Advertisement

خطط الشام




الدولة النورية
«من سنة 522 الى سنة 569»
فتنة الإسماعيلية ووقعة دمشق :
لم يكف الشام تفرق كلمة أمرائه واستصفاء الفرنج لسواحله في الربع الأول من القرن السادس ، حتى مني بعدو داخلي يقاتل أهله في عقر دارهم ويستنجد بالفرنج على إرهاقه ، ونعني بهم الباطنية الذين كانوا يسمون القرامطة قديما ويدعون في هذا الدور بالباطنية أو الإسماعيلية. فقد انتشر مذهبهم في كل بلد وكثر الدعاة إليه ، وكانت دار الدعوة في حلب ودمشق ، موطن التنفيذ والعمل. فإن أبناء هذا المذهب ودوا لو يؤسسون دولة في العراق أو الشام ، ولكنهم أخفقوا غير مرة ، ولما شعروا بضعف أمراء الشام وتشتتهم ، واشتغال قلوب معظمهم بقتال الصليبيين ، أيفنوا أن الفرصة قد سنحت فسار داعيتهم بهرام من العراق الى الشام ، ودعا بدمشق إلى مذهبه ، فتبعه خلق كثير من العوام وسفهاء الجهال والفلاحين ، وواثقه الوزير المزدقاني فأظهر دعوته علنا ، بعد أن كان يختفي ويطوف المعالم والمجاهل ولا يعلم به أحد ، فعظمت به وبشيعته المصيبة. وسكت عن هؤلاء الباطنية العلماء وحملة الشريعة خوفا من بطشهم ، ولما استفحل أمرهم في حلب ودمشق اضطر صاحب دمشق طغتكين أن يسلمهم قلعة بانياس دفعا لشرهم ، ليسلطهم على الفرنج ويقطع تسلطهم على المسلمين، فعدّ الناس ذلك من غلطاته.
عظم أمر بهرام بالشام وملك عدة حصون بالجبال وقاتل أهل وادي التيم ، وكان سكانه من النصيرية والدروز والمجوس وغيرهم ، واسم أميرهم الضحاك بن جندل ، ثم قتل بهرام وقام مقامه في قلعة بانياس رجل منهم اسمه إسماعيل ، وأقام الوزير

المزدقاني عوض بهرام بدمشق رجلا اسمه أبو الوفا ، وعظم أبو الوفا حتى صار الحكم له بدمشق ، فكاتب الفرنج ليسلم إليهم دمشق ، ويعوضوه بصور ، وجعلوا موعدهم يوم الجمعة ليجعل أصحابه على باب الجامع ، وعلم صاحب دمشق بالأمر فقتل الوزير المزدقاني وأمر الناس فثاروا بالإسماعيلية فقتل بدمشق ستة آلاف إسماعيلي (523) وقال سبط ابن الجوزي : وكان عدة من قتل من الإسماعيلية عشرة آلاف على ما قيل ولم يتعرضوا لحرمهم ولا لأموالهم ، ووصل الفرنج في في الميعاد وحصروا دمشق فلم يظفروا بشيء ، واشتد الشتاء فرحلوا كالمنهزمين ، وتبعهم صاحب دمشق بالعسكر فقتلوا عدة كثيرة منهم ، وسلّم إسماعيل الباطني قلعة بانياس إلى الفرنج وصار معهم.
قال ابن الأثير : ولما بلغ الفرنج قتل المزدقاني والإسماعيلية بدمشق عظم عليهم ذلك وتأسفوا على دمشق إذ لم يتم لهم ملكها ، فاجتمعوا كلهم صاحب القدس وصاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وغيرهم من الفرنج وقمامصتهم ، ومن وصل إليهم من البحر للتجارة والزيارة في خلق عظيم نحو ألفي فارس ، وأما الراجل فلا يحصى. وروى ابن القلانسي أنهم كانوا يزيدون على ستين ألفا فارسا وراجلا ، وساروا إلى دمشق ليحصروها ، ولما سمع تاج الملوك بذلك جمع العرب والتركمان فاجتمع معهم ثمانية آلاف فارس ، ووصل الفرنج فنازلوا البلد وأرسلوا إلى أعمال دمشق لجمع الميرة والغارة على الكور ، فلما سمع تاج الملوك أن جمعا كثيرا قد سار إلى حوران لنهبه وإحضار الميرة ، كما نهب صاحب القدس (521) وادي موسى وسبى أهله وشردهم ، سير إليهم أميرا من أمرائه يعرف بشمس الخواص في جمع من المسلمين ، فلقوا الفرنج فواقعوهم واقتتلوا وصبر بعضهم لبعض ، فظفر بهم المسلمون وقتلوهم فلم يفلت منهم غير مقدمهم ومعه أربعون رجلا ، وأخذوا ما معهم وعادوا إلى دمشق لم يمسسهم قرح ، فلما علم من عليها من الفرنج ذلك داخلهم الرعب فرحلوا عنها شبه منهزمين ، فتبعهم المسلمون يقتلون كل من تخلف منهم.
ولما استولى الفرنج على قلعة بانياس بنزول صاحبها الباطني عنها وانضمامه إليهم سقطت بأيديهم أيضا قلعة القدموس وكانت للباطنية. وبإحراز هاتين القلعتين قوي أمر الفرنج وإن عظمت خسائرهم المادية ، وعاد الناس فأمنوا وخرجوا بعد فشل

الصليبيين في فتح دمشق وأيقنوا أن الفرنج لا يكاد يجتمع لهم بعد هذه الكائنة شمل لفناء أبطالهم واجتياح رجالهم وذهاب أثقالهم.
دخول آل زنكي الشام :
كانت مملكة حلب للبرسقي وبها ولده مسعود فلما قتل البرسقي استخلف مسعود الأمير قيماز بحلب وسار إلى الموصل ثم استخلف على حلب قتلغ أبه السلطاني فأساء السيرة ومد يده إلى أموال الناس لا سيما التركات ، وتقرب إليه الأشرار فنفرت قلوب الناس منه. وكان سليمان بن عبد الجبار ابن أرتق الذي كان صاحبها أولا مقيما بحلب ، فاجتمع إليه أحداثها وملكوه المدينة وقتلغ في القلعة ، وسمع الفرنج اختلافهم فجاءهم جوسلين صاحب أنطاكية فصافوه بمال ، فرحل بعد أن خندق الحلبيون حول القلعة ، فمنع الداخل والخارج إليها من ظاهر البلد ، وأشرف الناس على الخطر العظيم ، وأرسل عماد الدين زنكي صاحب الموصل عسكرا مع القائد قراقوش إلى حلب ، ومعه توقيع السلطان محمود بالشام فأجاب أهل حلب إليه ، وتقدم عسكر زنكي إلى سليمان وقتلغ بالمسير إلى زنكي فأجابا ، فلما وصلا الموصل أصلح زنكي بين سليمان وقتلغ ولم يرد واحدا منهما إلى حلب ، وسار زنكي إلى حلب وملك في طريقه منبج وبزاعه وتلقاه أهل حلب ودخل ورتب الأمور وملكها وقلعتها (522). قال ابن الأثير : ولو لا أن الله تعالى قد منّ على المسلمين بملك أتابك لبلاد الشام لملكها الفرنج لأنهم كانوا يحصرون بعض البلاد الشامية.
ثم عزم عماد الدين زنكي على الجهاد وأرسل صاحب دمشق يلتمس منه المعونة على حرب الفرنج ، وبادر إلى تجريد وجوه عسكره ، وكتب إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة يأمره بالخروج في عسكره والاختلاط بالعسكر الدمشقي ، فخرج من حماة إلى مخيم عماد الدين أتابك فأحسن لقاءه ثم غدر به وقبض عماد الدين على سونج وعلى جماعة المقدمين واعتقلهم في حلب ، وزحف من يومه على حماة وهي خالية من حماتها فملكها ، ورحل إلى حمص ، وكان صاحبها قيرخان بن قراجه معه ، وطلب منه تسليم حمص فراسل نوابه وولده فيها فلم يلتفتوا إلى مقاله ،

فأقام عماد الدين عليها مدة طويلة يبالغ في محاربة أهلها فلم يتهيأ له ما أراد فرحل عنها إلى الموصل.
وطلب صاحب دمشق الى صاحب الموصل أن يطلق ولده ومن اعتقلهم من الأمراء والمقدمين فطلب عنهم خمسين ألف دينار ، فأجاب تاج الملوك إلى تحصيلها ، ولم يطلق عماد الدين ابن تاج الملوك سونج ومن معه من الأمراء إلّا في سنة (525). ومات الخصي صاحب صرخد فاستولت سرّيّته على قلعتها ، وأرسلت إلى دبيس بن صدقة صاحب الحلة تستدعيه من العراق للتزوج به ، وتسليم صرخد بما فيها من مال وغيره إليه ، فسار دبيس إلى الشام فضلّ به الأدلاء بنواحي دمشق فنزل بناس من كلب كانوا شرقي الغوطة فحملوه إلى صاحب دمشق تاج الملوك ، ولما سمع عماد الدين زنكي بأسر دبيس أرسل الى تاج الملوك يطلبه ، ويبذل له إطلاق ولده سونج ومن معه من الأمراء فأجابه تاج الملوك الى ذلك وأطلق عماد الدين سونج ومن معه من الأمراء فأجابه تاج الملوك الى ذلك وأطلق عماد الدين سونج ورفاقه.
وفي سنة (524) جمع عماد الدين عساكره وسار من الموصل إلى الشام ، وقصد حصن الأثارب ، وكان أهله على اتصال بالفرنج يقاسمون الحلبيين على جميع أعمال حلب الغربية ، فالتقوا وعسكر عماد الدين واشتد القتال وانتصر المسلمون وانهزم الفرنج ووقع كثير من فرسانهم في الأسر وكثر القتل فيهم ، وأخذ المسلمون الأثارب عنوة وقتلوا وأسروا كل من فيها ثم خربها عماد الدين.
استنجاد بعض الصليبيين بالمسلمين واستقرار حال دمشق :
بينا كانت دمشق مغتبطة بتاج الملوك بوري لشجاعته ، وقد سد مسد أبيه في كفايته وكفاحه ، ناداه الأجل سنة (526) عقيب جرح كان به من الباطنيّة ، ووصى بالملك بعده لولده شمس الملوك إسماعيل ، ووصى ببعلبك وأعمالها لولده شمس الدولة محمد. ولما استقر إسماعيل بن بوري في ملك دمشق ، واستقر أخوه في بعلبك استولى محمد على حصن الرأس وحصن اللبوة ، فكاتب إسماعيل أخاه في إعادتهما فلم يقبل ، فسار صاحب دمشق وفتح حصن اللبوة ثم فتح حصن الرأس وقرر أمرهما ، ثم حصر أخاه في بعلبك فسأله الصلح فأجابه إليه ، وأعاد عليه بعلبك وأعمالها واستقرت أمورهما.

ودخلت سنة (527) فسار إسماعيل صاحب دمشق على غفلة من الفرنج الى حصن بانياس وفتحه ، وذلك لما بلغه من عزمهم على نقض الموادعة المستقرة ، وهال الفرنج ما وقع لقلعة بانياس وأكثروا التعجب من تسهل الأمر في فتحها مع حصانتها وكثرة الرجال فيها في أقرب مدة. وفتح إسماعيل حماة وقلعتها وقتل من كان بها ، وحصر قلعة شيزر فصانعه صاحبها بمال حمله إليه. وفي هذه السنة اجتمعت التراكمين وقصدوا طرابلس ، فخرج من بها من الفرنج اليهم واقتتلوا فانهزم الفرنج ، وسار القومص صاحب طرابلس ومن في صحبته فحصرهم التركمان في قلعة بعرين وهرب القومص منها. ثم جمع الفرنج جموعهم وقصدوا التركمان ليرحلوهم عن بعرين فاقتتلوا وانحاز الفرنج الى نحو رفنية وعاد التركمان عنهم.
وقع الخلاف بين الفرنج من غير عادة جارية لهم بذلك ، ونشبت الحرب بينهم وقتل منهم جماعة ، والسبب في ذلك اختلاف طفيف نشأ بين أمرائهم حدا بصاحب يافا على أن يستنجد بالمسلمين في عسقلان فساعدوه حتى خربت تلك الأرجاء إلى حدود مدينة أرسوف ، وعقد صاحب يافا معاهدة مع المسلمين فجاء صاحب القدس وحاصره ، ولكن المسلمين اهتبلوا الغرة فجاسوا خلال ديار الفرنج وأخذوا يناوشونهم القتال ، فخاف صاحب بيت المقدس العاقبة وأراد مشاغلة المسلمين فأغار على أطراف حلب ، فنهض إليه الأمير سوار النائب في عسكر حلب ومن انضاف إليه من التركمان وتحاربوا أياما وتطاردوا إلى أن وصلوا إلى أرض قنسرين ، فحمل الفرنج عليهم فكسروهم كسرة عظيمة ، فعاود سوار النهوض إليهم في من بقي من عسكره والأتراك ، فلقوا فريقا من الفرنج فأوقعوا به وكسروه ، فانكفأت الفرنج إلى أرضها مهزومة ، وانتهى إلى سوار خبر خيل الرّها فنهض هو وحسان البعلبكي فأوقعوا بهم وقتلوهم عن آخرهم ، وأغار سوار على الفرنج في تل باشر فقتل منهم ألف فارس وراجل وقاتلهم أيضا في موضع يعرف بنوار في عسكر حلب وما انضاف إليه من التركمان ، وكانت الحرب بين الفريقين سجالا. واشترى الإسماعيلية قلعة القدموس من صاحبها ابن عمرون صعدوا إليها وقاموا بحرب من يجاورهم من المسلمين والفرنج ، وكانوا كلهم يكرهون مجاورتهم.
وفي سنة (528) سار صاحب دمشق إلى شقيف تيرون وانتزعه من ابن ضحاك ابن جندل التيمي المتغلب عليه. وانتهى اليه أن الفرنج اعتزموا على نقض المستقر

من الهدنة وقصد أعمال دمشق ، وشرعوا بإخراب أمهات الضياع في حوران ، فوقع التطارد بين الفريقين عدة أيّام ، ثم أغفلهم صاحب دمشق وقصد بلادهم عكا والناصرة وطبرية وما جاورها فظفر وغنم وسبى ورجع سالما في نفسه وجملته فذل الفرنج وطلبوا تقرير الصلح بينهم.
خيانة صاحب دمشق وقتل أمه له :
ومما خدم عماد الدين زنكي أن شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق كان لأول جلوسه على عرش أبيه أقر الولاة على حالهم وسار بسيرته مدة ، فنفس من خناق الأهلين وساعده اختلاف الصليبيين ثم تغيرت نيته وكثرت قبائحه ومصادرة المتصرفين ، والأخيار المستورين ، بفنون قبيحة في العقوبات ، وأضمر السوء لأصحاب أبيه وقبض على خواصهم وأركان دولته فنفرت القلوب منه. وكان (527) وثب عليه أحد مماليك جده طغكتين وهو في الصيد بناحية صيدنايا وجبة عسال فأخطأه ، وقرره شمس الملوك فقال : ما أردت إلّا راحة المسلمين من شرك وظلمك ثم أقرّ على جماعة من شدة الضرب فضرب شمس الملوك أعناقهم من غير تحقيق ، وقتل أخاه الأكبر سونج صاحب حماة الذي كان في أسر عماد الدين ، قتله بالجوع في بيت ، فعظم ذلك على الناس ، ونفر من ظلمه المساكين والضعفاء والصناع والمتعيشون والفلاحون وامتهن العسكرية والرعية.
وأهمّ ما قضى عليه على ما يظهر اضطهاده رجال الدولة فتآمروا عليه ورأوا السبيل إلى النيل منه ، خصوصا لما بعث الى عماد الدين زنكي حين عرف اعتزامه على قصد دمشق لمنازلتها يحثه على سرعة الوصول إليها ويمكنه من الانتقام من كل من يكرهه من المقدمين والأمراء والأعيان بإهلاكهم وأخذ أموالهم وإخراجهم من منازلهم ، وكتب إليه أنه إذا تأخر استدعى الفرنج وسلم إليهم دمشق بما فيها ، وأسرّ ذلك في نفسه ولم يبده لأحد من وجوه دولته وأهل بطانته ، وشرع في نقل المال والمتاع الى حصن صرخد. فاجتمع أعيان الدولة وأنهوا الحال إلى والدته الخاتون صفوة الملك ، فدبرت عليه من قتله من غلمانها ، غير راحمة له ولا متألمة لفقده ، لما عرفت من قبيح فعله وفساد عقله وسوء سيرته. ونودي بشعار أخيه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك. وجاء عماد الدين زنكي وخيم بأرض عذراء ، فلما طال الأمر

راسل في طلب الصلح على أن يخرج شهاب الدين محمود إليه لوطء بساط ولد السلطان الواصل معه ويخلع عليه ويعيده إلى بلده ، فلم يجب إلى ذلك ، وتقررت الحال على خروج أخيه تاج الملوك بهرام شاه.
قتل شمس الملوك باتفاق رأي والدته مع أرباب الدولة في دمشق لما بدا من ظلمه واستصراخه الإفرنج بعد يأسه من معونة عماد الدين زنكي ، وكان جده طغكتين مثلا سائرا في غزوة لهم المرة بعد المرة ، ومداراتهم أحيانا بالحيلة ، وجمع أمراء الشام على قصدهم أبدا ، ومصانعة خلفاء بغداد وخلفاء مصر طلبا لنجدتهم ، ولو بالقليل من قوتهم المادية والمعنوية ، ولكن ابن ابنه سلك غير طريقته فقتلته أمه ورجال دولته. وكانت هذه الأعمال المنكرة من بعض صغار الملوك الذين لا يحرصون إلّا على مصلحتهم الخاصة ، وإذا تأثرت أقل تأثر عمدوا إلى وضع أيديهم في أيدي أعدائهم من موجبات بقاء الإفرنج في ثغور الشام وأنطاكية والرّها وطبرية والناصرة والقدس واستيلائهم على كثير من المعاقل. ولو لم يكن شجر الخلاف بين ملوك الفرنج في هذا الدور لسهل عليهم ملك المدن الأربع دمشق وحماة وحمص وحلب، بالنظر لخلل الدول المستولية عليها واضطرارها إلى قتال أعدائها من المسلمين وأعدائها من الصليبيين ، بل وأعدائها في الداخل أمثال شمس الملوك. وللناقد البصير بعد هذا أن يقول إن دولة أتابك طغتكين كانت عزيزة الجانب في أولها فأصبحت ذليلة وعبئا ثقيلا على الشام بعد بطنين من مؤسسها.
توحيد الحكم على يد زنكي وقضاؤه على إمارة صليبية :
بعد تقلقل أمر آل طغتكين أخذت روح آل زنكي تسري في القطر ، فنهض سوار نائب زنكي في حلب سنة (530) فيمن انضم إليه من التركمان ، وجرد جيشه على الأعمال الفرنجية فاستولى على أكثرها ، وغزا اللاذقية وأعمالها بغتة ، وعاد من هذه الغزاة إلى شيزر ومعه زيادة عن سبعة آلاف أسير بين رجل وامرأة وصبي وصبية ومائة ألف دابة ، واجتاح أكثر من مائة قرية كبيرة وصغيرة فامتلأت الشام من الأسارى ورجعوا بهم إلى حلب ودياربكر والجزيرة.
هذا ما وقع من الأحداث في العقد الثالث من القرن السادس ، وأهم ما حدث ظهور دولة عماد الدين زنكي صاحب الموصل في حلب وإيقانه أنه لا سبيل إلى دفع

الصليبيين عن الشام إلا إذا رجع أمر المسلمين إلى ملك واحد ، وأنه إذا تقدم بجيشه قليلا بعد أخذه حلب يستولي على دمشق ، وينقذ الأمة من فوضى آل أتابك طغتكين وضعفهم، وكثر هجوم عماد الدين على حمص (530) فتسلمها صاحب دمشق من أولاد قيرخان بن قراجه وعوضهم عنها تدمر ، فتابع عسكر زنكي بحلب وحماة الغارة على حمص لما رأوا خروجها إلى صاحب دمشق ، فأرسل هذا إلى عماد الدين في الصلح فاستقر بينهما. وكف عسكر عماد الدين عن حمص وحدثت فتنة بدمشق بين صاحبها والجند وعاد عماد الدين فنازل حمص (531) وبها صاحبها معين الدين أتسز فلم يظفر بها ، فرحل عنها إلى بعرين وحصر قلعتها وهي للفرنج وضيق عليها ، فجمع الفرنج ملوكهم ورجالهم وساروا إلى زنكي ليرحلوه عن بعرين ، فلما وصلوا إليه جرى بينهم قتال شديد فانهزمت الفرنج ، وعاود عماد الدين حصار الحصن فطلب الفرنج الأمان ، فقرر عليهم تسليم الحصن وخمسين ألف دينار فأجابوا إلى ذلك ، وكان زنكي مدة مقامه على حصار بعرين قد فتح من الفرنج المعرة وكفرطاب ، ومنع زنكي في هذه الوقعة عن الفرنج كل شيء حتى الأخبار ، فكان من بحصن بعرين منهم لا يعلم شيئا من الأخبار لشدة ضبط الطرق وهيبته على جنوده. وملك زنكي حصن المجدل (532) وكان لصاحب دمشق ، ودخل مستحفظ بانياس إبراهيم بن طرغت تحت طاعته ، وسار إلى حمص وحصرها ثم رحل عنها إلى سلمية بسبب نزول ملك الروم على حلب ، ثم عاد إلى حمص فسلمت إليه المدينة وقلعتها ، وكان شرع أهل حلب في تحصينها وحفر خنادقها والتحصن من الروم بها ، وأغارت خيل الصليبيين على أطراف حلب، وتملكوا حصن بزاعه ثم نصبوا خيامهم على نهر قويق فخرجت إليهم فرقة وافرة من أحداث حلب فقاتلتهم وظفرت بهم ، ونهض سوار في عسكر حلب وأدرك الصليبيين في الأثارب ، فأوقع بهم وقهرهم ونزل ملك الروم هذه السنة (532) على بزاعة وحاصرها حتى ملكها بالأمان وأسر من فيها ثم غدر بهم ، ونادى مناديه من تنصر فهو آمن ومن أبى فهو مقتول أو مأسور ، فتنصر منهم نحو أربعمائة إنسان منهم القاضي والشهود ثم رحل عنها إلى شيزر وترك فيها واليا يحفظها مع جماعة وأقام عشرة أيام يدخن على مغارات اختفى فيها جماعة فهلكوا بالدخان وكان سكان بزاعة خمسة آلاف وثمانمائة نسمة ، وعاد زنكي وحاصرها حتى ملكها وخرب الحصن والبلد عامر. وفي

سنة (533) سار من مصر عسكر إلى وادي موسى فحاصر حصن الوعيرة ثمانية أيام ، وعاد بعد ما توجه إلى الشوبك وأغار عليها وترك هناك أميرين على الحصار. وتزوج عماد الدين أم شهاب الدين محمود صاحب دمشق زمرد خاتون بنت جاولي وهي التي قتلت ابنها شمس الملوك إسماعيل وذلك طمعا من عماد الدين في الاستيلاء على دمشق لما رأى من نفوذ هذه المرأة في الدولة. وكثيرا ما كانت الكلمة النافذة للنساء من آل بيت الدولة والغيرة الصادقة في وقايتها من السقوط.
وكان متملك الروم خرج في السنة الفائتة واشتغل بقتال الأرمن وصاحب أنطاكية وغيره من الفرنج وعمر ميناء الإسكندرونة ثم سار إلى بزاعة وملكها وغدر بأهلها ثم رحل عنها إلى حلب ، فجرى بينه وبين أهلها قتال كثير فعاد عنها إلى الأثارب وملكها وسار نحو شيزر وحاصرها أربعة وعشرين يوما فأنجدها عماد الدين حتى اضطر متملك الروم إلى الرحيل فظفر عماد الدين بكثير ممن تخلف منهم. وكان يرسل إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه ، فلو فارق مكانه تخلفوا عنه ، ويرسل إلى فرنج الشام يخوفهم من ملك الروم ويقول لهم : إن ملك بالشام حصنا واحدا ملك بلادكم جميعا ، فاستشعر كل من صاحبه فرحل ملك الروم عنها. ونهض هذه السنة الأمير بزواج في فريق وافر من العسكر الدمشقي والتركمان إلى ناحية طرابلس فظهر إليه قومصها والتقيا فكسره بزواج وقتل منهم جماعة وافرة وملك حصن وادي ابن الأحمر وغيره. ونهض ابن صلاح والي حماة في رجاله إلى حصن الخربة فملكه.
قويت دولة عماد الدين زنكي بعد استيلائه على حلب وحماة وحمص والمعرة وكفرطاب وبعلبك وغيرها ، وإفحاشه القتل في الفرنج واستيلائه على بعض معاقلهم ، فلم يسع شهاب الدين محمودا صاحب دمشق إلا مهادنته على قاعدة أحكمت بينهما ، وأصبح القول الفصل لعماد الدين دون شهاب الدين في شؤون الشام. أما الفرنج في أنطاكية فلما ارتاح بالهم من جهة ملك الروم وصالحوه على ما اشترط ، عادوا هذه السنة فنقضوا الهدنة مع عماد الدين وقبضوا في أنطاكية على خمسمائة رجل من تجار المسلمين وأهل حلب والسفار.
وبينا كان عماد الدين يدبر ويفكر ويهتم لأخذ دمشق نعى الناعي (533) شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري ، قتله غلمانه في فراشه فتولى بعده أخوه جمال

الدين محمد صاحب بعلبك فبعثت والدته الخاتون صفوة الملك والدة شهاب الدين إلى زوجها عماد الدين زنكي ، وهو على الموصل ، تبعث همته على النهوض لطلب الثأر ، فجاء وفتح الأثارب وبعلبك. وقال بعض المؤرخين : إن زنكي أمن قلعة بعلبك وتسلمها ثم غدر بأهلها فأمر ببعضهم فصلبوا فاستقبح الناس ذلك منه.
ولما رأى صاحب دمشق أن دولة عماد الدين زنكي ستكون لها الغلبة على دولته اعتضد بالفرنج على مال يحمل إليهم ليدفعوا عن دمشق عادية عماد الدين ، فسار هذا طالبا للقاء الفرنج إن قربوا منه ثم عاد إلى الغوطة ونزل بعذراء فأحرق عدة ضياع من المرج والغوطة إلى حرستا التين ورحل متثاقلا. وكان الشرط بين الفرنج وصاحب دمشق أن يكون في جملة المبذول لهم انتزاع ثغر بانياس من يد إبراهيم بن طرغت ، فاتفق أن نهض هذا إلى ناحية صور للإغارة عليها ، فصادفه ريمند صاحب أنطاكية واصلا في الفرنج على إنجاد أهل دمشق ، فالتقيا فكسره وقتل في الوقعة ومعه نفر يسير من أصحابه ، وعاد من بقي منهم إلى بانياس فتحصنوا بها وجمعوا إليها رجال وادي التيم فنهض إليها معين الدين أتسز في عسكر دمشق وحارب بانياس بالمنجنيقات ، ومعه فريق وافر من عسكر الفرنج ففتحها وسلمها إليهم.
وجاء عماد الدين بعسكره هذه السنة أيضا إلى دمشق وقرب من السور ، وكان قد فرق عسكره في حوران والغوطة والمرج وسائر الأطراف للغارة ، ونشبت الحرب بينه وبين عسكر دمشق ، ثم سار عائدا على الطريق الشمالية بالغنائم الدثرة. وسار عماد الدين إلى أرض الفرنج فأغار عليها واجتمع ملوك الفرنج وساروا إليه. وفي الروضتين أنه لقيهم بالقرب من حصن بارين وهو للفرنج ، فصبر الفريقان صبرا لم يسمع بمثله ، فحاصره حصرا شديدا فراسلوه في طلب الأمان ، وكان حصن بارين من أضر كور الفرنج على المسلمين ، فإن أهله كانوا قد خربوا ما بين حماة وحلب من الأرضين ونهبوها وتقطعت السبل ، كان عماد الدين استولى على هذا الحصن سنة (531) وأعطى الأمان لمن فيه وقرر عليهم تسليمه ، ومن المال خمسين ألف دينار يحملونها إليه. وظهرت عسكرية عسقلان على خيل الفرنج (535) الفائزين عليها فعادوا مفلولين. وملك الباطنية حصن مصياف ، وكان واليه مملوكا لبني منقذ أصحاب شيزر ، فاحتال عليه الإسماعيلية ومكروا به حتى صعدوا اليه وقتلوه

وأغار الأمير لجه التركي (536) النازح عن دمشق إلى خدمة عماد الدين على بلد الفرنج وظفر بخيلهم وفتك بهم فقتل منهم سبعمائة رجل. وظهر (537) صاحب أنطاكية في ناحية بزاعة فثناه عنها النائب في حفظ حلب وحال بينه وبينها. وظهر متملك الروم في الثغور دفعة ثانية وبرز إليه صاحب أنطاكية وأصلح أمره معه. وفي سنة (537) خرجت فرقة وافرة من الفرنج إلى ناحية بعلبك للعيث فيها فقتل المسلمون أكثرهم وعادوا إلى بعلبك سالمين. وظفر عسكر حلب بفرقة كبيرة من التجار والأجناد خارجين من أنطاكية تريد أرض الفرنج فأوقعوا بها وقتلوا من كان معها من فرسانهم.
وفي سنة (539) فتح عماد الدين زنكي الرّها من الفرنج ثم تسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات. وكان لا يمر بعمل من أعمالها ولا معقل من معاقلها فينزل عليه إلا سلم إليه في الحال ، وهزم التركمان الفرنج الذين انتدبوا من أنطاكية لإنجاد أهل الرّها شر هزيمة ، وتمكن السيف في أكثر الراجل وتفرقوا في أعمالهم ومعاقلهم مفلولين. أي أن عماد الدين أتى ببأسه على إمارة الشمال الصليبية برمتها وهي إحدى الإمارات الأربع التي أقامها الصليبيون في الشام ، فلم يبق لهم إلا إمارة أنطاكية وهي تمتد إلى قيليقية وإمارة طرابلس وإمارة القدس.
الحال بعد نصف قرن من نزول الصليبيين :
نصف قرن مضى على دخول الصليبيين الشام وهي إذا ما خلا فيها سيد قام سيد ، يشتد في دفعهم أو يحافظ على الحالة الحاضرة ، وكلما رأى من يعتد بعقلهم وغيرتهم من أمراء المسلمين عدم وفاء الصليبيين للعهود زادوا في قتالهم وأمعنوا في تخريب حصونهم وأرضهم ، وهذه الأراضي أي القرى والمزارع كانت ملك الفلاحين من المسلمين والمسيحيين ، والويل لمن كان صقعهم في طريق المهاجمين والمدافعين فإن مزرعته وداره إلى بوار ، ولا سيما في أعمال حلب وطرابلس لقربهما من إمارتين إفرنجيتين قويتين وأعمال حوران والسواد والبلقاء وجبل عوف وجبل الشراة فإن المتكفل بغزوها صاحب القدس وهو أقوى ملوك الفرنج في الشام. وإليه يرجع في المهمات والقضايا العظيمة ، وهو ينجد أصحاب الرّها وأنطاكية وطرابلس يوم الشدائد.

وكان آل تنوخ وآل معن حجازا في أعالي سواحل لبنان بين أملاك الصليبيين وأملاك صاحب دمشق ولهم الأثر المذكور في ذلك ، ولذلك كان يتنازعهم المستولي على دمشق والمتولون للساحل ولكن خدمتهم للمسلمين أكثر بالطبع وهواهم مع أبناء دينهم وعلى نحو ذلك كان الدروز وقد قاتلوا في صفوف المسلمين فأظهروا من الشجاعة والنجدة ما تقرّ به العيون. ومن الغريب أن شيعة جبل عاملة كانت مع الصليبيين على إخوانهم المسلمين إلا قليلا ، وكأنهم اضطروا إلى ذلك اضطرارا لأن أرضهم في قبضة الصليبيين ، كما كان هوى الموارنة لمكان الدين مع الصليبيين ، ومن الموارنة أدلاء لهؤلاء وعمال وتراجمة ، وكان بطاركة أهل الصليب يتنقلون في قرى لبنان الساحلية ولهم السلطان الأكبر على أمراء الفرنج.
وكانت قوى فريق المسلمين وفريق الدخلاء متعادلة في الغالب ، ينال كل منهما من جاره ويغزوه في عقر داره ، ويعود وقد ملئت أيدي المتحاربين بالغنائم والأسرى. والفرنج يأتيهم المدد كل سنة على طريق البحر ، والبحر لا يحمل الناس كالبر ، والمسلمون تأتيهم النجدات من مصر في الجنوب ومن العراق في الشرق ومن ديار بكر وديار مضر وآسيا الصغرى. والفرنج مؤلفون بحسب عناصرهم من طليان وفرنسيين وألمان ، وجيوش المسلمين مؤلفة من تركمان وأكراد وعرب.
وما غفل فريق عن فريق سنة واحدة خلال هذه المدة. ولم يكتب لأحد عظماء الأمراء من أهل الاسلام أن يطول عهده وترسخ قدمه في الملك والسلطان حتى يحمل حملة رجل واحد على الفرنج ، فإن دمشق وحلب وعليهما في الجنوب والشمال المعول في الحرب لأنهما المعسكران العظيمان كثيرا ما شغلا بأنفسهما ورد دسائس الذين يتربصون الدوائر بملوكهما ، والفرقة الباطنية التي كان المقصد من الإغضاء عنها أن تقف سدا في وجه الأعداء لما عرف به أربابها من الشدة والمضاء ، أصبحت آلة شر على المسلمين لا لهم في أكثر الأحيان ، ولم يخلصوا لمن انشقوا عنهم مذهبا وإن لم ينشقوا عنهم قومية.
فاقتضت الحال أن يتولى أمر الأمة بعد تتش وآق سنقر وبزان وابن عمار وابن منقذ ومسعود وطغتكين وبوري وزنكي أمراء من عيار أرقى وبسلطة أعظم ، تكون اجزاء حكومتهم أكثر تجانسا من ذي قبل ، وليس الزمن زمن ملك وإمارة ، ولا عهد سكة مضروبة ، وخطبة مخطوبة ، بل العهد عهد عمل بالقرائح والعقول ،

وعمل بالسلاح والكراع ، وعمل بالخطط العسكرية والخدع الحربية ، وقت كله جد في جد ، وإلا فالعدو يتقدم ، والإسلام يهلك ويعدم ، وعمل عظيم كهذا متوقف على قيام زعيم كبير يلتف الناس حوله عن رضى ، ويجذب قلوبهم بصالح أعماله لا ببهرج مقامه ولطف مقاله ، ويبهرهم بلامع إخلاصه ، لا ببريق الذهب على كرسيه وتاجه.
صفات عماد الدين زنكي وتولي ابنه نور الدين :
بدأ العقد الرابع من القرن السادس وفيه قتل عماد الدين زنكي على قلعة جعبر بيد جماعة من مماليكه. وكانت صفاته صفات حربية راقية اشتهر بشجاعته ونجدته ، اشتهاره ببطشه وشدته ، وكان يحب التوسع في الملك والذّب عن حوزة الإسلام ، ويدرك بثاقب نظرهأن الأعداء محيطة بمملكته لا ينجيها منهم إلا القضاء على إحدى إماراتهم في الرّها وما إليها ، ولا يتقى بأسهم بمناوشات وحروب تستصفى معها بعض القلاع والحصون ثم يستعيدونها وبالعكس ، وما دامت دمشق لم تدخل في سلطانه لا يقوى ملكه بالشام الإسلامية مع ملكه الموصل على ردّ عوادي الدهر ودفع غوائل العدو. توفرت في شخصه شروط التوسع في الملك ، وعرف إدارة الممالك بالعمل ورثها من أبيه آق سنقر وبذّه فيها ، فكان مربيا فاضلا شهما مشهودا له بذلك ، دفع إليه السلطان محمود لما تولى الموصل ولديه آلب أرسلان وفروخ شاه المعروف بالخفاجي ليربيهما فلذا قيل له أتابك.
ومن صفات عماد الدين أنه كان ينهى أصحابه عن شراء الملك ويقول : إن الأقطاع تغني عنها ، ومتى كانت البلاد لنا فلا حاجة إليها ، ومتى ذهبت البلاد منا ذهبت الأملاك معها ، ومتى كان لأصحاب السلطان ملك تعدوا على الرعية وظلموهم ، على حين كانت الاقطاعات في عهده للأمراء والقواد وأرباب الدولة شائعة غير منكرة عند المسلمين وعند الصليبيين في هذه الديار. قيل للشهيد أتابك زنكي : إن هذا كمال الدين بن الشهرزوري يحصل له في كل سنة منك ما يزيد على عشرة آلاف دينار أميرية وغيره يقنع منك بخمسمائة دينار. فقال لهم : بهذا العقل والرأي تدبرون دولتي؟! إن كمال الدين يقلّ له هذا القدر وغيره يكثر له خمسمائة دينار. فإن شغلا واحدا يقوم به كمال الدين خير من مائة ألف دينار. وكان كما

قال. وهذا أكبر دليل على حرصه على رجاله وإيقانه أن الدولة لا تقوم إلا بأمثال الوزير الشهرزوري.
وكانت لعماد الدين عناية بأخبار يتنشّدها ويغرّم عليها الأموال الطائلة ، فيقف على أخبار الملوك ساعة بساعة ، وإذا جاءه رسول لا يمكنه من الحديث مع أحد الرعية لئلا ينتشر الخبر في البلد. وكان يفرق الأموال في القلاع والبلدان فلا يجعلها في مكان واحد ويقول : إذا كانت الأموال في موضع واحد وحدث حادث وأنا في موضع آخر وذهبت لم انتفع بها ، وإذا كانت متفرقة لم يحل شيء بيني وبينها رجعت الى بعضها. وكانت المملكة قبل أن يملكها خرابا من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج فعمرها وامتلأت أهلا وسكانا ، وقبل أن يجيء زنكي إلى الشام اشتدت صولة الصليبيين واتسعت مملكتهم من ناحية ماردين وشيحان إلى عريش مصر وانقطعت الطرق إلى دمشق إلا على الرحبة والبر ، وجعلوا على كل بلد جاورهم خراجا وإتاوة يأخذونها منهم ليكفوا أذيتهم عنهم. وكان مهيبا شديد الوطأة على من يعبثون بحياة الامة. بلغه أن بعض الولاة تعرض لامرأة فقلع عينيه وجب مذاكيره فخاف الولاة وانزجروا ، وكان شديد الغيرة ولا سيما على نساء الأجناد. وكان يقول : إن لم تحفظ نساء الأجناد وإلا فسدت لكثرة غيبة أزواجهن في الأسفار. ترجمه العماد الكاتب بقوله: كان زنكي ابن آق سنقر جبارا عسوفا ، بنكباء النكبات عصوفا ، نمري الخلق ، أسدي الحنق ، لا ينكر العنف ، ولا يعرف العرف ، قد استولى على الشام من سنة (522) إلى ان قتل في سنة (541) وهو مرهوب لسطوه اه. وبعض هذه الصفات تنزهت منها نفس ابنه نور الدين محمود وهذا الرجل الذي كان ينتظر لإنقاذ الشام مما حل به من الويلات ، فإنه جمع الصفات الحسنة في أبيه وتجرد عن الصفات الرديئة فيه.
كان نور الدين في قلعة جعبر يوم مقتل أبيه عماد الدين بيد المماليك فسمي الشهيد، فأخذ في الحال خاتمه وهو ميت من اصبعه وسار إلى حلب فملكها ، وأرسل كبراء دولة زنكي إلى ولده سيف الدين غازي بن زنكي يعلمونه الحال وهو بشهرزور ، فسار إلى الموصل واستقر في ملكها. قال ابن عساكر : وسير نور الدين الملك آلب أرسلان بن السلطان محمود بن محمد إلى الموصل مع جماعة من أكابر دولة أبيه وقال لهم : إن وصل أخي سيف الدين غازي إلى الموصل فهي له ، وأنتم في

خدمته ، وإن تأخر فأنا أقرر أمور الشام وأتوجه إليكم. ولما انتهى نعيّ عماد الدين إلى صاحب دمشق خف في الحال إلى حصن بعلبك وحصره وكان متوليه نجم الدين أيوب بن شادي والد صلاح الدين يوسف ، فخاف أن لا يتمكن أولاد زنكي من إنجاده بالعاجل فصالح صاحب دمشق وسلم القلعة إليه ، وأخذ منه إقطاعا ومالا وملكه عدة قرى من عمالة دمشق.
ولم يكد نور الدين يتربع في دست الحكم بحلب حتى بدت آيات فضله ، وصحة حكمه وعقله وحزمه ، وباستيلائه على الأعمال ظهر نبوغه فدخلت الشام في حياة سياسة جديدة ، بعد تقلقل أمر الدولة الأتابكية بدمشق ، ودخول الوهن على فروعها بزوال أصلها الثابت ظهير الدين طغتكين. وسار نور الدين على قدم أبيه عماد الدين في التقرب من ملوك الأطراف فخطب ابنة معين الدين أتسز الملك الحقيقي لدمشق ، والحاكم المتحكم في سياستها ليتم له بالصهر والقرابة ما كان أبوه يرمي إليه بزواجه بأم شهاب الدين محمود فلم يتم له ، وتزوج نور الدين بعد ذلك بابنة صاحب قونية واقصرا فأمن بهذا الزواج من غارة يغيرها صاحب آسيا الصغرى على الشام ، ومن تسرّب عسكر الصليبيين عن طريق الروم إلى مملكته.
بعد أن أصيب جوسلين صاحب الرّها بتمزيق شمل إمارته قبل سنتين على يد عماد الدين زنكي ، جمع الفرنج من كل ناحية وقصد مدينة الرّها على غفلة بموافقة النصارى المقيمين بها فاستولى عليها وقتل من بها من المسلمين. فنهض نور الدين (541) فيمن انضاف إليه من التركمان فاستعاد البلد وقتل كثيرا من أرمنها ، ومحق السيف كل من ظفر به من نصاراها. واستنجد صاحب دمشق بنور الدين على قتال والي صرخد الذي كان خرج إلى ناحية الفرنج للاستنصار بهم ، فجاء نور الدين في عسكر حسن فاجتمع الجيشان على حلب ، وبلغ صاحبي حلب ودمشق أن الفرنج احتشدوا قاصدين بصري فحال عسكر المسلمين بينهم وبين الوصول إليها ، واستظهر عسكر المسلمين على الفرنج فولوا الأدبار فتسلم صاحب دمشق حصني بصرى وصرخد.
الحملة الصليبية الثانية وغزوتها دمشق :
وفتح نور الدين في السنة التالية (542) مدينة ارتاح بالسيف وحصر ثامولة (؟)

وبسرفوث وكفرلاما من أعمال الفرنج. قال صاحب الكامل : كان الفرنج بعد قتل والد نور الدين قد طمعوا وظنوا أنهم بعده يستردون ما أخذه ، فلما رأوا من نور الدين هذا الجد في أول أمره علموا أن ما أملوه بعيد وخاب ظنهم وأملهم وبينا كان نور الدين يجمع شمله لضرب الفرنج في مقتل من مقاتلهم للقضاء على قوتهم التي ظهر له ضعفها يوم استرد أبوه منهم الرّها ، وردت الأخبار من قسطنطينية أن حملة عظيمة قادمة من بلاد الفرنج وهي المعروفة بالحملة الصليبية الثانية مؤلفة من فرنسيس بقيادة لويز السابع ، وألمان بزعامة كونراد الثالث ، وفي الجيش إنكليز وفلامنديون وطليان ، ومن هؤلاء البنادقة والجنوية والبياسنة (البيزيون) وذلك لإنجاد الصليبيين في الشام ، إذ ساءت حالهم بعد سقوط الرّها وقلّ فارسهم وراجلهم لأن سيوف التركمان والأكراد والعرب قد حصدتهم ، وعلى كثرة تناسلهم مدة نصف قرن صبحوا في قلة وأصبح أعداؤهم في كثرة.
تجمعت هذه الحملة بتحميس القديس برناردوس في الغرب ، وكان له كما لرؤساء الدين السلطان الأكبر على النفوس يصرفها كما يشاء. وذكر المؤرخون أن عدد هذا الجيش كان ألف ألف عنان من الرجالة والفرسان وقيل أكثر من ذلك. وفي التاريخ العام أن كلا من الجيش الألماني والجيش الفرنسي كان مؤلفا من سبعمائة ألف فارس ما عدا الرجالة الذين لا يحصى عددهم ، وأن الروم قدروا مجموعه سبعمائة الف رجل. قال وهو تقدير ظاهر المبالغة. واختار هذا الجيش طريق البر وعرض عليه روجر صاحب بوليه وصقلية أن يسافر بحرا لأنه كان ينوي الاستعانة بجيش الصليبيين ليدفع المسلمين عن دياره ، وكانوا احتلوا سركوزة ، فلقي جيش الصليبيين من صاحب القسطنطينية وأمراء بني سلجوق في آسيا الصغرى ضروب القهر والمرت. قال مؤرخونا : واستمر القتل فيهم أي في الصليبيين إلى أن هلك العدد الدثر منهم ، وحل بهم من عدم القوت والعلوفات والمير وغلاء السعر ما أفنى الكثير منهم.
وصلت مراكب الفرنج (543) إلى ساحل البحر كصور وعكا ، وأجمع من كان بها من الفرنج بعدما فني منهم أي من القادمين من طريق البر بالقتل والمرض والجوع نحو مائة ألف إنسان أن يقصدوا بيت المقدس. ولما قضوا مفروض حجهم عاد من عاد بعد ذلك إلى أوطانهم في البحر ، وبقي ملك الألمان أكبر

ملوكهم ومن هو دونه ، وصلى الصليبيون في القدس صلاة الموت ، وعادوا إلى عكا وفرقوا المال في العسكر وكان مقدار ما فرقوه سبعمائة ألف دينار ولم يعينوا لهم وجهة وما كانت وجهتهم إلا فتح دمشق فورّوا بغيرها وهرّبوا المسلمين بين أيديهم. ولم يشعر أهل دمشق إلا وملك الألمان قد ضرب خيمته على باب مدينتهم في الميدان الأخضر. وكان الفرنج في نحو خمسين ألفا من الخيل والرجل وقيل أكثر من ذلك. ويقول ابن منقذ : إن ملك الألمان لما وصل إلى الشام اجتمع إليه كل من في أرجاء الساحل من الفرنج ، فقصدوا أولا المنزل المعروف بمنازل العسكر فصادفوا الماء مقطوعا عنه ، فقصدوا ناحية المزة ووصلت طلائعهم إلى الميدان الأخضر فنشبت الحرب بين الفريقين ، واجتمع عليهم من الأجناد والأتراك والتركمان وأحداث البلد والمطوعة والغزاة الجمّ الغفير ، وكانت المكاتبات قد نفذت إلى ولاة الأطراف بالاستصراخ ، وأخذت خيل التركمان تتواصل ، فلما ضاق الأمر بالفرنج بعد اربعة أيام ورأوا شدة عزيمة المسلمين في قتالهم رحلوا مفلولين.
ويرى مؤرخو الحروب الصليبية من الفرنج أن جيش الحملة الصليبية الثانية كان أكثر نظاما وقيادة من جيش الحملة الأولى ، ليس فيه المتشردون والأشقياء ، وكان مؤلفا من فرسان وبارونات وغيرهم أخذوا بالحماسة الدينية وساروا في قيادة ملكين عظيميين. وفي التاريخ العام أن هذه الحملة الصليبية الكبرى لم تجد نفعا البتة حتى استغربت حالها أمم النصرانية فبحث بعضهم عن الخطايا التي استحقت بارتكابها هذه الكارثة ، ونسبت أخرى هزيمة الحملة لخداع الروم أو لخيانة نصارى الشرق وذكروا أن الصليبيين في القدس قد ارتشوا من أمير دمشق بمبلغ مائتين وخمسين ألف دينار وأن الأمير أرسل المال زيوفا أو نحاسا طلي بالذهب.
انكسر الجيش الذي قاتل دمشق بقيادة كونراد الألماني ولويز السابع الفرنسوي وبودوين الثالث ملك القدس في بساتين المزة ولحق فلّهم بالساحل ، بعد أن قطعرا أشجار الحدائق للتحصن بها وأحرقوا الربوة والقبة المهدوية. وقد وصف أبو الحكم الأندلسي جيش الفرنجة على دمشق في مخيمه ومعتركه ومجتلده ومنهزمه وصفا جميلا قال :
بشطى نهر داريا
    أمور ما تؤاتينا
  وأقوام رأوا سفك ال
    دما في جلّق دينا
 

أتانا مائتا ألف
    عديدا أو يزيدونا
  فبعضهم من اندلس
    وبعض من فلسطينا
  ومن عكا ومن صور
    ومن صيدا وتبنينا
  اذا أبصرتهم أبصر
    ت أقواما مجانينا
  ولكن حرقوا في عا
    جل الحال البساتينا
  وجازوا المرج والتعدي
    ل أيضا والميادينا
  تخالهم وقد ركبوا
    قطائرها حراذينا
  وبين خيامهم ضموا ال
    خنازر والقرابينا
  ورايات وصلبانا
    على مسجد خاتونا
  ومن توفيق صاحب دمشق يومئذ وهو مجير الدين أبق أن تدبير المملكة كان لمعين الدين أتسز مملوك جده طغتكين ، وكان عاقلا دينا محسنا لعسكره فاستنجد بصاحب الموصل سيف الدين غازي وصاحب حلب نور الدين محمود ، فجاء الشقيقان في جيش لجب ، وانضم جيشهما بل روحه وروح أبيهما إلى روح مملوك طغتكين مؤسس الدولة الأتابكية ، مع تحمس الأمة ومعرفتها حق المعرفة أن الفرنج إذا أخذوا دمشق سقطت الشام كلها ، وربما تعدوها إلى الحجاز وهناك الطامة العظمى على المسلمين ، وكان اجتماع آل زنكي الأقوياء مع صاحب دمشق الضعيف في سلطانه فاتحة لعمل عظيم يتوقع منهم في الشام ، وأن ملكها سيؤول إليهم بحكم الطبيعة. ولم يرض سيف الدين ولا نور الدين أن يناقشا مجير الدين ومعين الدين الحساب عما قدماه وقالاه ، بل مرا بالأحقاد مرّ الكرام ، وجعلا الأقاويل دبر آذانهما وعند الشدائد تذهب الأحقاد.
ذكروا أن معين الدين أتسز كان قد كاتب سيف الدين غازي صاحب الموصل قبل نزول الصليبيين على دمشق ، يستصرخ به ويخبره بشدة بأسهم ويقول له أدركنا ، فسار سيف الدين في عشرين ألف فارس ونزل في إقليم حمص وبعث إلى معين الدين يقول : «قد حضرت بجند طمّ ولم أترك ببلادي من يحمل السلاح ، فإن أنا جئت الفرنج وكانت علينا الهزيمة وليست دمشق لي ولا لي بها نائب لم يسلم منا أحد وأخذت الفرنج دمشق وغيرها فإن أحببت أن أقاتلهم فسلم البلد إلى من أثق به ، وأنا أحلف لك إن كانت النصرة لنا عليهم أنني لا أدخل إلى

دمشق وأرجع إلى بلادي» فمطله معين الدين وبعث إلى السواحل يقول : «هذا ملك الشرق نازل على حمص وليس لكم به طاقة ، فإن رحلتم وإلا سلمت دمشق إليه وهو يبيدكم وأنا أعطيكم بانياس» أي إن معين الدين أتسز آثر أن يتخلى عن بانياس مفتاح دمشق الأكبر من جهة الفرنج ، ولا يجعل لسيف الدين غازي إصبعا في بلده ، لعلمه أن دولة آل زنكي في عنفوان أمرها غضة الإهاب ودولتهم هرمة ، والفتى يغلب الهرم ويخلفه بحكم الطبيعة.
تقدم نور الدين في فتوحه :
ولما رحل الفرنج عن دمشق كتب القومص صاحب طرابلس إلى معين الدين وإلى نور الدين يستنجدهما على ولد ألفنس صاحب صقلية الذي أخذ منه حصن العريمة ، ويريدهما على أخذه خوفا منه على بلده ، وكتبا إلى سيف الدين يطلبان منه المدد فأمدهما ، فحصروا الحصن ونقبوا السور ، فأذعن الفرنج واستسلموا وألقوا بأيديهم ، فملك المسلمون الحصن وأخربوه وأخذوا كل من فيه.
وعاد عسكر سيف الدين إلى الموصل وعسكر نور الدين إلى حلب وأخذ هذا بجمع أطرافه وتوجه إلى ما دانى أرضه من أرض الفرنج وظفر بعدة وافرة منهم ، وجمع صاحب أنطاكية رجاله فصد نور الدين على حين غفلة منه ، ونال من عسكره حتى اضطر نور الدين أن يهرب بنفسه وعسكره إلى حلب. وفي هذه السنة (543) نادى منادي نور الدين في حلب بإبطال الأذان بحي على خير العمل في أواخر أذان الغداة ، وأعاد أذان أهل السنة ففرح الناس وأبطل بذلك أثرا عظيما من آثار الدولة العلوية الفاطمية.
لم تثبط هزيمة نور الدين يوم أنطاكية من عزيمته ، وقصد الفرنج فكان بينه وبينهم مصاف بأرض يغري من العمق فانهزم الفرنج إلى حصن حارم وكانوا هزموا المسلمين أولا بهذا الموضع ، وقتل منهم وأسر جماعة كثيرة فأرسل منهم جماعة مع غنائم كثيرة إلى أخيه سيف الدين صاحب الموصل. وفي هذه السنة سار نور الدين إلى بصري وقد اجتمع الفرنج قضهم وقضيضهم ، فالتقى بهم هنالك واقتتلوا أشد قتال فهزمهم نور الدين.
وكثر عيث الفرنج في صور وعكا والثغور (544) بعد رحيلهم عن دمشق

وفساد شروط الهدنة المستقرة بين صاحب دمشق وبينهم ، وكانوا يعيثون في عمل دمشق ، ويفحشون في التخريب ويمعنون في الغارة ، فأغار عليهم العسكر الشامي والتركماني والأعراب إلى أن اضطروا إلى تجديد الهدنة مع صاحب دمشق سنتين. وأغار صاحب أنطاكية على الأعمال الحلبية فدفعه نور الدين صاحبها ، وكان عسكر نور الدين يناهز الستة آلاف فارس سوى الأتباع والسواد ، والفرنج في زهاء أربعمائة فارس طعانة وألف راجل مقاتلة سوى الأتباع ، فلم ينج منهم إلا نفر يسير ثم نزل نور الدين في العسكر على باب أنطاكية وقد خلت من حماتها فاستمال أهلها في التسليم فأمهلوا ، ثم نهض إلى أفامية فسلم الفرنج إليه البلد بعد حصارها واجتمع من بالشام من الفرنج وساروا نحو نور الدين ليرحلوه عنهم ، فلم يصلوا إلا وقد ملك حصن أفامية وملأه ذخائر وسلاحا ورجالا ، واقتضت الحال بعد ذلك مهادنة من في أنطاكية وتقرر أن يكون ما قرب من الأعمال الحلبية لنور الدين ، وما قرب من أنطاكية لهم. وقد عاون نور الدين في هذه الوقعة الأمير بزان في عسكر دمشق وعسكر أخيه سيف الدين غازي والجزيرة ، وقتل من الفرنج ألف وخمسمائة وأسر مثلهم ، وقتل البرنس وحمل رأسه إلى نور الدين. قال العماد : وكانت هذه الكسرة على إنب ، وإنب حصن من أعمال عزاز.
وظهرت الفرنج في الأعمال الدمشقية للعيث فيها واتصل بنور الدين إفسادهم في الأعمال الحورانية بالنهب والسبي فعزم على التأهب لقصدهم فسار وكف أيدي أصحابه عن العيث والفساد في الضياع ، وأمر بإحسان الرأي في الفلاحين والتخفيف عنهم. وكتب إلى دمشق يستدعي منهم المعونة على ذلك بألف فارس ، وقد كان رؤساؤها عاهدوا الفرنج أن يكونوا يدا واحدة على من يقصدهم من عساكر المسلمين فاحتج عليه وغولط ، فلما عرف ذلك رحل ونزل بمرج يبوس وبعض العسكر بيعفور ، ثم رحل من منزله بالأعوج ونزل على جسر الخشب المعروف بمنازل العسكر ، وراسل مجير الدين والرئيس بدمشق بأنه لم يقصد محاربتهم وإنما دعاه إلي ذلك كثرة شكاية المسلمين من أهل حوران والعربان وعجز أمراء دمشق عن حفظ أعمالها واستصراخهم بالفرنج على محاربته ، وبذلهم لهم أموال الضعفاء والمساكين من الرعية ظلما لهم ، فكان الجواب عن هذه الرسالة «ليس بيننا وبينك إلا السيف وسيوافينا من الفرنج ما يعيننا على دفعك إن

قصدتنا ونزلت علينا» فلما عاد الرسول بهذا الجواب أكثر التعجب منه والإنكار له ، وعزم على الزحف إلى دمشق. وما ندري إذا كان ذلك الجواب صدر قبل وفاة معين الدين أتسز والي دمشق وصاحب أمرها نيابة عن أولاد طغتكين ، وكان أتسز صالحا عادلا محسنا كافا عن الظلم متجنبا للمآثم ، محبا للعلماء والفقراء ، بذل مجهوده في حفظ بيت سيده طغتكين فلما مات أخذ ملك مجير الدين في الانحلال.
انحلال دولة مجير الدين وتوفيق نور الدين :
آذنت شمس دولة أبناء طغتكين بالمغيب ، لهلاك الرجال الغيورين عليها ، ولأن أربابها أخذوا يتقوون بالفرنج على أبناء نحلتهم حبا بأن يبقوا في ملكهم ورفاهيتهم. ولكن دولة نور الدين التي أصبح لها المقام الأسنى في الشام بعد أن حالف التوفيق أعلامها أكثر من مرة في سنين قليلة أخذت النفوس تتطلع إليها ، وتعلق الآمال الطيبة عليها. وقد كانت دمشق التي أجابت نور الدين بهذا الجواب الفظ نشبت فيها هذه السنة فتنة بين الأجناد والمقدمين والرعاع والفلاحين وذلك لاستيحاش الرئيس في دمشق من مجير الدين صاحبها ، ولم تزل الفتنة ثائرة إلى أن أبعد من التمس إبعاده من خواص مجير الدين وسكنت الفتنة.
ولكن هذه الفوضى في دمشق يصعب دوامها ، وليست المسألة مسألة تقريب رجل أو رجال من أركان الدولة او اصطلام ثائر وخارج على الجماعة ، وقد سرت روح الغضب حتى إلى أقرب الناس من الآل الملوكي ، وقوة نور الدين تشتد وشائجها ، ودعوته تزداد انتشارا اليوم بعد اليوم ، فلم يسع أولي الأمر في دمشق سنة (540) إلا تقرير الصلح بينهم وبينه ، فأقيمت الخطبة لنور الدين على منبر دمشق بعد الخليفة والسلطان ، وضربت السكة باسمه وخلع نور الدين على مجير الدين خلعة السلطنة والطرق والسوارين وخلع على الرئيس ابن الصوفي خلعة الوزارة فبذلا له الطاعة وأعادهما إلى عملهما وطيب قلوبهما «ورحل إلى حلب والقلوب معه لما غمر العالم من خيره». عمل مجير الدين وابن الصوفي هذا العمل مكرهين أمام قوة قاهرة ، عملاه وهما يسران حسرا؟؟؟ في ارتغاء ، على أمل أن ينتقما من نور الدين باعتصامهما بالصليبيين حتى اضطر في السنة التالية (546) أن يسوق عسكره إلى دمشق فنزل أوائل جنده على أرض عذراء ، وقصد فريق وافر منهم ناحية السهم

والنيرب في سفح قاسيون ، وكمنوا عند الجبل لعسكر دمشق ، ثم وصل نور الدين في جنده ونزل على عيون فاسريا بين عذراء ودومة ، وامتد عسكره إلى ضمير ونزلوا في أرض حجيرا وراوية في خلق كثير ، ثم نزل في أرض مشهد القدم وما والاه من الشرق والغرب ، وكان منتهى الخيم إلى المسجد الجديد قبلي البلد أي أن العسكر النوري أحاط بدمشق من أطرافها الأربعة فنزل كما قال المؤرخ منزلا ما نزله أحد من مقدمي العساكر فيما سلف من السنين ، وأرسل نور الدين إلى مجير الدين يقول : «كنت اتفقت معكم وحلفت لكم ، والآن قد صح عندي أنكم ظاهرتم الفرنج فإن أعطيتموني عساكركم لأجاهد في سبيل الله رجعت عنكم» فلم يرد جوابا. وجرى بين أوائل العسكر وبين من ظهر إليه من البلد مناوشات ولم يزل نور الدين مهملا للزحف على البلد إشفاقا من قتل النفوس وإثخان الجراح في مقاتلة الجهتين حتى انطلقت أيدي المفسدين من الفريقين في العيث ، وحصدت زراعات المرج والغوطة وضواحي البلد ، وخربت مساكن القرى ونقلت أنقاضها إلى البلد ، وزاد الإضرار بأربابها من التنّاء والفلاحين وتزايد طمع الرعاع والأوباش في التناهي والفساد ، ثم رحل العسكر النوري ونزل في أراضي فذايا وحلفبلتا المصاقبة للبلد ، ونشبت المطاردة وكثرت الجراح في خيالة البلد ورجالته ، ثم رحل نور الدين إلى ناحية داريا لتواصل الإرجاف بقرب عسكر الفرنج من البلد للإنجاد ليكون قريبا من معابرهم ، وبعد ذلك رحل إلى ناحية الزبداني استجرارا لهم ، وجعل من عسكره أربعة آلاف فارس ليكونوا في أعمال حوران مع العرب لقصد الفرنج ولقائهم ، ونزل الفرنج على نهر الأعوج ، وخرج مجير الدين ومؤيده في خواصهما واجتمعا بملكهم وما صادفوا عنده شيئا مما هجس في النفوس من كثرة ولا قوة ، وتقرر بينهم النزول بالعسكرين على حصن بصرى لتملكه واستغلال أعماله. ثم رحل عسكر الفرنج إلى رأس الماء ولم يتهيأ خروج العسكر الدمشقي إليهم لعجزهم واختلافهم ، وقصد من كان بحوران من العسكر النوري ومن انضاف إليهم من العرب ناحية الفرنج للإيقاع بهم فالتجأ عسكر الفرنج إلى اللجاة للاعتصام بها. ثم زحف نور الدين على دمشق وقد رأى خيانة صاحبها ومماشاته للفرنج حرصا على هذه العاصمة من السقوط في يد العسكر النوري البالع ثلاثين ألفا يزداد كل يوم قوة وعسكر دمشق ضعفا. وتحرج نور الدين من

قتال المسلمين وما زال يميل إلى حقن الدماء لعلمه بأن خيانة حكومتها لا تكون ولن تكون سببا للعبث بالغرض المقدس الذي يرمي إليه من إنقاذ الأمة ولطالما قال : «إني أرفه المسلمين ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة أعدائهم».
ولما تجلت لمجير الدين غلطته في مفاوضة الصليبيين للخلاص من نور الدين لم يستطع حفظا لملكه إلا قبول الشروط التي وضعها نور الدين عليه ، ودخل مجير الدين على نور الدين في حلب فبالغ هذا في إكرامه وقرر معه تقريرات اقترحها
مقاصد نور الدين وفتحه دمشق :
كانت همة نور الدين منصرفة في كل أطواره إلى توحيد الإمارات الإسلامية وهذه ، كما في التاريخ العام ، كانت على عهد الحروب الصليبية تتألف وتتمزق على الدوام بحسب طوالع الحروب والدسائس التي تقوم ثورتها بين الأمراء ، وبحسب انتقال الملك وتقسيمه ، وامتيازات الأسر. وكان في جبال الشام خاصة من الأمراء من لم تكن أرضهم تتجاوز ربض قلاعهم وضاحيتها كصاحب شيزر ، ولذلك عامل نور الدين مجير الدين صاحب دمشق على ما بدر منه من الأغلاط النابية عن حد الوطنية والقواعد الشرعية معاملة رفق وإغضاء ، لأن المقصد جمع الشمل والسؤدد مع السواد. ومما أفاد في هذا العقد وصول الأسطول المصري إلى الساحل في سبعين مركبا حربيا مشحونا بالرجال واقترابه من يافا فقتل وأسر وأحرق واستولى على عدة وافرة من مراكب الفرنج والروم ، ثم قصد ثغر عكا وصيدا وبيروت وطرابلس وفعل فيها مثل ذلك. قال ابن ميسر : وظفر الأسطول المصري بجماعة من حجاج الفرنج فقتلوهم عن آخرهم ، وبلغ ذلك نور الدين محمود بن زنكي ملك الشام فهمّ بقصد الفرنج في البر ليكون هو في البر والأسطول المصري في البحر فعاقه عن ذلك الاشتغال بإصلاح دمشق ، ولو اتفق مسيره مع الأسطول لحصل الغرض من الفرنج ، وكان من جملة ما أنفقه العادل بن السلار على هذا الأسطول ثلاثمائة ألف دينار.
لم تقف همة نور الدين عند هذه الغاية بل اهتبل الغرة وشغل المحتلين في الساحل بما نزل عليهم من بلاء الأسطول المصري ، فغزا الشمال وأسر جوسلين

صاحب تل باشر وملك قلاعه وهي تل باشر ـ وكان الأمير حسان المنبجي قد فتحها باسم نور الدين وهو على أبواب دمشق (546) ـ وعينتاب ودلوك ـ وكان القتال على هذه شديدا جدا ـ وعزاز وتل خالد وقورس والراوندان وبرج الرصاص وحصن البارة وكفر سود وحصن بسر فوت بجبل بني عليم وكفرلاثا ومرعش ونهر الجوز وذلك في أيام يسيرة. وهذا الفتح والفتح الذي تم على يده في السنة الفائتة (545) من تسلم قلعة أفامية جعل نور الدين صاحب الشام. وكان جوسلين فارس الفرنج غير مدافع قد جمع الشجاعة والرأي ، سار في عسكره نحو نور الدين فالتقوا واقتتلوا وانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر جمع كثير ، وكان في جملتهم سلاحدار نور الدين فسيره إلى الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية وأقصرا وقال له : هذا سلاحدار زوج ابنتك وسيأتيك بعده ما هو أعظم منه.
فلما علم نور الدين الحال عظم ذلك عليه وأعمل الحيلة على جوسلين وهجر الراحة ليأخذ ثأره. وأحضر جماعة من الأمراء التركمان وبذل لهم الرغائب إن هم ظفروا بجوسلين وسلموه إليه لأنه علم بعجزه عنه في القتال فيما قيل ، فجعل التركمان عليه العيون فخرج متصيدا فظفر به طائفة منهم وحملوه إلى نور الدين أسيرا. وقال ابن الأثير : وعظمت على الفرنج المصيبة بأسر جوسلين ، وخلت بلادهم من حاميها وثغورهم من حافظها ، وسهل أمرهم على المسلمين بعده ، وكان جوسلين كثير الغدر والمكر ، لا يقف على يمين ولا يفي بعهد ، طالما صالحه نور الدين وهادنه ، فإذا أمن جانبه بالعهود والمواثيق نكث وغدر ، فلقيه غدره ، وحاق به مكره ، ولا يحيق المكر السيئى إلا بأهله. فلما أسر تيسر فتح كثير من بلاد الفرنج وقلاعهم. وعني نور الدين بتجهيز ما فتح من الحصون بالميرة والسلاح ، وكان كلما فتح حصنا نقل إليه من كل ما تحتاج إليه الحصون خوفا من نكثة تلحق المسلمين من الفرنج فتكون بلادهم غير محتاجة إلى ما يمنعها من العدو. وكان نور الدين وأبوه إذا فتحا قلعة جعلا فيها من المؤنة والذخائر ما يكفيها عشر سنين.
وأغار هذه السنة فريق وافر من التركمان على ظاهر بيسان فقتلوا من الفرنج وأسروا ولم يفلت منهم غير الوالي ونفر يسير. وقصد الفرنج ناحية البقاع فاستباحوا عدة وافرة من الضياع من رجال ونسوان وشيوخ وأطفال فلحقهم صاحب بعلبك واسترجع منهم بعض ما أخذوا وعادوا على أقبح صفة من الخذلان.

