Advertisement

رحلة_إلى_الحجاز


رحلة إلى الحجاز




رحلة إلى الحجاز

تأليف
إبراهيم عبد القادر المازنى





الإهداء


«إلى التى تفرح لفرحي وتحزن لحزني والتي أسيء اليها فتعفو وأرهقها فتحتمل، والتي لا تكون معي إلا راضية عني مباهية بي داعية إلي
إلى امي …».
إبراهيم عبد القادر المازني

الفصل الأول
في الطريق إلى ينبع


رأيت نفسي أتساءل — وأنا أصافح ربان السفينة واستفسر منه عن الجو وما ينتظر أن يكون، والبحر وهل يرجي أن يكون ليناً. «ماذا يرجي لهذه الأمة العربية التي سنشهد بعد أيام احتفالها بمبايعة ملكها؟ هل تكر على العالم بنهضة جديدة؟ أودع الكر فقد تكون مسافة ما بينها وبين العالم أطول من ان تعين عليه أو تجعل له محلاً، وسل هل في وسعها أن تشق طريقها إلى منزلة من منازل الحياة العزيزة؟»
ومن عجائب النفس الإنسانية أنها تتسع لهذا الازدواج: هذا الربان أمامي أجاذبه أطراف الحديث وانتقل معه من جد إلى هزل، وأعرفه بهذا وذاك من إخواني؛ وتتسع حلقة الكلام وترحب دائرته وتكثر شعابه؛ ويذهب هو يصف لي ميناءي ينبع وجده وكيف تكثر في مدخليهما الصخور، وانا منصت مرهف الآذان لكل حرف، ولساني يجري بالكلام مجاوباً أو ملاحظاً أو مسائلاً، وإذا بخاطر آخر يشغل من النفس الحيز الأكبر ويدور فيها ويأبي ألا أن أعني به والتفت إليه. ولعل للقلب في أثناء ذلك التفاتة أخرى إلى الأهل والأخوان وإلى ما خلف المرء وراءه من معاهد حياته، وأغرب من هذا أن تكون الالتفاتة عمومها كالخصوص فهي لفتة شاملة محبطة، ولكل شخص ولكل حادثة حظ نسبي من البروز، ولكل ذكري محلها ولكل عهد مكانه، بلا بخس ولا وكس. على أن هذا ليس موضع الأفاضة في قدرة النفس على الأشتغال بأكثر من أمر واحد والأنصراف إلى كل شأن كانها متخلية له، فلنرجع إلى ماكنا فيه.
لم أجب على سؤالي وأن كان التفكير فيه قد شغلني طول الطريق، لأن كل ما اعرفه عن العرب في حاضرهم مستفاد مما قرأت أو سمعت، ولم أر موجبا للتعجيل بالجزم وليس بيني وبين المعاينة ألا أيام. غير أن هذا لم يعفني من الحاح هذا الخاطر الذي ظلت النفس تواجهني به وترفعه قبل عيني على صورة شتي. فمرة يكون السؤال كما أوردته، وتارة يكون «هل في الأمة العربية مادة صالحة لما تتطلبه الحياة في العصر الحاضر من الكفاح المر؟
وطوراً يهتف الأمل «أن هذه الأمة تغالب طبيعة بلادها الماحقة وتصارع أهوال الصحراء فلم لا تستطيع أن تكافح المصاعب التي تحفها بها الأحوال العارضة؟»
وربما جنحت النفس إلى اليأس كلما تصورت بعد ما بين العرب وغيرهم من شعوب الأرض المتحضرة وتعذر اللحاق بهذه الشعوب التي أغذت السير قروناً وهم يحدون الأبل ويقتتلون كما كانوا يفعلون في الجاهلية. بل كان اليأس يخامر في كلما تخيلت الصحراء الساحقة التي يصارعونها وكنت أقول لنفسي «هل يتاح لأمة واحدة أن تنهض مرتين وأن يكون لها في التاريخ مدنيتان عالميتان؟ ألا تستنفذ النهضة الأولي قواها وتعتصر حيويتها ولا تبقي منها ألا ما يبقي من ألياف «القصب» الجافة بعد مصه أو أعتصاره؟»
وهكذا إلى غير نهاية! فما لقينا من البحر ما يصرفني عن التفكير أو يعدل بخواطر النفس إلى مجري آخر. ولقد كنا في السفينة وكأننا في بيوتنا لا على الماء، وكانت السفينة تفرق البحر وكانها لا تمسه فلا موج ولا أهتزاز ولا دوار، حتى لقد أشتقت أن يطفي بنا قليلاً ليردنا إلى التهيب، غير أن البحر خيب أملي فيه.
وقد فرحت فبأول الأمر بالفرصة التي أتاحت لي هذه الرحلة وقلت لنفسي أن المصريين يخرجون أفواجاً أني الأقطار الأخرى وصار ذلك سنة مرعية عندهم، حتى ليخيل للمرء في مقدمة المصيف أن هذه الأمة المصرية قد أزمعت أن تهاجر إلى واد غير واديها، وكنت في صيف كل عام أخشي أن لا يبقي في البلاد غيري، وأن لا يعمرها سواي، فلما عرضت هذه المناسبة للسفر إلى الحجاز في الشتاء قلت: حسن: دقة بدقة والبادي أظلم، لقد عمرت الوادي من قبل فلتعمره الأمة الآن، ولتقم عني بواجب الحراسة التي أراني كأنما كنت موكلاً بها، فما أحسب أحد أطاق أن يقيم كما أطقت، لكأنما كنت كلباً حارساً لا أنساناً له ديباجة تخلق، وتستحق أن تتجدد.
وسرني على الخصوص أن السفر إلى الحجاز لا إلى الغرب، ذلك أن الغرب يزور مصر، ولو شئت لقلت انه يغزوها، فلسنما نحتاج أن نزوره، أما الحجاز فأمره مختلف جداً، ولنحن خلقاء أن نجعل علمنا بالشرق العربى أعمق وصلتنا به أوثق وارتباطنا به امتن. وما احسبني أبالغ حين أقول أن مستقبل الشرق واحد وان تفاوتت خطي أبنائه. ومن الجهل أن نشيح بوجوهنا عنه، ومن الخرق أن تتجاهله ومن البلادة أن ننسي أننا مرتبطون به وان خفيت الخيوط، ومن الغفلة أن نتوهم أن الرحيل لا يكون نافعاً إلا الي الغرب، وانه لا فائدة تكتسب من زيارة الشرق والأطلاع على احواله.
وعرفت أسماء رفاقى فأطرقت أفكر: هذا أحمد زكي باشا أحدهم وهو شيخ العروبة أولا أدرى ماذا يسمونه أو يسمي نفسه وهذا آخر من المجاهدين في سوريه، وهذا ثالث كان له في حركة الاستقلال السوري دور هو أشبه بقصص السندباد البحري? فماذا عسي أن أكون بينهم؟ أين يذهب الصعلوك بين الملوك؟ هل في مقدوري حين أفخر أن أدعي أني أكثر من جندي صغير؟ ثم هؤلاء زملائي وليس بينهم ألا من هو أنشط مني وأجرأ. وأستعرت من زميل لى مبراة، وملت إلى الحاجز على ظهر السفينة وأرهقت أقلامي، ثم لم أجد لي عملاً بعد ذلك فأقمت حد المبراة على حديد الحاجز ورحت كأني أقطع، فسمعت قائلاً يقول لي: «رفقاً بالسفينة يا صديقي، أو بمبراتك إذا كان أمر السفينة لا يعنيك!» فالتفت فاذا أنجليزي في مثل ثياب الربان.
فقلت له: «المبرأة عارية وقد أن أردها».
فأبتسم وقال: «بعد أن شحذتها؟»
فسألته وأنا أشير إلى رجل في مقدمة الباخرة: «من هذا الرجل ذو الوجه الأمرد والنظرة الوحشية؟».
فقال: «هذا الكبتن … لقد كان ضابطاً في البحرية البريطانية وأبلي في الحرب الكبري بلاء حسناً، وقد سرح وهو الان يعمل في هذه الباخرة».
فتركته، وسرت خطوات فرأيت أمامي سلماً صعدت عليه فالفيت أمامي قوارب النجاة فدنوت من أولها، وخطر لي أن أمتع نفسي بالجلوس فيه، فشرعت أرفع رجلي لأخطو إلى جوفه وإذا بيد على كتفي تجذبني وصاحبها — أعني صاحب اليد — يقول: «أني مضطر أن أحملك على ترك هذا. وإذا كنت تريد أن تعرف شيئاً فأرجو أن تسألني …».
ولم يتم كلامه بل تركني وقفل راجعاً إلى حيث لا أعلم كأنما ناداه أحد وان كنت لم أسمع صوتا، فدنوت من خادم وسألته عنه من يكون؟فقال: «هذا الكبتن … مساعد الربان».
فقلت: «هذا أكثر مما أطيق. أسمع. أنك مصري مثلي فصدقني. أذا أغمضت عيني وسرت في هذه الباخرة ووضعت يدي على أول رجل أصطدم به فهل يمكن أن يتضح انه ليس بكبتن؟»
فضحك الخادم وهو من السويس وقال: «لا ادري، ولكني أرجح أن تصطدم بالكبتن الملاحظ فأنه وراءك الآن وعلى مسافة مترين فقط».
فأنحدرت إلى غرفتي وانا أقول لنفسي: «أن السفينة التي لها رئيسان تغرق فكيف بواحدة عددت من (كباتنها) أربعة إلى الآن! اللهم لطفك!» وفترت رغبتي في الطعام، وكان نبيه بك العظمة يحرضني عليه ويلح على أن أصيب منه قليلاً، فأعتذرت بالألم الذي سببته لي حقنتا الكوليرا والتيفوئيد، وكتمت عنه وعن زملائي أن للسفينة مائة رئيس حتي لا أزعجهم.
ومضي اليوم الأول وأصبحنا دون أن تتصادم «أرادات» هؤلاء القباطنة أو الكباتن، فذهب عني بعض الروع وعاودني شيء من الاطمئنان. واتفق أن سألني بعض رفاقي: «بسرعة كم ميل تسير هذه السفينة؟»
فقلت: «لا أدري، ولكني أقدر أن سرعتها لا تتجاوز أثني عشر ميلاً في الساعة».
فصاح بي واحد: «مهلاً! أن سرعتها خمسة أميال فقط!
قلت: «خمسة أميال! يا للعار! لوسرنا على أقدامنا لسبقناها!»
فعاد يؤكد الأمر ويقول أنه استقي هذه الحقيقة من الكبتن فأيقنت أنه لولا كثرة القباطنة لكانت الباخرة أسرع. وقلت لنفسي أذا كان البطء كا ما تؤدي إليه كثرتهم فلا بأس.
واستيقظت بعد ظهر يوم على صياح عجيب، لا هو صياح ولا هو استغاثة، الآن فيه انتظاما ولأن في الصوت تنغيماً، فاستويت قاعدا وأرهفت أذني فخيل إلى أن الألفاظ عربية ولكن اللهجة غريبة، ثم تبينت لفظين هما: «الله اكبر!» ولكن اللسان الذي يعلو بهما كان اعوج ملتوياً، فعجبت ثم تذكرت أنها أحدي سفن «البوستة الخديوية» وهي شركة إنجليزية تسير بواخرها بين السويس والسودان جيئة وذهوباً، وتنقل الحجاج — فيما تنقل — إلى ينبع وجدة — وقد رأينا بعضهم في الباخرة على غطاء مخزن البضاعة حيث يفرشون السجاجيد ويكدسون أمتعتهم ويحشرون أنفسهم بينها تحت سماء الله — وهذا هو مكان الدرجة الثالثة.
وقد قلت لنفسي لما سمعت هذا الصوت: أن الأنجليز قوم يتوخون أن يتكيفوا على مقتضي الظروف ووفق ما تتطلبه الأحوال وهذا الذي سمعته أذان أي دعوة إلى الصلاة، وليس مما يتنافي مع الشذوذ الأنجليزي أن تكون الشركة قد عينت للأذان في الباخرة واحداً من هؤلاء «الكباتن» الذين لا أدري ماذا يصنعون جميعاً في سفينة صغيرة كهذه.
وسرني وأضحكني أن المؤذن «كبتن» انجليزي، وقلت أشرك أخواني فيما يفيده العلم بذلك من المتعة، فعدوت إلى سطح الباخرة حيث كنا نجتمع فالتقيت بواحد أقبلت عليه أفضي إليه بخبر هذه البدعة السكسونية. فضحك، ولكن مني، ثم أشفق أن يعرف زملائي زلتي فيركبني الثقلاء منهم بالسخرية، وأوما فإذا تحت أنفي جماعة من العرب يصلون، واذا صوت الأمام كصوت المؤذن فيه ذلك الالتواء الذي خدعني.
وكانت سلوتنا الحديث والنظر إلى البحر، و«الطاولة» وكان بطلها — أعني الطاولة — أحمد زكي باشا، غلبنا جميعاً واقر لكل منا بأنه خير لاعب، وفي زكي باشا نشاط وجلد وقدرة على الأحتمال وحلم وظرف وعطف ودعابة، راعتني منه، وكان لنا كالوالد يحنو علينا ويسأل عنا ويتعهدنا ولا يؤثر نفسه دوننا بملهاة، ولا يستبد برأي أو يصر على اقتراح جداً كان أو هزلاً، بل الرأي عنده ما رأت الجماعة، يتقبله مرتاحاً وينزل على حكمه راضيا ولو كانه مقتنعاً بصواب ما يذهب إليه، وكان أعذب الجميع حديثاً وأمتعهم مجلساً نبيه بك العظمة والأستاذ خير الدين الزركلي، فتعلقت بهما وأثقلت عليهما بمحضري، ولم أدع لهما راحة، ولم يبخلا على بشيء مما أستخبرتهما عنه فكانا يهضبان لي بما رأيا وجربا وكابدا في رقع شتي من الأرض في الحرب والسلم، ولم يكن لهما مني مناص أو مهرب سوي البحر، وهما لا يزالان أوسع آمالاً في الحياة وأطلب لرغائبهما منها وأقوي رجاء في الله وفي بلوغ الغاية القومية من مساعيهما من ان يفكرا في الانتحار فراراً مني، لذلك توثقت بيننا العري كارهين أو راضين، فلما بلغنا ينبع صرنا وكان صداقتنا أقدم عهدا من الجبال.
ولست أنسي منظر الزملاء وقد أعترتهم نوبة «الكتابة» — وتصور سبعة أو ثمانية قد جلسوا على الكراسي المسمرة وأقبلوا على الورق والبطاقات يسودونها لما علموا أنهم مصبحون في ينبع وأنهم قد يستطيعون أن يبعثوا برسائلهم من هناك? — إلى أهلهم واخوانهم وصحفهم، ويكفي أن يجلس واحد للكتابة ليحتذي الباقون مثاله ويعديهم بالرغبة في ذلك، فليست الثؤباء وحدها هي التي تعدي، ولا القرود دون خلق الله هي التي تنزع إلى التقليد ولو كان القارئ رآنا في تلك الساعة ونحن مكبون على الورق ذاهلون عن كل ما في الدنيا لكان أول ما يخطر له أننا قد آلينا أن نصدر في الباخرة الصحف التي نمثلها، أو أن هناك أمتحانا معقودا لنا. وعرض علينا أحد رجال السفينة بطاقات عليها رسمها فتخطفناها حتى نفذت! كما نفذ ورق الخطابات. وتصور سبعة أو ثمانية يستنفدون كل ما في الباخرة من ورق وخطابات، أليس هذا دليلاً على الهمة والنشاط والخصب؟ وأحسبني مسئولاً عن العدد الأكبر من هذه الأوراق التي أستهلكت، فقد نازعتني نفسي أن أكون متفرجاً لا كاتبا، وأن أمتع عيني بمناظر الوجوه المكبة على الورق وما يظهر عليهات من دلائل الأجهاد — أجهاد القرائح الخصيبة — فلجأت إلى الحيلة وقلت اكتب رسائلي بالجملة، فجئت بورق الكربون ووضعته بين الخطابات، وكتبت رسالة واحدة وجيزة ثم جلست أتفرج!
وكان أحدنا يكتب يوميات عن هذه الرحلة وكان يختصني بهذا السر، ولا أدري متي كان يكتب يومياته، فما رأيته قط خلا بنفسه أو بكر إلى مخدعه، وقال لي مرة: «لقد صارت مذكراتي ضخمة. كتبت اليوم ست صفحات وكتبت البارحة سبعاً، وأول من أمس تسعاً، فما قولك؟»
فقلت مستغرباً: «كل هذا؟ وأي شيء وجدته يستحق التسجيل؟»
قال: «كل شيء. خطوط الطول والعرض، ووجره القمر، وأدوار الطاولة التي لعبتها وفي أيها كنت الغالب أو المغلوب، والأسماك التي رأيناها في البحر، بعضها يطير على سطح الماء، وبعضها يهاجم السفينة طلبا للقوت، والبواخر التي مرت بنا في الليل وحييناها والأمم التي هي تابعة لها — وعلى ذكر ذلك أسألك هل تعرف لماذا لا نري باخرة في النهار؟ ألا تعرف؟ — وكم كذبة كذبها … فلان … اليوم، وحالة البحر والرياح، وأن كانت لا تتغير ولا نكاد تختلف يوماً عن يوم، وهذا ممل، أليس كذلك؟ وكم صورة أخذها رياض وكم صورة أخذتها المدموازيل عايدة، كل شيء، كل شيء، حتى لقد أفردت «لأكلة الصيادية» عدة صفحات، أنها تستحق ذلك فقد كانت اكلة غير منتظرة وكانت لذيذة، والفول المدمس! أوه. له وحده صفحتان. ألا تراه جديراً بذلك؟ مدهش. مدهش أن نأكل فولا مدمساً على الباخرة تالودي الأنجليزية!»
فسألته بعد أن أنقطع نفسه: «وماذا تنوي أن تصنع بهذه المذكرات بعد أوبتك؟»
قال: «سأطبعها وأنشرها: كم تظن أنها تساوي؟ أعني كم تتوقع أن أربح منها؟»
قلت: «تساوي: تساوي اذا اعتبرنا عدد الصفحات ووزنها قياساً على ما كتبت إلى الآن مائة جنيه أو مائتين».
فصافحني مسروراً وهو يقول «لقد قدرت لربحي مثل هذا … تماماً».
فقلت مستدركاً: «إنما أعني ثمن الورق الذي تملؤه … أما الربح فلا أدري. ربما كان أكثر وقد يكون أقل».
فلم يضعف أمله وقال: «تمام. تمام. تقديرك على كل حال مضبوط» ومضي عني.
ولما كنا عائدين من مكة سألته: «إلى أين وصلت في مذكراتك؟»
فطال وجهه وقال: «يا أخي الحق أقول لك أن كتابة المذكرات عمل مضن. ثم أني لأجد الوقت. نحن في حركة دائمة فمتي أكتب؟ على أني سجلت كل شيء في رأسي. فإن ذاكرتي قوية وأنا أذكر حتى الأحاديث بألفاظها ولو كان عمرها أعواما. فلا خوف. أنتظر حتى نرجع ونطمئن».
•••

وفي الساعة السادسة من صباح السبت (? يناير) أيقظني أحد الزملاء وأبلغني أن الشاطئ قد ظهر، فقلت له وانا أتميز غيظاً أني لا أحفل بالشواطئ — ولو كانت شواطئ الجنة — في الساعة السادسة صباحاً، فذهب عني وأغمضت عيني، ولكن غيره جاء ثم غيره، فأيقنت أن الحماسة التي أوقدها ظهور الشاطئ لن تدع لى جفناً يغفي، فقمت متثائباً متثاقلاً ووقفت متكئا على الحاجز فلم أر شيئاً فالتفت إلى أولا من أيقظني وقلت بلهجة المعاتب: «أين هذا الشاطئ الذي بدا لك يا سيدي؟»
فقال: «هذا. ألا تراه؟ غريب. أني أستطيع أن أشير إلى المكان الذي سترسو أمامه الباخرة. لابد أن يكون هذا».
ومرت الساعات ونحن نروح ونجئ وهو في مكانه لا يتحول عنه ولا تتعب رجلاه، وبدت ينبع ملفوفة في الضباب، حتى جبال رضوي التى تظهر من ورائها خلناها ضبابا من أختلاط السحب برؤوسها، فاختلفنا وتراهنا، وشرعت السفينة تدور لتدخل المرفأ فقربنا جداً من الساحل وشاء الحظ الساخر أن يكون المكان الذي أشار إليه صاحبنا وأصر على أن الباخرة سترسو عنده، هو المقبرة.
ورست الباخرة، في المرفأ لا أمام المقبرة، وأقبل الصبيان يسبحون إليها كالسمك وينادوننا أن نلقي اليهم بالقروش ليلتقطوها فرحنا نرمي اليهم بالقرش بعد القرش وهم يتزاحمون عليه ويغوصون وراءه ويتلقونه بأكفهم وهو يهبط في جوف الماء قبل أن يبلغ القاع، فمن فاز به دسه في شدقه، حتى أنتفخت أشداقهم وصارت وجوهم مشوهة بشعة المنظر.
وركبنا زورقا إلى المدينة، وهي صغيرة فقيرة، وبها مساجد كثيرة أشهرها مساجد ابن عطاء والخضر والسنوسي، وأهلها وكلاء للتجار أو عمال لهم، وليس فيها زرع ولا ضرع، وبها آلة لتصفية ماء البحر للشرب يسمونها «الكندنسه» وهي لفظة محرفة عن الكوندنسر، فأستقبلنا قائم المقام الشيخ مصطفي الخطيب وهو من أهلها وكان عاملاً عليها في عهد الحسين لم تنحه الحكومة السعودية ترفعاً منها عن حماقات العزل والتأمير، وزرنا دار الحكومة وهي أبسط ما تكون: بضعة مكاتب في الدور الأرضي، وفي الدور الذي فوقه غرفتان أحداهما للقائمقام وفيها مكتب وسجادة ولشبابيكها ستائر، وفي الأخري مكتبان صغيران. وبعد أن شربنا القهوة النجدية ثم «الشاهي» كما يسمون «الشاي» أستاذنا وأنحدرنا إلى المدينة نطوف فيها إلى أن يخرج الأمير والناس من صلاة الظهر، فمررنا بالسوق وهي حارة ضيقة مسقفة على جانبيها الدكاكين فيها صنوف شتي من العطارة والبقول والمنسوجات والخبز والأسماك والجراد، وقد أكل منه زكي باشا، ولم يكن في الدكاكين أحد لأنه كان وقت الصلاة، وكان الطريق غاصاً بالأطفال يمشون وراءنا ويحفون بنا في خرق ممزقة ومراقع لا تكاد تستر شيئاً. فتساءلت: ماذا يحمي هذه المتاجر أن يسرق منها هؤلاء الغلمان الفقراء؟؟ فقيل لي أنه لا خوف منهم لأنه ما من أحد يجرؤ أن يسرق شيئاً.
وبلغنا آخر السوق حيث المسجد وكان الناس قد فرغوا من الصلاة فوقف رجل أمام كوم من الكلأ وقطع من الحصير وأعواد من الخشب ببيعها بالمزاد، وكل ما أمامه لا يساوي ريالاً.
ولم أر أمرأة ولا بنتا، إلا واحدة في نحو السابعة من عمرها ملفوفة في ملاءة قذرة وفي أحدي أذنيها قرط من العقيق، وقيل لي أن النساء لا يخرجن من البيوت، والأهالي خليط من كل جنس وملة، وسجنهم معرض للأمم الشرقية، فمن زنجي إلى جاوي، ومن عربي إلى مصري، ومن هندي إلى فارسي، ومن سوري إلى صومالي، وهكذا.
وزرنا الأمير — أي الحاكم — عبدالعزيز بن معمر، وهو شاب نجدي جميل الطلعة وسيم المحيا مقدود قد السيف، والدار على الطراز الشرقي القديم الذي كان مألوفاً في مصر منذ أكثر من خمسين عاماً ولا تزال بعض آثاره باقية في الأحياء الوطنية التي لم تمتد اليها يد العمران الحديث مثل الكحكيين وسوق السلاح، وغرفة الاستقبال في داره مفروشة ببساط أحمر والكراسي (الخيزران) صفان على الجانبين، وفي الصدر مصطبة مفروشة بالسجاد العجمي وعليها الوسائد لجلوسه وكان الأمير يلبس جلباباً من السكروتة فوقه معطف من الكشمير عليه عباءة حمراء وعلى رأسه العقال الأسود والمسدس مشدود إلى وسطه والسيف المذهب المقبض يتدلي من حمائله، ومن عاداتهم أن يجلس حرسه الخاص على جانبي الباب من الداخل في نفس الغرفة، ويجلس الباقون من الحراس خارجها وهم جميعاً مسلحون، والسيوف والبنادق والمسدسات وأحزمة الخراطيش معلقة على الجدران فكأن الغرفة مخزن سلاح لا حجرة استقبال.
وفي ينبع بلدية، ومكتب تلغراف لاسلكي، ومدرسة أولية إبتدائية يديرها مصري طبقاً لمناهج التعليم المصرية وفيها نحو مائة وتسعين تلميذاً متفاوتي الاسنان والأطوال، متبايني الثياب مختلفي الوجوه. ومصلحة للصحة.. الخ.
وقد شعرنا من أول لحظة أننا في بلاد مستقلة فلا أجنبي هناك ولا نفوذ ولا سلطان ألا الأبناء وكل موظف حجازي حتى اللاسلكي عماله ومديره حجازيون، وقد أبي زكي باشا ألا يري هؤلاء العمال وهم يبعثون بتحيتنا إلى سمو الأمير فيصل في مكة كانما لم يكن يصدق أن لابسي العباءة والعقال يستطيعون أن يحسنوا ما يحسنه الأوربي من الأعمال الآلية على الأقل.
وودعنا الأمير بعد أن أخذت صورتنا معه وعدنا إلى الباخرة وهناك جاءنا وفد من ينبع ليرد لنا الزيارة ويشكرنا، وبعث الينا الأمير بعدد من الخراف هدية منه عوضاً عن الغداء الذي لم نستطع أن نجيب دعوته إليه أذ كنا قد تفدينا في الباخرة.
فحرنا ماذا نصنع بهذه الخراف! وعقدنا مؤتمراً للتشاور. فقال واحد نردها شاكرين، ولكن هذا كان مستحيلاً، وأقتراح ثاني أن نردها ولكن لتذبح وتوزع على فقراء المدينة، ولكن هذا رداً على كل حال، وفيه فضلاً عن ذلك خشونة التعريض بالمدينة وأهلها وحكومتها وقال ثالث أن في الباخرة حجاجا فقراء فلنذبح الخراف لهم ولنوزع لحمها عليهم، ففعلنا.
وهكذا كان كل أقتراح مولداً من الذي سبقه، وانتج الخطأ في آخر الأمر الصواب. ولا عجب، فما من مخاطر أو إحساس إلا وهو وليد خواطر أخري واحساسات شتي، وليس في الدنيا ألا آدم واحد بلا أب أو أم.
•••

وفي ينبع وجدت «صندوق الدنيا»، وكنت أحسبني حططته عن عاتقي في مصر، وكان ظني أنه يسعني بعد أن سافرت أن أمشي خفيفاً لا يثقل كاهلي هذا الحمل ولا يحني ظهري ثقله، فإذا بي قد صرت كالأحدب لا يدخل في مقدوره أن يستوي قائماً كغيره من بني آدم الذين كتبت لهم السلامة من أعوجاج الخلق وحدب الظهر وقال لي واحد: «لقد قرأت صندوقك».
فغاظني ذلك وأن كان قد سرني، وقلت: «سأضعك فيه أن شاء الله بعد عودتي» فأقبل على يرجو مني ألا أفعل، فقلت: «على شرط».
قال: «ما هو؟»
قلت: «أن تعفيني أنت واخواتك من ذكره والا حشرتكم فيه جميعا».
قال وهو يضحك: «ولكنه والله ممتع».
قلت: «وسيكون الجزء الثاني أمتع بوجودكم» فامتقع وجهه، وأحسبه خاف أن أرسم له صورة تمسخه وتجعله أضحوكة فطمأنته وأكدت له أني أمزح. فسألني وقد سكنت نفسه: «ولكن لماذا تكره أن يذكر لك؟»
فقلت له: «أن الذي يضحكك منه هو الذي أبكاني وأحسبني معذوراً إذا كنت أزهد في كل ما يذكرني بسخر ما جرت به المقادير. فإذا كنت تفهم هذا فيها ولله الحمد، وألا فأمسك ودعنا نستمع إلى الباشا وهو يتحدث عن العروبة ويذكر الجواد الذي أهداه أليه جلالة الملك عبدالعزيز فلم يدر كيف يركبه أو يطمعه أو يلجمه أو يسرجه — سله ألم يخطر له أن يطعمه كنافة في رمضان سلة أكان يأكل — اعني الجواد — من المدود أم كان الباشا — يبسط له السماط ويمد له الخوان؟».
•••

