Advertisement

رحلة_الأندلس


رحلة الأندلس




رحلة الأندلس

تأليف
محمد لبيب البتنوني




رحلة الأندلس

محمد لبيب البتنوني



إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى? يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ
قرآن شريف
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله على آلائه، والصلاة والسلام على رسله وأنبيائه.
وبعد، فقد طلب مني بعض إخواني أن أجمع رسائلي التي أرسلت بها من أوربا في شهر أغسطس الماضي إلى جريدة «الأهرام» الغراء، فنشرتها بعنوان «جولة في إسبانيا»، فلبَّيت طلبهم شاكرًا لهم هذه الرعاية، وقد زدت على هذه الرسائل ما تكمل به فائدتها، وأضفت إلى كل رسالة كلمة تفسح في تاريخها مع العظة التي تُستخلص منها، مبتعدًا عن كل ما يؤثر في العاطفة الدينية أو القومية بالتطرف إلى حد المبالغة في مدح أو نقد. ولزيادة الفائدة أضفت إليها رسومًا لبعض صور تلك الآثار الجميلة التي تركها العرب في الأندلس، وكذلك مصوَّر جغرافي لإسبانيا والبرتغال وفرنسا تتضمن مواقع البلاد التي وصل إليها الفتح العربي، ثم ذيَّلت رسائلي بقاموس موجز لما ورد بها من أسماء البلاد لعهد العرب وما يقابلها الآن من الأسماء الفرنسية. والله المسئول أن ينفع بها.
محمد لبيب البتنوني

تمهيد


كانت حالة إسبانيا قبل فتح العرب لها أشبه بالبداوة منها بالحضارة، ولم يعلم التاريخ لأهلها مدنية قديمة يُذكَرون بها، بل كانوا طوال عمرهم طعمة للفاتحين من فينيقيين ورومان ويونان وقرطاجيين وقوط. وما كانوا يعرفون شيئًا من أسباب الحياة إلا ما كانوا يستخرجونه من معادن بلادهم، فيستبدلون به مادة غذائهم وكسائهم من تجار الأمم المحتلة لبلادهم، حتى دخل فيهم عنصر الدول المتغلبة، فأخذوا يحملون سلاحهم ويدافعون عن حوزتهم، وأصبحوا أمة اشتهرت بأنها حربية، وهي وإن كانت تعيش بين أركان القرى، كان أهلها غارقين في خشونة الهمجية إلى أواخر القرن الرابع للميلاد، ولم تقم لإسبانيا قائمة إلا في المدة التي حكمها القوط في أوائل القرن الخامس للمسيح. ولما دخلتها النصرانية وكثر ورود القسس إليها، دعا الملك ريكارد في أواخر القرن الخامس بطارقة النصرانية إلى مؤتمر في طليطلة، وعلى أثره اعتنق المذهب الكاثوليكي؛ ومن ثَمَّ احتفل بكنيسة طليطلة هو وقومه حتى أصبحت غنية زاهية بكثير من الأواني الذهبية، التي كانت منها تلك المائدة الثمينة البديعة التي أخذها العرب بعد استيلائهم على هذه المدينة، وقدَّمها موسى بن نصير إلى الوليد الأموي مع الغنائم التي وفد بها على دمشق بعد الفتح.
وهنا يقف القلم مبهوتًا حائرًا خجلًا من أن يرى لبعض مؤرخي العرب في بعض الآثار التي تتصل بالتاريخ القديم لإسبانيا أقوالًا لا تنطبق على عقل ولا فكر، بل هي أساطير? اعتادها بعضهم عندما يريد أن يتكلم على شيء تغلغل تاريخه في بطن الماضي البعيد. ولا بد أن يكونوا قد أخذوا هذه الأساطير عن سكان البلاد بعد فتحهم لها، وتاريخ الإسبان أنفسهم مشحون بكثير من أمثال هذه الخرافات، ولكَوْن العرب أمناء على النقل لم يشاءوا أن يحكِّموا عقولهم فيها ولا في غيرها من هذا القبيل؛ لذلك ترى تاريخهم أنفسهم قبل الإسلام سقيمًا عليلًا فيه كثير من الأساطير التي تضلُّ حقيقة التاريخ بين سطورها، وربما ترى هذه الأمانة نفسها في أيامنا هذه حتى في الأزهر الشريف، فإنك ترى أهله قد يحترمون غلطات المؤلفين، وعلى اعتقادهم أنها أغلاط لا يزالون يتركونها لهم في كتبهم، ولا يريدون أن يصلحوها احتفاظًا بأمانتهم في النقل. وعلى كل حال إني لم أطَّلِع للعرب على تاريخ للأندلس، بحيث يقوم بحاجة من يريد الاطلاع على تاريخها فحسب، ذلك لأن مؤرخيهم ينتقلون من رواية إلى أخرى، ومن شيء من التاريخ إلى شيء من الأدب، ومن شعر لناظم إلى نثر لكاتب، ومن شيء في الأندلس إلى شيء في العراق أو في مصر يجر إليه سياق الحديث، مما يتعَب له الذي يريد أن يطَّلع منه على شيء في خصوصه. وحسبك أن تُلقِي نظرة على كتاب نفح الطيب، وهو أكبر كتاب في تاريخ الأندلس لتعلم حقيقة ذلك، وخير ما رأيته من روايات التواريخ العامة خاصة بالأندلس هو ما كان لابن خلدون. وفي كتاب «الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى» شذرات مختصرة قيِّمة ذُكِرت فيه هنا وهناك على حسب علاقتها بتاريخ المغرب. ومن المطبوعات الجديدة مختصران قيِّمان: الأول؛ عن رحلة بالأندلس للأستاذ محمد كرد علي، والثاني؛ تاريخ للأمويين بالأندلس للأستاذ محمد عبد الله عنان.
وفي الجملة قد كان للإسبان قبل دخول العرب إليها شيء من المدنية القوطية، وكانت هذه المدنية شائعة في أوربا الوسطى على أثر اكتساح القوط للدولة الرومانية في أوائل القرن الخامس للميلاد. وقد اندمج القوط في البلاد التي فتحوها وفنيت لغتهم في لغتها، واتصلت مدنيتهم بمدنيتها، ولم يضع الإفرنج لها فنًّا خاصًّا بها إلا في القرن الثالث عشر للميلاد، وأقدم أثر لهذا الفن بأوربا هو كنيسة كولونيا بألمانيا، أما إسبانيا فأضخم وأعظم أثر فيها هو دير الإسكوريال الذي بناه فليب الثاني في النصف الثاني للقرن السادس عشر. ووضع الأوربيون بعد ذلك للبناء العربي الأندلسيِّ الجميل فنًّا خاصًّا به سموه استيل مورسك STYLE MAURESQUE أخذوه على الخصوص من قصور الحمراء. وترى شيئًا منه في بعض وجهات أبنية مصر الجديدة (هليوبوليس) ولا سيما في فندقها الأكبر. وقد دخل أصل هذا الفن مع العرب إلى إسبانيا؛ فإنهم لما جازوا إليها نقلوا معهم بعض مدنية الشرق، ولما فرغوا من حركة الفتح في السنين الأولى من جوازهم إلى الأندلس أخذوا في تخطيط الدور، وتشييد القصور، وحفر الترع، وإقامة الجسور، وبناء القناطر، وشق الخلجان، وتهيئة الأراضي للزرع، والعناية بتربية ذوات الضرع. واستوردوا من مصر والشام كثيرًا من الأشجار والنباتات مما لم يكن له وجود في قارة أوربا، حتى إذا ضربوا بجرانهم، وأناخوا بكلكل سلطانهم، وأخذت ينابيع الثروة تتفجر في كل ناحية من نواحي البلاد، وظهرت معالمها في جميع شئونهم؛ اهتموا بنشر العلوم وتشييد هياكل الفنون، وكانوا يكافِئون كل مَن برز فيها، ويجيزون كل مَن ظهر في آفاقها، ويبالغون في مكافأة المؤلِّفين، فتغيَّر حال البلاد من بداوة مطلقة إلى حضارة متألقة، وتكشفت سماؤها مما كان يتكاثف فيها من سحب الجهالة عن شموس من العرفان تنير أفلاكها، وتملأ أجواءها بمادة العلوم المختلفة من دينية وطبية وزراعية وفلسفية وطبيعية وكيمياوية، وغير ذلك من أدب جامع، ونظم رائع، مما كان مادة للإفرنج بنوا عليه شيئًا كثيرًا من مدنيتهم الحالية. وكان ملوك العرب وأمراؤهم في مقدمة الناس اهتمامًا بهذه العلوم وتحصيلًا لها، حتى لقد كانوا مع شغلهم بأعباء ملكهم لا يريدون أن يروا أنفسهم أو يراهم الناس أقل ممَّن اشتغل بتلك العلوم مهنة وصناعة، وكانت مجالسهم أشبه شيء بأندية علمية يشاطرون فيها العلماء علمهم في وقت فراغهم من أعمال الدولة، بل كانوا في مجالس أُنْسهم ولهوهم يتنقلون في كثير من الشئون: فمن هزل إلى جد، ومن مجون إلى فنون، ومن صحفة شراب إلى صفحة كتاب، وهذا لعمري كان سببًا في شحذ قرائحهم وإرهاف بديهتهم، وتهذيب طبيعتهم، حتى أصبحت لا يصدر عنها إلا كلُّ ما رَقَّ وراق، وبدع وشاق. وكانت قصور قرطبة وسرقسطة وطليطلة وإشبيلية وجيان والمرية وبلنسية وغرناطة مطالع سعود، وموارد وفود، ومرابض أسود، ومساكن جنود، ومراكز بنود، ومجامع عظماء، ومنتديات علماء، كما كانت مجالي سرور، ومراتع حبور، وكُنُس غزلان، وملتقى أخدان، ومزار ندمان. وبالجملة قد جمع أمراء الأندلس في شباب دولتهم من الملك بين جلاله وجماله، ومن الوجود بين نسيمه ونعيمه: فأخذوا من حياتهم بالحسنيين لدينهم ودنياهم، مع أخلاق فاضلة، وحكومة عادلة، ونفوس ماثلة، للعاجلة والآجلة؛ فشادوا للمُلْك قراره، وللعلم مناره، وللفن داره، وللأُنْس مزاره، وسار الناس على سننهم، والناس على دين ملوكهم.
ومَن يطَّلع على أقوالهم في نثرهم وشعرهم يرَ أن مجالس القوم بعد فراغهم من أعمالهم كانت مجتمع أحباب، لكل ما لذ وطاب، من أكل وشراب، وسماع الأغاني، بين المثالث والمثاني، من ذي عِذار، أو ذات سُوار، ولكن في حشمة ووقار. حتى إذا ولَّى شباب نهضتهم، وأسلم الملوك قيادهم لشهواتهم، وتركوا حبل البلاد على غاربها؛ لم يلبثوا أن ظهرت فيهم معالم الخمول، وأخذت زهرتهم في الذبول، ونَجْمُ سعودهم في الأفول؛ فنضب معين ثقافتهم، وانحلت عروة وحدتهم، وتفككت رابطة جماعتهم، وجفت دماء همتهم، وخَبَتْ ريح نعمتهم، وماتت قلوبهم، والقلوب لا تموت إلا إذا غفل الداعي، وهجمت عليهم الذئاب من كل ناحية، والذئاب لا تهجم إلا إذا نام الراعي. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم.
هوامش

(?) نذكر لك باختصار شيئًا مما جاء في نفح الطيب من غير تعليق عليه: أولًا: ذكر أن المائدة التي وجدها طارق في طليطلة وقدمها ابن نصير إلى الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي كانت لسيدنا سليمان عليه السلام، وأنها وصلت إلى طليطلة مع الملك بريان، وكان قد اشترك مع بختنصر في حربه لبيت المقدس، ووقعت هذه المائدة في نصيبه من الغنائم بعد أخذهما مدينة القدس!
ثانيًا: ما ذكره من أن سيدنا سليمان وسيدنا عيسى صلوات الله عليهما أتيا إلى طليطلة في حياتهما!
ثالثًا: ما ذكره — سامحه الله — من «أن مضيق الزقاق» كان موضعه برزخًا يصل ما بين إسبانيا وبلاد المغرب، فلما حضر الإسكندر ذو القرنين إلى هذه الجهة! اشتكى له أهل إسبانيا من تعدي أهل المغرب عليهم، فأمر فأُزِيل هذا اللسان، وبذلك اتصلت مياه المحيط بمياه البحر الأبيض، ففصلت ما بين البلدين. وهذا القول صحيح من جهة وجود اللسان وزواله، ولكن الذي أزاله هو يد الطبيعة عقب اضطراب بركاني عظيم اندكَّت له أرضه، كما اندكَّت له الأرض التي بين الأناضول والأستانة، ومكانها الآن مضيق البوسفور الذي وصل البحر الأسود بالدردنيل. وكذلك الحال في بوغاز باب المندب الذي فصل بين آسيا وأفريقيا، ومضيق بهرنج الذي فصل بين شمالي آسيا وأمريكا، وذلك كله قبل وجود التاريخ، وقد يكون قبل وجود الإنسان. وبهذه المناسبة نقول إن الطيار السويسري هونتذر الذي وصل على طيارته إلى القاهرة يوم الجمعة ?? ديسمبر سنة ???? قال في حديثه لمكاتب الأهرام الغراء إنه يريد السفر إلى أواسط أفريقيا للتحقق من نظرية وجنز الذي يقول بأن القارات كلها كانت متصلًا بعضُها ببعض، وأنه سيأتي زمن ينفصل فيه جنوب أفريقيا إلى نصفين في المنطقة التي تبتدئ من جبل كينيا الذي يبلغ ارتفاعه ???? متر.
رابعًا: ما ذكره من أن الصنم الذي كان بقادس كانت له خاصية عجيبة لما كان يحيط به من الطِّلَسْمَاتِ التي بُنِي عليها، وأنه كان يمنع مرور الرياح من البحر المحيط إلى البحر الأبيض، وأن مفتاح هذه الطِّلَسْمَاتِ كان موضوعًا في صندوق من الفضة في بيت خاص به في طليطلة لا يفتحه أحد. فلما كان زمن لذريق ساقه حب الاطلاع على ما في هذا البيت ففتحه، وفتح الصندوق الذي به، فوجد فيه تماثيل على صورة العرب مكتوبًا عليها «سيملك هذه البلاد قوم على هذه الصورة»، ثم قال: وبفتح الصندوق بطَل عمل الطِّلَسْمَاتِ ودخل العرب إسبانيا!
والقول بالسحر والطِّلَسْمَاتِ قديم في الأمم، وقد عقد ابن خلدون في مقدمته بابًا خاصًّا به قال فيه: «وكان للسحر في بابل ومصر زمان بعثة موسى عليه السلام أسواق نافقة؛ ولهذا كانت معجزة موسى من جنس ما يدعون ويتنافسون فيه، وبقي من آثار ذلك في البرابي بصعيد مصر شواهد دالة على ذلك! إلى أن قال: وأما التفرقة عندهم بين السحر والطِّلَسْمَاتِ فهو أن السحر لا يحتاج الساحر فيه إلى مُعِينٍ، وصاحب الطِّلَسْمَاتِ يستعين بروحانيات الكواكب! وأسرار الأعداد، وخواص الموجودات! وأوضاع الفلك المؤثرة في عالم العناصر كما يقول المنجمون. ويقولون: السحر اتحاد روح بروح. والطِّلْسَم اتحاد روح بجسم؟ إلى أن قال: وأما الشريعة فلم تفرِّق بين السحر والطلسمات، وجعلته بابًا واحدًا محظورًا.» وذكر ابن خلدون في هذا الباب أن مسلمة بن أحمد المجريطي إمام أهل الأندلس في التعاليم والسحريات لخَّص كتبها وهذَّبها في كتابه الذي سمَّاه (غاية الحكيم)، ولم يكتب أحد في هذا العلم بعده.
ومن هذا ترى أن السحر والطِّلَسْمَاتِ كان لها مجال كبير في الأندلس، ولا بد أنها انتقلت منها إلى بلاد المغرب، ولا يزال من أهلها من يشتغل بها إلى الآن، وشهرتهم بذلك في مصر شائعة ذائعة. وبمناسبة استشهاد ابن خلدون ببرابي مصر في أمر الطِّلَسْمَاتِ، يذكر القرَّاء ما كتبته جرائد أوربا وخصوصًا الإنجليزية منها منذ سنتين حين وفاة اللورد كارتارفون بعد كشف قبر توت عنخ آمون على أثر قرصة بعوضة أو ذبابة في المقبرة نفسها، وكانوا يتساءلون: هل كان موته انتقامًا منه لفتحه تلك المقبرة التي باركها الكهنة أثناء دفن هذا الملك برُقاهم وتعاويذهم التي كانت تدور حول لعنة من يجرؤ على فتحها. وقد قويت عندهم هذه الفكرة بعد موت ذلك العالم الأثري الفرنسي عقب زيارته لهذه المقبرة في السنة التالية.
أما التمثال الذي كان بقادس فقد أقامه فيها الرومان عند استيلائهم على إسبانيا لهرقل أو هرقيل، وهو أحد آلهتهم، وهو عندهم إله الزرع وحامي البلاد من عدوها، وحامي المسافرين في البر والبحر. وقد أقاموه في هذه المدينة ليحميها من أعدائها القريبين منها في بلاد المغرب، ومن هذا تجسمت تلك الخرافة في أذهان الإسبان، وانتقلت منهم إلى العرب فذكروها بغير تعليق عليها. وربما توسَّع بعضهم فيها فزاد عليها وجعلها من عند نفسه، وما زال هذا التمثال بقادس حتى ثار علي بن عيسى قائد البحر، فظن أن تحته مالًا وهدمه، فلم يجد شيئًا.
الرسالة الأولى


كدت أترك مصر وأنا معتزم أن أمضي برهة من الزمن في جبال البرينيات أو الثنايا (كما كان يعرفها العرب) ترويحًا للنفس وارتيادًا للصحة، فلفَتَ نظري أحد إخواني إلى زيارة إسبانيا التي لم أكن أعرفها، مع أني جبت تقريبًا أكثر أقطار أوربا شرقًا وغربًا وشمالًا، وكان عدم معرفتي باللغة الإسبانية يمنعني من هذه الزيارة، ولا سيما أن في هذه البلاد البقية الصالحة من آثار ذلك المُلْك العربي الفخم؛ ولهذا يقصدها كل سنة عشرات الآلاف من السيَّاحين من أوربا وأمريكا وألمانيا على الخصوص. وكان أحد إخواني قد سهَّل عليَّ عدم معرفتي لغة القوم بما أخبرني من شيوع اللغة الفرنسية فيهم؛ وحينئذٍ قويت عزيمتي وأخذت جواز سفر في أول أغسطس (سنة ????) أقطع به السكة الحديدية الإسبانية من شمالها إلى جنوبها، ومن غربيها إلى شرقيها، مارًّا بأهم البلاد التي كان للعرب أثر فيها.
وأول ما مررنا بعد أن تركنا الحدود الفرنسية بمدينة (إيرن) وهي أول حدود إسبانيا الشمالية الغربية، وبعد التفتيش العسكري على أجوزة المرور (لأن البلاد تحت الأحكام العرفية)، ثم التفتيش (الجمركي) على أمتعتنا؛ سار القطار إلى سان سباستيان، وهنا تجلَّت لي حيرتي بعدم معرفة لغة البلاد؛ لأنه على الرغم من أن هذه المدينة متصلة بالحدود الفرنسية، وعلى الرغم من أنها مدينة من أشهر حمامات البحر في أوربا، وجدتني غريبًا فيها لعدم معرفتي باللغة الإسبانية. ولما لم أجد لي مخلِّصًا من هذا المأزق إلا التشبه بالإنجليز في جمودهم، نذرت لله صومًا فلن أكلم اليوم إسبانيًّا، ويومي هذا على النصف من يوم مريم؛ لأن يومها كان شهرًا على ما يقولون، ولأني كنت قدرت لسياحتي في هذه البلاد نصف شهر، هنالك أصبحت عزلتي ضرورية لأني لا أفهم الناس والناس لا يفهمونني، حتى أحتفظ بكرامتي بعدم ظهوري بينهم بمظهر الجاهل، وهم لو أنصفوا لوجدونا كلينا هذا الرجل.
إذا ما التقى ذو شملة عربيةبذي عُجْمة فالكل في النطق أعجم وهنا أقول إنه من الضروري للعالَم وجود لغة أخرى تكون الثانية لكل إنسان حتى تتكون بها الحلقة التي تربط جميع أفراد العالَم بعضهم ببعض، فتسهل عليهم أمورهم، وتقوى رابطتهم العلمية والمالية والتجارية والصناعية. ولقد فكَّر في ذلك القومُ بأوربا، واشتغلوا بوضع أصول لغة جديدة سموها (الإسبيرانتو)، ولكنهم لم يُنضِجوها بعدُ، أو أنهم لم ينجحوا في وضعها أو في تعميمها بين الناس، وهم لو نجحوا لأحدثوا بها تقدمًا كبيرًا وسريعًا في كل مرافق الحياة، وفي كل طرف من أطراف العالم، ولاستغنى الناس بها عامة عن تعلُّم عدة لغات ربما لا تصلح لشيء إذا هي انتقلت من بيئتها التي تعيش فيها. على أنه لا حاجة لكل هذه المتاعب في خلق لغة جديدة، وحسب الناس الاتفاق على لغة من اللغات الكثيرة الانتشار في العالم لتكون هي اللغة الثانية لكل أمة.
(?) سان سباستيان

هي أعظم مدن إسبانيا البحرية على الأقيانوس الأطلنطي وعلى خليج (غسقونية)، وعدد أهلها خمسون ألف نفس، وهي مصيف ملوك إسبانيا. وترى قصر الملك في قمة جزيرة صغيرة جميلة في مدخل المرفأ تُسمَّى جزيرة كلارا، وهذه الجزيرة بوضعها الطبيعي تخفف عن المرفأ هجمات أمواج الأقيانوس؛ ولهذا يكون الاستحمام في مياهها مأمونًا وليس فيه شيء من الخطر، وفي هذا المرفأ حمامات عامة فخمة وخاصة جهة الجنوب.
ومن الناس من ينصبون لهم على الشاطئ خيمات صغيرة يقضون فيها يومهم بملابسهم البحرية طول نهارهم.
وهذا المرفأ على شكل هلال يقوم على طرفه الشمالي جبل (أرجيله)، وعلى الطرف الجنوبي جبل (إيجالدو)، وهما أشبه شيء بحارسين يمنعان نفوذ العواصف إلى داخل المرفأ؛ فالمدينة في حرز حريز بهما من عواصف الشتاء، ولهذا كانت مدينة شتوية أكثر منها صيفية.
ويحيط بالمرفأ رصيف جميل جدًّا، وهو وإن كان ضيقًا بعض الضيق قد بلغ الغاية من النظافة واللطافة، وقامت عليه الأبنية الجميلة من فنادق وغيرها من مساكن الخاصة. وكنت أرى في طريق (الكورنيش) بمرسيليا شيئًا من الجمال، ولكن هذا الرصيف وكذلك الرصيف الذي يحيط بجبل أرجيله أنسيانيه بل أنسياني رصيف الإسكندرية الذي على الميناء الشرقية، والذي كلَّف المدينة أكثر من نصف مليون من الجنيهات؛ لأنه ينقصه تمام العناية به لتنظيفه على الخصوص مما فيه من الحشرات الإنسانية، حتى يصبح للخاصة نصيب من التنزه عليه.
وتكثر في المدينة الميادين اللطيفة، قامت عليها أشجار جميلة تتخللها رياض الورود والرياحين والأزهار المختلفة، مما يجعل كل ميدان جنة زاهرة وروضة باهرة. ويفصل مباني المدينة نهر (أيروما)، وترى لمياهه عند اتصالها بمياه الأقيانوس شكلًا بديعًا يكسو صفحة الماء زَبَدًا فضيًّا دائمًا، وتسمع للأمواج في هدوئها أصواتًا كأصوات القُبَلِ تُهيج الأشجان بهذه الموسيقى الطبيعية، ولعل لهذا الزبد الأبيض الذي تراه هنا على طول الشاطئ الأطلنطي معنى في تسميته بالشاطئ الفضِّيِّ. وعلى حافتي النهر من جهة الجنوب مسرح (تياترو) فيكتوريا، ومن جهة الشمال ملعب الكورسال، وقد دخلتُ هذا الأخير فوجدته أفخم شيء في بابه. والمدينة القديمة تقع على يمين المرفأ في سفح جبل (أرجوله)، ومما يؤسَف له أن هذه المدينة قذرة، وعامة أهلها من الصيادين؛ فترى نساءهم ينسجْنَ شباك الصيد منشورات على الأرض، وبعضهن يعملن في تمليح السردين? على رصيف المرفأ الشمالي. وهذا القسم كقسم الأنفوشي بالإسكندرية قبل إنشاء الرصيف، وهو الوصمة الوحيدة في جبين هذا المرفأ الجميل. وفوق هذا الجبل قلعة قديمة لا يُسمَح بالصعود إليها، وبجوارها مقبرة لبعض الضباط الإنجليز الذين ماتوا في احتلالهم لهذه المدينة بين سنتي ???? و???? في أثناء ثورة الدوق كارلوس. أما طرف المرفأ الجنوبي، فهو غاية في النظافة وحسن النظام، وأبنيته جميلة، ويصعد إلى جبل إيجالدو بواسطة الفونكيلير funiculaire،? ويحيط به في أعلاه بَهْوٌ كبير واسع له كُنَّات أو أطناف (بلكونات) تشرف على المدينة كأنها صفحة جغرافية، وتشرف من جهة أخرى على الأقيانوس فتراه في عظمته لا يحده غير اتصال الماء بالسماء في أفق يتخلله شيء من القتام على الدوام حتى في أيام الصفاء. وفي أعلى الجبل فندق فيه ما لذ وطاب، من أكل وشراب، ومخاصرة على نغمات الموسيقى خصوصًا (بعد العصر). ودون الفندق على الجبل مكان فيه طائفة من الزنوج يضربون على الطنبور ويرقصون ويشربون نوعًا من المريسة، وهم إنما يمثلون أفريقيا للناس بهؤلاء المتوحشين الذين لا يزالون في الحلقة الأولى من الإنسانية! وكان أولى بهم أن يعرضوا في مكانهم بعض أسرى الريف الذين ظهروا للعالم وللتاريخ بكبير شهامتهم، وهم لا يزالون يدافعون عن كرامتهم وحوزتهم تلقاء هاتين الدولتين الضخمتين مع قلة عُددهم وعَددهم. ولقد صادف اليوم الذي أزمعت فيه سفري من هذه المدينة الإعلان عن مصارعة الثيران،? وذكروا اسم من يتولى الصراع في هذه الحفلة، وهو الدون أنتونيو كثيرو أعظم فرسان هذه الحلبة عندهم، كما ذكروا أن الملك سيحضرها مع الأسرة المالكة. ولمَّا لم يكن قد سبق لي رؤية هذا الصراع إلا في صور الخيالة (الصور المتحركة) أخَّرتُ سفري لمشاهدته في أكبر ميادينه وأعظم مظاهره. وهذا الصراع قديم في هذه البلاد، يتدرب منهم قوم على مصارعة الثيران التي تُربَّى لهذه الغاية، فتجد الثور على منتهى ما يكون من الوحشية، عظيم الهامة، قوي العضل، ويبلغ ثمنه عندهم أضعاف ثمن مكافئه من غير ذات الصراع. بناء لمصارعة الثيران في سان سباستيان.
وللمصارع شهرة كبيرة في قومه تتناسب مع قوة صراعه، وله فيهم احترام كاحترام كبار الرجال وعظمائهم، وكثيرًا ما تراه محمولًا على الأعناق من الشعب بعد انتصاره على خصومه من هذه الحيوانات الفظيعة، أما إذا صرع الثور خصمه فتلك الطامة الكبرى والحزن العام والكآبة الشاملة، غير ما يُحدِثه ذلك من الذعر في نفوس القوم، وعلى الخصوص القريبين منه في جلوسهم. وقد يعتري الثور في هذه الحالة شبه جنون؛ فيهجم على الحاجز الخشبي الذي يفصل بين المصارعين والنظَّارة، فينشأ عن ذلك خلل واضطراب في بعض صفوفهم، فيسقط بعض الناس على بعض، وينشأ عنه ضرر كبير يصحبه موت الكثيرين تحت أقدام الفارين من الهلع والخوف. وهنا أرجو أن تسمح لي بأن أقص عليك ما رأيت.
وصلنا إلى هذا المكان فوجدته دائرة أرضية يبلغ قطرها ثلاثين مترًا على أقل تقدير، وهي مكان الصراع، ويحيط بها سياج خشبي متين على ارتفاع نحو مترين، وفيه باب يدخل منه المصارعون من إنسان وحيوان، ومن دونه أبواب غرف الثيران، لكل واحد غرفة، ومن وراء هذا السياج قامت أمكنة المتفرجين، وهي تتدرج إلى ثلاث درجات بعضها فوق بعض يميل إلى الوراء، وفي القسم العالي من جهة الغرب مقاصير جلالة الملك والأسرة المالكة وكبار رجال دولته، وهذا غير أعلى المسرح الذي لا مجالس فيه للنظَّارة، بل يبقون فيه وقوفًا على أقدامهم، ويسع هذا المكان عشرين ألف نفس على أقل تقدير، ولقد كانت جميع مجالسه مكتظة بالناس من نساء ورجال، فلما جاءت الساعة المضروبة، دخل المصارعون راجلهم وفارسهم، وعليهم الحلل المقصَّبة البراقة، ولما وصلوا قبالة مقصورة الملك سلَّموا السلام اللائق، ثم وقفوا في أماكنهم مستقبلين الجهة التي يدخل منها الثور، وهنالك فُتِح باب غرفة على المسرح، فاندفع منها ثور هائل بحالة تُوقِع الرعب في قلب من لم يتعود مثل هذا المنظر، وكأني به وقد وقف برهة والشرر يطير من عينيه وهو يجيل نظره في خصومه يتخيَّر الجهة التي يهجم منها، ثم لا يلبث أن يهجم على أحد المصارعين، فإن كان من المترجِّلين قابله بملاءته الحمراء التي لا يكون في يده غيرها، وفي هذا الوقت تُدْهَش من خفة هذا الرجل في زوغانه عن مسقط قرني الثور بحركة خفيفة جدًّا، ينتقل بها من يمين رأس الثور إلى يساره، وهو من قرنيه الثائرين قاب قوسين أو أدنى. ولا يزال يطمعه بهذه الحركات المدهشة الدقيقة حتى يعجزه فيتركه الثور إلى غيره، فيقابله هذا بمثل حركات الأول محرضًا له على الهجوم على الفارس الذي ترى في يده رمحًا طويلًا، فإذا هجم عليه قابله الفارس بالرمح في قفاه بقوة قد تدفع الثور إلى الوراء فتوقفه عن الهجوم، وهنا تظهر كفاية الفارس ومقدرته، وقد تصدق هجمة الثور فيدخل رأسه تحت بطن الفرس ويرفعه على قرنيه، فيخرُّ الفارس وفرسه جميعًا على الأرض، وعندها تظهر أحشاء الفرس الذي يفارق الحياة لوقته. هنالك يشغل أحد المصارعين الثور بملاءته عن الفارس الذي يقصده طائفة من الخدم لإقامته من تحت حصانه، وقد يؤتى إليه بحصان آخر، فيكون نصيبه نصيب الأول. وقد رأيت في هذا اليوم ثورًا بقر بطن خمسة من الخيل في نحو ?? دقيقة، وفي هذه الحالة قد يكون الثور في أشد هيجانه، فيقصده فارس الحلبة راجلًا وفي يده سهمان، فإذا رآه الثور هجم عليه بشدة، فيزوغ الرجل منه واضعًا سهميه بين كتفيه، وهكذا يكرر هذه الفعلة، حتى إذا تعب الثور هجم عليه بملاءته الحمراء من تحتها سيفه، ولا يزال يغري الثور بنفسه بحركات مختلفة غاية في الدقة والخفة، ثم يهجم عليه ويُدخِل سيفه في وريد العنق، فإن صدقت الضربة سقط الثور صريعًا يتضرج في دمه، وهنالك تنتهي الموقعة بين التصفيق الحاد من كل جهة، مع عزف الموسيقى تحيةً للمنتصر. وقد ترى القوم في أثناء هذا الصراع متحمسين للمنتصر من الخصمين ناقمين على المنخذل، فيصفقون للثور أحيانًا ويصفرون لخصمه كلما جبن في كَرَّاته أو أتى بحركة غير قانونية. وكثيرًا ما تصدر منهم كلمات الازدراء أو عدم الاستحسان موجَّهةً لأحد الخصمين.
والذي يدهشني في تلك الحفلة منظر السيدات وهن باشات مسرورات برؤية الحصان يمشي خطوات وهو يجر أحشاءه؛ هذا المنظر الذي قد ترتاع له نفس الرائي من غير الإسبانيين لأول وهلة. ولا شك أن هذه العادة قد أَلِفْنَها حتى أصبح منظرها لا يؤثر فيهن إلا بحال متناقضة مع أثرها الطبيعي؛ ولهذا السبب يحظرون هذا الصراع في فرنسا إلا في مدينتين اثنتين: الأولى نيم؛ لأن أهلها ألفوه من زمن الرومان، ومسرحه فيها من زمنهم. والثانية بوردو؛ لمجاورتها لإسبانيا، وقد يُقِيمون صورة مصغرة منه في بلاد أخرى مثل (فيشي) وغيرها. وقد كان الصراع في هذه الحفلة مع ثمانية من الثيران قُتِلتْ جميعًا بعد أن قَتَلَتْ أكثر من خمسة عشر حصانًا.
والذي لاحظته هنا أن الملك حضر من أول الصراع إلى آخره، من الساعة الخامسة تمامًا إلى منتصف الساعة الثامنة بعد الظهر، ولا أدري أكان هذا ناشئًا عن شوقه لرؤية هذا النزال، أم أنه يحترم ميول شعبه، فيُظهِر لهم أنه معهم في عواطفهم وشعورهم من البداية إلى النهاية، وهي سياسة رشيدة، ربما كانت السبب في حفظ عرشه في الأزمات الحربية والسياسية التي مرت بالبلاد لعهده.? وعلى كل حال ترى الشعب الإسباني يحب ملكه؛ لأنه كان يؤاسيه كثيرًا مدة الحرب، فيعود مرضاهم ويعطف على المنكوبين منهم؛ لذلك كثيرًا ما كنت تراه يتنزه وحده على طَوار? هذا المرفأ عن غير ما حرس أو رقيب، اللهم إلا قلوب شعبه ومهجهم، وهل للملوك سعادة في الأرض غير هذه العاطفة؟ هوامش

(?) العسير، أو العرم.(?) سكة حديدية مسننة تتسلق الجبال، وتُشَدُّ عرباتها بواسطة حبل مكون من أسلاك حديدية مرنة، وذلك إما بضغط الماء أو بآلة رافعة في محطتها العليا.(?) هذا النوع من الصراع قديم في بلاد إسبانيا، ولا يدرون أَمِنْ طريق الرومان دخل إليها، أم من طريق القرطاجيين؟ ويقول بعضهم إنه ظهر في إسبانيا بعد دخول العرب، فإن كان هذا صحيحًا، فإنه يكون من طريق البربر الذين أخذوه عن القرطاجيين لما بينهما من التبعية أو الجوار، أما العرب فلا نعلم عنهم في تاريخهم أنهم اشتغلوا بمثل هذا الصراع. وعلى كل حال كان صراع الثيران إلى القرن التاسع من الميلاد يدخل في أنواع الفروسية التي كانت تظهر فيها بطولة المصارع بإسبانيا؛ فقد كان ينزل إلى الميدان الذي به الثور المتوحش ويهجم عليه ويأخذ بقرنيه، ولا يزال به حتى إذا غلبه على أمره وألقاه إلى الأرض كان له شرف الانتصار على خصمه، فإذا كانت الغلبة للثور هجم عليه بعض المتفرجين بخناجرهم وأثخنوه جراحًا يقع منها صريعًا، وربما أنقذوا الرجل من تحت قرنيه وفيه رمق من الحياة، فيقوم وهو يتعثر في خجله. وكثيرًا ما كان ينزل المصارع إلى هذا الميدان فارسًا، فيقتتل مع الثور وتكون النتيجة القضاء على أحدهما.
ولم يتغير شكل هذا الصراع إلى صراع فني مداره على خفة المصارع ومرونته في حركاته إلا في القرن الثاني عشر الميلادي، وبالجملة إن صراع الإنسان مع الحيوانات المفترسة كان منتشرًا في الدولة الرومانية.
وملعب (الكوليزيوم) لا يزال أثره موجودًا في روما، وكان يسع ثمانية آلاف نفس، وقد كان افتتاحه سنة ?? ميلادية مدة الإمبراطور نيوليس الذي أمر فأُدْخِل في ساحة هذا الملعب خمسة آلاف من الحيوانات المفترسة، وأرغم المسيحيين المساكين الذين منوا باضطهاده على قتالها. وكان أهل روما يجتمعون في أعيادهم في هذا المكان لمشاهدة الألعاب المختلفة التي كانت تقام فيه، ومنها مصارعة بعض الرجال للوحوش، ولقد كانوا يلقون ببعض العبيد إلى ميدان هذا الملعب وهم عُزَّل من كل شيء، ثم يرسلون عليهم بعض الأسود من خبها من باب له على هذا الميدان، فيأخذ المساكين في دفعها عن أنفسهم بحكم طبيعة النضال الحيوي، ولكنهم لا يلبثون أن يُصْرَعوا وتأخذ السباع في نهش أجسادهم، وهنالك كنت تسمع رنات السرور والإعجاب من النظَّارة.
وكثيرًا ما كان الملك يأمر فيُلْقَى ببعض من يغضب عليه من القواد إلى هذا الميدان ومعه آلة كفاحه، ويرسلون عليه بعض الآساد، فيدفع القائد خصمه بشدة.
وقد يتغلب عليه ويصرعه، وهنالك يمحو دم الأسد ما كان له من جريمة، فيصفق له الناس من كل جهة هاتفين له بكلمات الاستحسان، وعند ذلك يضطر الملك إلى العفو عنه ويرجعه إلى قيادة جيوشه بعد تهنئته بهذا الظفر العظيم.
ومن هذا وذاك ترى أن شدة فرح الناس بالظفر في هذه الميادين كانت تنسيهم فظاعة تلك الدماء التي تسيل على أرضها من أحد الخصمين مما إذا رأوها في غير هذا المكان أخذتهم الشفقة والرحمة واستدعوا جمعية الرفق لإسعاف صاحبها.
وقد كان يكثر الصراع في الأزمنة الغابرة بين حيوان وآخر من نوعه، فقد كان بين الثيران كما كان بين الكباش والدِّيَكة، وكان الصراع في هذين النوعين إلى زمن قريب بمصر.
أما الصراع بين إنسان وآخر فقد كان من الألعاب الرياضية التي كانت تستعملها اليونان والرومان، وبها كانت تظهر قوة الشخص المادية، وهي كل شيء في تلك الأزمان، فيكون له بها شرف البطولة التي يحرز بها في قومه المجد الأعلى والشرف الأسمى، وقد يصل بها إلى عرش الملك، بل إلى عرش الألوهية في نظرهم.
أما الآن فاشتغال الناس بهذه الألعاب الرياضية قد أصبح عامًّا في البلاد المتمدينة، ولكن على قاعدة «العقل السليم في الجسم السليم»، وقد أصبح لأبطالها المحترفين لألعابها شيء من هذا الشرف يتردد صداه في أنحاء المسكونة، وهذا غير ما يكسبونه من مادة الرهان على انتصاراتهم، مما تكون لهم به ثروة قد تُقدَّر بالملايين.(?) كتبتُ هذه الرسالة قبل الحركة الثورية التي ظهرت في البلاد ضد السلطات الحاكمة.(?) رصيف.
الرسالة الثانية


ركبت القطار السريع إلى مجريط (مدريد) في وادٍ لا نبات فيه ولا زرع، بين سلسلتي جبال (نوفامورينا) في وادٍ جميع الأراضي عن يمينه وعن شماله قفر، حتى كأننا كنا نسير في تلك الصحراء التي وهبها أبو دلامة الشاعر للخليفة المنصور العباسي.? ويتخلل هذه الصحراء بعض أراضٍ كانت مزروعة قمحًا بعد المطر، وقد حصدوه إذ ذاك، وهم يشتغلون بدرسه كحاله عندنا؛ فترى النَّوْرَج يدور على الكُدْس (الرمية)، إلا أن حيلانه (فلكاته) أقل ارتفاعًا. وقد ترى بجوار هذا الجرن آخر قد تم دِراسه، فيه المذرى بمُذْرَاةٍ كحاله عندنا تمامًا. وترى بجواره التبن وقد كدسوا بعضه على بعض مثل تكديسه في الصعيد، كأنه مقطوع من جهاته الأربع بمستوى أفقي.
ويتخلل هذا الوادي بعض أشجار من الجوز والبَقْس، وبعض حقول من العنب والزيتون، وكلما اقتربنا من مدريد قلت فيه المزارع ووحش منظره. وفي هذه الجهة ينزل الثلج مبكرًا، فيقصدها أهل مدريد للرياضة الشتوية والألعاب الثلجية (اسكيتنج). ومتوسط سير القطار السريع في هذا الوادي ?? كيلومترًا؛ لأن المسافة بين سان سباستيان ومدريد ??? كيلو، قطعها هذا القطار في ?? ساعة.
(?) مدريد

مدريد (والعرب يسمونها مجريط، وبعضهم يسميها مشريط) هي عاصمة إسبانيا الآن، وعدد سكانها ??? ألف نفس. ولقد كانت إلى القرن العاشر بعد الميلاد قرية صغيرة غير مهمة، وكانت حصنًا يقع حينًا في يد القشتاليين وآخر في يد العرب، وأول شهرة هذه المدينة التاريخية من سنة ????م؛ إذ تُوِّج فيها الملك هنري الثالث ملك القوط، وفي النصف الثاني من القرن السادس عشر جعلها فليب الثاني عاصمة ملكه، ومن ثَمَّ أخذ عمرانها يتزايد، وخاصة بعد أن هدم سورها القديم. وجو هذ المدينة حار جدًّا في الصيف، بارد جدًّا في الشتاء، وخير الأوقات لزيارتها فصل الخريف، وكانت درجة حرارتها في أواخر أغسطس ?? سنتجراد. وقد كنت أظن قبل زيارتي لها أنها مدينة غير عظيمة ليس فيها شيء من مظاهر المدنية الحديثة له قيمة، ولكني وجدت أحياءها الحديثة كأحسن مدائن أوربا في مبانيها، ومحالها التجارية، وفنادقها الكبرى، ومتنزهاتها وقهواتها البديعة. وأفخم أبنيتها قصر الملك، ويمكن السائح مشاهدته بتوصية من السفارة التي ينتسب إليها، ولم أستطع زيارته، كما حُرِمْتُ مشاهدة كثير من آثار هذه المدينة، وتكثر في شوارعها المراكب الكهربائية والقطر السريعة (المترو) التي تسير تحت الأرض، وهي أحسن منها شكلًا في ممالك أخرى، وفي وسط المدينة ميدان يسمى ميدان الشمس تتفرع منه شوارعها الكبيرة، وينتهي شارع القلعة (ALACALA) — وهي تسمية عربية — بشارع عظيم عمودي عليه اسمه (البرادو)، وهو على نظام شارع (شانزليزيه) بباريس إلا أنه أوسع، ويسير من جانبيه شارعان، أما أوسطه فكله رياض وأشجار صُفَّتْ تحتها كراسي كثيرة لجلوس الناس وخاصة وقت المساء، وهذا المكان هو محل رياضة القوم في مدة الصيف، فتجده غاصًّا بالناس من جميع الطبقات إلى فترة من الليل، وعلى حافتي هذا الشارع المباني الفخمة. وهذه المدينة مشهورة بصناعة الصيني والسجاد والدخان، ولقد أعجبني فيها منظر مَسَّاحي الأحذية؛ لأنهم غاية في النظافة، وكل واحد منهم يحمل صندوقًا، ومعه وسادة (مخدة) يجعلها تحت ركبتيه لمزاولة مهنته التي يؤديها بكل دقة. ولشدة حر مدريد لم أتمكن من زيارة شيء غير متحف الصور، وهو آية في بابه، ومع صغره تراه من أحسن المتاحف التي من نوعه، والذي أعجبني فيه سيدات ورجال وشبان وشابات منهمكون في تصوير بعض الألواح المحفوظة بالمتحف، وكثير منهم يجيد صناعته، ولا عجب؛ فأوربا جميعها تعنى بالفنون الجميلة. وفي مدريد دار للكتب جميلة، وفيها كثير من الكتب العربية القيمة، وليس فيها شيء من آثار العرب إلا ما كان مجموعًا في دور الآثار بها من التحف الثمينة التي هي من عملهم والنقود التي ضربوها، سواء أكانت هذه المتاحف للحكومة أم كانت للأهالي، وخير ما للخاصة من ذلك متحف السنيور? أوسما الذي أقام له دارًا خاصة به، وقف عليها من مُلْكه ما تقوم غلته بنفقتها. وقد يلفت نظرك في هذه المدينة استعمال القلل الفخار، ويسمونها كرازًا وهي كلمة عربية،? فإذا لاحت منك التفاتة إلى موائد قهوة من القهوات أو مطعم من المطاعم، وجدت على كل واحدة قلة، فإذا جلست أتاك الخادم بكوب، وانتظر ما تأمر به من مشروب أو مأكول. وعلى كل حال، إن جو المدينة غير صحي في الصيف لشدة حرارتها، وكثرة ذبابها وأتربتها التي تؤثر في الصدر، ولشدة جفاف هوائها الذي يؤثر في المزاج العصبي.
ويسير في وسطها نهر (ماندانار) وكان أحد سفراء ألمانيا يصفه من باب الفكاهة بأنه أحسن أنهار الدنيا؛ لأن الإنسان يقطعه ماشيًا أو راكبًا عربة أو دابة. وهو يشير بذلك إلى أن هناك نهرًا ولا ماء. ومن ألطف الإشارات التي من هذا القبيل أن مدريد أكثر عواصم أوربا ارتفاعًا؛ لأنها بُنِيت على جبل، وقد خرَّج القسوس من ذلك أن عرش ملوك إسبانيا بعد عرش الله (أعني في الارتفاع)، وبهذا أثروا في عقيدة الشعب، حتى إنه إلى الآن يُعتقَد أن عرش إسبانيا هو خير العروش بعد عرش السماء. وتكثر في هذه المدينة المراوح: فترى واجهات الدكاكين ممتلئة بها على أشكال مختلفة، وقد تراها في أيدي الناس عامة، ويندر ألَّا ترى سيدة جالسة أو ماشية أو راكبة إلا وفي يدها مروحة تحركها بلطف أخف من النسيم الذي تنشده. وعلى ذكر هذا الجنس اللطيف أقول إنه في هذه البلاد أكثر كمالًا منه في غيرها من مدن أوربا؛ فهن يتجملن غالبًا بالحشمة، ويُدْنِين عليهن من جلابيبهن (فساتينهن) إلى ما دون نصف الساق، وكثيرًا ما يضعن على رءوسهن — وخاصة أهل الأندلس — الشقة، وهي أشبه شيء بما يسمونه عندنا (الطرحة)، وهي إما أن تكون خفيفة من المخرم الأسود، أو من نسيج من الشاش السميك. وبعضهن يشتملن بملاءة كبيرة قد تصل إلى الركبة، وهؤلاء في الغالب من الراهبات. ونساء إسبانيا أقل صلة بالرجال الغرباء، ومع أنهن جميلات الوجه جدًّا قد تنقصهن رشاقة الجسم وخفة الحركة؛ وذلك لكثرة ملازمتهن منازلهن. وقد يكون ذلك لشدة حرارة الإقليم، أو أن هذا النوع من الحجاب موروث عن العرب. ويقال إن أحسن الجمال الإسباني في جهة بلنسية، ثم في غرناطة، ثم في برشلونة؛ ذلك لأن جمال طبيعة هذه البلاد أثَّر في أهلها، فأكسبهم من محاسن الخلقة ما لم يتيسر لغيرهم، وهو تعليل معقول.
وبالجملة إن نساء الإسبان في الغالب يكتفين بجمالهن الطبيعي الذي خُصَّ بهذه السمرة التي جمَّلتها يد الطبيعة بما ترى أثره الصناعي في وجوه الغانيات في كل جهة من جهات العالم المتمدين، ولكن هل يبلغ الظالع شأو الضليع؟ ومما يعجبني أن نساء الإسبان في الغالب لا يستعملن الأدهنة البيضاء في وجوههن، ولا الحمراء في شفاههن، ومن يستعملنها منهن فبخفة لا تظهر معها كلفة الصناعة؛ وبذلك أصبحن بعيدات عن التسمم الذي يحصل من كثرة استعمال هذه المحسِّنات الوقتية؛ لأنها كلها مركبات زرنيخية تؤثر على مر الأيام في بشرة الوجه بالذبول، وعضلة الشفة بالتقلص. وعلى كل حال إن هذا الجمال الصناعي — وإن أكسب المرأة رُوَاء مزيفًا في وقته — يتقدم بها إلى الشيخوخة قبل أوانها، بما لا تنفع معه عناية الطبيب ولا استعمال العقاقير.
حُسْنُ الحضارة مجلوبٌ بتطريةوفي البداوة حُسْنٌ غير مجلوب(?) الإسكوريال

هو البناء الذي أقامه فليب الثاني ملك إسبانيا في النصف الأخير من القرن السادس عشر على قمةٍ ترتفع عن البحر ألف متر، وتبعد عن مدريد بواحد وخمسين كيلومترًا، وهو يشمل الكنيسة، والقصر، والمقبرة الملكية، والدير ومدرسته. وإذا عرفت أنه يحتوي على ?? حوشًا، و???? نافذة، و???? باب، و?? سلمًا توصل إلى أمكنة مختلفة؛ عرفت مقدار أهمية هذا البناء العظيم الذي بُنِي جميعه من الجرانيت الأزرق الذي أَتَوا به من جبال وادي رامة بإسبانيا.
وبناء الكنيسة على النظام القوطي، وهي — على خلوها من التأنق — تشعر فيها بعظمة في النفس لا يصل إليها ذلك التأنق الذي تراه عادة في الكنائس الكاثوليكية الكبرى، وشكلها من الداخل مربع، طول كل ضلع منه خمسون مترًا، وفي وسطها أربعة أعمدة من البناء المربع، عرض كل ضلع من أضلاعها ثمانية أمتار، وعليها أقواس ترتفع عليها قبة الكنيسة التي قطرها ?? مترًا، وفي دائر الكنيسة ?? مُصلَّى. ويرتفع على سطحها منارتان، ارتفاع كل واحدة نحو ثلاثة وسبعين مترًا، ويعلو القبة صليب تبعد قمته عن أرض الكنيسة بخمسة وتسعين مترًا، وبجوار الكنيسة حوش مربع، يحيط به بهو عظيم رُسِمتْ على حوائطه بالزيت صور كثيرة كنسية مكبَّرة، وفي وسط هذا البهو من كل جهة أبواب إلى غرف في بعضها ألواح ثمينة من رسم أشهر المصورين في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وبعضها يصعد منه إلى الدير، وهو محل مسكن القسوس القائمين بحركة العبادة في الكنيسة. وفيه مكتبة عظيمة فيها خمسة وأربعون ألف كتاب، منها مجموعة من الكتب الدينية والأغاني الكنسية من القطع الكبير جدًّا، وقد وُشِيتْ كتاباتها وجلودها بالذهب، وبعضها مكتوب على رَقِّ الغزال ومزين بالرسوم الجميلة والنقوش القيمة، ومنها مجموعة ثمينة من المخطوطات العربية لا تقل عن ألفي مجلد.
وفي الدير تبقى جثة الملك خمس سنين قبل دفنها (بالبنتيون)، وهو المقبرة الملكية المتصلة بالكنيسة، ويُنْزَل إليها بسلالم هي وحوائطها من المرمر الوردي الثمين، تنتهي إلى غرفة مثمنة قطرها عشرة أمتار، وحوائطها وأرضها من المرمر، وفي كل ضلع منها ردهة وُضِعَ فيها ستة توابيت فيها جثث ملوك إسبانيا بعضها فوق بعض. وفي القاعة دهليز يوصل إلى عدة غرف فيها قبور بعض أعضاء الأسرة الملكية، وبالجملة هذه المقبرة — مع عدم أناقتها وخلوها من الزينة الكاثوليكية — تتناسب عظمتها مع عظمة المدفونين فيها.
وهنا مر بخيالي مقبرة جنوة العامة، وكنت زرتها منذ سنتين، وكيف وصل بالقوم تأنقهم وتطاولهم في فخامة مقابرهم بها إلى درجة لا يماثلها شيء آخر من نوعها، فترى القبور بعضها بجوار بعض، وكلها أو جلها من المرمر، وقد رُسِمتْ أو نُقِشتْ أو مُثِّلَ عليها صورة الميت ومِن حوله الملائكة ترفرف بأجنحتها، وتمد يدها إليه لتقوده إلى جنات النعيم، أو بعبارة أصح إلى الجهة التي ينتظره عمله فيها، وبعض القبور تجدها قد جمعت إلى هذا مختصر تاريخ الميت، ومصابيحها مُسْرَجة على الدوام، وبالجملة قد وصل فيها الإبداع وفخامة المنظر وجمال الصناعة إلى حدٍّ لم أره في غيرها، ويحيط بهذه المقبرة رياض نضرة فيها كراسي خشبية ورخامية يجلس عليها زوَّار المقبرة. وهنا ذكرت (قطع المره) وما إليه من جبانة المجاورين والعفيفي وغيرهما مما أرجو أن يعيره أصحاب الشأن وأولو الأمر بعض عنايتهم؛ حرمةً للأموات ورحمةً بالأحياء.
(?) قصر الملك