وافتتح نور الدين (547) حصن انطرطوس وقتل من كان فيه من الفرنج وطلب الباقون الأمان ، وملك عدة من الحصون بالسيف والسبي والإحراق والخراب والأمان ومنها دلوك ويحمور ، بعد أن اقتتل مع الفرنج أشد قتال رآه الناس وصبر الفريقان ثم انهزم الفرنج ، وتوجه مجير الدين في العسكر إلى ناحية حصن بصرى ونزل عليه محاصرا واليه لمخالفته وجوره ، وما زال به حتى نزل على حكمه. وأراد مجير الدين المصير إلى حصن صرخد لمشاهدته فاستأذن مجاهد الدين واليه في ذلك ، إذ لا سبيل إلى استقرار حالة دمشق إذا كان المستولون على بصرى وصرخد يمتّون إلى الفرنج بصلة من الصلات للاحتفاظ بمعاقلهم في أيديهم كما فعل سيف الدين الطنطاش نائب صاحب بصرى وصرخد واستعان بالفرنج على المسلمين فاضطر معين الدين أتسز إلى قتاله ونازل القلعتين فملكهما. وقوي عزم نور الدين (548) على جمع العساكر والتركمان من البلدان للغزو ونصرة أهل عسقلان على الفرنج ، وكان هؤلاء شغلوا بأمر عسقلان منذ السنة الغابرة لإمداد صاحب مصر فظفر المسلمون بمن كانوا مجاورين لهم ، ووصل الأسطول المصري إلى عسقلان فقويت نفوس من بها بالمال والرجال والغلال وظفروا بقوة وافرة من مراكب الفرنج ثم هجم الفرنج على عسقلان وداهموها من جوانب سورها فهدموه وقتل من الفريقين خلق كثير ، وألجأت الضرورة إلى طلب المال فأجيبوا إليه فخرج أهلها في البر والبحر إلى ناحية مصر فملك الفرنج مدينة عسقلان ، وكانت لخلفاء مصر والوزراء يجهزون إليها المؤن والسلاح ، ولو لم تختلف أهواء أهل الدولة المصرية ويقتل العادل ابن السلار لما جرأ الفرنج على حصر عسقلان والظفر بمن فيها والتحكم في ضرب غرامة عليها.
وملك نور الدين (548) حصن أفليس وقتل من كان فيه من الفرنج والأرمن ونهض عسكره طالبا بانياس. وفي سنة (549) وصل نور الدين في عسكره لإمداد أسد الدين شير كوه وكان أرسله إلى دمشق في كتيبة ، وخيم بناحية القصب من المرج. ونزل نور الدين بعيون فاسريا ورحل في الغد ونزل بأرض بيت الآبار من الغوطة وزحف إلى البلد من شرقيه ، وخرج إليهم من عسكره وأحداثه الخلق الكثير ، ووقع الطراد بينهم ثم عاد كل من الفريقين إلى مكانه ، ولم يبرح نور الين يزحف يوما بعد يوم حتى افتتح دمشق على أيسر وجه ، والنفوس فيها متطلعة

إلى طلعته لما كان يبلغ القاصي والداني من عدله وحسن سيرته ، ولما أحسن صاحب دمشق مجير الدين أبق بالغلبة انهزم في خواصه إلى القلعة فأنفذ إليه وأمنه على نفسه وماله فخرج إلى نور الدين فطيب نفسه ، ونادى نور الدين بالأمان وخرجت دمشق من أيدي أحفاد الأتابك طغتكين آخر الدهر بعد أن دانت لسلطانهم اثنتين وخمسين سنة.
الداعي لنور الدين على فتح دمشق
والسبب في فتح نور الدين دمشق تغلب الفرنج بناحية دمشق بعد ملكهم عسقلان حتى استعرضوا كل مملوك وجارية بدمشق من النصارى ، وأطلقوا قهرا منهم كل من أراد الخلاص ، فخشي نور الدين أن يملكوا دمشق ، فاستمال أهلها في الباطن ثم حاصرها وفتحها. وفي الكامل أن سبب حرصه على ملكها أن الفرنج لما ملكوا في العام الماضي مدينة عسقلان ولم يكن لنور الدين طريق إلى إزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان ، فلما ملك الفرنج عسقلان طمعوا في دمشق. وعلل هذا الفتح سبط ابن الجوزي بما ظهر من مجير الدين من الظلم ومصادرة الدمشقيين وسفك دمائهم وأخذ أموالهم ، وقبضه على جماعة من الأعيان واستدعى سيف الدولة بن الصوفي الذي ولاه رئاسة دمشق لما أخرج أخاه وجيه الدولة منها فقتله في القلعة ونهب داره وأحرق دور بني الصوفي ونهب أموالهم. وتكاثرت مكاتباته إلى الفرنج يستنجدهم ويطمعهم في البلاد. وكان مراد نور الدين من أخذ دمشق إنقاذ القدس من الفرنج والساحل وكانت دمشق في طريقه. وطمع الفرنج في مجير الدين وكان قد أعطاهم بانياس ، فكانوا يشنون الغارات إلى باب دمشق فيقتلون ويأسرون ويسبون ، وكان مجير الدين قد جعل للفرنج كل سنة قطيعة يأخذونها منه ، وذل الإسلام وأهله في أيامه، وساءت سيرته وكثر فساده ، فكان الأمراء والأعيان بدمشق أصحاب نور الدين يقولون : الغياث الغياث وقالوا : إن شئت حصرناه في القلعة. فرأى نور الدين أخذ مجير الدين باللطف وقال : إن أخذته بالقوة استغاث بالفرنج وأعطاهم البلاد فيكون وهنا عظيما على الإسلام.
وكان من أشد الأمور على الفرنج أن يأخذ نور الدين دمشق لأنه كان أحرق

قلوبهم وحرق أرضهم ، وكان في كل وقعة يغني غناء حسنا ، هذا ودمشق ليست له فكيف إذا أصبحت في حكمه ، لا جرم أنه يتقوى بها وتقوى كلمته ولذا عدل إلى ملاطفة مجير الدين ومكاتبته وبعث اليه بهدايا فأنس به وصار يكاتبه ويستشيره فكان نور الدين يكتب إليه إن فلانا يكاتبني فتارة يقبض مجير الدين عليهم وتارة يبقيهم ، فخلت دمشق من الأمراء ولم يبق عنده غير عطاء بن حفاظ ، وكان صاحب بعلبك قد رد إليه مجير الدين أمر دولته وكان ظالما ، فكتب نور الدين إلى مجير الدين يقول : قد نفر عليك عطاء بن حفاظ قلوب الرعية فاقبض عليه لعلم نور الدين أنه لا يتم له أمر في دمشق مع وجود عطاء فقبضه مجير الدين وأمر بقتله فقال له عطاء : لا تقتلني فإن الحيلة قد تمت عليك وذهب ملكك وسترى ، فلم يلتفت إليه وقتله وحينئذ قوي طمع نور الدين في دمشق ، وأرسل إلى أحداثها وأعيانها فأجابوه ، فسار إليها ونزل عليها وكتب مجير الدين إلى الفرنج يستنجد بهم وبذل لهم بعلبك وأموالا كثيرة ، وبلغ نور الدين فأرسل إلى الأحداث ففتحوا له الباب الشرقي فدخلها وحصر مجير الدين في القلعة ، وبلغ ذلك الفرنج فتوقفوا ولما دخل نور الدين صاح أصحابه «نور الدين يا منصور» وامتنع الأجناد والرعية من القتال لما هم عليه من بغض مجير الدين وظلمه وعسفه للرعية ومحبتهم لنور الدين لعدله وخيره.
سئمت النفوس في دمشق من سوء إدارة المتغلبين على أحكامها أمثال الوزير حيدرة ومجاهد الدين بزان وعطاء وغيرهم ، ممن لم يكونوا يهتمون بغير إملاء بطونهم وجيوبهم من دماء الرعية ، ولو أصبحوا عبيدا أرقاء لأعدائهم. أما مجير الدين آخر ملوك الأتابكية في دمشق فإن نور الدين لما غلبه بذل له إقطاعا من جملته مدينة حمص ، فسلم مجير الدين القلعة إلى نور الدين وسار إلى حمص فلم يعطه إياها وأعطاه عوضها بالس فلم يرضها مجير الدين وسار عنها الى العراق وأقام ببغداد حتى مات بها. وهذا من غريب ما يحكى في باب العدل فإن الملوك جرت عادتهم في تلك العصور اذا أخذوا ملكا أن يقتلوه فلم يفعل ذلك نور الدين تحرجا من إهراق الدم الحرام واستحكام الطوائل والثارات والأحقاد في أمة أشد ما تكون إلى التضافر. أعطى نور الدين حمص أقطاعا لمجير الدين حتى لا يقطع له أمله ثم عوضه عنها ببالس لأن حمص على مقربة من كور الصليبيين.

ومن خان أمته وهو في عهد عزه أقرب إلى خيانتها في دور شقائه وذله ، اما بالس (مسكنة) فبعيدة عن حركة التطاحن بين الشرق والغرب. وماء الفرات أسوغ للعاصي مجير الدين من ماء بردى والعاصي. والمقصد في الحقيقة من الفتح توحيد كلمة الاسلام ، وهذا قد تم لنور الدين بفتح أبواب دمشق لعدله العمري ، وخروج آخر الأتابكيين من أولاد طغتكين منها بسلام.
لم يتبدل شيء بفتح نور الدين دمشق إلا إبطال المظالم والمغارم ، ورفع الحيف عن الضعاف ، وجمع القوة إلى مقصد واحد لا تتزلزل بالتردد والدسائس ، كانت معظم وقائع نور الدين يحالفها التوفيق وفي السنة التي صفت الديار له أخذ من الفرنج تل باشر. وفي سنة (550) تقررت الموادعة بين نور الدين وبين ملك الفرنج مدة سنة ، وقبض نور الدين على ضحاك والي بعلبك وتسلم القلعة وفي السنة التالية (551) ظفر عسكر نور الدين بالفرنج الذين عاثوا في أعمال حلب تقررت الموادعة والمهادنة بينه وبينهم مدة سنة وان المقاطعة المحمولة اليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار صورية (1) ، ثم نقض الفرنج الهدنة لوصول عدة وافرة من الفرنج في البحر وقوة شوكتهم بهم ، ونهضوا الى الشّعراء المجاورة لهم ووقع من المندوبين لحفظ أهل القرى من الأتراك تقصير ، فانتهز الفرنج الفرصة واستاقوا جميع ما وجدوه وأفقروا أهله منه مع ما أسروه من تركمان وغيرهم. وأغار الفرنج (552) على أرجاء حمص وحماة وأطلقوا أيديهم بالنهب ، وأغاروا على بانياس ، فانتصر المسلمون ، ومحقت السيوف عامة رجالة الفرنج ومسلمي جبل عاملة المضافين إليهم ، وملك الفرنج جبلة وكانت في أيدي المسلمين منذ سنة (473) وثب عليها قاضيها ابن ضليعة التنوخي واستعان بابن عمار صاحب طرابلس فأخرج منها الروم ، وكانت بيدهم منذ سنة (357) ، وظفر أسد الدين في جماعة من شجعان لتركمان بسرية وافرة من الفرنج في ناحية الشمال فانهزمت. وافتتح نور الدين بانياس قهرا وظفر عسكره في ناحية هونين بسرية من أعيان مقدمي الفرنج وأبطالهم فلم يفلت منهم إلّا اليسير ، وعسكر الفرنج على الملوحة بين طبرية وبانياس فنهض إليهم نور الدين في عسكره من الأتراك والعرب فكتب له النصر عليهم ، وشاغل نور الدين الفرنج هذه السنة للزلازل التي حدثت في الشام ولكنهم شغلوا أيضا
__________________
(1) من ضرب الفرنج في صور.

بما أصابهم من أضرارها في الساحل. وملك نور الدين بعلبك وقلعتها ، وكانت بيد الضحاك البقاعي فامتنع بها فلم يمكن نور الدين محاصرته لقربه من الفرنج فتلطف معه حتى ملكها. وفيها كان انفساخ الهدنة بين الفرنج وملك مصر فبعث بسرية الى غزة نهبت أطرافها وسارت إلى عسقلان فأسرت وغنمت وعادت بالغنائم الى مصر ، ثم سيّر عسكر آخر فمضى الى الشريعة فأبلى بلاء حسنا ، وندب مراكب في البحر فسارت الى بيروت وغيرها فأوقعت بمراكب الفرنج الفرنج فأسرت منهم وغنمت ، وسيّر عسكر الى الشوبك والطفيلة فعاثوا في أرجائهما ورجعوا بجر الحقائب يحملون الأسرى ، وسير الأسطول المصري إلى عكا فأسر من أهلها نحو سبعمائة نفس بعد حروب ، وندب سرية أردفها بأخرى فوصلت غاراتهم إلى أعمال دمشق فغنموا وعادوا.
وملك الفرنج حصن حارم (553) وشنوا الغارة على الأعمال الشامية وأطلقوا أيديهم بالنهب والإخراب في أعمال حوران والإقليم ، وقصدوا داريا وأحرقوا منازلها وجامعها وتناهوا في إخرابها ، فخرج إليهم من العسكرية والأحداث العدد الكثير فهموا بالرجوع. وأغار عسكر نور الدين على أعمال صيدا وما قرب منها ، فغنموا أحسن غنيمة وخرج إليهم من كان بها من خيالة الفرنج ورجالتها وقد كمنوا لهم فغنموهم وقتل أكثرهم وأسر الباقون. وتجمع الفرنج فنهض نور الدين للقائهم فانهزم هذه المرة نور الدين لتفرق عسكره وسار عسكر مصري إلى بيت المقدس فعاث وخرب ، وجرت وقعة على طبرية انكسر فيها الفرنج وأقلعت خمس شوان من مصر فدوخت ساحل الشام وظفرت بمراكب الفرنج وعادت بالغنائم والأسرى. وفي سنة (554) حشد ملك الروم ووصل الى الشام وجمع نور الدين عليه العساكر فعادوا من حيث أتوا وغنمهم المسلمون.
مرض نور الدين وإبلاله وتتمة فتوحه وهزيمته في البقيعة :
من أعظم البلاء على ممالك الإسلام قديما مسألة وراثة الملك ، فلم تكن قائمة على قاعدة ثابتة لا تتصل فيها إلا القوة ، وصاحبها قد يحرم غيره ممن هم أقرب نسبا من السلطان المتوفى ، فلقد مرض نور الدين (554) مرضا شديدا وأرجف بموته بقلعة حلب فجمع أخوه أمير ميران بن زنكي جمعا وحصر هذه القلعة وكان

شيركوه بحمص وهو من أكبر أمراء نور الدين فسار الى دمشق ليستولي عليها. وبها أخوه نجم الدين أيوب ، فأنكر عليه أيوب ذلك وقال : أهلكتنا والمصلحة أن تعود إلى حلب فإن كان نور الدين حيا خدمته في هذا الوقت ، وإن كان قد مات ، فإنا في دمشق نفعل ما نريد من ملكها ، فعاد شيركوه إلى حلب مجدّا ، وجلس نور الدين في شباك يراه الناس ، فلما رأوه حيا تفرقوا عن أخيه أمير ميران. ولما أبّل نور الدين من مرضه واستقامت الأحوال أخذ حران من أخيه لطمع هذا في ملك نور الدين عند ما كاد الناس ييأسون من سلامته. وقصد صاحب صيدا (556) من الفرنج نور الدين محمودا ملتجئا إليه فأمنه وسير معه عسكرا يمنعه من الفرنج أيضا فظهر عليهم في الطريق كمين للفرنج فقتلوا من المسلمين جماعة وكان زهر الدولة بن بحتر التنوخي واليا على ثغر بيروت ومقيما بحصن سرحمور فولاه نور الدين القنيطرة وثعلبايا بالبقاع وظهر الأحمر من وادي التيم وبرج صيدا والدامور والمعاصر الفوقانية وشارون ومجدل بعنا وكفرعميه ورتب له علائف لمحاربة الفرنج ، وكان أبوه شرف الدولة قاطنا في عرمون الغرب فربط له طريق الدامور على الفرنج.
نازل نور الدين (557) قلعة حارم وهي للفرنج مدة فاجتمع الفرنج وراسلوه ولاطفوه وكانوا خلقا عظيما فرحل عنها ، ومن أعظم الوقائع التي أصيب بها نور الدين بالفشل أكثر من كل وقعة له مع الفرنج هزيمته (558) يوم البقيعة بينا كان نازلا تحت حصن الأكراد فلم يشعر نور الدين وعسكره إلا وقد أطلت عليهم صلبان الفرنج وقصدوا خيمة نور الدين فركب نور الدين فرسه بسرعة وفي يده السّبحة فنزل إنسان كردي فقطعها فنجا نور الدين وقتل الكردي وسار نور الدين إلى بحيرة حمص فنزل عليها وتلاحق به من سلم من جيشه. وقد نقل سبط ابن الجوزي في تعليل هذه الكسرة بأنه لم يكن للمسلمين برك (أثقال) ولا طليعة ظنا من نور الدين أنهم لا يقدمون عليه قال : وكان ذلك من قلة الحزم حيث غفلوا عن العدو ولم يستظهروا بالبرك والطلائع قال : وكان من عزم الفرنج قصد حمص فلما بلغهم نزول نور الدين على البحيرة قالوا : ما فعل هذا إلا عن قوة ، وتوقفوا ثم تفرقوا وخاطبوه بالصلح فلم يجبهم وتركوا عند حصن الأكراد من بحميه وعادوا إلى أرضهم.

ولما أصيب نور الدين يوم البقيعة استنجد أصحاب الموصل وماردين والحصن وذكر لهم ما تم عليه فأنجدوه بجيوش ضخمة وكانت سنة (559) كلها فتوحا نافعة كان فيها مبدأ سعادة نور الدين ، فتح فيها حارم وقتل بالقرب منها عشرة آلاف وأسر ألوفا ومن جملتهم صاحب أنطاكية والقومس صاحب طرابلس والدوك مقدم الروم وكثر الأسرى من الفرنج حتى بيع الواحد بدينار ثم فاداهم نور الدين. وكان قد استفتى الفقهاء فاختلفوا فقال قوم : يقتل الجميع وقال آخرون : يفادى بهم. فمال نور الدين إلى الفداء فأخذ منهم ستمائة ألف دينار معجلا وخيلا وسلاحا وغير ذلك. فكان نور الدين يحلف بالله أن جميع ما بناه من المدارس والربط والمارستانات وغيرها من هذه المفاداة وجميع ما وقفه منها وليس فيها من بيت المال درهم واحد.
قال المؤرخون : وكان الصليبيون جاءوا لنجدة حارم «في حدهم وحديدهم وملوكهم وفرسانهم وقسوسهم ورهبانهم» وكان الصليبيون استولوا على حارم سنة (491) وزادوا في تحصينها وجعلوها ملجأ لهم إذا شنوا الغارات فحاصرها نور الدين سنة (551) وسنة (557) ثم فتحها هذه السنة ، وكانت قلعة حصينة في نحور المسلمين. وفي سنة (559) فتح نور الدين قلعة بانياس بعد عودته من حارم وكان الفرنج والأرمن على حارم ثلاثين ألفا ووقع بيمند في أسره وباعه نفسه بمال عظيم أنفقه في الجهاد.
حملة نور الدين على مصر :
فتح نور الدين تلك الفتوح ورايته منصورة وسطوته محذورة ، استصفى من ضعاف أمراء المسلمين ما اتصل إليهم بالإرث من الأقاليم فنزلوا له عنها طوعا أو كرها ، واقتصد في إهراق دماء المسلمين وأسرف في إزهاق أرواح الصليبيين ، واسترجع من الأعداء مدنا وحصونا مهمة جعلت إماراتهم الثلاث الباقية تهتز أعصابها ، وتخاف بأس حملاته وغزواته ، ولم يخامرهم شك وهم يستنشئون أخباره أنهم ابتلوا برجل وحدّ قوى الشام وجمع القلوب ووجّهها إلى قتالهم واسترجاع القطر منهم.
ولما تمّ له هذا وقع خلاف في مصر بين شاور وضرغام من وزرائها (559)

وكانت غدت الوزارة في دولة الفاطميين أشبه بالوزارة في دولة العباسيين يتولاها من يستطيع أن يستجيش له أنصارا وأعوانا. ولما استلب ضرغام من شاور وزارته وعجز في مصر عن مقاومته لحق بنور الدين صاحب الشام ليعينه على خصمه باذلا له ثلث أموال مصر بعد رزق جندها إن هو أعاده الى الوزارة. فرأى نور الدين أن معاونة الوزير المستنجد به لا تخلو من فائدة عظيمة أقلها أنها تفتح له سببا إلى التدخل في شؤون مصر ربما أعقب استيلاءه عليها وضمها إلى مملكته أو تقاضي ما وعد به شاور من الأموال ينفقها في وجوه المصالح والمرافق في الدولة. فإرسال حملة على مصر محسوسة الفائدة لنور الدين بل للإسلام من عدة وجوه.
اقتضى رأي نور الدين بعد تدبّر أمر مصر أن يندب لها رجلا من أعظم رجاله دهاء وحنكة ، فأرسل أسد الدين شيركوه بن شاذي وأصحبه بابن أخيه صلاح الدين يوسف ، وكانت كفاية هذا أخذت تبدو لرجال الدولة واستخصه نور الدين «وألحقه (أي صاحب شرطتها) بخواصه فكان لا يفارقه في سفر ولا حضر» وكان في تلك السنة شحنة دمشق فأخاف اللصوص وقضى على نائره الفتن وفي تلك الفتن قال عرقلة الشاعر :
ذر الأتراك والعربا
    وكن في حزب من غلبا
  بجلّق أصبحت فتن
    تجر الويل والحربا
  لئن تمت فوا أسفا
    وإن تخرب فواعجبا
  ذهبت الحملة الى مصر وأعاد أسد الدين شيركوه الوزير شاورا الى وزارة العاضد العلوي، ولما قبض على زمام الوزارة لم يف لنور الدين بشيء مما شرط على نفسه ، فشق ذلك على أسد الدين ، وسار فاستولى على بلبيس والشرقية فأرسل شاور واستنجد بالفرنج على إخراج أسد الدين شيركوه من الديار المصرية فسار الفرنج واجتمع معهم شاور بعسكر مصر وحصروا شيركوه ببلبيس ثلاثة أشهر. وبلغ الفرنج ما أصابه نور الدين في الشام من التوفيق وأنه أخذ حارم فراسلوا شيركوه في الصلح وفتحوا له طريقا فخرج من بلبيس يمن معه من العسكر وسار بهم ووصلوا إلى الشام سالمين.
هذا ما كان من مبدإ دخول الجند النوري إلى مصر وما لقيه من الشدائد بيد أن قائدهم عرف أمراضها وخللها واطلع على مداخلها ومخارجها ، فكان إنجاد

نور الدين شاورا واستنجاد هذا بالفرنج درسا نافعا لدولة نور الدين أدركت به أنه لا سبيل إلى إنقاذ الشام إلا بالاستيلاء على مصر خصوصا والفاطميون كانوا يخافون الفرنج خوفا شديدا ولا يطيقون مقاتلتهم. كان هذا أيام كان لهم شيء من السلطان على النفوس وقوة على التناحر والتغاور فما بالك بهم وقد دب الضعف في كيان دولتهم وعبث العابثون بعزتها ومنعتها. وإلا كان نصيب خطته المرسومة في قتال الصليبيين عقيما ، لأن الروح الخبيث سرت لصغار الأمراء من المسلمين في الاعتصام بأعدائهم إذا ضاقت بهم حالهم وأتاهم سلطان أعظم من سلطانهم ، ولئن كانت الشام قد تطهرت من جراثيم هؤلاء العمال بفضل الدولة النورية بمصر إذا استهانت بمقدساتها أيضا يصبح البقاء في الشام خطرا دائما.
وبينا كان نور الدين يحرّق الأرّم على شاور وفي نفسه منه حزازات لأنه لم يف له بما وعده ، واستعان على قتال جيشه بالصليبيين ، عاد شاور على عادته يظلم ويقتل ويصادر ولم يبق للعاضد معه أمر ولا نهي فبعث يستنجد بنور الدين على شاور ، فما عتم نور الدين أن جهز أسد الدين شيركوه ثانية (562) إلى مصر بعسكر جيد عدتهم ألفا فارس وأمر أيضا أن يخرج معه ابن أخيه صلاح الدين يوسف إلى مصر فامتنع صلاح الدين وقال : يا مولانا يكفي ما لقينا من الشدائد. فقال : لا بدّ من خروجك ، فما أمكنه مخالفة نور الدين. وكان في ذهاب صلاح الدين إلى مصر سعادته وسعادة أمته إذ فتح مصر وأصبح بعد ذلك ملك مصر والشام على ما سنلم به في الصفحات المقبلة. قال المؤرخون : أحب نور الدين مسير صلاح الدين إلى مصر وفيه ذهاب الملك من بيته ، وكره صلاح الدين المسير وفيه سعادته وملكه. ورب زارع لنفسه حاصد سواه. فاستولى أسد الدين على الجيزة وأرسل شاور إلى الفرنج واستنجدهم فساروا في أثر شيركوه الى جهة الصعيد فهزمهم واستولى شيركوه على إقليم الجيزة واستغلها ثم سار إلى الإسكندرية وملكها.
وجعل أسد الدين ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب في الإسكندرية وعاد الى الصعيد فاجتمع عسكر مصر والفرنج وحصروا صلاح الدين بالإسكندرية ثلاثة أشهر ، فسار شيركوه إليهم فاتفقوا على الصلح على مال يحملونه إلى شيركوه ويسلم إليهم الإسكندرية ويعود إلى الشام ، فتسلم المصريون الإسكندرية وعاد شيركوه إلى دمشق ، واستقر الصلح بين الفرنج والمصريين على أن يكون للفرنج

بالقاهرة شحنة وتكون أبوابها بيد فرسانهم ، ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار.
ولكن الحال في مصر لم يسر سيرا حسنا لأن الفرنج لم يخلصوا ، ومن الخطإ الفاحش استنجاد شاور وزيرها بهم واستعانته بهم على إخراج أسد الدين شيركوه منها فأرسل الخليفة العاضد يستغيث بنور الدين (564) ثانية وكان الفرنج ملكوا بلبيس وحصروا القاهرة ، فأحرق شاور مصر لئلا يملكها الفرنج وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة وبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوما ، وصانع شاور الفرنج على ألف ألف دينار.
ولما قارب شيركوه مصر للمرة الثالثة هرب الفرنج وخلع عليه العاضد وأجرى عليه الإقامات ، وماطله شاور فيما كان بذل لنور الدين من تقرير المال وإفراد ثلث خراج مصر ، وعزم شاور أن يقبض على شيركوه فقبض العسكر النوري عليه وقتل ، ودخل شيركوه القصر فخلع العاضد عليه خلع الوزارة ولقبه الملك المنصور أمير الجيوش وتولى شيركوه الأمر شهرين وخمسة أيام ثم هلك ، فأحضر العاضد صلاح الدين وولاه الوزارة ولقبه بالملك الناصر ، وثبتت قدم صلاح الدين بمصر أنه نائب لنور الدين ، وتمكن منها وضعف أمر العاضد فكان لا يجري في القصر صغيرة ولا كبيرة إلّا بأمر صلاح الدين ، وأصبح يدعى له على منابر مصر بعد نور الدين.
بعض غزوات نور الدين :
ولم يغفل نور الدين في غضون ذلك عن الإثخان في الفرنج وإرهاف الحد في قتالهم ، وقويت عزيمته بعد أن أخذ حارم وبانياس (559) على التقدم في فتوحه وكان كلما طالت أيامه أيقن أن القوة القليلة المنظمة أفعل من القوة الكبيرة المبعثرة. ولم ينغصه في عمله سوى مقاومة أحد إخوته أمير ميران له حتى اضطره الى حربه فمضى أخوه أمير ميران إلى صاحب الروم وعفا عنه نور الدين. كأن السعادة التي أقبلت على هذا الفاتح من كل وجه أبت الطبيعة إلّا أن تكدرها عليه بمشاكسة أحد إخوته له ، وكان بالأمس لما أرجف بموت نور الدين في حلب قام يطالب بمملكة أخيه فحاربه ، واليوم يحمل أخاه على دفع عاديته ثم يتجاوز عما بدر؟؟؟ من سيئاته.

وفي سنة (561) فتح نور الدين حصن المنيطرة وخرب قلعة اكاف في البرية وفتح العريمة وصافيتا وحاصر حلبة وخربها وحاصر عرقة وعصا عليه غازي بن حسان صاحب منبج فأعطاه الرقة. واجتمع بأخويه (562) قطب الدين وزين الدين بحماة للغزاة وساروا الى بلاد الفرنج فخربوا هونين. وفي سنة (565) سارت الفرنج إلى دمياط وحصروها خمسين يوما وشحنها صلاح الدين بالرجال والسلاح والذخائر وغرم على ذلك أموالا عظيمة ، وخرج نور الدين فأغار على كورهم بالشام فرحلوا عائدين على أعقابهم ولم يظفروا بشيء منها. وفيها سار نور الدين إلى الكرك وحاصرها فجمع ملوك الساحل فجاءوه فتأخر الى البلقاء وقال بعضهم : إن الفرنج أغاروا على حوران وهم في جمع غلبت كثرته الخبر والعيان ، ونزلوا في قرية شمسكين فركب نور الدين وهو نازل بالكسوة ثم نزلوا بالشلالة ونزل نور الدين في عشترا. وبينا هو في البلقاء حدثت زلزلة هائلة في الشام فخربت معظم أسوار الحصون ففرق عساكره في القلاع خوفا عليها من العدو وكانت قلاعهم المجاورة لبعرين ولحصن الأكراد وصافيتا وعريمة وعرقة في بحر من الزلازل غرقى ولا سيما حصن الأكراد ، فإنه لم يبق له سور وأغارت سرية لنور الدين (565) في بعلبك فانهزم الفرنج وعمهم القتل والأسر لم يفلت منهم إلا من لا يعتد به وقتل فيمن قتل رأس مقدم الاسبتار صاحب حصن الأكراد وكان من الشجاعة بمحل كبير وشجى في حلوق المسلمين.
وغزا نور الدين (566) الفرنج قرب عسقلان وعاد إلى مصر ثم حصر أيلة في العقبة المصرية بحرا وبرا وفتحها. وغزا عرقة (567) وفتحها وغنم الناس غنيمة عظيمة. واستولى نور الدين على صافيتا وعريمة عنوة ، وقارب طرابلس وهو ينهب ويخرب ويحرق ويقتل وفعل جيشه في أرجاء أنطاكية مثل ذلك ، فراجعه الفرنج وبذلوا له جميع ما أخذوه من المركبين اللذين خرجا هذه السنة من مصر إلى اللاذقية وأخذهما الفرنج وهما مملوءان من الأمتعة والتجارة ، وكان بينهم وبين نور الدين هدنة فنكثوا وغدروا فلما خربت عمالتهم أذعنوا.
قيام بني شهاب من حوران وحربهم الصليبيين :
وفي سنة (568) كان قيام آل شهاب من حوران الى وادي التيم قال الشهابي :

وكان الكبير منهم في ذلك الوقت الأمير منقذ ، ولما عزموا على القيام جمع الأمير منقذ الأمراء من بيت شهاب ووجره القبيلة وقال لهم : أنتم تفهمون النفور الكائن بين السلطان نور الدين سلطان الديار الشامية والحلبية والسلطان صلاح الدين سلطان الديار المصرية ولا بد أن السلطان نور الدين يتمم ما ينويه وقد دس العساكر في حوران وتعلمون ما لنا عند السلطان صلاح الدين من المحبة والمنزلة الرفيعة وأنا أرى أنه يلزم علينا القيام من حوران قبل ظهور حال من تلك الأحوال ، فلما سمع الحاضرون ما قاله الأمير منقذ قالوا له : هذا هو الصواب وليس فينا أحد يخالف مقالك ، ثم عزموا على القيام وشدوا ظعونهم وحملوا أحمالهم ، ورحلوا من حوران بعشائرهم وقصدوا غربي الديار الشامية ونزلوا حذاء الجسر اليعقوبي.
ولما سمع السلطان نور الدين بقيام آل شهاب من حوران أرسل يسألهم عن السبب الداعي لقيامهم ، وأرسل لهم الخلع والعطايا النفيسة ، وطلب منهم أن يرجعوا إلى أوطانهم آمنين ، فأبوا الرجوع بسبب خراب ديارهم ، وطلبوا أن يسمح لهم بالذهاب إلى مكان آخر فسمح لهم بذلك ، فنزلوا في وادي التيم وكان نزولهم في بيداء الظهر الأحمر من الكنيسة إلى الجديدة وكانوا في خمسة عشر ألفا والأرض التي نزلوها تحت استيلاء الفرنج ، فلما سمع هؤلاء بنزول آل شهاب جيشوا عليهم نحو خمسين ألفا بين فارس وراجل. وكان بطريقهم الكبير يقال له قنطورا استمد من صاحب قلعة الشقيف فأمده بخمسة عشر ألفا فالتقوا مع عسكر الفرنج ودام القتال ثلاثة أيام قتل من الفرنج ثلاثة آلاف ومن آل شهاب ثلاثمائة ، ونقب بنو شهاب حيطان قلعة حاصبيا مدة عشرة أيام وأخذوا قنطورا وجماعته ، وكانوا ثلاثمائة وقتلوهم وأرسلوا رؤوسهم الى نور الدين فسر كل السرور وأعطى ذاك الإقليم لآل شهاب ملكا لهم. ولما سمع صاحب قلعة الشقيف ما حل بالفرنج في حاصبيا أرسل للأمير منقذ يطلب منه الصلح.
وهكذا أدى بنو شهاب خدمة عظيمة للدولة ، قاموا لما شعروا بجفاء بين السلطانين نور الدين وصلاح الدين ، والغالب أن صلاح الدين كان استمال قلوب رؤسائهم حتى لا يسهلوا لنور الدين طريق الحملة على صلاح الدين في مصر ، فلما رأو أنهم لا قبل لهم بنور الدين عرجوا على وادي التيم فكان في ذلك خيرهم وخير دمشق خاصة لأنهم وقفوا في غربها وقفة محمودة وردوا عنها عادية الصليبيين.

الفتور بين نور الدين وصلاح الدين :
قلنا إنه حدث جفاء بين السلطانين والسبب فيه أنه لما قويت سلطة صلاح الدين في مصر وولي ملكها بعد مهلك عمه أسد الدين شيركوه وأصبح الآمر الناهي أرسل نور الدين إليه يأمره بقطع الخطبة العلوية وإقامة الخطبة العباسية ، فراجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة ، فلم يلتفت نور الدين الى ذلك وأصر عليه فأمر صلاح الدين الخطباء أن يخطبوا للمستضيء العباسي فامتثلوا ، وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله بقطع خطبته ولما هلك جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصر الخلافة وعلى جميع ما فيه وكان شيئا كثيرا جدا فقويت بذلك شوكته وأصبح ملك مصر حقا وصدقا.
وضيق على آل الخليفة الفاطمي حتى لا يتطال أحدهم لدعوى الخلافة بعد العاضد واستدعى من الشام أباه وإخوته ، وكان نور الدين مع هذا لا يخاطبه توا بل يخاطب أمراءه بمصر ومن جملتهم صلاح الدين ، ولقد توطد ملك مصر لصلاح الدين والخطبة له فيها بعد نور الدين يدعى لهذا بعد الخليفة العباسي ، وكلما مضى شهر يزداد نور الدين استيحاشا من صلاح الدين مع أن صلاح الدين سد أبواب الشك على نور الدين ، فقام بجميع رسوم التعظيم له ، وكان معه كقائد مع سلطانه ، وكان صلاح الدين نازل الشوبك وهي للفرنج ثم رحل عنه خوفا أن يأخذه نور الدين ، واعتذر بأنه ربما نشبت الفتنة في تغيبه عن مصر ودعا دعاة العبيديين إلى إرجاع دولتهم.
ولما جاء نور الدين الكرك من قابل وحصرها (568) كان قد واعد نور الدين أن يجتمعا على الكرك وسار نور الدين من دمشق حتى وصل الى الرقيم بالقرب من الكرك ، فخاف صلاح الدين من الاجتماع بنور الدين واعتذر بمرض أبيه وأنه يخشى أن يموت فتذهب مصر ، فقبل نور الدين عذره في الظاهر ، وفي الواقع أن أيوبا والد صلاح الدين قضى نحبه في تلك المدة. كان في نفس كل من نور الدين وصلاح الدين شيء على صاحبه ، فلم يخرج صلاح الدين بعساكره الى الشام لحصار الكرك والشوبك ونهب أعمالها إلا لما أيقن أن نور الدين ابتعد عن سمت الشمال وقصد بلاد قليج أرسلان ملك الروم لفتح مرعش وبهسنا حتى لا

يجتمع به. والسبب الذي دعا صلاح الدين إلى حصار الكرك والشوبك وقتل بعض العربان ونهب ديارهم هناك أن جماعة من الأعراب النازلين بأرض الكرك كانوا ينقلون الأخبار إلى الفرنج وإذا أغاروا على البلد دلوهم على مقاتل المسلمين. وكان الكرك والشوبك طريق الديار المصرية ويغير أهلها على القوافل منها فقصد تسهيل الطريق لتتصل البلاد بعضها ببعض.
وكان صلاح الدين منذ تأيد سلطانه في مصر يخاف وآله من نور الدين ، وكان استقدمهم إليه فاتفق رأيهم على تحصيل مملكة غير مصر وإذا قصدهم نور الدين في مصر قاتلوه ، فإن هزمهم التجأوا الى تلك المملكة ، فجهز صلاح الدين أخاه توران شاه الى النوبة فلم تعجبهم ثم سيره بعسكر إلى اليمن ففتحها واستقرت اليمن في ملك صلاح الدين يخطب فيها للخليفة العباسي ثم لنور الدين ثم لصلاح الدين على أن صلاح الدين لم يستطع إرسال العسكر من مصر لأول مرة إلا بعد استئذان نور الدين. فهذا وغيره من الأسباب التي أقلقت نور الدين على ملكه وحاذر أن تكون عاقبة هذا الأدب والخضوع انتزاع ملكه منه أو إنشاء صلاح الدين مملكة جديدة أعظم وأغنى من مملكة نور الدين القديمة.
وفاة نور الدين وصفاته الطيبة :
بينا صلاح الدين يحاذر من نور الدين وهذا يتجهز للدخول الى مصر لأخذه أتى نور الدين اليقين ، ومملكته الحقيقية لم تتعد الشام والجزيرة وخطب له بمصر واليمن والحرمين ، ففرق الموت شمل من كان يتخوف أحدهما من صاحبه ، وبكت الأمة الملك العادل نور الدين أبا القاسم محمود بن عماد الدين أتابك لما ظهر من عدله وحسن سيرته بحيث قلّ في الملوك الغابرين أمثاله. قال ابن الأثير : قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين ، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه ، قد قصر ليله ونهاره على عدل ينشره ، وجهاد يتجهز له ، ومظلمة يزيلها ، وعبادة يقوم بها ، وإحسان يوليه ، وإنعام يسديه ، فلو كان في أمة لافتخرت به فكيف ببيت واحد ، أما زهده وعبادته وعلمه فإنه كان مع سعة ملكه وكثرة ذخائر بلاده وأموالها ، لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف فيما

يخصه إلّا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين. أحضر الفقهاء واستفتاهم في أخذ ما يحل له من ذلك فأخذ ما أفتوه بحله ولم يتعده إلى غيره البتة. وأسقط كل ما يدخل في شبهة الحرام فما أبقى سوى الجزية والخراج وما يحصل من قسمة الغلات وكتب أكثر من ألف منشور بذلك. وأطلق المظالم بحلب ودمشق وحمص وغيرها وأسقط من دواوينه عن المسافرين الضرائب والمكوس وحرمها على كل متطاول إليها ، فكان مبلغ ما سامح به في حلب وما إليها فقط في السنة 156 ألف دينار وما وقفه وتصدق به مائتي ألف دينار ، وتقدير الحاصل من ارتفاعه في كل سنة ثلاثون ألف دينار ، وأقطع أمراء العرب لئلا يتعرضوا للحاج وجدد قني السبل ووقف الكتب الكثيرة ، وأجرى على العلماء والقراء. ولقد رأى أصحابه على ما روى ابن الأثير كثرة خرجه فقال له أحدهم : إن لك في بلادك إدرارات وصدقات كثيرة على الفقهاء والفقراء والصوفية والقراء فلو استعنت بها في هذا الوقت لكان أصلح فغضب من ذلك وقال : والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك فإنما أنتم ترزقون وتنصرون بضعفائكم. كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطىء وأصرفها الى من لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد تصيب وقد تخطىء. وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال كيف يحل لي أن أعطيه غيرهم؟.
وكان يأخذ مال الفداء ويعمر به الجوامع والبيمارستانات وأخذ من أحد ملوك الفرنج ثلاثمائة ألف دينار وشرط عليه أن لا يغير على ديار الإسلام سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وأخذ منه رهائن على ذلك وبنى بالمال المستشفى النوري بدمشق ، ولما بلغ الملك الفرنجي مأمنه هلك. وكان يبعث بما يصل إليه من هدايا وغيرها إلى القاضي يبيعه ويعمر به المساجد المهجورة ولا يتناول منه شيئا ، وأمر بإحصاء مساجد دمشق فأحصيت مائة مسجد فوقف الأوقاف على جميعها ، وكانت وقوفه في الشام سنة وفاته 108 آلاف دينار صورية ليس فيها ملك فيه كلام بل حق ثابت بالشرع باطنا وظاهرا صحيح الشراء. وكان آية الرحمة على الفقراء والعدل في الرعية غضيضة عن الشر عينه ثقيلة عن الباطل قدمه. حضر جماعة من التجار عنده وشكوا أن القراطيس كان ستون منها بدينار وتزيد وتنقص فيخسرون فسأل الملك العادل عن كيفية الحال ، فذكروا أن عقد المعاملة على اسم الدينار

ولا يرى الدينار في الوسط وإنما يعدون إلى القراطيس بالسعر تارة ستين بدينار وتارة سبعة وستين بدينار ، وأشار كل واحد من الحاضرين على نور الدين أن يضرب الدينار باسمه وتكون المعاملة بالدنانير الملكية وتبطل القراطيس بالكلية ، فسكت ساعة وقال : إذا ضربت الدينار وأبطلت المعاملة بالقراطيس فكأني ضربت بيوت الرعية. فإن كل واحد من السوقة عنده عشرة آلاف وعشرون ألف قرطاس ، في شيء يعمل به فيكون سببا لخراب بيته.
قالوا ، والحق ما قالوا ، إن نور الدين جدد للملوك اتباع سنة العدل والإنصاف ، وترك المحرمات وعاقب من يأتيها ، فإنهم كانوا قبل ذلك كالجاهلية همة أحدهم بطنه وفرجه ، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، حتى جاء الله بدولته فكانت مصباح الحق ومنار العدل ، وقف مع أوامر الشرع ونواهيه ، وألزم بذلك أتباعه وذويه فاقتدى به غيره منهم ، وكان يروي الحديث ويرويه ، وقد ألف كتابا في الجهاد ، وكان يباشر الإشراف على خيل الجند وسلاحهم بنفسه ، ولا يتكل على خواده ، ولا يقطع أمرا قبل أن يستأذن الخليفة ببغداد. وكان في السياسة والدهاء على جانب عظيم ، تجلى ذلك يوم خيانة مجير الدين صاحب دمشق ولما أخذه أغضى عنه ، وكان يكره إهراق الدماء والحرب على غير طائل ، مع شجاعة ليس بعدها مزيد ومعرفة بالرماية تضرب بها الأمثال ، ومن جيد الرأي ما سلكه مع مليح بن قيون ملك الأرمن صاحب الدروب فإنه ما زال يخدعه ويستميله حتى جعله في لدمته سفرا وحضرا ؛ وكان يقاتل به الفرنج ويقول : إنما حملني على استمالته أن بلاده حصينة وعرة المسالك ، وقلاعه منيعة وليس لنا إليها طريق ، وهو يخرج منها إذا أراد فينال من الإسلام ، فإذا طلب انحجز فيها فلا يقدر عليه ، فلما رأيت الحال هكذا بذلت له شيئا من الأقطاع على سبيل التآلف حتى أجاب إلى طاعتنا وخدمتنا وساعدنا على الفرنج. وكان متملك الروم خرج من القسطنطينية وتوجه إلى الشام طامعا في تسلم أنطاكية فشغله عن مرامه بالمراسلة إلى أن وصل أخوه قطب الدين في جنده من المواصلة وجمع له الجيوش والعساكر ، فأيس الرومي من بلوغ ما كان يرجو وتمنى منه الصلح فاستقر رجوعه إلى بلاده.
وقال مترجموه : إنه كان يكثر إعمال الحيل والمكر والخداع مع الفرنج وأكثر ما ملكه من بلادهم بهذه الأساليب ، أما أعماله في رد المظالم وتخفيف المغارم

فسيرته فيها سيرة عمرية ، وأما إنشاؤه المدارس والجوامع وعمارة الطرق والجسور ودور المرضى والبائسين والخانات فمما لم يسبق إليه ، أقام الأبراج على الطرق بين المسلمين والفرنج جعل فيها من يحفظها ومعهم الطيور الهوادي أي الزاجل فإذا رأوا من العدو أحدا أرسلوا الطيور فأخذ الناس حذرهم واحتاطوا لأنفسهم ، وبنى مكاتب للأيتام وأجرى عليها وعليهم وعلى معلميهم الجرايات الوافرة فصارت الشام بعد خلوها من العلم وأهله مقر العلم ومباءة الفقه.
هذه حال ملك القرون الوسطى وحسن بلائه في خدمة أمته وهو يقاتل الأعداء في الغرب والجنوب ، وقد فتح نيّفا وخمسين حصنا وأقام المعالم وهو مشتغل بحفظ الأوطان ، لم يدخل اليأس على نفسه ولم يخامره الشك بأن العاقبة المحمودة تكون له وللمسلمين ، وأنه سيظهر على عدوه فيدفعه عن حماه. مع أن مدة ملكه في الشام لم تتجاوز أربعا وعشرين سنة. لا جرم أن ظهور بني زنكي نعمة أنعمت بها الأقدار على هذه الديار ، فخرجت بها من انقسام الكلمة وتشتت الأهواء والآراء ، ومن خيانة الملوك والأمراء ، والاعتضاد بالمحاربين من الأعداء إلى تماسك وتعاضد ، ومن ظلمة الجهل والغرور إلى ضياء العلم والنور ، ومن سلب أموال الأمة إلى إمتاعها بالعدل الشامل والأمن الكامل. بسقت فروعها في أيسر زمن وأحرج العصور ، فخطب الناس ودّها في كل مكان وودوا لو كان لها الحكم عليهم ، ورجا أولياؤها أن تطول أيامها لأنها لا تسوق الناس إلا إلى طرق فلاحهم وسعادتهم.

الدولة الصلاحية
«من سنة 569 الى سنة 589»
أولية صلاح الدين والملك الصالح :
توفي نور الدين محمود بن زنكي وكان له السلطان الأكبر على القلوب تحبه رعيته ويخافه أعداؤه ويحترمونه ، وبعدله وسيرته وجميل سياسته وإداراته ، وطد أساس ملكه ، ووحد كلمة الشام ومصر والجزيرة ، وأنشأ عظماء في دولته كانوا ساعده الأيمن وعضده الأقوى ففتحوا الفتوح باسمه ويمن نقيبته ، وصدروا كلهم عن رأيه ومشورته ، ومن أعظمهم بل أعظمهم صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب. وأصل صلاح الدين من دوين بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة إيران وبلاد الكرج وهم أكراد زوادية وهي قبيلة كبيرة تعد من أشراف الأكراد ، وانتقل أهله من هناك إلى العراق ثم عين نجم الدين أيوب والد صلاح الدين محافظا لقلعة تكريت وفيها ولد ابنه هذا ، وكان نجم الدين أيوب بن شاذي حسن الخلق عادلا شجاعا كريما دينا محسنا ربي في الموصل ونشأ شجاعا باسلا وخدم السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي ، فرأى منه أمانة وعقلا وسدادا وشهامة ، فولاه قلعة تكريت فقام في ولايتها أحسن قيام ، حتى عمرت أرضها وأمنت سبلها ثم أضيفت إليه ولايتها ، وكان نجم الدين عظيما في أنفس الناس بالدين والخير وحسن السياسة ، واتصل بنور الدين محمود فكان من جملة قواده ونوابه. وهذا الرجل العظيم هو الذي أولد رجلا أعظم وهو صلاح الدين.
وكأن الزمن العصيب الذي ظهر فيه ظهير الدين ثم نور الدين ثم صلاح الدين كان يتطلب ملوكا كفاة أثبتوا بالعمل مقدرتهم السياسية والحربية ، وأبرزوا

من آثار نجدتهم وجلادتهم ما تطأطىء أمامه الرؤوس فلا يصفق الناس لهم زورا ورياء ولا يدعون لهم على المنابر بما لا يقبل ولا يسمع إن لم يكن بين جنوبهم نفوس عالية ممتازة قلّ في طبقة قواد الأمم مثلها. ولم يبق في الحقيقة بعد نور الدين من يصلح لهذا الأمر مثل صلاح الدين لأنه أنبغ رجاله وأكبرهم مقاما وشأنا وأقربهم إلى قلوب الأمة ، وهو ملك مصر حقا ، ومن ملك مصر كان حريا بأن يملك الشام ، خصوصا والشام يحبه ، لما بدا من غنائه ومضائه في نصرة الملة والدولة.
ولكن نور الدين قد خلف ولدا يقضي قانون الوراثة في الملوك في تلك الأعصر بأن يرث الابن ملك أبيه كما يرث قصره ومزرعته مهما كانت سنه ، ويتولى رجال الدولة أمره ويكفله من يعطفون على دولته ومن غذوا بنعمة أبيه وآله ، بيد أن الحالة السياسية في الشام ومصر وما إليهما من الممالك كانت بحيث يقتضي الشذوذ عن هذه القاعدة ولو إلى حين ، فيوسد الملك إلى من جمعت أشخاصهم الكفاءة قبل كل شيء لتخرج المملكة من مأزقها الحرج ، وهذا لا يتيسر أن ينهض به ولد يافع بلغ من العمر إحدى عشرة سنة ، ونعني به ابن نور الدين الملك الصالح إسماعيل. فانظر كيف تصرفت الأقدار بما فيه الخير ، ولم تترك مصالح الدولة للأصول السخيفة في توسيد الملك للكبير والصغير على السواء.
توفي في دمشق نور الدين في سنة (569) وبالحال ملك ابنه الصالح إسماعيل وحلف له العسكر بدمشق وأطاعه صلاح الدين وخطب له بمصر وضرب السكة باسمه ، ودبر دولته شمس الدين بن المقدم من أعظم أمراء أبيه ، واستولى سيف الدين غازي شقيق نور الدين محمود على الديار الجزرية وهي لنور الدين ، وكان صلاح الدين في مصر ، فجعل الملك للملك الفتى كما كان لأبيه من قبل. بيد أنه من المتعذر إدارة المملكة في ذاك العصر إذا لم يحكمها رجل عظيم استوفى شروط الحكم ، فيصدر عن رأي واحد يمحضه أولا بمشورة رجال دولته ويكون هو المرجع فيه والمسؤول عنه ، يهتم لملكه اهتمامه بابنه وابنته ، وهل يتيسر ذلك إذا تشعبت الآراء. وكان صاحب الملك الرسمي قاصرا وأوصياؤه يدبرونه وربما كان فيهم من تطمح نفسه إلى الاستئثار بالسلطة ، ومتى كان الوكيل كالأصيل ، والمتنفل كالمكلف :
ممالك لم يدبرها مدبّرها
    إلا برأي خصيّ أو بعقل صبي
 

اختلاف الآراء واستيلاء صلاح الدين على الشام :
ولما بدأت نواجذ الاختلاف تبدو بين الأمراء في الشام شعر صلاح الدين وهو بمصر أن هذا الفراغ الذي حدث بموت نور الدين يستلزم أن يملأه رجل تجمع القلوب على حبه ، وأن يصل السلسلة المقطوعة بمهلكه وإلّا انفرط العقد كله ، وتصبح الديار فوضى وتفتح أبوابها على مصاريعها لدخول الدخلاء يستصفونها وتصبح بالشقاق الداخلي أبشع صورة مما كانت على عهد أواخر الدولة الأتاكية أخلاف الأتابك ظهير الدين.
واتفق نزول الفرنج بعد وفاة نور الدين على الثغر وقصدهم بانياس فخرج إليهم شمس الدين بن المقدم وراسل الفرنج وخوفهم بقصد صلاح الدين لأرضهم وقال لهم : أنتم تعلمون أن صلاح الدين كان يخاف أن يجتمع بنور الدين ، والآن فقد زال ذلك الخوف وإذا طلبناه إلى بلادكم لا يمتنع ، فعلموا صدقه وصالحوه ، وتكلموا في الهدنة وحصلوا بقطيعة استعجلوها واستطلقوا عدة من أساراهم وتمت المصالحة. وفي تهديد ابن المقدم للفرنج بصلاح الدين أعظم دليل على مكانته في قلوب رجال الدولة وأن الصليبيين عرفوا أنهم ابتلوا بداهية لا يقل عن نور الدين بحسن تدبيره وشجاعته.
بلغ صلاح الدين ما تم بين ابن المقدم والفرنج فأنكره ولم يعجبه ، وكتب إلى جماعة الأعيان كتابا يقوعهم فيه ويلومهم ، ويقول إنه تجهز وخرج وسار أربع مراحل ثم جاءه الخبر بالهدنة المؤذنة بذل الإسلام فعاد إلى مقره. وقد «استصغر أمر أهل الشام وعلم ضعفهم» وقال : «إن استمرت ولاية هؤلاء تفرقت الكلمة المجتمعة ، وضاقت المناهج المتسعة ، وانفردت مصر عن الشام». قال ابن شداد : لما تحقق صلاح الدين وفاة نور الدين وكون ولده طفلا لا ينهض بأعباء الملك ، ولا يستقل بدفع العدو عن البلاد تجهز للخروج الى الشام إذ هو أجلّ بلاد الإسلام. وقد كان صلاح الدين ينوي أن يتولى تربية ابن مخدومه نور الدين وكتب : «إن الوفاء إنما يكون بعد الوفاة ، والمحبة إنما تظهر آثارها عند تكاثر أطماع العداة». ولكن الأمراء في الشام أخذ كل منهم يعمل على شاكلته ، ويريد أن يستأثر بالأمر دونه وهو أحق منهم وأولى.

ثم إن شمس الدين بن الداية مقدم العساكر المقيم بحلب ورضيع نور الدين وأكبر أمرائه أرسل سعد الدين كمشتكين الى دمشق يستدعي الى حلب الملك الصالح بن نور الدين ليكون مقامه بها ، ولما استقر بحلب وتمكن كمشتكين قبض على شمس الدين بن الداية وإخوته وعلى الرئيس ابن الخشاب وإخوته ، واستبد سعد الدين بتدبير الملك الصالح مخافة ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق ، وكاتبوا صلاح الدين في مصر واستدعوه ليملكوه عليهم (570) فسار صلاح الدين جريدة في سبعمائة فارس فوصل إلى بصرى وكان صاحبها يستحثه على القدوم ، ولما بلغ دمشق خرج كل من كان بها من العسكر والتقوه وخدموه ، وعصت عليه القلعة وكان فيها من جهة الملك الصالح خادم اسمه ريحان فراسله صلاح الدين واستماله فسلم القلعة إليه ، فصعد اليها صلاح الدين وأخذ ما فيها من الأموال. ثم كتب الى الملك الصالح بن نور الدين كتابا يتواضع له فيه ويخاطبه بمولانا وابن مولانا ويقول : إنما جئت من مصر خدمة لك لأؤدي ما يجب من حقوق المرحوم ، فلا تسمع ممن حولك فتفسد أحوالك وتختل أمورك ، وما قصدي إلّا جمع كلمة الإسلام على الفرنج. فعرض الملك الصالح ذلك على أمراء دولته فأشاروا عليه بأن يكاتبه بالغلظة فكتب إليه منكرا عليه ، وينسبه إلى كفر النعمة وجحد إحسان والده ووعده وهدده فساء ذلك صلاح الدين وأغضى على القذى وكظم غيظه.
ولما قرر صلاح الدين أمر دمشق استخلف بها أخاه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب وسار إلى حمص وكانت حمص وحماة وبارين وسلمية وتل خالد والرّها في إقطاع فخر الدين مسعود بن الزغفراني فلما مات نور الدين لم يمكن فخر الدين المقام بحمص وحماة لسوء سيرته مع الناس ، وكانت هذه العمالة له بغير قلاعها فإن قلاعها كان فيها ولاة لنور الدين وليس لفخر الدين معهم في القلاع حكم الإبارين ، فملك صلاح الدين مدينة حمص وعصت عليه القلعة فترك عليها من يضيق عليها ودكوها ورحل الى حماة فاستغاث صاحبها بالإسماعيلية وأعطاهم ضياعا ومالا ليستعين بهم على صلاح الدين ، فلم يلبث أن ملك مدينة حماة وكان بقلعتها عز الدين جرديك أحد المماليك النورية فامتنع في القلعة فذكر له صلاح الدين أنه ليس له غرض سوى حفظ البلاد للملك الصالح إسماعيل وإنما هو نائبه ، وقصده من جرديك المسير إلى حلب في رسالة فاستخلفه جرديك على ذلك

وسار إلى حلب برسالة صلاح الدين واستخلف في قلعة حماة أخاه ، فلما وصل جرديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه ، فلما علم أخوه بذلك سلم قلعة حماة إلى صلاح الدين ، ثم سار هذا الى حلب وحصرها وبها الملك الصالح إسماعيل ، فجمع أهل حلب وقاتلوا صلاح الدين وصدوه عن مدينتهم ، وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان مقدم الإسماعيلية أموالا عظيمة ليقتلوا صلاح الدين فأرسل سنان جماعة فوثبوا بصلاح الدين فقتلوا دونه ، واستمر صلاح الدين محاصرا لحلب ورحل عنها بسبب نزول الفرنج على حمص ، فعاد إليهم فرجعوا أدراجهم ، ووصل صلاح الدين إلى حمص فحصر قلعتها وملكها ثم سار إلى بعلبك فملكها.
تملك صلاح الدين ومحاولة اغتياله وسر نجاحه :
ولما استقر ملك صلاح الدين أرسل الملك الصالح إلى ابن عمه سيف الدين غازي صاحب الموصل يستنجده على صلاح الدين فجهز جيشه ، وطلب أخاه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار ليسير في النجدة أيضا فامتنع مصانعة لصلاح الدين ، ووصل عسكر الموصل وانضم إليه عسكر حلب وساروا إلى صلاح الدين ، فأرسل صلاح الدين يبذل حمص وحماة وأن تقر بيده دمشق ، وأن يكون فيها نائبا للملك الصالح ، فلم يجيبوا إلى ذلك وساروا إلى قتاله ، واقتتلوا عند قرون حماة فانهزم عسكر الموصل وحلب ، وحينئذ قطع صلاح الدين خطبة الملك الصالح بن نور الدين وأزال اسمه عن السكة واستبد بالسلطنة فراسلوا صلاح الدين في الصلح على أن يكون له ما بيده من الشام ، وللملك الصالح ما بقي بيده منه ، فصالحهم على ذلك ورحل ثم ملك قلعة بارين كما صالح بني رزيك على أن يكون له إلى حد المعرة ولهم ما يلي ذلك فنقض الحلبيون الصلح الذي كان بينهم وبين صلاح الدين وجاء سيف الدين غازي في عساكر الموصل وديار بكر وحلب وعدتهم عشرون ألفا بين فارس وراجل ، وعسكر صلاح الدين ستة آلاف عدا ما جاء بعد من مصر. وقال رسول سيف الدين لصلاح الدين إنه رأى صلاح الدين في خيمة صغيرة على بساط لطيف وتحته سجادة وبين يديه مصحف وهو مستقبل القبلة والى جانبه زرديته وسيفه وقوسه وتركاشه (جعبته) معلق في عمود الخيمة ،

فلما رأيته وقع في خاطري أنه المنصور لأنني فارقت سيف الدين والأمراء وهم على طنافس الحرير والخمور تراق والطبول تعمل ، وليس في خيامهم خيمة إلا وفيها أنواع المحرمات ، فأديت اليه الرسالة وجاء وقت الظهر فضج العساكر بصوت الآذان وفي كل خيمة إمام. قال سبط ابن الجوزي : إن صلاح الدين لما هزم جيش سيف الدين عاد الى خيامهم فوجد سرداق سيف الدين مفروشا بالرياحين ، والمغنون جلوس في انتظاره ، والخمور تراق ومطابخه بقدورها ، وفيه أقفاص الطيور فيها أنواع من القماري والبلابل والهزارات ، فأرسل صلاح الدين بما كان في السرادق من المغنين والخمور والطيور إليه وقال للرسول : قل له اشتغالك بهذا أليق من مباشرتك الحروب ولا تعد إلى مثلها. وكان هذا المصاف بين السلطان صلاح الدين وسيف الدين غازي في سنة (571) فهرب سيف الدين والعساكر التي كانت معه وكان استنجد بعد هزيمته في قرون حماة بصاحب حصن كيفا وصاحب ماردين وغيرهما ثم سار صلاح الدين الى بزاعة فحصرها وتسلمها وقصد منبج فحصرها وافتتحها عنوة. ولما جلس يستعرض أموال صاحبها وذخائره كان في جملة أمواله ثلاثمائة ألف دينار ومن الفضة والآنية الذهبية والأسلحة ما يناهز ألفي ألف دينار ، فحانت من السلطان التفاتة فرأى على الأكياس والآنية مكتوبا «يوسف» فسأل عن هذا الاسم فقيل له : ولد يحبه ويؤثره اسمه يوسف كان يدخر هذه الأموال له فقال السلطان : أنا يوسف وقد أخذت خبىء فتعجب من ذلك (رواه ابن أبي طي).
ثم سار السلطان الى عزاز ونازلها وتسلمها فوثب إسماعيلي على صلاح الدين في حصاره عزاز فضربه بسكين في رأسه فجرحه فأمسك صلاح الدين يدي الإسماعيلي وبقي يضرب بالسكين فلا يؤثر حتى قتل الإسماعيلي على تلك الحال ووثب آخر عليه فقتله أيضا وجاء السلطان الى خيمته مذعورا وعرض جنده وأبعد من أنكره منهم. وهكذا فإن صاحب حلب أو نائبه أو جماعة دولته ، وصاحب حماة أو نائبه أو حملة غاشيته صمموا على اغتيال صلاح الدين بأيدي الخوارج حرصا على ملك قد يسلم لهم فيستمتعون به زمنا أولا يستمتعون ، ولو وفقوا الى قتله لقتلوا به أمة بأسرها حتى يعيشوا سنين في دعة ومجد ، وما أكثر الأدعياء في كل زمن في حب دينهم وقوميتهم ، فإذا لم ينالوا رغائبهم ساروا على العمياء لحظ أنفسهم فقط.