وفى ينبع عشرة آلاف نسمة وأقل من مائة جندي والحكومة كأبسط ما يكون، ولا حاجز هناك بين الأمير وأحقر الأهالى، وسلطان الحكومة ليس مستمداً من الخوف الذي تبعثه القوة، بل من الأحترام والحب والتعاون، وآية ذلك أن الناس صريحون مع حكامهم وأن الحكام لا يبدو عليهم تكلف، ولا تكون الصراحة مع الخوف والتقية، ولا الخوف مع البشر الذي ينضح به الوجه ولا يخفي فيه صدق السريرة، ولا هذه البساطة المبتسمة مع القسوة والاستبداد، ولم أسمع في المرتين اللتين زرت فيهما ينبع، أمراً يلقي، أو كلمة ملق ودهان تقال، ولقد كان أمير ينبع يسر إلى الرجل من حرسه أن يطلب القهوة أو «الشاهي» أو يدعو فلانا أو علانا أو يفسح الطريق، وكنت أراه وهو يميل عليه كأنه يهمس في أذنه نكتة أو كلمة سارة. ولم تأخذ عيني منظر قسوة واحداً، وكثيراً ما كانول يفسحون لنا الطريق أو يصدون الناس ليوسعوا أمامنا — في ينبع وفي جدة وفي الكندرة وفي مكة وفي وادي فاطمة — وكان الذين يتولون ذلك الجند. ولكن باشارة يد من غير أن يدفعوا في صدور الناس أو يرفعوا في وجوههم عصا أو يتجهموا لهم وهم يصنعون ذلك وقد عدت من ينبع إلى الباخرة وأنا أحس أني بدأت أفهم، وقد زدت فهماً لما زرت جده ومكة، ذلك أن الرعية راضية وأن الحاكم والمحكوم متعاونان.
وقد أقتنعت، وأنا لا أزال في الباخرة قبل أن أصل إلى جدة أو أضع رجلي على رصيف مينائها، بأن المرأة النجدية تعرف السفور ولا تعرف الحجاب، وكان اقتناعي بالمشاهدة والمعاينة وليس بالسماع، ورأيت من الحزم أن أكتم عن زملائي ورفقائي في هذه الرحلة هذا السر الذي أهتديت إليه الأنفرد بالعلم به وأستأثر بفضل اكتشافه والوصول إليه، وقلت لنفسي: أن الصحافة سبق، ولن تكون لي مزية على أخواني إذا عرفوا كل ما أعرف، ومالي أنا بهم؟ أليست لهم عيون مثل مالي؟
ونزلنا في ينبع وجبنا طرقاتها ومررنا بحوانيتها ورأينا ناسها، وكنت أسمع زملائي يتحدثون عن المرأة والحجاب المضروب عليها ويرددون ما سمعوا من انها لا تخرج ولا تظهر ولا يراها غير زوجها وذوي قرابتها الأدنين فأبتسم ساخراً وأهز رأسي هازئاً متهكماً وأرد نفسي بجهد عن أن أصيح بهم: «يا عميان! أن نصف من ترون في الطرقات نساء تحسبوهن رجالاً!»
وقد رأي زملائي المساكين جدة ومكة وما بينهما وعادوا وهم على ذلك يعتقدون أن النساء النجديات محجبات! مساكين! لكم وددت أن أشق لهم بالمبرأة جفونهم المطبقة ليبصروا وكم نازعتني النفس أن أخطبهم على ظهر السفينة ونحن راجعون، وأن ألقي عليهم محاضرة في النظر وكيف ينتفع صاحبه به ولكن الأترة غلبتني، وحب الذات كان أقوي فتركتهم يرجعون كما ذهبوا بعيون مفتوحة كمغمضة، وكان احتمالي هذا الكتمان وقدرتي على الأمساك على سر ما علمت، جهداً شاقاً لم أكن الأقوي عليه لولا الإرادة المصممة. والآن وقد امتحنت أرادتي وأيقنت أني نجحت، أراني أستحق أن أرفه عن نفسي بالأفضاء وأن أرخي أعصابي المشدودة بالبوح بما أحسنت كتمانه.
لما صرنا أمام رابغ أحرمت الباخرة — اعني ركابها الذين ينوون أن يقصدوا إلى مكة مباشرة فظهر بيننا فجأة رجل نجدي قيل لي أنه أمير في قومه وحوله حاشية كبيرة من اتباعه وعبيده، وكلهم محرم، والأحرام لا يمنع أن يلبس المرء سلاحه، فكانوا يحملون فوق ما أحرموا به المسدسات والخناجر وأحزمة الخراطيش وأتصلت بيننا وبين هذا الأمير الأسباب، فاختلطنا وصار عبيده وخدمه يسقوننا من قهوتهم النجدية الحادة، وهم يقدمونها في فنجانة كبيرة مفرطحة يصبون فيها نقطة، أو رشفة، تحتاج لكي تشربها أو تلحسها أو تنقلها إلى فمك، أن ترفع وجهك إلى السماء وتقلب الفنجانة على فمك لينحدر ما فيها إلى لسانك، حتى إذا فرغت دون أن تقع على الأرض رددت الفنجانة فصب لك فيها رشفة أخري إذا راقتك الحركة التي يكلفك أياها شربها وإلا هززت الفنجانة علامة الكتفاء، وقد سمعت — وصدقت — أن القهوة النجدية تقوي عظام العنق، وقد سمعت أيضاً — ولكني لم أر هذا — أنهم يعقدون مباريات لشرب القهوة وهم وقوف.
وكان معنا «رياض أفندي شحاته» المصور المشهور فدعاهم إلى الوقوف معنا ليصورنا ففعلوا وكنت غائباً فنادوني فأسرعت إليهم ووقفت حيث وجدت لي مكاناً وإذا برياض أفندي يدعوني أن أتزحزح عن مكاني ويشير إلى جاري فالتفت إلى يميني فلم يسعني ألا أن أتراجع بسرعة وألا أن أقول: «بردون مدام! أعني معذرة يا سيدتي! لقد زاحمتك وأنا غافل عن وجودك فلا تؤاخذيني! تفضلي».
وتنحيت بعد هذه الخطبة التي لم ترق من سمعها من أخواتي فصاح بي واحد: «ماذا تقول؟ قف يا أخي هنا. نعم هنا واسكت».
فهززت رأسي آسفاً مستغرباً قلة ذوق هذا الزميل الذي ينقم مني تأدبي مع سيدة. فسمعت رياض أفندي يصيح بي. «ما تهزش رأسك يا أستاذ مازني».
فحار الأستاذ المازني وبين رياض أفندي وهذا الزميل الموبخ وقال — أي الاستاذ المازني — لجاره إلى يساره: «أنا كنت أعتذر فوبخني زميلي لا ادري لماذا؟ هل كان يليق أن أكتم الأعتذار لها بعد أن فطنت إلى غلطتي؟»
ففتح جاري عينيه جداً وقال بلهجة المستغرب: «ماذا تقول؟ من تعني؟»
وهنا صاح رياض أفندي: «يا أستاذ مازني أعمل معروف أقف ساكت خلينا نخلص».
فقلت: «أما أن هذا لغريب! وهل أنا الذي أعطلك؟ الحق أقول أني صرت لا أفهم» وإيقنت أن رياض أفندي غائر مني.
وقال واحد كان ورائي: «لا بأس. أجل الفهم الى ما بعد التصوير».
فنظرت إلى الأمير فرأيته يبتسم. وثنيت عيني إلى جارتي الرشيقة وشعرها الوحف المضفر الذي يفترق فوق جبينها الوضاء ويلمع في ضوء الشمس كانه مدهون «بالبرينتين» وإلى حور عينيها الواسعتين اللتين يزينهما الكحل، وإلى ديباجة وجهها الضافية وماء الشباب الذي يترقرق في وجنتيها، والابتسامة الخفيفة المغرية التي تفتر عنها شفتاها الرقيقتان.
وأحسب عيني لم تتحول عنها، وأظننى ظهرت في الصورة ناظراً إليها لا إلى رياض أفندي، فما كدت التفت إليه حتي كان قد فرغ مما يريد فقلت لا بأس، وأقبلت على صاحبتي أكرر لها الاعتذار وهي لا تزيد عن الابتسام ولا تفتح فمها قط حتى كدت أجن شوقاً إلى رؤية أسنانها التي لم أشك في أنها من مفاتنها الكبرى.
وأشرت إلى فمي وقلت أستفزها إلى الكلام. «أليس لك لسان؟ أأنت خرساء! مسكينة! يا لسخر الأقدار!».
فهزت رأسها وقالت شيئاً لم أفهمه. فأعدت ما قلت ببطء شديد ووضوح تام، فضحكت وهزت رأسها ثانية، وتكلمت، ولكني لم أفهم، فخطر لي أنها غير عربية، وأنها لعلاها فارسية أو أفغانية وحرت بأي لسان أخاطبها، ولحق بي في هذه اللحظة زميل فجذبني وهو يقول: «ما هذا يا أخي؟ تعطلنا نصف ساعة حتى تحضر ونحن واقفون تحت الشمس المحرقة، وبعد أن تحضر يحلو لك الكلام والإيماء. هذا شيء بارد والله!»
فقلت: «ليس هذا ذنبي فقد كنت أؤدي واجب الاعتذار …».
فقاطعني قائلا: «أعتذار أية يا أخي؟ لالا.. هذا لا يليق! لقد شوتنا الشمس. ولن ننتظرك مرة اخري».
فتركته وملت إلى غيره وهمست في أذنه: «ألا تري هذه السيدة؟ ألم يرعك جمالها؟»
فقال: «سيدة؟ أي سيدة؟»
قلت: «أي سيدة؟ هذه يا أعمي!»
وأشرت اليها.
فانفجر يقهقه وأنا أنظر إليه كالأبله، ولما رأيت أن ليس لهذا الضحك آخر مضيت عنه إلى غرفتي فلحق بي فيها وهو يقول: «سيدة أيه يا مولانا! هذا رجل».
فانتفضت واقفاً وصحت به مغضباً: «رجل؟تقول أنها رجل؟ أأنا أم أنت الأعمي؟»
فعاد إلى القهقه، وقعدت قلت له: «لقد كلمتها ووجهت اليها الخطاب بضمير المؤنث فلم تعترض فكيف تزعمها رجلا»؟
قال: «المسألة بسيطة. لم يفهم كلامك لأنه بدوي قح، وأراهن أنك لم تفهم منه كلمة».
قلت: «صحيح. لقد حسبتها أفغانية».
فأبتسم وهو يقول: «ليتك تري هذا الذي حسبته أمرأة حين يمتطي صهوة الجواد ويركضه إلى القتال ويرسل شعره المرجل وينفشه! أذن لرأيت أمامك وحشاً مرعباً يميت عدوه بنظرة قبل أن يدفن في صدره حربته».
قلت: «والكحل؟»
قال: «هذا سنة».
فلوحت بيدي ومضيت عنه.
ظاهرة عجيبة جداً هذه: النجدي المشهور بوعورة الخلق في القتال، يكون في السلم كما رأيته فيس الحجاز: على حظ عظيم من رقة الحاشية والدمائة واللين والطراوة حتي ليستحيل عليك أن تصدق أن هذا الرجل الذي يكاد يسيل من اللين، يحسن أن يركب جواداً أو يضرب بسيف أو يقوي على حمل رمح، وقد رأيناه يفعل ذلك كله فكأنما ركب الجواد ألف عفريت، ولا أكتم أنا خفناه!
? هما نبيه بك العظمة والأستاذ خير الدين الزركلى من المجاهدين فى القضية العربية.? اتضح فيما بعد أن أبقاء الرسائل في جيوبنا أسرع منن إرسالها من ينبع أو جدة.
الفصل الثاني
في جدة


بحر بليد — هذا هو البحر الأحمر — بليد كالرجل الذي تعابثه اليوم فيضحك غداً. والبليد صحبته متعبة، ورفقته مشقة، فإن حسن الفكاهة ولذتها — كحسن الكراهة — في تبادلها، لا أن ينفرد بها جانب أو ينوء بثقلها واحد. وقد ظللنا خمسة أيام نسبح — كالسلحفاة — على ظهر البحر، وكانت السفن تمرق بجانبنا كالسهم — أو كالأرانب مادمنا نذكر السلاحف، ونحن نتبطأ ونتلكأ وأحسبنا كنا أيضاً نتراجع — ونداعبه ونمازحه وندغدغه في كل موضع ونناجيه ونناشده أن يتنبه ونسأله أن يتمطي ويشد أوصاله ويتحرك، ولكن هيهات! لم يشعر بنا البحر أو لم يحلفنا وأبت له البلادة أن ينتبه لوجودنا إلا بعد أن بارحنا ينبع! بعد ثلاثة أيام شعر بوجودنا فتثاءب! فانكفأ بعضنا فوق بعض، وصارت الرءوس في مكان الأرجل، وأطلت المعدات من الحلوق وذهبت الكراسي تقعد علينا لا نحن عليها، وأنقلب أظهر ما فينا وأبرز أعضائنا، أقدامنا في الهواء فانتقمت بذلك من جور الرؤوس عليها وطول أغتصابها للمراكز الملحوظة. ولم أر أنا شيئاً من هذا ولكنهم حدثوني بما صنع البحر بهم، فقد كنت نائماً وكان لي أيضاً غطيط عال يخفت صوت البحر على ما زعموا، فجاءني زميل يقول: «البحر هائج اليوم».
فانتفضت قائماً وقد فرحت وسرني أن البحر أولانا التفاتا وجعلت أروح وأجيء بقدر ما أستطيع في هذا الجحر الضيق الذي يسمونه حجرة النوم وأرفع صوتي بقول ذلك البدوي الساذج.
والبحر صعب المراس جدالا جعلت حاجتي إليه!أليس ماء، ونحن طين؟فما عسي صبرنا عليه؟ ولكن متي يا صاحبي فاني ما زلت فيما أشعر على اليابسة؟»
قال: «ألم تشعر به؟»
قلت: «ربما كنت قد حلمت — بل أنا على التحقيق أحلم بالبحر هائجاً طاغياً عنيفا، ولكن البلاء والداء العياء ياأخي أني أنسي في الصباح ما رأيت في أحلامي».
فقال: «أوه. هذا كلام فارغ! لقد كانت الباخرة في الليل تلعب هكذا (وأخرج قلما من جيبه وأمسك به من وسطه وجعل يرفع طرفيه على التعاقب فكيف لم تشعر بذلك؟ أن هذا غير ممكن!»
قلت: «عفواً. لقد فاتني نصف عمري على التحقيق وأخشي أن يضيع النصف الباقي ونحن عائدون، ولكني كنت نائماً هكذا متعارضاً على طول السفينة. فبينما كانت أقدامكم أنتم ترتفع في الهواء ورؤوسكم تهبط إلى حيث تستحق، كنت أنا لا أشعر بأكثر من حركة التنفس، أو بتقلب بسيط. آه! لقد تذكرت الآن أني كنت أحلم بأني أسبح في الماء وأخبط فيه بذراعي. صحيح. صحيح!»
فلم يطق صبراً ومضي عني. فلبست ثيابي بسرعة وعدوت وراءه وقد تنبهت في نفسي كل غرائز السوء، فلما صرت على ظهر السفينة — أو ما يسمونه ظهرها وأن كان في حبة قلبها — خطر لي أني لم أر أبدع من هذا الجو من قبل، وأنه لا عهد لي بمثل هذا التألق في الشمس والجمال في البحر. وأي شيء في الطبيعة أفتن من منظر الجمال الوسنان! ونازعتني النفس أن أعرب عن إعجابي بكل هذا الحسن في السماء والأرض — أعني البحر — فرفعت صوتي أريد أن أغني، ولكني لم أدر ما أقول فأقصرت.
وكنت أنظر حولي فأري رفاقي متشبثين بحديد الحواجز، فدنوت من أحدهم وقلت: «سبحان ربي القادر! كيف بالله رددت طفلاً لا تقوي على المشي وحدك؟»
قال: «ألا تري؟»
قلت: «ماذا؟»
قال: «ماذا؟ ألا تري مقدمة السفينة كأنها سهم سدد إلى الشمس في كبد السماء!»
قلت: «معذرة يا صاحبي. لست أري الا ذنبها يحاول أن يغاطس الأسماك ليصطادها لطعامنا، ليس هذا من البحر ولكنه من الربان. من أين يطعمنا إذا لم يفعل ذلك؟»
وهممت بأن أقول كلاماً آخر أثبت به نظريتي، ولكن زميلا غيره ألقي بنفسه بين ذراعي، فأكبرت هذه العاطفة منه وتمثلت في سري بقول الشاعر.
«أشوقاً ولما يمض لي غير ليلة؟فكيف إذا خب المطي بنا عشراً؟» ثم التفت إليه وأنا أرفعه عن صدري الذي سكن إليه وقلت: «أسعد الله صباحك! جو بديع».
فوضع كفه على معدته وهو يقول «آه يا بطني!» وذهب يتخطر.
واشتاقوا جميعاً إلى معانقتي وأنا واقف امام الباب أتلقاهم بين ذراعي مسروراً واهش لهم وأقول للواحد بعد الآخر.
«هديء روعك! أني مقدر عواطفك نحوي، ولكن لا داعي إلى العجلة فإن الوقت أمامك طويل يسمح حتي بأن تنظم قصيدة».
فلا يزيد على أن بضع كفه على بطنه ويقول: «آه يا بطني!»
فخطر لي أن بهم عضه جوع، فلما تلقيت آخوهم — وكنت قد فطنت إلى هذه الحقيقة — قلت له: «نهارك سعيد. لقد كنت تريد أن تقول..».
ولكنه قاطعني وسبقني وقال وراحته على معدته: «آه يا بطني».
فعرفت أني مصيب في احالة مظاهر شوقهم إلى شخصي الضعيف على الجوع. على الرغم من تأكيد أحد الزملاء أن البحر هائج وأن موجة «دفين».
•••

ولم نخف لرؤية جدة لما شارفناها، ذلك أن الساعة كانت الحادية عشرة صباحاً، والخادم كان يعد المائدة للغداء قبل موعده، فقلنا هذه بشري، وجلسنا إليها، وحضر الطعام فلم نبال جدة كيف تبدو ولم نكترث لمرفئها أين رست السفينة منه، فقد أقبلنا على الصحاف «نأكل ما لا يحسب الحاسب» كأنما خفنا ألا نقع في جدة على طعام، فرحنا ندخر ما يكفي أياماً، وجعلنا نلتهم الشبابيط (السمك) والفراريج (الدجاج) بلا مضغ مخافة أن يدركنا وفد مستقبل فيشاركنا، وصح فينا قول أبن الرومي.
فكاه كالعصرين من دهرهكلاهما في شانه دائبذي معدة ثعلبها لاحسوتارة أرنبها ضاغبتعلوه حمي شره نافضلكن حمي هضمه صالب وصدق فينا المثل العامي (وقت البطون تضيع العقول). فلما صعد الطبيب إلى الباخرة ودخل علينا أدار عينه فينا فلم ير أحد رفع رأسه فقال: «ما شاء الله! ما شاء الله! الحمد لله على السلامة!»
وكانت الأفواه في شغل بما فيها فرددنا بأيدينا وأستأنفنا العمل فقال: «صحتكن طيبة والحمد لله».
«مش بطالة: نحمد الله على كل حال».
فقال: «لعل البحر كان هادئاً».
فلم يسمع سوي صرير الأضراس، فارتد مسرعا، واكبر الظن أنه أنذر قومه: «أكل يتامي ما لهم كاسب».
فقد خف إلى الباخرة وفد كبير من شيوخ جدة وأعيانها — جاءوا، كما أرجح، لينظروا بأعينهم كيف نفترس الطافي ونغوص وراء الراسب، ونعمل أضراسنا في الجامد، ونعب في الذائب، ولكنا عجلنا قبل مقدمهم. وفرغنا من هذا الشأن قبل أن يضعوا رجلاً على سلم الباخرة، فلما صعدوا إلينا ألفونا جلوساً إلى المائدة ولكن المائدة لم يكن عليها شيء، ولم يكن يبدو علينا أثر من آثار الفارة التي شهدها الطبيب ووصفها لهم على التحقيق، فنهضنا لاستقبالهم في وقار وأبهة ورحبنا بهم وانطلقنا نتحدث معهم ونستخبرهم عن جدة والمطر الذي سمعنا به، وهم يجسوننا بعيونهم ويستدرجوننا، ولكن هيهات! فانخدعوا وشكوا فيما رواه الطبيب لهم.
وكانت السماء قد جادهم منها هاضب سحاح. وامطرتهم كما لم تمطرهم منذ أربعين عاما على قولهم. فقلت: «أعوذ بالله».
فقال أحدهم: «بل حمداً لله وشكرا».
وأستبشروا بنا وتفاءلوا خيرا بقدومنا، وأنساهم السرور بالمطر هول ما سمعوا عن كراتنا على الطعام، وأشرقت وجوههم بعد شحوب وتفتحت نفوسهم لنا بعد أن كاد يقبضها الدكتور عنا بما صورنا لهم. وأنحدرنا إلى الزوارق البخارية بين عبارات الترحيب والتاهيل الصادقة وكان جاري في الزروق أميراً نجديا محرماً وفي يمينه بندقية، فلم راتح إلى جيرتها وقربها من صدغي، فقلت له فجأة: «هذا. فلان يسلم عليك».
فأضطر أن ينقل البندقية إلى يسراه ليصافح صاحبي ولصقت به حتي لا أدع مكاناً تعود إليه إذا فكر في تحويلها إلى حيث كانت.
ولو أن الزورق سار في خط مستقيم إلى «الرصيف» لبلغناه في ثلاث دقائق، ولكنه أضطر أن يدور بنا حول الميناء فقطعنا المسافة في خمس وعشرين دقيقة، لأن مدخل الميناء مكتظ بالصخور والشعاب الحادة التي تقطع الحديد كالسيف. وقد فكرت الحكومة في إصلاح الميناء فخطر لها على ما علمت احد أمرين أن تطهرها وتعمقها، وهذا باهظ التكاليف، أو أن تبرز بالميناء فوق الصخور وهذا ايسر وأقل كلفة.وهناك رأي ثالث سمعت به ولا أدري إلى أي حد ينظرون إليه على أنه اقتراح جدى، وهو أن تبنى إلى جوار جدة مدينة جديدة على البحر يكون ساحلها أسهل وأخلي من الوعور، فإن أنشاء مدينة جديدة أيسر وأقل نفقة وتعبأ من اصلاح مدينة قديمة بهدمها شيئاً فشيئاً وأقامتها من جديد على مقتضي مطالب العصر فضلاً عن أصلاح الميناء وهو وحده مشكل. وكان يستقبلنا على الرصيف قائمقام جدة الشيخ عبد الله رضا الزينلي ولفيف من الأعيان، وسيأتي الكلام عليه فيما بعد فصعد بنا إلى بناء فيه موظفو الميناء وجلس معنا في الشرفة إلى ان قرب الزورق الثاني فأعتذر وخف إلى أستقباله. وتركنا مع المستر فيلبي وحقي أفندي سكرتير القنصلية المصرية وفريق من الأعيان ولم يكن لهم جميعا حديث إلا هذا المطر العجيب الذي سبقنا وكانت تحيتهم لنا «جئتم بالغيث». ولهم العذر، فأن بلادهم صحراء جرداء ليس فيها نهر أو جدول واحد، واعتمادهم في معايشهم على المطر والآبار، فأما المطر فلا سلطان لهم عليه. وأمره بيد الله وأما الآبار فقد كان عددها كبيراً وكانت العناية بها شديدة، ولكن الأتراك لما أضطروا إلى الأنسحاب من بلادهم في أبان الحرب العظمي، خربوا أكثرها حتى لخفيت معالم عدد ليس بالقليل منها، وعلى أن الآبار مهما كثرت لا تسد حاجات البلاد، لأنها تجف وتنشف، ومن هنا فكرت الحكومة السعودية في الآبار الأرتوازية وفي استخدام الألات الحديثة لاستنباط الماء من جوف الأرض، واستوردت عدد منها واتخذتها بالفعل في المدينة ومكة، وهذا خير ما يسعها إلى الان، مع العناية بالعيون وتعهدها بالأصلاح.
وليس في جدة فنادق ينزل فيها القاصدون إليها؛ وإنما ينزل الناس في بيوت الأهالى، فمن شاء أستاجر منزلاً بأسره، ومن كان لا يسعه ذلك قنع بغرفة مؤثثة، على مثال «البنسيون» في مصر مع فروق طبيعية. أما نحن فكنا ضيوفاً على الحكومة، وكان العزم أن ينزاونا جميعاً في بيت واحد ولكن الأعيان تزاحموا علينا فقسمونا ثلاث فرق: واحدة في بيت الشيخ محمد نصيف وهو من وجوه جدة وكبار تجارها وأصله مصري وله مكتبة خاصة هي أكبر مثيلاتها في الحجاز، وفي داره ينزل على ما سمعنا جلالة الملك عبدالعزيز حين يكون في جده، والفرقة الثانية في بيت الشيخ الفضل، وهو كأسمه من اهل الفضل والوجاهة، والباقون ستة كان من حسن حظي أني أحدهم، نزلوا في دار حسين أفندي العويني، وهو شاب سوري الأصل نزح إلى جدة لأسباب قومية واشتغل فيها بتجارة واسعة ربيحة، وسيجيء عليه كلام.
ولم نكد نستقر في بيوتنا حتي قيل لنا: إلى بيت القائمقام، فنهضنا وركبنا السيارات الخاصة التي أفردت لنا، وذهبنا نخوض بها شوارع جدة، وأقول نخوض وانا أعني ما أوقل، فقد خيل إلى أني في البندقية وأننا احوج إلى القوارب والزوارق — أو الجوندولا — منا إلى السيارات. وكانت العجلات تغوص في الماء إلى النصف. ولشد ما عجبت حين نظرت فإذا سائق السيارة صبي لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره. فخفت أن يقلبنا في الأوحال أو يدخل بنا الحوانيت أو يحاول أن يصعد الحائط بالسيارة. ولكنه كان حاذقا وكان كأنه يري الطريق تحت الماء فيجنب الحفر ويتقي أن يرجنا. هذا على أن رأسه لم يكن ظاهراً لنا لصغر جسمه، فلا ادري كيف كان يبصر الطريق، وكأني به قد حفظه عن ظهر قلب فليس يحتاج أن ينظر بعينه. وكان بارعاً في محاوره الماء والروغان من الأوحال والمهابط، فلم يسعني إلا أن أسأله: «هل تعرف الطريق إلى مكة؟»
فقال: «أي نعم. متي تذهبون أن شاء الله!»
قلت: «وفصيح أيضا!» ورقص قلبي اعجاباً بمهارته وذلاقة لسانة وحدثتني النفس أن اخطف ثلاثة أو أربعة من امثاله أخفيهم في حقيبتي وأعود بهم مصر، فما رأيت مثل براعتهم وخفتهم ونشاطهم.
واستقبلنا القائمقام على باب داره. وتلكأت أدبر عيني في البيت من الخارج فأرتد إلى وتناول ذراعي ومضي يصعد بي السلم، وهو شيخ بلغ التسعين أو أربي عليها، وأنا شاب لم أبلغ الأربعين، ومع ذلك كان يثب على السلالم وانا أرفع نفسي بجهد واضح؛ وصعود السلم في البيوت الحجازية عمل شاق، لأن الدرجات عالية جداً، والبعض اعلى من بعض وأضيق، وبعضها طولي أو أقل قليلاً — إلى أنفي، وقد قلت وأنا ألهث بعد أن بلغنا الدور الثالث حيث حجرة الاستقبال: لقد نجحت في الصعود، ففي وسعي الآن أن أشترك في الألعاب الأولمبية. ولم أكن أدري إلى تلك الساعة أن الهبوط أشق بفضل هذا الأرتفاع الذي يؤثرونه للسلالم. وأن النازل إذا لم يحذر خليق أن يهبطها مدحرجاً عليها وقد وجدت بالتجربة أن آمن طريقة للصعود هي الزحف على اليدين والرجلين.
وأستغربت كثرة الأبواب للبيت الواحد، وتعدد السلالم، فقد تكون صاعداً في وديعة الله وحفظه، وإذا أمامك سلمان يذهب كل منهما في ناحية فلا تدري أيهما تأخذ: هذا أو ذاك؟ وخطر لي في أول الأمر أن سلما يؤدي إلى حجرات الرجال، وان الآخر يفضي إلى مساكن السيدات، ولكن خطر لي أيضاً أن الأكثار من السلالم المضلة والأبواب المحيرة، قد يكون اثراً من أيام القلق وعدم الأطمئنان، أيام كان الناس يهاجمون في دورهم على غرة، ويكر عليهم المعتدون وهم آمنون فى سر بهم فلا يبعد أن يكون الناس قد أتروا في الأصل هذا الطراز المحير ليتسني لهم أن يجدوا لهم ولذويهم مخرجاً أو مهربا إذا أقتحم عليهم الدار عدو، أو لعل الخاطر الأول هو الأصح فما أدري ولا وجدت من يدري، ومهما يكن من ذلك فإن الدار هناك داران على الحقيقة، وهي تبتدئ واحدة ثم تتشعب وتتعدد ولابد لهذا من حكمة خفيت على. أما السلالم فلا حكمة لأرتفاع درجاتها إلى هذا الحد المرهق إلا أن تكون حكمة التزهيد في مكابدتها مرة ثانية. وما أكثر ما كان يخيل إلى، أذ تنزل من أحد البيوت، أننا نهبط من سلم غير الذي صعدنا عليه، حتي خطر لي أن أرسم بالقلم علامات على الجدران للتثبت وقطع الشك باليقين.
وبيت القائمقام أنموذج حسن لغيره من الدور التي رأيناها مع تفاوت بينها في السعة، وطرازها جميعاً شرقي عتيق، وأقرب كما يشبهه في مصر البني القديمة في أحيائنا الوطنية الصميمة من مثل الجمالية والخرنفش وللبيت بوابة تفتح وتغلق — وتغلق أكثر مما تفتح — وفيها باب صغير يسمونه في مصر «الخوخة» ثم الفناء فالسلم الذي وصفناه لك، ثم طبقات يغلب أن تكون أثنتين أو ثلاثاً، وحجر الاستقبال في الطبقة العليا، وغرف المائدة في التي تحتها، وقد يجتمعان في طبقة واحدة فتفرد الأخري للنوم، والأثاث فاخر والذوق فيه سليم، ليس فيه ذلك البذخ الذي ينم عن الخيلاء والذي هو أشبه «بالإعلان» ولا تلك الكزازة التي تقبض النفس وتصد القلب. وكرم العربي ليس ككرم سواه فهو يكرمك ويبدل لك كل ما يدخل في طوقه بل فوق، ما في مقدوره، ثم كان الذي يصنع هذا سواه، من فرط السكون والوداعة وقلة التظاهر، وقد كنت كلما دخلت بيتاً يختلط على الأمر، فأحسبه بيت رجل آخر غير الذي أعرف أننا مدعوون عنده، ذلك أن مضيفك لا يثقل عليك بالحفاوة ولا ينفرد بتحيتك ولا يبرز نفسه أو يؤكد وجوده؛ ولا تكاد تستقر في مجلسك حتي يشيع في نفسك الشعور بعدم الكلفة وبانتفاء القيود وبأن حريتك في حديثك وجلستك وفيما تشتهي نفسك، غير محدودة، وكان القائمقام على سنه وتقدمه وسمته وأبهته يخف إلى «الشيشة» ويجتو حيالها ليصلحها أو يصنع فيها مالا أدري فلست من هواتها، وكان الواحد منا بهم بأن ينهض ليصده عن ذلك تنزيها له عن هذه الخدمة، ولكن شيئاً في عينيه كان يقعد بنا ويغلنا عن الحركة. ولم أر في حياتي وجها ناطقاً بطيب الخيم وأريحية النفس وبالعطف الشامل والحب الذي يريد أن يفيض على العالم كوجه هذا الرجل، وقد أنصرفنا من بيته بعد أول زيارة وقد عشقناه وشغفنا به ولهجنا بذكره، فلما قال لنا المستر فيلبي. أن القلوب مجمعة على حب هذا الرجل واحترامه لم نستغرب فكأننا كنا نعرف هذا من قبل. وقد كان قائمقام في عهد الحسين وابنه على المعزولين، فلما جاء ابن سعود أقره فى منصبه كما أقر كثيرين غيره كراهة منه للتبديل والتغيير اللذين لا معني لهما ولا دافع اليهما سوي الهوي، وليس كل ما يروع المرء من القائمقام دماثته وسجاحة خلقة، فإن نشاطة وحيويته شيء عجيب، لا لمن كان في مثل سنة العالية بل لأي أنسان في أي سن، ثم هو إلى هذا واسع الدارية محيط بأخبار الأمم وسياساتها؛ عارف بنياتها ومساعيها لطيف الحديث حلو المحضر، يزيده وقارا قليل من الصمم، وسنه أبدا ضاحكة وعينه براقة، فما أشوقني لأن أراه وهو ثائر الغضب.
وكان قد أعدلنا غداء ولكنا قلبناه عشاء فقيل «حسن. الساعة الأولي اذا».
فملت إلى جاري وقلت: «سنموت هنا جوعا».
فقال بلهجة الفزع: «كيف؟ لماذا؟»
قلت: «ألم تسمع؟ العشاء الساعة الأولي. نحن الآن في الساعة الأولي بعد الظهر فسننتظر أثنتي عشرة ساعة أو أكثر حتي نأكل مرة أخري. هذا صيام ولسنا في رمضان وأنا محتج».
قال: «مهلا مهلاً؟ أنها الساعة الأولي بالحساب الشرقي أي بعد المغرب بساعة».
فأقترح واحد أن نصلح ساعاتنا وأن نجربها على الحساب الشرقي، فسألته كيف نفعل؟
قال: «تعتبر أن الشمس تغيب الساعة السادسة — صيفاً أو شتاء. هكذا يفعلون هنا. المغيب الساعة السادسة (أفرنجية) بلا تغيير على مدار السنة وعلى هذا فاجر حسابك».
فحرت الأن الشمس تغرب في الوقت الذي تشاء، لا في الساعة السادسة كما يريدها أهل الحجاز، وكانت ونحن هناك تستحسن أن تغيب فيما بين الخامسة والسادسة، وهي في الصيف تتلكأ أحياناً إلى السابعة فلم أدر ماذا أصنع؟ أتكون الشمس غاربة واقول انا — مجاراة لساعات الحجاز — أنها لا تزال طالعة؟ ثم كيف أرفق بين رقم الساعة والوقت كما يبدو لعيني؟ الحق أن هذه كانت عقدة.
ولما صرنا في بيوتنا قلنا نزور القنصلية، ونؤدي واجبنا ونحيي بلادنا فيها، وكان المطر قد عاد ينهمر. فسألنا حسين أفندي العويني «هل القنصلية بعيدة من هنا؟»
قال: «لا.. (ممطوطة) ليست بعيدة ولكن ولكن المطر شديد والطريق أوحال.
وقام إلى التليفون — أو الهاتف كما يسمونه أحياناً — ليدعو السيارات لتقلنا إلى القنصلية وليس للتليفونات أو للهواتف أرقام تتميز بها بل عليك أن تدق الجرس فيجيبك «المركز» — وهو يقابل عندنا السنترال — فتطلب منه أن يصل ما بينك وبين فلان في بيته أو دكانه أو مكتبه أو عيادته — كما تشاء ويبطيء عليك العامل فتناديه «يا فلان ماذا جري؟ أعطني بيت فلان واصنع معروفاً» ذلك أنك تعرف عامل التليفون — لا عاملته — كما يعرفك، وكان المطر قد أفسد أسلاك التليفون وعطل المخابرات، فوقف حسين أفندي العويني ساعة يعالج الكلام — ساعة كاملة بلا ملل أو ضجر ومن غير أن يفكر لحظة في الجلوس أو الأستراحة.
واخيراً بعث بخادمة فجاءت السيارات وركبناها وصاح حسين افندي بالسائقين. «إلى القنصلية المصرية».
فدارت السيارات وتحولت امام البيت، ثم جرت أمتارا ووقفت.
وقيل. «أنزلوا! تفضلوا!»
قلت. «ماذا؟ هل أصاب السيارات عطب أو تلف»؟
قالوا: «بل وصلنا!»
وصلنا؟ نعم. فما كان بين البيت والقنصلية التي ركبنا إليها بعد لأي، سوي عشرة أمتار!
وقلت لما صارت الساعة السادسة والنصف (أفرنجي) «الان فأنهضوا إلى العشاء في بيت القائمقام».
فقيل. بل لا يزال الوقت فسيحاً ولم تستوف الساعة الأولي دقائقها قلت، ولكنها فعلت وقد غربت الشمس منذ ساعة تماما.
قالوا. كلا لم تغرب الا منذ نصف ساعة.
فأسلمت أمري لله ولساعات الحجاز التي لا تعبأ بنهار او ليل والتي يجري الزمن على وجهها ما لا يجري في بلادنا على وجوه ساعاتنا.
وليس في نيتي أن أصف كل وليمة حضرتها او دار دخلتها فإن هذا لا آخر له، فقد كنا نتغذي في بيت ونتناول الشاي في بيت والعشاء في ثالث، وربما تغدينا في جدة وتعشينا في مكة، أو بالعكس. ولكني ساذكر القليل الذي يدل على الكثير وينبئ عنه. فقد سمعت أن فريقاً من المصريين لا يصدقون ان اهل الحجاز يعرفون الأكل على الطريقة الحديثة فهؤلاء أقول: أن الحجاز ليس مجهلاً من مجاهل آسيا او أفريقيا، وأنه وطن الاسلام وإليه يحج المسلمون من اقاصي الأرض وادانيها وانه بلاد متحضرة سوي انها فقيرة، والفقر لا يمنع الأناقة ولا يحول دون التهذيب، ومن الغرور الذي لا يشرف صاحبه أن يتصور المرء أن الحجاز، لأنه على البحر الأحمر ولانه ليس مصيفاً أو مشتي للمترفين منا وبغاة المراقص وطلاب الملاهي، يجب من أجل ذلك أن يكون مستوحشاً وعلى الفطرة الأولى. وليس في الحجاز فنادق أو مطاعم عامة، ولكنا دعينا في كل مكان حتى في قلب الصحراء وتحت الخيام — إلى موائد على الطريقة الغربية عليها من الآكال ما يندر أن تقع عليه العين أو يذوقه اللسان حتى في مصر المتحضرة.
•••

