن: «سنسير حتى يغيب الهلال فنتمكن بذلك من تناول غذاء باكر عند البئر.» ولكن «الجدي» حجبته السُّحُب قبل أن يغرب القمر، فاضطررنا إلى الوقوف وضرب الخيام عند الساعة العاشرة والنصف مساء؛ خيفة أن نضل الطريق.
ولم يكن في هذا الجزء من الصحراء شيء يستكشفه الإنسان فيما يرى حوله، ولكنه يسمع في ذلك السكون نجوى نفسه، فتستجيش عواطفه، ويزيد هذا الشعور فيه أن نَسِي المدن والتفكير في العودة إليها، وعاش للساعة التي هو فيها؛ فاستمد منها كل سرور وطرب.
ورأيت السيد الزروالي عند الغروب يخط في الرمل لمعرفة البخت كما يقول البدو، وكان يرفع عينيه من وقتٍ لآخر، فيتركهما تهيجان بين ثنايا ألوان الغروب الزاهية؛ لأن البدوي لا يتمالك نفسه من أن يحب الطبيعة ويُقدِّر جَمالها.
وتعاقبت الأيام متشابهات، وكانت الصحراء خالية من الأعلام ليس فيها إلا بعض هياكل الجمال أو الحصى الصغير، حتى إنه ليُخيَّل لرائي الصور التي أخذتها في تلك الجهات في بحر سبعة أيام، أنها تُمثِّل مضرب خيام واحد صُوِّر من جهات مختلفة، وهكذا لم يكن هنالك شيء يشغل العقل، أو يقطع خيط التفكير.
يا لها من صحراء خلَّابة ساحرة، تستهوي العقول بما فيها من وحشة وعزلة! ففي تلك الفيافي المترامية، وذلك القفر الموحش، يتجرد العقل والجسم من أدران الحياة، وفي ذلك الفضاء الشاسع تقضي اليوم بعد اليوم وتقطع الليلة بعد الليلة … ويُخيَّل لك أنك ستستنفد سنوات حياتك، السنة بعد السنة، والعقد بعد العقد دون أن تجد منه مخرجًا أو له آخر، وفي تلك اللانهاية، ترى نفسك وقافلتك ذرَّة من ذرات الرمال التي تطؤها قدماك، وتتجلى لك عظمة الله وقدرته، وتتضاءل نفسك في عينيك، وتشعر بأن وسائلك في المدن لا تغني فتيلًا في الصحراء، وتحس أنك ضعيف الحَوْل، قليل الحيلة، لا سبيل لك إلا أن تهديك يد القدر.
السبت ?? مارس

صحونا متْعَبين في الخامسة والنصف صباحًا؛ لأننا لم ننم ليلة أمس إلا الساعة الثانية صباحًا، وكان اليوم صحوًا، وهبَّ نسيم من الشمال الشرقي في الصباح، وقرَّ عند الظهر فزاد في دفء الجو، وقامت ريح شديدة من الشمال الشرقي في العاشرة مساء.
وأخذت نواحي الصحراء تتغير قليلًا منذ التاسعة والنصف صباحًا، فزادت نعومة الرمل وتجعد أديم الصحراء قليلًا، ومررنا في الساعة العاشرة بأكوام من الحجارة السوداء في تلك الهشمة التي ظللنا نراها سحابة اليوم، ورأينا عند الظهر عن يميننا أول أكداس الحطب في وادي الظيغن، وحططنا الرِّحال في الساعة الثانية إلا ربعًا لتناول طعام ساخن، وكان ذلك على مقربة من الحطب الذي لقيناه في تلك الساعة؛ لأن وقودنا كان قد نفد في اليوم السابق، فلم نتناول شيئًا ساخنًا منذ صباحه، وشاهدنا في الساعة الخامسة والربع تلالًا من الرمال على بعد ?? كيلومترًا في الجهة الجنوبية الشرقية، وكانت هذه التلال على هيئة خطٍّ منحدر إلى الجنوب صوب وادي «الظيغن»، وفي منتصف الساعة التاسعة لاحظنا ازدياد أكداس الحطب في تلك المنطقة.
وقد رجونا عند بدئنا السير في الصباح أن نصل «الظيغن» ذلك اليوم، ولكن رجاءنا خاب، واختلفت الآراء في معرفة السبب الذي دعا إلى ذلك التأخير، فقال أبو حليقة: «إن الدليل قد حاد غربًا عن جادة السبيل، وإلا كنا وصلنا البئر قبل هذا.» ولكن السيد الزروالي الذي اختار الدليل دافع عنه، فقال: «إنَّا أضعنا وقتًا في ذبح الجمل وشيِّه وأكله.» وفسَّر حامد ذلك التأخير، فقال: «إن الرجال لا تستحث الجِمَال للسير؛ فإن بعضهم يغفى طويلًا في الطريق، ثم يصحو على مهل فيرى القافلة لم تغب بعدُ عن بصره.» وإنما قال حامد هذا لأن بعض البدو كان يخرج عن خطِّ القافلة، ثم يغفى نصف ساعة أو أكثر، حتى إذا صحا لحق بالقافلة، من غير جهد شديد؛ نظرًا لبطء السير ووجود أثر القافلة على الرمال.
وقد ذكرت إذ وقفنا النار لِطَهي أول طعام ساخن نتناوله بعد مرور ثلاثين ساعة، أن تلك الجهة هي التي ضللنا فيها الطريق في رحلتنا السابقة إلى الكفرة سنة ????.
مبانٍ صغيرة في الكفرة يستعملها البدو لخزن غلالهم.
وبعد الفراغ من تناول الطعام تركنا داود عمَّ الزروالي إلى «تيزربو» التي تبعد عن «الظيغن» مسيرة يوم إلى الغرب، وكان قصده أن يعود بزوجه وبنته إلى برقة حيث يمكنه أن يجد عملًا أوفق له، وزاد أمله أن السيد الزروالي رضي أن يمدَّ له يد المساعدة في مركزه الجديد، ولم يكن من السهل على ذلك الرجل المسن أن يعود بامرأتين فيخترق الصحراء شمالًا إلى برقة، وليس معه إلا جمل واحد، وقد سألته كيف يُدبر الأمر فأخبرني أن ثلاثتهم يمشون أول يوم حتى إذا خفَّ الماء على الجمل امتطته بنته ثاني يوم، ثم ركبته زوجه في اليوم الثالث، فقلت له: هب أن الجمل أصابه شيء في الطريق، فقال: «الحماية من الله.» وأعطيته أرزًا ومكرونة وشايًا وسكرًا، فتركنا وهو سعيد بعد أن قرأ لنا الفاتحة.
وتناول البدو طعامًا شهيًّا من الأرز ولحم الجمل وانقلبوا إلى فراشهم راضين، وكانت الليلة بديعة، فتركت خيمتي وقضيت أُوَيْقات هادئة في ضوء القمر الذهبي، والنجوم الباهتة في غمرة نوره الوضيء، وملأت نفسي سرورًا بذلك المنظر الممتع، وازددت شجاعة بنجواها الصامتة فعدت إلى فراشي ملآن ثقة وأملًا.
الأحد ?? مارس

قمنا الثامنة إلا ربعًا ووقفنا الثانية إلا ربعًا وقطعنا ?? كيلومترًا، أعلى درجة للحرارة ?? وأقلها ??، وهبت ريح قوية من الشمال الشرقي طول الليل، فلم تسكن إلا في منتصف الساعة الخامسة، وكان الغيم يحجب الشمس في الصباح، وأمطرتنا السماء رذاذًا عند الظهر، وتبددت السحب بعد الظهر، وكنا نمر طول الطريق بأكداس الحطب التي ازداد ارتفاعها كلما قربنا من البئر، وكان يتخلل تلال الحطب، بقاع رملية تتناثر عليها قطع صغيرة من الحجر الأسود، وأخذ الرمل يزداد نعومة حتى صار نديًّا على عمق بضع بوصات من سطح الأرض، وفي التاسعة وربع رأينا في الجنوب الغربي على بعد ? كيلومترات تلال «الوشكة»، وهي بئر صغيرة من مجموعة آبار «الظيغن»، وفي التاسعة والنصف اجتزنا على اليسار «معطن بو حوَّاء»؛ وهي بئر ظيغن القديمة، ثم نصبنا الخيام على مقربة من أيك النخيل القائم على بئر الحرش، وهي أعذب آبار الظيغن، وليست بئر الصحراء تلك العين الجيدة الحفر المتينة الجوانب، التي رُبِط إليها دلو أو أُقيمت عليها مضخَّة، ولكنها حفرة قد قرب الماء من سطحها فسهل الوصول إليه بعد الحفر؛ لأن القافلة إذا تركت بئرًا في الصحراء، تراكمت الرمال عليها، وسدت منفذها فيتعب القادم الجديد في تطهيرها، ولم يضره ذلك؛ لأن سروره يكون شديدًا بنصيبه الوافر من الماء العذب، بعد أن ظل أيامًا لا يجد منه ما يزيد عن حاجته، يعد عمل الشاي ليتمكن من الاستحمام أو الحلاقة.
ولا يتخيلن القارئ أن بئر الصحراء ذات حوائط يقوم عليها علم من الأعلام، فما هي في غالب الأحيان إلا بقعة ندية من الرمل يحفرها البدوي فيخرج الماء منها على عمق ? أو ? أقدام.
وبعد مثل هذه «المرحلة» الطويلة يكون أول همِّ رجال القافلة أن يسقوا الجمال ويطعموها، ثم يكون أكبر همهم بعد ذلك غسل الأجسام والملابس، ويرجئون غسل الملابس إذا كان الماء قليلًا حتى يصلوا بئرًا ثانية، فإذا استراح الرجال ملأوا الْقِرَب وتركوها طول الليل، ثم تعهدوها في الصباح لمعرفة الناضج منها وفحص العيب فيها، ففصلوا رديئها عن جيدها، وبدءوا بشرب ما في الأولى يقينًا منهم بصلاح الباقي.
وتكون أولى الليالي التي تقضيها القافلة عند بئر — مهما كان نصيب أفرادها من التعب — ليلة أنس وسرور ورقص وغناء.
ويشعر الإنسان قبل الوصول إلى البئر أنه سيقيم عندها أربعة أيام أو خمسة، ناعمًا بوفرة الماء بعد حرمانه منه طويلًا، ولكن العجيب في الأمر، أن الإنسان إذا قضى يومًا فاستراح، تملكته حمى القلق وغَنِي عن الراحة والنعيم بجهل الطريق وقلة ما فيها من مناعم الحياة، واكتفى بالبلح الجاف، فأكله هنيئًا لا فرق في ذلك بين البئر الغزيرة الماء في الواحة المخصبة الملأى بملاذ الحياة وبين العين ذات الوشل.
ولا تزيد البئر بعد حفرها في غالب الأحيان عن متر مربع في مساحتها، ويمسك الرمل الندي حيطانها فيتركها الإنسان حتى يقرَّ الرمل ويصفو الماء، وقلما يصبر البدوي حتى يروقه فيشربه عكرًا، وكم شربت من أكواب الماء العكر وكرعت منه في كوبة الزنك التي لا أبصر لها قرارًا، ولم أستعمل الراووق «الْفِلْتر» الذي اقترح عليَّ حمله بعض الأصدقاء حتى وصلت السودان، فإن الماء كان من الرداءة ووفرة القذى بمكان، وقد استعملته قليلًا ثم أهملته؛ لأني وجدت بعض أجزائه مفقودًا، وليست قذارة الصحراء كقذارة الجهات الأخرى، فإنها لا تُؤذي الصحة؛ لأن الرمل شيء نظيف وثياب البدو يتخللها الهواء، والحشرات وافرة لا يمكن الخلاص منها، ولكن البدوي اعتادها فأصبح لا يأبه لها.

الفصل الثاني عشر
اختلاف مناظر الصحراء وإصلاح الخريطة


الاثنين ?? مارس

عند بئر الحرش من آبار الظيغن، أعلى درجة للحرارة ?? وأقلها ?، جو صحو وريح شمالية شرقية انقلبت عاصفة شديدة حوالي الساعة ??، وظلت ثائرة حتى منتصف الساعة السابعة، ولم تقر حتى منتصف التاسعة.
كان عزمنا أن نقيم ليلة واحدة في الظيغن، ولكن العاصفة اضطرتنا إلى البقاء يومًا آخر، والظيغن منطقة بها أربع آبار؛ وهي: الاثنتان اللتان مررنا بهما يوم الأحد، والحرش التي نزلنا عندها، وأبو زريق على بعد ?? كيلومترًا في جهة الشرق.
وقد حادث أبو حليقة أثناء النهار تابعي عبد الله في أمر مجيئي إلى الصحراء، فقال: «إنكم جريئون أيها المصريون، فإن من الجسارة أن يحضر البك مرتين إلى بلادنا التي لم أرَ أجنبيًّا زارها، ولعمري لماذا يأتي إلى الصحراء ويترك خيرات الله في مصر، إن لم يكن له غرض خفي في ذلك السفر وأخطاره، ولست أكتمك أني يشغلني أمر مجيئه مرتين واهتمامه بقياس هذه الجهات ورسمها.»
السيد شمس الدين ابن المرحوم السيد الخطابي شقيق السيد العابد.
حتى صديقي أبي حليقة تصل الريبة إلى نفسه مني، ويخامره الشك في أغراضي حين اخترقت بلاده، وقد وضح لي في آخر الأمر، الدافع الحقيقي الذي سبَّب كراهية البدو في مجيء الأغراب إلى بلادهم، وليس ذلك الدافع تعصبًا دينيًّا، وإنما هو غريزة المحافظة على النفس؛ فإن الغريب إذا أوغل في الصحراء إلى الكفرة، وهي مركز حياتهم المحبوب، كان كما يقول البدو «كالجمل يدخل أنفه من ثنايا الخيمة.» ويتبعه بعد ذلك كثيرون، فتكون النتيجة تملك الأجنبي بلادهم، وضياع استقلالهم، وإنزالهم على دفع الضرائب، وليس لأحد أن يلومهم على الخوف من إحدى هذه النتائج.
والرأي الشائع أن الصحراء لا يتبدل فيها شيء، ولكن توالي الأيام يخلق فيها تغييرًا مدهشًا، فإن الرحالة رولف عند مروره بالظيغن، في طريقه إلى الكفرة سنة ???? ذكر وجود مساحة كبيرة من النباتات في تلك الجهة، ولكني لم أرَ فيها خضرة أصلًا، وإنما وقع نظري على أكوام من الحطب الجاف.
السيد شرف الدين «شروفه» ابن السيد العابد السنوسي.
ويؤيد قول رولف ما ذكره لي أبو حليقة من أن أباه كان يأخذه إلى الكفْرة عند سفره لاستجلاب البلح؛ لأن البدو يعتقدون أن ماء «شخيرة»، وهي مركز الزوية بالقرب من جالو، يضر الأطفال في الصيف، وكان أبوه يحمله فوق ظهره معظم الطريق، ويقطعها في ذلك الوقت، في ثلاثة أيام وخمس ليالٍ بدون وقوف في الطريق، وإنما كانوا يقدرون على هذا بإطعام الإبل مرة واحدة بين جالو والظيغن، حتى إذا وصلوا الظيغن تركوها ترعى في الأرض الخضراء التي تحيط بها، وهكذا يتضح أن رولف لم يكن كاذبًا في وصفه تلك الجهات بكثرة المراعي، ولكن مرور ?? سنة غيَّر معالم تلك الجهات، وربما كان السبب في ذلك اختلاف سريان الماء في طبقات الأرض، وانقطاعه عن تلك الجهات اليانعة؛ فأصبح كل ما فيها حطبًا للوقود.
وكانت مرحلتنا من بئر بو الطفل إلى الظيغن مثلًا ناطقًا لمخاطر الصحراء، فإنا احتطنا في تلك السفرة جهد الطاقة، ولكن وقودنا نفد ومات منا جمل، وخارت قوى جملين آخرين حتى خيف عليهما، واستهلك طعام الجمال فاقتاتت بين الظغين والكفرة بأوراق النخيل التي جمعناها في الظيغن، والسعف طعام لا يغني الجمل من جوع، وقد حفظت عن أحد البدو مثلًا لا يخلو من لمزة تهكم، وهو: «صديقك كناقتك؛ تعطيك اليوم لبنًا وتخذلك في الغد.»
وقد رصدت نجم القطب الشمالي بواسطة التيودوليت الليلتين اللتين قضيتهما في الظيغن، ووضح لي بعد تطبيق الملاحظات وعمل الحساب، أن الظيغن واقعة على بعد ??? كيلومترٍ في الجهة الشرقية الشمالية الشرقية من الموقع الذي وضعها فيه رولف، والمعلوم أنه لم يزر الظيغن ولم يرصدها، واعتمد على ما قاله البدو عنها، وقد لاحظت فوق هذا أن الظيغن تعلو ??? متراتٍ عن سطح البحر.
الثلاثاء ?? مارس

قمنا الساعة السادسة وربعًا صباحًا، ووقفتا الثامنة مساء، وقطعنا ?? كيلومترًا. أعلى درجة للحرارة ??° وأقلها ?°، جو صحو وريح قوية من الشمال الشرقي هبت الليل والنهار وسحاب صبير. وقد أشار الدليل بعد تركنا الحرش إلى موقع الكفرة على بعد خمس درجات من الجنوب الجنوبي الشرقي، وظللنا مدة ساعتين نمر بالحطب الممتد على مسافة ?? كيلومترات من شرقي البئر، ثم دخلنا جهة كثيرة الرمل الناعم القليل التموج، وازداد تموج الأرض حتى دخلنا أصقاع التلال الرملية قرب الغروب.
وفي منتصف الساعة الثالثة، رأينا جهة الشرق صفًّا من التلال الرملية يتخللها تلال صغيرة تُسمَّى أجراس من الحجر الأسود، وكان امتداد هذه التلال من ?? إلى ?? كيلومترًا، وقد انحدرت على مدى أبصارنا صوب الجنوب الشرقي، ثم انتشرت تلال الرمل — ويسمونها عزر — بعد ذلك صوب الجنوب الغربي، وفي منتصف السادسة تقاربت هذه التلال واعترضت سبيلنا، فولجنا بينها، ولكنها لم تكن من الارتفاع بحيث صعب علينا اجتيازها.
ووضح لي الفرق الشديد بين البدو والعبيد في الصبر على السير، ويقول السود: إنهم لا يحبون الزوية وإن خافوهم، وكانت جمال التبو أكثر صيانة وانصياعًا من جمال البدو، وكان كل جمل منها مربوطًا إلى «رسن» لقيادته، ولا تسير متخبطة كجمال البدو.
واجتزنا عند الظهر علم «جبيل الفضيل» وهذا العلم، شأنه أكثر أعلام الصحراء، يحمل اسم من فقد حياته بالقرب منه تذكارًا له.
كان الفضيل من خير أدلاء الصحراء، وكان في طريقه من جالو إلى الكفرة، فغمرت قافلته عواصف رمل شديدة أهلكت جميع أفرادها، ولم يكن هنالك شاهد على ما حدث، ولكن ما وُجِد بعد ذلك من أثر القافلة أظهر جلية الأمر.
قامت عاصفة شديدة سفت الرمال في وجه القافلة وآذت عيني الفضيل كثيرًا، فعصبهما، ولم يستطع رؤية الطريق، بل اعتمد على وصف من كانوا معه للأعلام التي مروا بها، ولكنهم كانوا قليلي الخبرة فأخطأوا آبار الظيغن، وحاولوا الانحدار إلى الكفرة، ولكنهم ضلوا في الصحراء، وفنيت القافلة إلا جملًا واحدًا غالَبَ أن يرجع إلى الكفرة تقوده غريزته التي لا تخطئ فوصلها، وعرف أهل المدينة أنه من جمال الفضيل بما على عنقه من وسم، وقامت قافلة لنجدته فتبعت أثر الجمل في الصحراء، ولكن الوقت كان قد فات، فإنهم عثروا بجثث الرجال متصلبة فوق صعيد الصحراء بالقرب من العلم الذي أُطلق عليه اسم الفضيل التعس الذي وُجد معصوب العينين، فكشف عن سر المأساة وأظهر حقيقة الفاجعة.
الأربعاء ?? مارس

كانت السحب كثيفة طول النهار يتخللها ضوء الشمس من آنٍ لآخر، ولم تنقشع كذلك في المساء، وهبت ريح باردة من الشمال الشرقي، ثم انقلبت في الثامنة صباحًا عاصفة دامت ثلاث ساعات ونصف ساعة، واستمر هبوب الريح الباردة في المساء، وسقط رذاذ في منتصف الحادية عشر مساء.
سرنا بين تلال الرمل مدة ساعتين، ثم دخلنا أرضًا متعرجة مغطاة بالحجارة السوداء المهشمة التي آذت الجمال كثيرًا، وقضينا في تلك الحرة ساعتين، ثم سرنا ثانية بين تلال الرمل، وفي الحادية عشرة ونصف صباحًا كانت سلسلة تلال «الهوايش» عن يسارنا، وتلال الرمل والحجارة السوداء عن يميننا، وفي الثانية عشرة وربع اجتزنا عن يسارنا، على بعد أربعة كيلومترات علم «جور المخزن»، وهو عبارة عن تلال من الحجارة السوداء يبلغ ارتفاعها من ?? إلى ??? مترًا، وفي الثانية إلا ربعًا مررنا بعلم «الحجارة وبنتها»، وهو عبارة عن تلين يختلفان حجمًا بحيث عليهما الاسم الذي تسميا به.
وأخبرت بعض البدو كيف ضللت الطريق سنة ???? فلم يعجبوا لذلك؛ لأن أهل الصحراء ألفوا كل يوم فقد الطريق والإبل والماء والوقود.
الخميس ?? مارس

لم أتمكن ذلك اليوم من ضبط أقل درجة للحرارة؛ لأن ترمومتر النهاية الصغرى كُسِر أثناء هبوب العاصفة.
ظلت تلال «الهوايش» عن يسارنا حتى العصر، وفي الحادية عشرة ونصف دخلنا أرضًا ناعمة الأديم كثيرة التلال الرملية المتموجة التي يصعب سير الرجال والجمال عليها، وفي منتصف الثانية مررنا يمينًا بأكبر الأعلام التي اجتزناها، وهو علم «جارة الشريف»، وهذا العلم عبارة عن تل يمتد ??? مترًا ويبلغ ارتفاعه ??? متر ويجاوره ثلاثة تلال، اثنان منها في الجنوب والثالث في الشمال.
وفي الثالثة، سرنا بين تلال متعددة خرجنا منها بعد ساعتين إلى أرض منبسطة صلبة الرمل كثيرة ركام الحجارة السوداء.
وفي منتصف الرابعة صباحًا، قامت أشد عاصفة رملية ابتُلِينا بها في الطريق، فاجتاحت الخيام وقوَّضت أركان خيمتي، وهَشَّمت بعض أدواتي، وبينها الكرونومتر الصغير.
وتهدمت الخيمة عليَّ وزاد ثقلها بما انهال عليها من الرمال التي لا ينقطع تراكمها، فخفت الاختناق تحتها، ولكني لحسن الحظ أمسكت وتدًا من أوتاد الخيمة، ورفعت به قماشها عن وجهي، وجرى الرجال لمساعدتي، ولكني صرخت إليهم أن يضعوا أكياس الدقيق وقطع الأمتعة فوق خيامهم وخيمتي حتى لا تجتاحها العاصفة جميعًا، وأقمت في ذلك المركز المتعب تحت خيمتي زهاء الساعتين، وكان الرمل ينفذ إليَّ من شق الخيمة كأنه يُقذف من بندقية.
وقاسى الرجال والجمال كثيرًا، وأوشكت العاصفة أن تفجعني في الكرونومتر الكبير؛ لأن طنب الخيمة لو مال قيد أنملة واحدة، لهشم تلك الآلة النافعة، وحرمني جانبًا كبيرًا من النتائج العلمية للرحلة.
والبعيدون عن الصحراء لا يعلمون من أمر الرحالة إلا الخيبة أو النجاح، يفصلهما خط واضح، ولكن المستكشف لا يميز هذا الخط، فقد يكون ضاربًا في الطريق السوي جامعًا كل المعلومات التي أرادها، قريبًا من نهاية الرحلة، ثم تخور جماله بغتة فيضطر إلى ترك أثمن حوائجه، ويفضل الماء والزاد فيُستبقيان وتترك الأجهزة الفنية والمدونات، وقد تكون مصيبته أدهى فيضحي بكل شيء حتى بحياته ولا يعرف الناس من أمره إلا أنه خاب، وقد ينصفه بعض النقاد فيقولون: إنه خاب خيبة مشرفة، فهو على الحالين خائب، وما أقرب هذه الخيبة من النجاح! فقد يكون ذلك الخائب أكثر عملًا، وأشد تحملًا لمشاق الطريق الطويل، ممن أصاب النجاح في رحلته، وإنما يميل الرحالة إلى أخيه الذي جاهد وخاب، لا إلى ضريبة الموفق؛ لعلمه أن أولهما لم يخب إلا بعد أن جاهد جهاد الأبطال، في سبيل الاحتفاظ بثمرة مجهوداته.
والبدو يقدرون ذلك، فقد كان في أخلاقهم نزعة أدهشتني وراعتني في بعض الأحيان، ثم أمكنني فهمها أخيرًا، وذلك أنهم لم يكونوا يطربون ويُسَرُّون إذا انتهت مرحلة اليوم بالنجاح المرغوب، وكأنهم يقولون: لقد وُفِّقنا اليوم، ولكن ماذا عسى يكون نصيبنا في الغد؟! ولذلك لم يكن من عادتهم أن يطربوا بالنجاح؛ لأنهم لم يصلوا إليه بمهارتهم، وإنما ساعدتهم العناية في إصابته، فقد تكون رحلة الغد أسهل من سابقتها وتكون الخيبة فيها عظيمة. وقد عثرنا بآثار قافلة منقرضة في رحلتي الأولى بصحراء ليبيا بين واحة لوزيمة — وهي من واحات الكفرة — وبين الكفرة، ورأينا يدًا نافذة من بين الرمال مصفرَّة الجلد في لون الرقى، فتقدم إليها أحد الرجال وهو خاشع فهال عليها التراب وغطاها، وإنما ضل رجال تلك القافلة وماتوا عطشًا، وهم على مسيرة ثلاثة أيام من الواحة.
البحيرة بالكفرة.
وكم وُجِد من بقايا قافلة فنيت وهي على مرأى من البئر، وكم عرف من أخبارها المروعة، فلم يمنع ذلك القوافل من سلوك تلك السبيل؛ لأن البدوي يُؤمن بالقدر، ويعتقد أن الله قضى على أفرادها بالموت في الطريق، وقد قال لي أحد البدو ذات مرة: «حواصيل الطيور ولا ظلام القبور.» يعني بذلك أنه يُفضل أن تأكل جسده القشاعم.
وكان يومنا هذا متعبًا؛ لما أصابنا من إقلاق الراحة في الليلة الماضية عند هبوب العاصفة، وما أصابنا من الجهد في السير بين التلال الرملية، ولكن الرجال كانوا طربين بالاقتراب من الكفرة، وزاد سرورهم أن أبا حليقة الذي كان يقطن الهواري، وهي أول محطة في ظاهر الكفرة عزم أن يذبح شاة ويُولم وليمة لأفراد القافلة.
وكانت الإبل ضعيفة ناحلة، ولكن ثلاثة منها كانت وطنها الكفرة، فاندفعوا في السير إليها غير مسوقين رغم صعوبة المسير بين التلال، وتبعها سائر جمال القافلة، وفي السابعة إلا ربعًا أبصرنا «جارة الهوارية»، وهو العلم العظيم الدال على الاقتراب من الكفرة.
الجمعة ?? مارس

قمنا الثامنة إلا ربعًا صباحًا، ووقفنا السادسة إلا ربعًا، وقطعنا ?? كيلومترًا، فوصلنا الهواري، وسقط رذاذ من المطر في المساء، وكانت الأرض منبسطة ناعمة الرمل قليلة التعرج، تكثر فيها أكوام الحجارة السوداء والحمراء. وفي منتصف الساعة العاشرة، دخلنا منطقة الرمل الأحمر التي تحيط بالكفرة، واحتجزنا في طريقنا اليوم قطعًا من الخشب المتحجر. وفي الساعة الأولى والدقيقة ?? مررنا بجارة الهوارية، وفي منتصف الساعة الرابعة أبصرنا نخيل الهواري، وبعد ذلك بساعة ونصف دخلنا الواحة وضربنا الخيام في قرية «العوازل»، وهكذا وصلنا أول مراكز الكفرة.
وقد أُطلِق اسم الكفرة في عهد المستكشف الألماني رولف على الأربع الواحات المتفرقة المسماة تيزربو وبوزيمه وربيانه وكبابو؛ التي تكون الكفرة الحالية، ولكن اسم الكفرة يُطلَق الآن على واحة كبابو فحسب.
والهواري أبعد أقسام الكفرة ناحية الشمال، وهي واحة صغيرة مكونة من ثلاث قرى، وهي: الهواري، والهواويري، والعوازل. وتقع التاج على بعد ?? كيلومترًا من الهواري، وهي مركز الحكومة المحلية كما أنها أهم موقع، وهي واقعة على ربوة صخرية تطل على منخفض الواحة الأصلية التي تقع في الجنوب، وتضم: قرى الجوف، وبويمه، وبومه، والزرق، والطلاليب، والطلاب.
وكان غرضي أن أتقدم في السير إلى التاج، وهي أهم مدن الكفرة في اليوم التالي، ولكن أبا حليقة طالب بحقه في الضيافة وأصر على استبقائي يومًا في بلده، وقضينا ليلة هادئة لا يعكر صفوها هبوب العواصف، أو تهدم الخيام، واستيقظت في الصباح فحلقت ذقني، واستعددت لالتهام الفطور الذي تفضل بإرساله بدو قافلة وصلت حديثًا من «واداي»، وفي نفس الوقت جمعت بعض معلومات قيِّمة جعلتني أفكر في تغيير بعض خططي.
وبعثت رسولًا إلى التاج برسائل إلى السيد العابد ابن عم السيد إدريس وشيخ السنوسيين في الكفرة، وإلى السيد الجداوي وكيل السيد إدريس الخاص.
ورافقني الزروالي بعد ظهر ذلك اليوم إلى الهوَّاري، حيث استقبلني في زاويتها الإخوان وأشراف المدينة، وبعد أن تبادلنا عبارات الترحيب والتحية تناولت العشاء في منزل عم السيد الزروالي، واحتج عليَّ شيخ البدو؛ لأني فاجأتهم بزيارتي ولم أضرب خيامي خارج المدينة، وأخبرهم بحضوري حتى يتهيأوا للقائي كما يجب. ويحتمل أنهم سمعوا بالإكرام الذي لقيته في جالو، فعز عليهم أن لا يقوموا نحوي بمثله وزيادة، وسمعت إشاعات عن دسائس بين بعض شيوخ الزوي الذين ارتابوا في غرضي من المجيء مرة ثانية إلى الكفرة، واحتجوا على هذا المجيء بتخلفهم عن مشاركتي في العشاء الذي هُيِّئ لي، وكان هؤلاء الشيوخ ذوي نفوذ شديد، فصممت بعد سماع هذه الإشاعات على الإسراع بالسفر إلى التاج، خيفة أن يُرسلوا إليها ما يشوش الأفكار قبل وصولي.
وبعد تناول العشاء، عدت إلى خيامي في ليلة مقمرة، فوجدت أمرًا هامًّا في انتظاري، فإن «عقيلة» أكبر أبناء أبي حليقة لدغته عقرب، وسألني أبوه أن أشفيه، ثقة منه فيما حملت من الأدوية، فأخذت المصل المضاد للدغ العقرب، وقصدت داره فرأيت ابنه في أشد حالات المرض محترقًا من فتك الحمى، وكنت قد فكرت في أخذ هذا المصل، في آخر لحظة قبل قيامي من القاهرة، وكان بين مودعيَّ طبيب من أصحابي فأرشدني، وهو يشد على يدي، إلى طريقة استعماله، بينما كنت أتبادل كلمات الوداع مع من كان حولي من الأهل والأصحاب. وكانت هذه أول مرة حاولت فيها أن أقوم بإعطاء هذه الحقنة، فأجهدت فكري في جمع الإرشادات التي أعطانيها صديقي الطبيب في موقف التوديع، ولكني لم أبصر في صفحة خيالي إلا الفرق الشديد بين غرفة المريض المظلمة ملأى بأهله وإخوانه يتعقبون جميع تحركاتي، وبين موقف التوديع الحار ساعة أضفت أنابيب المصل إلى حوائجي. ومع هذا، وبالرغم من شكِّي فيما إذا كان الإسعاف قد فات وقته، فقد أعطيت الشاب تلك الحقنة وعدت أدراجي إلى خيمتي مشغول الخاطر بما عسى أن تكون النتيجة.
مجلس كبار السنوسية بالكفرة.
ولم يمضِ وقت طويل حتى سمعت جلبة جمهور يتقدم إلى خيمتي وهو يرسل في الفضاء صراخًا عاليًا وقع من أذني موقع العداء، فظننت أن الصبيَّ قد قضى، وأن تبعة موته ستقع على عاتقي بدل أن يُنسب إلى لدغ العقرب، ففكرت في جمع رجالي للدفاع عن صندوق الآلات الذي حسبت أن سيكون هو أول ضحية لسوط غضبهم، واستعددت للدفاع عن نفسي، وكانت ساعة عصيبة لم تدم طويلًا، فقد هَدَأتُ بعدها؛ لأني مَيَّزْتُ في صراخ القادمين رنة سرور.
ولم تمضِ دقائق حتى دخل عليَّ أبو حليقة وشكرني من أعماق قلبه؛ لأني شفيت ابنه من دائه العضال، قائلًا بحرارة وحماس: «الله أكبر! لقد كان سحرًا ما فعلتَ، إن شفاء ابني كان في الدواء الذي أعطيته له.» وكانت حُمَّى الصبي قد هبطت وتولَّد الأمل في شفائه، فشكرت الله في نفسي على التوفيق الذي أصابه عملي؛ لأن موت الطفل كان يحرج مركزي ويضعني في أخطر المواقف.
وتركني زوَّاري فخرجت في ضوء القمر أستريض بين أجمات النخيل.