وهنا أرجو القارئ عفوًا إذا رجعت به معي — بعد أن شط بي القلم — إلى قصر الملك، وهو يتصل بالكنيسة اتصالًا تامًّا، فماذا ترى؟ ترى بهوًا طويلًا عريضًا مرتفعًا ارتفاعًا عظيمًا وفيه باب القصر، ويدخل منه إلى طابق أرضي فيه حجرة نوم الملك وحجرة نوم ابنته، وليس بهما شيء من المبالغة في التأنق. نترك هذا وما إليه إلى الطابق الثاني، وندخل إلى قاعة المائدة، ثم إلى قاعة السفراء، ثم إلى المكتب الخصوصي، فنجد بها من حسن الرونق وجمال الشكل وبديع الصور التي نُسِجَتْ على قطع كبيرة من الحرير، يتكون منها لوح على قدر كل حائط من حوائط هذه الغرف، فنرى الحائط كله مشتملًا على لوح واحد رُسِمتْ فيه بالنسيج صورة مكبرة من أصل معروف لأحد المشهورين في فن التصوير، نرى هذه الصورة في بروزها، وظلالها، وألوانها، ودقة صنعها، وكمال صوغها، وتمام إبداعها، تمثِّل لك واقعة حربية أو حادثة تاريخية، ويكاد لسان حالها يقول: «ليس في الإمكان أبدع مما كان». ولقد أعجبني من ذلك صورة محاصرة بني مرين مع الدون جوبان لمدينة طريف، وقائدها إذ ذاك غوزمان، فأتى جوبان بأحد أبناء هذا القائد وهدده بقتله إن لم يفتح له أبواب هذه المدينة، فكان جوابه أن رمى له غوزمان بسيفه ليقتله به، وهذه شجاعة وأمانة يُضرَب بها المثل، كما ضُرِب بشجاعة السموءل وأمانته من قبلُ.
وقد فُرِشت هذه القاعات كلها بالحصير المصنوع حديثًا على مثال ما كان عليه في وقته، وهو أشبه شيء بما يُعمَل الآن في منوف والزقازيق من ذات الخطوط الضيقة المستقيمة. نترك هذا أيضًا إلى قاعة الصور الحربية، وهي بَهْوٌ كبير طوله نحو أربعين مترًا، وقد رُسِمتْ على حوائطه بالزيت واقعات حربية مختلفة، لفتت نظري واحدة منها بما اغرورقت له عيناي وجمد له قلبي، تلك هي الواقعة المشئومة التي حصلت بين القوط والعرب? في سهول غرناطة، نرى فيها الجيشين يسير كلاهما نحو الآخر بحال منتظمة، ثم لا يلبث أن يلتحم أحدهما بالآخر، ثم لا نعتم أن نرى هزيمة العرب، تلك الهزيمة التي كانت نتيجتها أن قُذِفَ بهم إلى ما وراء البحر الأبيض المتوسط، تاركين قصورهم وديارهم في الأندلس تنعى مَن بناها! تاركين وراءهم مُلكًا مجيدًا دام أكثر من ثمانية قرون، كانت كلها عظمة وفخامة! تاركين وراءهم الخراب بعد العمران، والوحشية بعد المدنية، والفقر بعد الرفاهية. والملك لله وحده سبحانه، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. (?) قصر الأمراء

هو على بعد ثلاثمائة متر من قصر الملك، وهو بناء صغير في حديقة كبيرة معتنى بها كل الاعتناء. دخلت هذا القصر مع الداخلين، وكان الحارس يرشد القوم بلغته إلى ما فيه من أثر بما لم أفهم منه، لا كثيرًا ولا قليلًا، ولكني ماذا رأيت؟ رأيت صورًا من أبدع ما يرى الراءون، ألواحًا صغيرة من رسوم مختلفة وأشكال متغايرة غاية في الجمال، تمثِّل لك وقائع تاريخية شهيرة يعرفها أربابها، وبجوار هذه هنا وهناك قطع أثرية صُنِعَتْ من نحاس أو فضة أو عاج أو صدف، وهي تمثِّل مناظر بديعة جدًّا، تراها مع صغر حجمها كأنها واسعة شاسعة بما فيها من أشجار وأطيار وحيوان وإنسان، وكلها من قطعة واحدة، ولا يمكن أي واصف أن يصفها؛ لأنه إذا رآها وقف أمامها في حيرة عظيمة في حكمه عليها، أَمِنْ عمل الإنسان هي، أم من عمل الشيطان؟! ومن بين هذه الصور صورة للعذراء، وقد اشتملت بملاءة من المخرم (الدنتلا) تتصل حينًا بجسمها وتنفصل عنه أحيانًا كالوضع الطبيعي للجسم، وكل هذا من قطعة واحدة من العاج صُنِعَتْ مع سابقاتها في القرن الرابع عشر.
والآن نترك (الإسكوريال) إلى روما ونشاهد كنيسة القديس بطرس، ثم إلى باريس ونزور كنيسة نوتردام، ثم إلى لندره ونزور كنيسة القديس بولس، ثم نرجع إلى ما وراء التاريخ العصري ونزور (الأكروبول) في أثينا، ثم نعود إلى مصر ونذهب إلى أبعد من ذلك كله، وبعد مشاهدتنا أهرام الجيزة نزور هيكل الكرنك في الأقصر، ثم نتساءل: هل هذا كله من عمل الملوك من بني الإنسان، في زمن هو أبعد الأزمان عن العلوم والفنون، في وقت ليس فيه شيء من هذه الاختراعات الحديثة التي سهَّلت الصعاب، وفتحت من مختلف العلوم كل باب، وجعلت هذه الطبيعة القوية في يد الإنسان يحركها كيف يشاء؟ الجواب على كل حال إيجابي.
ثم إذا تساءلنا: وهل في قدرة الملوك في هذا الوقت إقامة هيكل من هذه، خصوصًا مع هذه الآلات الحديثة التي يعمل الإنسان الواحد بها في لحظة ما كان يعمله ألف شخص في أيام؟ فالجواب على كل حال سلبي.
وإذا نحن بحثنا عن السبب، عرفنا أن الأمم كانت مستعبَدة لإرادة أقيالها في الماضي البعيد، ومُسخَّرة لرغبات ملوكها ورؤسائها في الماضي القريب، حتى إذا قامت الثورة الفرنسية بعد منتصف القرن الثامن عشر، وعلى أثرها انتشرت الحرية بين الأمم الأوربية، ووقف الملوك في الدائرة التي رسمتها لهم دساتير بلادهم، وسارت الأمم في حدودها الشرعية أصبح الملك يعمل لبلاده، والناس يعملون لأنفسهم وُحْدَانًا ولبلادهم مجتمعين. وإذا كانت الملوك قد فقدت في هذا الطريق أيدي رعاياها فقد كسبت قلوبهم، وهذه الحال ولا شك من أجل نِعَم الله على الراعي والرعية.
(?) للعبرة والتاريخ

مدريد هي عاصمة إسبانيا الآن، والبيئة الوحيدة التي يعيش في جوها علماء الإسبان، وتطلع في سمائه شموس عرفانهم وعلومهم وفنونهم. وهي مظهر مدنيتهم ومجلى حضارتهم التي لا شك أنها أثر مما تركه العرب في بلادهم: من علم جم، وفن راقٍ، ومدنية صادقة، وحضارة فائقة. ولقد كانت الفائدة منها تكون أعم، والنفع بها أتم، لو لم يكن في الإسبانيين ذلك التعصب الديني الشنيع، وبخاصة بعد أن وصلتهم بالعرب لحمة النسب، وامتزج دم الفاتحين بدم المغلوبين؛ فقد كانت فتوحاتهم بالأندلس موجِبة لوقوع كثير من أسيرات الإسبان في أيديهم، مما كان موجبًا لزواجهم منهن أو التسري بهن، حيث كن — في حكم الفاتحين — ملك يمين، وهي شرعة من شرائع الحروب البائدة، وفي هذه الحالة كانوا يسمونهن «أمهات أولاد».
ولقد كثر زواج ولاة الأندلس من العرب وأمرائهم بالإسبانيات، وأول من تزوَّجَ منهم عبد العزيز بن موسى بن نصير، فقد تزوج بالسيدة أيلونا أرملة لذريق ملك القوط، بعد أن مات إثر جروحه في واقعة شريش التي تغلَّب عليه فيها طارق بن زياد. وتزوج الأمير محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط بإسبانية اسمها مارية، ورُزِق منها بولده عبد الرحمن الناصر. وتزوج الحكم بن الناصر بالسيدة صبح البشكنسية، وأعقبت له هشامًا المؤيد. وتزوج المنصور بن أبي عامر بنت سانكو ملك نافاريا، وولدت له ابنه عبد الرحمن، وكانوا يسمونه سانكو الصغير لميله إلى ملاذِّه، وجرأته على الدين في سيرته الشخصية. وتزوج المأمون بن الناصر سلطان الموحدين إسبانية اسمها حباب، وخلَّف منها ابنه الرشيد. وتزوج السلطان محمد بن أبي الحسن بن الأحمر بالسيدة ثريا الإسبانية، وولدت له ابنه أبا عبد الله. وكانت أم عبد الحق بن أبي سعيد سلطان بني مرين إسبانيَّةً.
وقد فشا الزواج والتسري بالإسبانيات من القوط وغيرهم بين الأمراء والرؤساء من العرب، وكان لهذا العنصر الجميل شيء من التأثير فيهم، لم تكن تظهر نتائجه الخبيثة إلا عند ضعف الدولة، كما كان سببًا في استكانة هشام المؤيد إلى حاجبه ابن أبي عامر، تلك الاستكانة التي ساعدت عليها في أول الأمر أمه، فلما اختلفت مع المنصور بعد أن قويت شوكته، وظهرت عبقريته، وتوطدت دعائم سطوته، وقبض على مقاليد الحكم بيد من حديد، أخذت تضرم في قلب ولدها النار التي أطفأتها، وتثير في نفسه شيئًا من الحياة التي أماتتها، ولكنه كان في سن الأربعين؛ بحيث أصبح — والجبن ملء جسمانه — لا يهتم بشيء من أعمال الدولة، إلا ما كان يقوم بملاذِّه وشهواته!
وقد قضى في حياته على الدولة الأموية، وبموته عفا أثرها، وانمحى وجودها، ولا شك أن هذا أثر تلك التربية الأجنبية? التي ظهرت في المؤيد بالقضاء على الأموية، كما ظهرت في عبد الرحمن بن أبي عامر بالقضاء على الدولة العامرية، وفي الرشيد بن المأمون بضعف الموحدين، وفي عبد الحق بن سعيد المريني ملك المغرب بضياع الملك من بني مرين، وفي أبي عبد الله بن الأحمر بالقضاء على حكم العرب في الأندلس. ولم يقف الزواج أو التسري بالإسبانيات عند الولاة والأمراء في الأندلس، بل تعداهم إلى عامة العرب، وقد ذُكِر أبناؤهم منهن بالإضافة إلى أمهاتهم مما لم يكن في طبيعة العرب، فقالوا: ابن الرومية، وابن القوطية، وهكذا.
ويظهر أن هذا التلقيح الطبيعي قد أثَّر في طبيعة العرب ولا سيما البربر، فرقَّق من أخلاقهم، وقلل من حدتهم، وكان فيهم سببًا للتسامح الذي أحسنوا به عشرتهم مع مَن بقي في وسطهم من القوط وغيرهم، سواء أأسلموا أم بقوا على ديانتهم، فتركوا لهم كنائسهم وبِيَعَهم وحريتهم في مزاولة شرائعهم، هذا التسامح الذي أثَّر بسرعة في طباعهم بما جعلها مستعدة لهذا الرقي السريع الذي ظهرت به ثقافتهم في كل مرافق مدنيتهم الجديدة. وإنَّا إذا تركنا جانبًا ذلك الأثر السياسي الذي أرضعه الأمهات الإسبانيات أبناءَهن، وخصوصًا في الطبقة العالية مما جرَّأ كثيرًا منهم على التهاون في القواعد الدينية والعصبية، فإنا نراهُنَّ من جهة أخرى قد أثَّرْنَ بلطافة أخلاقهن، وجمال عشرتهن، وليونة ملمسهن في نساء العرب اللواتي ظهر منهن كثيرات في عالم الأدب، وكان ظهورهن في أفق هذه البلاد من الأسباب التي جرت بالرجال إلى ميادين العرفان في كل نوع من أنواع العلوم، وخاصة الأدب الذي كان لهم فيه القِدْح المُعَلَّى، حتى لقد كانت لهم في عواصم البلاد أندية كثيرة تجمع بين الجنسين لمذاكرة العلم والأدب والنظم من شعر ونثر، وهذا لعمري آية الآيات، ونهاية البراهين على علو القوم في مدنيتهم. ولا نزال نجد البرهان الوحيد على رقي الأمم نبوغ الجنس اللطيف فيها؛ فإن النساء خير موصل لحقائق الكون ودقائقه إلى أبنائهن وهم في نعومة أظفارهم، فينشَئون بعقول سليمة وأفئدة ذكية وبداهة فائقة، وهي الأسس التي ينبني عليها مجد الأمم وعظمتها.
ويحسن بنا هنا أن نذكر لك بعض من نَبَغْنَ بالأندلس من الجنس اللطيف في عالم الأدب وتبريزهن في الشعر والنثر، بحيث أصبحن في مقدمة أهله لطفًا وظرفًا وبديهة ومتانة، حتى تكون عندك فكرة مما كان عليه هذا الجنس اللطيف فيها.
فمنهن أم العلاء الحجازية، وقد كانت شاعرة أديبة، ومن قولها:
كل ما يصدر منكم حَسَنوبعلياكم تحلى الزمنتعطف العين على منظركموبذكراكم تلذُّ الأُذُنمَن يَعِشْ دونكم في عمرهفهو في نيل الأماني يُغْبَن ومنهن أَمَة العزيز، ومن قولها:
لحاظكم تجرحنا في الحشاولحظنا يجرحكم في الخدودجرح بجرح فاجعلوا ذا بذافما الذي أوجب جرح الصدود ومنهن أم الكرام بنت المعتصم بن صمادح ملك المرية، ويقال إنها كانت تحب فتًى من عامة الناس، ومن قولها في ذلك:
يا معشر الناس أَلَا فاعجبوامما جنته لوعة الحبلولاه لم ينزل ببدر الدُّجَىمن أفقه العلوي للتربحسبي بمَن أهواه لو أنهفارقني تابعه قلبي ومنهن حفصة الركونية، وقد كتبت إلى عبد المؤمن بن علي سلطان الموحدين، وكان من عادتهم أن يبدءوا كتابتهم بقولهم «الحمد لله وحده»:
يا سيد الناس يا مَنيؤمِّل الناس رِفْدَهْاُمْنُنْ عليَّ بطرسيكون للدهر عُدَّهْتخطُّ يُمْنَاك فيهالحمد لله وحده ومن قولها في نفسها:
عيون مها الصريم فداء عينيوأجياد الظباء فداء جيديأُزَيَّن بالعقود وإن نحريلَأَزْيَنُ للعقود من العقودولا أشكو من الأوصاب ثقلًاوتشكو قامتي ثقل النهود وبلغت هذه الأبيات المقتفي أمير المؤمنين، فقال: اسألوا هل تصدق صفتُها قولَها؟ فقالوا: ما يكون أجمل منها. فقال: اسألوا عن عفافها؟ فقالوا: هي أعف الناس. فأرسل إليها مالًا جزيلًا لتستعين به على صيانة جمالها ورونق بهجتها.
ومنهن العبادية جارية المعتضد بن عباد، وكان المعتضد يحبها، وقد سهر ليلة بجوارها وهي نائمة فقال:
تنام ومُدْنَفُها يسهروتصبر عنه ولا يصبر فأجابته بديهة بقولها:
لئن دام هذا وهذا لهسيهلك وَجْدًا ولا يشعر ومنهن حمدونة، ويلقبونها بخنساء المغرب، ومن شعرها:
ولمَّا أَبَى الواشون إلَّا فراقَناوما لهم عندي وعندك من ثاروشنُّوا على أسماعنا كل غارةوقلَّ حُماتي عند ذاك وأنصاريغزوتهم من مُقْلَتَيْك وأدمعيومن نفسي بالسيف والسيل والنار ومنهن عائشة بنت أحمد القرطبية، وكانت من عجائب زمانها، وكانت تحسن الخط وتكتب المصاحف، ودخلت على المظفر بن المنصور بن أبي عامر وبين يديه ولده، فارتجلت:
أراك الله فيه ما تريدولا برحت معاليه تزيدفقد دلت مخايله على مانؤمله وطالعه السعيدتشوقت الجياد له وهز الــحسام هوى وأشرقت البنودوكيف يخيب شبل قد نمتهإلى العليا ضراغمة أسودفسوف تراه بدرًا في سماءمن العليا كواكبه الجنودفأنتم آل عامر خير آلزكا الأبناء منكم والجدودوليدكم لدى رأي كشيخوشيخكم لدى حرب وليد ومنهن مريم بنت يعقوب الأنصاري، ومن شعرها وقد كبرت:
وما يُرتجى من بنت سبعين حجةوسبع كنسج العنكبوت المهلهلتدب دبيب الطفل تسعى إلى العصاوتمشي بها مشي الأسير المُكبَّل ومنهن نزهون الغرناطية، وكانت تقرأ على أبي بكر المخزومي الأعمى، فدخل عليهما أبو بكر الكندي، فقال يخاطب المخزومي مستجيزًا:
لو كنتَ تُبْصِر مَن تجالسه فأفحم وأطال الفكر، وما وجد شيئًا يجيز به، فقالت نزهون:
لغدوتَ أخرس من خَلاخِلهالبدرُ يطلع من أَزِرَّتِهوالغصنُ يمرح في غَلائله ومنهن ولادة بنت الخليفة المستكفي حفيد الناصر الأموي، قال ابن بشكوال: كانت ولادة أديبة شاعرة جَزْلة القول حسنة الشِّعر، وكانت تناضل الشعراء، وتساجل الأدباء، وكانت في نهاية من الأدب والظرف … إلى أن قال: وكان مجلسها في قرطبة منتدى لأحرار المصر، وفناؤها ملعبًا لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غرتها، ويتهافت أفراد الشعراء والكتَّاب على حلاوة عشرتها، وعلى سهولة حجابها، وكثرة منتابها، تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب، ولها مع ابن زيدون أخبار كثيرة (ومن قوله وقت فراقه إياها):
ودَّعَ الصبرَ محبٌّ ودَّعكذائع من سِرِّه ما استودعكيقرَعُ السنَّ على أنْ لم يكُنْزاد في تلك الخُطَا إذْ شيَّعكيا أخا البدر سناءً وسناحفظ الله زمانًا أطلعَكإنْ يطلْ بَعدَك ليلي فَلَكَمْبِتُّ أشكو قِصَرَ اللَّيْل مَعَك وكان منهن مَن تكتب للأمراء، مثل لبنى كاتبة الحكم بن عبد الرحمن، ومزينة كاتبة الأمير الناصر، وقد ذكر ابن فياض في تاريخه «أنه كان بالربض الشرقي في قرطبة مئة وسبعون امرأة، كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي»، فكم كان إذن في كل أرباضها التي بلغت ?? ربضًا ممن كان لهن مثل هذه الصفة من هذا الجنس اللطيف؟
هذا ما اقتصرنا عليه من ذكر أديبات الأندلس.
والآن نذكر لك بعض مَن نبغ من رجاله الذين لا يحصيهم العد.
ففي علوم الدين ظهر كثيرون منهم: عبد الملك بن حبيب السلمي الذي تُوفِّي سنة ??? بلغت مؤلفاته نحو ألف كتاب، ثم عيسى بن دينار فقيه الأندلس، ثم يحيى بن يحيى الليثي أكبر علمائه في مذهب مالك، ثم منذر بن سعيد البلوطي قاضي القضاة بقرطبة توفي سنة ???، ثم أبو القاسم الشاطبي إمام القراء، ثم أبو بكر بن العربي، ثم ابن شبطون فقيه الأندلس، ثم بقي? بن مخلد، وأبو الوليد الباجي، والوزير الفقيه أبو محمد علي بن حزم الذي بلغت تآليفه ??? كتاب، وعثمان بن سعيد، والقاضي عياض، ومحيي الدين بن عربي الذي مات بالقاهرة، وأبو العباس المرسي الذي مات بالإسكندرية، وابن مالك الجياني صاحب الألفية والذي هاجر في النصف الثاني من القرن السابع إلى دمشق، ومات بها سنة ???. أما من ظهروا في عالم الأدب، فيكادون لا يُحصَون عدًّا، ويمكنك أن تطَّلع على بعضهم في قلائد العقيان وغيره من كتب الأدب والسير والطبقات والتاريخ، كالإحاطة ونفح الطيب، وإن كنت أرى أنهما إلى الأدب أقرب منهما إلى التاريخ. وقد برز من هؤلاء كثيرون، في مقدمتهم الوزير لسان الدين بن الخطيب، وابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، والفتح بن خاقان صاحب قلائد العقيان، والشريشي شارح المقامات، والمنصور بن أبي عامر، وابن خفاجة، وابن هانئ، وابن زيدون، وابن عمار، والمظفر الأفطس ملك بطليوس الذي ألَّف كتابًا في الأدب في نحو مائة مجلد، والوزير ابن زمرك، وابن سِيدَهْ الذي ظهرت مواهبه في اللغة، وهو صاحب كتاب المخصص، وغيرهم وغيرهم ممن تحلَّتْ الطروس بسطورهم، والنفوس برائع كلماتهم وبديع آياتهم، مِن شعرٍ يأخذ بالألباب، ونثر يصل برقَّته إلى سويداء القلوب.
وكان عبد المجيد بن عبدون يحفظ جملة من كتب الأدب، ومنها كتاب الأغاني، وكان الخلفاء والأمراء يقترحون على الناس حفظ الكتاب الفلانيِّ ويقدِّرون لذلك جائزة لها قيمة، وكان هذا سببًا لشيوع الحفظ فيهم.
وكان الأمراء الأمويون أنفسهم في مقدمة رعيتهم فضلًا وعلمًا وأدبًا، ومنهم من كان له قدم عالية في الشعر، ومن قول الأمير عبد الله بن محمد، وهو غاية في الرقة وأظن أنه لم يسبقه غيره إلى هذا المعنى:
يا مهجة المشتاق ما أوجعكويا أسير الحب ما أخشعكويا رسول العين من لحظهابالرد والتبليغ ما أسرعكتذهب بالسر فتأتي بهفي مجلس يخفى على من معككم حاجة أنجزت إيرادهاتبارك الرحمن ما أطوعك ومنهم كثيرون اشتغلوا بالعلوم الرياضية، والفلكية، والكيمياوية، والنباتية، والزراعية بما ظهرت نتائجه القيمة في أواخر القرن الرابع الهجري. وقد نبغ من هؤلاء كثيرون أفادوا كثيرًا في رقي المدنية الإسلامية التي كانت مادة لشيء كثير من المدنية الأوربية الحالية: كابن الصفار،? وابن السمح،? وأبي القاسم مسلمة بن أحمد توفي سنة ???، والكرماني،? ومحمد بن إسماعيل،?? وعبد الغافر بن محمد، وعبد الله بن محمد المعروف بالسريِّ، وعبد الرحمن بن إسماعيل بن بدر المعروف بإقليدس كان في أيام المنصور بن أبي عامر، وسعيد بن فتحون السرقسطي، وابن شهر،?? وابن الليث،?? وعلي بن خلف بن أحمد، وابن الخياط،?? وأحمد بن جوشن، وموسى بن ميمون توفي سنة ???، وابن البيطار المالقي، وابن مفرج?? النباتي، وأبو زكريا الإشبيلي، وابن باجه أبو بكر محمد بن يحيى الصائغ الغرناطي، استوزره أبو بكر يحيى بن تاشفين مدة عشرين سنة وتوفي سنة ???، وابن جابر، وينسب إليه اختراع الجبر.?? ومن الذين اشتغلوا في الرياضيات عباس بن فرناس الذي اخترع آلة المثقال لمعرفة الزمن، ورسم في بيته هيئة السماء بما فيها من النجوم والغيوم والبروق، وهو أول من استنبط بالأندلس صناعة استخراج الزجاج من الحجارة، وفكَّر في إمكان الطيران?? وكان قبله لا تتسع له غير خرافات اليونان، فعمل له جناحين من ريش طار بهما مسافة في الهواء، ولكنه لم يحسن الوقوع لعدم تفكيره في عمل الذيل الذي ينظِّم حركة النزول ويمنع السقوط المروِّع، فسقط سقطة كان فيها حتفه سنة ???. أما الذين اشتغلوا بالمسائل الطبية ونبغوا فيها فكثيرون جدًّا، وقد وصل الطب في الأندلس إلى درجة لم يصل إليها في الشرق ولا في الغرب، نذكر منهم: ابن الجزار،?? وإسحاق بن سليمان توفي سنة ???، وابن خلدون?? (غير المؤرخ)، وابن غلندو،?? والحراني،?? وإسحاق?? بن عمران، ومحمد بن فتح، وأحمد بن يونس،?? وإسحاق?? الطبيب، ويحيى?? بن إسحاق، وابن جلجل،?? وابن باجه، وبني زهر، وابن رشد، وابن حفصون،?? وابن المدور، والزهري،?? وابن خاتمة الطبيب، وقد ألَّف كتابًا في الوباء ذهب فيه إلى وجود الجراثيم (الميكروبات) وتأثيرها في العدوى، وقد سبق في العثور عليها باستور العالم الفرنسي الذي مات سنة ????م. ومن الذين نبغوا في الجغرافية ولهم مؤلفات فيها: الإدريسي، والبكري صاحب المعجم، وابن جبير، والحجازي صاحب المسهب. أما الذين ظهروا في التاريخ فهم كثيرون، منهم: ابن خلدون (أصله من إشبيلية)، وابن حَيَّان، وابن بَشْكُوَال، وابن سعيد، وابن الخطيب.
ولم يظهر الذين نبغوا في الفلسفة إلا في أواخر القرن الرابع؛ لأن الناس (وخاصة أهل الأندلس) كانوا إلى منتصف هذا القرن يتهمونهم بالزندقة بل بالكفر.?? ويتطاولون عليهم بكل أنواع الأذى، بما كان يضطرهم إلى الاختفاء وإنكار الاشتغال بها، وكثيرًا ما كان الخلفاء من المرابطين والموحدين ينالونهم بالأذى تقرُّبًا للعامة، ومن ذلك أن المنصور يعقوب ملك الموحدين مع علو كعبه في العلوم والآداب سَجَنَ ابن رشد؛ لنسبة بعض كتب الفلسفة إليه، على الرغم من إنكاره لها، وكانت الفلسفة سببًا في فرار ابن هانئ الشاعر من إشبيلية خوف إيقاع الناس به. والذين ظهر منهم في سماء النبوغ فيها: ابن رشد، وابن الطفيل، والوقشي، وابن الصائغ المعروف بابن باجه، وابن حَيَّان، والمقتدر بن هود صاحب سرقسطة. وقد برز في علم الموسيقى ابن فتحون، وابن باجه، ويحيى الخدج، ولهم فيها مؤلفات كانت أصلًا لترتيب النغمات الإفرنكية وتقييدها في مذكرتها الحاضرة (نوتتها).
ومما مر ذِكْرُه ترى أن الذي كان ينبغ منهم في مادة لا يمنع نبوغه فيها تبريزه في مادة أو مواد أخرى، كابن رشد مثلًا، فإنه كان عالمًا دينيًّا، وأديبًا، وشاعرًا، وطبيبًا، وكاتبًا، وفيلسوفًا، وكذلك ابن باجه، فإنه كان مع هذا كله موسيقيًّا.
ولولا التطويل الذي لا تتسع له هذه الكلمة لأكثرنا لك من هذه الأمثلة التي يخجل أمامها هؤلاء الذين يدَّعون جلال العلم من غير ما علم، وقد أصبح هذا من علل الشرق بعد أن كان فيه من علمائه من ينحني رأس التاريخ أمام أسمائهم إعظامًا وإكبارًا.
وبالجملة لقد أنجبت الأندلس من رجال العلم?? مَن لا يقلُّون في كفايتهم وعلومهم عمن أنجبهم الشرق الإسلامي ممن قامت بتآليفهم هياكل المدنية في كل علم من العلوم المختلفة. وقد كانوا يفاضلون بين ابن رشد والطوسيِّ، وبين ابن زهر وابن سينا، وابن فرناس والفارابي، وبين يحيى الخدج وأبي الفرج الأصبهاني، وبين ابن هانئ والمتنبي، وبين ابن زيدون والبحتري، وبين ابن عبدون والأصمعي، وبين ابن ضمضم والخوارزمي، وبين أبي مروان البصير والمعري؛ لوجود الشبه بين كلٍّ في كثرة علومهم وعرفانهم، وفي معارفهم الخاصة التي برزوا فيها. وكانوا يفاضلون بين عبد الرحمن الداخل والمنصور العباسيِّ، وبين الناصر والرشيد، وبين الحكم بن الناصر والمأمون العباسيِّ؛ لكثرة الشبه بينهم في سياستهم، وبُعْد نظرهم، وكمال رياستهم، وغزارة معارفهم. كما كانوا يفاضلون بين قرطبة وبغداد، وبين إشبيلية وحمص، وبين غرناطة ودمشق؛ لكثرة الشبه بينها في ضخامة البنيان، وواسع العمران، وكثرة الزروع والأنهار، ورواج أسواق العلوم والآداب. هوامش

(?) ذلك أنه دخل عليه يومًا مع الشعراء فأعجبته قصيدته، فأمر أن يُعطَى مائة جريب عامرة، ومائة جريب غامرة، فقال: وما هي الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: هي التي لا نبات بها ولا زرع. قال: إذا كان الأمر كذلك فإني أعطيك يا أمير المؤمنين مائة ألف ألف جريب غامرة من صحراء كذا، وإن شئت زدتك منها.(?) السيد.(?) جاء في القاموس: كُراز كغُرَاب ورُمَّان: القارورة، أو كوز ضيق الرأس.(?) شكل العرب المحاربين في هذه الصورة على انتظام تام في هجومهم ولباسهم، وهو أشبه شيء بلباس الأتراك: سروال (بنطلون) واسع، وعليه شبه معطف (جاكتة)، عليه حزام، وعلى الرأس عمامة لُفَّتْ على قلنسوة مخروطية الشكل. وربما كان هذا اللباس شائعًا عندهم بين حربيين وغيرهم، على أنهم كان منهم كثيرون يَتَزَيَّون بلباس الإسبانيين، حتى بعض الخاصة، ومنهم محمد بن مردنيش: صاحب شرق الأندلس.(?) وقد بدأ ضعف الدولة الإسلامية الشرقية بأمهات الخلفاء الأجنبيات وتدخُّلهن في أعمال الدولة؛ فكانت أم المستعين العباسي صقلية، وأم المهتدي رومية، وأم المقتدر تركية، وكانت كثيرة التدخل في أمور الخلافة مدة ولدها، وكانت تجتمع بالوزراء والقواد في مجلسها، وتصدر إليهم أوامرها من غير علم من ولدها. ومن هذا الوقت أخذت أمور الدولة في الضعف، واستبد الأتراك بها.(?) بقي (بالياء) بن مخلد بن يزيد حافظ الأندلس في عصر بني أمية.(?) أحمد بن عبد الله بن عمر.(?) أبو القاسم أصبغ بن محمد بن السمح، توفي سنة ???.(?) عمر بن عبد الرحمن القرطبي، توفي سنة ???.(??) المعروف بالحكيم، توفي سنة ???.(??) هو أبو الحسن مختار بن شهر الرعيني، كان بصيرًا بالهندسة والنجوم، متقدمًا في اللغة والحديث والتاريخ، شاعرًا أديبًا.(??) محمد بن أحمد بن الليث، توفي سنة ???.(??) أبو بكر يحيى بن أحمد، أحد تلاميذ أبي القاسم مسلمة بن أحمد، توفي بطليطلة سنة ???.(??) ابن مفرج النباتي (هو أبو العباس أحمد بن محمد، ويُعرَف بابن الرومية، من أهل إشبيلية ومن أعيان علمائها وأكابر فضلائها، وصل سنة ??? إلى ديار مصر، وأقام بها وبالشام والعراق زمنًا، ولما وصل من المغرب إلى الإسكندرية سمع به السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، وبلغه فضله فاستدعاه إلى القاهرة وأكرمه، وعرض عليه الإقامة عنده فأبى، ولكن أقام لديه مدة ثم قصد الحجاز حاجًّا، وعاد إلى المغرب فأقام بإشبيلية.(??) (وبعضهم ينسبه إلى جابر بن حيان الطوسي إمام المشرق في علم الكيمياء، الذي مات سنة ????.)(??) ذاع أمر الطيران في الفرنجة، فحذا حذو ابن فرناس دانت DANTE في أواخر القرن الخامس عشر، ثم أوليفييه OLIVIER في القرن السادس عشر، وعملا لهما أجنحة من الريش، ولكن كان حظهما مثل حظه في سقوطهما وإصابتهما برضوض وكسور. وأتى من بعدهما كثيرون فكروا في الطيران بواسطة آلات مدار حركتها على قوة ساعدي الشخص الطائر، ولكنها لم تنتج نتيجة صالحة. وفي سنة ???? اخترع الألماني لليانتال آلة طار بها بضع مئات من الأمتار، وانتهت تجاربه بموته سنة ????. وفي نهاية القرن التاسع عشر وصل العالم الرياضي لانجلي الأمريكاني إلى اختراع طيارة من الألومنيوم يحركها جهاز خفيف، فطارت تسعمائة متر بسرعة ?? مترًا في الثانية. ثم وصل تانان وريشييه إلى اختراع طيارة صغيرة وزنها ?? كيلوجرامًا، فكانت تطير بسرعة ?? مترًا في الثانية.
ومن ثم أخذ هذا الاختراع العجيب يزيد في صلاحيته حتى وصل إلى ما تراه الآن من نقل الركاب بين إنكلترا وفرنسا، وبين هذه وبلاد المغرب، ونقل البريد بين مصر وبغداد بطريقة منتظمة، ثم في قطع المسافات الشاسعة بين أوربا وأمريكا، وبينها وبين مصر والهند وأستراليا. ولا بد أن يأتي يوم تكون فيه حركة الطيارات في الهواء كحركة العربات على وجه الأرض.
وقد صنع الألمان أخيرًا منطادًا كبيرًا اسمه (جراف زبلن) تزيد مساحته عن مائة ألف قدم مكعب، وقد جُهِّزَ بخمسة محركات قوة، كل واحد منها ??? حصانًا، وقطع المسافة بين ألمانيا ونيويورك ببضائع كثيرة وبثلاثين راكبًا بسرعة ??? كيلومترًا في الساعة.
والآن يعمل الإنجليز بالونًا يسع أكثر من مائة راكب، اسمه (ر???)، طوله ??? قدمًا، وبه قاعات لنوم المسافرين، وفيه قاعة تسع خمسين نفسًا يجلسون فيها للطعام ولتمضية الوقت فيما يسليهم في سفرهم من قراءة وغيرها، وهو يقطع ??? ميلًا في الساعة.(??) هو أحمد بن ابراهيم، من أهل القيروان، وهو ممن لقي إسحاق بن سليمان وصحبه وأخذ عنه.(??) هو أبو مسلم عمر بن أحمد بن خلدون الحضرمي، من أشراف أهل إشبيلية، توفي سنة ???.(??) أبو الحكم بن غلندو الطبيب، وُلِد بإشبيلية ونشأ بها، وكان أديبًا شاعرًا، توفي بمراكش حوالي سنة ???.(??) يونس الحراني هذا ورد من المشرق، وكان في أيام الأمير محمد بن عبد الرحمن الأموي، واشتهر بقرطبة.(??) كان بغدادي الأصل، ودخل إفريقية في دولة زيادة الله بن الأغلب التميمي.(??) رحل إلى المشرق في دولة الناصر سنة ???، وأقام به زمانًا لدراسة الطب، ثم انصرف إلى الأندلس في دولة المستنصر بالله سنة ???، فأسكنه مدينة الزهراء واستخلصه لنفسه.(??) والد الوزير ابن إسحاق، وهو مسيحي النِّحْلة، وكان مقيمًا بقرطبة في أيام الأمير عبد الله الأموي.(??) كان في صدر دولة عبد الرحمن الناصر لدين الله، واستوزره، ووُلِّيَ الولايات والعمالات.(??) سليمان بن حسان، كان في أيام هشام المؤيد بالله، وتوفي مدة المستنصر.(??) ابن حفصون (أحمد بن حكم)، كان طبيبًا فيلسوفًا حاذقًا، اتصل بالحكم المستنصر بالله، وتوفي في مدته.(??) لعله الزهراوي، وهو أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي المتوفى سنة ???، كان أشهر أطباء زمانه، وهو أول من ألَّف في فن الولادة، ورسم في كتابه آلات الجراحة، و(الزهري) أيضًا هو الفقيه الطبيب أبو بكر بن أبي الحسن الزهري الإشبيلي، وخدم بالطب للسيد أبي علي بن عبد المؤمن صاحب إشبيلية وهو في أيام المستنصر.(??) ومن ذلك قيامة الأزهر على السيد جمال الدين الأفغاني عند حضوره إلى مصر في النصف الثاني من القرن المنصرم وتدريسه به أصول المنطق والفلسفة، فإنهم رموه بالزندقة، وقصدوه بأنواع الإهانة، مما اضطر معه إلى ترك الأزهر والاقتصار على التدريس في بيته لمن أراد من تلاميذه الذين كان منهم قادة الإصلاح الفكري والسياسي في القطر، ومنهم الإمام الشيخ محمد عبده.(??) لابن الفرضي كتاب لتاريخ علماء الأندلس إلى آخر القرن الرابع في جملة مجلدات، نشر الأستاذ كوديرا منها الجزأين السابع والثامن في مدريد سنة ????.
الرسالة الثالثة


من مدريد إلى قرطبة
يسير القطار بين هاتين المدينتين في مسافة طولها ??? كيلومترًا يقطعها في عشر ساعات في صحراء (تقريبًا) كالتي بين مدريد وسان سباستيان، وترى على القطار لوحًا مكتوبًا عليه (الأندلس) يعني أنه يتجه إلى جهة الجنوب، وهو أشبه شيء بقطر الفروع الصغيرة عندنا قبل أن يدخل عليها الإصلاح، ومن ذلك تعرف أن السفر إلى هذه الجهة ليس فيه أي ضمان لراحة الركاب، وليست فيه بطبيعة الحال عربات للنوم ولا للأكل. وكنا كلما سرنا إلى الجنوب رأينا الأراضي الزراعية تكثر في هذا الوادي كما تكثر الأبنية التي هي أشبه شيء بالدساكر والقرى الصغيرة، وبعض هذه الأبنية باللبن النيء، وكذلك تكثر حول المباني الآبار وعليها دلاؤها بشكلها المعروف، وقد ترى بعض السواقي المعينة تدور بحصان وعصاميرها (قواديسها) من الزنك، ومن حولها بعض مزارع الخضر، وقد ترى بجوار القرى أُتُن الآجُرِّ (قمائن الطوب الأحمر) المحروق بالفحم. ولشدة الحرارة في هذه الجهات ترى في كل محطة من محطات الأندلس بعض الرجال أو البنات أو الصبيان يحملون قللًا وينادون (اغوا اغوا)، وهم أشبه شيء بتلك الصبية التي تراها في بعض المحطات عندنا مدة الصيف وهم يصرخون (ماياه)، أو ما تراه في صحراء الحجاز من العرب الذي يحملون القرب الصغيرة وهو ينادون (الما الما). وفي الساعة السابعة مساءً وصلنا إلى قرطبة.
(?) قرطبة

كانت قرطبة قبل العرب عاصمة الأندلس مدة القوط، فلما لحق موسى بن نصير بمولاه طارق بن زياد بعد الفتح أقام بها، ودعا فيها للوليد بن عبد الملك الخليفة بدمشق، وما زالت حتى استولى عليها عبد الرحمن الداخل الأموي في مبدأ الخلافة العباسية بالمشرق وجعلها عاصمة ملكه، وأصبحت منذ زمن عبد الرحمن الناصر مقر الخلافة العربية بإسبانيا. وكانت مدة الأمويين على أكبر ما تكون من العظمة، وكان قصر الخلافة في مبدأ أمره جنوبي المسجد الجامع الذي بناه عبد الرحمن الداخل، وهو باقٍ إلى الآن في مكانه لا في رُوائه وفخامته، وهو مقر البطريق الكاثوليكي في هذه الجهة. وقد بنى الخلفاء الأمويون قصور الزهراء خارج المدينة، وكانت أشبه شيء (بفرساي) بجوار باريس، لكل خليفة منهم زيادة فيها، إلا أن تعسُّف المرابطين وأيدي السلبة من جهة، ويد الغاصب وحِدَّة التعصب الديني في محو كل أثر للمسلمين بعد استيلائهم على المدينة من جهة أخرى، وكونها كانت بعيدة عن حصون قرطبة، وقد يتحصن فيها المسلمون إذا هجموا على قرطبة من جهة ثالثة، كل ذلك قضى على هذه القصور التي وصلت من فخامة الملك وأُبَّهة الخلافة العربية إلى ما لم يصل إليه شيء في بابها. وقد كانت تبلغ في طولها ثلاثين كيلومترًا بغياضها ورياضها مما وصفه مؤرخو العرب بما لم تبلغه قصور الخلافة الشرقية في دمشق وبغداد.
وقد بلغت هذه المدينة من العظمة ما سبقت به بغداد في ثروتها وحضارتها وعلومها وفنونها، ولم يبقَ لنا من آثارها غير تلك الذكرى المؤلمة، وذلك الجامع البديع الذي لا يبلغ فخامته شيء آخَر في بابه.
(?) المسجد الجامع بقرطبة

