Advertisement

شرق_وغرب


شرق وغرب




شرق وغرب

تأليف
د. محمد حسين هيكل




شرق وغرب

محمد حسين هيكل
الباب الأول


رحلات بين الأدب والسياسة

في وطن شكسبير


لست أقصد وطنه إنجلترا، وإنما أقصد وطنه فيها، أقصد مدينة سترانفورد القائمة على نهر إيفون إن صح أن يُسمى هذا البلد الصغير مدينة، وأقصد ما يحيط بها من طبيعة هي أول ما تفتحت عليه إنسانية الشاعر النابغة الخالد خلودًا لا سبيل إلى أن يجني عليه الزمان، فقد زُرت هذه المدينة، أو هذا البلد، أثناء مقامي وزملائي الصحفيين بإنجلترا، وقد أقمنا به يومين كاملين تجولنا أثناءهما فيه وفيما حوله، وأُتيح لي أن أضرب أنا وزميلي الشاب الأستاذ عبد اللطيف صادق فيما يتصل به من أحراش وزرع وطبيعة نضرة، وفي هذه الجولات القصيرة أستطعت أن أفهم من شكسبير أضعاف ما كنت أفهم منه من قبل، وأن أنفذ إلى روحه من خلال هذه الطبيعة التي خلعت على شعره وعلى عبقريته من إلهامها ما يُثير في النفس النشوة التي تسحرها، أكثر مما تُثير فيها الإعجاب، والتي تُشيع في جوانب الفؤاد من الطرب ما يبعث إلى الحياة بسمة النعمة في أشد مواقف الحياة عبوسًا وبأسًا.
زرت سترانفورد في أوائل أيام الخريف، فلم أكد أراها حتى وقفت دهشًا مأخوذًا … إذا كان هذا جمالها في الخريف فما عسى يكون جمالها في الربيع؟ وإذا كانت بسامة الخضرة في أخريات سبتمبر مثل هذا الابتسام؛ فما عسى يكون زهرها وأريجه الفياح وألوانه البديعة في شهر مايو؛ إذ يتنفس الشجر عن أوراقه الزاهية المزهرة بعد عبوس الشتاء القمطرير، لقد بلغ من أثر هذا الجمال في نفسي أن توجهت إلى الله بصلاتي موليا وجهي شطر النافذة التي كشفت في بكرة الصبح عن هذا السحر الرائع من خلق الله جاعلًا منها قبلتي؛ لأنني لم أعرف اتجاه البيت الحرام لأولي وجهي شطره، وذكرت؛ إذ وقفت للصلاة قوله تعالى: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ، تعاليت ربي سبحانك، إن في كل شيء لك أية تدل على عظمتك وعلى جلالك، وعلى أنك أبدعت من خلقك ما يوحي لمن وهبتهم أسباب النبوغ خير ما يخلد على الأجيال؛ ليكون للإنسانية غذاؤها النفسي الذي يعاونها على إدراك الحقيقة من أمر هذا الكون.
إذا كان هذا جمال سترانفورد في الخريف؛ فماذا عسى يكون جمالها في الربيع؟ لم أكن بحاجة إلى ما قصه لي أهل المنطقة لأتصور هذا الجمال وفتنته، فقد خلده شكسبير في شعره حين حديثه عن شهر الجمال والحب، مايو، خلده في أنغام لا تزال أصداؤها الشحية تتجاوب في سمعي على طول العهد بيني وبين قراءة شكسبير، أنغام ساحرة تقفك عندها وتدعوك أن تستعيدها، وتبقى في ذهنك زمنًا طويلًا بعد تلاوتك إياها، وهي تبقي أنغامًا أكثر منها كلامًا، وصورًا أكثر منها ألفاظًا، بل هي تبقى صورة كاملة لهذه الطبيعة البديعة التي أراها اليوم في زينة الخريف، وقد كستها صورة الشاعر زخرف الربيع وبهاءه، وكأنما نفثت فيها من روحه الحياة التي يخلعها الربيع على الطبيعة في أبهى ألوانها، فإذا هذه الحياة استحالت أنغامًا لا يجني عليها الخريف، ولا يخفت صوتها الشتاء، بل تبقى ربيعية ضاحكة رغم تعاقب الفصول وما له في الطبيعة من أثر.
جلت في أنحاء المنطقة التي تفتحت عليها عبقرية شكسبير، أين طبيعة الريف الإنجليزي في أنحائه المختلفة منها في سترانفورد وفي وارك وفي لمجنتن وفي تشبنج كامدن، وفي تكسبري، وفي هذه المنطقة الساحرة كلها، الريف الإنجليزي جميل ما بعدت عن المناطق النصاعية في إنجلترا وعن دخانها وضجتها، ولقد بلغ من جماله أن قال غير واحد من كتاب أوروبا ورجال الفن فيها: إن إنجلترا حديقة متصلة من جنوبها إلى شمال إستكتلندا، لكن منطقة سترانفورد ليست الريف الجميل وكفى، بل هي الفتنة الساحرة التي تلعب باللب وتأخذ بالفؤاد، لقد سمعتهم يقولون: إن في إنجلترا مناطق أبرع منها جمالًا، وما أدري كيف يكون هذا الجمال الذي يتحدثون عنه، إنه ربما اختلف عن جمال هذا الوطن الذي أنبت شكسبير وأوحى إليه من آيات الشعر الخالد ما أوحى، أما أنه أبرع فتنة من منطقة سترانفورد فذلك ما يدهشني، وذلك ما جعلني أفكر في زيارة هذه المناطق من إنجلترا يوم كنت بها، ولولا أنني وضعت برنامج رحلتي من مصر وإليها يوم ركبت البحر أقصد العاصمة الإنجليزية، ثم كان في هذا البرنامج ما لم ترض نفسي بالعدول عنه، إذن لزرت بلاد الغال ومنطقة البحيرات وشمال إسكتلندا لأرى هذه الجهات التي يفضل بعضهم جمالها على جمال الوطن الذي أنبت شكسبير.
ليست منطقة سترانفورد جبلية كسويسرا أو كمناطق الأوفرن والسافو العليا في فرنسا، وليست بها بحيرات كليمان ولوسرن ولا كالبحيرات الإيطالية، لكنها كذلك ليست منطقة مستوية استواء مصر، بل هي منطقة متموجة يقع النظر فيما حولها على جبال ليست شاهقة، وتتفاوت الطبيعة فيها بين الانخفاض تفاوتًا سريع الاطراد يعلو بك ويهبط، ويريك كلما علا وكلما هبط جديدًا من سحر هذه الطيبعة، فهي ساحرة حقًّا، خضراء نضرة كأنها بساط من سندس، ترتفع الأشجار فوق مرتفعاتها، وتنبسط الخضرة فيما استوى منها ثم لا تبلغ الأفق؛ إذ ترتفع فيها سلاسل ومن أكام وهضاب أو تنبت فيها غابات وأدغال، وقد نجد أحيانًا جدولًا من الماء ينساب هادئًا، ليس له من الجلبة ما للإيفون عند قلعة وارك، وله مثل هدوء الإفيون؛ إذ يمر تحت مسرح شكسبير التذكاري بسترانفورد دون أن يكون له مثل سعته، وسع الإيفون لا تزيد على سعة ترعة صغيرة في مصر، لكنه في وسط هذه الطبيعة الساحر أشبه شيء بالابتسامة ينفرج عنها ثغر الحسناء، وها هنا وهناك تقوم قرية ظريفة قليلة المنازل جميلة البناء تبعث في جو هذه الحياة الطبيعية البديعة معنى إنسانيًّا فيه فن وفيه اتساق مع هذا الجمال الفاتن، وتقوم كذلك قصور كانت من قبل حصونًا لأصحابها، وهي اليوم أدنى إلى أن تكون متاحف ينعم الشعب برؤية ما فيها منذ أصبح الشعب سيدًا له الكلمة بعد أن كان مجاميع في حكم أصحاب القصور والقلاع تؤمر فتطيع، ولصاحب القصر عليها حق الحياة والموت.
قلت في نفسي: أكانت هذه الطبيعة بالغة من السحر في عهد شكسبير مبلغها اليوم؟ لم تكن فيها هذه الطرق البديعة الرصف تخطفها السيارات مسرعة حينًا، مبطئة ليتمتع من فيها بهذا الجمال حينًا آخر، هذا أمر لا ريب فيه، ولعل شيئًا قليلًا أو كثيرًا من هذا التنظيم الذي قضت به حياة عصرنا لم يكن كذلك قد أدخل عليها، وهي لا ريب كانت أدنى إلى الطبيعة كما صورها بارئ الطبيعة، وأحسبها لذلك كانت أعظم وجه لهذا الشريد الطريد شكسبير، فلا وحي كوحي الطبيعة البكر، ولا شيء أبعث للإنسان على أن يندمج في أحضان الطبيعة وعلى أن يدمجها في نفسه من أن يراها حية حياته لم يعدُ عليها أحد قبله، ولم يعبث بها غيره باسم الفن أو باسم النظام، هناك يقيم الإنسان الموهوب من وحيها صروحًا فنية قوية شامخة ثابتة على وجه الزمان، كما يقيم البناء قصرًا من أحجار نحتها من الجبل نحتًا، أما الطبيعة المهذبة المنظمة يعمل الإنسان بدون تلك الطبيعة البكر لم تهذب ولم تنظم في أخذها رجل الفن عن نفسه في وحيها إليه، وما يقيمه رجل الفن من وحي الطبيعة المهنية المنظمة أشبه بالبناء الذي يقام من أنقاض بناء سبقه، لا جدال في أن الطبيعة المنظمة أدنى إلى منفعة الجماهير، ولعلها أبعث بالمتاع إلى نفس الكثيرين منهم، لكن النابغة ليس من الجماهير إلا ما تكوِّن الشجرة الضخمة الكثيرة الثمر من النبات القائم حولها تعبث به الرياح وتغذيه الصناعة بأسمدتها، أما الشجرة الضخمة فتضرب بجذورها في أعماق الأرض إلى حيث لا تصل أسمدة الصناعة لتستمد من هذه الأعماق غذاءها، فيكون ثمرها بهذا الغذاء المبكر أشهى وأكثر للنفس إمتاعًا.
أتممت هذا الحديث فيما بيني وبين نفسي وتصورت الصبي وليم سكسبير يضرب بين أحضان هذه الطبيعة وكانت بكرًا، كما أضرب أنا وأصحاب فيها بعد أن هذبتها الصناعة، ويضرب فيها على قدميه لا تمر به سيارة أو قل ما يستوقفه عربة يجرها الجياد، ها هو ذا أمامي يسير وعيناه الزرقاوان الجميلتان تلتهمان كل ما حوله، وتقعان على فراشة تارة فيسرع الطفل ثم يجرع لكي يتقتنصها، فإذا ظفر بها أو فاتته عاد يمشي الهوينا أو يجلس إلى ظل شجرة يشم شذا أزهارها وأريج ما حولها من زهور الربيع المنثور حوله، وهو ينهل من هذا كله بكل حواسه ويدمجه في نفسه، وليس يعلم ما كتب له القدر في لوحه، ويعود في المساء إلى داره يقرأ قصصًا قديمة عن إيطاليا والحياة فيها تبحث في ذهنه بهذا الوصف البارع، وهو في أثناء هذا كله يرى الناس ويتصل بهم ويلاحظ بنظرته أحوالهم وشئونهم، وكما أنه يرى الطبيعة بغير العين التي يراها بها سائر أهله، فهو يتمثلها في دخيلة نفسه حتى لتصبح جزءًا منه، كذلك شأنه مع الناس يراهم ويمثل في أطواء قلبه صورة منهم، وتتقدم به السن ويزداد بهذه الطبيعة البارعة اتصالًا، فإذا تم له هضم ذلك كله لم يكن له بد من أن يتنفس بما في قلبه، وأن يترنم بالأنغام التي سلكتها هذه الطبيعة إلى نفسه، فيكوِّن من ذلك الشعر الرائع الخالد الذي يقرأ له والذي كتب على القدر الخلود.
هذا وحي الطبيعة وأثره في شعر شكسبير، وإنما هي إلمامة بما رأيت، لم أقصد فيها إلى تحليل للشاعر ولا لشعره، ولكن سحرت بهذه الطبيعة الفاتنة، فرأيت أن أشرك قراء هذه الجريدة في سحرها، وحسبي ما قدمت من ذلك ولعلي أعود له.

تطور الكوميدي فرانسيز


مداه ودلالته
ما أسرع ما تتغير أوروبا في هذه السنوات الأخيرة، لم تمض بعد سنوات ثمانية منذ زرتها للمرة الأخيرة، وهاأنذا مع ذلك أرى فيها من التبدل ما أستعد للتفكير فيه قبل الحكم عليه، أصالح هو أم غير صالح، بلغت باريس صبح السبت الحادي عشر من هذا الشهر — شهر سبتمبر سنة ???? — وحرصت أن أرى الكوميدي فرانسيز في المساء، فليس أحب على نفس في حياة باريس أثناء الصيف من مسارحها، وليس بينها مسرح بلغ من الكمال ما بلغته الكوميدي، وأعجبت بما رأيت يومئذ أيما إعجاب، ثم زرت الكوميدي يوم الاثنين الثالث عشر من سبتمبر، وأعجبت أيضًا، لكن … لكن هذه الكوميدي فرانسيز ليست الكوميدي فرانسيز التي ألفت أيام كانت طالبًا من سنة ???? إلى سنة ????، والتي رأيت بعد ذلك في الصيف من السنوات الأربعة المتعاقبة التي زرت فيها باريس بين سنتي ???? و????، كانت الكوميدي صلة الحاضر بالماضي فكان ما يمثل فيها أكثره لمؤلفين يرجعون من عهد لويس الرابع عشر إلى القرن الماضي، وكان ما يمثل فيها لمؤلفين معاصرين لا يمثل فيها إلا بعد أن ينال إعجاب النقاد الفنيين وإعجاب الجمهور على مسارح مختلفة، بعد ذلك يمكن أن تقر الكوميدي فرانسيز تمثيله على مسرحها، وإذا قلت بعد ذلك فأنا أقصد بعد سنين من تمثيله، فلم يكن يكفي رضا النقاد أو إعجاب الجمهور بالرواية أول ظهورها، فكم رواية أعجب الناس بها أول أمرها ثم عرضت للسنة الثانية على المسرح؛ فإذا الجمهور يعرض عنها، وإذا النقاد الذين لم يتكلموا أول الأمر يتناولونها بنقدهم بما يحط من قدرها، وما يحول بينها وبين الوصول إلى هذا المسرح القومي الذي يعتبر عنوانًا من عناوين مجد فرنسا.
كذلك كان شأن الكوميدي كما ألفتها فيما مضى، أما اليوم فقد فتحت الكوميدي أبوابها للألوان الجديدة من روايات المسرح، وهي روايات لها من غير شك قيمتها الفنية السامية في نظر النقد الحديث، وهي تنال من تحبيذ النقاد ومن الجمهور حظًّا عظيما، لكنها قد أحدثت من الانقلاب الثوري في النفس المسرحي ما كانت الكوميدي تتحذ عادة أزمانًا طويلة قبل إقراره، تُرى أي شيء أحدث فيها هذا الانقلاب وقد ترددت في قبوله إلى عهد قريب؟ النقاد والجمهور لا ريب، فقد علت الصيحة بأن المسرح القومي لا بد أن يمثل الذوق القومي كما هو أيًّا ما كان، وليكن مسرح الأديون، وهو المسرح القومي الثاني، هو الحفيظ على تقاليد الماضي بعد أن يصبغها بصبغة الحاضر قدر المستطاع، فمن شاء أن يسمع تمثيل راسين وكورني وموليير وفكتور هوجو فعليه بالأديون، أما الكوميدي فيجب أن تساير العصر وأن تعيش معه، وأن تظهر الناس على خير ما تنتج القرائح الفرنسية، والقرائح العالمية من آثار الفن المسرحي التي يصبو إليها أبناء هذا الجيل.
هل لهذا التطور في الكوميدي فرانسيز دلالة اجتماعية خاصة؟ أود قبل أن أجيب عن هذا السؤال أن أذكر أن موجة الجديد لم يقف أمرها في الكوميدي فرانسيز عند الروايات التي تمثل على مسرحه، بل لقد طفت كذلك على حياته الداخلية، كان بيت موليير — وذلك اسم الكوميدي عند الأدباء الأقدمين — وقورًا في كل مظاهره، حتى مقهاه الذي كان يتناول الناس فيه المرطبات فيما بين الفصول قد كان منزويًّا في ناحية من طابقه الأول قليلة الأنوار يشعر الإنسان؛ إذ يغشاها أنها ليست مكان إقامة طويلة، فكان الناس لذلك يسرعون إلى تناول ما يريدونه منها، ثم يذهبون إلى بهو الطابق الأول، هذا البهو الفخم الجميل الذي يُشعرك عظمة فرنسا المسرحية بالتماثيل المقامة حول جدرانه يتوسطها تمثال فولتير كاملًا جالسًا على مقعده فوق نصب كبير، أما من أراد أن يدخن فقد وجب عليه أن يهبط إلى الطابق الأول، وأن يذهب منه إلى دهليز متصل بالطريق فيه تماثيل عدة كذلك، أحدها تمثل صاحب الدار موليير، أما اليوم فقد نقل المقهي، أو البار إن شئت، فاسم البار أجدر بالمكان الحالي، إلى غرفة فتح لها باب من ذلك البهو الجميل، بهو فولتير، وأضيئت إضاءة قوية تستهوي النظر بذلك لم يبق بهو فولتير هذا البهو المهيب الذي كان مرتاد المتأنقين والمتأنقات، بل صار مجالًا للبار ورواده لذاته، أما التدخين فقد صار مباحًا في الردهة الكبرى من مدخل التياترو، ولم يبق مقصورًا على دهليز موليير.
طبيعي أن لا يُعنَى الناس؛ إذ يذهبون إلى الكوميدي اليوم بتغيير ملابسهم، وهم قد عدلوا عن هذا التقليد الذي كان متبعًا قبل الحرب وبعد أن انتهت، وبعد أن جعلت الأزمة الاقتصادية الناس أدنى إلى عدم التدقيق في أمر الملابس واختيار النفيس منها لهذه الحفلات، لكن الأزمة الاقتصادية زال بأسها فكان حَرِيًّا أن يعود الناس إلى نظامهم الأول لولا أن كان التطور الاجتماعي وتطور التفكير أقوى من الأزمة الاقتصادية، فهم يدفعون اليوم أسعارًا عالية للدخول إلى بيت موليير، وهم يزحمونه كل يوم فما تجد به مقعدًا خاليًّا بعد بدء التمثيل بدقيقة أو دقائق، لكن التطور الاجتماعي بقي على عدم العناية بتغيير اللباس والتردي فيما وراء ذلك إلى تقاليد البقاء في المقهى والتدخين، ثم تناول هذا التجديد المسرحيات المعروضة على النظارة.
وملاحظة أخرى أبديها قبل الكلام عن الدلالة الاجتماعية لهذا التطور، كان بيت موليير شديد الحرص على أن لا يمثل من المسرحيات إلا ما اتفق في صفاء اللغة مع (الكلاسيك)، وكان يري نبوًّا على تقاليده أن تُمثل فيه رواية تنزل إلى لغة الحديث الدارج، لذلك كان لممثليه من الشهرة في جمال الإلقاء ما يجعل هذه اللغة الفرنسية التي صقلت على الزمان فصفاها من كل شائشبة وكأنها الموسيقى، وكان الممثلون يقفون ولا يتكلمون، وهم إنما يتكلمونها كما يجب أن يتكلم بالفرنسية أبناؤها المهذبون، لذلك لم يكن تزيين المسرح في الكوميدي فرانسيز بالأمر الجوهري إلى الحد الذي يوقف النظر ويبهره، وكان الناس إذا تحدثوا عن سلفان أو مدام بارتيه أو ألبير لامبير وغيرهم من ممثلات الكوميدي وممثليها؛ تحدثوا عن قواعد الإبداع في الإلقاء والدقة في التعبير عن العواطف الإنسانية والتفكير الإنساني، أكثر مما يتحدثون عن دقة الموافقة للطبيعة وللبيئة المحيطة بأهل العصر، أما اليوم فقد أصبح تزيين المسرح والإبداع فيه أمرًا جوهريًّا في الكوميدي حتى لقد بزت فيه أحدث المسارح، وأصبحت الدقة في موافقة الواقع حولنا أمرًا جوهريًّا إلى حيث لا يصل جمال اللغة ولا السمو في التعبير عن الإحساس والعواطف، صار الإنسان ثمرة بيئة وصار المسرح في بيت موليير يُعنَى بتمثيل البيئة وأثرها في الإنسان، ويُعنَى بتصوير الإنسان كما تثمره هذه البيئة دون تقدير لما وراء ذلك من أمر اللغة وصفائها وجمال رنينها، لم يبق رجل الصحراء يعبر عن حياته بلغة فرنسية جميلة يصف بها وصفًا شعريًّا ما يلاقي في الصحراء، بل صار ابن الصحراء بالفعل، يتكلم كما يتكلم أبناء الصحراء، وتحيط به بيئة صحراوية بالغ مزين المسرح في إتقانها، بذلك جارى بيت موليير حياة هذا العصر، وخرج من ثم على تقاليده.
دلالة هذا التطور عندي أن ثورة الحاضر بالماضي بلغت في هذا العهد الأخير من القوة أن طأطأ الماضي هامته للحاضر تاركًا المكان له، مكتفيًا بأن يبقى في ركن من أركان باريس، هو ركن الأديون، متحفًا يراه الناس فيه مصورًا لا كما كان، ولكن كما يفهمه أهل هذا الجيل، ولا عجب في أن ينتصر الحاضر في عصرنا على الماضي، وأن يسلبه أقداسه، فقد أسرع التطور في حياة العالم منذ بدأت الحرب الكبرى في سنة ???? إلى وقتنا الحاضر حتى لا يبالغ من يقول: إن العالم خطا في هذه السنوات العشرين التي مرت منذ الحرب أكثر مما خطا في بضعة قرون في أي عهد من عهوده، عبر بتيريو المانش في سنة ???? على طائرته فكان عبوره المانش على الطيارة يومئذ أعجوبة الأعاجيب، ومجازفة المجازفات، وكنا نسمع الفوتوغراف في ذلك العهد على أسطوانات قلما تبين إلا إذا وضع الإنسان السماعة في صمام أذنه، وكان الحديث في أمر التليفون اللاسلكي، بل الراديو خرافة يتسلى بها الناس لقضاء الوقت حين لا يكون لديهم ما يعملونه، وكانت القيم الخلقية مقررة على صورة لا تحتمل الجدل، وها نحن أولاء في عشرين سنة نذكر ماضينا، فإذا قصصنا ذلك على أبنائنا خيل إليهم أننا نحدثهم عن أساطير الماضي، أو يدور بخلد أحد من هؤلاء الأبناء أن باريس ولندن كانتا قبل سنة ???? لا تعرفان السيارات إلا مظهرًا من مظاهر الفخامة والعظمة، وأن عربات الخيل هي التي كانت تتولى النقل لمن أراد أن يتخذ مطية للسير غير قدميه، أو يصدق أحدهم أن الراديو والتليفون اللاسلكي وهذه الألوان البديعة العجيبة من الإضاءة الكهربائية لم تكن معروفة أول صبانا، وهذا مع ذاك هو الواقع، ونحن مضطرون للانحناء أمامه ولإقرار سلطانه، ونحن لا نسلم له أنه فكرة تسلطت وفي المقدور التغلب عليها للعود إلى فكرة سبقتها وإن اقتضى ذلك أجيالًا، بل نسلم به على أنه الأمر الملموس الذي لا يغلبه إلا أمر ملموس مثله يكون أعظم منه أو أبعد في الحياة أثرًا، أما وقد انتقلنا على الأجيال بهذه السرعة التي تتضاءل سرعة البرق أمامها؛ فلن يستطيع بيت موليير أن يحتفظ بعرفان ماضيه أو يزعم أنه يستطيع أن يسقط بهذا الوفاء على الحاضر السريع المدد والتغير، والمندفع إلى هذه الحياة الجديدة اندفاع الطفل إلى لعبة استهوته فهو يستهين بكل شيء في سييلها.
يقول الشيوخ؛ إذ يرون هذا كله، ويرون سلطان الماضي الذي ألفوا يذوي وينزوي، ولكن! أنحن بهذا التطور أسعد حالًا؟! ولعل أجدادهم الذين سبقوهم إلى العالم الآخر يبتسمون هم الآخرون حين يسمعون هذا السؤال، فهم قد سألوا مثله، وتحدثوا كما نتحدث نحن عن السعادة ثم عرفوا آخر الأمر أن السعادة ليست غايتنا من هذه الحياة، وإنما غايتنا منها أن نتعرف نعم المعرفة، العلم، هذه هي الغاية إليها يسعي الطفل، والصبي، والشاب، والرجل، في سبيلها نحتمل كل شيء ونضحي بكل شئ، وأوفرنا منها حظًّا أرفعنا في الإنسانية درجة، ولا ريب أن هذا التطور الحديث فيه من معرفة العالم شيء لم يكن معروفًا من قبل، وهو من هذه الناحية دون سواها يدل حقيقة على مظهر يفرح له كل محب لهذه الإنسانية.
من شأن كل تطور أن يقف يوم يبلغ مداه، ويومئذ يبدأ التفكير في تنظيمه والطمأنينة إليه وما يسمعونه السعادة به، عند ذلك تبدأ عيوبه تتضح للناس، وعندئذ يبدأ سلطان الماضي يملأ مقاييس قدره من جديد لنقيس بها عيوب التطور وفضائله، لكني أحسبنا بعيدين عن هذا المدي، وأحسب الكوميدي فرانسيز لا تزال لذلك تمثل التطور الحديث في صلته بالماضي وغلبته إياه، فإذا جاء الوقت الذي يبدأ فيه النقد والتقدير خطت الكوميدي خطوة غير خطوتها الحاضرة، ماذا عسى أن يكون اتجاهها يومئذ؟ هل تعرض موليير وراسين مرة أخرى؟ أيندرس عصر راسين ويبقي أثرًا شأنه شأن عصر الرومان وعصر اليونان وعصر الفراعنة الذي سبق هؤلاء وأولئك، علم ذلك عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.

في برلين


نظرة عامة سريعة
للمدن الكبيرة روح تميز كل واحدة منها عن الأخرى وتبعث إلى نفسك، لأول ما تتصل بإحداها، شعورًا يختلف عن شعورك حين اتصاله بغيرها من المدائن، ولقد أذكر ملاحظة سمعتها من كثير من المصريين الذين قصدوا إلى باريس تعبر عن شعورهم أول ما اتصلوا بروح باريس، سمعت هذه الملاحظة من رجال وسيدات لما تمض عليهم في العاصمة أيام رأوا فيها خلالها ضجة المدينة وازدحامها وحركتها الدائمة، ونشاطها الذي لا يعرف الونى، وما يشتمل ذلك كله من ابتسامة لا تفارق ثغر مدينة النور: «هل هذا مولد النبى» بهذه الجملة عبر غير واحد عن شعوره، كما عبر غيره بما يقرب منها، والحق أنك تشعر وأنت بباريس بمثل شعورك وأنت في أحد هذه الأعياد التي تقام في مولد النبي، والتي يؤمها ألوف ألوف الخلائق، فكلهم مشغول من غير شغل، وكلهم طائر لا يدري إلى أين، وكلهم نشيط أعظم النشاط، وكلهم مع ذلك قرير النفس باسم الثغر؛ لأن ما حوله من دواعي الحياة باسم قرير برغم نشاطه وحركته، ذلك بأن روح باريس مرح ونشاط وغبطة بالحياة، أو استخفاف على الأقل بها، وحرص على النهل من مواردها إلى غاية ما تستطيع النفس، إلى الغاية التي تجعلك — على حد قول آنسة مصرية — تستيقظ أربعًا وعشرين ساعة في اليوم؛ لأنك واجد في كل ساعة منها متاعًا ترد منهله.
روح لندن تختلف عن روح باريس … باريس هي التي تجذبك إليها، وتجلي عليك جمالها وتحدثك بروعة ما فيها، ولو حاولت أنت أن تغمض عينك عن ذلك كله، هي معطاء وهوب، وإن كانت آخر الأمر تسترد أكثر مما أعطت عن جذل منك بما تهبه لها وشكر إياها على حسن قبولها، فأما لندن فلا تبتسم لك ولا تغازلك، يجب أن تبحث عنها أكثر مما تبحث هي عنك، ويجب أن تكلف نفسك في البحث غير قليل من العناء إن كنت ممن لا يقنعون بالفتات، فإذا أنت أحسنت التعرف إليها ووصلت إلى مكان العطف منها أسلمت نفسها في غير رياء ولا تحفظ، وبلغت في ذلك أن جعلتك أسيرها بأن أطلعتك من خباياها على ما لا تراه معروضًا في الأسواق ولا مشاعًا لكل زائر مولد النبي، على أنك يجب ألا تطمع من عطفها في متاع أربع وعشرين ساعة كل يوم، بل يجب ألا يعدو هذا العطف ساعات معدودات أنت في حل بعدها من أن تجعله صداقة عمل صريحة لا يتظنن أحد بها، وروح العمل في لندن أنشط وأكثر وضوحًا منها في باريس، فأنت ترى حتى في متاجر الحديد في باريس زينة للنظر على حين ترى متاجر أقمشة السيدات في لندن متاجر عمل جد ونشاط متصل، ذلك بأن نشاط السعي والعمل يستقل عن الفن وجماله والعاطفة وميولها في لندن، على حين يخضع كل ما في باريس لجمال الفن وميول العاطفة.
برلين تُريد أن تكون لندن وأن تكون باريس معًا، بل تُريد أن تكون أعظم من لندن وأبهى من باريس، ويكفي أن تعلم أن الميزانية البلدية لبرلين في هذا الوقت الدقيق من حياة ألمانيا الاقتصادية تبلغ خمسين مليونًا من الجنيهات لترى مبلغ ما يريد أهلها لها من عظمة وجمال، ولم لا؟ وماذا في لندن من عظمة وفي باريس من جمال مما لا يستطيع المال والعمل تحقيقه متعاونين؟ في باريس قوس النصر على مدخل الشانزليزيه فليكن في برلين قوس للنصر على مدخل الإنتردن ليندن، وفي ميدان يسميه الألمان خصيصًا ميدان باريس، وفي باريس عماد الفندرم مطلًّا من بعد على حدائق التويلري من ناحية، وعلى ميدان الأوبرا من الناحية الأخرى، فليكن في برلين عماد النصر مطلًّا من ناحية على التيرجارتن، وهي أضعاف حديقة التويلري وفيها من التماثيل ما يزين شارعًا بأكمله زينة ناطقة بتاريخ ألمانيا المجيد، ومطلًّا من ناحية أخرى على الريخستاج، وتحيط به من مظاهر الجمال ما لا يحيط بالفندوم شيء من مثله، وبرلين فيها كنائس لا تقل روعة ولا جمالًا عن كنائس لندن ولا كنائس باريس، ونهر الأسبري يخترق برلين كما يخترق التيمس لندن والسين باريس، ولندن تمتاز على باريس بنظافتها التي يُضرب بها المثل فلتتميز برلين على لندن نفسها في نظافتها وفي شوارعها، والحق أنه ليس في أوروبا كلها مدينة بلغ نظام شوارعها من الدقة، وبلغت هذه الشوارع نفسها كما بلغت المدينة كلها من النظافة مبلغ برلين، غادرناها إلى الجبل في الخامس والعشرين من أغسطس سنة ????، ثم ذهبنا إلى باريس في الثاني عشر من سبتمبر، فبدت باريس رغم الزمن الذي فصل بين وصولنا إليها ومغادرتنا برلين قذرة حتى في أجمل أحيائها، حتى في ميدان الكونكورد والشانزليزيه، وإذا ذكرت لك أن باريس قذرة وهي المدينة التي تغسل شوارعها كل مساء حتى لتكون كالمرآة ترى فيها خيال كل ما يمر بها، كان لك أن تقدر نظافة برلين، ورونق شوارعها وبديع النظام فيها.
لكن ما روح برلين من روح لندن ومن روح باريس؟ لست أدري ما يقول عنه أهل العاصمة الإنجليزية، أما أهل باريس فيقولون: إنه روح المُحدث الذي جمع مالًا فحسب، إنه بالمال يقيم له حسبًا ويقيم له تاريخًا، فبنى قصرًا وأنشأ حدائق وغرسها وجمع حوله بطانة من رجال ونساء وحاشية وحشمًا وخدمًا، وظلت نفسه مع ذلك نفس المُحدث برغم ما يحاول من اصطناع أخلاق ذوي الجاه والحسب، ولقد كنت من قبل سريعًا إلى تصديق هذا إذا كانت برلين مدينة حديثة لم تمض على عمارتها في صورتها الحاضرة أكثر من مئة سنة، لكنني الآن أعترف بأن هذا المُحدث الذي بنى برلين جمع إلى الذكاء المثابرة والنشاط؛ فاستطاع بقوة جلده وصبره وبمداومته الجد والعمل أن ينشئ في المدينة روحًا هي روح النظام، وأن يسمو في تقليده لندن وباريس على كثير مما في لندن وباريس وإن بقي برغم سموه مقلدًا، وإن كانت حداثته قد جعلت عظمة برلين وجمالها لما يأخذا طابعًا خاصًّا، ولم يخلع عليهما الزمن من قداسة القدم ما يبعث إلى روح باريس بنوع خاص قوة وروعة تشهدهما في طرقها الضيقة المحاطة بالمباني القديمة الجميلة، أكثر مما تشهدهما في الأحياء المحدثة البرلينية.
•••

هبطت بنا الطيارة من برلين في مطار تميلهوف يوم ?? أغسطس سنة ????، بعد أن أرتنا نظرة الطائر منها غابات تلمع من خلالها مياه بحيرات تمتد حولها مروج فسيحة وأحراش واسعة تحيط بها منازل وعمائر، وأقمنا بعد ذلك ببرلين اثني عشر يومًا نجوس خلال الغابات والبحيرات والمروج والأحراش وخلال المدينة العظيمة كلها، ولعل أول ما يلفت النظر في العاصمة الألمانية إرادة العظمة، فالألمان ميالون للضخامة في كل شىء، وميلهم هذا يبدو أمامك صريحًا واضحًا في كل ما ترى، فهذه التيرجارتن غابة فسيحة جميلة النظافة تنبسق أشجارها وسط برلين، وتقوم منها — على حد تعبير الألمان — مقام الرئة من الإنسان، وخلال هذه الغابة تتقاطع الشوارع العريضة المتقنة الرصف المحدثة عن إرادة العظمة، وعن الحرص الدقيق عن النظام، والتيرجارتن يقصد منها، كما قدمت، إلى مضاعفة غاب بولونيا في باريس، لذلك تجد فيها ما تجده في غاب بولونيا من أسباب الرياضة والمسرة، تجد فيها الطرق المرصوفة للاتومبيلات، كما تجد الطرق الفسيحة المتروكة من غير رصف لرياضة راكبي الخيل، وتجد في ناحية منها حديقة الحيوانات كما تجد حديقة «الأكليماتاسيون» في غاب بولونيا، وتجد متصلًا بها بعض البحيرات على نظام يختلف بعض الشيء عن بحيرات غاب بولونيا التي تتوسط الغاب فتزيده روعة وجلالًا، على أن لهذا الخلاف سببه، فالتيرجارتن ببرلين تتوسطها على خلاف غابة بولونيا الواقعة خارج باريس، وبرلين يقع خلالها وخارجها من الغابات والأحراش والبحيرات الشيء الكثير مما لا تجد له نظيرًا في باريس، وإن كنت تجد مشابهة في الهيديارك والكنزنجتون بارك، وسائر رياض لندن المتصلة بعضها ببعض أو تكاد، وتكثر هذه الغابات في الأحراش ببرلين كثرة ما أحسبها اجتمعت لعاصمة غيرها، وهذا هو ما يخلع عليها نضرة وبهاء وشبابا غضًّا قد يتنافر بعض الشئ مع إرادة الضخامة والعظمة البادية في جميع نواحيها، فإذا أنت قصدت إلى أي طرف من أطرافها قابلتك غابات وأحراش أخرى فسيحة ممتدة إلى ضواحيها وإلى ما بعد الضواحي، وهذه الجرونفالد تكاد تكون غابة لا يدرك لها النظر حدودًا، وهي ليست بعد من أحياء برلين الواقعة في أطرافها، فإذا أنت خرجت بعد ذلك قاصدًا بوتسدام أو غير بوتسدام من الضواحى انفسحت أمامك مروج وتوسطت المروج بحيرات، وخطرت فوق البحيرات زوارق وقوارب، وقامت على شواطئها مقاه ومحال اجتماع تراها في أيام الأحاد والعطلة مكتظة بالحاشدين إليها من أهل المدينة يبتغون عندها مذهبات الشجن من خضرة وماء ووجه حسن، ويستمتعون حولها بجمال الهواء وشذى الزهور ومسرة الاجتماع وعبث السوابح بصفحة الماء المتألقة تحت أشعة الضياء.
وكما ترى هذا الجلال في المروج والغابات، ترى جلالًا وعظمة تفوقه في شوارع برلين، فهي أكثر فسحة واتساعًا من شوارع ما سواها من المدن، وما يجري التزام خلاله منها يجري منه في وسطة فوق زروع من الحشيش البهيج الخضرة، والذي يفصل بين ناحيتي الطريق التي تسير فيها العجلات ويسير على أفاريزها المارة، ولئن كان حقًّا أن لا تجد في برلين ولا في غير برلين مجموعة كمجموعة التويلري وميدان الكونكورد بمسلته المصرية وبتماثيله ونافوراته والشانزليزيه بحدائقه عن الجانبين وقوس النصر تتفرع عنده شوارع باريس الكبرى، وينبعث منه شارع الغاب لينتهي إلى غاب بولونيا؛ فأنت واجد برغم ذلك في برلين من الشوارع الفسيحة الممتدة الطول إلى غير نهاية ما لا تجد له في غير برلين شبيهًا، وسبب ذلك أن برلين بلد حديث وضع نظامه متفقًا مع مطالب هذا العصر الحديث، فلم يجد واضعوه ما يحول دون تنظيمهم مدينتهم على ما يريدون، فأما برلين القديمة فيقف فيها النظام أمام ما يقف من عقبات في كل بلد قديم، فهنا جامعة وهناك كنيسة وثَمَّ أثر محبوب من الشعب، والطرق بين هذه ضيقة أو ملتوية، ولا سبيل إلى الإصلاح فيها، وهذا ما تجده في أنحاء كثيرة في لندن وفي باريس حيث وقف النظام عاجزًا أمام أقداس خلفها الماضي، لها من الروعة والجلال والجمال، ولها من الذكري المحببة إلى نفوس الشعب أكبر مما للنظام الحديث من أثر في الصحة وفي الرفاهية وفي حسن المتاع بالحياة.
نظام المرور في هذه الشوارع الكبرى ببرلين عجيب، كنت أعتقد أن ليس في العالم كنظام لندن نظام، والحق أن البوليس الإنكليزي مثل أعلى للبوليس في العالم كله، والحق كذلك أن برلين ليس بها من حركة المرور مثل ما بلندن وباريس زحامًا ونشاطًا مستمرًا، لكن نظام المرور في برلين يرجع إلى روح النظام القائمة بنفس الشعب الألماني أكثر مما يرجع إلى شيء آخر، لذلك كانت الحاجة فيه إلى البوليس أقل من حاجة النظام إليه في مدن غيرها، ولذلك لجأت بلدية برلين إلى تنظيم المرور على طريقة أوتوماتيكية تخفف من عبء العمل على رجل البوليس بمقدار كبير: ففي كل تقاطع للشوارع الكبيرة مصباع كهربائي فيه أنوار ثلاثة تضيء على التعاقب فترات غير طويلة: أخضر وأصفر وأحمر، فالأحمر يقف حركة المرور ولو لم تكن في الطريق عربة، والأصفر ينبه إلى أن اللون الآخر وشيك الظهور كي يستعد السائق للوقوف أو السير، وكذلك تسير العربات، وفق هذا النظام الآلي فتنتقي بذلك كل تصادم أو خطر، ولما كان النظام في الروح الألمانية بعض فطرتها فليس يرى أحد في التنظيم إلا ما يستحق كل ثناء وإعجاب، وليس يتبرم أحد لأنه وقف في طريقه دقيقة أو دقائق من غير حاجة إلى هذا الوقوف.
على أن هذا النظام والجمال في شوارع برلين، لا يقابلهما جمال ونظام مثلهما في عمارتها، فأنت تسير في شوارعها الكبرى فلا يأخذ بنظرك شيء من مبانيها، ولا يسترعي نظرك إلا المباني العامة الفخيمة بطبعها، فأما منازلها ومصارفها وحوانيتها فلا تجذب الناظر إليها، كما تجذبه مباني باريس وعماراتها جميعًا، فأنت إذ تسير في شوارع باريس الكبرى لا تفتأ ترى ما يستوقفك عنده من جمال البناء، وما يستوقفك أكثر من ذلك من جمال عرض ما في المتاجر، وفي الأحياء التي لا تطغى التجارة فيها على المساكن، تراك في كثير من الأحيان أمام منازل في عمارتها جمال جذاب، وكثيرًا ما يسترعى نظرك وأنت بباريس نظام تخطيط العمارة في شارع أو حي بأكمله، فأنت لا ترى نافذة أعلى من نافذة، ولا منزلًا متواضعا إلى جانب عمارة كبيرة، فأما برلين فيظهر أن التخطيط فيها لا وجود له أو يكاد، ففي كثير من الشوارع الكبيرة الفخيمة منازل عالية وأخرى منخفضة عنها، ونوافذ المنازل المتجاورة لا تكون في كثير من الأحيان على خط واحد، وأشهد لقد كنت أشعر لذلك بغضاضة على النظر حين يقع على هذا الاضطراب الذي لا نظم ولا عناية فيه بالجمال إلى أي حد، وكان يزيد شعوري بالغضاضة هذه جمال الشوارع التي تقوم هذه المباني على جانبيها، فأما تنظيم ما يُعرض في المتاجر فلا يأخذ بالنظر ولا يثير من الأعجاب شيئًا بالقياس إلى ما في باريس، ولقد حدثنا مدير مكتب الصحافة الألمانية يومًا عن برلين، وذكر لنا متجرها الكبير باريس الكبرى ويزيد عليها، بل الذي يضارع سلفردج وهارودز من متاجر لندن، ولقد قصدنا إلى فيرتهايم وجسنا خلاله فوقفنا مأخوذين أمام ضخامته وعظمته، وأمام ما اجتمع فيه من كل أنواع البضائع وصور التعامل لكنا دهشنا مع ذلك إن لم نجد في تنظيمه هذه الروعة الحلوة الجذابة التي تستهويك إلى حوانيت باريس، والتي يفر الكثيرون منها بسبب ما تستنفده من أموالهم.
بل إن أكثر ما حول برلين من قصور لا يقاس جماله إلى ما في باريس ولندن، وإذا كان الوصف يقصر عن أن يصف حديقة قصر بوتسدام وروعة الجمال الباهر فيها، فإن القصر لذاته يتضاءل إلى جانب قصور فونتنبلو وفرساي ووندسور، وإلى جانب قصر الهابسبورج في بودابست وقصري فيينا وشنبرن، فأما بيت رئيس الجمهورية الألمانية ببرلين فهو في ظاهرة بسيط غاية البساطة حتى لتمر به مرات فلا تلتفت إليه؛ إلا أن يذكر لك من يعرفه ما هو.
على أن ذلك كله ينسى حين تتخطى ميدان باريس إلى الانتردن ليندون فتمر به حتى تبلغ الأسبري فترى أمام نظرك الكاتدرائية، وترى حولك القصر الملكي والجامعة والأوبرا الكبيرة والمتاحف، ويتخلل ذلك كله حديقة اللستجارتن نثرت خلالها التماثيل في نظام بديع، وتوسطها تمثال فردريك غليوم الثالث، هذه حقًّا مجموعة من أبدع ما تقع العين عليه في مدائن العالم، وكلها اجتمع فيها الجلال والجمال والبهاء، وتجلت فيها الروح الألمانية روح النظام والجدية، وتجلت هذه الروح في الكاتدرائية (الدوم)، وإني ما أزال أذكر المرات العديدة التي مررت أثناء مقامي القصير ببرلين خلال هذه المجموعة البديعة فتهيج هذه الذكري من نفسي أعظم الإعجاب الممزوج بشيء غير قليل من الدهشة، ومعظم دهشتي يرجع إلى الكاتدرائية، فلقد عنيت في كل مدينة زرتها بزيارة كنيستها؛ إذ كانت الكنائس هي المثل الأعلى للعمارة في بلاد النصرانية، كما أن المساجد هي المثل الأعلى للعمارة في البلاد الإسلامية، وكانت عمارة الكنائس كلها تبعث إلى نفسي شيئًا غير قليل من الرهبة والإجلال؛ لعظمتها ودقتها وبديع تلوين زجاجها، ولهذه الظلمة التي تشتمل كل أنحائها، بذلك شعرت حين زرت كنيسة القديس بطرس في روما، وحين زرت كنائس ميلانو كولونيا، وأثناء ترددي على كنائس باريس، فأما كاتدرائية برلين فشعرت فيها بإجلال ولكن عن غير رهبة، ذلك بأن النور الذي يسقط إليها من السقف يجعلها مضيئة لا رهبة للظلمة فيها، ولأن الروح الدينية فيها تخضع للروح الجندية، وتجعل من هذه الكنيسة لذلك معرضًا لتمثال بسمرك وغير بسمرك ممن لا صلة لهم بالدين، ولا بما يبعث به الدين إلى النفس من رهبة.
لكن هذه المجموعة البديعة الجميلة عبوسة الظاهر فيها روح الجندية والنظام، وتنقصها الرقة التي تجتليها نظرتك حين تقف على نهر السين عند كوبري الإسكندر فتحيط نظرتك بالأنفاليد والقصر الكبير والقصر الصغير، وكلها على عظمتها وجلالها أنيقة رشيقة، يحدثك ظاهرها عن جمال لا يقل عما يحتويه داخلها من الجمال، ولست أدري هل يشعر الذين أكثروا التردد على برلين أو أقاموا بها ما أقمت أنا بباريس بمثل هذا الشعور أم أنهم يرون غير رأيي، فقد أعلم أن للمدن سحرًا يتغلغل في النفس أثره كلما ازددنا بها معرفة، ووثق ما بيننا وبينها من اتصال، لكني على كل حال أعتقد أن هذا الرواء البهيج الذي يزين مجموعة باريس ليس منه في مجموعة برلين كثير، وإن كانت المجموعة الألمانية كما قدمت مما يثير في النفس الإعجاب أكبر الإعجاب.
وما دمنا قد عرضنا إلى هذه المجموعة وتعرضنا بذلك للعمارة الألمانية؛ فلا نستطيع أن نغفل مبنى البرلمان الألماني (الرايخستاج) فهو ضخم فخيم ككل ما في برلين، ولكنه تنقصه كذلك الرشاقة وتنقصه الرقة، وهو بعد — كأكثر برلمانات أوروبا — دون برلمان بودابست جمالًا وغنى وروعة أخاذة بالنظر.
على أن ما تشعر به في مباني برلين من نقص في الجمال يعوضه تعهد أهل هذه المباني إياها، وحرصهم على نظافتها إلى أقصى حدود الحرص، وإني لا أزال أذكر خدم فندق «الاسبلاناد» الذين كانوا لا يفتئون به تعهدًا وتنظيفًا وتنظيمًا في كل ساعة من النهار، نخرج من غرفتنا في الصباح فإذا هم يقومون بعملهم في نشاط وجد، ونعود ساعة الظهيرة فإذا هم لا يزالون جادين نشيطين، وننزل العصر وهم، أو من حلوا محلهم، قائمون بعملهم بالجد والنشاط عينه، ولقد أبديت ملاحظتي هذه لبعض من عرفنا ببرلين فذكر لي أن الشعب الألماني كله، غنية وفقيرة، مموله وعامله، يقدس النظافة أعظم تقديس، وإنك إذا ذهبت لمنازل أهل الطبقة الوسطى أو الطبقة الفقيرة وجدتها رغم ما قد يكون من صغرها أو ضيق غرفها أنيقة نظيفة، وأن هذه العقلية هي التي جعلت شوارع برلين على ما ترى من نظافة ليس لها في غير برلين من المدن مثيل.
•••

قد يصبح بعد الذي تقدم أن يسائل الإنسان نفسه، أليس للفن إذن عند أهل برلين مقام؟ وأحسبني لا أخطئ كثيرًا إذا قلت: إن فن التصوير والنحت مقامهما في برلين دون مقامهما في باريس وفي روما، فأما الفنون المتصلة بالأذن فللألمانيين فيها على غيرهم تبريز معروف، ولقد حاولت لذلك أن أسمع الموسيقى والغناء في العاصمة الألمانية فكان حظي من ذلك غير عظيم، فأربع من دور الأوبرا الخمس في برلين تقفل أبوابها في الصيف، والخامسة كانت قد عادت إلى العمل بعد نزولنا برلين بأيام، لذلك لم نكد نرى في برنامجها (كفالريا رستكانا) وقطعة أخرى صامتة حتى قصدنا إليها نسمع ونرى، وأشهد لقد كان بديعًا ما سمعنا وما رأينا وإن لم نفهم من ألفاظ الغناء شيئًا، كانت الموسيقى ساحرة وكان التمثيل باهرًا، وكانت تهيئة المسرح بدقة وإتقان يفوقان ما شهدنا في أوبرا باريس نفسها، ويزيدان الموسيقى والتمثيل سحرًا وبهرًا، والرواية الصامتة كانت تجري بين طائفة من الشياطين وبعض الحور العين، وكان الرقص فيها وحسن أداء المعاني عن طريقه يطرب العين بمقدار ما تطرب الموسيقى السمع، وأشهد لقد كانت الأضواء المختلفة تلقي على المناظر ما يزيدها روعة ووضوحًا، ولا عجب فتهيئة المسرح الألماني مشهود لها بالسبق على غيرها من تهيئات المسارح.
ولست أستطيع أن أحيط في هذه الكلمة السريعة بتفاصيل عن ذلك ولا عن غيره، ولكني إنما أردت أن أضع أمام القارئ فكرة مجملة عن العاصمة الألمانية، أوضح بها شيئًا من روح تلك العاصمة بمقارنتها إلى العاصمتين الفرنسية والإنكليزية.

المسلمون في المجر


وقبر جل بابا
زرت بودابست من عشر سنوات وليس يجول بخاطري أن بها أحدًا من المسلمين، أو أن بها منهم عددًا يُذكر، ودارت الأيام بعد ذلك دورتها واتصلت بالأستاذ جول جرمانوس الذي أسلم وتسمي باسم عبد الكريم، وزار مكة وأتم فرائض الحج، فعلمت منه أن ببودابست عددًا من المسلمين يتجاوز الخمس مئة أو الست مئة، وأن بالمجر عددًا يزيد على ثلاثة آلاف، فلما كنت ببودابست هذا العام بين ممثلي مصر في مؤتمر بلاد المياه المعدنية جمعتني الصدفة في بلاتون الحمامات برجل ذكر لي أنه يُعنَى بأمر المسلمين، وأنه يعرف مفتي بودابست الأكبر الأستاذ حسني حلمي، وإني كمسلم يجمل بي أن أزور قبر جل بابا، فهو قبر يجله مسلمو أوروبا جميعًا، ويجله عدد عظيم من المسيحيين في بلاد المجر ويزورونه ويتبركون به.
وعدت إلى بودابست من بلاتون ثم لقيت صاحبي هذا فاستصحبني وصديقًا من إخواننا المصريين المسلمين حتى بلغنا منزل المفتي الأكبر، وذهب يلتمسه ثم جاء به وذهبنا جميعًا نزور قبر جل بابا، وكان موعد الزيارة مثيرًا للدهشة، كانت الشمس قد غربت لساعتين مضتا، وكنا نجوب طرقًا لا تكاد تكون مطروقة، والمفتي يحدثنا أثناء ذلك عن مسلمي المجر وعما يعتزمه من إقامة مسجد لهم يقيمون فيه صلواتهم، ويذكر ما اكتتب به المسلمون من الهند ومن غير الهند لهذا الغرض، ولما سألته عن حال هؤلاء المسلمين المجريين بدت في نبرة صوته رنة الأسف، وقال في عربية تشوبها العجمة: «نحن مساكين فقراء، والمسلمون هنا جهلاء لا يعرفون شيئا من أمر دينهم، فليست لنا مدارس إسلامية، ولسنا نملك ما نتعلم به في غير هذه البلاد، والأموال التي اكتتب بها المسلمون لا تزال محجوزة عنا ننتظر إذن إنجلترا بالسماح لها أن تدخل المجر». وبعد هنية صمت كرر: «نحن مساكين، وأكثر المسلمين لا يعرفون من أمرنا شيئًا، ومن عرف منهم إنسانا لم يفد منه أكثر من السماع به؛ ولذلك نخاف على الإسلام في المجر».
وقفت السيارة في خانة طريق يكاد يكون مهجورًا، وتقدم الرجل الذي لقينا في بلاتون إلى باب في جانب الطريق الفسيح فدخل منه مسرعًا، وسرنا يحدثنا المفتي متمهلين، فلما اجتزنا الباب كان صاحبنا قد سبقنا إلى اليسار فأردنا أن نتبعه، لكن المفتي تيامن قائلًا: لقد ذهب يجئ بمفتاح القبر من حارسته، وارتقينا سلمًا أمامنا ثم تيامنا وارتقينا سلما آخر، ثم إذا بناء إلى يسارنا يبدو عليه أثر القِدم، وسأل صاحبي عن البناء فأجاب المفتي، هذه نكية قديمة بنيت في عهد الأتراك، وأنا أعتزم أن أقيم المسجد ها هنا، ولذلك سنهدمها، قال صاحبي: إنكم لا تحسنون بهدمها صنعًا، فهي أثر قديم، وللآثار حديث عميق المغزى، وليتكم تجدون الوسيلة لإقامة المسجد دون هدمها.
وسرنا إلى جانب الجدار ثم ارتقينا سلما ثالثًا أو رابعًا، فالمكان هضبة من الهضبات المحيطة ببودابست، والتي يقع أكثرها بناحية بودا، وبعد مسيرة بضع مئات من الخطى تقدمتنا امرأة في يدها شمعة تضيء لنا الطريق، وإن أضاء لنا هذه اللحظة ضوء القمر بما اتاح لنا السير فيه دون كبير عناء، وبلغنا بناء وقفت هذه المرأة أمام بابه وفتحته فدخلنا مقصورة جل بابا.
والمقصورة غرفة بسيطة يتوسطها القبر، وقد بني على طراز قبورنا المصرية، فجعلت عليه تركيبة ووضع على شاهده غطاء رأس أشبه بالعمامة لعله هو الذي كان يلبسه جل بابا، من أربع مئة سنة، وقد حدثني المفتي عن تاريخه فلم يزد على أنه كان رجلًا عادلًا بلغ من عدله أن النصاري لا يزالون يذكرونه بالخير، ولا يزال ألوفهم يجيئون إلى قبره للتبرك به، وبعد حديث بالعربية المعجمة عن فضائل هذا الفقيد الذي يُذكِّر المفتي المسلم بعهده الذي كان المسلمون أثناءه بالمجر أصحاب الكلمة النافذة لم يكونوا «مساكين» كما هم اليوم، طلب الرجل إلينا أن تُقرأ الفاتحة على روح هذا الفقيد العادل، وسبقنا إلى تلاوتها بصوت لم يرفعه ولم يخافت به، بعد ذلك درنا في أنحاء الغرفة البسيطة التي ليست فيها نافذة يدخل منها الهواء ثم خرجنا نتحدث في أمر المسلمين بالمجر وما هم عليه من فقر وجهل، وما يجهل المسلمون في أنحاء العالم المختلفة من أمرهم حتى ليظنوا حديثهم حديث خرافة.
خرجنا تتقدمنا المرأة بمصباحها، فلما بلغنا سيارتنا عدنا بالمفتي إلى مقره في أونيل اسبلاناد ثم رجعنا أدراجنا إلى فندق صاحبي.
•••

تحدثنا أثناء الطريق عن هؤلاء المسلمين في أوروبا، فلما بلغنا الفندق ومقهاه وضجته نسيناهم، وتحدثنا في شئون أخرى، وتحدثنا في وليمة الليلة التي أقامتها البرنسيس جوزفا فرانسيس بفندق جران لأعضاء مؤتمر المياه المعدنية، على أنني ما لبثت حين خلوت إلى نفسي أن عدت أفكر في المسلمين وأمرهم، هؤلاء جماعة قليلون من إخوانهم المؤمنين ألقت بهم أيدي المقادير في بلاد مسيحية، وعهدنا بالأقليات أن تتعاون وأن يعاونها إخوانها في البلاد الأخرى بحياتهم وبمالهم وجاههم، فما لنا لا نعرف من أمر هذه الأقلية المسلمة بالمجر شيئًا، وما لنا لا نمد إليها يد المعونة، والأقليات المسلمة في بلاد العالم المختلفة كثيرة، ففي بولونيا عدد لا يستهان به من المسلمين، وفي روسيا عدد من المسلمين غير قليلين، وفي أنحاء العالم كله من يذكر الله ويذكر التوحيد ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أفبلغت بنا الأنانية في البلاد الإسلامية، ولا أخص مصر وإن كنت أحملها النصيب الأوفى أفبلغت من الأنانية ألا نعرف إلا أنفسنا، ولا نفكر إلا في أنفسنا، ولا نذرك إخواننا هؤلاء في الدين، ولا يدور بخاطرنا أنهم قد يصبحون بنا قوة حاسمة الأثر في حياة العالم، وأنا قد نصبح وإياهم عنصرًا فعالًا لخير الإنسانية، أم أن اليأس تولانا من صلاح أنفسنا فكنا أشد يأسًا من إصلاح غيرنا أو مد اليد إليه بأي نوع من أنواع المعاونة.
إن هؤلاء المسلمين من أهل المجر غير ملومين لفقرهم وجهلهم، فهم أقلية لا يمكنها أن تحيا حياة استقلال ما لم تجد عونًا وعطفًا من أمة أخرى، والأكثرية المسيحية من أهل المجر غير ملومة إذا لم تعلم المسلمين تعليمًا إسلاميًّا، فلا تطالب حكومة في أمة من أمم العالم بأن تعلم أبناءها دينًا غير دينها الرسمي، والأقليات التي تبلغ من القوة في أمة ما بحيث يصبح لها الحكم والتصرف في أمر الأكثرية، هي التي تستطيع أن تفرض تعليم دينها في مدارس الدولة، فلا بد إذن من أن يجد هؤلاء المسلمون المقيمون بالمجر، وأن يجد غيرهم من أقليات المسلمين في بلاد مسيحية أو غير مسيحية عطفًا عليهم من إخوانهم في بلاد العالم الإسلامية؛ لتكون لهم مدارس تعلمهم دينهم وتفقههم فيه، وليكون لهم إلى جانب المدارس مستشفيات وجمعيات تقوم بأعمال البر والخير، وليجدوا ما ينقذهم من مخالب الفاقة والجهل، وليستطيعوا المعاونة على النهوض الإنساني والقيام من ذلك بحظ محمود.
أعلم أن قومًا سيزعمون أني أكتب من ذلك ما أكتب بدافع ديني إسلامي لعلهم يسمونه التعصب، ولو أن الأمر كان كذلك لما تبرأت منه ولا التقيته، لكنني أقول مع ذلك لهؤلاء أنتم مخطئون، إنما هو عامل إنساني يدفعني إلى تحريض المسلمين على معاونة هذه الأقليات لخير الإنسانية ولمصلحة السلام العالمي، فكما أن هذا السلام لا يتم في عالمنا الحاضر ما لم يوجد التوازن السياسي بين الأمم فهو كذلك لا يوجد ما لم يوجد التوازن بين الأديان وبين أسباب المعيشة في الحياة الاقتصادية، والمسلمون إذ يسمعون بما عليه إخوانهم في الدين ممن يقيمون بالمجر وبغير المجر من البلاد ذات الأغلبية المسيحية لا ينظرون إلى ما عليهم من تبعة التقصير في حق إخوانهم، بل ينظرون إلى الأمر على أنه ظلم المسيحيين للمسلمين، هنالك تغلي في النفوس حفائظها ويظل السلم بذلك معرضًا للقلاقل.
ولو أن المسلمين نظروا إلى الأمر من ناحية ما عليهم فيه من تبعة فعملوا لإزالة تقصيرهم؛ إذن لرأيت هذه الأقليات الإسلامية المهددة بالفقر والزوال تنهض من كبوتها لتعود إلى الحياة بعودها إلى نور العلم وبمعرفتها طريق الحياة الروحية، إذ بذلك تنفض عنها غبار الجمود وتصبح قوة عاملة للخير والسلام، وبذلك ينتفي من نفوسهم الظن بأن المسيحية تعمل للقضاء على أقلياتهم كيما تعفي على الإسلام ما استطاعت، كما فعلت من قبل مع المسلمين في إسبانيا وغير إسبانيا في العصور الماضية.
إذا دعوت المسلمين إذن في مشارق الأرض ومغاربها ليمدوا يد المعونة إلى هذه الأقليات الإسلامية في المجر؛ فإنما يحركني دافع إنساني لا يقف الداعي إليه عند العاطفة الدينية، وها نحن أولاء نرى في مصر وفي غير مصر من بلاد الشرق الإسلامي جهود المسيحيين من أقطار الأرض المختلفة لخير المسيحية والمسيحيين، ونرى هذه الجهود تبلغ في بعض الأحيان مبلغًا يكاد يكون معجزًا، فالمدارس المسيحية في مصر وفلسطين، وهما بلدان إسلاميان تثير في النفوس عوامل العجب تارة والإعجاب تارات، وجمعيات الشبان المسيحية أكثر نشاطًا في البلاد إلى تكون المسيحية فيها أقلية منها في البلاد المسيحية بطبيعة أكثريتها، بل أكاد أقول: إنني لم أر جمعية شبان مسيحية في بلاد مسيحية، بينما أراها تبذل جهودها الضخمة في البلاد التي يكون المسيحيون فيها أقلية، وتكون الكثرة فيها لغيرهم، وإذا كان المسلمون يصيحون بين حين وحين وينادون في خوف مما لهذه المؤسسات من أثر على المسلمين وعقائدهم؛ فخير من ذلك أن يعملوا مثل هذا العمل في البلاد التي يكون المسلمون فيها أقلية كما هو الشأن في المجر وفي غير المجر من البلاد الأوروبية.
كم أود أن تثمر هذه الدعوة، وأن تتكون هيئة في مصر تدعو غيرها من الهيئات في البلاد الإسلامية للعمل لإنشاء مسجد ولإنشاء مستشفى ومطعم للفقراء وهيئات خيرية مختلفة، وأن لا يقف ذلك عند الكلام فيكون أقل ثمراته، وكم أود أن يكون تكوين هذه الهيئة فاتحة عمل منتج في هذه النواحي من الحياة في البلاد التي يكون المسلمون فيها أقلية محتاجة لعون المؤمنين من إخوانها في الدين، وما أشك في أن غير المسلمين ينظرون إلى ما يبذل من مجهود في هذه الناحية بعين الغبطة إذا كانوا قومًا مستنيرين لم يغش التعصب الأعمى على عيونهم، فكل مجهود أساسه التضامن تبذله الجماعات للخير فيه فائدة للإنسانية وفائدة لنشر العرفان فيها، وفيه كذلك فائدة للسلام العالمي.
إننا معشر المسلمين متهمون بأننا نقول ولا نفعل، ويعلو صياحنا في بعض الأحايين، ثم إذا هذا الصياح يخفت، وإذا كل منا اتقلب إلى داره لا يفكر إلا في نفسه وفي مصالحه، ثم لا يكون له من صياحه إلا أنه خدع الناس عن أنانيته، أفنستطيع أن ندفع هذه التهمة بعمل في هذا الأمر الخاص بأقليات المسلمين يكون له في العالم كله مظهره وأثره، إن للأمر من الخطر في شتي صوره ما لا يغيب عن النظر، فليعمل المسلمون، وليكونوا بذلك قوة ذات أثر فعال في حياة العالم.

