Advertisement

رحلاتي_في_مشارق_الأرض_ومغاربها


رحلاتي في مشارق الأرض ومغاربها




رحلاتي في مشارق الأرض ومغاربها

تأليف
محمد ثابت




رحلاتي في مشارق الأرض ومغاربها

محمد ثابت


مقدمة


اليوم أقدِّم لبني وطني خلاصةَ رحلاتي في مشارق الأرض ومغاربها، تلك التي سلخت من وقتي ثلاث عشرة سنة متتالية، تطلَّبَتْ مني جهدًا ممضًّا لازمني زهاء أربعة أشهر ونصف من صيف كل عام من هاتيك، وكان متوسط ما كلَّفَتْه إياي من مال ثلاثمائة جنيه كل عام، أعني نيفًا وأربعة آلاف جنيه، رغم التقتير والحرمان والحرص على الاقتصاد ما جهدت، وقد قطعت خلال كل أولئك نيفًا ومائتي ألف كيلومتر، أي مدى الطواف حول الكرة الأرضية مرات خمس.
وقد دوَّنْتُ مشاهداتي كلها مفصَّلَة في عشرة مؤلَّفات، كان لها في أبناء الجيل الحاضر الأثر المحمود الذي كنتُ أرمي إليه وأضعه نصب عيني، والآن أبيت قرير العين؛ إذ أرى الكثير من أبنائي قد أثَّر فيهم ما كتبت، فأخذوا يغامرون بالنزوح والارتحال ليروا العالم على حقيقته وليتسع أفق تفكيرهم، وها قد أصبح هذا العصر خير عون لهم على ذلك، وقد تعدَّدَتْ وسائل النقل ورخصت أجورها وضوعفت سرعتها مما لم يكن يتاح لأمثالي بالأمس.
ولعلهم يجدون في هذا الكتاب الذي يُطوِّف بهم في بلاد الدنيا قاصيها ودانيها خير مشوق وأجدى دليل.
وها قد بدأَتْ في بلادنا نهضةٌ أدبيةٌ موفَّقَة، فقامت الهيئات تشكِّل وتعمل على التأليف والنشر وتيسِّر لذوي الفكر رسالتهم في خدمة هذا البلد الأمين الذي أضحى بحقٍّ زعيمَ الحركة الفكرية والثقافية في العالم العربي خاصةً، وبلاد الشرق عامة. وفي طليعة تلك الهيئات «دار الفكر العربي» التي تساهِم في هذا العمل الوطني بأكبر نصيب، والتي قامت بنشر كتابي هذا.
وفَّقَها الله وإيانا إلى خدمة هذا الوطن المفدى في ظل مليكنا الوثَّاب فاروق الأول، أعز الله به البلاد.

روائع الطبيعة في أوروبا الشمالية


(?) إسكنديناوه بلاد الغابات والطبيعة الساحرة

سرنا في سهول الجنوب وسط منابت الشوفان والكتان الذي يكاد ينسجه الجميع بأيديهم، وسرعان ما بدت الربى والمرتفعات تكاد تسدها غابات رفيعة الورق قاتمة اللون، والبيوت الخشبية تنتثر هنا وهناك وهي تُطلَى باللون الأحمر، ولا نكاد نمر على نهير أو نقيعة لا تسدها الأخشاب السابحة، ولم تغب مناشر الخشب عن العين، ففي بلاد السويد نحو ???? مصنع كبير تدور بالمساقط المائية، ولقد رخصت الكهرباء حتى إن القرى هناك كانت أسبق بلاد الدنيا إضاءةً بها واستخدامًا للتليفون، فلكل خمسة أشخاص هناك جهاز، ولا يعدو أجر التليفون جنيهين ونصفًا في العام، ومشاهد الطريق ساحرة رائعة، وليات سكة الحديد ووعورة مسالكها من المدهشات.
استكهلم مدينة الجزائر.
دخلت العاصمة استكهلم، ومعناها مدينة الجزائر فهي بندقية الشمال حقًّا، فأينما ولَّيْتَ انتهى بك الطريق إلى لسان في البحر، ولا تكاد الطرق أو المساكن تستبين خلال الغابات التي تحوطها، وقنواتها أذكرتني بالجراند كانال، ودار البلدية بها كأنها قصر الدوج في البندقية. وأزحم الجزائر «ستادن» وتُسمَّى بالبلدة بين القناطر، طرقها مختلفة ملتوية وتكاد بيوتها الخشبية تتعانق، والقصر الملكي لا بأس به وبأثاثه، ولعهد الأشراف وسلطانهم بقيةٌ في قصرٍ استبقوه لفلولهم «ريدر هاوس»، لكنهم فقدوا اليوم عديدهم ونزل أعضاء البرلمان منهم إلى ??. ومن المباني الجديرة بالزيارة «ركس بانكن» أسبق بنوك الدنيا في إصدار البنكنوت، وأهم متاحفهم «سكانسن» يعرضون فيه نماذج حية من شعوبهم وبخاصة أقوام اللاب، والفن ببيوتهم وطرق معيشتهم ومختلف طوائف الحيوان عندهم، وقد صادَفَ أن كانوا يُقِيمون معرضًا صناعيًّا عالميًّا، وأجمل ما عرضوا به صناعات الأخشاب وبخاصة البيوت المختلفة الهندسة والطلاء، تُعرَض للبيع وتُفَك وتُرسَل للمشتري حيث كان، ومتوسط ثمن البيت الواحد مائتا جنيه.
قمتُ إلى «أزلو» عاصمة النرويج، فزادت في الطريق كثافةُ الغابات ومقاطعُ الخشب والمنحدرات المائية، وليس بالمدينة إلا شارع واحد جدير بالذكر هو «كارل جوهان» يشق البلدة من المحطة إلى السراي الملكية، وعليه تقوم المتاجر ودور الحكومة والبرلمان والجامعة، والمدينة فقيرة في كل شيء إلا بمناظر الطبيعة حولها، وفي متاحفها المتواضعة تعرض أقدم سُفُن الدنيا، ويعرض زورق المستكشف «نانسن» من القماش، وهو الذي أنقذه في القطب الشمالي، كذلك خيمة المستكشف «أماندسن» التي آوته في القطب الجنوبي. والجو هناك عاصف مطير عابس، فبقدر ما سَخَتِ الطبيعة في مناظرها شَحَّتْ عليهم في أجوائها حتى انعكس ذاك على وجوههم فبدت مقطبة دائمًا.
أقدم سفن الدنيا صُنِعتْ منذ ??? سنة.
قمت إلى «برجن» وسكة الحديد تُعَدُّ أجمل طرق الدنيا جميعًا بسحر مناظرها من وديان وشلالات وقناطر وغدران ومطاوي تأخذ بمجامع القلوب، وكنَّا كلما علونا خفَّتْ كثافةُ الغابات وقَصُرَ الشجرُ حتى ينقلب عشبًا بنوره الجميل، وحتى هنا أخذ ينضمر إلى الطحلب، ثم عمَّ الجليد كل الأرجاء عند محطة «فنس» وهي أعلى أماكن الخط «???? متر»، ثم أخذنا نهبط عاجلًا فعادت الحياة إلى حالتها الأولى. وقد جزنا كثيرًا من الأنفاق أطولها ???كم، أعقبه خانق صرنا على حافته والمق من جانبنا يزيد على ??? متر في هوة سحيقة كان الطريق يتلوى أسفلها في إحدى وعشرين طية إلى بطن الوادي، هنا كثرت قطعان الرنة يتقدم كل جماعة دليل منها يشتَمُّ الطريق ويهدي القطيع إليه.
مساكن برجن من خشب وأحياؤها قذرة.
اللابلنديون في شمال إسكندناوة.
وبعد ? و?? ساعة أشرفنا على فيورد «برجن» التي كانت العاصمة يومًا ما، لكنها انحدرت اليوم إلى مجموعة فقيرة قذرة من طرق ملتوية تقوم عليها بيوت خشبية، وأهلها فقراء يكثر التسول بينهم، وأفخر ما أذكر لها سوق السمك الذي يُعقَد يوميًّا في الصباح، والسمك قوتهم الأساسي يقدمونه إليك مسلوقًا، وإلى جواره كأس من الزبد تمزجه به وتأكله، وإنك لتجد في الربى المحيطة بها روعة في مناظرها وأنت تشرف منها على تلك الخلجان الهائلة الملتوية في مناظر ساحرة، وتُدهَشُ إذ تعلم أن الناس ضخام الأجسام طوال القامات رغم فقر بيئتهم بالغذاء، ولعل في هواء الجبال والبحر وفي غذاء السمك المتوافر لديهم ونشاط الحركة في صيد البحر وتسلُّق الجبال عافية لهم وصحة، وأهل النرويج أبسط عيشًا وأقل تكلُّفًا وأرقُّ حالًا من أهل السويد، وأهل إسكنديناوة من الجنس النوردي الصافي، يمتازون بالشعر الأصفر والعيون الزرق والقوام الشامخ. وفي أطراف البلاد الشمالية جنس من المغول قصار القامات، مستديرو الرءوس، منتفخو العيون، لا عمل لهم إلا صيد البحر وإعداد الغذاء ورعي قطعان الرنة، فبيئتهم فقيرة إلا في جزء من شمال السويد تكاد تكون كتلة جباله من الحديد الجيد الخالص، وقد استعانوا بالكهرباء ورخصها على العمل والنقل هناك صباح مساء.
(?) إلى أيسلندة

قمنا من برجن ولبثنا في البحر خمسة أيام كاملة، بدا خلالها جبروت المحيط الأطلنطي في ريحه العاصف، ورعده القاصف، وموجه الشامخ، فلم أكَدْ أبرح فراشي من شدة مرض البحر اللهم إلا عندما رسونا قليلًا على جزيرة فارو، ثم على جزيرة «فستمانوي»، وأخيرًا دخلنا «فيورد ركيافك» عاصمة البلاد في طرفها الجنوبي الغربي، وكان الجو مشمسًا دفيئًا على عكس ما توقَّعْنا، وذلك بفضل تيار الخليج وطول نهار الصيف هناك، واسم المدينة معناه «الجون ذو الأبخرة» لكثرة النافورات الحارة التي تراها وأنت مُقبِل عليها.
أكاد أختنق وسط بخار الفوارات في أيسلندة.
والبلدة صغيرة تجوبها في أقل من ساعة، وليس بها ما يسترعي النظر إلا دار البرلمان بمجلسيه، ويتسعان لعدد ?? عضوًا من الشيوخ و?? من النواب، وهم يفاخرون بأنهم أسعد الأمم في الديمقراطية والمساواة؛ لأنهم عقدوا أول برلمان لهم سنة ???، ولم يتوقف في الألف سنة مرة واحدة، وكانوا إذ ذاك يحتفلون بالعيد الألفي، وقد حضره كثير من ملوك العالم وعظمائه، وعجبتُ لمَّا رأيتهم من العمالقة وقد كنت إخالهم من الأقزام، حتى إن أطفالهم مرةً التفُّوا حولي وهم يصيحون ورائي مندِّدين بقصري عن آبائهم، وهم يقولون: «إسكيمو إسكيمو.» وهم قريبون من أهل إسكنديناوة، والنساء يلبسن شيلانًا ثقيلة وقلانس ترسل من تحتها خصائل كالشعر المستعار، ويتَّزِرْنَ بملاءات ملوَّنة وصِدار من القطيفة المزركشة.
قمت إلى ضواحيها أقصد بركان هكلا، وركبت إليه صغار الأمهار «السيسي» مطيتهم الوحيدة، حتى إن ساعي البريد ينتقل في قطار من هذه الخيول وهي تحمل الصناديق ويطوف بها البلاد ويعلن عن نفسه بمزماره. سرنا في طرق وعرة من الصخر البركاني يكثر فيه الطحلب الذي ترعاه السائمة وأنواع من الثمر كالحمص الملون يأكلونه كالفاكهة، وكانت الطريق تغص بالنافورات الحارة في أعداد لا تُحصَى وأحجام مختلفة، ومن أكبرها «جريلا» الذي يثور مرةً كل ساعتين، ومن تلك الفوارات ما أحيط بشباك من الحديد يغسل النساء حولها ملابسهم وتُطهَى بعض أطعمتهم، وقد تمد منها أنابيب إلى البيوت والفنادق للتدفئة، وعددها ??? فوارة، وفي طريقنا إلى البركان مررنا بشلالات رائعة أكبرها «جلفس» ومسقطه ?? مترًا.
يُسوَّى العجين خبزًا على حرارة الأرض في أيسلندة.
ثم قمنا إلى رحلة أخرى صوب «ثنجفلر»، وهو مكان البرلمان القديم نحتوا مقاعد الأعضاء في صخرة هناك اسمها «صخرة القانون» log berg، وهناك أُقِيم المهرجان الألفي، وكنَّا نبصر بالنساء على الشواطئ يجففن السمك في قطع كبيرة وفي امتداد إلى الأفق، وعند الربى يصيد القوم الطيور من الأوكار ويجمعون البيض لأكله. وأيسلندة تصدِّر من السمك بمليون جنيه سنويًّا، وكم راقني طول النهار هناك، ففي الحادية عشرة مساء كنت أجلس في ضوء الشمس وسط متنزه كبير أكتب مذكراتي، ولم أَرَ حولي سوى رجل البوليس لأن القوم قد آووا إلى مضاجعهم، وفي الفندق تُزوَّد النوافذ بالأبواب الثقيلة والستائر السوداء لمنع الضوء عند النوم. أما عن جمال الأضواء السماوية هناك فحدث … روعة تبهر الأبصار، ويرى الكثير أن أيسلندة مصحة صيفية نادرة لصفاء هوائها وطول ضوء الشمس الذي يقضي على الجراثيم، هذا إلى ندرة سكانها ونباتها، وإلى انتظام هبوب الرياح العكسية عليها ومرور تيار الخليج بها.
يصيدون الطيور لنزع ريشها وبيعه في أيسلندة.
أَضِف إلى ذلك المركبات المعدنية التي تخرج من الفوارات والأوزون الذي يصعده البحر إلى جوارها.
(?) بريطانيا العظمى

لندن

ركبنا باخرة صغيرة من ثغر دييب في فرنسا، وفي ثلاث ساعات رسونا على نيوهيفن، وفي ساعتين بالقطار دخلنا لندن، وأول ما عنيت بزيارته البرلمان مصدر الديمقراطية ومنبت أعرق الدساتير، فمررنا بدهاليز على جدرانها صور زيتية كبيرة لبعض رجالاتهم، ومواقعهم الحربية، وسقوفها في زخارف جذَّابة من الذهب والفضة، وهذه أدَّتْ بنا إلى مجلس اللوردات الفاخر بمقاعده الوثيرة بالجلد الأحمر البرَّاق، ولعله أفخر مكان في البلاد كلها. أما مجلس النوَّاب فبسيط تكسو مقاعده الجلود الخضراء. ثم عرجنا على «دير وستمنستر» إلى المدفن الملكي الرائع في هندسته القوطية ذات الأسنان والأبراج الباسقة الأنيقة والزجاج الملوَّن القديم، ويُكرَّم بالدفن هناك الملوكُ والعظماءُ من رجال الأدب والعلم والدين.
البرلمان يشرف على التاميز.
وكنيسة لندن «سنت بول» تُعَدُّ الرابعة في العالم، تقام في شكل صليب تتوسطه القبة الشاهقة، وكلها في الهندسة القوطية أيضًا. وفي ناحية على نهر التاميز «برج لندن القديم» أُقِيم منذ وليم الفاتح سنة ????، حوله خندق وبه قبة يعرض فيها بعض أدوات التعذيب والقتل القديمة التي تُشعِر بظلم ملوكهم الأقدمين، وفي حجرة منه مجموعة من التيجان والصولجانات من الذهب، وهناك أكبر ماسة في الدنيا بشكلها العجيب، وبجانب البرج القنطرة المعلقة من الحديد الضخم، وهي أول ما أُقِيم على التاميز من القناطر. وأهل هذا الحي من الرعاع على جفاء في الطبع وخشونة في المعاملة، وكأنهم سكان الحسينية عندنا. ومن الأحياء التي راقتني حي ليفربول، وهو من الأحياء الوطنية الفقيرة، ضيِّق الطرق، قذر مهمل، يفترش الباعة بسلعهم الأرض، ويأكل المارة من الفقراء منها بشكل شَرِه منفر، كذلك حي اسمه «كفنت جاردن» وفيه سوق الفاكهة والخضر، وكله من الرعاع كثيري الجلبة والضوضاء، وما كنت إخال لندن في مستواها الراقي وثرائها المعروف تضم أحياءً وضيعةً مهملة كهذه. ولعل أروع ما في لندن وأنفعه للزائر متاحفها ومعارضها التي لا تُحصَى، وكلها تفتح أبوابها للشعب بالمجان، أذكر منها المتحف البريطاني الذي يضم آثارًا من كافة بلاد الدنيا، والقسم المصري القديم وحده من ستِّ حجرات كبيرة في الهندسة المصرية القديمة، وبه من القطع المصرية ما لا نجد نظيره في المتحف المصري، أذكر من بينها حجر رشيد، وهكذا أقسام لكافة بلاد الدنيا، وفي معرض الفن الأصلي صور زيتية لكبار فناني العالم. وكنتُ أدهش للأمهات وهن يصحبن أطفالهن ويشرحن لهن ما هو معلَّق على الجدران من صور، وفي جانبٍ متحف التاريخ الطبيعي، وفيه مجموعة لا تُبارَى في النبات والحيوان والجيولوجيا، وهو وحده يتطلب شهورًا لتفقُّده.
وهل أنسى هيكل عِظَام حيوان الدينوصور، وجذع الشجرة الذي يبلغ قطره ستة أمتار! وحديقة الحيوان هائلة فسيحة، تبنى بيوت كل طائفة من الحيوان فيها في هندسة البلاد التي تشتهر به، وعدد الحيوانات فيها يفوق أية حديقة في الدنيا، على أني أرى حديقتنا بمصر أجمل منها بكثير وأحسن تنسيقًا، ولعلها أجمل حدائق الدنيا قاطبة.
كذلك حديقة النبات «كيو» ومساحتها ??? فدانًا، وبها ?? ألف فصيلة من النبات، ونحو مليونين من العينات المختلفة، حتى نبات صميم خط الاستواء ينمو في بيوت زجاجية قد يضم البيت في علوه النخيل الباسق، وسكان لندن قوم صحيحو الأجسام بفضل غرامهم بالرياضة، نظيفو الهندام، يسيرون في نشاط الشباب لا ترى منهم متسكعًا، وعجبت ألا توجد المقاهي قطُّ اللهم إلا مشارب للشاي تُفتَح في ساعات معينة كل يوم، وقد استعاضوا عن ذلك بالنوادي. والنساء هناك رشيقات يمشين في وقار ولا يتكَلَّفْنَ الأزياء ولا طلاء الوجوه، على أن اختلاطهن بالشبان وخصوصًا في هيد بارك أمر ذائع حتى تحت عيون الشرطة. ولعل أهم صفات الإنجليز الرزانة وقلة الجلبة؛ أذكر أن إنجليزيًّا كان يركب أمامي في القطار ونحن مقبلون على باريس، والمقاعد الباقية كلها مشغولة إلا واحد يجاور الإنجليزي كانت تُوضَع عليه حقيبة صغيرة، فجاء فرنسي وأشار إلى الإنجليزي أن يرفع الحقيبة ليجلس، فنظر إليه بازدراء وعاوَدَ القراءة، فثار الفرنسي وهدَّدَه برميها من النافذة إن لم يرفعها، فأعاد الإنجليزي الكرة ولم ينطق بكلمة، فتناولها الفرنسي وألقى بها من النافذة، فلم يحرك الإنجليزي ساكنًا، وبعد قليل إذا بفرنسي آخَر جاء وأخذ يسأل عن حقيبته، فقام الآخَر مذعورًا وأخذ يعاتب الإنجليزي، فظلَّ هذا على ازدرائه وصمته. والمظهر العام للندن مقبض غير جذاب، فالمباني مزدحمة متجاورة وبالآجر الأحمر القاتم والجوكدر محمل بهباء المصانع، حتى إنك لو مسحت أنفك بمنديلك بدا أسود، وحتى البيوت تُغسَل بالماء بين الفينة والفينة، والجو أغبر غائم يهدِّد بالمطر والعواصف بدون إنذار، على أن هذا لا يعيق الانتقال، فوسائل النقل سهلة متعددة: قطار تحت الأرض، والترام، والأتوبيس الذي قرأت من أرقامه ???، وقد تتعدد قطرات تحت الأرض في ثلاثة أدوار فوق بعضها، وفي ساعات العمل صباحًا وعصرًا لا تكاد تشق طريقك وسط الجماهير ولا عجب؛ فعدد سكانها بين ? و? ملايين، والبوليس مهيب الجانب، شامخ القوام، يراقب كل ذلك في دقة أضحت مضرب الأمثال.
أكسفورد

لا يكاد الإنسان يجول بفكره في ربوع العلم والمعاهد حتى يدوي اسم أكسفورد في طليعتها، زرت مبانيها التاريخية ومسالكها الهادئة وجوها الذي يشع علمًا وبحثًا، وكلما سألت عن بناء قوطي ضخم أخَّاذ قيل لي تلك كلية، فعدد كلياتها إحدى وعشرون وأربع للآنسات، ولكل منها أجنحة وفروع جلها في الهندسة القوطية، وغالبها بدأت مؤسَّسات دينية يشرف عليها القساوسة، ولكل واحدة منها استقلالها وحريتها، على أن الجميع يربطهم اتحاد هو الذي يحمل اسم جامعة أكسفورد، وتدهش إذ تعلم أن متوسط ما يدفعه الطالب في العام ??? جنيهًا إلا مَن أحرز مجانية التفوق، ولا تكاد تقع العين إلا على طالب أو طالبة أو أستاذ، وقلَّتِ الملاهي وكثرت الكنائس، وآوى الجميع إلى مضاجعهم مبكرين.
قمت إلى ضاحية ريفية اسمها «كاولي»، وزرت بها مصانع سيارات موريس الهائلة التي تُخرِج للأسواق مائة ألف سيارة كل عام، وعجبت لما علمت أن عدد قطع السيارة الواحدة نحو ?? ألفًا، ثم عرجت على قرية بامبري الذي كان ينزل بها شاكسبير، والفندق يحتفظ بغرفته إلى اليوم، وقد زرتها وأكلت فطير بامبري الشهير، وكنت أغبط أهل الريف الإنجليزي على نظافة مساكنهم وبساطة البناء والأثاث، وكنت أرى الأطفال يسيرون ومعهم جرار الجعة يشترونها من الحانات ليشربوها مع الطعام، وأهم وجبات الأكل في الريف الغداء عكس أهل المدن نَهِمي الأكل؛ فالإفطار مروع لكثرته؛ زبد ولحم خنزير وشواء السمك والبيض والبوردج والشاي واللبن، وفي الساعة الخامسة الشاي الكامل مع الزبد والساندوتش والكعك والفطير، وفي المساء الباكر العشاء من لحوم باردة وخضر، وقد يتناولون وجبة أخرى متأخرة. وأرض الريف تزرع على المطر، ويمتلك غالب المساحات أثرياءُ يسخِّرون العمال لكن بأجور عالية لا تقل عن ريال يوميًّا، ومستوى المعيشة مرتفع حتى في الريف، فكل شيء مرتفع الثمن اللهم إلا اللبن؛ فالدولة تحرص على أن يباع الرطل بقرش واحد. وكان يروقني منظر الأطفال يوم الأحد يسرحون في الحقول ليجمعوا الزهور للمنازل، والدراجات ذات شأن كبير في حياة الفلاح ويسمونها «بايك». ويوم الأحد مقدَّس لديهم لا يقومون فيه بعمل ولا يفتحون متجرًا، وجلهم يتأخرون في النوم صباح هذا اليوم، وغالبهم يعد رحلات خارجية سحابة النهار خصوصًا إذا كان الجو مشمسًا، وقلما يكون كذلك.
والعجب أني لم ألمس من عامة الناس ما يدل على ذكاء وسعة اطلاع، يجهلون كل شيء عن العالم الخارجي، ويقرءون في الجرائد أخبار الألعاب الرياضية فقط.
(?) إلى إسكتلندة

قمنا بالسيارات الفاخرة شمالًا إلى إسكتلندة، فكانت المناظر سهولًا مملة تنبت الغلال والخضر، وقد جزنا مقاطعة يوركشير بأغنامها وكلأها، ثم نيو كاسل بدخانها وحفائرها وضوضائها لكثرة مناجم الحديد والفحم بها، ثم أخذت الربى تزيد وتتعقد، وبعد خمس عشرة ساعة دخلت …
(?) أدنبرة

وسرعان ما بدا الفرق بين الناس هنا وبين الإنجليز في اللهجة ومستوى المعيشة وحالة الأهلين، وحتى في المباني؛ فقد حاكت مباني القرون الوسطى التي تقرب من الهندسة القوطية، فاللهجة مدغمة صعبة الفهم، على أنهم ظرفاء رغم رقة الحال التي بدت على أكثرهم، والأحياء القذرة متعددة، وأهلها في بؤس شديد، خصوصًا وأن مستوى الأسعار مرتفع حتى للضروريات، وكثرت محال بيع السلع القديمة المستعملة، ولا يكاد يأكل سوادهم إلا الخبز والسمك والبطاطس، لذلك فهمت سر سمعة الاسكتش في شحهم وبخلهم حتى شاعت أقاصيص عنهم في ذلك، أذكر منها أن أحدهم سأل عن أرخص الطرق إلى فرنسا، فردَّ الآخَر أن تسبح إلى هناك، ففعل الرجل، ولما وصل الشاطئ رآهم يجمعون تبرعات خيرية فآثَرَ العودة سابحًا. وقصة أخرى أن كلبًا رقد وسط الطريق وأوقف سير العربات، ولما جاء البوليس وأزاحه عن مكانه اكتشف تحته قطعةً بثلاثة بنسات. وقصة ثالثة أن اثنين دخلا يصليان في الكنيسة، فظهر خادم يطوف بالناس لجمع إعانة مالية، فأسرع أحدهما بتصنُّع الإغماء، وعجل الثاني بحمله على كتفه وخرج.
ومما كان يضايقني غرامهم بالكلاب، فهي تلازمهم نساء ورجالًا في كل مكان، وأدنبرة أخفُّ روحًا من لندن، وأفخر شوارعها «برنس»، وأروع ما به تمثال تذكاري للكاتب سكوت خير مَن أنجبته المدينة، ويشرف على الشارع من نهايته القلعة بضخامة أبنيتها القديمة الغريبة، ولا بأس بحديقة الحيوان التي يُحاط الحيوان فيها ببيئته الطبيعية. وأعجبني شاطئ الاستحمام «بورتوبللو» وقد زُوِّدَ بمسابح صناعية خشية الجزر تثير الآلات الموج فيبدو هائجًا.
ومتاحف البلدة عديدة تفتح أبوابها للجميع بدون أجر، ويقف الأدلاء يشرحون للزائرين كل شيء.
قمنا بالسيارات لزيارة منطقة البحيرات المشهورة بمناظرها الساحرة عند جبال تروساكس، والبحيرات نحيلة منثورة بين عقد الجبال ويسمونها 8ochs لوخ، وكان يومنا مشمسًا نادرًا؛ لذلك هرع الجميع إلى الضواحي ينتهزون فرصة التمتع بالشمس، وقلما تصفو كذلك يومًا. ثم كانت عودتنا في مجانبة نهر فورث بمراسيه الهائلة، خصوصًا عند ثغر ليث، وعناية القوم بالطرق ورصفها وصيانتها فائقة الحد. وصلنا الدار وطلبنا إلى صاحبته أن تقدِّم كشف الحساب لأن الأسبوع قد انتهى، فصاحت قائلة: هذا لا يكون يوم الأحد، وإلا كان نذير الشؤم، ويا ويل رجل يصل بحقائبه إلى بيت من هاتيك يوم الأحد، فإنه سوف لا يجد مَن يئويه. ثم عدنا فزرنا ثغر ليث وبعض مصانع السفن الشهيرة به، فكان المهندسون عاكفين على تصميماتهم، ثم يسلمونها للعنابر لتقيم لها نماذج من خشب بالحجم الطبيعي، وأخرى لمختلف أجزائها، ثم تُنقَل هذه النماذج إلى ورشة الحديد لتجهز على نمطها من الصلب، وإذا ما أقيم هيكل السفينة نُقِل إلى حافة الماء وأخذ القوم يبنون عليه ما نقص، وهي تُحمَل على قطع ضخمة من خشب تمد تحتها قضبان زلقة ترسو عليها، وعند تمام بنائها تنزلق تدريجًا إلى اليم.
عندئذٍ يبدأ الطلاء وتركيب الآلات، ثم تُكسَى السفينة بالخشب وتُقسَّم إلى حجرات، ولعل أعجب ما يسترعي النظر ملابس الاسكتش من لفافة مثناة من قماش مربع التخطيط، يسوده اللون الأحمر، وبالساق جورب طويل ولهم رباط حول الرقبة رجالًا ونساء، ويجيدون رقصة جميلة على أنغام مزمار النفخ، وهم يحملون السيوف ويتحركون حركات عنيفة ويصيحون صيحات وحشية منكرة. قمت إلى جلاسجو على نهر كلايد فبدت غبراء لكثرة دخان مصانعها، وهي سيدة بلاد الدنيا في بناء السفن مثل كوين ماري، وتكاد روافع المصانع تشبه عمالقة الغابات، وقد كان ماء النهر وكأنه من الزيت الخالص لكثرة ما تلقي فيه المصانع من أوساخها وشحومها، والقناطر فوق النهر متجاورة متعددة والناس هناك تعوزهم النظافة. ويدهشني في القوم غرامهم بالرحلات، ويساعدهم على ذلك شركات النقل التي تخفض الأسعار في مناسبات كثيرة إلى الربع، وتزيد في عدد قطاراتها وعرباتها وتبتكر لهم رحلات بين آنٍ وآخَر. عدت من رحلة إلى البحيرات وطلبت العشاء في الفندق، فقيل لي بأنه يوم الأحد ولا سبيل إلى ذلك، فنزلت أبحث عن مطعم فلم أجد، وأخيرًا أبصرت بمطعم للسمك صغير، ففرحت ودخلت أطلب شيئًا آكله، فقال الرجل: آسف؛ إذ لا يباح البيع إلا للفقراء فقط. فقلت: بل أنا فقير غريب نال منه الجوع. فضحك الرجل وناولني سمكة مشوية، وطلب إليَّ أن آكلها خلسة في الطريق لا في المطعم نفسه، فكان ذلك درسًا قاسيًا علَّمَني كيف استعِدَّ لأيام الآحاد في مثل تلك البلاد الشحيحة. والناس هناك رقيقو الحال تعوزهم النظافة، والفقراء والمتسولون عديدون، وقد تدخل السيدة مطعم الحساء والسمك وتُخرِج الخبز من حقيبتها طلبًا للاقتصاد.
(?) كمبردج

في ساعة ونصف وصلت كمبردج ند أكسفورد، وفيها زهاء ثماني عشرة كلية غالبها يطل على نهر كام الصغير، وتكاد تلحق كل واحدة بكنيسة، ويقيم الكثير منها دراسات صيفية يجتمع فيها الناس من بقاع الأرض نهارًا وليلًا ليتبادلوا الآراء ويتعارفوا، وتلك سُنَّة حَسَنة، والكليات تعُدُّ للزائرين رحلات إلى الريف المجاور، ومن أعجبها رحلة إلى منطقة المستنقعات القديمة واسمها «فنلند» كانت تغص بعشب الماء الذي طمر وأضحى فحمًا غير ناضج «بيت»، وأخذت الدولة تصلحه وتزرعه، وزرنا إلى شرقها منطقة صحراوية رملية مجدبة اسمها «بركلند»، لا ينمو بها إلا العشب القصير الشائك، وتعجب إذ تعلم أن مطرها غزير ويفسرونها بأن تربتها الجيرية أذاب منها المطر كربونات الكلس، فبقي الرمل في هذا الشكل. ومما يذكر بالفخار لجامعة كمبردج معاونتها للبحث العلمي في نواحيه المتعددة، وحتى في الاستكشاف أسَّسوا معهدًا أسموه «المعهد القطبي» يقدِّم كل مساعدة لأي عدد من الرحَّالة من أية دولة.
وسط الباب الحديدي بالدانوب.
(?) إلى إيرلندة

قمت إلى ميناء ليفربول الصاخبة، وركبت الباخرة إلى بلفاست عاصمة إيرلندة الشمالية زهاء عشر ساعات، فبدت صغيرةً جميلةً خفيفةَ الروح نظيفةً، والناس ظهروا يخالفون الإنجليز في كل شيء؛ فهم على حدَّة في الطبع وبُعْد عن الهدوء الإنجليزي، أَمْيَل إلى البساطة وسهولة المأخذ، على أن مظهر العوز والفاقة أخذ يزداد بقدر محسوس. ومن ضواحيها الجميلة بمناظرها الرائعة منطقة الشلالات إلى شمالها، وفي قرية موكامور زرنا أحد مصانع التيل الكبيرة، والطريق إليها كثير المسايل والشلالات الجذابة. وقد قام بنا القطار إلى دبلن في ثلاث ساعات، وعند حدود إيرلندة الحرة فُحِصت الجوازات وفُتِّش متاعنا وبدءوا يستعملون لغتهم الإيرلندية ويكتبون بها لافتات متاجرهم وكأنها العبرية في الشكل، والنقود وطوابع البريد كلها بهذه اللغة التي لا يفهم الواحدُ منها شيئًا، وعلى الوجه الآخَر من النقود رسم لأغرب حيوانهم كالحصان والكلب والخنزير. أما البلدة فمتواضعة تفتقر إلى النظافة، ويكثر بها أبناء السبيل من الحفاة في كل طريق، كذلك المتسولون لا يحصون عدًّا، هذا إلى المرضى والمشوهين، وأنت لا تفتأ ترى أكداس المهملات في الطرق، والبصق المنفر هنا وهناك، ومستواهم الثقافي منحط وحالتهم الصحية ضعيفة وغالبهم يدمن الخمر والتدخين، والنساء يحملن الشيلان الثقيلة السوداء ويعلقن أطفالهن إلى جانب الذراع الأيسر.

عبر أوروبا من الشرق إلى الغرب


دخلنا البحر الأسود مقر الأنواء والعواصف الشتوية التي تُلقِي عليه من سحبها القاتمة غبرة أكسبته اسمه، ثم ألقت الباخرة مراسيها على مدرجات ثغر قوستنزا، وتشرف البلدة على الميناء من مرتفع، ورأينا بها بعض المساجد، فهي إحدى بلاد دبروجة الإسلامية، وكثير من أهلها يلبسون الطربوش.
أقَلَّنَا القطار وسط سهول الغلال التي كانت تُحصَد إذ ذاك في أواخر يونيو، وكانت تنتشر البيوت مبعثرة وسط الحقول بلونها الأبيض وسقوفها الحمراء، وكنا نرى النساء يعملن مع الرجال في الحقول وحتى في سكة الحديد، وأخيرًا وصلنا بوخارست: عاصمة رومانيا أو باريس الصغيرة؛ لأن أحياءها الجديدة تحكي جهات من باريس، وقد تجلَّى الفرق بين طبقة الأغنياء والدهماء؛ فالنزعة الأرستقراطية بالغة الحد بحيث يرتفع الأثرياء عن العامة، وحتى في الكلام يحتقرون لغتهم ويتكلمون بالفرنسية ويقرءونها في الجرائد والكتب التي تُطبَع خصيصًا لهم، وقد سمعت احتجاج الطلبة على ذلك والتهكم على ما أسموه بالهوس الفرنسي «فرانكو مانيا»، وغالب الملكية بيدِ تلك الطبقة وجل الأموال بيد فئة من اليهود، وقد فطنت الدولة لذلك وشرعت تعدِّل قانون توزيع الملكية رحمةً بالفقير. وأظرف ما استرعى نظري جمال الهندام الذي يزيِّنه التطريز، وزهاء الألوان، ويُعَدُّ النساء هناك أمهرَ أهل الدنيا في إتقان التطريز. وغذاء الفقير «عصيدة» من الذرة تُسمَّى «ماماليجا»، وأحب الشراب الجعة، وأفخم شوارع البلدة كاليا فيكتوريا أو شارع النصر على الأتراك، وبالمدينة زهاء ??? كنيسة غالِبها على المذهب الإغريقي، والأحياء الفقيرة قذرة للغاية، واللغة السائدة هناك بين الجماهيرِ الألمانيةُ إلى جانب لغتهم القومية. قمنا من قرية جورجو على الدانوب بالباخرة تشق مياه النهر بين بلاد رومانيا من جانب وبلغاريا من الجانب المقابل له، وكان الجانب البلغاري كثير الربى، وكنا نرى الفتيات هناك يجمعن الورد من شجيراته التي تسد الآفاق، وصناعة ماء الورد من الموارد الرئيسية لتلك البلاد الفقيرة. ثم بدت سواحل يوغوسلافيا وبعدها تعقَّدَتِ الجبال وتلوَّى النهر واختنق واشتد تياره، وهنا أقاموا وسط النهر جسرًا وحطَّموا جنادل النهر في الجانب اليوجوسلافي، وصلح للملاحة، أما الجانب الآخَر فظل بجنادله ومنحدراته ودواماته المخيفة، ولبثت السفينة تسير وسط ليات هذا الخانق بمناظره الجذابة زهاء ثمان ساعات، بعدها انفرج النهر؛ لذلك لم نعجب لتسمية هذا الجزء من النهر بالباب الحديدي. أشرفنا على بلغراد عاصمة يوغوسلافيا والمدينة يعوزها الشيء الكثير من الجمال والنظافة والنظام، ويسمونها هناك بيوجراد؛ أي القلعة البيضاء، وكنا نرى سنابل القمح تُعلَّق على كثير من البيوت لتحل البركة، وعلى بعض البيوت رأينا دمية معلَّقة وعلمنا أن هذا إعلان عن وجود آنسة في سن الزواج داخل هذا البيت. واصلنا السير في الدانوب، وكانت سهول المجر تبدو إلى يمننا، وكانت تكثر على الجانبين هدارات الماء في عجلات يديرها التيار فتحرِّك مطاحن الغلال على الضفاف.
في فناء جامعة كمبردج.
قنطرة إليزابث أجمل قناطر بودابست.
وأخيرًا دخلنا بودابست عاصمة المجر، فبدت كالعروس تشرف على جانبي النهر في جمال فتَّان، «بودا» القديمة إلى اليسار «وبست» الحديثة إلى اليمين، يصل ما بينهما سبع من القناطر الأنيقة المعلقة. حللتُ البلدة فشعرت بالمتاع الكامل، فهي بحق «ملكة الدانوب» امتازت بكثرة ميادينها ومتنزهاتها وتماثيلها في تنسيق فائق، ونظافة الشوارع وحسن نظامها يدهش الزائر خصوصًا في الشارع الرئيسي «أندرسي أوت»، وإذا عبرت قنطرة اليصابات أجمل قناطر البلدة أخذت تصعد ربوة بودا وفي أعلاها القلعة القديمة والكنيسة وتمثال هنياد المجري الذي طرد الأتراك، وفي بودا القصر الملكي الفاخر، وبه ??? حجرة جدَّدَتْها الملكة ماريا تريزا، ويواجه القصر من الجانب الآخَر للنهر البرلمانَ درة بودابست بهندسته القوطية وأبراجه المسننة الشاهقة، أما عن نقوشه وزخرفه وصوره من الداخل، فذاك أمره من الأعاجيب. ومن المتنزهات العامة جزيرة مرجريت إلى شمال البلدة، وبالمدينة مجموعة هائلة من المتاحف لعل أفخرها المتحف الزراعي معدوم النظير في العالم كله، ولقد زاره ملكنا الراحل وصمَّم أن يقيم نظيره في مصر، وقد بدأ تنفيذ ذلك بعد أن استقدم خبراء من متحف بودابست.
وغالب تجارة المجر بأيدي أقلية من اليهود يبغضهم الجميع، رغم أنهم الطبقة المستنيرة في البلاد، ومنهم الأطباء والمحامون والمهندسون، وفي بودابست كثير منهم حتى لقَّبَها بعضهم «جودابست»؛ لذلك لم أعجب لانتشار المقامرة في كل شيء. والمجري مَرِح، حفيف الروح، رقيق العاطفة، ساذج، كريم، نظيف، وهو موسيقي بفطرته، وجمال النساء هناك فاتن، وفي تقاطيع الوجوه شيء كثير من الجنس المغولي؛ لأن المجري أسيوي الأصل هاجَرَ إلى تلك البقعة منذ سنة ???، ولا يزال الكثير منهم رعاة يعيشون على الفطرة، ويشتهرون بركوب الخيل وصيدها من البراري هناك، ويسمون «شيكوز» ويشبِّهون بلادَ المجر في وسط أوروبا بالواحة وسط الصحراء.
قمتُ صوب فينا عاصمة النمسا، تلك البلاد التي تتمثل في أهلها الجاذبية ورقة الحاشية إلى كفاية في العمل، فهم دائمًا باشُّون رغم جهدهم اليوم في الحصول على الرزق. تجلت عظمة المدينة في مبانيها الفاخرة، وشوارعها الفسيحة، ومتنزهاتها الجذابة، وبخاصة طريق «الرنج» الذي يطوق فينا القديمة، وهو أفسح طرق الدنيا، وعليه دار البرلمان الفاخر الذي يُشعِر بعظمة دولة النمسا القديمة، رغم عدد النواب القلائل الحاليين.
الرنج أفسح طرق الدنيا يشرف عليه برلمان فينا.
ومن الأماكن الجديرة بالزيارة متنزه پراتر وكأنه الغابة تشقها الطرق، وتقوم عليها المقاهي والملاهي والملاعب والمراقص، ثم زرنا قصر «شوينبرن» لماريا تريزا، وفي إحدى غرفه التي كلَّفَتْ أربعين ألف جنيه أمضى الملك شارل آخِر ملوك النمسا صكَّ اعتزاله المُلك. دخلنا في المساء دار الأوبرا وحضرت رواية «الغجرية»، والدار من أفخر دور الملاهي وأكبرها في العالم، تتسع لنحو ???? متفرجًا، ويكاد الزخرف داخلها يحكي أوبرا باريس. دهشت لتلك المنشآت التي لا تتناسب مع صغر الدولة وفقرها اليوم، فإنَّى لماليتها أن تنفق على كل أولئك، فالمدينة آخِذة في الاحتضار، ولذلك لم ندهش لما أن ارتمت في أحضان ألمانيا قبل الحرب. ومن ضواحيها الجميلة كوبنزل على علو ???? قدم، ثم بادن بحماماتها ومياهها المعدنية، وقد جملت بالمنشآت التي يجد فيها الزائر الراحة والاستمتاع، ثم سمرنج وسط الجبال المعقدة الرائعة، يدخل القطار إليه في مجموعة من أنفاق لا عدَّ لها، ومناظر الربى والثلوج والغابات من حولها تأخذ بمجامع القلوب، وكنا نرى القوم نساءً ورجالًا يتسلقون تلك الجبال مشيًا وعلى ظهورهم الجعب وهم يرتدون ملابس الرحلات في شيء كثير من التقشف.
ومن بلاد النمسا التي زرتها سالزبرج أو بلدة الملح في وهدة حولها المرتفعات بغاباتها، وقد دخلت أحد مناجم الملح بها فألبسونا حلة من جلد، وركبنا جرارة كهربائية أوغلت بنا في سراديب ضيقة، وكنا نصعد من الدرج ما يبلغ علوه أحيانًا ?? مترًا، ونمر على تجاويف في الصخر، وفي بعضها تقام المقاعد والمصابيح من الملح الشفاف، وكنا نعبر بعض البحيرات الجوفية بزوارق، وقد تعلو بعض جهات المناجم ثلاثة آلاف متر، وفي مدينة سالزبرج بيت الموسيقي الشهير موزار تحتفظ الحكومة به متحفًا، وله تمثال في أحد الميادين. غادرت النمسا صوب شيكوسلوفاكيا فأخذت الجبال تتعقد وتزيد كثافة غاباتها، وكان القوم يجهزون الأخشاب للتصدير، وقد تسلقنا هضبة بوهيميا وفي وسطها دخلنا براها العاصمة، وكم قاست من ظلم المستعمرين من شعوب مختلفة، لكنها غالبت الظروف جميعها وظلت نيران الوطنية تتأجج في صدور بنيها، فشكَّلوا الجمعيات السرية وأهمها جمعية «مافي» حتى استعادوا استقلالهم كاملًا عقب الحرب العالمية الأولى، فساروا في سبيل النهوض بخطى أدهشت الجميع، «فبراها» تسمى بحق روما الشمال؛ لأنها صفحة تاريخية مجيدة تبدأ حوادثها منذ ???? سنة. زرت القصر الملكي وكأنه الحصون، وفيه مخلفات من جميع العصور الظالمة الأولى، وإلى جانب القصر كنيسة سان فتس، وفيه يُدفَن عظماؤهم، وقد زرت قصر ولنشتين وبه بعض مختلفاته، وحصانه محشو محنط، ودخلت زقاقًا قذرًا في حي فلادسلاف وفيه بدأت جذوة حرب الثلاثين سنة. وفي ميدان المدينة القديم زرنا دار البلدة «راتهوس»، وفوق أرض الميدان عدد من الصلبان بقدر عدد أشراف البلدة الذين شنقهم الأعداء سنة ????، وتزيِّن برج الدار ساعة ملكية منذ سنة ????، وكلما دقَّتِ انفتحت أبوابٌ في أعلاها وتحرَّك إلى الأمام أشباح يمثِّلون المسيح والرسل الاثني عشر. وأكبر شوارع المدينة «فاكلافسكي نامستي»، وهو فاخر وبخاصة في أضواء الليل، على أن المدينة تبدو صغيرة مهملة وليست جديرة بعاصمة دولة ناهضة كهذه؛ لذلك فهم دائبون على الإنشاء والتعمير بسرعة عجيبة، فالكل يبدءون العمل مبكرين ساعتين في الصباح ويؤخرون ساعة الانصراف ليعوِّضوا ما فوَّتَه عليهم المستعمر، ويظهر أن متانة أخلاقهم نتيجة لما قاسوا من أهوال؛ ولهذا يُطلَق على عاصمتهم «مدينة الشدائد»، وقد بدءوا ينهضون بمختلف الصناعات، منها المنسوجات وآلات الموسيقى والبيرة والجلود والأحذية، وها نحن نرى مصانع باتا تطبق شهرتها الآفاق كلها كذلك الزجاج والخزف.
الميدان الرئيسي في براها.
قمت إلى كارلسباد ويسمونها «كارلوفي فاري» كرهًا في الألمان ولغتهم، وكانت الأرض جبلية يكاد يكسوها نبات حشيشة الدينار hops، ومنها تُتَّخَذ خميرة البيرة، وتُعَدُّ بوهيميا أغنى بلاد العالم بزراعتها، ونباتها يحكي أعواد العنب الرقيقة، وهو هناك كالقطن عندنا المورد الرئيسي للفلاح. وصلت البلدة فألفيتها ممتدة على جانبي وادٍ جافٍّ ملتوٍ وتكثر به الينابيع مختلفة الحرارة والمركبات المعدنية لذلك أضحت من أشهر بلاد الاستشفاء، وأجَلُّ عيونها نبع «سپرودل» يصدرون من مائةٍ أربعةَ ملايين زجاجة كل عام، ويندفع ماؤه إلى الجو نحو عشرة أمتار، والمياه تفيد في أمراض المعدة والكبد والأمعاء والمجاري البولية والروماتزم، وكم كان يروقني منظر الجموع الرشيقة كلٌّ يمسك بكأسه ويمشي ذهابًا وجيئة وهو يتناول من مائه جرعة حسبما أمره الطبيب، ولهذا عُنِي القوم بالمقاهي والفنادق والمتنزهات اجتذابًا للزائرين. (?) ألمانيا بلاد الفخامة والنظام

في أربع ساعات دخل القطار بنا درسدن، بعد أن اجتاز عقدًا من جبال إرزجبرج، فبدت مدينة هائلة منسقة منظمة نظيفة تكثر بها القصور القديمة والمتاحف الفنية، ومن ضواحيها التي وصلتها في ساعة: ميسن، وقد زرت بها مصانع الخزف السكسونيا المشهور، فشاهدنا عنابر العجينة، ثم عنبر الدواليب التي تحكي في شيء من التعقيد دواليب الفخار بقنا، ثم الأفران، ثم عنبر النقش، وهنا أدهشتني سرعة الرسم بأيدي الآنسات والفتيات بدقة وسرعة لا تُصدَّق، ثم عنبر الحفر لعمل التماثيل والنماذج، ثم المتحف وفيه تُعرَض بدائع ما أنتج المصنع. وفي ثلاث ساعات دخلت برلين، وأول ما قصدت شارع المدينة الممتاز «أنتردن لندن»، ويقوم عليه القصر الملكي وبه عرش غليوم آخِر أباطرتهم، والشرفة التي خاطب الشعب منها يوم إعلان الحرب العالمية الأولى، وكان به قسم من الفضة الخالصة صهرها فردريك الأكبر وحوَّلها نقودًا لما أعوزه المال في حرب السنين السبع، والقصر يطل على نهر سپري فرع الألب، وبجواره كنيسة الدوم أفخر كنائس برلين، بَهْوُها يتسع لخمسة آلاف جالس، وخلفها مدافن القياصرة. أما المعارض والمتاحف فيكاد يُعنى بها أكثر من أية دولة في العالم، ولقد رأيت في إحداها رأسَ نفرتيتي التي سُرِقت من مصر. وأينما سرتَ في برلين أخذتكَ عظمة البنيان وفرط النظافة والنظام ويقظة الناس ونشاطهم.
ومن المتنزهات الهائلة «تربتاو»، وكأنه الغابة في وسطه المرصد العتيد، ثم «تيرجارتن» تجاوره دار البرلمان أمامه تمثال بسمارك وعمود النصر علوه ??? سلمًا، وأقيم تذكارًا للنصر في حرب السبعين، وعلى مقربة بوابة «براندنبرج» الهائلة التي تنافس بوابة باريس. وثاني الشوارع هناك في الوجاهة والعظمة «فردريك شتراس»، وحديقة الحيوان تمتاز بأن كل طائفة من الحيوان يقام لها بناء في هندسة بلادها، فدار النعام مصرية، ودار الفيلة هندية، ودار الإبل والظباء عربية، ودار الطيور المائية يابانية، وهكذا، وبجوارها أكواريوم لمختلف السمك، وبجانب الحديقة حظيرة بها ألف تمساح. قمت إلى ضاحية بوتسدام نظيرة فرساي في باريس، وكانت موطن فردريك الأكبر، والقصور الملكية بها متعددة وفاخرة تحوطها متنزهات سان سوسي، ومعناها بغير ملل، تلك التي حوت من التماثيل والنافورات والزهور والجواسق ما يحار فيه اللب، وبه قصر من طابق واحد أجمل حجراته غرفة فولتير صديق فردريك الأكبر، كذلك حجرات فردريك الخاصة وساعته التي وقفت ساعة وفاته تمامًا، ثم قصر الأورانجري لكثرة أشجار البرتقال حوله، والبانتيون مدفن العظماء، والقصر الحديث وبه حجرة الموسيقى تنقش الآلات كلها بالذهب على الجدران، فكان فردريك موسيقيًّا نبغ بصفة خاصة في الفلوت، ويُدفَن هو وأبوه في كنيسة سان سوسي، ورغم شدة الضيق المالي إذ ذاك فإن المرح لم تخف حدته بينهم، فلقد زرت «هوس فاترلند» أكبر مقاصف برلين، فكان جنة ساحرة من أضواء وثريات ومقاصير وأبهاء، وكل منها في هندسة مختلفة وأثاث منوَّع، ويمثلون فيها السماء تارةً في ضوء القمر، وأخرى في رعد وبرق ومطر لا تشك في أنه حقيقي، وتنتقل وأنت هناك من جو أوروبي إلى جو أفريقي إلى آخَر أمريكي إلى تركي في كل شيء. قمت إلى كولوني ويسمونها «كيلن» ثالثة مدن ألمانيا، غالب سكانها من الكاثوليك؛ لذلك لم أعجب لما علمت أن بها مائة كنيسة، وأفخرها الدوم في الهندسة القوطية الأنيقة التي قيل إنها تمت في أربعين عامًا؛ وذلك لكثرة نقوشها وتماثيلها ولبرجَيْها الشاهقَيْن، ويتسع فناؤها لأربعة وعشرين ألفًا، وتُعَدُّ معجزة فنية، ونهر الرين هناك عظيم الاتساع تعبره القناطر، ومن بينها أكبر قنطرة معلقة في أوروبا كلها.
قصر سان سوسي في بتسدام بألمانيا.
ردهة المرمر والودع في بتسدام.
سافرت إلى ميونخ فوصلتها في اثنتي عشرة ساعة، ويسمونها «منشن»، بدت كالعواصم الكبرى في ميادينها وكنائسها وجلها كاثوليكية، ولعل أروع ما يظل في ذاكرتي المتحف الألماني، وهو الوحيد من نوعه في العالم، فعلاوة على ما يُعرَض بالمتاحف الكبرى عادةً تجد به نماذج للمصانع الرئيسية والمناجم ووسائل النقل وتطورها وبراكين العالم وما إلى ذلك في حجمها الطبيعي. وقد زرت دار الجعة الكبرى في بنائها القديم من أربعة أدوار في أقبية وسراديب وأبهاء مزركشة، دخلت فألفيت الجماهير الغفيرة كلٌّ يمسك بجرة من الصلصال تتسع للتر يتناولها بيده، ثم يقدِّمها لحارس البراميل فيملؤها له من الجعة الألمانية الشهيرة ويعيد الكرة مثنى وثلاث ورباع، وترى البعض يحتسيها واقفًا وهو يتَّكِئ على برميل ضخم، وضوضاء المكان لا تخبو، وهو خير عنوان على الشعب البافاري ومبلغ ميله للشرب والمرح، وفي الأدوار العليا مطاعم لعلية القوم، جلست إلى الساعة الثانية صباحًا وأمامي الجرة لم آتِ على ثلثها، وكان إلى جواري بعض الأطفال يشربون مع آبائهم الجرة تلو الأخرى في شرهٍ زائد وسرعة مدهشة.
(?) إلى هولندة بلد السلام