وبعد تسليم عزاز لصلاح الدين جاء حلب فحاصرها وبها الصالح بن نور الدين فسألوا صلاح الدين في الصلح فأجابهم اليه وسألوه قلعة عزاز فسلمها إليهم ، ورفع على حلب علمه الأصفر ، ورحل عنها في المحرم (572) ورجع من كورة الإسماعيلية وحصر قلعة مصياف ، فسأله خاله شهاب الدين الحارمي صاحب حماة الصفح عنهم بسؤال سنان فرحل عنهم إلى مصر ، وسنان هذا هو أبو الحسن سنان بن سليمان بن محمد الملقب راشد الدين صاحب قلاع الإسماعيلية ومقدم الفرقة الباطنية بالشام وإليه تنسب الطائفة السنانية وهو الذي كتب إلى صلاح الدين جواب كتاب كان هدده فيه على ما نقل ذلك ابن خلكان وافتتحه بقوله :
يا ذا الذي بقراع السيف هدّدنا
    لا قام مصرع جنبي حين تصرعه
  قام الحمام إلى البازي يهدّده
    واستيقظت لأسود البرّ أضبعه
  أضحى يسدّ فم الأفعى بإصبعه
    يكفيه ما قد تلاقي منه إصبعه
  ثم أردف هذه الأبيات بكتاب كله تهديد لصلاح الدين وقد كتب إليه مرة أخرى :
بنا نلت هذا الملك حتى تأثلت
    بيوتك فيها واشمخّر عمودها
  فأصبحت ترمينا بنبل بنا استوى
    مغارسها منا وفينا حديدها
  وفي ذلك بيان لقوة الإسماعيلية في عصر صلاح الدين وكانوا يتهددونه كما يتهددهم ولذلك كان يغضي في الغالب عنهم وإن حاولوا اغتياله غير مرة. ولما بلغ عسقلان (573) وشن الغارات على الفرنج طلعوا عليه وهو في بعض العسكر فقاتلهم أشد قتال ، وقاربت حملات الفرنج السلطان فانهزم إلى مصر على البرية ومعه من سلم ، فلقوا مشقة وعطشا وأسر الفرنج العسكر المتفرق في الإغارة ، وأسر الفقيه عيسى من أكبر أصحاب صلاح الدين فافتداه بعد سنين بستين ألف دينار هذا مع أن جيش صلاح الدين كان نحو عشرين ألفا وقعت الكسرة عليهم لأنهم كانوا متفرقين في الغارات وكسروا ومعظمهم لم يعلم بالهزيمة. وفي هذه السنة حصر الفرنج حماة طمعا بهزيمة صلاح الدين وبعده وكادوا يملكونها فجد المسلمون في القتال ثم رحلوا عنها إلى حارم. وفيها قبض الملك الصالح على كمشتكين متغلبا على الأمر وكانت له حارم فعذب كمشتكين وأصحابه ليسلموا

قلعة حارم فأصروا على الامتناع حتى مات من العذاب ، ووصل الفرنج من حصار حماة ، وحصروا حارم أربعة أشهر فداراهم الصالح بمال فرحلوا عنها بعد بلوغ أهلها الجهد ، ثم أرسل الملك الصالح عسكرا فحصروها وملكوها.
فتوح صلاح الدين ووفاة الملك الصالح :
أرسل صلاح الدين (574) إلى شمس الدين بن المقدم ليسلم بعلبك إلى توران شاه فعصى بها فحصره صلاح الدين تسعة أشهر ثم عوض عنها وسلمها إلى توران شاه (575) وبعث السرايا والغارات إلى أرض الفرنج بعد موت ملكهم ، وكان هذا يريد أن يغير على دمشق فأخذه رجال صلاح الدين وأسروه وغنموا ما مع جماعته ، وفتح صلاح الدين حصنا كان بناه الفرنج عند مخاضة الأحزان بالقرب من بانياس ، وكان الفرنج انتهزوا فرصة مقام صلاح الدين على بعلبك واشتغاله بأمرها فبنوا حصنا على مخاضة بيت الأحزان وبينه وبين دمشق مسافة يوم وبينه وبين صفد وطبرية نصف يوم ، فراسل السلطان الفرنج في هدمه فأجابوا أنه لا سبيل الى هدمه إلّا أن يعطينا ما غرمنا عليه فبذل لهم السلطان ستين ألف دينار فامتنعوا فزادهم إلى أن بلغ مائة ألف دينار ، وكان الداوية أصحاب الحصن لقطعون هناك الطرق على القوافل فخربه المسلمون ، وكانت الحرب بين عسكر صلاح الدين ومقدّمهم ابن أخيه تقي الدين عمر وبين عساكر قليج أرسلان بين مسعود صاحب الروم ، وسببها أن حصن رعبان كان بيد شمس الدين بن المقدم فطمع فيه قليج أرسلان وأرسل إليه عسكرا كثيرا ليحصروه وكانوا قريب عشرين ألفا فسار إليهم تقي الدين في ألف فارس فهزمهم وكان تقي الدين يفتخر ويقول هزمت بألف عشرين ألفا. وفي هذه السنة أحرق الإسماعيلية أسواق حلب وافتقر أهلها بذلك وكانت إحدى الجوائح التي أصابت الشهباء وسكانها. وسار صلاح الدين (576) إلى مملكة قليج أرسلان صاحب الروم ووصل إلى رعبان ثم اصطلحوا فقصد صلاح الدين ولاية ابن ليون الأرمني وشن فيها الغارات فصالحه ابن ليون على مال حمله وأسرى أطلقهم.
وفي سنة (577) عزم صاحب الكرك الفرنجي على المسير إلى المدينة المنورة للاستيلاء على تلك النواحي ، وسمع ذلك عز الدين فرخشاه نائب عمه صلاح

الدين بدمشق فقصد الكرك وأقام عليها ، ففرق صاحب الكرك جموعه وانقطع عزمه عن الحركة. وفي هذه السنة توفي الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين وعمره نحو 19 سنة وأوصى بملك حلب الى ابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل فسار إليها بعد موت الصالح ومعه مجاهد الدين قيماز واستقر في ملكها فكاتبه أخوه زنكي بن مودود صاحب سنجار على أن يعطيه حلب ويأخذ سنجار وأشار قيماز بذلك فأجاب وعاد الى الموصل.
قال ابن الاثير : إن بعضهم قال للملك الصالح وهو يوصي بالملك بعده : إن عماد الدين ابن عمك أيضا وهو زوج أختك وكان والدك يحبه ويؤثره وهو تولى تربيته وليس له غير سنجار فلو أعطيته البلد (حلب) لكان أصلح ولعز الدين من الفرات إلى همذان ولا حاجة به إلى بلدك فقال له : إن هذا لم يغب عني ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تغلب على عامة الشام سوى ما بيدي ، ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين فعجز عن حفظها ملكها صلاح الدين ولم يبق لأهلنا معه مقام ، وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره وأرضه فاستحسنو قوله وعجبوا من جودة فطنته مع شدة مرضه وصغر سنه.
وفي سنة (578) قصد صلاح الدين الشام من مصر وأغار في طريقه على الفرنج وغنم ، واجتمع الفرنج قرب الكرك ليكونوا على طريقه لما سار ، فانتهز فرخشاه نائب صلاح الدين بدمشق الفرصة وفتح بعسكر الشام الشقيف وأغار على ما يجاوره وفتح دبورية وجاء إلى شقيف «حبس جلدك» بالسواد من أعمال طبرية وهو حصن يشرف على أرض المسلمين ففتحه. ونزل صلاح الدين قرب طبرية وشن الغارات على بيسان وجنين واللجون والغور من مملكة الفرنج حتى بلغت عساكره مرج عكا فغنم وقتل وحصر بيروت وأغار على تلك الأرجاء ونهب بلدها وكان قد أمر الأسطول المصري بالمجيء في البحر إليها فساروا ونازلوها وأغاروا عليها وعلى بلدها ، وكان عازما على ملازمتها إلى أن يفتحها فأتاه الخبر وهو عليها أن البحر قد ألقى إلى دمياط بطسة للفرنج فيها جمع عظيم منهم كانوا قد خرجوا لزيارة بيت المقدس فأسروا من بها بعد أن غرق منهم كثير ، فكان عدة الأسرى 1676 أسيرا. ثم عبر السلطان الفرات إلى البيرة فصار معه مظفر الدين كوك بوري صاحب حران واستمال ملوك الأطراف فصار معه نور الدين محمد بن

قرا أرسلان صاحب حصن كيفا وحاصر الرّها وملكها وسلمها إلى كوك بوري ثم أخذ الرقة وقرقيسيا وماكسين وعربان والخابور جميعا ثم ملك نصيبين وقلعتها ثم حصر الموصل وبها صاحبها عز الدين مسعود ومجاهد الدين قيماز وقد شحنت رجالا وسلاحا وحاصر سنجار وملكها وأتاه الخبر أن الفرنج قصدوا دمشق ونهبوا القرى ووصلوا إلى داريا وأرادوا تخريب جامعها فأرسل النائب بدمشق إليهم جماعة من النصارى يقول لهم : إن أخربتم الجامع جددنا عمارته وأخربنا كل بيعة لكم في أرضنا ولا نمكن أحدا من عمارتها فتركوه.
قصد الفرنج المقيمون بالكرك والشوبك المسير لمدينة الرسول لينبشوا قبره الشريف وينقلوا جسده الكريم إلى بلادهم ويدفنوه عندهم ولا يمكنوا المسلمين من زيارته إلا بجعل فأنشأ البرنس أرناط صاحب الكرك أسطولا في بحر أيلة (العقبة) وجعله فرقتين فرقة حصرت حصن أيلة وفرقة سارت نحو عيذاب يفسدون في السواحل بغتة ، ولم يعهد بهذا البحر فرنج قط ، فعمر الملك العادل أبو بكر بن أيوب نائب الناصر بمصر أسطولا في بحر عيذاب وأرسل به مع حسام الدين لؤلؤ الحاجب متولي الأسطول بمصر ، فأوقع لؤلؤ بمحاصري أيلة فقتل وأسر ، ثم طلب الفرقة الثانية وقد عزموا على دخول المدينة ومكة فبلغ رابغ ، فأدركهم بساحل الحوراء وقاتلهم أشد قتال فقتل أكثرهم وأسر الباقين وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها وعاد بالباقين فقتلوا عن آخرهم بمصر.
وملك صلاح الدين آمد (579) وكان وعد بها محمد بن قرا أرسلان صاحب حصن كيفا وسقط فيها على خزانة كتب فيها ألف ألف وأربعون ألف كتاب فوهبها لوزيره القاضي الفاضل فانتخب منها حمل سبعين جملا ، وكان فيها من الذخائر ما يساوي ثلاثة آلاف ألف دينار ، فوهبها لابن قرا أرسلان هذا ، فلما قيل له في ذلك قال : لا أضن عليه بما فيها من الأموال فإنه قد صار من أتباعنا وأصحابنا ونحن إنما نريد أن يسير الناس معنا على قتال الأعداء فقط ، وليس قصدنا من الفتح البلاد بل العباد ، هذا وبعد مدة قلّ المال لنفقة الجند فاستدان صلاح الدين من أخيه العادل 150 ألف دينار لإطعامهم. وفتح صلاح الدين تل خالد من أعمال حلب ثم عينتاب ثم تسلم بعد المحاصرة حلب من زنكي بن مودود وأعطاه سنجار ، وشرط عليه الحضور إلى خدمته بنفسه وعسكره إذا

استدعاه ، ولا يحتج بحجة عن ذلك. ومن الإتفاقات العجيبة أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح السلطان بقصيدة منها :
وفتحكم حلبا بالسيف في صفر
    مبشر بفتوح القدس في رجب
  فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. ثم سار صلاح الدين من حلب بعد أن تسلم حارم ونظم أمر تلك الأرجاء وتجهز من دمشق فأحرق بيسان وشن الغارات على تلك النواحي وأرسل إلى أخيه العادل بمصر أن يلاقيه إلى الكرك فاجتمعا عليها وحصراها ثم رحلا عنها. وسار في السنة التالية (580) من دمشق فنازل الكرك وكتب إلى مصر فسار إليه عساكرها فضيق على من به وملك ربض الكرك ، ولم يتيسر له الإستيلاء على قلعتها فرحل عنها لامتناعها عليه ، فسار إلى نابلس وأحرقها ونهب ما بتلك النواحي وقتل وأسر وسبى فأكثر ثم سار إلى سبسطية فاستنقذ من بها من أسرى المسلمين. وفي سنة (581) حصر الموصل مرة ثانية فسير أتابك عز الدين صاحبها والدته ومعها ابنة عمه نور الدين محمود وغيرهما من النساء وجماعة من أعيان الدولة يطلبون المصالحة وكل من عنده ظنوا أنهن إذا طلبن منه الشام أجابهن إلى ذلك لا سيما ومعهن ابنة مخدومه وولي نعمته نور الدين فلما وصلن اليه اعتذر بأعذار غير مقبولة وأعادهن خائبات فأسف العامة لرده النساء ، وندم صلاح الدين بعد ذلك على ردهن ، وجاءته كتب القاضي الفاضل وغيره يقبحون فعله وينكرونه. وسار صلاح الدين عن الموصل إلى خلاط وملك ميافارقين. وغزا صاحب الكرك (582) وأسر قافلة من المسلمين فطلبهم السلطان بحكم الهدنة فأبى فنذر صلاح الدين قتله بيده. وكان أرنلط من أغدر الفرنجة وأنقضهم للمواثيق المحكمة والأيمان المبرمة. وكان كفيل القومص صاحب طرابلس قد حنق على جماعته الفرنج لأن زوجة ريمند بن ريمند الصنجيلي هويت رجلا من الفرنج اسمه كي وأخرجت كفيل ابنها من ملك طرابلس وكان طمع فيه ، فراسل صلاح الدين وانتمى إليه واعتضد به ، وطلب منه المساعدة على بلوغ غرضه من الفرنج ، ففرح صلاح الدين والمسلمون بذلك ووعده النصرة والسعي له في كل ما يريد ، وضمن له أن يجعله ملكا مستقلا للفرنج قاطبة ، وكان عنده جماعة من فرسان القومص فأطلقهم ، فحل ذلك عنده أعظم محل ، وأظهر طاعة صلاح الدين ووافقه على ما فعل جماعة من الفرنج فاختلفت كلمتهم. قال صاحب الكامل :

وكان ذلك من أعظم الأسباب الموجبة لفتح بلادهم واستنقاذ البيت المقدس منهم.
وقعة حطين وفتح فلسطين :
كانت سنة (583) سنة مباركة جدا على صلاح الدين وعلى المسلمين ، كما كانت عليه سنة (564) بفتح مصر وإنقاذها من أيدي الفاطميين. ضرب صلاح الدين الفرنج ضربة لم ينلهم مثلها منذ وطئوا أديم الشام سنة (491) فبدأ بمضايقة الكرك (583) خوفا على الحجاج من صاحبها فأخرب كما قال من رسالة إلى أخيه سيف الإسلام عماراتها وأحرق غلاتها ، وقطف ثمراتها ، وأزعج ساكنيها ، وأخاف آمنيها ، وأجلى عنها فلاحيها ، وأقام النوائح عليها في نواحيها. وأغار بعض عسكره على عكا وغنموا ثم حصر مدينة طبرية ومعه الجاندارية والخراسانية والحجارون والنقابون ففتحها بالسيف وكانت للقومص صاحب طرابلس ، وكان مهادن السلطان فاجتمع إلى الفرنج للحرب ـ وكانت طبرية تقاسم على نصف مغل الصلت والبلقاء وجبل عوف والحيانية والسواد وتناصف الجولان وما يقربها إلى كورة حوران.
واجتمعت ملوك الفرنج فارسا وراجلا وساروا إلى صلاح الدين فركب إليهم من طبرية، والتقى الجمعان واشتد القتال بينهم وأحدق المسلمون بالفرنج من كل ناحية وأبادوهم قتلا وأسرا على قرية حطين بالقرب من طبرية وأسر في جملة من أسر ملك الفرنج الكبير وصاحب الكرك وصاحب جبيل وغيرهم من قمامصتهم وأمرائهم. وكان الفرنج في حطين خمسة وأربعين ألفا فلم يسلم منهم سوى الفلّ وقتل الباقون واستأسروهم فقتل منهم أربعون ألفا وقيل أقلّ من ذلك ، ولما انقضى المصاف جلس السلطان في خيمته وأحضر ملك الفرنج وأجلسه إلى جانبه وكان الحر والعطش به شديدا فسقاه السلطان ماء مثلوجا وسقى ملك الفرنج منه البرنس أرنلط صاحب الكرك فقال له السلطان : إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فيكون أمانا له ، ثم كلم السلطان البرنس ووبخه على غدره غير مرة وعلى قصده الحرمين الشريفين ، وقام السلطان بنفسه فضرب عنقه فارتعدت فرائص ملك الفرنج فسكن جأشه.
قالوا : وقد عرض السلطان الإسلام على الداوية والإسبتار ، فمن أسلم منهم استبقاه، ومن لم يسلم قتله فقتل خلق عظيم ، وبعث بباقي الملوك والأسارى إلى

دمشق. ثم عاد السلطان إلى طبرية وفتح قلعتها بالأمان ، ثم سار إلى عكا وحاصره وفتحها بالأمان وكان فيها ثلاثون ألف إفرنجي وأربعة آلاف أسير مسلم ، وأرسل أخاه الملك العادل فنازل مجدل بابا وفتحه عنوة بالسيف ، ثم فرق السلطان عسكره ففتحوا الناصرة وقيسارية وحيفا وصفورية ودبورية والفولة وجنين وزرعين والطور واللّجون والقيمون والزيب ومعليا والبعنة وإسكندرونة ومنواث وأرسوف وعقر بلا وأريحا سنجيل والبيرة وقلونية وصرفند ومجدل الحباب وجبل الجليل وتل الصافية والتل الأحمر وقريتا وصوبا وهرمس والسلع عدا ما تخللها من القرى والأبراج والقلاع. فتح كل ذلك بالسيف وفتح عسكره سبسطية ونابلس وقلعتها بالأمان ، وفتح العادل يافا عنوة ثم فتح السلطان تبنين ، وتسلم صيدا خالية ثم بيروت بالأمان بعد حصارها. وكان من جملة الأسرى صاحب جبيل فبذل جبيلا فأطلق. وحضر المركيس في سفينة إلى عكا وهي للمسلمين وأقلع إلى صور فاجتمع عليه الفرنج الذين بها وملك صورا. وذكر المؤرخون إن إطلاق أمراء الفرنج من الأسر وحملهم إلى صور كان من أعظم أسباب الضرر وقوة الفرنج ورواح عكا.
فتح القدس والرملة :
حصر السلطان عسقلان وتسلمها ثم فتح الرملة والداروم وغزة وبيت لحم؟؟؟ وبيت جبريل وتبنين والنطرون ومشهد الخليل ولدّ وغيرها ثم نازل القدس وبه من الفرنج عدد لا يحصى وضايقه بالنقابين واشتد القتال ، وطلب الفرنج الأمان فقال : آخذها مثل ما أخذت من المسلمين بالسيف فعاودوه فأجاب بشرط أن يؤدي كل رجل عشرة دنانير وكل امرأة خمسة وكل طفل دينارين ومن عجز أسر وتسلم المدينة في رجب وكان فيها بالضبط ستون ألف رجل ما بين فارس وراجل سوى من تبعهم من النساء والولدان قال ميشو : إنه كان فيها مائة ألف صليبي وكان عددهم لما فتحوه (6100) فارس و (48) ألف راجل ولم يكن فيها لما فتحها صلاح الدين سوى ربان واحد من اليهود وكان يدفع إتاوة كبيرة في السنة للملك حتى يبقى فيها.
قال ابن الأثير في معنى ارتضاء صلاح الدين بالفداء من الفرنج في القدس : إن الفرنج لما رأوا شدة قتال المسلمين وتحكم المنجنيقات بالرمي المتدارك ، وتمكن

النقابين من النقب أرسلوا باليان بن نيرزان صاحب الرملة إلى صلاح الدين يطلب الأمان فأبى السلطان وقال : لا أفعل بكم إلا كما فعلتم بالمسلمين حين ملكتموه سنة إحدى وتسعين وأربعمائة من القتل والسبي فقال له باليان : أيها السلطان اعلم أننا في هذه المدينة في خلق كثير ، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ، فإذا رأينا أن الموت لا بد منه فو الله لنقتلن أولادنا ونساءنا ونحرق أموالنا ولا نترككم تغنمون منا دينارا ولا درهما ولا تسبون وتأسرون رجلا أو إمرأة ، فإذا فرغنا من ذلك أخربنا الصخرة والمسجد الأقصى. ثم نقتل من عندنا من أسارى المسلمين وهم خمسة آلاف أسير ، ولا نترك لنا دابة ولا حيوانا إلا قتلناه ، ثم خرجنا إليكم كلنا وحينئذ لا يقتل الرجل منا حتى يقتل أمثاله ، ونموت أعزاء ونظفر كرماء، فاستشار صلاح الدين أصحابه فأجمعوا على إجابتهم إلى الأمان وأن لا يحرجوا ويحملوا على ركوب ما لا يدرى عاقبة الأمر فيه ، فأجاب صلاح الدين حينئذ إلى بذل الأمان للفرنج.
وكان رأي صلاح الدين أخذ الفداء فتغلب رأيه على ما كان يراه بعض جماعته أولا من إهراق دماء الفرنج كما أهرق أجدادهم دماء المسلمين ، وهذا التهديد من سفير الصليبيين في الصلح لا شأن له مع صلاح الدين ، وهو في تلك القوة والمنعة ، ولكن صلاح الدين يرمي إلى مقصد أعلى من جميع مقاصد جماعته وجماعة الصليبيين ، كان يريد بما فعل من قبول الفداء تعليم الصليبيين درسا في سماحة الإسلام ، وأن لا يثير الحفائظ وهو على يقين من أن أوربا ما جيشت إلا قليلا لفتح القبر المقدس فإذا قتل من فيه وفيهم الأمراء والسادة والقادة وغيرهم يقيم في كل دار في الغرب مأتما وتزيد الطوائل بين الفريقين ، ويهب الفرنج في الغرب إلى جمع شملهم ، أكثر مما جمعوا في القرن الماضي ومنتصف هذا القرن وتعود الشام إلى خرابها.
وما الفائدة من القتل إذا كان يجلب الويلات على فاعله وعلى ذويه. على أن صلاح الدين لو قتل فرنج القدس لما كان خرج عن مألوف عادة تلك العصور وما عدّ عمله شيئا فريا ، إذ يكون قد كال لهم بالكيل الذي كالوا به لأمته. بيد أن السماحة التي بدت منه أكسبته وقومه في الغرب إسما عطرا لا يزال يردد بالخير على كرور الأيام ، ودب الفشل في نفوس القابضين على زمام الأمر فلم

يعودوا كما كانوا في الثمانين السنة الأخيرة يأتمرون في الحال بأوامر الكنيسة البابوية ، ويحمسون الناس ليسيروا بهم على العمياء إلى الأرض المقدسة. وبهذا العمل انحلت العقدة المهمة الأولى من حروب الصليبيين ، وكان الخطب سهلا بعد ذلك في عهد صلاح الدين وأخلافه فصدق في وصفه شاعره عبد المنعم الجلياني حيث قال من قصيدة :
وفيت لهم حتى أحبوك ساطيا
    بهم ووفاء العهد قيد المخاصم
  فخانوا فخابوا فانتدوا فتلاوموا
    فقالوا خذلنا بارتكاب الجرائم
  وخص صلاح الدين بالنصر إذ أتى
    بقلب سليم راحما للمسالم
  فخطوا بأرجاء الهياكل صورة
    لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم
  يدين لها قسّ ويرقي بوصفها
    ويكتبه يشفى به في التمائم
  مر الرحالة ابن جبير الأندلسي بالشام وصلاح الدين محاصر للكرك فتعجب من أن نيران الفتنة تشتعل بين الفئتين مسلمين وإفرنج وربما يلتقي الجمعان ويقع المصاف بينهم ، وأرفاق المسلمين والنصارى تختلف بينهم دون اعتراض عليهم. واختلاف القوافل من مصر إلى دمشق على بلاد الفرنج غير منقطع ، واختلاف المسلمين من دمشق إلى عكة كذلك ، وتجار الصليبيين أيضا لا يمنع أحد منهم ولا يعترض ، وللنصارى على المسلمين ضريبة يؤدونها في بلادهم ، وهي من الأمنة على غاية ، وتجار النصارى أيضا يؤدون في بلاد المسلمين على سلعهم والارتفاق بينهم والاعتدال في جميع الأحوال ، وأهل الحرب مشتغلون بحربهم ، والناس في عافية والدنيا لمن غلب. قال : وهذه سيرة أهل هذه البلاد في حربهم ، وفي الفتنة الواقعة بين أمراء المسلمين وملوكهم كذلك ولا تعترض الرعايا والتجار ، فالأمن لا يفارقهم في جميع الأحوال سلما أو حربا. وقال بعد أن ذكر استيلاء صلاح الدين على نابلس وإطلاق أيدي جيشه في جميع ما احتازته : وخرجنا نحن إلى بلاد الفرنج وسببهم يدخل بلاد المسلمين ، وناهيك من هذا الإعتدال في السياسة.
وبعد أن قرر السلطان أمور القدس ، وأمر بعمل الرّبط والمدارس الشافعية ، رحل عنها ولم يبق معه مما أخذه من مال الفداء شيء وكان مائتي ألف دينار وعشرين ألفا ففرقها على الأمراء والعلماء والفقراء ، وأطلق كثيرا من الفقراء بدون فداء ، وأدى أخو السلطان الملك العادل فدية عن ألفي صليبي ، واقتدى به

السلطان نفسه ، وعفوا عن كثيرين ، فلم يبق سوى أربعة عشر ألفا يخرج منهم الصبيان والبنات الذين أدى الصليبيون فداءهم ، وأغضى عن جواهر الصليبيين وناضهم من الذهب والفضة ، فكان يخرج من القدس حرا بدون منازع ، وعامل النساء من الفرنج معاملة لا تصدر عن أرقى رجل مهذب في القرون الحديثة. ذكروا أنه كانت بالقدس ملكة رومية متعبدة مترهبة استعاذت بالسلطان فأعاذها ، ومنّ عليها وعلى من معها بالإفراج ، وأبقى عليها من مصوغات صلبانها الذهبية المجوهرة ونفائسها وكرائم خزائنها ، وكذلك خرجت زوجة الملك المأسور كي وهي ابنة الملك أموري وكانت مقيمة في جوار القدس مع مالها من الخدم والخول والجواري فاستأذنت بالإلمام بزوجها وأقامت عنده ، وكان مقيما في برج بنابلس أسيرا يرسف في قيده. وخرج البطرك الكبير الذي للفرنج ، ومعه من أموال البيع والمساجد منها الصخرة والأقصى والقيامة وغيرها ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، وكان له من المال مثل ذلك فلم يعرض له صلاح الدين ، فقيل له ليأخذ ما معه يقوي به المسلمين فقال : لا أغدر به ولم يأخذ منه إلا عشرة دنانير إلى غير ذلك من مزاياه العالية التي علم بها أعداءه كيف تكون مكارم الاخلاق.
رحل السلطان إلى عكا ومنها إلى صور ، وقد حصنت بالرجال وحفر خندقها من البر إلى البحر ، ونزل على صور وحاصرها وضايقها وطلب الأسطول فوصل إليه في عشرة شوان فاتفق أن الفرنج كبسوهم في الشواني وأخذ خمسة شوان ولم يسلم من المسلمين إلا من سبح ونجا وأخذ الباقون ، وطال الحصار عليها فرحل السلطان عنها في الشتاء وأقام بعكا وأعطى العساكر الدستور فسار كل واحد إلى بلده وبقي السلطان بعكا وقد قنع الفرنج بصور ، وأرسل إلى هونين ففتحها بالأمان كما فتح قلعة أبي الحسن من عمل صيدا وشقيف أرنون وأقام رجالا على صفد وكوكب يحاصرونهما وهما حصنان عظيمان للداوية والاسبتارية وكان شديدا على رجال هاتين الرهبنتين لما عرفوا به من الشجاعة والمكر ويقتلهم في الغالب إذا وقعوا في يده فلم يبق للفرنج من كل ما كان لهم في فلسطين من المدائن والثغور سوى صور استصفيت كلها. ولما انسلخ الشتاء (584) سار السلطان من عكا بمن معه بعد أن ولى أعمال الخليل وعسقلان وغزة والداروم وما والاها ، وأمر بنقل الغلات من البلقاء لتقوية الفلاحين وإعانة المقطعين وكذلك أمر بنقل الغلات من مصر إلى

أعمال عسقلان ليعيد إليها الزراعة والعمران. ومن كتاب فاضلي يصف فيه بعض مدن فلسطين في الفتح الصلاحي : وهذه البلاد مدن ما كان عزم قبل منها مدنيا. وعمارات ما كان أمل إليها مفضيا. بل طال ما كان عنها مغضيا. مثل بيسان وكفر بلا وزرعين وجينين كلها بلاد مشاهير لها قرى مغلة ، وبساتين مظلة ، وأنهار مقلة ، وقلاع مطلة ، وأسوار قد ضربت على جهاتها ، وأحاطت بجنباتها ، واتخذتها المدن سياجا على قصباتها.
بقية الفتوح الصلاحية :
اتجهت همة صلاح الدين العالية إلى فتح ما بقي في أيدي الصليبيين من ثغور الساحل. وقصد إلى دمشق ولما اجتمعت العساكر من الأطراف سار منها فنزل على بحيرة قدس غربي حمص وأتته العساكر بها فرحل ونزل على أنطرطوس فوجد الفرنج قد أخلوها فأحرقها وأحرق البسية وهي بيعة عظيمة عندهم محجوج إليها من أقطارهم. وسار إلى مرقبة فوجدهم قد أخلوها أيضا وسار إلى المرقب وهو للإسبتار فوجده لا يرام وتسلم جبلة و «بلدة» من غربي النهر على شاطئ البحر وسار إلى اللاذقية ولها قلعتان فحصر القلعتين وزحف إليهما فطلب أهلهما الأمان فأمنهم وتسلم القلعتين وعمر البلد وحصن قلعتها.
ولما كان على اللاذقية طلب مقدم أسطول صقلية من السلطان الأمان ليحضر عنده فأمنه وحضر وقبل الأرض بين يديه وقال ما معناه : إنك سلطان رحيم كريم وقد فعلت بالفرنج ما فعلت فذلوا فاتركهم يكونون مماليكك وجندك تفتح بهم الممالك وترد عليهم بلادهم ، وإلا جاءك من البحر ما لا طاقة لك به ، فيعظم عليك الأمر ويشتد الحال فأجابه صلاح الدين بنحو من كلامه من إظهار القوة والاستهانة بكل من يجيء من البحر وأنهم إن خرجوا أذاقهم ما أذاق أصحابهم من القتل والأسر ورحل السلطان إلى صهيون فتسلمها بالأمان فلم يجبهم إلا على أمان أهل القدس فيما يؤدونه فأجابوه إلى ذلك وتسلم قلعة صهيون ، ثم فرق عسكره في تلك الجبال فملك حصن بلاطنس وكان الفرنج قد أخلوه ، وملك حصن العيذو وحصن الجماهيرية ، ووصل إلى قلعة بكاس فأخلاها أهلها وتحصنوا بقلعة الشغر فحصرها ووجدها منيعة فضايقها فطلب أهلها الأمان ، وحصر ابنه الملك الظاهر غازي قلعة سرمين وضايقها وملكها ، واستنزل أهلها على قطيعة قررها عليهم وهدم

القلعة وعفى أثرها. وكان في هذه القلعة وفي الحصون المذكورة من أسرى المسلمين الجم الغفير، فأطلقوا وأعطوا الكسوة والنفقة ، ثم سار من الشغر إلى برزيه وملكها بالسيف وسبى وأسر وقتل أهلها وأسر السلطان صاحب برزيه هو وأصحابه وامرأته وأولاده ومنهم بنت له معها زوجها فتفرقهم العسكر ، فأرسل صلاح الدين في الوقت وبحث عنهم واشتراهم وجمع شمل بعضهم ببعض ، فلما قارب أنطاكية أطلقهم وسيرهم إليها. وكانت امرأة صاحب برزيه أخت امرأة بيمند صاحب أنطاكية ، وكانت تراسل صلاح الدين وتهاديه وتعلمه كثيرا من الأحوال التي تؤثر فأطلق هؤلاء لأجلها.
ثم سار فنزل على جسر الحديد ومنه إلى دربساك فتسلمها بالأمان على شرط أن لا يخرج أحد منها إلا بثيابه فقط. وسار إلى بغراس وحصرها وتسلمها بالأمان على حكم أمان دربساك. وأرسل بيمند صاحب أنطاكية إلى السلطان يطلب منه الهدنة والصلح وبذل إطلاق كل أسير عنده فأجابه إلى ذلك واصطلحوا ثمانية أشهر ، ثم عاد إلى دمشق فأشير عليه بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا فقال السلطان : ان العمر قصير والأجل غير مأمون. وكان صلاح الدين لما سار إلى الشمال قد جعل على الكرك وغيرها من يحصرها ، وخلّى أخاه العادل في تلك الجهات يباشر ذلك فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان فتسلمها صلاح الدين مع الشوبك وما إليها ، ثم سار السلطان إلى صفد فحصرها وضايقها وتسلمها بالأمان وشخص إلى كوكب فضايقها وتسلمها بالأمان وسير أهلها إلى صور.
ولما سقطت القدس واستولى صلاح الدين على جميع الأقاليم التي كانت بيد الفرنج ولم يبق لهم إلا يافا وصور وطرابلس تجمع أهل الأقاليم التي أخذها صلاح الدين في ثغر صور فكثر جمعهم ، وأرسلوا إلى الغرب يستصرخون وصوروا صورة المسيح وصورة عربي يضربه وقد أدماه وقالوا : هذا نبي العرب يضرب المسيح. فخرجت النساء من بيوتهن. ووصل من الفرنج في البحر عالم لا يحصون كثرة ، وساروا إلى عكا من صور ونازلوها وأحاطوا بسورها من البحر إلى البحر ووقعت وقائع على عكا قتل فيها من الفرنج نحو عشرة آلاف ومن المسلمين ألوف أيضا ، وعاد السلطان في السنة التالية (586) إلى قتال الفرنج على عكا.

الحملة الصليبية الثالثة :
بينا كان صلاح الدين على عكا يغادي الفرنج القتال ويراوحهم ، جاءت الأخبار من الروم أن ملك الألمان قادم لنجدة الصليبيين في الشام في مائة ألف محارب ، فدخل اليأس على الناس وهذه هي الحملة المعروفة عند الفرنج بالحملة الصليبية الثالثة ، ولكن سلط على ملك الألمان الوباء والغلاء وغرق في نهر كان يغتسل فيه في الروم ، ولم يصل مع ابنه سوى ألف مقاتل فقط. يئس الناس لأنهم ذهبوا إلى أن الفرنج لا تقوم لهم قائمة بعد وقعة حطين بل بعد استصفاء أكثر المدن والمعاقل التي كانت لهم ولا سيما القدس العلة الأولى في هذه الغزوات التي ألبسوها لباس الدين ، وكانت هذه الحملة الثالثة مؤلفة من ثلاثة ملوك : فريدريك باربروس ملك ألمانيا ، وفيليب اوغست ملك فرنسا ، وريشاردس قلب الأسد ملك إنكلترا. فخف الأول إلى نجدة فرنج الشام قبل صاحبيه فكان من أمره ما كان أما الآخران فجاءا إلى عكا في البحر ، وبعد أن فتح ريشاردس جزيرة قبرس تمكن الصليبيون من أخذ عكا وقتل من المسلمين جمهور كبير.
قال ميشو : إن الوقعة التي حارب فيها ريشاردس في بحر صور سفينة كبرى للعرب ، كانت من أول الانتصارات ومقدمة الغنائم للبحرية الإنكليزية ، وقال أمغلطاي : إن الفرنج حاصروا عكا من البر ومن البحر ، وكانت عدتهم مائتي ألف وأربعين ألفا ، ونصبوا عليها المجانيق من كل جهة ، وفتحوا فيها مواضع كثيرة حتى خربت ودثرت وصارت مثل الطريق ، فغلب المسلمون وطلبوا الأمان. وقال غيره : إن السلطان كان عمر في بيروت بطسة وشحنها بالعدد والآلات ، وفيها نحو سبعمائة رجل مقاتل ، فلما توسطت في البحر صادفها ملك الإنكليز وأحاطت بها مراكبه وحصل القتال بين الفريقين ، فلما رأى مقدمها اشتداد الأمر ، نزل فخرقها حتى غرقت ، وكانت هذه الحادثة أول حادثة حصل بها الوهن للمسلمين.
ثم رحل الفرنج عن عكا نحو قيسارية ، والمسلمون يسايرونهم ويتحفظون منهم ، ثم ساروا من قيسارية إلى أرسرف ، ووقع بينهم وبين المسلمين مصاف أزالوا المسلمين عن موقفهم ، ووصلوا إلى سوق المسلمين فقتلوا منهم خلقا كثيرا ، ثم

سار الفرنج إلى يافا وقد أخلاها المسلمون فملكوها ، ورأى السلطان تخريب عسقلان مصلحة فخربها وخرب الرملة وكنيسة لدّ وكان هدم سور طبرية وهدم يافا وأرسوف وقيسارية وهدم سور صيدا وجبيل ونقل أهلهما إلى بيروت ، وكان معظم أهل صيدا وبيروت وجبيل مسلمين وكانوا في ذلة من مساكنة الفرنج. وسار إلى القدس وقرر أموره وعاد إلى مخيمه بالنطرون. ثم تراسل الفرنج والسلطان في الصلح على أن يتزوج الملك العادل أخو السلطان بأخت ملك انكلترا ويكون للملك العادل القدس ولامرأته عكا ، فأنكر القسيسون عليها ذلك إلا أن يتنصر الملك العادل فلم يتفق بينهم حال.
وذكر بعض المؤرخين أن ملك أنكلترا هو الذي عرض على العادل أخته ، وكانت أرملة ملك كبير من ملوكهم وهو صاحب صقلية توفي عنها ، ورغب أن يتزوجها العادل ويجعل له الحكم على الساحل ، وهو يقطع الداوية والاسبتار من المدن والقرى دون الحصون ، وتكون أخته مقيمة بالقدس وأن الإنكليز لما عنفوا المرأة واتهموها في دينها ، اعتذر ملك انكلترا بعدم موافقتها إلا أن يدخل العادل في دينها فعرف أنها خديعة كانت منه.
قال ابن شداد في وصف ريشاردس ملك الإنكليز : وهذا ملك الانكتار شديد البأس بينهم ، عظيم الشجاعة ، قوي الهمة ، له وقعات عظيمة ، وله جسارة على الحرب ، وهو دون الفرنسيس عندهم في الملك والمنزلة ، لكنه أكثر مالا منه ، وأشهر في الحرب والشجاعة. قال : وكان ملوكهم يتواعدوننا به فكان المستأمنون منهم يخبروننا عنه أنهم موقنون فيما يريدون أن يفعلوا من مضايقة البلد أي عكا حين قدومه ، فإنه ذو رأي في الحرب مجرب ، وأثر قدومه في قلوب المسلمين خشية ورهبة. وقال بعد أن ذكر كيف كان ملك الإنكليز يكرر الرسائل إلى الملك لتعرف قوة النفس وضعفها ، وكيف كان يوهن المسلمين على تعرّف ما عنده من ذلك أيضا : فانظر إلى هذه الصناعة في استخلاص الغرض باللين تارة والخشونة أخرى ، وكان مضطرا إلى الرواح وهذا عمله مع اضطراره ، والله الولي في أن يقي المسلمين شره ، فلما بلينا بأعظم حيلة وأشد إقداما منه.
بقي صلاح الدين في كل يوم يقع بينه وبين الفرنج مناوشات فلقوا من ذلك شدة شديدة واستولوا سنة (588) على قلعة الداروم وخربوها وأسروا من فيها.

عرض لملك انكلترا ما يشغل قلبه من جهة بلاده فأحب أن يصالح صلاح الدين ، فرضي السلطان بالصلح بعد الذي أصاب جيشه من الفشل على عكا ، وفشل عكا هو الوحيد الذي أصابه ، وذلك لتكاثر جيوش الصليبيين عليه ، وقد ملّ الجند الحرب التي دامت أعواما ، وخرج المسلمون من عكا وأخذوا أمان الفرنج على أن يخرجوا بأموالهم وأنفسهم على تسليم البلد ومائتي ألف دينار وألف وخمسمائة أسير من المجهولين ومائة أسير من المعروفين وصليب الصلبوت ، وعشرة آلاف دينار للمركيس وأربعة آلاف دينار لحجابه ، وعقدت بين الصليبيين والمسلمين هدنة عامة في البحر والبر وجعلت مدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر على أن يستقر بيد الفرنج يافا وعملها وقيسارية وعملها وأرسوف وعملها وحيفا وعملها وعكا وعملها ، وأن تكون عسقلان خرابا ، واشترط السلطان دخول عمالة الإسماعيلية في أرض الهدنة ، واشترط الفرنج دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في عقد هدنتهم ، وأن تكون لدّ والرملة مناصفة بينهم وبين المسلمين ، فاستقرت القاعدة على ذلك.
واتفقت وفاة السلطان بعد الصلح بيسير ، فلو اتفق ذلك في أثناء وفاته كان الإسلام على خطر.
وفي التاريخ العام أن صلاح الدين لما فتح القدس بهت المسيحيون في أوروبا فأخذ اوربانوس الثالث يحمس الناس في الغرب. وأن إمارات الصليبيين لم تقاتل مدة نصف قرن سوى صغار أمراء سورية والموصل. وكان مسلمو مصر يعيشون بسلام معهم ، وهذا كان عهد نجاح تلك الإمارات ، ولما قضى صلاح الدين على الدولة الفاطمية وقامت مقامها دولة حربية من المماليك ، لم يستطع المسيحيون ، ومصر تهاجمهم ، أن يقاوموا زمنا طويلا ، على ما ظهر من انتصارات صلاح الدين ، وإذا احتفظوا ببقايا الإمارات قرنا آخر فذلك لأن ملوك الإسلام لم يرضوا أن يقضوا عليها. لا جرم أن هذه الحرب كانت حربا مقدسة في نظر المسلمين والمسيحيين اه.
مزايا صلاح الدين ووفاته :
ولا عجب إذا انتثر سلك الإمارات الصليبية في الجنوب والغرب جملة فإن تنظيم الجيش الصلاحي كان آية الآيات ، والنجدات كانت تأتيه سراعا دراكا ،

والفكر متجه إلى مقصد واحد. استمات المسلمون في تأييد سلطانهم ، وحاربوا بكل ما لديهم من ضروب الكر والفر وصنوف الدهاء والخديعة ، وما الحرب إلا خدعة ـ قاتلوا كما قال شاهد العيان من المؤرخين ، مرة بالأبراج ، وأخرى بالمنجنيقات ، ورادفة بالدبابات ، وتابعة بالكباش ، وآونة باللوالب ، ويوما بالنقب ، وليلا بالسرابات ، وطورا بطم الخنادق ، وآنا بنصب السلالم ، ودفعة بالزحوف في الليل والنهار ، وحالة في البحر بالمراكب ، ولكن الحرب سجال والدهر دول ، وما كل يوم يكتب النصر للغزاة ، ويحالف التوفيق أعلامهم ، وما كل خطة يقررها صاحب الأمر بادئ الرأي تكون سديدة من كل وجه ، فقد انتقدوا على صلاح الدين بعد وقائعه مع الصليبيين وظفره الباهر بهم في الأردن والجليل وبيت المقدس كيف فتح لأعدائه السبل ليذهبوا إلى صور ، ويجتمع هناك فلّ جيوشهم حتى تألفت منهم كتلة قويت بما جاءها من البحر من الإنكليز والفرنجة ، فكان ما كان من هزيمة جيشه على عكا ، ولو كان حيا لدافع عن نفسه دفاعا معقولا مقبولا فيما نحسب ، ولعلّ ذلك يدخل في باب مراحمه التي تجلت فيها نفسه العظيمة يوم فتح القدس ، فلم يعامل أعداءه إلا بما اقتضته سياسته وسيرته.
كان صلاح الدين يعنى بجنده ويتعهده ويسأل عن صحة أمرائه ومن دونهم في راحتهم ومنامهم وأكلهم وشربهم ، يحارب المحارب ساعات مخصوصة من النهار أو الليل ثم يستريح أو يحارب مدة معينة ثم يذهب إلى ذويه ، على أرقى الأصول المتعارفة في الحروب الحديثة. والغنائم تقسم بين الحاربين بحيث يغتني أفرادهم وجماعاتهم دع مالهم من الأموال الدارة من أموال الجباية والرسوم على التجار وما خصوا به من الحرمة ورفعة الشأن ، يأخذون إما رواتب أو إقطاعات ، ولم تكن إقطاعاتهم كإقطاعات الغرب تورث على الأغلب بل تزول عن صاحبها بموته أو بعزله ، ولذلك كان المحاربون متعلقين أبدا بسلطانهم وأميرهم ، متفانين في إحسان الخدمة كأنهم يدافعون عن بيوتهم وأطفالهم.
جاء صلاح الدين إلى دمشق بعد عقد الصلح مع الفرنج في فلسطين ، وكان يحب دمشق ويؤثر الإقامة فيها. فلقي الأهل والولد بعد تغيب أربع سنين وذهب يتصيد مع أخيه الملك العادل خمسة عشر يوما فكان عمله كأنه وداع لأهله وأولاده ومرابع نزهه وأنسه. ثم مرض أياما وهلك حميد الأثر فضجت الأمة لفقده ،

وبكت العيون ، وانتحبت النفوس ، لأنه لم يحي مصر والشام ، بل أحيا بعمله المسلمين والإسلام ، وكان كما ذكره ابن شداد : رؤوفا رحيما ، ناصرا للضعيف على القوي ، يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس ، في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير ، وعجوز هرمة وشيخ كبير ، وكان يفعل ذلك سفرا وحضرا ، على أنه كان في جميع زمانه قابلا لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم ، ويفتح باب العدل وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو في النهار ، ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه ، ولم يرد قاصدا أبدا ، وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته وكشف ظلامته واعتنى بقصته.
مات صلاح الدين وقد ملك مصر أربعا وعشرين سنة والشام تسع عشرة سنة ، وملك الجزيرة واليمن ، ولم يحفظ ما تجب عليه الزكاة ، فإن صدقة النفل استنزفت جميع ما ملكه من الأموال ، فملك ما ملك ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصريا وجرما واحدا ذهبا ، ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئا من أنواع الأملاك ، وكان رحمه‌الله يهب الأقاليم ، ويعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة ، وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئا من المال حذرا أن يفاجئهم مهمّ ، لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه. وكان كثيرا ما يقول : إن مرادنا من البلاد رجالها لا أموالها وشوكتها لا زهرتها ومناظرتها للعدو لا نضرتها. وقد ذكر القاضي ابن شداد وعماد الدين الكاتب من خلال صلاح الدين ومواظبته على القواعد الدينية وملاحظته للأمور الشرعية ، وعدله وكرمه وشجاعته ، واهتمامه بأمر الجهاد وصبره واحتسابه ، وحلمه وعفوه ومحافظته على أسباب المروءة ، ما هو العجب العجاب ، وبعضه إذا جمع في شخص كان مفخرا من المفاخر على توالي الأحقاب.
ملأت خيرات صلاح الدين جميع الأقطار التي خفق علمه عليها ، وملأت اوقافه مصر والشام وهي غير منسوبة إليه. قال ابن خلكان : ولقد أفكرت في نفسي في أمور هذا الرجل وقلت إنه سعيد في الدنيا والآخرة ، فإنه فعل في هذه الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكثيرة وغيرها ورتب هذه الأوقاف العظيمة ، وليس فيها شيء منسوبا إليه في الظاهر اه.

بل قد تجد لمماليكه وخواصه أوقافا نسبت إليهم ولم ينسب إليه إلا قليل وكان مماليك صلاح الدين وخواصه وأمراؤه وأجناده أعفّ من الزهاد والعباد ، والناس على دين ملوكهم. ومن كرم صلاح الدين أنه أخرج في مدة مقامه على عكا ثمانية عشر عشر ألف دابة من فرس وبغل سوى الجمال ، وأما العين والثياب والسلاح فإنه لا يدخل تحت حصر ، وما كان يركب فرسا إلا وقد وعد بأن يعطيه لطالب من جماعته ، وقد فرّق من ذخائر الفاطميين لما فتح مصر ما يفوق الإحصاء ولم يبق منه قليلا ولا كثيرا. ومن رسالة له إلى الديوان العزيز ببغداد : فقد علم أن الخادم بيوت أمواله ، في بيوت رجاله ، وأن مواطن نزوله ، في مواقف نزاله ، ومضارب خيامه ، أكنة ظلاله ، وأنه لا يذخر من الدنيا إلا شكّته ، ولا ينال من العيش إلا مسكته. كان صلاح الدين يعيش عيش المتوسطين ، وينفق بحيث تكاد تعده إلى الإسراف ، ويكتفي من اللباس بالكتان والقطن والصوف ، ومجلسه منزه عن الهزء ومحافله حافلة بأهل الفضل ، وكان لمداومته الكلام مع الفقهاء ومشاركته القضاة في القضاء أعلم منهم بالأحكام الشرعية ، وكان من جالسه لا يعلم أنه مجالس السلطان ، بل يعتقد أنه مجالس أخ من الإخوان. كان من عظماء الشجعان ، قوي النفس ، شديد البأس ، عظيم الثبات ، لا يهوله أمر. وصل في ليلة واحدة من الفرنج نيف وسبعون مركبا إلى عكا وهو لا يزداد إلا قوة نفس ، وكان يعطي دستورا أن يسرح عسكره في أوائل الشتاء ويبقى في شرذمة يسيرة في مقابلة عدتهم الكثيرة ، إذ كان عدد جيشهم لا يقل عن خمسمائة إلى ستمائة ألف فيما قالوا ، ومع هذا تراه صابرا هاجرا في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذه ، قانعا من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تضربها الرياح يمنة ويسرة ، وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو كل يوم مرة أو مرتين إذا كان قريبا منهم ، وإذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ، ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة ، يرتب الأطلاب ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها وكان يشارف العدو ويجاوره.
انهزم المسلمون في يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله ، ووقعت الكوسات والعلم وهو ثابت القدم في نفر يسير ، فانحاز إلى الجبل يجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا ، ولم يزل كذلك حتى عكس المسلمون على العدو

في ذلك اليوم وقتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ، ولم يزل مصابرا لهم وهم في العدة الوافرة ، إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح وهو مسؤول من جانبهم ، فإن الضعف والهلاك كان فيهم أكثر ، ولكنهم كانوا يتوقعون النجدة ، والمسلمون لا يتوقعونها ، وكانت المصلحة في الصلح.
سئل ابن بيرزان يوم انعقاد الصلح عن عدة الفرنج الذين كانوا على عكا وهو جالس فقال للترجمان : قل له كانوا خمسمائة ألف إلى ستمائة ألف قتل منهم أكثر من مائة ألف وغرق معظمهم. وكان صلاح الدين يدور على الأطلاب اي الكتائب ويقول وهل أنا إلا واحد منكم.
وذكروا من مراحم صلاح الدين أنه كان للمسلمين لصوص يدخلون خيام الفرنج في الليل ويسرقونهم ، فسرقوا ليلة صبيا رضيعا ، فباتت أمه تبكي طول الليلة فقال لها الفرنج : إن سلطانهم رحيم القلب ، فاذهبي إليه فجاءته وهو على تل الخروبة راكب فعفرت وجهها وبكت فسأل عنها ، فأخبروه بقصتها فرق لها ، ودمعت عيناه ، وتقدم إلى مقدم اللصوص بإحضار الطفل ، ولم يزل واقفا حتى أحضروه ، فلما رأته بكت وأخذته فأرضعته ساعة وضمته إليها ، وأشارت إلى ناحية الفرنج فأمر أن تحمل على فرس وتلحق بالفرنج ففعلوا.
قال سبط ابن الجوزي : ويقال إن صلاح الدين فتح ستين حصنا وزاد على نور الدين بمصر والحجاز والمغرب واليمن والقدس والساحل وبلاد الفرنج وديار بكر ولو عاش لفتح الدنيا شرقا وغربا. قلنا : إن نابغة الدهر السالف صلاح الدين يوسف كان في أمته صلاحا لدينها ودنياها.

الدولة الايوبية
«من سنة 589 الى سنة 637»
أبناء صلاح الدين واختلافهم ودهاء عمهم العادل :
اهتزت أعصاب المملكة لمهلك صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر والشام واليمن والبلاد الشرقية لأنه الفاتح الثاني لبيت المقدس كما كان عمر بن الخطاب الفاتح الأول. وقد خلف صلاح الدين سبعة عشر ذكرا وابنة واحدة ، وناب بعض أولاده عنه في أكثر أقاليمه وخلف أخاه الملك العادل أبا بكر ، وكان ينوب عنه في مصر والشام في حياته فوقع الخلف بين بنيه وعمهم في الباطن أولا ، ثم أعلن كل واحد لصاحبه خصومته. وكان كثير ممن ربوا في نعمة الدولة الصلاحية ورأوا من عدلها ما لم يكد يسبق له مثيل إلا في دولة نور الدين ، يتخوفون أن تصير حال الدولة بعد صلاح الدين إلى الشقاق والنزاع ، ومن الذين أوجسوا خيفة من ذلك القاضي الفاضل وزير صلاح الدين الأكبر فقد كتب إلى ولده الملك الظاهر ساعة موت السلطان من كتاب «إن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم ، وإن كان غير ذلك فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم».
وكان الملك الأفضل نور الدين علي أكبر أولاد صلاح الدين قد حلف له الناس عند ما اشتد مرض والده فاستقر في ملك دمشق وما إليها ، وبالديار المصرية الملك العزيز عماد الدين عثمان ، وبحلب الملك الظاهر غياث الدين غازي ، وبالكرك والشوبك والأقاليم الشرقية الملك العادل أبو بكر بن أيوب ، وبحماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر وبعلبك الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه ، وبحمص والرحبة وتدمر شيركوه بن

محمد ، وببصرى الملك الظافر خضر بن صلاح الدين ، وكان في خدمة أخيه الملك الأفضل، وبيد جماعة من أمراء الدولة مدن وحصون ، منهم سابق الدين عثمان بن الداية وبيده حصن شيزر وحصن أبي قبيس ، وناصر الدين بن كورس وبيده صهيون وحصن برزية ، ودلدرم بن بهاء الدين ياروق وبيده تل باشر ، وأسامة الحلبي وبيده كوكب وعجلون ، وإبراهيم بن شمس الدين ابن المقدم وبيده بعرين وكفر طاب وأفامية. ولما ألقي للملك الأفضل زمام السلطنة بعهد أبيه استوزر ضياء الدين بن الأثير الجزري فحسن له طرد أمراء أبيه ففارقوه إلى أخويه العزيز بمصر والظاهر بحلب ، ولما اجتمعوا بمصر حسنوا للملك العزيز الانفراد بالسلطنة ، ووقعوا في أخيه الأفضل فحصلت الوحشة بين الأخوين الأفضل والعزيز واستحكم الفتور (590) بينهما فسار العزيز في عسكر مصر وحصر أخاه الأفضل بدمشق عشرة أشهر وقطع الماء عنها. فأرسل الأفضل إلى عمه العادل وأخيه الظاهر وابن عمه الملك المنصور صاحب حماة يستنجدهم ، فساروا إلى دمشق وأصلحوا بين الأخوين وعاد كل ملك إلى بلده. قال العماد الكاتب : ولما انفصلت العساكر عن دمشق شرع الأفضل في اللهو واللعب، واحتجب عن الرعية وانقطع إلى لذاته ، فسمي الملك النوّام ، وفوض الأمر إلى وزيره الجزري ، وحاجبه الجمال محاسن بن العجمي ، فأفسدا عليه الأحوال وكانا سعيا لزوال دولته واستبدلا أراذل الناس بكبراء الأمراء والأجناد ففسدت أمور العباد. وفي هذه السنة استعادت الفرنج حصن جبيل وأخذ الأفضل من الفرنج جبلة واللاذقية.
وفي السنة التالية عاود الملك العزيز عثمان صاحب مصر قصد الشام ومنازلة أخيه الملك الأفضل ، فسار ونزل الفرار من أرض السواد فاضطرب بعض عسكر العزيز عليه وهم طائفة من الأمراء الأسدية وفارقوه فعاد العزيز إلى مصر. وكان الأفضل استنجد بعمه العادل لما قصده أخوه ، فلما رحل العزيز إلى مصر رحل الملك الأفضل وعمه العادل ومن انضم إليهما من الأسدية ، وساروا في أثر العزيز طالبين مصر فنزلوا على بلبيس ، وقصد الملك الأفضل مناجزة من فيها من جند العزيز فمنعه عمه العادل وقال : مصر لك متى شئت. وكاتب العادل العزيز وأمره بإرسال القاضي الفاضل ليصلح بين الأخوين. وكان القاضي الفاضل قد اعتزل عن ملابسة أولاد صلاح الدين لما رأى من فساد أحوالهم على ما رواه

المؤرخون ـ والقاضي الفاضل هو الذي كان صلاح الدين يقول في ملإ من الناس : لا تظنوا أني ملكت البلاد بسيوفكم بل بقلم الفاضل وكان يستشيره في أموره ـ فدخل الملك العزيز على القاضي وسأله أن يتوجه من القاهرة الى الملك العادل ففعل واجتمع به واتفقا على أن يصلحا بين الأخوين فأصلحا بينهما وأقام العادل بمصر عند العزيز ابن أخيه ليقرر أمور مملكته وعاد الأفضل إلى دمشق وأموره بيد الجزري يدبرها برأيه حتى كثر شاكوه وقل شاكروه. وكان الاعتماد على مشورة الوزير الجزري الذي زين للملك الأفضل إقصاء أمراء أبيه ليخلو له الجو أول خطوة نحو خراب بيت بني أيوب ، وبعبارة أصح أبناء صلاح الدين يوسف. وقوة الدولة على نسبة عقل القائمين بها ، الدافعين عن حوزتها ، الغيورين على بقائها ، وقد خالف الملك الأفضل سيرة أبيه فأقصى العقلاء وكان أبوه يفادي بكل مرتخص وغال لاستمالة قلوبهم وكان لسان حال العادل وقد رأى اختلاف أبناء أخيه المثل المأثور «لم آمر بها ولم تسؤني». قال سبط ابن الجوزي لما عاد الأفضل الى دمشق ازداد وزيره الجزري من الأفعال القبيحة وآذى أكابر من الدولة ، والأفضل يسمع منه ولا يعدي أحدا ولا يخالفه ، فكتب قيماز النجمي وأعيان الدولة إلى العادل يشكونه ، فأرسل العادل إلى الأفضل يقول : ارفع يد هذا الأحمق السيء التدبير القليل التوفيق فلم يلتفت ، واتفق مع العزيز على النزول إلى الشام فسار إلى الشام فاستشار الأفضل أصحابه فكل أشار عليه أن يلتقي عمه وأخاه ولا يخالفهما إلا الجزري فإنه أشار عليه بالعصيان فاستعد للحصار وحلف الأمراء والمقدمين وفرقهم في الأبراج وعلى الأسوار.
اتفق العادل مع العزيز على أن يأخذا دمشق وأن يسلمها العزيز إلى العادل لتكون الخطبة والسكة للعزيز في جميع المملكة كما كانت لأبيه ، فخرجا وسارا من مصر فأرسل الأفضل إليهما فلك الدين وهو أحد أمرائه وهو أخو الملك العادل لأمه ونزل العادل والعزيز على دمشق وقد حصنها الأفضل ، فكاتب بعض الأمراء من داخل البلد العادل وصاروا معه وأنهم يسلمون المدينة إليه ، فزحف العادل والعزيز فدخل الأول من باب توما والثاني من باب الفرج ، فأجاب الملك الأفضل إلى تسليم القلعة وانتقل منها بأهله وأصحابه ، وأخذت بصرى من الملك الظافر خضر أخي الأفضل وكان معاضدا له ، وأعطي الأفضل صرخد

فسار إليها بأهله ، واستوطنها وأخرج وزيره الجزري في الليل في جملة الصناديق خوفا عليه من القتل فأخذ أموالا عظيمة وهرب إلى بلده.
سلم الأفضل دمشق لعمه العادل على حكم ما كان وقع عليه الاتفاق بينهما ، فتسلمها العادل على أن يكون ثلث البلاد للعادل والثلثان للأفضل وهو السلطان ، ورحل العزيز وأبقى له العادل السكة والخطبة بدمشق.
استئثار العادل بالملك الصلاحي :
توفي الملك العزيز عثمان في مصر (595) وعمره سبع وعشرون سنة وأشهر وكان في غاية السماحة والكرم والعدل. والرفق بالرعية والإحسان إليهم ففجعت الرعية بموته فجعة عظيمة لأنه شبل من أسد ، وكان الغالب على دولته فخر الدين جهاركس فأقام في الملك ولد العزيز الملك المنصور محمد واتفقت الآراء على إحضار أحد بني أيوب ليقوم بالملك ، وعملوا مشورة بحضور القاضي الفاضل فأشار بالملك الأفضل وهو حينئذ بصرخد فأرسلوا اليه فسار محثا ، ووصل إلى مصر على أنه أتابك أي مربي الملك المنصور بن الملك العزيز ، وكان عمر الملك المنصور حينئذ تسع سنين وأشهرا. ولما وصل الأفضل إلى بلبيس التقاه العسكر فتنكر منه فخر الدين جهاركس وفارقه وتبعه عدة من العسكر وساروا إلى الشام ، وكاتبوا العادل وهو محاصر ماردين ، وأرسل الظاهر إلى أخيه الأفضل يشير عليه بقصد دمشق وأخذها من عمه العادل ، وأن ينتهز الفرصة لاشتغال العادل بماردين ، فبرز الأفضل من مصر وسار إلى دمشق ، فبلغ العادل مسيره ، ونزل الأفضل على دمشق وجرى بين العم وابن أخيه قتال ، وهجم بعض عسكر الأفضل المدينة حتى وصل إلى باب البريد ولم يمدهم العسكر ، فتكاثر أصحاب العادل وأخرجوهم من البلد ، ثم تخاذل العسكر فتأخر الأفضل إلى ذيل عقبة الكسوة ، ثم وصل الى الأفضل أخوه الظاهر فعاد إلى مضايقة دمشق ، ودام الحصار عليها وقلت الأقوات عند العادل وعلى أهل البلد ، وأشرف الأفضل والظاهر على ملك دمشق ، وعزم العادل على تسليم البلد لو لا ما حصل بين الأخوين الأفضل والظاهر من الخلف.
روى سبط ابن الجوزي أنه لما اشتد الحصار على دمشق وقطعت أشجارها

ومياهها الداخلة إليها وانقطعت عن أهلها الميرة وضجوا ، بعث العادل إلى الظاهر يقول له : أنا أسلم إليك دمشق على أن تكون أنت السلطان وتكون دمشق لك لا للأفضل ، فطمع الظاهر وأرسل إلى الأفضل يقول : أنت صاحب مصر فآثرني بدمشق. فقال : دمشق لي من أبي وإنما أخذت مني غصبا فلا أعطيها أحدا ، فوقع الخلف بينهما ووقع التقاعد. وكان إلقاء الخلف بين الأخوين من جملة دهاء عمهما ،
ودخلت سنة (596) والأفضل والظاهر يحاصران دمشق ، وقد أحرق جميع ما هو خارج باب الجابية من الفنادق والحوانيت ، وأحرق النيرب وأبواب الطواحين ، وقطعت الأنهار وأحرقت غلة حرستا في بيادرها ، وحفر على دمشق خندق من أرض اللّوان إلى أرض يلدا شرقا احترازا من مهاجمة من بدمشق لهما ، ولما تغير الظاهر على أخيه الأفضل ترك قتال العادل ، فظهر الفشل في العسكر ، فتأخر الأفضل والظاهر عن دمشق وأقاما بمرج الصّفّر ، ثم سار الأفضل إلى مصر والظاهر إلى حلب ، ولما تفرقا خرج العادل من دمشق وسار في أثر الأفضل الى مصر ، وضرب مع الأفضل مصافا فانكسر الأفضل وانهزم إلى القاهرة ، ونازلها العادل ثمانية أيام ، فأجاب الأفضل إلى تسليمها ، على أن يعوض عنها ميافارقين وخاني وسميساط ، فأجابه العادل إلى ذلك ولم يف له به ، ثم سار الأفضل إلى صرخد وأقام العادل بمصر على أنه أتابك الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان مدة يسيرة ، ثم أزال العادل الملك المنصور ، واستقل العادل في السلطنة ، فقطع أولا خطبة ولد العزيز بعد أن جمع الفقهاء وقال هل يجوز ولاية الصغير على الكبير فقالوا : الصغير مولى عليه وقال : فهل يجوز لكبير أن يولي عليه وينوب عنه قالوا : لا لأن الولاية من الأصل إذا كانت غير صحيحة فكيف تصح النيابة. فقطع خطبة ابن العزيز وخطب لنفسه ولولده الكامل محمد من بعده ، وكان ذلك على الحقيقة مبدأ سلطنة العادل الكبرى ، فإن استئثاره بالخطبة والسكة في مصر سهل عليه فيما بعد ملك الشام وما إليها من ديار الشرق.
لما تم الأمر بمصر للعادل كاتب الظاهر صاحب حلب عمه الملك العادل (عمه بالمعنيين شقيق أبيه وأبو امرأته) وصالحه وخطب له بحلب وأقاليمها وضرب السكة باسمه ، واشترط العادل على صاحب حلب أن يكون خمسمائة فارس من خيار

عسكر حلب في خدمة العادل كلما خرج الى الحرب والتزم الظاهر بذلك إلا أنه أخذ بتحصين حلب خوفا من عمه العادل وأرسل المنصور للعادل يعتذر مما وقع منه من أخذه بعرين من ابن المقدم ، فقبل العادل عذره وأمره بردها إلى صاحبها الأول. وسار (597) الظاهر وملك منبج وخرب قلعتها وملك قلعة نجم وأفامية وكفرطاب من ابن المقدم ، وأرسل إلى المنصور صاحب حماة يبذل له منبج وقلعة نجم على أن يصير معه على العادل ، فاعتذر صاحب حماة باليمين في عنقه العادل ، فلما أيس الظاهر منه سار إلى المعرة وأقطع إقليمها واستولى على كفرطاب ، ثم سار إلى أفامية وبها قراقوش نائب ابن المقدم ، فلم يسلم هذا القلعة إلا بعد الحرب الشديدة ، فرحل الظاهر وتوجه إلى حماة وقاتلها أشد قتال ، فلما لم يحصل على غرض صالح المنصور على مال يحمله إليه قيل إنه ثلاثون ألف دينار صورية ، ثم رحل الظاهر إلى دمشق وبها المعظم ابن العادل فنازلها الظاهر هو وأخوه الأفضل ، وانضم إليهما ميمون القصري صاحب نابلس ، ومن وافقه من الأمراء الصلاحية ، واستقرت القاعدة بين الأخوين الأفضل والظاهر أنهما متى ملكا دمشق يتسلمها الأفضل ثم يسيران ويأخذان مصر من العادل ويتسلمها الأفضل ، وتسلم دمشق حينئذ إلى الظاهر ، بحيث تبقى مصر للأفضل ، ويصير الشام جميعه للظاهر.
وفي سنة (598) سار العادل من دمشق ووصل إلى حماة ونزل على تل صفرون وقام المنصور صاحب حماة بجميع وظائفه وكلفه ، وبلغ الظاهر صاحب حلب وصول عمه العادل إلى حماة بنية قصده ومحاصرته بحلب فاستعد للحصار ، وراسل عمه ولاطفه وأهدى إليه ، ووقعت بينهما مراسلات ووقع الصلح وانتزعت منه مفردة المعرة ، واستقرت للمنصور صاحب حماة ، وأخذت من الظاهر أيضا قلعة نجم ، وسلمت إلى الأفضل ، وكان له سروج وسميساط ، وسلم العادل حران وما معها لولده الأشرف موسى وسيره إلى الشرق. ولما استقر الصلح بين العادل وابن أخيه الظاهر ، رجع العادل إلى دمشق وأقام بها وقد انتظمت الممالك الشامية والشرقية والديار المصرية كلها في سلك ملكه وخطب له على منابرها وضربت السكة فيها باسمه.
الأحداث في عهد العادل واهتمامه بحرب الصليبيين :
مضت تسع سنين على وفاة الملك الناصر صلاح الدين يوسف حتى استقر ملك الشام لأخيه العادل أبي بكر بن أيوب وتخلص من أبناء أخيه الأفضل

والظاهر وغيرهما بل توفق إلى مقاصده باستفتاء العلماء بأن ملك مصر وأنقذها من حفيد أخيه صلاح الدين ، وكان أخذه مصر مقدمة لاستيلائه على ملك أخيه إلا قليلا ، ومقدمة لتسلسل الملك في أولاده ، إذ ليس في أبناء أخيه من يدانيه في الحقيقة بحسن السياسة وبعد النظر وكثرة التجارب والدهاء ، وكان صلاح الدين يحبه ويحترمه ويستشيره في معضلات الأمور فيبين عن رأي وحنكة وسار بعض الأمراء الصلاحية الذين غذوا بنعمة صلاح الدين سيرا لا يدل على غمط نعمة ونكران جميل ، ولكن كان الأفضل والظاهر والعزيز متخالفين متشاكسين ، وكل منهم يطمع في الملك ويسر لأخيه وعمه حسوا في ارتغاء ، فكان اختلافهم من حظ عمهم العادل وهو بتجاربه يشبه أخاه صلاح الدين من أكثر الوجوه. أما الأفضل فقد ركب هواه ، وأخلد إلى اللذات والمنكرات لأول مرة واستسلم لوزيره ابن الأثير ، وكان هذا صاحب دعوى عريضة ، لا يراعي الحال ولا يعرف الزمان ، فكتبت الغلبة للعادل ، ولو ترك الأخوان الأفضل والظاهر وشأنهما بدون أن يعدّل عمهما من جماحهما لاشتد غزو أحدهما لأخيه ، وهلك الناس بسببهما ، وكثرت الغوائل والحصارات ، هذا إن لم نقل إنه كان للعادل يد في توسيع شقة الخلاف بين أولاد أخيه ، فقد اتخذ العادل سياسة غريبة معهم يريد أن يوفق بينهم في الظاهر ولكن انتهى توفيقه بالاستيلاء على مصر والشام وبلاد الشرق ، وذلك بأن أخذ بعض المشاكسين لحزبه وكان بعد ذلك يغتنم فرصة حمل الأخ على أخيه فيملك الولايات على نحو ما ملك مصر ، ويخطب له فيها وتضرب السكة باسمه ويزال اسم أبناء صلاح الدين.
مثل أبناء صلاح الدين صورة من خلاف الإخوة بعد موت أبيهم ، والسبب في ذلك أن أباهم على بعد نظره لم يكتب لهم عهدا يبين لكل واحد حقه من هذا الملك الذي فتحه ووطد أساسه ، بل ترك الأمر للأقدار. وإذا خلف العسكر في دمشق لأكبر أولاده الأفضل فإن المملكة ليست عبارة عن دمشق ، بل حلب والقاهرة تنازعانها فضل التقدم ، ولو كانت أصول الوراثة في الملك متبعة في ذلك العصر لتوفر على الأمة وأبناء الدولة عناء كبير وشر مستطير ، ولما تعب الفاتح بفتوحه وخلف لأبنائه ميراثا يورثه هما وغما ، ويجنون بعملهم على الأمة الجناية بعد الأخرى.