الفصل الثالث عشر
الكفرة – الأصدقاء القدماء – تغيير خطة الرحلة


الأحد أول أبريل

قمنا العاشرة إلا ربعًا صباحًا ووقفنا الثانية بعد الظهر وقطعنا ?? كيلومترًا، ووصلنا التاج، وفي الساعة الحادية عشرة وربع دخلنا أرضًا مهشمة الصخور كثيرة التعاريج، تغطيها أكوام من الخراسان الأسود والأحمر على طول الطريق إلى التاج.
وجاء «عقيلة» يساعدنا في تحميل الجمال، وكان قد أبلَّ من مرضه وعزم على السفر معنا إلى التاج، وأرسل أبو حليقة الفطور إليَّ وإلى رجالي، وأخذت عليه شدة اهتمامه بي، فأجاب على هذا: أني حرمته حق ضيافته لنا مدة الثلاثة الأيام المألوفة. وبعد قليل جاءت جارية من بيته تحمل صحفة كبيرة من الأرز ودجاجًا وبيضًا، وقد ظهر لي أن سيدها ألبسها لباسًا خاصًّا لهذه المناسبة، فقد راقني ثوبها الرشيق ذو القماش الأزرق والنطاق الأحمر الملتف حول خصرها النحيل.
وأخبرتها أنَّا مسافرون في التوِّ، وأنَّا لسنا في حاجة إلى الطعام، فقالت في خفر: «ربما مست الحاجة إليه في الطريق.» لقد طهيته بنفسي، فقلت لها: «إذا كان الأمر كذلك فأنا أتقبله بكل سرور.» فبان عليها الفرح، ورجعت فأتتنا بصحفة أخرى لا تقل عن تلك حجمًا ولا تحريكًا للشهية، وشكرت لها لطفها وزودتها بشكري لسيدها الكريم.
وودعنا أهل «العوازل» توديعًا حارًّا، وتقدمتُ القافلة على جواد أبي حليقة، ولم نكن في حاجة إلى دليل لمعرفتي بالطريق، ولم تفت السنوسي أبا حسن ملاحظة ذلك؛ فقال: «إن البك يعرف الطريق حق المعرفة، ولا أحسبه إلا صائرًا دليلًا قادرًا في بلادنا.»
والطريق إلى الكفرة من جهة الشمال فيه شيء من المفاجأة تجعله ممتعًا، فقد سرنا في أرض قليلة التعرج، يكتنفها مرتفع من الأرض قليل العلو كان لنا بمثابة الأفق، ثم انقلب ذلك التل فجأة فأصبح طائفة من الأبنية لا تكاد العين تميز عن بعد فرقًا بين جدرانها وبين الصخور والرمال التي تماثلها تلك الأبنية لونًا وشكلًا.
وكانت هذه المحلة مدينة «التاج» مركز الأسرة السنوسية في الكفرة.
ودخلنا المدينة فرأينا الأرض التي خلفنا قد هبطت فجأة في وادي الكفرة، وهو وادٍ بعيد الغور، يكاد يكون بيضاوي الشكل يبلغ أقصى قطريه ?? كيلومترًا وأدناهما ?? كيلومترًا، ويتناثر فيه النخيل، وتمتد فيه على شكل خط متعرج من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، القرى الست المعروفة بأسماء: بويمه، وبومه، والجوف، والزرق، والطلاليب، والطلاب.
وتقع بالقرب من الجوف بحيرة متوسطة الحجم زرقاء اللون متألقة الماء، هي في وسط تلك الرمال الموحشة عطية من عطايا الله، فإن مياهها المنبسطة تبعث السرور إلى العين المتعبة من رؤية الرمل الدائم، ولكن مياه هذه البحيرة الملحة أشد غصة في حلق الظمآن من قذى السراب في عينه.
وقابلني عند دخول مدينة «التاج» أصحابي القدماء، وكان السيد العابد ابن عم السيد إدريس وشيخ السنوسيين في الكفرة مريضًا بالروماتزم، فتفضل بإرسال تحياته إليَّ مع سيدي صالح البسكري القائمقام، والسيد محمود الجدَّاوي وكيل السيد إدريس وجمع من الإخوان.
وصحبني هؤلاء إلى منزل السيد إدريس الذي أعدَّ لإقامتي، وكانت إقامتي في رحلتي الأولى إلى الكفرة منذ سنتين في نفس هذه الدار، فأحسست كأني في داري، وأراد السيد البسكري أن يمازحني، فقال: «علِّم يا بك رجالك دروب الكفرة؛ فإني لأحسبك أخبر بها منهم جميعًا بما فيهم السيد الزروالي الذي لم يطأها منذ ?? سنة.»
وبدأت دلائل الضيافة في الحال، فقدَّم لنا الشاي قائد الجند، ولم أكد أستريح قليلًا حتى جاءني أحد العبيد يدعوني إلى تناول الغداء في دار السيد العابد، وكان نفس الرسول الذي قادني منذ سنتين، وسرت معه في نفس الدروب ودخلت نفس الدار العجيبة التي يقيم فيها قائد السنوسيين، وأنا أشعر كأني أعيش في عهدي الماضي أو كأن العمر لم يتخطَّ بي السنين …
ودار السيد العابد ذات طرقات متعددة متوشِّحة، ملأى بأبواب الغرف التي يقيم فيها أفراد أسرته وحشمه، ودخلنا الغرفة المعهودة التي زاد زينتها عن قبل، ما أضيف إليها من السجاجيد الثمينة والوسادات ذات الألوان المزركشة، وقد علَّق على جدرانها تلك المجموعة من الساعات والبارومترات التي يحب جمعها صاحب الدار، وكانت الساعات سائرة بدقة وهي لا تقل عن اثنتي عشرة ساعة مختلفة الشكل والحجم.
وجاء السيد صالح يسامرني ويعتذر عن غياب السيد العابد القهري، ووُضعت أمامي مائدة تصلح للملوك وتهيج شهية مَن قضى الأيام الطوال في الصحراء، وتنوعت فيها ألوان الطعام والحلوى، وخُتمت بثلاثة أكواب من الشاي معطَّرة بالعنبر وماء الورد والنعناع.
وعدت إلى داري بعد انتهاء الوليمة، فلم أكد أتعهد حوائجي وأتحادث في أمر الجمال اللازمة للمرحلة الثانية، حتى جاءني عبد صحبني ثانية إلى منزل سيدي العابد لتناول العشاء، فاستقبلني السيد البسكري، ذلك الشيخ الوقور الرضي في جبة ذهبية اللون، وكان قد خلع عن رأسه طربوش البدو الطريَّ، ولبس كوفية بيضاء من الحرير، وعقالًا اختلطت فيه الخضرة بلون ذهبي، وبعد أن فرغنا من تناول الطعام، أُديرت أكواب الشاي المعطر وأُحرق البخور، وهنا بدأت ساعات الغرفة تدق أنغامًا مختلفة مؤذنة بحلول الساعة الثالثة من الزمن العربي، فأغمضت عيني لحظة وأحسست كأني في أكسفورد أسمع الدقات المتنوعة تنبعث من ساعات أبراج الكليات والكنائس.
وخرجت في ضوء القمر يغشاني عبق ماء الورد ويحيط بي نشر البخور، فعلوت التل المشرف على مياه البحيرة، وذكرت زيارتي الأولى أيام كانت الكفرة غاية رحلتي السالفة، وفكرت في شأنها اليوم، وهي مبدأ القسم الشيِّق من رحلتي الثانية.
ووقفت أسمع أصوات الإخوان والطلبة ترتل الحزب في سكون الليل، فطفر عبد الله من بين الظلال، ووقف إلى جانبي، ثم قال بصوت خافت عميق: «هذه ليلة النصف من شعبان، يحقِّق الله فيها أمل من يدعوه.» ثم سكت، وظللنا وقوفًا صامتين بضع دقائق. وكان وجهي صوب الجنوب الشرقي، حيث تقع سبل غير مطروقة وواحات مجهولة، ودار عبد الله بوجهه صوب الشمال الشرقي حيث توجد مصر وفيها أسرته وأولاده، ثم تمتم دعاء خافتًا، ولم تكن ثمة حاجة لأن أسأله لِمَ الدعاء.
الاثنين ? أبريل

أخبرني أثناء إقامتي بالهواري بدو القافلة المسافرة من واداي، أن فرقة فرنسية سارت شمالًا حتى وصلت بئر سارة، متبعة في سيرها الطريق التجارية الأصلية من واداي إلى الكفرة، وكانت هذه الطريق هي التي صممت على أخذها بادئ بدء، ولكنه وضح لي أن الذي لم يستكشف منها بعد، هو الجزء الصغير الواقع بين سارة والكفرة، وكنت قد سمعت قبل ذلك بعض حكايات غامضة عن واحات مجهولة، في الطريق الجنوبي الذي دار بخلدي أن أستكشفه يومًا من الأيام، رغم علمي أن الطريق المستقيم إلى دارفور لم تطأه قدم بدوي أو سوداني؛ لما توهَّم الناس فيه من الصعاب والمخاطر، وغيرت قصة الفرقة الفرنسية وجهة تفكيري صوب هذه الواحات، وفضَّلت أن أسعى لاكتشافها عن أن أتبع خطتي الأصلية.
وكان عزمي من البداية أن أفرغ قصارى جهدي في استكشاف الواحات المجهولة، حتى إذا خِبْتُ في هذا قطعْتُ صحراء ليبيا سائرًا في الطريق المعروفة، فاخترقت واجنجا وواداي، ثم انحدرت جنوبًا إلى دارفور. وجاءني السيد الزروالي وسليمان أبو مطاري يناقشاني في أمر السفر إلى الجنوب، فكانت نصائح أبي مطاري مثبطة لهمتي؛ إذ قال: «إن آخر قافلة طرقت هذا السبيل منذ ثمان سنين، وكان قائدها أخي محمود ذبح أفرادها وقطعوا إربًا على حدود دارفور، على أنهم لم يسيروا في الطريق التي تريد اتخاذها أنت الآن، وإنما أخذوا الطريق الأسهل من العوينات إلى واحة «مرجه» — وهي واحة صغيرة على بعد ??? كيلومترًا من الجنوب الشرقي للعوينات.
أما الرحلة التي تزمع القيام بها فترمي بك في أصقاع لم تطأها قدم بدوي من قبل، والمرحلة بين العوينات وأردي بعيدة الشقة، كثيرة المخاطر، والله يلطف بالقافلة التي تُقاسي حرها الشديد. وأكبر ظني أن جمالك تسقط كالطيور في الطريق أمام ريح السموم الجنوبية، ولو فرضنا أنك اجتزت تلك النواحي سالمًا، فمن يدري كيف يعاملك سكان تلالها الموحشة؟! ونصيحتي لك أن لا تدع شوقك إلى السفر السريع يتغلب على حكمتك، فيمنعك اختيار الطريق الآمنة التي يأخذها التجار إلى واجنجا «وابشه»، وكان بهذا يخلص لي النصح رغبة منه في عدم تعريض حياتي للخطر، فشكرته على نصائحه، ولكني كنت موطد العزم على تنفيذ خطتي.
بدوي مع جاريته.
وبعد تناول الغداء الفاخر الذي قدمه لنا السيد العابد، ذهبت لزيارة ابنه السيد شروفه، وهو شاب يتوقد ذكاء وتشوفًا لتحصيل العلوم، وقد سافر إلى بنغازي، فكان رأيه أنها خير مدن العالم، على ما بها من صغر الحجم وقلة انتشار المدنية، واعتذر لي عن مرض أبيه، فعرضت أن أرسل إليه بعض الدواء الذي أتمنى فيه الشفاء له.
الثلاثاء ? أبريل

كانت حرارة الجو شديدة، والسماء ملبدة بالغيوم، والريح تهب بقوة من الجنوب الغربي، وذهبت بعد تناول الغداء كالعادة لزيارة السيد شمس الدين ابن عم السيد شروفه وزيارة أخيه الأصغر، وكان أكبر هذين ذكيًّا ذا عينين براقتين تنمان عن حب الاستطلاع، كما تبدو على أخيه الأصغر علامات النجابة والذكاء، وقدم لي ثلاثة أكواب من اللبن ولوزًا مقشورًا ومربًّى، فأشبعت نفسي إكرامًا لخاطر ضائفِيَّ وخرجت ممتلئًا، ولم يمنعني ذلك من تناول العشاء في منزل السيد العابد.
وتناقشنا مرة أخرى في خطة السفر بطريق أركنو والعوينات، فرأيتني أثبت ما أكون على رأيي، وانتظرت أن آخذ رأي أبي حليقة بعد عودته من الهواري.
الأربعاء ? أبريل

أيقظني السيد الجداوي في الصباح وأحضر لي إبريقًا من الشاي المعطر، وأحضر لي أحمد أدوات الحلاقة، فشعرت بشيء من عيشة المدن بعد حياة الصحراء، ولست أكتم القارئ أن هناك لحظات يشعر فيها الإنسان بهشاشة إلى ملاذ المدن وأسباب راحتها، ولكن نفسه تطيب بالسفر الطويل في الصحراء أثناء السير أكثر مما تطيب زمن الإقامة في واحة من الواحات.
ومضى القسم الأول من النهار في تصغير أكثر الصناديق الخشبية، وفي ترتيب الحوائج من جديد تحضيرًا للمرحلة الطويلة إلى الجنوب، وكانت العناية الشديدة لازمة في تحضير كل شيء؛ لأنه لم يكن هناك أي فرصة لاستبدال الجمال حتى نصل الفاشر، وهي على بعد ???? كيلومترٍ تقريبًا.
مشايخ قبيلة زوي بالكفرة.
واهتممت باستحضار «أخفاف» جديدة لرجال القافلة؛ لأن الأخفاف التي شريتها لهم في جالو قد بليت.
وزارني قبل الغداء بعض شيوخ زوي يقدمون لي واجب الترحيب، وهم مدفوعون في الحقيقة بدافع الارتياب والتشوف إلى معرفة عدد القافلة وحوائجها، والاهتمام بقدر الطاقة باستكشاف الخطط التي دبرتها للسفر إلى السودان.
وتغديت عند السيد العابد كالعادة، وسرَّني علمي أن الدواء الذي قدمته له نجع فيه، وقضيت بعد ظهر اليوم في تهيئة الأسلحة والذخيرة، وخرجت أتريض في المساء لعمل بعض الملاحظات بواسطة بوصلتي عن النواحي المجاورة لبلدة «التاج».
الخميس ? أبريل

كان الزروالي قد أطال في محادثة أبي حليقة الذي وصل أثناء الليل من الهواري، وكان رأي الأخير الرفض الصريح في تنفيذ فكرة السفر إلى الفاشر بطريق العوينات، وجاء لزيارتي وحاول أن يحملني على السفر بطريق واداي، ولكني لم ألِنْ لنصائحه فداخَلَهُ اليأسُ؛ لأني صرَّحتُ له أن لا شيء يزعزعني عن تنفيذ رغبتي في السفر إلى الفاشر بطريق العوينات.
ودار بيننا الحديث الآتي، قال أبو حليقة: «والله، إنها لطريق مخُوفة، وكم من قافلة أكلها سكان التلال الواقعة في تلك الطريق، إنهم قوم لا يخشون الله ولا يخضعون لسلطة إنسان، وهم كالطيور يعيشون على قمم الجبال، ولا محيص لك عن الوقوع في مناوشات معهم.» فأجبته: «إنا رجال مؤمنون، نوقن أن مصيرنا في يد الله جل وعلا، فإن قدَّر علينا الموت دهمنا في طريقنا إلى أقرب بئر.»
فقال أبو حليقة: «كم من شيخ زوي واراه التراب في تلك الأصقاع المجهولة، إن سكانها خائنون لا يخافون الله ولا يخشون الناس.»
فأجبته: «رحم الله من قضى في تلك البلاد من شيوخ الزوي، إن حياتنا ليست أعز وأغلى من حياتهم، ولا يليق بنا أن نكون أقل منهم إقدامًا.»
فقال: «إن الماء في تلك الطريق نادر ورديء.» وقد قال الله تعالى: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
فأجبته: «إن الله يطفئ ظمأ المسلمين المؤمنين ويلحظ بعنايته الصادقين من عباده.»
وشعر أبو حليقة أني سأحجه في المناقشة، فغير مجرى الحديث، وقال: «ليس بين رجالي من يرضى مرافقتك في تلك الطريق، وليس في مقدوري أن أرمي بجمالي في تلك المفاوز التي يدهمها فيها الموت المحتوم، فإن وجدت من يكري لك جماله، فإني مستعد لدفع الأجرة المطلوبة، ولكن رجالي وأنا لا نرضى بمرافقتك في تلك الطريق.»
فأجبته وأنا ملآن حمية: «افعل ما بدا لك، إني سائر إلى الفاشر من تلك الطريق، وسيكون الأمر بينك وبين السيد إدريس حين يعلم أن أبا حليقة لم يُحافظ على كلمته.»
وانتهت بيننا المناقشة عند هذا، وعلمت أن أبا حليقة دفع أصحاب الجمال في الكفرة إلى عدم الرضا بمساعدتي في تنفيذ خطتي، آملًا بذلك أن يضطرني إلى قبول السفر إلى واداي بالطريق المأمونة.
وانتهت أيام الضيافة الثلاثة في دار السيد العابد، فأرسل لي الغداء من دار السيد الجداوي وكيل السيد إدريس في الكفرة، وكان أبو حليقة على وشك الرحيل، ولكني دعوته إلى مشاركتنا في تناول الغداء، فرضي آملًا أن يحملني على تغيير خطتي، وكنت آملًا من الناحية الأخرى، أن أقنعه أن تلك الطريق لم تكن من الخطر بحيث تصور.
وفرغنا من تناول أكواب الشاي وافترقنا، وليس منا منتصر على أخيه، ولكني شعرت أن كلماتي الأخيرة كان لها تأثير شديد في نفسه.
وجاءني بعد الظهر السيد العابد يحمل إليَّ رغبة سيده في رؤيتي، ولم أكن أحدِّث نفسي بإسراعه في مقابلتي؛ لأني علمت أنه يشكو نقرسًا قاسيًا، وأن من الصعب عليه أن ينزل لمقابلتي في غرفة الزائرين، ولكنه لم يرد أن يداخلني الظن في عدم اتباعه قواعد الضيافة بتأخير مقابلتي، فسمح لي أن أراه بالرغم من تألمه، وكانت هذه أول مرة رأيت فيها السيد العابد في هذه السفرة، فشعرت حين دخلت عليه أني أرى صورة حيةً لرسم فاخر من رسوم ألف ليلة وليلة، وكان يلبس قفطانًا من الحرير الأصفر مطرزًا بجدائل حمراء، وبرنسًا من الحرير الأبيض ملقى على منكبيه، وكان على رأسه عمامة بيضاء، يتهدل على جوانبها غلالة ناصعة البياض، هي شارة شيوخ الأسرة السنوسية، وأمسك في يده عصا غليظة من الأبنوس ذات قبضة من الفضة، وكان في هيئته وقار البساطة واللطف، لا يشعر من رآه أنه ذلك الفارس الباسل الذي تعرفه المواقع.
وكان يجلس حين قدمت عليه على كرسي كبير حسن التنجيد، فحاول أن يقف، ولكني أسرعت إليه، وأمسكت يده، ورجوته أن لا يكلف نفسه مئونة القيام لي، وكان يشكو مر الشكوى من داء النقرس، فبدأنا الحديث في أمر مرضه الذي لزمه السنين الطوال قال: «إني لأضرع إلى الله إذا اشتدت عليَّ وطأة المرض في بعض الليالي أن يقصر أيامي في هذه الدنيا؛ لأني لا أطيق أن أقوم بالصلاة كما يجب عليَّ.» ثم تناولنا أمر رحلتي إلى السودان، فرأيت من حديثه أنه يفضل لي أخذ الطريق المأمونة التي تمر بواداي، فقلت له: «إن السيد إدريس في مصر الآن، وأود أن أسرع بالانتهاء من رحلتي والعودة إلى وطني حتى أرد له بعض جميله فيما لقيت من كرم الأسرة السنوسية، ولا يبلغني هذه الأمنية إلا السفر إلى السودان بطريق العوينات؛ لأنها الطريق الأَقْصَر.» فقال: «إنك صديق حميم لنا، وأظن أن السيد إدريس يفضل لك أن تصل سالمًا إلى مصر، وإن تأخرت عودتك عن أن يسمع بأي أذى نالك.»
فأجبته قائلًا: «إن مصيرنا في يد الله، وقد قدر علينا مساعينا، وإني لأحمل معي مباركة شيوخ السنوسيين.»
طارقي بمعداته الحربية في الكفرة.
وكان في كلامي لهجة القطع في الأمر، ففكر قليلًا ثم رفع رأسه ببطء، وبسط كفيه إلى السماء ثم قال: «نجح الله مسعاك وأرجعك سالمًا إلى أهلك، لقد زرت قبر جدنا في جغبوب ودخلت قبة سيدي المهدي في الكفرة فنلت بركتهما، والله في عون من سعى وآمن.» ثم قرأ الفاتحة وباركني وتضرع إلى الله أن يسدد خطاي، وأن يهبني ورجالي القوة والثبات.
وتركته وسرت في منعطفات الدار وأنا أحس في نفسي سعادة عظيمة، وأراح بالي أن لي عَضُدًا من السيد العابد، وأنه لا يكون عقبة في سبيل تنفيذ خطتي الجديدة في السفر إلى السودان بطريق العوينات.
ودخلت داري فلقيت جميع رجال قافلتي ورأيت في وجوههم من أول نظرة، شوقهم إلى معرفة ما قر عليه رأي السيد العابد في أمر السفر، ودلفت إلى غرفتي ثم ناديتهم لأسكن خاطري أنا الآخر، وأقر شوقي إلى النجاح الذي أنتظره.
ومرت بي برهة طويلة لزمتُ فيها السكوت قبل أن أتمكن من ضبط لهجتي، وأُظهر عدم الاهتمام بهذه المسألة الكبيرة، ثم فاجأتهم بقولي: «لقد بارك السيد العابد رحلتنا إلى العوينات، وقرأ الفاتحة ابتهالًا إلى الله بتوفيقنا.» وأشحت بوجهي عنهم غير مجترئ على توسم وجوههم، وأردفت قائلًا: «ولقد حلَّت علينا بركة السنوسيين وزادها السيد العابد توثيقًا، والله يرزقنا الثبات والنجاح ويهدينا سواء السبيل.»

الفصل الرابع عشر
الكفرة وموقعها على الخريطة


الجمعة ? أبريل

أصبح الصباح فنفحني أريج باقة من الورد تفضل بإهدائها السيد العابد، فعلمت عند انتشاقها، كيف تكذب الصحراء اسمها أحيانًا، وكيف تزري أزهارها بما يينع في الرياض النضرة من مورق الأغصان.
وكان يوم جمعة فصليناها في المسجد، وكان حضور أمراء السنوسيين متوقعًا، ودخل البدو في أبهى ثيابهم، وغص المسجد بالمصلين الذين امتزجت في صفوفهم قفاطين الحرير بمهلهلات الجرود، ووقفت أتفرس الداخلين إلى المسجد، فرأيت كبار تجار الزوي والمجابرة، وقد لبسوا الثياب الفاخرة التي لم تنبسط بعد غضونها، من طول البقاء في الصناديق، ولمحت أعينهم المكحولة، وشممت عرف الداخلين يعبق منهم ماء الورد المقطَّر في الكفرة أو المسك، وسائر الروائح العطرية المستجلبة من السودان.
وكان يأخذني منظر الغني الجليل إذا دخل فأخذ مكانه بين المصلين وتبعه أعرابي مهلهل الجرد، أسمر الوجه مغضنه، ولكنه لا يقل عن سابقه جلالًا. إن الملابس لا تميز الرجال في تلك المحافل، فإن قَدْرَ الرجل في شرف النَّفْس وكبر القلب، وهذه الصفات تنطق في الجرود البالية بلسان أفصح عما تنطق به في ثياب الخز ونفحات الطيب التي قد تضيع شيئًا من شخصية أصحابها.
ويدخل أحد العبيد، وقد يكون صفيَّ أحد السنوسيين وموضع ثقته، وتكون ثيابه الحريرية من بهاء اللون وجَمال النسج بحيث تخفي مكانه من دائرة الرق، ويشعر بقوة مركزه، فيخترق صفوف المصلين تياهًا فخورًا، ويأخذ مكانه إلى جانب أحد الوجهاء أو أحد الشحاذين.
والغني والفقير سواسية في المسجد، وربما ثأر الفقراء لأنفسهم من الأغنياء في بيت الله الذي لا يهيمن فيه غيره، وشعروا بما يشعر به الأغنياء من العظمة أو فاقوهم في هذا الشعور، علمًا منهم بأنهم لا ينغمسون في ترف الحياة ونعيمها، فيلهيهم زخرفها عن الله تعالى. وإن البدو ليدخل المسجد في جرده المهلهل لأداء الصلاة، كما يدخل الغني في أبهى ثيابه على شيوخ السنوسيين.
ويستعد المصلون بعد فراغ المؤذن فيغشاهم السكوت، ويدخل أمراء السنوسيين فيأخذون أماكنهم الخاصة، وتلتفت إليهم الأنظار فيظهر عليهم حياء الشباب، ولا يقوم لهم أحد في المسجد؛ إذ لا مولى في بيت الله إلا الله وحده لا شريك له، ثم يصعد الإمام المنبر، ويلقي الخطبة التي تتفق في مغزاها، مع سائر الخطب التي سمعتها قبل ذلك في صلاة الجمعة في مساجد الواحات التي وقع لي أن دخلتها.
ولا تخرج الخطبة عن النصح بترك حياة الغرور والترف، والتهيؤ لأداء العمل الصالح للحياة السعيدة في الآخرة، فيقول الخطيب: «اتركوا زينة الحياة الدنيا ومتاعها الغرور فإنهما سبيل إلى الغواية، وهما إن تملكا نفوسكم ضللتم سواء السبيل وَحِدْتُمْ عن سبيل الله، تقرَّبوا إلى الله بالعمل الصالح وأطيعوا أوامره، إن الحياة الدنيا فانية والآخرة خير وأبقى؛ فاعملوا لآخرتكم تسعدوا في دار الخلود.»
والمسجد من الداخل جميل البناء رائعه، وإن كان بسيطًا في بنائه، نظيف الجدران البيضاء العارية، مفروش بالسجاجيد والحصر الرقيقة، ويجلس المصلُّون بخضوع مُوَلِّين الوجوه شطر الكعبة في صفوف لا يقل عدد أفرادها عن مائتي مصلٍّ، يُسبِّح بعضهم بمسابح من حبَّات الكهرمان، ويسبِّح الفقراء الذين لا يملكون مسابح بواسطة قبض الأصابع وبسطها، ومنهم من يُظهر الغنى والثراء في جميع حركاته، ومنهم بدو الصحراء الضاربون بنظرات بعيدة يلوح فيها الهدوء والقناعة، ومنهم من تقلَّص وجهه وشحب لونه، وفي هيئته السكينة والرضا بحكم الأقدار، يتوسَّم الناظرُ وجهَه فيراه قاب قوسين من الموت جوعًا، وهو لا يتمرَّد على القضاء ولا يتضجر من صروفه.
وجاءني سليمان أبو مطاري بعد فراغي من الغداء في منزل السيد العابد، فتحادث معي في أمر الرحلة، وأخبرني أن أبا حليقة ومحمدًا الذي اخترناه دليلًا قد تقابلا وأعادا الحديث في الأمر، ولم يزل أبو حليقة غير راضٍ بالرحيل، وقضى عبد الله ذلك اليوم في الجوف، يجمع ما يمكنه جمعه من المعلومات عن طريق العوينات، ويجتهد في البحث عمن يرضى بتأجير جماله لنا من قبيلة التبو للسفر إلى تلك الأصقاع المخوفة.
وتعشيت في منزل السيد العابد، ثم قضيت ردحًا من الزمن في مكتبة السيد إدريس، الذي أمر السيد الجداوي بفتح أبوابها لي.
والمكتبة غرفة متوسطة الحجم ملأى بالصناديق التي تحوي الكتب المختلفة، وسقفها مزين بالألوان الزاهية التي خطتها يد صانع محب للسنوسيين، جاء من تونس يؤدي خدمة، كما كان يقف المصورون والنحاتون حياتهم في القرون الوسطى على تزيين الكنائس، وكان كل ما في الغرفة من الأخشاب مستجلبًا من مصر أو بنغازي، وكان في الغرفة مفتوحة ليس فيها إلا مصراعان من الخشب يدفعان عنها حرارة الشمس. والتنقل في هذه الغرفة غير سهل لما صُفَّ على جدرانها وفي وسطها من الكتب والصناديق، وكان في الغرفة صناديق قديمة يُتَّخَذ منها خزائن، ويسهل حملها على ظهور الجِمال عند الحاجة، لما وُضِع في جوانبها من مقابض وحلقات، والمكتبة قليلة النظام كُدِّست فيها الكتب بغير عناية؛ لأن السيد إدريس هجرها طويلًا، وفيها عدد عظيم من المخطوطات المحفوظة في أغلفة من الجلد جميلة الصنع، وعدد عظيم من الكتب الحديثة المطبوعة في مصر والهند، وأكثر مخطوطات المكتبة مستجلبة من مراكش والجزائر وتونس، وكل ما فيها مكتوب باللغة العربية إلا القليل المكتوب بالفارسية، ومن بين المخطوطات بعض نسخ القرآن الكريم المزين بالذهب.
وكانت لي ميزة عظيمة على سائر الناس في زيارتي لهذه المكتبة؛ لأن الدخول إليها غير مباح، ووجدت فيها مخطوطات كثيرة كتبت على الرق وتناولت علوم الفلسفة واللغة العربية والفقه والتصوف والشعر وعلم النجوم والكواكب، وقضيت ساعات طويلة أمتع نفسي بتصفح هذه المجموعة القيِّمة، وأنعَم بذلك الجو الهادئ البعيد عن العالم، وأشعر كأني أتشبع بروح الأفكار الشائعة في هذه المخطوطات، والتقرب من الله عزَّ وجلَّ لما يحيط بي من السكينة، والانقطاع عن جلبة المدن، التي يكفي من مظاهرها دَقْة تليفون تسمعه وأنت تقرأ هذه الكتب لتشعرك بقدم عهدها وعدم تمشيها مع الحاضر.
السبت ? أبريل

