Advertisement

ذكريات_باريس


ذكريات باريس




ذكريات باريس

صور لما في مدينة النور من صراع بين الهوى والعقل والهدى والضلال

تأليف
زكي مبارك




الإهداء


إلى الصديق الذي وصل جناحي وراشَ سهمي
إلى الأستاذ «عبد القادر حمزة» أهدي هذا الكتاب
زكي مبارك

تمهيد


أيها القارئ!
كنت عوّدتك إلف المقدمات الطوال، كالذي فعلت في تقديم كتاب «حب ابن أبي ربيعة» وكتاب «مدامع العشاق» ولكني لا أجد ما أقول في تقديم هذا الكتاب غير السطور الآتية:
عرفت باريس وأهل باريس معرفة قلَّما تُقدَّر لإنسان سواي، ولم يكن ذلك فقط لأني اتصلت بها نحو خمسة أعوام، وإنما كان ذلك لأني وصلت إليها بعد يأس وبعد شوق، وكانت كل زَورَةٍ تبدو لعيني وكأنها الأولى والأخيرة، فكنت أنهب محاسنها في شره ونهم كما يفعل الصب المولع وهو يودّع حسناء ستمضي إلى حيث لا يعرف من أقطار الشمال أو الجنوب. ويا طالما ودعت من أسراب الحسان! أضيف إلى هذا أني يوم دخلت باريس كنت أعرف من دقائق اللغة الفرنسية ما لا يعرفه إلا الأقلون، وكنت قبل ذلك أَلِفتُ تلك اللغة ألفة شديدة، حتى كان لا يتكلم بها جماعة في جد أو هزل إلا تعقبت ما يقولون تعقب الدارس الفاحص الذي يدرك ما ظهر وما بطن من أسرار الحديث (وهذا كل ما عندي من عيوب الفضول) فكان ذلك معوانًا على فهم ما طبع عليه الفرنسيون من شتى الغرائز والخلال.
طالت إقامتي في باريس، وكانت لأغراض علمية سدد الله فيها خطاي وهداني سواء السبيل. ولكن دراساتي لم تحل بيني وبين التأمل فيما يقع في مدينة النور من صراع بين الهوى والعقل، والهدى والضلال. فأنشأت كثيرًا من القصائد والرسائل في أغراض مختلفة بعضها من وحي العقل وبعضها من وحي الوجدان.
وقد عدت إلى تلك الثروة الأدبية فأضفت جزءًا منها إلى أصول كتابي «سرائر الروح الحزين» وجزءًا إلى مواد الطبعة الثانية من كتاب «البدائع» والباقي هو هذه الأقباس التي أقدمها اليوم.
يقول المسيو دي كومنين: إن الكريم لا يذكر البلاد التي رحل منها إلا مصورة بصورة من عرف فيها من كرام الناس، وكذلك تبدو باريس على البعد ممثلة في شمائل إنسانين اثنين هما المسيو بلانشو وابنة خاله كريمة الجنرال بونال. والمسيو بلانشو — سكرتير اتحاد الطيران في باريس — آية من آيات النبل والخلق العظيم، وابنة خاله الآنسة سوزان مثال أعلى لسلامة الذوق وكرم النفس وحياة الوجدان. ويعلم الله ما ذكرت هذين الإنسانين إلا غلبني الدمع وقهرني الشوق وصهرني الحنين. وستظل باريس قبلة روحي ما بقيت في النفس ذكرى ما لقيت عندهما من عطف ورعاية وحنان
تلفت حتى لم يبن من دياركمدخان ولا من نارهن وقودوإن التفات القلب من بعد طرفهطوال الليالي نحوكم ليزيد بعد هذين الإنسانين تتمثل باريس في صور الأساتذة الكبار الذين انتفعت بعلمهم هناك أمثال دوميك ومرسيه وديمومبين وكولان وماسينيون وتونلاوديبويه وميشو وشامار ومورنيه.
وبعد أولئك وهؤلاء تتمثل باريس في صور تلك الوجوه الصِّباح التي رأتها عيناي وألفها قلبي ثم أقصتني وأقصتها ضرورات الحياة إلى حيث لا أمل في تراسل أو تلاق، برغم ما قيدنا من العناوين، وما حددنا من المواعيد.
يا أخت ناجية السلام عليكمقبل الرحيل وقبل عذل العذللو كنت أعلم أن آخر عهدكميوم الفراق فعلت ما لم أفعل واليوم يتلفت القلب إلى باريس فتقبل الذكريات أفواجًا في عنف وطغيان، فتغرق الروح في كوثر النعيم المتخيل المرموق، فماذا عسى أن أفعل للنجاة من ذلك الطوفان؟ أأفزع إلى صفحات هذا الكتاب؟ كيف ولم يكن إلا ظلالًا خفيفة لما لقيت في باريس من متع الحياة، وهو مع هذا لم يحو كل الذكريات؛ لأن أطيب الذكريات لا يكتب ولا يقال، وإنما تقلبه النفس في هدآت الليل كما يفعل الشحيح وهو يقلب كنزه المدفون.
رباه! ماذا أبقيت لي من باريس؟ ألا تراني أروح إلى السينما الناطق في صبوة وجنون أتسمَّع كيف يتكلم الباريسيون وأنظر كيف يجدّون وكيف يلعبون؟ إلى اللقاء يا باريس إلى اللقاء يا مدينة المجد والحب والجمال إلى اللقاء يا وطن المسيو بلانشو والآنسة بونال!

الفصل الأول
بين الحب والمجد


?? يونيه سنة ????
لم تنسني فتنة الدنيا وزينتهاما في شمائلك الغراء من فتنأطوف بالحسن تصبيني بدائعهكما يطوف مُعنَّى القلب بالدمنفلا تثير مغانيه ونضرتهفي ظل ذكراك غير الهم والحزنآمنت بالحب لولا أنت ما جمحتمني الضلوع إلى أهل ولا وطن •••

يا من تحيرت لا أدري أيسعدنيغرامه أم هواه محنة المحنما ضر لو نعمت عيناي أو شقيتقبل الفراق بمرأى وجهك الحسنلولا مثالك في باريس ألمحهفي طلعة البدر أو في نضرة الفننما صافح النوم أجفاني ولا احتملتجوانحي ما أثار البين من شجن •••

جنت عليّ الليالي غير ظالمةإني لأهل لما ألقاه من زمنيفما رأيت من الأخطار عاديةإلا بنيت على أجوازها سكنيولا لمحت من الآمال بارقةألا تفحمت ما تجتاز من قُننأحلتُ دنياي معنى لا قرار لهفي ذمة المجد ما شردت من وسن
الفصل الثاني
ثورة المجد


 باريس في ? يوليه سنة ????
نسيتم العهد واسترحتممن لوعة الحافظ الأمينفليت ما راضكم فنمتمأراح بعد النوى جفونيوليتني إذ يئست منكمكبحت في غربتي شجوني •••

ولى خداع المنى وقرَّتْمطامح الواجدِ الحزينفما بكائي على حبيبلم تقض في حبه ديونيألقيت بالنفس من هواهفي لجة السحر والفتونوقلت أرتاد من صباهملاعب الطيش والجنونفما تذوقت من جناهإلا صدى النوح والأنين •••

يا روعة البدر في سماهوفتنة الزهر في الغصونتناس ما شئت سوف تخبوحرارة الدمع في الشئونوسوف تبلى على اللياليغرائب السحر في العيونأستغفرُ الحب سوف يبقىعلى صروف الأسى حنيني
الفصل الثالث
إلى باريس


 باريس في ? يوليه سنة ????
قبل الرحيل

بعد شهور طوال أسهرتُ فيها ليلي، وأشقيتُ فيها نهاري، صحت مني العزيمة على العودة إلى باريس. وكانت نشوة فرح تشبه نشوات الطفل حين يحدثه أهله عن سفر سعيد، وكدت أكتب إلى خلصائي: أيها الأصدقاء، أنا عائد إلى باريس! ولكني توقرت، وكتمت فرحي، وأقبلت أعد ما لم أكن أعددته من المفكرات والمذكرات ... والملابس! وانطوت الأيام بسرعة خاطفة، ومضيت إلى «سنتريس» لتوديع أبي وأهلي وأصدقائي، وكان مني ما تعودته من الجمود حيال تلك الدموع الحِرار التي يسكبها الوالد — لا عدمته — كلما أسلمني إلى رفق الله ولطفه في سفر بعيد. ومضت بي السيارة وهي تحمل مني قلبًا راضته الأيام بعد الجُموح، وعلّمته كيف يجمد ويتحجر أمام أهوال الفراق.
وجاء صباح السبت الأخير من يونيه، وإذا أنا أمضي بأقدام ثابتة إلى محطة «باب الحديد»، وفي انتظاري أصدقاء قلائل جدًّا ثلاثة أو يزيدون! وغاب عن ذلك اليوم أصدقاء كنت آمل أن أراهم هناك. وهمَّ القطار بالقيام فحسدت المسافرين الآخرين، لأن مودعيهم كانوا من الجنس اللطيف الذي يحسن التوديع، ويقدم إليه أصلح وقود من التقبيل، ثم التلويح بالمناديل البيض! واكتفيت من مودعي الفضلاء بعبارات: فتح الله عليك، وجعلك من السالمين الغانمين!
فاللهم تقبل من عبادك الصالحين!
في الباخرة

مرت الساعات بين القاهرة والإسكندرية وأنا مقسم الفكر، منتشر الروية، أنظر تارة في الصحف، وأخرى إلى ما نمر به من الحقول، حتى أسلمنا القطار إلى الباخرة في غير عناء. ونقلت أمتعتي إلى مكاني في السفينة، ثم جاءت ساعة الغداء فشغلنا عن توديع الإسكندرية، إن كانت تحتاج منا إلى توديع، وهيهات! فقد تمادت بنا مظالم الحياة وكدنا لا نعرف ما الوطن وما فراقه؛ إذ كنا في بلادنا غرباء، والمظلوم في وطنه غريب.
وُضعت المائدة، وأقبلت أتخير مكاني بين المسافرين والمسافرات، فلمحت مكانًا خاليًا بين سرب من الظباء، فبادرت إلى احتلاله، وإذا صديق من زملائي الفرنسيين يقول: ماذا تريد يا مسيو مبارك؟ هذا مكان مشغول!
ماذا أريد؟ ماذا أريد؟!
الخبيث يعلم ما أريد، ولكنها الأثرة والغيرة واللؤم، كل أولئك حمله على إقصائي عن المكان المنشود!
ورجعت أتلفت علني أجد مكانًا طيبًا بين جيرة يخفق لهم القلب، وتهفو إليهم الجوانح، فلم أجد بعد البحث الطويل. وانتهى بي المطاف عند طرف من المائدة فيه اثنتان من العجائز، وفيه رجل مصري. أما العجائز فالقارئ يدرك أن الأنس بهن محال. والرجل المصري، ما حاجتنا إليه، وقد تركنا في مصر خمسة عشر مليونًا غير آسفين! على أن المصري في مثل هذه الأحوال قد يكون هو «الإنسان» الذي عناه الشاعر حين قال:
عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوىوصوت إنسان فكدت أطيرُ وكذلك مرت أيامي في الباخرة والملائكة مستريحون لم يكتبوا فيما أظن سطرًا واحدًا في صحيفة السيئات، وأحسبهم يتورّعون عن تقييد تلك الخواطر «البريئة» التي كانت تمضي في التحسر على ما فات من مجاورة الحسان! على أن الغي في بعض الأحوال قد يكون أطهر من الرشد. وقد يكون الإثم الجارح أسلم عاقبة من التقى المصنوع!
رجال الدين

في أكثر المرات أجد في سفري طوائف من الراهبين والراهبات. ولى في كل مرة ملاحظات وتأملات؛ ومشاهداتي في هذه المرة أمتع وأنفع، وإلى القارئ البيان:
الجنس اللطيف لطيف دائمًا، فالراهبة أعقل من الراهب وأبعد من الفضول، كتابها في يدها دائمًا، تقرأ آياته في تقى وإخلاص. وقد لاحظت أن بين الراهبات فتيات يقطر من وجوههن ماء الحسن، ويترقرق في أعطافهن ماء الشباب، وفيهن من سحر الجفون آيات بينات، فبدا لي أن الله عز شأنه أخذ يتخير لنفسه أطايب الجمال، ورأيت أن التقوى لا تصلح إلا من مثل تلك الوجوه الملاح. وليس من العنف في شيء أن نصارح القارئ بأنه لا خير في تقوى كثير من الناس، لأن أكثرهم لا يتقى الله إلا حين يعجز عن الإثم والفسوق، فهي تقوى ضرورة ورياء، لا تقوى بر وإيمان. وبعض الأتقياء لئام لا ينهون عن الغي إلا حسدًا لأهله على ما آتاهم الله من نعم المال والجمال والشباب، ولو أنهم ظفروا بسبب من أسباب الفتك لودعوا التقى وهم فرحون. وحسن السلوك عند أشباه الأبرار أشبه بسلوك العبيد، فهو في جملته ضرب من الصعلكة ولون من ألوان الموت، وهم يعلمون ذلك، ولكنهم يتكلفون الرضا بحظهم من الصلاح!
الراهبة أعقل من الراهب، كذلك أفترض، فقد كان معنا في الباخرة راهب شنيع الإسراف، لا يرضيه نبيذ المائدة، لأنه شراب عادي يبذل بسخاء للجميع، فكان يطلب لحسابه أجود أنواع الشراب، ثم يدعو من حواليه من الشواب النواهد إلى التفضل بمشاركته في ذلك الوِرد المباح! يفعل ذلك، وأنا أنظر إليه وملء جوانحي حقد وضغن، فهو يفعل كل ما يريد ويظل قديسًا، وأنا لا أفعل شيئًا ثم يهاجمني ذلك الزميل الفرنسي اللئيم قائلًا: ماذا تريد يا مسيو مبارك؟!
هذا وحق الله مننكد الزمان وسوء حظي! والنفاق نعمة عظيمة عرف قيمها اللئام فأوغلوا فيها، وافتنوا في جمع أسبابها. والصراحة محنة اقتنع أصحابها بأنها أساس الرجولة والنبل، فأسرفوا في العناد حتى لا أمل في ردهم إلى الحد المعقول. وأنا والله غير نادم، فليظفر من شاء من الأحبار، والرهبان، والأشياخ، بما شاء من طيبات الحياة، تحت ستار التقى والدين، فتلك كلها حظوظ سافلة لا يفرح بها إلا الضعفاء الذين يعرفون أن مصارحة الجمهور عبء ثقيل لا ينهض بأثقاله إلا الأقوياء الأشداء.
فتاة تشكو الفراق

كان ذلك حظي من رفقة المائدة، ولم يكن بد من السعي الحثيث للترويح عن النفس، وقد وصلت بعد جهد إلى التعرف إلى فتاة كانت تغني في مسرح … بالقاهرة، وهي فتاة ناهد حسناء، رشيقة القد، مشرقة الجبين، وفي عينيها النجلاوين بقايا خطيرة من سحر هاروت وماروت الذي ورد ذكره في القرآن، وفي صوتها غنة موسيقية كأنها غنة الظبي الوليد، ولأناملها رقة جذابة تفيض بالكهرباء، وفي خطراتها تكسّر وتثن أين منهما الغصن المطلول، ولها رفق بارع في إذكاء نار الحب والوجد فيمن تختار من أصحاب القلوب … هي فتاة فرنسية تعوّدت اللهو بالأشخاص، وبالأشياء، وبالأوطان، فلم يعد يهمها من تلقى ولا من تفارق، ولم تعد تفكر أي أرض تسكن، وإلى أي وطن تعود. ولكنها فيما تقول وقعت أخيرًا في أشراك الحب، بعد إذ سخرت بآلاف المحبين، وبعد إذ بُذلت في مرضاتها التضحيات الخطيرة بلا حساب. أما الإنسان الذي استطاع أن يكويها بناره، وأن يردها وهي صاغرة إلى زمرة الأشقياء، فهو شاب مصري فقير، لا يجد أسباب اللهو في أحياء القاهرة، ولكنه يملك فقط عينين ساجيتين، وشبابًا قويًّا، وجاذبية تميد لهولها الجبال.
كم ساعة قضتها تلك الفتاة وهي تبث إليَّ شكواها من مرارة الفراق، وكم لوعة ثارت في صدري من حنينها إلى سواي، وكم خلوة حلوة على ظهر السفينة استمعت فيها إلى أنفاسها الحِرار وهي تتكلف أسباب الصبر الجميل!
أيها العاشقة الحسناء!
أنا أيضًا … شاب فقير!

الفصل الرابع
الحب الاثيم في باريس


 باريس في ?? سبتمبر سنة ????
الإنسان في عُرف المناطقة حيوان ناطق، لأن أرسططاليس عرّفه كذلك. وفي مقدورنا أن نقول: الإنسان حيوان مخدوع. وكنت أحب أن أقول: حيوان مغرور، ولكني وجدت التعبير الأول أدق وأصدق في تحديد ذلك الحيوان الخادع المخدوع الذي اسمه إنسان!
الإنسان حيوان مخدوع؛ لأنه يخدع نفسه بما يسميه «تجارب واختبارات» فالرجل الذي تستهويه امرأة فاجرة فتقوده إلى بؤرة الفساد في باريس ثم تسرق ما يملك من عين أو نقد يرجع إلى بيته أو مثواه وهو يخدع نفسه بعبارة «هذه تجربة»، أو «ما ذهب من مالك ما وعظك» على حد المثل الذي كنا نعطيه لتلامذة المدارس الثانوية ليضاف إلى موضوعات الإنشاء. والشاب الذي يحمله جنون الشباب على غشيان المواخير القذرة ثم يحمل مرضًا يعيا في برئه الأطباء، يجرّ رجليه على شواطئ السين وهو يدمدم: «هذه تجربة، هذا اختبار لمكاره الحياة» وذلك كله خداع في خداع، والرجل هو الخادع وهو نفسه المخدوع.
لا أذكر أن فكرة تملكتني وسيطرت علي كما استبدت بي هذه الفكرة، فأنا موقن أن غنيمة التجارب ضرب من الإفلاس أو هي الإفلاس، وإلا فما نفع التجارب إذا كنا سنظل طول حياتنا عبيدًا للأهواء والشهوات، وسخرية في يد الهوى القاهر، أو النزق الغلاب.
هذه تجربة! إي والله! ولكن متى تنفع؟ وهذا اختبار، ولكن متى يفيد؟
التجارب المرة تنفع صاحبها في شيء واحد، ذلك بأنها تعطيه لونًا من ألوان الأنين تكبر به قيمته عند من يستمعون لأحاديث البؤس والشقاء. والحكماء في العالم كله قوم أفنوا أنفسهم وخسروا شبابهم وثروتهم، ثم أقبلوا يتحدثون إلى الناس بما يجب أن تتحلى به مجموعة الحيوانات التي تتكون منها فصيلة الإنسانية. ونحن حين نستمع لأقوال الحكماء في صمت وخشوع لا نفعل ذلك اعترافًا بفضل الحكمة، ولكننا نقبل عليها بأنفس مهددة بنفس المصير الذي تخوفنا منه حكمة الحكماء، فالواعظ يبكي نفسه حين يعظ، ولكنه يوهمنا بأنه يبكي إشفاقًا بنا، ورحمة لنا، وخوفًا علينا، ونحن نوهمه أننا نبكي لبكائه، وننزل عند حكمته، والواقع أننا نبكي أنفسنا حين نسمع أخبار من أشقتهم الرذيلة وأفناهم الإسراف، لأننا ننحدر إلى نفس الهاوية، ونهوي إلى ذلك القرار الذي يعز منه الخلاص.
•••

طالما تحدث الناس عن الحب في باريس، ولذلك رأيت أن أكتب هذا المقال لأن أكثر المتحدثين عن الحب في باريس يخوضون فيما لا يعرفون، وهذه فائدة جديدة للتجارب أستطيع بها أن أستطيل على القراء فأدعي العلم وأصمهم بالجهل البسيط، راجيًا ألا تجرحهم هذه الكلمة، وألا يستكثروا على رجل أشقته دنياه، وحمله شبابه على أن يطأ جمرات الشهوات، أن يعزي نفسه بكلمة «جربت» و«شاهدت»، إلى آخر ما في القاموس مما يتصل بهذه التعابير!
الحب في باريس نوعان: حب شريف، وحب أثيم.
والحب الشريف الذي يعرفه الباريسيون غير الهوى العذري الذي يجد القارئ آثاره في كتاب (مدامع العشاق) فنحن نعرف أن الهوى العذري آية من آيات الوجد المنزه عن الآثام والشهوات ونعرف أن العشاق العذريين قوم يجدون لذتهم الباقية في النوح والحنين، ويجدون غذاءهم الروحي في التغني بمثل هذه الأبيات:
سقى بلدًا أمست سُليمى تحلهمن المزن ما تروى به ونسيموإن لم أكن من قاطنيه فإنهيحل به شخص عليَّ كريمألا حبذا من ليس يعدل قربهلديَّ وإن شط المزار نعيمومن لامني فيه حميم وصاحبفرد بغيظ صاحب وحميم الهوى العذري الذي تحدث عنه العرب وأنطق الشعراء بأجمل وأروع ما أوحى الحب النبيل من آيات الشعر الوجداني هو غير الحب الشريف الذي يعرفه الباريسيون، وأكثر الألفاظ مقول بالتشكيك له عند كل قوم مدلول!
لكن ما هو ذلك الحب الشريف؟
هو الذي يجري بين فتى وفتاة، أو رجل وامرأة، لغرض غير مادي، وتقع حوادثه في الأوساط المعروفة بالاستقامة وحسن السمعة. وهو حب معقد كل التعقيد لا يفهمه إلا من راضوا أنفسهم على مكارهه، واكتووا بناره. وهذا النوع من الحب يخالف الهوى العذري، لأنه يستبيح أشنع الذنوب والآثام. ولكنه مع ذلك يجري فيه الأرق، وتسيل من أجله المدامع، وتُعرف فيه نكايات الوشاة والعذال، وتتخذ من أجله الرسل، وتدون له المكاتبات. وعلى الجملة هذا النوع من الحب هو الذي خلق شعراء فرنسا وكتابها وفنانيها وفلاسفتها أيضًا. ولا يوجد في فرنسا رجل عبقري لم يمسه الحب بعذاب أليم.
وهذا الحب شريف لأنه يقع غالبًا في ظروف قاهرة لا يمكن منها الفرار، ففي فرنسا نساء جميلات حبتهن الطبيعة بأكرم ما تهب من ألوان السحر والفُتون. والمرأة الجميلة في فرنسا خطر على عالم القلوب، وأقسى الأفئدة يلين ويتفجر بالعطف والحنان أمام تلك الظباء الأوانس اللائي يخطرن من حين إلى حين في الأحياء المرحة الجذلة التي تفيض وتزخر بأسباب الطيش والجنون. ونحن والله أرق أكبادًا من أن نرمي عشاق الجمال القاهر بالفسق والفجور. فهم قوم مساكين منحهم الله عيونًا تنظر، وقلوبًا تشعر، وأكبادًا تتوجع، وأحشاء تتفتت، وقال لهم كونوا شعراء فكانوا، وهو سبحانه يقول للشيء كن فيكون، فكيف بالإنسان الذي تغنيه الإشارة، وتكفيه اللمحة؟ إنه يفهم جيد الفهم أن الجمال خُلق ليُعشق، فليس بعيدًا أن يُسرف فيعبد الجمال من دون الله.
هذا النوع من الحب طبيعي لا يمكن حربه ولا دفعه لأنه في الفطرة، ولا يمكن أن يقال إنه خاص بفرنسا من دون الأمم؛ فهو حظ مشاع بين جميع الشعوب، ولكل أمة منه نصيب، حتى مصر! وإني لأحسب أنه ألزم للإنسان من ظله، وأنفع له من الماء والهواء.
•••

أما الحب الذي انفردت به باريس فهو الحب الأثيم، وهو الحب الذي تغلب فيه الدعارة والفجور، وهو حب له ظاهر خلاب جذاب لأنه يشبه الحب الشريف من بعض الوجوه، ففيه أيضًا تعاطف وتراحم وحنان. وإنك لتدخل حدائق باريس في المساء فتجد مئات العشاق متعانقين فوق المقاعد مظللين بالأشجار المورقة، ومحروسين بالحشائش الخضر. وكم من مرة تأملت هذه المناظر المريبة وأنا وافر الإعجاب بما يملك أهل باريس من أسباب الحرية المطلقة التي لا نجد قبسًا من شعاعها في مصر. ولكن ماذا تخفي هذه المناظر، ماذا تخفي، ماذا تخفي من عوامل الضعف والتدهور والانحطاط؟!
إن في باريس طوائف من الفتيات ألجأهن الفقر والعوز إلى مرافقة الشبان، أو حملتهن أزمة الزواج على الإسراع بالتعرف إلى الرجل الذي جبن عن مجابهة تكاليف الحياة الزوجية الشريفة، وقنع بما تحمله إليه المصادفات من غنائم الإثم والفسوق، هؤلاء الفتيات الفقيرات خطر على باريس وزوار باريس، وهن خطر محقق على الشبان المصريين والشرقيين الذين حرمتهم التقاليد الإسلامية من الأنس بالمرأة الفاجرة، فكم من شاب مصري أسلم شرفه وعرضه لامرأة بغي في أول ليلة دخل فيها باريس، وكم من شاب مصري جاء باريس ليتعلم فظل جاهلًا ثم عاد إلى أهله يحمل أشنع وأوبأ ما عرف الطب من جراثيم الأمراض. والفرنسيون يعلمون علم اليقين أن عاصمتهم موبوءة، وأن الحي اللاتيني حي الطلبة بنوع خاص هو مهد الوباء، ومن أجل ذلك رأيت منهم من يتباهى بأنه لم يعد إلى ذلك الحي منذ كان طالبًا. ومن الأساتذة من لا يعرف من ذلك الحي غير السوربون والمعاهد الملحقة بجامعة باريس.
وبعد ذلك فلمن أكتب المقال؟ إن ذلك الحيوان المخدوع الذي اسمه إنسان سيعلل نفسه دائمًا ويخدعها بما يسميه التجربة، فهل أستطيع أن أقترح فقط على صديقنا الدكتور الديواني مدير البعثة المصرية في باريس أن يضع نظامًا يفرض فيه الكشف الطبي على الطلبة المصريين من حين إلى حين، علهم يتقون الله في أنفسهم فيفرون من أوباء الحب الأثيم؟
مصر في باريس

أصبحت مدينة الطلبة عنوانًا على مجد الأمم، فلكل أمة دار يأوي إليها أبناؤها المغتربون، فلأمريكا وبلجيكا واليابان دور في مدينة الطلبة، حتى الأرمن لهم دار! أما مصر فمسكوت عنها في تلك البقعة الجميلة. وقد اقترح بعضهم مرة في مجلس النواب على وزير المعارف أن يفكر في إنشاء دار مصرية بمدينة الطلبة في باريس، ولكن قيل يومئذ إنه من الخير للطلبة المصريين أن ينبثوا في الأوساط الفرنسية.
وهم قد انبثوا بالفعل، ولكن أين؟ في الحانات والقهوات!

الفصل الخامس
الحب في باريس وفي ليفربول


 باريس في ?? يونيه سنة ????
صديقي «ن …» شاب جميل الوجه، طيب القلب، سليم الذوق. عرفته لأول مرة في القاهرة في صيف سنة ???? وقد فرقتنا الأيام بعد ذلك، فذهب إلى ليفربول، وبقيت أنا موزع الجهد، مقسم القلب، بين القاهرة وباريس.
وفي هذا اليوم صادفته هائمًا في حديقة لكسمبور، فتعانقنا وتبادلنا أطيب التحيات، وسألته وسألني عما لقي وما لقيت، ودعوته إلى لحظة نقضيها في قهوة داركور أمام السوربون.
جلسنا، وتحدثنا، وشربنا.
لكني لاحظت أن صديق سنة ???? غير صديق سنة ????، فقد كان الصديق الأول في سذاجة، وطهارة، ونبل، وإخلاص. أما الصديق الثاني فهو إنسان مداور، ماكر، خبيث، محتال، لا تصل إلى قلبه إلا عن طريق النفاق.
ابتدأ فلعن باريس؛ وأهل باريس؛ ومحبي باريس. فقلت: استئن من فضلك! فأجاب: العفو يا بيه!
باريس في رأيه مدينة دعارة وفسق ومجون وشهوات، وليس فيها على حد تعبيره إلا فاسق أو ختَّال، وقد انطلق كالقذيفة يصف الفرنسيين بأشنع ما حوت القواميس من قبيح الصفات والنعوت، ثم اندفع يقابل بين الأخلاق الإنجليزية والأخلاق الفرنسية، فكان الإنجليز في رأيه ملائكة، وكان الفرنسيون شياطين. هنالك ابتسمت، وقلت: الآن يا صديقي اطمأننت عليك!
فقال: وكيف؟
قلت: كنت في شك من أمرك، فقد كنت أخشى أن تعيش في بلاد الإنجليز بدون فائدة، كما هو حظ كثير من أعضاء البعثات المصرية، أما الآن فقد عرفت أنك استفدت!
قال: هذا غريب. أنت لم تختبرني حتى تعرف إلى أي حد وصلت.
قلت: بلى، قد اختبرتك، وإن لم أوجه إليك سؤالًا، ولم أسمع منك جوابًا، فإنّ حملتك الشعواء على الأخلاق الفرنسية تدل أوضح دلالة على أنك أُشربت أخلاق الإنجليز وسجاياهم. وقد علمتني التجارب التي كوت يدي، وأشاطت دمي، وأيأستني من صفاء الطبيعة البشرية، وأقنعتني بأن الإنسان حيوان لئيم، علمتني تلك التجارب أن أجهر الناس صوتًا في الدفاع عن الفضيلة هم المنافقون! وأنت يا صديقي تتأفف من هواء باريس، وتعلن أن جوها مشبع بأوزار الغواية والفسوق، وفي هذا دليل على أنك أصبحت إنجليزيًّا صميمًا، ونحن نرسل أبناءنا إلى إنجلترا ليتخلقوا بالأخلاق الإنجليزية، فلم تضع إذن الدنانير اليومية التي أنفقت عليك، فلطالب البعثة في كل يوم دينار، كأنه ابن الملك في أساطير الأولين!
قال الصديق، وعلى وجهه بوادر الألم والغيظ: أوضح. فأني لا أدرك تمامًا أي هدف ترمي، ولا أي وجه تريد.
قلت: يجب أن تعلم أن الإنجليز أقدم الناس عهدًا بالنفاق. وأنا لا أتكلم عنهم من الوجهة السياسية، فقد يكونون في السياسة صرحاء! إنما أتكلم عن الأخلاق، الإنجليز يعملون كل شيء، ويكتمون كل شيء، يقترفون أشنع المنكرات، ويظهرون دائمًا سيماء الطهر والعفاف. والويل كل الويل لمن يفتضح أمره بينهم، فإنه لا محالة مطرود منبوذ. وهم في هذا يعملون كما كان يعمل الإسبرطيون قديمًا، فقد كانوا يعاقبون السارق لا لأنه سرق، ولكن لأنه لم يعرف كيف يخفي السرقة ويمشي في ثياب الأبرياء.
قال الصديق: هل عاشرتهم يا سيدي حتى تحكم عليهم هذا الحكم؟
قلت: عاشرتهم قليلًا، ولكني قرأت أكثر ما نقل من مؤلفاتهم إلى الفرنسية واقتنعت كما اقتنع كثير من أحرارهم ومفكريهم بأن الحواضر الإنجليزية أوكار خبث ورياء، وأن لندن بوجه خاص تضم إلى جنباتها أخطر ما عُرف من أساليب الإثم المستور!
وأنت يا صديقي تمثل نفس الدور أصدق تمثيل، فأنت تركت ليفربول لتقضي إجازتك في باريس، والشيطان يعلم لم جئت باريس، ونصيحتي لك أن تعيش في فرنسا بنفسٍ فرنسية لا إنجليزية، فالفرنسيون تضيق صدورهم بالنفاق، ويحتقرون المنافقين. وهم حين يحبون يحبون في صراحة، وحين يبغضون يبغضون في وضوح، وقليل منهم من يحسن المداورة ويميل إلى التضليل.
لكن صديقي لم تغنه هذه الخطبة، واستمر يقبح الأخلاق الفرنسية، ويمجّد الأخلاق الإنجليزية
فما الحل، وكيف السبيل إلى هدايته؟
آه! لقد اهتديت إلى الحل.
فما هو؟
كأس من بيكون! فإن لم تغن الكأس الأولى فكأس ثانية وثالثة حتى تصفو نفسه، ويخلو رأسه من عقارب النفاق، ويعود طفلًا محبوبًا كعهدي به لا يشاري ولا يماري ولا يكذب ولا يمين.
يا غلام! هات كأسًا من بيكون!
جاءت الكأس مترعة، ونظر إليها الصديق نظرة غَزِلة، ثم شربها فتقطبت لها أسارير وجهه، وتطلقت أسرار قلبه، ودعوت بكأس ثانية فكاد من طرب يهيم، وخلته ينشد وهو نشوان:
جمعت بالكأس شمليالله يجمع شملكبحق رأسك دعنيحتى أقبل نعلك وعُدنا نتكلم عن باريس وصراحة الباريسيين، فقال: أنا الآن معك، فباريس هي المدينة الوحيدة التي يعيش فيها المرء على فطرته، يحب ما يحب، ويبغض ما يبغض، في صراحة وجلاء. وأنا معك أيضًا في أن الإنجليز منافقون، ولكني أحب أن تعلم أنهم ليسوا جميعًا سواء.
قلت: كيف؟
قال: نحن نعيش في ليفربول، والحرية فيها تكاد تكون تامة، ويكفي في بيان ذلك أن أقص عليك النادرة الآتية:
قامت في الجامعة مناظرة موضوعها: «أيهما أحب إليك: أن تكون أحببت مرة وأخفقت، أو أن تكون خليّ القلب من نعيم الحب وعذابه؟»
وقد أعطى الطلبة لأنفسهم مذاهب من الآراء لا حد لها في المفاضلة بين الوجهتين، ثم قام في الختام مدير الجامعة وقال: «تتكلمون عن الحب؟ هذا جميل! ولكني أرى أننا مقبلون على جفاف، فقد كنت ألمح في شرفات الجامعة الطلاب والطالبات أزواجًا أزواجًا يتهادون التحيات والقبلات في خفر وحياء، وكنت أتعامى حتى لا أفرق بين حبيبين يتناجيان. أما اليوم فقد عدت أمشى في أرجاء الجامعة بخطًا مسروقة ولا تقع عيني على محب ولا محبوب.
أيها السادة! الحب في خطر! أنقذوا سمعة الجامعة!»
قص صديقي هذا الحديث، ثم نظر فرآني أفكر، فقال: ما خطبك؟ قلت لا شيء! لقد تذكرت أن هذه المناظرة ألقيت هذه السنة في الجامعة المصرية، فمن المحتم أن يكون اقترحها أحد الأساتذة الإنجليز، ومن المرجح أن يكون قد استُقدِم من ليفربول؛ فنحن نأخذ بقاياكم في العلم والحب، لو تعلمون.
وعند هذا الحد كانت صفت نفس الصديق، وتحلّل حقده المزعوم نحو باريس، وسألني عن بعض الناس في مصر، فقلت: إنهم بخير، ولا عيب فيهم إلا أنهم إنجليز أو أشباه الإنجليز، وإنك تعلم ماذا أريد!

الفصل السادس
صيد القاهرة أم صيد باريس؟


 باريس في ?? سبتمبر سنة ????
صديقي …
كتبت إليّ تسألني أن أصف لك ألوان الحياة في باريس، وألوان الحياة لها في نفسك معان غريبة تشوق النفس وتثير الوجد؛ فباريس عندك مدينة الفتنة واللهو والمرح والمجون، وشارع عماد الدين الذي تقضي فيه ليلك وشطرًا من نهارك يجب أن يكون في لجبه، وضوضائه، صورة مصغرة جدًّا لشوارع باريس، وقد ضاق عليك ذلك الشارع البهيج فيما أظن، فأنت تريد أن تحيا حياة أوسع وأطيب، ولو عن طريق الخيال، متأسيًا بالشريف الرضي إذ يقول:
فأتني أن أرى الديار بطرفيفلعلي أرى الديار بسمعي وأنا والله عاذرك، فقد أتيح لي أن أواجه الحياة في مغاني القاهرة والإسكندرية ودمياط والمنصورة وأسيوط، ثم رأيتها جميعًا أضيق من سَم الخياط، وما عسى أن يطيب العيش بين أقوام لا يفرقون بين الهزل والجد؛ ولا يحلو لهم غير القيل والقال، وهم في أنفسهم أصغر من أن يقدروا نضرة السراء، أو قسوة الضراء، فمن حقك عليّ وأنا صديقك الذي يأسى لقلق نفسك وبلبلة خاطرك أن أتحفك ببعض الصور الناطقة من حياة باريس، ولكن ماذا أقدم لك يا صديقي؟ وماذا أختار من بين ما أرى وما أسمع؟
تكاثرت الظباء على خراشفما يدري خراش ما يصيدُ لكن اسمع، اسمع، فقد وجدت الجواب!
أنت بالطبع تعيش في مغاني القاهرة عيشة خالية من كل معاني السعادة لخلو القاهرة المسكينة من أودية الصيد! هذا مفهوم جدًّا، ولا موجب للمواربة لأننا بحمد الله لم نرزق مثقال ذرة من نعمة النفاق التي يرتع في ظلالها المنافقون. وكل حظك فيما أظن لا يتعدى المناوشات الصغيرة في طريق الأهرام أو طريق السويس، وأحيانًا في شارع شبرا المتواضع حين يخلو جيبك من بقايا تلك الأوراق المعدودة التي تقلبها بين يديك مرة ومرة، وثالثة، أول يوم من الشهر، ثم تتفقدها فلا تجدها في صبيحة اليوم التالي. أليس كذلك؟ بلى وما أحسبك من المكابرين!
ولكن ما رأيك في أن ذلك الصيد الذي تظفر به في بعض غدواتك أو روحاتك أطيب مساغًا وأحمد عاقبة من صيد باريس. لا تلوِ وجهك يا صديقي ولا يثقل عليك كلامي فأنا أقول الحق. إن صيدك في القاهرة حلو وديع لا يحمل المسدس ولا يحسن الضرب بالرصاص. هل فهمت الآن؟ إن صيدك يكاد يُجنُّ من الفرح حين يقع في الشباك، وقد يتأبى ويتمنع، ولكنه يتمنى أن يظل سجين الفخ أبد الآبدين. وقد يكون صيدك مسلحًا، ولكن بأي سلاح؟ سلاح الطرف الغضيض الذي يحمل في تكسره ما بقي من سحر هاروت وماروت. وقد يطمع صيدك، ولكن فيم يطمع؟ في نزهة قصيرة بالسيارة في حراسة القمر وعلى شواطئ النيل، فإن نفحته بشيء من بقايا فضلك فأنت في عينيه أكرم مَن أقلَّت الأرض وأظلَّت السماء.
أما صيد باريس فيختلف عن ذلك الصيد أشد الاختلاف، ولكن هل في باريس صيد؟ لقد بحثت كثيرًا هذه المسألة، نظرتها أولًا في أمهات الكتب وفي المعاجم والقواميس، واختبرتها ثانيًا في المسارح والمشارب والحدائق والشوارع والميادين، وسألت عنها الناس، من جميع الأجناس، وانتهيت بعد البحث الطويل إلى الحقيقة الآتية: «ليس في باريس صيد، ليس في باريس إلا ظباء هرب منها قانصوها».
هذه هي الحقيقة التي لا يمتري فيها إلا كل مغرور ومفتون، وأي لذة وأي فتنة، وأي سحر بقي لتلك الظباء الغوادر اللاتي أضناهن كيد الليل ومكر النهار؟ إن الفتاة لا تجدك إلا بعد أن تكون قد ألِفتْ جميع ضروب الختل والخداع، وفي صدر كل فتاة باريسية خاطر يوسوس وقلب يخون، ويندر جدًّا ألا يكون في جيبها سلاح محشو بأسباب الحتف والهلاك، ففي كل جريدة وكل نشرة وكل مجلة أخبار مزعجة بشعة مخيفة عن ضحايا الحب الأثيم. وإذا كنت تجد أحيانًا في الصحف المصرية صدى لحوادث الفتيات الفاتكات فذلك وَشَل قليل جدًّا إذا أضيف إلى هذه المجازر البشرية التي تقع في باريس مدينة النور فيما يزعمون.
ولك أن تسأل يا صديقي عن سر هذا الوباء الخلقي الذي يفتك بالناس في باريس، وتوضيح ذلك سهل، فإن جمهرة الفتيات اللائي تتكون منهن عصابات الإثم والغواية ينشأن عادة من طبقات فقيرة، والطبقات الفقيرة هنا هي طبقات العمال، والعامل الفرنسي في الأغلب رجل خشن جاف تشقيه مهنته ويضنيه عمله، فإذا شبت له طفلة ألحقها بعمل من الأعمال يكون غالبًا في دار من دور التطريز، وفي تلك الدور طبقات مختلفة من النساء يعرفن جميعًا كيف ينظم الهندام الفتان، وكيف يكون للمرأة اللبقة أصحاب وأخدان. وكذلك تقضي الفتاة يومها في بيئة لينة تقتل الوقت بالعمل وبالتحدث عما وقع لفلانة مع فلان، والفتاة الحدَثَة طُلَعة متشوِّفة تصغي لكل حديث، وتتطلع إلى كل قادم، وتتأمل كل حركة، وتميل مع كل ريح. فإذا جاء المساء عادت إلى مأواها فوجدت أمها في ثيابها الخلقة، ولقيت أباها كعادته قذر الثياب عابس الوجه لا يعطف ولا يلين، ثم تقدم المائدة فتراها باردة لا طعم لها ولا لون، لأنها مائدة عمال فقراء يتقاسمون اللقمة ويتناهبون الحساء، فترجع الفتاة إلى ذاكرتها تستحضر ما سمعت طول اليوم من وصف المآدب والموائد حيث كان النساء العاملات يعددن بإسهاب وإطناب ما كان من ترف وفتنة ورفاهية مع الأصدقاء والخلان.
ومن تلك اللحظة تتسع الهوة بين الفتاة وبين أهلها، فهي بينهم في سجن مظلم لا نوافذ له ولا أبواب، وتمر الأيام تلو الأيام وهي تفكر وتدرس وتقارن بين حالتها التعسة وحالات رفيقاتها اللائي يمرحن في بحابح النعيم، وتسأل نفسها: أيكون هؤلاء الرفيقات من بيوتات أغنى وأقدر على جلب أسباب المرح والرغد والإقبال؟ ثم يتضح لها بعد البحث أن النشأة تكاد تكون واحدة وأن هؤلاء اللاهيات المرحات لا يمتزن عنها إلا بشيء واحد، شيء واحد فقط لا أكثر ولا أقل، وذلك الشيء الواحد ما هو وما عسى أن يكون؟ هو الصديق!
الصديق! نعم هو الصديق الذي يغير الفتاة من حال إلى حال، وهو من أمرها على كل شيء قدير، ولكن كيف السبيل إلى هذا الكنز الثمين؟ كيف؟ كيف؟ ذلك ما تحار فيه الفتاة، لأنها لا تزال في أول عهدها بالحياة، وهي ككل فتاة ناشئة تحمل في صدرها بقايا طيبة من عناصر الخجل والحياء، وكذلك تقضي عدة أسابيع أو عدة أشهر وهي فريسة الهواجس والبلابل والتأملات السود، لأنها أضعف وأوهن من أن تصارح أمها أو رفيقاتها بتلك الحاجة الملحة، حاجة الفتاة الشقية العذراء إلى الصديق.
وفي أثناء هذه الأزمة الخطيرة تتأمل وهي في دار من دور السينما فإذا فتى يسارقها النظر ويهدي إليها طيف ابتسامة، فتعود المسكينة إلى نفسها فإذا قلبها يخفق، وبصرها يزيغ، وتدمدم في فرح مشوب بالخوف: هذا صديق! ثم تجرؤ رويدًا رويدًا فتبادله النظرات والبسمات في هدوء متكلف مصنوع، لأنها صارت كالثمرة الناضجة تنتظر أول هزة لتودع الدوح وتهوي إلى الأرض!
ويتلاقى العاشقان على الباب، فيقول الفتى: مدموازيل! فتجيبه الفتاة: مسيو! ويقف الأمر لأول مرة عند هذا الحد، فإذا مضت الفتاة إلى بيتها قضت الليل كله أرقة مهتاجة لا تعرف السبيل إلى القرار. هذا فتى رشيق حلو الشمائل مليح الهندام، يظهر أنه تلميذ في مدرسة ثانوية أو طالب في إحدى كليات الجامعة، أو موظف ناشئ في إحدى المصالح العمومية، ألا يكون هذا هو الصديق المنشود؟
وفي اليوم التالي تبكر الفتاة إلى نفس الملهى علها تجد رفيق الأمس، وما أشد سرورها حين تراه ينتظرها على الباب وهو في رُواء آنق وأروع، وقد أخذ زينته، وموّج شعره، وأصلح من هندامه، وأحضر لها باقة من الزهر النضير.
هذا يا صديقي شعر بديع يقع على قلب الفتاة موقعًا أخاذًا يأسر منها العقل والحواس … ثم تمضي الأيام في فتنة متصلة أنت أعرف بما لها من دقائق وتفاصيل، إلى أن يقع الخطر، وهذا الخطر يبدو لأول وهلة بسيطًا مأمون العواقب لأنهما قد تواعدا على الزواج، ولكن كيف يكون ذلك والفتى قد نشأ في بيئة غنية وقد أرسله والداه ليتم دراسة الطب أو الحقوق في باريس، ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل أن يعينه أهله على التزوج من فتاة فقيرة ليس لها مهر ولا ثروة، والمهر والثروة هما أساس الزواج في أوربا وخاصة في باريس.
وكذلك يفترق العاشقان بعد أن تكون الفتاة قد ألقت نفسها إلى الأبد في هاوية الشقاء. ومن هنا ينشأ الحقد الخالد حقد الفتاة اللعوب على كل فتى جميل، فإن سمعتَ أن فتاة باريسية سلبت عاشقها ما يملك، أو ضربته بالمسدس، أو طعنته بالسكين، فأعلم يا صديقي أنها تنتقم من عاشقها الأول، وكل عاشق هو في عينها صورة مكررة لذلك الغادر الختال …
افهم هذا واقنع بصيد القاهرة، واذكر أخاك بخير، والسلام.

الفصل السابع
شهداء السين


?? أكتوبر سنة ????
شهداء السين. إي والله! وكم للسين من شهداء
إننا لا نتحدث في هذا المقال عن ضحايا الحب، ولا عن الصرعى الذين تنقل الجرائد أخبارهم صباح مساء، فإن باريس من بين مدن العالم تمتاز بهذه المآسي الشنيعة المزعجة التي تقع بين العشاق في كل حي من أحيائها العديدة. ولعل السر في هذا يرجع إلى أن أهل هذه المدينة شديدو الحساسية، سريعو التأثر والانفعال. والباريسي بطبعه رجل قلق كثير الوساوس والشجون، ويزيد في هذا سيادة النظام الخطر، نظام المخادنة، وهو نظام لا يقصر شره على الأعزاب وحدهم، وإنما يتعداهم إلى الأزواج، فليس من المستغرب هنا أن يكون لكل زوج خليلة ولكل زوجة خليل. والقوم قد درجوا على الشر حتى لا يرجى لهم شفاء، فحوادث الحب والخيانة هي كل ما يجري في المسارح ودور السينما، وكل ما يجري أيضًا في الدراسات الأدبية التي يتلقاها الشبان في المعاهد والجامعات. ولنظام المخادنة خيره وشره؛ فهو خير لأنه شبه دواء لهذا الجنون المستعر جنون الشباب، وهو شر مستطير لأنه يخلق من الفساد الخلقي والاجتماعي أمراضًا كثيرة أيسرها الموت الذريع كلما هبت رياح الشقاق.
لا نتكلم هنا عن ضحايا الحب، وإنما نتكلم عن شهداء الفاقة والبؤس، فإن باريس لم تستطع ولن تستطيع أن تصير أهلها جميعًا سعداء، وكيف يمكن ذلك ونحن في عصور لا تعرف ما القناعة وما الزهد وما الرضا بالقليل، وقد عَفَتْ منها جميع الرسوم الدينية التي كانت تحمل الناس بقوة العقيدة على الرضا بأرزاقهم وحظوظهم في الحياة، ومن النادر أن ترى كنيسة مزدحمة بأسراب المؤمنين والمؤمنات، حيث تلقى العظات والكلمات الحكيمة للتأسي بالأنبياء والقديسين ممن قضوا أعمارهم ينتظرون ما تسوق إليهم الرحمة الإلهية من صنوف البر والإحسان. إنما يعيش أهل باريس في التطلع بعضهم إلى بعض وحسد من يجد لقمته في الصباح وحساءه في المساء، وقد يتشوفون إلى من تواتيه الظروف فينحدر إلى الحانة يعب ما طاب له من ألوان الشراب. تلك هي حياة أهل هذه المدينة التي تأكل أبناءها كما تفعل القطة المجنونة، وليس في الدنيا مدينة يموت فيها الإنسان جوعًا إذا نفدت دراهمه غير باريس، وتشبهها لندرا وبرلين في هذا الجانب المظلم. فليس ازدهار المدن في الواقع إلا مُتعة للأغنياء والموسرين، أما الفقراء فلهم من المدن المزدهرة حظ البأساء والضراء.
في باريس طائفة كبيرة من أهل البطالة والفراغ، وهذه الطائفة كثيرة التطلع والتشوف إلى حوادث الطريق، فهذه الملاهي الوقتية التي تسوقها الحوادث هي كل ما يملكون من أسباب التسلية. وكذلك تراهم يتجمعون تجمع النمل في لحظة واحدة إذا تصادمت سيارتان، أو سقط كلب تحت الترام، أو قبض البوليس على رجل متشرد، أو وقف بائع متجول في ناحية يعرض ما عنده من طرائف الأشياء، وهؤلاء الناس يسميهم الباريسيون «بادو» badaud ولهم فيهم قصص وأحاديث. •••

كنت أمس في الساعة الحادية عشرة صباحًا أمشى على شاطئ السين فما راعني إلا فتى يلقي بنفسه في الماء، وسرعان ما تجمع الناس.
وفي دقائق معدودة جاء البوليس وجاء رجال الإسعاف، وفي هذه الأثناء مرت بالخاطر أخيلة كثيرة وأطياف شتى من صور الحياة، من عسى أن يكون هذا الفتى؟ ومن أي طبقة؟ وما هي محنته؟ وكيف استسلم إلى هذا المصير الفاجع؟ وكيف بدا له أن يودع باريس؟ وكيف كان حقده على الوادعين والوادعات، والآمنين والآمنات، قُبيل اللحظة التي أقدم فيها على هذا الجرم الفظيع؟ وما الذي كان يمر بباله من نعماء هذه الدنيا وبأسائها، حيث حملته رجلاه إلى هاوية الفناء؟ وكيف كان شعوره بالموت والحياة، والعدم والوجود؟ وفيمن كان يفكر؟ وإلى من كان يحن ويشتاق؟ وعلى من كان يعتب؟ وكيف كان يتمثل ظلام الهلاك؟
مرت هذه الأسئلة بالخاطر مر الطيف، ثم رفعت بصري أتأمل ما أمامي، فإذا رجال الإسعاف قد نزلوا في فُلك صغير يبحثون هنا وهناك عن جثة الغريق ولكنهم لا يهتدون، وبعد لحظة تراءى للمتجمهرين شبح على الماء فأهابوا بالبحارة، فمضى بعضهم في فُلكه حتى أدرك ذلك الشبح، ولكنه لم يجده إنسانًا إنما هي لفافة من الورق تطفو على وجه الماء، فعاد البحار يبحث في مكان آخر، وبعد عشر دقائق عثرت أسنان الملاقط على جثة الغريق فرفعوه، وما كاد يبدو وجهه حتى حسبه الناس ينُوس، ورجوا أن يكون فيه رمق من الحياة، وزادهم طمعًا في نجاته ما بدا من بريق شعره، ونضارة جسمه. وجاء الطبيب فخلع عن المسكين ملابسه، وشرط أذرعته فخرج الدم يتصبب، وبُدئت عملية التنفس الصناعي في مهارة ونشاط.
وكان الناس يشاهدون هذا المنظر في تطلع لا يصحبه ألم ولا حزن. أما أنا فقد وقفت ذاهل اللب أنظر ما سيكون، ولعل هذا يرجع إلى أنني كدت أغرق في عهد الحداثة لولا أن أتاح الله لي مروءة ذلك الفلاح الصالح المرحوم أحمد الصواف، وقد أنقذتُ بنفسي أربعة من الغرق، أعانني الله على إنقاذهم من تلك الميتة الشنعاء ميتة الاختناق.
منظر محزن يخلع القلوب، رأيت أن أنظر فيه أخلاق الناس في باريس، وقد أدهشني أن رجال الإسعاف كانوا يتضاحكون أحيانًا وهم يجرون عملية التنفس، وزادت دهشتي حين رأيت المشاهدين يتبادلون بعض النكت في طمأنينة وهدوء، وبلغ الأمر أن فاه بعضهم بكلمة مضحكة فأغرق الناس في القهقهة بشكل مخجل مرُيب، حتى كاد البوليس يفرق جمعهم، ثم تركهم في غيهم يعمهون.
ومضت ساعة كاملة في عملية التنفس، والصريع ملقى على وجهه يقاسى جسمه الفاني ألوانا من الإجهاد، وطال بي الوقوف وقرصني الجوع فمضيت أتناول الغداء، ولا أدري كيف عدت بعد ذلك لأرى مصير الغريق، وقد رأيت الناس لم يتفرقوا، ورأيت رجال الإسعاف ماضين في عملية التنفس بنفس النشاط الذي ابتدءوا به، فلما دقت الساعة الثانية وكان قد مضى على عملية التنفس أكثر من ساعتين عرفوا أن لا أمل في ذلك الصريع الذي سقط شهيد البأساء في باريس.
وسرعان ما جاءوا بنعش صغير حملوا فيه جثة الميت، حملها رجلان اثنان وتبعهما الناس وهم يتزاحمون كأن لم يروا من قبل ميتًا يحمل على الأعناق، وسرت مع السائرين أنظر ما سيكون فرأيتهم يدخلون به المستشفى الذي يسمى (بيت الله) فعجبت كيف صحت التسمية لذلك المستشفى الذي يتلقى على الرحب والسعة من لم يبق لهم غير رحمة الله.
وقد خفت حركة الناس حين وصلوا بالميت إلى ذلك المكان إذ رأوا ملاحقته هنالك ضرب من الفضول المرذول، وأقبل عدد من السيدات في الثياب البيض ثياب التمريض، فتلقين الميت ببعض التسبيحات والدعوات.
•••

كان ذلك الحادث أمام كنيسة نوتردام وكان مفهومًا بالطبع أن الغريق من أهل ذلك الحي. ومع ذلك لم يُر أحد يهتم بالميت، فلا أهل ولا أصدقاء، ولم يُر في الحاضرين من يقول: هذا هو المسكين فلان الذي كان يعمل في مخزن فلان.
فكيف وقع ذلك؟
الجواب حاضر: ذلك أن باريس تستقدم إليها العمال الفقراء من جميع الأقاليم الفرنسية، ثم تتركهم بلا ناصر ولا معين.
وفي باريس منازل لإيواء البائسين فيها ما يسمونه «منازل الحبال»، وسميت كذلك لأن فيها حبالًا يضع عليها البائسون ثيابهم، ثم ينامون على البلاط، بأجر مقبول هو ثلاثة مليمات في الليلة، وفيها ما يسمى «بيت الشعب»، وهو بيت كبير جدًّا ينام فيه الفقراء ويتناولون لقمة في الصباح وحساء في المساء، بأجر مقبول أيضًا هو ثمانون قرشًا في الشهر. ولكن أتظن أن جميع الشبان البائسين يصبرون على مواجهة الحياة في بيت الشعب ومنازل الحبال؟ هيهات! فقد غرست في أبنائها روح الترف، وعلمتهم كيف يثورون على أوضاع الاجتماع، كما غرست فيهم روح السخرية، وعلمتهم كيف يشهدون مصارع المنتحرين في هدوء مطبوع.
باريس! أيتها الطاحونة العاتية! أيتها الدنيا الغادرة! كم فيك من قلب مفطور! وكم فيك من دم مطلول! ومع ذلك لا تزالين أمل الآمل وأمنية المتمني، ومأوى ما ندَّ وشرد من ألباب الشعراء وعباقرة الفنون.
حديث المائدة

كنا خمسة على المائدة وكانت ربة الدار تسأل كل واحد عما عمله في يومه، فابتدأ أحدنا وقال: في هذا اليوم تغديت في فرساي، في مطعم أنيق لم تقع العين على مثله، فأكلنا كيت وكيت، وشربنا ذيت وذيت، وأخذ يعدد أصناف الطعام والشراب بشكل شائق جذاب، حتى كاد لعاب الحاضرين يسيل شوقًا إلى ذلك الطعام الموصوف.
قلت: ومن الذي هداك إلى ذلك المطعم يا سيدي؟ فأجاب: إنه قسيس، ولا يعرف قيمة الطعام غير رجال الدين! فهم وحدهم أهل الخبرة الدقيقة بمختلف المطاعم وحانات الشراب!