الأقليات الإسلامية


وما يجب لها على العالم الإسلامي
كتبت في هذا الموضوع من أسبوعين لمناسبة الحديث عن قبر (جل بابا) ببودابست عاصمة المجر، وقد عقب الأستاذ المحترم أمين الخولي على ما كتبت بكلمة نشرتها هذه الجريدة في العدد الماضي، تناول فيها حديث جل بابا (أبي الورد) أيام حكم الأتراك المجر؛ إذ توغلوا حتى بلغوا أسوار مدينة فيينا، وأنني لأشارك الأستاذ عواطفه من أعماق نفسي، وأشكر له ما جاء في كلمته مما اهتز له قلبي، ولا أشك في أن قلوب الألوف من المسلمين الذين قرءوه قد اهتزت له كذلك.
وإني لتدعوني كلمات الأستاذ أمين لأعود اليوم إلى الموضوع الذي بدأت بتناوله منذ أسبوعين، موضوع الأقليات الإسلامية في دول كثيرة، إن هذا الموضوع لجدير بكل عناية في تقديري، وليس يرجع ذلك إلى اعتبارات دينية محدودة الأفق كما يتخيل البعض، بل إلى اعتبارات إنسانية عليا تتصل بواجبنا لإخواننا بني الإنسان، وتتصل كذلك بسلام العالم وطمأنينته، فإذا قمنا بهذه الواجبات لم يقف قيامنا بها عند أدائنا ما علينا من حق لإخواننا المؤمنين ولكمال إيماننا؛ لأن إيمان المرء لا يكمل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل تعدى هذا الاعتبار السامي إلى آفاق أكثر سعة وأبعد أثرًا في حياة العالم العلمية، تعدى إلى التوازن الديني توازنًا ينتهي إلى الشعور بضرورة التضامن في السعي لبلوغ الحقيقة، ولإدراك الغاية الصحيحة من حياتنا الإنسانية.
وإذا قلت: التوازن الديني؛ فإنما أقصد إلى معني كالذي يقصد إليه الساسة حين كلامهم عن التوازن الاقتصادي والتوازن السياسي، فنحن نعيش اليوم في عالم متأثر بالفكرة القومية إلى أبعد مدى، كل أمة تعمل لحسابها الخاص كي تتفوق على غيرها من الأمم في الأسواق المالية، وفي النشاط الاقتصادي، وفي النفوذ السياسي، وكل أمة فيه تنفق من الجهد ما تستطيع وفوق ما تستطيع لبلوغ هذا التفوق، تبهظ أبناءها بالضرائب، تقيم من الجيوش لضمان تفوقها القومي ما لا تدعو إليه حاجة لولا هذا الحرص على التفوق، تعقد مع غيرها الاتفاقات والمحالفات لترجح في التوازن الدولي كفتها، تعاون على إحداث الانقلابات السياسية في بلاد أخرى إذا كان في إحداث هذه الانقلابات ما يعاونها على غايتها، تعمل لتقوية عصبة الأمم بعد الذي أصابها من تصدع تأييدًا لسياستها وهلم جرًّا، والعامل الديني من العوامل التي تلجأ إليها الأمم القوية اليوم، فهي تحاول عقد الأحلاف على أساس الصداقة الدينية، كما تحاول عقدها على أساس الصداقة السياسية، قد يكون هذا العمل ضربًا من العبث لا يُؤدي إلى نتيجة سريعة الأثر في الحياة الدولية، لكنه عامل له قيمته في تقدير الساسة، ومن يصّرفون مصائر الشعوب، ويؤثرون في توجيه هذه الحياة الدولية.
وتأثر العالم بالفكرة القومية واضح اليوم وضوحًا جعل غير القومية من الصلات في المحل الثاني من اعتبار كثيرين، وقد أدى ذلك بالبعض إلى الظن بأن هذه الصلات قد اندثرت فلم يبقَ إلى بعثها في الحياة سبيل، وهذا في رأئي خطأ بالغ، فالفكرة القومية الشديدة اللمعان والبريق في الوقت الحاضر تحمل في أطوائها من أسباب الضعف ما يخفيه هذا التباهي بمظاهر القوة الحربية تباهيًّا هو الذي ينشر نذر الحرب في أنحاء العالم المختلفة، والصلات الإنسانية الأخرى لم تندثر كما يتوهم البعض، وإنما سترها هذا التباهي من ناحية، وسترها من ناحية ثانية خداع يقوم به الساسة؛ إذ يزعمون صداقة دولة بالذات لأبناء دين من الأديان، كما تقول إنجلترا بصداقة اليهود، أو إيطاليا بصداقة المسلمين، وبسترها من من ناحية ثالثة ضعف من عدا أبناء المسيحية من الأمم خلا اليابان ضعفًا يدعوهم إلى الاستكانة أو الاستجمام إن شئت تعبيرًا أرق.
والواقع أن هذه الصلات لا يمكن أن تندثر، فالناس إنما يجتمعون حول مثل أعلى يجاهدون في سبيله ويعملون لتحقيقه، والوطنية من المُثل العليا لا ريب، كذلك كانت وكذلك ستبقى، لكنها ليست المثل الأعلى للإنسان الكامل فهي محدودة بحدود الوطن، متأثرة بالعوامل الوقتية التي يتأثر بها، أما المثل الأعلى للإنسان الكامل، فالحقيقة التي ينشدها الجميع مؤمنين بأن بلوغها هو الكمال الحق للإنسان، وهو السعادة الكاملة لبني الإنسان جميعًا، وقد حاول العلم في العصور الأخيرة التي سبقت الحرب العامة أن يستأثر بالكشف عن الحقيقة مستعينًا بوسائله الحديثة، مستغنيًا بها عن الإلهام الذاتي وعن الدين فاستبان له، بعد أن قطع خطوات واسعة استكشف أثناءها كثيرًا من قوى الكون كانت خافية علينا، أنه لا غنى له عن الإلهام الذاتي وعن الدين، وأنه لن يستطيع أن يتقدم وحده تغنيه وسائله عن سواها، بذلك بقي المثل الأعلى رهينًا بتعاون العلم والإلهام والدين، وتضامنها جميعًا في الكشف عن الحقيقة، وبذلك تبين أن الدين يعاون أصحابه ما تحرروا من قيود الجمود معاونة كبري في بحثوهم العلمية من ناحية، وفي التماسهم سبيل الهدى إلى الحق من الناحية الأخرى.
وما بلغنا من العلم حتى اليوم ينبئنا بأن الإنسانية ستظل كذلك ما بقيت؛ لأنها ستظل محصورة في حدود ما تكشف عنه قوتها المحدودة في هذا الكون غير المحدود، وما بلغنا من العلم حتى اليوم ينبئنا بأن الدين بغير علم ينتهي إلى الجمود، وإلى ما ينشره الجمود في الحياة من أوهام وأخيلة خاطئة، وبأن العلم الذي لا يستهدي الإلهام ويلتمس المثل الأعلى في الإيمان الديني البريء من أوهام الجمود؛ أقصر من أن يبلغ بنا غاية الإنسانية في الحياة، وهذا الذي ينبئنا عنه العلم يفسر لنا كيف قامت الإنسانية على الإيمان بالمثل الأعلى، وكيف كان الإخاء الديني كالإخاء الوطني سببًا من أسباب دفع الجماعات في التماسها هذا المثل، وقوة تحرك هذه الجماعات إلى النشاط في التماسه كما تحركها أقوى العواطف وأشدها توثبًا، وهذا يفسر ما قدمت من أني إذ أتحدث عن موضوع الأقليات الإسلامية أتحدث عن موضوع جدير بكل عناية؛ لاعتبارات إنسانية سامية تتصل بسلام العالم، كما تتصل برضا نفوسنا، ولا تقف في دائرة الاعتبارات الدينية المحدودة الأفق مما أنف البعض أن يثيروا به تعصب الجماعات، وجعل الآخرون دأبهم أن يحاربوه محاربة لهذا التعصب حينًا، وحرصًا على التحكم في الجماعات بإحداث التحلل المعنوي فيها حينًا آخر.
والأكثرية الدينية في الأمم تقوم بعمل جليل حين تمد يد المعونة للأقليات التي تشاركها هذا الدين في الأمم الأخرى، فهذه الأقليات لا سبيل لها إلى أن تبلغ مكانة الاحترام من نفس الأكثرية في الأمم التي تعيش فيها إلا إذا كان لها من النشاط المثمر ما يوجب هذا الاحترام، والأقليات الحكيمة تأبى أن يتجه نشاطها إلى جهة الحكم والقيام بأعبائه؛ لأنها تعلم من أنباء التاريخ أن الأكثرية الدينية أو الجنسية وأن الأكثريات على اختلاف ألوانها لا ترضى تحكم الأقليات فيها، فإذا رضيته زمنًا فستثور بعد ذلك وتحطمه، وترد حق الحكم إلى نصابه الصحيح، ذلك ما حدث منذ القدم، وذلك ما حدث في هذه العهود الأخيرة في أمم لا يشك أحد في سبقها العلمي سبقًا يضعها في الصف الأول من هذه الناحية، ومن سائر نواحي الحضارة ومقوماتها، لذلك كانت الأقليات الحكيمة تسلك إلى احترام الكثرة إياها سبيلًا غير سبيل الحكم السياسي لهذه الكثرة، سبيل التفوق العقلي، والتفوق الفني، وتلتمس لذلك الأسباب التي تبلغ بها المراكز العليا في ميادين العلم والأدب والفن وغيرها من الميادين التي يزدهر فيها العقل والعاطفة.
ولقد دعوت منذ أسبوعين وأدعو اليوم إلى مد يد العون لهذه الأقليات الإسلامية في المجر، وإلي غيرها من الأقليات من بلاد العالم في الغرب وفي الشرق، وإلى تصوير هذا العون على النحو الذي يحتاج إليه أبناء هذه الأقليات، وأدعو اليوم فأكرر هذه الدعوة وألح فيها، لا يثنيني عن ذلك أن يكون مسلمو المجر جميعًا مئتين كما قال إمام المسجد للأستاذ أمين الخولي، أو أن يكون المئتان هم مسلمي بودابست، وأن يكون بالمجر ألفان أو ثلاثة آلاف كما قال لي مفتي المجر حسين حلمي، ولست أقف هذه الدعوة على مسلمي المجر،بل أرجو أن تتناول الأقليات الإسلامية في بلاد العالم جميعًا، ولكي تكون المعاونة على أساس سليم يجب أن تدرس أحوال هذه الأقليات الإسلامية درسًا دقيقًا، ولهذا الغرض أشارك الكاتب الشرقي في مطالبة ممثلي مصر السياسيين أو القنصليين في أي من البلاد وجدوا أن يجعلوا من الموضوعات التي يوجهون جهودهم إليها دراسة هذا الموضوع دراسة خاصة، ووضع التقارير المستفيضة عنه، وفي مطالبة الحكومة المصرية بنشر هذه التقارير، فمصر تتزعم النشاط الإسلامي اليوم، والعالم الإسلامي يتطلع كله إليها ويقر لها بهذه الزعامة، فمن واجباتها الأساسية لنفسها وللعالم الإسلامي وللسلام العام أن تفكر في مد يد المعونة لهذه الأقليات، وفي دعوة البلاد الإسلامية الأخرى لهذا الغرض، ولا يكون عون إلا إذا درست حالة هذه الأقليات الإسلامية؛ ليبذل لكل منها من العون ما هي بحاجة إليه.
إنني واثق كل الثقة من أن ما يُبذل لهذه الأقليات من العون سيدفعها إلى أن تنهض نهضة كبري، فالأقليات ضعيفة ما وجدت نفسها في عزلة لا تُؤيدها قوة ولا يُمدها سند، وهي كثيرًا ما يبلغ منها الضعف حتى لا يكاد يحس بها أحد، لكنها إذا وجدت سندًا نشطت أضعاف نشاط أبناء الأكثريات وانتجت، وكان منها الأفذاذ ذوو المواهب ما لم يطمعوا في الحكم، ونحن لا نريد أن ترمى الأقليات الإسلامية إلى أن تمسك بيدها زمام الحكم؛ لأننا لا نريد أن تثور بها الأكثريات يومًا فتحطمها أو تجليها عن البلاد، كما حدث أخيرًا في ألمانيا، لكننا نُريد لهذه الأقليات الإسلامية في بيئات الغرب والشرق أن تنبعث من مرقدها، وأن تفيق من سبات الجهل، وأن تنشط إلى الحياة الإنسانية، وأن تبث المبادئ التي أورثها إياها أسلافها المسلمون في البلاد التي تقيم بها لخير هذه البلاد ولخير العالم كله.
تحدثت منذ سنوات عن كتاب نشره طائفة من علماء الغرب عنوانه: وجهة الإسلام، وهذا الكتاب يبحث في مدى رغبة المسلمين في البلاد المختلفة في الابتعاد عن مثلهم العليا إلى مثل الغرب العليا في الوقت الحاضر، وهذا الكتاب ليس إلا صورة من تفكير الغرب في أمر المسلمين، وهو تفكير طبيعي، فأهل الحضارة الغالبة في كل عصر يحرصون على أن تدين لهم الأمم الأخرى أيًّا كانت الأديان التي تنتسب هذه الأمم إليها، لكن التاريخ قد شهد بأن إخضاع الأمم للغلب المادي لم يفن عناصر حياتها العقلية والروحية يومًا ما، وعندي أن تضامن العالم للعمل لسلامه خير ألف مرة من محاولة أخضاع أكثرة بالقوة وبوسائلها، وهذه الدعوة التي أوجهها في شأن الأقليات الإسلامية بعض مظاهر هذا التضامن، فلعلها تلقى سميعًا، ولعلها تلقى من المسلمين مجيبًا، ومن أهل الشرق والغرب مشجعًا عليها.

هلسنكى والمؤتمر البرلماني


انعقد المؤتمر البرلماني الدولي هذا العام? فى الأسبوع الأخير من شهر أغسطس بهلسنكى عاصمة فنلندا، وقد علمت بموعد ومكان انعقاده في شهر يونيو الماضي، فهفت نفسي إلى شهوده لأرى أثر التطور الدولي الأخير في اتجاه مناقشاته، فأنا قد حضرت المؤتمرات البرلمانية الدولية كلها منذ سنة ???? إلى سنة ????، ثم انقطعت منها سنتي ??، ??، والتطورات الدولية منذ سنة ???? إلى وقتنا الحاضر فسيحة المدي فلا بد أن يكون لها من الأثر في اجتماع المؤتمر هذا العام ما يدفع إلى النفس الرغبة في شهوده. ولعل هذا كان طبيعيًّا بالنسبة لي، فقد رأست مؤتمر القاهرة في سنة ???? بوصفي رئيس مجلس الشيوخ المصري، ثم انتخبت في المؤتمر المذكور عضوًا باللجنة التنفيذية للاتحاد البرلماني الدولي، فكنت أحضر اجتماعات الاتحاد ثلاث مرات في كل عام، وكنت متتبعًا خطواته بدقة وعناية، فلا عجب وقد انقطعت عنه سنتين أن تنازعني نفسي إلى شهوده، وبخاصة بعد أن انعقد مؤتمر جنيف لرؤساء الدول الأربع الكبرى فاتجه بالسياسة الدولية اتجاهًا جديدًا.
لذا كتبت إلى لورد ستاستجيت رئيس الاتحاد، وإلى مسيو أندريه دبلوني سكرتيره العام، فرحبا بشهودي المؤتمر، وبعثا إليَّ يشجعانني على تحقيق هذه الرغبة.
وزادني إقبالًا على تحقيق هذه الرغبة اعتبار عائلي واعتبار شخصي، أما الأول فلأن ابن أخي يقيم بزيوريخ في سويسرا يدرس بها، ولأن ابني مقيم في إنجلترا كذلك، ولأن ابنتي تقيم بإسبانيا تدرس الأدب المقارن بها، لذا جعلت خط سفري إلى زيوريخ فباريس فهلسنكى فكوبنهاجن عاصمة الدانمرك فلندن فمدريد، واطمأن بالي حين وضعت هذه الخطة إلى أنني استطيع أثناءها الاستجمام والاستشفاء، وبهذا السفر وبهذه الخطة أكون قد حققت أغراضًا عدة كلها حبيب إلى نفسي، وكلها جم النفع عظيم الفائدة.
وذهبت من باريس إلى هلسنكى فوصلت الطائرة عاصمة فنلندا منتصف الليل من يوم ?? أغسطس، ولم ألبث حين نزلت من الطائرة وتخطيت إلى المطار أن لقيني شاب حياني بالفرنسية، وذكر أنه موفد من قبل الشعبة البرلمانية الفنلندية لاستقبال أعضاء الوفود والذين يشهدون المؤتمر، وجلس هذا الشاب إلى جانبي في أتوبيس المطار فسألته عما إذا كانت قد قدمت وفود جديدة إلى المؤتمر لم تكن تشترك فيه من قبل، أريد بذلك أن أُكوِّن لنفسي فكرة عن جو المؤتمر، وعما ينتظر أن تكون اتجاهاته.
قال الشاب: نعم، حضر وفد من روسيا السوفيتية، وحضرت وفود من بلاد ما وراء الستار الحديدي، وحضر وفد من السودان، حينذاك ابتسمت فيما بيني وبين نفسي، وذكرت مؤتمر القاهرة في سنة ????، ثم ذكرت اجتماع مجلس الاتحاد سنة ????، ورجوت أن يكون هذا التحول الذي طرأ على الاتحاد لخير السلام العالمي.
فقد كانت مصر قد دعت الاتحاد البرلماني لعقد مؤتمره السنوي بالقاهرة من قبل الحرب العالمية الثانية، وحال قيام الحرب دون إجابة هذه الدعوة ودون عقد الاتحاد مؤتمراته طيلة سني الحرب، لما عاد مجلس الاتحاد إلى الانعقاد في سنة ???? جددت مصر الدعوة فأُجيبت دعوتها، وتحدد انعقاد مؤتمر القاهرة في شهرة أبريل سنة ????، وكنت قد سافرت إلى نيويورك في أكتوبر سنة ???? رئيسًا لوفد مصر لدى الأمم المتحدة، وهناك قابلت الرفيق أندريه جروميكو ممثل روسيا السوفيتية في الأمم المتحدة، ودعوت روسيا السوفيتية لحضور المؤتمر البرلماني بالقاهرة، فابتسم الرجل معتذرًا عن عدم قبول الدعوة، وقال: أرجو أن تتمكن روسيا من قبول هذه الدعوة في ظروف دولية خير من الظروف الحاضرة.
وأبديت أسفي لاعتذار روسيا وعدم حضورها المؤتمر، لكني عجبت حين انعقد المؤتمر أن رأيت دولًا تدور في فلك روسيا تحضره، حضرته فيما أذكر بولونيا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا؛ وغيرها من الدول التي تدين بالولاء للسوفيت، واستمرت هذه الدول تحضر اجتماعات الاتحاد البرلماني في الربيع وفي الصيف إلى سنة ????، حين قررت الانسحاب منه كلها دفعة واحدة.
وكان من أسباب انسحابها الظاهرة أن المؤتمر أخذ يبحث في إمكان أن تقوم حكومة عالمية، وأن يكون المؤتمر البرلماني الدولي نواة لتنظيم هذه الحكومة، وكانت حجتهم يومئذ في الانسحاب أن هذا الموضوع يقصد به إلى نية خفية مرماها تغليب الدول الديموقراطية على الدول الشيوعية، وأنهم يتعاونون في المؤتمر على أساس الاستقلال الكامل لكل دولة، ويرفضون أن تتغلب كتلة من الدول على أخرى بمثل هذه الوسيلة، وسيلة إنشاء حكومة عالمية.
وبقيت هذه الدول كلها متخلفة عن حضور الاتحاد البرلماني ومؤتمراته إلى هذا العام، فلما ذكر لي الشاب الفنلندي الذي استقبلني بالمطار أنها تشترك في مؤتمر هلسنكى، كما تشترك فيه روسيا السوفيتية، قلت: هذه أمارة جديدة بتحول الاتجاه الدولي وجهة جديدة.
وسألت الشباب عن الصين الشعبية وهل تحضر المؤتمر؟ فقال لي: إن اثنين من وفدها حضرا وحدهما؛ لأن الصين الشعبية لم تُقبل بعد عضوًا في الاتحاد، ودهشت لذلك بل عجبت له، فقد أبدت هذه الصين الشعبية من الميل لمجاراة السياسة الدولية الحالية ما دل عليه أفراجها عن الطيارين الأمريكيين الذين كانوا معتقلين عندها، وما أبداه رئيس وزرائها في مؤتمر باندونج من تأييد للسلام وحرص عليه، وما بينها وبين روسيا السوفيتية المشتركة في هذا المؤتمر البرلماني من عهود ومواثيق، وتحريت الأمر يوم عقد المؤتمر؛ فعلمت أن الأمريكيين هم الذين عارضوا في قبلوهم، وأنهم على العكس من ذلك أيدوا قبول الصين الوطنية، وقد بلغوا في معارضتهم حد التهديد بالانسحاب من المؤتمر، بل من الاتحاد البرلماني كله، ولما كان نظام المؤتمر الأساسي لا يُجيز رفض طلب الصين الشعبية، ولا رفض طلب الصين الوطنية، ولما كان انسحاب الولايات المتحدة من الاتحاد البرلماني يضر هذا المؤتمر ضررًا بليغًا، فقد رأى المسئولون تأجيل النظر في طلب الصين الشعبية، وطلب الصين الوطنية، إلى دورة مقبلة لاستيفاء البحث، أو انتظارًا لظروف خير من الظروف الحالية على تعبير الرفيق جروميكو لي في سنة ???? حين دعوته لتشترك روسيا السوفيتية في مؤتمر القاهرة.
ولم يزل ما علمته من ذلك عجبي ولا دهشتي، وذهبت أتحرى الدوافع الحقيقية لموقف أمريكا من الصين الشعبية، وذهابها إلى حد التهديد بالانسحاب من الاتحاد، فقيل لي: إن الشعب الأمريكي ما زال يذكر حرب كوريا، ومن فقد هناك من رجاله وشبابه، وأن الناخبين الأمريكان لا يعطون أصواتهم لمرشح يتهاون مع هذه الصين الشعبية التي أخذت في حرب كوريا بالنصيب الأوفي، فهي مسئولة في نظر كل ناخب أمريكي، وكل ناخبة أمريكية عن والدها الذي قُتل، وعن زوجها الذي فُقد، وعن خطيبها الذي فقد ذراعه أو ساقه، وعن كل ما عانى الأمريكيون من نكبات في كوريا، ولما كانت الانتخابات تجري في أمريكا العام القادم؛ لذا لم يرد الأمريكيون الذين يمثلون بلادهم في الاتحاد البرلماني وفي مؤتمر هلسنكى أن يعرضوا أنفسهم وزملاءهم المرشحين، جمهوريين كانوا أو ديموقراطيين، إلى هذا الموقف في الانتخابات القريبة، فإذا مرت هذه الانتخابات بسلام وأعاد الاتحاد النظر في طلب الصين الشعبية والصين الوطنية أمكن أن يكون للأمريكيين موقف آخر، وأن تُقبل الصين الشعبية والصين الوطنية كلاهما في الاتحاد.
وقد أعادت هذه القصة إلى ذاكرتي ما حدث سنة ???? حين كانت الأمم المتحدة تنظر في تقسيم فلسطين، وحين كان الرئيس الأمريكي هاري ترومان متحمسًا للتقسيم كتحمس الصهيونيين أنفسهم، فقد قيل يومئذ: إن انتخابات الرئاسة للجمهورية في سنة ???? كانت من الدوافع القوية التي حملت ترومان على أن يقف هذا الموقف؛ لأن لليهود في أمريكا — وفي ولاية نيويورك بنوع خاص — تأثيرًا قويًّا جدًا في انتخابات الرئاسة، وقلت اليوم كما قلت يومئذ: أليس عجبا أن يتأثر كبار الرجال في الشئون العالمية بالاعتبارات الوقتية كالانتخابات وما إليها، أم أن المصالح الذاتية كانت وستبقى دائمًا ذات أثر على تفكير الرجال، وإن سمت مكانتهم واتسع مدى تفكيرهم.
كان موقف أمريكا من الصين الشعبية وعدم قبولها عضوًا في الاتحاد بمثابة سحابة تشوب جو المؤتمر، وبخاصة لأن أهم موضوع كان مطروحًا عليه هو: (التعايش السلمي بين الشعوب)، ثم كانت هناك سحابة أخرى تشوب هذا الجو، ففي يوم الانعاقد — يوم ?? أغسطس — وفي اليوم الذي سبقه التقيت بكثيرين من أعضاء الاتحاد القدامى الذين عرفت في مؤتمر القاهرة، ثم عرفت بعد ذلك في المؤتمرات الأخرى، ومن بينهم أعضاء الوفد الفرنسي، والوفود العربية، فلم تكن وجوههم تنم عن الطمأنينة، وسألت بعض أخواني من رجال الوفود العربية عن المسائل التي يقصدون إثارتها فقالوا: في مقدمتها مسألة فلسطين، ومسألة شمال إفريقيا، وأنا أعلم أن فرنسا شديدة الحساسية فيما يتعلق بشمال إفريقيا، وبخاصة لأن عددًا غير قليل من أبنائها يقتلون هناك في الجزائر وفي مراكش، ولا شيء يثير نفس شعب أيًّا كان كأن يقتل أبناؤه، فإذا أثارت الوفود العربية مسألة شمال إفريقيا لم يسكت الفرنسيون دون الرد على ذلك بعنف لا يتفق مع معاني التعايش السلمي الذي يراد تقرير قواعده في هذه المؤتمر، وإذا لم يكن رجال البرلمان وهم صفوة الشعوب قادرين على التعايش السلمي فيما بينهم في مؤتمر يُعقد في قاعة برلمان هلسنكى؛ فكيف تستطيع الشعوب التعايش السلمي في هذا العالم الفسيح المترامي الأطراف؟!
لم أُعنَ بالبحث فيما وراء ذلك مما يثير الخلاف، لكني شعرت من قبل أن ينعقد المؤتمر بأن جوه لا يبشر بأن يكون هذا الجو الصفو الذي تخيلته ساعة وصلت بي الطائرة هلسنكى، وحين علمت أن الوفد الروسي مقبل على المؤتمر إقبالًا شديدًا دلت عليه كثرة أعضائه، وكثرة سكرتاريته، قلت: فلأنتظر وسأرى، فغدًا ينعقد المؤتمر، وفي أيام انعقاده الستة سنسمع الكثير، ونفهم الكثير مما تنطوي عليه هذه السياسة الدولية السريعة التطور في الوقت الحاضر.
? ????.
المؤتمر البرلماني بهلسنكى


سبتمبر ????
كان المؤتمر البرلماني الدولي الذي عقد بهلسنكى هذا العام من أكثر المؤتمرات تمثيلًا للوجود الدولي الذي حضره ممثلون لست وأربعين دولة، وحضره ممثلون عن الدول الأربع الكبرى بعد أن كانت روسيا السوفيتية ممتنعة عن حضوره منذ قيام الستار الحديدي بينها وبين الدول الديمقراطية، وقد حضره كذلك ممثلو الدول العربية واشتركت معها فيه السودان، لكن جوه لم يكن صفوًا ولم يكن يتفق مع هذا التفاؤل الذي أشاعه في العالم اجتماع الأربعة الكبار في جنيف منذ عهد غير بعيد.
وقد اُفتتح المؤتمر بقاعة البرلمان الفنلندي بهلسنكى في الساعة العاشرة من صباح يوم الخميس الخامس والعشرين من أغسطس، افتتحه الشيخ رئيس الجمهورية الفنلندية مرحبًا بانعقاده في عاصمة بلاده، مشيرًا إلى أنها من أقدم البلاد الديمقراطية في العالم، وأنها أقدم دولة منحت النساء حق الانتخاب من قبل أن يمنحن هذا الحق في أية دولة أوروبية.
وكان هذا الرجل الشيخ الوقور يُلقي خطابه باللغة الفرنسية في شيء من التلعثم يدل على أنه قرأ الخطاب غير مرة قبل إلقائه، وأن مقدرته في هذه اللغة بقيت مع ذلك لا تمكنه من حُسن الإلقاء ودقته.
وتكلم بعده لورد ستاتسجيت رئيس الاتحاد البرلماني الدولي وصديق مصر القديم، والذي تولي فيها مفاوضات سنة ???? فأظهر من الأناة والصبر ما مكن من الوصول إلى مشروع صدقي بيفن، ولورد ستاتسجيت رجل مرح بطبعه، فيه دعابة رقيقة وظرف يُحببه إلى النفس، ومع أنه كرر في هذا الخطاب عبارات سمعتها منه غير مرة من قبل في مثل هذه المناسبة فقد كانت روحه تفيض على هذه العبارات من المرح ما جعل الحاضرين يصفقون لهذا اللورد الهرم غير مرة في حماسة وإعجاب، فلورد ستاتسجيت قد جاوز الثامنة والسبعين، وهو يؤمن مع ذلك بأنه لا يزال في فتوته وقوته.
تلاقيت معه في البرلمان يومًا فسألني عن صحتي وصحة أهلي جميعًا — فهو يعرفهم منذ سنة ???? حين انعقد المؤتمر البرلماني بالقاهرة — لما ذكرت له أنا ولله الحمد بخير رغم أني تخطيت الخامسة والستين قال: ولكنك شاب لا تزال، فأنا قد تخطيت الثامنة والسبعين ولا تزال الحياة باسمة أمامي، عند ذلك ذكرت له كلمة لأستاذنا لطفي السيد؛ إذ كنا نتحدث يوما فقال لي: أنتم معشر الشبان، قلت: أي شبان نحن وقد تخطينا الستين، فكان جوابه: ما دمنا نحن معكم على قيد الحياة فأنتم شبان؛ لأنكم أبناؤنا.
تحدث لورد ستاتسجيت إذن في افتتاح المؤتمر بوصفه رئيس الاتحاد البرلماني، فأعاد على مسامع الحاضرين ما ذكره غير مرة في مثل هذه المناسبة من أن هذا المؤتمر ليس مؤتمر حكومات يأتمر الأعضاء فيه بأمر دولهم، بل هو مؤتمر برلمانيين أحرار، يتكلم كل منهم برأيه هو، لا برأي حكومته، ويتكلم حرًّا طليقًا من كل قيد، ويصوت حرًّا كذلك من كل قيد، وأن هذا المؤتمر البرلماني دولي أول واجباته التفكير في سلام العالم والمحافظة عليه، فلا شأن لذلك له بالمشاكل الداخلية للبرلمانات الممثلة فيه إلا بمقدار ما تمس هذا المشاكل سلام العالم وحسن علاقات الدول بعضها ببعض، وأن هذا المؤتمر كذلك ليس منظمة سياحية غرضها مسرة أعضائها، بل هو مؤتمر جدي غرضه سلام العالم عن طريق تعارف البرلمانيين بعضهم ببعض، وتفاهمهم تفاهمًا حرًّا تمام الحرية، وأن مهمته لذلك عالمية كبرى جديرة بأن يضعها كل عضو من أعضائه موضع التقدير والاعتبار.
وكان موضوع التعايش السلمي بين الشعوب أهم موضوع مطروح على المؤتمر، والتعايش السلمي أول شروطه تبادل الثقة بين الشعوب، ولا سبيل إلى تبادل الثقة إذا قامت البغضاء والمرارة في النفوس، ومن أسفٍ أن نفوس الكثير من الشعوب لا تزال تشوبها البغضاء والمرارة، تحدثت إلى أحد الفنلنديين وذكرت له أن من حظ بلاده أن كانت الأولى التي اشتركت روسيا السوفيتية في المؤتمر المنعقد بعاصمتها، فكان مما أجاب به: نحن مطالبون أن نكون المجاملة كل المجاملة مع الروس المشتركين في المؤتمر؛ لأنهم ضيوفنا، ولكننا لا نستطيع أن ننسى أن روسيا حاربتنا، وقتلت الكثير من رجالنا وأبنائنا، وأنها اقتطعت من فنلندا أغنى مناطقها بالمعادن، هذا ما لا نستطيع أن ننساه وما يحز في نفوسنا، وهل المناطق التي ضمتها روسيا إليها فنلنديون صحيحون يتطلعون كما نتطلع إلى اليوم الذي يعودون إلينا فيه، كما عادت الألزاس واللورين إلى فرنسا.
وتحدثت كذلك إلى بعض الدانمركيين فذكروا أن في نفوسهم من الحفيظة على ألمانيا منذ احتلالها بلادهم أيام الحرب ما لا يستطيعون نسيانه، قلت: ولكنكم لم تحاربوهم ولم يحاربوكم كما فعلت بلجيكا وهولندا، بل أذنتم لهم باحتلال بلادكم حقنًا للدماء، وكان جواب محدثي الدانمركي لكنهم أثناء الاحتلال الذي طال أكثر من خمس سنوات كانوا قساة بنا غاية القسوة، مما اضطرنا لتنظيم حركة مقاومة قمعوها بكل عنف ما استطاعوا قمعها.
وكان ممن تحدثوا في المؤتمر برلماني نمساوي ذكر ما عانته بلاده من احتلال الدول الأربع — روسيا وإنجلترا وأمريكا وفرنسا — إياها وأنهى بأشد اللائمة على تصرف الروس أثناء الاحتلال في عبارة عنيفة غاية العنف، لا تتفق بحال مع أي معنى من معاني التعايش السلمي الذي يُريد المؤتمر تقرير قواعده.
ولا حاجة بي إلى أن أذكر ما دار من جدل عنيف بين الدول العربية وإسرائيل، فالحجج التي يتبادلها الطرفان معروفة في مصر، وحسبي أن أذكر أن متحدثا باسم إسرائيل ناشد رئيس المؤتمر في ختام خطابه أن يدعو الدول العربية للتفاهم المباشر مع إسرائيل بعد أن خلقتها الأمم المتحدة لتبقى، فكان رد ممثل من سوريا عليه أن يناشد رئيس المؤتمر قبل إجابة مطالب المتحدث باسم إسرائيل أن يطلب إلى إسرائيل أن تنفذ قرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق باللاجئين العرب وبتدويل القدس، فإذا نفذوها ونفذوا كل قرارات الأمم المتحدة، وامتنعوا من الاعتداء على جيرانهم العرب، فكر هؤلاء فيما إذا كان التفاهم المباشر مع إسرائيل ممكنًا.
وكان الشعور السائد في المؤتمر أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة الخطر على السلم العالمي في الوقت الحاضر، وكان جواب العرب على ذلك أن مطامع الدول الكبرى في هذه المنطقة، وقيام دولة إسرائيل بالطريقة التي قامت بها هي مصدر هذا الخطر، وأن دول الشرق الأوسط على العكس مما يقال من أكثر الدول حبًّا للسلام؛ لأن السلام هو وسيلتها إلى التعمير والتقدم في مضمار الحضارة.
وقد تقدم بعض البرلمانيين العرب بتعديلات للقرارات التي اقترحتها لجان الاتحاد البرلماني فيما يتعلق بالتعايش السلمي، من هذه التعديلات اقتراح بأن يضاف إلى اقتراح لجنة الاتحاد أن يكون هذا التعايش على أساس من حرية الشعوب واستقلالها، ومن عدم التمييز بينها بسبب الجنس أو اللون أو اللغة أو الدين، ومنها أن يكون المقصود بالتعايش السلمي تعايش الشعوب لا تعايش الحكومات، ومما يثير العجب أن هذه التعديلات لقيت موافقة عظمى من جانب المؤتمر، وأن الدول الكبرى كانت في مقدمة الموافقين عليها، وأن الذين اعترضوها كانوا بعض الدول الوسطى أو الصغرى، فقد وافق الوفد الأمريكي بإجماع أعضائه على التعديلين، ووافق الوفد الروسي والوفد البريطاني على التعديل الأول ولم تعارضه بلجيكا حرصًا على مصالحها في الكونغو البلجيكي، ولذلك فاز هذا الاقتراح الأول بثلاث مئة وثمان وأربعين صوتًا ضد عشرة أصوات، أما الاقتراح الثاني فقد فاز كذلك؛ لأن أمريكا أيدته، ولكن بأغلبية غير كبيرة.
والحق أن نشاط البرلمانيين العرب في المؤتمر جدير بالتنويه فقد خلق هذا النشاط حول منطقتهم في هذا المؤتمر، كما خلق في مؤتمرات عدة سابقة، جوًّا من الاهتمام والتقدير، ومن الإدراك أن هؤلاء العرب وبلاد منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة ليست هي الكمية المهملة التي كان الساسة في الماضي ينظرون إليها ولا يعنون بها، وأن التطلع إلى حالتها من ثروة زراعية ومعدنية ضخمة يجب أن يضاف إليه تقدير النهضة العظيمة التي نهضتها هذه الشعوب، وأن رغبات هذه الشعوب وأهدافها يجب أن توضع موضع الاعتبار إذا أُريد للعالم أن يستقر فيه السلام.
كنت أتحدث إلى رجل ذي شأن في الاتحاد البرلماني الدولي فأبدى لي دهشته من نشاط البرلمانيين الآسيويين والإفريقيين، ومن شدتهم في جدالهم، وقال: لقد كان كثيرون ممن يتتبعون السياسة العالمية يظنون أن اختلاف الدول الكبرى هو الذي شجع الشعوب التي كانت محكومة في الماضي، والتي لا يزال بعضها محكومًا إلى اليوم، على اندفاعها الشديد في سبيل الحرية والاستقلال، وها هي الدول الكبرى تتقارب فلا يزيد تقاربها هذه الشعوب إلا عنفًا وشدة في التمسك بحريتها واستقلالها، فكيف نفسر هذه الظاهرة؟ وأجبته: تفسيرها يسير، ذلك أن هذه الشعوب لم تدفع في سبيل الحرية والاستقلال بتحريض من بعض الدول، بل بدافع أصيل من حرصها على الحرية والاستقلال، لذلك سواء لديها إن اختلفت الدول الكبرى أو لم تختلف، أنها تريد حريتها واستقلالها بأية حال، ولم يبق من سبيل للحيلولة بينها وبين هذه الحرية، وقد أدركت مداها وقيمتها.
ليس من غرضي أن أسجل ما دار في المؤتمر حول الموضوعات الأخرى كتعادل الشهادات الدراسية في الدول المختلفة، أو كتعديل نظام الاتحاد، فهذه أمور ثانوية لا تمت إلى السياسة الدولية بصلة، وحسبي أن أذكر أن تعديل نظام الاتحاد أدى إلى زيادة لجنته التنفيذية عضوين جديدين، فأصبحت تسعًا بعد أن كانت سبعًا، وبعد أن كانت خمسًا فقط في سنة ????، وكانت هذه الزيادة طبيعية بسبب زيادة الدول — أو البرلمانات بتعبير أصح — المشتركة في الاتحاد … وقد تقدمت روسيا إلى هذه الانتخابات ففاز مرشحها، وكذلك فاز مرشح العراق الذي حل محل الأستاذ حبيب أبي شهلا اللبناني، وتقدم مرشح عن إسرائيل ومرشح عن السودان فلم يحرز أيهما الأصوات اللازمة لنجاحه، وانتخب كذلك من الكتلة الشرقية مرشح من سيلان، حل محل العضو التركي الذي انتهت مدته.
إلى أي اتجاه تتجه اللجنة التنفيذية الجديدة بالاتحاد البرلماني بعد أن زيد عدد أعضائها، وهل يظل الاتجاه في أن يكون الاتحاد عالميًّا بأوسع معاني الكلمة، تقدير ذلك للمستقبل ولتطورات السياسية الدولية، والاتجاهات العالمية.

زيارتان للولايات المتحدة


زرت الولايات المتحدة مرتين، وكانت زيارتي الأولى مقصورة على نيويورك ولم تتجاوز عشرين يومًا، أما زيارتي الثانية فقد تجاوزت نيويورك إلى واشنطن، وإلى مساقط نياجرا على حدود ما بين الولايات المتحدة وكندا، كما استطعت أثناءها أن أتجول في شرق الولايات المتحدة، وأن أقف على بعض مظاهر الحياة والنشاط فيها.
وقد خيلت إليَّ زيارتي الأولى التي وقفت في حدود نيويورك ما يتخيله كثيرون من أن الولايات المتحدة هي بلاد ناطحات السحاب، فمباني نيويورك ترتفع في الجو ثلاثين وخمسين وسبعين طبقة، و(إمباير ستيت بلدنج) وهي أعلاها ترتفع في الجو مئة طبقة وطبقتين، ومع ذلك فالمصاعد (الأسانسيرات) السريعة تجعل الصعود في هذه الصروح الشاهقة أمرًا يسيرًا؛ حتى لتكاد تشعر وأنت تصعد إلى الطابق الثلاثين أنك بلغته في زمن أوجز مما تبلغ فيه الطابق الخامس في أوروبا وفي القاهرة، على أن ما تخيلته من أن الولايات المتحدة بلاد ناطحات السحاب لم يلبث أن تلاشى حين زرتها المرة الثانية، وحين تيقنت مما سمعته من قبل من أن نيويورك تمتاز أكثر من غيرها بهذه المباني الشاهقة؛ لأنها تقع على شبه جزيرة ضيقة الرقعة، يحيط بها الماء من كل جهاتها تقريبًا، فلا مناص لساكنيها من أن يصعدوا في السماء بدل أن ينتشروا في الأرض، ولا مفر لهم من أن يقيموا هذه الأنوار التي تعد بالعشرات؛ لتتسع لسكنهم ولعملهم ولحاجات الحياة المتشعبة المختلفة عندهم.
فأما واشنطن مثلًَا، وهي العاصمة، فليس فيها ناطحة سحاب واحدة؛ لأنها تقع في سهل منبسط يتيح لأهلها أن يتفسحوا في الأرض كلما حلا لهم أن يقيموا بناء جديدًا، وكذلك الحال في معظم مدن الولايات المتحدة.
ولمن شاء أن يسأل ما بال هؤلاء المقيمين بنيويورك ارتفعوا بمبانيهم في الجو، ولم يتركوا هذه الرقعة الضيقة التي تقوم عليها المدينة إلى مكان آخر، ولا بأس بعد ذلك بأن تبقى نيويورك مدينة عادية يسكنها مليون من الناس في مبان من أربعة طوابق أو خمس، بدل أن يسكنها ثمانية ملايين في ناطحات السحاب؟ والجواب على هذا السؤال يكشف عن ناحية سيكولوجية من الخلق الأمريكي في مناحيه المختلفة، ذلك الخلق هو فتوة الشباب والاعتداد بها للتغلب على كل عقبة يمكن أن تقوم في سبيل الإنسان، وأنت حين تذكر الصناعات الكبرى في أمريكا، وحين تذكر المنشآت الضخمة التي سبق الأمريكيون غيرهم في إقامتها، كما صنعوا في وادي التنيسي مثلًا، ترى أن فترة الشباب هذه والاعتداد بها هي التي دفعت هذا الشعب الفتي في مغامراته، وهي التي تصور كيانه الخلقي والنفسي، وهي التي جعلت منه في عشرات معدودة من السنين هذه القوة الضخمة صاحبة الأثر البالغ اليوم في مصائر العالم.
وهذا ما لاحظته في جولاتي بنيويورك وما حولها، وفي جولاتي في شرق الولايات المتحدة إلى كندا، كل ما هنالك يتضوع بفتوة الشباب ومغامراته، ولا يقيم وزنًا لكثير من الاعتبارات التي تقيمها الشعوب التي تنوء تحت عبء التاريخ.
وإن ذخرت صحفه بالمجد، فهو عبء على كل حال، وهو عبء يثقل كاهل الأجيال المتعاقبة باعتبارات يسخر منها الأمريكيون حين تًلقى عليهم صورها وآثارها.
ومع ذلك تخضع أمريكا منذ اليوم لاعباء ماضيها وإن لم يكن بعيدًا، لاحظت أن المطاعم الأنيقة تعج ظهرًا بأغلبية كبرى من النساء المترفات، وبقلة ضئيلة من الرجال، وسألت في ذلك فقيل: إن النساء الأمريكيات مدللات إلى غير حد، وأن علة ذلك أن الذين هاجروا إلى أمريكا بعد اكتشافها مباشرة كانت كثرتهم الكبرى من الرجال؛ لأن النساء يخشين المغامرة، ولا يقدمن عليها للاعتبارات التي تدفع الرجال إليها، وفكر الرجال المهاجرون في هذا الأمر ورأوا أنهم لا يستطيعون العيش ما لم تعاونهم النساء عليه، ثم رأوا أن النساء لن يغامرن كما غامروا إلا إذا استهواهن الرجال بالتحف والهدايا مما جمعوا من ثروة هذه البلاد البكر التي هاجروا إليها، وبذلوا في سبيل هذا الاستهواء الشيء الكثير، بذلوا الحلي والجواهر الكريمة والثياب النفيسة، وكل ما تتوق المرأة وتهوي نفسها إليه.
ونجح الرجال، لكن المرأة الأمريكية ورثت عن أمها المهاجرة الأولى هذا التدليل وهذا الدلل على الرجال، ولهذا بقي الرجال إلى اليوم يزاولون أعمالهم طول يومهم، وبقيت النساء اللواتي يقدر رجالهن على الإنفاق عن سعة مدللات اليوم كما كانت أمهاتهن وجداتهن من قبل، فعمرن إلى الآن مقاعد المطاعم الأنيقة ظهرًا، فإذا جاء رجالهم في المساء شاركتهم متاعًا بالحياة يهون عليهم مشقة العمل المتصل كل نهار.
وفتوة الشباب الأمريكي تهون على الرجال هذه المشقة، وتدفعهم إلى العمل المتصل والابتكار فيه، وأنت ترى مظاهر هذه الفتوة واضحة في كل شىء، تراها واضحة في متاجر نيويورك، وفي المصانع الكبيرة المختلفة، وفي دور الحكم، وفي الصحافة، وفي الإنتاج الأدبي والعلمي، في نيويورك متاجر كبيرة، لكنك ترى على وجوه العاملين والعاملات في متاجر نيويورك نشاطًَا أوفر مما تراه في متاجر أوروبا، وترى في ألوان التجارة نفسها من التنوع هنا أكثر مما ترى هناك، وترى في اختلاف المصاعد التي ترفع من طابق إلى طابق حيوية ونشاطًا قل نظيرهما في أوروبا، وترى في دور الحكم من مظاهر هذه الفتوة ما لا نظير له فيما رأيت من بلاد غير الولايات المتحدة، زرت دار الكونجرس، ودرت في أرجاء مجلس الشيوخ، فأدهشني ما رأيت، لكل عضو من أعضاء مجلس الشيوخ غرفته الخاصة، وله سكرتاريته الخاصة، وهو يقوم من شئون الدولة بأضعاف ما يقوم به غيره في البلاد الأوروبية، فالتحقيقات البرلمانية تكاد لا تنقطع، وعضو الشيوخ يجيب عن طريق سكرتاريته على كل رسالة تصل من ناخبة أو من غير ناخبه، أما الصناعات فقد شهدت منها ما أثار دهشتي لضخامته ولعناية القائمين عليه عناية تجعل مدير الشركة واقفًا على دقائق ما يجري في مصنعه الكبير، وتستطيع أن تقول ذلك عما سوى هذه المظاهر من الحياة الأمريكية، وبخاصة في ميادين الصحافة والإذاعة والمجلات والكتب، وهذا كله تدفع إليه فتوة الشباب في ذلك الشعب الشاب الذي نفخ من شبابه في حياة العالم شبابًا وقوة، والذي حاول أن يضاعف جهوده في هذه الناحية ما استطاع.
وفتوة الشباب هذه تتناول الشعب كله بجميع طبقاته، ذلك بأنها تجعل قيمة العمل فوق كل قيمة، وتجعل النجاح في العمل أساس كل اعتبار، وتبيح للإنسان العامل أن يستمتع بثمرات عمله ما شاء المتاع، كان في فندق بلازا فرع خاص لمسح الأحذية، وقد دعوت من ينظف لي أحذيتي فجاء رجل نظيف الثياب، يرتدي سموكنج، ثم علمت أنه مدير هذا الفرع، وأن له سيارته الخاصة يخرج بها لنزهته بعد الظهر من كل يوم هو وأسرته، وتقديس العمل عند الشعب الأمريكي طبيعي، فهو شعب ديموقراطي بطبيعة نشأته وتكوينه، لا يعرف الأرستقراطية في الآباء والأجداد، ولا يعنيه أن يكون جد الإنسان القريب أو البعيد إنجليزيًّا أو ألمانيًّا إيطاليًّا أو ما شئت، بل الناس جميعًا سواء يتعاونون بإقدامهم وبقوتهم على العمل، ونجاحهم فيه، مذهبهم جميعًا أن الغني من يقول: ها أنذا، وليس الغني من يقول: كان أبي، وفتوة الشباب خير دافع لأن يقول الإنسان: ها أنذا، وليعتز بعمله وتفوقه فيه.
هذا بعض ما لاحظته أثناء تجوالي بالولايات المتحدة وحين مقامي بها، وهو يصدق على رجالها ونسائها، وعلى مظاهر حياتها المختلفة، وهو شاهد بأن هذا الشعب المملوء بالحيوية وبفتوة الشباب لا يزال أمامه دور طويل يقوم به في حياة هذا العالم.