هذا وبقايا الصليبيين لم تبرح نازلة في عكا وصور وطرابلس ، ومن حسن الطالع أنهم لم يتحركوا للفتنة طول هذه المدة سوى مرة واحدة (593) وقد وصل جمع عظيم منهم إلى الساحل واستولوا على قلعة بيروت ، فسار العادل ونزل بتل العجول ، وأتته النجدة من مصر ووصل إليه سنقر الكبير من القدس وميمون القصري من نابلس ، ثم سار العادل إلى يافا وهجمها وملكها بالسيف وخربها وقتل المقاتلة ، وكان هذا الفتح ثالث فتح لها. وخرب صيدا أيضا ونازلت الفرنج تبنين فأرسل العادل إلى العزيز صاحب مصر فسار العزيز بنفسه بمن بقي عنده من عساكر مصر ، واجتمع بعمه العادل على تبنين فرحل الفرنج إلى صور ثم عاد العزيز إلى مصر وترك غالب العسكر مع عمه العادل وجعل إليه أمر الحرب والصلح ، فطاول العادل الفرنج فطلبوا الهدنة واستقرت بينهم ثلاث سنين ورجع إلى دمشق.
ومن الأحداث على عهد العادل بعد أن صفا له ملك الشام ومصر وخضع أبناء أخيه صلاح الدين له ظاهرا وإن لم يخضعوا باطنا ، حصار ابنه الأشرف ماردين وسعى الظاهر (599) في الصلح ، فأجاب العادل إلى أن يحمل إليه صاحب ماردين مائة وخمسين ألف دينار ويخطب له ببلاده ويضرب السكة باسمه ، ويكون بخدمته متى طلبه ، فأجيب إلى ذلك. وسار المنصور صاحب حماة إلى بعرين مرابطا للفرنج ، وكتب العادل إلى أميري بعلبك وحمص بإنجاده فأنجداه ، واجتمعت الفرنج من حصن الأكراد وطرابلس وغيرهما وقصدوا المنصور ببعرين واتقعوا معه ، فانهزم الفرنج ثم خرج الاسبتار من حصن الأكراد والمرقب ، وانضم إليهم جموع من الساحل والتقوا مع المنصور وهو على بعرين فانتصر عليهم ثانيا ، وأسر منهم عدة كثيرة وهادنهم (600) وأرسل العادل وانتزع ما كان بيد الأفضل وهي رأس عين وسروج وقلعة نجم ولم يترك بيده غير سميساط وتوسلوا إليه في إبقاء ما كان بيده فلم يجب إلى ذلك.
وخرج الفرنج (600) لقصد بيت المقدس فهرع العادل من دمشق ونزل على الطور وجرت الهدنة بينه وبينهم وسلم إلى الفرنج يافا والناصرة ونزل عن مناصفات لدّ والرملة. جاءت الفرنج (601) إلى حماة بغتة وأخذوا النساء

الغسالات من باب البلد على العاصي وامتلأت أيديهم من الغنائم وخرج إليهم المنصور بن تقي الدين وأبلى بلاء حسنا ، وكسر عسكره ، وحاصر الحلبيون المرقب وكادوا يفتحونها لو لا قتل مقدمهم مبارز الدين ، ثم هزمت فرنج طرابلس الحلبيين وقتل خلق من المسلمين وصالح العادل الفرنج ، ووقعت الهدنة بين صاحب حماة وبينهم. وأغارت الأرمن (602) على أعمال حلب فتسارع إليهم العسكر فبيتوهم وهزموهم ، وذهب الأرمن بالغنائم ، ثم تتابعت الغارات من صاحب سيس ابن لاون الأرمني على الديار الحلبية وهابته العسكر. قال سبط ابن الجوزي : وبلغ الظاهر صاحب حلب إغارة ابن لاون على حلب فخرج من حلب ونزل مرج دابق ، وجاء إلى حارم فهزم ابن لاون إلى بلاده وكان قد بنى قلعة فوق دربساك فأخربها الظاهر وعاد إلى حلب. ونازل العادل (603) عكا فصالحه أهلها على إطلاق جمع من الأسرى ثم سار إلى حمص واستدعى العساكر فأتته من كل جهة ونازل حصن الأكراد وفتح برج اعناز وأخذ منه خمسمائة رجل ، ثم نازل طرابلس وعاث العسكر في ربعها وقطع قناتها وأخذ بالأمان القليعات وخربه ، حتى وقعت الهدنة بينه وبين الفرنج (604) واستولى الملك الأوحد أيوب بن العادل على خلاط ، ووصل للعادل التشريف من الخليفة الإمام الناصر وتقليد بالبلاد التي تحت حكمه ، وخوطب الملك العادل شاهنشاه ملك الملوك خليل أمير المؤمنين ، وكثر هذه السنة الفرنج الذين بطرابلس وحصن الأكراد وأكثروا الغارة على حمص وولايتها فأنجد الظاهر غازي صاحب حلب صاحب حمص فمنعوا الفرنج عن ولايته.
وقطع العادل (606) الفرات وجمع العساكر والملوك من أولاده ونزل حران ونازل سنجار ثم خامرت العساكر التي صحبته ، ونقض الظاهر الصلح معه ، فرحل عن سنجار واستولى على نصيبين والخابور وعادل العادل (607) إلى دمشق وقصدت الكرج خلاط وحصروا الملك الأوحد بها وبعد أن نال ملكهم منه حمل ملك الكرج إلى الملك الأوحد فرد على الملك الأوحد عدة قلاع وبذل إطلاق خمسة آلاف أسير ومائة ألف دينار وعقد الهدنة مع المسلمين ثلاثين سنة وشرط أن يزوج ابنته من الملك الأوحد فتسلم ذلك منه

وتحالفا ، وتوفي الملك الأوحد من قابل فسار أخوه الملك الأشرف وملك خلاط عاصمة إرمينية الوسطى ، واستقل بملكها مضافا إلى ما بيده من الأرجاء الشرقية.
وفي سنة (607) أرسل نساء دمشق إلى سبط ابن الجوزي الواعظ المشهور شعورهن لتستعمل في الأدوات اللازمة للجهاد فعمل منها شكالا للخيل وكرفسات ولما صعد المنبر في الجامع الأموي أمر بإحضارها فحملت على الأعناق وكانت ثلاثمائة شكال فلما رآها الناس صاحوا صيحة عظيمة وقطعوا مثلها ثم المجاهدون ولحقوا بالملك المعظم بنابلس فخربوا في الأقاليم الواقعة تحت حكم الفرنج وقطعوا أشجارها وأسروا جماعة منهم ولم يجسر أحدهم أن يخرج من عكا وخاف الفرنج فأرسلوا إلى العادل وصالحهم.
وقبض المعظم (609) على عز الدين أسامة صاحب قلعتي كوكب وعجلون بأمر العادل متهما بمكاتبة الظاهر ، فقال له المعظم بعد أن لاطفه : أنت شيخ كبير وبك تقوس وما تصلح لك قلعة سلم إليّ كوكب وعجلون وأنا أخلفك على مالك وملكك وجميع أسبابك وتعيش معنا مثل الوالد ، فامتنع وشتم المعظم وذكر كلاما قبيحا فلما أيس المعظم منه اعتقله في الكرك واستولى على قلاعه وأمواله وذخائره وخيله ، فكانت قيمة ما أخذ منه ألف ألف دينار. وحبس أسامة في الكرك إلى أن مات ، وأمر العادل بتخريب كوكب وتعفية أثرها فخربت ، وأبقى عجلون وملّك المعظم عمالة جهاركس وهي بانياس وما معها لأخيه العزيز عماد الدين ، وأعطى صرخد مملوكه أيبك المعظمي ، وأعطى العادل ولده المظفر غازي الرّها وميافارقين ، وفيها استولى البال القبرسي على أنطاكية فرميت تلك الأعمال منه بداهية ، وتابع الغارات على تركمانها فشردهم فتجمعوا وأخذوا عليه المضايق وحصل في واد فقتلوه وجميع رجاله وطافوا برأسه في أعمالهم ثم حملوه في البحر إلى العادل بمصر.
واستولى (612) الملك المسعود ابن الملك الكامل على اليمن واستولى ابن لاون الأرمني على أنطاكية من الفرنج وتوفي (613) الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب وأوصى بالملك لولده الصغير الملك العزيز محمد لأنه من بنت عمه العادل وطلب بذلك أن يستمر الأمر له لأجل جده العادل وأخواله وأولاده وبعد ذلك يكون الملك لولده الكبير الصالح صلاح الدين

أحمد ، وبعدهما لابن عمهما المنصور محمد بن العزيز بن عثمان ، وحلف الأمراء والأكابر على ذلك ، وجعل الحكم في الأموال والقلاع إلى شهاب الدين طغريل الخادم ، وكانت مدة ملك الظاهر لحلب إحدى وثلاثين سنة ، وكان فيه بطش وإقدام على سفك الدماء ثم أقصر عنه ، وهو الذي جمع شمل البيت الناصري الصلاحي ولكن اختلافه مع أخيه الأفضل كان من أهم الأسباب في زوال الملك من ذرية صلاح الدين وكان الظاهر ذكيا فطنا. قال سبط ابن الجوزي : كان مهيبا له سياسة وفطنة وكانت دولته معمورة بالعلماء والفضلاء ، مزينة بالملوك والأمراء ، وكان محسنا إلى الرعية ملجأ الفقراء والغرباء وكهفا للملهوفين.
الحملة الصليبية الخامسة :
بينا كانت المملكة مشتغلة بالنصب والعزل وتقاتل أبناء البيت الواحد على الملك والسلطان ، اجتمعت الفرنج من داخل البحر ووصلوا إلى عكا في جمع عظيم وهذه هي الحملة الصليبية الخامسة (1219 ـ 1221 م) وكانت مؤلفة من ألمان ومجر أما الحملة الرابعة فكانت توقفت في طريقها إلى الشام واستولت (1204 ـ 1261 م) على القسطنطينية فانفسخت بذلك الهدنة بين المسلمين والفرنج وخرج العادل بعساكر مصر ونزل على نابلس فسارت الفرنج إليه ، ولم يكن معه من العساكر ما يقدر به على مقاتلتهم ، فاندفع قدامهم الى عقبة فيق فأغاروا على أرض المسلمين وكانوا في خمسة عشر ألفا ووصلت غارتهم إلى نوى ونهبوا ما بين بيسان ونابلس وبثوا سراياهم فقتلوا وغنموا من المسلمين شيئا كثيرا وبلغوا خربة اللصوص والجولان ثم صعدوا إلى الطور ثم رجعوا إلى عكا ووصلت حملة منهم قدرها خمسمائة من صيدا إلى جزين فانهال عليهم الميادنة من الجبال فلم يفلت منهم سوى ثلاثة أشخاص.
قال المؤرخون : لما قتل كند من أكناد الفرنج المشهورين على الطور تشاءموا بالمقام عليه ، ورجعوا إلى عكا واختلفوا هناك فقال ملك الهنكر : الرأي أنّا نمضي إلى دمشق ونحاصرها فإذا أخذناها ملكنا الشام ، فقال الملك النوّام ، قالوا : إنما سمي بذلك لأنه كان إذ نازل حصنا نام عليه حتى يأخذه أي أنه كان صبورا على حصار القلاع واسمه دستريج ومعناه المعلم بالريش لأن أعلامه كانت الريش فقال : نمضي إلى مصر فإن العساكر مجتمعة عند العادل

ومصر خالية ، فأدى هذا الاختلاف إلى انصراف ملك الهنكر مغاضبا إلى بلده فتوجهت باقي عساكرهم إلى دمياط فوصلوها ، والعادل نازل على خربة اللصوص بالشام وقد وجه بعض عساكره إلى مصر. وأقام العادل بمرج الصّفّر وأرسل إلى ملوك الشرق مستحثا لعساكرهم. ثم سار الفرنج إلى الديار المصرية ونزلوا على دمياط وسار الكامل من مصر ونزل قبالتهم ، وأرسل العادل العساكر التي عنده لدفعهم.
وخرب المعظم قلعة الطور (615) بعد أن غرم المسلمون على بنائها أموالا كثيرة واشتغلت فيها جيوش ، وذلك مخافة أن تكون سببا للاستيلاء على دمشق. ولما مات الظاهر صاحب حلب وأجلس ابنه العزيز وكان طفلا ، طمع صاحب الروم كيكاوس في الاستيلاء على حلب ، وكان موت الملك ونصب طفل من أبنائه سببا كبيرا لطمع أعداء المملكة بأخذها. فاستدعى الأفضل صاحب سميساط واتفق معه كيكاوس أن يفتح حلب وعمالتها ويسلمها إلى الأفضل ، ثم يفتح الأصقاع الشرقية التي بيد الأشرف بن العادل ويتسلمها كيكاوس ، وتحالفا على ذلك فاستولى كيكاوس على رعبان وسلمها إلى الأفضل ، فمالت إليه القلوب لذلك ، ثم سار إلى تل باشر فأخذها لنفسه فنفر الأفضل منه وتغيرت الخواطر عليه ، ووصل الأشرف إلى وحلب لدفع كيكاوس عن المملكة ، ووصل إليه بها مانع بن حديثة أمير العرب في جمع عظيم وكان كيكاوس سار إلى منبج وتسلمها لنفسه ، واتقع بعض عسكر الأشرف مع عسكر كيكاوس فانهزمت مقدمة هذا فولى كيكاوس منهزما ، ثم حاصر الأشرف تل باشر واسترجعها مع رعبان وغيرها وتوجه الأفضل إلى سميساط. وفي هذه السنة ورد الأمر إلى المعتمد والي دمشق بالاهتمام والاستعداد واستخدام الرجال وتخريب دروب قصر حجاج والشاغور وطرف البساتين ونقل غلة داريا إلى القلعة وتغريق أراضيها بالماء فإن الفرنج مظهرون قصدها. والتقى المعظم بالفرنج على القيمون فانتصر عليهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر من الداوية.
وفاة العادل :
توفي الملك العادل في عالقين في الجيدور (615) وكان نازلا بمرج الصفر وقد أرسل العساكر إلى مصر وولده الكامل بالديار المصرية ومدة ملكه نحو 19 سنة. وكان حازما متيقظا غزير العقل سديد الآراء ذا مكر وخديعة ، توصل بدهائه إلى أن يرشي نساء قواد الصليبيين بالجواهر والمصنوعات الدمشقية

فيخدمنه مقابل ذلك بخدمات مهمة ويتجسسن له على قومهن. وكان صبورا حليما يسمع ما يكره ويغضي عنه ، واتته السعادة واتسع ملكه وكثرت ذريته وخلف ستة عشر ذكرا عدا البنات ، ورأى في أولاده ما يحب «ولم ير أحد من الملوك الذين اشتهرت أخبارهم في أولاده من الملك والظفر ما رآه الملك العادل في أولاده» وقد خلف آثارا مهمة في الولايات التي تولاها ، لا يزال بعضها ماثلا وطهر جميع ولاياته من الكرخ إلى همدان والجزيرة والشام ومصر والحجاز واليمن من النساء والخمور والخواطي والقمار والمخانيث والمكوس والمظالم ، وكان الحاصل من هذه الجهات من دمشق على الخصوص مائة ألف دينار. واستمتع العادل بالملك وخدم الدولة خدمة طيبة ، وساعده على ذلك ضعف الصليبيين عن الحرب بعد إيقاع أخيه بهم وتشتت كلمة أبناء صلاح الدين.
ولما هلك العادل لم يكن عنده أحد من أولاده حاضرا فحضر إليه ابنه المعظم عيسى وكان بنابلس وكتم موته ، وأخذه ميتا في محفة وعاد به إلى دمشق ، واحتوى المعظم على جميع ما كان لأبيه من الجواهر والسلاح والخيول وغير ذلك ، وكان في خزائنه سبعمائة ألف دينار ، وحلف له الناس وكتب إلى الملوك من إخوته وغيرهم يخبرهم بموته ، ولما بلغ الكامل موت أبيه وهو في قتال الفرنج عظم عليه جدا واختلفت العساكر عليه ، فتأخر عن منزلته ، وطمعت الفرنج ونهبت بعض أثقال المسلمين ، وكان في العسكر عماد الدين المشطوب وكان مقدما عظيما في الأكراد الهكارية ، فعزم على خلع الملك من السلطنة ، وحصل في العسكر اختلاف كثير ، حتى عزم الكامل على اللحوق باليمن. وبلغ المعظم ذلك فرحل من الشام ووصل إلى أخيه الكامل وأخرج عماد الدين ونفاه من العسكر إلى الشام فانتظم أمر الكامل، وقويت مضايقة الفرنج لدمياط وضعف أهلها بسبب الفتنة التي حصلت في عسكر الكامل من ابن المشطوب.
وكان العادل قد قسم المملكة في حياته بين أولاده فجعل بمصر الكامل محمدا وبدمشق والقدس وطبرية والأردن والكرك وغيرها من الحصون المجاورة لها ابنه المعظم عيسى ، وجعل بعض ديار الجزيرة وميافارقين وخلاط وأعمالها

لابنه الأشرف موسى وأعطى الرها لولده شهاب الدين غازي ، وأعطى قلعة جعبر لولده الحافظ أرسلان شاه. فلما توفي ثبت كل منهم في المملكة التي أعطاه إياها أبوه واتفقوا اتفاقا حسنا ، ولم يجر بينهم من الاختلاف ما جرت العادة أن يجري بين أولاد الملوك بعد آبائهم ، بل كانوا كالنفس الواحدة كل منهم يثق بالآخر بحيث يحضر عنده منفردا من عسكره ولا يخافه. قال ابن الأثير : «فلا جرم زاد ملكهم ورأوا من نفاذ الأمر والحكم ما لم يره أبوهم ، ولعمري إنهم نعم الملوك فيهم الحلم والجهاد والذب عن الإسلام».
ودخلت سنة (616) والأشرف مقيم بظاهر حلب يدبر أمر جندها وإقطاعاتها ، والكامل بمصر في مقابلة الفرنج وهم محاصرون لثغر دمياط ، وكتب الكامل متواصلة إلى إخوته في طلب النجدة ، ثم سقطت دمياط في أيدي الفرنج ، فأرسل المعظم عيسى وخرب أسوار القدس مخافة أن يصيبها ما أصاب دمياط ، ولما استولى الفرنج على دمياط ، عظم الأمر على آل أيوب فكتب المعظم الى الواعظ سبط ابن الجوزي : أريد أن تحرض الناس على الجهاد وتعرفهم ما جرى على إخوانهم أهل دمياط ، وإني كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفي قرية منها ألف وستمائة أملاك لأهلها وأربعمائة سلطانية ، وأريد أن تخرج الدماشقة ليذبوا عن أملاكهم الأصاغر منهم والأكابر. فأجابوا بالسمع والطاعة ثم تخلفوا ، فأخذ الثمن والخمس من أموالهم لتقاعسهم ، ثم فتح المعظم قيسارية وسار إلى النهر ففتحه وهدمه وخرب في بلاد الفرنج. وفي تاريخ العلويين أن النصيرية هدموا جبلة في الحروب الصليبية ولم يبق سوى تل التويني قرب جبلة واتحد الإسماعليون مع الأكراد في الحروب الصليبية على العلويين فاستنجدوا بالأمير حسن المكزون السنجاري فجاءهم سنة (617) في خمسة وعشرين ألفا من العلويين ونزل على عين الكلاب بقرب قلعة أبي قبيس وعلى سطح جبل الكلبية فتجمع الإسماعيلية مع حلفائهم الأكراد واجتمعوا في مصياف وأغاروا ليلا على جناح الأمير وعساكره وغلبوه فرجع إلى سنجار خائبا.
فتح الصليبيين دمياط وذلتهم بعد العزة :
وفي سنة (618) قوي طمع الفرنج المتملكين دمياط في مدينة المنصورة التي

بناها الكامل ، وأشتد القتال بين الفريقين برا وبحرا وكتب الكامل إلى إخوته وأهل بيته يستحثهم على إنجاده فسار المعظم عيسى صاحب دمشق والأشرف صاحب الولايات الشرقية وأصحاب حلب وحماة وبعلبك وحمص فوصلوا القطر المصري والقتال مشتد بين المسلمين والفرنج ، ورسل الكامل وأخويه مترددة إلى الفرنج في الصلح وقد بذل المسلمون لهم تسليم القدس وعسقلان وطبرية واللاذقية وجبلة وجميع ما فتحه صلاح الدين من الساحل ما عدا الكرك والشوبك ، على أن يجيبوا إلى الصلح ويسلموا دمياط إلى المسلمين ، فلم يرض الفرنج بذلك وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب أسوار القدس ، وقالوا لا بد من تسليم الكرك والشوبك.
وبينا الأمر متردد في الصلح عبر جماعة من عسكر المسلمين في بحر المحلة إلى الأرض التي عليها الفرنج من بر دمياط ففجروا فجرة عظيمة من بحر النيل ، وكان ذلك في قوة زيادته، فركب الماء تلك الأرض وصار حائلا بين الفرنج وبين دمياط ، وانقطعت عنهم الميرة والمدد فبعثوا يطلبون الأمان على أن ينزلوا عن جميع ما بذله المسلمون لهم ويسلموا دمياط ويعقدوا الصلح. فنجت الشام ومصر من الفرنج في هذه النوبة بفضل فرجة من النيل دهمتهم ولم يكونوا من المعرفة بحيث يقدرون منازلهم ، ومنازلهم ، فخابت آمالهم وخذلتهم قوتهم وتحكم فيهم من كانوا يستطيلون عليهم ويشتطون في مطالبتهم وكانت مدة إقامتهم في ديار الإسلام ما بين الشام والديار المصرية أربعين شهرا وأربعة عشر يوما.
ولما انكسر الفرنج على دمياط دخل الناس كما قال ابن أبي شامة كنيسة مريم بدمشق بفرحة وسرور ومعهم المغاني والمطربون فرحا بما جرى وهموا بهدم الكنيسة قال : وبلغني أن النصارى ببعلبك سودوا وسخموا وجوه الصور في كنيستهم حزنا على ما جرى على الفرنج فعلم بهم الوالي وأمر اليهود بصفعهم وضربهم وإهانتهم.
اختلاف بين أبناء العادل وتقدم الكامل عليهم :
وقصد المعظم عيسى حماة ، لأن الناصر صاحبها كان قد التزم له بمال يحمله إليه إذا ملك حماة فلم يف ، ونزل بعرين وغلقت أبواب حماة فجرى بينهما قتال قليل. ثم ارتحل المعظم إلى سلمية فاستولى على حواصلها

وولى عليها ، ثم توجه إلى المعرة فاستولى عليها. وبلغ الأشرف ما فعله أخوه المعظم بصاحب حماة فعظم عليه ذلك ، واتفق مع أخيه الكامل على الإنكار على المعظم وترحيله فأرسل إليه الكامل ناصح الدين الفارسي فوصل إلى المعظم وهو بسلمية وقال له : السلطان يأمرك بالرحيل فقال : السمع والطاعة ، وكانت أطماعه قد قويت في الاستيلاء على حماة فرحل عنها مغضبا ، وتسلم المظفر سلمية من أخيه الناصر ، واستقر بيد هذا حماة والمعرة وبعرين ، ثم سار الأشرف من مصر واستصحب معه خلعة وسناجق سلطانية من أخيه الكامل العزيز صاحب حلب وعمره عشر سنين ، ووصل الأشرف بذلك إلى حلب وأركب العزيز في دست السلطنة ، ولما وصل الأشرف بالخلعة إلى حلب اتفق مع كبراء الدولة الحلبية على تخريب قلعة اللاذقية فأرسلوا عسكرا وهدموها إلى الأرض.
كان الأشرف أنعم على أخيه المظفر غازي بخلاط الأرمنية وهي مملكة عظيمة ، وكان قد حصل بين المعظم عيسى صاحب دمشق وبين أخويه الكامل والأشرف وحشة بسبب ترحيله عن حماة ، فأرسل المعظم وحسّن لأخيه المظفر غازي صاحب خلاط العصيان على أخيه الأشرف ، فأجاب المظفر إلى ذلك وخالف أخاه الأشرف ، وكان قد اتفق مع المعظم والمظفر غازي صاحب إربل مظفر الدين كوكبوري فسار مظفر الدين وحصر الموصل عشرة أيام ليشغل الأشرف عن قصد أخيه بخلاط ، ثم رحل مظفر الدين عن الموصل لحصانتها وسار الأشرف إلى خلاط وحصر أخاه شهاب الدين غازي فسلمت إليه مدينة خلاط ، وانحصر أخوه غازي بقلعتها إلى الليل فنزل من القلعة إلى أخيه الأشرف واعتذر إليه فقبل عذره وعفا عنه وأقره على ميافارقين وارتجع باقي الإمارات منه.
وذكر أبو شامة في حوادث سنة (620) أن الأشرف بن العادل عاد من مصر إلى الشام قاصدا بلاده بالشرق ، فالتقاه أخوه المعظم ملك الشام وعرض عليه النزول بالقلعة فامتنع. وبعد أن ذكر كيف عصا أخوه عليه في خلاط قال : إنه كتب إلى أخيه شهاب الدين غازي يطلبه فامتنع من المجيء إليه فكتب إليه : يا أخي لا تفعل أنت ولي عهدي والبلاد والخزائن بحكمك فلا تخرب بيتك بيدك وتسمع كلام الأعداء فو الله ما ينفعوك ، فأظهر العصيان فجمع الأشرف

عساكر الشرق وحلب وتجهز للمسير إلى خلاط ، وكان صاحب حمص قد مال إلى الأشرف فسار المعظم إلى حمص ووصل إلى حماة ونزل على بعرين وعاد إلى حمص وخرج إليه العسكر فظهروا عليه ونهبوا أصحابه فعاد إلى دمشق ولم يظفر بطائل.
وفي سنة (622) توفي الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين يوسف وليس بيده غير سميساط ، وكان حسن السيرة وتجمعت فيه الفضائل والأخلاق الحسنة وكان مع ذلك قليل الحظ وله شعر جيد.
وفي سنة (622) كان بأيدي الإسماعيلية ثمان قلاع وهي قلعة الكهف والعليقة والقدموس والخوابي والمينقة والمصياف والرصافة والقليعة فإن ابن صباح لم يمت حتى ملك جبل عاملة وتلك الحصون. قال ابن ميسر : إن الذين بالشام منهم يقال لهم الحشيشية ، ومن كان بألموت يقال لهم الباطنية والملاحدة ، ومن كان بخراسان يقال لهم التعليمية وكلهم إسماعيلية.
وفي سنة (623) سار المعظم عيسى بن العادل ونازل حمص وكان قد اتفق مع جلال الدين بن خوارزم شاه ببلاده الشرقية ، ثم رحل المعظم عن حمص إلى دمشق ، وورد عليه أخوه الأشرف طلبا للصلح وقطعا للفتن ، فبقي مكرما ظاهرا وهو في الباطن كالأسير معه ، ولما رأى الأشرف حاله مع أخيه المظفر وأنه لا خلاص له منه إلا بإجابته إلى ما يريد أجابه (624) كالمكره إلى ما طلبه منه وحلف له أن يعاضده ويكون معه على أخيهما الكامل ، وأن يكون معه على صاحبي حماة وحمص ، فلما حلف له على ذلك أطلقه المعظم. قال ابن الأثير : إن اتفاق الملوك أولاد الملك العادل أبي بكر بن أيوب كان سببا لحفظ بلاد الإسلام وسر الناس أجمعون بذلك. وفي سنة (624) قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج البحرية على المعظم بدمشق بعد اجتماعه بالكامل ، يطلب منه الإمارات التي كان فتحها عمه صلاح الدين ، فأغلظ له وقال : قل لصاحبك ما أنا مثل العزيز ما له عندي إلا السيف.
ولما استقرّ الأشرف بأرضه رجع عن جميع ما تقرر بينه وبين أخيه المعظم ، وتأول في أيمانه التي حلفها أنه مكره ، ولما تحقق الكامل صاحب مصر اعتضاد أخيه المعظم بجلال الدين خاف من ذلك ، وكاتب الأنبرور ملك الفرنج

في أن يقدم إلى عكا ليشغل أخاه المعظم عما هو فيه ، ووعد الأنبرور أن يعطيه القدس ، فسار الأنبرور إلى عكا فبلغ المعظم ذلك فكاتب أخاه الأشرف واستعطفه.
قال ابن الأثير : إن الكامل لما سار من مصر إلى دمشق خاف المعظم أن يأخذ دمشق منه ، فأرسل إلى أخيه الأشرف يستنجده فسار إليه جريدة فدخل دمشق ، فلما سمع الكامل بذلك لم يتقدم إليه لأن البلد منيع وقد صار به من يمنعه ويحميه ، وأرسل إليه الأشرف يستعطفه ويعرفه أنه ما جاء إلى دمشق إلا طاعة وموافقة لأغراضه والاتفاق معه على قتال الفرنج فأعاد الكامل الجواب يقول : إنني ما جئت إلى هذه البلاد إلا بسبب الفرنج فإنهم لم يكن في البلاد من يمنعهم عما يريدونه ، وقد عمروا صيدا وبعض قيسارية ولم يمنعوا ، وأنت تعلم أن عمنا السلطان صلاح الدين فتح البيت المقدس فصار لنا بذلك الذكر الجميل على تقضي الأعصار وممر الأيام فإن أخذه الفرنج حصل لنا من سوء الذكر وقبح الأحدوثة ما يناقض ذلك الذكر الجميل الذي ادخره عمنا ، وأي وجه يبقى لنا عند الناس وعند الله تعالى ، ثم ما يقنعون حينئذ بما أخذوه ويتعدون إلى غيره ، وحيث قد حضرت أنت فأنا أعود إلى مصر واحفظ أنت البلاد ، ولست بالذي يقال عني أني قاتلت أخي أو حصرته حاشا لله تعالى ، وتأخر عن نابلس إلى الديار المصرية.
وانتزع هذه السنة الأتابك طغريل الشغر وبكاس من الصالح أحمد بن الملك الظاهر ، وعوضه عنها بعينتاب والراوندان وفيها توفي المعظم عيسى ابن العادل ، وكان شجاعا عالما وعسكره في غاية التجمل ، يجامل أخاه الكامل ويخطب له ولا يذكر اسمه معه ولا يحب التكلف والعظمة. ذكر سبط ابن الجوزي أن المعظم كان في أيام الفتح من الفرنج يرتب النيران على الجبال من باب نابلس إلى عكا وعلى عكا جبل قريب منها يقال له الكرمل كان عليه المنورون وبينهم وبين الجواسيس علامات ، وكان له في عكا أصحاب أخبار وأكثرهم نساء الخيالة فكانت طاقاتهم في قبالة الكرمل ، فإذا عزم الفرنج على الغارة فتحت المرأة الطاقة ، فإن كان يخرج مائة فارس أوقدت المرأة شمعة واحدة ، وإن كانوا مائتين شمعتين، وإن كانوا يريدون قصد

حوران أو ناحية دمشق أشارت إلى تلك الناحية ، وكذا إلى نابلس ، فكان قد ضيق على الفرنج الطرق وكان يعطي النساء والجواسيس في كل فتح جملة كثيرة. وترتب في مملكة المعظم وأعمالها ولده الناصر صلاح الدين داود ، وقام بتدبير مملكته مملوك والده وأستاذ داره عز الدين أيبك وكان لأيبك صرخد. ولم يطل الأمر على الناصر داود في دمشق حتى طلب منه عمه الكامل صاحب مصر حصن الشوبك فلم يعطه الناصر ذلك ولا أجابه إليه ، فسار الملك الكامل من مصر إلى الشام ونزل على تل العجول بظاهر غزة وولى على نابلس والقدس وغيرهما من أملاك ابن أخيه الناصر داود ، فاستنجد الناصر بعمه الأشرف فجاءه من الشرق فوقع الاتفاق أن يسير الناصر داود والمجاهد شيركوه مع الأشرف إلى نابلس فيقيم الناصر داود بنابلس ، ويتوجه الأشرف إلى أخيه الكامل إلى غزة ، شافعا في ابن أخيهما الناصر داود ففعلوا ذلك ، ولما وصل الأشرف إلى أخيه الكامل وقع اتفاقهما في الباطن على أخذ دمشق من ابن أخيهما الناصر داود ، وتعويضه عنها بحران والرها والرقة من أملاك الأشرف ، وأن تستقر دمشق للأشرف ويكون له إلى عقبة فيق ، وما عدا ذلك من بلاد دمشق يكون للكامل وأن ينتزع حماة من الناصر قليج أرسلان وأن ينتزع سلمية من المظفر محمود وكانت إقطاعه ويعطي لشيركوه حمص. ووقعت سنة (625) وقعة بين المسلمين والفرنج على باب صور فلم يسلم من الفرنج سوى ثلاثة أنفس وكانت وقعة عظيمة وذلك لتحرك الفرنج في الساحل بسبب انقضاء الهدنة.
الحملة الصليبية السادسة :
كانت الحملة الصليبية السادسة (1228 ـ 1229 م) بزعامة الأنبرور فريدريك الثاني وكان سياسيا داهية فلم يدخل في حرب مع المسلمين بل فاوض الكامل وتسلم القدس وبيت لحم والناصرة لمدة عشر سنين وإليك ما قاله مؤرخونا في هذا الشأن :
استولى الأنبرور فريدريك صاحب صقلية وبولية وانكبرديه على صيدا ، وكانت مناصفة بين المسلمين والفرنج وسورها خراب فعمر الفرنج سورها واستولوا

عليها ، وتم لهم ذلك بسبب تخريب الحصون القريبة منها تبنين وهونين وغيرهما. وبينا كانت الرسل تتردد بين الملك الكامل وبين الأنبرور رحل الناصر داود وهو بنابلس إلى دمشق وكان قد لحقه بالغور عمه الأشرف وعرفه ما أمر به عمه الكامل ، وأنه لا يمكنه الخروج عن مرسومه فلم يلتفت الناصر إلى ذلك فسار الأشرف في أثره وحصره بدمشق ، وكانت الفتنة بين الملكين الكامل والناصر قبالة باب الجديد وفي الميدان وما بين ذلك والنصر فيه لأهل دمشق ، ووقع الحريق والنهب في باب توما ، وأحرقت بعض الطواحين ونهبت الدور ووقع الجرح والقتل وخربوا بعد أيام قريات من قرى الغوطة وأخرجوا منها أهلها مثل جوبر وجدبا وزملكا وسقبا وغيرها. قال في الذيل : وسمعت والدي وجماعة من المشايخ الذينشاهدوا الحصارات المتقدمة في دولة أولاد صلاح الدين يحكمون أنهم ما رأوا أشد من هذا الحصار. وفي هذا الحصار أحرق الناصر للتحصن مدرسة أسد الدين وخانقاه خاتون وما يليهما من الخانات والدور والبساتين والحمامات والخانقاهات
طال الأمر ولم يجد الملك الكامل بدا من المهادنة فأجاب الأنبرور إلى تسليم القدس إليه ، على أن تستمر أسواره خرابا ولا يعمرها الفرنج ، ولا يتعرضوا الى قبة الصخرة ولا الى الجامع الأقصى ، ويكون الحكم في الرساتيق إلى والي المسلمين ويكون لهم من القرى ما هو على الطريق من عكا إلى القدس فقط ، ووقع الاتفاق على ذلك وتحالفا عليه وتسلم الأنبرور القدس فقامت القيامة في جميع بلاد الإسلام واشتدت العظائم ، وأقيمت المآتم وقال الوعاظ والعلماء : يا خجلة ملوك المسلمين لمثل هذه الحادثة. قال ابن أبي شامة : جاءنا الخبر بأن الكامل أخلى البيت المقدس من المسلمين وسلمه إلى الفرنج فصالحهم على ذلك وعلى تسليم جملة من القرى فتسلموه ودخلوه مع ملكهم الأنبرور ، وكان هذا من الوصمات التي دخلت على المسلمين ، وكانت سببا في أن توغرت قلوب أهل دمشق على الكامل ومن معه وقد ذكر سبط ابن الجوزي نكتة في تساهل الغالبين والمغلوبين إذ ذاك قال ما نصه : كان الكامل قد تقدم إلى شمس الدين قاضي نابلس أن يأمر المؤذنين مادام الأنبرور في القدس أن لا يصعدوا المنائر ولا يؤذنوا في الحرم ، فأنسي القاضي أن يعلم المؤذنين وصعد عبد الكريم المؤذن في تلك الليلة في وقت السحر والأنبرور نازل في دار القاضي فجعل يقرأ الآيات التي تختص بالنصارى مثل

قوله تعالى : (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) ونحو هذا. فلما طلع الفجر استدعى القاضي عبد الكريم وقال له : إيش عملت السلطان رسم كذا وكذا قال : فما عرفتني النوبة فلما كانت الليلة الثانية ما صعد عبد الكريم المأذنة ، فلما طلع الفجر استدعى الأنبرور القاضي ، وكان قد دخل القدس في خدمته وهو الذي سلم إليه القدس فقال له : يا قاضي أين ذاك الرجل الذي طلع البارحة المنارة وذكر ذاك الكلام ، فعرفه أن السلطان أوصاه، فقال الأنبرور : أخطأتم يا قاضي تغيرون أنتم شعاركم وشرعكم ودينكم لأجلي ، فلو كنتم عندي في بلادي هل أبطل ضرب الناقوس لأجلكم؟ الله الله لا تفعلوا ، هذا أول ما تنقصون عندنا ، ثم فرّق في القوّام والمؤذنين والمجاورين جملة أعطى كل واحد عشرة دنانير ولم يقم بالقدس سوى ليلتين وعاد إلى يافا وخاف من الداوية فإنهم طلبوا قتله.
اختلافات جديدة بين آل العادل :
بعد أن أحيط بدمشق من كل جانب وحلّ بها من الخراب والفساد العجائب. واشتد عليها الحصار عوّض الناصر داود عنها بالكرك والبلقاء والصلت والأغوار والشوبك ، وأخذ الكامل لنفسه البلاد الشرقية التي كانت عينت للناصر وهي حران والرّها وغيرهما التي كانت بيد الأشرف ، ثم نزل الناصر داود عن الشوبك وسأل عمه الكامل في قبولها فقبلها ، وتسلم دمشق الأشرف ، وتسلم الكامل من الأشرف الديار الشرقية المذكورة ، ولما سلم الكامل دمشق إلى أخيه الأشرف سار من دمشق ونزل على مجمع المروج ثم نزل على سلمية وأرسل عسكرا نازلوا حماة وبها صاحبها الناصر قليج أرسلان. وكان في العسكر الذين نازلوه شيركوه صاحب حمص فاستسلم إليه وأخذه الى الكامل وهو نازل على سلمية فشتمه وأمر باعتقاله وأن يتقدم إلى نوابه بحماة بتسليمها إلى الكامل ، فأرسل الناصر قليج أرسلان علامته إلى نوابه بحماة أن يسلموها إلى عسكر الكامل ، فامتنع من ذلك الطواشيان بشر ومرشد المنصوريان ، وكان بقلعة حماة أخ للناصر يلقب المعز بن الملك المنصور صاحب حماة فملكوه حماة ، وقالوا للكامل : لا نملك حماة لغير واحد من أولاد تقي الدين.

فأرسل الكامل يقول للملك المظفر محمود صاحب حماة : اتفق مع غلمان أيبك وتسلم حماة وكان المظفر نازلا على حماة من جملة العسكر الكاملي فراسل المظفر الحكام بحماة فحلفوا له وواعدوا المظفر أن يحضر بجماعته خاصة وقت السحر إلى باب النصر ليفتحوه له فدخل البلد وتسلم القلعة ، وفوض تدبير حماة إلى الأمير سيف الدين علي الهدباني ، ولما استقر المظفر في ملك حماة انتزع الكامل سلمية منه وسلمها إلى شيركوه صاحب حمص ورسم الكامل لأخيه المظفر أن يعطي أخاه الناصر قليج أرسلان بعرين بكمالها ، ولم يبق بيد المظفر غير حماة والمعرة ، ثم رحل الكامل عن سلمية الى الديار الشرقية التي أخذها من أخيه الأشرف عوضا عن دمشق ، وأرسل الأشرف أخاه صاحب بصرى الصالح إسماعيل بن العادل بعسكر فنازل بعلبك وبها الأمجد بهرام شاه ، ولما طال الحصار عليها سلمها الأمجد ، وعوضه الأشرف عنها الزبداني وقصير دمشق ومواضع أخر. وقصد الفرنج حصن بارين ونهبوا بلاده وأعماله وأسروا وسبوا ومن جملة من ظفروا به طائفة من التركمان كانوا نازلين في ولاية بارين فأخذوهم ولم يسلم منهم إلا النادر الشاذ.
وفي سنة (627) شرع صاحب حمص شيركوه في عمارة قلعة شميميس فأراد المظفر صاحب حماة منعه من ذلك ثم لم يمكنه ذلك لكونه بأمر الكامل. وفيها جمعت الفرنج من حصن الأكراد وقصدوا حماة فخرج إليهم صاحبها المظفر محمود والتقاهم عند قرية بين حماة وبعرين يقال لها أفيون وكسروهم كسرة عظيمة.
وفي سنة (628) سار الكامل من مصر إلى دمشق فسلمية واجتمع معه ملوك أهل بيته في جمع عظيم ثم سار بهم إلى آمد وحصرها وتسلمها من صاحبها المسعود ابن الملك الصالح محمود ، وكان سبب انتزاع الكامل آمد من المسعود لسوء سيرته وتعرضه لحريم الناس، وحاصر المظفر صاحب حماة أخاه الناصر ببعرين بأمر العادل خوفا من أن يسلمها للفرنج لضعفه عنهم ، وانتزعها منه وأكرمه وسأله الإقامة عنده بحماة فسار إلى أخيه الكامل في مصر. وسار الكامل من مصر (631) إلى قتال كيقباذ ملك الروم وقد استصحب معه ستة عشر ملكا من ملوك الشام والجزيرة من أخوته وآل بيته في عسكرهم وقطعوا الفرات وانهزم العسكر الكاملي على خرتبرت ، وذلك لأن الملوك الذين في خدمته

خامروا عليه (خاتلوه) وتقاعدوا عن الحرب لأن شيركوه صاحب حمص سعى إليهم وقال : إن السلطان ذكر أنه متى ملك بلاد الروم فرقها على الملوك من أهل بيته عوض ما بأيديهم من الشام ، ويأخذ الشام جميعه لينفرد بملك الشام ومصر ، فتقاعدوا عن القتال وفسدت نياتهم فرجع الكامل إلى مصر وعاد كل واحد من الملوك إلى بلده. وفي سنة (633) سار الناصر داود من الكرك إلى بغداد ملتجئا إلى الخليفة المستنصر لما حصل عنده من الخوف من عمه الكامل. وسار الكامل من مصر واسترجع حرّان والرّها من كيقباذ صاحب الروم ، وكان استولى عليهما في السنة الماضية بعد رحيل الكامل عن أرضه. وبدت في هذه السنة طلائع الشر قال سبط ابن الجوزي : وكانوا في مئة طلب كل طلب خمسمائة فارس.
وتوفي العزيز صاحب حلب حفيد صلاح الدين يوسف بن أيوب ، وكان حسن السيرة في رعيته عن ثلاث وعشرين سنة وستة أشهر ، وتقرر في الملك بعده ولده الناصر يوسف وعمره نحو سبع سنين وقام بتدبير الدولة شمس الدين لولو الأرمني وعز الدين عمر بن مجلي وجمال الدين إقبال الخاتوني ، والمرجع في الأمور الى والدة العزيز ضيفة خاتون بنت الملك العادل. وقويت الوحشة بين الكامل وبين أخيه الأشرف وكان ابتداؤها ما فعله شيركوه صاحب حمص لما قصد الكامل بلاد الروم فاتفق الملك مع صاحبة حلب ضيفة خاتون أخت الكامل ومع باقي الملوك على خلاف الكامل خلا المظفر صاحب حماة ، فلما امتنع تهدده الأشرف بقصد بلاده وانتزاعها منه فقدم خوفا من ذلك إلى دمشق ، وحلف للملك الأشرف ووافقه على قتال الكامل وكاتب الأشرف كيخسرو صاحب بلاد الروم واتفق معه على قتال أخيه الكامل إن خرج من مصر. وتوجه عسكر حلب مع المعظم توران شاه عم العزيز فحاصروا بغراس وكان قد عمرها الداوية بعد ما فتحها صلاح الدين يوسف وخربها وأشرف عسكر حلب على أخذها ثم رحلوا عنها بسبب الهدنة مع صاحب أنطاكية ، ثم إن الفرنج أغاروا على ربض دربساك وهي حينئذ لصاحب حلب فوقع بهم عسكر حلب وولى الفرنج منهزمين وكثر فيهم القتل والأسر وعاد عسكر حلب بالأسرى ورؤوس الفرنج وكانت هذه الوقعة من أجل الوقائع.

توفي الأشرف (635) وتملك دمشق بعده أخوه الصالح إسماعيل بعهد منه. قال أبو الفداء : وكان الأشرف مفرط السخاء يطلق الأموال الجليلة النفيسة ، وكان ميمون النقيبة لم تنهزم له راية ، وكان سعيدا ويتفق له أشياء خارقه للعقل. وعلّل الأشرف سبب الوحشة بينه وبين أخيه الكامل ثم صاحب مصر أن الأشرف لم يبق بيده غير دمشق وعمالتها ، وكانت لا تفي بما يحتاجه وما يبذله وقت قدوم أخيه الكامل إلى دمشق ، ولما فتح الكامل آمد وما إليها لم يزده منها شيئا وبلغه أن الكامل يريد أن ينفرد بمصر والشام وينتزع دمشق منه فتغير بسبب ذلك ، ولما بلغ الكامل في مصر وفاة أخيه الأشرف سار إلى دمشق وكان الصالح إسماعيل قد استعد للحصار ووصلت إليه نجدة الحلبيين وصاحب حمص ، فنازل الكامل دمشق وأخرج الصالح النفاطين فأحرق العقيبة جميعها وما بها من خانات وأسواق ، وفي مدة الحصار وصل من عند صاحب حمص رجالة يزيدون على خمسين رجلا نجدة للصالح إسماعيل ، فظفر بهم الكامل فشنقهم بين البساتين عن آخرهم ، وحال نزول الكامل على دمشق أرسل توقيعا للمظفر صاحب حماة بسلمية ثم سلم الصالح إسماعيل دمشق إلى الكامل وتعوض عنها بعلبك والبقاع مضافا إلى بصرى. قال ابن أبي شامة في هذا الحصار : إنه كان أكثر خرابا في ظاهر البلد وحريقا ومصادرة وأقل غلاء ولم تطل مدته فإن الصلح جرى ، ووافق اليوم الذي كسرت فيه الفرنج على دمياط اليوم الذي فتحت فيه آمد.
وفاة الملك الكامل وحال الشام بعده :
توفي الكامل بدمشق هذه السنة (635) بعد أن حكم في مصر نائبا وملكا نحو أربعين سنة ، حكم نائبا نحو عشرين سنة وملكا نحو عشرين. وكان ملكا جليلا مهيبا حازما حسن التدبير أمنت الطرق في أيامه وكان يباشر تدبير المملكة بنفسه. قال ابن خلكان : كان سلطانا عظيم القدر جميل الذكر ، محبا للعلماء متمسكا بالسنة النبوية حسن الاعتقاد ، معاشرا لأرباب الفضائل ، حازما في أموره ، لا يضع الشيء إلا في موضعه من غير إسراف ولا إقتار. وكان يخطب له بمكة : «مالك مكة وعبيدها ، واليمن وزبيدها ، ومصر وصعيدها ، والشام وصناديدها الخ

وكان مع الكامل بدمشق الناصر داود صاحب الكرك فاتفقت آراء الأمراء على تحليف العسكر العادل أبي بكر بن الكامل ، وهو حينئذ نائب أبيه بمصر فحلف له جميع العسكر وأقاموا في دمشق الملك الجواد يونس بن مودود بن العادل نائبا عن العادل أبي بكر بن الكامل ، وتقدمت الأمراء إلى الناصر داود بالرحيل عن دمشق وهددوه إن أقام ، فرحل إلى الكرك وتفرقت العساكر. وأرسل صاحب حمص فارتجع سلمية من صاحب حماة ، وقطع القناة الواصلة من سلمية إلى حماة فيبست بساتينها ، ثم عزم على قطع نهر العاصي عن حماة فسدّ مخرجه من بحيرة قدس بظاهر حمص فبطلت نواعير حماة والطواحين.
لما بلغ الحلبيين موت الكامل اتفقت آراؤهم على أخذ المعرة ثم أخذ حماة من صاحبها المظفر لموافقته الكامل على قصدهم ، ووصل عسكر حلب إلى المعرة وانتزعوها من يد المظفر وحاصروا قلعتها ، وخرجت المعرة عن ملك المظفر ، ثم سار العسكر الحلبي ونازلوا حماة ونهبوا أرجاءها ، ولما لم يبق بيد المظفر غير حماة وبعرين خاف أن تخرج بعرين بسبب قلعتها فتقدم بهدمها فهدمت إلى الأرض.
وجرى بين الناصر داود صاحب الكرك وبين الملك الجواد يونس المتولي على دمشق مصاف بين جينين ونابلس ، انتصر فيه الجواد يونس وانهزم الناصر داود هزيمة قبيحة ، وقوي الملك الجواد بسبب هذه الوقعة وكان في عسكر مصر والشام ، وتمكن من دمشق ونهب عسكر الناصر وأثقاله. واستولى الصالح أيوب بن الكامل على دمشق وأعمالها بتسليم الجواد يونس وأخذ العوض عنها سنجار والرقة وعانة ، ولما استقر ملك الصالح بدمشق وردت عليه كتب المصريين يستدعونه إلى مصر ليملكها ، فذهب وجعل نائبه في دمشق ، ولده الملك المغيث فتح الدين عمر ، وكان الجواد لما يئس من ملك الشام فرق الضياع على الأمراء وخلع عليهم ، وفرغ الخزائن وكان فيها تسعمائة ألف دينار. وفي رواية أنه فرق من خزائن دمشق ستة آلاف ألف دينار وخلع خمسة آلاف خلعة.
وفي سنة (637) هاجم الصالح إسماعيل صاحب بعلبك ومعه شيركوه

صاحب حمص مدينة دمشق وحصروا القلعة فخربت بذلك دور ومدارس تحت القلعة ثم تسلم الصالح إسماعيل القلعة وحاصر الصالح نجم الدين أيوب حمص. ولما بلغ استيلاء عمه إسماعيل على دمشق رحل من نابلس إلى الغور ، وكان هناك قاصدا إلى مصر للاستيلاء عليها ، ففسدت نيات عساكره عليه ، وشرعت الأمراء ومن معه من الملوك يحركون نقاراتهم ويرحلون مفارقين الصالح أيوب إلى الصالح إسماعيل بدمشق ، فلم يبق عند الصالح أيوب بالغور غير مماليكه فأصبح لا يدري ما يفعل ولا له موضع يقصده ، فأمسكه الناصر داود صاحب الكرك واعتقله عنده مبجلا. وقصد الناصر داود القدس وكان الفرنج قد عمروا قلعتها بعد موت الكامل فحاصرها وفتحها وخرب القلعة وضرب برج داود. وتوفي الملك المجاهد شيركوه صاحب حمص وكان عسوفا لرعيته وملك حمص نحو ست وخمسين سنة ملكه أياها صلاح الدين يوسف.

انقراض الايوبيين
«وظهور دولة المماليك البحرية وظهور التتر»
ـ من سنة 637 الى سنة 690 ـ
ظهور الخوارزمية :
بينا كان أبناء أيوب يتقاتلون على الملك والصليبيون قد أخلدوا إلى السكون بعد هدنة صاحب مصر معهم واكتفوا بما ملكوه من مدن الساحل والقدس ، جاء الخوارزمية يعيثون في الديار الشامية ويروعون أهلها ويقتلون فيهم ويخربون العامر. الخوارزمية عسكر جلال الدين منكبرتي أحد ملوكهم الذي استولى على إيران والعراق وأذربيجان وكرجستان ، وكانت عاصمة ملكه تبريز. جاءوا سنة (634) إلى البلاد الشرقية فاستخدمهم الصالح أيوب بن الكامل وكان في آمد وحصن كيفا وحران وغيرها نائبا عن أبيه. جاءوا بعد أن قتلوا ملكهم وانضموا إلى كيقباذ ملك الروم وخدموا عنده وكان فيهم عدة مقدمين ، فلما مات كيقباذ وتولى ابنه كيخسرو وقبض على بركت خان أكبر مقدميهم ، ففارقت الخوارزمية حينئذ خدمته وساروا عن الروم ونهبوا ما كان على طريقهم ، فاستمالهم الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل واستأذن أباه في استخدامهم فأذن له واستخدمهم ، فما زال هؤلاء العسكر يتقدمون حتى نازلوا حمص مع صاحب حماة الملك المظفر.
كثر عيث الخوارزمية وفسادهم بعد مفارقة الصالح أيوب البلاد الشرقية وساروا إلى قرب حلب (638) فخرج إليهم عسكرها مع المعظم تورانشاه ابن صلاح الدين ووقع بينهم القتال فانهزم الحلبيون هزيمة قبيحة وقتل منهم

خلق كثير ، منهم الصالح بن الأفضل بن صلاح الدين ، وأسر مقدم جيش المعظم ، واستولى الخوارزميون على أثقال الحلبيين وأسروا منهم عدة كثيرة. وكانوا يقتلون بعض الأسرى ليشتري غيره نفسه منهم بماله فأخذوا بذلك شيئا كثيرا ، ثم نزل الخوارزمية على حيلان وكثر عيثهم وفسادهم ونهبهم في أرجاء حلب ، وأحرقوا الأقوات في القرى ، ودخلوا مدينة حلب واستعد أهلها للحصار ، وارتكب الخوارزمية من الفواحش والقتل ما ارتكبه التتر ، ثم سار الخوارزمية إلى منبج وفعلوا فيها من القتل والنهب مثل ما تقدم ورجعوا إلى حران وما معها. ثم قصدوا إلى الجبول ثم إلى تل عزاز ثم إلى سرمين ودخلوا دار الدعوة الإسماعيلية ووافوا المعرة وهم ينهبون ما يجدونه ، وقد جفل الناس من بين أيديهم.
وكان قد وصل المنصور إبراهيم بن شيركوه صاحب حمص ومعه عسكر من عسكر الصالح إسماعيل المستولي على دمشق نجدة للحلبيين ، فاجتمع الحلبيون مع صاحب حمص المذكور وقصدوا الخوارزمية واستمرت الخوارزمية على ما هم عليه من النهب حتى نزلوا على شيزر ونزل عسكر حلب على تل السلطان ، ثم رحلت الخوارزمية إلى جهة حماة ولم يتعرضوا إلى نهب لانتماء صاحبها المظفر إلى الصالح أيوب ، ثم سارت الخوارزمية إلى سلمية فالرصافة طالبين الرقة ، وسار عسكر حلب من تل السلطان إليهم ولحقتهم العرب فألقت الخوارزمية ما كان معهم من المكاسب وأطلقوا الأسرى.
ووصلت الخوارزمية إلى الفرات ولحقهم عسكر حلب وصاحب حمص قاطع صفين فعمل لهم الخوارزمية ستائر ووقع القتال بينهم إلى الليل ، فقطع الخوارزمية الفرات وساروا إلى حران فسار عسكر حلب إلى البيرة وقطعوا الفرات منها ، وقصدوا الخوارزمية واتقعوا قريب الرها ، فولى الخوارزميون وركب صاحب حمص وعسكر حلب أقفيتهم يقتلون ويأسرون. ثم سار عسكر حلب إلى حران فاستولوا عليها ، وهربت الخوارزمية إلى عانة وبادر صاحب الموصل إلى نصيبين ودارا وكانت للخوارزمية فاستولى عليهما ، وخلّص من كان بهما من الأسرى ، وكان منهم المعظم توران شاه أسيرا في دارا من حين أسروه في كسرة الحلبيين ، واستولى عسكر حلب على الرقة

والرها وسروج ورأس عين وما مع ذلك. واستولى المنصور إبراهيم على الخابور ثم سار عسكر حلب ووصل إليهم نجدة من الروم وحاصروا المعظم ابن الصالح أيوب بآمد وتسلموها منه وتركوا له حصن كيفا وقلعة الهيثم.
اختلاف بني أيوب واعتضاد بعضهم الفرنج وعودة الخوارزمية :
كان الملك الجواد يونس بن مودود قد استولى بعد ملك دمشق على سنجار وعانة ، فباع عانة من الخليفة المستنصر بمال تسلمه منه وسار لولو صاحب الموصل وحاصر سنجار ويونس غائب عنها فاستولى عليها ولم يبق بيد يونس من الملك شيء ، فسار على البرية إلى غزة وأرسل إلى الصالح أيوب صاحب مصر يسأله في المصير إليه فلم يجبه إلى ذلك ، فسار يونس حينئذ ودخل عكا ، وأقام مع الفرنج فأرسل الصالح إسماعيل صاحب دمشق حينئذ وبذل مالا للفرنج وتسلم الملك الجواد من الفرنج واعتقله ثم خنقه (638).
وكان قد قوي خوف الصالح إسماعيل صاحب دمشق من ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر فسلم الصالح إسماعيل صفد والشقيف إلى الفرنج ليعضدوه ويكونوا معه على ابن أخيه صاحب مصر مما لم يعهد له مثال في تاريخ بني أيوب اللهم إلا ما كان من مفاوضة الكامل صاحب مصر لملك الفرنج سنة (624) في أن يقدم إلى عكا ليشغل أخاه المعظم عما هو فيه ووعده له بإعطائه القدس ، وكان ذلك خديعة من الكامل لأخيه المعظم حتى لا يستنجد بأحد من ملوك الأطراف عليه إذا لم يتم شيء من ذلك. وقد أنكر على الصالح إسماعيل كل من شيخ الشافعية والمالكية بدمشق فعزلا من وظائفهما وسجنا بقلعة دمشق.
وكان في سنة (640) مصاف بين الخوارزمية ، ومعهم المظفر غازي صاحب ميافارقين، وبين عسكر حلب ومعهم المنصور إبراهيم صاحب حمص ، وذلك بالقرب من الخابور ، فانهزم الخوارزمية وصاحبهم أقبح هزيمة ، ونهب منهم عسكر حلب شيئا كثيرا ، ونهبت وطاقات (1) الخوارزمية ونساؤهم.
__________________
(1) الوطاق : الخيمة أو مجموعة الخيام والمعسكر.

وتوفيت هذه السنة ضيفة خاتون والدة الملك العزيز وابنة الملك العادل ، وكانت تصرفت في ملك حلب تصرف السلاطين وقامت بالملك أحسن قيام ، وكان عمر ابن ابنها الملك الناصر يوسف بن العزيز نحو ثلاث عشرة سنة فأشهد عليه أنه بلغ وحكم واستقل بملكة حلب وما هو مضاف إليها ، والمرجع في الأمور إلى جمال الدين إقبال الأسود الخصي الخاتوني.
وفي السنة التالية قصدت التتر مملكة صاحب الروم السلجوقي فاستنجد بالحلبيين فأرسلوا إليه نجدة مع ناصح الدين الفارسي فانهزم الروم والحلبيون. وسار الصالح وحاصر عجلون ولم يقدر على فتحها. وفيها كانت المراسلة بين الصالح أيوب صاحب مصر والصالح إسماعيل صاحب دمشق في الصلح ، واتفق الصالح إسماعيل مع الناصر داود صاحب الكرك واعتضدا بالفرنج وسلما أيضا إلى الفرنج عسقلان وطبرية. فعمر الفرنج قلعتيهما وسلما أيضا إليهم القدس بما فيه من المزارات.
ووصلت الخوارزمية (642) إلى غزة باستدعاء الملك الصالح أيوب لنصرته على عمه الصالح إسماعيل ، وكان مسيرهم على حارم والرّوج إلى أطراف دمشق حتى وصلوا إلى غزة ودمروا بيت لحم ، ووصل إليهم عدة كثيرة من العساكر المصرية ، وأرسل الصالح إسماعيل عسكر دمشق مع صاحب حمص ودخل عكا ، فاستدعى الفرنج على ما كان قد وقع عليه اتفاقهم ووعدهم بجزء من مصر وكان أعطاهم الشقيف فخرجت الفرنج بالفارس والراجل ، واجتمعوا أيضا بصاحب حمص وعسكر دمشق والكرك ولم يحضر الناصر داود ذلك ، والتقى الفريقان بظاهر غزة فانهزم الفرنج وولى عسكر دمشق وصاحب حمص والكركيون ، وتبعهم عسكر مصر والخوارزمية فقتلوا منهم خلقا عظيما. قيل : إن القتلى زادوا على الثمانمائة وإنه أسر من الفرنج ثمانمائة. قال ابن أبي شامة : كسرت الفرنج ومن انضم إليهم من منافقي المسلمين كسرة عظيمة في عسقلان وغزة وغنم منهم أموال عظيمة وأسر من الفرنج خلق من ملوكهم وكبرائهم وقتل منهم مقتلة عظيمة. واستولى الصالح أيوب صاحب مصر على غزة والسواحل والقدس ثم أرسل باقي عسكر مصر مع معين الدين بن الشيخ ، واجتمع إليه من بالشام من عسكر

مصر والخوارزمية ، وساروا إلى دمشق وحاصروها وبها صاحبها الصالح إسماعيل وإبراهيم بن شيركوه صاحب حمص ولما ضاق صاحب دمشق ذرعا بحصار صاحب مصر له سير الصالح إسماعيل وزيره أمين الدولة الى العراق مستشفعا بالخليفة ليصلح بينه وبين ابن أخيه فلم يجب الخليفة إلى ذلك. وتسلم عسكر الملك الصالح أيوب دمشق من الصالح إسماعيل بن الملك العادل على أن يستقر بيد الصالح إسماعيل بعلبك وبصرى والسواد وتستقر حمص وما هو مضاف اليها بيد صاحبها. ثم إن الخوارزمية خرجوا عن طاعة الصالح أيوب فإنهم كانوا يعتقدون أنهم إذا كسروا الصالح إسماعيل وفتحوا دمشق يحصل لهم من الإقطاعات ما يرضي خاطرهم ، فلما لم يحصل لهم ذلك خرجوا عن طاعة الصالح أيوب وصاروا مع الصالح إسماعيل ، وانضم إليهم الناصر داود صاحب الكرك وساروا إلى دمشق وحصروها فقاسى أهلها شدة عظيمة. قال الذهبي : واشتد البلاء بدمشق واحترقت العقيبة والخوانيق ، ودام الحصار والويل خمسة أشهر ، وهلك العوام موتا وجوعا ، وقل الشيء بالبلد حتى بلغت غرارة القمح ألفا وستمائة درهم وأبيع الخبز كل أوقيتين بدرهم ، وأكلوا الميتة وأبيعت الأملاك والأمتعة بالشيء اليسير ، وأبيع رطل اللحم بتسعة دراهم ، وأنتن البلد بالموتى على الطرق ، وعظم الخطب وأولئك يقاتلون على الملك ، والخمور الفاحشة مضمنة بالبلد والمكوس شديدة. وقال غيره : وقطعت الخوارزمية على الناس الطرق وزحفوا إلى البلد من كل ناحية ورموا النيران في قصر حجاج وضربوا بالمناجيق وكان يوما عظيما ، وبعث الصالح إسماعيل الزراقين فأحرقوا جوسق العادل وزقاق الرمان إلى العقيبة بأسرها ، ونهبت أموال الناس واحترق بعضها. وزاد سبط ابن الجوزي : أنه أحرق قصر حجاج والشاغور واستولى الحريق على مساجد وخانات ودور عظيمة ، ثم نصبت على دمشق المناجيق ورميت به من بابي الجابية والصغير ، ونصبت مناجيق أيضا من داخل البلد ، وترامى الفريقان وأمر بتخريب عمارة العقيبة خارج باب الفراديس وباب السلامة وباب الفرج وأحرق حكر السماق وخارج باب النصر. وأرسل الصالح إسماعيل فأحرق جوسق والده العادل. قال المؤرخون : وجرى بدمشق أمور شنيعة بشعة جدا لم يتم عليها مثلها قط.

وفي هذه السنة تسلمت نواب المنصور صاحب حماة سلمية وانتزعوها من صاحب حمص وفي سنة (642) اجتمعت الفرنج من بلاد الشقيف وبلاد عامل وقصدوا وادي التيم فجمع الأمير عامر الشهابي عساكره وفرسان عشيرته ونهض لملتقاهم ، واستنجد بالأمير عبد الله المعنى فجمع أهالي الشوف وسار لنجدة الأمير عامر ، والتقى الجمعان في مرج الخيام وصدمتهم الفرنج ودام القتال ثلاثة أيام ، وهلك من الفريقين خلق كثير وفي اليوم الرابع هجمت عساكر آل معن وآل شهاب على الفرنج فنكسوا أعلامهم وولوا مدبرين ، عظمت بعد ذلك إمارة الأمير عامر واشتهرت صولته وأخذ قطائع في البقاع وأنشأ فيها مغارات عديدة.
وفي سنة (644) اتفق الحلبيون والمنصور صاحب حمص وصاروا مع الصالح أيوب وقصدوا الخوارزمية فرحلت الخوارزمية عن دمشق وساروا نحو الحلبيين وصاحب حمص ، والتقوا على بحيرة قدس فانهزمت الخوارزمية هزيمة قبيحة تشتّت شملهم بعدها ، ومضت طائفة من الخوارزمية إلى التتر وصاروا معهم وانقطع منهم جماعة وتفرقوا في الشام وخدموا به. ورحل حسام الدين الهذباني بمن عنده من العسكر بدمشق ، ونازل بعلبك وبها أولاد الصالح إسماعيل وحاصرها وتسلمها بالأمان ، وحمل أولاد الصالح إسماعيل الى الصالح أيوب بديار مصر فاعتقلوا هناك ، وكذلك بعث بأمين الدولة وزير الصالح إسماعيل فاعتقل ، فلم يبق في دمشق وعملها من يدفع عنها ، فأرسل صاحب مصر عسكرا مع يوسف ابن الشيخ إلى الناصر داود صاحب الكرك فاستولى فخر الدين على بلاده وحاصر الكرك وخرب ضياعها وضعف الناصر ولم يبق بيده غير الكرك ، وصادف وفاة صاحب عجلون سيف الدين بن قليج فتسلم الملك الصالح أيوب عجلون أيضا.
وفتح (645) ابن الشيخ قلعتي عسقلان وطبرية بعد محاصرتهما مدة وكان عمّرها الفرنج بعد استيلائهم عليهما سنة (641). وسلم الأشرف صاحب حمص قلعة شميميس للملك الصالح أيوب فعظم ذلك على الحلبيين لئلا يحصل الطمع للصالح في ملك باقي الشام. وفي سنة (646) أرسل الناصر صاحب حلب عسكرا مع شمس الدين لولو الأرمني فحاصروا الأشرف بحمص فسلمهم إياها ،

وتعوض عنها بتل باشر مضافا إلى ما بيده من تدمر والرحبة. ولما بلغ ذلك الصالح أيوب شق عليه وسار من مصر إلى الشام لارتجاع حمص من الحلبيين ونصب عسكره عليها منجنيقا مغربيا يرمي بحجر زنته مائة وأربعون رطلا بالشامي مع عدة منجنيقات أخر ، ثم رحل عنها لمرض عرض له ، ولوصول الفرنج إلى دمياط ولمجيء رسول الخليفة والسعي في الصلح بين الصالح أيوب والحلبيين وأن تستقر حمص بيد الحلبيين. ثم استولى الصالح أيوب على الكرك أعطاه مفاتيحها الأمجد فوهبه خمسين ألف دينار.
وفاة الملك الصالح ومبدأ دولة المماليك :
توفي الملك الصالح أيوب في سنة (647) وكان ملك مصر والقسم الأعظم من الشام. وصفه أبو الفداء بأنه كان مهيبا عالي الهمة عفيفا شديد الوقار والصمت جمع من المماليك الترك ما لم يجتمع لغيره من أهل بيته ، حتى كان أكثر أمراء عسكره مماليكه ، ورتب جماعة من المماليك الترك حول دهليزه دعوا بالبحرية لأنهم كانوا ينزلون في ثكنات لهم في جزيرة الروضة على البحر بحر النيل وكانوا أول كتلة اجتمعت من هذا الجيل من الناس وألفوا دولة المماليك البحرية. مات الملك الصالح ولم يوص بالملك إلى أحد فأحضرت شجرة الدر ، وهي جارية الملك الصالح ، فخر الدين بن الطواشي وجمال الدين محسنا وعرفتهما بموت السلطان ، فكتموا ذلك خوفا من الفرنج ، وجمعت شجرة الدر الأمراء وقالت لهم : السلطان يأمركم أن تحلفوا له ثم من بعده لولده المعظم تورانشاه المقيم بحصن كيفا ، فجاء وتسلم ملك مصر إلا أنه مدته لم تطل أكثر من شهرين وأياما ، فقتله المماليك البحرية الذين أنشأهم والده ، وكان أول من ضربه ركن الدين بيبرس الذي صار سلطانا فيما بعد ولقب بالملك الظاهر ، والسبب في قتله أنه اطرح جانب أمراء أبيه ومماليكه واعتمد على بطانته التي وصلت معه من حصن كيفا وكانوا أراذل. وأقام رجال الدولة شجرة الدر زوجة الملك في المملكة وخطب لها على المنابر وضربت السكة باسمها ، وأرسل المصريون رسولا إلى من بدمشق من الأمراء في موافقتهم على ذلك فلم يجيبوا إليه ، وكاتب الأمراء القيمرية الناصر يوسف صاحب حلب فسار إليهم وملك

دمشق وعصت عليه بعلبك وعجلون وشميميس مدة ثم سلمت جميعها إليه ، ولما ورد الخبر بذلك إلى مصر قبضوا على من عندهم من القيمرية وعلى كل من اتهم بالميل إلى الحلبيين.
ثم اتفق كبراء الدولة على إقامة شخص من بني أيوب في السلطنة فسلطنوا الملك الأشرف موسى بن يوسف. وكان بغزة جماعة من عسكر مصر فسار إليهم عسكر دمشق فاندفعوا الى الصالحية واتفقوا على طاعة المغيث صاحب الكرك وخطبوا له بالصالحية ، ولما جرى ذلك اتفق كبراء الدولة بمصر ونادوا أن المملكة للخليفة المستعصم ، ثم جددت الأيمان للملك الأشرف موسى بالسلطنة ولأيبك التركماني بقيادة الجيش ، ورحل فارس الدين أقطاي الصالحي مقدم البحرية متوجها من مصر إلى غزة ومعه تقدير ألفي فارس فلما بلغها اندفع من كان بها من جهة الناصر بين يديه.
وبعد مقتل المعظم تورانشاه بيد المماليك البحرية غضب معظم رجال الدولة في مصر والشام ، وكاد الإجماع يقع على سلطنة أحد من آل أيوب حتى لا يخرج الأمر عنهم بالمرة ، وهذا ما حدا ببعض بقايا الأيوبيين في الشام إلى أن يجمعوا شملهم ويسيروا إلى مصر للمطالبة بسلطنتهم وسلطنة آبائهم. فسار الناصر صلاح الدين يوسف بن العزيز صاحب دمشق بعساكره من عاصمته وصحبته من ملوك أهل بيته الصالح إسماعيل والأشرف موسى تورانشاه وأخوه نصرة الدين والأمجد حسن والظاهر شاذي أبناء الناصر داود بن المعظم وتقي الدين عباس بن العادل قاصدين مصر لفتحها فاهتم المصريون لقتالهم ، والتقى العسكران المصري والشامي بالقرب من العباسية فكانت الكسرة أولا على عسكر مصر ، ولما انكسر المصريون تبعتهم العساكر الشامية ولم يشكوا في النصر ، بقي الناصر تحت السناجق السلطانية فحمل المعز التركماني بمن معه عليه ، فولى الناصر منهزما طالبا الشام وأسر معظم أهل بيته من الملوك واستقر الصلح (651) بين الناصر يوسف صاحب الشام وبين البحرية بمصر على أن يكون للمصريين إلى نهر الأردن وللناصر ما وراء ذلك ، وكان نجم الدين الباذرائي رسول الخلافة هو الذي حضر من جهة الخليفة وأصلح بينهم على ذلك ورجع كل منهم إلى مقره.

ثم اغتال المعز أيبك المستولي على مصر خوشداشه (1) أقطاي الجمدار ، فلما علمت البحرية بذلك هربوا من ديار مصر إلى الشام ، وكان الفارس أقطاي يمنع أيبك من الاستقلال بالسلطنة ، وكان الاسم للأشرف موسى فلما قتل أقطاي استقل المعز بالسلطنة وأبطل الأشرف موسى منها بالكلية ، وبعث به إلى عماته. والأشرف آخر من خطب له من بيت أيوب بالسلطنة في مصر.
ولما وصلت البحرية إلى الناصر يوسف صاحب الشام أطمعوه في ملك مصر فرحل من دمشق بعسكر ونزل الغور وأرسل إلى غزة عسكرا فنزلوا بها وبرز المعز أيبك صاحب مصر إلى العباسية ، ومشى نجم الدين الباذرائي في الصلح بين المصريين والشاميين واتفقت الحال أن يكون للناصر الشام جميعه الى العريش ويكون الحد بين الورادة والعريش ، وقتلت شجرة الدر المعز أيبك التركماني الصالحي ، وكانت امرأة أستاذه الملك الصالح أيوب ثم تزوج بها ، وكان سبب ذلك أنه بلغها أن المعز أيبك قد خطب بنت بدر الدين لولو صاحب الموصل فقتلته في الحمام ، ونصبوا نور الدين علي بن المعز أيبك ولقبوه الملك المنصور سلطانا على مصر والشام.
ونقل إلى الناصر يوسف صاحب دمشق أن البحرية يريدون أن يفتكوا به فاستوحش منهم وتقدم إليهم بالانتزاح عن دمشق فساروا إلى غزة ، فأرسل عسكرا في أثرهم فكبس البحرية ذلك العسكر ونالوا منه. ثم إن عسكر الناصر بعد الكبسة كسروا البحرية فانهزموا إلى البلقاء وإلى زعر ملتجئين إلى المغيث صاحب الكرك ، فأنفق فيهم المغيث أموالا جليلة وأطمعوه في ملك مصر فجهزهم بما احتاجوه. وسارت البحرية إلى جهة مصر وخرجت عساكر مصر لقتالهم ، والتقى المصريون مع البحرية وعسكر المغيث ، فانهزم عسكر المغيث والبحرية ، وفيهم بيبرس البندقداري إلى جهة الكرك. وكان المغيث خيم بغزة وجمع الجموع ومعه البحرية وخرجت عساكر مصر مع مماليك المعز أيبك فالتقى الفريقان فكانت الكسرة على المغيث ومن معه فولى منهزما إلى الكرك في أسوإ حال.
__________________
(1) الخوشداش : المصاحب وهي كلمة فارسية.