الفصل الثامن
ماذا يملك رئيس الجمهورية الفرنسية


 باريس في ?? نوفمبر سنة ????
صديقي …
لقد ظلمتني حين كتبت تسألني أن أفصل لك بعض الأنظمة الدستورية في فرنسا الحاضرة، فأنا رجل حبب إليّ أن أهتم بالماضي من حياة الشعوب، وهذا نفسه جانب من جوانب الضعف في حياتنا العلمية والأدبية، وهو ضعف يكاد يُقصر شره على أمم الشرق، فالمصريون مثلًا يعرفون من أخبار الأمويين والعباسيين ما لا يعرفون من أخبار الفاطميين والمماليك، حتى إذا وصلت إلى العهد الأخير الذي تكونت فيه مصر الحديثة وجدت سواد المتعلمين يجهل ذلك العهد تمام الجهل، ومن أجل هذا كانت حماستنا لدراسة التاريخ حماسة فاترة، لأننا نبدأ بدراسة ما لا تمسنا دراسته، وننتقل بأذهاننا وعقولنا إلى أجيال بعيدة لا تربطنا بها غير روابط ضعيفة أصبحت على أهميتها في ضمانة التاريخ. ولو أننا ابتدأنا فدرسنا حياتنا السياسية والاجتماعية والأدبية لكان نشاطنا أوفر، وإحساسنا أعمق، وفهمنا أدق. لأن العصر الحاضر أقرب إلينا، وأعلق بنفوسنا وعقولنا وقلوبنا وحواسنا، وهو لذلك جدير بأن يجعلنا أكثر استعدادًا لفهم العصور التي خلقته وكونته ووصلت به إلى صورته الحاضرة. وإنك لتعلم أنه لولا اهتمام الشبان في مصر بمتابعة الحوادث اليومية لكان من الممكن أن تجد عددًا كبيرًا من طلبة المدارس الثانوية يجهلون كيف ابتدأت النهضة الأخيرة في سنة ????، وأنا حين أقول (????) متأكد أن بعض الشبان سيتلفت ويقول: «هذا خطأ، إن النهضة المصرية الأخيرة ابتدأت سنة ????.» ويندر جدًّا أن تجد من الشبان من يميز جيدًا كيف ابتدأ مصطفى كامل وكيف انتهت حياة محمد فريد، لأن الكتب المدرسية لا تعنى بذلك، وهي حين تعنى به تذكره مقتضبًا مخطوفًا لا يغني ولا يفيد. وقل مثل ذلك في الشئون الأدبية، فإن الشبان يعرفون عن امرئ القيس وزهير، على بعد العهد، ما لا يعرفون عن البارودي وإسماعيل صبري، وقد لقيت في باريس شابًّا من «البوسنة» يحفظ قصيدة إمام العبد في مناجاة الأهرام! فحدثني بربك كم شابًّا في المدارس الثانوية يعرفون من هو إمام العبد وكيف ناجى الأهرام! وعساك لا تجد من يعرف أمام العبد غير من ساجلوه واكتووا بأهاجيه مثل شوقي وحافظ ومطران.
وهذا الجهل الذي نرمي به شباننا مصدره أنهم يكتفون في الأغلب بما يتلقونه في المدارس الثانوية، وأساتذة تلك المدارس يحدثون الطلبة عن كل شيء إلا ما يختص بالعهود الأخيرة، وعساك تذكر مهرجان شوقي، فقد كان من المقرر أن تلقى عنه محاضرة في الجامعة المصرية، وكانت الكلمة للدكتور طه حسين أفتذكر ما قال؟ لقد ألقى محاضرة عن الأخطل، بحجة أن الجامعة لا يدرس فيها غير الأموات من الشعراء!
وهذا الإحجام عن دراسة العهود القريبة والحاضرة له سبب، ذلك أننا في مصر تغلب علينا الوساوس الشخصية، ونكاد نقع صرعى لمناوشات الأحزاب، فهناك كتب عن «التربية الوطنية» لمدارس المعلمين عرض فيها المؤلفون لحوادث العهد القريب ثم أغفلوا عامدين اسم «سعد زغلول» لأن اسمه قد يثير حقد بعض الناس!
وبعد فهذه مقدمة ضرورية طويت فيها السبب الذي أحجمت من أجله عن موافاتك بما سألت. وأنا محدثك اليوم عما يملك رئيس الجمهورية الفرنسية لأنه على أي حال «مسيو» كما يقول الباريسيون، ولا تنتظر مني تفصيلًا طويلًا لأني رجل ملول، ولا أقول هيوب، فقد أقدمت يوم جدَّ الخطب غير وجل ولا هياب، وما عهد الثورة ببعيد.
ولتعلم أولًا أن غرام فرنسا بالنظام الجمهوري غرس في نفوس أبنائها الحقد على العهود الملكية، وهذا الحقد قد أفسد عقول كثير من أساتذة التاريخ. حتى رجال السوربون، فمن النادر أن يتكلموا عن ملوكهم بعبارات الاحترام، والغالب عليهم أن يخوضوا في أحاديث ملوكهم خوضًا أثيمًا. وقل منهم من يفرق بين الحياة الاجتماعية والحياة الشخصية، حتى إنك لتدرك أنهم لا يصلحون أن يكونوا أساتذة تاريخ. والفرنسي كما تعلم من أذكى الناس، وهو يوجّه ذكاءه أحيانًا توجيهًا خطرًا حين يؤرخ الملوك، ويكفي أن أذكر لك أن بعض أساتذة السوربون أخذ مرة يعدد مثالب ملك من ملوكهم الماضين ثم ختم محاضرته بالعبارة الآتية إذ قال:
«وبعد هذا كله لا ينبغي لنا أن ننسى أن ذلك الملك أتى بحسنة غطت على جميع سيئاته: وهي أنه تفضل فمات»!
وهذه العبارة تريك إلى أي حد يبرع أولئك القوم في إلقاء النكتة … وقد انقضى عهد الملكية بخيره وشره، ولم يبق له من الأنصار إلا أقلية ضئيلة لا يحسب لها حساب، أفتدري ما نصيب رئيس الجمهورية في فرنسا الحاضرة؟
اسمع وأعجب أيها الصديق.
إن رئيس الجمهورية الفرنسية يشابه تمام المشابهة ذلك الخليفة العباسي الذي قال:
أليس من العجائب أن مثلييرى ما هان ممتنعًا عليهوتؤخذ باسمه الدنيا جميعًاوما من ذاك شيء في يديه فهو يملك كل شيء، وليس بيده شيء. إن رئيس الجمهورية الفرنسية له حقوق تفوق حقوق الملوك، فهو بحكم الدستور الفرنسي يملك من السلطة أكثر مما يملك ملك الإنجليز وملك البلجيك؛ وهو مع هذا أضعف من أصغر فلاح في إنجلترا أو بلجيكا. وأصغر فرنسي يملك من الحرية الشخصية ما لا يملك ذلك الرئيس … وإليك بعض البيان:
رئيس الجمهورية الفرنسية يملك حل البرلمان، فالنواب والشيوخ يعيشون تحت رحمته، إن شاء أبقى عليهم، وإن شاء مزقهم شر ممزق، وتركهم يخطبون وداد الناخبين من جديد، ويا له من عبء ثقيل!
ولكن مهلًا! فإن ذلك الرئيس بحكم الدستور لا يملك حل مجلس النواب إلا إذا صادق مجلس الشيوخ، وهيهات أن يصادق الشيوخ على حل مجلس النواب، لأن النواب إليهم الأمر في انتخاب الشيوخ، وبذلك تتلاشى سلطة رئيس الجمهورية على البرلمان.
رئيس الجمهورية له حق العفو، فبيده أن يعفو عمن حكم عليهم بالإعدام أو قُضي عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة، فهو بذلك سيد ترجى رحمته ويخشى غضبه.
ولكن عفوًا! فإن رئيس الجمهورية لا يملك حق العفو إلا إذا اقترحته اللجنة الخاصة بذلك في وزارة الحقانية.
وعلى هذا ضاع فضله في إنقاذ من أشقاهم القضاء. وقد يحدث أن يقتنع هو ببراءة بعض المتهمين، ولكنه مع ذلك لا يملك أن يتدخل أو يتعقب، لأن الدستور لا يجيز له ذلك، وهو للدستور من الخاضعين.
رئيس الجمهورية هو الذي يرأس مجلس الوزراء فلا يُقضى بشيء إذن وهو غائب.
ولكن رويدًا! فإن الوزراء هم الذين يُعدون كل شيء، ويقضون في كل شأن، وليس لرئيس الجمهورية أكثر من شرف الحضور، وليس له بحكم الدستور أن يناقض الوزراء، وله فقط أن يبدي ملاحظاته. وللوزراء أن يخالفوه إن شاءوا، وأن يوافقوه إذا أرادوا. وقد كان يقع حين كان بوانكاريه رئيسًا للجمهورية، وكان كلمنصو رئيسًا للوزارة، ألا يفكر رئيس المجلس في دعوة رئيس الجمهورية، فكان بوانكاريه لا يعلم بموعد انعقاد المجلس إلا حين تصله برقيات هافاس!
رئيس الجمهورية مطلق التصرف في جميع أعماله ومشيئاته يُولي من يشاء، ويعزل من يشاء، ويعطي ويمنع كيف أراد.
ولكن هذا كله لا قيمة له، وليس فيه أثر للحرية الشخصية إذا لاحظنا أن الدستور الفرنسي ينص على أن أعمال رئيس الجمهورية وتصرفاته لا تعمل عملها المنشود إلا إذا وُضع إمضاء الوزير المختص بجانب إمضاء الرئيس.
ولا تدهش إذا قلت لك إن رئيس الجمهورية الفرنسية لا يملك حق مخاطبة الجماهير، فإن سألت ما معنى ذلك فإني مخبرك بأن رئيس الجمهورية ليس له أن يُعدّ الخطب التي يلقيها في الحفلات الرسمية، وإنما يكتبها الوزراء بأنفسهم ثم يقدمونها إليه مطبوعة، وفي أكثر الأحيان يجلس الرئيس من الوزير مجلس التلميذ من الأستاذ، حيث يُريه الوزير المواطن التي يخفض فيها صوته والمواضع التي يتكلم فيها بشدة، وفقًا للقاعدة المأثورة: «لكل مقام مقال»!
ولك أن تسأل بعد ذلك: إذا كان هذا مركز رئيس الجمهورية، فما الموجب لبقائه؟
وأجيبك بأن الفرنسيين أنفسهم يسألون هذا السؤال، ومنهم من فكر في إلغاء هذا المنصب اكتفاء بقوة البرلمان، ولكن هل معنى ذلك أن النواب والشيوخ يعيشون في فرنسا عيش الحكام المستبدين؟
لا، لا، فإن الفرنسيين يكرهون السيطرة والاستبداد، وقسوتهم على نوابهم وشيوخهم شديدة، ورقابتهم عليهم قاسية. وقد حدثنا بعض الأساتذة أنه كان أستاذًا بإحدى المدارس الثانوية فقدم أحد النواب لزيارته في مكتبه، وأخبره أنه يقترح بصفته أبًا لتلميذ لا بصفته نائبًا أن يتفضل الأستاذ فينقل ابنه إلى فرقة أعلى، فرفض الأستاذ الاقتراح بحجة أن ذلك الابن جاهل وكسلان. وهنا ثار الزائر وقال: بصفتي نائبًا أفرض أن ينقل ابني إلى فرقة أعلى من فرقته، فغضب الأستاذ وانتهر النائب وطرده من مكتبه، وفي اليوم التالي — بعد مفاوضات سرية — جاءت إشارة من وزير المعارف بنقل ذلك التلميذ إلى فرقة أعلى، فثارت هيئة المدرسين واحتجوا على الوزير وكشفوا مهزلة ذلك النائب المختال!
وقد عقب الأستاذ على هذه القصة بأن فرنسا لم تكن لتطرد الملك المسئول لتقع تحت سيطرة ??? ملك غير مسئولين!
والخلاصة أن رياسة الجمهورية الفرنسية نكبة على كبار الرجال؛ فقد يكون الرجل من أنفع الناس لأمته، ثم ينتخب رئيسًا للجمهورية فيُشل نشاطه سبع سنين. وقد حُرمت فرنسا من عبقرية بوانكاريه أيام الحرب، لأنه كان سجينًا طليقًا في قصر الإليزيه، وأنت تعرف ما يقاسي القائد المغوار حين يحال بينه وبين الميدان.
ماذا يملك رئيس الجمهورية الفرنسية؟ ماذا يملك؟
إنه لا سلطان له إلا بفضل ماضيه، إن كان من أصحاب الماضي النبيل، إنه لا يملك إلا كلمة الخير يقدمها خالصة إلى الوزراء، وقد يكون سلطانه لا حد له إذا كان ممن رُزقوا قوة العقيدة وحرارة الإخلاص، فإن الفرنسيين أهل كبرياء وعناد، ولا يطيعون إلا راضين مقتنعين.
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
كان ياما كان

تحدث بعض الناس في هذه الأيام عن وصول العرب إلى أمريكا قبل كريستوف كولومب، وهي مسألة تحتاج إلى تحقيق طويل، والذي لاشك فيه أن العرب فرضوا سيادتهم على عدد عظيم من الأمم القديمة، وملكوا ناصية السياسة والمدنية بلا مزاحم نحو ثلاثة قرون، وهي مدة ليست قليلة في سيادة الشعوب.
كل هذا جميل، ولكن ينبغي أن نلاحظ أن هناك أعجوبة أخطر من أعجوبة العبور إلى أمريكا قبل أن يعرفها الإسبان، أو يدري القارئ ما هي تلك الأعجوبة؟
تلك هي احتلال فرنسا وإنجلترا وإيطاليا لأكثر أقطار الشرق الأدنى في أقل من أربعين عامًا.
لقد آن أن نفكر في الحاضر، وأن نعرف أن احتلال العرب لجزء من أوربا وتفكيرهم في فتح أمريكا لا يغنيان شيئًا في هذه الفضيحة الشنيعة، فضيحة الصبر على الاستعباد.
وبيد الأمم الشرقية محو هذا العار، لو فكرت جديًّا في الخلاص وزهدت في المجد المكذوب الذي يمثله هذا البيت:
وتفرقوا شيعًا فكل قبيلةفيها أمير المؤمنين ومنبرُ
الفصل التاسع
زفرات


 باريس في ?? يونيه سنة ????
لم أقض منك مراديولا شفيت غليلييا فتنتي في مقاميومحنتي في رحيلي •••

ضللتُ، والحب تيهإلى النجاة سبيليفمن سواك نصيريومن سواك دليلي •••

أحب فيك عذابييا هاجري وذُبوليوتستطيبُ جفونيعلى السهاد عويلي •••

يا طيف أنت كتابيعلى النوى ورسوليفصف لظلام قلبيمدامعي ونُحوليوانقُلْ إليه شكاتيفي حُبه وذُهوليوما جناهُ رقيبيوما جناه عذوليوصف غليل فؤاديلريقه المعسولوما تجن ضلوعيللحظه المكحول •••

رباه من لأسيرمصفد مكبوليهيم بين رسوممن المنى وطلولحَبَسْتَ وَقْدَ حَشاهعلى غرير ملولمُصرَّد العطف ضارعلى العقوق مَطُول
الفصل العاشر
سهرة في قهوة الجامع


 باريس في ?? سبتمبر سنة ????
صديقي الأستاذ أحمد الزين
تحيتي إليك من هذه الديار التي طالما تشوقت إليها، وحننت إلى ربوعها العامرة، وقرأت أخبارها فيما تُرجم عن حياتها إلى اللغة العربية.
وبعدُ فقد كنت سألتني أن أكتب إليك، ووعدتك مخلصًا بذلك، وهأنا أفي بالوعد، فسامحني أولًا أن لم أقل «هأنذا» فإنها ثقيلة ولم يلتزمها إلا المتكلفون، وأنت تعرف إلى أي حد يُملُّني التكلف؛ ويثقل عليّ التزام ما لا يلزم في الكتابة وفي الحديث.
لقد ذكرتك يا صديقي؛ ولكن حاشا أن يمر ببالك قول عنترة العبسي
ولقد ذكرتك والرماح نواهلمني وبيض الهند تقطر من دميفوددت تقبيل السيوف لأنهابرقت كبارق ثغرك المتبسم لا تذكر هذا لأنك تعرف أولًا أن الله كتب علينا أن نعيش في سلام هو شر من الحرب، فلا رماح ولا سيوف، وتعرف ثانيًا أنه ليس فيك أي سمة من سمات الملاحة حتى نذكر بسماتك العذاب، وهذا لا يجرحك بالطبع، لأنه ما حاجتك إلى الجمال وقد وقفت حياتك على مغازلة الصحف البالية في دار الكتب المصرية. إنما يحتاج إلى الجمال أديب متأنق تقضي عليه تكاليف الحياة بأن يلتقط الأسرار في صالات الرقص وأبهاء الوزراء، أمثال فلان وفلان، وقد أراحك الله من كل ذلك، فاحمده حمد المخلصين على أن منحك فقط بنية متواضعة وذهنًا ثاقبًا، ولسانًا فصيحًا يصل بك إلى ما تريد، أو بعض ما تريد، في عصر لا تغني فيه بلاغة القلم ولا فصاحة اللسان.
لقد كنت نسيتك يا صديقي، ولم يذكرني بك إلا قهوة الجامع في باريس، فقد سافر خاطري إلى قهوة الحلمية الجديدة بالقاهرة، حيث تقضي سهراتك في صحبة أصدقائنا الأساتذة محمد الهراوي وحسن القاياتي وكامل كيلاني ومحمد عبد المطلب. وحيث تشربون ما لذ وطاب من قهوة أبي الفضل لا قهوة أبي نواس. وأنا لا أتهمكم يا صديقي بأنكم تؤثرون قهوة أبي الفضل لأنها رخيصة، كلا، معاذ الله أن يمر بخاطري ذلك، فأنا أعرف أنك لا تعاقر الراح لأنها لا تتناسب على الأقل مع رجل معمم يحمل إجازة الأزهر الشريف، وصديقنا الهراوي رجل محتشم أشد الاحتشام، والسيد حسن القاياتي من سلالة أبي هريرة رضي الله عنه! وأخونا كامل كيلاني مشغول بتدبير صحته؛ وهو عافاه الله مهدم لا يخاطر بحياته في منازلة الصهباء. يبقى الشيخ عبد المطلب وهو رجل لو رأته الكأس لولت هاربة إلى حيث لا تعود، فليس منها وليست منه، مهما حشر نفسه في زمرة الشعراء! وبهذه المناسبة تستطيع أن تطمئن على أخيك من هذه الناحية، فأنا أيضًا لا أشرب الراح، أو على الأصح لا أشربها ألا مُشعشعة مقتولة لا ترخي المفصل، ولا تزيغ البصر، ولا يسري روحها إلى قرارة الأسرار وليس لي منها — يعلم الله — صبوح ولا غبوق ألا حين أبكي عهدًا سلف، أو أطرب إلى عهد مأمول. وقد صحا القلب، والحمد لله، فلم تبق داعية إلى معاقرة الشراب، وتذكر الأحباب. وأغرب ما يمر بخاطري في هذه اللحظة حديث الشيخ يوسف الدجوي حين كان يقول في دروسه بالأزهر إنه لا يشرب إلا الماء، ويعلق على ذلك بقوله: والماء مع هذا شراب الحمير! وكنت إذ ذاك أعجب كيف يتحسر مثل هذا العارف بالله على أن لم يرزق من الشراب إلا ما يشاركه فيه الحمير. ثم عرفت بعد ذلك أن الكلام قديم، وأنه يرجع إلى الأخطل الشاعر النصراني المعروف. وهذا الكلام له معناه على كل حال، فأكثر الناس يتنسكون كارهين، ولا يعزيهم إلا ما يرجون أن سيكون من الحريق المختوم في دار النعيم. والرحيق المختوم سر لا يعلمه إلا الله، فقد كان أو نواس يصف قهوته بأنه ختم عليها من عهد نوح. وستعرف بعد عمر طويل إن كان مصيرك إلى الجنة كيف يقول شعراؤها في ذلك الختم الذي ورد ذكره في القرآن الشريف، على أنه سيكون هناك أيضًا رحيق غير مختوم، ستكون هناك أنهار كاملة من عتيق الشراب؛ وستنسى يا سيد أحمد تلك القهوة السوداء التي تتصبح بها كل يوم في دار الكتب المصرية، والتي يلقانا بوجهها البُني القاتم صديقنا الأستاذ أحمد زكي العدوي كلما زرناه في مكتبه، حتى كدنا ننقطع عن زيارته فرارًا من وجهها الآدم المحبوب!
وأعود فأقول: إني ذكرتك في قهوة الجامع، وذكرت معك قهوة الحلمية، وهي قهوة سخيفة لا هي بالجديدة ولا هي بالقديمة، ولا أعرف لأي سبب هجرتم من أجلها قهوتكم الأولى التي كانت تسمى «قهوة الآداب»، وقد كان يُظن أنها سميت بذلك من أجل حضراتكم، ولعنة الله على العقوق! هي قهوة سخيفة لا تحفظ شيئًا من تقاليد الماضي، وخير منها في هذا المعنى قهوة أحمد عبده في حي سيدنا الحسين.? وليس فيها أيضًا شيء من سمات الحاضر، فليس على جدرانها صور ولا خرائط ولا لوحات فنية، وليس فيها قانون ولا عود، ولا يخطر ببال أهلها أن يضعوا فيها معدات السينما، أو يستقدموا لها — ولو مرة في السنة — بديعة، أو نعيمة، أو أم كلثوم، ومن المحتمل فقط أن يكون صديقنا الأستاذ رامي يطرفكم هناك ببعض أغانيه وتغريداته، فعهدي به رخيم الصوت مخضرم الملامح، فيه بقايا من اللطف والإيناس! على أن في إنشادك الشعر يا صديقي مُتعة كافية لقضاء السهرات في مرح وطرب، وهذا لا يمنع أن أقترح عليكم أن تهاجروا إلى مقصف حديقة الأزبكية، فأنكم إن فعلتم ذلك دللتم على أن المصري يميل بطبعه إلى المهاجرة، وأنه ليس كالماء الآسن الذي يفسده الركود. أما قهوة الجامع في باريس فهي تختلف عن قهوتكم أشد الاختلاف، هي قهوة عربية بكل معاني الكلمة، وتُذكر القادم عليها بقهوات القاهرة وبغداد والأستانة والقيروان، فحيثما رفعت بصرك فمناظر عربية وإسلامية طريفة لا نقص فيها ولا تحريف. وأنت حين تجلس في قهوة الجامع تروعك الموسيقى الشرقية التي تطالعك بأجمل الألحان. وفي القهوة مغنون بعضهم من تونس، وبعضهم من بغداد، وفيهم مَن مِن الإسكندرية،? وقد سمعت في الليلة الماضية طائفة من القصائد وطائفة من المواويل والأدوار المصرية المغربية، وليتك كنت معي لتعرف كيف يحيا ابن هانئ الأندلسي حين يردد المغني قوله في ترجيع مملوء بالعطف والحنان: حسبوا التكحل في جفونك حليةتالله ما بأكفهم كحلوكِودَعوك نشوى ما سقوك مدامةلما تمايل عِطفك اتهموكِ والدور الذي مطلعه «على روحي أنا الجاني»، والدور الذي فيه «امتى أشوف أنس الجميل» وقد طربت إلى هذه الأغاني حتى كدت أقترح عليهم أن يغنوني «صيد العصاري يا سمك» أو «يا نخلتين في العلالي يا بلحهم دوا»، أو «الفؤاد ناوي ونادر، إن جفاك ما عاد يعود لك» لولا أن صديقًا أفهمني أن مثل هذا الاقتراح له ثمن في مثل هذه القهوة، وأنا كما تعلم فقير أو بخيل!
وبهذه المناسبة أرى من واجبي أن ألومكم على التهاون في الأنس بالموسيقى، فأنا لا أذكر أني رأيتك مرة في حفلة غناء تهز رأسك وتقول: الله! الله! ولم أر الهراوي أيضًا يطرب لمثل ذلك، ولعله يتوقر عن تشجيع الغناء، وإن كان يشجع الكتاب والمؤلفين، والسيد حسن القاياتي يجلس دائمًا في ركن مظلم إن ذهب إلى حفلة ساهرة، وأخونا كامل ترك تقاليده الجميلة حين كان يفتش عنا بحماسة لا حد لها لنسمع معه أغاني الآنسة ملك أو عبد اللطيف البنا أو صالح عبد الحي. والشيخ عبد المطلب لا يطربه المغني إلا إن رفع عقيرته وصاح:
أمن تذكر جيران بذي سلممزجت دمعًا جرى من مقلة بدم وانصرافكم عن الموسيقى والغناء هو سبب تخلفكم في الشعر فقد أصبحت شياطينكم مستأنسة لا تفزع إلى واديها الأول وادي الجن وادي عبقر الذي نسبت إليه العبقرية، كما أن السر في نبوغ شوقي هو تهالكه الفاضح على الموسيقى والغناء، ولولا السهرات الطروبة المجنونة التي يقضيها شوقي في بيئات اللهو والطرب والتمثيل والغناء لمات شيطانه منذ أزمان! وقد كانت تكونت في مصر عصابة لقتل شوقي، وأعدت لذلك «نبوتا» غليظًا اسمه الديوان، ومع ذلك مات الديوان وانهزمت العصابة وبقي شوقي يطغى كالحية النضناض. إني لألومكم على ترك الموسيقى لومًا عنيفًا، ولا ألوم نفسي لأني تركت الشعر وتركت معه عالم الأحلام. وصناعتي الآن كما تعرف: مؤلف كتب، ومنشئ مقالات، ومدرس، وهي أثافٍ ثلاث. والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل!
وينجذب الناس إلى قهوة الجامع في باريس لعدة أسباب: منها القهوة التركية البديعة التي تنقلك إلى عالم غير عالمك في لطف ساحر أخاذ، ومنها الشاي المنعنع الطريف الذي يذكر بقول السيد عبد العظيم القاياتي:
وعسجد الشاي يُجلَىفي أكؤس من لُجينهذا يروق لقلبيوذا يروق لعيني ومنها النساء الجميلات اللائي يطفن بأركان القهوة بعد العشاء فيسحرن السامرين. وأكثر هؤلاء الجميلات يردن من ألمانيا والنمسا وأمريكا في طلب الحب والغرام. وهن يذكرنني بموسم السياحة في مصر حين تهب أرواح الشتاء، وموسم السياحة في مصر شيء لا تعرفه يا سيد أحمد ولا يعرفه أحد من زوار قهوة الحلمية، هو موسم بديع تُجْلب فيه إلى مصر عرائس العالم القديم والجديد، ومن الفرض الواجب على كل غانية مُترفة أفاض الله عليها من نعمة المال والجمال أن تزور مصر في الشتاء التماسًا لبركات سيدي (أبي الهول) صاحب الأنف المجدوع! ولا تكون السيدة أنيقة حقًّا حتى تستطيع أن تقول وهي تحاور أترابها الساحرات: «حينما جلست في سفح الهرم أمام أبي الهول» أو «حينما ركبت الجمل وطفت حول الأهرام» أو «حينما ركبت الحمار وتوجهت إلى مقبرة توت عنخ أمون» إلخ، إلخ. والسيدة التي لم تمكنها ظروف الحياة من التحدث بمثل ذلك تتوارى خجلًا وحياء إذا خاض النساء في حديث مصر وما فيها من عجائب وغرائب. موسم السياحة هذا يا صديقي فرصة عظيمة للشبان المصريين يعرفون به طرائف الحسن المجلوب من وراء البحار، ويقضون بسببه ليالي سعيدة لم يشهد مثلها خوفو ولا عمرو بن العاص. وأخوك يعرف هذا الموسم معرفة جيدة، وليس معنى ذلك أن لي فيه حوادث وتجارب سعيدة أو شقية، كلا، فأنت تعرف أن حملي ثقيل، وأن أعمالي لا تمكنني من اقتناص أمثال هذه الفُرص الشوارد، وقد يمضي العام ولا أعرف كيف طعم السهر في مغاني القاهرة، ولكن عندي في هذا الموضوع كتاب معتبر خط يد اسمه «منحة الفتاح، في حوادث السواح» وهو كتاب ممتع لم يدع صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها من حوادث السائحين والسائحات، وما يقع للشبان المصريين مع الأمريكيات والألمانيات. وفي النية طبعه ونشره تعميمًا للفائدة، وإن كنت أخشى أن يصرف الطلبة عن الاستعداد للامتحانات، وتنظيم المظاهرات، ومصر الآن في دور جدي خطير من حياتها السياسية والدستورية والاجتماعية. على أنه لا مانع على كل حال أن يأخذوا من كل شيء بطرف، مجاراة لأمثالهم في الأمم الحية المستقلة، ونحن بحمد الله أحياء ومستقلون. أليس كذلك؟!
•••

كل ما في قهوة الجامع جميل ولا عيب فيها إلا أن اسمها قهوة الجامع، وأنها بالفعل في جناح من مباني الجامع. فإذا ركب إنسان سيارة وقال: إلى الجامع، فإن السائق لا يمضي به إلا إلى القهوة، وأكثر السائحين والسائحات لا يفرقون بين الجامع والقهوة، حتى لأخشى أن يظن أكثرهم أنه هكذا تكون مساجد المسلمين، وفي هذا عار وخزي يندى له جبين الرجل الغيور. فما الذي يضر الجماعة الذين يديرون شئون الجامع لو نقلوا هذه القهوة إلى نقطة بعيدة عنه إن كان لا بد لهم من قهوة عربية في باريس؟!
كل ما عندهم في المحافظة على الآداب أن يضعوا لوحة على أركان القهوة فيها هذه العبارة: Une tenue trés correcte est exigée. ومع هذا نجد للعشاق حركات وإشارات ينفر منها الذوق، ويمجها الطبع، ولا تجمل مطلقا بمحل يتصل ببيت من بيوت الله.
إن باريس تحتمل كل شيء، وأهلها لا يخجلون من شيء، ولكني لا أحسبهم مع ذلك يفهمون أن من السائغ المقبول أن تتصل بأماكن العبادة أجنحة دنيوية خَطِرَة يجري فيها اللهو واللعب، مهما قيل إن الغرض منها شريف، وإنه لا يقع فيها إلا اللهو المباح …
لقد كنت أصلي في المسجد ثم أنتقل إلى القهوة متمثلًا بقول الشاعر:
ولله مني جانب لا أُضيعهُوللهو مني والخلاعة جانبُ ولكني لا أستطيع الصبر على السمعة السيئة التي تطغى بها القهوة على كرامة الجامع.? وبعد فإني أرجو أن يقع خطابي من نفسك موقع القبول، وأن تبلغ تحياتي إلى صديقنا عبد الله حبيب وسائر زملائك الفضلاء. والسلام.
? في هذه القهوة كان يسهر الوراق الشهير الحاج مصطفى محمد صاحب المكتبة التجارية الكبرى ليستشير أهل الفضل في إحراق كتاب «الأخلاق عند الغزالي» وكان ذلك قبل سفره إلى بيت الله الحرام!? هو العواد الشيخ عبده درويش!? ونحن مع هذا نعتذر للصديق الحميم الحاج طاهر الصباغ مدير قهوة ومطعم الجامع في باريس، فتلك ملاحظة أثبتناها لوجه الله والحق.
الفصل الحادي عشر
الحديث ذو شجون


? فبراير سنة ????
ما فرطنا في الكتاب من شيء.?
وردت هذه الكلمة الجامعة في القرآن المجيد، ولرجال الدين فيها تأويلات طريفة، فقد سئل بعضهم كيف يصح أن يكون القرآن لم يفرط في شيء وهو لم يتكلم عن الأسلاك البرقية وخطوط سكة الحديد؟ فأجاب: لقد أشار الكتاب العزيز إلى كل ذلك بقوله وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
ولقد مر بالخاطر هذا التأويل حين قرأت ما كان بين معالي وزير الأوقاف ودولة النحاس باشا، فقد استطاع الإمام أن يقرأ على المصلين: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى? * عَبْدًا إِذَا صَلَّى? * أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى? * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى? * أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى? * أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى? * كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب.
والشيخ الكارم حين تخير هذه الآيات كان يرمي بالطبع إلى أن القرآن لم يفرط في شيء، حتى الرد على وزير الأوقاف!
غير أنه من المستظرف أن نشير إلى أن الآيات القرآنية لها مع حلمي باشا عيسى تاريخ عجيب: فقد كان وزيرًا للمواصلات في إحدى الوزارات السابقة، وماتت قرينة الأستاذ الشيخ شاكر، فذهب الوزير للتعزية، ولكنه لم يكد يطأ أرض السرادق حتى صاح القارئ: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا فقال بعض الحاضرين: شكر الله سعيك يا وزير المواصلات!
شيء ثقيل

وبمناسبة صلاة النحاس باشا نرجح أن ستفكر بعض الدوائر الوزارية في مسابقة المصلين. وعلى ذلك ينتظر أن يتكرر الدرس الذي أخذه رشدي باشا عن سعد باشا، رحمة الله على الجميع!
وتفصيل ذلك أن السلطان فؤاد (جلالة الملك) لما تولى السلطنة في أيام الحرب أخذ يصلي الجمعة بمواظبة في مساجد القاهرة، وكان من المفروض أن يصحبه رئيس الوزراء ووكيل الجمعية التشريعية، وهناك اضطرب رشدي باشا لأنه كان قليل العلم بأركان الصلاة، فلما التقى مع سعد باشا قال له:
«الحقني يا سعد، الله يسترك، أنت يا حبيبي كنت في الأزهر وصليت على الأقل مليون صلاة، وما أظن أنك نسيت، فما رأيك فيمن يريد أن يتتلمذ لك حتى يتعلم فروض الصلاة؟»
وكانت ضحكات وفكاهات، فقد أخذ سعد باشا يعلم زميله الفاتحة والتحيات، ولكن ذلك لم ينفع، لضعف ذاكرة رشدي باشا، ولصعوبة الموضوع!
وأخيرًا قال سعد باشا لزميله: ما عليك، أنت ستصلي بجواري وتصنع كما أصنع، وهذه كل الحكاية.
وقد ذهبوا بالفعل للصلاة، غير أنه لسوء الحظ كان الأمام يطيل الركوع والسجود، فقال رشدي باشا بالفرنسية وهو ساجد: شيء ثقيل!
وفي ذلك الحادث الطريف قال حافظ بك إبراهيم:
سعدُ يصلي ورشدي؟آمنت بالله ربي!وذاك فتح جديدقد جاء من غير حربيا رب أبق فؤادًاحتى يصلي ألِنْبي والإشارة في البيت الأخير إلى اللورد اللنبي … وستبقى المشكلة على ما كنت عليه، ففي الوزراء من نسي تقاليد الصلاة، ومنهم من لا تخطر له في بال إلا أن قرأ أن مظاهرة قامت بعد صلاة الجمعة في حي سيدنا الحسين!
لوعة السباعي

للأستاذ محمد السباعي فضل كبير على أكثر أدباء اللغة العربية، وترجمته لكتاب الأبطال كانت ولا تزال من أبدع ما تزدان به مكاتب المتأدبين، ولا أدري لم لا يطبع ذلك الكتاب طبعًا يتناسب مع ما يستحقه من الخطر والجلال.
لم أر الأستاذ السباعي إلى الآن، ولكن صديقنا الأستاذ العقاد، آنس الله وحدته،? كان يحدثنا عنه أحاديث عجيبة لا يمكن أن تنشر في صحيفة سيارة، ويكفي أن نشير إلى أن ميدان السيدة زينب كان من الأماكن المختارة لمخاطراته الغرامية! وقد تعودت أن أقرأ خواطر الأستاذ السباعي وأنا أبتسم لأني أقدر ما وراءها من القلق والاضطراب، وكنت أفترض دائمًا أن الرجل يلهو في خواطره الوجدانية، إلى أن رأيته يقول: ناشدتكم الله يا أهل هذا الجيل إذا وقعت كلمتي هذه في أيديكم مصادفة فلا تهزءوا بها، ولا تسخروا منها، ولا تتهموني بأني اشتكي آفة موهومة ونكبة خيالية، محتجين بأن العواطف من كواذب الإحساسات، وأن آلام الحب أوهام وأحلام، وأن التعقل والتروي خير ملكات النفس وأصح وظائفها، وأنه لا حقائق في هذه الحياة إلا البورصة والسمسرة والبنك والأسهم والسياسة والنقابات ومائدة الطعام ومائدة القمار وصحة البدن وقوة العضلات، الخ.
المسألة إذن جدّ في جدّ، والأستاذ السباعي في خطر، ولكن كيف السبيل إلى إنقاذه وشباب هذا الجيل لا يكاد أحدهم يظفر بقطعة حب حتى يأخذها ويجري إلى السطوح!
على أن الأستاذ السباعي لا يعدم سبيلًا إلى السلوة والعزاء، أليس هو الذي يقول: أيتها المحاولة ستر جمالك! حرمتنا سورة الحسن منظومة في صحيفة محياك فقرأناها في صحيفة الطبيعة منثورة، فأنت لم تحتجبي ما دمنا نراك في الصباح المنير، والجدول النمير، فهلا منعت النجم لمعانه، والبرق سريانه، والنهر جريانه، والطير ألحانه؟
الحمد لله! الآن اطمأننت على الأستاذ السباعي، فلا شقاء ولا عناء، وقديمًا علل نفسه بمثل ذلك من قال:
أليس الليل يجمع أم عمرووإيانا فذاك لنا تدانِنعم وأرى الهلال كما تراهويعلوها النهار كما علاني وقد مرت بي أزمات تشبه أزمات الأستاذ السباعي، وسأجتهد في الاكتفاء بنور الصباح، ولمعان النجم، وسريان البرق. ولكن، وا أسفاه! أنا أعيش الآن في بلاد لا يُرى فيها شمس، ولا قمر، ولا نجم، ولا برق. فكيف العزاء؟
أتريد الحق يا سيد سباعي؟ العشق نعيم على أن تكون لك حبيبة كتلك التي زعمت أنها تزورك سرًّا في بعض الأحايين، أما الطواف بالديار، وتقبيل الآثار، فهو في عالم الحب يشبه أزمة القطن في عالم الاقتصاد، فما أحوجك إذن إلى صدقي باشا جديد!
تزوج يا مسيو راسين

على أن الأستاذ السباعي يحملنا في بعض خواطره على الاقتناع بأنه صار من عباد الله المخلصين، إذ يقول: الحمد لله على تقطع أسباب الأمل، هذا الغدر والغش والخيانة هو قصارى حظ الإنسان من المرأة التي يهوى … هذه عكارة الكأس بعد رشفك رحيقها … هذا هو الشمع الذي تنتهي إليه بعد أخذك العسل من قرص الخلية، هذه جيفة الحب القذرة.
وقد ذكرتنا هذه الكلمة ما كان من شأن راسين الشاعر الفرنسي، فقد كان المعروف أنه ترك التأليف المسرحي غضبًا من تحامل النقاد على رواية فيدر، ثم ظهر بعد البحث أنه كان يتهيأ في سريرة نفسه للرجوع إلى الحياة الدينية، فقد كان له رؤساء روحيون يكرهون التمثيل والممثلين، وقد صبر على مغاضبتهم له طوال أيام الشباب، فلما أخذ عوده في الذبول فكر في هجر التأليف المسرحي والرجوع إلى حظيرة الكنيسة. وكذلك ذهب إلى رئيسه الروحي يطلب إليه أن يُعده لحياة الرهبان. ولكن رئيسه كان يعرفه كما يعرف نفسه، وكان يقدر أنه سيظل طوعًا أو كرهًا زير نساء، وأنه لن يتوب عن جولاته في ميادين باريس، وإذ ذاك قال له: خير من هذا كله أن تتزوج يا مسيو راسين!
فما رأي الأستاذ السباعي فيمن يطلب إليه أن يكتب مقالًا عنوانه: تزوج يا مسيو راسين!
? كتبت هذه الفكاهة بمناسبة خطاب حلمي عيسى باشا إلى مصطفى النحاس باشا يلفت نظره إلى ما يقع من المظاهرات حين يتوجه لصلاة الجمعة.? كان الأستاذ عباس العقاد سجينًا عند كتابة هذا المقال.
الفصل الثاني عشر
جواب الأستاذ السباعي


إلى الأستاذ النابغة الدكتور زكي مبارك

قرأت بمزيد الشكر والإعجاب كملتك التي دبجتْها عني يراعتك الرشيقة، فطرحت عن كاهلي عبأ من الهم ما كان لشيء خلافها أن يريحني من فادحه، وأطفأت عن كبدي شُواظًا من الكمد ما كان لغيرها أن يجيرني من قادحه، ولا عجب يا سيدي، فكثيرًا ما كنت أشعر أثناء قراءتي بدائع مُلَحك ونفائسك بائتلاف بين طبعك وطبعي، وامتزاج بين روحي وروحك، ولقد طالما وددت لو التقيت بك فتحادثنا وتسامرنا، ولكن قضى الله ألا يحصل التعارف بيننا إلا ونحن على طرفي الكرة الأرضية وبيننا المهامه البيد والآكام، والتنائف الفِيح والآجام، وسهول ووديان، وبحار وخلجان، وألّا يصلك صوتي أو يصلني صوتك إلا بعد أن يجوب شطري قارتين، ويقطع دفتي عالمين، ويمر بالجم العديد من أجناس الناس وصنوف البشر وشتى المدنيات واللغات والثقافات، فحيا الله رسالتك تلك الزكية المباركة التي
تخطت إلى الهول مشيًا على النوىوأخطاره لا يبعد الله ممشاها سيدي! لقد مضى عليَّ شهور وأيام، بل دهور وأعوام، وأنا أبكي مصاب الإنسانية في مصابي، وأندب ما بها من كوارث المحن وما بي، وأضج لوعة وأنينًا، وأنتحب حرقة وحنينًا، وتارة أُرغي وأزبد، وأبرق وأرعد، حتى يخيل إلي أن أعين النجوم ترنو إليَّ شفقة وعطفًا، وتدمع عليّ بقطرات النور أسفًا ولهفًا، وأن الريح تُعوِل معي أسى ووجدانًا، والموج يصطفق حسرة لي وتحنانًا، كل ذلك ولا أسمع من بني آدم ولا من بنات حواء كلمة عزاء، أو صوتًا يلبى الدعاء، ولا أجد معونة آس، ولا إسعافة مُواس، كلا، ولا متعجب لي ولا متألم، ولا متبرم ولا متسخط ولا مستنكر، لا مدح ولا قدح، ولا استحسان ولا استهجان، ولا بسط ولا «قبض» كأني أهتف بكلماتي بين رسوم بالية وأطلال، أو أعكف على أصنام وأوثان، وكأني أضرب في حديد بارد، وأصيح في واد، وأنفخ في رماد، وكأني مع هذا الجيل الأصم الوسنان كما قال القائل:
فما يرتاح للمدحولا يرتاع للذمكأنا إذ سألناهوقفنا سائلي رسم وكذلك تعودت في هذا الشعب الحي «الحساس» أن أتقرب وأقابل بالصد والإعراض، وأتزلف وأُلقى بالجفوة والانقباض، وأستدني وأستعطف وأصادَم بالنفرة والابتعاد، وأسهر في صناعة القلم وأسهد وأُكافأ ممن أسهر على مصلحتهم بالوسن والرقاد، وأزلف للناس المنة تلو المنة واليد إثر اليد وأجازى بالكفر والإلحاد، حتى ألفت من القوم هذه المخزيات المخجلات، ووطنت نفسي على اليأس من كل خير، وتوقع كل شر.
تعودت من الضر حتى ألفتهُوأسلمني طول البلاء إلى الصبر وأصبحت حرفة القلم عندي بعد ما كان لها في سالف الزمن من السرور واللذة كاسفة حزينة، جافة جدبة، ناضبة مقفرة من الطرب والأنس، بل من العزاء والسلوة. وأصبح القلم في يدي أشد بؤسًا ومسكنة من المزمار في يد الشحاذ المتسول، ترى نغمه أقرب إلى أنة الثكلى منه إلى رنة المسرور، وأشبه بصوت النعي منه بصوت البشير، وكذلك صرير القلم في يدي أشبه شيء بصرير أعواد النعش، ولا عجب فإنما قلمي نعش لنفائسه يحملها من المهد إلى اللحد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وعلى هذه الحال من اليأس والقنوط ومن الجمود والركود كنت يا سيدي حين هبطتْ عليَّ كلمتك من أفق المدنية وسماء النور — نور العلم والعرفان، والأمل والأماني — فأطفأتْ لوعتي، وشفتْ غلتي، وحركتْ همتي، وأنهضتْ عزمتي:
لقد جلى كتابك كل همٍّجوٍ وأصاب شاكلة الرميِّوكان ألذّ في قلبي وأندىعلى كبدي من الزهر الجنيِّوضُمِّن صدره ما لم تُضمَّنصدور الغانيات من الحُلىِّ ولقد كنت قبل ورود رسالتك تائها حيران في بحار الأدب والأمواج من حولي جامدة، والأمواه آسنة راكدة، وسفينة الأدب واقفة معطلة ناشبة بين صخور الفقر والإفلاس، والنحس واليأس، فلم يك صوتك إلا نفحة من نفحات الإيمان، وروحًا من الله وريحان، فأبدلتنا من الموت حياة ومن القنوط رجاء، وأعلمتنا أن لله معشرًا أصفياء، وقومًا أتقياء. ولو لم يكن غيرك يقرأ كلماتي لكان حسبي بك مشجعًا ومقدرًا، ومؤيدًا وناصرًا.
لقد داعبتنا طويلًا في كلمتك يا سيدي، وتالله ما رأيت أرق منك مداعبًا، ولا ألطف مفاكهًا ومطايبًا.
ولقد فتحت علينا باب موضوع الغانيات وهذا باب لا يسد، والخروج منه أسلم ألف مرة من الدخول فيه، وماذا أقول في الغانيات إلا قول بعضهم:
فإن تسألاني بالغواني فإننيأرى في الغواني غير ما تريان إني يا سيدي لا أعرف سحرة ولا مشعوذين أشد مهارة وحذقًا باختتالنا واحتبالنا واختبالنا لدى كل فرصة سانحة، وبسبب وبدون سبب، ولمجرد اللهو بنا والعبث بعواطفنا — بأقدس عواطفنا وأسماها — ولمجرد الضحك علينا من النساء، وتراهن يلعبن بنا ألاعيبهن بمنتهى البساطة، وبمنتهى الجرأة والوقاحة، وبمنتهى الحذق والبراعة، وهذا يا سيدي طبعهن ودأبهن يأتينه من مطلع الشمس إلى غروبها، ومن غروبها إلى مطلعها. وأعجب العجب أنهن في ذلك جميعه سواسية لا فرق ولا خلاف بين الصالحات والفاسدات، والطيبات والخبيثات، والجريئات والخفرات، والرقيقات والقاسيات.
هذه نفثة من يراعتي المحطمة، متاع إلى حين، وأرجو أن أوفق إلى أمثالها، ولا تحرمنا تحفك وملحك، أبقاك الله للأدب ذخرًا، والسلام.

الفصل الثالث عشر
ثورة على الوجود


 باريس في ? سبتمبر سنة ????
إلى السيد حسن القاياتي

صديقي العزيز
إنك لتعلم أنني في حياتي الفلسفية والأدبية منصرف بعض الانصراف عن جو الشعر والخيال. ولكنني أحمل بفطرتي قلب الشاعر، وأحيا حياة شعرية في كل ما يمس العواطف والمشاعر والأحاسيس، وتغلب الفطرة أحيانًا فتُلقي على أبحاثي العلمية نفحة من نفحات الوجدان. وأنا مع هذا لا أنظم الشعر إلا إذا جاشت النفس، وفاض القلب، بحيث لا أستطيع الفرار من شيطان القوافي والأوزان. فأن رأيت لي بيتًا، أو مقطوعة، أو قصيدة، فلا تحسبني كنت مختارًا في صياغة ذلك الكلام الموزون، وإنما هي أزمة وجدانية أو عقلية أنطقتني به في حدود من القهر يعرفها من يعيش في العالم بقلب الشاعر وعقل الفيلسوف … وهذه قصيدة في الثورة على الوجود، رأيت أن أهديها إليك، تحية من باريس، ولك أن تعارضها بقصيدة، أو رسالة، تمحو أذاها من نفوس القراء. والسلام.
•••

يا جِيرة السين يحيا في مرابعكمفتى إلى النيل يشكو غُربة الدارجنت عليه لياليه وأسلمهُإلى الحوادث صحْبٌ غير أبرارأحاله الدهر في لَأْواء غربتهِروحًا مُعنًّى وجسمًا نِضْو أسفاريسعى إلى المجد ترميه مخاطرهبنافع من شظاياها وضَرَّارعزاؤه أن عُقبى كل عاديةيشقى بها الحرُّ إكليلٌ من الغار •••

يا خافقَ البرق ترتاعُ القلوب لهُكوقدة الغيظ في أحشاء جبَّارتعال أُهديك من روحي بعاصفةتُرْدى الأنام ومن قلبي بإعصارالناسُ ما الناسُ لا تدرى سرائرهموما يُجنّون من كيدٍ ومن نارِلو يُفصح الغيب يومًا عن مصائرهملأقصرَ اللؤمَ قومٌ أيّ إقصارحار النبيون في تطهير فطرتهمفما عسى نفع أمثالي وأشعاري •••

رباه آمنت لكني على خطرٍيغتالني الشك في جهري وإسراريسوَّيتَ في الناس أخلاطًا مبعثرةتَشوكُ عشاق صُنع المبدع الباريأرى وجوهًا بصدق الود واعدةولا أرى ظل قلب غير ختَّاركم من عشير أُواسيه وأنصرُهيرعى حمايَ بقلب جاحدٍ ضارغفرانك الله هذي نفثة غلبتألقي بها الشعر لم تسبق بإصرار
الفصل الرابع عشر
الأدباء وأساتذة الآداب


أول فبراير سنة ????
وصلتني دعوة لحضور أربعاوات الأليانس فرانسيز، وهذه الأربعاوات لها برنامج خاص، فالأربعاء الذي يختاره مدير الأليانس لمحاضرة عمومية يراعى فيه أن يكون المحاضر من رجال الأدب، ورجال الأدب هؤلاء غير أساتذة الآداب في المعاهد والكليات، فإن كلمة: Homme de letters غير كلمة Professeur de literature. والفرق بين الوصفين مرجعه أن رجال الأدب كسبوا معارفهم الأدبية والفنية والعلمية عن طريق الدراسات الشخصية. أما أساتذة الآداب فهم قوم وصلوا إلى مناصبهم عن طريق الألقاب التي تمنحها الجامعات لمن يظهرون التفوق في العلوم والآداب عن طريق الدراسات الجامعية الدقيقة.
وكذلك يفرق الجمهور الفرنسي بين رجال الأدب وأساتذة الآداب، وهو فرق رسمي، ولكن له دلالته وله معناه، فإن رجال الأدب لا يصلون إلى المكاسب المادية إلا عن طريق الصحافة والتأليف وإلقاء المحاضرات.
أما أساتذة الآداب فلهم مناصبهم وكراسيهم في وزارة المعارف وفي المعاهد والكليات. ومن الصعب أن تحكم بأفضلية أولئك أو هؤلاء، فإن من الحق أن الدراسات الجامعية مُثقلة بأعباء الجهود والمشاق، ولا يصل الرجل إلى لقب من ألقاب الجامعة إلا بعد عناء مُعجز وشقاء موصول. ومن الحق كذلك أن الأديب الذي حرمته الظروف من الدرجات والألقاب لا يستطيع السيطرة على الجمهور المثقف إلا بعد دراسات شخصية طويلة لا يصبر عليها إلا الأقلون.
وهناك فرق ظاهر بين رجال الأدب وأساتذة الآداب من حيث الإنتاج، فرجال الأدب حين يشتغلون بالترجمة أو التأليف يوجهون جهودهم إلى المسائل التي تمس أذواق الجماهير ومشاعرهم وعواطفهم، بنوع خاص، فهم لذلك يهتمون بالقصص والروايات، وما إلى ذلك مما يستطيب الجمهور الإقبال عليه في أوقات الفراغ. أما أساتذة الآداب فيحرصون على التأليف في الموضوعات الصعبة المعقدة التي لا تجد من يُقبل عليها غير الطلبة والمدرسين، ومن شاكلهم من عشاق البحث العميق.
ولهاتين الوجهتين مزايا وعيوب. فرجال الأدب يؤثرون في الجماهير تأثيرًا بليغًا، لأنهم يخاطبون الناس باللغة التي يفهمون ويسايرونهم في درس مشاكلهم الروحية والعقلية بطريقة خلابة قد تصل بهم إلى الإسفاف وإلى ضياع الكرامة في بعض الأحيان. وأساتذة الآداب يؤثرون في جماهير قليلة العدد، هي جماهير الطلاب، ولكنهم يبالغون في التحفظ والتصون إلى درجة مملة. ومنهم من يصل به الأمر إلى أن يصاب في عقله بالزمانة والضيق. ومن هنا صح ما نجده في بعض الأوساط الفرنسية من التحامل على رجال الجامعة ورميهم بالحمق وضيق العقل، والفرنسيون يصفون الرجل الضيق الذهن بأن عقله جامعي، ويسمون رجال الجامعة «فيران المكاتب»!
ومن النادر أن تجد من رجال الجامعة من يستطيع التأثير المباشر في الجماهير، فقد كان إرنست رينان أكبر أساتذة الأدب في عصره، ثم تقدم للانتخابات فلم يكن له من عواطف الناخبين نصيب، ذلك بأن الرجل تعود مخاطبة الجماهير المثقفة، وتعود الاعتماد على ذكاء من يستمعون إليه، فلما واجه سواد الشعب التبس عليه الأمر وغاب عنه وجه الصواب.
أما رجال الأدب فهم أقدر الناس على كسب المعارك الشعبية؛ لأن لديهم من الكياسة ومرونة الذهن والخلق ما يقربهم من أنفس الجماهير، وحسب القارئ أن يعرف أن الذين يخوضون معارك الانتخاب في فرنسا يجب على الأقل أن يكونوا ألفوا إدمان الشراب، ولم ذلك؟ لأنهم لا يلتقون بناخبهم إلا في القهوات، وهي ملتقى الأهالي في الأقاليم. فمن واجب المرشح أن يذهب إلى القهوة وأن يسأل كل قادم عليه: ماذا تطلب؟ وإذ ذاك يشربان معًا. وهذه هي الوسيلة لكسب الأصوات!
ولا يليق بالمرشح أن يكتفي بقهوة أبي الفضل لأن الذي لا يشرب قهوة أبي نواس يبخل عليه الفرنسيون بلقب «مسيو»! فماذا يصنع أساتذة الأدب في هذه الحال وهم قوم تلفت أمعاؤهم من كثرة الجلوس، ولم تُبق فيهم مراجعة المعاجم، ونقد النصوص الأدبية والفنية والعلمية، بقية من نضارة الجسم، وصفاء الذهن، ورقة الحس، يستطيعون بها فهم ما اختلف وتنافر من أذواق الناس وميولهم ومذاهبهم في الحياة؟!
وهناك فروق بين حياة هذين الصنفين من المتأدبين، فروق قلما يتنبه إليها الجمهور الذي ينتظر كل شيء، ولا يطالب نفسه بشيء.
فأساتذة الآداب قد يحسدون على ما يظفرون به من مناصب الدولة، فهذا موظف فني في وزارة المعارف العمومية، وذاك مدرس في مدرسة من كبريات المدارس الثانوية، وذلك أستاذ في كلية الآداب، وهي مناصب قد تحمي أصحابها من التفكير في هموم المعاش. ولكن هل يفكر أحد في حقيقة البلاء الذي يعانيه أساتذة الآداب؟ أين المنصف الذي يقدر المصاعب التي يقاسيها الباحث حين يسجن نفسه طائعًا أو كارها في مكتبه لا يفارقه في صباح أو في مساء؟ من الذي يفهم الآن كيف كان يقول الفراء: «أموت وفي نفسي شيء من حتى؟» من الذي يعرف أن الباحث قد يقضي أعوامًا طويلة في تحقيق كلمة أو تصحيح غلطة، وهو يرى ذلك كل شيء في حين أن الجمهور قد يراه نوعًا من الوسواس؟ أين النافذون إلى بواطن الأمور الذين يعرفون أن أساتذة الآداب قد يحتاجون إلى لحظة من لحظات المرح والطبش ليقوا أنفسهم عواقب الحبس بين المكاتب والجدران، ثم لا يستطيعون؛ لأن الرأي العام قد يرميهم بالتبذل والإسفاف؟
وكم من مرة يقول الناس: ماذا يصنع الأستاذ فلان؟ لقد سكت منذ زمان!
وذلك الأستاذ لا يستطيع الجواب لأنه لا يضمن الاحترام إن أجاب: لقد شغلتني «حتى» في هذه السنوات!
ماذا يصنع أساتذة الآداب في عصر الأحجام والمكاييل والأوزان! إن القارئ لا يشتري الكتاب في هذه الأيام قبل أن يعد الصفحات، وأساتذة الأدب مساكين قلما يحسنون الإسهاب؛ لأن عملهم عمل تهذيب وتجريد، ومهنتهم تقضي عليهم بالنفرة من محاسن التزويق والتهويل. فيا ويح رجال المعاني في دولة الألفاظ!
إنها لتضحية خطيرة أن يقبل الرجل أن يكون من أساتذة الآداب في هذا الجيل، تضحية تصغر بجانبها عظائم التضحيات؛ لأن الأستاذية مهنة قلما تُجازَى بحفظ الجميل، ولا يخفف من همومها في أنفس أصحابها إلا فكرة واحدة، هي أن الأستاذ يقف حيث يقفه الواجب، فهو جندي في الجيش لا يليق به غير الامتثال، وعليه أن يصبر كلما بدت لعينيه بروق الشهرة وبعد الصِّيت، لأن الأستاذية الحقة لا تكتمل قوتها إلا في ظلال الخمول.
إن الأستاذ المخلص لواجبه قد يُنْسَى كل النسيان، وقد تُجرح نفسه جرحًا بليغًا حين يجد من يسأله: من أنت؟ فإن المسكين لا يستطيع أن يجيب: (أنا الذي شرحت الرسالة العذراء) أو (أنا صاحب نظرية الصور الشعرية) فإن هذه في نظر السواد توافه لا يحسب لها حساب!
وبعد هذا كله يبقى الله عز شأنه الذي لا يضيع أجر المحسنين فهو حسب الأساتذة ونعم الوكيل!
•••