الباب الثانى


رحلات إلى الأماكن المقدسة في الشرق الأوسط

فكرة الأماكن المقدسة


ألف الناس أن يعتبروا كل بناء أتيى عليه القِدم أثرًا من الآثار، وأن يزوروه بدافع من الطلعة، استزادة من المعرفة، وحرصًا على أن يروا بأعينهم ما صنع الأسلاف الذين طواهم الدهر في صحائف القبور منذ مئات السنين أو الوفها … فالذين يزورون معابد الفراعنة في مصر يزورونها توقًا إلى العلم بحضارة سلفنا، وبالقواعد التي كانت هذه الحضارة تقوم عليها، وبالمنشآت التي شادها أهلها، وذلك شأن الذين يزورون الأطلال والآثار القديمة في كل بلد من البلاد، فأما المسلمون الذين يحجون بيت الله الحرام بمكة ويزورون قبر النبي عليه السلام بالمدينة، فليس حب الاستطلاع هو الذي يدفعهم لزيارة آثار قديمة توالت عليها القرون، وإنما يدفعهم شعور عميق بأنهم يؤدون فرضًا فرضه الله عليهم، وهم يرون الكعبة، ويرون القبر النبوي ببصرهم وبصيرتهم، على أنهما متصلان بحياتهم الروحية، كاتصال منازلهم بحياتهم المادية وبحياتهم الاجتماعية، وذلك شأن المسيحين إذ يزورون بيت المقدس إنهم يشعرون حين يدخلون كنيسة القيامة، وحين يزورون كنيسة المهد ببيت لحم، بأن فلذة من حياتهم الروحية قائمة في هذه الأماكن المقدسة، وبأنهم إذا بعدوا بأجسامهم عنها فإن أرواحهم تظل تهفوا إليها.
واليهود الذين يزورون المبكى ببيت المقدس، يخالط قلوبهم شعور كشعور المسيحيين، وكشعور المسلمين في زيارتهم الأماكن المقدسة عندهم.
لست أعدو الحق إذن حين أقول: إن هذه الأماكن تبقى على القرون جديدة أمام كل جديد؛ لأنها تعتبر في نظر الذين يحجونها موئلًا لأرواحهم، وملاذًَا لقلبوهم المتعطشة إلى التطهر ترجوه حيثما تكون من بقاع الأرض … ثم لا تطمئن إلى أنها بلغت حظها منه حتى تتم حجها.
هذا الاتجاه الروحي إلى مكان مقدس أمر جوهر في طبيعة الأديان جميعًا، وهو كذلك بنوع خاص في طبيعة الأديان السماوية الثلاثة التي نزلت بالشرق الأوسط: اليهودية، والمسيحية، والإسلام. صحيح أن نشأة الأماكن المقدسة في الأديان الثلاثة، تختلف وتتباين تباينًا كبيرًا، لكن الفكرة التي شادت هذه الأماكن واحدة في الأديان الثلاثة أو تكاد تكون واحدة، وليس عجبًا أن يكون ذلك شأنها، وبين هذه الأديان الثلاثة صلة أوثق الصلة … فقد قام المسيح بين قومه من يهود، يذكر لهم دينهم في صفاء جوهره، وينذرهم عذاب الله بأنهم حرفوا كلامه إلى موسى عن مواضعه منقادين وراء أهوائهم ومطامعهم، مبتغين من عرض الحياة الدنيا ما يباعد بينهم وبين رحمة الله … مندفعين بحكم هذه الأهواء والمطامع إلى حياة الظلم والإثم، كما ينذرهم بأن أغنياءهم الذين يظلمون الفقراء لن يتقبل الله منهم … فدخول الجمل سم الخياط أيسر من دخول الغني الباغي ملكوت الله.
والقرآن الذي أنزله الله على محمد عليه السلام، يجادل النصارى ويجادل اليهود بأن الله بعث لهم رسله بكلمة الحق … فزاغت عنها أبصارهم وبصائرهم، وبأنهم حرفوا كلام الله في التوراة والإنجيل عن مواضعه، وأن النبي العربي إنما بعثه الله ليرد الحق إلى نصابه، وليحق الحق ولو كره الكافرون … وقد بعثه الله مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.
من هذه الصورة السريعة البسيطة لما بين الأديان الثلاثة من صلة، يتضح أنها ترجع إلى أصل واحد وتستمد وجودها في صفائه من ينبوع واحد، وهذا الأصل الأزلي الخالد هو الحق جل شأنه … تجلى على موسى فكلمه تكليمًا، ونفخ في مريم من روحه فكان عيسى كلمته إلى الناس، وأوحى إلى محمد آياته وكلمه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
والينبوع الذي تستمد منه هذه الأديان وجودها في صفائه، هو السمو بالروح عن كل عبودية لغير الله … فالروح من أمر الله، وملكوت الروح في السماء لا في الأرض، وإله الروح واحد هو الله جل شأنه وتعالت أسماؤه، وقيام هذه الأديان الثلاثة تحيط به ظروف متشابهة.
كان الناس في عهد الرسل الثلاثة يتخذون لأنفسهم أربابًا من دون الله، ثم يتخذون هذه الأرباب إلى الله زلفى … فجاءت الأديان الثلاثة صريحة في التقرير بأن الله لا إله إلا هو الملك الحق، وأن الذين يتخذهم الناس أربابًا من دونه ليس لهم شيء من قدرته، لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابًا، ضعف الطالب والمطلوب، وأن الناس يجب لذلك أن يقلعوا عن كل عبادة إلا عبادة الله، وعن الأمل إلا في وجهه الأكرم، وعن الاهتداء إلا بنوره الذي أضاءت له السماوات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة.
•••

كان أهل مصر الفراعنة يصدقون فرعون؛ إذ يقول لهم: «أنا ربكم الأعلى». فبعث الله موسى إلى بني إسرائيل يصرفهم عن عبادة فرعون إلى عبادة الله، وكان أهل فلسطين يذعنون لأرباب روما صاحبة السلطان فيهم، وكان اليهود منهم يتملقون الحاكم الذي ترسله روما ويقرون ظلمه … ابتغاء رضاه عنهم، وليمد لهم أسباب السلطان والمال، فقام المسيح فيهم يدعوهم إلى ملكوت السماوات، وينذر الأغنياء عذاب ربهم الأعلى.
وكان العرب في شبه الجزيرة يعبدون الأصنام … فبعث الله محمدًا إليهم يدعوهم لعبادة الله وحده ولنبذ الأصنام، وينذرهم عذاب يوم شديد إذا هم لم يبتغوا وجهه الأكرم، ملتمسين إليه الوسيلة بالبر والتقوى.
ليس عجبًا والصلة بين الأديان الثلاثة ما قدمت، أن تتفق الفكرة التي أدت إلى تشييد الأماكن المقدسة أو تكاد تتفق، وهذه الفكرة لا تقف عند تقديس المكان الذي نزل الدين فيه، فأمرها ليس كذلك في اليهودية بالنسبة لحائط المبكي ولا للصخرة المقدسة، وإنما جوهر هذه الفكرة تعيين المكان الذي يجتمع الناس فيه … ليتوجهوا بقلوبهم إلى الله … والذي يقبل الله فيه توبة التائب من آثامه … فنحن وإن اتصلت روحنا ببارئ النسم جل شأنه، تغشانا بحكم حياتنا الدنيا أهواء وشهوات، تحجب ضياء الروح، فلا يهدينا صراط الله المستقيم.
وكثيرًا ما تدفعنا هذه الشهودات وهذه الأهواء إلى ألوان من المعاصي والآثام، تباعد بيننا وبين رضا الله عنا، وحسن مثوبته جل شأنه إيانا …
حقا إن الحسنات يذهبن السيئات، وإنما في عبادتنا حيث كنا نخفف من أوضار ذنوبنا، لكن من الذنوب ما يثقل الروح فهي أبدًا قلقة تريد أن تخلص منه، ونحن نتوب إلى الله ونستغفره في كل صلاة وفي كل ساعة من ساعات الليل والنهار، وعفو ربي وسع كل شيء، لكن التوبة النصوح التوبة التي يتقبلها الله ويمحو ذنوب صاحبها، هي التوبة التي نسعى إليها، ونتجشم المشاق في سبيلها، ثم نعلنها على ملأ العالم من بني ديننا، وهذه التوبة هي التي تتم في إعلان صريح في المكان المقدس الذي اختاره الله لنا؛ كي يكون بعضنا شهيدًا على بعض، ولكي لا تلهينا العاجلة، فلا نكاد نعلن التوبة إلى الله حتى نتورط في حياة الأثم من جديد.
هذه هي الفكرة الجوهرية القائمة بنفس كل مسلم، وكل مسيحي، وكل يهودي يعتزم الحج إلى المكان المقدس الذي اختاره الله لأهل دينه وملته، ففي سبيل طهر القلب ونقاء الروح مما يعلق بالنفس من أوضار الأثم، نذر وراء ظهورنا تلك البيئة التي أغرتنا وغرتنا، ولعبت بأهوائنا، وعبثت بقلوبنا إلى بيئة طهور تتجلى فيها أرواحنا، وترتفع إلى غاية ما تستطيع أن تسمو إليه من عوالمها المضيئة … فتصهر بحرارة إيمانها، وبحرارة توبتها، ما علق بها أو تصهره على ملأ بني الدنيا؛ لأن الدنيا مهد الخطيئة، فليس منا من يستطيع أن يدعي أنه لم يأثم … بل كلنا تصدق فينا كلمة السيد المسيح في مريم المجدلية: «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر».
فكرة التوجه إلى الله بالتوبة وطلب المغفرة، هي التي أبقت الأماكن المقدسة جديدة أمام كل جديد، وهي التي أنشأت تلك الأماكن أول أمرها، وهي الأساس لنشأة أقدم هذه الأماكن وأكثرها قدسية … فمنذ فجر الإسلام كان الطواف بالكعبة يجمع كل معاني التوجه لله، من شكر إلى رجاء إلى توبة واستغفار.
وكان الطواف بالكعبة يجمع هذه المعاني قبل الإسلام … فالعربي الجاهلي الذي كان يطوف بالكعبة قبل أن يخرج على عمل يرجو منه الخير، والذي كان يضرب بالقداح عند هبل القائم في جوف الكعبة قبل أن يوفقه رب البيت إلى ما يبغي، ونحن لا نزال؛ إذ نطوف اليوم بالبيت العتيق، يحدونا الرجاء أن يحط الله عنا أوزارنا، وأن يوفقنا في حياتنا إلى ما نحب ونرضي، وإلى ما يحب ويُرضي ذلك شأننا جميعًا حين نحج، وإن اختلف كل حاج في تصور الحياة، وتصور معاني الرجاء والشكر والتوبة.
الفكرة التي شادت الأماكن المقدسة وأبقتها جديدة أمام كل جيل جديد، هي أذن فكرة التوجه لله ابتغاء رضاه، والأمل في بلوغ الكمال الذي يقربنا من الله، ثم قصورنا دون هذا الكمال، وقربنا في كثير من الأحيان من نقيضه، ورجاؤنا في الله بعد ذلك أن يغفر لنا ما قصرنا وما أتممناه، وهذا الاضطراب بين الكمال ونقيضه يتعرض له الناس جميعًا على اختلاف أقدارهم واختلاف علمهم.
فهذا العاهل العظيم الذي ملك الأرضين ودوخ الشعوب، وبلغ من ذلك ما بهر القلوب وشد إليه الأنظار يرجع إلى نفسه ساعات فيشعر بأن ما يراه هو ويراه الناس العظمة كل العظمة … ليس شيئا إلى جانب ما ارتكب في سبيله من أوزار، وأنه لذلك أحوج إلى رضا الله عنه ولطفه به، حتى لقد يود لو أنه لم يكن عاهلًا عظيمًا، ولم يرتكب كل ما ارتكب من الخطايا.
هنالك تضعف نفسه ويستشعر الندم، ويريد أن يتقدم إلى بارئه بالتوبة، فيسعى إلى المكان المقدس الذي يتوب الناس عنده حاجًّا مستغفرًا مما اجترح في سبيل العظمة التي طالما أغرته وضلته، وهذا الفقير الذي يكد ليله ونهاره لقوته وقوت عياله، يشعر بأنه لم يكن دائمًا طاهر النفس في سعيه، وفي كده وأنه طالما تمنى لجاره ما لا يتمناه لمن يحب، وأنه في سبيل الحياة قد أثم وأذنب، وأنه لذلك في حاجة إلى التوبة تطهره؛ ليعود إلى ربه نقي الروح جديرًا بملكوت الله.
وبين هذين — بين العاهل العظيم والفقير الذي يكد ويسعى لقوته وقوت أهله — تضطرب طبقات الإنسانية المختلفة بين القوة والضعف وبين اليأس والرجاء، وبين الأمل الخادع والخيبة اللاذعة، وهي في اضطرابها يعبث بها الغرور تارة ويعبث بها الضعف أخرى … فإذا عبث بها الغرور أثمت، وإذا عبث بها الضعف أثمت … وعند ذلك تشعر بالحاجة إلى التوجه إلى الله منيبة تائبة من آثام الغرور ومن آثام الضعف جميعًا … ثم لا تجد ملاذًا لطهر الروح المتعطشة إلى الطهر إلا بالحج إلى الأماكن المقدسة … تعلن عندها التوبة وتغسل في ظلالها الوزر والحوبة.
من ثم، كان شعور الحجاج؛ إذ يبلغون هذه الأماكن المقدسة قويًّا، فياضًا بمعان روحية لا سبيل إلى تصورها في غير هذه الأماكن، وسنرى صورًا من ذلك حين الحديث عن كل واحد منها.

الأماكن الإسلامية المقدسة


(?) الكعبة الشريفة

الإسلام أحدث الأديان السماوية الثلاثة التي نزلت في الشرق الأوسط، وقد جاء النبي العربي مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل، ومع ذلك فبيت الله الحرام بمكة أقدم الأماكن المقدسة بهذا الشرق الأوسط، والسر في ذلك أن الأماكن المقدسة لليهود وللنصاري، لم تخلع عليها — أي: القداسة — إلا بعد أن نزلت اليهودية وبعد أن نزلت المسيحية، أما الكعبة التي يعظمها المسلمون اليوم، فكانت مقدسة قبل بعث محمد بأجيال طويلة، وكان العرب يحجون إليها أيام الوثنية والأصنام، حتى منع الإسلام غير المسلمين من حج البيت.
وقد ذكر القرآن قدمها في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وقال تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ? وَعَهِدْنَا إِلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ إلى قوله جل من قائل: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ? إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
هذه الآيات ترجع بناء البيت الحرام إلى إبراهيم وإسماعيل … وإبراهيم هو جد الأنبياء عليهم السلام، يسبق في التاريخ موسى وعيسى لا عجب إذن، أن يكون بيت الله الحرام بمكة أقدم الأماكن المقدسة في الشرق الأوسط.
قصة البناء

وقصة بناء إبراهيم وإسماعيل البيت، قصة رواها المؤرخون على وتيرة تكاد تكون واحدة، والمأثور أن إبراهيم طعن على قومه لعبادتهم الأصنام فاضطهدوه … ففر إلى فلسطين ومعه زوجه سارة، ومن فلسطين سافر إلى مصر وتزوج فيها جاريته هاجر … وولدت له هاجر إسماعيل، ثم ولدت له سارة إسحاق.
لم تطق سارة المقام مع هاجر فسافر إبراهيم بها حتى بلغ الوادي الذي تقوم به مكة اليوم، وهناك تركهما وترك معهما ما يقتاتان منه، أفكان في هذا المكان ماء، وكان على الماء خيام لبدو يقيمون عنده؛ هذا أمر اختلف فيه … تجري إحدى الروايات بأن قبائل جرهم كانت تقيم على ماء في هذا المكان، وتجري رواية أخرى بأن إبراهيم ترك هاجر وإسماعيل وحدهما وعاد أدراجه، وأن الماء نفد بعد أيام من هاجر … فجعلت تسعى بين ربوتين هما الصفا والمروة، فلما سعت سبعًا، تطلعت إلى ناحية ولدها إسماعيل، فألفته قد فحص الأرض برجليه، فنجم الماء من بئر هي زمزم، واستقت هاجر وسقت ولدها، وحجزت الماء دون السيل، فجاءت جرهم فأقامت مع الأم وابنها على الماء.
ولما شب إسماعيل تزوج فتاة من جرهم بنت مقضاض بن عمر، وقد ذهب إبراهيم لزيارة إسماعيل وأمه أثناء مقامهما بهذا الوادي مرة قبل هذا الزواج ومرة بعده، والروايات تجري بأن بناء الكعبة حدث في إحدى هاتين الزيارتين، وإن اختلف على كيفية حدوثه.
ذهبت رواية إلى أن جبريل أمر إبراهيم فركب البراق مع هاجر ومع إسماعيل وطاروا يريدون مكان بيت الله لبنائه، حتى إذا نزلوا مكة تعاون الأب والابن على إقامة البيت، وفي رواية أخرى، أن إبراهيم جاء إلى مكة بعد أن شب إسماعيل وتزوج، ووجده أبوه يبري نبالًا تحت دوحة قريبة من زمزم، فتبادل التحية معه، ثم قال له: «يا إسماعيل أن الله أمرني بأمر، أن أبني هنا بيتا». وأشار إلى أكمة مرتفعة عما حولها … وتعاون الرجلان على البناء، إسماعيل يجيء بالأحجار، وإبراهيم يبنيها، حتى ارتفع البناء إلى قرابة قامة الرجل … فجيء بالحجر الأسود ووضع مكانه، ثم تعاون الرجلان حتى تم البناء.
الحجر الأسود

والروايات في الحجر الأسود وأصله تختلف … قيل: جاء به جبريل من السماء؛ إذ كان قد رُفع إليها حين أغرق الطوفان، وقيل: جاء به جبريل من الهند حيث هبط به آدم من الجنة، وكان أبيض ناصعًا فأسوّد من خطايا الناس، وقيل: بل كان في جبل قبيس منذ طوفان نوح، وكان مضيئًا يكاد يذهب سنا ضوئه بالأبصار، وإنما سودته أنجاس الجاهلية وأرجاسها.
وهذه الروايات على اختلافها تذهب إلى أن البيت العتيق كان ارتفاعه حين أقام إبراهيم وإسماعيل قواعده، تسعة أذرع … وأنه كان مستطيلًا عشرين ذراعًا في ثلاثين، وأنه كان له بابان ملاصقان للأرض، وأنه لم يكن عليه سقف وإنما حفرت به بئر لتكون خزانة له.
•••

هذا هو المتواتر في أمر بيت الله الحرام، وإقامته أول ما أقيم … على أن طائفة من غلاة المعتقدين لا يرضون أن تكون هذه النشأة نشأته، ويحرصون على أن يردوا أمره إلى ما قبل خلق الإنسان أو إلى أول خلقه؛ ذكر بعضهم أن الملائكة هم الذين بنوا البيت … ذلك أن الله غضب عليهم حين قال لهم: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ? قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.
وأحس الملائكة غضب الله عليهم فلاذوا بالعرش يتضرعون ويبكون إشفاقًا من هذا الغضب، ثم طافوا بعرش الله شيعًا كما يطوف الناس بالبيت الحرام وهم يقولون: لبيك اللهم لبيك … ربنا معذرة إليك … نستغفرك ونتوب إليك، فأنزل الله الرحمة عليهم ووضع تحت العرش بيتًا هو البيت المعمور، وقال للملائكة: «طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش». ثم أمر الله الملائكة من سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتًا على مثال البيت المعمور، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، وتجري هذه الرواية بأن الملائكة بنوا هذا البيت الذي يقوم بيت الله الحرام اليوم مكانه قبل خلق آدم بألفي عام.
أما رواية آدم وبنائه البيت الحرام فتذكر أن آدم سأل ربه بعد أن هبط وزوجه من الجنة: «يا رب ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ولا أحسسهم». وأجاب ربه: «بخطيئتك يا آدم … ولكن اذهب فابنِ لي بيتًا فطفْ به، وأذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى». فأقبل آدم يتخطى الأرض حتى بلغ مكة فبنى البيت الحرام … وقيل: كان هو يبني وحواء تنقل الحجارة.
وفي رواية أن شيثًا بنى الكعبة بعد آدم، ثم جاء الطوفان في عهد نوح فأغرق الأرض وما عليها وأغرق بناء الكعبة، ثم بوَّأ الله لإبراهيم مكان البيت، فأقام قواعده مع إسماعيل، وليس في وسع مؤرخ أن يثبت شيئًا — على سبيل القطع — عن الروايات التي وردت عن بناء الملائكة، أو بناء آدم أو شيث الكعبة.
وظلت الكعبة على بناء إبراهيم وإسماعيل زمنًا لم يحدده مؤرخ … قيل: بناها العمالقة وجرهم بعد ذلك … وقيل: بقيت كما بناها إبراهيم وإسماعيل إلى أن جدد بناءها قصي بن كلاب الجد الخامس للنبي العربي، وتذهب الرواية التي تذكر بناء قصي الكعبة إلى أنه خالف ما كان متبعًا من ترك البيت قائمًا في الفلاة لا يبني حوله أحد؛ إعظامًا لحرمته، وأمر الناس فبنوا حول البيت ولم يتركوا إلا قدر المطاف.
خلاف حول الحجر المقدس

وأقام العرب يحجون الكعبة كما بناها قصي، إلى أن ولد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وإلى أن بلغ الخامسة والثلاثين من عمره، وفيما أهل مكة يتمتعون بحياتهم العادية، إذا سيل عظيم انحدر من الجبال وطغى على مكة، وأصاب الكعبة فوهنها وصدع جدرانها … وفكرت قريش فيما تصنع بها … وبعد تردد، هدم القوم البيت الحرام حتى جداره، ونقلت قريش الأحجار من الجبال المجاورة وبدأت البناء، فلما ارتفع إلى قامة الرجل، وآنَ أن يوضع الحجر الأسود المقدس مكانه اختلفت القبائل أيها يكون لها فخار وضعه في هذا المكان، وكادت الحرب الأهلية تنشب بسبب هذا الخلاف، لولا أن قال أمية بن المغيرة المخزومي للقوم — وكان فيهم شريفا مطاعا — اجعلوا الحكم بينكم أول داخل من باب الصفا.
وكان محمد بن عبد الله ? أول من دخل … فلما قص عليه القوم قصتهم، قال: «هلم إليَّ ثوبًا». ونشر الثوب، وأخذ الحجر بيده فوضعه فيه، ثم قال: «ليأخذ كبير كل قبيلة بطرف من أطراف هذا الثوب». وحملوه جميعًا حتى إذا حاذي موضع الحجر من البناء، تناوله محمد ووضعه في موضعه … ولذلك أنحسم الخلاف، وأتمت قريش بناء الكعبة ورفعت بابها عن الأرض، وسقفتها ووضعت هبل في داخلها، ووضعت معه النفائس التي أهديت من قبل لها، والتي طالما تعرضت قبل سقفها، لمطامع اللصوص.
إعادة بناء الكعبة

وظل بناء الكعبة هذا قائما حتى آل الآمر إلى يزيد بن معاوية، وكانت عاصمته دمشق، وكان عبد الله بن الزبير لا يزال بمكة تأثرًا بالأمويين، وجرد يزيد جيشًا سار إلى مكة، وحاصر ابن الزبير بها، ونصب المنجنيق على جبال مكة ورمى الكعبة بعشرة آلاف حجر، وهنت البناء وجعلته عرضة للحريق لما كان يخالط أحجاره من خشب الساج، عند ذلك استشار ابن الزبير الناس ما يصنع بالبيت، وانتهى الأمر إلى هدم الكعبة وإعادة بنائها.
وفي أثناء البناء نصب حول الكعبة سياج من خشب، وجُعلت عليه ستور حتى يطوف الناس بمكان البيت ويصلوا إليه.
وبعد عشر سنوات حاصر الحجاج ابن الزبير وقتله، ثم غير أحد جدران الكعبة، وسد الباب الغربي، ورفع البناء إلى ما كان عليه في الجاهلية، فلما تولى هارون الرشيد، سأل الإمام مالكًا في هدم الكعبة وردها إلى بناء ابن الزبير، فكان جواب مالك: «يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله ملعبه للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها». وترك الرشيد البيت، لم يتعرض له.
بقيت الكعبة على بناء ابن الزبير وتعديل الحجاج إياه، لا يزيد المسلمون على أن يقووا ما يعتريه الوهن منها، حتى كانت سنة ???? هـ (????م)، إذا هطل بمكة مطر هتون فدخل المسجد وارتفع حتى دخل الكعبة، وكان بناؤها قد وهن بعد أن انقضى عليه قرابة ألف عام، لذلك سقطت جدرانها واحدًا بعد الآخر، وترامى ما أصاب البيت الحرام إلى الأقطار الإسلامية، فانزعج الناس فيها، كما انزعج أهل مكة، فأجمع الكل على المبادرة إلى عمارتها.
وأحيط البيت بسياج من الخشب يطوف به الناس ويصلون إليه، كما كان الأمر على عهد ابن الزبير، وأنفق القوم في البناء ستة أشهر وأموالًا طائلة، ولم يعيدوا من الأحجار التي بنى بها ابن الزبير الكعبة ألا ما وجدوه صلبًا قويًّا … أما ما وهن، فاستبدلوا به غيره.
على أن مشكلة خطيرة واجهتهم؛ فقد بدأ الحجر الأسود يتناثر الفتات منه، وللحجر الأسود من القدسية حظ عظيم جعل المعماريين يلجئون إلى كل أساليب الفن ليعيدوا إلى أجزائه صلابتها … ولما تم لهم ما أرادوا، ربطوه بإطار الفضة الذي رُبط به على عهد ابن الزبير ووضعوه مكانه.
وبناء الكعبة هذا، هو القائم إلى يومنا الحاضر … وهو الذي يطوف المسلمون به منذ فرض الله الحج عليهم إلى الآن …
المسجد الحرام ومشاعر الحج

قلنا: إن الكعبة أقدم الأماكن المقدسة، وإنها أول بيت وضع للناس … فقد كان العرب في الجاهلية يحجونها على اختلاف نحلهم، ويعتبرونها المكان الذي يقبل فيه التوجه إلى الله، وتقبل فيه توبة التائب … كان لبعض قبائل العرب أماكن كالكعبة تعظمها وتحج إليها، وكان لكل قبيلة صنم تتخذه إلى الله زلفى، لكنها كانت جميعًا تقدر أن الحج المقبول عند الله هو الحج إلى بيته بمكة، فإذا اكتفى رجل القبيلة بالتعبد لصنمه، أو بحج البيت القائم بالطائف، إن كان من ثقيف مثلًا، لم يكن قد أدى ما عليه من فرائض العبادة أداء كاملًا، ولا بد له من زيارة البيت العتيق؛ ليتم حجه وتقبل توبته.
ولما تغلبت الحبشة على اليمن وحكمها أبرهة، ظن أنه يستطيع أن يصرف أهل اليمن عن بيت مكة … إذا هو أقام لهم بصنعاء بيتا يحجونه ويولون وجوههم شطره، وأقام بصنعاء بيتًا له من الجمال، ومن دقة الفن ما لم يكن لبيت مكة الذي تنزه ببساطته عن مجال الفن … فلم ينصرف أهل اليمن مع ذلك إلى بيت أبرهة عن البيت العتيق، بل ظلوا مؤمنين بأن هذا البيت القائم بمكة هو وحده الذي تُقبل فيه التوبة إلى الله، وتُقبل فيه توبة التائب.
وكانت الأشهر التي تعارف عليها العرب قبل الإسلام على حج البيت فيها حرمًا، لا يحل فيها قتل ولا قتال … فإذا برز الناس للحج من أنحاء شبه الجزيرة، وتخطوا أعلام الحرم، لم يَجُز لأحد أن يقتل أو يُقاتل، وجب على الجميع أن يلوذوا بأهداب السلام، وأن يقفوا من مناوأتهم ومناوشاتهم عند الفخر والتفاخر على نحو ما كان يقع بعكاظ وبغيرها من أسواق العرب … فإذا حدثت أحدًا نفسُه بالجريمة في الأشهر الحرم فهو آثم قلبه؛ لذلك وجد النبي عليه السلام فرصة الدعوة إلى دين الله في هذه الأشهر الحرم، حين قاطعته قريش وألزمته وأصحابه بمكة شعبًا من شعاب الجبل ثلاث سنوات متوالية … في هذه الفترة الدقيقة من حياة الدين الناشئ، كان الرسول ? يخرج إلى الناس في الأشهر الحرم، آمنا عدوان خصومه عليه، وكان يعرض نفسه على القبائل يدعوها إلى دين الله مطمئنًا إلى أنه في حمى بيت الله.
وكان المسلمون قبل الهجرة يعظمون البيت كما يعظمه غيرهم من سائر العرب، ومن يوم أسلم عمر بن الخطاب، لم يرض عن استخفاء المسلمين وذهابهم إلى شعاب مكة، يقيمون الصلاة فيها بعيدين عن أذى قريش … بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه، فلما هاجر رسول الله ? والمسلمون معه إلى المدينة … بقي حنينهم إلى بيت الله بمكة يستحثهم إلى زيارته، وظل ذلك دأبهم حتى ذهبوا عام الحديبية لحج البيت، فلما صدتهم قريش ذلك العام ذهبوا العام الذي بعده … وفتح الله مكة بعد ذلك لدينه ولنبيه، فأصبح للمسلمين من الحرية في حج البيت ما لغيرهم، وظل ذلك شأنهم إلى أن كان العام الذي سبق وفاة الرسول ? والذي حُرّم بعده على غير المسلمين أن يطوفوا بالبيت العتيق.
قبل الإسلام وبعده

وإنما اختلف أمر الكعبة في الإسلام عنه في الجاهلية بعد فتح مكة؛ لأنها كانت في الجاهلية موئل الأصنام … وكانت تُهدى إليها نفائس تحفظ في داخلها، وكانت بعض الأصنام قطعًا من الفن … كان هبل مصنوعًا من العقيق على صورة الإنسان، فلما كسرت ذراعه أبدله القرشيون منها ذراعًا من ذهب، وكانت بئر زمزم مطموسة ثلاثة قرون في الجاهلية، فأعاد عبد المطلب جد النبي حفرها … فأخرج منها غزالتين من الذهب كانتا مخبوءتين فيها … وكانت الملائكة مصورة على جدران الكعبة في صورة النساء، وكان لإبراهيم صورة يستقسم فيها بالأزلام، فلما فتح النبي مكة عفى على هذا كله، وطهر الكعبة من كل صنم وصورة، وأبقاها في بساطتها مثابة للناس وأمنًا.
وللمسجد الحرام قدسية تتصل بقدسية الكعبة، وهو اليوم فسيح لبضعة آلاف من الأمتار يتجاور في صحنه الرخام والحصباء، ويمتد النظر في كل ناحية منه حتى تقفه عمد بينها وبين جدرانه بضعة أمتار، وتقوم فوق العمد والجدران قباب تحمي من بالمسجد من الشمس والمطر، ولم يزد عمر وعثمان في مطاف الكعبة إلا قليلًا، ولم يرفعا حوله بناء كالذي نراه اليوم، وإنما أحيط المطاف في عهدهما بجدار قصير غير مسقوف.
وفي المطاف كان المسلمون يقيمون الصلاة فلما اتخذ الأمويون دمشق عاصمتهم، ورأوا عناية النصاري بكنائسهم وعمارتها وزينتها … رأوا أن يجعلوا للمجسد الحرام مثل هذه العناية، وكان عبد الملك بن مروان أول من أمر في سنة خمس وسبعين للهجرة، فرفعت جدر المسجد وسقف بخشب الساج الداكن المتين، وزاد الوليد بن عبد الملك في عمل أبيه، فوسع المسجد وزخرف السقف، أزر أسفل جدرانه بالرخام وجعل له شرفًا.
وجاء العباسيون فزادوا في رقعة المسجد إلى ضعف ما كان عليه، وزينوه بالذهب وأنواع النقوش، وكانت الكعبة في جانب من المسجد، فأمر المهدى أن تكون في وسطه، نفذ المهندسون أمره مع الاحتياط للسيول حتى لا تطغى على البيت الحرام، وظل المسجد بعد ذلك موضع العناية من جانب الأمم الإسلامية في مختلف العصور إلى وقتنا الحاضر.
أماكن لها حرمة

الكعبة هي أول ما يأخذ بنظر من يدخل المسجد بطبيعة الحال … هي بيت الله الحرام، من دخله كان أمنًا … وهي قبلة المسلمين في أقطار الأرض جميعًا … لكن بالمسجد فيما حول الكعبة أماكن لها عند المسلمين حرمة خاصة، هذه الأماكن هي: مقام إبراهيم، وحجر إسماعيل، وبئر زمزم، والتاريخ لا يحدثنا عن الصورة التي كان عليها مقام إبراهيم أو حجر إسماعيل في الماضي … بل لعل بعض المؤرخين يجدون عسرًا في إثبات المكان الذي يقوم فيه المقام أو الحجر حين كانت الكعبة قائمة ليس حولها إلا المطاف … على أن حرمة المقام والحجر والبئر، ترجع إلى اعتبارات تاريخية وإلي نصوص في القرآن، تدني هذه الحرمة من القدسية، وإن لم تدن بها من قدسية البيت الحرام.
وهذه الحرمة تدعو المسلمين للقيام في هذه الأماكن بالصلاة إجلالًا لها … ولا عجب أن يصنعوا، وقد ورد في القرآن عن مقام إبراهيم قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى أما حجر إسماعيل فيذكرون أنه كان يقع داخل رقعة الكعبة، كما أقام إبراهيم وإسماعيل قواعدها، ولذلك كان أجر الصلاة فيه كأجر الصلاة داخل بيت الله.
ومقام إبراهيم يقابل باب الكعبة ويقابل الحجر الأسود، وهو يقع في جوار باب أقيمت عمده وأقيم عقده من الرخام، ولما كانت الروايات لا تثبت للمصلين فيه أجرًا كأجر المصلين في حجر إسماعيل، كان الذين يطيلون المقام عنده قليلين.
أما حجر إسماعيل، فيتصل بالكعبة ويقع في الناحية المقابلة للجدار الممتد بين الركن اليماني والحجر الأسود، ويحيط به سور في نصف دائرة من الرخام يرتفع إلى ما دون قامة الرجل العادي، والمصلون فيه أيام الحج يزحم بعضهم بعضًا حتى لا يكاد الإنسان يجد به مكانًا إلا أن ينتظر حتى يخلي له غيره مكانه.
يقابل بئر زمزم حجر إسماعيل إلى الناحية الأخرى من بناء الكعبة، وقد أقيم فوق البئر حديثًا بناء يسترها، أريد به منع مياهها من التلوث، وهذا البناء فخم يدخل الإنسان إليه إذا وجد الوسيلة إلى الدخول فيراه فسيح الأركان، ويرى فيه الموكلين بإخراج الماء من البئر؛ ليشرب منه من يطلبون البركة، فأما الذين يتاح لهم دخول البناء والوصول إلى البئر، فيتوضئون من ماء زمزم، ويتضاعف بذلك حظهم من البركة.
أبواب المسجد

وللمسجد الحرام فيما يقابل البئر والحجر والمقام أبواب عدة، لعل باب عليٍّ أكثرها جمالًا من الناحية الفنية … على أن باب الصفا هو الذي ينتقل منه الإنسان إلى شعيرة من شعائر الحج والعمرة بعد الطواف، فالطواف بالكعبة أول ما يجب على من يدخل مكة أن يقوم به؛ فإذا أتمه فعليه أن يسعى بين الصفا والمروة؛ استجابة لقوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ ? فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ? وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ
والصفا والمروة كانتا ربوتين قائمتين في الفلاة تظلهما السماء، ويمتد بينهما المسعى فلما بنى الناس حول الكعبة اعتدوا على أجزاء من المسعى حتى لم يعد اليوم مستقيمًا، وحتي طغت الحوانيت والجدران والطرق القائمة حوله على بعض أجزائه.
هذه الأماكن التي أشرت إليها هي أماكن الحج الإسلامي المقدسة داخل مكة، وهي تتصل ببيت الله الحرام … وقدسيتها تفرض لها شعائر خاصة من العبادة تقررت أصولها منذ عهد النبي عليه السلام، ثم نظمت تفاصيلها على الأجيال أدق نظام.
الأماكن المقدسة خارج مكة

أما أماكن الحج الإسلامي المقدسة خارج مكة، فأولها عرفات … وقدسية عرفات لا تتجلى إلا يومي الحج، وهما اليومان الثامن والتاسع من شهر ذي الحجة لكل عام، وعرفة أو عرفات جبل، يبعد عن مكة عشرين كيلومترًا أو نحوها، سطحه بطحاء فسيحة تتسع لعشرات الألوف من الناس، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة صعد الحجاج من مكة إلى عرفات زمرًا، فألفوا خيامهم ضُربت بها وأُعدت لقضاء الليل فيها.
فإذا أصبح الصبح من يوم عرفة، رأيت هذا البطيح ممتدًا أمامك لا يكاد يحيط بحدوده نظرك، ورأيت الناس فيها جميعًا لبسوا لباس الإحرام فهم سواسية، ورأيتهم يتوجهون بقلوبهم وأفئدتهم إلى الله يلتمسون التوبة والمغفرة، فأنت تسمع استغفارهم منذ صلاة الفجر لذلك اليوم إلى أن يفيض الناس من عرفات بعد صلاة العشاء فوق الجبل … فإذا أفاض الناس من عرفات عاد خلاء كما كان لا يعمره إلا من يمرون به من البدو، ثم يبقى كذلك إلى أن يستدير العام وتعود أيام الحج في العام التالي.
ويفيض الناس من عرفات إلى المشعر الحرام بالمزدلفة، يأخذون منه الجمرات إلى منى … والمشعر الحرام مسجد قائم في عزلة الصحراء بين هذه الجبال القليلة الارتفاع، والتي تتصل من مكة إلى عرفات، وقل أن يرى أحد من الحجاج مسجد المشعر الحرام؛ لأنهم يمرون به بعد الأفاضة ليلًا.
ولا يقيمون عنده إلا سويعات تطول أو تقصر حسب ساعات الأفاضة، فمن أفاض بعد العشاء أتيح له أن يبقى زمنًا إلى ما بعد منتصف الليل، ومن أفاض من عرفات قبيل منتصف الليل لم يقف بالمشعر إلا ريثما يتم جمع الجمرات.
ويبلغ الحجاج منى قبيل الفجر، ثم يقضون بها ثلاثة أيام يرمون فيها الجمار، ويصلون بمسجد الخيف، على أن الناس يهبطون من منى أول أيام عيد الأضحى؛ ليطوفوا بالبيت، ومنهم المحرم ومنهم من حل إحرامه، فإذا أتموا الطواف والسعي، عادوا إلى منى فقضوا بها أيام عيد الأضحي، ثم رجعوا إلى مكة ينظمون سفرهم منها إلى المدينة أو عودتهم إلى بلادهم.
هذه هي الأماكن المقدسة التي تتصل بالحج عند المسلمين، وهذه الصورة السريعة التي عرضتها عليك تدلك على أن ما كان خارج مكة من هذه الأماكن لا تتجلى حرمته إلا في أيام الحج، فأما ما خلا ذلك من أيام السنة، فهو خلاء لا يشهده ولا يمر به إلا المقيمون حوله … أما بيت الله الحرام، وأما المسجد الحرام؛ فتظل شعائرهما متصلة طول العام … وعلى كل من دخل مكة أن يطوف بالبيت، وأن يسعى بين الصفا والمروة.
والمكان المقدس عند المسلمين بعد بيت الله، هو القبر النبوي بالمدينة.
(?) المسجد النبوى

قل من المسلمين من حج بيت الله الحرام بمكة، ولم يزر الحجرة النبوية بالمدينة، وكثيرًا ما كان الناس في بعض الأزمان يكتفون بزيارة القبر النبوي في موسم رجب، وكان ذلك واضحًا بنوع خاص أيام كانت سكة الحديد الحجازية ممتدة بين الشام ومدينة الرسول، والحق أن قدسية المسجد النبوي والحجرة النبوية، لا تقل في نظر الأكثرين عن قدسية المسجد والبيت الحرام بمكة، وإن لم يفرض الإسلام لمسجد المدينة شعائر خاصة به.
والمسجد النبوي بالمدينة، يحتوي على الحجرة النبوية حيث دفن رسول الله ? وحيث دفن الخليفتان الأولان أبو بكر وعمر، ومن هنا، ازدادت قدسيته وازداد إقبال الناس على زيارته، على أن لمسجد المدينة مكانة خاصة؛ لأن رسول الله ? هو الذي أقامه في صورته الأولى … فهو لذلك مسجد أقيم خالصًا للمسلمين.
فقد دخل رسول الله ? المدينة بعد هجرته من مكة، وليس له فيها مكان يقيم به، فلما بركت الناقة التي كان يمتطيها عند مربد يجفف فيه التمر لغلامين يتيمين من بني النجار، سأل عليه السلام لمن المربد، وأجابه معاذ بن عفراء: إنه لسهل وسهيل ابني عمر، وهما يتيمان له وسيرضيهما، ورجا رسول الله ? أن يتخذه مسجدًا، وقبل النبي أن يبني في هذا المكان مسجده وأن يبني داره.
وأمر رسول الله، فقطع ما بالمربد من نخل وغرقه، وسوى ما كان به من قبور الجاهلية، وجفف ما كان به من الماء، ثم بدأ البناءون يبنون المسجد والرسول معهم ينقل اللبن، وإذ كان البناء بسيطًا جدره من اللبن، وسقفه من الجريد، وعمده من خشب النخل، فسرعان ما تم.
وبُني بيت رسول الله ? بجوار المسجد … وإلى أن تم بناؤه كان رسول الله ? يقيم بدار أبي أيوب الأنصاري.
وكانت مساحة المسجد حين أتم النبي بناءه لأول مرة، لا تزيد على خمسة وثلاثين مترًا في ثلاثين، وكان بحجمه هذا، كافيًا لصلاة المسلمين الأولين بالمدينة من المهاجرين والأنصار، فلما أجلى النبي اليهود عن المدينة وأجلاهم عن خيبر، وخلصت المدينة بذلك للمسلمين، لم يكن بد من أن يزيد النبي في رقعة المسجد، فجعله خمسين مترًا في خمسين، وكانت قبلة المسجد يؤمئذ من جذوع النخل، وقد بقيت متجهة إلى ناحية المسجد الأقصى حتى عدل بالقبلة إلى ناحية الكعبة.
ولم يتخذ رسول الله ? لنفسه منبرًا أول ما بنى المسجد، بل كان يخطب الناس مستندًا إلى جذع نخلة كانت عمادًا من عمد المسجد، فلما شعر أصحابه أن القيام شق عليه، صنعوا له منبرًا من الخشب درجتين ومجلسًا.
توسيع المسجد

وانقضت خلافة أبي بكر والمسجد كما كان على عهد النبي ? … فلما اطردت زيادة المسلمين رأى عمر أن لا بد من الزيادة في المسجد … فزاد فيه خمسة أمتار من الناحية الشمالية، ولم يزد شيئًا من الناحية الشرقية؛ إذ كانت بها بيوت أزواج رسول الله ? أمهات المؤمنين، ولم تكن زيادة عمر المسجد إلا زيادة في رقعته … أمام فن البناء فبقي كما كان على عهد رسول الله ?؛ لأن العرب إلى ذلك العهد كانوا يقصدون بالعمارة سد الحاجة الماسة على أبسط صورة.
وازداد سكان المدينة بازدياد رقعة الفتح الإسلامي، فشكا الناس إلى عثمان ضيق المسجد يوم الجمعة، وشاور عثمان أهل الرأي من الصحابة فأجمعوا على أن يُهدم ويزداد فيه، وهدم عثمان المسجد وزاد فيه بقدر زيادة عمر، ثم أحدث من التطور في عمارته أن بنى جدرانه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقورة … أدخل فيها عمد الحديد، وصب فيها الرصاص ونقشها من خارجها، وجعل السقف من خشب الساج.
الوليد يُعيد بناء المسجد

وبقي المسجد على بناء عثمان حتى استقر الأمر للوليد بن عبد الملك الأموي، ولم تبق للثائرين بالحجاز قوة، وقدم الوليد الحجاز حاجًّا وزار المدينة، فألفى أحفاد علي بن أبي طالب يلوذون ببيت فاطمة إلى جوار المسجد، ورأى في ذلك تحريضًا قد يُعيد الثورة مشبوبة بالحجاز من جديد، هنالك قرر أن يزيد في المسجد، وأن يدخل بيت فاطمة وبيوت النبي ? جميعًا فيه … لم يثنه عن ذلك جزع الناس وبكاؤهم؛ لإزالة هذه الآثار التاريخية الباقية للنبي ولحياته في المدينة.
وكان للوليد في العمارة وزخرفها رأي غير رأي العرب … فقد قضى حياته بدمشق، وبين الآثار المسيحية والرومية في الشام، وقد أقام والده عبد الملك بن مروان قبة الصخرة ببيت المقدس فبز بها الكثير من الكنائس البارعة … لذلك لم يلبث حين استقر رأيه على هدم مسجد النبي ? وإعادة بنائه، أن كتب إلى ملك الروم يستعينه بعمال وفسيفساء.
وهدم عمر بن العزيز عامل الوليد على المدينة مسجد النبي، وأدخل فيه حجرات أزواج النبي وبينها حجرة عائشة … بذلك أصبح القبر النبوي داخل المسجد وبالغ عمر في تجميل المسجد … زخرف المحراب، والشرفات، والمنابر، زخرفًا لا عهد للعرب به، وعُنِيَ بسقف المقصورة النبوية عناية جعلته بدعا في الفن، وقد أُعجب الوليد بن عبد الملك بما رأى من ذلك حتى لقد نظر إلى أبان بن عثمان يقول له: «أين بناؤنا من بنائكم». لكن أبان أجابه: «إنا بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس».
حريق المسجد

تمت هذه العمارة سنة تسعين للهجرة … وظل المسجد قائمًا بها إلى سنة ست وستين ومئة، حين جاء المهدي العباسي فأمر بزيادة المسجد … وزيد في ناحيته الشمالية زيادة كبيرة أخذت لها عمارة الوليد طرازًا، واستقرت رقعة المسجد على زيادة المهدى إلى سنة ??? للهجرة؛ إذ ترك موقد المصابيح مشعلًا في مخازن المسجد فامتدت النار منه إلى ما حوله، وسرت إلى المسجد فلم تبق على خشبة واحدة، أكلت النار المنبر النبوي والأبواب والخزائن والنوافذ والمقاصير وما اشتملت عليه من كتب، وامتدت إلى كسوة الحجرة، ووقع السقف الذي كان بأعلى الحجرة على سقف بيت النبي، فوقع جميعًا في الحجرة، وعلى القبور التي بها.
كانت بلاد الدولة الإسلامية حين ذلك في قلق واضطراب … لذلك اكتفت كل منها بأن بعثت من مواد العمارة إلى المدينة ما أرضى عقيدته، وقام أهل المدينة بما يستطيعون من عمارة المسجد … لكن أحداث الاضطراب في رقعة المملكة، كانت تقف العمل وتجعله إذا سار يسير في غير خطة مرسومة، فلما تولى الظاهر بييرس أمر مصر بعد ست سنوات من الحريق، جهز الصناع وكل ما يحتاج إليه البناء وبعث بذلك كله إلى المدينة، وسار العمل في البناء حتى تم وقام المسجد كما كان قبل الحريق.
لم يطرأ على عمارة المسجد بعد ذلك إلى سنة ست وثمانين وثمان مئة تغيير جوهري، وكل ما حدث أن جُدد سقفه أو زيد فيه طمعًا من بعض أمراء البلاد الإسلامية، وأمراء مصر بنوع خاص، في المثوبة، أما في سنة ست وثمانين وثمان مئة، فقد انقضت صاعقة على مئذنة المسجد الرئيسية … فانتقلت النار من المئذنة إلى سقف المسجد، ثم إلى البناء كله حتى احترقت المقصورة والمنبر والكتب والمصاحف، ولم يسلم من الحريق إلا الحجرة وقبة مبنية بصحن المسجد.
قايتباي يُعيد بناء المسجد

كان التطور الذي حدث في عمارة المسجد بعد انقضاض الصاعقة عليه أكثر وضوحًا، لقد رأيت كيف انتقل من بساطته الأولى إلى هذه العمارة الفنية البديعة التي ابتغى بها الملوك والأمراء مثوبة الله، أما بعد حريق الصاعقة، فقد وجد أمير مصر الملك الأشرف قايتباي من أعادوا بناء المسجد على صورة بلغت غاية التألق، واقتضت من النفقة ستين ألفًا ذهبًا من الجنيهات.
كانت مصر هي التي تقوم بعمارة المسجد النبوي — أو بالحظ الأكبر منها في تلك العهود — فلما آلت الخلافة لآل عثمان بالآستانة، وجه سلاطين آل عثمان إلى المسجد عناية فائقة … ففي القرن العاشر الهجري عمره السلطان سليم الثاني، وشيد به محرابًا جميلًا لا يزال قائمًا إلى اليوم غرب المنبر النبوي، وفي القرن الثالث عشر بنى السلطان محمود القبة الخضراء.
وفي عهد السلطان عبد الحميد، في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، لوحظ أن المسجد بحجاجة إلى العمارة بعد أن انقضى على عمارته أربعة قرون لم تحدث به أثناءها عمارة هامة، وقد كان المهندسون يهدمون جزءًا من المسجد، ويقيمون مكانه ما يحل محله، ثم يهدمون بعده جزءًا غيره، حتى تمت عمارة المسجد كله فيما بين سنة ????، وسنة ????، وقد زيد في الجدار الشمالي ما كفى لبناء مخازن ومكاتب وأحواض الوضوء، وشُيِّدت المئذنة المجيدية على طراز بالغ غاية الروعة والإبداع، وبلغت نفقات هذه العمارة ثلاثة أرباع المليون من الجنيهات المجيدية.
خطوط رائعة

وقد سجلت هذه العمارة من آثار الفن الإسلامي في بناء المسجد ما لا يزال حتى اليوم بهجة الأنظار، كُتبت على جدران المسجد سورة الفتح، وأسماء الله الحسنى وقصيدة البردية وأسماء النبي عليه السلام بخط بلغ غاية الروعة والدقة الفنية، والخط العربي هو الذي حل محل التصوير والنقش بعد أن حارب الإسلام التماثيل والصور، وقد قضى الخطاط العظيم عبد الله بك زهدي عشر سنوات في كتابة ما كُتب على جدران المسجد من هذه الآيات الرائعة في عالم الفن.
هذه العمارة هي القائمة إلى اليوم، لم تزد عليها إلا بعض ترميمات في مِحرابين وفي أرضه وفي عمده.
الروضة النبوية

على أن ما أشرت إليه من أمر المسجد لم يتناول القسمين الهامين فيه، أقصد القبر النبوي والروضة النبوية، والروضة هي الجزء الواقع من المسجد بين قبر رسول الله ? ومنبره، وذلك لما روي عنه عليه السلام أنه قال: «بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة». والروضة تمتد اليوم إلى ما بعد منبر النبي ?، ويُطلق اسمها على كل القسم الذي به عمد مسجد النبي، وقد نُقشت عمد الروضة بالأزهار، وقام على جانب منبر النبي ? محرابان آية في الدقة والجمال، وفُرشت أرض الروضة بأثمن السجاجيد.
وتعتبر الروضة النبوية من أكثر الأماكن الإسلامية تقديسًا … فكل من أم المسجد بدأ بزيارة القبر النبوي، ثم ذهب إلى الروضة يُصلي فيها تحية المسجد، ويبقى إلى الفرض الذي يلي حضوره … وقد يبقى بها إلى أكثر من فرض، وهو يجد فيها المصاحف ودلائل الخيرات موضوعة على كراسيها، يقرأ فيها من شاء تبركًا ومثوبة.
فأما القبر النبوي والحجرة النبوية، فموضع الإجلال والتقديس يؤمها الزائر لأول ما يدخل المدينة كما يؤم الكعبة لأول ما يدخل مكة … ويتلو عندهما من الدعوات ما شاء الله أن يتلو، ويُصلي في الروضة على مقربة منهما ما شاء الله أن يُصلي، وجمال الحجرة والقبر في داخلهما يأخذ بالنظر، لكنهما يثيران في النفس من العبرة ما يزيدها للنبي العربي أجلالًا وتقديسًا.
لقد كانت هذه الحجرة آية في البساطة يوم دُفن فيها رسول الله ?،كانت قبرًا سوي على صاحبه عليه السلام، وظلت حجرة القبر على بساطتها إلى أن أمر الوليد بن عبد الملك بضمها، وضم بيوت أمهات المؤمنين إلى المسجد … عند ذلك، قام عمر بن عبد العزيز الحجرة فخمة لا تمت إلى بساطتها الأولى بأية صلة، ولقد أنكر أولو الورع من المسلمين ما حدث من ذلك وعدّوه بدعة، ورأوا فيه خروجًا على الأسوة الحسنة …
لكن ذلك لم يغير شيئًا من اتجاه المسلمين بعد إلى الناحية التي اتجه إليها الوليد بن عبد الملك … فقد تجدد بناء الحجرة بعد ذلك غير مرة، وفي كل مرة كانت عمارتها تزداد فخامة عن المرة التي سبقتها … ثم إن الحجرة كسيت كسوة مطرزة أجمل طراز … ثم جُعلت الهدايا تُهدى إليها، وفي مقدمتها قناديل الذهب والفضة، وقد بلغ وزن قناديل الذهب في وقت من الأوقات تسعة قناطير، كذلك أهديت للحجرة هدايا من الأحجار النفيسة، كان بينها حجر من الماس أُطلق عليه اسم الكوكب الدري، قُدِّرت قيمته بثمان مئة ألف جنيه ذهبًا، وعُلق تحت هذا الكوكب الدري كف من الذهب مرصع بالجوهر في وسطه حجر من الماس أصغر من الكوكب الدري … هذا إلى نفائس كثيرة لا تُقدر بثمن.
لم يبق لهذه النفائس اليوم أثر بالحجرة؛ لأن تقلب الأحوال والنظم السياسية على الحجاز في هذا القرن العشرين أدى إلى نقلها إلى حيث توجد اليوم.
القبر النبوي، والروضة، والمسجد النبوي، هذه هي المجموعة المقدسة التي تلي في نظر المسلمين الكعبة بيت الله الحرام، وهي لا ريب مجموعة لا نظير لها بين الآثار الإسلامية في قيمتها التاريخية وفي قيمتها الفنية.
(?) المسجد الأقصى

تناولت الفصول السابقة إلمامات سريعة عن الأماكن المقدسة بالحجاز … وننتقل الآن إلى فلسطين، لنتحدث عن أماكنها المقدسة … وأولها المسجد الأقصى.
والمسجد الأقصى من الأماكن المقدسة عند المسلمين … لكنه يرجع في تاريخه إلى عهد قديم سبق الإسلام والمسيحية واليهودية جميعًا، وهو في سبقه الأديان الثلاثة، يُشبه الكعبة وأن لم يكن له قِدمها، والمسجد الأقصى يقوم على الصخرة التي كان يقوم عليها هيكل سليمان، وقد رُوي عن رسول الله ? أنه قال: «إن الله أوحى إلى داود، أن ابنِ لي بيتًا أُذكر فيه». فخط داود خطة بيت المقدس، فإذا تربيعها بدار رجل من بني إسرائيل … فسأله داود أن يبيعه إياها فأبى، فحدث داود نفسه أن يأخذها، فأوحى إليه الله أن يا داود، أمرتك أن تبني لي بيتا أُذكر فيه، فأردت أن تُدخل في بيتي الغصب، وليس من شأني الغصب، إن عقوبتك ألا تبنيه قال: يا رب، فمن؟ … ولدي، قال: ولدك … وبناه سليمان بن داود.
وتذهب بعض الروايات إلى أن داود أقام بيتًا صغيرًا للعبادة، وأن سليمان هو الذي أقام الهيكل من بعده، وفي رواية أخرى، أن البيت الذي أقيم على الصخرة المقدسة يرجع في تاريخه إلى ما قبل داود … ولعله نُسب إلى الملائكة، أو إلى آدم كما نُسب بناء الكعبة.
وبنى سليمان الهيكل على الصخرة المقدسة التي اختارها أبوه بوحي من ربه … بناء فخمًا على طراز هياكل المصريين القدماء، فجعل له بابًا رفيع العمد، وجعل له من وراء الباب بهوًا فسيحًا تقوم فيه العمد، ثم جعل من وراء البهو قدسًا للأقداس، وكما اتخذ طراز المصريين في نظام البناء، اتخذ طرازهم في جلاله وفخامته وعظمته، ولم يكن عجبًا أن يبني سليمان على الطراز المصري الفرعوني، وكثيرًا ما كانت مصر تغير على فلسطين وتخضعها لحكمها … هذا إلى أن البلاد المشاطئة للجانب الشرقي من البحر الأبيض المتوسط — مصر وفلسطين وفينيقيا واليونان — كانت دائمة الاتصال في شئونها التجارية والفنية والثقافية.
احتراق الهيكل

كانت مصر حاكمة فلسطين قبل داود وسليمان، وقد استقلت فلسطين عن مصر في عهدهما، ثم عادت بعد وفاة سليمان إلى مصر في عهد الفرعون شيشاك، وحكمت فارس فلسطين بعد ذلك، فاحترق بيت المقدس واحترق الهيكل أثناء حكمها، ثم أقام حاكم الأقليم بيت المقدس بأمر كسرى، ثم أقام الهيكل من غير أن يجعله في مثل جلاله وعظمته يوم أتم سليمان تشييده.
كان حريق الهيكل في سنة ??? قبل الميلاد … وقد أعيد بناؤه في سنة ??? قبل الميلاد، وأهديت إليه حاملات الشمع والمباخر المصنوعة من الذهب، فعوضته بعض الشيء عما أصابه بعد بانيه الأول.
استقر اليهود بفلسطين بعد موسى، واتخذوا من هيكل سليمان معبدهم والمكان المقدس لشعائرهم … وإذا كانت فلسطين معرضة لغزو مصر وغزو فارس وغزو الروم، فقد حصنوه أكمل تحصين، وقووا عمارته وأكثروا من النفائس المهداة له، بذلك أصبح قلعة ومعبدًا في آن واحد، وقد حاصر الإمبراطور الروماني بومبي بيت المقدس في سنة ?? قبل الميلاد فصمدت له، وكان حصن الهيكل المقدس من الحصون المنيعة التي قاومته … صحيح أنه انتهى إلى إخضاعها، لكن مقاومتها كانت ذات خطر حين الحصار من ناحية، ومهدت للثورة بالحكم الروماني بعد ذلك بقليل من ناحية أخرى.
هيرودس الفلسطيني

على الرغم من هذه الثورة تمكن هيردوس الفلسطيني من أن يكون عامل روما على فلسطين، وأن يخضعها لحكم الإمبراطورية، وقد استطاع بمهارته أن يحمل اليهود من رعاياه على إقراره على هدم الهيكل وإعادة بنائه، وقد هدمه وأعاد بناءه على صورة من الفخامة ضاعفت مساحة بعض الأجزاء فيه، ورفعت البعض إلى ضعف ارتفاعها السابق، وخلعت عليه بهاء أعاد له بهاءه حين بناه سليمان أن لم يزد عليه، كما جعل به من النفائس أكثر مما كان فيه من قبل.
ظل هيكل سليمان المكان المقدس لليهود بفلسطين إلى أن استقرت المسيحية بها وحاربت اليهودية فيها، وقد جنى ذلك على الهيكل حتى كاد يصبح أطلالًا، فلما غزا العرب سوريا ومصر أحالوا الهيكل مسجدًا هو المسجد الأقصى … على أن اسم المسجد الأقصى قد أُطلق عليه في الإسلام قبل غزو العرب بلاد الشام، وقبل دخولهم فلسطين أُطلق عليه في القرآن لمناسبة حديث الإسراء في قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ والمسجد الحرام هو مكة … والمسجد الأقصى هو الهيكل ببيت المقدس … وورود هذه التسمية في القرآن، تشهد بأن لفظ المسجد كان مستعملًا عند العرب لكل مكان للسجود والعبادة، وأنه لم يكن مقصورًا — كما هو اليوم — على أماكن العبادة الإسلامية.
فالمسجد الحرام لم يكن يزيد — يوم نزلت هذه الآية — على الكعبة ومطافها، وهذا المسجد لم يكن يؤمئذ إسلاميًّا كما هو اليوم، بل كان للعرب جميعًا على اختلاف نحلهم، وكانت أصنام العرب قائمة فيها، والمسجد الأقصى لم يكن قد اتصل بالإسلام والمسلمين في شيء إلا في حديث الإسراء.
الإسراء والمسجد الأقصي

والإسراء هو الذي جعل المسلمين يتطلعون بعد أن فتحوا الشام ووضعوا أيديهم على بيت المقدس، إلى المسجد الأقصى لجعله من أماكنهم المقدسة … فأكثر الروايات التي وردت عن الإسراء تذهب إلى أن رسول الله ? قيد البراق بالصخرة المقدسة حين بلغ به الإسراء إلى بيت المقدس، وأنه صلى على أطلال هيكل سليمان إمامًا لإبراهيم وموسي وعيسى، وأنه عرج إلى السماء بعد ذلك متخذًا من صخرة يعقوب مرتكزًا للمعراج، فلما بلغ سدرة المنتهى وأتم الله آيته، عاد رسوله إلى بيت المقدس فامتطى البراق كرة أخرى إلى مكة.
لا جرم، وذلك شأن المسجد الأقصى، أن يتطلع المسلمون إليه على أنه من أماكنهم المقدسة، فإذا أضفت إلى ذلك أن المسجد الأقصى كان قبلة المسلمين، يتوجهون إليه في صلواتهم منذ بعث رسول الله ?، وطيلة مقامه بمكة، وفي السنتين الأولى والثانية بعد هجرته إلى المدينة إلى أن حولت قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام … إذا أضفت هذا الاعتبار إلى الإسراء لم يكن عجبًا أن ترى المسلمين يتخذونه مكانًا مقدسًا لهم، ويقيمون فيه حرمًا كالحرم المكي وكالحرم المدني، وأن يكون له عندهم من القداسة ما لا يزال يقتضيهم عناية به كعنايتهم بالبيت الحرام والمسجد النبوي من حيث العمارة والصيانة والرعاية.
الاهتمام بالمسجد

على أن المسلمين لم يعيروا المسجد الأقصى عنايتهم في عهدهم الأول … وما كان لهم أن يفعلوا، وهم لم يفتحوا بيت المقدس إلا في عهد عمر بن الخطاب، وما كان عمر ليفكر في عمارة المسجد الأقصى، أو في إقامة القبة على الصخرة المقدسة في أعقاب الفتح، بينما المسلمون في شغل بمحاربة الروم وفارس … بل لقد كان تفكير عمر متجهًا حين فتح بيت المقدس إلى إقناع أهلها حتى يستريحوا إلى حكم المسلمين، ويرونه خيرًا من حكم الروم.
لما تغلب عمرو بن العاص على القائد الروماني أرطبون في فلسطين، وكان على أبوب بيت المقدس، أعلن بطركها صفرنيوس أنه يُريد التسليم والصلح شريطة أن يجيء الخليفة عمر بنفسه إلى المدينة المقدسة، وسار عمر من المدينة إلى ميدان الحرب لعقد هذا الصلح وإبرام شروطه، وفتحت بيت المقدس أبوابها أمامه بعد توقيع الصلح، وصحب صفرنيوس عمر يومًا خلال المدينة يُريه آثارها ومواضع الحج فيها … وإذ أدرك عمر موعد الصلاة، وهو بكنيسة القيامة، طلب البطرك إليه أن يُصلي بها، فهي من مساجد الله … لكن عمر اعتذر بأنه إن يفعل اتبعه المسلمون، واعتبروا عمله سنة مستحبة … فأدى ذلك إلى إخراج المسيحيين من كنيستهم، ثم صلي في مكان قريب من الصخرة المقدسة على أطلال الهيكل، وفي هذا المكان أقيم من بعد مسجد عمر، وهو الذي أطلق عليه اسم المسجد الأقصى … أقامه عمر من ساذج البناء، كمسجد النبي بالمدينة يوم أقيم.
وظلت الدولة الإسلامية من بعد، في شغل بحروبها طيلة عهد عمر وعثمان، ثم شُغلت بالخلاف ما بين علي ومعاوية … لذلك لم يفكر أحد في عمارة مسجد عمر ببيت المقدس عمارة تضارع بيوت العبادة في بلاد الشام، وظل الحال على ذلك إلى أن تولى عبد الملك بن مروان الأموي الحكم.
كانت الثورة على الأمويين لا تزال مشبوبة في الحجاز، وعلى رأسها عبد الله بن الزبير بمكة … وكان هؤلاء الثائرون موضع عطف الكثيرين من العرب والمسلمين؛ لأنهم كانوا ينتمون إلى أهل بيت رسول الله … ثم إنهم كانوا سدنة البيت الحرام بمكة، والقائمين على شئون مسجد النبي عليه السلام بالمدينة، فكان حج المسلمين واختلاطهم بهم يزيدهم عطفًا عليهم.
قبة الصخرة

أشرنا إلى أن عبد الملك بن مروان، كان قد شُغف بالعمارة البيزنطية لمقامه بدمشق بين كنائس النصاري وآثارهم، وأنه لذلك كان أول من قام بعمارة البيت الحرام بمكة على نحو زواج بين البساطة وما يطمئن له فن العمارة … وإعادته بناء البيت الحرام لم يكن أول عمل له في العمارة … فقد قام قبل ذلك بتشييد مساجد بالشام فيها جمال فني يأخذ بالقلوب والأبصار، على أن أروع آياته في البناء وأشدها أخذًا بالنظر كان في عمارة قبة الصخرة وبناء المسجد الأقصى … قد شاد القبة على نحو بز ما قام به من بعد في عمارة البيت الحرام، بل لعله قد بز ما بناه من المساجد والعمائر.
وقد دُهش الناس لفائق عنايته ببناء قبة الصخرة، وترامت أنباء ذلك إلى مختلف الأمصار الإسلامية، وتساءل كثيرون ما قصده من هذه المبالغة في عمارة القبة؟ … وزاد في تساؤلهم أن عبد الملك حظر الحج على المصريين وأهل الشام بحجة الثورة القائمة بالحجاز، عند ذلك أذاع عبد الله بن الزبير في الناس أن عبد الملك قصد من بناء القبة والمسجد الأقصى إلى صرف الناس عن حج البيت الحرام والمسجد الحرام إلى حج المسجد الأقصى والصخرة المقدسة؛ متأسيا في ذلك بأبرهة حين بنى بيت صنعاء؛ ليصرف الناس عن بيت مكة، ويتعذر القطع بصحة ما أذاعه ابن الزبير من هذه الدعاية، وبخاصة لأن ابن الزبير مات بعد ذلك بقليل … وعلى أثر موته استولى عبد الملك على مكة، وقام بعمارة المسجد الحرام على نحو أرضى به ذوقه الفني، كما أنسى المسلمين تلك الدعاية التي أذاعها ثائر الحجاز ضده.
وأرصد عبد الملك لبناء القبة مالًا كثيرًا، قيل: إنه خراج مصر سبع سنين، وجمع الصناع من الفينيقيين، واستعان بصناعة بيزنطية، وبعد أن وضعوا تصميمًا لبناء القبة رضي عبد الملك عنه، تولى رجاله تنفيذ ذلك التصميم وأتموه على خير وجه، ومع ذلك بقي من المال الذي خُصص لهذا الغرض مئة ألف دينار أنفقت في عهد الوليد بن عبد الملك لإتمام بناء المسجد الأقصي، ولتقوية أجزاء وهنت منه.
ولم تكن عناية عبد الملك بعمارة المسجد الأقصى دون عنايته بعمارة قبة الصخرة، فقد جلب له عمد الرخام … أقام عليها خمس عشرة قبة، وسَقَّفَه بالخشب الجميل المتين، وجعل به أربعة منابر، وأربعة وعشرين صهريجًا، وجعل له أبوابًا كثيرة، وعلق فيه قناديل، بالغ الرواة في عددها حتى بلغ بها بعضهم خمسة آلاف، ورتب له ثلاث مئة خادم.
ظل المسجد، وظلت القبة بعد ذلك أربعة قرون في يد المسلمين محاطة من آي الإجلال والإعظام بما أحيط به البيت الحرام والمسجد الحرام، حتى لم يكن يباح لغير مسلم أن يطأ أرضهما، فلما كانت أواخر القرن الخامس الهجري دخل الصليبيون الشام وتقدموا إلى فلسطين، ووضعوا يدهم على بيت المقدس في سنة ??? هجرية، وقد أقاموا ببيت المقدس قرابة قرن كامل حتى أجلاهم صلاح الدين الأيوبي عنه في سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة … بذلك عادت إلى المسجد وإلى القبة قدسيتهما الأولى، وعاد حرامًا على غير مسلم أن يدخلهما أو يطأ أرضهما.
على أن الحروب الصليبية ظلت متداولة بعد ذلك بين المسيحيين من أهل أوروبا والمسلمين القائمين حول البحر الأبيض المتوسط، وقد استولى الصليبيون أثناءها على القدس غير مرة ثم أجلوا عنها … واضطربت شئون المملكة الإسلامية بعد ذلك بسبب تعدد الدول واقتتال الملوك والأمراء، إلى أن آل الأمر إلى آل عثمان، ولم يغير ما حل بالمملكة الإسلامية من الاضطراب من حرمة بيت المقدس على غير المسلمين، ومن حرمة المسجد والقبة بنوع خاص، فلم يبح لغير مسلم أن يدخلهما أو يطأ أرضهما إلا بعد حرب القرم في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ولم يبح ذلك إلا بمقدار وفي حدود ضيقة.
ولا يزال المسجد الأقصى ولا تزال القبة، ولهما من القداسة عند المسلمين ما كان لهما من قبل على رغم تبدل الأحوال السياسية، وقدسيتهما هي التي تجعل الأمم الإسلامية وتجعل ملوك المسلمين يحرصون على عمارتهما الحين بعد الحين، وكيف لا يذكر المسلمون المسجد الأقصى وهم يذكرون قوله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ … إنهم سيذكرونه ويذكرون ما حوله مما بارك الله، وسيبقى هذا المسجد لذلك حرمًا مقدسًا ما بقي الإسلام وما بقي المسلمون.