هولاكو التتري
وبينا كان آخر ملوك الشام ومصر من بني أيوب يتنازعون مع المماليك البحرية وقد خرجت مصر عن حكم الأيوبيين ، وكانت دخلت في حكمهم أولا فأسسوا هناك بنيانها ولما انهار البناء كانت البنية الأولى أول ما هدمت وبقيت بعدها الأطراف وهي الشام وما إليها مدة قليلة جاء هولاكو التتري (656) واستولى على بغداد وقتل الخليفة المستعصم بالله وقرض الخلافة العباسية ، ثم أخذ التتر يتقدمون إلى الجزيرة فأرسل الناصر يوسف صاحب دمشق ولده العزيز محمد وصحبته زين الدين محمد المعروف بالحافظي بتحف وتقادم (هدايا) إلى هولاكو ملك التتر ، وصانعه لعلمه بعجزه عن ملتقى التتر ، وكان بين البحرية بعد هزيمتهم من المصريين وبين عسكر الناصر يوسف صاحب دمشق ومقدمهم مجير الدين بن أبي زكري مصاف بظاهر غزة انهزم فيه عسكر الناصر يوسف وأسر مجير الدين ، وقوي أمر البحرية بعد هذه الكسرة وأكثروا العيث والفساد ، وسار الناصر يوسف ، وقد عرف ما تم على جنده ، ومعه صاحب حماة بعسكره إلى جهة الكرك ، وأقام على بركة زيزاء محاصرا للمغيث صاحب الكرك بسبب حمايته البحرية ، فقبض المغيث على من عنده من البحرية ، وعلم ذلك في الحال ركن الدين بيبرس البندقداري فهرب في جماعة من البحرية ، ووصل بهم إلى الناصر يوسف فأحسن إليهم ، وقبض المغيث على من بقي عنده من البحرية وأرسلهم إلى الناصر فبعث بهم إلى حلب فاعتقلوا بها ، واستقر الصلح بين الناصر وبين المغيث صاحب الكرك.
وقدم هولاكو (657) إلى شرقي الفرات ونازل حران وملكها واستولى على الديار الجزرية وأرسل ولده سموط إلى الشام فوصل إلى ظاهر حلب وكان الحاكم فيها المعظم توران شاه نائبا عن ابن أخيه الناصر يوسف ، فخرج عسكر حلب لقتالهم وخرج المعظم ولم يكن من رأيه الخروج إليهم ، وأكمن لهم التتر في باب الله فتقاتلوا عند بانقوسا فاندفع التتر قدامهم حتى خرجوا عن البلد. ثم عادوا عليهم وهرب المسلمون طالبين المدينة والتتر يقتلون فيهم ، اختنق في أبواب البلد جماعة من المنهزمين ، ثم رحل التتر إلى عزاز فتسلموها

بالأمان ، ولما بلغ الناصر يوسف قصد التتر حلب برز من دمشق (658) إلى برزة وجفل الناس بين أيدي التتر ، وسار من حماة إلى دمشق المنصور صاحب حماة ونزل معه ببرزة وكان هناك مع الناصر يوسف بيبرس البندقداري فاجتمع عند الناصر ببرزة أمم عظيمة من العساكر والجفال ، وبلغ الناصر أن جماعة من مماليكه قد عزموا على اغتياله والفتك به فهرب من الدهليز إلى قلعة دمشق ، وبلغ مماليكه الذين قصدوا ذلك علمه بهم فهربوا إلى جهة غزة ، وكذلك سار بيبرس البندقداري إلى غزة وأشاع المماليك الناصرية أنهم لم يقصدوا قتل الناصر إنما كان قصدهم أن يقبضوا عليه ويسلطنوا أخاه الظاهر غازي ، ولما جرى ذلك هرب الظاهر هذا خوفا من أخيه الناصر فوصل إلى غزة واجتمع عليه من بها من العساكر وأقاموا سلطانا ، وكاتب بيبرس البندقداري المظفر قطز صاحب مصر فبذل له الأمان ووعده الوعود ففارق بيبرس الشاميين وسار إلى مصر في جماعة من أصحابه.
وسبب استيلاء التتر على حلب أن هولاكو عبر الفرات بجموعه ونازل حلب وأرسل إلى الملك المعظم تورانشاه نائب السلطنة يقول له : إنكم تضعفون عن لقاء المغل ونحن قصدنا الناصر والعساكر ، فاجعلوا لنا عندكم بحلب شحنة وبالقلعة شحنة ، ونتوجه نحن إلى العسكر ، فإن كانت الكسرة على الإسلام كانت البلاد لنا ، وتكونون قد حقنتم دماء المسلمين ، وإن كانت الكسرة علينا كنتم مخيرين في الشحنتين ، إن شئتم طردتموهما وإن شئتم قتلتموهما ، فلم يجب المعظم إلى ذلك وقال : ليس لكم عندنا إلا السيف. فتعجب هولاكو من هذا الجواب وتألم ، لما علم من هلاك أهل حلب بسبب ذلك.
وأحاط التتر بحلب وقتلوا مقتلة عظيمة حتى لم يسلم من أهلها إلا من التجأ إلى دار شهاب الدين بن عمرون ودار نجم الدين أخي مردكين ودار البازيار ودار علم الدين قيصر وخانقاه زين الدين الصوفي وكنيسة اليهود وذلك لفرمانات كانت بأيديهم. وقيل أنه سلم بهذه الأماكن ما يزيد على خمسين ألف نفس. ونازل التتر القلعة وحاصروها وبها المعظم ومن التجأ إليها من العسكر واستمر الحصار عليها ومضايقة التتر لها نحو شهر ثم سلمت بالأمان، وأمر هولاكو أن يمضي كل من سلم إلى داره وأن لا يعارض وجعل النائب

بحلب عماد الدين القزويني.
قال ابن العديم : واحترز نواب حلب وجمعوا أهل الأطراف والحواضر واجتمعوا كلهم داخل البلد ، وكانت حلب في غاية الحصانة والقوة لأسوارها المحكمة البناء وقلعتها العظيمة، ولم يكن في ظن أحد أنها تؤخذ بسرعة قال : وخرج العوام والسوقة واجتمعوا كلهم بجبل بانقوسا ووصل جمع التتر إلى أسفل الجبل ، وكمنوا على القرية المعروفة ببابلا ثم كر التتر منهزمين ثم رجعوا وقتلوا من المسلمين جمعا كثيرا من الجند والعوام. وقتل هولاكو في حلب أكثر ممن قتل في بغداد. وقال ابن تغري بردي : إن هولاكو حاصر حلب ستة أيام ثم أوقع بها خمسة أيام حتى لم يبق بها أحد ، ووصل إلى هولاكو على حلب الملك الأشرف صاحب حمص موسى بن إبراهيم فأكرمه وأعاد عليه حمص ، ثم رحل هولاكو إلى حارم وطلب تسليمها فامتنعوا أن يسلموها لغير فخر الدين والي قلعة حلب فأحضره هولاكو وسلموها إليه ، فغضب هولاكو من ذلك وأمر بهم فقتل أهل حارم عن آخرهم وسبى النساء ، ثم رحل هولاكو إلى الشرق وجعل مكان عماد الدين القزويني بحلب رجلا أعجميا وأمر هولاكو بخراب أسوار قلعة حلب وأسوار المدينة فخربت عن آخرها وأمر الأشرف موسى صاحب حمص بإخراب سور قلعة حماة فخربت وأحرقت زردخانتها ، ولم تخرب أسوار المدينة لأنه كان بحماة رجل يقال له إبراهيم بن الفرنجية بذل لخسرو شاه نائب هولاكو في حلب جملة كثيرة من المال وقال : الفرنج قريب منا في حصن الأكراد ومتى خربت أسوار المدينة لا يقدر أهلها على المقام فيها ، فأخذ منه المال ولم يتعرض لخراب الأسوار وكان قد أمر هولاكو الأشرف موسى صاحب حمص بخراب قلعة حمص أيضا فلم يخرب منها إلا شيئا قليلا لأنها بلده ، وأما دمشق فإن نائب هولاكو قدم إلى أهلها بالفرمان والأمان فتلقاه كبراء المدينة وأنفذت مفاتيح دمشق إلى هولاكو. قال سبط ابن الجوزي : وكثرت الأراجيف بدمشق بسبب التتر فهرب كثير من الدمشقيين وباعوا أصلهم وخرجوا على وجوههم متفرقين في البراري والجبال والحصون ، وصادف ذلك أيام الشتاء وقوة البرد فمات كثير منهم ونهب آخرون. وقال القلقشندي في كلامه على البيت الهولاكوهي :

ولو تمكنوا من دمشق لمحوا آثارها وأنسوا أخبارها ، وأن ملكها يومئذ صاهر صاحب قبرس ليتقوى به.
ولم يتعرض عسكر هولاكو الى قتل ولا نهب وعصت قلعة دمشق عليه فحاصرها التتر، وجرى على أهل دمشق بسبب عصيان القلعة شدة عظيمة ، ثم تسلموا القلعة بالأمان ونهبوا جميع ما فيها ، وجدوا في خراب أسوار القلعة وإعدام ما بها من الزردخانات والآلات ، ثم توجهوا إلى بعلبك ونازلوا قلعتها وأخذوا نابلس بالسيف وتسلموا قلعة عجلون واستولوا على قلاع الصلت وعجلون وصرخد وبصرى والصبيبة وهدموها ووقعوا على العرب عند زيزاء وحسبان فهزموهم ، وغنموا أولادهم ونساءهم وأنعامهم واستاقوا الجميع ، وهرب سلطان تلك الأرجاء الناصر يوسف بن محمد إلى البراري فساقوا خلفه وأخذوه ثم قتلوه. واستولى التتر من أرض الفرنج على صيدا ونهبوها وأسروا منها ثلاثمائة أسير. وعاثوا في حوران ونابلس وبلغت غاراتهم غزة وبيت جبريل والخليل والصلت وما إليها وجاءوا بالأسرى إلى دمشق فمنهم من افتدى نفسه ومنهم من هرب.
وظل التتر يتنقلون في الشام حتى فتحوه إلى غزة واستقرت شحائنهم فيه لأن الناصر صاحب دمشق لما بلغه أخذ حلب رحل من دمشق في عسكره إلى الديار المصرية وفي صحبته المنصور صاحب حماة ، فلما رأى كبراء حماة تخلي ملكهم عنهم توجهوا إلى حلب ومعهم مفاتيح بلدهم وحملوها إلى هولاكو وطلبوا منه الأمان لأهل حماة وشحنة تكون عندهم فأمنهم هولاكو وأرسل إلى حماة شحنة رجلا أعجميا اسمه خسروشاه فقدم حماة وأمن الرعية. واستولى التتر (658) على ميافارقين بعد أن حاصروها سنتين حتى فنيت أزوادهم وفني أهلها بالوباء والقتل فقتلوا صاحبها الكامل محمد بن المظفر ابن العادل أبي بكر بن أيوب وحملوا رأسه على رمح وطافوا به في الأرجاء فمروا بحلب وحماة ودمشق بالمغاني والطبول وعلقوه في شبكة بسور باب الفراديس إلى أن عادت دمشق إلى المسلمين.
قال الذهبي : إن نصارى دمشق شمخت أثناء مجيء هولاكو إلى البلاد ورفعوا الصليب في البلد وألزموا الناس بالقيام له من الحوانيت ، ونقضوا العهد

وصاحوا : ظهر الدين الصحيح دين المسيح. فلما انتصر المسلمون على هولاكو على عين جالوت بين بيسان ونابلس وقتل مقدمهم كتبغا جاء الخبر إلى دمشق في الليل فوقع النهب والقتل في النصارى وأحرقت كنيستهم العظمى. وقال أبو الفداء : إن النصارى استطالوا بدمشق على المسلمين بدق النواقيس وإدخال الخمر إلى الجامع. قال في المذيل : إن النصارى بدمشق قد شمخوا بسبب دولة التتر وتردد ايل شبان وغيره من كبارهم إلى كنائسهم، وذهب بعضهم إلى هولاكو وجاء من عنده بفرمان لهم اعتناء منهم وتوجه في حقهم ، ودخلوا به البلد من باب توما وصلبانهم مرتفعة وهم ينادون حولها بارتقاء دينهم دون دينالإسلام ، ويرشون الخمر على الناس بأبواب المساجد ، فركب المسلمين من ذلك همّ عظيم ، فلما هرب التتر من دمشق أصبح الناس إلى دور النصارى ينهبونها ويخربون ما استطاعوا فيها وخربوا كنيسة اليعاقبة وأخربوا كنيسة مريم حتى بقيت كوما والحيطان حولها تعمل النار في أخشابها ، وقتل منهم جماعة واختفى الباقون وجرى عليهم أمر عظيم اشتفى به بعض الاشتفاء صدور المسلمين ، ثم هموا بنهب اليهود فنهب قليل منهم ثم كفوا عنهم لأنهم لم يصدر منهم ما صدر من النصارى اه.
اجتمعت العساكر الإسلامية بمصر هربا من التتر ، فلما انتظمت أحوالهم واستجمعوا قواهم عزم المظفر قطز مملوك المعز أيبك على الخروج إلى الشام لقتال التتر ، وسار معه صاحب حماة المنصور وأخوه الأفضل علي حتى التقى مع التتر في الغور ، وكان كتبغا نائب هولاكو على الشام ومعه صاحب الصبيبة الملك السعيد فانهزم التتر هزيمة قبيحة على عين الجالوت وقتل مقدمهم كتبغا واستؤسر ابنه وتفرقوا في الأرجاء ومنهم من قصد الشرق فأفناهم المسلمون ، وجرد قطز ركن الدين بيبرس في أثرهم فتبعهم إلى أطراف الأصقاع الشرقية ، وكان في صحبة التتر الملك الأشرف موسى صاحب حمص ففارقهم وطلب الأمان من المظفر قطز فأمنه ، وأقره على ما بيده وهو حمص ومضافاتها ، وأسرا صاحب الصبيبة وضربت عنقه ، وأقر المنصور على حماة وبارين والمعرة وأخذ منه سلمية وأعطاها أمير العرب ، ودخل دمشق فتضاعف شكر المسلمين على هذا النصر العظيم ، فإن القلوب كانت قد يئست من النصرة على التتر

لاستيلائهم على معظم ديار الإسلام ، ولأنهم ما قصدوا إقليما إلا فتحوه ، وما تواقعوا مع عسكر إلا هزموه. قال ابن أبي شامة : ومن العجائب أن التتر كسروا وأهلكوا بأبناء جنسهم من الترك وقيل في ذلك :
غلب التتار على البلاد فجاءهم
    من مصر تركي يجود بنفسه
  بالشام أهلكهم وبدد شملهم
    ولكل شيء آفة من جنسه
  وقد رتب المظفر قطز شمس الدين أقوش البرلي أميرا بالسواحل وغزة وجهز عسكرا إلى حلب لحفظها ، وفوض نيابة السلطنة بدمشق إلى الأمير علم الدين سنجر الحلبي ونيابة السلطنة بحلب إلى الملك السعيد بن بدر الدين لولو صاحب الموصل ولما استقر هذا في نيابة حلب سار سيرة رديئة وكان دأبه التحيل على أخذ مال الرعية.
مقتل المظفر قطز وسلطنة الظاهر بيبرس وأحداث :
سار الملك المظفر قطز إلى مصر بعد أن ظفر بالتتر ورد فلّهم إلى الشرق وكان اتفق بيبرس البندقداري وبعض أعيان الدولة على قتله ، فساروا معه وقتلوه في القصير وتسلطن بيبرس البندقداري وتلقب بالملك الظاهر ، ودخل مصر ففتحت له واستقرت قدمه في المملكة. ولما بلغ نائب السلطنة بدمشق علم الدين سنجر قتل قطز وسلطنة الظاهر جمع الناس وحلفهم لنفسه بالسلطنة ، فأجابوه إلى ما أرادهم عليه ، ولم يتأخر عنه أحد ولقب نفسه الملك المجاهد وخطب له بالسلطنة وضربت السكة باسمه وكاتب المنصور صاحب حماة في ذلك فلم يجبه وقال صاحب حماة : أنا مع من يملك الديار المصرية كائنا من كان. أما السعيد نائب السلطنة بحلب فحمله أمراؤها إلى الشغر وبكاس معتقلا لما اندفع العسكر الحلبي من بين أيدي التتر على البيرة ، وقدموا عليهم حسام الدين الجوكندار العزيزي. ثم سار التتر إلى حلب وملكوها وأخرجوا أهلها إلى قرنبيا شرقي حلب ، فأفنوا غالبهم بالسيف ، واستولوا على اعزاز وخربوا قلعتها ، واستولوا على حارم وقتلوا أهلها عن آخرهم وسبوا النساء ، وملكوا حلب وأعمالها نحو أربعة أشهر. وقارب التتر حماة فخرج منها صاحبها وباقي العسكر واجتمعوا بحمص مع سائر الأجناد فوقع بين التتر

وعساكر المسلمين مصاف في حمص ، وكان التتر أكثر من المسلمين فانهزم التتر وهاموا على وجوههم إلى أفامية ومنها إلى الشرق ، ومنهم من دخل في خدمة المسلمين. وجهز الملك الظاهر (659) صاحب مصر عسكرا إلى الشام لقتال علم الدين سنجر المستولي على دمشق ، فخرج هذا لقتالهم فانهزم إلى جهة بعلبك فتبعه العسكر وقبضوا عليه وحمل إلى الديار المصرية فاعتقل ثم أطلق واستقرت دمشق في ملك الظاهر بيبرس ، وأقيمت له الخطبة بها وبحلب وحمص وغيرها ، ثم استقر أيدكين البندقداري الصالحي في دمشق لتدبير أمورها. وفي سنة (660) وصل من مصر إلى دمشق عسكر مقدمه الأمير عز الدين الدمياطي وقبض على علاء الدين طيبرس الوزيري نائب السلطنة بدمشق وقبض حواصله ، وكان طيبرس قد أهلك أهل دمشق بإخراجهم من بلدهم والترسيم عليهم وإخراج عيالهم وإهانتهم ، وضيق على الناس وخوفهم من التتر.
ولما بلغ هولاكو وهو في بلاد العجم كسرة عسكره بعين جالوت وقتل نائبه كتبغا ثم كسرة عسكره على حمص ثانيا غضب من ذلك وأحضر الناصر ابن أيوب وأخاه الظاهر غازي وكانا في أسره وقال للناصر : أنت قلت إن عسكر الشام في طاعتك فغدرت بي وقتلت المغول فقال الناصر : لو كنت في الشام ما ضرب أحد في وجه عسكرك بالسيف ومن يكون ببلاد توريز كيف يحكم على بلاد الشام؟ فضربه هولاكو. فقال الناصر : يا خوند (1) الصنيعة ، فنهاه أخوه الظاهر وقال : قد حضرت ثم رماه فقتله. ثم أمر بضرب رقاب الباقين فقتلوا الظاهر أخا الناصر والصالح ابن صاحب حمص والجماعة الذين كانوا معهم واستبقوا العزيز بن الناصر لأنه كان صغيرا. وكان الملك الناصر يوسف هو آخر من ملك دمشق من بني أيوب. قبض عليه لما دخل دمشق جيش هولاكو فجهز وولده وأخوه ومعهم جماعة من أعيان أهل دمشق إلى مخيّم هولاكو فأمر بقتلهم.
والملك الناصر هو صاحب حلب تملك حرّان والرّها والرقة ورأس عين
__________________
(1) الخوند : السيد ، معرب خداوند.

وحمص ودمشق وبعلبك والأغوار والسواحل إلى غزة ، وعظم شأنه وكسر عساكر مصر وخطب له بمصر وكان قد غلب على الديار المصرية لو لا هزيمته وقتل مدبره شمس الدين لولو الأرمني ومخامرة مماليك أبيه العزيزية. وكان الناصر حليما وتجاوز به الحلم إلى حد أضرّ بالمملكة فكان إذا حضر إليه القاتل عفا عنه وقال : الحيّ أفضل من الميت. فانتشرت اللصوصية وأصبح المسافر في أيامه من دمشق إلى حماة وغيرها لا يقدر على السفر إلا برفقة من العسكر ، وكثر طمع العرب والتركمان في أيامه.
وبقتل الناصر والظاهر قلّ الرجال الذين يصلحون للملك من آل أيوب وضعفت عصبيتهم وأنصارهم من الأكراد وغيرهم ، وكان انقراضهم بيد المماليك البحرية الذين غذوا بنعمتهم فلم يعرفوا لهم بيض أياديهم وبيد السفاك هولاكو وجماعة من التتر. وكان شأن بني أيوب في هذا المعنى شأن بني عباس مع الأتراك أدخلوهم في خدمتهم وأحسنوا إليهم ورفعوا منزلتهم وولوهم الأعمال ، فما كان منهم إلا أن نقضوا بنيان تلك الدولة وفتحوا السبيل لعدوها يستبيح حماها ويستصفي أرضها.
ولم يشبع المغول بما سفكوا من الدماء ، وعادوا سنة (659) إلى حلب فانهزم جميع أهل القرى والمدن فتقدم قائدهم أن يخرج أهل القرى والمدن إلى ظاهر البلد ويبقى أهل كل مدينة وقرية بمعزل بحيث يعدّونهم ويسيّرون كل قوم إلى مكانهم وموطنهم ، ويسلمهم المغول كأنهم يسيرون إلى ضياعهم وعند ما يبعدون يقولون لهم : أنتم لو كانت قلوبكم معنا صافية لما انهزمتم من قدامنا فقتلوهم عن آخرهم ولم يفلت منهم غير أهل حلب لأنهم لم ينتقلوا عنها.
حروب الظاهر وفتوحه :
وكان الملك الظاهر صاحب مصر والشام بين عاملين في خلال هذه المدة. عامل دفع المغول وعامل دفع الصليبيين ، والغالب أنه ترجح عنده معاناة الثاني فأفلح فيه. وقد جهز سنة (659) من مصر بدر الدين الأيدمري فتسلم الشوبك من المغيث صاحب الكرك ثم سير حملة إلى حلب (660) وكان مقدمهم

شمس الدين سنقر الرومي فأمنت بلاد حلب وعادت إلى الصلاح بعد إفساد المغول فيها ، ثم أوعز إلى صاحب حماة وصاحب حمص وسنقر الرومي أن يسيروا إلى أنطاكية للإغارة عليها ، فساروا إليها ونهبوها ولم يتيسر لهم فتحها. وقبض الظاهر على نائبه بدمشق علاء الدين طيبرس الوزيري وكان رديء السيرة في أهل دمشق حتى نزح عنها جماعة كثيرة من ظلمه، وقتل الظاهر صاحب الكرك المغيث بتهمة أنه كتب إلى التتر يطمعهم في ملك مصر والشام وقيل : لأنه أكره امرأة الملك الظاهر لما قبض المغيث على البحرية وأرسلهم الى الناصر يوسف صاحب دمشق ، وهرب الظاهر وبقيت امرأته في الكرك ، فانتقم الظاهر منه بأن أسلمه إلى زوجته في قلعة الجبل بمصر وأمرت جواريها فقتلته بالقباقيب.
وفي سنة (661) أرسل الظاهر وهو نازل على الطور عسكرا هدموا كنيسة الناصرة وأغاروا على عكا فغنموا وعادوا ، ثم ركب الظاهر بنفسه وأغار ثانية على عكا وهدم برجا كان خارج البلد. وأغار صاحب سيس على العمق والمعرة وسرمين والفوعة. ومات هذه السنة الملك الأشرف صاحب حمص وكان آخر من ملكها من بيت شيركوه فانقرض بموته ملكهم ، وأولهم شيركوه بن شاذي. وكانت بقيت في أيدي الإسماعيلية إلى آخر سنة (662) ثمان قلاع بالشام وهي الكهف والعليقة والقدموس والخوابي والمينقة ومصياف والرصافة والقليعة. وروى ابن ميسر أن التتر لما ملكوا الشام سلموا إليهم أربع قلاع ، فلما كسرهم قطز عادت الأربع قلاع إليهم فتسلمها رئيسهم وقتل أصحابه الذين سلموها للتتر قال : وكان الضرر على المسلمين وملوكهم منذ خرج ابن صباح وإلى سنة بضع وعشرين وستمائة عظيما. وقد استخدمهم الظاهر في قتل صاحب مرقبة والأمير ادوارد من أمراء انكلترا.
وفي سنة (663) سار الملك الظاهر من مصر ونازل قيسارية وضايقها وفتحها من الفرنج وأمر بها فهدمت ، ثم سار إلى أرسوف ونازلها وفتحها وفتح القليعات (664) وحلبا وعرقة ونزل على صفد وضايقها وفتحها ثم قتل أهلها عن آخرهم. وجهز عسكرا ضخما من دمشق وقدم عليهم المنصور صاحب حماة وأمرهم بالمسير إلى عمالة الأرمن فانهزموا وأسر ابنان لصاحبهم وامتلأت

أيدي العسكر الإسلامي من الغنائم. وعند ما توجه الملك الظاهر من دمشق لملتقى عساكره العائدة من غزوة سيس أصدر أمره لما نزل على قارا بين دمشق وحمص بنهب أهلها وقتل كبارهم فنهبوا وقتل منهم جماعة ، وكانوا نصارى يسرقون المسلمين ويبيعونهم خفية من الفرنج. وأخذت صبيانهم مماليك فتربوا بين الترك في الديار المصرية فصار منهم أجناد وأمراء. وشنّ الظاهر الغارة على الفرنج (665) من أطرافهم واستدعى بالمجانيق من دمشق. وفي سنة (666) توجه الملك الظاهر بعساكره المتوافرة من مصر إلى الشام ففتح يافا من الفرنج وهدمها وقلعتها وملك الباشورة بالسيف وعوض أهل القلعة أربعين ألف درهم ، ثم قصد قلعة الشقيف شقيف تيرون فنزل تحتها في وادي العواميد وحاصرها فلم يقدر على أخذها ، ثم صعد إلى أعلاها وكشف ماءها وبعد هزيع من الليل ذبح في قناتها عدة من الغنم والبقر وقطع كروشها ورماها فيها ، فلما أصبحوا وجدوا ماءهم منتنا وهو دم عبيط فسلموها بعد حصار عشرة أيام ، ووجد بها أربعمائة وثمانين رجلا فأرسلهم إلى الفرنج في صور ، ورتب عليها قوما من جماعته وبنى برجا على باب القلعة.
ثم أغار الظاهر على طرابلس فقطع أشجارها وغور أنهارها وضرب أربعا وعشرين من قراها ، فانهالت عليه المردة من الجبال فذهب إلى حصن الأكراد ، ومن هناك زحف على أنطاكية فنازلها بغتة ، وبعد حصار أربعة أيام ملكها بالسيف فقتل أهلها وأحرق كنائسها وغنم منها أموالا كثيرة ، وأحصي من قتل بأنطاكية هذه المرة فكانوا نيفا وأربعين ألفا ، ثم أطلق من كان بها من الأسرى ، وفي رواية أنه قتل من حماتها بين 16 و 17 ألف صليبي وأخذ مئة ألف أسير وأحرقها وقلعتها ، ونال من غنائمها ما لا يدخل تحت حصر ، وخرج جماعة من أهلها يطلبون الأمان وشرطوا شروطا لم يجب الظاهر إليها وزحف عليها فملكها. وكانت أنطاكية للبرنس بيمند بن بيمند وله معها طرابلس ، ولما فتحت أنطاكية هرب أهل بغراس منها وتركوا الحصن خاليا فأرسل الظاهر واستولى عليه.
ووقع الصلح بين الظاهر وهيتوم صاحب سيس الأرمني على أنه إذا أحضر

صاحب سيس سنقر الأشقر من التتر ، وكانوا أخذوه من قلعة حلب لما ملكها هولاكو ، وسلم مع ذلك بهسنى ودربساك ومرزبان ورعبان وشيح الحديد يطلق له ابنه ليفون الذي كان في أسر الملك الظاهر ، فسلمه صاحب سيس البلاد خلا بهسنى ودخل صاحب سيس على أبغا ملك التتر وطلب منه سنقر الأشقر فأعطاه إياه ، وتسلم الظاهر بلاطنوس من عز الدين عثمان صاحب صهيون ، وأغار (668) على عكا وتسلم حصن مصياف من الإسماعيلية وفتح من حصونهم الكهف والقدموس والمنيقة والعليقة وأمّر عليهم حسن بن المشغراني ، وفرض عليه أن يرفع إليه في كل عام مئة ألف درهم. ونازل السلطان (669) حصن الأكراد فملكه بالأمان وملك حصن عكار بعد حصاره له بالأمان ، فتذلل له صاحب طرابلس وبذل له ما أراد وهادنه عشر سنين وتسلم حصن القرين بالأمان وهدمه. وأغارت التتر على عينتاب وعلى الرّوج وقسطون إلى قرب أفامية ثم عادوا. فاستدعى الظاهر عسكرا من مصر وتوجه بهم إلى حلب ونازل التتر على البيرة وأراد عبور الفرات إلى بر البيرة ونصبوا عليها المجانيق وضايقوها فقاتله التتر على المخاضة فاقتحم الفرات وهزم التتر فرحلوا عن البيرة. وشنّ الغارة (669) بفرقة من العسكر ومعه ولده الملك السعيد بفرقة أخرى على جبلة واللاذقية والمرقب وعرقة والقليعات وحلبا وصافيتا والمجدل وأنطرطوس. وفي سنة (673) توجه السلطان إلى ديار الأرمن ودخلها بعساكره المتوافرة وغنموا ثم عادوا إلى دمشق. وعاد التتر (674) ونازلوا البيرة فتوجه الظاهر إليهم وبلغه رحيلهم وهو بالقطيفة فأتم السير إلى حلب وعاد التتر (675) فزحفوا على الشام وخرج إليهم الظاهر وقاتلهم فكسرهم وقتل منهم خلائق وتبعهم إلى نحو الابلستين فكانت بينهما هناك وقعة قيل إنه قتل فيها من الفريقين نحو مئة ألف إنسان. ثم سار إلى قيسارية واستولى عليها ووصل إلى عمق حارم فدمشق.
وفاة الملك الظاهر وسلطنة ابنه الملك السعيد ثم سلطنة المنصور قلاوون :
توفي الملك الظاهر (676) بعد أن بطش البطشة الكبرى بالصليبيين في الشام ، ودفع عادية المغول عنه ما أمكن ، وغزا الأرمن الذين أصبحوا يبدون

لدولته نواجذ الشر ، فخرب ديارهم وأباد خضراءهم وغضراءهم. وكان ملكا جليلا شجاعا عاقلا مهيبا وصل إلى الملك بقتل آخر ملوك بني أيوب ، وما زال يتدرج في مراتب القوة حتى ملك الديار المصرية والشامية وفتح الفتوح الجليلة. أصله مملوك قبجاقي الجنس وقيل برجعلي وكان ذا همة شماء يتنقل في ممالكه فلا يكاد يشعر به عسكره إلا وهو بينهم ، ولو لا أنه جد في قتال الصليبيين لما كفّر عما أتاه من قتل ابن أيوب ، وبنو أيوب أحبهم الناس على علاتهم لغناء أكثرهم في خدمة الملة والدولة.
ترجم سوبرنهايم في المعلمة الإسلامية للظاهر بيبرس بقوله : إنه كان السبب بتوسيد ملك الشام إلى قطز لما أبلى البلاء الحسن في وقعة عين جالوت فأقطع قطز الأمراء من بني أيوب الإقطاعات التي كانت لهم قبل غارات المغول ، ولكن بيبرس الذي كان يرجو أن توسد إليه حلب مكافأة على شجاعته لم ينل شيئا فعزم على الانتقام لنفسه من هذا الظلم ، فقتل السلطان في الصيد ونادى به زعماء الجند وغيرهم سلطانا ، وكانت المملكة المصرية والشامية محاطة من كل جانب بالأعداء : في الشمال ملك أرمينية المسيحي ، وفي الغرب الصليبيون ينزلون على جميع شاطئ الشام ، وفي الداخل الحشيشية «(الإسماعيلية) الأشداء ، ومن الشرق المغول الطامعون في الغنائم والانتقام ، وفي جنوبي مصر أهل النوبة المجاربون ، وفي الغرب البربر الصعب قيادهم ، وكان يخشى أن ينجم له ناجم في الداخل من بني أيوب ويسمو إلى السلطنة ، فيجد على دعوته أنصارا على أيسر وجه ، فرأى أن يبايع لأحد ذرية بني العباس بالخلافة بعد أن قرضها المغول من بغداد ، فتوفق إلى ذلك وبايع له في مصر ، لأن من مصلحته أن يظهر أمام العالم الإسلامي بأنه حامي الخلافة ، وبذلك أصبح له نفوذ على حكومات مكة والمدينة ، وعرف كيف يداري معظم أمراء الفرنج الشرقيين.
هادن الظاهر الاسبتار بحصن الأكراد والمرقب سنة خمس وستين وستمائة لمدة عشر سنين متوالية وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات على أن يكون النصف من غلات قرى جميع المملكة الحمصية والشيزرية والحموية وبلاد الدعوة للملك الظاهر ، والنصف لبيت الاسبتار. واستقرت الهدنة بين الملك الظاهر بيبرس أيضا وبين ملكة بيروت في سنة سبع وستين وستمائة

حين كانت بيدها لمدة عشر سنين متوالية على أن يكون جميع المترددين من بلاد الملكة إلى بلاد الظاهر وبالعكس آمنين مطمئنين على نفوسهم وأموالهم وبضائعهم برا وبحرا ليلا ونهارا ، وعلى أن الملكة لا تمكن أحدا من الفرنج على اختلافهم من قصد مملكة السلطان من جهة بيروت وما إليها ، وتمنع من ذلك وتدفع كل متطرق بسوء وتكون الأقاليم من الجهتين محفوظة من المتجرمين المفسدين. وعقدت هدنة بين الظاهر وولده الملك السعيد وبين الفرنج الاسبتارية على قلعة لدّ في سنة تسع وستين وستمائة على أن تكون قلعة لدّ والجهات المذكورة إلى آخر الزائد للملك الظاهر ولا يكون لبيت الاسبتار ولا لأحد من الفرنجة فيها تعلق ولا طلب بوجه ولا سبب.
وعقد محالفات مع الملك ما نفريد دي هوهانستوفن ، ثم عقد محالفة مع شارل دانجو وجاك داراغون والفونس دي كاستيل ، وعقد معاهدة مع ميشل باليولوغ الرومي الذي طرد الصليبيين ، وكانت له صلات حسنة مع ملوك السلاجقة في آسيا الصغرى ومع صاحب اليمن. ثم إن الظاهر رأى في الصليبيين أشد الأعداء خطرا على المملكة واستفاد من تفرق كلمتهم وكان المدد الذي يأتيهم من أوروبا قد ضعف ، وكان في موت شارل التاسع إنقاذ بيبرس من أعظم خصومه من الفرنج ، وهكذا فإن الظاهر ظلّ ظافرا بجميع أعدائه ، ولم يتوقف عن شيء لبلوغ غايته ، وكثيرا ما كان يعد وعودا كاذبة ويكتب كتبا مزورة ليحمل فيها قواد الحصون على الاستسلام له ، وكان نجاحه مناط قريحته في التنظيم وسرعته وشجاعته المتناهية ، وكان البريد يدور ويروح في المملكة بسرعة حتى ليصل الخبر من مصر للشام في ثلاثة أيام وكان أسعد سلطانا من سلاطين المماليك وأقدرهم. وروى شمس الدين سامي أن السلطنة الإسلامية صارت ذات بهاء في أيامه وأنه مات مسموما بدمشق.
كان الظاهر قد حلف العسكر لولده بركة بن بيبرس ولقبه الملك السعيد وجعله ولي عهده إلا أنه خبط وخلط وأراد تقديم الأصاغر على الأمراء الأكابر ففسدت نيات الكبار عليه وقرروا خلعه من السلطنة ، بعد أن دخل سيس (677) وشن الغارة عليها وغنم ، فحصره العسكر في قلعة الجبل بالقاهرة فخلع نفسه على أن يعطى الكرك فأجابوه إلى ذلك فلحق بها وهلك بعد قليل.

واتفق الأمراء لما خلع الملك السعيد نفسه على إقامة بدر الدين سلامش ابن الظاهر بيبرس في المملكة ، ولقبوه العادل ، وعمره إذ ذاك سبع سنين وشهور ، ثم خلعوه وأجلسوا على تخت السلطنة الملك المنصور قلاوون الصالحي. ولما اضطرب أمر المملكة استأثر بالشام سنقر الأشقر الذي كان الظاهر اشترط على صاحب سيس أن يتوسط لدى ملك التتر لإطلاقه من الأسر ففعل ، ونسي سنقر هذه اليد للظاهر ، وجلس على سرير السلطنة بدمشق وحلف له الأمراء والعسكر وتلقب بالملك الكامل شمس الدين سنقر ، فجهز المنصور قلاوون عساكر الديار المصرية مع علم الدين سنجر ، فبرز سنقر بعساكر الشام إلى ظاهر دمشق ، والتقى الفريقان فولى الشاميون وسنقر منهزمين ، فجعل الأمير لاجين المنصوري نائب السلطنة بالشام ، وهرب سنقر الأشقر إلى الرحبة وكاتب أبغا بن هولاكو ملك التتر وأطمعه في هذه الديار ، وكان عيسى بن مهنا ملك العرب في الشام مع سنقر الأشقر وقاتل معه وكتب بذلك إلى أبغا أيضا ، موافقة له ، ثم سار سنقر الأشقر من الرحبة إلى صهيون واستولى عليها وعلى برزيه وبلاطنس والشغر وبكاس وعكار وشيرز وأفامية وصارت هذه القلاع له.
وأحرق (677) عسكر الشام عمالة الغرب وجبيل وبيروت وذلك أن قطب الدين السعد بعد أن استقطع قرية كفر عمية من أمراء الغرب آل تنوخ وجد فيها ذات يوم مقتولا فاتهم بقتله نجم الدين بن جحى وكان أبوه وذو قرابته معتقلين في مصر فتوجهت اليه العساكر والعشران من ولاية بعلبك والبقاع وصيدا وبيروت وأحرقت قراه ، وتفرق التنوخيون أيدي سبا إلى أن أمنهم الملك فرجعوا إلى مساقط رؤوسهم.
وجاء التتر إلى حلب (679) فعاثوا وقتلوا من كان بظاهرها وملكوا ضياعها ونهبوا وسبوا وأحرقوا الجامع والمدارس المعتبرة ودور السلطنة والأمراء وأقاموا بها يومين وعادوا من حيث أتوا ، فهب الملك المنصور قلاوون إلى غزة لدفعهم فرحلوا قبل أن يوافيهم ، قال ابن أبي الحديد : وكانت للتتر نهضات وسرايا كثيرة إلى الشام ، قتلوا ونهبوا وسبوا فيها حتى انتهت خيولهم إلى حلب ، فأوقعوا بها وصانعهم عنها أهلها وسلطانها ، ثم عمدوا إلى بلاد كي خسرو صاحب الروم فجمع لهم هذا قضه وقضيضه وجيشه ولفيفه ،

واستكثر من الأكراد العتمرية من عساكر الشام وجند حلب فيقال إنه اجتمع مائة ألف فارس وراجل فلقيه التتر في عشرين ألفا ، فجرت بينه وبينهم حروب شديدة قتلوا فيها مقدمته ، وكانت المقدمة كلها أو أكثرها من رجال حلب وهم أنجاد أبطال فقتلوا عن آخرهم وانكسر العسكر الرومي ، وهرب صاحب الروم حتى انتهى إلى قلعة له على البحر تعرف بأنطاكية فاعتصم بها ، وتمزقت جموعه وقتل منهم عدد لا يحصى.
واستأذن نائب السلطنة بحصن الأكراد في الإغارة على المرقب لما اعتمد أهله من الفساد عند وصول التتر إلى حلب فأذن له السلطان في ذلك ، فجمع عساكر الحصون فاتفق هروب المسلمين ونزول الفرنج من المرقب فقتلوا من المسلمين جماعة. وترددت الرسل بين السلطان وسنقر الأشقر ، واحتاج السلطان لمصالحته لقوة التتر وتفاديا من الاشتغال بالعدو الداخلي والعدو الخارجي ، ووقع بينهما الصلح على أن يسلم سنقر قلعة شيزر إلى السلطان ويتسلم سنقر الشغر وبكاس ، وكانتا قد ارتجعتا منه وحلفا على ذلك واستقر الصلح بينهما ، كما استقر الصلح بين المنصور قلاوون وبين خضر بن الظاهر بيبرس صاحب الكرك.
وبعد أن استقر الصلح بين الأميرين المتوثبين على السلطنة كان المصاف العظيم (680) بين المسلمين وبين التتر بظاهر حمص ، فجمع قلاوون العساكر من مصر والشام ومن جملتهم عسكر سنقر الأشقر ، وجاء الأمراء كلهم في جيوشهم ، وكان التتر في ثمانين ألف فارس وفي رواية مائة ألف منهم خمسون ألفا من المغول والباقي حشود وجموع من أجناس مختلفة مثل الكرج والأرمن والعجم وغيرهم ، والمسلمون في خمسين ألفا فانهزم التتر وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون. وعقد قلاوون هدنة مع المقدم افرتر كليام ديباجون مقدم بيت الداوية بعكا والساحل وبين جميع الإخوة الداوية بأنطرطوس لمدة عشر سنين ، لا ينال بلاده ولا بلاد ولده ولا حصونهما ولا قلاعهما ولا ضياعهما ولا عساكرهما ولا عربهما ولا تركمانهما ولا أكرادهما ولا رعاياهما على اختلاف الأجناس ضرّ ولا سوء ولا غارة ولا تعرض ولا أذية.
وسارت العساكر الإسلامية إلى فتح جبهة بشري (681) وحاصروا إهدن

حصارا شديدا وبعد أربعين يوما ملكوها فنهبوا وقتلوا وسبوا وهدموا القلعة التي في وسط القرية والحصن الذي على رأس الجبل ، وفتحوا بقوفا وقضوا على أكابرها وهدموها وضربوا حصرون وكفر حارون وخربوا حدث البشري وبنوا برجا قبالة المغارة ووضعوا فيه عسكرا يكمنون للعصاة وهدموا جميع الأماكن العاصية وملكوا قلعة حوفا بتسليط الماء عليها من فوقها فملكوها بقوة الماء لأنها داخلة الشير. وتوجهت العساكر أيضا إلى أرض الأرمن فخربت فيها وسبت عقوبة لهم عمّا أتوه من معاونة المغول على المسلمين.
وقصد المغول دمشق في سنة (683) ثم ذهبوا إلى وادي التيم فأحرقوها وسبوا أهلها وقتلوا منهم سبعمائة نفس وملكوها وفتح السلطان حصن المرقب (684) بعد أن نقب جنده حصنها بسرعة ، وكان هذا الحصن للاسبتار فنزل أهله بالأمان. في هذه السنة عقد الملك المنصور وولي عهده الملك الصالح وولده الأشرف صلاح الدين هدنة مع دام مرغريت بنت سير هنري ابن الابرنسي مالكة صور جاء في كتابها وليس للفرنج أن يجددوا في غير عكا ، وعثليث وصيدا مما هو خارج عن الأسوار في هذه الجهات الثلاث سورا لا قلعة ولا برجا ولا حصنا قديما ولا مستجدا ، وعلى أن شواني مولانا السلطان وشواني ولده إذا عمرت وخرجت لا تتعرض بأذية إلى البلاد الساحلية التي انعقدت الهدنة عليها ، وإذا قصدت الشواني المذكورة جهة غير هذه الجهات وكان صاحب تلك الجهة معاهدا للحكام بمملكة عكا فلا تدخل إلى البلاد التي انعقدت عليها الهدنة ولا تتزود منها ، وإن لم يكن صاحب تلك الجهة التي تقصدها الشواني معاهدا للحكام بمملكة عكا فلها أن تدخل إلى بلادها وتتزود منها ، وإن انكسر شيء من هذه الشواني والعياذ بالله في مينا من المواني التي انعقدت الهدنة عليها وسواحلها فإن كانت قاصدة إلى من له مع مملكة عكا أو مع من له عهد فيلزم كفيل المملكة بعكا ومقدمي البيوت بحفظها وتمكين رجالها من الزوادة وإصلاح ما انكسر منها والعود إلى بلاد إسلامية ويبطل حركة ما انكسر منها إو يرميه في البحر ، فإن لم يكن للذي تقصده الشواني معهم عهد وانكسرت فلها أن تتزود وتعمر رجالها من البلاد المنعقدة عليها الهدنة وتتوجه إلى الجهة المرسوم بقصدها ويعتمد هذا الفصل من الجهتين. وفتح

حصن الكرك (685) بالأمان وجهز عسكرا كثيفا من العساكر المصرية والشامية إلى قلعة صهيون فتسلمها من سنقر الأشقر بالأمان. ثم سار جيش السلطان إلى اللاذقية ، وكان بها برج للفرنج يحيط به البحر من جميع جهاته ، فركب طريقا إليها في البحر بالحجارة وحاصروا البرج وتسلموه بالأمان وهدموه وفتح طرابلس (688) ، وكان البحر يحيط بغالب أطراف هذه المدينة ولا تقاتل إلا من جهة الشرق ، ولما نازلها نصب عدة منجنيقات كبيرة وصغيرة وألح عليها بالحصار ففتحها بالسيف ، ودخلها العسكر عنوة بعد حصار 33 يوما ، فهرب أهلها إلى المينا وركبوا في المراكب وقتل غالب رجالها وسبيت ذراريهم ، وغنم منهم المسلمون غنيمة عظيمة ، وأمر السلطان فهدمت طرابلس ودكت إلى الأرض. وكان في البحر قريبا من طرابلس جزيرة وفيها كنيسة تسمى كنيسة سنطماس وبينها وبين طرابلس المينا ، فلما أخذت طرابلس هرب إلى الجزيرة المذكورة وإلى الكنيسة التي فيها عالم عظيم من الفرنج والنساء ، فاقتحم العسكر الإسلامي البحر وعبروا بخيولهم سباحة إلى الجزيرة ، فقتلوا جميع من فيها من الرجال وغنموا من بها من النساء والصغار ـ نقلت معظم هذا من تاريخ أبي الفداء ، ويقول ميشو : إن المسلمين لما استعادوا طرابلس أهلكوا ساكنيها من الصليبيين إلا قليلا وأمر السلطان بإحراق المدينة وهدمها وكان فيها مصادر الثروة والرخاء وكل ما يزهر به السلام ويستخدم في الدفاع زمن الحرب فخرب كل ذلك تحت الفأس والمطرقة قال : لما أنزل الصليبيون عسكرهم على سواحل الشام سنة (1366 م) واستولوا على طرابلس أوقدوا النار فيها وكان حظ طرطوس واللاذقية وعدة مدن فينيقية مثل ذلك.
ولما فتحت طرابلس كتب محيي الدين بن عبد الظاهر كتابا يصف هذا الفتح قال فيه: إن الحصار استمر من مستهل ربيع الأول إلى يوم الثلاثاء رابع عشر ربيع الآخر فزحف عليها في بكرة ذلك النهار زحفا يقتحم كل هضبة ووهدة ، وكل صلبة وصلدة ، وطلعت سناجق الإسلام الصفر على أسوارها. وكان أخذها من مائة سنة وثمانين سنة في يوم الثلاثاء واستردت في يوم الثلاثاء (وفي رسالة أخرى أنها قامت بيد الإفرنج مئة سنة وستا وثمانين سنة)

وقال مؤرخو لبنان : إن الكسروانيين والجرديين نزلوا من الجبال لنجدة الفرنج في طرابلس وقتلوا من عسكر السلطان خلقا كثيرا فبرز الأمر من حسام الدين باستئصالهم. ومن ذلك الوقت خربت كسروان والذين سلموا من أهلها تشتتوا في كل صقع. قالوا : ومن جملة أوامر حسام الدين إلى أمراء غرب بيروت التنوخيين إذا توجهوا إلى كسروان وجرده بجموعهما، أن كل من سبى امرأة منهم كانت له جارية ، أو صبيا كان له مملوكا ، ومن أحضر منهم رأس رجل فله دينار. وذكروا أن الخراب استولى على الأقطار الشمالية بسبب تقلقل أحوال ملوك مصر والشام ، والحروب الثائرة مع التتر من جهة ومع الفرنج من أخرى ، فكان الناس يرغبون في سكنى الجبال العالية الصعبة المسالك وقدم إلى جبل لبنان في ذلك الحين خلق كثير ومنهم أهل وادي التيم وخلا هذا الوادي من السكان خمسة أعوام ولم يكن فيه بلد عامرا سوى حاصبيا وكذلك البقاع. ثم عاد الناس وعمروا بعض القرى في جبل حاصبيا فقط.
وفاة قلاوون وسلطنة ابنه الأشرف خليل وإثخانه في فرنج الساحل :
توفي المنصور قلاوون (689) وكان ملكا مهيبا حليما قليل سفك الدماء كثير العفو ، شجاعا أقام منار العدل وأحسن سياسة الملك أحسن قيام وفتح الفتوح الجليلة التي لم يجسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على مثلها وهو الذي وطد حكم المماليك على الشام وأصلح كما في المعلمة الإسلامية بالتدريج ما أحدث المغول فيه من التخريب ، وقام بأعمال مهمة من مثل ترميم قلعة حلب وبعلبك ودمشق. وهو الوحيد من ملوك المماليك الذين تسلسل الملك في أعقابهم وألفوا دولة فإن أعقابه حكموا إلى سنة (783 ه‍ 1382 م) خمسة بطون. وقد عقد معاهدات مع الدول التي يخشى بأسها ويمكن الانتفاع بحسن الصلات معها ، مثل المعاهدة التجارية مع جمهورية جنوة ومعاهدة دفاعية مع الملكين الفونس ملك قشتاله وجاك ملك صقلية. وعقدت هدنة بين الملك المنصور قلاوون الصالحي وولده الملك الصالح علي ولي عهده وبين حكام الفرنج بعكا وما معها من بلاد سواحل الشام في شهور سنة اثنتين وثمانين وستمائة وهي يومئذ بأيديهم لمدة عشر سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام وعشر

ساعات على أن لا يكون للفرنج من البلاد والمناصفات إلا ما شرح في هذه الهدنة وعين فيها من البلاد ، وعلى أن الفرنج لا يجددون في غير عكا وعثليث وصيدا مما هو خارج عن أسوار هذه الجهات الثلاث المذكورات لا قلعة ولا برجا ولا حصنا ولا مستجدا. ومما جاء فيها أن شواني السلطان وولده إذا عمرت وخرجت لا تتعرض بأذية إلى البلاد الساحلية وإن انكسر شيء من هذه الشواني في مينا من مواني البلاد التي انعقدت عليها الهدنة وسواحلها فإن كانت قاصدة من له مع مملكة عكا ومقدمي بيوتها عهد فيلزم كفيل المملكة بعكا ومقدمي البيوت بحفظها وتمكين رجالها من الزوادة وإصلاح ما انكسر منها والعود إلى البلاد الإسلامية ، ومتى تحرك أحد من ملوك الفرنجة وغيرهم من جوّا البحر لقصد الحضور لمضرة السلطان وولده في بلادهما المتفقة عليها هذه الهدنة فيلزم نائب المملكة والمقدمين بعكا أن يعرفوا السلطان وولده بحركتهم قبل وصولهم إلى البلاد الإسلامية الداخلة في هذه الهدنة لمدة شهرين وإذا قصد البلاد الشامية عدو من التتر وغيرهم في البر وأغارت العساكر الإسلامية من قدام العدو ووصل العدو إلى القرب من البلاد الساحلية الداخلة في هذه الهدنة وقصدوها بمضرة فيكتب إلى كفيل المملكة بعكا والمقدمين بها أن يدرأوا عن بيوتهم ورعيتهم وبلادهم بما تصل قدرتهم إليه. وإن حصل جفل من البلاد الإسلامية إلى البلاد الساحلية الداخلة في هذه الهدنة فيلزم كفيل المملكة بعكا والمقدمين بها حفظهم والدفع عنهم ومنع من يقصدهم بضرر ويكونون آمنين مطمئنين بما معهم.
وعقد الملك المنصور قلاوون صاحب الديار المصرية ودمشق وحلب مع الأشكري صاحب القسطنطينية سنة (680) هدنة على أن لا يحارب أحدهما الآخر ويرعيا التجار في بلادهما. وكانت سفراؤه تغدو وتروح إلى أمبراطور بيزنطية والأمبراطور رودولف دي هابسبورغ وملك اليمن وأمير سيلان وغيرهم من أمراء الشرق. ولهذا السلطان آثار جليلة في العمران في القدس ودمشق وغيرهما من ربوع الشام تدل على بعد نظره وحبه للمصالح.
وجلس في السلطنة بعد قلاوون ابنه الأشرف صلاح الدين خليل وسار على قدم أبيه في جهاد الصليبيين. وكان أول عمل اتجهت إليه همته بعد أن قدم تجار الفرنج إلى عكا وقتلوا من كان بها من المسلمين (689) أن نهض

من مصر لفتح عكا بالعساكر المصرية والشامية فهرب جماعة من أهلها من الفرنج في المراكب لما هاجمها المسلمون كما فعلوا في طرابلس على عهد والده واستنزل الأشرف جميع من عصى بالأبرجة التي كانت داخل البلد ، وهي بمنزلة قلاع دخلها عالم عظيم من الفرنج وتحصنوا بها فاستنزلهم السلطان وأمر بضرب أعناقهم عن آخرهم حول عكا ، ثم أمر بالمدينة فهدمت إلى الأرض ودكها دكا. وكانت كما قال الذهبي من أحسن المدائن بالعمارة والبناء الفاخر فلما فتحها الأشرف وهدم سورها هرب أهل المدينة منها وصارت خرابا ، وصار الناس من حينئذ ينقلون منها الرخام الملون مدة طويلة. ومما وجد مكتوبا على باب كنيسة من كنائس عكا أبيات لابن ضامر الضبع :
أم الكنائس إن تكن عبثت بكم
    أيدي الحوادث أو تغير حال
  فلطال ما سجدت على أبوابكم
    شمّ الأنوف جحاجح أبطال
  صبرا على هذا المصاب فإنه
    يوم بيوم والحروب سجال
  ولما فتحت عكا رعب الفرنج في الساحل فأخلوا صيدا فأخربها السلطان وجزيرتها وقلعتها الجنوبية والشمالية. واستولى على بيروت فهدم سورها ودك قلعتها وكانت حصينة جدا واستولى على صور وكان أهلها مثل سائر الساحل. وكذلك عثليث وكانوا أوقدوا فيها النار. وسلمت أنطرطوس بالأمان وطرد السلطان الفرنج من جبيل وهدمها ودك قلعتها. وهربوا من أنفة والبترون وصرفند وإسكندرونة بالقرب من عكا وذلك في مدة سبعة وأربعين يوما وكان فتحا مبينا.
خرب الساحل كما رأيت بهذه الضربة الأخيرة ولكن استقلت الشام ونجت من بقايا الصليبيين الذين كانوا ينغصون عيش الدولة والأمة ، ولا يؤخذ على الأشرف استئصاله شأفة أعدائه وإهلاكه لهم عن آخرهم ، فقد كان على الصليبيين بعد وقعة حطين وفتح القدس أن يغادروا القطر جملة واحدة وظنوا تسامح صلاح الدين يوسف معهم يومئذ ضعفا وأدرك كل من تولى زعامة الشام بعده أنه يستحيل الخلاص من الفرنج إلا بإفنائهم ، وآخر الدواء الكي.
الحملة الصليبية السابعة وانتهاء الحروب الصليبية :
دخلت الجيوش الصليبية الشام سنة (491) وخرج منها آخر المنهزمين سنة

(690) أي إنهم ظلوا مئتي سنة يحاربون الشام ومصر. تعاقبت فيهما عدة دول إسلامية على البلاد ، وكلها حاربت هؤلاء الدخلاء بما وسعها أن تحارب ، وربما قتل من الفريقين خلال ذينك القرنين ما لا يقل عن بضعة ملايين من الأنفس ، ولو لم تنقطع الرغبات في الغرب وتبطل النجدات بل الحملات الكبرى التي أصبح الباباوات والملوك يوجهونها في وجهات أخرى لقتال المسلمين لطال أمدها أكثر مما طال.
قلنا : إن الحملة الصليبية السادسة كانت بقيادة الأمير فريدريك الثاني ، وهي الحملة التي عقدت معاهدة مع ملك مصر والشام تنازل فيها هذا عن القدس وبيت لحم والناصرة عشر سنين ، فلما انتهت المدة عادت القدس إلى المسلمين وعندها عمد سان لوي ملك فرنسا أن يسترجعه منهم ، وكان السبب في تأليف الحملة الصليبية السابعة والثامنة. جاء في الأولى إلى دمياط وانهزم مع جيشه هزيمة فاضحة في المنصورة بمصر وأسر هو وجميع من معه من الرجال وعدتهم ثلاثون ألفا ، فاضطر أن يدفع فدية عظيمة عن نفسه وعن جماعته ثم عاد إلى فرنسا فزين له أخوه أن يغزو تونس ومنها يذهب ليفتح مصر والشام فهلك في تونس بالطاعون (1270 م) وبذلك انتهت الحروب الصليبية. نشأت في فرنسا وانتهت بفشل ملكها ثم بهلاكه.
ولقد عدّ الفرنج من الفوائد التي جنوها من الحروب الصليبية أنهم أوقفوا سير المسلمين عن التقدم ، وتعلم ملايين منهم أمورا ما كانوا يحلمون بوجودها ، وأخذوا عن الروم والعرب ما كان عندهم من أسباب المدنية التي لم يكن للفرنج عهد بها. فإن كثيرا من أصناف البقول نقلوها إلى أوروبا وشاعت هناك ولم تكن تعهد عندهم ، وقد تعلم صناعة الورق رجلان إفرنسيان كانا أسيرين في دمشق ، وأدخلا صناعته إلى فرنسا ، فكان للشام على فرنسا هذا الفضل ، ومنها شاع صنعه في سائر ممالك الغرب ، وتعلموا صنع الأقمشة الدمشقية والسيوف وغيرها من الصنائع الجميلة.
قال مكسيم پتي في تاريخ الشعوب العام أثناء كلامه على إخفاق الحملة الصليبية الأولى ما تعريبه : لئن كان الصليبيون متحمسين تحمسا دينيا فقد كان ينقص هذه الستمائة ألف رجل وحدة القيادة والتجانس والامتزاج ،

وما كان لنواب البابا أدنى سلطة أدبية ولم تكن وحدة الغاية المراد بلوغها لتحول دون ظهور المطامع والمنافسات والدسائس. ويضاف إلى هذا السبب في الضعف أسباب أخرى مادية وهي صعوبة الطريق وقلة أسباب التموين وتدني القوى الحربية بسبب تفوق الجيوش في المدن المفتوحة أو رجوع بعض الصليبيين إلى الغرب إلى ما هنالك من قحط وأوبئة وخسائر في الحرب. وقال في الحملة الصليبية الثانية : إن قلة إيمان الكسيس وصعوبة التموين وقلة المؤنة جعلت الحملة شؤمى فقتل الثلاثمائة والخمسون ألف رجل الذين كانت تتألف منهم قتلا ذريعا في مريسوان واركلي.
ومع كثرة ما بذله أخلاف صلاح الدين من الجهد في قتال الصليبيين أمثال العادل والكامل وبيبرس وقلاوون وابنه صلاح الدين خليل ، فإن الصليبيين كان يتعذر القضاء عليهم في الشام لو لم ينقطع المدد عنهم من البحر وتنصرف وجهة الصليبيين إلى قتال العرب في الأندلس. وفي الحق أن تلك الحملات الصليبية كانت شعبة من شعب الجنون فقدت فيها أوروبا أكثر مما ربحت من الأنفس والأموال. وما يدرينا أن تتقدم دولة السلاجقة في آسيا الصغرى على سمت الشمال وتقضي على مملكة الروم البيزنطية ثم تتقدم في فتوحها إلى أوروبا لو لم يشتغل ملوك المسلمين بهذه الحملة قرنين كاملين. وكانت الشام من جملة ممالك السلجوقيين وربما تبعتها مصر ففتحها صلاح الدين أو غيره باسمهم بدلا من أن يفتحها باسم نور الدين ، وما نور الدين إلا صنيعة السلاجقة ، وما جده وأبوه إلا عاملان من عمالهم.
شغلت أوروبا بمسألة إنقاذ القبر المقدس من أيدي المسلمين قرنين ، وتطوعت شعوبها في هذه السبيل ، ومن الأمم من لم ينلها إلا قتل رجالها وذهاب أموالها وكان الرابح على الأكثر أهل إيطاليا فإنهم حاربوا حربا تجارية ربحوا من سفنهم وتجارتهم وخصوصا البنادقة والجنويون والبيسيون. أما الألمان والبريطانيون والفرنسيون والهولانديون والسويسريون والنروجيون فإنهم خسروا خسارة كبيرة.
ساق الفرنج إلى الحروب الصليبية الدين والتجارة فلما فترت نغمة الدين بهلاك من كانوا يحسنون هناك الضرب على أوتارها ، ولم ير التجار في هذا

الشرق ما يكفي لسد نهمتهم وأيقنوا أن الأمر يطول إذا أرادوا القضاء على جميع الممالك الإسلامية في آسيا فترت هممهم بالطبع ، لكن الشام بعد ذلك وإن كانت الدول الأتابكية والنورية والصلاحية ودولة بيبرس وقلاوون وابنه يعمدون حالا إلى ترميم ما خربه الأعداء لإيقانهم أنها بلادهم ولا بدلهم من دفع أعدائهم عنها ، وأنهم يسترجعونها لا محالة وسيدالون منهم ، مهما طال مقام من استصفوا بعض السواحل وبيت المقدس فكان الأمر كما اعتقدوا.
وكلما طال احتلال الصليبيين كانت الأمة تستمرئ طعم الموت لطردهم ، وكلما رأت من ملك أو أمير تغاضيا عنهم أو اتقاء عاديتهم بالمعاهدات والمهادنات كانت تستهين به وتدعو أن لا تدوم أيامه. وعلى ما بذل الصليبيون من استمالة جيرانهم ما عدّهم هؤلاء قط إلا غاصبين أرضهم ، دخلاء على الملك الإسلامي. ولو لم يؤسس الدولة في الشام ومصر ملك عاقل عادل مثل نور الدين ويتم عمله عاقل عادل من طرازه أي صلاح الدين لما تمّ الفتح الأخير على يد الأشرف خليل ، ولما تمم أخلافه بعده الخطة المرسومة. ولو كان الملك لا يوسد إلا للكفاة من أبناء الملك أو لأكبرهم سنا ، ولو لم يكن شجر الخلاف بين آل أيوب ، لضرب الصليبيون الضربة القاضية الأخيرة بعد مهلك صلاح الدين بعشر أو بعشرين سنة على الأكثر ، إذ كان يتأتى للمسلمين أن يجمعوا قواهم بعد فشل جيش صلاح الدين على عكا بما جاء الصليبيين من النجدات العظيمة في البحر. ولكن مات صلاح الدين قبل أن يطبق خطته ، وشغل أخوه وأولاده بالتنازع على الملك ، وعدوا الهدنة الطبيعية التي مضت بين أخذ عكا واستلام القدس ثانية من المسلمين نعمة عليهم لتشبع نفس كل طامع منهم بالملك والسلطان ، وغفلوا عن أعدائهم الذين لم يكد يغفل عنهم نور الدين وصلاح الدين سنة واحدة إلا ريثما يجمعان قواهما ، وقد كانا لهذا الغرض يصانعان ملوك الأطراف ليسيروا معهما على قتال الأعداء ، أما أخلافهم فكانت سياستهم في الأكثر موجهة إلى اختراع الطرق لقضاء بعضهم على بعض ، أو لاستئثار قويهم بملك مصر أو دمشق أو حلب أو الكرك والشوبك أو ماردين أو خلاط ، فشغلوا بداخليتهم أكثر من اشتغالهم بأمور الجهاد وهي أهمّ وأعظم ، هذا وأكثر أولئك الملوك كانوا قد تشبعت نفوسهم بالتربية العالية والعلم والأدب الغزير ،

وكانوا على معرفة تامة بفتح المعاقل والحصون ، ومعرفة بعلل الحروب وقواعد السلم ، وإعطاء العهد وعقد الهدنة والصلح ، ورثوها واقتبسوها من أخلاق البانيين لمجدهم نور الدين وصنيعته صلاح الدين.
ومما أخر القضاء عشرات من السنين على بقايا الصليبيين في الساحل ظهور التتر في القطر بعد قضائهم في منتصف القرن السابع على الخلافة العباسية ، فأصبحت الشام بين عدوين أتى الأول من الغرب فأقام وطال مقامه ، وجاءها الثاني من الشرق ، والشر قد يأتي من الشرق ، فكان يخرب في أصقاعها ويغنم ويقتل ثم يذهب ثم يعاودها. ولكن ما حدث من حروب الخوارزمية ثم أخلاف هولاكو في هذا القطر يعدّ مناوشات إذا قيس بالحروب والخراب الذي حدث بعد ذلك فأهلك الأخضر واليابس ، وغدا القطر غرض النابل ، وفريسة الصائل.
وفي التاريخ العام أنه كان من نتائج الحروب الصليبية إذا صرف النظر عمن هلك فيها من ملايين الخلق ، إحداث إمارات كاثوليكية في الشرق انتزعت من المسلمين والبيزنطيين واحتلها فرسان فرنسيون وتجار طليان. وقد طرد هؤلاء الأوروبيون لقلتهم بدون أن يتركوا سوى آثار معاقلهم في المواني وعلى صخور يونان والشام ، ولكن هيأ الصليبيون لنصارى أوربا أن يكونوا على صلات متصلة مع الشرق مدة قرنين اه قلنا : وهذه النتيجة من ربط الصلات مع الشرق كان يتأتى لأوروبا الحصول عليها بدون إهراق هذه الدماء وإتلاف الأموال العظيمة وغرس البغضاء في نفوس من نزلوا عليهم.
وفي تاريخ الشعوب العام أن من جملة فوائد الحروب الصليبية أنها أوقفت سير المسلمين نحو أوروبا ، وقربت بين شعوب أوروبا وجمعتهم تحت لواء واحد وأشعرت قلوبهم حب الوحدة الأدبية وساعدت على إيجاد فكرة أوربية. وأخذ المسلمون والنصارى يعرف كل منهم الآخر ويعرفون كيف يحترم بعضهم بعضا ، وعقدت بينهم المعاهدات والصلات خلال المهادنات والانقطاع عن استعمال السلاح. وقد جهز ريشاردوس فئة من العرب جعلهم فرسانا ، وعقد أنكحة بين الطائفتين ودخل التسامح المتبادل في الأخلاق. وما خلت الصناعات والهندسة والفنون والأزياء واللباس والفنون الحزبية من تأثيرات الشرق وقد دخلت المدنية الشرقية في مدنية الغرب دون أن تستغرقها أه.

وفي تاريخ فلسطين أن من أضرار الحروب الصليبية في الشام إيقاد جذوة التعصب الديني بين المسلمين والمسيحيين ، ورأى هؤلاء أن مسلمي العرب أحسنوا إليهم يوم الفتح أكثر مما رأوا من هؤلاء الفرنج الذين أنكروا أبناء دينهم. ومنها تخريب البلدان وقطع الأشجار حتى زادت الأسعار ستة أضعاف ما كانت عليه ومنها تلطيخ الدين المسيحي والازدراء بتعاليمه ، لأن مسيحيي الصليبيين كانوا أبعد الناس عن دينهم. وقد أجمع المؤرخون على أن المسلمين تقيدوا بالفضائل الدينية وراعوا المصلحة الإنسانية أكثر من الفرنج الناكثي العهود والقاتلي الأسرى ، والذين أفحشوا في سفك الدماء لما دخلوا القدس وحقروا الديانة المسيحية اه.
لا جرم أن الصليبيين افتضحوا في هذا الشرق بأخلاقهم وقلة معرفتهم ، وعرفوا بعد أن أخفقت الحملة الثامنة واصطلموا من الساحل مبلغ قوة أعدائهم ، وأنهم في أرضهم ، وهم يحتاجون إلى الرحيل أشهرا في البر وفي البحر. وذكر ميشو أن الفرنسيس والنور مانديين وسائر شعوب شمالي أوروبا المتوحشة في القرن الثاني عشر للميلاد كانوا في حالة البداوة وهذا ما ساعدهم على إعلان الحروب الصليبية في الشرق ، فلما نشأت المدنية الحديثة في القرن السادس عشر وتسربت أولا إلى الملوك أصبحوا لا يرون الاغتراب عن أوطانهم ولا الشعوب أن تفارق مساقط رؤوسها ، وعمت الصناعات وحسنت الزراعة وانتشر العلم ، وغدا ذكرى كل مدينة وكل أسرة وتقاليد كل شعب وقطر والألقاب والامتيازات والحقوق المستحصلة والأمل في تنميتها ، كل ذلك قد غيّر من أخلاق الفرنج وبدل من ميلهم لحياة التنقل والارتحال وجعلها صلات تربطهم بالوطن. وقد كتب التوفيق للملاحة في القرن التالي واكتشفت أميركا واجتاز الملاحون رأس الرجاء الصالح فنشأ من هذه الاكتشافات تبدل كثير في التجارة ، وأخذت الأفكار تتجه وجهة جديدة وأنشأت المضاربات الصناعية التي كانت قائمة بالحروب الصليبية تسير نحو أميركا والهند الشرقية ، ففتحت أمام الغربيين ممالك كبرى وأقطار غنية تسد مطامعهم وتشبع نهمة التائقين إلى المجد والثروة والوقائع. فأنست حوادث العالم الجديد ما في الشرق من عجائب اه.