دخلنا المسجد من باب المنارة، وهو بابه العمومي الكبير النحاسي، ويبلغ طوله نحو ثمانية أمتار، وارتفاعه نحو عشرين مترًا، ووجهة البناء من الرخام المنقوش بنقوش عربية عجيبة أشبه شيء بالمخرم (الدنتلا)، وفي وسطها وأعلاها كتابة عربية لم أستطع قراءتها، ويتكون هذا الباب من ظاهره من قطع نحاسية طولها ?? سنتيمترًا في عرض نصفها تقريبًا، وهي مثمَّنة الشكل، بعضها عمودي على الآخر، وقد رسم القوم في وسط القطعة القائمة صلبانًا بعد استيلائهم على المدينة وتحويلهم المسجد إلى كنيسة. والمنارة في الزاوية القبلية الجنوبية من المسجد، وهي مربعة الشكل، وطول كل ضلع منها ?? مترًا، وارتفاعها ?? مترًا، وهي خمس طبقات، في كل طبقة عدد كبير من الأجراس، وقد استوجب هذا التغيير الجديد بعض تغيير في نظامها القديم، ومن دون باب المنارة صحن المسجد، وهو فناء واسع في وسطه إلى الآن ثلاث برك: واحدة في الوسط وهي الكبرى، واثنتان صغيرتان: واحدة عن يمينها، وأخرى عن يسارها، وكانت ثلاثتها للوضوء، ومن دون الصحن المسجد. أحد أبواب مسجد قرطبة.
وقد كان مكان هذا المسجد كنيسة، فأراد عبد الرحمن الداخل أن يبتني مكانها مسجدًا لحسن موقعها، فعوَّض النصارى عنها أرضًا واسعة وأموالًا جمة (وذلك بشهادة مؤرخي الإفرنج)، ثم بنى مكانها مسجده هذا على نظام المسجد النبوي الذي بناه الوليد بن عبد الملك بالمدينة المنورة (وهذا ما تدلني عليه مشاهدتي الشخصية).
وقد وصل خلط بعض الناس في أفكارهم وأقوالهم إلى الحد الذي لا يتفق مع الحقائق البدهية؛ فإن بعضهم نسب إلى عبد الرحمن الداخل أنه إنما بنى مسجده بقرطبة بهذه الفخامة حتى يستغني الناس بحجهم إليه عن حجهم إلى الكعبة المكرمة بمكة، وهذه تهمة أقل ما فيها أن الرجل بعمله هذا يهدم ركنًا من أركان الإسلام الخمسة، وحاشا لله أن يهم مثله بذلك، فما علمنا عليه من سوء.
ولو علمت أنهم ذكروا أن مالكًا رضي الله عنه سأل بعض حجاج الأندلس عن عبد الرحمن الداخل فقالوا له: «يأكل الشعير، ويلبس الصوف، ويجاهد في سبيل الله. فقال: ليت عندنا في حرم الله مثله.» وكانت هذه القولة سبب محنة مالك من العباسيين؛ لعرفت أن مثل عبد الرحمن الداخل لا يأتي بما اتهمه به هؤلاء الذين لا يعون ما يقولون.
وقد اتهموا في ذلك الوقت وبهذه التهمة نفسها المنصور العباسي، حينما بنى القبة الخضراء ببغداد.
وقد كان المنصور وعبد الرحمن الداخل في زمن واحد، وهما تهمتان كاذبتان لا تنطبقان على صفتي هذين الرجلين العظيمين اللذين إنما كانا يستمدان سلطانهما من قوة الإسلام ومن شرائع الإسلام، في وقت كان منار الإسلام فيه أصله ثابت في الأرض وفرعه في السماء، وفيه كان أمراء المسلمين وخلفاؤهم يأتون إلى مكة سعيًا على الأقدام من بلادهم لحج بيت الله تقربًا إليه وزلفى.
وقد زاد في المسجد الحكم بن الداخل والخلفاء من بعده، ولكن الزيادة الكبرى التي بُنِيت في الجهة الشمالية بناها المنصور بن أبي عامر الذي توفي سنة ???، وزير الخليفة هشام المؤيد، وهذه الزيادة تبلغ ثلثي المسجد الأصليِّ، وتتميز عنه بأن ميول خطوط أعمدتها تتجه من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي، أما ميول أعمدة المسجد الأصلي فتتجه من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وعلى كل حال إن الذي ينظر إلى الأصل والزيادة يرى الفارق بينهما عظيمًا؛ لأن الأصل بُنِيَ على نظام وافٍ، وفيه من الأعمال الفنية ما يقف أمامه الإنسان مبهوتًا معجبًا، ولا سيما أعمال القِبلة والمحراب والمقصورة التي كانت من المسجد الأصليِّ مكان مقصورة الرسول ? من مسجده، ولا بد أنها كانت مكان صلاة الخلفاء؛ لأن بابها تجاه الباب الذي كان يدخل منه الخليفة إلى المسجد قبالة باب القصر، وهي بناء مربع مرتفع مزين بنقوش جصية بديعة جدًّا، وعليها كتابات قرآنية وأحاديث نبوية، وقد وُشِيَتْ من داخلها بالأدهنة الذهبية، ولها فتحات على المسجد، وقد كان القسوس بنوا حولها حائطًا تحجبها عن الأنظار بعد أخذهم المدينة، ولكنهم فطنوا إلى هذه الأغلاط التي ارتكبوها فجنوا بها على التاريخ، وهم الآن يزيلونها ويرجعونها إلى أصلها. منارة مسجد قرطبة وقد وضعوا فيها النواقيس بعد تحويله إلى كنيسة.
أما القبلة فهي شيء لا يصل إليه وصف الواصف ولا مبالغة الناعت، ويحيط بها الآن (درابزين) من الحديد ليمنع الناس عنها، وقد قدَّرْتُها بسبعة أمتار طولًا في ?? مترًا ارتفاعًا، وفي وسطها المحراب، وكل هذه الوجهة صنعت من الفسيفساء? الصغيرة جدًّا والدقيقة في صناعتها؛ فهي من قطع رخامية من ألوان كثيرة يدخلها قطع صدفية وذهبية، وقد صيغت بشكل ينشأ عنه صورة فذة في بابها: إذا نظرت إليها من جهة اليمين رأيت مناظر غير التي تراها من جهة الشمال؛ وذلك بسبب انعكاس الضوء فيها بحال تستهوي الألباب وتسلب العقول بجلال هذه الصناعة العربية. وفي دائرة القبلة والمحراب كتابات كوفية قرآنية كثيرة مما تراه عادة على أمثالها، وعن يمين القبلة ويسارها بابان لغرفتين صغيرتين: إحداهما لتَعَبُّدِ الإمام، والثانية لوضع لوازم المنبر الذي لا يوجد له الآن أثر. والمحراب واسع من داخله، وتعلوه قطعة واحدة من الرخام المقعر تكون سقفه، وكانوا يضعون فيه المصحف العثماني الكريم،? حتى إذا ما استولى الموحدون على الأندلس نقله عبد المؤمن بن علي إلى مراكش في سنة ????، واحتفل بدخوله إلى المغرب أيما احتفال. وما زال هذا المصحف الشريف بخزائن ملوك المغرب في مركز إجلال وإعظام، وكانوا يستصحبونه في غزواتهم، حتى ذهب أبو الحسن المريني ملك فاس إلى إفريقية (تونس)، وبينما كان عائدًا في سنة ???? من طريق البحر غرقت مراكبه، ومن جملة ما غرق فيها هذا المصحف الشريف، وهذا آخر العهد به.
وقد كان القوم أيضًا أقاموا على القبلة حائطًا ليحجبوها عن أنظار الناس، إلى أن أُزِيلت في القرن الثامن عشر. وطول المسجد من الشمال إلى الجنوب ??? مترًا، ومن الشرق إلى الغرب ??? مترًا، وارتفاعه يصل إلى ?? مترًا، وقد كان بالمسجد ???? عمودًا كلها من الرخام، وتيجانها منقوشة بنقوش مختلفة، وكانت قُبَّته قائمة على ??? عمودًا من المرمر، ولما أراد القوم بناء كنيستهم من داخله أزالوا القبة، وأزالوا معها ??? عمودًا من وسط الجامع، وأزالوا ما كان عليها من الحنايا، وبنوا فيها كنيستهم التي تراها الآن وسط المسجد إلى جهة الشمال الغربي، وامتدادها من الشمال إلى الجنوب، وهي منه كالنقطة السوداء في وجه الحسناء، لا أدري أتجملها أم تخملها. وقد كانوا أزالوا بعض سقف المسجد الجميل المنقوش بالأطلية الجميلة واللِّيقة الذهبية، ولا يزال موجودًا منه جزء عظيم جهة القبلة، ووضعوا بدله حنايا أقاموا عليها عقود كنيستهم، وقد عوَّلُوا الآن على رفعها وإعادة باقي السقف إلى ما كان عليه، مع إزالة جميع المصليات الصغيرة التي أقاموها في محيط المسجد، وهم الآن يزيلون البناء الذي كان يحجب الأبواب الخارجية، وقد ظهرت منها ثلاثة أبواب مما يقابل القصر، وهي غاية في كمال نقشها وفخامة منظرها. وكان بالمسجد مصابيح من الفضة الخالصة، بقي إلى أوائل القرن الثامن عشر منها أربعمائة مصباح أخذها الفرنسيون عند دخولهم قرطبة في زمن نابليون الأول. قبلة المسجد الجامع بقرطبة وهي آية الآيات في الصناعة العربية.
وقد رأيت بين أعمدة الجامع عمودًا إلى الغرب يكاد يكون بين المسجد الأصلي وزيادة ابن أبي عامر، وقد حُفِرتْ في جانبه الخلفي صورة صغيرة للمسيح مصلوبًا، ومن دونها في الحائط مثال رأس إنسان وضعه القسوس، ويقولون إنه مثال هذا الرجل الذي رسم تلك الصورة بظفره، وكان ينافق بإظهار إسلامه، وقد خطر ببالي أن هذا وأمثاله كانوا من أسباب هزائم المسلمين في حروبهم مع القوط وغيرهم؛ لأنهم كانوا يرشدون العدو إلى مواضع الضعف فيهم.? وإذا ذهبنا إلى أبعد من هذا، وجدنا أمثال هذا الرجل سبب مصائب الإسلام حتى في صدره الأول؛ لأن اليهود الذين أسلموا ولم يحسن إسلامهم كانوا من المنافقين الذين كانوا شرًّا على الإسلام من أعدائه، وقد حاربوا الإسلام بمادة الإسلام وهو في قوته؛ فأخذوا يبتدعون الأحاديث المكذوبة، ويتقوَّلون على النبي ما لم يَقُلْهُ، حتى اختلط الصحيح بالفاسد، وما زال الأمر كذلك حتى قام رجال الدين في العصر الثاني? وطهروا الأحاديث من الدخيل والموضوع، وأبانوا صحيحها من ضعيفها بالسند الصحيح الذي لم تَحُمْ حوله أية شبهة. ثم انظر إلى مَن لم يحسن إسلامهم من الفرس تَرَهُم حاربوا الدين بمادة الدين من جهة أخرى، فابتدعوا التشيع، وغالوا في بعض مذاهبه حتى أخرجوها عن الإسلامية، ثم حكَّمُوا أهواءهم في فهم أصول العقائد، وغالوا في ذلك حتى أخرجوا به الدين عن جوهره، وإذا تركنا الدين إلى جانب ونظرنا في أعمال هؤلاء الدخلاء السياسيين في الدولة العثمانية مثلًا، وليس عهدها ببعيد، نرى أن هؤلاء الذين كانوا من دم صربي أو بلغاري أو روسي أو رومي وبِيعوا في الأستانة مماليك وأسلموا، وتربوا في حضانة كبار القوم حتى وصلوا إلى مكانة عالية وأصبح منهم الوزراء والرؤساء القواد، يميلون بطبيعتهم إلى خدمة جنسيتهم الأولى، وقد تستعملهم دولهم الأصلية لمساعدتها ضد هذه الدولة التي نشَئوا في عزتها، وكانوا لا يزالون يعيشون في نعمتها هؤلاء كانوا سبب هزائم الدولة في كثير من حروبها، وكانوا علة فساد سياستها وضعف ثروتها، حتى كاد يتلاشى أمرها لولا أن أسعفها الله بالكماليين أعانهم الله على ما فيه خير بلادهم. ولو عرفنا أنه قد كان بقرطبة غير هذا المسجد الجامع العظيم ما يقرب من ألفي مسجد، وعرفنا أن المساجد كانت ولا تزال في الدول الإسلامية تُستعمَل مدارس للعلوم المختلفة، كما هو الشأن إلى الآن في الحرمين الشريفين بمكة والمدينة، والأزهر بمصر، والمسجد الجامع ببغداد، والمسجد الأموي بدمشق، وجامع الزيتون بتونس، ومسجد الكتبية بمراكش، وجامعي السلطان أحمد والسلطان محمد بالأستانة، ومسجد عمر بالقدس أمكننا أن نتخيل ما كانت عليه قرطبة زمن العرب، من تبريزها في العلم والعرفان إلى ما لم تلحقها فيه مدينة أخرى إسلامية أو غير إسلامية في عصرها، وأمكننا من جهة ثانية أن نقدِّر عدد سكانها في ذلك الوقت بما كان يزيد كثيرًا على نصف مليون نفس.
أما قرطبة الحالية فشكل مبانيها يكاد يكون عربيًّا صرفًا؛ فقد ترى الباب الخارجي من بيوتها ومن دونه دهليز يوصل إلى حوش يفصل بينهما باب من حديد في الغالب، وفي الحوش ترى روضة جميلة زُرِعَ فيها شيء من نخل الأريكا أو الكنتيا (من أنواع النخل الفرنجي) يتخللها شيء من الأزهار والورود، وترى في وسط هذه الروضة بركة من الرخام عالية أو واطئة عن أرض الحوش، صغيرة أو كبيرة بنسبة سعته أو ضيقه، وقد ذكَّرني هذا الحوش بالقاعات الحورانية التي كانت بمصر وقضى عليها النظام البنائي الفرنجي الجديد، ولا يزال شيء منها في البيوت القديمة بجهة سوق السلاح. منظر من الحنايا والعقود الفنية البديعة بمسجد قرطبة.
وعلى يمين الداخل من الحوش ترى قاعة الاستقبال، وهي أشبه شيء بالمنظرة (المندرة) في ديارنا القديمة، وفي ناحية منها السلم إلى الطبقة الثانية، والنساء يجلسن في هذا الحوش في شيء من الحجاب، وحيطان الطبقة الأرضية على الخصوص في دائرها القاشاني المختلف الألوان والأشكال إلى ارتفاع مترين، ولا شك أن هذه الرسوم بقيت في المدينة من مدة العرب، وقد بقي فيها بيت واحد قديم يقرب من المسجد الجامع لم أتمكن من زيارته لعدم وجود أصحابه فيه. ونساء المدينة محتشمات يغلب عليهنَّ الحياء وغض البصر، فإذا أبصرت واحدة منهن ترى عينيها متجهة إلى الأرض ولا تحدق بنظرها فيك مطلقًا، ومع أن بلادهم حارة جدًّا لا تكاد ترى صدورهن عارية، ومن غريب ما رأيت في هذه المدينة أن سيدة كانت تتوارى وراء باب منزلها الخارجي، وتنظر إلى الخارج من فرجة صغيرة بين مصراعي الباب، كما كنت تشاهد في الأحياء الوطنية عندنا إلى عهد قريب.
وقرطبة على الشاطئ الغربي من نهر الوادي الكبير، وهو في زمن شرقه لا ترى فيه غير مياه راكدة هنا وهناك على هيئة برك صغيرة تحيط بها أراضٍ جافة إلى الشاطئ الآخر، وفي قبالة المسجد قنطرة طولها ??? مترًا بناها يوليوس قيصر قبل الميلاد بخمسين سنة، وقد جددها السمح بن مالك عامل عمر بن عبد العزيز على الأندلس، ورمَّها الإسبانيون، وهي تنتهي من الطرف الشرقي بقلعة من بناء العرب، لها برجان عظيمان، تسمى إلى الآن بالقلعة الحرة، وفيها نقطة للشرطة، وفي وسط النهر قريبًا من القنطرة أربعة أبنية كانت طواحين مائية مدة العرب، وقريبًا منها أبنية قديمة على الشاطئ كانت في مدتهم حمامات نهرية، وقد بنى القوم بين المسجد والقنطرة عمودًا عاليًا عليه تمثال القديس روفائيل حامي المدينة؛ لذلك تجد المدينة — وسكانها ثمانون ألف نفس — أكثرُ من نصف رجالهم اسمهم روفائيل، كما هو الحال في طنطا وما إليها من البلاد في كثرة اسم السيد. وشوارع المدينة ضيقة، والشارع الذي به القهوات والمحال التجارية واسع بعض السعة، ينشرون في أعلاه خيمة تظله من شمس النهار، ذكَّرتْني بالخان الخليلي والصاغة عندنا، لولا أنها هنا أوسع وأنظف، وأكبر شوارعها هو شارع الكروية، وأترك لك الحرية في قراءته بالتحريف الذي تريده، وعرضه على ما أرى ?? مترًا، منها عشرة لإفريزه من كل جهة، وفيه بعض الفنادق والمقاهي، ومبانيه في الغالب على الطراز الفرنجي. أما الأبنية التي هي خارج المدينة فليست بهذا ولا بذاك، ويكثر حولها التراب ممتدًّا إلى مسافة بعيدة؛ مما يدل على أنها قد كان فيها أبنية قديمة محتها يد الأيام. منظر داخلي لمسجد قرطبة الجامع.
ويظهر أن رجال المدينة عملهم قليل؛ لذلك ترى القهوات على كثرتها عامرة غاصَّة بهم طول النهار، وأظن أنَّ لشدة الحرارة أثرًا في ذلك، ويكفي أن أقول لك إني كنت أدخل الحمام ثلاث مرات في اليوم في هذه المدينة، وكنت أجلس في الماء البارد أكثر من ساعتين وقت الظهر، وفي هذه الأثناء تذكرت المرحوم داود باشا مدير قنا لعهد إسماعيل، وكان يقضي غالب يومه في فنطاس ممتلئ بالماء، ومن دونه الختم، فإذا كانت أوراق هامة أتى رئيس الكتاب (الباشكاتب) وختمها وانصرف إلى سبيله. ولكن أين قرطبة من قنا، وفيها أشجارها ونيلها يلطِّفان من شدة حرارتها كثيرًا، ولو بعد غروب الشمس؟!
ولقد كانت قرطبة مدة العرب جنة زاهرة وروضة ناضرة لنظام الريِّ الذي أحدثه العرب فيها، فلما استولى الفرنجة عليها سنة ????م طردوا أهلها وجعلوها حصنًا على حدود مملكتهم، وأهملوا ترعها وخلجانها وكذلك الماء الذي سيَّره العرب إلى قصورها من الجبل، وبذلك أصبحت هذه المروج النضرة قفارًا لا يسكنها إلا البوم، ولا تسير فيها إلا لفحات السموم، وكان حالها كحال العراق الذي بعد أن كان جنة الأرض مدة العباسيين، أصبح بعد أن دالت دولتهم صحراء لا نبات فيها ولا زرع، ولا يسكنه الآن غير قوم من العرب الرُّحَل الذين ينتقلون وراء الكلأ، ولا شك أن البلاد تسعد أو تشقى بأهلها.
وإذا نظرتَ إلى البلاد وجدْتَهاتشقى كما تشقى الرجال وتسعد وقد كانت الدولة العلية في أواخر أيامها فكَّرت في وضع نظام للري في العراق، واستقدمت المستر ويلكوكس المهندس الشهير بمصر، فذهب إلى العراق ومعه نخبة من المهندسين المصريين، وبعد أن وضعوا له النظام الوافي بالغرض أهملته الدولة لكثرة النفقات التي تلزمه، ولا تزال رسومه على ما أظن في خزانة وزارة النافعة التركية (الأشغال) إلى الآن. منظر داخلي للمسجد الجامع بقرطبة.
ولعل الإنجليز — وقد اصطلحوا مع الترك على الموصل، وصار العراق بحدوده الجديدة في أمن من الأتراك ومناوآتهم — يعملون على تنفيذ هذا المشروع، فيُرجِعوا إلى العراق شبابه الأول ورفاهيته المنصرمة، وإن كانت هذه الأمنية مما يهدد مصر في كيانها الزراعي (وهو كل شيء فيها)، وخاصة بعد المكوار، ومشروع جبل الأولياء، ونظام الري الذي يراد عمله في سواكن والأريترة، وهو المتفق عليه بين الإنجليز وإيطاليا على حساب الحبشة ومصر، فلا يعلم إلا اللهُ ما يكون مخبوءًا وراء هذا كله لبلادنا. وعلى كل حال ليس للفلاح المصري مخلِّص من كل هذه المهددات لحياته غير اهتمامه وعنايته بترقية زراعته حتى ترجع إليها شهرتها الأولى، ويرتفع القطن المصري إلى رتبته التي كانت له منذ عشرين سنة، بحيث لا يعدله قطن أية بلاد أخرى.
وبهذا وحده تخلص مصر من جميع المهددات التي تكتنفها من الشرق والغرب والشمال والجنوب، ولا سيما إذا لاحظنا أن الأتراك يفكرون في تعميم زراعة القطن في بلادهم، وأظنهم قد تفرغوا الآن للعمل في أمورهم الداخلية بعد صَفُّوا كل مسائلهم الخارجية أو جلَّها، وأن الإسبان من جهة أخرى يزاولون التجارب العديدة لزراعة القطن في بلادهم، وقد استقدموا فعلًا بعض المصريين لهذه الغاية، ومكان هذه التجارب الآن بلنسية وإشبيلية، ولكنهم لم ينجحوا فيها لشدة حرارة إسبانيا صيفًا، وللتغيرات الجوية الفجائية التي قد تنتقل بالجو من حار إلى بارد من غير وسط بينهما في جنوب هذه البلاد، وخاصة أيام شهر سبتمبر.
(?) للعبرة والتاريخ

في زمن الوليد بن عبد الملك دخل العرب أرض إسبانيا فاتحين سنة ??? تحت إمرة طارق بن زياد، ثم موسى بن نصير، ولما انتهوا بالفتح إلى برشلونة عاد موسى ومعه طارق إلى المغرب، ومنها إلى المشرق بعد أن ولَّى عليها ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير، وما زالت تختلف عليها الولاة من قِبَل بني أمية ويُخْطَب لهم فيها إلى أن انتهى حكمهم في المشرق سنة ????. ومن خيرة ولاتهم عبد العزيز بن موسى، وخير ما يُذْكَر به أنه أمر بإنشاء ديوان للتوفيق بين الشريعة السمحة ومصالح البلاد المُفتَتَحة، وتشجيعه أمر الهجرة إلى الأندلس، فوفد عليه الناس من الشام والعراق ومصر وغيرها، وكان يُقْطِع كل قبيل جهة من الجهات، فكان ذلك سببًا في انتشار علوم المشرق وصناعاته في البلاد التي وفدوا إليها. ومن خيرة عُمَّالهم أيضًا السمح بن مالك الذي نهض بالفتح إلى جنوب فرنسا، ومات في حصاره لمدينة طولوشة (تولوز)، ثم عنبسة بن سحيم الذي غزا قرقشونة ونيما وغيرهما من جنوب فرنسا، ومات عنبسة في كمين عُمِلَ له في جبال (البرينات)، ومنهم عبد الرحمن الغافقي الذي بدأ بإصلاح ما فسد من داخلية البلاد، ثم سار إلى (أرل)، وبعد استيلائه عليها سار إلى (بوردو) فاستولى عليها، ثم قصد (ليون) (وبيزانسون) فأخذهما عنوة، ثم قصد (تور) فدخلها فاتحًا، وهنالك قابلته جيوش النصرانية تحت إمرة قارلة (شارل مارتل)؛ فارتد عبد الرحمن بجيشه إلى السهول التي كانت بين تور وبواتييه، وفيها حصلت بينهم وقائع يشيب منها الوِلدان، كاد النصر يكون فيها للعرب لولا أن صرخ صارخ في جيوشهم بأن الإفرنج قصدوا إلى معسكراتهم وفيها غنائمهم، وقد يكون شارل لبعد نظره ومعرفته بالوتر الحساس في أصحاب هذه الغنائم التي كانت تملأ السهل والوعر، أرسل إلى معسكرهم فرقة من عسكره لإزعاجهم على ما ملكت أيديهم من الغنائم والأسلاب، أو أن (البشكنس) قاموا بهذه الخدعة؛ حتى إذا انهزمت العرب خلصوا من سلطانهم عليهم، وعلى كل حال قد حصل الاضطراب في صفوفهم لهذه الفكرة، وبينما كان أميرهم عبد الرحمن يحاول تثبيتهم وتشجيعهم على القتال أصابه سهم فخَرَّ منه قتيلًا، وهنالك وقع الخلل في صفوفهم واختلف أمراؤهم، فكانت النتيجة أن صمموا على العودة إلى إسبانيا مكتفين بما في أيديهم من الغنائم، وفي أثناء الليل تركوا معسكرهم إلى الجنوب مُثْقَلِينَ بما كان في أيديهم من الأموال، والعدو يضرب في أقفيتهم إلى أن أجلاهم عن أرض فرنسا. الواجهة الخارجية لأحد أبواب مسجد قرطبة.
وعندي أن الغافقي رحمه الله — مع شجاعته الخارقة للعادة، وإقدامه الذي لا مثيل له، ومعرفته بأساليب الحرب في جميع أبوابها — كان يجب عليه قبل أن يتغلغل بجيوشه في فرنسا أن يُنفِّذ رأي ابن زياد في تطهير جزيرة إسبانيا وجبال (البرينات) إلى منحدراتها الشمالية من القوط (والنفاريين) وغيرهم من العناصر التي كانت لا تزال تسكن شمال الجزيرة، حتى كان يُخلِّص بلاده من هذا العدو الذي كان يسكن منه بين البشرة والأدمة، هذا العدو الذي كان في حال ضعفه يعمل لكل هيجان في داخلية البلاد ينتهي غالبًا بإضرام نار الثورة بين قبيل وآخر من العرب، بل كان يصل تدخله إلى بيت الإمارة نفسه، فكان يُفسِد بين الأخ وأخيه، والابن وأبيه، وكانت أيام العرب كلها في الأندلس جذوة نار لا تطفأ، (وبركان) اضطرابات لا يهدأ، حتى إذا صلب ريشه وقوي ساعده، أخذ يحارب العرب إلى أن أخرجهم من ديارهم بحال من القسوة لا تزال تبكي لها الإنسانية.
نعم، كان يجب على الغافقي بعد دخوله بلاد فرنسا أن يجعل حدًّا لسيل هجومه قبل أن يقف الضعف الطبيعي لهذا السيل عند الحد الذي انقلب به الفتح خذلانًا، والنصر هزيمة. نعم، كان يجب أن يكون لتيار انتصارات هذا الفتح العظيم حدٌّ في بلاد قد اتسعت سهولها، وتشعبت حُزُونها، وانفسحت أمامه فيها دائرة الفتح، وامتد فيها خط هجومه إلى حد لم يمكنه مع قلة أساليب المواصلات في ذلك العهد أن يحكم أمره فيه، أو يدلي برأيه إلى طرفيه، ومسافة ما بينهما لا تقل عن مائتي كيلومتر (بين ليون والأطلنطي)، وكان خيرًا له ألا يتَّعدى نهر (الدوردوني DORDOGNE) بل يجعله حده الشمالي من جهة الغرب، وهو على الدوام فَيَّاضٌ بمائه؛ لعِظَم المد الذي يأتيه من الأقيانوس، وأن يجعل جبال (الأوفرني AUVERGNE) حدًّا آخر إلى مدينة ليون، ويكون نهر الرون حده الشرقي إلى خليج مرسيليا التي كانت في يده، وهنالك كان يقف في خط دفاعٍ، أوله من الشرق مدينة ليون، وآخِره من الغرب مدينة رويان ROYAN. وبذلك كان يتفرغ لتنظيم البلاد التي افتتحها ويقسمها بين الفاتحين؛ فيشغل كل قبيل منهم بالدفاع عن ملكه، وربما كان عدوه يحسن سكوته على وقف هذا الهجوم الذي كاد يطير بألباب أوربا هلعًا، ويفتت من أحشائها جزعًا، وكان شارل مارتيل يرضى بأن يقبع في بيته ولا يُلقي بنفسه في لهيب تلك المخاطر التي كانت تتجسم أمامه هاويتها، وبذلك كانت تصبح في يد العرب مملكة تبلغ ألفًا ومائتي كيلومتر طولًا، في نحو نصفها عرضًا، ليس فيها دخيل يُنْغِص عليهم حياتهم بسعاياته، أو عدو يهدم كيانهم بخياناته. ولقد أحدث انكسار العرب في فرنسا قيام الثورات الداخلية في إسبانيا الإسلامية؛ فكانت الحروب الأهلية مستمرة أحيانًا بين المضرية واليمنية، أو بين الشامية والمضرية، أو بين البربر والمولَّدين، أو بين جملة عناصر منهم ضد آخرين، مما كان سببًا في الاضطراب العام في الأندلس، قُتِلَ فيه آلاف من المسلمين وغير واحد من أمرائهم.
وقد ساعد على تأجج نيران هذه الثورات ضعف الخلافة الأموية في الشرق، ثم سقوطها بين يدي العباسيين بعد واقعة الزاب التي انتصرت فيها المسودة شيعة بني العباس على جيوش مروان الثاني سنة ????، وهنالك أمعن السفاح أول خلفائهم في تقتيل الأمويين، فهرب منهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك حتى دخل الأندلس في سنة ???، وكان عاملها من قبل العباسيين عبد الرحمن الفهري وكان من المضرية، وهو الأمير العشرون من يوم دخل العرب إسبانيا، وفي أول ولايته اختلفت اليمنية مع المضرية على الولاية، ثم اتفقوا على أن يكون من المضرية أمير لسنة ومن اليمنية أمير لسنة أخرى، فلما انتهت سنة المضرية لم يقبل الفهري النزول عن الولاية، وصادف ذلك ظهور عبد الرحمن الأموي، فانتصرت له شيعة الأمويين مع اليمنية، وانضم إليهم البربر مع زنانة؛ لأنهم أخواله، وسار إلى قرطبة واستولى عليها، ومن ثَمَّ أخذت أطراف البلاد تبايعه واحدًا بعد الآخر، وكان يثور عليه بعضها بتحريض الإسبانيين، فكان يقضي على الثورة بهِمَّةٍ لا تعرف الملل، ثم انتصر على جيوش شارلمان التي حاربته مساعدةً للعباسيين، كما انتصر على الجيوش التي كانت تأتي لحربه من المغرب، وانتهى أمر البلاد كلها لطاعته، فشيَّد بها ملكًا أمويًّا جديدًا، وصل من أبهة السلطان وجلال المجد إلى أرقى ما وصلت إليه العظمة الإسلامية ثروة وجاهًا وعلمًا وصناعة وزراعة وتجارة، ومن آثاره بقرطبة مسجدها العظيم، وقصرها الفخم الذي لا يزال قائمًا تجاه المسجد، وكان يدعو أولًا للمنصور العباسي الذي كان يسميه بصقر قريش، حتى إذا توطد سلطانه قطع ذكره من الخطبة، واستمر له الحكم المطلق في البلاد حتى توفي رحمه الله سنة ???، بعد أن عَهِد بالإمارة إلى ولده هشام. المقصورة بجامع قرطبة.
وكان هشام أميرًا جليلًا عادلًا ذهب مذهب العُمَرَيْنِ في سيرته، فكان يسير في الطرقات ليسمع بنفسه مظالم الناس، ويرسل بمن يَثِقُ به إلى البلاد ليتعرف أحوال عماله، وكان يأخذهم بما يقع منهم من ظلم أو حَيف، وهو الذي أدخل مذهب مالك إلى الأندلس، وكانوا على مذهب الأوزاعي،? وكان يفسح لعلماء الدين في مجلسه، وزاد في المسجد الذي بناه أبوه، وجدَّد بناء قنطرة الوادي الكبير، وكان رحمه الله وَرِعًا، تقيًّا، رفيقًا على الناس رحيمًا بهم، شديدًا على أعدائه، ومات في سنة ???? بعد أن أوصى بالخلافة إلى ولده الحكم، وكان يحب الصيد ويميل إلى شيء من اللهو ويجالس الشعراء والأدباء والمغنين، ويعمل لأبهة الملك بكل وسائل البذخ، فأكثر من المماليك الصقالبة، ومن ربط الخيل المُطَهَّمة، ومَنَعَ تدخُّل علماء الدين في حكومته، فشنعوا عليه سيرته، وكثرت الثورات بتحريضهم، ووصل بغضهم له إلى أن ساعدوا الإسبان على قيامهم ضده، وأثاروا عليه أهل قرطبة، ولكنه شمَّر عن ساعد الجد، وقبض على كل ثورة بيد من حديد، وما زال في عزة الملك وفخامة السلطان حتى مات سنة ????، وخَلَفه ابنه عبد الرحمن الأوسط بعهد منه، وكان لطيف الجانب، عظيم الخلق، ميَّالًا للعلم والعلماء على اختلاف مذاهبهم، وكانت أيامه خيرًا على البلاد، هدأت فيها الثورات الداخلية، وزادت الموارد المالية، غير أن النورمانديين هاجموا إسبانيا في أواخر حكمه، ونهبوا بعض البلاد التي في الشمال الغربي، وقامت بعض الثورات من النفاريين، وزادت فتنهم في مدة ولده محمد، ثم الظافر بن محمد، وعبد الله بن محمد الذين حكموا من سنة ??? إلى سنة ????. وكان يزيد في خطر ذلك كله تلك الاضطرابات الداخلية، وبالجملة قد كانت البلاد في مدتهم كلها شعلة نار، فكلما أطفَئُوها في جهة تأجَّج لهيبها في جهة أخرى، حتى نهكت الحرب قوى الجند وأنفدت ثروة البلاد. ولما مات عبد الله تولى بعده حفيده عبد الرحمن الناصر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وكان الناس يرقبون سقوط الأموية لقيام الثورة في كل جهة واشتداد سعيرها، خصوصًا في جهة الشمال، فأخذ الناصر يعمل ليله ونهاره في تجهيز الجيوش وإرسالها غربًا وجنوبًا لإطفاء فتنة العرب، وشمالًا لمحارب النفاريين، وهو في أثناء ذلك يدبر أمور مملكته بعقل راجح وفكر ثاقب، وقد أقام في إطفاء نيران هذه الثورات والوقوف في وجه أعدائه من القشتاليين والبشكنس (البسك) وغيرهم نحو خمس عشرة سنة.
وهنالك أسعفته المقادير باختلاف ملوك الإسبان وإعلانهم الحرب بعضهم على بعض، وأقاموا في تيار هذه القطيعة مدة طويلة انطفأت فيها جميع الثورات الداخلية في الأندلس بحسن سياسة الناصر، وتمشَّتِ الطمأنينة بين جميع العناصر الإسلامية، وحينئذٍ أخذ الناصر في ترتيب داخلية بلاده، وفي تنظيم جيوشه البرية والبحرية وما يقتضيه ذلك من زيادة الأسطول وتقويته، ومن ابتداع الأنظمة التي ترقَّت بها مملكته في جميع مرافقها، وظهرت بها مواهبه للناس من أقصى البلاد إلى أدناها، فثبتت محبة الناس له لعدله وفضله وكرمه وعلمه وشجاعته وسياسته، ووقعت هيبته من قلوبهم ليقظته وحزمه، ولِمَا كان فيه من المزايا التي اتَّصَفَ بها حكمه بأنه الحكم الذهبي للعرب في الأندلس.
ولما بلغ الناصر في سنة ???? أن مؤنسًا الخادم قتل الخليفة المقتدر بالله العباسي بالمشرق لم يُضِعْ هذه الفرصة، فأعلن خلافته في الأندلس بمنشور أرسله إلى جميع الجهات? وتَسَمَّى بأمير المؤمنين، وضُرِبَتِ السكة باسمه، وخُطِبَ له على منابر البلاد بهذا اللقب الجديد الذي بقي في خلفائه إلى سقوط الأموية في الأندلس. وفي سنة ??? ابتدأ في بناية الزهراء، ولما تمت جعلها مركزًا للخلافة? وجر إليها الماء من جبال قرطبة في أقنية من البناء مرفوعة على حنايا تختلف ارتفاعًا وانخفاضًا حسب طبيعة الأرض (وترى شكلها بالقاهرة بين النيل والقلعة من عمل محمد علي ويسمونها العيون). وكان لعبد الرحمن من جلال الملك وعظيم السلطان وهيبة الذات وسامي الصفات ما زاد في أبهة الخلافة وفخامتها؛ فامتدت إليه أيدي الملوك شرقًا وغربًا طلبًا للتقرب منه، ووفدت عليه ملوك قَشتالة وأرغون وليون التماسًا لرضاه، وقدَّموا إليه طاعتهم وتبعيتهم، وهاداه ملوك القسطنطينية ومصر، وأرسلوا إليه وفودهم ليوثِّقوا له دعائم محبتهم ومتين صلتهم.
وأرسل إليه قسطنطين كتابًا رقيقًا يوثِّق به علاقته معه، ويستفزه فيه إلى حرب العباسيين حتى يسترد منهم ملك آبائه؛ وغرضه بذلك أن يضرب المسلمين بعضهم ببعض حتى يُضعِفهم بسلاحهم ويقوى هو بضعفهم، ويكون في أمن منهم جميعًا، ولكن دسيسته لم تَجُزْ على الناصر، بل أرسل إليه هدية نظير هديته مع سفير خاص. وبعد ثلاثين سنة من حكمه ظهرت معالم الثروة في جميع طبقات البلاد، وكان دخل المملكة في هذه الآونة حسب ما أجمعت عليه التواريخ العربية المعتَبرة ما نكتفي منه بذكر ما جاء في تاريخ ابن خلدون، قال:خَلَّف الناصر في بيوت الأموال خمسة آلاف ألف ألف ألف، مكررة ثلاث مرات،? ثم قال: وقال غير واحد إنه كان يقسِّم الجباية أثلاثًا: ثلثًا للجند، وثلثًا للبناء، وثلثًا مدَّخرًا. وكانت جباية الأندلس يومئذٍ من الكور والقرى ثمانية وأربعمائة ألف وخمسة آلاف ألف دينار، ومن السوق والمستخلص خمسة وستين وسبعمائة ألف دينار، وأما الأخماس والغنائم العظيمة فلا يحصيها ديوان. وكان الناصر عالمًا فاضلًا عاقلًا، بعيد النظر في السياسة والرياسة، شجاعًا ناهضًا برقي أمته، ساهرًا على شئون دولته، وكان كاتبًا، شاعرًا، كبير الهمة، عظيمًا في نفسه، كبيرًا في كرمه، ومن قوله:
ما كل شيء فقدت إلاعوضني الله عنه شيَّاإني إذا ما منعت خيريتباعد الخير من يديَّامن لي نعمة عليهفإنها نعمة عليَّا وهذا لعمري أرقى درجات الكرم والشجاعة، وقد وُجِد بخطه أن أيام سروره كانت أربعة عشر يومًا، وهي يوم كذا من سنة كذا، ويوم كذا من سنة كذا … إلخ، وتوفي الناصر رحمه الله سنة ???? بعد أن حكم خمسين سنة، وطَّد فيها دعائم الخلافة لولده الحَكَم الذي تولَّى بعده بعهده إليه، فثارت عليه ملوك النصرانية لأول حكمه، فحاربهم بنفسه واستولى على بعض بلادهم، فطلبوا صلحه على ما كانوا عليه مدة والده، ثم أرسل جيوشه إلى نواحٍ كثيرة شمالًا وغربًا؛ ففتحوا مدنًا كثيرة، منها قُلُمْرية من بلاد (البشكنس)، وأرسل أسطوله بقيادة أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس إلى مياه البرتغال، فطرد النورمان الذين كانوا يهددون السواحل، وأجاز جيوشه إلى العدوة، فنزل له الأدارسة عن ملكهم فيها وفي الريف.
وكان الحَكَم يميل إلى السلم حتى يتفرغ لنشر المعارف والعلوم المختلفة بين أمته، وكان يرسل إلى جميع البلاد شرقًا وغربًا لشراء الكتب النادرة بأثمان عالية، حتى جمع منها مبلغًا عظيمًا، وكوَّن دار كتبه الشهيرة التي كان بها ??? ألف مجلد من ثمين الكتب، وكانت على أغلبها تعليقات بخَطِّهِ، ورتب لها الخدم والمغيِّرين تحت إمرة مولاه تليد الخصي، وكانت لخزانة دواوينه وحدها أربعة وأربعون فهرسًا، وفي كل فهرس عشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الدواوين. وأقام الحَكَم للعلم والعلماء سوقًا نافقة جُلِبَتْ إليها بضاعته من كل قطر، واستمرت هذه المكتبة ينتفع بها الناس عامة إلى أن تبددت وبيعت بأرخص الأثمان مدة الفتنة زمن هشام المؤيد، بأمر الحاجب واضح مولى المنصور بن أبي عامر.
وكان الحكم عالمًا فاضلًا، بل كان أعلم بني أمية على الإطلاق؛ لأن والده استحضر لتثقيفه جلة العلماء من الشرق والغرب، ومنهم أبو علي القالي، وكانت كل لذته في مطالعاته ومذاكراته مع العلماء في مختلف العلوم، وفي مدته نَفَقَتْ سوق العلم والعلماء الذين أصبحوا مشمولين بإحسانه وفي حمايته وتحت رعايته، فظهرت آثارهم في كل علم، وتُرْجِمَتْ كتبهم إلى الإسبانية أو اللاتينية، وكان كثير من أهل البلاد المسلمين واليهود على علم تام بهما، فينقلون العلوم الأجنبية إلى العربية، كما كان كثير من القوط وغيرهم يعرفون لغة العرب لضرورة علاقتهم بالدولة العربية في محرراتهم ومعاهداتهم وسفاراتهم وغير ذلك، فكانوا يترجمون الكتب العربية إلى لغاتهم؛ ومن هنا انتشرت مدنية المسلمين وعلومهم في ممالك الفرنجة، فاستفادوا منها كل الفائدة، وجعلوها مصدرًا أخذوا عنه علومهم المختلفة من رياضية، وفلسفية، وزراعية، وفلكية، وطبية، وكيمياوية. وبالجملة إنَّ الدولة الأندلسية العربية كانت واسطة في نقل علوم العرب من شرقية وغربية إلى أوربا، فبنوا من مادتها شيئًا كثيرًا من علومهم ومدنيتهم الحالية، ولولا ذلك لكانت أوربا متأخرة بمئات من السنين عن الدرجة العلمية التي وصلت إليها الآن.
وما زال الحَكَم في أبهة الخلافة وجلالها تتقرب الملوك إليه بالهدايا والسفارة من كل جهة حتى مات سنة ??? بعِلَّة الفالج، وكان الأمر من بَعْدِه لأخيه المغيرة، فعمل وزيره المصحفي بتدبير الحاجب بن أبي عامر على الفتك به من ليلته، وبذلك خلا الجو لهشام بن الحَكَم من السيدة صبح البشكنسية، التي كان لها الفضل في ترقية ابن أبي عامر وحظوته عند الحَكَم حتى وصل إلى درجة الوزارة. واجتهد ابن أبي عامر في أخذ البيعة له وهو لم يتجاوز سن العاشرة، وأصبح يعمل باسمه في رسوم الخلافة، وباستشارة والدته قضى على جميع مناوئيه وحاسديه من رجالات الدولة، وكان بدهائه يقتل بعضهم بسلاح بعض، حتى أصبح صاحبَ الحَوْل والطَّوْل والكلمة النافذة، وهنالك استبد بالسلطة وحجر على المؤيد في قصره بحيث لا يراه أحد، وأخذ يكوِّن لنفسه عصبية من جند البربر والصقالبة وغيرهم، وكان يقطع الألسنة عنه بكرمه وحسن إدارته وجميل سياسته، وتَسَمَّى بالمنصور، وأمر بأن يُحيَّا بتحية الملوك، وقد كثرت غزواته بحيث بلغت سبعًا وخمسين غزوة، وكان يقودها بنفسه، ويعود منها منتصرًا غانمًا، فيفيض على الناس مما أفاء الله عليه، فيأسرهم بإحسانه. وكان المنصور نصيرًا للعلم، محبًّا للعلماء، وكان يفسح لهم في مجلسه، وكان له يوم في الأسبوع للاجتماع بهم للمذاكرة في مختلف العلوم، بل كان يستصحب الكثيرين منهم في غزواته ويستأنس برأيهم، فكانوا يذيعون عنه دينه وورعه وعدله وفيضه وبره، ويتحدثون عنه بكل محمدة، ومن دهائه أنه أمر — سامحه الله — بحرق بعض كتب الفلسفة تقربًا للعامة، وكان ذلك يزيد في سلطانه ويؤكد من محبته في قلوب الناس.
وبنى المنصور الجهة الشمالية من الجامع الأموي بقرطبة، ثم قنطرة على الوادي الكبير وأخرى على نهر (شِنِيل)، وبنى قصر الزاهرة وجعله محل سلطانه وحكمه بعد أن جعله من الفخامة والجلالة لا نظير له، ووصلت جيوشه إلى قلب المغرب الأقصى بقيادة ولده عبد الملك، وخطب له على منابره.
وعلى الجملة قد كان المنصور بن أبي عامر من أكبر ملوك الأندلس سلطانًا وعلمًا وفضلًا وإحسانًا، وله في سياسته القِدْحُ المُعَلَّى، وفي إدارته المثل الأعلى، وكان الناس يتحدثون في جميع الجهات بما كان له من جميل النعوت، وعظيم الصفات، وبُعْد النظر، وثاقب الفكر، وكان كاتبًا شاعرًا بليغًا، ومن قوله:
رميت بنفسي هول كل عظيمةوخاطرت والحر الكريم يخاطروما صاحبي إلا جنان مشيعوأسمر خطي وأبيض باترفَسُدْتُ بنفسي أهل كل سيادةوفاخرت حتى لم أجد مَن يفاخر وما زال المنصور في أبهة الملك وعظيم السلطان حتى مات رحمه الله في غزوة من غزواته سنة ????، ودُفِن في مدينة سالم، وهي مدينة على الطريق الحديدي بين مجريط وسَرَقُسْطَة، وكُتِبَ على قبره:
آثاره تنبيك عن عزماتهحتى كأنك بالعِيَان تراهتالله لا يأتي الزمان بمثلهأبدًا ولا يحمي الثغور سواه وقام بأمر الحجابة بعده ولده عبد الملك بعهده إليه، فسار على سيرة أبيه من الحَجر على المؤيد واستبداده بأمور الملك، وكان شهمًا، كبير الهمة، عظيم الهيبة، ومات بعد سبع سنين من حكمه، كانت كلها خيرًا وبركة وغزوات موفَّقة.
وخلَفه أخوه عبد الرحمن بن محمد بن أبي عامر، فشدَّد في الحجر على المؤيد، وأرسل إليه مَن هدده في حياته، حتى كتب إليه عهده بالخلافة من بعده، وأشهد على ذلك رجالات الدولة، فأغضب ذلك بقية الأمويين من أحفاد الناصر، وأثار عوامل الحقد في قلوب المضرية ومَن كان من شيعتهم، فقاموا بالثورة وبايعوا محمد بن عبد الجبار بن الناصر ولقبوه بالمهدي، وكان عبد الرحمن بن أبي عامر في غزوة له، فلما سمع الخبر عاد أدراجه، فانصرف عنه الناس لسوء سيرته، وقتَلَه بعضُهم وذهب برأسه إلى المهدي، وبه طُوِيَتْ صحيفة آل بني عامر. ومن هذا الوقت اشتعلت نار الفتنة في الأندلس، وأصبحت الخلافة محل وثُوب كلِّ مَن استأنس بحق فيها من بقية الأمويين وبني حمود، حتى انتهى أمرها إلى هشام بن محمد الملقب بالمعتمد، وكان ضعيفًا فخلعه الجند في سنة ???، ففر إلى لاردة وهلك فيها سنة ???، وبه انقضى أمر الأموية من الغرب كما قُضِيَ عليها في الشرق. وبالجملة قد كانت بلاد الأندلس كلها فوضى من سنة ??? إلى سنة ????.
ولقد تولى الخلافة في هذه المدة اليسيرة من الأمويين ستة، هم: المهدي، والمستعين، والمرتضي، والمستظهر، والمستكفي، والمعتمد. وتولاها من بني حمود في هذه المدة ثلاثة: علي، والقاسم، ويحيى. وانتهى أمر البلاد إلى تفرُّق الجماعة وانقسامها إلى ملوك الطوائف، وكان نفر من بني حمود لا يزالون يتقاتلون على الخلافة إلى سنة ???، وربما كان منهم أربعة يحكمون في منطقة صغيرة لا تزيد على ثلاثين فرسخًا، كلهم يحمل لقب الخلافة، ومنهم: الواثق، والمتأيد، والمهدي، والمستعلي، حتى قال في ذلك ابن شرف القيرواني أبياته المشهورة:
مما يزهدني في أرض أندلسألقاب معتصم فيها ومعتضدألقاب مملكة في غير موضعهاكالهر يحكي انتفاخًا صورة الأسد وفي أثناء هذه الفتنة هدم الثائرون قصور الخلافة بما فيها الزهراء والزاهرة، ونهبوا ما فيها من الأموال والتحف التي لا يتيسر تقديرها، بل ولا تصوُّرها إلا لمن قرأ، وقال مؤرخو العرب عنها إنها من الحقائق التي هي أشبه شيء بالقصص منها بالتاريخ، وانتهت هذه الفتنة بمحو الخلافة، وبتقسيم البلاد بين ملوك الطوائف.
وكانت قرطبة كالكرة يتلقفها كل غالب، ثم آلت إلى حُكْم ابن جهور حينما انقسمت الأندلس إلى ملوك الطوائف، وما زالوا بها ولم يتعدوا لقب الوزارة حتى غلبهم عليها المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، وآل أمر ملوك الطوائف إلى أن كانوا يدفعون الجزية لملوك الإسبان خوفًا منهم على ما في أيديهم، وكلهم كان يخطب ود ابن عباد، ويطلب مرضاته لقوته ومنعته، ولم يطل ملكهم حتى تغلب عليه المرابطون في سنة ???، ثم الموحدون سنة ???، وفي أواخر حكمهم أخذ ملوك الإسبان يستولون على أطراف البلاد ونواحيها، حتى لم يبقَ للعرب غير غرناطة التي بقيت في يد بني الأحمر إلى آخر القرن التاسع الهجري، ثم آل أمرهم إلى أن طردهم الإسبان من الأندلس، ممَّا تراه مفصَّلًا في مكان آخر.
هوامش

(?) أصلها كلمة يونانية فسيفوسيس PSEPHOSIS ولعل كلمة موازييك MOSAIQUE أصلها عربي «مزوق»، فاستعمل العرب الأولى واستعمل الإفرنج الثانية.(?) خلط الناس كثيرًا في نسبة بعض المصاحف إلى عثمان رضي الله عنه، وادَّعَى بعضهم أن المصحف الذي في جهته هو مصحف عثمان، وأضاف إلى هذه الدعوى دعوى أخرى، وهي أنه هو الذي على بعض صفحاته دم هذا الشهيد؛ فمن يتكلم عن مصحف قرطبة يقول إنه هو الذي كان يتلو فيه عثمان وقت أن قتله الثائرون، والذي بالشام يدَّعي هذه الدعوى، والذي بالأستانة أو العراق لا تقل دعواه عن ذلك، ولا تعدم مصر من يقول بهذا القول. والحاصل أن عثمان رضي الله عنه لما جمع القرآن كتب منه ستة مصاحف (أو عشرة) وأرسلها إلى الجهات الإسلامية، فكتبوا منها كثيرًا من المصاحف التي أذاعوها في بلادهم، وهذه كُتِب عنها غيرها وهكذا، ويمكن أن تحسب كل مصحف منها مصحفًا لعثمان، لا أنه نفسه المصحف الذي كان يقرأ فيه وقت أن اعتدت عليه تلك اليد الأثيمة وسال دمه على صفحاته في سنة ???، ولا أنه هو المصحف الذي أرسل به إلى بعض الجهات، على أنه لا يُعْقَل أن ينتقل مصحف عثمان الأصلي من المدينة إلى الأندلس؛ لبعد الشُّقَّةِ وعدم تيسر الطريق لنقله؛ لأن مصر في مدة الأمويين بالمغرب كانت تابعة للخليفة العباسي، ولا يُعْقَل أن كتابًا عظيمًا كهذا — يقول بعضهم عنه إن نقله ينوء بحمله رجلان — يخرج من مصر التي هي الطريق الوحيد إلى الأندلس، ولا يعلم به عاملها الذي لم يكن يسمح بخروج أثر كريم مثل هذا من بلاده، على أنه لا يبعد أن بعض تجار الكتب يستنسخ مصحفًا كبيرًا ويلون بعض صفحاته بدم، ويبيعه بهذه الدعوى الفاسدة؛ إكبارًا له، حتى يضاعف له في ثمنه، كما يفعل تجار الآثار في هذا العصر.(?) وبحسبك الحكاية الآتية برهانًا على ذلك: قال المَقَّرِيُّ: قال ابن حيان: «إنه كان جالسًا مع المنصور بن أبي عامر في بعض الليالي، وكانت شديدة البرد والريح والمطر، فدعا بأحد الفرسان وقال له: انهض الآن إلى فج طالس وأقم فيه، فأول خاطر يخطر عليك سِقْهُ إليَّ. قال: فنهض الفارس وبقي في الفج في البرد والريح والمطر واقفًا على فرسه، إذ وقف عليه قرب الفجر شيخ هرم على حمار له ومعه آلة الحطب، فقال له الفارس: إلى أين تريد يا شيخ؟ فقال: وراء حطب. فقال الفارس في نفسه: هذا شيخ مسكين نهض إلى الجبل يريد حطبًا، فما عسى أن يريد المنصور منه؟ قال: فتركته فسار عني قليلًا، ثم فكرت في قول المنصور وخفت سطوته، فنهضت إلى الشيخ وقلت له: ارجع إلى مولانا المنصور. فقال له: وماذا عسى أن يريد المنصور من شيخ مثلي؟ سألتك بالله أن تتركني أذهب لطلب معيشتي. فقال له الفارس: لا أفعل. ثم قدم به على المنصور، ومثل بين يديه وهو جالس لم يَنَمْ ليلته تلك، فقال المنصور للصقالبة: فَتِّشُوهُ. ففتشوه فلم يجدوا معه شيئًا، فقال: فتشوا برذعة حماره. فوجدوا داخلها كتابًا من نصارى كانوا قد نزعوا إلى المنصور يخدمون عنده، إلى أصحابهم من النصارى ليضربوا ويقتلوا في إحدى النواحي المستوطنة، فلما انبلج الصبح أمر بإخراج أولئك النصارى، فضُرِبَتْ أعناقهم، وضُرِبَتْ عنق الشيخ معهم.
(?) أول مَن دَوَّنَ الحديث الإمام مالك المتوفى سنة ???? في مُوَطَّئِهِ، باقتراح وإرشاد الخليفة المنصور، وقيل ابن جريج المتوفى سنة ????، ثم توالت بعد ذلك المجموعات الشهيرة بالكتب الستة الصحيحة، وهي: مجموعة البخاري التي جمع فيها ???? حديث، وكان يحفظ مائة ألف حديث صحيحة، ومائتي ألف غير صحيحة، وتوفي سنة ????، ومجموعة مسلم المتوفى سنة ????، ومجموعة أبي داود المتوفى سنة ????، ومجموعة ابن ماجه المتوفى سنة ????. ومجموعة النَّسَائِيِّ المتوفى سنة ????، ومجموعة الدَّارَقُطْنِيِّ المتوفى سنة ????، وإليهم ينتهي أمر الاجتهاد في الحديث.(?) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي، إمام أهل الشام، وكان يسكن بيروت، وتوفي سنة ???.(?) منشور الخلافة: أما بعد، فإنا أَحَقُّ مَن استوفى حقه، وأجدر مَن استكمل حظه، ولبس من كرامة الله ما ألبسه، للذي فضلنا الله به، وأظهر أثرتنا فيه، ورفع سلطاننا إليه، ويسَّرَ على أيدينا إدراكه، وسهَّلَ بدولتنا مرامه، وللذي أشاد في الآفاق من ذكرنا، وعلو أمرنا، وأعلن من رجاء العالمين بنا، وأعاد من انحرافهم إلينا، واستبشارهم بدولتنا، والحمد لله ولي النعمة والإنعام بما أنعم به، وأهل الفضل بما تفضَّل علينا فيه. وقد رأينا أن تكون الدعوة لنا بأمير المؤمنين، وخروج الكتب عنَّا وورودها علينا بذلك، إذ كل مَدعُوٍّ بهذا الاسم غيرنا منتحل له، ودخيل فيه، ومتَّسِم بما لا يستحقه، وعلمنا أن التمادي على ترك الواجب لنا من ذلك حق أضعناه، واسم ثابت أسقطناه، فَأْمُرِ الخطيب بموضعك أن يقول به، وأَجْرِ مخاطباتك لنا عليه إن شاء الله، والله المستعان.
(?) ابتدأ الفرنجة يعترفون بفضل الخلافة العربية بالأندلس، فقد ورد بتلغراف الأهرام الخصوصية في ?? يناير سنة ???? ما نصه: إحياء ذكرى الخلافة في قرطبة. باريس في ?? يناير سنة ????، ورد من مدريد أن جامعة قرطبة نظمت حفلات تقام بين ?? و?? يناير بمناسبة ذكرى مرور ألف سنة على عهد الخلافة في قرطبة، وأن لجنة تنظيم هذه الحفلات مؤلَّفة من مستشرقِين مشاهير، في مقدمتهم جوليان ريبيرا، والأستاذ المستعرب ميجل آزين بلاكيوس، الذي نشر منذ بضع سنين كتابًا عن الرواية الإلهية التي هي تأليف دانتي ألجييري، أثار جدالًا شديدًا؛ إذ إن الموضوع الذي كتب فيه دانتي كان قد سبقه إليه أحد كتاب العرب قبل بضعة قرون.
ويقام في أسبوع هذه الحفلات في قرطبة معرض للفن العربي من عهد عبد الرحمن الثالث إلى عهد المنصور، وإقامة هذا المعرض تدل على تطور الأفكار في إسبانيا وتوسعها في الحرية والتسامح. وقد نشرت جريدة «صوت مدريد» مقالة افتتاحية قالت فيها: إن أسبوع هذه الحفلات لا يتناول ذكرى تنحصر في قرطبة؛ فإن عهد الخلافة لم يكن أزهر وأزهى عهد في تاريخ قرطبة وحدها، بل إن إسبانيا كلها كانت في ذلك الزمن في مقدمة المدنية.
(?) لم يذكر ابن خلدون أكان ما تركه الناصر من الدنانير أم من الدراهم (وإن كان غيره قيَّدَها بالدينار)، فإذا كان من الدنانير (وقد يقدرون الدينار بنصف الجنيه المصري الحالي) فيكون ما تركه الناصر في خزائن الأموال ألفين وخمسمائة مليار من الجنيهات المصرية، وإذا كان من الدراهم — وكان الدينار في القرن الرابع الهجري يساوي تقريبًا ?? درهمًا — فيكون ما تركه الناصر نحو ثلاثمائة مليار من الجنيهات، وهو في كلتا الحالتين لا يتصوره العقل، وأظن أن هناك ألفًا مكررة، وأن ما أراد ابن خلدون أن يقول هو: ??????????، فإذا كانت من الدنانير يكون ما خلَّفه الناصر مليارين ونصف مليار من الجنيهات المصرية، وإن كانت من الدراهم يكون ما تركه ثلاثمائة مليون جنيه، وهو ما يمكن أن يتصوره العقل.
غير أن من يَطَّلِع على ما ذكره ابن خلدون وغيره من وصف هدية ابن شهيد إلى الناصر — وكان من وزرائه — مما يدل على عظيم ثروة الرجل، يرى أن ثروة الدولة على هذا القياس ربما بلغت الحد الذي ذكره المؤرخون من العرب، ونحن نتخيل أنهم مبالغون فيها، وإليك بعض ما جاء في هذه الهدية:
??? ألف مثقال من الذهب، وما قيمته خمسمائة ألف دينار من سبائك الفضة، و??? رطل من التبر، و??? رطل من العود العالي (لعلها القاقلي)، ومائة أوقية من المسك، ومائتا أوقية من العنبر، وثلاثمائة أوقية من الكافور، وثلاثون شَقَّة من الحرير المرقوم بالذهب كلباس الخلفاء، ومائة جلد سَمُّور، و?? من الملاحف لكسوة الخيل من الحرير والذهب، وقرية قفل آلافًا من أمداد الزرع، ومن الصخر للبنيان ما اتفق عليه في عام واحد ثمانون ألف دينار (ولعل ذلك أيام اشتغال الناصر ببناء الزهراء)، وعشرون ألف عود من الخشب قيمتها خمسون ألف دينار، وغير ذلك من السرادقات، والبسط المختلفة الألوان، والسلاح، والنبال، والخيل المُطَهَّمة والبغال، والوصائف والمماليك والجواري، إلى آخِر ما قالوا! وكانت هذه الهدية سببًا لإبلاغ الناصر رِزقَ ابن شهيد إلى ?? ألف دينار في السنة!
وقد قدَّر المؤرخ نيكلسون إيرادات الأندلس مدة الناصر بمبلغ ???????، وقدر ما كان في بيت المال سنة ???م بعشرين مليون جنيه.
الرسالة الرابعة