الأماكن المسيحية المقدسة


(?) كنيسة المهد

تناولت الفصول السابقة عن الأماكن المقدسة بالشرق الأوسط إلمامات عن بيت الله الحرام، وعن المسجد الحرام بمكة، وعن المسجد النبوي بالمدينة، وعن المسجد الأقصى ببيت المقدس … وهذه الأماكن المقدسة إسلامية كلها، فلننتقل بالحديث الآن إلى الأماكن المسيحية المقدسة بفلسطين، وسنكتفي بأن نتناول مكانين اثنين منها: كنيسة المهد ببيت لحم، وكنيسة القيامة ببيت المقدس.
كان في وسعنا أن نتحدث عن أماكن أخرى بفلسطين لها قدسيتها عند المسيحيين … لكننا قصرنا حديثنا حتى الآن على الأماكن المقدسة التي لقيت على تعاقب الأجيال من العناية بعمارتها ما رأيت، ولم يلق أثر مسيحي من هذه العناية بفلسطين ما لقيت كنيسة المهد، وكنيسة القيامة.
ولا عجب أن تلقيا كل هذه العناية، وإحداهما تقوم ذكرًا لمولد عيسى، والأخرى تقوم ذكرًا لدفنه قبل الصعود …
ومولد عيسى وقصة صلبه ودفنه وصعوده معجزتان على التاريخ، من أروع ما قص التاريخ.
مولد عيسى

فمولد عيسى معجزة في الإسلام، كما أنه معجزة في المسيحية … فقد نفخ الله من روحه في مريم، فحملت فولدت عيسى … فكان ذلك آية من آيات الله، وفي ذلك يقول تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـ?نِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى? يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَ?لِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ? وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ? وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا.
والرواية المسيحية، تجري بأن مريم وضعت عيسى … لما أحست قر الشتاء عقب وضعه، حملته إلى مزود قريب منها كانت الأبقار تأكل فيه، أرادت بذلك أن يبعث إليه تنفس الأبقار من الدفء ما يقيه قارس البرد في ذلك الفصل القرير، أما رواية القرآن لمولد عيسى فهي: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى? جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـ?ذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا، ترى هل حملت مريم طفلها بعد ذلك إلى مزود الأبقار؛ لينال ما ابتغت له من الدفء؟ ذلك ما لا محل الآن للكلام فيه.
هيرودس يقتل الأطفال

ذكروا أن هيرودس، حاكم فلسطين من قبل روما في ذلك العهد، رأى في منامه رؤيا أفزعته … فطلب إلى أهل العلم بالأحلام أن يفسروا له ما رأى، فذكروا له أن من بين الأطفال الذين وُلدوا في الأعوام الخمسة الأخيرة طفلًا، سيكون له شأن يقض مضجع الإمبراطورية ويسوء أثره فيها، ورأى هيرودس أن الخير في قتل الأطفال الذين وُلدوا في هذه الفترة جميعًا، وقتلهم ودفنهم في مغارة ببيت لحم، وكان عيسى قد وُلد في هذه الفترة، ففرت به مريم إلى غار أقامت به حتى فرغ هيرودس من ارتكاب جريمته، وقتل من قتل من الأطفال … ثم إنها تحملت بابنها ممتطية حمارًا وسارت به ومعها يوسف النجار حتى بلغت مصر، وهناك أقامت ثلاث سنوات في رواية، واثنتي عشرة سنة في رواية أخرى، ثم عادوا بعد ذلك إلى مسقط رأسه، ومقر آبائها وأهلها بفلسطين.
أين ولد عيسى؟

أين ولد عيسى؟ … المقرر أنه ولد ببيت لحم، على مقربة من بيت المقدس، وسترى خلال هذا الحديث تحديد المكان الذي وُلد فيه … ولكن قومًا يذهبون إلى أنه وُلد بالناصرة، ويستدلون على ذلك بنسبته إليها، أليس هو عيسى الناصري؟ … لكن أصحاب الرأي المقرر لا يترددون في القول بأن تسميته عيسى الناصري لا ترجع إلى مولده بالناصرة، وإنما ترجع إلى مقامه بها، وقيامه بتعاليمه فيها وإلى ما نُسب إليه من المعجزات في بحيرة طبرية التي تقع الناصرة عليها.
ولسنا نأخذ بنصيب في هذا الجدال الذي ثار حول مولد عيسى، كما ثار حول مولد الأنبياء والعظماء في مختلف العصور … وغاية ما نذكره، أن المدة التي انقضت بين مولد المسيح عليه السلام وبين إقامة الهيكل الذي شاده الإمبراطور قسطنطين؛ تذكارًا لهذا المولد … هذه المدة تزيد عن ثلاث مئة سنة.
هيكل قسطنطين

والهيكل الذي شاده قسطنطين، هو النواة التي شيدت حولها كنيسة المهد على ما نراها اليوم، وكنيسة المهد هي الأثر الذي يذكر مولد السيد المسيح كما تقدم، وعلى مقربة منها تقوم مغارة أُطلق عليها اسم مغارة الحليب … يذكرون أنها هي التي أوت إليها مريم، وأقامت بها مه ابنها … بينما كان هيرودس يقتل الأطفال الذين وُلدوا في الفترة التي وُلد فيها المسيح، وهذه المغارة جديرة بأن تقف بالقارئ وقفة قصيرة عندها، بعد أن نتم حديثنا عن كنيسة المهد.
قدمنا أن هذه الكنيسة، أُنشئت حول الهيكل الذي أقامه الإمبراطور قسطنطين، بعد ثلاثة قرون من مولد السيد المسيح … ذكرًا لهذا المولد، ولم يكن الموضع الذي أُقيمت به خلاء يوم أقام قسطنطين الهيكل، بل كان به معبد لأدونيس الذي أقيم في عهد الإمبراطور هادريان، فأمر به قسطنطين فهُدم، وقام الهيكل المسيحي مكانه، وسنرى حين الكلام عن كنيسة القيامة التي أقامها قسطنطين كذلك، أنها قامت على أطلال معبد أقامه هادريان ببيت المقدس لعبادة الزهرة … أمصادفة هذه؟ … أم هي دليل على أن هادريان كان يتعقب آثار المسيحية، ويقيم فيها المعابد الوثنية، ليعفي على الدين الجديد قبل أن يستفحل أمره؟!
كان الهيكل الذي أقامه قسطنطين جميلًا، ولكنه لم يكن فسيح الجنبات … فلما آل أمر الإمبراطورية إلى جوستنيان، أقام مكان الهيكل معبدًا أفسح رقعة وأكثر بهاء، ولما تشعبت المسيحية إلى شعبها المختلفة، بدأت كل شعبة تبني في هذا المكان المقدس، وحول الكنيسة الأولى ما طاب لها البناء، ومباني طوائف الروم واللاتين والسريان، ما تزال قائمة إلى اليوم، وما يزال لاختلاف هذه الطوائف أثره في شعائر كنيسة المهد.
مغارات الكنيسة

وكنيسة المهد اليوم، فسيحة الجنيات مترامية الأطراف … وأفنيتها تقوم فوق مغارات كثيرة … يروي لك الموكلون بها شيئًا كثيرًا من القصص المنسوب لها، فواحدة من هذه المغارات يُطلق عليها اسم مغارة الأطفال، وتذكر قصتها أنها المغارة التي دفن هيرودس فيها من أمر بقتلهم من الأطفال تفسيرًا للحلم الذي أسلفنا أنه رآه، ومغارة أخرى بها صورة زيتية لقديس قيل: إنه القديس جيروم الذي قضى بهذه المغارة ثلاثًا وعشرين سنة يترجم الإنجيل، وبين هاتين المغارتين وحولهما، مغارات أخرى زينت كل واحدة منها بصورة زيتية تمثل المشهد الذي تُخلد المغارة ذكره.
تقع مغارة المهد على مقربة من مغارة الأطفال … ومغارة المهد قبو ضيق، يهبط إليه الإنسان على درج نقر في الصخر، وهذا الدرج يصل بين المغارة وبين مذبح كنيسة المهد وهيكلها، وقد نقرت في الصخر، إلى جانب هذا القبو، فجوة ترتفع إلى قامة الإنسان، وضعت فيها صورة العذراء … وثبتت في مكان منها نجمة من الفضة تحدد المكان الذي قررت الطوائف المسيحية أنه مكان مولد المسيح، وهو لذلك مكان مبارك عند الطوائف كلها، وكثيرًا ما كانت بركته سبب منازعات دامية يبن الطوائف المختلفة؛ ابتغاء الاستئثار بهذه البركة.
المزود

يقابل نجمة الميلاد، حوض من الحجر موضوع في الأرض يذكرون أنه المزود الذي كانت الأبقار تأكل فيه، حين وضعت مريم طفلها ثم نقلته إلى المزود اتقاء البرد القارس، ولا أظن أحدًا يذهب إلى أن هذا الحوض من الحجر، هو المزود الذي وُضع المسيح فيه بالفعل، فقد رأيت أن أول صورة لكنيسة المهد، لم تُوجد إلا بعد ثلاثة قرون من وفاة السيد المسيح، وأن معبدًا أقامة أدونيس كان موجودًا في هذا المكان، قبل بناء الكنيسة المسيحية لأول مرة.
وهذا الحوض من الحجر الذي يمثل المزود، ينحدر دون نجمة الميلاد قرابة مترين، ويبعد عنها نحو ثلاثة أمتار، أفيكون هذا لأن مريم كانت فوق أكمة ساعة الوضع، وأن الأبقار ومزودها كانت في سفح هذه الأكمة، أم أن مريم كانت في مغارة هي محرابها الذي أشار إليه القرآن، وأن الأبقار كانت في بطن من الجبل دون المغارة؟ … هنا يجب أن أقول الله أعلم.
فجوتان عجيبتان

ليست كثرة المغارات في هذا الموضع مثارًا لعجب … فهو جبل منبسط السطح، يرتفع ثمان مئة متر فوق سطح البحر، ويقوم بيت لحم على سطحه … ولعل مغاراته الكثيرة تفسر لنا أمرًا يحار الإنسان أول الأمر في تفسيره، فأنت إذ تدخل من باب الكنيسة إلى البهو الذي يفصل بين الباب ومذبح الكنيسة وهيكلها … ترى في أرض البهو بابين يستوقفان نظرك، فإذا فتح أي من هذين البابين، ألفيته يغطي فجوة أشبه شيء بالمغارة أو الجب فإذا أضيئت هذه الفجوات، رأيت أرضها من الفسيفساء المنقوشة نقشًا بديعًا يمثل الفاكهة والنبات والطير وما إليها.
وقد كشف هاتين الفجوتين — منذ أمد غير بعيد — مهندس فرنسي كان يقوم بترميم بعض الأجزاء في أعلي الكنيسة، ويظهر أنه كان قد وقع في قراءاته على ما هداه إلى أن هذه الكنيسة تقوم فوق آثار كنيسة سبقتها، كما هداه إلى أن هذه الكنيسة تقوم فوق آثار كنيسة سبقتها، كما هداه إلى موضع هذه الفسيفساء، وقد حفر في هذين المكانين اللذين تقوم الأبواب فوقهما فصدق ظنه، ولم يحفر في غيرهما؛ لأن قراءاته دلته على أن ليس في غيرهما ما يهدى الحفر إليه.
قلت: إن الفجوتين تقعان في البهو، بين باب الكنيسة ومذبحها وهيكلها، والمذبح والمعبد لكنيسة المهد آية في الإبداع والروعة الفنية، فضلًا عن قيمتهما لما يحتويان عليه من تماثيل وآنية من الذهب أهداها المؤمنون الذين بسط الله لهم في الرزق؛ طلبًا للمثوبة، وابتغاء المزيد من سعة الرزق.
باب الكنيسة

أما باب هذه الكنيسة، فأمره عجب … لقد ألف الناس في أبواب الكنائس بهاء وعظمة وجلالًا، وألفوا فيها دقة في الفن توازي سائر أجزاء الكنيسة أو تزيد عليها، وكنيسة المهد من أفخم الكنائس وأفسحها رقعة وأكثرها مهابة … أما بابها فأعجوبة من الأعاجيب … فهذا الباب أدنى لأن يكون فجوة ضيقة، لا يمكن أن تكون بابًا لمعبد من المعابد بالغًا ما بلغ صغره، وأنت حين ترى هذا الباب، لا يذهب بك الظن إلى أنه أكثر من مدخل لصومعة راهب من الرهبان فيه الرواقية والتقشف، وكيف يزيد على ذلك، وهو دون قامة الإنسان ارتفاعًا، ولا يمكن لأكثر من رجل واحد أن يدخل منه حانيًا رأسه؟!
وإنما دعا لبناء الباب بهذا الضيق، ما ذكرنا من أن طوائف الروم واللاتين والسريان، قد اشتركت على الأجيال في بناء هذه الكنيسة والمنازل المحيطة بها، وأن بين هذه الطوائف من الخلاف ما تُخشى مغبته إذا ثار … فلكل طائفة من هذه الطوائف حقوق في الكنيسة، إذا اعتدت طائفة أخرى عليها كانت الثورة الدامية، لذلك تحرص الحكومة على ألا تدع لأسباب الخلاف أن تثور، وعلى ألا يدخل الكنيسة إلا من تريده أن يدخل.
صورتان من الخلاف الطائفي

ولتتبين لك صورة من هذا الخلاف، أعود بك إلى ذكر نجمة الميلاد … فهذه النجمة كثيرًا ما كانت تنزع من مكانها حين كانت تتقرب طائفة بنجمة أخرى مصنوعة من الذهب أو مرصعة بالماس، وعند ذلك كانت الطوائف تختلف على ملكية النجمة … لذا وضعت السلطات هذه النجمة من الفضة؛ حتى لا تدعي طائفة ملكيتها.
وصورة أخرى لخلاف الطوائف، بساط ممدود إلى جانب أول عماد من عمد الكنيسة، قائم إلى يسارك بعد دخولك من بابها الضيق … هذا البساط لا يستطيع أحد تقديمه أو تأخيره عن المكان الذي هو به، أو تلتحم الطوائف التحامًا داميًا … فلكل طائفة موضع من البساط أو حوله، إن تقدمت أو تأخرت عنه مست حقًّا لطائفة أخرى، وتنظيف البساط وكنس ما حوله مقررة فيه حقوق الطوائف، كالبساط نفسه … فلا يجوز لطائفة أن تكنس التراب من موضع ليس لها، أو تتهم بأنها تسعى إلى حق تغصبه غيرها، وتحافظ الحكومات على حقوق الطوائف محافظة دقيقة؛ مخافة ما يجره التفريط فيها أو الاعتداء عليها من نتائج وخيمة العاقبة.
مغارة الحليب

تقع مغارة الحليب قريبة من كنيسة المهد … وهي أكثر سعة من المغارات القائمة تحت الكنيسة المذكورة، وتختلف المغارة في تنسيقها الحالي عن سائر مغارات الكنيسة، وإن تشابهت جميعًا في طبيعتها … ففي أول مغارة الحليب — بعد المدخل — تمثال صغير للعذراء والمسيح ممتطيين حمارًا يسير بهما إلى مصر، ويسير إلى جانبه رجل لعله يوسف النجار، وينحدر الإنسان إلى كنيسة صغيرة، يخال أنها منقورة في الصخر، وأن هبط إليها ضوء النهار من أعلاها، وإلي جانب الكنيسة الأيمن صورة كبيرة للعذراء … وهذه الآثار كلها تضيئها الكهرباء مختلف ألوانها، فتُلقي عليها بهاء لا مثيل له في مغارات الكنيسة الكبرى.
ليس لمغارة الحليب من القدسية ما لكنيسة المهد بطبيعة الحال … وليس في كنيسة المهد مكان أكثر قدسية من مكان المهد نفسه، وليس يزيد على كنيسة المهد في القدسية غير كنيسة القيامة ببيت المقدس.
(?) كنيسة القيامة

أشرنا إلى معجزة الله في مولد عيسى وكنيسة المهد تقوم ببيت لحم؛ ذكرًا لهذا المولد ولهذه المعجزة … أما كنيسة القيامة، فإنها تقوم؛ ذكرًا للرواية المسيحية عن صلب المسيح وصعوده إلى السماء، وقصة الصلب والصعود معجزة — هي الأخرى — جديرة بالذكر، وبأن يقام لها هذا الأثر الفخم الذي يحج إليه المسيحيون من أقطار الأرض جميعها، والذي كان مثارًا للحروب الصليبية التي امتدت على القرون.
والإسلام والمسيحية يختلفان في صلب المسيح، وإن أمكن التوفيق بينهما في قصة الصعود، وليس يرجع الخلاف على قصة الصلب إلى خلاف على مقدماتها وما سبقها، ولا إلى خلاف على واقعتها … بل يرجع إلى وقوع الصلب على شخص المسيح نفسه، أما الصعود، فقد ورد ذكره في القرآن في غير موضع … إذ يقول تعالى يخاطب المسيح: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ويقول: بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ? وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
قصة الصلب

لا يقع الخلاف في قصة الصلب على مقدماتها … فالمسيح كلمة الله ورسوله، عند المسلمين وعند المسيحيين … أرسله الله إلى قومه بفلسطين حين حكمتهم روما حكم بطش واستبداد، وحين فرقت كلمتهم، وجعلت للأغنياء وذوي المكانة سلطانًا على الفقراء وعلى الشعب يسومونه سوء العذاب، ولم يكن شعب فلسطين يومئذ قد استسلم إلى المذلة ورضي حكم الرومان … بل كانت أسباب الثورة تضطرب بها أحشاء البلاد كلها، وكان الناس هناك يؤمنون بأنهم سيتحررون من يد روما، بل سيحكمون العالم بدورهم عما قريب.
فلما قام المسيح بينهم وجعل يذيع تعاليمه فيهم، بدأت السلطات تخاف أثره، وبدأ الأغنياء وذوو المكانة ورجال الدين من اليهود يناوئونه … على أن سخطهم عليه وثورتهم به، لم يبلغا ذروتهما حتى جاء بيت المقدس، أما حين كان يُلقي تعاليمه على أتباعه متنقلًا من الناصرة إلى الجليل إلى غيرهما من البلاد، فيتناقلها الناس ويذيعون بينهم معجزاته … فقد كان البرم به محصورًا في دائرة ضيقة، فلما دخل بيت المقدس بعد أن ذاعت في الناس معجزاته وتعاليمه، خشي اليهود مغبة ما يصيبهم إذا استفحل أمره، وزينوا للحاكم من قبل روما ما جعله يعتقد أن المسيح يضلل الناس بما يزعم من إحياء الموتى وإبراء المرضى، وإعادة الصواب إلى ذي الجنة … وجيء بعيسى، وحُوكم فحُكم عليه بالموت، وكانت عقوبة الإعدام تنفذ بالصلب في مصر وروما وفلسطين، وغيرها من البلاد المجاورة لها … وصُلب عيسى، ودقت المسامير إلى يديه وساقيه، فسأل دمه … فافتدى به خطايا الخلق، فلما مات ورُفع من فوق الصليب، أودع قبرًا هو الذي تقوم كنيسة القيامة اليوم ذكرًا له، وبعد ثلاثة أيام من دفنه، عاد إلى أصحابه حيًّا، فأمرهم أن يتفرقوا في الأرض فيذيعوا في الناس تعاليمه، وتفرق الحواريون، واتبعهم من اتبعهم، وظلوا يسامون في روما وفي غير روما ألوان العذاب، حتى لان قلب العاهل الروماني قسطنطين إلى المسيحية فاعتنقها، وكان أول من أمر ببناء كنيسة المهد وكنيسة القيامة.
هذه إلمامة سريعة عن صلب المسيح، كما يُصور في الأناجيل وفي التواريخ المسيحية، أما الروايات الإسلامية، فتنفي أنه صُلب وإن لم تنف ما سبق الصلب، وهي تنفي الصلب بقوله تعالى: وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـ?كِن شُبِّهَ لَهُمْ ? وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ? مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ? وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ? وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
ويقول المؤرخون المسلمون: إن اليهود ضاقوا ذرعًا بالمسيح، فشكوه إلى الحاكم الروماني، فأمر بالقبض عليه … فلم يعثر به الباحثون عنه، وإنما عثروا برجل يشبهه … فساقوه إلى المحاكمة مربوطًا في حبل، وجعل اليهود يقولون له: «إن كنت تحيي الموتى، أفلا تخلص نفسك من هذا الحبل!» ثم يوجهون إليه ألوان الأذي والإساءة … فما صُلب ومات استوهبه يوسف النجار من الحاكم الروماني فيلاخوس، ودفنه في قبر كان يوسف أعده لنفسه.
ليس المقام هنا مقام تفصيل لصعود عيسى، أكان بجسده أم بروجه، وما وقع على ذلك من خلاف، فنحن إنما سقنا ما تقدم تمهيدًا للحديث عن كنيسة القيامة التي أقيمت؛ ذكرًا لدفن عيسى في القبر الذي رُفع منه إلى الله بعد أن توفاه.
هيكل لأدونيس

سبقنا إلى القول حين حديثنا عن كنيسة بيت لحم، أن قسطنطين بنى المعبد الأول لذكر الميلاد ببيت لحم بعد وفاة عيسى بثلاث مئة سنة، وأنه بنى هذا المعبد في المكان الذي كان يقوم فيه هيكل لأدونيس الذي بناه هادريان … ومثل ما حدث ببيت لحم لكنيسة المهدي، حدث ببيت المقدس لكنيسة القيامة، فقد بنى هادريان عدة مساجد وثنية أثناء حكمه، ومن بين هذه المعابد معبد لأفروديت أو الزهرة ببيت المقدس، وكان بناء هذا المعبد الوثني في سنة ??? ميلادية … فلما تولى قسطنطين إمبراطورية روما، واعتنق المسيحية بعد ست سنوات من إمبراطوريته، شن حروبًا عدة حالفه النصر فيها، وكان يعتقد أن الصليب سبب انتصاره لذلك عول أن يبحث عن مكان صلب المسيح، وعن مكان مولده، واهتدى الباحثون إلى أن مكان المولد كان حيث يقوم هيكل لأدونيس، وأن مكان الصلب كان حيث يقوم هيكل أفروديت، أترانا نستنتج من هذا أن هادريان عرف مكان مولد المسيح، ومكان صلبه ودفنه، فأقام فيهما هذين الهيكلين ليعفي على آثار المسيحية الناشئة، أم أن الأمر يرجع إلى محض المصادفة؟ … يقول الباحثون: إنه محال القطع في هذا الأمر برأي يستند إلى سند علمي.
مكان الصلب والدفن

قرر الإمبراطور قسطنطين أن يُقيم كنيسة حيث صُلب المسيح، ومن حيث صعد إلى السماء … فعهد بالبحث عن مكان الصلب والدفن والصعود إلى القس مكاريوس، وقرر هذا القس أن المكان الذي كُلف بالبحث عنه، يوجد تحت الهيكل الذي أقامه هادريان للزهرة، وأمر الإمبراطور فهُدم الهيكل، فوجد قبر منقور في الصخر … وعلى مقربة من هذا القبر إلى ناحية الشرق، وجدت صلبان ثلاثة لوحظ أن أحدها يشفي المرضى فلم يبق شك في أنه هو الذي صُلب عليه المسيح، وأن القبر المنحوت في الصخر هو الذي دُفن فيه بعد صلبه، وأبلغ هذا الاكتشاف إلى الإمبراطور قسطنطين، فأمر مكاريوس أن يقيم عمائر فخمة في هذا المكان المقدس.
نقف هنيهة قبل الكلام عن عمارة كنيسة القيامة من ذلك العهد، فنذكر أن كثيرين أبدوا الريبة في صحة هذا الاكتشاف الذي أعلنه مكاريوس إلى الإمبراطور، وأن كتبًا وبحوثًا نشرت للتدليل على هذا الرأي، وليس في إبداء هذا الرأي، ولا في نشر تلك البحوث عجب … وقد نشر مثلها في أمر كثير من الأماكن المقدسة في أديان مختلفة، ونشر مثلها في أمر كثيرين من العظماء، ومن يذكر التاريخ أنهم وجهوا العالم في عصرهم وجهة جديدة، فإذا ذكرنا أن مكاريوس بدأ بحثه عن مكان الصلب ومكان الصعود بعد وفاة المسيح بثلاثة قرون، وأن الحرص على تحديد هذين المكانين كالحرص على تحديد مكان مولده عليه السلام؛ كان أقوي في نفسه من الحرص على الأسانيد العلمية في البحث … ألتمسنا له ولأمثاله من العذر حسن نيتهم من ناحية، وشدة توقهم لقيام معبد يُذكِّر الناس بهذه الأحداث الجليلة في حياة العالم الروحية من الناحية الأخرى.
أبلغ مكاريوس اكتشافه إلى الإمبراطور قسطنطين، فأمره الإمبراطور أن يُقيم عمائر فخمة ذكرًا لصلب المسيح وصعوده، وشيدت يومئذ كنيستان … إحداهما فوق القبر، والأخرى حيث وجدت الصلبان الثلاثة … وكانت هذه الثانية أكبر وأفخم، وبين الكنيستين قام مرتفع قيل: إنه مرتفع الجلجئة … وسويت الأرض المحيطة بالكنيستين وأحيطت بالأبواب والعمد.
وكانت كنيسة القبر، كما بنيت في ذلك العهد، مستديرة قامت فوقها قبة جميلة، أما كنيسة الغداء أو كنيسة الصليب، فكانت مستطيلة شُيِّدت فوقها قبة هي الأخرى، وأقيم الصليب الذي قيل: إن المسيح افتدى عليه خطايا الخلق في المرتفع القائم بين الكنيستين.
تم بناء الكنيستين سنة ??? للميلاد، وظلتا قائمتين إلى سنة ???؛ إذ أصابهما الفرس بتلف جسيم، ونقلوا الصليب الأعظم إلى بلادهم، وذلك حين دخلوا بيت المقدس في حكم كسرى … على أن هذا الحكم لم يطل عهده، فقد انتصر هرقل على الفرس في سنة ???، فأصلح عامله على بيت المقدس ما تلف من الكنيستين استعدادًا لدخول هرقل المدينة المقدسة، ورده الصليب الأعظم إلى مكانه.
ودخل العرب فلسطين في عهد أبي بكر الصديق، ثم فتحوا بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب … فلم يتعرضوا للمعابد المسيحية بأذًى، وبقيت كنائس بيت المقدس في عزها وكرامتها.
أفكانت الكنيستان قائمتين حين فتح عمر بيت المقدس، أم أنهما كانتا أدمجتا في كنيسة واحدة؟ … ليس من اليسير القطع في الأمر برأي … فمنذ القرن الثامن الميلادي، لم يذكر أحد ممن حجوا بيت المقدس كنيسة الصليب … إنما كانوا يذكرون جميعًا كنيسة القيامة، أترى هدمت كنيسة الصليب قبل الفتح العربي أو بعده بقليل، أم أن كنيسة القيامة أصبحت ذات مكانة خاصة أنست الحجيج من المسيحيين الكنيسة الأخرى؟ … لست أبدي في الأمر رأيًا.
وفي أوائل القرن الحادي عشر، أمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، فهدمت كنيسة القيامة حتى لم يبق منها إلا أطلال … لكن ما أصاب الكنيسة المسيحية المقدسة من هذا الشر لم يدم طويلًا، فقد استولى الصليبيون على بيت المقدس في أواخر ذلك القرن الحادي عشر، وأعادوا بناء الكنيسة على نحو من الفخامة ووسعوا رقعتها … ثم جعل المسيحيون من بعدهم يضيفون إليها على الأجيال، حتى صارت إلى ما هي عليه اليوم من فسحة وفخامة وجلال.
أكثر المواضع قدسية في كنيسة القيامة، موضع القبر الذي دُفن فيه السيد المسيح بين وفاته وصعوده … وهو يقع إلى يسار الداخل إلى الكنيسة، بعد خطوات من بابها، وقد بُولغ في تجميل عمارته، وفي تزيينه وترصيعه، مبالغة تدعونا لنذكر بساطة المسيح في حياته … ولنعجب كيف تؤدي هذه البساطة إلى كل تلك الزينة، وإلى هذا التألق الفني في نحت القبر من أبدع الرخام، وفي إضاءته على نحو لم يدر بخاطر صاحب القبر، ولا بخاطر أحد من حوارييه … ولكن فِيمَ العجب أوليست كنيسة القديس بطرس بروما دون كنيسة القيامة جلالًا وبهاء وروعة … وفِيمَ العجب والمسجد النبوي بالمدينة لا يتفق جمال عمارته في شيء مع بساطته يوم شاده النبي من اللبن، وجعل سقفه وعمده من جذوع النخل؟!
وكنيسة القيامة، فيما وراء قبر السيد المسيح، مضرب للمثل في الفخامة والمهابة والجلال، وليست مبالغة المسيحيين في أكبارها وتعظيم عمارتها، مما يوجب أية دهشة، ولا يرجع ذلك إلى مكانتها المقدسة من نفوسهم فحسب … بل يرجع كذلك إلى ما احتملوه خلال الحروب الصليبية من تضحيات جسام، جعلتهم يودعون فيها ذكر هذه التضحيات التي بُذلت فداء للعقيدة، كما ضحى المسيح بنفسه — في اعتقادهم — ليفتدي بدمه خطايا الناس جميعًا.
تمتاز كنيسة القيامة على غيرها من الكنائس بأنها لا تقتصر على الفناء والمذبح والهيكل، بل لقد أُقيم بجوارها بناء متصل بها يرتفع سطحه عن سطحها، ويذكر بعض القائمين بشئونها، أنه أُقيم حيث المرتفع الذي صُلب عليه السيد المسيح، والذي كان يُصلب عليه من حُكم عليهم في عهده، وهذه الرواية موضع ريبة في نظر كثيرين من المسيحيين الذين يؤمون بيت المقدس، ويحاولون تحقيق مواضع الأماكن المقدسة فيها تحقيقًا علميًّا … فهؤلاء لا يذهبون مذهب من يرتاب في صحة مكان القبر … ولكنهم يقطعون بأن هذا البناء المرتفع المتصل بالكنيسة، لا يذكر بمكان الصلب في كثير ولا في قليل.
وتقع إلى جوار الكنيسة، كنيسة أخرى صغيرة حُفظت بها بعض آثار تنسب إلى عهد المسيح والحواريين، وباب هذه الكنيسة يفتح إلى الفضاء الواقع أمام باب كنيسة القيامة، وليس شيء من الآثار المحفوظة بهذه الكنيسة الصغيرة ثابت النسب ثبوتًا تاريخيًّا ذا قيمة، وما يرويه سدنة الكنيسة من ذلك، لا يعدو أن يكون من نوع القصص الذي يرويه سدنة كل معبد، يجذبون به قلوب المؤمنين ممن مَنَّ الله عليهم بإيمان العجائز، أو بإيمان كإيمانهم.
هذان الأثران المسيحيان اللذان ذكرتهما — كنيسة القيامة وكنيسة المهد — هما اللذان يضارعان ما تحدثت عنه من الآثار الإسلامية بالحجاز وفلسطين في فن العمارة … وكما أن بالحجاز أماكن إسلامية لها من القدسية ما يستهوي إليها قلوب المسلمين الذين يؤدون فريضة الحج، فإن بفلسطين وحول بيت المقدس نفسها أماكن لها في قلوب المسيحيين قدسية كبرى …
وحسبي أن أشير من هذه الأماكن المتصلة ببيت المقدس إلى جبل الزيتون وطريق الآلام … على أنني لا أريد الوقوف عند هذه الأماكن المسيحية أو تلك الأماكن الإسلامية؛ لأنني كما ذكرت من قبل إنما وقفت عند الأماكن التي نالت بحكم قدسيتها من العناية الخاصة، ما سنفسره في الفصل الأخير عن الأماكن المقدسة في الشرق الأوسط؛ لنستشف منه الدوافع التي حركت الوجدان الإنساني للعناية بتلك الأماكن المقدسة، لكني أحرص قبل الحديث عن هذه الدوافع، على أن أتحدث عن حائط المبكى، فهو المكان المقدس لليهود في أرض الميعاد … واليهودية هي أولى الأديان السماوية الثلاثة التي نزلت بالشرق الأوسط، صحيح أن حائط المبكى لم يعمره اليهود … وما كان لهم أن يعمروه، لكنه يحدث عن معنى له من القدسية في نفوسهم ما للأماكن المقدسة التي تحدثنا عنها في نفوس المسلمين، وفي نفوس النصارى.

مبكى اليهود


ألف الناس من أهل بيت المقدس منظرًا تقع عليه أعينهم بعد ظهر الجمعة، وصبح السبت من كل أسبوع على مدار السنة … منظر فذ لا مثيل له في العالم كله، وهو لذلك مثار طلعة الغريب النازل ببيت المقدس حاجًّا أو سائحًا، ففي هذين الموعدين من كل أسبوع، تكتظ شوارع المدينة وطرقها بعدد عظيم من الرجال والنساء والأطفال … لبسوا أجمل ثيابهم على اختلاف صورها وألوانها … فمنهم لابس القفطان والقبعة، ومنهم لابس السروال والعمامة السوداء، والنساء في أزيائهن المتباينة، قد لبسن أفخر ما عندهن … فقيرات كن أو ثريات وألبسن أطفالهن أجمل ثيابهم، ويتأبط كل من هؤلاء كتابًا من كتب العبادة، ويتوجهون جميعًا وجهة واحدة، يتوجهون إلى ناحية حائط المبكى … فأولئك هم اليهود ذاهبون يبكون، فإذا اتبتعتهم في طرق البلد المقدس، بلغت معهم ذلك الحائط الغربي الباقي من الهيكل المقدس … ثم رأيتهم وقفوا جميعًا أمامه، يقبل بعضهم أحجاره، ويتمسح بعضهم بها تبركًا وطلبًا للمثوبة، فإذا حان موعد البكاء، رأيت ربانيهم وقف على رأسهم يحدوهم ويجيبونه، وقد صور غير واحد من السائحين الذين شهدوا هذا المنظر المثير للشجن، صورة هؤلاء الباكين تسيل دموعهم على خدودهم، وتخنق العبرات بعضهم حتى يكاد يغص بها … وذكر هؤلاء السائحون حداء الرباني وجواب شعب بني إسرائيل … هذا الحداء وهذا الجواب اللذان لم يتغيرا من تسعة عشر قرنًا، واللذان لا يزالان يترددان كل أسبوع في أجواء بيت المقدس إلى وقتنا الحاضر.
صورة الحداء

وجدير بنا أن نروي صورة هذا الحداء وهذا الجواب اللذين لم يقفوا من بعد عليهما، ليروا صورة من ألام شعب إسرائيل وآماله، وننبه قبل أن نبدأ الرواية إلى أن جواب الشعب لا يزيد في بدء النظر على هذه الكلمات: «نجلس في عزلتنا وننوح». … أما ما سوى هذه العبارة، فحداء الرباني … والمنظر يجري كما يأتي:
الرباني: من أجل القصر الذي هجرالشعب: نجلس في عزلتنا وننوح – من أجل الجدران التي هدمت …
– نجلس في عزلتنا وننوح …
– من أجل مجدنا الذي ذهب …
– نجلس في عزلتنا وننوح …
– من أجل الهيكل الذي طار أطلالًا …
– نجلس في عزلتنا وننوح …
– من أجل عظمائنا الذين ماتوا …
– نجلس في عزلتنا وننوح …
– من أجل رهباننا الذين قتلوا …
– نجلس في عزلتنا وننوح …
– من أجل ملوكنا الذين امتهنوا …
– نجلس في عزلتنا وننوح …
وقد ينقلب الحداء والجواب، في بعض هذه الاجتماعات، إلى دعاء يتبادله الرباني والشعب على النحو الآتي:
الرباني: نبتهل إليك أن ترحم صهيونالشعب: وأن تجمع أبناء بيت المقدس في صعيد واحدالرباني: أعجلنا بالخير يا منقذ صهيونالشعب: وتحدث إلى قلب بيت المقدسالرباني: ولتعد مملكة صهيون عما قريبالشعب: رطب قلوب الذين ينوحون على بيت المقدس قد يختلف الحداء والجواب، وقد تختلف الأدعية في صورتها عما تقدم.
لكنها جميعًا تدور حول هذه المعاني، وتُعبر عن هذه الآلام والآمال، أليست هي آلام كل يهودي منذ غلبهم الرومان، وأزالوا دولتهم وهدموا هيكلهم … ثم شتتوهم في الأرض، فصاروا لا يعرفون لهم إلى اليوم وطنًا ولا مستقرًّا، وهم يحاولون بكل الوسائل، يرجون أن تعود لهم الدولة في أرض المعاد … وهذا النوح، وهذا الدعاء وهذا الاستغفار، وهذا التوسل للبارئ جل وعلا … بعض تلك الوسائل، وإن كنا لا ندري بأي قدر يتعلق بهذه الوسيلة أملهم في عالمنا الحاضر.
وهذا الحائط الغربي الذي ينوحون عنده، لا يزيد على أنه بقية من جدران الحرم الذي أقامه سليمان لهيكل بيت المقدس … هذا الحرم الذي بُنيت كنيسة القيامة فوق جانب منه، وبُني المسجد الأقصى فوق جانب آخر، وبُنيت قبة الصخرة في المكان الذي كان يقوم قدس الهيكل عليه … هذه البقية الباقية من هيكل سليمان، هي الأثر الذي يحدث شعب إسرائيل عن ذلك المجد الغابر، الأثر المحطم اليوم، والذي كان شامخًا رفيع العماد في عهد مضى حين عز اليهودية وعظمة بني إسرائيل، وهذا الأثر هو الذي يريد بنو إسرائيل أن يعيدوا إليه مجده، ويلتمسون لذلك كل الوسائل.
وأنت تستطيع أن تقدر حزن هؤلاء النائحين ومبلغ عمقه، حين تذكر المجد الغابر الذي كان لهم، والذلة التي ضربت منذ عشرين قرنًا عليهم … فبنو إسرائيل هم سلالة إبراهيم وإسحاق ويعقوب … وهم الذين أرسل الله إليهم موسى بكلمة التوحيد، يوم كانت الوثنية هي الدين القائم في الأمم المحيطة بهم …
الشعب المختار

كان فرعون يقول لأهل مصر: «أنا ربكم الأعلى». وكان المصريون يرون الطبيعة آلهة، فيخلعون مجالي الألوهية على كل مظاهرها … فالشمس إله، والسماء إله، والأرض إله، والليل إله، وكانت وثنية اليونان لا تزال في بدائيتها، وكانت آلهتها تتطور إلى مظاهر الطبيعة كذلك؛ لتصبح أبولون، وفينوس، وسكان الأولمب جميعًا، وكانت مجوسية الفرس ترى في النار والنور مصدر الحياة، وتخصهما لذلك بالألوهية …
في هذا العالم الوثني الذي لم يتخط الشعور فيه آثار الحس المباشر، سما بنو إسرائيل إلى مراتب التجريد وأُلهموا سر الوجود، وهداهم خالق الكون إلى وحدانيته وصمدانيته؛ وبذلك كانوا شعبة المختار …
وفي هذا العالم الذي كانت المعابد تقوم فيه … يُذكر فيها آمون رع بمصر، ويُذكر أبولون باليونان، وتُذكر فيها نار المجوس بفارس، ذهب إبراهيم موغلًا في الصحراء حتى بلغ مكة، فوضع فيها القواعد لأول بيت رُفع للناس يُذكر فيه اسم الله وحده لا شريك له …
في هذه الفلاة الموحشة، أقام إبراهيم وإسماعيل قواعد البيت بعيدًا عن غزو الغزاة وعبث الطامعين … فلما قويت شوكة إسرائيل، بعث الله كليمه موسى، فسار بمن كان منهم بمصر إلى وطن إسرائيل بكنعان من أرض فلسطين، داعيًّا إلى عبادة الله وحده، ونبذ ما يدعو المصريون واليونان والفرس إليه من عبادة مظاهر الطبيعة … فالطبيعة ومظاهرها ليست إلا بعض ما خلقه الله جل شأنه وتعالت أسماؤه.
ولقي موسى وأهله عنتًا من فرعون وقومه … وكانت فلسطين خاضعة يومئذ لحكم مصر، فاستقلت من بعدُ … وتولى أمرها داود، ثم ابنه سليمان … فأقام داود النواة الأولى للهيكل المقدس، وأقام سليمان الهيكل كله في بهائه وفخامته وجلاله … أُقيم هذا الهيكل يُذكر فيه اسم الله وحده لا شريك له، وأُقيم في فخامة تضارع فخامة المعابد المصرية التي تؤله فيها مظاهر الطبيعة …
حضارة بني إسرائيل

وآن لبني إسرائيل أن يُقيموا حضارة، وأن يذكروا في الأرض اسم الله وحكمه وشريعته، بذلك أثاروا عليهم ثائرة الفراعنة وثائرة الفرس … وغزا الفراعنة فلسطين، فوجدوا في دين موسى من أثر عبادتهم ما صدهم عن محاربة هذا الدين، وعن التعرض لهيكله الأقدس، وغزا الفرس فلسطين من بعد ذلك … فإذا دين إسرائيل ينكر دينهم ويتجافي عنه … لهذا أحرقوا هيكل سليمان، وتركوه يبابا.
على أن الهيكل أُقيم بعد هذه الغزوات التي قام بها نبوخذ نصر … أُقيم بادئ الأمر على صورة دون صورته الأولى جلالًا وفخامة … لكن بناءه أُعيد حين تولى هيرودس الأول حكم فلسطين باسم روما، وأُعيد أفخم مما كان في أبهى عصوره، وأكثرها عزًّا وأسماها مكانة.
تقلبت إسرائيل، بحكم هذه الأحداث التي تعاقبت على القرون، بين عزة الجاه العريض، ومضطرب الثورة على الحكام الذين غزوها، والعمل على دفع الغزاة عن أرضهم واستعادة سلطانهم عليها ودولتهم فيها … لكنهم أبوا خلال هذه الأحداث جميعًا أن ينشروا بين الناس عقيدتهم، أو يذيعوا كلمة التوحيد في غير شعبهم؛ حرصًا منهم على أن يظلوا شعب الله المختار … أو سموا بفكرتهم عن أن يتناولها أولئك الذين يعبدون من دون الله بعض ما خلق الله … لذلك ظلت اليهودية مقصورة عليهم لا تتعدى حدودهم، ثم اندس إليها من عوامل الانحلال الروحي ما يترتب حتمًا على الانحلال الاجتماعي الذي يجره الاستعمار في ذيوله؛ لذلك انصرف شعب إسرائيل عن المعاني الروحية السامية إلى هذه الحياة الدنيا، وإن بقي من أحباره ورهبانه من أقاموا على حكم التوراة، ومن احتفظوا بمميزات هذا الشعب … مميزات المثابرة، ودقة المنطق، وصفاء الذهن.
كان انصراف بني إسرائيل عن شرعة التوراة في أسمى معانيها، يدعو بعض هؤلاء الأحبار والرهبان ليتوقعوا قيام نبي من قومهم يبعثه الله؛ ليعيد إليهم مجدهم ويرد السلطان لدولتهم، وكانت الإمبراطورية الرومانية؛ إذ ذاك، قد عظم أمرها في أوروبا، وآن لها أن تستقر على ضفاف بحر الروم من ناحية الشرق … بعد أن كانت يدها تمتد إليه، ثم تنقبض عنه.
وتم ذلك حين غزا بومبي فلسطين في السنة الثالثة والستين قبل الميلاد … لقد قاومت بيت المقدس، وقاومت حصون الهيكل المقدس، جيوش الروم مقاومة عنيفة، لكن هذه الجيوش انتهت إلى التغلب عليها، وإقرار حكم الإمبراطورية في ربوعها … على أن الروم لم يتعرضوا يومئذ للهيكل، ولم يحاولوا دك قواعده … بل تركوه قائمًا واستأمنوا أهله الذين أعلنوا الخضوع والطاعة، ورضوا أن تستقر روما في أرض بني إسرائيل.
السيد المسيح

لم ينقض القرن على غزو بومبي أرض فلسطين، حتى أذن الله للسيد المسيح، فقام يدعو قومه من بني إسرائيل؛ ليعودوا إلى الله وليدخلوا على ملكوته، وكانت دعوته بطبيعتها ثورة على انحراف اليهودية عن شرعة التوراة … كما كانت ثورة على الغزاة الظالمين، وقد لقيت هذه الدعوة مقاومة من بني قومه، ومن الحاكم باسم روما، وبلغت هذه المقاومة شدة العنف حين دخل المسيح بيت المقدس …
لكن الله كان قد أتم يومئذ كلمته على لسان عيسى، وكان قد أعد حوارييه ليذيعوا هذه الكلمة في الأرض، لا يحتفظون بها لأنفسهم كما فعل أسلافهم من قبل، فلما توفى الله عيسى ورفعه إليه، خُيل لقومه من بني إسرائيل أنهم قد آن لهم أن يطمئنوا إلى عقائدهم لكن جذور الثورة التي بثتها كلمة عيسى للناس دفعت بني إسرائيل أنفسهم لينقضوا على حكم روما وليثوروا بها.
وبلغ الانقضاض أوجه، بعد أربعين سنة من وفاة عيسى … عند ذلك ذهب تيطس فسبازيان من روما إلى فلسطينن، وأقسم ليخضعن بني إسرائيل وليضربنهم بيد من حديد، وقاومت فلسطين جيوشه مقاومة عنيفة … يقول جوريفومل مؤرخ ذلك العصر، كان يعيش فيه: «الآن ولم يبق أمل في الخلاص، فذلك أوان القتال حتى الموت … فمن الشجاعة أن يقدم الإنسان المجد على الحياة، وأن ينهض إلى عمل نبيل تذكره الأجيال من بعده».
قال المؤرخ هذه الكلمة البالغة في سموها، يوم كان أنين شعب إسرائيل لمظالم الرومان وقسوتهم قد بلغ غاية مداه … لكن جيوش روما التي ألفت الظفر لم تصدها المقاومة، بل سارت من مدينة إلى مدينة تقتل الناس وتحرق البلاد، وتشيع في الأرض الفساد … فلم يكن لصدها سبيل، وحاصر الروم بيت المقدس، فقاومتهم وطالت مقاومتها حتى تفشى بين أهلها المرض بسبب الجوع … ثم أسلمت مفاتيحها إلى الفاتحين …
هدم الهيكل

دخلت جيوش روما بيت المقدس، فهدمت الهيكل وأعملت السيف في رقاب أهلها، وأسرت من بني إسرائيل كل من لم يمت وأجلتهم عن المدينة … بل أجلتهم عن فلسطين كلها، فتشتتوا في البلاد المجاورة …
ذهب منهم من ذهب إلى العراق، وانحدر منهم من انحدر إلى شبه جزيرة العرب، وعاد من عاد إلى مصر … وانحل عنهم ذلك السلطان الذي كانوا يعتزون به، وأصبحوا لا يعرفون لهم وطنًا ولا مستقرًّا.
أجلاهم المسلمون عن شبه جزيرة العرب في العهد الأول للدين الحنيف، بعد منازعات وحروب بين هؤلاء وأولئك، ونظر إليهم المسيحيون في مختلف بقاع الأراض، نظرة متأثرة بما كان بين اليهود والمسيح … مما انتهي إلى قصة الصلب في كتب المسيحية المقدسة، وأبى عليهم الناس جميعًا أن يستقروا في بقعة من الأرض تكون وطنًا لهم … ذلك شأنهم منذ ألف وتسع مئة سنة … وذلك شأنهم إلى يومنا الحاضر، وبنو إسرائيل خلال هذه المحن لا يزال حنينهم إلى أرض الميعاد كحنين أجدادهم الأولين، ولا يزال رجاؤهم متصلًا في أن تعود إليهم دولتهم، وأن يكونوا في الأرض الحاكمين.
من أجل هذا الذي أصابهم، يبكي اليهود وينوحون … ومن أجله يذهب المقيمون منهم ببيت المقدس بعد الظهر من يوم الجمعة، أو صبح السبت، كل أسبوع … على مدار السنة، حتى إذا بلغوا بقية جدار الهيكل، وقف ربانيهم على رأسهم يذكر ما أصابهم من هدم هيكلهم، وقتل رهبانهم وذهاب ملكهم … فتسيل لذلك دموعهم، ويهوي الحزن بقلوبهم إلى قرار سحيق، ثم يضرعون إلى الله أن تعود دولتهم ليكونوا في الأرض الحاكمين.