جاءني حذاء بديع هدية من السيد شروفه، وزارني بعض شيوخ الزوي فتحادثنا عند شرب الشاي في تاريخ قبيلتهم، وعرفت من الحديث أنهم لم يكونوا أول الفاتحين للكفرة، وإنما سبقهم إلى أخذها من قبائل التبو قبائل الجوازي والجهمه، وما اسما «الطلاب» و«الزرق» وهما قريتان من قرى الكفرة، إلا اسمان لبعض أسر قبيلة الجهمه، وأعطيت كلًّا منهم صورة للجماعة الذين صورتهم قبل ذلك بأيام، ففرحوا بها كثيرًا.
معسكر الرحَّالة في العزيلة بالكفرة قبل السفر إلى الواحات المجهولة.
وتحققت في ذلك اليوم أخطار الكفرة، فقد أضاع رولف حياته فيها بفتك المهاجمين، وكدت أضيع حياتي أنا الآخر ضحية الضيافة باللطف واللين، فقد تغديت كعادتي عند السيد العابد ذلك اليوم، وأتبعت الغداء بالشاي المعطر واللبن المخلوط باللوز، وخرجت، فأصرَّ السيد شروفه على زيارتي له في داره، وقدَّم لي ثلاثة أكواب من الشاي المعطر، وأردفها بمثلها من اللبن المخلوط باللوز، ولم أتمكن من الرفض؛ لأن في ذلك إهانة لرب الدار، فابتلعت ما في هذه الأكواب، رغم ما كنت أحس به من تقزُّز عند شربها.
ولم ينتهِ الأمر عند هذا، فقد دفعني السيد شمس الدين إلى داره، ووضع أمامي شيئًا كثيرًا من البسكويت والبندق وكوبًا كبيرة من الشراب الحلو، ودعاني للأكل، وليس لبشر أن يحتمل كل هذا، ولكن الرفض إساءة لرب الدار، فنلت منها وشربت ثلاثة فناجين من الشاي، ثم قمت أترنح في مشيتي بعد ذلك، كما يتقدم الشهيد إلى المشنقة فخورًا، وأتلوى من ألم التخمة، كما يتلوى الشاب الأسبرطي من قرص الثعلب في أحشائه.
وانقلبت إلى غرفتي أستريح وأستعرض ما مرَّ بي، وفكرت في أمر ذلك البدوي الذي انتخب رقم ثلاثة الغريب لإظهار الكرم البدوي، وودت لو أنه مات قبل أن يبتدع هذه السنة، ثم رجعت فحمدت الله؛ لأنه لم يقع اختياره على الرقم سبعة.
وقد أقبلت على الصحراء معرضًا نفسي لفتك الطبيعة أو البدو من بني الإنسان، ولم يخطر ببالي لحظة فكرة الموت الذي ينشأ عن سوء الهضم وتكليف المعدة فوق طاقتها، ومع كل هذا، فقد ذهبت في الموعد المحدد إلى دار السيد العابد، لتناول العشاء كالعادة، وكان بين المدعوين بعض شيوخ البدو فتناقشنا مرة أخرى في أمر الرحلة إلى الجنوب، وكان أبو حليقة مصرًّا على رفضه الذهاب بطريق العوينات، وقد قال: «إن الشروط التي وضعها السيد إدريس تتناول رحلة إلى واداي لا إلى دارفور.» ولذلك أبى أن يرمي برجاله وجماله في تلك الطريق غير الآمنة.
وأدليت بحجتي كما يناقش المحامي، فقلت له: «أما وقد اتفقت معي على قطع ?? مرحلة من الكفرة إلى الجنوب، فما الذي يضيرك إذا كنت أنزلك على السير إلى واداي أو الفاشر أو أطلب إليك العودة إلى مصر؟!»
ولم تقنعه حجتي، ولكنه رأى إصراري وعدم معارضة السيد العابد لخطتي، وعرف رغبتي في إنقاص عدد الجمال المتفق عليها فرضي غير قاطع في رضاه، ولكنه أبى أن يرافقني بنفسه أو يرسل معي أحد رجاله.
الأحد ? أبريل

حادثت أبا حليقة في أمر جواده واشتريته بمبلغ ?? جنيهًا ذهبًا، وكان الجواد قويًّا صبورًا على السفر يكفيه الشرب مرة كل يومين.
وبعد تناول الغداء صورت السيد العابد وحادثته طويلًا في أمر مرضه الذي يتحمله بصبر البدو وجلدهم، وتكلمنا في شئون برقة ومصر وتناولنا ذكر رحلتي إلى السودان.
ولم أكن موفقًا في أعمالي الفنية بالكفرة، فإني وجدت صعوبة شديدة في عدم التعرض للأنظار والانتقال وحيدًا في نواحي الوادي لاستعمال أجهزتي بدون إثارة الظنون، وكان من سوء حظي أن السماء ظلت كثيرة الغيوم أيام إقامتي، فلم أتمكن من رصد الشمس والنجوم بواسطة التيودوليت، وشعرت بتعب شديد بعد العشاء، وكنت قد استنفدت الأقراص التي جئت بها لمكافحة سوء الهضم، وانتظرت بفارغ الصبر خروجي إلى الصحراء وتمتعي ببساطة العيش.
الاثنين ? أبريل

كان يومًا كثير الغيوم، ولكن نسيمًا بليلًا كان يهب طول النهار، فقضيت يومًا هادئًا أقرأ في مكتبة السيد إدريس وأحمض «أفلامًا» جديدة وأشتري قربًا وشعيرًا لأجل الرحلة، وأهداني السيد العابد نسخًا بخط يده لبعض رسائل السيد المهدي إلى كثير من الإخوان، وأهداني سكينًا مغربية في قِرَاب من الفضة وبندقية بديعة التطعيم.
الثلاثاء ?? أبريل

انقشعت السحب بعد الظهر، فأخذت صورة الوادي واتفقت مع صانع الأحذية على صنع أحذية لي ولرجالي، وعمل مناطق من الجلد لوضع الرصاص؛ لأن الرجال أصروا على حملها لما سمعوا من الإشاعات المخيفة، وقابلت محمد سكر الذي اخترته ليكون دليلنا في طريق العوينات لأول مرة ومالت إليه نفسي.
الأربعاء ?? أبريل

سمع السيد العابد بشرائي الجواد، فأهداني سيفًا طارقيًّا وبندقية إيطالية، وأمكنني أخيرًا أن أقوم بعمل بعض أرصاد وأبحاث بواسطة التيودوليت، وكنت في شوق شديد إلى مقارنة نتائج بحثي بنتائج رولف الرحالة الألماني الذي زار الكفرة منذ ?? سنة.
الخميس ?? أبريل

أرسلت إلى دار السيد العابد بندقيتي هدية وركبت مع السيد محمد أبي ثمانية والسيد الزروالي إلى الجوف، فقابلنا وجهاء المدينة وزرت السوق، وكان يوم انعقاده كل أسبوع، وزرت الجامع والزاوية، وهي أقدم مدارس السنوسيين في الكفرة، والجوف مركز تجارة الكفرة، وقد شاقني في السوق، رؤية ما اختط فيها من البضائع من «خراطيش» تدل علامتها على صنعها منذ ?? سنة، وعلب تحوي توابل إيطالية مستجلبة من بنغازي، وأقمشة منسوجة في منشستر وواردة من مصر، وجلودًا وعاجًا وريش نعام من واداي ودارفور، وحاصلات الجنوب قليلة في الكفرة الآن، إلا إذا أحضرها أحد التجار من واداي ومنعه سبب من السفر بها إلى الشمال لبيعها في برقة أو مصر.
ولم تكن الكفرة ذات تجارة عظيمة إلا قبل فتح السودان، فإن سبيلها في تلك الأيام كانت أسهل لحمل محصولات واداي ودارفور من السبيل التي تفضي إلى الشرق، ولا يزال يمر بطريق التهريب إلى اليوم عاج إناث الفيلة، والعاج الذي يقل وزنه عن ?? رطلًا، وهما شيئان منعت حكومة السودان تصديرهما.
وليست الكفرة طريقًا للتجارة فحسب، وإنما يقصدها من يملك العبيد من شيوخ الزوي لفلاحة الأرض، فيزرعون الشعير والذرة، ويزرع السنوسيون البطيخ والعنب والموز والقرع، وغير ذلك من أنواع الخضر التي يسر السائح رؤيتها، ويلذه طعمها بعد حياة الصحراء، ويزرعون النعناع والورد، فيستخرجون منهما ماء الورد وخلاصة النعناع الضروريين في إظهار كرم الضيافة، ويستخرج الزيت من أشجار الزيتون بواسطة معاصر عتيقة.
وحيوانات الكفرة: الجمال، والخراف، والحمير، وقليل من الجياد. واللحم مع هذا غالي الثمن لعدم وجود المراعي في الوادي، وتعيش الحيوانات على نوى البلح المطحون وهو غذاء صالح إلا أن إطعامها حشيشًا أخضر واجب من وقت لآخر، ويربي السنوسيون — وهم أكثر تقدمًا من جيرانهم في كل شيء — الفراخ والحمام.
وسمعت في الكفرة أن أثمان العبيد ارتفعت هائلًا في السنين الأخيرة لقلة من يرد منهم من جهات واداي؛ نظرًا لعين السلطات الفرنسية الساهرة في تلك الجهات، ويحتال بعض البدو لاستجلاب العبيد فيعقدون الزواج على بنات واداي، ثم يعودون بهن إلى الكفرة فيطلقونهن ويبيعونهن.
وقد عُرِضتْ عليَّ جارية أثناء سياحتي سنة ???? بمبلغ ??? فرنكًا، ولكن ثمن الجارية يتراوح الآن بين ?? و?? جنيهًا، وثمن العبد أقل من ذلك.
وقد يتزوج البدو من هذه الجواري، فإذا أنجبت إحداهن ولدًا أصبحت حرة طليقة، والبدو لا يهتمون بفوارق الألوان، فإذا ولدت جارية لشيخ قبيلة ولده البكر، فإن هذا الولد يُصبح بحكم الواقع رأسًا لهذه القبيلة بعد أبيه مهما كان أسود اللون.
وأبناء العبيد عبيد كذلك، أما ابن الجارية من رجل حر فهو حر كذلك مهما كان فقيرًا، ولن يكون عبدًا ولو تركه أبوه يتيمًا.
واقتناء العبد المخلص شيء يفضله البدوي كثيرًا؛ فإن العبيد أقوى من الأحرار وأصون لسر سيدهم، وهم يُعامَلون معاملة حسنة ويصبحون أفرادًا من الأسرة بعد طول العشرة.
ويلبس العبيد ثيابًا فاخرة؛ لأنهم مرآة تتجلى فيها صور أسيادهم، وليس «علي كجا» عبد السيد إدريس الصفي موضع ثقته فحسب، ولكن له فوق ذلك قوة وسيطرة، لا يملكها الكثيرون من أحرار البدو.
والعبد صادق الكلمة، فإذا حمل السيد العابد رسالة إليَّ مع عبده أيقنت بصدقها عالمًا أن واجبه يقضي عليه بتبليغ ما حمله، وكذلك إذا أردت أن أبلغ مسامع السيد العابد شيئًا، لا أريد اطلاع رجل آخر عليه، أفضيت به إلى عبده بدون تردد موقنًا أن الرسالة لا بد مؤداة إلى سيده دون غيره.
وللعبد الحق في شراء جارية، وقد سألت «علي كجا» ذات مرة عن أثمان العبيد، فقال: «إن أثمانهم غلت هذه الأيام غلاء فاحشًا، فقد اشتريت جارية دفعت فيها ?? جنيهًا ذهبًا، وقد قال لي ذلك بلهجة لا يُستشَفُّ منها أنه كان عبدًا في يوم من الأيام، وأَرَثُّ عبيد الواحة ثيابهم المُطلَقون، وهم موضع ازدراء بقية العبيد، وربما شعر العبد الطليق بالخجل لعدم وجوده في حيازة إنسان.»
والنخيل كثيرة في وادي الكفرة، وأكثره مِلك للسنوسيين، والسبب في ذلك أن الزوي حين دعوا سيدي ابن علي السنوسي إلى الكفرة نزلوا للسنوسيين عن ثلث ما يمتلكون من أرض ونخيل، ولم تبقَ النسبة محفوظة بين ما يملكه الزوي من النخيل وبين ما يملكه السنوسيون؛ فقد أسرع الأولون في زيادة نخيلهم بما زرعوا من جديد، ولا يزال يبدو لعين الرائي إلى هذه الأيام ذلك السور الذي يفصل أراضي السنوسيين من أراضي الزوي.
ورأيت في طريق عودتنا من الجوف حفلة زفاف، وكان العريس قائد جيوش الكفرة، ودعاني أبو العروس إلى تفريغ البارود تشريفًا للحفلة، فسرني أن أقوم بتأدية هذا الواجب للضابط؛ لأنه صديق قديم لي، ولما أطلق رجال الحفلة النار تحية، ركضت بجوادي كما يفعل البدوي الصميم، واتجهت صوب الجماعة، ثم أوقفته دفعة واحدة أمام العروس وصوَّبت بندقيتي إلى الأرض قدَّامها ثم أطلقت النار، وقد أدهشني جوادي «بركة» حين سمع طلقات بنادقهم وأسرع بالعدو ووقف بي مرة واحدة على المسافة المقدَّرة من العروس لإطلاق النار، ولا بدع في ذلك فهذا شيء تدربت عليه خيول البدو.
الجمعة ?? أبريل

جاءني عبد من عبيد السيد إدريس يطلب دواء لمرض لزمه شهرين، وفحصته فوجدته يشكو سوء هضم يتخلله قيء، وأعطيته بعض «الإتير» على قطعة من السكر، وأمرته أن لا يتناول إلا اللبن والأرز، فتحسنت حالته عن قبل.
ووصل أبو حليقة من الهواري ومعه ?? جملًا، فطلبت إليه أن يتمها خمسًا وعشرين كما اتفقنا من قبل، وزارني الضابط العريس وصهره يشكراني على ما أديت من التحية في حفلة الزفاف.
السبت ?? أبريل

أحضر أبو حليقة بقية الجمال، وكان حائرًا في أمر إرساله رجلًا يصحبنا في الرحلة، وأبى أن يرسل ابنه أو عبده؛ ظنًّا منه بأنا مقبلون على سفرة قد لا نخرج منها أحياء، وكان يتوقع من الجهة الأخرى أن القدَرَ قد يساعدنا وننجو من مخاوف الطريق، فحيَّره أن لا يمثله أحد في تلك الأصقاع النائية، فيعود بجماله أو يشرف على بيعها كما هي العادة بعد مثل هذا السفر الطويل، وقضينا عصر اليوم في التحميل ومساءه في عمل الأرصاد والمعاينات. وكانت الليلة ثالثة الليالي التي أمكنني فيها أن أرى نجم القطب الشمالي منذ هبوطي الكفرة، وقد صممت أن لا أترك الكفرة قبل أن أضاعف ما أخذت من الملاحظات المتنوعة في الليالي المختلفة.
الأحد ?? أبريل

قضينا الصباح في تحميل الجمال، وما زال أبو حليقة مرتبكًا في أمر إرساله رجلًا من رجاله، ولكني لم أهتم بأمره كثيرًا بعد يقيني من استصحاب الإبل، وقد تحسنت صحة العبد الذي تعهدته تحسنًا غريبًا، فجاءني يشكرني، وكنت أشد الناس تعجبًا مما وصلت إليه في شأن معالجته.
وبدأت القافلة السير في الساعة الثانية بعد الظهر قاصدة بئر العزيلة، وهي آخر آبار وادي الكفرة في الجغبوب، حيث قررنا الإقامة أيامًا لإجراء الترتيبات اللازمة، لتجهيز كل شيء قبل الإقدام على تلك الشقة الطويلة، واشتريت نعجتين لنحرهما طبقًا لعادة «أبي الظفر»؛ لأنه لم يكن بين رجال القافلة من قام بهذه الرحلة من قبل، وكان جميع رجالي في ثياب جديدة تُبهر النظر، وكانت بنادقهم التي أتقنوا تنظيفها تلمع فوق ظهورهم، وكان يبدو النشاط والقوة على العدد الأكبر من جمالنا الجديدة.
الاثنين ?? أبريل

أرسلت جوادي مع عبد الله إلى الجوف لوضع «حِدًى» له؛ لأني وجدت الأرض الصخرية صلبة الموطئ يُخشى أن تؤذيه، وبعثت بصينية نحاسية إلى القائد هدية مني بمناسبة زواجه، وأرسلت الزجاجات الثلاث الأخيرة من دواء «بوفريل» لعبد السيد إدريس، وأجلنا سفرنا؛ لأن الدليل كان مشغولًا بقضية جمل له.
الثلاثاء ?? أبريل

أفطرت في دار سليمان بومطاري من كبار تجار زوي بالكفرة ومشهور بالكرم، وكان معنا السيد الزروالي وعبد الله والقومندان وصالح ومحمد أبي صمانية، وقد تبادل الجلوس النكات حول العريس الجديد لإمساكه عن الأكل من صحفة لحم مطبوخ بالبصل، وقال أبو ثمانية وهو يغمز بعينه: «إنهن لا يصفحن وهن شباب.» أي إن زوجته الجديدة لا تسامحه إذا شمَّت فيه رائحة البصل، واشتريت هجينًا لي خاصة، ودفعت فيها تسعة جنيهات، وهكذا انتهى كل شيء وأصبحنا على قدم الاستعداد للمسير.
وكنت أرجو، وأنا أرصد نجم القطب للمرة الأخيرة، أن أُوفَّق في تعيين الموضع الحقيقي للكفرة على الخريطة، وكان بي شوق شديد إلى التحقق من الموضع الذي عينه رولف لها حسب ملاحظات رفيقه «ستيكر» في بويمه، ولم تكن التاج قد بُنِيَتْ بعدُ في عهد رولف، فوضح لي بعد أن قمت بعمل ملاحظاتي الأولى فيها أن النتائج التي وصلتُ إليها، لا تتفق مع نتائج ملاحظات «ستيكر» في بويمه الواقعة على بعد كيلومترين من التاج في اتجاه ?? درجة شرقي الجنوب الحقيقي؛ ولذلك صممت أن لا أترك الكفرة قبل أن أتمكن من عمل ملاحظات عديدة تمنعني من الوقوع في الخطأ؛ ولذلك رصدت النجم القطبي ست مرات بواسطة التيودوليت في ظروف قرر الدكتور بول في فقرته اللمعية المرفقة بهذا الكتاب أنها لا تترك مجالًا لخطأ أكثر من دقيقة واحدة في خطَّيِ الطول والعرض. وكانت نتيجة هذه الأبحاث عند الفراغ من فحصها بعد عودتي إلى مصر أن الكفرة تبعد ?? كيلومترًا جهة الجنوب الجنوبي الشرقي عن الموقع الذي قرره لها رولف بعد ملاحظات «ستيكر»، ووجدت ارتفاع الكفرة شديدة الانطباق على ما قرره رولف، وكان علو وادي بويمه ??? متر وارتفاع التاج ??? مترًا عند التل المشرف على الوادي.
خريطة صحراء ليبيا مُبَيَّن عليها الطرق التي سلكها المؤلف في رحلته.

الفصل الخامس عشر
الواحتان المجهولتان: أركنو والعوينات


الأربعاء ?? أبريل

وجد أبو حليقة في آخر الأمر رجلين يصحبان جماله، وهما بوكاره وحامد، وكانا فقيرين أغواهما المال فأنساهما الخطر، وأرسل السيد العابد ثلاثة مثلوه في توديعنا، وقد أحضروا إليَّ خطاب توديع منه نال من نفسي كثيرًا.
وجاء أبو حليقة يُودِّعنا كذلك، وكانت عيناه نديتين، وما أظن أن ذلك كان إشفاقًا منه على جماله أو رجليه، فإن رغم ما نجم بيننا من خلاف في الرأي، ظللنا صديقين مخلصين يحب كل منا الآخر ويحترمه.
وجاء أصدقاء رجالي لتوديعهم فأفرطوا في ذلك حتى كأن ذلك الموقف كان لوداع أخير، وكان ذلك التوديع أحرَّ ما رأيت في رحلتنا، وأفعله في النفس، وكانت كلمات الوداع الأخيرة: «رافقتكم السلامة، المقدَّر لا بد من وقوعه، هداكم الله سواء السبيل ووقاكم كل مكروه.»
ولم يكن ذلك التوديع مما يُشعر قلوب المقيمين والظاعنين بأمل اللقاء أو اليقين من العودة، وكان في جُمَل التوديع الأخيرة، المتبادلة بين الفريقين تهدج، لم يخفَ عني مبعثه في نفوسهم؛ لعلمي بما حدث في الأيام السابقة للسفر، ويقيني من الخوف الذي تملَّكَهُمْ أجمعين.
وكانت أفكاري وأفكارهم في ذلك الموقف متباينة؛ فإني كنت أهش إلى التفكير في الواحات المجهولة، والسير في الطريق البكر، والاندفاع صوب المجهول، أما هم فكانوا يظنون أن هذا آخر مرة يشدون فيها على أيدي أصدقائهم، وقد ارتسمت ملامح الإشفاق على وجوه بعض من جاءوا يودعونا، كأنما كُتِب على وجوهنا الموت وارتسم على جباهنا الفناء، ولكنهم كأهل البادية، كانوا يشعرون بأن ذلك الرحيل كان مكتوبًا في لوح القدر، وقرأنا الفاتحة ثم أردفها أحد الرجال بالأذان.
وصحبنا المُوَدِّعون حتى شفا الوادي الذي تنتهي عنده الواحة وتمتد الصحراء، ثم تركونا غير ناظرين في أثرنا، فانحدرنا إلى الصحراء المنبسطة وتلفتت أعيننا إلى أجمات النخيل، وكانت الشمس تجنح للغروب، والغسق ينشر غلالته على الكفرة التي أخذت تختفي شيئًا فشيئًا في ذلك النُّور الآخذ في الانطفاء وكأنا ننظر إلى المدينة من ثقب آلة التصوير.
الرحَّالة يرصد الشمس بآلة التيودوليت.
وكنت أتوق إلى الابتعاد عن الكفرة حتى ينمحي شبحها في أعين الرجال، فينسوا وداعهم الماضي ويفكروا في المستقبل ويفرغوا إلى تأدية واجبات السفر، واختفت الكفرة فانبسط أمامي المجهول المملوء أسرارًا وسحرًا يتصورهما الفكر في كل بقعة من أرض لم تطأها قدم غريب عنها.
وكان قيامنا في منتصف الساعة الخامسة ووقفنا الساعة الثامنة وربعًا وقطعنا ?? كيلومترًا، وكان الجو صحوًا جميلًا لا ريح فيه، والأرض رملية صلبة قليلة التموج مغطاة بحصى دقيق.
وتركنا نخيل العزيلة والكفرة فاجتزنا منطقة من الحطب تشابه منطقة الظيغن، ودخلنا السريرة الساعة السادسة إلا ربعًا، وفي منتصف السابعة مررنا بتلال تمتد على الجانب الجنوبي لوادي الكفرة، وفي الثامنة إلا ربعًا وصلنا «حطية الحويش» الكثيرة الحطب، وخلفنا رجلين في حراسة حملين تركناهما على أن يحملهما جملان لعبيد التبو.
وكانت قافلتنا مؤلفة من ?? جملًا، و?? شخصًا: أنا، والسيد الزروالي، وعبد الله، وأحمد، وحمد، وإسماعيل، والسنوسي أبي حسن، والسنوسي أبي جابر، وحمد الزوي، وسعد الأوجلي، وفرج العبد، وبوكاره، وأخيه الأصغر، وحامد الجمَّال، وحسن، ومحمد الدليل، وثلاثة من عبيد التبو.
الخميس ?? أبريل

قمنا في الساعة الثانية إلا ربعًا بعد الظهر ووقفنا السابعة وربع مساء، وقطعنا ?? كيلومترًا أعلى درجة للحرارة ?? وأقلها ??، الجو صحو جميل قليل السحاب، والنسيم هابٌّ من الجنوب الشرقي قارٌّ عند الظهيرة.
ودخلنا السريرة مرة أخرى بعد اجتياز حطب الحويش، وكانت منبسطة صلبة الرمال مغطاة بحصًى دقيق، وكان شرق الحطيَّة سلسلة من التلال الرملية المغطاة بحجارة قائمة يقابلها مثلها جهة الغرب، على بعد أربعة كيلومترات.
وفي الساعة الثانية وربع وصلنا نهاية «حطيَّة الحويش» وعرضها كيلومتران، وفي الساعة الرابعة إلا ربع رأينا جارة على بعد كيلومترين من اليسار، وفي الساعة الخامسة رأينا جارة أخرى على بعد أربعة كيلومترات من اليمين، وفي الساعة السادسة أصبح الرمل أكثر نعومة وعليه أكوام متناثرة من الحجرة السوداء وصفحة الصحراء متجعدة. وقد تأخر رحيلنا لانتظار الجملين اللذين خلفناهما، فقضينا وقتًا في جمع الحطب، وكان الجو شديد الحر بعث التعب بسرعة في أوصال الجمال، وهذه الأرض مشابهة للمسافة الواقعة بين بو الطفل والظيغن، وقد أمكنني بفضل هجيني أن أتأخر عن القافلة، فأقوم بعمل بعض الملاحظات دون أن أهيج سوء ظن رفقائي في ما أفعل، واضطررنا لحط الرحال في ساعة مبكرة نظرًا لحال الجمال.
الجمعة ?? أبريل

قمنا الساعة الثانية صباحًا ووقفنا في منتصف الساعة العاشرة صباحًا، ثم سرنا في منتصف الرابعة وانتهينا من السير الساعة الثامنة، فكان ما قطعناه ?? كيلومترًا، أعلى درجة للحرارة ?? وأقلها ??، وذلك بعد منتصف الليل بنصف ساعة، وكان الجو صحوًا جميلًا وهبت ريح باردة من الجنوب الشرقي في الصباح، وسكنت عند الظهر، وسارت في الساعة الرابعة وفي المساء تغير اتجاهها إلى الشمال الشرقي.
وفي الساعة الرابعة اخترقنا جهة متجعدة منثورة بالحجارة، وفي الساعة السادسة دخلنا السريرة مرة أخرى فانبسطت الأرض وطلعت الشمس الساعة السادسة، فرأينا ذات اليمين وذات اليسار تلالًا رملية تبعد عنَّا من ?? إلى ?? كيلومترًا، ورأيت خُطَّافًا في الصباح وصقرًا في العصر، وفي الساعة الرابعة وثلث قطعنا أكوامًا منخفضة من الرمل، ورأينا جارة سوداء ممتدة قليلة الارتفاق على بعد ?? درجات من جنوب الجنوب الشرقي.
وكانت هذه المرحلة أردأ مراحل السفر، لاشتداد الحر والبرد؛ فقد زاد الحر في الظهر حتى عاقنا عن السير، واشتد البرد في الليل فصعب علينا المسير؛ ولذلك قسمنا المرحلة قسمين، فكنا نبدأ السير بعد منتصف الليل ونستريح في حمارة القيظ، وضايقنا ذلك لعدم تمكننا من إتقان حزم الحوائج في الظلام. وتحسنت حال الجمال اليوم، وكان رابع أيام الشهر العربي، والبدو يقيسون الجو على ذلك اليوم، معتقدين أن جو بقية أيام الشهر يُطابق جوَّه، وقد صدق هذا القياس هذه المرة.
السبت ?? أبريل

قمنا في منتصف الساعة الثالثة صباحًا، وفي الساعة السادسة دخلنا جهة صخرية امتدت بنا إلى مسافة ?? كيلومترًا، واجتزنا إلى اليسار جارة «كودي»، ودخلنا السريرة في الساعة التاسعة تكتنفنا عن بعد تلال الرمل ذات اليمين وذات اليسار.
ومرض أحد الجمال عقب بدئنا في المسير ورفض أن يستمر في سيره رغم رفع أثقاله، وتركنا بدويين يحجمانه، ولكن مساعينا في مداواته ذهبت أدراج الرياح فاضطررنا إلى ذبحه.
جبال أركنو.
وحظرت على البدو أن يأكلوا لحمه، ولكن اثنين من التبو انتهزوا فرصة وقوفنا ظهرًا، ورفعا الأحمال عن جمليهما ثم رجعا لتجفيف لحم الجمل وتركه حتى يعودا من العوينات، فكان ذبح الجمل وانتظارنا العبدين سببًا في تأخيرنا ساعة.
ولم ينم رجالي الليلة السالفة إلا قليلًا وظهر عليهم التعب بعد شروق الشمس، ولكن الذي أنهك قوى الرجال والجمال لم يكن في الحقيقة إلا اشتداد الحرارة بين الظهر والساعة الرابعة. وبدأنا السير في منتصف الساعة الخامسة، وكل أفراد القافلة متعبون بطيئو الخطو، ورأيت صقرين ومراقد حديثة للطير فوق الرمال.
الأحد ?? أبريل

كان سيرنا في أرض منبسطة صلبة الرمال، نعثر فيها من وقت لآخر ببعض التلال الرملية المغطاة بالصخور السوداء، التي يتراوح ارتفاعها بين ثلاثة أمتار وعشرة، وفي منتصف الساعة السادسة، رأينا سلسلة من التلال على يسارنا، تقطع سبيلنا في امتدادها من الشمال إلى الجنوب الغربي، وفي الساعة الثامنة دخلنا أرضًا جميلة ظللنا نسير فيها عامة اليوم، وعثرنا فيها على بيض نعام مهشم، واسم هذه الناحية «وادي المراحيج».
وقد أتقنا تحميل جمالنا ذلك اليوم، ولكن الرجال ما زالوا مجهودين، وقد تخلف الكثيرون عن القافلة ليغنموا نصف ساعة يغفون فيها، ثم يلحقون بها عند استيقاظهم، وأحضر لي بوكاره نسرَيْن صغيرَيْن لَقَطَهُمَا من عُشِّهِمَا في قمة جارة، فأمرته أن يرجعهما وأشرفت على ذلك بنفسي.
ومرضت هجيني فاضطرتني إلى رفع حملها وسرجها طول بعد ظهر اليوم، وحططنا الرحال عند الظهر فنام رجالي ملء جفونهم وغط غطيطهم، ولم يرقني هذا النوع من السفر الممل، ولكنا كنا مثابرين على كل حال.
الاثنين ?? أبريل