من قرطبة إلى إشبيلية
المسافة بين هاتين المدينتين ??? كيلومترًا، يقطعها القطار في أكثر من أربع ساعات في طريق عامرة بالمزارع الواسعة يتخللها بعض خلجان الماء ويسمونها مما يلي قرطبة بالمرج، وتكثر في هذه الطريق القرى الكبيرة، على الرغم من كل هذا ترى الحر شديدًا، حتى إذا وصلت إلى إشبيلية وجدته أشد ولا يكاد يُحتمَل، خصوصًا من الظهر إلى ما بعد غروب الشمس.
(?) إشبيلية

والعرب تسميها حمص تشبيهًا لها بحمص الشرقية في عمرانها وحضارتها، وكانت في مدتهم أحسن مدنهم عمرانًا وثروة وعلمًا وصناعة، وخاصة في مدة المعتمد بن عباد؛ فقد كانت في زمنه عروس المدائن الأندلسية، والشمس التي تنبعث منها أشعة العظمة والثروة والفخامة إلى جزيرتها، وبالجملة كانت إشبيلية مدة ملوك الطوائف أوسع بلادهم ملكًا وأكبرها قوة، وهي الآن مدينة عظيمة جدًّا، بل هي أحسن مدينة في جنوب إسبانيا بعد مجريط، وعدد سكانها ??? ألف نفس، وهو أقل من نصف عددهم مدة العرب، ويغلب الشكل العربي في كثير من مبانيها، إلا أنها خالية في الغالب من الرياض الصغيرة التي تجدها بحالة عامة في بيوت قرطبة، وقد دخل على شكل بعض أبنيتها شيء كثير أو قليل من الرسوم الإفرنجية، وعلى كل حال هي مدينة لا تزال عربية إلى الآن وإلى الغد؛ لأنهم لو كانوا رأوا أن هذا الشكل غير مناسب لوضع المدينة ولكثرة حرارتها لاستبدلوا به غيره من زمن بعيد كما ترى في مدريد وبرشلونة.
وهناك قسم من أقسام إشبيلية لا يزال على ما كان عليه مدة العرب، وشوارعه ضيقة جدًّا لا تسع غير عربة واحدة تسير فيه، وإن قابلتها عربة أخرى فلا بد لإحداهما أن تتقهقر حتى تجد الثانية مخلصًا للمرور، وقد قررت بلدية المدينة الاحتفاظ بهذا القسم على حاله والامتناع عن إدخال أيِّ إصلاح عليه؛ إبقاءً على صورةٍ أصليةٍ للنظام العربي القديم، وفي هذا القسم دارٌ بنَتها الجمعية الإسبانية الأمريكانية على النظام العربي، وجعلوها مزارًا للسائحين، والحق أنها جميلة جدًّا في نظامها، وإن لم يكن فيها شيء من الفن.
وشوارع المدينة بوجه عام ضيقة، وكثيرًا ما ترى في أعلاها مظلات من نسيج القلاع لتحجب الشمس عن أرض الشارع وعن الدكاكين التي فيه، وترى المحال التجارية منتشرة هنا وهناك في شوارع المدينة، وبعضها منَعَتْ العربات من المرور فيه كما هو الحال في الخان الخليليِّ بالقاهرة، وأحسن هذه الشوارع وأكثرها حركة هي التي تتصل بميدان القديس فرديناند، وهو ميدان لا بأس به، زُرِعَتْ على محيطه الأشجار وفيه أكبر فنادق المدينة، ويقرب من هذا الميدان (الكاتدرائية)، وهي الكنيسة الجامعة التي بُنِيَتْ مكان المسجد الجامع الذي كان بهذه المدينة قبل استيلاء سان فرديناند عليها في سنة ????م، ويقرب من هذه الكنيسة القصر (الكازار) وهو من أفخم ما يرى الراءون، وبطبيعة الحال كان المسجد يتناسب معه فخامةً ورُواءً، ولم يبقَ منه غير صحنه ومناره.
وقد لجأتُ إلى هذه الكنيسة من شدة الحر، وقديمًا كان الناس يلجَئون إلى بيوت العبادة، فدخلت من بابها الغربي إلى صحن واسع في وسط بركة من الرخام كانت للوضوء، وهذا الباب على شكل باب مسجد قرطبة النحاسيِّ الكبير، لولا أن قطعه النحاسية القائمة مكتوب فيها بالعربي لفظ الجلالة بأوضاع مختلفة.
وفي زاوية الصحن الشرقية مما يتصل بالكنيسة تلك المنارة العظيمة التي يسمونها الآن (La Tour de Giralda)، وترجمتها منارة لعبة الهواء. وهذه المنارة بُنِيَتْ على شكل منارة مسجد الكتبية بمراكش (أو أن منارة مسجد الكتبية بُنِيَتْ على شكلها، وهو الأصح)، وأمر ببنائهما السلطان المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن من الموحدين (وهو الرابع من ملوكهم) في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، وكان في أعلاها أربع تفافيح كبيرة من النحاس غُلِّفَتْ بطبقة من الذهب، بلغت نفقاتها وحدها أكثر من مائة ألف دينار، فأزال القوم هذه التفافيح بعد استيلائهم على المدينة، وبنوا مكانها على الدائرة التي كان يدور عليها المؤذن أبراجًا للنواقيس، وضعوا فوقها تمثالًا ارتفاعه أربعة أمتار، وزنته ???? كيلوجرامًا، بحال يتحرك فيها مع الرياح حيث سارت، ومنها أتت تسميتها بلفظ جيرالدا (لعبة الهواء)، وهذه المنارة مربعة الشكل، وكل ضلع من أضلاعها من جهة القاعدة طوله ????? مترًا، وبناؤها من الطوب الأحمر، وسمك حوائطها متران ونصف متر، وفيها إلى أعلى كثير من الفتحات التي تسمح بنفاذ الهواء والنور إلى داخلها، وارتفاعها ?? مترًا، وهو ما بقي من عمل العرب فيها، ويُصعَد إلى قمة المنارة بطريق مائل في محيطها من الداخل يسع فارسين يسيران أحدهما بجانب الآخر، وترى من أعلاها منظرًا جميلًا جدًّا للمدينة، وقد تثبت في سقف دائرة الصحن مما يلي المنارة قبالة باب الكنيسة الداخلي تمساح (يقال إنه هدية من ملوك مصر)، وسِنُّ فيل كبير، وعصا، ولجام، ويقولون إن التمساح رمز للتروي، والسن للقوة، والعصا للعدالة، واللجام للوازع النفساني الذي يقف بصاحبه عند حده! وهي وإن كانت ذات مغزى جميل، لم أفهم معنى لوضعها هنا.
دخلت الكنيسة الجامعة التي بُنِيَتْ مكان الجامع الذي يمكنك تقدير فخامته من شكل منارته، ومما كانت عليه في أول وضعها، وأول ما صادفني مصلى إلى جانب المنارة في صدره ناووس القديس فرديناند، وهو من الفضة الخالصة، وفيه نقوش جميلة جدًّا، وفي وسطه من جانبه الظاهر دائرة من الذهب شكلها بيضي، نُقِشت فيها صورة فرديناند على حصانه، وأمامه ملك العرب يقدِّم إليه مفاتيح المدينة! وإلى جانب هذا المصلى من اليمين قبر زوجه، وإلى اليسار قبر ابنته التي يُنْسَب إليها هدم المسجد وبناء هذه الكنيسة مكانه، وبجوار هذا المصلى غرفة وُضِعت فيها جواهر الملك وتاجه وسيفه، وفي جانب آخر من هذه الكنيسة قبر كرستوف كولومب الذي كان مصدر حياة إسبانيا التجارية وعظمتها الاستعمارية، وعلى قبره الرخامي أربعة تماثيل كبيرة من المرمر تحمل نعشه الرخامي على قدره الطبيعي، وهي تماثيل ملوك الممالك الأربع التي تألفت منها الوحدة الإسبانية، وهم: ملك قَشتالة، وملك أراغون، وملك ليون، وملك نافاريا. ولم يدهشني أن هؤلاء الملوك يحملون نعش هذا الرجل الذي كان على يده ظهور هذا العالم الجديد (أمريكا)، وأصبحت إحدى دوله المتحدة، وبين شفتيها كلمة إسعاد دول العالم وإشقائها، وقد تم لها الآن دور الظهور على جميع الأمم؛ بما لها من ثروة واسعة، وجاه عريض، وقوة هي قوة المال والعلم والاختراع؛ وذلك ببركة ما في بلادها من المواد الأولية من ذهب، وفضة، وحديد، ونحاس، وقصدير، وفحم، وبترول، وغير ذلك، ولا أدري هل تُقدِّر أمريكا هذا الرجل العظيم قدره وتخلد ذكره. «لا جيرالدا» وهي منارة المسجد الجامع بإشبيلية الذي جعلوه كنيسة.
وعلى كل حال هذه الكنيسة غاية في الفخامة، ولا بد أن يكون القوم قد أزالوا المسجد مع جلالته وعظيم فخامته، حتى يقضوا على كل فكرة تحوم حول رجوع المدينة إلى المسلمين، مما ترى فيه التعصب الديني ممثَّلًا كل التمثيل، على أن مسجدًا فخمًا كهذا لو بقي لكان فيه فائدة كبيرة للعلم والفن والتاريخ، كما هو شأن مسجد قرطبة الذي رجعوا فيه الآن إلى غسل الأغلاط التي ارتكبوها في ستر نقوشه وتغيير بعض معالمه.
وهنا أقول إن تحويل الكنائس إلى مساجد، أو المساجد إلى كنائس، يجرح قلوب المغلوبين بما تبقى ندبة التحامه طول الدهر، وتنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن الأجداد إلى الأحفاد. وأصل مصائب الدولة العثمانية وتحرش نصارى أوربا بها هو تحويلها كنيسة أيا صوفيا إلى مسجد، وإذا كانت المساجد كلها لله، والدين كله لله، فخير للناس أن يتركوا للناس حريتهم في تعبدهم، والإنجليز لم ينجحوا في استعمارهم إلا باتباعهم هذه الطريقة واحترامهم لعقائد المستعمرين، على أن لهم في مصر زلة لا يريد الشعب أن ينساها، وهي إطلاقهم الرصاص على الأزهر وقت الفتنة، كما أنه لا يريد أن ينسى لنابليون بونابرت ربطه الخيل في صحن الأزهر على أثر ثورتهم على الفرنسيين أيام احتلالهم لمصر. قاعة السفراء بإشبيلية.
(?) الكازار (القصر)

الكازار أو القصر هو بناء كبير يُدخَل إليه من بهو واسع مسقوف، في وسطه صفان من أعمدة الرخام، وليس فيه شيء من الزخرفة ولا من الفن، وتنتهي من اليمين إلى دهليز يُوصِل إلى باب في يمينه، له حوش فيه بحيرة صغيرة من الرخام تحيط بها زهرية جميلة، ومن دونها قاعة عالية مربعة الشكل، كل ضلع منها عشرة أمتار، وارتفاعها نحو ?? مترًا، قامت عليها قبة من الخشب الجميل الصنع، وحوائطها منقوشة من أعلاها بنقوش جصية، فيها (مقرنصات) جميلة مختلفة الشكل، وفي أعلاها مناور متصلة بالجو مباشرة للنور والهواء، وفي كل جهة ثلاثة مناور، وفي ظني أن هذه القاعة كانت مكان انتظار الزوار.
وينتهي ذلك الدهليز بباب إلى حوش كبير، ومن جهته اليسرى باب عظيم من الخشب البديع الصنع، يبلغ ارتفاعه نحو ? أمتار، ووجهة هذا المدخل تبلغ ?? مترًا طولًا في ?? مترًا ارتفاعًا، وكلها بالنقوش الجصية الجميلة، تتخللها الأدهنة المختلفة، وقد وُشِيت بالذهب مما جعل لها منظرًا هو نهاية الفخامة، وربما كانت هذه الوجهة فذة في بابها، نادرة في مثالها.
ومن وراء هذا الباب بهو بديع جدًّا، فيه كثير من النقوش المختلفة، وهو يفضي إلى حوش يكتنفه ممشى يحيط به أربعون عمودًا من الرخام تحمل حنايا يقوم عليها سقف الممشى، وهنا ترى النقوش الغريبة في السقف وحوائط الحوش، وتجد في أسفلها (وزرة) من القاشاني الجميل على ارتفاع نحو مترين، وفي هذا الحوش باب يؤدي إلى قاعة الاستقبال.
وقاعة الاستقبال — ويسمونها قاعة السفراء — مربعة الشكل، وارتفاعها نحو ?? مترًا، وكل ضلع منها لا يقل عن ?? مترًا، قامت عليها قبة من الخشب البديع الصنع، من تحتها مناور في كل جهاتها، ومن دونها ثلاثة أطباق متصلة بالدور العلوي من القصر، وفي كل جهة من جهاتها ما عدا جهة الباب عمودان من المرمر يحملان مع الحائط الذي يليها مقصورة جميلة، ويحيط بهذه القاعة خلف هذه المقاصير بهو عظيم، والقاعة والقبة والأبهاء الثلاثة آيات من آيات الله في جلالها، وفخامتها، وبديع صنعتها، وجميل نقوشها الذهبية التي تتخللها الأدهنة الحمراء والزرقاء والخضراء، بما يقف أمامها الإنسان مبهوتًا، فبينا يدهشك هذا الجدار بعظمته، يجذبك الجدار الآخر بفخامته، فيستهويك الثالث بكمال جماله، فيستلفتك السقف ببديع مثاله. وبالجملة ليس في الإمكان أن يتخيل الجنان أو يصوِّر البيان مقدار ما في هذا المكان من العظمة والفخامة.
وهذا القصر على الشكل الذي بناه عليه العرب، خصوصًا في زمن ابن عباد، لولا أن مساحته الآن على نصف ما كان عليه في مدتهم؛ لأنه كان يتصل بمنارة الذهب الموجودة على نهر الوادي الكبير مما يلي (الجمرك) المَكْس، وبينهما الآن مبانٍ واسعة، وينسبون شيئًا من أبنيته الحالية إلى الملك (بترو) الأول الملقب بالقاسي، ولكنهم لم يحددوها لنا، وعلى كل حال إن هذا الملك استقدم عمالًا من العرب بنوا القسم الذي بناه في القصر، أو قاموا بالإصلاح الذي أتمه فيه، وذلك من سنة ???? إلى سنة ????م.
وقد حدث فيه إصلاح وترميم أيضًا في زمن فرديناند وإيزابلا، وفي سنة ???? أصلحه جميعه فليب السادس بوساطة فنانين من البقية التي بقيت في البلاد من العرب، وكان نصيبهم بعد ذلك أن طردهم من أرض إسبانيا بحال شنيعة؛ حتى تخلو البلاد من شيء اسمه عرب، وكان جزاؤهم جزاء سنمار بعد أن بنى للنعمان قصر الخورنق، فلما رآه من العظمة بمكان أمر بيده فقُطِعتْ حتى لا يبني مثله لغيره، ولكنه عوَّضه عنها بأموال جمة حفظت حياته وحياة أسرته، وهذا العمل وإن كان قاسيًا، عمل فردي وفيه شيء من العوض، أما عمل الإسبان فهو ضد أمة بتمامها، دعا إليه التعصب الديني الذي لا يعرف شفقة ولا رحمة!
والجهة الأخرى من مدخل القصر تنتهي إلى بستان عظيم جدًّا في نظامه وترتيبه، وبعضه عالٍ وهو للأزهار، وفيه بحيرة واسعة من الرخام طولها ?? مترًا، وعرضها ?? مترًا، وعمقها ? أمتار، وكانت حمَّام الملك الخصوصي ويسمونها البركة.
أما البستان الواطئ فتنزل إليه بعدة درجات رخامية، وفيه من كل فاكهة زوجان، وبه باب في بناء القصر يُوصِل إلى بحيرة بالخافقي (الغافقي) في داخله، طولها نحو ?? مترًا، وعرضها نحو ? أمتار، وهي حمَّام النساء. وقد أخبرني مرشدي أنها كانت تستحم فيها مائة غانية مرة واحدة مدة ملوك العرب، ولكنه لم يقل كم غادة كانت تستحم فيها من هذا الجنس اللطيف مدة ملوك الإسبان.
(?) قصر بيلانوس

بدأ بناء هذا القصر الدون بدرو سنة ????، وأتمته ورثته في أزمان مختلفة، وهو الآن يملكه واحد من هذه الأسرة الشريفة، ويُدْخَل إليه بأجر زهيد.
ولقد كنت أود أن أكتب كلمة عن هذا القصر الفخم الذي وشيت جميع حوائطه الداخلية بالنقوش العربية، وبرزت سقوفه في حلتها المختلفة الألوان والأدهنة بحسن صناعتها التي تدهش الأبصار، لولا سبق زيارتي للقصر (الكازار) الذي لم يبقَ بعده كلمة لقائل، ولا وصف لواصف، على أني زرت في هذا القصر جملة قاعات وأبهاء فيها من النقوش المختلفة ما يدهش الأبصار، ولا سيما المكتب الخصوصي وقاعة الحكم، ولعلهم كانوا يقضون فيها على الناس، أيام كانت الأحكام على الشعوب البائسة بين شفاه الأمراء والرؤساء. وبالجملة هذا القصر آية من آيات الصناعة والفن، سواء أكان ذلك في نقوش حوائطه وسقوفه، أم في القاشاني الثمين الذي يكسو حوائطه إلى ارتفاع مترين تقريبًا، هذا كله في طبقته الأرضية، أما الطبقة العلوية فهي خاصة برب المنزل، ولا يُسْمَح بزيارتها لأحد.
وأهم شوارع المدينة من خارجها شارع البرادو، وهو على نظام البرادو في مدريد تقريبًا، ترى فيه كثيرًا من القهوات والمتنزهات التي يقصدها الناس في المساء أيام الصيف على الخصوص لقضاء شطر من الليل هناك في الهواء الخالص، وكثيرًا ما ترى الأسرة منهم تجلس إلى ناحية من المتنزه وتتناول عشاءها البسيط الذي أتت به معها. ومما أعجبني جدًّا أني أردت أن أدخل فيه قهوة جميلة مفتحة المنافذ من كل جهة، وبها تمثيل (بالخيالة)، فاعترضني الحارس بما فهمت منه أنها خاصة بالأسرات ولا يدخلها رجل بمفرده، فعدت وأنا معجب بهذا النوع من الحجاب الذي يُحفَظ به كيان الأسرات من جميع آفات المدنية المطلقة، والتي لا حد لها. وقد وجدت في هذه الجهة التين الشوكي يباع مقشورًا، وهو ما انتقدته لتعرُّضه للتراب والذباب، ويظهر أن المسائل الصحية غير معتنى بها في هذه البلاد؛ فقد رأيتهم يبيعون الفاكهة وكثيرًا ما تكون عاطبة وعفنة، وقد شاهدت غير مرة الخيل تجر العربات مع ظَلْعها وهزالها من غير شفقة ولا رحمة، كما رأيت في الصحراء أكثر من مرة رجلين يركبان حمارًا مهزولًا يكاد ينوء بحملهما!
وشارع البرادو ينتهي إلى (البارك)، وهو بستان عظيم كبير، جميل التنسيق والتحديق، وفيه أشجار الفلفل والبرتقال والنارنج والنخل المختلف الأنواع، مما لا يثمر بهذه البلاد، وإن أثمر فلا يتم نضجه، ويكثر الرش في هذه المدينة، وخصوصًا خارجها لإنامة التراب وقتل الحر الذي لا يزال مستمرًّا إلى الساعة العاشرة مساء.
وأهل هذه المدينة بصفة خاصة والأندلس بصفة عامة يستسلمون إلى التشاؤم والتفاؤل، وأظنهما من ميراث العرب، وقد ترى في أغلب الطنوف الجميلة جريدة من النخل على طولها لمنع تأثير العين، وهم يهتمون كثيرًا بأوراق اللوتوريات (النصيب).
وإشبيلية لها عيد في الأسبوع المقدس من كل سنة في (أبريل)، فتجد سكان جميع الجهات المحيطة بها يقصدونها زرافات بملابس مخصوصة بيضاء في الغالب، ومزركشة بالمقصبات وغيرها من التطاريز الحريرية الكثيرة الألوان، ويسيرون في الطريق بهيئة مواكب كبيرة حاملين صورة العذراء مجملة مذهبة، وهم يرقصون ويتغنون ويلعبون حتى يصلوا إلى الكاتدرائية (الكنيسة الكبرى)، وتستمر هذه الحركة ثلاثة أيام، وفي هذه الأثناء ترى لهم أسواقًا يقيمونها في هذا الفضاء الواسع الذي يكتنف (البرادو) من جميع أطرافه، وترى لهم في كل نقطة من هذه الجهة مساكن من خشب أو خيم مختلفة الأشكال والأوضاع، وترى في هذه المنطقة هنا وهناك مغاني ومراقص وأمكنة لمصارعة الثيران، وملاعب وملاهي مختلفة، والبرادو هو المركز العمومي للمراكب الكهربائية في المدينة.
ويقصد إشبيلية في ذلك الوقت آلاف الآلاف من سياح أوربا وأمريكا، فتكتظ بهم المدينة إلى درجةٍ لا يتيسر معها للإنسان المشي في شوارعها إلا بكل مشقة، وهم يحجزون مكان مبيتهم أو محل إقامتهم في الفنادق أو المساكن قبل هذا الوقت بشهرين أو أكثر، وهناك شركات تقوم بتجهيز كل ما فيه راحة السياح لهذه الزيارة في كل جهة من جهات أوربا.
وبلدية المدينة تعد الآن معرضًا خارجها لسنة ????، وبينه وبين (البارك) خليج من نهر الوادي الكبير، وهذا المعرض على قسمين: قسم إسبانيٌّ، وهو آية في فخامته، وشكله من جهة البستان نصف دائرة واسعة الأطراف آية في الجمال، ووجهتها كلها من الصناعة العربية البديعة المنقوشة بالذهب والألوان المختلفة، والتي أخذوها من الأشكال العربية الموجودة في (القصر) الكازار وغيره، وتكثر الأعمدة الرخامية في مداخل المعرض من هذه الوجهة، كما تكثر صناعة الفسيفساء فيما يلى هذا القوس العظيم. أما أشغال القاشاني التي عُمِلت منها القناطر التي على هذا الخليج من أراضيها وسلالمها ودرابزيناتها، فشيء من الإبداع يحار فيه وصف الواصف، وقد قام على طرفي هذا القوس مناران على شكل المآذن الإسلامية المربعة، وهذا القسم من داخله مقسَّم إلى أقسام كثيرة للمعروضات.
أما القسم الثاني فأمريكانيٌّ، وهو مركَّب من جملة مبانٍ منفصل بعضها عن بعض، وهو أيضًا من خارجه جميل المنظر وعلى النظام العربي.
ومن هذا ترى أن أثر هذه الصناعة البديعة لا يزال في هذه البلاد بحال تشرح الخاطر وتسر الناظر، وهو من الدقة بحيث يجود فيه هذا الفن كل الإجادة.
(?) للعبرة والتاريخ

لما دالت دولة الأمويين والعامريين من قرطبة، واقتسمت الأندلسَ ملوكُ الطوائف، أخذوا يبنون لأنفسهم وهو في شباب دولهم مجدًا أثيلًا، وذكرًا جميلًا، بما كان لهم من علم وفضل وكرم، وكان في مقدمة بلادهم إشبيلية؛ لما كان فيها من واسع العمران، وناصع الحضارة، وجليل الإمارة في زمن بني عباد، الذين راجت سوق العلم والأدب في دولتهم، ولا سيما أيام المعتمد آخر ملوكهم، فقد كان أوسعهم حزمًا، وأكبرهم هِممًا، وأكثرهم كرمًا، وأعظمهم سلطانًا.
ولقد كان بعواصم الأندلس منتديات علمية يتداولون فيها العلوم المختلفة، وكان ملوكهم يعملون على نشرها في دوائر حكمهم، وكثيرًا ما كانوا يحتفلون في مجالسهم الخاصة بالعلم والعلماء، ويفيضون عليهم من نعمتهم، فكان إعزازهم للعلم من أكبر الأسباب التي دعت إلى نشره بين الناس على اختلاف طبقاتهم؛ لذلك كانت البلاد في مدتهم فيَّاضة برجالات العلم، غاصَّة بذوي الدراية والعرفان، وخصوصًا إشبيلية التي ظهر في أفقها كثيرون ممَّن ذاع فضلهم وعلمهم في المشرق والمغرب، وكانت ملوك الأندلس يستقدمون أكابر علماء المشرق ويعقدون لهم المجالس؛ للمناظرة مع علماء بلادهم، ويفيضون نعماءهم على المبرزين منهم، وكان أهل إشبيلية يشتغلون بالأدب خاصتهم وعامتهم، وكانت لهم منتديات يتذاكرونه فيها، وكانت لهم متنزهات يخرجون إليها في وقت راحتهم من عملهم، كما هو الحال في البلاد المتمدينة الآن، وكانوا يتبادلون فيها كل ما راق لهم من الحديث من قديم وحديث.
ومن ذلك أن عبد الجليل بن وهبون المرسي الشاعر أعدَّ نزهة لأصحابه بوادي إشبيلية، أقاموا فيها يومهم، حتى إذا دنت الشمس إلى الغروب هبَّ نسيم ضعيف غضَّنَ وجه الماء، فقال مرتجلًا:
حاكت الريح من الماء زرد ثم قال لأصحابه: أجيزوا. فقال علي بن رباح:
أي درع لقتال لو جمد وهذا من أرق ما أتت به البديهة، ومن أحسنه وأبلغه.
ومن أحسن بديهات العامة أن الوزير ابن عمار مرَّ على دكان قصَّاب، فقال له:
لحم سباط الخرفان مهزول فأجابه القصَّاب من فوره:
يقول للمفلسين مَهْ زولوا ومنها أن ابن عمار مر على دكان ابن جامع الصباغ، فأراد أن يعلم سرعة خاطره، وكشف عن ساعده قائلًا:
ما بين زندٍ وزند فقال الصباغ من فوره:
ما بين وصل وصد فعجب الوزير من حسن ارتجاله، وكان هذا أول التنويه باسمه.
ومن هذا نعلم أن الأدب في الأندلس لم يكن محصورًا في المشتغلين بصناعته، بل كاد يكون عامًّا بين الناس، وقد ورد في ياقوت عند كلامه على مدينة شلب ما نصه: وسمعت ممن لا أحصي أنه قال: «قَلَّ أن ترى من أهلها مَن لا يقول شعرًا ولا يعاني الأدب، ولو مررت بالفلاح خلف فدانه وسألته عن الشعر، قرض من ساعته ما اقترحت عليه، وأي معنى طلبته منه.»
وهنا نذكر لك شيئًا عن الخاصة في مجتمعاتهم؛ فقد صنع المعتمد بن عباد قسيمًا في القبة المعروفة بسعد السعود، فوق المجلس المعروف بالزاهي، فقال:
سعد السعود يتيه فوق الزاهي واستجاز الحاضرين، فقال ولده الرشيد:
وكلاهما في حسنه متناهيومَن اغتدى سكنًا لمثل محمدقد جل في العليا عن الأشباهما زال يبلغ فيهما ما شاءهودهت عداه من الخطوب دواهي وهذا لعمري من ألطف البديهات وأظرفها.
ومنها أن ابن عباد خرج للنزهة بظاهر إشبيلية في جماعة من ندمائه، ثم أخذ في المسابقة بالخيل، فجاء فرسه سابقًا إلى شجرة تين أينعت وبرزت منها ثمرة، فسدد إليها عصاه فأصابتها وتثبتت على أعلاها، فالتفت إلى مَن لحقه من أصحابه وقال: أجيزوا.
كأنها فوق العصا فأجاب ابن جامع الصباغ من فوره:
هامة زنجيٍّ عصى فطرب المعتمد لسرعة بديهته، وأمر له بجائزة سنية.
ومن هذا تعلم مقدار عناية أمراء الأندلس في مجالسهم بالعلم والأدب، وكيف كانوا رحمهم الله يشحذون القرائح بطلبهم إلى الناس إجازة أقوالهم، أو تكليفهم الكلام في شأن من الشئون، ويجيزون المبرَّزين فيها؛ ففشا العلم في ديارهم، وطلعت شموس الأدب في فلك بلادهم، حتى شملت الصغير والكبير والنساء والرجال.
وقد كان كرم بني عباد يساعد على رقيِّ العلم في عمومه، والشعر في خصوصه، ولم يكن ذلك في دائرة ملكهم فحسب، بل كان يقصدهم الناس بمدائحهم من جميع الآفاق، فكانت إشبيلية في مدتهم كعبة القاصدين من المُجيدين، والسماء التي تطلع فيها دراري الأفكار، وشموس الابتكار.
وإني أكتفي بأن أقص عليك ما ذكره الحافظ الحجازي في المسهب، عن عبد الله بن إبراهيم الذي قال: قصدت المعتمد بن عباد وهو مع أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في غزوته المشهورة للإسبان، فرفعت له قصيدة منها:
لا روَّح الله سربًا في رحابهموإن رموني بترويع وإبعادولا سقاهم على ما كان من عطشإلا ببعض ندى كف ابن عبادذي المكرمات التي ما زلت تسمعهاأنس المقيم وفي الأسفار كالزاديا ليت شعري ماذا يرتضيه لمنناداه يا موئلي في جحفل النادي فلما انتهيت إلى هذا البيت قال: أما ما أرتضيه لك، فلستُ أقدر عليه في هذا الوقت، ولكن خذ ما ارتضى لك الزمان. وأمر خادمًا له فأعطاني ما أعيش من فائدته إلى الآن، وكنت ممن زاره في سجنه بأغمات، وحملتني شدة الحمية والامتعاض لما حل به أن كتبت على حائط سجنه متمثلًا:
فإن تسجنوا القسريَّ? لا تسجنوا اسمه ولا تسجنوا معروفه في القبائل ثم تفقَّدتُ الكتابة بعد أيام، فوجدت تحت البيت: «لذلك سجناه.»
ومن يجعل الضرغام في الصيد بازهتصيده الضرغام فيما تصيدا أما شعر المعتمد وبنيه فقد وصل إلى مكانة عالية، وفي قلائد العقيان جملة صالحة منه، ترى منها مقدار سمو كعبهم في الأدب من شعر ونثر، يصعد بهم إلى مستوى أعاظم الشعراء والكُتَّابِ، وتتعرف منه حالهم من الرَّفَهِ ونعيم السلطان مدة حكمهم.
وكانت إشبيلية مدة ابن عباد عاصمة العواصم الأندلسية ومظهر المدنية الراقية، فكان فيها واسع الدُّور وعالي القصور، وفي محالِّها العمومية التماثيل المرمرية، كما هو الحال الآن في البلاد المتمدينة، وفي بعضها يقول شاعرهم:
ودمية مرمر تزهو بجِيدٍتناهى في التورُّد والبياضلها ولد ولم تعرف حليلًاولا أَلِمتْ بأوجاع المخاضونعلم أنها حَجَر ولكنتتيمنا بألحاظ مِراض وكانت إشبيلية مشهورة بكثير من الصناعات، وخصوصًا النسيج، وعمل الأسلحة والسفن، وحِرَف البناء التي اتسع بها عمرانها في مدة بني عباد، وكانت ضواحيها كلها رياض رياحين وجنات أثمار، تنساب في نواحيها جداول الماء، وتنعقد في أرجائها أندية السرور والهناء، وهنا يجمُل بنا أن نذكر لك كلمة عن تاريخ بني عباد.
يتصل نسب بني عباد بالنعمان بن المنذر ملك الحيرة، وأول من نبغ منهم في الأندلس هو محمد قاضي إشبيلية جد المعتمد، وكان الناس يحبونه لفضله وعدله ولطفه وظرفه وأدبه وحسن سياسته، وآلَ أَمْرُه إلى أن انتخبه أهل البلاد سلطانًا عليهم لسوء سيرة المستعلي بن حمود ملك قرطبة، وكانت إشبيلية تابعة له، وتَسَمَّى بالظافر، ولم يزل بإشبيلية حتى مات سنة ????، وخلفه ابنه المعتضد بالله عباد، وقد جاء في بعض أوصافه في ابن خلكان ما ملخَّصه: كان سبط البنان، ثاقب الذهن، حاضر الخاطر، صادق الحديث، وقد أعطته سجيته ما شاء من تحبير الكلام وقرض الشعر … إلى أن قال: وأخبار المعتضد في جميع أفعاله وضروب أبحاثة غريبة بديعة، وكان كَلِفًا بالنساء، فاستوسع في اتِّخاذهن، وخلط في أجناسهن، فانتهى في ذلك إلى مدى لم يبلغه أحد من نظرائه.
ومن شعر المعتضد الذي يعطيك من شخصه صورة صادقة قوله:
شربنا وجفن الليل يغسل كحلهبماء صباح والنسيم رقيقمعتقة كالتبر أما بخارهافضخم وأما جسمها فدقيق ومن قوله سامحه الله:
وليل بسد النهر أنسًا قطعتهبذات سوارٍ مثل منعطف النهرنضت بردها عن غصن بانٍ منعمفيا حسن ما انشق الكمام عن الزهر وتوفي المعتضد سنة ????، وقام بالملك بعده ولده المعتمد، وكان أندى ملوك الأندلس راحة، وأرحبهم ساحة، وأعظمهم ثمادًا، وأرفعهم عمادًا، ملقى الرحال، وقِبلة الآمال، لم يجتمع بباب أحد من ملوك عصره من أعيان الشعراء وأفاضل الأدباء ما كان يجتمع ببابه، وكان المعتمد شاعرًا أديبًا، ومن شعره:
لولا عيون من الواشين ترمقنيوما أحاذره من قول حراسلزرتكم لا أكافيكم بجفوتكممشيًا على الوجه أو سعيًا على الراس وجاء في ابن خلكان أن المعتمد عزم على إرسال حظاياه من قرطبة إلى إشبيلية، فخرج معهن يشيعهن، فسايرهن من أول الليل إلى الصبح، فودَّعهن ورجع، وأنشد أبياتًا من جملتها:
سايرتهم والليل أغفل ثوبهحتى تبدى للنواظر معلَمَافوقفت ثَمَّ مودِّعًا وتسلمتمني يد الإصباح تلك الأنجما وعلى كل حال إنه إذا كان المعتمد قد أعطى لنفسه ما طاب لها من لذاتها وشهواتها، فقد كان فيه من العقل والدهاء والكياسة والشجاعة وكبير الهمة وعظيم الصفات ما جعله أكبر ملوك الأندلس في وقته ملكًا، وأنفذهم رأيًا، وأعظمهم سلطانًا، وقد استعان على مدافعة الإسبانيين بابن تاشفين ملك المغرب، وقال حين حُذِّرَ من خطر اجتياح ابن تاشفين لملكه كلمته الخالدة: «رعي الجمال خير من رعي الخنازير.» ولكن ابن تاشفين فتك به آخِر الأمر، فأسره وأرسله إلى أغمات، وهي بلدة وراء مراكش بينهما مسافة يوم بالقافلة، وهو ما يقرب من خمسين كيلومترًا. ومما قال في قيده وهو في محبسه بها:
قيدي أما تعلمني مسلمَاأبيت أن تشفق أو ترحمادمي شراب لك واللحم قدأكلته لا تهشم الأعظما ومات المعتمد في محبسه سنة ???، وقد رثاه الشعراء بقصائد مطوَّلات أنشدوها على قبره، ومنهم شاعره أبو بكر بن عبد الصمد، رثاه بقصيدة طويلة قال في أولها:
ملك الملوك أَسامعٌ فأناديأم قد عدتك عن السماع عواديلما نقلت عن القصور ولم تكنفيها كما قد كنت في الأعيادأقبلت في هذا الثرى لك خاضعًاوجعلت قبرك موضع الإنشاد وهذا لعمري أكبر شيء في الوفاء والشجاعة وعظم النفس، فرحم الله ابن عباد، ورحم الله شاعره أبا بكر، وإني لم أذكر لك ما ذكرت إلا للعبرة بصروف الزمان وتقلُّب الحدثان، وسبحان من بيده الأمر، يعز من يشاء ويذل من يشاء. مناظر مدينة غرناطة وفي أعلاها قصور الحمراء من اليسار وقصر جنراليف من اليمين.
وقد زار قبره لسان الدين بن الخطيب، فرآه على هضبة بمقبرة أغمات، فقال:
قد زرتُ قبرك عن طوع بأغماترأيت ذلك من أولى المُهمَّاتلِمَ لا أزورك يا أندى الملوك يدًاويا سراج الليالي المُدْلَهِمَّاتوأنت من لو تخطَّى الدهر مصرعهإلى حياتي لجادَتْ فيه أبياتيأنافَ قبرك في هَضْبٍ يُميِّزهفتَنْتَحيه حَفِيَّاتُ التحياتكرمت حيًّا وميْتًا واشتهرتَ عُلًافأنت سلطان أحياء وأمواتما رِيءَ مثلك في ماضٍ ومعتقديأنْ لا يرى الدهر في ماضٍ ولا آت وقول لسان الدين هذا في شخص مات قبله بثلاثة قرون ونصف تقريبًا، وليست له عليه أية يد، لأكبر دليل على أن ابن عباد كان من أكبر الملوك وأعظمهم، ومن يطَّلع في الجزء الثاني من نفح الطيب على هذه الجملة: «وبسبب قتل بني عباد لأبي حفص الهوزني تسبَّب ابنه أبو القاسم في فساد دولة المعتمد بن عباد، وحرَّض عليه أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين حتى أزال ملكه، ونثر سلكه، وسبب هلكه رحمه الله»، يرَ أن هذا الملك العظيم قضى بيد الخشونة والظلم فريسة السعايات والوشايات الدنيئة.
هوامش

(?) القسري (خالد بن عبد الله بن يزيد البجلي القسري، كان أمير العراقين من قِبَل هشام بن عبد الملك، ووُلِّيَ قبل ذلك مكة سنة ??، ثم عُزِل عن العراقين سنة ???، ووُلِّيَ مكانه يوسف بن عمر الثقفي، فحبس خالدًا (ولما كان في سجن يوسف مدحه أبو الشغب العبسي بأبيات في الحماسة، منها البيت المذكور)، وتوفي سنة ???.
الرسالة الخامسة


من إشبيلية إلى غرناطة
قام القطار من إشبيلية الساعة العاشرة صباحًا، واتجه إلى الجنوب الشرقي في أرض تكثر فيها المزارع وغابات الزيتون والكافور ومروج الخضر، تتخللها أشجار الفاكهة من برتقال ونارنج وتين وليمون، وقد يكثر على حافتي الطريق التين الشوكي والصبار ونبات الخلة وشوك القرطم، وعلى كل حالٍ الزراعة هنا شتوية أكثر منها صيفية، أعني أنها تنحصر في القمح والفول وما إليهما، وهي بوجه عام أشبه شيء بزراعة الحيضان عندنا قبل أن يدخل عليها النظام الصيفي، وتربة هذه الجهة جيدة، وأرضها مسطحة، ولا بد أنه كان فيها مدة العرب نظام للري أُهمِل بعدهم، وبقيت زراعتها لا تُسقَى إلا مرة واحدة قبيل الزرع، وهي أشبه بما يسمُّونَه عندنا الزراعة البعلية. ويختلف أمامك معدن الأرض، فطورًا تراه حديديًّا ويزرعون فيه كروم العنب، وطورًا تراه طفليًّا ويزرعون فيه الفاكهة، وكلما قربت إلى الشرق كثرت أنواعها من مشمش وكمثرى ورمان وخوخ وتفاح، وترى معدنها أسود، ويزرعون فيه الخضر، والبطيخ والقاوون، وهما من أحلى شيء في نوعهما.
والسفر من إشبيلية إلى غرناطة صعب جدًّا بالسكة الحديدية من كل وجه؛ لأن عرباتها قديمة، وهي أشبه شيء بعربات خطوط الشركات الضيقة عندنا، ومع أن المسافة بينهما ??? كيلومترًا يقطعها القطار في أكثر من عشر ساعات، وليس فيه عربة للأكل، وقد يقف القطار كثيرًا في بعض المحطات انتظارًا لقطار ثانٍ آتٍ من طريقه أو من طريق آخر، ولا ترى في المحطات إلا باعة الماء في الغالب، وكلما اتجهت إلى الشرق وجدت من يبيع شيئًا من الفاكهة خارج سياج المحطة، وبالجملة الماء هنا هو أول شيء يحتاج إليه الإنسان في كل وقت لشدة الحرارة، وقد كنت أحسبني قليل الشرب جدًّا حتى في مدة الصيف، ولكني هنا أراني أُكثِر من الشرب في كل وقت مدفوعًا بشدة العطش. وقد تُحدِث شدة الحرارة هنا تهيجًا في الحلق والحنجرة، فترى الناس يبصقون كثيرًا في الطريق وغير الطريق من غير مبالاة، مما لا تراه إلا نادرًا في البلاد المتمدينة، بل قد يكون سببًا في تهيج الشُّعَب فيكثر السعال.
وفي الساعة الثالثة بعد الظهر تقابل قطارنا بالقطار الذي قام من غرناطة في محطة اسمها روضة الأندلس LA RODA DE L’ANDALOUSIE ولهذه نصيب من اسمها؛ لأن النظر إذا اتجه فيها إلى جهة لا يرى غير غابات الزيتون ومروج الفاكهة والخضر، ولا شك أن هذه الجهة هي أخصب أرض إسبانيا الوسطى الجنوبية؛ لذلك تكثر فيها المدن ويظهر العمران. وجهة المسجد الخارجي بالحمراء.
وفي الساعة الرابعة وصلنا إلى مدينة BOBADELE ولعلها «أبي عبد الله» ومنها يتفرع خطان آخران: واحد إلى مالقة، والآخر إلى الجزيرة الخضراء وجبل طارق. وما زلنا سائرين حتى إذا كُنَّا على بعد ساعة من غرناطة ابتدأت الزراعة تكسو أرض الوادي كله، وبدت لنا جداول الماء تظهر بكثرة، بعضها مبني وبعضها محفور، يغذيها نهر شنيل من اليمين، ونهر دارو (حَدَارُّه كما كانت تسميه العرب) من اليسار، بحيث لا تقع العين إلا على مروج ناضرة ورياض زاهرة، ترى فيها الذُّرة والبنجر والخضر وأشجار الفاكهة والدخان الهافاني بشكله الجميل، وهو رخيص جدًّا في هذه البلاد، وهنا خطر ببالي كيف أن الحكومة المصرية الدستورية لا تزال تحجر على حرية الناس بمصر في زراعة الدخان، فإن قيل إن زراعته تقلل من إيراد المكوس (الجمارك) قلنا بإمكان فرض ضريبة على زراعته تعوض على الحكومة ما تخسره من عدم وروده من الخارج، وتعود على الأهالي — وخصوصًا أصحاب الجزائر التي لا تصلح إلا لزراعته — بالفائدة التي لا يزالون يرجونها من إنتاجه. وفي الساعة الثامنة مساء وصل القطار إلى غرناطة.
(?) غرناطة

هي مدينة واقعة في الشمال الغربي من جبل شلير أحد حلقات جبال سيرا نوفادا، وعدد أهلها الآن ?? ألف نفس، ويقطعها نهر دارو الذي ساقه إليها العرب من هذا الجبل، وفي جنوبها نهر شنيل الذي يروي ما دونها من الأراضي الواسعة الجميلة التي يسمونها بالمرج، وذلك بواسطة الترع التي سيَّرتها بها العرب، ونظام الري الذي أنشَئُوه فيها، وهو قائم إلى الآن بوظيفته في هذه الجهة التي لا تزال من أخصب بلاد إسبانيا، وأبنية المدينة القديمة على الشكل القوطي في شوارعها الضيقة، أما شوارعها الكبرى فقد دخل عليها مسحة من نظام البناء الإفرنجي، ويظهر أن سبب ذلك هو أن درجة الحرارة فيها أقل منها في إشبيلية وقرطبة كثيرًا؛ وذلك لكثرة ما يتخللها من مجاري المياه، ويحيط بها من كثير الغابات والمزارع ومراقد الثلوج المستديمة التي تراها على قمم سيرا نوفادا، ومع هذا ترى شوارع المدينة غير نظيفة ويكثر فيها التراب، وبالجملة ليس فيها ما هو جدير بأن أحدِّثك عنه؛ لأنها ليست بالشرقية ولا بالغربية، اللهم إلا تلك الجهة الواقعة على منحدر الجبل إلى القصر ويسمونها قسم البيازين، وهذا القسم هو الباقي من مدة العرب، وهو الذي ترى عليه صورة عربية جافة تكثر فيها المنافذ، وليس فيها شيء من الفن ولا من جمال الشكل، ويظهر أن حركة التجارة والصناعة في المدينة حركة لا بأس بها، وخصوصًا في تجارة المحصولات الزراعية.
ولقد كانت هذه المدينة مدة العرب غاية في الجمال والجلال والفخامة، وكان سكانها مدة بني الأحمر لا يَقِلُّونَ عن نصف مليون من النفوس؛ لأن سواد البلاد الإسلامية بالأندلس هرع إليها بعد سقوطها في يد الإسبان، وكان منهم عدد كبير من اليهود، وكان العرب يسمونها دمشق لكثرة مائها ومزارعها، وكان فيها كثير من البساتين بحيث كان للغني بالله وحده بها مائة بستان، وفيها يقول لسان الدين بن الخطيب:
بلد تَحُفُّ به الرياض كأنهوجه جميل والرياض عِذارهوكأنما واديه مِعْصَم غادةومن الجسور المحكمات سواره وكان يحيط بها مدة بني الأحمر سور فيه ألف وثلاثون برجًا للمقاتلة، وكان داخل السور مائة وثلاثون طاحونة لطحن الغلال بقوة التيارات المائية.
والآن أذكر كلمتي عن القصر، وهو كل شيء في المدينة.
(?) القصر

وهو يشمل تلك الدائرة الكبرى التي في شرق المدينة، وفي حضن جبل شلير، وهي سور كبير داخله بستان واسع، في أعلاه من الشرق قصر جنراليف Generalif وهو لفظ لا معنى له، وُضِع محرفًا لهذا القصر العالي الذي كان يسمى جنة الريف، وبعضهم يسميه جنة العريف، وكانت ملوك غرناطة تقضي فيه فصل الصيف، ويتخلل هذا البستان غُدْرانُ الماء التي تنزل إليه من الجبل وتسمع لها خريرًا هنا وهناك كأنه نغمات الموسيقى، حتى إنَّه ليخيل للإنسان أنه في إحدى رياض سويسرا الجميلة. وقد قام على منحدرات هذا الجبل المتعرجة سور مرتفع طوله ??? مترًا، فيه ?? برجًا على طوله حول قصر الحمراء، وفي الزاوية الغربية من بناء القصر يميل إلى الجنوب القصبة، وهي القلعة العظيمة التي هي أقدم بناء في هذه الدائرة، بناها محمد بن الأحمر الأول، وأهم هذه الأبراج برج فالا، وارتفاعه ?? مترًا، وفي أقصى القصبة منارة وُضِع في أعلاها جرس زنته ???? كيلوجرام يضرب كل ساعات الليل في أيام السنة كلها، وفي يوم ? يناير — وهو اليوم الذي استولى فيه القوط على غرناطة من العرب — يضرب هذا الجرس باستمرار ?? ساعة احتفاء بهذا اليوم الذي هو من أكبر أعيادهم، إن لم يكن أكبرها.
دخلت إلى هذا البستان من باب كبير وهو من بناء العرب، وُضِع عليه من جهتيه كرة من الحجر على شكل الرمانة، وهي إشارة لطيفة لاسم المدينة، ولقد أصلح هذا الباب الملك شارلكان ووضع عليه (رنكه). وما زلنا سائرين في طريق صاعد وسط هذا البستان الجميل إلى أن وصلنا إلى بناء على جهتيه، هو فندق واشنجتون، ويقال إنها بُنِيت على المقبرة الإسلامية لملوك غرناطة. وما زلنا صاعدين وإلى يسارنا سور عالٍ من الطوب الأحمر، هو سور قصر الحمراء، حتى وصلنا إلى باب قصر جنراليف.
وهذا القصر يتدرج بستانه إلى ثلاث مناطق، كل واحدة فوق الأخرى ببضعة أمتار، يُصعَد إليها بوساطة سلالم من الرخام، وكل بستان منها زهرية مستطيلة في وسطها بحيرة كبيرة مستطيلة وهي من الرخام، وفي جوانبها نافورات الماء التي إذا فُتِحت ينفجر منها الماء على هيئة أقواس من البلُّور، تنتهي إلى وسط البحيرة بنغمات مشجية، وإذا انعكست فيها أشعة الشمس رأيت أقواس قزح هنا وهناك على البحيرة بشكل بديع جدًّا. وينتهي البستان الأول إلى إيوان جميل فيه شيء كبير من الفن، ويشرف من جهة الشمال على قسم البيازين (المدينة القديمة)، ومن جهة الغرب على قصر الحمراء، أما البستان العالي فيتصل بقصر الحرم، وأما الوسط فبينه وبين الإيوان، وفي هذا البستان شجرة من الأرز يسمونها أرزة الملكة، ويقولون إن عمرها يرجع إلى سنة ???? ميلادية.
وبالجملة هذا القصر في وضعه ونظامه ونضارة جنانه آية في الإبداع وكمال الذوق، مما لا يتيسر وصفه إلا لشاعر أو مصور، وهنا أرجو حضرات القراء أن يسمحوا لي بأن أحدثهم بكلمة عن قصر الحمراء.
(?) قصر الحمراء?