لم نلاحظ من خلال المناظر والسطح إلا أن التراب ضايقنا كثيرًا، والطرق الزراعية رديئة، وكانت الحقول تغص بالبقر الأحمر والأسود تزينه البقع البيضاء، وكان الصبية يمرون حاملين كئوس القهوة يشربها الناس جميعًا. دخلنا أمستردام فبدت غاية في الجمال وخفة الروح فاقت في نظري البندقية، تشقها القنوات في كل خطوة، وكفى أن بها سبعين قناة وأربعمائة قنطرة، وتطوقها المياه في حلقات عشر الواحدة خارج الأخرى، وكل أولئك تقطعها قنوات مستعرضة تتجه نحو المركز، أذكر أني وقفت على قنطرة فكنتُ أرى حولي ثماني قناطر، والبيوت يضرب في جدرانها الماءُ، وغالب طرقها مختنق قد لا يتسع لمرور شخصين، ويقولون بأن البلدة تقام على مجموعة من الأعمدة تغوص في الأوحال، فالقصر الملكي وحده يقوم على ?? ألف عمود، ويطل على ميدان «دام»، وكثير من الأبنية في هندسة القرون الوسطى خصوصًا دار شركة الهند الشرقية والغربية، ومن أعجب المباني بيت واجهته من زجاج إذا نظرت خلاله من الخارج بدا الداخل بنفسجيًّا، وإذا نظرته من الداخل كان اللون أبيض، وتلك مهارة للقوم في صنع الزجاج منذ القِدَم، وفي حي اليهود بيت الفنان «رامبرنت» الذي أنجبته المدينة، والقسم المستحدث من المدينة في خارجها في طرق فسيحة، وبه الإستاد ويتسع لأربعين ألفًا، ودار شركة الماس أقدم معمل لقطع الماس في العالم وأكبرها، وكنت أرى كثيرًا من الوجوه الأسيوية والزنجية جاءوا من المستعمرات ليدرسوا هناك.
سدود هولندة التي تدفع غائلة البحر عنهم.
قمنا إلى لاهاي في مناظر مصرية إلا في مطاحن الهواء العديدة، فبدت شبيهة بمصر الجديدة عندنا، مبانيها موحَّدة المنظر، زرت قصر السلام فهو بالآجر في هندسة هولندية، مبيض من الداخل، بولغ في نقشه، تبرَّع ببنائه أمريكي، دفع مليون ونصف مليون ريال، وقد أهدت كل دولة جزءًا من الأثاث، وقد نقش القوم على أرض المدخل «تظل شمس السلام مشرقة علينا»، ثم زرت قصر الملكة، وأظرف ما به غرفتان إحداهما هدية من اليابان بحرائرها وخرط أخشابها، والثانية من الصين. قمنا بالترام في نصف ساعة إلى نوتردام، أكثر المدن حركة في التجارة، لكنها بدت ثقيلة الظل وإن شقَّتْها بعض القنوات، وميناؤها صاخب بالحركة منذ القِدَم. وفي الحق أن الشعب الهولندي نشيط، كفاه فخرًا أن غالَبَ البحرَ ومدَّ نصف أراضيه على حسابه بوساطة الجسور التي تعلو سطح البحر بنحو أربعين قدمًا وتتعدد داخل بعضها، وقد جفَّفوا الأرض وزرعوها وأصلحوها، لذلك كانت التربة فقيرة لا يجود بها سوى العشب وعلف الماشية، وغالب النقل بالصنادل التي تشق القنوات، أما العربات خصوصًا في الشوارع فلا تكاد تُرى، وكثيرًا ما كنتُ أرى الصنادل توسق بكور حمراء من الجبن «الفلمنك»، وكثير من الناس يتخذ الزوارق والصندل مسكنًا دائمًا لهم، وعددهم نحو مائة ألف.
ولعل في بطء سير تلك الوسائل ما يبرِّر ما عُرِف عن الهولندي من البطء في التفكير وفي العمل، ويؤخذ عليه بعض الجفاء في الحديث والشح المالي، أما نظافة مسكنه فمثالية رغم قذارة هندامه، والزي هناك عجيب مضحك؛ سروال فضفاض وجاكتة محبوكة ومنديل حول الرقبة، أما النساء فقلنسوة بيضاء ذات جناحين وجلباب طويل عليه فوطة زاهية اللون، وأحذية الجنسين من خشب تشبه «مركوب» الفلاح المصري، مصنوع من قطعة خشب واحدة؛ لذلك كانت كبيرة جدًّا. ويؤخذ على الهولندي إدمانه الخمر حتى النساء منهم.
(?) إلى دنمركة

بلاد الديمقراطية والتعاون. قام بنا القطار من برلين، وعند شاطئ بحر البلطيق، اندفع بنا القطار كله فوق سابحة أبحرت بنا، وإلى جوارنا قطار آخَر، ثم رسونا على جزيرة جرنا فوقها القطار، ثم دخل بنا سابحة أخرى قامت بنا إلى شاطئ آخَر، ثم جرنا القطار إلى العاصمة.
كوبنهاجن

وكنا نرى الجزائر حولنا في كل ناحية، والسابحات تمخر ما بينها في نظام محكم وعددها أربع وعشرون، تنقل كل عام مليونًا من الأطنان ومليونًا من الأنفس، جمعت البلدة كل مظاهر العظمة، ففيها وحدها فوق ربع سكان الدولة، لكنها لم ترقني كثيرًا؛ إذ يعوزها الجمال في كل شيء، حتى في نسائها، على أن النظافة هناك فائقة الحد، وهم مرحون نشيطون نَهِمون في الأكل، يتناولون بين أربع أكلات وستٍّ في اليوم، وبخاصة التصبيرة المسماة «سمور برود»، وهو مزيح من الخبز والزبد والبيض وقطع الدجاج والسمك واللحم والخضر، وترى بائعيه منتشرين في كل مكان، أما الطعام الرئيسي فبطاطس مسلوق ولحوم خصوصًا لحم الخنزير، وهم متعلمون جميعًا ليس لمدارسهم برامج مسطورة ولا امتحانات عامة، بل كل ذلك يُترَك لحرية الأستاذ، والعجيب أنه لا يُشترَط في الأستاذ شهادة جامعية، ويكفي أن يُعرَف عنه امتيازه في ناحية معينة ليتعهدها في المدارس؛ لذلك شجَّعَ ذلك العلم لذاته لا للشهادات، ولا عجب فقد أصبحوا قادة العلم في شئون الزراعة والرعي، ورغم فقر تربة البلاد وتوزيع أراضيها على نحو أربع وأربعين جزيرة تحوطها المياه جميعًا، وذلك بفضل نظام الملكية المكين وميلهم الفطري للتعاون، والمستأجر للأرض يأخذها طوال حياته وبقيمة تكاد تظل ثابتة، ونحو ??? من الأراضي ملك لصغار المزارعين، ولما تقلبت أسعار الغلال أوقفوا زراعتها وأعاضوها بزراعة الأعشاب للرعي.
وبفضل المتعاونات أقيمت مصانع منتجات المرعى، فهي تصدِّر من الزبد وحده نحو ?? مليون جنيه كل عام لإنجلترا وحدها، وجميع الفلاحين أعضاء في جمعيات التعاون، وقد يشترك الواحد في عشر منها، وبفضلها تحسَّنَ نسل الماشية وزاد إنتاجها، ونحو ??? من الصادرات من الزبد وهو أجوده في العالم، وتكاد الحكومة تُشرِف على كل شيء، فهي أشبه بأوتوقراطية مصلحة، ولعل أفخم بناء هناك دار البلدية «راتهوس» بهندسته الهولندية الضخمة غير الجذابة، ثم القصر الملكي القديم، وكأنه متحف علمي وفيه البرلمان، وهناك رأيت الدستور مسطورًا ومعروضًا في سلة من الفضة إطارها من زجاج، وقد بلغ من ديمقراطيتهم أن الملك يخرج ماشيًا أو راكبًا يجوب أطراف البلدة ويخاطب الناس ويداعب الأطفال بنفسه، وحدائق القصر تفتح ليتريض فيها الناس جميعًا.
لذلك عشقوا الديمقراطية، يرفع الوجيه قبعته احترامًا للخادم، ولا تلمس فوارق الطبقات أبدًا، وفي خُلُقهم التسامح والمسالمة، وللمخالف أقسى العقوبات، وهم لا يحبون الشجار ولا النقاش الأجوف، ومستوى المعيشة هناك مرتفع جدًّا، حدث أني قابلت يهوديًّا مصريًّا يعيش هناك، وقد كان يضج من الحالة مع أن دخله أربعون جنيهًا في الشهر.
(?) سويسرا

قمت من فرنسا صوب جنيف، فهالتني نظافتها والإفراط في تنسيقها، حتى أعمدة النور زُيِّنت بأصص الزهور ومجاميع الثريات، وأرصفة البحيرات آيات فنية، وقد أقَلَّتْني الباخرة إلى لوزان، وزرت هناك قصر عصبة الأمم، ثم عرجنا على أفيان من مدن الاستشفاء بفضل عيونها المعدنية، وأينما سرتَ في جنيف ترى ذُرَى الجبال وبخاصة قمة «مون بلان» تتلألأ بثلوجها الوضَّاءة ومن حولها المنحدرات تكسوها الخضرة الجميلة، وأنت لا تكاد تجد قصاصة ورقة صغيرة ملقاة في الطريق.
حدث مرة أن شرينا كمثرى وأخذنا نقشِّرها ونرمي القشر في الطريق، وبعد أن فرغنا من أكلنا اعترضنا البوليس وكان قد تعقَّبَنا وأخرج كراسة المخالفات وطلب إلينا دفع ?? فرنكًا، فدفعناها وتسلَّمَ أحدنا الإيصال غاضبًا وطواه في يده ثم رماه في شيء من التحدي، فأعاد البوليس الكرة وكرَّر الغرامة مضاعَفَةً، ثم أمرنا أن نجمع كل ما ألقيناه في الطريق من قشر، وأشار إلى سلة المهملات لتُلقَى فيها.
قنطرة «مون بلان» عند منفذ الرون من بحيرة جنيف في سويسرا.
وسويسرا بلاد عجب، جمعت شعوبًا مختلفة، فهم يتكلمون أربع لغات أو خمسًا، ولكل ناحية من البلاد لغة من هاتيك، ومذاهبهم الدينية تختلف من مكان لآخَر، حتى لقد خُيِّلَ إليَّ أنهم متناقضون في أشياء كثيرة، كرام وبخلاء، أثرياء وبؤساء، وأهل الريف يكدون في الصيف ليدَّخِروا للشتاء، يقيمون بيوتهم الخشبية بأنفسهم، وينسجون ملابسهم، ويعدون غذاءهم من الألبان، أما في المدن فترى التكلُّف والتأنُّق خصوصًا في إقامة الفنادق والمقاهي لاجتذاب السائحين، وقد ساعدهم على ذلك جمال الطبيعة حولهم، وهم ديمقراطيون إلى أقصى حد؛ فالبلاد جمهورية من عدة ولايات، كل ولاية تضم عدة جماعات «كميون»، والجماعة نفر قليل أشبه بشركة لها رأس مالها وامتيازاتها، وكل فرد منهم مساهِم في الغابات والأراضي المحيطة، وله قسط من الإيراد يتقاضاه نوعًا لا نقدًا، ولكل ولاية قوانينها الخاصة التي تُسَنُّ بالتصويت العام في مجتمعاتهم التي يعقدونها مرةً في العام، فتجمع الجماعة في مكان فسيح ويقف الرئيس ويمر عليه الجميع مؤيدين أو مخالفين أي اقتراح يعرضه، ورئيس الجمهورية لا يزيد راتبه على ??? جنيه سنويًّا، وليس للبلاد جيش؛ فالأمة كلها جيش واحد عند اللزوم، والحرس السويسري معروف بالأمانة والإخلاص، فلقد فني الحرس عن آخِره دفاعًا عن لويس السادس عشر وكان من السويسريين، ولا يزال حرَسُ البابا في روما منهم. ومن أعجب ما رأيت هناك البوليس من كلاب سان برنار يدرِّبها رهبان أديرة الجبال على الإسعاف والإنقاذ واقتفاء الأثر، وكنَّا نراها تحمل جعبة في رقبتها بها بعض أدوات الإسعاف، ويهديها شمُّها الحاد إلى موضع مَن اختفى في الثلوج من عابري السبيل، فإن أمكنها الإسعاف فبها، وإلا عادت سراعًا لتستنجد ببعض الرهبان.

حول شواطئ البحر الأبيض


(?) إلى إيطاليا

في ثلاثة أيام بدت أرض إيطاليا ونحن مقبلون على بوغاز مسينا في ربى تكسوها خضرة أشجار الفاكهة والزيتون، ورسونا على كاتانيا واعتلينا بركان أتنا وفوهته تقذف بدخان كالسحاب من الأبخرة والأتربة، وبعد اجتياز بوغاز مسينا بمنظر شاطئيه الجذاب تنثرهما ثريات الكهرباء المتلألئة، سرنا لنرقب بركان استرمبولي الذي لفظ على غرة حممًا متأججة، ثم تدفَّقَتْ وهي تموج على جوانبه وقد أغبر لونها، وفي الصباح تكشَّفَ منظر خليج نابلي في هلال يشرف عليه بركان فيزوف بروعته وجلاله، حللنا البلدة فإذا هي في مجموعها قذرة متحدرة الطرقات يعوزها النظام، ويبدو على أهلها العوز، يدمنون شرب النبيذ لا بل ويأكلون به الخبز حتى خلته مرةً عسلًا أسود يأكله القوم، وكنَّا نشاهد باعة «لحم الرأس» والمكرونة يصيحون ترويجًا لتجارتهم في كل مكان، وهم يعلقون المكرونة بطولها في منظر منفر، والكثير منهم يصنعها في منزله، وشحم الخنزير يحل محل السمن لديهم في الطبخ، وضواحي نابلي خير منها؛ لأنها ريفية وغنية بمناظرها الطبيعية ووفرة نبتها، أذكر من بينها سان مرتينو موطن الطبقة الراقية، وسرنتو المشهورة بفاكهتها ونبيذها الأحمر، وكابري تلك الصخرة التي تعلو ??? مترًا، وقد جوفتها الطبيعة داخلها وهي تشرف على البحر، وقد دخلنا تجويفها من فتحة بالزوارق النحيلة فعجبنا من النور الوضَّاء الذي انبعث من أعماق الماء، فأكسبها زرقة رائقة ممزوجة بلون فضي، حتى خُيِّلَ إلينا أن زورقنا يسير على زئبق خالص.
سان بيترو أكبر كنائس الدنيا في روما.
وفي أقل من خمس ساعات أشرفنا على روما، فبدت ثقيلة الظل لم يسترعَ نظرَنا إلا ميادينها المزدانة بالتماثيل، ونافورات المياه في غير حصر، على أني أكبرتها عندما زرنا كنائسها ورأينا نفائس فنِّها من هندسة وتصوير ونحت، ولعل أفخر كنائسها «سان بيترو» أكبر كنائس الدنيا، أمامها ميدان تحوطه الأعمدة المزدوجة في شكل دائرة، تتوسطه النافورات وفي قلبه مسلة مصرية وُضِع عليها صليب، أما من داخلها فآيات للفن بيِّنَات تغطيها قبة هائلة في ذروتها كرة مفرغة تتسع لعشرين شخصًا، كلفها قسطنطين عشرة ملايين من الجنيهات، ويُنفق على إصلاحها سنويًّا ???? جنيه، وهناك تمثال نحاسي للقديس بطرس كادت تجاعيد قدمه تُمحَى من كثرة لمس المتبركين من الزوار، ولا يقل الحجاج إليها عن ?? ألفًا في العام يباركهم البابا.
أمام برج بيزا المائل.
وفي جانب من كنيسة أخرى تمثال لسيدنا موسى، أعجب به صانعه ميخائيل أنجلو فخاطبه قائلًا: لِمَ لا تنطق؟ وهو الذي قام بهندسة كثير من الكنائس ونقشها، وكان له منافِس شاب أرستقراطي اسمه رافائيل. قصدنا قصر الفاتيكان مملكة البابا وله حرسه من السويسريين، وهو أكبر قصور الدنيا، به ?? ألف حجرة وعشرون ردهة، رأينا معارض القصر ومكتبته وبعض حجراته وقبابه التي يعجز القلم عن وصفها، خصوصًا قبة «كابلاسسفيني» التي أتَمَّ نقشها ميخائيل أنجلو في أربع سنين وهو يعمل صباح مساء حتى تصلَّبَتْ عروق رقبته. ومن الهدايا المقية فازة كبيرة أهداها محمد علي باشا، ويتصل بالقصر طريق سري إلى قلعة «كاستل سانت أنجلو» يختبئ فيها البابا إن تعرَّضَ لخطر، إلى ذلك الآثار الروبانية القديمة التي لا تدخل تحت حصر وأجَّلُها «الكلوسيو»، وكان الملعب الإمبراطوري تُطلَق فيه الضواري لتفتك بالمجرمين، أو تقام فيه حفلات مصارعة الثيران.
قمنا إلى بيزا لنرى كنيستها وبرجها المائل، ففي الكنيسة قبة صِيغَت بحيث تجسِّم الصوت، فتصفيق اليد تسمعه وكأنه الرعد يتردَّد بقوة نحو عشرين ثانية، أما برجها فهو من الأعاجيب يعلو مستديرًا في سبعة أدوار إلى خمسة وخمسين مترًا، ويميل بجملته أربعة أمتار وثلثًا، رُكِّبَتْ فوقه سبعةُ أجراس تدق وفق أنغام الموسيقى السبع، والبناء كله من الرخام الأبيض الناصع، ويُعَدُّ من عجائب الدنيا.
زرنا جنوة وأجمل ما بها مساكنها ومدافنها؛ فالمساكن تعلو أدوارًا يكاد يفتح كل منها على شارع مستقل؛ لأن أغلب البلدة تقام على مدرجات جبلية، أما مقابرها فأجمل مدافن الدنيا، أُقِيمت كلها بالرخام والمرمر وسط حدائق يانعة، نُسِّقت أيما تنسيق. وفي حي فقير من البلدة بيت صغيرة حقير لخرستوف كلمب كاشف أمريكا، نُقِش عليه اسمه.
(?) فرنسا

دخلناها من طريق الريفيرا، وعرجنا على منت كارلو، تلك الجنة النظيفة الأنيقة في بيوتها وميادينها ومتنزهاتها وفنادقها، وحتى في سحن أهلها فهي حقًّا عروس المتنزهات، وشهرتها في فنادقها التي يؤمها سراة العالم ليلعبوا الميسر، ولقد أمضينا في الكازينو حول موائد القمار ومن ورائنا مصارف تيسِّر للمقامرين سحب النقود، وعجبت لما علمت أن الحكومة لا تبيح الدخول للفرنسيين، لذلك يحتِّمون عليك إبراز جواز السفر ليتأكدوا أنك أجنبي، ويطول سهر القوم جميعًا، فلا يبدأ العمل صباحًا إلا بين التاسعة والعاشرة، وكنتُ أسير في الطريق وحدي في الصباح وكأني في بلدٍ ميت.
(?-?) إلى شامونكس

قمنا إلى مرسيليا ومنها إلى ليون، ثم عرجنا إلى الشرق ونحن نوغل في مناطق جبلية مناظرها ساحرة حتى وصلنا شامونكس على علو ???? مترًا، فكان البرد أشبه بأشد أيام الشتاء في مصر. قمنا مبكرين وأخذنا نصعد في الجبال أربع ساعات حتى أشرفنا على ثلاجة ميردي جلاس، وهي نهر من الجليد وعر المسالك قادنا إليه دليل خبير، وعبرنا سطح الثلاجة المغضن والمشقق الزلق الخطير، والثلج أزرق اللون ينتثر بركام الصخر، وتسمع دوي الماء المنصهر في أرجائه، وكلما قارب النهر نهايته رقَّتْ كتلته وأضحى منابع مائية ماؤها أزرق كثير الرواسب، وكان ارتفاعه ???? أمتار، وكانت الزهور البديعة تكثر على جوانب الثلاجة في ألوان منوعة، وشجر الصنوبر ينضمر من حولنا كلما علونا، وبين آنٍ وآخَر كنَّا نصادف كوخًا خشبيًّا على الجليد يُعَدُّ لنا فيه الشاي والطعام. وقد تسلقنا ثلاجة بوسون، وهي أكثر وعورةً، ودخلنا منارة من الثلج على علو ???? مترًا، وكنا نرى الأبقار طليقة والأجراس الغليظة تتدلى من رقابها ليهتدي إليها رعاتها.
على ذُرَى جبال الألب في شامونيكس.
(?-?) باريس

نخرج من مغارة الثلج وسط ثلاجة بوسون بشامونيكس.
قمنا إلى باريس، فكانت مني خيبة أمل؛ لأنها لم تتناسب مع ما صوَّره لنا المبالغون من زوَّارها قبلنا، ولعل أفخر مبانيها ميدان الكنكورد الفسيح الذي كانت تقام فيه المقصلة إبَّان الثورة الفرنسية، وبه مسلة مصرية، ومنه يتشعب اثنا عشر طريقًا رئيسيًّا، وعليه متحف اللوفر من القصور الملكية القديمة، وبالمتحف أقسام شتى للتصوير، وبه صورة الجيوكوندا التي سلبها نابليون من إيطاليا، ثم سرقها عامل إيطالي، وعيَّنت فرنسا مليون فرنك جائزةً لمَن يدل عليها، ثم رُدَّتْ إليها فيما بعدُ. وثَمَّ قسم مصري قديم وآخَر غير مصري، ومما زرنا متحفُ جريفان، وفيه تماثيل الشمع لحوادث وشخصيات عدة، ثم برج إيفل من شباك الحديد علوه ??? متر، وفي أعلاه مقهى ومطعم ومحطة للاسلكي. ثم البانتيون الإغريقي الهندسة وهو مدفن العظماء، وكنيسة نتردام على النظام القوطي، ثم قصر الأنفاليد مدفن رفات نابليون تحت قبة هائلة، والقبر من الجرانيت المجزع يطل عليه الزوَّار من سياج مرتفع كي يطأطئ الزائر رأسه إجلالًا رغم أنفه، ويكاد احترامهم للمكان يكون جنونيًّا؛ حدث أن نسي أخي عبد الرحمن بك ولبس قبعته، وإذا بالحارس يصيح صيحة جبَّارة أن اخلع قبعتك إجلالًا يا سيدي. وتُعلَّق حوله الأعلام التي أسرها في كل وقائعه وانتصاراته، وباب القبر صِيغَ من حديد المدافع التي غنمها في موقعة أوسترلتز، وقد حرص المهندس على أن تسقط أشعة شمس الأصيل على رأس الإمبراطور تمامًا، وبالقصر متحف حربي عظيم. ومن ضواحي باريس فرساي، وبها القصر الذائع الصيت، وتكاد جدرانه تغص كلها بصور تاريخية زيتية فاخرة، وفي بعض حجراته أثاث لملوك فرنسا، مثل لويس الرابع عشر والخامس عشر، وصالة المرايا المشهورة تتوسطها المنضدة التي عُقِد عليها مؤتمر فرساي، والتي كان قد تُوِّجَ فيها غليوم الأول عقب انتصار ألمانيا في حرب السبعين. وحديقة القصر فاخرة ومزوَّدة بالنافورات التي تنعكس عليها الأنوار الملونة في مشهد رائع. وفي ضاحية أخرى قصر فونتانبلو؛ أي نبع الماء الجميل، وقد يفوق فرساي وجاهة، وبه عدة غرف من أثاث نابليون وماري أنتوانت، والمنضدة التي كتب عليها نابليون صكَّ اعتزاله المُلك.
مدفن نابليون تحوطه أعلام النصر.
بهو المرايا الذي أُمضِيت فيه معاهدة فرساي.
وباريس لا تتخذ نموذجًا للفرنسيين، فجُلُّ أهلها من الدخلاء المتطرفين، أما أهل سائر البلاد الفرنسية فأميل إلى أخلاق المزارعين. والفرنسي سريع الغضب، حسَّاس لكرامته إلى حدِّ الجنون، ولا أنسى زميلي حينما نادى سائق التاكسي بنغمة الآمِر كما نفعل في مصر، فصاح في وجهه باحتقار وأَبَى أن نركب عربته.
النافورات الفاخرة في قصر فرساي.
أما عن جمال الفرنسيات فإنه محدود، وإنْ كُنَّ أشهر نساء العالم في الأناقة وفن التجميل.
(?) إلى اليونان وتركيا

رسَتْ باخرتنا على بيريه ثغر أثينا، فبدا قَذِرًا منفرًا، ركبنا منه الترام إلى العاصمة، وأول ما يظهر مشرفًا ربوةٌ هائلة كانت تقام عليها معابد القدماء وبيوت عليتهم، ويتوسطها الإكروبول، وأجمل مكان السارثنون معبد العذراء أثينا آلهة الحكمة، وبه ?? عمودًا من الرخام الأبيض المجزع، ومن أسفلها معابد أخرى، ثم الإستاد القديم الذي جُدِّدَ بالرخام الأبيض، ويتسع لأربعين ألف نفس، وفيه تُعقَد الألعاب الأولمبية مرة كل أربع سنين، والمدينة قَذِرة متربة متهدمة يكاد يقتل أهلها الفقر والعوز، ولا يعتقد المرء أنهم فرع عن ذاك الأصل التالد العريق، ولا أغمط البلاد حقها في الطعام فهو أشهى ما يأكله السائح في أوروبا كلها؛ لأنه تركي شرقي.
ملعب الإستاد في أثينا.
(?-?) إسطنبول

قمنا إلى إسطنبول، ولما ظهرت أطراف البوسفور شاهدنا المساكن ذوات السقوف الحمراء المنحدرة، وظهرت مآذن المساجد وقبابها، إلى اليمين إسكدار الأسيوية وإلى يسارنا إسطنبول الأوروبية، وبجانبها القرن الذهبي الذي نعبره بقنطرة جالاتا تصل بين بيرا الحي الحديث شمالها وإسطنبول القديمة جنوبها، ويمتد البوسفور ?? ميلًا في عرض ميلين، وقد بدأنا بحي بيرا بشوارعه التي تعلو وتهبط، ولا أنسى حي تاكسيم، وبه دور الملاهي والمراقص وكثير منها لا يزال على نظام التخت الشرقي، أما الحي القديم فشبيه بخان الخليلي عندنا، وبه المساجد الفاخرة منها آيا صوفيا، فهو في مجموعه صليب كبير؛ لأنه كان كنيسة لجستنيان وحُوِّلَتْ إلى مسجد، وهو في نقوشه آية فنية نادرة، وبه سجادة النبي ومهد المسيح وحوضه، وفي الجانب الآخَر من الميدان مسجد السلطان أحمد بمآذنه الست الدقيقة، وقبته الهائلة تقوم على أربعة أعمدة في حجمٍ قد يفوق أعمدة الكرنك، وغالب نقوشه بالقيشاني الأزرق، وأمامه مسلتان إحداهما مصرية، وكثير من مباني البلدة بالخشب. والتركي نشيط فخور ببلده متوقِّد حماسة وبخاصة بعد الانقلاب الحديث رغم ما يبدو عليهم من افتقارٍ للمال، على أن عزمهم الجبَّار قضى على الأمية وأرهب الأجنبي وقام بكثير من وجوه الإنشاء والعمران. أخذ البسفور ينفرج تارةً وينقبض أخرى، وعند كل انقباض تقام القلاع العاتية، والبيوت تنثر الربى، وتكاد تغطيها الخضرة الناضرة في مناظر خلَّابة مدى عشرين ميلًا دخلنا بعدها البحر الأسود.
في داخل مسجد آيا صوفيا في إسطنبول.
(?) إلى فلسطين

أقلنا القطار من مصر إلى القدس، فبدت بلدة قديمة طُرُقها أزِقَّة ملتوية تعلو وتهبط، والمدينة في غاية النظافة رغم شح الماء فيها، ويدهش المرء لكثرة الأزياء التي يلقاها هناك، والناس من مذاهب شتى فهي معقل مختلف الديانات، واللغة الوطنية عربية ممطوطة، وحول البلدة سور به عدة أبواب أجملها باب الخليل، وتحته سيقتل المسيح الدجال يومًا ما. ومن الطرق المقدسة طريق الآلام حمل المسيح فيه الصليب الكبير، فوقف من التعب متوجِّعًا اثنتي عشرة مرة أقاموا في كل بقعة منها كنيسة، وفي الأخيرة منها أقيم الصليب، وبعدها أُنزِل الصليب وسُلِّمَت الجثة لمريم التي دفنتها هناك، وقد أقيمت بها كنيسة القيامة، ويحرس الأبواب خدَّام مسلمون خشية النزاع الطائفي بين النصارى، وحول الحجر الذي كان يغطي القبر أُضِيئت المصابيح الفضية وعددها ??، ويقولون بأن الملائكة هي التي دفعته إلى مكانه عندما صعد المسيح ولحق به الحجر.
وإلى جانب الكنيسة الحرم الشريف أو مسجد عمر، ويشمل قبة الصخرة وقبة السلسلة والمسجد الأقصى، فالقبة مثمنة زُيِّنَتْ صفحاتها هذه بالرخام المجزع في نصفها الأسفل، والقيشاني الملون في الأعلى، ونقوشها تُعَدُّ من المعجزات الفنية العربية، وتحتها الصخرة التي عرج من فوقها الرسول على البراق فتبعته حتى دفعها جبريل، وفيها موضع أصبع جبريل وقدم الرسول، وتحتها تجويف يُسمَّى بئر الأرواح يدوي الرنين فيها عاليًا.
وفي جانبٍ من المسجد قبة السلسلة أُقِيمت كنموذج للقبة الكبرى في المكان الذي علَّق فيه سليمان الحكيم سلاسل المجرمين، ومن ثَمَّ كان اسمها، وإلى جنوب الصخرة قبة أخرى تحتها محراب فاخر، وهو أقصى مكان وصَلَه الرسول بالبراق وصعد إلى السماء وافدًا من مكة، ولذلك سُمِّيَ بالمسجد الأقصى، وبجوار السور إصطبل سليمان أشبه ببدروم تحت الحرم، وبجوار قبة الصخرة الباب الذهبي كان يحبس فيه الجن متى شاء، ويجاوره عرش سليمان، وقبالته جبل الزيتون مكان تعبد المسيح بين أشجاره، وسيُمَدُّ السراطُ بينهما يوم القيامة، يمسك به الرسول من طرف والمسيح من الآخَر.
قبة الصخرة في المسجد الأقصى.
وبجانب الحرم من خلفه الحائط أو مبكى اليهود، وهو ما بقي من معبد داود، يقصده اليهود خصوصًا يوم السبت والجمعة عند الغروب وفي الأعياد ووجوههم تولى إليه وهم يندبون مُلكهم الزائل في منظر رهيب، ويقف البوليس عنده دائمًا يفض النزاع بين المسلمين واليهود من أجله.
قمت بالسيارة إلى بيت لحم قرية المسيح، أهلها من أشراف النصارى، وبها كنيسة مريم أقدم كنائس الدنيا، يكاد يُسَدُّ مدخلها خشية هجمات العرب، وفي قلبها مغارة إلى جانبها صخرة مثقوبة كالنجم تضيء من فوقها المصابيح دائمًا، وهو مكان ميلاد المسيح ويراقبه حارس مسلم، وعلى مقربة منها بئر العائلة المقدسة التي سقط فيها النجم الذي هدى مريم إليها، وإلى يمينها مذبح الأبرياء، وإلى يسارها الغرفة التي نزل الوحي فيها على يوسف ليهرب بالمسيح إلى مصر، وفي الطريق إلى «بيت لحم» قبر راحيل أم سيدنا يوسف، وقد استردها اليهود ولا تزال ملكًا لهم، وعلى بُعْد عشرين قدمًا بلدة الخليل، وفيها مدفن إبراهيم الخليل وأولاده ويوسف الصدِّيق، والبلدة فقيرة قَذِرة متربة ويُدفَن إبراهيم داخل المسجد، ويباح دخول النصارى فيه، أما اليهود فمحرم عليهم رغم أنها من بلدانها المقدسة.
حائط المبكى في القدس.
وإلى شرق القدس جبل الزيتون، علوه ??? متر، وهو مكان تعبد المسيح، وقد خانه هناك تابعه يهوذا ودلَّ اليهود عليه، ومن ذروة هذا الجبل صعد المسيح إلى السماء وترك أثر قدمه في الحجر، وقد أُقِيمت عليه «قبة الصعود» وحولها مذابح كثيرة للقرابين إبَّان تقديس النصارى، ومفاتيحها بيد حرَّاس مسلمين، وللمسلمين مسجد صغير يجاور القبة، وقد وقفنا عند شجرة زيتون عتيقة عمرها ??? سنة تُسمَّى شجرة الآلام.
تركنا القدس وسرنا شمالًا وعرجنا على نابلس بلدة الصابون لكثرة ما حولها من شجر الزيتون، ثم مررنا ببلدة الناصرية التي أمضى فيها المسيح طفولته، ثم تسلَّقنا ربى كثيرة تشرف على البحر الجليلي أو بحر طبرية، وهو بحيرة ماؤها عذب، يصب فيها نهر الشريعة من جانب ويخرج من الآخَر، وفي هذا النهر عمد المسيح، وهنا الحد الفاصل بين فلسطين وسوريا. ثم مررنا بربى حطين، وبعدها جبل الدروز البواسل، وهم يعتقدون في تناسخ الأرواح، وعند موت أحدهم لا يحزنون عليه؛ لأن روحه باقية، وهذا ما شجَّعَهم على لقاء الموت، وقد غالبوا الفرنسيين طويلًا.
أخيرًا أشرفنا على دمشق أقدم مدن الدنيا، وهنا أخذ الناس بنصيب من الحرية لم يكن مباحًا في القدس، ويشقها نهر بردي الصغير، ولعل أجمل جهاتها سوق الحميدية في سقفه الحديدي المحدب الشاهق، وفي طرف منه المسجد الأموي وهو مفخرة إسلامية، ففيه يهولك الزخرف والقيشاني تحت بوائكه في امتداد هائل، وفي وسطه مدفن سيدنا يحيى أقامه الوليد بن عبد الملك، وكلَّفَه عشرة ملايين من الدنانير، والصلاة فيه بثلاثين ألف صلاة. وفي ناحيةٍ من ذاك الحي قبة غير ذات بال يدفن بها صلاح الدين — وكم كان أسفي شديدًا أن يكون جزاء حامي الإسلام هكذا!
وفي المدينة كثير من البيوت الأثرية العربية الطراز، أذكر منها دار العظم. والناس أهل أدب وكرم وظرف رغم ما في منطقهم من غلظة، والمعيشة هناك رخيصة، ولن أنسى يوم طلبت في المطعم نصف رطل من الكباب، فقدَّم الرجل أمامي كومةً هائلة من اللحم هي رطلان ونصف مصري، فأكلت نحو أوقية وشبعت، على أن الغرامة لم تكن كبيرة؛ إذ دفعت ثمن كل ذلك اثني عشر قرشًا. ومن البلدان الجديرة بالزيارة: بعلبك آخِر آثار الرومان الوثنية، موقعها على نبع ماء غزير، وعلوها ???? مترًا، وأفخم ما بها معبد «بعل» من آلهة الصابئة الذي هدمه النصارى لما رأوه أفخم من كنائسهم، ولم يَبْقَ من أعمدته الخمسين سوى ستة تشمخ في الجو ?? قدمًا، وقد أقام العرب مسجدًا كبيرًا رأينا أطلاله هناك.
ثم عرجنا على لبنان فزرنا زحلة وبحمدن وعلية والأرز من بلاد الجبل، وتقع زحلة في حضن وادٍ تكثر حوله الينابيع التي أقاموا لها مجاري وشيَّدوا حولها الفنادق والمقاهي، فكنَّا أينما جلسنا نجد المياه تنساب تحت أقدامنا وذاك الجو المنعش لسبب علو البلدة ??? متر، ولعل أجمل هذه المصايف «الأرز»، وهي أعلى البلاد، تكسو رُبَاها الثلوجُ، وتحيط بها أشجار الأرز التاريخية التي كانت عونًا على إيجاد روابط الصداقة بيننا وبين لبنان الشقيق منذ آلاف السنين، وكم تزحلقنا على ثلوجها، واستمتعنا باللعب بها، بل وبالتهام حبات ثلجها الشهي.
ثم عدنا إلى سوريا وحللنا حلب ذات المساجد العديدة، وأكبرها المسجد الجامع خامس مساجد الشرق الأدنى، ويضم رفات سيدنا زكريا أبي يحيى عليهما السلام، وأعجب ما فيه مئذنته المربعة، وأروع ما بالبلدة قلعتها فوق صخرة هائلة حولها فندق كبير، وأسواق البلدة مغلقة وكأنها السراديب تحت الأرض، ويُعرَف عن حلب شح مائها؛ إذ مستمدة من الآبار، وكان من قبلُ من نهير صغير كانت تقوم عليه نواعير حلب الشهيرة لرفع الماء، أما اليوم فكاد ينضب ماؤه.
(?) بلاد المغرب

في ثلاثة أيام أقبلنا على أرض طرابلس في صفحة صخرية عريت عن النبت، ورسونا على «درنة» بأبنيتها الحجرية وأَزِقَّتها المنحدرة النظيفة وبيوتها التي تغشاها شباك الحديد وكأنها السجون، وبدا الناس في سراويلهم وطرابيشهم الغليظة، يسودهم الهدوء وقلة الحركة من أثر وحشة المكان، فليس مما يحوطهم سوى البحر والجبال والصحراء، ولسانهم عربي ركيك لا يكاد يُفهَم، ويؤثرون التفاهم بالطليانية ويجيدها حتى الأطفال، ثم حللنا بعد ذلك «بني غازي» فظهرت مبسوطة كالإسكندرية، مُدَّتْ شوارعها وأبنيتها الحديثة في وجاهة وحسن تنسيق، وكانت تقصد إيطاليا من وراء ذلك الدعاية الجوفاء، والقوم كرام حتى إنهم لما علموا أني غريب عدوني ضيفًا ودفعوا عني ثمن القهوة دون سابق معرفة، وأبوا أن يتسلموا ثمن الخبز الذي اشتريته من المخبز، وأينما سرت سمعت عبارة: بالك جواردا، برمسو بأذنك.
أخيرًا حللت العاصمة «طرابلس» وهي شبيهة سابقتها، إلا أنها أكبر، والحي الحديث فاخر عظيم، والقديم أزقة تسند جدرانها البوائك، ولليهود حي هائل، وبيدهم جل الثروة في البلاد.
قمنا إلى «تونس» فعرجنا على مالطة بصخورها العاتية التي تنفذ منها المدافع هنا وهناك، وأبنيتها تبدو كأنها أقيمت طبقات. واختلاف السن والأزياء من الأعاجيب وأغربها أزياء النساء في ملاءات فضفاضة، وعلى الرأس والوجه مظلة نصف دائرية متصلة بالملاءة، وكلهم مسيحيون متعصبون جدًّا، فلا تكاد ترى مسلمًا ولا مسجدًا، وهنا فهمت معنى المثل القائل: «بيدن في مالطة.»
رسونا على «تونس» التي ظهرت أرضها صخرية شاهقة يضطرب البحر حولها، ودخلناها في شبه قناة طويلة، حولها تمتد المناقع والملاحات والأحياء الإفرنجية مستراض الشباب ومعرض المجون التي بثتها فرنسا إماتة لروح المقاومة في الناشئة، والمدن الإسلامية مختنقة الطرق ملتويتها، يتوسطها جامع الزيتونة تحوطه الأسواق من كل جانب، والمسجد عادي إلا في مئذنته المربعة المزركشة تشمخ في الجو ?? مترًا، وهو منهل العلوم الدينية في شمال أفريقيا، يدرس به ???? طالب على طريقة الأزهر القديم، وللغرباء وعددهم ??? غرفٌ للسكنى، ومكتبة المسجد بها ?? ألف مجلد. وفي الأسواق كثير من الصناعات اليدوية كالحرير والنحاس والطرابيش، وقد زرت قصر الباي بنقوشه العربية وهندسته الأندلسية خصوصًا السقوف التي ترصع بالذهب الخالص، وبالمدينة خمسون مسجدًا يدرس الطلاب في تسعة منها، والبيوت في الهندسة نفسها يتوسطها فناء، حوله الحجرات والمداخل يلتوي على نفسه والنوافذ تغشاها شِبَاك الحديد، ويزيِّن أسفلها القيشاني الجميل. وهندام الناس معقَّد: البرنوس تحته السروال، والجبة تحتهما الصدار، فالمنتان، فالفرملة، فالصدرية، ويلاحظ قصرها، وفي القدم الخفُّ المكعوب، والطربوش أشبه بالمصري للمجددين، أما للأغلبية فالطربوش المغربي ذو الزر الطويل، وأحب طعامهم الكسكسي الذي لا تكاد تخلو منه أكلة، ويباع في أكياس تُصدَّر للخارج، وحتى في المطاعم الفرنسية تجد الكسكسي الكامل Conscons Complete أهم الأصناف، ثم الملوخية المسحوقة التي تبدو كالسائل الأسود بالزيت والبهار ولم ترقني كثيرًا، ثم العصبان وهو لحم الأحشاء «السقط» يلف في كور ويُسلَق مع الملح والبهار والبصل، وتغطِّيه مصفاة تُملَأ بالكسكسي الذي يتشرب ذاك البخار، ثم يُصَب هذا المرق كله فوق المصفاة وما بقي يصبح طعامًا شهيًّا. ومن الأحياء الجميلة «بل فدير»، وكأنه الغابة تتوسطها المتنزهات تشرف على البلدة كلها في منظر بديع، ثم ضاحية «باردو» وبها قصر الباي الفاخر والمتحف، ثم «قرطاجنة» فوق ربوة تشرف على البحر، ولم يَبْقَ منها سوى أطلال بائسة، ثم «سيدي بو سعيد» وهي ضاحية إسلامية أرستقراطية، و«المرسى» وبها مساكن خليط من الإفرنج والمسلمين، ويقولون إنها ند للبنان بين المصايف ولها مستقبل عظيم، وقد حضرت حفلة مولد النبي هناك، وهم يحتفلون به جميعًا، ومركز الاحتفال مسجد الزيتونة، وقد رأيت الباي وهو يمر حتى على الحوانيت جميعًا مسلِّمًا على أصحابها في ديمقراطية حقة، وأدهشني شدة هدوء الناس حتى في هذا الزحام الهائل، وتونس تشتهر بأنها بلد الهدوء، أما الجزائر فبجمال مناظرها. وعربية القوم ركيكة تكاد الفرنسية تحتل مكانها حتى بين العامة، على أن الصحافة المصرية منتشرة في كل مكان هناك. قمت بالقطار إلى القيروان فسرنا جنوبًا وسط سهول «النعمة» كما يقولون وهي الغلال، وكانت تكثر أشجار الزيتون وهو أول منتجات البلاد تحف بمزارعه أسوار من التين الشوكي، والبلدة متأخرة جدًّا، بيوتها كالسجون البيضاء وشوارعها أزقة ملتوية وحولها الأسوار الهائلة، والمساجد لا تُحصَى وأكبرها مسجد سيدي عقبة بن نافع زعيم الدعاية الإسلامية في شمال أفريقيا، ومحرابه قطعة فنية، ويدرس به الطلاب على نمط مسجد الزيتونة، وعنده بئر «باروتة» وكأنها زمزم في تقديسها، وفي أسواقها تُعرَض الطنافس التي تزاحم السجاد العجمي، ومن الناس فئة كبيرة من المتسولين والمشعوذين والمرضى والفقراء.
قمت وفي القلب حسرة؛ إذ لم تفدني عربيتي بقدر الفرنسية في التفاهم حتى مع الأطفال، ومن لغتهم: ياسر أي كثير، وخاطركم أي الوداع، ومن غادي أي من هناك. وتحدي فرنسا الديني بالغ الحد؛ إذ تقيم تماثيل القديسين والصلبان حتى في الأحياء الوطنية وعلى بعض المساجد القديمة، وهي تحاول تجنيس الناس بالجنسية الفرنسية كما فعلت في الجزائر، وحتى الجرائد ترى الفرنسية فيها هائلة، أما العربية فقصاصات صغيرة لا شأن لها، ومستوى التعليم منحط جدًّا، والتدريس كله باللغة الفرنسية، وحتى التعليم العالي مقصور في بعض نواحيه على الفرنسيين دون الوطنيين، ويشارك الفرنسيون الناس حتى في وظائف السعاة والخدم، على أن تونس لا تزال تفاخر بأنها زعيمة التعليم الديني، يَفِدُ إليها طلاب المغرب جميعًا، أما التعليم الحديث ففي جامعة الجزائر، ونساء تونس يظهرن في ملاءاتهن البيضاء المهفهفة وكأنهن الملائكة. والزواج هناك متأخر بعد العشرين للفتاة والثلاثين للفتى، وذلك لغلو المهر ولانصراف الشبان إلى مصادقة الخليلات من الفرنسيات، وقد كثرن من أيتام الحرب الماضية.
(?-?) إلى الجزائر

ما كدنا نجتاز الحدود حتى انتقلنا إلى جنة ساحرة المناظر، جبال وغابات وزهور ووديان ومساقط وأنفاق، وأخيرًا دخلنا المدينة وهي درجات فوق بعضها، أذكرتني في جمالها وتنسيقها بباريس، فمظهرها إفرنجي بحت وقد أغفلت الأحياء الإسلامية إغفالًا تامًّا وهي إلى طريق الفناء، وحتى الزي الوطني ندر جدًّا وهو سروال فوقه برد أبيض يلف حول الكتف، وعمامة كالقمع المقلوب عليها شاشة تغطي جوانب الوجه والقفا وتُلَفُّ عليها جدائل كالحبال، وحتى أولئك يتخاطبون بالفرنسية ولا يكاد يؤم المساجد أحد إلا حفنة من المتسولين القذرين والفقراء البائسين، كل ذلك من أثر قرن واحد للاستعمار الفرنسي. أما تونس فلا يزال للإسلام فيها بقية؛ لأن أمد الاحتلال خمسون عامًا، وفي الميادين الرئيسية تماثيل كبار الفرنسيين. دخلت الجامع الكبير الذي بناه المرابطون ومكتبته بها ?? ألف مجلد ليس فيها كتاب واحد من عمل أهل المدينة؛ لذلك عُرِفت «بمدينة الجهل والأمية»، والبلدة تُعَدُّ الميناء التجاري الثاني لفرنسا على البحر الأبيض، وأحياء المدينة ثلاثة: مصطفى الأعلى وهو للطبقات الراقية والإفرنج، ومصطفى الأدنى للتجارة ولمساكن الطبقة الوسطى، والكاسبا «القصبة» وهو الحي الوطني الفقير بأزقته ومطاويه، ينتهي بالقلعة القديمة ومسجد قديم رُفِع على منارته الصليب، ويخالط الفرنسيون الناس في كل الأحياء، وقد تشارك فرنسية وطنية في المسكن حتى في الأحياء الفقيرة، وقد تراهما يعدان الكسكسي أمام الباب معًا، وقد لمست أن انتشار البؤس والعوز هناك أكثر منه في تونس؛ لأن توزيع الثورة متعادل في تونس دون الجزائر.
(?-?) إلى مراكش

مئذنة مسجد الكتبية بمراكش.
قمنا نخترق شبه سهول مملة فقيرة بنبتها ومناظرها، ودخلنا فاس، وحللنا الحي الإفرنجي خارج الأسوار، أما داخلها فالمدينة قديمة تحكي تحت الربع عندنا لا نرى بها كنيسة واحدة وبها ??? مسجدًا، والأسوار هائلة وبواباتها بالغة الضخامة والجمال، وهندام الناس الجلباب كالعباءة المقفلة، ولها كبود كبير يتصل بها، والبلغة من جلد أو قماش مزركش يلبسها الجميع نساء ورجالًا، ويصعب التمييز بين النساء والرجال في الزي، وأشهر المساجد مسجد قيروان ومسجد سيدي إدريس وهو ولي يستولي على أذهان الجميع هناك وأبوه يُدفَن في مكناس. وهم يسيئون الظن بالغريب جدًّا؛ حدث مرة أنهم هاجموني وأنا في المسجد وأمروني بالخروج لأني كافر أدخل المسجد حاسر الرأس، وعبثًا حاولت إقناعهم بأني مصري مسلم، وأخيرًا اضطررت إلى الانسحاب، وكراهتهم للأجنبي شديدة جدًّا لكن التأخر بينهم شديد لسوء الحظ، وجل بيوتهم في سراديب تحت الأرض، والبلدة تستقي من مياه العيون التي تجري مختبئة تحت قدميك في كل مكان وأنت تسمع خريرها، وسحن القوم بيضاء جميلة.
مكناس

دخلناها من مجموعة أسوار هائلة بعضها داخل بعض، وكانت مقر مولاي إسماعيل، والناس على جهل وقذارة يحلقون رءوسهم ويرسلون ذؤابة طويلة جدًّا في وسط الناصية وقد تكون في جانبها، ويكثرون من ارتياد المقاهي البلدية، ويشربون الشاي يصب على حزمة من النعناع الأخضر تكاد تسد الإناء، وفي الميادين يقف المدَّاح والناس حوله في حلقة هائلة، وبالمدينة من الخارج قسم فرنسي صغير.
أما رباط

فبيوتها وطيئة بيضاء، وتحكي سالفتها في كل شيء إلا أن طوابيها تطل على البحر، والحكومة بدأت تتدخل بحجة إصلاح التعليم الديني وهم يقاومونها، وقد فشل التغلغل الأجنبي هناك، إلا أنهم يحاولون الإكثار من الإفرنج في الريف رغم ما في ذلك من كراهة لهم وخطر عليهم، وفيها مقر السلطان والحاكم الفرنسي ولو أن العاصمة هي:
الدار البيضاء