الأماكن المقدسة لماذا لم تحتفظ ببساطتها؟


(?) بساطة الأماكن المقدسة

سبق أن أشرت إلى أن الفكرة التي أوحت بإقامة الأماكن المقدسة، تستمد وجودها من الأديان السماوية الثلاثة التي نزلت بهذا الشرق الأوسط: اليهودية، والمسيحية والإسلام، وأن مصدر هذه الفكرة هو الالتجاء الروحي إلى مكان بذاته يعتبر في نظر الذين يحجونه موئلًا لأرواحهم، وملاذًا لقلوبهم المتعطشة إلى التطهير … ترجوه حيثما تكون من بقاع الأرض، ثم لا تطمئن إلى أنها أدركت حظها منه حتى تحج هذا المكان …
فإذا أتم هؤلاء حجمهم، آمنوا بأن الله قبل توبتهم … وحط عنهم أوزارهم وذنوبهم، لقاء ما توجهوا إليه منيبين مخلصين، وما سعت نفوسهم حين الحج إلى ذرى المعاني الروحية.
والواقع أن الصادقين في حجهم، من أهل هذه الأديان، يخالج وجدانهم حين الحج شعور فياض بمعانٍ تسمو كلَّ السمو على ما ألفوا فيما سبق من حياتهم …
هذه المعاني تختلف باختلاف منازع الناس، ومبلغ ثقافتهم، وألوان تفكيرهم … تختلف عند الرجل الساذج عنها عند الرجل الذي ألف التفكير، ثم شعر كما شعر ذلك الساذج، بمكان الحج يدعوه إليه ليطهر عنده … لكنها عند الرجلين سمو بالنفس إلى ما فوق نفسها، وحرص على الاتصال بالملأ الأعلى من ملكوت الله، ورجاء في وجهه الأكرم أن ييسر هذا الاتصال؛ لنكون في غدنا خيرًا مما كنا في أمسنا … فنبلغ بذلك مكان النفس المطمئنة … ترجع إلى ربها راضية مرضية، تدخل في عباده وتدخل جنته.
وقد رأينا كيف كانت هذه الأماكن أول أمرها بسيطة كل البساطة، وكيف تطور أمرها على تعاقب القرون … فبلغت من الفخامة والمهابة، والجلال أعظم مبلغ …
وهذه ظاهرة نراها في الأماكن المقدسة في أنحاء الأرض جميعًا، بل نراها ظاهرة في أماكن العبادة كلها في الأديان المختلفة، تبدأ هذه الأماكن بسيطة، ثم تتدرج شيئًا فشيئًا إلى الفخامة … وذلك أمرها بنوع خاص حين تُقام ذكرًا لأمر تاريخي جسيم الخطر.
ما سبب هذا؟
لم لا يحتفظ الناس لهذه الأماكن المقدسة ببساطتها الأولى؛ لينعموا بما للبساطة من روعة ومهابة؟
السبب واضح … فالفكرة التي أقامت هذه الأماكن خالدة، ولذلك تبقى جديدة أمام كل جيل جديد …
طبيعي أن يلتمس الناس لذكر الفكرة الخالدة مظهرًا يبقى على الدهر أطول زمن يستطيع الإنسان أن يضمن بقاءه عليه.
هذا هو السر في تشييد المصريين القدماء الأهرام والمعابد التي لا تزال باقية تشهدها أعيننا رغم مر السنين وكر القرون … إنهم شادوها رمزًا لمعان باقية، فيجب أن يكون لها من حظ البقاء ما لهذه المعاني …
وقد بقيت آثار القدماء عمرًا أطول من عمر المعاني التي قامت تخلدها … فحق أن تبقى الأماكن المقدسة عمرًا يوازي عمر هذه المعاني الجليلة التي شادتها، والتي لا يجيء عليها الزمان.
فإذا عجز الإنسان عن أن يُقيم هذه الأماكن للخلولد، فليقمها لتعمر على القرون، ما استطاع علمه وفنه أن يحفظها خالدة على القرون.
تُرى لو أن مسجد النبي العربي بالمدينة، بقيت عمارته كما شاده عليه الصلاة والسلام … أفكان مقدرًا له أن يبقى على وجه الزمان، أم أنه كان يعرض لأعاصير الحدثان مما شهدته الأيام، وما لا تزال تشهده أعيننا؟ …
لذلك قوَّى عثمان بن عفان عمارته كما رأينا، وإن لم يفكر في زينته كما فكر عبد الملك بن مروان، وكما فكر المسلمون على مر القرون التي تعاقبت من بعده …
وما يقال عن مسجد النبي بالمدينة، يصدق على غيره من الأماكن التي شيدت لتخلد فكرة عظيمة … بدأت كلها بسيطة بساطة الفكرة التي دعت إلى إقامتها، وأكثر الأفكار قوة أكثرها وضوحًا وأكثرها لذلك بساطة … لذلك تنغرس في نفوس الناس وتستولي عليهم … فيزدادون شعورًا بقوتها، فيزيدهم ذلك حرصًا على تقوية الأثر الذي يذكرها.
ولما كانت الفكرة تتصل دائمًا برجل ألهمها أو أوحى إليها بها، فذكر هذا الرجل يتصل بذكر الفكرة العظيمة التي تُنسب إليه، من ثم، تقام للعظيم آثار كالآثار التي تقام لفكرته …
أشرنا إلى مسجد النبي العربي … هذا المسجد الذي أقامه النبي بسيطًا، فجعله المسلمون من بعده مثال المتانة والجلال والجمال.
كذلك الشأن في كنيسة المهد، وكنيسة القيامة … هما تقومان ذكرًا للمسيح عليه السلام يوم وُلد، ويوم توفاه الله ورفعه إليه … وهما لذلك آية في المتانة والروعة.
هذه الآثار التي تُقام للعظماء، تضارع الآثار التي تقام تُخليدًا للفكرة التي جاءوا بها … فبيت الله الحرام بمكة، والمسجد الأقصى ببيت المقدس، يقومان ذكرًا لفكرة التوحيد من يوم هدى الله أنبياءه ورسله إليه، وألقى عليهم أن يبلغوا الناس فكرته …
فهذان الأثران المقدسان يضارعان الآثار التي أقيمت لمن هدوا الإنسانية إلى فكرة التوحيد قوة وجلالًا وعظمة.
لا يكتفي الناس بتقوية الأماكن المقدسة لتقاوم الزمان وأحداثه … بل هم يضفون عليها من ألوان البهاء والجمال والجلال غاية ما يهديهم إليه عملهم وفنهم …
لماذا؟ …
لأن الفكرة العظيمة لها على بساطتها من البهاء والجمال والجلال، ما يبهر اللب ويأخذ بمجامع القلب.
(?) الصورة المادية للمعاني المجردة

بهاء الفكرة معنوي، وجلالها روحي …
وبهاء الأماكن التي تذكرها …
وجلال هذه الأماكن وجمالها مادي …
فكيف يُقاس المادي بالمعنوى؟ …
لك أن تسأل هذا السؤال … وجوابنا عليه أن من طبيعة الإنسان أن يخلع الصورة المادية على المعاني المجردة؛ لأن الإنسان قلما يدرك المعنى المجرد إلا أن تقوم له في نفسه صورة مادية …
فإذا استطاع المفكرون أن يجردوا المعاني، وأن يدركوها لذاتها، وأن تتمثل أمامهم حقائق لها صورتها الواضحة كوضوح الصورة المادية في نظر سواد الناس … فإن هذا السواد لا سبيل له إلى امتثال الصورة المعنوية أو الروحية إلا أن يُقيم لها في أطواء نفسه صورة مادية.
لما فتح رسول الله مكة ودخل الكعبة، ورأى جدرانها صُوِّرت عليها الملائكة نساء ذوات جمال … فأنكر هذه الصورة؛ لأن الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا، وليس لهم في النفس التي تدرك المعاني المجردة صورة مادية … لذلك أمر النبي فطُمست هذه الصورة …
على أن للذين صوروها عذرهم الذي سبق بيانه … فالصورة المجردة لا يمكن أن تثبت في نفس السواد قائمة بذاتها، بل لا بد لها من جسد تستقر فيه؛ لتحيا به في تصورهم كحياة الروح في الجسم.
ولقد رأينا المصورين الأوروبيين في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر يصورون الملائكة على نحو يقرب مما كان على جدران الكعبة … ولا يزال هذا شأن أهل الفن إلى يومنا … ذلك بأن الصورة المجردة لا يمكن أن تثبت أمام حواسنا إلا إذا اتخذت الصورة المادية لباسًا لها تستقر عليه الحواس.
ودليل أكثر وضوحًا على أن السواد لا يستطيع تمثل الصورة المعنوية إلا في صورة مادية، عبادة الأصنام … فهذه الأصنام كانت تُعبد عند العرب، وعند غير العرب، على أنها صورة للإله على ما كان يتصورها أهل تلك العصور.
وليس بين المعاني التي تقوم بالنفس ما يسمو على كل صورة مادية كمعنى الألوهية السامي … مع ذلك عجز السواد في الماضي عن تصور هذا المعنى مجردًا من المحسوسات المادية، فاتخذوا من الفن وسيلتهم إلى تعليق هذا العجز في نفوسهم دون الاعتراف به صراحة وجهرًا.
لهذا يضفي الناس على الأماكن المقدسة أروع صور الفن وأبدعها وأجملها …
ولهذا أوحت المعاني الدينية إلى الفن، وألهمت أربابه خير ما خلفوا للإنسانية من تراثهم البارع.
ولقد رأيت الشيء الكثير من هذا الفن حين تحدثنا عن مسجد النبي وقبة الصخرة، وعن كنيسة المهد وكنيسة القيامة.
وأنت ترى منه الشيء الكثير في المساجد والكنائس حيثما ذهبت من أنحاء العالم … ترى فن العمارة بالغًا غاية عظمته وجلاله، وترى سائر الفنون متجلية في التماثيل والصور في الكنائس وفي السجاجيد والخط الجميل في المساجد …
ذلك لأن الفكرة العظيمة التي أقامت هذه المعابد الفخمة، حركت الوجدان الإنساني للعناية بها عناية تتفق مع جلال هذه الفكرة وعظمتها.
(?) نظرة المفكرين للتجسيد المادى

ذكرت أن المفكرين قديرون على تصور الفكرة المجردة لذاتها، وأنها تتمثل لبصائرهم في صورة واضحة كوضوح الصورة المادية في نظر سواد الناس، وهم يسمون بالفكرة عن أن تلبس اللباس المادي سموًّا كبيرًا، بل هم يرون في إلباسها هذا اللباس حدًّا منها وتضييقًا لآفاقها، يصلان في كثير من الأحيان إلى إفسادها …
فكيف يرضون عن النزول بها في الأماكن المقدسة، وفي غير الأماكن المقدسة إلى أن تصور صورة مادية؟
وكيف يسكتون على ذلك ولا يحاربونه؟
ثم كيف يحض الحاكمون وأولو الأمر عليه ويشجعونه؟
لم لا يصنع المفكرون ما صنع النبي العربي حين طمس الصورة التي كانت على جدران الكعبة، وحين حطم الأصنام القائمة فيها؟
لا أراني بحاجة إلى القول بأن السمو إلى مقام الرسالة أمر غير ميسور، إلا لمن اختارهم الله لها …
وأزيد على ذلك أن أولي الأمر ليسوا دائمًا من المفكرين الذين يسمو تفكيرهم إلى مقام التجريد وتمثل الفكرة في حيويتها الذاتية غير كاسية ثوب المادة.
وسيان منهم من سموا إلى هذا المقام ومن لم يسموا إليه … هم جميعًا ينظرون إلى أمور الحكم بعين الواقع، لا بعين التجريد والبصيرة المطلقة من قيود هذا الواقع …
وهم يقدرون أن الرسول النبي العربي قد عفى على ما وجد بالكعبة من الآثار؛ حتى لا يبقى لعبادة الأصنام في النفوس أثر.
أما وقد بلغ الأمر من ذلك مداه، ولم يبق لهذه العبادة في النفوس باقية، فلتكن معاني الحكم قريبة من متناول إدراك السواد؛ حتى يطمئن الناس إلى هذا الحكم ويرضوا عنه، ومن أسباب الرضا أن تقرب إلى أذهانهم المعاني النفسية في صور مادية، ولذا أنفق عبد الملك بن مروان وغيره من الملوك والأمراء، وبالغوا في الإنفاق على عمارة الأماكن المقدسة؛ حتى يصل بها الفن إلى أبهى صور الجمال والجلال.
أما المفكرون، فلا يحاربون هذا التجسيد المادي للمعاني الذهنية والروحية؛ لأنهم يرونه ظاهرة من ظواهر الحياة الإنسانية لا غنى للناس عنها … بل لعلهم يرون في هذا التجسيد إبقاء على المعاني السامية في نفوس السوداء؛ لأنه لا يستطيع أن يدرك هذه المعاني دون أن تلبس هذا الثوب …
هؤلاء على الأقل هم المفكرون أولو الأفق الفسيح في تصور الحياة وما تنطوي عليه، أما المتزمتون فلا يذهبون مذهبهم … ألسنا قد ذكرنا ما كان من إنكار بعض المسلمين لعمل عثمان بن عفان، حين زاد في رقعة مسجد النبي، وانتقل بعمارته من الباسطة التي كان عليها في عهد النبي وفي عهد أبي بكر وعمر إلى بعض الفخامة والزينة؟
ألم نذكر كيف ضج المسلمون حين أُدخلت بيوت النبي في مسجده، رغم ما كان من إبداع عمر بن عبد العزيز في عمارة الحجرة النبوية وفي زينتها؟
هذا … ثم إن للفن الجميل مقامه السامي عند المفكرين، قبل أن يكون له مثل هذا المقام عند غيرهم، فإذا كانت الفكرة السامية حقيقة جديرة بالخلود، فالفن الذي يخلد هذه الفكرة في النفس الإنسانية جدير بأن يُشجع وألا يُحارب، وهو إنما يُشجع لذاته، فإذا أدت آثاره إلى أن تندس إلى النفوس معانٍ وثنية قامت الفكرة للقضاء عليها، كما هو الشأن في الأديان التي قامت في الشرق الأوسط، فإنما تُعلن الحرب على هذه المعاني الوثنية، لا على الأثر الفني الذي تُنسب له …
وهذا ما قام به المفكرون من قبل، وما يقومون به اليوم … وللجهود التي يبذلونها في هذا السبيل أثرها القيم لا ريب … هذا الأثر الذي كفل بقاء فكرة التوحيد في نفوس السواد لا تطغى عليها الصورة الوثنية طغيانًا يهدد كيانها، أو يُخشى خطره عليها.

الباب الثالث


وداعًا … أوروبا

تعال معي نبحث عن الجمال


تروي كتب الأدب العربية أن معاوية بن أبي سفيان سئل يومًا: ما بقي من لذتك يا أمير المؤمنين؟ وكان جوابه: محادثة الرجال، وهذا جواب حكيم لا ريب، ومحادثة الرجال متاع أي متاع، لكن مشاهد الطبيعة لا تقل في نظري عن محادثة الرجال إمتاعًا ولذة، ومتاعها يحلو كلما تكرر بين الحين والحين، وهو يزداد أخذًا للنظر كلما تباعدت فتراته فعادت بذاكرتنا إلى أوقات من حياتنا كان الشباب يزيدنا أثناءها متاعًا بكل ما في الحياة.
كان ذلك شأني خلال الأسبوع الذي قضيته بسويسرا بين السادس والثالث عشر من شهر أغسطس الحاضر، صحيح أنني لم أنزل جنيف، ولم أستمتع بمناظر بحيرتها الساحرة، لكنني زرت فيما زرت أماكن وقفت عند بعضها منذ عشرين ومنذ ثلاثين سنة، فكان متاعي بمشاهدتها اليوم وكأنه متاع جديد، ضاعفته ذكريات سعيدة من عهد الشباب لم تنسني إياها الكهولة المتقدمة إلى ناحية الشيخوخة.
وكان ذلك موقفي بنوع خاص أمام شلالات الراين عند بلدة شافوزن، فقد زرت هذه الشلالات منذ سبع وعشرين أو ثمان وعشرين سنة، زرتها يومئذ مع زوجتي ووقفنا أمامها مأخوذين بعظمتها وجلالها وجمالها، كتبت يومئذ عنها ما نشرته في كتاب «ولدي» ثم أنستنيه السنون التي تنسي كل شىء، تنسي السعادة والشقاء، تنسي المسرة والألم، تنسي الفقر والغني، تنسي الحزن والفرح، أنستنيه السنون حتى لقد زرت سويسرا بعد ذلك غير مرة فلم يمر بخاطري أن أذهب لأري هذه الشلالات، بل لعلي نسيت وجودها وجمالها، وإن بقيت ذكرى زيارتي الأولى إياها عالقة بذهني تبعث إلى نفسي معاني النعمة والسعادة.
وللمصادفات في حياتنا شأن عجب، صادف أن جاء ولدي من إنجلترا ليلقاني في زيورخ بسويسرا مستقلًّا إليها سيارته، وفي أثناء حديثه عن رحلته ذكر أنه مر بشافوزن، وسألته إن كان رأى الشلالات فذكر أنه مر بها ليلًا، وأنه كان يستعجل لقائي فلم يقف عندها، عند ذلك عزمت أن أعود به وبابن أخي إليها لنقضي النهار عندها، فمثل هذه المناظر البارعة الرائعة لا تكتفي منها بأن تمر بها، بل هي تمسكك عندها، وتستولي على لبك بروعة جمالها، وتسلبك اختيارك في مفارقتها، وخير أن تسلم زمامك إليها لتزداد متاعًا بها وإيمانًا بقدرة بارئها ومصورها ذي الجلال.
والطريق من زيورخ إلى شافوزن طريق جميل يأخذ بالعين ما حوله من أشجار وغابات، وما امتازت به سويسرا بجبالها وسهولها من مناظر ذات روعة بارعة، فلما كنا عند الجسر الصغير الذي يتخطى الإنسان الراين فوقه إلى منطقة المساقط تركنا السيارة وترجلنا وعبرنا الجسر، وطال سيرنا حتى كنا عند البناء المطل على هذه المساقط التي تنحدر الشلالات من حولها شلالًا فشلالًا، ودرنا حول هذا البناء ودخلنا إلى حيث نشاهد الشلالات، يا للجلال والروعة والجمال، ويا لقدرة خالق كل شيء ويا لعظمته وجلاله، وقفنا عند أول منظر لهذه الشلالات في غرفة فيها زجاج ملون نرى فيها انحدار المياه المندفع يحيل هذه المياه زذاذًا ورشاشًا وما يشبه البخار، وترى هذا المنظر بألوان الزجاج الأحمر والأصفر والأخضر فيأخذك العجب، لكن هذا العجب لا يلبث أن يتلاشى، إن منظر الشلالات على طبيعتها ومن غير تلوين أعظم بهاء وروعة من كل تلوين تبدعه صناعة الإنسان.
فقد أنشأت حكومة سويسرا، أو بلدية شافوزن، لا أدري أيهما، درجًا ينخفض حتى يبلغ ما يزيد على مائتي درجة، وأنشئت عند كل منظر جديد من مناظر الشلالات ساحات ضيقة يقف عليها الإنسان ليمتع نظره بهذه المناظر البديعة المتعاقبة، فليس انحدار الشلالات وحده هو الذي يأخذ بنظرك، بل إنك لترى على ضفة النهر المقابلة الأشجار الخضراء الكثيفة تكاد تكون غابة، أو لعلها بالفعل غابة يستريح النظر إلى جمال خضرتها، وإن فصلت بينه وبينها هذه الشلالات المنحدرة بمياهها المتدفقة ورشاشها وزذاذها الذي يصيبك منه بين الحين والحين نصيب لا تضيق به؛ لأنك تشعر أنه أثر من هذا المنظر الذي فتنك بروعة عظمته وساحر جماله، وبما يُحدث عنه من كبرياء الطبيعة كبرياء يزيدنا حبًّا لها وتعلقًا بها وإيمانًا بمبدعها العظيم.
ولقد رأيت فيما رأيت من مساقط المياه ومن الشلالات غير قليل، رأيت شلالات النيل في أسوان وفي حلفا، رأيت شلالات نياجارا بين الولايات المتحدة وكندا، ورأيت من مساقط المياه في فرنسا وفي سويسرا ما استرحت إليه وأعجبت به حين زرته، ولكن شتان بين شلالات النيل ونياجارا وشلالات الراين عند شافوزن، إن شلالات النيل كتماثيل قدماء المصريين، روعتها في ضخامتها وفي امتدادها وشلالات النياجارا رهيبة في جلالها؛ لأنها تنحدر من ارتفاع عظيم، وأنت تزداد لها قدرًا حين تشهد انحدارها وقد اخترقت إليه جوف الصخر الذي نقره المحيطون به فيزيدك المنظر مهابة وخوفًا، أما شلالات الراين عند شافوزن فلم تبلغ عظمة شلالات النيل، ولم تبلغ رهبة شلالات نياجارا، ولكنها جمعت من جمال الجلال وروعة السحر، وأحاطت بها الخضر الناضرة التي تريح العين وتأخذ بالنظر ما لم يجتمع شيء من مثله لأي من المساقط أو الشلالات التي رأيت خلال عشرات السنين الماضية.
ولا أتحدث عن مساقط المياه المنحدرة في أخاديد الصخر من أعالي الجبال في سويسرا وفي فرنسا؛ فهي لا تقاس جمالًا ولا جلالًا إلى شلالات الراين، على أنني إن نسيت فلن أنسى يومًا كنا فيه بأنترلاكن وكنا نتخطى بين جبلين تندفع المياه بينهما بقوة عنيفة، وكانت معنا سيدة مصرية رقيقة متحدثة يحلو لها حديثها ويحلو لك سماعها، وقد تقدمتنا هذه السيدة بين الجبلين على جسر ضيق من الخشب يحجز بينه وبين الماء حاجز نحيف، وأعجبت السيدة أول ما دخلت بين الجبلين وتحدثت عن جمال المنظر، لكنها لم تلبث بعد قليل أن استحال حديثها صمتًا لا تقطعه كلمة، وإذا هي تهمهم بين شفاهها تقرأ الفاتحة أو آية الكرسي، وإذا المنظر يطول ثم يطول، ويزداد رهبة وجلالًا، ثم إذا الرشاش يتساقط من فوقها منحدرًا من الجبل فلا يحرك تساقطه السيدة لحديث أكثر من السؤال عما بقي من هذا المنظر البديع الرهيب، وبقينا كذلك نصف ساعة أو نحوها حتى خرجنا من الناحية المقابلة للناحية التي دخلنا منها، عند ذلك تشهدت السيدة وكأنما ردت إلى الحياة من جديد، أما أنا وصاحبي الذي كان معي فابتسمنا لخوفها وفزعها، وإن مرت بنا لحظات أثناء هذا الطريق على نهر الآر لم نكن فيها دون السيدة رهبة، وإن لم نكن مثلها خوفًا ولا فزعًا.
هذا بعض قليل من كل كثير من روائع الطبيعة التي شهدت في أسفاري، أحيت زيارتي سويسرا ذكراها في نفسي، ألست إذن على حق حين أذكر أن مشاهد الطبيعة ليست أقل إمتاعا للنفس من محادثة الرجال، وإن تقدمت بنا السن، وإن استمتع نظرنا من هذه المشاهد بما لا حصر له، ولمشاهد الطبيعة في كل بلد من بلاد الله روعة وجمال يتجليان لمن عرف أن يراها ويتحدث إليها ويسمع حديثها، فأما الذين لا يرون ولا يتحدثون ولا يستمعون فأولئك حرمهم الله نعمة من أجل نعمه وأعظمها قدرًا، وحرمهم لذلك من المتاع بخير أنعم الحياة، ولقد طالما سمعت بعضهم في مصر يتحدث عن الصحراء ويتساءل ما جمالها، ولو أنه قرأ ما كتبه المرحوم أحمد محمد حسنين في مقدمة كتابه عن الصحراء؛ لأدرك أن فيها أكثر من الروعة ومن الجمال، فيها سر عميق بعيد الغور تقف أمامه مسبحًا مقدسًا مدركًا عظمة الخالق وضآلة الخلق، ولو أن هذا المنكر الكافر لجمال الصحراء اجتازها ساعات المغيب أو في ضوء القمر لرأى فيها من آيات الجمال الرائع ما يدفع إلى نفسه الإيمان بجلالها وجمالها، كذلك شأن الذين ينظرون إلى النهر الإله الذي عبده قدماء المصريين، والذي قال هيرودوت: إن مصر هبة من هباته، فهذا النيل الجليل الجميل في أوقات تحاريقه، الجليل العظيم في أوقات فيضانه؛ مشهد خالد من مشاهد الطبيعة البارعة الدائمة التغير كلما تغيرت فصول السنة، والبحر بموجه المتلاطم، والمزارع الخضراء الذاهبة إلى مدى النظر عند الأفق … هذا كله جمال رائع يستمتع به من يعرفون كيف يستمتعون بمشاهد الطبيعة، كما يستمتع به من يعرفون كيف يستمتعون بمشاهد الطبيعة كما يستمتع بها الطير والحيوان في صمت وإجلال.
تباركت يا رب خالق كل شىء، إن لنا معشر بني الإنسان مما خلقت لما يزيد الحياة بهجة ويزيدنا بها متاعًا، فلك الشكر والثناء على ما أنعمت وتفضلت، بيدك الخير، وأنت على كل شيء قدير …

أول يوم في باريس


في الحياة مفاجآت لها أثرها في حياة الإنسان ما عاش.
وكان ذلك بشأن الليلة الأولى التي قضيتها بباريس يوم زرتها لأول مرة، كنت إذ ذاك شابًّا لم أتم الحادية والعشرين، وكنت قد حصلت على إجازة الليسانس في الحقوق من مصر، وسافرت إلى باريس لكي أدرس لإجازة الدكتوراه، وكان معي في الباخرة التي أقلتنا من الإسكندرية في السابع من يوليو سنة ???? زميلان سافرا إلى فرنسا للغرض الذي سافرت له، وكان معنا بعض رجال عرفوا أوروبا؛ لأنهم سافروا إليها من قبل غير مرة.
وأرست بنا الباخرة في مرسيليا صباح اليوم الثاني عشر من يوليو، وقضيت النهار في المرفأ الفرنسي، ثم أقلنا قطار المساء إلى باريس فبلغناها صبح ?? يوليو.
ونزلنا بباريس فندقًا يجاور كنيسة المادلين لا عهد لأمثالي الطلبة بالنزول فيه، ولكني نزلته مع أصحابي؛ لأن عظيمًا من أصدقاء والدي كان يقيم به، فأثر أصحابي النزول فيه ريثما نجد المسكن الذي يليق بطالب جاء يدرس.
وفي أثناء النهار زار بعض إخواننا المصريين الذين يقيمون بباريس منذ سنين هذا العظيم الذي كنت أتمتع بعطفه، فأوصاهم بأن يصطحبونا في المساء لنرى باريس ليلة ?? يوليو.
وكانت هذه هي المفاجأة التي استمرت أربعًا وعشرين ساعة.
كانت مصر؛ إذ ذاك ترزح تحت نير الاحتلال البريطاني، وكانت فيها بقايا متخلفة من آثار الحكم العثماني، وكانت المرأة المصرية محجبة لا اختلاط لها بالرجال، وكان الجمود الفكري من فضائل الشباب في هذا الحين، وكانت هذه الصورة للحياة المصرية لا تعجبني يومئذ من الناحية النظرية، فكنت أقاومها وما أزال طالبًا بالحقوق، ولكنها كانت صورة الحياة الواقعية التي عرفتها وألفتها، ولم أعرف غيرها ولم ألفه.
فلما كان المساء من ذلك اليوم الأول الذي نزلت فيه باريس إذا بي تفاجئني صورة للحياة تختلف عن هذه الصورة التي ألقتها، بل تثور بها، بل تلقي بها من النوافذ إلى الجحيم لتتبدى أمامي صورة أخرى تبهر عيني وتذرني وكأنني انتقلت إلى عالم آخر.
خرجت في المساء مع أصحابي الذين يقيمون بباريس أشهد عيد ?? يوليو، وكان النهار قد أعدنا بعض الشيء لنتوقع جديدًا نراه، فقد رأينا في الصبح عند قوس النصر بعض الفرق العائدة من الاستعراض الذي أقيم لمناسبة عيد الحرية، أعدنا منظر هذه الفرق بعض الشيء فقط؛ لأننا لم نتعود في مصر أن نسمع عن عيد الحرية، ولأني لم أكن أتصور أن يكون استعراض الجيوش من مظاهر الحرية، وإن أمكن أن يكون من مظاهر الاحتفال بالنصر، فلما خرجنا في المساء كانت المفاجأة الكبرى، المفاجأة التي تركت في حياتي أثرًا لا أنساه، والتي ثبتها بعد ذلك في نفسي ما شهدته غداة ذلك المساء، في يوم ?? يوليو نفسه.
كانت باريس من ذلك الحين تُسمى مدينة النور، لكنها لم تكن تعج بالأنوار عجيجها بها اليوم، أما في ذلك المساء وتلك الليلة مساء ??، ?? يوليو، فقد كانت أنوارها تصعد إلى السماء على نحو بهر خيالي، زاده بهرًا أن أهل باريس جميعًا هرعوا إلى شوارعها يحتفلون بعيدهم ويشهدون هذه الأنوار الساطعة المنتشرة في كل مكان، ويستمعون إلى ألحان الموسيقى التي تعزف في كل مكان.
وسار أصحابنا وسرنا وراءهم نقصد ميدان الباستيل حيث يقوم تمثال الحرية سطعت عليه الأنوار من كل جانب، وارتفعت منه مصعدة إلى السماء، وحرصنا على أن نرى التمثال عن قرب، ولكن هيهات، إن الجموع الزاخرة المحيطة به تجعل من أعسر العسير عليك أن تتقدم إلى ناحيتة، وهذه الجموع مختلطة من رجال ونساء، من شبان وشيب وصبية، وقد أخذت نشوة السرور بمجامع قلوبهم فهم يحيون بنظراتهم وبابتساماتهم هذا التمثال الذي يقوم حيث كان يقوم السجن الذي كبل فيه الاستبداد أجسام الأحرار، وإن لم يستطع أن يكبل عقولهم وقلوبهم، والذي حطه الفرنسيون في ثورتهم الكبرى، وأخرجوا منه الأحرار؛ ليستمتع الجميع بالإخاء والحرية والمساواة، فيقول كلّ ما يشاء، ويفعل ما يشاء، ويستمتع بحريته كما يشاء، على شريطة إلا يعتدي على حرية غيره، فيتمتع الجميع بأكبر نعمة عرفتها الإنسانية: نعمة الحرية.
وبقينا إلى ما بعد منتصف الليل نجوب أرجاء باريس فتفاجئني حيثما ذهبت أنوار الحرية ومظاهرها، وعدت إلى الفندق أستعيد بالنوم راحتي، فلما أصبحت خرجت إلى الحي اللاتيني مع رفقتنا الذين يعرفون باريس.
ما هذا الذي أرى، إن الناس قد بلغ منهم الجذل مبلغًا لو أن شيئا من مثله حدث في مصر لنادى المنادون بالويل والثبور وعظائم الأمور، إنهم يرقصون في كل مكان، ويغنون في كل مكان، ويقبل بعضهم بعضًا في كل مكان، وذلك لا ريب هو احتفالهم بعيد الحرية، فإنني لم أشهد شيئًا من مثله أمس في باريس، ولم أشهد شيئًا من مثله أول من أمس في مرسيليا، وليس طبيعيًّا أن يكون ذلك شأنهم في حياتهم اليومية فحاجات الناس في حياتهم اليومية تقتضيهم العمل، والعمل يمسكهم عن الاندفاع في مثل هذه الغبطة الجارفة التي أراها أمام عيني اليوم.
لكن ما أراه اليوم لم يكن مما يدور بخاطري أو يتصوره خيالي، لقد شهدت جموع الناس الحاشدة في مصر لمناسبات مختلفة كلها أو أكثرها متصل بالدين، كحفلة الكسوة، أو طلعة المحمل، أو رؤية رمضان، أو وفاء النيل، لكني لم أر مثل هذا الجذل الذي يتجاوز الحدود كلها مما رأيت في باريس يوم ?? يوليو، وما كان بالنسبة لي مفاجأة لم يسبق لي في الحياة مفاجأة مثلها.
وأصبحنا يوم ?? يوليو فإذا باريس تعود إلى نشاطها وإلى وقارها، وإذا أنوار العيد تنطفئ؛ ليعود الناس لعملهم اليومي وكدحهم لحاجات الحياة.
تركت هذه المفاجأة أثرًا في نفسي لم تزده الأيام من بعد إلا قوة وتثبيتا، وكان أول أثرها أني أيقنت أن أبناء فرنسا ما كانوا ليحتفلوا بعيد الحرية كل هذا الاحتفال لولا أنهم يشعرون بالفعل بقيمة هذه الحرية بعد أن كسبها لهم آباؤهم وقد بذلوا في سبيلها أجسم التضحيات، فعُذب منهم من عُذب، وشُرد منهم من شُرد وقُتل منهم من قُتل، ولولا أنهم يمارسون هذه الحرية في حياتهم بكل معانيها، ذلك ما تبينته وثبت في نفسي من بعد، ولعلهم كانوا أكثر ابتهاجًا بحريتهم يومذاك منهم ومن غيرهم من الشعوب الحرة بحريتهم اليوم، ولذلك كان احتفالهم أعظم روعة، وكان مصدره القلب والشعور العميق.
فالحرية في ذلك العهد، قبل الحرب العالمية الأولي، لم تكن تعرف حدًّا ولا قيدًا، كان المذهب الفردي الذي يقدس الحرية الإنسانية هو السائد في العالم كله، وكانت وظيفة الحكومات حماية هذه الحرية الفردية قبل كل شيء، لم تكن في ذلك العهد قيود تصدك عن شيء إلا أن تعتدي على حرية غيرك أو على ماله، أما اليوم وبعد الحربين العالميتين الأخيرتين فقد اختلف معنى الحرية في النفوس حتى أصبح الذين كانوا يؤمنون بها على ما عرفها القرن التاسع عشر يشعرون بأن العالم ارتد إلى الوراء أجيالًا.
ومهما يكن من شيء فقد تركت هذه المفاجأة الأولى التي واجهتني بها باريس أول ما نزلتها أثرًا في نفسي لا تمحوه الأيام، ولا يمكن أن يجني عليه النسيان.

باريس أمس واليوم


أحقٌّ أنه لا جديد تحت الشمس كما يقولون؟
وبعبارة أكثر بساطة، هل نحن نرىكل يوم ما نراه في اليوم الذي سبقه، وكل عام ما نراه في العام الذي سبقه، فنتوهم أن العالم هو اليوم كما كان منذ خُلق، قد يكون ذلك صحيحًا إذا وقفنا بذاكرتنا عند مظاهر الطبيعة وأثارها، فالشمس والقمر وسائر الكواكب لم تتغير في تصورنا عما كانت عليه منذ آلاف السنين، والبحار والجبال والأنهار لم تتغير كذلك، وما تنبت الأرض هذا العام هو ما أنبتته العام الماضي، وهو ما ستنبته في العام المقبل والأعوام التي تليه، لكنا قد رأينا في حياتنا، وفي هذا القرن العشرين، أشياء لم يرها آباؤنا، أو لم يرها أجدادنا، كما أن ساكن المدينة يرىأشياء لا يراها ساكن القرية، ونحن إذا غبنا عن بلاد كنا نقيم بها ثم عدنا بعد سنين إليها رأينا فيها من الجديد ما لا يراه المقيمون بها، والذين لم يبرحوها يتوهمون أن ما يرونه هو هو لا يتغير، ويقولون بذلك أن لا جديد تحت الشمس.
وقد غبت أنا عن باريس مرات وعدت إليها بعد ذلك مرات، وكنت قد أقمت بها ثلاث سنوات بين سنة ???? وسنة ????، خلال إجازة قصيرة قضيتها خلال هذه السنوات الثلاث بمصر، وقد رأيت تحت شمس باريس جديدًا في غير مرة من المرات التي عدت فيها إليها، وإن بقيت باريس لم تتغير في جوهرها وروحها بأكثر مما تغير العالم كله في جوهره وروحه.
كانت باريس خلال السنوات الثلاث التي أقمتها بها صدر شبابي أكثر مرحًا، وكان مرحها إذ ذاك أكثر رزانة من مرحها في العهد الذي أعقب الحرب العالمية الأولي، وأكثر وقارًا من مرحها بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت باريس صدر شبابي أكثر حرية منها اليوم، وإن بقيت مع ذلك مهد الحرية في العالم كله بأوسع صور الحرية وأكمل معانيها.
وكانت باريس صدر شبابي أشد ميلًا للفن الكلاسيكي في المسرح والموسيقى والأدب، وهي اليوم أشد ميلًا للفن التقدمي فيها، إن صح أن تسمي مظاهر الوجودية «الأكزيستانسياليسم» وما إليها فنًّا تقدميًّا، وكانت باريس صدر شبابي مصدر الإشعاع العلمي والروحي، ومقصدًا لكثيرين تحن نفوسهم وقلوبهم إلى نور هذا الإشعاع المجتمع في السوربون وما حوله من معاهد باريس، واليوم تنازع باريس عواصم أخرى تريد أن تنزع منها تاج هذا الإشعاع في الفن والعلم والأدب، وباريس مع ذلك ما تزال محتفظة بتاجها غيورة عليه أشد الغيرة، هذه وأمثالها صور لما جد تحت شمس باريس، ثم بقيت مدينة النور رغم ذلك كله مصدر النور تحسه القلوب والعقول والأرواح، كما تشهده الأعين والحواس.
ولن أسأم تكرار ما حدثني به السناتور ألبن باركلي نائب رئيس الجمهورية الأمريكية في عهد الرئيس ترومان؛ إذ قال لي يومًا ونحن خارجان من اجتماع اللجنة التنفيذية للاتحاد البرلماني الدولي سنة ????، وكانت اللجنة تعقد اجتماعها في قصر مجلس الشيوخ الفرنسي القائم في حديثة اللوكسمبرج، قال سناتور باركلي: لقد زرت عواصم العالم كله تقريبًا زرت عواصم أمريكا وأوروبا وزرت القاهرة وزرت الهند، والكثير من هذه العواصم روعة تأخذ بالنفس، لكن عاصمة منها لا تأخذ بمجامع قلبي ما تأخذ باريس، أنا لا أعرف كلمة واحدة من اللغة الفرنسية، ولا أعرف لغة غير الإنجليزية، وأنا مع ذلك أشعر وأنا هنا في باريس بأنعم الحياة أكثر مما أشعر بها في أي بلد آخر، ولو سألتني لماذا، لما استطعت أن أجيبك بأكثر من أنها باريس بفتنتها وبارع جمالها وظروفها وخفة روحها.
وأعترف بأنني أعتبر السنوات الثلاث التي أقمتها صدر شبابي بباريس أسعد أيام حياتي، وأعمقها أثرًا في تكوين نفسي وفي اتجاه ثقافتي، وإنني لذلك أحب باريس أخلص الحب، وأدين لها بولاء لا تجني عليه الأيام، قد أختلف رأيًّا مع الفرنسيين، أو مع أهل باريس أنفسهم، في أمر من الأمور، وقد يبلغ هذا الخلاف من نفسي مبلغ الموجدة عليهم، فإذا عدت إلى باريس، بل إذا ذكرت باريس أسفت أن يكون بيني وبين أهلها خلاف كما تأسف أنت إذا اختلفت مع أعز حبيب عليك، وأحب صديق إليك.
وليست هذه العاطفة القائمة بنفسي نحو باريس من إملاء النظرة الأولى، وليست أثرًا من هوى في الشباب بقيت ذكراه عالقة بالقلب رغم تعاقب السنين، فقد نزلت باريس أول ما نزلتها قليل البضاعة من اللغة الفرنسية، وقد فكرت في الأسابيع الأولى من نزولي بها أن أغادرها إلى لندن، وفي أثناء ذلك كنت جادًّا في دراسة اللغة الفرنسية، وكان معلمنا يدرس إلينا الآثار الكلاسيكية وروائع الأدب الحديث، كان يقرأ معنا مسرحيات راسين وكورني وموليير، وكان ينصح إلينا أن نذهب لنرى هذه المسرحيات في الكوميدي فرانسيز، ضبطًا لنطقنا، ومتاعًا بجمال التمثيل، فكان ذلك أول أثر عميق تركته باريس في نفسي، وإني لأذكر إلى اليوم، رغم انقضاء ما يقرب من نصف قرن، كيف بلغ إعجابي بالممثلة البارعة مدام برتييه وهي تمثل دور أندروماك ما تجاوز كل حد للإعجاب، وما جعلني أتردد لأراها ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، ثم جعلني أرى المسرح الفرنسي بحق تاجًّا تفخر به باريس، وتفخر به فرنسا، ويثير في نفس الأجنبي أعظم الإعجاب وأبلغه.
وكنت أخرج يوم الأحد من كل أسبوع أقضي النهار في ضاحية من ضواحي باريس: فرساي، أو فيونتينبلو، أو سان كلو، أو فنسين أو انجان ليه بان، أو غيرها من هذه الضواحي الكثيرة الجميلة المحيطة بالعاصمة الفرنسية، والتي تكتنفها الغابات، أو البحيرات، أو يجري أمامها نهر السين وتجري عليه زوارقه البخارية الظريفة، وفي هذه النزهات كنا نرى الفرنسيين الذين يخرجون إلى هذه الضواحي يمرحون ويعبثون، ولا يأبون أن يشاركهم غيرهم مرحهم وعبثهم، ومن حولهم إبداع هذه الطبيعة بغاباتها وبحيراتها وبنهرها الصغير بالقياس إلى نيلنا العظيم، فترك ذلك كله في نفسي أثرًا أعمق الأثر.
وفي هذه الأثناء كنت قد بلغت من معرفة اللغة الفرنسية ما أتاح لي أن أقرأ روائع آدابها فتوفرت على ذلك جهدى، وكنت أقضي فيه جانبًا كبيرًا من ليلي ومن نهاري، فكنت أزداد بتوفري ذاك إلمامًا باللغة، وازداد به كذلك حبًّا لأصحابها، حب تقدير وإعجاب، وحب مودة وصداقة.
وآن لجامعة باريس أن تفتح أبوابها، وللمعاهد المحيطة بها أن تبدأ محاضراتها، فأقبلت أستمع إلى هذه المحاضرات فإذا بي أسمع جديدًا لم أتعود في مصر سماع مثله، وإذا البحث الحر أساس هذه الدراسات العليا، وإذا آفاق جديدة تنفتح أمامي وتريني من ألوان الحياة جديدًا لم يكن لي به عهد من قبل.
وكذلك جعلت باريس تبعث إلى قلبي وعقلي من روحها ومن حياتها، ومن مختلف صور الجمال الساحر فيها ما ثبت في نفسي محبتها، وما زاد هذا الحب عمقًا على الأيام، فلما غبت عنها بعد السنوات الثلاث التي أقمتها بها كنت دائم الحنين إليها، لكن أحوال الحياة حالت بيني وبين العودة إليها؛ إذ نشبت الحرب العالمية الأولى بعد سنتين من مغادرتي إياها، وحبست هذه الحرب المصريين داخل بلادهم إلى مايو سنة ????، ثم إني عدت إلى باريس في سنة ???? وجعلت أتردد بعد ذلك عليها كل عام إلى سنة ????، ومررت بها لمامًا في سنة ????، ثم حجزتني الحرب العالمية الثانية عن العودة إليها إلى سنة ????، وكثر ترددي بعد ذلك عليها، وبعد كل غيبة عنها وعودة إليها كنت أرى فيها جديدًا لا يمحو القديم، بل يزيده روعة وبهاء ويزيدني بمدينة النور تعلقًا كتعلق الصديق الوفي بصديقه الوفي.
وكذلك كان شأني من باريس كشأني في كل مرة أحببت فيها، ليست النظرة الأولى هي التي تسرحني، وإنما يسري الحب إلى قلبي شيئًا فشيئًا، رويدًا رويدًا، ثم يستقر فيه استقرار إخلاص ووفاء لا يغير منهما ما أعرف من هفوات من أحب ونزواته، وكثيرًا ما تزيديني هذه النزوات له حبًّا ولصداقته وفاء.

باريس مدينة الكتب


في باريس ظاهرة لم أر مثلها في ما زرته من سائر العواصم، وهذه الظاهرة أكثر وضوحًا في الحي اللاتيني منها في سائر أحياء العاصمة الفرنسية، فالمكتبات في شارع سان ميشيل وفي الشوارع المتفرعة منه لا يكاد يحصيها العد، وقد ألف المترددون على هذه المكتبات أن يتصفحوا ما شاءوا من الكتب المعروضة فيها أثناء وقوفهم بها قبل أن يقتنوا شيئًا منها، وأذكر من هذه المكتبات بصفة خاصة مكتبة فلاماريون المحيطة بجانب كبير من الجدران الخارجية لمسرح الأوديون، فكثيرًا ما كنت أتردد عليها فأجد عندها عددًا غير قليل من الشباب يفتحون صفحات الكتب التي لم تفتح بعد، ويقرءون فيها، ولعل بعضهم كان يقرأ الكتاب كله ثم لا يشتريه لضيق ذات يده.
وهناك غير هذه المكتبات مكتبات أخرى تبيع الكتب القديمة بأسعار زهيدة، هذه المكتبات تتألف من صناديق مثبتة فوق الحاجز القائم في الحي اللاتيني على ضفاف نهر الصين، وقراءة هذه الكتب القديمة أيسر بطبيعة الحال من قراءة الكتب الجديدة، فأوراقها مفتوحة كلها، ويستطيع من شاء أن يتصفح الكتاب كله أثناء وقوفه عند تلك الصناديق.
وأنت واجد ما تبتغيه من الكتب في الحي اللاتيني لا محالة، أيًّا كان موضوع الكتاب الذي تبحث عنه.
وقد يسرت لي الإقامة بالحي اللاتيني بعد أيام من نزولي باريس أن أترددد على هذه المكتبات، وأن أقف أمام واجهاتها، وأن أقلب بعض صفحات الكتب المعروضة فيها، فلما بدأت قراءاتي في الأدب الفرنسي بعد شهرين أو نحوهما من مقامي هناك كان التردد على هذه المكتبات بعض أسباب التسلية عندي، على أنني لم أكن أحتاج لتقليب الكتب حتى أختار ما أطمئن له، فقد كان من حظي أن كان الأستاذ الذي نتلقى عليه اللغة الفرنسية أديبًا؛ فكان يرشدني إلى ما أقرأ فأشتريه، وبعد أشهر أقمت في بنسيون في بوليفار سان ميشيل نفسه لم يكن معي به غير صاحبة البنسيون وأستاذ في ليسيه «لوي لجران» وشاب فرنسي يدرس لليسانس الحقوق، وكان أستاذ الليسيه يرشدني كذلك إلى خير الكتب فابتاعها، وبعد قليل من بدء قراءتي لهذا الأدب الفرنسي الذي لم أكن أعرف منه إلا القليل المترجم يوم نزلت باريس، شعرت بنهمي لهذه القراءة يشتد وتزداد شدته حتى يبلغ مني أن أقضي فيه معظم ساعات الليل والنهار، وأن أجد فيه متاعًا وسعادة ولذة لا تعدلها سعادة ولذة ولا يعدلها متاع.
وكان كُتَّاب العصر المبرزون في ذلك الحين هم أناتول فرانس، وبيير لوتي، وبول بورجيه، وكان قد سبقهم ممن يضارعهم مكانة فلوبير وجي دي موباسان ويلزاك، هذا إلى طائفة ضخمة من الكُتَّاب والأدباء لا أقصد هنا حصرهم، أما أدباء القرنين التاسع عشر والثامن عشر من أمثال فولتير وروسو وفكتور هوجو ولامارتين وموسيه ومعاصريهم فلم تكن أسماء أكثرهم غريبة عليَّ، وقد اندفعت أقرأ وأقرأ ولا تزيدني القراءة إلا ظمأً للنهل منها للاستزادة من روائعها، حتى إذا فتحت الجامعة أبوابها وآن لي أن أُعنَى بالمحاضرات فيها لم تصرفني هذه العناية عن متابعة قراءتي في الأدب.
ولم تكن لذة القراءة هي وحدها دافعي إلى هذا الإدمان إياها، بل كان ثمة دافع آخر، فأنت في كل مجلس تجلس فيه، وفي كل مسرح ترتاده، وفي كل جماعة تلقاهم كنت تشعر بأنك غريب عن المجلس وعن الجماعة إذا لم تكن متتبعًا الحركة الفكرية في العاصمة، وكان أهل المجلس ينظرون إليك عند ذلك وكأنما يعجبون لوجودك بينهم، بل يعجبون لوجودك في باريس.
على أني شعرت بعد زمن أنه لم يبق لي عن إدمان القراءة غنى، كما يشعر المحب بأنه لا غنى له عن صحبة من يحب، وقد راقني يومئذ من الأدب الفرنسي عامة، ومن الأدب المعاصر خاصة صفتان أخذتا بمجامع نفسي، وجعلتا هذا الأدب يملك كل حواسي، هاتان الصفتان هما الوضوح والعمق، فهو كالماء الصافي، تنظر فيه فإذا هو مبسوط أمامك فسيح الأرجاء في البحر الذي يحتويه، وهو مع ذلك عميق يذهب بك إلى أغوار الأشياء في تصويره وفي تخيله وفي قصصه وفي حواره، وفي كل ما يتناوله، صحيح أن أساليب الكُتَّاب تختلف وضوحًا وعمقًا، كما تختلف اتجاهاتهم في فلسفة الحياة وفي تصوير أغراضها، لكن لكل واحد منهم فكرته التي لا تستبهم عليك، ولو أدت بك هذه الفكرة إلى الحيرة وإلي اللادرية.
يخيل إليَّ أن كثيرين من شبابنا الذين ذهبوا إلى باريس في الفترة التي قضيتها أنا بها، أو فيما حول تلك الفترة، قد استهواهم الأدب الفرنسي، واستهواهم التفكير الفرنسي ما استهواني، وشغفوا به كما شغفت أنا به، ويخيل إليَّ كذلك أن هذا كان شأن كثيرين من أبناء البلاد العربية الذين درسوا في باريس في ذلك الحين، فقد لاحظت من بعد أن هؤلاء جميعًا هم الذين تولوا توجيه الرأي الحر في بلادهم، فقامت الصحافة وقام التأليف وقامت أستاذية الجامعة، وقام البناء الفكري كله بمجهودهم وعلى أكتافهم، وأثمر في مصر وفي غير مصر من البلاد العربية ثمرته اليانعة الدانية القطوف.
ولست بحاجة أن أذكر أسماء هؤلاء والكثيرون من أبناء البلاد العربية يعرفونهم، لكن الشيء الذي طالما تساءلت عنه هو السبب في استجابة الرأي المثقف في هذه البلاد العربية للاتجاه الفرنسي في التفكير والرأي، أكثر من استجابته للاتجاه الجرماني أو الأنجلو سكسوني مثلًا.
فقد درست ودرس الكثيرون من أمثالي اللغة الإنجليزية، وقرأنا الكثير من كتبها، ووجدنا فيما قرأنا المتاع والفائدة، لكن الواحد منا كان إذا درس اللغة الفرنسية بعد ذلك ألفى نفسه أكثر إلفًا لها وآدابها ولصور التفكير فيها، حتى يحسب الكثيرون أنه لا يعرف لغة أجنبية غيرها، وقد ألف بعض إخواننا أن يذكروا أن مرجع ذلك إلى أن البلاد التي تشاطئ البحر الأبيض المتوسط يتشابه مزاجها، وتتشابه طرق التفكير فيها بحكم الإقليم الذي تقيم فيه، والبيئة الطبيعية التي تحيط بها، ولهذا الرأي لا ريب قيمته، فللبيئة الطبيعية على التفكير الإنساني الأثر الأول، وما يحيط بالطفل حين يُولد يبقى أثره في نفسه ما عاش، لكني أعتقد أن ثمة اعتبارًا آخر يتصل بهذا الاعتبار لا يصح إغفاله، وهو اعتبار تاريخي يرجع إلى أقدم الحقب، فقد نشأت الحضارة أول ما نشأت في هذا الجانب الذي نعيش فيه من جوانب العالم حول البحر الأبيض المتوسط، كانت مصر وكانت اليونان وكانت روما، ثم كانت البلاد المسيحية والبلاد الإسلامية المقدسة مبعث هذه الحضارة في قيامها وفي تطورها، وقد ورث أبناء هذه المنطقة تراث هذا التطور وامتثلته نفوسهم أكثر مما امتثله غيرهم من الشعوب.
كذلك كان للفن الإيطالي من تصوير وموسيقي، وللأدب الفرنسي شعرًا ونثرًا، وللأديان التي نشأت في مصر وفي فلسطين وفي بلاد العرب، أعمق الأثر في هذه النفوس، وقد امتد هذا الأثر خلال الأجيال من الأجداد إلى الأبناء فعاون البيئة الطبيعية على تصوير المزاج الإنساني لهذه الشعوب، فإذا هذا المزاج يتشابه في نواحي التفكير والشعور والتصوير، وإذا آثار متشابهة تنطبع فيما تنتج هذه البلاد من علم وفن وأدب، وإذا هي تعيش وكأن بينها من أواصر القربى ما يزيدها في بعض الأحيان ارتباطًا، وما يثير بعضها في كثير من الأحيان ببعض.
وما أحسب هذه الوراثة يزول أثرها قبل أجيال وقرون، فقد تأصلت في هذه البلاد منذ ألوف السنين، ولا بد للاتجاه الإنساني الجديد نحو حضارة عالمية من أن يستقر أجيالًا، كذلك ليكون له من الأثر ما يغلب به هذا التراث المجيد الطويل، وقد أتمنى أن لا يكون ذلك، وأن يسرع بنا التطور نحو الوحدة العالمية لنكون شعوبًا متفاهمين متعاونين متشابهي الميول والمزاج، لكني أعتقد أن ذلك غير مستطاع؛ لأن التطور الإنساني لم يسر في عصر من العصور بمثل هذه السرعة، ولهذا سيظل للأدب الفرنسي أثره في هذا الجانب من العالم لا ينازعه إلا الذين ورثوا ما ورث أمثالهم من إيطاليين أو يونان أو عرب أو مصريين، وقد يكون هذا النزاع خيرًا، وقد ينتهي بغلبة الأدب الفرنسي غدا، وقد لا ينتهي إلى هذه النتيجة، وسيظل للأدب الفرنسي على أية حال ما له اليوم من مكانة يغار أهله عليها، ويبذلون الجهد للاحتفاظ بها.

فرنسا الجميلة وباريس تاجها


لما اختار أناتول فرانس أن يستريح من عناء الحياة بالعود إلى أخضان أمه الأرض قال أحد أصدقائنا: إن خسارة فرنسا بفقد كاتبها العظيم لا تعوض، فهؤلاء الذين يتفوقون في علمهم أو فنهم بمراحل شاسعة على غيرهم يذرون الناس يتوهمون أن من بعدهم من أبناء فنهم في الدرجة الثانية، والواقع أنهم إن كانوا في الدرجة الثانية بالنسبة للنابغة العظيم فهم من الصف الأول في الدرجة الأولى بالقياس إلى أرباب فنهم عامة، ولولا النابغة العظيم الذي خلفهم وراءه بمراحل لاعترف الكل بأنهم في الدرجة الأولى، وأنهم ممتازون فيها.
وهذه جناية النوابغ من الرجال، وهي كذلك جناية المدن البارعة الجمال على وطنها كله، فأنت حين تذكر فرنسا تبرز باريس أمام تصورك، ولا تكاد تتصور من فرنسا غير باريس، وتكاد تحسب أن جمال فرنسا كله اختصت به باريس، والحق أن باريس هي الكوكب الدري المتألق في تاج فرنسا، لكن ذلك لا يغض من جمال فرنسا كلها، ولا يغص من جمال بغض أرجائها جمالًا ممتازًا بروعة طبيعته أو إبداع فنه، أو جلال تاريخه، وغاية الأمر أن الشمس تاريخه، وغاية الأمر أن الشمس تحجب القمر، وأن ملكة الجمال تحجب من دونها من ذوات الجمال البارع، وأن باريس تنسيك جمال فرنسا فتتخيل أن هذا الجمال تركز كله في عاصمتها البارعة الجمال.
وإني إن نيسيت فلن أنسى يوم نزولي فرنسا لأول مرة، وسفري من مارسيليا بقطار الليل إلى باريس، كان الظلام مخيمًا على كل ما حولنا، وكان القطار ينهب الأرض إلى غايته، ونحن نحاول النوم فلا نكاد تظفر منه بطائل، وهزتني رجة القطار مرة من غفوتي خيل إليَّ أن ضوء النهار بدأ يتسرب من خلال النافذة التي تجاورني، فأزحت ستارها فصدق النهار الوليد ظني، لم تكن الشمس قد بزغت بعدُ، لكن إسفار الصبح أتاح لي أن أرى ما حجبه الليل، ما هذا، إنه شيء لم ألف مثله في مصر، إن الأرض لترتفع من حولنا وتنخفض بما عليها من زرع لا أدري ما هو، ويتابع ارتفاعها انخفاضها حتى تفنى دون الأفق، وها نحن نخترق نفقًا يعلونا الجبل من فوقه فتعود الظلمة إلينا وكأنما غلب الليل النهار من جديد، ونتخطى النفق إلى منظر يختلف جد الاختلاف عن المنظر الذي رأينا قبل النفق، فيزيدني ذلك يقظة ويطرد عني كل معنى من معاني السأم والملال، وكذلك بقيت حتى بلغت باريس، فلما حدثت بعض أصدقائي المصريين الذين سبقوني سنوات إلى فرنسا، قال لي أحدهم: وماذا رأيت، إن الطريق من مرسيليا إلى باريس أقل طرق فرنسا جمالًا، ولو أنك ذهبت إلى أواسط فرنسا، أو إلى شرقها أو إلى جنوبها، أو إلى الريفيرا، إذن لعبدت الجمال، ولما كان من تتحدث عنه الساعة غير وهم من جمال.
وصدق صاحبي، لقد ذهبت في أوائل الربيع من سنة ???? إلى الريفيرا مارًّا بأرل ونيم ومونبلييه وبشاطئ البحر الأبيض من مرسيليا إلى مونت كارلو، وفي هذه الرحلة القصيرة الطويلة كنت أنتقل من روعة إلى روعة، ومن جمال إلى جمال، ولم يكن جمال الطبيعة وحده هو الذي يمسك بالنظر، بل كان جمال الفن في بعض متاحف المدن الصغيرة أشد لفتًا للنظر وامساكًا به، أذكر الآن، وقد مضى على ذلك العهد خمس وأربعون سنة يومًا كنت فيه بمتحف في إحدى هذه المدن الصغير؛ فاستوقفتني صورة عذراء أمامها مستتيب، ما أبدع صورة العذارء في طهرها وبراءة نظرتها، وما أروع هذا المستتيب الذي يستغفر لذنبه، فيُرى في براءة نظرة العذراء ما يدل على أنها لا تعرف له خطيئة، لقد بقيت أحدق بهذه الصورة ساعة أو أكثر من ساعة لا أدري، بقيت أحدق بها حتى جاء حارس المتحف ينبهني إلى أن المتحف موشك أن يقفل أبوابه، ويطلب إليَّ أن أغادره، لقد ارتسمت هذه الصورة البارعة في أعماق نفسي فلم أنسها قط ولن أنساها.
وكما يحدثك الفن في المتاحف بجمال لا يقل روعة عما تحدثك به الطبيعة في إبداعها، كذلك يحدثك التاريخ في أرل، وفي نيم، وفي غيرهما من المدن حديثًا ممتعًا قل نظيره في غير فرنسا، فلما ذهبت إلى الريفيرا الفرنسية حيث يلتقي البحر والجبل فتقوم على سفح الجبال البلاد المطلة على موج البحر، ومن بينها نيس، وكان، وموناكو، رأيت لونًا جديدًا من جمال الطبيعة يبهر اللب، فزرقة البحر الأبيض المتوسط بديعة حقًّا، وتعاريج شوائطه وقيام الجبال حول هذه التعاريج، والتقاء هواء البحر وهواء الجبل، كل ذلك يبعث إلى صدرك وإلى حواسك وإلى شعورك انتعاشًا يضاعف قيمة الحياة عندك، ويزيدك حبًّا لها ومتاعًا بها.
وبعد عام من زيارتي هذه المناطق زرت وسط فرنسا فرأيت في قصور اللوار تاريخًا، وفي خصب هذه المنطلقة حديثًا غير حديث الريفيرا، وغير تاريخ أرل ونيم، كما رأيت في رحلة أخرى منطقة كليرمنت فيران روايا، فأما الألب الفرنسية في منطقة السافوا العليا فيما حول أنسي فهي الشعر الناطق بأغاريد الطبيعة في أحلى ألحانها، وأكثرها امتاعًا للنظر والقلب والجوانح.
لن يستطيع حديث قصير كهذا الحديث أن يرسم صورة مهما تكن موجزة من جمال فرنسا، ولست أزعم من ذلك أنني زرت فرنسا كلها، أو أنني زرت معظمها، وغاية ما أقول: إنني زرت الكثير من جوانبها الجميلة، وقرأت الكثير كذلك عن جوانبها الأخرى، وشعرت أن الطبيعة قد حبت هذه البلاد، بل حابتها بما أسبغت عليها من جمال وبهاء، وأن الإنسان عاون الطبيعة وهذبها فزاد هذا الجمال رقة وروعة، وحببه إلى نفوس الذين يزورونه جميعًا.
مع هذا جنت باريس على هذا الجمال؛ لأنها جمعت في متاحفها أكثر مما جمعت متاحف فرنسا كلها، وجمعت في ضواحيها وغابات هذه الضواحي بدعا من الطبيعة إن لم يغلب جمال السافوا أو الريفيرا فله مع ذلك طابعه الخاص به، وجعلت من نهرها تحفة فنية ليست لنهر غيره من أنهار فرنسا روعتها؛ لأن الفرنسيين وهبوها من محبتهم ومن جمالهم ومن رقتهم وظرفهم ما جعلها محببة إلى كل قلب يحب الجمال، وإلى كل عقل يحب العلم والتفكير.
أنا أعلم أن بعضهم يتهمني بالمبالغة في محبة باريس، فإن يكن ذلك حقًّا فالذنب فيه ليس ذنبي، ولكنه ذنب باريس، أتراك إذا أحببت قطعة بارعة من الموسيقى، أو مسرحية رائعة، أو قصة أدبية جميلة، أتكون ملومًا في حبك هذا؟ وباريس قد جمعت كل ما عرفه الإنسان من جمال ومن علم ومن فن، وجمعت من هذا الجمال أبدعه وأبهاه، فليعذرني اللائمون وليلوموا باريس أو فليحبوها كما أحبها.