وهم لا يراعون في الجلوس إلى الموائد ترتيباً معيناً، وكانوا معنا على الأقل أحذق وأدق مجاملة من أن يتوخوا ترتيباً، فكان من شاء يجلس حيث يشاء، حتى لا يشعر ان غيره مفضل عليه أو مقرب دونه أو مختص بإيثار والقوم في الحجاز لا يأكلون سوي مرتين في الأربع والعشرين ساعة: مرة حوالى الساعة العاشرة والثانية حوالى الرابعة أو الخامسة. وأحسب أن جو البلاد هو الذي اقتضي هذا التخفيف، ولكنهم توخوا مثل عاداتنا في مصر من أجلنا. وغيروا مألوفهم وجروا على مألوفنا.
والأطعمة التي تناولناها فيها صنعة حسنة وذوق يجمع بين الأسلوبين العربي والتركي. وقد يحدث أن يقدم لك بعد بضعة الوان طعام حلو فتحسب أنك قد قاربت النهاية ويسرك ذلك فراراً من كظ المعدة بألوان عدة لا آخر لها واذا بهم بعد الحلوى يكرون إلى اللحوم والخضر وما إلى ذلك على نحو ما كان يجري هنا في مصر في الأعراش على الطريقة التركية القديمة.
وأحب ان اعين القارئ على تصور حالة جدة وعمل البلدية فيها. فأقول أن الطرق غير مرصوفة كما هي في مصر ولكنها نظيفة على الجملة، وقد أصارها المطر بركا وبحيرات، وهو مطر ملأ صهاريج الثغر كلها، ومن بين هذه الصهاريج واحد سعته — بحسابهم — مائتان وأربعون ألف «صفيحة» فإذا أعتبرت أن «القربة» تعادل أربع «صفائح» كانت سعة الصهريج ستين ألف قربة، وقد قيل لي أن الماء الذي في الصهاريج يكفي موسم الحج، وإنما ذكرت الصهاريج ومثلت لسعتها ليتسني للقارئ أن يكون لنفسه فكرة عن المطر وما صنع، فقد هدم بيوتا وقوض سقف بعض الأسواق، ولم يبق بيت لم يقطر الماء من سقفه والبني هناك ضعيفة، وقد قضينا الليلة الأولي في جدة فأصبحنا وقد أنقطع المطر فأنطلق عمال البلدية ينزحون الماء ويجرفونه الأوحال، فلما جاء العصر عادت الطرق نظيفة مأمونة. واحسبه انهم ضاعفوا الهمة من اجلنا، ولكنه نشاط على كل حال.
•••

والأغنياء هناك لا يدعون الفقر ولا يكتمون ما لهم وان كانوا لا يضايقون الناس بمظاهر البذخ والتجارة سوقها رابحة مع الغرب والشرق. والأحاديث صريحة والألسنة طليقة، وفي هذا دلالة على الاطمئنان، وقد كان الناس على ما علمت في العهد السابق يخفون أموالهم ويتظاهرون بالمتربة ورقة الحال خوفاً من الأبتزاز أو الأقتراض الذي هو في حكم الأغتصاب والمصادرة، أما الان فيقول لي بعض الأصدقاء: أن الحكومة في آخر العام قد تقفز خزائنها فتحتاج إلى المال فتقترض من الأعيان حتي إذا جاء موسم الحج ردت اليهم ما أقرضوها بلا ربا.
وقد سألنا — في طريقنا إلى مكة — سائق السيارة وهو شاب حدثنا انه كان أحد أفراد الفرقة الموسيقية في جيش الحسين، عن الفرق بين العهدين فكان جوابه أن الأمن مستتب على احسن حال وانه ما من احد يجرؤ ان يسرق أو يمد يده إلى شيء في الطريق.
فقلنا له: «وأي العهدين خير».
فقال: «لكل زمان دولة ورجال».
فصرفنا السرور بتمثله بالشعر والتعليق على ذلك عن سؤاله عما يعني.

الفصل الثالث
بين جدة ومكة


الأرض — في جدة — دائرة. هذه حقيقة لم يسعني، بعد يوم واحد، إلا أن أسلم بها وأقطع بصحتها. وقد تكون الأرض هناك كروية أيضا — أو كرية، فما أدري أيهما الذي لا غبار عليه — بل هي كروية أو كرية في بعض المواضع ولا سيما في الشوارع ولها محاور حقيقية لا خيالية وان كانت لا تدور عليها، ولكنها دائرة على التحقيق؛ إذا كان هناك شك في كرويتها، على الأقل كلها، وما اسرع ما فطنت إلى هذه الحقيقة الجغرافية الخاصة فقد كنا مدعوين إلى الشاي في وزارة الخارجية، فلما دنا الموعد أشرفت من النافذة فلم أر السيارات، فرددت البصر إلى التليفون فإذا هو لا يزال في مكانه، ولكن صاحب الدار لم يكن حاضراً، والتليفون في الحجاز يتطلب مهارة كانت تنقصنا، ويحتاج إلى معارف لم يتسع الوقت للإحاطة بها، وكان الخادم قريبا ولكني أستحييت أن أطلب معونته لئلا يتوهمنا بعض الهمج من أفريقيا فسألت الله العون ومضيت إلى التليفون ودققت الجرس مرة، فلم يجبني أحد، فدققته ثانية فلم يعبا بي مخلوق، فهززت «الشنكل» وأنا يائس، أقول لنفسي أن من لا يحفل الجرس اولى به ألا يكترث «للشنكل» وعاودت الدق والهز مرات، ثم وضعت السماعة وجلست إلى جانبه. فقال لى أحد الحاضرين: «لم سكت؟ دق له!»
قلت: «أأظل أدق إلى المغرب؟»
قال: «لا ياسيدي. دق الجرس وناده!»
فراقني هذا ونهضت مرة اخري وعدت إلى الجرس أدقه وأقول: «يا أخانا! ياحبيبي! يا سيدي ونور عيني وتاج رأسي!»
فلم يعجبه الفصيح الصحيح من اللغة، فقلت أخاطبه بالعامية لعله لها أفهم. «يا أخينا! أنت يا شيخ انت! ياللي جوه! نبحت حسي ووجعت قلبي. رد يا أخي بقا، الله يقطعك!»
فلم تنفع هذه الرقية، وهممت بالعقود مرة أخري فقال صاحبي: «لالالا. ناده باسمه يا أخي!».
قلت: «حسن. وهل مفروض في المصري الذي يأتي إلى جده أن يعرف اسم عامل التليفون؟ لا بأس!» ووضعت فمي على البوق وجعلت أصيح بما خطر لي من الأسماء لعل واحداً منها يوافق الصحيح.
«يا محمد. ياأبو بكر. ياعمر. ياعثمان. ياعلي. يا معاوية. (لزملائي أنه أعجمي) ياناصر خان. يا ازدشير. ياشتربه. أنطق قبحك الله! (هل فيكم من يحضره أسم آخر فقد أطار هذا اللعين محفوظي؟ لا بأس) يا بطليموس..».
وهنا قاطعني صاحبي وأنتزع السماعة مني ووقف يقول: «يا مركز.. يا مركز..».
فسألته: «هل هذا أسمه؟»
فلم يعبأ بي ومضي يقول: «أجول لك. يا مركز. اعطني القناعة. نعم القناعة. رجاء» فوصله بشركة القناعة للسيارات.
ولكني لم أركب سيارة، لأن الجهد العقيم الذي بذلته أمام آلة التليفون أحوجني إلى الرياضة فقلت أتمشي إلى الخارجية فهي قريبة منا. فواقفني أثنان وخرجنا وسرنا على بركة الله فميل مع الطريق حيث يميل، ويصف بعضنا لبعض ما شاهد إلى الآن وماذا كان وقع ذلك في نفسه، وطال الأمر علينا وخيل إلى أننا ندور ونعود إلى حيث كنا، فخطر لي أن أسأل لنهتدي فأنتظرت حتى لقينا فتي فقلت له: «هل لك أن تدلنا على وزارة الخارجية؟»
فحملق في وجهي وقال: «أيش تقول؟»
قلت: «وزارة الخارجية التي فيها حضرة صاحب المعالى الوزير …».
فجذبني أحد الزميلين وقال: «يا أخي أنت فين؟»
فغاظني ذلك وأستثار عنادي فقلت: «أسكت أنت من فضلك. قل لي يا صاحبي. صف لى الطريق».
فقال كلاهما مغمغما قدرت أنه الوصف الذي أطلبه وأشار بيده فقلت لصاحبي: «هيا بنا. لقد عرفت منه الطريق».
فقال أحد الرفيقين: «ولكن ماذا قال لك؟»
قلت: «أن ما قاله لي لا يهم. ويكفيك أني فهمت مراده».
فقال: «ليتني على يقين من ذلك. فإن الواقع أننا نسير في دائرة. وقد رأيت هذا المسجد أربع مرات على الأقل».
فأكدت له أن هذا كذب لا يليق ولا يشرف بلاده التي يمثلها هنا، وان كان لم يعد الحقيقة فيما قال. وصار لابد من اجتناب الرجوع إلى هذا الشارع إذا أردت أن لا يشمت بي صاحبي. فملت بهما إلى طريق جديد لم نضرب فيه من قبل وإذا بنا بعد ثلاث دقائق نعود إلى المسجد.
فقال صاحبي بلهجة الشامت المنتقم: «ما قولك الآن؟ أليس هذا هو المسجد بعينه؟ هذه خامس مرة أراه في ثلث ساعة».
قلت: «محال. أنه ليس أكثر من المساجد في هذه البلاد وهي جميعها متشابهة.
وأسكته بهذه المغالطة وعمدت إلى أول رجل صادفنا بعد ذك فسألته عن الطريق إلى وزارة الخارجية، فصاح بي صاحبي: «ما دمت تقول «وزارة الخارجية» فلن يفهم كلامك أحد. ياأخي أنت في الحجاز لا في مصر».
وهكذا ظللنا نسأل والناس لا يفهمون عنا وأخيراً يشيرون بأيديهم فنمضي ولكن إلى حيث بدأنا.
فأقتنعت بحقيقيتين: أولاهما أن الأرض هنا دائرة في كل ناحية. وقد أسلفت القول في ذلك: والثانية أن على من يسأل الناس عن طريق أن يسير إلى حيث يشيرون.
والمدهش أننا مررنا بالخارجية وكنا نسأل الناس عنها ونحن واقفون أمام بابها! وفي آخر مرة كنا على أفريزها، الأن سيارة كانت مقبلة فخفنا أن ترشنا عجلاتها بالوحل فصعدنا فوق الأفريز لنتقي ذلك وإذا بها تقف وينزل منها بعض زملائنا.
وقد رأيت «برج بيزا» المائل، من نافذة وزارة الخارجية أو دارها أو لا أدري ماذ يسمونها هناك. وكنا نتناول الشاي جماعات وجماعات على موائد صغيرة، وكنت قريبا من النافذة فنظرت فإذا مأذنة مائلة جداً، فأطلت النظر إليها وأنا أتوقع أن تنقض، فقال لي جاري: «ماذا يروقك؟»
قلت: «ألا تري هذه المأذنة المائلة؟ أن أمرها عجيب. ولا أدري ماذا يمنعها أن تسقط؟ لعلها لا تريد أن تزعجنا».
فنظر جاري وعجب، ومن حقه ذلك، فقد كان أنحرافها شديداً، فسألنا واحداً من أهل الحجاز عنها فأبتسم وتنحنح وقال كلاما لا يقنع، وأعتذر بأن المباني في الحجاز ليست متينة أو حسنة جميلة كمباني مصر، فبينا له أن المتانة والجمال لا شأن لهما ولا قيمة، وأن المسألة أن هذه المأذنة لا يمكن أن تظل ذاهبة في الهواء لأن مسقطها خارج القاعدة، فإذا كانت مع ذلك ستبقي قائمة فتلك معجزة ولا شك، ومن حق الحجاز حينئذ أن يباهي بها برج بيزا المائل بل أن يدل بها عليه.
ولما صرنا في الطريق مرة أخري رفعت عيني إلى المأذنة فإذا هي مستقيمة لا ميل فيها ولا أنحراف، رجعت أعدو إلى الخارجية فإذا هي تبدو من النافذة مائلة، فانحدرت إلى الشارع واجلت النظر في بناء الخارجية فلم أر شيئاً يلفت النظر فحرت، وأخيراً بعد أن حاورتني المأذنة وخايلتني حتى كاد يطير رأسي حللت اللغز. ذلك أن جدران الغرف غير متساوية الأرتفاع فأرضها مائلة، فإذا جلسنا فيها بدت لنا الأشياء منحرفة.
•••

وخرجنا يوما نتنزه على أمتداد الشاطئ فيما وراء جدة، ولجدة سور قديم لاخير فيه إذا كان المراد به الحماية، وكان هناك — في السور — باب كبير للدخول والخروج، ومنه يأخذ المرء أحد الطريقين إلى مكة أو المدينة، فلما جاءت الحكومة السعودية رأت أن بابا واحداً لا يكفي، ففتحت بوابتين كبيرتين: واحدة للدخول والثانية للخروج، وأقامت بينهما مخفراً يسأل الرائح والغادي ويرقب الحركة بينهما، والأمر تافه لا يستحق الذكر، ولكنه بعض التنظيم الذي أدخلت الحكومة السعودية وارتاح به الناس، وهم هناك يضيفون هذا إلى أمثاله ويتخذون من ذلك كله شواهد على أتجاه النية نحو الأصلاح، بقدر المستطاع.
ورأينا على مسافة نصف ساعة من جدة بيوتاً بعضها من الشعر، والبعض جدرانه — أن صحت التسمية — من جوانب صفائح الغاز، وسقوفها كذلك من الخيش أو هذه الصفائح، وبعض البيوت من اللبن، وخلال هذه البيوت الغنم والجمال، وحولها الكلاب، ولكن المطر هدم البيوت المبنية وأبقي على الشعر والصفائح. وقد وقفنا نتأمل هذه البيوت المتقوفة وخيل إلى وأنا أحدق فيها أني صرت للشعر العربي أحسن فهما، بعد أن رأيت بعيني ما الطاول الدوارس، وهو أحساس ظل يلازمني وأنا في الحجاز فكلما رأيت منظرا من الجبال أو السهول والأودية وأو الكثبان أو المراعي أو الدور أو الخيام، زدت شعورا بصدق تطوير العرب لحياتهم في أشعارهم، ولم أستغرب شيئا مما كنت أمله وأستثقله من لجاجتهم في وصف الطلول والأسفار والرواحل والولع بذلك وإيثاره وتقديمه، وصار لهذا وما إليه معني جديد عندي ومساغ إلى نفسي، وقد كنت حين أطلع شعر العرب — قدماء أو مولدين — أتخطي هذه الأوصاف إذ كنت لا أجد فيها متعة ولا أراها تنقل لي صورة لها قيمتها في نظري، فالآن أعود إلى هذا الشعر الذي كنت لا أطيقه فأري الحياة تدب فيه وتفيض منه، وأنما اعني شعر القدماء المقلدين من المولدين أو المحدثين الذين يقولون على السماع والمحاكاة.
وفي السهل الواقع شرق جدة ثكنة للجنود واسعة رحيبة، ومركز الللاسلكي وحظيرة للطيارات. وليس في هذا كله ما يستوقف المرء، فما منه شئ غريب، ولكن هناك أيضاً على مقربة من الثكنة فضاء رحيب مسور سد بابه بالحديد، وكان الناس يفدون إليه زائرين بل حاجين، لأن فيه على المشهور هناك قبر حواء، وقد هدمه السعوديون ولم يبقوا من قبابه شيئاً، ومنعوا الناس أن يزوروه. وحدثني بعض من شهدوه قبل تقويضه أن أطول القبر أربعون قدما، وأنه كانت هناك عدة قباب صغيرة عللا رأسها وصدرها إلى آخر جسمها، وكان الأعتقاد السائد أن أمنا حواء بهذا الطول، ولهذا مدوا قبرها وذهبوا به طولاً وعرضاً، فإذا صح هذا، فقد كانت أمناً إذا مهولة، ولا عجب أن تلد كل هذه الخلائق وأن تكون أم هذه الأناسي كلها في الشرق والغرب فليت من يدري كيف كان أدم؟ لا شك أنه كان أفحل وأهول، ومع طولهما وعرضهما خدعتهما الحية وأخرجتهما من الجنة. فليست العبرة أذن بالطول! وفي هذا عزاء لي عن قصر قامتي!
ولم أر في الحجاز أمرأة ولا بائعاً متجولاً ولا شيخاً هما يقوم على الراحتين، ولا جنازة ميت، فأما المرأة فلم أستغرب الحجاب المضروب عليها، فنحن في مصر لا يزال منا من يحجب المرأة ويوصد عليها الأبواب. وأما الباعة المتجولون فلا حاجة بأحد اليهم في مدينة صغيرة لم تتباعد أطرافها ولم تفش فيها المدينة ولا يزال الزمن يدور فيها متمهلاً متباطئاً. ولعلي لم أر مقعداً أو سطيحا أو كسيحاً لأني لم أبغهم حيث يكونون، ولكنهم على كل حال لا يرون في الطرقات وعلى أبواب المساجد وأفاريز الشوارع. ولكني أستغربت أن أقضي ستة أيام في الحجاز فلا تقع عيني على جنازة ميت ولا أسمع أن أحداً مل هذه العاجلة وأثر عليها الآجلة، ولا أدري ماذا يغري الناس هناك بالبقاء ويحبب إليهم الدنيا وهي بلاقع، على حين يستطيعون أن ينتقلوا في طرفة عين إلى الفردوس وقصوره وحوره وولدانه وأنهاره من لبن وعسل وخمر! ولقد أضطرت أن أسأل عن ذلك فضحك الرجل وربت لي كتفي وهم أن ينصرف عني، ولكني تعلقت به وسألته: «أصدقني. هل أنتم تموتون في سركم؟»
قال: «في سرنا؟ ماذا تعني؟»
قلت: «أعني أنكم تموتون أو لا تموتون».
قال: «كيف لا نموت؟ أن الموت حق».
قلت: «لست أراه حقاً هنا».
قال: «أستغفر الله العظيم. يا رجل؟»
قلت: «أستغفر الله ألف مرة. ولكن لماذا لا تموتون؟»
فقال مبتسماً: «هل تكره لنا الحياة؟»
قلت: «لا أكرهها لكم، ولكني أكره أن نموت دونكم لماذا يكون الموت حقا علينا وحدنا؟»
وقد أبوا أن يموت منهم ولو واحد فقط، ليقنعني، حتى ذلك الطبيب الذي كان يقتلني بمصليه، لم تهن عليه نفسه ولو أكراما لخاطرنا أو في سبيل التدليل على صحة النظرية — فهي في الحجاز نظرية فقط — القائلة أن الموت حق. كان وظيفة الطبيب أن يميت ولا يموت.
•••