عم يتساءلون؟ عن النبأ العظيم، الذي منه تدهشون، وله تعجبون! هذا بناء الحمراء الذي أبقت عليه الأيام ليكون فخرًا لنا على ممر الأيام، وهل لنا من شيء نفخر به غير عمل الآباء والأجداد؟ نعم، هذا هو ذلك القصر التاريخي الذي سأحدثكم عنه كثيرًا، ولا أراني حدثتكم عنه بشيء، لأني لم أفهم غير إعجابي بفخامته وحسن صناعته، ولكن على كل حال أقرِّبه إلى أذهانكم بوصف المهم من أبنيته، وهي: قاعة الحكم، وحوش السباع، وحوش الريحان، وقاعة الاستقبال، ويسمونها قاعة السفراء، ثم مسجد الملك، وحمام الملك. وكانت كلها تنتهي إلى قصر الحرم من جهتها القبلية، فأزاله شارلكان وبنى مكانه قصره على النظام القوطيِّ، وهو في وسطه دائرة سماوية قام على محيطها ?? عمودًا من الجرانيت، وعلى خمسة أمتار منها تقريبًا حائط يرتكز عليها وعلى الأعمدة سقف محدب الشكل، وعلى هذه الدائرة طبقة ثانية تشبه الأولى في شكلها، ولم يُكمَل هذا القصر في مدة صاحبه، وهم يعملون في إتمامه الآن. منظر قصر جنراليف أو جنة الريف.
وهنا نبدأ بشرح ما بقي من الآثار العربية التي تتصل بحال مباشرة أو غير مباشرة من جهتها القبلية بقصر شارلكان، الذي ليس فيه شيء من الجمال، وإن كان شكله الداخلي لا يخلو من العظمة والفخامة.
وأبنية هذا القصر ليست لشخص واحد من بني الأحمر، بل هي لجملة منهم.
وأول ما يشاهد الإنسان منها مسجدها الخارجي، وهو على صغره غاية في الفخامة، ونقوشه في منتهى الجمال، وقد حوَّله القوم إلى كنيسة مدة شارلكان، ولكن من غير أن يبدلوا شيئًا من نقوشه ولا من الكتابة التي على حوائطه، وهذا المسجد من بناء محمد الثاني، وقال بعض المؤرخين إنه كان بحائط محرابه أحجار ياقوت مرصعة في جملة ما نُمِّقَ به من الذهب والفضة، ومحرابه من العاج والأبنوس (ولكني لم أرَ شيئًا من ذلك).
أما قاعة الحكم أو قاعة العدل فقد بناها السلطان يوسف الأول في أواخر القرن الرابع عشر، وهي مربعة الشكل، طول كل طلع منها ?? مترًا، وارتفاعها عشرون مترًا ونصف متر، وحوائطها جميعًا منقوشة بنقوش جصية بديعة جدًّا، وفيها صورة يد مرفوعة إلى السماء وبجوارها مفتاح؛ إشارةً إلى أن العدل مفتاح السعادة في الدنيا والآخرة، وفيها كتابات عربية يكثر فيها «عز لمولانا أبي عبد الله»، «لا غالب إلا الله»، ومن خارجها بهو طويل، من جهته اليسرى أعمدة رخامية على طوله، وبه من النقوش العربية شيء يدهش الأنظار ويأخذ بالأبصار، وقد وضع فيه القوم أخيرًا كلمة بالإسبانية على قطعة من الرخام تشير إلى استيلائهم على غرناطة.
وإلى غربيِّ قاعة الحكم حوش السباع، وهو أهم أثر عربي في إسبانيا، ابتدءوا في عمله سنة ????م، وطوله ????? مترًا، وعرضه ????? مترًا، وأرضيته من الرخام، وتحيط به حنايا قامت على ??? عمودًا من المرمر، وُضِعت بتناسُب جميل جدًّا مثنى أو ثلاث أو رباع، وقد نُقِشت حناياها وسقفها والحوائط التي من دونها بنقوش جصية مذهَّبة آية في الإبداع والجمال، وفي وسط هذا الحوش بركة من الرخام الأزرق، صحنها مسدس الشكل، وقطره متر ونصف متر، فيه فوارة ماء، ويحمله ?? سبعًا من الرخام الأزرق ينقصها الإتقان في صناعتها، وربما كان ذلك مقصودًا لتحريم التمثيل عندهم. وينزل الماء من البركة إلى مجارٍ رخامية على سطح الأرض تسير إلى أربع برك أرضية في زواياه الأربع من خارج الحنايا. منظر قاعة الحكم من جهة حوش السباع.
وفي وسط هذا الحوش مما يلي البركة قاعتان متقابلتان: واحدة تسمى قاعة بني سراج،? وكانوا من وزراء الدولة، وكان بها مركزهم لجوارها من قاعة الحكم، ويقال إنه كان بها مصرعهم على يد السلطان أبي عبد الله آخر ملوك بني الأحمر؛ لاتهامهم بممالأة الفرنجة سرًّا. وهذه القاعة مربعة، طول كل ضلع منها ???? أمتار، وفي وسطها بركة من الرخام، وحوائطها كلها بالنقوش الغريبة، عليها كتابات عربية من أعلاها إلى أدناها، وسقفها قطعة واحدة من المقرنصات الهائلة، من دونها ?? منارًا تحملها مقرنصات تنزل بميل حتى تتصل بالحائط على طول مترين ونصف متر، وفيها من النقوش ما هو غاية في الإبداع مما لا يمكن أن يصفه البراع، ويقال إن المقرنصات التي بها فيها أكثر من خمسة آلاف شكل لا يشبه بعضها الآخر.
أما القاعة التي تجاهها فتسمى بقاعة الأختين، وهي على شكل قاعة بني سراج في صناعتها وبهجتها، إلا أن هذه تتصل بها من داخلها قاعة جميلة في صناعتها وهيئتها تسمى قاعة الملكة، وتشرف من جهتها الشمالية على بستان واطئ عنها ببضعة أمتار، يسمونه بستان الملكة، ويقولون إن تسميتها بقاعة الأختين لأن فيها رخامتين كبيرتين شكلهما واحد، وهي تسمية سخيفة، لا أظنها تتفق مع أبهة المكان، ولعها كانت لأختين لأحد ملوك بني الأحمر.
أما حوش الريحان، والإفرنج يكتبونه “ALRAGNANE” وهو خطأ، فهو في غرب حوش السباع، وطوله ????? مترًا، وعرضه ????? مترًا، وأرضيته من الرخام، وفي وسطه بحيرة رخامية يسمونها البركة، طولها ????? مترًا، وعرضها ???? أمتار، وعمقها متر ونصف متر، يحيط بها سياج من نبات الفصيلة الريحانية مقصوص على شبه حائط ارتفاعه نحو متر، وعلى طرفيه صفَّان من أعمدة المرمر ترتكز عليها وعلى الحائط الذي يليها قباب صغيرة غاية في حسن الذوق وجمال المنظر. أحد مناظر حوش السباع بالحمراء من جهة قاعة الحاكم.
ومن دون حوش الريحان إلى الجنوب الشرقي الحمام، وهو شيء من الإعجاب بمكان، وهو على النظام الروماني، يُدخَل إليه أولًا من غرفة جميلة، فيها مصطبتان رخاميتان للاستراحة، إحداهما قبالة الأخرى، واحدة للملك والثانية للملكة، وفي وسطها بركة رخامة يحيط بها أربعة أعمدة من المرمر، يرتكز عليها سقف يحيط به أطناف من طبقته العليا، ويقال إنه كان مكان الغواني اللواتي كُنَّ يضربن الموسيقى وقت استحمام الملك، وعلى كل حال إن النقوش التي بهذا المكان من جصية وذهبية تتناسب مع جلال الملكية. ومن داخل هذا المكان الحمام، وفيه قبة من الجص فيها فتحات للنور ثبتت عليها قطع زجاجية، وفيه حوضان يسير إليها الماء بتدبير في أقنية تتصل بالجبل، وليس في غرفة الحمام الداخلية شيء من الجمال وخصوصًا القبة؛ فإن خشونة منظرها لا تتفق مع جمال المكان الخارجي (بيت أول)، ولعل القبة هُدِمت فيما هُدِم من الحمامات والمساجد أيام شارلكان، ثم أقاموا هذه في مكانها. وفي وسط الحنايا التي من جهة الشمال من حوش الريحان مسجد القصر الخصوصي، وقد نُقِشت حوائطه بنقوش بديعة يتخللها كتابات كثيرة بالخط العربي الجميل في طولها، وقد قرأت منها مما يلي باب المسجد هذين البيتين، وربما كانا أول القصيدة:
تبارك مَن ولَّاك أمر عبادهفأولى بك الإسلام فضلًا وأنعمَاولو خُيِّرَ الإسلام فيما يريدهلما اختار إلا أن تعيش وتسلما ومكتوب فوقها «عز لمولانا السلطان عبد الله»، والداخل إلى المسجد يرى على يمينه ويساره فتحة في الحائط طولها نحو ثلاثين سنتيمترًا، وعرضها أربعون سنتيمترًا ويقولون إنها مكان لنعال الملك وقت دخوله إلى المسجد، ولكن ما يحيط بهذه الفتحة من تكرار اسم الجلالة يمنعنا من تصديق القوم، ونضيفها إلى حلي الصناعة التي فيه، أو أنها مكان كان يوضع فيه شيء من الورود والأزهار والرياحين. وهذا المسجد قاعة فيها محراب كان فيه المصحف العثماني الذي أهداه بنو الأحمر إلى السلطان يوسف بن يعقوب المريني سنة ????، وهذا المحراب آية في نقوشه التي تتخللها كتابات عربية تبتدئ بهذه الألفاظ: «بسم الله»، «القدرة لله»، «العزة لله»، «الملك لله»، «ولا غالب إلا الله» … إلخ. ووجهة المسجد من الشمال كلها مكونة من مقاصر قامت على أعمدة رخامية صغيرة، وهي تشرف على قسم البيازين.
أما قاعة الاستقبال ويسمونها قاعة السفراء، فهي أكبر وأفخم قاعة في القصر، بناها السلطان أبو الحجاج يوسف بن الأحمر، وقد أشكلَ على مؤرخي الإفرنج نطق الجيم العربية فقلبوها شينًا وكتبوها ALHACHACHE «الحشاش» وهو خطأ بيِّن. وهذه القاعة مربعة الشكل، كل ضلع منها ?? مترًا، وارتفاع حوائطها ?? مترًا، تعلوها قبة خشبية فيها نقوش ذهبية يحار العقل في جمالها، ومن دونها ?? منارًا، من دونها ثلاثة شبابيك على هيئة طنوف بديعة الشكل، وقد نُقِشت حوائط هذه القاعة كلها بنقوش غاية في الإبداع وجلال الفن مما لا يمكن واصفًا وصفه، وإنما أقول للقارئ إن بها ??? نقشًا يخالف الواحد منها الآخر، ولا يمكن رائيها ملاحظة ذلك لحسن تناسقها وتناسبها حتى كأنها نقش واحد، وفيها كتابات عربية قرأت منها في أعلاها: «عز ونصر لمولانا الملك العادل المجاهد أبي الحجاج»، وعلى يمين الداخل إلى هذه القاعة على ارتفاع مترين فوق الإزار القاشاني: «النصر المكين والفتح المبين لمولانا أبي الحجاج أمير المسلمين.» قاعة السفراء المشهورة بقاعة السفراء بالحمراء.
وعلى كل حال إن قصر الحمراء آية الآيات في الإعجاب والإغراب في كل باب من أبواب العظمة الفنية والجلال الهندسي، مما لا يمكن إنسانًا وصفه، وإني أتصور أنك لو جئت بألف واصف لكان وَصْفُ كلِّ واحد مخالفًا لوصف الآخر؛ ذلك لأن عواطف كل شخص منهم تتغلب عليه بمؤثرات كثيرة متغايرة، فهذا يصفها من حيث جلالها، والآخر يصفها من حيث جمالها، والثالث من حيث ما فيها من العظمة الفنية، والرابع من الجهة التاريخية، والخامس من الهيئة الطبيعية، والسادس من العبرة الزمانية، وهكذا. ولا أحسبني في شيء من هذا كله؛ لأن شدة إعجابي بهذا المكان قد طاش معها الجَنان وجمد البيان، خصوصًا بعد أن تجلَّت أمامي تلك الصحيفة التاريخية الرائعة التي انتهى بها حكم بني الأحمر في غرناطة، أو بعبارة أخرى حكم العرب بالأندلس، تلك الصحيفة التي كُتِبت بدماء قلوب المسلمين التي أسالتها عوامل الظلم ومعاول النكبات التي سقطت عليهم من قساوسة النصرانية وملوكها بإسبانيا، وكأني كنت إذا نظرت من أعلى القصر إلى قسم البيازين سمعت أنين المقتولين، وصراخ المصلوبين، وعويل المشردين من النساء والشيوخ والأطفال! والملك لله وحده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهنا أرجو القارئ أن يعذرني إذا قصَّرت في وصف هذا القصر الذي لم أفهم منه شيئًا غير دهشتي لفخامته؛ ذلك لأن جلال هذا المكان الحقيقي في صنعته الفنية، ولم يحدثنا مؤرخو العرب عنها بشيء، بل كان وصفهم له يحوم حول فخامة البنيان وما يحيط به من ذهب برَّاق وثروة واسعة هي نتيجة لازمة لضخامة الملك وعظمته. وما تراه في كتب الإفرنج لا يخرج عن ذلك، سوى ما فيه من الأغلاط التاريخية التي أساسها الجهل والتعصب الديني والجنسي؛ لذلك أطلب إلى حكومتنا الموقرة أن توفد إلى إسبانيا بعثة من رجال الفن العربي بمصر، ممن يلتحقون بدار الآثار العربية على الخصوص، وهذه بعثاتها قد جاوزت الحد ممن يشتغل بالمهم وغير المهم، فهل نراها تبخل على العلم والفن والتاريخ ببعثة كهذه تزيح اللثام عن شيء يتحدث جميع الناس قديمًا وحديثًا بجلاله وجماله، وهم لا يعرفون شيئًا مما فيه من الفن العربي العجيب، والذي كله آيات بيِّنات مدهشات، وخاصة هذا الفن قد انمحى أثره من الشرق، فليس منه شيء في بغداد، والبقية الصالحة التي كانت منه بدمشق قد أحرقها الفرنسيون أخيرًا بإطلاقهم النيران على بيت العظم الذي انتهت إليه عظمة الفن العربي في الشام وسورية!
وقد يقول قائل: إن عندنا منها بمصر شيئًا كثيرًا، فعندنا مسجد المنصور قلاوون، والناصر حسن، والسلطان قايتباي، وقاجماس، والبرديني، والسلطان الغوري الذي انتهت به عظمة مصر الفنية والاستقلالية. وقد يشيرون إلى آثار الناصر محمد بن قلاوون الفخمة التي توجد بدار الآثار العربية بباب الخلق، فنقول لهم: نعم، ولكن هذا شيء، وذلك شيء آخر. المنظر الداخلي لمسجد قصر الحمراء.
وفي إسبانيا الآن رجال يعملون في الصناعة الخشبية الدقيقة بالتنزيل والتطعيم على أشكال مختلفة، فيها رسوم جميلة من آثار الصناعة القديمة، وكذلك عندهم رجال يعملون في النقوش الجصية التي يستعيرونها من الأشكال القديمة، ويدخلونها في مبانيهم الحديثة الفخمة، وقد ترى ذلك مجتمعًا في ذلك المعرض الذي يقيمونه في إشبيلية لسنة ????، وقد مر بك ذكره، وفيه أحسن صناعاتهم هنا. وفي إشبيلية وقرطبة على الخصوص صناعة القاشاني العجيبة اللطيفة الشكل الكثيرة الألوان، ولا شك أنها من أثر الصناعة القديمة، وإن كانت لا تصل إليها في جودتها وجمال منظرها.
(?) للعبرة والتاريخ

(?-?) بنو الأحمر

بنو الأحمر من العرب الذين أجازوا إلى الأندلس ويُسمَّون بني نصر، وأصلهم يتصل بسعد بن عبادة الأنصاري الصحابي سيد الخزرج، وكانوا من جند أرجونة «من حصون قرطبة»، وكان كبيرهم لآخر دولة الموحدين محمد بن يوسف بن نصر، ويُعرَف بالشيخ، فلمَّا ضعف أمر الموحدين وكثر الثوار بالأندلس، وقام منهم محمد بن هود بمرسية واستولى على شرق الأندلس تصدى له محمد بن الأحمر، وانتهى أمره بأن تغلَّب على غرناطة سنة ???، وما زال حتى غلب عليه الأذيفونش، فاستصرخ يعقوب بن عبد الحق سلطان المغرب من بني مرين، فأجاز له جيشًا دفع به عدوه، ومات محمد بن يوسف سنة ???، وقام بالأمر بعده ابنه محمد، وكان يُعْرَف بالفقيه، فاستولى على جنوب إسبانيا إلى الجزيرة الخضراء، وأصبح له السلطان فيها حتى مات سنة ???، وكان من خيرة بني الأحمر سياسة وكياسة وهمة، وتولى بعده ابنه محمد الملقب بالمخلوع، ثم أخوه أبو الجيوش نصر، ولم تطُلْ مدة حكمهما، وأتى بعدهما أبو الوليد بن أبي سعيد بن إسماعيل بن نصر، وكان من أحسن ملوكهم سيرة، وأبعدهم همة، وأكبرهم قوة، وأعظمهم سلطانًا، ومات سنة ???، قتله أحد قرابته غدرًا في داره، وتولى بعده محمد بن أبي سعيد، ومات مقتولًا سنة ???، فولي الأمر بعده أخوه أبو الحجاج يوسف الذي مات قتيلًا سنة ???، بطعنة رجل من السوقة، وكان من خيرة بني نصر، فقام بالأمر بعده ابنه محمد، فاستبد به حاجبه رضوان، وحجبه عن الناس، فثار أخوه إسماعيل بن يوسف وقتل رضوان، وتولى الملك سنة ??? بعد أن نفى أخاه محمدًا إلى المغرب، فقام أبو يحيى من ولد عمومته وقتله واستولى على الملك، ولكنه لم يلبث أن عاد إليه محمد بن يوسف بمساعدة بني مرين باتفاقهم مع ملك قَشتالة وتلقَّب بالغني بالله، ولم يلبث أن قويت شوكته وتوطدت دعائم سلطته؛ لاختلاف ملوك الإسبان بعضهم مع بعض، ولم يُضِعْ الغني بالله هذه الفرصة، بل عمل بحسن سياسته على استرداد كثير من البلاد التي استولى عليها الإسبان مدة أسلافه، وهو الذي استوزر لسان الدين بن الخطيب الذي أبلى في خدمته بلاء عظيمًا، وصحبه في نفيه إلى المغرب، وانتهى أمر الغني بالله بأن قتله لوشاية به.
وقد وفد ابن خلدون على الغني بالله سنة ???? وأقام في خدمته، وكثيرًا ما كان يستخدمه في السفارة بينه وبين ملك الإسبان بإشبيلية، وكان النجاح مصاحبًا له في سفاراته، ولكنه بعد أن أقام في خدمته ثلاث سنوات استقال؛ خوفًا من السعايات والوشايات التي راجت سوقها في البلاد، وسافر إلى بجاية، ومنها إلى المغرب، ثم إلى مصر زمن الظاهر برقوق، الذي ولَّاه قضاء المالكية، ثم استقال من هذه الوظيفة واشتغل بالتدريس والتأليف حتى مات بالقاهرة سنة ???.
وجاء من بعد الغني بالله ابنه يوسف، ثم سعد بن يوسف، ثم أبو الحسن بن سعد، وكان ضعيف الرأي، كثير الميل إلى اللهو، وغير مهتم بأمر الدولة، وهو والد أبي عبد الله محمد من حَظِيَّته الإسبانية السيدة ثريا،? وكان هائمًا بحبها لا يكاد يفارق سماءها، وكان له ولدان من السيدة عائشة زوجه الأخرى، هما محمد ويوسف، وكان يقدِّم ولده من الإسبانية عليهما، فدبت الغيرة بين طرفي الأسرة، وهرب محمد ويوسف إلى القشتاليين، وبمساعدتهم شنَّا الغارة على أبيهما، فكانت له الغلبة عليهما، وانقطع بعد ذلك خبرهما، وقد أُسِر ولده أبو عبد الله في بعض وقائعه مع الإسبان، وكان أبو الحسن قد أسنَّ، وانهزمت صحته، وضعف عقله بالاسترسال في شهواته، وصار لا يخرج من داره ولا يهتم بأمر الدولة التي كان يدبرها وزراؤه كما شاءت أهواؤهم، فساءت حال البلاد، وكانت في أوائل ولايته سنة ???? تتكون من أكثر من مائة مدينة بين كبيرة وصغيرة، وضِعف ذلك من الأبراج والحصون، وما لا يقل عن ذلك من القرى، وكان أهلها يُقدَّرون بأربعة ملايين من النفوس، فأخذ العدو يَنقصها من أطرافها، وانتهى أمر أبي الحسن بأن أصيب بالصرع وبفقد بصره، فتنازل عن الملك إلى أخيه أبي عبد الله الزغل، وسافر إلى المنكب، وبقي فيه إلى أن مات. أحد مناظر حوش السباع بقصر الحمراء.
ولقد أطلق الإسبان أبا عبد الله من أسرهم لمناوأة عمه الزغل، فأخذ يشن عليه الغارة بمساعدتهم، وكانوا ينتهزون فرصة اشتغال المسلمين بأنفسهم ويستولون على أطراف البلاد، وفي هذه الأثناء استولوا على كثير من البلاد الحصينة المهمة مثل مالقة والمرية، وانتهى أمر المسلمين بأن عرضوا على الزغل وابن أخيه أن يقتسما ما بقي لهم في البلاد حتى لا يكون خلافهما سببًا في نكاية العدو بالمسلمين، فخرج الزغل إلى وادي آش، واستولى أبو عبد الله حليف القشتاليين على غرناطة، وكان الإسبانيون يرسلون إلى الزغل من يزيد في الفتنة بينه وبين ابن أخيه صاحب غرناطة، حتى سار معهم لحربه؛ لأن فرديناند غضب عليه إذ لم يقبل أن يسلمه حصن الحمراء. وبعد أن استولى القشتاليون على أغلب الحصون التي حول غرناطة سلطوا على الزغل رجلًا من بني الأحمر اسمه يحيى كان قد تنصر، وكان يعيش في إشبيلية، فأخذ يخوف الزغل من الإسبان، ويحسن له أن يتنازل عن وادي آش لفرديناند إزاء مبلغ كبير من المال، ثم يجيز إلى بلاد المغرب حتى يكون في أمن منهم، فعمل الزغل بنصحه أو بخديعته، وأجاز إلى فاس بأموال جمة، ولكن سلطانها نقم منه مؤازرته للنصارى على المسلمين، بما كان سببًا في خذلانهم وضعفهم وضياع ملكهم، فصادره في ماله وسمل عينيه، وما زال في سجنه حتى مات في أشنع حالات البؤس. أما أبو عبد الله محمد (والإسبان يسمونه «بوباديل») فإنه ما زال يدفع جيوش النصرانية عن غرناطة حتى صارحه أهلها بأنهم أصبحوا لا قدرة لهم على الدفاع، وأنهم يقبلون شروط الصلح التي أرسل بها إليهم الملك فرديناند، هنالك سلَّم أبو عبد الله مفاتيح غرناطة إلى فرديناند في ? ربيع الأول سنة ???! ثم هاجر إلى المغرب واستوطن فاسًا كأحد أفراد الناس حتى مات بها سنة ????، وبقي نسله فيها إلى سنة ???? يعيشون من أوقاف المسلمين المرصودة على الفقراء والمنقطعين! نعوذ بالله من شر نقمته.
ومن هذا تعلم أن مُلْك بني الأحمر بعد القرن السابع للهجرة كان مضطربًا لفساد الأخلاق، ولشيوع السعايات والوشايات بين طبقات الناس، وخصوصًا الطبقة العالية منهم؛ مما كان سببًا لكثرة نكبة الملوك لوزرائهم لأية ريبة، ولكثرة الأيدي التي كانت تعتدي على الملوك من ذوي قرابتهم في الغالب طمعًا في الملك، ورغبة في التمتع بتلك الشهوات واللذائذ التي استسلم لها بنو الأحمر في آخر أيامهم، خاصة مدة يوسف بن الغني بالله، لضعف رأيه وسوء سيرته، وعلى الأخص لخلافهم على الملك، ذلك الخلاف الذي كان يجر إلى حروبهم بعضهم لبعض، واستنصارهم بعدوهم الذي كان ينتهز فرصة هذه الحروب الداخلية فيستولي على بلادهم وحصونهم واحدًا بعد الآخر.
وما زالت هذه الفوضى تنتاب كيان البلاد بما أصبح له فساد القلوب عامًّا بين العظماء والرؤساء، والناس فيما بينهم كالقطيع لا عقل يقوده ولا رأي يدبره، حتى إذا ضرب الدهر ضربته كان تأثيرها شديدًا، بحيث انهار لها في ساعة واحدة هذا البنيان الشامخ الذي أقامه العرب في ثمانية قرون!
ولقد كانت محنة مسلمي غرناطة في مدة السلطان بايزيد الثاني العثماني، فاتفق مع السلطان قايتباي ملك مصر على مساعدتهم، بأن يرسل بايزيد أسطولًا إلى أراضي إسبانيا، وأن يرسل قايتباي جيشًا من جهة إفريقية، إلا أن بايزيد شُغِل بفتنة أولاده كركود وأحمد وسليم، ووقوع الحرب فيما بينهم، حتى آلَ الأمر بتنازله عن الملك لولده سليم. أما ملك مصر فإن فرديناند وإيزابلا أرسلا إليه (المسيو بطره مارتير) سفيرًا، فأبدى من المهارة ما أقنع به قايتباي بأن الإسبانيين إنما يدافعون عن أنفسهم هؤلاء العرب الذين غصبوا ديارهم، ونهبوا أموالهم، وعاثوا في أرضهم فسادًا؛ وبذلك اكتفى كل من بايزيد وقايتباي بأن أرسلا كتبًا إلى فرديناند وإيزابلا، وإلى البابا، وإلى ملك نابولي، بعدم إرهاق مسلمي الأندلس، ولكن صوتهما لم يعمل عملًا؛ لأن الذي يُسمع في مثل هذه الأحوال إنما هو صوت المَدافِع وصلصلة السيوف.
ولقد كانت ملوك الأندلس كلما وجدوا من الإسبانيين ضغطًا عليهم طلبوا معونة ملوك العدوة، فيرسلون إليهم بالغزاة من الرجال والفرسان على أساطيلهم، فيكشفون عنهم ما نزل بهم، كما كان من المرابطين والموحدين الذين آل إليهم ملك الأندلس، حتى إذا ضعف الموحدون استولى ملوك الإسبان على أغلب حصون البلاد ومدنها الشهيرة في القرن السابع الهجري الذي كان شؤمًا على مسلمي الأندلس، فاستولوا على لَوْشَة ومارِدَة وبَطَلْيُوس سنة ???، وعلى جزيرة مَيُورْقة سنة ???، وعلى قرطبة سنة ???، وعلى شاطبة سنة ???، وعلى بلنسية سنة ???، وعلى مُرْسية وإشبيلية سنة ???، وعلى شِلْب وطَلَبِيرة سنة ???، ولم يبقَ في يد مسلمي الجزيرة غير غرناطة وضواحيها تحت سلطان بني الأحمر.
ولما كان سنة ???، ورأى محمد الثاني «الفقيه» أن الإسبانيين يهاجمون بلاده خشي تغلبهم عليها، فبعث رسله إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق المريني يستعطفه ويطلب غوثه، فأجاز إلى الأندلس بجيوش جرارة، ونازل الإسبانيين وهزمهم في جملة مواقع، وطلب ملوك الإسبان صلحه، فاشترط عليهم ألا يرهقوا المسلمين، وأن يبتعدوا عن كل ما يؤذيهم، فعاهدوه على ذلك ورجع إلى المغرب بالغنائم التي لا حصر لها. وقد أجاز بعد ذلك جيوشه إلى الجزيرة، وبلغت غزاته إلى مجريط، ولكن ابن الأحمر في هذه المرة خافه على ملكه، وتجسمت في مخيلته صورة ما عمله ابن تاشفين مع بني عباد، فاتحد مع ملك قَشتالة على حربه، ولكنه لم يلبث أن رجع عن هذا الرأي الفاسد. وكان الأمير يوسف بن يعقوب سلطان بني مرين أميرًا على الغزاة بالأندلس، فأراد أن يقتص من ابن الأحمر، فاتفق مع الأذيفونش على الهجوم على غرناطة، وأرسل ملك قَشتالة رسله إلى السلطان يعقوب بالمغرب ليقرهم على ذلك، فلم يرُقْ هذا في نظره، وأرسل إلى ولده يوبخه على ما أراد من ممالأة النصارى على المسلمين، ولما علم ابن الأحمر بذلك استغفر يعقوب لذنبه واستقاله من زلته، فقبل ذلك منه احتفاظًا بالرابطة الإسلامية، وأجاز ابن الأحمر إلى العدوة لتمكين صلته بالسلطان يعقوب في سنة ???، فأكرم وفادته وأعاده إلى غرناطة مكرمًا معظمًا. منظر عام لحوش السباع بقصر الحمراء.
ولم يزل أمر مسلمي الأندلس في عزة ومنعة إلى زمن السلطان أبي الحسن المريني الذي استنفر مسلمي المغرب إلى غزو الإسبان، وجاز إلى طريف بجيش هائل سنة ???، فقصده ملك قَشتالة بجيوشه من البر، وحاصره ملك البرتغال بأساطيله من البحر، وضيقوا عليه الحصار من كل جهة حتى نفدت الأقوات، وصار هو وجيشه في أسوأ الحالات، ثم هجم عليهم الإسبان وهم في غفلتهم، فقُتِل منهم عدد لا يحصى، وفر السلطان أبو الحسن إلى سَبْتة، وكانت هذه الموقعة من أشأم ما نُكِب به المسلمون، وهي ثانية واقعة العقاب، ولم تقم للمسلمين بعدها قائمة في الأندلس! منظر قاعة الحكم بقصر الحمراء.
بعد ذلك ضربت ملوك النصرانية الجزية على مسلمي الجزيرة، وما زالوا حتى آنسوا من ملوك المغرب وقوع الشقاق بينهم وشيوع الثورات في داخليتهم، واشتغالهم بأنفسهم، وشبوب نيران الفتنة بينهم وبين بني حفص ملوك تونس، فخاطب الإسبانيون البابا في طرد المسلمين من غرناطة، فأقرهم على ذلك، وهنالك فكروا في الحيلولة بين مسلمي المغرب والأندلس، وذلك باحتلالهم ثغور العدوة، فاستولى البرتغاليون على سَبْتة في سنة ???، واستولى الإسبانيون على جبل طارق في سنة ???، ثم على مدينة بونة سنة ???، وأعقب ذلك استيلاء البرتغاليين على قصر المجاز في سنة ???، وعلى طنجة في سنة ???، وعلى أصيلة في سنة ????.
وكانت حالة المغرب في هذه الآونة في شدة الاضطراب لاستمرار الحروب بين أفخاذ بني مرين، وعلى الخصوص أيام السلطان عبد الحق بن سعيد؛ فإنه لضعفه وصل اليهود في زمنه إلى منصة الوزارة وأصبحت لهم الكلمة النافذة، فأرهقوا المسلمين وأوقعوا عليهم كثيرًا من المظالم والمغارم، وحسَّنُوا لابن سعيد الوقيعة ببني وطاس، وهم فرع من بني مرين، وكان منهم وزراؤه وعظماء دولته، فقبض عليهم وقتلهم، وفر منهم الشيخ محمد الوطاسي إلى الصحراء، فالتفَّت به قبائل البربر وساروا إلى فاس، فاستولى عليها سنة ???، وبقي سلطانًا على المغرب الأقصى إلى أن مات في سنة ???، وفي مدته وفد عليه السلطان أبو عبد الله بن الأحمر مع أسرته بعد تسليمه غرناطة، فأكرم وفادته وأحسن مثواه.
ومن هذا تعلم أن استيلاء الإسبانيين على ثغور المغرب جعل مسلمي الأندلس في عزلة عن كل معِين، وأصبحت دولة غرناطة محصورة بأساطيل العدو من جهة الجنوب والشرق، وبجيوشه البرية من جهة الشمال والغرب، وما زالوا يضيقون عليه دائرة الحصار حتى استولوا على غرناطة سنة ???.
ولقد كان عقلاء المسلمين بغرناطة قبل سقوطها بأكثر من قرن يتوقعون لها هذا المصير، فإن ابن خلدون كان يتوقع سقوطها من يوم إلى آخر في يد العدو؛ لفساد أخلاق أهلها، ولتقاطع الرؤساء وتنابذ الأمراء، وكان ابن الخطيب يقول لأولاده إنها أصبحت دار غربة، ويوصيهم بعدم التوسع في شراء العقار بها.
وكان بعض شعرائهم ينصحون لهم بالهجرة من الأندلس؛ لتوقُّع نكبة الإسبان لهم فيها، ومن قولهم في ذلك:
حثوا رواحلكم يا أهل أندلس فما المقام بها إلا من الغلطالسلك يُنْثَر من أطرافه وأرىسلك الجزيرة منثورًا من الوسطمن جاور الشر لا يأمن عواقبهكيف الحياة مع الحيَّات في سفط ولقد تحققت نبوَّتهم، ولما استولى ملوك الإسبان على غرناطة أوقعوا بالمسلمين، ثم ما زالوا حتى طردوهم من ديارهم، وأصبحوا ينطبق عليهم قول عمرو بن الحارث شيخ جرهم:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفاأنيس ولم يسمر بمكة سامربلى نحن كنَّا أهلها فأبادناصروف الليالي والجدود العواثر ولما استولى الإسبانيون على غرناطة، ووافق هذا الوقت استكشاف كولمب لأمريكا، اهتموا بقوتهم البحرية، وعُنوا عناية شديدة بإنشاء الأساطيل وتعزيزها بالرجال الذين لهم دراية بالحرب، وأخذت بحريتهم مدة شارلكان تخرج من جنوة ومن ثغور إسبانيا الشرقية والجنوبية، وتقطع الطريق على مراكب المسلمين التجارية، وفي سنة ??? استولت على بجاية ووهران ومدينة الجزائر، وأنشأ الإسبان على سواحل المغرب حصونًا ومعاقل كثيرة.
وكان لأربعة إخوة من تجار الأتراك بعض السفن، وكانت مراكب الإسبان تعبث بها، فضاقت صدورهم واتفقوا مع محمد الحفصي سلطان تونس على أن يعطيهم ثغرًا من ثغوره يلجَئون إليه بسفنهم، ويتعقَّبون سفن الإسبانيين ويمنعونهم من التطاول إلى بلاده، ويعطونه خُمْس ما يغنمونه منهم، وكان أحد هؤلاء الإخوة واسمه خضر في منتهى الشجاعة، ويسميه الإفرنج بارباروس (ذا اللحية الحمراء)، وكانت له معرفة تامة بالطرق البحرية، فأخذ يتعقب سفن الإسبانيين حتى استولى منهم على بجاية، ثم على ثغر الجزائر سنة ???، وبعث بمفاتيحها مع هدية ثمينة إلى السلطان سليم الأول العثماني، فأرسل إليه السلطان بتوليته وزيرًا على الجزائر، وبعث إليه بأسطول من أساطيله وبفرقة من العساكر العثمانية، فاستولى بمساعدتهم على إقليم الجزائر جميعه، وأخذ أسطوله يجوب مياه البحر الأبيض، فألقى الرعب في قلوب الأوربيين، ثم سار إلى سواحل إسبانيا وأنقذ كثيرًا من المسلمين الذين كانوا يرزحون تحت عبوديتهم للإسبان، فانضم إلى أسطوله كثير منهم، وأبلوا بلاء حسنًا في حروبهم مع الأسطول الإسباني الذي كان تحت قيادة أميرهم البحري الشهير أندريا دوريا. القصبة أو قلعة الحمراء وهي أقدم بناء لبني الأحمر في غرناطة.
وبارباروس هذا هو الذي تَسمَّى أخيرًا باسم خير الدين باشا الذي ولاه السلطان سليمان القانوني رياسة البحرية العثمانية، واشتهرت في مدته بحروبها وانتصاراتها على أساطيل أوربا المتحدة، ولولاه لكانت إسبانيا تغلبت على جميع ممالك الغرب مدة الملك شارلكان الذي جمع كلمة أوربا على حرب المسلمين برًّا وبحرًا، فانتصر عليهم السلطان سليمان في الأولى، وخير الدين في الثانية، وأعقب ذلك استيلاء العثمانيين على طرابلس سنة ???، ثم على تونس في سنة ????، ولم يزل العثمانيون مستولين عليها حتى تم استيلاء فرنسا على الجزائر سنة ?????، ثم احتلت جيوشها تونس سنة ????، وأعقب ذلك استيلاء إيطاليا على طرابلس في سنة ????م، والله تعالى يرث الأرض ومن عليها، بيده الأمر، يعز من يشاء ويذل من يشاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
هوامش

(?) وقد سُمِّيَ بالحمراء لأن الجبل الذي بُنِي عليه تربته حمراء، وقد يكون ذلك لنسبة هذه القصور إلى بني الأحمر وهو أوجَه. وبُنِيت الحمراء في منحدر جبل شلير على ارتفاع ??? مترًا من أرضية المدينة.(?) كان بنو سراج من أكبر الأسرات النبيلة في غرناطة، وكان منهم القضاة والوزراء والقواد، وكان أصلهم من قرطبة، وهاجروا منها بعد استيلاء الإسبان عليها، ويزعم الإسبان أن بنت أحد ملوك بني الأحمر واسمها فاهمة أو فهيمة، قد أحبت أحد بني سراج، وكانا يجتمعان خفية في زاوية من بستان قصر جنراليف، ويتبادلان لوعة الحب تحت شجرة صنوبر لا تزال موجودة بحديقة هذا القصر، وإلى يومنا هذا يسمونها بشجرة الملكة، وبلغ السلطان أمرها فغضب على بني سراج واستقدمهم واحدًا واحدًا إلى قصر الحمراء، وضرب أعناقهم في القاعة التي سُمِّيت باسمهم، ومن خرافات الإسبان أن أرواحهم إلى هذه الساعة لا تزال تصرخ بعد سكينة من الليل مما أصابهم من الظلم!
ولكن إذا عرفت أن هذا البستان بستان رياحين كما وصفناه لك، وأنه يتدرج إلى ثلاث مناطق، وأنه كله مكشوف إلى عين الناظر، وخصوصًا من منافذ القصر الذي يشرف عليه، عرفت أنها رواية سقيمة لا أثر لها من الصحة ولا وجود لها البتة في التواريخ العربية، وهذه القصة أشبه شيء بقصة العباسة أخت الرشيد مع جعفر البرمكي، مما ينسب القصاصون إليها نكبة الرشيد للبرامكة، في حين أن نكبته لهم إنما كانت خوفًا على ملكه منهم؛ لِما كان لهم من عظيم السلطان، خصوصًا في بلاد فارس؛ لأن أصلهم منها.
وحقيقة بني سراج كما يؤخذ من كتاب ترجمة العالِم الكاتب الكبير الأمير شكيب أرسلان (آخِر بني سراج، تأليف الفيكونت دو شاتوبريان الكاتب الفرنسي الشهير) أنهم كانوا وزراء لبني الأحمر، وكانوا من شيعة محمد بن يوسف الشهير بالأعسر، ونصروه على ابن أخيه محمد الصغير، فلما تولى هذا الملك في نحو سنة ????م نكبهم وأخذ يفتك بهم، ففر بعضهم إلى ملك قَشتالة وأقاموا في خدمته.
وآخر ما ذكر عن بني سراج أن محمد بن يوسف بن سراج كان قائدًا لحصن قبيل والذي بجواره، فحاصرهما ملك الإسبان بمدافعه الجديدة ذات المرمى البعيد، وأخذ يرسل عليهما نيرانها الشديدة، فرأى ابن سراج أن لا فائدة في المقاومة، وسلم الحصنين على شرط الخروج إلى غرناطة، وذلك في زمن أبي عبد الله بن الأحمر، وربما كان تسليمه الحصنين سببًا في نكبته؛ لاتهامه بأن ذلك كان لممالأته للعدو. (?) هناك خلاف في كون أبي عبد الله بن أبي الحسن بن الأحمر أمه حَظِيَّته ثريا، أو أنه ابن زوجه عائشة، وعلى كل حال كانت ثريا سببًا للفشل في هذه الأسرة، ففرقت بين الأخ وأخيه، ثم بين الولد وأبيه؛ مما كانت نتيجته زوال ملكهم والقضاء على دولتهم.
الرسالة السادسة


دخول العرب إسبانيا
لما ثبتت قدم موسى بن نصير في ولايته على طنجة، أرسل طريفًا مولاه ومعه ثلاثمائة رجل من العرب، فنزل بالمكان الذي تَسمَّى باسمه في الجنوب الغربي من الجزيرة، فغزوا البلاد القريبة من الشاطئ، ورجع غانمًا من غير أن يعترضه أحد من الإسبانيين، وسهل على ابن نصير أمر الفتح، فأمر مولاه طارقًا سنة ??? بالجواز إلى بلاد الأندلس، فركب البحر لوقته ومعه ثلاثمائة من العرب، وتبعهم عشرة آلاف من البربر، وطلع على لسان الجبل الذي تَسمَّى باسمه، وزحف على الأندلس، فقابله الملك لذريق بجيوش القوط، فهزمهم طارق في واقعة شريش، ومات لذريق بها من جراحه، وما زال طارق يتقدم في الفتح حتى وصل إلى طليطلة، وكتب إلى مولاه موسى بذلك، فاجتاز هو أيضًا لوقته بجيش من البربر، وطلع على الجبل الذي تَسمَّى باسمه (جبل موسى) بجوار الجزيرة الخضراء ولحق بطارق، وما زال يتقدم في فتوحاته حتى وصل إلى برشلونة، ثم رجع إلى المغرب ومعه طارق بعد أن رتب أمور البلاد وعيَّن حاميتها على ثغورها، وجعل ابنه عبد العزيز واليًا عليها تابعًا لولاية المغرب، وجعل مركزه قرطبة، وكانت ولاية المغرب تابعة لولاية مصر.
وجبل طارق هو تلك الصخرة التي تمتد إلى البحر في جنوب أوربا الغربي، وطولها ???? متر، وعرضها ???? متر، وتكوِّن مع اللسان الذي يمتد من الشمال الغربي لأفريقيا خليج الزقاق الذي اشتهر أيضًا بمضيق جبل طارق، وهو يفصل ما بين البحر الأبيض المتوسط والأقيانوس الأطلنطي، ومسافته فيما بين سَبْتة وجبل طارق ?? كيلومترًا، وهي التي عبر منها طارق إلى إسبانيا.
وترى على الدوام تيارًا شديدًا يدخل من المحيط إلى البحر الأبيض، وفي غالب أيام السنة يتكاثف في جوه الضباب الذي هو من لوازم هذا الأقيانوس بحيث لا تمر فيه المراكب إلا على حذر شديد، ويكاد صفيرها لا ينقطع خوفًا من مصادمتها بما عسى أن يكون أمامها من مراكب أخرى، ولقد ركبت هذا الأقيانوس في سفري إلى بلاد الإنجليز من طريق البحر غير مرة، وكثيرًا ما كان يخيم الضباب على مركبنا، حتى كنت إذا مددت يدي إلى عيني لا أرى منها إلا خيالًا أشبه شيء بأثر أشعة رنتجن، وهنالك تحقَّقَ لي معنى المثل المشهور «ظلام لا ترى كفك فيه»، وقوله تعالى ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، وخطر ببالي أن هذا هو علة تسمية العرب للأقيانوس الأطلنطي ببحر الظلمات، وقد يستمر هذا الضباب أيامًا متوالية، وهناك يكون الخطر على المراكب التي تقطع البحر إلى أمريكا، وحسبك أنه كان سبب غرق السفينة تيتانيك قبيل الحرب العالمية، وهي تلك السفينة الهائلة التاريخية التي يُعَدُّ غرقها من أكبر الخسائر على الإنسانية، بما كانت تحمل من رجال علم وعمل، وما كان في جوفها من الأموال والتحف التي تقدر بملايين الملايين.
ومن ذلك ترى ما عاناه طارق في جوازه مع رجاله خليج الزقاق، ومعهم خيلهم وأداة حربهم ومؤنتهم، خصوصًا أنهم كانوا يجوزون إلى عدوهم في فُلك لم تكن موافقة ولا واقية، ولكن الله تعالى وقاهم شر البحر والبر لبسالتهم وقوة عزائمهم وحسن يقينهم، سبحانه يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
من يقول إن شرذمة قليلة من العرب تقطع البحر من أفريقيا إلى أوربا سنة ???، وتستولي على الأندلس، ثم على إسبانيا والبرتغال، وتجتاز جبال (البرينيه) على مناعتها وما فيها من قمم عاليات ومفاوز وهاويات، ومثالج ومعارج لا يقطعها غير العارفين بمساربها ومنافذها، ثم يدخلون أرض فرنسا ويكتسحونها إلى بواتييه، وهي على بعد ??? كيلومترًا من الجنوب الغربي لباريس، وكل ذلك في عشرين سنة؟!
ولولا أنهم شُغِلوا في ذلك الوقت بما نالت أيديهم من الغنائم والأسلاب، وما وقع في حوزتهم من الأموال التي ناءت بها كواهلهم؛ ما هزمهم شارل مارتيل الذي نادى في أوربا بالحرب الصليبية سنة ??? في هذه الواقعة التي مزقت جيوشهم في فرنسا، وألجأتهم إلى العودة إلى إسبانيا، فأناخوا بها وجعلوها وطنًا جديدًا، وأنشَئوا فيها ملكًا مجيدًا بقي أكثر من ثمانية قرون انتهت بخلافهم على الملك، واستنصار بعضهم بعدوهم على بعض! حتى خارت قواهم وضعفت عزائمهم وأصبحوا من المستضعفين! وانتهى أمرهم بأن طردهم الإفرنج من جزيرة الأندلس، ومزقوهم كل ممزق!
أتى على الكل أمرٌ لا مَرَدَّ لهحتى قضوا فكأن القوم ما كانوا وإذا كان للأفراد جراثيم مرض تدخل جسومهم فتقودها إلى الموت، فالخلاف هو جرثومة فساد الأمم، إذا دخلها قادها إلى الضعف، ثم إلى الفناء. وأظن أننا جربنا ذلك في أنفسنا أخيرًا حتى كادت تُمحَى به صحيفة قوميتنا من عالم الوجود. والأمم على كل حال فريسة ضحية اختلاف الرؤساء في كل وقت وفي كل حين! وليست للتاريخ من عبرة ولا للأيام من موعظة، بل التاريخ يعيد نفسه، وغدك أشبه شيء بيومك، ويومك أشبه الأيام بأمسك، سُنة الله في خلقه، ولن تجد لسُنة الله تبديلًا.
إذا ما أراد الله إذلال أمةرماها بتشتيت الهوى والتخاذل ومن باب زيادة الفائدة أقول لك شيئًا عن تاريخ جبل طارق الذي تمتد عليه الآن الاستحكامات الإنجليزية في طول ثلاثة كيلومترات، ثم تنتهي بمنطقة حرة قدرها ??? متر قبل اتصالها بأراضي إسبانيا، ومن دون هذه الاستحكامات مدينة جبل طارق التي بناها وشيد حصونها عبد المؤمن بن علي أمير الموحدين سنة ???، وعدد أهلها الآن ?? ألف نفس، وأبنيتها متدرجة على البحر وعلى مسافة ??? متر من الشمال الغربي للاستحكامات الإنجليزية، وأهل المدينة غالبهم من الإسبان، ومنهم كثير من اليهود، وهي كثيرة الحرارة في الصيف بما لا يقل عن ?? درجة سنتجراد؛ لذلك ترى أهلها يُكثِرون من شراب الليمون، كما يُكثِر أهل مدن إسبانيا عامة من شراب البرتقال ويسمونه نارنجًا.
وهذه المدينة علي الدوام مغطاة بالضباب وفي حالة حصار، وهي في يد الإنجليز من سنة ????م، حين استولى عليها السير جورج روك الذي كان يقود الأساطيل الإنجليزية من غير أن يطلق عليها طلقًا واحدًا، وكان ذلك بإشارة الرئيس كرامويل الذي كان يرى حصانة هذا الموقع وتحكمه في البحرين. وفي سنة ???? حاصرت فرنسا وإسبانيا جبل طارق، ولكن الإنجليز تغلبوا على جنودهما وطردوهم من هذه المنطقة، وهم من ذلك الوقت متسلطون على البحرين، بل على سواحل القارات الثلاث مما يلي البحر الأبيض المتوسط.
ولهذه المدينة ذكرى مؤلمة في نفس كل مصري منذ نفى الإنجليز إليها المغفور له سعد زغلول باشا زعيم الحركة القومية في مصر، لغير سبب، اللهم إلا قيامه للدفاع عن حقوق وطنه.
(?) للعبرة والتاريخ

بعد أن ترك موسى بن نصير الأندلس إلى المغرب بالغنائم والأسلاب التي لا يحصيها العد، وصل إليه أمر الخليفة الوليد بن عبد الملك بالإسراع إليه بما في يده من الغنائم، وكان المرض قد اشتد به حتى أصبح لا أمل في شفائه، ولكن أخاه سليمان وهو ولي الأمر من بعده أرسل إلى موسى يستبطئه في سيره؛ رجاء أن تصير الغنائم التي معه لنظره وأمره، غير أن موسى لم يكن أمامه غير الإذعان لأمر خليفته الذي تجب طاعته، إذعانًا يأمر به الدين والعقل جميعًا، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ، وأسرع موسى في سيره حتى وصل إلى دمشق قبل موت الوليد بثلاثة أيام، فلما وُلِّي سليمان الخلافة، أمر بالقبض عليه وبحسابه حسابًا عسيرًا كان من ورائه نكبته،? لا لشيء إلا أنه أطاع أمر من كان له الأمر إذ ذاك، وأعقب هذا مصادرته في كل شيء: مصادرته في ماله، وفي حريته، وفي نتائج انتصاراته الباهرة التي إن نسيها له سليمان فإن التاريخ لا يستطيع أن ينساها، وبعد هذا كله أقسم سليمان بأنه لا يخرج من محبسه إلا إذا اشترى نفسه بخمسين ألف دينار، لم يكن يملك منها قليلًا ولا كثيرًا! وما زال في سجنه حتى دفعها عنه يزيد بن المهلب ليد كانت له عنده. ومات موسى منفيًّا في المدينة سنة ??? وهو في محنته بائسًا فقيرًا، بعد أن مات قبل موته ما كان له من مواهب جليلات، وصفات ساميات، حُرِم الإسلام الانتفاع بها ثلاث سنوات أو تزيد! ولم تقف نقمة سليمان عند شخص موسى، بل تعدته إلى ولده عبد العزيز والي الأندلس، فقد دس عليه من قتله في شوارع قرطبة، على ما كان فيه من دين، وعلم، وشجاعة، وبُعْد نظر، وحسن إدارة؛ وذلك خشية إثْآره لوالده، بل تعدتهما نكبة سليمان إلى كل بني نصير!
وبالجملة قد كان قيام موسى بهذا الواجب سببًا في نزوله من سماء المجد والعز إلى حضيض الذلة والهوان، وما كان أحراه لو كان أطاع سليمان أن يكون خائنًا لمولاه مخالفًا لأمر الله، بائعًا مَحْمَدَةَ يومه بمَنْقَصَة غده، ولو كان موسى يعرف غير الطاعة في حقيقتها، لكان أمكنه أن يعتذر بأيِّ عذر عن السير إلى المشرق، ولو وصل بُعْد نظره إلى ما آل إليه أمره، لكان أعلن استقلاله بالبلاد التي افتتحها بسيفه، وهو في أمنٍ من نقمة الخليفة لبعد الشُّقة وصعوبة المواصلات، ولكن إذا كان سليمان بن عبد الملك قد ظلم موسى في نكبته إياه ظلمًا لا يغتفره له التاريخ، فهل أنصف موسى مولاه طارقًا بعد فتحه للأندلس؟ أم نكبه هو أيضًا حتى خفي أثره وانقطع خبره؛ لحسده له على ما آتاه الله من فتح مبين ظهرت فيه مواهبه السامية، وعبقريته النادرة، وبلاؤه الحسن، مما سجلته له الأيام، ونقشت اسمه بمادة الجلال والفخار على صفحة ذلك الجبل الذي يشرف شمالًا وجنوبًا على القارتين أوربا وأفريقيا، وشرقًا وغربًا على البحرين الأبيض والأطلنطي.
هوامش

(?) يظهر أن سليمان كان مريضًا بنكبته لكل نابغ من قومه؛ فإنه ما كاد يجلس على كرسي الخلافة حتى نكب ابن نصير، وهو الذي مهَّد للأموية بلاد المغرب والأندلس، ولم ينصف طارقًا صاحب الفتوحات العظيمة بإسبانيا، ثم قضى على آل الحجاج بن يوسف، وهم الذين مهدوا للأمويين الحجاز والعراق وخرسان، وليس لهؤلاء من ذنب إلا كونهم من رجال أخيه الوليد بن عبد الملك، ولقد كانت نكبتهم سببًا لخروج قتيبة بن مسلم الباهلي والي خراسان على سليمان لخوفه منه، وما زال في ثورته حتى قُتِل.
ولقد كان سليمان في نكبته لأعاظم دولته مثالًا رديئًا للخلفاء من بعده، فقد قتل يزيدُ بن عبد الملك يزيدَ بن المهلب، ونكب الوليد بن يزيد خالد بن عبد الله القسري، وكل هؤلاء من الأفذاذ الذين لم تنجب أمهات العرب أمثالهم، وهم الذين لهم اليد الطولى في فتوحات الأمويين وتوطيد دعائهم ملكهم، وبموتهم ماتت الدولة الأموية في الشرق ولم تقم لها بعدهم قائمة.
وقد حذا العباسيون حذو الأمويين في محنتهم للرؤساء وأعاظم القواد، فعمل السفاح لقتل أبي سلمة الخلال، وقتل المنصور أبا مسلم الخرساني بعد أن قامت على رأسيهما وبأيديهما الدولة العباسية، ثم نكب يزيد بن هبيرة بعد أمانه له، ونكب المهدي وزيره يعقوب بن داود، ونكب الرشيد البرامكة، ونكب المعتصم وزيره الفضل بن مروان، ونكب المتوكل الوزير ابن الزيات، ونكب الراضي وزيره ابن مقلة، وكلهم من خيرة رجال الدولة العباسية الذين كان على أيديهم رقيها وعظمتها.
الرسالة السابعة