هذا ما قاله مؤرخ ثقة من مؤرخيهم في القرن الماضي ، وإليك ما قاله أديب كبير من أدبائهم المحدثين كلود فارير : «في سنة (732) للميلاد حدثت فاجعة ربما كانت من أشأم الفجائع التي انقضت على الإنسانية في القرون الوسطى ، فغمرت العالم الغربي مدة سبعة أو ثمانية قرون إن لم نقل أكثر في طبقة عميقة من التوحش ، لم تبدأ بالتبدد إلا على عهد النهضة ، وكاد عهد الإصلاح يعيدها إلى كثافتها الأولى ، وهذه الفاجعة هي التي أريد أن أمقت حتى ذكراها ، وأعني بها الغلبة المكروهة التي ظفر فيها على مقربة من بواتيه برابرة المحاربين من الفرنج بقيادة الكارولنجي شارل مارتل على كتائب العرب والبربر ممن لم يحسن الخليفة عبد الرحمن جمعهم على ما يقتضي من الكثرة فانهزموا راجعين أدراجهم».
«في ذلك اليوم المشئوم تراجعت المدنية ثمانية قرون إلى الوراء ، ويكفي المرء أن يطوف في حدائق الأندلس أو بين العاديات التي لا تزال تأخذ بالأبصار مما يبدو من عواصم السحر والخيال إشبيلية وغرناطة وقرطبة وطليطله ليشاهد والألم الغريب آخذ منه ما عساها أن تكون بلادنا الفرنسية لو أنقذها الإسلام الصناعي الفلسفي السلمي المتسامح ـ والإسلام مجموعة كل هذا ـ من الأهاويل التي لا أسماء لها ، وكان منها أن أنتجت خراب غاليا القديمة التي استعبدها أولا لصوص أوسترازيا ثم اقتطع جزءا منها قرصان النورمانديين ثم تجزأت وتمزقت وغرقت في دماء ودموع ، وفرغت من الرجال بما انبعث في أرجائها من الدعوة للحروب ، ثم انتفخت بالجثت بما دهمها من الحروب الخارجية والأهلية الكثيرة ، حدث ذلك على حين كان العالم الإسلامي من نهر الوادي الكبير إلى نهر السند يزهر كل الإزهار في ظل السلام تحت أعلام أربع دولات سعيدة : الأموية والعباسية والسلجوقية والعثمانية»

دولة المماليك
«من سنة 690 الى 790»
فتوح أرمينية وعصيان الموارنة بعوامل صليبية :
أصبحت مصر والشام بعد انقضاض الصليبيين من السواحل ، ووضع السيف في بقاياهم ، واعتصام جزء قليل منهم بالموارنة في لبنان مملكة واحدة لا يتخللها أرض لغير مالكها ، ولا ينازعها سلطان من غير المسلمين ، وأصبحت حوادثها وطنية محلية يدور محورها على الاستئثار بالملك ، والذهاب بفضل السبق ، والتفكر فيما يدفع العوادي عن حدود القطر أو يوسعها إلى المدى المقدّر لها ، وبعد أن كانت الشام مصدر الأعمال والسياسة نازعتها مصر في هذا الشأن ، فابتلع القطر المصري الشام وعده كما كان زمن الفاطميين جزءا متمما لمصر لا قطرا مستقلا بنفسه وسياسته. أي إن القوة أصبحت بعد عهد العادل تستمد في الشام من مصر لأنها مقر السلطان ، ومصر بين أقطار تحيط بها الصحاري من أطرافها ، لا سبيل كل حين إلى غزوها كما تغزى الشام من أطرافها الأربعة ، وليس في أمراء برقة وطرابلس وتونس والنوبة والسودان والحبشان من يستطيع أن يغزو مصر ويحلم بفتحها ، ولذلك كانت الشام بعد عهد الأمويين أشبه بإمارة سلطانها الأكبر في مصر ويتولاها نائبه أو نوابه.
ولم يكتب للشام أن تصبح دار ملك بعد عهد الدولتين النورية والصلاحية ، وكان أهم عدو مجاور لها صاحب سيس ، فإن الأرمن كانوا قد جمعوا شملهم بعد أن قضت على سلطانهم الدولة الأيوبية ، وانتزعت منهم خلاط أوائل

القرن السابع ، وكانت خلاط قاعدة أرمينية الوسطى أخذها بنو أيوب لمكانهم فيها من عصبية الأكراد ، وهي قسم من أرمينية الكبرى وقاعدتها سيس ، وقد ذهب الملك الأشرف سنة (691) في عساكره المصرية والشامية وقصد قلعة الروم وهي على جانب الفرات يقيم بها خليفة الأرمن كيتاغيكوس فأخذه ومن معه أسرى ، ورمّ ما تخرب من تلك القلعة الحصينة.
تقدم أن فرنج الساحل لما أصابتهم الضربة القاضية اعتصم بعضهم بأهل جبل لبنان ونزلوا عليهم ، وعاد آخرون إلى بلادهم في المراكب ، وقد أثار هذا القسم اللاجئ إلى لبنان في نفوس بعض أهله فكرة العصيان فعصوا ، فتوجست دولة الأشرف منهم خيفة فأرسلت عليهم حملة من دمشق (691) بقيادة بدر الدين بيدرا ، فسار إلى جبل كسروان في العسكر وعدة من الأمراء فانحل عزمه لما تمكن الكسروانيون من بعض العساكر في تلك الجبال ونالوا منهم ، وعاد العسكر شبه المكسور وحصل لأهل الجبل الطمع والقوة ، فأطلق محابيس لهم بدمشق من أرباب الجرائم العظيمة ، وحصل لهم من جميع المقاصد ما لم يكن في حسابهم. قال مغلطاي : وكل ذلك من الطمع وسوء التدبير.
وفي كتاب الهدنة التي عقدت بين الملك الأشرف صلاح الدين خليل بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية بين حاكم الريدارغون صاحب برشلونة من بلاد الأندلس وأخويه دون وفلدريك ودون بيدرو وبين صهريه دون شانجه ملك قشتالة وطليطلة وليون وبلنسية وقرطبة وأشبيليه ومرسية وجيان والغرب الكفيل بمملكته أرغون وبرتقال دون ألفونس ملك برتغال في تاريخ (692) أمر الملك دون حاكم وأخويه وصهريه يفسح كل منهم لأهل بلاده وغيرهم من الفرنج أنهم يجلبون من الثغور الآسيوية الحديد والبياض والخشب وغير ذلك. وأن سائر أصناف البضائع المتأخرة على اختلافها تستمر على حكم الضرائب المستقرة في الديوان المعمور.
وجاء الأشرف (692) لتجهيز العسكر لقصد سيس فوردت عليه رسل صاحبها يطلب الصلح ورضا السلطان عليهم ، فرضي على أن يسلموا لنواب

السلطان ثلاث قلاع وهي : بهسنى ومرعش وتل حمدون. وكانت بهسنى قلعة حصينة في فم الدربند وباب حلب ، فلما انتقلت من أيدي المسلمين إلى أيدي الأرمن وقت مجيء التتر كان منها على المسلمين أذى ، فلما فتح السلطان قلعة الروم وأخذ خليفة الأرمن حصل للأرمن خوف عظيم فصانعوا عن أنفسهم بهذه القلاع. قال مغلطاي : ورسم السلطان في هذه السنة للأمير عز الدين الأفرم بأن يسافر إلى الشوبك وأن يخرب قلعتها فراجعه في إبقائها فنهره فسافر وأخربها وكان هذا غاية الخطإ وسوء التدبير فإن هذا الملك كان طالعه يقتضي الخراب فإنه أخرب في قلعة الجبل أكثر بنيانها ، وكذلك في قلعة دمشق أخرب قاعات كثيرة وبظاهر دمشق من حد الميدان إلى تحت القلعة ، وكان على يده خراب جميع الساحل وتعطلت بلاده من جميع الأصناف التي تجلب من البحر وبقيت الشام معطلة. قلنا: ولكن هذا السلطان وأبوه دفعا الصليبيين عن القطر واجتثا أصولهم وفروعهم وأدخلاه في عهدهما في دور عز وقوة ووحدة حقيقية. واتسعت مملكة قلاوون حتى خطب باسمه في إفريقية (تونس) قال ابن إياس : وكان من أجل الملوك قدرا وأعظمهم نهيا وأمرا وأكثرهم معروفا وبرا ، وقد جبلت القلوب على محبته سرا وجهرا اه. وقد خلف آثارا مهمة ومصانع خالدة في مصر وبعض الشام تدل على ذوق وحسن هندسة ، وتسلسل الملك في أولاده وأحفاده لأن الرعية كانت تحبه فأحبت آل بيته ، وخفت وطأة المماليك في أيامه ثم عادت تدريجيا إلى القوة والعرامة.
اغتيل (693) الأشرف صلاح الدين خليل بيد بعض أعيان الدولة بمصر واتفق قاتلوه على سلطنة بيدرا وتلقب بالقاهر ، ثم اتفق الحزب القوي منهم فبايعوا للناصر ولد المنصور ثم تغلب (694) زين الدين كتبغا نائب السلطنة على سرير المملكة ، واستحلف الناس على ذلك وخطب له بمصر والشام ، ونقشت السكة باسمه وجعل الناصر في قلعة الجبل وحجب الناس عنه فتزعزعت أعصاب المملكة لهذه الحوادث المشئومة التي تورث النفوس كآبة وأعمال الناس فتورا.
ولما عاد العادل كتبغا من دمشق إلى مصر بالعساكر (696) ووصل إلى نهر العوجا تفرقت مماليكه وغيرهم فركب حسام الدين لاجين المنصوري نائب

الملك العادل كتبغا ومعه فريق من الأمراء فهرب كتبغا إلى دمشق ودخل قلعتها واهتم في جمع العساكر والتأهب لقتال لاجين فلم يوافقه عسكر دمشق ورأى منهم التخاذل فخلع نفسه من السلطنة وأرسل إلى لاجين يطلب منه الأمان وموضعا يأوي إليه فأعطاه صرخد. وأما حسام الدين لاجين فإنه لما هزم العادل كتبغا نزل بدهليزه على نهر العوجا واجتمع معه الأمراء الذين وافقوه على ذلك ، وشرطوا عليه شروطا التزمها ، منها أن لا ينفرد عنهم برأي ولا يسلط مماليكه عليهم كما فعل بهم كتبغا. فأجابهم لاجين إلى ذلك وحلف لهم فعند ذلك حلفوا له وبايعوه بالسلطنة ولقب بالملك المنصور حسام الدين لاجين المنصوري ، ورحل بالعساكر إلى الديار المصرية ، وأرسل إلى دمشق سيف الدين قبجق المنصوري وجعله نائب السلطنة بالشام.
ومن أهم ما وقع من الحوادث في عهد هذا الملك دخول غازان من أحفاد هولاكو (696) دمشق ثم ارتجاعه عنها بعد أن بذل له أهلها مالا عظيما. ثم تجريد السلطان العسكر الكثيف من مصر والشام (697) لشن الغارات على سيس فضاقت على الأرمن الأرض بما رحبت وهلكوا من كثرة ما قتل المسلمون منهم ، وغنموا حتى اضطر ملكهم أن يبذل الطاعة لصاحب مصر والشام ، والإجابة إلى ما يرسم به سلطان الإسلام ، وإلى الاعتراف بأنه نائب السلطان في بلاده فطلب منه العسكر أن يكون نهر جيحان حدا بين المسلمين والأرمن ، وأن يسلم كل ما هو جنوبي نهر جيحان من الحصون والمدن ، فأجاب عظيمهم إلى ذلك وأخذ حموص وتل حمدون وسرفندكار ومرعش وحجر شغلان وغيرها من الحصون والقلاع. وفي سنة 697 أيضا وفد أحد مقدمي المغول إلى المنصور لاجين وطلب نجدة ليعود إلى الروم فجرد معهم من حلب عسكرا مقدمهم بكتمر الجلمي ، وساروا مع المقدم سلامش المغولي حتى تجاوزوا بلد سيس فخرجت عليهم التتر واقتتلوا معهم ، فقتل الجلمي وجماعة من العسكر الإسلامي وهرب الباقون.
وفي سنة (698) وحشت نفوس الدولة مما يأتيه منكوتمر من إمساك الكبار وسقي بعضهم ، وذهب نائب دمشق قبجق بالعساكر فنزلوا بأرض حمص وهناك بكتمر السلحدار بطائفة من المصريين فتكلموا في مصلحتهم ، وأن

منكوتمر لا يفتر عنهم فاتفقوا على المسير إلى غازان ملك التتر لعلمهم بإسلامه فسارا إلى حمص ونزلا بخواصهما ، فأخذا على ناحية سلمية وعديا الفرات فلم يكن بعد عشرة أيام من مسيرهم إلا وقد جاء البريد بقتل المنصور حسام الدين لاجين المنصوري وقتل منكوتمر نائبه وعلم الأمراء المخامرون بقتلهما ، فاتفق رأي أرباب الدولة في مصر على إعادة الناصر محمد إلى مملكته فجيء به من الكرك وجلس على سرير سلطنته للمرة الثانية. ووصلت هذه السنة إلى بيروت مراكب كثيرة وهي ثلاثون بطسة وفي كل واحدة سبعمائة مقاتل من الفرنج للطلوع إلى الساحل والإغارة على ديار المسلمين فأصابتهم عاصفة أغرقت سفنهم ورجع الباقون خائبين.
وقائع التتر :
لم تكد نازلة الصليبيين تنحسم حتى كان المصاف العظيم بين المسلمين والتتر في سنة (699) فسار غازان بن أرغون خان بن هولاكو بن تولي بن جنكير خان ، بجموع عظيمة من التتر والكرج والمزندة وغيرهم وعبر الفرات ووصل بجموعه إلى حلب ثم إلى حماة ونزل على وادي مجمع المروج ، وسارت العساكر صحبة الناصر إلى جهة المجمع ، وكان سلار والجاشنكير متغلبين على المملكة فداخل الأمراء الطمع ولم يكملوا عدة جندهم فنقص العسكر كثيرا مع سوء التدبير ونحو ذلك من الأمور الفاسدة التي أوجبت هزيمة العسكر. والتقوا بالقرب من مجمع المروج شرقي حمص فولت ميمنة المسلمين ثم الميسرة وثبت القلب وأحاطت به التتر وجرى بينهم قتال عظيم وتأخر السلطان إلى جهة حمص ، فولت العساكر الإسلامية تبتدر الطريق وتمت بهم الهزيمة إلى ديار مصر وانهزم السلطان إلى نحو بعلبك بعد أن تلاقى عسكر مصر وعسكر التتر على مرج راهط تحت جبل غباغب جنوبي دمشق ووقعت بينهما وقعة عظيمة. وكان مع العسكر المصري من العسكر الشامي وعربان من جبل نابلس نحو مائتي ألف إنسان في بعض الروايات ومع غازان مثل ذلك أو أكثر.
تتبع التتر المنهزمين من المسلمين في وقعة مجمع المروج حتى بلغوا دمشق واستولوا عليها ونهبوا ضياعها وسبوا أهلها ، وساروا في أثر الجفّال إلى غزة

والقدس والكرك. ولما استولى غازان على دمشق أخذ سيف الدين قبجق الأمان لأهلها ولغيرهم منه. وكانت قلعة دمشق عصت على غازان فحاصرها وكان الأمير بها أرجواش المنصوري فقام في حفظها أتم قيام وصبر على الحصار ولم يسلمها ـ هذا ما قاله أبو الفداء وابن إياس. ووصف مغلطاي ما حلّ بدمشق وضواحيها من التتر وما جرى على العساكر المصرية والشامية ، وما تمّ من تخريب الدور والمساكن بظاهر دمشق مثل الصالحية والحواضر البرانية من العقيبة والشاغور وقصر حجاج وحكر السماق وقد خرّب منها واستبيح ما لم يصبه الحريق من الأماكن قال : إنهم أسروا من الصالحية نحو أربعة آلاف نسمة وقتلوا نحو ثلاثمائة أو أربعمائة أكثرهم في التعذيب على المال. ودام التتر نحو أربعة أشهر. وكان عدد من دخلوا دمشق من التتر أربعة آلاف مقاتل. وقد احترقت أماكن حول قلعة دمشق منها دار الحديث الأشرفية وما قبالتها إلى العادلية الصغرى والعادلية الكبرى وأحرقت دار السعادة وكانت مقر نواب السلطنة وما حولها ، واحتاط التتر بهذه النواحي والأماكن التي لم يصل إليها الحريق فنهبت ونقضت أخشابها ، وقلع ما فيها من الرخام وأخذ ما فيها من الأثاث ، وكذلك فعل بجميع الصالحية.
وعقيب أن تم كل هذا الحيف جاء رسول التتر إلى دمشق بالأمان ومما شرطه في تقليده وكان مكتوبا بالعربية ، أن لا يتعرضوا لأحد من أهل الأديان على اختلاف أديانهم من اليهود والنصارى والصابئة ، فإنهم إنما يبذلون الجزية عنهم من الوظائف الشرعية. وقال صاحب التتر : إنه حارب حكام مصر والشام لأنهم خارجون عن طريق الدين غير متمسكين بأحكام الإسلام ، ناقضون لعهودهم ، حالفون بالأيمان الفاجرة ، ليس لديهم وفاء ولا ذمام ، وشاع من شعارهم الحيف على الرعية ، ومدّ الأيدي العادية إلى حريمهم وأموالهم ، والتخطي عن جادة العدل والإنصاف. قال مغلطاي : إنه حمل إلى خزانة غازان ثلاثة آلاف ألف دينار وستمائة ألف دينار سوى ما لحق من التراسيم (المقررات) والبراطيل والاستخراج لغيره من الأمراء والوزراء وغير ذلك. وقال الصفدي : وإلى شيخ الشيوخ الذي نزل بالعادلية ما قيمته ستمائة ألف درهم وإلى الأصيل بن نصير الدين الطوسي مائة ألف درهم.

ولعلي الأوتاري الدمشقي في هذه الموقعة من قصيدة :
أحسن الله يا دمشق عزاك
    في مغانيك يا عماد البلاد
  وبرستاق نيربيك مع المز
    ة مع رونق بذاك الوادي
  وبأنس بقاسيون وناس
    أصبحوا مغنما لأهل الفساد
  طرقتهم حوادث الدهر بالقت
    ل ونهب الأموال والأولاد
  وبنات محجبات عن الشم
    س تناءت بهن أيدي الأعادي
  وقصور مشيدات تقضت
    في ذراها الأيام كالأعياد
  وبيوت فيها التلاوة والذك
    ر وعالي الحديث بالإسناد
  حرقوها وخربوها وبادت
    بقضاء الإله رب العباد
  وكذا شارع العقيبة والقص
    ر وشاغورها وذاك النادي
  أقام غازان بمرج الزنبقية من ضواحي دمشق. ثم عاد إلى بلاده تبريز وقرر في دمشق قبجق ولم يستفد إلا التخريب وقتل بعض جيشه وجيشي مصر والشام ، فلما بلغ العساكر مسير غازان عن الشام خرجوا من مصر وخرج السلطان إلى الصالحية ، ثم اتفق الحال على مقام السلطان بالديار المصرية ومسير سلار وبيبرس الجاشنكير بالعساكر إلى الشام فسارا بالعساكر ، وكان قبجق وبكتمر والالبكي قد كاتبوا المسلمين في الباطن وصاروا معهم ، فلما خرجت العساكر من مصر هرب قبجق ومن معه من دمشق وفارقوا التتر وساروا إلى مصر ، وبلغ التتر بدمشق ذلك فخافوا وساروا من وقتهم إلى الشرق ، ورتب جمال الدين أقوش الأفرم في نيابة السلطنة بدمشق ، وأقر سنقر في نيابة السلطنة بحلب ، وقطلوبك في نيابة السلطنة بالساحل والحصون ، والأمير كتبغا زين الدين المنصوري بحماة. وسار جمال الدين أقوش من دمشق وصحبته من الرجالة والفلاحين جمع كثير إلى جبال كسروان لقتال أهلها عقوبة لهم عما قدمت أيديهم مما كانوا فعلوه مع المسلمين وأخذ عددهم ، فدخل الكسروانيون تحت الطاعة وقرر عليهم جملة مستكثرة من المال فالتزموا به وحملوه وأقطعت ديارهم وأراضيهم.
وكان الأرمن لما وصل غازان بجموع المغول إلى الشام طمعوا في الأرجاء التي افتتحها المسلمون منهم وعجز المسلمون عن حفظها ، فتركها الذين بها من

العسكر والرجالة فاستولى الأرمن عليها ، ولم يبق مع المسلمين من تلك القلاع غير قلعة حجر شغلان ، واستولى الأرمن على غيرها من الحصون والعمالات التي كانت جنوبي نهر جيحان ، فجردت مصر والشام عسكرا إلى سيس ونهبت وخربت. وعاد المغول فجرد صاحبهم غازان (700) مرة ثانية عسكرا على الشام بدعوى أن عساكر صاحب مصر والشام أغارت على ماردين وبلادها فطرقت القطر على حين غفلة من أهلها وهتكوا المحارم فأتاه أهل ماردين وما إليها مستصرخين ملهوفين فحركته الحمية الإسلامية ـ وكان دان بالإسلام حديثا ـ فلاقى العسكر وفرق شملهم ، وسبب رحيله المرة الأولى عن الشام أن الرعية تضررت بمقامه لكثرة جيوشه ومشاركتهم الرعية في الشراب والطعام ، فرحل وترك عندهم من يحرسهم من تعدي بعضهم على بعض ويحفظ الشام من أعدائه المتقدمين وأكراده المتمردين.
ولما عبر المغول الفرات في المرة الثانية جفل الناس منهم ، ودخلوا حلب وعاثوا في أرجائها ، وسار نائب السلطنة بحلب إلى حماة ووصلت العساكر من دمشق واجتمعوا بظاهر حماة وأقام المغول بأرجاء سرمين والمعرة وتيزين والعمق وجبال أنطاكية وجبل السماق ينهبون ويقتلون ، وسار السلطان من مصر بالعساكر المصرية ووصل إلى نهر العوجا فلم يمكنه اطراد السير لكثرة الأمطار والأوحال فرجع إلى مصر. وأقام المغول يتنقلون في الديار الحلبية نحو ثلاثة أشهر ثم عادوا إلى مواطنهم. والمغول هم والتتر شيء واحد والتتر صنف من أمم المغول. فقول المؤرخين المغول أو التتر من الألفاظ المترادفة تقريبا.
وفي سنة (702) فتحت جزيرة أرواد وهي ليعقوب الطرطوسي وكان اجتمع فيها جمع كثير من الفرنج وبنوا فيها سورا وتحصنوا وكانوا يطلعون منها ويقطعون الطريق على المسلمين المترددين في ذلك الساحل ، فأقلع أسطول من مصر فجرى بين الفرنج والمسلمين قتال شديد انتصر فيه المسلمون وملكوا الجزيرة وقتلوا وأسروا جميع أهلها وخربوا أسوارها ، وكان القتلى نحوا من ألفين والأسرى نحو خمسمائة. وفي هذه السنة نزلت الفرنج على نهر الدامور بين صيدا وبيروت ، ورفعت الشكايات إلى نائب دمشق الأفرم في الجرديين

والكسروانيين ـ وكانوا أعوانا للفرنج والحكومة في دمشق تعمل جهدها لمنع الفرنج عن الاجتماع بأهل كسروان ـ فحشدت جيوش الشام لمقاتلتهم ، فحمل الكسروانيون على الجيش الشامي فقتلوا أكثره وغنموا أمتعتهم وسلاحهم ، وأخذوا أربعة آلاف رأس من خيلهم وقدمت الأكراد لنجدتهم ، فصدهم كمينان في الفدار والمدفور فلم يخلص منهم إلا القليل وخربوا بعض الغرب ، وكان أمراء الغرب التنوخيون مع جيش دمشق فعاد الجرديون فغزوا عين صوفر وشليخ وعين زيتونة وبحطوش وغيرها. ويقول صالح بن يحيى : إن السبب في قتالهم أن الهاربين من وجه التتر من العسكر (699) حصل لهم أذية من المفسدين وخصوصا من أهل كسروان وجزّين وأكثرهم أذية للهاربين أهل كسروان فإنهم بلغوا إلى أن أمسكوا بعضا منهم وباعوهم للفرنج ، وأما السلب والقتل فكان كثيرا إلى أن عاملت الدولة الكسروانيين بما تقدم.
وفي هذه السنة عاودت التتر قصد الشام وساروا إلى الفرات وأقاموا عليها مدة في أزوارها وسار منهم عشرة آلاف فارس ، وكانوا كلهم نحوا من خمسين ألفا عليهم خطلوشاه نائب غازان ، وأغاروا على أحد أرجاء القريتين وكانت العساكر قد تجمعت في حماة بقيادة أسندمر الكرجي نائب السلطنة بالساحل ومعاونة عسكر حلب وحماة فاقتتلوا مع التتر في الكوم قريب من عرض بين تدمر والرصافة فانهزم التتر وقتلوا عن آخرهم ، وكان المسلمون ألفا وخمسمائة فارس والتتر ثلاثة أضعافهم.
ثم سار التتر بجموعهم العظيمة صحبة قطلوشاه نائب غازان بعد كسرتهم على الكوم ووصلوا إلى حماة فاندفعت العساكر الذين كانوا بها بين أيديهم ، واجتمعت عساكر مصر والشام بمرج الزنبقية ثم ساروا إلى مرج الصفّر لما قاربهم التتر وبقي العسكر منتظرين وصول الناصر ، وسارت التتر إلى دمشق طالبين العسكر ووصلوا إليهم عند شقحب بطرف مرج الصفّر فالتقى الفريقان واشتد القتال فانهزم التتر ولحق المسلمون أثر المنهزمين إلى القريتين يقتلون فيهم ويأسرون. ووصل التتر إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور والذي عبر فيها هلك ، فساروا على جانبها إلى بغداد فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات ، وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة ورجع غازان من حلب

في ضيق صدر من كسرة أصحابه وتمزقهم لبعد المسافة وتخطف أهل الحصون لهم. قال شرف الدين الوحيد في انتصار التترمرة وكسرتهم تارة أخرى.
وجاءت ملوك المغل كالرمل كثرة
    وقد ملكت سهل البسيطة والوعرا
  فأنصفت الأيام في الحكم بيننا
    فكانت له الأولى وكانت لنا الأخرى
  وقال شمس الدين السيطي :
يا مرج صفر بيضت الوجوه كما
    فعلت من قبل والإسلام يؤتنف
  أزهر روضك أزهى عند نفحته
    أم يانعات رؤوس فيك تقتطف
  غدران أرضك قد أضحت لواردها
    ممزوجة بمياه المغل تغترف
  دارت عليهم من الشجعان دائرة
    فما نجا سالم منهم وقد زحفوا
  ونكسوا منهم الأعلام فانهزموا
    ونكصوهم على الأعلام فانقصفوا
  ففي جماجمهم بيض الظبا زبر
    وفي كلاكلهم سمر القنا قصف
  فروا من السيف ملعونين حيث سروا
    وقتلوا في البراري حيثما ثقفوا
  فما استقام لهم في (أعوج) نهج
    ولا أجارهم من (مانع) كنف
  غزوة الأرمن والكسروانيين وتزعزع السلطنة :
ولما ارتاح ذهن صاحب مصر والشام من التتر عاد فجرد عسكرا من مصر وحماة وحلب (703) ودخلوا سيس وحاصروا تل حمدون وفتحوها بالأمان وارتجعوها من الأرمن وهدموها إلى الأرض. ووقع الاتفاق مع صاحب سيس على أن يكون للمسلمين من نهر جيحان إلى حلب وللأرمن حد النهروان. وكان من نتائج معاونة التنوخيين في غرب لبنان لجيش دمشق على قتال الكسروانيين أن تأصلت العداوة بين الفريقين حتى إذا كانت سنة (704) أرسل أقوش الأفرم نائب دمشق إلى الجبليين والكسروانيين الشريف زين الدين عدنان ، يأمرهم أن يصلحوا شؤونهم مع التنوخية ويدخلوا في طاعتهم ، ثم أرسل إليهم الإمام ابن تيمية في صحبة بهاء الدين قراقوش فلم يحصل اتفاق ، فأفتى العلماء حينئذ بنهب ديارهم بسبب استمرارهم على العصيان وإبائهم الدخول في الطاعة ، وفي الدر المنظوم أن أقوش فتح كسروان من جهتها الشمالية ولذلك دعيت فتوحا وقال آخر : إن الأفرم جمع رجال الدروز (706)

وكانوا عشرة أمراء بعشرة آلاف مقاتل والتقت الجموع عند عين صوفر وجرى بينهم قتال عظيم وكانت الدائرة على الأمراء فهربوا بحرمهم وأولادهم وأموالهم ونحو ثلاثمائة نفس منرجالهم واجتمعوا في الغار غربي كسروان المعروف بغار تيبية فوق أنطلياس فدافعوا عن أنفسهم ، ولم يقدر الجيش أن ينال منهم. ثم بذلوا لهم الأمان فلم يخرجوا فأمر نائب دمشق أن يبنوا على الغار سدا من الحجر والكلس وهالوا عليه تلا من التراب وجعلوا قطلوبك حارسا عليهم مدة أربعين يوما حتى هلكوا داخل الغار ، ثم أحاط العسكر بتلك الجبال ووطئوا أرضا لم يكن أهلها يظنون أن أحدا من خلق الله يصل إليها ، فخربوا القرى وقطعوا الكروم وهدموا البيع وقتلوا وأسروا جميع من صادفوا من الدروز والكسروانيين وغيرهم فذلت تلك الجبال المنيعة بعد عزتها.
ويقول مؤرخو لبنان : إن الأفرم في هذه الحملة كان في خمسين ألف فارس وراجل. ويقول أبو الفداء وابن الوردي : إن هذه الحملة (705) كانت على بلاد الظنّينين (1) وغيرهم من المارقين عن الطاعة وكانوا يتخطفون المسلمين ويبيعونهم من أعدائهم ويقطعون الطرق. وفي تاريخ بيروت أن سيف الدين أسندمر نائب طرابلس كان نسب إلى مباطنة الكسروانيين فأفحش فيهم القتل لينفي عنه هذه التهمة اللاحقة به وأن الكسروانيين بادوا وتشتتوا وأقطع هذا النائب بعضهم أملاكا من حلقة طرابلس وجازى بعضهم بالرواتب.
وفي سنة (705) أرسل نائب السلطنة بحلب مع طشتمر مملوكه في عسكر حلب للإغارة على سيس أيضا ، وكان ضعيف العقل قليل التدبير ، ففرّط في حفظ العسكر ولم يكشف أخبار العدو واستهان بهم ، فجمع صاحب سيس جموعا كثيرة من التتر وانضمت إليهم الأرمن والفرنج ووصلوا على غرة إلى طشتمر فالتقوا بالقرب من أياس فلم يكن للحلبيين قدرة بمن جاءهم فتولوا يبتدرون الطريق. وتمكنت التتر والأرمن منهم فقتلوا وأسروا غالبهم واختفى من سلم في تلك الجبال.
__________________
(1) جبال الظنين على ما في تاريخ بيروت هو الجبل الذي يعرف اليوم بجبل الضنية قرب عكار.

ولم يحدث بعد ذلك من الكوائن المهمة شيء يستحق التدوين حتى سنة (708) وقد خرج الناصر محمد بن قلاوون من مصر يظهر التوجه إلى الحجاز ، فلما وصل إلى الكرك أمر الأمراء الذين حضروا في خدمته بالمسير إلى الديار المصرية وأعلمهم أنه جعل السفر إلى الحجاز وسيلة إلى المقام بالكرك. وكان سبب ذلك استيلاء سلار وبيبرس الجاشنكير على المملكة واستبدادهما بالأمور ، وتجاوزا الحدّ في الانفراد بالأموال والأمر والنهي ، ولم يتركا له غير الاسم فاشتور الأمراء فيما بينهم واتفقوا على أن تكون السلطنة لبيبرس الجاشنكير ، فجلس على سرير السلطنة على أن يكون سلار مستمرا على نيابتها.
وفي السنة التالية سار جماعة من المماليك على حمية من الديار المصرية مفارقين طاعة بيبرس الجاشنكير الملقب بالملك المظفر ، ووصلوا إلى السلطان بالكرك وأعلموه بما الناس عليه من طاعته ومحبته ، فأعاد السلطان خطبته بالكرك ووصلت إليه مكاتبات عسكر دمشق يستدعونه وأنهم باقون على طاعته ، وكذلك وصلت إليه المكاتبات من حلب ثم جاء من الكرك إلى حمان ، وعاد فرجع إلى الكرك واستمرت العساكر على طاعته وانحلت دولة بيبرس الجاشنكير وجاهره الناس بالخلاف بعد أن ساعفته الأيام ، ولم يهم أنه ستخونه الأقدار ، ولا تظنى أن ما بناه على شفا جرف هار.
ولما تحقق الملك الناصر صدق طاعة العساكر الشامية وبقاءهم على طاعته وولائه عاود المسير الى دمشق فسار إلى البرج الأبيض من أعمال البلقاء ، فأطاعه جند دمشق وجند حماة والساحل ، وطلب نائب السلطنة الأفرم الأمان فأمنه ، ولما تكاملت العساكر الشامية عند السلطان بدمشق سار إلى مصر وبلغ بيبرس الجاشنكير ونائبه ذلك فجردا عسكرا ضخما أقاموا في الصالحية بطريق مصر. ولما وصل السلطان إلى غزة قدم إلى طاعته عسكر مصر أولا فأولا ثم تتابعت الأطلاب والكتائب ، وبويع له بالسلطنة للمرة الثالثة ، ولما تحقق بيبرس الجاشنكير ذلك خلع نفسه من السلطنة وطلب الأمان وأعطاه السلطان صهيون ومئة مملوك ثم قبض عليه وقتل ، وكذلك فعل بسلار. وأكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع.
وفي سنة (709) وقعت فتنة في حوران بين اليمنية والقيسية وحشدوا وبلغت

المقتلة ألف نفس وكانت بقرب السويداء. وفي سنة (710) أقام السلطان ملكا على حماة إسماعيل بن علي الملقب بأبي الفداء وهو آخر من بقي من سلالة الملوك الأقدمين في الشام. ولو لا حسن سياسة أبي الفداء ما وصل إلى هذا المنصب لأن الدور أصبح دور المماليك والدخلاء وجميع مواطن النيابة أصبح فيها مماليك السلطان أو مماليك والده أو مماليك مماليك والده ، وجميعهم مرتبون من الأبواب الشريفة. ولم يكن كل ملك أو قيل من هؤلاء الملوك والأقيال حرا بمملكته كما زعم بعضهم ، بل كانوا حتى من تسلسل فيهم الملك في بلدان صغيرة من الشام أشبه بأصحاب إقطاعات لا يزالون في حربهم وسلمت تحت أمر السلطان. وإذا شذّ في الأحايين بعضهم وعدوا على سلطانهم فإنهم لم يخرجوا عن كونهم ولاة أو عمالا خرجوا على السلطان ليس إلا.
الغزوات في الشمال وظهور دعوة جديدة :
وفي سنة (711) قصد قراسنقر كبير الأمراء في حلب أمير العرب مهنا بن عيسى وكان على مسيرة يومين من حلب يستنصره ، وكان في ثمانمائة مملوك على الملك وكان يريد أن يبطش به. فركب مهنا فيمن أطاعه من أهله ، واستنفر من العرب نحو خمسة وعشرين ألفا، وقصدوا حلب وأحرقوا باب قلعتها وتغلبوا عليها ، واستخلصوا منها مال قراسنقر ومن بقي من أهله ولم يتعدوا إلى سوى ذلك ودخلت سنة (715) فأرسل السلطان محمد بن قلاوون عساكر الشام ومصر إلى ملطية ففتحوها ، وسبب ذلك أن حكومتها كانت تعتدي على أبناء السبيل ومن جاورها من سكان القلاع ، وأن المسلمين كانوا بها يختلطون بالنصارى حتى إنهم زوجوا النصراني بالمسلمة ، وثبت أنهم كانوا يطلعون التتر والأرمن على أخبار المسلمين ، ثم رجع الجيش إلى مرج دابق قرب حلب ، وترددت الرسل إلى صاحب سيس الأرمني في إعادة ما في جنوبي جيحان من البلدان وزيادة القطيعة أي الإتاوة ، فجعلها نحو ألف ألف درهم. وصدر أمر السلطان بأن لا تكون بحماة حماية لدعوة الإسماعيلية أهل مصياف ، بل يتساوون مع رعية حماة في أداء الحقوق والضرائب الديوانية وغير ذلك.
وأغار سليمان بن مهنا بن عيسى بجماعة من التتر والعرب على التراكمين

والعرب النازلين قريب تدمر ونهبهم ووصل في إغارته إلى قرب البيضاء بين القريتين وتدمر وعاد بما غنمه إلى الشرق. وجهز نائب السلطنة (717) بحلب عدة كثيرة من عسكر حلب وغيرهم من التركمان والعربان والطماعة ما يزيد على عشرة آلاف فارس فساروا إلى آمد ونهبوا أهلها المسلمين والنصارى وبالغوا في النهب الحرام فخلت آمد من أهلها.
وظهر في جبال بلاطنس من عمل اللاذقية رجل من النصيرية وادعى أنه محمد بن الحسن العسكري ثاني عشر الأئمة عند الإمامية ، وقيل : زعم تارة أنه المهدي المنتظر ، وأخرى أنه علي بن أبي طالب ، وطورا أنه محمد المصطفى وأن الأمة كفرة. فتبعه خلق من النصيرية نحو ثلاثة آلاف ، وهجم مدينة جبلة والناس في صلاة الجمعة فنهب أموال أهل جبلة ، وجرد إليه عسكر من طرابلس فلما قاربوه تفرق جمعه وهرب واختفى في تلك الجبال فتتبع وقتل وباد جمعه ولم يعد لهم ذكر ، بعد أن قتل مائة وعشرون رجلا من رجاله.
وفي سنة (720) تقدمت مراسيم السلطان بإغارة العساكر على سيس فسار الجند الشامي من الساحل ودمشق وحماة وحلب فنازلوا قلعتها حتى بلغوا السور ، وغنموا منها وأتلفوا الزراعات وساقوا المواشي ونهبوا وخربوا. وسار جمع عظيم من العساكر الشامية والعرب في أثر آل عيسى ، وكانت منازلهم في سلمية ، حتى وصلوا إلى الرحبة فعانة فهرب آل عيسى إلى ما وراء الكبيسات ، وأقام السلطان موضع مهنا محمد بن أبي بكر ، ثم رضي السلطان (722) على الأمير فضل بن عيسى وأقره على إمرة العرب موضع محمد بن أبي بكر أمير آل عيسى. وجردت بعض العساكر المصرية والشامية والساحلية إلى سيس ونازلوا اياس فهربت الأرمن منها وأخلوها وألقوا النار فيها فملكها المسلمون ، وخربوا ما قدروا على هدمه وعاد كل عسكر إلى بلده. وهدأت الأحوال في هذه الحقبة ولم يحدث سوى أمور طفيفة مثل قدوم مراكب فرنج جنوية (734) إلى بيروت ، قاتلوا أهلها يومين ودخلوا البرج وأخذوا الأعلام السلطانية والمراكب. وكان السلطان يعتقل بعض الخوارج عليه أو من يرى في سيرهم ما يدعو إلى الشبهة ثم يطلقهم وينعم عليهم ، وربما أخر

إهلاك من يخافهم على السلطنة مثل تنكز نائب الشام عشر سنين ثم قتله ، وكان قتل خلقا فارتاحت الناس ، وما كانت أفكار السلطنة موجهة إلا إلى قتال الأرمن ، فكانوا يغزون كل مرة وآخر ما نالهم من غزوة المسلمين غزوة عسكر حلب (735) ، وكان الأرمن ملكوا مدينة سيس وطردوا من كان بها من المسلمين فخربوا في أذنة وطرسوس وأحرقوا الزروع واستاقوا المواشي وغنموا وأسروا وما عدم سوى شخص واحد غرق في النهر ، وكان العسكر عشرة آلاف سوى من تبعهم ، فلما علم أهل اياس بذلك أحاطوا بمن عندهم من المسلمين التجار وغيرهم وحبسوهم في خان ثم أحرقوه وقلّ من نجا ، فعلوا ذلك بنحو ألفي رجل من التجار والبغاددة وغيرهم. وبعد مدة سار العسكر من مصر والشام بقيادة ملك الأمراء بحلب علاء الدين ألطنبغا إلى بلاد الأرمن (737) ونزلوا على مينا أياس وحاصروها ثلاثة أيام ، ثم قدم رسول الأرمن من دمشق ومعه كتاب نائب الشام بالكف عنهم على أن يسلموا المدن والقلاع التي شرقي نهر جيحان ، فتسلموا ذلك منهم وهو ملك كبير ومدن كثيرة كالمصيصة وكوبرا والهارونية وسرفندكار واياس وباناس ونجيمة والنقير وغير ذلك ، فخرب المسلمون برج اياس الذي في البحر. قال ابن الوردي : وهذا فتح اشتمل على فتوح ، وترك ملك الأرمن جسدا بلا روح.
وفي سنة (740) وقع حريق بقيسارية القواسين والكفتين وسوق الخيل من دمشق دام يومين بلياليها فعدم فيها نحو خمسة وثلاثين ألف قوس وعدم الناس أموالا عظيمة منها للتجارة ما مبلغه ألف ألف وستمائة ألف دينار وخربت أماكن كثيرة فوقعت التهمة على بعض كتاب النصارى وأقروا أن اثنين قدما من القسطنطينية ليجاهدا في الملة الإسلامية ومعابدها وقدما نفسيهما على ذلك وأنهما يعلمان صناعة النفط فقتل أحد عشر رجلا وأنكر صاحب مصر على نائب دمشق تنكز قتل النصارى قائلا إن ذلك إغراء لأهل القسطنطينية.
سياسة المماليك مع أكبر عمالهم ووفاة الناصر وتولي المنصور :
كانت حكومة المماليك تكثر من نصب الولاة وعزلهم ولا سيما في دمشق فتولي في كل وقت نائبا جديدا وربما في كل شهر ، ولم تطل مدة واحد من

الولاة كما طالت نيابة تنكز فإن ولايته دامت من سنة (712) إلى (740) قال الكتبي : وهابه الأمراء بدمشق ونواب الشام وأمن الرعايا ، ولم يكن أحد من الأمراء ولا أرباب الجاه يقدر أن يظلم أحدا آدميا أو غيره خوفا من بطشه وشدة إيقاعه. قال : وكان الناس في أيامه آمنين على أموالهم ووظائفهم. وهو صاحب الأبنية العظيمة في دمشق وغيرها من الشام وكان ممن ينشط الزراعة ولما أخذه ملك مصر وقتله في الإسكندرية تأسف عليه أهل دمشق.
وتوفي الناصر محمد بن قلاوون سنة (741) بعد أن خطب له ببغداد والعراق وديار بكر والموصل والروم ، وضرب الدينار والدرهم هناك باسمه كما يضرب له بالشام ومصر ، وتألم الناس لفقده لأنه أبطل المكوس وأنشأ جوامع ومدارس وكانت أيامه أيام أمن وسكينة ، فتولى الملك بعده ابنه المنصور أبو بكر وكان تسلطن قبل موت والده. وملك الناصر محمد بن قلاوون ثلاث مرات مدتها ثلاث وأربعون سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما ، تملك المرة الأولى بعد وفاة أخيه الأشرف سنة كاملة ، والمرة الثانية بعد قتل لاجين ، ومدة ملكه ثانية عشر سنين وستة أشهر واثنا عشر يوما ، والدولة الثالثة أقام بها ثنتين وثلاثين سنة وثلاثة شهور وخمسة أيام ، وكان في الثالثة حاكما متصرفا ليس له منازع يخالف أمره بخلاف المدتين الأوليين. وشأن ابن قلاوون قليل في الملوك ، لأنه ندر من يتخلى عن الملك أو يخلع من الملوك أن يعود إلى دست السلطنة مرة ثانية فكيف بثلاث مرات. ومن غريب ما وقع له أيضا أنه تسلطن ثمانية من أولاده لصلبه ، وهذا مما يعد في باب سعادة آل قلاوون.
وفي سنة (741) فتح علاء الدين أيدغدي الزراق ومعه عسكر حلب قلعة خندروس من الروم ، وكانت عاصية وبها أرمن وتتر يقطعون الطرقات ، وفي السنة التالية (742) بايع المنصور أبو بكر الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان وكان قد عهد إليه والده بالخلافة فلم يبايع في حياة الناصر فلما ولي المنصور بايعه بمصر وجلس معه على كرسي الملك وبايعه القضاة وغيرهم ، وكان الخليفة من أولاد العباس يقيم في مصر كعامل كبير محترم من عمال السلطنة ويبايع السلطان عند جلوسه

خلع الملك المنصور ومقتل غير واحد من إخوته الذين خلفوه :
خلع المنصور أبو بكر فاحتج عليه قوصون الناصري ولي نعمة أبيه بحجج ونسب إليه أمورا ، فأخرجه إلى قوص فقتله واليها ، وأقام الملك أخاه الأشرف كجك وهو ابن ثمان سنين. أي إن الخوارج على السلطنة بعد أن سكنوا بحسن سياسة الناصر محمد بن قلاوون مدة بعد خلعه نفسه ومكثه في الكرك حتى رجع إلى السلطنة وقد أطاعه عسكر الشام ومصر ، ثم عادوا يبدون نواجذ الشر ويقتلون ملكهم ، فقتل الملك الجديد ونصب أخوه الصبي ليكون الحكم لقوصون الناصري كما وقع ذلك في أدوار مختلفة ، ثم أرسل قوصون مع قطلبغا الفخري الناصري عسكرا لحصار أحمد بن الملك الناصر بالكرك ، وسار الطنبغا نائب دمشق والحاج أرقطاي نائب طرابلس بإشارة قوصون إلى قتال طشتمر بحلب ، لأن هذا أنكر على قوصون ما اعتمده في حق أخيه المنصور أبي بكر ، ونهب الطنبغا بحلب مال طشتمر وهرب هذا إلى الروم ، واستمال الناصر في الكرك قطلبغا الفخري ، وكان ذهب لقتاله وحاصره أياما فبايعه وبايع للناصر من بقي من عسكر دمشق المتأخرين عن المضي إلى حلب صحبة الطنبغا ، ثم سار الفخري إلى ثنية العقاب وأخذ من مخزن الأيتام بدمشق مالا ولما بلغ الطنبغا ما جرى بدمشق رجع على عقبه فأرسل إليه الفخري لما قرب من دمشق القضاة ، وطلب الكف عن القتال ، فقويت نفس الطنبغا وأبى ذلك ، وطال الأمر على العسكر فلما تقاربوا بعضهم من بعض لحقت ميسرة الطنبغا بالفخري ثم الميمنة ، وبقي الطنبغا وجماعته في قليل من العسكر ، فهرب الطنبغا ومن معه من القواد إلى جهة مصر ، فجهز الفخري وأعلم الناصر بالكرك وقد خطب له بدمشق وغزة والقدس ، فلما وصل ألطنبغا إلى مصر وهو قوي النفس بقوصون تغير أمر قوصون. وكان قد غلب على الأمر لصغر الملك الأشرف ، ثم قبض جماعة الأمراء على قوصون وأرسلوه إلى الإسكندرية وأهلك بها ، وقبضوا على الطنبغا وحبسوه ، وسافر الناصر أحمد من الكرك وعمل أعزية لوالده وأخيه ، وأمر بتسمير والي قوص لقتله المنصور وخلع الأشرف الصغير ، وجلس الناصر على الكرسي هو والخليفة ثم أعدم الطنبغا وغيره ، وتواتر عزل الولاة والنواب بحلب ، جرى كل هذا في مدة يسيرة. وجرى

في هذه السنة (742) من تقلبات الملوك والنواب واضطرابهم ما لم يجر في مئات من السنين على رأي ابن الوردي.
ولم يصف جو السلطنة للناصر أحمد في مصر ، وسافر إلى الكرك وحصنها واتخذها مقاما له ، ولما حصل بها وقتل بها طشتمر والفخري قتلة شنيعة (743) أنقلب عليه عسكر الشام وهو بالكرك وكاتبوا مصر فخلع الناصر ، وأجلس اخوه الملك الصالح إسماعيل ، واستناب آل ملك وحصر الملك الناصر بالكرك ، واجتمع عليه أخوه الصالح بما أخذه من أموال بيت المال ، وخرج بيبرس الأحمدي من مصر بعسكر لحصار الكرك وكذلك من دمشق ، فحاصروا الناصر بالكرك ووردت المراسيم إلى الأعمال الشامية بتجريد العشران وغيرهم إلى الكرك ، فذهبوا إليها سنة (743) ووجدوا في القلعة مع السلطان أحمد خلقا كثيرا ، وقد نصبوا على القلعة في أعلاها خمسة مجانيق ومدافع كثيرة ، وأغار التركمان مرات على سيس فقتلوا ونهبوا وأسروا وشفوا الغليل بما فتكت الأرمن ببلاد قرمان ، وعاد العسكر (744) المجهز إلى سيس وما ظفروا بطائل ، وكانوا قد أشرفوا على أخذ أذنة وفيها خلق عظيم وأموال عظيمة وجفال من الأرمن ، فارتشى أقسنقر مقدم عسكر حلب من الأرمن ، وثبط الجيش عن فتحها واحتج بأن السلطان ما رسم بأخذها. وحاصر يلبغا النائب بحلب قراجا بن دلغادر التركماني بجبل عسر إلى جانب جيحان فاعتصم منه بالجبل ، وقتل في العسكر وأسر وجرح ، وما نالوا منه طائلا فكبر قدره بذلك واشتهر اسمه وكانت هذه حركة رديئة من يلبغا ثم أوقع دلغادر بالأرمن وفتح قلعة كابان (746) وبعد فتحها قصد النائب بحلب أن يستنيب فيها من جهة السلطان فعتا ابن دلغادر عن ذلك ، فجهزوا عسكرا لهدمها ثم أخذتها الأرمن. وفي سنة (745) حوصرت الكرك ونقبت ، وأخذ الناصر أحمد وحمل إلى أخيه الصالح بمصر فكان آخر العهد به ، وفي هذه السنة كانت الوقعة بين أهل البقاع ووادي التيم وقتل من الفريقين خلق كثير ، وأحرق ابن صبح قرية من وادي التيم ، وانقطعت السبل. وتوفي الصالح إسماعيل بن الناصر محمد ابن قلاوون (746) وجلس مكانه أخوه الكامل شعبان. وفي سنة (747) خرج نائب الشام يلبغا إلى ظاهر دمشق وشق عصا الطاعة وعاضد أمراء مصر حتى

خلع الكامل شعبان وأجلسوا مكانه أخاه المظفر أمير حاج ، وسلموا إليه أخاه الكامل فكان آخر العهد به ، وكان هذا الكامل شعبان سيئ التصرف يولي المناصب غير أهلها بالبذل ، ويعزلهم عن قريب ببذل غيرهم ، وكان يقول عن نفسه أنا ثعبان لا شعبان.
وفي سنة (748) سافر ناصر الدين بن المحسني بعسكر من حلب لتسكين فتنة ببلد شيزر بين العرب والأكراد قتل فيها من الأكراد نحو خمسمائة نفس. وفيها عزمت الأرمن على نكبة اياس ، فأوقع بهم أمير اياس محمد بن داود الشيباني ، وقتل من الأرمن خلقا وأسر خلقا ، وأحضرت الرؤوس والأسرى إلى حلب واقتتل سيف الدين بن فضل أمير العرب وأتباعه مع أحمد فياض من الأمراء في جمع عظيم قرب سلمية فانكسر سيف الدين ونهبت أمواله ، وجرى على المعرة وحماة وغيرهما من العرب أصحاب سيف وأحمد فياض من النهب وقطع الطرق ما لا يوصف ، وكانت هذه الحرب ضربة قاضية على بادية حماة فطفق البدو ينهبون القرى ، ويغيرون على حماة والمعرة ففر الفلاحون ودرست القرى. وفي هذه السنة قتل السلطان الملك المظفر أمير حاج بمصر وأقيم مكانه أخوه الناصر حسن ، وكان الملك المظفر قد أهلك أخاه الأشرف كجك وفتك بالأمراء وقتل من أعيانهم نحو أربعين أميرا.
أحداث وكوائن وعصيان ومخامرات :
ومن الأحداث أن نائب الشام يلبغا اليحياوي هرب فتبعه جماعة من عسكر دمشق فتقاتل معهم فقتل. وفي مصر سنة (750) دخل جبغا نائب طرابلس مدينة دمشق في جماعة كثيرة ، وكان أرغون شاه نائب الشام مقيما بالقصر الأبلق فدخل عليه الأمير جبغا وهو نائم بين عياله وقبضه ، فلما أصبح الصباح طلب جبغا القضاة والأمراء بدمشق وأخرج لهم مرسوم السلطان بالقبض على أرغون شاه فسكن ما كان بين الناس من الاضطراب ، وظنوا أن ذلك صحيح فسجنه واحتاط على موجوده ، ثم وجدوا أرغون شاه مذبوحا في السجن فشاع بأن ذلك من فعل جبغا فوثب عليه عسكر دمشق وحاربوه فهرب فلم يتبعه أحد من العسكر وخافوا عقبى ذلك ، وكاتب أمراء دمشق

السلطان بما وقع من جبغا فأنكر ما وقع لأرغون شاه ، ورسم لأمراء دمشق أن يحاربوا جبغا فخرج عليه عسكر دمشق قاطبة ، وحاربوه وهو في طرابلس فانكسر وقبضوا عليه وشنقوه. وفي سنة (754) قدمت على رواية ابن سباط مراكب الفرنج إلى صيدا فقتلوا طائفة من أهلها وأسروا جماعة وقتل منهم خلق كثير وكسر مركب من مراكبهم ، فوصل الصريخ إلى دمشق ، فاجتمعت العساكر من صفد ودمشق وأسرعوا إلى فك الأسرى ، وأخذوا من ديوان الأسرى ثلاثين ألفا وأعطوا عن كل رأس خمسمائة درهم.
وإن الخلل الذي طرأ على السلطنة بمصر بعد ذهاب عظماء السلاطين من أولاد قلاوون وسرعة قتلهم واستخلاف غيرهم من المماليك ، قد سرى من شرارته شيء كثير في هذه الحقبة من الزمن ، ومسألة اليحياوي مع أرغون شاه مثال منها. ومن أمثلة الخلل في تلك الدولة خروج بيبغا أروس نائب حلب عن الطاعة ، وكذلك بكلمش نائب طرابلس ، وأحمد نائب حماة ، الطنبغا برقاق نائب صفد ، ولم يبق على الطاعة إلا نائب دمشق أرغون الكاملي ، فأرسل يخبر السلطان في مصر بما جرى من النواب ، ثم اضطر نائب الشام إلى الهرب تحت الليل هو ومماليكه وتوجه إلى غزة ، ليعلم السلطان والأمراء بما جرى ، والتف على بيبغا أروس العربان والعشائر مع العساكر الحلبية والشامية وكان معه نحو ستين أميرا لما فتح دمشق واستعرض العساكر بها ثم أرسل إلى نائب قلعة دمشق يطلب منه إطلاق أمير كان مسجونا فيها فاعتذر عن ذلك إلا بمرسوم السلطان ، وحصن القلعة تحصينا عظيما ، وركب عليها المكاحل بالمدافع ، وأرسل يقول لأهل المدينة : لا تفتحوا دكانا ولا سوقا ولا تبيعوا عسكر حلب شيئا ، فلما بلغ بيبغا ذلك اشتد به الغضب ، وأمر عسكره بأن ينهبوا ضياع دمشق والبساتين ويقطعوا الأشجار ، فلما سمعوا هذه المناداة ما أبقوا ممكنا من الأذى والفساد ، فنهبوا حتى النساء والبنات والقماش ، وجرى على أهل دمشق من بيبغا ما لم يجر عليهم من عسكر غازان لما دخل دمشق.
ثم إن سلطان مصر جهز عسكرا عظيما وجعل عليهم من أمراء الطبلخانات

والعشراوات (1) نحو ثمانين أميرا وكان صحبته القضاة الأربعة والخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله فأمر بقتال جماعة بيبغا فانهزم هذا ولحق ببلاد التراكمة ، وجيء بجماعته في القيود يرسفون.
وهذا السلطان هو الصالح صلاح الدين صالح وهو العشرون من ملوك الترك وأولادهم، والثامن من أولاد الناصر محمد بن قلاوون. ثم قتل نائب حلب بيبغا ونائب طرابلس بكلمش ونائب حماة أحمد وكانوا هربوا إلى التركمان. وخلع السلطان على أرغون الكاملي واستقر به نائب حلب وجرد أرغون إلى قراجا بن ذي القدر أمير التركمان في مرعش وحواليها ، وذنبه أنه وافق بيبغا أروس على العصيان ، فلما وصل إليه أرغون هرب منه فتبعه إلى أطراف الروم فقبض عليه وأرسله إلى السلطان بمصر فسمره على جمل.
وفي سنة (760) توجه بيدمر الخوارزمي نائب حلب إلى سيس وحاصر أهلها فطلبوا منه الأمان فتسلمها وكذلك المصيصة ، وفتح في تلك السنة عدة قلاع ثم رجع إلى حلب. وفي سنة (762) أظهر بيدمر الخوارزمي نائب الشام العصيان وملك قلعة دمشق وقتل نائب القلعة وقد وافقه على ذلك جماعة من النواب فاضطرب السلطان بمصر لهذه الأخبار وخرج قاصدا الشام ، ولما بلغ دمشق أرسل له أمانا فقبض عليه وقيده.
وفي سنة (765) جاء الفرنج إلى قلعة اياس وحاصروها فخرج إليهم نائب حلب فلما سمعوا به رحلوا عنها ثم قصدوا نحو طرابلس وكانوا ثلاثة ملوك وهم صاحب قبرس وصاحب رودس وصاحب الاسبتار فجاءوا في مائتي مركب حربي إلى طرابلس ، وكان النائب غائبا عنها فطمعوا في أخذها ثم خرج إليهم بعض عسكرها فانكسر عسكر طرابلس ودخل الفرنج المدينة ونهبوا أسواقها وقتلوا بها من المسلمين نحو ألفي إنسان فقاتل الأهلون الفرنج وكسروهم فرحلوا عن طرابلس.
__________________
(1) الطبلخانات : من الرتب العسكرية وظيفتها الضرب بالآلات الموسيقية. وكان عدة من في باب السلطان منهم أربعين أميرا ، وبخدمة كل واحد منهم أربعون مملوكا ، ولهم الطبول الصغار والزمارات والأبواق.

وفي سنة (767) عصا على السلطان نائب دمشق بيدمر واجتمع إليه مقدمو البلدان فأرسل السلطان إليه جيشا وبعد حصار شهرين تسلم دمشق وقبض على النائب وقتله. وفي سنة (771) تشاجر الأمير جبار من آل الفضل ونائب حلب طشتمر المنصوري فخرج هذا بالعساكر الحلبية وقاتل الأمير جبار فقويت العربان على نائب حلب فقتل في المعركة.
مقتل الأشرف شعبان والأحداث بعده :
وفي سنة (778) قتل في القاهرة الأشرف شعبان ، قال ابن إياس : وكان من محاسن الزمان في العدل والحلم وكان ملكا هينا لينا محبا للناس منقادا للشريعة محسنا وكانت الدنيا في أيامه هادئة من الفتن والتجاريد إلى الديار الشامية فساد العرب وساس الناس أحسن سياسة. وتولى الملك بعده ابنه الصالح أمير حاج وله من العمر نحو إحدى عشرة سنة وهذا آخر من تولى السلطنة من ذرية بني قلاوون وبه زال الملك عنهم وقد أقامت السلطنة في قلاوون وذريته مائة سنة وثلاث سنين وأشهرا.
وفي سنة (776) خرج نائب حلب إلى سيس وفتحها وكانت في أيدي الأرمن. وفي سنة (779) خامر جميع نواب الشام وخرجوا عن الطاعة فساقت مصر تجريدة عليهم. وفي سنة 780 خرج نائب الشام بيدمر الخوارزمي عن الطاعة وقصد الهرب إلى التركمان ببركه ورجاله فقبضه عسكر دمشق وسجنوه فأرسل سلطان مصر وأخذه منها وسجنه ثم أطلقه بعد ثلاث سنين وأعيد إلى منصبه. وفي سنة (780) نازل الفرنج طرابلس في عدة مراكب فالتقاهم يلبغا الناصري فهزمهم ، ثم أمر العسكر أن يتأخروا فطمع فيهم الفرنج وتبعوهم إلى أن أبعدوا عن البحر فرجع عليهم بالعسكر فهزمهم وقتل منهم جمع كبير وقبض على أكثرهم وأقلع من بقي في المراكب. وثار أقبغا عبد الله (781) وجماعة معه على نائب دمشق وكان قد تجرد مع نائب حلب في عسكر البلدين بسبب التركمان فوقعت بينهم وبين أقبغا ومن معه وقعة فكسرهم نائب الشام وهرب أقبغا إلى نعير أمير عرب الفضل وفي سنة (783) نهبت طائفة من التركسان بعد ضياع حلب وعاثوا وأفسدوا وعين لهم الأتابك برقوق في مصر تجريدة

وخرج إليهم ثلاثة من الأمراء المقدمين وخمسمائة مملوك فالتقوا مع التركمان وكسروهم وقتلوا منهم جماعة كثيرة ونهبوا أموالهم وطردوهم إلى ملطية.
وفي سنة (784) حضر إلى القاهرة رسول صاحب سيس ومعه كتاب يخبر فيه أن الأرمن مات كبيرهم فأمروا عليهم زوجته فحكمت فيهم مدة ثم عزلت نفسها ، فاتفق رأيهم أن يفوضوا أمرهم لصاحب مصر فيختار لهم من يوليه عليهم ، فانتقى لهم ملك مصر أحد الأسارى الأرمن ممن يسكنون ظاهر القاهرة ويبيعون الخمور فأخذوه معهم فملكوه عليهم ، وفي السنة التالية جاءت رسل أصحاب سنجار وقيسارية وتكريت يسألون صاحب مصر أن يكونوا تحت حكمه ويخطبوا باسمه فأجيب سؤلهم وكتب لهم بذلك تقاليد وخلع عليهم. وفي هاتين الواقعتين دليل على أن صاحب مصر والشام في تلك الفترة كان أقوى من جاوره من الملوك خطب وده الأتراك والأكراد والأرمن من مجاوريه.
وفي سنة (785) وقعت بين قبلاي نائب الكرك وخاطر أمير العرب بها مقتلة عظيمة فانكسر قبلاي. وفيها نازل الفرنج بيروت في عشرين مركبا فراسلوا نائب الشام فتقاعد عنهم واعتلّ باحتياجه إلى مرسوم السلطان فقام إينال اليوسفي فنادى الغزاة في سبيل الله فنفر معه جماعة فحال بين الفرنج وبين البحر وقتل بعضهم ونزل إليه بقية الفرنج فكسرهم وقبض من مراكبهم ستة عشر مركبا. وكان الفرنج دخلوا صيدا فوجدوا المسلمين قد بدأوا بهم فخبأوا أموالهم وأولادهم بقرية خلف الجبل فوجد الفرنج بعض أمتعتهم فنهبوها وأخذوا ما وجدوا من زيت وصابون وأحرقوا السوق وقصدوا بيروت فتداركهم المسلمون وانكسر الفرنج ثم عادوا إلى مباهلة بيروت فتيقظ لهم أهلها فحاربوهم.
وفي سنة (785) وقعت فتنة بين نعير بن مهنا أمير العرب وابن عمه عثمان ابن قارا ، فساعد يلبغا الناصري عثمان فكسر نعير ونهبت أمواله. وفيها سار يلبغا الناصري بالعساكر الحلبية وبعض الشامية إلى جهة التركمان ، فنازلوا أحمد بن رمضان التركماني عند الجسر على الفرات فكسر التركمان وأسر إبراهيم

ابن رمضان وابنه وأبوه ، فوسطهم يلبغا الناصري ، ثم تجمع التركمان وواقعوا الناصري عند أذنة فانكسر العسكر وقلعت عين الناصري وجرح ثم تراجع العسكر ولم يفقد منه إلا العدد اليسير ، فطردوا التركمان إلى أن كسروهم فغدر التركمان بنائب حماة وبيتوه فانهزم ثم ركب يلبغا الناصري فهزمهم.
وفي سنة (787) توجه نواب الشام إلى قتال التركمان فانكسر العسكر وفتك فيهم التركمان وقتلوا سودون العلائي نائب حماة وغيره. وكان السلطان أمر نواب الشام بالتوجه إلى قتال سولى بن دلغادر ومن معه من التركمان فوصلوا إلى طيون بين مرعش وابلستين فالتقى بهم سولى فقتل سودون نائب حماة في المعركة وكذا سودون نائب بهسنى فشق ذلك على السلطان ولم يزل يعمل الحيلة حتى دس على سولي من قتله وقتل أخاه.
سلطنة برقوق وحالة المماليك البحرية والشراكسة :
دخل الهرم في دولة الأتراك المصرية وزاد فساد العربان في البلدان ، وخامر غالب النواب في الشام وخرجوا عن الطاعة ، فاجتمع الأتابك برقوق متولي الأمر والقضاة مع الخليفة وسائر الأمراء في مصر فرأوا الحاجة ماسة إلى سلطان كبير تجتمع عليه الكلمة ويسكن الاضطراب فتكلم القضاة الأربعة مع الخليفة في سلطنة الأتابكي برقوق فخلعوا الملك الصالح أمير السلطنة وسلطنوا الأتابك برقوق (784) وهو أول ملوك الشراكسة بمصر والشام.
وكانت هذه الدولة التركية الشركسية عجبا في ضعف الإدارة وقيام الخوارج لأن الملك على الأكثر كان ضعيفا ينزله عن عرشه كل من عصا عليه ، واستكثر من المماليك وقدر أن يتسلط على عقول السذج من العربان وأرباب الدعارة والطمع من الناس «والمماليك السلطانية الذين جرت العادة على أنهم يفعلون الأمور المشهورة عنهم من أخذ أموال الناس وهتك حريمها». والقاهرة لا شأن لها بعد أن يتقاتل المتقاتلون على الملك أو يقاتل القواد العصاة ويظفر أحد المتنازعين على السلطنة ، أو الأمير الذي وسد إليه اجتثاث دابر العاصي ، إلا أن تزين أسواقها سبعة أيام أو ثلاثة أيام على الأقل. تفعل ذلك لأقل حادث يحدث حتى ولو قبض جماعة السلطان على أحد صعاليك المماليك ممن خامر

عليه واستتبع أناسا من الغاغة. وكانت دمشق في أيام الأتراك ثم في أيام الشراكسة أخلافهم تزين سبعة أيام لأقل ظفر يقع ، فيفرح السلطان وتدق البشائر. وكان من سلاطين المماليك أهل خير تغلب عليهم الرحمة وحسن السياسة ، وكان ضعفهم آتيا من جماعتهم المماليك لأن لكل أمير منهم جوقة يتفانون في حبه إذا تغلب عليه خصمه سجنهم أو أقصاهم أو نكبهم ، فلا يزالون يعملون على إثارة الخواطر حتى يطلق سراحهم ثم يعودون إلى ما نهوا عنه وهكذا دواليك. والأمة من أجل هذا تخرب ديارها ، وتهلك أبناؤها وتذهب أموالها وعروضها ، حتى يسعد الطالع أحد المتخاصمين فيتغلب على من يريد التغلب عليه. وهناك خليفة في مصر يعتضد به السلاطين يوم الشدائد ، ويبايعهم يوم تنصيبهم ، وربما سجنوه وأقصوه عن أنظار الأمة إذا شعروا بأن هواه مع غيرهم أو يمكن أن يكون كذلك : اتخذوه آلة كما كان خلفاء العباسيين مع المتغلبة من سلاطين السلجوقيين والبويهيين وغيرهم في بغداد.