ويسمونها «كازا»، وهي سهول بجانب البحر تتخللها بعض الأودية المختلفة الملتوية، والحي الإفرنجي هناك هائل رائع في قصوره وشوارعه ومتنزهاته ونظامه فكأنه بلد أوروبي عظيم، وبمجرد اجتياز «باب مراكش» ندخل الحي الوطني على النظام الشرقي الأندلسي المألوف، وبيوتها القديمة بيضاء لذلك حملت البلدة هذا الاسم، أذكر أنني رأيت في الصور ناحيةً بيوتُها غريبةُ الهندسة جذَّابة تحمل اسم درب السلطان، فسألت كي أصل إليها فكانت سخرية مني لم أفهم معناها، ولما أن وصلتها ألفيت تلك المباني البديعة يحلها البغايا اللائي أحطن بي وسط الطريق، ولم أنجُ منهن إلا بأعجوبة. قمنا بالسيارات الفاخرة إلى مراكش: ولما قاربناها بدت غابات نخيل البلح لأول مرة، ونزلنا في الحي الجديد واسمه لجليز — أي الكنيسة — وسارعنا إلى البلدة القديمة يتوسطها ميدان هائل يطل عليه المسجد الكبير بمئذنته الهائلة واسمه مسجد الكتبية، ويسمون الميدان «جامع فناء» وصحته فناء الجامع، وتزاحُم الناسِ هناك شديد، وكثير منهم من الفقراء والمشعوذين، وكم أشبعوني شتمًا وهم يشيرون إليَّ قائلين: «النصراني النصراني اليهودي اليهودي.» وسحنهم منفرة وهندامهم غير جذَّاب، يحملون جميعًا الخناجر وبعضهم يحمل جعبًا من جلد، ومنطقهم سقيم، فمثلًا: چوچ أي اثنين، وخسًّا أي نعم، بالزاف أي كثير، كاين أي موجود، آش خبارك فيقول لباس أي لا بأس.
وتحوط البلدةَ أسوارٌ هائلة، وإلى الجنوب منها ضاحية أسني وسط جبال الأطلس على علو ???? متر، والجبال تشمخ من ورائها إلى ???? متر، وأهلها يمقتون الأجانب، ولم تستطع فرنسا إخضاعهم في أية ناحية، فتركت لرؤسائهم حكم البلاد من قلاعها العاتية. وبلاد مراكش كلها أقل الجهات تأثُّرًا بالأجنبي؛ لذلك رماها الإفرنج بأنها «الغرب الهمجي من بلاد الشرق»، ولكي أصل إلى طنجة لا بد من اختراق الريف؛ لذلك اضطررت إلى تأشيرة إسبانية، ثم دخلت الريف في سهول شبه مجدبة، وكلما قاربنا الشمال زادت الربى والجبال، وزاد الشجر وبخاصة الفلين والزيتون والكافور، وبدت القرى أقل تهذيبًا وأفقر ناسًا، مبانيها أخصاص من القش متحدرة السقوف، وفي المباني الرئيسية زادت الهندسة الأندلسية من بوائك وقيشاني، والإسبان أكثر تسامحًا من الفرنسيين؛ لذلك قلَّ كره الناس لهم، وجل الناس يجيدون الإسبانية. دخلت المنطقة الدولية ويحكمها مندوب عن سلطان المغرب مفوَّض في كل شيء بالاتفاق مع سائر الدول، وليس للسلطان قبله إلا الدعاء في المساجد، أما المنطقة الإسبانية فحاكمها خليفة عن سلطان المغرب ومن أقاربه، يحكم تحت الحماية الإسبانية.
دخلنا طنجة على مدرجات تشرف على البوغاز وكلها أزقة منحدرة وأسوار وبوَّابات، وأعلى بقاعها «القصبة»، وفيها حي إفرنجي نظيف جديد، وهالني اختلاف السحن والأزياء، وأية لغة تكلَّمْتَ فهمها القوم وردوا عليك بها، لكن اللغة السائدة هي الإسبانية. والبوليس مختلف؛ ففي هذا الطريق إنجليزي، وفي ذاك فرنسي، وفي ثالث إسباني وهكذا، كذلك فإنهم يقبلون أي نوع من النقود العالمية، ولكل دولة بريد ومصارف، ولك أن تستخدم ما تشاء، وللأجانب محاكم شبيهة بالمحاكم المختلطة، والمسلمون يحكمهم بوليس المندوب في دار المندوبية، ومظهر البلد إسلامي بحت بالمساجد والأسبلة والقباب والصوامع، والمساجد غاصة بالمصلين على الدوام، أما المجون في الأحياء الإفرنجية فلا حدَّ له ويستهوي من الأهلين الكثير وبخاصة في ميدان إسبانيا كثير المراقص والمواخير. قمت إلى تيطوان في طرق جبلية والبلدة على مدرجات صخرية، وأفخر ما بها ميدان إسبانيا، وعليه بيت الحاكم وقصر الخليفة، أما الحي الوطني فظريف جذَّاب لا تزيد سعة الأزقة فيه على مترين، وبعضها مظلم رطب نظيف، وأهل الريف أنظف كثيرًا من أهل المغرب، والناس أكثر تقوى يدأبون جميعًا على تلاوة القرآن حتى في الحوانيت والطرق، وبها ناحية لليهود، وأحياء اليهود في جميع بلاد المغرب تسمى «الملاح»، وهي منعزلة تمامًا عن مساكن المسلمين، وإذا أقبل الليل زادت الحركة جدًّا في الميادين المنسقة التي تُعزَف فيها الموسيقات كل يوم على غرار بلاد إسبانيا، ويزيدها جمالًا كثرة الينابيع في كل مكان.
دخلنا قرية شيشوان التي آوى إليها فلول مسلمي الأندلس وغرناطة بعد طردهم من إسبانيا واحتموا بجبالها، وظلت سرًّا مكتومًا لم تطأها قدم مسيحية إلى سنة ???? حين دخلها الإسبان عنوةً، والتعليم متأخِّر وروح المقاومة للإسبان عنيفة، وحدث أن مررت في بعض أزقة حي القصبة فهاجمني النساء وأشبعوني سبًّا بقولهم «النصراني النصراني» فنجوت بنفسي على الفور، ويحاول المحتلون التفريق بين العرب والبربر، ويشجعون البربر قائلين لهم بأن الحضارة هناك بربرية وليست عربية، لكن عقلاء الطائفتين لا يعيرون ذلك اهتمامًا.
قمت إلى سبتة أو سيوتا على البحر الذي يوغل فيها بألسن لا حصْرَ لها، ومظهرها إفرنجي، وقد اختفى الأثر الإسلامي تمامًا فليس بها مسجد واحد، ومنها نقلتنا الباخرة في ساعة ونصف وسط ماء مضطرب مخضر اللون إلى اليمين، صافي الزرقة إلى اليسار «الأطلنطي»، وبدت صخرة جبل طارق من بُعْد كالهرم الهائل، ومن قُرْب كأبي الهول الرابض، ورسونا على الجزيرة «الجزيراس» وكأنها الجزيرة حقًّا؛ لأن صلتها بالبر نحيلة وتكاد تكون صناعية.
قمنا إلى غرناطة بالسيارات وسط الأرض المموجة المخضرة البديعة وجبال سيراني?ادة على بُعْدٍ، ثم أخذنا نهبط إلى سهول غرناطة الشهيرة بالغلال فلم ترقني البلدة كثيرًا؛ إذ يعوزها النظامُ في مبانيها وشوارعها والنظافةُ في أهلها، وإنْ بدت فيهم جميعًا الملامح العربية. أقبلت على قصر الحمراء في حدائق وغابات هائلة، فذهلت مما رأيت: نقوش وأقبية وبوائك وعمد ومقصوص الرخام وخرط الخشب والخط الكوفي والقيشاني والنافورات والمشربيات، خصوصًا في بهو السباع وفي مسجد القصر وبهو العدل ومقصورة الحريم والحمام؛ آيات للفن بيِّنَات، وكلما طوحت ببصري قرأت «لا غالب إلا الله والملك لله وحده»، فكأنهم كانوا يتنبئون بما يخبِّئه الحظ لهم من طرد وتشريد وقتل. وأسوأ ما في القصر الجزء الذي زاده شارلمان وكأنه الوصمة، وذلك من شدة التعصب، وفي بهو الشعراء سلم العرب لجنود فرديناند، ومن الآثار العربية قصر الصيف البديع فوق المرتفعات، وبالمدينة عدة كنائس أكبرها الكاتدرائية التي يُدفَن فيها الملوك الكاثوليكيون ومن بينهم فرديناند وإيزابلا. وكان حر البلدة لا يطاق أشد من حر شمال أفريقيا لانحدارها إلى الشمس جميعًا.
قمنا بالقطار إلى قرطبة في طريق قذر مترب محطاته مهملة، وكان باعة الماء يصيحون عليه في القلل الفخارية الحمراء قائلين: «أجوا أجوا»، وما أكثر المتسولين هناك، وفي ثماني ساعات دخلنا المدينة فبدت خفيفة الروح، مساكن الأغنياء قصور فاخرة، والهندسة العربية بالقيشاني في الأرض والجدران تتوسطها النافورات والمصابيح التي تحكي مصابيح المساجد، والأحياء القديمة أزقة نظيفة جدًّا، أما الكنائس فلا تُحصَى وكثير منها مساجد رُفِعت عليها الصلبان، وأفخرها الكاتدرائية أو المسجد الجامع، مساحته ?? ألف متر مربع، ظاهره كالقلاع العاتية تعلوه بدرج هائل وأبوابه لا تُحصى ولا يزال يزينها الخط العربي الرشيق، ومن الداخل غابة من الأعمدة بقي منها ???، وكانت من قبلُ ???? تقوم عليها بوائك مزدوجة، والسقوف بخرط الخشب الثمين والمحراب بُولِغَ في زخرفه من مقصوص المرمر والرخام، بناه عبد الرحمن الأول في القرن الثامن على أنقاض كنيسة، ولما فتحه فردناند هدم وسطه وأقام فيه كنيسة هائلة، لكنها لم تَنَلْ من جلال المسجد، وجاء شرلكان فأمر بإخفاء كل أثر إسلامي، فكُسِيت السقوف بالجص، وردمت الأرض نصف متر، لكن حكومة الجمهورية بدأت تكشفه اليوم من جديد، وكان يتصل المسجد بالقصر «الكازار».
ثم قمنا إلى إشبيلية التي يسمونها الرشيقة Ciudad de la gracia؛ لأنها أخف مدن إسبانيا روحًا وأنظفها وأفخمها قصورًا، والكاتدرائية أكبر الكنائس القوطية في العالم يُدفَن فيها خرستوف كولمب يحمل تابوته الرخامي أربعة من القسس، وأجمل ما بالكنيسة البرج «چيرالدا»، وهي مئذنة المسجد الإسلامي، ولا تزال خير شاهد على حضارة العرب وفنهم، أما باقي المسجد فقد هدمته يد التعصب. والقصر يسمونه «الكازار» يكاد يفوق قصر الحمراء، فهو درة عربية نادرة المثال أذكرتني بتاج محل في الهند، ولا يزال الطابع العربي يسود الإسبان في كل شيء: في جمال الوجوه، ورشاقة الهندام، وفي الرقص وتصميم البيوت، وفي اللغة وكثير من العادات.
في منزل الوحي


ما وافت الساعة الرابعة من مساء يوم السبت حتى تحركت بنا زمزم بسم الله مجراها ومرساها تختال وسط مياه خليج السويس، ولأول مرة سمعت القرآنَ الكريم يدوي في عرض البحر ويصيح المؤذن ويقوم الإمام بالناس مصليًا الأوقات الخمسة، وظل المذياع يعدِّد لنا فضائل الحج ويشرح مناسكه. وعندما قاربت الباخرة مدينة رابغ من بلاد الحجاز في الرابعة من مساء الإثنين نفخت في بوقها إيذانًا بالإحرام، فسارعنا إلى الحمامات لنتطهَّرَ، ثم لبسنا من الثياب ما ليس مخيطًا ولا محيكًا أعني لفافة بيضاء أسفل الجسد تلف حول الخصر، ويُلقَى بشكير أبيض حول الأكتاف، والرأس يترك عاريًا، والنعل المكشوف في الأقدام. وكم حذَّرنا القوم أن نحك في رءوسنا فتقع شعرة أو أن نقص شعرنا أو نحلق لحيتنا أو نقلم أظافرنا وإلا وجبت الفدية؛ لأن ذلك ممنوع في الإحرام، وسرعان ما بدا الجميع في لفائفهم البيضاء حاسري الرءوس، أما النساء ففي جلابيب بيضاء فضفاضة وطرح مهفهفة ناصعة البياض، وبدأ الجميع التلبية في صوت جهوري قائلين: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وهم رائحون غادون على سطح السفينة، وتلك يقولها الإنسان بدل التحية، بدا الجميع في زي متشابه بسيط، الغني منهم والفقير، وهنا تجلت حكمة الإحرام؛ إذ زالت فوارق الطبقات وتساوى الجميع.
وفي باكورة الثلاثاء بدت تلال جدة التي عريت عن كل نبت، ورسونا على مسافة ثلاثة كيلومترات من الشاطئ؛ لأن البحر الأحمر قليل الغور كثير الشعاب، فهاجمتنا الزوارق لتنقل الناس ومتاعهم، ولما نزلت البر سألني الشرطي: مَن مطوفك؟ قلت: عمر المداح. فتسلمني رسول هذا المطوف وحمل متاعي إلى بيته، والمطوف هو الشخص المسئول عن الحاج قبل الدولة في كل شيء، فآويت ليلتي إلى بيته العتيق الرطب، ولم أكد أغمض الجفن بسبب سحابات البعوض التي لا تطاق. وجدة بلدة صغيرة غير ذات شأن، أخص مظاهرها تبدو في مشربيات بيوتها الخشبية التي تكاد تتلاصق، وفي ناحية مستحدثة منها دور السفارات الأجنبية وبعض الفنادق ومنها فندق بنك مصر، والماء هناك شحيح جدًّا، وتباع «التنكة» بقرش سعودي ونصف، أي ستة مليمات، وأغلى الماء ما كان من الكنداسة، وهي مكثفة ماء البحر.
وفي الصباح قام بنا اللوري وبه ?? راكبًا يشق طريقًا وعرًا غير معبَّد، ولم تخلُ مناظر الطرق من الجمال شدت عليها الشقادف واحد إلى اليمين والآخَر إلى اليسار، والشقدف هودج كأنه السرير المسقوف، وفي كل واحد يجلس مسافر واحد أو ينام، وكانت الأرض حولنا صحراوية لا يظهر بها سوى عشب رقيق مهفهف يجدلونه في شبه حبال غليظة يطعمون منها سائمتهم طوال العام. وفي منتصف الطريق وقفنا بقرية من أخصاص اسمها «بحرة»، وهنا جلسنا في مقاهيها نشرب الشاي اللذيذ، ثم واصلنا السير وقد تلوَّى الطريق وزادت تلاله النارية المجدبة، وفي ثلاث ساعات ونصف بدت أبنية مكة المكرمة على بُعْد، ثم دخلنا بابها ونحن نصيح بالتلبية الرهيبة، وسرنا في أزقتها والجبال تطوقها تمامًا، ونزلنا بيت المطوف وكأنه الخان العتيق جمع من الناس خليطًا لا أول له ولا آخِر، والغلام يطوف على الجميع بكئوس الشاي طوال النهار. ألقينا متعانا وسارعنا إلى البيت الحرام لنتحلل من الإحرام الذي أوقعني في ربكة شديدة؛ إذ كيف يتحرك الإنسان منا بحرية وليس على جسده سوى لفافات من قماش لا ضابط لها: فكلما تحركت حركة عنيفة سقط الرداء وأصبحت عاريًا أمام الناس؟ دخلنا الحرم من باب السلام يتقدمنا المطوف، ومررنا بمقام سيدنا إبراهيم إلى يسارنا، وحاذينا الحجر الأسود الذي كان لاصقًا بركن الكعبة وقد أحيط بإطار بيضاوي من الفضة حفظًا له من التصدع، وطوله نحو متر ولونه فاحم برَّاق، وضعه سيدنا إبراهيم في هذا الركن علامة على بدء الطواف حول الكعبة.
أخذ المطوف يكبِّر ونحن نتبعه وحاولنا عبثًا تقبيل الحجر بسبب شدة التزاحم عليه، وكان الجنود ينهالون ضربًا على الناس الذين يتمسكون به مستميتين، ولمَن لا يستطيع تقبيله أو لمسه أن يشير إليه بيده ويكبِّر «بسم الله الله أكبر»، وفي هذا الحجر قال سيدنا عمر: «والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ? قبَّلَك ما قبَّلْتُك!»
جعلناه إلى يسارنا وتبعنا المطوف مهرولين، ومررنا بباب الكعبة من فضة ثقيلة مزينة بالذهب، ثم مررنا بالركن العراقي، وعنده رأينا الحطيم في شبه سور نصف دائري يحجز متسعًا بينه وبين الكعبة يسمى حجر إسماعيل يكثر الناس فيه من الصلوات، ثم إلى الركن الشامي وعنده خففنا السير كما فعل رسول الله بجنوده تمويهًا على الكفار ورأفة بجنوده، ثم جاء الركن اليماني الذي مسحنا به أيدينا، ثم عدنا إلى الحجر الأسود، وهكذا كررنا الطواف سبع مرات، والرجل يقول أدعية ونحن نردِّدها وراءه، ونقطع في هذا الطواف نحو ??? متر، ولا يقل الطواف يوميًّا عن خمس مرات، أي نحو أربعة كيلومترات، وبعض الناس يطوف سبعين مرة يوميًّا أي نحو ??كم. وكم رأينا طفلًا يحمله أحد الحجاج والطفل يصيح في صوته الرفيع بعبارات الأدعية التي لا يفهم لها معنى والرجال من ورائه يرددون ما يقول! أخيرًا عرجنا على مقام سيدنا إبراهيم وفيه الحجر الذي كان يقف عليه وهو يراقب بناء الكعبة، وتغطيه قبة تقوم على أربعة أعمدة ويستحب الصلاة عندها ركعتين بعد الطواف، قال تعالى: وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وعلى الحجر أثر قيل إنه من قدم إبراهيم، ويغطى بالحرير المقصب الذي يُرسَل من مصر مع الكسوة الشريفة، وقيل إن سيدنا إبراهيم مدفون تحته.
وإلى يساره بناء تحته بئر زمزم تنتشل مياهها بالبكر، والزمازمة يملئون صفائحهم وجرارهم وأكوازهم ويسقون الناس تبرُّكًا، وكم قال لي الكثير بأن ماءها كاللبن حلاوةً وعذوبةً، لكني ألفيته غضًّا مالحًا، والناس يشربون منها بإسراف شديد، ويرشون الماء على أجسادهم وملابسهم، ويغسلون مقاطع من الأقمشة الجديدة ليزمزموها ويحفظوها لتكون لهم كفنًا عند موتهم، وقصتها أن هاجر أثناء بحثها عن الماء في هذا المكان جاءها مَلَك وضرب المكان، فتفجَّرَ الماء وشرب قومها الذين كاد يقتلهم العطش، ولما رأى إبراهيم تدفُّقها الشديد قال لها: «زمي زمي.» فكان اسمها.
والكعبة تبنى بالحجارة الجرانيتية السوداء، علوها ?? مترًا، وتواجه صفحاتها الجهات الأربع، وبابها في الواجهة الشرقية، وهي من داخلها غرفة تتوسطها ثلاثة أعمدة من خشب العود الثمين، تُفتَح في الصباح ويدخلها الكثير ويصلون ركعتين في مواجهة كل صفحة، وتكسو حوائطها الداخلية ستائرُ من حرير أحمر به مربعات كُتِب عليها «الله جل جلاله»، وفي مواجهة الباب محراب كان يصلي النبي فيه كلما دخلها، وحول سطحها سور في علو قامة الرجل، ويطل منه على الحطيم الميزاب في قناة من ذهب خالص تزيد على المتر، وبواسطتها يصرف ماء المطر. أما الكسوة التي تُرسَل من مصر فتُغطَّى بها الكعبة من الخارج، وكم أراد الكفار بالكعبة هدمًا لكن الله حماها وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ألقى عليهم حجارة من سجيل، أي طين ملوث بالميكروبات ففتك بهم، وقد رأينا هذا الطير هناك وكأنه عصفور الجنة الأسود الصغير. خرجنا من باب الصفا لكي نسعى بين ربوتين: الصفا في ناحية والمروة في الأخرى، وهما اللتان اعتلتهما هاجر بحثًا عن مورد للماء وهي تجري بينهما. كنا نكبِّر ثم نجري بين هذه وتلك سبعة أشواط، بعدها تحللتُ من الإحرام فسارعتُ إلى البيت وعدتُ إلى ملابسي الأصلية، وحلقت لحيتي وتطيَّبْتُ، فشعرت بقيمة تلك النعمة بعد أن حرمتها زمنًا وتمنيت إلى الله أن يديمها عليَّ. وقد صليت ظهر الجمعة في الحرم الشريف والناس كأنهم من الزحام في يوم الحشر يصطفون حول الكعبة ووجوههم تولى إليها، وما كدنا نتم الصلاة حتى زاد هرج الناس استعدادًا للرحيل إلى عرفات، فكانت المطايا على اختلافها تسد الطرق من سيارات وإبل وسط الغناء والزغاريد والهياج.
وجاءني المطوف يأمرني بالاغتسال والإحرام ثانيةً فاستأنفت هذا التقشف، وقامت السيارة في طريق مترب يغص بالسيارات والدواب وبالناس الذين اعتزموا قطع تلك المسافات الشاسعة مشيًا على الأقدام رغبةً في مضاعفة الثواب، وبعد ساعة أقبلنا على متَّسع رملي هائل حوله الربى الجدباء، ومن بينها جبل الرحمة وهو تل وقف عليه النبي ? وأشار إلى السفح كله وقال: «كل هذا عرفات.» هنا رأينا الخيام تكاد تسد المكان وكأنها خلايا النحل، والناس من حولها رائحون غادون وقد خطت بينها طرق مستقيمة بها أسواق يعرض فيها كثير من المبيعات والأطعمة، ومن أسفل جبل الرحمة هذا تجري مياه «عين زبيدة» وافدة من وادي النعمان خلال مجرى مغلق وكأنه السور المتلوي، وبين فترة وأخرى تُترَك فتحة يملأ القوم منها جرارهم، وقد أوصلتها زبيدة زوج هارون الرشيد إلى مكة. آوينا إلى خيامنا وكل مطوف أعَدَّ منها مجموعة لحجاجه تتوسَّطها خيمة الجلوس والاستقبال، واحدة للنساء وأخرى للرجال، والمطوفون زهاء ألف يصيب الواحد نحو مائتي حاج يتقاضى على كل واحد من الحكومة جنيهًا وربعًا، وكل حاج يناوله قبل سفره مالًا يقل عن ذلك: أعني أن دخل الواحد يتراوح بين ??? و???? جنيه في موسم الحج. هنا في رحاب عرفات جبل التعارف والصفاء، تعارَفَ المسلمون على اختلاف طبقاتهم وأجناسهم، ومن قبلُ تعارَفَ عليه آدم وحواء بعد نزولهما من الجنة، وقد مرت بنا قِطْعان الخراف لنشتري منها فديتنا، وكان الخروف بخمسة ريالات سعودية، أي أربعين قرشًا مصريًّا، وما كدنا نصلي الظهر حتى شُغِل الجميع بالدعوات والتضرُّع إلى الله أن يغفر لنا ما تقدَّم من ذنبنا وما تأخَّر، وظل ذلك بين الظهر والفجر وهو وقت عرفات الحقيقي. وكم حذَّرنا القوم أن نقتلع عشبًا أو نقتل حشرة؛ لأن ذلك محرم، وحتى البعوض والذباب الذي كنا نهشه برفق وإلا وجبت الفدية إن ماتت إحداها.
وعند الأصيل أعدت السيارات وقامت بنا إلى حدود عرفات عند مسجد «نمرة»، وهناك وقفنا نرقب غروب الشمس حتى إذا ما حان بدأت النفرة من عرفات إلى مزدلفة لجمع الجمار، والطريق بين عرفات ومزدلفة يُسمَّى بالمشعر الحرام، هناك افترشنا الأرض جميعًا وأخذنا ننبشها طوال الليل لنخرج منها مجموعة من الحصى لها حجم بين الحمصة والفولة، وعددها ?? جمرة لا فرق بين غني وفقير، مرفَّه وحقير، وكم من مرة ظهر في الحصى بعر الغنم أو الخنافس والجميع منكبون على الأرض وقد حفيت أصابعهم من التنقيب في ذاك الظلام الموحش، فقلت في نفسي: سبحانك ربي أليس في ذلك ترويض للنفس وإذلال لكبريائها! وعند الفجر ركبنا زهاء نصف ساعة أوصلتنا إلى «منى»، وكان المطوف قد أعَدَّ لنا فيها خيامًا خشنة، وقبل الشروق قادنا الغلام لنرمي الجمار: أولًا جمرة العقبة عند عمود ضخم، قال لنا: إنه يمثِّل الشيطان الكبير فارجموه سبع مرات وكبِّروا عقب كل رمية، وهو يرمز للمكان الذي وسوس الشيطان فيه لإبراهيم ألَّا يذبح ابنه وأن يعصي ربه. ثم ذهبنا نرجم إبليس الأوسط حيث وسوس لهاجر زوجته، ثم إبليس الأصغر حيث وسوس لإسماعيل أن يعصي أباه. ولبثنا نكرِّر ذلك كل يوم مدة ثلاثة أيام، ثم زرنا هناك المغارة التي أخذ إبراهيم يذبح ابنه فيها، فأنزل الله الكبش له من السماء ليفديه به، ومن هنا كانت عادة الفداء في عيد الأضحى.
وهناك زرنا مسجد الخيف الذي تتوسَّطه قبة ومئذنة، وفيه أقام الرسول خيمة لما أن هرب من كفَّار قريش فتعقَّبوه ورموا عليه صخرة من فوق الجبل وهو قائم يصلي، ولما أن كادت تصله أوقفتها القدرة الإلهية، وقد رأيناها في مكانها، وسمي الخيف تحريفًا عن الخوف؛ لأن المسلمين كانوا يخافون الكفار أن يلحقوا بهم هناك. ولوزارة الأوقاف المصرية هناك سبيل فخم عظيم كنا نرتوي بمائه العذب النقي، وقلما تجد في منى ماء نظيفًا تطمئن إلى شربه؛ هذا إلى العفونات التي تصعدها آلاف الجثث من الذبائح التي تُلقَى لكثرتها ولا ينتفع القوم بها، وغالب العرب يعفون عن أكل لحم الفدو على أن بعضهم يقطعه شرائح يقدِّدها على وهج الشمس والحجارة ليأكل منها يومًا بعد يوم.
وفي أصيل اليوم الثالث أسرعنا بالعودة إلى مكة، وطفت بالكعبة طواف الإفاضة سبع مرات، ثم سعيت بين الصفا والمروة، وكم ديست أقدامي ووُكِزت جوانبي، وبخاصة من شعوب أعراب النجديين الذين يسمون «عرب الغطغط» بشعرهم المنفوش الهادل القذر وجسومهم العارية وجلودهم تُطلَى بالأدهنة المنتنة، وأنوفهم تسد بصمامات من قطن غمست في زيت المر وربطت بخيط في الرقبة، وكان الرجل إذا وصل ركن الكعبة أو صخرة الصفا أمسك برأس زوجته أو أمه وضربها في الصخر قائلًا: يا رب البيت جبت المرة وجيت حجي يا مرة حجي. في سذاجة مضحكة وجهل عميق.
بعد ذلك تحلَّلْتُ من إحرامي وطفقت ألازم الحرم وأكرِّر الطواف وأحاول لمس الحجر الأسود، ولم أستطع إلا بعد أن أبرقت بالريال للجندي، فأفسح الناس ضربًا ومكَّنَني من ذلك، وكان يلفت نظري الحمام الكثيف الذي يرفرف حول الكعبة ويُسمَّى حمام الحمى، وخُيِّل إليَّ أنه يقدسها فلا يقف عليها قطُّ، ويقولون إنه من نسل الحمامة التي عششت على النبي في الغار.
قصدت إلى زيارة ناحية من مكة اسمها «شعب علي» وفيها مكان مسقط رأس رسول الله، رأيته متسعًا مهملًا من الأرض أنيخت به الإبل، وقد كان من قبلُ بناءًا فخمًا هدمه ابن السعود جريًا وراء عادته في هدم المزارات والقباب جميعًا لإنكاره فضلها، وهناك مسقط رأس علي بن أبي طالب وقد هدم أيضًا، وكان الأجدر بقاؤهما آثارًا طاهرة.
قمت على رويكب «حمار» إلى جبل النور في منتصف الطريق إلى «منى»؛ فبدا مخروطًا، قمته تحكي قلنسوة كبيرة، تسلقناه في ساعتين كاملتين لوعورته، وفي القمة متسع في وسطه شق وإلى جانب منه غار حراء الذي كان يتعبَّد فيه الرسول وفيه نزل الوحي فشق صدره وناجاه أن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ لذلك يسمى أحيانًا غار اقرأ، فذعر النبي وعجل إلى داره وقال: «زملوني دثروني.» فنزلت الآيات يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ويَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. ثم سرنا في اليوم التالي زهاء ساعة على المطايا وأخذنا نعلو جبلًا مجدبًا ساعة ونصفًا حتى أتينا «غار ثور» الفسيح، وفيه اختبأ النبي وصاحبه أبو بكر وخيم العنكبوت وعششت اليمامة على مدخله، ولما تعقبهما الكفار أشكل الأمر عليهم ولم يلفت هذا الغار نظرهم، وكان النبي قد نام من التعب على فخذ أبي بكر، وما هي إلا فترة حتى خرجت أفعى من جحرها، فسَدَّ عليها المنفذ بعقب رجله فلدغته، وظل يكظم ألمه حتى سال الدمع من عينيه وسقط على خد النبي فاستيقظ وسأله ما به، ولما علم أمسك برجله وتفل عليها فشفيت.
قمنا نودِّع مكة ولم يكد أولو الأمر يأذنون لنا بالفسح — أي الرحيل — إلا بعد شق الأنفس، وهم يحاولون التلكؤ في ذلك لكي يقيم الحجاج هناك أطول وقت ممكن لينفقوا كل ما معهم من نقود، ووصلنا جدة بعد جهد، ثم قمنا إلى المدينة المنورة في طريق أوله رملي يجاور البحر، ثم أضحى الطريق صخريًّا وكثرت التلال حوله في تعقيد مخيف، وفي وسط هذه التلال الدرب الطويل الذي كان محطَّ فزع الحجاج قديمًا؛ لأن قطَّاع الطرق كانوا يفاجئون الناس من وديانه اللانهائية ويعملون فيهم قتلًا ونهبًا، أما اليوم فقد أمَّنَ ابن السعود الطريق فكان هؤلاء البائسون يخرجون علينا في حالة رثة يستجدون في لجاجة وإلحاف ممل، ويعلقون بأرجلنا ويحاولون تكبيسنا حتى نعطيهم «هللة أو هللتين». أما الثلث الأخير من الطريق فينتثر بهشيم الصخر وتكثر به الحفر، وقد لبثنا في قطع الطريق كله بالسيارة يومين كاملين، وطوله ???كم، وكان خيرًا لنا أن نقطعه بالطيارة في ساعتين ونصف نظير أجر قدره ?? جنيهًا، لكني لم أجد بها مكانًا.
أخيرًا لمحنا جبل أُحد على بُعْدٍ، ثم اعتلينا ربوة يسمونها جبل التفريحات؛ لأننا فرحنا من فوقها برؤية أول قبس للمدينة المنورة، وأخذنا نفرح سائقنا بالمنح والهبات، ثم نزلنا وادي العقيق الذي كان يتريض فيه رسول الله، ودخلنا باب العنبرية عند الغروب ولو تأخرنا قليلًا لاضطررنا للمبيت خارج الأسوار كما كان يفعل أهل البلاد منذ عهد الرسول. هنا إلى جوار محطة سكة الحديد الألمانية التي تربط البلدة بدمشق، والتي تعطلت مؤقتًا، هاجمنا جموع المزورين والمدعين يسألوننا من أي البلاد ومن أي المديريات، ولكل قطر مطوفون، بل ولكل مديرية من مصر مدعون. وآويت إلى فندق «أوتيل المدينة» بثلاثة ريالات سعودية للنوم في الليلة، ولم نستطع زيارة الحرم ليلًا؛ لأنه لا يفتح إلا نهارًا، وعند الفجر قمنا نصلي في الحرم وبشق الأنفس استطعت أن أصل إلى الحجرة الشريفة، وفيها يُدفَن سيد الخلق في مكان الحجرة التي كان ينام فيها من بيته يحوطها الوقار والرهبة، وحولها أسوار متعددة من نحاس دُهِن باللون الأخضر يزيِّنه الذهب، وتتدلى من سمائه الستائر الخضراء الثقيلة، وإلى يسار الرسول يُدفَن أبو بكر يليه عمر بن الخطاب.
وكان في الحجرة الشريفة ثريات من ذهب وفضة مرصَّعَة عددها ???، وأمام القبر الشريف ماسة في حجم بيض الحمام، حولها إطار من ذهب مرصَّع ثمنها ?????? جنيه تُسمَّى الكوكب الدري، بها ??? قطعة من الأحجار الكريمة ونفائس وتحف أخرى قُدِّرت بسبعة ملايين من الجنيهات، ويتهم السعوديون في سلبها الأتراكَ وأبناءَ الشريف. وإلى يمين القبر محراب النبي ومنبره الذهبي الذي قال فيه رسول الله: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.» لذلك كان التزاحم على الجلوس في تلك الروضة لا يحد، والأغوات وقوف يرجون الناس أن يخففوا المكث ليعطوا فرصة لغيرهم، والروضة مزيَّنة بفاخر الأثاث والرياش والنفائس.
قمت لزيارة جبل أُحد وفي سفحه قبر سيدنا حمزة عم رسول الله الذي استشهد في الموقعة، وكانت تقوم حوله القباب التي هدمها السعوديون، وعلى الجبل زرنا المغارة التي كان يشرف منها النبي على القتال، وتبدو كالشق المستطيل، وفي موقعة أحد هذه هُزِم المسلمون وأصاب النبي شج في فمه وكسر في أسنانه. وإلى ناحية قريبة مسجد القبلتين؛ القبلة الأولى نحو المسجد الأقصى بالشام، وكانت الصلاة إليها من قبل، والأخرى نحو الكعبة وهي القبلة الحالية. ثم زرنا مسجد قباء أول مسجد بُنِي في الإسلام وبجواره قبة تحتها بئر الخاتم، وفيها وقع خاتم النبي من يد سيدنا عثمان؛ لذلك قدَّسَها الناس جميعًا.
ثم قمت إلى البقيع، وهو مكان فسيح فيه مقابر المسلمين منذ عهد النبي، وبه يُدفَن عشرة آلاف من الصحابة، وقد هدم السعوديون القباب كلها وأبقوا الأضرحة والشواهد فقط.
وأهل المدينة على ظرف وأدب ووداعة لكنهم فقراء مدقعون، يُخَيَّل إليك أنهم متسولون، وهم في جملتهم ألطف من أهل مكة. كنا نُقبِل على أطعمتهم الشهية وبخاصة «الظلاطة» وهي السلطة، ثم «الشكشوكة» وهي البيض باللحم، «والمختومة» وهي الباذنجان باللحم المفروم، على أنَّا كنَّا نشتاق إلى «الحبحب أو البرطيخ» البديع الذي نعمنا به في مكة، وإلى «الفسفس حب الحبحب»، ولهجة أهل الحجاز غريبة ركيكة، أذكر من بينها: داحين «حالًا»، وغلقت «انتهت»، وحقتي «ملكي»، وطاحت «وقعت»، وبذورة وبذران «أطفال»، وما تهرجني «لا تكلمني»، وألا «نعم».
عدت إلى جدة وحللت «أوتيل جدة» وأجره ثلاثة ريالات سعودية بالدرجة الأولى، وفي اليوم التالي أقَلَّني اللانش إلى زمزم التي وقفت في عرض البحر وقامت في الثانية مساءً وسارت ليلتين، وفي باكورة اليوم الثالث أقبلنا على الطور التي آوينا فيها إلى المحاجر الصحية بعد أن بخر الرجال متاعنا، ولكل ??? نفس من الحجاج مكان ينزلون به اسمه «حزا» وهو بناء منعزل بأسوار من الأسلاك، وعدد هذه «الحزاءات» عشرة، وبكل منها حجرات ذات أَسِرَّة ندفع أجورها، وهناك مقصف لبيع المأكولات، وقد حُكِم علينا أن يظل كل فريق في «حزاه» لا يخالط الآخَرين ثلاثة أيام.
وفي عصر اليوم الثالث جاء البشير يعلن طهارتنا من الأمراض، وحمل متاعنا إلى الباخرة كوثر التي أقلعت بنا، وهي تسير في بطء شديد كي تدخل ميناء السويس في الصباح المبكر، وهنا كانت جموع المستقبلين هائلةً، ونزلنا وسط عناقهم وتقبيلهم، والموسيقى والزغاريد لم تنقطع لحظة، ثم انصرف كلٌّ منَّا إلى عربته ولسانه يلهج شكرًا لله أن وفَّقَه لأداء فريضة الحج، وسرعان ما نسي ما قاسى من عناء وراح يدعو الله أن ييسِّر له الحج في أعوامه المقبلة حتى تستزيد نفسه من المتاع الروحي الذي يحسه الإنسان، وهو يستظل بسماء تلك الأرض المقدَّسَة الطاهرة.

في بلاد الشيعة


(?) العراق

دخلنا بلاد العراق من جزئها الشمالي وهو كردستان، وكنا وافدين من حلب فوصلنا نصيبين بعد ?? ساعة بالقطار، وسط سهول مهملة تزرع القثاء والبطيخ، ولقد سميت الجهة ببلاد البراغيث لكثرة سماع كلمة برغوث، وهو عملة تركية متداولة، وكانت القرى بالطين والناس يتكلمون أربع لغات: التركية، والكردية، والأرمنية، والعربية. وفي نصيبين تقع الحدود التركية السورية، ومظهر الناس مخيف في العيون السوداء البراقة الواسعة، والأنف الأشم، والقامة الشامخة، والشعر الأسود الغزير. والنساء يظهرن في خرق مرقعة ويدلين من الصدغين خصلتين ثقيلتين طويلتين من الشعر، ويربطن الجبهة بمنديل ملوَّن. وبعد نصف ساعة من نصيبين بالسيارة دخلنا حدود العراق عند الموصل، فبدت أبنيتها تحكي أبنية القرون الوسطى في أقبية فطساء، وكثير منها متهدم كأنها بلد أثري، وشواطئ دجلة مهملة جدًّا نرى النساء في جماعات يغسلن الثياب وبيد كل واحدة مطرقة لدقها عند الغسيل، والمقاهي البلدية متعددة يقتل القوم عليها وقتهم بدون جدوى، وعلى النهر قنطرة ترفع على الزوارق، وقد أذكرني هجير حرها بحَرِّ بلاد الهند.
والناس خليط عجيب، الأكراد بأرديتهم الفضفاضة وأسلحتهم المجهزة، واليزيديون عبدة الشيطان بقمصانهم الحمراء الغريبة، والآشوريون أهل الجبال، والكلدانيون في سراويلهم وجلهم من المسيحيين، والبدو وهم سواد أهل البلاد يلبسون العقال، والمتحضر منهم يلبس الفيصلية، ونساؤهم رشيقات، وأعجب ما في هندامهن «العبا» من الحرير الأسود يرسل من فوق الرأس على الجسم كله، وأساس نقودهم «الفلس» كالمليم، والدينار ألف فلس.
ولم تشعرني الموصل بماضيها المجيد يوم كانت من كبريات العواصم وأمهات المدن التجارية والصناعية، فلا يزال الحرير الموصلي المسمَّى موسلين يحمل اسمها مع أنه لا يُصنع فيها اليوم، وحولها منطقة عظيمة الخصب ومنابع غنية جدًّا بالبترول، ولا أدري لِمَ يهملون كل أولئك حتى يستعملها الأجانب وكان الوطنيون أولى بذلك؟ قمت في «عربانة» إلى نينوي على الضفة الأخرى لدجلة، فبدت كومة هائلة من تراب بها بعض السراديب والمغائر وذاك كل ما بقي من عظمة آشور، وزرت بجانبها تل النبي يونس الذي ابتلعه الحوت، يقام على مدفنه مسجد ذو مئذنة دقيقة، ويقال إن المدفون هناك رفات قديس مسيحي كان يقوم حوله دير قديم، وعلى جوانب هذا التل عثر المؤرخون على المكتبة الملكية لنينوي وقد كُتِبت بالخط المسماري على ألواح من طين. دخلت أحد مطاعم الموصل لأتناول الغداء قبل مغادرتي البلدة، وكان القوم من حولي يأكلون، ولما أن قمت أدفع الحساب قال الرجل: «خالص أخي.» وإذا بأحد الموصليين دفعه عني إكرامًا لي دون أية معرفة، وحاولت عبثًا أن أرده فأبى، فالعراقيون قد جمعوا بين كرم الخصب الزراعي وكرم أهل البادية، وتلك من أخص فضائلهم، وقد زاملني في السيارة من الموصل إلى كركوك طائفة منهم أوقفونا في الطريق مرات للاستراحة وتناول الشاي، ولم أستطع دفع شيء قطُّ طوال الطريق.
سرنا بالسيارة وعرجنا على قرية «نمروذ» إحدى مدن الآشوريين على اسم أحد ملوكهم، الذي لما عارضه سيدنا إبراهيم أمر بحرقه وألقي في النار سبعة أيام خرج بعدها سليمًا، وإلى جنوب هذه القرية رأينا أطلال آشور أقدم بلدانهم.
دخلنا كركوك فبدت مع صغرها ألطف وأخف من الموصل، جلُّ أهلها مسلمون لكنهم يتكلمون التركية والكردية، أما العربية فنادرة. أخذت «عربانة» إلى بابا جرجر لنرى ميادين البترول فوجدنا سهولًا ممتدة تنز أراضيها زيتًا أسود، وفي بعض منخفضاتها كان الزيت أشبه ببركة، وكان بعض الناس يملئون صفائحهم منها كأنها الماء. أما شباك الأنابيب الملتوية فتسد الآفاق، تدفع المضخات البترول إلى بيروت، وكان الدليل يحفر قليلًا في الأرض ويشعل عودًا من الثقاب فتلتهب الحفرة فترة من الزمن.
بغداد

قمنا بالقطار وسط سهول نصف مهملة، وترى كأنها قرى صعيد مصر، وأخيرًا في عشر ساعات بدت طلائع بغداد في شكل متهدم منفر خيَّبَ ظني، على أني لما أوغلت في البلدة ألفيت فيها بعض نواحي الجمال، وبخاصة في شارعها الرئيسي «الرشيد» الذي يحكي شارع محمد علي بمصر. ولقد هداني السائق إلى فندق هلال، وما كدت أعود إليه ليلًا حتى وجدت نفسي وسط مكان للغناء والموسيقى والرقص والمجون الذي يظل كذلك طوال الليل، فأمضيت ليلتي على مضض، ولو أني استمتعت بمناظر المرح التي أذكرتني بأقاصيص ألف ليلة، وفي الصباح عبرت جسر مود السابح على الزوارق، وتجوَّلْتُ في الرصافة في الشرق والكرخ في الغرب، وهنا تقام الملاهي والمقاهي والمقاصف، فهو مستراض الشباب عند الأصيل، مما يُشعِر بأن الشعب العراقي مَرِح ميَّال إلى الرفه والمجون، والنساء على جمال فائق وبخاصة اليهوديات بالمعاطف المهفهفة من الحرير الثمين، ويلبسها حتى صغار الفتيات وتُسمَّى «العبا»، كذلك شعورهن السوداء الغزيرة الهادلة من أخص علامات الجمال العراقي، وإن عابه طول الأنوف والمنطق المنفر الممطوط.
والمدينة غنية بالمساجد على الطراز الفارسي بمآذنها الدقيقة والقباب التي يكسوها القيشاني الأزرق، ففي مسجد الأعظمية مدفن الإمام أبي حنيفة وفيه تُدفَن رفات الملك فيصل، ولم يكن الإقبال على المسجد كبيرًا؛ لأنه للسنيين وغالب أهل العراق من الشيعة. عبرت النهر إلى الناحية الغربية لزيارة مسجد الكاظمية الذي يُدفَن فيه إمام الشيعة موسى الكاظم، والمسجد فاخر إلى أقصى حد، أقامه نادر شاه، وتُكسَى مناراته الأربع وقبتاه بالذهب الخالص، ومن داخله يزيِّنه القيشاني والبلور والمرايا، وتحوط الضريح شباك الفضة الثقيلة. والشعوذة آخذة كل مأخذ من تقبيل وتمسُّح وصياح وعويل يهز القلوب، وأسواق البلدة ساحرة جذابة، وغالب أصحاب المتاجر من اليهود والأرمن، والمقاهي البلدية تسترعي النظر، وبمجرد جلوسك عليها يحضر صاحبها بنفسه وبين يديه فنجان «بيشة» يضع فيه قطرات من القهوة السادة ويقدِّمه تحيةً واحترامًا، ويكرِّر ذلك بين آنٍ وآخَر، وغالب البلدة من أزقة نظيفة تكاد المشربيات المتقابلة تتلاصق، وهندسة البيوت بين العربية والفارسية تتوسطها الأفنية، وبها حوض الماء والأبواب مثقلة بالحديد والنحاس. تلمَّسْتُ بقيةً من عاصمة العباسيين فلم أجد سوى حائط المستنصرية على النهر وبقية من السور القديم. وقد زرت قبر زبيدة زوج هارون الرشيد في شكله المخروطي المجزع الغريب.
مدخل مسجد الكاظمية في بغداد.
وركبت عربة مدة ساعتين إلى طاق كسرى أو إيوان كسرى، ولم يَبْقَ منه إلا جانب من الواجهة والبهو الأوسط في عُلُوٍّ هائل، ومن الآجر الأصفر، وكان يضم من آيات البذخ والغنى لملوك الفرس الأقدمين وقعت كلها غنائم في يد سعد، وزَّعَ أربعة أخماسها على جنوده، وعددهم ستون ألفًا، فخص الواحد ما قيمته ??? جنيهًا، أما الخُمْس فأُرسِل إلى بيت المال. قمت بالقطار إلى الحلة وسط أرض خصبة يسقيها سد الهندية الذي يروي ثلث مليون فدان، والذي أُقِيم على نهر الفرات، وأخذت سيارة مسيرة ساعة إلى بابل التي بناها الكلدانيون على الضفة اليمنى للفرات، فوجدتها أطلالًا من الطين من بينها بقايا الحدائق المعلَّقَة إحدى عجائب الدنيا السبع، وكانت تقام من مساطب فوق بعضها كالهرم المدرج من الصخر ترفعه البوائك، ترويها مضخة هائلة ترفع الماء إلى الدور الأعلى، ومنه يجري فيروي الحدائق كلها، ولاتقاء الرطوبة بُطِّنَتِ الأقبية بطبقة من الرصاص. وإلى شمالها قليلًا رأينا أطلال قصور «نبوبولصار» وبجانبها أسد بابل الشهير الذي يطأ تحته رجلًا، وهنا جرت أكبر موقعة بين سعد بن أبي وقاص وجيوش الفرس سنة ??? حينما فتح العرب المدائن. قمنا بالسيارة إلى الكوفة، وكانت تكثر من حولنا أنقاض القدماء في تلال منثورة، وزرنا مدفن ذي الكفل الذي يقدِّسه المسلمون واليهود على السواء.
على أطلال بابل.
والكوفة قرية صغيرة زرنا بها المسجد الجامع الذي وقف فيه الحجاج الثقفي يهدِّد القوم بخطبته المشهورة، والمسجد كالقلعة بسوره الشاهق تدعمه تكآت البناء الضخمة، وبه قبتان إحداهما لرفات مسلم بن عقيل، والأخرى لهانئ بن عروة، وفي وسطه فتحة قيل إن الطوفان نبع منها، وفي الركن الأيمن مقصورة مغلقة قُتِل فيها سيدنا علي، ومن وراء المسجد كانت تقوم قصور الإمارة والخلافة الأموية، ولم يَبْقَ منها أثر اليوم — والحمد لله كما يقول القوم هناك — والكوفة في نظر الشيعة أكثر البلاد نحسًا.
ترام بغداد تجرُّه الجياد على القضبان.
أخذنا الترام إلى النجف، فبَدَتْ وضَّاءة وسط البادية، فقباب حرم الإمام علي التي تُكسَى بالذهب تُرَى على بُعْد أربعين ميلًا. وقصة البلدة أن جثة سيدنا علي حُمِلت على جمل من الكوفة، وتخَيَّرَ الجمل وحده هذه الربوة وبرك فيها، فأخفى القوم الجثة هناك إلى أن جاء هارون الرشيد يصيد الغزال، فتعقَّبَ مرة غزالًا إلى أن وصل الغزال هذه الربوة ووقف متحديًا، فشحذ الرشيد قوته فتصلبت ذراعاه ثلاث مرات، فذعر الرشيد وسأل عن خبر هذا، فأسرَّ إليه رجل هناك أن ههنا جثة الإمام يا سيدي، فأمر بإقامة المسجد، وامتدت المدينة من حوله. أما عن زخرف المسجد والإسراف في تأثيثه وتجميله فذلك ما لا يستطيع القلم وصفه، يقف الإنسان أمامها ذاهلًا لولا ما يوقظه من الولولة والبكاء والنحيب مما يُشعِر بمأساة قتل الإمام كاملة، فلا يتمالك الإنسان نفسه من البكاء، وتقوم مدافن البلدة حول الحرم ولا ينقطع سيل الجنازات تفد من أقصى الأرض وبخاصة من العراق والفرس، وفي ذلك أهم مورد لأهل البلدة من ثمن الأرض ونفقات معدات الدفن.
وأظرف شيء في البلدة سراديبها تحت الأرض، تلك التي تئويهم من لفح الحر وتؤمنهم من غارات عدوهم، ونحو نصف البلدة كذلك في خمس طبقات بعضها تحت بعض، وقد خُيِّل إليَّ أن كل أهل النجف من رجال الدين بعمائمهم الخضراء، وحتى التعليم كله ديني، فهناك نحو ثلاثين مدرسة تضم ستة آلاف طالب، زرت بعضها وكان الطلبة يدرسون حول مشايخهم، وعند الاطلاع أو المذاكرة يأوون إلى تلك السراديب التي كانت في برودتها كأنها المثالج، وقد قدَّموا إليَّ بطيخًا كأنه خارج من الثلاجة رغم هجير الحر فوق سطح الأرض هناك، ويبيح مذهبهم زواج المتعة وهو زواج موقوت لمدة معينة، ويكثر إبَّان موسم الزيارة، وكان يبيحه الإسلام في زمن الحروب فقط، والسواد الأعظم بغداد إلى البصرة — أعنى في جنوب العراق — من الشيعة، على أن أغلب الملاك وأصحاب الأعمال والأموال من السنيين.
في ثلاث ساعات وصلت بنا السيارة إلى كربلاء، فبدت شبيهة بالنجف في أزقتها ومشربياتها، وهي ثانية معاقل الشيعة، فالنجف الرأس المفكِّر وكربلاء القلب النابض، وهي أكثر قدسيةً من النجف، فيها يبكي القوم على الدوام موت الحسين الذين يُدفَن تحت قبة من ذهب خالص، وهناك مسجد آخَر يُدفَن فيه العباس أخو الحسين من أبيه، ويقدس خصوصًا في أيمانهم؛ لأنه عُرِف بالصراحة والدقة والقسوة أكثر من الحسين.
(?) إلى البصرة بلدة السندباد البحري

دخلتها وافدًا من البحر عند عودتي من فارس، فدخلت بنا الباخرة الخليج الفارسي، ثم شط العرب باتساعه الهائل، وعلى جوانبه غابات من النخيل يصدر من بلحه بمليون جنيه كل عام. والثغر بدا هائلًا كثير الحركة والبواخر والأرصفة، وتُعنَى به إنجلترا كثيرًا، وقد قمنا من الميناء بسيارة نحو عشرة كيلومترات إلى البصرة نفسها، وكانت لا تزال تُرصف في هذه الجهةِ الشوارعُ وتخطط الأحياء الحديثة، أما البلدة فقذرة منفرة ليس بها من جمال سوى فروع شط العرب التي تُرَى أينما سرت، وفيها الزوارق النحيلة التي تحكي جندول البندقية، وتُعَدُّ وسيلة هامة للنقل هناك ويسمونها «البلم»، وقد أقَلَّتْني ساعة إلى القرنة عند ملتقى النهرين ويسمونها جنة عدن، ولو لم أجد بها ما يعزز ذلك؛ فهي حقيرة فقيرة حولها المستنقعات، تقوم عليها أخصاص السكان من الغاب ويتصلون بالزوارق، وهم سبَّاحون مهرة، غذاؤهم الأرز والسمك، على أن البيئة المائية خلقت فيهم انحلالًا خلقيًّا شنيعًا. وإلى الشمال منهم حول قرية عمارة قوم من الصابئة من الموحدين المغالين في أمور الطهر والغسل، يحرِّمون خدمة الغير لهم، ويخالهم المسلمون أهل سبأ والنصارى من شيعة القديس حنا، وزعيمهم يُسمَّى الشيخ جودة يحرِّم القهوة والشاي والطباق والسكر والخمر.
العوامات المسماة «جفة» في نهر دجلة ببغداد.
قمت بالقطار من البصرة إلى بغداد مسافة ???كم قطعناها في يوم كامل وسط جو مترب لافح الهجير، ومنها إلى الشام فمصر، وودعت العراق بذكريات الماضي العظيمة التي لم ألمس من قوتها شيئًا اليوم، اللهم إلا في حماسة القوم ونعرتهم القومية التي لا شك ستصل بهم إلى المستوى الذي يليق بكرامتهم، وإلى نبذ ما تخلف عن الماضي من خيالات وخرافات وسحر تسرَّب إلينا نحن في مصر منها الكثير.