وسيذكرني الحجاز دائماً بأن عصاي قطعت الطريق بين جدة ومكة — قطعته ساعة كاملة لا تنقص دقيقة بل ولا ثانية، وردت الناس من الجانبين، ووقفتهم صفين من الناحيتين متقابلين على أقدامهم ألا من شاء أن يضرب في طريق آخر ويسير على نهج جديد.
وشرح ذلك أنا في اليوم الثالث تفدينا عند الشيخ الطويل، صاحب شركة القناعة للسيارات، وقد كان على عهد الملك الحسين مديرا للجمارك، وكان صاحب مال وفير فأتي عليه الأقتراض منه، فلم ينقذه إلا أنقراض حكم الحسين وابنه على ومجئ العهد السعودي بالأمن والطمأنينة وحرية التجارة. فأتجر بالسيارات وعاد فوقف على رجليه. وكان المقرر أن نركب إلى مكة بعد الغداء مباشرة، ولكن الأكل طال والألوان تعددت فنسينا مكة وذهلنا عن كل شيء، وأخيراً قمنا عن المائدة أسفين متلفتين متلكئين، وذهبنا لى بيوتنا فخلعنا ثيابنا ونضونا كل ما على أجسامنا ولففناها — أعني أجسامنا — في مشامل — كالبشاكير — غير مخطية، حتي أقدامنا خلعنا أحذيتها واعتضنا منها السباعيات، وهي نعال لها سبعة سيور من الجلد تدخل في بعضها الصابع ويلتف البعض حول المفاصل، ورمينا طرابيشنا، ثم جمعنا ثيابنا في الحقائب وتوكلنا على الله.
وركبنا سيارة لا أدري من أي طراز هي، وإنما الذي أدريه أنها كانت فخمة وجديدة، وأنها لم تخرج ألا في يومنا ذاك، وقلنا للسائق سر على بركة الله وبقوة البنزين الذي خلقه الله، وأعلم أننا سنتعشي عند سمو الأمير في قصر جلالة الملك بأذن الله، وأن عليك أن تبلغنا مكة قبل موعد هذا العشاء بوقت يكفي للطواف والسعي ثم أرتداء الثياب.
فقال: «الله معنا. أن السيارة جديدة وليس في رسعي أن أسرع بها لئلا تتلف».
فقلنا: «فلتتلف. فإن موعد الأمير لا يمكن أرجاؤه».
وما زلنا به نلح عليه ونحاوره ونداوره حتى أطلقها ومضي بسرعة خمسين كيلو. وجزنا أول محطة في الطريق ومضينا نبغي الثانية وإذا به يطل ثم يقف ويلتفت إلينا ويقول: «حريق. أنزلوا».
ففتحت الباب من ناحيتي وأسرعت فنزلت، ويظهر أن عصاي التي لم أعن بها من فرط الفزع، سقطت إلى الأرض، وصار في وسعنا بعد أن بعدنا عن السيارة أن ننظر اليها وأن نري الدخان صاعداً من بين عجلاتها، والسائق يهيل عليها الرمل عوضاً عن الماء فأنقطع الدخان وشرع يعالجها، وكانت سيارتان قد أدركتانا ونزل زملاؤنا ووقفنا نتحدث، واقترح رياض أفندي المصور أن يرسمنا ونحن محرمون.
ولا أطيل. ركبنا السيارة وأستأنفنا السير — على مهل. وأنسيت العصي لأن الخوف من احتراق السيارة صرفني عنها، وجعلت وكدى طول الطريق أن أخرج وجهي من نافذة السيارة وأنظر إلى العجلة من ناحيتي وأن أشم، لعل دخاناً صاعد فأنبه السائق.
والطريق إلى مكة طريقان واحد للسيارات وهو حسن ومكبوس بما نسميه «وابور الزلط» وقد رأينا «الوابور» يستريح عند سفح الجبل، والآخر للجمال والمشاه، علي يميننا ويسارنا، والجمال التي رأيتها صغيرة وهي أشبه بالبعران في بلادنا، وأحسبها كذلك لضعف المرعي وقلة القوت، وهي تسير قوافل قوافل، وقد عددت خمسين جملاً في قافلة، وكانت تحمل بضائع شتي في الصناديق والأكياس أو الغرائر، وليس معها سوي طفل واحد هو كل حرس هذه القافلة المغرية.
وليس أحلي ولا أفتن من منظر الأطفال حين يحاولون ركوب الجمل، والطفل لا يبرك الجمل حين يريد أن يصعد إلى ظهره، وإنما يعمد اليه وهو سائر ويتعلق بذبله ويتخذ من هذا الذيل حبلاً أو سلماً أو مرقاة مستعيناً بقدميه يخطو بهما على فخذي البعير كأنهما جدران، ثم إذا هو فوقه. وامتع من ذلك وأبعث على الدهشة أن تري بعيراً على سنامه رجل وعلى عسيبه — عظم الذئب — طفل والعسيب منحدر وعظمته حادة فكيف يقعد عليها الطفل وماذا يمسكه فوقها؟ ساقاه يقبض بهما على الجانبين.
وبلغنا الشمسية قبيل الغروب بدقائق — إذا أعتبرنا ساعتي وهي بالحساب الغربي — وقبله بأكثر من نصف ساعة إذا اعتبرنا أن الحجازيين يحتمون على الشمس أن تغيب في الساعة السادسة لا في منتصفها. وهناك في الشمسية استقبلنا بمقدمنا، وبينما نحن وهناك في الشمسية استقبلنا وفد طويل عريض من مكة جاء ليرحب بنا ويحتفي بمقدمنا، وبينما نحن نتحادث دعي مدير الشرطة أو لا أدري من هو إلى التليفون، فأستأذن وذهب ثم عاد يسأل: «هل لأحدكم عصي؟»
قلت: «نعم انا لي عصا ولكنها والله في السيارة. تركتها فيها، لأني لا أدري هل يجوز أو لا يجوز أن يحمل المحرم عصا».
قال: «ما اوصافها؟»
قلت: «وما شأنك أنت بالله؟ هي عصي والسلام».
قال: «لا لا لا. لقد وجدت عصا في الطريق قرب الرغامة فقطعت على الناس السبيل».
فضحكت وقلت: «أؤكد لك أن عصاي تحترم القانون ولا تخرج على النظام ولا تعرف قطع الطريق».
فلم يجد حتي بابتسامة، وضاعت على النكتة في هذا البلد الجاد، وقال: «ابحث عنها من فضلك فإن الطريق مقطوع ولا أحد يروح ولا أحد يغدو».
فهرولت في مشاملي إلى السيارة فلم أجد العصي فعدت وقلت له: «هي عصاي قاطعة الطريق، فاسمح لى أن أعتذر بالنيابة عنها» فمضي عني إلى التليفون، وخفت أن يأخذوني بها ويجزوني بما صنعت فإن للقوم هنا شريعة غير القانون المدني، فعدوت وراءه واسررت إليه وهو يتكلم في التليفون: «أذكر من فضلك أن الله تعالي يقول في كتابه المنزل «ولا تزر وازرة وزر أخرى».
فلم يزد على أن التفت إلى وقال: «هل نردها إلى جدة او ندركك بها في مكة».
فقلت: «لست أريدها والله فأنها فاجرة كما تري واخشي ان ينزو برأسها خاطر آخر، أفلا يمكن دفنه في الرمال مثلا؟»
فقال للتليفون لالى: «أرسلها مع الشرطة إلى الضيافة».
فصحت به: «لا لا. ردها إلى جدة من فضلك فحسبي ما صنعت.»
فقال لمخاطبة في التليفون: «بل ردها إلى بيت العويني في جدة. رجاء».
ثم التفت إلى وقال: «هيا بنا فقد تأخرتم».
ولست مبالغا فيما رويت عن عصاي وما صنعت، فقد كنا في الطريق إذا بلغنا محطة واحتاج السائق إلى ماء يبرد به جوف هذه السيارة الذي يغلي، نصيح بأحد الواقفين هات ماء».
فلا يتزحزح ولا يدنو منا بل يقول وهو واقف مكانه: «تفضل».
فينزل السائق ويجئ منه بما يريد. وقد سألنا عن سر هذه الجفوة وقلة الذوق فقيل لنا بل هو الخوف من ان يدنو الغريب من السيارة فيتفق لسوء الحظ أن يضيع شيء من الأدوات او مما تحمل السيارة فيتهم الرجل بالسرقة. وجزاء السارق هناك قطع اليد، وقد امن أبن السعود النماس على ارواحهم واموالهم بشيئين. بقطع يد السارق وبما يسمونه التصبيحة.
فأما السرقة وقطع اليد فأمرهما ظاهر لا يحتاج إلى بيان، وقد قسا ابن السعود في أول الأمر ليزجر اللصوص، حتى لقد حكوا لى ان رجلاً جاءه بكيس فيه بن وقال له. «هذا كيس بن وجدته في الطريق».
فسأله: «ومن أدراك أن فيه بنا؟ جسسته أو فتحته ونظرت فيه، ولو وجدت فيه مالا بدلا من البن لاخفيته ولم تظهره ولم تسع به إلى. كلا! حتى الجس لا يجوز. أقطعوا يده.
ومن أجل ذلك يقع الناس على الشيء في الطريق فلا يقربونه أبداً، بل بلغ من ازدجارهم أنهم ربما مالوا إلى طريق أخر غير الذي فيه هذا الشيء المطروح حتى يمر شرطي فيحمله ويبحث عن صاحبه، ويمروا هم بالشرطي فيبلغوه. وإذا لم يقعوا على صاحبه نشروا في «أم القري» أعلانا تحت عنوان «لقطات».
أما التصبيحة، شيء أخر. تكون هناك عشيرة ضرت بالسطو فيندرها أبن السعود مرة ثم أخري وثالثة. فأن كفت وتركت الناس آمنين واستقامت على الهدي فيها ولله الحمد، وألا همس في أذن واحد من قواد جيشه ان يصبحها فيذهب الرجل في فرقة من الجيش من غير ان يفضي إلى احد بغايته ومقصده، ويجنب في طريقه إلى العشيرة مواضع الماء، ويضرب بجيشه في الصحراء التي لا تطؤها قدم ليظل امره خافياً وغايته مكتومة، ويقع على العشيرة في الفجر فيصلي بجيشه ثم يطلق عليها رجاله فيصبحونها وهم يصيحون: «هبت هبوب الجنة. أين أنت يا باغيها».
«خيالة التوحيد أخوان من اطاع الله».
فلا يبقون ولا يدرون.
ولم يصبح أبن السعود سوي عشيرة واحدة قرب المدينة منذ دخل الحجاز. لأن الأمر بعد ذلك لم يحوجه إلى تصبيحة اخري.
والطريق إلى مكة واد غير ذي زرع، وعلى جانبيه جبال شتي الشكول متفاوتة العلو، ومناظرها توقع في الروع انها غاصة بالمعادن المختلفة، ولست أعلم أن احداً درس طبيعتها وفي الطريق محطات أو استراحات، يجد فيها المسافر القهوة والشاي، ويستطيع أن يبيت فيها إذا أدركه الليل أو التعب أو كلت مطيته، وكبراها بحرة في منتصف الطريق، ولها سوق دكاكينها من الخيش والخشب، ووراء السوق على الجانبين البيوت الساذجة فيها عيادة أنشأتها الحكومة أو مستشفي صغير لمن يقعد به المرض في الطريق، من الحجاج أو الأهالى. وفي كل محطة مخفر وتليفون. ولم أستغرب هذا الطريق الموحش ولم أجد فيه جديدا، فإني في مصر أعيش في رقعة من الصحراء وإلى جانبي الجبل.
وقد دخلنا مكة بعد العشاء.

الفصل الرابع
في مكة


دخلنا مكة لا ادري متي؟ — بعد العشاء أو بعد المغرب، في الظلام والسلام — فما في الوسع أن يعتمد المرء في الحجاز على الوان النهار والليل لمعرفة الوقت، أو يركن إلى الشمس أو حتي إلى القمر، وقد أنتهيت بعد ثلاثة أيام إلى أساءة الظن بالشمس والإيقان باختلال دورتها. وهل كان في مقدوري أن أكذب ما اجمعت عليه ساعات الحجاز الجديدة وأن أصدق هذه الشمس القديمة وحدها، ولم تكن ساعتي على يدي فقد تركتها مع ثيابي لما لففت نفسي في مشامل الحرام، فلا عجب إذا كان الأمر قد اختلط على فلم اعد أميز بين النهار والليل. بعد العشاء إذا أو بعد المغرب — كما تشاء فكله ليل — شارفنا مكة فنفخ السائق في بوقه تنبيها وزجرا للناس عن الاحتشاد في طريقه، وفتحت انا الشباك لأنظر فلم تاخذ عيني شيئا، حتى رمال الطريق وصخور الجبال لفها الظلام في شملته، فأضطجعت وقلت أن لى شأنا غير شأن أصحابي، هم يدخلون مكة دخول الغريب عنها فمن حقهم ان يتطلعوا ويشرفوا وينظروا ويتاملوا — إذا وسعهم ذلك — ولكني انا أبن هذه البلاد، بل أبن هذه البلاد، بل أبن مكة بالذات، فإن جدتي لأمي مكية زوجوها وهي بنت عشرين سنة رجلاً فحلا من أهل المدينة فنشزت فطلقوها منه ثم احتملوها إلى مصر بعد وفاة أبيها وخراب بيتها وتجارته فتزوجت جدي، ثم أن أبي مازني مثلي، وقد انحدرت إليه هذه «المازنية» ثم إلى بعده على نحو ما انحدرت الينا «الآدمية»، وهذا كله مفسر في «صندوق الدنيا» فيرجع إليه من شاء من طلاب هذه الأنساب العريقة. وقد أسلفت القول على قبر حواء جدتي العليا ولست أكم القاريء أني تأثرت جداً وان الدمع غلبني حين الفيت نفسي — انا الغريب البعيد عن وطني وأهلى وأصحابي وعن كل من يعني بي او يكترث لي، واقفا امام قبر جدتي! وصحيح أن القرابة بعيدة ولكنها على كل حال، من رحمي، أو أنا على الأصح من رحمها، ولم يخالجني ظل من الشك في ان هذا قبرها على التحقيق، فقد حن الدم في عروقي اليها، وكان حنينه بالغريزة التى لا تخطيء، ولن يكذب الدم فإنه ليس بماء، وشعرت بأن معين حبي البنوي لها قد جاش وأضطربت اعمق أعماقه وطغي وفاض من مقلتي فاستندت إلى حديد الباب وأسبلت الدمع. نعم بكيت أسفا، لأن جدتي لم يطل بها العمر حتى تراني، كلا. ومما ضاعف أسفي أني أنا أيضاً لم يفسح الله في اجلي حتى كنت أراها — فماتت قبل ان يخطر لأبوي ان يجيئا بي ببضعة آلاف من السنين كان من السهل أن تطوي ولم تكن الدنيا تخسر شيئا لو انها لم تكر عليها. بضعة آلاف فقط كان يمكن أختصارها أو اختزالها على نحو ما، لتتمكن الجدة والحفيد من التعانق وشفاء غلة الشوق المتبادل! ولكن على المرء أن يحتمل متاعب الحياة وان يتجلد على صروف الأيام. ولعل ما صارت إليه جدتي المسكينة المحرومة هو الخير، ولو ظانها عاشت إلى االليوم ولم تمت، لما أتيحت لنا فرصة للخروج إلى الحياة، وفي هذا بعض العزاء لنا.
ورأيتني أتلفت — بقلبي فقط — وانا داخل مكة كانما أبحث عن بنى مازن أهلي وعشيرتي، وأشتقت أن اعانق القبيلة كلها بكل ما فيها حتى الخيام والجمال والخيل والسيوف والرماح، وأن أضمها إلى صدري وان أريح رأسي على صدرها وان أذرف دموع الفرح بلقائها بعد طول النوي وبعد الشقة، وعجبت كيف لم يخرج منها لاستقبالي والترحيب بي، وساورتني المخاوف عليها، وأشتقت أن يكون أبن السعود قد رماها «بتصبيحة»! فإن قومي — عفا الله عنهم — من ذوي المروءات، ولست اعرفهم اطاقوا قط أن يدعوا مسافرا مثقلاً بالحمال وازحا تحت الأعباء، وابن السعود يكره هذا التخفيف عن الناس، ويؤثر أن يدعهم ينوؤون بما عليهم وما معهم، ولا يجيز هذا الضرب من التعاون. واقسمت — في سري — إذا كان (الأخوان)? قد (صبحوا) قومي، ليكونن لى معهم شأن آخر. ولما صارت بيننا وبين مكة خطوات قال واحد: «ألا تفتحون النوافذ؟»
قلت: «لماذا؟».
قال: قد يكون هناك جند لتحيتكم فيحسن أن تبرزوا في التحية».
فقلت وانا أرتد إلى الوراء وقد أحسست أن وجهي صار كالجمرة وان كانت المرآة التى أمام السائق لم ترني شيئاً، لأنها بعيدة عني ومنحرفة أيضا: «عفواً يا سيدي. لا تخجلوا تواضعنا. أرجو. الح … أصرفوا الناس عنا..».
وكنت أريد أن أقول كلاماً آخر ولكني نسيته لأن صيحة مزعجة أنطلقت وسكت آذاننا على أثرها قعقعة سلاح، فخفت وسمعت أسناني تخبط وهي تصطدم. ثم ملكت نفسي وأسعفني الظلام فأبتسمت لما علمت أن هذه تحية يتلقانا بها الجيش على باب مكة.
وانطلق البوق يرد الناس عن الطريق، ومضي السائق اللعين يخطف بسيارته كانه يفر بها من الموت، ولا يمهلنا حتى نتأمل الناس المحتشدين على الجانبين والدكاكين المضاءة، بمصابيح البترول — أو الزيت فما ادري — والطريق طويل يشق مكة من بابها إلى آخر الكعبة ومن ورائها إلى السوق، وقد قطعناه بالسيارة في سبع دقائق، ثم وقفت بنا امام دار الضيافة على «المسعي بين الصفا والمروة» وأمام باب السلام، فنزلنا وأقبل علينا ناس كثيرون يسلمون علينا، فقلت هذه فرصة، ولعل بعض قومي بينهم اتوا مستخفين فملت عليهم، أو على الأصح، شببت اليهم وتعلقت باعناقهم «طوقتهم بذراعي وساقى أيضا — ذراعاي حول اعناقهم وساقاي حول خصورهم — واهويت عليهم أقبلهم والثم أفواههم وخدودهم وأنوفهم وآذانهم ورؤوسهم، وكان كل منهم يتلقي مظاهر شوقي بما تستحقه وتستوجبه من السرور والجلد ثم يحطني على السلم.
وملنا إلى غرفة رحيبة نصفها ميضأة، والنصف الأخر تصعد إليه بدرجتين وهو مفروش ومعد للجلوس وفي وسطه مكتب عليه تليفون، فهممنا بالجلوس فقيل بل توضأوا لتطوفوا وتسعوا وتتحللوا من الأحرام، فإن سمو الأمير ينتظركم. فتلفت حولي ثم إلى الدرجتين ورحت أفكر في طريقة محترمة لهبوطهما فل يفتح الله على بحيلة، وكان اخواني في خلال ذلك سبقوني إلى الوضوء فدنوت من حرف الدرجة ورأيت عبدا طويلا فأشرت إليه فدنا مني، فأنحنيت من مرقبي العالى كأني أريد أن اهمس في أذنه شيئاً ثم غافلته وتعلقت به ودرت وتركت نفسي انحدر على هذا العمود الدمي إلى الأرض بسلام.
وقدم لي احد العبيد «قبقابا» فنظرت إليه ثم هززت رأسي وسألته: «ما هذا؟»
قال: «قبقاب للوضوء».
قلت: «ولكن كيف البسه؟»
قال: «أخلع نعليك وادخل هذا بين أصبعيك».
و«هذا» عبارة عن أسطوانة دقيقة كمن الخشب المنجور عمودية على سطح القبقاب، يدخلها المرء بين أصبعيه ثم يذهب يزحف او يجر القبقاب على الأرض ولا يرفعه عنها لئلا تفلت الأسطوانة من بين الأصبعين، إذ لا سير من الجلد له يمسك ظهر الرجل، فقلت بل الحفي خير من هذا وقعدت أتوضأ.
وللحرم عدة أبواب، ينحدر منها المرء إلى صحن رحيب جداً يدور بالكعبة، كصحن الأزهر إلا انه أوسع كثيراً، وأرضه رمل حصي، ولكنه حول الكعبة مبلط، وكذلك ما بين الأبواب وهذا المطاف. وقد تسلمنا شيخ المطوفين ومضي بنا إلى مقام إبراهيم — جدي أيضا — عليه السلام ووقف بنا وصفنا بين المقام وزمزم وقال صلوا ركعتين ففعلنا ثم نهضنا وبدأ الطواف، وشرع في العمل، وكنت أتمني لو تريث قليلاً — دقائق فقط — لأنظر الى الكعبة في الليل على ضوء الكهرباء، ولكنه لم يعبأ بذلك وطوي ذراعيه إلى صدره كأنه يتهيأ للجري، وتلك هي الهرولة، ومضي يدعو ونحن نقول وراءه، وكنت وأنا أهرول موزع النفس، عيني إلى الكعبة وإلى الطائفين مثلنا وهم جماعات جماعات وكل جماعة تهرول وراء مطوفها وأذني إلى هذا الشيخ المطوف الذي كان يأبي ألا أن ينطق عبارات الدعاء بأقصي ما يستطيع من البطء والوضوح وبأكثر ما يسعه من اللحن أيضاً، كأنما حسبنا بعض الجاويين أو الهنود ولم يدر — سامحه الله — انا.. ولكن المفاخرة لا تليق. غير أن لحنه كان يمزق أذني ويفسد على تبتلي في الطواف، وقد اذكرني جماعة «التراجمة» في مصر الذين يحشون رؤوس السائحين وزائرى الأثار المصرية بالأغاليط التاريخية والسخافات الفاضحة، وكما عالت مصر مشكل التراجمة والأدلاء بانشاء مدرسة لهم كذلك أنشأت لهم الحكومة السعودية معهداً لتخريج المطوفين، وحسنا فعلت، فإن من رأينا من المطوين أعاجم.
ووددت لو أتيح لي أن أتمهل عند الحجر الأسه عجيب، ولكن الزحام كان شديداً: ولسنا بأحق من سوانا بذاك، وهو أسود فاحم ووضاء مشرق، وحوله إطار بيضاوي من الفضة والمرء يحتاج حين يقبله أن يدخل وجهة فيه لأنه — أي الحجر — مجوف. وأحسب أن السنة مئات الملايين من الخلق قد لحسته وأكلته، أو، لا أدري، لعله كان هكذا أبدا، وقد قلت وأنا أفعل ما فعلت الملايين قبلي وما ستفعل الملايين بعدي، كما قال عمر ابن الخطاب: «اللهم أني أعلم أن هذا الحجر لا يضر ولا ينفع ولولا أني رأيت رسول الله ? يقبله ما فعلت».
والركن اليماني حجر آخر في زاوية كزاوية الحجر الأسود، ولكنه أشبه بحجر الصوان أو الجرانيت سوي أنه إلى الخضرة اميل، ومن عجيب امره انه يبدو للطائف على بعد متر او أثنين كأنه من المعدن أو الفضة. وقد نازعتني نفسي مراراً أن أترك الصف واتخلي عن المطوف وأدنو منه لأتأمله، فلما أذن لنا المطوف أن نفعل في الطواف السابع كنت أسبق الأخوان اليه.
والحق أول أني أحس أن طوافي هذا لم يحسب لي في عداد الحسنات التي يسجلها أحد الملكين، فقد أفسده المطوف بلحنه كما أسلفت القول في ذلك، وكنت أنا من ناحية أخري أرد عيني بجهد واضح عن التطلع والنظر فيما حولي، وهكذا خرج كل من أخواني بقصر أو قصور في الجنة وخرجت أنا كما دخلت وليس لي سوي مشملين على بدني احتفظت بهما للذكري. فلابد اذن من عمرة أخري أو حجة أعوض بها ما فاتني.
وقد اشتهيت وأنا ألمس الحجر الأسود أن أقتطع منه قطعة احملها معي واعود بها، فقد خيل إلى انه عنبر متجمد لا حجر، وجمحت بي هذه الشهوة حتى لأنستني أن ليس على بدني سوي مشامل الأحرام فذهبت اتحسس لعل معي مبرأة أو شيئاً يصلح للقطع، ثم أفقت والتفت وإذا بأحد أصحابي يمد يده بالمنديل يمسح به الحجر، فعجبت من أين جاء بالمنديل وكيف حمله وأين خبأه، وقد كانت يداه فارغتين، وتأملته وإذا بالخبيث يلبس تحت المشامل ثيابه الصوفية.
وقد قلت له لما عدنا إلى دار الضيافة: «هات جنيها يا سيدي. جنيها ذهبا.»
فحملق في وجهي وقال: «لماذا؟»
قلت: «جنيها نشتري به ذا القرنين».
قال: «ذا القرنين؟ لست أفهم».
قلت: «خروفاً ذا قرنين طويلين متلويين نطلقه عليك فينطحك بهما ثم نذبحه ونطعم الفقراء لحمه».
قال: «ولكن لماذا؟»
قلت: «جزاء وفاقاً بما زورت على الله ياخبيث أتلبس ثياب الصوف تحت المشامل مغالطاً ربك في قلب الحرم المقدس ثم تتجاهل وتحاول ان تهرب من الفدية؟! هات لنا ذا القرنين عجل!»
ولكنه لم يزد على أن قال: أوه! «وضحك».
وملنا إلى زمزم وهي بئر في الحرم عليها بناء له باب، فسقونا منها ماء غير سائغ ودخلنا البناء لنغسل رءوسنا ولا ادري لماذا، وأقترح بعضهم علينا ان نستحم بمائها فلم نر لهذا موجباً، فإن ماءها بارد وجو مكة في الليل غير دافئ، وعلى فم البئر سور من الحديد عال أقامته الحكومة لأن بعض الحجاج يحلو لهم أن يلقوا بأنفسهم في البئر ليغرقوا ويموتوا شهداء على ظنهم ويذهبوا من قاعها إلى الجنة مباشرة بأخصر طريق.
وخرجنا لنسعي، بين الصفا والمروة، وهو طريق بينهما مهدته الحكومة السعودية وعبدته ورصفته تسهيلا للسعي، وطوله نحو كيلو او أقل، ولا بد من قطعه سبع مرات، فلما شرعنا نسعي جاءنا البشير من قبل الأمير أن في وسعكم ان تسعوا بالسيارة إذا كان التعب قد أدرككم فرفعت يدي بالدعاء لسموه وابتهلت إلى الله أن يطيل عمره وان يلهمه دائماً — على الأقل ونحن في الحجاز — مثل هذا التيسير على الناس وعدوت إلى السيارة فصاح بي الدليل الذي يسعي بنا أو معنا على الأصح: «إلى أين؟»
قلت: «أني السيارة. يا صابر تعال بسرعة».
ولكن صابرا سائقنا كان ملكيا أكثر من الملك، فقد أبي لنا أن نسعي بالسيارة وقال ان هذا لا يجوز، وأن المسعي غاص بالساعين وبالنساء والرجال والأطفال فليس ما تبغون من الأنسانية في شيء فخجلنا وتركنا السيارة بعد ان أستوينا فيها. وأصارح القارئ بأني لعنت «صابراً» هذا في سري، وإن كنت لم يسعني إلا احترامه، وهو شاب في العشرين من عمره حدثنا في الطكريق أنه مصري الأصل وان لأسرته نحو مائة عام في الحجاز، وقد كان على أيام الحسين أحد رجال فرقة الموسيقي الحربية، ولكنه الآن سائق سيارة في شركة القناعة، وأبرز صفات هذا الشاب الجرأة والاستقلال مع الأدب الوافر، وحديثه ممتع وفي لغته فصاحة وفي صوته عذوبة وفي عينه حلاوة، ولو كان الغناء مباحاً لكان الارجح أن نسمع منه شدواً مطرباً، وقد كان يخاطب كبراء الحجاز في جدة ومكة وفي الطريق بينهما مخاطبة الند للند ويشعل أمامهم سيجارته ويذهب يدخن ويناقشهم ويحاجهم ويعترض على بعض ما يقولون ويدلي بالصواب في رلأيه كأنه ند لهم، وكانوا هم يتقلبون منه ذلك ولا يرون فيه شذوذاً، ولا يبدو عليهم أثر لدهشة أو الأمتعاض، فالأمر إذا مألوف.
ولكنه حنبلي مستبد، أبي لنا نسعي بالسيارة، فلما أصر رسل الأمير وألحوا، ترك السيارة وأبي أن يسوقها فتولاها غيره، وأحسب صابراً قد حقدها علينا وأسرها لنا فقد تخلي عنا بعد أن عدنا إلى جدة، وعلى أن هناك حاقداً غيره، هو زكي باشا. سعي على قدميه مع بقية أخواننا وسعينا نحن بالسيارة فجعل بعدها يشنع علينا ويشهر بنا — مازحا — في كل خطبة له، بل جعل يتخذ من ذلك دليلاً على أن الاسلام لا ينافي التقدم ومظاهر المدنية الحديثة، وما كان هذا الدليل ينقصه ولكنها الرغبة في التشهير بضعفنا واعيائنا والمباهاة بقوته وجلده على الرغم من سنه.
وقصصنا شعرات من رءوسنا ولبسنا ثيابنا، أما أنا فأخطأت وقصصت الشعرات بعد أرتداء الثياب ولم أتنبه إلى خطئي ألا بعد أن صرت في نصف ثيابي، فكتمت الأمر، وفي مرجوي ألا يفطن إليه الملك الموكل بي ولا أدري أيهما ولكن هذا الأختلاف على الأختصاص شأن يعني الملكين وحدهما ولا دخل لي فيه ولست مكلفاً أن أفضه — غير أن أحد زملائي أبي إلا أن يلاحظ ذلك ويرفع به عقيرته ويصبح مسجلاً على هذه المخالفة، فأحسست بالملكين جميعاً يتحركان وينتزعان الريش من جناحيهما لتدوين هذه الملاحظة، فكظمت غيظي وقلت وأنا اتكلف الابتسام: «ياسيدي أن العمرة فسدت كلها من قبل ذلك وقد اعتزمت أن اعوض ما فاتني في وقت آخر».
ثم التفت إلى يساوي وقلت بصوت عال لكاتب السيئات: «وعلى أن الذنب في خطئي راجع لغيري: إلى المطوف اولا ثم اليكم، فقد كان واجباً على العارف يعلم الجاهل».
واسترحت بعد أن أدليت بحجتي وشرحت عذري وحركت كتفي اليمني تنبيها لمسجل الحسنات.
•••