وقائع تيمور لنك
«من سنة 790 الى 803»
بداءة تيمور لنك ومناوشة جيشه :
بينا كانت أمور الدولة في الشام ومصر مختلة معتلة ، لا تستقر على حال ، والمتوثبون على السلطنة يكثرون ويقلون بضعف الملك وقوته ، جاء تيمور لنك من الشرق ، بجيوش جرارة لا قبل للمالكين زمام الأمر بدفعها فأصبح الشام بين عدوين داخلي وخارجي ، كما أصبحت في أواسط القرن السابع بين عدوين أحدهما من الشرق وهم التتر والآخر من الغرب وهم الصليبيون. وتيمور هو ابن ترغاي بن أبغاي مؤسس مملكة المغول الثانية ، ومعنى تيمور الحديد واللنك الأعرج أو الكسيح بلغتهم. سمي بذلك لأن راعيا ضربه فيما قيل بسهم في فخذه أدخله به في زمرة العرجان ، وفي رواية أنه أصيب بسهم في الحرب في صباه. ولد تيمور لنك في قرية خواجه أيلغار من أعمال كش من مدن ما وراء النهر سنة (737 ه‍ 1336 م) ومات في اوترار سنة (807 ـ 1405) بينا كان ذاهبا لفتح بلاد الخطا في الصين وجيء به إلى سمرقند فدفن فيها.
وكان تيمور لنك يمتّ بقرابة بعيدة إلى آل البيت الملوكي من المغول ذرية جنكيز خان، وذلك من جهات الأمهات لا الآباء ، ورأس أبوه قبيلة برلاس التركية وحكم ولاية كش وقد تيتم صغيرا وسلبه جيرانه إمارته ، فتوسل تيمور إلى أمير كشغر ملك الجغتاي فأنعم عليه بولاية ما وراء نهر جيحون ، ثم نزع يده من يد أمير كشغر وانضم إلى عمه حسين ، ولما ماتت زوجته ، وقيل إنه هو الذي قتلها بيده ، أصبح تيمور في حلّ من أمره وداهم حسينا وتغلب عليه واستولى على بلخ فاصبح ملكا على بلاد الجغتاي كلها ،

ولما استولى على ما وراء النهر وفاق الأقران تزوج بنات الملوك فزادوه في ألقابه كوركان «وهو بلغة المغول الختن» وكان عهد تيمور كله عهد حروب وفظائع يقتل الناس بالألوف وعشرات الألوف ، إذا لم يخضعوا لسلطانه في الحال قال السخاوي : وكان يقرب العلماء والسمراء والشجعان والأشراف وينزلهم منازلهم ولكن من خالف أمره أدنى مخالفة استباح دمه، فكانت هيبته لا تدانى بهذا السبب ، وما أخرب البلاد إلا بذلك ، فإنه كان من أطاعه من أول وهلة أمن ، ومن خالفه أدنى مخالفة وهي ، أنجد تيمور أحد الخانات على اوروس خان ملك قسم من روسيا الجنوبية الشرقية ثم فتح خراسان وهرات وطوريس وقارص وتفليس وشيراز وأصفهان وكشغر ومازندران والعراق بأسره ، وخرّب حفيده محمد بولونيا وروسيا ودخل الهند فنازل مملكة المسلمين حتى غلب عليها وفتح أفغانستان وجلب من الهند إلى مملكته المهندسين والنقاشين. ثم حارب السلطان بايزيد العثماني (805) وغلبه. وباستيلائه على إزمير اضطر امبراطور القسطنطينية أن يؤدي إليه الجزية.
هذا الفاتح خرب عاصمتي الشام حلب ودمشق ، وكم خرب من مدن عامرة في آسيا، وكان ملوك أوربا يخافونه وكثيرا ما أرسلوا الوفود لتهنئته بانتصاراته. هذا الرجل الجبار لم يحمل على الشام حملته المشئومة إلا بأسباب أوجدها النواب والأمراء والملوك على الأرجح ، فقد كان ذكر ابن حجر في حوادث سنة (798) : أن اطلمش قريب تيمور لنك قبض عليه قرا يوسف التركماني صاحب تبريز وأرسله إلى الظاهر فاعتقله ، فكانت هذه الفعلة أعظم الأسباب في حركة تيمور لنك إلى الديار الشامية. وقال في حوادث سنة (799) وصلت كتب من تيمور لنك فعوقت رسله بالشام وأرسلت الكتب التي معهم إلى القاهرة ومضمونها التحريض على إرسال قريبه اطلمش الذي أسره قرا يوسف ، فأمر السلطان اطلمش المذكور أن يكتب إلى قريبه كتابا يعرفه فيه ما هو عليه من الخير والإحسان بالديار المصرية ، وأرسل ذلك السلطان مع أجوبته ومضمونها إذا أطلقت من عندك من جهتي أطلقت من عندي من جهتك والسلام.
فالقائمون بالأمر هم الذين فتحوا لتيمور لنك السبل للغزو فيما بعد ،

غزوة أذلت العزيز وأفقرت الغني وخربت العامر. قال ابن حجر أيضا : لما رجع تيمور لنك إلى الشرق وكان هذا دأبه إذا بلغه عن مملكة كبيرة وملك كبير لا يزال يبالغ في الاستيلاء عليها إلى أن يحصل مقصوده فيتركها بعد أن يخربها ويرجع ، فعل ذلك بالمشرق كله وبالهند وبالشام وبالروم.
أرسلت مصر في سنة (790) عسكرا على تيمور لنك في سيواس فانكسر عسكر تيمور لنك وهذه الوقعة من الوقائع الأولى بين تيمور لنك وعسكر الشام.
القتال على الملك
خامر يلبغا الناصري نائب حلب (791) وخرج عن الطاعة وقتل سودون المظفري نائب حلب قبله ، وأمسك حاجب الحجاب بحلب وجماعة من أمرائها ، وأظهر يلبغا العصيان والتف عليه جماعة كثيرة من مماليك الأشرف شعبان ، وكان من جملة من التف على يلبغا تمربغا الأفضلي المدعو منطاش مملوك الظاهر برقوق ، وعهد سلطان مصر إلى إينال أتابك العساكر بدمشق ليكون نائب حلب وحلّف السلطان الأمراء من الأكابر والأصاغر بأن يكونوا معه على يلبغا الناصري فحلفوا على ذلك جميعهم ، وأرسل إلى يلبغا تجريدة.
وانتشب القتال بين أمراء الغرب التنوخية وبين عشران البر أهل كسروان والأمراء أولاد الأعمى ، وكان التنوخية ميالين إلى الملك الظاهر والكساروة مع أرغون نائب منطاش في بيروت ، فاستظهر أهل كسروان على أمراء الغرب وقتلوا منهم نحو 90 نفرا وأمسكوا جماعة فسمروا بعضهم ووسطوا آخرين وأحرقوا عدة قرى من الغرب وتلقبوا بعشران البر. ثم إن العساكر الظاهرية زحفت على تركمان كسروان وجرت بين الفريقين وقعة في الساحل فقتلوا منهم جماعة كثيرة ، ولما استولى كمشبغا على قلعة حلب عمر أسواق هذه المدينة أحسن عمارة في أسرع وقت وكانت من وقعة غازان خرابا ، فلما انتصر كمشبغا على أعدائه قتل غالب أهل محلة بانقوسا وكانوا زيادة على أربعة آلاف نفس وقتل كبيرهم أحمد بن الحرامي وخربها إلى أن جعلها دكا.
عوامل الخراب قيس ويمن :
ذكر الأسدي أن السبب في خراب الشام في القرن الثامن انتشار الشرور

بين قيس ويمن ووقوع الحرب والقتال بينهم ، والسبب في ذلك تغيير العوائد والتدليس على الملوك والحكام وولاة الأمور ، بالإغراء والتسلط على الفلاحين بالظلم وطلب العاجل ، والعسف في الحكم والميل مع القوي ، وإنهاك الضعيف وعدم رد لهفة الملهوف ، ومع تغيير العوائد وقع التحاسد بينهم فاضطر كثير من أهل الزرع والضرع إلى التمرد والتشرد وتسلطت العربان والعشران (1) وتراكمت الأهواء ووقع التحاسد والإغراء ، فنهبت الأموال وقتلت الرجال وتخلت العشائر وعظمت الفتن بين القبائل ، وجلا أهل الزرع والضرع من الفلاحين عن أراضيهم فأوجب ذلك الخراب في كثير من أرجاء الشام ، وصارت دمنا يشهد لذلك الديوان من أسماء القرى التي صارت مزارع وتسمى بالخراب الداثر ، والموجب لهذا جميعه سوء التدبير مع نقص القوة ونقض سنة العدل ، إلى أن صار الحكم لمقدمي الفلاحين ورؤساء العشران ، وصار الأعيان منهم يظهرون الطاعة للسلطان ويبطنون المخالفة والعصيان ، ويستخرجون الأموال بالظلم والطغيان ، ويرضون ببعضها من له في الدولة سلطة ، وبما يحملونه للأعوان من الهدايا والأموال ، فيسعى لهم ويلبسون التشاريف الملوكية بين يدي الملك والأمير والسلطان ، فيصير كل واحد منهم في بلده وإقليمه إذا عاد إليه ذا قوة وسلطان ، وسطوة وأعوان ، وإقطاعات ونعم وديوان.
قلنا : وهذا الاختلاف الدائم بين قيس ويمن كان يقوى ويضعف بحسب الوازع ، فإذا وفقت الديار إلى حاكم يسوي بينهم ويعدل فيهم تسكن نغمة القيسي واليماني ، وإلا فيتقاتلون ويخربون العمران ويقتلون الإنسان. وكانت هذه النغمة شديدة في أرض دون أخرى من أرض الشام ، فقد كانت في القديم في حمص حتى ضرب المثل بها فقالوا : «أذلّ من قيسي بحمص» وذلك أن حمص كلها لليمن ليس بها من قيس إلا بيت واحد. ثم كانت ترى آثارها في حوران ولبنان وربما انتقلت نغمتها من حوران منذ جلاء كثير من الأسر المسيحية إلى جبل لبنان وبقيت في هذا الجبل إلى القرن الماضي ثم اضمحلت.
__________________
(1) العشران : جمع عشير أطلق في الشام على بعض القبائل التي سكنت في البقاع وجبل لبنان. قال المقريزي : عشير الشام فرقتان قيس ويمن لا يتفقان قط ، وفي كل مرة يثور بعضهم على بعض.

وفي هذه الأثناء ركب عسكر طرابلس على النائب وقتلوا من أمراء طرابلس جماعة ، وركب مماليك نائب حماة مع عسكر حماة وأرادوا قتله فهرب إلى دمشق ، فوقعت الفتنة. ولما تحقق برقوق أن المملكة افتتنت خاف وأمر نائب القلعة بمصر بأن يضيق على الخليفة ويمنعه من الاجتماع بالناس ، وكان مسجونا بالقيد في برج القلعة ، وأصدر أمره بالتضييق على السادة أولاد السلاطين في دور الحرم ، ووصلت التجريدة من مصر إلى دمشق والتقى عسكر مصر مع عسكر يلبغا الناصري فأوقعوا معه بظاهر دمشق واقعة عظيمة حتى جرى الدم بينهم وقتل من الفريقين كثيرون ، فانكسر عسكر السلطان وانتصر عليهم يلبغا ، ثم جيش يلبغا وساق جيشه إلى مصر فالتف أكثر أمراء مصر عليه وقاتل قليلا حتى اضطر السلطان برقوق إلى ترك سرير السلطنة وأعيد الملك الصالح أمير حاج بن الأشرف شعبان سلطانا على مصر والشام ، وأخذ الظاهر برقوق إلى قلعة الكرك فسجن فيها ثم انتدبوا لقتله رجلا فقتل الرجل ، واستولى برقوق على القلعة بعد أن قاسى من المحن أمرا عظيما ، وأتاه مماليكه الذين كانوا بقوص وقتلوا واليها والتحقوا به ، والتف عليه العربان وقصد دمشق فجاءه نائب غزة في خمسة آلاف مقاتل فأوقعوا مع الظاهر برقوق وقعة عظيمة انكسر فيها نائب غزة ، فنهب عسكر برقوق عسكر غزة فتقووا بتلك الغنيمة ، وكان الظاهر كلما مر بقرية يخرج اليه أهلها ويلاقونه ومعهم العلف والضيافة ، ولما بلغ برقوق قرية شقحب خرج إليه عسكر دمشق فتقاتلوا فقتل من أمراء دمشق ستة عشر أميرا ، ومن المماليك نحو خمسين مملوكا ، وقتل من عسكر برقوق نحو ذلك.
وصادف أن خرج عن الطاعة كمشبغا الحموي نائب حلب واستولى أبناء اليوسفي على قلعة صفد وهو من جماعة الظاهر فقويت شوكته ودخل الظاهر برقوق دمشق ، ونزل في الميدان فكبس عليه أهل دمشق وأخرجوه من المدينة إلى ظاهر البلد ، لأن بعض مماليكه عبث ببعض السوقة وأخذ منه شيئا من البضائع بالغصب فاستغاث ذلك السوقي فحضر إليه جماعة وتعصبوا له فاستطال ذلك المملوك وضربهم فرجمه أهل دمشق ، فرمى المماليك على عوام دمشق بالنشاب ، وتكاثرت على المماليك العوام بالحجارة والمقاليع ،

فكسروا المماليك كسرة قوية فركب الظاهر برقوق ومن معه من الأمراء وخرجوا من دمشق إلى قبة يلبغا فدخل العوام إلى الميدان ونهبوا برك برقوق وأغلقت أبواب دمشق ، وكان برقوق أشرف على أخذ قلعة دمشق وراج أمره فتعطل بسبب ذلك.
ثم جرد المنصور أمير حاج عسكرا من مصر وجاء الشام لينزع الملك من برقوق ، فلما وصل العسكر إلى غزة تسحب أكثر عسكر المنصور إلى برقوق لأن هواهم كان معه ، ووقعت بين عسكر المنصور وعسكر الظاهر وقعة شقحب (792) فانكسر برقوق كسرة قوية وهرب برقوق في نفر قليل من العسكر وتوارى خلف الجبل الذي تحته الملك المنصور والخليفة والقضاة ، فأتى إليه بعض العرب وأخبره بأن الملك المنصور تحت ذلك الجبل ، وكان على يوم من دمشق فكبس عليهم برقوق بمن معه من العسكر وكانوا نحو أربعين إنسانا فذعر عسكر المنصور وغلت أيديهم عن القتال ، فنزل عليهم برقوق كالباز على الطائر واحتوى على كل ما معهم من البرك والأثقال والقماش والسلاح وخزائن المال ، وتسامع بذلك الناس فجاءوا إليه أفواجا من كل مكان ، وبلغ ذلك منطاش وحضر ومعه عساكر دمشق وغيرهم فوقعت بينهم واقعة أعظم من الواقعة الأولى وقتل بها كثير فانكسر الأتابكي منطاش وعسكر دمشق فولوا هاربين وأقام برقوق بمنزلة شقحب ، ثم إن شخصا من الصالحين يقال له الشيخ شمس الدين الصوفي مشى بين الظاهر برقوق وبين المنصور حاج في أن يخلع هذا نفسه ويسلم الأمر إلى برقوق ، فأجاب المنصور إلى ذلك ، وأحضر الخليفة المتوكل والقضاة الأربعة وخلع نفسه من الملك وأشهدوا عليه بذلك. فبايع الخليفة والقضاة الظاهر برقوق بالسلطنة وذلك بمنزلة شقحب ثم رحل إلى مصر فدخلها بلا منازع ، وكان مماليكه قد وطدوا له الأمن قبل وصوله وخطبوا له على المنابر فعاد واستولى على مصر والشام. وبرقوق هو الذي قرض جيش المماليك البرجية.
الخوارج على ملوك مصر :
وملك منطاش (792) مدينة بعلبك والتف عليه جماعة من عسكر دمشق

وصفد وطرابلس ومن عربان جبل نابلس ونهب عدة ضياع ، وأرسل منطاش شخصا يسمى تمان تمر الأشرفي إلى مدينة حلب ، وكان نائب حلب كمشبغا الحموي قد ثقل أمره على أهل حلب فما صدقوا بهذه الحركة فحاصروا نائب حلب أشد المحاصرة وتعصبوا لمنطاش فنقبوا القلعة من ثلاثة مواضع ، فصار كمشبغا نائب حلب يقاتلهم من داخل النقب على البرج ، واستمروا على ذلك نحو ثلاثة أشهر ، فانتصر كمشبغا نائب حلب على تمان تمر الأشرفي الذي ولاه منطاش على حلب فانكسر تمان تمر وولى هاربا ثم توجه منطاش إلى طرابلس فحاصرها حتى ملكها وهرب من كان بها من الأمراء والنائب وهرب أكثر أهلها إلى دمشق ، ثم حاصر منطاش دمشق فاتفق عوامها على أن يسلموه المدينة ليلا وكانوا يحبونه أكثر من برقوق.
فلما بلغ ذلك أمراء برقوق خرجوا إلى ظاهر دمشق وأوقعوا مع منطاش ومع عوام دمشق واقعة قتل فيها من الفريقين نحو ألف إنسان. ثم رجع عسكر دمشق إلى المدينة وتوجه منطاش إلى عينتاب فالتف عليه جماعة من التركمان ، فحاصر المدينة حصرا شديدا فملكها وهرب نائبها ، فلما دخل الليل جمع نائب عينتاب جماعة من التركمان وكبس منطاش فقتل من عسكره نحو مائتي إنسان وهرب منطاش نحو الفرات ، ثم إن منطاش جمع قوته وخامر على السلطان أكثر التركمان والعربان والتفوا على منطاش (793) فتوجه إلى دمشق وحاصرها فخرج إليه نائبها فهرب منطاش إلى جبل يقرب من طرابلس فتبعه نائب دمشق ، فجاء منطاش من وراء ذلك الجبل وجاء إلى دمشق فلم يجد بها أحدا من الأمراء ولا النائب ، ففتح له عوام دمشق بابا فدخل منه إلى المدينة ونهب الأسواق وأخذ أموال التجار والخيول ، والتف عليه جماعة من عسكر دمشق فقويت شوكته.
بلغ السلطان في مصر ما وقع في الشام فقوي عزمه على الخروج إلى منطاش في دمشق، ونادى فيها الأمان لأن أهلها لما خرج الظاهر برقوق من الكرك ودخل مدينتهم رجموه وأخرجوه هائما على وجهه ونهبوا أثقاله وقماشه ، فضج أهل دمشق له بالدعاء ، وسكن ما كان عندهم من الاضطراب ، ولما

توجه إلى حلب جاء نعير بن جبار أمير آل فضل ونهب ضياع دمشق ، وكان نعير عاصيا على السلطان وهو من أنصار منطاش وأخرب غالب إقليم دمشق ونهب ضياعها ، فلما بلغ نائب دمشق مجيء نعير خرج إليه وأوقع معه واقعة قوية في قرية الكسوة فانكسر نائب دمشق وقتل من عسكره جماعة. أما منطاش فلما بلغه مجيء السلطان من مصر هرب إلى التركمان.
ولما عاد سلطان مصر إلى عاصمته (794) هجم نحو خمسة عشر مملوكا وقيل خمسة أنفس على نائب قلعة دمشق وتوجهوا نحو السجن الذي بها وأخرجوا من كان به من المحابيس من عصبة منطاش وكانوا نحو مئة مملوك ، فقويت شوكتهم بالسجناء وهجموا على نائب القلعة وقتلوه وملكوا القلعة ، فقاتلهم عسكر دمشق وحاصروا من بالقلعة فقتل من عسكر دمشق جماعة ثم هجم العسكر على باب القلعة وأحرقوه ودخلوا إليها وقبضوا على المماليك كلهم ووسطوهم (أي قطعوهم نصفين) تحت باب القلعة وأمسكوا الثائرين فلم يبق منهم إلا من هرب.
وعاد منطاش (794) فحاصر حلب مع التركمان فخرج إليه عسكرها وأوقعوا معه واقعة فكسروه ورجع هاربا إلى الفرات ، ثم اتفق منطاش ونعير بن جبار أمير العربان (795) بمن معهما من العسكر وحاصروا حماة فخرج إليهم نائبها فأوقع معهم واقعة قوية فانكسر نائب حماة وهرب ، فدخل منطاش ونعير إلى المدينة ونهبوا أسواقها وأخذوا أموال التجار ، فلما بلغ ذلك نائب حلب ركب هو في عساكر حلب وكبس على بلاد نعير ونهب أمواله وأخذ أولاده ونساءه وأحرق بيوته وقتل من عربانه كثيرا ، فأرسل نعير يطلب من نائب حلب أولاده ونساءه الذين أسرهم فأرسل نائب حلب يقول له : ما أطلق لك أولادك ونساءك حتى تسلمنا منطاش. وكان منطاش قد تزوج من بنات نعير واستنسل منهم. فلما رأى نعير أن السلطان ونائب حلب عليه وقد نهبوا أمواله ومواشيه وأسروا أولاده ونساءه ، قصد أن يرضي السلطان بإمساك منطاش حتى يزول ما عنده مما جرى منه في حق السلطان ، فندب نعير إلى منطاش أربعة عبيد قبضوا عليه فلما وقع في أيديهم أخرج من تكته خنجرا شق به بطنه فغشي عليه فحمله العبيد وأتوا به إلى نعير فقيده وأرسله إلى نائب

حلب ثم حمل إلى القاهرة ، وجعل الموكل بحمله يعاقبه ويعصره ويقرره على الأموال التي غصبها فلم يقر بشيء ، ودخل عليه النزع فقطع رأسه ووضعه في علبة وحمله إلى السلطان في مصر ثم أرسل السلطان إلى نعير خلعة وأقره على عادته أمير آل فضل.
قال ابن إياس ، وعنه أخذنا هذه الحوادث : فما صدق الناس بأن فتنة منطاش قد خمدت عنهم حتى استؤنفت لهم فتنة أخرى ، فوردت الأخبار بأن تيمور لنك أخذ تبريز وشيراز ، وركب برقوق إلى الشام وجاءه في حلب قاصد من عند ابن عثمان ومعه مطالعات مضمونها أن يكون هو والظاهر يدا واحدة على دفع تيمور لنك فأجابه الظاهر إلى ذلك ورد له الجواب بما يطيب به خاطره ، ثم حضر إليه قاصد طقتمش خان صاحب بسطام وعلى يده مطالعات تتضمن ما قاله ابن عثمان فأجابه الظاهر كما أجاب ابن عثمان. فلما أقام الظاهر بحلب بلغه أن أعلام عسكر تيمور لنك قد وصلت إلى البيرة. ثم بلغه أن تيمور لنك رجع إلى مملكته ، فلما تحقق ذلك عاد هو إلى مصر. وفي سنة (799) أخذ عسكر تيمور لنك مدينة أرزنجان وقتل أهلها ونهب ما فيها ، فلما بلغ سلطان مصر والشام ذلك أرسل إلى نوابه في الشام أن يتوجهوا إلى شاطئ الفرات فخرجوا كلهم وأقاموا هناك ، وكانت أرزنجان من جملة الأصقاع التي خطب بها للملك الظاهر برقوق كما خطب له في تبريز والموصل وماردين وسنجار ودوركي ، وضربت السكة باسمه في هذه الأماكن.
وفي سنة (801) تحرك ابن عثمان ملك الروم على بلاد السلطان سكان مصر والشام ووصلت طلائعه إلى الابلستين ، وهو قاصد حلب فوقع الاتفاق في مصر على محاربته والخروج عليه ، وأن يؤخذ من أجرة الأملاك شهر واحد يتقوى بها العسكر على دفع العدو ، ثم ظهر أن ابن عثمان وصل إلى ملطية وملكها ولم يشوش على أحد من أهلها وأمر عسكره بأن لا ينهبوا لأحد من الرعية شيئا ، فأقام بملطية أياما ثم رجع إلى مملكته فبطل أمر التجريدة عليه.
وفاة برقوق وسلطنة ابنه الناصر فرج والخوارج على الملك :
وفي سنة (801) توفي الظاهر برقوق وتولى السلطنة بعده ابنه الناصر فرج

وله من العمر نحو اثنتي عشرة سنة فكانت وفاته من سوء طالع الشام ، كثر طمع القريب والبعيد في اكتساحها. وكان من ذلك الحظ الأكبر لتيمور لنك حتى إنه لما بلغه موت الظاهر برقوق فرح وأعطى من بشره بذلك خمسة عشر ألف دينار ، وتهيأ للمسير إلى الشام فجاء إلى بغداد وأخذها ثانية.
وفي سنة (802) خامر نائب الشام وأظهر العصيان وأطلق من كان مسجونا من الأمراء بقلعة دمشق ثم جمع النائب وكان اسمه تنم عسكرا عظيما من الشام وقصد نحو الديار المصرية ووصل أوائل عسكره غزة ، فجيش الملك الناصر فرج وسار إلى الشام ، فلما وصل كان أقبغا اللكاش نائب غزة خرج هو ونائب حماة ونائب صفد إلى قتال الملك فدهش النواب ، فكان أول من دخل تحت طاعته نائب حماة ثم نائب صفد. فلما رأى عسكر الشام دخول النواب تحت طاعة السلطان ـ وكان مع تنم نائب الشام نواب طرابلس وحلب وحماة وصفد وكثير من العربان وظن نفسه أنه أصبح سلطانا ـ خامر الجميع على تنم نائب الشام وتوجهوا إليه في غزة فملك السلطان غزة وبلغ ذلك نائب دمشق فخرج منها هو وبقية الأمراء وأتوا إلى الرملة فصار السلطان في غزة وهم في الرملة ، فراسلهم السلطان في الصلح فأبوا فتلاقى العسكران على مكان يسمى الحبتين فكان بينهم وقعة عظيمة كسر بها تنم وأمسك واحتاطوا على بركه ودوابه ، وقبض الناصر فرج على جملة من الأمراء الذين خامروا عليه وفيدهم وحبسهم في قلعة دمشق. ودخلها في موكب عظيم وقدامه تنم نائب دمشق. وهو مقيد راكب على كديش أبلق ومعه عشرة من أمراء دمشق وهم في قيود فحبسهم في القلعة ، ثم قتل وخنق عدة أمراء منهم.
الحرب الأولى مع تيمور لنك :
وفي هذه السنة انكسرت طليعة جيش تيمور لنك في وقعة صاحب بغداد القان أحمد بن أويس وقرا يوسف أمير التركمان ، فلما انكسر التتر أتوا ملطية وكانوا نحو سبعة آلاف إنسان فأرسلوا إلى نائب حلب يقولون له عين لنا مكانا ننزله ، فلما سمع نائب حلب بذلك ركب هو ونائب حماة فتوجهوا إلى عسكر تيمور لنك فأوقعوا معهم وقعة عظيمة فانكسر نائب حماة وقتل من عسكر

حلب جماعة فأمر السلطان نواب دمشق وصفد وطرابلس بأن يجمعوا العساكر ويتوجهوا إلى حلب يقيمون بها ، فأرسل تيمور لنك إلى دمرداش نائب حلب يعده بأن يبقيه على نيابته بشرط أن يمسك سودون نائب الشام ، فأطلع دمرداش على ذلك سودون فوثب على الرسول فضرب عنقه ، فلما بلغ ذلك تيمور لنك نازل حلب ، ولكن تيمور لنك إذا تظاهر الشراكسة بالقوة أمامه يعرف ما تندمج عليه نفوسهم وتصل إليه قرائحهم ، وإذا انكسر له فيلق صغير لم يكن إلا على أتم المعرفة بما عند من يريد فتح ديارهم ، وكان له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها والتي لم يملكها ، فكانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بجميع ما يروم ، فلا يتوجه إلى جهة إلا وهو على بصيرة من أمرها ، وبلغ من دهائه أنه كان إذا أراد قصد جهة جمع أكابر الدولة وتشاوروا إلى أن يقع الرأي على التوجه في الوقت الفلاني إلى الجهة الفلانية ، فيكاتب جواسيس تلك الجهات فتأخذ الجهة المعينة حذرها ويأمن غيرها ، فإذا ضربوا النفير وأصبحوا سائرين ذات الشمال عرّج بهم ذات اليمين، فإلى أن يصل الخبر الثاني يكون دهم هو الجهة التي يريد وأهلها غافلون.
وذكر ابن حجر أنه كان ابتداء حركة تيمور لنك إلى البلاد الشامية في سنة اثنتين وثمانمائة. وأصل ذلك أن أحمد بن أويس صاحب بغداد ساءت سيرته وقتل جماعة من الأمراء وعسف على الباقين ، فوثبوا عليه فأخرجوه منها ، وكاتبوا نائب تيمور لنك بشيراز أن يتسلمها فتسلمها ، وهرب أحمد إلى قرا يوسف التركماني بالموصل فسار معه إلى بغداد فالتقى به أهل بغداد فكسروه ، واستمر هو وقرا يوسف منهزمين إلى قرب حلب ، وقيل بل غلب على بغداد وجلس على تخت الملك ، ثم صار صحبة قرا يوسف فوصلا جميعا إلى أطراف حلب وسألا أن يطالع السلطان بأمرهما فكاتب أحمد بن أويس يستأذن في زيارته مصر ، فأجيب بتفويض الأمر إلى النائب فخشي دمرداش نائب حلب أن يقصد هو وقرا يوسف حلب فسار نائب حلب ومعه طائفة قليلة منهم نائب حماة ليكبس أحمد بن أويس بزعمه ، فكانت الغلبة لأحمد فانكسر دمرداش وقتل من عسكره جماعة ، ورجع منهزما وأسر نائب حماة وفدي بستمائة ألف درهم ، ثم جمع نعير والنائب ببهنسي جماعة والتقوا مع أحمد بن أويس

فكسروه واستلبوا منه سيفا يقال له سيف الخلافة وصحفا وأثاثا كثيرة. فوصلت الأخبار الى القاهرة فسكن الحال بعد أن كان أمر السلطان بتجريد العساكر لما بلغه هزيمة دمرداش وأرسل بريديا إلى الشام بالتجهيز الى حلب.
تيمور لنك على أبواب حلب :
وصل تيمور لنك بعد فتح عينتاب إلى الباب وبزاعا بالقرب من حلب وأرسل إلى نائب حلب قاصدا ومعه المكاتبات من تيمور لنك فيها عبارة خشنة لنائب حلب. وذكر ابن حجر أن كتاب تيمور لنك إلى نائب حلب جاء فيه : إنا وصلنا في العام الماضي إلى البلاد الحلبية لأخذ القصاص ممن قتل رسلنا بالرحبة ثم بلغنا موته يعني الظاهر ، وبلغنا أمر الهند وما هم عليه من الفساد فتوجهنا إليهم فأظفرنا الله تعالى بهم ، ثم رجعنا إلى الكرج فأظفرنا الله بهم ، ثم بلغنا قلة أدب هذا الصبي ابن عثمان فأردنا عرك أذنه فشغلنا بسيواس وغيرها من بلاده ما بلغكم ، ونحن نرسل الكتب إلى مصر فلا يعود جوابها فنعلمهم أن يرسلوا قريبنا أطلمش وإن لم يفعلوا فدماء المسلمين في أعناقهم والسلام.
حنق نائب حلب وأمر بضرب أعناق قصاد تيمور لنك ، فاضطربت عند ذلك أحوال مدينة حلب وحصنوا سورها بالمدافع والمكاحل والمقاتلين ، وقد ارتكب نائب حلب خطأ فاحشا بقتل الرسول ، ظانا وجماعته من الحلبيين أن لهم قوة تقاوم قوة تيمور لنك. قال بعض المؤرخين : لما كان أهل حلب وصاحبها يتشاورون في دفع عادية تيمور عنهم قال نائب طرابلس : إننا نطير إلى الآفاق أجنحة البطائق إلى الأعراب والأكراد والتراكمة فيتسلطون عليه من الجوانب. وفي ذلك دليل آخر على جهل أمراء الشام بقوة تيمور لنك وعجزهم عن كشف أخبار جيوشه وتقدير مبلغ قوته. وذكر بعض المؤرخين أن عسكر تيمور لنك كان لما أسر سلطان العثمانيين أربعمائة ألف فارس وستمائة ألف راجل وقيل : إن ديوان تيمور اشتمل على ثماني مائة ألف مقاتل.
لما بلغ تيمور لنك ما فعله الحلبيون بقصاده زحف إلى قرية حيلان وأحاط بمدينة حلب ونهب ما حولها من الضياع فخرج عساكر حلب وسائر النواب

بعساكرهم ، وخرج لقتال تيمور حتى النساء والصبيان من أهل حلب ، وأوقعوا مع تيمور فكان بينهم ساعة تشيب منها النواصي ، وقد دهمتهم عساكر تيمور كأمواج البحر المتلاطمة، فلم تثبت معهم عساكر حلب وولوا على أعقابهم مدبرين إلى المدينة ، وقد داست حوافر الخيل أجساد العامة ، وكان احتمى بالمزارات والمساجد الجم الغفير من النساء والأطفال ، فدخل التتر إليهم وأسروهم وقرنوهم بالحبال وأسرفوا في قتل النساء والرجال ، وصارت الأبكار تفتض في المساجد وآباؤهن يشاهدونهن ، ولم يرعوا حرمة الجوامع وأصبحت كالمجزرة من القتلى واستمر ذلك أربعة أيام.
وفي كنوز الذهب أن جيش تيمور لنك لما دخل إلى حلب نهب وأحرق وسبى وقتل وصاروا يأخذون المرأة ومعها ولدها الصغير على يدها فيلقونه من يدها ويفعلون بها ما لا يليق ذكره ، فلجأ النساء عند ذلك إلى جامعها ظنا منهن أن هذا يقيهن من أيدي الكفرة وصارت المرأة تطلي وجهها بطين أو بشيء حتى لا ترى بشرتها من حسنها ، فيأتي عدو إلله إليها ويغسل وجهها ويجامعها في الجامع. قال : وحكى بعض من حضر الوقائع بأن تيمور عرض الأسرى من ديار الشام ونواحيها فكانوا ثلاثمائة ألف أسير وستين ألف أسير.
رأى دمرداش نائب حلب عين الغلب فنزل من القلعة هو وبقية النواب ، وأخذوا في رقابهم مناديل وتوجهوا إلى تيمور لنك يطلبون منه الأمان ؛ فلما مثلوا بين يديه خلع عليهم أقبية مخمل أحمر وألبسهم تيجانا مذهبة ، وقال لهم : أنتم صرتم نوابي ، ثم أرسل معهم جماعة من أمرائه يتسلمون القلعة ، وكان فيها من الأموال والذخائر والحلي والسلاح ما تعجب الفاتح من كثرته ، حتى أخبر بعض أخصائه أنه قال : ما كنت أظن أن في الدنيا قلعة فيها هذه الذخائر ، فاستنزلوا ما كان بها وهم في قيود وغدر بهم بعد أن أمنهم ، وأخذ جميع ما كان فيها من الأموال والمتاع ثم خرب القلعة وأحرق المدينة. واستمر مقيما على حلب نحو شهر ، وعسكره ينهبون القرى التي حول المدينة ويقطعون الأشجار التي بها ويهدمون البيوت، وقد أسرفوا في القتل ونهب الأموال ، وصارت الأرجل لا تطأ إلا على جثة إنسان لكثرة القتلى ، حتى قيل : إنه بنى من رؤوس القتلى عشرة مآذن ، دور كل مئذنة نحو عشرين ذراعا، وصعودها

في الهواء مثل ذلك ، وجعلوا الوجوه فيها بارزة تسفو عليها الرياح ، وتركوا أجساد القتلى في الفلاة تنهشها الكلاب والوحوش. فكان عدة من قتل في هذه الواقعة من أهل حلب من صغار وكبار ونساء ورجال نحوا من عشرين ألف إنسان ، عدا من هلك من الناس تحت أرجل الخيول عند اقتحام أبواب المدينة وقت الهزيمة وهلك من الجوع والعطش أكثر من ذلك ـ هذا ما قاله ابن تغري بردي وابن حجر وابن إياس. وقال ابن حجر : إن أعظم الأسباب في خذلان العسكر الإسلامي ما كان دمرداش نائب حلب اعتمده من إلقاء الفتنة بين التركمان والعرب حتى أعانه بعض التركمان على أموال نعير فنهبها فغضب نعير من ذلك وسار قبل حضور تيمور لنك فلم يحضر الوقعة أحد من العرب. وقال بعضهم : إن دمرداش كان باطن تيمور لكثرة ما كان تيمور لنك خدعه ومناه.
تيمور لنك على حماة وسلمية وحمص :
ووصل تيمور لنك إلى حماة وسلمية فأرسل جماعة من عسكره إلى نحو طرابلس فتاهوا عن الطريق فدخلوا في واد بين جبلين فوثب عليهم جماعة من عربان جبل نابلس فقتلوا منهم جماعة كثيرة بالنشاب والحجارة فولوا مدبرين. وذكروا أن ابن رمضان أمير التركمان جمع عساكره وجاء حلب بعد رحيل تيمور لنك وطرد من بها من عساكره بحلب. وفعل تيمور لنك بأهل حماة كما فعل بأهل حلب من القتل والنهب وأحرق معظمها ، ولم تطل يده إلى حمص فوهبها كما قال لخالد بن الوليد. قال ابن حجر : وذكر بعض من يوثق به أنه قرأ في الحائط القبلي بالجامع الأموي النوري بحماة منقوشا على رخامة بالفارسي ما نصه : إن الله يسر لنا فتح البلاد والممالك حتى انتهى استخلاصنا إلى بغداد ، فحاورنا سلطان مصر والشام فراسلناه لتتم المودة فقتلوا رسلنا ، فظفرت طائفة من التركمان بجماعة من أصلنا فسجنوهم ، فتوجهنا لاستخلاص قريبنا من أيدي مخالفينا واتفق في ذلك نزولنا بحماة في العشرين من شهر ربيع الآخرة.
تيمور لنك على دمشق :
وجاء تيمور لنك دمشق فنزل عند سفح جبل الثلج (الشيخ) في قطنا وإقليم البلان

ميسنون وقوي عزمه على فتح دمشق لما بلغه أن الملك فرّ منها إلى مصر ، فأرسل تيمور لنك إلى نائب دمشق رسولا من قبله فقتله قبل أن يسمع كلامه. جرى في ذلك على ما جرى عليه نائب حلب فزاد تيمور لنك حنقا. ومن الغريب أن نائبي حلب ودمشق لم يقدرا قوة تيمور لنك حق قدرها وهي منهما على قيد غلوة وظنا أنهما باعتصامهما في قلعتي المدينة، وبالقليل ممن عندهما من العسكر وأحداث البلدين يستطيعان أن يتغلبا على جيوش تيمور لنك المؤلفة كما قال عربشاه : من رجال توران ، وأبطال إيران ، ونمور تركستان ، وفهود بلخشان ، وصقور الدشت والخطا ، ونسور المغول وكواسر الجتا ، وأفاعي خجند ، وثعابين أبدكان ، وهوام خوارزم ، وجوارح جرجان ، وعقبان صغانيان ، وضواري حصار شادمان ، وفوارس فارس ، وأسود خراسان ، وضباع الجبل ، وليوث مازندران ، وسباع الجبال وتماسيح رستمدار وطالقان ، وأهل قبائل خوز وكرمان ، وطلس أرباب طيالس أصبهان ، وذئاب الري وغزنة وهمدان ، وأفيال الهند والسند وملتان ، وكباش ولايات اللور وتيران ، وشواهق الغور ، وعقارب شهرزور ، وحشرات عسكر مكرم وجندي سابور.
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
    طاروا إليه زرافات ووحدانا
  مع ما أضيف إليهم من أعيار الخدم ، وفواعل التراكمة والأوباش والحشم ، وكلاب النهاب من رعاع العرب وهمج العجم ، وحثالة عباد الإنسان ، وأنجاس مجوس الأمم ، ما لا يكتنفه ديوان ، ولا يحيط به دفتر حسبان اه.
غلطة ارتكبها نائب دمشق المغرور بقوة سلطانه ومن معه من المتعصبة والمتلصصة وأرباب الدعارة من الشطار والأحداث الأغيار ، قضت على أعظم مدينة في الأرض كانت في غابر الأيام. كان بين أهل دمشق وبين عسكر تيمور لنك في أول يوم واقعة فقتل من عسكر تيمور لنك نحو ألفي إنسان ، فأرسل يطلب من أعيان دمشق رجلا من عقلائهم ، يمشي بينه وبين أهل دمشق في الصلح ، فلما أتى قاصد تيمور لنك بهذه الرسالة اشتور أهل دمشق فيمن يرسلونه فوقع الاختيار أن يرسلوا القاضي تقي الدين بن مفلح الحنبلي ، فإنه كان إنسانا طلق اللسان يعرف بالتركي وباللسان العجمي ، فأرخوه من أعلى السور بسرياق ضخم ، ومعه خمسة أنفس من أعيان دمشق ، فغاب عند

تيمور لنك ساعة ثم رجع من عنده فأخبر بأن تيمور لنك تلطف معه في القول وقال له : هذه بلد فيها الأنبياء وقد أعتقها لهم. وشرح من محاسن تيمور لنك شيئا كثيرا وجعل يخذل أهل الشام عن قتاله ويرغبهم في طاعته ، فصار أهل البلد فرقتين فرقة ترى ما رآه ابن مفلح وفرقة ترى محاربته ، وكان أكثر أهل البلد يرون مخالفة ابن مفلح ، ثم غلب رأيه ورأي أصحابه، فقصد أن يفتح باب النصر فمنعه من ذلك نائب قلعة دمشق وقال لهم : إن فعلتم ذلك أحرقت البلدة جميعها ، ولكن نائب القلعة لما رأى عين الغلب سلم إليهم القلعة بعد ستة وعشرين يوما قال : ثم قبض تيمور لنك على ابن مفلح وأصحابه وأودعهم في الحديد.
وصف أفعال تيمور لنك في دمشق :
ذكر ابن تغري بردي أنه لما قدم الخبر على أهل دمشق بأخذ حلب نودي في الناس بالرحيل من ظاهرها إلى داخل المدينة والاستعداد لقتال العدو ، فأخذوا في ذلك فقدم عليهم المنهزمون من حماة فعظم خوف أهلها ، وهموا بالجلاء فمنعوا من ذلك ، ونودي من سافر نهب فعاد إليها من كل خرج منها ، وحصنت دمشق ونصبت المجانيق على قلعتها ونصبت المكاحل على أسوارها واستعدوا للقتال ، ثم نزل تيمور لنك بعساكره على قطنا ، فملأت الأرض كثرة ، وركب طائفة منهم لكشف الخبر فوجدوا السلطان والأمراء قد تهيأوا للقتال ، وصفت العساكر السلطانية فبرز إليهم التمرية وصدموهم صدمة هائلة ، وثبت كل من العسكريين ساعة فكانت بينهم وقعة انكسرت فيها ميسرة السلطان ، وانهزم العسكر الغزاوي وغيرهم إلى ناحية حوران وجرح جماعة ، وحمل تيمور لنك بنفسه حملة عظيمة شديدة ليأخذ دمشق ، فدفعته ميمنة السلطان بأسنان الرماح حتى أعادوه إلى موقفه ، ونزل كل من العسكرين بمعسكره وبعث تيمور لنك إلى السلطان في طلب الصلح وإرسال أطلمش أحد أصحابه إليه وأنه هو أيضا يبعث من عنده من الأمراء المقبوض عليهم في واقعة حلب. ثم هرب الملك لأنه بلغه أنهم يسلطنون غيره في مصر فارا بجماعته.
وكان اجتمع في دمشق خلائق كثيرة من الحلبيين والحمويين والحمصيين وأهل القرى ممن خرج جافلا من تيمور ، ما عدا العساكر الدمشقيين الذين

تخلفوا في دمشق ولما أصبحوا وقد فقدوا السلطان والأمراء والنائب غلقوا أبواب المدينة ، وركبوا الأسوار ونادوا بالجهاد ، فتهيأ أهل دمشق للقتال وزحف عليهم تيمور لنك بعساكره فقاتل الدمشقيون من أعلى السور أشد قتال ، وردوهم عن السور والخندق ، وأسروا منهم جماعة ممن اقتحم باب دمشق ، وأخذوا من خيولهم عدة كبيرة وقتلوا منهم نحو الألف وأدخلوا رؤوسهم إلى المدينة ، ولما أعيا تيمور أمرهم جعل يخادعهم فأرسل يريد الصلح.
وطلب تيمور الطقزات أي التسعة الأصناف من المأكول والمشروب والملبوس وغيره وهذه كانت عادته في كل بلد يفتحه صلحا. فأجابه الدمشقيون إلى ما طلب بإقناع ابن مفلح لهم ، وتقرر أن يجبي تيمور من دمشق ألف ألف دينار ففرض على الناس فقاموا به من غير مشقة لكثرة أموالهم ، فلم يرض تيمور وقال : إن المطلوب بحساب له عشرة آلاف ألف دينار أو ألف تومان والتومان عشرة آلاف دينار من الذهب. قال ابن حجر : واستقر الصلح على ألف ألف دينار فتوزعت على أهل البلد ثم رجع تيمور فتسخطها وقال : إنه طلب ألف تومان فنزل بالناس باستخراج هذا منهم ثانيا بلاء عظيم ، ولما أخذه ابن مفلح وحمله إلى تيمور قال هذا لابن مفلح وأصحابه : هذا المال لحسابنا إنما هو ثلاثة آلاف دينار وقد بقي عليكم سبعة آلاف دينار (؟) وظهر لي أنكم عجزتم ، ثم سلمت أموال المصريين وكراعهم وسلاحهم وأموال الذين هربوا من دمشق ، ولما كمل ذلك ألزمهم أن يخرجوا إليه جميع ما في البلد من السلاح فأخرجوه ، فلما فرغ من ذلك ، قبض على ابن مفلح ورفقته وألزمهم أن يكتبو له جميع خطط دمشق وحاراتها وسككها ، فكتبوا ذلك ودفعوه إليه ، ففرقه على أمرائه وقسم البلد بينهم فساروا إليها بمماليكهم وحواشيهم ، ونزل كل أمير في قسمه وطلب من فيه وطالبهم بالأموال فحينئذ حلّ بأهل دمشق من البلاء ما لا يوصف ، وجرى عليهم من أنواع العذاب وهتك الأعراض شيء تقشعر منه الجلود ، واستمر هذا البلاء تسعة عشر يوما فهلك في هذه المدة بدمشق بالعقوبة والجوع خلق لا يعلم عددهم ، ثم أمر أمراءه فدخلوا دمشق ومعهم سيوف مسلولة مشهورة وهم مشاة ، فنهبوا ما قدروا عليه من آلات الدور وغيرها ، وسبوا نساء دمشق بأجمعهن ، وساقوا الأولاد والرجال

وتركوا من الصغار من عمره خمس سنين فما دونها ، وساقوا الجميع مربوطين في الحبال ، ثم طرحوا النار في المنازل والدور والمساجد ، وكان يوما عاصف الريح فعم الحريق جميع البلد حتى كاد لهيب النار أن يرتفع إلى السحاب ، وعملت النار في البلد ثلاثة أيام بلياليها ، ثم رحل تيمور عنها بعد أن أقام ثمانين يوما وقد احترقت كلها وسقطت سقوف جامع بني أمية من الحريق وزالت أبوابه وتقطر رخامه ولم يبق غير جدره قائمة ، وذهبت مساجد دمشق ودورها وقياسرها وحماماتها وصارت أطلالا بالية ورسوما خالية ولم يبق بها إلا أطفال. قال ابن تغري بردي : ولقد ترك المصريون دمشق أكلة لتيمور ، وكانت يوم ذاك أحسن مدن الدنيا وأعمرها.
قال بهاء الدين البهائي يرثي دمشق المظلومة ويصف ما حلّ بها من التتر في سنة ثلاث وثمانمائة ويذكر حلب وحماة :
لهفي على تلك البروج وحسنها
    حفت بهن طوارق الحدثان
  لهفي على وادي دمشق ولطفه
    وتبدل الغزلان بالثيران
  وشكا الحريق فؤادها لما رأت
    نور المنازل أبدلت بدخان
  جناتها في الماء منها أضرمت
    فعجبت للجنات في النيران
  كانت معاصم نهرها فضية
    والآن صرن كذائب العقيان
  ما ذاك إلا تركهم ولجت بها
    فتخضبت منها بأحمر قان
  كرهت جداولها حوافر خيلهم
    فتسابقت هربا كخيل رهان
  خافت خدود الأرض من أفعالهم
    فتلثمت بعوارض الريحان
  لو عاينت عيناك جامع تنكز
    والبركتين بحسنها الفتان
  وتعطش المرجين من أورادها
    وتهدم المحراب والإيوان
  لأتت جفونك بالدموع ملونا
    دمعا حكى اللولو على المرجان
  قطرات جفن ترجمت عن حرقتي
    فكأنهن قلائد العقيان
  أبني أمية أين يمن وليدكم
    والمغل تفتل في ذرى الأركان
  شربوا الخمور بصحنه حتى انتشوا
    ألقوا عرابدهم على النسوان
 

ومنها :
لهفي على كتب العلوم ودرسها
    صارت معانيها بغير بيان
  أعروسنا لك أسوة بحماتنا
    في ذا المصاب فأنتما أختان
  غابت بدور الحسن عن هالاتها
    فاستبدلت من عزها بهوان
  ناحت نواعير الرياض لفقدهم
    فكأنها الأفلاك في الدوران
  حزني على الشهباء قبل حماتنا
    هو أول وهي المحل الثاني
  لا تدّعي الأحزان يا شقراءنا
    السبق للشهباء في الأحزان
  رتعت كلاب المغل في غزلانها
    وتحكمت في الحور والولدان
  لهفي عليك منازلا ومنازها
    ومقام فردوس وباب جنان
  ثم رجع ورثي دمشق فقال :
لم أدر من أبكي وأندب حسرة
    للقصر للشرفين للميدان
  للجبهة الغراء أم خلخالها
    للمزّة الفيحا أم اللوّان
  الخراب الأعظم وأخلاق تيمور ونجاة فلسطين منه :
وعلى ما منيت به دمشق من قتل سكانها وسبي نسائها وأولادها ، وإحراق مصانعها وبيوتها ، واستخراج أموالها وطرائفها ، أصابتها من تيمور مصيبة لا تقل عن تلك في إرجاعها القهقرى وإضعافها إضعافا لا يجبر كسره في قرون وإليك ما قاله ابن عربشاه في تفصيل هذا الهول العظيم : وبينا كان رجال يحاصرون قلعة دمشق أخذ هو يتطلب الأفاضل وأصحاب الحرف والصنائع ، واستمر نهب عسكر تيمور لدمشق ثلاثة أيام ، وارتحل وجماعته وقد أخذ من نفائس الأموال فوق طاقتهم ، فجعلوا يطرحون ذلك في الدروب والمنازل ، وذلك لكثرة الخمل وقلة الحوامل ، وأصبحت القفار والبراري ، والجبال والصحاري ، من الأمتعة والأقمشة، كأنها سوق الدهشة ، وكأن الأرض فتحت خزائنها ، وأظهرت من المعادن والفلزات كامنها ، وأخذ تيمور كل ماهر في فن من الفنون بارع من النساجين والخياطين والحجارين والنجارين والاقباعية والبياطرة والخيمية والنقاشين والقواسين والبازدارية وبالجملة أهل أي فن كان ، وأخذ جملة من العلماء والأعيان والنبلاء ، وكذلك كل أمير من أمرائه

وزعيم من زعمائه ، وأخذ من الفقهاء والعلماء ، وحفاظ القرآن والفضلاء ، وأهل الحرف والصناعات ، والعبيد والنساء والصبيان والبنات ، ما لا يسعه الضبط.
ولما رحل تيمور عن دمشق ، وقد أصبحت أطلالا لا مال ولا رجال ولا مساكن ولا حيوان ، صار من بقي فيها من عسكر السلطان ومن أهلها يجتمعون ويترافقون ، ويخرجون من دمشق إلى الديار المصرية فيخرج عليهم العربان والعشير ، وينهبون ما معهم ويعرونهم ولم يتركوا لهم غير اللباس في وسطهم ، فجرى عليهم من العربان والعشير ما لم يجر عليهم من عسكر تيمور ، فذهبت حرمة المملكة ولم يبق للسلطان قيمة ولا للترك حرمة ، فعزم السلطان الناصر على العود إلى دمشق ، ثم بلغه أن تيمور رحل عن دمشق وهو مريض فعدل عن حملته ، وأرسل تيمور إلى صاحب مصر سودون نقيب قلعة دمشق يعتذر له مما قد جرى ، ويطلب قريبه الذي كان أسر في أيام الظاهر برقوق ، وأنه إذا أطلقه يطلق ما عنده من الأسرى ، فأطلقه وكساه السلطان وأحسن إليه ، فلما وصلوا إلى تيمور أكرمهم وقبل مراسيم السلطان وتفارش وبكى واعتذر مما وقر منه وقال هذا كان مقدرا.
رحل تيمور عن دمشق ولم يتعدها إلى فلسطين ، وكان علماء القدس انتدبوا رجلا وجهزوه بمفاتيح الصخرة إلى تيمور لما بلغهم أخذه دمشق فلما كان بالطريق بلغه رجوعه فرجع.
وكانت أكثر المدن الصغرى في أواسط الشام قد خضعت وصافت بحكم الطبيعة ومنها طرابلس أحضر له منها مال وقد اجتاح بعلبك ونهبها ، ولما وصل الجبول في عودته لم يدخلها وأمر بتخريبها وإحراقها ، وحرق حلب مرة ثانية وهدم أبراج القلعة وأسوار المدينة والمساجد والجوامع والمدارس ، وقتل وأسر كل من وجدهم في طريقه ، وأخذ من كان في قلعة حلب من المعتقلين خلا القضاة فأطلق موسى الأنصاري وعمر بن العديم وجماعة معهما ، وأخذ بقيتهم فمنهم من هرب من الطريق ، ومنهم من وصل معه. قفل تيمور راجعا بعد أن أذاق الشام كأس الذل والحمام ، وربما إذا جمعت جملة تخريباته لا يتأتى وقوع مثلها في مئات من الأعوام عملها بجيشه الجرار في عشرات من الأيام وقال : إن ما فعله كان مقدرا فكأنه شعر بعظم تبعته على عادة الفاتحين السفاكين ، بيد أنه كان مغرى

بغزو المسلمين والتخلي عن غيرهم ، صنع ذلك في الروم والهند وغيرهما ، ولكن ما فعله لم يكن كله عن غير علم بل أخذ بما يؤخذ به كل من تفانى في الوصول إلى غرض ، ويستحيل بعد أن فتحت عليه الأقاليم وفتح ثلث آسيا تقريبا بالقهر والسيف وجعل جيشه مؤلفا كالجيش العثماني من جميع العناصر التي كانت تحت حكمه أن لا يكون على شيء من العلم وبعد النظر. وكان يصحب معه في رحلاته زمرة من العلماء المحققين.
ولو قدّر للدولة أن يكون فيها سلطان يحسن الانتفاع بالقوة ، ويحالف ابن عثمان صاحب الروم وغيره من أمراء الشرق الذين فاوضوا ملك مصر والشام في أمر تيمور قبل انهيال جمهرة جيوشه على ديارهم ونظموا قواهم واستعملوا اللين تارة والشدة أخرى ، ولم يفتحوا للفاتح العظيم بابا من أبواب الحجج التي يحجهم بها في عرف السياسة والفتح ، لأمنت هذه الديار عادية تيمور أو لكان اكتفى بمعاهدة تضمن له بعض الغرامات فرحل بسلام ، لأن تيمور يعرف بأن مملكته أوسع مجالا يتيسر بقاؤها لآله لقربها من مهد عصبيته ودار ملكه.
بيد أنه لم يكن في مصر ولا الشام على ذاك العهد رجل سياسي بعيد النظر والغور في السياسة كالظاهر برقوق والظاهر بيبرس مثلا فكان ما كان لأن الديار أصبحت بلا راع يرعاها ، وغدا الحكم لمماليك الطبقة الثانية من عماله ، ولمن يتحمسون لأول وهلة ثم يقودون أمتهم بجهلهم إلى الخراب ، والغالب أن السبب في رجوع تيمور انتشار الجراد حتى أكل الناس أولادهم فأصبح من المتعذر عليه بعد ذلك تموين جيشه العظيم ، وبهذا الرأي قال ابن حجر فذكر أن رحيل تيمور إنما كان لضيق العيش على من معه فخشي أن يهلكوا جوعا. وقيل : إن تيمور أراد أن يفتح مصر فأرسل جماعة من قواده يكشفون له الطرق فلما عادوا قصوا عليه ما رأوه وهو ساكت حتى أتوا على حديثهم فقال لهم : إن مصر لا تفتح من البر بل تحتاج إلى أسطول لتفتح من البحر ولذلك صرف النظر عن فتحها ، وهكذا نجت مدن الجنوب في الشام من تخريبه وكذلك مصر وما إليها من بلاد إفريقية وسلمت الدولة الشركسية.

عهد المماليك الاخير
«من سنة 803 الى 922»
البلاد بعد الفتنة التيمورية ومخامرة العمال :
خرجت حلب وحماة ودمشق خصوصا من بين مدن الشام بعد فتنة تيمور كالهيكل من العظم لا لحم ولا دم ، وأصيبت بنقص في الأنفس وخراب في العمران ، يبكي لها كل من عرف ما كانت عليه من السعادة قبل تلك الحقبة المشؤومة ، ولم يقيض للقطر سلطان عاقل قوي يداوي جراحاتها وينهض بها نهضة تنسيها آلامها. ولما رحل تيمور عن دمشق نصب صاحب مصر المقر السيفي تغري بردي في نيابة دمشق ورسم له أن يخرج إلى الشام من يومه ليعمر ما أفسده تيمور في دمشق ، ونصب نوابا آخرين على نيابات الشام ممن كانوا في أسر تيمور فأطلقهم ، مثل نواب الكرك وطرابلس وحماة وبعلبك وصفد وغيرهم ، وأمرهم أن يعمروا البلاد المخربة. وهيهات أن يعمر في قرن ما خربه تيمور في ثلاثة أشهر.
وبعد حين رجم أهل دمشق (804) نائب. الشام تغري بردي وأرادوا قتله فهرب إلى نائب حلب ، فلما بلغ سلطان مصر ذلك أرسل تقليدا إلى أقبغا الجمالي بنيابة الشام. وخامر أمير غزة وخرج عن الطاعة واسمه صرق ، فقتل في المعركة ، وخرج أيضا عن طاعة نائب طرابلس شيخ المحمودي. وخرج دمرداش نائب حلب إلى الأمير دقماق المحمدي الذي خلفه في نيابتها وأوقع معه واقعة قوية فانكسر دمرداش.
وفي سنة (806) نازل الفرنج طرابلس فأقاموا عليها ثلاثة أيام فبلغ ذلك نائب الشام فنهض إليهم مسرعا فانهزموا فأوقع بهم وكان ذلك مبدأ سعادته.

ثم توجه الفرنج إلى بيروت وكانوا في نحو من أربعين مركبا فواقعهم دمرداش ومن معه من الجند والمطوعة وقتل بعض الناس من الفريقين وجرح الكثير ، وكان نائب الشام ببعلبك فجاءه الخبر فتوجه من وقته وأرسل إلى العسكر يستنجد به ومضى على طريق صعبة إلى أن وصل إلى طرابلس ثم توجه من فوره إلى بيروت فوجدهم قد نهبوا ما فيها وأحرقوها وكان أهلها قد هربوا إلى الجبال إلا المقاتلة منهم ، فوقع بين الفريقين مقتلة عظيمة فأمر النائب بإحراق قتلى الفرنج ، ثم توجه إلى صيدا ومعه العساكر فوجدهم في القتال مع أهلها ولم يتقدمه أحد بل كان معه عشرة أنفس ، فحمل على الفرنج فكسرهم وفروا في مراكبهم راجعين إلى ناحية بيروت ثم نزلوا لأخذ الماء فتبعهم بعض أصحاب النائب فغلبوه على الماء وأخذوا حاجتهم وتوجهوا إلى جهة طرابلس.
ودامت الفوضى في القطر حتى خامر النواب إلا قليلا في الشام (806) وأصبح الناس فرقتين فرقة مع الملك الناصر وفرقة عليه إلى أن خلع سنة (808) وفي سنة (806) أوقع نائب الشام بعرب آل فضل وكان كبيرهم علي بن فضل قد قسم الشام سنة ثلاث وثماني مائة فطمع أن يفعل ذلك هذه السنة ، فقبض عليه النائب ونهب بيوته ، ووقع بين نعير أمير عرب آل فضل وبين حجا بن سالم الدوكاري وقعة عظيمة قتل فيها ابن سالم وانكسر عسكره وغلب نعير وأرسل برأس ابن سالم إلى القاهرة. وكان عسكر ابن سالم طاف في أعمال حلب كعزاز وغيرها وأفسد فيها الفساد الفاحش ، وكان وقع بينه وبين نعير قتال بين جعبر وابلستين واستمرا أياما إلى أن قتل ابن سالم. وقع بين دمرداش والتركمان وقعة عظيمة فانكسر دمرداش. وفي أيام الناصر فرج نصب نوروز الحافظي على دمشق وجكم العوضي نائبا على حلب ، فلما توجها إلى عملهما أظهر كل منهما العصيان والمخامرة على السلطان فتسلطن جكم العوضي بحلب وقبل الأمراء الأرض بين يديه وتلقب بالملك العادل ووضع يده على البلاد الحلبية وكتب إلى نواب الشامات فأطاعوه إلا القليل منهم ، وأخرج أوقاف الناس وجعلها إقطاعات وفرقها مثالات على عسكر حلب وصار يحكم من الشام الى الفرات فانتزعت يد الناصر من الديار الشامية والحلبية وصار حكمه لا يجاوز غزة.

وفارق جكم حلب (807) فثار بها عدة من أمرائها ورفعوا لواء السلطان بالقلعة فاجتمع إليهم العسكر وتحالفوا على طاعة السلطان ، وقام بتدبير أمور حلب الأمير يونس الحافظي وامتدت أيدي عرب ابن نعير والتركمان إلى معاملة حلب فقسموها ولم يدعوا لأحد من الأمراء والأجناد شيئا. ومدحه المؤرخون بأنه كان يتحرى العدل ويحب الإنصاف ، ولا يتمكن أحد معه من الفساد.
وفي سنة (807) حاصر دمرداش نائب حلب أنطاكية وبها فارس ابن صاحب الباز التركماني فأقام مدة ولم يظفر بها بطائل وكان جكم مع فارس فتوجه جكم بعده إلى طرابلس فغلب عليها ثم توجه إلى حلب فنازلها وبها دمرداش فالتقيا وجرى بينهما قتال فانكسر دمرداش وخرج من حلب فركب البحر إلى القاهرة ، وملكها جكم ثانية ثم خرج إلى جهة البيرة وغزا التركمان وأسر منهم جما كبيرا. والتف نوروز الحافظي على شيخ المحمودي نائب طرابلس وأظهرا العصيان والتف عليهما جماعة من النواب وصاروا يأكلون الأقاليم الشامية والحلبية من غزة إلى الفرات وليس بيد الملك الناصر سوى مصر. وخربت صفد وأعمالها خرابا شنيعا وذلك لأن شيخا المحمودي ومن معه من النواب والتركمان حاصروها مدة لأن واليها بكتمر جلق لم يوافقهم على رغائبهم من جهة سلطان مصر. وخرج نعير بن مهنا الحياري البدوي (808) على أعمال دمشق فأخرج يلبغا العساكر وتواقعوا بالقرب من قرية عذراء خارج دمشق فانهزمت عساكر الشام وأمراء غرب بيروت واستولت العرب على دمشق وزادوا في الجور والضرب. واستولى التركمان على كثير من العمالات بقيادة رأسهم اياس ووصلوا إلى حماة فغلبوا عليها ثم ردوا عنها.
وقائع التركمان مع الناشزين على السلطان :
وفي سنة (808) كانت الوقعة العظمى بين جكم نائب حلب والتركمان ورئيسهم فارس ويدعى إياس بن صاحب الباز صاحب أنطاكية وغيرها ، وكان قد غلب على أكثر الأصقاع الشمالية ودخل حماة وملكها ، وعسكره يزيد على ثلاثة آلاف فارس غير الرجالة فواقعه جكم بمن معه فكسره كسرة فاحشة ، وعظم قدر جكم بذلك وطار صيته ، ووقع رعبه في قلوب التركمان

وغيرهم ، ثم إنه واقع نعيرا ومن معه من العرب فكسره ، ثم توجه جكم إلى أنطاكية وأوقع بالتركمان فسألوه الأمان وأن يمكنهم من الخروج إلى الجبال مواطنهم القديمة ويسلموا إليه جميع القلاع التي بأيديهم ، فتقرر الحال على ذلك وأرسل إلى كل قلعة واحدا من جهته ودخل إلى حلب مؤيدا منصورا ، فسلم فارس بن صاحب الباز لغازي بن أوزر التركماني وكان بينهما عداوة فقتله وقتل ولده وجملة من جماعته. وكان قد استولى على معظم معاملة حلب ومعاملة طرابلس فصار في حكمه أنطاكية والقصير والشغر وبغراس وحارم وصهيون واللاذقية وجبلة وغير ذلك ، فلما أحيط به تسلم جكم الكور ورجعت معاملة كل بلد على ما كانت أولا.
وبرز جكم إلى دمشق فالتقى مع ابن صاحب الباز وجمعهم من التركمان فكسرهم كسرة ثانية وضرب أعناق كثير منهم صبرا وقتل نعيرا وأرسل برأسه إلى القاهرة ، واستعد نائب الشام لقتاله ، ووصل دمرداش توقيع بنيابة حلب عوضا عن جكم من القاهرة ، فتجهز صحبة نائب الشام ثم وصل إليهم المعجل بن نعير طالبا ثأر أبيه وكذلك ابن صاحب الباز طالبا ثأر أبيه وأخيه ، وكان معهم من العرب والتركمان خلق كثير ، ووصل توقيع المعجل بن نعير بإمرة أبيه ووصل نائب الشام ومن معه إلى حمص وكاتبوا جكم في الصلح ووقعت الواقعة بينهم فانكسر عسكر دمشق ، ووصل إليها شيخ ودمرداش منهزمين ، وكانت الواقعة في الرستن ثم رحل نائب دمشق إلى مصر ، ودخل جكم إلى عاصمة الشام وبالغ في الزجر عن الظلم ، وعاقب على شرب الخمر فأفحش ، حتى لم يتظاهر بها أحد ، وكانت قد فشت بين الناس.
ذكر هذا ابن حجر ، وقال في وفيات سنة (808) : إن فارسا صاحب الباز التركماني كان أبوه من أمراء التركمان فلما وقعت الفتنة اللنكية جمع ولده هذا فاستولى على أنطاكية ثم قوي أمره فاستولى على القصير ثم وقع بينه وبين دمرداش في سنة ست وثماني مائة فانكسر دمرداش ، وكان جكم مع فارس ثم رجع عنه ، فاستولى فارس على البلاد كلها وعظم شأنه ، واستولى على صهيون وغيرها من عمل طرابلس ، وصارت نواب حلب كالمحصورين معه لما استولى على أعمالهم ، فلما ولي جكم ولاية حلب تجرد له وواقعة فهزمه ونهب ما معه

واستمر جكم وراءه إلى أن حاصره بأنطاكية سنة ثمان وثماني مائة ، ولم تزل الحروب بينهما إلى أن طلب فارس الأمان فأمنه ونزل إليه وسلمه لغازي بن أوزر ، وكان عدوه فقتله وقتل معه ابنه وجماعة منهم ، واستنقذ جكم الأقاليم كلها من أيدي صاحب الباز وهي أنطاكية والقصير والشغر وحارم وغيرها وانكسرت بقتل فارس شوكة التركمان.
وفي سنة (809) بعث شيخ إلى نابلس جيشا قبضوا على عبد الرحمن ابن المهتار وأحضروه له إلى صفد فقتل بحضرته ، وكان قد عصى بأخرة على الناصر ، واتفق شيخ ونوروز فأرسله إلى نابلس فصادر أهلها وبالغ في ظلمهم فكانت تلك عاقبته. ووقعت وقعة بين شيخ والحمزاوي عند حلبين فقتل في المعركة أناس من الأمراء وقبض على الحمزاوي. واستولى تمربغا المشطوب على حلب وذلك أنه لما هرب من الوقعة التي كانت بين جكم وبين قرابلك جاء مع طائفة من المغل إلى جهة حلب فوجد ابن دلغادر قد جمع التركمان وحاصرها فأوقع بهم وكسرهم ودخل البلد وعصت عليه القلعة. ولما بلغهم قتل جكم سلموها فاستولى على ما بها من الحواصل وعلى ما بحلب أيضا من الخيول والمماليك المخلفة عن جكم. ثم قدم الملك الناصر من مصر فانهزمت العرب ودخل السلطان دمشق وبنى ما كان هدم. وفي سنة (809) ثارت طائفة من المماليك ومعهم عامة حلب على شركس المصارع.
وهكذا كثرت الفتن في الشام في العقد الأول من القرن التاسع وكلما قوي أمير قتل رجال الأمير الذي كان قبله ، وشأن الظلم في الرعايا عجيب ، والمصادرات قائمة على ساق وقدم ، وبالجملة فقد كانت الدولة التي تولت أمر مصر والشام على حالة سيئة وكثير من ملوكها لم يتم لهم في الملك أشهر معدودة ، وناهيك بهذا التبدل قال ابن تغري بردي : وكثرت المصادرات بدمشق وغيرها في أيام هذه الفتن (810) وأخرجت الأوقاف عن أربابها وخربت بلاد كثيرة بمصر والشام ، لكثرة التجاريد وسرعة انتقال الأمراء من إقطاع إلى إقطاع. وقال ابن حجر : وفيها كملت عمارة قلعة دمشق وكان ابتداؤها في العام الماضي وصرف على عمارتها مال كثير جدا ، وظلم بسببه أكثر الخلق من الشاميين وغيرهم. وبسط نوروز يده في المصادرات بدمشق

فبالغ في ذلك حتى إن بعض التجار كانوا يترحمون على تيمور وفرض على جميع الجهات مثليها ، وتناول حتى الخانات والحمامات وأرباب المعايش حتى انقطعت الأسباب وتعطلت الأرزاق.
ونازل التركمان حلب (810) فحصرها علي بك بن خليل بن قراجا بن دلغادر ومعه عدة من أمراء التركمان وعدة من أمراء العرب ونازلوها أياما وقاتلهم العوام ومن بها ، وكان بها يومئذ تمربغا المشطوب فدخلوا ولم يظفروا بطائل ، وكان لعلي بك ولد محبوس بقلعة حلب فصانع أهل حلب أباه بإرساله مكرما فما أفاد ذلك وجد في الحصار ونازل المعجل بن نعير حماة وحاصرها ونهب علي بك ومن معه القرى التي حول حلب وجدوا في الحصار ، وبالغ أهلها بالذب عن أنفسهم واشتدوا للقتال وهان عليهم الأمر خشية على أموالهم وحريمهم بحيث أنهم كانوا كل يوم لا يرجعون إلا وقد أنكوا في التركمان نكاية كبيرة ، وأوقع نوروز بالمعجل ومن معه من العرب على حماة وكسرهم.
وجرت في هذه السنة وقعة في وادي عقيبة من كروم بعلبك بين أنصار السلطان وبعض أمراء المماليك الفارين من القاهرة فكاثرهم نوروز وقتل منهم وحملت رؤوسهم إلى مصر. وتصافى شيخ ونوروز بعد الخلاف وتوجها بعسكرهما إلى إقليم ابن بشارة ونهبوه وهرب ابن بشارة. وقصد تمربغا المشطوب نائب حلب النزول على التركمان فبيتوه وكسروه ورجع منهزما ، ونهب نوروز للعرب إبلا كثيرة فكبسوا عليها واستنقذوها وحاصر شاهين دويدار شيخ صهيون فغلب عليها فضربت البشائر بدمشق.
وجاء الأمير شيخ والأمير نوروز من غزة في عساكر كثيفة (811) فلما سمع الناصر بذلك خرج هو والأمراء على الهجن فتلاقى العسكران على السعيدية وكان بينهما واقعة عظيمة فانكسر الناصر ورجع إلى القاهرة وهو مهزوم ، فتبعه شيخ ونوروز ودخلا إلى القاهرة، ثم قوي حال الناصر على شيخ ونوروز فكسرهما فرجعا إلى الشام مهزومين ، وقتل في هذه الحركة جماعة كثيرة من الأمراء والمماليك. وفيها تعين نوروز لنيابة الشام ثم تنحى عنها ، وأرسل السلطان تقليدا إلى شيخ بنيابة الشام وتقليدا إلى دمرداش بنيابة حلب ، ثم عين نوروز إلى القدس بطالا ، ثم كتب إلى دمرداش نائب حلب بالحضور إلى مصر ورسم