قمنا في منتصف الساعة الثالثة صباحًا ووقفنا الساعة التاسعة وربع صباحًا، وقمنا الساعة الرابعة إلا ربعًا ووقفنا الساعة التاسعة مساء فقطعنا ?? كيلومترًا، وكانت هذه المرحلة أشد المراحل إنهاكًا لقوانا، فإنا لم ننم في اليوم أكثر من أربع ساعات مدة ثمانية أيام، ولم نكد نبدأ السير حتى تخلف الرجال دفعة واحدة لاغتنام نصف ساعة إغفاء، تاركين جمالهم تتبع النور الضئيل الذي ينبعث من مصباح الدليل، ولم أتمكن من الاستمتاع بهذه الغفوة خشية مني على أجهزتي أن يصيبها شيء، وكنا قد حَمَّلْنا الجمال في الظلام فلم أكن واثقًا من دقة التحميل، وخفت أن تنحل بعض الأربطة فيتكسر من حوائجي جهاز علمي أو آلة تصوير.
وحدث في فترات متتابعة أن تقف الجمال واحدًا بعد الآخر فتبرُك وترفض النهوض، فيأتي أحد عبيد التبو، ويضغط بإبهامه على عرق خاص في جبهة الجمل، فيعيد إليه قواه ويبعثه على السير، وكنا نجهد في قطع تلال الرمل العالية الشديدة الانحدار، فرأينا أمامنا بغتة جبالًا قائمة كقصور القرون الوسطى، وقد أحاط بها ضباب الصباح حتى كاد يخفيها عن الأبصار، وسطعت الشمس بعد قليل على هذه الجبال، فصبغت لونها الرمادي بلون الورد، وتخلفت عن القافلة، فجلست مدة نصف ساعة على تل رملي، ثم تركت عقلي وقلبي يشربان حسن هذه الجبال البديعة.
لقد وجدت ما كنت أنشده، فقد كان ما رأيت جبال «أركنو»، وكانت تلك الساعة مشهودة في تاريخ رحلتي، فيها نسيت ما لقيت من المصاعب وما أتوقعه من المخاطر، في تلك الساعة بل في تلك اللحظة، نسيت ساعات طويلة من الألم، بل أيامًا عديدة أضناني فيها الجهد والتعب، في لحظة واحدة نسيت الأهوال التي تجشمتها والعقبات التي ذللتها لأصل إلى تلك الواحة المجهولة المفقودة، إلى تلك البقعة الصغيرة المنيعة الضائعة، في هذه الصحراء الفسيحة القاسية الجافة القاحلة.
رأيت جبال «أركنو» عن بعد، فرأيت طلائع النجاح والتوفيق، فقد كانت واحتها إحدى الغايات التي رميت إلى اكتشافها.
وظللنا نتصعد ونتصوب بين تلال الرمل في ساعات الليل الباردة، السابقة لطلوع الفجر، حتى إذا بان خيطه وأصبحنا عند آخر تل من تلال الرمل، اختفت جبال أركنو بغتة كأن ستارًا أُسدِل عليها دفعة واحدة، فزال باختفائها عن عيني ذلك المنظر الرائع الذي لم ترَ عيني مثله في صحراء ليبيا منذ تركت السلوم، فقد كانت جبال أركنو فريدة في جمال مناظرها خلبت لُبِّي حتى خُيِّل لي أنني لا أسير في الصحراء.
الثلاثاء ?? أبريل

كان اليوم الحادي عشر بعد المائة من تركنا السلوم والأربعين بعد المائة من تركنا القاهرة، وكان سيرنا في أرض حرة متموجة، وفي الساعة الخامسة صباحًا اجتزنا تلالًا رملية، ثم سرنا في أرض حجرية صلبة مغطاة بالحصى، وكان على بعد مائة متر من شمال أركنو تل عظيم من الخراسان يبلغ طوله كيلومترين وارتفاعه زهاء المائة متر، وبزغت الشمس فكان شروقًا بديعًا، امتزجت فيه الظلال الذهبية بقطع من السحاب رمادية اللون، وهدأت ريح الصباح الباردة فدفئ الجو.
وجبل أركنو كتل من الجرانيت، خالط سطحه الرمادي اسمرار يضرب إلى الحمرة، وهذا الجبل قائم في مدى طوله على ارتفاع واحد يبلغ ??? متر من سطح الصحراء، وهو مكوَّن من سلسلة كتل مخروطية الشكل متلاصقة القواعد، وقربنا منه من أقصى جهاته الغربية، وكنا في تقدمنا إليه لا نستطيع معرفة مدى امتداده، وكانت أبعد نقطة نراها منه في ذلك الاتجاه قنة مرتفعة، وسرنا حوله من جهة الركن الشمالي الغربي، فأصبنا مدخل الوادي الممتد إلى جهة الشرق، وكان في هذه الناحية من الصحراء شجرة منفردة من النوع الذي يسميه الجرعان «أركنو» ويسميه البدو «صرخه»، ومن هذه الشجرة اتخذت الواحة اسمها.
ونصبنا خيامنا على مقربة من الشجرة، ولم يكن ذلك بالموقع الحسن؛ نظرًا لكثرة «قَرَد» الجمال التي تعيش في ظل الشجرة والتي وفدت علينا أسرابًا عند اقتراب الجمال، واضطررنا إلى ضرب خيامنا على مسافة من الشجرة تفاديًا من «القَرَد»، وإن آثرت البقاء في ظل الشجرة عن الفتك بالجمال. وقد لقطت ذات مرة قردَة من هذا القَرَد فكانت كقطعة من الخشب المتحجر وضربتها بعصا فتكَّت كأنها قطعة من الحجر، أوشحت بوجهي عنها مدعيًا الانشغال بشيء آخر، فمضى عليها زهاء الأربع دقائق حتى بانت الحياة في حركتها؛ لأن القَرَدة تعلم بغريزتها أن سلامتها في ادعائها التحجر، ثم انتهزت فرصة غفلتي عنها فمرقت في سرعة البرق، وتغنى القَرَدة عن الجمال إذا عزَّ الوصل إليها؛ لأنها تمتص دم الجمل حتى تنتفخ ثم تعيش على ذلك سنينًا، كما يقول البدو، ولكني لا أظن ذلك يتجاوز بضعة أشهر.
وما كدنا نستقر، حتى أرسلت الجمال إلى الوادي لتشرب وتحمل إلينا الماء، وكنا في حاجة شديدة إليه، ولحقنا بعد ساعتين من ضرب الخيام ذلك العبدان اللذان تخلفا، وأحضرا جانبًا من لحم الجمل المذبوح، فكان منه عشاء شهي لرجال القافلة، وَهبَّت ريح شديدة ساخنة استمرت طول النصف الثاني للنهار.
صورة جبال العوينات.
وحدث لي أني بينما كنت أستريح في خيمتي شعرت بغتة بشيء يلمس أذني، فحاولت أن أذوده دون أن أتعرفه، وبعد ذلك بدقائق هبت عاصفة ريح من خلال جوانب الخيمة، وكنت قد رفعت جانبًا منها بقصد التهوية، فأحسست شيئًا يمرق محتكًّا بجسمي فقبضت عليه، ولكنه أفلت من يدي لحسن حظي وراحة بالي، فقد كان ثعبانًا طوله زهاء الأربعة أقدام، وقد أمسكه رجالي بعد ذلك وقتلوه.
وأقام الرجال بعد ظهر اليوم مسابقة في إصابة الأهداف، بدأت تسلية، وصارت كبيرة الأهمية حين وضعت ريالًا مجيديًّا للفائز، ونال الجائزة السنوسي أبو جابر على قصر نظره، وعبَّر حامد عن شعور المتسابقين حين قال عن نفسه: «لقد كان للمجيدي تأثير شديد في نفسي، وهاج أعصابي فلم أصب الهدف الذي لم أخطئه من قبل.» وقمت بعمل بعض أبحاث، وأخذت صورًا فتوغرافية وداويت أسنان الدليل.
وبغتنا منظر الجرعان، وهم قبائل السُّود الذين يعيشون في تلك النواحي، فقد ظهروا فجأة من الوادي وتقدموا إلينا فحجزناهم للعشاء.
ولم يكن أحد منا يحلم بوجودهم قبل أن يظهر، فإن الجبل يبدو موحشًا خاليًا حتى لا يظن أحد أنه يحوي واديًا خصبًا مأهولًا، والحقيقة أن أركنو لا تظل مسكونة طول السنة؛ لأن واديها يحوي خضرًا يانعة، ترعاه الإبل بلا راعٍ. وتفسير ذلك أن البدو وعبيد التبو والجرعان يُحضِرون جِمَالهم إلى ذلك الوادي في فصل الكلأ، فيسُدُّون منافذ الوادي بالصخور ويتركونها ترعى مدة ثلاثة أشهر بغير رعاة. وقد قال لي محمد الدليل: «إن أصحاب الجمال إذا عادوا إليها بعد تركها في ذلك الوادي كان شحمها في سمك قبضتي اليدين.»
الأربعاء ?? أبريل

أحضرت لنا قبيلة الجرعان التي تعيش في الوادي نعجة ولبنًا وسمنًا بمثابة ضيافة، وجاءوا بقطيع أغنامهم إلى مضرب خيامنا حتى يحلبها الرجال، وركبت بعد الغداء مع السيد الزروالي، وبوكاره إلى وادي أركنو، وهو «كركور» أعني: وادٍ ضيق متعرج يمتد في الجبال مسافة ?? كيلومترًا، ويحوي الحشيش والعوسج وبعض الأشجار. وزرنا كوخ الجرعان، حيث صورت بنتًا وولدين من أفراد الأسرة، وكان الولدان في ثياب بيضاء، وهي شارة أبناء الشيوخ، وعدت إلى خيامنا فأرسلت قماشًا ومناديل وأرزًا هدية مني للأطفال الثلاثة.
وعزمت على الإقامة ثلاثة أيام أخرى في أركنو؛ لأن المرعى كان خصيبًا، والجمال لم تزل متعبة من ذلك السفر الشاق إلا هجيني فإنها كانت على ما يرام.
والتقطت بعض الحجارة كعيِّنات جيولوجية، فهجت بذلك ريبة بعض رجالي؛ لأنهم ظنوا أن هنالك ذهبًا فيما التقطت من الحجارة، وإلا لما كلفت نفسي مشقة حملها إلى وطني.
الخميس ?? أبريل

في أركنو، أعلى درجة للحرارة ?? وأقلها ?، الجو صحو معتدل والريح ساخنة قوية، تهب من الجنوب الشرقي، وقد هُدِمَتِ الخيام مرتين، وأرسلنا الجمال ترعى وتشرب، وكان يومًا شديد الحر بلغت درجته داخل الخيمة ??? درجة فهرنيت، وكان قيامي بالأبحاث والأرصاد صعبًا؛ نظرًا لاشتداد الريح، ولم أمَلَّ إلى القيام بها مستترًا خلف الخيام؛ خوفًا من إثارة الفضول والريبة، وسكنت الريح في المساء، فأعاضتنا الطبيعة عن اليوم الحار المحرق ليلة رطبة النسيم باهرة القمر، ورقص بوكاره وبقية الرجال وغنوا حتى منتصف الليل.
معسكر الرحالة بالعوينات.
الجمعة ?? أبريل

إن أركنو أولى الواحتين المجهولتين اللتين كان من حسن حظي أن أحدِّد موقعهما على الخريطة، وكان هنالك قبل ذلك إشاعات متواترة بوجود واحتين قريبتين من ركن مصر الجنوبي الغربي، ولكن المكان الذي وُضِع لهما بالحدس والتخمين كان بعيدًا عن موضعهما الحقيقي بمسافة تتراوح بين ?? و??? كيلومترًا، ولم يكن حدد موضعهما أحد بعد أن رآهما رأي العين.
وقد أظهرت ملاحظاتي أن أركنو تقع على: ?? ثانية، ?? دقيقة، ?? درجة من خط العرض الشمالي، وعلى: ?? ثانية، ?? دقيقة، ?? درجة من خط الطول الشرقي، وأن ارتفاعها عن سطح البحر ??? مترًا عند سفح الجبل. فهي والحالة هذه، داخلة في الحدود المصرية، والأهمية العظيمة لهذه الواحة — ولواحة العوينات كذلك — فيما تمهده في سبيل استكشاف الركن الجنوبي الغربي لمصر، الذي لم تكن وصلته بعد أية دورية حربية أو قافلة مسافرة، ولم يكن أحد يعلم بالتحقيق بوجود موارد للماء يُعتمَد عليها في قطع ذلك الجزء من الصحراء.
مطبخ القافلة في مغارة العوينات.
ويظهر أن مياه أركنو دائمة وصالحة للشرب، وإن لم تكن من الجودة بحيث يتمنى واردها، ولأركنو ميزة حربية يمكن الاستفادة منها في مقبل السنين؛ نظرًا لوقوعها في ملتقى خطي الحدود الغربية والجنوبية لمصر، وأركنو والعوينات تختلفان عن بقية واحات الصحراء المصرية الغربية في أنهما ليستا منخفضتين في الصحراء يتسرب إليهما الماء من باطن الأرض؛ لأنهما بقعتان جبليتان، تجتمع مياه الأمطار في حيضانهما الصخرية.
وسلسلة جبال أركنو حسب ما رأيتها تمتد ?? كيلومترًا من الشمال إلى الجنوب و?? كيلومترًا من الشرق إلى الغرب، ولكن الفرص لم تُتِح لي فأستكشفها من الجهة الشرقية؛ ولذلك لا يمكنني أن أجزم بعدم امتدادها في تلك الجهة إلى أبعد مما ذكرت؛ لأني عاينتها بقدر ما وصل إليه بصري من موقفي في الصحراء، عند سفح الجبل الغربي. وربما كانت جبال أركنو من جهة الشرق مستمرة الامتداد على شكل سلسلة من التلال، تبدأ جبال العوينات عند نهايتها من الجنوب، وقد تمكن الفرص غيري من استكشاف الأجزاء الشرقية لهاتين الجهتين الصخريتين أكثر مما أمكنتني حين زرتها مزودًا بما كان معي من الوسائل.
وأقرب الأصقاع المعروفة إلى أركنو والعوينات من الجهة الشرقية — أو الجهة الشمالية الشرقية على الأصح — هي الواحات الداخلة على بعد ??? كيلومتر أو ما يقرب من ذلك. ويزعم الناس أنه كان ذلك طريق قديم بين مصر وتينك الواحتين، ولكن السفر من الواحات الداخلة إلى أركنو والعوينات مشروع كبير يستغرق ?? يومًا تقريبًا.

الفصل السادس عشر
إلى واحة العوينات


السبت ?? أبريل

قمنا في منتصف الساعة العاشرة مساء، وقضينا لأول مرة طول الليل في السير، وحططنا الرحال الساعة السابعة من صباح يوم ?? أبريل، فقطعنا ?? كيلومترًا، وكان الجو صحوًا جميلًا، وهبت ريح ساخنة قوية، طول النهار من الجنوب الشرقي، واستمرت الريح تهب من هذه الناحية طول الليل، ولكنها كانت دافئة، وكانت الأرض سريرة كثيرة الحجارة الكبيرة، فآذت الجمال في السير، وفي الساعة السادسة صباحًا وصلنا الركن الغربي لجبال العوينات، وحططنا الرحال بعد ساعة.
قضينا اليوم هادئين، فاسترحنا استعدادًا لمرحلة الليل، وأرسلنا في المساء رجالًا يجلبون الجِمال من مراعيها، واستأجر بوكاره جملًا من أحد العبيد التبو، وكان قصده من ذلك أن يريح جمله الذي أراد أن يبيعه بثمن غالٍ في نهاية الرحلة، وقد استخدمت ثلاثة من عبيد التبو، واستأجرت جمالهم لمرافقتنا في هذه الرحلة؛ لأني رأيت وسائل النقل غير وافية، فقد لاحظت أن حوائجنا كانت ثقيلة أنهكت قوى الإبل بعد تركنا الكفرة.
وجاءت الجمال في الساعة الثامنة، وبدأنا السير بعد ذلك بساعة ونصف ساعة، وكانت الأحمال خفيفة على الجمال هذه المرة؛ لأنَّا لم نحمل ماء من أركنو؛ لأنه رديء الطعم عَسِر الهضم، أحدث ثلاث إصابات من الدوسنتاريا بين رجال القافلة، وقد امتطى المرضى ظهور الجمال منذ بدء المرحلة، وتناوب بقية الرجال الركوب أثناء الليل، وبدأنا المسير أمرح ما نكون خاطرًا، وانبعث الغناء من نفس طروبة، فانضم إلى صاحبها بعض الرجال، وغنَّى الجميع ورقصوا وصفَّقوا بأيديهم متوافقين، بينما كانت الإبل تجدُّ في المسير، وكانت الأغنية كلمات مرددة ترجع بصوت قوي النبرات تختلف أنغامه في الشطرين، وهي:
إن كان عزيز عليه الأنظارحتى لو باعد بالدار وظل الرجال يطيلون في ترجيع هذه الأغنية حتى انتهوا منها بصرخة فجائية، وكنت أنصت إلى إنشاد الرجال، وأنا أوقع ضروبه بسوطي، فلما فرغوا صِحْتُ على الرجال «فرغوا بارود»؛ أي: أطلقوا النار إعلانًا للسرور، ثم أخذنا بعد ذلك مواضعنا من القافلة وسرنا مبتهجين.
وللسفر بالليل ميزات خاصة، فإن المسافر إن لم يكن منهوك القوى، يشعر بسرعة فوات الوقت أكثر مما يشعر به أثناء النهار، والنجوم رفقاء مسلون لمحب الطبيعة، وبدت لنا بعد ذلك عند الأفق قطع جبال العُوَيْنات القاتمة، وإنه لأسهل على المسافر أن يسير إلى قصده وهو ماثل أمامه من أن يضرب في ذلك المنبسط من الصحراء، الذي تتشابه فيه جميع الجهات، ويظل فيه الأفق على بعد سحيق لا يقرب مداه.
وظللنا نقترب من تلك الجبال، حتى بزغت الشمس، فصبغت قممها، وذهبت حواشيها وألقت خلفها من ناحيتنا ظلًّا كثيفًا أخذ يتقاصر، ويرتد إلى سفحها شيئًا فشيئًا، بينا كنا نتقدم إليها.
وبعد طلوع الشمس بقليل، كنا أمام الركن الشمالي الغربي لهذه الجبال، وبعد ذلك بساعة حططنا الرحال في ظل جوانبها الصخرية، وأمكننا في هذه الجهة من الجبل، أن نتحقق [من] وجود بئر في نهاية أحد الكهوف، فنصبنا الخيام في مدخل ذلك الكهف، ولم تمضِ منا عشر دقائق حتى كنا غارقين في سبات عميق؛ لأنا كُنَّا في حاجة شديدة إلى النوم بعد سفر استغرق منا طول الليل، ومع هذا، فإنا لم ننل من النوم بقدر ما انتظرنا؛ لأنا صحونا عند الظهر نهيئ أسباب الغداء. والمثل الفرنسي «من ينم يغن عن العشاء.» ينطبق في بعض الأحوال، ولكنا نحن أهل الصحراء، نظن أن النوم والتغذية معًا أمتع للنفس إذا نالهما الإنسان في وقت واحد، وكان لنا شغل شهي في الاهتمام بشيِّ قِطَع من الشاة التي ضافنا عليها الدليل محمد احتفالًا بالوصول إلى العوينات.
وقضيت اليوم في زيارة البئر الواقعة في الكهف الموجود على جانب الجبل، وفي عمل بعض الأبحاث والاستطلاعات والتفرج على الجهات المجاورة، وفي هذه الجهة يزيد ارتفاع الجبل حتى يصير صخرة قاتمة قد تكدست عند قاعدتها الحجارة المتناثرة من كبيرة وصغيرة. وقد توالد على هذه الحجارة لطمات الريح ومياه الأمطار في ماضي السنين، وتتابعت عليها سافيات الرمال حتى أصبحت ناعمة الملمس، مستديرة الأشكال، أحق بها أن تكون في مقاليع رماة القرون الخالية، يصيبون بها ضاريات الوحوش أو يتقاذفون بها في ألعابهم الخشنة.
وتقع عين الماء على بعد أمتار من مضرب الخيام، في ثغرة اتخذت من الصخور العظيمة التي تحيط بها حوائط وسقفًا، وهي منبع عذب الماء أربده الظل، فكان برودًا زلالًا.
وفي الصحراء نوعان من موارد الماء، العين، وهي المنبع الفياض، والبئر وهي المكان الذي ينبجس منه الماء بعد الحفر في الرمل، وقد أُطلِق على منابع العوينات كلمة عين وإن كانت أحواضنا تجتمع فيها مياه الأمطار، ويقال: إن بجبال العوينات سبع عيون، رأيت منها أربعًا قبل استئناف السفر، وسمعت ذلك، أن بهذه الناحية بئرين ولكني لم أرهما، وحل المساء فكانت القافلة أنعش ما يكون وأبهج، فرقص الرجال وغنوا، كأن ليس أمامهم أيام مجهدة يشقون فيها بصهيد الرمل ولفح السموم.
الاثنين ?? أبريل

صحوت مبكرًا وذهبت مع السيد الزروالي، وعبد الله، ومحمد ملكني التبوي، إلى العين الكبيرة في قمة الجبل، بعد أن صعدنا ساعة ونصف ساعة فوق أرض صخرية، والعين ثرَّة بالماء القراح يوشع جوانبها قصب رقيق، قطعت منه قليلًا واتخذت منه مقابض لمباسم التبغ تحيل الدخان باردًا لذيذًا. وفي المساء، امتطيت هجيني وصحبني ملكني والسنوسي أبو حسن وسعد لاستكشاف الواحة، وكانت ليلة مقمرة، يهب فيها نسيم دافئ من الجنوب الشرقي، وسرنا في السريرة أربع ساعات ونحن ندور حول الركن الشمالي الغربي للجبل، ثم دخلنا عند منتصف الليل واديًا امتدت فيه سلسلة من التلال عن يسارنا، وقام عن يميننا ذلك الجبل ذو المناظر الغريبة بأشكال صخوره وأوضاعها، وأرض الوادي من الرمل الناعم، تتناثر فوقه حجارة كبيرة كانت تعوق في بعض الأحيان سير الجمال.
ورأيت الرجال قد فترت عزائمهم فأوقفتهم بضع دقائق تناولنا فيها بعض أكواب من الشاي، الذي حملته معي في زجاجة «ترموس»، ثم اندفعنا في السير، وقد انتعشت قوانا وكان في سحر الليل وضوء القمر وجمال الجبال ما هاج خيالنا وسما بأرواحنا.
وفي الساعة الخامسة صباحًا انبسط الوادي، فصار سهلًا من الرمل المنداح، قامت على جانبه الشمالي الشرقي تلال، يتراوح ارتفاعها بين ?? أمتار و?? مترًا، وملنا دفعة واحدة صوب الجنوب حول قاعدة الجبل، فطلع الفجر ووجبت صلاة الصبح فبركنا الجمل وتيممنا، ثم وقفنا فوق الرمال، مولين الوجوه شطر البيت الحرام.
وليست الصلاة في الصحراء إطاعة عمياء لتقاليد الدين، وإنما الغريزة هي التي تدفع الإنسان إليها، إعرابًا عما تشعر به النفس نحو الخالق من شكر واسترحام، والصلاة في الليل تبث الهدوء والسكينة، فإذا طلع الفجر ودب الانتعاش في الأوصال، ارتفعت الرءوس إلى الخالق؛ شكرًا على ما أودع الكون من جمال واستدرارًا لرحمته وهديه في اليوم الجديد، ولذلك يؤدي الإنسان صلاة الصبح؛ لأنه مندفع إليها لا مسوق.
إعداد قِرَب وفناطيس المياه للسفر من العوينات لأردي.
وفي الساعة السابعة، دخلنا واديًا واسعًا يمتد إلى الجنوب الشرقي وتقوم الجبال على جانبيه، وأرض هذا الوادي منبسطة انتثرت عليها الحشائش التي ظهرت بينها أشجار «الميموزا»، وشجيرات أخرى، ينبعث منها عند سحقها رائحة زكية تشبه رائحة النعناع، وكانت الأرض تكتسي من وقت لآخر بساطًا من النباتات الزاحفة، ومن الحنظل، وهي مساحات ممتدة من الأوراق الخضراء، ترصعها كرات صفراء شديدة اللمعان كأنها نوع كبير من الليمون الحلو، ومن الحنظل يصنع التبو والجرعان ما يسمونه «عبره»؛ وهي أهم أنواع طعامهم الذي يعملونه بغلي حبات الحنظل حتى تضيع مرارتها وسحقها بعد ذلك، مع التمر والجراد، في هاون من الخشب.
وظللنا نتقدم في الوادي مدة ثلاث ساعات، ثم حططنا الرحال في الساعة العاشرة مجهودين، ولكن غير ساخطين فأكلنا أرزًا شهيًّا وشربنا الشاي، وتفيأنا ظل مرتفع من الأرض نريغ غفوة قصيرة، وكان نومًا متقطعًا لما أصابنا من لسع أسراب الذباب، وانتقال ظل ذلك المرتفع؛ مما اضطرنا إلى تغيير مواضعنا من وقت لآخر.
وفتحت عيني، فأبصرت شبحًا قائمًا بالقرب مني كأنه طيف حلم لذيذ، وكانت صبية فتانة من بنات الجرعان، هيفاء القد بديعة القسمات لم ينقص من رشاقة قدها ما كان عليها من ملابس بالية، وكانت تحمل جرَّة لبن فقدَّمتها إليَّ وجلال الخجل في نظراتها، ولم يسعني إلا أن أقبل الهدية، فجرعت منها شاكرًا حتى إذا انتهيت من شربي، سألتني دواء لأختها العاقر فأظهرت عجزي، ولكنها لم تعتقد صحة قولي ظنًّا منها أني أحمل في حوائجي أنجع الأدوية، ولما ضاقت بي الحيلة في سبيل الخروج من هذا المأزق، لم أجد مخرجًا غير تلك الأقراص من اللبن المركز الذي يشفي من العلل، ما لا يصل إليه علمي، وأعطيتها بعد ذلك مجيديًّا، ومنديلًا من الحرير هدية مني إليها.
وجاءني أحد التبو بجزور من لحم الودَّان، وهو ضرب من الأغنام البريَّة فأعطيته شيئًا من المكرونة والأرز فمضى راضيًا.
وذهبت بعد الغذاء أشاهد بقايا تدل على إقامة الإنسان في العصور القديمة بهذه الجهات، وكنت أثناء إقامتي في أركنو قد حادثت أحد الجرعان، فخرجت من حديثه بمعلومات وافية عن سكان العوينات الحاليين، ثم سألته بعد ذلك إن كان يعلم شيئًا عن سكانها الأقدمين، فأجابني إجابة أدهشتني؛ إذ قال: «لقد عاش حول هذه الآبار شعوب مختلفة يرجع عهدها إلى ما لا تعيه الذاكرة، ولا يهولنك قولي إن الجن سكنت هذه النواحي في قديم الزمان.»
فسألته: «وكيف استدللت على إقامة الجن هناك؟»
فقال: «أوما ترى آثار تصويرهم على الصخور؟»
فكتمت دهشتي وسألته: «وأين ذلك؟»
فقال: «لقد وجدت في وادي العوينات تصاوير على الصخور.»
وحاولت أن أجرَّه إلى وصف أتم من هذا، فقال: «يوجد هناك كتابات ورسوم لجميع الحيوانات الحية، ولا يدري أحد أي قلم استعملوا؛ لأن كتاباتهم في الصخور عميقة، لم يقوَ الزمن على محو آثارها.»
وظللت أحاول كتمان تأثري، ثم سألته أن يصف لي مكان هذه النقوش، فقال: «إنها في أقصى الوادي عند تعرجه في نهايته.»
ووعيت ذلك، وبعد أن قضيت زمنًا قليلًا في الحصول على الماء، وهو ألزم شيء للقافلة، وبعد أن علوت قمم التلال أرتاد بنظري ما أحاط بها من الجهات، رأيتني في شوق شديد إلى الطواف حول الواحة، وكنت أعلم أن العوينات كانت محط قبائل التبو والجرعان في طريقهم شرقًا إلى مهاجمة الكبابيش والفتك بهم، وكان موقع أركنو والعوينات صالحًا لهذا الغرض لما غزر فيهما من الماء الذي تحتاجه هذه القبائل المغيرة، وكانت هاتان الواحتان من البعد عن الكبابيش بحيث لا يجسرون على محاولة الانتقام أو استرداد ما ابتزَّ من أشيائهم.
وتملكت رؤية تلك النقوش من نفسي، فصحبت ملكني الذي انضم إلى القافلة في أركنو، وقادني عند الغروب إلى أماكن تلك النقوش، وكان موقعها في جزء الوادي الذي ينحني قليلًا في نهايته، وكانت النقوش على الصخور قريبة من سطح الأرض، وقيل لي: إنه توجد نقوش أخرى تماثلها على مسيرة نصف يوم، ولكني لم أزرها نظرًا لضيق الوقت، وخوفًا من إثارة الشكوك، وكانت النقوش رسومًا لحيوانات خالية من الكتابة، وظهر لي أن راسمها كان يحاول أن يصور منظرًا من المناظر، ولم تكن من الدقة على شيء، ولكنها تنم عن ذوق فني، فقد كان مصورها يميل إلى الزخرفة؛ لأنه أظهر مهارة في نحتها، وإن لم يبن فيها أثر كبير لدقة الصنع.
وتناولت هذه الرسوم صور الأسود والزراف والنعام والغزلان والبقر، وكانت واضحة رغم فعل السنين بها، وعمق هذه النقوش في الصخر يتراوح بين ربع بوصة ونصف بوصة، وقد قل عمقها في نهاية بعض الخطوط، حتى إنه ليسهل مرور الأصابع على قرارها، وسألت عمن عساه يكون صانع هذه النقوش، فكان الجواب الوحيد الذي تلقيته من ملكني إبداء اعتقاده أنها من صنع الجن، وسأل: «أي إنسان يستطيع في هذه الأيام محاكاتها؟!»
النقوش على الصخور التي وجدها الرحالة في العوينات.
ولم أتمكن من استقاء الأخبار عن منشأ هذه النقوش الشيقة، ولم يتيسر لي العثور بما يُفسر أصل وسر وجودها، ولكن شيئين شغلا بالي، وهما أن الزراف معدوم في تلك الناحية في هذه الأيام، كما أنها لا تعيش في أي منطقة صحراوية كهذه، ولم أجد صورًا للجمال في هذه النقوش. والجمل هو الدابة التي ينتقل عليها الإنسان هذه الأيام، في تلك الأصقاع التي تبعد الآبار فيها مسير بضعة أيام عن البعض، فليت شعري أعرف سكان هذه النواحي القدماء الزرافة دون الجمل الذي يرجع عهد دخوله أفريقيا من جهات آسيا إلى حوالي ??? سنة قبل الميلاد؟
وبدأنا عودتنا إلى الخيام في منتصف الساعة السادسة، فصعدنا طريقًا متعرجًا في جبل شديد الانحدار، لا تتسع دروبه في بعض المواضع لأكثر من رجل واحد، والخطر شديد لمن يجتازها على ظهور الإبل، ووصلنا قنة هذه الطريق الجبلية، ثم انحدرنا إلى الصحراء المنبسطة عند سفح الجبل، وقد رأينا من القنة التي صعدنا إليها بعض قنن أخرى انتثرت حولها، وارتفعت عنها بقدر يتراوح بين ??? أو ??? متر، وقد أظهرت الجمال مهارة شديدة في الصعود إلى هذه القنة والنزول عنها رغم الظلام.
ووصلنا سفح الجبل في منتصف الساعة الحادية عشرة، فرأينا من الصلاح أن نريح الجمال، وحططنا الرحال في الساعة الحادية عشرة، فاسترحنا ساعتين وتناولنا الشاي وزارتنا أسرة من التبو كانت تعيش بالقرب من مناخنا، وغفونا قليلًا ثم صحونا منتعشين وكان النسيم رطبًا والسير في الصحراء المنبسطة استراحة طيبة بعد الجهد الشديد في تسلق تلك الصخور، ووصلنا مضرب الخيام في الساعة العاشرة صباحًا من يوم ? مايو، فاستقبلنا رفقاؤنا بطلقات البنادق.
الأربعاء ? مايو

وجدنا عند وصولنا إلى الخيام الشيخ هري، وهو شيخ الجرعان الذي يُطلَق عليه لقب ملك العوينات وشعبها المكون من ??? نفسًا، وكان قد جاء بالأمس يزورني، فانتظر عودتي وكان شيخًا لطيفًا مهيب الطلعة هادئها، وأحضر لنا شاتين ولبنًا «وعبرة» بصفة ضيافة، وكان في ذلك اليوم صائمًا رمضان، فألححت في بقائه لتمضية الليل معنا حتى أقوم بحق الضيافة نحوه أنا الآخر، وحادثته طويلًا، وكان لا يزال يحن إلى وطنه في شمال واداي يتنهد عند ذكره في حديثنا، وهري من أسرة الرزي إحدى قبائل الجرعان الحاكمة في شمال واداي، وقد اختار الكفرة منفى له عند دخول الفرنسيين واداي، وأقام في العوينات بعد ذلك، ووجدتني متعبًا بعد سير ?? ساعة لم أسترح فيها إلا ? ساعات، ولكن قواي انتعشت في المساء بعد حمَّام وعشاء طيب وإغفاءة قصيرة.
وكان بوكاره قد رتب مجلس غناء، فقضينا هزيعًا من الليل في سماع الأغاني البدوية والتبوية والسودانية.
الخميس ? مايو