وقصر الملك في طرف من المدينة، وهو طويل عريض، مبني بالآجر، وله جناح جديد هو الذي دخلناه، وفي فنائه حديقة صغيرة وقد استقبلنا الجيش على الباب وحيانا لا أدري كيف فلست إخصائياً في حركاته — وصعدنا إلى حجرة عظيمة طولها — على ما أقدر — لا أقل من خمسة عشر متراً في نحو عشرة أمتار، مفروشة ببساط من المخمل، وعلى مدارها مقاعد عالية شبيهة «بالكنب» المصرى، ومكسوة «باليوت» والمخمل، وكذلك «براقع» الستائر وفي وسطها صف من العمد يحمل سقفها، والجدران مكلسة، وكان الأمير جالساً في الصدر فنهض لاستقبالنا، فلسنا وجلسنا وجاءت القهوة، ومن بعدها الشاهي أو الشاي.
والأمير في الرابعة والعشرين من عمره، وهو نائب الملك في الحجاز كما أن أخاه الأكبر الأمير سعود — ولي العهد — نائب الملك في نجد، وثيابه ثوب أبيض «كالجلابية» المصرية فوقها سترة «جاكتة» رمادية عليها العباءة السوداء وهي رقيقة النسج شفافة، وعلى رأسه «الحرام» والعقال. وهو قسيم وسيم حلو النظرة عذب الإبتسامة وديع، ولكن نظرته حين يصمت تبدو حزينة، وفي تقوس شفتيه وذقنه مرارة لا تخلو من تصميم. أما القوة فآيتها أنفه الأقني وجبينه العريض. وأغرب ما في وجهه اجتماع اللين والصلابة والرقة والقوة، واختلاط ذلك كله وتسرب بعضه في بعض، وهو أنطق وجه رأيته بجميع هذه المعاني، غير أن المرء لا يسعه إلا أن يشعر أن هناك زاوية وراء هذا المحيا الناطق يغيب فيها الأمير خواطره وأراءه الخاصة ويحجبها عن العيون الفاحصة. وقد كنت أتوقع — قياساً على ما شهدت في جدة — أن يكون قصر الملك أفخم رياشا وأفخر أثاثاً، فإذا به يمتاز بالنظافة التامة والبساطة الكاملة أما الأبهة فقد تركها لمن شاء من شعبه.
وغرفة الطعام كأبسط ما تكون: حجرة مستطيلة تسع نحو مائة. في وسطها مائدة طويلة ساذجة صفت اليها الكراسي الخيزران، وأدوات الأكل تامة، والآنية كلها من طراز واحد، والملاعق والسكاكين وما اليها من الفضة، وقد تناولنا الطعام على الطريقة العربية وقضينا فيه أكثر من ساعة نتفكه عليه بالحديث، ولم يكن ثم نظام معين أو ترتيب معد للجلوس بل قعد من شاء حيث شاء، وقد احتفظت بقائمة الألوان، وهي مطبوعة على الآلة الكاتبة وفي نشرها دفع لكثير من الأوهام الصبيانية. شوربة بالبزالية
دجاج رستو بالبورية
بامية
حلا كريمة بالكاكاو
بريك
دجاج بالكري
بدنجان اسود بالزيت
حلا كيك بالمشمش
رز بالشعرية
فاكهة
وقد علمنا من سموه أن الخضر تزرع في وادي فاطمة — وسيجيء ذكره — من مثل البامية والملوخية والباذنجان والخرشوف وما إلى ذلك، وفي الوادي فواكه كالموز والليمون الحلو فضلاً عن الملح، وقد كان سموه يذكر ذلك بلهجة المباهاة، ولفتنا بصفة خاصة إلى الباذنجان، ولكني لم أستمرئه لأنه غليظ سميك الجلد غير سائغ الطعم.
ولا أطيل على القارئ. ذهبنا بعد الطعام إلى حجرة أخري للجلوس، مؤثثة على طراز حجرة الاستقبال الكبري، ولكني استغربت أن أري فيها دولابا مما يتخذ للثياب، وأديرت علينا القهوة وأكواب الشاي، واشتهينا ان ندخن، ولكن التأدب منعنا، والناس لا يدخنون في حضرة الأمير او كبار النجديين لن الدخان مكروه عندهم، وكان الليل قد انتصف فاستاذنا في الأنصراف، ولو أنا كنا انتظرنا حتي يصرفنا هو ليتنا إلى الصباح، فما مما يليق عندهم أن يصرف الرجل ضيفه ولم نكد ننطلق بالسيارة حتى اشعلنا السجاير.
ومن غريب عاداتهم أن الضيف لا ينام على فراش اتخذه واحد قبله، فإذا ذهب ضيف فكت المراتب والوسائد والأغطية وأعيد تنجيدها لمن عسي أن ينزل من الضيوف، وقد لفتنا إلى هذا أنا رأينا كل ما على الأسرة جديداً لا شك في ذلك، فسألنا فعلمنا ما رويت، وقيل لنا سترون المنجد غدا يدخل وانتم خارجون. وأقسم ما نمت على فراش أوثر من هذا ولا أمتع، ولقد راهنت واحدا على انه محشو بالريش فخسرت الرهان وتبين انه قطن جيد مندوف لا أكثر.
ولما فتحت الحقيبة لأخرج ثياب النوم وجدت اني نسيتها في جدة، فقلت: لا بأس قليل من التقشف ينفع المترف، وبحسبي بعض ما على من الثياب.
واخذني النوم وأنا أفكر في الأمير وفي انتظار ايانا في قصر جلالة الملك ثلاث ساعات من غير أن يمل او يتأفف، بل من غير أن نشعر نحن بالحاجة إلى الأعتذار له.
لا أدري ماذا اصابني في مكة، فقد كنت احس ان عفريتا من الجن ركبني، وبلغ من شدة الحاح هذا الشعور أني أراني أقف في الطريق وأثبت قدمي في الأرض مباعداً بينهما وأرفع أحدي ذراعي إلى ما وراء كتفي كمن يريد أن يسند شيئاً ثم أرفع كتفي وأحطهما كأني أريد أن أرد ما فوقهما إلى الأتزان والأعتدال كما يفعل من يحمل طفلاً أو غير ذلك، فذكرت قصة السندباد البحري الذي ركبه ما ركبني، فلم يزل مستقراً على كتفيه حتى سقاه السندباد البحري خمراً أدارت رأسه وراخت أعصابه وفككت اوصاله فطرحه عنه. ولقد تمنيت لو أتيح لي أن أسقي عفريتي كأساً من الوسكي او حتى من الزيت لأتخلص من نقل هذا الكابوس؛ ولكنا كنا في مكة ولا سبيل فيها إلا شراب غير ماء زمزم، وهو ماء قد يغشى النفس ولكنه لا يسكر.
على أني لم أقطع الأمل، وكيف أقطعه وهذا العفريت على كتفي قد لصق بهما وصار كأنه أمتداد لهما؟ وكيف أطرح حمله الثقيل عن عاتقي بغير الوسكي أضحك به عليه وأزلزل كتفي تحته؟ ففحصت الوجوه التي حولي وتفرست فيها ملياً ثم أخترت وجها كالمنتفخ فيه عينان باطن أجفانهما المحمر كأنه مقلوب، وقلت له: «يا صاحبي أني أشيم الخير من وجنتيك، وأنس الرشد من عينيك..».
فقاطعني: «عفوا سيدي..».
قلت: «لا داعي لهذا التواضع فإن الأمر بين ولا يشك في ذلك ألا أعمي؛ فهل لك في معاونتي؟»
ففرك كفيه جذلا وتهدلت شفتاه الغليظتان وانشقتا عن أسنان طويلة سوادء، وقال وهو يحني رأسه قليلاً: «مرني ياسيدي نحن هنا خدامكم».
فوضعت كفي على كتفه وقلت: «أستغفر الله. أن الأمر بسيط على ما أظن لا يحتاج إلا إلى خادم واحد يعرف كيف يصرف العفاريت عن الناس».
فحملق في وجهي كأنه لا يفهم فمضيت في كلامي وقلت: «أن لنا في مصر طريقة مجربة نصرف بها العفاريت إذا ركبت الناس، وقد أخذناها عن السندباد البحري، أظنك تعرفه؟ لابد أنك سمعت به. أنه ذلك التاجر البغدادي الشهير.. آه لا تعرفه؟ عجيب هذا! إذا ما طريقتكم أنتم؟»
فتلعثم وقال: «طريقتنا؟ طريقتنا؟ هل يريد السيد المازني أن يقول انه يعتقد أن العفاريت تركب الناس؟»
قلت بضجر: «طبعا. طبعا ان العفاريت مذكوره في القرآن أفلا تؤمن بالقرآن؟ على ان المسألة لا تحتمل الخلاف فإن الواقع من الأمر أن على كتفي الآن عفريتاً وانا أريد ان أصرفه فما أستطيع أن اظل احتمله في غدوي ورواحي هكذا! ثم إني أريد أن أدخل الكعبة غداً فكيف أدخلها بعفريت؟ ألم تفهم؟ أن العفريت يود أن يغتنم هذه الفرصة — فرصة وجودنا وكوننا ضيوف الأمير والسماح لنا، بدخول الكعبة بغير تفتيش: فيدخل معى، أعنى مستخفياً على كتفى. وهذا لايجوز، ولست أرى أن أساعده على ذلك. أفهمت الآن؟».
فضحك الخنزير — أعنى الرجل الذى توسمت منه الخير، وظننى أمزح، وقال: «يارجل، والله لقد حسبتك جاداً؟»
فغاظنى ذلك ولكنى كظمت غيظى وقلت بإبتسامة متكلفة: «لقد أخطأت. أسمع. قد يكون عفريتى مؤمناً أو لا يكون لا أدرى، لذلك أريد أن أصرفه، فهل لك أن تعيننى؟ أجب بلا أو نعم. وعسى أن لا تخيب أملى فيك».
فعاد اللعين يضحك، وأحسبه أحب أن يجارينى فيما ظنه مزاحاً منى فقال: «وما هى طريقة السندكار البحرى التى تتبعونها فى مصر؟».
فتشجعت وقلت بلهجة الجد المر: «نسقيه كأساً أو اثنتين فيسكر فنلقيه ونستريح منه — طريقة عملية — بل هى أضمن طريقة لأن قوة الأسكار فى الخمر حقيقة علمية ولهذا نهى الشرع عنها».
فأرسلها ضحكة مجلجلة تجاوبت بإصدائها الحجرة فأسرعت فوضعت يدى على فمه وبودى لو أكتم أنفاسه فقال بعد أن تخلص منى: «والله يا أهل مصر أنكم لظرفاء».
فقلت «العفو. هذا بعض ما عندكم. على أن فى الوقت متسعاً لتقارض الثناء فهات لعفريتى كأساً».
فأبتسم وقال: «كيف تسقيه وأنت لا تراه؟»
فقلت: «أنى أعرف الطريق إلى فمه فإن بيننا الآن إتصالاً لا تدركه أنت. فهاتها أولاً والباقى على».
ولكنه لم يفعل، لأنه ظن لبلاهته أنى أستدرجه إلى الإعتراف بأن فى مكة خمراً؛ وقد رأيته بعد ذلك فعجبت أين غابت سمات الخير وكيف استسرت مخايل الرشد التى كنت أجتليها فى وجهه؟
وقد سلط زكى باشا نفسه علينا بعد ذلك فى الفجر أو قبيلة بدقائق وكنا نياماً، كما لا أحتاج أن أقول، وكان عفريتى قد انصرف عنى فى الهزيع الأخير من الليل — انصرف على يأس كبير، وكان فى حجرتنا ستة أسرة على صفين، والباقون منا فى حجرات أخرى، وكان سريرى بجانب النافذة بحيث يسعنى بأيسر مجهود أن أطل من الشباك على الحرم، وإتفق أنى كنت أحلم بالعفاريت وأرانى كأنى أسقيها خمراً وأعبائها وهى تترنح فأدغدغ لها خصورها تارة، وأشعل السجاير من عيونها طوراً، وأجرها من ذيولها وأديرها حولى، وهكذا وإذا بصوت ممدود مزعج يوقظنى من سباتى ويبدد أحلامى اللذيذة ويطير خيالاتى الممتعة، ففتحت عينى متضجراً، فإذا شبح ضخم يبدو من وراء الكلة فقلت لنفسى «يا للفضيحة! أيسطى علينا فى دار الضيافة؟» وإبتسمت مطمئناً فقد تركنا ما معنا من النقود فى جدة، وتناومت لأرى آخر هذه الحكاية، فانبعت من الشبح صوت غليظ مديد فرفعت رأسى مقدار قيراط فإذا به زكى باشا يبدو فى عباءته شيئاً عظيماً جداً، ولم يعجبنى أن يوقظنى فى فحمة الليل فحولت وجهى عنه فمد يده وصاح: «قم!»
وأشرت إليه أن لا ن فعاد يصيح: «أقول لك قم».
فصحت بأعلى صوت أستطيعه: «وأنا أقول لك لا فأذهب عنى».
فقال: «قم لنصلى الفجر فى الحرم، منظر لذيذ لا يصح أن يفوتك».
فقلت: «إذا كان المنظر هو كل ما نبغى، فأذهبوا أنتم فإن منظركم من النافذة سيكون امتع لى، ويمكنكم أن تضعوا علامة على ظهوركم لأعرفكم بها».
وأحسبه لم يسمع أو لم يحفل ما أقول فقد مد يده من تحت الكلة وراح يشد اللحاف ويعرينى وهو يقول: «قم. قم. قم.»
فصحت به وأنا أجذب اللحاف لأتغطى: «لا. لا. لا».
فمضى عنى إلى الباقين واحدا ً واحداً ونسى أنه أيقظهم جميعاً حين أيقظنى.
وتوضأنا ودخلنا الحرم، وفتحت لنا الكعبة وبابها عال والصعود إليه بسلم خشبى متحرك، يوضع عند الحاجة ويرفع بعد ذلك، وهو من النوع الذى كان يتخذ فى المساجد المصرية ليرقاه الخادم ليبلغ الأسرجة فيضيئها أو ينظفها، وذلك قبل إتخاذ الكهرباء وتناول يدى سادن الكعبة وأنا على آخر درجة فكدت أقع والهوى ذلك أنى كنت أصعد على يدى ورجلى كما تفعل القردة، ولما استويت واقفاً طوقنى بذراعيه وغمر وجهى بلحيته البيضاء الطويلة وكنت أنا أيضاً قد أرخيت لحيتى، وكانت بيضاء كذلك، ولكنها قصيرة فأسفت لأنى لم أرسلها قبل رحلة الحجاز ببضعة شهور، إذا لإستطعت أن أقابل سادن الكعبة مقابلة الند للند، وإن أشكه بلحيتى كما شكنى بلحيته، على أن لحيتى على قصرها أفادتنى فى الحجاز وبدأتنى بمقاماً ملحوظاً ومركزاً مساراً، وأكسبنى وقاراً ليس لى: وجعلت لى سهما وأبهة لا عهد لى بها، وكان الناس يحفون بى ويهرعون إلى ويكبروننى من أجلها، ويبحثون على بدى فأحدثها واقول: «أستغفر الله. تؤ. تؤ. تؤ بارك الله فيكم، ويعنون بى ويمنعوننى أن أمشى إلى حيث السيارة لأن من كان هى مثل سنى، وكانت له مثل لحيتى البيضاء لا يليق أن يجشم مشقة، أو يكلف تعباً. فلو أن الغيد فى الحجاز سافرات لبكيت ولقلت متوجعاً كما قال ابن الرومى:
أصبحت شيئاً له سمت وأبهةيدعونى الغيد عما، تارة، وأباً. ولكنهن هناك محجبات. فلا أسف ولا بكاء. وأنى لجفيق بحمد الله وشكره على أن بيض وجهى ولم يسوده كوجوه زملائى، أعنى الذين كانت لحاهم سوداء، وقد أسفت وأنا هناك على عمرى الذى أضعته فى الإشتغال بالأدب. وأنفقته فى هذا العبث الذى لايجدى، فإن لحية واحدة بيضاء ترجح هناك بمائة كتاب من خير ما أنتجت العقول، ولو كنت اعرف هذا من قبل لجعلت وكدى لا الكتابة والتأليف كلا، فإن هذا كله عبث بل معالجة لحينى لتشيب.
ومشى بى السادن خطوات ثم وقف بى ورفع يديه وراح يدعو وأنا وراءه، وعينى إلى لحيته النشيطة التى كانت تتحرك مع الكلام، وأقسم لقد نفستها عليه حتى لقد خطر لى أن أنزعها عن وجهه وألبسها بدلاً منه.
وقال بعد أن فرغ: «صل هنا ركعتين».
قلت: «أين القبلة؟»
قال: «لا قبلة هنا، كل مكان قبلة».
قلت: «فهل أصلى دائراً حول نفسى كالكرة الأرضية؟ أن هذا صعب فأرنى كيف أصنع».
فلم يفهم وقال: «نصلى ركعتين فى كل اتجاه».
فاتجه لى رأيان أردت أن أستفتى فيهما.
ولكنى لم أجد من يفتى، أو على الأصح لم أتوسم فى وجوه من حولى قدرة على الافتاء، فأطعت وصليت.
والكعبة من الداخل حجرة واسعة خالية يحمل سقفها عمد غليظة من خشب زكى الرائحة، وهى مكسوة. ولكن الجزء الأسفل من جدرانها معرى، وعليه ألوح من الرخام حفرت فيها كتابات بخطوط شتى ترجع إلى عصور مختلفة تذكر أسماء من أصلحوها أو رمموها أو زادوا عليها شيئاً أو فعلوا غير ذلك، وبعض الكتابة كالطلاسم لا يقرأ. وقد تعقبنى رجل يشرح ما على الجدران، وكان من الجلى أن شرحه خطأ وأن الإختراع فيه أكثر من العلم، فسألته وأشرت إلى لوح ردئ الخط «ما هذا؟».
فقال: «هذا يا سيدى.. هذا.. أظنه خطـ.. أ.. أ».
فقلت: استعجله «خط من؟»
فدنا من اللوح وتأمله من قريب ثم رفع رأسه وقال: «نعم. المنتصر بالله المستنصر.. ايه؟ نعم هو بعينه لقد عرفته.»
فقلت: «آه عرفت خطه؟»
قال: «نعم».
قلت: «أنه ردئ».
قال: «نعم غير واضح».
قلت: «هل كان صديقك؟»
قال: «صديقى؟»
قلت: «لعله كان قريبك؟»
فحملق فى وجهى ثم قال: «أنه قديم جداً».
فسألته: «الخط أم الرجل».
فقال: «كلاهما».
فقلت: «شئ جميل! وأين هو الآن؟»
فقال بلهجة المستغرب أو الذى بدأ يشك فى عقل محدثه: «أين هو الآن؟ لقد مات منذ مئات من السنين».
فسألته: «وهل كتب هذا بعد أن مات؟»
فجذبنى أحد الزملاء فلم ألتفت إليه وقلت لدليلى: «أريد أن أبكى».
وأخرجت المنديل ورفعته إلى عينى فأقبل على الرجل يسألنى بلهفة: «ما السبب يا سيدى؟ لماذا البكاء؟»
فأجهشت وقلت بصوت متهدح من فرط التأثر: «أسفاً على المستنصر!»
فجعل يطيب خاطرى ويؤكد لى أنه فى وديعة الله وجنته. فقلت والدموع تنهمر من عينى: «ولكنه مسكين، فقد عمره كله».
فأخذ يشكر لى عواطفى الرقيقة وشعورى الطيب فتسايلت عبراتى على خدى وأنا أقول: «لو كان قد أدرك لما خسر عمره كله هكذا. مسكين!»
وأنتحبت. فشدنى زميلى وقال: «تعال يا شيخ!»
ولما عدت إلى مصر. أقبلت أمى على تسألنى فقصصت عليها ما رأيت، ووصلت فى وصفى إلى الكعبة فقالت: «هل دخلتها؟»
فقلت: «بلى. دخلناها بصفة خاصة».
فقالت: «طوبى لك؟ لا تخبر أحداً بما رأيت فيها. احذر».
فسألتها عن النسب فقالت: «أن من يرى الكعبة من الداخل لا يقص على غيره ما يرى».
قلت: «ولكنها خالية ولا شىء فيها. كانت أشبه بمخزن للأوثان فى الجاهلية فأخلاها منها النبى عليه الصلاة والسلام».
فقالت: «أبوه. خليك على كده. كل من سألك عنها تقول له لم أر شيئاً».
فقلت: «ولكنها حقيقة خالية».
قالت: «تمام مضبوط. بارك الله فيك».
فقلت: «أنى لا أكذب ولا أدعى: هى حقيقة كما أقول خالية».
فقالت: «أيوه. تمام. أهو كده. الله يزيدك عقلاً».
فأمسكت، ولم أدلى حيلة، وهأنذا أقول للقراء أن الكعبة لا شىء فيها فليصدقوا، ولكونوا كأمى، وليدعوا لى أو فليضنوا على بالدعاء — كما يشاءون.
•••

وقد كانت مصر ترسل إلى الكعبة فى كل عام كسوة جميلة دقيقة الصنع فكفت عن ذلك فخسرت مركزها الدينى الممتاز وثناء العالم الإسلامى عليها وحمده لها وأعجابه بصناعتها، وتبطل من جراء ذلك صناع الكسوة المصريون الذين ورثوا هذا الفن عن آبائهم وانقطعوا له، وأنشأت الحكومة السعودية داراً لصنع الكسوة جلبت لها الأساتذة من الهند ليتولوا ذلك ويلعلموا أبناء الحجاز، وقد زرنا هذه الدار ورأينا أنوالها ونماذج مما تخرج من الحرانر الموشاة والمطرزة بالقصب والفضة، ومن السجاجيد وما إليها، وهكذا أفاد الحجاز صناعة جديدة وخسرت مصر صناعتها القديمة البديعة، وأصيب عمالها بالفاقة.
•••

ومن الممكن أن أقول — ومن الممكن أن يصدق القارئ — أن لحيتى طالت فى خمس دقائق أضعاف ما تطول عادة فى خمسة أيام، وأنى لولا سوء الحظ لخرجت من الحرم صباح ذلك اليوم بلحية جليلة طولها على الأقل شبر. وسأروى للقارئ ما حدث وأنا على يقين من أن مرؤته ستدفعه إلى مشاطرتى ذلك الغم الذى انتابنى لما أفلتت من يدى تلك الفرصة الفضية.
وشرح ذلك أننا خرجنا من الكعبة أو نزلنا عل الأصح ثم قعدنا بين الصفوف عند باب الصفا ننتظر مقدم الأمير لزيارة الكعبة وسماع الدعاء — على بابها — لجلالة والده بطول العمر ودوام النصر والتأييد وبأشياء أخرى كثيرة نسيتها الآن واذهلنى عنها ما وقع لى، وكان الجيش صفين فى الطريق من دار الحكومة إلى الحرم، وتلاميذ المدارس صفوفاً فى فنائه، وقيل جاء الأمير فنهضوا بنا إلى الباب، وأقبل سموه وبين يديه وأمامه وعلى يمينه ويساره حاشيته وعبيده فى ثيابهم المزركشة وفى أيديهم المباخر، فدفعونا إليه وفرقوا بنا الخلق إلى صفه فسرنا فى موكبه ومنا من استطاع أن يكون إلى جانبه، وآخرون ردهم الزحام وراءه حتى بلغنا الكعبة ووقفنا أمام بابها، فأجلت عينى فى هذا الحشد الهائل وأن أتصبر على ما أحسه من الضغط الذى كاد يقصف لى ضلوعى، فرأيت النسفاه تلعب، فخفت أن يرى أحد شفتى ساكنتين لا تضطربان بشئ، فقلت أحركهما بالفاتحة لعل الله ينقذنى ببركتها من الأزم الذى أنا فيه. وأشهد أنها كانت أشد الفواتح التى قرأتها فى حياتى بركة، ذلك أنى ما كدت أتلو منها آية حتى ارتفع صوت بدعاء، ثم رأيت شاباً — أو أنا أظنه ذلك — يرمى إلى الداعى بعباءة رقيقة النسج جميلة، فقلت لنفسى وأنا أحسد الداعى، والله أنى لأحسن أن أدعو بخير من هذا وبأجدى منه على الأمير، ثم أنى أرى دعائى مستجاباً أيضاً.
ولم أستطع أن أسترسل فى هذه الخواطر، فقد قطعها على أن سادن الكعبة — وكان واقفاً فى حاشيه، أو لعلهم أبناؤه وأحفاده فى باب الكعبة، فوقنا — نقدم خطوة وبسط كفيه وانطلق هو أيضاً يدعو، فقلت لنفسى سيجئ دورى إذا، فصبرا يا مازنى، وعسى أن يكون مع الشاب الكفاية من العباءات، وقارب الشيخ السادن ختام الدعاء فزل لسانه — والمرء، كما تعلم بأصغريه. قلبه ولسانه لا بلحيته وقوامه — فدعى بطول النصر والتأييد، ولكن.. للحكومة العثمانية!!
فصحت: «يا خبر أسود».
ولم أملك نفسى فقرطت ذراع جارى وأنا أظنه زميلاً لى، وأدرت إليه وجهى متوقعاً أن أقرأ فى وجهه تأييد صيحتى فراعنى:
أولاً: أنه لم يكن زميلاً لى ولا رجلاً أعرفه أو أحب أن عرفه.
ثانياً: أنه كان ينظر إلى شزراً ووجهه من التقطيب كالأسفنجة.
ثالثاً: أنه كان يعرى ذراعه ويفحصه جيداً، إستعداداً لملاكمتى كما توهمت، فخطوت إلى الأمام وتسللت بين الأرجل حتى حاذيت الأمير، ولا أكتم القارئ أنى خفت، فقد أيقنت أن فرصتى كانت أوجع لهذا الجار من الدعاء للحكومة العثمانية، وأنا — كما لا يعلم القارئ وما يمكن أن يعلم بالتجربة — ما هو فى القرص، ومزيتى أنى أتناول «خيطاً» من الجلد بين لحم أصبعى وأفركه بهما لا بأظافرى، كما يفعل الأغرار والبلهاء، فيكون لذلك كى، وشئ، ولذع كلذع النار، فهذه فائدة خرج بها القراء من حيث لايحتسبون.
وأيقنت وأنا واقف أن سادن الكعبة سيطير رأسه عن بدنه بضربة سيف، وما على الأمير إلا أن يغمز بعينه واحدا من عبيده أو يومىء، له بأصبع فإذا الرأس يتدحرج على السلم ويهوى عند أقدامنا، ولم تخالجنى ذرة من الشك فى أن هذا آخر عمر الرجل، ونسيت أن الحرم كل من فيه وما فيه آمن، وقلت لنفسى، مادام إن الرجل مفتول لا محالة، فمن الخسارة ولا شك أن نذهب لحيته مع روحه وهى ستحلق له على كل حال بعد موته، فما تكون المرء فى الجنة إلا أمرد، ورفعت عينى إلى وجه الأمير وقد وطنت نفسى أن أتقدم إليه، بعد أن ألمح إشارة الإعدام راجياً أن يأذن فى نزع لحيته وإتخاذها لنفسى، وحولت عينى إلى الشيخ سادن الكعبة فإذا واحد وراءه يجذبه من كتفه.
فقلت: «آه! لقد حم أجلك يا مسكين! سيقودونك إلى الخارج ليقطعوا لك رأسك».
ولكن السادن خيب أملى، ذلك أن التفت إلى من يجذبه ثم إلينا وقال مصححاً: «بطول النصر والتأييد للحكومة السعودية».
ضاعت الفرصة، خسرت اللحية، وسأخرج إذا كما دخلت وليس على وجهى سوى هذه الشعرات القصيرة، وأسفاه! وسيظل هذا الرجل بشبر من الشعر الشائك على مدار وجهه على حين أمشى أنا بين الناس محروماً كاسف البال! وما لحية يضن على بها الأمير؟؟ أن صاحبها لا يزيد بها كبراً، ولا ينقص بغيرها عمره، وقد لبسها دهراً طويلاً فحسبه طول ما تمتع بها ولن يضيره الآن وهو واقف على ساحل الحياة، أن تخلع على، أنا الذى ليس أحوج منى إلى مثلها.
وهبط قلبى، وتدلى على صدرى، وأسودت الدنيا فى عينى، وتهضم وجهى، ونقص وزنى، وتخاذلت رجلاى، فلو أفسح الناس لى مكانا كافياً لتهافت إلى الأرض وتهاويت كوماً مفككاً من العظام اليابسة والأعصاب المرهقة، وأدبر لحم خدى، وظل يدبر ويدبر حتى بلغ أصول الشعر ومنابته فبرز معظم الشعر إلى الجذور.
ورفعت يدى إلى وجهى فإذا بى أحس لحيتى قد طالت … من الهزال!
وإنطلقت المدافع من قلعة بجاد فطار الحمام عن أكتافنا.
•••

وكر الأمير راجعاً فكررنا معه نتدافع ونتزاحم ويستوقفنا رياض أفندى أمام الفوتغرافية فتتلمس رؤوسنا فرجة تظهر منها. أمام العدسة، وأشب أنا القصير المسكين ثم انحط يائساً، حتى بلغنا الباب، وكنا قد دخلنا من غيره؛ فسبقنا الأمير إلى دار الحكومة، ووقفنا نحن ننتظر أن يجيئونا بأحذيتنا، فلما صارت فيها أقدامنا بين صفوف الجند إلى دار الحكومة: وراقنى منظر الجنود فى ثياب «الخاكى» وقلت باقون لتحيتنا ولا شك فقد مر الأمير فجعلت أقفلت يمينا ويساراً وأرفع يدى بالسلام فسألنى واحداً: «على من تسلم؟»
قلت: «أريد تحية الجند يا أخى».
فصاح بى: «أى جند يا أخى؟ ألا تخشى أن يعدوا هذا تهكما منك؟ أتريد أن توقعنا فى ورطة؟».
فمنحته أعذب إبتساماتى وأرقها وأحفلها بالعطف والمرئية، وواصلت تحياتى وتسليماتى غير عابئ بهذه الغيرة؟
وتوقعت أن تنقض الدار. فقد كانت غاصة لا موضع فيه لقدم فلو رميت كرة صغيرة لظلت نتنقل من رأس إلى رأس دون أن تصل إلى الأرض، بل لكان الأرجح أن تصعد مع الناس إلى الطبقة العليا وأن تدخل على الأمير معهم.
وبعد لأى ما بلغنا غرفة الإستقبال. وكان الأمير واقفناً فى الصدر وحوله الكبراء والجند والناس يتقدمون إليه ويصافحونه. فإذا كان من بينهم عظيم أو وجيه وضع — أى الوجيه — يده على كتفى الأمير وجذبه وقبل أنفه لأن الأنف أبرز شىء فى الوجه، وقد وقف الأمير كما رأيناه، مقدماً أنفه لمن شاء ومتلقياً عليها قبل المهنئين ولثمات الداعين، فلما جاء دورنا وددت لو أنه كان أمامه كرسى! إذا لفزت أنا أيضاً بتقبيل أنفه ولجربت ذلك وعرفت سببه وتقصيت سره، ولكنى كما تعرف، فأكتفيت بأن تقدمت إليه فى تؤدة ووقار، ويسراى تمسح لحيتى تنبيها إليها ولفناً لتسيبها، ويمناى تمتد إلى يده وتقبض عليها.
والحق أقول أن سلام النجديين لا يعجبنى لأنه بارد لا حرارة فيه ولا روح، والواحد منهم — أمير أكان أو غير أمير — يمد إليك كفاً مفتوحة كأنها قطعة من الجبن الطرى لا عظم فيها ولا أعصاب لها، فإذا تناولتها وقبضت عليها لم يبادلك ذلك بل ترك كفه لك تصنع بها ما تشاء، ثم يسحبها فى فتور وضعف، فتخجل وتبرد الحرارة التى تناولت بها يده، ويجمد الدم فى عروقك.
وانصرفنا عن الأمير بعد السلام عليه، إلى غرفة أخرى ذهبوا بنا إليها وهناك سقونا عصير الليمون، ثم ما لبثنا أن دعينا إلى الأمير فدخلنا وجلسنا وهنأناه مرة أخرى وأديرت علينا القهوة النجدية، وأمرها عجيب، ذلك أنها خليط من البن والمرى والحبهان ولا أدرى ماذا أيضاً، وطعم البن يختفى بين هذه الأخلاط الحريمة، ويجيئونك بها أبريق كبير من النحاس، يحمله الخادم فى يسراه، وفى يمناه الفناجين الكبيرة بعضها فى بعض فيصب من الأبريق مقدار رشفة فى الفنجانة ويقدمها لك فنقلب الفنجانة على فمك وتهزها لينحدر ما فيها بسرعة، فإذا راقتك القهوة مددت يدك بالفنجانة فى صمت فيصب لك رشفة أخرى وهكذا وإلا هززت الفنجانة فينصرف عنك.
وقد كنت وأنا فى مجلس الأمير متعباً وكان رأسى أحسه ثقيلاً، وخفت أن أنام أنا أو أهوم، فقلت أنبه نفسى بالقهوة؛ فرجوت من الخادم أن يملأ لى الفنجانة فإن هذه الرشفات الضئيلة لا تصنع شيئاً ولكنه أثر عادته فذهب يصب لى رشفة بعد أخرى وأنا أناديه بعد كل واحدة وأرده إلى، ولا أناوله الفنجانة مخافة أن يذهب عنى فلا يعود. فلما تكرر ذلك أربع مرات خطف الخاد الفنجانة وصاح وهو يمضى عنى ضاحكاً «يا رجل!».
فقمت وراءه وأنا أقول: «ما هذا الكلام الفارغ به أريد قهوة حقيقية لا لونا فى الفنجانة! تعال هنا!».
فأسرع إلى واحد من الحاشية يسألنى ما الخبر.
قلت: «الخبر أنى أريد أن أشرب قهوة حقيقية، وهذا الرجل يضحك على ويقدم لى دهاناً فى قعر الفنجانة لا يسيل ولا يصل إل حلقى منه شئ. هذا هو الخبر — ثم هذا لسانى (وأخرجته) بذمتك هل ترى عليه أثراً للقهوة!».
فقال الرجل: «لا عليك. تعال يا هذا. أترع له الفنجانة».
وقد كان.
وكفوا بعد ذلك عن مخادعتى بلون القهوة وصاروا يجيئوننى بها فى كل مكان قهوة حقيقية لا شك فيها ولا فى مقدارها ولا فى طعمها ولا أثرها، ولكنها سرقت النوم من جفونى ففهمت لماذا يكتفون منها برشفة.
وعدنا إلى دار الضيافة لنستريح فأتفق أن لقيت فى الطريق واحداً لم أشك فى أنه نجدى وكان فوق نجديته قصيراً، فأقبلت عليه وقلت هذه فرصة، وقلت: «كيف حالك؟ إن شاء الله خير».
وأهويت على كتفه فجذبتها على نحو ما رأيتهم يفعلون ومططت شفتى إستعداداً لتقبيل أنفه، ولكنى لم أحسن قياس الأبعاد وعمل الحساب اللازم، وجاءت الجذبة أسرع وأشد مما ينبغى فوقع فمى على فمه واصطدم الأنفان.
فلما افاق من دهشته، قلت له على سبيل الإعتذار، وأنا أتلمظ وأمصمص بشفتى: «لا مؤاخذة! لقد أردت أن أقبل أنفك، ولكن التدريب ينقصنى. على كل حال الخيره فى الواقع. السلام عليكم».
وذهبت أعدو ولحقت بأخوانى وهم يهمون بالعودة إلى وقد توهموا لبلاهتهم أننا اشتبكنا فى مصارعة.
? الأخوان لفظ يطلق على النجديين.
الفصل الخامس
بين مكة والكندرة