بين هضبتي الأناضول وإيران


قمنا نخترق بالقطار جبال طوروس في عقدها اللانهائية وأنفاقها العدة، ثم أقبلنا على سهل كثرت به مسايل المياه وازداد الزرع، وأخيرًا ظهرت أدنا من كبريات مدن جنوب تركيا، ثم عادت الجبال والربى ودخلنا بعدها سهول قونية، تلك البلدة الكبيرة التي يُدفَن بها أفلاطون ومولانا جلال الدين الرومي صاحب طريقة المولوية. ولم تَغِبْ مآذن المساجد عن الأنظار، ولم نلمح كنيسة واحدة، وكنا نرى الناس في حقولهم يُقِيمون الصلاة وعلى رءوسهم القبعات، والأعشاب والخراف تملأ الآفاق، وكان الصبية ينادون على اللبن الحامض يشربه الجميع بدل المرطبات. ومررنا بمنخفض في وسطه أفيون قره حصار من المدن الكبيرة، وآخَر به بلدة إسكيشهر، ثم أقبلنا على بلدة بولتلي التي سحق فيها الأتراك جيوش اليونان بعد أن كادت تقضي على تركيا كلها بمساعدة بعض الدول الأوروبية، وعند قبر الشهداء وقف القطار كالعادة ونزل جميع المسافرين ليؤدوا واجب التحية، وليقرءوا الفاتحة على روح منقذي تركيا، وكلهم يذكرون أتاتورك بكل خير؛ فلقد رفع مستوى بلادهم وقضى على الخرافات والترهات ومحا الأمية، وكنتُ أرى حتى الشيوخ من الفلاحين يتخاطفون الجرائد وقد كُتِبت بالحروف اللاتينية ليقرءوها. دخلنا أنقرة فرأينا أحياءها القديمة منثورة فوق الربى، والأحياء الحديثة في المنخفضات في طرق فسيحة نظيفة، ومبانٍ فخمة، وتماثيل متعددة، ومتنزهات يؤمها الشعب، وحتى دار البرلمان الجديدة تفتح حدائقها للجمهور، والناس على فقرهم ورثِّ ثيابهم فخورون بوطنيتهم واستقلالهم، والنساء لا يكاد يخلو منهم عمل وقد أسفرن جميعًا.
وكان يدهشني مدى التعمير والإنشاء رغم فقر البلاد، لكنه الإخلاص هو الذي جعل أولي الأمر يحرصون على إنفاق كل درهم على الصالح العام. وقد خلت كل مشروعاتهم من الأيدي الأجنبية تمامًا، وحتى لافتات المتاجر لا تُكتَب إلا بالتركية، ويحترمون يوم الجمعة فتوقف كل الأعمال تمامًا. والتركية زوجة فاضلة لا محالة وحتى في دور الملاهي تبدو رزينة وفي شيء كثير من الوقار، وعنايتهن بالأطفال فائقة، وكم كنتُ أرى الأب الفقير في ثيابه البالية يحمل طفله في هندام نظيف جميل ووجه أبيض ناصع، وقد استساغ الناس النظم الحديثة وحتى الصلاة يؤدونها بالتركية، فلا يقول الرجل «الله أكبر» بالعربية بل ترجمتها بلغتهم، وتدرس ترجمة القرآن في المدارس، وعجبت للمجهود الجبار الذي بذله أتاتورك في محو الأمية حتى بلغ عدد المتعلمين في عشر سنين ???، ونحن لا نزال نتخبط في هذا السبيل ولم نستطع زيادة نسبة المتعلمين في ربع القرن الأخير سوى ??? رغم الفارق في الثروة بيننا وبينهم، وحتى في المطاعم لا يتكلمون إلا التركية، ولن أنسى ربكتي عندما كانت تُقدَّم إليَّ قائمة الطعام ولم أفهم منها كلمة، فكنت أضع أصبعي على سطر من صنوف الطعام أطلبه، فيحضره الغلام دون أن أعرف ما هو، على أن الطعام التركي في جملته لذيذ شهي إلى أقصى حد.
إلى هضبة إيران

قمت بالقطار من بغداد، وفي عشر ساعات وصلنا الحدود عند الخانقين، وهي قرية صغيرة استأجرنا منها سيارة لنوغل بها في بلاد إيران، وغالب السيارات رديئة ومن نوع اللوري القاسي الممض، خصوصًا وهي تتعثر في طرق البلاد غير المعبَّدَة، فأخذنا نعلو نحو خمسة آلاف قدم وسط ربى شبه مجدبة لا حصر لها، وكم تعطلت بنا السيارة ساعات وسط تلك الصحارى المخيفة، وبعد أربع وعشرين ساعة دخلنا كرمان شاه، فهالني بها سيل المتسولين والمتبذلات والمتسكعين والمتسكعات، والكل في قذارة وفقر مبيد، ثم قمت في سيارة أخرى صوب طهران مسافة ???كم، وكنا نقف بين آنٍ وآخَر لنستريح وسط الطريق، وسرعان ما يجلس المسافرون مفترشين الأبراش والسجاجيد، ويخرجون الغلايين يدخنون فيها الأفيون الذي يدمنونه جميعًا، وهو احتكار للدولة تبيع الأصبع بقران ونصف أي نحو ?? مليمًا. وعند قرية أسد آباد وقفنا نقرأ الفاتحة على روح السيد جمال الدين الأفغاني؛ لأنها بلدته ولم يكن أفغانيًّا، وفي بعض جهات من الطريق فنادق للراحة تسمى شاي خان، تطلب الشاي فيقدمه الرجل وبيده حبيبات السكر تلقي بالواحدة في فمك ووراءها جرعة من الكأس، وكان يرافقني إيراني فخور ببلاده، وكان يبالغ في عظمة طهران ويقول بأنها تفوق باريس، على أنه كان بخيلًا فلم يدعُني للشاي مرة رغم أني دعوته مرارًا، ورغم أني أنا الضيف لا هو، وحدث أن عرَّفني بأحد عظماء إيران في الطريق وقال عني بأني مصري عربي، فقال زميله: مرحبًا رغم أني لا أحب العرب أبدًا. دخلنا همدان على علو ???? قدم يشرف عليها جبل ألوند، وكانت حركة الهدم والإنشاء ناشطة بفضل وطنية الشاه وحماسته للنهوض ببلاده، وفي سبع ساعات وصلنا بلدة قزوين التي كانت يومًا ما عاصمة الشاه عباس، وأخيرًا دخلنا:
طهران

فأخذنا نمر وسط بلدة شبه متهدمة، وحللت نزل جراند أوتيل في شارع لاليزار أحدث الشوارع، ثم طفت بأرجاء البلدة، فراقني بها مجموعة من بوابات جميلة زينت بالقيشاني مما أذكرني بعاصمة بلاد الصين، وأجمل شيء في البلدة أسواقها التي تقوم تحت أقبية ضيقة والناس فيها تتلاصق أكتافهم من كثرة الزحام، كذلك البيوت ذات مدخل مزركش بالقيشاني، وفي وسط الفناء حوض للماء فسيح، والقوم على رقة حالهم مؤدبون جدًّا لا تفتأ تسمع كلمة «خيلي ممنون» أي متشكر، و«سلام إليكم»، وقد لبسوا الزي الإفرنجي وعلى الرأس البهلوية كالكسكت، ورجال الدين يظهرون في عمائمهم السوداء، ولعل أجل ما يُذكَر للشاه بالفخار نشر الأمن والضرب على أيدي قطَّاع الطرق الذين كانوا مصدر فزع للمسافرين، وقد أكثر من إقامة المسافرخانات في الطرق، ولقد دهشت لما ألفيت ماء الشرب في كل البلاد وحتى في العاصمة عرضةً للتلوث؛ إذ تنزل مياه الينابيع من المرتفعات وتجري في قنوات ضيقة على جوانب الطرق، ومن هذه يستمد كل حاجته من الماء، وفي هذا خطر صحي كبير، لذلك تشتري السفارات حاجتها من مكثف السفارة البريطانية هناك.
إلى خراسان

قمت بالسيارة أقطع نحو ألف كم إلى كعبتهم المقدسة «مشهد» في ثلاثة أيام بالسيارة، وكانت منذ عهد قريب تُقطَع بالدواب في أربعين يومًا، وفيها يُدفَن الإمام الرضى بن الكاظم من أئمة الشيعة، وكانت جماهير الحجاج تترى وهم مكتظون فوق اللوريات تعلو صيحاتهم مدوية قائلة: «لاهم سلي آل مهمد آل مهمد.»
وما كدنا نبعد عن طهران بساعة واحدة حتى أخذَتِ السائق سِنَة من النوم، وما نشعر إلا والسيارة تهوي بنا إلى قرار أحد وديان الطريق، على أنها ارتطمت في وسط المنحدر بصخرة عاتية أوقفتها بعد أن جُرح الكثير وأصابني كسر بسيط في ركبتي أفقدني الوعي حتى الصباح، وقد تهشَّمَ الأكس واضطر الرجل أن يعود إلى طهران ليجد عنه بديلًا، وقد عزا القوم نجاتهم من الموت إلى بركة الإمام الرضى، وكنا نرى القرى الفقيرة تقوم في بطون الأودية شحيحة الماء، أما باقي الأراضي فشبه صحراوية، وكلما أوغلنا في أرض خراسان زاد الجدب، ومن البلاد التي عرجنا عليها: سمنان ودمغان وشاروت وسابزوار، وأخيرًا دخلنا نيسابور التي كثرت حولها البساتين على غير العادة، وفيها رفات عمر الخيام تظله مجموعة من الأشجار الوارفة، وهو صاحب الرباعيات الشهيرة التي تُرجِمت إلى جميع اللغات، ويزوره من الأجانب خلق كثير كل عام.
أخيرًا أشرفنا على مشهد من ربوة، وأخذ الكل يحاول أن يرى قبسًا منها، وعندئذٍ يضع كومة من أحجار ويقرأ آيات التبريك ويقبل على السائق فيغدق عليه. دخلنا البلدة الغنية بمزارع الفاكهة وبخاصة الأنجور أي العنب، ثم الخوخ وقد حللت فندق «مهمان خان مللي»، ثم أسرعت لزيارة ضريح الإمام الرضى وقد ظهرت قبته الذهبية من بُعْدٍ فبدا الحرم فاخرًا بنيانه وزخرفه ومقاصيره وعظيم اتساع أفنيته، وفي كل صحن أقيمت أحواض الماء وقنواته يغترف منها الجميع، والباب الرئيسي للضريح يُكسَى بالذهب الخالص، وفوق الضريح قبة ومئذنتان يكسوها الذهب أيضًا. أما خليط الناس في داخله فذاك لم أَرَ مثله إلا في مكة المكرمة، هذا إلى المرضى والمتسولين الذين يلتصقون بالجدران كلها. دخلت المدفن وسط شباك الفضة والذهب والجواهر، فتسلمني على الرغم مني مطوف وطاف بي ووقف أمام الباب وقال: اركعْ وقَبِّلْ. فرفضت وقلت: كفاني قراءة الفاتحة. وما أشعر إلا والناس يظنون بي الظنون ويهجمون عليَّ، فكدت أختنق لولا أنْ قيَّضَ الله لي عالمًا عراقيًّا كان قد زاملني في السيارة، فناديته فتدخَّلَ وصرف القوم عني ولامني على تلك المخاطرة، وأشار إلى ما كتبته الدولة خاصًّا بالخطر الذي يتعرَّض له الأجانب إذا أسيء فهمهم. وجل الزوار كانوا يبكون ويندبون موت الإمام، وفي الفناء الرئيسي ألفيت عالمًا في كل ركن وحوله الناس وهو يقص عليهم أنباء مأساة علي والحسين والإمام الرضى، وينفجر يبكي والكل وراءه، وهم يُشبِعون خدودهم لطمًا ومن بينهم النساء والأطفال والرجال وحتى العلماء والمتعلمون، وما مَرَّ واحد أمام المسجد إلا انحنى وتمتم وقبَّلَ يده، وبجوار المسجد مكتبة حوت أكبر مجموعة من الكتب الإسلامية في الدنيا كما يقولون. وحول الحرم تقوم الأسواق كلها، وفي ناحية من المدخل غرفة للمأذون الذي يتولى صيغة عقد زواج المتعة لمَن أراد لأية مدة شاء، ويُدفَن إلى جوار الإمام هارون الرشيد يولِّيه الزوَّار أدبارهم، بل ويرفسونه بأرجلهم احتقارًا له؛ لأنهم يتهمونه بدس السم للإمام.
التركمان في خراسان بإيران.
والذي شجَّع الفرس على اتخاذ مشهد كعبة مقدسة الشاه عباس أكبر ملوك الصفويين، صرف قومه عن زيارة مكة لكرههم للعرب، ولكي يوفِّر على قومه ما كانوا ينفقون، ولقدسيتها حج إليها ماشيًا مسافة ????كم، وهم يحترمون كلمة مشهدي أكثر من كلمة «حجي»، وأنت لا تفتأ تسمع «مشدي أباس، مشدي هسين، مشدي ألي»، وهي أكثر الأسماء انتشارًا بينهم. وفي البلدة مدفن نادر شاه الذي فتح الهند وسلب جواهرها، ومن بينها عرش الطاووس الذي رأيته يُعرَض في قصر جولستان في طهران. وأحب الملاهي عندهم السينما والمقاهي، والموسيقى لا تزال ساذجة، وأحب الآلات الموسيقية «التارة» كالبزق عندنا، والغناء تأوهات جلها من نغمة العجم. وأكبر أعيادهم عيد النيروز، أي أول العام الفارسي، تحتفل به البلاد مدة تزيد على أسبوع، أما شهرا محرم وصفر فشهور حداد عندهم جميعًا وبخاصة يوم عاشوراء يوم مقتل الحسين.
قمنا إلى هرات من بلاد أفغانستان مسافة أربعمائة كيلومتر ذقنا خلالها الأمرين من رداءة السيارات وسوء أخلاق سائقيها ووعورة الطرق ومعاكسة عمَّال البوليس والجمارك، ووقفنا في إسلام قلعة، وهي بناء عتيق خرب به رجال الحدود من الأفغان، وكانوا يسمونها «كافر قلعة» يوم كانت في أيدي الفرس، هنا هاجمنا رجال البوليس في سراويل عليها جلابيب طويلة وعمائم منتفخة في غير تشذيب، وأخذوا يفتشون المتاع تفتيشًا قاسيًا، وكان معي خطاب توصية من سفارتنا في طهران فحملته إلى رئيس القلعة، فألفيته دميم الخلقة مخيف الطلعة أميًّا، لذلك ناول الخطاب لوكيله وطاف الغلام بأقداح الشاي وناولني بعض فتات السكر ألقي بالقطعة في فمي ومن ورائها الجرعة، وكلما فرغ الكأس أعادوه مملوءًا، وعند المرة السادسة رفضته، فبدت عليهم علامات الغضب ورموني بقلة الأدب؛ لأنه كان يجب عليَّ عند الاكتفاء أن أُبقِي بعض الشاي وأنكس القدح على الطبق. جرى التفتيش في بطء شديد، وكلما أعجب الجندي شيء من متاع المسافرين حاول أن يأخذه لنفسه، ولبثنا في تلك العملية زهاء يوم كامل، وكان قد أمَضَّني الجوع فلم أجد سوى بعض الخبز الأسود والبيض والخربوزي، أي الشمام، فأكلت على الرغم مني، ولم يفرج عن سيارتنا إلا بعد أن يسر القران لنا المسير. تقدمنا وسط المناظر المجدبة الصحراوية وكانت القرى قليلة وبين آنٍ وآخَر نقف إجلالًا «للملاه»، وهو من طبقة علماء الدين يركب بالمجان ويجله الجميع ويقبِّلون يده، وله على القرى الداخلة في نطاقه بعض الضرائب يتقاضاها بنفسه بالطواف عليهم، وكنا نرى قطارات البغال والحمير والجمال وهي وسيلة النقل القديمة تسير طوال الطريق. أخيرًا وبعد لأي دخلنا هرات؛ فبدت بلدة حقيرة مبانيها ساذجة وباللبن، وطرقها في غير نظام، وأظهر ما بالبلدة بقايا قديمة لقباب مآذن تدل على شيء من العظمة الماضية، بحثت عن فندق آوي إليه فلم أجد، وقيل لي أن أطلب إلى أحد من علية القوم أن يضيفني فلم أقبل، ورجوت صاحب مطعم ساذج أن يسمح لي بسجادتين إحداهما للنوم والأخرى للغطاء، وأن يبيح لي أن أنام إلى جوار حانوته على أن آكل من عنده، ولبثت نحو أسبوع أنام في العراء مرة خارج الباب وأخرى من داخله، وأخيرًا فضلت حجرة خربة بدون أبواب فوق المطعم نمت فيها ليلتَيَّ الأخيرتين، والطعام الذي كنت أتناوله الأرز بدل الخبز تُدفَن فيه قطع «الجوشت» أي اللحم، وإلى جانبه بعض الباذنجان يسبح في الزيت أو «الروغان» كما يسمونه. والنساء هناك محجَّبَات لدرجة كبيرة، فالإزار الخارجي يحكي الكيس، قد زُرَّ عند الرأس، وأمام العينين قطعة منه مثقوبة، وتحت الإزار سروال محبوك فوق الحذاء، وغالب القوم سنيُّون على عكس الإيرانيين فغالبهم من الشيعة، وجل ثقافتهم فارسية يتكلمون الفارسية أكثر مما يتكلمون لغتهم، ولقد زرت قلعة المدينة وفي مكان منها يلقى بالزاني أو الزانية ليُرجَم حتى يموت، وقد سمعت مناديًا فسألت عما يقول، فعلمت أنه يعلن الناس عن محاكمة لص أمام السوق، فذهبت في الميعاد المحدَّد وقضى القاضي بقطع يده، فربط ساعده بحبل وضغط الرسغ بين قطعتين من خشب، وضرب الجلاد اليد فطارت، ثم غُمِر طرف الذراع في زيت يضطرب غليانًا.
وهرات تُعَدُّ أخصب بقاع أفغانستان في الزراعة، وهي أكبر المدن التجارية وبها أغنى أهل البلاد، تصدر القطن والأفيون والفستق والجوز واللوز والبندق ومنتجات المرعى، ووحدة النقود القران الأفغاني سك من الألومنيوم، وكان يعادل القران الإيراني، أي اثني عشر مليمًا، وليس بالبلاد نقود ورقية؛ لأنهم يحرمون إقامة المصارف، لذلك كنتُ أرى التاجر يحمل أكياسًا ضخمة تملأ بالقرانات، وتلاحظ على أبواب الحوانيت أشخاصًا منهمكين في عد تلك النقود. وأصل منشئ البلدة الإسكندر المقدوني، ثم عُنِي بها هارون الرشيد، ويقولون بأن عددًا كبيرًا من الأولياء يُدفَنون فيها من بينهم الفخر الرازي وقد زرت قبره، والحجة عبد الله المصري، ويبالغون بأن عددهم اثنا عشر ألفًا لذلك أسماها البعض بلدة الأولياء.
جباة الضرائب في هرات بأفغانستان.
والأفغاني طيب القلب ولو أن به بعض الجفاء والغلظة يبدو على فطرته، والأمة فقيرة وحتى دور الحكومة ليس بها من الأثاث شيء يُذكَر، وغالبها تفرش بالسجاجيد ويجلس القوم القرفصاء عليها. لبثت على مضض مني أنتظر مرور سيارة لتعود بي صوب إيران، وفي اليوم السادس بشَّرَني الرجل بلوري مسافر، فتهللت بشرًا ودخلنا الحدود الإيرانية وصادف أن تعطلت السيارة، فتقدمت إلينا عجوز من البدو وأضافتنا في خيامها وأعدت لنا الفطير والسمن والرقاق والكعك الأسود، فأكل الضيوف، ثم أكل وراءنا أفراد عائلتها، فعجبت من كرم البدو حتى في تلك البلاد الشحيحة النائية، وأكثر من ثلث أهل الأفغان من أولئك البدو المتنقلين، وقد استمتعنا طوال الطريق بالعنب «أنجور» والشمام «خربوزي» مفرط الحلاوة والرخص، فكنا نشتري الأقة بخمسة مليمات، وقد كان يضايقني استهتارهم بالزمن، يلقى السائق صديقًا فيقف بنا ساعات وأنا أستحثه، فيبتسم ويقول: «صبر كون أغا.» أي: تمهَّلْ سيدي. دخلنا مشهد ومن بعدها طهران، وكنت أحصي نحو مائة لوري يحمل الحجاج صوب مشهد في اليوم الواحد، أي نحو ألفي شخص مع أنَّا لم نكن في موسم الزيارة، فأدهشني هذا الإيمان العجيب في الإمام الرضى وقدسيته عندهم، وكنا نسمع الصبية يصيحون «آب ياخ» أي الماء المثلوج ويجلبون كتل الثلوج من القمم المجاورة تلف في الخيش، وتحبس في سراديب تحت الأرض يستمدون منها مرطباتهم في الصيف، خصوصًا من ذرى جبل دماوند المشرف على طهران.
نتأهب للرحيل عن هرات في هذا اللوري الحقير.
قمنا صوب بحر الخزر مسافة أربعمائة كم، وفي النصف الأخير منها تغيَّرَتِ المناظر فزادت عقد الجبال، وقبيل بلدة «الرشت» بخمسين كم أخذت الربى تُكسَى بالشجر القصير الذي زاد كثرةً حتى أصبحنا في غابة كثيفة أذكرتني بغابات منابع النيل في أفريقيا، فكانت المناظر ساحرة ومسايل المياه كثيرة، والأعشاب المتسلقة على الشجر تسد الآفاق حتى أطلقوا عليها اسم jungle، ثم ابتعدت الجبال واتسعت أراضي زراعة الأرز والطباق، حتى دخلنا الرشت عاصمة مقاطعة «چيلان»، فراقتني كثيرًا بنظافتها وحسن تنسيقها وجمال أهلها، فكأنها مدينة أوربية حديثة مبانيها من طابق واحد، وسقوفها متحدرة لكثرة المطر هناك، على أن جوها وخم حار رطب؛ لذلك كان غير صحي، وهي دون مستوى البحر بنحو ?? مترًا، وقد بدت السحن الروسية الجميلة، وحتى اللغة الروسية يتكلمها أغلب الناس وكذلك الموسيقى. قمنا بالسيارة إلى ثغر بهلوى وكانت السهول الزراعية متسعة حولها، وكان النساء دائبات على العمل في الحقول وجمالهن فاتن؛ ذلك لأن السكان اختلطوا بالروس فنقلوا عنهم كثيرًا من تقاطيعهم ولونهم الوردي. والمدينة صغيرة أنيقة خفيفة الروح نظيفة، وقد استغل شاطئ البحر في الاستحمام والمقاهي والمتنزهات، وقد ركبتُ زورقًا بخاريًّا يومًا بأكمله أجوب أرجاء بحر الخزر بمائه الأملس الذي يكاد يكون عذبًا بفضل كثرة مياه الأنهار التي تصب فيه، لذلك كان مورد السمك منه هائلًا، وهو الغذاء الرئيسي مع الأرز لسكان تلك الجهة من إيران: من مازندران شرقًا إلى أذربيجان غربًا، وكثير من مباني الرشت وبهلوى من الخشب بفضل كثرة الغابات. رجعنا إلى طهران وقمنا إلى الجنوب، ومررنا بقرية قم مدفن السيدة فاطمة أخت الإمام الرضى ويسمونها «المعصومة»، ثم بلدة قاشان المشهورة بعمل السجاد من الحرير، وقد رأيت قطعًا منه صغيرة ثمن الواحدة مائة جنيه، واعتزمت المبيت بها لكن المسافرين أبَوْا خوفًا من عقاربها التي تهدِّد الجميع، فواصلنا سيرنا الليل كله حتى وصلنا «أصفهان» بعد أن قطعنا خمسمائة كيلومتر، فظهرت في حجر جبل وسط تربة سوداء خصبة. حللت فندقًا في أهم شوارعها ويسمونه «خيابان جهارباغ» أي طريق الحدائق الأربع لكثرة ما يحفه من أشجار ومزارع، وهو على اتساع عظيم ويشق المدينة كلها إلى قنطرة «جلفا» الضخمة الغريبة الأثرية، تقام على نهر «زنده رود» الذي يزخر بالماء إبَّان الشتاء، وقد اتخذ الشاه عباس هذه المدينة عاصمةً يتوسطها ميدان شاه الهائل، يزينه حوض الماء الكبير ويطل عليه قصر «آلي كابو» أو الباب العالي مسكن الشاه الخاص من سبعة أدوار بولغ في نقشها، وأمام القصر من الجانب المقابل مسجد الشيخ لطف الله أقامه الشاه إحياءً لذكرى ذاك العلَّامة، وواجهة المسجد وقبته آية فنية هي في نظري أجمل ما رأيت في إيران، يكسوها القيشاني البديع من الداخل والخارج، وإلى يمين قصر الباب العالي مسجد شاه أفخر مساجد إيران طرًّا بعظمة امتداده وإتقان نقوشه، ومئذنتاه الدقيقتان يكسوهما القيشاني الأزرق وكذلك واجهة المسجد، فكأن أغلب جدران هذا الميدان العظيم تزدان بالقيشاني البرَّاق، وما أروع منظره إذا جلست ترقبه من الشرفة الملكية! منظر يذهب بخيالك كل مذهب ويذكرك بعظمة الفرس إذ ذاك، وكانت تقام به الحفلات والألعاب خصوصًا لعبة كرة البولو التي كان الشاه يتقنها بنفسه، وقد حكم الشاه عباس ?? سنة نهض بالبلاد خلالها في كل شيء، ولا تزال أصفهان محتفظة بطابعها القومي القديم، فهي أجمل مدن إيران طرًّا، أسواقها أزقة ملتوية مغلقة لا يزهد الزائر المقام فيها أبدًا.
الميدان الرئيسي في رشت على بحر الخزر.
قمت إلى شيراز مسافة خمسمائة كيلومتر وسط أرض مغضنة مجدبة، ومررنا بقرية برسپولس ويسمونها تخت جمشيد، وتفقدنا آثارها فأعادت لذاكرتي ناحية من الكرنك، وقد تخيرها دارا الأول في القرن الخامس ق.م مقرًّا لقصره، ثم جاء أجزرسيز وشاد له قصرًا آخَر كان آية الفن الفارسي، ويطلقون عليها أحيانًا «تشهيل منار» أي ذات العماد، وقد شعرت أن القوم إذ ذاك اقتبسوا الكثير من حضارتنا المصرية القديمة، وهم يقولون بأن العرب بدورهم اقتبسوا من هذه الآثار الفارسية الشيء الكثير في فنهم.
أخيرًا دخلنا شيراز عاصمة مقاطعة فارس من باب فخم قديم، فوقه غرفة فيها مصحف بخط الإمام علي نفسه، والبلدة فقيرة في جزئها القديم وتحكي حلوان في جزئها المستحدث، على أن البلدة تفاخر بأنها عاصمة العلم والأدب، هناك فيها قبر سيبويه وقبر حافظ وسعدي وهما أشهر شعرائهم، كان حافظ زاهدًا متصوفًا أما سعدي فإباحي ماجن، ويقيم القوم لهما قبرين في غاية الفخامة أمضيت فيهما بعض الوقت. أقلَّتْني سيارة صوب بوشير مسافة ثلاثمائة كيلومتر فاخترقنا من المفاوز الجبلية المجدبة ما يروع القلب لوعورته، ففي بعضها كان الطريق يبدو في عشرات الطيات من فوق الجبل، وقد أدهشني أن الجبال بدأت مجدبة، ثم لما علونا في الوسط كُسِيت بالثلوج والغابات وكثر قطع الخشب في القرى، ثم رجعت الجبال مجدبة كلما قاربنا شاطئ الخليج الفارسي حتى دخلنا بوشير، فإذا بها بلدة صغيرة فقيرة حرها لافح لا يُطاق، وأهلها يعوزهم كل شيء الجود والنظافة والظرف، فهم في منتهى الخشونة والشح. ركبت باخرة هندية مرت بشواطئ الخليج الفارسي، ورسونا على عبادان مقر شركة البترول الفارسية البريطانية وكأنها مدينة أوروبية صناعية جديدة، ثم دخلنا شط العرب، ورسونا على المحمرة التي تحكي بوشير سذاجة، أما الشاطئ المقابل فللعراق، وكانت غابات النخيل تسد الآفاق لذلك لم نعجب لما علمنا بأن هذه المنطقة أعنى مناطق الدنيا بتصدير البلح.

في مجاهل أفريقيا


في جولتي الأفريقية التي قمت بها في صيف سنة ???? قطعت ما يزيد على عشرة آلاف ميل وخمسمائة بين بحر وبر، وكنت أرمي إلى زيارة البلاد الساحلية من أفريقيا، وفي مدينة الرأس أبرح الباخرة وأقوم برًّا مخترقًا القارة كلها من الجنوب إلى الشمال بما في ذلك وادي النيل كله، فعرجنا على بور سودان، ثم عدن في أربعة أيام كاملة، وفي ستة أيام أخرى وصلنا ممباسا التي تحفها هالة من صخور المرجان أكسبتها اسم ملكة الجزائر، نزلنا أرضها التي بدت غابة كثيفة مغلقة اجتث الناس منها بقاعًا أقاموا فيها أخصاصهم الساذجة، وأكبر شوارعها طريق كلنديني، وقد شُقَّ وسط الغابات تمامًا فكنت أسير فيه وثمار المانجو تكاد تفرش جوانبه، والناس يأكلون منها ما يشاءون، أذكر أنني قبل أن تغادر الباخرة المكان شريت من بائع المانجو ما يزيد على الثلاثين بسعر مليم ونصف للواحدة، ووضعتها في غرفتي وأخذت آكل منها بشهية؛ لأن نوعها لذيذ جدًّا وحجمها كبير، وفي اليوم التالي قمت من النوم مسرعًا لأتناول منها شيئًا، ولشد ما كان أسفي عندما ألفيتها كلها تالفة منتنة من أثر الحرارة، فألقيت بها جميعًا إلى المحيط.
أما أهل البلاد فمن السود الذين مازجهم الدم العربي، ويكادون يفهمون العربية المحرفة، أما لغتهم السائدة فيسمونها السواحلية، وهي خليط من العربية والزنجية، وهي اللغة الرسمية لبلاد شرق أفريقيا كلها، وتكاد تسود إلى فكتوريا نيانزا في داخل القارة وإلى آخِر تانجانيقا جنوبًا، مما يؤيد ما كان للعرب من نفوذ يوم كانوا يملكون تلك الأصقاع وكانت تجارتهم منتشرة هناك، ومن الكلمات التي تسمعها في كل مكان «أصبر، ماج، بريدي، كرتاس، سفار، مبارك … إلخ.» ولما أن أبطل الرق في تلك الجهات لم يجد الملاك من العرب مَن يخدم أرضهم، فافتقروا وتدهوروا، وكذلك الزنوج فقدوا سادتهم فخملوا أيضًا فانحطَّ السيد والمسود، وقد حل الهنود محل العرب في التجارة؛ إذ كنتُ أرى بيدهم كل شيء، وممباسا أكبر منفذ لتجارة أوغندا.
قمنا نمخر عباب المحيط الهندي وإلى يميننا شريط من جزائر مرجانية، وفي خمس ساعات وصلنا ثغر تانجا ونزلنا نجوب غاباتها المغلقة، وكم أكلنا من ثمارها الغريبة، وكانت القردة تعاكسنا طوال الطريق، وفي الجهات التي قطعها الناس وزرعوا مكانها الذرة كانت القردة تهاجم حقولها وتسلب أكواز الذرة، وقد فطن أحد الأهالي إلى حيلة بها ابتعد القردة عن المكان: أتى بقرد وحلق شعره كله، ثم طلاه بدهان أزرق وتركه يعود إلى عشيرته، ومن العجيب أن القردة لما رأته لم تُقدِم على حقول الذرة مرة أخرى.
قمنا إلى زنجبار فوصلناها في أربع ساعات، وأول ما استرعى أنظارنا دار الحكومة ويسمونها «بيت العجائب»، وكان يقوم عليه علم البلاد الأحمر، وأظرف ما في البلدة طرقها المختنقة الملتوية، رصفت أرضها بالحجارة النظيفة وأقيمت في مفارقها الساعات الكبيرة، وعجبت لما ألفيتها تسير على الزمن العربي، فعند الغروب تكون الساعة ??. وأنت لا تكاد تبعد قليلًا عن المساكن حتى توغل في حقول من أشجار القرنفل أكبر غلات البلاد، فهي تصدر منه ??? من إنتاج العالم، وكان ثمره يبدو في عناقيد من براعم يعلوها زهر كالوبر، والفدان يغل خمسة أرطال، وتتقاضى الحكومة عليه ضريبة قدرها ??? من ثمنه، وفي أسواق البلدة كانت تُعرَض الكبرا وهي من هشيم لباب جوز الهند وفاكهة الخبز، في شكل يحكي الكلية وعليها عقد كثيرة ويُتَّخَذ منها دقيق للخبز، وقيل: إن ست شجرات منها تكفي عائلة كاملة طوال العام. ثم الماهوجا أو الكسا?ا وتبدو كقطع البطاطا اليابسة إذا سُحِقت أعطت دقيقًا صالحًا للخبز، وهي من أهم مواد الغذاء يزرعونها بكثرة.
في خمس ساعات وصلنا دار السلام عاصمة تانجانيقا، فلاقاني البوليس الأسود في هندام جميل إلا أن الطربوش بالغ الطول، وله زر غليظ طويل يتدلى أمام الرأس في شكل مضحك، ويلف على الساقين شريط أصفر، أما الأقدام فعارية وهم جميعًا يسيرون حفاة. ولكثرة الهنود هناك يُخيَّل إلى الإنسان أنه يسير في بلد من بلادهم وبيدهم جل الأملاك والأراضي والمتاجر، ويرى البيض فيهم أخطر مزاحِم لهم؛ لذلك يفكرون في الخلاص منهم ويحاولون مساعدتهم على العودة إلى بلادهم، وكم كانت دهشتي كبيرة لنشاطهم الذي لا يحد رغم أني رأيتهم وهم في بلادهم «الهند» خاملين منصرفين عن العمل يكاد يقتلهم الفقر، لكن يظهر أن مجال العمل في الخارج كان أفسح أمامهم منه في بلادهم؛ لذلك قبرت مواهبهم في الهند وظهرت خارجها، وذلك يؤيد ما للنزوح عن الأوطان من أثر في الاعتماد على النفس وحفز الكفاءات.
أجناد البوليس في شرق أفريقيا ويسمون «أسكري».
دخلنا المياه البرتغالية «شرق أفريقيا البرتغالية» بعد يوم، ومررت بثغر بورت أميليا، وفي يوم آخَر رسونا على موزمبيق فهاجمنا الباعة بأقفاصهم الصغيرة ملئت بالطيور الجميلة والببغاوات والقردة، يعرضونها للبيع بقيم زهيدة جدًّا — فدستة الطيور بأربعة قروش، والقرد بخمسة، وكذلك الطاووس أو الببغاء — والبلدة على جزيرة صغيرة تشرف عليها القلعة التي يفاخر البرتغاليون بأن علمهم ظل مرفوعًا عليها منذ فتحوها سنة ????، أما مساكنها فكأنها السجون الوطيئة بأبوابها الحديدية الثقيلة وطلائها الأبيض، ويلفت النظر السيدات بوجوههن القبيحة، وقد زدنها قبحًا بأنهن يلطخن كل الوجه ما عدا الأنف بعجين أبيض ثقيل، ويرتدين ملاءات من أسفل الثديين إلى القدمين، أما أعلى الجسد فيُترَك عاريًا.
البانتو يأكلون «الميليبابا» من مدشوش الذرة ونثير اللحم.
قمنا إلى بيرا فوصلناها بعد يوم، وعندما قاربناها تعكَّرَ ماء المحيط، فحاكى ماء النيل إبَّان الفيضان؛ وذلك من أثر نهر الزمبيزي رغم أن البلدة تبعد عن مصبه بنحو مائة ميل.
وبيوت البلدة منثورة في غير نظام، والناس ظهروا أكثر همجية وكثرت المستنقعات؛ لذلك كان البعوض منتشرًا، وخطر الملاريا هناك كبير لذلك يكسون البيوت بشباك السلك الدقيق، وكثيرًا ما كنا نرى الناس يتناولون طعامهم على قارعة الطريق، وأحبه لديهم «الميليبابا» وهو من مدشوش الذرة والأرز المسلوق ونثير السمك النيِّئ، والبلدة تُعَدُّ ذات حركة تجارية عظمى؛ لأنها منفذ متاجر رودسيا وما فيها من ذهب كثير، ثم مررنا بسوفالا ويعدونها الفاصل بين الأثر العربي شمالًا والأوروبي جنوبًا، وبعدها رسونا على لورنزر ماركوز عاصمة شرق أفريقيا البرتغالية، فأدهشني ما رأيته من تنسيق ونظافة وفخامة في البناء وعناية بالمتنزهات وكرنيش البحر، وهنا اختفى أثر الإسلام تمامًا؛ إذ كنَّا نرى المساجد من قبلُ في كل مكان، أما هنا فالسود يحملون أناجيلهم ويعلِّقون صلبانهم على صدورهم، ويؤمون الكنائس بكثرة هائلة، وفي يوم كامل دخلنا بلاد الناتال ورست الباخرة على ثغر دربان، فبدت مدينة أوروبية فاخرة على أن الأجناس كانت متعددة؛ الهنود والملايو والزولو الذي يزعجك منظره وهو يلبس إطارًا من ريش هائل، وعلى رأسه قرون كبيرة، ويتقدَّم إليك «بالركشا» لتركبها ويجرها ويجري بها كالبرق، وكأنه دابة تجر عربة صغيرة، ولعل أعجب السحن: البشمن الذين كانوا يشتغلون في الميناء، وكان العرب يسمونهم شعوب «واق الواق»، قصار القامات ووجوههم مثلثة وحواجبهم بارزة، وسيقانهم نحيلة كالعصي وآذانهم لا شحمة لها، ولغتهم مؤلَّفة من ?? كلمة فقط، وتتعدد معانيها بتعدد التهتهة والحركات، فهي أقرب اللغات إلى لغة الحيوان. وسادة البلاد هم الهولنديون والإنجليز، وقد اختلطوا اليوم وأُطلِق على سلائلهم اسم «أفريكاندر»، وفيهم ترى أثر الهولندي أغلب، وهم اليوم أقرب إلى الهمجية. وللبلاد لغتان رسميتان: الإنجليزية والتالية Taal وهي لهجة هولندية، ويطلق على الناس اليوم اسم البوير، وأعجب ما هناك ما تراه من سوء معاملة البيض للسود الذين يمثِّلون أغلبية البلاد، فلهم مطاعمهم ومدارسهم الخاصة، ولا يباح لهم دخول الوظائف، وقد خصوا بأعمال الخدم، ورغم ذلك فإن الحكومة تتقاضى جنيهًا على الرجل ونصف جنيه على الزوجة ضريبةَ كل عام، والبيض لا يخاطبونهم إلا بنغمة الآمِر وبلفظ «كافر» المزري المهين. سائق الركشا من الزولو في ناتال.
أعددت عدتي للنزول في البلدة، وإذا بالبوليس يتقدم إليَّ ويفاجئني بأمر منعي من النزول، وأصر أن أظل فوق الباخرة حتى تطوف بي رأس الرجاء الصالح وتعود من الأطلنطيق إلى لندن، قلت: ولكن أَلَا يصح أن أعرف السبب؟ قالوا: تلك هي الأوامر عندنا. قلت: ولكني لا أريد الذهاب إلى لندن، فلأنزل هنا مؤقتًا حتى تعود الباخرة فأعود من حيث أتيت. قالوا: لا يكون ذلك. فقلت: ولكني لن أفعل ذلك، وإني مُصِرٌّ على رأيي. وبعد مشادة دامت يومين كان البوليس يقف على غرفتي ليمنعني من النزول، قالوا: يمكن أن ننزل في المعسكر حتى تجيء الباخرة الأخرى، وبعد أن أخذت المواثيق بأني سأُعامَل كطليق لا كسجين، نزلت وإذا بي أُزَجُّ في سجن قذر، ونمت على «الأسفلت» ثلاث ليالٍ، وكنت أدفع عن كل يوم جنيهًا كاملًا، وقد علمت أن سبب تلك المعاملة السيئة هي لأني مصري، والمصريون معتبرون من الملوَّنين Coloured وهؤلاء لا يسوون في المعاملة بالأوربيين، وتلك لا شك إهانة لا يصح السكوت عليها، إلى ذلك فإن الضابط الذي تولَّى أمري هناك ناقم على مصر شخصيًّا؛ لأنه كان هنا إبَّان حركة سنة ????، وقد أضحى اسمه «هلاول» أبغض الأسماء لديَّ. ولقد كتبت كثيرًا من الاحتجاجات عند عودتي لمصر لرؤساء حكومتهم ولكبريات جرائدهم، وقد ردوا يعتذرون عما حدث ويقولون بأن تلك مسألة تحتمها قوانينهم.
ركبت باخرة ألمانية وحاولت النزول في عدة ثغور، ولكن كلما علم رجال البوليس بأني مُنِعت من دخول جنوب أفريقيا رفضوا دخولي عندهم، وخشيت أن تضيع الرحلة سدى، لكن لما أن رسونا في ممباسا أقنعت رئيس البوليس بأن المنع بُنِي على أسباب شكلية، وكان الرجل حر الفكر فقال: أأنت مستعد أن تدفع تأمينًا لنا؟ قلت: نعم. قال: هات خمسين جنيهًا. فدفعتها في الحال ونزلت البلاد وركبت القطار إلى كنيا قلب أفريقيا، ولم يصادفني هذا اليوم إلا قطار بضاعة فركبته، وسار بنا وسط جنة ساحرة من الغابات الكثيفة المغلقة مسافة ?? ميلًا، ثم أخذنا بعدها نعلو فوق هضبة البحيرات، وكنا كلما علونا ندر النبت، ولما أن وصلنا سطح الهضبة تغيَّرَ المنظر وأصبحنا نسير وسط أرض شبه مجدبة لا يكسوها إلا الكلأ اليابس، ولا يكاد يسكنها من الناس أحد، أما الجو فكان باردًا رغم أنَّا كنَّا قريبين من خط الاستواء؛ وذلك لأن الارتفاع هناك زاد على خمسة آلاف قدم.
وقد مررنا على قمة كلمانجاور أعلى ذرى أفريقيا «????? قدم»، وكانت تُرَى على بُعْدٍ إلى يسارنا تكسوها الغابات ويتوجها الجليد، هنا راعتنا جموع الحيوان البري على اختلاف أنواعه في كثرة غير عادية من زراف ونعام وحمار وحش وهارتبيست وويلد بيست، كلها تمرح في مأمن من غوائل الصيادين، وحتى السبع والشيتا والفهد؛ ذلك لأن الحكومة خصَّصَتْ تلك المساحات الشاسعة لحماية الحيوان، وجعلتها لها حرمًا وكأن الحيوان قد علم ذلك. وكان شريط سكة الحديد هو الحد الفاصل بين الصيد المباح إلى اليمين والمحرم إلى اليسار، فكان الحيوان إذا ما قاربناه يسرع من اليمين ويخطي القضبان، ثم يقف إلى يسارنا وينظر إلينا في اطمئنان، وقد داهَمَ قطارنا مرةً زرافة وهي تخطي أمامه فهشمها وتعطَّلَ قليلًا. بعد ?? ساعة وصلنا نيروبي عاصمة كينا، وتقوم وسط وهدة علوها ????، ومن حولها المرتفعات، وقد كان البرد في الليل قارسًا حتى إني رجوت صاحب النزل أن يزودني ببطانية إضافية، أما في النهار فالجو لطيف إلا إذا ظهرت الشمس حين يكون شعاعها قويًّا كالسهم المنصب على الرءوس. هنا كانت تُكسَى جل المرتفعات بمنابت البن بشجره القصير، يستظل بأشجار يسمونها Wattle يتخذون من قشورها أصباغًا مختلفة، والناس هناك من قبيلتين: الكيكويو والمساي يلبسون إزارًا من جلد لا يكاد يستر شيئًا من الجسد، ويزينون الأذرع والسيقان بأطواق من نحاس، وتتدلى من آذانهم حلقات معدنية تفوق في الأذن الواحدة العشرين في وزن كبير، ولذلك تجد خروق الأذن واسعة وشحمتها مشدودة إلى أسفل بشكل يشعر بأنهم يتألمون لذلك كثيرًا، ولكي يخفِّفوا من عبء تلك الأثقال يربطون الأذنين بشريط يمر من فوق الرأس. الهوتنتوت.
والبشمن.
والعجيب أن الرجال يفعلون ذلك أيضًا، والنساء يحلقن رءوسهن بالموسى، ويحملون جعبًا بها غذاؤهم، وكانوا يقدِّمون إليَّ منه وجله من التابيوكا كالبطاطا الكبيرة، يأكلونها نيئة وأخصاصهم منثورة وسط الغابات، وكانوا ينفرون من الفوتوغرافية خوفًا من أثر السحر، وكلما أعوزهم الزرع لجئوا إلى مساحة من الغابات، فأتلفوها وأحرقوها لكي يزرعوا التبيوكا مكانها. والمساي يعدون أنفسهم سادة أفريقيا كلها، وهم نذير الفزع للغير، فنظامهم العسكري دقيق وشبانهم يُمنَعون من الزواج حتى يمضوا مدة العسكرية، ولا يعدون شجعانًا إلا إذا خضبوا حرابهم بدماء الغير مرارًا، وهم رعاة متنقلون، وقد كان دليلي في نيروبي من المساي، وقد صادَفَ مرة وهو يمشي معي جمجمة، فعرف أنها لمساي مثله لنقص السِّنَّيْنِ الأماميتين فيها، فرفعها باحترام وعمد إلى العشب وبصق عليه وحَشَا تجويفها، وقد دهشت لما أن لاقاه صديق بدره بالبصق في وجهه، وتلك تحيتهم بعضهم لبعض. ولمقاومة الحكومة لنظامهم نزعوا إلى الخمول، وهم يترفعون عن المصاهرة مع الكيكويو رغم تشجيع الحكومة لذلك، ولهم شهرة في صيد السباع، ولا يُحترَم الشاب إلا إذا صارَعَ ثورًا، والعادة أنهم يجيعون الثور، ثم يسقونه الخمر فينازله الغلام ويلقيه أرضًا ويسلخه حيًّا، ثم يمزِّق جلده شرائح يلبسها الشاب تفاخرًا، وهم يقدسون البقر ولا يذبحونه، ويأكلون اللبن ممزوجًا بالدم، ولهم طريقة مدهشة في الحصول على الدم طازجًا دون أن يموت الحيوان، فيعمدون إلى وريد يضربونه بسهم فينفجر الدم ويستمدون منه القدر اللازم، ثم يضمد الجرح.
قمنا إلى الأخدود الأعظم Rift-Valley فأخذ القطار يعلو وسط منحدرات البن، وقد ارتفعنا ???? قدم في ?? ميلًا؛ لذلك كانت القاطرة ذات محركين، وكانت السكة ملتوية ليات متعاقبة. ومررنا بمحطة كيكويو «على اسم القبائل السابقة»، ثم محطة Upland على علو ???? قدم، وهي أعلى بقاع الخط، ثم بدأنا النزول عاجلًا، وهنا باغتنا منظر الأخدود الذي أذهلنا جميعًا لروعته، وكان قاطنوه جميعًا من همج الحيوان والإنسان، وكنا نرى مخاريط البراكين تمتد إلى الآفاق ومن دونها سلاسل من بحيرات لا نهائية. ينزل بنا القطار إلى قرار الأخدود الأعظم.
استرحنا يومًا كاملًا على شواطئ بحيرة ناكورو «???? قدم» في قرار الأخدود، وفي الصباح أخذنا نعلو جانب الأخدود الأيسر، فكان أقل روعة وأندر سكانًا، وقد عبر القطار ?? قنطرة، وهنا عبر القطار خط الاستواء ثلاث مرات في أقل من نصف ساعة لكثرة لياته، ثم هبطنا ???? قدم إلى سهول فيكتوريا نيانزا التي كان بريق مائها يخطف الأبصار على بُعْد.
على حافة شلال ريبون منبع النيل.
انتهى بنا القطار إلى مدينة كيسومو الصغيرة، وهي مرسى هام من مراسي البحيرة، أمضينا بها يومًا وسط قبائل «الكافرندو» الذين يلبسون جلاليب القطن البيضاء لكثرة زراعته حولهم، وفي الغداة قامت بنا الباخرة تشق مياه فكتوريا نيانزا وتمر بجزائرها العديدة، هنا وأنا أمتع النظر بجمال مناظرها وبخاصة مغرب الشمس بألوانه الساحرة، تحقَّق حلم طالما مرَّ بالخاطر فخلته خيالًا، وهو أن أرى تلك البحيرة التي منها نستمد حياتنا. وصلنا مرسى بورت بل ثغر كامپالا التي وصلناها بقطار صغير سار بنا وسط أعشاب البردي والبشنين والغاب، والبلدة تقوم على سبعة تلال، تفصل ما بينها وديان تسدها الغابات الكثيفة، ومن التلال التي استرعت نظري تل كاسوبي، وبه مدافن ملوك أوغندا الأقدمين: موتيزا وابنه موانجا والد الملك الحالي، زرتها في مقاصيرها المخروطية من الغاب في جدل جميل، وكانت تعلق الأسلحة وجلود السباع فوقها، وكان موتيزا طاغية جبَّارًا له ??? زوجة و??? ولدًا، ويوم وفاته قُدِّم على قبره خمسمائة من الضحايا الآدمية، وأمام المقابر تقوم طبول عالية يدقها رئيس الجلادين إرهابًا، وكان من قبلُ يدقها عند تقديم الذبائح البشرية ويسمونه «موجا جازو» أي الطبل الأعظم، ثم تل منجو مقر الحكومة وقصر الملك حوله سور من الغاب، وقد رأيت عند مدخله نارًا قيل إنها لا تخمد أبدًا إلا يوم يموت الملك، وكانت تذكيها الذبائح الآدمية منذ خمسين عامًا، وإلى جوارها طبول تدق في صوت مزعج إعلانًا بوجود الملك داخل القصر، هناك في جانب من القصر مكان الساحرة «مووا موزا»، وهي عجوز يعتقد الجميع في سحرها، وهي التي تأمر بالقتل وشن الحروب، ولخطرها استرضتها الحكومة وأحلتها قصرًا وتكفَّلَتْ لها بالرواتب الضخمة اتقاءً لشرها.
على شواطئ بحيرة فكتوريا نيانزا.
قمت بالسيارة إلى عنتبة العاصمة السياسية وكامپالا العاصمة التجارية، فكانت المناظر مؤيدة ما قيل عن أوغندة من أنها لؤلؤة أفريقية: ربى محدبة بينها وديان تسدها الخضرة وتفاجئك المياه على غير انتظار، وعنتبة بلد حديث منسق أيما تنسيق، وزرنا بها أكبر حدائق النبات في الدنيا، وفي ساعتين عدنا إلى كامپالا فكانت إقامتي بها أشبه شيء بحلم؛ لأني كنت أعيش وسط الغابات بطيورها الجميلة وحيوانها المتسلق، وحدث مرة أني حدت عن الطرق المرصوفة ودخلت غابة اختصارًا للطريق، وما أشعر إلا وأنا في تيه من الشجر المغلق لا أول له ولا آخِر، وكان ذلك عند العصر، فحاولت الرجوع فلم أهتدِ، ولبثت ضالًّا وسط الغابة حتى الصباح، وأنا كلما سمعت حفيفًا أو حركة جلست في مكاني، وكنت إخال وحوش الغابة وأفاعيها لا شك ستلتهمني لكن الله سلَّمَ، وحدث أن كنتُ قريبًا من طريق مرَّتْ به سيارة وما كدت أسمع نفيرها حتى أخذت أعدو إلى مصدر الصوت، وبعد نحو مائتي متر كنت وسط طريق مرصوف يتلوى وسط تلك الغابات، فسلكته عائدًا إلى النزل. والليل في تلك البلاد موحش جدًّا، فبمجرد غروب الشمس يشتد الظلام — شأن البلاد القريبة من خط الاستواء التي لا يطول فيها الشفق — وكنت أخرج لأمشي قليلًا بعد العشاء فأشعر بالوحشة وحدي، وأذكر أول ليلة وأنا أسير وسط ذاك الظلام الحالك أنني كنتُ أرى على كومة من تراب بصيصَ نورٍ يومض وينطفئ، فاقتربت منه وما إن طأطأت الرأس إليه حتى هبت منه عاصفة من ذباب صغير أزعجني، وعلمت بعدُ أنه نوع من اليراع fire fly يضيء ويخبو طوال الليل، وهو بكثرة عجيبة. النيل بعد خروجه من بحيرة فكتوريا.
رغبت في أن أحقِّق حلمًا آخَر هو أن أرى جبال القمر «الرونزوري»، فقمت بالسيارة ست ساعات ووصلت بلدة فورت بورتال، وبت ليلتي في كوخ خشبي؛ إذ ليس بالبلدة مكان للراحة، وفي باكورة الصباح حاولت تسلُّق ذلك الجبل فأعجزني من نواحٍ عدة: صخوره وعرة جدًّا، والغابات تسده سدًّا، والسحاب يكاد يغطيه، والمطر منهمر في كثرة لا تطاق فعدتُ أدراجي، وقد كلَّفَني ذلك وحده فوق عشرين جنيهًا.
قمت بالقطار إلى جنجا نشق الغابات ومزارع الموز والتبيوكا، وكان مجرى النيل يظهر وهو يتلوى ويتحدر وسط جنادل لا حصر لها، وعبرنا النهر أمام شلال ريبون تمامًا، وبعد أن حللت فندق Ibis الصغير الجميل أسرعت إلى الشلال منفذ نيلنا المبارك، وهناك جلسنا إلى جواره وسط رشاشه الذي كاد يغرقني وحافة الماء ناعمة ودويه يصم الآذان، وكان السمك يحاول أن يعود إلى البحيرة فيغالب الماء ويقفز قفزات في الهواء عالية، جلسة ساحرة ومنظر جدير بالتقدير لا تمحو أثره السنون. التمساح لوتمبي يلبي النداء.
وعند الأصيل كنا نرى التماسيح تمرح على الشواطئ، وكثيرًا ما تودي بحياة الناس، وفي ناحية بين كامبالا وجنجا مكان به تمساح مفترس اسمه «لوتمبي» زرته ووقف الحرَّاس ينادونه بأصوات منكرة «ياد يا لوتمبي يا نجوكو»، فسمع النداء وأقبل يشق الماء، ثم زحف على الشاطئ وأخذنا نلقنه السمك، ثم تركنا وعاد إلى موطنه، ويقولون إنه حارس البحيرة منذ مائتي سنة، وهو مقدَّس لديهم جميعًا، وكثيرًا ما يحج الناس إليه ويقدِّمون له الهدايا، والعجيب أنه لا يجيب إلا نداء هذين الرجلين.