ورجال الأدب، أو الأدباء، كيف حالهم؟
لقد أشرت إلى أنهم أبعد أثرًا في الجمهور من أساتذة الآداب، ولكن تعال ننظر ما حظ هؤلاء المحسودين.
إن كثيرًا منهم يعملون في الصحافة، وبيد كثير منهم إسقاط وزارات وإقامة وزارات، وفيهم من يؤلف أو يترجم روايات جذابة تنفذ إلى أعماق النفوس، فهل نستطيع مع هذا أن نعدهم سعداء؟
إن الأديب لا ينبغ إلا إذا ارتطم في الغواية والبؤس، وتلك سنة الطبيعة منذ خُلق الأدب إلى اليوم، ويكاد يكون من المستحيل أن يكون لرجال الأدب روح إلا إن صهرتهم الهموم والأحزان.
أضف إلى ذلك أنهم لا يؤثرون في قرائهم إلا إن تأثروا هم بما في الحياة من لين وبأساء. ولا يقع شيء من هذا إلا إن عاشروا الناس وشاركوهم في جدهم وهزلهم، وحلمهم وجهلهم، وعقلهم وجنونهم، وعرفوا ما الهدى وما الضلال، وما الشك وما اليقين، وهذا كله أتحسبه بلا ثمن؟ هيهات! فمن ثمنه العِرض والعافية والمال!
إن الكاتب الذي تقرأ له فيشعرك الحكمة وفصل الخطاب ليس في حقيقة الأمر إلا رجلًا بائسًا ضل طريق الرشاد، وهو في أكثر الأحوال موزع القلب بين الحب والكأس، فإن سمعت عن ضلالات الكتاب والشعراء، أو حدثك النقاد عن بؤس ميسيه أو بيرون أو بودلير فاعلم أنك أيها القارئ كنت بعض السبب في شقاء هؤلاء، فقد ارتبطت حياتهم بحياتك، وكُتب عليهم أن يكون نجاحهم أو إخفاقهم متصلًا بإعجابك بهم، أو انصرافك عنهم، وإنك أيها القارئ قد لا تعرف نفسك؛ فإن لك شهوات ونزغات خفية يغيب أكثرها عنك، ويفهم أولئك البؤساء حاجتك إلى من يطلعك عليها في حديث شائق خلاب. والأدب في صميمه لا يخرج عن ذلك، فهو حديث مسلسل عن الأهواء والشهوات والنوازع والميول: من حب وبغض، وبسط وقبض، وأثرة وإيثار، وحقد وصفاء، وإقبال وإعراض.
والكاتب لا يصل إلى مرضاتك حتى يضيع نفسه، لأنه لا يمد يده إلى مكتبه فيخرج الرسائل محبَّرة موشَّاة بلا تعب ولا عناء، وإنما يتنقل من حي إلى حي، ومن ملعب إلى ملعب، ومن ناد إلى ناد، ويرى الحلو والمر، والطيب والخبيث، وما يزال كذلك حتى تتفتح أسرار قلبه، وسرائر نفسه، ثم يعود فينقل روحه، ويسكبها على بياض القرطاس.
أتفهم ذلك؟
نعم.
إنك لا تدركه تمام الإدراك! وأنت نفسك مطمئن إلى أن رجال الأدب لا خلق لهم ولا دين. ومن أجل هذا تتحدث عنهم بما تعرف وما لا تعرف، وتضيف إليهم كل ما يمر ببالك من المنكرات!
ومن حسن الحظ أن الدين والخلق من الشئون النسبية، فقد يكون لهؤلاء الذين تجرحهم ضمائر أطهر من الماء، وأصفى من سماء مصر، وقد يكونون في عربدتهم أقرب إلى الله من بعض المتجملين المتوقرين الذين يلقون الناس وهم بيض الوجوه سود القلوب!
إن ألفريد دي ميسيه الذي بكى لبؤسه وشقائه ألوف الألوف من القراء، هذا الرجل كان يتشهى البؤس، وكان يحسد رفاقه على ما (ينعمون) به من الضجر والاكتئاب، وما زال يتباكى حتى بكى وأبكى. أفتدري لم كان يتلهف على هذا الحظ المشئوم؟ لأن الجمهور كان ينتظر أدباء أدمت قلوبهم الأشجان وأصمتْهم الخطوب.
فماذا أعددت أيها القارئ لرحمة أولئك المساكين؟ لا شيء! اللهم إلا أن تبسط فيهم لسانك الحديد، كأنهم لم يشقوا في سبيلك ولم يفتحوا لك ميادين العواطف والأحاسيس، وكأنك لم تتخذ شعرهم ونثرهم ذخيرة للحظات اللذة وأيام الشقاء، فقد كانوا ولا يزالون أوتارًا لوثبات الفرح ونبرات الأنين.
فأي الصنفين أشقى: رجال الأدب أم أساتذة الآداب؟
لقد عرضت عليك حظوظ هاتين الطائفتين في نزاهة وإخلاص، فاحكم بما تشاء.
•••

أما بعد فهذه خواطر مرت بالنفس حين تقدم المسيو هوج لابير ليلقي محاضرته عن ذكريات الحي اللاتيني، وهو من رجال الأدب الذين سمحت لهم الشهرة بأن يُدعوا لإلقاء محاضرات بأجر معلوم، مائتي فرنك أو تزيد، وقد لمحت هيئته لأول وهلة فأدركت أنه حريص على تملق أهواء الجمهور، وفي الرجل ذلاقة وطلاقة تليقان بخشبة المسرح لا كرسي المنبر، وفي وجهه وقوامه وشمائله بقايا من الشباب تدل على أنه خليق بأن تكون له ذكريات عن الحي اللاتيني، فإنه حي لا يفهمه إلا من رزق نصيبًا من نضارة الصبا، وصفاء الروح. ومع هذا لم يتحدث عن الحي اللاتيني بما كنت أنتظر من رجل قضى شبابه في حي السوربون، وإن كان هذا لا يمنع أن الجمهور صفق له أكثر من عشرين مرة. فماذا قال ذلك المحاضر وما هو إحساس من يعيشون بذلك الحي الذي يسمى حي الشباب؟ وكيف يفهمه الغريب حين يفاجأ بما فيه من غرائب وأعاجيب؟

الفصل الخامس عشر
ذكريات حي الشباب


 باريس في ?? فبراير ????
حي الشباب في باريس هو الحي اللاتيني، وهو حي الشباب بأجمل وأشرف وأبلغ ما تنطق به هذه الكلمة، وليس في الدنيا التي رأيناها بأعيننا أو سمعنا عنها بأذاننا أو قرأنا أخبارها في أساطير الأولين، ليس في الدنيا كلها بقعة تتفتح فيها أزاهير الشباب وتندى أوراقه، وتتمايل أغصانه، ويتأرج عبيره، كما يرى رواد الحي اللاتيني في باريس.
ولا يعرف المرء صنعة الله، جلت قدرته، ألا في ذلك الوادي من أودية الوجود، وأن لحظة واحدة في بول ميش (تصغير بولفار سان ميشيل) لتقنع الجاحد بأن الله أجل وأعلى من أن تتطاول إلى نقد صنعته أوهام المكابرين، تعالى الله عما يصفون!
وما ظنك بواد تكاد أرضه تنطق بحب من يجري عليها من أسراب الملاح؟ ما ظنك بقطعة من الدنيا جمعت أرق ما يملك العالم من نضارة الشباب، وروعة الجمال؟
الحي اللاتيني هو حي الشباب، وليس في قدرة أفصح الكتاب وأبلغ الشعراء أن يثني على ذلك الحي بما هو أهله، وقصارى المفتون به أن يقول: حي الشباب، حي الشباب!
لقد ذكرت للقارئ في كلمة سالفة أن المسيو هوج لابير ألقى محاضرة عن ذكريات ذلك الحي، والآن أفصل الكلام بعض التفصيل: لقد وقف المسيو هوج وابتدأ محاضرته بصراخ عنيف: الشباب! الشباب! الشباب!
ثم أخذ يهذي بكلمات شجية كادت تجري لها دموع السامعين، وقد تأملت المسيو هوج لابير فإذا هو رجل قد امتد به الزمان، ولكن فيه بقايا من رشاقة وصباحة تدل على أنه قضى في الحي اللاتيني ليالي قصيرة من ليالي الشباب المطلول.
لقد ذكرتني لوعة المسيو هوج على شبابه بلوعة منصور النميري إذ قال:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزعإذا ذكرت شبابًا ليس يرتجعبان الشباب ونابتني بفرقتهخطوب دهر وأيام لها خِدعما كنت أُوفي شبابي كنه غرتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع وقول الآخر:
أتأمل رجعة الدنيا سِفاهاوقد صار الشباب إلى ذهابفليت الباكيات بكل أرضجُمِعْنَ لنا فنُحْنَ على الشباب! تكلم المحاضر عن الحي اللاتيني في أدواره التاريخية وذكر عدة نوادر وقعت من طلبة الطب وطلبة الحقوق، وأظرف ما جاء على لسانه حوادث الطلبة الذي كانوا «يأكلون» إيجار المساكن، فقد وقع غير مرة أن امتنع بعض الطلبة عنادًا ومكابرة عن دفع أجرة المسكن، وكان ذلك يجري بين دُعابة المالكين وابتسامهم؛ «لأن المفلس يغلب الحاكم» كما يقول المصريون!
ومن نوادر ذلك الحي أن أحد الطلبة دخل دكان بعض الحلاقين ومعه عشرة من الرفاق، وكان الجو مطيرًا وبيد كل منهم مطرية مثقلة بالماء، فما كادوا يستقرون بمطرياتهم حتى تحول الدكان إلى بحيرة، أو كاد! وهنا قال الحلاق: من الأول؟ فأجابه ذلك الطالب في هدوء: أنا الذي جئت لأصلح من شعري، وهؤلاء جميعًا في معيتي!
وهذه نكتة لا يدرك قيمتها إلا من عرف جو باريس، وأهل باريس، فهم قوم لا يحتملون مطلقا أن يروا إنسانًا لا يغمرهم بالمال، فكيف إذا رأوه لا يغمرهم بغير الماء!
وقد وقع لبعض الأساتذة في كلية الطب أن أولع الطلبة بمهاجمته وهو يلقي محاضراته، ولكن كيف؟ كانوا يرمونه بقطع من النقود تساوي في قيمتها أرباع الملاليم، وكان الفريق الراضي عن ذلك الأستاذ يرميه بباقات الأزهار، فكانت تتجمع أمام الأستاذ وعن يمينه وعن شماله عشرات الباقات ومئات الملاليم، وهو يتلقى ذلك كله بين الحوقلة والاسترجاع، فإذا انتهى من محاضرته جمع الأزهار والنقود ووضعها جميعًا في محفظته، ثم خرج يتوسم الوجوه ليوزع النقود على الفقراء، وليهب الأزهار للغيد الحسان!
ومما يؤثر عن شجاعة الطلبة ونُبلهم في ذلك الحي أن إدارة الجامعة غضبت مرة على بعض الأساتذة وقررت فصله، وكان الطلبة معجبين بمواهبه، فكانوا يذهبون في صبيحة كل يوم إلى منزله، ويكرهونه على الذهاب إلى الجامعة لإلقاء محاضرته، وكان ذلك يقع بدون أن تجرؤ إدارة الجامعة على التدخل خوفًا من ثورة الطلاب، وفي نهاية العام ذهب الطلبة متجمهرين إلى مجلس النواب فحملوه على أن يقرر إعادة الأستاذ إلى منصبه، ورد ما ضاع من مرتبه في العام الذي فصل فيه، وكانت هزيمة منكرة لمدير الجامعة عرف فيها كيف ينتصر الشباب الحي على الكهولة الباغية التي تمشي إلى الفناء!
وقد استطرد المسيو لابير فذكر الشعراء والكتاب الذين كانوا يستمدون وحيهم من الحي اللاتيني، وأنشد الجمهور قطعًا من شعر ميسيه وفرلين وبودلير، وقد صفق الحاضرون أكثر من عشرين مرة للذكريات الطريفة التي رواها لهم خطيب حي الشباب.
•••

وأريد الآن أن أذكر بعض ما شاهدته بنفسي في الحي اللاتيني، وأذكر أولًا أنني كنت أكتب في جريدة الأفكار سنة ???? مقالات في إصلاح الأزهر والمعاهد الدينية بإمضاء «الفتى الأزهري» وكان مما اقترحته حينذاك أن تنشأ حديقة أمام الأزهر، وحديقة في فنائه، ليكون شبيها بالسوربون محفوفًا بالحدائق الغناء، والرياض الفيحاء، فلما جئت إلى باريس سنة ???? كان أول ما فكرت فيه الذهاب لاستنشاق الهواء في بساتين السوربون، فماذا وجدت، لم أجد في فناء السوربون ولا حولها شجرة واحدة، ودهشت إذ رأيت فناء السوربون يشبه صحن الأزهر تمامًا، فلا نجم ولا شجر ولا نبات ولا ماء!
يا عجبًا! ما الفرق إذن بين جامعة الأزهر وجامعة باريس؟ أما كان يستطيع الفرنسيون الكسالى أن يغرسوا في فناء السوربون شجرة أو شجرتين ليصح ظني فيهم، ولتصدق المقالات التي كتبتها في جريدة الأفكار وأثبتها في كتاب البدائع؟!
ولكن مهلًا! فهناك على مقربة من السوربون وعلى بُعد دقيقتين اثنتين حديقة لكسمبور، وهي حديقة أولى بها أن تسمى (جنة الحي اللاتيني) لأنها تشبه من بعض الوجوه الجنة التي وُعد بها المتقون، ففيها السدر المخضود، والطلح المنضود، والظل الممدود، والماء المسكوب، وفيها الحور العين، والولدان المخلدون، وإن كانوا لا يطوفون بأكواب وأباريق وكأس من معين.
هي تشبه بعض الشبه الجنة التي وصفت في القرآن، والفرق بين الجنتين أن الجنة القرآنية لا يسمع فيها المؤمنون لغوًا ولا تأثيمًا، إلا قيلًا سلامًا سلامًا. أما الجنة اللاتينية فبستان أنيق طالما رنت فيه القبل الأثيمة، وتمت فيه مواعيد اللهو والمجون. وقد تكون تلك الجنة اللاتينية أشهر مهد من مهود الغواية الفطرية التي يقع فيها الشباب بوحي الطبيعة، قبل أن تصطبغ نفوسهم بلؤم الفجار وخبث الماجنين.
وحديقة لكسمبور لها عهدان متمايزان: عهد الربيع والصيف، وعهد الخريف والشتاء، وأقسى أيامها هو العهد الأخير، ففي الخريف تتساقط أوراق الأشجار رويدًا رويدًا في حالة تثير الأسى والشجن، فإذا جاء الشتاء عادت الأشجار مجللة بالسواد كأنها في حداد، وفي هذا العهد لا تزار لكسمبور إلا لمامًا، وقد تطيب زيارتها في أيام الجليد حيث تبدو أرضها ناصعة بيضاء كثنايا العروس.
أما عهد الربيع والصيف فهو عهد الحب والشباب في لكسمبور، فما شئت من حسن منثور، وغزل رقيق، ودعابة يتبادلها المتحابون المتعاشقون، وعطف تتجاذبه القلوب التي هيأتها الطبيعة لكسر أغلال الوجد المكبوت.
وأغرب ما في الأمر أن حديقة لكسمبور ليست للشباب وحدهم، فهناك كهول يتخذونها مواعيد للغرام. وقد حدث مرة أن شهدت فيها مدرسًا مصريًّا ما كنت أحسب أن الله خلقه لوجد أو صبابة أو تشبيب، حيث لا يفتح الله عليه بكلمة إلا في لوم العشاق والغَزِلين، رأيته وإلى جانبه عجوز فانية شمطاء يئس من خداعها الشيطان، وهما يتناجيان بأرق من نجوى الطير، فتذكرت قول الشاعر:
لكل ساقطة في الحي لاقطةوكل بائرة يومًا لها سوقُ ولا تحسب أن هذه الحديقة خلقت للحب وحده! كلا فهي أيضًا أطيب مكان لمذاكرة الدروس، وهي تذكر من هذه الناحية بحدائق قصر النيل، ولكن هل يراجع الطلبة فيها دروسهم؟ قد يكون ذلك! ولكني أذكر أني ما شاهدت فيها الطلبة إلا متجمعين أسرابًا أسرابًا، يتبادلون شهي الحديث، وفي ظني أن كلًّا منهم كان يقول: بقي على الامتحان سبعة أيام. خير؛ لا يزال أمامنا وقت! وغدًا سنأخذ في المذاكرة بجد لا هزل معه! فإذا جاء الغد تجمعوا من جديد، وأخذ كل منهم مقعدًا بمليمين وعادوا يتنادرون بفاتنات الأحاديث، وشائقات الأقاصيص.
وأعجب ما يلفت النظر في شباب الحي اللاتيني أنهم لا يلتفون بعضهم حول بعض ألا قبيل الامتحان. وهم بذلك يتعاونون على قتل الوقت، وتزجية أيام الانتظار، فإذا جاء الامتحان ذهبوا بقلوب من حديد، وألقوا على القراطيس ما يحسنون وما لا يحسنون، وتركوا وزارة المعارف تفعل ما تشاء! فمن نجح منهم ذهب فباع كتبه كلها بالثمن الذي يُعرض عليه، ثم مضى يبعثر ما اقتضاه منها في مراقص مونبارناس. ومن كُتب عليه الخذلان انطلق إلى أهله يصف الممتحنين بالعنف والجبروت والرغبة في التعجيز، وهي وسيلة لا بأس بها لستر الكسوف!
أشرت إلى أن حديقة لكسمبور معهد من معاهد الحب، ولعلها لأجل ذلك تغلق أبوابها دائمًا عند الغروب، حتى لا يتمتع أحد بخلواتها في أمسية الصيف والربيع. ولكن هل معنى هذا أنها تحمل شارة الرفث والفسوق؟ لا، فكل ما يجري فيها يتقبله الناس على العين والرأس، وأستطيع أن أؤكد أن أعف المتحرجين يشهد ما يقع فيها بنفس مغمورة بالجاذبية والعطف والحنان، ولست أعرف لهذا تفسيرًا ولا تعليلًا، وأكبر الظن أن إشراق الأزهار في الحياض، وإشراق العقود في الأجياد، وعبير الشباب الذي يتأرج بين الأشجار والتماثيل، كل أولئك يلقي على الروح شُعاعًا من الرفق بما يشرد فيها من جوامح العيون، وخوافق القلوب.
وما يدرينا؟ لعلنا نحن الشرقيين الذين نقيد ذلك ونلتمس له التأويل، أما الفرنسيون فلا يرون في حديقة لكسمبور شيئًا مما نراه، فهم يرسلون إليها أطفالهم في طمأنينة تامة، بحيث يشهد المتفرج حول الفسقية عشرات الأطفال من ذكور وإناث. وبيد كل طفل سفينته المحبوبة يلقي بها في الماء وينتظر عبورها في فرح وشوق لا يفهمها غير الصبية الناشئين.
وفوق ذلك هناك ملاعب التنس، وهي ملاعب يسعى إليها البنون والبنات في أيام العطلة وساعات الفراغ. فهل تظن أن أحدًا يتحرج من إرسال بنيه وبناته إلى ذلك الوادي الجميل؟
أتريد الحق؟ إن أهل باريس لا يرون في الحب ما نراه، هو عندهم شريعة من شرائع الحياة، وقد يقع أن يتعانق فتى وفتاة فوق أحد المقاعد، وبجانبهما صبية مشغولة بكتاب تقرؤه أو شعار تحوكه، أو أمل مرموق تُقلِّبه في صدرها المفتون؛ ثم تظل في عقلها وسكونها كأن لم يكن إلى جانبها عاشقان يتناجيان بين رنين القبل وهدير العناق!
إن أهل باريس لا يعرفون الفضول؛ ولهذا كانت تلك المدينة ولا تزال أحفل معالم الصبابة بأسباب الأمان.
هذه السطور تعطي صورة مبهمة جدًّا عن جنة الحي اللاتيني، وعذري في ذلك مقبول؛ فتلك بقعة لا تسمو إلى تحديدها الأقلام، والكاتب يخدع نفسه حين يتوهم أنه قادر على وصف ما تشهد عينه، ويُجن صدره من ألوان المحسوسات والمعقولات. وحسب القارئ أن يدرك أن تلك الحديقة هي ملعب الشباب في الحي اللاتيني. وفي سحرها وجمالها تعليل بسيط لما سنعود إلى سرده من ذكريات ذلك الحي الجذاب.

الفصل السادس عشر
كيف النجاة


وقد فُطر القلب على الحب


 باريس في ?? سبتمبر سنة ????
رباه صُغْتَ فؤاديمن الأسى والحنينِولم تشأ لضُلوعيغير الجوى والشجونفكيف تصفو حياتيمن الهوى والفتون؟أم كيف تُرْجَى نجاتيمن ساجيات الجفون
الفصل السابع عشر
غريب في باريس


 باريس ? سبتمبر سنة ????
يا جنة الخلد كيف يشقىفي ظلك النازحُ الغريبُالناس من لهوهم نشاوَىودمعهُ دافقٌ صبيبُيقتات أشجانه وحيدًافلا صديق ولا قريبُأقصى أمانيه حين يُمسىأن يهجع الخفق والوجيبُ •••

مغانيَ النيل كيف أقصتربيب أزهارك الخطوبوكيف ألقينهُ بأرضأصح أحلامها كَذوبأديمُ أجوائها سوادفلا شروقٌ ولا غُروبوحُبّ غاداتها مواتفلا سكونٌ ولا هبُوبُومن تبع جسمها بشيءفقلبها مُقفر جديب •••

أحبتي، والفراقُ ويلتُرمى بأرزائه القلوبُجزاكم الحب، هل نسيتم ما كان من وِردنا يطيبُأيام نسقى الشمول صرفًاووجهها عابس قطوبنصارع الكأس لا نباليما يكتم الدهر والغيوبوالزهر من حولنا شهيدوالنجم من فوقنا رقيبغذاء أسماعنا غناءٌيكاد من لطفه يذوبوزاد أبصارنا جمالتباح في حبه الذنوبإذا دعانا الصِّبا هببناوكلنا سامع مجيب •••

لا تسألوا اليوم كيف حاليفالعيش من بعدكم عصيبُمجنون ليلاكم استبدتْبمهد أحلامه الكروبلا أكؤس الحب دائراتولا عُيون المها تجيبيسدد السهم ليس يدريأيخطئ السهم أم يصيبيطارد المجد في زمانإقباله غادر لعوبالشهم من ناسه شريدوالحر من أهله غريبُ
الفصل الثامن عشر
ملاهي طلبة الطب


 باريس في ?? فبراير سنة ????
يمتاز الحي اللاتيني من بين أحياء باريس بتلك الحيوية الجذابة التي تنبعث من ساكنيه وأكثرهم شباب، ولكن سكان ذلك الحي الذين يبثون فيه من روح الابتهاج والانشراح ينقسمون إلى طبقات، ولكل طبقة خصائص ومميزات، فهناك طلبة الآداب، وطلبة العلوم، وطلبة الطب، وطلبة الحقوق.
ونستطيع أن نحكم بأن الفريق السعيد من بين هؤلاء جميعًا هم طلبة الطب، لأن طلبة العلوم والآداب والحقوق يعرفون ما ينتظرهم في دنياهم من الجهد والعناء، أليس مصير طلبة الآداب والعلوم إلى التدريس في المدارس الثانوية؟ ويكفي أن تقدر أن هذا مصير الطالب لتعرف أنه خُلق للتضحية، فإن التدريس محنة من محن الحياة لا يصبر على لأوائها غير المحتسبين الذين وطنوا أنفسهم على المجاهدة والمجالدة في سبيل أممهم، وأصحاب هذه المهنة جديرون بأن يكتهلوا قبل الأوان، لأن إحراق الدم والأعصاب في سبيل التعليم بلية لا يتحملها غير من اطمأن إلى حمل راية الجهاد، وليس في مقدور واحد من طلبة العلوم والآداب أن يطمع في غير المدارس الثانوية، لأن المدارس المالية تتطلب من المدرسين مؤهلات أهمها إجازة الدكتوراه، والدكتوراه لا يظفر بها طالب في فرنسا إلا إذا وصل به علمه وعقله إلى أن يضع قدمه بين صفوف الباحثين. وللقارئ أن يتأمل كيف يتأتى لطالب أن يُعد رسالة الدكتوراه وهو قد يتعثر في موضوع إنشاء!
وهذا المستقبل المظلم الذي يتطلب ما يتطلب من المشاق خليق بأن يحبس طلبة العلوم والآداب في أقفاص من التوقر والاحتشام. من أجل هذا تنحصر ملاهي هؤلاء الطلبة في لعب الشطرنج والبليارد ومعاكسة البنات في مدرجات السوربون، ومناوشة الأساتذة إذا اقتضى الحال!
وقد يتفضل مدير الجامعة، رفقًا بطلبة العلوم والآداب، فيقيم حفلة راقصة أو حفلتين في أبهاء السوربون، وهي حفلات طريفة يتراقص فيها الطالبات والطلاب، لولا أنها مصحوبة ببعض التكاليف، وبهذا يُحرم منها كل طالب لا يملك ثوب السهرة، أو لا يجد ?? فرنكًا للاشتراك.
وهذه الحفلات تمر غالبًا في سلام، وإن كان الناس يتوقعون غالبًا أن يطلق فيها الرصاص، بسبب العداوات الخطرة التي يحترق فيها الطلاب وهم يتسابقون في كسب قلوب الطالبات، فاللهم (فوت) حفلة هذا الشتاء بخير، لأني سأكون بين السامرين!
تلك لمحة عن المساكين طلبة الآداب والعلوم. أما طلبة الحقوق فلست من أمرهم على يقين، لأني لم أدخل كلية الحقوق في باريس إلا زائرًا، ويظهر مما رأيت أن طلبة الحقوق أقرب إلى الأندية والمراقص من طلبة العلوم والآداب، ولكنهم على كل حال يُعدون أنفسهم لمهن المحاماة ومناصب القضاء، وتلك أودية من وجهات الرزق كثُر فيها الزحام وقل فيها الثراء، ولهذا يمشون مثقلين بما ينتظرون من مصاعب الحياة.
كان الله لنا ولهم، إنه نعم المعين!
•••

بقي طلبة الطب! أهلًا وسهلًا بأسعد الناس في حي الشباب!
أنا لا أعرف أيضًا طلبة الطب، ولكن حظهم من متع الحياة في باريس وصل إلى جميع الآذان، وشهدته أكثر العيون، وكلمة «طالب طب» تساوي في باريس كلمة (خليع) فقد جرت التقاليد بأن يظفر طلبة الطب بنوع من الحرية، لا نجد له شبيها إلا في كتب الأساطير، ولعل السر في ظفر طلبة الطب بتلك الحرية المرنة أنهم يصبغون ملاهيهم بالصبغة العلمية، وحظ أهل الطب قديم في هذا الباب، فقد أباحت لهم الشرائع رؤية ما لا تحل رؤيته من الحمى الممنوع. وسبحان مقسم الحظوظ!
ولكن ما هي تلك الصبغة العلمية؟
هذا سؤال له جواب طريف، فليعلم القارئ إذن أن كلمة «علم» في العصر الحاضر تقابل كلمة «دين» في العصر القديم، فقد كان القدماء يقولون: «لا حياء في الدين» إذا بدا لهم أن يخوضوا في حديث يجرح الحياء. وكذلك يقول المحدثون: «لا حياء في العلم» إذا بدا لهم أن يقوموا بتجربة فيها ما يجرح الحياء.
وأظرف ما في تجارب كلية الطب في باريس أنها تقع، كما يقتضي العلم، بحضور الأساتذة والطلبة والطالبات، ولتلك التجارب معان خاصة يفهمها الألباء، ولا حرج على من يدرس العلم في أصوله وتفاصيله على المنهج الحديث.
وفي هذه النقطة يختلف حظ رجال العلوم ورجال الآداب فليس لأديب مهما جل خطره، وسلمت نيته، أن يشرح على طريقته ما يحب أن يشرح من المشاكل الجنسية، لأنه لو فعل لا تهمه الناس بالرغبة في إذاعة أسباب الفسق والمجون، ولكن العالم يدخل تلك المضايق في طمأنينة وأمان بلا رقيب ولا حسيب، وهو فوق ذلك مشكور السعي، محفوظ المقام، فله أن يدرس ما شاء من المسائل الجنسية، وله أن يفسر دراساته بالرسوم والتصاوير، وليس لكائن من كان أن يتهمه بسوء النية؛ لأنه يتكلم باسم العلم، ولا حياء في العلم كما لا حياء في الدين.
وهذه الخطة قد عرفها الأدباء الأقدمون، فقد بدا مرة لأبي العلاء المعري أن يذيع بين معاصريه آراء الزنادقة والمرتابين، فعمد إلى تلك الحيلة الملفوفة، وهي شرح آراء الزنادقة مصحوبة بلعنهم وتسفيههم، وبذلك تم له ما أراد من عرض آراء الملحدين في رسالة الغفران.
ومن أدباء العصر الحاضر من يسلك هذه الطريقة فيقول مثلًا: هذا كاتب يعجبني أسلوبه، ولكني أكره مذهبه، ثم يمضي فينقل إلى قارئه خلاصة آراء ذلك الكاتب الذي ذكر أن مذهبه بغيض ممقوت.? •••

أترانا بذلك نحرّم على أهل الطب أن يقوموا بما يوجبه الدرس من التجارب العلمية؟ هيهات أن يكون ذلك ما نرمي إليه. ولكنا ننقل في تحفظ ما سمعنا من قيامهم ببعض التجارب الجنسية في الحفلات الموسمية، وهذه مسألة لا نحب الإفاضة فيها، لأنها خطرة التفاصيل، ولأن علمنا بها لم يتعد السماع، وما أكثر ما نسمع في حي الشباب!
فلنكتف إذن بسرد ما شهدناه بأعيننا وشهده معنا ألوف الألوف:
في نهاية العام الدراسي يقوم طلبة كلية الطب في باريس بمهرجان مشهود، حيث يشترك الطلبة والطالبات في مواكب سيارة تجوس شوارع المدينة، ويكفي في خطر هذه المواكب أن يكون الطالبات عاريات الأجساد، اللهم إلا سِترًا رقيقًا جدًّا يكف عادية المكان المرموق!
وقد رأيت في أحد هذه المواكب فتى عريانًا وهو يحمل لوحة كتب عليها: (الباريسي الحقيقي يجب أن يأخذ السيلان ولو مرة، فمن الواجب أن يكون رئيس الجمهورية أخذه ألف مرة!)
ورأيت فتاة عريانة في أشنع حالة ومعها علم كتب عليه (جيش الخلاص) وجيش الخلاص هذا جمعية كبيرة تعمل لسلامة الأعراض، وطهارة الأخلاق!
وللقارئ أن يتصور بقية التفاصيل، فهنا يكون تداعى المعاني وتنادي أشتات الخيال، فإني لا أريد باسم الأدب أن أنقل ما يقع باسم العلم في باريس؛ فإن العالم يباح له ما لا يباح للأديب، وحرية التعبير من جملة الأرزاق!
وبعدُ فهل هذا شر كله؟ أم خير كله؟ الجواب عند رجال الدين والأخلاق. أما أنا فأسجل في تحفظ بعض ما تراه العيون.
وزير مراكش

في باريس الآن وزير مراكش المقرئ. وهو رجل كهل. تقول الجرائد الفرنسية: إنه يحب فرنسا حبًّا شديدًا، وإنه مستعد لتقديم أولاده ضحية في الدفاع عن فرنسا إذا اقتضى الحال، وقد دعي بالأمس إلى زيارة السوق الكبير فذهب إليه في الساعة السابعة صباحًا، والسوق قائم على قدم وساق، وقد أطعموه هنيئًا مريئًا طعامًا خاصًّا أعد لفطوره، فارتاح إليه. وطلب الوصف ليعمل مثله في المغرب إذا جاء العيد، وقد أبدى فيما يقال مهارة عظيمة في تعرف الأسماك والنص على القديم منها والجديد.
ولنا أن نقول إن الوزير الذي يقدم أولاده عن طيب خاطر للدفاع عن فرنسا لو قدمهم للدفاع عن بلاده لكان أجدى وأشرف، ولكن صدق شوقي حين يقول: «الذليل بغير قيد مقيد، كالكلب لو لم يُسَدْ لبحث عن سيد!»
? يوليو سنة ????? إشارة إلى كلمة كتبها الأستاذ لطفي جمعة عن أندريه جيد.
الفصل التاسع عشر
غانيات الحي اللاتيني


بعض الحقائق البشعة في مدينة النور


 باريس ?? فبراير سنة ????
لقد قصرتُ أوقات فراغي في الأسابيع الماضية على قراءة الكتب المؤلفة عن الحي اللاتيني، ولم يزدني ذلك إلا كلفًا بدراسة ذلك الحي في حاضره وماضيه، وكان أجمل ما عرفته ما تلقيته شفاها عن الأدباء الذين شهدوا ذلك الحي منذ ثلاثين عامًا. وقد اتفق جميع من حادثتهم على أن الحي اللاتيني فقد جماله منذ أزمان، فقد كان في النصف الأخير من القرن التاسع عشر هو المعهد الوحيد لمخاطر الحب والشباب، ثم أخذ يفقد سحره رويدًا رويدًا بسبب الأحياء الجديدة التي اجتذبت إليها أهواء الملاح، وكان حي مونمارتر أول طعنة وُجهت إلى صدر الأنس في حي الشباب. وانتهت المأساة بظهور حي مونبارناس، وبهذا أصبحت لا ترى في الحي اللاتيني وجهًا صبوحًا ولا طلعة بهية، إلا في ساعات خاصة من الصباح والمساء، فإذا انتهى وقت الدرس مضت أزهار الشباب إلى ملاهي مونمارتر ومونبارناس، وبقي الحي اللاتيني هامدًا لا روح به ولا حراك.
هذا حق! فلنا أن ننشد إذًا قول المتنبي:
أتى الزمان بنوه في شبيبتهفسرهم وأتيناه على الهرم ولكن هل فرغ الحي اللاتيني من جميع أسباب الحياة؟
لا قدر الله ولا سمح!
فلا تزال هناك عصابات من النساء، وأسراب من الفتيات، يغشين ذلك الحي، هناك النساء المترفات اللائي يبحثن عن معالم الشباب والجمال، ولهؤلاء النسوة نفوس ظماء إلى الحسن الغض الذي يتأرج عبيره في كلية الطب وكلية الحقوق. وفي كلية الآداب بالسوربون دروس خاصة ليست في نفوس بعض النساء إلا مواعد لقاء … وهناك كذلك فتيات تاعسات الحظوظ يبحثن عن الرفيق، ولا يجدن السبيل إليه إلا بالانتساب إلى السوربون!
فإن مشيت في بول ميش صباحًا ورأيت الفتيات يتهادين وفي أيديهن الكتب والقراطيس فلا تحسب دائمًا أنهن يطلبن العلم ملخصات، ولكن تذكر أن فيهن بنات شقيات قضت أزمات الحياة الأوربية على ما فيهن من كرامة وحصانة، فهن يسعين إلى الوِرد الممنوع بمشاركة الشبان في تلقي الدروس!
والقارئ المصري أو الشرقي لا يكاد يدرك مغزى ذلك، لأن الحياة في الشرق لا تزال معقولة الأوضاع، وكذلك لا تزال المرأة في الشرق (سيدة) وإن زعموا أنها تعيش في أقفاص. هي سيدة لأنها لا تزال تُطْلَب وتُعشق، ويقال فيها الشعر البليغ. أما المرأة الغربية فقد مضت دولتها وولت أيامها، لأن الغرب رُزئ ببلايا كثيرة اجتماعية واقتصادية كان من أثرها أن زهد الرجال في النساء، وأصبح الجنس القوي والجنس اللطيف في صراع، والصراع في هذه المرة لا يمثل رجلًا يتولّه وامرأة تتمنع، ولكنه يمثل رجلًا وامرأة يقتتلان حول فضلات الأرزاق.
وقد يخطئ من يظن أن هذا التحول في سير الحياة أخمد حرارة المرأة، فإن الطبيعة الإنسانية أعمق جذورًا من ذلك، ولكنه بالفعل أخمد عواطف الرجل أو كاد، فقد أصبح الشبان ينظرون إلى المرأة وكأنها في أعينهم مخلوق سخيف، والفتاة صارت لا تحظى بمودة الفتى إلا إن شاركته في ألعابه، ورافقته في أسفاره، وأغنته عن ارتياد مواضع الإسفاف. ومهما يكن من شيء فإن أهل هذا الجيل عادوا أضن من أن يسفكوا قطرة من الدمع في سبيل المرأة. ونظرة إلى ثمار الأدب الحديث في أوربا تكفي للاقتناع بأن وظيفة الحب في القصص والروايات صارت وظيفة صناعية أو فنية، يوردها الكاتب مراعاة للقواعد والأصول، أو ما كان اصطلح عليه الأقدمون من قواعد وأصول.
وهناك دليل أوضح، وهو الشعر، فمن ذا الذي يزعم أن الشعر في هذا العصر يقارب الشعر في عصر ميسيه ولامرتين؟
لقد ضعف الشعر حتى لا يرجى له نهوض، والسبب في ضعفه هو انصراف العبقريين عن المرأة، وذلك أخطر مقتل في أدب هذا الجيل.
هذه الحقائق تبين للقارئ السر في خمود الحي اللاتيني، فقد كانت الفتيات من قبلُ زينة هذا الحي، يوم كان الشبان يتغنون بالحب العذري، ويوم كانت الفتاة لا تسقط إلا إن ذهب الهوى بعقلها المكبول.
فماذا ترى اليوم؟ ماذا نرى بعد انقراض الحب النبيل؟
نرى عدة قهوات كأنها مواخير، فإن الشاب حيثما توجه في ملاهي ذلك الحي كان جديرًا باقتناص إنسانة تزيد في دفء غرفته إن أعوزه الدفء في ليالي الشتاء!
وقد يحدث أن تعرض الفتاة نفسها في غير حياء، كما كان الفتى يهاجمها قديمًا في غير حياء.
ولكن أين من يقبل؟ فإن فتيات الحي اللاتيني طاغيات، ولا تكاد الفتاة تحادث من يقبل عليها حتى تصارحه بأنها مدينة، وأنها لم تدفع نفقات غرفتها منذ شهور، وأنه ليس لديها إلا فستان واحد، وأنها لم تأكل منذ يومين!
والويل كل الويل لمن يسلس القياد لهؤلاء البائسات، فإنهن ألزم من الظل، وأثقل من تظرف الثقلاء!
وللقارئ أن يسأل: هل نساء الحي اللاتيني كلهن فرنسيات؟
ونجيب بأن الفرنسيات قلائل جدًّا في ذلك الميدان. ولم تُظلم أمة من الوجهة الأخلاقية كما ظُلمت فرنسا بين الأمم الأوربية؛ فالناس جميعًا يكادون يتفقون على أن المرأة الفرنسية ماجنة خليعة، وذلك خطأ مبين. والواقع أن الفتيات الأوروبيات يستفدن من الحرية الشخصية في باريس، حيث لا يتقدم أحد مطلقًا لإزعاج العشاق، ففي باريس ألوف مؤلفة من الرومانيات، والنمسويات، والألمانيات، والإيطاليات، والإسبانيات، إلى آخر ما تعرف من الشعوب الأوربية والأمريكية، وكل تلك الروافد تنصب في باريس، فهي ملتقى طلاب الغواية من جميع الأجناس.
أتحسبني بذلك أعدو الحق؟ هيهات! فأنا رجل أعشق النبرات الفرنسية، وللغة الفرنسية الخالصة سحر قهار يفعل في نفسي ما لا يفعل الشراب. وقد تمضي أسابيع ولا أسمع من فتاة واحدة نبرة تشعرني أنني أحادث فتاة فرنسية، وكذلك اقتنعت أو كدت أقتنع بأن الجمال الفرنسي أعز وأمنع من أن يبتذل في الحي اللاتيني. والمصادفات الطيبة التي ظفرت بها في باريس زادتني حزنًا وخوفًا على مصير المرأة الفرنسية، فإنه لا تزال فيها بقايا من الطهر والنبل، ولكن الجيل الحاضر يكاد يعصف بما كان لفرنسا من شريف التقاليد، وتكاد الأزمات الطارئة في عالم الاقتصاد والاجتماع تبدل الشمائل والنحائز والخلال.
فماذا بقي إذًا من مواقع العيون والقلوب في باريس؟
لم تبق إلا الشهوات الحسية السافلة التي تقدم بلا حساب في الفنادق والحانات حيث يباع الهوى بلا ميزان — كما يقول صديقنا الأديب توفيق وهبة — ولكن كيف والعرض أيسر ما يُبذل في تلك البقاع؟
أليس في ذلك ما يؤيد قرار لجنة البعثات في مصر بمنع الطلبة من تزوج الأجنبيات؟
أليس في ذلك ما يؤيد خوف الآباء على أبنائهم من مفاسد باريس ومناكر باريس؟
لقد أصبحت أومن بأن الحرب من أشرف نزعات الإنسانية فهي التي تعلم الشعوب قيمة الواجب، وهي التي تغرس في الشباب حب الرجولة. ولئن دام السلم نصف قرن ليصبحن الناس من جامح الحيوان.
وبعد فإن لم يرق للقارئ هذا الكلام فليعذر الكاتب؛ فإنه رجل أمضَّته الخلائق في باريس.

الفصل العشرون
صلاة الجمعة في مسجد باريس


 باريس ? سبتمبر سنة ????
ما شهدتُ باريس إلا خطر بالبال ما يجب على المؤمن من الرجوع إلى ربه لحظة أو لحظتين في هذه المدينة العجيبة التي طغت على كل ما تصوره الأقدمون من نعيم الجنان، وكان يرضيني في تهدئة الروح الظامئ إلى سلسبيل السلام والسكون أن أذهب إلى جامع باريس فأطوف به ساعة من الزمان بين النقوش العربية الدقيقة التي تزدان بها الجدران والسقوف، وبين خرير المياه في تلك الأحواض البديعة التي تذكر بأفنية المساجد الأندلسية عليها السلام، ثم آوي إلى قهوة الجامع فأتناول كأسًا من الشاي محفوفًا بالألحان العربية يهديها إلى السمع أولئك المغنون الذين يسمعونك في باريس بعض ما تسمع على ضفاف النيل.
ولكن أين هذا كله من ذلك الخاطر الغريب الذي يعتادني منذ ثلاثة أعوام، فقد فكرت غير مرة في أن أشهد صلاة الجمعة لأرى ماذا يقول الإمام في نصح من يعيشون في باريس، وما هي قائمة المنكرات التي يحاربها الخطيب في مسجد باريس، وكنت أقدّر أنني سأجد أجمل فرصة أفهم بها تأثير الزمان والمكان في تلوين النصائح الدينية وتكوين عقليات الواعظين.
وهنا لا أكتم القارئ أني انصرفت عن صلاة الجمعة في مساجد القاهرة منذ أعوام. ويرجع السبب في ذلك إلى حادثة صغيرة زهدتني في أصحاب الخطب المنبرية، ذلك أنني كنت أحرر جريدة الأفكار في سنة ???? فزارني بعض خطباء المساجد وفي يده مقالة يلح في نشرها ولكني وجدتها مملوءة بالطعن في الحكومة، لماذا؟ لأنها لا تمنح خطباء المساجد من المرتبات ما يعينهم على المظهر اللائق بهم. وفي اليوم التالي ذهبت أصلي الجمعة في أحد المساجد فوجدت صاحبنا بعينه يلعن الدنيا ويذم أهلها ويزعم أنها جيفة وأن طلابها كلاب!
وليس من التحامل في شيء أن أذكر أن جمهور المثقفين في مصر لا يجد ما يشجعه على الحرص على فريضة الجمعة، وقد يكون في هذه الإشارة ما يحمل فضيلة الأستاذ الشيخ المراغي على وضع منهاج جديد تحيا به الخطب المنبرية ويدخل فيها من الجدة والروح والحياة ما يجعلها وِردًا سائغًا تهرع إليه النفوس المتعطشة إلى الحكمة والموعظة الحسنة، فقد دب الشباب في كل شيء إلا خطباء المساجد عند المسلمين.
ذهبت إذن إلى مسجد باريس وفي نيتي أن أقف موقف المشاهد الذي يقيد ما يرى من الظواهر والفروق، ولكني لم أكد أتخطى عتبة المسجد حتى شعرت بأن «روح النقد» انصرف عني، وشعرت بأن «روح الإيمان» أخذ يحتل مشاعري وحواسي، وابتدأت فصليت ركعتين لله، وكنت حُرمت هذا منذ أزمان، ثم جلست أتأمل فيما يحتوي المسجد فإذا المنبر مهدى من «فؤاد الأول ملك مصر» وهو منبر جميل يحمل إلى باريس نفحة مصرية تذكر بأقدم أرض شغُلت بالآداب والفنون، ونظرت إلى المصلين فإذا هم قوم قد أخلصوا لربهم وبدت عليهم سيما الخشوع، ومن ذا الذي يهرب من فتنة باريس إلى المسجد بدون أن يجد في قلبه روح التقوى وحرارة اليقين؟ ولأمر ما عددت المصلين فإذا هم خمسون أو يزيدون. وانتظرت سورة الكهف، ولكني وجدتها لا تقرأ قبل الصلاة، فتذكرت أن قراءتها على هذا النحو بدعة، وعجبت كيف يخلو ذلك المسجد من هذه البدعة وهو في باريس أم البدع والضلالات!
وبعد برهة فتح باب صغير أقبل منه الخطيب، ثم صعد المنبر، وأضيئت جوانب المسجد، ثم كانت تقدمة صغيرة قام بها أحد المؤذنين وافتتح الإمام في أثرها الخطبة، وقد نظرت فإذا هو يحمل طائفة من الأوراق تشبه أن تكون ملزمة مفردة من كتاب، فتذكرت الخطب المنبرية التي تطبع في مصر ويستظهرها الخطباء ليعيدوها بنصها في كل عام على اختلاف الجمع والشهور، وتوقعت أن تكون هذه أيضًا مقتطفة من بعض الدواوين المصرية، ولكن هذا الخطيب طالعنا بخطبة فصيحة، بريئة من اللحن ومن الضعف كأنه السيد الببلاوي في مسجد الحسين. لقد ترك هذا الخطيب كل شيء من حياة باريس، كأن النصح فيها لا يغني ولا ينفع، وأخذ يحدثنا عن شهر ربيع الأول وما وقع فيه من الحوادث الجسام في عهد الرسول، فسألت نفسي: أتكون هذه المرة الأولى التي يتحدث فيها الخطيب عن ربيع الأول مع أننا في الجمعة الأخيرة منه، أم هذه خطبة ثانية أو ثالثة من هذا الشهر الميمون؟!
ورأيت لأول مرة في حياتي خطيبًا ينشد الشعر في خطبة الجمعة كلما بدت مناسبة، فقد أنشد هذا البيت:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجدذُخرا يكون كصالح الأعمال وإذا صح أن هذا البيت من شعر الأخطل — وكان نصرانيًّا لا يفارق الشراب — فإنه لدليل على أن للشعراء لحظات تصفو فيها نفوسهم فتفيض بالحكمة العالية يبقى أثرها بين مختلف الفرق والملل وعلى اطراد الأجيال.
وأنشد في مكان آخر الأبيات التي يقول في بدايتها الحريري:
يا خاطب الدنيا الدنية إنهاشرك الردى وقرارة الأكداردار متى ما أضحكت في يومهاأبكت غدا تبًّا لها من دار وفي مكان ثالث أنشد أبياتًا في مناقب أبي بكر رضي الله عنه غابت عن الذاكرة. وكنت لا أعرف لأي سبب يترك خطباء المساجد الاستشهاد بالشعر، ولكن بعض رجال الدين له رأي في الشعر قد يكون السبب في العدول عن الاستشهاد به، إذ لا يراه من الأمور ذوات البال!
ولاحظت أن خطيب جامع باريس يملأ خطبته بالنفحات الوجدانية، فهو يقول مثلًا «وأين ربيع الروح من ربيع العين» هكذا وقعت الجملة لضرورة السجع، وكنت أحب أن تكون «وأين ربيع العين من ربيع الروح» على أن السجع يقع خفيفًا جدًّا في خطبة ذلك الرجل، فقد كان يتكلم بطريقة خالية من التكلف ومن اللبس، وكان له في تصوير الظروف التي اقتضت الهجرة ذوق جميل.
وبعد انتهاء الخطبة نزل الأمام فصلى بنا صلاة خفيفة جدًّا رجونا أن يكون في بساطتها ما يؤكد لها القبول، فإن الرياء والتصنع لا يغنيان فتيلًا عند علام الغيوب. ثم قرأ المصلون جميعًا دعاء شائقًا لاحظت أنهم كلهم يحفظونه ولا أحفظ منه حرفًا واحدًا، وإن كنت هينمت منه بضع كلمات لأستر جهلي بفقراته الحسان، وأنا والله معذور؛ فإني لم أسمع مثله حين كنت أواظب على الصلاة قبل أن أعرف (بونجور مدموازيل) و( بونسوار مدام)!
فلما انتهى المصلون من قراءة ذلك الدعاء مشيت إلى ذلك الخطيب الفصيح فسلمت عليه تسليم المعجب بإخلاص
– أحب أن أتشرف بمعرفة اسمكم الكريم
– أنا الفقير إلى الله زكي مبارك
– أهلا وسهلًا! يا سيد قدور تعال سلم على السيد مبارك
فالتفت فإذا السيد قدور بن غبريط يصافحني، فتأملت في وجهه طويلًا، وكنت سمعت أنه سعى في إنشاء هذا المسجد ليخدم فرنسا! ولكني تيقنت الآن أنه خدم دينه وبلاده حين استطاع أن يبني مكانًا للصلاة في باريس وفي جوار حديقة النباتات، وصدق الأمام الغزالي حين قال: «طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله».

الفصل الحادي والعشرون
بين فصول الكتاب وآيات الوجود


 باريس في ?? أغسطس سنة ????
صديقي …
تسألني كيف كانت أعمالي كثيرة ومعقدة، وتطلب بيان ذلك التعقيد؟ اسمع إذن هذه القصة ثم استنبط منها ما تشاء:
في مساء ?? يوليه الماضي، بعد أن تناولت العشاء، مضيت إلى شاطئ السين أنتظر الألعاب النارية مع آلاف المنتظرين، ثم بدا لي فجأة أني شهدت هذا الاحتفال في الأعوام الماضية، وأنه لن يكون فيه جديد، وأن من الخير أن أعود فأكتب صحيفة أو صحيفتين لأتقدم قليلًا في العمل الذي جئت له، ثم انحدرت إلى المنزل الذي أقيم فيه غير حافل بالحياة الضاحكة التي تحشر الناس في صعيد واحد ليرى بعضهم بعضًا وليجددوا ما بلي من آمالهم وأحلامهم حين يرون الجمال يزحف بجيوشه الجرارة ليفتح ما أغلق من نزوات القلوب ونزعات النفوس، وليروا أخيرًا الأسهم النارية تعمل في الجو المطلق بعض ما تعمل العيون النواعس في أفئدة الشعراء.
عدت إلى المنزل، وأقبلت على مكتبي، ثم أدنيت الدواة والقلم والقرطاس، ولكني لم أكد أضع أول جملة حتى سمعت دوي الأسهم النارية يخترق الفضاء، وسمعت تهليل المهللين وصياح الصائحين، والضحكات جميعًا من قوية تنبئ عن رجولة، ورقيقة متقطعة تكشف من أنوثة، ودارت بي الغرفة فلم أدر ماذا أكتب، وعز عليّ أن تنهزم إرادتي وأن أخرج ثانية للاشتراك في الاحتفال، وأخذت أرهف العزيمة لأكتب شيئًا يعوض تلك الخسارة الفادحة التي مُنيت بها حين تركت أهل باريس يمرحون ويلعبون وتموج بهم لجج الحياة لأحبس نفسي طائعًا في غرفة مغلقة الأبواب بين ما أعجم واستبهم من مناظر الكتب والدفاتر والمحابر والأقلام والمذكرات.
ولكني لم أكتب شيئًا!
ثم خلعت ثيابي وألقيت بنفسي على السرير ذاهلًا حائر اللب ترميني قذائف التفكير من هنا وهناك. وتجمعت في رأسي أسباب الثورة الفكرية التي تهاجمني وأهاجمها من حين إلى حين، وبدأت أمطر نفسي وأمطر العالم بوابل من الأسئلة المحرجة التي تقف أمامها النفس الإنسانية حيرَى مولَّهة لا تدري كيف تجيب:
أنا تركت العالم يموج على شواطئ السين، ولكن لماذا؟ … لأقرأ كتابًا يتحدث عن العالم؟ … هذا حمق وسفه، كيف أترك الحقيقة ثم أبحث عنها في ألفاف الخيال؟! ألا كتب بحثًا يشرح بعض حقائق العالم؟ كيف! وأنا أهرب من العالم لألجأ إلى القلم والكتاب والمصباح!
وانطلقتُ أفكر في أمثالي من الذين يتسامون إلى شرح حقائق الحياة ونواميس الوجود وهم أسرى في منازلهم يخشون إذا هموا بمشاهدة العالم أن ينالهم الابتذال، فكم من عالم مفكر — وتلك دعوى قديمة — يجلس في عقر بيته ليضع الشرائع للناس، وهو لا يعلم شيئًا عن غرائز الناس، في حين أن التشريع ليس إرادة فردية تؤيد بالأحكام العرفية، وإنما هو تنظيم وتهذيب للغرائز والميول والأهواء. وكم من فيلسوف — وتلك أيضًا دعوى قديمة — لا يعرف من الدنيا غير الكتب، ولا يعرف من أهلها غير تراجم المؤلفين، وهو مع ذلك يرى نفسه أهلًا لوضع الحقائق الباقية لسياسة الأمم والشعوب!
ثم ماذا؟
ثم تكون هذه النكبة الاجتماعية التي درج عليها الناس منذ أجيال، والتي تقضي بأن الجمهور لا يحترم الرجل الذي يشاركه في أسباب دنياه، وإنما يتصور العظمة محبوسة في أقفاص المكاتب والمعاهد والجامعات. وقديمًا شك الناس في نبوة الأنبياء؛ لأنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما حدثنا القرآن.
أتجرحك يا صديقي هذه الملاحظات؟
معذرة إليك، فأنا رجل ثائر عنيف، وسأظل في ثورتي إلى أن انتصر في حرب ما أمقت من نفاق التقاليد. وأستطيع أن أؤكد لك أن كثيرًا من الأصنام التي تعبد في مصر والشرق ستحطم عما قريب، وسينشأ في مصر والشرق جيل جديد يبني أحكامه وقوانينه على أساس التجارب والمشاهدات، وستهدم صروح العظمة التي تبنى على أساس التوقر والتحفظ، وخلق أسباب التبجيل، وفرض الاحترام بالأساليب الممجوجة التي تخلى عنها الغرب وداسها بقدميه يوم رغب في شرف الحرية والإخاء والمساواة، ويوم فضل الحقيقة المرة على الباطل المعسول.
متى أشهد مصرعك يا عهد النفاق!
ثم كان مساء الأحد الماضي حيث يجرى سباق السباحة في السين، وخرجت باريس برجالها ونسائها وشبابها وكهولها تحيي عظمة البساطة والخفة والسذاجة والرشاقة في أجسام السابحين، وخرجت أنا أيضًا هذه المرة بعد أن وضعت الكتب والمذكرات في الصوان وأغلقته أغلاقًا محكمًا ووضعت المفتاح تحت البساط لئلا يهجم عليّ كتاب فلسفة مثلًا فيحول بيني وبين الخروج!
يا الله! هذا شباب باريس يطوّق السين كما يطوق العقد جيد الحسناء، وهذا زحام مطبق لم يترك لمثلي موضع قدم، والناس ما بين شاب رشيق الحركة يتسلق الأشجار، وفتاة مترفة ترفع مرآتها لتنعكس عليها مناظر السابحين، وشاعر يرى ويشهد أسراب الحسان لتتم له أسباب الإبداع، وفيلسوف يرقب تطور الحياة الإنسانية وجها لوجه عن طريق المشاهدة لا كما يفعل أدعياء الفلسفة الذين ينزحون من بئر الغفلة والنسيان والذهول.
والسين!
السين! قد تحول يا صديقي إلى أمواج من النور البنفسجي الجذاب، حتى حسبته قلبًا يخفق بالمنى، أو مخدعًا يتناجى فيه عاشقان، وحسب السين ليلة من هذه الليالي في كل عام ليتيه على أنهار العالم جمعاء، وليظفر بمثل ما كان يظفر به النيل قديمًا يوم كانت تزف إليه في كل عام فتاة هيفاء، والحسن في كل عصر خير ما يهدى وخير ما ينال.
وأنا؟ … أتريد الصدق؟ لم تكن معي مرآة أرى في بياضها مشاهد السابحين، ولم أنشط إلى تسلق الأشجار لأرى ما لا يراه الواقفون، ولم أجد مكانًا على الرصيف أشهد فيه مناظر السباق، وإنما اكتفيت بمشاهدة العالم الباريسي، وعدت مع ذلك إلى المنزل قبل أن ينتهي الاحتفال. أتدري لماذا؟ لأقرأ كتاب سبنسر في علم الاجتماع!
فإن شئت أن تعرف كيف كانت أعمالي كثيرة ومعقدة فاذكر أنها ليست إلا حيرة مطبقة بين فصول الكتاب ومشاهد الوجود،
شفاعة النساء

المرأة مخلوق لطيف يعرف قيمته من يعيش في مدينة مثل باريس حيث لا يُفتح باب من أبواب الرزق والمجد إلا بيد المرأة، فهي مفتاح كل شيء ومغلاق كل شيء، تعطي الحظ من تشاء وتنزعه ممن تشاء، أغنانا الله من فضله عن شفاعتها في باريس وغير باريس؟
ويظهر أن شفاعة النساء كانت معروفة في الزمن القديم، يدلنا على ذلك هذا البيت:
ونُبئت ليلى أرسلت بشفاعةإليّ فهلا نفسُ ليلى شفيعها وأصرح منه في الدلالة قول الآخر:
ليس الشفيع الذي يلقاك مؤتزرًامثل الشفيع الذي يلقاك عريانا وألعن من هذا وذاك قول صديقنا الحوماني أحد شعراء سورية:
قضى عصرنا أن يكون الشفيعلنيل المناصب نهد وقدفمن شاءها فليُزِر أهلَهُرئيس الحكومة يوم الأحد وهذا كلام لا يحتاج إلى شرح ولا تعليق. ويرحم الله من استطاعوا الفرار من زينة الدنيا إلى وعورة القفار والفلوات.