جاءني «هري» بطاس من اللبن عند استيقاظي وشكرته، فهز رأسه حزينًا، وقال: «هذا كل ما يمكنني أن أقدِّمه وهو لا يليق بك، ولكن الهدية على مقدار مهديها، فاعذرنا إذا لم نفك حقك من واجبات الضيافة.» فأكدت له أن قيمة الهدية في المعنى الذي أُريد منها، لا في قيمتها الذاتية، وقضينا اليوم في عمل ترتيبات السفر الذي رجوت أن نبدأ به في الغد.
الجمعة ? مايو

اتفقت مع هري على أن يصحبنا إلى أردي بصفة دليل ثانٍ؛ لأن محمدًا لم يطأ هذه النواحي منذ سنين عديدة، وظننت أن هري أعرف بمفاوزها، وتروضت طويلًا بعد ظهر اليوم وصورت الجبال، وسمع بوصولنا أفراد قبائل التبو والجرعان الذين يعيشون في تلك الواحة، حيث يجدون المراعي الصالحة لدوابهم، فجاءوا لزيارتي ودعوت كثيرين للعشاء، فكانت ليلة مرح وطرب عددتها، من أبهج ليالي الرحلة.
ويجمل بي قبل أن أفرغ من وصف العوينات أن أقول شيئًا عن بوكاره، وهو من أمتع رجال القافلة صحبة وأكثرهم شاعرية.
كان بوكاره طويل القامة منسرحها صلب القناة، دائم المرح والطرب، مثالًا للبدوي الصميم، لا يسكت عن الغناء في الأوقات العصيبة من اليوم، سواء كان ذلك في بكرة الصباح بعد سير الليل أم في آخر الليل حيث يجهد السير رجال القافلة، فيكونون في حاجة إلى ما يرفه عنهم ويشجعهم على المضي، ولم أعلم أنه يدخن حتى رأيته ذات يوم، بينما كنت أمتطي جوادي، يجمع أعقاب السجاير من الموضع الذي قامت فيه خيمتي، فشاطرته سجائري بعد ذلك، وكان يروق لي أن أراه يغني ويرقص طربًا، كلما قدمت إليه علبة من تلك اللفائف الثمينة.
صبي من الجرعان بالعوينات.
وبوكاره من أكثر البدو الذين رأيتهم أسفارًا، فقد جاب واداي وبركو وبرنو ودارفور وهو لم يعدُ الثالثة والثلاثين من عمره، وقد ساعده الحظ في ماضيه فذاق الغِنى، ولكنه لا يملك اليوم إلا جملًا واحدًا، وقد أراغ المكسب حين انضم إلى القافلة واتفق مع أبي حليقة على أخذ شطر من أثمان الجمال عند بيعها في نهاية الرحلة. وهو يجيد أكثر لهجات القبائل السود، ويعرف الكثير عن هذه القبائل، كما أنه مقلد مدهش، أذكر ذات مساء يوم أنه التحف بقطعة من القماش الأخضر، الذي يُكوِّن قسمًا من خيمتي واتخذ منها «برنسًا» وتبعه سعد وحامد، وهما يقلدان ثغاء الشاة، ثم تقدَّم إلى مضرب الخيام، مدعيًا أنه شيخ بدوي قد أحضر شاتين بمثابة ضيافة، فضحكنا ضحكًا عاليًا، ونضا بوكاره تلك الخرقة الخضراء وانتزع حربة من أحد التبو، ثم طفق يرقص رقصًا حربيًّا تبويًّا، وساعده أحد التبو على الرقص بالإيقاع على أحد الفناطيس الخالية، وتبع هذا المنظر الغريب، مجلس غناء ترددت فيه أغاني البدو الشائقة في برقة وفزان وطرابلس.
فتاة تبوية بملابس البدو.
وبوكاره شديد الوله بزوجه، وقد قال لي عند وصولنا: «إني لأشعر الآن أني أحسن حالًا، ولكني بكيت بكاء الأطفال عند توديعي امرأتي في الكفرة، وهذه حالي دائمًا عند البدء في أسفاري غير أني إذا أنست إلى رفقائي، واستطيبت صحبتهم سهَّل عليَّ ذلك ألم الفرقة.»
ورأيت بوكاره ذات يوم يرفض امتطاء جمله، في ساعة لم يتمالك فيها إخوانه أن يصبروا على السير، فسألته: «لماذا لا تركب والجمال غير المحملة عديدة؟»
فأجابني، وفي صوته نبرة سخرية وتعنيف: «وماذا عسى تقول زوجي إذا سمعت أني ركبت بين أركنو والعوينات؟!»
وأخبرني أنه وُكِل إليه ذات مرة أن يصحب خمسين جملًا إلى العوينات لترعى، وكان وحيدًا، ونفد منه الزاد فقضى اثني عشر يومًا لا يذوق طعامًا إلا حب الحنظل، الذي أضر بجهاز هضمه، ثم قال: «ووصلت الكفرة، وكان الرجال الذين أرسلوني بجمالهم قد نسوا أن يتركوا لي طعامًا؛ لأنهم توقعوا وصولي قبل ذلك.»
فسألته: «وما الذي منعك من ذبح جمل تقتات به؟»
فقال لي بشمم: «وكيف أسمح لرجال الكفرة أن يقولوا: إن بوكاره لم يصبر على الجوع؛ فذبح جملًا من جمالهم؟!»

الفصل السابع عشر
السير ليلًا إلى أردي


الأحد ? مايو

قمنا في الساعة السابعة إلا ربعًا مساء وسرنا ?? ساعة قطعنا فيها ?? كيلومترًا، وكان سفرًا متعبًا، وكان هذا أمرًا متوقعًا في أول ليلة نقطعها في السير، ولم يكن الرجال قد تمكنوا من النوم أثناء النهار، بل كانوا أكثر اشتغالًا من العادة بتجهيز أسباب الرحيل، وكان علينا بالرغم من هذا التعب، أن نتعهد الأحمال ونُصلح وضعها من وقت لآخر، وطلع الفجر فدب الكرى إلى أجفان القوم، فأغفوا قليلًا.
وهرب منا أحد الجمال فعدا إلى العوينات، واضطر ملكني أن يترك القافلة عند منتصف الليل وينطلق في أثره، وكانت ليلة مقمرة في هزيعها الأخير، وهب نسيم بليل في الثالثة صباحًا.
ورعت الجمال وهي سائرة ما نجم في تلك الجهة من الحشائش التي يسقيها الماء المنحدر من الجبال، وحططنا الرحال، فوجدنا قربة من أجود قِرَبنا، قد تمزقت وضاع منها نصف الماء الذي تحويه.
وكان ذلك من سوء حظنا؛ لأنه لم يكن معنا ما يفيض عن حاجتنا من الماء في قطع هذه المرحلة التي كان علينا أن نسير فيها عشرة أيام قبل أن نصل إلى أول بئر في الطريق، ولم يظهر ملكني مع الجمل الهارب أثناء النهار.
الاثنين ? مايو

كانت السماء ملبدة بالغيوم طول النهار، وهبت ريح قوية من الشمال الشرقي وقرت عند الظهر، أعلى درجة للحرارة ?? ولم أتمكن من معرفة أقل درجة؛ نظرًا لسفرنا بالليل، والجو أبرد ما يكون في الساعة الثانية أو الساعة الثالثة صباحًا، وبدأت السير في منتصف الساعة السابعة مساء، ووقفنا قبل منتصف الليل بنصف ساعة قطعنا ?? كيلومترًا، وكانت الأرض ناعمة الرمل متموجة كثيرة «السبط» الجاف الصالح لرعي الإبل.
تباوي بمعطف من الفرو.
ولحقنا بعد الظهر أحد عبيد التبو على جمل يحمل الحوائج التي كانت على ظهر الجمل الهارب، وأخبرنا أن جمل ملكني رمى بحمله على الأرض وجرى إلى مراعي العوينات، وأن ملكني جادٌّ في طلبه، وحططنا الرحال ننتظر المتخلفين في جهة ناعمة الرمل، متناثرة الصخور والمراعي بالقرب من «جارة شِزُّو»، ولحق بنا ملكني بعد وقوفنا بقليل، ولكني صممت على عدم السير تلك الليلة؛ لأنا كنا في حاجة إلى الراحة.
الثلاثاء ? مايو

قمنا في الساعة الخامسة إلا ربعًا مساء في جو مقبض وسحاب كثيف، وأمطرت السماء قليلًا بعد ذلك بساعتين، فهلَّل البدو سرورًا وغنَّوا جمالهم؛ لأن عماد حياتهم الأمطار.
وكانت الأرض متموجة صلبة مغطاة بالحجارة والزلط الكبير، واجتزنا غرودًا صغيرة بعد قيامنا بقليل، ثم انبسطت الأرض بعد ذلك، ونعم رملها. وفي منتصف الساعة الرابعة صباحًا دخلنا جهة تكثر فيها كثبان الرمل العالية، فقطعناها في ساعة ونصف وبعد ذلك، انبسطت الصحراء ودخلنا السريرة، ووجدت في تلك الجهة قطعًا من بيض النعام.
وفي بكرة اليوم أخذ «أرامي» أخو ملكني كيسًا وذهب يلتمس الحطب، واسمه ينم عن قصته؛ لأن قبائل التبو والجرعان تطلق اسم «أرامي» على من قتل آخر، وكان قد أخبرنا أنه سيلحق بنا بعد ذلك، فلم ينشغل بالنا عليه، وزاد طمأنينتنا أنه يعرف الطريق حق المعرفة.
ولكنا بعد أن سرنا ساعتين، وأخذ الظلام يرخي سدوله شغلنا أمره، ووقفنا ننتظره وأطلقنا بنادقنا مرات عديدة ننبهه إلى موضعنا، ونادى الرجال باسمه بصوت عالٍ، فكان كل ذلك بلا جدوى، فالتفت إلى ملكني وسألته ماذا يزمع أن يعمله؟ فقال: «إن أخي مجنون، ولم يكلفه أحد بجمع الحطب، وقد ترك مضرب الخيام بدون أن يتناول فطوره، وربما دعاه الله إلى جواره، وإني إذا طلع القمر تركت أحمال جملي وعدت أبحث عنه، فإن كان حيًّا جئت به، وإن وجدته ميتًا دفنته ثم لحقت بكم.»
وكان يقول ذلك بلهجة طبيعية كأنما يتكلم عن أمر عاديٍّ، ورفعنا أثقال جمله، فوضعناها على ظهر جمل آخر، ورجع يلتمس أخاه.
وكان أرامي قد تخلص من بين براثن الموت مرات عديدة، فأمل الرجال أن يسلم هذه المرة كذلك، ولكن محمدًا كان يشك في سلامته؛ إذ قال: «إن الله رحيم، ولكني أظن أن أرامي قد سعى إلى حتفه.» وأشفقت أن يكون محمد صادقًا في نبوءته؛ لأن أراميًّا كان غريب الأطوار منذ بدء الرحلة، وسمعت أن ماءه نفد في بعض رحلاته من أردي إلى العوينات، فأحس عطشًا قاتلًا، ووصل العوينات نصف ميت، ومثل هذه الحادثة تترك أثرًا في صاحبها لا ينمحي فلا يعود إلى حالته الطبيعية إلا بعد زمن طويل.
وكنت قد لاحظت نظرات أرامي الغريبة الحائرة، فعجبت من أمره، وخفت إن لم يعد أن تكون الصحراء قد تملكتها القسوة، فطالبت بحقها منه.
وقد تطيح رءوس الرجال في السفر الطويل الخالي من الماء، من أثر الكلال، والعطش والتعب والأرق، فيسعون إلى حتفهم كما يقول البدو، ومعنى ذلك، أنه إذا غفل عنهم أصدقاؤهم ولم يسهروا على إبقائهم منضمين إلى القافلة، ضربوا في أحشاء الصحراء، غير آبهين حتى بالغريزة التي تدفع الجمل إلى الالتصاق ببقية جمال القافلة. فإذا عاد الهائم بعد ذلك بغتة إلى رشده، جلس حيث صحا، ولم يتحرك علمًا منه بأن أصحابه إذا التمسوه فلم يجدوه تعقبوا أثر القافلة، ثم أثره وسعوا لإنقاذه. وكنت قد قابلت في الكفرة رجلًا انقطع عن القافلة وهام على وجهه مدة ?? ساعة، ثم أنقذ غائب الرشد شديد التألم من العطش، قال لي ذلك الرجل: «إن الله كريم؛ فإني لم أكن من القوة إلا بحيث أديت صلواتي مبتهلًا إليه — جل وعلا — قبل أن يدهمني ما توقعته من الموت المحتوم.» ثم أضاف باسمًا: «ولكن الحياة والموت بإرادة الله.»
الأربعاء ? مايو

قمنا الساعة الرابعة وربعًا مساء ووقفنا الساعة العاشرة وربعًا وقطعنا ?? كيلومترًا، أعلى درجة للحرارة ??، سحاب صبير وريح ساخنة قوية من الشمال الشرقي تهب طول النهار، ثم تنقلب عاصفة رمل شديدة في الليل. رذاذ في الساعة السابعة مساء، واستمرت العاصفة من الساعة الثامنة إلى الساعة العاشرة، وكانت الأرض سريرة ناعمة الرمل في بعض المواضع، خالية من الأعلام والحشيش الجاف، ورأينا في بكرة الصباح أكوام رمل بعيدة عن يميننا، سرنا ?? ونصف ساعة في الليلة الماضية، ولكنا لم نكن شديدي التعب، ثم أفطرنا وغفونا أربع ساعات، فانتعشت قوانا، وأراد محمد أن نسير مبكرين؛ نظرًا لوجود «غرد» وعرفي سبيلنا لا يمكننا اجتيازه في الظلام، فقمنا الساعة الرابعة وربعًا نسير في سريرة منبسطة ويهب علينا نسيم بليل من الشمال الشرقي.
وشعرت فجأة في الساعة الثامنة بريح تهب في وجهي فذُعِرت؛ لأن الريح لا يتغير اتجاهها في العادة بغتة بهذه الصفة، أضف إلى ذلك أن درجة حرارة الريح لم تتغير، وبالرغم من هبوبها من الجنوب فإنها لم تكن دافئة، وهكذا كان في الأمر شيء من الغرابة، فرفعت بصري إلى النجوم، ولكن السماء كانت متلبدة بالغيوم من جميع نواحيها، فأخرجت بوصلتي وفزعت؛ إذ رأيت أننا نسير صوب الشمال الشرقي بدلًا من الجنوب الغربي، فوضح لي أن محمدًا طاحت رأسه كما يقول العرب، فقادنا في الاتجاه المضاد، وكانت ساعة عصيبة تتطلب حذقًا وحسن تصرف، فإن من الخطر أن تهدم الثقة في نفس الدليل، ونزلت عن جملي ثم امتطيت جوادي وغدوت إلى محمد في طليعة القافلة، وأدركت في طريقي إليه أن رجال القافلة وبينهم الكثيرون ممن اعتادوا المسير في هذا النوع من الصحراء، وألِفوا هذا الضرب من الطقس، كانوا يشعرون بأننا أخطأنا الطريق، ولكن آداب الصحراء تقضي أن لا يتداخل أحد في شأن الدليل بأية حال من الحالات؛ لأن الدليل في الصحراء كربَّان السفينة، مطلق التصرف في اختيار وجهة السير، ويجب استشارته كذلك في تعيين أوقات السير والوقوف.
القافلة تجتاز غرود الرمال بين العوينات وأردي.
وكنت لحسن الحظ قد سألت محمدًا قبل تركنا العوينات عن الاتجاه الذي سنتخذه وضبطت البوصلة على ذلك، وتقدمت إلى الدليل فوجدته مضطربًا تنقصه ابتسامته المألوفة، ولا يبدو عليه ما اعتدنا رؤيته من مظاهر ثقته بنفسه واعتماده عليها، وأريته البوصلة ثم أفضيت إليه بشكي في صحة الاتجاه، فلم يُجبني وذرع السماء بعينين متفرستين يتعرف موقع «الجدي» بلا جدوى؛ لأن السحاب كان يغطيه.
وفي هذه اللحظة أطفأ سراجَه هبوبُ العاصفة الآخذة في الثوران، وكانت القافلة قد لحقت بنا وعرف كل رجل فيها أنَّا ضللنا الطريق، ورُدَّ الرجال والجِمال من بعضهم إلى بعض والعاصفة تُسفِي الرِّمالَ في وجوهنا.
وكانت الريح شديدة، لا يكاد الإنسان معها يسمع صوت نفسه، فما بالك ببقية الأصوات؟! وتلاشت الثقة من نفس محمد وانعدمت انعدامًا تامًّا، ولحظت أثر ذلك من وجوه رجال القافلة، فقد كانوا جميعًا ممن ألِفوا السفر في الصحراء، وعرفوا معنى فَقْدِ الطريق في سريرة منبسطة من الصحراء، خالية من الأعلام، فقال الجميع بصوت واحد: «لا بد أن نحط الرحال حتى تصفو السماء.»
ولكني كنت أعرف خطر هذه السياسة؛ فإن الحائرين في مثل هذه الحال، يقضون الساعات يفكرون في حتفهم ويزدادون ضعفًا ويأسًا، وكان رأيي أن لا نقف، فقد كنت أثق ببوصلتي وتحققت مرات عديدة؛ إذ ضبطتها على الاتجاهات التي أشار إليها محمد.
وسكنت الريح لحظة فقلت بصوت هادئ فيه نبرة اليقين: «إنَّ هذه الريح تهب من الشمال شأنها في الأيام الماضية؛ لأنها لو كانت تهب من الجنوب لوجب أن تكون دافئة، وهذا هو نجم القطب، وهذا طريقنا السوي.» وأشرت إلى الموضع الذي يجب أن يكون فيه الجدي ما لم تكن البوصلة غير صادقة، ثم درت وأشرت إلى الطريق التي يجب اتباعها، فجمع محمد ما تفرق من نفسه، وقال: «جزاك الله خير الجزاء، إن الصدق ما تقول.»
وتقدم إليَّ السنوسي أبو الحسن الذي كان دليلنا إلى الكفرة، وأكد ما قررته بصوت عالٍ قائلًا: «والله إنك لتقول الصدق، وقد فكرت في هذا، ولكني لم أجسر على الجهر به؛ لعدم وجود الدليل على ذلك؛ نظرًا لاحتجاب الجدي خلف السحاب.» واكتفينا بهذا وأضأنا السراج بصعوبة شديدة، وتقدمت القافلة بين محمد وأبي حسن.
وانبعث من الظلام صوت يقول: «في أي اتجاه نسير؟» فأجابه بوكاره وهو يضحك: «دع الريح تلطم قفاك الأسود؛ فإنك لن تحيد عن الطريق السوي.»
وبعد قليل من الساعات، قبض محمد على يدي وصرخ فرحًا وهو يشير إلى تلال الرمل التي واجهتنا، ثم قال: «هاكم «الغرد» الحمد لله، إن الله رءوف رحيم.» وهكذا عاد للرجل طربه وسروره.
وفرَّت العاصفة بعد قليل، وكنا بين تلال الرمل، وصفت السماء إلى حد لم يعد يتمالك معها أشد رجال القافلة تشاؤمًا أن يشغل باله بأي خطر، ولكن ما أصابنا في هذه العاصفة من الحيرة والخوف، أظهر لنا ما يتعرض له قاطع الصحراء من الأخطار، ولم يكن الفضل في نجاتنا من هذا المأزق إلا للبوصلة التي كنت أحملها، ولم يرَ محمد الصلاح في قطعنا هذه التلال في الظلام، فحططنا الرحال حيث وقف بنا المسير.
الخميس ?? مايو

قمنا الساعة الرابعة وربع صباحًا ووقفنا الساعة التاسعة إلا ربعًا، ثم استأنفنا المسير في منتصف الساعة الخامسة مساء، ووقفنا الساعة السابعة من صباح ?? مايو فقطعنا ?? كيلومترًا، الجو صحو معتدل، وهبت ريح باردة قوية في بكرة الصباح ثم ضعف هبوبها بعد ذلك، أعلى درجة للحرارة ??، الأرض ملأى بتلال الرمل الناعم الخطرة في بعض المواقع، ويمتد مسافة كيلومترين ثم تنبسط الصحراء. وفي منتصف الساعة السادسة مساء، دخلنا منطقة تتناثر فوق أرضها ركام الحجارة سوداء وبيضاء شأن الصحراء قبل الكفرة، وفي الساعة الثالثة صباحًا من اليوم الحادي عشر دخلنا منطقة من الحشيش الجاف في أرض منبسطة من الرمل الناعم، وفي منتصف الساعة الخامسة صباحًا اجتزنا جهة تكثر فيها تلال الرمل.
وقد تحققنا حين قطعنا «الغرد» في الصباح من الخطر الذي كنا نستهدف له لو أنا حاولنا قطعها في الظلام، فقد كانت هذه التلال شديدة الانحدار، ناعمة الرمل، وكانت الجِمال تغوص إلى رُكَبها، فيضطر الرجال إلى تخفيف أحمالها ومساعدتها على النهوض، وقضينا في قطعها ثلاثة أرباع الساعة، ثم وقفنا عند الساعة التاسعة صباحًا وقد فتك بنا الجوع؛ لأنا لم نذق شيئًا منذ غداء البارحة، وكانت حاجتنا إلى الطعام أشد من حاجتنا إلى النوم نظرًا للراحة التي نعمنا بها بضع ساعات في الليلة الماضية.
تلال صخرية في الصحراء بين العوينات وأردي.
وكان الطقس حارًّا عندما بدأنا السير في منتصف الساعة الخامسة، ولكن نسيمًا بليلًا كان يهب من الشمال الشرقي فلطف من تلك الحرارة، وسألني هري أن أعطيه بضعة أمتار من القماش الأبيض يتخذ منها عمامة؛ لأن حرارة الشمس آذت رأسه فأعطيته ما أراد، ولا يلبس الثياب البيض في قبائل التبو والجرعان إلا شيوخها.
وشعرت تلك الليلة بالميل إلى المشي، فركبت جملي أقل من العادة، وكنت منذ تركي العوينات أمشي بين ست وسبع ساعات كل ليلة، ولكني مشيت تسع ساعات تلك الليلة، وسرنا سيرًا حثيثًا حتى الساعة الثالثة صباحًا، ثم شعرت فجأة بحفيف عند قدمي، فتحسست ذلك فكان حشيشًا.
وتغيرت معالم الصحراء وكانت الجمال جياعًا؛ لأننا تركنا العوينات ولا نحمل من علفها إلا ما يكفيها يومين آملين وجود المراعي في طريقنا؛ ولذلك تركناها ترعى وهي تسير بدل أن نستحثها في سبيلها، وكان سير تلك الليلة متعبًا للجميع فقد كنا مفتقرين إلى النوم، وملاحظة سير الجمال في أرض ذات مراعٍ عمل لا يُستهان به. وركب محمد وهري معظم الطريق وكان حسن يحمل المصباح، ثم ترجَّل محمد قبل الفجر بقليل فحمله عنه وأراحه، ولم أرَ دلائل التعب على الرجال، كما رأيتها صباح اليوم عند ضمنا الجمال لتأدية صلاة الفجر.
الجمعة ?? مايو

قمنا عند الساعة الخامسة إلا ربعًا ووقفنا الساعة الثالثة وربعًا صباحًا من اليوم التالي وقطعنا ?? كيلومترًا، الجو صحو، لا ريح فيه، حار في النهار والليل، أعلى درجة للحرارة ?? والأرض رملية مغطاة بحشائش جافة تشبه حقلًا من القمح الناضج. وفي الساعة الواحدة إلا ربعًا صباحًا مررنا بغرد عاديٍّ، وفي الساعة الأولى دخلنا أرضًا منبسطة خالية من الحشائش، وفي الساعة الثالثة وربع وقفنا عند تلال من الخَرسان.
وقضينا اليوم في النوم والأكل، ثم بدأنا السير في الساعة الخامسة إلا ربعًا مساء قاصدين أن نسير طول الليل، ولم تحن الساعة العاشرة حتى كنا جميعًا متعبين ناعسين، ولم يندعنا محمد الذي كان يمتطي جمله، وقد غلبه النعاس بعد ذلك، فكان يغفى في فترات ونال منه التعب، فكان لا يتحقق من طريقه بملاحظة نجم القطب، وهو عماد الدليل، ومن الخطر أن يهمل ملاحظته، وتحققت أنا والسنوسي أبو حسن أن محمدًا لم يكن سائرًا بنا في الطريق السويِّ، ولكنا لم نُرد أن نتداخل معه في الأمر بعد تلك الليلة السابقة، وفي الساعة الثالثة وربع صباحًا وصلنا مرتفعًا من التلال، فوقف محمد بغتة.
وكنت سائرًا حينذاك في مؤخرة القافلة أتحقق من صحة اتجاهنا من وقت لآخر، فلاحظت أنا كنا منذ الساعة العاشرة نميل في السير صوب الجنوب أكثر من ذي قبل، ووقفت القافلة، فتقدمت إلى محمد وسألته عن سبب وقوفنا، فأجاب وهو يشير أمامي: «إني لا أتعرف هذه الطريق بين التلال، ولا أدري كيف تكون الأرض التي تليها.»
وكان في ذلك صريحًا مقرًّا بخطئه، ولم أرد أن أهيج الحيرة في نفوس الرجال، فقلت له: «لنحطَّ الرحال حتى يطلع النهار؛ فإنا متعبون هذه الليلة.»
ولم أكد أفرغ من قولي حتى بركت الجمال، ورُفِعتْ عنها الأثقال، ولم أرَ النوم يستولي على الرجال بالسرعة التي نالهم بها هذه المرة، فقد التحف كل منهم بجردة، واتقى الريح الباردة الهابة من الشمال الشرقي، بقطعة من حوائج السفر ثم نام. واعتلى محمد ذلك المرتفع ليتعرف النواحي، فتبعته وقلت له: «أظنك كنت تبالغ في اتباع نجم القطب.» وإنما أردت بذلك أن أقول: إنه بالغ في المسير صوب الجنوب، ولم أشر إلى نومه فوق جمله؛ لأني لم أُرِد أن أزعزع اعتقاده في نفسه أو أن أُخجله، فأجاب متمتمًا وهو يذرع الأفق بتشوف: «حفظك الله، لا بد أن أكون قد فعلت ذلك، وإلا لما كنا وصلنا هذه الجبال في هذه الساعة المبكرة، فقد قدرت أنَّا نصلها عند الفجر، ومع هذا فعند الصباح يأتينا الفرج من عند الله.»
وتركته وأنا أشعر بالحيرة، فقضيت بضع دقائق في أرق وأنا آمل أن لا نكون قد بعدنا كثيرًا عن الطريق السوي، واستولى عليَّ التعب فلم أفكر طويلًا في ذلك وغشيني النعاس.
السبت ?? مايو

علا صوت محمد بالدعوة إلى الصلاة في منتصف الساعة الخامسة، فاستيقظنا جميعًا، ولم تمضِ بنا ساعة حتى كنا على قدم الاستعداد للمسير.
وتقدَّم محمد القافلة وصحبته، وكان لا يزال مضطربًا حتى إذا درنا حول التلال، قال وفي لهجته رنة تشعر بالراحة: «الحمد لله، هذه طريقنا.» ثم أشار إلى الركن الشمالي الغربي لسلسلة التلال، فسرنا إلى حيث أشار، وفي الساعة العاشرة إلا ربعًا صباحًا وصلنا ركن التلال، وضربنا الخيام، وأرسلت الجمال ترعى بين التلال على بعد كيلومتر أو كيلومترين، وكان الرجال والجمال في حالة سيئة وكان الماء قد نزر.
وبعد ظهر ذلك اليوم تقدمنا محمد وهري إلى الجبال يخطان? السبيل في الرمال بطنب الخيام حتى نقتفي أثرهما. وفي الساعة الخامسة تبعناهما بين أكوام الرمال ثم وصلنا التلال، ولم تكن التلال كثيرة لحسن الحظ، وإن كانت من شدة الانحدار بمكان، غير أن الأرض الجبلية التي كانت تليها، أنهكت قوانا فقد ظللنا نتعثر بين الحجارة في الظلام، ولا يقينا أذى هذه الصدمات ما كان في أقدامنا من الأحذية البدوية، والتعثر بالأحجار مؤلم في تلك الساعة المبكرة من الصباح؛ لأن رجال القافلة يكونون ناعسين ويمشون مغمضي الأعين. أول شجرة قابلتها القافلة في الصحراء بين العوينات وأردي.
وقد كنت في الليالي السالفة عمدت إلى تجربة موفقة، هي أن أطلق في الجو طلقتين أو ثلاث طلقات؛ لأبعث النشاط في نفوس الرجال، وكانت هذه التجربة ذات نتائج حسنة، فإنهم كانوا يردون بصرخات الفرح ويجدُّون في السير، ولكن النظرية قد خابت هذه الليلة، فقد أرسلت الطلقات العديدة في الساعة الثالثة، وهي أعصب ساعات السفر بالليل، ولم يجبني أي صوت من رجال القافلة.
وكان لي تعزية صغيرة في وسط ذلك الفضاء الساكن، الباعث على التعب والوجوم، فقد طلع الهلال في الصباح الباكر كخيط مُقَوَّس من الفضة، وتلألأ فوقه نجم متألق، فكان من هذين قطعة جميلة من حلي السماء، وتركت عينيَّ تنعمان بهذا المنظر؛ فنسيت ما كان يصيب قدمي من ألم التعثر بالأحجار.
القافلة قرب بئر أردي وقد تبدلت الصحراء إلى أرض مرعى.
ووصلنا بعد ذلك بقليل إلى جهة كثيرة الحشيش الجاف، فتركنا الجمال ترعى قليلًا، ووقفنا نريح أجسامنا المنهوكة، وحططنا الرحال في الفجر؛ لتأدية الصلاة، ولم نكد نفرغ منها حتى التحف أكثر الرجال بجرودهم وتهالكوا على ذلك الرمل الأحمر الجميل كأنهم حجارة بيضاء.
وسارت القافلة بعد ذلك متثاقلة، ثم لحق بنا الذين تخلفوا يخلسون إغفاءة قصيرة، وأرجو أن يكونوا قد انتعشوا قليلًا، أما أنا فإن أعضائي آلمتني هذا الصباح، ولم أتمكن من استعادة قواي، ولم أجد سبيلًا للراحة على ظهر جملي رغم تجربة كل طريقة من طرق ركوبه، وسواء كنت مسرعًا أم متباطئًا وثقلت أجفاني.
وفي الساعة السادسة ساعدنا الحظ فوصلنا جهة كثرت فيها الحشائش الخضراء، ونصبنا الخيام بعد مسير ?? ساعة مجهدة، وكانت أعيننا في حمرة الدم، ودب التعب في جميع الأوصال، فلم تمضِ بنا نصف ساعة حتى غشي مضرب خيامنا سكون شامل.
الأحد ?? مايو