النيل من منبعه إلى مصبه


أقلني القطار من جنجا إلى ناما سجالي في أربع ساعات لم يقف القطار خلالها إلا أربع مرات؛ لأن الإقليم موحش يكاد يخلو من السكان، وحتى ناما سجالي نفسها لا تعدو قرية حقيرة، منها ركبت الباخرة Grant التي أخذت تشق مياه بحيرة كيوجا الآسنة كثيرة العشب، وكم من مرة كانت روافع الباخرة تلتقط منه كتلًا كبيرة تلقي بها إلى الجوانب، وكانت كلما قاربت مرسى تقف وسط الماء وترسل منها زورقًا يتصل بالشاطئ، والإقليم الذي كان يقع إلى شرقنا موبوء بمرض النوم أكبر آفات أوغندا والسودان الأعلى. رسونا في ثغر ماسندي، ومنه قمنا بالسيارة إلى مدينة ماسندي نشق غابات غصت بدجاج غينا ودجاج الوادي البديع، وهناك حللت فندق السكة الحديد الذي أُعِّدَ لاستقبال النزلاء القلائل الذين يمرون بالمنطقة، وأجره جنيه في اليوم. هنا طفت بأرجاء تلك القرية وكانت جل الأعمال في أيدي الهنود الذين بدأت إنجلترا تشعر بأنهم أصبحوا عبئًا سياسيًّا واقتصاديًّا يجب التخلُّص منه؛ ولذلك شرعت في «توفيرهم تدريجًا»، والناس هناك يحكمهم الإنجليز بوساطة زعمائهم الذين تدفع لهم مرتبات ضخمة مقابل إخضاعهم لبني جلدتهم وتنفيذ ما يرغبه الإنجليز منهم، ويرى الإنجليز أن تلك الطريقة ناجحة ويجب تطبيقها على سائر بلاد أفريقيا الهمجية. أما التعليم فأمره موكول للهيئات الدينية وجماعات التبشير. قمنا بالسيارة صوب بيوتيابا فوصلناها في ساعتين، وجل الأراضي هناك مزارع لنزلاء الإنجليز نشروا فيها شجيرات البن وأقاموا وسطها بيوتهم الصغيرة، وكم كنت أعجب لاغتباط الواحد منهم بتلك المعيشة رغم ما يحوطها من عزلة ووحشة. أخيرًا أخذنا نهوي إلى منخفض الأخدود الألبرتي الذي بدا رائعًا ساحرًا، ويعد البعض ذاك الطريق أجمل طرق الدنيا لتنوُّع مناظره وتعدُّد حيوانه، وبخاصة الفيلة والقردة التي لم تغِبْ عن العين لحظة واحدة.
وتلك خير مناطق الفيلة في العالم، وهي تُعَدُّ حرمًا للحيوان اليوم، وإن أبيح صيد الفيل خارجها مقابل رخصة للفيل الواحد أجرها عشرون جنيهًا، ولما كان ثمن قنطار العاج قد نزل إلى ?? جنيهًا اليوم، زهد الناس في طلب الترخيص لهم بالصيد. خللنا بيوتيابا على مدرجات البحيرة ومنها قمنا بالباخرة نشق مياه ألبرت، وكنا نرى شاطئها الغربي على بُعْدٍ وراءه جبال الكنغو، وقد رسونا على ثغر محاجي من بلاد الكنغو البلجيكية، وبعدها بقليل دخلنا مأزقًا أضيق من ثلث نيلنا وهو أول بحر الجبل، وقد أخذت أعشاب السدود تظهر طافية وسط الماء، وأفراس الماء تبدو في أعداد لا حصر لها. وفي بلدة بكواش على الضفة اليسرى غيَّرنا الباخرة لتناسب صغر المجرى، وأول ما يسترعي نظر السائح هناك، الناس الذين يسيرون عراة، يضع النساء عقدًا من خرز حول الخصر تتدلى أمامه حزمة من عشب أو شبكة من سلك لتغطي العورة، ومن ورائها يعلق شريط من جلد يبدو وكأنه الذنب، ولما أن خيَّمَ الظلام هاجمتنا سحائب البعوض رغم أنَّا كنَّا نحاط بشباك السلك، فاضطررنا إلى إطفاء المصابيح جميعها ولم نتَّقِ شرَّه إلا بالنوم.
أمام مدفن موتيزا طاغية أوغندة.
أقزام غابات الكنغو خلف بحيرة ألبرت.
وصلنا ثغرًا صغيرًا اسمه موتير عنده يختنق النهر، ولذلك اختاره المهندسون أن يكون موضع سد ألبرت المزمع إنشاؤه، وهنا كان حصن أمين باشا يوم حل المكان مع الجنود المصريين، وقد زرت أطلال مدافن جنودنا البواسل على ربوة قريبة من النهر، والأهلون هنا معتزون بعصبيتهم وبأنهم من سلالة عربية، وهم مسلمون ويسمون «النوبة»، وفي وجوههم بعض المسحة المصرية مشوبة بالجمال العربي، ويلبسون نطاقًا من جلد حول الخصر له أهداب طويلة تصل إلى منتصف الفخذين. قمنا إلى رينوكامب وكنت إخالها غنية بالخرتيت لكني علمت أن المنطقة لا تزال أغنى بلاد الأرض بحيوان الخرتيت، وقد كانت مركز صيده وبيعه، ولكن ذلك قد حُرِّم بتاتًا اليوم؛ لأن الحيوان يوشك أن ينقرض، وقد هاجمنا جموع العراة من السود وكأنهم وجدوا بعض الأنس في لقائنا، هذا إلى النزلاء الإنجليز الذين كانوا يفدون على الباخرة ليتزوَّدوا منها ببعض المشروبات وليضبطوا ساعاتهم، ولا تمر الباخرة بهم إلا كل خمسة عشر يومًا، وهم منقطعون عن العالم الخارجي، وكانوا يتحدثون إلينا عن المتاع الذي يحسونه وهم يعيشون في تلك العزلة النائية، وليس حولهم إلا همج الإنسان وكاسر الحيوان، أليست هذه هي البطولة بعينها، تلك التي رفعت الإنجليز مكانًا عليًّا بين شعوب الأرض.
السودان المصري

وصلنا حدود السودان عند مرسى نمولي الصغير ومنها ركبنا سيارة البريد التي تقوم مرة كل أسبوعين إلى جوبا، وتقطع المسافة في خمس ساعات، وأَجْر الراكب ثمانية جنيهات يضاف إليها أربعة ملليمات عن كل رطل من المتاع وذلك أجر كبير جدًّا، ويعزى ذلك إلى قلة المسافرين في تلك الناحية ولم يكن معي أحد يومذاك. أخذنا نصعد ربى تشقها طرق ملتوية، ثم هوينا إلى منخفضات شاسعة تربتها سمراء بالغة الخصب يكسوها العشب البري الكبير، هنا صاح السائق قائلًا — وكان سوريًّا — أين الفلاح المصري الذي يضرب تلك الأرض فتدر ذهبًا صافيًا. ولقد مررنا في طريقنا على مقصورة الطبيب السوري الذي يشرف على تلك المجاهل، وقد أكرم وفادتنا وأخذ يترحم على الماضي يوم كان جيش المصريين وموظفوهم يجوبون تلك الأصقاع ويؤنسون من وحشتها. ودَّعته وعبرت نهر أسوا وواصلت السير إلى جوبا وهي محلة جديدة صغيرة اتخذت بدل الرجاف لتكون مبدأ قيام البواخر السودانية مرة كل أسبوعين، ومتاجر البلدة بأيدي طائفة من الإغريق، أما الهنود فقد اختفوا تمامًا. ويلي الإغريق في الكثرة هناك السوريون، ثم السودانيون، وأقلهم المصريون، لكن رغم ذلك شعرت لأول مرة في رحلتي بأني في وطني أحس إحساس القوم وأتكلم لغتهم، وقد أمضيت يومًا كنت خلاله موضع حب الجميع وإخلاصهم، يتهافتون عليَّ ويتحدثون في شيء من الحسرة عن مصر وعلاقتها بالسودان، ويطمحون إلى عودة الحال لما كانت عليه، فقد أمَضَّهم الضيق المالي وأعوزتهم اليد العاملة والسخاء المصري.
السباع تأكل لحوم الوحوش في كينيا.
قامت الباخرة في الغداة تتابع مجرى النيل وهي مركبة من باخرة للدرجة الأولى، تدفع أمامها باخرة أصغر منها للدرجة الثانية، بجانبها صندلان للدرجة الثالثة ولنقل البضائع وخشب الوقود والروافع. أخذت تلك الباخرة — بل ذاك الأسطول — يمخر عباب الماء العكر المضطرب ومررنا بغندكرو من محاط جنودنا القديمة، ثم منجلا التي كان لها شأن كبير على عهد المصريين فحط الإنجليز من شأنها، وكنا نرى مباني الحكومة المصرية هناك تهدم لتحمل أنقاضها إلى مكان آخَر، وتلك سنة تجري عليها إنجلترا، فهي تحاول محو المعالم المصرية وبخاصة في البلاد التي كان يسودها الجو المصري، وكنا نرى الأهلين من عراة عمالقة السود من قبائل الباري، وقد أقبل الكثير يعرضون علينا مأكولاتهم للبيع وبخاصة فاكهة القشطة والپوپوز، وكانوا يعرضون الواحدة بمليم، والدجاجة بقرش، والشاة الحامل بسبعة قروش، ولبثنا نسير ساعات ولا نصادف من القرى أو الأهلين نفرًا، وبين آونة وأخرى كنا نقف لنلتقط قسيسًا أو لنلقى براهب من الإفرنج ينزل وسط تلك الأعشاب والأوحال والبراري، ولهم امتياز الركوب بربع أجر، وتقف من أجلهم الباخرة أنَّى شاءوا، وهم الذين بيدهم التعليم والتبشير كله، أما الدعاية الإسلامية فتُعاكَس كل المعاكسة، وتلك فكرة سياسية ترمي بها إنجلترا إلى إتمام فصل السودان الشمالي العربي الإسلامي عن السودان الجنوبي الوثني، وحتى السودانيون أبناء البلاد لا يباح لهم السفر من الجنوب إلى الشمال أو العكس إلا بترخيص، وذلك لكيلا يهيئوا الفرصة لتقابل الفريقين، وهم يشيعون أن السودان الجنوبي من نصف الجزيرة سيُضَم إلى شرق أفريقيا، وستكون حكومته شبيهة بحكومة اتحاد جنوب أفريقيا، ولشد ما كان ألمي من أسلافنا المصريين الذين حلوا تلك البلاد ولم يحاولوا تمصيرها من أية ناحية، وقد كان ذلك سهلًا لو عنوا بأمر نشر الدين الإسلامي والاختلاط مع الزنوج البسطاء، وعدم الترفع عنهم كما كانت حالهم إذ ذاك، ونقل عائلاتهم وأقربائهم من مصر إلى السودان واشتغالهم بالتجارة، أو بتملُّك أرض المرعى والزراعة، فقَلَّ أن تجد منهم مَن حذا حذو الإنجليز في امتلاك الأرض وحتى خدمة الناحية العلمية والدعاية لمصر، بوضع مؤلَّفات تبحث المناطق التي كانوا يحلونها، فلا يكاد الإنجليزي يقيم هناك سنة أو اثنتين إلا ويكتب مؤلَّفًا مفصلًا عما رأى ودرس من تلك البلاد، وهو يخدم في كتابته الناحية الإنجليزية ويغفل المصرية أو يحط من شأنها ويجرحها عامدًا، وقد قرأت من مكتبة الباخرة فوق خمسة عشر مجلدًا من مؤلَّفات ضبَّاطهم الذين نزلوا السودان وأقاموا فيه حينًا.
الخرتيت عند رينوكامب وقد أصبح نادر الوجود.
السود يصيدون فرس الماء بالحراب ليأكلوا لحمه.
وصلنا بور بعد ?? ساعة، وهي مركز كبير هام، وهناك استقبلنا المأمور السوداني وكان من قبلُ مصريًّا، وقد أقالت الحكومة المآمير المصريين واستبدلت بهم سودانيين في المراكز الجنوبية، أما في الشمالية فالمفتش الإنجليزي هو الذي يقوم بعمل المأمور اليوم، وقد آتوا ذلك بحجة الاقتصاد في المرتبات. هنا لاقينا كثيرًا من الأهلين من شعوب الدنقة وهم مشهورون بجمال سحنهم وإن لم أَرَ من ذلك شيئًا، ومقياس الثروة لديهم كثرة الأبقار وكثرة البنات؛ لأن مهر الفتاة ?? بقرة، والعجيب أنهم يدفعون جزءًا من المهر ويرجأ الباقي حتى يُولَد طفل، وإلا طُلِّق الزوج ورُدَّ إليه ما دفع.
صيد الفيل بالحراب.
وإذا أسنَّ الزوج فله أن يزوِّج امرأته لابنه خشية أن تطلب الطلاق، وعندئذٍ يخسر الرجل المهر الذي دفعه، وبيوتهم في بور أخصاص جميلة حولها أسوار من غاب.
واصلنا سيرنا وسط الأعشاب اللانهائية حتى رسونا على غابة شامبي، وكانت البلدة تغمر بماء الفيض، فكنا نخوض في أرضها وكان الناس يصيدون بعض السمك من المناقع المنتشرة في جوانبها، وقد لفت نظري بعض الزنوج القصار ذوي الأسنان المسننة التي يبردونها منذ الصغر، وكان فتيانهم يرقصون رقصًا بديعًا دونه رقص الشارلستون في سرعة وخفة، وهؤلاء من النيام نيام الذين يؤمون غابة شامبي كثيرًا، وهناك طريق هام تجاري يؤدي إلى بلادهم في بحر الغزال.
بدأنا نوغل في ليات متعاقبة لا تدخل تحت حصر حولها العشب الكثيف، وكانت السفينة تضرب في العشب بقوة متعمدة لتفسح لها طريقًا بين تلك الليات، وبعض تلك الصدمات كانت تنخلع لها قلوبنا، وكم صدمنا من التماسيح وأفراس الماء، وطالما عطل العشب سير السفينة فنزل البحَّارة وسلَّطوا عليه روافعهم حتى ينتشلوا منه كتلًا يلقون بها إلى الجوانب ويفسحون لنا الطريق، ويا لفزع القوم إذا ما لاحظوا اقتراب كتلة من تلك السدود، فهم يعجلون بتجنبها خشية أن تضغط الباخرة إلى أعشاب شواطئ فتحطمها. وقد كنت إخال ذلك العشب غير متماسك وبخاصة البردي الذي يزيد علوه على أربعة أمتار، وكنت أتعلق أنا وبعض رفقاء الباخرة بأعواده ونحاول اقتلاع شيء منها مستعينين بقوة دفع الباخرة فلم نستطع. لبثنا أربعة أيام كاملة نعاني السير ليلًا ونهارًا وسط سدود تلك المنطقة التي قدرت مساحتها بأربعة أمثال الأراضي المنزرعة في مصر.
وكانت وحشة المكان مفزعة خصوصًا في الليل عندما يخيم بعوض الملاريا وذباب تسي تسي الذي ينشر مرض النوم، ولا يزال يفتك بالكثير حتى كادت تصبح المنطقة خلوًّا من السكان، فإذا أصيب الرجل تورَّمَتْ غدد الرقبة وشعر بصداع وحمى، ثم بكآبة وتثاقل فضعف فذهول، وبعد عامين على الأكثر يموت. أخيرًا بدت فتحة في النهر إلى يسارنا فقيل لنا هي بحيرة نو، وعندها وفد إلينا كثير من قبائل النوير الذين يبالغون في تجريح وجوههم وجسومهم، ويخال البعض أنهم من سلالة الجنس الأبيض، ويغلب أن يحملوا في أفواههم غلايين الطباق الممزوج بالروث والعشب، وبعدها انفسح المجرى وقل العشب، وبعد أن جزنا السوباط الهادئ إلى يميننا تغيَّرَ لون ماء النهر وقلَّتْ أعشابه الطافية، وكانت تبدو القرى منثورة على جانبي النهر وأخصاصها جميلة منسقة، وأهلها من عمالقة السود وهم الشلوك أعجب شعوب أفريقيا، وأول ما استرعى نظرنا شعرهم الذي أُعِدَّ في أشكال هندسية عجيبة ومنوعة، وهم يستخدمون في طلائه معجونًا من الروث، ومن أعجب عاداتهم أن كل شاب لا يصبح جنديًّا مقاتلًا إلا إذا جاز الامتحان، وذلك بأن تمسكه خليلته عند ضفة النهر في محفل كبير، ويهجم عليه كبير السحر ويشق جبهته بسكين فيسيل الدم إلى النهر، ثم يضمد الجرح ولا يصح أن يتأوَّه أبدًا، وكثيرًا ما يموت الشاب خلال ذلك الاختبار الوحشي، وبعد نجاحه هذا يصبح مساهمًا في أبقار القبيلة ويرقص مع فتياتها، وكان كثير منهم يشيرون إلى مكان الجرح في جباههم فخورين، وطعامهم مزيج من الذرة والفول السوداني ونثير السمك النيئ، ولا يسير الواحد إلا وبيده الحراب الطويلة، وكان الواحد كلما رأى ريشة في الأرض أو ما شابهها تناولها ورشقها في رأسه ليتزين بها، ويغلب أن يقف الرجل منهم على رجل واحدة. ثم مررنا بخرائب مدينة التوفيقية التي أغفلوها لأنها مصرية، وأقاموا بدلها الملاكال، هنا تجلت مباني الري المصري في أبهة وإسراف كبير، وجل نزلائها من السادة الإنجليز، وقد كان الكثير من رفقائي من المهندسين المصريين يعترفون لي بأن الأبحاث التي يقوم بها الري هناك لم تكد تنتج إلى اليوم شيئًا، وهي لا تبرِّر أبدًا النفقات الباهظة التي تُصرَف على ذلك كل عام، وفي جنوب الخرطوم رأيناهم ينشئون مستعمرة للري المصري، ويقيمون المراسي زُوِّدت بالروافع والأبنية الشامخة، وبمكان لإصلاح السفن، ولما سألت عن قطع أسطول الري هناك ضحك المهندسون وسخروا، ويظهر أنها فكرة حربية تدخر للمستقبل، ولما حاولت الدخول مُنِعْتُ؛ لأنه لا يباح ذلك إلا لمَن يصرِّح له الرئيس الإنجليزي.
انفسح اتساع النيل الأبيض فجاوز كيلومترين، ومن البلاد التي مررنا بها جبل أحمد أغا على اسم تركي يذكر الناس له فضل استئصال الضباع من تلك الجهة؛ وذلك لأنه لما رآها كثيرة دَسَّ السم لبعضها فماتت، ثم ألقى جثتها للضباع فأكلتها فماتت. بعد ذلك دخلنا أرض السودان الشمالي الذي لا يتمتع موظفوه بامتياز الجنوب، وهو إضافة ثلث مدة الخدمة للموظف، وتناوله بدل مناخ واغتراب، وهنا بدأت سقوف البيوت تتغيَّر، فبعد أن كانت منحدرة أضحت مسطحة، وعند كوستي تركتُ الباخرة وركبتُ القطار عبر الجزيرة بأرضها السمراء المصفرة التي لم تحقِّق الآمال التي عقدت عليها كخير منتج للقطن، رغم ما كنا نلاحظ من عناية فائقة بنظافة المزارع وتعدُّد قنواتها ومصارفها.
زينة الرجال عند الدنقة.
دخلت الخرطوم فبدت قريبة شبه ببلدة الزيتون عندنا بشوارعها الرملية وبيوتها الوطيئة، وليس بها من الطرق الهامة سوى شارع النيل، وعليه تقوم أهم مباني الحكومة وكلية غوردون، والطلبة فيها يلبسون العمائم والجلاليب والمراكيب، وأمام الخرطوم أم درمان التي بناها المهدي، وأظهر مبانيها بيت المهدي ومخلفاته، فهو شبه معرض به بعض ملابسه وأسلحته وعرباته ونقوده ومطبعته، وإلى جواره سجن الخليفة، وأمامه الميدان الذي كان يصلي فيه بالناس إمامًا، وما أبدع منظر النيلين رأيناهما من قنطرة أم درمان، هذا أزرق مغبر دافق، وذاك أبيض رائق مائج، ويسيران جنبًا لجنب مسافة طويلة دون امتزاج.
قمنا نودِّع الخرطوم وأهلها الذين يذكرون المصريين بكل خير، ويترحمون على زمانهم الذي كان زمن رخاء ويسر بفضل كثرتهم وانتشار جنودهم، ولن أنسى حديث أحد القضاة الشرعيين منهم يوم أن كاشفني بأمر إغفال المصريين للدعاية الدينية وترفُّعهم عن التصاهر مع علية السودانيين، الأمر الذي كان لازمًا لتمكين العلاقات بيننا وبينهم، وقد كانوا إذا أرادوا الزواج صاهروا الزنوج المنحطين، وقد قصَّ عليَّ حادثة الخديوي سعيد باشا يوم زار السودان وأمر بإعفاء البلاد من الضرائب ذاك العام، وبالإفراج عن المسجونين تخليدًا لزيارته، ولما جاء عباس حلمي سنة ???? تقدَّمَ إليه رجل اسمه «محمد مكين» عندما كان يتفقَّد مكان موقعة شندي الحربية فصافحه وقال له: إن جدك سعيد قد خلف فينا مكرمة فما مكرمتك؟ فقال الخديوي: زمن سعيد غير زماننا؛ يعني أن السودان كله كان ملكًا لمصر.
فقال الرجل: في نصفك سولك شوية. ومعناه: أنت في حقك متهاون. فجرى على لسان الناس مجرى المثل إلى اليوم.
سادت في الطريق مزارع الذرة، ثم بدأت الأشواك والحصى تكسو الأرض، وعند محطة «أتبرة» كثر شجر الدوم، وعجبت لما علمت أنه يصدر منها بمقادير كبيرة إلى أوروبا لصناعة الأزرار منه، والبلدة عظيمة وتضاء بالكهرباء وتبعتها بربر ذات البيوت الحقيرة من لبن وطين، ثم أبو حمد الريفية، وبعدها أوغلنا في صحراء رملية يسمونها عتمور أبو حمد، وكنا نقف في محاط وسط الصحراء ليس لها أسماء بل أرقام وأكبرها الوسطى، وهي المحطة رقم ?، والسكان من النوبيين الذين يحتقرون البرابرة ويترفعون عنهم، وقد اعتنقوا الإسلام، ومَن عصى منهم هاجر إلى بلاد النوبة حول تالودي. وعند وادي حلفا تركنا القطار وركبنا البحر، والمدينة أشبه بمراكزنا الصغيرة، وعند الحدود ألفت البحَّارة نظري إلى بيت صغير شطره خط الحدود قسمين، ولما أرادت الحكومة تعويض صاحبه رفض، فتُرِك له كما هو على أن يدفع نصف الضريبة لحكومة السودان، والنصف الآخَر للحكومة المصرية.
ورسونا عند الدر لنبيت ليلتنا، وفي باكورة الصباح دخلنا الشلال.

بين سنغال ونيجريا وسلطنة كانو


قامت بنا الباخرة شمبليون التي بدت عظيمة وإذا بها كسائر المنشآت الفرنسية يعوزها النظام وحسن القيام على المسافرين، وفي خمسة أيام حللنا مرسيليا وبتنا بها ليلة، ثم أقَلَّتْنا الباخرة «هوجار» الفرنسية صوب غرب أفريقيا، وهوجار اسم لجبل في الصحراء الكبرى يحتمي فيه الطوارق الذين أذاقوا الفرنسيين الأمرين كما أصلاهم السنوسيون في مأواهم بين جبال تبستي، وهي ليست من كبريات السفن عتيقة المبنى غير متزنة فوق ماء البحر الأبيض، فما بالها عندما تخرج إلى عرض المحيط الأطلنطي المائج الرهيب؟ لبثنا يومين حتى وصلنا مدينة الجزائر فبدت جميلة جذابة بمدرجاتها التي تعلو فوق الميناء في شوارع مرصوفة نظيفة متسعة كل واحد يوازي أخاه ويعلوه في انحدار خفيف، وبين فترة وأخرى نرى مجموعة من درج تصعد بنا سراعًا إلى أعالي البلدة، ولعل أجمل جهاتها الأحياء الوطنية التي تختنق الطرق فيها حتى لا تكاد تتسع لرجلين متجاورين.
وأنت ترى من الأزياء خليطًا لا أول له ولا آخِر؛ هذا ارتدى المعطف من الصوف الأبيض وفي رجليه البلغة وفوق رأسه اللبدة لف حولها طيات من حبل سميك، وهذا لبس الطربوش المصري، وآخَر طربوشًا مغربيًّا يتدلى زره القصير وقد يجرد من زره تمامًا، وتلك السيدة تدثرت بإزار من صوف أو حرير أبيض وأرخت على وجهها قناعًا أبيض دون العينين، وتدهش إذ تسمع خليطًا من العربية المشوهة إلى جانب الفرنسية، تبدأ السيدة أو الرجل الكلام بالعربية وسرعان ما يعوج اللسان وتتدفق الألفاظ الفرنسية في طلاقة تفوق الوصف، وحتى صبية الشوارع يتحدثون بها رغم مظهرهم الرث الفقير، والعوز هناك منتشر إلى حد مخيف، على أن الحياة هناك رخيصة رفهت عنهم بعض الشيء، وتعجب إذ ترى الفرنسي والفرنسية إلى جانب الوطنيين في المسكن والمقهى يتجاذبون أطراف الحديث على قدم المساواة في ديمقراطية راقتني كثيرًا، هنا ذكرت الترفع الإنجليزي والصلف السكسوني الذي يفصل ما بين أبناء التاميز وأهل البلاد التي يحكمونها، وهذا كما يقول الفرنسيون مما جعل الاستعمار الفرنسي أهون أمرًا وأبعد أثرًا في نفوس المحتلين عن الاستعمار الإنجليزي؛ لذلك شعر الجزائريون بأنهم فرنسيون يسوي القانون بينهم وبين سادتهم، وبذلك نسوا عصبيتهم الأولى رغم ما هم عليه من خلاف في الدين والعادات.
لبثنا في مياه الجزائر يومين كاملين والباخرة تحمل وسقها من براميل النبيذ لتطفئ بها ظمأ الفرنسيين من نزلاء بلاد غرب أفريقيا، وقد كان معي على مائدة الطعام جمع مختلط من القوم: فرنسي وزوجته من نواحي مارسيليا وكانت لهما نغمة معوجة من الفرنسية الريفية التي كان يصعب فهمها حتى على أهل باريس، وكان يجاورني باريسي وهو شاب صغير السن وحيد أبويه لم يكد يتم دراسته حتى التحق بإحدى الشركات الفرنسية في نيجريا الإنجليزية، وهو لا يعرف من الإنجليزية سوى كلمات متقطعة محرَّفة، وزاد إعجابي به أنه قال بأن أجره في هذا العمل لا يجاوز أربعة جنيهات في الشهر، فأين هذا من أبنائنا الذين لا يحفزهم العمل على النزوح خارج مصر مهما بلغ أجره. ثم رجل قد نال منه الشيب وتعددت تجاعيد وجهه، له زوجة فتية صغيرة السن جميلة المحيا لم تخلف منه سوى فتاة في نحو التاسعة، وقد بدا على الزوجة الهم والانصراف عن زوجها وكأنها كانت تندب حظها؛ إذ لم تقترن بشاب يتناسب مع سنها الصغيرة رغم ما كان عليه الزوج من مظهر المرح والإغراق في النكات وحب المزاح، وإلى جوار أولئك ثلاثةٌ من شباب الإغريق عائدون إلى نيجريا مقر عملهم في إحدى الشركات، بعد أن قضوا في بلادهم إجازة هي خمسة شهور يمنحون إياها كل ثلاث سنين، ثم اثنان من أهل سويسرا أحدهما يتكلم الفرنسية فحسب؛ لأنه من جهات جنيف، والآخَر الألمانية؛ لأنه من زيورخ، وكنت أعجب لأنهما لم يستطيعا التفاهم إلا ببعض كلمات إنجليزية محرَّفة رغم أنهما أبناء وطن واحد، فقلت: كيف تسير الأعمال إذن في بلادكم على هذا النحو من اختلاف الألسن عندكم؟ ولِمَ لا تتعلمون لغة تسود الناس جميعًا؟ قالوا هذا متعذر؛ لأن أهل سويسرا تتعدد لغاتهم بين الألمانية والفرنسية والطليانية والرومانية، لذلك تُرِك أمر تعليم اللغة لاختيار الناس، على أن الأعمال الحكومية تجري باللغات الأربع.
أعجب بذاك الروح المغامر الوثَّاب الذي يحدو بكل أولئك إلى النزوح وراء طلب العيش حتى في بلاد لا تخضع لحكمهم، وهلا رغب أبناؤنا في الأسفار وطلب العيش، وعملنا على تشجيعهم حكومة وشعبًا وبخاصة إلى جهات السودان التي لا تنأى عنا كثيرًا؟ هنا أذكر قول صاحبنا المرح: إني أدهش إذ أرى مصريًّا لأول مرة في حياتي في تلك البحار النائية رغم تعدُّد أسفاري في أصقاع الأرض كلها! فردَّ الشاب الفرنسي يخاطبني قائلًا: إنكم تحكون الفرنسيين في ذلك؛ لأن أهل الريف في فرنسا يرغبون عن الأسفار كثيرًا. فقلت في نفسي: شتان بين النزعتين! حقًّا قد أثَّرَتِ الزراعة في أهل فرنسا فصرفتهم عن النزوح إلى الخارج في كثرة أبناء الإنجليز مثلًا، ولكن أثر الزراعة في القعود بالمصريين عن النزوح كان أفعل وأنكى، وكم كان القوم يفخرون بسعة أملاكهم الأفريقية التي تثبت ما كان لأبنائهم من جهود صادقة في نشر الدعاية الفرنسية بعيدًا، فقد أخضعوا تلك البلاد العربية لسلطانهم، ونشروا لغتهم بين أولئك الأقوام، وهم يقولون بأن فتح الإسلام لتلك البلاد قبلهم قد حدَّ من أثر وحشية تلك القبائل ومهَّدَ للحضارة الفرنسية، فهم مدينون للعرب كثيرًا، وهم يزعمون أن ميل الناس لهم هناك أكثر من حب السود للإنجليز في المستعمرات الإنجليزية، وذلك بفضل الصراحة الفرنسية والديمقراطية وسرعة الاختلاط تلك التي تشعر بالمساواة وتزيل الفوارق التي تزيدها السياسة الإنجليزية حدة، وهم يقولون بأن فرنسا أبعد ما تكون عن سياسة «فَرِّقْ تَسُدْ» التي يتخذها الإنجليز رائدهم؛ لذلك كانوا بغيضين حيثما حلوا.
في يومين كاملين وصلنا الدار البيضاء بعد أن عبرنا جبل طارق وقمنا بجولة خلال تلك البلدة، والحق أنها لتعد مفخرة الاستعمار الفرنسي، فلقد خلقوا بلدًا على أحدث ما يكون في الطرق الممدودة والأبنية الفخمة والمتنزهات المنسقة، وقد كانت من قبلُ محلة فقيرة غير ذات شأن بها مجموعة من أكواخ لقرصان البحر قريبة من الشواطئ، ولا تزال للبلدة القديمة بقية، وقد أقام الفرنسيون بلدًا آخَر للوطنيين ببوائكه وأزقته وأقبيته ومساجده، غير أنه نظيف جميل وقد أصبحت كازابلانكا أولى بلادهم التجارية؛ لذلك بدت ميناؤها ممدودة الأرصفة شاهقة الروافع تامة المعدات جديدة البنيان، وكانت الحركة التجارية بها صاخبة مائجة، غير أن المدينة رغم كل هذا لم ترقني كثيرًا؛ لأنها بدت إفرنجية بحتة لا يزينها ذاك السحر العربي الذي يبعث في تلك البلاد جمالًا يفوق الوصف، فالجزائر مثلًا تفوقها روعة؛ إذ فيها يختلط العربي بالبربري بالفرنسي مما جعل مناظرها منوَّعة غير موحَّدة ولا مملة كما هي الحال في جميع البلاد الإفرنجية.
عبرنا مدار السرطان، وهنا سرت موجة فزع جنونية عند جمهرة المسافرين من الحر والشمس، وقاموا يلبسون قبعاتهم البيضاء الكبيرة من الفلين، مع أنَّا كنا في ظلال الباخرة، ولا يكاد الواحد يرى زميله أو ابنه عاري الرأس حتى يصيح في وجهه مخيفًا إياه من خطر الأشعة فوق البنفسجية في شمس المنطقة الحارة، وكم بدا شكل العجائز من النساء مضحكًا وهن يلبسن تلك القبعات المنتفخة غير المنسجمة مع أرديتهن ولا مع سحنتهن، وكذلك صغار الأطفال الذين كانت تكاد تخفيهم تلك القبعات من تحتها. ولقد بدأ الحر يتزايد عاجلًا بعدما عبرنا خط عشرين من العروض الشمالية، وهدأ البحر حتى لم تكن تشقه موجة واحدة، وانتظم هبوب الرياح من الشمال الشرقي ومن ناحية القارة إلى يسارنا، بعد أن كان من قبلُ مضطربًا، وتلك لا شك هي الرياح التجارية المعروفة. كذلك أخذ القوم يلتهمون أقراص الكينين بمقادير كبيرة استعدادًا للقاء أخطار الملاريا التي تفتك بالجنس الأبيض في تلك الأصقاع فتكًا ذريعًا، فكنت أرى السيدة تسير وفي يدها أو في حقيبتها علبة الكينين تلتهم منها كثيرًا، وكان جل المسافرين في تلك الباخرة الفرنسية من ضباط الفرنسيين العائدين من فرنسا بعد قضاء إجازاتهم هم وعائلاتهم.
أما عن جماهير السمك الكبير الجثة، الأسود اللون، الطويل الخرطوم فحدث كأنه كان يسير في جيوش أو طوائف متضامنة تقفز في تقوُّس منتظم فوق الماء، وهي تسابق الباخرة عساها تلقف من الطعام بعض ما تلقي الباخرة من فضلات، ولا نكاد ننصرف عن ذاك المنظر حتى يصيح البعض Les poissons violants أي السمك الطيار، فنسرع وإذا سطح الماء تغطيه سحابة فضية رقيقة لامعة من سمك صغير ذي أجنحة يطير أسرابًا مائة متر أو يزيد، ثم يعود إلى مأواه من الماء، وقد يلمس الماء بذنبه ويخلف فيه شقًّا طويلًا، ثم يستأنف طيره وكأنه بذلك يستمد من الماء قوة تعاونه على السير، أو كأنه يتلمس صيدًا من سمك آخَر يأكله. أصبحنا نقارب خط عرض ??° شمالًا، وما إن غربت الشمس حتى خيَّم الظلام فأخفى كل شيء، وتلك ظاهرة جلية في المناطق الحارة، حيث يقصر أمد الشفق في الغداة والعشي قصرًا يكاد يخفيه كلية، وكأن ذلك قد ساعد الأهلين أن يأووا إلى مضاجعهم مبكرين، فلم يسرفوا في السهر كما هي حالة الطوائف الأخرى من الأوروبيين مثلًا، ولذلك عاجلهم الكبر وبخاصة النساء اللاتي تذبل نضارة خدودهن عاجلًا، أما بين السود فيكون ذلك متأخرًا. وإن أعجب فعجبي من سرعة التغيير في الجو كلما خطونا درجة عرض واحدة داخل مدار السرطان؛ إذ كنا نلمس الحرارة تتزايد في سرعة مخيفة حتى أصبحنا في هجير أقَضَّ مضاجعنا، ولما نعد خط ??° وإن أثر أشعة الشمس لبالغ الشدة لا تكاد تحتمله جسومنا، هنا يقدر الإنسان حكمة البارئ الذي جعل من جلود سكان تلك المناطق غشاء أسود لا تجد تلك الأشعة المحرقة إليه سبيلًا، على أنها نالت من أذهانهم فركدت ومن جهودهم فخملت، وقد كنت ألمس ذلك في نفسي وأرثي لحال أولئك القوم من نزلاء تلك الأصقاع.
داكار

في أربعة أيام وبعض يوم أقبلنا على رأس من الأرض دقيق يمتد بعيدًا في المحيط، وينتهي بذؤابة معقوفة من صخور وجزيرات ممدودة تكسوها جميعًا الخضرة النضرة، وهو الرأس الأخضر كما أسماه البرتغاليون قديمًا، وهو من أخطر الأماكن على السفن؛ إذ كثيرًا ما لا تتبين صخوره فيصيبها العطب أو التدمير، وقد ألفينا هناك أربع سفن مهشمة غارقة على صخورها رغم ما يقوم على تلك الصخور من فنارات، وفي منعطف إلى جنوب ذلك أقيمت مدينة داكار، رست بنا الباخرة على الميناء ومن حولها المراسي الممتدة، وتحميها من أمامها جزيرة صغيرة تجعل منها ميناء حربيًّا عظيمًا، وذلك ما يعتزم الفرنسيون إتمامه قريبًا. نزلنا البلدة وإذا بها منسقة نظيفة كبيرة، جل أبنيتها مستحدثة وشوارعها متعامدة متوازية، ولا يعدو علو المباني هناك الطابق الثاني، وغالبها من طابق واحد، والمتاجر فقيرة المعروضات مما يناسب زنوج تلك الجهة من أقمشة قطنية بسيطة وأوانٍ منزلية جلها من الزنك، ويقطن كل تاجر عادةً خلف حانوته في نفس البناء، وهناك قسم أرستقراطي أقيم للجالية الفرنسية هو غاية في الجمال، تحفه الحدائق والمتنزهات وتقوم به دور الحكومة.
وفي ناحية أخرى «المدينة» كما يسمونها، وهي الناحية التي أقامتها الحكومة للوطنيين عقب الحرب مباشرةً تفاديًا من قذارة المدينة الوطنية القديمة التي تقع إلى ورائها، سرنا نجوب تلك الأرجاء والأهلون من حولنا تغص بهم الطرقات في ألوانهم الفاحمة وقاماتهم الشامخة وأجسامهم الممتلئة، يسترعي النظر منهم الزي الفضفاض من القماش المهفهف العديد اللون قاتمه، وجله من نسيج القطن الرقيق يحكي العباءات المنتفخة للرجال والنساء معًا، ويشق من جانبيه، ولعل أجمل ما يروق السائح رءوس السيدات التي نُسِّقَ الشعر من فوقها في أشكال هندسية مقوسة ومكورة تزيِّنها الحلقات والودع وما إليها، والمتزوجات يضعن فوق كل ذلك عارضة تبدو من جانبيها كور منتفخة سوداء من جديل أسود كأنه فرو الخراف، ويلف الرأس فوق ذلك بعصابة من منديل خفيف ملون، وأجساد السيدات أميل إلى السمن يتهادين في مشيتهن ويبدين من دلالهن ما يجتذبن به أنظار المارة، وهن باسمات لا ينفرن من الناس، بل على استعداد للتحدث مع أي إنسان، ويلبس بعض القوم الخفاف في أقدامهم على أن كثيرًا منهم يسيرون حفاة.
وكم كان يروقنا منظر القوم يفترشون الأرض أمام بيوتهم وبخاصة في المساء هروبًا من هجير الحجرات، ولقد أقامت الحكومة لهم أسواقًا عديدة مسقفة منظمة يعرضون فيها سلعهم من أردية وأقمشة ومأكل، وأظهر معروضات الطعام: السمك المجفَّف وبعض الفاكهة وثمر الكولا الذي يأكلونه طازجًا وطعمه كالجمار إلا أنه لزج، ثم أعواد من شجر السواك يحملونه جميعًا نساء ورجالًا، فأنت ترى الواحد منهم يسير وقد أمسك بأسنانه عصا صغيرة حسبتها لأول وهلة لفافة تبغ دقيقة، لكنك تراهم يمضغون أطرافها وينظفون بها أسنانهم طوال الوقت حتى ساعة الكلام، فهو يتحدث إليك وهو يحركها في فمه ويقرض من طرفها، وقد مررنا في المساء بقوم يدقون طبولًا من صفائح عدة، ويغنون ويصفقون ويقف بين الجمع اثنان أو ثلاثة يرقصون ويضربون الأرض بأرجلهم ضربات فنية، وهذه ما يسميها الإفرنج Tam Tam وهي شبه الدلوكة عند السودانيين. وقف بي السير عند حانوت يبيع كتبًا كلها عربية، وكثير منها من مطبوعات مصر، فدخلت أسأل عن كتب تتحدث عن السنغال، فلاقاني شاب وسيم الطلعة رقيق الجانب اسمه أحمد سامي وهبة القويملي، وقال: جنابك ابن عرب؟ فقلت: نعم، ومصري. وقال: أنا أيضًا مصري أتجر في الكتب العربية من مصاحف ومصورات دينية وقليل من كتب الأدب. قلت: وهل لديك من الكتب ما يحدِّثنا عن بلادكم الأفريقية هذه؟ قال: ليس عندي منها إلا كتاب لرحَّالة اسمه محمد ثابت كتب عن أفريقيا، ولكنه لم يكتب عن تلك البلاد. وتناوَلَ كتابي «جولة في ربوع أفريقيا»، قلت: وهل تدري مَن مؤلِّف هذا الكتاب؟ وفتحت صفحة منه فيها صورتي فنظر الرجل وقال: أهو حضرتكم؟ قلت: نعم. وكانت مفاجأة لنا ظريفة أخذ الرجل بعدها يرحِّب بنا ويقول: «أهلًا بأهل الفضل والعلم، أهلًا بمَن جاب الأقطار كلها.» ولقد تحدَّث إليَّ عن الأهلين فقال بأن أغلبيتهم الساحقة من المسلمين، يحافظون على دينهم ويحاولون تعليم أبنائهم اللغة العربية ويحفِّظونهم القرآن، وقد أنشأ بعضهم المدارس لهذا الغرض، وهناك مدرسة أهلية كبيرة تسير على مناهج عربية على أن الحكومة لا تعاونها، أما المكاتب الأولية فكثيرة، وقد مررت بأحدها وكان الأطفال يجلسون على الأرض في صفين ووجوههم إلى الحائط، وبيد كلٍّ لوحٌ من خشب كتب عليه آيات القرآن، وأخذوا يهزون أجسامهم وهم يترنمون بحفظها، والعصبية الإسلامية بين الناس لا بأس بها، يهتم القوم بإقامة المساجد، وقد قامت جمعية اسمها «جمعية الإخاء الإسلامية» خوَّلَتْ لها الحكومة الاجتماع في ناديها مرتين في كل أسبوع للتحدث في الشئون الإسلامية، على أن الحكومة تقاوم الإسلام سرًّا لا جهرًا، فهي لا تبيح التبشير الإسلامي، لكنها تحشد كل يوم من مبشِّريها عددًا كبيرًا يحاولون استمالة السود بالمال والعطاء، لكن بعدما ينقاد الواحد لهم قليلًا لا يلبث أن ينقلب ويعود إلى إسلامه. ولقد زرت مسجدًا رئيسيًّا هناك وصليت فيه الظهر، وكان عدد المصلين به كبيرًا، على أن كثيرًا من البيض أخذوا يرمقونني بنظرات مريبة، وقد حدَّثني صاحبي أن البيض ممنوعون من الصلاة مع السود في المساجد، وإن صلَّى أحدهم في المسجد ناداه البوليس ونهره قائلًا: هذا المسجد للسود فقط، أما أنت فتستطيع الصلاة في دارك. وكثير من الأهلين يفهم العربية ويتحدَّث إليك بها، وأنت تسمع الكثير منهم في الطرقات يتوسلون بالرسول والصالحين فيقولون: يا محمد، يا رسول الله. وكلهم على مذهب الإمام مالك، وهم يتعصبون له جدًّا لدرجة أنهم لا يحبون الأحناف قطُّ، والجالية البيضاء كلها إسلامية أيضًا ومن جبال لبنان، ومذهب السواد الأعظم منهم شيعي، وكثير من المتاجر يكتب عنواناته بالعربية إلى جانب الفرنسية، وجل التجارة في أيدي اللبنانيين والسوريين، وهي تدر عليهم مالًا وفيرًا فقد يغتني الفرد منهم في سنة واحدة، وأنت تسمع رنين اللغة العربية السورية على طول الطريق وبخاصة من التجَّار أنفسهم، ولقد راقني من خادم صديقي صاحب المكتبة وكان زنجيًّا مسلمًا أن سيده قال في سياق حديثه معي «بأن العبيد هنا بالطبع لا يستطيعون قراءة كتب الأدب، فقراءتهم ضعيفة.» فصاح قائلًا: «العبيد! العبيد! كلنا عبيد الله.» فقلت: نعم. وأكبرت فيه تلك النفس التي هذبها ولا شك الإسلامُ الذي سوَّى بين المؤمنين جميعًا.
لبثنا في داكار يومين وقد أكبرنا فيها نظافتها وحسن تنسيقها، لذلك كانت الحالة الصحية فيها على خير ما تكون، ولا عجب، فهي عاصمة كل الممتلكات الفرنسية في غرب أفريقيا، وفيها يقيم حاكم أفريقيا الغربية الفرنسية «L’a.o.f» وقد نما عدد سكانها من ?? ألفًا سنة ???? إلى ?? ألفًا اليوم، وفيها يشرف الحاكم على سبع مقاطعات «موريتانيا، سنغال، النيجر، غينا الفرنسية، ساحل العاج، داهومي، السودان الفرنسي»، وهي التي تؤلف في مجموعها أفريقيا الغربية الفرنسية، ومجموع سكانها زهاء ???? مليونًا جلهم من المسلمين. إلى بلاد النيجر

في ثمانية عشر يومًا وصلنا لاجوس ثغر نيجريا، فإذا بنا ندخل شعبة من مستنقع يطلقون عليه الكلمة الإنجليزية Lagoon، وهو هائل كأنه النهر الفسيح، ماؤه كدر مائج، وبعد أن سرنا طويلًا ألفينا الميناء على ضفتيه فتقدَّمْتُ إلى ضابط المهاجرة بالجواز وخطابات التوصية، فرحَّبَ الرجل بنا على غير عادة هؤلاء، ثم حللت في بهو الجمرك وإذا بشاب وسيم يتقدم إليَّ ويقول: أأنت الأستاذ ثابت؟ قلت: نعم. قال: أنا راسخ خليل صديق السيد محمد أبي السعود، وقد كتب إلينا أن نستقبلك. ثم قادني إلى المنزل بعد أن حال بيني وبين الذهاب إلى الفندق، وهناك تقبَّلني صديقه وزميله في المسكن عارف بركات، والأول من مسلمي سوريا، والثاني من الدروز يشتغلان بالتجارة ودور السينما، وقد تعرفت بواسطتهما إلى كثير من زملائهما السوريين الذين يكادون يحتكرون التجارة في تلك البلاد. بدت مدينة لاجوس كبيرة عظيمة الامتداد، طرقها معبَّدَة، وأبنيتها نظيفة وشاطئ اللاجون بها جميل، وناهيك بأسواقها التي تغص بالأهلين من قبائل «ياروبا» في الغالب وزهاء نصفهم من المسلمين، والباقون بين وثنيين ومسيحيين وسحنتهم منفرة في الغالب، ورغم ذلك فإن نسبة العفاف عندهم محدودة جدًّا، فالفتاة مثلا تصادق مَن تشاء ما دامت بكرًا، ولا يرغب الشبان في زواجها إلا إذا حملت سفاحًا، وعندئذ يثقون في أن الراغبين فيها كانوا كثيرين.
والتقبيل غير معروف لديهم والنساء ينفرن منه، ويتزوَّج الرجل من عدد كبير من النساء قد يفوق العشر يؤثر عليهن واحدة تُعَدُّ رئيستهن يحترمنها ويركعن أمامها، ولا تغار الواحدة من الأخرى؛ لأنها ألفت تعدد الضرائر في بيت والداها من قبلُ، وهن يتخذن الصور الفوتوغرافية تمائم، فإذا وضعت عند مدخل حجرة النوم وخطت عليها الزوجة الخائنة لزوجها مات عشيقها على الفور، ومن خرافاتهم أن الرجل إذا ناداه عدوه فردَّ عليه مات عاجلًا.
وعند موت أحدهم تبقى الجثة يومين، ثم يخلع الأقرباء عليها أحسن الملابس ويعلن الناعي أهل البلدة وبيده دجاجة، ويهرب النسوة من رؤية الجنازة؛ لأن في ذلك شؤمًا عليهن، وإن كان الميت مصابًا بمرض وبيء حذَّر المنادي الناس أن يخرجوا خشية أن يصيبهم سوء، وتُدفَن الجثة في غير تجمهر وتعود الروح ليلة الأربعين إلى البيت، وعندئذٍ تجتمع الزوجات وقريباتهن ويأخذن في الغناء والتصفيق حول مصباح حتى تصيح إحداهن قائلة: ها هو آتٍ. ثم يقلد رجل حركات الفقيد وخطواته ويرتدي ملابسه ويزور حجرات الدار جميعًا، والنساء يسجدن على الأرض كي يباركهن الفقيد. وكان الدفن أولًا تحت سقف الدار نفسها، ثم حُرِّم ذلك اليوم.
وللياروبا في الاستدانة نظام عجيب يسمونه أيووفا Iwofa بمقتضاه يخدم المدين دائنه نصف اليوم حتى يسد دينه، وقد يظل البعض فوق عشر سنين يؤدي تلك الخدمة سدًّا لفوائد مبلغ بسيط قد لا يزيد على عشرة جنيهات، وقد يكون أولئك الخدم من الفتيات، وعندئذٍ لا يرغب ذووهن في تحريرهن من ذاك الأسر ويلبثن هكذا حتى تحين سن زواجهن، وعندئذٍ لا بد أن يدفع الزوج الدين بدل المهر لكي يتسلَّم خطيبته، وعاداتهم في التحية تلفت النظر؛ إذ ترى الواحد أو السيدة تركع نصف ركعة مرتين أو ثلاثًا، وهي تتمتم أمام مَن تحييه، وقد تكون مثقلة بطفل أو اثنين أحدهما يعلق وراءها والآخَر بين يديها، ولا تكاد تحمل السيدة شيئًا في يدها، بل الغالب أن تلف الطفل وراءها بحيث لا ترى إلا رأسًا ذات عينين براقتين وكأنه القرد الصغير، وتضع المتاع فوق رأسها وتترك يديها طليقتين، وهي التي تقوم بالعمل كله والرجل عاطل كسول، وما أجمل أن ترى السيدة أو الغادة تسير وقد كست وجهها بالأدهنة البيضاء «البدرة» في غير إتقان، فيبدو وجهها جيريًّا مرقعًا مضحكًا وذلك لكي تبدو بيضاء جميلة، وقد كثر بينهن المتفرنجات من المسيحيات، وهؤلاء يلبسن الأردية الإفرنجية على أنهن يسرن حفاة، وحتى طلبة المدارس وطالباتها يسيرون في الحلل البيضاء النظيفة ولكنهم يتركون الأقدام عارية، وكذلك أجناد البوليس، والحي الإفرنجي هناك فسيح كبير تقوم به دور الحكومة وهي عديدة؛ لأن لاجوس هي عاصمة نيجريا ومقر الحاكم العام. قمت إلى كانو بقطار السكة الحديد، فعبرنا بالسيارة قنطرة هائلة هناك على «اللاجون» إلى الشاطئ المقابل للاجوس؛ إذ البلدة جزيرة محصورة بين المناقع من جميع نواحيها، وهناك اشتريت التذكرة بثلاثة جنيهات ونصف جنيه مصري في الدرجة الثانية، والعجب أن أجر الدرجة الأولى أحد عشر جنيهًا، وذلك لكيلا يستطيع السود دفعها، وبذلك تُترَك الدرجة الأولى للبيض وحدهم. وكان في وداعنا رهط من إخواننا السوريين، وأخذ القطار يشق بنا أحراشًا معقدة من شجر مشتبك وعشب كثيف مما ينمو عادة في المناقع الملحة، ثم تغيَّرَ المنظر بعد زهاء أربع ساعات فأضحى من الغابات الكثيفة التي تكثر في المناقع العذبة، وكان أظهر الشجر نخيل الزيت والنرجيل وشجر المانجروف، وظل هذا زهاء مائة ميل، ثم صعدنا هضبة وأوغلنا في س?انا من النبات ذي العشب السائد الطويل، تتخلله أشجار متفرقة كانت تزيد كثافة عند المجاري المائية التي مررنا بالكثير منها وبخاصة نهر النيجر الذي يبلغ من الاتساع ثلاثة أضعاف نيلنا المبارك، وقبيل كانو بنحو ست ساعات تغيَّرَ المنظر فأضحى عشبًا أخضر قصيرًا تنتثر خلاله الأشجار على قلة فحاكى أرض مصر المحبوبة، وكان الطريق كله سهولًا لا تكاد تبدو فيها التلال إلا نادرًا.
وفي مناطق الغابات الأولى كنا نرى بين فترة وأخرى فجوات استأصلها الأهلون بالقطع والحرق وزرعوها ذرة أو «نيام»، وهو نبات جذري كالبطاطا في ضخامة هائلة يتخذون منه خبيصًا «كالعصيدة»، وهو من أغذيتهم الرئيسية وكذلك الموز، وتربة الأرض كلها حمراء تغاير كل المغايرة تربتنا السوداء الخصبة، وكلما أُجهِدت الأرض المزروعة تركها ذووها ولجئوا إلى بقعة أخرى استأصلوها وبدءوا زرعها، وقد استرعى نظري من معروضات المحطات نوع من الموز الأصفر الفاقع في طول قد يبلغ شبرًا ونصفًا، فشريت بعضه وما إن بدأت أنزع قشره لآكله حتى صعب عليَّ نزعه، وما أن تذوقته حتى بدا كالعجينة فكانت مني خيبة أمل، لكني علمت أن هذا النوع لا يُؤكَل طازجًا بل يُقشَّر ويقلى في زيت النخيل، ثم يُؤكَل، وهو من أحب الأطعمة عندهم، وزيت النخيل يبدو أحمر ثقيلًا كأنه العسل وهو عماد غذائهم يدخلونه في كل شيء، وهو مستمد من ثمرة نخيل الزيت، وهي كالبلح الأحمر الصغير في حجم الزيتون يعصرون لبابته الخارجية لاستخراج هذا الزيت الأحمر، وأما النواة فتُصدَّر للخارج لعصرها أيضًا، وهذا أهم موارد تلك البلاد؛ إذ يُصدَّر زيت اللبات هذا ليُنقَّى، وكذلك يُصدَّر النوى ليُعصَر في أوروبا، ويلي ذلك في القيمة الكاكاو، وفي نحو ثلث الطريق ركب القطار عائلة من الياروبا وجلس النساء إلى جواري بشكلهن المنفر رغم ما كُنَّ يتزين به من البدرة البيضاء والأقراط والشعر المجدول، ولهن في جدله طرائق جذابة تلفت النظر؛ فواحدة منهن كانت تجدل الشعر في عصا قائمة كأنها المسامير الكبيرة منثورة في الرأس كله، والأخرى تجدله في أقنية متوازية من مؤخر الرأس إلى مقدمه، ومعهن أطفال كثيرون وشاب مثقَّف يجيد الإنجليزية، وقد ابتاعوا من المحاط لفائف من ورق الموز في بعضها أرز معجون، وفي الآخَر معجون الذرة يضيفون إليه الزيت الأحمر ويأكلونه بأيديهم في شكل منفر، ولا تفتأ ترى الواحدة منهن قد ختمت هذا الطعام بثمرة الكولا، تقرضها تحت أسنانها وتظل تمتص عصارتها وتبدي من حثالتها القذرة فوق شفتيها، وأخيرًا تبصقه إلى الأرض، وهم يعتقدون أنه منشِّط للمعدة منبه للأعصاب، حتى إن المتعب المجهد إذا مضغه استعاد نشاطه، وكم أعجبني منظر الرجال ينزل الواحد منهم في المحاط وبيده إبريقه ويتوضأ عاجلًا، ثم يقيم الصلاة ويعود إلى القطار؛ فهم جميعًا محافظون على صلواتهم وبخاصة كلما قاربنا الشمال، وكثر شعوب «الهوسة» المتعصبون لإسلامهم على أنهم يكثرون من النظرات ولفت الرأس وتكرير الركوع مرات تزيد على ما يجب. أخيرًا بعد اثنتين وأربعين ساعة وصلنا كانو، وإذا بشاب وسيم الطلعة يناديني باسمي ويقول: «أنا محمد أبو السعود.» ومن حوله جمع من إخوانه المصريين والسوريين والطرابلسيين يرحبون بمقدمي وينقلونني في سياراتهم إلى الدار العامرة، وقد بالَغوا في إكرامي إلى حد جعلني عاجزًا عن شكرهم.
كانو