الفصل الثاني والعشرون
محمود بيرم


 باريس في ?? يوليه ????
في طريقي إلى المنزل الذي أقيم فيه حديقة صغيرة يؤمها الناس من جميع الطبقات إلى وَهْن من الليل، وهي حديقة تهوي إليها نفسي فأخترقها في الصباح وعند المساء، ويعجبني فيها تمثال فولتير، ذلك الرجل المعجز الذي علم الكتاب كيف يسخرون وكيف يرتابون، وعلى وجهه تلك الابتسامة الساخرة التي لا ندري كيف استطاع الصخر وهو أصم أن يحفظ منها صورة ناطقة، ويعجبني فيها أيضًا أولئك النسوة النبيلات يخرجن إليها في الضحى وفي الأصيل، ومعهن أطفالهن يمرحون ويلعبون، فأتذكر والأسى يلذع قلبي أولئك الصبية الأعزاء يحيطون بي في حديقة المنزل ليمنعوني من الخروج و … من الرحيل!
في يوم الثلاثاء الماضي وأنا اخترق تلك الحديقة في الساعة الثامنة قبل الغروب لمحت طائفة من الجرائد المصرية في يد إنسان لا أعرفه، وعلى وجهه مسحة من سماحة الشرق، وكتلة من أثرة الغرب، فقلت:
– سلام عليكم (بخفة ونشاط)
– عليكم السلام (بتثاقل وبرودة)
– لا تُرَع أيها الرجل، فأنا أريد أن ألقي نظرة على هذه الجرائد لا أكثر ولا أقل، وأنا والله فاعل ذلك رضيت أم غضبت!
– اقرأ، ولكن أسرع فإني ذاهب إلى العشاء، فقد شغلني قبلك هذا الفتى بجانبك إذ رجاني أن أسمح له بنظرة سريعة ينظر بها أخبار مصر والشرق، كما يقول، أما أنت فبارك الله لك في هذه الجرأة، ألست تريد أن تقرأ هذه الجرائد رضيت بذلك أم غضبت؟ ولا أدري والله ماذا أصنع إذا حاولت منعك وفيك هذه الجرأة وهذا الهجوم، وقد تكون قوي البطش، سليط اللسان!
ثم سكت، وأخذت أقرأ تارة وأدرس وجهه تارة أخرى:
هذا شاب قصير، نحيل، متضعضع، مهدود، لم تبق أيامه من جسمه باقية، وهو لذلك ضيق الصدر لم يستطع أن يتكلف البشاشة لرجل بدأه بالتحية، وإنه ليحمل رزمة من الجرائد المصرية. وهذا الحمل الثقيل يدل على أنه مغرم بتتبع الحياة في مصر بألوانها السياسية والأدبية. فيا ليت شعري من هو؟
– أنت هنا منذ زمان أيها الأخ؟
– منذ عشر سنين!
– عشر سنين؟ وماذا تصنع؟
– عامل في أحد المصانع
– وما الذي ابتلاك بهذه الجرائد وأنت عامل؟
– هذه بلوى قديمة!
– منذ متى؟
– منذ كنت أحرر المسلة. فأنا محمود بيرم التونسي
أهلًا وسهلًا!
وحضرتك؟
زكي مبارك
أنت الدكتور؟ الله يسامحك! كيف نسيت أن ترسل إليّ نسخة من كتاب الأخلاق عند الغزالي. لا … بل كيف استبحت لنفسك أن تهاجم ذلك الفيلسوف … إلى آخر ما قال
أيها القارئ!
أتذكر صيف سنة ????م أن كنت لم تشهد ذلك العهد وذلك العام الميمون فاسأل من شهدوه ومن اكتووا بناره يخبروك أن محمود بيرم التونسي كان شاغلًا لجميع الأندية المصرية بمجلته الصغيرة اللذاعة (المسلة) وهو — مع احترامي لمن يشتغلون بالرسائل الفكاهية في مصر؟ — رجل ممتاز له طابع خاص. ولقد رأيته في حالة محزنة، فقد سقط عليه في ذلك اليوم برميل بيره في المصنع الذي يعمل فيه. ولكن الله لطف فلم يُصب إلا بجرح خفيف، أتم الله شفاءه وعافاه
بعد أن تعارفنا تطلقت أسارير وجهه، وأخذ يسألني عن مصر وعن صحف مصر وعن الصحفيين الذين يطلبون منه أن يراسلهم مجانًا وهو في أشد الحاجة إلى المال، وعن الذين يستطيعون أن يسهلوا له سبيل العودة إلى مصر ولكنهم لا يفعلون!
ثم تناولنا معًا طعام العشاء. وطفنا طويلًا على شواطئ السين، وأسمعني مواويله وأزجاله القديمة التي كانت تضحك ناسًا وتبكي آخرين، في سنة ????، وأسمعني كذلك طائفة من المقامات الهزلية التي تضحك الثكلى، خصوصًا مقامة «الفقي» الذي خرج يصطاد امرأة، والذي «شال العزال» إلى المحطة!؟
وانتهى المطاف إلى إحدى الحدائق العمومية التي تظل مفتوحة إلى نصف الليل، وكان بيرم أفندي قد تعب، فطلب أن نجلس قليلًا على أحد المقاعد، ولكنا وجدناها جميعًا مشغولة، فاضطرنا تعبه إلى أن نجلس على مقعد فيه عاشقان يتناجيان، والأدب في باريس لا يسمح بإزعاج العشاق، وظل الفتى يقبل الفتاة وهي بين يديه كأنها الغصن المطلول، وكأننا لسنا هنا وكأنهم ليسوا هناك؟
– لا تحسب يا دكتور أن هذا فسق، فقد يكون هذا العناق مقدمة زواج.
– اطمئن! فأنا أعتقد أن هذا الغزل المكشوف أسلم وأشرف من تلك السرائر المظلمة والقلوب السود التي تطوى عليها جوانح الغَدَرة الفَجَرة ممن يدّعون الفضيلة، والله بما يعملون عليم!
ثم هممنا بالعودة إلى منازلنا بعد سهرة جميلة نفينا بها أشجان الاغتراب.
– اسمع يا محمود أفندي، أنا سأكتب عنك مقالة.
– أنت تمزح. ألم يبق لديك ألا أن تكتب عن بيرم بعد أن نسيه الناس؟
لطفك

يا فوق ما يسمو لجاج الهوىويطمح الوجدُ ويبغى الهيُامالطُفْ بعشاقك وارفق بهمفقد طغى الحسن وجار الغرامباريس في ? سبتمبر ????
الفصل الثالث والعشرون
هذه باريس وهذا باريس


 باريس في ?? يوليه سنة ????
صديقي …
لقد ألف الناس في مصر والشرق أن يلحظوا في باريس صيغة التأنيث، فهم يقولون (باريس الجميلة الفتانة)، ولكن الفرنسيين يعطون لعاصمتهم القوية صيغة التذكير، وإنهم ليقولون (باريس القوى القهار)، فما هو السبب في ميل الشرقيين إلى تأنيث هذه المدينة؟ السبب واضح، لأن الشرقيين يتوهمون هذه المدينة مدينة اللهو والدعارة والفسوق، فهم لذلك يعطونها اسما لينًا مؤنثًا يتناسب مع ما يحسبونه ينهار فيها من أركان الأخلاق، أما الفرنسيون فيعرفون فضل عاصمتهم ويعلمون أنها قوية جبارة غالبت الأعداء ونازلت الخطوب زمنًا غير قليل، ثم ظفرت من ذلك كله بمجد باق خالد تغلب عليه سيما البشر والابتسام، إذ لم يعد في حاجة إلى التبرم والعبوس.
أتذكر أنك سألتني غير مرة أن أحدثك عن باريس؟ إذن فاعلم أن صمتي عن جوابك لم يكن جهلًا لقدرك، ولا تهاونًا في حقك، ولكني ظننتك تنتظر مني جوابًا يساير الفكرة التي ينتظرها الشرقيون ممن يصف باريس، لذلك استبحت لنفسي الإغضاء عنك، وأنت أنت في ودك الصادق وعهدك المتين. واليوم، أتدري لم فكرت في جوابك؟ لسببين: الأول لرد التحية الجميلة التي حيتني بها جريدة الصباح والتي وعدت في ختامها القراء بأني سأوافيهم بشيء عن الحياة في باريس، والثاني لأن هذا اليوم — يوم ?? يوليه — أخرجني عن وقاري، فتركت عملي وخرجت أهيم كالثائر المجنون أتلمس أسباب الحياة في هذه المدينة الصاخبة التي أغوت من أغوت، وأضلّت من أضلّت، وهدَت من هدت من العالمين، فلم أجد أمامي إلا ذكرى النصر والحرب والسيف والمدفع والبأس والصبر والكفاح، وما شئت يا صديقي من الأسماء والمسميات التي خلقها الله لتمجيد البطولة والرجولة والقوة والبأس الشديد.
ولقد تعودت في الأعوام الماضية أن أشهد الحفلة القومية التي يعرض فيها الجيش صباحًا في ساحة النجم عند قبر الجندي المجهول، فبكرت من يومي هذا أسابق الناس إلى ذلك الميدان لعلي أجد مكانًا صالحًا أقضي فيه ساعات الاستعراض، ولكني علمت مع الأسف أن مجلس الوزراء قرر إلغاء هذه الحفلة في هذا العام فرارًا من وقدة الحر الذي هاجم باريس منذ يومين اثنين، وكنا في بداية هذا الصيف نشكو شدة البرد. وكذلك حُرم الباريسيون من ذلك المنظر الرائع منظر الجنود مدججة بالسلاح تذكِّر من عساه يغفل وينسى بأن الوطن لا يُحرس بغير القوة، وأن الأمة التي عُرفت في العالم كله بأنها صاحبة الفضل في نشر المبادئ الإنسانية هي أيضًا لا تعيش بغير القوة، وأنها في وجودها وعظمتها مدينة لقوة اليأس وصدق النضال.
أفهمت الآن أن باريس شيء غير الذي تعلم وغير الذي يتوهم الناس؟
لقد ألقيت في الشتاء الماضي محاضرة في نادي الموظفين عن تأثير المرأة في المجتمع الفرنسي، فلما نُشرت خلاصتها في بعض الصحف لقيني أحد الذين طالت إقامتهم في باريس وأفهمني بلطف أنني لم أعرف باريس. ولا أزال حتى الآن أجد من يلومني على حسن الظن أسديه إلى باريس. ألا فلتعلم يا صديقي أن الذي أحدثك به عن هذه المدينة هو الحق كل الحق، والذين يعرفوني يعلمون علم اليقين أني تغلغلت في أعماق الحياة الفرنسية وأنه لم يصل أحد إلى مثل ما وصلت إليه من الألفة الصافية والصلات العميقة مع الذين عرفتهم وصادقتهم وعاشرتهم من الفرنسيين في باريس وغير باريس. فالمرأة الفرنسية الصميمة الأصيلة يغلب عليها النبل والطهر والعفاف، وإن نبرة واحدة من صوتها الرنان لتبدل الأرض غير الأرض والسموات، وإنها لتذل من تُذل، وتُعز من تعز، وهي في مكانها كالطود الراسخ لا تُغلب ولا تُنال. ولو كانت المرأة الفرنسية هينة إلى الحد الذي يتوهمه الأفاقون الذين ترميهم المقادير تحت أقدام المومسات في باريس لما أنجبت فرنسا شاعرًا ولا كاتبًا، ولظل أهلها فقراء العواطف موتى الإحساس. والذين تراهم يتحدثون عن باريس ذلك الحديث الوقح المجرم المأفون هم قوم لا يزيدون في أخلاقهم ولا معارفهم عن شواذ الفلاحين في مصر حين يجيئون القاهرة عمدًا ليطفئوا حرارتهم الحيوانية في بعض البؤر الموبوءة ثم يعودون إلى أهليهم فيعطونهم من القاهرة صورة تجرح الطبع والذوق وتبغض الرجل المهذب في مظاهر المدنية وآثار النهوض.
في باريس اليوم نحو خمسة ملايين من السكان، أفيعيش هؤلاء الناس جميعًا بفضل الرذيلة؟ هذا محال. فلم يبق إلا أن نقف عند حدود العقل والمنطق فنتصور أن مثل هذه المدينة — وفيها نحو مليون من الأجانب — لا تخلو من أماكن تسود فيها الرذيلة ويغلب الشيطان. ولكن هل خطر ببال أحد من الذين هاجموا باريس أن يحدثونا عما فيها من المعاهد والمدارس والكليات والمتاحف والمعامل والملاجئ والمستشفيات. وهل خطر ببال أحد منهم أن يذكر أن الرجل قد يعيش في باريس بضع سنين ثم لا تقع عينه على منزل يُبنى أو منزل يهدم، حتى لأتصور أنا أن الله خلق هذه المدينة مرة واحدة يوم خلق الأرض والسماء؟! وهل فكر أحد من الذين رأوا باريس أن يلاحظ أن سكة حديد المترو التي تسير تحت الأرض ومن فوقها المنازل والقصور والحدائق، ومن فوقها أيضًا نهر السين بفروعه التي تزخر بالموج والسفين، أقول هل لاحظ أحد من هؤلاء أن هذه الخطوط الحديدية فاقت وهي حقيقة كل ما كان يتصوره الناس عن أعمال الجن وهي خيال؟ وهل اتجه فكر أحد من الذين يُجرِّحون باريس إلى أن رواد المكاتب وحدها ممن يسايرون الحركة العلمية في أرجاء العالم يزيدون أضعافًا مضاعفة على رواد الملاهي والملاعب والمشارب، في حين أن نعيم الحواس له عند أهل باريس قيمته، وأن اللهو عندهم قد يُقترف وله سحره وله معناه، وله فضله في تلوين الحياة الإنسانية بلون البشر والفتون، إذ كانوا قومًا جدهم جد وهزلهم جد؟
صديقي!
هذا باريس! ولا أقول: هذه باريس!
فإن كانت عندك ذخيرة من المال فتعال أعلمك كيف يضع الرجل درهمه في سبيل المجد والشرف، وكيف يستطيع أن يستقي ماء الحياة من منبع الحياة، فهنا معاهد العلوم والفنون والآداب. وإن كنت تريد أن تضيع مالك في الفولي بيرجير والمولان روج فإني أوصيك بتقويم عزمك وتهذيب نفسك لتبقى لك نعمة المال والشباب والعرض المصون.
أيها الناس!
لكم باريس، ولي باريس، والسلام
الطلبة عندنا وعندهم

الطلبة في جامعة باريس يشبهون إخوانهم في الجامعة المصرية في كثير من الوجوه، وهم جميعًا شياطين، فحيثما جلست فسهام ونشاب تخف لها الأحلام وتطيش العقول، وأكثر ما تصوّب القذائف إلى الفتيات اللاتي يتلقينها في جذل وابتسام.
وأظرف ما أذكر من حوادث الطلبة في الجامعة المصرية كان في قصر الزعفران سنة ???? حيث نثر الطلبة مسحوق الفلفل بين المقاعد، وكان الدكتور طه حسين يحاضر في انتحال الشعر الجاهلي وكنت بجانبه، فلم تصبنا ولله الحمد شظية من شظايا الفلفل، غير أن صديقنا الأستاذ الههياوي كان قد حضر ليعرف إلى أي حد كان انتحال الشعر الجاهلي! فجلس بين الطلبة وهو أقصر منهم، ويظهر أن خياشيمه كانت ضعيفة فأخذ يعطس وحده باستمرار ساعة كاملة، وأنا أشهد صابرًا ما يقاسيه المسكين من خطر العاطوس المجهول! فإن تذكر أستاذنا الدكتور طه حسين أنه عطس مرة في الجامعة المصرية فليعرف الآن أن ذلك لم يكن مصدره البرد، وإنما كان مصدره الفلفل المسحوق. وليس بسر ما أذعته أو عطسته على أكثر من مائتين! أليس كذلك؟

الفصل الرابع والعشرون
ويل الشجي من الخلي


? يناير سنة ????
الأستاذ (د) مدير معهد … في باريس، رجل فصيح المنطق، رائع الهندام، أحسن ما يكون إذا خطب أو حاضر، وهو لا يُلقي محاضراته إلا واقفًا. وله في امتلاك قلوب من يستمعون إليه قدرة عجيبة لا يمتري فيها مكابر ولا حَقُود.
عرفته منذ أربعة أعوام، وأعجبت به، ثم صادقته، فلقيت فيه أكرم صاحب وأوفى صديق.
وطالما سألت نفسي: ما الذي وصل بيني وبين هذا الرجل؟ أهو علمه؟ ما أظن، فقد كثر العلم والعلماء. أهو كلامه؟ وكيف وكل الناس يتكلمون في باريس، وأهل هذه المدينة يجيدون الكلام بنوع خاص.
وقد انتهيت إلى أن الذي وصل بيني وبين هذا الرجل هو إخلاصه لمهنته، مهنة التدريس، فقد كان يبلغ به الجد في محاضراته إلى أن يتوقف فجأة ويسند رأسه بيده في مثل المغشي عليه، ويظل كذلك نحو ثلاث دقائق إلى أن يعادوه صوابه، ثم يَأخذ في الكلام من جديد، بعد أن يسأل ما الذي كان يقول!
وأنا قد اختبرت مهنة التدريس وعرفت حلوها ومرها، ورأيت ما يقاسي المدرسون، وتبينت كيف تكتوي قلوب المخلصين في هذه المهنة العنيفة التي لم يصبر على عنائها غير الأنبياء، فمن الحق أن أعطف على الأستاذ (د) وأن تقرب نفسي من نفسه، وأن تتوثق بيننا أواصر المودة والإخلاص.
لكن صديقي هذا لم يكن ظريفًا إلا في محاضراته، فإذا خرج من حجرة الدراسة فهو إنسان ضيق الصدر، جدب الكلام، لا يجذبك إليه، ولا يقربك منه، وإنما هو مخلوق متوحش لا يعرف ما الألفة وما الإيناس.
كنت ألقاه في مكتبه فينقبض صدري لانقباضه، وأستوحش لوحشته. وكنت أقَدِّرُ أنه مريض الأمعاء، فقد شكا ذلك مرة، لذلك كنت آسى عليه، وأواسيه، وأراجعه في بعض شئونه علّه يميل إلى أنس الحديث.
وأقدم الذكريات بيني وبينه أننا تناولنا الغداء معًا في أحد المطاعم، ثم دعاني إلى منزله، ولكنه اشترط عليَّ أن احتمل بعثرة أمتعة المنزل إذا دخلته، لأنه يعيش وحده، إذ كانت زوجته في الريف، فابتسمت وقلت: إنني دائمًا أعتذر بمثل عذرك، فإن أمتعة المنزل عندي مبعثرة باستمرار، بسبب الكتب والمطبوعات، وأنا أرجح أن منزلك مبعثر كذلك بسبب الكتب والمطبوعات، ثم دخلنا فإذا الكتب مبعثرة فوق البُسُط والأرائك والمناضد، فتذكرت منزلي، وحمدت الله على تشابه حظوظ الأدباء والمدرسين.
وأذكر أني كنت أماشيه مرة، فلما وصلنا إلى ميدان الأوبسرفتوار وقف بغتة وقال: هذه سيارتي! ويظهر أن ابني جاء لتوصيل إحدى صويحباته! فلنقف لحظة حتى يعود لنرى ماذا يصنع الخبيث!
فقلت: يا سيدي! إن الطبيعة تعمل عملها ونحن غافلون فامض بنا وخلّ ابنك يفعل ما يشاء الشباب!
فقال: ولكن الطبيعة ليست في حاجة إلى سيارتي لتعمل عملها، وقد كانت الطبيعة تفعل ما تفعل قبل أن تخلق السيارات وأنا منتظر حتى يعود ذلك الغويّ المبين!
فقلت: أرجوك، ليس من الذوق أن تجرح ابنك في ساعة حب، فلنمض بسلام.
وأغرب ما مرّ بي متصلًا به أن ألقى عليَّ أحد الطلبة هذا السؤال: أنت كثير الاتصال بالمسيو (د) فهل صحيح أنه يضرب زوجته؟ فدهشت وقلت: حتى الطلبة في باريس يتقوَّلون على أساتذتهم ويخلقون لهم أقاصيص! إنه لمدهش أن أسمع أن أستاذًا فرنسيًّا يتهم بضرب زوجته، وكنت أعرف أن الفرنسيين عبيد نسائهم، وإنه إذا ساءت أخلاق أحد الزوجين فلا مفر من أن تكون الزوجة هي الجانية!
وكان زملاء المسيو (د) قلما يرضون عنه، ويرون فيه رجلًا مزهوًّا قليل الرعاية لحقوق الزملاء، وكنت أعتذر عنه.
وقد لاحظت أن المسيو (د) لا يذكر المرأة في محاضراته إلا بشر، ولا يرى إلا أنها مخلوق سخيف، فكنت أفترض أن صلته بزوجته لا تخلو من اضطراب.
•••

لقيت هذا الصديق منذ أشهر فدعوته إلى تناول الغداء في مطعم الجامع، فأخذ يعتذر، فقلت ألا تزال زوجتك غائبة؟ فقال: لا ولكنها سبب ارتباكي. فقلت: كيف؟ فأجاب: حالتها الوجدانية.
فأخذت أسائل نفسي: ما معنى كلمة (وجدانية) في هذا الحديث؟ أتكون كلمة (سَنْتيمَنْتال) مرادفة لكلمة (مَلاد)؟ أيحتمل أن تكون هذه من دقائق اللغة الفرنسية التي لا يزال يفوتني منها شيء بعد دراسة عشرين عامًا؟
ثم جاءت أيام قدمني فيها إلى زوجته، فإذا هي امرأة في حكم المريضة، وليس لها ما تشكو منه غير ضعف الأعصاب، وتواترت بيننا الدعوات والزيارات، وتبادلنا علائم المودة بغير حساب، وكنت كلما ذهبت لزيارتهم بعد العصر احتجزوني بالقوة لتناول العشاء.
وكان المسيو (د) يتبسط معي في الحديث، فيسامرني في كل شيء، وكان يُدهشني أن أرى معايب الفرنسيين مشابهة لمعايب المصريين في كثير من الوجوه، فقد كان يذكر أن الحكومة الفرنسية لا تهتم باستشارة أهل الخبرة، وأن علماء فرنسا لا تنتفع بهم حكومتهم إلا إذا ماتوا، أو طعنوا في السن وأصبحوا في حكم الفانين.
وكانت زوجته تشاركنا في السمر، فرأيت الفرق بين عقلهما بعيدًا، ورأيتها مع ضعفها تسيطر عليه، وهو يداجيها ويماريها ويتلمَّس لرضاها ألوانًا من متكلف الأسباب.
•••

ثم جاءت أسابيع شغلت فيها عن هذين الصديقين، وانتظرت أن يسألا عني، ولكن هيهات! فإني لم أتلق منهما رسالة ولا دعوة تليفونية، فقلت: لا بأس، هكذا يكون الفرنسيون، وكذلك يكون وفاء الأصدقاء!
وجاء عيد رأس السنة، فقلت في نفسي: أليس من البر أن أذهب فأترك بطاقة الزيارة في منزل المسيو (د) بالرغم من إعراضه وتغاضيه؟ وترددت قليلًا، ثم أقدمت، وبعد لحظات كنت هناك.
طرقت الباب ففتحته المدام (د) وهي ملوثة اليدين مشوشة الأثواب، فتراجعت وقلت: عفوًا يا سيدتي، إني أعفيك من استقبالي، فإن البوادر تدل على أنك في شغل، وإليك بطاقتي إلى زوجك العزيز.
فقالت: انتظر، انتظر. وأسرعت فغسلت يديها، وأصلحت من هندامها، وعادت فصافحتني وجذبتني إلى غرفة الاستقبال.
– ما الذي حجبك عنا طول هذه المدة؟
– إن مولاتي تعرف أنني مشغول، وقد زادت أعمالي تعقدًا في الأسابيع الأخيرة.
– ولكن أما كنت تستطيع أن تكتب إلينا كلمة، أو تحادثنا في التليفون؟
– كان هذا واجبًا عليكم يا مدام. فأنتم اثنان وأنا وحيد، وأنتم في وطنكم وأنا غريب.
وبعد هذه المحاورة القصيرة سكتت تلك السيدة لحظة ثم قالت: أصحيح أنك انقطعت عنا بسبب أعمالك؟ ألم يشر إليك المسيو (د) بألا تجيء؟
فقلت: كيف يشير إليَّ بألا أجيء، وكنت ولا أزال من أكرم الأصدقاء؟
فقالت: هل ذهبت إليه في معهد … بعد أن زرتنا آخر مرة؟ قلت: لا.
وما هي إلا لمحة حتى أغبرّ وجه المسكينة وقالت:
– هل تعرف أن المسيو (د) يفكر في الطلاق؟
– أبدًا يا سيدتي، لا أعرف، وهذا نبأ مزعج، كتب الله لكما الوفاق!
وهنا اندفعت السيدة تبكي بأحر من بكاء الأطفال، وانقبض صدري لهول المنظر، وأخذت ألهيها عن بكائها بسؤالها عن الأسباب.
– الأسباب؟ أتريد أن تعرف الأسباب؟
– إن الأسباب كلها ترجع إلى نقطة واحدة هي أن صديقك (د) له صبوات وقد شارف الخمسين! هناك نساء ملعونات أفسدن ما بيني وبينه وحملنه على التفكير في الفراق. كانت تترد علينا أرملة على شيء من الوسامة، وكانت تدلله وتناغيه في حضوري. فليت شعري ماذا كانت تصنع في مغيبي! وأنا امرأة يتهمني من يعرفني بأني لا أعرف العصر الحاضر، ولا أفهم تقاليد الجيل الجديد.
فانتهزت هذه الفرصة وتدخلت في الحديث علني أشغل المسكينة عن دمعها المسكوب وقلت:
ولكن يا سيدتي ما هو العصر الحاضر؟ وما هو الجيل الجديد؟ الناس هم الناس، وفضل المرأة هو هو لم يتغير. ولا يُطلب من الزوجة إلا أن تكون أمينة وفية، وأنت فيما أعتقد مثال الأمانة والوفاء.
فقالت: لا. ليس هذا هو المهم! المرأة العصرية في فرنسا هي التي تعرف كيف تسوس زوجها، والزوج لا يُسَاس في هذا الجيل إلا إن ترك له الحبل على الغارب، وخلَّته امرأته حرَّا يذهب أنَّى شاء، ويصاحب من شاء. وهذا شيء يثير جنوني، ولا أكاد أحتمل التفكير فيه. وكان من العدل أن يمنحني صديقك (د) ما يمنح نفسه من حقوق الغيرة، فإنه لم يسمح لي أن أرقص مع رجل واحد أكثر من مرة، فمن حقي أن لا أسمح له بمراقصة امرأة واحدة أكثر من مرة! وليت الأمر وقف عند هذا الحد، فقد كان يشجعني على الإقامة في الريف ويقول: إن صحتك في حاجة إلى الهواء الطلق! وكنت أعرف أنه هو الذي يفكر في الهواء الطلق في باريس، والهواء لا يكون طلقًا في باريس إلا لمن يعيش بعيدًا عن زوجته، ليتنفس كيف شاء، وينطلق حيث يريد! ألم يحدثك عن شيء من ذلك؟ قل، أرجوك، لا تكتم شيئًا، فقد ارتفعت بينكما الكلفة، وإني لواثقة أنك تعرف ما لا أعرف من سره الدفين!
فأقسمت لها — في صدق — أنني لم أر منه شيئًا غير التألم لمرض زوجته.
فقالت: وهل تعرف لماذا كنت مريضة؟ قلت: لا، قالت: إن صديقك (د) لم يألف الجلوس في القهوات، ولم يتعود التفرج في البساتين، ومع ذلك كانت أوقات فراغة تُقضى خارج منزله، فأين كان يقضيها الخائن؟ أليس كان يقضيها في صبواته ونزواته مع أمثال تلك الأرملة الملعونة التي أفسدته على أهله وفتحت لنا باب الشقاء؟
•••

أشرت في صدر هذا المقال إلى أن المسيو (د) له ابن، وأن ذلك الابن كان ينتفع بسيارة أبيه في نزوات شبابه، وكنت عرفت بعد ذلك أنه مقيم في بلجيكا وأنه موظف في شركة هافاس. وقد رأيت أن أثير في نفس الزوجة عاطفة الأمومة فقلت:
أليس لكما أولاد؟ فإني أعرِف أن الأولاد يصلون بين قلوب الزوجين برباط وثيق.
فقالت: لنا ابن واحد، ولكنه فارقنا منذ زمان
فقلت: كيف، ولأي سبب؟
فقالت: لم يستطع ولدنا أن يكون تلميذًا نجيبًا، وأنت تعرف أن صديقك (د) من طبقة البورجواز، فمن الصعب عليه أن يرى ابنه ينفر من اللاتيني واليوناني، ويُحْرَم من مستقبل الأستاذية، وأسرته كلها أساتذة مثقفون. وكم تألمت من قسوة الأب على ابنه، فإن ولدنا لم يكن لديه أي استعداد للأستاذية، وكانت طبيعته منصرفة إلى الزراعة وحياة الريف وفي جميع المرات التي كنا نذهب فيها إلى الأقاليم كان ولدنا يأنس بالمواشي والدواب، وآلات الحرث والسقي، ويطيب له المقام بين الفلاحين. وكنت أحب أن أشجع فيه هذا الميل، ولكن والده كان يتأفف ويتألم من انصرافه إلى الفلاحة، ويهم بزجره وإيذائه، حتى ضاق صدره وأصبحت حياته بيننا أشبه شيء بحياة المسجون. ومنذ أعوام ذهب لتأدية الخدمة العسكرية فلما عاد وجدناه قد ألف المطالعة والتهام ما في الكتب من الشئون العلمية والأدبية، ورأى أن يعمل في بعض المكاتب الكبيرة، حيث تنفع هذه الموهبة، فإن هناك ناسًا يذهبون إلى المكاتب بدون أن يعرفوا ماذا يقرءون، فيكون وجود مثل هذا الشاب مصدر ثروة للمكاتب التي تحتاج إلى من يُعَرِّف رُوادها ما هي أهم الكتب ومن هم أشهر المؤلفين.
ولكن ذلك لم يغن عند صديقك (د) فأخذ يؤذي ولده ويضيق عليه ويحرمه من ارتياد الملاهي، بحيث كان المسكين لا يعرف كيف يقضي سهرته. فكان يذهب إلى عمته يحادثها لحظات ثم يعود قبل الساعة العاشرة، وأنت تعرف أثر هذا الضيق في حياة الشبان. وكذلك خلّانا وهرب ليعمل في مدينة غير هذه المدينة، وبلاد غير هذه البلاد!
•••

ثم عادت السيدة إلى بكائها وعويلها فقلت لها: صبرًا! فقالت: هذه نصائح يحسنها الخليون! وكل خلي فصيح يحسن القول ويجيد وصف العزاء؛ لقد صممتُ على أن نعيش معًا أو نموت معًا، فله أن يساكنني في البيت أو يجاورني في القبر أما أن أصير أرملة ويظفر هو بعروس تُذْهب همومه فذلك من المستحيل. ألست تقرأ الجرائد؟ ألست ترى المآسي الدموية بين الأزواج؟ إذن انتظر فستفصل الجرائد فجيعتنا بعد قليل.
قلت: أليس لكم أصدقاء يتوسطون في فض الخصومة؟
فأجابت: لا أمل في ذلك، فقد أصر صاحبنا على الفرقة، ويكفي أن ترى كيف تخير أيام العيد لينشر خبر القطيعة بين جميع المعارف والأصدقاء. على أنني قد فكرت فيما فكرتَ فيه، وربما ذهبت إذا اقتضى الحال إلى بعض الأسرات التي نعرفها والتي تخاطبه بالكاف — المخاطبة بالكاف اصطلاح عربي قديم يقابل (التيتواما) عند الفرنسيين.
فقلت: من عسى أن يكون هؤلاء الأصدقاء؟ فقالت: إنهم زملاؤه. فقلت: احذري يا مدام أن تعتمدي عليهم، فإن الزملاء قلما يحب أحدهم لأخيه أن يكون له بيت معمور!
ثم خليتها وانصرفت وأنا أردد الحديث الشريف: أبغض الحلال إلى الله الطلاق. ثم مر بالخاطر بعد هنيهة ما روي عنه ?: الغيرة مفتاح الطلاق.
وبعد قليل ترددت في الفكر عبارة قالها بعض الأصدقاء الفرنسيين: (لا سبيل إلى السلام بين الزوجين إلا إذا تمتع كلاهما بحريته. فإن كان لا بد أن يسيطر أحدهما على صاحبه فمن الخطر أن تكون السيطرة للمرأة).
وهذا هو الذي كان في منزل الأستاذ (د) فإنه لم يستطع أن يظفر بحريته، ولم يستطع أن يبسط سلطانه على زوجته؛ فانتهى به الأمر إلى الهرب ثم إلى الطلاق.
فيا حضرات القراء: احمدوا الله على سذاجة المرأة الشرقية، ولا تحسدوا أمثالكم في الغرب فإنهم أشقياء تعسون.

الفصل الخامس والعشرون
حديقة النباتات في باريس


 باريس في ?? يوليه سنة ????
حديقة النباتات في باريس ليست للنبات وحده كما يُفهم من اسمها الفرنسي، إنما هي حديقة النبات والحيوان. ولعل قصر اسمها على النبات راجع إلى أنها في الأصل أقيمت لذلك، ووُضع قسم الحيوان فيها بعد حين.
وهي من حيث الشكل جميلة الهندام، وهذا التعبير أدق ما توصف به تلك الحديقة المهندمة الرشيقة التي تبدو لزائرها وكأنها عروس في ليلة الزفاف.
في تلك الحديقة أشجار مرت عليها أجيال، وشهدت من تقلبات الحوادث وصروف الزمان ما لم يشهده من أمثالها إلا القليل، ومن الوجهة الفنية تُعد من أغنى الحدائق في العالم، ففيها نباتات من جميع البقاع، حتى ليخجل مثلي حين يجد فيها نباتات مصرية لم يسمع عنها ولم يرها في بلاده، وفيها نباتات كانت في مصر منذ قرون ولا توجد بها الآن. ولا أكتم القارئ أني رأيت بها نباتًا لا يرحمه الفلاحون المصريون، وهو ما نسميه «الزُّمير»، وهو ينبت في مصر في حقول القمح ويهاجمه الفلاح، وهو عند الفرنسيين يقدم طعامًا للخيل. وتعد حديقة النباتات هذه أكبر مرجع للمشتغلين بالزراعة وتنظيم الحدائق والحقول. والرجل المتطلع يقضي فيها أيامًا وأسابيع لا يمل ولا يسأم ولا ينتهي درسه لما فيها من أنواع النباتات والأشجار والأزهار. وأمام كل حوض بيانات وافية تنفع الحريص على تعقب ما في هذه الحديقة مما يجب درسه وفهم ما له من الخواص.
أما قسم الحيوان فهو ضئيل بالنسبة إلى قسم النباتات، ويمكن الحكم بأنه صغير جدًّا بالنسبة لحديقة الحيوان في مصر، ولا ينتظر غير ذلك؛ لأن الجو في فرنسا لا يسمح بمثل ما يسمح به الجو في مصر من الرفق بالحيوانات الأفريقية والآسيوية، ولأجل هذا تعتبر حديقة مصر من كبريات حدائق الحيوان في العالم.
لكن لقسم الحيوان في حديقة النباتات في باريس حظ ليس لأخيه الأكبر في حديقة مصر. ذلك بأن أهل باريس يخصون حديقتهم بساعات جميلة جدًّا من أيام الآحاد. والساعات الجميلة تبتدئ من الساعة الثانية بعد الظهر إلى السادسة، حيث يدخل الجمهور مجانًا ليشاهد الحيوانات التي ألفت تقبل الهدايا من الزائرين، وصارت تنتظرهم انتظار الصديق للصديق. وليس من المبالغة في شيء أن نقول إن ساعة في حديقة النباتات في يوم الأحد تعدل جيلًا يقضيه الرجل منعمًا في مدينة من مدن الشرق، فالناس هنا يعرفون كيف يصيرون حياتهم جميلة محبوبة، لا أثر فيها للسأم والملل. فإذا رأيت ثم رأيت الفتى وأخته، أو الزوج وزوجته، يغدون إلى الحديقة في وجوه فرحة مستبشرة، ومع كل فريق زاد خاص جاء به لمداعبة الحيوانات، وقد تعودت الحيوانات هذا البر، فهي تقف على أظافرها وتمد أعناقها في رفق ودعابة لتأخذ ما يقدمه إليها الرجال والنساء والأطفال.
•••

للأطفال حظ عظيم جدًّا من المُتع البريئة أيام الآحاد في حديقة النبات، فهناك تقدم الجمال والحمير والبغال لركوب الأطفال؛ والجمل مركب لطيف يُناخ فيصعد إليه الأطفال في مَرح شديد، ثم يقوم بهم فيتضاحكون، ثم يمضي بهم في أرجاء الحديقة نحو خمس دقائق، وفي عنقه الجلاجل تمتع الراكبين والمتفرجين بصلصلتها الشائقة بين الأزهار والأشجار. وقد يناخ الجمل فيركب الأطفال ويمتنع من النهوض، فلا يزال الجمال يلاطفه تارة ويخاشنه أخرى، والجمل يتأبى ويتبلد، فإذا كلمه بالعربية نهض في غير بطء ولا استرخاء، وإذ ذاك يتضاحك الناس جميعًا، إذ يذكرون أن لغة طرفة بن العبد أحب إليه من لغة أناتول فرانس!
والعجيب الشائق أن يُرى جحش صغير جدًّا يقود عربة يركبها الأطفال، وتلك أكبر مُتعة للصبية الصغار الذين لا تقع أعينهم على هذا الحيوان الألوف الصبور إلا في يوم الأحد في حديقة النباتات، والحمار حيوان مظلوم، كما يقول بوفون، يتهمه الناس بالبلادة والقبح، مع أنه في رأيه غاية في اللباقة والجمال. وبهذه المناسبة أذكر أن أشهر الحمير في العالم حمير مصر وهي غير الحمير المعروفة التي لا تُدْرك ما ترى ولا تفهم ما تقول من أدعياء العلم والبيان، إنما هي الحمير التي تمشي على أربع لا على اثنتين، وتأكل الفول والشعير، وكان من حظها أن اقتنت منها عريب المغنية المشهورة معشوقة ابن المدبر حمارًا مصريًّا ظريفًا كانت تطأ به راكبة أندية الوزراء والشعراء. ويظهر أنه لهذا السبب كان شوقي يركب حمارًا في الأيام الخالية، كما حدثنا في مقدمة الشوقيات، وكان الشيخ عبد المطلب يُرى في الأصائل والعشيات على ظهر حمار في حي المغربلين … إنه حقًّا لحيوان مظلوم كما يقول بوفون!
•••

في غير أيام الآحاد تكون حديقة النباتات هادئة فلا ترى فيها الألوف المؤلفة من الفتيان والفتيات والأطفال. ولكنها تظل مع ذلك مأهولة يؤمها الحريصون على العلم، والمغرمون بالصيد بين الخمائل والأزهار! فهنا رجل يدرس نبتة أو زهرة، وهناك فتاة على موعد من حبيب، وهنالك فتى ضاقت به الأرض فهو يبحث لروحه عن رفيقة مؤنسة تذهب بما في دنياه من أسباب الكمد والغيظ. وفي هذه الناحية شاب مكدود بيده كتاب يدرسه بعناية وجهد، وفي ذلك الجانب شاعر مغترب يدمدم ويقول:
يا جيرة السين يحيا في مرابعكمفتى إلى النيل يشكو غُربة الدارِجَنَتْ عليه لياليه وأسلمهُإلى الحوادث صحب غير أبرارِ ثم تمر الساعات في تلك الحديقة والطبيعة تفعل ما تشاء في تكوين عواطف الإنسان والحيوان والنبات، والجماد أيضًا، فقد يكون لهذا الوجود أسرار خفية من التآلف والاتساق لم يصل إليها الباحثون.
كل ما في حديقة النباتات في باريس ساحر فتان، وفي كل ركن من أركانها، وحول كل حوض من أحواضها، وفوق هضبتها العالية، نعمت قلوب، وشقيت قلوب. والحب جنة وسعير، ونعيم وعذاب.
•••

لكن ما هذا القادم الجديد؟ هذا مسجد باريس بُني منذ أعوام قلائل أمام حديقة النباتات!
فإن أتيح لك أيها القارئ أن تظفر بصيد في تلك الحديقة التي طال عهدها بالفخاخ والأشراك، فترقب وحاذر، فقط يقرع سمعك في تلك اللحظة صوت غريب يصيح بالعربية الفصيحة فوق مأذنة عالية:
الله أكبر! الله أكبر!
اذكر هذا وتهيبْ عواقبه، وتأدب مع غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب.

الفصل السادس والعشرون
الأدب والحياة


إلى الأستاذ محمد السباعي
صديقي …
اسمح لي أولًا أن أصارحك بأنك ظلمت نفسك وظلمت قراءك في الكلمة التي وجهتها إليّ منذ أيام، ظلمت نفسك حين ظننت أنك كابن الرومي حين يقول:
ما لي أراني كأني قد زرعت حصىفي عام جدب وظهر الأرض صفوان في حين أنك لم تزرع إلا كريم البذور في أرض خصبة مغمورة بروافد النيل. فإن كانت هناك لحظات ضجر تخيل إليك أنك منسي مجهول فلا تنس أن تستعيذ بالله من شر اليأس والوسواس، وإن كنت ترى ناسًا أنصفهم دونك الزمان، فأرفق بنفسك فسيطغى النسيان على خلق كثير ويبقى اسمك في الخالدين. وظلمت قراءك حين حسبتهم غافلين عن فضلك، وكان ينبغي أن تذكر أنك قضيت أكثر من عشرين عامًا وأنت في أقدس مكان من أنفس القراء. والواقع أن القراء في مصر جديرون بالإعجاب، فإن إحساسهم قوي جدًّا بروائع الفنون والآداب. ولك أن تنظر إلى رقي الصحف المصرية التي كادت تفوق الصحف الأوربية، إذا استثنينا الصحف الإنجليزية، فإن هذا الرقي تعاون في إيجاده القراء والكتاب، وكان فضل القراء أكبر لأنهم أعانوا أرباب الصحف على الاتقان والتجميل. فلا تبتئس أيها الصديق الفاضل وامض في طريقك غير هياب، وثق أن القراء فوق ما يظن المتشائمون.
•••

وأعود فأحدثك أني أردت أن أوجه إليك هذه الرسالة لأبين لك أن القارئ والكاتب قد يتوافقان وقد يتنافران، فلا تنتظر أن يوافقك القراء جميعًا، أو يخالفوك جميعًا، لأنك وإياهم تستمدون حماستكم من الحياة. وأنت رجل تدل آثارك الأدبية على أنك فهمت كيف يطيب العيش، وعرفت أن الأديب يجب أن تكون له حوادث يرويها قبل أن يشغل برواية حوادث الناس. فهل تظن أن الناس جميعًا يجب أن يستطيبوا ما تكتب في حين لم يقدر لهم جميعًا أن يعيشوا كما عشت، وأن يفهموا كيف يكون نعيم الحواس!
على أنه لو كان يُنتظر من كل كاتب أن يرضى جميع القراء لتقصفت مئات الأقلام. والعقل يفرض علينا أن نطمئن إلى أن قراءنا لهم ألوف مؤلفة من الأهواء والميول والأذواق. فإن أزعجك أن ينصرف عنك قارئ لأنه يواجه الحياة بذوق غير ذوقك، فثق أن هناك من يُقبل عليك وينتظر، لأنك تحدثه عن نفسه حين تتحدث عن نفسك. ولعلك تدرك تمام الإدراك أن الأديب العبقري يجب أن يكون. في شغل بفنه وفكره وإلهامه عما يحب الناس وما يكرهون. فعلى البلبل أن يغرد حيث يطيب له التغريد، وليس عليه أن يفتن صُم الآذان، أو غلف القلوب.
وإني لأقدم إليك مثالًا من فهم بعض القراء للشعر البليغ، وأذكر لك أن للبحتري قصيدة رائية بعث بها إلى ابن المدبر يستوهبه تحفة من تحف الجمال في عيد المهرجان، وتلك الرائية تعد من نوادر قصائد البحتري، ويطيب لي دائمًا أن أطوف بها كلما واجهت شعره الرنان. وقد استعرت ديوان البحتري في هذه الأيام من أحد الأصدقاء المقيمين في باريس، وهذا الصديق يرتفع عن القارئ العادي لأنه في حكم المتأدبين، ومن عادته أن يضع على هوامش الصفحات حكمه على ما يقرأ، وهو يكتفي بكلمة (جيد) أو كلمة (سخيف).
وإليك القطعة المختارة من تلك القصيدة، وسأخبرك عن حكمه عليها بعد ذلك:
وقد زعموا أن ليس يغتصب الفتىعلى عزمه إلا الهديةُ والسحرُفإن كنتَ يومًا لا محالةَ مُهديًاففي المهرجان الوقت إذ فاتنا الفطرُفان تُهد ميخائيل ترسل بتحفةتقضَّى لها العُتْبَى ويُغتفر الوِزْرُغَريرٌ تراءاه العيون كأنماأضاءَ لها في عُقب داجيةٍ فجرُولو يَبتدي في بضعَ عشرةَ ليلةمن الشهر ما شكَّ امرؤٌ أنه البدرُإذا انصرفت يومًا بعطفيه لفتةأو اعترضت من لحظه نظرة شزررأيت هَوَى قلبٍ بطيئًا نزوعهوحاجة نفس ليس عن مثلها صبرومثلك أعطى مثله لم يضق بهذراعًا ولم يَحْرَج به أو له صدرعلى أنه قد مر عمر لطيبهومن أعظم الآفات في مثله العمرغدًا تفسد الأيام منه ولم يكنبأول صافي الحسن غيَّره الدهرويُمنَى بخطَّيْ لحية مُدلهمَّةلخديه منها الويل إن ساقها قَدْرُتجاوزْ لنا عنه فإنك واجدبه ثمنًا يغليه في مدحك الشعرولا تطلب العلات فيه وترتقيإلى حيل فيها لمعتذر عذرفقد يتغابى المرء في عُظم مالهومن تحت بُرديه المغيرة أو عمرو فما رأيك في هذا الشعر؟ ألا ترى أنه لو تُرجم إلى اللغة الفرنسية لاستطاع أن يزاحم شعر بودلير وفرلين؟ ومع هذا لم يُعفه صاحبنا من الحكم عليه بأنه (سخيف).
وهذا السقم في الأذواق مرجعه إلى فقر الحيوية في أنفس بعض الناس، وقد حدث مرة أن ثارت بيني وبين أحد المتأدبين مناقشة حول المبالغات والتهويلات التي يصادفها القارئ في المؤلفات العربية، وكان رأيه أن حقائق الأدب العربي كلها خيالات، وأن الشعراء والكتاب كانوا يصفون ما يتوهمون لا ما يشعرون، وقد ضرب المثل بالتعابير الآتية في وصف الرسائل الإخوانية:
كتاب كتب لي أمانًا من الدهر، وهنأني أيام العمر … كتاب لو قرئ على الحجارة لانفجرت، أو على الكواكب لانتثرت … كتاب كدت أبليه طيًّا ونشرًا، وقبلته ألفًا ويد حامله عشرًا … كتاب هو من الحسن روضة حزن، بل جنة عدن، وفي شرح النفس، وبسط الأنس، برد الأكباد والقلوب، وقميص يوسف في أجفان يعقوب … كتاب تمتعت منه بالنعيم الأبيض والعيش الأخضر، ووكلت طرفي من سطوره بوشي مهلل، وتاج مكلل. وأودعت سمعي من محاسنه ما أنساني سماع الأغاني، من مطربات الغواني … كتاب كتب لي أمانًا من الزمان، وتوقيع وقع مني موقع الماء من العطشان.
وقد سألت ذلك الصاحب عما يأخذه على هذه التعابير، أهو الديباجة والصياغة الفنية؟ أم هو ما تنطوي عليه من مستور الأغراض؟ وكان جوابه أنه لا يعقل أن تصل الرسائل إلى هذا الحد من سحر النفوس، وأن الكتاب كالشعراء كلهم كاذبون!
ولم أجد ساعتئذ ما أقنع به صاحبي غير رسالة فرنسية كانت وصلت في الصباح فعرضتها عليه، فما كاد يتم قراءتها حتى اصفر لونه وقال: أهكذا تعيش في باريس؟!
ولا أكتمك يا صديقي أن تلك الرسالة كانت تعد — لو صدقت في الوعد — بليلة سباعية، لولا أنها كانت من إحدى اللواتي عناهن من قال:
ألا إنما ليلى عصا خيزرانةإذا غمزوها بالأكف تلينتمتع بها ما ساعفتك ولا يكنعليك شجا في الصدر حين تبينوإن هي أعطتك الليان فإنهالآخر من خلانها ستلينوإن حلفتْ لا ينقض النأي عهدهافليس لمخضوب البنان يمين فلا تنس حين تبكي مصاب الإنسانية في مصابك أن تذكر أن أخاك يقاسي أضعاف ما تقاسي أنت والإنسانية جمعاء!
•••

بقي يا صديقي أن اعترف لك في صراحة وإخلاص أنني أصبحت أحقد أشد الحقد على كائنين من كائنات الحياة، وهما الأدب والمرأة.
أحقد على الأدب لأنه لا يستقيم له حال إلا إذا حمل صاحبه على المخاطرة في ظلماء الوجود، ولن تجد في العالم كله أديبًا ذا مكانة إلا وله في ميادين الحياة ثارات وحزازات لن تموت. والقراء الذين يحيا على حسابهم الأدب وأهله لا يؤمنون بوجود الأديب إلا إن رأوا أحشاءه تحترق بين السطور. وقد ترى أحيانًا ناسًا يهاجمون الأديب ويتهمونه بالخروج على التقاليد. وهؤلاء الناس لا يفعلون ذلك حرصًا على الأخلاق، وإنما يقعون في أعراض الأدباء حسدًا منهم على ما رُزق النابغون من مواجهة أسرار الحياة … ولكن ما قيمة ذلك، وما الذي فيه من العزاء؟ إن الأديب سيظل — ولو انتصر — كالشمعة تضيء للناس وهي تحترق.
وأحقد على المرأة لأنها لئيمة، وأي لؤم أشنع من أن تراها تتلمس أسباب الفتنة لتريك أنها تستطيع دائمًا أن تجد إنسانًا سواك … وهي مع هذا اللؤم شر لا بد منه، لأن الحياة قضت بذلك، وعلى من يعشق الجمال أن يطمئن طائعًا أو كارهًا إلى سلطان تلك الحية النضناض!
وقد فكرت كثيرًا في شر الأدب على أهله، ولكنني لم أستطع الخلاص، لأنه كُتب عليَّ أن أحيا من مهنة الصحافة ومهنة التدريس. فهل تراني أفلح إذا اقتصرت على أن أُحادث قرائي وتلامذتي في فضل الصمت وشرح دلائل الخيرات؟!
وكذلك فكرت في شر المرأة، ولكنني كذلك لم أستطع الخلاص؛ لأن المرأة شُبهت صدقًا بالشمس، فهي تلقانا في كل مكان، وليس عن سحرها محيد.
أضف إلى ذلك يا سيد سباعي أن هنا إنسانة في الحي — الحي اللاتيني لا الحي الحسيني — إنسانة من بنات حواء، حواء المذكورة في التوراة والقرآن، حواء التي نقلت أبانا آدم إلى صفوف المناكيد وأخرجته من عالم الأزهار والثمار إلى عالم الشطة والفلفل والفول!
فبالله لا تنس أخاك حين تبكي مصاب الإنسانية، لأن أخاك أيضًا إنسان، وهو فوق ذلك عاشق وأديب!