أشتهيت وأنا جالس فى «دار الضيافة»، أن أدخن «نرجيلة» أو «شيشة» كما يسمونها فى مصر، ولست من هواتها. ولكنى افتقدت منظرها فى مكة، وكنا فى جدة. كلما دخلنا فى بيت يجيئوننا بعدد من هذه النراجيل على أشكال شتى وحجوم مختلفة وألوان عدة، فمنها ما هو من الفضة أو المعدن المنقوش أو المطلى بالذهب، ومنها القصير والطويل، والذى فيه صنعة والساذج الغفل، والذى خرطومه من المخمل الأرجوانى أو الأخضر، إلى آخر ذلك مما لا موجب للتقصى فيه. وأهل جدة يستعملون للنرجيلة طباقاً معالجاً بالعنبر ومائة مادة أخرى لم أسمع بأسمائها من قبل، تجعل له أرجاً قوياً وتترك المرء — على ما سمعت — يحلم. ولم أفهم لماذا تكثر النراجيل فى جدة، ولا أثر لها فى مكة. وخطر لى — على سبيل التعليل — أننا هنا ضيوف الحكومة والحكومة لا تدخن ولا تسمح بالتدخين، على الأقل فى حضرتها، وفى دورها. غير أنى لم أسترح إلى هذا التعليل وقلت أن الاعيان الذين يحفون بنا كان يسعهم أن يقترحوا علينا أن يجيئونا بواحدة، فأنا مصريون، وما لا يجوز للملكى جائز للمصرى، ثم أنهم يدخنون السجاير فلم لا يتخذون النراجيل، وكله تدخين، وعلى ذكر السجاير أقول أن القوم فى الحجاز لا يعرفون منها سوى صنف واحد رخيص ردئ هو بعض ما يصنعه ويصدره إليهم «ماتوسيان». وقد يكون فى رخصه شك، ولكنه ردئ على التحقيق، يتخذه السابق كما يتخذه الوجيه السرى، فالديمقراطية كما ترى بخير هناك، وأبرز عناصرها وأقوى مظاهرها هو «ماتوسيان».
وأعود إلى ما استطردت عنه، أعنى إلى النرجيلة، فأقول اشتقت أن أضطجع على واحدة من هذه الحشايا الوتيرة وأتكئ بكوعى على حسبانة صغيرة وأن أضع رجلاً على رجل وأدنى خرطوم النرجيلة من سفنى وأرسل الدخان الكثيف إلى رئتى ومعدتى بل إلى أخمص قدمى، ثم أرده من فمى وأنفى وعينى وأذنى وأنفجر بالسعال القوى كأن بركاناً إنطلق من جوفى؛ وأظل بعد ذلك بضع دقائق والدخان يخرج من مسام بدنى كلها كأنى بيت من الخشب إندلعت فى جوفه نار الحريق، كما رأيت أهل جدة يصنعون.
ولكنى ضبطت نفسى ورضتها على الحرمان من هذه المتعة البريئة، كما رضيت شيطانى على الكف على إبتغاء الويسكى، وآلمنى ذلك — كما يسهل أن يدرك القارئ بغير عناء — فرأيتنى أناجى نفسى وأعزيها بأن أهل جدة مدللون على خلاف أهل مكة — هناك، أى فى جدة، يجتلى المرء مظاهر الترف والنعمة، ويحس أن للقوم دلالاً على الحكومة — أو دالة إذا شئت — وأن الحكومة توليهم من الرعاية والمجاملة والتسامح ما ليس له مشبه فى مكة، وتطلق لهم فى أمور نصيبها منها فى مكة التشدد. ولقد قضينا فى جدة أياما لم نشعر فى خلالها بأن للحكومة وطأة تحس، ولكن أثر الحكومة ووجودها ملموسان فى مكة فى كل مكان.
وقد أكون أولاً أكون مبالغاً فى هذا الذى عزيت به نفسى عن حرمانى لذة النرجيلة، ولكنى أعتقد أنى غير مخطئ جداً فيما شعرت به من الفرق بين الحالتين فى جدة ومكة من حيث سلطان الحكومة، فإن قائمقام جدة أى حاكمها، تاجر؛ هو يجمع بين التجارة وبين أعمال وظيفته، وخليق بالمصرى أن يعجب لهذا وأن يرى فيه شذوذاًَ عن المألوف فى بلاده حيث لايؤذن للموظف أن يشتغل بالتجارة، ثم أن من الحقائق التاريخية أن الجيش السعودى دخل مكة بعد فتح الطائف من غير أن يتلبس أو يتلكأ، ولكنه لم يقتحم جدة بل أقام حولها وعلى مسافة بعيدة عنها يضرب عليها حصاراً خفيفا ليناً لا يمنع أن ويتصل ما بينها وبين مكة، ولعله فعل ذلك حتى لا يقطع المؤن عن مكة، ولكن من المحقق أن الدافع الأول إلى إيثاره الحصار وإجتنابه أن يحاول فتحها عنوة أن فى جدة قنصليات أجنبية، وقد خشى السعوديون أن تصاب دورها أو أحد رجالها بسوء فتتذرع إحدى الدول بذلك ونتخذ منه مسوغاً لإحتلال جدة أو غير ذلك مما يجرى مجراه، فبقى الجيش محيطاً بجده شهوراً حتى نفد المال وانقطعت موارده عن الملك السابق على بن الحسين، وتأخرت رواتب الجند وفشا عليه الأمر، فسلمت المدينة وأبحر منها على بن الحسين على بارجة بريطانية محتفظاً من كل ملكه الذى نزل هنا «بسيارته وسجاجيده وخيله»؟؟
وكأنى بوجود الأجانب فى جدة قد جعل لها مع الأسف مركزاً خاصاً وبسط عليها ضرباً ملطفاً من الحماية العامة وجعل الحكومة تتخذ حيالها مسلكا هو فى جمله ألين من مسلكها فى البلاد الأخرى، ويقينى أنه لو كانت الحكومة السعودية أقوى مما هى وأوفر عدة وأتم سلاحاً وأقدر على الدفاع عن شواطئها وثغورها لإختلف الحال وتغير الموقف، ومن أجل ذلك يتوخى جلالة الملك ابن السعود السلم ويؤثرها على الحرب والنزاع، وذلك ليتسنى له أن يصلح أموره ويرتب البيت، كما يقول الأفرنج. ويعالج مشاكله ويوطد حكومته ويقويها ويباشر مالا مفر منه من وجوه الإصلاح على قدر ما نسمح بذلك موارده.
وقصدنا بعد أن استرحنا إلى وكالة المالية، ويتولاها نجدى، قح، قال لى المستر فيلبى أنه من أمهر الرجال وأذكاهم وأحذقهم فى سياسة المال، وغرفه بسيطة وفيها مكتب أجلس أنا فى مصر إلى واحد أفخر منه وأجمل، وهناك تفضل سمو الأمير فرد لنا الزيارة وأذن أن نصور معه، ثم رغبت الحاشية أن تصور هى أيضاً فكان لها ما أرادت. والنجديون يسمون الصورة الشمسية «العكس» ولا يرون فى التصوير باساً ولا يكرهونه كما كنا نسمع.
وفى وكالة المالية ألقيت خطب ترحيب — لا أذكر الآن بمن على وجه التحقيق — وتهنئة للأمير وجلالة والده بلا أدنى ريب. وهناك أيضاً جئ باثنين من الحجازيين. هما موظفان فى حكومته وعملهما طبع «طوابع البريد». فقدمهما الوكيل إلى سمو الأمير وأطلعه على نموذج من الطوابع التى عملت تذكاراً لهذا اليوم — يوم المبايعة.
وزرنا بعد ذلك المستشفى وهو رحيب يسع مائتى مريض، وبه أقسام شتى للجراحة والأمراض الباطنية، وأمراض النساء وغيرها، وفيه أطباء مصريون، وبتر أرتوازية حديثة تمده بما يحتاج إليه من الماء، ثم قصدنا إلى دار الكسوة التى أسلفت الكلام عليها، ومن ثم إلى التكية المصرية هى تؤدى واجباً انسانياً جليلاً.
•••

وجاء وقت الغداء فتناولناه فى دار الضيافة على الطراز الأوربى أيضاً؛ ولشد ما تمنيت لو نأكل مرة على الطريقة العربية أو البدوية ولكنهم فى الحجاز أبوا ذلك علينا وضنوا بمتعته، وأحسبهم توهموا أن أطعامنا على الطريقة العربية غير لائق، أو أن ذلك ينطوى إلى شىء من الإستخفاف بنا، أو هو ينافى ما يقتضيه واجب الإكرام.
ثم ذهبنا إلى السوق، وهو على المسعى، وقد كرهت أن أرى الدكاكين فى بناء الحرم نفسه، وملنا إلى حارة ضيقة شبيهة بخان الخليلى فى مصر، وفيها كل ما فى الخان، والتجار فيها خليط من أهل مكة والهنود والفرس وغيرهم، وأكثر ما فى السوق هندى أو فارسى، ودخلنا دكان هندى طويل له مساعدان، فزاغت أبصارنا وضلت عيوننا بين الطرف المعروضة وكان كل امرئ يتكلم ويطلب شيئاً ويسأل عن ثمنه، والمساعدان يقدمان ما نطلب ويحيلان من يسأل عن الثمن إلى الهندى الطويل، ولم يكن معى ولا مع زميل لى مال، فقد خلفنا ما معنا فى جدة، فأقترضنا من اخواننا، ولم تكن الأثمان معتدلة ولا الحساب بالنقود الحجازية بالذى يسهل فهمه، ذلك أن الجنيه المصرى يساوى عشرة ريالات حجازية، والريال عشرة قروش ونصفه خمسة وهكذا، ولكن الأطراد يقف هنا، فإذا ذهبت تحسب الجنيه بالقروش وجدته يساوى شيئاً عجيباً: مائة قرش وبضعة قروش أخرى تكون تارة اثنى عشر قرشاً وطوراً أربعة عشر، وما أظن به إلا أن قيمته بالقروش تضطرب تبعاً لحالة الجو، فما فى مكة ولا فى جدة بورصة، وإذا كانت القيمة ثابتة لا تتغير وكنت أن الخطئ فالذنب للتجار وليس لى، فقد كنت أجد قيمة الجنيه عند تاجر غيرها عند سواه، واتفق أنى كنت أتوغل فى السوق فألقيت القيمة تهبط بعد كل خطوتين قرشاً، فخفت إذا أنا مضيت فى طريق داخلاً فى السوق الا أدنوا من آخره الا وقد صار الجنيه قصاصة ورق كالمعاهدات الدولية، بل خفت اذا أنا بلغت نهاية السوق أن أجد أنى أصبحت مديناً!! لذلك ارتددت بسرعة ووليت خارجاً — لا هارباً — إلى أول السوق، وفى يدى جنيه منشور — مما اقترضت — الوح به للتجار وأصبح رافعاً القيمة بعد كل بضع خطوات: «ألادو! ألا تريه! يا بلاش! بمائة وعشرين! ألادو! بمائة وخمسة وعشرين..».
فلو طال السوق لرجوت أن أفيد الغنى أو أشترى مكة كلها بجنيهى! ولكن التجار أشفقوا وخافوا مغبة هذا التقدم فوقفوا فى وجهى يردوننى إلى داخل السوق ويشورون فى وجهى كما يفعل الناس ليصدوا جواداً جامحاً! وتنبهت الحكومة إلى الخطر المحدق بعاصمتها فأقبل على واحد من كبار رجالها يقول: «لقد ركب الأمير فهلم لتلحق به».
ولكنى كنت مشغولاً بفرصة الغنى التى أتاحها لى ارتفاع قيمة الجنيه فى أول السوق وانخفاضه عند آخرها، فلم أعبأ به ومضيت أصيح: «قبل أن نركب! ألادو ألا تريه! أبيع بمائة وأربعين! هل من مزايد؟ بمائة وخمسين؟».
فجذبنى الرجل وفى وجهه كل أمارات الفزع والارتياع وصاح بى: «يا أخى أجول لك! الأمير ركب! يجب أن ناحفوا به لأن المسافة طويلة».
فأدركت أنه يريد أن يصرفنى عن ربح حلال وقعت عليه بذكائى، فنحيته عنى وإنطلقت أعدو إلى أول السوق ثم وقفت ألهث وقدرت فى نفسى أن تكون القيمة قد بلغت عشرة آلاف قرش، وهممت بإستئناف المناداة وإذا بالقوم يحتمولننى ويضعوننى فى لسيارة! وإنطلق بها السائق كأنه يفر من الموت، فقعدت وأنا أقول لنفسى: «أن هذا ليس من الإنصاف فى شىء! وسأظل ما حييت أطالب الحكومة الحجازية بما أضاعت على وبالتعويض أيضاً! ولن يضيع حق وراءه مطالب». وغلبنى النعاس فى الطريق إلى جدة واسغنيت بالأحلام عن حقيقة ما فاتنى — كدأبى أبداً.
•••

والكندرة قصر على دقائق من جدة: وفيه نزل جلالة الملك عبد العزيز لما سلمت: واستقبل أعيانها وممثلى الدول فيها قبل أن يدخل جدة فى اليوم التالى، وفى هذا القصر أقيمت حفلة الشاى التى حضرها الأمير وسبقنا سموه إليها، ولا عجب، فإن سموه يركب الرولزرويس ولا يتلكأ فى الأسواق ولا يريد الغنى من وراء اضطراب قيمة الجنيه بين التجار، ونحن نفعل ذلك — ولنا العذر — ونركب سيارة يأبى سائقها «صابر» أن يسرع بها لئلا يفسدها لأنها جديدة، ولأنه هو على ظرفة وفساحته حنبلى جداً.
ولا حاجة بى أن أقول شيئاً عن الشاى فإنه ككل شاى، وقد شربناه واقفين — كل نحو عشرين إلى مائدة منقلة بأباريق الشاى واللبن وألوان الفطائر واللمائز والولائق والرصائع؛ وكان ممثلو الدول يحفون بالأمير، والقائم بأعمال المفوضية البريطانية ووزير الروسيا المفوض يتنافسان على الخطوة عنده ويتسابقان إلى إكتساب وده، أما نحن الذين لم يكن لنا من عمل أهم فى الحجاز سوى بطوننا. فقد آثرنا مائدة أخرى ليسعنا أن ندخن كما نشاء، وقد حمدنا لهذين الممثلين المتنافسين أنهما شغلا الأمير عنا بإلحاحهما عليه ومطاردتهما له.
ثم خرجنا ليشهد عرض الجيش، فى الفضاء الذين أمام القصر، ووقف سمو الأمير وأدنانا من صفة لتتيسر الرؤية، فمر المشاه النظاميون فى ثياب الخاكى ومعهم أسلحتهم المختلفة، ثم تلاهم من سيمتهم حينئذ الباشبزوق وأنا أعنى بهم البدو، فى ثيابهم الفضفاضه المختلفة الألوان، وكانوا على كونهم بدوأ يمشون صفوفاً منتظمة، وجاء بعدهم الفرسان ثم الهجانة صفوفاً متراصة لا تلتوى ولا تتعرج ولا تختلف كسوتها ولا يسبق جمل جملاً، وعليها، «الرجاجيل» كما يسمون «الرجال» مثقلين بأدوات الكفاح، وأعقبت هؤلاء المدفعية بأنواعها من مدافع رشاشة وأخرى جبلية أو للميدان أو غير مما لا أحسن بيانه وتفصيله، فما أعرفنى رأيت من أنواع السلاح إلا ما يلعب به الأطفال فى الأعياد، ولقد كنت فى الحجاز كلما رأيت رجلاً مدججاً بالسلاح أدنو منه وأمد يدى؛ وقد هممت أن ألمس سلاحه وأتحسسه بكفى — فلو لا الخوف من أن يظنوا بى أنى أريد السرقة أو الخطف؛ لأمتعت نفسى بلمسه.
وأبصرنا من بعيد محملاً صغيراً مقبلاً علينا فعجبت لهم كيف يعدون المحمل المصرى صنما ثم ينخذون محملاً مثله! وأشار الأمير بيده أشارة خفيفة لم يدرك أحد منا وقتئذ معناها أو المراد بها، وحسبناها أمراً بأن يكر الفرسان على نحو ما يفعلون فى الحرب. فقد عادوا واحداً فى أثر واحد يخطفون الأرض بخيلهم ويتصابحون وقد رفعوا الرماح أو صوبوا البنادق أو شهروا السيوف، وأشهد أن مناظرهم كانت مزعجة وأصواتهم مفزعة، ولو رآهم القارئ وهم يعدون بجيادهم ويطلقون البنادق من وراء ظهورهم يوطعنون الهواء بحرابهم وشعورهم منقوشة، لحسبهم بعض الجن.
وصفق الناس والتفت الأمير باسماً ودار ليرجع فسألت واحداً: «والمحمل؟ لماذا نره؟»
فقال: «لقد غاب».
قلت: «غاب كيف؟».
قال: «لم يبق له أثر».
قلت: «ماذا تعنى؟».
قال: «أمر سموه به فأبعد».
وعلمنا بعد ذلك أن سموه كره لنا أن نرى هذا المحمل بعد أن انقطع المحمل المصرى، وكان أحد التجار قد صنعه وكساه من تلقاء نفسه فلما لمحه الأمير أوماً إلى حاشيته أن يردوه فأخطأوا فهم مراده فحملوا عليه وحطموه ومزقوه. فكأنه لم يكن!
إلى هذا الحد كان سمو الأمير دقيقاً فى مجاملتنا ومراعاة أحساسنا.
•••

وقيل: أذكروا أنكم مدعوون إلى مأدبة عشاء فى قصر الكندرة وأن هذه المأدبة رسمية تقيمها وزارة الخارجية أو إدارتها؛ وأن سمو الأمير فيصل سيحضرها؛ وأن ممثلى الدول الأجنبية سيشهدونها كذلك. فسألت عن موعد هذا العشاء فقالوا الساعة الثالثة بالحساب العربى؛ فتناولت ورقة وقلماً وألقيت نظرة على ساعتى الأفرنجية وشرعت أحسب، ولا أكتم القارئ أنى أخيب خلق الله فى الحساب، ولقد غلطت وزارة المعارف (المصرية) مرة — منذ نحو عشرين سنة — فكلفتنى أن أدرس هذا الحساب، فأعترضت وأحتججت، فما أجدى عنى إعتراضى شيئاً، فقصدت إلى «ناظر» المدرسة الخديوية التى نقلت إليها — وكان إنجليزياً — وقلت له: «أن وزارة معارفنا تعتقد أنى كل امرئ يصلح لكل شئ؛ ولكنى أعرف من نفسى أنى لا أصلح لتعليم الرياضة عامة والحساب خاصة؛ وأصارحك أنى لا أصدق أن واحداً فى واحد يساوى واحداً «هذا» كما يقول شاعر عربى «كلام له خبئ؛ معناه ليست لنا عقول» وقد تكون أو لاتكون لنا عقول، هذه مسألة خلافية ندعها الآن، ولكن المحقق عندى أن العلوم الرياضية وفى جملتها هذا الحساب لا تدخل فى دائرة عقلى، فهل لك فى عونى على ما أريده؟».
فضحك وقال: «وماذا نبغى؟».
قلت: «تعفينى من التدريس للفرق العالية، وتقنع بأن تكل الى التلاميذ الفرقة الأولى، أعنى الحاصلين على الشهادة الإبتدائية فى هذا العام ليتسنى لى أن أحفظ الدرس أولاً؛ ثم ألقيه عليهم؛ فنتعلم معاً؛ وفى خلال ذلك تبذل وساطتك لتردنى مدرس ترجمة كما كنت.
فسرته صراحتى ووعدنى خيراً، وشرعت فى العمل، وكنت أحفظ الدرس جيداً وأراجع زملائى ثم أدخل على التلاميذ وألقنهم ما حفظت، وقد وفقنى الله فى الهندسة والجبر، أما الحساب فأعوذ بالله منه!! كنت أخطئ فى كل مسألة أطرحها على التلاميذ، ولم أكن أكتمهم أنى أجهل منهم وأن الذنب للوزارة وليس لى، وأن الوزارة هى المسئولة عن خلطى وتخبطى؛ وانصف التلاميذ فأقول أنهم قبلوا عذرى واغتفروا لى ضعفى وحفونى بعطفهم ولم يبخلوا على بايضاح ما يشكل على وبهدايتى إلى الصواب حين اضل؛ وكنا أحيانا — إذا استعصى عليهم افهامى طريقة الحل — نمضى بعض دقائق فى ندب سوء حظى وحظهم، وربما قال الواحد منهم وقد فاضت نفسه بالعطف على والمرثية لى «كيف ترتكب الوزارة مثل هذا الخطأ الشنيع فتعهد إلى تدريس العلم إلى جاهل به؟
فيحمر وجهى أو يصفر — لا أدرى فما كانت أمامى مرآة — وأقول بلهجة الصابر على قضاء الله فيه.
«أنا عارف؟ قل لها يا سيدى! الأمر لله والسلام».
ولم ينقذنى إلا مفتش انجليزى جاء على عادته ليشرف على سير الدراسة، فعلمت أنه مع الناظر فى غرفته، وكانت مجاورة للغرفة التى أنا فيها، فأوصيت الخادم — أو الفراش كما يسمونه — بأن يدعوه إلى، حين يخرج، وفتحت الباب على مصراعيه، فلما دخل على رحبت به واحتفيت بمقدمه وسرت به إلى مقعدى ومكتبى؛ وهناك سلمته كراسة التحضير وكراسة الأسماء، وأصبع الطباشير وممسحة السبورة.
وقلت له: «التلاميذ أمامك، ومعك كراساتى وأدواتى فالسلام عليك ورحمة الله وبركاته» وخرجت، فجرى ورائى وأدركنى أمام غرفة الناظر.
وقال: «أن هذا جنون، فعد إلى فرقتك».
فقلت: «جنون؟ وهل كنت ننتظر أن أظل عاقلاً؟ لقد صارحنكم مائة مرة بأنى حمار؛ فماذا تريدون؟ أن لى ذمة، وذمتى لا تقبل أن أضيع على التلاميذ المساكين سنة من أعمارهم».
قال: «ولكنى أكدت لك أننا لا نجد مدرساً للرياضة فيحل محلك. فانظر حتى نجد واحداً ثم نعيدك إلى الترجمة».
فقلت: «كلا! تتولى انت التدريس حتى تجدوا المدرس. وأنا مستعد أن أقوم عنك بمهمة التفتيش».
فضحك، وضحك الناظر وكان قد خرج على صوتنا ولا أطيل: أقنعانى بالعود إلى فرقتى على ألا يطول عذابى إلا اياماً معدودات؛ وقد كان.
وقد قصصت هذا التاريخ القديم ليعذرنى القارئ إذا كان قد عزنى أن أعرف الوقت بالحساب الأفرنجى، ولقد ملأت والله الورقة كلها بالأرقام لأعرف كم تكون الساعة بالحساب الإفرنجى فى الحجاز إذا كانت الثالثة بالحساب العربى فى الحجاز أيضاً، فألفيتها تكون كل ساعة ما بين الأولى والرابعة والعشرين. إلا التاسعة مساء كما زعموا، وقد اتفق مرة أن أنتج حسابى الساعة التاسعة ولكنها كانت التاسعة صباحاً! فمزقت الورقة بائساً ورميت القلم من النافذة.
وملت إلى واحد وهمست فى أذنه: «أرجو أن تصدقنى! كم ساعة باقية لنا قبل هذه المأدبة؟».
فأخرج ساعة ونظر فيها وقال: «ساعتان ونصف».
فقبلته بين عينيه وقلت له: «أنك آية من آيات الله فى الذكاء وحدة الذهن. ولو كان الحسد فى طبعى لحسدتك. فإن من المدهش ولا شك أن تستطيع عمل كل هذا الحساب المضنى فى ربع ثانية! فتح الله عليك! فتح الله عليك!».
وخرجت أعدو إلى غرفتى ووقفت أمام المرآة وقلت لخيالى فيها: «أسمع يا مازنى. أن هذه المأدبة رسمية وسيحضرها وزراء الدول وقناصلها فينبغى أن تكون فيها فخراً لبلادك وعنواناً على ما بلغته من الحضارة والرقى، لا عاراً عليها وسبة لها؛ فألبس ثياب السهرة وإن كانت من طول ما طويت فى الحقيبة قد تجعدت وتثنيت وصارت كالوجه الذى غضنته الشيخوخة؛ ولكن هذا حرى بأن يغتفر فى الحجاز، وعندك فى هذه الحقيبة كتاب فى آداب السلوك فى المجتمعات فأخرجه وأدرسه بسرعة؛ فإن فى ساعتين الكفاية، أفهمت؟ إذن فالى العمل!».
وتناولت الحقيبة وحططتها على السرير وفتحتها بسرعة وأخرجت بذلة «الأسموكنج» والقميص الأبيض والرباط الأسود، وسائر ما تتطلبه هذه البذلة، ونضوت ما على بدنى من الثياب، ثم تذكرت الكتاب فأخرجته وقعدت على السرير أدرسه وأنا نصف عار وأجريت عينى فى الفهرس حتى استوقفنى هذا العنوان: «فن الانحناء». ففتحت الصفحة التى يشير إليها الفهرس وقرأت وأنا كالمسحور، ما ترجمته. «إن الإنحناء، ولمن يكون وكيف يكون وفى أى وقت يكون؛ فن قائم بذاته؛ وإتقان ذلك وتجويده، والحذق فيه والأستاذيه، أكبر ما يمتاز به الرجل المهذب».
فخفق قلبى طرباً وشاع فى السرور علوا وسفلاً، وبعد أن قضى بدنى وطره من الوثب والقفز — أو الرقص إذا أثرنا الرقة فى التعبير — عكفت على الكتاب لالتهم منه هذا الفن الجليل فقرأت. «وأول ما يجب على المرء، أن يكون وضع القدمين كأول وضع لهما فى الرقص».
فكفأت الكتاب على ركبتى وذهبت أحضر إلى ذهنى وأتمثل هذا الوضع الأول فى القرص؛ فطافت برأسى صور شتى للأقدام كما كنت أراها فى المراقص المصرية، غير أنه ما من صورة كانت تشبه الأخرى، فألححت على خيالى وكددت خاطرى وحصرت ذهنى فى هذا الموضوع وطردت عنه كل ما عداه حتى صار رأسى وليس فيه إلا أحذية «ضاحكة اللأ لأ» تروح وتجئ وتنساب تحت السيقان الـ …».
وخفت أن أترقى فى التصور من الأحذية إلى ما فوقها فيتم فساد العمرة التى أفسدها المطوف وأشياء أخرى حدثتك عنها فيما أسلفت عليه القول.
ثم قرأت. «وترفع اليد اليسرى بخفة ورشاقة وتوضع أطراف بنانها على الصدر فوق القلب؛ ثم يحنى الرأس ويليه الجسم مما يلى الردفين وتكون اليد اليمنى فى أثناء ذلك ترسم «فى الهواء خطأ مقوساً بلباقة وأناقة»؛ ومما ينبغى توخيه والتدفق فيه والحرص عليه أن «يكون تعبير الوجه فاتننا على قدر ما يستطيع صاحبه، ونظرة العينين سابية ساحرة، «أما درجة الإنحناء فرهن بمقام الشخص الذى له التحية» إلخ إلخ..
وطويت الكتاب وأطرقت، فما كنت أظن الإنحناء يمكن أن يكون عملاً معقداً إلى هذا الحد! ومن لى باللباقة ومن أين أجئ بالرشاقة إذا وسعنى أن أؤدى هذه الحركات؟ أن كل ما أحسنه هو أن أهزز رأسى متتابعاً — من أعلى إلى أسفل، أو من اليمين إلى اليسار — إذا أردت الإعراب عن الموافقة أو المخالفة كلا منى عن النطق بنعم أو لا، وقد ألاقى فى الطريق بعض من أعرف وتكون بينى وبينه مسافة تمنع الكلام فأحاول أن أومئ إليه برأسى وإذا به يتجهم ويحدجنى بالنظر الشزر، فأعجب لسوء أدبه فى رد التحية، وقد تبينت فيما بعد أنى لم أكن أهز رأسى بل أحرك حاجبى فكان الناس يحملون هذا منى على محمل السخرية ولو علموا لعذروا.
وقلت أتدرب؛ فوثبت إلى قدمى واستويت واقفاً أمام المرآة وقلت وأنا أبتسم لخيالى فيها وانحنى: «يا سيدى الأستاذ المازنى أنى أحييك وأؤكد لك أنى خادمك المطيع وأدعو لك بطول العمر» ثم أعتدلت بسرعة فقد شق على منظرى؛ وكنت لاأزال نصف عار، وعجلت بإرتداء الأسموكنج حتى إذا فرغت من ذلك خرجت أتخطر وأنحنى بعد كل خطوتين أو تلات انحناء عميقاً كأنى ماثل بين يدى ملك الملوك على الأقل أو أفتن إمرأة فى العالم وإذا بطربوشى تكبسه على رأسى بطن الخادم فتراجعت قليلاً لأفسح لنفسى ورميت إليه إنحناءة عميقة وقلت وعلى فمى إبتسامة لم يخالجنى شك فى عذوبتهما وسحرها: «سيدى أنى أعتذر واحيى فى شخصك فضائل الطاعة والإخلاص والأمانة».
فارتبك المسكين وجحظت عيناه وتصبب العرق البارد من جبينه وصار يتلفت يمنه ويسره كالذى يبحث عن نافذه يثب منها حتى إذا وقعت عينه على الباب؛ ولى هارباً؛ فتلبثت … هنيهة أصلح من شأنى وأرد طربوشى عما جار عليه من وجهى ولما لم أجد أمامى أو معى أحداً من خلق الله استقبلت الباب وألقيت. إليه إنحناءة بارعة وإذا بأصوات من خلفى تصيح بى: «إيه ده بس فى عرض النبى؟ طلعت البلا على جتة الخدام».
فدرت على عقبى وجدت عليهم بإنحناءة متقنة وقلت وأنا أرسم بيمناى قوساً مزدوجاً: «سادتى. إنى عبدكم الخاضع المطيع وخادمكم الوفى الأمين».
فقال أحدهم وهو يثور بكلتا يديه كأنما يطرد عن وجهه جيشاً من الذباب: «خادم إيه وزفت إيه؟ هل جننت حتى تنحنى للباب وللخدم والهواء؟ ما معنى هذا؟»
قلت: «عفواً، ولكنى أظن المعنى واضحاً جداً، وكل ما فى الأمر أن الشوق إلى الإنحناء لج بى ولما أجد خيراً من الخادم أو الباب لم أر أن هذا من حقه أن يحول دون أطفاء حرارة الشوق الذى أكابده؛ فأما وقد تفضلتم على بالظهور لى فى الوقت المناسب فأسمحوا لى أن أقوم بتجربة أخرى على مرأى منكم وأرجو أن تجعلو بالكم على الخصوص — إلى سحر إبتسامتى فأنى أريد أن أطمئن عليها».
ورددت قدمى اليسرى خطوة ورميت إلى كل منهم انحناءة باهرة، فوجموا قليلاً ثم راحوا يدقون كفا وقال أحدهم: «هذا جنون مطبق».
فقلت: «كلا! ولكن عندى كتاباً يكد واضعه إن الإنحناء البارع أكبر ما يمتاز به الرجل المهذب. وأنا مستعد أن أعيركم إياه فإن العلم بما فيه ينقصكم على التحقيق».
ولا أطيل. عراهم سهوم الحسد فجلسوا صامتين برهة ثم نادى أحدهم الخادم أو صفق له على الأصح وقال لى قبل أن يدخل الخادم: «لا أدرى من اين تجئ بهذه الكتب، وإن كنت عظيم الشك فى وجود كتاب كهذا؛ ولكن الذى أريده أن الخادم قد إرتاب فى عقلك فأرجوا — ألح — عليك — أن لا تفعل أمامه شيئاً وكفى ما فعلت».
فلم أعلن بالرد عليه وشربت القهوة التى طلبتها فى صمت، فقد كنت راضياً عن نفسى معتزاً بما أحرزت دونهم من براعة وحذق.
•••