الأندلس مدة الأمويين
استولى العرب على إسبانيا وهم لا يملكون شيئًا، وكانت وجهتهم الفتح، وفكرتهم ممتلئة بعظمة الدين وفضيلته، ونفوسهم تترفع عن الدنايا، وأيديهم تعف عن أموال المغلوبين، وقلوبهم كلها رحمة بهم؛ لهذا كله كانت أقوى الجيوش لا يمكن أن تقف أمام قلوبهم الحديدية التي كانت متى اتجهت إلى شيء فتَّتَتْه مهما كانت قوته وصلابته، بل كانت البلاد تفتح لهم أبوابها لما عرفته فيهم من العدالة والابتعاد عن كل مظلَمة، ولأن الجزية التي كانوا يضربونها عليها كانت أقل من الضرائب التي كانت تأخذها ملوكهم منهم، ولما اتسعت فتوحاتهم، وعظم ملكهم، وضخمت ثروتهم، وضربوا بجرانهم في الأندلس (وكانوا يطلقونه على أملاكهم بإسبانيا والبرتغال) عنوا بكل أسباب الحضارة؛ فاهتموا بالزراعة، وشقوا الترع، وحفروا الخلجان، وغرسوا الأشجار، ومهدوا المزارع، ونظموا المروج، ورتبوا الرياض، وتسابقوا في تشييد الدور وتعلية القصور، حتى أصبحت هذه البلاد بهم جنةً قطوفها دانية وثمراتها جانية، وكان الناس على اختلاف طبقاتهم ينعمون في مهاد الثروة وما يحيط بها عادة من اللذائذ المتباينة، ووصلت الخلافة الأموية الغربية في ذلك الوقت إلى ما لم تكن تحلم به العرب من عظيم السلطان، وجسيم الثروة، ووافر الحرمة، وواسع العمران، وبارق الحضارة، إلى حد جعل العربي الذي وصلها وليس في وِفَاضه غير لقيمات من الشعير يسد بها جوعته، وعلى جسمه لباس خشن يستر عورته، أصبح يرفل في الدِّمَقْس والحرير، ويأكل الحلوى والفطير، ونسي ما كان يسمع عنه في الكتب من فالوذ الدولة الشرقية ? (الألماسية) الغربية.
وقد بلغت عظمة السلطان في إسبانيا أوجها في مدة عبد الرحمن الناصر الأموي، وهو السابع من أمرائهم، وأول من سُمِّي بأمير المؤمنين في هذه البلاد، وكانوا يشبهونه بالرشيد؛ لضخامة ملكه، وفخامة دولته، وعظيم إرادته، وكبير سياسته، وواسع علمه وكرمه. كما كانوا يشبهون ولده الحكم بالمأمون؛ لما كان له من ذهن حاضر، وعلم وافر، ونظر ثاقب، ورأي ناضج، وعقل راسخ، ومجد باذخ، ولاهتمامه بالشئون العلمية وعنايته بنشرها في بلاده بإكثاره من معاهدها، واستقدامه لكتبها المختلفة من كل جهة من جهات الشرق، حتى كوَّن دار كتبه التي كان فيها مئات الألوف من الكتب الثمينة النادرة، وبحكمهما قامت العظمة الإسلامية في هذه البلاد بكل مظاهرها، من فتوحات موفقة، وثروة متدفقة، وعلوم جمة، وفنون مهمة، وأملاك شاسعة، وتجارة واسعة، وصناعة باهرة، وزراعة ناضرة، وحضارة ومدنية لم يُرَ مثلهما في الأندلس في أيامها السابقة ولا اللاحقة، وكانت ملوك الفرنجة المتاخمين لأرضهم يدفعون لهما الجزية عن يد وهم صاغرون.
ولقد كانت مدينة قرطبة عاصمة الأندلس زهرة البلدان في الغرب، كما كانت بغداد زهرتها في الشرق، وكانت شمسها تنبعث منها أشعة العلوم والعرفان والمدنية بجميع مظاهرها وظواهرها إلى كل نقطة من المسكونة شرقية أو غربية، وكانت بغداد ودمشق وخرسان والأستانة ومصر وغيرها من العواصم المشهورة تحمل إليها ما اكتمل من صناعاتها، ونادر كتبها، ومختلف تحفها، لبيعها في أسواقها الغنية التي كانت تكتظ بالأموال والهواة من النساء والرجال؛ لذلك كانت مدنية القوم تأخذ بطرف من مدنيات هذه البلاد، وهي إذا ظهرت لك شرقية من جهة، بانت عليها مسحة تتفق مع الذوق الأوربي من جهة أخرى، سواء أكان ذلك في صناعتها أم فيما فيها من فن ونقش ورسم وتصوير.
ولو نظرت إلى شعرائهم وكُتَّابهم، لوجدت لهم صيغًا خاصة بهم ألبسوها معاني جديدة جمعت بين حسن الصنيع ولطف البديع، ولو نظرت إلى علمائهم، لرأيتهم بعيدين عن الجمود الذي تراه في غيرهم، ولو نظرت إلى فلاسفتهم، لوجدتهم قد صاغوا من فلسفة أرسطو وأفلاطون ما كان أساسًا للفلسفة الجديدة التي بنى كانْت وديكارت وبيكون واسبنسر عليها فلسفتهم التي تتألق أشعتها الآن في أوربا، ولو نظرت إلى موسيقاها وأغانيها التي يسمونها بالأندلسيات، تراها تتملك اللُّب وتأخذ بالقلب وتستهوي العقول بنغماتها الشجية، وإذا سمعت نغماتها الحالية خصوصًا تلك القطعة التي يسمونها (?لنسيا) التي لها كبير التأثير حتى في عظماء علماء هذا الفن في أوربا، عرفت أنها أثر من تلك الأغاني العربية القديمة التي وضع قواعدها زرياب.
وكان زرياب من أعلام المغنين بالشرق، أخذ الغناء عن إسحاق الموصلي، وتفوق تفوقًا كبيرًا خاف على أثره من معلمه إسحاق؛ لقربه من الخليفة الرشيد، فهاجر إلى الأندلس سنة ???، ووصل إليها مدة عبد الرحمن بن الحكم، فبالغ في إكرامه وأفاض عليه من إنعامه، بما كان يُقدَّر دخله بأربعة آلاف دينار، وجعله عمدة المغنين. وقد رقى زرياب صناعة الغناء بالأندلس، واخترع للموسيقى نظامًا جديدًا، وأضاف إلى العود وترًا خامسًا، وكان قبله على أربعة أوتار فقط، ووضع طرقًا للغناء أصبحت علمًا خاصًّا اشتهرت به الأندلس لتفوقها فيه، ولا يزال أثره فيها إلى الآن.
والرقص الإسباني الحالي هو ذلك الرقص العربي، اتصلت به خفة الراقصات ورشاقتهن وتفننهن في حركاته، في جيئاته وروحاته. وبالجملة قد انتهى القرن العاشر المسيحي بعظمة الحكم الأموي بالأندلس، بعد أن استمر ثلاثة قرون مصدرًا لكل أنواع المدنية، ومظهرًا لعظمة الحضارة الأندلسية، في كل طرف من أطراف المسكونة، ولقد كانت المكاتب العمومية والخصوصية مدة حكمهم غاصة بنفائس الكتب، ولولا ما صادف كتب الأندلس من نكبات التحريق والتمزيق من العامة في أواخر الحكم الأموي، وخصوصًا مدة المرابطين والموحدين بدعوى أن فيها فروعًا تخالف الأصول في جوهرها، وأن ما فيها من قواعد الفلسفة يخالف قواعد الدين، لكان ما وصل إلينا منها أكبر برهان على أن القوم قد وصلوا إلى سنام مجد العرفان في ذلك الزمان. وأكبر النكبات التي صادفت الكتب في الغرب هي تحريق النصرانية لها بعد استيلائهم على غرناطة، فقد أُحْرِق في هذه المدينة وحدها بأمر الكاردينال أكشمنيس ?? ألف مخطوط عربي، وهي نكبة أشبه شيء بنكبة الكتب في الشرق في منتصف القرن السابع الهجري، حيث أمر هولاكو بعد استيلائه على بغداد بأن يُعْمَل منها جسر في الدجلة لجواز جيوشه عليه من شاطئ إلى آخر.
وكانت المدارس في عهدهم عامرة بالتلاميذ، والمعاهد العلمية مكتظة بالطلبة من سائر الأقطار، وكم قد تخرَّج في هذه المعاهد من فحول علماء المسلمين في كل فن وفي كل علم، أمثال ابن رشد في الفلسفة، وابن زهر في الطب، وابن فرناس في الرياضيات، وابن زيدون في الأدب، وابن أبي عامر في الإنشاء، وابن حزم وابن باجه في الفقه، والشاطبي في القراءات، وغيرهم وغيرهم ممن يضيق المقام عن ذكرهم، ولا زلنا إلى اليوم نقرأ أسماء من انتسب منهم إلى مدينته كالقرطبي، والإشبيلي، والمالقي، والبطليوسي، والمجريطي، وغيرهم من العلماء الأعلام الذين لهم قَدَم صِدْق في الإسلام.
وكان البابا سلفستر الثاني وليون الثمين أحد ملوك الإسبان من خريجي جامعة قرطبة، وبالجملة كان أمر هذه المدرسة في الغرب كما كانت مدرسة الإسكندرية في الشرق وهي في إبان عظمتها، يؤمها الطلبة من كل فج حتى من الرومان واليونان، وكما هو الحال اليوم في مدارس أوربا التي يقصدها الناس من كل جهات العالم للتعلم فيها، تلك سنة الخليقة؛ يقلد الضعيف القويّ حتى في مأكله ومشربه ولباسه، وقد يذهب بعض من لا خُلق لهم إلى تقليده في الضار لا في النافع، ولله في خلقه شئون.
وكانت ملوك أوربا تستقدم الأطباء من العرب وتستشيرهم، سواء أكانوا من المسلمين أم من اليهود. والعرب أول من نظم البساتين لدراسة النبات في أوربا، وهم أول من وضع جامعة سالرن بإيطاليا، وهي أول جامعة نشأت بأوربا كما يعترف به العلامة الأمرليون كثياني المؤرخ الإيطالي، كما تُنْسَب إليهم جامعة مونبلييه الطبية بجنوب فرنسا، وهي لا تزال شهرتها معروفة في مصر، ويقصدها الآن كثير من الطلبة المصريين.
وقد بنى الخلفاء الأمويون قصور الزهراء خارج قرطبة، وكانت آية من آيات الزمان، بل جنة من جنات الخلد، وصل التأنق في مبانيها ونقوشها وفروشها وأثاثها ورِياشها إلى ما ذكره مؤرخو العرب بما يعسر على العقل تصوره، ومن عجيب ما كان فيها بحيرات من المرمر يتفجر ماؤها من أفواه طيور من الذهب، وكان يحيط بالبحيرات تماثيل أسود من الذهب، ينزل الماء من أفواهها إلى بساتينها التي كانت في نظامها تدهش الأبصار وتبهر الأنظار.
وكان في أبهائها الكبرى صور ورسوم كثيرة للجمال النسائي في جملة أوضاع تلفت الساجد وتفتن العابد، وإلى جانبها كثير من مناظر الصيد من حُمُر وَحْشٍ وسباع وغزلان وطيور في صور مختلفة، وبالجملة كانت الزهراء مما لا يتيسر لواصف وصفه، ولقد أتى الحريق على أغلب مبانيها زمن المهدي بن هشام بن الحكم، وقضى على باقيها الجهل، ثم القشتاليون بعد استيلائهم على المدينة، ولم يبقَ منها الآن غير أطلال تنعى ما كان فيها من عظمة وجلال، وما كان بين جدرانها من فخامة وجمال. ولقد بنى المنصور بن أبي عامر بقرطبة قصر الزاهرة، وكان آية في عظمته وحسنه، وقد محته يد الزمان، وسبحان من تفرد بالبقاء.
وقد عثروا سنة ???? في أطلال الزهراء على آجُرٍّ مكسو بطبقة من الذهب، وعلى أشياء كثيرة عليها صور طيور وسباع وصور نساء عاريات، مما يثبت ما جاء في التاريخ عن مدنية? الأمويين بالأندلس. ولما تجاوزت الرفاهية فيهم حدودها، استسلم الخلفاء الأمويون في آخر أمرهم إلى ملاذِّهم، وأخذوا يحتجبون عن الناس في قصورهم، وكان إذا حضر المنشدون أو السفراء تكلموا من وراء حجاب، ويقف الحاجب من دون الستر فيكرر ما يقولونه، ثم يجيبهم بما يقول الخليفة.
ومن ذلك أن ابن مقانا الأشبوني ألقى قصيدة له على مسمع من الخليفة المحتجب إدريس بن يحيى الحمودي، قال في آخرها:
انظرونا نقتبس من نوركمإنه من نور رب العالمين رفع الخليفة الستر، وقابل وجهه بوجهه، وأجازه جائزة حسنة.
ويظهر أن هذه الحالة بقيت مستمرة في ملوك المغرب إلى زمن قريب؛ سمعت أستاذنا المرحوم الإمام الشيخ محمد عبده يقول إنه في زيارته إلى تونس ذهب لمقابلة سمو الباي، فوقف بينهما ترجمان، فكان إذا قال الشيخ جملة كررها الترجمان إلى الباي، وإذا قال الباي شيئًا كرره الترجمان للشيخ، حتى انتهى الحديث بهذه الوساطة، وكل ذلك باللغة العربية، ومع أني لا أفهم معنى لوجود الترجمان هنا وهناك، قد تكون الحال في الأمرين ليست بواحدة؛ لأنه كان في عهد الخلفاء مظهرًا للضعف المبرقع، أما في هذا العهد فهو أثر من آثار الضغط الفرنسي الذي يقيد على البايات حريتهم، ويعد عليهم أنفاسهم، حتى في كلمات تخرج من أفواههم، خصوصًا مع الغرباء ولا سيما أمثال الشيخ عبده.
(?) للعبرة والتاريخ

كان أمراء العرب بالأندلس في أول أمرهم قائمين بأمر الفتح، فلما جاء الأمويون وكانت البلاد قد تمهدت لهم، وضعوا أساس الدولة، ونظموا داخليتها، ورتبوا أنظمتها، وجعلوها مصدر الحضارة الإسلامية الغربية، ومحل ازدهار المدنية الغربية، وكانت سياستهم مبنية على التسامح، بعيدة عن الجور والظلم، وبذلك انتشر الدين الإسلامي في مدتهم بين الإسبانيين من غير مبشِّرين ولا منذرين، بل كانت سماحة الشريعة الإسلامية هي السبب في انتشاره في أنحاء البلاد المفتوحة، فأسلم كثير من نصارى الإسبان واندمجوا في المسلمين، وتكلَّموا لغتهم وتأدبوا بأدبهم، حتى أصبح أبناؤهم ولا فرق بينهم وبين العرب في شيء، وظهر منهم كثيرون في الهيئات العلمية، ومنهم من بقي على اسم أبيه كابن بشكوال، وابن بونه، وابن برال، وابن سلبطور، وابن غرسية، بل وصل اندماج الغالبين بالمغلوبين إلى أن العرب كانوا يزيدون على أسمائهم نهايات لاتينية أو إفرنجية صرفة، فمنهم من أضاف إلى اسمه الواو والنون فقالوا: زيدون في زيد، وعمرون في عمرو، وخلدون، وبدرون، ووهبون، وحفصون، وزرقون، وعبدون، وهكذا. ومنهم من زاد في آخر الكلمة الواو والسين أو الياء والسين، فقالوا: عمروس، وعبدوس، وحيوس، وحمديس، وهكذا. (راجع كتاب السفر إلى المؤتمر للعلامة زكي باشا).
وربما أضافوا إلى أسمائهم اللقب الأجنبي، كما قالوا «إبراهيم الصانتو» يعنون ولي الله إبراهيم، الذي أبلى بلاء عظيمًا في حصار الإسبان لمالقة قبل فتح غرناطة، كما تقول النصارى: سانت بطرس، وسانت بولس.
وفي مدة الأمويين نهضت الأندلس في كل جميع شئونها، وازدهر فيها العلم، وانتشرت فنون الصناعة في كل جهاتها، وظهرت الثروة بين الأهلين، ولما أمر الناصر برسوم الخلافة في أواخر العقد الثاني من القرن الرابع، بعد أن رتب أمور دولته، ونظم جبايتها، وكثرت عليه الأموال من الضرائب والغنائم، رأى أن يبني له قصرًا يليق بجلال الخلافة، فأمر سنة ??? بالزهراء، فبُنِيت على هضبة تبعد عن قرطبة غربًا بنحو أربعة أميال وثلثي ميل. ومما قاله مؤرخو العرب فيها: أنه كان بها ???? سارية، وعدد أبوابها يزيد على خمسة عشر ألف باب، وأنه كان يعمل في عمارتها كل يوم من الخدم والفعلة عشرة آلاف رجل، ومن الدواب ألف وخمسمائة دابة، وجُلِب إليها الرخام الأبيض من المدينة، والمجزع من رَيَّة، والوردي والأخضر من إفريقية ومن سفَاقُس وقَرْطَاجَنة، والحوض المنقوش المذهب من القسطنطينية، وكان فيه نقوش وتماثيل وصور على صور الإنسان، فأمر الناصر بنصبه في وسط المجلس الشرقي المعروف بالمؤنس، ونصب عليه اثني عشر تمثالًا، ثم بنى فيها المجلس المسمى بقصر الخلافة، وكان سمكه من الرخام الغليظ الصافي في لونه، المتلونة أجناسه والموشى بالذهب، وجعلت في وسطه اليتيمة؟ التي أتحف الناصر بها ليون ملك القسطنطينية، وكانت قراميد هذا القصر من الذهب والفضة، وكان في كل جانب من هذا المجلس ثمانية أبواب قد انعقدت حنايا من العاج والآبنوس المرصع بالذهب وأصناف الجوهر، قامت على سوار من الرخام الملون والبلور الصافي. وكانت الشمس تدخل على هذه الأبواب فيضرب شعاعها في صدر المجلس وحيطانه، فيصير من ذلك نور يأخذ بالأبصار، وأحاط هذا القصر بالبساتين، وأجرى إليه المياه من جبال قرطبة، واتخذ فيه مسارح للوحش فسيحة الفناء متباعدة السياج، ومسارح للطيور مظللة بالشباك، وحاطه بسور جعل فيه ??? برج لإقامة الحرس، ولما تم بناؤه نقل إليه مركز الخلافة، وكان بعض أبنيته خاصًّا بالخليفة، وبعضها بدواوين الخلافة، وبعضها بالخدم والحشم، وبعضها بالحرس من الجند. وقد قدروا ما أنفق على الزهراء كل عام بثلاثمائة ألف دينار في مدة خمس وعشرين سنة.
ولما مات الناصر زاد في الزهراء ابنُه الحكم، وما زالت مركزًا للخلافة إلى أن أحرقها البربر سنة ???? في فتنة سليمان بن الحكم بعد أن نهبوها. وقد يزعم كثير من المؤرخين أن هذا كان آخر العهد بها، ولكن ابن خَلِّكان ذكر في ترجمة المعتمد بن عباد أنه كتب إلى بعض خاصته بقرطبة بهذين البيتين:
حسد القصر فيكم الزهراءولعمري وعمركم ما أساءقد طلعتم بها شموسًا نهارًافاطلعوا عندنا بدورًا مساء وكان المعتمد قد اصطبح معهم في الزهراء، ودعاهم إلى الاغتباق معه في قصر قرطبة. ولو عرفت أن المعتمد لم يملك قرطبة إلا بعد سنة ????، عرفت أن حريق سنة ??? لم يكن عامًّا بها، وأنها أُصْلِحت من بعده حتى أصبحت تليق بأن تكون محل سكن أو نزهة ابن عباد ملك البلاد، وعلى كل حال إن خرابها الكامل لم يتأخر عن هذا الوقت كثيرًا، وأظن أنه كان في وقت الانقلابات التي انمحى بها أثر ملوك الطوائف مدة المرابطين؛ لبعدهم عن التأنق في كل مظهر من مظاهر الحياة، ولما استولى الإسبانيون عليها أتموا هدمها؛ حتى لا يلجأ إليها المسلمون إذا عنَّ لهم محاصرة قرطبة.
وكان بقرطبة غير الزهراء قصر الزاهرة الذي أمر المنصور بن أبي عامر في سنة ??? ببنائه على نهر الوادي الكبير شرقي هذه المدينة، وانتقل إليه في سنة ???، وكان من أكبر القصور فخامة، وأحسنها نظامًا، وأعلاها أسوارًا، وأوسعها أسواقًا، وقد جعل في قسم منه حكومته، وبنى الناس في الفراغ الذي بينه وبين قرطبة، حتى صار البنيان متصلًا بينه وبينها إلى الزهراء.
وكان بقرطبة غير هذين القصرين البديعين قصور فخمة كثيرة للخلفاء وغيرهم من الوزراء والأمراء والقواد والسراة، فكان فيها: القصر الكامل، والمجدد، والحائر، والروضة، والزاهر، والمعشوق، والمبارك، والرستق، والتاج، والبديع، وقصر السرور، وقصر الشراحيب، والبهور، والمنيف، وقصر الناعورة. ومتنزهاتهم خارج قرطبة: قصر الرصافة، وقصر ابن عبد المؤمن، والقصر الفارسي، والسد، وقصر الحاجب، والسرادق، ومنية الزبير.
وكانوا يتسامحون في تشييد هذه القصور بما كانوا يقيمونه فيها من التماثيل في أوضاع مختلفة، وفي نفح الطيب وُصِف كثير منها شعرًا ونثرًا، وقد وصل بهم التسامح في التماثيل أن كانوا يقيمونها في ميادينهم العامة، وكان منها ثمانية على باب الزهراء.
وقد قال بعضهم في تمثالٍ أقيم في ساحة من ساحات شاطبة:
كأنه واعظ طال الوقوف بهمما يحدث عن عاد وعن إرمافانظر إلى حجر صلد يكلمناأشجى وأوعظ من قس لمن فهما وكان بقرطبة وحدها من الدور العامة ??????، ومن الدور الخاصة ???، ومن الحمامات ???، ومن المساجد ????.
وأكثرَ أهل الأندلس في البناء، حتى كان المسافر على الوادي الكبير لا يكاد ينقطع نظره عن العمران والبساتين التي كان بعضها يتصل ببعض على طول النهر من جهتيه، وكان نور السُّرُج ليلًا يكاد يكون متصلًا في طوله، وقد قال ابن خفاجة الذي توفي سنة ??? — سامحه الله — في وصف هذه البلاد:
يا أهل أندلس لله دركموماء وظل وأنهار وأشجارما جنة الخلد إلا في دياركموولو تخيرت هذا كنت أختارلا تحسبوا بعد ذا أن تدخلوا سقرًافليس تُدخَل بعد الجنة النارُ وقد قال المقري: «اتصلت العمارة بقرطبة أيام بني أمية ثمانية فراسخ طولًا في فرسخين عرضًا، تُقدَّر بأربعة وعشرين ميلًا طولًا وستة عرضًا، وكان عدد أرباضها واحدًا وعشرين، في كل ربض من المساجد والأسواق ما يقوم بأهله ولا يحتاجون إلى غيره، وكان بخارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية، في كل واحدة منبر وفقيه مقلص، تكون الفتيا في الأحكام والشرائع له، وكان لا يجعل القالص منهم على رأسه إلا من حفظ الموطأ، وقيل من حفظ عشرة آلاف حديث عن النبي ? وحفظ المدونة، وكان هؤلاء المقلصون المجاورون لقرطبة يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة ويسلمون عليه ويطالعونه بأحوال بلادهم.»
ولقد كان الخلفاء يرسلون بأشخاص عدول إلى الجهات البعيدة ليستقصوا لهم أخبار عمالهم وحال رعيتهم، وكان كثير منهم يمشي في أسواق قرطبة لاستطلاع حال الناس بنفسه، ويجلس على باب قصره بدون حجاب، فيقصده المظلومون ويبثون إليه شكواهم من غير وساطة.
وكانوا مع عزة سلطانهم وجلال ملكهم يُطأطئون رءوسهم أمام الحق، ومن ذلك أن الناصر أيام عمارته للزهراء وانهماكه في بنيانها لم يشهد الجمعة بالمسجد الجامع، فلم يطق قاضي الجماعة منذر بن سعيد ذلك، وصعد المنبر وبدأ خطبته بقوله تعالى: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. ثم نوه بالزهراء وقال: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? تَقْوَى? مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ? وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ ? وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
فأقسم الخليفة ألا يصلي خلف ابن سعيد أبدًا، فقال له ولده الحكم: وما يمنعك من عزله والاستبدال به؟ فقال الناصر: أمِثْل منذر بن سعيد في فضله وورعه — لا أم لك — يُعْزَل في إرضاء نفس ناكبة عن الرشد؟!
ومن ذلك أن أمير المؤمنين يعقوب المنصور سلطان الموحدين بلغه أن أحد الشعراء قد نال منه، وأخذ الحاضرون يكبرون أمره ويحركون من سخط الخليفة عليه! ولكنه رحمه الله أجابهم بما يدل على عظمة نفسه وسمو أخلاقه بقوله: «نحن نعاقبه بالحلم.» وهل قامت عظمة خلفاء العرب وملوكهم إلا على هذه الأخلاق السامية؟ وهل شُيِّد بنيان مجدهم إلا على العدل والإذعان إلى الحق ولو على أنفسهم؟ وكم من رجال منهم وقعوا في دائرة القضاء بجوار خصومهم من رعاياهم، حتى إذا صدر حكم القاضي لهم أو عليهم نفذوه في الحال، ثم عادوا إلى دائرة سلطانهم المحفوفة بسياج الجلال والعظمة.
ولقد كانت الأندلس مدة الأمويين رافلة في الثروة، عامرة بالسكان الذين وصل عددهم مدة حكمهم في الأندلس إلى أربعين مليونًا من النفوس.
وبالجملة إن العرب هم الذين نقلوا علوم المشرق وفنونه وهندسته إلى الغرب، فشاعت فيه أبنيته، وأصبح لها في أوربا علم ونظام خاص بها STYLE MAURESQUE ولقد كانت فخامة القصور التي بنوها تستدعي أن يكون بها من الأثاث والرِّياش ما يتناسب مع رونقها وجلالها، فكانوا يأتون بفرشها وما يلزمها من أثاث ثمين ورِياش نادر من جهات المشرق، ومن هذا شاعت في الأندلس مع هندسة البناء وما إليها من رسم وتزويق وتلوينٍ جميعُ الصناعات التي تلزمها من نسيج وتطريز وتنجيد وغير ذلك من صناعات المدنية الراقية التي انتشرت في الأندلس على عهدهم. وقد اشتهرت قرطبة بدباغة الجلود، ومالقة بعمل الفخار والزجاج، والمرية بعمل الأجواخ والحديد والنحاس وبناء السفن، وسرقسطة بعمل السمور وأنواع النسيج الحريرية والكتانية، وشاطبة بعمل الورق، وكانت إشبيلية مشهورة بنسج الحرير، وكان فيها مدة العرب ??? ألف نير (نول) فأصبحت بعد استيلاء الإسبان عليها وليس فيها غير أربعين نيرًا. وكانت للعرب بالأندلس أندية يجتمعون فيها لمذاكرة العلم والأدب وأخبار العرب وغيرهم، وكان للخلفاء والأمراء أوقات مخصوصة يجتمع إليهم فيها العلماء والشعراء والأدباء، وكان للمنصور بن أبي عامر مجلس خاص بأهل العلم يجتمع فيه معهم كل أسبوع للمذاكرة في مختلِف العلوم، وكان بالأندلس أربع جامعات للطب، بقرطبة وإشبيلية ومرسية وطليطلة، وكان بها من المعاهد العلمية والأدبية ما لا يحصيه العدد.
وكانت عندهم مدارس لتعليم الفقراء، وكان في قرطبة وحدها مدة الحكم بن الناصر عشرات من المدارس لتعليم الأيتام، وكان التعليم مدة حكمه منتشرًا جدًّا في الأندلس حتى قال أحد مؤرخي الفرنجة: إن التعليم يكاد يكون عامًّا بين جميع طبقات عرب الأندلس، في حين أن الطبقة العليا بأوربا كانت من الأمية بمكان، وكان بالأندلس ستون مكتبة عامة متفرقة في بلادها الكبرى، وكان الناس يَكْلَفون باقتناء الكتب للاشتهار باقتنائها أو للانتفاع بها، حتى كاد يكون في بيت كل سَرِي مكتبة خاصة به، وكانوا يعيرون كتبها من يريد الاشتغال بها.
وقد وصلت بلاغة العرب في إسبانيا في شعرهم ونثرهم إلى أوجها، وكانت تدور حول السهل الممتنع مع جزالة اللفظ وحلاوة الأسلوب، وكان كُتَّابهم يبتعدون عن الغريب في أقوالهم، ومنهم من كان يطيل في الكلام ويكثر من المترادفات خصوصًا في أيام دولتهم بغرناطة، وكانت كتاباتهم على العموم تمتاز بكثرة السجع.
وأكثر من ظهر منهم من الشعراء والكتاب في القرن الخامس مدة ملوك الطوائف؛ لأنهم كانوا في أول أمرهم يحتاجون إلى تعزيز مراكزهم بنشر عبارات الحمد والثناء، وآيات التعظيم والتفخيم التي كانت تُذاع بوساطة من كان يفد عليهم من الشعراء؛ لهذا كثر الشعراء في زمنهم، وكان يساعد على ذلك ما كان في مجالسهم من موجِبات الأنس والسرور التي كانت تنبسط فيها النفوس وتشحذ القرائح، وأصبح أغلب شعرائهم نواسيِّين يهيمون في جمال الرقيق وأباريق الرحيق.
ومع أن ملوك الأندلس — وخصوصًا مدة عبد الرحمن الثالث — كانوا يهتمون بنظام جندهم وتعزيز جيوشهم البرية التي وصلت زمن الخليفة الحكم إلى سان سباستيان (شانت اشتاني)، وزمن ابن أبي عامر إلى ثغر شانت ياقوب، كانوا يهتمون برقي بحريتهم، وإنشاء ما يلزمها من المراكب الحربية والتجارية التي كانت تحمل تجارة بلادهم إلى الشرق، وتجارة الشرق إلى الأندلس، وكانت لهم في ثغورهم البحرية دور لصناعة السفن لا يزالون يسمونها (الترسانة) (ATTARSANA) أشهرها في زمن المنصور بن أبي عامر، وكانت في قصر أبي دانس بالساحل الغربي للأندلس. وكانت دور الصناعات هذه مشغولة على الدوام بتجديد ما يلزمهم من السفن وإنشائها، وكانت أساطيلهم تربض في ثغور البلاد، والأسطول الأكبر يقيم في المرية، وسفنهم الحربية في ذلك الوقت كانت تتركب مما يسمونه البوارج، والشواني، والحراقات، والطرائد البطي، والقراقير، والعشاريات، والشلنديات، وما يتبعها من الزوارق، وكان ثغر المرية حافلًا بتجارة الشرق، كما كانت مالقة حافلة بتجارة الغرب؛ لذلك كانت هاتان المدينتان أغنى بلاد الأندلس وأضخمها ثروة. وكانت ملوك الأندلس تخصص الجوائز للنابغين والمخترعين، وقد اخترع الوزير ابن بدر مدة الناصر طريقة للطباعة، كان يطبع بها الأوامر والمنشورات التي كان يرسل بها إلى أطراف المملكة، وهل كان اختراعه هذا قاعدة لغوتمبرج بنى عليها اختراعه لحروف الطبع في سنة ????؟ وخاصة أن لاروس يقول في دائرة معارفه أن الطباعة كانت معروفة في أوربا في أوائل القرن الثاني عشر، ولعله كان يريد أن يقول إنها كانت موجودة بالأندلس في ذلك العهد.
وبالجملة قد كانت مدنية الأندلس في غاية الرقي في جميع مرافقها، وكانت أشعة شموسها تتصل بأوربا بحكم الجوار، فتفيض عليها من أنوارها التي صاغ الإفرنج منها مدنيتهم، وقامت عليها عظمتهم العلمية والفنية والصناعية، وحتى الشعر الذي هو وحي النفوس إلى الرءوس لم يَرْتَقِ عند الفرنجة إلا بفضل عرب الأندلس، وعنهم أخذوا استعمال القافية عندهم، وشعراء فرنسا العظام لم تجد بهم الأيام إلا من القرن السابع عشر، أمثال موليير، وفولتير، وبوالو، ولافونتين، وراسين، وكورني (يراجع تاريخ علم الأدب للخالدي)، وكلهم كان في النصف الأول من القرن السابع عشر، وأما لامارتين وشاتوبريان فكانا في أواخر القرن الثامن عشر، وأما أكبر شعرائهم فيكتور هيجو فإنه كان يعيش في نصف القرن التاسع عشر، وقد سار بعضهم في صياغة شعره على النهج العربي، سواء في مبانيه أو معانيه، وكان يلبسها من روعة النسيب والتشبيب ما تحلو به عبارته، بل قد يكون غزله دائرًا حول أسماء عربية كعائشة وفاطمة، فيزيد ذلك في شعره حلاوة وطلاوة، وأشهر مَن كتب في هذا السياق غوطا، أكبر شعراء الألمان الذي كان يعيش في النصف الأول من القرن الثامن عشر، ومن تأليفه ديوان الشرق والغرب، أما شكسبير أكبر شعراء الإنجليز فقد كان يعيش في أوائل القرن السابع عشر. ويذهب الأمير كيتاني الكاتب الطلياني الشهير في رسالة «نصيب الإسلام في تدرج المدنية» إلى أن الطب في مدرسة سالرن — وقواعد العلم الطبيعي في الجامعة الإيطالية الأولى — وما كان لدانتي — الشاعر الإيطالي المولود (سنة ????) وصاحب الكوميديا الإلهية المشهورة — من واسع الخيال وجمال التصوير في شعره إنما كان أثرًا لما كان في قرطبة وبغداد من علم زاهر وفلسفة رائعة أيام كانت أوربا تخبط في جهالتها.
ولما كثرت الثروة في الأندلس كان أهل البلاد يرتعون في بحبوحتها، حتى إذا توافرت فيهم أسباب العمران وكثرت أمامهم موجِبات الحضارة والرفه، أخذوا بجميع أطرافها، فكانوا في أول أمرهم مع اشتغالهم بالعلوم والفنون والزراعة والصناعة والتجارة، لا يحرمون أنفسهم ملاذَّها في أوقات راحتهم، وكانوا يخرجون فيها إلى النزهة في البساتين التي كانت خارج مدنهم، ومعهم المغنون والضاربون على آلات الموسيقى الوترية، فيقضون يومهم بين كل ما لذ وطاب، ومع صفوة أحباب، وجمال أتراب، ويمكنك أن تتخيل وصف هذه المجتمعات من العبارة الآتية، قال المقري: كتب أبو عامر بن نيق إلى هند جارية ابن مسلمة الشاطبي، وكانت أديبة شاعرة، ولها صوت جميل ومعرفة بالموسيقى:
يا هند هل لك في زيارة فتيةنبذوا المحارم غير شرب السَّلْسَلسمعوا البلابل قد شدت فتذكروانغمات عودك في الثقيل الأول فكتبت إليه في ظهر رقعته:
يا سيدًا حاز العلا عن سادةشم الأنوف من الطراز الأولحسبي من الإسراع نحوك أننيكنت الجواب مع الرسول المقبل وممن اشتهر من المغنيات في الأمويين: حمدونة بنت زرياب، وهندية، وغزالات. وكان يصل من المشرق منهن عدد ليس بقليل، كان في مقدمتهن جاريتان اشتهرتا بجمالهما وحسن غنائهما، وهما: فضل المدنية، وعلم المدنية. وكان للخاصة نصيب من هذا الفن، اشتهر منهم عبد الوهاب بن حسين الحاجب، وكان أحذق أهل زمنه بضرب العود.
ولقد كان لمجالس الغناء في كل دور الأندلس أثر كبير في الأدب؛ بسبب ما كان يقوم بالنفوس من التبسط بعوامل السرور والتوسع في عالم الخيال؛ فتجيش بالشعر، وجر ذلك إلى وضع الأغاني في أشكال مختلفة، كان أهمها عندهم الموشحات التي وُضِع أساسها في آخر القرن الثالث الهجري، وأول واضع لها مقدم بن معافر من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني في أواخر القرن الثالث، وأخذها عن أديب الأندلس أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد الفريد، ولكن لم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشحاتهما، حتى نبغ عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المرية المتوفى سنة ???، فأجاد في نظم الموشحات، وما زالت ترقى حتى وصلت في مدة الحكم بن الناصر إلى درجة عالية، وشاعت في أغنية القوم لما كان لها من التأثير في النفوس، ثم جاء على أثرها اختراع الأزجال والمواليا.? وكثر استعمالها في العامة وما زالت حتى جادت وتهذبت في أوائل القرن السادس، ونبغ فيها أبو بكر بن قزمان الذي يدعونه بإمام الزجالين (وكان لعهد الملثمين). وكان من جملة ملاهيهم ما يسمونه بالخيال (خيال الظل)، وهو تماثيل من ورق يحركونها بخيوط من وراء ستارة من نسيج أبيض، ويشعلون من ورائها نارًا، فترتسم صورها على الستارة بحركاتها التي تمثل لك بلسان محركها رواية مضحكة يتخللها شيء من الشعر والفكاهة. وقد كان خيال الظل معروفًا بالقاهرة إلى أواخر القرن التاسع عشر، وأظن أن بعض الأحياء القديمة بها لا يزالون يذكرون من أبطاله الراهب منشا ودعادير، ولا أدري أَوَصَلَ هذا الخيال إلى الغرب من الشرق، أم وصل إلينا من الأندلس؟ وهل كان هذا الخيال مقدمة لاختراع (الخَيَالة السينما) الذي أصبح الآن ملهى جميع الأمم المتمدينة؟
وكانت مجالس الغناء لا تخلو من الشراب، وكانوا لا يجهرون به في أول أمرهم؛ لأن الأمراء والخلفاء الأمويين كانوا يقيمون فيه حدود الله، حتى وصل الحال بالحكم بن الناصر في محاربته للخمر أن أراد استئصال شجرة الكرم، لولا أنهم أخبروه بإمكان عمله من غيرها، ولكن الحال بعد الأمويين قد تغيرت، وأصبحت الخمر شائعة في مجالسهم، وربما كان لبرودة جو البلاد أثر كبير في ذلك، خصوصًا مع ضعف الوازع الديني، فكثرت فيها أقوالهم وأشعارهم.
ومن قول أحد القادمين من العرب على غرناطة:
يحل لنا ترك الصلاة بأرضهموشرب الحميا وهو شيء محرمفرارًا إلى نار الجحيم فإنهاأخف علينا من شلير? وأرحم ومن قول عامر بن هاشم القرطبي في نونيته البديعة:
يا ليت لي عُمْر نوح في إقامتهاوأن مالي فيه كنز قارونكلاهما كنت أفنيه على نشوات الراح نهبًا ووصل الحور والعِينوإنما أسفي أني أهيم بهاوأن حظي فيها حظ مغبون ومن قوله:
يا رُبَّ ليل قد هتكت حجابهبمدامة وقَّادة كالكوكب ومن قولهم:
سلِّ الهموم إذا نبا زمنبمدامة صفراء كالذهبمزجت فمن در على ذهبطاف ومن حبب على لهبوكأن ساقيها يثير شذامسك على الأقوام منتهب ومن قولهم:
يسعى بها أحوى الجفون كأنهامن خده ورضاب فيه الأشنببدران بدر قد أمنت غروبهيسعى ببدر جانح للمغرب ومن أبدع ما قيل في الخمر وساقيها قول المعتمد بن عباد:
لله ساق مهفهف غنجقام ليسقي فجاء بالعجبأهدى لنا من لطيف حكمتهفي جامد الماء ذائب الذهب ومن قول ابن حمديس في وصف مجالس الرقص على نغمات الموسيقى:
وعدنا إلى هالة أطلعتعلى قضب البان أقمارهايرى ملك اللهو فيها الهمومتثور فيقتل ثوارهاوقد سكَّنت حركات الأسىقيان تحرك أوتارهافهذي تعانق لي عودهاوتلك تُقَبِّل مزمارهاوراقصة لقطت رجلهاحساب يد نقرت طارها وكان بعضهم يشكل الغانيات بشكل الفتيان، قال الوزير ابن شهيد:
ظبية دون الظباء قصصتفأتت غيداء في شكل? صبيفتح الورد على صفحتهاوحماه صدغها بالعقرب ومن هذا ترى أن القوم بعد دولة الأمويين استسلموا للشهوات، وشاعت فيهم مجالس الخمر والسماع، ورقص الراقصات على نغمات الأوتار في كل شكل من أشكال الخلاعة! حتى إن المرابطين أنفسهم في آخر دولتهم قد سكنوا القصور في الأندلس، وأكثر ولاتهم من مجالس اللهو والأنس؛ بما ضعفت به عصبيتهم الدينية والخُلُقية، حتى تغلب عليهم الموحدون، ونزعوا منهم هذه البلاد بعد استيلائهم عليها مدة اثنتين وستين سنة (من سنة ??? إلى ???).
هوامش

(?) جاء في خطبة المسيو لاجيير دو مستيم LEGIERE DE MISTEYME في مؤتمر المستشرقين بمرسليا سنة ????: «أن القوط في هجومهم على فرنسا تحت قيادة ألاريك في مبدأ القرن الخامس المسيحي لم يتركوا أثرًا في البلاد التي افتتحوها، أما العرب فقد تركوا في البلاد التي احتلوها أثرًا لا يزالون يُذكَرون به إلى الآن؛ لأنهم لم يقتصروا على إدارة شئون هذه البلاد التي وضعوا يدهم عليها مثل تاربون وبروفانس وغيرها، بل قاموا بعمارتها في وقت كانت فيه دولتهم قائمة على أساس متين من الحضارة والمدنية، ولقد كان شانسو (شانجه) أمير ليون يذهب إلى بلادهم لاستثارة أطبائهم بالذات، كما أن الراهب جربير GERBERE تعلم في مدارسهم قبل أن يُنتخَب لكرسي البابوية باسم سلفستر الثاني، وكذلك بطرس فنرابل PIERRE LE VEN?RABLE ووقسيس كولوني L’ABB? DECLUNY تعلما في مدارس قرطبة. وإلى القرن الخامس عشر ما كانت فرنسا تعرف أسماء المؤلفين اليونانيين إلا من طريق ترجمة كتبهم في إسبانيا الإسلامية، وقد أخذت فرنسا عنهم العلوم المختلفة، وأساليب الزراعة، وتعلمنا منهم حفر الترع والخلجان، ونظام الري، وأخذنا منهم حاصلات الشرق من الحبوب والأشجار والنبات، التي زاولوا زراعتها في الأندلس وعالجوها حتى صارت صالحة للزراعة في أوربا.
وإلى الآن بين أيدينا من أعمالهم منسوجات ثمينة جدًّا في كنيسة سان تروفيم S.TROPHIME بأرل، وفي سانت سيزير، وسانت آن في مدينة آن … إلى أن قال: وفي القرن العاشر دخلت النقوش الرومانية إلى بلادنا بوساطتهم، وإن العالم مسيو ريفوال استكشف في كنيسة القديس بطرس قرب أرل نقوشًا عربية جميلة جدًّا … ثم قال: إن الدم العربي لا يزال في جنوب فرنسا، خاصة في سيرست SERESTE وفي بلاد أخرى من جبال الألب، وقد وجد العالم الدكتور جوس D. GOSSE في السفوا وفي سويسرا وعلى بحيرة كونستنزا أناسًا كثيرين صورهم شرقية وسحنتهم عربية صرفة، ولهم لغة خاصة بهم، ولا يزال أهل تلك الجهات يسمونهم الشرقيين أو أبناء الوثنيين FILS DEPA?NS.
وقد جاء بمقال في السياسة الأسبوعية في أول يناير سنة ???? بإمضاء م. ج. يس ما ملخصه: ومدينة كوزيليه القريبة من كونتر اكسفيل لا يزال أهلها في عزلة عن الفرنسيين، ولا يتزاوج بعضهم إلا من بعض، ولهم لغة خاصة بهم، ومن عاداتهم أنهم لا يقيمون المراقص في احتفالاتهم، ومعظم نسائهم محتجبات، ولا يزال في كثير من أسمائهم لفظ «الله» كعبد الله وفتح الله، وهم يحفظون نسبهم ويفتخرون بأنهم من سلالة الفاتحين … إلى أن قال: والعرب هم الذين أدخلوا صناعة البُسُط والسجاجيد إلى مدينة أوبسون، واقتبس الفرنسيون منهم إنشاء السفن.
وإنا لو عرفنا أن مدينة كوزيليه بجبال الفوج، وأن العرب وصلوا في فتوحاتهم إلى إقليم بروفانس، وهو يشمل المنطقة التي بين نيس ومرسيليا إلى الدوفينيه شمالًا ولنجدوك غربًا، وكان مستقلًّا ولم ينضم إلى حكم فرنسا إلا في زمن شارل الثامن، ثم نهضوا إلى الشمال واستولوا على مدينة نيزانسون عرفنا أن هؤلاء الفاتحين قد انقطع عليهم خط رجعتهم بعد هزيمة إخوانهم في بواتييه، فأقاموا في هذه الجهات الجبلية في منطقة دفاع، حتى انتهى أمرهم بالصلح مع أهل البلاد على أن يقيموا في المدينة التي كانت في أيديهم؛ ومن ثَمَّ اشتغلوا بالزراعة التي لم تكن معروفة في تلك الجهات، واندمجوا في أهلها على ممر الأيام، وإن كانت لا تزال عليهم مسحة شرقية صرفة في سحنتهم ولغتهم وعاداتهم، تكاد تميزهم عن غيرهم، والذي يدعونا إلى هذا الفرض هو كونهم لا يزالون يُسمَّون أبناء الفاتحين.
وقد يكون هؤلاء العرب وصلوا إلى تلك الجهة بعد طردهم من إسبانيا؛ لأن فرنسا فتحت لهم أبوابها في أواخر القرن السادس عشر مدة الملكة ماري دومسيس، فانتفعت بهم انتفاعًا ماديًّا وأدبيًّا.(?) كثر استعمال المواليا والأزجال بين عامة الأندلسيين حتى كانوا يقولونها ارتجالًا، وقد ترى هذا إلى اليوم في أرياف مصر؛ فإن بعض الفلاحين يحفظ عن ظهر قلب بضعة مئات من المواويل، خصوصًا في الوجه البحري، كما يكثر ما يسمونه بالواوات (وهي نوع من المواويل) في الوجه القبلي، وترى في عامتهم إلى الآن من يرتجل منها ما لا يقل في جودة معناه ورقة لفظه عما تراه في أرقى الشعر وأمتنه.(?) وشلير: جبل من أعمال البِيرَة، لا يفارقه الثلج شتاء ولا صيفًا.(?) لا أدرى أهذا ما يسمونه الآن لاجرسون LAGARCONE فإذا كان هو بعينه فقد سبق الأندلسيون الفرنجة حتى في هذا بتسعة قرون.
الرسالة الثامنة