الفصل السابع والعشرون
جواب الأستاذ السباعي


إلى الدكتور زكي مبارك

ما وجدُ صادٍ بالحبال مُوثقبماء مزن بارد مُصفقبالريح لم يكدر ولم يُرنَّقجادت به أخلاف دَجْن مُطبقبصخرة إن تر شمسا تُبرقِماد عليها كالزجاج الأزرقصريحُ غيثِ خالص لم يُمذقِإلا كوجدي بك لكن أتقييا فاتحًا لكل باب مُغلقوصيرفيا ناقدًا للمنطقِإن قال هذا بَهْرَجٌ لم يَنفَقِإنا على البعاد والتفرقلنلتقي بالذكر إن لم نلتق
وردتْ علي رسالتك القيمة التي حاولت في خلالها أن تسكن من ثائرة غضبي على المجتمع المصري، وتحبب إليَّ الحياة وتزينها في نظري.
وفي الحق يا صاحبي أني على كل تسخطي وتبرمي وصرخاتي لا أعرف عن نفسي إن كنت في الواقع شقيًّا أو سعيدًا، أو محظوظًا أو منكودًا، وما يدريني لعلي حين يُخيل إليَّ أني أشد الناس محنة وبلاءً أكون في الحقيقة أشدهم لذة وصفاء، ولا جرم فأولى الناس بأن يكون المنعم المغتبط الفائز بالقسط الأوفر من لذات الحياة هو من كان في طاقته ومقدوره كلما شاء أن يترفع عن سفال ماديات الحياة إلى ملكوت روحانياتها، وينتقل من عالم الحقيقة المرة القاسية السمجة الجافية إلى عالم الخيال المملوء بمعسول الأحلام والأماني، وكان في كفه مفتاح مملكة السحر وما بها من فراديس الحور وملاعب الجنة … كل ذلك منطو تحت لواء الفن ومن ميراث أهله وأربابه، وهذا مصداق كلمتك التي رميت بها في عرض رسالتك إذ قلت لي: «ولعلك تدرك تمام الإدراك أن الأديب العبقري يجب أن يكون في شغل بفنه وفكره وإلهامه عما يحب الناس وما يكرهون، فعلى البلبل أن يغرد وليس عليه أن يفتن صُم الآذان أو غلف القلوب».
ألا حيا الله الفن والخيال والشعر! إنه يترك الفقر أغنى من الغنى ويدع الوحشة أشد إيناسًا من الأنس، وإن هنالك من نوابغ الفنون وأئمة الآداب من إذا اشتد به البلاء لم يزده إلا غبطة وسرورًا، ومن يدوم عليه الفقر حتى يودي بحياته فلا يشعر به ولا يحسه، فهو في حلم سرمدي ذهبي فردوسي، وهو وإن توسد التراب وداسه الناس بأقدامهم ليحس على شفتيه قبلات الحور العين معطرة نفَّاحة، ويعيش في الفكر والخيال في حدائق وجنات مسحورة وقصور وصروح مدهشات، وكنوز مفعمات بنفائس التحف والطرف من ماس الهند وعقيانه، ولؤلؤ الخليج ومرجانه.
وكأي من شاعر تراه أعين الناس في أسمال وأطمار، خاوي الوفاض، بادي الأنفاض، وهو من عالم الخيال في بحبوحة يحسده عليها ملوك الأرض لو يفقهونها، ولكنهم لا يفقهون … كذلك يسير الفنان العبقري بين الناس، ظاهره شحاذ وباطنه «مليونير» مثله كالولي الواصل تنظر عيناه إلى الباطن فترى العجائب والغرائب، ويطوف في مسالك الحياة كالطائف في حلم، لا يشاهد ما نشاهد، ولكنه يرى ما قد حُرمت علينا رؤيته، وبعد ذلك فبأي حق نعد أنفسنا أعظم منه شأنًا وأحسن حالًا، وبأي حق يسوغ لأنفسنا أن نتعطف عليه بالرثاء والرحمة، ألسنا نحن الأحق برحمته ورثائه … ماذا صنعنا وماذا صنع هو؟ لقد أخذنا الحياة بآفاتها وعلاتها … بأقذارها وأقذائها، وعرف هو كيف يحول سخف الحياة وسماجتها لذة وطربًا، وفتنة عجبًا، ويرد أُجاجها نميرًا، وسمها إكسيرًا، وترابها عنبرًا، وحصباءها جوهرًا، وتنافرها انسجامًا، وضوضاءها أنغامًا.
من أجل ذلك قال (أناتول فرانس) لما مات الكاتب الروائي (فيليير دي ليل آدم) ما معناه:
– لقد مات وترك الدنيا غير آسف عليها، مع أنه لم ينعم قط بأدنى شيء، مما يسميه الناس لذاتها وطيباتها. لقد أنشب فيه الفقر مخالبه وشد عليه قبضته فلم يك في طاقة مخلوق أن يستنقذه من إساره. لقد قضى ثلاثين عامًا يغشى حانات الليل ثم يختفي مع أول أشعة الفجر، لقد طبعه الفقر بطابعه، ووسمه بميسمه وصبه في قالبه، فأصبح كبعض أولئك المتشردين الذين ينامون على المقاعد العمومية بقوارع الطرق، وكان أصفر اللون لا بريق بعينيه، مقوس الظهر، وعلى الرغم من كل ذلك أرانا اليوم في حيرة من أمره لا ندرى أنكتبه في سجل الأشقياء أم في سجل السعداء، وجدير هو بالحسد منا أم بالرحمة والرثاء. لكأني بطيف خياله يهبط علينا من عالم الأرواح فيقف على إحدى تلك الموائد الملوثة بآثار التبغ والنبيذ فيصب عليها من أعاجيب أحلامه ذهبًا وجُمانًا، وبنفسجًا وأرجوانًا، ثم يميل رأسه ناحية ويخاطبنا بصوت تهتز في نبراته أوتار الوحي والنبوة قائلًا: «معشر الخلان والأخدان اغبطوني ولا ترحموني، فإن من البغي والعدوان أن تأسفوا على المالكين كنوز الجمال والفتنة، ولقد كنت من أولئك، لقد ملكت الجمال ولم أك أبصر شيئًا سواه، أليس عجيبًا أن دنياكم هذه التي ترونها وتعيشون فيها لم تكن موجودة في شعوري ولا في نظري، وأني لم أتنزل قط ولم أتسفل إلى محاولة مشاهدتها؟ إنما لي عالم باطني أعيش فيه وأتقلب، وتظل روحي بين أرجائه الفِيح تلهو وتمرح في جنات تجري من تحتها الأنهار، وقصور من الياقوت والزبرجد … اقرءوا كتابي المسمى «إكسير» هنالك ترون اثنين من أجمل خلق الله رجلًا وامرأة ما برحا يبحثان عن كنز من الذهب حتى وجداه، ولسوء حظهما وجداه، فإنهما ما كادا يحوزانه حتى أسلما نفسيهما للموت الزؤام، إذ علما أنه لا كنز هنالك يستحق أن يعيش له الإنسان في هذه الدنيا إلا الكنز الروحاني المقدس، كنز الخيال والحكمة والجمال، واعلموا يا رعاكم الله أن الكوخ الحقير الذي كنت أعزف فيه على أوتار مزهري المحطم كان في الحقيقة أجل وأفخم من قصر اللوفر (بباريس) ألم يقل لنا الفيلسوف الأعظم (آرثر شوبنهور) ما معناه: «أي قصر مشيد سواء كان الحمراء أو الإيوان يداني في رونق الجمال وأبهة الجلال ذلك الجحر المظلم الذي كتب فيه الروائي الأكبر (سرفنتين) كتابه الخالد «دون كيشوت»؟
«لقد كان «شوبنهور» نفسه يقتني تمثالًا من الذهب للإله «بوذا» ليذكره دائمًا بأن الثروة الحقيقية هي احتقار الثروة. لقد نلت بقوة خيالي ما لم ينله أعظم ملوك الأرض في الحقيقة، لقد تبوأت الأرائك وقُدت الكتائب وخلقت لنفسي سيرة كأعجب القصص والأساطير، وقد بلغ من فرط امتزاج أحلامي باليقظة واندماجها في الحقيقة أنه يستحيل فصل إحداها من الأخرى، سلام عليكم، لقد عشت أفخم العالمين شأنًا وأعظمهم أبهة وسلطانًا.»
عليك رضوان الله أيها الخيال الطائف! لقد آثرت الروح على الجسد وانصرفت عن المادة إلى الخيال، فاخترت الأسنى على الأدنى، واصطفيت الطيب على الخبيث، فليقل الأغنياء والأقوياء ما شاءوا، إنه لا نعيم أكبر مما يلقاه الذين يضحّون في سبيل حب عظيم، ولقد أحببت الفن والفكر فوق كل ما عداهما، وكان جزاؤك ألذ الأضاليل والأوهام، وأبهج الخدع والأحلام، والحب العظيم والعشق الخالص قلما يكون مجدبًا عقيمًا إنما يكون مصحوبًا بأشهى الثمرات. لقد زين الخيال فراغ روحك السامية وفضاء نفسك المنفردة العظيمة بأبدع متحف من الصور والأشباح.
•••

هنا يقف بي القلم. وفي مجال آخر أخاطبك في شأن الباريزية التي زعمت أنك مولع بها الآن. لا أخلى الله لك مهجةً من لوعة، ولا مقلة من دمعة. والسلام

الفصل الثامن والعشرون
حياة العمال في باريس


 باريس في ?? سبتمبر سنة ????
يفد الناس على باريس من جميع أقطار العالم فيعجبون لما فيها من القصور الشواهق، والميادين الفِيح، والبروج الشوامخ. ويزيد عجبهم كلما توغلوا في أرجائها فرأوا التماثيل العديدة التي تزخر بها الحدائق والمتاحف والميادين، ويقفون حيارى ذاهلين أمام السكك الحديدية التي تسير تحت الأرض ومن فوقها المنازل والشوارع ونهر السين. ويكاد يظن زوار باريس أنها هكذا خُلقت، وأن الباريسيين قوم أنعم الله عليهم بهذه المدينة العجيبة التي لم يُخلق مثلُها في البلاد، وكأنه لم يَشْق في بنائها ساعد ولم يعرق جبين.
والواقع أن من الباريسيين أنفسهم من لم يفكر لحظة واحدة في ماضي باريس وحاضر باريس، فالأجانب معذورون إذا فاتهم أن يتأملوا ما تكلفت هذه المدينة الخالدة من المصاعب والمشاق حتى صارت مضرب المثل في العظمة والجمال.
باريس هذه التي فتنت من فتنت، وأضلّت من أضلّت، وهدت من هدت، مدينة لشعب عظيم هو شعب العمال، وكلمة عامل التي تبدو متواضعة صغيرة هي السر كل السر في مجد باريس. وإذا كان في مصر والشرق من لا يقدر قيمة العامل فمرجع ذلك أن المصريين والشرقيين مضت عليهم أحقاب وهم يعيشون في ظلال ما ترك الآباء والأجداد. أما الباريسيون فهم يعلمون حق العلم أنهم بنوا مدينتهم بأيديهم، وأن باريس قبل قرنين اثنين لم تكن إلا مدينة صغيرة قذرة تزعج النفوس وتقذي العيون، ولولا نابليون الثالث ووزيره البارون هوسمان لما استطاعت باريس أن تستطيل على لندن وبرلين.
العمال في باريس شعب قائم بذاته، له وطنه وتقاليده ولغته وزيه وفلسفته وفهمه الخاص للحياة، والذين يعيشون في باريس عيشة سطحية خالية من التأمل والدرس والتفكير العميق يحسبون أن الباريسيين هم أصحاب المطاعم والقهوات، وطلبة المدارس والمعاهد والكليات، ويظنون أن اللغة التي يقرءون بها الكتب والجرائد والمجلات، ويسمعون بها الخطب والمحاضرات، ويتفاهمون بها في صالات الرقص ومسارح التمثيل، هي اللغة الفرنسية للشعب كله من جميع الطبقات، وذلك خطأ مبين.
إذا مشيت في باريس ولمحت رجلًا مجعد الوجه قذر الثياب وفي يده (بيبه) يتذوق أنفاسها، وعليه أمارات القلق والذهول، وقد أسند ظهره إلى الحائط ينتظر عودة زميله من الحانة حتى يستأنفا جهدهما الشاق الموصول، فأعلم أن هذا إنسان يشاركك في بعض معاني الحياة، ويخالفك في أشياء كثيرة جدًّا أقلها أن فضله عليك أعظم من فضلك عليه، وأنه أعرف بواجبه، وأحرص على درهمه، وأملك لحرفته، وأسلك في سبل الحياة من كثير من أدعياء اللباقة والكياسة والتدبير.
وإذا ركبت المترو يوم الأحد وجاورك شاب أنيق اللباس، حسن الهندام، مصقول الوجه والعارضين، يتموّج شعره فوق رأسه كأنه الجدائل الذهبية، وفي يده سيجارة يداعب أنفاسها من حين إلى حين، وإلى جانبه فتاة هيفاء، كحيلة الطرف، أسيلة الخد مشرقة الجبين، تميل عليه لحظة بعد لحظة فتكاد تحرقه بقبلاتها الملتهبة، والناس من حولهما ينظرون راضين معجبين، إذا رأيت ذلك الشاب الناعم المترف الجميل، فحذارِ أن تجزم بأنه تلميذ في مدرسة ثانوية أو طالب في مدرسة عالية، فقد يكون في أكثر الأحيان عاملًا صغيرًا جدًّا خلى ثياب العمل في ركن من أركان غرفته، ثم أخذ زينته ليوم الأحد، وخرج يتلمس أسباب الأنس والحظ في مدينة الجمال.
العمال هم الذين خلقوا باريس. ولكني أعيذك أيها القارئ أن تظن أن معنى ذلك أنهم نهضوا بمبانيها العظيمة، وشقوا طرقها الواسعة، لا غير، لا تحسب ذلك فأنا أريد أنهم خلقوا باريس في كل معانيها، فهي مدينة لهم في كل شيء، فالحرية السياسية التي يتمتع بها الشعب الفرنسي كله يرجع الفضل فيها إلى عمال باريس، فهم الذين أشعلوا جميع الثورات بلا استثناء، ولا نعرف في فرنسا ثورة صغيرة أو كبيرة لم يكن العمال هم الذين شبوا ضرامها وقدموا لها من أنفسهم وأموالهم وعزائمهم ما تتطلب من الوقود. وكانت باريس في جميع أدوار تاريخها السياسي مصدر النهضات القومية والدستورية، وكان عمال باريس عماد الحركات الثورية جميعها، وكان تأثيرهم يمتد فهيج لهياجهم ليون ومرسيليا وبوردو، من بين المدن والحواضر الفرنسية.
قلت إن العامل الفرنسي له وطنه وتقاليده ولغته وزيه وفلسفته وفهمه الخاص للحياة، وأنا أقدر أن من القراء في مصر من يدهش لذلك، والحقيقة أن العمال الباريسيين لهم أحياء بل مدن خاصة بهم في ضواحي باريس، ويندر من بينهم من يسكن المدينة بسبب الغلاء الفاحش الذي يهدد أكثرية السكان، ولهم تقاليدهم، ولهم لغة تكاد تكون مستقلة عن اللغة الفصيحة، والبون شاسع جدًّا بين لهجات العمال ولهجات الطلبة مثلًا، إلى حد أنهم قد لا يستطيعون التفاهم في بعض الأحيان. ونحن نظن في مصر أن اللغة العامية بعيدة من اللغة الفصيحة، فليفهم من يريد أن يفهم أن لغة الجماهير العاملة في فرنسا أبعد من لغة الطبقات المستنيرة بعدًا هائلًا لا يمكن أن يقارن بما بين اللغة الدارجة واللغة الفصيحة في مصر من الفروق. وفي مدن العمال الباريسيين أوساط غريبة يدهش المصريين أن يعرفوا أخبارها، فنحن في مصر لا نسمح لمن يحضر الروايات التمثيلية بأن يتدخل مع الممثلين، بل يغيظنا من يكرر «آه» أو «الله» ونعد ذلك من ضروب الفضول والانحطاط، ولكني حضرت في (بل فيل) إحدى مدن العمال رواية رأيت فيها المتفرجين يشاركون الممثلين في الغناء كلما مر بالمسرح ما يحمل الممثل على الغناء، ورأيت المتفرجين يستعيدون الممثلين بعض القطع الوجدانية، ويزيدون أحيانًا فيقولون للمثل أصبت أو أخطأت، حسبما يقتضي الذوق عند أولئك المتمدنين المتوحشين!
ومن جانب الحياة قد يرضى العامل الباريسي بما لا يرضى به العامل الصعيدي في مصر، فقد أخبرني أحد الأساتذة الكبار أن لديه بيانات وافية عن حياة العمال، من بعضها أنه قد يسكن الغرفة الواحدة اثنا عشر شخصًا، وهم مع ذلك في صحة جيدة، كما قال، ومنهم من يكتفي بأكلة واحدة لليله ونهاره، ومنهم من لا يعرف أين تكون الحمامات، ومنهم من لا يخلع الثوب حتى يبلى، وهم جميعًا مع هذا البؤس يذهبون إلى أعمالهم في الساعة السادسة صباحًا ويعودون في الثامنة مساء.
ولعل السر في أن العامل الباريسي لا تفنيه الأيام بسرعة مع هذه البأساء أنه من بين عمال العالم كثير الدعابة والمجون، إنه يسخر من كل شيء، ويستهين بكل شيء، وكأس واحدة كافية لأن تذهب بأشجانه وأحزانه وتسلمه إلى الجذل والمرح والجنون. ولا يكاد العمال الباريسيون يلتقون في مطعم أو حانة حتى يتبادلوا الطرف والنكت في هزل ساخر جذاب لا يبقي ولا يذر من أسباب اليأس والقنوط. ولو فقد العمال الباريسيون جنونهم لحظة واحدة لأفناهم التعقل والتأمل وقضى عليهم الإدراك. وما أحسب الجنون كان نعمة إلا في مثل هذه الأحوال، وعند أمثال هؤلاء الناس.
ورجال فرنسا اليوم يعرفون حال العامل الباريسي وبؤسه وشقاءه. ومن أجل هذا أكثروا من المكاتب والمتنزهات في أحياء العمال، وقد لوحظ أن العمال يقرءون بشره عظيم، ومنهم من يستعير من مكتبة الحي الذي يقيم به كتابين في كل يوم. ولوحظ أيضًا أن العمال يقبلون بنوع خاص على المؤلفات العظيمة المحترمة، وقد يكون حالهم أفضل من حال بعض الطلبة المصريين الذين لا يستعيرون من المكاتب العامة غير روايات الهزل والمجون.
وعمال باريس يمتازون بالصبر والجلد والارتياب من الناس، فقد يصعب أن يصل الباحث إلى شيء من مكنونات أنفسهم، ويقل فيهم من يعطي اسمه ولقبه حتى في بعض الشئون الرسمية. وسر ذلك أنهم يحقدون على الأغنياء وأرباب الأموال. وليس فيهم من يحب عمله إلا العامل الذي تبيح له طبيعة العمل أن يذكي مواهبه ويعطي شيئًا من نفسه، كالنجارة والحدادة وصنع الساعات. أما العامل الذي يقوم بنقل الأحمال والأثقال، وشق الطرق، ورصف الميادين، فهو في الأغلب رجل مبتئس متبرم بالحياة، يحمله الضجر على بغض ما تمسه يده، وتراه عينه، من مختلف الأشياء.
المخاطرة

إن داء المصريين والشرقيين أنهم لا ينتقلون إلا إذا كانت خطواتهم مضمونة النفع، مأمونة العواقب. مع أن المجد من نصيب المخاطرين.
وفي رأيي أن الرجل الذي يخاطر فيخفق خير من الرجل الذي يخاطر فينجح؛ لأن الإخفاق أدعى إلى تقويم الرجال وإرهاف العزائم من النجاح … والمال والكسب من الحظوظ الثانوية في ميادين النضال.
على أن الرجل المخاطر إن أخفق اليوم فسينجح غدًا. والعاقبة للصابرين.

الفصل التاسع والعشرون
مرسيليا


 باريس في ? أكتوبر سنة ????
مرسيليا مدينة عظيمة من كبريات المدن التي شهدت فجر المدنية على البحر الأبيض المتوسط، ولا يعرف جلالها وعظمتها وكبرياءها غير القادم إليها من البحر؛ أما الذي يصل إليها عن طريق البر فلا يكاد يرى من جمالها إلا القليل.
يبحر المسافر من الإسكندرية فيقضي في البحر أربعة أيام أو خمسة أيام، تبعًا لاختلاف السفن البخارية في المقدرة على العبور، وفي تلك الأيام يكون المسافر قد عرف كل شيء من بأساء الحياة ولينها، فهي أيام معدودة ولكنها في طولها أعوام، ففيها بؤس ونعيم، وسعادة وشقاء. ولعل أغرب ما فيها — بعد قسوة الرياح والأعاصير وما ينتاب المسافرين من مرض البحر المزعج الثقيل الذي أعياء الأطباء — لعل أغرب ما فيها حوادث الحب والوجد والاشتياق، وكم لُمت شوقي على أن قال:
نظرةٌ فابتسامة فسلامفكلام فموعد فلقاء لمته على هذا البيت؛ لأنه جعل حوادث الحب أشبه بالمناظر السينمائية، تتجمع وتتفرق في سرعة البرق، مع أن الحب كسائر الأمراض له أدوار مختلفة يعالجها المصاب رويدًا رويدًا إلى أن يعز الشفاء، فلما عرفت البحر واصطدمت بأيامه ولياليه فهمت لأول مرة سنة ???? أن الحب قد يستكمل طفولته وحداثته وشبابه في أربعة أيام، وأن اللحظة الواحدة قد تقدر بأعوام، وأن يومًا في البحر كألف سنة على البر عند من شهدوا الحياتين وعرفوا ما بينهما من شتى الفروق.
البحر مهما طابت أيامه وصفت لياليه سجن موحش يرهق المسافرين بما فيه من مظاهر التكلف والتوقر في بيئة مرغمة على مراعاة طائفة كبيرة من مختلف التقاليد، والبواخر سجون متحركة تطفو على وجه الماء، والمسافر يعد اللحظات ويسأل نفسه بعد كل غداة وكل عشي: متى أصل؟ متى أصل؟ فسفره هو الليل، ووصوله هو الصباح، وقلقه أشد من قلق حندج المري حين قال:
متى أرى الصبح قد لاحت مخايلهُوالليل قد مزقت عنه السرابيلُ والقطع المتناثرة من الجزائر التي تصادفه في الطريق لا تذهب وحشته إلا قليلًا، ثم تغيب وكأنها لمعات البرق في الليلة الظلماء، ولا يكاد يقترب المسافر من مرسيليا حتى يبعث روحه وتغازله الحياة من جديد، وفرح المسافر بمرسيليا يشبه فرح كريستوف كولومب حين وقعت عينه بعد اليأس على شواطئ أمريكا فصاح صيحة الجنون: أرض! أرض!
إي والله! هذه مرسيليا! وهذا شاتوديف! وهذه نوتردام دي لاجارد!
ويتجمع المسافرون، وقد خرجوا من أبراجهم وأقفاصهم، فلا يزالون ينهبون بأعينهم وأنفسهم أعلام مرسيليا نحو ساعتين كاملتين وهم في هرج ومرج يستعدون لمصافحة الشاطئ الأمين. وفي تلك اللحظة المرحة يتلفت الرفيق إلى رفيقه، ويتلفت الفتى إلى الفتاة التي بددت من نفسه ظلمات الوحشة في سجن البحر، فيتبادلون التحيات ويقيدون العناوين ويتساءلون متى يكون التلاقي إذا فرقهم الميناء. كل هذا يجري تجاه مرسيليا التي لا يعلم إلا الله كم استقبلت من ضيف، وكم هدت من حائر، وكم آوت من شريد. ولو نطق الجماد لصاحت تلك الصخور: ادخلوها بسلام آمنين!
•••

لا يعرف أحد متى أنشئت مرسيليا فهي مدينة قديمة جدًّا غابت أيامها الأولى في ظلمات التاريخ. وإنما يعرف المؤرخون أن الفينيقيين كانوا قد احتلوها منذ نحو خمسة وعشرين قرنًا. والفينيقيون قوم أسيويون كانوا إنجليز زمانهم، جابوا القفار، وخاضوا البحار وأنشئوا ما أنشئوا من المدن في الشرق والغرب، وكان لهم في العالم القديم سلطان عظيم. ثم احتلها اليونان بعد ذلك وسادوا فيها نحو ستة قرون، وكانت اللغة اليونانية لغة المرسيليين مدة طويلة، وكانت عادات اليونان وتقاليدهم وثقافتهم هي السائدة هناك.
وقد اهتم الباحثون طويلًا بمعرفة ما بقي من آثار الفينيقيين واليونان في تلك المدينة، ولكنهم لم يعثروا على شيء يستحق الذكر. ذلك بأن الفينيقيين كانوا يهتمون أولًا وقبل كل شيء بالتجارة؛ فلهذا لم يعرف لهم في تلك المدينة آثار باقية كالآثار التي تتركها الأمم فيما احتلت من البلاد. أما اليونان فأمرهم أعجب لأنهم لم يتركوا في مرسيليا أثرًا واحدًا من الآثار العجيبة التي عُرفت بهم وعرفوا بها منذ أجيال، غير أن الآثار المادية ليست شيئًا بجانب ما تركوا فيها من الآثار الأدبية، وإليك بعض البيان:
لا تزال مرسيليا إلى اليوم محتلة احتلالًا اجتماعيًّا بطوائف كثيرة من الجالية اليونانية، فالحلاقون مثلًا في مرسيليا كلهم من اليونان، والصيادون كذلك يونان، وأكثر البحارة من اليونان، ولهجة المارسيليين الذين يحترفون المهن البحرية كالصيد والنقل وعمل السفن تحتوي على كلمات كثيرة ترجع في أصولها مباشرة إلى اللغة اليونانية. والأدلاء الذين يهدون المسافرين كلهم يونان، واللاهون الذين يعينون على بعض حوادث الليل أكثرهم يونان، وأصحاب الحانات والقهوات الصغيرة والعظيمة يرجعون إلى أصول يونانية. وعلى الجملة أهل مرسيليا في عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية مصبوغون بصيغة يونانية في الغالب. ويرجح الباحثون أن ميل المرسيليين إلى اللهو واللعب والاستهتار والإباحة يرجع في الأصل إلى أنهم ورثوا عن اليونان عبادة اللذات وتقديس الشهوات وتفدية الجمال.
وقد ورث المرسيليون عن اليونان حب المبالغة والمغالاة بنوع خاص. وما كتبه الفرنسيون عن مرسيليا مملوء بالنكت المستطرفة عن مبالغة المرسيليين، وإلى القارئ هذا الشاهد الطريف:
وقف مرسيلي على الشاطئ يتصيد الأسماك، ولكن صنارته كانت تجلب إليه أسماكًا صغيرة جدًّا كأطراف الأصابع، وكان بجانبه مرسيلي آخر يشهد ما يصيد، فقال له: إن هذه الأسماك ضئيلة وصيدها لا يشعر الصائد بأية لذة.
الصائد: كيف تقول إنها ضئيلة، وأنت لو اصطدت مثلها لحسبت نفسك من أسعد الناس.المتفرج: أنا؟ أنا أصطاد هذه الحقائر؟ هيهات! ماذا تظن؟الصائد: أنت تصطاد أكبر من هذه؟ ماذا تصطاد إذن؟المتفرج: أنا اصطاد أسماكًا كبيرة جدًّا، أنا اصطاد الحوت.الصائد: الحوت! الحوت! وأي شيء هذا الحوت عندي؟ إنني أتخذ الحوت أحيانًا «طعمًا». هل فهمت؟ مرسيليا أعظم مدينة فرنسية بعد باريس، ومع هذا يكاد الفرنسيون يعدونها أجنبية عنهم، ويتنادرون فيما بينهم بذلك، إذ يقول أحدهم لصاحبه: أنت فرنسي أم مرسيلي! وإذا أراد بعضهم أن يحقر أحد مواطنيه قال: ماذا تنتظر من رجل نشأ في مرسيليا! لأن مرسيليا عندهم مجموعة أوشاب من سائر الأجناس.
واهتمام المرسيليين بالفنون قليل جدًّا، مع أن المدن الفرنسية من أغنى المدن في هذا الباب، وليس فيها فيما سمعت حانوت واحد لبيع العاديات، فهي مدينة اليوم الحاضر والساعة الراهنة، ولا يهمها الماضي في شيء.
وأهل مرسيليا كسالى قانعون، والفرنسيون يعللون ذلك بقربها من الشرق، لأن الشرق عندهم مهد البطالة والفراغ!
والفرنسيون يحدون أهل مرسيليا على شيء واحد هو طعام (البويابيس) وقد أكلت منه مرة، والحمد لله! وهو طعام خاص يصنع من مختلف الأسماك، وله شهرة عظيمة جدًّا تجلب إليه أصحاب الأذواق، والمرسيليون يضنون أشد الضن بالبوح بأسرار هذا الطعام، ولا يساويه في الشهرة إلا طعام «الكاسوليه» الذي انفرد به أهل تولوز.
حدثنا مرة أحد الأساتذة الفرنسيين عن طعام البويابيس فقال: «إن الإدام الذي يسري فيه يشبه خيوط نور القمر! — وما أشهى هذا التشبيه البديع! — وإن الإنسان إذا أكل البويابيس وخرج وقع أسير الحب لأول امرأة تصادفه في الطريق!»
وهذا صحيح من بعض الوجوه، فإنني أذكر أنني وجدت طعام البويابيس في نهاية اللطف، وليس من المستغرب أن يشبَّه إدامه بخيوط نور القمر. ولكني مع ذلك أذكر أني أكلته ثم تركت مرسيليا خلي القلب، إلا من ذكراه!

الفصل الثلاثون
الشيخ عبد الباقي سرور


 باريس في ?? يوليو سنة ????
في هذه المدينة وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي، تلقيت رسالة من صديقي الأستاذ الشيخ عبد العزيز صقر شاهين ينعي إليَّ فيها رجل العلم والفضل والنبل الشيخ عبد الباقي سرور نعيم. فألقيت الرسالة على مكتبي، ثم عدت إليها فقرأتها مثنى وثُلاث وربُاع، وأخذت أستنجد الدمع وأستصرخه وهو يتأبى ويتمنع حتى عدت طُعمة للجوى اللاعج اللافح، لا يطفئه دمع، ولا يسكنه نحيب ففررت من غرفتي أتلمس أسباب العزاء على شواطئ السين، وفي الحدائق التي تزخر بجموع اللاهين واللاهيات من أهل باريس، فلم يزدني ذلك إلا حزنًا إلى حزن، وخيّل إليَّ أن الدنيا كلها بما فيها من لهو وضحك وعبث ومجون لا تحمل في جوفها غير مرارة الداء الدويّ الذي طال عناده وحار فيه الأطباء.
ثم رجعت أبحث عن كلمة أودع بها ذلك الصديق الراحل فلم يُفتح عليَّ بشيء، فطفقت أتلهى وأتعزى بالفقرات التي كتبت عنه في الشورى والأهرام، وأعجب كيف يهوي ذلك النجم وأنا مفحم لا أجد ما أقوله توديعًا لضيائه الوهاج. وأخذت أروض نفسي على الصبر، وأقنع ضميري بأن هذه طبيعة الحياة، وأن كل حيّ إلى فناء، وأتمثل أمامي أهله وأصدقاءه وقد انصرف كل امرئ إلى شأنه، ولم تبق في نفوسهم ألا ذكرى تبرق حينًا وتخبو حينًا إلى أن تطويها يد النسيان، واندفعت أعمالي الشاقة المضنية ترميني بقوة في هوة الشواغل اليومية … آه … وكدت أنسى!
غير أنني بالرغم من ضرورات الحياة الصاخبة التي كُتب عليَّ فيها أن أكون جنديًّا لا يلقي السلاح أو يموت، كنت أعود إلى نفسي لأمرح قليلًا في جوانبها الروحية، وأقرأ في ثنياتها ما أبقته يد الزمن مسطورًا في سرائر الروح الحزين، إذ ذاك كنت أشعر بالوحشة المزعجة التي رماني بها القدر يوم اختطف صديقي عبد الباقي وخلاني من بعده أشكو فقد الصديق.
أشكو فقد الصديق!
إي والله! فإن الذين عرفوا الشيخ عبد الباقي سرور وعرفوا إلى أي حد كان ذلك الرجل النبيل يعرف حقوق الأخوة؛ ويحفظ واجبات الصداقة، يعرفون أن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يوجد له في بره شبيه أو مثيل.
بقي أن أحدث القارئ عن السبب الذي أخرجني من دنياي المادية ومضى بالقلم في تقييد هذه الكلمات: ذلك أني اقتنيت منذ أيام كتابًا في أكثر من ??? صفحة في أجمل ورق وأنقى طبع، وهو مجموعة ما قاله رجال القانون في تمجيد زملائهم قتلى الحرب، فثارت نفسي واضطربت، ألا يكون لنا أيضًا نحن شهداء؟ وهممت أكتب لجريدة الشورى كلمة عن الشهداء! فهي جريدة قريبة العهد بهذا الوتر الحساس. ولكن أين هم الشهداء وأين تلك الحروب؟ هنا أحببت أن أربأ بنفسي عن تصور العامة من أدعياء المتحمسين، ورأيت أن هناك أيضًا ميدانًا تتصاول فيه العقول لا يقل خطرًا عن الميادين التي تتخاطر فيها السيوف، وتتقاذف المدافع، ويتفانى الجنود. فإذا استباح أحد لنفسه أن ينسى ما قدمه الشيخ عبد الباقي سرور من البلاء الحسن في الثورة المصرية، فسيذكر الناس جميعًا أنه كان من أنصار الرابطة الإسلامية، وأنه جاهد في ذلك مخلصًا بقلمه ولسانه إلى أن أسلم الروح …
وسيقول السفهاء من الناس: وما هي الرابطة الإسلامية؟ وسنجيب بأنها فوق ما تعلمون يا أجهل الناس بأسباب الحياة!
فسلام عليك يا عبد الباقي وعلى شمائلك الطيبة، ورحمة الله على ودك الصادق المتين!

الفصل الحادي والثلاثون
كوست وبيللونت


 باريس في ?? أكتوبر سنة ????
الشعب الفرنسي كله في جميع أقطاره مشغول بالحديث عن الطيارين العظيمين كوست وبيللونت، بمناسبة اجتيازهما الإطلانطيق، ففي جميع الجرائد والمجلات وفي المدارس وأندية الشباب والكهول وحفلات السيدات يتردد اسما هذين الطيارين مقرونين بالاحترام والإعجاب. وللفرنسيين حماسة عجيبة لهذا النصر المبين، ويكاد فوز هذين الطيارين يطغى على جميع الانتصارات التي شهدها الفرنسيون، فإن بطولة هذا العصر ترجع في صميمها إلى الانتصارات العلمية، وقد مضى الزمن الذي كان يعدّ فيه أسر الأعداء والنكاية بالخصوم مأثرة قومية، وأصبحنا في زمن لا فضل فيه لغير العقل والعلم وقوة الإرادة في تذليل القوى الطبيعية، وقهر آفاق السماء.
لقد استمعت لطائفة من الأحاديث حول هذين الطيارين ورأيت كيف انفقت كلمة القوم على أن شعار هذين الطيارين: «النصر أو الموت»
ولا أكتم القارئ أني عدّلت هذه العبارة بعض التعديل فهي فيما سمعت: «الثروة أو الموت» وهم يقولون ذلك وفاقًا للجائزة العظيمة التي كانت أعدت لمن يجتاز الإطلانطيق. وإنما عدّلت هذه العبارة لأني أحسب أن القوة الروحية أعظم دائمًا من القوة المادية، فهذه الثروة التي كان ينتظرها ذانك الطياران لم تكن في معناها ومدلولها شيئًا آخر غير النصر أو المجد.
وهذا التعديل أقرب إلى طبيعة الشعب الفرنسي الذي يروض أبناءه على البطولة ويبث فيهم روح المثابرة والكفاح والصبر والثبات. وكل من زار البانتيون يذكر كيف وثب روحه، وثار قلبه، وهاجت نفسه حين وقف أمام اللوحة التاريخية التي تقول: «الحياة الحرة أو الموت»
فقد امتاز الشعب الفرنسي بأنه يغفى ما يغفى ثم تكون صيحة واحدة كافية لإيقاظه، ووثبته، وفزعه إلى السيف والمدفع. وقد شقي الناس في فهم طبيعة هذا الشعب، فهو في أيام السلم شعب لين رخو ماجن خلع، لا يرجى خيره ولا يتقى شره. فإذا نُفخ في الصور قامت قيامته وهب يناضل عن شرفه في حماسة دونها حماسة الأسود في الدفاع عن حرم العرين.
على أنه من الغفلة أن يظن أن المجد ينال بلا ثمن. هيهات! فالفرنسيون ليسوا جميعًا ظرفاء مونمارتر ومونبارناس. فهناك ألوف مؤلفة لا تعرف غير سهر الليل وكدح النهار في تحقيق ما يعنيهم من المشاكل العلمية والأدبية والفنية، وهناك ناس لا يرون الشعر ولا الموسيقى إلا في تلمس أسباب السماء. والمعضلة الحقيقية التي تواجه الرجل الشرقي في حين يذهب إلى أوربا هي الشقاء في فهم عبقرية هذه الشعوب الغالبة المنتصرة التي يقال لبنيها في دروس الجغرافيا: «إفريقيا كلها محكومة بدول الغرب، وليس فيها أمة مستقلة غير الحبشة»، والشرقي يسمع ذلك ويعجب وهو لو تأمل لعرف أن السبب في تقدم الغرب هو «حب المخاطرة»، كما أن السبب في تأخر الشرق هو انعدام روح المخاطرة، فقليل من الشرقيين من يقول: «المجد أو الموت» ولو أنهم قالوها مرة واحدة لحسب لهم ألف حساب، فحب الحياة هو باب الموت وحب الموت هو باب الحياة، ولكن أكثر الناس لا يفقهون!
والثروة التي استنكرنا أن تكون سر المخاطرة في اجتياز الإطلانطيق هي شيء لا يستهان به، ولكننا تعودنا التعامي عن الواقع، فأهل أوربا وأمريكا يرون الفقر أشنع من الموت، ويتلمسون أسباب الغنى من كل جانب، ويكادون ينطقون الأرض والسماء ليعرفوا أسرار الكنوز التي وردت في أساطير الأولين.
ولقد أذكر أني أعطيت مرة لطلبة الثانوي في دروس الإنشاء هذه الحكمة العربية: «القبر ولا الفقر»
فلم يفهموا ما معنى ذلك، وقال قائلهم: إن الفقر ليس بعيب، ولو رجعوا إلى الواقع لرأوا الفقر مصدر العيوب، فهو الذي يذل نبلاء الأرواح، وأعزاء النفوس، وهو الذي يقعد بالرجل الشهم عما يسمو إليه من جلائل الأخطار.
ولقد يذكرون أن كوست وبللونت غنما من هذه المخاطرة نحو خمسين مليونًا من الفرنكات. ويذكرون أنهما استغلا جميع الطرق في هذا السبيل، فالأشرطة السينمائية، والصور الفتوغرافية والمحادثات مع الصحفيين، والخرافات التي أضافاها إلى سفرهما الشاق، كل ذلك دفع ثمنه بسخاء أيِّ سخاء ممن طلبوه. وقد أسرف هذان الطياران في استغلال هذه المخاطرة إسرافًا فاحشًا، ولكنه في جملته غير بعيد من طبيعة الشعب الفرنسي، فالفرنسيون مشهورون بالحرص والتفكير في الغد، والفرنسي من بين الناس جميعًا يقدر دخله وخرجه وجميع أسباب رزقه تقديرًا يتعدى خمسين عامًا من أيامه المقبلة، وهو لا يخطو خطوة واحدة إلا وقد حسب ما فيها من المنافع المادية، والتحية غالية عليه أن كان لا يُنتظر من ورائها نفع. وعلى الجملة الرجل الفرنسي حيوان مهذب، واسع الحيلة كثير التدبير، وهو أحرص من النمل في هذا الباب. ولقد أذكر أن الإسلام لا يجري على لسانهم إلا بالخير لأنه حرم المسكرات، ولكنهم لا يفهمون كيف يمكن الإيمان بالقضاء والقدر وكيف يصح التوكل، ولا أدري أنا من الذي علمهم كلمة «مكتوب» فهم يكررونها كلما بدا لهم أن يسخروا من تقاليد المسلمين!
والجانب المشرف في اجتياز الإطلانطيق من باريس إلى نيويورك أنه محاولة فرنسية، وأن جميع أجهزة الطيارة صنعت في مصانع فرنسية، وأن ذلك المشروع الذي نجح كان لطيارين يعتزان كل الاعتزاز بالقومية الفرنسية. ومن أجل هذا أُعدَّ ذلك الاستقبال البهيج لذينك الطيارين في مدينة باريس، ففي صباح الأمس صدر منشور من حاكم المدينة يوصي فيه جميع الباريسيين أن يرفعوا أعلامهم على منازلهم، وأن يزينوا شرفاتهم بالأزهار، وأن يستعدوا لاستقبال أبطال الإطلانطيق بما توجبه المروءة والحماسة نحو رجلين خاطرا بحياتهما في سبيل العلم والمدنية، ورفعا اسم فرنسا بين شعوب العالم القديم والعالم الجديد.
ومنذ الساعة العاشرة صباحًا إلى الساعة الرابعة بعد الظهر كان أهالي باريس في نشوة لا تعدلها نشوة، فمنهم من ذهب إلى بورجيه حيث تقدم الطيارة من الهافر، ومنهم من ذهب إلى الإيليزية حيث يظفر الطياران بترحيب رئيس الجمهورية، ومنهم من ذهب إلى ميدان الأوتل ذي فيل حيث تجرى الحفلة الرسمية. كل ذلك والمطر ينهمر، والريح تعصف، والباريسيون يقابلون عبوس الطبيعة ببريق الابتسام.
وكان أجمل ما أثر في ذلك اليوم خروج الطيارين من عند رئيس الجمهورية وذهابهما مباشرة إلى قبر الجندي المجهول حيث وضعا ما أهدي إليها من الأزهار على ذلك القبر المعبود.
وقد لوحظ أن السيدات كن أكثر عددًا من الرجال، وهذا طبيعي في مدينة بعد نساؤها موحيات الحماسة، ومذكيات العزائم. وأهديت إلى الطيارين أوسمة الشرف، وساعات ذهبية وضعت أرقامها من الاثني عشر حرفًا التي تكون منها كلمتا (باريس نيويورك).
وقد سمعت المتفرجين يحاور بعضهم بعضًا عن الجائزة الأمريكية التي وضعت لمن يجتاز الإطلانطيق طائرًا. قال أحدهم لصاحبه وهو يحاوره: إن الحكومة الفرنسية لا تعطي ذهبًا ولكنها تعطي أوسمة! فتذكرت والأسى يحز في القلب بعض الحكومات الشرقية التي لا تهب المخاطرين من أبنائها ذهبًا ولا أوسمة!
على أننا لو قارنا عزائم الشباب الفرنسيين بعزائم الشباب المصريين لرأينا في المصريين شمائل توجب الزهو والاختيال؛ فالفرنسيون تشجعهم أمتهم وحكومتهم، في حين أن المصري ينهض وحده بلا مشارك ولا معين، ويقاوم المصاعب في صبر واحتساب، يقاوم حين ينجح دسائس الحاسدين والكائدين، ويقاوم حين يخفق شماتة الحاقدين وسخرية القاعدين، وفي ذلك تكبير وتجسيم للتضحيات النبيلة التي يبذلها الشباب المجتهدون في بيئات وأجواء مثقلة بأوزار التثبيط والتعويق.
فإلى الأمام يا شباب مصر، افتحوا ما شاءت لكم عزائمكم من أقطار الأرض وآفاق السماء، والله معكم وهو خير الناصرين.
الفرنسيون

قال المسيو تارديو يخاطب جرحى الحرب: «على وجوهكم تتمثل شمائل فرنسا الخالدة، فعندكم في السلم كما كان عندكم في الحرب، الشجاعة والصبر والثقة. أما الشجاعة ففضيلة القلب، وأما الصبر ففضيلة الخلق، وأما الثقة ففضيلة النفس، وكل هذه الفضائل فرنسية. إن الأجنبي لا يفهم هذا الشعب ولن يفهمه أبدًا، لا ريب في ذلك. إن هذا الشعب يُظهر في سذاجة ما لديه من النقائص السطحية في أوقات الأمان، وبذلك يحكم الأجنبي بأنه شعب فارغ. ولكنه يظهر في أوقاته العصيبة، وساعته التاريخية، بفضائل عجيبة تضمن له النصر المبين. وبين الفرنسي المتوسط والفرنسي المتفوق توجد هوة لا يعرف الأجنبي قرارها، ومن البيئات المجهولة يخرج أبطال يفزع لرؤيتهم من كان يقدر أن ليس هناك غير الفراغ.»

الفصل الثاني والثلاثون
انتحار شاعر مصري


في سنة ???? تقدم إليَّ أحد طلبة كلية الآداب بالجامعة المصرية وقال: أتسمح أن أتعرف إليك؟ قلت: مع السرور. قال أنا أحمد العاصي، كنت طالبًا بكلية الطب، ثم هجرتها، لأن أعصابي أضعف من أن تحتمل مناظر التشريح وحدتني آمالي على الانتساب لكلية الآداب، راجيًا أن يكون في الأدب والفلسفة جوٌّ أهدأ وأدعى لراحة الأعصاب … فابتسمت وقلت: لشدّ ما خدعت نفسك بهذا التغيير والانتقال من قيد إلى قيد! لأننا في كلية الآداب نعالج نفس الطريقة التي يعالجها الأساتذة في كلية الطب، وهم يسمون عملهم التشريح ونحن نسميه التحليل، والفرق بيننا وبينهم أنهم يشرّحون الأجسام ونحن نشرح الأعراض، هم يشرحون أجسامًا فانية، ونحن نشرح أعراضًا غالية، كان ينبغي لها الصون التام في ظلال الخلود. وليس شق الجسم الميت الذي يحوله قصر العيني إلى مشرحة كلية الطب بأقسى وأفظع من اهتمام أساتذة كلية الآداب بإثبات أن أبا نواس كان سيئ الأخلاق، وأن البحتري كان قذر الثياب، وأن المعري كان من الملحدين، وأن المتنبي كان صعلوكًا يتصيد المال وهو يدعي سمو الملوك، إلى آخر ما توجبه الدراسات الأدبية من هذا الهذر الممقوت. وأنت لو مضيت في دراسة الطب لصرت مع الزمن طبيبًا يخدم الإنسانية ولكنك حين تمضي في دراسة الأدب تصبح مع الزمن أديبًا والعياذ بالله! ورجال الأدب قوم يعيشون في ظلمات بعضها فوق بعض، ولا ينجح من بينهم إلا من يحسن القيل والقال، وجوهم في الأغلب جو فتن ودسائس ونذالات يندى لها الجبين، والبارز فيهم هو الرجل الوقح الذي يعرف كيف يخلق الأكاذيب للنكاية بزملائه الأبرياء.
وهنا ازداد الشاب صفرة إلى صفرته التي كانت تغشِّي وجهه بما يشبه صفرة الموت، وقال: أنا لا أنتظر منك أن تحملني على الرجوع مرة ثانية إلى مناظر الدماء في كلية الطب.
فأجبت: خير! امض في دراسة الأدب وأنا سعيد بأن أراك بين طلبة كلية الآداب.
•••

كان أحمد العاصي هذا شابًّا قصيرًا يبدو كأنه بدين وليس بذاك. وكان صوته خافتًا أشد الخفوت يكلمك وكأنه يناجيك، وكانت عيناه مثقلة بالتعب والخمود، وكان يحضر الدروس بقلب غائب وفكر عازب، ولا هم له إلا قرض الشعر فيما يمر بخاطره من مختلف الشئون. وكنت أمازحه أحيانًا حين أراه مكبًّا على كراسه يدوّن فيه غير ما يسمع أثناء الدرس. فكان يتكلف الرضا بالمزاح، ثم تأتيني الأخبار بعد ذلك بأنه بكى بعد انصرافه حتى رحمه زملاؤه الطلبة وصاحبوه رفقًا به طول الطريق. فعرفت منذ ذاك أنه مريض، وأن من الخير لا أن يلام على تفريط أو إهمال.
وفي نهاية العام الأول من دراسته بكلية الآداب قدم إليَّ رواية ألفها ونشرها، اسمها غادة لبنان، ولست أدري ما الذي أودعه تلك الرواية، لأنني شغلت عن تصفحها، وفي العام الثاني أعد مجموعة طيبة من شعره وقدمها إلى الشاعر شوقي بك، فلما قرأها شوقي أعجب بها وشجعه على نشرها وأهداه أبياتًا قدم بها ديوانه إلى القراء.
إن أبيات شوقي التي قدم بها (ديوان العاصي) إلى الجمهور تنطق بما كان ينتظر من مصير ذلك الشاعر المسكين، فقد ارتاع شوقي لإدمان ذلك الشاب على نظم الشعر في التبرم بالحياة وما فيها من دواعي الضجر والهم والقنوط، وقد ضاعت تلك الأبيات من ذاكرتي، وليس يحضرني منها إلا هذا البيت:
ولتعلمن إذا السنون تطاولتأن التشكي كان قبل أوانه وقد مضى الفتى في دراسته وهو في نظر زملائه وأساتذته شاعر حتى ظفر بإجازة الليسانس في الآداب، ثم عين في مكتبة الجامعة المصرية، ولقيته في الأيام الأخيرة فحسبته شفي من مرضه، إلى أن وصلني العدد الأخير من جريدة الصباح فعرفت أنه انتحر وأنه لم ينتظر أوان التشكي الذي أشار إليه شوقي، فرحمة الله على ذلك الجسد الذي لم يستطع مطاولة الأيام!
لا أحسب أن الجرائد المصرية تلفتت إلى وفاة هذا الشاب، وجريدة الصباح نشرت خبر وفاته منقولًا فيما أظن عن محاضر البوليس، وقد نشرت الخبر لأن فيه جوانب طريفة تشوق بعض القراء، وخلاصة الخبر أن أحمد العاصي الموظف بمكتبة الجامعة المصرية كان يقيم في المنزل رقم ?? بشارع سعفان بالعباسية مع خادمة له، وكان لا يسليه في وحدته غير كتابه أو قلمه، وأن أحاديثه مع خادمته القروية كانت تدل على أنه ينظر إلى الحياة نظرة غير طبيعية، إذ كان يجري بينهم مثل هذا الحديث:
– أنت أسعد مني يا فاطمة في هذه الحياة!
– وليه بقى يا سيدي؟
– لأن لك أهلًا يحوطونك بالرعاية، أما أنا فلا أهل لي!
– بعيد الشر يا سيدي، وأهلك جرى فيهم إيه؟
– أنا خلقت من غير أهل، وفي رأيي أن الموت هو أشهى ثمرة يقتطفها كل راغب في السعادة!
وقد انتحر أحمد العاصي إذ سكب على جسمه كمية كبيرة من مادة كاوية نفذت إلى ثنايا قلبه. وقد وجد رجال البوليس بجانب مقعده رسالة مغلفة عنوانها «إلى من يهمهم أمري»، فلما فتحت وجدت مكتوبة باللغة الإنجليزية وفيها هذه العبارات: جبان من يكره الموت! جبان من لا يرحب بهذا الملاك الطاهر! إنني أستعذب الموت الذي هو كالرائحة الذكية عندي.
ثم وضع اسمه كاملًا وذيله بكلمة (ليسانسيه في الآداب)
•••

لا أدري كيف بدا لي أن أتأمل الصفحة التي نشر فيها هذا الخبر من جريدة الصباح فقد رأيت بجانبه في الصفحة نفسها إعلانًا عنوانه (افتتاح موسم الموسيقى والطرب)، وإعلانًا آخر عنوانه (هل تريد جسمًا جميلًا؟) وكذلك تشابهت أمامي مناظر الحياة، سعادة يجاورها شقاء وبؤس يجاوره نعيم. والدنيا حلم قصير تزعجه يقظة الموت.
كنت أمازح أحمد العاصي فأقول: اسمع يا عاصي! فيجيب: أنا العاصي للشيطان. ولعله لذلك أطاع الموت لأنه سماه الملاك الطاهر، ولو ظنه شيطانًا لعصاه.
لست ممن يظنون أن المنتحرين يبوءون بغضب ربهم، لأنهم في الواقع ضعفاء خانهم الصبر، وأفناهم اليأس، ولم تبق فيهم بقية من الجلد يفهمون بها ما يجب أن يتحلى به الرجل الشجاع. وفي انتحار هذا الذي شكا أنه لا أهل له فرصة للتأمل في قيمة الحقائق المعنوية، فذلك شاب موظف مستقر ما كان ينقصه الرزق، ولكنه كان شديد الفقر إلى العطف والحنان، ولو كان بجانبه أب يواسيه أو أم تحنو عليه، أو زوجة تصاحبه، لطاب له العيش، وابتسمت في وجهه الحياة. ونحن في الواقع نعيش أسرى عافيتنا وأعصابنا، وليس بين الشقي والسعيد إلا متانة الجسم وقوة الأعصاب، والروح وحده لا يكفي لسعادة الإنسان، وإنما المرء جسم وروح. ولعل السر في تقدم الإنجليز أنهم يؤثرون الألعاب الرياضية على العلوم النظرية، أما نحن فنفكر أولًا في حشو الدماغ بأنواع المعارف والعلوم ونرى في تمرين الجسم وتجديده وتنشيطه علامة من علائم النزق والطيش، والميل إلى البطالة والفراغ. وقد يكون اهتمامنا بالجسم نوعًا من المحاكاة والتقليد، لا أثرًا للاقتناع بما له من المزايا في تكوين الشعوب.
لا يزال يتمثل أمامي أحمد العاصي يوم رأيته لأول مرة في أوائل سنة ???? ويوم رأيته لآخر مرة في أوائل الربيع الماضي، فإليه في عالم الأرواح أهدي هذه الكلمة، وما كان ينتظرها مني، ولكن الحر من راعى وداد لحظة، فكيف وقد كان رحمه الله من تلامذتي الأبرار.

الفصل الثالث والثلاثون
الحديث ذو شجون


الصديق

في الأسبوع الأخير من شهر مايو الماضي أرسلت إلى صاحب الشورى عنواني في باريس، ورجوته أن يحول الجريدة إلى هناك. وفي يوم السفر تلقيت في الصباح عددًا من الشورى فظننت خطابي لم يصل إلى إدارة الجريدة، أو أنه وصل بعد وضع هذا العدد في البريد، فلما وصلت إلى باريس في أوائل يونيه وجدت العدد نفسه قد سبقني إلى هناك، فعرفت سر المسألة، وهو سر واضح لا يزيد عن أن الأستاذ الطاهر أراد أن يودعني يوم سفري من مصر الجديدة وأن يستقبلني يوم قدومي إلى باريس، فهل يتفضل هذا «الصديق» بقبول هذه الكلمة الصادقة كلمة الاعتراف بالجميل من رجل يعرف كيف تكون الصداقة وكيف يكون الأصدقاء؟
ولعل القارئ يتلفت فيسأل كيف وضعت كلمة «الصديق» بين قوسين؟ والجواب حاضر عتيد، ولكنه كريه الطعم مر المذاق، ذلك بأن صاحب الشورى كان واسطة العقد في طائفة من الأصدقاء شاءت سجايا الناس أن يتبددوا، وقضت أهواؤهم أن تنفصم عرى المودة وأواصر المعروف، وفيهم والله من لا يزيده الإعراض إلا قربًا من النفس، واعزازًا على القلب، ومن لو تغيرت الدنيا ومن عليها، وتبدل كل شيء فيها، لبقيت وحدي أحفظ بين سرائر القلب ما كان له من خالص الود وصادق الجميل.
تبدد أولئك الأصدقاء، وبقي هذا الأخ المجاهد الذي نرجو أن يبقى وداده ذكرى طيبة لذلك العهد الذي لو بقي من تحب على ما عهدناهم فيه لكان للدنيا عندنا لون غير هذا اللون المتقلب البغيض
أفي الحق أني قد قضيت ديونكموأن ديوني باقيات كما هيا!الذين لا يعلمون

ذكرت الشورى أن الحكومة المصرية ستقيم ضريح المغفور له سعد باشا على الطراز العربي، ثم قالت: لا على الطراز الفرعوني الذي اقترحه بعض الذين لا يعدون من مصر ولا من أوربا. وكان يكفي أن تقول: لا على الطراز الفرعوني الذي اقترحه بعض الذين لا يعلمون.
الواقع أن عددًا ضئيلًا من دعاة الوطنية المصرية «لا يعلمون» ما هي الوطنية. فهم يحسبون أن الفراعنة أقرب إلى مصر من العرب، مع أن قليلًا من صدق الحس وسلامة الذوق يكفي للاقتناع بأن مصر الحديثة مدينة من البداية إلى النهاية للحضارة الإسلامية. وأنه إن صح لأي قطر أن يتبرأ من العرب فلن يصح ذلك لمصر التي لم يكفها أن تستفيد من حضارة العرب، بل نهضت غير مرة بأعباء الحضارة العربية ونشرتها في كثير من الأقطار، وهي اليوم مطمح أنظار العرب والمسلمين الذين يودون أن يفتح الله لهم أبواب المجد من جديد. وما ذلك على الله بعزيز
وبهذه المناسبة أذكر أنني كثيرًا ما ألاقي في باريس رجالًا من الحجاز والشام والعراق وكثيرًا ما نتداول الرأي في إنهاض الأمم العربية، فما يروعني إلا شكواهم من أن مصر لا تقول بأنها أمة عربية.
والواقع أيضًا أن مصر لا «تقول» بأنها أمة عربية، ولكنها «عربية بالفعل»، فليت إخواننا في الشرق العربي لا يطالبوننا بأن «نقول» إننا عرب؛ فإن القول لا يغني فتيلًا. وحسب مصر أن تنبض حقًّا بإحياء الآداب العربية، وأن تكون مكاتبها ومدارسها وجرائدها ومعاهدها وأنديتها مصانع لإيقاظ الروح العربي وميادين لبعث ذلك المجد الدفين.