في باريس مع أولادى


أينا الملوم: أنا أم باريس أم أن لا لوم على أينا، وأن الظروف كانت أقوي منا كلينا وأن هذه الظروف جعلتني أضيق ذرعًا بباريس وإن سعدت بالأيام القليلة التي أقمتها بها؛ لأني كنت في خير جماعة وأحبها إلى قلبي، مهما يكن من شيء فقد كدت أضيق ذرعًا بباريس رغم حبي إياها؛ لأنها حوت خير الذكريات من أيام شبابي، ولأنها كانت لي نعم العون في محنة أصباني القدر بها، ثم عوضني الله عنها خير العوض.
كدت أضيق ذرعًا بباريس؛ لأنها لقيتني حين نزلتها بجو مكفهر ومطر هتون، ولأنها أنذرتني أول ليالي بها ببرد قارس يجب أن أحتاط له في الليل وفي النهار، ثم لم تمض على ذلك ست وثلاثون ساعة حتى إذا الجو انقلب حارًّا شديد الحرارة، واستمر كذلك إلى أن غادرتها من تسعة أيام من مقامي بها، وكانت مشاهد باريس بالليل تعوض النازل بها عن قيظ نهاره إذا كان قائظًا، لكني نسيت حين نظمت رحلتي أن شهر أغسطس شهر ميت في باريس، تقفل فيه معظم مسارحها ولا يبقى مفتوحًا بها إلا المسارح الصغرى، ومسارح الرقص والغناء التي يهوي إليها السائحون الذين لا يعنون بالمسرح من حيث هو المسرح، بل لقد كانت الأوبرا نفسها مقفلة، وكانت الكوميدي فرانسيز مقفلة، وكان مسرح الأوديون مقفلًا، وكانت المسارح التي تُمثل ما يُصور المزاج الفرنسي والتفكير الفرنسي مقفلة كلها، فإذا أنا ضقت ذرعًا بقيظ النهار، ولم أجد من مسارح باريس ما يُسليني عن هذا القيظ ساعات الليل فمن حقي أن ألوم باريس، وإن كان من حقها كذلك أن تلومني لأنني أنا الذي اخترت أشد شهورها حرارة حتى يفر الفرنسيون منها إلى مصايفهم، وحتى ليقفل الكثير من مطاعمها كما يقفل الكثير من مسارحها أبوابه، وإن بقيت متاجرها جميعًا مفتوحة للسائحين.
وزادني غيظًا من باريس أنني قررت أن أذهب آخر ليلة لي بها لأشهد مسرحية للكاتب الإسكندنافي الكبير (إبسن) في مسرح من مسارح حي مونبارناس مقتنعًا بأنني سأجد في مشاهدتها من الغبطة ما يعوضني عما فاتني من مشاهدة المسارح الكبرى، فإبسن كاتب مبدع عميق التفكير حسن العرض إلى غير حد، فلما سألت في ذلك اليوم أريد أن أحجز الأماكن التي نذهب إليها، قيل: إن المسرح معطل لا يعمل يوم الأحد، واعتضت عن هذه المسرحية بمسرحية أخرى، فإذا هي في نظري أدنى إلى التهريج، وإن صفق شهودها من الفرنسيين تصفيقًا حادًّا لمواضع كثيرة منها، مما جعلني أحزن؛ لأنني لا أعرف العامية الفرنسية، ولو أنني عرفتها لطربت طرب القوم ولصفقت تصفيقهم.
ولقد شهدت خلال الأيام التسعة التي أقمتها بباريس أربع مسرحيات أعجبت بإحداها غاية الإعجاب، لم تكن المسرحية تصور فكرة، بل لعلها لم تكن مسرحية بالمعنى المفهوم في المسارح ذات الصبغة الجدية، بل كانت عرضًا فيه الموسيقى وفيه رقص وفيه غناء، لكن هذا العرض كان بارعًا كل البراعة، وكانت الملابس فيه متقنة رشيقة، وكانت الأصوات حلوة تلذ الأذن حقًّا، وقد تجلت أمامي روح باريس في هذا العرض البارع، تجلى فيه الذوق الفني كأحسن ما يمكن أن يتجلى، هذا على أنني لست من هواة الاستعراض المسرحي، أما وقد أعجبتني هذه المسرحية إلى هذا الحد فيُخيل إليَّ أنها كانت من خير ما يُعرض في باريس.
على أن ما فاتني من مشاهدة مسارح باريس قد وجدت عنه خير العوض بزيارة بعض ضواحيها القريبة، وقد زرت في خير رفقة ضاحية روبنسون، وكان أحد زملائنا في هذه الرفقة ممن درسوا الفنون الجميلة بباريس بعد أن أتموا دراسة العمارة بمصر، وكان قد أقام في روبنسون عدة أشهر أول مجيئه طالبًا إلى باريس، وكم سرني حرصه على أن يجد البيت الذي كان يُقيم به إذ ذاك، وكم ابتسمت حين رأيته يقف عند بيت يتردد أكان ذلك هو البيت الذي أقام به في ذلك العهد، منذ أكثر من ثلاثين سنة، وعجبت كيف تهوي نفوسنا إلى منازل شبابنا، وكيف نحرص الحين بعد الحين على أن نقف أمامه وأن نطيل النظر إليه، نحن لا نرضى أن نقيم اليوم في هذه المنازل، ونراها غير كفيلة بطمأنينتنا وراحتنا، لكننا مع ذلك نشعر حين نقف أمامها بمعنى من معاني القدسية لعل مرجعه ما وصلنا إليه من خير أو شر.
ولم أحاول حين زرت «سان كلو» أن أبحث عن البنسيون الذي أقمت به فيها عدة أشهر من حياتي طالبًا بباريس؛ هربًا من ضجة باريس ومتاعبها، لكنني وقفت أمام البيت الذي كنت أقيم به في الحي اللاتيني وأطلت النظر إليه، وحييته اعترافًا بما له عليَّ من فضل، ابتسم كلما ذكرته مغتبطًا به راضيًّا عنه.
فقد حببت إليَّ رفقتني في هذا البيت دراسة اللغة الفرنسية؛ لأن زملائي به لم يكونوا يزيدون على اثنين مع صاحبة البنسيون، أما أحدهما فكان أستاذًا للأدب الفرنسي في إحدى المدارس الثانوية، وأما الآخر فكان شابًّا من أسرة فرنسية كريمة في شمال فرنسا يدرس الحقوق بباريس، وكان أستاذ الليسيه يختار لي الكتب التي أقرؤها فكان اختياره هذا خير عون لي على معرفة هذه اللغة ومعرفة آدابها إلى حد كبير، ولي في هذا البيت قصة طريفة، كنا في الأيام الأخيرة من السنة الدراسية، وكان الامتحان شفويًّا، وكان الطالب يختار إحدى فترتين لامتحانه، وفاتني أن اختار الفترة الثانية لأتم استذكار المواد التي سأمتحن فيها، وأنني لمجد في مذاكرتي؛ إذ جاءني إعلام من كلية الحقوق بتحديد يوم لامتحاني في الفترة الأولى، هنالك أسقط في يدي، فلو أنني تقدمت في هذه الفترة الأولى لكان حظي من النجاح قليلًا جدًّا، ماذا أصنع؟ ذهبت إلى الكلية وشكوت أمري، فقيل لي: إن غاية ما يستطيعون أن يؤجلوا امتحاني لنوفمبر، إذن تضيع عليَّ إجازة الصيف، وكنت معتزمًا أن أزور خلالها إنجلترا وسويسرا، عند ذلك استشرت أستاذ الآداب الفرنسية، فقال لي: إن طبيبهم يستطيع أن يمنحني شهادة بأنني كنت مريضًا فلم أتمكن من الاستذكار، وإن تأجيل امتحاني إلى ما بعد الصيف يضيع عليَّ فترة الراحة التي تكفل شفائي، وأشار عليَّ بأن أرفق هذه الشهادة بخطاب لوكيل المعارف ألتمس فيه أن تُقدم الكلية امتحاني للفترة الثانية، أي في شهر يوليو إلى منتصف يوليو، وفعلت، أعطاني الطبيب الشهادة التي طلبتها وأرفقتها بطلب للوزير، ثم لم تمض على ذلك ثمانية أيام حتى إذا كلية الحقوق تبعث إليَّ بأن امتحاني تحدد موعده في الأيام الأخيرة من شهر يونيو، واغتبطت لذلك أشد الاغتباط وأديت الامتحان في موعده وأبرقت لوالدي بنجاحي.
ألا تستحق هذه الأمور وأمثالها أن يقف الإنسان أمام هذه المنازل يحييها، بل ألا تستحق أن يعود الإنسان في كهولته للمقام بها ذكرًا لأيام الشباب، أقول هذا فأذكر فندقًا أمام السوربون أقمت به شهورًا أيام الدراسة، فلما عدت بعد ذلك بعشرين سنة أو نحوها إلى باريس وكان المرحوم شوقي بك أمير الشعراء فيها أردت زيارته؛ فعلمت أنه ينزل بهذا الفندق الذي كنت أنزل فيه أيام مجاورتي السوربون طالبًا، قلت يومئذ فيما بيني وبين نفسي: هذه روح الشاعر، إنه يريد أن ينزل حي الشباب، في فندق الشباب، ليوحي إليه هذا الشباب معاني لا توحيها أحياء السائحين الذين يلتمسون الراحة والنعمة، والتي لا يعرفها الشباب ولا تعرف هي الشباب.
والحق أننا نحن المخطئون وأن شوقي قد كان على حق؛ إذ ينزل الحي اللاتيني على الشاطئ الأيسر لنهر الصين، وحين ينزل على مقربة من السوربون ومن كليات جامعة باريس ومن الكوليج دي فرانسن، فهذا الشاطئ الأيسر يحتوي تاريخ باريس من أقدم عهودها، فيحتوي إلى جانب ذلك حياة العقل والقلب والروح في باريس قديمًا وحديثًا، فعلى مقربة من هذا الفندق الذي كان ينزل به أمير الشعراء، بل إلى جواره تترامى صفوف من المكتبات تجد فيها كل ما تطمع أن تقف عليه من فن وعلم وأدب، وهناك تقع حديقة اللوكسمبورج الجميلة بنظامها وحسن تنسيقها، الجميلة أكثر من ذلك بزوارها من الشباب ومن الأطفال ومن الأمهات الحاديات على فلذات أكبادهن، وأنت لا تجد في هذا الحي من المتاجر ما تجده على شاطئ الصين الأيمن، بل تجد به المدارس والمعاهدت والكليات يجاور بعضها بعضًا، وتتحدث كلها عن الثقافة الفرنسية، وعن التفكير الفرنسي، وعن الفن الفرنسي، وعن كل ما جعل لفرنسا في أعز أيامها مكانتها وسلطاتها، وأنت ترى به من المتاحف أكثر مما ترى على الشاطئ الأيمن، وأنت ترى في شبابه فورة الروح والفكر تطلعا إلى مستقبل أحسن وإلى عالم أفضل، إنه الرأس المفكر من فرنسا كلها، قد يكون رأسًا منكوش الشعر كرأس (أينشتاين)، ولكنه يحتوي ذكاء كذكاء هذا العالم، وفنًا كخير ما أنتج أرباب الفن، وحياة عقلية متوثبة يبدو على وجوه أصحابها الألم؛ لأنهم يريدون أن يحققوا أمالًا كبارًا، وقد تستعصي عليهم هذه الآمال الكبار.
وأشهد لقد استمتعت بهذا الجانب الأيسر من باريس في الأيام القليلة التي قضيتها بها، وإن لم يمنعني هذا المتاع من أن أستمتع كذلك بأجمل ما في الجانب الأيمن، وأجمله عندي هذا الطريق الرائع الممتد من اللوفر عبر التويري إلى ميدان الكونكورد وإلى قوس النصر، فقد عاهدت نفسي أن أقطع هذا الطريق سعيًّا على القدم كلما زرت باريس، وكم سعدت يوم بررت بهذا العهد قبيل مغادرتي باريس؛ لأنني كنت أقطعه في خير صحبة وأحبها إلى نفسي صحبة أبنائي الأعزة البررة.
مع ذلك ضقت ذرعًا بباريس وبقيظها، وزادني غيظًا منها أن كانت الأخبار ترد إليَّ من مصر بأن الصيف بها لطيف بأبنائها، فهل ترى يتغير جو العالم الطبيعي كما يتغير جوه السياسي، فيصبح وطننا العزيز مصيفًا ظريفًا كما أنه مشتى بديع؟
وغادرت باريس وأنا أشد ما أكون تعلقًا بمقامي بها، لكني كنت أشد تعلقًا لشهود المؤتمر البرلماني بهلسنكى، ولذلك طرت إليها في الثاني والعشرين من أغسطس؛ إذ ودعني أبنائي وودعتهم بمحطة الأنفاليد.

ما رأي علماء اللغات


وصلت هلسنكى منتصف الليل بين يومي ?? و?? أغسطس الماضي،? وفهمت أن جو المؤتمر البرلماني الدولي الذي سينعقد بهذه المدينة تشويه سحب لا تتفق مع ما يعلقه العالم على اجتماع رؤساء الدول الأربع — أمريكا وإنجلترا وروسيا وفرنسا — من آمال كبار في السلام، وذهبت إلى فندق (فاكونا) أستريح فيه بقية الليل، فلما أصبحت جعلت أفكر فيما عساي أصنع، أنا لا أعرف لغة البلاد، ولا أعرف المدينة التي نزلتها، ولم أر منها شيئًا في ضوء الليل حين انتقلت من الطائرة إلى الفندق، أتراني أستعين برجال الفندق ليدلوني، أبت ذلك كبريائي فخرجت أدور حول الفندق لعلي اهتدي إلى بناء البرلمان، أو على البنك الذي حول بنك مصر إليه نقودي، لكنني سرعان ما رأيتني ضللت طريقي، ولم أعرف كيف أعود إلى الفندق أستعين برجاله. ورأيت قبالتي بناء فخمًا خلته البرلمان فاتجهت نحوه، ودخلت بابًا كبيرًا من أبوابه، لكنني سرعان ما أدركت أنه لا يشبه أيًّا من البرلمانات التي رأيت في حياتي — وما أكثر ما رأيت منها — وأنه لا يمكن أن يكون متحفًا ولا كلية للحقوق أو لغير الحقوق، وسألت غير واحد ممن صادفتهم عن البرلمان؛ فإذا كلمة البرلمان لا تعني عندهم شيئًا، وإذا هم لا يفهمونني ولا أفهمهم، فأنا أخاطبهم بالفرنسية تارة وبالإنكليزية أخرى، وهم لا يعرفون الفرنسية ولا الإنجليزية، ولعلهم لا يعرفون غير الفنلندية، وهي لغة لا تشبه واحدة من اللغات التي تنسب أصولها إلى اللاتينية.
وعدت إلى ناحية الفندق وأنا ألعن الجهل، جهلي أناء وجهل أهل البلاد، وألفيت تحت الفندق كله — وهو كبير جدًّا — مشيرًا كتب عليه اسم (سوكدس) فأخذت أدخل أحد ابوابه لأخرج من باب آخر، ثم لا أجد أحدًا يفهمني على الإطلاق والباعة فيه — وكلهم بنات أو سيدات — لا يعرفون من الإنجليزية إلا ألفاظًا محدودة تعاونهم في تجارتهم، وأنا لا أريد أن أشتري شيئًا، ولا أزيد على أن ابتسم حين أرى إحدى البائعات تشير بأصابعها علامة المئتين أو الخمس مئة، تساعد بهذه الإشارة على فهم عبارتها صعبة الفهم، فلما يئست من أن أجد من يُعينني على ما ابتغي خرجت إلى الطريق مرة أخرى، ولم تمض دقائق حتى إذا السماء تظلم، وإذا المطر يهتن مدرارًا، فأسرع أريد أن أجد باب الفندق أحتمي به فلا أعثر عليه.
وأسأل المارة قائلًا (فاكونا) فلا يزيد السائر أو السائرة على أن يهز كتفه أو تهز كتفها للدلالة على أنها لا تفهم رطانتي، وأخيرًا فهمني أحدهم ودلني على باب الفندق فدلفت إليه، وصعدت توًّا إلى طابقه الأعلى حيث يوجد المطعم، فتناولت غذائي وأنا من هذا الفشل الذريع الذي صادفني في حيرة وضيق.
وذكرت ما حفظنا صغارًا من أن كل لسان إنسان، وأن كل لغة شعب وأمة، وتأسفت على أنني لا أعرف إلى جانب العربية غير الإنجليزية والفرنسية، ثم حمدت الله على أنني أعرف هاتين اللغتين، وإن لم تسعفاني في هذا اليوم الأول من أيامي بهلسنكى بأي طائل.
? ????
برج بابل


أدى بي جهلي اللغة الفنلندية إلى أن حبست نفسي في غرفتي بقية يوم الثلاثاء أقرأ تقرير السكرتير العام للاتحاد البرلماني الدولي، فلما أصبحت يوم الأربعاء لم يكن لي بد من الاستعانة برجال الفندق؛ ليدلوني على البرلمان حيث ينعقد المؤتمر، وعلى البنك الذي حولت إليه نقوي، فالجنيهات الإنجليزية القليلة التي معي قد تكفيني ثلاثة أيام أو أربعة، وبخاصة لأنني لا أدفع أجر الفندق إلا عند سفري من هلسنكى، ودلني أحد رجال الفندق مشكورًا على بناء البرلمان، وسألته عن البناء الضخم الآخر الذي دخلته أمس فإذا هو محطة سكة الحديد.
والبرلمان قريب من الفندق، لذلك اتجهت نحوه وسرعان ما تيقنته؛ إذ رأيت أعلام الدول المشتركة في المؤتمر ترفرف أمامه، ودخلت وسألت عما عندهم بأسمي، فأعطوني حافظة بها أوراق المؤتمر، وخطابًا مرسلًا إليَّ من مصر.
ولم ألبث وأنا أدور في هذا البهو الفسيح أن التقيت بأشخاص أعرفهم، وأن تقدم إلى أشخاص حيوني بالعربية، أما الأولون فهم من وفود أوروبية مختلفة، وأما الآخرون فهم من أبناء الدول العربية، وبينهم أبناء السودان الذي اشترك بستة من أعضاء برلمانه في هذا المؤتمر، عند ذلك شعرت بأن نطاق العزلة الذي كان مضروبًا حولي أمس تحطم، وبأنني أستطيع، وأنا المصري الوحيد في هذه المدينة، أن أعتمد على صداقات آنس إليها، واطمئن إلى قدرتها على معاونتي فيما أريد أن ألتمس عندها المعاونة فيه، لكني ألفيت هذا البهو وكأنه برج بابل، فأنت تسمع فيه لغات عن يمينك ويسارك ومن أمامك ومن خلفك لا اتصال بينها على الإطلاق: مخارج ألفاظها مختلفة، ونغماتها مختلفة، وطرق التعبير بها مختلفة، وكل شيء فيها مختلف أشد الاختلاف، أنت تسمع الروسية، والألمانية، والإنجليزية والأمريكية، والإيطالية، وما شئت من لغات قد تجيدها وقد لا تجيدها، لكن هؤلاء جميعًا برلمانيون وأكثرهم يعرف الإنجليزية أو الفرنسية، وإن بقي معظمهم لا يتحدث إلا لغة بلاده.
جمعتني المصادفة ببعض إخوان من بلادنا العربية يتحدثون إلى نائب روسي لا يعرف غير الروسية، وتترجم بينهم وبينه سيدة روسية تعرف الإنجليزية بمقدار، وشاركت معهم في الحديث وجعلت السيدة تترجم ما أقول، ولم يكن هذا النائب الروسي، يقول شيئًا ذا بال، ولم يكن أينا يتحدث في السياسة العالمية، بل كنا نتحدث عن فنلندا وظرف أهلها لولا جهلهم كل اللغات الأجنبية إلا الأقلية منهم، وكل الذي عُني به إخواننا أن يسألوا النائب الروسي متي يفتح الستار الحديدي أبوابه للأجانب كي يزوروا روسيا، وكان جوابه أن روسيا تفكر الآن تفكيرًا جديًّا في أن تكون بلادًا سياحية، وأنها تتصل بالعواصم الكبرى لهذا الغرض؛ لأنها تُريد أن تتصل بالعالم، وأن يتصل بها العالم؛ ليكون هذا الاتصال وسيلة للتعايش السلمي بين الشعوب.
وبعد أن انصرف هذا النائب الروسي قال أحد إخواننا العرب في ابتسامة: أفلح عن صدق.

في البلطيق حول هلسنكى


في العالم عجائب يقال: إنها سبع، وفي مقدمتها الأهرام وأبو الهول، وهذه من صنع الإنسان، وفي العالم كذلك عجائب من خلق الله جلّ شأنه، وهي لا تعد ولا تحصي، ومن هذه العجائب ظهور الشمس في منتصف الليل، والبلاد الشمالية هي التي تبدو فيها هذه الظاهرة العجيبة، كما تبدو كذلك في البلاد الجنوبية وفي شمال فنلندا بلاد ترى الشمس في منتصف الليل أول أيام الصيف، وأحسبها لا ترى الشمس أبدًا أول أيام الشتاء.
وليست هذه هي العجيبة الوحيدة في فنلندا، فهي بلاد صغيرة لا يبلغ سكانها أربعة ملايين، ومع ذلك تذكر الإعلانات السياحية التي تنشرها أن بها ستين ألف بحيرة، ولم يسعدني الحظ بأن أتجول في داخل البلاد لأرى هذه الألوف المؤلفة من البحيرات، ولأرى الغابات الكثيفة التي تكتنفها، ففنلندا بلاد الغابات، ولذا تصنع من أخشابها الورق، وتصدره إلى أنحاء العالم، لكن الحظ أسعدني فشهدت منظرًا آخر عجبًا، فكما أن بفنلندا ستين ألف بحيرة، ففيها كذلك، فيما يقول أهلها، ستون ألف جزيرة منتشرة على شواطئها، وقد نظمت الشعبة البرلمانية الفنلدنية فيما نظمت سياحة بحرية على ظهر باخرة تكبر بواخرنا النيلية الكبيرة؛ ليرى أعضاء المؤتمر البرلماني ومرافقوهم ما ينتشر في البلطيق حول هلسنكى من الجزر التي يتعذر عدها لكثرتها.
وليست هذه الرحلة البحرية أبدع ما نظمت الشعبة البرلمانية الفنلندية لمسرة أعضاء المؤتمر، بل نظمت مشاهد غيرها سأتكلم عن بعضها من بعدُ، لم يمنعها من ذلك ما ذكره لورد ستانسجيت في حفلة الافتتاح من أن المؤتمر البرلماني ليس منظمة سياحية لمسرة الأعضاء، والشعبة الفنلندية فيما صنعت من ذلك قد سارت على غرار الشعب البرلمانية الأخرى في البلاد المختلفة، فليس طبيعيًّا أن يعمل البرلمانيون نهارهم ثم لا يجدون آخر النهار أو أثناء الليل تسلية تسري عنهم مشقة العمل، وتتيح للذين لا يعملون منهم فرصة تشغلهم فلا يضيقون بالفراغ الذي يحيط بهم.
وكانت الرحلة البحرية لمشاهدة الجزر المحيطة بفنلندا ممتعة حقًّا، استمرت من الساعة الثانية بعد الظهر إلى ما بعد الساعة السادسة، وقد شاهدنا فيها من الجزر ما تعذر إحصاؤه كما سبق القول، وسألت بعض الفنلنديين أمسكونة هذه الجزر؟ … فقالوا: إن بعضها القريب من هلسنكى به مصايف لذوي اليسار، وإن البعض الآخر به منازل أو أكواخ إن شئت للصيادين الذين يلتمسون رزقهم فيما يستكن في جوف البحر من الأسماك المختلفة.
وكانت بعض الأحاديث التي دارت أثناء هذه الرحلة البحرية ظريفة ممتعة، جمعتني مائدة الغداء بالباخرة بأحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي وكانت معه زوجته، وبوزير الدفاع في وزارة العمال البريطانية، وقد تحدثا في شئون مختلفة منها أن البرلماني البريطاني ذكر للشيخ الأمريكي أن الذين يحضرون المؤتمرات البرلمانية من الأمريكان أسعد حظًّا ممن يحضرونها من البريطانيين؛ لأن البرلمان الأمريكي يدفع نفقات الزوجة التي تسافر مع زوجها، وأجابه الشيخ الأمريكي، كلا يا سيدي، صحيح أننا نحضر على طائرة أمريكية ولا ندفع أجرًا عن سفرنا عليها، وأن زوجاتنا لا يدفعن أجرًا إذا حضرن معنا؛ لأن الطائرة تتناول أجرها من خزانة الدولة إن لم تكن مملوكة لها، لكننا ندفع نفقات الفندق لهن كما ندفعها لأنفسنا، وهن يعاونّ أزواجهن على الأقل في غسل الملابس، والتفت إلى زوجته فابتسمت وقالت: هذا إن لم يحضر الزوج، ولم تحضر الزوجة ملابس تكفي الرحلة كلها من غير حاجة إلى غسلها.
ولما تتابعت ساعات الرحلة وزادت على الثلاث صعدت إلى صالون الباخرة، فألفيت إخواننا البرلمانيين العرب والسودانيين مجتمعين به، وقد بدءوا يضيقون ذرعًا بتشابه ما يرون من ماء وسماء وجزر، فلما أرست الباخرة من جديد بهلسنكى أسرع أعضاء المؤتمر إلى البرلمان يتمون أعمال اليوم، لكن هواء البحر مال بالكثيرين منهم إلى الدعة بل إلى النوم، ولذلك لم يتموا في هذا المساء شيئًا يُذكر.

المسلمون في فنلندا


ومن عجائب ما في فنلندا أن بها عددًا من المسلمين قيل لي: إنهم يبلغون التسع مئة، يُقيم ثلاث مئة منهم بهلسنكى، ويتفرق الباقون في بلاد أخرى، وإنما زال عجبي حين ذكرت أن في روسيا وهي تجاور فنلنا، عددًا من المسلمين غير قليل، وأنني زرت في بلاد المجر من نحو عشرين سنة زاوية يقيم بها مسلمو المجر صلواتهم رغم تواضعها وضيقها.
والتقيت ببعض هؤلاء المسلمين الفنلنديين في حفلة أقامها الوفد العراقي بالمؤتمر، وذكر لي بعض إخواننا العرب أنهم زاروا المكان الذي يُقيم فيه هؤلاء المسلمون من أهل هلسنكى صلواتهم، فألفوه مكانا متواضعًا غاية التواضع، وتحدثنا في ذلك إلى زعيم هؤلاء المسلمين من أهل هلسنكى، وسألناه ما لهم لا يقيمون مسجدًا تُؤدى فيه الشعائر، فقال: إنهم فكروا في ذلك تفكيرًا جديًّا، وإنهم عرضوا أمره على الحكومة الفنلندية، وذكروا أنهم على استعداد لهدم المكان المتواضع الحالي وإقامة مسجد محترم مكانه، وأباحت لهم الحكومة الفنلندية أن يفعلوا، وذكرت أنها مستعدة لمعاونتهم بمبلغ خمسة آلاف من الجنيهات الإسترلينية، وأضاف السيد طاهر أنهم عرضوا الأمر على المهندسين فتبينوا أن إقامة المسجد تتكلف مئة ألف جنيه، وأن المسلمين المقيمين بهلسنكى، بل المسلمين المقيمين بفنلندا كلها، وعددهم لا يبلغ الألف، يضيقون بالاكتتاب في هذا المبلغ كله، خصوصًا أن كثيرين منهم ليسوا من ذوي اليسار، وإن كان بعضهم من التجار الموسرين، والسيد طاهر نفسه من كبار تجار الفراء بهلسنكى.
وكان السيد عبد الله بك اليافي، رئيس وزراء لبنان السابق، حاضرًا هذا الحديث فلما سمعه قال بالعربية لإخواننا الملتفين حولنا من أبناء العراق وسوريا والبلاد العربية المختلفة: ولم لا يتعاون المسلمون في بقاع الأرض على إقامة هذا المسجد، وأيدت أقواله هذه وأيدها سائر الحاضرين، واتفقنا على أن أشترك أنا مع السيد اليافي في دعوة العالم الإسلامي للاشتراك بمبلغ خمسين ألف جنيه يُفتح لها حساب خاص ببنك مصر لإقامة هذا المسجد بفنلندا، على أن يقوم المسلمون الفنلنديون بالاكتتاب بباقي المبلغ، وعرضنا هذه الفكرة على السيد طاهر، فاغتبط بها أشد الاغتياط، وقال: إنكم إذا اكتتبتم من العالم الإسلامي بمبلغ خمسين ألفا، ودفعت حكومة فنلندا خمسة آلاف سهل علينا أن نجمع من المسلمين الفنلنديين ما يكمل المئة ألف المطلوبة لإقامة المسجد، وأقمناه على نحو يسركم إذا جئتم إلينا هنا مرة أخرى.
وفي يقيني أن جمع مبلغ خمسين ألف جنيه تُرصد في حساب خاص ببنك مصر لهذا الغرض، والإشراف على إقامة المسجد من أيسر الأمور، وأني لأرجو متى عُدت إلى مصر أن أتفاهم مع دولة عبد الله بك اليافي على الطريقة التي ندعو بها العالم الإسلامي للاشتراك في هذا الاكتتاب، وللإشراف على إقامة المسجد.
وقد أدى بنا هذا الحديث إلى أن سألنا السيد طاهر وبعض إخوانه المسلمين الفنلنديين عن أصلهم، وكيف جاءوا إلى هذه البلاد، وكان جوابهم أنهم من أصل تركي، وأن أكثرهم يتكلم التركية إلى، الآن وإن انقطعت كل صلة بينهم وبين تركيا، وأنهم متمسكون كل التمسك بشعائر دينهم، وأن أحدًا من رجال الحكم لا يعترضهم في القيام بهذه الشعائر؛ لأن فنلندا بلد حر، حرية العقيدة وحرية الرأي وكل صور الحرية مكفولة فيها لأبنائها جميعًا على اختلاف مذاهبهم أو الجنس الذي انحدروا منه، وأنهم لذلك سعداء كل السعادة بحياتهم في هذه البلاد القاصية؛ لأن الحرية التي يتمتعون بها فيها تكفل لهم كل رعاية، وكل ما يطمع الإنسان فيه من سعادة.

صور فنلندية


ذكرت أن الشعبة البرلمانية الفنلندية نظمت مشاهد عدة للترويج عن أعضاء المؤتمر، ولم تغرني الدعوات للطعام والشراب يشترك فيها الأعضاء وزوجاتهم، ويشترك فيها عدد كبير من رجال البرلمان الفنلندي وزوجاتهم كذلك، فمثل هذه الحفلات في فنلندا وفي غير فنلندا تكون أشبه شيء ببرج بابل، تتعدد فيها اللغات واللهجات، وأنا بعد المصري الوحيد في هذا المجتمع، فليس يسيرًا أن أقدم نفسي للناس، لكنني كنت حريصًا على أن أشهد الحفلات التي تصور جانبًا من حياة الشعب الفنلندي، أو تصور حياته المعنوية في الفن، والحفلات التي دُعي إليها أعضاء المؤتمر من هذا القبيل هي حفلات الموسيقى والغناء والرقص (الباليه).
وقد شهدت ثلاثًا من هذا الحفلات كانت أولاها لموسيقي فنلندي، وكانت الثانية مقطوعات موسيقية تصاحب الغناء، وكانت الثالثة باليه على أنغام الموسيقى.
أما الحفلة الأولى، حفلة الموسيقى الصرف، فقد عبرت عن الروح الفنلندي تعبيرًا قويًّا غاية القوة، ففنلندا بلاد بحيرات وغابات، وهي تقع في الشمال الأوروبي حيث تكتسي الأرض طول الشتاء بالثلوج، فتكتسي الحياة معها بألوان من الرهبة إن لم يواجهها الإنسان ببأسه وقوته تغلبت عليه وقهرته، لذلك كانت هذه الموسيقى وفيها من العنف ما يصور معاني المقاومة لشدة الطبيعة ولقسوة سلطانها قلما تعبر أنغامها عن هذه النغمة الهادئة المطمئنة للحياة مما تُعبر عنه الموسيقى التركية والموسيقى الشرقية بوجه عام، وقلما تُعبر كذلك عن المعاني (الرومانتيكية) التي تصور الغزل الرقيق والحب المستسلم، بل أنت تراها وهي في روعة تناسقها أحيانا وقد انقلبت دفعة واحدة إلى العنف، وكأنما هي النذير بأن خطبًا يلم أو خطرًا يقترب، كان ذلك شأن المقطوعات الثلاث التي سمعنا في مدرج غير فسيح من مدرجات جامعة هلسنكى، وقد سألت بعض الفنلنديين إن كانت موسيقاهم كلها من هذا الطراز، فابتسم وقال: بل إننا نحب (الرومانتيكية) ونحب سماع الموسيقيين الأوروبيين الذين يعبرون عن معاني الحياة ونعيمها أعمق الحب.
أما الحفلة التي صحبت الموسيقى فيها الغناء فأحيتها ممثلة كانت في الأوبرا ثم تركت عملها؛ لأنها تجاوزت الخمسين وأثرت وأصبحت في غنى عن العمل، فرأت أن تترك المجال لمن هم في حاجة إلى المجد فيه، ولم تكن هذه الحفلة بطبيعة الحال من طراز الحفلة الموسيقية، فليس طبيعيًّا أن تكون السيدة عنيفة ولا قاسية إلا إذا أكرهتها الظروف على العنف أكراهًا وقسرتها عليه قسرًا، لذلك كان فيما سمعنا من الأغاني ما يشجي وما يطرب، وما يهز القلب هزًّا رقيقًا لا عنف فيه، وذلك دليل على أن الطبائع الإنسانية تتشابه وإن اختلفت البيئات الجغرافية، وأن صلة المرأة والرجل في شئون العاطفة وما تدعو إليه من مودة وتجاذب هي في أقصى الشمال مثلها عند خط الاستواء، وفيما بين الشمال وخط الاستواء.
أما حفلة البالية، وكانت خاتمة الحفلات، فقد أثارت حماسة شاهديها، رجالًا ونساء، فصفقوا للراقصات إعجابًا تصفيقًا كان يستمر أحيانا دقائق متوالية.
لم يكفني أن أشهد هذه الحفلات (الرسمية) التي نظمتها الشعبة البرلمانية الفنلندية، بل ذهبت مع إخوان من السوريين، ومع الشباب الفنلندي الذي يجيد الفرنسية إلى منزل أسرة فنلندية ربها مدرس وله ستة أبناء، ثلاثة أولاد وثلاث بنات، وكلهم يتعلمون، بلغ بعضهم الجامعة، وما زال بعضهم في التعليم الابتدائي، ومنزل هذا الأسرة متواضع، لكن أهلها كانوا اللطف والرقة في استقبالنا، وكان أحدهم يعرف الفرنسية وآخر يعرف الإنجليزية، فكانا يجيبانا إلى ما نسألهم عنه.
وفي منزل هذه الأسرة شهدنا ظاهرة يقولون: إنها فنلندية بحتة، تلك ما يسمونه (السونا)، وهي مكان مقفل من كل نواحية يُدفأ تدفئة شديدة يصهر (الطوب الأحمر) داخله، فإذا دخله أحدهم تصبب العرق منه، وهو لا يستحم بعد ذلك كالشأن في الحمام التركي، بل يدلك نفسه بنوع من الشعب، ثم يخرج مطمئنًا بأن جسمه قد برأ من الرطوبة التي يدفعها إليه برد الشتاء.
وفي فنلندا غير ذلك من المشاهد الشيء الكثير، ولعلي أكتب عما تركته هذه البلاد في نفسي من أثر، وما ارتسم لها في ذهني من صورة، إذا أنا قدرت أنني أستطيع أن أنقل هذه الصورة، وهذا الأثر إلى نفس القراء.

صاحب سنوحا المصري


افتتح المؤتمر البرلماني أعماله صباح اليوم، ودعا رئيس الشعبة البرلمانية الفنلندية إلى حفلة استقبال بعد الظهر، وذهبتُ إلى هذه الحفلة فلقيني رجل في مثل سني وسألني إن كنت إيطاليًّا، قلت: بل أنا مصري، وتحدثنا بالفرنسية، وعرفت منه أنه فنلندي، وأنه أستاذ الدراسات اللاتينية بجامعة هلسنكى، قلت: ألا تستطيع يا سيدي أن تدلني على طريقة ألتقي بها مع كاتبكم الكبير (ميكا فالتري) مؤلف (سنوحا المصري)، فقد قرأت قصته هذه في ترجمتها الإنجليزية، وذلك قبل أن تترجم إلى العربية، وأعجبت بها غاية الإعجاب، وتمنيت لو أعرف كاتبها، فأنا كاتب كذلك، قال الرجل: لقد كان (فالتري) تلميذي، وهو الآن في نحو الخمسين من العمر، وسأجتهد في أن أصل بينك وبينه إذا كان قد جاء من مصيفه إلى هلسنكى، عند ذلك أعطيته بطاقتي وذكرت له أنني أنزل فندق (فاكونا).
ومضت الجمعة ومضى السبت والأحد ولم يصلني خبر من الرجل، ولا من مؤلف (سنوحا المصري)، والتقيت في بناء البرلمان مصادفة بالشاب الذي استقبلني بالمطار، والذي يعرف الفرنسية، وذكرت له قصة أستاذ الدراسات اللاتينية هذا، وأنني أريد مقابلة (فالتري)، قال الشاب: سأبذل جهدى إذا كان قد عاد من مصيفه، على أن له غير قصة سنوحا قصة أخرى عنوانها (الملاك الأسود) The black Angel جديرة بأن تقرأها، قلت: فابتع لي ترجمتها الإنجليزية أكن شاكرًا، وجاء الشاب الغداة يخبرني أنه حاول أن يتصل تليفونيًّا بمنزل (فالتري)، فلم يجد أحد مما يدل على أنه لا يزال في مصيفه. وفي صبح الثلاثاء نزلت في الفندق أريد البرلمان، وسألت في الفندق عما إذا كانت لي رسائل عندهم، فأعطوني الرسائل وأعطوني كتابًا نظرت في عنوانه؛ فإذا هو الترجمة الإنجليزية لكتاب (فالتري) (الملاك الأسود)، وقدرت أن الشاب ابتاعه لي وتركه في الفندق، فلما بلغت البرلمان وقابلت الشاب شكرته على عنايته بشراء الكتاب، فقال: إنه لم يشتره، وأخذ النسخة من يدي وفتحها فإذا عليها إهداء بأسمي من (فالتري) نفسه، عند ذلك أيقنت أنه في هلسنكى، وأن أستاذ الدراسات اللاتينية أبلغه طلبي مقابلته، وأنه تفضل مشكورًا بهذا الإهداء الرقيق، وأن الواجب يقتضي أن أقابله لأشكره على رقته وعلى ظرفه.
وطلبت إلى الشاب الفنلندي أن يتصل به ويخبره أنني مسافر الغداة من هلسنكى، وأنني أريد مقابلته في اليوم نفسه، ورويت هذه القصة إلى صحيفة فنلندية تتقن الإنجليزية، وكانت تجالسني في مطعم البرلمان، وقامت الصحفية لفورها فاتصلت بمنزل الكاتب الكبير ثم عادت تقول: إنها اتصلت بزوجته فأخبرتها أن (ميكا) لا يسعفه وقته بمقابلتي اليوم لأعمال تشغله، وأنه يستطيع أن يقابلني بعد غد، فلما أخبرتها أنني مسافر الغداة، قالت لها: إنها تأسف لذلك وإن زوجها كان يود أن يرى هذا المصري الحريص على مقابلته.
ورأيت واجبًا أن أكتب لـ (ميكا فالتري) أشكره على إهدائه كتابه (الملاك الأسود) إياي، فكتبت له شاكرًا ظرفه ورقته، ولم يسعفني الوقت بعدُ لأقرأ هذا الكتاب الذي يتحدث عن فتح الأتراك القسطنطينية في سنة ????، وعن دخول الإسلام أوروبا.

الملاك الأسود


قصة الكاتب الفنلندي مايكا فالتري
منذ سنتين أو نحوهما تحدثت عن قصة «سنوحا المصري» للكاتب الفنلندي الكبير «ميكا فالتري»، وقد نقلت هذه القصة إلى العربية، وكانت موضع التقدير لدقتها التاريخية في كثير من الأمور، فهي تروي حديث العقائد السائدة في مصر وفي الشرق الأوسط منذ ثلاثة آلاف سنة أو تزيد، وهي تتحدث عن عبادة آمون وآتون في مصر، وتقص ما أصاب الملك أخناتون وما كان بينه وبين كهنة آمون من نزاع انتهى بموته، وبانتصار كهنة آمون، هذا القصص مستمد من التاريخ، مبسط لقرائه تبسيطًا يجعل هذا الموضوع في متناول القراء من مختلف الأوساط.
وأتحدث اليوم عن قصة أخرى لميكا فالتري، تلك «قصة الملاك الأسود»، وهي تتفق مع قصة سنوحا في أن موضوعها تاريخي، وأنه يتحدث عن الشرق، وتختلف عنها في طريقة التصوير وفي السياق، فهذه القصة الثانية تتحدث عن فتح القسطنطينية، لكنها لا تتعدي القسطينطينية في أكثر من حديثها عن الخلافات المذهبية بين أهلها وأهل روما، وما كان لهذه الخلافات من أثر في الدفاع عن العاصمة البيزنطية.
وتختلف هذه القصة كذلك عن سنوحا في سياقها، فهي مصورة في صورة يوميات يكتبها بطلها «حنا الملاك» عن حصار الأتراك المسلمين هذه العاصمة ودفاع أهلها ودفاع المسيحية عنها، وفي هذه اليوميات يتحدث البطل كذلك عن قصة حبه، ولكنه يتحدث عنها حديثًا متقطعًا يجعلها من عنايته في المحل الثاني، بينما المحل الأول هو لهذا التاريخ الذي عُني به المؤلف عناية خاصة وأبرزه أبرازًا قويًّا.
وقصة سنوحا، وهذه القصة الثانية، تشهدان بأن «ميكا فالتري» يعتمد في هذه المؤلفات على مكتبته، ويوجه كل عنايته إلى الأسانيد والوثائق المختلفة التي تتحدث عن الموضوع الذي يُؤرخ له، فأما القصة، فأما حديث الحب أو الزواج وما يجعله القصاصون أساس قصصهم عن عواطف الرجال والنساء فذلك ما يعيره الكاتب الفنلندي عناية طارئة، وإن أسبغ عليه مع ذلك من فنه قوة تدعو القارئ لالتماس حديثه في تضاعيف القصة التي يقرأ وتمتعه بها خير متاع.
وقصة الملاك الأسود عجيبة فيما يتصل بعلاقة «حنا الملاك» بمحبوبته أنا نوتاراس، فهذان رجل وامرأة لا يعرف أيهما صاحبه، ثم يلتقيان مصادفة في كنيسة، فإذا كل منهما يقع من قلب الآخر ويمس شغافه، وإذا «حنا الملاك» يُفكر في هذه التي رأى، والتي لا يعرف، تفكيرًا يدعوه إلى التماس الوسيلة للقائها من جديد، ولا شبهة في أن فتنة جمالها كانت قوية الأثر في هذه العاطفة التي ملكت قلب ذلك الرجل رغم أنه تخطى حدود الشباب، لكن الفتاة تشعر هي الأخرى بدافع قوي يُحركها إلى السعي إليه، وإن لم تكن تعرف من هو، ولم تكن قد رأته إلا تلك المرة الواحدة في ظلال بيت الله.
وأنت تتبين بعد أن تتوغل في قراءة القصة أن هذه الفتاة الفائرة أنا نوتاراس ليست من بنات الشعب، ولا من طبقاته الوسطى، وأنها بنت قائد أسطول القسطنطينية، وأنها كانت عروسا للإمبراطور ثم تزوج غيرها، كما تتبين بعد أن تزداد إيغالًا في القراءة أن حنا الملاك ليس شخصًا عاديًّا، وأنه من أسرة مالكة، وأنه وُلد في فرنسا ثم خاض الحروب في بلاد مختلفة، وانضم إلى الأتراك أثناء حروبهم في المجر، ثم جاء إلى القسطنطينية، ونذر حياته للدفاع عنها ضد الأتراك، فلم ينجه هذا النذر من أن تحوم الشبهات حوله، وأن يظن كثيرون أنه جاسوس للسلطان، أو أنه يستطيع على الأقل أن يكون كذلك أليس عجبًا أن تشب عاطفة حب عارم بين فتاة تلك مكانتها، ورجل تخطى الشباب لا تعرفه ولا يعرفها، ويزيد الأمر عجبًا أن «حنا الملاك» كان متزوجًا امرأة انقطع عنها، وأن الطلاق لم يكن معروفًا في المسيحية، فلم يكن التفكير في ارتباط أنا نوتاراس بحنا الملاك يتعدى هذه العاطفة.
ومع ذلك ظلت أنا تتردد عليه حتى عرف أبوها أمرها؛ فأمرها أن تهجر القسطنطينية، أتراها أذعنت لأمره … لقد تظاهرت بالإذعان، ولكنها لم تُنفذ الأمر، بل لجأت على دير ترهبنت فيه، ولم تمنعها رهبنتها حين لج بها الشوق إلى محبوبها من أن تذهب إليه في لباس رهبانيتها وتكرر زيارتها له.
وزاد الشوق بها لجاجًا فألقت لباس الرهبانية، وأسلمت محبوبها قلبها وجسمها وعفتها، فلما آفاق حنا من غشيته رأى أنه أتى معها أمرًا نكرًا، فلجأ إلى قسيس من أهل القسطنطينية وقص عليه الأمر، فرأى القسيس أن المذهب الكاثوليكي الذي عقد من خلاله زواجه الأول مذهب باطل، وأن الزواج في ظلاله زواج باطل، ولذلك عقد زواج حنا الملاك وأنا نوتاراس في ظلال العقيدة اليونانية، وأصبحا بحكم المذهب زوجين أمام الله.
وبعد زمن عرف قائد الأسطول فرار ابنته ورهبانيتها وزواجها من حنا الملاك، ماذا تراه يفعل، أيدس عليهما من يقتلهما أو يقتل أحدهما، لعله فكر في هذا، لكن أحداث الحصار والحرب وموقفه منها لم يدفعه إلى تنفيذ تفكيره، فقد كان مؤمنًا إيمان الكثيرين من أهل العاصمة بأنها ستفتح أبوابها وتسلم مقاليدها للأتراك لا محالة، وكان يرى كما يرى الكثيرون غيره من اليونانيين أنه إذا حدثت المعجزة وانصرف الأتراك عن الحصار تكون الكلمة النافذة في المدينة العاصمة للإيطاليين وأبناء روما، أي للكاثوليكية، بحجة ما عقده الإمبراطور مع البابا من اتفاق على توحيد المذهب، وذلك شر عنده من حكم الأتراك، أو لا يستطيع قائد الأسطول أن يستعين بحنا الملاك ليكون رسوله إلى السلطان، فإذا دخل الأتراك القسطنطينية كان لهذا القائد نوتاراس ما يطمع فيه من مكانة وسلطان، لهذا دس أحد أبنائه فجاء بأخته «أنا» على بيت أبيها، ثم بعث بهذا الابن فدعا إليه حنا الملاك فسمح له أن يقابل «أنا» في بيته، وقالت له «أنا»: إنها زوجته، وأنها مستعدة للذهاب معه إلى بيته كما كانا بشرط واحد ذلك أن يكون سفير أبيها إلى السلطان، فإذا سلمت المدينة كان أبوها وكان زوجها حكام المدينة، وكانت لهم بذلك حياة النعمة والنعيم.
ولكن حنا الملاك رفض ما عرضته عليه زوجته رفضًا باتًّا، وقال: إنه جاء هذه المرة على القسطنطينية وقد نذر أن يدافع عنها إلى آخر نقطة من دمه، وأنه لن يخون نذره إرضاء لأبيها، ولا إرضاء لحبها وإن بقي حبها في قلبه الضياء الفرد الذي يبعث إلى حياته دفئًا ونورًا.
وأيقنت الزوج أن لا فائدة من استدراجه، فهو على عزمه لا يحيد عنه، وغلبها حبها على طاعة أبيها فعادت إلى بيت زوجها تقاسمه الحياة في هذه الأيام المضطربة القاسية.
وأنهم كذلك؛ إذ فتح الأتراك المدينة اقتحموها، اقتحموها حين كان حنا الملاك يُدافع عنها، وحين كانت زوجه في بيته ليس معها فيه إلا خادمه العجوز، أما الخادم ففر هاربًا يلتمس النجاة من الموت حين أيقن أن الغزاة اقتحموا المدينة وفتحوها، وأما أنا نوتاراس فلبست دروعها وأقامت بالمنزل حتى مر بها جنود الأتراك فقتلوها وأنهوا بذلك حياتها وحبها.
ودخل محمد الفاتح عاصمة بيزنطة منتصرًا تلمع الغبطة في عينيه، ثم يزداد غبطة حين يرى جنوده تضرب سيوفهم يمنة ويسرة فتهوي رءوس أهل المدينة عن أجيادهم، وتجري طرق المدينة أنهارًا من الدماء، واستسلم له حنا الملاك كما استسلم له نوتاراس قائد الأسطول وولداه، ولم يلبث، بعد حوار قصير مع قائد الأسطول أن أمر بقتله وقتل ولديه، والتمس منه نوتاراس أن يقتل الولدين قبله؛ مخافة أن يدفعهما الخوف حين يرياه قتيلًا فيدينا بدين محمد الفاتح ويكفرا بالمسيحية لينجوا من الموت، وقدم الولدان إلى النطع واحدًا بعد الآخر، فلما قُتلا تقدم أبوهما إليه مطمئنًا أنه أرضى المسيح وأنه يرضى نفسه.
فأما حنا الملاك فوقف ينازع السلطان الفاتح، ويزعم أنه صاحب القسطنطينية، وبرم السلطان بمحاورته فأمر بقتله لأنه لم يرد أن يعيش بعد أن ماتت أنا نوتاراس.
هذه قصة حنا الملاك وحبه، وهي تستغرق من مؤلف «ميكا فالتري» ستين صفحة أو نحوها، من مجموع صفحات الكتاب وعدت بثلاث مئة وعشرين، وهي مشتتة في يوميات حنا الملاك، فأنت تقع عليها كلما أوغلت في قراءة القصة، أما بقية اليوميات فهي عن حصار عاصمة بيزنطة ودفاعها عن نفسها ودفاع المسيحية عنها، والنزاع بين المذاهب الدينية فيها …
ومن العسير تلخيص ما صورته هذه اليوميات من أعمال الدفاع وتحصيناته، ومن تجهز الأتراك بعد تضييقهم الحصار على العاصمة، فهذا كله مفصل تفصيلًا يكاد يكون فنيًّا فيما يزيد على مائتين وخمسين صفحة.
لكن ما يقف النظر من أسباب ضعف الدفاع هذا الاختلاف الذي كان قائمًا بين المذاهب المسيحية في بيزنطة وفي روما، وما اضطر الإمبراطور إليه من الموافقة على توحيد هذه المذاهب رغم ما بينها من تباين في الأسس، وما أدى ذلك إليه من برم أهل القسطنطينية بالإمبراطور وضعفه، وبهذا الاتحاد في المذاهب اتحادًا لم تستطع نفوسهم أن تسيغه، وما نشأ عن ذلك من تقاعس الكثيرين عن القيام بواجبهم في الدفاع إيثارًا لحكم الأتراك على تحكم روما، وما كان الإيطاليون الذين جاءوا ليدافعوا عن عاصمة الإمبراطورية الشرقية يريدونه لأنفسهم من مغانم، وعزيمة الأتراك بقيادة سلطانهم محمد الفتاح على فتح المدينة عزمًا لا يتطرق إليه الوهن، هذا كله تصفه اليوميات وصفًا دقيقًا يحييه أمامك ويبعثه من مرقده في القرن الخامس عشر، ويجعلك تشعر وكأنه وقع بالأمس القريب.
وهذا ما تميزت به هذه القصة من قصص ميكا فالتري، فالقصص التاريخية كثيرة في آداب الأمم كلها، وبعضها بالغ من الروعة أعظم مبلغ، لكن القليل من يبعث الحياة إلى الماضي بقدر ما تبعثه «الملاك الأسود»، ولعلي لا أبالغ إذا قلت: إنها من هذه الناحية أقوى من قصة «سنوحا المصري» لميكا فالتري نفسه.
و«الملاك الأسود» تثير أمام الذهن مسألة يحار أمامها، فقد اشترك بطلها حنا الملاك في أكثر من حرب، وقد واجه الموت غير مرة، ولكنه استطاع في كل مرة أن يفر من ملاك الموت، وأن يفر من مواجهة نفسه، أما حين حصار عاصمة الإمبراطورية الشرقية فقد أتيحت له فرصة الفرار من الموت، بل أتيحت له فرصة الحياة الناعمة، ودعاه السلطان العثماني فاتح القسطنطينية أن يعيش عزيزًا مكرمًا فأبى إلا أن يموت، فلماذا؟ أفكان حبه أنا نوتاراس وميتتها ميتة الأبطال هما اللذان صغرا قدر الحياة في نفسه، وجعلاه يُؤثر الموت عليه، أم أن مسيحيته هي التي أبت عليه أن يذعن مخافة أن يُؤدي به الإذعان ليكون مسلمًا، أم أن دوافع أخرى أقوى من فطرة الاحتفاظ بالحياة هي التي جعلته يختار هذا الطريق، ويقول حنا الملاك في آخر القصة لمحمد الفاتح: إنه سيعود فيبعث فيرجع إلى القسطنطينية على حين يموت هذا الفاتح، ثم لا يرى القسطنطينية من بعد أبدًا، فماذا يقصد البطل بهذا؟ وماذا يقصد المؤلف به؟
على أية حال فقصة «الملاك الأسود» جديرة بأن تُقرأ، جديرة بأن تُنقل إلى العربية كما نقلت قصة «سنوحا المصري» وأن تكون موضع دراسة وتأمل.