صحون لتناول الفطور في الساعة العاشرة صباحًا، ثم عاد الرجال فناموا، ولم يُتَح لي النوم، وبدأنا السير الساعة الخامسة وربعًا بعد الظهر، وقد ساءت الأحوال هذا المساء عن ذي قبل، فقد كانت الأرض شديدة التموج، كثيرة الحجارة، وآذت الرجال والجمال كثيرًا. وكانت الجمال تضل بنا في حلكة الظلام، وتتخلف من وقت لآخر عندما كنا نتعرج في سيرنا بين أكوام الرمل وتلال الصخور، ولم تعدم الإبل بعض الحشائش فكانت ترعى، وكان من الصعب علينا أن نميزها في تلك الرمال الحمراء ذات الصخور القاتمة المتناثرة، وسكتت أصوات الرجال عن الغناء تلك الليلة في ساعة مبكرة، وفي هذا دليل واضح على تعب الرجال.
وجاءني السيد الزروالي يقول: إن محمدًا يُفضل لنا حط الرحال مبكرين عن السير الطويل في الليل، وكان السير في الحقيقة مجهدًا اضطرنا كثيرًا إلى تغيير اتجاهنا تفاديًا من المرتفعات وأكوام الصخور، وخِيف علينا في هذا التغيير المستمر أن نضل الطريق، ولكن الزروالي كان يعلم نفوري من التأخر، فقال للدليل: إني أريد السير عامة الليل فسرنا، ولكن الطريق كانت من الوعورة بحيث كنا نترك الجمال وراءنا من وقت لآخر، فلم أرَ فائدة في استمرار السير، ولم أرَ دليلًا على تعب الرجال أنصع من أن حسنًا الواجنجي، وهو من أصبر البدو على السير، كان قد امتطى جمله منذ بدء المساء فلم يتركه بعد ذلك.
وضربنا الخيام في الساعة الحادية عشرة ونصف والتحفت بجردي، وأخبرت الرجال أني لست بحاجة إلى إقامة ما يدفع عني الريح، وأكبر ظني أني لم أغير موضعي الذي أخذته عندما رقدت حتى الساعة الخامسة، واستيقظت موجع الظهر والأقدام، وكان نسيم الصباح وانيًا منعشًا، وكانت رؤيتي الرجال مهتمين متشوفين للسفر سببًا في نسياني آلامي الجسمانية ورغمًا من روح الانشراح التي سببها طلوع الصباح، فإن الأمور لم تكن مشجعة، فقد كانت الأرض وعرة المسالك، وظهر على الرجال تزعزع ثقتهم بمحمد وهري، وكانت حال الجمال سيئة، وكان الماء آخذًا في النقصان بدرجة عظيمة.
الاثنين ?? مايو

قمنا الساعة السادسة صباحًا ووقفنا الساعة التاسعة، واستأنفنا السير في منتصف الساعة السادسة مساء، ووقفنا الساعة العاشرة فقطعنا ?? كيلومترًا، وكان الجو معتدلًا صحوًا وهب نسيم بليل من الشمال الشرقي في الساعة السابعة صباحًا وقرَّ عند الظهر، وكان المساء والليل هادئين، أعلى درجة للحرارة ??، وكانت الأرض ناعمة الرمل، مغطاة بالحشائش بين ناضر وجاف، وتغيرت معالم الأرض بعد استئناف المسير بعد الظهر، فأصبحت كثيرة التموج متعددة الأودية ذات المرعى «والنشا» الجاف، وكان ذلك دليلًا على اقترابنا من أردي.
وادي أردي.
وفي منتصف الساعة التاسعة صارت الأرض كثيرة التلال على امتداد أربعة كيلومترات، ثم قطعنا بعد ذلك واديًا كبيرًا تكثر فيه المراعي والأشجار، وكان في عزمي عند البدء في الرحيل أن نسير أربع ساعات أو خمسًا، ولكن الحر اشتد بسرعة فحططنا الرحال في الساعة التاسعة واسترحنا أربع ساعات، فكان لذلك تأثير حسن إذ ظللنا يقظين حتى تناولنا فطور الصباح.
وتقدمنا محمد وهري بعد الظهر لاستكشاف الطريق السوي؛ لأن السبيل كانت وعرة المسالك، وسارت القافلة في منتصف الساعة السادسة، وقل الماء وبدأ يأسنا وظهر على الجمال الضعف والكلال، وكنا في شوق شديد إلى الوصول إلى وادي أردي بأسرع ما يمكن.
ولم نكد نبدأ المسير حتى وجد بوكاره وأرامي — وهو غير ذلك الذي هام في الصحراء واختفى، ولكنه مثله قتل رجلًا آخر — أثر ورن «برص» كبير فتتبعناه إلى جحره، واشتغلنا بالبحث عنه فكان في ذلك تسلية لنا، ولكنا وجدنا الجحر خاليًا من ساكنه، فتتبعنا أثره إلى كوم من الصخور، وظللنا ننبش الأرض عنه عشرين دقيقة حتى أمسكناه.
وتتخذ أبدو والعبيد من دهن الورن دواء للروماتزم، ويزعمون أن من يحمل رأس هذه الزاحفة يأمن شر السحر، وأن جلدها إذا عُلِّق في بيت لم تدخله الثعابين، والورن لا يعض ولا يلدغ، ولكن ذيله الذي يشبه السوط يُؤذي كثيرًا، وقد سلخ أرامي الورن وأعطاني جلده.
وتبعنا الأثر الذي تركه دليلنا، ولكنا فقدناه مرات عديدة في الظلام وأضعنا وقتًا في إيجاده.
ورأيت أخيرًا أن خط ذلك الأثر لم يكن مستقيمًا، فاستدللت من ذلك على أن محمدًا لم يكن واثقًا من صحة الاتجاه الذي اتخذه، فأمرت الرجال أن تحط الرحال وتطلق النار في الفضاء، وبعد ذلك بقليل انضم إلينا محمد وهري وكانا فرحين بتقريري الوقوف.
وأخبرني الدليل أنه لم يكن في مقدوره تعرف الطريق في الظلام، وإنا بالرغم من هذا لم نكن بعيدين عن البئر.
وكانت هذه أول مرة منذ تركنا العوينات نمنا فيها نومًا عميقًا متواصلًا مدة خمس ساعات.
وقد حادثت أرامي قبل أن أنام عن أردي وآبارها، فقال: «إن محمدًا دليل ماهر في النهار، ولكنه مُسِنٌّ لا يرى جيدًا في الليل، زد على ذلك أنه لم يطأ هذه البلاد منذ سنين، وكان يجب أن نصل البئر الأولى هذا المساء، ولكنا أخطأنا موقعها، والله أعلم.»
فطلبت منه أن لا يخبر شيئًا من هذا حتى لا يفزعوا ويلوموا محمدًا.
وجهزت كيس النوم وجلست أفكر فقد كانت هذه اللحظة أكثر لحظات الرحلة بعثًا على اليأس، فقد أضاع الرجال الثقة وقاسوا كثيرًا من اشتداد الحر، وكانت الجمال منهوكة القوى لهذا السبب كذلك، ولم يكن الدليل واثقًا من طريقه، وكان الماء نزرًا آسنًا، وأي ظرف من هذه الظروف كافٍ وحده لانشغال البال، ولكن مجموعها يهد الأعصاب ويفتك بالعزيمة والثبات والجلد أشد فتك.
وبينما أستعرض هذه المصاعب والمخاطر، خطر بفكري أن أرامي المجنون وأخاه ملكني الذي ذهب يلتمسه لم يظهرا بعد، فوجدتني في حيرة وعجب، وخشيت أن تكون الأقدار قد أزمعت أن تحرمني ما كنت قادرًا على عمله، وكانت هذه خير فرصة مناسبة للأقدار، تفتك بي إن كانت من القسوة بحيث تريد هلاكي، فإني لو كنت أخطأت موقعي أركنو والعوينات لما كان فقدي لهما بهذه الشدة عليَّ، أما وقد قطعت أكبر شق من رحلتي ووصلت إلى غاية أبحاثي وحصلت على جل النتائج التي أردتها منها، فقد دبَّ في نفسي الحنين إلى وطني، وتعلقت بأهداب الحياة خشية على تلك النتائج أن تُقبَر معي، ورغبة في العودة بها إلى بلادي، وفكرت طويلًا ثم قلت لنفسي: الله أعلم، وعجبت كيف يغشاني النوم تلك الليلة، ولكن سحر الصحراء بدأ يفعل في نفسي فثقلت أجفاني وَحَلا لي النوم.
الثلاثاء ?? مايو

صحونا الساعة الرابعة، فصحبت محمدًا وهري وانطلقنا نتعرف الطريق، على قلة تحققنا السبيل، فأخذ أبصارنا بغتة منظر تلال أردي الحمراء، وتأكدت ذلك بواسطة منظاري، ولم تمضِ بنا ساعة حتى سرنا صوبها، وتناقشنا قبل البدء في السير فيما إذا كان الأوفق لنا أن نضرب الخيام فوق التلال المشرفة على الوادي الذي توجد فيه البئر، أو ننحدر إلى ذلك الوادي فنقيم فيه، وكان الانحدار إلى الوادي متعبًا للجِمال، ومع ذلك فقد قررنا أن نحط الرحال فوق أرضه، فإن ذلك على الأقل يقينا من موارد الماء إذا هاجمنا قطاع الطريق.
بئر أردي.
وأخذنا نتسلق دروبًا وعرة بين الصخور الحمراء، حتى وصلنا قنة صخرة عالية، فبدا لعيوننا وادي أردي البديع ممتدًّا تحت أقدامنا، وهو وادٍ ضيق يبلغ طوله عشرة كيلومترات، وعرضه مائة متر، وتكتنفه صخور من الحجر الأحمر، وكان ذلك الوادي مثلًا طيبًا للواحة الواقعة في الصحراء، فإن أشجاره وحشائشه الخضراء تبعث السرور والطمأنينة، بعد قطع تلك الصحراء العارية، ذات الصخور الوعرة التي قاسينا فيها الأهوال منذ تركنا العوينات.
وبينا كنا نتقدم إلى البئر سبقنا محمد وهري لتعرف الأرض، والعبيد شديدو الاحتراس إذا وصلوا بئرًا، فإنهم لا يُهرَعون إليها دفعة واحدة، بل يرسلون رجلًا أو رجلين للتحقق من وجود أحد بالقرب منها، والتأكد مما إذا كان صديقًا أو عدوًّا؛ ولذلك لم يكن تقدم الدليلين لتعيين الطريق التي يجب اتباعها فحسب، ولكنه فوق ذلك للتحقق مما إذا كنا في حاجة إلى التأهب للدفاع عن أنفسنا عند اقترابنا من البئر.
وانحدرنا بعد جهد شديد في الطرق الوعرة إلى الوادي، ثم ضربنا الخيام في طرفه الشمالي.
وتقع البئر في أقصى الجنوب والطريق سهلة إليها من رءوس التلال إلا التي أخذناها، وتناولنا طعامًا شهيًّا من الأرز والخبز الطازج، فأضاف ذلك إلى بهجة الجهات المجاورة وشعرنا بطرب شديد كأنَّا في حفلة زفاف.
وبانت لي الأفكار السوداء التي تملكتني الليلة الفائتة كأنها كابوس شديد، وإن لم تخلُ من حقائق كثيرة، فإن الحد الفاصل في الصحراء بين النجاة والهلاك كثيرًا ما يكون دقيقًا جدًّا.
وبعد أن احتسينا ثلاثة أكواب من الشاي في بطء واستمتاع ذهب الرجال بالإبل إلى البئر يسقونها ويستجلبون الماء للقافلة، وعادوا بالماء فحلقت ذقني واستحممت، وغيرت ملابسي، فاطمأن بالي وهدأ خاطري وبسم لي وجه الحياة مرة أخرى.
وفي الساعة الخامسة بعد الظهر تسلقت حائط الوادي مصطحبًا التيودليت، وقمت بعمل بعض الملاحظات، وذهب السيد الزروالي مع السنوسي أبي حسن وأرامي لاصطياد الودان، وهو غنم الجبال، ولكنهم عادوا غير موفقين في صيدهم، وقد سألت أرامي عما إذا كانت خيبتهم في عدم إحسان الرماية، فأجابني: «أبدًا، والله لقد أحكمنا الرماية، ولكن الله رأف بالودان.»
وأرخى الليل سدوله على قافلة تضم جمالًا مستريحة، ورجالًا طربين مردِّدي الغناء فشعرت أني لا بد حالم تلك الليلة أحلامًا لذيذة.
? في الأصل «يخطُّون» «وأثرهم» بصيغة الجمع. «المحرر».
الفصل الثامن عشر
دخولنا السودان


صحوت مبكرًا لفتح صندوق الأفلام «الشرائط» ووضع أفلام جديدة في آلات التصوير، والجو ما زال باردًا، وفي الساعة السابعة قصدت زيارة البئر مع محمد وحمد، ووادي أردي من النوع الذي يسمونه «كركور» وهو منخفض طويل ضيق بين التلال، متعرج كالثعبان، ويمتد صوب الجنوب على مدى سبعة أو ثمانية كيلومترات، وينتهي بعطفة مسدودة توجد فيها البئر في شق مظلل تحت الصخور، والعين على شكل نصف دائرة يبلغ طولها ?? مترًا وعرضها ? أمتار، وهي كعيون العوينات، على أني أظن أنها فوق ما تتلقاه من مياه الأمطار، يمدها نبع خفي، والطريق إليها صخرية لا تخلو من الخطر، فقد عثر فيها أحد الجمال التي أرسلناها في الليلة السالفة فناله ضرر لا يُستهان به.
وتسلقنا الصخور إلى العين فاسترحنا وشربنا الشاي، وعدنا تحت شمس محرقة، والوادي بديع بجدرانه القائمة من الحجر الأحمر والحشائش الخضراء والأشجار المنتشرة في سفحه.
وقال لي محمد: إنه أوعر أودية هذه الجهات، فدخوله شاق؛ ولذلك كان الدفاع عنه سهلًا هينًا، وعند العصر تسلقت حائط الوادي لأرقب الغروب الجميل، وأرى لعب الأضواء على الرمل الأحمر والصخور الوردية اللون.
وقصَّ الرجال شعورهم وأصلحوا لحاهم واغتسلوا ورتقوا ثيابهم التي كادت تبلى، وكانت المراعي كافية لجمالنا، فرأينا من الحكمة أن نستريح ذلك اليوم ونستعد للرحيل، وأخبرني محمد وهري أن السفر بعد ذلك لا يحسن في الليل؛ لأن اجتياز التلال في الظلام غير مأمون، وأثنى البدو على محمد لما رأوا أمس من قيادته الجمال من قنة الصخور العالية إلى الوادي.
وأكثر الكلب من النباح في المساء فظننا قرب أحد منا، وأطفأنا النار بغتة، وجمعنا الجمال وأعددنا البنادق، ونصبنا العسس حول الخيام، ولكن إنذار الكلب كان كذبًا، وقد تبدو هذه الاستعدادات — التي يُتخَذ مثلها عند الاقتراب من بئر — سخيفة بعد زوال الخطر، ولكن القافلة التي لا تتخذ هذه التدابير في أرض مجهولة، تكون قافلة خطلة الرأي، فإن مهاجمة البدو المعادين أو اللصوص أمر في حكم المحتمل.
الطريق الصخري الوعر بعد بئر أردي.
الخميس ?? مايو

صحونا الساعة الرابعة وسرنا في منتصف الساعة السادسة، وكان خروجنا من الوادي أمرًا لا يقل صعوبة عن نزولنا إليه، فقد سقط أحد الجمال ولم يصبه ضرر كبير لحسن الحظ، وقد أدرت بصري إلى الوادي عند وصولنا إلى نهايته، فتحققت الفرق بين أودية هذه الجبال وأودية أركنو والعوينات، فإن أرض تلك الأودية على مستوى السهل الخارجي، ويسهل على المسافر أن يدخل الوادي من مضيق يشبه ممرًّا، ولكن أودية هذه الجهات منخفضة عن المستوى العام للأرض، ولا ينزلها المسافر بالهبوط المتعرج في طرق صخرية.
وقضينا ساعة في الخروج من الوادي، ثم سرنا صوب الجنوب الشرقي، وكنا في جهة جبلية تكثر فيها الصخور السوداء والحمراء، فوضح لنا استحالة السير في هذه الأرض في الظلام.
وفي منتصف الساعة العاشرة، نزلنا واديًا ضيقًا مخترقين طريقًا سحيقًا، فوقع جملان ورميا بأحمالهما إلى الأرض، وكان أحدهما يحمل الماء، فكفانا عبد الله انبثاق القرب بحضور ذهنه؛ لأنه أخرج سكينه بسرعة وقطع حزام قتب الجمل، وسقطت سدادة أحد الفناطيس فسال من مائه مقدار ثلاثة الأرباع، ولكن البئر التالية كانت لحسن الحظ على مسيرة ثلاثة أيام، وكان معنا من الماء ما يكفينا لأطول من ذلك شقة، وربما كانت هذه الحادثة عظيمة لنا إذا كنا في مرحلة طويلة المسافات بين الآبار.
وحدث لنا هذا الصباح حادث فجائي كاد يجرنا إلى نتائج وخيمة لولا أمران ساعدنا فيهما الحظ، فقد كان أحمد، وهو ذلك الطاهي الذي جاء معي من مصر راكبًا جملًا بلا رَسَن، وقد سأل حامد جمَّال أبو حليقة أن يحضر له رسنًا فأبطأ هذا؛ اعتمادًا منه على معرفته بالجمال، واعتقادًا بأن الجمال كانت منهوكة القوى، وأنها كانت في حاجة شديدة إلى الرعي، وهي سائرة، فرأى جمل أحمد بعض الحشائش وأسرع إليها، ومر في طريقه تحت شجرة تكثر فيها الأشواك، ولم يسع أحمد أن يتفادى هذه الأشواك الحادة فخُدِش وجهه خدوشًا كثيرة وآلمه الوخز، فصب لعنته على الجمل وصاحب الجمال، فأجابه حامد في الحال بالمثل، وطلب منه أن لا يعود إلى لعن صاحب الجمال الشريف، وكنت قريبًا منهما، فلم يسعني إلا الإعجاب بالجمَّال لوفائه لسيده أبو حليقة.
ونزل أحمد بسرعة البرق عن جمله، ثم تقدَّم متهيجًا إلى حامد والدم يسيل من وجهه، واندفع السنوسي أبو حسن وحامد الآخر وسعد الأوجلي فانضموا إلى جانب أخيهم البدوي، ووقف عبد الله إلى جانب أحمد يعاضده.
ولم تكن هذه أولى المشاجرات التي رأيتها بين رجال الصحراء؛ فدفعتني خبرتي إلى أن أتبين قبل كل شيء موضع البنادق لأطمئن من وجودها بعيدة عن أيدي الرجال، وقد أراح بالي أني رأيتها مربوطة في مواضعها إلى ظهور الجمال، ولم يكن في أيدي الرجال إلا العصي يتضاربون بها. ومع ذلك فقد كانت الحاجة ماسة إلى التداخل السريع قبل أن يتفاقم الخطب، فحثثت جوادي بين الرجال ووقفت بين عصبتي المتخاصمين، وأمرت عبد الله وأحمد أن يرجعا القهقرى، وكانت ساعة عصيبة أحسست خطرها وأنا أقف بين رجالي ورجال القافلة.
والتفتُّ إلى السنوسي أبي حسن وحامد، فلحظت أنهما يصوبان نظراتهما إلى موضع البنادق.
وكانت تكفي كلمة تشجيع واحدة مني لرجليَّ فيهلكا؛ لأن البدو كانوا أكثر عددًا، ولكن الوقت لم يكن مناسبًا من الوجهة الأخرى، لإذلال رجليَّ أمام البدو وإن كانا مخطئين، فالتفت إلى الفريقين وقلت غير متحيز إلى جانب: «ماذا تعنون بهذه الأفعال الصبيانية؟! ألا تخجلون من هذا العمل وأنتم رجال؟!»
فبدأ حامد الكلام، وقال: «إنه أهانني.» وقاطعة أحمد فقال: «إنه البادئ بالتحدي.» فأجبتهما بحدة: «لا يعنيني من القاذف ومن المهين، فأنتم جميعًا رجالي، ومن العار أن تتخلقوا بأخلاق الأطفال.»
وهنا تقدم السيد الزروالي فالتفت إلى عبد الله، ثم إلى السنوسي أبي حسن، وقلت بشدة: «وأنتما أيها الشيخان العاقلان تنضمان إلى هذه المشاجرة المزرية، بدل أن تسعيا في التوفيق بين المتخاصمين، وبعد فقد يكون الذنب ذنبي؛ لأني اخترت لقافلتي أطفالًا بدلًا من الرجال.»
وكانت ثورة الفريقين قد أخذت في الهدوء، وضعفت تلك النظرات الحادة، التي كانت تُشعر بالتحفز للوثوب، ورأى الزروالي عدم تحيُّزي لرجليَّ، وأحسبه كان يتوقع عكس ذلك فلم يجد ما يأخذه عليَّ وفعل ما لم أكن أنتظره منه، فإنه أمر فرجًا العبد أن ألقِ حامدًا أرضًا حتى أضربه بسوطي، فلم تمضِ غمضة عين حتى ألقى فرج حامدًا على الأرض وركز عليه بركبته، فصب السيد الزروالي سوطين على حامد قبل أن أتداخل في الأمر، ولكني ترجلت بسرعة وأمسكت ساعد الزروالي، وقلت له: «إن الأمر لا يحتاج إلى إنزال عقابك؛ فإنَّا لا ندري من الملوم، وسأتفحص الأمر وأعاقب بنفسي من تظهر إدانته … ثم التفتُّ إلى الرجال، وأمرتهم أن يتبعوا الجمال وأشرت بعصاي إلى محمد وهري، وكانا بمنجاة من التداخل في هذه المشاحنة وأمرتهما أن يهديانا السبيل.
وانتهى كل شيء، وسرت وحيدًا محاولًا أن أستبقي لمصلحة الجميع إعرابي عن عدم الرضا بما حدث.»
واقترب مني السيد الزروالي، ثم سألني وفي صوته رنة أسف: «أظن أن غضب البك مما حدث قد انصرف، ويعلم الله أني منذ استيقظت هذا الصباح، وأنا أحس شيئًا يضايق أنفاسي، فتوقعت حدوث أمر كريه، وقد رأيت ذلك الإحساس في نفسك عندما رددت عليَّ تحية الصباح.»
وذكرت أنا الآخر أني كنت أشعر بإحساس غريب لا باعث له؛ لأن كل شيء كان على ما يرام.
امرأتان من قبيلة البديات.
ولم يمضِ زمن طويل حتى شعر الفريقان بما يشعر به الأطفال الأشقياء بعد لوم لائم، ولاحظت أن الرجال تخلس النظرات إليَّ ليروا إن كانت ثائرة غضبي قد قرَّت، ولكنني ظللت عابسًا حتى ساعة الغداء، ولا يخفى على من اجتاز الصحراء تلك النتيجة السيئة التي تسببها مثل هذه الحوادث، فإن لفظًا قاسيًا يُشَم منه رائحة الإهانة يكفي لتبادل الطلقات إن كانت البنادق في متناول الأيدي، وأكبر ظني أنها لو كانت في أيدي الرجال، وكنت على بعد قليل منهم كما هي الحال في أغلب الأحيان، لسالت الدماء وخرج الأمر من يدي، وقضى البدو على أحمد وعبد الله، وفي هذه الحال أسائل نفسي: ماذا عسى يكون تصرفي وأنا المصري إلا أن أثأر لنفسي من قاتلي مواطنيَّ مهما كلفني ذلك من النتائج الخطرة، ولكني حمدت الله على أن البنادق كانت مربوطة إلى ظهور الإبل، وأني كنت على مقربة من المتشاحنين.
ولم يفت السيد الزروالي أن يهوِّن الأمر عليَّ، فقال: «إنا نقترب من نهاية الرحلة، والرجال عادة في هذا الموقف ميَّالون إلى الشِّجار.» ولم تكد تنتهي هذه الحادثة الخطرة، حتى اشتدت حرارة الشمس، فحططنا الرحال في الوادي، في ظل بعض الأشجار اليانعة، ورعت الجمال بينما كنا نأكل ونستريح، وجاءني بعد الظهر قبل البدء في السير محمد، والسنوسي أبو حسن، وبوكاره، وحامد الجمَّال؛ يسألونني أن أسامح حامدًا على مهاجمته أحمد مدفوعًا بغضبه. وسامحت حامدًا على الفور، فتقدم إلى أحمد وقبَّل رأسه وجاوبه أحمد بالمثل، فانتهت تلك المشاجرة كما تنتهي مشاجرات البدو على أصفى ما يكون.
وانحدرنا إلى الوادي الكبير في ثلاث ساعات، ثم ضربنا الخيام عند مدخله في الساعة السابعة وربع، ورأينا قدامنا قبل حط الرحال جبال «أجاه» البعيدة حيث توجد البئر التالية، وكانت الأرض أمامنا منبسطة، فبعثت الراحة في نفوسنا فقد خُيِّل لنا في الصباح عند انحدارنا إلى الوادي أن حوائجنا لا بد محطمة، إذا كثرت تلك المنحدرات السحيقة، وكانت المنحدرات في بعض الأماكن من الوعورة بحيث اضطررنا إلى رفع الأثقال عن ظهور الإبل خوفًا عليها من التحطيم، وكان على الرجال أن ينزلوا بالحوائج فوق الصخور المنحدرة، التي يرتفع بعضها عن بعض في كثير من المواضع نحو ثلاثة أقدام.
امرأة من قبيلة فور.
وطلع الهلال ونحن ننصب الخيام وكان عيد الفطر في الغد، وجاءني السيد الزروالي يبلغني رغبة الرجال في الاحتفال بالعيد جريًا على العوائد الإسلامية، فرضيت كل الرضا؛ لأن جبال «أجاه» كانت على مرأى منا، وكان زادنا من الماء كافيًا، وكانت مراعي الوادي كثيرة الحشائش المغذية للجمال.
وصحونا مبكرين في اليوم التالي، وكان يوم الجمعة ?? مايو، فلبسنا الثياب النظيفة احتفالًا بالعيد، وتبادلنا التهاني ثم أدينا صلاة العيد، وكان في نظرات رجالي ما ينم عن التفكير في الأهل والإخوان البعيدين في نائي الأوطان، وأخرجت قطعًا من الريالات المجيدية وأوراق مالية مصرية فوزعتها على الرجال، وكانت النقود من نصيب محمد وهري وحسن وأرامي؛ لأنهم كانوا سيتركوننا قبل أن نصل أرضًا يتعامل فيها الناس بالأوراق المالية المصرية، وأخذ بقية الرجال الأوراق المالية، ففي استطاعتهم صرفها في الفاشر، وأعطيت الزروالي عشرين طلقة من طلقات المسدس وقنينة روائح عطرية، ووزعت زجاجة أخرى على الرجال، وأعطيت بوكاره غليونًا وطباقًا، فأظهر لي عجزه عن إيفائي الشكر على ما تفضلت به عليه، وقال: «ليس لي إلا جملي والملابس التي أرتديها، وقد أعطاني البك قيمة جملي طباقًا.»
وكانت القافلة مرحة في الصباح، وكان الرجال مسرورين من هداياي فسرني رضاهم وغفونا بعد الفطور، ولكنا استيقظنا بسرعة؛ نظرًا لفتك النمل الأبيض بأجسامنا، وبدأنا السير في الساعة السادسة إلا ربعًا، وخرجنا من الوادي إلى السريرة بعد ذلك بنصف ساعة، كان يمتد أمامنا سلسلة تلال تجري شرقًا وغربًا، وكان في وسطها جبل «اسلنجاه» وعن يمينها جبل «أجاه» الذي كنا نقصده، وأخبرنا هري بوجود بئر صعبة المرتقى في جبل «اسلنجاه»، وكان الوادي الذي نصبنا فيه الخيام مميزًا بوجود أشجار على الجانب الأيمن من مدخله. وكان يومًا شديد الحر، فسرنا مبطئين مدة ست ساعات، ثم وصلنا منطقة من أكوام الرمل، أوقفت سيرنا في الليل.
السبت في ?? مايو