سبب تفرق كلمة العرب في إسبانيا وضعفهم
استكثر الأمويون في الأندلس من البربر، وهم شيعتهم الذين قاموا بنصرة عبد الرحمن الداخل في أول أمره على مناوئيه من شيعة العباسيين الذين كان لهم الحكم قبله، بل نصروه على جيوش شارلمان التي أرسلها لحربه تزلفًا لصديقه الخليفة العباسي في الظاهر، وخوفًا من تطاول ملك العرب إلى أرض فرنسا في حقيقة الأمر.
ولما ثبتت قدم الأمويين في الملك، أخذوا يقلدون العباسيين في استكثارهم من المماليك الصقالبة وغيرهم، وخاصة في أيام عبد الرحمن الناصر، حتى أصبحت لهم الكلمة النافذة في البلاد، وصار حكمها من بعده في أيديهم، وأصبح حالهم هنا حالهم في الشرق، شبرًا بشبر وقدمًا بقدم. وكانت نفوس كثير منهم تتحدث في قراراتها بتخطي الرقاب وطرق كل باب للوصول إلى منصة الحكم، ولم يكن يقعد بهم عنها إلا ما كان يحيط بها من رمح مشروع، وسيف مسلول، وعظمة قائمة، وسلطان قدمه في الأرض ورأسه في السماء، وعلى كل حال، كان لهم التصرف المطلق في داخلية الدولة. وخالف الأمويون في الأندلس آباءهم في دمشق في محافظتهم على عصبيتهم العربية، فضعفت بذلك شوكة العرب ونقموا على حكومتهم، وما زالوا يترقبون الفرصة للخروج عليها حتى قام ابن أبي عامر وزير الحكم بن الناصر، وكان من العرب المستمسكين بعصبيتهم، فأخذ بدهائه في التفرقة بين العناصر المتغلبة من صقالبة وأتراك وبربر، ثم بالإيقاع بهم شيئًا فشيئًا، وكان في أثناء ذلك يستقدم رجالات من بربر المغرب من قبائل زناتة ومصمودة وغيرهم، وكان يوليهم مناصب الدولة، حتى إذا شعروا بعده بضعف الخلفاء ومن والاهم، أخذوا يخرجون على دولتهم ويستقلون بأطرافها، وأول من بدأ منهم باستقلالهم بنو عباد في إشبيلية، ثم بنو زيري في غرناطة، وبنو الأفطس في بطليوس، ثم بنو ذي النون في طليطلة، ثم بنو عامر في بلنسية، ثم بنو هود في سرقسطة، وبقيت قرطبة في يدي بني حمود، ثم بني جهور وما زالوا حتى غلبهم على أمرهم الفرنجة من الشمال، ثم المرابطون من الجنوب.
وكثيرًا ما كان ملوك الطوائف يحارب بعضهم بعضًا؛ طمعًا في استيلاء هذا على ما كان في يد الآخر، حتى انتهى أمرهم إلى الضعف، وصاروا يدفعون الجزية إلى الأذيفونش، غير ما كانوا يلاقونه من الهوان من الإسبانيين، وما زالوا حتى ضاقت صدورهم من غدر ملوك الإسبان بهم وسوء معاملتهم لهم، فأجمعوا أمرهم على استدعاء عرب المغرب لنصرتهم، وكان هذا رأي ابن عباد صاحب إشبيلية، وكان المغرب وقتئذٍ في حكم المرابطين، وأميرهم يوسف بن تاشفين سلطان المغرب من أقصاه إلى أدناه، فلما وصلت إليه دعوة ابن عباد قبِلها، وعبر إلى الجزيرة سنة ???? بجيوش جرارة على رأسها قائده العظيم داود بن عائشة، وسار هو وفي مقدمته وزيره الكبير سير بن أبي بكر اللمتوني، فقابلته جيوش الإسبان متجمعة بقرب بطليوس، وعلى رأسها الأذيفونش ملك قَشتالة، ووقعت بينهم موقعة تشيب لها الولدان، انتصر فيها ابن تاشفين والأندلسيون انتصارًا باهرًا، وهذه الواقعة يسمونها واقعة الزلاقة، وهرب الأذيفونش بعد أن جُرِح في يده جرحًا بليغًا، ثم طلب الصلح من ابن تاشفين، فمنحه ذلك لمدة خمس سنين، أخذ فيها الأذيفونش على نفسه ألا يتعرض للمسلمين بشيء مطلقًا، وخلصت بلاد الأندلس من مظالمه، ومما كانت تدفعه إليه كل عام من الجزية، وتَسَمَّى ابن تاشفين بعد هذه الواقعة بأمير المسلمين. وقد غنم المسلمون من هذه الموقعة شيئًا كثيرًا جدًّا من الأموال والأنفس، فعف ابن تاشفين عنه وتركه جميعه لأهل البلاد، وانصرف عن الأندلس إلى المغرب تاركًا وراءه جمال العمل وجميل السيرة.
وفي سنة ???? جاز ابن تاشفين إلى الأندلس جوازه الثاني؛ بدعوى أن أهله شكوا إليه من كثرة المكوس (الضرائب) التي كانت تأخذها منهم ملوك الطوائف، فلما وصل إلى الجزيرة الخضراء خافه ملوك العرب وقطعوا الميرة عن جيوشه، بعد أن اتفقوا مع ملوك الفرنجة عليه، فقصد بلادهم واستولى عليها واحدة بعد واحدة، وبعث ببني زيري أصحاب غرناطة إلى المغرب، فقضوا فيه بقية حياتهم، ثم قصد إشبيلية وحارب ابن عباد حتى إذا تغلب عليه اعتقله وأرسل به إلى أغمات من أعمال مراكش، وما زال في اعتقاله بها حتى مات سنة ????، ثم قصد بطليوس وقبض على ملكها ابن الأفطس وقتله، وبذلك أصبحت الأندلس من أقصاها إلى أدناها في حوزته إلا سرقسطة (وهي في شمال إسبانيا)، فإنها بقيت في يد بني هود؛ لاعتصامهم بالأذيفونش، ولبعدها عن مركز القوة الإسلامية.
ولما خلص ابن تاشفين من استيلائه على الأندلس فوض أمره إلى وزيره سير اللمتوني ورجع إلى بلاده، ومن ثَم أصبحت الأندلس في يد المرابطين، وما زالت في أيديهم إلى أن دب الشقاق بين أحفاد ابن تاشفين طلبًا للملك في أواخر القرن الخامس الهجري؛ بما كان سببًا لضعفهم، وقيام بلاد المغرب عليهم، حتى سقطت دولتهم بقيام دولة الموحدين.
ودولة الموحدين قامت على يد المهدي محمد بن تومرت، وما زال حتى مات سنة ???، فاتفقت رجالات المغرب على مبايعة عبد المؤمن بن علي، وكان في مقدمة رجال المهدي علمًا وفضلًا ودهاء، وهو أول من تَسَمَّى في المغرب بأمير المؤمنين.
وفي سنة ??? أجاز عبد المؤمن إلى الأندلس جيشًا من الموحدين للفتح، فتغلب على غربيه، ثم حاصر المرية، فاستغاث من كان فيها بالأذيفونش الذي أرسل إليهم حليفه محمد بن مردنيش على جيش من النصارى والمسلمين، فكسره عبد المؤمن، وتم استيلاء الموحدين على الأندلس في مدة أمير المؤمنين يوسف بن عبد المؤمن، وله إصلاحات كثيرة في إشبيلية، وهو الذي بنى جامعها وأقام جسرها، وأتى من بعده ولده المنصور يعقوب، فأكمل الجامع بحيث أصبح لا يضاهيه شيء في الدنيا، وقد حارب المنصور يعقوب الأذيفونش ومعه ملوك النصرانية، فانتصر عليهم انتصارًا باهرًا في واقعة الكرك الشهيرة ALARCOS وفتح كثيرًا من الحصون والبلاد التي كانت في أيديهم، وما زال يتقدم في الفتح حتى طلبوا إليه الصلح، فصالحهم على خمس سنين، وذلك في سنة ????. وقد ذكر مؤرخو العرب أن من قُتل في هذه الموقعة من النصارى أكثر من مائة ألف، أما ما غنمه المسلمون فيها فهو شيء لا يحصيه العد ولا يحيط به الحصر، حتى أصبحت العرب تبيع الأسير بدرهم، والسيف بنصف درهم، والحمار بدرهم، والفرس بخمسة دراهم. وبعد هذه الواقعة استولى المنصور على طَلَمَنْكة، ثم قصد طليطلة، وهي عاصمة الأذيفونش وحاصرها، ولما لم يبقَ غير نزول من فيها على إرادته، نزلت والدة الأذيفونش وبناته وحرمه واستغثن به وبمروءته، فأكرم مثواهن وأعادهنَّ إلى مقرهن معززات مكرمات، وعاد هو إلى بلاده بالغنائم التي لا حصر لها.
ولما مات يعقوب المنصور سنة ???? استولى بعده ولده أبو عبد الله محمد الناصر، فجاز إلى الأندلس عام ???? بجيوش من العرب يقدرونها بستمائة ألف؛ هنالك أعلن البابا الحرب المقدسة، فهرعت جيوش النصرانية من إيطاليا وفرنسا وألمانيا، واتحدت قواتها في إسبانيا، واستعدُّوا لملاقاة الناصر بسهول (نافا دو تولوزا)، وهي قرية تبعد عن قرطبة شمالًا بمائة وأربعين كيلومترًا.
وكان الناصر قد أعجبته كثرة جيوشه، فأخذ يفتك في طريقه برجالات الأندلس، بإيعاز وزيره ابن جامع الذي أراد أن تكون الكلمة له وحده، وأهمل رؤساء البلاد وقادتها، ولم يستشرهم في أمر عدوه، وهم أدرى الناس بالجهة التي يأخذونه منها، وما زال حتى التحمت جيوشه بجيوش النصرانية في هذه السهول التي يسميها العرب العِقَاب؛ لكثرة ما كان فيها من العقبات التي كانت سببًا في خذلانهم وانتصار جيوش النصرانية عليهم انتصارًا باهرًا تمزقت معه جيوش المسلمين على كثرتها، بحيث لم ينجُ منهم غير القليل، ومن هذا الوقت ظهر كوكب نحس المسلمين في الأندلس، وغربت شمس سعودهم! والله تعالى غالب على أمره.
وعلى أثر هذه الموقعة مات الناصر، فبايع أهل المغرب ولده يحيى، فلجأ أخوه المأمون بن الناصر إلى ملك قَشتالة يستنصره على أخيه وعلى الموحدين، فاشترط عليه شروطًا جمة، منها أن يعطيه عشرة حصون يختارها هو مما في يد المسلمين، مما يلي بلاده، وأن تبنى له كنيسة في مراكش، فلما قبِلها جهز له جيشًا من الإسبان دخل به أرض المغرب، وهنالك جمع المأمون شيوخ الموحدين وقتلهم صبرًا، وكان عددهم أكثر من أربعة آلاف نفس، ومن هذا الوقت أخذت الأطراف تثور عليه في المغرب، وأخذ حكم الموحدين في الضعف.
وفي هذه الأثناء استولى الفرنجة على قرطبة، ثم على جزر البليار وبلنسية، واستولى أسطولهم على سَبْتة وغيرها من سواحل المغرب، ثم استولوا على إشبيلية، وما زالوا يستولون على بلاد الأندلس وحصونه حتى لم يبقَ مع المسلمين غير غرناطة التي بقيت في يد بني الأحمر لمنعتها وكثرة أهلها، لأن سواد البلاد التي كان يفتحها الفرنج كان يلجأ إليها، ومع هذا كانت تدفع الجزية في غالب أيامها لملوك قَشتالة.
ولما استولى بنو مرين على المغرب كان بنو الأحمر يساعدون الفرنجة عليهم، كما كان بنو مرين يتحدون أحيانًا مع ملك قَشتالة على بني الأحمر، وما زال ملك بني الأحمر قائمًا بغرناطة حتى دبَّ الخلاف بين أبي عبد الله بن أبي الحسن وعمه الزغل على الملك، وانتهى بتغلب الفرنجة على غرناطة في سنة ???? الموافقة لسنة ????م، وبه انقضى ملك المسلمين في الأندلس وانطوت صحيفتها، وسبحان من له الملك، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء.
وقبل أن نختم هذه الرسالة نذكر كلمة عن الأذيفونش? (ألفونس) الذي استمر العرب في تواريخهم يتحدثون عنه في الأندلس، حتى يخيل للقارئ أن الأذيفونش هذا عَمَّر طويلًا، ومارس في حربه معهم أجيالًا عديدة. فالإفرنج يقولون ألفنس الأول، والثاني، والثالث، وهكذا. وقد اقتصر العرب على الاسم دون الوصف الذي يعينه، وعلى ذلك فألفونس السادس ملك قَشتالة وليون وأشتوريا هو الذي كان له شأن كبير معهم، وهو الذي استولى منهم على طليطلة في سنة ????م وجعلها عاصمة ملكه، وبعد ذلك أخذ يستولي على أطراف بلادهم حتى امتلك منهم نصف إسبانيا الشماليَّ، وهو ما يسمونه بقَشتالة الجديدة، وألفونس السادس هو الذي انكسرت جيوشه أمام ابن تاشفين في واقعة الزلاقة سنة ????، ومات بجراحه منها سنة ????م.
أما ألفونس الثامن ملك أراغون فهو الذي كان له شأن مع ملوك الطوائف وجيوش الموحدين، وانكسرت جيوشه أمام جيوش يعقوب بن عبد المؤمن في واقعة الكرك سنة ????، ومات سنة ????م بعد سنتين من انتصاره مع جيوش النصرانية على محمد الناصر في واقعة العِقَاب المشئومة.
أما ألفونس أمير البرتغال الذي انتهى أمره بانتخابه ملكًا لهذه المملكة، فهو الذي أخذ من العرب لشبونة وشنتارين.
وفرديناند الثالث ملك قَشتالة المسمى بسان فردناند (القديس فرديناند) هو الذي أخذ قرطبة من العرب سنة ????، ثم استولى على إشبيلية سنة ????م.
أما فرديناند الثاني ملك نافاريا وأراغون، والذي تزوج بإيزابلا ملكة قَشتالة، فهو الذي أخذ غرناطة من العرب سنة ???? وأخرجهم من أرض إسبانيا.
فإذا علمت ذلك — وفقك الله — فلا تعطِ لأحدهم ما ليس للآخَر من مركزه التاريخي.
(?) للعبرة والتاريخ

العلة الأولى لضعف العرب في إسبانيا هي تفرق الجماعة وانقسام الدولة الأموية، بعد أن طويت صحيفة بني عامر إلى عشرين دولة صغيرة استقل بها ولاتها، وهي: إشبيلية، جيان، سرقسطة، الثغر (ما كان في شمال طليطلة)، طليطلة، غرناطة، قَرْمُونة، الجزيرة الخضراء، مرسية، بلنسية، دانية، طرطوشة، لارِدة، باجة، المرية، مالقة، بطليوس، لشبونة، جزائر البليار، وقرطبة.
وكان هذا الانقسام ولا بد داعيًا إلى كثرة الخلاف بين رؤساء هذه الدول، وطمع كل منهم فيما في يد الآخر، واشتعال نيران حرب كل منهم بين جيرانه، ووثوب القوي على الضعيف. ومن قول ابن حزم باختصار: «فضيحة لم يأتِ الدهر بمثلها: أربعة رجال يُسمَّى كل واحد منهم أمير المؤمنين! واحد بإشبيلية، والثاني بالجزيرة الخضراء، والثالث بمالقة، والرابع بسَبْتة، وأصبح العرب والبربر في خلاف مستديم، والجميع في خلاف مع أهل المغرب الأقصى، وفي حروب مع الأمم الإسبانية والبرتغالية.»
ثم آل أمر هذه الدول إلى خمس: سرقسطة وما والاها شرقًا إلى البحر في يد ابن هود، وطليطلة وما والاها شمالًا وجنوبًا في يد ابن ذي النون، وإشبيلية وما والاها جنوبًا في يد ابن عباد، وبطليوس وما والاها غربًا في يد ابن الأفطس، وآلت قرطبة إلى يد الوزير ابن جهور، ثم دخلت في حكم ابن عباد.
وكانت أمهات الأولاد من الإسبانيات لا يزال الدم الأجنبي يجري في عروقهن، ولا يزال أثر النصرانية ماثلًا في قلوبهن، فكن مسلمات في حالة ضعفهن، حتى إذا وجدن الفرصة غير سانحة للإثآر بقومهن أرضعن أولادهن خور العزيمة، وأضعفن فيهم دماء قوميتهم وديانتهم، فكان هذا من أكبر الأسباب في خمود حميتهم، وخصوصًا في الطبقة العالية منهم.
ولا بد للأخلاق العامة من التأثير في هذا التغير الذي طرأ على حالة العرب في إسبانيا، فنزل بهم من المستوى الذي كانوا فيه مدة الأمويين، وكانت كثرة الثروة من العلل التي جرت بهم إلى الدعة والرفه، فمالوا إلى اللهو بجميع أنواعه، ومع أن منتدياتهم كانت مدة عزتهم وقوتهم كلها علمية وأدبية وفنية، يتخللها أحيانًا ما يبيحه الدين والحضارة من موجبات السرور، كالأغاني والموسيقا، مما نهضت به عزيمتهم وظهرت ثقافتهم وتجلت بطولتهم في سلمهم وحربهم، فإنهم لما استرسلوا في ملاذِّهم، واستسلموا إلى شهواتهم، واستناموا إلى الراحة، ضعفت فيهم الحمية الدينية والعصبية؛ فأهملوا شئون بلادهم، وتقوية ثغورهم، وقعد كل مصر عن الدفاع عن حوزته، وكان عدوهم فيما بين ذلك يعمل وهم نيام، ويتقدم كل يوم إلى الأمام، وبعد أن كان يخنع إلى سلطانهم، ويستكين إلى قوتهم، ويدفع لهم الجزية وهو صاغر، وصل حالهم بتفرق جامعتهم وانقسام دولتهم إلى طوائف، أن كانوا يستنصرون به بعضهم على بعض، ولم يكن هذا في دولة منهم ضد أخرى فحسب، بل كثيرًا ما كان يستظهر الابن على أبيه، والأخ على أخيه بملوك النصرانية، كما كان من المنذر والمؤتمن ابني المقتدر سلطان سرقسطة، حتى ضعفوا جميعًا، واستولى العدو على بلادهم سنة ????م، وكما كان من ولدي عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، وكما كان من استنصار المأمون بن الناصر من بني عبد المؤمن ملك قَشتالة على أخيه يحيى. ولقد كثر استنصار بني الأحمر ملوكَ النصرانية بعضهم على بعض في آخر دولتهم، حتى ضعفوا وذهبت ريحهم وسقطت بلادهم في يد عدوهم.
ولو عرفت أن طليطلة — وهي أول حجر انهار من هيكل عظمة الإسلام بإسبانيا — إنما أضاعها صاحبها القادر بالله بن المأمون بن يحيى بن ذي النون لشهوته في الاستيلاء على بلنسية، واستنصاره ملك قَشتالة ألفونس السادس لمساعدته في ذلك، وكان ألفونس لا يبرح يورطه في حربه لبني عامر حتى أضعفه واستولى هو على بلاده في سنة ????م، بعد أن مكثت مستقلة في أيدي بني ذي النون ?? سنة لو عرفت ذلك كله لعرفت أن ملوك النصرانية كانوا ينشطون لمساعدة ملوك الإسلام بعضهم على بعض لأمرين: الأول أن ينتفعوا من وراء حرب فئة من المسلمين ضد أخرى منهم، وهم بذلك يضعفون جميعًا، وهو كل أمنيتهم؛ لأن الدولتين النصرانية والإسلامية كانتا في كفتي ميزان، إذا خفت موازين واحدة منهما ثقلت موازين الأخرى. والثاني أن يكون لهم السلطان التام على من كان من المسلمين في حمايتهم وتحت رعايتهم، فيستخدموه ما شاءوا ويثمروه ما أرادوا، وبهذه السياسة وصلوا إلى غايتهم من إضعاف دول العرب في الأندلس بما مكَّنهم من الوثوب عليها واحدة بعد أخرى، حتى استولوا عليها جميعًا، ومن هذا تعلم أن العرب لما انحطت أخلاقهم ضعفوا وتلاشى أمرهم:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيتفإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا ولقد كانت ملوك العرب وأمراؤهم في أول أمرهم يخرجون إلى معمعة الحروب بأنفسهم؛ فيثيرون الحمية في قلوب جيوشهم، فتظهر بطولتهم التي كان يلازمها النصر والظفر، فلما استناموا إلى الرفه ضَعُف فيهم الخُلُق الحربي، فقعدوا عن القتال، ومشى على سننهم عظماء دولهم، فاستجاشوا الصقالبة والمدجنين والعبيد، بل وصل بهم الحال أن كانوا يستأجرون مرتزقة من الإسبان ممن لا يهمهم النصر ولم تكن للهزيمة وقع في أنفسهم، ولعل أول من عمل ذلك المنصور? بن أبي عامر في زحفه على (شانت يانو)، وكان بنو هود بسرقسطة يستأجرون البطل سيد? ورجاله في حروبهم ضد إخوانهم المسلمين. وكان الإسبانيون بعكس ذلك يحاربونهم أمة مجتمعة، يسير تحت لوائها الملك والأمير بجوار الجندي الصغير، وكل منهم لا يعرف أمامه غرضًا غير مجد الانتصار على خصمه، وهو ولا شك واصل إليه بمجالدته ومثابرته.
ومن ذلك أن الإسبان لما قصدوا بلنسية سنة ????، خرج إليهم أهلها بملابسهم الحريرية، فانكسروا أمامهم في واقعة طبرنة، وفي ذلك يقول الشاعر:
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستموحلل الحرير عليكم ألواناما كان أقبحهم وأحسنكم بهالو لم يكن بطبرنة ما كانا وقد وصف لسان الدين بن الخطيب الإسبان في حربهم في زمنه، وما كان لهم من حسن النظام في هجومهم، أميرهم ومأمورهم، راجلهم وفارسهم، ومن قوله: «وحال هذه الأمة غريب في الحماية الممزوجة بالوفاء والرقة والاستهانة بالنفوس في سبيل الحمية، عادة العرب الأُوَل.» ومن كلمته الأخيرة تعلم أن العرب في شيخوخة دولتهم لم يكونوا على شيء من الثقافة الحربية في عامتهم، وإن ظهر منهم أفراد سجل التاريخ لهم بطولتهم، مثل: موسى بن غزان بطل غرناطة،? وعلي بن الفخار،? وحامد الزغبي بطل مالقة، وهو الذي أبلى في دفاعه عنها بلاء سجل فخره له التاريخ. ولقد كانت حالة عرب الأندلس تتبع حالة القائمين بأمر الحكم فيها قوة وضعفًا، وكذلك حال الإسبان كانت تتبعها انقباضًا ونشاطًا؛ لذلك اختلف المؤرخون من العرب في تصويب ابن تاشفين فيما عمل مع ملوك الأندلس في جوازه الثاني وفي تخطئته، فبعضهم يقول إنما سار إلى الأندلس بدعوة من مسلميها يستصرخونه فيما كان ينزل بهم من ملوكهم من المظالم وكثرة المكوس والضرائب، وخيرًا فعل. وبعضهم الآخر يقول إنما بهره كثرة ما شاهده بها في جوازه الأول من عظيم الثروة، وضخامة الملك، وبارق العمران، وتألق الحضارة، فقصدها بتلك الحجة، ونكل بملوكها حتى تكون له البلاد من غير شريك أو وسيط، ويناله باللائمة لأنه بعمله هذا هدم أول حجر من صرح حكم العرب في البلاد، ذلك الصرح الذي أخذت حجارته تتناثر واحدًا بعد الآخر، إلى أن تم هدمها بعد أربعة قرون (وهي قليلة في عمر الدول).
وعلى كل حال، إن ابن تاشفين ما كان له أن يقضي مرة واحدة على هؤلاء الرءوس الذين كانوا يديرون ما كان في أيديهم من البلاد التي كانت في دائرة حكمهم، والذين كانوا أدرى الناس بمسالكها ومساربها وإدارتها، وأعرف الناس بدائها ودوائها، وأقدرهم على تثميرها والدفاع عنها لعدوها الذي كان لها بالمرصاد من جهتيها الشمالية والغربية.
على أن ابن تاشفين بعد أن بلغ شهوته من تملك البلاد من أقصاها إلى أدناها، كان لا بد أن يعامل ملوكها الذين أصبحوا في أسره، من غير أن يبدءوه بإعلان حرب ولا بخلاف في رأي، إن لم يكن بالحسنى التي تليق بأمثالهم، فلا أقل من الشفقة والرحمة.
وإن من يطَّلع على بقية حياة ابن عباد في سجنه، وهو يرسف في أغلاله وقيوده — بعد ما كان له من عزة الملك ونعيم السلطان — فراشه الغبراء، وغطاؤه صفحة الهواء، وأنيسه البكاء، وقرينه الداء، وسميره كل نوع من أنواع البلاء! يرى أن قلوب الملوك إذا كانت كبيرة في نعمتها، فهي كبيرة في بؤسها ونقمتها، وأن ابن تاشفين إذا كان خشنًا في طعامه، خشنًا في لباسه، لشدة في دينه، فقد كان — سامحه الله — خشنًا في معاملته لكل من أوقعه سوء حظه بين براثن غضبه.
ومن يطَّلع على قوانين الحروب في هذا الزمن، يَرَ أن الشخص المحارب لا يلبث بعد وقوعه في أسر عدوه أن تنقلب عداوة الغالب له شفقة وإحسانًا إلى هذا الذي أصبح لا حول له ولا قوة، وقد يتركون للعظيم سلاحه، ويوفِّرون له أسباب الراحة، والأمثلة في هذا كثيرة تفوق الحصر.
وعلى كل حال، إذا كانت الأندلس قوية الجانب مدة يوسف بن تاشفين، فإنها ظهرت بعد قليل بمظهر الضعف في نهاية حكم المرابطين? لشدة عمالهم الذين كانوا بعيدين عن المرونة السياسية، وعن التسامح الذي ألفه أهل البلاد في حكم من كان قبلهم، ثم لخمود عزائم أحفاد ابن تاشفين الناشئ عن اختلافهم طمعًا في الملك، ولولا أنْ تغيَّرَ حكمهم في المغرب بحكم الموحدين، وظهر من هؤلاء ملوك من أحسن الناس عقلًا، وأكبرهم فضلًا، وأغزرهم علمًا، وأبعدهم نظرًا، وأحسنهم سياسة، وأكملهم رياسة، كعبد المؤمن وولده يوسف، ثم يعقوب بن يوسف لما كان قد بقي ذكر لحكم المسلمين بالأندلس. حتى إذا جاء الناصر محمد بن يعقوب، وجاز إلى الأندلس بهذا الجيش الهائل الذي أعجبته كثرته إلى درجة لم يحسن معها سياسته مع رجالات الأندلس، بل عاملهم بالقهر والإذلال من غير ما سبب إلا زهوه بنفسه وإعجابه بكثرة خيله ورجله، ودارت عليه الدائرة في حربه مع ملوك الإسبان، وتمزق جيشه كل ممزَّق أخذ صرح البلاد يتناثر من أطرافه بسرعة في يد العدو، ولم يبقَ في يد المسلمين غير غرناطة، وهي إحدى ولاياتها الشرقية، ولم تلبث أن أتى عليها دورها من السقوط في يد الإسبان، بعد أن ضعف أمر بني مرين ملوك المغرب، ولله الأمر من قبل ومن بعد. هوامش

(?) وسماه ياقوت الأذفنش، وذكره ابن خلكان الأُذْفُونش بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة وضم الفاء وسكون الواو وبعدها نون ثم شين معجمة، وسماه ابن الأثير ألفونش وهو أقربها إلى كلمة (ألفونس)، ويظهر أن القوم كانوا يعتبرونه لقبًا لا اسمًا كقيصر وكسرى؛ إذ يقول ابن خلكان إنه اسم لأكبر ملوك الفرنجة، وهو صاحب طليطلة.(?) وشتان ما بين عمل المنصور في استخدامه لمرتزقة الإسبانيين وبين استخدام غيره لهم؛ فإن المنصور كان يستعملهم في حربه ضد نصارى الشمال، فكانوا سلاحًا في نحور بني جنسهم وملتهم، أما بنو هود وغيرهم، فإنهم كانوا بعملهم هذا يساعدون النصرانية بأموالهم وبرجالهم على إضعاف إخوانهم المسلمين، وهم بهذا مهدوا السبيل إلى استيلاء الإسبانيين على دول العرب بالجزيرة واحدة بعد أخرى!(?) كان رودريك الذي اشتهر عند العرب باسم السيد قنبطور LECID CAMPIADOR مشهورًا بفروسيته، ولقد ساعد الأمير شانجه ابن الملك فرديناند الأول على أخيه ألفونس، فلما تولى ألفونس عرش البلاد نكب رودريك وصادره في ماله، فهاجر إلى صخرة قريبة من سرقسطة، وبنى بها مسكنًا اجتمع عليه فيه نحو ??? من المعجبين به، واشتهر مع شيعته هذه بشجاعتهم، وكثيرًا ما كان بنو هود ملوك سرقسطة يستأجرونهم في حروبهم.
وقد حاصر السيد على رأس جيوش يوسف بن أحمد بن هود بلنسية، ومع أنه دخلها صلحًا فقد حرق قاضيها ابن الجحاف لزعمه أنه أبى أن يدله على خزائن المقتدر بن هود صاحب بلنسية، ثم أشعل النيران في المدينة حتى أتلفها، وهو ما لا يتفق مع الصلح الذي دخل به المدينة، وفي ذلك يقول ابن خفاجة:عاثت بساحتك الظبا يا دارومحا محاسنك البلا والنارفإذا تردد في جنابك ناظرطال اعتبار فيك واستعبارأرض تقاذفت الخطوب بأهلهاوتمخضت بخرابها الأقداركتبت يد الحدثان في عرصاتها(لا أنت أنت ولا الديار ديار)ومات السيد في سنة ????، وفيها استولى المرابطون على بلنسية، وقد وضع الإسبان روايات البطولة في السيد، وأبلغ ما كُتِب منها رواية كورني CORNEILLE للكاتب الروائي الفرنسي الشهير، التي وضعها سنة ???? وتُرجمت إلى العربية، إلا أن ستانلي ودياز ينكران عليه ذلك، ويذهبان إلى أن بطولته من تنسيق القصاصين.
ولا أدري لعل قصص هذه البطولة كانت سببًا في وضع عرب المغرب قصصهم في بطولة أبي زيد الهلالي، ودياب الزغبي، وخليفة الزناتي، حتى تكون لهم بها تعزية عن بطولتهم الميتة؛ لأنَّا إذا تأملنا ما فيها من الشعر نجده مثل شعر عرب المغرب وهم في شيخوخة نهضتهم، هذا الشعر الذي تأثر بتلك الموشحات التي ذاع أمرها فيهم، وكانت خليطًا من العربي الفصيح والكلام العامي (راجع الكلام على الموشحات في كتاب بلاغة العرب للأستاذ ضيف، وفي تاريخ الأدب الأندلسي للأستاذ الكيلاني). (?) لابن غزان في حروبه مع الإسبان وقائع كثيرة، اشتهر فيها بشجاعته الخارقة للعادة، وكان يخالف رأي الغرناطيين في إقرار الصلح الذي قدمه إليهم فرديناند، وكان يرى الاستمرار في الحرب حتى يقضي الله أمرًا، فلما خالفوه خرج مجاهدًا للمحاصرين وحده، ومات في جهاده بعد أن فتك بعشرات منهم.(?) كان ابن الفخار من القواد العظام، وكان في يده عدة حصون، فلما سقطت بسطة في يد الإسبان حضر في جملة القواد الذين سلموا مفاتيح حصونهم إلى فرديناند ورجعوا بالجوائز، فلما وصلت النوبة إليه قال للملك فرديناند: «إنني رجل مسلم قائد لحصول طبرنة وبرشنة (ذكرها ياقوت برشانة)، وقد تسلمتها للمحافظة عليها، ولكني فقدت حاميتها، ومن بقي منهم لا يطيقون الاستمرار في الحرب، وبهذا أصبحتْ لكم، وها هي هذه مفاتيحها.» فأمر فرديناند بإعطائه مبلغًا كبيرًا، فأبى أخذه بكل كبرياء قائلًا: «إني لم آتِ لأبيع ما ليس من ملكي، وليكن في علمكم أنه لو بقي معي من يسعفني في قتالكم، لكان الموت ثمن هذه الحصون بدلًا من الذهب الذي تنعمون به عليَّ.» فأُعجِب الملك بشهامته وطلبه في خدمته، فأبى إلا إجازته ومن كان معه إلى إفريقية وهم في أمان على أموالهم ودينهم وأعراضهم.(?) سُمُّوا بالمراطبين لأنهم كانوا في أول أمرهم يجتمعون برباط في صحراء مراكش، يعبدون الله فيه مع شيخهم عبد الله بن ياسين، فاجتمع عليهم أناس كثيرون أكثرهم من لمتونة، إحدى قبائل البربر، وفي مقدمتهم يحيى بن عمر اللمتوني. ولما انقسم الأندلس بين ملوك الطوائف، استبد بأطراف المغرب أمراء الأطراف، وقامت منهم دولة مغراوة بفاس، وعاملوا الناس بظلمهم، وكان أمر المرابطين قد ظهر واشتهروا بدينهم وتقشفهم، فكتب فقهاء سجلماسة إلى ابن ياسين في الوفادة إليهم، وكان ذلك في سنة ????، فسار إليهم بمن كان معه من المرابطين، وعلى رأسهم يحيى بن عمر اللمتوني، وأخذوا يستولون على البلاد التي في طريقهم، ولما مات يحيى قام بأمر القيادة أخوه أبو بكر بن عمر، ولما مات ابن ياسين في سنة ???، انتهت الزعامة إلى أبي بكر، وما زال في فتوحاته حتى انتهى أمر البلاد إليه، وهنالك عقد لابن عمه يوسف بن تاشفين على المغرب، وانسحب هو إلى الصحراء، وقضى فيها بقية أيامه.
والمرابطون يُسمَّون أيضًا بالملثمين؛ لأنهم كانوا يغطون وجوههم بحيث لا يظهر منها غير أعينهم، ويقال إن سبب ذلك شدة برد الصحراء وشدة حرها، ويقال أيضًا إن سبب ذلك أنهم في قلتهم خرجوا للغزو، فجاء أناس وهجموا على ديارهم، فتلثم النساء وحملن السلاح ووقفن أمام بيوتهن، فظنهم عدوهم رجالًا ورجع من حيث أتى، ومن ثَمَّ صار اللثام من عاداتهم، وفي الملثمين يقول الشاعر:قوم لهم درك العلا من حميروإن انتموا صنهاجة فهم همولما حووا أحراز كل فضيلةغلب الحياء عليهم فتلثموا
الرسالة التاسعة


بعد تسليم غرناطة
حاصر الملك فرديناند الثاني غرناطة سبعة أشهر، حتى كاد الناس فيها يأكل بعضهم بعضًا، وآل أمر سلطانها أبي عبد الله بن عليٍّ إلى تسليمها إلى فرديناند وزوجته إيزابلا بشروط جملتها سبعة وستون شرطًا، أهمها: تأمين أهلها على أنفسهم ودينهم وأموالهم وأعراضهم وأملاكهم وحريتهم، وإقامة شريعتهم واحترام مساجدهم ومعابدهم وشعائرهم، وفك أسراهم وإجازة من يريد الهجرة منهم إلى العدوة، وإعفاؤهم من الضرائب والمغارم سنين معلومة. وهكذا من أمثال هذه الشروط التي لم يعمل الإسبان بشيء منها، وبعد استيلائهم على المدينة رتبوا حكامها من النصارى، فأخذوا ينتحلون الأسباب لمحاكمة المسلمين، وكانت نتيجة الحكم إما التنصر أو الإعدام، وقد تنصر كثير من الناس صورة أو حقيقة على حسب قوة يقينهم في دينهم؛ إتقاء لظلم الغالبين وعسفهم الذي لم يكن له من مسوِّغ غير تعصبهم الديني. نعم، كان تعصب الإسبانيين في منتهى حدوده، من ذلك أن ترتبت في إسبانيا من أول القرن الثاني عشر أنظمة كنسية لمحاربة المسلمين، منها: نظام فرسان الهيكل، ونظام قلعة رباح، ونظام ماري يعقوب، ونظام فرسان ماري جرجس، ونظام سيدات الفأس وكان خاصًّا بالنساء، وكان لكل نظام ملابس خاصة به مرسوم عليها الصليب بحال تُمَيِّزه عن غيره؛ لذلك كان تعصبهم الديني تعصبًا عنيفًا لا يتفق مع السماحة? التي كان المسلمون يعاملون بها الإسبان وهم في ضعفهم، بل لا يتفق مع معاملة مسلمي الشرق للنصارى في حروبهم الصليبية. وهذا التعصب وإن كان موجودًا في الإسبان بطبيعته، زاده اضطرامًا ما كان يصدره البابوات من المنشورات ضد المسلمين، وخاصة بعد استيلاء الأتراك على الأستانة عاصمة الدولة الرومانية الشرقية في سنة ????، وفي هذا الوقت كانت أوربا كلها محتدمة بفكرة التعصب الفظيع ضد المسلمين بصفة عامة، وعلى الأخص بعد أن وصلت فتوحاتهم في أوربا مدة السلطان سليمان الأول إلى أسوار فِييَنَّا، واستولت أساطيلهم تحت قيادة خير الدين باشا أمير البحر (بارباروس) على كثير من سواحل البحر الأبيض المتوسط من جهتيه الشمالية والجنوبية، وكان لهذا الأسطول يد بيضاء في إغاثة كثير من عرب الأندلس بعد سقوط بلادهم في يد الإسبان، وجوازهم إلى تونس والجزائر.
ولما أصبحت مظالم الإسبان ومغارمهم بحيث لا يحتملها إنسان، ثار جماعة من البيَّازين، وهم قوم من عرب الأندلس بغرناطة اشتهروا بعزتهم ونخوتهم، وفتكوا ببعض الحكام، وقد يكون هذا بدافع سياسي من عدوهم؛ هنالك قامت قيامة القسوس ونادوا بالثبور وعظائم الأمور، وأنشَئوا محاكم التفتيش، وهنا تَقْشَعِرُّ الأبدان وتهلع النفوس لذكرى تلك الشنائع والفظائع التي كانوا يوقعونها على أولئك الأبرياء، مما سجله عليهم التاريخ في صفحات الوحشية التي لم يكن لها مثيل في صحيفة من صحائف المظالم من يوم خلق الله الإنسان، فكم من نفوس قُتِلت، ورجال صُلِبت، وأعراض هُتِكت، وأموال نُهِبت، وكتبٍ أُحرِقت، وديار هُدِمت، وجسوم مُثِّل بها وهي على قيد الحياة!
ولما وصلت نكبة الإسبان للعرب (سواء أكانوا من المسلمين أم من اليهود، أم من الذين تنصروا منهم) إلى الحد الذي لا يُحتمَل، وصدر أمر الملك سنة ???? بأنهم يغيرون زيهم، ولا يتكلمون إلا الإسبانية، ثار أحد سلالة بني سراج واسمه فرج بن فرج، ولجأ إلى جبال البشرات، وتبعه عدد غير قليل من غرناطة، وكان منهم هادوناندو دوفلور وهو من نسل خلفاء قرطبة، فنادوا به ملكًا عليهم تحت اسم محمد بن أمية، وهناك عمت الثورة كل نواحي جبال البشرات، واستمرت هذه الفتنة سنتين وهي على منتهى شدتها، وأبلى فيها الفريقان بلاء عظيمًا، ومات منهما خلق كثير.
وقد خلع المسلمون ابن أمية لهوادته، وولوا أمرهم أحد الزعماء المشهورين ببسالتهم وشجاعتهم واسمه عبد الله بن أبيه، وما زالوا في كفاحهم حتى غلبتهم كثرة الإسبان، وشتتت جموعهم وأفنتهم بين تقتيل وتحريق وتنكيل، وبعد أن قتلوا رئيسهم عبد الله علقوا رأسه على أحد أبواب قرطبة، وبقي معلقًا عليه ثلاثين سنة، وأخذ الإسبان بعد هذه الواقعة يطردون العرب من بلادهم، وقد قدروا المطرودين منهم بعد سقوط غرناطة بثلاثة ملايين نفس، كلهم أهل نجدة وصناعة وتجارة وزراعة، وعلى أثر إبعادهم خربت غرناطة وضواحيها حتى أصبح مرجها قاعًا بلقعًا، بعد أن كان جنة الله في أرضه.
ومن ينظر إلى حالة الإسبان وهم في ضعفهم وقلتهم، يَرَ أنهم كانوا كبارًا في جهادهم لعدوهم مدة ثمانية قرون، كبارًا في دفاعهم عن حوزتهم، كبارًا في نضالهم عن حياتهم، كبارًا في نبذهم كل خلاف لهم تلقاء كل خطر يدهمهم، كبارًا في مثابرتهم على دفع ذلك الخصم القوي الذي كان يتغلب على بلادهم، حتى إذا تغلبوا عليه وانقلبت الحال بأن صار هو الضعيف بين أيديهم، لم يكونوا كبارًا معه في شيء، بل ضاعت كل محامدهم أمام التاريخ؛ للمثالب التي ارتكبوها مع العرب بعد استيلائهم على غرناطة، فقد أخفروا عهدهم ولم يوفوا لهم بذمتهم، وعاملوهم باسم النصرانية بما تبْرأ منه الإنسانية، ذلك بأن قرروا جمعهم بين مسلم ويهودي، واستصدروا أمرًا ملكيًّا بأن من لم يتنصر منهم فجزاؤه القتل!? ولما رأوا أن كثرة سفك الدماء تؤثر بطبيعتها في تهييج النفوس بما تخشى مغبته، شادوا محارق في كل عاصمة من عواصم الأندلس، وكانوا يأتون بمن بقي على دينه من العرب ويلقون به في أتون تلك الجحيم، فتصعد روحه صارخة إلى السماء، بعد أن يذهب جسمه بخارًا في الهواء. وكان قد بقي من العرب في الأندلس عدد ممن تَنَصَّر أو تدجن، وكانوا يعاملونهم أسوأ معاملة.
والمدجنون هم المسلمون الذين بقوا في البلاد التي تغلَّب عليها الإسبان؛ بسبب ضعفهم أو عدم قدرتهم على الهجرة إلى بلاد إسلامية.
وقد وضع الإسبانيون لمن بقي منهم تحت حكمهم إشارة? في لباسهم تميِّزهم عن غيرهم، سواء منهم النساء والرجال، كما جعلوا لهم قوانين خاصة بهم، منها أنه لا يجوز لمسلم أو يهودي أن يستخدم مسيحيًّا مطلقًا، ومن خالف هذا يُستولى على أملاكه، وليس لهم أن يقبلوا دعوة مسيحي، أو أن يدخلوا بيته إلا إذا كان طبيبًا، وقد حظروا عليهم معاملة المسيحيين في أخذ أو في عطاء، وإن من يفر منهم إلى بلاد المسلمين يعد أسير حرب وتضبط جميع أملاكه، ويكون هو ملْكًا لمن يقبض عليه من الإسبانيين، ومن يعارض من المسلمين في تنصير ابنه يُحْكَم عليه بغرامة فادحة؛ ولذلك كان كثير من المسلمين يقتلون أولادهم خشية تَنَصُّرهم، ومن كان من المسلمين له دَين على إسباني بعقد، لا تكون له قيمة إن أنكره المدين، إلا إذا كان مسجلًا في محكمة إسبانية، وليس لرجالهم أو نسائهم أن يلبسوا الحلل الحريرية، ولا يتزينوا بحلي الذهب والفضة، وبالجملة قد كان محرَّمًا عليهم أن يركبوا الخيل، وأن يحملوا السلاح، وأن يظهروا بأي مظهر من مظاهر الدين الإسلامي، لا بالقول ولا بالفعل، كالجهر بالشهادة أو الصلاة مثلًا. ولقد عقد القوم النية على ألا يبقى من العرب في البلاد مسحة من عمل أو أثر من طلل! فألقوا بمن بقي منهم إلى البحر، فغرق من غرق، ونجا من طال عمره إلى بلاد المغرب أشتاتًا في مناكبها، عمالًا يطلبون الحياة بعرق جبينهم، بعد أن كانوا سادة في مواطنهم، قادة في بلادهم. وقد ذكر بعض السياح أخيرًا أنه شاهَد بجوار (تمبوكتو) قبيلة اسمها (أندلوز)، ولا بد أن تكون من فلول عرب الأندلس.
ولقد سعدت بلاد المغرب بمن وصل إليها من الأندلسيين، وخاصة تونس التي فتحت أبوابها لهم، فنهضت زراعتها، وظهرت صناعتها، وبرز عمرانها، ونشطت حضارتها، من بنايات على الطراز الأندلسي، وعمارات على أحسن شكل هندسي، ممَّا لا يزالون يقيمونه في المعارض المختلفة إلى الآن، كما فقدت بهم إسبانيا رجالًا عاملين، وزُرَّاعًا متقنين، وصنَّاعًا فنانين، حتى أصبحت بلادهم قفرًا جرداء في كثير من جهاتها إلى الآن، ولولا أن صادف طردهم للعرب من ديارهم كشف كولمب لأمريكا،? وصارت لهم مصدر رزق جديد، لَهلكوا جوعًا. وبالجملة قد أجمع مؤرخو الإفرنج على أن إسبانيا لم تحلم إلى اليوم وإلى الغد بمدنية مثل مدنيتها مدة العرب، وسبحان من يرث الأرض ومن عليها. وقد استبقى القوم بعض الفنانين من المسلمين واليهود عبيدًا لهم، وحبسوهم في الأديار لنحت التماثيل، وبناء الكنائس، وتجديد بعض الآثار الفنية العربية مما لا يمكن غيرهم عمله، وآثارهم كثيرة تملأ دور الآثار بإسبانيا من نحاس مكفت بالذهب والفضة، أو عاج منقوش، وغير ذلك مما يستدعي الإعجاب والإغراب بدقة هذه الصناعة الفخمة، وقتما كانت أوربا غارقة في بحار الهمجية والوحشية، ومع هذا كله إنهم كانوا يدعون هؤلاء الصناع بالعبيد، ويعاملونهم بأقسى المعاملات، وخاصة رجال الدين الذين هم أولى الناس بالشفقة والمرحمة، وأحق الخلق بالرفق والإحسان، وقد أشار الرندي إلى ذلك في قصيدته المشهورة، قال رحمه الله:
أعندكم نبأ من أهل أندلسفقد سرى بحديث القوم ركبانكم يستغيث بنو المستضعَفين وهمأسرى وقتلى فما يهتز إنسانبالأمس كانوا ملوكًا في منازلهمواليوم هم في بلاد الكفر عِبْدَانُولو رأيت بُكاهم عند بيعهملَهالَكَ الأمر واستهوتك أحزان وقد يقول قائلهم: إن العرب كانوا أيضًا يستعبدون أسراهم. فنقول له: على رسلك، فليس الأمر في الحالين واحدًا؛ لأن أسير الحرب ينزل بطبيعته على حكم الذي أسره، وكانت هذه سُنَّةً سار عليها الناس من قديم الزمان، وقد ترى صور أسرى الحرب منقوشة على هياكل المصريين وخاصة الكرنك، وقد وُضِعت في أعناقهم السلاسل والأغلال، وقُدِّموا واحدًا واحدًا إلى الملك المنتصر ليقطع بسيفه رقابهم تشفِّيًا منهم أو إرهابًا لغيرهم، وتواريخ الرومان واليونان والفرس حافلة بذلك، حتى الفِرَق المذهبية من دين واحد إذا نشبت بينهم حروب كانت القسوة تكون متمثلة فيها كل التمثل، انظر إلى حروب اليعقوبية مع الأرثُذوكسية، والسنية مع الشيعة، والكاثوليكية مع البروتستانتية، تجدها كلها تنتهي بقسوة المنتصر، وترى هذه القسوة في الأحزاب السياسة لاختلافهم في رأي قد يكون صوابًا وقد يكون خطأ، أما هنا فليس الحال كذلك؛ لأن القوم سلموا بشروط، منها: حقن دمائهم، واحترام شرائعهم، وحفظ أموالهم وأملاكهم، والإبقاء عليهم في مواطنهم، وقد خالف الإسبان كل ذلك مع أنهم أمضوا عليه صلحهم.
ولو رجعت معي إلى حرب المسلمين لبلاد الفرس لرأيت غير ذلك، فقد كان العرب حاصروا مدينة جنديسابور من كل جهة، وكانوا يراسلون المحصورين من الجهة التي فيها القائد طمعًا بأنهم ينزلون على حكم الفاتح، وقد كاد يتم لهم ذلك لولا أن أحد العبيد — وكان على باب من أبواب المدينة — خاطبهم في تسليم البلد ولهم حريتهم في أنفسهم وأملاكهم، ففتحوا له الباب وطالبوا الفاتحين بشرطهم، فناكرهم المسلمون، وأرسلوا يستشيرون عمر رضي الله عنه، فأمضى عمر أمان العبد قائلًا: المسلمون متكافئون فيما بينهم، يجيز أدناهم على أعلاهم، وقد احترم عمر رأي عبد من العبيد لتضامنه مع بقية الجيش في كونه معهم، وفقد المسلمون بذلك ما كانوا يغنمونه من هذه المدينة، وهو شيء كثير. أما الملك فرديناند والملكة إيزابلا وكبار قومهما، فإنهم لم يرعوا لهم وعدًا، ولم يحترموا عهدًا مع أهل غرناطة.
وبقيت في البلاد بقية ممن تَنَصَّر من العرب (ويسمونهم مورسك)، اندمجوا فيهم وتكلموا لغتهم، ولكنهم حافظوا من جهة أخرى على لغتهم العربية، فكتبوها بالأحرف الإسبانية، ويسمونها الخميادو، ولا تزال فيها كتب كثيرة مكتوبة بالأحرف الإفرنجية، ولكن من يطَّلع عليها يجدها لغة أخرى غير العربية، لما صادفها من التحريف والتصحيف، ومن هذا أن اللغة القبطية القديمة كتبها أهلها مدة الدولة الرومانية بالأحرف اليونانية، وقد دخل عليها كثير من التحريف، فأصبحت لا مصرية ولا يونانية.
وهنا ذكرت ما بدا لإخواننا الأتراك من نبذ قواعد الكتابة التركية، وتغييرهم حروفها بالحروف اللاتينية، ولا بد أن يصادفهم ما صادف العرب من الخميادو، فتصبح اللغة التركية لا شرقية ولا غربية، وبذلك يقضون على مجدهم القديم، وتاريخهم الذي كله جلال وعظمة.
ولغة الإسبان الآن وإن كانت من اللغات اللاتينية، ترى فيها كثيرًا من الألفاظ العربية بتحريف يسير أو تصحيف قليل، وكثيرًا ما ترى الأسماء العربية منتشرة في القوم بشيء من هذا التحريف، مثل NASSARE نصار، RABADANE رمضان، CALAF خلف، وقد عقد الأستاذ العلَّامة أحمد زكي باشا بابًا كثير الأهمية في هذا الموضوع برحلته «السفر إلى المؤتمر». وبالجملة كل كلمة عندهم مبتدَأة بأداة التعريف (ال) فهي عربية، مثل: القاضي “ALCALDE”، القائد، المنارة، الكرازة، الفارس، الوادي الكبير، الروضة، الأبيار “ALAVIARE”، المحراب، الإنبيق، الساقية، الربض، القصر “ALCASARE”، القنديل، الفندق، القصبة، المسجد، القميص، السروال. ولقد كنت أود أن أُكثِر لك من هذه الأسماء، لولا أن ذلك يستدعي تحليلًا في لغة القوم، وأنا أجهلها، وجهلي بها حالَ بيني وبين معرفة كثير من شئون البلاد في حاضرها وغابرها، نعم كان معي دليل يعرف بعض الفرنسية، ولكن الأدِلَّاء هنا هم أشبه الناس في مهنتهم بهؤلاء الذين تراهم على أبواب شبرد والكونتيننتال بمصر، وعلى مدخل الكرنك وغيره من هياكل الصعيد، إلا أن الحكومة المصرية بدأت تهتم بشأن هذه الطائفة التي يسمونها تراجمة، وأذكر أنها قررت عمل امتحان لهم في مهنتهم الإرشادية إلى الآثار المصرية، وحسنًا فعلتْ، ولو أن دار الآثار تحفل بوضع كراسة صغيرة بالعربية عن آثارها بمصر، حتى يمكن أن ينتفع بها أبناؤها الذين لا يعرفون البحث في كتب الآثار التي باللغة الأجنبية لَكان لها فضل يُذكر بجانب هذه الفائدة الكبرى التي تعود على البلاد من وراء هذا العمل السهل المفيد.
وبهذه المناسبة أذكر أني كنت في زيارتي للكرنك في الشتاء الماضي، وكان به تلامذة صغار أتوا من بعض مديريات الصعيد لزيارته مع أستاذهم الذي كان يشرح لهم تاريخ هذه الآثار، وكان شرحه يدور حول كلمتين: «إعجابه من ضخامة الأحجار التي بُنِيت بها هذه الآثار!» واتفق وجود حسن بك الدجوي مدير أسوان، فأخذ يشرح للتلاميذ تلك الآثار شرحًا دقيقًا يتفق وسنهم. ولا شك أن هذا الأستاذ معذور؛ لأنه لو كان يعلم أكثر من ذلك لما ضن به على تلاميذه، وهذا نقص كبير في حكومتنا التي قد يذهب اهتمامها بالتافه من الأمور إلى الحد الأقصى، ويصل تقصيرها عن النافع منها إلى حد لا مثيل له في الحكومات الأخرى!
(?) للعبرة والتاريخ