قصتان من الدانمرك


شهدت المؤتمر البرلماني الذي انعقد هذا العام بهلسنكى؛ فأقنعني ما سمعته فيه بأن العالم لا تزال بينه وبين السلام مراحل عدة، وكنت قد اعتزمت حين قررت شهوده أن أعود من فنلندا إلى إنجلترا أقضي بها أيامًا مع ولدي الذي يدرس هناك، ثم أذهب منها إلى مدريد لزيارة ابنتي التي تدرس في جامعتها.
ورأيت أن أقطع الطريق بين هلسنكى ولندن في كوبنهاجن عاصمة الدانمركي، فأنا لم أرها من قبل قط، وقد سمعت عن جمالها ورقة أهلها الشيء الكثير، هذا إلى أنني زرت استوكهولم عاصمة السويد سنة ????، واشتركت في المؤتمر البرلماني الذي عقد بها، فلم تكن لي في هذا العام حاجة بالوقوف عندها، وبخاصة لأن توزيع الإجازة التي قررتها لنفسي لم يكن يتسع لزيارتها.
وأقلتني طائرة فنلندية من هلسنكى إلى كوبنهاجن، فقضيت بها ثلاثة أيام، زرت خلالها أهم ما يُزار في هذه العاصمة الجميلة، وتنقلت أثناءها خلال الدانمركي مما يحيط بالعاصمة، فلم يكن يشغلني بها مؤتمر برلماني ولا مؤتمر غير برلماني، ولم يكن مقصدي من زيارتها إلا الوقوف على ما بها، والاتصال في حدود هذه الإقامة القصيرة بحياتها.
ولم يكن لي بد من أن أجد دليلًا يرشدني إلى ما يجمل بي أن أقف عليه، وخصص هذا الدليل اليوم الأول للعاصمة، وخصص اليوم التالي لما حولها؛ لأن حولها قصورًا تاريخية تستحق الزيارة، ومن أهمها القصر الذي يقال: إن مكانه ألهم شيكسبير قصة (هملت) الخالدة.
ولست أريد أن أقص في هذا المقال مشاهداتي سائحًا في هذه البقعة من أرض الشمال الأوروبي، وإنما أريد أن أقف عند قصتين طريفتين تشهدان بما يترك الأدب، ويترك الفن في حياة الشعوب من أثر.
وأولى القصتين قصة (عروس البحر)، ولعلي أستطيع أن أُقدم لها بأن أُذكِّر القراء بفيلم سينمائي شهده أكثرهم في القاهرة وفي غيرها من مدن مصر، ذلك فيلم (هانس كريستيان أندرسن) الكاتب الدانمركي الكبير، وقد صور هذا الفيلم ذلك الكاتب بأن كان بدء حياته حذّاء يُصلح الأحذية أو يصنعها، ثم أصبح مدرس أطفال ثم صار كاتبًا، والفيلم معروض عرضًا رائعًا حتى لقد حضره بعضهم خمس مرات، وحضرته أنا مرتين مع أنني قلما أحضر أفلام السينما، والدانمركيون يضيقون بهذا الفيلم ويذكرون أن وقائعه غير صحيحة، فلم يكن أندرسن حذاء، لكنه كان شابًّا فقيرًا نشأ في قرية نائية عن العاصمة، فلما بلغ الخامسة عشرة أولع غرامًا بالقراءة، واقتصد بعض المال وذهب إلى كوبنهاجن وعرض بعض ما كتبه على رجالها، فأعجبوا بمقدرته وأدخلوه المدارس العليا، فأصبح من بعد ذلك (هـ، ك، أندرسن) أحد كبار الكُتَّاب العالميين في قصص الصبيان.
ولأندرسن مجموعة، بل مجاميع من القصص الخرافية البارعة التي ترجمت إلى جميع اللغات، والتي خلدت اسمه بين الكُتَّاب العالميين، وقصة (عروس البحر) تذكر أن ملك البحر كان له قصر تحت الماء، وأنه كانت له بنات خمس، وكان لا يؤذن لإحداهن أن تطفو على سطح الماء قبل أن تبلغ الخامسة عشرة من سنها، وكانت صغراهن بارعة الجمال، فلما بلغت هذه السن وطفت على سطح الماء رأت سفينة بها من الموسيقى وألوان المرح ما أطربها، ثم إن عاصفة عبثت بهذه السفينة فحطمتها، ومات أكثر من فيها، ورأت (عروس البحر) أميرًا بارع الجمال قد أعيته السباحة متعلقًا بخشبة من حطام سفينة حتى بلغ من الأعباء أن فقد صوابه، وأصبح موشكًا أن يموت غرقًا، وحدقت به (عروس البحر) فلم يهن عليها أن تدعه يموت، بل حملته بين ذراعيها، وسبحت به إلى الشاطئ، وأقامت إلى جواره حتى بدأ يفيق من إغماءته، ثم عادت إلى قصر أبيها تحت الماء وقد شغفها هذا الأمير حبًّا، وودت أن تكون حياتها معه.
لكنها لا تستطيع، فهي على مشابهتها عرائس الآدميين في وجهها وصدرها وذراعيها ليس لها ساقان تسير بهما، بل نصفها الأسفل سمكي تسبح به في الماء، وسألت أمها عما بينهم وبين الآدميين من فرق، فأخبرتها أن الآدميين يعيشون أطول عمرهم مئة عام، وأهل البحر يعيشون ثلاث مئة عام، وأن للآدميين روحًا باقية إلى الأبد، وأن أهل البحر ليس لهم هذه الروح، فذهبت (عروس البحر) إلى ساحرة، وطلبت إليها أن تحيل ذنبها قدمين، وأن تجعل منها آدمية، فرضت الساحرة على أن تأخذ لسان العروس، ومع أن صوت عروس البحر كان ساحرًا في عذوبته فقد رضيت هذه التضحية؛ لتكون إلى جانب حبيبها الآدمي، وذهبت إليه على قدميها فلما راها هام بها حبًّا، لكن صمتها حال بينه وبين التزوج منها، فتزوج من ابنة ملك يجاور ملكه مملكة أبيه، وأشفقت بنات الهواء على عروس البحر فاتخذتها واحدة منهن، ولهن على بنات البحر من الفضل أن أعمال الخير تجعل لهن خلال ثلاث مئة السنين التي يعشنها روحًا خالدة، وبذلك تستطيع العروس أن ترى الأمير في العالم الآخر.
هذه القصة التي كتبها هـ، ك، أندرسن للأطفال الصبيان بديعة في أسلوبها وفي تصويرها، وتستغرق نحو العشرين من الصفحات، وقد أعجب بها كارلسبرج إعجابه بكل ما كتبه أندرسن، وكارلسبرج صاحب مصانع كبرى للبيرة في كوبنهاجن، مع ذلك كان من أشد الناس حبًّا للفنون الجميلة وإعجابًا بها وتضحية بالمال في سبيلها، حتى لقد أوصى قبل موته بأن يخصص مبلغ طائل من أرباح مصانع البيرة التي يملكها لما تحتاج إليه الفنون الجميلة والقصور التي تحتوي آثارها من نفقة وإصلاح، وإلى اليوم لا تزال هذه الوصية نافذة، ولا يزال أرباب الفن يحظون بالإيراد الذي خصصته.
أعجب كارلسبرج إذن بقصة عروس البحر، وأراد أن يخلدها، ففكر في الأمر تفكيرًا جديًّا، ثم دعا إليه مثالًا ناشئًا تبدو عليه ملامح النبوغ، واتفق معه على صنع تمثال لعروس البحر فوق صخرة على شاطئ كوبنهاجن، واختار المثال الناشئ أجمل ممثلة في كوبنهاجن واتخذ منها (موديلًا) لتمثاله، فلما أتم صنعه أقيم فوق صخرة على شاطئ كوبنهاجن، فأصبح محط أنظار كل السائحين الذين يذهبون إلى العاصمة الدانمركية، ومحط أنظار من يمرون في السفن من هناك، وموضع التقدير من الجميع.
والحق أن التمثال جميل دقيق الصنع، جلست فيه (عروس البحر) جلسة من يقرأ التحيات في صلاته، وقد بدا على وجهها الأمل والألم ممتزجين، وبدت ملامحها مع ذلك جميلة بارعة الجمال، لا عجب وذلك شأنها أن تكون معشوقة السائحين وركاب البحر، وما أكثر من يركبون البحر من كوبنهاجن وإليها، فبينها وبين شاطئ النرويج مضيق تتخطاه الباخرة في أقل من نصف ساعة، ويمكنك أن تعبر هذا البوغاز وأنت بالقطار الذي يتخطاه على ظهر الباخرة.
•••

هذه قصة عروس البحر، أما القصة الدانمركية الثانية فقصة «هملت» وهي تتصل بقصر خارج كوبنهاجن، والرواة يذهبون في قصة هملت إلى أن شكسبير جاء مع فرقته التمثيلية من إنجلترا إلى المكان الذي يقوم هذا القصر عليه لتمثيل بعض مسرحياته في المدينة التي كانت زاهرة إذ ذاك، أو لعله جاء سائحًا منفردًا، فليس بين إنجلترا والدانمرك ما يقتضيك أكثر من عبور البحر، أيًّا كان الأمر فقد عرف شيكسبير أن قصة هملت ومغامرته في سبيل الملك وقتله دنكان حدثت في هذا المكان، فأعجبه ما سمع وكتب قصته الخالدة عن هملت.
لا يحسب القارئ أن ذلك ما أريد أن أحدثه به عن هملت وقصته، ولو أنه كان كذلك لما اقتضاني الأمر أن أذكره، لكن الدليل الذي كان يرشدني في تجوالي بالدانمرك روى لي في هذا الموضوع رواية طريفة هي التي أريد أن أقص حديثها، ذلك أن أمريكيًّا جاء إلى الدانمرك صحبه هذا الدليل كما صحبني، فلما بلغ هذا القصر، وذكر له الدليل ما يروى عن شيكسبير، وكيف كتب هملت؛ سأل الأمريكي: وفي أي غرفة من غرف القصر تبدى طيف هملت، فالقراء يذكرون أن شكيسبير جعل لهذا الطيف من مسرحيته مكانًا خاصًّا وحديثًا مستفيضًا، قال الدليل للأمريكي: لست أستطيع أن أجيب عن سؤالك، فهذا القصر القائم الآن إنما بُني بعد خمس مئة سنة من وفاة هملت، ويتعذر لذلك أن يعرف الإنسان أين بدا الطيف، وأية غرفة من غرف هذا القصر كانت مكان ظهوره.
قال الأمريكي بغضب: لكني تركت أمريكا وإعمالي وأموالي فيها وجئت إلى الدانمرك، وتكلفت في سبيل ذلك ما تكلفت من نفقة لغير شيء إلا أن أرى المكان الذي تبدى فيه طيف هملت، فإذا لم يكن الأدلاء في هذه البلاد يعرفون أين ظهر هذا الطيف، ولم يكن العلماء قد حددوا مكانه، فخير لهم أن يذيعوا ذلك على الناس حتى لا يُكلِّف رجل مثلي نفسه مشقة السفر ونفقته ليقال له عن المكان الذي بدا فيه هذا الطيف: غير معروف، عند ذلك قال الدليل: أعتقد يا سيدي أن الطيف بدأ في هذه الغرفة، بل أستطيع أن أؤكد ذلك، وسمع الأمريكي هذا الكلام فاغتبط وأطمأن وأعتقد أنا ما بذله من مشقة ونفقه لم يذهب سدى؛ لأنه عرف المكان الذي ظهر فيه طيف هملت، حتى لو أن هذا الطيف كان مما ابتدعه خيال شيكسبير.
•••

هاتان قصتان من الدانمرك أرويهما لأن أولاهما أثارت دهشتي، ولأن الثانية أثارت ابتسامتي، أما دهشتي للقصة الأولى، قصة عروس البحر، فلأن (كارلسبرج) صاحب مصانع البيرة هو الذي أقام هذا التمثال، وأنفق في إقامته ما أنفق، وليس مما يعهده الناس أن يغرم صانع البيرة بالفن الجميل هذا الغرام؛ فيجعل حظًّا موفورًا من ماله وقفًا عليه، وأما ابتسامتي للثانية فلأنها تشهد بسذاجة الأمريكيين على ما عُرف من مقدرتهم وحبهم العمل، كما تشهد بأن الأوروبيين لا يزالون ينظرون إلى هؤلاء الأمريكيين على أنهم أطفال كبار، وإن بلغوا من الثروة والعلم أعظم مبلغ.
على أن هاتين القصتين لم تثيرا من تفكيري فيما شهدته بالدانمرك ما أثارته مشاهد أخرى أحدث القراء بشيء منها في مقال آخر.

الديمقراطية في الدانمرك


للديمقراطية تعريف أساسه أن الناس يولدون ويعيشون أحرارًا متساوين في الحقوق والواجبات، ولا أريد مناقشة هذا التعريف هنا، وأني أذكر أنني شعرت بأن هذا التعريف أكثر ما يصدق بحذافيره في بلاد أوروبا الشمالية، وبخاصة في بلاد الدانمرك، فلا تفاوت هناك بين الناس بسبب ثروتهم أو مراكزهم الاجتماعية، وكل عمل هناك شريف ما دام القانون يبيحه.
ولا يستثنى أحد من هذه القواعد، ولا يستثنى ملك الدانمرك نفسه منها، فهذا رجل كغيره من رجال الدانمرك له احترامه وله مكانته، ولكنه لا يزيد في حقوقه ولا تزيد واجباته على غيره من الناس إلا بقدر ما يشعر هو أن مركزه يقتضيه أن يزيد في هذه الواجبات. لما احتل الألمان الدانمرك بموافقة أولي الأمر فيها منذ سنة ???? إلى آخر الحرب كان الدانمركيون يتوقعون أن عدم معارضتهم الاحتلال الألماني تعفيهم من النتائج التي تترتب على الاحتلال بالقوة، وتدعم وشأنهم، لكن الألمان رأوا أن لا مفر لهم من الاحتياط لموقفهم الحربي فكانوا يعاملون أهل الدانمرك بالشدة التي يعاملون بها غيرهم من الدول التي احتلوها عنوة منتصرين عليها، وترتب على ذلك أن قامت في البلاد حركة امتعاض تلتها حركة مقاومة لهذا الاحتلال، وشعر ملك الدانمرك يومئذ بأن عليه لوطنه واجبًا، فالملك يجب أن يقوم بعمل يشهد بعدم رضاه عن أعمال الاحتلال، لهذا كان يمتطي جواده كل يوم ويخرج به ويطوف أنحاء كوبنهاجن منفردًا لا يحرسه أحد، لا يسير أمامه ولا من خلفه حاجب راجل أو فارس دلالة على أن شعبه وبعده يحميه، وأنه في أمن بهذا الشعب من أن يحتاج إلى أية حراسة، وضاق الألمان ذرعًا بهذا المنظر الذي يتكرر كل يوم ليثير أهل كوبنهاجن بهم، لكنهم لم يكونوا يستطيعون أن يقولوا شيئًا، أما الشعب الدانمركي فأدرك أن الملك يريد بهذه الجولات أن يشعر الشعب أنه يحس بإحساسه، ويضيق مثله بالاحتلال الألماني وأفاعيله.
وتوفي الملك وخلفه ولده الملك الحالي على العرش، وولده موسيقي بارع يتقن إدارة الجوقات الموسيقية، وهو لا يرى بأسًا بين الحين والحين، وهو الملك وصاحب العرش، أن يذهب إلى حفلة من الحفلات الكبرى، وأن يخلع سترته وأن يدير الفرقة بعصاة كما يفعل مديرو الفرق الموسيقية البارعون، وقد ازداد الشعب تعلقًا بالملك لما يفعل من ذلك؛ لأنه رأى فيه مثلًا من أمثلة الديمقراطية العليا، فهو ملك يتولى مهام الملك، لكن ذلك لا يرفعه عن مقام الإنسان، ولا يجعل له حقًّا مقدسًا من عند الله، وإدارة فرقة موسيقية عمل شريف فلا بأس بأن يتولاه الملك بنفسه أرضاء لمزاجه، لا منافسة للذين يكسبون عيشهم من هذا العمل.
والدانمركيون يتحدثون عن أنباء ملوكهم بمحبة وإعجاب، وليس ذلك شأنهم اليوم وكفي، بل هو شأنهم من زمن بعيد، فهم يسمون ملكهم الذي كان على العرش في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن العشرين (حمو أوروبا) ويكادون يفاخرون بهذا اللقب، ذلك أنه كانت لملكهم هذا ثلاث بنات بارعات الجمال خطبن ثلاثتهن إلى ملوك أوروبا، وأصبحن ملكات لثلاث دول فيها، وكانت أحداهن الملكة ألكسندرا ملكة إنجلترا، وقرينة الملك إدوارد السابع، وإحدي البارعات الجمال في أوروبا كلها، ولم يقتصر أمر هذا الملك على أن صدق عليه أنه (حمو أوروبا)، بل اختير ولده كذلك ملكًا لليونان.
ألا يدل ذلك على أن هذا الشعب الصغير، شعب الدانمرك، شعب سعيد بملوكه، وبحسن إدراكه لمعاني المساواة في الحقوق والواجبات.
وللديمقراطية التي تقوم على أساس من أن الناس يولدون ويعيشون أحرارًا متساوين، وأن العمل الشريف مقدس ما دام القانون يبيحه، مظاهر شتى متأصلة في نفس الشعب تكاد تراها في كل حركة من حركاته، وفي كل صورة من صور نشاطه، وهذا النشاط جم يزيد على ما يراه الإنسان في غير كوبنهاجن من عواصم أوروبا، وفيه ما يدل بوضوح على أن كل إنسان يحترم العمل الذي يزاوله أشد الاحترام، كم من مرة كنت أدخل مطعمًا من المطاعم فابتسم حين أرى رئيس الخدم فيه مرتديًا لباسه الرسمي يدور هنا وهناك وعليه من سيما الوجاهة ما قل أن تلمح مثله على رئيس وزارة في أوروبا أو غير أوروبا، وكم من مرة كنت أدخل فيها المتاجر فأرى البائعين والبائعات رغم ابتساماتهم ورقتهم وظرفهم يشعرون بأنهم يؤدون عملًا لا يقل مكانة عن عمل الوزير أو المحامي أو الطبيب أو الموظف الكبير، وأدلاء المتاحف الذين يرشدونك في لطف إلى تاريخ كل قطعة تحت إشرافهم بالمتحف ليسوا أقل أكبارًا لعملهم واحترامًا إياه من غيرهم، وتستطيع أن تقول ذلك بالنسبة لسائق التاكسي، ولغيره من العمال في البنوك وفي الأماكن العامة ممن يقتضيك الأمر أن تتصل بهم، وليس هذا الاحترام للعمل نوعًا من الكبرىاء يريد الشخص أن يستر به ضعف نفسه، بل الكل يحترم عمل الكل، ويتبادلون فيما بينهم هذا التقدير لمعنى الجهد الإنساني أيًّا كان العمل الذي يبذل هذا الجهد فيه، فالعمل لذاته لا يُعاب، وإنما يُعاب التراخي فيه أو عدم إتقانه.
ونشاط أهل الدانمرك عجيب، كنت أقيم في كوبنهاجن بفندق إنجلترا، والفندق يقع على ميدان فسيح، وتحته قهوة ومطعم متصلان به، وقد جلست ساعتين في هذه القهوة قبيل سفري من عاصمة الدانمرك إلى لندن فأدهشني ما أرى؛ مئات السيارات وألوفها، ومئات الموتوسيكلات وألوفها بأشكالها المختلفة، ومئات الدرجات وألوفها تمر كلها من أمامك في سرعة مدهشة، هذا عدا السائرين على أقدامهم ممن يخطون أمامك مسرعين بنشاط يدهشك، وعلى ثغورهم رغم ذلك ابتسامة تشهد برضاهم عن الحياة، وهؤلاء وأولئك جميعًا، رجالًا ونساء، يسرعون إلى عملهم الذي يحبونه ويحترمونه ويجنون منه رزقهم ورزق من يعولون وكأنهم ذاهبون إلى نزهة محببة يخشون أن تفوتهم.
وكما يسارع أبناء الدانمرك إلى عملهم في احترام وإعزاز، فهم حريصون كذلك على أن يعوضوا أنفسهم عن مشقة العمل بألوان من التسلية والمرح يسارعون إليها في نشاط كنشاطهم في إقبالهم على العمل، وفي كوبنهاجن مسارح شتى للتمثيل وللموسيقى وللرقص, فيها أثناء الصيف مكان فسيح يسمونه (التيفولي) تشبها بتيفولي روما، أنا لم أر هذا المكان في روما رغم أنني زرتها مرات عدة، وقد يكون ذلك لأن بروما من المشاهد ما ينسيك التيفولي، أما تيفولي كوبنهاجن فلا يمكن لزائرها في الصيف أن يتجاهله، وأنت إذا قصدت إليه ليلًا بهرتك أضواؤه، فلا أحسبني أبالغ إذا قلت: إن بها ملايين من ثريات الكهرباء، وبها عدد كبير من المطاعم تزيد على سبعة أو ثمانية، وبها من ألوان الملاهي ما لا يقع تحت حصر، بها المسارح وملاعب الموسيقى وباليه الرقص، كل ذلك منثور في فسحتها المترامية الأطراف الرقيقة الهواء بما تبعثه بحيراتها الصغيرة الواقعة هنا وهناك من أرجائها المختلفة، والتي تقوم على جوانبها أشجار نثرت بين أغصانها أضواء خافتة تسمح للشباب بأن يجدوا في حماها مرتعًا لهواهم ومسرحًا لتبادل أسرارهم، وقد قيل لي: إن هذا المكان يقصد إليه كل ليلة نحو سبعين ألفًا من المتنزهين، ولست أشك في أنهم يجدون فيه متعة خير متعة تعوضهم عن عمل نهارهم، فمطاعمه تتفاوت لتتفق مع تفاوت القدرة على النفقة بعضها من الطبقة الممتازة والبعض أقل كلفة، ومسارح التيفولي في الهواء الطلق يرى الناس فيها ألوانًا من التمثيل والموسيقى والرقص من غير أن يدفعوا أي رسم، وقد حاولت أن أتفرج على الباليه فتعذر ذلك عليَّ لكثرة الجالسين والواقفين يشهدونه، ولولا أنني التمست فجوة أنظر من خلالها لما استطعت أن أرى شيئًا، وكذلك تقضي هذه الألوف المؤلفة التي تجهد نفسها طول النهار في العمل والدأب فيه سويعات من الليل تروح عن نفسها في أماكن اللهو من مشاهد كوبنهاجن الرقيقة الظريفة.
ولا تمنع الديمقراطية الشعب الدانمركي من أن يعتز بتاريخه، وأن يكسبه في نفوس أبنائه منذ نعومة أظفاره، وهم يعتمدون في هذا الشأن على متاحفهم، ففي هذه المتاحف صور للأسرة المالكة في مختلف العصور، وأخرى لمشاهد تاريخهم المختلفة، كما أن بها من آثار الفن والفكر ما يأخذ بالنظر وما يهوي إليه الفؤاد، وأنت كثيرًا ما ترى في هذه المتاحف طائفة من الصبية والأطفال أولادًا وبنات ومعهم معلمهم أو معلمتهم يفسر لهم مدلول كل صورة وكل أثر، ويشرح لهم ذلك شرحًا وافيًا يقفون منه على تاريخ بلادهم مرتسمًا أمامهم في صور جميلة وآثار للفن بارعة فلا ينسونه من بعد ذلك أبدًا.
وقد أثارت مبالغة بعضهم في الحديث عن تاريخ الدانمرك ابتسامتي، كان دليلي يشرح بعض الآثار التي وقفنا أمامها فذكر لي أن عهدها يرجع إلى ستة آلاف سنة، عند ذلك نظرت إليه في دهشة وقلت له: الذي أعرفه أن الدانمرك وبلاد أوروبا كلها كانت من ستة آلاف سنة، بل من ألف سنة فقط غارقة في بحار من الجهل والهمجية، ثم أضفت، ولا تنس أنك تُحدث رجلًا من مصر لبلاده تاريخ يرجع بالفعل إلى ستة آلاف سنة، وأن مصر كانت إذ ذاك مصدر حضارة العالم.
لا أدري لماذا تركت الدانمرك في نفسي أثرًا عميقًا، رغم أنها بلد لا يزيد سكانه على أربعة ملايين، وكم أود لو استطعت أن أزورها مرة أخرى عما قريب، فريفها بديع ومظاهر حياتها جميلة في مجموعها، وأهلها كلهم رقة وظرف.
ترى أيتاح ذلك لي؟!

في لندن … وفي بلاد الغال (ويلز)


كان برنامج رحلتي، حين أزمعت شهود المؤتمر البرلماني الدولي بهلسنكى عاصمة فنلندا صيف هذا العام، أن أذهب بعد هلسنكى على لندن، وأن اقطع الطريق بينهما في كوبنهاجن عاصمة الدانمرك لمدة ثلاثة أيام، وبعد هذه الأيام الثلاثة أقلتني الطائرة من كوبنهاجن إلى لندن، فلما بلغتها ألفيت ولدي يستقبلني بمطارها الفسيح الجديد، وقد كنت أتوقع أن يسألني رجال الجمرك بها عما معي من جنيهات إسترلينية، فلا يجوز أن يدخل أحد إنجلترا ومعه أكثر من عشرة جنيهات إنجليزية، وإن جاز أن يحمل ما شاء من العملات الأجنبية، ومن الشيكات على البنوك الإنجليزية، وقد كان رجال الجمرك هناك يتشددون في السؤال عما يحمله المسافر من الجنيهات الإنجليزية إلى سنتين مضتا، أما هذه المرة فلم يسألني أحد منهم عن ذلك، ولم يسأل غيري من المسافرين، كما أنهم كانوا اللطف كل اللطف في استقبالنا جميعًا، وفي التأشير على متاعنا من غير أن يطالبونا بفتح شيء منه، هذا مع العلم بأنني كنت أحمل جواز سفر عاديًّا، وكنت فيما مضى أحمل جوازًا دبلوماسيًّا أو جوازًا خاصًّا.
وقد أدهشني هذا التبدل في معاملة الإنجليز للمسافرين، ثم قيل لي: إن ما يدخل إنجلترا من أموال السائحين يقدر بالملايين، وإنهم لذلك يحرصون على تشجيع السياحة، فلا يضعون العراقيل في سبيلها، ولا يضايقون المسافرين إلا أن تقوم لديهم الشبهة القوية التي تحملهم على مضايقة مسافر بذاته، وكذلك انطلقت بمتاعي مع ولدي إلى فندق دورشستر حيث حجزت لي الغرفة التي أنزل بها.
وكان مراسل جريدة الأخبار، الأستاذ زغلول السيد، هو الذي حجز لي هذه الغرفة، لذلك حرصت أول ما وصلت على أن أتصل به، لكن محاولاتي ذهبت عبثًا، فلما سألت عنه السفارة المصرية قيل لي: إنه قام بالإجازة من أول سبتمبر، وكنت أنا قد وصلت إلى لندن في الثالث من سبتمبر، فأسفت لأنني لم أتمكن من شكره والتحدث إليه.
وسافر ولدي مساء الغد من وصولي إلى جنوب بلاد الغال؛ إذ كان يقيم في ذلك الوقت بكارديف، أما أنا فبقيت بلندن أربعة أيام ذهبت بعدها إلى كارديف، وفي هذه الأيام الأربعة أجوس خلال لندن مع ابن عم لي يعرف المدينة الكبيرة تمام المعرفة، وذات مساء شهدنا بها مسرحية مضحكة أثارت عجبي، فهي نقد لاذع للأمريكيين على الرغم من أن للولايات المتحدة بلندن مقرًا للقيادة العامة للقوات الأمريكية المرابطة في إنجلترا، وتدور هذه المسرحية حول جزيرة كانت اليابان تحتلها، ثم احتلتها الولايات المتحدة، وأرادت أن تقنع أهلها بأنها إنما احتلتهم لخيرهم وكفالة حريتهم، فإذا التعاليم التي يحاول رجالها أن يقنعوهم بها هي بعينها التعاليم التي كان اليابابنيون يلقونها عليهم، وبعبارة أخرى أن الاستعمار هو الاستعمار يابانيًّا كان أو أمريكيًّا، وأن ذرائعه هي هي بعينها لا تتغير.
وقد قيل لي: إن كثيرين من الأمريكيين يحضرون هذه المسرحية، وإنهم يضحكون ملء أشداقهم لكل ما يقال أو يجري فيها.
وفي السابع من سبتمبر انتقلت بالقطار من لندن إلى كارديف، وهو قطار سريع يقطع الطريق في ثلاث ساعات لا يقف أثناءها إلا مرة واحدة في نيويورك، وكان معي بديوان سكة الحديد رجل اتصل بينه وبيني حديث متقطع عرفت من خلاله أنه من أهل كارديف، وأنه شديد الإعجاب بها وبنظامها في شوارعها وحوانيتها وعربات الأتوبيس فيها، أليست هي عاصمة بلاد الغال، فسألته عن عدد سكانها، فقال: إنه ربع مليون أو حول ربع المليون، فلما سألته في أي حي من أحيائها يقيم، قال: إنه يقيم خارجها في المرتفعات حيث مناجم الفحم، وأردت أن أعرف منه ما صورة الحياة في مناجم الفحم فأنكر عليَّ سؤالي، وقال: إنه لا صلة له بالفحم واستخراجه، بل هو معلم في المعاش يحب كارديف؛ لأنها المدينة التي وُلد فيها وقضى حياته بها.
وبلغت كارديف ساعة المغيب ونزلت فندق الملاك، وكان أول ما فاجأني بها وأثار دهشتي أني وجدت في غرفة الحمام الملحقة بغرفتي ورقة صغيرة كتب عليها أنه لعدم نزول المطر خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة؛ فعلى النازلين بالفندق ألا يستحموا توفيرًا للمياه، وإنما أدهشني ذلك لأني أعلم أن الإنجليز من أحرص أهل الأرض على الاستحمام، وأنهم لا ينهون عنه على نحو ما ورد في هذه الورقة إلا لقحط في المياه شديد، وقد تناول هذا النهي جميع الفنادق، وأبلغ أمره إلى الناس في منازلهم مما دل على أن الماء غير متوافر بالفعل.
مع ذلك لاحظ بعض الإسبانيين حين زرت مدريد بعد سفري من إنجلترا أن مثل هذا الأمر لو حدث في إسبانيا لنددت بها صحافة العالم واتهمتها بالقذارة، ولم تلتمس لها من العذر ما تلتمسه لإنجلترا، لغير شيء إلا أنها إنجلترا، وإن لم يكن الإسبان أقل حرصًا على النظافة من الإنجليز.
وأصبحت أدور في أرجاء كارديف، هي بلد صغير ولكنه ظريف حقًّا، صدق زميلي في القطار من لندن إلى هنا، أن شوارعها لفسيحة، وأن متاجرها لظريفة، وأن بها لممرات تجارية حوت من ألوان البضائع كل ما تشاء، وعربات الأتوبيس فيها لا تقل حسنًا عن عربات لندن، وأن بها لقلعة قديمة فسيحة الأرجاء يحدث ما فيها عن جوانب من تاريخ إنجلترا ومن تاريخ بلاد الغال حديثًا تسمعه من دليلها الشيخ فيروقك، ويجعلك أكثر إعجابًا بما ترى من فاخر الأثاث، ومن بديع الثريات، ومن بارع الصور التي تحدث عن وقائع حربية، أو تحكي صورة ملك قديم، وقد كانت تلك القلعة ملكًا لأسرة من أشراف إنجلترا فأهدوها إلى مدينة كارديف منذ عهد غير بعيد، وأن بالمبنى غير القلعة لمباني فخمة غاية الفخامة، وفي مقدمتها دار البلدية حيث ترى من التماثيل والتحف ما بلغت النظر بدقة صنعه، وحسن حديثه عن التاريخ الذي يرمز له، وبدار البلدية هذه بهو فسيح للحفلات العامة التي تُعزف فيها الموسيقى، ويرقص فيها الراقصون، وميادين كارديف ومتنزهاتها تنفس عن المدينة وعن أهلها، وعن الأطفال المحتاجين أكثر من غيرهم للهواء الطلق وللتنفس ملء صدورهم.
وتضاهي دار البلدية في فخامتها دار القضاء ودار الجامعة، وبعض المباني العامة بالمدينة مما تقتضيه حياتها كالمستشفيات وما إليها.
ورأى ولدي أن نقضي عطلة آخر الأسبوع نجوب أرجاء بلاد الغال من جنوبها عند كارديف إلى شمالها على مقربة من ليفربول، ثم ننحدر من الشمال إلى كارديف عن طريق آخر بعد أن نكون قد قضينا الليل في مصيف غاب عن بالي الآن اسمه؛ لأن اسمه معقد بلغة أهل البلاد، فلغة بلاد الغال تختلف كل الاختلاف عن الإنجليزية، وأهل هذه البلاد يتشبثون بلغتهم هذه، ويعيبون على أهل كارديف أنهم قلما يعرفونها، ولا يتكلمون لذلك إلا الإنجليزية.
وأقررت رأي ولدي وجبنا بلاد الغال من أقصاها إلى أقصاها، يا للجمال والروعة والجلال! أن بها مناطق تكاد تنافس سويسرا الجبلية في جمال منظرها وارتفاع جبالها، وكثافة غاباتها ورقة هوائها وعذوبة نسيمها، وأن بها مناطق أخرى ينفسح بها السهل إلى مدى النظر، وتستمتع فيها العين بمنظر الأفق وبمغيب الشمس على حافته، والمناطق الجبلية هي التي تشاطئ البحر الممتد من سواحل الغال مختلطًا بالمحيط الأطلنطي إلى أمريكا، وإلى هذه المناطق يقصد من يريدون الاصطياف والمتاع بهواء البحر وهواء الجبل مجتمعين.
وأنت لا ترى هذا الجمال البديع البارع لأول ما تخرج من كارديف، فالمنطقة المحيطة بها والتي يسميها أهل كارديف الوديان منطقة قليلة الارتفاع، تحيط بها هضاب تتوسطها، في الوديان مصانع عدة لشركات الطيران ولغير شركات الطيران، وبها كذلك مناجم الفحم.
فإذا انطلقت السيارة بك بعد ذلك متياسرة إلى ناحية البحر البعيد عنك ما يزال بدأت تتسنم المرتفعات شيئًا فشيئًا حتى تعلو شواهق الجبال، وحتى تراك أحاطت بك الغابات الكثيفة، وأنت مع ذلك تعلو وتهبط طرقًا عبدت خير تعبيد، حتى لا تكاد تسمع لعجل سيارتك أي صوت.
بعد خمس ساعات أو نحوها من مسيرتنا دلتنا خريطة الطريق على أننا أصبحنا على مقربة من البحر فلما بلغناه ألفيناه متلاطم الأمواج، لا نكاد نطيق هواءه لشدة برده وعاصف اندفاعه، وعدنا إلى سيارتنا فأقلتنا إلى حيث نزلنا نقضي الليل في تلك القرية التي لا أذكر اسمها، وكم أدهشنا؛ إذ قصدنا على كورنيشها الذي يُحاذي البحر أو وجدنا جميع المباني المطلة عليه فنادق، وأن وجدناها جميعًا ملأى بقصادها آخر الأسبوع حتى لقد صعب علينا أن نجد غرفة توافق اختيارنا، فاضطررنا لقبول الغرفة التي قيل لنا: إنها الوحيدة الخالية في أكبر فندق هناك.
واستأنفنا السير في الصباح إلى الشمال، فمررنا بقرى عدة كما مررنا بقرى عدة في اليوم الذي سبقه، وأنت تجد في كل قرية من هذه القرى ما تحتاج إليه، تجد المأوى الذي تلجأ إليه إذا هبط الليل وأنت في الطريق، وتجد المطعم الذي تتناول فيه غداءك وعشاءك كما تشتهي، وتجد المقهى الذي تجلس فيه تتناول فنجانًا من القهوة أو الشاي، وتجد على العموم كل ما يُرضي حاجاتك أيًّا كانت.
وحين بلغنا غايتنا شمالًا انحدرنا متيامنين نلتمس طريقًا آخر يؤدي بنا إلى كارديف، ونحن منها على ما يزيد على ثلاث مئة كيلومتر، ولم يكن هذا الطريق وعرًا كطريق مجيئنا، بل كنا نهبط فيه على طرق جميلة فسيحة، وكنا نرمي ببصرنا عن يميننا وعن يسارنا إلى الأفق من حولنا، وكنا نرى الشمس لا تحجبها قمة من القمم، وبلغنا كارديف بعد ساعة من مغيب الشمس.
أيهما أروع بهاء: الجبال والغابات أم السهل المنبسط، أما أنا، فأحب الجبال إذا كانت خضراء السفوح بالأشجار الباسقة، وكانت الغابات تقوم على حافتي الطريق الذي يسير الإنسان فيه، ذكرت ذلك إلى جماعة كانوا مثلي ينتظرون الطائرة المسافرة إلى مصر، فقالت سيدة: فسحة الصحراء يتنفس فيها الإنسان ملء رئتيه، أيستطيع القراء أن يذكروا رأيهم في ذلك الأمر، ولهم مني جزيل الشكر؟!

تعال معي إلى مدريد


زرت مدريد وإسبانيا لأول مرة في حياتي صيف هذا العام، مع أنني زرت باريس وفرنسا أكثر من عشرين مرة، وفرنسا تجاور إسبانيا، أليس هذا عجيبًا؟
الحق أنه لا عجب فيه، فأنا لا أعرف اللغة الإسبانية، ولم يكن لي في إسبانيا من الأصدقاء من أستطيع الاعتماد على صحبتهم؛ لأقف على ما فيها إذا زرتها، أما هذا العام فابنتي في إسبانيا، وهي تتقن اللغة الإسبانية، ولي بمدريد أصدقاء فإذا زرتها لم أكن غريبًا عنها كما كان ذلك شأني من قبلُ، وفي إسبانيا بلاد الأندلس حيث تقوم آثار إسلامية تهوي إليها نفوسنا وتدفعنا لمشاهدتها، فإذا يسرت لنا الأحوال هذه الزيارة وكنا قادرين عليها فالعجب ألا ننتهز فرصتها، ولذلك انتهزت هذه الفرصة.
والعاصمة في كل أمة هي عنوان هذه الأمة، فطبيعي أن تكون مدريد عنوان إسبانيا، وطبيعي أن أنزلها لأول ما أذهب إلى إسبانيا ألتمس الوقوف فيها على لون من الحضارة ومن الحياة لم أقف عليه من قبل.
وهبطت بنا الطائرة في مطار مدريد، فألقيت ابنتي مع جماعة من إخواننا المصريين في انتظاري وشكرتهم، واجتزنا الجمرك واصطحبني مدير المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمدريد في سيارته إلى فندق (بالاس)، واجتازت بنا السيارة طرقًا جميلة يبدو على بعضها القريب من المطار أنه حديث التخطيط والرصف؛ لأن الأشجار المغروسة على جانبيه لا تزال في بدء حياتها، فلما تخطينا هذه الطرق الخارجية إلى المدينة بدت مبانيها أشبه بما ترى في كل عاصمة أوروبية، وأشبه بمباني القاهرة واستأذنتني ابنتي لتذهب إلى بيت الطالبات الذي تقيم به تتناول غداءها، وكنا إذ ذاك قرابة الساعة الثانية بعد الظهر، وكنت قد تناولت غذائي بالطائرة، فسألتها عن موعد الغداء عندهم فأجابتني بأن الإسبان لا يتناولون طعام الغداء إلا بعد الساعة الثانية، ولا يتناولون طعام العشاء قبل الساعة العاشرة، وعجبت إذ كنت قادمًا من إنجلترا حيث يتناول الناس غداءهم ظهرًا، وعشاءهم في الساعة السابعة أو السابعة والنصف.
وأويت إلى غرفتي أستريح من مشقة السفر، فلما كان المساء رأيت في الميدان الذي أطل عليه فسقية بها نافورة حولها زرع، ويقوم فيها تمثال لإله من آلهة الإغريق الأقدمين، ورأيت أنوارًا في الفسقية تزيدها جمالًا، قالت ابنتي: خير أن تنزل لترى طريق (البرادو) فهو على خطوات من هنا وبه فسقية منظر التماثيل والماء فيها أروع مما تتصور، ولعلك حين ترى هذا الطريق تذكر (الشانزليزيه) طريق باريس الفخم.
ونزلنا إلى طريق (البرادو)، أنه ليس شارعًا تجري فيه السيارات، بل هو طريق فسيح بين شارعين، وهو مرتفع عنهما ولا تمر به سيارة ولا عربة، وهو مضاء إضاءة جميلة، والناس يسيرون فيه ذهابًا وجيئة يتنزهون تحت أشجاره ويستمتعون بمناظره، ويجلسون على المقاهي الكثيرة الموجودة فيه، وبه فسقية قامت فيها التماثيل وجرى فيها الماء تتلألأ تحته أنوار تزيد المنظر بهاء وروعة، وأكثر المتنزهين في طريق البرادو من الصبية بنين وبنات ممن تترواح أعمارهم بين السابعة والحادية عشرة، هم هناك يمرحون ويلعبون ما شاءت لهم سنهم التي تدفعهم لهذا المرح وهذا اللعب، وعجبت ما بال هؤلاء الأطفال لا يأوون إلى منازلهم، وقد تخطت الساعة التاسعة، قالت ابنتي: إنهم يذهبون إلى منازلهم في الساعة العاشرة ليتناولو طعامهم ثم يعودوا إلى هنا، ولا بأس بأن يبقوا بعد ذلك في طريق (البرادو) أو في غيره من طرق مدريد إلى منتصف الليل، وإلى ما بعد منتصف الليل.
هذا منظر لا أذكر أنني رأيت مثله في مدينة من المدن، فالصبية والأطفال يأوون عادة إلى منازلهم وإلى فراشهم قبل التاسعة، أما الإسبان فيذرون أطفالهم في الأماكن الآمنة إلى ساعة متأخرة من الليل، أفيكون هذا لأن جو الصيف عندهم شديد الحرارة، لكني قيل لي: إن ذلك شأنهم حتى في مدن الشمال حيث لا يرهق الصيف أحدًا، ولا ترتفع درجة الحرارة إلى أكثر من مثلها في باريس أو في لندن.
ومن طريق (البرادو) ذهبنا إلى سراي البريد الفخمة، وألقينا بصندوقها خطابات كتبناها، ثم ملنا إلى مقهى نستريح به، فالمقاهي في مدريد كثيرة مقصودة، ولعلها أكثر عددًا من مقاهي باريس وأكثر قصادًا منها.
واستهواني ما رأيت في هذه السيويعات من الليل فخرجت الغداة أجوس خلال المدينة راجلًا، وقد زادني ما شهدت حبًّا لها، فهي من خفة الروح بما لا يجده الإنسان في كثير من العواصم، وفيها إلى ذلك من مظاهر الفن الجميل، ومن إكبار أهلها هذه المظاهر ما يشهد للإسبان بذوقهم الجمال وتقديرهم له، ذهبت إلى ميدان إسبانيا وأجلت النظر فيه، وفيما غرس به من الأشجار وفي المقاهي القائمة على حوافه فأعجبني، لكن الإعجاب بلغ من نفسي حين وقفت أمام التمثال الذي أقيم (لسرفانتس) مؤلف قصة (دونكيشوت) أو (دونكيخوتى) كما ينطقها الإسبان، فلم يكن هذا التمثال قائمًا وحده، بل أقيم أمامه تمثال آخر (لدونكيشوت) على جواده وفي يده سيفه يلوح به في الهواء، وإلى جانبه (سانشو) على حماره، فكانت إقامة هذا التمثال تخليدًا لأدب (سوفانتس)، كما كان تمثال (سرفانتس) نفسه تخليدًا لاسمه، وأنها لعمري لفكرة موفقة أن يُخلد اسم الكاتب العظيم، وأن يُخلد في نفس المكان أدبه في تمثالين أو تماثيل تتحدث عن هذا وذاك.
والتماثيل في مدريد كثيرة يعيد بعضها إلى ذهنك ما رأيت من مثله في عواصم أخرى، ففي مدريد حديقة كبيرة جدًّا هي (الريتيرو)، وهي الرئة التي تتنفس منها المدينة العاصمة، والإسبان يقولون: إنها تفضل غابة بولونيا؛ لأنها تقع في وسط مدريد بينما يقع غاب بولونيا خارج باريس، وقد صنعت مجموعة من التماثيل لملوك إسبانيا لتوضع على أبراج القصر الملكي، ثم تبين أن سقفه لا يحتملها، فوضعت في طريق (البرادو) الرئيسي، وأصبحت أشبه بتماثيل أباطرة ألمانيا الموضوعة في حديقة (التيرجارتن) ببرلين، وصارت بذلك زينة لحدائق الريتيرو فوق زينتها بأشجارها الباسقة وبحيراتها الصغيرة، وبالتماثيل والمباني الأخرى القائمة فيها.
ولم يدهشني أن تقوم هذه التماثيل بمدريد بعد أن زرت متاحفها، وبعد أن رأيت فيها من آثار الفن في التصوير والنحت ما يضارع خير ما رأيت بأكبر العواصم الأوروبية، فمتحف (البرادو) الفسيح المترامي الأطراف لا يتواري عن أن يقارن باللوفر في باريس أو بالمتحف البريطاني في لندن، بل إن الإسبان يقولون: إنه يفوق اللوفر فيما يعرض من الصور، وإن فاقه اللوفر في التماثيل، وهم يدللون على قولهم هذا بأن متحف (البرادو) أدق في عرض اللوحات نظامًا، وأنه إلى ذلك يعرض آثار المصورين الإسبان أمثال جويا وفلاسيكيز ومن إليهما عرضًا دقيقًا يبين تطور فكرة المصور في الفن، والأحوال النفسية المختلفة التي مر المصور بها في حياته، وذلك أمر لا يُعنَى به اللوفر في باريس، ولا أريد أن أنضم إلى الإسبان في هذه المفاضلة ولا أريد أن أخالفهم فيها، ولكني أقرر أن متحف البرادو من أبدع المتاحف التي رأيت في حياتي، وأن الإسبان لا يبالغون حين يعتبرونه مجدًا من أمجاد عاصمتهم يستطيعون أن يفاخروا به الأمم في مضمار الفن الجميل.
وليس البرادو هو المتحف الوحيد الذي يستوقف النظر في العاصمة الإسبانية، وإن كان أعظم متاحفها وأبدعها، فقد زرت في مدريد القصر الملكي، وزرت متحف (ساروليا)، وساروليا مصور إسباني بارع يختلف اتجاهه عن اتجاه أكثر الفنانين، فالموضوعات التي يعالجها الفنانون في إيطاليا وفي إسبانيا، وفي أكثر البلاد المسيحية تستمد قوتها من الدين أو من التاريخ، فالمئات منها تصور العذراء والسيد المسيح في كل يوم وفي كل ساعة من ساعات حياتهما وحياة الحواريين حولهما، والمئات منها تصور وقائع التاريخ في عصوره المختلفة، وما جرى في الوقائع الحربية خاصة، وما جري في بلاط الملوك، هذا فضلًا عن صور الملوك أنفسهم، أما ساروليا فيستمد وحيه من أسرته؛ فأكثر صوره ترسم زوجته أو ابنته أو ابنه أو الأسرة كلها مجتمعة، وهو ينقش هذه الصور في أوضاع بارعة تدل على عمق حبه وإعجابه بهذه الأسرة التي عاش بها ولها، والتي وهبها كل قلبه وكل فنه، وإلي جانب هذه الصور يرى الإنسان في متحف ساروليا مجموعات من الأواني ومن العاج المنقوش كان المصور الماهر يحبها غاية الحب ويُعنََى بجمعها، وينفق في سبيل ذلك الأموال الطائلة.
فأما القصر الملكي الذي لم يصبح قصرًا ملكيًّا، وإن احتفظ بهذا الاسم فيفوق قصورًا كثيرة في البلاد الأوروبية، ويمتاز على ما أصبح تاريخيًّا منها بأنه رغم أنه أصبح تاريخيًّا كذلك لا يزال السفراء يستقبلون فيه ليقدموا أوراق اعتمادهم، وهو إلى ذلك متحف بديع بما حوى من الصور والتماثيل والنجف والأثاث النادر، وبه إلى جانب هذا كله مكتبة حوت، فيما ذكر لنا دليلها، سبعًا وعشرين ألف مجلد، وعددًا غير قليل من المخطوطات صفت كلها في رفوفها في نظام بديع، وقد استوقفتني هذه المكتبة كما استوقفني القصر، أو أكثر مما استوقفني القصر، بما فيها من الكتب القديمة المعروضة عرضًا رائعًا، أو المجلدة تجليدًا فاخرًا، ومن هذه الكتب نسخة من القرآن الكريم.
أفيجمل بي أن أفيض أكثر مما سبق في الحديث عن مدريد، لو أنني فعلت لوجد قلمي مادة غزيرة تعاونني على وصف ما شهدت خلال الأسبوعين اللذين أقمتهما بهذه المدينة الخفيفة الروح، لكني أجتزئ بما سبق الآن، ولعل الأقدار تتيح لي أن أعود لأستمتع مرة أخرى بمباهج مدريد أضعاف ما استمتعت المرة الأولى.
على أنني لا أستطيع مع ذلك أن لا أذكر ما لقيت من ظروف الإسبان الذين عرفت بمدريد، والذين أبدوا لي من حسن اللقيا ما لن أنساه، لقد استمتعت بصحبة المستشرق الكبير الأستاذ جارسيا جومز، ودارت بيني وبينه أحاديث كان لها عمق الأثر في نفسي، وقد زرت المثَّال الكبير الأستاذ كوماندادور، ثم صحبني غداة زيارته إلى متحف أكاديمية الفنون الجميلة بمدريد، وشرح لي الكثير من صوره، ووقف معي طويلًا أمام صورة (جويا) وقد رسمها الفنان العظيم نفسه، كذلك رأيت أخرين لا أنساهم، وأود لو استطعت أن رآهم هنا بالقاهرة أو هناك بمدريد.

الإسبان ومصارعة الثيران


للإسبان مظاهر قومية في حياتهم تختلف عن مثلها عند غيرهم، وفناؤهم ليس كفناء الأوروبيين ورقصهم ليس كرقصهم، وألعابهم الرياضية المفضلة خاصة بهم، لا يعرفها إلا أبناء جنسهم في أمريكا الجنوبية، وفي المكسيك.
ومصارعة الثيران رياضة إسبانية لا يألفها غير الإسبان وهم يهيمون بها أكثر من هيام الإنجليز بكرة القدم، وأكثر من هيام الأمريكان (بالبيسبول)، ومصارعة الثيران منتشرة في كل المدن الإسبانية طيلة فصل الصيف، وأهل المدن يهرعون لمشاهدتها ألوفًا ولا يتخلفون عنها، ولا يسأمون مشاهداتها، فإذا رأوها أخذت منهم الحماسة كل مأخذ، فأنستهم في كثير من الأحيان أنفسهم، ودفعتهم إلى صيحات الإعجاب أو صغير الإنكار في عنف لا يندفعون إليه في غير هذا الموقف.
والناس في غير إسبانيا يتحدثون من مصارعة الثيران، لكن الأقلية منهم شهدوا بالفعل هذه المصارعة وعرفوا تفاصيلها، لذلك لا يكاد سائح ينزل إسبانيا حتى يسأل عن ميادين الثيران ومواعيد مصارعتها؛ ليشهدها ولتتكون عنده فكرة دقيقة عنها.
وكان ذلك شأني، لم أكن أتصور من مصارعة الثيران إلا ما سمعته في قصة كارمن الغنائية حين تمثل على المسرح، وكنت أظن أن هذا الذي يسمونه (التوريادرو) في قصة كارمن يتصدي للثور بقماشة حمراء يهيج الثور منظرها، ثم يظل يداور الثور والثور يداوره حتى يتغلب أحدهما على الآخر ويصرعه.
فلما ذهبت إلى مدريد هفت نفسي إلى مشاهدة هذا الصراع، رغم ما قيل لي من أنه وحشي، وأن كثيرين ممن يشهدونه لا يستريحون له، على أني لم تتح لي الفرصة التي أردتها وأنا في مدريد، فلما كنت بقرطبة من بلاد الأندلس دعانا بعض أهل المدينة لتناول طعام الغداء في حفل يرأسه عمدة المدينة، وبعد الطعام دعانا العمدة لنشهد حفلة مصارعة الثيران التي تبدأ في الساعة الخامسة بعد الظهر، وقال لنا: إنه سيمر قبل الحفلة على الفندق الذي نقيم به، وذكر لنا أن الحفلة تبدأ الساعة الخامسة تمامًا، وأن الإسبان لا يهتمون بالدقة في مواعيدهم إلا في حفلات مصارعة الثيران، فهي تبدأ في الدقيقة المحددة لها، ولا يجوز التأخر عنها أبدًا.
وجاء العمدة لموعده وشاهدنا الحفلة من بدئها إلى منتهاها، ولا أريد أن أذكر الآن ما تركته في نفسي من أثر، بل أصفها وصفًا موضوعيًّا خاليًا من التعليق لأجعل للقراء تقدير أثرها في نفوسهم، وكان أول ما وقع عليه نظري حين دخلت إلى مكان المصارعة هذه الألوف المؤلفة من المتفرجين جلسوا في مقاعد متدرجة بعضها فوق بعض حول حلقة مستديرة تعيد إلى الذهن صورة ملاعب الرومان القديمة التي يسمونها (الأرينا)، ويزيد قطرها على مائتي متر أو نحو ذلك، وكانت الحلقة ساعة دخلناها خالية ليس بها ثور ولا مصارع، ثم إن ستة من الشباب أو من الرجال يلبسون البياض الملتصق على أجسامهم إلى ما فوق ركبهم، دخلوا هذه الحلقة المستديرة يتقدمهم فرسان على خيول ثلاثة، فصفق لهم الناس طويلًا حتى انصرفوا، ثم اتجهت أنظار الجميع إلى باب هو الذي يخرج منه الثور الذي يصارع أولئك الأبطال ويصارعونه.
ولقد قيل لي: إن الثيران التي تُعد لهذه المصارعة تُحبس في مكان مظلم أربعًا وعشرين ساعة قبل بدء الحفلة، فإذا خرجت إلى هذه الحلقة التي تعج بالنور وبالناس أذهلها النور وأذهلها منظر الناس، وبخاصة لأنها أقرب لأن تكون ثيرانًا برية ترعى الكلأ على سفوح الجبال في رعاية راعٍ قل أن ترى من الناس غيره، فإذا دخل الثور الحلقة تولاه نوع من الذهول فدار ببصره يمنة ويسرة لا يدري ما الذي جاء به إلى هذا المكان.
وسألت أين (التوريادور) بين هؤلاء المصارعين الستة الذين دخلوا الحلقة بعد أن دخلها الثور، قيل لي: إنهم هؤلاء الستة جميعًا، وإن الإسبان يسمونه (التوريرو)، ويمسك كل في يده قماشة أدنى في لونها إلى الوردي منها إلى الأحمر القاني والستة موكلون بمعابثة الثور في أول أدوار المصارعة.
وخرج من الباب الذي اتجهت إليه الأنظار ثور يبدو عليه أنه لا يزال في فتوة شبابه، وإن لم يبلغ عنفوانه، خرج من هذا الباب فأذهله النور وأذهله منظر المتفرجين، وكانوا يبلغون يومئذ بين الثمانية آلاف والتسعة آلاف، فتقدم في الحلقة حيران مضطربًا، ووقف برهة فتقدم منه أحد هؤلاء (التوريرو) وأخذ يلوح له بقماشة مقتربًا منه حتى يكاد يصفعه بالقماشة.
هنالك خرج الثور من حيرته ومن جموده، وأندفع نحو هذا الذي يُعابثه فإذا هو يفر أمامه، ويدور حوله ثم يلوح له من جديد بقماشة، ولا يكاد الثور يستدير ليندفع نحوه حتى إذا (توريرو) آخر يلوح للثور بقماشته فيحار الثور إلى أية ناحية يندفع، وتبلغ الجرأة وتبلغ المهارة وخفة الحركة عند هؤلاء الذين يصارعون الثور مبلغًا يثير الدهشة والإعجاب، ويستدعي من الحضور التصفيق الطويل في حماسة ليس بعدها حماسة، ويزيد التصفيق الصادر من هذه الألوف اندفاع الثور ومداورات ملاعبيه الستة الذين يحيرونه فهو يدور حول نفسه أحيانا، وهو يندفع نحو أحدهم يريد أن يصرعه بقرنيه الحادتين؛ فإذا هذا الذي اندفع نحوه قد تواري، وإذا بلاعب آخر ظهر أمام الثور فزاد اندفاعه حيرة واضطرابًا.
وعلى أن حركات الملاعبين ترمي إلى غرض بعينه، فهم يريدون أن يجروا الثور إلى ناحية من الحلقة ليصطدم بلاعب أقوى، فلو أنهم أقاموا يلاعبونه لأجهدهم ساعات ثم لتغلب عليهم آخر الأمر.
والغرض الذي يريدونه إذ يجرون الثور إليهم هو استدراجه إلى مكان معين من حلقة المصارعة، فإذا اقترب من هذا المكان دقت الموسيقى فخرج من باب جانبي غير الباب الذي خرج منه الثور فارس مدجج بيديه أكثر من خنجر، وهذا الفارس يسمونه (البيكادور) يمتطي جوادًا معصوب العينين عليه درع يحميه من كل جانب، فقد يهاجمه الثور، وفارسه تحميه كذلك دروعه، وهذا الفارس لا يجوز له أن يتخطى في حلقة المصارعة خطًّا معينًا مرسومًا على الأرض، فإذا استدرج الملاعبون الثور فأصبح قريبًا من الفرس ورأى الجواد وفارسه اندفع نحوهما في بطء وحيرة، ولا يدري كيف ولا لماذا جاء، عند ذلك يقترب منه (البيكادور) ويغرس خنجرًا أو خنجرين في كتفه، فيسيل منه الدم غزيرًا، ويشعر الثور بهذه الضربات فيندفع كأنما يُريد أن يُدافع عن نفسه، ويضرب الجواد وفارسه بقرنيه فلا يؤثر في دروعهما، ولكنه في بعض الأحيان يُلقي الفارس أرضًا، أو يُلقي الفارس وجواده أرضًا، عند ذلك يُسرع الملاعبون بقماشاتهم يلوحون بها إلى الثور أو يضعونها بينه وبين (البيكادور)؛ ليدعوا لهذا الأخير فرصة للنهوض من سقطته، ويغرس البيكادور خنجره مرة أخرى في كتف الثور ليسيل دمه فيضعف، وينصرف البيكادور وجواده من الباب الذي دخل منه، وتدق الموسيقى إيذانًا بأنه قد أتم مهمته.
ويرتد الثور مثخنًا بالجراح إلى وسط الحلقة، وتبلغ منه الجراح أحيانًا فينفرج حلقة عن صيحات تُعبِّر عن ألمه، وفي هذه اللحظة يذهب إليه (البندريلا) فيغرس في جراحه ستة حربات تزيد دمه سيلانًا، وتبلغ هذه الحربات التي يتحملها الثور وهو في شبه دوار مبلغًا يحول بينه وبين الدفاع عن نفسه.
فإذا بلغ الثور أن أضعفته الجراح تقدم إلى النظارة (المتادور) يلوح بقبعته ثم يلقيها إليهم؛ شارة أنه سيقتل الثور، ويقدم لهم هذه الضحية، على أن الثور لا يلبث بعد قليل أن يسترد نشاطه، وكأنه يشعر بأن أمامه معركة حاسمة لا بد له كي يخوضها من أن يستجمع كل قوته.
والواقع أنه في هذه المرحلة الأخيرة من الصراع يُصبح ضاريًا، ولا بد (للمتادور) من أن يكون بارعًا في مداورة الثور ليزيده ضعفًا، وليتمكن آخر الأمر من أن يغرس الخنجر الذي يمسكه بيده في مقتل الثور من رقبته، وهذه المداورة تطول أحيانًا حتى يضج المتفرجون، ويطلبون إلى (المتادور) أن يجهز على الحيوان المسكين، وكثيرًا ما يُهاجم الثور في هذه الأثناء مصارعه وقد يصيبه، بل رأيت في هذه (الكوريدا) التي شهدتها بقرطبة هجوم الثور على البيتادور وإصابته إياه بقرنه في فخذه، وإلقائه إياه أرضًا، وفي مثل هذه الحال يتماوت حتى لا يكر عليه الثور فيقتله، ويهرع الملاعبون الآخرون لشغل الثور بقماشاتهم الحمراء، وقد كبر على (المتادور) القرطبي الذي ضربه الثور في فخذه ألا يقتل هذا الغريم الخطر، فقام يمرح ثم انقض على الثور بخنجره في حركة اليائس وضربه في مقتله، وهوى الثور إلى الأرض، عند ذلك انطلقت الأكف بالتصفيق والحناجر بالهتاف؛ إعجابًا بهذا البطل الذي أبى أن يترك الميدان قبل أن يتم ما تعهد للمتفرجين بإتمامه رغم إصابته.
فلما أيقن أنه أجهز على الثور خر إلى الأرض صريعًا وكأنما أغمي عليه، فقد تقدم زملاؤه وحملوه في رفق ودخلوا به من الباب الذي دخل منه البيكادور بجواده، ولعل طبيبًا كان هناك ليواجه مثل هذه الحوادث.
ضج الحضور إعجابًا بهذا البطل، وقرر المحكمون أنه جدير بمرتبة الشرف، وأوسمة الشرف في مصارعة الثيران تتفاوت، فأدناها أن تُعطى أذن الثور لمن قتله فيعلقها في بيته، وأرفعها أن يُعطى ذنب هذا الثور ليعلقه البطل في بيته، وقد تقرر أن يُعطى البطل الذي قتل الثور رغم أصابته مرتبة الشرف العليا؛ فيُمنح ذنب الثور، لكنه لم يتمكن من الحضور لتسلم هذا الوشاح بسبب إصابته، فحضر والده وناب عنه، وأكبر رجائي أن لا تكون إصابة هذا البطل خطيرة أو قاتلة.
ومصارعة الثور من بدئها إلى منتهاها تستغرق ما بين ثلث الساعة ونصف الساعة، وحفلة المصارعة تستغرق نحو الساعتين، ويقتل فيها ستة ثيران على النحو الذي قدمته يتولى قتل اثنين منها (متادور مشهود له بالبراعة).
هذه حفلة مصارعة الثيران أرجو أن أكون قد صورتها على نحو يصفها أمام القارئ وصفًا دقيقًا، ولا أريد أن أذكر الأثر الذي تركته في نفسي، وإن كان بعض من غير الإسبان الذين شهدوا الحفلة قد قرروا ألا يشهدوا حفلة أخرى، أما الإسبان فيهرعون إلى هذه الحفلات التي تروقهم، وتدل عندهم على البراعة والشجاعة.
حسبي اليوم هذا الوصف من غير تعليق، ولكل قارئ أن يعلق عليه بما شاء.