قمنا الساعة الخامسة وربع صباحًا، وحططنا الرحال في الساعة الثامنة مساء، وهبت من التلال المجاورة ريح ساخنة من الشمال الشرقي قرت عند المساء، وكان سيرنا فوق أرض ناعمة الرمل كثيرة التموج مغطاة بالحشائش الجافة، وانبسطت الأرض أكثر من ذي قبل عند اقترابنا من التلال، وكثرت فيها أكداس الحجارة السوداء الصغيرة، واشتدت حرارة الشمس بسرعة في الصباح، وهبت ريح ساخنة، فضربنا الخيام في منتصف الساعة العاشرة في ظل شجرة «طمطم» فحمتنا فتك الهجير، وأنست أنظارنا إلى عناقيد ثمرها الأحمر، وسرنا ثانية في منتصف الساعة الرابعة، بالرغم من اشتداد الحر آملين أن نصل جبال «أجاه» قبل انتشار الظلام، واضطررنا إلى ضرب الجمال لإنزالها على الخروج من ظل الشجر والسير بها في الهجير، ولم يحن منتصف الساعة الثامنة حتى كنا عند سفح التلال والهلال يبدو حاجبه.
وأرسل محمد بغتة صوته منذرًا ومحذرًا؛ لأنه رأى آثارًا حديثة لرجلين يسيران صوب «مردي»، وكان له الحق في ذلك؛ لأن وجود غريب عن القافلة في الصحراء، أمر يستلزم اليقظة حتى يتبين الأمان منه، وسرعان ما انتُزِعت البنادق من أماكنها ووُضِع الرصاص فيها، وجمع الرجال ما تفرق من الجمال التي ترعى وتقدم محمد وهري والسنوسي أبو حسن إلى الوادي يتفحصون الأمر، وبعد البحث الدقيق عادوا فأخبرونا أنهم لم يجدوا أثرًا لداخل إلى الوادي، وإنما وجدوا آثارًا حديثة لخارج منه فضربنا الخيام عند مدخل الوادي، في نجوة من الأشجار والنباتات حتى لا تفوتنا رؤية من يقترب منا في الليل.
وتعشينا مسرعين، ثم أطفأنا النار ووضعت الجمال والقِرَب في وسط مضرب الخيام وصفت الحوائج حوله، ووقف أربعة من حراس الليل، ثم انقلبنا إلى فراشنا، وتعذر علينا النوم لشدة الحر وانشغال البال.
وصحونا مبكرين في صباح الأحد وتقدمنا إلى الوادي محترسين، فعثرنا بآثار حديثة لرجال وقطعان، ووضح لنا نزول أحد قبلنا في الوادي، وسبقنا محمد وهري؛ لأن سكان تلك النواحي كانوا من الجرعان، فقابلتهم ثم تبادلنا عبارات الأمان، وتقدم كل منا إلى الآخر بعد أن ألقينا على الأرض ما كنا نحمله من سيوف وبنادق، وخاطبتهم بهذه الجملة التي يُوثَق بقائلها: «أقسم بالله إنا مسالمون وإنا لا نريد بكم ضرًّا، وإنا لا نقصد سبي نسائكم وأولادكم.» وأجابني أحدهم بمثل ما قلت، ثم أخذنا في تبادل الأسئلة والأجوبة القصيرة من مثل: «من أنتم؟» «من أين قدمتم؟» «أين تذهبون؟ وأي غرض تقصدون؟» ثم شددنا على الأيدي وحمل كل منا سلاحه وارتد إلى موضعه، وحاولنا أن نشتري منهم غنمًا فأبوا أن يبيعونا شيئًا، وتركونا بعد قليل، ثم عادوا بثلاث نعاج وقدموها لنا بمثابة ضيافة، وامتنعوا عن قبول أثمانها، فأعطيتهم «عتقية» من القماش الأزرق، ففرحوا به كثيرًا.
وأرسلت الجمال لتشرب من البئر وتحمل الماء للقافلة، بينما كان الرجال يستعدون لتجهيز الوليمة العظيمة، واشتغلت بعد الظهر بأخذ بعض الصور، وقمت في المساء بعمل بعض الملاحظات بآلة التيودوليت.
وقد فزع أطفال الجرعان من رؤية مصباحي الكهربائي الذي أستعمله في قراءة التيودوليت، ثم شاقهم بعد ذلك.
ووادي «أجاه» بديع المناظر، وهو طريق طويل ضيق بين الصخور العالية يحوي من الأشجار والنباتات أكثر مما رأينا فيه من بعيد، وقرب منتصفه يتفرع إلى طريقين يؤدي أحدهما إلى البئر والآخر إلى الصحراء الممتدة.
وبئر «أجاه» مشابهة لبئر أردي، ولكن ماءها مضطرب من فعل الغنم والجمال، والطيور كثيرة في هذا الوادي تذكر أغانيها الشجية بمختلف الأصوات الجميلة التي تنبعث من أقفاص الطيور في حدائق الحيوانات.
وصحونا والظلام شامل، والنجوم ساطعة في سماء صافية وجاءنا الجرعان يودعوننا، وأبى أرامي وحسن أن يستمرا في السير معنا إلى الجنوب أكثر من ذلك، وتركانا يقصدان العوينات على جمل أرامي وانحدرنا إلى مستدق الوادي تحمينا جوانبه حرارة الشمس وأبصرنا ثلاثة غزلان في طريقنا، فانطلق الرجال لصيدها، ولكنها قفزت فوق التلال هاربة. وَصَوَّب حامد الزوي بندقيته إلى إحداها فأخطأها وسخر منه أصحابه شامِتِين، ولكنه أبى أن يقر بخيبته فأقسم بعظمة قائلًا: «والله لقد أصبتها ورأيت الدم يسيل منها.» ولم أهتم بالأمر كثيرًا لوجود فضل من اللحم الذي أهداها إلينا الجرعان.
واشتد الحر بعد ذلك فضايقنا، وأبت الجمال أن تسير ولم يمر على سقيها وقت طويل، فحططنا الرحال في ظل شجرة، ولم يغننا ظلها، فرأينا الأفضل أن نستظل بشقوق الصخور، وانطلقت الإبل ترعى، وأخذ الرجال في إعداد الغداء، وذُبِحت النعاج وانتظم لحملها في عصي، ثم أُدِير ببطء فوق النار، كعادة البدو في شيِّ اللحوم، وكان طعمه لذيذًا. وبينما كان الرجال يعدون الطعام جرح سعد يدَه ورأيت الدم، فسألته من أين أصابه ذلك، فأجابني بوكاره: «من رشاش دم الغزالة التي أصابها حامد.» وضحك الرجال ملء أفواههم مرة أخرى.
وملأتُ ساعاتي بعد الغداء وأثبتُّ ما قيَّد البارومتر والترمومترات ذات الدرجة القصوى والنهاية الصغرى وكتبت يومياتي، وجاءني حامد الجمال يعدو ليخبرني بوجود قطيع من النعام على مقربة منا، فقبض كلٌّ بندقيته وقام مستعدًّا للصيد، وبعد ذلك بقليل ظهر قطيع من النعام يبلغ الأربعين عدًّا، وتهيجت الرجال فلم يتمالكوا الانتظار حتى يقرب القطيع وأطلقت النار على مسافة بعيدة، فاندفع النعام في وادٍ آخر، وتعقبها الرجال مسرعين وأرسلت طلقات عديدة، ولكن الزروالي عاد وشيكًا وأخبرني أن الرجال لم تصِد شيئًا.
صبية من قبيلة البديات وأختها.
وبعد قليل، جاء حامد يحمل نعامة صغيرة، وتبعه السنوسي أبو حسن، وادعى كل منهما أنه صاد النعامة، وسألاني حكمي لوجود جرحين في جسمها يحتمل أن يكون كل منهما قاتلًا، وسألت رأي من حضر الصيد من الرجال، فاتفقوا جميعًا أن صائد النعامة حامد، فحكمت في مصلحته.
وقام حامد الجمَّال بعد ذلك بعمل طريف شديد الغرابة، وحامد هذا ضئيل الجسم، حاد التقاطيع، لا يخاف الحيوانات، ولا يخشى الثعابين، حدث له أن عثر بنعامة في ناحية مسدودة من الوادي، فقذفها بالحجارة حتى إذا لم ينل منها شيئًا هجم عليها ولفَّ يده حول عنقها وصارعها صراع الأبطال، ولكنها رفسته برجلها القوية رفسة شديدة في جنبه وانطلقت تعدو. وقد رأيت هذه المجالدة بمنظاري، فكدت أستلقي على ظهري ضحكًا، وتسلقت النعامة مرتفعًا من الأرض، ثم أدارت بصرها بازدراء إلى حامد الذي كان واقفًا يلعنها، وبعد ذلك أصلحت ريشها وانطلقت فخورة بانتصارها، وهي فرحة بنجاتها تاركة حامدًا ضاغطًا بيده على جنبه المرضوض.
وعاد حامد، فسألته: «هل آذتك النعامة؟» فأجابني وقد رفع يده عن جنبه بسرعة: «لا.» وسألته ثانية: «ولماذا لم تأتِ بها؟» فقال معتذرًا: «رأيت من واجبي أن أطلقها؛ لأنها كانت أنثى.»
وكان مما أسفت له في هذه المرحلة أني لم أتمكن من متابعة الصيد، كما كنت أود؛ فإن السير ليلًا بين العوينات وأردي لم يُبقِ لي في الصباح من النشاط إلا بقدر ما مكنَّني من تقييد ملاحظاتي العلمية، وانتهاز الفرص للإغفاء ساعتين أو ثلاث قبل اشتداد الحر.
وبدأ زادنا في النقصان، فلم يسعني أن أقيم في «أجاه» حيث تكثر الغزلان والنعام والنعاج البرية، وزادني رغبة في الرحيل قلَّةُ الماء، بعد أن رأيت كدورة ماء البئر من أثر الحيوانات، ولم يكن معي إلا بندقية مصرية عتيقة من طراز «مارتيني»، وأخرى من بنادق الفرسان الإيطالية أُهدِيَت إليَّ في الكفرة. وهاتان وإن كانتا صالحتين في الدفاع عن النفس إلا أنهما كانتا قليلتي الفائدة في الصيد على المرمى البعيد؛ ولذلك حرمت نفسي لذة الصيد.
وكان الجو شديد الحر فلم نبدأ السير إلا الساعة الخامسة مساء، فسرنا في الوادي الجميل مدة ساعة، ثم أخذنا نتسلق التلال، حتى إذا وصلنا قممها رأينا منظرًا بديعًا امتزجت فيه ظلال الأشجار والأدغال بلون الرمال الوردي، وحمرة صخور التلال التي تكتنف الوادي.
وكان نسيم المساء البليل يحمل على أجنحته أنغامًا عذابًا تنبعث من أسراب اليمام، وزاد هذا المنظر بهاء وانطباعًا في الذاكرة غروب بديع امتزجت فيه الحمرة بلون الذهب، فوقفت جوادي وترجلت، ثم انطرحت على قطعة من الرمل الناعم، وقضيت نصف ساعة أشرب جمال ذلك المنظر الفردوسي.
وشمل الكون الظلام وطلع الهلال، وسمعت على البعد بدو القافلة يتغنون، فعدت إلى نفسي وقمت ألحق بالقافلة، وفي نفسي الميل إلى البقاء.
واختلفت مناظر الأرض، فأصبحت متموجة كثيرة الشقوق يحيط بها جبال شعثاء بعيدة.
وكانت الرجال والجمال تشكو أثر ماء «أجاه» المكدر، وحططنا الرحال مبكرين لهذا السبب، ولخطورة المسير في نور الهلال الضئيل، ونزلنا واديًا ناعم الرمل يبعد عن سبيلنا زهاء مائتي متر، وضربنا الخيام.
وصحونا ولم تزل النجوم ساطعة في السماء يوم الثلاثاء ?? مايو، فبدأنا السير بينا يوشع جانب الأفق عن يسارنا شروق بهي الألوان، وكان سيرنا بطيئًا؛ لأن الأرض كانت مغطاة بالعوسج ونثار الحجارة، ولأن محمدًا وهريًّا لم يطآ هذه النواحي عشر سنين، فكانا شديدَي الاحتراس في سيرهما. وبينا نسير التفت إليَّ حامد الجمال وأنا أمشي في مؤخرة القافلة، كعادتي للتحقق من اتجاه المسير وتدوين مذكراتي، ثم سألته: «أظن أن محمدًا الدليل على ظهر جمله، وإلا ما سرنا بهذا البطء.» فأجابني ذلك الذكي بسرعة قائلًا: «إن الشيخ سائر على قدميه يا سيدي البك؛ فإني أرى أثره فوق الأرض.»
وأدهشتني ملاحظة البدو الدقيقة وأخصهم الجمَّالون، فإن حامدًا ميَّز آثار أقدام رجال القافلة، ولا عجب إذا تعرف مواطئ جمالها كذلك.
وصحونا في بكرة يوم الأربعاء، وبنا شوق شديد إلى وصول بئر «عنيباه»، فإن ماء «أجاه» كان أردأ ماء شربناه في هذه الرحلة، وقد بان تأثيره السيئ في الرجال والجمال، ولم تمضِ بنا ثلاث ساعات حتى كنا على حافة الوادي الذي? تقع فيه البئر، ونزلنا فاستدللنا على وجود سكان فيه من آثار الناس والغنم والحمير. وتقدمنا محمد لمقابلة ساكنيه، وتبادل عبارات الأمان معهم، ثم حططنا الرحال على مقربة من البئر، وكان ماؤها عذبًا نعمت به الرجال والدواب وذاقوا لذة التغيير. بئر قرب الفاشر.
وكان في الوادي مضرب خيام كبير لرجال «البديات» يحوي مئات الغنم وبعض جياد أشياخهم.
ولم يمضِ على إقامتنا قليل حتى جاءنا سكان الوادي يحيُّوننا، وعلى رأسهم الشيوخ، وشددت على أيديهم جميعًا، ثم قطرت الروائح الزكية في راحة كل منهم، وأرسلوا إلينا بعد الظهر بعض الغنم ضيافة منهم، وعرض علينا نساؤهم — وكلهن محبات للمتاجرة — سمنًا وجلودًا نشتريها، فاستبدلناهم بها نقودًا من المجيدي وقماشًا.
وقمت بعمل بعض الملاحظات في المساء.
وفزع رجال «البديات» من رؤية التيودوليت والمصباح الكهربائي، وثارت ظنونهم، ودخل أحد الأشياخ عليَّ في خيمتي، ففاجأني وأنا أفتح صندوق أجهزتي العلمية، فأقفلت الصندوق مسرعًا، ورأيت بعد قليل أني لم أكن مصيبًا في ذلك؛ فقد لاحظت في وجهه المغبر الجاف وعينيه المصفرتين المتقاربتين كعيني الثعلب أنه اعتقد بوجود ذهب في صندوقي، وبينما كان يترك خيمتي أمرت السنوسي أبا حسن وحامدًا على مسمع منه أن يستعدَّا لحراسة الخيام، وأشرت إليهما وقلت للشيخ أن ينبه على النساء والأطفال بعدم الاقتراب من الخيام في الليل، تفاديًا من أن ينكرهم الرجال فيطلقون النار عليهم، وكان عملي هذا إشارة إلى أنَّا يقظون، وأن لا أمل في انتهاز غفلة منا، ولم تضع هذه الإشارة عبثًا.
? في الأصل التي، والصواب الذي كما يقتضي السياق. «المحرر».
الفصل التاسع عشر
إلى فراو – على قلة الزاد


كان وادي «عنيباه» مغطى بالرمل الناعم مرقطًا بالأشجار والعواسج بين ناضر وجاف، وكنت قد نمت نومًا هادئًا، وصحوت على أصوات نساء «البديات» يطلبن من رجال القافلة علبًا خالية، واستبدلونا بما أخذوا لبنًا وشجيرات جافة يسمونها طباقًا، وأُهدِيَتْ إلينا خمس نعاج بصفة ضيافة ووزعنا بعض الهدايا. وبدأنا السير في الساعة الثالثة وربع، في ريح باردة تهب من الجنوب الشرقي، ولكن هذه الريح قرت واشتد الحر، فبطؤ السير. وكان المساء أشد برودة، فاستعضنا ما ضاع من الوقت وكان الليل قارسًا، وصحونا يوم الجمعة ?? مايو الساعة الرابعة وسرنا بعد ذلك بساعة وربع، وكانت الأرض كثيرة التموج والشقوق، ولم يكن هري واثقًا من السبيل فسرنا في بطء؛ لوعورة الطريق، وحيرة الدليل في تعرفها. وبعد الساعة التاسعة، نزلنا واديًا وضربنا الخيام بعد ذلك بسرعة، وكان السنوسي أبو حسن يمشي إلى جانبي، فأعرب لي عن رأيه في الدليل الجرعاني وبدا في كلامه زهو العرب بأنفسهم، فقال: «إن هؤلاء الجرعان يترنحون في سيرهم كالجمال، أما البدو فيطيرون إلى أغراضهم كالطيور.»
وكانت الشمس شديدة الحرارة عند استئنافنا المسير بعد الظهر، فسارت الجمال ببطء وكان غناء الرجال متقطعًا، وأكبر ظني أن سير القافلة كان بطيئًا؛ لأن هريًّا كان أشد حيرة عن ذي قبل، وقد تعقبنا أثر قطيع من الغنم تقدمنا إلى «باو»، ولكن ذلك الأثر كان ينقطع بنا في جهات متعددة؛ لوجود الصخور المهشمة في الطريق.
وبعد الساعة الخامسة بقليل، نزلنا واديًا كبيرًا عرفنا بعد ذلك أن اسمه «كوني مينا»، وكان ذلك الوادي يمتد شرقًا وغربًا وهو ملآن بالأشجار البديعة، وقبل أن نصل إليه بقليل، قابلنا أحد الجرعان ومعه بعض الغنم، فتقدم إليَّ وقد ألقى سيفه وحرابه على الأرض، وخلع نعليه، فتبادلنا الشد على الأيدي والتحيات، ولم تزد عن الجملتين «كيف حالك؟» و«طيبين»، وهما كل ما يعرفه من اللغة العربية.
وحادثه بعد ذلك محمد وهري فعرفا منه أن بعض الجرعان ضاربون الخيام في الوادي الذي أمامنا.
ولقينا في نفس الوقت تاجر غنم حضر من «فدا» بواداي بغنمه وبقره في طريقه إلى الفاشر، وتركنا محمدًا وهريًّا وتقدمنا إلى أكواخ القش التي يتكون منها مضرب خيام الجرعان، وقطعنا الوادي ثم حططنا الرحال في طرفه الأقصى.
وجرى خلفنا أحد الجرعان، ثم سألنا أن نعود إلى خيامهم فنمضي الليلة ونسير في الغد، فقدرت عاطفة كرمه، ولكني رأيت أنا عاجزون عن تعقب آثارنا القهقرى، ولو لمسافة كيلومترين أو ثلاثة كيلومترات، فشكرته على دعوته وأخبرته إنَّا متعجلون.
وحططنا الرِّحال ننتظر رجوع الدليلين، وبعد ساعة عاد محمد يحمل أخبارًا كثيرة عن «فدا» والفاشر استقاها من ذلك التاجر، وشُغِلنا تلك الليلة بفحص أمتعتنا وإصلاح ما فسد منها، وكانت الحبال قد أخذت تبلى ورثت أكياس البدو الصوفية، وأضعنا وقتًا طويلًا في الطريق في إعادة التحميل ونقل الحوائج من مكان إلى آخر، ولكنا نتعزى بأمل الوصول إلى الفاشر بعد أسبوعين.
ورأيت في صباح ?? مايو، أبدع مشارق الشمس التي شاهدتها في حياتي؛ فإن انعكاس ضوء الشمس الساطع على الصخور المجاورة بين حمراء وسوداء، وعلى التلال البعيدة جعل كل شيء واضحًا جليًّا، ثم احمرت صبغة الشروق وتسللت أشعة الشمس الذهبية بين ثنايا السحب الرقيقة وغمرت كل شيء. وكان انعكاس الظلال المستطيلة للصخور والعواسج المتناثرة فوق الأرض يوشع صفحة الرمال الصفراء، وكانت ظلال القافلة الوانية في سيرها ترسم على أديم الصحراء أشكالًا غريبة، ولكن هذه المناظر البديعة تبعها ضحى ساكن النسيم راكده.
ولحقنا هري قبل حلول الظهر ومعه شاة مذبوحة تدلت أطرافها على جمله، وكانت ضيافة الجرعان الذين مررنا بهم وتتبعنا آثار الغنم والجمال، وانحدرنا من واد ثم ضربنا الخيام في وادٍ كبير تكثر فيه الأشجار الظليلة، وكان يحيرنا على الدوام التفضيل بين الإقامة في ظل شجرة نتعرض تحتها لفتك النمل الأبيض وسائر الحشرات وبين ضرب الخيام تحت الشمس المحرقة، ولكني صممت أن أوثر العراء في مقبل أيامي؛ لأن الحشرات لا تبرح المقيم في ظل الأشجار حتى تقر حرارة الشمس، حوالي الساعة الخامسة أو الساعة السادسة بعد الظهر، وكان الوادي الذي نزلناه يُسمَّى وادي «كاب تركو».
واستأنفنا السير في الساعة الرابعة، وكان يهب علينا نسيم بليل من الجنوب الشرقي يخفف عنا وعثاء المسير، وكان في السماء سحاب قليل يكسر من حدة حرارة الشمس، فسارت الجمال سيرًا حثيثًا، ومررنا قبل الغروب بأسرة من الجرعان، مكونة من رجل وامرأة وولد عاري الجسد، ووجدنا بعد ذلك بئرًا يبلغ عمقها سبعة أمتار وتحوي ماء سائغًا، وإن غيرت طعمه جذور شجرة قريبة نفذت إلى قرار البئر.
وحططنا الرحال الساعة الثامنة في أرض عراء، خالية من العواسج والحجارة، وسطا علينا في الواحدة بعد منتصف الليل ضبع، ولولا يقظة حامد الجمَّال لاغتال جوادي «بركة»؛ لأنه كان مربوطًا إلى وتد لا يمكنه الدفاع عن نفسه، وقد أطلق حامد النار من بعيد على هذا الضبع فأخطأه، ورأيت بمنظاري شبحًا قاتم اللون يجري بعيدًا في ضوء القمر الساطع.
الأحد ?? مايو

قمنا الساعة الخامسة وربعًا صباحًا ووقفنا الساعة التاسعة وربعًا صباحًا، ثم استأنفنا السير الساعة الرابعة إلا ربعًا، وحططنا الرحال الساعة الثامنة إلا ربعًا مساء، فقطعنا ?? كيلومترًا. أعلى درجة للحرارة ?? وأقلها ? درجات، وكان الجو صحوًا هادئًا في الصباح، وثارت عند الظهر ريح ساخنة من الجنوب الشرقي، وقرت بعد الظهر. وكان في السماء سحاب صبير، وكان المساء دافئًا هادئًا. وفي الساعة العاشرة، تراكمت السُّحُب وأمطرت السماء رذاذًا، ومررنا بأودية ناعمة الرمل تكثر فيها تلال الخراسان التي يتراوح ارتفاعها بين ?? مترًا و?? مترًا، وكانت الأرض الرملية كثيرة الحجارة المتناثرة من الخراسان.
ولم يكن هري الدليل عند حسن ظننا به، فقد تنبأ لنا بالوصول إلى «باو» في الصباح، ولكن الليل أرخى سدوله، ولم نكن وصلناها بعد، وكان يعرف المواضع إذا رآها، ولكنه كان يخطئ في معرفة الجهات الأصلية، ونفد منا الماء إلا قربة واحدة، وكان ماؤها ساخنًا جدًّا. وظللنا نسير حتى الساعة الثامنة إلا ربعًا، فهبطنا أرضًا صخرية لا تسلم فيها الجمال من الخطر، حتى في ضوء القمر الزاهي، ووصلنا شفا وادٍ كبير قال هري: إنه وادي «باو» ولكنا لم نصدقه، وقد دلتني التجاريب أن لا أفرِّط في البقية الباقية من الماء الذي نحمله، حتى نصل إلى البئر التالية وأتحقق صلاحية مائها للشرب، فأمرت بعدم مس القربة الأخيرة تلك الليلة، ونمنا بغير عشاء؛ لأن الماء لازم للطهي.
وكانت ليلة بديعة تعزيت فيها بملاحظة ضوء القمر يداعب قِطَع السحاب، وأنذرتنا قطرات قليلة من المطر باقتراب موسم الأمطار في تلك الأقاليم.
وصحونا مبكرين؛ لأن فراغ المعدة لا يدع للنوم الطويل سبيلًا، وحثثنا الجمال للسير بدرجة لم يسبق لنا استعمالها، وما كان أشدَّها تعبًا وأضعفَها، وإنما تظهر عيوب القافلة إذا كان رجالها وجمالها جياعًا عطاشًا.
سوق بقرية أم برو.
وخفت صوت الغناء ذلك الصباح، فلم يصدع شمل السكون إلا تمتمة الرجال، تستحث الجمال للسير، وكان الهبوط إلى الوادي خطرًا لشدة انحداره، وقذفت ثلاثة جمال بأثقالها فحملها الرجال إلى الوادي، ثم أعادوها إلى مكانها فوق ظهور الإبل.
وأخيرًا، رأينا كوخًا أو كوخين من القش وعددًا قليلًا من الأغنام، فوقفت وسمحت للرجال أن تشرب ماء القربة الأخيرة التي أطالوا طلب ما فيها ذلك الصباح، وتقدَّم محمد وهري وقصدا الأكواخ، وانحدرت القافلة إلى الوادي قاصدة البئر، وجاء لزيارتنا بعد قليل بعض عبيد الجرعان والبديات، فأطلقنا النار في الهواء كأنا نحييهم، ونحن نريد في الحقيقة أن نُظهر لهم استعدادنا لملاقاة الطوارئ. ولاحظت أن اتفاقًا غريبًا قضى أن يكون جميع من زارنا من الرجال والنساء طاعنين في السن، فإنه لم يكن بينهم شاب أو فتاة، ولم أُدهَش كثيرًا لذلك، ولكني عجبت بعد ذلك بقليل، لرؤية جماعات من العذارى الهيف الحسان، بين سمراء وسوداء، نصف عاريات في ثيابهن المهلهلة ممشوقات القدود، وبينما يتقدمن إلينا ثلاث ورباع التفتُّ إلى حامد، وسألته: من أين أولئك البنات؟ فنظر بوكاره إليهن معجبًا، ثم قال: «الله أكبر! هؤلاء بنات القرية، لقد ظن القوم أنا سننهب القرية ونسبي عذاراها؛ فأبعدوهن يختبئن حين رأوا القافلة مقبلة، أما الآن وقد رأوا منَّا السلام فقد أمروا البنات أن يَعُدن.»
ومرَّت العذارى بجواري فكُنَّ يركعن لتحيتي خفرات كما جرت العادة عندهن، في تحية ذوي المقام الرفيع، وتقضي الآداب في تلك الجهات إذا خاطب أحد العظماء أحدًا أن لا يظل السامع واقفًا، بل يجلس على الأرض دليلًا على احترام مخاطبه، وتتابعت البنات، فجثت كل منهن على ركبتيها، ورددت عليهن التحية بالجملة العربية المألوفة: «عليكن السلام ورحمة الله وبركاته.» وكانت كل منهن إذا قامت عن الأرض تلفتت بحياء إلى من كان معي من البدو المعجبين بهن.
وضربنا الخيام في نهاية الوادي على مقربة من البئر، وجاءنا شيخهم بعد ساعة يحيينا، فتناقشنا معه في أمر الطريق إلى الفاشر والاتجاه الذي يجب اتخاذه، وهنا غشي هريًّا التفكير والحزن لاقترابنا من بلاده؛ إذ كنا قد قطعنا حدود واداي الفرنسية، وكان هري قد أبى الخضوع للفرنسيين، وهرب منهم تاركًا أملاكه وأقاربه، وانفرد بالإقامة في العوينات يعيش عيشة النفي المختار، وتغيرت معالم الأرض، فكثرت فيها أنواع الطيور، وكان فيها الغراب والبوم والببغاء واليمام وغير ذلك من الطيور الأخرى التي لا أعرف أسماءها، وفتكت لبؤة أثناء الليل بحمارين، فقبض بعض سكان الناحية على شبل من أشبالها وسلخوه، ثم أرسلوا جلده إلى «فدا» يبيعونه، وفي «باو» عدد غير قليل من قبائل الجرعان والبديات.
ونساء هذه القبائل هيف القدود بسيطات الملبس، ولباسهن إما شملة من القماش يلتحفن بها ويتمنطقن بشريط من القماش يحملن فيه سكينًا صغيرة، وإما يتدثرن بجلد الماعز حول الجزء الأسفل من أجسامهن، وشعورهن مضفورة جدائل صغيرة، ويلبسن حُليًّا من الفضة والعاج، ويتحلين في شعورهن بأطواق سميكة منها، ويتخذن عقودًا من الخرز والكهرمان وصغار البنات لا يلبسن إلا مئزرًا من القماش أو الجلد.
والرجال متينو البناء، عارون إلا مما يستر عوراتهم، ويحمل كل منهم حربتين أو ثلاثًا وسيفًا وسكينًا، ولا يلبس العمائم الكبيرة والثياب البيضاء إلا أشياخهم، وأعطينا النساء والأطفال مكرونة، ولكنهم أبوا أن يأكلوها ونظموا قطعها في خيوط، ثم اتخذوا منها عقودًا لبسوها معجبين، ولما رأى ذلك رجال قافلتي ظهر فيهم ميل البدو الغريزي إلى المتاجرة، فصنعوا عقودًا عديدة، من قطع المكرونة واستبدلوا بها سمنًا وجلودًا.
واضطر محمد وهري أن يفارقانا في هذه الناحية؛ لأنهما لم يجسرا على التوغل جنوبًا أكثر من ذلك، ولقيت صعوبة في العثور على دليل يقودنا إلى «فوراويه»، ولكني وجدته أخيرًا، وأُهدِيَتْ إلينا شاة فتعشينا في ساعة مبكرة في يوم الثلاثاء، عازمين على أن نُسرع بالسير في الصباح، ولم يحضر الدليل، فبدأت أشعر أن البديات يرتابون في قافلتنا، ثم حضر في الساعة الحادية عشرة مساء، فأيقظت الرجال عند حضوره وأمرتهم أن يحمِّلوا الجمال قبل أن تحين له فرصة فيغير رأيه.
الأربعاء ?? مايو

قمنا الساعة الواحدة صباحًا ووقفنا في منتصف الساعة التاسعة صباحًا، واستأنفنا السير الساعة الرابعة وربعًا مساء، وحططنا الرحال الساعة السابعة وربعًا مساء، فقطعنا ?? كيلومترًا، أعلى درجة للحرارة ??. الجو صحو جميل، وهبت ريح قوية من الجنوب الشرقي وتغير مهبها بعد الظهر، فصار من الشمال الشرقي. وقرت عند المساء، ولم تتغير معالم الأرض إلا أنها كانت أكثر انبساطًا، ولم يكن فيها أودية كبيرة أو أشجار عظيمة، وقطعنا في الساعة الثامنة وربع صباحًا واديًا صغيرًا يمتد شرقًا وغربًا، وسرنا الساعة الواحدة صباحًا في قمر ضاح خلق من الظلام نهارًا. وسار معنا محمد وهري قصد أن يوهما أهل «باو» بمرافقتنا إلى الفاشر، وخوف أن يسطو عليهما أحد في الطريق.
وبعد ساعة خرجنا من الوادي ووقفنا نودع الدليلين اللذين كان في عزمهما أن يعودا إلى العوينات بالاقتصار على السفر ليلًا خشية العيون.
غادة من قبيلة البديات.
وكنت واقفًا على مسافة من القافلة حين دنت ساعة التوديع، فشعرت باتصال قلوبنا بعد الذي قاسيناه معًا في الطريق، وكان محمد منسرح القامة، منتصبها، ذا عينين نافذتين، وكان في هيئته ما يدل على خصلتي الاعتماد على النفس والرضا بالأقدار، وهما شيئان يميزان سكان الصحراء.
وكان هري شيخًا لطيف العِشرة، متواضعًا، ذا ابتسامة رقيقة وشمائل غراء، وكان في حركاته ما يدل على الوقار والجلال، رغم قدمه اليسرى الموجعة، التي كان يجرها جرًّا إذا مشى، ولا أغالي إن قلت: إنه كان أميرًا بفطرته.
ولم يكن افتراقنا ذلك الفراق الذي يحدث بين رفقاء السفر فحسب، ولكنه كان يحوي معنى انتهاء الأستاذ من تدريب تلميذه على الشيء، وتركه بعد ذلك يسترشد بآرائه في سبل الحياة، فقد نسينا جميعًا أني كنت رئيس القافلة وأنهما لم يكونا إلا دليلين. وألقى هري يديه على كتفي، ثم قال وفي صوته رنة تأثر شديد: «أسأل الله أن يرعاك ويهبك القوة، هاك الطريق بارك الله فيك.»
ثم أشار إلى منفسح بين التلال البعيدة، وتمتمت بضع كلمات بصوت لم أستطع أن أملك فيه رنة المتأثر، ثم انثنيت عنه ولحقت بالقافلة، والتفت بعد ذلك فرأيت ذينك الرجلين الجليلين اللذين يبعثان الأسى بما قُضي عليهما من النفي، يذوبان في ضوء القمر.
ووقفنا عند الفجر لأداء صلاة الصبح، ثم حططنا الرحال في منتصف الساعة التاسعة، وكان في تلك النواحي آثار أسود، واستأنفنا السير بعد الظهر بقليل، ولكن الرجال كانوا متعبين؛ لأنهم لم يناموا طويلًا في الليلة الماضية، فلم نَسِرْ إلا ثلاث ساعات، وقد هربت منا الشاة التي أُهدِيَتْ لنا، فتبعها حامد وسعد في ضوء القمر، وهما يقلدان ثغاء الشاة، ولكنهما لم يفلحا في استجلابها.
الخميس ?? مايو

قمنا الساعة الرابعة إلا ربعًا صباحًا، ووقفنا الساعة الثامنة مساء، فقطعنا ?? كيلومترًا، أعلى درجة للحرارة ?? وأقلها ? درجات، وكان الجو صحوًا جميلًا هادئًا وهبت ريح من الجنوب الشرقي بعد الظهر، ثم غيرت اتجاهها، فهبت من الشمال الشرقي، وقرت عند المساء. وكان الليل ساكنًا والبدر كاملًا، والسماء تحوي صبيرًا، وحدث لنا حادث ذلك اليوم، فإن الدليل أغفى في الطريق وطاحت رأسه بعد سيرنا في بكرة الجمعة أول يونية، فسار جنوبًا بدل أن يسير إلى الجنوب الشرقي. ولم أتدخل في الأمر حتى وقفنا نؤدي صلاة الصبح في الساعة الخامسة، فسألته عما إذا كان مقصده الأول أن يسير صوب الجنوب، فدُهِش كثيرًا ولكنه أقر بخطئه بصراحة.
ولم نكن حدنا طويلًا لحسن الحظ عن الطريق السوي، ومررنا في منتصف الساعة السابعة بتل يُدعَى «طميره»، وكان عليه شجرة ذاوية تعيِّن الحدَّ بين واداي والسودان.
وانحدرنا عند ملتقى الحدود إلى وادي «هور»، وهو وادٍ فسيح كثير الأشجار، يقال: إنه يمتد غربًا إلى واداي وشرقًا إلى السودان، واسمه في واداي وادي «حوش»، وأرض الوادي شديدة الخصوبة، يقصد مراعيها في الخريف أهل واداي ودارفور.
وحططنا الرحال عند الظهر في ذلك الوادي ووجدنا آثار زراف، واخترقنا بعد الظهر مساحة كبيرة من الحشيش الطويل الجاف، فكأنا نسير في غيط من القمح الناضج، وازداد تهلهل ثياب الرجال ودب البلى في أحذيتهم، وزاد همنا ما لقينا من «الحسكنيت»، وهو شوك صغير صلب أعقف ينمو في شجيرة صغيرة ويعلق بكل ما يمسه فيصعب استخراجه منه.
شيخ قبيلة زغاوة يستقبل الرحَّالة في أم برو.
وسمعت بوكاره يصف الزرافة والفيل لحامد، فقال: إن للزرافة رأس الجمل، وحوافر البقرة، وكفل الجواد. ولكنه بالغ في وصف الفيل حتى جعله أعجوبة في مخيلة رجل الشمال.
وسرنا في بكرة السبت ? يونية حتى نتمكن من الوصول إلى «فوراويه» ذلك اليوم، ومررنا في الساعة الخامسة صباحًا بعلم «حجر كمرارا» على بعد عشرة كيلومترات عن يميننا، وبعد ذلك بساعة مررنا بعلم آخر يُدعى «حجر أدرو»، وهو تل يبلغ ارتفاعه ?? مترًا وطوله ??? مترٍ — وحجر لفظ سوداني معناه تل صغير، ثم بدأنا بعد ذلك ننحدر إلى وادي «فوراويه»، وكان أكبر الأودية التي مررنا بها وأعمرها بالسكان، وقطان هذا الوادي من الزغاوة والبديات.
وحططنا الرحال في الساعة التاسعة بالقرب من خيام بعض أفراد البديات، وسمعنا بعد قليل أخبارًا غير سارة عن استحالة الحصول على مؤن في فوراويه، وكان ذلك عكس ما كنا ننتظره، فأسرعت في البحث عن رسول أحمله خطابًا إلى حاكم دارفور في الفاشر أسأله فيه أن يرسل إلينا أطعمة وقماشًا لرجالي الذين كانوا في ثياب مهلهلة، وزارنا شيخ من شيوخ الزغاوة القاطنين بالقرب منا، وإنما رضي بالمجيء مدفوعًا بحب الاستطلاع، بعد تردد طويل سببه الخوف من رجالي، وكان خاضعًا للحكومة السودانية فاستفدت من ذلك، وعرضت عليه ثلاثة جنيهات إن حمل خطابًا مني إلى سافيل باشا حاكم دارفور.
وكان الأجر باهظًا، وزدت على ذلك أن هددته بشدة إذا تردد أو رفض، وأمرته أن يسير في فجر اليوم التالي، فتمتم بضع كلمات يشكو فيها عدم وجود دابة تحمله، ثم مضى وعاد بعد قليل فأخبرني أنه سيحمل خطابي إلى الفاشر، وأنه سيسافر على ظهر جواد.
وسرَّنا هذا الخبر؛ لأن السُّكَّر كان قد فرغ منا منذ ثلاثة أسابيع، فاضطررنا إلى تحلية الشاي على قدر الاستطاعة بالبلح المطحون، ونفد منا الدقيق والأرز، وسئمت نفوسنا ما كنا نأكله من المكرونة القليلة المسلوقة بالماء الرديء.
ونقلت خيامنا على مقربة من بعض آبار الوادي، وحاولت أن أشتري شاة أُدخِل بها السرور على نفوس الرجال، ولكن الظلام أخذ ينتشر فلم يقرب خيامنا أحد من سكان الوادي. ودُهِشْتُ فجأة لسماع الرجال يغنون طربين، كأنهم تناولوا طعامًا شهيًّا، فناديت السيد الزروالي وبكاره، وسألتهما عن سبب غناء الرجال والسكر معدوم والغذاء قليل والحالة لا تبعث على الرضى، فأجابني الزروالي: «لقد هدأ بالنا الآن، قد دخلنا السودان وشعرنا آخر الأمر بالأمان والطمأنينة.» فسألته: «أكنتم خائفين إلى هذا الحد من الرحلة التي قمنا بها؟» فقال بوكاره: «إن جميع أهلنا في الكفرة كانوا يقولون إنا سائرون إلى حتفنا بسلوك هذه الطريق، وكانوا يقولون لنا: المقدر لا بد واقع، ولكن الله يلحظكم بعين رعايته. فداخلنا الشك في السلامة وخفنا أن يكون مودِّعونا صادقين.»
الرسول الذي أرسله الرحَّالة من فوارديه لمدير دارفور بالفاشر لإسعاف القافلة بالزاد.
وقال الزروالي: «لقد رأيت بنفسك كيف شجعك بعض رجال الكفرة على أخذ هذه الطريق، وكيف نصحك بتركها الكثيرون، وأكبر ظني أن مشجعيك أرادوا بك سوءًا ورجوا أن لا يروك أبد الدهر.» وهكذا صارحني السيد الزروالي وقد قربنا من نهاية الرحلة، فأخبرني أن بيوت «السدايده» «والمجلولات» من قبائل الزوي في الهواري والكفرة كرهوا زيارتي الثانية كراهية شديدة، وعقدوا اجتماعًا تناولوا فيه أنجع الوسائل للقضاء على القافلة أو منعها من العودة. وهنا وضحت لي مروءة الرجال الذين رضوا مصاحبتي في تلك الطريق المخوفة المجهولة بدون تذمر أو ممانعة، فداخلني الزهو بهم جميعًا.
وأيقظني حامد في الساعة الثانية صباحًا وكان ديدبان الليلة، ثم أخبرني أن الرسول وصل وأنه مستعد لحمل رسالتي إلى الفاشر، وكان تحت وسادتي خطابان أحدهما لسافيل باشا والآخر إلى حاكم «كتم»، وهي محطة في طريق الفاشر، أسأله فيه أن يتحقق من وصول خطابي إلى الحاكم في الفاشر. وسرني مجيء الرسول في هذه الساعة المبكرة؛ فإن سرعة وصول المؤن والملابس التي طلبتها تسر جميع رجال القافلة، ووعدت الرسول بزيادة بضعة ريالات عن الأجر إذا أمكنه أن يُوصل الخطاب إلى الفاشر في بحر أربعة أيام، وتمنيت له السلامة، ثم وقفت أنظر إليه وهو ينطلق في ضوء القمر على جواد قوي العضلات، وإن كان بادي الهزال.