وصل طارق بالفتح إلى منحدرات جبال البيرينات التي يسكنها قوم يسمونهم الباشكنس (الباسك)، واحتل العرب كل جهات الجزيرة إلا جزءًا يسيرًا في غربيها الشمالي قرب خليج غسقونية على نهر دافا، كان العرب يسمونه الصخرة، والإسبان يسمونه كوفادونجا، لجأ إليه فلول من القوط? وغيرهم، وانتخبوا للإمارة عليهم رجلًا من سلالة لذريق آخر ملوك القوط، اسمه بلايو، وكان أهلوه يعتصمون بما فيه من الحصون والمعاقل الطبيعية، ويستميتون فيها دفاعًا عن وجودهم وحياتهم. وكان رأي طارق أن يطهِّر الجزيرة من سكانها الأصليين، وأن تكون جبال البيرينات جميعها في يد المسلمين، حتى يكونوا في أمن من هذه القلة التي كانت تسكن رأس البلاد، وهي أشبه شيء بالجراثيم الضارة التي إن أُهملت كثرت إلى الدرجة التي ينوء الجسم بحملها، ولكن جوازه إلى الشرق مع موسى بن نصير حال بينه وبين تنفيذ هذه الفكرة السديدة الثاقبة، وبقي القوم جاثمين في أغوارهم يُظْهِرون للعرب الطاعة والإخلاص غير مخلصين، وقد يرشدونهم إلى عورات الفرنجة فيما وراء (البيرينات) بل يساعدونهم عليهم، لا محبة في العرب، ولكن دفاعًا للفرنجة عن كيانهم من الشمال، كما كانوا يدفعون العرب عنه من جهة الجنوب، وما زال هذا شأنهم في سياستهم الحيوية حتى كوَّنوا لهم دولة سموها ليون، وأقاموا عليها ملِكًا منهم، ثم أخذت أطرافها تمتد إلى الجنوب الشرقي حتى تمخضت عن مولود جديد سموه قَشتالة، قام بتدبيره أمير منهم، ثم آل أمره إلى أن صار ملكًا، واستمرت أملاكهم تمتد إلى الشرق ببطء لا يظهر معه خطرهم، حتى ظهرت مملكة ثالثة سموها نافاريا، ثم انتهى الأمر بوجود مملكة رابعة في الشمال الشرقي للبلاد سموها أراغون، وكانت هذه الممالك تعمل على الدوام لحرب العرب بطريق مباشر أو غير مباشر؛ فكانوا إذا آنسوا من العرب قوتهم التي لا قِبَل لهم بها، أخذوا يدسون الدسائس بين ولاة الأطراف بكل وسيلة ممكنة، ويحتالون للوقيعة بينهم، فتدب البغضاء في قلوبهم، ويظهر الخلاف في دوائر حكمهم، وينتهي أمرهم بأن يشن كل قبيل حربه على الآخر لسبب تافه، وهنالك تضطر الإمارة العامة إلى التدخل بينهما لردع الفئة الباغية بسيفها، وفي هذه الأثناء قد تثور فئة ثالثة ضد رابعة، فتُسَيِّر الإمارة جيشًا آخر للفصل بينهما، وقد يكون تأثير هذه العوامل المفسدة في إشعال نار الثورات في القبائل ضد عرش البلاد لسبب قد لا يكون وجيهًا، فيشتغل الأمير أو الخليفة بالحرب في داخل بلاده، حتى إذا أخمد النار من جهة تأججت في جهة أخرى، وفي هذه الحالة قد ينهض الإسبانيون لشن غاراتهم عليه لاعتقادهم ضعفه، فإن كانت الغلبة لهم زادوا في دائرة حكمهم إلى الجنوب، وإن كانت عليهم أخذوا يتزلفون إلى الأمير بعبارات الأسف والتوبة بما يحسن عليه سكوته لتفضيله للسلم، حتى يتفرغ للنظر في شئون بلاده التي شغلته عنها كثرة الحروب. ولقد كان هذا حال المسلمين من منتصف القرن الثاني للهجرة إلى منتصف القرن الخامس، لم يهدأ لهم بال في حرب ولا في سلم من فعل ملوك قَشتالة وليون وأراغون، إلا في الأوقات التي كان فيها بأسهم فيما بينهم لخلافهم على الملك، وكثيرًا ما كانوا في زمن ضعفهم يؤدون الجزية لأمراء المسلمين وخلفائهم، وقد ظهرت تبعيتهم تامة واضحة لعبد الرحمن الناصر في النصف الثاني من حكمه، ولما وفد عليه سفراء ملوك الأستانة والفرنجة لتهنئته بالخلافة ولتوطيد دعائم التقرب والمحبة بينهم وبينه، وفد عليه ملوك الإسبان متقدمين بطاعتهم له وولائهم إليه، وبقوا على ذلك إلى أن تمزقت الدولة الأموية إلى ملوك الطوائف، فأخذوا يتسعون في ملكهم، ويضاعفون من قوتهم، ويرمون ملوك المسلمين بعضهم ببعض، وقد كانوا يأخذون الجزية من ضعفائهم، إلى أن انقطعت بحكم المرابطين ثم الموحدين، فلما ضعف سلطانهم، أخذ ملوك الإسبان يزحفون من الشرق والغرب على الأندلس، ويستولون من البلاد على أطرافها، حتى ألجَئوا العرب إلى الانحسار إلى غرناطة التي آل أمرها إلى أن كانت تدفع الجزية لملوك قَشتالة زمنًا طويلًا، وانتهى بها الحال بأن سلمت إليهم مفاتيح البلاد، بعد أن خارت عزيمتها وضعف أمرها أمام قوة هذه الفئة التي كانت في القرن الأول لحكم العرب صغيرة ضعيفة متشردة في سفح (البرينات) وساحل خليج غسقونية، بحيث لم يُعِرْهَا الفاتحون عناية ما، وما كان يخطر على بالهم أن هذا البُغاث سَيَسْتَنْسِرُ يومًا من الأيام، وذلك الرميس سيستأسد، وتلك القلة ستكثر إلى الحد الذي استكانت أمامه قوة الفاتحين، وانهار عرش سلطانهم تحت تأثير معاولها.
هوامش

(?) الأمثلة العملية على سماحة الدين الإسلامي كثيرة، منها أن علي بن أبي طالب — كرم الله وجهه — وقف وهو بمركزه من الدين والعصبية بجوار رجل يهودي أمام عمر بن الخطاب في قضية له عليه، فسأله عمر بكنيته، فطلب إليه عليٌّ العدل بينهما قائلًا: لا تكنني يا أمير المؤمنين وأنا بجانب خصمي.
وكان الخلفاء وهم في قوتهم وعصبيتهم الدينية يحترمون عقائد شعوبهم؛ ولذلك تشعبت في مدتهم المذاهب الدينية، وكانوا يحترمون المتدينين من أهل الذمة، سواء أكانوا من النصارى أم من اليهود، وكانوا يوظفونهم في حكومتهم، فكان منهم الأطباء والوزراء، وكان المتوكل العباسي على صلابته في دينه وتعصبه للسُّنِّيَّةِ يؤاخذ النصارى على عدم تمسكهم بدينهم، كما فعل مع طبيبه حنين، وكان بلَّغه أنه تفل على صورة السيدة العذراء، فحَدَّه وسجنه.
وفي أيام المعتضد بالله قامت العامة على رجل من النصارى واتهموه بأنه سب النبي، وأحضروه بين يدي الوزير القاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحد عليه، ولكنه صرفه لتحققه عدم صحة دعواهم.
وقد صلب الخليفة الحكم بن الناصر أحد عماله؛ لأنه بلغه أنه ظلم أحد أهل الذمة.
وقد وصل كثيرون من أهل الذمة إلى مناصب الوزارة، كعيسى بن نسطورس النصراني، ومنشا اليهودي، وكانا من وزراء العزيز بالله الفاطمي، ومنهم إسماعيل بن نغزلة اليهودي الوزير بغرناطة.
بل إن الدول النصرانية كانت تلجأ إلى سماحة الإسلام وعدالته، فقد أرسلت حكومة المجر في سنة ???? مدة السلطان أحمد الأول سفيرًا إلى الأستانة يرجوه أن يجعل المجر تحت حمايته من ظلم النمسا المسيحية واسترقاقها للمجريين.
أما الأحاديث والأوامر الدينية التي توصي بأهل الذمة، فهي كثيرة جدًّا، ولكنَّا اقتصرنا على ذكر الوقائع العملية لتكون أمتن في الحجة على ما فعله الإسبان مع العرب من ظلم لا تسعه مغفرة التاريخ.(?) لما فتح المسلمون الجزيرة (العراق) هربت قبيلة إياد ودخلت بلاد الروم، فكتب عمر إلى هرقل بردها، فأخرجها هرقل من دياره، وكان على الجزيرة الوليد بن عقبة، فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، فكتب إليه عمر: «دعهم على ألا يُنَصِّروا وليدًا، ولا يمنعوا أحدًا منهم من الإسلام.» ثم عزل الوليد عنهم لسطوته وشدته. فانظر الفرق بين المعاملتين!
وفي مدة السلطان إبراهيم الأول العثماني استولى الأسطول التركي سنة ????م على خانية عاصمة كريد، وكان نصارى الجزيرة يساعدون البنادقة الذين كانوا متسلطين على الجزيرة ضد جيوش الأتراك، وأحرقوا فعلًا مدينة بتراس وغيرها من الثغور، فأراد السلطان إزاء ذلك أن يقتل جميع النصارى بالجزيرة، ولكن المفتي أسعد زاده عارضه في هذا الأمر معارضة شديدة، قائلًا إنه مخالف للشرع الإسلامي، وبذلك لم يقع سلطان العثمانيين في مثل هذه الشناعة التي وقع فيها ملوك الإسبان أمام الله والتاريخ. (?) جاء في الجزء الأول من المقري وصف ابن سعيد المؤرِّخ للقاهرة عند زيارته لها في أوائل القرن السابع الهجري، وهو الوقت الذي كانت فيه الحروب الصليبية قائمة على ساقها بين نصارى الغرب الذين أشعلوا في عامة أوربا جذوة الحرب الدينية ضد مسلمي الشام ومصر: «والنصارى بالقاهرة يمتازون بالزنار في أوساطهم، واليهود بعمائم صفر ويركبون البغال ويلبسون الملابس الجليلة.» ومن هذا تعلم أن تلك الحرب — على شناعتها وصبغتها الدينية — لم تحرك حقد المسلمين في مصر والشام ولا في غيرهما ضد النصارى الذين كانوا يعيشون بين أظهرهم، ولم يكن تغايُرهم في زِيِّهم إلا لتمييزهم من غيرهم، كما ميزوا الأشراف بعمائم خضر سنة ????، زمن السلطان الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون، وفي ذلك يقول ابن جابر الأندلسي نزيل مصر:جعلوا لأولاد النبي علامةإن العلامة شأن من لم يشهرنور النبوة في وسيم وجوههميُغْنِي الشريف عن الطراز الأخضروإذا كان قد صادف النصارى أو اليهود شيء من الاضطهاد في بعض الدول الإسلامية، يكون ذلك إما انتقامًا لأثر سيئ ظهر من جهتهم، ليس للتعصب الديني أثر فيه، أو استبدادًا من بعض الملوك الذين لم تقتصر نقمتهم على من خالفهم في دينهم وفي مذهبهم الديني فحسب، بل كثيرًا ما كان ينال ظلمهم كل طبقة من رعاياهم، لسبب أو لغير سبب، وخصوصًا في دول المماليك، ومن ذلك ما أمر به صلاح الدين بن محمد بن قلاوون في سنة ????، من أن الفلاحين بمصر لا يركبون الخيل ولا يحملون السلاحَ!(?) نقل بعضهم عن الإدريسي أنه خرج من أشبونة ثلاثة إخوة من العرب هائمين في بحر الظلمات، جادِّين في الوصول إلى بر وراءه، ويقال إنهم عثروا على جزيرة سكانها حمر، فإذا صح هذا كان العرب أول من استكشف أمريكا.(?) انتهت دولة القوط بموت لذريق آخر ملوكهم في حربه مع طارق، ومن بقي منهم اندمج في البشكنس وغيرهم ممن بقي من العناصر الإسبانية في شمال البلاد، كما اندمج كثير منهم في سواد الفاتحين. وكانوا لا يزالون يذكرون هذا اللفظ إلى ما بعد الدولة الأموية، ومن ذلك ابن القوطية، ذلك العالم المسلم الكبير الذي مات سنة ????، وقد سأل الحكم بن الناصر أبا علي القالي: مَن أنبل مَن رأيته في اللغة ببلدنا؟ فقال: محمد بن القوطية.
الرسالة العاشرة


من غرناطة إلى برشلونة
كنت أود كثيرًا أن أسافر من غرناطة إلى برشلونة من شرقي الأندلس حتى أشاهد مالقة، والمرية، ومرسية، وبلنسية، تلك المدن التي كان لها شأن عظيم في الدول الإسلامية، ولكن مما يؤسَف له أن الطريق يكاد يكون غير مسلوك في الصيف على الخصوص؛ لقلة المسافرين، ولكونه يستدعي تغييرات كثيرة في فروع متعددة ليست أسباب الراحة متوفرة فيها؛ لذلك اضطررت إلى العودة إلى مدريد، ومدينة طليطلة على بعد تسعين كيلومترًا منها إلى الجنوب، وكانت عاصمة القوط، ففتحها طارق بن زياد سنة ???م، وما زالت تحت حكم الخلفاء حتى استقل بها سنة ????م إسماعيل ذو النون فيمن استقل من ملوك الطوائف، ثم استولى عليها القشتاليون سنة ????م، وجعلوها عاصمتهم ومكان قوَّتهم الحربية.
ومن آثار العرب فيها كنيسة سنتا ماريا التي كانت مسجدًا فخمًا، ثم كنيسة سنتا ماريا دي ترنزيتو وكانت مسجدًا جميلًا، وقد غيَّر اليهود الذين كانوا يعملون فيه وقت تحويله إلى كنيسة ما كان فيه من الكتابة العربية إلى كتابات عبرية. ومن آثارهم أيضًا فيها القنطرة التي على نهر التاج، ولا يزال اسمها «القنطرة»، وكان للمأمون بن ذي النون بطليطلة قصر في منتهى الجمال والفخامة، وفيه يقول أبو محمد المصري:
قصر يقصر عن مداه الفَرْقَدعذبت مصادره وطاب الموردنشر الصباحُ عليه ثوبَ مكارمفعليه ألوية السعادة تعقدوكأنما المأمون في أرجائهبدر تمام قابلته أسعدوكأنما الأقداح في راحاتهدرٌّ جُمان ذاب فيه العَسْجَد وقبيل مدريد محطة أرانجوويز، وللملك فيها قصر جميل اسمه «دار الفلَّاح»، ذكرتني بدار الفلاح التي أقامتها جريدة السياسة الموقرة في المعرض المصري في أوائل الربيع الماضي، وقد كانت هذه الدار لأحد الفلاحين، فاستحسن ملك إسبانيا مركزها فأهداها إليه ذلك الفلاح، ومع ما دخل عليها من الإصلاح الذي جعلها جديرة بسكن الملك، لا يزال يُطلَق عليها اسم «دار الفلَّاح».
وفي الساعة التاسعة صباحًا قام القطار السريع من مدريد إلى برشلونة، وسار في طريق صحراوي كانت تكثر فيه المزارع كلما قربنا من سرقسطة، وهي مدينة عظيمة في منتصف المسافة بين مدريد وبرشلونة، وتبعد عن مدريد بأربعمائة وواحد وأربعين كيلومترًا، وكانت هذه المدينة من أكبر المدن العربية وأشهرها، وما زالت في حكم العرب من مبدأ الفتح إلى سنة ????م، وفيها تغلَّب الفرنجة عليها فيما تغلبوا من شمال إسبانيا، فتركها بنو هود إلى طليطلة، وأقاموا فيها إلى أن سقطت هي أيضًا في يد القشتاليين. وفي سنة ???? هدم القوم مسجد سرقسطة وبنوا مكانه كنيستهم الجامعة (الكاتدرائية)، ولم يبقَ من آثار العرب في هذه المدينة غير قصر الجعفرية الذي بظاهِر المدينة، وفي جانب منه الآن ثكنة للجنود، ولا يزال بهذا القصر قبة جميلة كانت لمسجد القصر، ويُدْخَل إليها بإذن من القائد العسكري بهذه الجهة، وقد كان لهذا القصر باب جميل من النحاس البديع الصنع، وهو الآن بمتحف مدريد، وكان بجوار هذا القصر قصر السرور الذي يقول فيه المقتدر بن هود:
قصر السرور ومجلس الذهببكما بلغتُ نهاية الأَرَبلو لم يحُزْ ملكي خلافكماكانت لديَّ كفاية الطلب وعلى طول هذا الطريق ترى تلالًا عليها بعض بقايا الحصون العربية التي كان يسكن إليها حُماة هذا الإقليم مدة حكمهم، وأهمها قلعة أيوب.
وما زال القطار سائرًا وعلى يساره الجبل، وعلى يمينه المزارع الجميلة التي هي أثر لنظام الري الذي عمله العرب في هاته الجهة، حتى وصل إلى برشلونة الساعة العاشرة مساء.
(?) برشلونة

يبلغ عدد سكانها ??? ألف نفس، وهي ألطف مدينة إسبانية وأنظفها وأرقها، وهي العاصمة الثانية بعد مدريد، ولكن لمركزها على البحر الأبيض المتوسط تجد درجة الحرارة فيها لا تزيد عن ?? سنتجرادًا في الصيف، ولا تنقص عن ? في الشتاء، وبالجملة فبرشلونة لا تُعَد من المدن الإسبانية، سواء في ذلك مناخها ومناظرها ورقة أهلها، مما جعلها موردًا للأجانب على اختلاف أجناسهم، هذا للنزهة، وذاك للتجارة، والآخر للترويح عن النفس تحت سمائها الصافية وجوها المعتدل.
وتنقسم المدينة إلى قسمين: المدينة القديمة، وشوارعها ضيقة بعض الضيق وأبنيتها على النظام القوطي، والمدينة الجديدة، وشوارعها واسعة وأبنيتها كلها على النظام الإفرنجي الجميل.
وفي برشلونة ميادين كثيرة، أهمها ميدان كتالوني، وهو مكان الحركة التجارية العمومية، وإليه تنتهي الفروع الكثيرة المختلفة لطريق المراكب الكهربائية والتي تخترق شوارع المدينة كلها، وهذه المراكب الكهربائية وكذلك الأنوار الكهربائية التي بالمدينة تستمد قوتها من التيار الكهربائي العظيم الذي تولِّده جنادل (شلالات) — ترومب — على نهر أبرة، وعلى بعد مائتين وثمانية كيلومترات من برشلونة، وتبلغ قوتها مائة ألف (فولت).
وتكثر في هذه المدينة الملاعب من كل صنف وكل نوع، وقد عددت في شارع واحد منها نحو عشرة يجاور بعضها بعضًا، مما يدل على أن مزاج أهلها ميال للسرور ميلًا عظيمًا، ويظهر أن حركة الناس لا تنقطع في الليل إلى قبيل الصبح؛ لأني استيقظت الساعة الثالثة بعد نصف الليل ونظرت من نافذة غرفتي، فوجدت الناس على إفريزَيْ الطريق، وهم في ذهابهم وروحاتهم كما كانوا تقريبًا بعد العشاء، ولو كان اليوم يوم أحد لقلت ذلك لهم لأنه يوم راحتهم من أعمالهم، ولكنه كان في وسط الأسبوع، ولا أقول إنهم يعملون ليلهم ويرتاحون نهارهم على قانون قره قوش في عصر الأيوبيين، لأني وجدت الحركة العمومية كعادتها غاية في النشاط في الساعة التاسعة صباحًا، ويظهر أن مسألة السهر عادة في بلاد إسبانيا كلها، أصبح القوم معها يكتفون في نومهم بقليل من الزمن.
وفي المدينة كنائس جميلة، وهم يبنون الآن كنيسة اسمها «سجرادا فامليا»، وقد تغالوا في تأنقهم في مبانيها بشكل لا يمكن أن تتم معه قبل خمسين سنة، وفي شمال المدينة جبل «تابيدابو»، ويُصعَد إليه (بالفنيكولير) في طريق طوله ??? مترًا بين غابة جميلة من الصنوبر، وفي سطح هذا الجبل ترى فندقين وقهوات وبعض الملاهي، منها مراكب كهربائية تسير معلقة في سلك القوة الكهربائية في الجو في طريق منعرجة إلى جانب الجبل، بحال تقف النفس أمامها بين راغبة في ركوبها وراهبة منها.
وفيه أيضًا أرجوحة من أراجيح الصناديق الحديدية، قُطْر دائرتها نحو خمسين مترًا، فإذا صعد الإنسان إلى أعلاها وجد منظرًا من أحسن المناظر، يطل من جهة على البحر الأبيض المتوسط، ومن أخرى على جبال (البيرينيه)، والمدينة بين هذا كله كأنها صحيفة جغرافية.
وإلى الجنوب الشرقي متنزه (بارك) غاية في الجمال في منحدر الجبل بمدرجات لطيفة، وفي وسط هذا المتنزه فندق «جراند أوتيل»، وفي وسطه أيضًا قام مثال إسباني، وهنا تذكرت عدم اهتمام بلادنا بالفنون الجميلة، ولولا عناية الأمير يوسف كمال بها وبفتح مدرستها من سنوات، لما كان لفنَّيْ التمثيل والتصوير ذكر في مصر.
وبالجملة إن برشلونة مدينة إفرنجية صرفة، وليس للعرب فيها من أثر؛ لأنهم استولوا عليها سنة ????، ثم أخذها منهم شارلمان في سنة ???، إلى أن أخذها منه الإسبان، لذلك أرجوك أن تسمح لي أن يُسَد باب الكلام عنها؛ لأنها لا تهمنا في موضوعها ولا في مدنيتها شيئًا.
وتقرب من برشلونة معادن الزئبق، وكيفية استخراجه أن تُغلى حجارته في آنية من الفخار، فيسيل ما عليها من الزئبق، ويصعد على وجه القدر، ثم يسير منها في أنابيب توصله إلى خزانات يجتمع فيها. وكانت العرب تستغل هذه المعادن زمن وجود هذه المنطقة في حكمهم. وتقرب من هذه الجهة مناجم البوتاس، وهي في يد شركة بلجيكية.
ولقد كنت عقدت النية على زيارة بلنسية من طريق برشلونة؛ لأنها في الجهة التي بلغت عناية العرب بها في مسائل الري كل مبلغ، فقد شقوا أنهارها، وحفروا ترعها، وأجروا خلجانها، وسيروا إليها الماء من جبال (سيرانوفادا) التي هي مقر الثلوج المستديمة في الجنوب الشرقي من الأندلس، وبنوا على الترع قناطر كثيرة لحجز المياه، ووصولها إلى المناطق العالية، حتى أصبحت هذه المنطقة جنة من الجنان، وكانت دورة الزراعة فيها ثلاثية في السنة في مدتهم، وهي للآن الجهة الوحيدة التي تتجلى فيها آثار العرب بكل مظهر في إسبانيا؛ لأن أرضها تنتج الزراعات المنتظمة في كل أدوار السنة، فتُزرَع فيها الفاكهة والقمح والذرة والبنجر والدخان والأرز والخضر، وخصوصًا البصل الذي بوفرته فيها قد يؤثر في حال البصل المصري في أسواق أوربا، والقوم الآن يجربون فيها زراعة القطن.
نعم، كنت عقدت النية على زيارة بلنسية التي دخلها العرب سنة ???م وبقوا فيها إلى سنة ????، حتى استولى عليها منهم چم الأول ملك أراغون بعد حصار طويل من البر والبحر، وهي إلى الآن لا يزال فيها الأثر الحيوي للعرب، ذلك الأثر الذي لا يمحوه الزمان، ولا يمكن أن ينكره الإسبان على ممر الأيام؛ لأنه مصدر حياتهم ومستقى ثروتهم، ولكني عندما حضرت إلى برشلونة كنت في شدة التعب من شدة ما عانيته في جنوب إسبانيا من الحر، وخاصة بعدما سمعت بأن جو بلنسية حار جدًّا، بل هو أشد في حرارته مما رأيته في قرطبة وإشبيلية، وهو الذي قال فيه عبد الرحمن الأوسط أمير الأندلس حين سار لغزو جِلِّيقِيَّة:
فكم قد تخطيت من سبسبولاقيت بعد دروب دروباألاقي بوجهي سموم الهجيــر إذ كاد منه الحصى أن يذوبا لذلك طويت صحيفة جولتي في هذه البلاد، وأنا آسف كل الأسف لهزيمة عزيمتي أمام قوة الطبيعة وشدتها، راجيًا أن يوفقني الله تعالى إلى عودتي إليها في أحد الربيعين، حتى أدرك في غدي ما فاتني في يومي.
والآن وأنا أكتب كلمتي الأخيرة عن إسبانيا، والجرائد الفرنسية تشير إلى ما فيها من أثر عصيان أقسام من رجال المدفعية في جملة من نواحيها، وينسبون ذلك إلى ما صادف ضباطهم من الغبن على أثر رقي الضباط الذين كانوا ولا يزالون في الريف، أسمح لنفسي أن أقول للقراء الحقيقة التي فهمتها وأنا في تلك البلاد التي لا تزال تحت عبء ثقيل من الأحكام العرفية؛ لهذا كنت ترى أهلها يكرهون المارشال دي ريفييرا الحاكم المطلق فيها، وقد بدءوا يتذمَّرون من الملك؛ لتسليمه أمور البلاد إلى هذا الطاغية، وقام منهم جماعة يعملون لإسقاط الملكية وإعلان الجمهورية، وجعلوا مركزهم مدينة سان جان دولوز الفرنسية، والتي بجوار الحدود الغربية الشمالية الإسبانية، وعملوا فعلًا للقبض على الملك في سان سباستيان في إحدى نزهاته بها لإرغامه على التنازل عن الملك، وقد مر بك في كلامنا على هذه المدينة أنه كثيرًا ما تراه يتنزَّه بها من غير حرس، ولكنهم لم ينجحوا في تدبيرهم لسفره إلى مدريد، وهنالك وضع يده في يد دو ريفييرا للقضاء على هذه الفتنة التي تشير البرقيات إلى انتهائها على خير، ولا يعلم إلا الله ما تحت رمادها الذي يظهر للناس هادئًا مطمئنًّا.
وهنا يجمل بي أن أشير إلى طرف من الأحكام العرفية وشدتها، مما لم أكن أريد التحدث به لولا هذه الحركة، لأنه لا يهمنا نحن المصريين في شيء، فإنه خارج عن موضوع سياحتي التي أعلنت الشرطة الإسبانية عنها أنها تاريخية محضة، وذلك أن الشرطة الملكية والعسكرية كانت تنتشر في عربات السكة الحديدية بعد قيام القطار من كل محطة رئيسية، ويسأل كل مسافر عن جواز مروره، سواء أكان من أهل البلد أم من الأغراب، ذكرًا كان أو أنثى، وقد يسألون الشخص عن الجهة التي يقصدها، وعن سبب سفره إليها، وعن مدة إقامته فيها، وقد صادفت وأنا في طريقي إلى برشلونة أن شخصًا بعينه سألني عن ذلك مرات على جملة خطوط أخرى، فأردت أن ألفت نظره إلى ذلك، ولكنه أجابني بكل هدوء: «نعم أعرف ذلك، ولكني أؤدي واجبي في معرفة وجهة كل مسافر.» فأذعنت لأمره، وبعد أن اطلع على جواز السفر، سألني عن وجهتي وعن المدة التي أقيمها فيها، وعن الفندق الذي أنزل به، فأجبته بما حسن سكوته عليه، وانصرف إلى غيري بسلام. وكان بجواري قسيس فطلب إليه جوازه، فاستنكر القسيس ذلك لما للقسوس من عظيم الجاه في بلادهم، ولكن رجال الشرطة يعرفونه حق المعرفة، فألح الضابط في ضرورة رؤية الجواز، واستمر القسيس في عناده، وهنالك انبرى له أحد الركاب في الديوان الذي كنا فيه بعبارات التوبيخ القارص حتى أذعن لأمر الضابط صاغرًا، وحمدنا الله على أن ترك القسيس بعدها الديوان وانصرف إلى غيره، ولعل ذلك من خجله، وقد عرفت بعدها أن الشخص الذي كان معنا من كبار الحكام.
أما في الفندق، فكانوا يطلبون الجواز وبعد أن يتحققوا من صورة صاحبه يأخذون رقمه وإقرار المسافر بخطه على كل ما فات من البيانات، ومن هنا تعرف أن شدة الأحكام العرفية هي من أسباب تلك الحركة التي لا يعلم إلا الله ما وراءها.
وهناك أثر آخر سيئ في نفوس الناس من الهزائم المتوالية في حرب الريف، سواء في ذلك أولها مدة عبد الكريم الذي خُدِعَ بمواعيد فرنسا الطويلة العريضة حتى نزل من سنام مجده، ومن منعة زعامته التي وصل بها في أول أمره إلى أسمى فخر وصل إليه الزعماء والرؤساء، وطبَّق صيته ما بين الأرض والسماء، فأسلم نفسه إلى فرنسا، لا بعامل الجبن والهزيمة والضعف، ولكن بعامل الطمع في تحقيق تلك الآمال التي فسحوا له في دائرتها بالوصول إلى سلطان أوسع، حتى انتهى أمره بالنفي إلى جزيرة صغيرة من جزر الأقيانوس هو وأسرته مقهورين غير مشكورين، لا من الفرنسيين ولا من غيرهم! وسواء في مدة الزعيم الجديد الذي لا يزال هو والقبائل التي بقيت معه يُصْلِي الدولتين نارًا، ويضرم في قلوبهم من متانة موقفه معهم جمرًا وشرارًا، بما جدد اليأس في قلوب الإسبان، وتحققوا معه أن ليس لهم بالاستمرار في الحرب مع هذا الزعيم الجديد يدان، بعد أن كانوا قد طووا صحيفتها مع الزعيم القديم، كل هذا أثَّر في الناس حربيين وغير حربيين، حتى ظهر دخان ثورتهم في وسط المدفعية، ومع أنهم يقولون إن دي ريفييرا قبض على ناصية الحركة في البلاد بيده الغشوم، لا يدري أحد ما لذلك من رد فعل، وأن الجندية تقهقرت لتهجم، والأمة ربضت لتثور، والله عليم بمصير الأمور.
(?) للعبرة والتاريخ

قبل أن أترك أرض إسبانيا أرى من الفائدة ذكر كلمة عن تاريخها وحالة أهلها، يعرف من يطَّلع عليها أن إسبانيا العربية غير إسبانيا الحالية، سواء في ذلك مدنيتهما وقوتهما المادية والمعنوية.
إسبانيا تكوِّن مع البرتغال الجزء الممتد من جنوب أوربا إلى البحر، ومساحتها وحدها ?????? كيلومترًا مربعًا، وإذا أضفنا إليها ممتلكاتها في جزر البليار (ومساحتها ???? كيلومترًا)، وفي جزر كناريا (ومساحتها ???? كيلومترًا)، وفي مراكش (ومساحتها ?? كيلومترًا)، كان مجموع مساحتها مع أملاكها ?????? كيلومتر مربع. أما عدد أهلها، فكما جاء في إحصاء سنة ???? «????????» من النفوس، وقد زاد هذا العدد نحو مليون نفس في مدة ?? سنة، فتكون الزيادة في هذه المدة خمسة ونصفًا في المائة من السكان، وهي زيادة قليلة جدًّا بالنسبة لزيادة الأمم الأخرى.
وإذا وازنَّا بين زيادة الأنفس في إسبانيا وزيادتها في القطر المصري، رأينا أن تعداد هذا القطر في سنة ????، وهي المدة التي تقابل زمن تعداد إسبانيا تقريبًا، كان ??????? من النفوس، وإن تعداده في سنة ???? كان ???????? من النفوس، فتكون الزيادة في عشرين سنة هي ثلاثة ملايين نفس تقريبًا، وهي ثلاثة وثلاثون في المائة من عدد السكان.
وعلة عدم زيادة الأهالي في إسبانيا هي عدم عنايتهم بأطفالهم، لأنهم لا يهتمون بالمسائل الصحية، ويظهر أنهم ورثوا ذلك من زمن بعيد، حين كان القسوس يحرِّمون عليهم الاستحمام حتى لا يتشبهوا بالمسلمين في تطهرهم وفي وضوئهم، ولعلهم يشاركون بعض فلاحينا في عدم تنظيف أولادهم خشية عيون الحاسدين؟!
وترجع العلة من جهة أخرى إلى كثرة هجرتهم طلبًا للعيش؛ لأن أسباب الحياة تضيق بهم في بلادهم، إما لقحولة قلب البلاد لكثرة ما فيها من السلاسل الجبلية، أو لقلة الأنهر في الشمال والغرب، ولأن الموجود منها تجف مياهه في أكثر أيام السنة، وهذا لعدم اهتمام الحكومة بالمسائل العامة، لأنها في طول أدوار حياتها في يد قوم لا يهتمون إلا بأنفسهم، وهم الأشراف والقسوس ورجال الحرب، ولا يزال في أيدي الأشراف والقسوس أغلب الأراضي الخصبة، وهي تلك الإقطاعات الواسعة التي كان يجود بها الملوك على كل قبيل منهما، وهذا عدا الأوقاف الكثيرة التي كان الأهالي يرصدونها للكنائس، وكل ذلك غير ما تأخذه هاتان الطائفتان من المرتبات الشهرية التي لا تزال تبهظ ثروة الحكومة، وحسبك أن تعرف أن عدد القسوس في إسبانيا الآن يزيد على سبعين ألفًا، وأن في أيديهم التعليم في جميع طبقاته من ابتدائي وثانوي وعالٍ؛ ولهذا أصبح لهم النفوذ الشامل في البلاد من أقصاها إلى أقصاها.
وأول ما يعرفه التاريخ من أمر إسبانيا أنها كانت مسكونة بالبسك أو الفندال قبل أن يلتجئوا إلى جبال (البرينات)، ثم بالأيبيريين الذين قدموا من الجنوب.
وفي أواخر القرن الخامس قبل المسيح احتل الفينيقيون هذه البلاد، ثم أتى من بعدهم اليونانيون والروديسيون وأنشئوا الثغور التي على البحر الأبيض، مثل قادس ومالقة وغيرهما، مما كانت قواعد تجارية لهم يتبادلون فيها مع أهل البلاد ببضائع الشرق المعادنَ التي كان الأهالي يستخرجونها من أراضيها. وفي سنة ???ق.م بدأ القرطاجيون باحتلال النصف الجنوبي من إسبانيا، ثم بنوا مدينة برشلونة في شمال الساحل الشرقي، وكانوا يسمونها مدينة برقة، باسم القائد الفاتح BARCA الذي بناها، وبنوا في جنوبها قلعة قرطاچنة، وفي سنة ???ق.م حاصر أنيبال مدينة ساجونت، وجر ذلك إلى الحروب الپونيقية الثانية. وفي سنة ???ق.م غزا الرومان إسبانيا وبنوا فيها مدينة إشبيلية، وما زالت تابعة لحكمهم إلى سنة ???م، وفيها استولى أتولف ملك القوط على برشلونة، وهو أول ملك قوطي بإسبانيا، وبقي القوط بهذه البلاد تارة مستقلين وأحيانًا تابعين للرومان، وقد ألزموا الفندال (ومنهم أتت كلمة فاندالوس أو أندلس) أن ينحسروا إلى جبال البيرينات، ولا يزالون بها إلى الآن.
وقد وصل حكم القوط من العظمة مدة مَلِكهم أوريك إلى أن وصلت فتوحاته إلى نهر اللوار بفرنسا، ودخلت النصرانية إسبانيا في مدته، وبعد وفاته اضطربت أحوال المملكة إلى أن حكم الملك أتانا جيلد سنة ???م، وجعل طليطلة عاصمة له، واستولى بعده ولده ريكارد سنة ???، ففتح أبواب مملكته للقسوس، واعتنق المذهب الكاثوليكي، وحارب الرومان وأجلاهم عن البلاد التي كانوا لا يزالون يحتلون منها الساحل الشرقي، ثم طرد اليهود من إسبانيا وعاملهم معاملة قاسية. وفي سنة ??? انتخب رودريك (والعرب تسميه لذريق) ملكًا على البلاد، وفي مدته دخل العرب إسبانيا، ولعل اليهود المطرودين هم الذين أرشدوا العرب إلى سهولة فتحها.
وقد بقي ملك العرب بإسبانيا إلى أواخر القرن الخامس عشر من الميلاد، وفي غالب مدتهم كان السلطان العام في البلاد لهم، وكان حكمهم في عمومه كله مجدًا وعظمة، وكان ملوك الإسبان في أول أمرهم في منتهى الضعف، وكانوا يدفعون الجزية لأمراء المسلمين، ولكنهم كانوا على الدوام يحاربونهم بالدسائس والسعايات، وهي سلاح الضعيف، ولما قويت عصبيتهم على مر الأيام كانوا يحاربون العرب كثيرًا كلما آنسوا منهم خلافًا أو ضعفًا، وكان نصيبهم الخذلان في جُلِّ حروبهم معهم، حتى إذا بلغهم زحف الناصر محمد سلطان الموحدين بجيشه الهائل على إسبانيا، استغاث ملوك الإسبان بأمم النصرانية في أوربا في كل جهة، وأعلنوا الحرب المقدسة، فهرعت إليهم جيوش النصرانية، وبعد هزيمة الناصر صَلُبت شوكتهم وقويت عزيمتهم، ولم يضيعوا فرصة هزيمة العرب، بل أخذوا يتغلبون على أطراف البلاد، حتى إذا كانت سنة ????م استولى فرديناند ملك أراغون وإيزابلا ملكة قَشتالة على غرناطة التي كانت الملجأ الأخير للعرب، ثم طردوا المسلمين من أرض إسبانيا كلها، وبذلك أصبح لهما الحكم المطلق فيها، وبموتهما ورثت عرش البلاد ابنتهما چان، وتزوجت من فليب الأول ابن مكسيمليان الأول ملك النمسا، وهو أول ملك إسباني من أسرة هابسبورج، ولما أصيبت چان بالجنون آل الملك لولدها شارل الأول، الذي سمي فيما بعدُ بالإمبراطور شارلكان.
وقد كان الإسبانيون يكرهون شارلكان لتوجيه اهتمامه للنمسا وحدها، فشغلهم بالحروب ضد فرنسا وأمريكا، وفي مدة فليب الثاني (من ???? إلى ????) الذي كان ملكًا لإسبانيا والبلاد الواطئة والأملاك التي كانت له في إيطاليا وأمريكا، قضى بغشمه على الحرية الدينية والسياسية، وظهر في هذا الطريق بكل مظاهر الاستبداد، ولم يكن متعصبًا لدينه فحسب، بل كان متعصبًا لمذهبه الكاثوليكي تعصبًا أعمى، فقد حارب البروتستانت بلا جدوى، وكانت حروبه لإنجلترا وفرنسا وتركيا نتيجتها هزائمه المطلقة. وفي سنة ???? استولى على البرتغال عنوة، حتى إذا مات كانت البلاد في منتهى الضعف المادي؛ لسوء إدارته وخُرق سياسته التي جَرَّتْ على إسبانيا فَقْدَ أملاكها، وطرد من بقي في بلادها من المسلمين واليهود الذين أصلهم من جنس عربي، وكان عددهم يزيد على مئات الألوف، كلهم من أرباب الصناعات والمشتغلين بالزراعة.
واستمر بيت هابسبورج إلى أوائل القرن الثامن عشر، وانتهى بموت شارل الثاني من غير عقب، بعد أن عهد بملك إسبانيا إلى حفيد أخته ماري تيريزة التي كانت زوج لويس الرابع عشر ملك فرنسا، ويسمى فليب الخامس، فأعلنت النمسا حربًا على إسبانيا دامت اثنتي عشرة سنة، وكانت نتيجتها تنازله عن نابل وسردنيا للنمسا، ثم تنازل عمَّا كان يملكه في البلاد الواطئة، وبعد ذلك تنازل عن صقلية للسفواي، وعن جبل طارق وجزيرة ميورقة للإنجليز.
وفي سنة ???? تعاقدت إسبانيا مع فرنسا، واشتركت معها في حربها مع إنجلترا، فخسرت أسطولها في واقعة الطرف الأغر، وفي هذه السنة قامت ثورة البلاد ضد شارل الرابع بتدبير ولي عهده فرديناند، فتدخل نابليون الأول في الأمر ودخل بجيوشه أرض إسبانيا لتهدئة الفتنة، وهناك أعلن تعيين أخيه ملكًا على إسبانيا، فقام الأهالي بإيعاز إنجلترا ومساعدتها، وأعلنوا حرب الاستقلال التي انتهت بانسحاب نابليون، وبتنازل أخيه عن عرش إسبانيا. وفي مدة شارل خسرت إسبانيا جميع أملاكها في أمريكا، فاضطر إلى التنازل عن الملك، وعقبه فرديناند وتسمى بفرديناند السابع، وفي سنة ???? قام ضده الحزب الحر الذي تكوَّن في البلاد، فاستصرخ بفرنسا، فأرسلت إليه الدوق أنجوليم على رأس جيش لتسكين الفتنة وتأييد عرشه، ومات فرديناند سنة ???? بعد أن أوصى بالملك لابنته إيزابلا، فحرك ذلك من ضغينة أخيه الدون كارلوس، فقام بالثورة واشتغلت الحكومة بمحاربته إلى سنة ????.
وفي سنة ???? أُعْلِن رشد إيزابلا، فابتدأت الاضطرابات في أنحاء البلاد، وقامت الثورة في جميع أطرافها إلى سنة ????، ففرت إيزابلا إلى فرنسا، وانتخب الشعب سيرانو زعيم الحركة الوطنية رئيسًا للحكومة رياسة موقتة، وفي أول يونية سنة ???? أعلن سيرانو الدستور في البلاد لأول مرة، وأصدر قراره بالابتداء في الانتخابات النيابية.
وفي سنة ???? تنازلت إيزابلا عن الملك إلى ولدها ألفونس، فلم يقبله الشعب، وعرض حزب الأحرار تاج البلاد على الدوق أميدا الابن الثاني لملك إيطاليا فتكور عمونايل، فقبله ولكنه استقال للاضطرابات التي قامت ضده، وهنالك أعلن الأحرار الحكم الجمهوري، ولم تطل مدته إلا من ?? فبراير سنة ???? إلى ?? ديسمبر سنة ????؛ لأن الجمهوريين لم يستطيعوا إقامة حكومة تُسَيِّر حركة البلاد التي كانت في فوضى عامة.
وفي ?? ديسمبر أعلن الجنرال كامبوس جلوسَ ألفونس الثاني عشر (ابن إيزابلا) على عرش إسبانيا، فقامت الثورة الكارلوسية ثانيًا إلى سنة ????، وبعد انطفائها قام ألفونس ببعض الإصلاح، ومات في سنة ????، فخلفته الملكة ماري كرستين في الحكم، وكانت حبلى، فلما ولدت بقيت وصيةً على ولدها ألفونس الثالث عشر، وفي مدتها عُطِّل الدستور، وقامت الحرب بين إسبانيا والولايات المتحدة سنة ????، وبها فقدت ما بقي من مستعمراتها في أمريكا (كوبا، وبورتوريكو، والفيليبين)، ثم باعت جزر كارولين إلى ألمانيا.
وفي سنة ???? أُعْلِن رشد ألفونس الثالث عشر (الملك الحالي)، وتسلم زمام الملك في وسط اضطرابات مالية وحربية، لدخول البلاد في حرب مع الريف الذي ينازع إسبانيا إلى الآن، فيما بقي لها في مراكش من ذلك الجزء الذي على المحيط، ذلك الجزء الذي كلفها من الأموال والدماء ما بهظ ثروتها وأفنى شبيبتها وحرك نيران الثورة في كل ناحية من أنحائها، ولولا أن البلاد ترزح تحت عبء الأحكام العرفية لكان لهيبها قد قضى على الرطبة واليابسة! ولولا أن سيف دورفييرا الذي قبض على أَزِمَّةِ البلاد مُصْلَتٌ على رقاب الناس من صغير وكبير بما فيهم الملك، وأن سواد ضباط الحرب الذين أصبحت موارد البلاد في أيديهم يشدون أزر هذا الزعيم المستبد لكانت إسبانيا تركت دارها البيضاء لكبير الريف منذ زمن بعيد، ورضيت من مناوشاتها وحروبها مع عرب مراكش، والتي كان نصيبها منها تلك الهزائم المتوالية في السنوات الأخيرة، بأوبة من بقي هناك من جيوشها (بسلامتهم)، ولكنها تخشى من عودتهم إلى إسبانيا إشعالهم نيران الثورة بسبب الاستغناء عن أكثرهم، لعجزها عن النفقة عليهم إذا وضعت الحرب أوزارها، ووضعت للضرائب حدودًا معقولة عادلة، وعلى الأخص إذا رفعت الأحكام العرفية.
مما تقدم تعلم أن الإسبان قد نَمَتْ في عروقهم جراثيم الثورة؛ لتعصبهم لرأيهم الذي هو أثر تعصبهم الديني، الذي كان القسوس يبثُّونه فيهم منذ كان العرب واليهود بين أظهرهم، هذا التعصب الديني الذي لا ينطبق على عقل ولا حكمة؛ لذلك كانت حربهم للعرب حربًا دينية لا وطنية، وأعقب ذلك حربهم يهود وطردهم من بلادهم، ثم حربهم للبروتستانت في البلاد الواطئة وغيرها، وقد ورث الأبناء هذه العاطفة السقيمة عن الآباء، وأخذها الأحفاد عن الأجداد، ولا يزال القسوس يبثونها في روح الناشئة لوجودها بين أيديهم في عامة المدارس، وبذلك أصبحت العاطفة الوطنية ضعيفة فيهم جدًّا، مما كان سببًا في هزائمهم في جميع حروبهم، وفَقْدهم لجميع أملاكهم التي نالوها في أمريكا، وقت أن كان سكانها لا فرق بينهم وبين الحيوانات التي كانت في دائرة بلادهم، ويظهر أن استيلاءهم عليها كان بعامل المصلحة الشخصية لا الوطنية؛ لذلك لما قامت مستعمراتهم في وجههم طلبًا لحريتها، لِمَا كانوا يلاقونه من كثرة مظالمهم لعدم معرفتهم بأساليب الاستعمار، انهزموا أمامهم لأنهم كانوا يحاربونهم أشخاصًا لا جماعات.
وليس أدل على تعصب الإسبان مما تركوه في بلاد الأرچنتين بأمريكا الجنوبية من بذور هذا التعصب الشنيع في المدة التي ملكوها فيها، من سنة ???? إلى سنة ????م، التي أعلنت فيها هذه البلاد استقلالها.
فقد جاء في رحلة سمو الأمير الجليل محمد علي باشا لهذه البلاد في مايو سنة ???? ما نصه: ومن الأمور المضحكة التي يجوز إثباتها في سجل السياحة على سبيل الفكاهة: أن قد وصلني كتاب من الأرچنتين يقول فيه مرسله إنه قرأ في الجرائد مدحي والثناء عليَّ، وحيث إن له عواطف نحوي فهو يشير عليَّ مراعاة لصالحي أن أكون كاثوليكيًّا؛ لأنه من الأسف الشديد أن يكون رجل مثلي بعيدًا عن طريق الهدى ومحجة الصواب، وإني إن لم أقبل ذلك دخلت الجحيم وعُذِّبت العذاب الأليم، وعلى ذلك ينصح لي بالإسراع إلى التوبة واعتناق الكثلكة الحقة، ذلك الدين القويم والصراط المستقيم.
وعقب الأمير ذلك بقوله: هذا والإسبانيون كالإيطاليين والبرتغاليين متعصبون لدينهم، فلو كان مثل هذا الأمر قد حصل لأمير غربي وهو سائر في بلاد المشرق، لَعَدَّ ذلك تعصبًا من المسلمين، وكان ذنبًا عظيمًا لا يمحى ولا يغتفر.
ومن هذا وذاك ترى أن الشعب الإسباني أصبح من الفقر وضعف الإرادة بمكان لجملة أسباب: أولًا: لتوزيع ثروة البلاد على الأشراف والقسوس، وملكهم لأغلب أراضيها الخصبة، واستيلائهم على وظائف الحكومة المهمة. ومرتبات القسوس السنوية وحدهم تبلغ مليونَيْ جنيه، وهو عُشْر مالية الحكومة تقريبًا.
ثانيًا: الجيش الذي يلتهم جل إيرادات الدولة بما تضطر معه إلى الاستدانة كثيرًا، وهي الآن ترزح تحت عبء دَيْنٍ ثقيل، لولا شدة الأحكام العرفية لظهرت آثاره السيئة مهددة لكيان البلاد.ودَين إسبانيا كما جاء في لائحة رسمية (انظر دائرة المعارف للبستاني) بلغ في سنة ???? (?????????) ليرة إنجليزية، وفائدته السنوية (????????) ليرة إنجليزية، ولا بد أن يكون دَينها الحالي أكثر من هذا كثيرًا، وهو ما لم أُوفَّق لمعرفته.
ثالثًا: قلة المواصلات في البلاد وصعوبتها، ومع أن مساحة إسبانيا أكثر من ??? ألف كيلومتر مربع، فالطرق الحديدية لا تزيد فيها عن ?? ألف كيلومتر على ما فيها من عدم توفُّر أسباب الراحة، مع أنها في مصر التي لا يبلغ المعمور فيها غير ?? ألف كيلومتر مربع? تزيد على أربعة عشر ألف كيلومتر.
رابعًا: حرب الريف التي كلفتهم نفقات باهظة جدًّا.
خامسًا: كسل الأهالي وعدم ميلهم إلى العمل؛ وذلك لاستسلامهم إلى الأفكار الساذجة التي أدخلها القسوس في عقائدهم، حتى أصبحوا أقرب الناس إلى الآخرة منهم إلى الأولى، وإن شئت فإلى الموت منهم إلى الحياة.
سادسًا: شيوع الأمية فيهم لقلة ما يُنْفَق على التعليم، بحيث لا يصل عدد القارئين منهم إلى ?? في المائة على أكثر تقدير، وأشنع ما فيهم محاربتهم لتعليم البنات لفكرة سخيفة (لا يزال موجودًا بمصر شيء منها، وخصوصًا في جهات الصعيد)، اعتقادهم بأن كثرة العلم تؤدي بالشخص إلى الزندقة والإلحاد!
هذا هو شأن إسبانيا اليوم في عمومها، وإن وُجِد في عواصمها شيء من الحياة انطبق عليه المثل العربي: «كل الصيد في جَوْفِ الفَرَا.» وبالجملة إن الإسبانيين إذا كانوا يعيشون بجسومهم في القرن العشرين، فعقليتهم لا تزال تتصل بالقرون الوسطى.
وما دامت البلاد على ما فيها من فقر مُدْقِع? وتعصب سخيف، وعدم نشاط للعمل، ودم يغلي على الدوام ببخار الثورة، وحكومة مع فقرها لا تهتم إلا بقبيل من الناس دون الآخر تاركة أساليب الإصلاح فيها إلى الشركات الأجنبية من إنجليزية وألمانية وفرنسية وأمريكية، فمصيرها من غير شك لا يبشِّر بقرب مستقبل سعيد. هوامش

(?) مساحة مصر مليون كيلومتر مربع، منها معمور ?? ألف كيلومتر، والباقي صحاري غير معمورة.(?) بلغ من فقر الإسبانيين أنهم يبيعون غلات أرضهم في الغالب وهي على أرضها قبل نضجها، ولا يزال بمصر شيء من ذلك، إلا أنه في أرض المترفين من أبناء الأغنياء أكثر منه في أرض الفقراء.
بعض الأعلام الإسبانية بالإفرنجية وما يقابلها بالعربية


LA VEGA: المرج
ALARCOS: الأرك
ALBAICINS: البيازين
ALCAZARE: القصر
ALGESIRA: الجزيرة الخضراء
ALHAMBRA: الحمراء
ALICANTE: القنت
ALJAMIADO: الخميادو
ALMERIA: المرية
ALMAZAR: المزار
AINDAMAR: عين دامر
ALPHONSE: الأذيفونش
ALPIXARAT: البشرات
ASTURIES: مغارات أستوريش
ATARZANA: الترسانة (دار الصنعة)
AVERROES: ابن رشد
AVILA: أبله
AXAROF: الشرف
BADAJOS: بَطَلْيوس
BARCELONE: بَرْشَلُونة
BASA: بياس
BEJA: باجة
BASQUES (les): البشكنس
BOABDIL: أبو عبد الله
CARCASSONE: قرقشونة
CARTHAGENE: قرطاجنة
CASTEJON: قسطجون
CASTELLE: قَشتالة
CENTRA: شنترة
CEUTA: سَبْتة
COIMBRA: قُلُمْرية
CORDOUE: قرطبة
EVORA: بورة
FONTARABIA: فنترابيا
GALICE: جِلِّيقِيَّة
GIBRALTAR: جبل طارق
GRENADE: غرناطة
GOTHS (les): القوط
GUADALAJAR: وادي الحجارة
GUADALAVIAR: وادي الآبار
GUADALQUIVIR: الوادي الكبير
GUADIANA: وادي يانه (آنه)
GUADIX: وادي آش
INQUISITION: محكمة التفتيش
JAEN: جيَّان
JATIVA: شاطبة
JERCY: شريش
JULIEN: يوليان
ZAMORA: صاموره
LANGDOC: لانجدوك
LEON: ليون
LERIDA: لارِدة
LISLONNE: لشبونة (أشبونة)
LOJA: لُوْشَة
LORCA: لُورقة (لُرْقة)
LUQUE: لُكْ
MADRIDE: مجريط
MALAGA: مَالقَة
MAURES (les): المغاربة
MEDINACELI: مدينة صالح
MERIDA: ماردة
MIRANDA: ميرندة
MURCIA: مُرْسِيَة
MASQUITA: المسجد
PELAGE: الملك بلاي
PORTO: مدينة البرتغال
PORTUGALE: البرتغال
PROVENCE: بروفانسه
RODERIC: لذريق
RONDA: رندة
BURGOS: برغش (برعش)
CADIX: قادس
SAINT-SEBASTIEN: شانت (اشتاني)
SALAMANQUE: سلمنقة
SANTIAGO: شانت ياقب
SANTAREN: شنترين
SARAGOSSE: سرقسطة
SARRASINES (les): الشرقيون
SEGOVIC: شقوبية
SEGURA: ساجورة (شاقورة)
SEVILLE: إشبيلية
SIDONIA: شذونة
TARIFA: طريف
TARIK: طارق
TARTOSE: طَرْطُوشة
TARRAGONE: طَرَّكُونة
TOLEDE: طليطلة
TOLOSA: طالوشة (طولوشة)
OBEDA: أبْدة
VALENCE: ولنسيه (بلنسية)
XEMINES: شمينيس