والجو فى الليل يبترد فى جده؛ وكانت الساعة قد قاربت التاسعة مساء (بالحساب الافرنجى) على ما زعموا حين أعدت لنا السيارات لركوبها إلى الكندرة، فقلت لسائقنا الجديد وكان هندياً — فقد هجرنا صابر وملنا وجفانا بعد مكة — وأنزل الغطاء فأنى أريد أن تكون السيارة مكشوفة».
فصاح زميلى: «ولكن الجو بارد والرياح عنيفة».
فقلت: «أسكت انت من فضلك. أتريد أن تحرم أهل جدة منظرنا فى ثياب السهرة! أنه منظر لا يرونه إلا فى الندرة القليلة والفلتة المفردة، وحرام علينا أن نضن به عليهم».
فقال: «يا أخى أن الطريق صحراء لا ناس فيه ولا شجر، فأصنع معروفاً ودع الغطاء مرفوعا».
قلت: «كلا أنا ايضاً لا ألبس الأسموكنج كل ليلة، وليس من الأنصاف لى أن أرتديها وأتحمل عذاب هذه البنيقة (الياقة) الناشفة وأن أختفى وأتوارى عن العيون، إذا لماذا تجشمت كل هذا التعب؟».
ولا أحتاج أن أقول أن زميلى فى السيارة أقتنع بسداد رأيى.
وأننا ركبنا السيارة مكشوفة وخرجنا بها من جدة إلى الصحراء فى طريقنا إلى الكندرة؛ ولم تكن المسافة طويلة فقد كنا نرى أضواء القصر بعد أن جزنا سور جدة، وكان القصر يعب بالناس ويزخر بالضيفان، فجعلت أطوف بالحجرات الخاصة بالخلق وأعجب أين ترى سنأكل وليس فى القصر شبر خال؟ وضحكت فى سرى وقد تذكرت قول المتنبى فى كافور:
جوعان يأكل من مالى ويمسكنىكما يقال عظيم القدر مقصود! وخطر لى أن هذا حالنا! ندعى مئات إلى القصر ونحجز فيه ولا طعام وإستحييت أن أسأل وإنسانى القلق على العشاء، والخوف من عض الجوع، ما اتعبت نفسى حتى مهرت فيه — أعنى الإنحناء — ولكن وجهى كانت مرتسمه عليه إبتسامة تشجع الناس على المصارحة فدنا منى واحد قال: «ألا تحب أن ترى مكانك من المائدة؟».
وهنا تذكرت الفن الذى حذقته فتراجعت وانحنيت ثم استويت وقلت: «سيدى. أنى تحت أمرك».
فحملت فى وجهى وتلعثم. ولا عجب فيما له عهد بمثل هذه الأستاذية، ولم يزد على أن قال «تفضل».
فجدت عليه بإنحناءة أخرى أدق وأبرع وقلت: «سيدى. أنى أرجو أن تتقبل شكرى الخالص الذى يفيض به قلب يعرف الجميل ولا ينكره و…».
فهرول الرجل، وبدا لى أن الحزم أن أهرول وراءه لئلا يهرب أو يختفى فى الزحام؛ والدنيا كما تعلم فرص، والضيوف هنا مئات، وأى طعام يمكن أن يكفى هؤلاء جميعاً؟
وانحدر دليلى الهارب، من سلم خلفى لم أره من قبل ولم أفطن لوجوده لأن عليه أستاراً مسدلة تحجبه! وانحدرت وراءه إلى الصحراء، أو على الأصح إلى رقعة اقتطعوها منها وأحاطوها بسياج من نسيج الخيام الموشى وأضاءوها بالكهرباء والغاز أيضاً على سبيل الإحتياط؛ ومدوا فيها الموائد على شكل مستطيل ورتبوا المدعوين بأسمائهم، فلكل مكانه الذى لايعدوه، واعتدوا لكل واحد ما يحتاج إليه من الأطباق والملاعق والسكاكين وغير ذلك على الطريقة الأوروبية؛ وأقاموا فى قلب المستطيل فوق بئر يسقى منها القصر، شبه مسرح زينوه بسعف النخل ورفعوا عليه صورة كبيرة لجلالة الملك عبد العزيز بن السعود، وجعلوا فوقها رأيتهم وهى «بسم الله الرحمن الرحيم» وعليها سيفان لاشك أنهما ماضيان. وقد أعجبنى ذوقهم فى حجب البئر عن العيون وحيلتهم بالإنتفاع بها وإستخدامها.
وأن أن يطمعونا؛ وكان هذا قد آن جداً قبل ساعة، فجلس سمو الأمير فيصل فى الصدر وإلي يمينه معتمدو الدول الأجنبية؛ وإلى يساره زكى باشا ونحن نتلوه، وبين كل اثنين منا رجل من كبراء الحجازيين، وتوسط فؤاد بك حمزة مدير الشئون الخارجية ضلعاً آخر من المستطيل وعلى يمينه ويساره قناصل الدول وفى جملتهم قنصل مصر وإن كان غير معترف به؛ وهم يدعونه بصفة غير رسمية إلى الحفلات ومآدبها على الرغم مما بين البلدين من الجفوة الحكومية المتكلفة التى لامسوغ لها.
وكان أمام كل نحو ثلاثة من الضيوف — فوق المائدة — كرسى واطئ عليه طشت كبير غاص بالأرز المحمر المخلوط بالصنوبر والزبيب وما إلى ذلك وفوق هذا كله كبش محمر تفوح رائحته المغرية وتتضوع إلى أنوفنا فننظر إلى الأمير فلا نراه يمسه فنكف ونتنهد، وقد طافوا علينا بتسعة عشر لونا من الأطعمة الشهية حتى إكتظظنا جداً ولم نعد نستطيع أن نتنفس، وبرزت صدورنا وصارت لنا كروش كروية عظيمة، وعلى كثرة ما أكلنا؛ أعترف أنى قمت متحسراً على الخروف الذى كان أمامى، ولا أدرى لماذا يذبحون كل هذه الخراف الجميلة ويحمرونها إذا كانوا لا يأكلونها ولا يدعوننا نصيب منها شيئاً؟ قد خامرنا الشك فى أنها خراف حقيقية كانت قبل ساعات تثغو وتقول «مآه! مآه! وقلت لعلها رسوم مجسمة على صور الخراف، ولكنى لم آر أثراً لهذا الفن فى الحجاز.
ويخيل إلى أن الحكومة الحجاز تعتقد أن ضيوفها شرهون؛ وإلا لتوخت بعض القصد فيما قدمته من صنوف الطعام، فإن ما أدبر علينا كان يكفى أمة بأسرها، على أن العرب جميعاً يبالغون فى مقدار ما يطعمون ضيوفهم، ولعل ذلك راجع على طبيعة البداوة وما ورثوه من أخلاقهم. وعاداتها، لكنه اسراف على كل حال، ولو كان لي من الأمر شيء لطلبت الحجر على الحكومة والناس جميعاً هناك.
وخطب فؤاد بك حمزة في ختام المأدبة لمناسبة أنقضاء عام على مبايعة ابن السعود ملكاً على الحجاز فبين ما قامت به الحكومة السعودية من الإصلاح وما تفكر فيه من وجوهه المختلفة؛ ورحب بالمدعوين جميعاً وخصنا نحن المصريين بالذكر الطيب وأعرب عن أمله أن نكون رسل سلام ووئام بين الشعبين الشقيقين، فأجابه زكي باشا بالنيابة عنا وشكر وأثني كما ينبغي ثم حمس فانطلق يخطب بالفرنسية ليفهم عنه الأجانب، ولم يفته أن يشنع علينا لأنا طفنا بالسيارة متخذاً هذا دليلاً على أن الاسلام يتسع لكل ما تجيء به الحضارة؛ ونسي — عفي الله عنه — أن طوافنا بالسيارة كان بإذن سمو فعلى الأمير حسابه.

الفصل السادس
في وادي فاطمة


كان بيتنا أعني بيت العويني — في طرف المدينة — أعني جدة — أو لعل هذا مبتداها فما أعرف أين بدايتها وأين نهايتها، وكل ما أدريه أنه قريب من البوابة المؤدية إلى طريق مكة والمدينة، وانه — أي البيت لا الطريق — يطل على البحر وعلى ما كان في عهد الأتراك يسمي «الكازينو»، وهو الآن مهجور، وكان يومنا الخامس هو الخميس، وهو أتفاق لم نعتمده، وفي صبيحته احتشد عندنا كل زملائنا إذ كنا على طريقهم، وكان الغداء في وادي فاطمة، وكانت السيارات أمام الباب تدور وتلف وتصطف استعداداً للسير، فجلسنا نشرب القهوة المصرية — أو التركية كما يسمونها — ونتلاحظ ونتكلم جميعاً في وقت واحد ولا يصغي أحد منا ألا لنفسه. ثم قيل: «تفضلوا» تفضلنا، أعني أن بعضنا وقعوا ثم نظروا إلى الباقين فألفوهم جلوساً، فقعدوا مثلهم؛ فسئلوا «لماذا قعدتم؟» فقالوا «حتي يقوم هؤلاء» فمضي الداعي يستنهض الآخرين ويشد اذرعتهم وهم معرضون عنه ماضون في كلامهم، ويكرر لهم دعوته، أن يتفضلوا فيقوم الواحد منهم متثاقلا وكأنه لا يعي ما يفعل، ولسانه لا يكف عن الكلام ووجهه لا يثني عن الأعراض، ثم نسير خطوات فيقف واحد ويواجه الباقين ويضطرهم الى الوقوف والأصغاء، حتى على السلم كان هذا يتكرر فكان يتفق ونحن نازلون أن يقف واحد بغتة ويدير الينا وجهه، وتكون أرجلنا مهيأة في هذه اللحظة للهبوط وأجسامنا محنية؛ فنردها — أعني أرجلنا — بسرعة، ونستوي واقفين فتصطدم الرؤوس بالصدور التى وراءها، وترتفع الأصوات بالسخط والفاظ الاحتجاج والاستهجان.. وهكذا..
وأجلت عيني في السيارات وسائقيها، فإذا (صابر) — ذلك الغلام الحنبلي — قد جفانا وآثر علينا سوانا، فترقرق الدمع في عيني وتدلي رأسي على صدري، فقد كانت صحبته رضيه وحديثه شهياً، وهو على الرغم من شبابه اليافع فتي مخضرم أن صح هذا التعبير، أعني أنه أدرك جاهلية الحسين وعهد ابن السعود، لأفاده ذلك حكمة ليست لسنة وكياسة لا تكون مع الشباب، وعلماً بالدخائل واطلاعاً على الخبايا، فقد كان كما أسلفت القول في موسيقي الحرس الخاص بالحسين وبنيه، وهو الآن عامل في شركة القناعة للسيارات. غفر الله له وعفا عنه فإنه مصري مثلنا.
وأفسحوا الطريق وانطلقت السيارات. وعزائي أن سائقنا الهندي لا يعرف الطريق — ولا العربية — وأن (صابرا) الذي هجرنا، أمره — لا أدري بأية لغة فما فهمت كلمة من حديثهما — أن يتبعه ولا يسبقه، كذلك قال لنا صابر مترجماً، فأدركت أن في (صابر) رقة على الرغم من حنبلية مظهره.
والطريق إلى وادي فاطمة هو عين الطريق إلى مكة، ولكنه ينحرف عنه قبلها ويذهب يسرة ويصبح ذلك وعرا، كله حفر ونقر وصخور وتراب، وكان الهواء قد أسكرني فنمت ومن عادتي إذا كربني هم أن التمس السلوان في النوم، وان أتعزي بالأحلام وأضغاثها عن الحقائق ومراراتها، وهذا من فضل الله على، ولكم قلت لمن يحلو له ن يهجرني ويحسب أنه بذلك يعذبني «اذا كان في وسعك أن تصد عني فإن في مقدوري أن أصد عن الدنيا كلها والحياة بأسرها انظر «ثم أضع رأسي على الوسادة وأغمض جفني وأقول بسم الله الرحمن الرحيم توكلت على الله الحي القيوم الذي لا ينام، وأهب من فوري إلى وادي الأحلام.
ولكنا لم نكد نميل عن طريق مكة الممهد حتى استيقظت والشرر يتطاير من عيني، فقد توهمت أن زميلي ضربني على رأسي وكبس طربوشي على أذني، وهممت بأن أمسك بتلابيبه — أعني بربطة رقبته — وفي نيتي أن أضيقها على عنقه حتى يختنق، ولكن الطريق عاجل السيارة بحفرة أخري، وإذا بي ارتفع عن مقعدي — وحدي بلا معونة — وأطير بقدرة الله حتى أبلغ السقف، ثم أنحط كالحجر، وإذا بطربوشي قد غطي عيني ايضاً وهوي إلى أرنبة أنفي. ففهمت. وحاولت أن أخرج رأسى فلم أستطع الطربوش من زره، فبقي الطربوش في مكانه وخرج الزر في يدي، فأهبت بزميلي الراكب معي أن يساعدني. وكان لسوء الحظ نائماً، وكنت أنا بفضل الطربوش لا أراه ولا اعرف ذلك فحسبته يتعمد أن يمنع عني معونته، وغاظني هذا منه، وذكرت مثلنا المصري العامي القائل «ضربوا الأعور على عينه قال خسرانه، خسرانه» فتوكلت على الله ونطحته في كرشه — فقد كان ذا كرش كما نسيت أن أخبر القاريء — فهب مذعوراً يقول «بع بع» واندفعت كلتا يديه إلى كرشه فوقعت على الطربوش — وكنت أهم بنطحه مرة أخرى — فتزحزح ألى آخر المقعد اتقاء للنطحة، وأحسست اصابعه على حافة الطربوش مما يلي أذني! فجذبت رأسي إلى الوراء فجأة وبقوة فخرج الطربوش في يديه مقلوباً فاعتدلت وقلت له: «أشكرك يا صديقي. والآن هل معك دبوس؟»
فصاح بي: «ما معني هذا؟ أريد أن أفهم! حالاً!»
قلت: «معناه أن زر الطربوش في يدي، وأنه لا يليق أن أبدو للناس هكذا — أعني بغير زر، فهات دبوساً واكسب الشكر من صديقك».
قال وهو مقطب: «ولكن هذا لا يليق. وإذا كنت حضرتك تظن..».
فقلت أقاطعه: «تمام. لا يليق أبداً. ولذلك أرجو أن تعطيني دبوساً. ثم أن أسمي ابراهيم أفندي عبد القادر المازني».
فقال وهو بمط شفتيه اشمئزازاً: «يعني حضرتك فاهم …».
فأسرعت إلى اتمام الجملة بدلاً منه: «.. أني لا استطيع أن أظهر بطربوش ليس له زر، بالضبط، وأسمي ابراهيم افندي عبد القادر المازني».
فشور بيديه كلتيهما وقال «أوه …! ده شيء يجنن!».
ثم عاد فالتفت إلى وقال: «يعني أزاي حضرتك تنطحني؟ عمري ما شفت كده! دي رحلة زي الزفت!»
فقلت: «أني أراها على عكس ذلك.. أجمل رحلة قمت بها في حياتي، وأرجو أن نقوم بها معاً مرة أخرى».
ويظهر أنه يئس وفوض أمره لله ولسوء حظه فأعرض عني وهو يقول: «أبق دور على غيري».
فقلت: «ان شاء الله وان كان هذا من دواعي أسفي — أعني في المستقبل، وفي أثناء ذلك أرجو أن تعطيني دبوساً».
فلم يعد يستطيع أن يكظم غيظه وسخطه ونقمته وصاح: «دبوس أيه ياأخي؟ هو أنا دكان مانيفاتورة؟ ولا حضرتك بتتريق؟ فقلت «معذرة. ليس بي حاجة إلى الدكان كلها. أنما اريد منها دبوساً واحداً — أو أبرة اذا أمكن، بل الأبرة خير، وأرجو أن تذكر أن اسمي ابراهيم أفندي عبدالقادر المازني»..
فضحك أخيراً بعد أن أدرك مرادي وقال: «طيب وحياة أبوك تبعد عني بقي يا ابراهيم افندي يا عبد القادر يا مازني».
فانصرفت عنه إلى السائق واشرفت عليه من ورائه لأري هل في صدره دبوس أو نحو ذلك، ففزع الأبله واضطرب وارتفعت يداه عن عجلة القيادة فكادت السيارة تنقلب بنا في حفرة لولا أن أسرعت ومددت يدي إلى العجلة وحولت السيارة عنها — أعني عن الحفرة.
ولا أطيل. اضطررت أن أحمل طربوشي في يدي. وأن أشكو حرارة الشمس ووقدتها حتى وجدت من يعيرني دبوساً أصل به الزر إلى عنق الطربوش حتى نعود إلى جدة.
ووادي فاطمة واد — كما هو ظاهر بالبداهة — ولكنه غير ذي زرع كثير؛ فيه نخيل وأعناب؛ وفيه موز وبذنجان، وطماطم وليمون، وملوخية وبامية، وأحسب هذا كل ما فيه أو أكثره وله عين يترقرق منها الماء ويجري في مجري ضيق يستطيع المرء بأيسر مجهو أن يتخطاه من جانب إلى جانب، وإذا وضع يده فيه أي في الماء — لم تبتل إلا عقلة واحدة من أصبعه، وهم مع ذلك يباهون به ويعتزون، وقد هززت رأسي أسفاً حين رأيته — أعني الماء — وقلت لواحد كان واقفاً إلى جانبي وأنا أقوم بهذه التجارب: «أن لنا في مصر نهراً عظيماً ينبع في جبال القمر على قول، ومن الجنة على قول آخر أظنه الصحيح، ويقطع إلى البحر الآف الفراسخ، وتستطيع الأساطيل الضخمة أن تغرق فيه إذا شاءت، ومع ذلك لا يكفينا ولا نقنع به، ولا تزال بلادنا أكثرها صحراء بلاقع كما هي هنا. فالحق أن بلادكم أو على الأصح فدافدكم، تعلم لزهادة وتروض النفس على القناعة».
وهناك في قلب الوادي رأينا الخيام مضروبة، واحدة للأمير وأخري للأجتماع، وثالثة لموائد الطعام، فقد جلبوا إلى الصحراء أدوات الطعام كاملة لا ينقصها كوب من الزجاج ولا سكين ولا ملعقة، وقد عجبت لهم كيف استطاعو أن ينقلوها من غير أن تتحطم الآنية كلها!
وكان الأمير قد سبقنا، والمكان قد أزدحم، وحف ممثلوا الدول بالأمير فجاءونا بكراسي وصفوها أمامه فجلسنا بينه وبين الناس، وبدأوا يلقون الخطب وينشدون القصائد بين يديه، يمتدحون فيها العهد السعودي ويصفون ما بلغت البلاد في ظله وبفضله، وساءني أن التلاميذ شجعهم اساتذتهم على المبالغة والغلو، ولم ارتح الى سماع كلمات «العلي والمجد والقمة والسنام» إلى أخر ذلك مما زعم التلاميذ في خطبهم ان الحجاز ارتقي اليه، وقلت لجار لي — وأظنه كان حجازياً — أن هذه المبالغات السخيفة هي داؤنا جميعاً، واننا جميعاً — في مصر والشام والعراق والحجاز الخ — احوج الى مواجهة الحقائق وفتح العيون على الواقع وقياس ما بيننا وبين من سبقنا من الأمم، وأن من الاجرام أن نخدع انفسنا ونغالطها في هذه الحقائق، ومن الجناية أن تنشئوا هؤلاء الأطفال على التوهم ان بلادهم بلغت أوج المجد وارتفعت إلى القمة العلي وغير ذلك من الكلام الفارغ. وأنه أجدي عليكم أن يعرف كل أمرئ مبلغ ما يطلب منه في سبيل بلاده لتتهيأ نفسه لبذل الجهد الذي يحتاج اليه، وضربت له مثلاً فقلت أني قد أري شيئاً أتوهمه خفيفاً فأمد اليه يدى لأرفعه وأنا غير محتفل، ويتفق أن يكون ثقيلا على عكس ما تصورت، فأعجز، وأخسر وقتاً وجهداً في غير طائل، ولكني، إذا عرفت أنه ثقيل، أشد أعصابي وأوحي اليها أن تستعد لجهد عظيم يناسب ثقل الشئ الذي اريد رفعه أو حمله، فيجئ المجهود معادلاً للمطلوب فأنجح، وهكذا في غير ذلك، في صغار الأمور وكبارها، فلا تغشوا أنسكم فإن هذا شر ما تسيئون به اليها، ولا تستهينوا بكلام تظنونه يذهب في الهواء، فإنه لا يذهب في الهواء بل ينفرد في ثري النفوس ويرسخ في العقائد ويستكن في ضمير الفؤاد من حيث لا تشعرون، وإذا كان كل مرادكم أن تثيروا الشعور بالعزة القومية، فإن لهذا سبلاً أخري، ولا خير على كل حال في الفخر الأجوف.
وكان بين الشعراء رجل من الكويت — إذا كانت ذاكرتي لم تخفي — وشعره سخيف ولكن انشاده بديع وفد كان وهويلقي قصيدته الطويلة — يعني ويمثل، وأشهد أن صوته صاف خالص كصوت الفضة، وأن غناءه بارع وخال من التخنث والتطري، وأن تمثيله حسن مطابق للمعاني مؤد لها على وجه الأحكام.
وتلاه شاعر نجدي قح اعوذ بالله من القائه، فليته جاء قبل الكويتي، ولكنه أبي ألا أن يجئ قبل الطعام فكاد يصدنا عنه ويفتر رغبتنا فيه، ويزهدنا في الشعر والأدب والعرب، بل في الحياة نفسها فأعوذ بالله مرة أخري وثانية وثالثة من القائه، وسأظل أستعيذ بالله منه كلما ذكرته فإنه يفسد على نومي ويسود العيش قي عينى، ويغثي نفسي ويكرب صدري، وقد ضرست أسناني لما سمعت صوته، وأحسست كأن الحكة قد شاعت في جلدي — أعني الجرب والعياذ بالله مرة رابعة منهما أعني الجرب والصوت، وأني لأوصي الحكومة الحجازية أن تقطع السنة الشعراء النجديين اذا كانت أصواتهم منكرة كهذا الصوت، فإن اليكم خير الف مرة، وهذا الصوت — اذا كان له مشبه — خليق أن يغري الخلق بالفتنة والتمرد ويدفع الرعية إلى الأنتفاض والثورة.
وقمنا إلى الطعام بعد هذا البلاء الشعري، وكانت الوانه — أعني ألوان الطعام لا البلاء — مغرية، وكانت الخراف الشهية في الطشوت، تخايلنا، فسألت: هل هي للزينة كما كانت في مأدبة الكندرة أم للأكل؟ فضحكوا وقالوا بل للأكل، فالقيت السكين والشوكة، وشمرت كمي ونهضت عن الكرسي وقلت لعبد من الواقفين: «أرفع هذه الصحون من أمامي وافسح لذي القرنين، فإني أراه لا يزال ذا قرنين على الرغم من الدبغ والسلخ والشيء والتحمير — هات عجل، يا عبد الله «وليسامحني الأمير، فإني لا أحب المغالطة».
فلما فعل — أني العبد لا الأمير — دفعت يدي في خاصرة لخروف فلم أكد أفعل حتى ندت عن صدري صرخة من الطبق العالي الذي يوقظ الموتي في قبورهم، وإذا بي أدور على عقبي، وذراعي في الهواء وأصابعي مدلاة، وفمي ينفخ ويقول «فو.فو.» من لسع النار التي قي خاصرة الخروف!
فبذمتي ليس هذا من الكرم في شيء! يجيئوننا أولا بهذا الشاعر النجدي ينغص عيشنا ويشعرنا غصص الموت في حياتنا بل في شبابنا — فقد كنا جميعاً شبانا في الحجاز حتى زكي باشا — ثم يثنون بهذه الخراف التي حشوا بطونها متقداً، ويزعمون أنهم يطعموننا ويكرموننا؟؟ لماذا أذن كانت ألوان الطعام الأخري لا تلسع ولا تحرق؟؟ اليس من الواضح أن هذا تدبير مقصود؟؟
ومال الأمير — بعد الطعام إلى خيمته ليستريح، وملنا نحن إلى النخيل نحتمي في داره من الشمس وارتمينا على الرمال وأشعلنا السجاير وذهبنا ندخن وإذا بثلاثة من الجنود النجدية يجرون الينا واحداً بعد الآخر ويسألنا كل منهم بدوره: «معك شيء من العكس؟»
فلم أفهم ما العكس الذي يطلبون شيئاً منه، وحسبتهم يعنون الدخان فخرجت علبة السجائر وعرضتها عليهم فتناولوا منها وعادوا يسألون عن «العكس» هل معنا منه شيء؟ فقلت لعله طعام أو شراب، وأشرت إلى خيمة المائدة وقلت: «هناك. لقد تركنا الخراف والله سليمة أو كالسليمة، فعليكم بها أن كنتم تعنونها والأمر لله. أما إذا كان شراباً ما تطلبون فهذا هو المساء يجري عند أقدامكم فانكفئوا عليه وعبوا قيه وأكرعوا منه».
فمضوا عني وهم يبتسمون وكأني كنت أخاطبهم باللغة الأردنية. وقد علمت بعد ذلك أن العكس معناه في إصطلاحهم الصورة، وكان الباعث لهم على طلب الصورة منا أن رياض أفندي شحاته أعد نحو ألف صورة — في حجم بطاقة البريد — لجلالة الملك أبن السعود وفرق أكثر ما معه في وادي فاطمة، فتوهموا أن كل مصري مصور ورياض أفندي أيضاً! وليتني كنته! إذن لاستغنيت عن هذا الكتاب ولما أصبحت أتجشم تعب التسطير والتحبير ونفقات الطبع والنشر.
ثم عدنا إلى خيمة الأجتماع وكانت غاصة، ولم يكن الأمير قد حضر، فطافوا علينا بأقداح القهوة في قعورها رشفة؛ فعدت إلى الأجتماع وظللت أستزيد حتى فر الساقي واختفي. ولما جاء الأمير استؤنفت الخطب ودعي زميلنا خير الدين أفندي الزركلي الشاعر السوري فأنشد قصيدة حماسية هي كل ما خرجنا به في يومنا — بل في رحلتنا كلها — من الكلام الرصين الجيد، فنهض أحد السامعين من البدو، وقد طرب، وخلع عليه سبحته، وهم آهر أن يخلع عليه عباءته، ولكن أخوانه — أعني أخوان الزركلي.. خافوا أذا توالت الخلع أن ينوء بحملها فصدوا الناس عنه وحموه — هذا إلا.. أعني الخير.
وأنا لكذلك إذا بزكي يدخل كالمدفع، وصوته يسبقه، ومن ورائه السيد عبد الوهاب نائب الحرم، فصفق له الناس فوقف يعتذر فقال كلاماً أرعبنا، ذلك أنه التفت الى الأمير وأنطلق يقول أن أهل الحجاز وعمال الحكومة يزعمون أن الأمن شامل ولكنه تبين أن هذا كذب، ويري من واجبه أن ينبه الأمير إلى الحقيقة ويطلعه عليها ويصدقه فيها، فقد كان مستلقياً في ظل النخيل فسطا عليه لص وسرقه.
وهنا وثب الناس إلى أرجلهم ساخطين مستنكرين، وقلت لجاري لقد خولط الرجل! أما كان يستطيع أن يسكت؟ إلا بد من أن يعلن ذلك على هذه الإملاء كلها؟
ووجمنا، وودت لو أني تأخرت — وأدركت زكي باشا قبل أن يدخل، لأحمله على الصمت وأصده عن الكلام، غير أن ذهولنا لم يطل فقد أندفع زكي باشا يشرح الموضوع وإذا كل ما يعنيه ان السيد عبدالوهاب محدث ظريف وأنه سرق وقته وانساه الاجتماع والخطباء بحلاوة حديثه وقدرته على الأفتنان فيه!
وقد عنيت بأن أذكر هذه الحادثة التافهة لأني أريد أن أخص السيد عبد الوهاب بكلمة؛ فإنه بلا شك برع محدث وأظرف رجل عرفناه في الحجاز، وقد تعلم في الآستانة وأتقن التركية والفرنسية فضلاً عن لغته العربية، وعرف الأيام كما عرفها المتنبي ولكنه ظل مع ذلك رجلاً عطوفاً فيه رفق ورحمة ودماثة ومروءة، وليس في الحجاز من لا يأنس بمجلسه ويشتهي حديثه، وهو على ظرفه وفكاهته كيس وقور ذو رأي أنضجته السن والتجارب وفكر سددته المعرفة والأطلاع. ولو شئت لأطلت ولكن بحسبه هذا مني.
وأشير هنا إلى حادثة أخرى لها دلالتها — ذلك أن عميد وزراء الدول في الحجاز هو الوزير الروسي، وقد كنت أحسبه صينياً فإن من أهل الصين مشابه، وقد وقف يشكر للأمير دعوته هو وزملاءه إلى هذه الوليمة في الصحراء، وكان يتكلم بالعربية أو بما يظنه لغة عربية، ويرفع الشكر إلى الأمير بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن زملائه، ولم يطل فإن من العسير أن يفيض المرء في الكلام بلغة يخترعها على البديهة.
ولكن ممثل الحكومة البريطانية — القائم بأعمال مفوضيتها في جدة — لم يرضه أن يكون ممثل الروسيا هو عميد الهيئة السياسية والذي ينطق بلسان أعضائها مخافة أن يتوهم العرب أن الروسيا مقدمة على أنجلترا ومفضلة عليها، فأستأذن الأمير في كلمة يلقيها ثم نهض فأعرب هو أيضاً عن شكره للحفاوة التى لقيها والكرم الذي غمره، وقد أشرت من قبل إلى هذه المنافسة بين الروسيا وانجلترا هناك، والحق أنها كانت أحياناً تبدو لنا مضحكة، أو على الأصح ممتعة.
ولكل شيء آخر، حتى الخطب والقصائد، وفد تنفسنا الصعداء حين رأينا الأمير ينهذ وقلنا هذا ايذان بالأوبة إلى جدة، والراحة ولكنهم خبأوا لنا مشهداً لا أحسبني انساه ما حييت، فقد ساروا بنا بين النجد النظامية الى العراء، وهناك وقف الأمير وأوما الينا فدنونا منه ورأينا صفين من البدو النجديين ثيابهم شكول، وأكثرها زاه براق، وفي يسراهم البنادق وفي يمناهم السيوف مصلته وبين الصفين أربعة يروحون ويجيئون وأمامهم عبد يضرب بالدف؛ وهو يطول وبقصر؛ ويتثني ويتعوج، ويميل يمنه ويسره، ويقوم ويرقد ويتمرغ على التراب، والدف في يسراه، وفي اليمين عصا صغيرة ينقر بها، والأربعة وراءه يترنحون، والصفان على الجانبين يتوثبان، والمسدسات والبنادق ينطلق منها الرصاص في الهواء، والسيوف تلمع، ومع ذلك كله غناء أو شدو أو تهريج لا أدري، بكلام أعترف سمو الأمير نفسه أنه لا يتبين ألفاظه، وقد أذكرني ما رأيت حلقات الذكر في مصر، ولكن الذاكرين في مصر يلهجون بأسماء الله أما هؤلاء فقيل لي أن الغرض من رقصهم بالسيوف والأسلحة والدفوف تحميس الناس ليخرجوا للقتال.
قالوا، ولا موجب لهذا التحميس ولكنها عادة يدوية قديمة مثلوها لنا ليمتعونا برؤيتها، وكان الواحد من هؤلاء البدو ربما خلع عقاله و«حرامه» ورمي بهما في الهواء ورماهما برصاصة وتركهما يهبطان إلى الأرض، وقيل لي في تفسير هذا، أن يخلع عليه الأمير جديداً عوضاً عن القديم الذي أطلق فيه الرصاص ويبقي العقال ملقي على الأرض حتى يقول له الأمير ارفعه عنها وهذا عندهم وعد — غير قابل للاخلاف — بأن يخلع عليه سواه.
وظللنا هكذا لا ادري كم! واحر بنا أن لا نحس كر الوقت ومر الساعات ونحن نري هذا المنظر الساحر ونسمع الرصاص ينطلق أمامنا وفوق رؤسنا، ولا أكتم القاريء أن الخوف لم يفارقني لحظة، وأني لم أذهل عن نفسي ثانية واحدة، وأعترف أن يكنت أخشي يصيبني سوء — أعني رصاصة وأشهد لنفسي بالأدب فقد كنت لا أزال كلما تنحي ممثل انجلترا ليفسح لي مكانا إلى جانبه في الصف الأول اؤكد له أني استطيع أن أري من تحت أبطه، وأني لا أقبل في حال من الأحوال أن أحاذيه أو أرفع نفسي إلى مقامه، فكان يشكر لي تواضعي ويؤكد لى أنه سعيد بحيرتي، وأنه معجب بذلاقة لساني وقدرتي على الرطانة، فكنت أقول له: «يا سيدي الوزير، أني عربي الأصل في الحقيقة وهذه البلاد بلادي في الواقع، فأنا لست هنا ضيفاً ولا يجوز لابن البلاد أن يسبق الضيق أو يتقدم عليه».
وأتراجع خطوة، وأجعله أمامي، وأتخذ منه — بهذه الحيلة — مجنا دون الرصاص الذي اتقي أن يصيبني، وقد صارحته بالحقيقة ونحن راجعون وقلته له: «أن انجلترا غنية بالرجال فهبك قتلت فإن انجليزية يروح وآخر يجيء، وليس الذاهب بأفضل من الآتي ولكنه ليس في مصر — ولا في الجزيرة العرب على ما يظهر — سوي نازني واحد، وهذا غريب، فقد كنت أتوقع أن يخرج لاستقبالي والحفاوة بي وفد من غشيرتي، ولكني لم أسمع أن واحداً من بني مازن أنحدر إلى الحجاز لهذا الغرض، وأسر اليك أني أخشي أن يكون ابن السعود قد فتك بهم».
فدهش وقال لماذا؟
فخفضت صوتي جداً، وتسببت عن الأرض لأهمس في أذنه «أن قومي عفا الله عنهم — من أهل التخفيف».
قال: «ماذا تعني؟ فإني لا أفهم».
قلت: «أعني أنهم من ذوي المروءات».
وقال: «وهل يفتك بهم ابن السعود لأنهم من ذوي المروءات؟».
قلت: «إن ابن السعود يكره هذا الضرب من المروءة».
قال: «كيف؟ لماذا؟»
«قلت أن اللغويين أعداء قومي — الد أعدائهم — يسمون المرءوة قطعاً للطريق، والتخفيف عن الناس سطوا عليهم، وابن السعود وهابي أي على مذهب اللغويين — سوء تعبير أو خطأ في الوصف كما تري. وأخشي أن يكون قد جر على قومي وبالا فهل لك في حلفي؟».
قال: «حلفك؟».
قلت: «نعم، تحالفني على ابن السعود، إذا ثبت أنه أوقع بهم».
فالتفت إلى بسرعة وقال: «أتتكلم جاداً؟ فلست أكتمك أني مستغرب حديثك وأني لا أكاد أفهم شيئاً!»
وهنا أدركنا واحد فوضعت أصبعي على فمي، ولكن «الواحد» لمحني.
فقال للوزير: «أنا واثق أن حديث المازنى قد حيرك».
فقال للوزير — أو القائم بأعمال الوزير على الأصح — «هذا صحيح. لقد كاد يجرني إلى حرب ابن السعود من أجل قضية لا أفهمها».
فقال «الواحد» — «الم أقل لك؟ فماذا كان يقول؟».
فتركتهما يتذكران وارتددت إلى زملائي قصاحوا بي: «يا أخي أين كنت؟»
قلت: «لماذا؟ الست أمامكم؟»
قالوا: «أن الأمير قد تقضل ودعانا إلى خيمته ليودعنا على أنفراد، ولنا ربع ساعة نبحث عنك».
قلت: «حسنا فعلتم. تفضلوا».
وسرت أمامهم إلى الخيمة ثم تنحيت لزكي باشا فإن شيبته أضوأ من شيبتي، وأنا رجل لا يكابر في الحق، فتلقانا الأمير — ومعه فؤاد بك حمزة مدير الشئون الخارجية — بالتأهيل والترحيب، وأعرب عن سروره بزيارتنا للحجاز ويقينه أنها ستؤدي إلى توثيق العلاقة بين الشعبين الشقيقين.
فقال زكي باشا أن العادة تثبت من مرة واحدة فقال سموه أنها لكذلك، وأني لأرجو أن أراكم في كل علم على الأقل مرة.
وذكر بعضنا المدينة وأنه يحب زيارتها، فقال سموه أن الأمر في ذلك لكم، فإذا شئتم أن تتخلفوا أياماً أخري فإن الزيارة سهلة، ولكنها تكون شاقة ومتعبة أذا أردتم تدركوا الباخرة التي تبارح جدة يوم السبت، فأختاروا ما شئتم.
فشكرنا له ظرفه وحسن مجاملته وكرمه واعتذرنا بأن أعمالنا في مصر لا تسمح لنا بطول التغيب، ورجونا أن تتاح لنا في العام المقبل فرصة العود إلى مثل هذه الزيارة، وأفضنا في الاشادة بما شاهدنا من دلائل التقدم وامارت الإخلاص في ترقية الأحوال وتحسين الشئون وقلنا، وقيل لنا كلام كثير نسيت أكثره ثم تفضل سمو الأمير فخرج معنا من الخيمة ليرسمنا رياض أفندي حافين به.
ثم سلمنا وعدنا إلى جدة وكان هذا ختام الحفلات الرسمية.