أخذنا نجول في أنحاء كانو وهي ثلاثة أقسام أساسية: القسم الإنجليزي وبه بيوت السادة الإنجليز ونواديهم وغالب دور الحكومة، ثم القسم السوري وفيه البيض من غير الإنجليز بمساكنهم ومتاجرهم، وسمي بالسوري؛ لأن أغلب البيض هناك منهم وبخاصة من مسلمي الشيعة، ويقيمون بيوتهم الفسيحة الجميلة، وفي جانب منها المتاجر نفسها في الغالب، والبيوت ليست متلاصقة ولا مكتظة. أما القسم الثالث وهو أجملها فهو كانو الوطنية موطن الأهلين من السود، وهي داخل سور قديم من الطين الأحمر وله بوابات عدة يقف عندها جندي من الداخل وآخَر من الخارج، والناس هناك جلهم من قبائل «الهَوْسَة» المتعصبين لإسلامهم، حتى إن البلدة داخل الأسوار لا يقطنها غير مسلم قطُّ، وبيوتهم تقام من اللبن يطلى بالطين الأحمر في تجزيع فني جميل، وتمتاز بأركانها المدبَّبة، وهي أنظف كثيرًا من بيوت أهل الجنوب من «اليروبا»، وسحن الناس بها مسحة من جمال وبخاصة العذارى من الغانيات، وأولئك يلبسن الأردية التي تغطي الجسم من دون الثديين، فيبدو الصدر كله عاريًا يسترعي نظر المارة، وخصوصًا إذا ما طَلَتِ الغادة وجهها بالبدرة البيضاء، أما المتزوجات فأرديتهن تغطي الجسم إلى ما فوق الثديين، ولقد عجبت لما أن علمت بأن الغيرة على النساء فاترة جدًّا عند الرجال، ونسبة العفاف قليلة وبخاصة عند غير المتزوجات، فالفتاة يباح لها أن تصادق مَن تشاء، وجل الناس هناك يتزوجون أكثر من واحدة، وللأغنياء أن يتسروا فوق الزوجات الشرعيات الأربع؛ ولذلك لم نعجب لما علمناه من أن البعض له من الذرية زهاء الستين بين ذكر وأنثى، ومن أغرب عاداتهم أن المولود البكر يُهمَل أمره ولا تُعنَى الأم به، وإذا كبر لا يقابل أباه ولا أمه مطلقًا ولا يجلس معهما على مائدة الطعام، ولقد حِرْتُ في تعليل ذلك ومن قائل إنه وليد عهد الجهالة الأولى يوم كان الأبوان لا هَمَّ لهما إلا إشباع الشهوة البهيمية، لذلك ينظر الأبوان إليه بشيء من الازدراء. والمعيشة في تلك البلاد رخيصة جدًّا؛ فرطل السمن بقرش ونصف، ورطل اللحم بنصف قرش، وأحب الأغذية لديهم «عصيدة» من دقيق الأدرة تسمى «الفورا»، والذي لا يستطيع ذلك فالفول السوداني مع البطاطا عديدة الأنواع هناك، وهم يبيعون نوعًا من اللحم ضُغِط بالدقيق وقُدِّد على الشمس فبدا رقائق مجزعة مصفرة منفرة.
وسوق البلد يعقد كل يوم وبخاصة بعد الظهر، وهناك نرى كل تاجر قد حمل معروضاته من قماش أو غذاء إلى حانوت صغير افترش بها أرضه، وإذا جاء المساء عاد ببضاعته كلها إلى داره، وتلك الحوانيت الضيقة تراها متراصة متجاورة ويدفع الرجل لها أجرًا زهيدًا، وللسوق سلطان يشرف عليه وتُقدَّم إليه الشكاوى المختلفة للحوادث التي تقع داخله، وله جنوده، ويظهر أن لكل شيء هناك سلطانًا حتى المتسولين الذين لا يحصون عدًّا، فلقد مَرَّ بنا واحد في هندام نظيف وشكل يدل على اليسار وهو يستجدي ويسمونه «سلطان المتسولين». والحكومة تزوِّد البلد بالماء النظيف في أنابيب تنتهي بصنابير يملئون جرارهم منها وسط الطرقات، ويدفعون لذلك ضريبة صغيرة على كل فرد، وذلك لحضهم على استعمال تلك المياه.
والسود هناك نظيفون على وجه العموم يكاد الواحد منهم يستحم كل يوم، وتبدو ملابسهم في مجموعها نظيفة وليس من بينها تلك القذارة التي كنا نلاحظها في الجهات الأخرى من أفريقيا السوداء، أو بين سكان الأحياء الفقيرة عندنا، ويتوسط البلدة بيت السلطان ويطلقون عليه أحيانًا «الملك» أو «الأمير»، والاسم الأخير هو الغالب؛ لأن الأمير عندهم أكبر مقامًا من السلطان، ولقد دعانا الأمير للقائه في قصره فبعث إلينا نائبه ولي العهد ووزيره الذي سُمِّي اليوم «الوالي»، وقد سبق لنا التعرُّف بالأمير والوالي على ظهر الباخرة كوثر ونحن عائدون من الحج، فدخلنا عدة أبهاء تفصل ما بينها بوابات عالية، فوقها أبراج مسقفة، يعلوها العلم الأسود الذي كُتِب عليه «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وأخيرًا دخلنا غرفة الاستقبال فكان الملك يجلس على مسطبة فُرِشت بالبسط، وإلى وراء ظهره غُطِّي الحائط بالحُصُر، وجلس الوزير وولي العهد والمحافظ على الأرض؛ إذ لا يُفرَش من أرض الغرفة إلا قطعة صغيرة تحت قدمَي الأمير، وجدران الغرفة نُقِشت بأصناف دوائر وتقوسات من الطلاء البارز في اللونين الفضي والأسود، وكل البناء باللبن كُسِي بالطين في غير طلاء، وكلما هطل المطر هدم بعضها وبخاصة الأسوار، وأُعِيد بناؤها.
جلسنا نتجاذب أطراف الحديث والأمير يفهم العربية جيدًا، لكنه لا يتحدث بها بسهولة بل يترك ذلك لوزيره سليمان الذي يتكلَّم العربية الفصحى، وكلما نسيت وتكلمت العربية المصرية الدارجة صاح وقال: «لا تتحدث بالجلجالية فإني لا أفهمها.» وكلٌّ من الأمير والوالي سليمان مصلح، فهما يطمحان إلى رفع المستوى العلمي في تلك البلاد، ويشيدان بمصر ورقيها وعلومها، ويرجوان أن تتاح الصلة العلمية بين البلدين عن طريق إيفاد المعلمين والكتب المصرية، وتيسير قبول طائفة من طلبة كانو في مدارسنا وجامعاتنا الأزهرية أو الملكية، وحتى نظام الكشافة والألعاب الرياضية يرغبان في إدخالها في المدارس، ولقد جمع الأمير فريقًا من أبنائه وأبناء وزرائه وألبسهم أردية اللعب الإفرنجية، ونظم منهم فرقة للألعاب السويدية يسرُّه أن يراها وهي تلعب دائمًا، والفضل في ذلك يرجع إلى نشاط الأخ «محمد أبو السعود» الذي تطوَّعَ بتعليم تلك الفرقة، والأمير يجل هذا الأخ المصري ويعده أحد أبنائه، وهو الوحيد الذي يدخل القصر بدون استئذانٍ ويزوره ولي العهد والوالي في بيته في غير كلفة، ويتناولون الطعام ويمزحون وكأنه بيت أخيهم، وكم يروقك منظر الناس وهو يحيون ولي العهد أو الوالي أو غيرهما من الوجهاء؛ إذ تراهم يتسابقون إليه ويركعون على الأرض مرات وهم يتمتمون وهو يرد التحية، وإذا كان راكبًا سيارته حيَّاه الناس بضمِّ قبضة اليد ورفعها، وهو يردها هكذا.
ويسرني جدًّا أن أرى النفر القليل من أبنائنا المصريين يسلكون في سيرتهم سلوكًا مشرِّفًا سودهم على الهيئات الأخرى جميعًا، وحبَّبهم إلى الوطنيين والإنجليز على السواء، وأعجب لِمَ لا ينزح كثير من أبنائنا إلى تلك البلاد التي تربطنا بها روابط وثيقة، ووجوه الكسب بها متوفرة يربح منها الغرباء كثيرًا ويعيشون فيها عيشًا ناعمًا راغدًا. والغرباء هناك يشتغلون بأحد أمرين: فتح المتاجر لبيع السلع المختلفة والاتجار في محصول البلاد الرئيسي وهو الفول السوداني، وفي نقله بالسيارات الكبيرة، والفول السوداني الذي يسمونه أحيانًا «الفستق» هو عماد ثروة الفلاح هناك يتأثر بتقلُّب أسعاره؛ فإذا غلا ثمنه انتعش الفلاح، وإذا انخفض ابتأس وساءت حالته، ومتوسط ثمن الطن المقشور اليوم زهاء ثلاثة جنيهات، وقد ينزل عن ذلك وقد يرتفع إلى ما فوق عشرة جنيهات، ويزرعه الفلاح قبل موسم المطر في أواخر يونيو بعد أن يخطِّط الأرض في مجاري متوازية، ثم ينبش حفرًا صغيرة برجله على طول الخطوط العالية من التربة ويرمي فيها بحبة واحدة، ثم يتركه للمطر حتى يحين الحصاد، أواخر سبتمبر وأوائل أكتوبر، وعندئذٍ يبدأ موسم العمل والحركة التجارية الناشطة هناك، وجل هذا الفول يُصدَّر إلى الخارج، وبخاصة لفرنسا لاستخراج الزيوت منه، وقسم كبير منه يموِّن الأهلين بعنصر غذائي هام؛ إذ كثيرًا ما يعيش الفلاح عليه وحده.
قصدت إلى زيارة معاهد التعليم فبدأت بمدرسة الشريعة وهي ملحقة بالمدرسة الابتدائية Middle School، وتلك يتعهدها ثلاثة شيوخ من أفاضل مَن تخرَّجوا في كلية غردون قسم القضاء الشرعي، وهم سودانيون وفدوا هناك ليعدوا الطلاب ليكونوا قضاة ومعلمين، وأساس التعليم العلوم الدينية واللغة العربية وقليل من العلوم العصرية، وقد تخرَّج من تلك المدرسة عدد يقوم بالتدريس في المدرسة الابتدائية، وقد زرنا المدرسة الابتدائية بعد ذلك وهي أربع سنوات، وبرامجها تعادل برامج المدارس الابتدائية عندنا، إلا أن غالب المواد تُدرَّس باللغة الإنجليزية؛ لذلك كان الطلاب أقوياء فيها جدًّا، وعدد الطلاب ??? زرت جميع فصولهم، وكان التدريس بطريقة التلقين في مجموعه، واللغة العربية تُدرَّس في جميع الفرق، على أن طلبة السنة الأولى لا يفهمون منها إلا قليلًا، أما طالب السنة الرابعة فيستطيع التحدُّث بها بدرجة لا بأس بها، وقد بدا لي أن الطلاب أذكياء؛ لأنهم كانوا يتقدَّمون إليَّ بأسئلة في الجغرافية ويناقشون فيها بذكاء مفرط وجرأة عجيبة. والتعليم مجاني للجميع ولا يشترط في الطالب سن خاصة ولا زي خاص، فمنهم الصبي الصغير يجلس إلى جوار الشيخ، وجلهم حفاة حتى الأساتذة وناظر المدرسة نفسه؛ إذ كان يتقدمنا ونحن نتفقد المكان وهو حافي القدمين، والطلبة جميعهم داخلية يبيتون في بناء ملحق بالمدرسة أقيم من الطين في دور عدة يحتل كل واحد اسم ناحية من المدينة، وكنت إخال الطلبة ينامون على فُرُش وأسرَّة، ولشد ما كانت دهشتي عندما ألفيت الفراش عبارة عن حصير على الأرض ينام عليها الطالب بدون وسائد ولا حشيات مطلقًا، وهم يتناولون الطعام الوطني أربع مرات في اليوم، وفي الفناء أقيمت الأحواض من الإسمنت وركبت عليها صنابير المياه «والأدشاش» للاستحمام في الهواء الطلق، وليغسل الطلبة ملابسهم بأيديهم، وبيوت المدرسين ملحقة بهذا البناء كي يتسنى لهم مراقبة الطلبة، وقد ألحق بالمدرسة قسم جديد لتدريس مبادئ العلوم، به بعض الأجهزة البسيطة، وقسم آخَر للأشغال اليدوية من النجارة والحدادة وهذه اختيارية يحضرها الطالب بعد الظهر، أما الدراسة فمقصورة على الصباح فقط. وينفق على المدرسة الأمير من ماليته ويتكلف الطالب في المتوسط عشرة جنيهات في كل عام، وأجور المدرسين تبدأ من أربعة جنيهات في الشهر، ويشتغل الواحد ?? حصة في الأسبوع، وكان يرافقنا في تلك الزيارة الوالي سليمان، وكان يقول إنهم يريدون أن يقتبسوا كثيرًا من مصر والمصريين لولا ضعف مالية البلاد.
وفي اليوم التالي قصدنا إلى زيارة المدرسة الأولية، وهي في بناء من الطين بسيط يجلس الأطفال على الحُصُر وأمامهم منضدة مستطيلة، وعلى مقربة منها زرنا المدرسة التحضيرية للشريعة، وهي في مكان ضيق ويلحق بها مكتبة خاصة بها ثمانمائة مجلد من الكتب القديمة في التاريخ والعلوم الدينية والطب القديم، يقصدها القليل للاستعارة والقراءة، ثم كانت زيارتنا لمصالح الحكومة، وقد أقيمت بالحجر على النظام الحديث، والموظفون جميعًا من الوطنيين، ويضمها جميعًا بناء واحد: قسم للداخلية ويرأسه الوالي «سليمان»، وقسم للمالية ويرأسه ولي العهد «شروما»، وثالث للخارجية، ثم رياسة الشرطة للأمير جالاديما، وهؤلاء الرؤساء مع الحاكم الإنجليزي  Resident ووكيله D. O. يؤلفون المجلس الأعلى الذي يجتمع برياسة الأمير مرة في داره، ومرة في دار الحاكم الإنجليزي، وفي بناء ملاصق المحكمة العليا ويرأسها شيخ القضاة، يجلس على فراش وإلى يساره المفتي والكَتَبة وأمامه على الأرض الجمهور والمتخاصمون، ثم المحكمة الجزئية ولها قاضيها وكلهم يلبسون أردية متشابهة من الأقمشة البيضاء والعمائم المنتفخة ويسيرون حفاة، والدفاتر الرسمية تُكتَب كلها «بالهوسة» في الأحرف الإفرنجية، وفي بعض المصالح تُكتَب صورة أخرى بالعربية ليطَّلِع عليها الأمير نفسه، أما الإنجليزية فلا تُستعمَل إلا في المالية. وميزانية الإيراد تقارب ربع مليون جنيه جلها من ضريبة الدخل والقطعان وضريبة المياه، وهي شلن لكل رجل، ونصف لكل أنثى كل ستة شهور، والمنصرف يقارب ذلك المبلغ وقد يزيد عليه، والوالي وأبناء الأمير يكثرون من زيارتهم لنا في منزل الأخ أبي السعود، حتى لقد اجتمع ذات مرة خمسة منهم في وقت واحد. وللأمير زهاء أربعين ولدًا، وقد أقام لهم فصلين للدراسة الخاصة في منزله: فصل للكبار وآخَر للصغار، يزودون ببعض العلوم التي لا يدركونها في المدارس الأخرى، وقد زرتهم وهم يتلقون الدرس ولم يفترقوا في هندامهم وشكلهم عن باقي الأهلين، وهم يسيرون حفاة أيضًا، ومنهم الابن المسمى «كبيرو» وهو الذي كان يرافق أباه في الحج، ويظهر أن الذي ميَّزَه عن سائر إخوته لونه، فإنه أخفهم سوادًا وأحسنهم شكلًا.
في الشرق الأقصى


الهند

شريت تذكرة السفر على الباخرة اليابانية «سوا مارو» ودفعت ثمنًا لها ثلاثين جنيهًا بالدرجة الثانية، قامت الباخرة من بورسعيد تشق قناة السويس، فخليج السويس، فالبحر الأحمر بجوه الجاف المحرق، وفي أربعة أيام كاملة رسونا على عدن بصخورها البركانية المجدبة، ثم غادرناها ولبثنا نمخر عباب المحيط الهندي المائج الرهيب ثمانية أيام أخرى حتى أقبلنا على ميناء: كولمبو في جزيرة سيلان بجنوب الهند، نزلت أرض تلك الجزيرة فراعني مشهد الناس في سحنهم المختلفة وأزيائهم الغريبة، يترامون حولنا في كثافة لا تحد بقذارتهم وبؤسهم، فرأيت أن أنقذ موقفي بينهم بالهروب منهم فركبت «الركشا»، وهي عربة ذات عجلتين يجرها شخص ويجري بسرعة عجيبة وهو يلهث في هجير تلك البلاد والعرق يتصبب من جسده العاري وكأنه الدابة المجهدة، وتلك هي المطية الرئيسية في بلاد الهند، ثم كان انتقالي بالقطار إلى كاندي أقدم مدن الجزيرة وسط طرق جبلية متلوية شُقَّتْ خلال الغابات الكثيفة، وكانت القردة والفيلة تمرح طوال الطريق في غير حصر، يداعبها الصبية الحفاة في روحاتهم إلى مدارسهم.
البقر المقدس في بمباي.
وقد كثرت من حولنا مزارع الشاي، زرنا بعض مصانع لبتون وكانت تقوم وسط المزارع نفسها، وكان نخيل النرجيل «جوز الهند» يحمل وسقًا ثقيلًا يفوق المائة في الشجرة الواحدة، وكانت تعرض علينا الواحدة بمليم نقطع طرفها ونشرب ماءها اللذيذ كلما عطشنا، وذلك آمن من شرب الماء الذي يتعرَّض هناك للأوبئة خصوصًا الطاعون والكلرا، أما الموز فحدث عن كثرته، كنا نبتاع العرجون «السباطة» بقرشين وبعض العراجين يفوق المترين طولًا.
تخطينا الجزيرة سائرين إلى جنوب الهند في سابحة كبيرة، وكم راقني مجلسي وسط الهنود بأجسامهم النحيلة وعيونهم الغائرة ولغاتهم العدة، وكان الواحد منهم يتفاهم بالإنجليزية؛ لأن لغة بني قومه لا يفهمها أقرباؤه ممَّن يسكنون ناحية أخرى من الهند، حتى بلغ عدد لهجات الهند مائتين أو يزيد، وقد راقني منظر غني خلته سيدة؛ لأنه كان يلبس ملاءة فضفاضة، ويتزيَّن بالخواتم الثقيلة في جميع الأصابع، ويلبس في يديه سوارًا عريضًا، وفي آذانه قرطًا لامعًا، وفي رقبته عقدًا خاطفًا، وكان يرسل شعره ويتهادى في مشيته وكأنه الحسناء تتيه على الآخرين؛ لأنه ينتمي إلى طبقة راقية، والجميع هناك يسرفون في التزيُّن رجالًا ونساء، ويزيد النساء على الرجال لبس الخواتم في أصابع القدمين وحلقة في الأنف أو الشفة. والعجيب أنهم يسيرون مع تلك الوجاهة حفاة الأقدام، وكم اشمأزت نفسي من رؤية أفواههم المفتحة يمضغون فيها ورق شجر «البيتل» الأخضر ويباع في كل مكان، وبمجرد ملامسته للعاب يبدو وكأنه الدم يلوث الفم والشفاه، ولا يفتئون يبصقون ذاك السائل الأحمر فيلوثون به كل مكان، وتبدو الأسنان والشفاه حمراء في منظر منفر.
قمنا بالقطار إلى مدراس، فدخلناها بعد ?? ساعة فراعني مشهد المشعوذين الذين كانوا يملئون الآفاق بأجسادهم العارية ينقشونها بعلامات وخطوط مختلفة تدل على مختلف مذاهبهم، وكنت أرى سائر الناس يحملون ترابًا مقدَّسًا يخرجه الواحد من جيبه ويمسح به وجهه وصدره وذراعيه في خطوط مختلفة، ولقد زال عجبي عندما علمت أن مديرية مدراس معقل الدين البرهمي أو الهندوسي أكثر الأديان انتشارًا، وسكان هذه المديرية ?? مليونًا يدينون في الغالب بتلك العقيدة، وعدد القسس هناك مليون ونصف يعيشون عالة على الغير، ولهم حقوق مالية على الناس واجبة الأداء، وكم كنت أرى من فتيات صغار يحملن أطفالًا لا يزيد حجم الواحد على الدمية الصغيرة، ودهشت لما علمت أن أولئك الفتيات زوجات لكهول من الرجال، وأن هذه الأطفال من نسلهن؛ لأن الفتاة هناك تتزوج في سن العاشرة أو قبل ذلك.
قمت إلى كلكتا فوصلتها بعد ?? ساعة، وهي عاصمة بنغالة أغنى مقاطعات الهند، ولغة أهلها الهندوستانية أكثر لغات الهند انتشارًا؛ إذ يتكلمها خمسون مليونًا، ونصف أهل بنغالة من المسلمين — نحو ?? مليون نفس — ولقد مررنا في دخولنا إليها بعدة مستنقعات سبَّبت انتشار الملاريا والكليرا التي تفتك بالملايين هناك، هذا إلى شدة ازدحام السكان وقذارتهم، فأنت لا تكاد تشق طريقك في الشوارع من كثافة الجماهير، وكلمة كلكتا معناها «مرسى الإلهة قالي» زعيمة آلهة البلدة؛ لذلك سارعت بزيارة معبدها الشهير، وهي زوج سي?ا إله التدمير وسفك الدماء، فوقفت بباب المعبد؛ لأنه لا يصح للأنجاس من الغرباء عن الدين أمثالي أن يدنِّسوا المعبد بالدخول — رغم ما كان يصعده من روائح نتنة ويحويه من مخلوقات مكدسة قذرة. أذكر موقفي أمام المعبد وقد أمسك القسيس بجدي وطرحه أرضًا، وسرعان ما تقدَّمَ رفيقه ففصل رأس الحيوان بضربة واحدة من سيفه سال على أثرها الدم تحت أقدام الآلهة، وصاح القسس بصوت مزعج قائلين: «قالي! قالي! قالي!» وهنا أسرع جماهير النسوة إلى الأرض يلعقن الدم كي يمن الله عليهن بمولود، والبعض أخذ يبلل منه خرقًا يضمها إلى صدره العاري، وقد علمت أن عدد الذبائح التي يقدِّمها الزوَّار في كل يوم مائتان أو يزيد.
الديوان الخاص في دلهي.
قمت إلى دار جيلنج في سفح الهملايا، ومعناها «مكان الصواعق» لكثرة أمطارها، فظل القطار يسلك سبيله وسط الأحراش ومنابت الأرز، ثم بدأ يتسلق المنحدرات الوعرة وكان يكسوها الشاي، وعند محطة سيليجوري ركبنا قطار المرتفعات الذي علا بنا إلى ???? قدم، وكانت غابات البامبو والخيزران تسد الآفاق، وكلما علونا تكشَّفَتْ من حولنا القمم تجللها الثلوج، وكنا نرى من حولنا فوق عشرين قمة علوُّها يفوق ?? ألف قدم، وأبهاها منظرًا «كنتشنجنجا» ثانية ذرى العالم علوًّا «????? قدمًا»، وعند محطة «تل النمر» ظهرت قمة أ?رست أعلى جبال العالم «?????» في شكل مخروط معقَّد يكسوه الجليد ويحوطه السحاب الذي يخيم عليه تارة ويجلو أخرى، وقد استغرق القطار في صعوده ?? ساعة.
عدت إلى كلكتا ومنها قمت إلى بنارس في ?? ساعة، وهي المدينة التي لم تمسسها يد التجديد في شيء قطُّ، فلا تزال في مجموعها هندية، وهي كعبة الهندوس يتمنى كل هندي أن يموت بين جدرانها كي ينتقل إلى الجنة عاجلًا؛ لذلك كنت أرى من جماهير المرضى والكهول العدد الكبير، ويزور الحجاج فيها ألف معبد، ويطوفون بأسوار المدينة التي تبلغ نحو ستين كيلومترًا في ستة أيام متتالية سيرًا على الأقدام في طريق تظله الأشجار وتحفه تماثيل الآلهة المختلفة، ويُسمَّى هذا الطريق «پانش كازي»، وأقدس ما في البلدة ضفة نهر الكنج التي رصفت في مدرجات يضرب فيها الماء المقدس، ويؤمها من الناس خلق كثير يغتسلون في النهر تحت ظلالات من خوص، كنت أنظر فأرى الجماهير تسد المكان سدًّا؛ النساء في كامل ثيابهن وحليهن يغصن في ماء النهر، والرجال عرايا في لونهم الأسمر وجسومهم الناحلة، وإلى جوار أولئك طوائف البقر المقدس والقردة والطيور التي كنتُ أرى بعضها يحط على ظهور المستحمين ورءوسهم — لأن قتل الحيوان أو ضربه محرم لديهم — وخير ما تجلى منظر القوم من زورق ركبته وسط النهر، فكانت ضفة النهر تبدو وكأنها سوق مزدحم، وكان يطفو على الماء كثير من العشب والأقذار تصعد منها روائح خانقة، وقد وقفت طويلًا إلى جوار مدرج الجثث وقد حفرت أرضه في فجوات، كل واحدة تحكي شكل جسم الإنسان، وحول كل واحدة صُفَّت كتل الخشب المختلف النوع، ثم حُمِلت جثث الموتى إليها بعد دهنها بالسمن وغمرها في ماء النهر المقدس، ثم تقدَّم أقرب الناس من الموتى بشعلة وطاف حول الجثة سبع مرات، ثم أشعل النار فيها فتصاعد الدخان وعبقت الجو رائحة اللحم الآدمي تأكله النيران، وكان يحاول كل واحد جهده ألا تطفأ النار قبل تمام احتراق الجثة، وإلا كانت تلك وصمة عار للفقيد وعائلته، وبعد ذلك تقدَّم قسيس وحمل بعض رماد الجثة ووضعه مع قطعة من ذهب في كرة من طين ألقى بها إلى اليم، ثم كنس باقي الرماد إلى الماء المقدس، منظر مفزع وقفت في جنباته ساعة كاملة وأنا لا يكاد يستقر بي المكان خوفًا وجزعًا، وكنت أشتم شيئًا من الرائحة العطرة أحيانًا وعلمت أنها لبعض الأغنياء الذين يحرقون موتاهم بخشب الصندل أو العود، رغم ما يكلِّفهم ذلك من مال كثير.
مقبرة اعتماد الدولة في أجرا.
قمت إلى دلهي العاصمة في ?? ساعة، فبدا مظهرها إسلاميًّا بها كثير من المساجد ذات الهندسة المغولية، والمآذن الدقيقة والقباب المتعددة والأحياء التي تحكي نواحي الغورية عندنا، وكانت عاصمة المغول يوم حكموا الهند، وقد أقام بها السلطان «شاه جهان» قصوره وقلعته الفاخرة التي دلتنا بقاياها على ما كان للمغول من قوة وبأس وثراء؛ فالمباني بالمرمر والرخام المرصع في إسراف كبير، وهنا كان يقوم عرش الطاووس الشهير الذي سلبه «نادر شاه» ملك الفرس، ورأيته في قصر «جولستان» في طهران يوم زرت بلاد إيران، ويقوم على قاعدة من ذهب أصم مرصع بالجواهر، ويحوطه طاووسان كبيران نشرا ذنبيهما المرصعين بالياقوت والزمرد واللؤلؤ والماس، وبين الطاووسين ببغاء نُحِت في قطعة واحدة من زمرد، ويُرفَع سقف هذا العرش على عمد من أحجار كريمة، وقد كلَّفَهم عندئذٍ ستة ملايين من الجنيهات يوم كانت النقود نادرة الوجود، وقد زرت المسجد الجامع الذي يعده البعض أكبر مساجد الدنيا، وفي إحدى مقاصيره بعض آثار الرسول ? في علب من فضة وذهب وزجاج، أذكر من بينها شعرة من لحية الرسول، وقطعة من رخام عليها طابع قدمه، وحذاء من جلد الجمل في شكل الخف الذي يلبسه الأعراب عندنا، والمسجد يشرف على المدينة كلها، وكان يُبطَن داخله كله بالمرمر الأبيض، وفي ثلاث ساعات نقلني القطار إلى أجرا، وكان الحر لافحًا محرقًا، وقد تأخَّرَ هبوب الرياح الموسمية عن المعتاد قليلًا، وذلك ما زاد الحر شدة؛ لأنها إذا هبت ساقت معها السحب والأمطار من البحر فلطفت من ذلك بعض الشيء. أذكر أنني بعد أن أودعت متاعي حجرة الفندق هممت بالخروج، وإذا بالخادم يستوقفني ويشير بيده إلى الطريق ويقول: أتريد أن تنام هنا؟ فلم أفهم ما يريد واستنكرت منه تلك الإشارة وتركته وخرجت غاضبًا، ولما عدت لأنام في المساء حاولت البقاء في الغرفة رغم أني خلعت ثيابي كلها وأدرت المروحة، فلم أستطع من شدة الحر، ولقد أرقت ليلتي كلها، وفي الصباح وأنا خارج إلى المدينة ناديت الخادم ورجوته أن يفرش لي في الطريق كما يفعل سائر الناس هناك، فابتسم الرجل وقال: ذلك ما قلته لك أمس يا سيدي، فرفضتَ غاضبًا!
المسجد الجامع في دلهي.
سارعت إلى زيارة تاج محل آية الفن الهندي، وما كدت أدخله حتى ألقيت نفسي وسط قصر أقيم من الرخام الوضَّاء، والمرمر البراق، تزينه المآذن الدقيقة والقباب العدة، وحوله الحدائق المنسقة والنافورات البديعة، والجدران كلها رصعت بالزهور والزخارف الفارسية باليواقيت والزمرد والزبرجد، تزينها آيات القرآن الكريم في خط كبير. أما النوافذ والفتحات فأشبه بشباك «الدنتلا» في دقة مدهشة، وفي قلب المكان تحت القبة الرئيسية مقبرة من المرمر رصعت بالأحجار الكريمة، وفيها تُدفَن «ممتاز محل» زوجة السلطان شاه جهان، وكان يحوط المقبرة سور من فضة، ويكسو القبة غشاء من ذهب زنته ???? رطلًا، ولن أنسى زيارتي الثانية للتاج في ضوء القمر الشاحب وسكون الليل الرهيب، وهو يقوم براقًا وسط كل أولئك.
في ?? ساعة دخل القطار بنا بمباي بعد أن قطعنا جزءًا من صحراء ثار بحرها اللافح وترابها الأصفر الخانق؛ فكانت أكثر البلاد الهندية جمالًا وأشدها حركة تجارية، يشرف عليها حي «ملابار» مسكن الطبقة الأرستقراطية، ومن حدائقه المعلقة الشهيرة رأيت أبراج السكون الخمسة في شكل رصيف هائل حُفِرت به فجوات يضع فيها البارسيون «وهم طائفة من المجوس» جثثَ موتاهم عارية، وسرعان ما تنقض عليها الطيور الجارحة من أشجار السرو المجاورة، فتأكل اللحم كله وتترك العظام التي توارى في بئر هناك، ويحمل الجثث وهي عارية إلى ذرى تلك الأبراج كهول بيدهم القفازات خشية أن تتدنس أيديهم، ويجب ألا تمس الجثة التراب أو الماء أو النار؛ لأنها عناصر مقدسة طاهرة في عرفهم، ومن عبدة النار هؤلاء نحو مليون جلهم في بمباي وهم من أمهر التجَّار.
ولقد استرعى نظري في تلك البلدة كثرة البقر الطليق الذي يسير في الطرق دون أن يتعرض له أحد، وقد كنت مرة أركب الترام فوقف فجأةً وظل هكذا طويلًا، ولما نزلت لأتعرف الخبر ألفيت بقرة تنام على شريط الترام والسائق ينتظرها حتى تقوم، ولما طال بنا الوقوف نزل «وطبطب» على ظهرها حتى قامت واستأنف سيره، وهذا البقر مقدَّس منهم جميعًا ولا يجرؤ أحد أن يضربه أو يمسه بأذى، ويقدسون في البقرة: اللبن والسمن والجبن والروث والبول، تمزج هذه كلها وتوضع في آنية ساعة الصلاة ويشربها القوم تبركًا، ويسمون هذا المزيج المقدَّس «پانشا جا?يا»، ودهشت لما علمت أن البول أكثر هذه الأشياء طهرًا لديهم، فكثيرًا ما كنت أرى الناس يتعقبون بقرة ليتلقوا بولها في أيديهم ويمسحوا به وجوههم على قارعة الطريق، أو يأخذونه في آنية ويسرعون به إلى دورهم ليشربوه قبل أن يفسد، وهم يعدوننا أنجاسًا؛ لأننا نأكل لحم البقر، ولذلك فهم لا يسلمون علينا باليد، فكم من مرة مددت يدي أسلم على بعض مَن تعرَّفت بهم في القطار أو الطريق، وكثير منهم من المتعلمين، فكانوا لا يمدون اليد بل يضمونها إلى صدورهم لرد تحيتي. وحدث مرة وأنا في القطار إلى بمباي أن تقدَّم إليَّ خادم القطار بالطعام وفيه صنوف من اللحم، فما كاد رفقاء القطار الذين كنت أتحدث إليهم من الهنود يرون ذلك حتى اشمأزوا وتنحوا عني بعيدًا، وبعد عناء نجحت في استئناف الحديث معهم، وعلمت أنهم يستنكرون أكل اللحوم، وكان الواحد إذا تناوَلَ طعامه أخرج «عمودًا» به زهاء خمس طاسات وإلى جوارها طيات من ورق الموز، يفترش الرجل ورقة موز على مقعد القطار، ثم يفتح الطاسة بجهد لأن غطاءها محكم «بقلووظ» ويتناول الأرز بكامل يده، ويضعه على الورقة ويرش عليه بعض الدهن أو الزيت، ويلتهمه سريعًا محاولًا ألا يراه أحد؛ لأن نظر الأجانب لديهم نجس، فإن شك في أني رمقت طعامه ألقى به من النافذة وأخرج غيره، ولذلك فهمت سبب حمل عدة طاسات كلها من صنف واحد هو الأرز؛ ذلك لأنه معرض لنظرات الغير وعندئذٍ يصبح غير صالح للأكل. كذلك الماء فهم لا يشربون مطلقًا إلا من جرتهم الخاصة، وكلٌّ منهم يحمل جرة من نحاس محكمة القفل، ولقد أعدت لهم الحكومة في المحطات «حنفيات» خاصة يملئون منها جرارهم بأيديهم، خشية أن يمسها غيرهم من الغرباء أو ممَّن ينتمون إلى طبقة أحط من طبقتهم. وعدد طبقات الناس في الهند يناهز ثلاثة آلاف، كل واحدة تنظر للطبقة التي هي دونها باحتقار ولا تختلط بها ولا تصاهرها.
ولعل أعجب ما كان يثير دهشتي في بلاد الهند عامةً وفي بمباي والدكن خاصةً، طائفة المنبوذين الأنجاس، وهم فريق من الناس يناهز عددهم ستين مليونًا — أي نحو خمس سكان الهند — هؤلاء يعدهم الهندوس على اختلاف طبقاتهم أقل من الجنس البشري، ويعاملون باحتقار ولا يمنحون حقوقًا تُذكَر، فإن لمس فرد منهم إنسانًا أو طعامًا أصبح نجسًا، وحتى نظراتهم نجسة ولا يباح لهم دخول المحال التجارية ولا السير في الطرق العامة، فهم يشترون حاجاتهم بواسطة قوم يؤجرون على ذلك، وظلهم إذا سقط على شيء وجب إتلافه، وكم من مرة رأيت رجلًا أو امرأة من المتسولين يضعون وسط الطريق ورقة شجر وعليها كومة من تراب، ولما سألت عن ذلك علمت أنهم من المنبوذين الذين يجب عليهم أن يدلوا القسيس على وجودهم بتلك العلامات، فإذا رآها البراهما — وهو القسيس — وقف غاضبًا وصاح، فيجري الرجل المنبوذ مسافة مائة خطوة بعيدًا عن تلك العلامة، ثم يقف ويصيح معلنًا البراهما بأنه ابتعد القدر الكافي الذي لا تؤثر معه نجاسته، وكثير من المنبوذين يفوقون أفراد الطبقات الأخرى الراقية في شكلهم وهندامهم، ومع ذلك فإن المنبوذين لا يرون في تلك المعاملة ضيرًا ولا ألمًا؛ لأنها من أوامر الدين. وكنت أتحدث إلى بعضهم بالإنجليزية فيقول بأن الآلهة هي التي قضت عليهم بتلك الذلة والمسكنة، وعليهم أن يطيعوا ويصبروا ولهم أجرهم في الآخرة، على أنه بلغني أن كثيرًا من مثقفي المنبوذين بدءوا يحتجون على ذلك اليوم، ويقاومون هذا النظام وكثير منهم يعتنقون ديانات أخرى أو يلجئون إلى الإجرام والتشرُّد هروبًا من تلك المعاملة القاسية، وقد حاوَلَ غاندي في حركته الأخيرة أن يخفِّف من تلك الفوارق ويؤلِّف بين تلك الطبقات، فلم يفلح كثيرًا؛ لأن الأمر يمس صميم الدين في زعمهم، وكان ذلك أكبر عقبة في سبيل إصلاحاته.
قمت أتسلَّق جبال غاتة الغربية لأعبر هضبة الدكن عائدًا إلى مدراس، فاستغرق القطار في ذلك ?? ساعة، وكانت مناظر الغابات والشلالات ونحن نصعد الهضبة ساحرة الجمال، أما سطح الهضبة فأرض مهملة في الغالب لا تشعر بشيء من الخصب الذي كنا نسمع عنه، وجل تلك الأراضي داخل في نفوذ «نظام حيدرباد» أغنى أمراء الهند الذي تُقدَّر قيمة جواهره وحدها بأربعين مليون جنيه، وهو مسلم مع أن تسعة أعشار رعاياه من الهندوس، وفريق ممَّن يخضعون له يدينون بمذهب «الجانية» الغريب. أذكر مرة وأنا في القطار أن حشرة كالنحلة ضايقتني بطنينها فوق زجاج النافذة، فقمت أضربها فأسرع رجل من آخِر العربة وأمسك بيدي وقال: لا تفعل. ثم تناول الحشرة بمنديله في رفق وألقى بها من النافذة وقال: إن مذهبهم يحرِّم قتل الحياة أيًّا كانت حتى الحشرات الضارة، لذلك فهم يكنسون الأرض قبل الجلوس، ولا يرشون الأرض بماء غزير خشية قتل بعض الأرواح الطاهرة، وهم يغطون أفواههم بشاشة أو قطعة من حرير خشية أن تدخل فيها بعوضة فتموت، وهم يكرهون الزراعة؛ لأن المحراث يُمِيت كثيرًا من الحشرات، وهم يرون أن روح الإنسان بعد موته تحل أجسادًا أخرى قد تكون لطائفة من الحيوان بعضها راقٍ والبعض خسيس؛ فالرجل الخبيث تحل روحه حشرة خبيثة، لذلك تراهم يقفون في سبيل مصلحة الصحة عندما تأمر الناس بقتل الفيران تخلُّصًا من براغيث الطاعون مثلًا، ولم ينجحوا في ذلك إلا بعد أن وعدوا الناس بأن الفيران ستُحبَس حتى تنقضي أزمة الطاعون، ثم تُطلَق الفيران ثانية.
النرجيل يزرع في الأرض صفوفًا متقطعة.
وكنت أرى طائفة من الحيوان على اختلاف أنواعه تمرح طليقة وتمر إلى جوار الناس في الطرق وهي آمنة، فمثلًا لما كنت في كولمبو كانت صيحات الغربان المنفرة تقلقني وأنا في الفندق وتعشِّش في جوانب الحجرات، رغم ما بها من أثاث فاخر. وفي محطة مغول سراي عند أجرا رأيت مرة سربًا من الطاووس يفوق عدده المائة يمشي إلى جوارنا لا يزعجه أحد، وفي سوق دلهي رأيت قردًا يسرق الفاكهة ويأكلها من البائعين وهم يرونه دون أن يتعرضوا له. وقد زرت في بنارس معبدًا للقردة المقدسة تمرح في أعداد هائلة، وتُقدَّم لها القرابين والهدايا تبركًا، ولعل أعجبها معبد الأفاعي الذي رأيت به مائتي ثعبان يقدِّسها الناس ويطعمونها البيض يوميًّا، وقد ذعرت لما أن دخلت المعبد وأخذت الأفاعي تتدلى من الجوانب وتعلق بكل شيء، وبعضها كان يلقي بنفسه على الزائرين، وهي لا تلحق بهم أذى رغم أن أسنانها لم تُنزَع عنها، ويُطلَق سراحها لتزحف في الغابات المجاورة أثناء الليل، ولا يكاد الصبح يتنفس حتى تسرع بالعودة إلى مقرها من هذا المعبد.
وصلنا مدراس، ومنها عدت إلى جزيرة سيلان، ومن ثغر كولمبو ركبت الباخرة عائدًا بعد أن استغرقت زيارتي للهند ما يزيد على شهر ونصف قاسيت خلاله الأمَرَّين من بعد الشقة وهجير الحر اللافح والخوف من الأمراض المنتشرة، وقد بلغ مجموع الساعات التي ركبت فيها قطار سكة الحديد في طوافي بالهند تسعة أيام وخمس عشرة ساعة كاملة، مما يدل على المساحات الشاسعة التي قطعناها في تلك البلاد؛ ولذلك لا تعجب إذا علمت أنني دفعت واحدًا وعشرين جنيهًا ثمنًا للتذكرة التي طفت بها تلك الأرجاء في الدرجة الثانية.
عرجون من الموز يكاد يفوق شجرته طولًا.
غادرت الهند، تلك البلاد التي زهد أهلها في الدنيا رجاء الخير في الآخرة على ما يقولون.
بلاد تعدَّدت عقائدها ومعبوداتها حتى ملأت آفاق الهند معابدهم، مما أذكرتني بعهد أجدادنا الفراعنة، لذلك كانت شعائر الديانات تبدو في حركاتهم جميعًا، وعقلاؤهم يمضون وقتهم في التفكير العميق، ويفنون أجسادهم في سبيل تغذية أرواحهم ونفوسهم، فتقتصر أمانيهم على خرقة تستر العورة، وطعامهم لا يتجاوز سد الرمق وغلاتهم يسمون «الفقراء» ويقدسهم مواطنوهم؛ لأنهم نبذوا الدنيا، فكنت أرى بعضهم يعذب نفسه وينام على الشوك أو «المسامير»، والبعض يخزم ظهره «بسنانير» تُربَط في حبال، ويُعلَّق الواحد منهم في الهواء استرضاءً للآلهة، والبعض يدفن نفسه حيًّا أو يرفع ذراعه إلى السماء حتى تتصلب عضلاته، أو يقف طول حياته وهو يرعش جسده ولا يتكئ على شيء ليخفِّف من آلامه.
تلك لمحة عن الهند وأهلها الذين لا يسع مَن يراهم إلا أن يعطف عليهم ويتألم للسعادة الموهومة التي هم فيها.

مشاهداتي في بلاد اليابان


لا تزال ذكرياتي الجليلة عن بلاد اليابان ماثلة أمامي، لا تفتأ النفس تحن إليها حنينها إلى المثل الأعلى، فهي للشرق كله خير وقدوة.
وصلتها الباخرة اليابانية «سوامارو» في أربعة وعشرين يومًا، وما كادت تدخل بحر اليابان الداخلي حتى تجلت روائح الطبيعة في جزائرها المنثورة في غير حصر تزينها الخضرة، رصعت بالمباني الخشبية البراقة، ثم أقبلنا على كوبي وهي أكبر ثغور اليابان التجارية، وتقع في حجر جبل شاهق، وما أن حللت أرضها حتى بدت الحياة اليابانية في مظهرها العجيب الجميل: الناس يسيرون في سيل دافق وقد لبسوا جميعًا الأردية الواسعة الفضفاضة «الكمونو» التي تحكي القفطان عندنا في ألوان زاهية وبقع ملونة، لا تسمع لهم جلبة ولا ضوضاء، اللهم إلا فرقعة قباقيبهم الخشبية التي يلبسونها جميعًا نساءً ورجالًا، ويسيرون بها في سرعة عجيبة، ومن تلك القباقيب ما يزيد ثمنه على نصف جنيه وبخاصة للسيدات، فهي من خشب اللاكيه الثمين يُبطَّن بالقطيفة الوثيرة، وأجمل ما راقني مظهر السيدات وعلى ظهورهن فراشة ضخمة هائلة هي من تقابُل طرفي الحزام الذي يلبسنه جميعًا، وقماشه من حرير ثقيل ثمين وطوله أربعة أمتار، ولا أنسى خجلي ساعة أن سألت صديقًا يابانيًّا عن السبب الذي من أجله يحمل النساء تلك الوسائد الثقيلة وراء ظهورهن، فكان جوابه بأنها ليست وسائد بل هي طرف «الأوبي»، ربطه هكذا في شكل الفيونكة الكبيرة زينة وتجمُّلًا. وكان يدهشني تنوع ألوان معاطفهم وبخاصة النساء، وقد علمت أن السيدة لا تلبس من لون سبقتها إليه غيرها، لذلك تُنسَج الأقمشة لهن في قطع تكفي كل واحدة لرداء ليس غير، والنساء هناك سافرات ويزين رءوسهن تاج من شعر أسود برَّاق، أُقِيم في كور مختلفة وشُدَّ على شباك من السلك في أشكال فنية منوعة، والشعر عندهن شعار الجمال؛ لذلك قَلَّ أن يغسلن رءوسهن، بل يتخذن الأدهنة محافظة على الشعر، وتزور الماشطات البيوت كل أسبوع، وقد يبلغ أجر الماشطة جنيهًا عن كل مرة. قمت بقطار الكهرباء إلى ضاحية «أرا شياما» برفقة فوزي بك قنصل مصر في اليابان إذ ذاك، فتجلت بدائع الطبيعة في جبالها وشلالاتها وبحيراتها، وكنا قد خاطبنا فندقًا بالتليفون ليعدَّ لنا مكانين في طعام الغداء، وأقَلَّتْنا سيارة إليه بعد أن أخذنا بنصيب من جمال تلك الضاحية الساحرة، وما كدنا نقارب الفندق حتى أسرع صحبه رجالًا ونساءً وأتباعًا يتقدَّمهم الرئيس ووقفوا بالباب وصاحوا صيحة استقبال، ثم أخذوا يكرِّرون الانحناءات ونحن نردُّها بمثلها أو يزيد انحناءً حتى كادت في آخِر الأمر تلمس الرءوس الأرض، وذلك إمعانًا منهم في التأدُّب، وأنت ترى ذلك طوال الطريق كلما لاقى صديقٌ صديقَه.
رأينا إلى جانبي المدخل رفوفًا تصف عليها القباقيب والأحذية، فخلعنا نعالنا وناولتنا الفتاة خفًّا من خوص لم يكد يدخل في أرجلنا؛ لأن اليابانيين قصار القامة وأقدامهم أصغر من أقدامنا، ثم تبعناها في أزقة الدار الخشبية التي كانت تترنح تحت أقدامنا، وقد كسيت أرضها بالحصير الثمين الطري، ولما وصلنا غرفتنا خلعنا الخفاف ولم نجد بها من الأثاث إلا بعض الشلت من الحرير أمامها مناضد براقة وطيئة صغيرة، وقد أجلسونا إلى جانب مقصورة بها زهرية يطل إلينا منها زهر جميل رُتِّبَ في شكل خاص، وللزهر وتنسيقه لغة يفهمها الجميع ويدرسها الأطفال منذ الصغر، وحتى في رسائلهم يستخدمون أسماء الزهور بدل كتابة التاريخ، ولهم في ذلك تقويم معروف، ولكل أسبوع زهرة خاصة تدل عليه.
جلسنا القرفصاء على الشلت فتقدمت الفتاة بكوبين صغيرين من شراب منفر المذاق هو من منقوع مسحوق الشاي، ثم دنت فتاة أخرى وبيدها سلة من خيزران رفيع «بامبو» بها فوطة مبللة ساخنة يتصاعد منها البخار، فنظرت حائرًا ماذا أفعل فعجل صديقي بتناولها ومسح بها وجهه ويديه، فحذوت حذوه وشعرنا بعد ذلك بانتعاش كبير، وتلك الفوطة تُقدَّم في كل مكان حتى في المحال التجارية. ثم أقبلت الفتاة تحمل الشاي المر المخفَّف وقد شربناه في أكواب من خشب اللاكيه، وبعد قليل قاربتني الفتاة وهمست في أذني، فعلمت أنها تريد أن أقوم فأخلع ثيابي، وقد لازمتني وهي تساعدني وأنا أخلعها، ثم أرخت على جسدي الكيمونو وأنا خجل مطأطئ الرأس، جاء دور الحمام وأشارت إليَّ فلم أفهم، فقال لي صاحبي أن قد أُعِدَّ الحمام لي ولا يصح رفضه؛ لأنه فرض على الجميع، وهم يستحمون مرتين يوميًّا في فصل الصيف. قادتني هي وجمع من صويحباتها فدخلت غرفة صغيرة مدت بها الشلت وإلى داخلها حوض الماء وحوله الجرادل والأكواز وكلها من الخشب، وكان الماء ساخنًا جدًّا وهم يستحمون به في درجة ??°م حتى في الصيف. وقفت الفتاة تنظر إليَّ وأنا أنظر إليها منتظرًا أن تخرج، فأدركَتْ حيرتي وارتباكي وانسحبت، فحاولت غلق الباب وراءها فلم أجد به شيئًا يُغلِقه، فخلعت ثيابي وإذا بها تدخل عليَّ فخجلت وجلست منكمشًا إلى جانب الحوض، فدهشت وخرجت، فأسرعت بدعك جسدي بالصابون، ولم ألتفت إلا وهي تقف حولي ومعها جمع من الآنسات، فتخلصت من ذلك الموقف بأن ألقيت بنفسي في الحوض رغم حرارته المحرقة، هنا صاح الجميع وعجلوا بالخروج وزاد الهرج، وإذا بهم يعودون مع صاحبي وصاحب الفندق، فقال لي صاحبي: أنت غطست في الحوض؟ قلت: نعم، أليس هو مُعَدًّا لي. قال: لقد أفسدت كل شيء، فهذا العمل يُعَدُّ لديهم رجسًا ونجاسة، ولقد حرمت غيرك من الاستحمام طوال هذا اليوم حتى يجف الحوض ويطهر. فأخذت أنا وصاحبي نعتذر عن جهلي بعاداتهم، فكان موقفًا مخجلًا ما كنت أحب أن أقفه أبدًا، وعجبت لما علمت أنهم لا يرون عيبًا في أن يظهر الواحد عاريًا، وكثيرًا ما كنت أرى فقراءهم يستحمون إلى جوار البيت على قارعة الطريق! ولم يكن ذلك يسترعي أنظار أحد من المارة سواي.
أخذت مكاني من المائدة الصغيرة ومن حولنا الفتيات يسامرننا، ولا يصح في آدابهم أن يُترَك الضيف وحيدًا لحظة واحدة. جاء الطعام يُحمَل على صواني خشبية صغيرة في أواني برَّاقة من اللاكيه، وجلها مكور كأنه «السلاطين»، ثم وُضِع إلى جانب ذلك برميل كبير نظيف مليء أرزًا مسلوقًا ناصع البياض وفي حجم كبير، ملأت الفتاة لي آنية الأرز وسلمتني إياها وفيها عصوان دقيقتان كأنهما أقلام الرصاص، وذلك الأرز يؤكل بدل الخبز، فنحمل قطع الطعام الأخرى بتلك العصى، ثم نخلطها بالقليل من الأرز في سرعة هائلة ونلقي بها إلى أفواهنا، أما صنوف الطعام فكانت غريبة لديَّ: قطع من سمك نيِّئ مثلوج، إلى جانبه سائل كأنه الخل، ثم شربة السمك الباردة، ثم شواء السمك ونوع كأنه الجمبري، وإلى جانب ذلك بعض البطاطا وأعشاب البحر والخضر المملحة. بدأ القوم الأكل في مهارة ظهرت إزاءها بمظهر الربكة والحيرة، فكنت مثارًا لضحكهم كلما حاولت رفع الطعام بالعصوين فتهوي شظاياه على ملابسي وتتناثر هنا وهناك، هذا إلى طعم ذاك الغذاء المنفر المذاق، وأخيرًا قدمت صينية الحلوى وجلها من البلوظة «العادمة»، ثم فاكهة كأنها أعواد البازلاء «البسلة»، وكان خلال كل أولئك كلما فرغ إناء الأرز ملأته الفتاة لي ثانية من البرميل، وكانت فتاة أخرى تملأ كأس الساكي وهو خمرهم المتخذ من الأرز بطعمه اللاذع البغيض، وتعيد الكرة مرارًا، وبين آونة وأخرى يجب أن يملأه الضيف لها بعد غسله فتشربه هي، ثم تعيد غسله وتقدمه لنا ثانية، ولكي ندلهم على الانتهاء من الطعام يجب أن نبقي في الإناء قليلًا من الأرز، ونصب عليه الشاي المر، ونرتشفه في صوت مرتفع. ثم يُقدَّم الشاي المر مرارًا، وهو خفيف جدًّا، وقد يُقدَّم مثلوجًا في أكواب كبيرة.
قمنا ننصرف فعجل القوم بوداعنا على الباب، وتقدَّم زعيمهم بهدية هي منديل بسيط لُفَّ في ورق لامع شفاف، ورُبِط بشريط ملون في طرفه قطعة من سمك ناشف؛ لأن السمك لديهم بشير الخير ودافع السوء.
قمت إلى يوكوهاما لكني لم أَرَ بها ما يستحق الذكر؛ فهي ثغر يحكي البلاد الأوروبية، وكانت آثار الهدم الذي سبَّبه الزلزال لا تزال ماثلة في أحيائها كلها، وقد دكَّها دكًّا. أخذتُ القطار الكهربائي إلى طوكيو، ووسائل النقل هناك متعددة وسريعة وكلها بالكهرباء التي استغلوها من منحدراتهم في أغراض شتى، وكنت أعجب لشدة عنايتهم وإسرافهم في تأثيث تلك المركبات من فرش وثيرة وشماعات من النيكل البراق وداليات من جلد وعاج، وزاد عجبي أدب الكمساري الذي كان يستأذن ويدخل العربة، ثم ينحني تأدُّبًا ويقول: سادتي نحن مقبلون على محطة كذا، ثم ينحني ثانية ويرجع بظهره إلى الباب، وكنت أسمع طوال الطريق كلمة «أرجاتوسان» أي: شكرًا سيدي، يقولها الناس بعضهم لبعض، وحتى سائقو السيارات يحيي الواحد زميله كلما مرَّ به. حللت مدينة طوكيو فراعتني عظمتها ونظافة طرقها، فهي تتخذ المدن الأمريكية مثلًا لها، وقد استرعى نظري البوليس في موقفه على رءوس الطرق، فهو مهيب الجانب وإن بدا قصير القامة غير جذَّاب الهندام، ولا أنسى يومًا باغتني فيه جندي قائلًا: أأنت المستر ثابت المصري؟ ما لي أراك حائرًا؟ تريد دار القنصلية المصرية؟ فقلت: نعم، إني إخالني ضللت الطريق إليها. وقد قصَّ عليَّ فوزي بك نبأ طلياني انتقل إلى بيت جديد هناك، ولما عاد في المساء ضلَّ طريقه إليه، فلاحظ البوليس حيرته فباغته قائلًا: تعال معي أوصلك إلى بيتك الجديد. وفي ذلك ما يؤيِّد شدة يقظة البوليس الياباني، وخاصة في مراقبة الأجانب.
نزلت فندقًا اسمه Chuo فاستقبلوني بأدبهم المعهود، وقُدِّم الشاي، ثم الفوطة، ثم الحمام على النظام الذي سبق بيانه، ولما حللت غرفة الطعام كان الفتيات من حولي يسامرنني، وصادف أن مرَّ بالباب بعض عازفات الموسيقى يعزفن على العود الياباني «المسمى الشمسين» ويغنين غناء منفرًا كأنه صوت المعيز، ويرقصن رقصًا يابانيًّا بديعًا، فقمت أرسم صورتهن، فأسرع الجميع يمنعونني غاضبين وقالوا بأن تلك هي الوسيلة الوحيدة التي يباح فيها التسول في بلادهم، فأكبرت فيهم تلك العصبية والذود عن كرامة بلادهم، مع أن العازفات كُنَّ في غاية النظافة والكمال. طلبت إلى صاحب الفندق أن يدلني على دار للتمثيل الياباني الصميم، فهداني إلى تياترو شمبشي، وما كدت أصل الباب حتى كانت فتاة في استقبالي وقد تقدَّمَتْ إليَّ تقول: أأنت يا سيدي ثابت سان المصري؟ قلت: نعم، ومن أين لك ذلك؟ قالت: إن صاحب التياترو هو أخ رب الفندق، وقد خاطبنا تليفونيًّا أن نكرم وفادتك، ورفضَتْ أن تقبل مني أجرًا، ولبثت تشرح لي مشاهد التمثيل بالإنجليزية، وفي نهاية الليلة ودَّعتني وقدَّمت لي هدية صغيرة كعادتهم في كل مكان. مررت في جولاتي بميدان القصر الإمبراطوري، فبدا المكان فاخرًا إلى حد كبير، فأمسكت بالفتوغرافية وأخذت ألتقط ما راقني من مناظره، وإذا بفارس يتقدَّم إليَّ ويمسك بالآلة ويفسد الفيلم في رفقٍ، وقال بالإنجليزية: ذلك ممنوع يا سيدي احترامًا لابن السماء وحرمةً لداره. وهم يعبدون الإمبراطور؛ لأنهم يرونه من سلالة انحدرت عن الشمس، والعجيب أنه إذا مرَّ موكبه في الطرق، وهذا نادر جدًّا، أُغلِقت جميع النوافذ؛ إذ لا يصح النظر إليه من مكان مرتفع عنه، ويقف الناس ووجوههم إلى الأرض، وأعجب من ذلك أن رجال البوليس يقفون وظهورهم للإمبراطور ووجوههم للناس، وحتى سفراء الدول إذا دعوا في حفلة رسمية يظهر عليهم الإمبراطور من مكان مشرف ويرفع يده من بُعْد وهم وقوف في صفوف مستقيمة.
طلبت من صديقي يوكوياما في وزارة المعارف أن أزور الجامعة، فطفنا بأرجائها لكنها كانت في عطلة الصيف، ولقد حدَّثني عن التعليم فقال: إنه نُقِل عن أمريكا وقد بدأت العناية به منذ سنة ????، يوم أقسم الإمبراطور العظيم «ميجي» ألَّا تبقى في اليابان عائلة جاهلة ولا عضو أمي، وقد تحقَّق ذلك فأصبحت لا تزيد الأمية اليوم على ?? من مجموع سكان الجزائر الأصلية وعددهم فوق سبعين مليونًا، ومدة الدراسة الابتدائية ست سنين، وفيها يدرس التاريخ والأخلاق واللغة القومية، وهو إجباري ومجاني للذكور والإناث. ثم التعليم المتوسط «الثانوي» خمس سنين وهو مجاني أيضًا لكنه غير إجباري؛ إذ لا تطيق المدارس أكثر من ??? من حاملي الشهادة الابتدائية، لذلك يعقد للدخول امتحان مسابقة. ثم التعليم الإعدادي أربع سنين، ثم الجامعة ثلاث سنين، ولا يتخرج الطالب قبل سن ??، وسبب ذلك التأخير يعزى إلى صعوبة اللغة اليابانية التي تتطلب ثلاث سنين وحدها، وكذلك إلى أن الياباني يتلقى ثقافتين الثقافة القومية والثقافة الأجنبية، والطلبة جميعًا يلبسون أردية موحَّدة الزي، وذلك نظام نُقِل عن ألمانيا.
قمت بالقطار السريع إلى كيوتو ومعناها العاصمة الشرقية، فوصلتها في عشر ساعات، فبدت لي أكثر المدن محافظةً على القديم وأشدها اعتزازًا بكل ما هو ياباني، وأول ما يلفت النظر كثرة المعابد وروَّادها، مما دلَّني على أن اليابانيين قوم متدينون إلى حد كبير، رغم ما كان يبدو لي من سذاجة معتقداتهم، فالطبقات الراقية دينهم الشنتوية لا يعتقدون في بعث ولا نشور، وديانة العامة البوذية وكلاهما يقدِّس الأجداد ويعبد الطبيعة، ويظهر أن لجمال طبيعتهم وروعتها أثرًا في تلك العقائد، حتى إني كنت أراهم يقيمون البوابات الخشبية المقدسة عند مدخل كل بقعة جميلة، وهم رغم تدينهم ليسوا متعصبين، وكثيرًا ما كنت أرى القسيس يصلِّي في معبدين أحدهما شنتوي والثاني بوذي. أما عن متنزهات كيوتو فحدث فهي في كل مكان وفيها تكثر المجاري السريعة والصخور المنثورة والأشجار التي تتعدد وتتنوع خلف بعضها، بحيث لا يمضي أسبوع من العام دون أن ترى ألوانًا مختلفة من الزهور في كل حديقة، وحتى بيوتهم الصغيرة تُزوَّد بحديقتين أكبرهما داخلية لحرم الدار.
معبد ميجي من الداخل.
قمت إلى أوساكا: المركز الصناعي، ويعدونها منشستر اليابان، فبدت مداخن المصانع وكأنها الغابات من كثرتها. هنا أضافني صديق ياباني اسمه «أوتسومي»، تناولت عنده طعام العشاء ودهشت لما رأيت جمعًا من الفتيات يعنون بأمري، ويظهر أنهن من السميرات اللاتي يُستأجَرن لهذا الغرض، وكنا نجلس في البيت وكأنه كله بهو واحد جميل يطل على الحديقة، وعندما قرب ميعاد النوم بدأ الفتيات يحركن جوانب الجدران والحوائط الخشبية، فأخذت تنزلق الواحدة تجري أمام الأخرى فانقسم البهو الفسيح إلى حجرات ضيقة شأنهم في جميع بيوتهم، وحصرت أنا في واحدة منها، ثم مُدَّتِ المرتبة على الأرض وعند طرفها وُضِعت وسادة من خشب وشُدَّتْ نموسية خضراء إلى جوانب الغرفة، ولما أن هممت بالنوم بدت لي المرتبة قصيرة، فكانت قدماي تتدليان من جانب ورأسي من الجانب الآخَر، وقد حاولت أن أنام على تلك الوسادة الخشبية فلم أستطع، والعادة أنهم يضعون رقابهم عليها والرأس مدلى من الجانب الآخَر، وكنت أعجب كيف يستريح الواحد منهم، وهم يقولون بأن لهذه الوسائد الفضل في طول رقاب اليابانيات وجمالها، والذي دعاهم إلى ذلك محافظة النساء على شعورهن الجميلة من أن تعبث بها وسائدنا المألوفة. قدَّمت لي الفتاة الشاي المر الذي لا بد من شربه قبل النوم مباشَرَةً؛ لأنه يطهِّر الفم، ثم أشعلت المبخرة التي تظل تحترق طول الليل لتطرد البعوض الكثير هناك، على أن رائحة البخور كانت منفرة للغاية ولم أطقها لذلك قمت فأطفأتها، ولم أنم ليلتي؛ لأن قعقعة جوانب الدار وصفير الريح فيها كان كفيلًا بذاك الأرق الطويل.
جانب من بيوتهم الخشبية المنسقة.
وكم أكبرت فيهم إخلاصهم الشديد لأسرتهم وولاءهم لوطنهم، فالعائلة هناك أساس المجتمع، وللعائلة حقوق على أفرادها واجبة الأداء، والفرد يضحِّي بمصلحته الشخصية في سبيل الحرص على صالح الأسرة، فهي التي تتصرف في زواجه وتعليمه ومستقبله، ومَن لم يخضع لذلك حُرِم شرف الانتساب إلى أسرته فينبذه الجمع، ويكاد لا يوجد الولد العاق مطلقًا، فإذا أراد الشاب الزواج اختار له أهله الزوجة الصالحة، بصرف النظر عن ميول الشاب نفسه. ونظام العائلة عندهم يحتم أن يأخذ الكل يناصر مَن أصابه ضر من أفرادها، حتى ولو تطلَّبَ ذلك كل أموال الأسرة؛ لأن عجزها عن إنقاذ أحد أفرادها عار كبير، ولهذا لم تكن اليابان في حاجة إلى ملاجئ ولا شركات للتأمين، وأظهر ما يبدو هذا التعاون عند حلول النكبات العامة كالزلازل والحروب، وهنا تجد الجميع يتطوعون للخدمة والإنقاذ، كذلك في دور الصناعة حين يمتنعون عن طلب الزيادة في الأجور خشية أن يتأثَّر بذلك مركز المصنع الذين يفاخرون بنجاحه على أيديهم، وكثيرًا ما تنازل العمال عن رواتبهم عند الأزمات لكيلا تكسد التجارة اليابانية في الأسواق، وذلك يتنافى مع وطنيتهم. ولقد لمست هذا الإخلاص في موظفي القنصلية المصرية هناك، فهم رغم رواتبهم الضئيلة منكبون على عملهم في تفانٍ وإخلاص مشكور.
وللياباني قدرة عجيبة على العمل وكسب العيش؛ فكل فلاح يربي في بيته دود القز، ويحصل من إنتاجه على ما يقرب من نصف إيراده السنوي، وأغلبهم يستخدم واجهة بيته الصغير حانوتًا يعرض فيه بعض المبيعات، ولا يشترط أن يمكث هو يراقب حركة البيع، بل يكفي أن تكتب الأثمان على السلع فيأخذها المشترون ويلقون بالثمن المكتوب في صندوق النقود دون غش أو اختلاس. فانظر مبلغ أمانتهم وصدق معاملتهم! وكثير منهم يُقِيمون في البيوت مصانع لإنتاج بعض المنسوجات أو اللعب أو أشغال اللاكيه والخيزران، وساعدهم على ذلك استخدام الكهرباء الرخيصة في إدارة آلاتهم الصغيرة، وذلك يدر عليهم مالًا وفيرًا. ومحافظتهم على العهد مقدَّسة، فالدائن إذا أقرض أحدًا بعض المال لم يستكتبه صكًّا بذلك، بل يقول له: إن لم تدفع دينك في الميعاد، أفشيت الأمر إلى عشيرتك وجيرانك. وفي ذلك فضيحة كبرى له، ويحاول الدائن أداء دينه قبيل أول العام الجديد حتى ولو اضطره ذلك إلى بيع بعض أثاث بيته، ولذلك تكثر المبيعات في الأسبوع الأخير من كل عام، وقد يستحل بعضهم السرقة لوفاء دينه؛ لأن عدم الوفاء بالعهد جريمة أكبر من جريمة السرقة، ولذلك كانت غالب حوادث السرقة في الأسبوعين الأخيرين من السنة. وقد أصابني شيء من هذا يوم أن كنت أشاهد رواية شعبية في تياترو «تاكاراسوكا» في ضاحية من كوبي، تركتُ آلة التصوير في الفترة بين الفصلين ولما عدت لم أجدها، فأبلغت البوليس فناداني باسمي وكأنه عليم بوجودي في هذا المكان، وأخذ يعتذر لي عن حدوث هذا، وهو أمر غير مألوف في بلاد اليابان طرًّا، وأكَّدَ لي بأنه سيبحث عنها وأنه واثق من العثور عليها؛ إذ لا يضيع شيء في بلاد اليابان، وأخذ عنواني وهو مضطرب متألم؛ لأنه رأى في ذلك جرحًا للعزة القومية وخدشًا للشرف الياباني الذي يحميه الجميع.
الفتيات يجمعن أوراق التوت لتغذية دود القز في منازلهن.
(?) نهضة اليابان