الفصل الرابع والثلاثون
المعرض الدولي للفن والطيران والبريد الجوي


أول ديسمبر سنة ????
أقيم في هذا الأسبوع في باريس المعرض الدولي الأول للفن والطيران والبريد الجوي تحت رعاية المسيو جاستون دومرج رئيس الجمهورية، ورعاية وزير المعارف والفنون ووزير التجارة ووزير الطيران.
وقد زرته يوم الافتتاح، وهو يقع في متحف الفنون باللوفر وهو في جملته وتفصيله فتح جديد في عالم الفنون. والقارئ المصري لا يتبين كيف يكون ذلك المعرض إلا إن وُصف له؛ لأن عهدنا بالطيران حديث، والطيران علم لا يقرأ في الكتب، ولا يكفي في معرفته أن يقال إن هناك خطوطًا جوية تسير فيها الطيارات الإنجليزية، فإن الشعب لا يغرم بالطيران ولا يعرف كنهه إلا إذا قام أبناؤه فامتلكوا الأجواء ونافسوا المتحكمين في الهواء. وقد كانت مصر إلى العام الماضي محرومة من السيطرة على خطوطها الجوية، ولم يكن المصريون يعرفون عن الطيران إلا ما يقرءونه في الكتب والصحف والمجلات، وهي ثقافة تكاد تكون سلبية في نوع من العلوم لا يبرع فيه إلا المخاطرون الأقوياء، وقد أخذت مصر — ولله الحمد — تهتم بالطيران اهتمامًا عمليًّا لا نظريًّا منذ أتاح الله للشاب محمد صدقي أن يدخل مصر طائرًا. ولو قد أتيح هذا الحظ لمن حذقوا الطيران من قبله مثل أنيس باشا لكان للشبان المصريين حظ أوفر من الإقبال على ذلك العلم النفيس. وإنا لراجون أن تكون في الخطوات الجديدة تباشير بطولة وإقدام لعزائم الشباب المصريين الذين حبست نشاطهم وتخونهم مطامع المحتلين الذين قدروا خطر الطيران، وعرفوا أن غرام المصريين به قد يكون عهدًا جديدًا من عهود الحرص على الكرامة والاستقلال
والطيران في ذاته مران نبيل للقوى الإنسانية، فليس من الضروري أن يُقرن دائمًا بالحرب، وأن يُفترض أن الناس لا يطيرون إلا ليستعدوا للفتك بعضهم ببعض، فالذين يحرمون مصر من الطيران لا يمنعونها فقط من الاستعداد للحرب، ولكنهم يحولون بينها وبين أقوى أسباب الكرامة في العهد الحديث. وليتصور القارئ حال أمة مُنع أبناؤها من ركوب الخيل في القرن الثامن عشر مثلًا، فإن الحرمان من ركوب الخيل في الأيام الماضية كان علامة على المذلة والخنوع، وكذلك الحرمان من الطيران في هذا الجيل يقضي على النخوة والكرامة، ويعرض الشبان المصريين للرضا بالهوان. فمن الواجب على من إليهم الأمر في مصر أن ينتبهوا إلى هذه الناحية من الأخلاق، وأن ينظروا إلى الطيران نظرة تساوي على الأقل نظرتهم إلى التمثيل، فإنني كمصري لا أطرب كثيرًا لإنشاء معهد يتخرج فيه الممثلون والممثلات، ولا أستطيع أن أتحدث بما عملته وزارة المعارف المصرية في هذا الباب، ولكن مما يشرف حقًّا أن تنشأ مدرسة للملاحة ومدرسة للطيران، وأن تُستغل حماسة الشبان استغلالًا شريفًا يفتح لمصر أبوابًا من الفوز والمجد في الحياة العلمية والاقتصادية، ولكن إلى من نتحدث وقد فُتحت لنا أبواب من الفتن والمعاطب، وأصبح أولو الأمر في شغل بأنفسهم ومجدهم الشخصي الذي لو وضع في الميزان لكان أخف من الهباء!
المصري لا يعرف الطيران لأنه محروم منه، ولا يعرف الملاحة مع أن البحر يواجهه من الشرق ومن الشمال، وهو على الجملة محروم من المخاطرات التي تخلق الرجال. وليسمح لي القارئ بهذا الاستطراد اليسير فإنني أريد أن أقص عليه الحادثة الآتية:
كانت كلية الآداب بالجامعة المصرية قررت إيفاد اثنين من خريجيها إلى الحبشة لدراسة اللغة الحبشية، ثم عدلت عن ذلك. أتدري ما السبب؟ السبب بسيط ولكنه محزن، ذلك أن أحد الأساتذة بقسم الآثار أخذ يحرض الطالبين على الأحجام ويقول: «أوع يا واد أنت وهو. والله إن قبلتم أملص أودانكم. حبشة أيه وسخام أيه! روحوا لندرا ولّا باريس!»
هذا استطراد ولكن لا أملك دفعه، فقد كنت ليلة الأمس في الجمعية الجغرافية أشهد محاضرة المسيو مارسل جربول عن رحلاته في الأقطار الحبشية، وكم كان أسفي شديدًا حين سمعت المحاضر يتكلم عن الجهود التي بذلت لدرس اللغة الأثيوبية، مع أننا كنا أولى بالتوجه إلى تلك الناحية لمعرفة لغة الأحباش ودرس عقليتهم؛ فستكون بيننا وبينهم مشاكل جدية خطرة في المستقبل القريب. ولكن من الذي يهتم في مصر بالمستقبل القريب أو البعيد؟ إنما يهتم المسيطرون بالتحكم في الشعب وإثارة حقده وغضبه شفاء لبعض الصدور. ولولا انعدام روح المخاطرة ما أحجم ذانك الفتيان عن الذهاب إلى الحبشة حبًّا في لندرا وباريس، وأكثر الشبان يفكرون في أنفسهم، ولا يعرفون ما يعود على أمتهم من الخير إذا آثروا الخشونة وانطلقوا يدرسون الشعوب الأفريقية التي أصبحت قبلة الباحثين والمخاطرين.
كان صديقي الذي أرسل إليَّ الدعوة لحضور افتتاح المعرض قال في خطاب له «احضر في الساعة الثالثة تمامًا إن كان يهمك أن ترى وزراء.» فقلت في نفسي: «عارفهم! عارفهم!» ومع ذلك ثار تطلعي إلى رؤية الوزراء. فذهبت قبل الساعة الثالثة، وانتظرت قريبًا من باب المعرض علني أراهم. ولكنهم لم يحضروا في الوقت المحدد لحضورهم، فمضيت أشاهد المعروضات وأتلفت من حين إلى حين أرقب قدوم أولئك الأعلام، ولكنني لم أر أحدًا، وكنت أفهم أن حضورهم سيلفت الأنظار، وسيكون في حاشيهم من يعلن المتفرجين بقدومهم؛ ولكنه لم يقع شيء من ذلك، ثم دهشت حين علمت بعد نصف ساعة أنهم حضروا وشاهدوا ما أهمهم من مختلف المعروضات وانصرفوا ولم يشعر بهم أحد، فعرفت أنهم وزراء مختارون من الشعب لا يحيط بهم المخبرون، ولا يحرسهم البوليس، حيث لا بلطة ولا مسدس، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون!
المعرض كله خاص بما أنتج الفنانون متصلًا بالطيران، وليعلم القارئ أن هناك فنانين ملحقين بالملاحة وفنانين ملحقين بالطيران. والغاية من اتصال الفن بالملاحة والطيران أن تُغرس في نفوس الشعب عن طريق الفن ثقافة البحر والهواء. والقوم هنا يعملون على أن تكون صلة أبنائهم بالسياحات البحرية والجوية صلة عشق وهيُام لا صلة ألفة وقبول، وكذلك نجد بين الشبان الفرنسيين من يُغرم بالملاحة والطيران غرامًا مبرحًا يقض مضجعه، ويكدر صفوه ويكاد يحول بينه وبين طعامه وشرابه
ومن أجل هذا أخبرني المسيو جانجان أن وزير الطيران امتعض حين رأى في المعرض لوحات فنية تصور بعض الحوادث المزعجة في الطيران، لأن هذا المعرض لم يقم لإعطاء الفرنسيين كل المعارف الضرورية المتصلة بالطيران من نجاح وإخفاق، ولكنه أقيم للدعاية للطيران وترغيب الفتيان في ذلك العلم النبيل، فمن الخطأ أن نفهم الشبان أن في عالم الهواء كبوات وسقطات، وإنما يجب أن نربي فيهم حب المخاطرة مصحوبًا باليقين المطلق في الفوز والتحكم في آفاق السماء.
عدد العارضين ???، أما المعروضات فشيء يعجز عنه الاستقصاء. فبعضهم عرض تماثيل صغيرة لمن ذهبوا ضحية للطيران، ومنهم من عرضوا رسومًا مختلفة للطيارات، وبعضهم عرض صورًا فتوغرافية عديدة لمناظر أخذت من الطيارات. وهذا نوع جديد من التحف النفيسة التي تمثل المدن والمعالم التاريخية كما يراها من يطل من جانب السماء. وفريق عرض أدب الطيران. وكلمة أدب هنا يراد بها مجموعات المؤلفات التي أراد أصحابها أن ينشروا ثقافة الطيران بين الجمهور، ومن بين هذه المؤلفات روايات شائعة جذابة وضعت للأطفال في حوادث متصلة بالطيران، بحيث يشب الطفل وفي ذهنه صور عديدة للمخاطرات الجوية التي يرجى أن يكون له من مجدها نصيب.
ومن الجوانب الطريفة في هذا المعرض ما يراه المشاهد من الأواني والأدوات المنزلية حيث يسرح الطرف في طائفة كبيرة من الصحاف والأطباق، والملاعق والشوكات والفناجين والأكواب والأسرة والمخادع والوسائد، وكلها محلاة بصور الطيارات ومشاهير الطيارين، كل ذلك لتدخل ثقافة الطيران في المنازل والقهوات والدواوين؛ وليصبح الناس ويمسون وعيونهم شاخصة وقلوبهم عالقة بذلك الفن المذكَّر الفحل فن الطيران.
وهناك خاطر أعلنه المسيو أجالير العضو في أكاديمية جونكور وهو إدخال رسوم الطيران في الأقمشة الصوفية والقطنية والحريرية بدلًا من الرسوم الطبيعية التي تمثل الأزهار والأشجار والأطيار وشواطئ الأنهار والبحار، بحيث تصبح ملابس السيدات وفساتينهن ومعاطفهن وهي تموج بالخطوط الجوية ومناظر السباق في الهواء. وبذلك تبيد بدعة زهر الرمان مرسومًا على صدور الملاح، وتذهب علامة الاستفهام مرسومة تارة على عصابة الرأس وتارة معقوصة في جدائل الشعر البراق، وتصبح الزينة نهبًا مقسمًا بين صور الطيارات وصور الطيارين. والغرض من هذا واضح وهو أن تصبح نفوس العشاق وقلوبهم وعيونهم محبوسة بين ذكريات عالم الهواء. وللقارئ أن يدرك أثر ذلك كله، وهو رياضة العقل والذوق والحس على عبادة الطيران.
•••

أما الجزء الخاص بالبريد الجوي فهو عبارة عن مجموعات كثيرة مختلفة من الرسائل الجوية تمثل جميع الأقطار التي مرت بها طيارات البريد. وقد حرصت على معرفة نصيب مصر من ذلك الجزء. وكنت استصحبت صديقي محمود أفندي الخضيري فقضينا نحو أربعين دقيقة نبحث عن رسالة مصرية بين ألوف الرسائل المعلقة هناك، وأخيرًا عثرنا على ثلاث رسائل مرت بمصر في خط الهند ورسالة من القاهرة إلى الخرطوم في الطيران الخاص مرسلة منها رسالة من (أبو صير). وثلاث رسائل مرسلة من الإسكندرية إلى باريس وكلها مرسلة إلى يونان لا مصريين، فوددت لو عرفت كيف نظم المعرض لأقدم إليه رسالة جوية وصلتني من صاحب البلاغ. وقد حداني حب اللغة العربية على تعقب الرسائل الجوية التي كتبت بحروفنا الجميلة فوجدت نماذج يحسن إثباتها هنا لما لها من الدلالة على نحو خاص من كتابة العناوين، وأكثرها رسائل سورية من (رياق) كتب العنوان فيها هكذا: «لحضرة الخواجه إلياس حجار دام بقاه»
ورسالة من (دير الزور) كتب عنوانها هكذا: «يحظى بمطالعة الشاب الأديب توفيق الشوتاني الأكرم»
ورسالة من اللاذقية كتب عنوانها هكذا: «سعادة الشيخ الجليل مولاي الأمير المعظم بدر الضحى السلام عليه»
وهناك رسائل عربية كتبت بخطوط مغربية لم أستطع تمييز ما فيها لبعد خطها عن خطوط الشرق، وقد حدثنا ابن خلدون أن خطوط أهل المغرب انحرفت عن الصواب لاتصالهم بالبربر. وهناك رسالة واحدة تركية كتب عنوانها بخطوط عربية.
•••

إلى هنا عرف القارئ اهتمام أهل الغرب بالطيران فلأضف إلى ذلك أنهم لا يزالون يعترفون بأن الطيران لا يزال في قوة الطفل، ولكنهم يبتهجون بالفروق العظيمة بين البداية التي قام بها (آدر) في أواخر القرن التاسع عشر حين كانت طيارته لا ترتفع عن الأرض أكثر من بضع بوصات وبين ما وصل إليه كوست وبللونت من اجتياز الأطلانطيق، وهم يتمنون أن ينقضي العهد الذي يرغم فيه المسافرون بالطيارة على سد آذانهم بالقطن فرارًا من وعورة أصوات المحركات، ولكنهم يعودون فيقولون في ابتسام:
إن أصوات المحركات أفضل ما تُقتل به وحشة السكون في فضاء الأجواء!
وقد سألني الخضيري أفندي حين خرجنا من المعرض: ماذا يقدم الفنانون المصريون لو طلب إليهم أن يقيموا معرضًا لفن الطيران؟ وللقارئ أن يجيب إن كان يحضره جواب. ولكننا سنصل بعون الله وعزيمة الأمة إلى مساماة من سبقونا إلى التحكم في ممالك الهواء.

الفصل الخامس والثلاثون
عودة الجنس اللطيف


الحمد لله والحب! فقد عاد الجنس اللطيف. ومن أين عاد؟ عاد منهزما من حرب البدع الجديدة بدع الأعوام القريبة التي حاول فيها الفتيات أن يكون لهن أشكال الفتيان بلا فرق ولا تمييز فقد مرت بباريس فترة كانت الفتاة هي الفتى في كل شيء: في ترجيل شعره، وتصفيف طرته، وترتيب هندامه. وكان الفتى في حيرة من أمره لا يدري ماذا يصنع ليتميز عن الفتاة، وليس في مقدوره بالطبع أن يلجأ إلى الفارق الطبيعي يعلنه ليعرف الناس أنه فتى لا فتاة!
عاد الجنس اللطيف إلى إرسال الشعر، فانفتح باب الأمل أمام الشعراء ليتغزلوا من جديد في الجدائل الذهبية — فليس هنا شعر فاحم مع الأسف الشديد — وعاد الجنس اللطيف أيضًا إلى إعفاء النهود من الكبس والتجفيف، فعادت الطبيعة ترينا رمان الصدور بجانب تفاح الخدود. وغضت الفتاة النظر عن التمادي في تلك الضلالة العمياء، ضلالة الرجولة في جسم الأنوثة، وصارت تمشي وهي ضعيفة الخطو مِكسال، فتنقل القلب من مكان إلى مكان، وعرفت قيمة الحياء والخفر وتبينت أن سلاحها الحق هو نعومة الضعف لا خشونة القوة، فمضت تتثنى وتتكسر في رقة دونها أخواط البان.
•••

كانت مشكلة الأمس هي مشكلة الشعراء الذين حرمتهم المرأة المترجلة من عرائس الشعر والخيال، وقد فُضت هذه المشكلة والحمد لله، ووجد الشعراء أماكن القول. أما مشكلة اليوم فهي مشكلة الحلاقين، فقد زاد هؤلاء زيادة غير معقولة بسبب إقبال النساء والبنات على قص الشعر، وقد مضت بدعة الشعر المقصوص، فمن أين يعيش جيش الحلاقين العرمرم؟ هذه هي المشكلة، أو لك هي النقطة، كما يقول لافونتين. ولكن لا خوف، فالله عز شأنه يقول: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا — وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ!

الفصل السادس والثلاثون
ليلة على شاطئ المانش


?? سبتمبر سنة ????
أخي الأستاذ أنيس ميخائيل
أكتب إليك هذه الرسالة من «رُوان» مدينة الماضي والأحلام والفن الجميل، ولعلك تسأل كيف هويت إلى هذه البلاد. وإني لمخبرك بأني ضجرت من باريس، وفكرت في اختبار الأقاليم الفرنسية، لأرى كيف يعيش أهالي الريف. وأرشدني أحد أصدقائي الفرنسيين إلى نورمنديا، أغنى الأقطار الفرنسية وأقربها إلى سحر الطبيعة، وأحفلها بالغابات والحدائق والبساتين. وهي سياحة فنية خالصة لا يشوبها إلا غرض واحد، ولكنه غرض علمي، هو زيارة المسيو ديمومبين في هوتو، وقد رأيت أن أمضي أولًا إلى الهافر ثم أعود منها إلى روان. ولا تسأل كيف كان جمال الطريق، فقد تأنقت الطبيعة تأنقًا لا مثيل له في هندمة نورمنديا وتتويج حُزونها وسهولها ووديانها بكل رائع شائق من الأزهار والأشجار وخمائل الكروم، ففي كل واد، وفي كل نجد، وفي كل سهل، ترى المنازل الريفية الصغيرة منثورة في سحر وروعة كأنها أمان مجسمة تركت مهادها من القلوب واحتلت بساط الخضراء، وحيثما ألقيت بصرك من نافذة القطار رأيت الأهالي ناعمين وادعين ومن حولهم مواشيهم وأطيارهم وما جمعوا من طيب المحصول. وقد عرفت بهذه السياحة النورمندية كيف اتفق لبرناردين دي سان بيير أن يكون شاعر الطبيعة، وأن تزاحم مؤلفاته مؤلفات جان جاك روسّو، فإن لمناظر الوطن الأول وذكرياته أثرًا قويًّا في تكوين العقل والحس والخيال
لقد طال بي الطريق ووصلت الهافر عند غروب الشمس، وكان أول ما فكرت فيه أن أبدأ بتناول العشاء، وكنت سمعت أن أهالي نورمانديا يمتازون بالبراعة في طهي الطعام، ومع أني قليل الاهتمام بهذه الشئون المادية قد تعلمت من الفرنسيين كيف أتأنق في تخير طعامي وشرابي، فالقوم هنا لا يرون في الطعام والشراب ما نراه في مصر من أنه للإنسان كالبنزين للسيارة يتُخذ لوجهة نفعية صرفة لا أثر فيها للذوق. كلا، وإنما تمضى المطاعم والمشارب على أنها شئون ذوقية روحية يتدخل في تكوينها الفن والذوق والإحساس. وكلمة cuisiue لها عندهم مدلول قلما نفهمه في الشرق عندما تذكر كلمة (طبيخ) التي تثير السخرية كلما جرت على اللسان. واسمح لي بهذه المناسبة أن أصارحك أني كتبت لجريدة المساء مقالًا عن أحمد بن يوسف المصري، فلما ذكرت مؤلفاته لم أشأ أن أشير إلى كتابه في (الطبيخ) فرارًا من سخرية القراء. ولا مانع أيضًا من أن أصارحك بأن الأقدمين كانوا يقولون: «قل لي من تصاحب أقل لك من أنت»، وعبارة أهل هذا الزمان في أوربا: «قل لي ماذا تأكل أقل لك من أنت»؛ لأن أثر الطعام في تكوين العقل والحس والذوق أعمق من أثر الرفيق والعشير. وإني لأرجو أن تصل إليك هذه الرسالة في لحظة تكون فيها «مفتوح الشهية» حتى تتذوق ما أقول! كانت أكلة لذيذة في مطعم المحطة بالهافر، مضيت من بعدها أبحث عن مأوى في أحد الفنادق، ولكن كيف والفنادق قليلة وليس فيها مكان واحد غير مشغول، لقد قضيت ساعتين كاملتين أبحث عن مكان أضع فيه أمتعتي، وأبيت فيه، ولكني لم أجد شيئًا، فرأيت آخر الأمر أن ألجأ إلى البوليس أسأله كيف ينام الغريب في ليلة مطيرة باردة على شاطئ المحيط. فأسرع البوليس إلى التليفون وأخذ يستعلم من جميع الفنادق عن غرفة أي غرفة يقضي فيها أحد القادمين سواد الليل، فأجيب بأن الفنادق كلها مشغولة وقد يرجى أن توجد أماكن خالية غدًا أو بعد غد إن كان هذا القادم من الصابرين. وهذا الصبر يا صديقي شيء يتواصى به الناس ولكنهم لا يعرفونه، وكيف يصبر من قضى نهاره في السفر على قضاء الليل هائمًا يتنقل من مشرب إلى مشرب ومن ناد إلى ناد! وقفت قليلًا أتدبر أمرى في مثل هذه الأزمة المفاجئة التي لا تمر ببال من يقدم إلى ثغر من الثغور الأوربية ثم رأيت أن أضع حقيبة السفر في مكتب الأمانات بالمحطة، وأن أعود إلى المدينة أقضى فيها الليل ساهرًا على أي حال.
ولكن هذا الإخفاق لم يمنعني من المحاولة، والمرء يعجز لا المحالة، فأخذت أسأل الناس في طريقي عن منزل آوي إليه فساقتني المصادفة إلى سيدة عَوان، فقلت: هل من مأوى يا مدام؟ فأجابت: عندي إن شئت! فقلت: بكم؟ فأجابت: (المبيت وكل شيء بمائة فرنك) فأطرقت استحياء وقلت في نفسي: المبيت مفهوم. ولكن (كل شيء) هذا ما معناه؟
إن كل شيء اسم لمجلة مصرية، ولكن يظهر أنه هنا اسم لشيء آخر معلوم! ثم رفعت بصري إليها وقلت: المبيت فقط يا مدام، والله الغني عن كل شيء! فقالت: من أين قدمت؟ قلت من باريس. فقالت: ولكن مع هذا يظهر أنك أجنبي عبيط! فقلت: تشتميني في بلدكم! الله يسامحك يا مدام! وخليتها وانصرفت.
وبعد لحظات رأيت سيدة تتوجه إلى جماعة في قهوة وتقول: إن سألكم سائل عن مكان للنوم فأرسلوه إلينا فإن لدينا غرفة خالية. فتقدمت إليها وقلت: أنا ذلك السائل المنشود! فأجابت على الرحب والسعة. ومضيت معها بقلب فرح طروب، ولم أكد أدخل تلك الغرفة حتى تقدمت إلى فتاة تسأل أن كنت أشكو البرد وأحتاج إلى وقود. فتلفت فإذا فتاة هيفاء، ساحرة الطرف أسيلة الخد، واضحة الجبين، لا أذكر أني رأيت مثلها في باريس. فاندفعت في طيش ونزق أقيدها بأسباب الحديث، وقلت: أنت نورمندية يا مدموازيل؟ فأجابت: لا، ولكني بريتانية. فقلت: يا للشرف؟ أنت إذن بلدية إرنست رينان؟ فقالت: ومن هو إرنست رينان؟ فقلت: الفيلسوف الكبير مؤلف كتاب مستقبل العلم، وكتاب حياة المسيح. فقالت: لا أعرفه. قلت: عجبًا، إن الشيخ بخيت يعرفه وقد نقض فلسفته في محاضرة ألقاها بالجامعة المصرية سنة ????، فقالت: ومن الشيخ بخيت؟ فقلت: تجهلين هذا أيضًا؟ هذا فيلسوف عظيم، وهو صاحب كتاب (منحة العبيد في علم التوحيد) وكتاب …
ولم أكد أصل إلى هذا الحد من المحاورة حتى سمعت الجرس يدق دقًّا عنيفًا متواليًا وإذا ربة المنزل تصيح: ماري! انزلي، ماري! انزلي، ليست هذه ساعة التلكؤ والفضول … ونزلت الفتاة مسرعة، وعرفت أن ربة المنزل لئيمة، وأنها أبخل وأضن وأحقد من أن تسمح لزائر بمحاورة هذه الشقراء الهيفاء، فأسررتها في نفسي وأقسمت لأتركن هذه الغرفة لتصفر فيها تلك العجوز الشمطاء … ثم خرجت متعللًا بأن الغرفة لا توافقني لأنها تطل على الفناء، وكنت أحسبها تشرف على الميدان …
ولكن إلى أين أذهب والمطر ينسكب بشدة كأفواه القرب بحيث لا تغني في دفعه المطرية — ولا أقول الشمسية لأنا هنا نتقي بها المطر لا الشمس! — إلى أين يذهب الغريب في هذه المدينة الموحشة وقد انتصف الليل أو كاد!
إلى شاطئ المانش لأرى ما يفعل ذلك الأهوج المجنون بالسفن، ولا تستكثر هذا الوصف فإن الذي لا يرى المانش لا يعرف كيف يكون جنون البحر وهوج الرياح، وأن السفن لتكاد تتحطم على الشاطئ من قسوة الأمواج. ولا تسأل كيف قاسيت في تلك الليلة، فإني لا أذكر أني قضيت ليلة أطيب منها ولا آنس ولا أروح في حياتي، وقد عذرت عشاق الطبيعة الصاخبة وعرفت كيف يكون طعم الحياة في مواجهة الأخطار، وعرفت إلى أي مدى يجني المترفون على أنفسهم حين يأبون إلا أن يعيشوا في كنف الطمأنينة والهدوء.
وشد ما كان صدري يثور بالنشوة والطرب كلما تصورت أن الحياة أتاحت لي أن أعيش ليلة على النمط الذي كان يعيش عليه شعراء الإغريق! وكم خاطر شعريّ طاف بقلبي! وكم أمنية عذبة مرت بالنفس وكادت تحملني على أن أتحول إلى بحار يبحث عن أسباب رزقه في مصاحبة ذلك العُباب المجهول!
فلما كانت الساعة الثالثة صباحًا نزلت إلى اليم أنظر ما يفعل الصيادون، وهم هناك مئات بين رجال ونساء وصبية وكهول، يجمعون ما تسمح به الشواطئ من مختلف الأسماك. وساعة واحدة بين أولئك القوم تشعرك بجمال النشاط والسعي في طلب الرزق الحلال، وحياتهم كذلك صورة صادقة للإنسان القديم. فقد تغير كل شيء إلا هذا النمط من استغلال شواطئ البحار. فأي شيء هذه الحياة الرادعة التي نحياها في سجن ما أبدعت المدنية من ألوان التقاليد؟ وأين نحن من ذلك المرح اللاجب الذي يحيا في ظلاله من يعيشون على سواعدهم من شياطين الصيد. لقد ظللت في هذه النزهة الطبيعية إلى مطلع الشمس، ثم عدت إلى المدينة فوجدتها لا تزال أمامي أضيق من سم الخياط، فأخذت القطار إلى رُوان.

الفصل السابع والثلاثون
اختيال الطاووس


خواطر عن عالم الطير وعالم الحيوان


أول إبريل سنة ????
ليس لدي ما يمنع من الاعتراف بأني لم أر الطاووس وهو ينشر جناحيه زهوًا واختيالًا إلا منذ يومين. وللقراء أن يسألوا أنفسهم متى رأوا مثل هذا المنظر الأخاذ بالأبصار والقلوب، فقد يكون فيهم ألوف لم يشهدوا الطاووس وهو يزهو ويختال.
ولقد أحيا في نفسي ذلك المشهد حسرة قديمة طالما غزتني بصنوف الآلام لتقصيري في دراسة الطير والحيوان. ثم سكنت قليلًا حين تذكرت أنني لم تفتني دراسة الحيوان جملة واحدة، فقد اهتممت كثيرًا بدراسة الحيوان الناطق الذي اسمه إنسان! وإني لأعلم عن ذلك الحيوان الذي يمشي على أربع وهو طفل، وعلى اثنتين وهو شاب، وعلى ثلاث وهو كهل، ما يندر أن يعرفه باحث سواي. فقد عرفت من أشتات الأصحاب والألّاف والزملاء والجيران والمنافسين والحاقدين والخصوم والأعداء ما يكفي في مادته لوضع كتاب في خمسين مجلدًا أو يزيد.
على أن الأدب الذي شُغلت بدرسه وقضيت فيه أنفس أعوام شبابي ليس شيئًا آخر غير دراسة أوهام الحيوان الناطق وأحلامه وتصوراته، وكيف يحب وكيف يحقد، وكيف يخطئ وكيف يصيب. وقد ابتلاني الله بطوائف كثيرة من الدساسين والكائدين واللئام فكانت فرصة عظيمة لفهم غرائز هذا الحيوان وطبائعه ونحائزه وميوله وأطماعه. ويظهر أن الله جلت قدرته قد شاء أن أكون على شيء من العلم بطبائع النوع الناطق من الحيوان، فأنا أستطيع أن أقرأ خواطر الناس في وجوههم وعيونهم، وأستطيع أن أفهم ما يضمرونه حتى عن أنفسهم، وما يدسونه بين السطور وفي ثنايا الحروف. وإني لأجد في درس بني آدم لذة لا تعدلها لذة، لأنهم قد يكونون أرقى أنواع الحيوان، فإن لم يكونوا أرقى فهم على الأقل يحسنون النفاق، والنفاق دليل الانحطاط ولكنه في الوقت نفسه دليل الذكاء.
وأي لذة أطيب وأشهى من أن ينافقنا إنسان وهو يحسب أنه أتقن دور الخداع، ثم ينصرف في اختيال الظافر في حين أننا فهمناه، وعرفنا ما كان من أمره وما سيكون!
على أنه ما الذي يفتننا ونحن ندرس الطير والحيوان؟
أليس مرجع تلك الفتنة العلمية ما نجده من الشمائل الإنسانية في عالم الطير وعالم الحيوان؟
ما الذي يروقنا من البلبل؟
إنه لا يروقنا منه إلا مظهر واحد هو قدرته على التلوين والتنويع في أغاريده بحيث يمكن أن يقال إنه فنان. فهو لا يسجع اتفاقًا وعلى وتيرة واحدة كما هو شأن الطير المغرد، ولكنه يفتنّ افتنانًا شائقًا ويتنقل من لحن إلى لحن، ومن صوت إلى صوت، وهو في ذلك كله يملك من أمره ما يملك الإنسان ذو الصوت الحنون.
وهناك حيوانات يفتننا درسها أشد الفتنة، وهي الحيوانات الماكرة الخبيثة التي تذكر بإخواننا بني آدم، عفا الله عنهم! فهل رأيتم الدبّ يا حضرات القراء؟
أما أنا فقد تشرفت بمقابلته اليوم وأنا أستعد لكتابة هذا المقال، وأغرب ما راقني منه أنه يبسط كفه من بين قضبان الحديد يلتمس بر الزائرين الذين عودوه قطع السكر والخبز والفطير، وتظهر على وجهه أمارات القلق والحيرة والعتب كلما أخلفه الناس ما عودوه. وقد انتظر طويلا في صباح هذا اليوم عطف المتفرجين ولكنه لم يفز بطائل، فمضى إلى الحوض يستحم! وهنا أحدثكم أنه كان يضع رأسه تحت صنابير الماء ثم يمد يديه فيمسح شعره ووجهه وأنفه بطريقة إنسانية محضة كادت تحملني على الاقتناع بأنه آدمي ممسوخ!
وقد تحدثت مع صديق لي عن هذا الدب الألوف الذي يخطب وداد الناس فقال: ألوف؟ احذر أن تتوهم ذلك؛ فقد قتل اثنين من الجنود في العام الفارط. فقلت: كيف؟ فأجاب: سقط من أحدهما شيء في هذه الحفيرة، ونزل يلتمسه فهجم عليه الدب وافترسه، ونزل رفيقه لإنقاذه ولكنه لم يسلم من مخالبه. وكانت لحظة فكرت فيها في هذا الدب الخائن الذي يبسط كفيه في ذلة يلتمس الطعام من أيدي الآدميين، حتى إذا كانوا عنده جزاهم شر الجزاء! أليست هذه شمائل إنسانية؟ قولوا الحق أيها القراء. فكم ناس وفينا لهم وفديناهم بأنفسنا سرًّا وعلانية، ثم كان مثلهم معنا مثل الدب مع الجندي المنكود!
وقد شغل العلماء أنفسهم بدرس القرابة بين الإنسان والقرد، ومثل هذا الدرس جدير بأن يقدم للباحث أمتع اللذات، ففي الحق أن القرد يملك كثيرًا من الشمائل والغرائز الإنسانية، وتكوين وجهه وحاجبيه وعينيه مما يقوي الشبهة في أن الإنسان قرد تطور إلى الرقي، أو أن القرد إنسان تطور إلى الانحطاط.
وإني لأذكر أن أحد الأصدقاء من أساتذة كلية العلوم في باريس حدثني مرة أنه لاحظ في إحدى سياحاته بالأصقاع الأفريقية أن طائفة من القرود تنتظر شروق الشمس بما يشبه صلاة الصبح عند الإنسان، وذلك أنها تقف وأيديها مرفوعة إلى السماء بما يشبه القنوت
أذكر هذا، وأذكر بجانبه أننا لا نعرف أشياء كثيرة عن الصلة بين القرد والإنسان، ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن اهتمامنا بدراسة القرود مرجعه إلى ما ندهش له من شمائلها الإنسانية، وخاصة حين تتناول الطعام والشراب
وهناك عالم الطير، ذلك العالم العجيب الذي ملك أقطار الهواء.
ومن ذا الذي ينكر أننا حين ندرس الطير إنما نبحث عما بيننا وبينه من المشابهات والمقاربات، ألم تجر الأمثال في جميع اللغات بما يمثل غرائز الطير تمثيلًا يقربها كل التقريب من طبائع الناس؟
ألسنا نستأنس حين نرى طبائعنا مصورة في نحائز الطير: فهذا طائر جارح ينتزع غذاءه وهو يصول، وذلك طائر وديع يطلب غذاءه في رفق واحتيال، وتلك أسراب تغدو خماصًا وتروح بطانًا حيث يرزقها الله كما يفعل فريق من المتوكلين.
تلكم أيها القراء خواطر عللت بها نفسي حين رأيت قصوري عن فهم عالم الطير والحيوان، فالإنسان في رأيي هو مجموعة كاملة لشتى المخلوقات، وأنا قد عرفت الإنسان وفهمت غرائزه وميوله وسجاياه. وما قيمة القلم إن لم نستطع الدفاع عن جهلنا بما في هذا الوجود من طير أو حيوان أو نبات أو جماد؟ لقد فتحت الباب على مصراعيه لمن يريدون أن يخدعوا أنفسهم ليقنعوا بوهم الظن حين يفوتهم علم اليقين!
وأعود فأتكلم عن الطاووس الذي حملني على كتابة هذا المقال.
الطاووس طائر ذو جناحين، ولكنه لا يستطيع النهوض لأن ريشه عبء ثقيل، وهو طائر ذو كرامة ينفر من الابتذال، وهو الطائر الوحيد الذي رأيته في حديقة النباتات في باريس يتعفف عن هدايا الزائرين، فقد تلقى إليه قطع الحلوى فيتعامى عنها في أنفة وكبرياء.
وريش الطاووس مشهور بالحسن، ويكاد صدره يفعل بالناظرين ما تفعل الصهباء بالألباب، وليس شيء يجلّ عن الوصف بقدر ما يجل صدر الطاووس. والناظر الذي ألف ذوقه أن يقتات من الحسن لا يدري كيف يواجه تلك الفتنة العجيبة التي وهبها الله لذلك الطائر العزوف.
ولقد طال ارتيادي لوادي الطير في حديقة النباتات، وكان الطاووس في كل مرة هو أفتن ما أرى، ولكن كان يضايقني منه شيء واحد هو تعقله، والتعقل هو أشد ما يؤذينا من أهل الجمال
غير أني دهشت في الزورة الأخيرة؛ فقد رأيت الطواويس كلها في فرح يشبه الجنون لتوديع الشتاء واستقبال الربيع، ولأول مرة رأيت كيف يعجب الطاووس بنفسه وكيف يفهم أنه من أجمل المخلوقات … رأيته وهو ينشر جناحيه في زهو واختيال ثم يدور على قدميه ليراه الزائرون من جميع الجوانب، وفي هذا ما يدل على أنه يشعر بجماله، وأنه بذلك مفتون.
وله لحظات يقوم فيها برعشات كهربائية يسمع لها صرير يشبه حفيف الريح بين الأوراق. وأقول يشبه فقط؛ لأن تلك الرعشة الكهربائية التي يقوم بها الطاووس تعرض على الناظرين ألوانًا فتانة من ريشه الجميل. وهذا الجانب من زهو الطاووس يدق عن الوصف والتمثيل، ولا يدرك قيمته إلا من يراه، ولا يملك جمهور المتفرجين إلا جملة واحدة يكررونها في تواتر وانجذاب، إذ يقولون: ما أجمله! ما أجمله!
الطاووس طائر رقيق الذوق، وله عواطف وأهواء، وهو في عالم الطير يشبه الشاعر في عالم الإنسان.
ليس للطاووس قلم يستهوي به أهل الجمال كما يفعل فريق من الكتاب والشعراء، وليس لديه قيثارة يغزو بها القلوب كما يفعل الموفقون من أهل الفنون، ولكنه يملك تلك الرعشة الكهربائية حين يبسط جناحيه، فهو يتقرب بها إلى من يهوى في عالم الطواويس.
فيا ليت شعري وقد فهم كيف يكون الغزل، أهو أيضًا يفهم كيف يكون الأسى وكيف يكون الأنين؟ وهل كتب عليه يومًا أن يرى كيف تكون حسناته ذنوبًا عند بعض الأسراب؟
إني لأحنو على الطاووس أيها القراء، فهو فيما رأيت يُعنِّي نفسه في نشر محاسنه، وتظهر في سيماه علائم القلق في سبيل الوصل. فإن كان هو أيضًا يخفق كما يخفق بعض الناس فليست الدنيا إذًا إلا دار شقاء للجميع!
بك بعض ما بي أيها الطائر الجميل، وليس لديّ بعض ما لديك من آيات الحسن والإشراق.
أنت تملك ذلك الريش الأخضر البراق، وأنا أملك ذلك القلم الأسود المقصوف فيا بعد ما بيني وبينك حين تقوم النفائس والأعلاق!
كلانا غريب في هذه الديار، ولكن الحسان تسعى إليك أسرابًا أسرابًا في الضحى والأصيل، أما أنا فأتعقب الحسان من ملعب إلى ملعب، ومن بستان إلى بستان، ثم أعود وليس لدي ما أذهب به وحشة الليل غير ترتيل ما قال المعذبون من شعراء الوجدان …
وسلام الله على كل ساهر الجفن مفطور الفؤاد!

الفصل الثامن والثلاثون
نزهة في طيارة


? ديسمبر سنة ????
وأخيرًا طرت مع الطائرين!
في هذه الأيام افتتح معرض الطيران في القصر الكبير بالشانزليزية، وكان لا بد أن أزور ذلك المعرض لأرى الفرق بينه وبين المعرض السابق الذي شهدته سنة ???? ولأعرف إلى أي مدى تقدمت المعدات لامتلاك ناصية الهواء. ولكني رأيت من القصور أن تظل صلتي بالطيران صلة ضعيفة لا تعدو مشاهدة الطيارات وهي جاثمة في الجراج، وكذلك صممت على أن أطير أولًا قبل أن أزور معرض الطيران، وتوجهت مسرعًا إلى مطار بورجيه، عليه تحية وسلام.
ولا أدري كيف بدا لي أن أخبر بعض أصدقائي من أساتذة السوربون عما اعتزمته من تلك النزهة الجوية، فقد قال قائلهم في لطف: هل كتبت وصيتك؟ وكان سؤالًا لا بد منه في عهد لا يزال فيه الطيران طفلًا في المهد ولا يزال يتأثر بالجو، ويعيش في تقية من الأمطار والرياح فضلًا عن الزوابع والأعاصير. من أجل هذا تخيرت يومًا مُشمسًا ضاحيًا لا سحاب فيه ولا ضباب، وكان أمس الخميس ? ديسمبر من الأيام الساجية الضاحكة في أرض قلما يبدو فيها يوم سجسج مقبول.
إن الفرنسين يسمون المطار port وهو كذلك يشبه الميناء. وشعور القادم على مطار بورجيه يشابه شعوره حين يقدم على ميناء مرسيليا أو إسكندرية أو بور سعيد، وليس بين المطار وبين الميناء من فرق إلا أن المطار يواجهك في هدوء وسكون، ولا كذلك الميناء حيث تصطدم بصفير البواخر وأصوات الملاحين. ومطار بورجيه مطار فسيح جدًّا يمتد إلى أبعد ما تسرح العيون، وفيه جراجات عديدة تأوي إليها الطيارات. وكان يوم أمس موعدًا لقدوم بعض الطيارات من لوندرا. فقدمتْ بلا لَجَب ولا ضوضاء، ونزل راكبوها إلى المقصف في وداعة وهدوء، كأنما قدموا من باريس. إن الطيارة التي ركبناها طيارة صغيرة تسمى Ajub ليس فيها مقاعد لأكثر من عشرة أشخاص، ولم يفُتني أن أقول حين ركبت «بسم الله مجراها ومرساها، إن ربي لغفور رحيم» ومرّ بالبال كل ما جرى لسيدنا نوح عليه السلام، وأنا رجل كثير الذنوب كنت أخشى أن يكون حان حين التكفير، ولكني نجوت فاعتقدت بحق أن الله غفور رحيم! كانت لحظة رهيبة حين أغلق الباب وحين أيقنت أننا صِرْنَا أن تطول لِنَظَلَّ في رحاب الأرض التي منها خلقنا وإليها نعود؛ ثم أزَّت الطيارة أزيزًا شديدًا كاد يصم الأسماع فعرفنا أنها أخذت تشق الهواء.
لا تسل كيف كان شعوري حين حلقت بنا الطيارة، فقد كانت دهشتي عظيمة جدًّا حين لاحظت أن الطيارة أرفق بركابها من السيارة فوق الأرض ومن الباخرة فوق الماء، فسير الطيارة سير لين رفيق لا عنف فيه ولا اضطراب، وأكاد أقول إنها أرق وألين من المطايا الذلول التي تجوب البيداء. فما هو هذا الإنسان وكيف عقله وكيف خياله؟ إنه لمخلوق عجيب!
لقد شعرت بالعزة الإنسانية حين توغلنا في آفاق السماء. وكنت من بين الراكبين كثير التلفت من النوافذ إلى ما تمر به من المنازل والقصور والميادين والحدائق والبساتين، فراعني أن شعوري بجمال الطبيعة كان أعمق ما مر بي في حياتي. وأيقنت أن الطير أكثر نعيمًا منا، وأدق إحساسًا، وأعمق شعورًا، وأبصر بمواقع الحسن، وأعرف بمواطن الجمال. وكيف لا وأنت على الأرض لا تدرك من الطبيعة إلا بعض الجوانب، حتى إذا أشرفت عليها من فوق رأيتها كاملة في زخارفها وتهاويلها ونقوشها وصورها وجميع ما تتحلى به من الحسن المجلوب، والجمال الموهوب. وإن نظرة إلى بعض مناظر باريس التي أخذت من الطيارة لتريك الفرق البعيد بين المنظرين: منظر يؤخذ من مصور يقف على الأرض، ومنظر يؤخذ من مصور يطل من ناحية السماء.
ركبنا الطيارة قبيل الغروب فتمتعنا بمشاهدة ما أشرفنا عليه من بدائع الأرض دقائق معدودات، ثم غربت الشمس وأسلمتنا إلى الظلمات، وبقي القمر يساهرنا ونساهره فيما بقي من نزهتنا القصيرة. والقمر في هذه البلاد قليل السلطان، يبدو في غمرة من النحول والشحوب؛ لأنه لا يصل إلى الغرب إلا بعد أن يضنيه المسير، كما أفترض أن يقول الشعراء، وعدنا نتلفت إلى الأرض فيروعنا ما في الشوارع من المصابيح، وكان لذلك روعة في نفوسنا لا تقل عما يشعر به المتطلع إلى نجوم السماء.
•••

لقد أفهمتني هذه النزهة معنى قولهم «ساعة سعيدة»، فقد كانت لحظاتي فيها من أسعد اللحظات.
ولكن خاطرًا واحدًا أزعجني وأثار قلبي من هدوئه وألقى بنفسي في لجة من القلق والاضطراب. فقد تذكرت أن هذه المحدثات العجيبة بأيدي أهل الغرب ومن صنع أهل الغرب. وأهل الغرب لئام تطغيهم القدرة، وتعميهم النعمة، ولن تكون هذه المبتدعات في أيديهم إلا وسائل إفناء وإهلاك وتخريب وتدمير. وتذكرت الطيارة التي ألقت قذائفها فوق مدينة القاهرة أيام الحرب، والتي قال فيها حافظ إبراهيم خمسة أبيات. وقد قيل يومئذ إنها طيارة ألمانية. ولا أعرف لأي سبب افترضتُ إذ ذاك أنها طيارة إنجليزية أرادت أن تفهمنا أننا في خطر، وأنه لا بد لنا من حماية الحلفاء، ذلك كان افتراضي وقد أكون من الواهمين!
أهل الغرب لا يوفون إن عاهدوا، ولا يصدقون إن وعدوا، ولا يبرون إن أقسموا، وإنهم لمغرمون بنقض العهود، وتمزيق المواثيق. ولست في هذا المقام بحاجة إلى تذكير قرائي بالسبعين وعدًا التي ظفرنا بها من ساسة الإنجليز، فقد يقال: إنهم سيصدقون وإنهم عما قليل ليصبحُن راحلين، ولكني أذكر من شاء أن يتذكر ممن خالطوا الأجانب في زراعة أو تجارة أو صناعة، أو شاركوهم في جد أو في هزل، أو عرفوهم في صداقة أو في خصومة، إني أذكر من خبروا الأجانب بعض خبرتي لهم، علّهم يتذكرون جميعًا أن كل من يمت إلى أهل الغرب بصلة قريبة أو بعيدة إنما هو إنسان خادع، ماكر، خبيث، لا عهد له ولا أمان!
وقد شاع اعتقاد أن مطامع الأجانب لا تتمثل إلا في حكوماتهم، أما الأفراد فهم ملائكة أطهار! وهذا كلام لطيف يصح أن يقال ويعاد في القهوات، حيث يتكلم الفارغون عن كل شيء، ويخوضون في كل حديث! والواقع غير ذلك، الواقع أن الأجانب نفعيون، وأنهم لا يتقدمون ولا يتأخرون إلا وفي أنفسهم غرض دفين.
فهل من الإثم في شيء أن أروض قومي على أن يفهموا أن لهذا العصر أخلاقًا وآدابًا تغاير ما عرفوا من أخلاق وآداب، وأنه لا بد لمن يريد أن يعايش أهل هذا الزمان أن يكون في مثل لؤمهم وبغيهم، وأن يكون له ما لهم من قوة البر والبحر والهواء.
إنني لأكتب هذا بعد ما عرفت عن قرب أن هذه السنوات العشر، سنوات السلام، لم تكن إلا ضرورة قضت بها الظروف، فإن الدول هنا يتقى بعضها شر بعض، ولولا تعادل القوى وتكافؤ المعدات الحربية لكانت هذه السنوات أيام لَأْواء.
كانت ساعة سعيدة لولا هذا الخاطر المزعج، ولكن من يدري لعل هذا الخاطر كان أنفس ما مر في تلك الساعة، فقد آن أن نشب عن الطوق وأن نعبر عن إحساساتنا بغير عبارة الأطفال إذ يقولون حين يبتهجون: يا سلام! يا سلام!
عادت الطيارة إلى بورجيه، ورأيت أن أرى ما هنالك من مختلف الطيارات والمحركات، وصحبني صديق فرنسي من أعضاء اتحاد الطيران، ولسان حاله يقول: «تفرج وشوف، فهذا فنار في قوة عشرين ألف شمعة؛ وهذه طيارة تاكسي. وهذا دليل الجو، وهذا مرشد الطيار الحائر في الضباب، إلى آخر ما رأيت من تلك الأعاجيب.
ثم رأيت أنني أمسيت، فأخذت سيارة إلى باريس، وأنا أردد قول شوقي
أرى طوفان هذا الغرب يطغىوأهل الشرق سادته نيامفإن لم يأتنا نوح بفُلكعلى الإسلام والشرق السلامُغمز لا يجدي

كان على يميني في إحدى المحاضرات الليلية، سيدة وكان بيدها، شهد الله، قلم وقرطاس، لتدوين ما يقول المحاضر، ولكنها بعد لحظات استسلمت لمغازلة النوم ثم أخذت تغط غطيطًا منكرًا وصل صداه إلى المحاضر حتى خفت أن يأخذه التهويم. ومن وقت إلى وقت كانت تستيقظ على دوي التصفيق فتسرع إلى القلم وتشرع في تسويد القرطاس، ثم تعود إلى النوم والغطيط.
وقد أزعجني شخير تلك المرأة وفكرت غير مرة في غمزها لتصحو، ولكنها كانت عجوزًا فانية. ولا فائدة من (غمز) العجائز الفانيات!

الفصل التاسع والثلاثون
يوميات عيد الحرية في باريس


كيف تُدعى الأمم إلى الجهاد — المراقص العمومية — أساس الأخلاق — جنود الجزائر — حفلة الألعاب النارية على شواطئ السين — الأمل في خلاص وادى النيل.
?? يوليه سنة ????

لقد شهدت مقدمات عيد الحرية، ففي كل شارع وفي كل ميدان وفي كل مورد من موارد اللهو والقصف تُقام شعائر الفرح وبشائر الابتهاج، وقد أعدت المراقص العمومية في الشوارع وفي الميادين، وأخذ الناس يرقصون، ولكن لم أشهد في المراقص غير الأطفال، فكلما صدحت موسيقى الرقص انطلق الصغار كأسراب القطا يرقصون رقصًا ينقصه الفن، ولكنه في سذاجته جميل جذاب. ولعلهم كانوا يعجبون كيف خلا الميدان من المنافسين الأشداء الذين يعرفون كيف تكون المخاصرة، وكيف يضم الصدر إلى الصدر والساق إلى الساق، ومثلهم في ذلك مثل الأطفال في مصر تقام أمامهم الأعلام والأقواس في الموالد العمومية، فيذهبون فرحين مستبشرين ثم يرون المولد خِلوًا مقفرًا إلا من وثباتهم المرحة وجذلهم الفياض، ولو فهموا لعرفوا أن الكبار يشغلهم المولد بأشياء أخرى، فهذا تاجر ينظم عرائس الحلوى، وذلك مهرج يعد الألعاب والصواريخ، وهذا شيخ يفكر في استقبال مريديه وزائريه، وتلك سيدة «تبين زين وتدق الودع» وتكون الخلاصة أن الموالد فرصة تجارية عند الكبار، والصغار لا يفهمون ذلك، فهم يعجبون كيف يلعبون وحدهم من دون الناس!
وقد رأيت أن اختبر شعور الباريسيين نحو ?? يوليه فعجبت إذ رأيت كثيرًا منهم لا يأبهون له، ولا يحفلون بقدومه فتذكرت الحكمة العربية التي تقول: «الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يبصره إلا المرضى»، وكذلك يمكن أن نقول: «الحرية تاج على رءوس الأحرار لا يبصره إلا المستعبدون» فنحن الشرقيين الذين كتب علينا أن نعاني أهوال الظلم والاستبداد ننظر إلى عيد ?? يوليه نظرًا يختلف أشد الاختلاف عن نظر الفرنسيين الذين طال عهدهم بالحرية، وألفوا استعباد الشعوب.
قال قائل منهم: ما الفرق بين ?? يوليه و?? يونيه؟ إنهما سواء! وكتب أحد الصحفيين يقول: لقد أحسن محافظ المدينة في إعلان إباحة الرقص العام ثلاثة أيام؛ فإننا سنرقص وسنرقص لننسى في ساحات الرقص أثقال الضرائب!
أما أنا فقد أعطتني هذه الشواهد فرصة للتفكير. وقد وصلت إلى أن معاني الوطنية والقومية تحتاج إلى وفود، فالشعب الذي يعاني أزمة اقتصادية أو اجتماعية غير مستعد للتصفيق والهتاف لحادث تاريخي مرت عليه أجيال، فمن شاء أن يحرك الشعب فليرفع عنه عبئًا ضاقت بحمله كواهله، وليفتح أمامه بابًا من أبواب الرجاء، والرجل الذي لا يجد ما يشبع أمعاءه لا يهتز لما يغذي عواطفه. وأذكر بهذه المناسبة أن أحد الأساتذة قال لي مرة: لقد كان غذاء الجنود في الحرب الأخيرة أجمل غذاء شهده الشعب الفرنسي، فكان الجندي يجد من أنواع الشراب والطعام وأسباب اللهو والمجون ما يحبب إليه البقاء في الميدان.
وكذلك كان الإنسان كتلة من الأعصاب والحواس قبل أن يكون صاحب رأي أو مذهب أو عاطفة أو إحساس. ولست في هذا ممن يقدمون الغرائز الحيوانية على المعاني الإنسانية. ولكني أحاول كشف الحقائق في صورها الواقعة؛ ليعلم من لا يعلم أن الوطنية الباقية هي التي تبنى على أساس المنافع والمصالح المادية. فالشعب الذي تدعوه إلى الدفاع عن الحرية لأنها فقط معنى نبيل لا يصبر طويلًا على الجلاد والكفاح في تأييد المعاني الصرفة، أما الشعب الذي تفهمه وتصل إلى إقناعه بأن الحرية غرض مادي صرف، وأنه ينبغي أن يكون سيد نفسه وأن يفتح أمامه أبواب الرزق والغنى، فإنه يستبسل ويستميت لأنه يسعى إلى عمل محسوس ملموس. فمن كان في ريب من ذلك فليذكر كيف ساد المسلمون يوم كانوا يسعون لفتح ممالك الأرض وجني ما فيها من الخيرات والثمرات، فلما شغلوا بالتصوف ورياضة النفس على الزهد خملوا وضعفوا وضُربت عليهم الذلة والمسكنة، ولكن أكثر الناس لا يفقهون!
في ?? يوليه

ابتداء من الساعة الثانية بعد ظهر اليوم تغير الحال في باريس ونشط الجمهور للتمتع بعيد الحرية، وكانت موسيقى الرقص تصدح في كل مكان، وهي موسيقا لها جاذبية خاصة يرقص الناس عند سماعها من حيث لا يشعرون. فلما جاءت الساعة السادسة انصرف الناس إلى منازلهم يطلبون العشاء، وكنت على موعد من صديق فرنسي، فتعشينا معًا وحضرنا رواية هزلية تمثل خيانة الأزواج، وخرجنا قبل منتصف الليل نشهد المراقص العمومية.
فإن كان القارئ المصري لا يعرف ما هي المراقص العمومية التي تسمح بها الحكومات الأوربية في أعيادها القومية فلنذكر له أنها مراقص تقام في الشوارع والميادين، ولها حُرمة كبيرة لا تقل عن حرمة الصلاة عند المؤمنين. فإذا صدحت الموسيقا وتخاصر الراقصون كان حتما على مركبات الترام والأوتوبيس والسيارات أن تقف في خشوع حتى يتم الدور، فإذا تم تحركت خطوط المواصلات لحظة قصيرة، ثم يستأنف الرقص فيخشع كل ما في الوجود. ومن مزايا المراقص العمومية أنه لا يشترط تعارف سابق لمن تُراقصها من الفتيات، فلك أن تهجم متى شئت لتخاصر من تشاء من ناعسات الجفون. ولا عيب في هذه المراقص إلا أن الرجال أحيانًا يكونون أقل عددًا من النساء فترى مع الأسف الشديد فتاتين تتراقصان، مع أن الرقص كالحب يحتاج إلى رجال وحبال! وهذا يذكر بما نراه في بعض مراقص القاهرة حين يكون النساء أقل عددًا من الرجال فنشهد رجلين يتراقصان، والجمع بين النظيرين جميل إلا في هذه الأحوال!
طفنا كثيرًا حول المراقص وكان أبدع مرقص شهدته في ميدان السوربون. كان الراقصون والراقصات يعدون بالمئات، وكانوا يرقصون في زحام شديد جدًّا تنقل فيه الخطوات ببطء شديد. كان هذا يجري أمام الجامعة حيث كان تمثال أوجست كونت محور المرقص. ولا موجب للتفكير فيما يمر بذكرى ذلك الفيلسوف العظيم، فهو أيضًا بلا جدال قد أغرق شبابه في لجة الفتون، فمن العدل أن يغضي الطرف في عالم الأبدية عن ألعاب الجيل الجديد.
أتريدون الحق أيها القراء؟ أنا والله في حيرة مما أشهد في أعياد باريس، هذا الرقص العام هادم لصروح الأخلاق، ولكن الناس هنا لا يلتفتون إلى ذلك. أفتكون الأخلاق أمورًا نسبية؟ أو تكون كالنباتات لها أقاليم ولها أجواء؛ فبعض الأخلاق ينمو في مصر، وبعضها ينمو في الشام، وبعضها يتحول لونه وطعمه إذا نقل من أرض إلى أرض؟
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ
في ?? يوليه

ماذا رأيت في يومي هذا؟ ستمر الأعوام ولا أنسى.
لقد شهدت استعراض الجيش، ورأيت رئيس الجمهورية الفرنسية وبجانبه سلطان مراكش، وباي تونس، وشقيق إمبراطور اليابان، فرأيت كيف تكون عظمة الأمم التي قدر لها أن تملك وتسيطر وتسود.
وكان من أهم المناظر التي طرب لها أهل باريس استعراض فرق الجزائر التي قدمت في لباسها العسكري القديم الذي كان معروفًا منذ مائة عام حين فتح الجزائر بمناسبة العيد المئوي لذلك الفتح المشئوم.
مرت تلك الفرقة الجزائرية بين الهتاف والتصفيق!
أما أنا فدارت بي الأرض، وأظلم في وجهي الفضاء وغلبني الدمع.
ويلاه! هؤلاء بنو العم والخال، كانوا أقطاب الأرض وشياطين الصحراء، ملكتهم هذه الدولة العاتية فمزقت شملهم، وفرقت جمعهم، وأذاقهم حلاوة الترف واللين فعادوا نبتًا يؤكل بعد أن كان فتاهم يقول:
وكم عاجم عودي تكسّر نابهُإذا لان عيدان اللئام وخاروا ومن أعجب العجب أن القواد الجزائريين كانوا يردون تحية الجماهير كأنما يحسبونها تحية إعزاز، وكانوا كلما لوّحوا بإشارة الرضا ازددت حسرة إلى حسرة ودمدمت:
يُقضى على المرء في أيام محنتهحتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن كان أولئك الجنود يخطرون بخيولهم على شاطئ السين وهم صاغرون، فأذكر أجدادهم الذين فتحوا أوربا وأذلوها في القرون الوسطى أشنع إذلال، وكادت فرنسا يوم ذاك تصعق تحت سنابك خيلهم لو أمهلتهم المقادير. كانت خطواتهم يومئذ خطوات عزة وكبرياء، واستطاع شاعرهم أن يقول:
سكنوا بأرض الزعفران وغادرواأرضًا تربّ الشيح والقيصومافي الساعة الثالثة من صباح ?? يوليه

لقد نجوت بحمد الله من شر هذه الليلة فعدت سليم الجيب والعرض، ولم أزعج الكرام الكاتبين بكثير من الذنوب.
كانت الألعاب النارية على شواطئ السين تجمع إلى جمالها أكثر سكان باريس وكان فرح الجمهور فوق كل تقدير. وكان للحب وللشيطان نصيب عظيم. استغرقت الألعاب النارية أربعين دقيقة مرت كأنها ثانية واحدة، ولم يحشر الله جيوش الحسن والجمال والملاحة والرشاقة في أي بقعة كما حشرها في هذه البقاع السعيدة، شواطئ السين.
وقد قضيت نحو ساعة في اختراق المسافة من القنطرة الجديدة إلى قصر المدينة، وهي تقضى عادة في خمس دقائق، ولكن ازدحام الناس والسيارات أطال الطريق.
قضيت أربع ساعات هائمًا بين اللاهين واللاهيات واللاعبين واللاعبات في ميادين باريس. ثم عدت إلى المنزل وحدي في ليلة لا يبيت فيها وحده إلا كل صبور، والنفس قد تطغى فتكون على صاحبها أشد خطرًا من حكام الباستيل. وقديمًا كان النبي ? يقول: عند الرجوع من الحرب «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس، أفأستطيع أن أهنئ نفسي بهذا النصر المبين؟ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
أما بعد فهذه هي المرة الرابعة التي أشهد فيها عيد الحرية في باريس، فهل يقدر لي أن أشهد عيد الحرية الكاملة على ضفاف النيل! لن يبعد هذا الأمل وفي مصر رجال.