الفصل السابع
في بيت العويني


في بيت العويني، عرفت العويني، أعني أني أستطعت أن ألم بطرف من الصفات والخلال التي أعانته على التوفيق في حياته، وهو على ما علمت من أسره سورية وكانت له تجارة رابحة، فلما قامت الثورة السورية أمدها بشبابه وماله وتدبيره، وكان اشبه بزعيم محلي، فقبض على طائفة من رجاله، قال محدثي — والعهدة في الراوية عليه — فأصبح يوما فإذا نساء الحي يصرخن ويولولن ويندبن ويصحن «يخرب بيتك يا عويني». فخيف أن يفضي ذلك إلى اعتقال الباقين وإلى أحباط التدبير كله، فتولي العويني الأنفاق على السجناء وعلى أهليهم الطلقاء — أمهاتهم وزوجاتهم وأخوانهم الخ واحكم أمره وسارت على خير ما يرجي في مثل هذه الأحوال، وكانت الأسرات التي أضطر أن يعولها كثيرة وفقيرة، فأرقته واستنزفت موارده فلم يسعه ألا أن يصفي تجارته — أو ما بقي منها — وأن يرحل.
فقصد إلى الآستانة وفي مأموله أن يبدأ حياته من جديد ومكث هناك شهوراً ثم القي نفسه بنفق ولا يربح فاحتمل حقائبه ومضي إلى جدة وأنشأ فيها وكالة لتاجر سوري كبير، وظل كذلك ثلاث سنوات حتى استطاع أن يقف على قدميه وأن ينشيء لنفسه تجارة مستقلة.
وهو يستورد المتاجر بالجملة ويفرقها على التجار فإذا جاء يوم الجمعة انقدوه أتمان ما باعهم، وقد أخبرني محدثي — ولي به ثقة — أن متوسط ما يجمعه من التجار في كل يوم جمعة يبلغ أربعة آلاف جنيه؛ لا أدري كم يكون ربحه منها، وقد ذكرت ذلك لأعين القاريء على تصور مبلغ النجاح الذي أحرزه والذي يستحق أضعافه، لنشاطه ودؤوبه وكده، وقد كنا نفتح عيوننا في الصباح ونتثاءب ونتمطي على حين يكون هو قد لبس بذلته «الأفرنجية» ولا ينقصه إلا أن يضع على رأسه الحرام الحريري الأبيض، والعقال.
ولولا وجودنا وكوننا ضيوفه لكان قد خرج إلى عمله قبل ذلك بساعات، ولكنه كان مضطراً أن يتأخر حتى يفطر معنا، وكنت أعجب بلباقته وكياسته وحذقه. وفي حثنا على النهوض والأفطار من غير أن يشعرنا أنه قلق على عمله وأنه يريد أن يخرج ليباشره.
وكان العويني يبدو لنا كأنه كل شيء: الحكومة والرعية جميعاً، فهو الذي يعهدون اليه في تنظيم كل أمر ويكلون اليه الأشراف عليه، ويعتدونه مسئولاً عنه فما احتجنا إلى شيء إلا قلنا أين العويني؟ ولا أرادت الحكومة شيئاً إلا قالت: اتوا العويني، ولا ناقة له في ذلك كله ولا جمل، ولكنه النشاط وحسن التدبير والسرعة الرائعة في إنجاز الأمور وحضور الذهن واتقاد الخاطر.
وكان يساكنه شاب آخر في مثل سنه أو أقل — بل هو أصغر على التحقيق — اسمه ابراهيم أفندي شاكر حسبناه أول الأمر أخاه ثم عرفنا أنه صديقه ووكيله، وهو حجازي صميم كان سكرتيراً خاصاً للملك السابق على بن الحسين، وابراهيم افندي كصاحبه العويني في النشاط والرقة، ولكنه ساكن وادع الطائر طويل الصمت، يمر بك كالنسيم الواني، والنظرة إلى وجهه تنعش الروح وتحيي النفس، والجلوس معه يتسع في صدرك الطمأنينة والأحساس بالراحة التامة، وهو مع سكونه دائم الحركة لا يكل ولا يمل ولا يتأفف ولا يكون إلا مفتر الثغر.
وفي بيت العويني أيضاً كان من حظي أن عرفت خالد بك الحكيم، وكان يلبس جبه وقفطانا، وعلى رأسه الحرام والعقال؛ وهو رجل ضخم عليه مهابة ووقار، وفي عينه التماع عجيب ولحديثه سحر، وهو سوري من كبار المجاهدين، تخرج في المدرسة الحربية في الأستانة وخاض حروباً شتي في أوروبا وآسيا وأفريقية — طرابلس — وكان مع جيش ابن السعود الذي فتح الحجاز، ويسمونه «الغطاس» لأنه يكون اليوم معك وتفترقان على أن تلتقيا غداً، واذا به غداً في الشام أو اليمن أو بمباي، ولا يدري سواه أي طريق سلك، ولا علم لأحد بما كان ينوي، وهو بكل بلد أعرف من أهله وأنفذ بصيرة في حاضره ومستقبله، والعشرة من أمثاله بعادلون أمة، ولقد لقيته بعد ذلك في مصر فما ازددت إلا اكبارا له وايمانا به، أكباراً لقوته الصامته وجلده على الحياة وتواضعه المحبب واخلاصه وصراحته، وأيماناً بمعظمة روحه.
وفي بيت العويني جاءتنا هدايا الأمير، وكان صديق لنا قد أسر إلى أننا سنتلقي هدية قسألته عنها أي شيء هي؟ قال عباءة وعقال وما إلى ذلك، فقلت إذا كانت هذه هي الهدية فمرحباً بها وليعجلوا، فسألني: «وإذا كان هناك غيرها؟»
قلت: «ماذا تعنى؟».
قال: «أعني أن من عادة العرب أذا حل بهم ضيف أن يهدوا ويهبوا ويصلوا».
قلت: «أن من المعقول أن تكون هذه عادتهم، فإن البدوي في الحقيقة فقير معدم، وطلبته الطعام والكسوة والمال، فطبيعي أن يكرم العرب الضيف أي أن يطعموه ويكسوه ويصلوه، ولكنا لسنا بدوا — وأني لأشتهي أن تكون لي عباءة وعقال، ولكن هذا ليس لأني عار مفتقر إلى الكسوة بل لأني أعتد هذه الثياب قنية تستحق أن تدخر، أما الصلة أي المال فبالله عليك ألا ما صرفتهم عنه، لئلا يحرجونا ويحرجوا أنفسهم، فإني لا أرضي أن أخذ مالاً لا أستحقه ثم أني أستحي أن أرد عطاء أمير، ولكني سأكون مضطراً أن أرده لأنه لا يسعني إلا أن أعده في مثل هذا الموقف رشوة أرباً بنفسي وبالحكومة السعودية عنها، وقد بالغت الحكومة في إكرامنا وانفقت على رحلتنا هذه يضعة آلاف من الجنيهات ودفعت عنا حتى أجور التلغرافات التى بعثنا بها إلى صحفنا، وهذا كله فوق الكفاية، ثم أن ما شاهدناه كان له وقع جميل في نفوسنا فلا يفسدوا هذا الوقع بالرشوه، وأنا مقترح عليك بديلاً منها: فإني اشتهي بلح المدينة، المشهور، فإذا كان يسعهم أن يخاطبوا المدينة بالتليفون لترسل الينا في ينبع قليللاً من البلح، فإن هذا يكون خياً من كل مال».
وقد استشار صاحبي زميلاً آخر لي فنصح له بمثل ذلك، فعاد اليهم صاحبنا وحملهم على الأمتناع عن وصلنا بالمال، وعلى الأكتفاء بالكسوة العربية والبلح — والكسوة عبارة عن معطف مصنوع من الكشمير وعباءة سميكة من الصوف الجيد محلاة ومرزكشة بما لا ادري وعقال من الحرير مفضض وحرام من الكشمير، وقطعة من السكرودة. وقد احتجت أن أقصر هذه الثياب لأستطيع لبسها والأنتفاع بها.
وفي ينبع ونحن عائدون أبي الآمير ألا أن يستقبلنا كانا كنا مثله أمراء، في سرادق عظيم القيت فيه الخطب وانشدت القصائد، ثم تغدينا وأكلنا خرافاً حقيقية لا شك فيها ولا في رؤوسها ولا في أمخاخها، وبلغ من حفاوتهم بنا أن كبار القوم هم الذين يتولون خدمتنا على الطعام.
ثم عدنا إلى الباخرة حيث وجدنا بلح المدينة في «صفائح» بعددنا، بل بأكثر من عددنا، ففرقنا ما زاد واحتفظنا بانصبتنا، ورسونا في الطور ساعات وطفنا به وشاهدنا ما فيه من البني والمعدات الوافية، ثم عدنا بسلامة الله.
ولكن رحلتنا ونحن عائدون وكانت فاترة فقد كاسين ينقصنا نبيه بك العظمة وخير الدين أفندي الزركلي، فقد تخلفا في جده.

خاتمة


العرب امتان في أمة، أو هم على الأصح ثلاث أمم: واحدة تعيش في الحواضر على نحو ما تعيس أمثالها في كل بلاد العالم وهذه خليط من شعوب شتي، فيها المصرى والسوري والفارسي والهندي والجاوي الخ، وقد لقيت في جدة ومكة كثيرين من التجار والأعيان علمت منهم أن أصولهم مصرية وأن لبعضهم لمصر أقارب ومصالح وأملاك وحدثني كبير في الحكومة السعودية أنه عني بالبحث والتنقيب عن أجناس الأهالي فعرف نحو مائتي أسرة مصرية أستوطنت الحجاز وأستقرت فيه من زمن بعيد أو قريب، ولكن الشبان المصريين هناك قليلون، وهم في حكومة الحجاز يعدون على الأصابع ولهذا عدة أسباب أن السوريين، وهم أقارب إلى بلاد العرب وأوثق بها صلة — زاحموهم فغلبوهم، للسوريين أمال قومية يعتمدون في تحقيقها — في جملة ما يعتمدون عليه — على السعوديين، وقد أنتفع السعوديين بالمهندسين والضباط وغيرهم ممن تلقوا علومهم في معاهد الأستانة وشردتهم عن سوريا الأحوال السياسية، ودفعت بهم مساعيهم القومية إلى الصحراء. وبين السوريين من ليسوا من الأوساط العاديين، وإنما هم من ذي الصلابة وأولي العزم والقوة فلا بدع إذا غلبوا المصريين القليلين الذين ذهبوا في السنوات الأخيرة فلم يجدوا ماكانوا يأملون من الغني السريع أو الرزق الوافر أو غير ذلك فعاد أكثرهم، ومصر أرقي حضارة من سورية، والترف فيها أوفر والحياة فيها أنعم، ولهذا كان السوري لا يحس في الحجاز أنه نزل عن شيئ من مظاهر حياته على خلاف المصري الذي لا يجد هناك ما خلفه في وطنه من المناعم والملاهي، على أني لست في مقام التقصي للأسباب التي أدت إلى ضعف العنصر المصري في الحكومة الحجازية أنما أردت بما ذكرت أن أبين أن لهذا اسبابا معقولة. والأمة الثانية: القبائل المقيمة على المياه الثابتة وهذه تشتغل بالزراعة إلى حد ما، وبالرعي وبالقليل من الصناعات الساذجة، ومواطن هذه القبائل ثابتة. ومحلاتها وعشائرها وبطونها وأفخادها تكاد تكون مضبوطة الحدود على العموم — ومن هذه تخرج أمة ثالثة وهم البدو الرحل الذين لا يستقرون فى مكان ولا يزالون يتحولون من هنا إلى هناك. وقد أدرك أبن السعود بفطرته الزكية أن هذه البداوة هي آفة الأمة العربية وعلمته التجارب أن البدو لا خير فيهم في حرب ولا في سلم. فهم في الحرب لا يكادون يبصرون الجمال النافرة من قعقعة السلاح أو صوت الرصاص حتى ينفضوا أيديهم من القتال ويذهبوا يعدون وراء الجمال وما إليها ليغنموها، ومن أجل هذ كان يعتمد في حروبه على الجنود النظاميين المدربين لا على البدو. وكان يقدم البدو في المعارك ويضع جيشه النظامي وراءهم ليمنع البدو ان يفروا وراء المغانم والاسلاب قبل أن تنتهي المعركة. أما في السلم فهم عالة عليه وعلى حكومته لأنهم لا يحسنون صناعة أو زراعة. وما دام للواحد منهم راحلة فهو ينطلق بها إلى حيث تنازعه نفسه ولا يطيق أن يستقر في مكان. ولهذا فكر في تحضيرهم واخراجهم من هذه البداوة فانتقي لهم المواقع التى يكون فيها الماء وحفر لهم الآبار وأوسعها أو اصلحها والزمهم ان يبيعوا خيلهم أو جمالهم وأن يشتغلوا بالزراعة والصناعة ليتسني له أن يجعل منهم أمة وان ينظم أمورهم وان يقيم الحكم فيهم على قواعده الصحيحة وان يعلمهم ويثقفهم. وتسمي هذه المواقع التي أختارها لهم والزمهم الأقامة بها والعمل فيها «الهجر» بضم الهاء وفتح الجيم جمع هجرة، وذاك أعظم عمل يباشره وأجل مهمة يزاولها.
وعلى هذا النحو العملي يحل ابن السعود مشاكله العديدة، فالحجاز مثلاً — على حضارته نسبيا — صحراء جرداء، والماء أكبر ما يحتاج اليه وأول ما ينقصه، وقد كانت فيه آبار وعيون كثيرة هدمها الآتراك وخربها الأشراف — كل بدوره — وكانت قرب جدة بئر الوزيرية وهذه وحدها كانت تكفي جدة، وقد ذهبت معالمها ودرست آثارها ولذلك جاءت الحكومة لينبع وجدة بآلات لتقطير مياه البحر واشترت اخيراً آلة كهذه لجدة تقطر في اليوم مائة وخمسين طناً من الماء، وأصلحت الصهاريج التي يخزن بها مياه الأمطار، ومضت تجدد الآبار الدارسة وتكشف عن العيون التي سددت أو خربت ووجدت أن الآبار قليلة الغناء لأنها تجف وتنشف في بعض الفصول فأتخذت الأبار الأرتوازية وجلبت الآلات لاستنباط الماء من جوف الأرض، ومما يذكر في هذا الصدد أنها استدعت اثنين من المهندسين المصريين لأختيار المواقع التي يحسن اتخاذ الآبار الأرتوازية فيها. غير أن معداتهما لم تكن كافية، فعادا، وقد أوصت الحكومة السعودية باستدعاء اثنين من المهندسين الغربيين والمرجح أن يكون اختيارهما ممن لهم خبرة بالجزائر لتشابه طبيعة البلدين. وعملت الحكومة على اصلاح عين زبيدة بانشاء خزان ومد انابيب، وهي تبني خزانا كبيرا آخر لجمع مياه المطر يسع مائة الف طن، وموقعه لا يتطلب نفقات كبيرة لأنها أختارته في مكان تحيط به الجبال من ثلاث جهات فالحاجة لا تدعو إلى البناء إلا من ناحية واحدة.
ومن أجل تعفى الحكومة كل الآلات التي تتخذ لاستنباطه من الرسوم الجمركية. وكذلك آلات الزراعة بل هي تقسط أثمانها على الأهالي تشجيعاً ومعاونة لهم، ومن أجل الماء تعني بالتعليم الهندسي، ولذلك أرسلت إلى الأستانة طالباً يتعلم الهندسة، وبعثت إلى برلين بآخر. والحجاز كمصر ينبغي أن يكون بلاد الهندسة والمهندسين البارعين.
ولما كانت البلاد صحراء والمسافات فيها طويلة. فقد اتخذت الحكومة السيارات وشجعت على إقتنائها وقد دخل السعوديون الحجاز وليس فيه سوي سيارة واحدة يملكها الملك حسين السابق، وفي الحجاز الآن الف سيارة ومائتان. والبريد ينقل بين جدة ومكة، وبين جدة والمدينة على السيارات مرتين في اليوم. والشرطة يتخذونها للمرور والعكس والجند كذلك للأنتقال والحمل، وقد بدأ استعمال السيارات بين الحجاز ونجد ولابد لذلك كله من الأمن وألا فسد الأمر كله. ومن هنا قسا ابن السعود في اول الأمر فصار يقطع يد السارق فازدجر اللصوص وقطاع الطرق. وادب العشائر التي تسطو على الحجاج، فساد الأمن وصار مضرب الأمثال بلا أقل مبالغة، وقد رايت بعيني رأسي شواهد رائعة وأدلة مدهشة.
ومن أجل طول المسافات وتقاذف الأبعاد أتخذت الطيارات واللاسلكي فضلاً عن التلغراف السلكي المعتاد، وللاسلكي الآن أربعة عشر مركزاً. وقد انشأت الحكومة مركزاً جديدا في جزيرة دارين، وهم ينشئون شبكة لاسلكية لها ثلاثة عشر مركزاً ثابتاً للتلغراف والتليفون اللاسلكي وذلك لوصول الرياض ومكة والمدينة وكل مركز في الألوية والأقضية.
ولم يتخذوا القطر البخارية لأن تكاليفها باهظة لا تقوي عليها الميزانية، ولأنهم من ناحية أخري يحرصون على أن لا يقطعون أرزاق الجمالة على أنهم فكروا في إنشاء خط كهربائي بين جدة ومكة وأصلحوا الطرق وعبدوها وكيسوها بواسطة «وابور الزلط» كما نسميه في مصر.
ومن أجل الحج واتقاء لتفشي الأمراض انشأوا في مكة مستشفي يسع مائتي مريض وجعلوا فيه اقساما للجراحة والأمراض الباطنية وغير ذلك؛ ولهم الآن عشرون طبيبا حجازيا. وأقاموا محطة للحجاج في بحرة بين جدة ومكة وفيها مستشفي، فضلاً عن المحطات الأخري للراحة وأصلحوا الكرنتينه ورتبوا دوريات صحية وبنوا المظلات في عرفات ومني وجهزوها بالماء والثلج وأقاموا في كل منها طبيباً وممرضا. والحكومة تلقح الناس ضد الجدري. وقد أنشأت معملاً للحصول على مصول الجدري والكوليرا والتيفوئيد. وأرسلت بعثات طبية للخارج. واستعارت طبيباً هولندياً وبدأت توسع مستشفي جدة.
وقد حقنا بمصلي الكوليرا والتيفوئيد قبل سفرنا من السويس، ولكن هذه الأمراض لا أثر لها هناك، على الأقل في هذه الأيام. وعلى أن مصلحة الصحة المصرية تعلن منذ سنوات أن الحج نظيف.
أما من حيث التعليم فللحجاز بعثه في مصر مؤلفه من خمسة وعشرين تلميذا وطالباً فضلاُ عن البعثات الهندسية والطبية التى أشرنا إليها. وقد أنشأت الحكومة مدارس أولية وابتدائية في جدة ومكة والمدينة وينبع وغيرها ومدرستين ثانويتين في مكة وأخرى في المدينة. وأربعة في جدة. وهذا غير المعهد السعودي في مكة وغير مدرسة المطوفين التى انشأتها — كما انشأنا في مصر مدرسة الأدلاء والتراجمة، وغير المدارس الدينية التى لا تعد مدارس حديثة.
وبهذه الطريقة العملية يحل أبن السعود مشاكل بلاده؛ وبعالج ترقيتها وقد تبدو الخطي قصيرة ولكنها مناسبة لحالة البلاد وتعداد أهلها. والمال هو العقبة الكبري ولكن الحكومة لا تتعجل ولا تذهب إلى إثقال كاهل الناس بالضرائب من أجل ذلك، وشعارها، أن العجلة من الشيطان. ولكن خطاها وطيدة مستمرة كخطي السلحفاة التي سبقت الأرنب، والأرنب عندي هو مصر. ولقد عدت من الحجاز وأنا مقتنع بأن مصر إذا ظلت تتخبط وتولي الشئون السياسية هذا الحظ الباهظ من رعايتها على حساب المرافق الجدية والمراشد الحيوية. فسيسبقها الحجاز بلا ادني ريب.