خالفت اليابان في نهوضها سائر بلاد الدنيا، ففي إنجلترا مثلًا نهضت الصناعة على أساس المجهود الفردي والمنافسة الحرة، فكفت الحكومة عن تدخُّلها، فلم يكن للتعاون التام ولا للإشراف الحكومي أثر، أما في اليابان فقد قامت الصناعة على كواهل الدولة وذلك لعدم وجود طبقة من أغنياء التجار الذين أمدوا الصناعة في إنجلترا بالمال، إلى ذلك احتقار طبقة التجارة في اليابان وقلة خبرتهم بسبب عزلتهم عن الأجانب.
فبينا نجد النهوض الصناعي في الغرب هو الذي أثَّر في النظم السياسية إذا بالأمر على النقيض من ذلك في اليابان، حيث كان الانقلاب الصناعي نتيجة مباشِرة لتغيير نظام الحكم، فالدولة هي التي فتحت المصانع ولا تزال تديرها، وهي التي أوفدت الطلبة ليتعلموا الصناعة والتجارة في الخارج، واستقدمت الأجانب الخبراء، وحتى المصانع التي انتقلت إلى أيدي الأفراد لا تخلو من رقابة الحكومة. ومما ساعد الصناعة في اليابان أنها نجت من مقاومة فئة الممولين الأقدمين الذين تعرَّضوا للخسائر فناوءوا الصناعة في أوروبا، إلى ذلك فإن النهوض الصناعي جاء في وقت ظهر فيه فضل الإنتاج الكبير الذي لا يقوى عليه الأفراد بل الجماعات والمتعاونات، فبينما يكره الناس تدخل الحكومات في الغرب إذا الأمر في اليابان على نقيض ذلك؛ فالإشراف الحكومي في صميم نظامهم الاجتماعي الذي يحتم الطاعة للأسرة وللدولة — وعيب ذلك القعود بقوة الابتكار — فاليابان تعد المثل الأعلى للنهوض الصناعي في القرن العشرين كما كانت إنجلترا في القرن التاسع عشر، وقد خدم هذا النهوض ظروف عدة أهمها: ضم كوريا ومنشوريا الذي يطلب القيام بمشروعات كبرى كالسكة الحديد والمصارف والمتاجر، كذلك قيام الحرب العالمية قلَّل مزاحمة أوروبا لها في السفن والمنسوجات والآلات الحربية؛ فبنت سفنًا كثيرة وضاعفت مغازل القطن، وحتى القطن الراقي الذي كان حكرًا لإنجلترا، وبذلك أصبح أغلب الواردات من الخامات — عدا الحرير الخام — خصوصًا القطن والمواد الغذائية، أما الصادرات فمن المصنوعات وذلك عكس ما كانت عليه الحال تمامًا.
وبالإيجاز فإن اليابان قد انقلبت من بلاد تعيش في القرون الوسطى إلى قوة اقتصادية خطيرة في ستين عامًا، ففي الخمس والعشرين سنة الأولى أقيمت الدعامات الصناعية تحت سيطرة الدولة، وفي العشرين سنة التالية ظهر النمو الصناعي بعد أن عاونه النصر والتوسُّع الاستعماري، فأخذت تستقل بعض الصناعات عن الدولة بعض الشيء، وأخيرًا جاءت الحرب العالمية الأولى فأتمت هذا التقدم المدهش، على أن الزراعة لا تزال أساس النشاط هناك، فنصف سكانها مزارعون لا يتركون شبرًا واحدًا من الأرض بدون استغلال، حتى إنهم قد يزرعون ثلاث غلات أو أربعًا في العام الواحد بطرق ساذجة عتيقة، وحتى الحساب بالشهور القمرية — كالمصري — والملكيات هناك صغيرة — ملايين عائلة تملك كل واحدة أيكر، وثلاثة أرباعهم لا تزيد ملكيتهم على ??? أيكر، فنحو ??? من الملاك من صغار الزراع — والمستأجر يقوم بالعمل مشاطرة مع المالك. إلى ذلك فللمزارع عمل آخَر هام هو تربية دود القز، ومنه يستمد الفلاح نصف دخله، إلى ذلك بعض الصناعات اليدوية البسيطة «النسج والخيزران وطلاء الورق واللعب»، ولست أدري لِمَ لا يحذو فلاحنا البائس حذو الياباني في ذلك. إلى ذلك فإن انتشار الكهرباء ورخصها كان خير معين للصناعات الصغيرة التي تمارس في البيوت بنفقات زهيدة، ومن العجب أن مصانع الإنتاج الصغير تقوم جنبًا لجنب مع مصانع الإنتاج الكبير، بل والسائد هو الأول، وبفضل الكهرباء كانت مصانع اليابان أحدث نظامًا من مصانع أوروبا العتيقة، بل والعالم أجمع، فهل لمصر أن تستغل منخفض القطارة وخزَّان أسوان فتستفيد بكل تلك المزايا؟ ونلاحظ أن ??? من صنَّاع الإنتاج الكبير من السيدات، وهن أرخص من الرجال، ومن ثَمَّ كانت سلع اليابان رخيصة جدًّا، وجل مصانع الإنتاج الكبير تحت إشراف الدولة، وبهذا أمنت المزاحمة القاتلة، فهل لحكومتنا أن تنقذ الصناعة بشيء مثل هذا؟ وليس للبطالة خطرها في اليابان؛ لأن الرابط العائلي المتين هناك يحتم عليهم أن يموِّلوا العاطل منهم، وقد يلجأ العاطل إلى الزراعة السائدة هناك وفي هذا شبه بمصر، والمشكلة الرئيسية زيادة السكان، ففي خمسين عامًا ضوعف العدد تمامًا، والزيادة مليون كل سنة، والزراعة هناك لا تمون سوى النصف فقط، لذلك كثرت الواردات من المواد الغذائية، ولا سبيل إلى ابتلاع زيادة السكان سوى الصناعة وهي نفس المشكلة عندنا.
وثانية المشاكل اعتماد البلاد على غلتين: الحرير الخام ???، والقطن المنسوج ??? فهما ثلثا الصادرات.
ودعامات المدنية هناك لا تزال شرقية في الفلسفة والاجتماعيات والدين والسياسة، أما في الماديات فغربية، فلقد جمعت بين النقيضين الشرق والغرب، وكانت حكيمة فيما نقلته عن الغرب، فلم تتعصب لدولة دون غيرها، بل نقلت من كل دولة أحسنها، وبذلك جمعت بين الحضارتين الشرقية والغربية مع الاحتفاظ بقوميتها، فهل لنا أن نفعل ذلك؟
ولم تستطع فلسفة أوروبا أو أمريكا التأثير على الياباني، فهو في نظره يقول ما لا يفعل، ويعتقد أنه صادق نظريًّا مارق عمليًّا؛ لأنه مسيحي لكنه لا يعمل وفق تعاليم دينه، على أن انتشار اللغة الإنجليزية وأفلام السينما الأمريكية سيكون لهما أثر ولو بعد حين.
أخلاقهم واجتماعياتهم

يحقد الأوروبي على الياباني، ويتهمه بالغدر وحب السيطرة والتجرد من الضمير، ولكنه مخطئ؛ إذ يحاسبه كما يحاسب بني جنسه، فهو لا يفهمه كما نفهمه نحن المصريين، فمثلًا يرى الياباني النقد الصريح قلة ذوق وسوء أدب، ويجب أن يكون تلميحًا، كذلك لا يصح أن ترفض له طلبًا أو تبلغه نبأً مؤلمًا إلا إذا ألقيته إليه مخفَّفًا، كذلك يتهمهم الأجانب بالغش والتقليد، وذلك كان يحدث في الغرب عند بدء النهوض الصناعي، وينفي ذلك أنهم كثيرًا ما يتركون متاجرهم مفتوحة ويضعون الثمن على السلع، وعليك أن تضع الثمن المكتوب بنفسك وتأخذ السلعة دون أن يراك أحد. وهو يفضل التراضي والتسامح على المخاصمة حتى ولو كان صاحب حق، ولا يصح في آدابه أن يظهر مقطب الوجه مهما كان لديه من هموم، لذلك امتاز على سائر الشعوب بالقدرة على ضبط النفس، ومن هنا جاء احتقارهم للغربيين الذين يهتاجون لأقل شيء. والأجنبي يرميه بقلة الذوق لأنه مثلًا يرتشف الماء عند الشرب بصوت مرتفع، ولأنه لا يقف للسيدة، بل للطفل وللمسن فقط، وهذا متفق مع تقاليدنا نحن وليس فيه عيب. وهو حَذِر جدًّا لا يظهر ما يكِنُّه، وتلك صفة أهل الجزائر بسبب عزلتهم ولأنه يعتقد أنه يمثِّل بلاده وهو يتكلم، وهم لا يقبلون النصح من الأجنبي خشية أن يتهموا بالجهل والضعف، وتعوزه الروح الرياضية فالمباريات عندهم تشبه الحرب، خصوصًا إذا كانت ضد الأجانب. وهم في التضحية للصالح العام أرقى شعوب الدنيا، وكذلك حبهم للجمال الذي يحرصون عليه في كل ناحية؛ فهو يفضل جانب الجمال ولو كان ذلك على حساب راحته، وذلك مستمد من بيئتهم الصغيرة التي تفاجئهم بالمناظر الأخاذة حتى في المسافات القصيرة.
وشتان بين الغربي الذي هجر تقاليده وعاداته وأصبح طليقًا يفعل ما يشاء، وبين الياباني الذي يتمسك بتقاليده القومية إلى أقصى حد، فينكر ذاته ومصلحته الشخصية أمام الصالح العام وصالح الأسرة حتى في زواجه، ولا يوجد الولد العاق هناك مطلقًا، حتى خفَّف ذلك على الدولة والقضاء؛ لأن الفصل في أغلب الخصومات للأسرة دون حاجة إلى الالتجاء إلى القضاء — وذلك ما بدأ يتلاشى في مصر لسوء الحظ بسبب التقليد الأجنبي الأعمى عندنا — وهو لا يرى أن الحب هو أساس العلاقة الزوجية كما هي الحال في الغرب؛ لأن الحب في نظره له خطره وأثره الضار، والطلاق مباح لكن بعد موافقة العائلة، ونظام التبني شائع لضرورة وجود رجل يمثِّل العائلة، وكثيرًا ما يكون ذلك بين الرجل وأكفأ عماله، وذلك سبب من أسباب نجاح الأعمال هناك، وقد يخيل للغريب أن المرأة محتقرة خصوصًا وأنه لا يتاح للرجل أن يصحبها معه إلى الملهى مثلًا ولا يراقصها مطلقًا، لكنها سيدة منزلها والمشرفة الحقيقية على تربية بنيها، ورغم ما خلفه الخضوع للعائلة من ضعف الاستقلال الشخصي وقوة الابتكار، فإنه منع التسول والتشرد والبطالة؛ لأن العائلة مكلَّفة أن تعول كل أفرادها، لذلك لم تكن اليابان في حاجة إلى ملاجئ أو شركات تأمين فالعائلة تكفل لأفرادها جانبًا من الرخاء، لذلك شبَّ الياباني على التعاون الصحيح؛ لأنه جزء من المسئولية الاجتماعية، لذلك يشعر العامل في أي جهة بأن معاونته على إنجاح العمل الذي هو فيه من أقدس واجباته؛ لأن فيه ربحًا من النواحي المادية والأدبية والقومية، فالياباني خاضع لرؤسائه الذين تجب لهم الطاعة، ولأنداده لأنه فرد منهم، ولمَن هم دونه مقامًا مخافة الرأي العام، فكثيرًا ما يتنازل عن حقه ليحسن جيرانه الرأي فيه.
وهم كرام لكن في غير إسراف خشية نقد الرأي العام. حدث أن أضافني رجل موسر أيامًا فكنا في بلده نركب أرخص وسائل النقل، وإذا ما بعدنا عنها أعد لي أفخر العربات وأغلاها؛ وذلك لأنه أمن نقد معارفه في بلدته، هذا ما يوقف استبداد الغني بالفقير هناك، ولقد زاد هذا الرباط الاجتماعي الدين الشنتوي الذي يتلخَّص في تقديس الآباء وعبادة الطبيعة، فأنتج ذلك استمساكهم بأرضهم وقوَّى رباط القومية، ولقد أثَّر ذلك في ميلهم للألفة والاجتماع؛ فهو يخالط أفراد عائلته ويوقفهم على جميع أسراره — رغم أنهم حذرون جدًّا مع الأجنبي — لذلك ترى الياباني إذا عرفته يسألك عن تفاصيل شخصية قد تراها فضولًا منه، لكنه يعد ذلك شدة اهتمام بشأنك. ذلك مثل من نظامهم الاجتماعي الرصين البديع الذي بدأ يفتر قليلًا بسبب زيادة عدد العمال وانتشار سبل المواصلات العالمية، وقد يقضى عليه قضاءً تامًّا بعد هزيمة اليابان المنكرة بسبب اندفاعها الجنوني وراء إشباع الروح العسكرية، وفي ذلك لا شك خسارة كبرى لليابان خاصة وللعالم كافة.
(?) كوريا ومنشوريا والصين

نقلتنا السابحة من شيمونوزيكي في طرف اليابان الغربي إلى فوزان في طرف كوريا الجنوبي الشرقي في ليلة كاملة، وحللنا أرض كوريا ويسميها اليابانيون شوزن أو أرض الصباح الهادئ، وأقَلَّنا القطار إلى العاصمة سيول في عشر ساعات وسط أرض شبه مجدبة يندر بها الشجر، وقراها أخصاص فقيرة من الخشب يكسوها الطين وسقوفها كأنها النواقيس أو الأهرام، وأساس طعام الفقراء الذرة، أما الأرز فللأغنياء، وبدا الناس أطول قامات وأفقر حالًا، وندرت الأردية اليابانية وبدت أسوار المدينة القديمة ببواباتها الهائلة، ورأيت هناك ناقوسًا ضخمًا كان يدق لتتفتح أبواب المدينة كل يوم، أو لتغلق ليلًا، أو ليفسح الرجال الطريق للنساء كي يتريضن، ومن أجمل ما زرت هناك قصر الشمال منذ القرن الخامس عشر بمقاصيره وحدائقه ومتاحفه، ثم معبد شوزن الذي نرتقيه بدرج شاهق ناصع البياض، وأعجب ما يسترعي النظر الأزياء؛ فالأحذية من قماش أبيض تُلبَس على جوارب بيضاء يعلوها بنطلون وصدار، وفوق كل هذا عباءة من قماش انتفخ وتصلَّب بالتنشية والكي، ويضع النساء حزامًا في الوسط، وعلى الرأس قبعات كالقمع المقصوص تحته قلنسوة، ويرسل الرجال لحاهم وشواربهم، وهي نادرة الشعر تتدلى في شكل مضحك.
معبد شوزن أفخم معابد سيول.
قمنا إلى منشوريا في أرض سهلة خصبة قيل إن الصالح للزراعة منها لا يقل عن ?? مليون أيكر، وكانت الحقول تُزرَع فول الصويا كثير الزيت والبروتين، هذا إلى غاباتها ومراعيها ومعادنها التي لا تُعَدُّ، وقد أعان الخط الحديدي التقدم الاقتصادي، والناس كلهم من الصينيين إلا البلاد المجاورة لسكة الحديد. وصلنا مكدن العاصمة في ثلاثين ساعة وهي ثلاثة أقسام: البلدة الحديثة وهي التي أسَّسها اليابانيون، وإلى شرقها المستعمرة الأجنبية، ومن شرقها المدينة الصينية يحوطها سور عظيم لم تُفتَح أبوابه للغرباء إلا في سنة ????م، وهي مسقط رأس أسرة مانشو، والبلدة قذرة جدًّا ومهملة للغاية، والناس حانقون على اليابانيين والأجانب على السواء، أما القسم الياباني فحديث نظيف.
(?) إلى بيكين

ومعناها عاصمة الشمال، سار بنا القطار السريع وهو قذر غير منتظم السبل، وكانت المناظر سهولًا زراعية، وكلما أوغلنا في البلاد زاد البؤس وهاجمتنا سيول المتسولين، وبدا الجفاء في الطبع والوجوه التي يعوزها الجمال، وشتان بينهم وبين اليابانيين في الشكل والهندام والآداب. وبعد أربع وعشرين ساعة دخلنا العاصمة مخترقين سورين من أسوارها الضخمة، وأقلتني الركشا إلى الفندق، والبلد قسمان: المدينة التتارية والمدينة الصينية، يفصل بينهما سور ضخم ويطوقهما سور آخَر، وكان التتار هم السادة يترفعون عن الصينيين أهل البلاد ولا يسكنون معهم، وعلى الصينيين وهم الخدم العمل والكد لتموين هؤلاء، وقد ظلوا خاضعين قرونًا حتى بدأت حركة المقاومة عندهم سنة ????، حين هاجموهم وقتلوهم عن آخِرهم، ومدينتهم على شكل حدوة الفرس احترامًا لخيلهم؛ لأنهم وفدوا من صحاري منغوليا، ويتوسط المدينة القائد وتتفرع الشوارع كلها منه، وتتوسط المدينة التتارية مدينة أخرى يسمونها الإمبراطورية خاصة بالأسرة المالكة وحاشيتها وكبار رجال الدولة، وفي قلب هذه أيضًا دخلنا المدينة المحرمة مركز الدنيا ومقر عرش التنين، وتحاط بسور من الخزف الأصفر البراق، دخلتها فبدت مجموعة مقاصير صينية الهندسة تكسى سقوفها المتحدرة بالخزف الأصفر، ويزين حدائقها البحيرات والقناطر المحدبة من الرخام الأبيض، وكانت محرمة على الجمهور إلى سنة ???? حين دخلها الأوربيون عنوة، وهي اليوم معرض لمخلفات ملوك الصين، وبها من التحف ما قيمته ستة ملايين من الجنيهات، وفي جانبٍ هناك المدينة المستديرة التي كانت مسكن كوبلاخان، والمكان كله ساحر جذاب، زرنا معبد كونفوشيوس وهو مكان للتعبُّد وطلب العلم يتوسطه بيت الحكمة بأعمدته الممتدة، وفيه ألواح الصخر التي نُقِشت عليها أقوال كونفوشيوس حكيم الصين بل ومعبودها منذ سنة ???ق.م. قام يبشر بالفضائل، وأخص تعاليمه الطاعة العمياء لمَن هم أكبر سنًّا ومقامًا، وقد صرفهم عن التفكير في ثواب الآخرة؛ إذ لم يعترف بشيء من هذا، وقد أفادت تعاليمه كثيرًا إلا أنه قتل في الناس الطموح والنظر إلى المستقبل.
بعض علية الصين يركب (الركشا).
قناطر الصين محدبة هكذا.
على أن المعابد البوذية أكثر انتشارًا، وبوذا ظهر في القرن الأول الميلادي محاولًا علاج النقص الذي أهمله كونفوشيوس، خصوصًا جانب إقامة الشعائر والإيمان في ثواب الآخرة، على أن القسس قد أفسدوا هذا المذهب فأضحى الشعوذة بعينها — والقسس يلبسون أردية صفراء عجيبة — لكنه دين العامة والأغلبية، وعيب هاتين الديانتين تقديس الماضي وتراثه، وقد شجَّع ذلك الزواج المبكر كي يعقب الواحد أكبر عدد من الأبناء يحيون ذكراه بعد الموت، ويسرون عن روحه بما يقدمونه من قرابين، ومَن لم يعقب يتبنى من أولاد الغير، وتعجب إذ تعلم أن تابوت الدفن للوالد يحضر مقدمًا ويوضع في أظهر مكان بالبيت ويزاد زخرفًا وترصيعًا، وعند موت الوالد تُوضَع الجثة أيامًا في البيت حتى يتخير القسس يومًا سعيدًا للدفن، ويجب أن يكون مظهر الجنازة فاخرًا، ومن أعجب الشعائر أشباح مخيفة تحمل أمام الجنازة، وذلك ليطردوا الجن، واعتقادهم في العفاريت راسخ حتى إنهم لا يقيمون سقوف البيوت إلا وأطرافها ملتوية إلى السماء، ولا يبنون القناطر إلا محدبة تعجيزًا للجن وتخويفًا، ورغم كثرة الخرافات التي قامت حول دياناتهم فإن مبدأ تقديس الأجداد هو الذي ساعَدَ على حفظ كيان الأسرة، وبالتالي كيان الصين كلها رغم ما جر عليها من صروف ونكبات.
ولعل أفخم معبد زرته: معبد السماء، يقوم على مساطب مستديرة مدرجة من الرخام، وفي وسط أعلاها قبة في شكل باجودا من الخشب المخروط يتوسطها موضع العرش، وقسم المعبد الثاني وهو مذبح السماء شبيه بالأول لكن من غير قبة، وهنا كان يركع الإمبراطور ويعترف بأخطاء شعبه ويرجو لهم الغفران ويقدم القرابين والذبائح، وهذا المعبد وحده خير مبرر لزيارة الصين لضخامته وروعته وفخامته.
معبد السماء في بكين.
تقام تلك البوابات الجميلة في عدة أحياء من مدن الصين.
وإلى مقربة منه معبد الزراعة في ردهة رخامية فسيحة حولها الحقول، كان يجيء فيها الإمبراطور بنفسه ويبدأ الحرث في أوائل الربيع من كل عام، وكان كلما أكمل ثلاثة خطوط تبعه ولاة الأقاليم وألقوا الحب لينمو.
ومن أجمل ما يروقك في المدينة الوطنية أقواس الطرق بشكلها البديع وزخرفها الجميل، كذلك وسائل النقل كالركشا والعربات الغريبة من عجلة واحدة في الوسط يجرها الرجل المسمى «كولي»، والحمالون يستدرون العطف؛ لأن الأحمال تكاد تقصم ظهورهم، ويغلب أن يعلق الواحد حملين على طرفي عصا تُحمَل على كتفه، ومظاهر الفاقة هناك لا حَدَّ لها.
مبلغ تشويه أقدام السيدات في الصين.
وقد أحدث الفقر أثره في إفساد الأخلاق من جميع النواحي: التبذل النسوي، وطموح الكثير إلى المال غير المشروع، والغش، ولا أنسى ألمي طوال الطريق للسيدات اللاتي كن لا يستطعن المشي حتى ولا الاتزان وهن وقوف، بسبب تشويه أقدامهن بتصغيرها إلى حجم قد لا يفوق طول إصبع اليد؛ لأن ذلك من أخص علامات الجمال في النساء، حتى إن الزوج كان يرى حذاء العروس قبل أن يعقد عليها ليطمئن على صغر الأقدام.
لذلك كانت تعمد الأمهات إلى غسل أقدام البنات كل ليلة بالماء الساخن، ثم لفها بالكتان عدة طيات في شدٍّ لا يُطاق، وتعاد هذه العملية كل ليلة لمدة ثمانية عشر شهرًا، وقد حرمت الحكومة الحالية ذلك، لكن كثيرًا ما يمارس خفية.
ومن القصور الفاخرة هناك قصر الشتاء وقصر الصيف، ومَن يتفقدهما يؤمن بأن الملوك كانوا كل شيء والشعب من دونهم بائس لا يؤبه له، وقد زرت مرصد كوبلاخلان أقدم مراصد الدنيا، أقيم منذ سنة ????، وبه مجموعة قليلة من الأجهزة الفلكية القديمة في أحجام هائلة.
(?) إلى السور الأعظم سد يأجوج ومأجوح

قمت بقطار الضواحي، وفي ثلاث ساعات وصلت إلى محطة السور وركبنا حمارًا وسرنا في وادٍ كأنه وادي الملوك في الأقصر في جدبه وصخره، وعند مكان متهدم من السور نزلنا وتسلقناه فبدا ممتدًا إلى الآفاق يعلو ويهبط في عرض من أعلاه يتسع لعربتين متجاورتين طوله ???? ميل، وعلوه عشرة أمتار، وعرضه في أعلاه خمسة أمتار، وبه ?? ألف برج للدفاع، و?? ألفًا للحراسة، بناه شي وانج تي سنة ???ق.م. بعد أن رأى منامًا أنذره بضياع ملكه من الشمال، ويعده العلماء أضخم عمل قام به الإنسان يفوق حتى الهرم، لذلك عُدَّ من عجائب الدنيا السبع، ولكثرة من مات في بنائه سُمِّي بأطول مقابر الدنيا، وقد يعلو مستوى البحر في بعض بقاعه بنحو ???? متر، على أن السور لم يردَّ عنهم غوائل المغيرين، فلقد اخترقه جانكيز خان وكذلك سلالات المانشو، وقد أحاطوه بالكثير من الخرافات والأقاصيص السحرية التي لا تزال قائمة هناك إلى اليوم.
فوق السور الأعظم سد يأجوج ومأجوج.
قمت إلى تينتسن فلم ترقني كثيرًا، ثم تستانفو على هونجهو أخطر أنهار الصين لكثرة ما أغرق من قرى، وكانت المدينة غارقة في مستنقع عَمَّها جميعًا، وكان المزارعون يسيرون وعلى رءوسهم مخاريط من الخوص، وعلى أجسامهم رداء من القش المنفوش، والناس هناك يأكلون كل ما صادفهم بسبب فقرهم، حتى الكلاب والقطط والفيران والضفادع والثعابين، ويطبخون السمك بزعانفه وأحشائه، لكن أحب شيء لديهم لحم الخنزير وشحمه، فقد يشرب الرجل منهم ثلاث «سلاطين»، وعند الطعام تقطع كل هذه شظايا وتُمزَج بالحساء وتؤكل بواسطة العصي الرفيعة، وقد يضاف إليها بعض الخضر والأعشاب الجافة، وأحب الحلوى الكريز يطفو في عصيره من القصب، والأواني كلها من السلاطين الصغيرة، وفي نهاية الطعام تُقدَّم فوطة مبللة يمسح فيها الجميع أفواههم، وهم يكثرون من وضع التوابل في الطعام.
وأمر اللغة هناك عجيب؛ فالكل يفهمونها لكنهم ينطقونها بشكل مختلف بين مقاطعة وأخرى، لذلك فهم يتفاهمون عن طريق الكتابة، أما لهجات الكلام فمتعددة لا يفهم الواحد لهجة غيره، فتبدأ الكتابة من اليمين وفي أسطر رأسية، والتأدب في الكتابة ضروري، فاسم الأب لا يُكتَب وسط الكلام بل في أعلى الصفحة إلى اليمين، وكلما تكرَّر تُرِك له سطر كامل احترامًا، والهوامش تُكتَب في أعلى الصفحات، وقد أخذت الحكومة تنشر لغة واحدة هي لغة «المندرين» في المدارس والأعمال والوظائف جميعًا، وهي أبسط لغات الصين لها ?? حرفًا تركب الكلمات منها، أما سائر اللغات فصعبة لا بد أن يحفظ المتعلم أربعة آلاف رمز منها كي يستطيع القراءة والكتابة. وصلنا پوكاو على نهر يانجتسي في خمسين ساعة، ثم ركبنا سابحة عبر النهر إلى نانكين التي طفنا بشوارعها الغارقة في فيضان النهر بواسطة الركشا، وزرت مقبرة زعيم الوطنية الدكتور سن يات سن، ثم قام بنا القطار إلى شانغهاي في ثمان ساعات. والبلدة مقسمة إلى أحياء أجنبية أكبرها القسم الفرنسي ويسمى البوند أو شارع البحر وفيه الجاليات الأخرى، وتلك الأحياء تشبه البلاد الأوربية الحديثة في نظامها وفخامتها، والبوليس فيها من كل دولة بجانبه البوليس الصيني، أما الحي الصيني فيحكي خان الخليلي عندنا، وسيول الناس دافقة في سحنهم الغريبة وأرديتهم الموحدة رجالًا ونساء بسروال يُربَط فوق القدم، تعلوه چاكتة قصيرة وفوقها جلباب فضفاض طويل الأكمام مفتوح من جانبيه وله ياقة عالية، ويغلب أن يكون من الحرير، والحذاء من القماش الطري، وفوق الرأس قلنسوة من حرير، وللفقراء رداء كالبيچاما من قماش أسود لامع، ولا أنسى جلستي في مقصف الشاي بطرقه الملتوية وقناطره المحدبة، والشاي هناك من النوع الأخضر يشربونه بغير سكر، وحياة الليل ومجونه من الأعاجيب لا ينقطع سيل المتسكعين حتى بعد منتصف الليل وسط أضواء خاطفة ورقص وخلاعة فاقت الحد؛ لذلك سميت البلدة «باريس الشرق أو مدينة الشيطان»، والبلدة هائلة رغم حداثة عهدها، فسكَّانها يزيدون عن مليون ونصف، وتعتبر العاصمة التجارية للصين.
بطاقة زيارة، وتقرأ من أعلى لأسفل.
في ثلاثة أيام رست بنا الباخرة على هونج كونج في صخرة سامقة يوغل البحر فيها بألسن عدة، وتكسى الربى بالخضرة تنثر وسطها البيوت والحصون المنيعة، ويقابل الجزيرة من ناجية القارة حي كولون، وأعلى ربوة في الجزيرة ?يكتوريا تكثر بها تماثيل عظماء الإنجليز، وعلى رأسهم الملكة فيكتوريا، والأهلون من الصينيين، والبوليس من الهنود، وقسم كبير من السكان من الهنود أيضًا، أذكر موقفي مع هندي غني عندما دخلنا معًا أحد المطاعم الفاخرة، فاعترضنا الغلام قائلًا: كلا، لا يباح دخول الهنود هنا! فخرجنا وكنا جياعًا ويمَّمنا شطر فندق متواضع، وما كاد الرجل يمنعنا حتى اندفعت رغم أنفه ودخلت، فتفادى الموقف بأن انتقى لنا جانبًا غير ظاهر ودعانا للجلوس فيه، وهكذا يُعامَل الهنود هناك حتى ولو كانوا من علية القوم.
وجو هنج كنج حار دائم المطر لكن ما أبهى منظر الأضواء ليلًا وهي تنقش المرتفعات كلها! ومن السكان نحو خمسين ألفًا يقطنون في زوارقهم بعائلاتهم ومتاعهم وطعامهم في أقبية يقيمونها في مؤخر زوارقهم، ويتسلى أطفالهم بصيد السمك ليكون غذاءهم اليومي الرئيسي، وهي مكتظة بالسكان يقرب عددهم من ??? ألف، نصفهم في العاصمة وهي مدينة ?يكتوريا أو هونج كنج.
غادرت الصين التي يعرفها العالم برجعيتها الشديدة وكرهها للتجديد؛ فالأسلاف عندهم هم المثل العليا، ونظام العائلة يُبنَى على الرهبة بحكم الدين والعرف حتى أضحى الإخلاص للعائلة دون غيرها فرضًا، مما قضى على التعاون بين العائلات والتضامن للصالح العام، لذلك لم يتفقوا ضد الأجنبي مرة واحدة — وهنا الفرق بينهم وبين اليابانيين — فالأب سلطان مطلق التصرف من حقه بيع أولاده أو قتلهم، أما الأم فمهملة، والزواج مبكر طلبًا في زيادة النسل خصوصًا من الذكور، وللزوج اتخاذ أي عدد من الخليلات، وذلك مقياس الجاه عندهم، فقد يصل عددهن عشرًا، والثروة تُقسَّم بين الذكور دون الإناث، ولا يصح للزوج أن يجلس مع زوجته على مائدة الطعام، وفي ذلك خطر إهمال تربية النشء، وعند إحصاء أفراد العائلة تهمل البنات، وعند ميلاد الطفل يدثر بملابس آبائه لمدة شهر ليتشرب فضائلهم، وقد يتخلص الفقراء من بناتهم برميهن في أبراج خاصة بذلك، وقد خلف الفقر فيهم الأنانية والفساد والقسوة، ويعجب الناس كيف لا تسد البلاد على سعتها حاجة السكان من الطعام والخامات رغم خصبها الهائل في كل ذلك، فهي أوسع من أوروبا وأغنى كنوزًا، ومع ذلك يكاد يموت أهلها فقرًا وجوعًا، والسبب هو خمول الصيني واعتماده على زراعة الأرز وإغفاله الصناعة التي يحتقرها الجميع، فهو يفضِّل أن يعمل حمَّالًا «كولي» على أن يكون صانعًا، و??? منهم يعتمدون على الزراعة ويندر أن تزيد الملكية على خمسة أفدنة، وعامة الفلاحين يسكنون القرى، فالصينيون لا يرتادون المدن إلا نادرًا، يبذل الصيني كل ما عنده على مقابر أجداده ونعش والديه، وقد ساعد على تدهوره نظام الطبقات؛ فالحكَّام والأدباء هم السادة والباقون يحتقرون حتى أنفسهم، ولذلك فُقِد الرأي العام هناك؛ لأن السواد الأعظم من الجهلاء، وانعدمت الطبقة الوسطى وهي خير كابح لجماح الأرستقراطية في كل البلاد. وكم كنت أرى الوجيه منهم لا يكاد يكلِّم تابعه إلا همسًا وبالإشارة في كلفة وامتعاض واحتقار، حتى إني رأيت مرة تابعًا يمسح لسيده وجهه بفوطة مبللة في القطار وهو لا يكاد يتحرك فيها وعجبًا. فعلى تلك الطبقة الممتازة تقع مسئولية تدهور البلاد؛ لأنهم بترفعهم طوال السنين عاونوا ذلك التأخر الذي أضحى مضرب الأمثال. ولعل ظروف الجمهورية الحديثة والتخلص من الأجنبي والانضمام إلى زمرة الأمم الديمقراطية، تكون علاجًا شافيًا يأخذ بيد تلك الدولة الكبرى البائسة.