الفصل الأربعون
عيد الملاح في باريس


?? إبريل سنة ????
شهدت اليوم عيد الملاح وهو عيد تأخر عن موعده في هذا العام انتظارًا لصفاء الجو، وهو في الأصل عيد ديني، ثم تحول إلى عيد دنيوي، لأن الدنيا غلبت الدين في جميع البقاع، وتكاد أعياد العالم كله ترجع إلى أصول دينية ثم تحولت مع الزمن إلى أعياد دنيوية، فإن الإنسان فيما يظهر يؤثر العاجلة على الآجلة، ولا يدرك كيف يصح التفريط في الرغد الحاضر استبقاء لما وُعد به من نعيم مجهول. ولسنا بهذا ندعو إلى إيثار الدنيا على الدين، ولكننا نثبت هذه الملاحظة لنسجل بعض التغيرات العقلية والروحية التي أثرت عن إخواننا بني آدم الذين يزعمون أن الله شرف بهم الأرض وفضلهم على سكان الماء والهواء.
وما أنا منهمو بالعيش فيهمولكن موطن الذهب الرَّغامُ وبعد فما الذي رأيت في موكب الملاح؟
رأيت الجمهور الباريسي وقد اصطف شبابه وكهوله من رجال ونساء على جانبي الجران بُلفار. وازدحمت الشرفات والنوافذ والسطوح بالمتطلعين المترقبين لمفاتن الحسن وملاعب الجمال.
وما هي إلا لحظات حتى علا الضجيج والهتاف في استقبال الموكب المرموق.
هذه إذًا ملكات الجمال؟ إي والله، هذه ملكات الجمال، وتلك هي الأذرع البضة، وتلك هي القامات الممشوقة التي تفضح الغصون الرِّطاب، وتلك هي البسمات العذاب تُلقى في سخاء لجميع المتفرجين في عدل وإنصاف، فلا ظالم ولا مظلوم في هذا اليوم المشهود!
أي جمال هذا يا رباه!
لقد كنت أتهم فرنسا بالإقفار من الحسن، فمن أين ظفرت بكل هذه الظباء؟ ومن أي واد من أودية السحر استطاعت باريس أن تقنص كل هذه الشوارد لتعرضها على الناظرين في مثل هذا العيد؟
لقد كنت أعرف أن الحسن في فرنسا شخت ضئيل، وكنت أرثي للمرأة الفرنسية حين تمدد على السرير كعود الخلال أو كالدمية المسخوطة، أو كالمومياء تتقدم إلينا من وراء التاريخ!
فما الذي جدَّ في مظاهر التطور حتى رأينا في باريس فتيات لهن معاصم ونحور، وقدود ونهود؟
ما الذي جد في عالمكم يا أهل باريس، لقد أثرتم أشجاني بما عرضتم في هذا اليوم، وأنا رجل طالما نعيت عليكم فقركم إلا من بوادر الظرف والذكاء، وطالما أسيت لبؤس فتياتكم كلما تخطرتْ في شوارعكم عذارى فينا وبرلين!
أفي الحق أنكم تملكون مثل هذه الكنوز؟ وهل في منازلكم ومقاصيركم وملاهيكم أمثال لهذه الأجسام الفينانة التي ترد الحليم وهو غويٌّ أثيم؟ أأنتم إذًا تفهمون كما كان يفهم العرب والمصريون واليونان والرومان أن المرأة يجب أن لا يقل حظها من جمال الجسم عن حظها من جمال الروح؟
•••

ويلاه! ما هذا الذي تراه عيناي في موكب الملاح؟
هؤلاء صبايا يخطرن في نضرة الزهر، ورقة النسيم، ولكنهن جميعًا مسوقات للإعلان! فكل سرب منهن قد قُرن إلى سيارة مزدانة بالأزهار والتصاوير في سبيل التنويه بالمتاجر العمومية، فهذه سيارة اللوفر، وتلك سيارة البون مارشيه، وهاتيك سيارة السماريتين، وهذه عجلة سينما مونج، وتلك عجلة مسرح بيجال!
أكذلك يُعرض الحسن في سوقكم يا أهل باريس؟
وقفت أتأمل هذا الحسن المعروض في حسرات وزفرات، لأني أعلم أن كل معروض مَهين، والحسن أجدر بأن يرفع عن مواطن الهوان
ثم مرّ بالنفس خاطر بدد من آفاقها سحائب الحزن، ذلك أن الجمال لئيم، ومن ذا الذي يجهل لؤم أهل الجمال؟
الجمال لئيم، لأنه لا يؤمن بغير الجاه والمال، ونحن قوم لم نرزق غير الشعر والأدب والخيال، فلاحظ لنا ولا خلاق في دولة الجمال، فليخضع الحسن صاغرًا لأصحاب المتاجر والملاهي لأنهم يملكون منابع الثروة، ولننظر إليه لاهين شامتين بما رزئ به من التسخير الشائن في شوارع باريس
أيها الجمال!
أنت لا تعرف من يعبدك، ولكنك تعرف من يملكك، أنت لا تعرف من يسهر ليله ويشقى نهاره في التسبيح بحمدك، والثناء على لألائك، ولكنك تعرف من يملأ جيبك ثم يسوقك في مدارج الذلة بلا رحمة ولا إشفاق.
أنت لا تعرف من ينسج في سبيلك روائع القصائد والرسائل، ولكنك تخضع في ضراعة لمن يحوك لك مبهرج الأثواب، فامض في هوان أيها الجمال اللئيم إلى حيث يشاء اللئام من أرباب المال.
أنت لئيم أيها الجمال، ونحن مع ذلك نعبدك في لؤمك، وكم على ظهر الأرض من لئيم معبود!
أيكون معنى هذا أننا نعبد اللؤم طائعين؟
هيهات نحن نعرف أن الحياة قست عليك، ونعرف أن المال صير الأرذال آلهة يعبدون، ومن أجل هذا نرحمك، ونرثي لك، لأن من حقك أن تعيش، وعواطف الشعراء لن تعود عليك بنفع جزيل ولا ضئيل
وهؤلاء الفرنسيون الذين عُرفوا برقة الطبع معذورون حين يرون الجمال سلعة تباع في الأسواق؛ لأن الحياة قست عليهم كما قست علينا وعليك، فليغفر الله للجميع!
•••

عدت إلى المنزل الذي أقيم فيه بعد شهود موكب الملاح، وكان همي أن أسأل معبودتي هناك كيف تخلفت عن ذلك الموكب المشهود، ولكنني رأيت في المنزل عجوزًا فانية لم أرها قبل ذلك، فما كدت أفتتح الحديث عن الحسن حتى ابتدرتني قائلة: أين أنت يا بني من حقائق الحياة؟ أتحسب باريس هي كل ما شهدت ورأيت في الجران بولفار؟ إن في باريس عالمًا آخر، هو عالم الجد أو عالم الحزن إن شئت، فليس في باريس غير قسوة الجد ومرارة الأحزان
صدمتي تلك العجوز بهذه الكلمات، غير أني تجلدت وأقبلت على معبودتي أداعبها في نزق وطيش، فعادت العجوز تقول:
دع هذا يا بني، واستمع إلى حديثي فقد عركت الزمان، وعرفت ما ستعرف من أهوال الوجود. إن الحسن الذي تتغنى به باب من أبواب الشر، وأنه ليجني على أهله قبل أن يجني على الناس، وأولئك الفتيات اللاتي سحرن لبك في موكب اليوم ستكون لهن هموم وأشجان (وعما قليل ليصبحن نادمين) فلا تحسب أن الدنيا ستبقي على تلك البسمات، أو سترحم سحر تلك العيون. إنها أيام ثم تصبح كل جميلة سيدة مسئولة، بين طفل يتدلل، وزوج يتحكم، ودهر يطغى ويجور!
ثم زلقتني تلك العجوز ببصرها وقالت: أمتزوج أنت؟
فأجبت: لا، يا سيدتي!
وهنا انبرت تلك الصغيرة الفتانة وقالت: اخدع سوانا يا مسيو مبارك! لقد سألت عنك مواطنيك فأخبروني أنك متأهل وأن عندك خمسة أطفال! فلا تقل إني خطيبتك بعد اليوم
فتراجعت وقلت: إنها دسيسة يا معبودتي، وما أشنع ما يكيد المواطنون بعضهم لبعض حتى في بلاد الغربة!
ثم صعدت إلى غرفتي وقد اقتنعت أنني في باريس أشد جنونًا من أهل باريس. فليرحم الله ذلك العاقل المجنون.

الفصل الحادي والأربعون
قلب المرأة


? أكتوبر سنة ????
في أكثر الشوارع في باريس توجد مقاعد عمومية يجلس عليها السائرون إذا أجهدهم المشي واحتاجوا إلى الراحة بضع لحظات، لهذا الغرض وضعت تلك المقاعد، ولكنها تستعمل في بعض الأحيان لأغراض ثانوية، فمن العشاق من يستفيد من تلك المقاعد إذا جن الليل وأُسدلت عليها ظلال الأشجار، ومن الفقراء من لا مأوى له فيتخذ منها مأواه ويظل جالسًا عليها بين النوم واليقظة حتى مطلع الفجر، وليس له أن يرقد وإلا طرده البوليس. وقليلًا ما تكون تلك المقاعد موعدًا لصديقين يفضلان ألا يكون ملتقاهما في قهوة تكلفهما بضعة فرنكات، على شرط أن يكون ذانك الصديقان من الجرأة وفهم حقائق الواقع بحيث لا يهمهما الاتهام بالفقر والإفلاس. فقد رأيت من الأساتذة المحترمين من ينتظرون زملاءهم على تلك المقاعد، في حين أنه يندر أن يوجد من الطلبة والشبان من ينتظر رفيقًا له هناك.
ولهذه المقاعد مظهر آخر من الساعة السادسة إلى الثامنة مساء، فعندها يلتقي العمال الذين امتد بهم الزمن وطالت عليهم الحياة، ومع كل عامل كيس كبير فيه الخبز والجبن، وفيه كذلك كأس وسكين وشوكة. وبجانبه قارورة كبيرة فيها لتر من النبيذ الأحمر، ثم يجلسون فرادى وجماعات، وقد طالت لحاهم، واغبرت شعورهم، وعليهم خرق بالية قذرة، وقد تكون كل ما يملكون لدفع غوائل البرد الشديد.
وما هي إلا لحظة يفتح العامل فيها كيسه، ويكسر خبزه، ويملأ كأسه، حتى تدور به الأرض، وبنقله الشراب إلى عالم الأحلام. إذ ذاك تراه يسمر مع رفاقه في لطف ودعة وانشراح، كأنه رئيس الجمهورية، أو كأنه لم يقض يومه في حفر الأنفاق، ونقل الأتربة، وحمل الأحجار … ولبعض هؤلاء العمال خليلات مساكين صح فيهن قول الشاعر:
لكل ساقطة في الحي لاقطةوكل بائرة يومًا لها سوقُ فتراهم أحيانًا وقد جلس الرجل الأشمط إلى خليلته الشمطاء يبادلها أطيب الأحاديث، ولكن للهرم والشيخوخة حكم قاهر في مثل هذه الظروف، فقد يندر أن يجري الضم والعناق بين العشاق الكهول مهما بعثتهم الراح، وهي تبعث الأموات. وكثيرًا ما ترى رجلًا وامرأة يتطارحان الشعر ويتحدثان عن كورني وراسين وموليير، فتحكم بأنه كان لهما شأن في العالم المهذب، ثم طاحت بهما الأيام.
وما أنس لا أنس عجوزًا فانية جلست إلى رفيقها على مقعد في ميدان (نوتردام) فجلست قريبًا منهما أسترق السمع وأختلس بعض أطايب الحديث، فلمحت المرأة مكاني وأقبلت تسأل: أنت إسباني يا مسيو؟ فقلت: لم تبعدي يا مدام، فقد كان لي في إسبانيا أجداد، وأنا اليوم مصري. فاندفعت تتكلم بحماسة ولباقة عن الفراعنة وتاريخ قدماء المصريين، ثم سألتني عما أحفظ من الشعر الفرنسي فأجبتها بأني حفظت كثيرًا، ولكني لا أستطيع في اللحظة الحاضرة أن أنشدها إلا مقطوعات قليلة، وكذلك كنت أنشد البيت الأول من القصيدة وأقف فتتمها هي بلا تحبُّس ولا توقف كأنها تغرف من بحر. ولكن المسكينة كانت تخلط ذلك بخطرات من الجنون حملتني على الانصراف قبل منتصف الليل، وكانت مستعدة إلى المضيّ في الإنشاد حتى الصباح!
وفي مساء الأمس بجانب السين وبالقرب من قنطرة سانت جنفييف رأيت الناس مجتمعين حول مقعد من تلك المقاعد، فنظرت فإذا امرأة تناهز الخمسين لا يزال شعرها أصفر وفيه بريق، وإن سقطت أسنانها جميعًا وظلت أشداقها خالية كثيرة التلافيف. وهي واقفة يهاجمها الناس وتهاجمهم، ولكنها تخلط جدًّا بهزل، وتنتقل في حوارها من فن إلى فن، وكلما فرغت من شوط من أشواط لجاجها مدت بصرها وعنقها وهي تقول: لقد دفعت ثمن ما شربت. فماذا تريدون! عجبًا لكم، لقد دفعت ثمن ما شربت، أنا، أنا، من دون أن أحتاج إلى مساعد ولا معين. فذكرتني بذلك المتحذلق الذي كان يقول وهو من غروره في مثل سكرها: ما لكم تكأكأتم عليَّ كتكأكئكم على ذي جنة، افرنقعوا. أو كما قال!
وفي لجة تلك الفورة كانت تتقدم المسكينة إلى بعض الشبان فتناوشهم في شيء من اللطف، فمنهم من كان يثبت ومنهم من كان يفرّ، وفي النهاية صمد لها شاب يقارب الثلاثين، وأخذ يلاعبها في جدّ يشوبه هزل، ومضت الملاحاة بضع دقائق والناس ينظرون لاهين ضاحكين، والمرأة تهزم حينًا وتنتصر حينًا، وبين الهزيمة والانتصار تستسلم إلى أحلامها وهواجسها فتتغنى وتتمايل وهي تدمدم: لقد دفعت ثمن ما شربت فماذا تريدون؟
وأعجب ما في الأمر أن تلك المرأة كانت تتجنى على ذلك الشاب، فتذكر أنه من بلد منحط وضيع وتصارحه بأنه من الجزائر. فكان الفتى يثور ويقول: إن بلادي أقدم حضارة مدنية من بلادكم، ونحن خير منكم. وكان ذلك يجري ونحن نظن أن الأمر مزاح في مزاح، وما هي إلا لحظات حتى اشتد اللجاج. وكانت المرأة تقول: أنا أرى الجزائر في وجهك، أنا أرى الجزائر في وجهك! ثم غُلبت على أمرها وفاضت عيونها بالدمع السخين.
وفي سورة تلك المعركة تقدمت سيدتان محتشمتان كل الاحتشام حتى لتحسبهما من عقائل القاهرة، وليس على وجههما أي أثر من آثار التلوين والتزيين، إن كان بقي في باريس امرأة لم تعرف تلوين الجباه والشفاه والخدود، فنظرت فإذا تانك السيدتان تخطوان خطوات حذرة هيوب نحو تلك المرأة التي بدد رشدها الشراب وهما يقولان: هلم إلينا يا مدام، أين منزلك يا مدام، يا مدام أين تسكنين؟ في أي شارع ومن أي حي؟ حدثينا، أجيبي، نحن معك حتى تصلي هادئة مطمئنة … كل هذا والمسكينة لا تعيرهما التفاتة واحدة لشغلها الشاغل بتلك الحرب الشعواء. وفي النهاية تغلبت السيدتان وانتزعتا المرأة من أنياب اللجاج والخصام، ومضتا بها إلى حيث تقيم … فعدت أتأمل كيف يتكون قلب المرأة وكيف تحنو على بنات جنسها في ساعات البأساء والضراء، وذكرت أن باريس مهما استسلمت واستسلم أهلها إلى الترف والفساد ستظل تحفظ في أعماقها بقايا الرفق والعطف والحنان، وأن العواطف الإنسانية ستبقى سليمة في صميمها مهما طغت عليها المظاهر وأخفاها التمدن المصنوع.
وذكرت تلك القصة القديمة التي تحدثنا أن ملكًا زعم أنه يستطيع أن يحول الخصال والطباع من حال إلى حال بالتربية والتعليم، وأن وزيره كان يخالفه في ذلك الرأي، ويحكم بأن الطبيعة هي الطبيعة لا تتحول ولا تتغير مهما لوّنتها ظروف الزمان والمكان وكان من ذلك أن عُني الملك بتربية القِط الذي كان يداعبه تربية خاصة، حتى كان القط يحمل الشمعة ويقف بين يدي سيده وهو خاشع مطيع، واستقدم الملك الوزير ليريه أن التربية والتعليم يغيران الطباع، ولكن الوزير كان أدهى وأمكر حيث وضع في جيبه فأرًا صغيرًا، فلما كانت المحاورة بينه وبين الملك بشأن القط الذي يحمل الشمعة ألقى الوزير الفأر على البساط، فرمى القط الشمعة وانطلق يعدو خلف عدوه الذي أعدته له الطبيعة!
مضت السيدتان بالمرأة إلى حيث تقيم، إن كان لمثلها منزل تأوي إليه، ولكن الحادث تفرعت عنه مشكلة، ذلك بأن الشاب الذي كان يلاحي المرأة عربي من الجزائر، والمشاهدون للنزاع أكثرهم عمال فرنسيون، والعربي الجزائري في زعم هؤلاء منحط وضيع، فكيف يتسنى له أن يلاحي امرأة أثقلها السكر وفارقها الوقار؟ وكذلك برز له اثنان يناوشانه بقارص الكلام، وهو يلاحيهما ملاحاة الأكفاء ويهاجمهما بمثل ما يهاجمانه، ذم بذم، وسباب بسباب، لكن هؤلاء جماعة وهذا واحد فرد، وهم في بلادهم وهو غريب! فوقفت أنتظر ما سيكون علني أقف في صف ذلك العربي المغترب إن جد الجد واحتدم القتال. وما هي إلا دقائق حتى فاض الشر فتقدم الفتى إلى خصومه وفي عينيه نار تتقد وقال لهم: إن كنتم تريدون الحرب فأنا عند ما تريدون وفوق ما تظنون، وإن كانت عزائمكم لا تتخطى السباب والفحش والإقذاع، فأنا أنصح لكم بالاقتصاد فإن هذا سلاح النساء والضعفاء.
كنت أظن عند هذا أن ستقع الحرب بالفعل، ولكني لمحت العمال الفرنسيين تراجعوا وتقهقروا وقال قائلهم: نحن نلومك على أن تتعرض لامرأة في سن الخمسين، هذا ينافي الذوق، هذه وقاحة، شاب مثلك لا يحسن به أن يهاجم امرأة في مثل تلك السن. أما الحرب فأنت تعرف أننا لا نجبن عنها. ولكن … ولكن …
وكذلك وقفت المشكلة عند هذا الحد وانصرف الفتى الجزائري وهو يقول: لعنة الله على الجبناء!
وبهذه المناسبة لا يفوتني أن أذكر للقارئ أن العمال التونسيين والجزائريين والمراكشيين لهم في باريس نفوذ رهيب، ولهم في كل حي عصابات تشبه عصابات الصعايدة في الإسكندرية، أفأستطيع أن أقول بأن هذا النوع من التشرد المخيف يشبه أن يكون عدوانًا بعدوان واحتلالًا باحتلال!

الفصل الثاني والأربعون
معرض الأزهار في باريس


 باريس في أول نوفمبر سنة ????
تفضل المسيو بلانشو فأرسل إليَّ دعوة إلى حضور معرض الأزهار في الشانزليزيه على شاطئ السين، وكتب مع تذكرة الدعوة كلمة رقيقة جاء فيها: «ولكن أسرع يا صديقي فإن الأزهار سريعة الذبول»!
أي كلمة هذه؟ وأي قوة سحرية ثار بها قلبي حين قرأت هذه الكلمة؟ لقد كنت أعرف كما يعرف سائر الناس أن الأزهار سريعة الذبول، وكنت أعرف فوق ذلك أن هذا معنى قديم لم ينفرد بإثارته كتاب الغرب وشعراؤه، فقد أثاره أحد شعرائنا الأقدمين حين قال:
عهدتك ذا عهد هو الورد نضرةوما هو مثل الورد في قصر العهد ولكني تلفت إلى قلبي أبحث عما كان ثار فيه من أمان وآمال كانت أندى وأعطر من الأزهار الغضة في أسحار الربيع، ثم ذبلت وذوت قبل أن تعمر أعمار الأزهار. فكم من وعد جذاب أخلف قبل أن يمضي عليه يوم أو بعض يوم! وكم من لقاءة حلوة حسبتها مَشرق وصال فكانت مَغرب وداع! وكم برق من برق الحب تألق ثم غاب! وكم حلم من أحلام الصبابة بددت غفواته صروف الحياة! وكم لحظة من لحظات العتاب شهدها القمر وغاب عنها الرقيب، ثم عصف بها الدهر فأدرجها في أكفان الفناء! وكم غفلة من غفلات العيش أويتُ إلى ظلالها في طمأنينة الطفل ثم ثارت من حولها العواصف فألقتني في وادي الخطوب!
ويحك يا قلبي! تعال أقاسمك العزاء، فقد كنت نعم الصاحب ونعم الرفيق، وإنك لتذكر كيف كنت أحنو عليك فأطوف بك بين سعير الحب ونعيم الجمال، وتذكر كيف بكيتك يوم قلّ خفوقك، وخفّ وجيبك، وإنك لأهل لذلك، فقد عرفت بك معاني الحب والعطف والشوق والحنين، فلأقف بجانبك أشاطرك ما جنت عليك الملاحة من ألوان العناء.
«أسرع يا صديقي فإن الأزهار سريعة الذبول»
إني لأعود إلى هذه الكلمة فأذكر أن لي في دنياي معارض من الأزهار تختلف عن معرض الشانزليزيه على شاطئ السين، فإن هذا المعرض يقع في أسبوع من بعض الفصول، ثم يمضي وله في نفوس مشاهديه ذكرى طيبة، ولكنها سريعة الذهاب، فقد تطغى عليها حفلة راقصة من حفلات المساء، والأزهارُ على جمالها لا يعرف الناس ما لها من الأنفس والأرواح، فهم يشهدون ذبولها في حسرات خفيفة لا يمكن أن تقارَن بحسرات من يشهدون أنات العليل، والأزهار أضعف من أن تهم بقبلات النسيم، وضمات التوديع، وهي بعد ذلك حُسنٌ مكرر تجود به الطبيعة ويسمح بلقائه الزمان.
أما معارض الأزهار التي يسوقها إلينا الحب، وينظّم أحواضها وعيونها في أودية الذكريات فهي فُرص تعرض في جميع الفصول، ومن عجب أنها تكثر في فصل الشتاء. وهي معارض تثير جوى القلب لأنها في الأغلب تقيم دقائق أو لحظات ثم تغيب، فلن يقال فيها: «يقام معرض الأزهار من ?? أكتوبر إلى ? نوفمبر»، حيث تمكن المشاهدة مرة وثانية وثالثة، كلا، فقد تكون لمحة مخطوفة في المترو، أو في المسرح أو في الملعب، ثم لا يمكن بعد ذلك قرب أو لقاء.
ولهذه الأزهار، أزهار الحسن والصباحة أنفس وأرواح، فهي إلى نفوسنا أقرب، وإلى أرواحنا أسرع، وقد تتلاقى النظرتان فيكون فيهما من التناجي والتشاكي والتعاطف معان دقيقة تلقيها العيون وتفهمها القلوب، ثم يفترق المتلاقيان وقد نهلت قلوبهما من نمير الحب في حال لم يقع فيها تعارف ولا يُرجى معاد، إلا أن يقدَّر التلاقي في عالم الأرواح.
وأنت في معرض الأزهار قد تشتري لوحة فنية تذكر بها ما يفوت من أرج الزهر النضير، ولكنك في معارض الجمال لا تملك شيئًا من ذلك، أو لا تملك إلا الحسرات الباقية في حنايا الأحشاء. وفي معرض الأزهار قد تقول: إلى اللقاء! لأن كل وردة وكل بنفسجة، وكل قرنفلة تلهي النفس عن نظيراتها في عالم الأزهار، ولكنك في معارض الجمال لا تقول: إلى اللقاء! لأن النفس التي ألفت دراسة الجمال تعرف أن كل وحدة من وحداته لا تغني عن نظيراتها في عالم الجمال، فلكل عين سحر ولكل ثغر فتون.
ومهما تعشّق الناس الزهر فلن يأرق لهم من أجله جفن، ولن يقض لهم مضجع، لأنه إن مات فسيبعث من جديد، أما الجمال فحلم مشرَّد يذهب فلا يعود، ولقد أعذر من قال:
قالوا عشقتَ فقلت كم من فتنةلم تغن فيها حكمة الحكماءإن الذي خلق الملاحة لم يشأإلا شقائي في الهوى وبلائي? •••

معذرة إليك أيها القارئ؛ فقد شغلتك بنفسي وإني لعائد إلى موضوع الحديث.
أول ما يلفت النظر في معرض الأزهار أنه أقيم في اللحظة التي يفصل فيها بين الخريف والشتاء. فكأنه تذكرة لما مر من أيام الصحو، وتوديع لأيام الشعر والخيال. وكأن الذين أقاموه أرادوا أن يحشروا في صعيد واحد ما تفرق من بقايا الزهر ليستطيع شعراء الطبيعة وعشاقها أن يصافحوها للمرة الأخيرة من هذا العام على شاطئ السين.
وهو كذلك دلالة على مهارة الجنَّان الفرنسي، فهو يعرف كيف يغرس الأزهار وكيف يعدها لمواجهة الزائرين في يوم معلوم. وغرسُ الحدائق وتنسيق البساتين فن من الفنون العالية التي يشغل بها أصحاب الأذواق في الغرب. وحسب القارئ أن يعرف أنه كان في هذا المعرض مئات من الكتب القيمة في تربية النحل والطير والأزهار والأشجار، وليس من الحرج في شيء أن أقول إن ما ألفه الفرنسيون في هذا الباب يربي بكثير على ما ألفته أي من أمم الشرق الأدنى في أهم ما يعنيها من الآداب في نحو قرن من الزمان. وليسمح لي أن أقول إن كلية الطب المصرية لم تنتج في نيف ومائة عام عشر ما أنتجه البستانيون الفرنسيون في نحو عشرة أعوام.
ولست بهذا أريد الغض من الجهود المصرية، ولكنني أريد أن أوقظ من طال عليهم السبات، فقد أصبح من العار أن نعلل أنفسنا بأننا أمة صغيرة العدد وأنهُ يكتفى منا بالقليل. هذا خطأ فإن الجمهور المصري كاد يقارب نصف الجمهور الفرنسي. على أن الأمم لا يقاس جهدها بالعدد، ولكنه يقاس بالحذر والحرص واليقظة والطمع في امتلاك نواصي المجد. ونحن نملك أخصب الأراضي في العالم، ولكننا حين نقيم معرضًا للأزهار يكفينا بهو من أبهاء فندق سميراميس، على أن فينا مع الأسف الشديد زهادة تامة في استغلال الأرض، ولا نكاد نعرف من أنواع الفواكه والأزهار والبقول غير أنواع معدودات، ولا يهوي إلى مدرسة الزراعة إلا الطلبة الذين عُرفوا بالتخلف في الحياة المدرسية، مع استثناء من أعرف من الشبان الأذكياء، وفي هذا دليل على أننا نقبل على الطبيعة بقلوب تعوزها الحرارة وسواعد ينقصها النشاط. والشعر العالي الذي يوجد في عوالم الزراعة بعيد من أذهاننا، فقليل من طلبة الزراعة في مصر من يدرك أن ليلة مقمرة في سهول الريف أحفل بالشعر والموسيقى والغناء من ليلة صاخبة في ملاهي القاهرة. وما أريد أن أزيد!
يرى الزائر أول ما يرى في ذلك المعرض أودية مهندمة من الأشجار المثمرة ولكل طائفة منها وضع خاص يروع الذوق، وهي تريك مبلغ مهارة الإنسان في تهذيب الطبيعة، وكيف يمكنه أن يروض الأشجار على مسايرة الأوضاع الهندسية بحيث يصبح الشجر مَخْدع زينة ومجنى فاكهة. والقوم هنا يريدون أن يملئوا الصور المادية بالحقائق المعنوية، ففي كل شجرة سر، ولكل حوض روح.
وقد صُفَّت الفواكه من كل نوع على جانبي كل ممر من ممرات المعرض بطريقة مغرية فاتنة تقنعك بأن من الضِّعة أن يعيش الإنسان على الخبز والماء، على حين أنه لو جدَّ ونشط لعرف كيف يحيا من فضل ما تنتج الحدائق والأعناب.
وفي كل ركن من أركان المعرض تقوم مدارس صغيرة تعلمك كيف تصنع بنفسك مربَّيات الفواكه، وكيف تربي النحل والطير وكيف تقي الزهر آفات الجو، وكيف تحرث الأرض بمحاريث دقيقة، وكيف تجني، وكيف تحصد، وكيف تنقل الماء إلى المشاتل والأحواض.
وكم تمنيت لو أتيح لي أن أرى كيف صُفّت أزهار المعرض، فأنها وضعت بحيث يظن الرائي أنها هكذا خلقت، وأنه لم يقم بتنسيقها إنسان، فحينما تلفتّ فسهول مبسوطة قام فيها البنفسج والقرنفل والشقيق، أو نجود عالية تسامت إليها الأزهار فكستها في رفق وحنان.
وما أنس لا أنس كيف لاحظت أن الحظوظ تصيب الأزهار كما تصيب الرجال، فمن الأزهار ما كان حظه أن لامسَ الأرض فوجد بذلك سبيلًا إلى النضرة والنماء، ومنها ما كان حظه أن يوجد في تربة صناعية مجتلبة فكان يجاهد في مطاردة الذبول.
كان معرض الأزهار شعرًا كله، وما كان ينقصه إلا الندى فقد وضعت من فوقه سقيفة من الزجاج حالت بينه وبين أنداء السماء، فصار بذلك كالعروس بين الستائر والحجال.
•••

ولقد رأيت أن أتأمل ما يصنع المشاهدون في مثل هذا الجو العطر، ورأيت الرجال يكثرون فحص الأشجار المثمرة ويجمعون ما تناثر حولها من الإعلانات، ويوغلون في الأبراج المشيدة لتربية النحل والطير، ويقبلون على الكتب التي وضعت في أروقة المعرض. أما النساء فكن يجتمعن حول الفواكه في حماسة دونها حماسة الفتيان في تعقب أسراب الفتيات، وكن يكثرن فحص الزهريات وأدوات صنع المربى، ومنهن من كانت تقبل على مشاهدة ما كان هناك من صغار التماثيل.
وقد رأيت ثلاثة رجال يدرسون المعرض بعناية، فسألتهم السماح بمصاحبتي لهم لأرى كيف يدرسون وكيف يفهمون، فأنا رجل فلاح ولي حديقة مثمرة، ولكن الجنَّان المتواضع الذي أقمته فيها يستفيد من غربتي فيقيم المواشي في جانب ويبذر البرسيم في جانب! وكذلك يكون الفلاح ابن الفلاح.
ولكنني لم أستطع الصبر أكثر من ساعة، ثم انصرفت عنهم بعد التحية والثناء، وعدت أتأمل وحدي خمائل الأزهار، وبعد لحظة عدت على نفسي باللائمة، ولكني اقتنعت بأن الآثار الأدبية والفنية والطبيعية لا تعطي سرها إلا للرجل المنفرد، وهي أشبه بالغواني تنفر من الصاحب والشريك.
وقد أعياني التعب من فرط التأمل، فاكتفيت في النهاية بنظرة باكية ودّعت بها الزهر المهدد بأرواح الشتاء، وخرجت أتأمل المعارض الحية في أحياء الشانزليزيه بقلب مقسم محزون.
وإني لأكتب هذه الرسالة في نفس اللحظة التي تقوض فيها خمائل المعرض، وأكاد أشهد من وراء حجاب كيف يُقبل العمال بسواعد قوية فيجمعون الأزهار أكداسًا بلا رحمة ولا حنان إلى حيث تُلقى ذابلة في تيار السين.
فإليك يا مرتع النواظر بالأمس أقدم التحية، تحية شاعر مغترب، مفطور القلب لمصرع الزهر النضير، ولو ملكت في تكريمك غير هذه السطور لقدمت نفسي فدية خالصة في عالم قلّ فيه من يفدي الجمال.
? من شعر المؤلف.
الفصل الثالث والأربعون
من غربة إلى غربة


بين القاهرة وباريس


? ديسمبر سنة ????
صديقي فؤاد
كتبت إليَّ تقول: «في مصر فراغ لغيابك، وفي قلوبنا شوق لحديثك.» فهل لك أن تعيرني قلبك لحظة واحدة لأحدثك عما فعل في نفسي خطابك الجميل؟
إنك لتذكر كيف كنت أعيش في مصر، وتذكر كيف كانت تمضي الأيام والشهور ولا تتاح فرصة صغيرة أتحدث فيها إلى صديق، أو أذهب إلى حفلة ساهرة، أو أشهد منظرًا من مناظر اللهو والطبيعة على ضفاف النيل. وأصدقائي الذين يراسلونني في باريس هم أنفسهم الذين كنت أراسلهم في القاهرة على قرب المزار، يوم كانت أعمالي لا تسمح بملاقاة من في طريقي منهم بالقاهرة أو من يجاورني في مصر الجديدة، ويوم اطردت الشواغل اطرادًا مزعجًا لا يترك فراغًا في صباح ولا هدوءًا في مساء.
ولكن هل من الحق أن ضرورات العمل والجد هي وحدها التي كانت تحبسني في قفص من حديد؟
ما أظن ذلك، فقد كانت هناك ساعات مختلسة أقضيها على الشواطئ وفي الحدائق، وكانت هناك لحظات يومية أقضيها في المترو صباحًا ومساء، وكان في هذه وتلك ما يكفي لمتعة النفس، وطمأنينة القلب، وراحة الروح. فهل أجدى ذلك عليَّ شيئًا؟
وهل غير من قلقي واضطرابي؟ وهل نقل نفسي إلى قرار أو سكون؟
الحق أن المشكلة الباقية الخالدة هي أزمة القلب، فأنى لا أعرف أشقى من ذلك الصاحب الذي يسكن بين الضلوع، إنه صاحب ولكنه في الوقت نفسه عدو وحبيب، قد سعدت به وشقيت، ومت وحييت، وأنا به بين حزن دائم وفرح مخطوف. ولا أستطيع أن أصف لك كدر الساعات التي كنت أقضيها على شاطئ النيل في هدآت المساء، ولا تستطيع أن تقدر كيف كان انقباضي وضجري من مناظر الرائحين والرائحات، والغادين والغاديات، على ذلك الشاطئ الخالد الذي شهد ما شهد من وثبات النفوس وخفقات القلوب في مدى ما لا يعلم إلا الله من طوال الأجيال.
فهل يمكنك أن تقدر أن ذلك كان مرجعه إلى خذلان في الحب أو إخفاق في المجد؟
أنا لا أحسب ذلك، فإني رويت من الحب ريًّا لا ظمأ بعده، ولم أترك لغيري غير أوشال، وكلما أرسلت الخاطر لأشهد ما كان من غفلات الصبا وغوايات الشباب عدت وأنا قرير العين، جذلان الفؤاد.
والمجد؟ أنا لم أخفق في سبيل المجد يومًا من الأيام حتى أقول مع الطغرائي.
ما كنت أحسب أن يمتد بي زمنيحتى أرى دولة الأوغاد والسفلتقدمتني أناس كان شوطهمووراء خطوي لو أمشى على مَهَل وأوضح من ذلك أني أخطو في سبيل العلم والأدب خطوات هادئة طبيعية، لم يلهبها حقد، ولم تشعلها منافسة، ولم يجر في خاطري يومًا أن أسرع الخطأ لأسبق هذا أو ألحق ذاك. وما شعرت — يشهد الله — بالحقد على متقدم، أو الشماتة بمتخلف.
وقد تدهش إن حدثتك أنني أنظر إلى الشهرة وبعد الصيت بعين يسودها الحياد منذ جئت إلى أوربا في سنة ????، فوجدت الدكتور سنوك قد نشر عني رسالة باللغة الهولندية، ولقيني المسيو ماسينيون فهنأني وأخبرني أن الدكتور سنوك قلما يفعل ذلك، فوقفت أختبر نفسي وأمتحنها لأعرف إلى أي حد وصل بي الارتياح، ثم لم أجد إلا فراغًا مطلقًا. وفي كثير من الأحيان يلقاني أفراد من الأجانب الذين يهتمون باللغة العربية فينشدونني شعري فأقف أتأمل أثر ذلك في نفسي ثم لا أجد أيضًا إلا فراغًا مطلقًا. وقد اقتنعت بأن الصيت والشهرة لا يعدوان أن يكونا من الخرافات فإنه لا أثر لهما في نفسي وأنا حي، فكيف أهتم بما يكون لهما من الأثر بعد الممات!
أضف إلى ذلك أني مقتنع بأنه لا يشقي نفسه في سبيل الشهرة والصيت غير صغار الناس، فهناك أفراد لا يتقدمون ولا يتأخرون إلا حيث ينتظرون الجزاء. وكم شهدت من أناس يقتتلون حول الشهرة، وإن الرجل منهم ليصفرّ وجهه وتأخذه الرعدة والقشعريرة حين تقع عينه على كلمة هوجم بها، أو لوم وجِّه إليه. وكم رأينا من أذلاء لم يذلهم غير حاجتهم إلى ثناء الناس، وكم رأينا من أدعياء في عالم الشعر والكتابة والتأليف يستجدون الصحفيين استجداء ليقال هذا مؤلف بارع، وذاك كاتب مجيد، وذلك شاعر بليغ! وأنت تعرف أني نشرت طائفة من المؤلفات، وتعلم أن الصحف لم تعرها ما تستحق من نقد أو تشجيع، فلتعرف إذن أني كنت أهدي مؤلفاتي إلى محرري الجرائد فكانوا يقولون في لطف، أصنع معروفًا واكتب لنا كلمة في تقريظ كتابك لننشرها في أقرب فرصة، فكنت أبتسم ثم أنصرف ولا أعود. ومنذ ذلك اليوم أنظر إلى تقريظ الكتب نظر السخرية، إذ أعرف أن أكثر التقاريظ من وضع المؤلفين.
أنا قليل الرغبة في سماع الثناء وقليل الاهتمام بما يوجه إلي من نقد، وإني لأعرف أن هناك ناسًا ينبحونني كلما ذُكرتُ عندهم أو جريت في خواطرهم كما تنبح الكلاب القمر حين ترى خياله على صفحات الماء. وفي يقيني أن الرجل كل الرجل هو الذي يهتدي بوحى ضميره غير مأخوذ بلوم أو ثناء.
فما عسى أن تكون تلك الوحشة القاتلة التي لا تفتأ تغزو قلبي وتفتك بأحشائي؟ وما مصدر تلك الأشجان التي لا أتذكرها إلا فزعت يوم كان المترو يشارف محطة الحمامات ثم يغادرها إلى كوبري الليمون، وأروع ما كنت أقاسي في تلك المنطقة كان يقع في اللحظات الدامية، لحظات الغروب حين تواجهني الشمس بتسليمة التوديع، والشفق من حولها يشبه الخدود الداميات، إنها لحظات مفزعة مخيفة كان قلبي يجتازها في وجيب وخفوق، وكنت فيها أشعر الناس إن كانت حقيقة الشعر أنه وجد وإحساس لا قوافٍ وأوزان.
وليست تلك اللحظات على قسوتها بأقل خطرًا من الساعات التي أقضيها بعد العشاء على شواطئ السين في هذه الأعوام، وإني لأشعر أن هذا النهر يدرك ما بيني وبينه من علائق وصلات، فأنا في باريس غريب، وهو فيها كذلك غريب، فقد يندر أن يرى هذا النهر ساهرًا غيري يمشي وحده في سكون الليل من قنطرة إلى قنطرة، ومن شاطئ إلى شاطئ، كأنه موكل بمراقبة السفن وعدّ الأمواج!
وما أحسب نهر السين رأى قبلي من يتلمس روحه وأسراره فيصغي إلى خريره في قنطرة أوسترليتز ثم يسافر ليسمع هديره في رُوان. على أنني لم ألق منه شيئًا من الجزاء، فقد كنت ولا أزال أسايره بنفس حيرى وقلب محزون.
ما هي إذن أسرار الغربة التي أعانيها في القاهرة وأقاسيها في باريس! إنها لا ترجع إلى خذلان في حب ولا إخفاق في مجد، أتظنها ترجع إلى غدر الأصدقاء؟
اللهم غفرًا! فأنا لا أحفظ عن أصدقائي غير الجميل. ويضاف إلى ذلك أنني لم أقدّر في حياتي أن الصداقة مما يوضع في موازين المنافع، إنما الصداقة علاقة روحية تبنى على أساس الصدق والإخلاص ونسيان النفس، ولم يقع ما يكدر صفوي غير أحداث صغيرة مرت بالقلب ومضت كما تمضي آثار النسيم على وجه المحيط، وكان مبعث الأسى أنني كنت دائمًا أفترض أصدقائي من الملهمين الذين يعلمون ما كان وما سيكون من أسرار النفوس، ثم كنت أتلفت فجأة فأجدهم كسائر الناس يستمعون اللغو ويصدقون الأراجيف، هنالك كنت أحزن وآسى، ولكن حزني ما كان يقع لأني علقت بأصدقائي أملًا ضاع، إنما كان حزني وأساي لشعوري بالغربة في عالم الأرواح، فأنا رجل أفهم أن الصديق ينبغي على الأقل أن نوفر عليه أتعاب المحاماة في الدفاع عن نفسه لدى الأصدقاء، وأفهم أن الصديق لا ينتظر منه فقط أن يتغاضى عن هفوات صديقه، إن كان له هفوات، بل يجب أن تعمى عينه وتصم أذنه إن وجد ما يوجب تعقب الأصدقاء المختارين.
وأشد ما يزعجني أنني مريض بالوفاء، وأرى من النذالة والخسة وحقارة النفس أن تكون الصداقات كالأثواب تغير تبعًا للأيام والفصول، ويتخذ بعضها للأفراح وبعضها للأحزان، وأربأ بنفسي أن يقال: هذا صديق غدر وصاحب خان!
ويعز علي أن يحرم صديقي من مناصرتي ووفائي، ولكن كيف وأنا رجل لا عم لي في الحكومة ولا خال؟ ألا فلتعلم أنني أعتقد أن البر لا يوجد إلا حيث أُوجد، وأن الصداقة لا تكون إلا حيث أكون.
وأعتقد فوق ذلك أن الصداقة الصحيحة هي النعمة الباقية، والعز المقيم، من أجل ذلك يعز عليَّ أن يُحرم صديق من وفائي وإن تغير وحال. وكم حملني الواشون على مهاجمة بعض الناس، ثم عز عليَّ أن أكون أقل رفقًا وعطفًا من كثيِّر بن عبد الرحمن إذ يقول:
وما أنا بالداعي لعزة بالجوىولا شامتٌ إن نعلُ عزة زلَّتفلا يحسب الواشون أن صبابتيبعزة كانت غمرة فتجلتوإن وتهيامي بعزة بعد ماتخلَّيت مما بيننا وتخلَّتِلكالمرتجي ظل الغمامة كلماتبوَّأ منها للمقيل اضمحلتكأني وإياها سحابة ممحلرجاها فلما جاوزته استهلت وعساك تذكر أني كنت في صف الحزب الوطني حين كان يهاجم سياسة سعد باشا طيب الله ثراه، ألا فلتذكر أن حماستي كانت تفتر في مهاجمة ذلك الرجل حين ألمح فهمه للصداقة وحرصه على الأصدقاء، فقد كنت أرى في ذلك الجانب كل معاني النبل وجميع دلائل الرجولة والإخلاص، فإن الرجل الذي لا يخلص لصديقه لا يعرف كيف يخلص لوطنه، لأن العواطف متشابكة الأصول والفروع يمد بعضها بعضًا. وقد عابوا عليه رحمه الله أنه صرح بحرصه على إيثار الأقرباء، وأنه قال لو استطعت لأقمت دولة زغلولية لفظًا ومعنى ودمًا. وفاتهم ما في الصراحة من معاني الشمم والشجاعة والإباء، فإن كل رجل في الدنيا يتمنى لو استطاع أن يكون من أقربائه أمة موحدة، ولكن أين من يجد من قوة نفسه وصراحة يقينه ما يساعده على مثل ذلك التصريح.
والرجل لم يكن طاغية حين قال ما قال، فإنه علل فكرته تعليلًا يُقره العقل والذوق حين صرح بأنه يقرب من يثق به ويعتمد عليه.
والذين عابوا على سعد باشا إيثاره لأصدقائه وأقربائه لم يستطيعوا إقناع أحد بأنهم بَرَرة أطهار. فقد كانت لهم مآرب وأغراض، ولم يكونوا يؤثرون من يؤثرون وفقًا للنزاهة الأفلاطونية. بل التبس عليهم الأمر فكانوا لا يفرقون بين العدو والصديق، لأنهم لم يصادقوا غير أنفسهم ومنافعهم، ولم يقتربوا من أحد أو ينفروا منه إلا وفقًا لما لهم من كيد مدفون، أو حقد مكنون.
وأعود إليك يا صديقي فأخبرك أن الأزمة الباقية هي أزمة القلب، فقد فهمت كل شيء، وعرفت كل شيء، وبقي قلبي كالغابة المجهولة في ضمير الظلماء، فإن قلت لك إني أشكو خيبة في الحب أو إخفاقًا في المجد، أو غدرًا من الأصدقاء، فاعلم أن هذه كلها محرجات هينة تزعج النفس لحظة ثم تزول، وأكاد أحسب أن الناس يتخذون من الحب والصداقة والمجد علالات لقلوبهم وأرواحهم، وأظنهم كذلك ينزعون إلى الأحزاب السياسية والدينية والاجتماعية لينسوا ما في أنفسهم من القلاقل والثورات.
وأنا لم أنجح في شيء من ذلك، لأن استقلال إرادتي حال بيني وبين الاندماج التام في هيئة من الهيئات أو حزب من الأحزاب، فأنا عند أنصار الحزب الوطني شعبي يناصر الوفديين، وعند الوفديين خيالي يتشبث بالملحقات من زيلع إلى جغبوب.
وأنا بين المؤمنين ملحد، وبين الملحدين مؤمن، وأنا بر عند الفجار، وفاجر عند الأبرار، فأنا في كل بيئة أجنبي وفي كل أرض غريب.
وهنا يكون الفزع الأكبر إذ أعود إلى قلبي وجهًا لوجه، وهو قلب خطر. والموت عندي أهون من مواجهة ما فيه من أهوال وخطوب، فليت شعري أين المفر؟ ومتى يكون القرار؟
ويرحم الله المتنبي إذ قال:
يقولون لي ما أنت في كل بلدةوما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يُسمَىذكرى الزهراء

كتب مراسل (الأمي دى يبل) في مدريد رسالة عما شاهده في معرض الفنون هناك؛ وقد دارت بينه وبين أحد الإسبانيين محاورة عن مناوشات الملكيين والجمهوريين، فجاءت في حديث الإسباني الكلمة الآتية: «ولكن برشلونه ليست كل إسبانيا وليست قهوة الزهراء كل مدريد.»
قهوة الزهراء! أي ذكرى تثيرها كلمة «الزهراء» من معالم الفردوس الإسلامي المفقود! ومن العجيب أن كلمة «الزهراء» في نطق الفرنجة أوضح من كلمة «الحمراء» عند بعض المصريين الذي يسمون بعض معالم الغناء في القاهرة والإسكندرية «الهمبرا» مجاراة لتحريف الأوروبيين، وكان أولى لهم لو نطقوها «الحمراء» ولكنهم لا يعرفون!
لقد مضى كثير من العهود القديمة، والناس يذكرون فقط أن مُلك العرب بالأندلس كان عهد عظمة للإسلام، ولا يذكرون بجانب ذلك أنه كان متنفسًا للشرق كله بدون نظر إلى الديانات والأجناس، فمن لأهل الشرق من يغنيهم هذا البيت الحزين:
لم أبك أطلالك لكننيبكيت عيشي فيك إذ ولَّى
الفصل الرابع والأربعون
أيام البحر ولياليه


 باريس في ?? يونيه سنة ????
صديقي …
أيدهشك — وقد تغير ما بيني وبينك وعصفت العواصف بذلك الود الوثيق — أن أكتب إليك من هذا البلد النائي البعيد؟
لا تدهش يا صديقي، فأنت تعلم أنني رجل لا أستطيب الحياة إلا إذا وجدت قلبًا يخفق بجانب قلبي، ولست والله بناس أيامك وعهودك، حين كنت تفيض بالبر وتذخر بالحنان. وإني لعاذرك فيما اجترحت من القطيعة وما جنيت من التغاضي، فقد تغير أو كاد من كنت أحسب أن ستغيض البحار وتزول الجبال، قبل أن يغيض الود من صدره، وقبل أن يمر بباله أن ما بيننا عرضة للزوال.
وإني لأحمد الله على أن وجدت أصدقائي لا يعدمون المعاذير حين يقدمون على هدم ما شقيت في بنائه من صروح الوداد، فإن أشد ما أخافه وأخشاه أن يتبينوا أنهم أساءوا إليَّ بغير حق، فيجدوا في قلوبهم مس الحزن ومرارة الندم الوجيع، وإني ليسرني أن تهدأ حرارة الإخلاص في صدور الذين أعزهم، وأحنو عليهم، وأضمر لهم أجمل الود وأصدق الوفاء، فليس يرضيني أن يقاسوا الذي أقاسي، وأن يبيتوا معذبين بفضل ما قدموا من صدق الولاء، فقد علمتني الأيام أن الإخلاص قد يكون جريمة، وأن الوفاء قد يفتح لصاحبه باب الخيبة والحرمان.
فإن كنت في ريب من ذلك فاذكر كيف يؤوّل النبل وكيف تُفسَّر السماحة عند بعض الناس، فقد رأيت من يعد الحياء ضعفًا، ومن يرى ضبط اللسان حَصَرًا وعِيًّا، ومن يضيف المجاملة إلى التملق والرياء، ورأيت من يحسب أنك لا تفي له — حين يكون الوفاء من سجاياك — إلا لأنك ترى أسباب رزقك تحت رحمة رضاه، وبفضل هؤلاء فهمت لأول مرة قول أبي فراس:
وفيتُ وفي بعض الوفاء مذلةلإنسانة في الحي شيمتها الغدرُ ومالي أبعد وفيك وحدك أصدق الشواهد وأصرح الأمثال، أفتستطيع أن تخبرني ماذا تملك من ضري ونفعي وأنا أحفظ عهدك، وأنسى غدرك، منذ عُقدت بيننا أواصر المودة طوال ما لا أدري كم أعدّ من السنين؟ إنك تعرف أنك لا تملك لي ضرًّا ولا نفعًا، ولعلك تجد كثيرًا من الجهد والمشقة حين تحاول تعليل ذلك العطف من رجل لا يخشى بأسك، ولا يرجو خيرك، ولا ينتظر أن تغير الأيام من طبعك فتكون من الصادقين.
وكل ما أرجوه أن لا تذهب بعيدًا في جورك وظلمك، فإن لك ساعات من النحس تحملني فيها عامدًا على مخاشنتك وتكاد تفلح، ولك الويلُ إن أفلحت في إثارتي إلى سخطك، فإن لمحة من بوارق الغضب إن غضبت لكافية لسحقك ومحقك وتبديد ما انتظم من أحلامك حين آثرت أن تجني على من لا ذنب له ولا تفريط فيه، اعتمادًا على أنك فلان بن فلان!
وما أنس لا أنس تلك اللحظات المظلمة التي تثور فيها نفسي وأكاد أهم بالطبش بك وأرمي بأيامك وعهودك في هاوية من العقوق، ثم يتراءى وجهك المشرق وكأنه لبغيه سماء شاتية مثقلة بالسحب السوداء، أو قلب جاحد رماه الغي بأوزار الضلال!
•••

ومهما يكن من شيء فقد ابتليت بك في دنياي، وأبى وفائي إلا أن أظل أسيرًا يمقت الحرية ويفزع من التفكير في يوم الخلاص، فاستمع إذًا حديثي إليك فقد يكون فيه عزاء لقلبي أو عطف لقلبك، وسبحان من لو شاء لفجر الصخر بالماء النمير.
•••

خليت مصر منذ أسبوع، وخليت ورائي فيها همومًا مريرة أثقلت كاهلي وأمضَّت عيشي وراضتني بعد الجموح، وكنت أحسبني أقسى وأصلب من أن أعترف بأن في الحياة غيومًا تحجب شمس النعيم من حين إلى حين، ثم قامت بنا الباخرة فلم تطرف عيني لفراق الإسكندرية ولم يخفق القلب لفراق الوطن العزيز ومرت بالنفس طوائف من الذكريات الحزينة تمثلتُ فيها كيف شقيتُ بأهلي وأصدقائي، وكيف ضن وادي النيل بنفحة من نسمات البر على من يشقى ليسعد، ومن يفنى ليقدم له أسباب الخلود. ثم أخذ قلبي يذخر ويفيض بألوان من الحزن الثائر العنيف إلى أن غابت معالم الإسكندرية وشيعتها بهتاف الوداع، وكم في الدنيا من ظالم محبوب!
ثم ماذا؟ هذا جرس يصلصل، وهذه أفواج من المسافرين تمضي إلى الغداء، وأنا كذلك أمضي إلى حيث يمضون بين الفتور والنشاط، ولكني ألفت منذ أزمان أن أهتم بغذاء عيني وقلبي وروحي ووجداني، قبل أن أهتم بما تطلب الأمعاء، فأخذت أترقب وأنتظر حتى أعرف من جليسي المختار على المائدة، ووقفت بعيدًا أدرس الوجوه والشمائل، وأتعرف مواقع الحسن في أعطاف من تقل السفينة من أسراب الظباء، وما هي ألا لمحة حتى وقع طائر قلبي على فتاة جسمها ريّان فينان كأنها من صبايا دمياط، ويا لوعة القلب من صبايا دمياط! وما كادت تختار مكانها من المائدة حتى رأتني أمامها وجهًا لوجه، وكأننا رفيقان يلتقيان.
لا تسل كيف طارت هموم صدري في تلك اللحظة، وكيف محا ذلك الوجه كل ما خط بقلبي من سطور الشجون، وكيف تناسيت ما رماني به أصدقائي من سهام العقوق، وكيف أقبلت أسألها من هي، وفي أي عش درجت، ومن أي نبع رويت. وقد عرفت أنها فرنسية نزحت إلى مصر، فأقسمت لها أن خصوبة جسمها هبة من هبات النيل، وأن مصر لذلك جديرة بالتقديس.
ثم كانت في البحر ليال وأيام استطعت فيها أن استبد بذلك الغصن الرطيب، واستطاع شيطاني أن ينفرد بها في ساعات الرقص فلم يخاصرها أحد سواي، ورأيت بعيني كيف يكون الحب والعذاب في حياة قصيرة لا تزيد عن خمسة أيام فوق بحر الروم.
ولكن أتدري ما الذي وقع بعد ذلك؟ لقد وقع أن أخذنا نتناجى في اليوم الخامس، ونراجع ما كان من حياتنا وما نرجو أن سيكون، فعرفت، ويا هول ما عرفت، أنها ليست حديثة العهد بالنضال، وأنها صرعت بمصر كثيرًا من النواب والوزراء، فانقبض صدري واستُطير فؤادي من الفزع. فجزعتْ وقالت: ما خطبك يا سيدي؟ فأجبت في هدوء مصنوع: لا شيء يا مولاتي ولكن لا يرضيني في هواك أن أكون الشهيد الأخير، وإن كان في ميدان الضحايا متسع للجميع!