الفصل العشرون
نهاية الرحلة


ودبَّ إلى جفني النوم في ليلتي الأولى «بفوراويه»، ونالني تأثر لم أشعر به منذ ودعت الضابط باثر في السلوم عند ابتداء الرحلة.
وأحسست أني الآن على اتصال بالدنيا الخارجية، وأن رحلتي انتهت وأنه لم يزل أمامي شهر أو يزيد حتى أترك قافلتي وأغير وجهة سفري، لقد أصبحت واحتا أركنو والعوينات معروفتين بعد أن كان يجهل موقعهما الجميع، وأصبح في الإمكان إن صَحَّت ملاحظاتي وكنت آملًا صدقها، أن ترسم خريطة دقيقة لجهات صحراء ليبيا الواقعة بين جالو وفوراويه.
وقضينا ثلاثة أيام في «فوراويه» اعتدنا فيها جوها الرطب الذي مُنِينا به، وحاولنا أن نصل إلى ما نتبلغ به من الطعام، وكان السحاب القاتم ينتشر فوق رءوسنا والمطر يهطل كل يوم، وأكثر رجالي من أكل الضأن، ولكن عدم وجود السكر اللازم للشاي، وحرماننا من الأطعمة الأخرى نقص من استمتاعنا بذلك النعيم.
وانحدرنا إلى الجنوب بعد ظهر اليوم السادس من شهر يونية، وتصعدنا من الوادي فمررنا بقطعان كثيرة من الأغنام القافلة من مراعيها، يتبعها صبيان وفتيات هيف القدود لا يلبسون إلا ما يستر عورتهم من قماش وعقودًا من الخرز.
وكانت هذه الأصقاع مختلفة عن الصحراء التي اخترقناها، فقد كنا نسير في سبيل مطروقة، ونمر من وقت لآخر بقرى صغيرة من أكواخ القش، ونساء يحملن الحطب ونرى غير ذلك من دلائل الإقامة والحياة، وطلبت من رجال القافلة عند اقترابنا من إحدى هذه القرى أن يتقدموني وأشرت لهم إلى الموضع الذي تُضرَب فيه الخيام وتبعتهم بجوادي، وإنما فعلت ذلك لأن هذه الجهات شاقتني من الوجهة الجغرافية، فأردت أن أقوم بعمل بعض الملاحظات، وسمعت عند اقترابي من الخيام أصواتًا عالية، وكانت خليطًا من الغناء والعويل.
وكان أول ما خطر ببالي أن نزاعًا قام بين رجال القافلة وسكان القرية فحثثت جوادي أستطلع الخبر، ولكني لم أكد أقرب الخيام حتى سمعت دوي الطبل وغناء النساء، وكان وقت الغسق، فلم أتمكن من توسيم وجوه الجمهور الذي كان يتقدم إليَّ، ولم يمضِ زمن قليل حتى هُرِع إليَّ أحد رجالي وأخبرني أنهم استُقبلوا أعظم استقبال من رجال القرية ونسائها الذين أصروا أن يخرجوا إلى ظاهر القرية ليستقبلوا شيخ القافلة، ولم يكد يخبرني الخبر حتى أحاط بجوادي سرب من العذارى يتغنين ويرقصن، فلم يسعه إلا أن يجاوبهن بالطفر والقفز كما يليق بالجواد البدوي، وزغردت النساء فطلب مني البدو أن أفرغ البارود، وأفسح الجمهور الطريق لجوادي فابتعدت به مسافة قصيرة، ثم درت وانطلقت به عائدًا فوقفته دفعة واحدة. وكنت في ذلك الوقت قد أخرجت بندقيتي فأطلقتها عند وقوف الجواد، على الطريقة البدوية، عند أقدام أول صف من العذارى الجميلات فأخافهن ذلك وشاقهن.
وبعد ذلك أحاط ست منهن بجوادي وطفن حوله ثم أدين لي «الشبَّال»، وهو أن يرسلن جدائل شعورهن ثم يلوين رءوسهن بغتة تاركات خصلهن تدور أمامي، وأجبتهن على هذه التحية، فكنت أضع أصبعي على جبين كل منهن، وأدير بندقيتي في الهواء حول رأسها وأنا أقول: «أبشر بالخير»، ثم التأم جمعنا في موكب حافل، وتقدمنا إلى مضرب الخيام، ورآني رجال القافلة محاطًا بالعذارى، فأطلقوا النار احتفاء وتكريمًا، ووزعت عليهن بعد ذلك الروائح العطرية، فانصرفن فرِحات، وكانت ليلة أنس وطرب في مضرب الخيام.
ووصلنا «أم برو» في اليوم التالي، وهي على بعد ?? كيلومترًا من فوراويه وحططنا الرحال بالقرب من البئر، وصحوت في الصباح التالي على أصوات الغنم والماعز القادمة للاستقاء، وبعد ذلك بساعة أُقِيمت سوق عامرة على مقربة من خيامنا؛ لأننا كنا نصبناها بدون تروٍّ بالقرب من شجرة كبيرة من وسط المكان المعد لإقامة السوق، ولم يشترك في هذا السوق إلا النساء اللاتي جلبن الزبد والجلود والحصر والشعير والقطن والملح، واستبدلن بكل هذا أشياء أخرى غير مستعملات النقود في معاملتهن، تقوم النساء بهذا بينما يستريح الرجال ويظلون عاطلين من العمل.
وقد دار بخلدي حين أبصرت هذه المناظر وأشباهها في قرى السودان أن هؤلاء الجواري السود يكن أسعد حالًا وهن في ربقة الأسر في البيوت البدوية، فإنهن وهن مطلقات يقمن بتأدية كل الأعمال فيتعهدن الغنم والماعز، ويشتغلن بأمور المنزل، ويجهزن الطعام ويصنعن المريسة وهي شراب الرجال المحبوب، ويشتغلن في الأسواق، ويقمن بعمل كل شيء على وجه عام، أما وهن في ربقة الأسر فليس عليهن إلا واجبات محدودة تترك لهن من الفراغ نصيبًا غير قليل.
وطال بي التفكير في هذه المقارنة، وأنا ألاحظهن في السوق، فخُيِّل لي أني أسمع في حديثهن وغنائهن نبرات لم أسمع مثلها في أصوات الأسيرات، فعلمت أن الحرية قد تبعث في النفوس شعورًا خاصًّا ينعم به المُطلَقون في أشد حالات العيش نَصَبًا.
وأقمنا يومين في «أم برو» وزارني عبد الرحمن جدو وكيل محمدين وهو رأس قبيلة الزغاوة، وقدَّم لي غنمًا ودجاجًا بصفة ضيافة، وقابلنا الوكيل في اليوم التالي مقابلة رسمية يحف به خدمه وحشمه على ظهور جيادهم، وهم يدقون الطبول، وأرسلت لنا أسرة محمدين في غياب رئيسها غذاء من العصيدة والخضر والفطائر والمريسة.
وكانت مرحلتنا التالية تتطلب سفر خمسة أيام إلى «كُتُم» على بعد ??? كيلومترًا إلى الجنوب، وكان الجو جيدًّا رغم حرارته ونزول بعض الأمطار، وسرنا كالعادة في الصباح الباكر والعصر، وكان سبيلنا مطروقًا سهلًا بين الأراضي التلية المغطاة بالحشيش الجاف والأشجار الصغيرة، وعثرنا في الطريق بقطع من الأرض أحرقت حشائشها تمهيدًا لزرعها بعد ذلك.
ورجع رسولي إلى الفاشر في صحبة آخرين، ولم يكن عند حسن ظني به، فقد قضى خمسة أيام بدلًا من أربعة للوصول إلى الفاشر.
ولم يحضر مع ذلك ردًّا على رسالتي، وقال لي: إن الرد في انتظاري مع جندي عند بئر «مطرج» على مسيرة ?? ساعة من محلتنا، وأن ذلك الجندي يحمل زادًا لنا، ولكن ذلك الزاد المنتظر كان قليل الفائدة، على تلك المسافة البعيدة، فقد تناولنا عشاء قليلًا عندما حططنا الرحال تلك الليلة. وبعد تناول العشاء أمرت دليلنا أن يُسرع بالسفر، فيسير عامة الليل ولا يقف حتى يصل «مطرج»، ثم يخبر الجندي بالإسراع إلينا على قدر الطاقة.
وبدأنا السير قبل الساعة الرابعة من الصباح التالي، ولم تمضِ ساعة حتى هُرِع الرجال يخبرونني أن جنديًّا يتقدم إلينا على جَمَله، وبعد ذلك بدقائق، سلَّمني الجندي خطابًا من المستر شارل ديبوي القائم بأعمال حاكم دارفور المستقيل سافيل باشا، وَقَدَّم لنا كمية من الأرز والدقيق والشاي والسكر، وسرني على الأخص، أنه سَلَّمني كمية من السجائر فإني لم أكن دخنت منذ تركنا أردي، فقد عرفت بغتة في العوينات أنه لم يبقَ لي إلا بعض سجاير قليلة، فأخذت نفسي بتدخين سيجارة واحدة في اليوم، أنعم بها بعد العشاء، وكان يؤلمني الانتظار طول النهار، حتى تحل الساعة التي أُدخن فيها سيجارتي، ولكني كنت أسعد كثيرًا بساعة التدخين فكنت أنتحي ركنًا ظليلًا، وأشعل سيجارتي الثمينة، ثم أقيها هبَّات الريح حتى لا تهيج شعلتها فتنفد سريعًا، ونفدت السجاير فلم يبقَ لي إلا الذكريات القديمة والانتظار المقبل، وقد كُوفِئت على ذلك الانتظار الطويل، وثأرت لنفسي بالانكباب على التدخين حتى احترق حلقي.
وأهديت بوكاره حفنة من تلك السجاير، فوضعها فوق طربوشه الأحمر ذي الزر الطويل، ثم امتطى جواد الدليل وأخذ طربًا، ولكن السرور لم يعم أفراد القافلة فيدفعهم إلى الغناء والرقص، إلا حين نزلنا دار راحة الحكومة في مطرج، فإنَّ الطرب تملك الرجال حتى وضعوا رأس السكر على الأرض، وأطالوا الرقص حولها حتى داخَل الجنديَّ أن بنا جميعًا مسًّا من الجنون.
وقد سأل بعضنا عن مبعث ذلك الطرب، فأجابه عبد الله: «إن لنا شهرًا لم نذق السكَّر فيه، وإنا قادرون الآن على تحلية الشاي الذي نشربه.» وإنما يشعر بافتقاد السكر وشدة الافتقار إليه من حُرِمه عهدًا طويلًا، فهز رأسه الجندي مبتسمًا، ثم قال: «يجب عليَّ أن أعود في الحال إلى كُتم وأحضر لكم شيئًا من الزاد؛ فإنا لم نظن أنكم بهذه الدرجة من الافتقار إلى الطعام.» وتفضل علينا قبل سفره بالذهاب إلى خيام قريبة، وإتحافنا بشاة وزبد يدفع ثمنهما معاون كُتم؛ لأن البائع رفض قبول الأوراق المالية المصرية.
وتركنا الجندي بعد أن زودته بخطابات مني إلى المستر ديبوي والمعاون وهو الحاكم المنتدب في كُتم، وكفانا الزاد الذي أحضره الجندي، ولكن الخوف من حاجتنا إلى الاستزادة جعلنا نقرر السفر في التوِّ، فسرنا وحططنا الرحال عند الظهر في دار «استراحة» الحكومة عند بئر «المراحيج»، وضربنا خيام الليل على بعد بضعة كيلومترات من تلك الجهة، وكانت حال الجِمال من السوء بمكان عظيم، فقد تقرحت ظهور بعضها وجنوبها ودُمِيَت، ورفض اثنان منها أن يسيرا حتى تُرفع عنهما الأحمال، وأمطرت السماء ذلك المساء مدة ساعة، ولكن ذلك لم يبل أوام نفوسنا وَغنَّت الرجال ورقصت حول ركية عظيمة من النار.
وقد ذكرتني رطوبة المكان ورائحة الحشيش الرطب بمطافاتي في أرياف إنجلترا، وسرنا مبكرين في الصباح التالي حتى نصل بئر مطرج عند الظهر، وتناولنا الغذاء في دار «استراحة» الحكومة القريبة من البئر وزارنا شيخ مطرج، وأحضر لنا دجاجًا بصفة ضيافة، وأراد أن يستبقينا تلك الليلة حتى يقوم بواجب الضيافة نحونا في اليوم التالي، ولكني كنت أشعر بالحاجة إلى الإسراع في السفر، فقد ساءت حال الجمال عن ذي قبل، واضطررنا إلى ترك أحدها عند شيخ القرية، على أن يأخذ ربع ثمنه إذا شُفِي وبيع، وأن يكون خاليًا من المسئولية إذا مات.
صبيتان من قبيلة فور.
وظهر لنا جندي آخر على ظهر جواده، بعد مسيرنا بساعة ونصف ساعة في اليوم التالي، وأحضر لي خطابًا من معاون كُتم، وكمية صغيرة من الأرز والسكر، وشكرنا له الهدية؛ لأن زادنا كان قد نزر ونفد منا السكر اللازم لتحلية الشاي، وأعطيته خطابًا يوصله إلى كُتم، ثم حططنا الرحال بعد ذلك بواد صغير في «باوو».
وأمطرت السماء عند استئنافنا السير بعد الظهر، وهبَّت ريح قوية من الجنوب الشرقي، ورأيت من الحكمة أن نحط الرحال؛ حتى تقر العاصفة، ولكني أطللت في منظاري فرأيت صف الأكواخ القشية التي تكوِّن مركز الحكومة في كُتم، فشجعني ذلك على المضي في المسير فحثثنا الإبل.
ورأينا بعد ذلك كوكبة من الفرسان تتقدم إلينا، فصرخ البدو عند رؤيتها مبتهجين، وتعرفت الملابس الرسمية للجيش السوداني، فكان ذلك أبهج ما وقع عليه نظري منذ أسابيع طويلة، وتقدم إلينا رياض أفندي أبو عقله، ونصر الدين أفندي شداد — وهما معاونا كُتم — على رأس كوكبة مكونة من عشرة فرسان، وفي صحبة القاضي ورئيس الكتبة وغيرهما من موظفي كُتم ووجهائها، وشددت على أيديهم جميعًا، ثم اخترقت القافلةُ القريةَ وهم يحيطون بها.
وحيَّانا عند اقترابنا من المركز نساء متشحات بالثياب البيضاء، يغنين ويزغردن ويضربن الطبول، ووقفن صفًّا طويلًا يغنين ويرقصن فطرب لهن البدو كثيرًا، وسألوني أن أسمح لهم بإطلاق البارود ردًّا على تحياتهن، ولم يسعني الرفض فتناوب الرجال، وعلى رأسهم بوكاره، إطلاق البارود عند أقدامهن، ولم تكن السودانيات متعودات تلك العادة البدوية في تكريم النساء كأخواتهن البدويات في الشمال، فجفلن قليلًا عند اشتعال البارود على مقربة من أقدامهن ولكنهن رَضِين ذلك، وظللن يتمايلن ويرقصن على دق الطبول، بينما كان رجالي يطلقون البارود عند أقدامهن على التوالي، وكان لقاء بديعًا بدَّد سرورنا به، ما نالنا في السفر من نصب وكلال.
وزاد إظهار الكرم نحونا، فأرسل إلينا المعاونون والموظفون أربع نعاج وزبدًا وخضرًا وسكرًا، فقضينا ليلة أبهج ما تكون حالًا، وكان هبوطنا كُتم في ذلك الوقت فألًا حسنًا عند سكانها؛ لأنا قَدِمناها مع وسمي فصل الأمطار، وقضينا يومين في ضيافة المعاونين في غياب المفتش المستر أركل الذي كان في الفاشر.
وقد تفرجنا عصر يوم من أيام إقامتنا على مباراة في لعب الكرة بين الجنود، وأبدى اللاعبون نشاطًا شديدًا وإن لم يتقنوا اللعب إتقانًا تامًّا، ولم يخلُ اللعب من فكاهة ظريفة، فإن كثيرين من اللاعبين الذين حاولوا أن يرفسوا الكرة رفسة قوية أخطأوها وأرسلوا أحذيتهم السودانية تنطلق في الفضاء، وقد شاقتنا كثيرًا روح التآلف التي كانت سارية بين الضباط والجنود الذين قاموا بهذه اللعبة التي لا تخلو من بعض الخشونة.
وتناولت عشاء تلك الليلة في دار رياض أفندي ونصر الدين أفندي، فكان أول طعام ذقته بين حيطان المنازل منذ تركت الكفرة، وقدم لي ضائفيَّ جرائد مصرية، فكانت أول ما قرأت منها بعد مضي ستة أشهر.
وتركنا كُتم في الساعة السادسة من صباح يوم ?? يونية منشرحين بما لقينا من دلائل الكرم والضيافة أثناء إقامتنا، ومن مظاهر التوديع الحار عند تركنا المدينة، وكانت المرحلة الباقية إلى الفاشر وهي تستغرق يومين ضربًا من ضروب التريض.
ودبَّ في نفوسنا جميعًا دبيب الاهتياج والابتهاج بعودتنا إلى الاتصال بحياة الحركة، ولكني شعرت ساعة انقلبتُ إلى فراشي ليلة ?? بوخزة حزن في قلبي؛ لأن ذلك اليوم كان آخر أيامي في الصحراء، وبدا لعيني آلامي المستقبلة لافتقادي رجالي وجمالي، وحرماني تلك الوحشة المؤنسة والجمال والوحدة ومتعة المرافقة التي ملكت نفسي في الصحراء وعيشي بها، وشكرت الله على هديه لي في تلك الأصقاع الرملية الممتدة غير المطروقة، ورأيتني أضيف إلى صلوات شكري دعاء خالصًا أسأله فيه، أن يُقدر لي العودة إليها يومًا من الأيام.
وكنت قد أصدرت أمري إلى رجال القافلة بالسفر المبكر في الصباح التالي، وَتملَّكهم الشوق إلى الرحيل، فبالغوا في التبكير، ولم أكن أقل منهم هشاشة إلى الرحيل، فلم آبه بالمسير في منتصف الساعة الثالثة صباحًا، وحططنا الرحال على مسير ثلاث ساعات من الفاشر، نستعد لدخول المدينة، فحلقنا ذقوننا ولبسنا أفخر ثيابنا، وكان المستر ديبوي قد أرسل إلينا في كُتم كمية من القماش الأبيض، فأمكن رجالي أن يظهروا في لباس لائق وتهافتوا جميعًا على القطعة الباقية من مرآتي يتوسمون فيها وجوههم، ونظفت البنادق وأُصلح من شأن حوائجنا التي أصبحت في حال يُرثَى لها من البلى، وكان بودي أن أصنع شيئًا للجمال فأغير مظهر هزالها ونحفها، ولم يكن سبيل ذلك إلا بتعهد ظهروها المقروحة وإراحتها، ولم يكن عندنا من الوقت أو الظروف ما يمكننا من فعل ذلك، ومع ذلك فقد خُيِّل لي أنها تشاطرنا الشوق إلى الرحيل، فجدَّت في السير بخفة ونشاط.
الرحَّالة على جواده «بركة» ورجال قافلته الذين رافقوه في الرحلة.
وارتدى عبد الله والسيد الزروالي ثيابهما الحريرية، وتقدمت القافلة إلى المدينة فرحة، ووصلنا ظاهر الفاشر فإذا بصرخات السرور تنبعث من جميع أفراد القافلة؛ لأنهم رأوا كوكبة من الفرسان لابسي الخاكي تتقدم إلينا، وحثثت جوادي بركة فعدا راضيًا، وسَرَّته رؤية الجياد القادمة فنشر أذنيه وانطلق في عَدْوِه.
وتقدم المستر ديبوي على جواده يحييني، فتبادلنا الشد على الأيدي، وَحَيَّانا بقية الموظفين المصريين والإنجليز، فرددنا عليهم التحية بأحسن منها، ثم ذهبنا إلى دار المستر ديبوي الذي تفضل فخصني ورجالي بجزء منها، وتفضل البكباشي «أوداس» فتعهد الجمال المنهوكة فأطعمها وسباها وعالج جراحها، وكانت في حاجة ماسة إلى هذا العلاج.
وقضيت عشرة أيام في ضيافة المستر ديبوي، ولقيت شيئًا كثيرًا من كرم ضباط وموظفي المدينة بين مصريين وإنجليز، ومن وجهائها كذلك، والحق أقول: إن دلائل الكرم غمرتني ومظاهر الرعاية ظلَّتني فلم أكن في حاجة إلى شيء.
وشعرت بحياة المدنية، فاستمتعت بملذاتها وأخصها أكل الخضر والفواكه، وما كنت لاقٍ هذه الملذات لولا ما ذقت في صميم الصحراء من طرف محدودة في عيشتها، وحل يوم توديعي لرفقائي الذين صحبتهم في رحلتي من الكفرة، فجاءني بوكاره وأخوه وحامد والسنوسي أبو جابر يودعونني، فكانت ساعة مؤثرة شعرت فيها بألم الفراق وازدحمت فيها على خاطري خوالي الذكريات، ولم يتمالك أولئك الرجال الجليدون البكاء، ولم أستطع منع عيني أن تندى بالدموع، فقد صحبنا الأيام معًا في حلوها ومرها، وخرجنا من عشرتنا الطويلة أصدقاء مخلصين، ولست أتمنى على الدهر أمتع من هؤلاء رفقاء؛ لاجتياز تلك الأصقاع الموحشة، ولا أكثر منهم قدرة ورجولة وإخلاصًا.
وقرأنا الفاتحة فكانت جهشات بوكاره تخالط كل وقف من آياتها الشريفة، وشدَّدت على أيادي الرجال جميعًا للمرة الأخيرة، ثم افترقنا لنتقابل كما أرجو يومًا من الأيام في تلك الصحراء التي نالت من نفسي بقدر ما نالت من نفوس ساكنيها.
ولم يبقَ أمامي إلا مرحلة واحدة إلى الأُبَيِّض التي تبعد ??? كيلومتر إلى الشرق، فقطعتها وأخذت القطار إلى الخرطوم ومنها إلى القاهرة، فوصلتها في أول أغسطس سنة ????، وكنت قد غبت عن وطني سبعة أشهر و?? يومًا، وقطعت بالقافلة مسافة ???? كيلومترٍ في الصحراء، وأمكنني بواسطة هذه الرحلة أن أقطع في تحديد مركز آبار الظيغن ومكان الكفرة على خريطة أفريقيا، وكان موضع الأول قبل ذلك بعيدًا عن مكانه الأصلي بمقدار ??? كيلومتر، والثانية بمقدار ?? كيلومترًا، ونلت كذلك توفيقًا عظيمًا في إثبات الواحتين المجهولتين أركنو والعوينات على خريطة صحراء ليبيا.

كلمة شكر


لم أكن لأُوفَّق التوفيق الذي نلته في رحلتي أو أتمكن من إتمامها بالنجاح الذي كتبه لي الله لو لم آنس برأي أصدقائي المخلصين، وأنل مساعدة الذين تفضلوا بمد يد المساعدة إليَّ؛ حيث كنت في حاجة إليها، ولا أقل من أن أُسجل لهم جميعًا تقديري لليد التي أسدوها والنصائح التي أبدوها، وأُثبت هذا في كتابي الذي أقدمه لأبناء وطني، وملء نفسي الأمل أن أكون قد قمت ببعض ما يفرضه عليَّ الإخلاص في خدمته.
أتقدم بالشكر للدكتور جون بول مدير مصلحة مساحة الصحراء المصرية، فقد تفضل بتلخيص النتائج العلمية لرحلتي في الذيل الأول من هذا الكتاب، وساعدني كثيرًا بإرشاداته في استعمال الأجهزة التي صحبتها في رحلتي.
وأُسجل شكري مرة أخرى للدكتور بول وللمستر براون، وغيرهم من أعضاء مصلحة المساحة المصرية؛ لقيامهم بتحضير خرائط رحلتي التي أثبت إحداها في هذا الكتاب.
وأُثني الثناء العطر على الدكتور هيوم وعلى المرحوم المستر مون الموظفين بمصلحة المساحة الجيولوجية؛ لمساعدتهما بتقسيم النماذج الجيولوجية التي أحضرتها معي، وعمل التقرير الذي وضعته في الذيل الثاني لهذا الكتاب. وإني مدين لحضرة حسن بك عبادي لتفضله بترجمة تقرير الدكتور بول، ولحضرة حسن بك صادق المفتش بالقسم الجيولوجي بمصلحة المساحة الذي تفضل أيضًا بترجمة تقريرَيِ الدكتور هيوم والمرحوم المستر مون إلى اللغة العربية.
وقد تفضل اللواء سبنكس باشا ومشعلاني بك بوزارة الحربية؛ فتعهدا جزءًا كبيرًا من أدوات الرحلة من حقائب وجعب وأوانٍ، فأدت وظيفتها على ما يرام، وإني لأشكرهما على العناية والإرشادات التي بذلاها في تحضيرها.
وقد تكرم صديقاي المخلصان السيد عبد العال الإدريسي وولده السيد ميرغني الإدريسي، فقدما لي النصح الخالص، والمساعدة العظيمة، فلهما مني مزيد الشكر والامتنان.
وقد قام بمساعدتي مساعدة نافعة في الجزء الأول من الرحلة الكولونيل هنتر باشا المدير السابق لمصلحة الحدود، والكولونيل مكدونيل حاكم الصحراء الغربية، والماجور دي هلبرت والكابتن هتون، والكابتن هاويسون من ضباط مصلحة أقسام الحدود، وعبد العزيز فهمي أفندي مأمور السلوم، وأحمد كامل أفندي مأمور سيوة، والملازم لولر قومندان سيوة، وإني لأقدم لهم جميعًا مزيد شكري.
وعند وصولي السودان مُهِّد لي الطريق بعناية المرحوم السر لي ستاك باشا سردار الجيش المصري وحاكم السودان سابقًا، فأتقدم بالشكر إلى السيدة قرينته اللادي ستاك.
ولا تفوتني هذه المناسبة بدون أن أقدم خالص امتناني لجميع إخواني السودانيين، وكذلك موظفي السودان الذين قاموا بمساعدتي عند انتهاء الرحلة، وخصوصًا سعادة مدونتر باشا القائم بمنصب حاكم السودان العام، واللواء هدلستون باشا القائم بأعمال السردار والأميرالاي حافظ بك قائد فرق الخرطوم — الآن اللواء حافظ باشا، والمستر ماك ميكل السكرتير الملكي المساعد والكابتن فيلبس وصمويل عطية بك، وأحمد السيد الرفاعي أفندي والمستر شارل ديبوي القائم بأعمال حاكم دارفور، والصاغ أحمد حلمي أركان حرب الفاشر، والمستر كريج حاكم كردفان، والبكباشي أحمد خليل أركان حرب الأبيِّض — والآن ياور حضرة صاحب الجلالة الملك.
هذا؛ وأسجل شكري الخالص لحضرة صاحب العزة أحمد بك لطفي السيد على تفضله بكتابة المقدمة الشيقة التي صدرت بها الكتاب، ولحضرة صاحب العزة أحمد بك شوقي شاعر الشرق على أبياته الرقيقة التي تكرم بنظمها عند عودتي من الرحلة، وعلى بيتيه العامرين اللذين زينت بهما غلاف الكتاب.
وأختم كلمتي بإسداء مزيد شكري لأحمد أفندي رامي، ولجميع من تفضل من إخواني بتصفح هذا الكتاب وتكرم بإبداء ملاحظته وإرشاداته في تقديمه للقراء.
أحمد محمد حسنين