بين أمريكا الجنوبية والشمالية


قمت مرة من الإسكندرية إلى بلاد المغرب جميعها، فبلاد الأندلس، فشمال غربي إسبانيا، ومنها ركبت الباخرة إلى أمريكا الجنوبية، وقد يبدو هذا البرنامج عجيبًا، وسبب ذلك أني أردت أن أرى مبلغ أثر الحضارة العربية في تلك البلاد التي نزلها العرب، فإنهم بعد أن حلوا المغرب انتقلوا إلى الأندلس حيث ازدهرت حضارتهم وبلغت أوج عزها، فطبعوا البلاد بطابع ميَّزَ الأندلسيين على سائر الأوربيين، وهؤلاء هم الذين كشفوا أمريكا واستعمروها ونزلوا إليها زرافات لا تزال سلائلهم تمثِّل السواد الأعظم هناك.
بدا لي لما زرت تلك البلاد أن الطابع العربي يسودهم جميعًا حتى في أقاصي بلاد أمريكا الجنوبية من البرازيل إلى الأرجنتين إلى شيلي إلى بيرو، فظهرت لي الملامح العربية واضحةً في تقاطيعهم وخمرية ألوانهم وسمرة عيونهم، وبخاصة النساء اللواتي يلبسن أردية شرقية مهفهفة أفاريزها هادلة منتفخة بعضها فوق بعض، وغالبهن يرخي على رأسه «الطرحة» السوداء فوق تاج من العاج وكأنه شبه حجاب، وفي رقصهن لا يخاصرن الرجال بل يرقصن حلقات وحدهن والصنج بأيديهن.
أما الموسيقى فأحبها لديهم القيثار شبيه العود برنينه الضخم، ويألفون نظام «التقاسيم» والفتيات يقفن ويختلسن النظرات من وراء الأبواب وهي نصف مغلقة، فإن نظرت إليهن انزوين وراءها أو أغلقنها. ومغازلات الشباب لهن من دون النوافذ بالقيثار أمر مألوف، ولا تُستنكَر المغازلة العلنية؛ إذ تُعَدُّ نوعًا من الإطراء المستحب، ولا يجوز للغادة أن تحضر مجالس الرجال عارية الأذرع، ولا يباح للصديق زيارة منزلٍ ما إلا في حضرة صاحبه، والزواج يتم بدون تعارُف سابق بين الزوجين، ويظل الشاب في كنف أبيه وهو متزوج.
وهم كرام مؤدبون لا يمر أحدهم على الغير دون أن يُقرِئهم التحية، سواء أعرفهم أم لم يعرفهم، وعند الطعام أو العطاس يظهر لك تمنياته الطيبة، كأن يقول لك «بالصحة»، والسلام عندهم عناق متواصل، وكثير منهم يعتقد في التشاؤم والتفاؤل، فتراهم يعلقون سعف النخيل فوق بيوتهم الفاخرة تيمُّنًا، وهم يقدرون الأدب والشعر التقدير كله، وفي لغتهم بقية من العربية في كثير من الألفاظ والحروف، خصوصًا حروف: ث C، خ J، ذ D. أما بيوتهم وهندستها فلا تزال عربية إلى حد كبير، فمدخل البيت يكسوه القيشاني ويلتوي على نفسه كي يحجب الداخل عن أنظار المارة، ويتوسطه فناء رئيسي مكشوف تطل أغلب الحجرات والنوافذ عليه في أعمدة وبوائك نحيلة تزيِّنها الزهور والنافورات والمصابيح التي تحكي مصابيح المساجد، وجميع النوافذ تغشاها شباك الحديد الثقيل.
وكنت ألمس وقار العرب وأدبهم ظاهرًا، وكانوا يجمعون بين الأرستقراطية في مظهر السيادة والإمارة والأبهة، وبين الديمقراطية في رفع الكلفة والجمع بين الغني والفقير في صعيد واحد.
أليس في كل ذلك ما يؤيد سلطان العرب وسيادة عناصر حضارتهم التي بزت غيرها، وكانت أقرب مثالًا من نفوس الناس وأصلح بقاءً من غيرها؟
وما كادت ترسو الباخرة حتى وقعت لي مفاجأة كادت تذهب بآمالي في دخول تلك البلاد؛ تقدَّمَ الأطباء للكشف على المسافرين وبدا لهم أني مصاب بالرمد الحبيبي «تراكوما»، وعلى ذلك رفضوا دخولي تلك البلاد وحتموا عليَّ البقاء بالباخرة حتى تعود بي من حيث أتت، ولكن الله قدَّرَ لي أن أنجو من هذا الموقف بخطاب من وزير شيلي المفوض إلى وزير المعارف هناك، وقصة هذا الخطاب أني لما تقدَّمت أطلب التأشير على جواز السفر إلى شيلي، طلبَتْ مني السفارة أن أقدِّم شهادات عددها تسع، بعضها يثبت أني موظف، والآخَر أني حسن السمعة، وأعجبها اثنتان: واحدة بأنه لم يسبق لي احتراف التسول، والأخرى بأني لم أشتغل بتجارة الرقيق الأبيض قطُّ؛ فحصلت على كل الشهادات عدا هاتين وطال بي الانتظار، وفوتوا عليَّ باخرتين، فثُرْتُ وقابلت السفير محتجًّا على تلك المعاملة، فطيَّبَ خاطري واعتذر بأن القانون يحتم ذلك، وقال بأنه أساء الظن بي؛ إذ التبس عليه الأمر وخالني أنتسب إلى أسرة ثابت ثابت متعهد السماد الألماني أكبر منافس لنترات شيلي، وعرض ترضية لي خطابًا لأخيه وزير معارف شيلي ليمكِّن لي زيارة المعاهد هناك، والخطاب كُتِب بالإسبانية وهي لغة أمريكا الجنوبية، تذكرت وأنا في موقفي الحرج هذا الخطاب فبادرت بإخبارهم بأني لا أقصد الإقامة في بلادهم؛ لأني موفد بمهمة رسمية إلى وزارة معارف شيلي، وها هو الخطاب الذي يؤيد صدق ما أقول! فلما قرءوه مدوا إليَّ أيديهم مرحبين مصافحين وصرحوا لي بالمقام عندهم ما شئتَ؛ لأنهم يجلون رجال التعليم الإجلال كله، وبذلك أنقذ الموقف وأتممت رحلتي من غرب إسبانيا إلى أمريكا الجنوبية. ولبثنا في المحيط الأطلنطي المائج الرهيب اثني عشر يومًا حتى ظهر أول قبس من الشاطئ الأمريكي، وفي تمام اليوم الرابع أقبلنا على خليج ريودجانيرو عاصمة البرازيل، فبدا آية من الإبداع والجمال تميِّزه عدة مخاريط منثورة هائلة ومن صخر الجرانيت، ويسمون بعضها أصابع الإله تقديسًا لجمالها، وعلى أحدها أُقِيم تمثال للمسيح من رخام أبيض طوله أربعون مترًا، وارتفاع تلك الصخرة ??? مترًا، وما كان أجمل منظر الخليج أثناء الليل في شكله الهلالي البديع الذي كانت تتلألأ عقود مصابيحه وعددها مائة ألف. نزلنا البلدة وتسلقنا كثيرًا من مرتفعاتها، وكنا نسير وسط الأحراش والغابات الكثيفة بفواكهها التي لا تدخل تحت حصر، أذكر من بينها نوعًا من الموز طوله لا يعدو إصبع الخنصر وحلاوته فوق كل وصف، أما الناس فكان جلهم من السود المتأنقين في الهندام المثقفين في العقول، وهم من نسل أجناس ثلاثة: البرتغاليين الأذكياء، والسود المعروفين بحرارة القلب وحب الأسرة، والهنود الحمر ذوي العواطف الوثَّابة والمكر الشديد، وما كنت إخال ريو بتلك الفخامة والعظمة من قبلُ.
قمنا إلى سانتوس التي شابهت إسكندرية القديمة، ثم استأجرنا سيارة مسافة ستين كم إلى سان پاولو، فأخذنا نصعد حافة هضبة تكسي جوانبها بالغابات البديعة، ولما كنا على سطحها الذي قارب ألف متر في الارتفاع بدت تربة الأرض ناعمة حمراء تتخللها المستنقعات والأحراش، وتلك التربة الحمراء Terra Roxa خير جهات العالم في إنتاج البن الذي كنا نرى شجيراته تملأ الآفاق في ارتفاع يناهز طول قامة الرجل، وكان الثمر يكاد يكسو أعواد الفروع كلها في حجم كالنبق الصغير، وفي داخل كل ثمرة حبتان من البن، والبرازيل تمون العالم بنحو ??? من حاجته من البن، وقد كان الفلاحون هناك يضجون للهبوط الشديد الذي أصاب أثمان البن فحلت بالبلاد كلها ضائقة مالية قاسية؛ لأنه المحصول الرئيسي هناك كالقطن عندنا، وله هناك وزارة تُسمَّى «وزارة البن»، وكانوا يحرقون البن في الحقول لكي يقل المعروض في الأسواق فيعلو الثمن، ونفقات المعيشة هناك زهيدة جدًّا: أذكر أول مرة أني دخلت هناك مطعمًا وأكلت أكلًا شهيًّا، وأخيرًا قدَّمَ لي الخادم كشف الحساب، فكان «سنكو ميل رايس» أي خمسة آلاف رايس، فخفت من ضخامة هذا المبلغ، وإذا به كله يوازي ستة قروش مصرية فقط. زرت في سان پاولو معهد الأفاعي ويسمونه «بوتانتان»، فراعتني به آلاف الحيات في أحجام مختلفة وألوان ونقوش جميلة تربى كلها في حظائر لأخذ السم منها، تقدَّمَ الحارس منها وأخذ يجرها بعصاه الحديدية المعقوفة، ثم أمسك برأس الحية، ولم تكد تفتح فمها حتى وضع تحت الفك قضيبًا، ثم ضغط بملقط على جوانب اللثة فسال السم الشفاف في قطرات غزيرة، ثم اقتلع نابها الذي بدا دقيقًا كالإبرة وألقى بالحية في خندق ماء هناك، وفي جانب من المكان معمل للمركبات التي تُتَّخَذ من ذاك السم، وهو أكبر مصدر للسم في العالم. أكداس البن الذي يُحرَق في سان پاولو.
قد تزيد الأفعى على قامة الرجل.
قمنا إلى أراجواي، ثم بونس أيرس عاصمة أرجنتين، فهالني ما رأيت من فخامة الأبنية وتنسيق المتنزهات وامتداد الطرق اللانهائي، أذكر من بينها شارعًا اسمه «ر?ادا?يا» طوله عشرون كم، فهو أطول شوارع الدنيا، وكان الفندق الذي حللته لسوريٍّ في شارع اسمه «ركنكيستا»، جل ملاكه وتجاره من الشوام الذين يتكلمون العربية، فكنتُ أشعر وكأني في وطني خصوصًا عندما كانت تُقدَّم إليَّ الأطعمة الشرقية كالملوخية والفول المدمس الذي ما كنت إخال أني سآكله في بلاد الدنيا الجديدة. والنزلاء الأجانب كثيرون جدًّا وأكثرهم من الطليان، ثم الشوام، ثم الألمان، وكنت أسمع الناس يتكلمون لغات مختلفة في الطريق: هذا بالإنجليزية وذاك بالفرنسية والآخَر بالإسبانية أو العربية وهكذا فكأنه بلد عالمي، أما مجون الليل وأضواؤه وملاهيه فيكاد يفوق باريس، والبلدة تُسمَّى بحق باريس أمريكا، ومستوى الثقافة في البلاد مرتفع جدًّا، فعدد الجرائد ??? وبعضها يظهر فيما بين ??، ?? صفحة يوميًّا، ومنها ما له ثلاث طبعات في اليوم الواحد، وقد أتيحت لي زيارة الجامعة وتبيَّنَ لي أن عدد المدارس الابتدائية والأولية ?? ألف مدرسة طلبتها مليون، والثانوية ??? بها ?? ألف طالب، والجامعات خمس أكبرها بونس إيرس. دهشت لهذا التقدم ولما يمضِ على استقلال البلاد إلا قرن وربع قرن، ولم يزد السكان على ?? مليونًا، ولن أنسى موقفي من بعض شبان الجامعة حين بدرني قائلًا: أظن أن حالة التعليم في مصر لا تزال متأخرة؟ فسكَتُّ قليلًا وقبل أن أجيب قال: أظن أن نسبة الأمية في مصر ???، فقلت على الفور: تقريبًا، وأنا في شدة الخجل. تربية الأفاعي في بوتانتان بالبرازيل لأخذ السم منها.
والقوم يفاخرون بوطنهم إلى حد الجنون، وهم يقولون عن أنفسهم بأنهم أرق الشعوب وأكثر بلاد الدنيا تقدُّمًا ورقيًّا.
ميدان البرلمان في بونس أيرس.
قمنا بالقطار نعبر القارة إلى جبال الإنديز والمحيط الهادي، فبدا الريف متسعات من الحقول شبه المهملة، يكسوها العشب البري ويندر فيها الشجر، وتلك سهول الپامپاس المملة مصدر ثروتهم، فحيوان الرعي عماد مواردهم.
والناس يمتلكون مساحات شاسعة يسمونها Estancia وهم خليط من الهنود الحمر والأوربيين، وأمهر الرعاة يسمون «الجوكا» ويشبهون فلاحي مصر في بساطة معيشتهم؛ فبيوتهم أخصاص حولها الزرايب والطرق متربة، وبقدر ما كانت الوجاهة والتأنُّق بين سكان العاصمة بدت لي البساطة في الريف، وهم على جانب كبير من الكرم، أذكر أني زرت عائلة ريفية في قرية مندوزا فكانت كراسي الدار من عظام جماجم الثيران، والماء في براميل كبيرة والشرب في قرون الحيوانات، ثم قُدِّم لي الشاي المعروف «بالماتي» ومنقوعه أصفر مخضر، وشربناه بغير سكر، وفي قرعة مستديرة لها فتحة تضع فيها ا? bambilla، وهي أنبوبة معدنية آخِرها منتفخ مثقب كالمصفاة، ولما حان وقت الطعام أُوقدت النيران في العراء ووضع الرجل «سيخًا» طويلًا فيه قطعة كبيرة من فخذ الثور بجلدها وشعرها، وهم لا يأكلون اللحم إلا بجلده، وأمسك البعض بالقيثار وبعض الفتيات قمن يرقصن حول النار، وكئوس ألماتي تُقدَّم بين آونة وأخرى، وكنت أطرب جدًّا لنغماتهم؛ لأنها إسبانية نصف شرقية، وكانوا يترنمون بأغنية الطعام ويصيحون Carne con Cuero أي ما ألذ اللحم بجلده. وقد تسلمت خنجرًا وأخذ كل منا يسلخ به شرائح اللحم ويأكلها، وقد وُضِع أمامنا إناء كبير به طعام يحكي «العصيدة» من الذرة، كان الواحد يضرب بملعقته وسط الإناء ويجرها إليه، ثم يرفعها إلى فمه ويعقب وراءها اللحم. والزراعة في البلاد لا تزال متأخرة؛ لأن اعتمادهم على الرعي، لكن الدولة أخذت تشجِّع الزراعة وتساعد النزلاء الوافدين من الأجانب للقيام بهذا الغرض، وتسهل لهم شراء الأرض بثمن بين ?، ? جنيهات للفدان، وبالتقسيط لمدد بعيدة، وقد تُقدِّم الحكومة لهم قروضًا مالية. وفي بونس أيرس رأيت دار المهاجرة أُعِدَّتْ لأربعة آلاف نزيل يقيمون خمسة أيام مجانًا هم وعائلاتهم على حساب الدولة، حتى ينقلوا إلى الأرض التي سيزرعونها، ويعفون جميعًا من الجمارك ونفقاتها.
ترويض الخيل البرية في البامباس.
وصلنا سفح جبال الإنديز عند بلدة مندوزا في ?? ساعة، وهي تحكي حلوان تمامًا، وبعد قضاء يوم فيها قمنا بقطار الجبال لنعبر الإنديز فأخذنا نسير في مدرجات شبه صحراوية، وكان حيوان اللاما والجاناكو يمرح على تلك المرتفعات، وبعد ممر أسپاياتا بدأت عظمة الجبال تبدو في تعقيدها وذراها التي تجللها الثلوج، تزينها قمة أكونكاجوا أعلى قرى الأمريكتين «فوق ???? متر»، هنا سار القطار على القضبان المسننة؛ لأن المنحدر وعر جدًّا، وكانت الثلوج تكسو الأرض إلى علو مترين، وقد زُوِّدَتِ القاطرة بجهاز لتكسير الجليد وإخلاء الطريق منه، وكم جزنا من أنفاق وحواجز أقيمت لاتقاء كثافة الثلوج، وعند الحدود بين الأرجنتين وشيلي دخلنا نفقًا طوله ???? متر، وارتفاعه عن سطح البحر ???? متر أيضًا. ولما وصل القطار وسطه سمعنا صليل أجراس الحدود بين الدولتين تدق من تلقاء نفسها بمجرد مرور القطار على أسلاكها، ثم أخذنا بعدها في الانحدار السريع، وعند قرية لوزنديز بدا على بعد أول قبس من بريق المحيط الهادي، وكانت صفحة الجبال هناك أغنى بالنبت والشجر والمنحدرات المائية، وأكثر قرى وسكانًا من المنحدر الشرقي.
دخلت سنتياجو عاصمة شيلي، فأدهشني رخص المعيشة بها؛ فأجر الفندق الفاخر للنوم والغذاء ?? پيسو يوميًّا، أعني ?? قرشًا، وأجر الترام ملليمان، وكذلك مسح الحذاء، وثمن الحذاء الجيد عشرون قرشًا، وصندوق السجاير بخمسة مليمات، هذا على عكس الغلاء الفاحش الذي ألفيته في الأرجنتين؛ ولذلك لم أستغرب لمظهر الفقر والبساطة هناك، فالشوارع تغص بالمتسولين وماسحي الأحذية الحفاة القذرين، على عكس مظهر الغنى والفخفخة الذي رأيناه في بونس أيرس.
قمنا إلى فلبرويزو على المحيط الهادي فبدت بلدتين: العليا فوق الجبال للسكنى، والسفلى على مدرجات البحر للتجارة وفيها الترام، أما العليا فنصلها بالروافع الكبيرة نظير مليم واحد، وغالب البيوت من الخشب اتقاء الزلازل الكثيرة هناك، ويظهر أن روعة الجبال والمحيط إلى كثرة العواصف والزلازل هي التي جعلت الناس أميل إلى الهدوء والتقطيب، فقلما ترى أحدهم مبتسمًا، وحتى الأطفال يلعبون في الطريق دون أن تسمع لهم جلبة أو ضحكًا.
قامت بنا الباخرة «سنتا كلارا» تعرج على ثغور الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، ورسونا ببلاد صحراء أتكاما مثل أنتوفجاستا وتوكوپيليا التي أُقِيمت في قرى صغيرة لاستخراج ما حولها من نترات الصودا، وتلك أغنى جهات الدنيا بذاك السماد الذي وقفنا يومًا كاملًا نشحن باخرتنا من بلوراته البيضاء التي تشبه الملح، ثم وقفنا ببلاد پيرو وأخذنا القطار ? ساعات إلى بحيرة تتكاكا أعلى بحيرات العالم العذبة «فوق ???? متر»، وفيها ركبنا الزوارق التي تسمى balsas بشراعها العجيب من شرائح الخشب، وكان البرد قارسًا، وهنا شعرت لأول مرة بدوار شديد وصداع وقيء وضعف، ثم أخذ الدم يتقاطر من الأنف، وذلك من أثر الارتفاع الشديد الذي سبَّب خفة في الضغط الجوي. أما سحن الناس فمنفرة للغاية، ترى أفواههم مفتحة دائمًا كالبلهاء وصدورهم مقوسة، وذلك من أثر خفة الضغط أيضًا، والقوم كلهم يدمنون مضغ ورق أخضر بيضاوي يُقطَف من شجرة قصيرة كنا نراها تستظل بشجر الموز، وهذا هو شجر الكوكا الذي يُؤخَذ الكوكايين منه، وقد رأينا مصنعين له في بلدة كزكو هناك. رست بنا الباخرة على كلاء وأكبر ثغور پيرو، ومنها أخذنا الترام نصف ساعة إلى ليما عاصمة البلاد، فراعتني عظمتها وفخامة أبنيتها وتنسيق ميادينها تزيِّنها التماثيل البديعة، وقد زرت الكتدرائية التي أسَّسها الطاغية الإسباني «بتزارو» بعد أن غزا البلاد وقضى على مدنية الأنكا، وكان مثلًا في الوحشية والغلظة، وهناك تُعرَض جثته محنَّطة، وكانت محكمة التفتيش تعقد في ميدان هذه الكنيسة وتأمر بالناس حرقًا وتعذيبًا، وقد حضرت هناك حفلة صراع الثيران لأول مرة، وأخذت مقعدي من المدرج الهائل، ولما حان موعد اللعب دُقت الطبول ودخل الفرسان يطوفون بالحلبة، ثم انتحوا جانبًا ودخل ثور هائج وأخذ الرجال يعاكسونه كلٌّ بحرامه الأحمر، ولا يكاد الثور يهاجم أحدهم حتى يعاكسه رجل آخَر، ولما أن أجهد الثور أظهر الرجل سهامه وأخذ يهاجم الثور ويضرب بالسهم في كتفه ويتركه عالقًا به فيؤلمه كلما أراد الحركة، وقد زادت السهام المرشوقة في كتف الثور على عشرين، هنا خارت قوة الثور وأخذ يترنح وهو غاضب والدم يسيل من كتفه، وأخيرًا هاجمه الرجل وبيَّت سيفه في مقتل منه، فخَرَّ الثور صريعًا وسط تهليل القوم، وقد انهالت القبعات على ذاك البطل، وانصرف الجميع مغتبطين لتلك الوحشية التي لم أشهد مثلها من قبلُ. شوارع ليما الفاخرة.
قمنا إلى إكوادور جمهورية خط الاستواء، ووقفنا بثغر جوايا كويل وبيوته من أكواخ خشبية كلما نظرت داخل بيت منها ألفيت السكان من عرايا السمر يتصبَّب العرق من أجسامهم، ولا يكادون يستطيعون الحركة؛ لأن حرارة المكان خانقة مجهدة، والقوم همج متأخرون غذاؤهم لا يكلفهم شيئًا، فهو من الكاكاو صباحًا والموز ظهرًا والأناناس ليلًا، وتلك أكثر غلات البلاد ولا ثمن لها، وقد شحنت باخرتنا من الموز ?? ألف عرجون نقلناها معنا إلى نيويورك، وقد أثَّرَ هذا الفقر في رخص الأثمان، فكنتُ أدفع قرشين ونصفًا ثمن الأكلة الشهية وملليمًا للترام.
الباخرة تشق بنا قناة بناما.
قامت الباخرة إلى قناة بنما عند بلدتي «بالبوابناما» حيث بتنا ليلتنا، وفي الصباح المبكر دخلنا القناة وكانت ذات شقين متجاورين تفصل بينهما الأرصفة، زُوِّدت بالمتنزهات والمصابيح والروافع، وفي مكان من تلك الأرصفة رُبِطت باخرتنا في ست قاطرات كهربائية على الجانبين — وتُسمَّى Mules — وأقفلت الأهوسة فأخذ الماء من تحتنا يعلو والقاطرات تجرنا حتى أدخلتنا هويسًا آخَر، وهي تعلو بنا درجات حتى بلغنا ?? مترًا فوق سطح المحيط، ثم نزلت بنا هذا الارتفاع بالطريقة عينها حتى دخلنا المحيط الأطلنطي، ومناظر المروج والجبال من حولنا ساحرة، وقد تمَّ ذلك كله في سبع ساعات، وقد بالغ الأمريكيون في تنسيق المكان ونظافته اتِّقَاءَ خطره الصحي؛ لأنه كان أكثر جهات الدنيا وباءً، فأضحى اليوم متنزهًا صحيًّا بديعًا، وقد كلَّفها حفرها وإعدادها هكذا زهاء ??? مليون جنيه. رسونا على «كرستوبال كولون» في الطرف الآخَر من القناة، ثم قمنا نعبر بحار جزائر الهند الغربية، وقد أخذ الدفء يزيد وكان الماء كأنه يصعد بخارًا حارًّا من أثر تيار الخليج الساخن، وفي ستة أيام كاملة أقبلنا على نيويورك. نيويورك

حللنا الجمرك وكان التفتيش في سهولة لم أعهدها وسرعة مدهشة بفضل الدقة الشديدة وحسن النظام، ونزلت فندق «إنديكوت» في شارع «??»، وهو قصر فاخر في ثمانية أدوار، لكن رغم ذلك كان يبدو قزمًا متواضعًا إزاء ما يحوطه من ناطحات، وما كدت ألقي بنظرة على الخريطة حتى بدت المدينة منظَّمة، طرقها تمتد متوازية ومتعامدة، وتحصر بينها كتلًا متساوية الامتداد، وعدد أرقام الأبنية واحد في كل كتلة بصرف النظر عن عدد البيوت؛ فبعض المباني مثلًا يحمل أكثر من رقم واحد، والبعض يكون جزءًا من رقم، وأنت إذا نظرت إلى المسكن رقم ??? مثلًا كانت جميع البيوت التي تحمل ذاك الرقم في جميع الشوارع على استقامة واحدة، وليس للشوارع أسماء بل أرقام تفوق الثلاثمائة: شرقية وغربية، عليا وسفلى E. and W. Up and Down. نزلت أجوب بعض جهاتها فأذهلني ما رأيت: السيارات تكاد تسد الطرق سدًّا، والمارة يتلاصقون فوق أفاريز الطرق وهم سائرون في عجلة مدهشة، ووسائل النقل متعددة أخصها القطار المرتفع Elevator ويشق أغلب الشوارع الرئيسية، وهو قائم على شباك من حديد غليظ بمحاذاة الدور الثالث من البيوت، وتصعد إلى كل محطة بدرج مرتفع، ثم نوع آخَر يسير تحت الأرض subway في سرعة مخيفة ويفضِّله رجال الأعمال، ثم ترام الطريق العادي، ثم الأوتوبيس، وأنت لا تشتري تذكرة للدخول لأن الوقت ثمين والتزاحم شديد، لكن ألقِ بالقرش Nickel في الصناديق أمامك وادفع الحاجز تراه يدور بك إلى مكان القطار، ومتى وقف القطار فُتِحت الأبواب من تلقاء نفسها، ثم دقت الأجراس وعادت فأغلقت، كل ذلك بدون حارس أو رقيب، وخير ما يميِّز نيويورك ويملك على السائح لبه ناطحات السحاب، وتلك في نظري تمثِّل العظمة والفخامة والفن لكن يعوزها الجمال؛ إذ تراها كتلًا غير متجانسة تشمخ إلى السماء بلونها الأغبر الذي أكسبها إياه تزاحم البلد وكثرة مصانعه وما تصعد من هباء ودخان، وقد أرخت تلك النواطح على الطرق حجابًا من ظلماتها، فبدت قاتمة وكادت تمنع ضوء الشمس، وترى الطرق بينها مختنقة رغم اتساعها العظيم، ولقد حاولت مرارًا أخذ صور فتوغرافية لبعض تلك الطرق، فكان يعوزها الضوء حتى في رابعة النهار، إلى ذلك فإن تلاحق السيارات وحركة المرور كانت تسد المنظر، لذلك تؤخذ غالب الصور من السماء، صعدت بعض تلك الناطحات وأروعها وأسماها Emp. S. Buil.، وهو أعلاها وأحدثها، أدواره ??? وعلوه ??? أمتار، وهو يشغل مساحة هائلة من الأرض، وكلما علا عشرات الأدوار ضاقت مساحته وتقاربت جدرانه، وقد قُدِّرت مساحة أدواره كلها بثلاثة وستين فدانًا إنجليزيًّا، وجدران ذلك البناء تكسوها طبقة برَّاقة من مرمر أو رخام تربط ما بين قطعه صفائح من معدن أبيض، يمتد مع الأحجار إلى قمة البناء فيكسبه بريقًا جذَّابًا، وأرضه يكسوها الرخام يحده النحاس الأصفر. هنا أخذت أطوف بالمكان أستعرض ما فيه من متاجر وسلع ومقاصف، ولما أعياني السير قصدت إلى الروافع لتقلني إلى أعلاه ودفعت ريالًا أجر الصعود — وتلك ضريبة على الأجانب تدر أرباحًا طائلة؛ لأن سيل الزائرين لا ينقطع صباح مساء، وتلك الروافع ترص عشرات متجاورة، وعلى كل واحد كُتِب بالضوء الأدوار التي يقف عليها، وبعضها «إكسبريس» لا يقف إلا كل عشرة أدوار مرة، وبعضها مزدوج يفتح على دورين في آنٍ واحد. وصلت القمة وهناك بعض المقاهي الفاخرة جلست فيها أطوح النظر يمنة ويسرة والعقل حائر في تلك القدرة المالية التي مكَّنَتْ أولئك من إقامة تلك الشوامخ، فقد كلَّفهم هذا البناء وحده ثمانية ملايين جنيه، ويتعمق أساس البناء في الأرض مائة متر، ويقدرون إيجار القدم الواحدة — الشبر — بخمسة ريالات؛ أي إن إيجار الغرفة الصغيرة مائة جنيه في العام، ومجموع سكان هذا البناء ?? ألفًا فكأنه مدينة صغيرة. ربوة الكرك?ادو في ريودي جانيرو نصعدها بالترام المعلق.
وما إن أقبل الليل حتى كادت تلتهب المدينة ضوءًا، وبخاصة عند تقاطع شارعي «برودوي، ??» مقر الملاهي الفاخرة، والأمريكيون معروفون بالإسراف في وسائل الإعلان، كنت أنظر فأرى مياهًا وسوائل تتدفق، وأناسًا تجري وتلعب، وحيوانات تتحرك، ومخطوطات تتابع كل ذلك من النور المتوهج في ألوان متغيرة بين لحظة وأخرى، ويظل هذا الليل كله، ودور الملاهي والمطاعم وبعض المتاجر مفتوحة طول الليل، وتُسمَّى تلك البقعة بالطريق الأبيض العظيم، إذا نظرته من قمة الناطحات شابَهَ حفرة مشتعلة بالنيران.
دخلنا تياترو Radio city في ناطحة ركفلر، فسرت في أبهاء وممار تُكسَى بأفخر البسط وتُبطَّن جدرانها بالمرمر، والصالة بها ???? كرسيٍّ كُسِيت أرضها بالقطيفة الثقيلة، وما كاد دور اللعب الأول ينتهي حتى دار المسرح الهائل حول نفسه وظهر منظر جديد عليه جمهور هائل من اللاعبين يفوق المائة، ثم ما لبث أن غاص المسرح بهم وظهر أعلاه مسرح آخَر بجمع جديد من الممثلين. وكانت الأضواء الملونة تشع على اللاعبين فتغيِّر من ألوان ملابسهم، وكم هالتني العجلة التي لاحظتها أينما سرت، فالناس يسيرون بسرعة، فإذا سألت واحدًا شيئًا أجابني وقدماه تسرعان في السير، فالوقت لديهم ثمين، وحتى المقاهي والمطاعم لم أجد بها مقاعد، بل كنتُ ألقي بقطع النقود في الصندوق فيملأ الإناء بما أشتهي، والطعام فيها طازج ساخن رخيص، وتتكلف الأكلة نحو عشرة قروش. وكم هالني إقبال الناس على الصحف، وكنت أينما حللت أرى الجرائد مطبوقة وقد تركها صاحبها بعد أن تصفَّحَها، ولمَن شاء أن يقرأها في القطار أو الترام أو على رصيف الطريق وحتى في سلة المهملات، وكثيرًا ما كنت أرى الواحد يفتح صندوق المهملات ويأخذ جريدة يقرؤها، ثم يعيدها إلى الصندوق الذي يلقاه في طريقه، والبلدة في الواقع ثلاث مدن فوق بعضها: تحت الأرض وفي السطح وعلى متن الجو؛ أذكر مرة أني كنت أقف على رأس أحد الطرق أشاهد حركة المرور، وإذا بدخان وبخار يتفجر في زمجرة تحت قدمي، ففزعت وخلته بركانًا أو حريقًا، وإذا بتلك نوافذ من شباك الحديد أُعِدَّتْ لتصريف الهواء الفاسد الحار من المدينة والطرق تحت الأرض، ثم تعوضه المضخات بأهوية سليمة منعشة باردة.
عبر أمريكا من الغرب إلى الشرق


أقبلنا على غرب أمريكا وافدين من هنولولو، وفي أربعة أيام رسونا على سان بيدرو الثغر الصغير، وأقلنا الترام إلى لوزانجليز أكبر بلاد غرب أمريكا؛ سكانها يزيدون على مليون وربع، وهي فاخرة تكاد تحكي نيويورك في نظامها ونواطحها وحتى في شارع الملاهي المسمى «برودوي»، ومن أجَلِّ ما بها مزرعة للسباع تروض فيها نحو مائتي أسد، وتدرب على أعمال السينما ويكاد الكثير منهم يكون أليفًا، ثم مزرعة التماسيح تُربَّى فيها للغرض نفسه، وعمر بعضها مائة عام، وفي البلدة ستار مُعَدٌّ بعدد ??? آلاف مقعد، أما عن امتداد بساتين الفاكهة التي اشتهرت بها كلفورنيا من برتقال وتفاح فذاك ما لا نظير له في أي مكان، وحولها تقوم منابع البترول في غابة من المدافن ذات المنظر المنفر.
أقلنا الترام إلى عاصمة السينما في العالم، وهي: هوليوود، فهي تخرج ??? من أفلام الدنيا، وهي محط آمال الناس ممَّن آنس في نفسه الجمال أو القدرة الفنية، ووجاهة الناس والمباني والطرق لا تحد وبخاصة حياة الليل حين يبدو الجمال الفائق في الوجوه والأجسام والأزياء، وهل أنسى روعة شارعي هوليوود بولي?ار وهوليوود أ?ينو؟ والمعيشة هناك متكلفة غالية إلى أقصى حد، وقد وُفِّقت إلى زيارة بعض الاستديوهات أذكر منها استوديو شارلي شابلين، وزرت بعض النجوم في قصورهن وأذكر منهن ماريون دي?ر وآن هاردنج، وحضرت بعض الروايات في الملهى الصيني وفيه تُعرَض الأفلام لأول مرة، وهندسته صينية وعلى أرضه أسماء كل النجوم بخطهم وهو محفور على الصخر، وحي السكن فوق الجبال واسمه بي?رلي، وهو آية في الروعة وحسن التنسيق، وقد حضرت بعض التمثيل في المسرح المنقور في الجبل والذي يصورون فيه الأفلام في الهواء الطلق، وأمامه تمد المقاعد لمَن أراد بدون مقابل.
الأنوار الخاطفة في حي برودواي بنيويورك.
إلى سان فرنسسكو

قمت بالباخرة وكنت آثرت دخول أمريكا من الغرب؛ لأن الأطباء أقل قسوة في الكشف من رجال نيويورك.
فأذهلتنا روعة الميناء بأجوانها وجزائرها ومنحدراتها ترص عليها مباني أحياء البلدة الهائلة، ومررنا في المدخل بجزيرة اللصوص التي يُسجَن بها رؤساء العصابات من قطَّاع الطرق المشهورين في شيكاغو وغيرها، وقلب المدينة شارع Market بناطحاته الهائلة، أذكر منها ناطحة التلفون من ثلاثين دورًا، ويعمل بمكاتبها ???? موظف، والمدينة مشهورة بفنادقها ففيها ???? فندق كبير و??? مطعم فاخر، مع أن سكانها لم يبلغوا ثلاثة أرباع المليون، على أن ??? منهم روَّاد شوارع وفنادق، وعلى ذلك فحرمة التربية المنزلية تكاد تكون مهملة، والمتنزه الرئيسي «القرن الذهبي» مساحته ???? فدانًا، ولعل أغرب ما هنالك المدينة الصينية تحوي أكبر مجموعة من الصينيين خارج بلاد الصين، فكنت أسير في الشوارع وكأني في پكين تمامًا حتى الطعام ودور الملاهي، وبالبلدة جامعة كبيرة بها ?? ألف طالب واسمها جامعة بركلي، ويعدون فيها دراسة صينية لعدد ???? طالب، ومما عجبت له بعض المصارف التي تفتح أبوابها طول الليل، ومع ذلك لم تخلُ البلدة من المتسولين والفقراء والعاطلين. سياتل

قمت شمالًا بالقطار إلى سياتل، وكانت غابات شجر Red wood الهائلة تسد الطريق وتقوم حولها مقاطع الخشب ومناشره، وفي تلك الجهة أعلى أشجار الدنيا جميعًا قد تتسع فجوة الشجرة لمرور عربة، وقد يزيد طولها على خمسين مترًا، وشوارعها بالأرقام، وفي غاية الوجاهة والنظافة، وقد ركبت سابحة أربع ساعات إلى ?كتوريا عاصمة جزيرة فانكو?ر في كندا، فبدت هادئة مبانيها وطيئة تخالف بلاد الولايات المتحدة، حتى إني شعرت بالفرق في كل شيء، وفي أربع ساعات أخرى وصلت بالسابحة إلى مدينة فنكو?ر، تحفها الأشجار الهائلة وتزينها الزهور الجذابة، وقد كثرت الكنائس وزاد المبشرون جدًّا وقلت الوجاهة وبدت رقة الحال على الكثيرين. سافرت بالقطار عبر الجبال بوديانها وغاباتها وثلاجاتها، ودهشت لما رأيت نهر فريزر ثلاثة أمثال النيل في الاتساع، والخشب يعوم في المجاري أينما سرت، وبعد ?? ساعة دخلنا چاسپر پارك: وسط الجبال، واخترت فندق الأهرام والمكان حرم قومي لا يباح امتلاكه ولا صيد الحيوان به ولا قطع النبات ليظل آية طبيعية يستمتع بها مَن يرغب في الراحة والسكون، ومساحته ???? فدان، ومن غريب الحيوان الذي يمرح حرًّا الدب والموس والألك، وللهنود الحمر عدة أشباح يعبدونها ويكثرون حولها، وكان النهار طويلًا لا تغيب الشمس إلا في العاشرة مساءً.
إلى وينج

قام بنا القطار وعبر المنحدرات في شجيراتها القصيرة، ثم دخلنا سهول الغلال وامتدت البريري إلى الآفاق في عشبها القصير وحقول قمحها الذي كان على وشك الحصاد، وتقوم هنا وهناك مخازن القمح في مستطيلات شاهقة يسمونها الروافع Elevators، والمنطقة عارية عن الشجر والآبار ومتوسط سعة المزرعة ??? فدان حولها الأسوار، والدولة تمنح مَن يتقدَّم لإصلاح الأرض ربع ميل، أي نحو ??? فدانًا لمدة ثلاث سنين، فإن نجح في إصلاحها وزرعها تُرِكت له بسعر خمسة جنيهات للفدان. وعجبت أن القمح هناك يُبذر في مايو ويُحصد في أغسطس، أما في الشتاء فتُكسَى الأرض بالثلوج إلى علو متر، وهنا أجود أصناف القمح في العالم، وتنتج المنطقة فوق ?? مليون إردب، والجو هناك متطرف جدًّا، وكلما قاربنا المدينة اسودت التربة وجاد نوعها، والمنطقة تكاد تخلو من السكان وتشكو قلة الأيدي؛ لذلك لا يقل أجر العامل عن ?? قرشًا يوميًّا. لبثنا في هذه السهول ?? ساعة بعدها دخل القطار وينبج، وتمتاز بشوارعها الفسيحة وبمظهرها الريفي النظيف وبأهلها البسطاء البعيدين عن المكر، ومنها قمنا في ?? ساعة إلى منيابلس شمال منعطف المسيسبي الذي يحكي حرف S وسنتپول على طرفه الجنوبي، ومعنى «مينا» في اللغة الهندية مياه؛ لأن البلدة حولها ?? بحيرة وحول المنطقة كلها نحو مائة ألف بحيرة صغيرة، والبلدة تُعرَف بمتنزهاتها الهائلة؛ إذ يخص الفدان منها مائة شخص، وتسمى أحيانًا «مدينة البحيرات والمتنزهات وال?لات»، وبها جامعة منسوتا الهائلة بها ?? ألف طالب، وتعد ثالثة جامعات الولايات المتحدة ورابعة جامعات الدنيا، وفيها مصنع لفورد ينتج ??? سيارة في اليوم، وبالبلدة أكبر مطاحن القمح في العالم، تخرج ?? ألف برميل من الدقيق في اليوم، وفي مخازنها فوق مائة مليون إردب من القمح تطحنها كل عام، وجل الناس يملكون سياراتهم وبيوتهم. أما شيكاغو فوصلناها بقطار المفتخر «زيفر» في ست ساعات ونصف، وكان يسير بسرعة ?? ميلًا، وكان الطريق سهولًا تزينها المضخات الهوائية الضخمة، وكانت شباك سكك الحديد تملأ الآفاق بحيث كنا نرى ثلاثة قُطُر تمر تحت بعضها، ثم بدت الناطحات يكاد يحجبها دخان المصانع، أما وجاهة البلدة ومبانيها فقد أذهلتنا وبخاصة وسط البلدة المسمى «اللوپ»، وسمي كذلك لأن ترام الهواء «الأل?يتر» يطوقه في دائرة، وكثير من الناطحات يصل ?? دورًا مثل ناطحة فيلد، Board of Trade، وفي أغلبها جراچات للسيارات في كل دور، ولعل أجمل الشوارع الذي يطل على بحيرة مشجن ويُسمَّى «مشجن أ?نيو»، حركة المرور به مخيفة بحيث لا يسمح المرور إلا في نصف الشارع في الدفعة الواحدة، ويليه في الجمال شارع State وقسم من شارع البحيرة يسمى Gold Coast؛ لأنه مسكن الأثرياء، وهناك ناطحة تسمى مليونيرز بها ?? دورًا، في كل واحد يسكن مليونير من الأغنياء، وشاطئ البحيرة كأنه شاطئ البحر بموجه ومعدات المراسي وحركة الشحن، وهناك حي للزنوج به ??? ألف زنجي، وفندق كبير خاص بهم اسمه رتز Ritz، ولمكتبة المدينة ?? فرعًا في أحيائها المختلفة، ودور الملاهي في غاية الكثرة والوجاهة، والتزاحم عليها هائل ومظهر الغنى يبدو حتى على صغار الناشئة، وبالبلدة ??? متنزهًا أكبرها لنكلن، ومساحته ??? أيكر، ولعل الشهرة العالمية للبلدة في لحومها المجففة، وقد زرنا مجازرها الضخمة ويسمونها Union Stock Yard في مساحة ??? أيكر، ودخلت مصنع سوفت من بين كبريات مصانعها، وهو يشتري من الذبائح في اليوم الواحد بمليون وربع مليون ريال؛ ففي عنبر الخنازير يذبح ??? في الساعة، أي مليونًا وستمائة ألف في السنة، وقسم الأغنام يذبح ??? رأس في الساعة، أي مليونًا وثلاثة أرباع المليون في السنة، وقسم البقر ???، أي ??? ألف في العام، ومفتشو الدولة يشرفون على الذبح والإعداد، وكذلك حاخام اليهود يشرف على ذبح «الكاشير»، وكل الذبح والسلخ والتقطيع والتثليج والشحن يجري بعمليات آلية غاية في العجب، ورغم ذلك فبالمصنع ?? ألف عامل، والبقرة العادية تزن ألف رطل الصافي من لحمها ???، ومن الباقي يستفيدون بنحو ??? في مآرب أخرى، وفي ?? دقيقة يُعَدُّ لحم الحيوان للتصدير، وتستطيع أن تشتري ما تشاء، على أنهم يتركون اللحم الذي سيصدر بعيدًا في المثالج والمباخر زهاء يومين كاملين كيلا يصيبه العطب. قمنا إلى نياجرا وسط مزارع للفاكهة ممدودة ووصلناها في عشر ساعات، وكان الجو عابسًا مطيرًا، وهناك حللت فندقًا صغيرًا أنيقًا، وتلك منطقة للسائحين عُنِيَ القوم بتنسيقها أيما عناية وزوَّدوها بالفنادق والمطاعم. أما عن روعة مشهد الشلال فذاك ما لا يجدي فيه الوصف، وتقسمه جزيرة جوت إلى شطريه الكندي الذي يحكي الحدوة، ويشمل ثلثي الشلال، والثلث الآخَر في الولايات المتحدة، ونستطيع أن نصل إلى أسفل الشلال وندخل الكهوف التي خلفها وراء مائه الهاوي بواسطة زورق نحيل أو بواسطة ترام هوائي، وقد تفنَّن القوم في إلقاء الأضواء الملونة القوية على الماء ليلًا لتزيده روعة، والمنطقة تسمى أرض شهر العسل؛ لأنها خير ما يلائم كل أليفين أو حديثي عهد بالزواج، لذلك بدا على الزوار جميعًا الإفراط في الجمال ووجاهة الهندام. پارك أ?نيو مسكن أكبر سراة العالم بنيويورك.
قمنا إلى تورنتو في ثلاث ساعات، فبدت مدينة صبغتها دينية، فكل شيء مغلق يوم الأحد حتى الملاهي، وبها ??? كنيسة، وذلك شائع في أغلب بلاد كندا من أثر العصبية الدينية الكاثوليكية للفرنسيين، على أن البلدة تُعَدُّ العاصمة الإنجليزية لكندا بها ?? متنزهًا منها متنزه «روزديل» وكأنه الغابة المغلقة، به من شجر الإسفندان — وهي الشجرة الرمزية لكندا — ?? ألفًا، وهم يحرصون على إنبات شجرة منها أمام كل بيت، وجامعتها فاخرة بها ?? بناءً و???? طالب، ويسمونها مدينة البيوت؛ لأن ??? من سكانها يمتلكون مساكنهم.
شلال نياجرا الرائع.
قمنا إلى العاصمة أتاوة وسط مزارع مُدَّتْ على حساب الغابات، وأقبلنا على النهر الفسيح الذي هالتنا سعة بحيراته وتعدُّدها وكثرة قناطره، وكان يغص بالأخشاب السابحة التي تعوم إلى مناشر الخشب ومصانع الورق، وكنا نرى مداخنها تسد الآفاق، ثم أشرفنا على دار البرلمان بهندستها الجذابة وبرجها الباسق، تطل على النهر وتدق ساعتها فتُسمَع في كافة أرجاء البلدة، وأفخر فنادقها «شاتولوريي» على شكل قصور القرون الوسطى، وإلى جوار البلدة شلالات شودبير الرائعة. وزرنا بها مزرعة نموذجية مساحتها ??? فدان، واللغتان الفرنسية والإنجليزية تقومان جنبًا إلى جنب في المحررات والمطبوعات وبعض الجرائد وحتى أسماء الشوارع.
أقلنا القطار في ثلاث ساعات إلى منتريال، أكبر بلاد كندا؛ فسكانها يقاربون مليونًا وربع، ??? منهم فرنسيون من الكاثوليك، وهي العاصمة الاقتصادية لكندا، وقد بدت فرنسية صرفة لا تكاد تسمع في الطريق إلا اللغة الفرنسية، وهندسة المباني والكنائس على النظام الفرنسي، والعصبية الدينية بالغة الحد، فلا يخلو طريق من القسس، والحكومة بيد رجال الدين، وبالبلدة ??? كنيسة لذلك سُمِّيت مدينة الكنائس، والصحافة جلها فرنسية وأكبر الجرائد La Presse يُوزَّع منها ثلاثمائة ألف يوميًّا، وبالمدينة جامعتان وكثيرًا ما تقع المشاحنات بين الطلبة من الفرنسيين والإنجليز، وعجبت أن يقوم القانون الفرنسي والإنجليزي جنبًا لجنب في المحاكم، وبالمدينة ?? متنزهًا أكبرها مساحته ??? أيكر، وفي متنزه آخَر ???? شجرة إسفندان بعدد قتلى الحرب الماضية من أهل المدينة. كريسلر يعلو ?? دورًا في سماء نيويورك.
قمنا إلى كوبك فبدت أكثر إمعانًا في الفرنسية من سابقتها، وتُسمَّى مدينة الصخرة، تشرف عليها شاتو فرنتناك من بقايا القرون الوسطى في شكل كالطوابي، وقسم كبير منها يقوم على مدرجات المرتفعات، لذلك كثرت الطرق الملتوية والتي نصعدها بدرج، والنهر هناك فسيح جدًّا وكأنه البحر، على أن ماءه عذب إلى مسافة ?? ميلًا، وقد شاهدنا مستودعَ غلال شركة سكة حديد كندا الباسفيكية ويتسع لنحو مائة مليون إردب، والمصانع المختلفة تملأ الآفاق ويسترعي النظر العربات ذات العجلتين، وعربات الترام المكشوفة رغم برودة المنطقة. ومظهر المدينة ديني بحت لا تغيب الكنائس ولا القسس والرهبان عن العين أبدًا، أذكر منها معبد الفرنسسكان يتناوب فيه الراهبات من السيدات التعبُّد على مدرجاته صباح مساء.
قمنا إلى نيويورك، ومنها عرجت الباخرة على بسطن مهد الثورة ومقر بنيامين فرنكلن وبيته الصغير، وقد وقفنا بشرفة دار البلدية التي أعلن وشنطن منها استقلال البلاد عن الإنجليز، واعتلينا ربوة بنكر Bunker مكان الموقعة الفاصلة بين الإنجليز والأمريكان، ثم عرجت بنا الباخرة على جزائر أزورا، فجبل طارق، فإيطاليا، فالإسكندرية من أرض الوطن العزيز.
في أستراليا وجزائر المحيط الهادي


(?) أستراليا

اشتريت تذكرة السفر حول المحيطات الثلاثة ودفعت فيها ??? جنيهًا مصريًّا، وقامت بنا الباخرة تشق البحر الأحمر في حره اللافح، وعرجنا على عدن، ثم على كولمبو في سرنديب، واجتزنا خط الاستواء سائرين جنوبًا، وبعد خط ?? جنوبًا بدأ البرد القارس يزيد يومًا فيومًا؛ لأنه شتاء نصف الكرة الجنوبي، وبعد تمام اليوم العشرين أقبلنا على ثغر فربمانتل في نظافته وصغره، ثم قمنا بالترام إلى پرث فبدت وجاهة المباني والسيارات، وتجلى مظهر الغنى في كل شيء، هذا إلى وجوه جميلة ضاحكة جذابة، وهنا زرت الجامعة في بنائها الضخم، ولأول مرة علمت أن التعليم كله في أستراليا مجاني حتى في الجامعات، وتنفق الدولة عليه ثمانية ملايين من الجنيهات، أي بمعدل جنيه لكل فرد، وهي أعلى نسبة في الدنيا، وهنا هالني رخص اللحوم، فرطل الضأن بأقل من قرشين، وكان الناس فرحين لأن مطر العام كان وابلًا غزيرًا، وفي ذلك إنقاذ لمصدر ثروتهم وهو العشب والضأن. وقد قمت بالقطار أعبر جانبًا من الصحراء الغربية المملة المحدبة إلى كالجورلي في عشر ساعات، وقد كان يرم صداها في أذني منذ الطفولة بسبب مناجم الذهب الشهيرة، لكني ألفيتها حفائر منفرة، وعلمت أن قيمة مناجمها هبطت كثيرًا، وكاد ينضب معينها، فعدت وأخذت الباخرة عبر الخليج الأسترالي العظيم باضطرابه المخيف إلى أدليد، فظهرت وكأنها مدينة أمريكية بضخامة مبانيها، واستقامة شوارعها، وفخامة دور السينما وكثرتها، ولا أنسى من طعامها الشهي شربة ذيل الكنجارو، ورخص الطعام فالوجبة المثلثة Three course meal بشلن واحد. ثم قمت إلى ملبورن بمينائها الهائل الذي زُوِّدَ بأحدث الأجهزة والمعدات، ووجاهة المدينة لا تحد، فهي في نظري أوجه مدن أستراليا، أقامت أبنيتها على النظام الأمريكي وكثير منها من ناطحات السحاب، أما كرم الناس ووداعتهم وترحيبهم بالضيف فأمر لم ألمسه إلا بين العرب، وقد زرت هناك كوخ الكبتن كوك كاشف القارة بأدواته وأثاثه. وأفخم الطرق شارع كلدا، أما ميادين الألعاب والنوادي فحدِّث عن كثرتها ووجاهتها، فالكل مشترك فيها، وقد استرعى نظري غرامهم بقراءة الجرائد وكثرة هذه وضخامتها، فالجريدة الرئيسية تظهر في ?? صفحة يوميًّا. والبوليس مهيب الجانب، وحاولت أن أعثر على حي قذر فقير فلم أجد، على أن فيهم كثيرًا من التكلف وحب الظهور، وهم يبالغون في قواعد الإتيكيت حتى إن البلاد الأخرى ترى في ذلك ضربًا من الشعوذة، ويرمونها بقولهم Killjoys أي هادمة اللذات، من ذلك منع بيع الخمور بعد الساعة السادسة يوميًّا، وإقفال دور الملاهي يوم الأحد. قمت إلى سدني

فكانت روعة الخليج وفجواته ومنحدراته مضرب الأمثال، ثم مررنا تحت قنطرة سدني الهائلة التي كلَّفتهم ?? ملايين جنيه، والمدينة فاخرة شوارعها تعلو وتهبط، والناطحات كثيرة وتحمل أسماء لا أرقامًا، والمنافسة بينها وبين ملبورن حادة جدًّا، وتمتاز البلدة بشواطئ الاستحمام البديعة، وبأن كل أسرة تملك بيتها وسيارتها، والنساء ساحرات الجمال وعلى رشاقة وجاذبية يرفعن التكليف ويصبحن صديقات منذ أول لحظة. قمت برحلة إلى الجبل الأزرق وهناك استمتعت بمناظره وبعجائب مغاراته، وفي ناحية من الجبال قرية لاپروز بها عدد كبير من الأستراليين الأصليين، وهناك تمرَّنْتُ على رمي سلاحهم المسمَّى «بومرانج» الذي يُرمَى رمية فنية، فإن أصاب الفريسة قتلها، وإن لم يُصِبْها دار وحده وعاد وسقط تحت قدميك، والناس هناك متيسرون جميعًا ولا يقل أجر أصغر عامل عن ?? قرشًا يوميًّا، ولكل أسترالي ?? جنيهًا في بنوك التوفير على الأقل، وهم يفاخرون بعدم وجود فوارق بين الطبقات، فالخادم يمزح مع سيده، وإذا استنكرت ذلك قالوا أليست بلادنا حرة؟ ونزعة الإلحاد متفشية جدًّا، يهزءون بالدين ورجاله والمبشرون يطوفون حتى في الطرقات، والمعيشة هناك رخيصة جدًّا إلا في الكماليات، أما الطعام فالأكلة المتواضعة بقرشين — صنفان 2 course meal — ومستوى البلاد الثقافي مرتفع جدًّا، و??? منهم سكان مدن، ولكل ???? نفس دار للسينما، ففي البلاد ???? سينما، وللصحافة فضل كبير على البلاد على أن نفقات البيت الفقير لا تقل عن ?? جنيهًا شهريًّا، وهم دائمًا متفائلون أبدًا بفضل جوهم المشمس ورخاء بلادهم، ونسمعهم دائمًا يقولون givet ago «مشيها»، والدولة هناك تشرف على كل شيء، وأكبر المشاكل علو الأجور وارتفاع الضرائب وندرة العمال، ومع ذلك يمنعون الهجرة إليهم، وهم دائمًا يفاخرون بقولهم: تعيش أوروبا على ماضيها، وأمريكا على حاضرها، أما أستراليا فعلى مستقبلها. ويترفعون عن الأوروبيين وحتى عن الإنجليز، ويتخذون أمريكا خير مثل يحتذونه في نهضتهم وتفكيرهم. (?) نيوزيلندا

في خمسة أيام نقلتنا الباخرة عبر بحر طمسان إلى زيلندة، وأشرفنا على أوكلند العاصمة التجارية فظهرت أقل وجاهة وغنى عن أستراليا، تقام أغلب البيوت من خشب لوفرته ولكثرة الزلازل، ويعنون بالملاعب عناية فائقة، والمقامرة أحب شيء لديهم، وتحاط البلدة بنحو ?? مخروطًا بركانيًّا خامدًا؛ لذلك كانت تربتها سوداء بركانية.
أقلنا القطار السريع إلى ولنجتون في ?? ساعة مسافة تعادل ما بين القاهرة وأسوان، والأرض كلها مموجة يكسوها العشب وتقسمها الأسوار إلى مزارع لرعي الضأن، وللشاة الواحدة فدان كامل، وقد تصل المزرعة ?? ألف فدان، والغنم أبيض عديم الذنب، وأجود لحوم الدنيا من الضأن هناك، أما الصوف فأجوده في أستراليا، أما عن الجو فحدِّثْ، فهو عاصف ماطر عابس، وهم يعترفون بسوء اختيار عاصمتهم هناك. والبلدة الحكومية والتجارية في المنخفضات، أما المساكن ففوق الجبال، وقد زرت المكتبة وبها ?? ألف مجلد، منها ?? ألف على الباسفيك وقد أهداها أحد الوطنيين.
(?) رتوروا

قمنا بالسيارات وسط مناظر جميلة ساحرة، ومررنا على وادي الفوارات في قرية وايراكي، وهو مجموعة من الحدائق والشلالات والجنادل تغص بمياه الفوارات الساخنة، وعند قرية واكا «واكاريوا ريوا» قادتني السيدة كيري «كيري ويكي ريوي» وجزنا البوابة المنقورة من الخشب الملون، وقد كُتِب عليها مرحبًا «هايري ماي»، فألفينا البيوت من الخشب يقطنها الماوري، ولا تكاد تستبين من بخار الفوارات والأرض ترتجف وهي ساخنة، وكنت أراهم يطهون البطاطس بغمرها في الماء الساخن فترة، ويعدون الشاي ويشوون السمك ويغسلون الثياب في هذه المياه أمامنا، والأطفال يمرحون حولها، وشاهدت طفلًا اصطاد سمكة من نهير بارد وسرعان ما غمسها بسنارتها في الماء الساخن هنيهة، ثم قشَّرها وأكلها. وأكبر الفوارات «بوهوتو Pohutu»، ويقولون إن تلك الفوارات هي التي أنقذت البلاد من انفجار البراكين، فكأنها لهم صمام الأمن. أما السكان فمن الماوري المرحين، وهم على جمال فطري فائق وخفة روح وبساطة، يعيشون في بيوتهم الخشبية، ويلبسون ملابس من الكتان الغفل الملون تتدلى أهدابها أسفل الجسد وكأنها عيدان الغاب أو القش، والأجسام ممتلئة والوجوه باسمة جميلة والشعر أسود هادل، ولهم مخصصاتهم ومدارسهم وأعضاؤهم في البرلمان، وعددهم ?? ألفًا، واستعدادهم للرقي مدهش وكثير منهم من كبار العلماء، أذكر من بينهم العلَّامة Ti Rangi Hirowa، وهم كلفون بالرقص والموسيقى، ولكل مناسبة رقصة يجيدونها جميعًا، ولعل أعجبها «الهاكا» في حركات عنيفة وليات وتقاطيع للوجه مخيفة. وقد مررنا ببحيرات وايمانجو التي لا تكاد تُرَى من كثرة البخار فيها، وكذلك مغارة اليراع «وايتومو»، دخلناها في ظلام حالك وأطفأنا مصباحنا وأوقفنا الحركة حتى كدنا نوقف التنفس، وسرعان ما أضاء سقف المغارة بنجيمات تلقي بخيط يستطيل ويقصر لكي تلتهم فريستها من الحشرات، وتلك يراعات عجيبة، وإذا أحدثت حركةً انطفأت جميعها.
بلاد رائعة جمعت كل بدائع الطبيعة في نطاقها الضيق: جبال وبحيرات وحدائق وشلالات وفوارات وثلاجات، وسكانها مليون ونصف نهضوا إلى الذروة في قرن واحد، والدولة تكاد تدير كل شيء والموظفون خُمْس السكان، وجوها صحي، ففيها أقل نسبة للوفيات في الدنيا، ومتوسط العمر سنة، وهو أعلى متوسط في العالم، وهم مؤدبون درجوا على إيناس الغير بفضل بيئتهم البحرية، ومستوى المعيشة مرتفع، وتوزيع الثروة متعادل وجلها من الأغنام؛ إذ تصدر بنحو ?? مليون جنيه في العام، ومتوسط ثروة الفرد ??? جنيهًا، والزيلندي أكثر آكل للحم في العالم، فلكل فرد رطل من اللحم ونصف من السكر يوميًّا، ونصف من الشاي شهريًّا. (?) جزائر فيجي وساموا

في أقل من ثلاثة أيام أقبلنا على حواجز مرجانية ترغي عليها الأمواج، والجزائر نحو ??? يسكن منها ??، وحللنا العاصمة سو?ا في مجموعة أكواخ وأخصاص، والناس من السود ضخام الأجسام منفوشي الشعر حفاة الأقدام مرحين ذوي سحن منفرة، والهنود يديرون كل شيء، وكنا نظن أننا وصلنا يوم الثلاثاء، وإذا بالثلاثاء غدًا فكأننا ربحنا يومًا؛ لأننا كنا نسير إلى الشرق فنستقبل الشمس مبكرين، وحدث أن دخلت معنا سفينة وافدة من الشرق إلى الغرب وكان يومها الإثنين، فظهر أنه الثلاثاء وقد خسروا يومًا، وذلك لأن الجزائر تقع على خط ??? طولًا وهو خط التاريخ الدولي، وثروة الجزائر في النبات مدهشة، خصوصًا النرجيل والموز والمانجو والأناناس والباباز والتارو، وهما شبيهان بالقلقاس أو البطاطا.
ثم قمنا إلى جزائر سموا فوصلناها بعد يومين، وحللنا مدينة بانجو بانجو، وزرنا قرية Nuuuli وكلها أكواخ على الشواطئ يكاد يغطيها شجر النرجيل الذي يحيط بالجزائر وكأنه السوار، والناس هناك من الجنس البولونيزي لونهم خمري وتقاطيعهم عريضة، وهم على جانب كبير من الرشاقة والجمال، وهم أطول قامات الدنيا، يلبسون شرائح من قشر الشجر. (?) هنولولو

في أربعة أيام بدت الجزائر بمخاريطها، وعددها ??، المسكون منها ?، وأكبرها هواي، وقد هالتني قطع الأسطول الأمريكي، ومن ثَمَّ علمت حقًّا لِمَ تُسمَّى «جبل طارق الباسفيك»، ودهشت اليوم كيف باغتها اليابانيون في هذه الحرب رغم مناعته. استقبلنا الأهالي كعادتهم مع كل سفينة بالموسيقى والترحيب، وكتبوا على برج الميناء كلمة ألوها؛ أي مرحبًا، وما كدنا ننزل البر حتى هاجمنا الفتيات يلبسننا عقودًا من الزهر الجميل تحيةً لنا، ولا تخلو منها رقبة إنسان هناك، ويغيِّرونها كل يوم ويبدعون في تنسيقها، وقد تباع بشلن للعقد، ويربحون من ذلك مليون شلن سنويًّا، والمدينة فاخرة في مبانيها وسياراتها ومتاجرها وأضوائها وفنادقها، والناس خليط عجيب لكن أجملهم فريقان الأمريكان والوطنيون، فالجزائر جمعت بين أفخر أزياء أمريكا — إذ هي مصطاف نجوم السينما من هوليوود — وأجمل همج الدنيا بملابسهم من القش. وهل أنسى جلستي في فندق وايكيكي على الشاطئ والجمال النادر من حولي، وقد أخذ القوم يلعبون بالزوارق على حافة الأمواج وبعضهم يرقص رقصة هولا العجيبة الرشيقة، ويغنون أغنية أوكوليلي المشجية. أما عن الزهور فتعدها هناك بالآلاف أينما سرت، ففي حديقة هاو واحد ???? نوع من زهر الهبسكس، ومن أعجب الزهور عباد القمر لا تتفتح زهرته إلا ليلًا، وفي خارج البلدة أغنى مزارع للأناناس في الدنيا يتوسطها أكبر مصنع له، يلي ذلك قصب السكر الذي يُزرَع في كل الشهور ويُصنَع منه السكر، فهي تقع بعد كوبا وجاوه بين البلاد المنتجة للسكر في الدنيا، ويصدرون من الأناناس والسكر سنويًّا بمائة مليون ريال؛ أي بعشرين مليون جنيه. ومن أعجب عاداتهم إعداد عصيدة من نبات اسمه التارو، وصيد السمك هناك بالحراب وعلى ضوء المشاعل ليلًا، وهناك شجرة تاپا يُنزَع قشرها ويُعَدُّ قماشًا في حجم ملاءات السرير، ولغتهم موسيقية وبسيطة تُركَّب من ?? حرفًا، والحرف المتحرك منها يُنطَق، ومن أجمل كلماتها «الوها = مرحبًا، هي لي ماي = تعال هنا، هو هو = غضبان، ويكي ويكي = أسرع، آ إي = نعم، ما إي كا إي = حسن»، والجو هناك ربيع دائم، ولا تمطر السماء إلا ليلًا، ومستواهم التعليمي مرتفع ففي مدارسها ?? ألف طالب، وفي الجامعة ????، وما كادت تقلع الباخرة بنا حتى هاجمني جمع من الفتيات ونزعوا عن رقبتي عقود الورد ورموها في البحر خشية ألَّا أعود إليها مرة ثانية، كما تقضي بذلك خرافاتهم.