الفصل الخامس والأربعون
أرواح الذكريات؟!


? أكتوبر سنة ????
صديقي …
أنت تحيا حياة طيبة في دنيا فاتنة مملوءة بالرغد والرفاهية وطيب العيش، ولك من شبابك ومالك وجاهك ما كان لعمر بن أبي ربيعة، طيب الله ثراه، ومنحه في أخراه ما منحه في دنياه! لذلك يقل اهتمامك بالذكريات، والتطلع إلى ما فات. أما أنا فرجل مكدود لا يتاح لي طيب العيش إلا بمقدار، لذلك تراني أُبدئ وأُعيد ما لقيت من الطيبات في اللحظات الخالية، ولا أقول في الأيام الخالية، لأني لا أذكر يومًا طاب لي كله، ولا أذكر أني عرفت كيف يكون الصَّبوح والغَبوق في يوم واحد أو ليلة واحدة. ولعل هذا هو السر في أني أعرض أحيانًا لبعض الجوانب الحسية من متع الحياة فأصفها بشره وافتراس، كما يسطو المحروم على لقمة سائغة فيلتهمها مرة واحدة كأنها آخر ما سيلقى من طيبات دنياه!
فلا تعجب إذن يا صديقي إن رأيتني أعود إلى ما صفا من أيامي فأتذكر ما وقع فيها من الغفلات الحلوة العذبة التي يمر طيفها بالقلب فيبدد ما فيه من سحب الهم والاكتئاب. وعساك تذكر تلك الأيام العصيبة أيام الدراسة، حين كنت توصيني بأن أضع في كل ركن من أركان غرفتي خريطة وافية لأجزاء العالم القديم والجديد؛ حتى تنطبع في ذهني صور العالم بجباله وأنهاره وبلدانه، وحتى لا يجد أستاذنا إسماعيل رأفت بك، يرحمه الله، مقتلًا يأخذني منه إذا جلست أمامه أؤدي الامتحان في الجغرافيا ووصف الشعوب. أنت تذكر ذلك، فيما أظن، فاذكر بجانبه إن شئت أنني عُنيت بعد ذلك بطائفة أخرى من الخرائط، علقت كل خريطة منها في زاوية من زوايا القلب.
وهنا تستطيع أن تفهم معنى قولهم: كم في الزوايا من خبايا. وهذه الخرائط متعددة الأشكال والألوان، ففي كل خريطة نقط عديدة منها السوداء والبيضاء والحمراء، وفيها نقط خفية لا أدري ما لونها لأنها تمثل بعض جوانب من النفس يغلب عليها الشك والارتياب. وهذه المجموعة من الخرائط فيها دائي وفيها شفائي، وإليها المرجع كلما جن الليل وأطفأت المصباح ونظرت من النافذة أتأمل من خلف ستار ما يصنع جيراني، فهذا شاب يقضي سهرته وحيدًا في غرفته، ولكنه ليس بوحيد لأنه مشغول بتمرينات مهمة في ضرب العود حتى لألمح العرق يتصبب من جبينه، وهذه فتاة تغازل صورتها في المرآة، وهذان قرينان يتناولان القهوة ويسمران بعد العشاء.
أما أنا فوحيد وحدة كاملة لا رفيق لها ولا أنيس، أقرأ ما أقرأ حتى تصرخ جفوني من الألم؛ وأعود إلى مذكراتي أرتبها في رفق، ولكن ذلك كله لا يمنع من أن أنظر الساعة فأجدها لم تتخط العاشرة، وأنا لا أصافح النوم إلا بعد نصف الليل، فماذا أصنع إذن؟ لا شيء إلا أن أعود إلى تلك الخرائط التي علقتها في قلبي فأراجعها واحدة واحدة في غبطة وارتياح لا يعدلهما شيء من طيبات الحياة. وهذه المراجعة لذيذة جدًّا، لأنها ليست من تلك المراجعات المملة المضجرة التي يُضطر إليها المتقدمون إلى الامتحانات العمومية من طلبة المدارس والمعاهد والجامعات، هي مراجعة لطيفة لخرائط وجدانية، يتراءى في بعضها الشيخ زكي مبارك بعمامته البيضاء، وفي بعضها الآخر يتراءى زكي أفندي مبارك بطربوشه الأحمر، وفي جوانب أخرى يتراءى المسيو زكي مبارك في قبعته الرمادية. ومن العجيب أن هؤلاء الأشخاص الذين يختلفون في ملابسهم وأزيائهم يلتقون عند نقطة واحدة هي الحظ العاثر والفؤاد الخفاق.
إن الذي رزقك رغد الحقائق هو الذي رزقني لذائذ الخيالات والأحلام، فلا تحسب أنك أسعد مني حين تمتطي سيارتك وتصاحب شيطانك من ميدان إلى ميدان، فإن لي من أحلامي سعادة باقية دائمة تتجدد نضارتها كلما نفضت تلك الخرائط بين يدي لأذكر متى نعمت ومتى شقيت، متى فرحت ومتى حزنت، ومتى طربت ومتى جزعت، أما أنت ففي دنيا صاخبة تحسبها شيئًا وليست بشيء؛ وليست لك قدرة مع الأسف على تذوق الذكريات لأن النعيم طغى بك، وأنساك ما في الماضي من متع كانت جديرة بالحياة لو وقعت لرجل حساس من الذين رزقوا قوة الخيال وعرفوا كيف يكون استحضار الأرواح، أرواح ما دفنا على الزمن من ذكريات الحب والوجد والوفاء. أفتحسب يا صديقي أن ابن زيدون كان يخادع نفسه حين قال:
يدني خيالك حين شط به النوىوهم أكاد به أقبل فاكِ هيهات، هيهات! إن ابن زيدون لم يخدع نفسه بذلك. فالواقع أن نعمة الخيال من أعظم النعم التي منَّ الله بها على عباده الشعراء. إن أحلام اليقظة أوفى وأمتع من أحلام النوم؛ لأن اليقظان أملك لنفسه، وأعرف بخواطره، وأقدر على تمييز ما يتراءى له من أشباح النعيم، وأنت لا تنكر أن الأحلام حياة ثانية ننعم بها وادعين ولكل دور من أدوار الحياة أحلام خاصة به، فالطفل حين يحلم يفتح فاه ويطبقه في رفق وحنان، لأنه يحلم بثدي أمه الرءوم، وأمه في ذلك الحين هي كل شيء في دنياه، وذلك الثدي المعسول هو كل ما يملك ذلك الوليد الغرير. أما نحن فأحلامنا معقدة أشد التعقد؛ ونكاد نزعج في النوم؛ لأن أعباءنا ثقيلة، ولا تربنا الأحلام غير صور مرعبة مخيفة من صور التكاليف والفروض. وبهذه المناسبة أخبرك أن أحلامي المزعجة في باريس ترجع في صورها المختلفة إلى أصل واحد، هو الذهاب لإعطاء درس أو إلغاء محاضرة بعد مضي ربع ساعة من الوقت المحدد. ويرجع هذا الفزع فيما أظن إلى أنني كنت دائمًا أحرص الناس على التبكير، حتى لأذكر أنني كنت أصل دائمًا قبل الميعاد بنصف ساعة، وهذه الوسوسة في المواظبة تجلب لي الآن أحلامًا مزعجة لا يذهب شرها عني إلا إن قمت فأوقدت المصباح وقلت بصوت مسموع: أنا في باريس! أنا في باريس! فلينتظر تلامذتي ما شاءوا في القاهرة، فإنني لست هنالك، ولست عن انتظارهم بمسئول!
الأحلام لا تجمل إلا في الطفولة، من أجل ذلك كنت أقول لك حين تأوي إلى مضجعك: نم هنيئًا، واحلم أحلام الأطفال!
أما قوة الخيال وجبروته في استحضار أرواح الذكريات فنعمة عجيبة أنعم الله بها كاملة على أخيك، فأنا أرد كل غائب، وأبعث كل ميت من ذكريات الماضي، وأتمثل كل شيء حين أشاء، وأنت الآن أمامي بحوادثك اليومية، وأكاد أراك تنتقل من قهوة إلى قهوة، ومن مرقص إلى مرقص، ومن ملعب إلى ملعب، في حيرتك الدائمة تبحث عما لا تجد، وتجد ما لا تريد، وأكاد أرى صديقنا (أ) يخرج من الفصل فيقال له: كيف حال الطلبة؟ فيجيب: «جهتم داهية دا شيء يطلع الروح»! أو صديقنا (ح) ذلك الأديب الألوف المولع بتتبع سقطات الشعراء والكتاب من بين الناس، لا أزال أراه مهمومًا محزونا يبحث وينقب عساه يظفر بخبر طريف يطالع به إخوانه إذا تلاقوا في المساء في ملهى من ملاهي الجزيرة، أو التقوا مصادفة في الطريق، وهذا النوع من تلمس هفوات الأدباء شر لا بد منه، أو هو شر جميل عاش بفضله كتاب الأغاني على مر الأجيال.
الأحلام هي التي جعلت المتنبي يظفر بأنس من لا سبيل إليه حتى استطاع أن يقول في نشوة الظافر الطروب.
بتنا يناولنا المدام بكفهمن ليس يخطر أن نراه بباله وقوة الخيال في بعث الذكريات هي التي جعلت أحد الشعراء يتغنى ويقول:
ترينيك عين الوهم حتى كأننيأناجيك من قرب وإن لم تكن قربي وهي كذلك التي تحييني حياة صادقة كلما تمثلت ما طاب من غفلات الماضي، أو تمثلت ما سيطيب من غفلات المستقبل القريب والبعيد، وثمراتها أشهى وأطيب وأمتع من ثمرات الأماني الشاردة التي أقنعت جحدرًا في سجنه، وحملته على الاطمئنان إلى الرضا بأن محبوبته تشاركه في رؤية الليل والنهار والهلال، إذ يقول:
أليس الليل يجمع أم عمرووإيانا فذاك لنا تدانِنعم وأرى الهلال كما تراهُويعلوها النهار كما علاني ونحن بالأحلام والخيال نحيا حياة طويلة مملوءة بالأنس والرغد ولنا من ذكرياتنا الحلوة ما ندفع به مرارة الساعة الحاضرة، ولنا من الأمل في طيبات المستقبل ما نقتل به جيش التشاؤم المضجر الذي ينتابنا في ساعات السأم والملال.
إلى هنا تحسبني يا صديقي أثِرًا لا أحب إلا نفسي فالذكريات كما ترى حياة وبعث للأيام السوالف والليالي الخوالي، وهي كذلك وقود من اللذات أقدمه لتلك النفس القلقة الحيرى المولهة، التي لا تهدأ، ولا تقف عند حد من حدود المطامع، أو رسم من رسوم الأهواء، وهي فوق ذلك كله غذاء شهي لنزوات القلب، ونزغات النفس، ووثبات العقل، وهفوات القلب.
ولكن رويدك، فأخوك أطيب من ذلك نفسًا، وأعف ضميرًا، وأكرم قلبًا. إن لي من تلك الذكريات أنصبة روحية صِرفة لا يشوبها طيش ولا نزق ولا جموح، وفي تلك الذكريات جوانب طيبة لم أرد بها غير وجه الله، ولم أبتغ منها غير جمال الصدق وعذوبة الوفاء.
إنني ما رجعت إلى تلك الخرائط الوجدانية إلا تمثلتُ فيها صورًا ورسومًا وأشباحًا لصداقات قديمة، وعلاقات ماضية أراد الزمن أو شاءت تقلبات الناس أن تضاف إلى غيابات التاريخ، فأولئك قوم كانوا في صداقتهم كرامًا بررة، ولكن الموت قضى عليهم، وهؤلاء قوم لا يزالون أحياء، ولكنهم كذبوا بعد صدق وخانوا بعد وفاء. فماذا تراني أصنع في ذكريات أولئك وهؤلاء؟
أما الذين قضى عليهم الموت فلي في ذكرياتهم شئون غريبة تستثير الدمع، وأعزهم عليّ المنسيون منهم الذين ما عادوا يمرون بخاطر أو يجرون على لسان. فذلك الطفل (عبد الحسيب) الذي اختطفه الموت بعد عام من حياته لا يزال يتمثل إلى قلبي وروحي في عقله ورزانته، وتلك الطفلة (سُكينة) التي سميناها بهذا الاسم لصباحة وجهها راجين أن تذكر بسميتها الجميلة الحسناء سُكينة بنت الحسين، سكينة هذه لا تزال تطفر أمامي وتثب على سريرها الصغير، ولا أزال أتمثل كيف كانت تعالج سكرات الموت في نبرات حلوة عذبة حسبتها لغفلتي تغريدات طائر لا تأوهات عليل. وأخي سيد؟ ويلاه! ماذا أقول؟ لقد شهدت أيام مرضه وحضرت لحظاته الأخيرة ورأيت كيف قام فزعًا فقبل يدي ليغمض بعد ذلك عينيه أبد الدهر، وقاسيت أهول منظر شهدته في حياتي حين كفنته بيدي وأسلمته إلى الفناء.
أفتحسب من المروءة والنبل أن نبخل على هؤلاء بنفحات الذكرى؟ هؤلاء بذلوا في برنا كل ما كانوا يملكون، فالطفل كان يسخو بنظراته الرقيقة، والطفلة كانت تجود ببسماتها العذبة الحلوة التي تفيض بنورها على حنايا القلب والأحشاء، وذلك الشاب اليافع كانت مخايله تعد بأشرف أنواع البطولة لو أمهلته الأيام، وسبحان من تفرد بالبقاء.
أما أصدقاؤنا الذين غدروا بنا وتناسوا ولاءنا وإخلاصنا فلي معهم شأن آخر، هم لا يزالون أحياء ولكني أرحمهم فوق ما أرحم الموتى، ذلك بأن الموتى مضوا وراحوا قبل أن تمتحنهم هذه الدنيا الغادرة وقبل أن ترغمهم ضرورات الحسد وحاجات العيش على قطع ما وصل الوداد، وفصم ما ربط الولاء، ولهؤلاء أيضًا مقابر تزار، لكن كيف؟ لا تسأل عن ذلك، فليس عندي جواب ويكفي أن تعرف أني أميز بين الوجهين للشخص الواحد: فهذا وجه قاتم، وهذا وجه مضيء، وما لقيت صديقًا غدر إلا كدت أستوقفه وأقول له: ما أشبهك بصديقي فلان! لقد كان له وجه كوجهك، واسم كاسمك، وعمل كعملك، وجاه كجاهك، ولكنه رحمه الله كان لا يغدر ولا يخون!
هؤلاء أيضًا بذلوا في برنا كل ما كانوا يملكون، في اللحظات التي كانوا فيها أوفياء ونبلاء، أفتراني أنساهم وكانوا قرة العين، ومنية النفس، وبغية القلب، وقبلة الروح؟ هيهات، هيهات! فلقد فُطرت على البر والوفاء والإخلاص، وبغَّض الله إليَّ نقائص القطيعة والجحود والعقوق.
وبعد فهذه رسالة كلفتني قطرات من الدمع في باريس، ذلك البلد الذي لا يعرف أهله ما البكاء إلا في الروايات والأساطير. وكل ما أرجو لك، أيها الصديق العزيز، أن يبارك الله في نضارة شبابك، وطهارة وجدانك، وألا تحملني الظروف على أن أترحم عليك وأنت حي تغدو وتروح. والسلام.

الفصل السادس والأربعون
هادم اللذات


لنا صديق في باريس مفتون بالجلوس في بول ميش، وتلك أكبر مُتعة أن يشهد الغادين والغاديات، والرائحين والرائحات، في حي الشباب
وهو في أغلب الأحيان يجلس وأمامه كأس وفي يده سيجارة، ثم يرمي بعينه وبفؤاده إلى اقتناص ما يرى وما يدرك من أسرار الجمال، وهو في تلك اللحظات أشعر الناس؛ لأنه يتحول إلى جذوة من الشعور والإحساس
وقد جلس في صباح اليوم كعادته وكان قد أجهد نفسه بالليل في دراسات مضجرة تقتل الأعصاب، فرمى ببصره علَّه يشهد من روائع الحسن ما يذهب السآمة عن عقله المكدود، ولكن نظره اصطدم بمنظر السواد على باب المنزل الذي يواجهه، فعرف أن هناك مأتمًا، وأن هذه ساعة بكاء وانتحاب عند الجيران المجهولين.
وهنا استولى عليه الخوف، ومر بخاطره الحديث الذي يقول: تذكروا هادم اللذات.
ولكن ذلك الصديق عاد فألقى على دنياه نظرة ساخرة، ثم ألقى على نفسه هذا السؤال:
إذا كانت دنيانا ستنقضي بمثل ما انقضت به دنيا هذا الميت فلمَ نتحفظ ونتبلد ونتوفر فرارًا من سفالة المنافقين الذين يأمرون بما لا يأتمرون به، وينهون عما لا ينتهون عنه؟ أليس الحزم أن نغنم دنيانا قبل أن تفوت متأسين بأبي الحسن التهامي إذ يقول:
فاقضوا مآربكم عِجالًا إنماأعماركم سَفرٌ من الأسفارِوتراكضوا خيل الشباب وبادرواأن تُستردَ فإنهن عوارِ وما كادت تفرغ الكأس حتى نُقل الميت ونُزع السواد وعاد الشارع والسابلون إلى الجذل المألوف. وبذلك اطمأنّ صاحبنا إلى أن الحياة أقوى من الموت، كما أن الصراحة أشرف من النفاق، ولكن أكثر الناس لا يفقهون!

الفصل السابع والأربعون
الآن فهمت


كنت في حدائق فلاحًا مقسم الجهد بين الفأس والمحراث، وكان لا يغيظني من حياة الريف غير فصل الشتاء. وكنت أسمع أهالي سنتريس يقولون (لما يخضر التوت، البرد يموت) وكذلك كنت أتأمل أشجار التوت وأترقب اخضرارها لأبشر نفسي بالربيع، ولكنني كنت أجد الأشجار الصغيرة تسرع إلى الاخضرار وأجد الأشجار الكبيرة تخضر في بطء قريب من الجمود. وما أذكر أنني شغلت نفسي بفهم هذه الظاهرة الطبيعية.
وقد غاظني شتاء هذا العام في باريس فما كاد ينتصف مارس حتى أخذت أترقب اخضرار الأشجار في حديقة النباتات، ولاحظت أيضًا أن الأشجار الصغيرة هي التي تسرع إلى الاخضرار، فتذكرت أيام الحداثة في حقول سنتريس يوم كنت أترقب اخضرار أشجار التوت.
ومع أني لم أكن بليد الذهن بدليل أن اسمي (ذكي) — بالذال لا بالزاي في هذه المرة! — لم أفهم السر في تبكير صغار الشجر إلى الاخضرار إلا في هذه الأيام.
ذلك بأنها في ميعة الشباب، والشباب أكثر إحساسًا بنضارة الربيع.
أعاذنا الله من كهولة القلوب، وشيخوخة الأرواح!

الفصل الثامن والأربعون
نجوى القلب على شواطئ السين


 باريس في ? أغسطس سنة ????
تصارعُ في سَلْم الجمال وحَربهِمخاطر منها طارفٌ وتليدُفيالك من صبٍّ على البين مُولَعأثارتْ شجاهُ أعينٌ وخدودُرشادَك لا تجزع فكم من صبابةتحمّلَ عنها القلبُ وهو عميدستأسو عذارى النيل آثار ما جَنَتْعليك عذارى السين حين تعودُ •••

رعى الله في الوادي العزيز عَقيلةعزيز عليها أن يقال بعيدُتذكِّرها الآصال ما كان بيننافتُرعَدُ منها أذرع ونُهودجنيت عليها ما جنيت من الهوىوخليتها تفنى أسًى وتبيدُوكم من أمان للشباب تقطعتمرائر من أحداثها وعقود •••

أتمضي ليالي الصيف لا تنقع الجوىمباسِمُ بالعذب النمير تجودويدرجُ في مغداهُ أسوان صاديًافؤادٌ بأثقال الشجون يميدُوتخلو مغاني النيل منْ لَهو فاتكٍلهُ من رُباها جَنّةٌ وخُلُودُويحيا أسير الحزن في ميعة الصبافتًى مرحٌ طاغي الشباب مَريدُ •••

سيذكرني الناسون يوم تشوكهمشمائلُ من بعض الخلائق سُودُسيذكرني الناسون حين تروعهمصنائعُ من ذكرى هواي شهودفوالله ما أَسلمتُ عهدي لغَدْرَةٍولا شاب نفسي في الغرام جُحودُولا شهد الناسون مني جنايةعلى الحبِّ إلا أن يُقال شهيدُ
الفصل التاسع والأربعون
بين الرشد والغواية


?? يناير سنة ????
صديقي عبد المجيد
أكتب إليك هذا وقد قهرني البرد على المكث في غرفتي، فإن الجليد يتساقط على الناس وهم سائرون في الطرقات، وليس لديّ من مرافق الحياة ما يتمتع به أكثر الجيران، فنحن في يوم أحد، ولكل جار فنوغراف يستمع إلى أناشيده وموسيقاه، أو أهل يعطفون عليه، أو أصدقاء يسألون عنه، في حين لا أجد ما أدفع به السأم والملال غير ثلاثين كتابًا أو تزيد، مبعثرة في أرجاء الغرفة في اضطراب له روعته وجماله في ساعات النشاط، ولكنه في ساعات السآمة ثقيل ممجوج؟ أضف إلى ذلك أن هذه الكتب قلَتني وقليتها لطول ما اصطحبنا وتجاذبنا الأحاديث في الصباح والمساء، وهي فوق ذلك متنافرة الطباع، متباينة الأشكال، فمن لغة إلى أدب، ومن فلسفة إلى تشريع، ومن جد إلى هزل، حتى لأحسب أنه لا يمنعها من العراك غير خوف البوليس!
وقد فكرت فيما أقتل به هذه الساعات الباردة فلم أجد غير الكتابة إليك، ولكن ماذا أكتب؟ أتريد شيئًا جديًّا! هيهات فإن الجد في هذه الساعات أقسى من البرد! فلم يبق إلا أن أحدثك عن بعض الغوايات التي تقع في باريس، ثم نظرت فرأيت أن هذه الرسالة ستصل إليك في شهر الصيام، وهو شهر له حرمة وكرامة فمن الخير أن نباعد بينه وبين جميع ألوان الرفث والفسوق. والغواية في جملتها ترجع إلى الدنايا التي عناها الشاعر حين قال:
إذا ما المرء صام عن الدنايافكل شهوره شهر الصيام ولكني تذكرت أن هناك مخرجًا من هذا المأزق، فقد كنت أرى ناسًا يُقتدى بهم، وينعمون بجميع مظاهر التبجيل والإجلال، كنت أرى أولئك الفضلاء المبجلين يعرضون لمحارم الله في غير تورع ولا تحرج، وينالون من أعراض الناس بلا توقر ولا عفاف، فإذا نالوا من شهوات اللسان والزهو والخيلاء ما يبتغون رفع الرجلُ منهم بصره إلى السماء وقال: اللهم إني صائم! اللهم إني صائم!
وكانوا يقولون ذلك في ضراعة وخشوع، بحيث لا مجال للشك في أنه قد غُفر لهم، فإن وصلت إليك رسالتي بخير فاقرأها كلها، ولا تنس أن تقول في ختامها: اللهم إني صائم! اللهم إني صائم!
أما أنا فسأقول عند الفراغ من تحريرها: اللهم إني في باريس! اللهم إني في باريس! وأنت تعلم معنى ذلك، فإن رحمة الله وغفرانه يشملان هنا سكان الأرض والسماء، وما ظنك بمدينةٍ اللهوُ في عُرف أهلها لباقة والوقارُ عندهم جمود، أول ما تقع عليه عين الوليد فيها أكواب الشراب، وأول ما تسمع أذنه أغاني الفتك والمجون. ولله حكمة في كل ذلك فلو مشينا هنا على الصراط المستقيم كما تمشون في مصر لهلكنا، إن كان صحيحًا ما نسمع من أنكم تمشون على الصراط السوي في شهر رمضان، ولو شاء ربك لهدى الناس أجمعين.
•••

بسم الله أفتح الحديث
لي صديق فرنسي يحمل أكبر الدرجات وأعظم الألقاب مضت به الأيام حتى ألقته في حدود السبعين، ولكنه كشاعرنا شوقي قد بقيت في وجهه بقايا من عهد الشباب، فإن الذي يرى شوقي حين يبتسم يقدر أنه كان جميل الملامح في صباه، وكذلك صديقنا الأستاذ (ب) قد بقيت في وجهه على الزمن آثار ملاحة وصباحة، بحيث يقدر الرائي أنه كان من أجمل الشبان في عهده القديم.
جلسنا مرة نتحادث في حفلة ساهرة، وكان الراقصون والراقصات يتناهبون لذات الوجد المكبوت، فسألني: أتجيد الرقص؟ فأجبت: لا أحسن منه غير الجنجلة! ثم قلت: وأنت يا سيدي الأستاذ؟ فأجاب: كنت قديمًا أرقص، ثم تركت الرقص منذ ثلاثين سنة!
– يا ساتر! ثلاثين سنة!
– نعم ثلاثين سنة، فقد تركته في حدود الأربعين.
وهنا دفعني الفضول فقلت: لقد بقيت في وجهك يا سيدي الأستاذ علائم وسامة وجمال، فكيف كان حظك عند النساء؟
– النساء؟ ماذا تريد؟ أنا طول عمري رجل مستقيم!
– العفو يا سيدي الأستاذ، إن كنت وجدت في سؤالي ما يُحرجُك، وأنا في بساطة أسألك: هل كانت لك وقائع تشبه وقائع ألفريد دي ميسيه، أو كانت لك صبوات تذكِّر بصبوات لامرتين؟
– الآن فهمت ما تريد، ويظهر أن سمعة فرنسا في الخارج سيئة جدًّا من هذه الناحية! وأحب أن أجيبك بأنه لم يقع لي من حوادث الحب ما يذكِّر بمن تعرف من شعراء الوجدان. الحب صعب المرام جدًّا يا صديقي. فما رأيك؟ إن الرجل المحترم لا يتاح له الحب إلا في حالين: أن يحب فتاة، أو أن يحب امرأة. والرجل لا يحب فتاة إلا إذا كان يريد الزواج. وما عدا ذلك من حب الفتيات خطر لا يقدم عليه رجل يحسب حساب العواقب، أما حب المرأة — المرأة المتزوجة — فهو من كبريات المشاكل في هذا الوجود، وذلك أن الحب لا يراد به ذلك العبث الكلامي الذي يجري في الأندية والحفلات، فإن هذا حب الأطفال، والمرأة لا يرضيها ذلك. والعاشق الذي يكتفي بمعسول الأماني والأحاديث عاشق أحمق مأفون لا تحبه النساء، فلم يبق إلا العشق الجدي الرصين الذي يتغلغل في المشاعر والأحشاء، وهذا العشق كثير التكاليف، لأن المرأة عندنا حين تحب تعصف بكل ما يملك محبها من عقل وثروة وجاه. وأنت تعرف أن العشق لا بد له من ساعات خَلوة. وغيرُ معقول أن يكتفي العاشقان بغرفة في فندق فإن هذا ابتذال، فلا بد إذن من جناح خاص في منزل مقبول. ولا بد إذن من أثاث ورياش وطعام وشراب. وهذا كله ماذا يتكلف؟ رباه! إن العشق شيء ثقيل! ولنفرض أننا وجدنا السبيل إلى المغارم المادية. فكيف نجد الوقت، أتحسب أنه تكفي ساعة أو ساعتان؟ هذا عندكم يا أهل الشرق، أما العشق عندنا فحسابه طويل! وكيف تنتظر أن يجد رجل مثلي فرصة للحب، وهو يكدح من الصباح إلى المساء؟ ومن هي المرأة المتزوجة التي تستطيع الفرار من تكاليف الزوجية لتسعف عاشقها بما يحتاج إليه قلبه من عطف وحنان؟
ثم سكت الرجل فجأة وقد علت وجهه غبرة الحزن والقنوط وما هي إلا لحظة حتى قال:
– وأنت ما شأنك؟ وكيف حالك في الحب؟
فأجبت في ابتئاس:
– لم يكن لي من الحب نصيب غير الخيبة والإخفاق، والآن عرفت سبب شقائي، فقد كنت أحسب أن حرارة الوجد كافية لامتلاك القلوب، وفي ذلك السبيل ألفت كتاب «مدامع العشاق»، وزاد حزني حين رأيته لم يقدمني خطوة نحو «تلك النفس» التي أوحت إلى قلبي فصوله الطوال، وفي هذه اللحظة فقط عرفت أن العشق كثير التكاليف، وأن القلب وحده لا يغني في امتلاك المرأة، وأن عالم العواطف إنما هو عالم قلوب وجيوب! ويرحم الله من قال:
إذا اجتمع الجوع المبرح والهوىعلى الرجل المسكين كاد يموتُ والله المستعان على الغربة والحب والإفلاس!
•••

وعلى ذكريات الحب أذكر لك الفكاهة الآتية:
أكثر الأجانب المقيمين في باريس لا يعرفون غير النساء العموميات؛ ومن النادر أن يتصل رجل أجنبي بامرأة فرنسية شريفة، لأن المرأة الشريفة هنا لا تقع إلا حين تحب، وهي لا تحب بسهولة كما يتوهم أكثر الناس، وقول شوقي:
نظرة فابتسامة فسلامفكلام فموعد فلقاء لا يمثل غير الفتاة الساقطة التي تنتظر أول قادم، أما المرأة الشريفة فالوصول إليها من أعسر ما ينال، على أن الفتيات الساقطات لا ينلن أيضًا بتلك السهولة التي يمثلها بيت شوقي، ومن هنا يقع ذلك المنظر المضحك حين تجد جماعة من الشبان المصريين يجلسون في قهوة من قهوات الحي اللاتيني ثم يتشاكون ويتباكون لتعاسة حظوظهم في الحب، والسعيد منهم من يختلق قصص الحب اختلاقًا ليغيظ بها إخوانه، ويوهمهم أنه من دونهم سعيد، على حين لا يعرف من فصول الحياة غير فصل الجفاف!
وقد حدث مرة أن وجدت في بعض المكاتب كتابًا عنوانه «الحب الأثيم» فاشتريته في الحال علني أجد فيه وصايا مفيدة أنفع بها أولئك الإخوان المحرومين، وقد كنت أختلق لهم حكايات أوهمهم بها أني أعيش في باريس عيشة عمر بن أبي ربيعة في المدينة، وكانوا ينتظرون أن أعود عليهم بشيء من الفضل، والمحسنون قليل!
أتدري ماذا وجدت في ذلك الكتاب؟
وجدته أولًا يصور الحب بصورة الشيء الممنوع، ورأيته يشترط فيمن يؤهل نفسه لمخاطر الحب أن يحسن الرقص، وركوب الخيل، ولعب السلاح، إلى غير ذلك من الشئون الدقيقة التي يجب أن يبرع فيها المتأنقون، ورأيته في النهاية يبحث عن الأماكن الخالية المأمونة التي يذهب إليها العاشق مع معشوقته. وهي في رأيه تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الأماكن المأمونة أمنًا مطلقًا لا ريب فيه. ثم قال: وهذه الأماكن كضرورات الشعر لا سلامة منها، فمن الحمق أن يأمل العاشق في الظفر بمكان خال بعيد عن أعين الرقباء وأهل الفضول.
القسم الثاني: الأماكن التي اشتهرت بكثرة الزائرين، مثل متحف اللوفر، وسان كلو، وفونتيبلو، وهي أماكن لا يليق بعاشق يحترم معشوقته أن يصحبها هناك وإلا عرضها للقيل والقال.
القسم الثالث: الأماكن التي اشتهرت بالهدوء وقلة الواردين. وفي رأى المؤلف أن هذه الأماكن خطرة جدًّا؛ لأن العشاق جميعًا يتوجهون إليها معتقدين أنها خالية، وأنها مأمونة الجوانب، فلا عاذل ولا رقيب.
لكن أتدري يا صديقي ما هي تلك الأماكن المشهورة بالهدوء والسكون، التي تصلح لمواعيد الحب؟
إن المؤلف لم يذكر إلا موضعًا واحدًا، أتدري ما هو؟ وأين يقع؟
إن ذلك الموضع هو: «قسم الآثار المصرية في متحف اللوفر»!
قسم الآثار المصرية؟ غضبة الله على باريس، وعشاق باريس! أهكذا يكون احترام ما ترك الفراعنة من معجزات الفنون؟ ألا يخشى أولئك الداعرون أن تحل بهم لعنة خوفو ورمسيس؟
كذلك ثارت نفسي حين وصلت إلى هذه النقطة من ذلك الكتاب، ثم عدت فذكرت أنه لا ضير على التماثيل المصرية أن تشهد انحلال الأخلاق في مدينة من مدن الطغيان، فإنه لا يذهب هناك للغزل والعبث إلا رجل يخون زوجته أو خطيبته، أو امرأة تدوس على ما في ضميرها من بقايا كرامة الزوجية، أو فتاة تعق أباها وأخاها وخطيبها حين تنسى حرمة العرض في سبيل الغواية، إنه لا ضير على التماثيل المصرية أن تشهد نزق العابثين والعابثات في المدينة التي تسمى «مدينة النور» فستظل التماثيل المصرية هي هي خالدة، وستفنى كل هذه اللذات المخطوفة في أقل من لمح البصر حيث لا بقاء إلا للحق، ولا كرامة إلا للخُلُق الجميل.

الفصل الخمسون
ألوان من اتجاهات الأذواق


 باريس في ?? مارس سنة ????
صديقي …
تذكر أني أرسلت إليك رسالة عن الرشد والغواية، وتذكر أني وعدتك بالعودة إلى مثل ذلك الحديث، فالآن أوجه إليك القول مرة ثانية على شريطة أن تفهم أني لا أدعوك إلى ترك التحفظ والوقار، ونبذ ما أنت عليه من إيثار الصمت والتورع عن الفضول.
أنت تعرف ما بيني وبين صديقنا «ب»، وتعرف أن إخاءنا بُني على أساس المجاملة، وترك ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، وتعرف أن لدينا من التسامح ما يكفي لإغضاء العين على بعض الأقذاء، فلست منه وليس مني، ونحن مع ذلك إخوان في السراء والضراء.
غير أني لا أنكر عليك أني أحب أن (أنكد عليه) ولو مرة واحدة، وهو انتقام طفيف ترضاه نفسي، ولا سبيل إلى ذلك إلا إذاعة بعض ما يلهو به في باريس.
وقد تسأل: وما موجب ذلك؟ وأجيبك في صراحة: إني أحقد عليه لأنه يجد من الفراغ ومن المال ما يمكنه من إحياء عهد عمر بن أبي ربيعة، وكنت أحب أن أكون ذلك الرجل لو ساعفتني المقادير، وهو فوق ذلك ينغص عليَّ تلك المتعة العقلية التي شاء الله أن تكون أجمل ما أطمح إليه من طيبات الأرزاق.
وإني لأذكر أنه صادفني مرة في حديقة لكسمبور ومعي كتاب موضوعه «روح القرن السابع عشر» فأخذ يندد بإقبالي على الماضي، وإغفالي ما في العصر الحاضر من مفاتن ومغريات … وكان (المضروب) يقول ذلك ويده في خصر فتاة لو وقعت عليها عينك لدارت بك الأرض وتخاذلت من عزمك الأوصال!
وله من نوع هذا الجنون مناكر كثيرة حملتني على مطاردته والتصميم على هتك ستره لدى قراء (المساء)، وقد أنذرته بالفعل فهو منذ ثلاثة أشهر يصابح موزع المساء في باريس وبماسيه، وأنا أقسم أنه سيلقى مني ما يكره. ولكن ما الذي يكره هذا الخبيث؟
إنه لا يخشى إلا خطرًا واحدًا، ذلك أن له أبًا صالحًا يصلي الفجر في سيدنا الحسين، والظهر في السيدة زينب، والعصر في السيدة فاطمة النبوية، والمغرب في السيدة سُكينة، والعشاء في مسجد قاضي الشريعة الإمام الشافعي الذي قضى بين أمه وأبيه، رضوان الله عليهم أجمعين! وهذا الأب الصالح يرسل إلى ابنه في باريس ثلاثين جنيهًا شهريًّا، وهو مبلغ ضئيل لا يتناسب مع ثروة ذلك الشيخ الجليل، ولكنه يؤثر التقتير على ابنه لئلا يفسد في بلاد الفساد، والابن من جانبه لا يزال يكاتب أباه شاكيًا باكيًا، لأن الثلاثين جنيهًا لا تكفي الخبز القفار! والوالد يقرأ تلك الرسائل في اطمئنان، لأنه يعلم أن الثلاثين جنيهًا كافية، وأن عيشة الخشونة أنفع له، وأجدر بأن تحمله على الانقطاع للدرس ليجتاز امتحان السنة الأولى في كلية الحقوق بعد أن قضى فيها أربعة أعوام!
وهذه الإشارة كافية لأن تقدر كيف يضطرب كلما هددته بالكتابة عنه، وهو هداه الله يقول في خشوع: إن حالي يشبه حال فلان! وفلان هذا الذي يعنيه شاب مصري تعجزه الامتحانات لأنه لا يتلقى الدروس إلا في قهوة داركور! وهو يخشى أن يستقدمه أبوه إلى مصر، فهو لذلك يقول لمحادثيه وهو يتوجع:
أنا جالس على تل من البارود، وهناك شرارة نار تقترب ثم تبتعد، وتقرب ثم تبعد، وأخشى أن تمس البارود؟
وهذا كما ترى من الخيالات الشعرية البديعة، وأستبعد أن يكون تلميذ قهوة داركور هو صاحب هذا الخيال.
وقد صممت أخيرًا على الكتابة عنه، ولكن سأطوي اسمه عن القراء لئلا يكون فيهم من يصلي مع أبيه في السيدة زينب أو سيدنا الحسين، وبذلك تظل شرارة النار بعيدة عن تل البارود إلى حين!
ولست أرجو بذلك أن يقلع عن الغواية، فذلك شأن لا يهمني على الإطلاق، وإنما يهمني فقط أن يكف عن مغايظتي فلا يقرأ عليَّ رسائل الحب التي تصله من خليلاته، ولا يأتي لزيارتي ومعه ثلاث بنات من الكواعب الملاح، كبراهن رفيقته، والوسطى بنت عمتها، والصغرى بنت خالتها. فتلك أشياء تذهب بالرشد وتغري بالجنون.
وهذا إنذار لا يغني فيه أن يعتذر بأنه يقرأ عليَّ تلك الرسائل الدنسة لأشرح له بعض ما يخفى عليه من التعابير التي تدق عن فهمه، لأني لست مترجمًا في دائرة أبيه حتى يضطرني إلى توضيح تلك المشكلات، وإن كنت اعترف بأني أستزيده أحيانًا من تلك الرسائل التي كان مِدادُها من لُعاب إبليس، والتي تحمل القارئ والسامع على تصديق من يقول:
أرى طِيب الحلال عليَّ خبثًاوطيب العيش في خبث الحرامِ •••

لصاحبنا هذا طرق كثيرة في الصيد، فلنذكر بعضها هنا تمهيدًا للمفاجآت التي سنكف بها من طِماحه إذا مضى يتلمس أسباب اللهو في باريس.
وأخبث طريقة كانت له ما وقع منه يوم نشر في إحدى الصحف الأسبوعية إعلانًا هذه ترجمته:
(شاب مصري مستقيم يقضي نهاره في الدرس ويحتاج إلى فتاة مقبولة الصورة متينة الأخلاق، ترافقه في بعض السهرات لتذهب وحشته وتعينه على فهم الروايات الكلاسيك التي تمثل في الأوديون وفي الكوميدي فرانسيز).
وقد أطلعني على هذا الإعلان قبل نشره وكلمة (مستقيم) أضيفت باقتراحي؛ وقد كاد يرفض لظنه أن هذه الكلمة قد تنفر بعض الملاح، ولكني أقنعته بأنها ضرورية، على الأقل لحفظ سمعة مصر في الخارج، ولأنها فوق هذا كلمة طالما انتفع بها المنافقون الذين يضمرون الإفك ويظهرون الصلاح، وهي بعد ذلك كله تنفي عن الإعلان صبغة المجون، وتضيفه إلى الشئون الجدية، وتلك تحفظات قد يحتاج إليها بعد حين.
وفي صبيحة يوم دق التليفون فاستمعت، وإذا صاحبنا يقول: احضر حالًا فقد تسلمت اليوم أكثر من خمسين رسالة؛ وأحب أن أدرسها معك فلا تتأخر، أرجوك.
خمسون رسالة! يا ابن الخنزير! «أستغفر الله، فإن أباه من الصائمين القائمين».
وما هي إلا لحظات حتى كنت عنده وقلت: (هات يا ولد، هات، حتى نشوف الخبر إيه!)
وفي مثل هذه المواقف تظهر براعة الفتيات الفرنسيات، فإن اللغة الفرنسية من أغنى لغات العالم بالأوصاف، والمرأة الفرنسية من أعرف النساء بالصياغة الفنية لعبارات التودد والتلطف والإقبال.
وقد جلس صاحبنا بجانبي وأنا أقرأ بصوت مرتفع، وهو يقاطعني من لحظة إلى لحظة قائلًا: «يعني إيه؟» أو قائلًا: «وإيه رأيك في البنت دي؟» أو قائلًا في لؤم: «دي مش قد كده، خليها لك!»
وكانت الرسائل تختلف اختلافًا ظاهرًا في مراميها وأغراضها باختلاف الكاتبات. وقد وجدت في بعضها نوعًا من الصدق؛ لأن هناك فتيات محرومات من نعمة الألفة ومرافقة الفتيان، هؤلاء كتبن في صراحة أنهن في حاجة إلى الرفيق، ولا يشترطن إلا العفاف، وكتبت إحداهن تعلن رغبتها في مصادقة (صاحبنا) حبًّا في مصر ذات النخيل! ومنهن من قالت إنها تود أن ترافق فتى مصريًّا شاء له حسن الطالع أن يركب الجمل في صباه!
وهناك بنت ملعونة كتبت رسالة في غاية من الخلاعة، وقد زعمت أنها أجمل مخلوقة مشت في شوارع باريس، وأنها بالرغم من جمالها الساحر لم تخضع لمخلوق، ولم يذق شهدها أحد من العالمين، وقد ختمت الرسالة بقصيدة من نظمها في وصف عفافها الفائق وجمالها الفتان، وهي قصيدة تتوافق كل التوافق مع الأغنية المصرية التي تقول:
إيه رأيك في خفافْتيإيه رأيك في لطافتيمُش خِفّه شرباتمُش رقّه دلكاتإيه تِسْوَى الجنهاتجنب البرلنتيدا جمالي ما وَرَدْشِيومثالي ما صدفشيحوريَّة م الجنةهربانه بالْعِنْيَهلناس تتهنّالوصالي تتمنى •••

حبِّيبَهْ بالمِيِّهتعجبني الحريهيدوبوا ما اسألشيبوصالي ما اسمحشيعلى نارهم خلِّيهمبدلالي أكويهممن صغري ألامودهلجمالي معبودهعشاقي تِتزللعن تقلي ما اتحولكده طبعي يا لطافهكده ذوقي يا خفافهمش خفه شرباتمش رقه دلكات ومن أغرب ما جاء في تلك الرسائل ما كتبته إحدى البنات تسأل صاحبنا عن مستقبل وزارة صدقي باشا، وعن رأيه في الدستور الجديد. وقد قررنا في الحال إبعاد صاحبة هذه الرسالة؛ لأنها «غلباوية» ولأنه يحتمل أن تكون من الجواسيس، وصاحبنا كما تعلم جالس على تل من البارود، وقد يرسل إليه صدقي باشا بعض الصواريخ، جعل الله كلامنا خفيفًا عليه، آمين
قرأنا الرسائل بعناية، وميزنا ما رأيناه جديرًا بالجواب، وأجبنا على سبع وعشرين رسالة من بين ثلاث وخمسين
ولكن ما الذي وقع بعد ذلك، انتظر انتظر، إن الله مع الصابرين.

الفصل الحادي والخمسون
على أطلال الجمال


?? أغسطس سنة ????
ولّى شبابك لم نَنعَم بنضرتهِولم نفز من تمنِّينا بمأمولِفما ادكار عهود منك ما ظفرتْفيها الأماني بوعد غير ممطولِأيامَ تعصفُ بالأحشاء داميةبناظر من بقايا السحر مكحولوتستطيل علينا في صبابتنابمائسٍ مُترَف الأعطاف مطلولِ •••

يا قلبُ هذِى رسوم الحسن موحشةًفي مَهْمَه طامسِ الأعلام مجهولفاندب رجاءَكَ في دنيا وُعدتَ بهاأحالها الدهر مغنىً غير مأهوللا تلمح العينُ في شتى جوانبهِإلا نوازيَ قلبٍ فيه مكبولولا ينال المعنَّى من مشاهدهإلّا عوادي حزنٍ جِدِّ موصولِ •••

يا من تشفَّع ماضيهِ لحاضرهِبواضحٍ من جميل العذر مقبولِليغفرِ الحب ما أسلفت من صَلَفٍإلى محبٍ مُعنَّى القلب متبولِفقد نَعِمنا على ذكراكِ آونةًبسائغ من نمير الوصل معسولواليومَ نعبد في نجواك وادعةًأطلالَ حُسْنٍ لمن يهواك مبذول
الفصل الثاني والخمسون
في ليلة العيد


صديقي
لست أكتمك أني شرعت أتزود لهذه الليلة منذ أسابيع، وزادي كما تعرف هو اجترار الأشجان، فقد مرت سنون وأنا أنتقل من شجَن إلى شجَن، وكادت تمحى أوقات السرور من ألواح الذكريات. وكان الخيال الذي تشبثت به وأعددته لهذه الليلة هو ذكرى تلك الفتاة التي رحلت عن سنتريس في يوم عيد، فقد أذكر أنها خلتني غريبًا بين أهلي، ولم تترك لي ما أوقد به نار الأسى غير تقليب صفحات البحتري، فقد انقطعت إليه يوم ذاك وأخذت أنشره وأطويه بين الجوى والبكاء.
وكذلك مضيت فاستعرت ذلك الديوان من أحد الأصدقاء في باريس، وأقبلت عليه أتصفحه لأتذكر به ذلك الغرام المفقود، فماذا وجدت؟ وبم شعرت؟
لقد وجدت شعر البحتري خاليًا من المعاني الوجدانية، وكدت أومن بأنني خلقت لنفسي ذلك الشاعر يوم كنت أحب، فلما انقضت اللوعة مضى معها سحره، وعادت قصائده وكأنها أبدان بلا أرواح.
أهذا هو البحتري الذي كنت أحب لأجله كل من اتصل بالبلاد السورية، وأعبد من أجله ساكني منبج والشهباء؟
أين شعره؟ وأين روحه؟ وأين غرامه؟
لقد كانت كل كلمة في ديوانه تفعل في قلبي ما تفعل النار في القصباء، فمالي أقرؤه فأراه خامدًا لا روح فيه، وأبحث عن بيت يروقني فلا أجد، وتشقى عيناي في البحث بين ألفه وبائه بلا طائل ولا غناء!
ثم كان صباح هذا اليوم فذهبت إلى الكولليج دي فرانس؛ لأسمع محاضرة المسيو ماسينيون عن الهوى العذري، وانطلق الرجل يتكلم بلغة عذبة تغلب عليها النبرات الباريسية الجذابة التي يعرف سحرها من عاشر أهل باريس الأصلاء، وكانت بداية الحديث خاصة بالمحبين الذين زعموا أن هواهم باق لا يزول، وكيف كانوا في دعواهم كاذبين، فكدت أذوب من الخجل وأحسست جبيني يتندى من الحياء، فقد أقسمت ألف مرة أو تزيد لأحفظن ذكريات فتحية على مر العشي وكر الغداة، ثم قهرتني الأيام على تناسيها، فلم أذهب لزيارتها منذ تسع سنين.
ولكن المسيو ماسينيون عاد فأشار إلى أن أكثر المحبين يظلون أسرى لذكريات النظرة الأولى، وأنهم ينسون ما ينسون ثم يهتاجون لأطياف الماضي البعيد، ويعودون فيقاسون لوعة الحنين.
وهنا غلبني الدمع وكدت أفزع إلى النشيج، ولكن كيف والمسيو ماسينيون يوجه إليَّ نظره وحديثه في عناية والتفات؟ وكذلك أخذت أحول نظارتي وأداري دمعي متمثلًا بقول ابن الأحنف.
كم من صديق لي أسارقه البكاءَ من الحياءِفإذا تلفت لامنيفأقول ما بي من بكاءلكن ذهبت لأرتديفطرفت عيني بالرداء ولم تكد تنتهي المحاضرة حتى اطمأننت إلى أن القلب لا تزال فيه بقية من الجوى؛ ومضيت فصافحت المسيو ماسينيون وذكرته بقول البحتري:
وأود أني ما قضيت لبانتيمنكم ولا أني شفيت غليليوأعد برئي من هواك جنايةوالبرء أعظم غاية المخبول والرجل لا يدرى ما أريد لأن صبابة البحتري لم تخطر له على بال، ولأن الشاكي من السلامة لم يكن رجلًا سواي!
ثم انطلقت أَهيم في شوارع باريس وأنا فرح جذلان، لأني عرفت أن فتحية لا تزال تثير دمعي، وأنني خليق بأن أراجع معالم النظرة الأولى، يوم كنت أقول فيها:
يا طفلة الحسناءوالدرة العصماءما خدك الفتانُوطرفك الوسنانإلا بقايا الأمِّذات اللثات الحُمِّأشبهتها في الدلِّوجفنها المعتلِّوخدها الأسيلِوخصرها النحيلِفاستوصفيها الحباواستودعيها الربافقد تناهى العمرُونال منها الدهرُ •••

يا زهرةً في العينِونغمةً في الأُذْنِوطفلةً في المنظَروغادة في المخبرلا مسَّك الغرامُفإنه ظلَّامُ ثم تناولت غدائي في طمأنينة المحب الموصول، وإن كنت لا أدري أين تكون اليوم فتحية، وكيف حال أجفانها السود، وكفها المخضوب، وحديثها المعسول.
لقد كنت سمعت أنها تشكو مرض القلب، فكيف حالها اليوم، وكيف أهلها الأعزاء.
ومن بينات الحب أنْ كان أهلُهاأحبَّ إلى قلبي وعينيّ من أهلي إني لأغدر الناس إن لم أختص هذه المظلومة بما أملك من رفق وحنان، فقد مر عهد كنت لها كل شيء، وكانت لي كل شيء، ولا يعلم إلا الله كيف أضاءت هذه الفتاة قلبي وحياتي مدة من الزمان، ثم تناسى كلانا صاحبه، منذ تبدى لنا الدهر وهو أضن وأبخل من أن يهجع عن المحبين السعداء.
صديقي
ذلك هو حديثي عن ليلة العيد، فقد تناسيت أشجاني، وقصرت ليلي على التسبيح بذكرى فتحية، فليت شعري أيمر بخاطرها في هذه الليلة طيف ودادنا القديم؟ أم تراها فتحت قلبها لشواغل الحياة، واطمأنت إلى أن عهدنا كان حلمًا فذهب، وكان أملًا فضاع؟
ولنعد الآن إلى البحتري لنرى كيف راجعته الحياة، حين راجعنا الشوق، ولننظر كيف يقول:
أنبيك عن عيني وطول سهادهاووحدة نفسي بالأسى وانفرادهاوإن الهموم اعتدن بعدك مضجعيوأنت التي وكلتني باعتيادهاخليليَّ إني ذاكر عهد خُلةٍتولّت ولم أذمم حميد ودادهافوا عجبي ما كان أنضر عهدهالديّ وأدنى قربها من بعادهاوكنت أرى أن الردى قبل بينهاوأن افتقاد العيش دون افتقادهابنفسيَ من عاديت من أجل فقدهِبلادي ولولا فقده لم أعادها وهذه يا صديقي أبيات لم أبحث عنها، ولكنها واجهتني صارخة حين فتحت الديوان، ولننظر كيف يقول من قصيدة ثانية:
ضمانٌ على عينيك أني لا أسلووأن فؤادي من جوًى بك لا يخلوولو شئت يوم الجزع بلَّ غليلهُمحبٌ بوصل منك إن أمكن الوصلُألا إن وِردًا لو يذاد به الصدىوإن شفاء لو يصاب به الخَبْلوما النائل المطلوب منك بمعوزلديك بل الإسعاف يعوز والبذلأطاع لها دَلٌّ غرير وواضحٌشتيتٌ وقدٌّ مرهف وشوًى خَدْلوألحاظ عين ما علقن بفارغفخلينه حتى يكون له شغلوعندي أحشاء تساق صبابةإليها وقلب من هوى غيرها غفلوما باعد النأي المسافة بيننافيفرط شوق في الجوانح أو يغلو هذا هو البحتري الذي قضيت أسابيع أقلب ديوانه فلا أرى فيه غير أشباح، فيا عجبًا كيف عاودته الروح وكيف عاد إليه سحره القديم! إن في ذلك لدليلًا على أن الشعراء لا يحيون إلا على ألسنة القراء، والشاعر الذي يجد قارئًا يفهمه كالمغني الذي يجد سامعًا يتذوق أغانيه، ومن هنا كان الشعراء يتفاوتون في حظوظهم عند الناس، فهذا يثير عاطفة طال غزوها للقلوب، وذاك يثير خالجة لا تطيف بالنفوس إلا لمامًا، وبقدر تغني الشعراء بهواجس الأحاسيس يكون نصيبهم من الخلود.
•••

صديقي! لقد غفت العيون، وطوى الليل تحت سدوله أرباب النعيم وأنضاء الشقاء، فكم من قلب يتذوق أكواب الحب، وكم من كبد تتنزى فوق جمرات البؤس، وأنا في دنيا صاخبة من أشجاني وأحزاني، فهذا وجدٌ فتيٌّ، وذاك وجد قديم، وتلك صبابة دفنتها منذ عشر سنين وبعثتها ليلة العيد، كل أولئك يغزو قلبي في قسوة دونها قسوة الحظ العاثر على الرجل النبيل، وأين أنا يا رباه ممن أحنو عليهم وأذيب في حبهم لفائف الفؤاد؟
وما يدريني لعلي منسيٌّ من جميع من أشتاق إليهم وأبدد بذكراهم لجب النهار وهدوء الليل!
لا تزال عندي من الشوق بقايا، فهل عند من أهواهم من العطف بقية؟
أم كتب عليَّ أن أقضي العمر في التغني بقول بعض الشعراء:
سيذكرني الناسون يوم تشوكهمشمائلُ من بعض الخلائق سُودُسيذكرني الناسون حين تروعهمصنائع من ذكرى هواي شهودفوالله ما أسلمت عهدي لغدرةولا شاب نفسي في الغرام جحودُولا شهد الناسون مني جنايةعلى الحب إلا أن يقال شهيد وإليك يا صديقي أقدم أطيب الأماني بأن يعيد الله عليك أمثال هذا العيد، وأنت على ما أحب لك من عافية البدن، ونعيم القلب، وهدوء البال. والسلام.