قصران، وحدائق، ومكتبة


إذا زرت باريس فقد زرت فرنسا، وإذا زرت لندن فقد زرت إنجلترا، فأما إن زرت مدريد فالأمر مختلف، وسبب ذلك أن تاريخ فرنسا مرتبط بتاريخ باريس، وأن تاريخ إنجلترا مرتبط بتاريخ لندن، أما مدريد فلا يرتبط تاريخها بتاريخ إسبانيا، وهناك مدن إسبانية غير مدريد كان لها في بعض الحقب أثر في حياة الإسبان لم يكن لمدريد، بل إن من هذه المدن ما كان عاصمة في عهد من العهود، وما احتفظ لذلك بمكانة خاصة تجعل العناية به لا تقل عن العناية بمدريد.
من هذا البلاد (توليدو) أو طليطلة كما كان العرب يسمونها أيام حكمهم إسبانيا، كذلك مدن الأندلس، ولن يتسع مقال للحديث عن هذه المدن كلها، ولم يتسع بي المقام في إسبانيا لأزورها جميعًا، لكن تستطيع أن تقول: إن كل واحدة أو كل مجموعة منها تحتل مكانًا من تاريخ إسبانيا القريب أو البعيد، وأن هذا التاريخ ترك أثره في مدينة بذاتها، ثم حرصت الحكومات الإسبانية المتعاقبة على أن تحتفظ لهذه المدينة بطابعها الخاص لتجعل منها مدينة سياحية أو مدينة تاريخية أن شئت.
وقد حكم الفرنسيون إسبانيا، وترك بعض ملوكهم فيها آثارًا لا تزال باقية إلى اليوم، من ذلك أن فيليب الثاني خلف من آثاره بلدة (لاجرانخا)، وهذه البلدة لا تزال اليوم عنوانًا للعهد الذي أقيمت فيه، وأقول البلدة؛ لأنها ليست مدينة بل ليست قرية، إنما هي قصر وحدائق وحراس للقصر والحدائق، أما فيما وراء ذلك فلا شيء فيها، حتى لقد أردنا بعد زيارتها أن نتناول طعام الغداء، فقيل لنا: إنها ليس بها مطعم، وإننا يجب أن نذهب إلى بلد قريب منها اسمه (سيجوبيا) بينه وبينها أحد عشر كيلومترًا، وأشير علينا أن نتناول غداءنا في سيجوبيا بمطعم اسمه (بيت كانديدو).
على أن ما رأينا في (لاجرانخا) يستوقف النظر بالفعل، وحسبك لتقدر ذلك أن تعلم أن الملك فيليب الثاني لم تعجبه مدريد، ولم تعجبه مدينة إسبانية أخرى يشيد بها قصره؛ لأنه رأى أن ينشئ في إسبانيا ما يشبه (فرساى) من ضواحي باريس، ويشبه فرساي بحدائقها وتماثيلها ومباهجها الجارية، فاختار لاجرانخا وأيقن أنه وُفق في الاختيار، وأن حدائقه ستكون أبهى من حدائق فرساي؛ لأن طبيعة الأرض في لاجرانخا ليست مستوية سهلة، بل فيها ارتفاع وانخفاض يجعل منظرها أكثر اجتذابًا للعين، ويجعل التماثيل فيها أكثر استهواء للنظر، ولم يخطئ تقديره، فقد درنا في جوانب هذه الحدائق البديعة التي تُعنَى بها الحكومة الإسبانية إلى اليوم، فكنا نقف بعد كل بضع عشرات من الخطي وقد فتحنا أفواهنا وعيوننا؛ إعجابًا وإكبارًا، وخالط الإعجاب والإكبار دهشة حين علمنا أن الحكومة الإسبانية لا تزال إلى اليوم تُقيم بعض الأعياد في هذه الحدائق، وعند ذلك تجري المياه في جوانبها جميعًا بما يُعيد إلى الذهن صورة من مياه فرساي وألوانها البديعة تحت أضواء الكهرباء.
أما القصر فلا شيء فيه يستوقف النظر؛ ذلك لأنه احترق في بعض العهود، ولم تُعنَ حكومة بترميمه، وإن جاءت بعض الحكومات إليه بمجموعة بارعة من سجاد (الجويلان) نقشت فيها أبدع المناظر وأروع الصور، وسترت بها جدرانه.
ليس في لاجرانخا سوي القصر والحديقة وحراسهما، لذلك ذهبنا بعد أن درنا في أنحائهما إلى سيجوبيا نتناول غداءنا في بيت كانديو، والطريق بين البلدتين فسيح جميل، ومطعم كانديو يقع على أول ميدان تقف فيه السيارة حين دخولها إلى سيجوبيا، وهذا الميدان تاريخي يقوم به من آثار الرومان ممر رفيع للمياه يعلو أربعين مترًا أو تزيد، ويشهد بأن الرومان عمروا في إسبانيا كما عمروا في بلاد إمبراطوريتهم كلها، أما بيت كانديدو فكان طعامه شهيًّا حقًّا، جديرًا بأن يسجل على أنه من الأماكن ذات التاريخ في سيجوبيا.
لم تكن سيجوبيا مقصدنا ساعة غادرنا مدريد في الصباح إلى لاجرانخا، لكني أشهد لقد سررت بها غاية السرور، وسررت بآثار فيها قيل: إن بعضها يتردد بين فاتحين عدة، منهم العرب المسلمون.
والأثر الذي رأيناه في سيجوبيا أقرب لأن يكون حصنًا منه لأن يكون قصرًا، ولعل بناءه يرجع إلى عهد الرومان وإن كان قد استعمل بعد ذلك في مناسبات عدة لغزاة مختلفين، على أن بلادًا أخرى ليست بعيدة عن مدريد بعد لاجرانخا أو بعد سيجوبيا بها قصور ملكية تحيط بها آثار خلدت اسم هذه البلاد، من ذلك قصر (الاسكوريال).
واسم (الاسكوريال) ليس غريبًا على الأذن العربية، وليس غريبًا بخاصة على أذن عشاق الكتب والمكاتب، ففي الاسكوريال إلى جانب القصر والمعبد المتصل به مكتبة عظيمة ذات صيت عالمي ذائع، يزيده ذيوعًا أن بها ألفي مخطوط عربي محتفظ بها على خير نحو.
وقد زرت القصر والمكتبة ولم يتسع الوقت لزيارة المعبد، والقصر على كثرة غرفه وأبهائه بسيط غاية البساطة؛ لأن الملك الذي شاده وأقام به كان ملكًا شديد التدين، شديد الزهد في الدنيا وزخرفها، يرى في ألوان المتاع بها انحرافًا عن طريق الدين القيم.
فأما المكتبة فبديعة حقًّا، بها قاعة فسيحة يزورها الجمهور جميلة كل الجمال، صورت على سقفها وعلى جدرانها لوحات بارعة تُصور ما يهدي إليه العلم مما قدم الإنسانية في طريق الحضارة، وعرضت في دواليبها مجلدات ضخمة تستلفت النظر طويلًا.
لكن هذا البهو المفتوح للجمهور لا يُصور مكتبة الاسكوريال إلا كما يُصور المدخل الجميل قصرًا من القصور الكبرى، أما خزائن الكتب فتقع في الطابق الأسفل، وينحدر الإنسان إليها عشرات بعد عشرات من درج لا يكاد ينتهي، وقد تكرم مدير المكتبة فأذن لنا في زيارتها، والاطلاع على بعض مخطوطاتها العربية فتمنيت إذ رأيتها لو أنها جميعًا نُقلت ونُشرت على الناس، ودرس الأخصائيون ما فيها وأذاعوا منها ما ينفع أبناء هذا العصر؛ ليكون لأهل البلاد العربية عبرة تنبههم لما قام به أسلافهم من أعمال جليلة تسجل لأصحابها أعظم المجد.
بل لقد بقيت أصعد بنظري إلى أعلى هذه الصالات الرفيعة التي تشتمل تلك الكتب العربية وغير العربية تعد بعشرات الألوف، ثم أخفضه حين يجيء حارس المكتبة بكتاب قديم قيم لأطلع عليه ولو لم أعرف لغته، ثم يسرح بي الخيال مثل مسرحه كلما وقفت في مكتبة كبرى، فتصورت مؤلفي هذه الألوف من الكتب وكأنما اجتمعوا في هذا المكان الذي يحتوي ما ألفوا، على اختلاف الأجيال التي عاشوا فيها، وكأنما ينظر بعضهم إلى بعض نظرة مودة تدل على أنهم شركاء في تراث الإنسانية العقلي، وأن اختلاف الأجيال التي عاشوا فيها، واختلاف البلاد التي قضوا حياتهم بها، لا يجني على هذه الشركة، بل يزيدها قوة وتماسكًا؛ لأنها شركة بالعقل والروح في هداية بني الإنسان طريق الحق والخير والجمال، هذا الطريق الذي سعت ولا تزال الإنسانية تسعى إلى بلوغ غايته، ولا تدري إن كان قد قُدِّر لها أن تبلغ هذه الغاية.
كنت أزمع أن أتحدث في هذا المقال عن طليطلة، وإن لم يكن بها قصر ملكي، ولم تكن بها مكتبة عامة، لكني أوثر أن أرجئ الحديث عنها الآن؛ لأن ما بها يستحق مقالات وحده، ولعلي أستطيع من بعد أن أحدث شيئًا من الصلة بينها وبين بلاد الأندلس على بعد الشقة بين الموقعين، على أن لها إلى ذلك طابعًا خاصًّا ليس لأي من البلاد التي تحدثت عنها في هذا المقال، فليعذرني القارئ، وإلى المقال المقبل.

آثارنا الباقية في الأندلس


فكرت منذ نزلت مدريد في زيارة الأندلس، وطبيعي أن يدور هذا التفكير بخاطر كل مسلم تطأ قدماه أرض إسبانيا، فالمدن التي يسميها الإسبان اليوم سيفيليا وكوردوفا وجرانادا هي إشبيلية وقرطبة وغرناطة، الحواضر الإسلامية التي ازدهرت حين حكم العرب بلاد الإسبان، وكانت درة في تاج الحضارة لذلك العهد، ولا تزال في هذه المدن إلى اليوم آثار إسلامية تشهد بماضيها المجيد كمسجد قرطبة الجامع، وقصر إشبيلية، وقصر الحمراء ذو الشهرة العالمية بغرناطة.
طبيعي إذن أن أفكر في زيارة الأندلس لأول ما نزلت مدريد، ولكن متي أزورها، وكيف أزورها، من الذي يرشدني إلى أسرار هذه الآثار من غير حاجة إلى دليل من الكتب يقرأ الإنسان فيه ما شاء، ويقف منه على دقائق المظاهر البادية لهذه الآثار، ثم تفوته مع ذلك إسرار كثيرة يعرفها أولو العلم، ثم بين مدريد وكل واحدة من هذه المدن خمس مئة كيلومتر أو تزيد، فالقطار يقطع الطريق إلى أيها في يوم كامل، أو في ليلة كاملة، كنت أتحدث في هذه المصاعب بحضرة المستشرق الكبير الأستاذ جارسيا جومز فقال: إن بين مدريد وإشبيلية وبين مدريد وغرناطة خط طيران يقطع المسافة في ساعة ونصف ساعة، وتستطيع أن تنظم الرحلة مع مكتب من مكاتب السياحة الكثيرة في مدريد، فإذا نظمتها مع ابنتك أعطيتكما خطابات للقائمين على هذه الآثار والعالمين بدقائقها فسهل ذلك زيارتكم إليها، وشكرت الرجل وطلبت إلى ابنتي أن تزور مكاتب السياحة، وأن تدبر لنا أمر الرحلة.
وبعد أن تم هذا التدبير، وجاءت الخطابات التي كتبها المستشرق الكبير حسبت أن الأمر أصبح يسيرًا، فسنقطع أطول الطرق بالطيارة مبتدئين بإشبيلية، وسننتقل منها بالقطار إلى قرطبة، ثم نستقل الأوتوكار من قرطبة إلى غرناطة، وقطعت الطيارة ما بين مدريد وأشبيلية في ساعة ونصف ساعة، لكن ظني لم يصدق فيما قطعناه بعد ذلك بالقطار وبالأوتوكار، فلم أتنفس الصعداء إلا حين بلغنا غرناطة، وأيقنت أني سأستقل الطائرة منها عائدًا إلى مدريد.
وعربات الدرجة الأولى بالسكة الحديد الإسبانية ليس بها دواوين منفصلة، وليس بها ماء للشرب ولا محل للغسيل، وعربة الأوتوكار التي قطعت الطريق بين قرطبة وغرناطة قديمة متعبة يخشاها الإنسان في أماكن كثيرة من الطريق الذي يتسلق الجبال، وينحدر ويدعك ويدك على قلبك في أماكن كثيرة منه حيث تشعر كأنك موشك أن تهوي مع الركب جميعًا إلى قاع الوادي السحيق عن يمينك وعن يسارك.
مع ذلك فهذا الطريق الجبلي بديع بالغ الجمال يختلط أثناءه شعورك بالإعجاب مع شعورك بالخوف والحذر، ويتغلب الإعجاب في كثير من أجزائه فتنسى العربة التي تركبها، وتنسى ضجتها واضطرابها، وتحدق عن يمينك أو عن يسارك مأخوذًا بهذا الجمال الفاتن للسفوح الخضراء كستها أشجار الزيتون، وانتشرت عليها القرى الصغيرة، فإذا طال بك الإعجاب لم يسعك إلا أن تحدق بالسماء وأن تشكر البارئ جل وعلا؛ إذ أنعم عليك وعلى إخوانك بني الإنسان بما ترون.
أقلتنا الطائرة إلى إشبيلية في يسر وراحة، ومن مطار إشبيلية ذهبنا إلى الفندق وكانت الساعة الثانية ظهرًا، فنلنا طعامنا ثم نلنا حظًّا من الراحة، وسألنا عن مدير قصر إشبيلية فقيل: إنه ليس بمكتبة، وطلب إلينا أن ندع خطاب الأستاذ جارسيا جومز إليه حتى يبعث في طلبه، عند ذلك قالت ابنتي: فنلذهب إلى الكاتدرائية فقد رأيتها الصيف قبل الماضي، وعرفت ما فيها حين رحلتنا إلى إسبانيا مع مدرسة الألسن، وأنا واثقة من أنك ستعجب بها كل الإعجاب.
وخرجنا نريد الكاتدرائية، ولم يكن الطريق إليها هو الذي يعتبر كورنيشًا لنهر الوادي الكبير، بل كان هذا الطريق يمر بميدان غير بعيد عن فندقنا تكاد الكاتدرائية تصل به، ورأيت بعد الميدان بناء ضخمًا جعلنا نسير حذاءه ولا يكاد ينتهي، قلت لابنتي، فأين الكاتدرائية؟ … قالت: هذه هي مشيرة إلى البناء الضخم، وبعد لأي بلغنا آخر الجدار القريب من الميدان، ثم استدرنا إلى جدار عرضي، واستدرنا كرة أخرى إلى الجدار الذي سرنا طويلًا حذاءه، وبصرت في نهاية هذا الجدار ببرج ضخم رفيع، قالت ابنتي: إنه «الخيرالدا»، وإنه البقية الوحيدة من البناء الإسلامي الذي كان يقوم في هذا المكان ثم هدمه المسيحيون بعد خروج المسلمين من إسبانيا، ويروى أن هذه الخيرالدا كانت مئذنة لمسجد قامت الكاتدرائية مكانه، ثم بنى المسيحيون فوق المئذنة قبة لنواقيس الكنيسة، وقد أدهشني ما سمعت من ذلك، فأنا لم أعرف مئذنة مستقلة عن المسجد الذي تعلوه، ولم أعرف مئذنة بهذه الضخامة التي تعيد الخيرالدا بها إلى الذاكرة صورة الأبراج القائمة في البندقية على مقربة من كنيسة القديس مرقص، ومهما يكن من شيء فهذه الخيرالدا تشهد ضخامتها ويشهد جمالها بارتقاء الشعب الذي شادها في فن المعمار.
وتياسرنا بعد أن توقفنا طويلًا أمام هذه المئذنة التي صارت برجًا للنواقيس، ودخلنا الكاتدرائية، فبابها يجاور الخيرالدا ولم نخط فيها إلا قليلًا حتى امتلأت نفوسنا رهبة وإكبارًا، فالبصر لا يحيط بالكاتدرائية من أولها إلى آخرها؛ لفسحة رقعتها، وللظلمة التي تملأ جوها وتغمر كل ما فيها ومن فيها، فإذا أنت تيامنت أو تياسرت إلى جوانبها ألفيت في كل منها صفًا من المحاريب الكبيرة أو المعابد إن شئت؛ ليتسع كل واحد منها لعشرات من المؤمنين الذين يقصدون إلى العبادة فيها، وفي كل واحد من هذه المحاريب قطع فنية بارعة تمثل الحياة الدينية، فيها لوحات وتماثيل وأيقونات وصلبان محلاة بأنفس الجواهر، وبعض هذه المحاريب ملابس كبار القساوسة المطرزة بأسلاك الذهب والمزركشة بأنفس الجواهر.
وغادرنا الكاتدرائية إلى كورنيش نهر الوادي الكبير، وملنا إلى مقهى هناك قضينا به زمنًا، ثم عدنا إلى فندقنا حيث آوينا إلى الصباح.
وفي الصباح علمنا أن مدير قصر إشبيلية ينتظرنا لنزور القصر معًا؛ استجابة لكتاب الأستاذ جارسيا جومز، فلما كنا عنده مر معنا في جوانب القصر المختلفة وفي أبهائه وأفنيته العديدة، وبينما نحن في أحد الأبهاء أشار إلى طابق يعلو الطابق الأول وقال: إنه من بناء المسيحيين بعد جلاء المسلمين عن الأندلس، وذكر اسم الملك المسيحي الذي بناه، ثم قال: إن المباني التي تركها المسلمون كلها قد بنى المسيحيون فوقها أو أضافوا إليها، فلم يبق أثر منها خالصًا كما بناه المسلمون، وإن أمكن بيان الأثر الإسلامي وما أضيف إليه أو عليه.
ومن أروع ما يأخذ بالنظر في هذا القصر وفي محيطاته الحدائق المتصلة به، وأنت تشرف على هذه الحدائق من ممر طويل متصل بالطابق الأعلى يزيد طوله على مئة متر، وفي هذه الحدائق بطبيعة الحال أشجار غرست بعد العهد الإسلامي بزمن طويل، ولست أظن أن فيها ما يرجع إلى العهد الإسلامي، لكن عناية إدارة القصر بتعهدها ورعايتها وصيانة الجواسق المنتشرة في إرجائها تجعلها ناضرة أبدًا، وتجعله متاعًا للناظرين.
ومن بعد الظهر ركبنا عربة دارت بنا في أنحاء المدينة، ثم تخطت بنا إلى الجانب الآخر من الوادي الكبير حيث رأينا من مظاهر الحياة الإسبانية ما رأينا، ثم إننا عدنا بالعربة إلى الكورنيش الذي أدى بنا إلى غابة بديعة فيها تماثيل كان سائق العربة يذكر لنا ما تدل عليه، كما مررنا بمبان قال لنا: إنها مباني المعرض الذي أقيم بإشبيلية منذ سنين، وبعض هذه المباني متقن غاية الإتقان، وبعضها جميل يقف الناظر إليه طويلًا.
وفي البكرة من صبح الغد أقلنا القطار من إشبيلية إلى قرطبة، إلى هذه المدينة التي كانت يومًا ما حاضرة زاهرة تنشر العلم والحضارة في ربوع العالم، والتي تجاهد لتحافظ على هذا المجد ما استطاعت بعد أن جثت عليه السنون، وذهبنا بعد أن أزلنا عنا غبار السفر إلى المسجد الجامع بقرطبة؛ لأننا علمنا أن المسئول عن آثار المدينة يُصاحب الدكتور ناجي الأصيلي العراقي إلى هذه الآثار، ولأن برنامجنا لزيارة الأندلس كان يخصص لقرطبة يومًا واحدًا، واقتحمنا طرقًا ضيقة إلى المسجد أو «المسكيتا» كما يقول الإسبان، حتى إذا دخلناه ألفيتني في حيرة أدير بصري يمنة ويسرة؛ فإذا أنا في غابة من عمد ما أشبهها بعمد مساجدنا بالقاهرة، وبعمد الجامع الأزهر بنوع خاص، ولكنها غابة يتوه فيها البصر فلا يعرف أين أولها ولا أين منتهاها، وأخذنا ندور بالمسجد ثم ندور لنرى بعض جوانبه، وقد أحالها الإسبان كنائس تقام فيها صلواتهم المسيحية، وعلقوا على جدرانها الصورـ وأقاموا التماثيل والمذابح والصلبان … فلما درنا في أرجاء المسجد وما فيه من كنائس عدنا إلى الفندق؛ فإذا مدير الآثار يقبل علينا يدعونا لتناول الغداء، وإذا هذا الغداء في برج على شاطئ يرأسهم الوادي الكبير مع صحبة من الإسبان، العمدة يذكر لنا أنه يريد أن يقيم بالمدينة بعد سنوات معرضًا يدعو إليه البلاد العربية والإسلامية، قلت في نفسي: هذا مجهود صالح للمحافظة على مجد قرطبة بعد أن جنت عليه السنون.
ولم نزر مدينة الزهراء القريبة من قرطبة وقد قيل لنا: إنها أطلال يعمل المنقبون على الكشف عما تكنه من آثار إسلامية، وإن التنقيب لا يزال في مراحله الأولى، وقد آثرنا أن نشهد مصارعة الثيران التي أقيمت بعد ظهر اليوم نفسه بقرطبة.
وفي البكرة من صبح الغد أقلنا الأوتوكار من قرطبة إلى غرناطة، فلا أقف الآن هنا لأن غرناطة لا تكفيها بقية مقال، وقد لا يكفيها مقال كامل.

غرناطة وقصر الحمراء


واشنطن ارفنج من أكبر كُتَّاب الولايات المتحدة، عاش سن سنة ???? لسنة ????، وخلف وراءه ثروة أدبية رائعة طائلة، وقد عمل صدر شبابه في السلك السياسي لبلاده، وكانت إسبانيا بين البلاد التي قضى فيها سنوات من عمره، وفي هذه الفترة أقام زمنًا بالمدينة البديعة البارعة غرناطة، أو جرانادا كما يسميها الإسبان، وأقام معظم أيامه هناك بقصر الحمراء ثم ألف عنه كتابًا جعل عنوانه «أقاصيص قصر الحمراء» لا يزال مقروءا إلى اليوم.
وهذا الكتاب يقع في ثلاث مئة صفحة أو تزيد، ولست أريد أن أكتب مثل هذا القدر عن قصر الحمراء أو عن غرناطة كلها، فمقامي بها لم يتجاوز ثلاثة أيام، ولم تزد زياراتي لهذا القصر على اثنتين، مع ذلك اعترف بانني بلغ مني الإعجاب به والغبطة بالساعات التي قضيتها بين جدرانه، وفي حدائق جنة العريف المتصلة به أعظم مبلغ، حتى لا أستطيع أن أقول أكثر مما قال، لكني اكتفي بهذا المقال الذي أكتبه الآن عن غرناطة، ومعها قصر الحمراء وجنة العريف.
فقد أقلتنا عربة الأوتوكار في بكرة الصباح من قرطبة فبلغنا غرناطة بعد سبع ساعات من مسيرنا، وفي هذه الأثناء كان يتداولنا الإعجاب بمناظر السفوح والوديان الجميلة وبغراس الزيتون القائم عليها، والوجل لاضطراب العربة في تصعيدها فوق الجبال وانحدارها أحيانًا مع الطريق، فلما جاوزنا الساعة الواحدة بعد الظهر استقام الطريق، وانطلقت العربة مسرعة فيه، وقيل لي: إننا أصبحنا في مجاورات غرناطة، وبعد نصف الساعة بلغنا غايتنا وأوينا إلى فندقنا حيث نلنا حظًا من الراحة، واتصلت ابنتي بمديرة الآثار في غرناطة لتوصل إليها خطاب الأستاذ الكبير جارسيا جومز، فقيل لها: إنها لا تحضر إلى مكتبها إلا في الصباح، وإنهم سيبلغونها أمر هذا الخطاب، فإذا مرت بالفندق تناولته، وخرجت مع ابنتي نُريد الكاتدرائية، فالكنائس والمعابد في إسبانيا جديرة بأن تُزار لجمال عمارتها، وللثروة الفنية التي تحتويها، ولما تدل عليه من اتجاه التفكير القومي في كثير من النواحي.
وخرجنا نسير على أقدامنا، يا عجبًا ما أشبه غرناطة بمدريد، إنها مدينة حديثة لم يبق فيها من آثار الماضي ما بقي من إشبيلية وقرطبة، شوارعها فسيحة، والحياة فيها بادية النشاط وتبدو على وجوه أهلها سيما الغبطة والمسرة، وجلنا في أرجاء الكاتدرائية فلم يكن بها غيرنا إلا قليلون، أترى الإسبان هنا أكثر انصرافًا إلى الدنيا من أبناء جلدتهم في طليطلة وفي غيرها من المدن الإسبانية.
وكاتدرائية غرناطة لا تقاس في جمالها إلى كاتدرائية طليطلة، ولا إلى كاتدرائية إشبيلية، وإن كان بها مع ذلك من آثار الفن الشيء الكثير الذي يقف النظر.
وفي صبح الغداة من وصولنا حدثتنا مديرة الآثار، وقد علمت أنها آنسة تدور سنها حول الخمسين، وضربت لنا موعدًا بمكتبها في الساعة الحادية عشرة صباحًا، وذهبنا لموعدها فقيل لنا: إنها ترجونا أن ننتظرها بمكتبها؛ لأنها استدعيت على عجل لمقابلة طارئة، والمكتب غرفة من دار أثرية، وأمام هذه الغرفة مكتبة بها عدد ضخم من الكتب التي تتحدث عن الآثار، أما بقية الدار والطابق الأعلى منها بنوع خاص فمعرض لبقايا أثرية من العهد الإسلامي ومن غير العهد الإسلامي.
وقرابة الظهر جاءت الآنسة المديرة فاعتذرت بأن سيدة من جزر الكناري تمت بصلة نسب إلى قائد منطقة غرناطة جاءت إلى الأندلس تشهد آثارها، وأن حرم القائد دعتها لتحدث التعارف بينها وبين هذا السيدة لنزور معها قصر الحمراء، وسألتنا إن كنا نرى بأسًا بأن نكون جميعًا معًا في هذه الزيارة.
ولم نر بطبيعة الحال بأسًا بذلك، بل لقد سمعت من قبل عن جزر الكناري هذه ما جعلني حريصًا على أن أرى هذه السيدة، فقد قيل لي: إن الناس يتداولون أن الذين زاروا جزر الكناري من الرجال خرجوا منها جميعًا متزوجين لجمال نسائها.
وضربت الآنسة المديرة موعدًا بعد الظهر لنزور قصر الحمراء، وفي الموعد أقبلت وذكرت لنا أن السيدة الكنارية تنتظرنا في عربة الجنرال، وخرجت وأنا أُريد أن أتحقق صدق ما يقال، وأحدثت المديرة التعارف بيننا فحدقت بالسيدة فإذا هي تُجاوز الأربعين، وتحدثنا فنمَّ حديثها ونمّ احترامها لذاتها عن أنها من أسرة كريمة، وزرنا القصر هذا اليوم ثم زرناه الغداة، وحانت فرصة تركتنا المديرة أثناءها وذهبت ابنتي تشتري لي كتبًا عن غرناطةأ فسألت السيدة الكنارية إن كانت أمًّا لأولاد، وحجب هذا السؤال بعض النور الذي كان يشيع في وجهها، وأخرجت من حافظتها صورتين أرتني إياهما؛ فإذا هما لشابين في الحادية عشرة والثانية عشرة، وقالت: لقد ماتا في حادث غرق واقع بين جزرنا، وسألتها عن سائر أبنائها فعلمت أن لها غير هذين الابنين سبعة أطفال، أرتني صورهم جميعًا، وقد أشاع منظر هذه الصور روح البهجة في نفسها من جديد، قلت في نفسي: ترى أي أثر تركته هذه الحوادث في حياة هذه السيدة المهذبة وفي جمالها، ثم حاولت ما استطعت أن أهون عليها ما بدا من ألمها حين ذكرت حادث ولديها اللذين ماتا.
زرنا قصر الحمراء في يومين متعاقبين، ولا أظن مع ذلك أننا أحطنا بكل جوانبه، والقصر يقع على هضبة عالية تتحكم في غرناطة من كل نواحيها، فأنت تصعد إليه في السيارة دائرًا حول جوانبه متلويًا كما تتلوى حين تصعد الجبل، فلما وقفنا أمامه اليوم الأول أسرعت المديرة فنبهتنا إلى أن هذا البناء الذي نراه ليس من بناء المسلمين، وإنما بناه الملوك المسيحيون من بعد، كما فعلوا في جميع المباني التي تركها المسلمون بإسبانيا، وقد تخطينا هذا البناء مسرعين، وأخذنا ندور في جوانب القصر الإسلامي البارع البديع، لا تستطيع كلمات الدهشة والإعجاب والبهر وما إليها أن تُعبِّر عما تشعر به وأنت تنتقل بين أبهائه وأفنيته وردهاته وما إلى ذلك من إيواناته ودواوينه التي لا يحصيها العد، وأول ما يلفت نظرك روح البهجة التي يتضوع بها هذا البناء، خصوصًا إذا قارنته إلى المباني الغوطية المسيحية في القصور والمعابد، فقصر الحمراء كله ضياء، وارتفاعه فوق الهضبة ونوافذه الواسعة تزيده ضياء ونورًا، وقد عُنيت الحكومة الإسبانية بتعهده وصيانته عناية فائقة، بعد أن كادت بعض العهود السابقة تدك جدرانه؛ إذ أصبح فيها نهبًا للصوص وقطاع الطرق، وأن من أبهائه وأفنيته وإيواناته لما يقف النظر حتى لا يكاد الإنسان ينصرف عما سواه، ثم إذا ما سواه لا يقل عنه بهاء، من ذلك بهو السفراء، ومنه فناء الريحان، وفناء الريحان هذا تجري في وسطه المياه ويحيط به غراس من الريحان يشيع فيه بهجة وغبطة، ومجاري المياه في قصر الحمراء بديعة التنسيق حتى لتشك في أنها كانت كذلك يوم إنشائه، وتحسب أنها أدخلت عليها من آثار الصناعة الحديثة أسباب الدقة والجمال.
ولست أستطيع أن أقف عند كل بهو أو ردهة أو فناء من هذا القصر البديع الساحر، وحسبي أن أذكر أننا قضينا اليوم ساعات في أرجائه، فلما أذن النهار أن يولى قالت لنا مديرة الآثار: إننا يجب أن نعود الغداة لنرى بقية القصر، ولنرى كذلك حماماته فهي طراز جدير بالتفرج عليه.
وقضينا صبح الغد نجوس خلال غرناطة متنقلين بين أسواقها ومقاهيها وكنائسها، ونحن نمرح في جوها البديع يزيدنا متاعًا بجمالها ورقة أهلها، فلما كنا بعد الظهر جاءت مديرة الآثار في مثل موعدها بالأمس فذهبنا نتم دورتنا في قصر الحمراء، ولم تقف عند شيء مما رأينا من قبل، بل تقدمتنا المديرة في طرق من حولها آثار جدران تشهد بأن المباني التي كانت هناك هدمت، وأن هذه المباني كانت بعض ما خلّفه المسلمون، وها هنا وهناك جعلنا نقف أمام بناء تقص مديرة الآثار من أخباره ما يشوق، ولعل للتاريخ في شأنه رأيًا آخر، فهذا البيت الأنيق الصغير كان لملكة غضبت أن تزوج عليها الملك، فبنى لها هذه الدار تتبتل فيها بقية حياتها، وهذا البناء كان لبعض الأمراء ممن تغير عليهم صدر الملك فاتخذوه ملجأ من غضبه حتى يعود إلى رضاه، وبين كل واحد من هذه المباني والآخر فسحة من الأرض تذكرك بما يقوله المؤرخون من أن قصر الحمراء وملحقاته كان يتسع لجيش عدته أربعون ألفًا يستعين بهم الملك على أعدائه، وعلى الثائرين به من أمراء العرب أنفسهم.
وانحدرنا ثم انحدرنا وإذ بنا ندخل أسفل القصر حيث الحمامات، فلما جلنا خلالها ونظرت إلى مغاطسها ومتكآتها ورفعت بصري إلى سقفها المقوسة المفرغة أحجارها ليوضع الزجاج فيها فيضمها؛ ابتسمت وذكرت حمامات القاهرة العامة في أوائل هذا القرن العشرين، وما لعله لا يزال باقيًا من مثل هذه الحمامات التي يسميها الناس الحمام التركي.
على أن حمامات قصر الحمراء تمتاز بالسعة وبالتعدد، فبعضها للملك أو للأمير، وبعضها لزوجته، وبعضها مزدوج حتى يرى كل واحد منهما الآخر في مغطسه، وكذلك بلغ الترف من بناة هذا القصر ذلك المبلغ العجيب.
وتركنا الحمامات والقصر وذهبت بنا السيارة إلى جنة العريف، وألفينا حرم قائد المنطقة تنتظرنا، فتركنا السيارة وفتحت أمامنا أبواب الجنة، وجعلنا نصعد فيها ثم نصعد ونحن في كل خطوة نخطوها في نشوة بل في ذهول، فهي جنة حقَّا، مياه جارية، وشذى يتضوع من نبات شتى، وأشجار باسقة تحيط بهذا النبات، وجو منعش يحتمل هذا كله، وهذا كله يتدرج ثم يتدرج وأنت تقف منه في مرحلة بعد مرحلة؛ فتشعر كأنك في حلم من الأحلام أو في ليلة من ليالي ألف ليلة، كل ما حولك يتضوع جمالًا ورقة وطيبًا، وما شئت فقل من هذه المعاني المحسوسة التي تبعث إلى النفس الصبوة، وتجعلك تقدر ما للطبيعة من ساحر البهاء والجلال.
قيل لي ونحن في هذا الجو: إن بعض الشعراء والمؤلفين المسيحيين كانوا يجيئون إلى جنة العريف يقضون فيها الأيام يستلهمون وحيها لشعرهم ولموسيقاهم، ولعمري لقد اهتدوا إلى خير مكان ينزل فيه هذا الوحي وينبعث منه هذا الإلهام، إن هذه الجنة لتُريك من طيب الحياة وبديع أنعمها ما يزيدك تعلقًا بها وحبَّا لها وإمساكًا عليها.
وتركنا جنة العريف بعد مغيب الشمس بساعة، وعدنا أدراجنا إلى غرناطة نتتظر فيها صبح الغد لنستقل الطائرة عائدين منها إلى مدريد.
وكذلك قضيت في غرناطة ثلاثة أيام متعت بها خير متاع، ثم عدت بعدها إلى مدريد، لأعود منها إلى مصر فانهض بأعباء الحياة بعد أن قضيت شهرين في ربوع أوروبا استمتعت فيهما بخير أنعم الحياة.

خان الخليلي في طليطلة


نزلت مدريد في منتصف سبتمبر الماضي، وكانت زيارة الأندلس على رأس برنامجي لإسبانيا؛ إذ كنت حريصًا على أن أقف فيها على الآثار الإسلامية في المدن التي كانت عواصم في العهد الذي كان فيه الحكم للعرب، أمثال: إشبيلية وقرطبة وغرناطة، لكني علمت غداة نزولي مدريد أن بينها وبين كل واحدة من هذه المدن خمس مئة كيلومتر أو تزيد، وأني يجب أن أضع لزيارتها نظامًا خاصًّا، وأن أستعين بمن يرشدني فيها إلى أسرار الآثار التي أُريد الوقوف عليها، قال صاحبي بعد أن قضيت في العاصمة الإسبانية أيامًا، وما لنا لا نذهب إلى توليدو — طليطلة، كما كان العرب يسمونها — إن بينها وبين مدريد مئة كيلومتر أو نحوها، ونستطيع أن نصل إليها بالسيارة في أقل من ساعتين، وبها من الآثار ما لا يقل عما بالأندلس، وقد كانت زمنًا غير قليل عاصمة الحكم في عهد المسلمين، وقد احتفظت إلى اليوم بطابعها القديم أكثر مما احتفظت به غيرها من بلاد الإسبان، هذا إلى أن الطريق إليها جدير بأن يرسم أمامك صورة من الريف الإسباني أكثر مما يرسمه الطريق إلى الأندلس إذا جال بخاطرك أن تذهب إليها بالطائرة، وأقنعتني أقواله واتفقنا على الذهاب إلى طليطلة الغد، وأقلتنا السيارة في طريق جميل استمر كذلك زهاء عشرين كيلومترًا بعد خروجنا من مدريد، ثم استمر جميل الرصف إلى توليدو، لكنه كان في كثير من أجزائه يخترق صحراء جرداء شبيهة بصحارينا، كما أن القرى الواقعة على جانبيه كانت تشبه القرى المصرية، وإن كانت أغلب أمرها أحسن نظامًا وأجمل بناء.
وبلغنا توليدو، أو طليطلة ووقفت بنا السيارة في ميدان أستوقف نظري، ما أشبه المباني المحيطة به بالمباني التي كانت في القاهرة القديمة أوائل هذا القرن العشرين، والتي اندثرت أو هي في طريق الاندثار؛ لأن المباني الحديثة تحل محلها، أما توليدو فبقيت على حالها لم يحل جديد فيها محل القديم، بل ظلت مبانيها اليوم وكأنها هي هي التي كانت قائمة منذ مئة سنة أو مئتي سنة أو أكثر من ذلك، وجلسنا إلى مقهى في جانب من الميدان، فذكرت ونحن في مجلسنا مقاهى قديمة كانت حول مسرح الأوبرا بالقاهرة، وكان الناس يجلسون إليها، وكان آباؤنا وأعمامنا يذكرون لنا أن السيد جمال الدين الأفغاني كان يجلس في أحدها، فلما تناولنا قهوتنا وغادرنا المقهى وقع نظرنا على متجر به أوان نحاسية كالتي يراها السائحون بخان الخليلي بحي سيدنا الحسين، وبه أسلحة بيضاء صغيرة، وتقدم منا غلام لا تزيد سنه على الثانية عشرة يقول بالإسبانية: إن بضاعة هذا المتجر متهاودة الثمن، وإنه يستطيع أن يعاوننا في تخفيض هذا الثمن المتهاود، لكن صاحبي كان يعرف توليدو، وكان يطمئن بها إلى متجر خاص اشترى منه غير مرة أشياء لنفسه ولأهله، فآثر هذا المتجر الذي يعرفه، ودعانا لنذهب إليه بعد أن نشهد دارًا قريبة من الميدان استحالت اليوم متحفًا فيه معروضات من العهد الإسلامي، ولعلها كانت في ذلك العهد مصحة أو مستشفى.
وذهبنا إلى هذا المتحف فإذا به فناء كبير يطل عليه بهو طويل به معروضات عربية إسلامية ومعروضات أخرى قيل: إنها من قرطاجنة أو من بلاد المغرب، ومعظم الآثار الإسلامية في هذا المعرض لوحات من الجبس أو الحجر نُقشت عليها آيات قرآنية أو حكم عربية قديمة بالخط الكوفي، وبعض هذه الآثار لوحات وُجدت على قبور كانت للمسلمين وعليها أسماء أصحابها وتاريخ ميلادهم ووفاتهم، وتمتاز هذه الآثار الإسلامية جميعًا بالبساطة غاية البساطة، وقد كان معنا دليل يشرح ما تدل عليه، فإذا ما كنا نقرؤه مكتوبًا فيها أفصح دلالة مما كان يذكره.
وصعدنا إلى الطابق الأعلى ودرنا في أرجائه؛ فإذا معظم معروضاته لا تتصل بالعرب ولا بالمسلمين، بل جيء بها من عهود مختلفة في نظام يفضله بعضهم على نظام البهو الذي اشتمل الآثار العربية الإسلامية.
وغادرنا هذا المتحف وقد تخطت الشمس الزوال، واجتازت بنا السيارة المدينة، ووقفت بنا عند المتجر الذي يؤثره صاحبي؛ فإذا على بابه فتاة صبوحة الوجه واسعة العينين حلوة النظرات قمحية اللون، ترتسم على ثغرها ابتسامة رقيقة كأنها ابتسامة الجوكندا، وقد ائتزرت بمئزر من حرير مطرز، ووضعت على رأسها شالًا إسبانيًّا جميلًا، قال صاحبي: إن لباسها هذا هو لباس أهل توليدو القومي منذ عصور خلت، بل منذ العصر الإسلامي، ثم إننا رأينا على مقربة من الفتاة فتى يلبس سراويل ضيقة وقبعة من الجوخ عالية، قيل لنا: إنهما لباس أهل المدينة القومي، وعلمنا أن الفتاة والفتي هما ابنا صاحب المتجر، وأنه ألبسهما هذا اللباس؛ لأنه يبيع هذه الألوان من الأقمشة المزركشة، فهما نوع من الإعلان عن بعض ما عندهم من صناعة توليدو.
وذهبنا نتناول غداءنا؛ فإذا طرق المدينة تشهد بقدمها أكثر مما يشهد الميدان الذي وقفنا به أول وصولنا إليها، فهي طرق ضيقة لا تتسع لمرور السيارة بها، فكنا نضطر إلى الدوران حول المدينة؛ لنتمكن من بلوغ المكان الذي نقصد إليه، والمباني في هذه الطرق الضيقة قديمة الطراز فكأنها شيدت من مئات سنين خالية.
وكنا بعد الغداء نُريد أن نزور ما بقي من آثار المدينة، فزرنا دارًا قيل: إنها كانت مسجدًا إسلاميًّا، ثم أضيفت إليها مبان لتجعلها كنيسة، لكنا حين دخلنا المكان ألفيناه أدنى إلى أن يكون أطلالًا تثير في النفس حسرة، منه إلى أن يكون مسجدًا أو كنيسة.
وزرنا كذلك معبدًا لليهود لم يبق معبدًا، بل صار متحفًا أثريًّا يزوره السائحون ثم لا يجدون به الشيء الكثير.
فأما ما يقف النظر ويستحق التسجيل فالكاتدرائية وبيت الجريكو.
والجريكو مصور مشهور، ولد بكريت من جزر شرق البحر الأبيض المتوسط، ثم ذهب إلى إيطاليا، واستقر به المقام بعد ذلك في إسبانيا، ثم بقي اسمه الجريكو نسبة إلى الجريك؛ أي: الإغريق، وقد تبنت إسبانيا هذا المصور كما انتسبت هو إليها، وأصبح اسمه علمًا من أعلام مصوريها أمثال جويا وفلاسكيز وأمثالهما من كبار المصورين، وللجريكو صور كثيرة معروضة في مدريد، ولعل له كذلك صور في مدن أخرى.
فأما بيته في توليدو فمتحف صغير بديع بالفعل، تعهدته السلطات الإسبانية خير تعهد، فعُنيت بحدائقة عناية تامة، وعُنيت كذلك بصيانته وصيانة أثاثه حتى يبقى أمام زائره وكأن ساكنه غائب عنه، فإذا عاد إليه وجده مستعدًا للقياه أحسن اللقيا، تدخل من بابه إلى فنائه فترى به غرفًا عدة، إحداها مرسم يحسب الإنسان أن الجريكو كان يعمل به منذ قليل، وطائفة أخرى من الغرف في الطابقين الأسفل والأعلى أصغرها لنوم المصور، مما يدل على أنه لم يكن متزوجًاـ وبعضها لراحته، وبعضها لأهوائه، وسعة البيت تدل على أن الجريكو قد بلغ حين مقامه فيه حظًّا من الثراء غير قليل.
وفي جانب من البيت بهو فسيح عرضت فيه صور بارعة من ريشة صاحبه، ولست أدري أشيد هذا البهو من بعدُ ليكون متحفًا تُعرض فيه هذه الصور، أم كان البهو مشيدًا في حياة الجريكو ليعرض فيه ما تنتجه ريشته، أقول هذا لأنني رأيت بمدريد في بيت الرسام الكبير الأستاذ كوماندادور، وفي طابقه السفلي بهوين معروضة فيهما تماثيله وهو يغتبط إذ يقف أمام هذه التماثيل مع زواره بين حين وحين.
هذا بيت الجريكو، فأما الكاتدرائية فتحفة في فن العمارة بعظمتها وجلال ظاهرها ومهابة داخلها، وقد وقفنا طويلًا فجعلت أجيل النظر في بابها الفخم وفي نقوشه البارعة وأقواسه الجميلة، أما داخلها فرهيب بضخامة عمده، وبزجاج نوافذه البديع التصوير والتلوين، وبما ترى في جوانبه المتعددة من صور وتماثيل وآثار دينية لها في الكنائس الكاثوليكية نظائر، وإن كانت هنا أكثر عددًا وأغلى قيمة، وتلك لعمري ثروة بل هي ترف يؤاخذ البروتستنت الكاثوليك بالغلو فيه؛ لأنهم يرون أن الدين ينهى عن الترف ويدعو إلى التقشف.
على أن بكاتدرائية توليدو من هذه المظاهر ما يُبهر النظر ويدعو إلى التفكير الطويل، فهناك أكثر من غرفة بها لملابس كبار القسيسين طرزت من أبدع صنوف الحرير، وزركشت بالجواهر الكريمة الغالية الثمن حتى لتتمنى أجمل حسناء أن يكون في ثوبها بعض هذه الجواهر، وأن يطرز من هذا الحرير، وليس ذلك كل ما هنالك، ولقد نبهت أصحابي إلى أن الوقت يمضي فقيل لي: إننا يجب أن نزور غرفة الكنوز، وألقيت بنظري إلى باب هذه الغرفة الفسيحة؛ فإذا صدرها يلمع بالذهب الخالص صيغ في أشكال مختلفة من الصلبان والتماثيل وغيرها، فلما جاء دورنا ودخلنا الغرفة ودرت إلى جانب جدرانها الأربعة لم أكن أصدق نظري في بعض الأحيان، فالثروة الضخمة التي احتوتها هذه الغرفة تجعلها غرفة الكنوز بالفعل، والذهب والماس والجواهر الكريمة المختلفة الدقيقة الصنع تُزيدها قيمة وقدرًا من الناحية المادية ومن الناحية الفنية.
وغادرناها ثم غادرنا الكنيسة وغادرنا توليدو عائدين إلى مدريد، ولا يزال الكثير من صور الآثار التي رأيتها يبتدي لناظري ويُثير اعجابي، ولا تزال عمارة توليدو وقدمها وضيق طرقها أشد إثارة لعجبي، كيف لم تُغير الحضارة الحديثة هذه الصورة مع ما لهذه الحضارة من بأس وسلطان، لا بد أن يكون لماضي توليدو سلطان أقوى من سلطان الحاضر هو الذي يحفظ عليها جلال قدمها وبراعة آثارها، والطابع الفذ الذي تمتاز به على غيرها.

إسبانيا … شرقية أم غربية


أقلتني الطائرة من لندن إلى مدريد في منتصف شهر سبتمبر الماضي، والطائرة تقطع ما بين لندن ومدريد في ثلاث ساعات وربع الساعة، وتقطع ما بين لندن وروما في مثل هذا الوقت، كذلك الحال بين مدريد وروما، فكأنما لندن ومدريد وروما ثلاثتها على رءوس مثلت متساوي الأضلاع، ومع ذلك فما أكبر الفرق بين هذه العواصم الثلاث في لغاتها، وجنس سكانها، ولونهم، وفي تصورهم الحياة والنعمة بها.
ومدريد أقرب هذه العواصم إلى حياتنا الشرقية، وكذلك يقول الأوروبيون أنفسهم، بل أخبرني أحد الإسبان أن بعض هؤلاء الأوروبيين يعتبرون إسبانيا جزءًا من إفريقيا، ويرون أن جبال البرانس تفصل بين أوروبا وإفريقيا، كما تفصل جبال الأورال بين أوروبا وآسيا؛ إذ تفصل بين روسيا وسيبيريا، وأن مضيق جبل طارق لا يضيف إسبانيا إلى أوروبا، وإن كان مضيق دو قر لا يفصل في نظرهم إنجلترا عن أوروبا.
أما الإسبان فلا يرون إلا أنهم أوروبيون كما أن إيطاليا أوروبية، ولذلك تنزع فنونهم في التصوير والموسيقى والغناء في الوقت الحاضر المنزع الغربي، بعد أن كان لها طابعها القومي الخاص الذي لم تتخلص إلى اليوم منه، ولا أحسبها تتخلص منه أبدًا.
وهذا الخلاف بين أوروبية الإسبان وإفريقيتهم، أو بين شرقيتهم وغربيتهم إن شئت، قائم اليوم كما كان قائمًا منذ أجيال، أخبرتني سيدة إسبانية فاضلة أنها ذهبت مع زوجها العالم إلى الدانمرك، فلما رآها أهل كوبنهاجن وعرفوا أنها إسبانية أبدوا لها عجبهم من صفاء لونها وبياض بشرتها؛ لأنهم يظنون الإسبان جميعًا سمر الألوان كالإفريقيين، وأجابتهم السيدة بأن في إسبانيا من هم وهن أكثر صفاء في بشرتهم منها، ولا تدري السيدة أصدقها الذين سمعوها أم حسبوها تقول هذه العبارة؛ حرصًا منها على أن تكون بلادها غربية أوروبية.
والواقع أن في إسبانيا كما رأيتها شيئًا من طابع الشرق غير قليل، وفي لغتها ألفاظ كثيرة تمت بأصلها إلى العربية لست أعلم أأحصاها علماء اللغة الإسبانية أم لم يحصها منهم أحد؟ لهجتهم في الحديث تشبه بعض لهجاتنا الشرقية حتى لتظن إذ تسمع بعضهم أنه يتكلم العربية.
ولا عجب في هذا وقد أقام العرب المسلمون في إسبانيا ثمانية قرون حتى تألبت عليهم المسيحية فأجلتهم عنها، وأعادت إسبانيا كاثوليكية كما كانت قبل الفتح العربي، وكانت إسبانيا كلها، ولم تكن الأندلس وحدها في حكم المسلمين زمنًا طويلًا، ولعلهم كانوا يستطيعون البقاء بها رغم تألب المسيحية عليهم لو لم يدب بين أمرائهم دبيب الشقاق، ولم تقم بينهم حروب أهلية تذهب بريحهم وتزيدهم ضعفًا، وتمكن خصومهم منهم، لكن هكذا شاءت المقادير، شاءت أن يتخاذل المسلمون، وأن تتحد كلمة المسيحية، أن ترتد إسبانيا عن الإسلام، وأن تعود أشد تمسكًا بالكاثوليكية من إيطاليا نفسها، وأشد لذلك عناية بكنائسها وأماكن العبادة فيها، لا يبزها في ذلك إلا مدينة الفاتيكان مستقر البابا صاحب القداسة في العالم الكاثوليكي كله.
ولقد طالما ساءلت نفسي وأنا في إسبانيا، وأنا أزور إشبيلية وقرطبة وغرناطة، وأنا أشاهد ما بقي من آثار المسلمين، ترى لو أن الإسلام بقي في إسبانيا، وكان الإسبان اليوم مسلمين، فماذا عسى تكون صورة العالم الحاضر، وكان هذا السؤال يزداد ترددًا في نفسي حين أذكر أن جلاء المسلمين عن إسبانيا عاصر اكتشاف كريستوف كولومبوس أمريكا، واستقرار الإسبان فيها استقرارًا لا يزال له مظهره الواضح إلى اليوم؛ إذ تتكلم بلاد أمريكا الجنوبية كلها الإسبانية فيما خلا البرازيل، وكنت بطبيعة الحال لا أجد جوابًا على تساؤلي إلا أن أقول: هكذا شاءت الأقدار، ولله في كل شيء حكمة، وكم عادت إلى ذاكرتي وأنا بالأندلس أبيات من مرثية الأندلس التي مطلعها:
لكل شيء إذا ما تم نقصانفلا يغر بطيب العيش إنسان والتي يقول فيها الشاعر:
يا رب أم وطفل حيل بينهماكما تفرق أرواح وأبدانوطفلة مثل حسن الشمس إذا طلعتكأنما هي ياقوت ومرجانيقودها العلج للمكروه مكرهةوالعين باكية والقلب حزنانلمثل هذا يذوب القلب من كمد إنكان في القلب إسلام وإيمان ثم أعود بعد هذا التذكر فأقول: هكذا شاءت المقادير، ولله في كل شيء حكمة، ولو خلق الله الناس أمة واحدة لفسدت الأرض.
أقول هذا ثم لا تطاوعني نفسي لأنصرف عن التفكير فيما كان العالم يصير إليه لو أن إسبانيا بقيت إسلامية، فبقيت أمريكا الجنوبية وبقيت المكسيك إسلامية مثلها، وتكلم الجميع اللغة العربية، ولقد تمكن هذا التفكير من نفسي حتى أفضيت به يومًا إلى شاب إسباني مهذب، فقال مبتسمًا: ترى لو أن ذلك كان، أفكنت أنا اليوم أسعد مما أنا، إن استطعت أن تؤكد لي ذلك شاركتك فيما يدور بخاطرك، أما وأنت لا تستطيع أن تُؤكده، وحوادث التاريخ تجري بقدر لا سلطان لأحد عليه، فلا غناء في هذا التفكير الذي يشغل بالك، ولا نتيجة له في حياة الوجود.
وصدق الشاب فيما قال، لكنا في كثير من الأحيان نُفكر بعواطفنا أكثر مما نُفكر بعقولنا، ونأبى رغم كل اعتبار أن نُسلم أنفسنا لحكم الواقع، مع اعترافنا بالعجز عن تبديل هذا الواقع.
وأشد ما كان هذا التفكير يشغل خاطري حين كنت أزور البلاد التي ترك المسلمون فيها من الآثار ما لا يزال يُحدث عنهم، كان ذلك في طليطلة وإشبيلية وقرطبة وغرناطة، كنت وأنا أزور هذه الآثار أحس كأن هذا الميراث الضخم كان لي، وأنه سُلب مني، وكنت وأنا بمسجد قرطبة أجيل بصري في عمده المترامية أمام النظر في أشكالها العربية التي تُعيد أمام الذهن عمد الأزهر أو عمد المسجد الحسيني، ثم أرى جوانب عدة من المسجد استحالت كنائس يُصلي فيها أهل قرطبة اليوم، أتخيل المؤذن يُنادي الناس لصلاة المسلمين، فإذا مر بي هؤلاء المصلون في الكنائس انقشعت عن عيني سحابة الخيال والوهم وعدت أواجه الواقع، وأقول كرة أخرى: كذلك شاءت الأقدار، ولو خلق الله الناس أمة واحدة لفسدت الأرض.
فإذا أنا اختلطت بالناس تسليت عن هذا الذي يساورني بما أرى في الإسبان من مظاهر الشرق، ففي أهل هذه البلاد شمائل واضحة من شرقنا تبث إلى النفس من الطمأنينة ما لا تجد مثله في غير إسبانيا، فعند الإسبان من حسن الحفاوة بالضيف، ومن الإسراع إلى معاونة الأجنبي عن بلادهم ومن التودد إليه، أكثر مما عند غيرهم من أهل الشمال الأوروبي، وما يجد الإنسان مثله في بلاد الشرق، وفي أغاني الإسبان القومية شبه كبير بالأغاني الشرقية مما لا يرضاه الأوروبيون، ولقد سمعت بمدريد أغاني إسبانية بحتة، فكان يُخيل إليَّ وأنا أسمع بعض أنغامها أنني أسمع أنغامًا شرقية في مصر أو سوريا أو العراق، والرقص الإسباني (بالكاستانييت) يُعيد إلى الذهن، ولكن في صورة مهذبة غاية التهذيب الرقص (بالصاجات) مما كنا نشهده فيما مضى بالقاهرة أو بالريف المصري، وقد قيل لي: إن هذا الغناء وهذا الرقص أكثر إثارة للمعاني الشرقية حين تسمعه أو تراه في الأندلس منه في مدريد، وإن الموسيقى التي تصحب الغناء وتصحب الرقص تكاد تكون شرقية بحتة، وقد حرصت على أن أرى من هذه الفنون الإسبانية القومية بمدريد ما يُرضي شرقيتي، على أنني سرعان ما تبينت أن التيار الذي يجرفنا نحو الفنون الجميلة الغربية يجرف الإسبان كذلك، وأن بعض مسارح العاصمة لا تكاد تعرض أثرًا من الفنون القومية، ذهبت يومًا إلى مسرح القصر — أو الكاثر كما يسميه الإسبان — فإذا الموسيقى والغناء والرقص والتمثيل ونظام المسرح غربي كله، وإذا بي أشعر وكأني في باريس أو في لندن، أو كأني أشهد بأوبرا القاهرة قطعة إيطالية أو فرنسية، ولم يدهشني ذلك والحضارة الغالبة تجرف إليها في كل العصور كل ما سواها؛ لأن الناس يرون في مظاهر هذه الحضارة أثرًا من آثار القوة التي تتحكم في الشعوب، ويحسبونها لذلك أرقى من غيرها من الفنون والآداب التي تخلفت وراء هذه الحضارة الغالبة.
وقد يكون للإسبان من العذر من اتجاههم نحو الغرب أكثر مما لنا، فهم يجاورون فرنسا، وهم دولة مسيحية كاثوليكية كفرنسا وإيطاليا، وآدابهم وبعض فنونهم متجهة لذلك هذه الوجهة من أزمان بعيدة، ولهم من كبار المصورين ومن فحول الأدباء ما سلكهم في سلك الغرب منذ عهد غير قليل، وأنت حين تزور متاحفهم بمدريد وبغير مدريد، وحين ترى آثارهم الفنية البارعة تشعر بأن بينهم وبين الغرب نسبًا لا يقل عما بينهم وبين الشرق من نسب إن لم يزد عليه، وإذا كانت بعض مدنهم القديمة تحدث بتخطيطها وبمبانيها حديث الشرق؛ فإن حياتهم الحديثة ومدنهم الكبرى، ومظاهر عيشهم المختلفة تجري على سنن الغرب وتتعلق به.
ولقد كنت أشعر بالحيرة حين أحاول التقريب بين هذين اللونين من ألوان الحياة يتجاوران في البلاد الإسبانية وفي النفس الإسبانية، وبقيت في هذه الحيرة طيلة مقامي بين القوم ولم ينجني منها إلا أن عُدت إلى مصر.