لشيخ بنيابة طرابلس مع نيابة حلب وخامر شيخ بعد ذلك على السلطان فجرد إليه ورجع على غير طائل.
ثم إن نوروز قصد صفد ليحاصرها فقدم عليه الخبر بحركة شيخ إلى دمشق وكان قد جمع من التركمان والعرب جمعا وسار من حلب فرجع نوروز فسبقه إلى دمشق ، فتراسل شيخ ونوروز في الكف عن القتال ولم ينتظم لهما أمر ، وصمم شيخ على أخذ دمشق وباتا على أن يباكرا القتال فأمر شيخ بإيقاد النيران في معسكره واستكثر من ذلك ، ورحل جريدة إلى سعسع فنزلها ، وأصبح نوروز فعرف برحيله وسار نوروز إلى سعسع فلقي بها شيخا وهو في نفر قليل نحو الألف فالتقيا فانكسر نوروز ويقال : إنه كان معه أربعة آلاف نفس ولم يكن مع شيخ سوى ثلاثمائة نفس ، وركب شيخ أقفيتهم ودخل دمشق ثم رحل إلى ملطية وأرسل شيخ عسكرا ورحل نوروز إلى حلب لمحاصرتها ثم لحق عسكر شيخ بالتركمان بأنطاكية وأوقعوا بهم واستنقذوها منهم.
وألزم النائب أهل دمشق بعمارة مساكنهم والأوقاف التي داخل البلد وضرب فلوسا جددا ثم نودي عليها كل مائة وأربعين بدرهم. وكتب الناصر إلى الشام بإسقاط ما على الناس من البواقي من سنة ثمان وتسعين إلى سنة ثنتي عشرة وفي السنة التالية ألزم الناس في دمشق بعمارة ما خرب من المدارس. وفيها توجه الدويدار إلى البقاع للاستعداد لبرديك لما طرق الشام ، فوصلت كشافة برديك إلى عقبة سحورا ثم نزل هو شقحب ، فتأهب من بالقلعة بدمشق وخرج العسكر مع سودون وحمل هو على عسكر برديك فكسرهم ثم انهزم برديك على خان ذي النون ورجع إلى صفد. واشتد الحصار على نوروز ودمرداش بحماة فقتل بينهما أكثر من كان معهما من التركمان وانضم أكثر التركمان إلى شيخ ووصل إليه المعجل بن نعير نجدة له بمن معه من العرب فخيم بظاهر حماة ، فوقع القتال بين الطائفتين واشتد الخطب على النوروزية فمالوا إلى الخداع والحيلة ولم يكن لهم عادة بالقتال يوم الجمعة فبينما الشيخية مطمئنين هجم النوروزية عليهم وقت صلاة الجمعة فاقتتلوا إلى قبيل العصر فكانت الكسرة على النوروزية وتفرق أكثر العساكر عن نوروز ولحق كثير منهم بشيخ ، وكتب إلى دمشق فدقت بشائره وزينوا البلد وكبس أصحاب نوروز

المعجل بن نعير ليلا فأنجده شيخ وكتب دمرداش إلى الناصر يستنجده ويحثه على المجيء إلى الشام وإلا خرجت عنه كلها فإنه لم يبق بيده منها إلا غزة وصفد وحماة وكل من بها من جهته في أسوإ حال.
قال ابن حجر في حوادث سنة (813) : إنه وصل الفرنج الذين استأذنوا الناصر في العام الماضي لما دخل القدس أن يجددوا عمارة بيت لحم فوصلوا إلى يافا ومعهم عجل وصناع وأخشاب فأخرجوا المرسوم فاستدعوا الصناع للعمل بالأجرة فأتاهم عدة وشرعوا في إزاحة ما بطرقهم من الأدغال ووسعوا الطريق بحيث تسع عشرة أفراس ولم تكن تسع غير فارس وأحضروا معهم دهنا إذا وضعوه على الصخر سهل قطعها ، فلما رجع الناصر إلى دمشق عرفه نصحاؤه بسوء القالة في ذلك فكتب إلى أرغون كاشف الرملة بمنعهم من ذلك والقبض عليهم وعلى من معهم من الصناع والآلات والسلاح والجمال والدهن فختم على مخازنهم وحملهم ومعهم ما رسم به الناصر.
وفي سنة (814) ارتفع الطاعون عن دمشق وما حولها وأحصي من مات من أهل دمشق خاصة فكانوا نحوا من خمسين ألفا وخلت عدة من القرى وبقيت الزروع قائمة لا تجد من يحصدها.
الملك السكير وقتله :
وبقي أمر الشام متقلقلا لأن ملك مصر على هذه الصورة من السخافة والضعف وهو شارب الليل والنهار تصدر الأعمال عنه مختلة كلها ، فقطع شيخ المحمودي ونوروز الحافظي اسم الناصر من الخطبة بدمشق وأعمالها ، ونفرت قلوب المماليك من الناصر وصار منهم جماعة (814) يتسحبون تحت الليل ويتوجهون إلى نوروز الحافظي وشيخ المحمودي ، يأتون الشام من العقبة إلى غزة فتسحب من العسكر نحو الثلث ، فقويت شوكة الحافظي والمحمودي والتف عليهما سائر النواب في الشام وغالب عسكر مصر وكثير من العشير وعربان نابلس ، واجتمع عندهما من الأمراء ما يزيد على أربعة وعشرين أميرا. ولما تحقق الناصر ذلك جرد عليهم جيشا فكانوا يتوجهون في كل يوم من بلد إلى بلد والناصر خلفهم ليلا ونهارا فأتعب العسكر وانقطع

منهم جماعة من شدة السوق والتعب. ووصل الناصر إلى اللجون (815) فتلاقى والنواب بعد العصر وكان الناصر قد اصطبح وهو لا يعي من شدة السكر فأراد الكبس على النواب في تلك الساعة فمنعه الأمراء فأبى ، فلما رأوا ذلك تسحبوا من عنده مع عسكره فلم يبق معه إلا القليل من العسكر فكبس على النواب فانكسر الناصر وهرب بمن بقي معه من العسكر إلى نحو دمشق ، واستولى شيخ ونوروز على أثقاله وخزائن المال وانتصرا عليه.
فلما دخل شيخ ونوروز إلى دمشق طلعا إلى دار السعادة واجتمع هناك الأمراء وأحضروا القضاة الأربعة ورسموا بأن يكتبوا محضرا بأفعال الناصر بأنه سفاك للدماء مدمن للخمر فكتبوا محضرا بذلك وشهد فيه جماعة كثيرة من أعيان الناس ، ثم خلعوا الناصر من السلطنة واشتوروا فيمن يولونه فقال نوروز لشيخ : لا أنا ولا أنت نتسلطن. ولكن اجعلوا الخليفة العباسي هذا هو السلطان ، ويكون الأمير شيخ أتابك العساكر ومدبر المملكة في مصر ، ويكون الأمير نوروز نائب الشام ويحكم في الديار الشامية من غزة إلى الفرات ، يولي من يختار ويعزل من يختار ، فتراضوا على هذا وحلف جميع الأمراء وتعاهد شيخ ونوروز ثم سلطنوا الخليفة واستمر نوروز الحافظي نائب الشام.
وأما ما كان من أمر الناصر فرج بعد الكسرة التي وقعت له على اللجون فإنه ولى منهزما إلى نحو دمشق ، وأرسل إلى شيخ يطلب منه الأمان ، وكان نوروز صهر الناصر زوج أخته ، فلو طلب منه الأمان أولا لما أصابه شيء ولكن قصد شيخا فأرسل إليه من قيده وأحضره إلى السجن بقلعة دمشق ، ثم إنهم أثبتوا عليه الكفر كما قيل ودخل عليه بعد أيام جماعة من الفداوية وقتلوه بالخناجر وهو بالبرج بقلعة دمشق ، وألقوه على مزبلة خارج البلد وهو عريان مكشوف الرأس ، ليس عليه غير اللباس في وسطه ، وصار الناس يأتون إليه أفواجا ينظرون إليه ، ولو أمكن مماليك أبيه أن يحرقوه لفعلوا به ذلك مما قاسوه منه فأقام على ذلك ثلاثة أيام ثم دفنوه «وكانت الدنيا على أيامه حائلة وحقوق الناس ضائعة ، وقد خرب غالب البلاد الشامية في أيامه من تيمور لنك ومن عصيان النواب وخربت أوقاف الناس في الشام ، وكم قتل من أبطال ويتم من أطفال ، وجرت في أيامه أمور شتى يطول شرحها» قال المقريزي :

لم تزل أيام الناصر كلها كثيرة الفتن والشرور والغلاء والوباء. طرق الشام تيمور فخربها كلها وحرقها وعمل بالقتل والنهب والأسر حتى فقد منها جميع أنواع الحيوانات وتمزق أهلها في أقطار الأرض ، ثم دهمها بعد رحيله عنها جراد لم يترك بها خضراء ، فاشتد الغلاء على من تراجع إليها من أهلها وشنع موتهم واستمرت بها مع ذلك الفتن.
الخليفة السلطان وسلطنة شيخ :
عهد الأمراء الذين قضوا على سلطان الناصر بالسلطنة إلى الخليفة العباسي وكان المسكين أشبه بعامل مخترم من عمال الشراكسة لا عصبية له ولا جيش ، والغالب أن العهد بالسلطنة إليه كان دسيسة سياسية من الأميرين نوروز وشيخ يوم قال الأول للثاني وهما يتفاوضان فيمن يوسدان إليه السلطنة : «لا أنا ولا أنت نتسلطن» فاستولى شيخ على ملك مصر بالفعل وإليه قيادة الجند ، واستولى نوروز على الشام يحكم فيها حكم الملك ، وبقي الأمر على ذلك إلى سنة (816) وقد بلغ نوروز الحافظي أمير الشام أن المؤيد شيخ خلع الخليفة العباسي في مصر وتسلطن عوضه ، فعزّ عليه ذلك ولم يقبل الأرض للملك المؤيد شيخ وأظهر العصيان واستمر نوروز يخطب باسم الخليفة العباسي على منابر دمشق وأعمالها ولم يخطب باسم المؤيد شيخ ولا ضرب باسمه سكة ، واستمر مستأثرا بملك الشام من غزة إلى الفرات.
وفي سنة ست عشرة وثمانمائة ظهر الخارجي الذي ادعى أنه السفياني قال ابن العماد : وهو رجل عجلوني يسمى عثمان بن ثقالة اشتغل بالفقه قليلا في دمشق ، ثم رجع إلى الجيدور ودعا إلى نفسه فأجابه بعض الناس فأقطع الإقطاعات ونادى أن مغلّ هذه السنة مسامحة ولا يؤخذ من أهل الزراعة بعد هذه السنة التي سومح بها سوى العشر ، فاجتمع عليه خلق كثير من عرب وعشير وترك ، وعمل له ألوية خضراء وسار إلى وادي الياس وبث كتبه في النواحي بحث الناس على الانضمام إليه فارسهم وراجلهم مهاجرين إلى الله ورسوله ليقاتلوا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا ، فثار عليه غانم الغزاوي وجهز إليه طائفة وطرقوه بجامع عجلون فقاتلهم فقبضوا عليه وعلى ثلاثة من أصحابه

فاعتقل الأربعة وكتب إلى المؤيد بخبره فأرسلهم إلى قلعة صرخد.
وفي سنة (817) خرج المؤيد شيخ من مصر في العساكر قاصدا إلى دمشق للقضاء على نوروز. وكان قد حصن دمشق وركب على سورها المدافع من كل جانب ، فحاصره المؤيد شيخ حصارا طويلا ونصب حول دمشق عدة مجانيق حتى غلب نوروز وسلم نفسه إلى شيخ فقطع رأسه ، وكان نوروز مهابا شديد البأس سفاكا للدماء ، ما كان في عسكر إلا انهزم ولا ضبط أنه ظفر في وقعة قط ، وهو الذي عمر قلعة دمشق بعد تيمور لنك. ومهد المؤيد شيخ الديار الشامية وعزل من عزل وولى من ولى ، وخلع على قانباي المحمدي واستقر به نائب الشام وخلع على إينال الصصلاني واستقر به نائب حلب ، وخلع على سودون بن عبد الرحمن واستقر به نائب طرابلس ، وخلع على جاني بك البجاسي واستقر به نائب حماة ، ولم يلبث هؤلاء النواب (818) أن خامروا على الملك المؤيد شيخ وخرجوا عن الطاعة ، فجرد إليهم المؤيد ثانيا ، وخرج إليهم بنفسه وأوقع معهم فانتصر عليهم ، وقبض على قانباي المحمدي نائب الشام وقطع رأسه ، ثم قبض على إينال الصصلاني وقتله على صدر أبيه ثم قتل الأب بعد ذلك ، ثم ولى جماعة من الأمراء نوابا غير هؤلاء ورجع إلى الديار المصرية ، فلم يقم سوى مدة يسيرة حتى خامر النواب أيضا فجرد إليهم ثالث مرة وخرج بنفسه فلما بلغ النواب مجيئه هربوا من وجهه وتوجهوا إلى قرا يوسف أمير التركمان فنصب الملك المؤيد نوابا غيرهم ممن يثق بهم ، ومهد الأقاليم الدمشقية والحلبية وقطع شأفة النواب الذين عصوا سلطانه ، ومن الأحداث في هذا الدور دخول قرا يوسف التركماني من العراق إلى حلب (821) في نحو ألف فارس فجفل من كان خارج مدينة حلب بأجمعهم ، واضطرب من بداخل سور حلب وألقوا بأنفسهم من السور ولم تسكن الحالة إلا بعد رحيله.
هلاك المؤيد شيخ وسلطنة ابنه في القماط :
هلك الملك المؤيد شيخ سنة (824) وكان ملكا جليلا كفؤا للسلطنة وافر العقل مقداما في الحرب عارفا بمكايدها وحيلها وقت التقاء الجيوش

حتى ضرب به المثل فكان يقال : نعوذ بالله من ثبات شيخ ومن حطمة نوروز الحافظي. هذه رواية ابن إياس بيد أن المقريزي يقول : إنه حدث في أيام هذا الملك أكبر خراب مصر والشام لكثرة ما كان يثيره من الشرور والفتن أيام نيابته بطرابلس ودمشق ، ثم ما أفسده في أيام ملكه من كثرة المظالم ونهب البلاد وتسليط أتباعه على الناس ، يسومونهم الذلة ويأخذون ما قدروا عليه من غير وازع ولا عقل ولا ناه من دين. وتولى بعد الملك المؤيد شيخ ابنه المظفر أبو السعادات أحمد وهو في القماط فخامر نائب دمشق جقمق الأرغوني ونائب حلب يشبك المؤيدي وكذلك بقية النواب في الشام ، وكان الأتابكي ألطنبغا القرشي لما توجه في العسكر المصري أوقع معهم بمن معه من الأمراء فهربوا إلى نحو صرخد ، ثم إن الأتابكي ألطنبغا جمع العربان والعشير ورجع إلى دمشق وأوقع مع نائب الشام جقمق فانكسر جقمق، فملك الأتابكي دمشق وقلعتها ، فلما بلغه وفاة الملك المؤيد وسلطنة ابنه أظهر العصيان وأقام بدمشق وحصنها ونصب على سورها المكاحل بالمدافع ، والتف عليه العربان والعشير ، وبلغ الأمراء بمصر ذلك فخعلوا على ططر واستقروا به أتابك العسكر عوضا عن ألطنبغا القرشي. ثم اتفق الحال على أن الأتابكي ططر يأخذ السلطان معه في محفة ويتوجه هو والعسكر إلى دمشق بسبب ألطنبغا القرشي والنواب ، فخرج ططر من القاهرة وصحبته المظفر أحمد في محفة والمرضعة معه ، وكانت أمه خوند سعادات صحبة ابنها في المحفة لما خرج إلى الشام لتأمن عليه من القتل ، فدخل المظفر إلى دمشق وألقى الرعب في قلب ألطنبغا وجقمق فحضر ألطنبغا وفي رقبته منديل فقبل الأرض قدام الملك المظفر وهو في المحفة ، فلما وقعت عليه عين الأتابكي ططر قبض عليه وسجنه بقلعة دمشق ، ثم قبض على جقمق وأمر بخنق جقمق وألطنبغا ، ثم قبض على جماعة من النواب وقتل منهم البجاسي نائب دمشق ، وقبض على أربعين أميرا من الأمراء المؤيدية وعلى جماعة من المماليك المؤيدية. ثم خلع المظفر أحمد من السلطنة وتسلطن عوضه بدمشق وخطب باسمه على المنابر وكان معه الخليفة المعتضد بالله داود ، فكان مثل ططر في هذه الحيلة مثل أكثر عمال هذه السلطنة الشركسية متى اشتد ساعدهم استأثروا بالملك والسلطان.

وفاة ططر وسلطنة ابنه ثم تولي الأشرف برسباي :
هلك ططر بعد أن ملك ثلاثة أشهر وأياما وخلفه في السلطنة ابنه الصالح محمد وله من العمر نحو من إحدى عشرة سنة وجعل جاني بك الصوفي أتابكه ومدير مملكته ، فعز ذلك على بقية الأمراء فوثب برسباي وقيده وسجنه فاجتمعت الكلمة على برسباي وصار صاحب الحل والعقد فتعصب له جماعة من الأمراء وخلعوا الصالح وسلطنوا برسباي (825) فكانت مدة سلطنة الصالح ثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما. وخلع برسباي على المقر السيفي جاني بك البجاسي واستقر به نائب الشام واستقامت أحواله في السلطنة.
وفي سنة (836) سار الأشرف برسباي في حملة من مصر قيل أنه غرّم عليها خمسمائة ألف دينار وقصد الشام وسار منها إلى آمد فحاصرها وكانت لابن قرابلك فلم ينل منها طائلا ، فمشى بعض الأمراء بالصلح على أن لا يتعدى على بلاد السلطان فحلف صاحب آمد على ذلك. ولما عاد الجيش المصري عاد صاحبها إلى العصيان قال ابن إياس : والملك الأشرف هو آخر من جرد من الملوك وخرج بنفسه إلى البلاد الشامية.
توفي الأشرف برسباي سنة (841) وقد ساس الملك ونالته السعادة ودانت له البلاد وأهلها وخدمته السعود حتى مات ، وفتحت في أيامه أقاليم كثيرة استرجعت من أيدي الباغين من غير قتال ، وفتحت قبرس وأسر ملكها. قال المقريزي : وكانت أيامه أيام هدوء وسكون إلا أنه كان له في الشح والبخل والطمع مع الجبن والحذر وسوء الظن ومقت الرعية وكثرة التلون وسرعة التقلب في الأمور وقلة الثبات أخبار لم نسمع بمثلها ، وشمل مصر والشام في أيامه الخراب وقلت الأموال بها وافتقر الناس ، وساءت سيرة الحكام والولاة مع بلوغ آماله وقهر أعاديه وقتلهم بيد غيره. وقد عقد برسباي معاهدة مع فرسان رودس وقهر صاحب مملكة ذي القدرية وكان الذي يثير عليه الفتن في الشام شاه رخ بن تيمور لنك لأن سفراءه أهينوا في مصر كما أهين تجاره في جدة ، وأبى عليه صاحب مصر أن يكسو الكعبة المشرفة. وقال ابن إياس : إن الملك الأشرف كان منقادا إلى الشريعة ، وكانت معاملته أحسن المعاملات من أجود الذهب والفضة ولا سيما

الأشرفية البرسبيهية فإنها من خالص الذهب ، وكان عنده معرفة بأحوال السلطنة كفؤا للملك، كثير البر والصدقات ، وله معروف وآثار ، لكنه كان عنده طمع زائد في تحصيل الأموال محبا لجمعها من المباشرين وغيرهم قال : وكان من خيار ملوك الشراكسة.
وكان تولي رجل عظيم مثل برسباي زمام السلطنة بعد سخافة فرج وابنه الطفل وسخافة ططر وابنه من أجمل الموافقات. أعاد إلى السلطنة عزها الذي أولاها إياه مؤسسها برقوق. وبرسباي لا يقلّ عنه تدبيرا وحنكة وربما امتاز عنه بأمور.
الملك العزيز يوسف والملك الظاهر جقمق :
تولى الملك بعد الأشرف برسباي ابنه يوسف وسمي الملك العزيز وله من العمر أربع عشرة سنة وجعل الأتابكي جمقمق العلائي نظام المملكة ثم خلع (842) وجعل جقمق سلطانا ولم يملك العزيز سوى ثلاثة أشهر وخمسة أيام. وفي سنة (837) ندب السلطان العساكر إلى قتال الأرمن فملكوا مدينة أياس. وفي سنة (843) خرج إينال الجكمي نائب دمشق عن الطاعة وأظهر العصيان على السلطان وكذلك تغري برمش نائب حلب فعين السلطان لهما تجريدة من مصر ، وخلع على المقر السيفي أقبغا التمرازي واستقر به نائب دمشق عوضا عن إينال الجكمي ، وخلع على المقر السيفي يشبك السودوني واستقر به أتابك العساكر عوضا عن أقبغا التمرازي فأوقعا مع النائبين العاصيين وأسراهما وقطعا رأسيهما وأرسلاهما إلى القاهرة.
وفي سنة (855) طرق صور زهاء عشرين مركبا للفرنج ونهبوا من بها فأدركهم ابن بشارة مقدم العشير وقاتلهم قتالا شديدا حتى أزاحهم عن البلد بعد أن قتل من الفريقين جماعة وأمسك من الفرنج جماعة وقطع رؤوسهم. وفي سنة (856) ركب طوغان نائب الكرك بمماليكه فكبس بعض عرب الطاعة وقاتلهم حتى ظفر بجماعة منهم فأسرف في قتلهم ثم نزل بمكان هناك فكثر عليه جماعة منهم فقاتلهم ثانيا فكسروه وقتلوه أسوأ قتلة. وهدأ القطر من الفتن والتجاريد على عهد الظاهر جقمق المتوفي سنة (857) وكانت مدة سلطنته

بالديار المصرية والبلاد الشامية وما مع ذلك أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وكان ملكا جليلا دينا خيرا متواضعا كريما وفعل الخير وقد كانت علائقه حسنة مع سلطان العثمانيين وملوك آسيا الصغرى.
المنصور والأشرف والمؤيد والظاهر خشقدم والظاهر بلباي والأشرف قايتباي :
وخلف الظاهر جقمق المنصور فخر الدين عثمان فخلع بعد ثلاثة وأربعين يوما وتسلطن بعده الأشرف إينال العلائي وكانت أيامه أيام لهو وانشراح وقيل : إنه لم يسفك دما بغير وجه شرعي فعد ذاك من النوادر وتوفي سنة (865) وخلفه المؤيد أحمد وكان حسن السياسة بصيرا بمصالح الرعية قمع مماليك أبيه عما كانوا يفعلونه من الأفعال الشنيعة إلا أن مدته لم تطل سوى أربعة أشهر وثلاثة أيام ، وخلفه الظاهر خشقدم وكان أهل الدولة يريدون سلطنة جانم نائب الشام ، فلما أبطأ عليهم سلطنوا الظاهر خشقدم (865) يقول ابن إياس : إن الملك الناصر أبي سيف الدين خشقدم الناصري المؤيدي هو الثامن والثلاثون من ملوك الترك وأول ملوك الروم بمصر إن لم يكن أيبك التركماني من الروم ولا لاجين من الروم فخشقدم أول ملوك الروم بمصر وأصله رومي الجنس.
وسار جانم إلى مصر فأرجعه الملك الجديد إلى الشام ، ولما بلغها أرسل السلطان إلى نائب قلعة الشام مراسيم بأن يقبض على جانم نائب الشام فرمى عليه بالمدافع وهو جالس في دار السعادة فهرب إلى الرها ، واستمر في هياج وعصيان وأرسل عليه سلطان مصر تجريدة بقيادة جاني بك وعين المقر السيفي تنم المؤيدي نائب الشام.
وفي سنة (872) تحرك شاه سوار صاحب مملكة ذي القدرية على حلب فرسم خشقدم للأمير برديك الجمقدار نائب حلب أن يخرج إليه فخرج ، ثم التف عليه وأظهر العصيان على السلطان وقصدا التوجه إلى الشام ، فأرسل سلطان مصر عليهما تجريدة وانهزم الجند الذين أرسلتهم مصر لقتال شاه سوار ودخلوا حلب وهم في أسوإ حال ، ثم أرسل السلطان تجريدة أخرى فهزمها سوار أيضا ، فاحتال عليهم حتى أدخلهم في مواضع ضيقة بين أشجار فخرج عليهم السواد الأعظم من التركمان بالقسي والنشاب والسيوف والأطبار فقتلوا من العسكر عددا كبيرا

وقتل من مشايخ جبل نابلس وعربانه والعشير والتركمان والغلمان عدد كبير وأشرف سوار أن يأخذ حلب ثم خمدت نائرته. توفي الظاهر خشقدم ، وملكه نحو ست سنين ونصف ، وخلفه الظاهر بلباي وخلع بعد سلطنة ستة وخمسين يوما وبه زالت الدولة المؤيدية ، وخلفه الأتابكي تمربغا ودامت سلطنته ثمانية وخمسين يوما وخلفه الملك الأشرف قايتباي.
مصائب القطر الطبيعية ثم السياسية :
بعد أن نجت الشام من فتن التتر وتيمور خاصة ، ووقائع الصليبيين وويلاتها عاودتها الأوبئة والمجاعات والزلازل فزلزلت حلب مرات سنة (806) فخرب كثير من معابدها ومساجدها وكانت كثيرة جدا ، وفي سنة (820) كان بحلب غلاء عقبه طاعون مات فيه سبعون ألفا وخلا البلد من السكان ، وفي سنة (863) وقع الطاعون بحلب فأربى من هلك فيها وفي ضواحيها على مائتي ألف إنسان ، وفي سنة (874) اشتد الغلاء والفناء بحلب وكانت الحال في القطر كله على ذلك فجارت عليه الطبيعة وكانت من قبل يجور عليها أمراؤها. وقال الدويهي في حوادث سنة (875) : ومن أخبار هذا العصر يستدل على أنه في دولة المقدمين وأحكامهم العادلة توفرت الراحة لأهل لبنان وكثرت عندهم المدارس والكنائس.
وبينا كانت الشام تدافع الخارجين على المماليك أو تشترك معهم أحيانا وقد غضب عليها جبار الأرض وجبار السماء ، ظهر لها بل لدولة المماليك الشركسية في مصر والشام عدوان لدودان أو حكومتان مسلمتان نجت من شر الأولى ووقعت في شر الثانية ونعني بهما دولة حسن الطويل ودولة ابن عثمان. ودولة حسن الطويل هي المعروفة بدولة الحمل الأبيض (آق قيونلي). استولى حسن الطويل على ديار بكر سنة (871) وقتل جهانشاه ومرزا حاكم دولة الحمل الأسود (قره قيونلي) وأبا سعيد حفيد تيمور فأصبح ملك العراقيين العربي والعجمي وفارس وكرمان ، وأنشأ دولة كبرى جعل تبريز عاصمتها. أما دولة ابن عثمان في الروم أي الأناضول فقد قويت على ذاك العهد ولا سيما بعد أن غلب السلطان محمد الثاني حسنا الطويل (أوزون حسن) سنة (877).

في سنة (872) أرسل سلطان مصر والشام عسكرا على شاه سوار فانكسر كسرة شنيعة وقتل وجرح كثير من أمراء المماليك ونهب أثقال الأمراء والعسكر قاطبة وعاد الذي سلم إلى حلب في أسوإ حال ، وقد قوي أمر سوار وتوجه إلى عينتاب وحاصر قلعتها ثم قوي عسكر سوار بما نهبه من عسكر الشام ومصر وكان جيشا جرارا فقوي عزمه على مداهمة حلب ، فجرد سلطان مصر تجريدة ثانية فكسرها عسكر سوار وفي هذه السنين كثر تبديل نواب حلب وفي شبه هذا قال ابن الوردي :
هذي أمور عظام
    من بعضها القلب ذائب
  ما حال قطر يليه
    في كل شهرين نائب
  وفي سنة (875) تحرك حسن الطويل لأخذ الديار الحلبية وأظهر العداوة لسلطان الشام ومصر وقد طمع في عسكر مصر لما رأى من هزيمتهم وهزيمة الشاميين مرتين أمام شاه سوار ، واستظهر عليهم فثار السلطان لهذا الخبر وقصد أن يخرج إلى حلب بنفسه خصوصا لما بلغه أن سوارا استولى على سيس وقلعتها ، وأرسل السلطان إلى شاه سوار الأمير يشبك الدوادار الكبير وفوض إليه أمور البلاد الشامية والحلبية وغيرها وجعل له التصرف في جميع النواب والأمراء ما خلا نائب حلب ونائب دمشق ، ففلّ يشبك عسكر شاه سوار على نهر جيحان ، وقتل منهم جمهور كبير ، وأرسل سوار يطلب الصلح من الأمير يشبك وأن يكون نائبا عن السلطان في قلعة درنده وأنه يرسل ولده بمفاتيح القلعة فما وافق السلطان إلا أن يحضر سوار بنفسه ويقابل السلطان ، ثم قبض عليه في قلعة زمنوطو وحمل إلى مصر فقتله سلطان مصر هو وإخوته وأقاربه.
وخمدت فتنة سوار كأنها لم تكن بعد ما ذهبت فيها أموال وأرواح وقتل جماعة كثيرة من الأمراء وكسر الأمراء ثلاث مرات ونهب بركهم ، وانتهكت حرمة سلطان مصر عند ملوك الشرق وغيرهم ، حتى إن الفلاحين طمعوا في الترك و «تبهدلوا» عندهم بسبب ما جرى عليهم من سوار ، وكادت تخرج المملكة عن الشراكسة ، وقد أشرف سوار على أخذ حلب وخطب له وفي سنة (877) جمع حسن الطويل ملك العراقيين جندا جرارا وزحف

على الشام واستولى في طريقه على كخيا وكركر فانتدب ملك مصر لأمير يشبك الدوادار لقتاله كما كان انتدب لقتال سوار في السنة الفائتة. وقبض نائب حلب (877) على بعض رجال حسن الطويل في حلب وجماعة آخرين نسبوا إلى المواطأة معه وكانوا يكاتبونه بأخبار المملكة ، فأمر نائب حلب بصلبهم ، وأرسل الأمير يشبك نائب حلب جيشا إلى البيرة لقتال الطويل فخذل عسكره بعدما عدوا الفرات وطرقوا الأصقاع الحلبية من أطرافها ، وتلاشى أمر حسن الطويل فأرسل يكاتب الفرنج ليعينوه على قتال عسكر مصر ، وأرسل ابن عثمان ملك الترك قاصده إلى الأمير يشبك بأن يكون عونا على قتال حسن الطويل وكان هذا استعان بالفرنج ليقاتلوا صاحب مصر والشام وصاحب الروم ابن عثمان بحرا وهو يقاتلهم برا ولكنه عاد في سنة (879) يرسل إلى سلطان مصر معتذرا عما كان منه حتى عفا السلطان عما بدر منه. وفي سنة (880) صدرت من برهان الدين النابلسي وكيل السلطان قايتباي قبائح عظيمة بأهل دمشق فرجموه ورموا عليه السهام وأحرقوا داره وأرادوا قتله ، فركب نائب قلعة دمشق وتلطف بالعوام حتى سكنت هذه الفتنة قليلا ، وقد كادت أن تخرب دمشق في هذه الحركة بسبب ظلم النابلسي وكان قد طغى على الناس وتجبر.
وكان النابلسي يخرب البلاد الشامية بنفسه وبولده أحمد وقد قال ابن عربشاه في كتابه إيضاح الظلم والعدوان ، في تاريخ النابلسي الخارجي الخوان ؛ ووصف مظالم ابنه بما تقشعر منه الأبدان : وكان طالع النابلسي أحمد الخراب ، صادر أهل طرابلس وهتك ستر نائبها وصادر كثيرين في دمشق ، وأراد أن يعرج على حلب فمنعه صاحبها من إتيان ما عمل في دمشق. أما ابنه فاحتكر الأقوات وطفف الكيل وغش الحبوب وأدار باسمه الطواحين والأفران وتسبب في الجزية على المدارس وأنقص معاليم الطلبة وجمع من الأموال ما لا يحصيه العد ، وكثر تظلم الناس من ظلمه حتى أرسل ملك مصر قاصدا حاسبه على الأموال فظهر اختلاسه فنكل به ، وأقام الناس عليه الشكاوي كما نكل بأبيه في مصر لما أتى من المساوئ هناك ، وقبض عليهما في وقت واحد.
وذهب نائب حلب تمرباي في العسكر إلى التركمان وانكسر عسكر

حلب كسرة عظيمة ، وفيها بعث ابن حسن الطويل يستنجد بنائب حلب على أبيه فجهز نائب حلب معه جندا فقاتلوا عسكر الطويل فانكسر عسكر حلب وقتل منهم جماعة.
وفي سنة (883) خرج سيف بن نعير الغاوي وقرابته عن الطاعة فقاتله نائب حماة فكسر النائب وقتل من عسكره كثير ، ثم خرج إليه نائب حلب وأوقع معه ففر منه فتبعه ، وقد اضطربت أحوال حماة بسبب ذلك.
مات حسن الطويل ملك العراقين (883) وكان انقراض دولة بني أيوب على يده ، وتحرش بابن عثمان ملك الروم يأخذ من ملكه شيئا فما قدر عليه ، ثم تحرش بسلطان مصر وجرى له مع الأشرف قايتباي أمور وكان الأشرف يخشى من سطوته لأنه كان ملكا جليلا عاقلا سائسا كثير الحيل والخداع. وفي سنة (885) كبس عمرو بن غانم في جماعة من العرب محمد بن أيوب نائب القدس بأريحاء الغور وحصلت فتنة قتل فيها جماعة.
وقعة مشؤومة وأحداث :
كانت سنة (885) من أشأم السنين على دولة الأشرف قايتباي فإن يشبك الدوادار كان قد ندب أيضا من مصر لقتال سيف أمير آل فضل ، فسار ومعه جيش من مصر في صحبته نواب دمشق وحلب وطرابلس وحماة مع العسكر الشامي والمصري وغيرهم من العساكر فتوجه إلى الرها واجتمع معه نحو عشرة آلاف رجل ، وكان المتولي أمر الرها شخص يقال له بابندر أحد نواب يعقوب بك بن حسن الطويل ، فحصر يشبك مدينة الرها وكان يريد بعد أخذها أن يسير لفتح العراق فعاد عليه بابندر وكسر جيشه وأسره مع النواب الذين في جملته وشتت شمل جيشه وأخذ يشبك وقتله وقتل من أمراء الشام عددا كبيرا وكذلك من العسكر حتى كانت حوافر الخيل لا تطأ إلا على جثث القتلى. قال ابن إياس : وكانت هذه الكسرة على عسكر مصر من الوقائع الغريبة وكانت مصيبة عظيمة هائلة. وكان يشبك باغيا على بابندر فإنه قصد محاربته من غير سبب ولا موجب لذلك فكان كما قيل :
من لاعب الثعبان في وكره
    يوما فلا يأمن من لسعته
 

اضطربت الشام ومصر من غزوة عسكر يعقوب بن حسن الطويل حلب ودمشق ، فإن النواب قاطبة كانوا في أسره وسحق جيش سلطان مصر والشام ، فأعد السلطان له جيشا آخر قال ابن إياس : ولو لا فعله ذلك لخرجت من يده غالب جهات حلب. وثار عامة حلب بمحمد بن الصوا نائب قلعة حلب بسبب مظالم أحدثها فقتلوه وقتلوا حاجب الحجاب بحلب. وفي سنة (878) وقعت فتنة بين طائفة الدارية وطائفة الأكراد بالقدس فحصل بينهما تشاجر فقتل من الفريقين ناس واستنفر كل من الطائفتين من ينتصر لها من العشير ، فدخلوا المدينة ونهبوا ما فيها إلا القليل وخربت أماكن وكان الأمر عظيما.
أول مناوشة مع الأتراك العثمانيين :
وفي سنة (889) قتل كثير من أمراء حلب والشام في الوقعة التي جرت بين المصريين والتركمان ، وفيها خرج نائب حلب وتقاتل مع علي دولات أخي سوار وأمده ابن عثمان بجمع كثير من عساكره ووقعت بينهما وقعة انهزم فيها العسكر الحلبي وقتل نائب حلب وجماعة من العسكر الحلبي والمصري. وكانت هذه الوقعة أول فتنة تحرش فيها ابن عثمان بملك الشام ومصر. ولما حصلت هذه الكسرة لعسكر حلب ركب تمراز هو وأزدمر والعسكر المصري وتوجهوا إلى علي دولات فقاتلوه فانكسر هو وعسكره وعسكر ابن عثمان ونهبوا جميع بركهم وأخذوا سناجق ابن عثمان ودخلوا بها إلى حلب وهي منكسة واستمرت الفتن يومئذ بين السلطان وابن عثمان.
وفي سنة (890) استولى جند ابن عثمان على قلعة كولك من حلب وفي السنين التالية استولى على سيس وطرسوس وغيرهما وطمع في الاستيلاء على عمالات من الشام فأخذت حكومة مصر ترسل بالتجريدة إثر التجريدة فساءت حال الشام وخربت الأصقاع الشمالية منها. ولكن الجند المصري أو جيش المماليك الشركسي وقع له مصاف سنة (891) في أرض حلب مع عسكر ابن عثمان وانتصر عليه وقتل منهم جماعة كثيرة قدروهم بأربعين ألفا وأسر أحمد بك هرسك قائد جند ابن عثمان ومن أجل أمرائه وصفدوا عدة من أمرائه في الحديد. قال ابن طولون : إنه شاع

أن بايزيد بن عثمان أرسل إلى أهل دمشق نحو ثلاثين اتفاقية من النصارى ووضع عنهم جزية ثلاث سنين لقتال أهلها ، وكل إشاعة من هذا القبيل كانت تفتح السبيل لنائب دمشق فيجمع من أهلها مالا فإذا صحت استعان بها والغالب أنها لا تصح. وفي هذه الأثناء (892) فحش أمر خضر بك نائب القدس وتزايد ظلمه وسفكه الدماء وأخذ أموال الناس. وفي سنة (893) استقر الأمير دقماق في نظر الحرمين ونيابة القدس والخليل ببدل عشرة آلاف دينار للخزائن الشريفة غير ما تكلفه لأركان الدولة قال ابن أبي عذيبة : وكان ذلك من أقبح الأمور وأبشعها فإن ناظر الحرمين ناصر الدين بن النشاشيبي كان من أهل الخير والصلاح فأبدل بظالم فاجر.
وفي سنة (893) استولى عسكر ابن عثمان على قلعة اياس من غير قتال وبعث ستين مركبا من البحر مشحونة بالسلاح والعسكر إلى جهة باب الملك ليقاطع بها على العسكر المصري فما تم له ما أراد. واستخلص جيش السلطان باب الملك من ابن عثمان فجاءت العاصفة وغرقت غالب المراكب ومن طلع إلى البر من العسكر العثماني قتله العسكر المصري. قال ابن إياس : وكانت لهم النصرة على الجنود العثمانية وكانت على غير القياس.
ووقعت (893) معركة بين عسكر مصر وعسكر ابن عثمان في أطراف الولاية الحلبية قتل فيها من الفريقين ألف وانهزم العثمانيون ، وشرع العسكر المصري في حصار الجند العثماني في أذنة ، ودام حصارها ثلاثة أشهر قتل فيها من الفريقين خلق حتى استولى عليها عسكر المماليك ، ثم رجع في السنة التالية فطمع عسكر ابن عثمان في أخذ الديار الحلبية فأرسل سلطان مصر تجريدة لحفظ مدينة حلب ثم جرد تجاريد أخرى على ابن عثمان. قال ابن إياس : وطال الأمر بين السلطان وبين ابن عثمان في أمر هذه الفتن فزحف العسكر المصري والعسكر الشامي على أطراف مملكة ابن عثمان ووصلوا إلى قيسارية وأحرقوها وفتكوا بأهلها وكذلك فعلوا في كثير من عمالاته.
وفي سنة (894) كان الفناء العظيم والغلاء الشديد في الديار المصرية والشامية ومات خلق لا يحصى ، واشتد ظلم نائب القدس على من اتهم بالتقصير في المهم الشريف ببلاد الروم ، وقبض على بني إسماعيل مشايخ جبل نابلس ، ومن الناس

من تسحب وقبض على من يكون منسوبا إليه من أقاربه وأصحابه وجيرانه وباع بعض بناتهم بيع الرقيق وتفاحش الأمر. وفي سنة (896) حدثت في حلب فتنة كبيرة بين نائبها وجماعة من أهلها فقتل سبعة عشر من مماليك النائب وخمسون من أهل حلب ثم أحرق جماعة من حاشية النائب بالنار ، وكادت حلب أن تخرب عن آخرها فأخمد هذه الفتنة قانصوه الغوري حاجب الحجاب بحلب ، وضاق الأمر بالناس لأن المماليك أو سلاطينهم كانوا كلما أرادوا إرسال تجريدة على عدو لهم يضربون الضرائب الفاحشة على الناس ويسلبون أموال التجار والمساتير.
وفي سنة (897) اشتد الوباء بالقدس ودمشق وحلب وبلغ عدد الهالكين بدمشق كل يوم ثلاثة آلاف وبحلب في كل يوم ألفا وخمسمائة وبغزة في كل يوم أربعمائة. وبالرملة مئة. وفي سنة (898) ثارت فتنة كبيرة بدمشق ورجم أهلها قانصوه اليحياوي. وفي سنة (899) تغلب العربان على الكرك والشوبك وحدثت فتن هائلة. وكان في سنة (900) وقعة بين أهل داريا وغوطة دمشق فخرج العسكر وقتل ما يربو على مئة قتيل ، وتوفي نائب دمشق وخلت من الحكام وكثر النهب والفسق ووقع الاختلاف بين القيسية واليمنية ، ولما بلغ السلطان قانصوه خرج بالعساكر المصرية فالتقى الجمعان عند جب يوسف فكانت الهزيمة على المصريين.
وفاة الأشرف قايتباي وتولي ابنه ناصر الدين محمد :
توفي الأشرف قايتباي المحمودي سنة (901) وخليفة الوقت بمصر الإمام المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز العباسي. وكانت مدة سلطنة الأشرف بالديار المصرية والبلاد الشامية تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر وأحد عشر يوما وهو الحادي والأربعون من ملوك الترك وأولادهم في العد ، والخامس عشر من ملوك الشراكسة وأولادهم بالديار المصرية ، وكان كفؤا للسلطنة وافر العقل سديد الرأي ، عارفا بأحوال المملكة يضع الأشياء في محلها ، ولم يكن عجولا في الأمور ، بطيء العزل لأرباب الوظائف يتروى في الأمور قبل وقوعها ، وكان لا يخرج إقطاع أحد من الجند إلا بحكم وفاته ، ولا من أبناء الناس المقطعين إلا

بحكم وفاته. قال ابن إياس بعد إيراد ما تقدم : ولكنه كان محبا لجمع الأموال ناظرا لما في أيدي الناس ، ولو لا ذلك لكان يعد من خيار ملوك الشراكسة على الإطلاق ، ولكنه. كان معذورا في ذلك ، تحرك عليه في أيام سلطنته شاه سوار وحسن الطويل وابن عثمان وغيرهم من ملوك الشرق وجرد عليهم تجاريد وهو ثابت على سرير ملكه ولم يتزحزح ، حتى قيل ضبط ما صرفه على نفقات التجاريد التي جردها في أيام سلطنته إلى أن مات فكانت نحوا من سبعة آلاف ألف دينار وخمسة وستين ألف دينار خارجا عما كان ينفقه عند عودهم من التجاريد. وهذا من العجائب التي لم يسمع بمثلها. وكان قايتباي أعظم ملك في المماليك البرجية وكان في الخارج أعظم ملك في الإسلام ، قال فيه سوبرنهايم في معلمة الإسلام بأنه كان محتاجا لعمارته وحملاته إلى مواد كثيرة وتحلل في المالية لم يستطع جباية الخراج إلا بالقوة، وقد انتقده المؤرخون انتقادا شديدا ونرى أن ما عمله من الواجب عليه وأنه أمر مفهوم بذاته في مملكته ليهيء الأسباب اللازمة للدفاع عنها ، وقد أدى قلة النظام في الجباية إلى خراب مملكة المماليك من أجل هذا كان السلطان مضطرا إلى استعمال الشدة في جباية الأموال.
وكان مغرما بشراء المماليك حتى قيل لو لا الطواعين التي وقعت في أيامه لكان تكامل عنده ثمانية آلاف مملوك. وكان مولعا بالبنيان الفاخر خلف آثارا كثيرة في أرجاء مملكته ، وصادر اليهود والنصارى مرتين في أيامه ، وخلفه ابنه ناصر الدين محمد ، وبدأت أمارات الضعف في أعصاب المملكة لصغر سنه وكان أبوه لا يريد سلطنته بعده ، ولكن عاجله النزع فعمل الأمراء من عند أنفسهم ، وكان الفساد مستشريا في مصر منذ تولى ، وكثيرا ما كان السلطان يتخوف على نفسه من الأمراء فيحضر لهم المصحف العثماني ويحلفهم وقد حلفهم أربع مرات وكانت أيمانهم كاذبة فاجرة.
وكان هذا الضعف ينال الشام منه قسط عظيم حتى خرب ولا سيما شماله لكثرة غارة الأعداء. قال ابن طولون في حوادث سنة (906) وقفت حال الناس وقطعت الطرق من كثرة العرب المفارجة وبني رام خارج دمشق وأطرافها وكثر الظلم والاختلاف والناس مرتقبون الفتن. وفي هذه السنة وقع قتال بين الأمير علي الشهابي في جماعة من وادي التيم ورجال الشوف وبين الأمير بكر

الشهابي عمه في مرج الشميسة فنال ابن الأخ من عمه وقتله بيده مع ثلاثين من أصحابه وسار إلى حاصبيا فالتقاه بقية الأهلين والأمراء وساس الرعية أحسن سياسة.
الملوك المتأخرون وآخرهم الغوري :
توفي الناصر محمد وكانت مدة سلطنته نحوا من سنتين وثلاثة أشهر وتسعة عشر يوما وكانت أيامه كلها فتنا وشرورا وكان في ذاته سيء التدبير. وتسلطن بعده الملك الظاهر قانصوه ولم تطل مدته أكثر من سنة وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوما ، وكان ملكا مسلوب الإرادة مع الأمراء وتسلطن بعده الأشرف جان بلاط بن يشبك وكانت مدة سلطنته ستة أشهر وسمي بالملك العادل طومان باي من قانصوه أبي النصر الأشرفي قايتباي وفي سنة (906) تولى السلطنة الأشرف قانصوه الغوري.
وفي سنة (903) عصا اقبردي الدوادار وذهب إلى الشام فاستولى على غزة ، ثم جاء دمشق وحاصرها فلم يقدر عليها فنهب الضياع التي حولها وخرب غالبها وحاصر حماة وأخذ منها أموالا لها صورة وحاصر حلب شهرين وأحرق من قراها ، وكان إينال السلحدار يومئذ نائب حلب وكان من عصبة أقبردي ، فقصد أن يسلمه المدينة فرجمه الحلبيون وطردوه من بلدهم وحصنوها بالمدافع على الأسوار ، ثم هرب أقبردي إلى علي دولات بعد أن جرد السلطان حملة عليه. وفي هذه السنة زحف ابن عثمان على الشام وأرسل إلى نائب حلب يقول له : اعزل ابن طرغل فأجابه إلى ما طلب ، وكثر تبديل النواب وساءت الحال وبطلت التجارة بين مصر والشام. ولما بلغ عسكر ابن عثمان رجوع العسكر المصري طمع في أخذ الديار الحلبية فأرسل سلطان مصر تجريدة لحفظ حلب ، ثم تفاوض صاحب الروم وصاحب مصر والشام في الصلح وحمل ابن عثمان إلى صاحب مصر مع قاصد مفاتيح القلاع التي كان ابن عثمان قد استولى عليها ، فسلمها إلى السلطان في القاهرة. وفي سنة (904) أغار كرتباي الشركسي نائب دمشق على عرب هتيم بأرض الزرقاء وكان كرتباي على رواية الغزي حسن السيرة بالنسبة إلى غيره من الأمراء. وجرى الصلح بين الأمراء المصريين

وبين أقبردي الدوادار ، وكانوا انتدبوا لقتاله فوجه عليه السلطان نيابة طرابلس بعد أن ساءت الحال بفتنته.
وفي سنة (905) خرج قصروه نائب الشام عن الطاعة وأظهر العصيان واستولى على قلعة دمشق وأموالها وطرابلس وقلعتها ، وكان السلطان حاول أن يولي قصروه الشام فاختفى السلطان في الفتنة وخلفه في الملك الأشرف أبو النصر جان بلاط ، فلما تسلطن السلطان أرسل إلى قصروه في الشام بالبشارة فلم يزدد إلا عصيانا. وفي هذه السنة ولي نيابة الشام قانصوه المحمدي فأتى إلى البقاع فهرب منه مقدمها ابن حنش ، وجرت بينهما أمور. ثم وقعت الفتنة بين أهل دمشق ونائبها فأحرق حي الشاغور وجرت بينهم غوائل ثم وقع الصلح عن يد ابن الكسيح شيخ الإسلام بدمشق.
وفي سنة (907) هجم العربان على أطراف دمشق ونهبوا مغلا كثيرا وخربت بلدان ، ذكر هذا ابن طولون.
سلطنة طومان باي :
وانتدب السلطان أحد المقدمين إلى الكرك لقتال بني لام واجتمع السلطان بالأمراء وتشاوروا في أمر قاصروه نائب الشام فأشاروا عليه بأن يرسل قاصدا ، وكان قصروه قد استولى على غزة وأعمالها والقدس وغير ذلك من النواحي ، فعزم السلطان على إرسال تجريدة لنائب الشام ، وكان دولات باي نائب حلب معه في شق عصا الطاعة ، ولكن لم تنفع التجريدة وأعلن طومان باي سلطنته بالشام وتلقب بالملك العادل ، وكان العسكر المصري نزل بسعسع بالقرب من دمشق فركب قصروه نائب الشام في نفر قليل من عسكره وأظهر أنه طائع فاطمأن له العساكر ، وكان غالب الأمراء من ندمائه ، ولما حضر إليهم دخل معهم إلى دمشق واجتمعوا في القصر الأبلق ، ثم ثارت فتنة بالقلعة ، وأمر قصروه وطومان باي بالقبض على جماعة من الأمراء وسجنهم.
وحضر إلى دمشق دولات باي بن أركماس نائب حلب الشهير بآخي العادل وتعصب لطومان باي وتكلم في سلطنته فأحضر قضاة الشام وكتب

صورة محضر في خلع الأشرف جان بلاط من السلطنة وبايعوا طومان باي من غير خليفة وتلقب بالملك العادل أبي النصر وأحضر له شعار الملك فأفيض عليه. فلما تم أمره عين لأتابكية مصر قصروه نائب الشام وعين لنيابة الشام دولات باي نائب حلب وعين لنيابة حلب أركماس بن ولي الدين وهكذا عين سائر نواب الشام وخطب باسمه على منابر دمشق. ثم ذهب إلى مصر مع من أطمعهم بالمناصب من الأمراء وكان تقدم إلى من في مصر من الأمراء فخلع عليهم ونصبهم قبل حضوره وتسلطن فيها.
وفي سنة (908) حدثت فتنة بالشاغور بدمشق حرقت فيها المحلة وقتل أناس وضرب النائب على أهل دمشق مالا لأجل مشاة تخرج معه إلى حلب تجريدة لقتال الخارجي حيدر الصوفي وذلك مع وقوف حال الناس من الظلم وكثرته ـ قاله ابن طولون وزاد أن ورد المرسوم الشريف من مصر بأن يرمي على كل سكرة دراهم ليستفاد بها على إزالة ضرر العرب بالحجاز قال : وهذه رمية أخرى غير الرمية التي أخذت بحجة حيدر الصوفي.
وفي سنة (909) جهز ابن حنش مقدم البقاع خمسة آلاف مقاتل على عبد الساتر ابن بشارة في قرية شيحين فقتل من جماعة ابن حنش نحو مائتين.
ومن الأحداث في هذه الأيام تجهيز نائب دمشق العسكر على جوان بك الفرنجي الدوادار سنة (910) إلى البقاع فقتل الدوادار عند جسر كامد اللوز وقتل معه نحو ثلاثمائة شخص وكانت الوقعة بينهم وبين فخر الدين بن معن أمير الشوف. قال ابن طولون : في حوادث هذه السنة : اتفق رأي المباشرين أن تعرض المشاة من كل حارة بدمشق وكذلك الجند إرهابا للعدو فعرض عليهم غوغاء ميدان الحصا والقبيبات بالميدان الأخضر وازداد طغيان زعرهم (أحداثهم) وعلموا عجز أرباب الدولة ثم قام بالشاغور أزعرهم أبو طاقية وجمع زعر الغوغاء وما حولها من القرى وزعربقية حارات دمشق وأخذوا من أموال الناس شيئا كثيرا وأعاره الأمير أركماس شيئا كثيرا من آلة الحرب ثم خرجوا أطلابا أطلابا بترتيب يعجز عنه أرباب الدولة حتى عرضوا بالميدان الأخضر فاستقل الترك بأنفسهم ولم يعد لهم حرمة ثم ركب متسلم دمشق ودار بهم حول

المدينة وبين يديه مناد وينادي بالأمان وترك حمل السلاح. وكثرت بعد سنة (911) الرميات والغرامات على حارات دمشق فهاج الناس وصعد أهل القبيبات إلى مأذنة الجامع الأموي وكبروا على المتسلم حتى أفرج عن المحبوسين. واشتد الجور سنة (916) في لبنان فهجر أكثر الناس مواطنهم إلى البلدان البعيدة ومن اللبنانيين من هاجر إلى قبرس ، ثم عادوا منها بعد ثلاث سنين للضيق العظيم الذي حصل فيها بسبب الجراد وكثرة الضرائب التي فرضها الحكام على الرعية.
القضاء على مملكة ذي القدرية وطبيعة دولتي المماليك البحرية والبرجية :
وأهم ما وقع من الحوادث التي عجلت في سقوط الشام بعد ذلك في أيدي العثمانيين استيلاء السلطان سليم سنة (921) على مملكة ذي القدرية التركمانية وكانت عاصمتها مرعش تارة و (البستان) تارة أخرى ، واستولت على بهسنى وملاطية وخربوت ، قامت هذه الدولة سنة (780) وتولاها عشرة أمراء أولهم زين الدين قره جه وآخرهم علاء الدولة بن سليمان الذي قتله سنان باشا وأخاه وبعض أولاده في المعركة واستولى على ديارهم باسم سلطان العثمانيين ، فبذلك سقطت الأنحاء الشمالية من الشام في يد عدوة الدولة الشركسية، وكان أمراء ذي القدرية يغزون الشام حتى استولوا على مملكة حماة فردهم الظاهر برقوق. ومنها ذهب سلطان مصر إلى دمشق سنة (922) فنثر على رأسه بعض تجار الفرنج ذهبا وفضة ، وفرش برسباي تحت حافر فرسه الشقق الحرير وخرج إلى المصطبة التي يقال لها مصطبة القابون ورسم لبعض حجاب دمشق بعمارتها وأقام بها تسعة أيام. وكان ذلك الذهب المنثور شؤما على السلطان ومملكته انتثر بعدها سلك ملكه.
هذه أهم الأحداث التي حدثت قبيل دخول العثمانيين إلى الشام وخروجها من ملوك الشراكسة بعد أن ملكوها بسلطنة الأتابك برقوق (139) سنة وكان المماليك البحرية ملكوها منذ سنة (651) ه والاختلاف لا يكاد يذكر بين روح دولة المماليك البحرية ودولة الشراكسة فكلتاهما أعجميتان ، ولكن القائمين بهما لا يخرجون في التخاطب والتكاتب والأصول عن اللغة العربية

والشريعة الإسلامية ، وقد كان من تينك الدولتين المماليك والأتراك والشراكسة رجال عظام مثل بيبرس وقلاوون وابنه وبيبرس الجاشنكير وقايتباي وبرسباي ولكن جاء بعدهم ملوك ممخرقون وصبيان آل إليهم الأمر فأفسدوه أو من كفلوهم فلم يحسنوا كفالتهم من رجال الدولة. وقد وفقت هذه الدولة أي المماليك البحرية والبرجية لإخراج بقايا الصليبيين من الساحل فنجحت في التنكيل بهم حتى دثرت بقاياهم ، ولكنها لم تقو على إنقاذ الشام من غارات التتر والمغول فقاست منهما ألوان العذاب والخراب.
وكان سلطان مصر والشام متى دهم الشام مداهم يعتصم بمصر وينعم ويلذّ في قصوره، ويكتفي بإرسال تجريدة قد تكون ضعيفة ، أو يصدر أمره لنائب حلب أن ينجد دمشق ولنائب دمشق أن ينجد حلب مثلا ، ولا يخرج الأعداء من هذه الديار إلا إذا أرادوا ، وأتوا على الناطق والصامت وألحقوا العامر منها بالغامر ، وباتت أمور السلطنة ألعوبة في كثير من الأدوار بأيدي ضعاف الأحلام من أسرة ذاك المملوك فتهيأت السبل لقيام دولة أخرى وهي الدولة العثمانية.
أما قانصوه الغوري آخر ملوك الشراكسة الذين حكموا الشام ، ومن حكمه انتقلت إلى العثمانيين ، فلم يكن بالذي ترجح حسناته على سيئاته ، بذل جهده لدفع عادية العثمانيين فلم يفلح وطال عهده نحو ست عشرة سنة فكانت أيامه فتنا وغوائل ومخاوف ، حتى قضى الله في دولته بأمره ، واستطال عليها سلطان أقوى.
ولقد رأينا في دولة المماليك البحرية والبرجية أو التركية أو الشركسية عجائب القوة وعجائب الضعف ، رأينا منهم أغلب الذي طالت أيامه يعمل كل نافع للقطرين ، ورأينا الملك المأمون منهم يتولى الملك أشهرا ولا يسجل له الفوضى وسوء الإدارة ، وقليل ممن لم تطل أيامهم من هؤلاء الملوك الصعاليك من جمع في نفسه أدوات السياسية والإدارة ، وكان النواب في هذه الحقبة كما يفهم من ابن طولون إذا ظفر نائب دمشق أو أحد قواده ببعض الناشزين عن الطاعة من العربان تزين دمشق سبعة أيام على غلاء النفط وسوء حالة البلاد وكانت نفقة أحد النواب بدمشق أي واليها كل يوم ألف دينار. وقال في

حوادث سنة (909) أمر النائب بإنهاء النائب والنداء بصيام ثلاثة أيام والتوبة والخروج الى الصحراء وزيارة المزارات لينقطع الوباء قال الشافعي المولوي ابن الفرفور : قد كثر الظلم فلو أبطلتموه كان حسنا. فلم يسهل على النائب ذلك وأسمعه ما يكره.

الدولة العثمانية
«من سنة 922 ه‍ إلى 1000 ه‍»
حالة الشام قبيل الفتح العثماني :
كانت الشام أخت مصر في آخر الدولة الشركسية تقاسمها شقاءها شق الأبلمة ، فيستبد المتغلبة من المماليك بالأحكام بحسب ضعف صاحب مصر وقوته ، والصالح في نوابها وملوكها قليل. ولم يسعد القطران بعد فتنة تيمور لنك بسلطان عادل يطول عهده ليعرف مواقع الضعف فيسد خللها ، ويزيح بحسن الإدارة عللها. وشغل ملوك الشراكسة بالتجاريد على حسن الطويل وشاه سوار وابن عثمان من الملوك في شمالي المملكة وشرقها يجردونها فيجردون بها الرجال والأموال ، وقد خرج الناس بعد وقائع الصليبيين والمغول وما أعقبها من الأوبئة والزلازل والمجاعات أعرى من مغزل ، وأزمنت الفوضى في أرجائها فساءت حالتها الاقتصادية والاجتماعية.
أحسّ أكثر الناس بما عرض للدولة من الضعف فأخذوا يتطلعون إلى الدولة العثمانية، وكانت إلى الشام ومصر أقرب الدول الإسلامية الكبرى ، هذا والدولة العثمانية إذ ذاك في إبان شبابها ، وقد وقرت في النفوس منذ أسس بنيانها السلطان عثمان التركماني سنة (699) على أنقاض دولة السلجوقيين ، ولا سيما بما قام به محمد الثاني فاتح القسطنطينية من الغزوات والفتوحات ، وتوفق له من فتح عاصمة الروم البيزنطيين بعد أن حاول كثير من ملوك العرب وغيرهم ذلك فلم يفلحوا لبعدها عن مواطن قواتهم ، ولقوة سلطان القسطنطينية في تلك العصور ، والأمور مرهونة بأوقاتها.

هذا والناس لا فرق عندهم إذا استولى عليهم الترك الأعاجم ، وقد حكمهم أجناس من المماليك زمنا طويلا ما داموا كلهم غرباء يستعبدونهم وينالهم من ضعفهم ضعف ، ومن قوتهم بعض راحة وسعادة ، ولا فرق في الإسلام بين عربي وأعجمي في الحقوق والواجبات ، وأقصى ما يتطلبه الناس سلطان عادل عاقل في الجملة ، وكانت الأمة تفنى بأسرها في سلطانها خلال القرون الوسطى.
مقاتل الغوري ومقدمات الفتح :
كان السلطان قانصوه الغوري آخر من ملكوا الشام من الشراكسة على شيء من الدهاء ، أعدّ للأيام عدتها وأدرك ما يحيق بمملكته من خطر ابن عثمان ، ولكن ما ينفع التدبير إذا كانت المعنويات في حكومته مريضة ضئيلة ، والقوى في جيشه غير موحدة ، وداء الهرم قد استحكم منه ومن دولته. كان في الثمانين من عمره يوم صحت نية السلطان سليم العثماني ، رجل الإرادة القوية والجيش الجرار ، على أخذ الشام ومصر ، والقضاء على دولة المماليك. وكان الغوري على رواية كامل باشا لا يعرف على من يعتمد عليه من رجاله وأمرائه غريب الأطوار في ذاته ، فكان ذلك من دواعي خروج الأمر عنه ووقوع الخلل في جيشه ، وكان يعتقد بعلم الجفر ، وقد ذكر أحد أدعياء هذا العلم أن الشر يأتيه من رجل ببدأ اسمه بحرف السين ، فصار يتطير من كل من يبدأ اسمه بذلك الحرف ، ومنهم سيباي كافل الشام.
ترجم للغوري أحد من عاصروه من الفرنج بقوله : «إنه من مماليك الغور في أفغانستان ، كان حاجب الحجاب في حلب سنة (893 ه‍ 1490 م) ورأس محكمة عسكرية ووفق إلى قمع ثورة فأبان فيها عن كفاءة ، وكان وزيرا لما حنق المماليك على طومان باي واختاره للملك ، فتردد كثيرا في قبوله لأنه كان تجاوز الستين من عمره وأخذ مكوسا وضرائب من كل إنسان حتى من البوابين وضرب نقودا زائفة أضرب بالتجارة الداخلية والخارجية ، فاستلزم عمله حنق الناس وانتقاد من عاصروه فعجل بخراب المالية وذلك لوضعه رسوما فاحشة على البضائع ، وعلى البضائع التي تمر بأرضه واستعمل جزءا من هذه الضرائب

في إقامة القلاع ولا سيما في حلب وأنشأ طرقا وآبارا في الحجاز. وكانت المكوس التي تجبى في المواني ورسوم البضائع الصادرة من الهند إلى أوروبا من طريق مصر آتية من عدن وجدة والسويس وإسكندرية ، أو من طريق الشام ذاهبة من البصرة وحلب من أهم واردات المملكة. وتفاديا من أداء هذه الرسوم الفادحة حرص البرتقاليون على أن يكشفوا طريقا في البحر إلى الهند على يد ملاحهم فاسكو دي غاما وكتب لهم النزول إلى شاطئ الهند وبعثوا إلى أوروبا توا بسفنهم النقالة الكبرى عن طريق رأس الرجاء الصالح ، فتحاموا أداء المكوس الفاحشة التي كانت تؤخذ في المواني المصرية عن البضائع التي ينقلونها وعن نفقات النقل في البر فاستفاد البرتقاليون من ذلك ، ولم يسع الغوري أن يسكت عما يلحق المسلمين من مظالم البرتقاليين فحارب الأسطول البرتقالي غير مرة في بحري الهند والأحمر ونال منهم ونالوا منه قليلا. قال : وساءت حالة الغوري حتى لم يستطع أن يدفع رواتب المماليك في أوقاتها بحيث فقدت حكومته كل معاونة قوية ، وكانت سياسته الخارجية تعسة لأنه اضطر أن يحالف عدوه اللدود إسماعيل شاه خوفا من السلطان سليم العثماني ولم يخف ذلك عن السلطان سليم عرفه بواسطة جواسيسه اه.
وبينا كان قانصوه الغوري يغوص في أحلامه وأوهامه ، كان سليم الأول وهو التاسع من آل عثمان الملقب بياوز أي الشديد الجبار يجيش الجيوش ويعدّ الزحوف ويستجد السلاح ، فبدأ بقتل الشيعة في تخوم الأناضول وكانوا أربعين ألفا ، ثم زحف سنة (920) على الشاه إسماعيل الصفوي صاحب شروان وأذربايجان وتبريز والعراق العجمي وفارس وكرمان وديار بكر وبغداد وباكو ودربند وخراسان وانتصر في وقعة جالديران المشهورة ، وانهزم عسكر الشاه إسماعيل شر هزيمة وجرح الشاه في المعركة وفتح السلطان سليم ديار بكر والأقاليم الكردية ، فهب قانصوه الغوري من مصر لإنجاده فيما قيل والأرجح أنه هبّ للدفاع عن مملكته. وكان نائب سلطان مصر على البيرة رجلا اسمه علاء الدولة بن سليمان (وهو صاحب مرعش والبستان) فلما اجتاز السلطان سليم بالبيرة يريد قصد الشاه الصفوي أمر علاء الدولة أهل مرعش أن لا يبيعوا شيئا لعسكر سليم ، فهلك كثير من رجالهم ودوابهم جوعا ، فشق ذلك على

السلطان وشكا ما وقع له إلى الغوري فقال : إن علاء الدولة لم يصدر عن أمره وأنه عاص عليه وأنه إذا قتله يكون له شاكرا ، وكتب الغوري إلى علاء الدولة يحمله على متابعة عمله ، فأحس سليم بأن الغوري يكيد له وزاد علاء الدولة بأن سرق بعض أحمال من ذخائر عسكر سليم ، فلما عاد هذا من غزاته قتل علاء الدولة وأولاده وأرسل رؤوسهم إلى الغوري. بمعنى أن سنان باشا استولى سنة (921) باسم السلطان سليم على مملكة ذي القدرية التي كانت في مرعش والبستان وملطية وبهسنى وخربوت وما إليها ، وكانت الدولة العثمانية جعلت حكومة أبناء رمضان التركمانية التي نشأت سنة (780) في جهات أذنة وطرسوس وسيس تحت ظلها ، وكانت علائق أمرائها الثلاثة الأول مع دولة المماليك الشركسية أصحاب الشام ومصر مسترخية ، ففتحت السبل والمنافذ إلى الشام وصارت الجيوش العثمانية تأمن على مقدمتها وعلى خط رجعتها.
ولما أضعف السلطان سليم مملكة كبرى وهي مملكة الصفوي ، وقضى على مملكة صغرى وهي مملكة ذي القدرية ، طمحت نفسه إلى فتح الشام ومصر ونزعهما من دولة المماليك ليضمهما إلى مملكته فتدخل في طور العظمة وتكون ممالك في مملكة ، وكان أبوه وجده من قبله يقاتلان بعض حاميات الشام يتعرفان بذلك مبلغ قوة المماليك ، ويدفعان أمراء الأطراف أمثال أمراء ذي القدرية وغيرهم إلى مجاذبة ملوك الشراكسة حبل السلطة على التخوم. وكان أولئك الأمراء كثيرا ما يسيرون مع المماليك سيرة الصغير مع الكبير ، لعلمهم بأن إثارة العثمانيين لهم على المماليك لا لخيرهم بل لينتقموا بهم ثم ينتقموا منهم ويضعفوهم ويضعفوا بهم.
صلات العثمانيين مع المماليك ووقعة مرج دابق :
وذكر مؤرخو الترك أن الصلات السياسية بين ملوك الشراكسة أصحاب مصر والشام وبين سلاطين آل عثمان كانت مسترخية منذ عهد محمد الفاتح ، ولما سمت همة السلطان سليم إلى فتح الشام ومصر (922) أرسل جيشا إلى ديار بكر يورّي بأنه يريد قصد إيران ، ولأدنى سبب أخذ الجيش يتوجه صوب الجنوب ، فبعث قانصوه الغوري بعض رجاله يتوسطه في الصلح فقتل

السلطان سليم رجال السفير وأراد أن يقتل السفير نفسه فوقع وزيره على قدميه وشفع فيه ، وقال له : إن ذلك مخالف لحقوق الدول فالسفراء لا يقتلون ، فاكتفى السلطان بحلق شعر السفير ولحيته ، وأركبه على حمار أعرج أجرب إلى صاحبه الغوري جزاء ما قدمت يداه فيما يقال من امتهان الغوري رسل السلطان العثماني.
وترددت الرسل بين السلطانين في مرج دابق أولا ، وكان ابن عثمان فوض إلى رسله أن يتظاهروا بطلب سيدهم للصلح ليثني بذلك عزم الغوري عن القتال ، وقد أحضر سلطان العثمانيين فتاوى من علماء مملكته يجيزون له قتل الشاه إسماعيل الصفوي ، وأرسل يقول للغوري : أنت والدي وأسألك الدعاء لكن لا تدخل بيني وبين الصفوي ـ بينا الأمر على ذلك وقد خلع الغوري على قصاد ابن عثمان الخلع السنية ، وأرسل إليه ابن عثمان يطلب منه سكرا وحلوى وأرسل له منها مائة قنطار في علب كبار عدا الهدايا والتحف ، هجم سلطان العثمانيين على ملك الشراكسة وكسره شر كسرة في وقعة دامت من طلوع الشمس إلى ما بعد الظهر ، فقتل من عسكر ابن عثمان ومن عسكر الغوري خلق كثير ، فلما تحقق الغوري أنه غلب أصابه للحال فالج أبطل شقه وأرخى حنكه ، واستعد للركوب فمشى خطوتين وانقلب عن الفرس إلى الأرض وفاضت روحه من شدة قهره ، وأكثر المؤرخين على أنه لم تظهر جثته في المعركة. ويقول بعض مؤرخي الترك : إن جاويشا من الجيش العثماني أمر بأن يبحث عن جثة قانصوه الغوري فقطع رأسه وقدمه إلى السلطان سليم ، فامتعض منه السلطان وأمر أن يضرب عنقه لتزلفه إلى مولاه بقطع رأس الملك المقتول ، ولو لا أن الوزراء توسطوا له لما صرف السلطان النظر عن قتل الجاويش مكتفيا بعزله.
وذكروا أن الغوري قد خانه لأول الأمر ثلاثة عشر ألفا من جيشه ، وامتنعوا عن الحرب عند الصدمة الأولى وأبوا قتال الأتراك ، ومن الأمراء الذين كانوا موالسين على الغوري وضلعهم مع السلطان سليم خير بك نائب حلب وجان بردي الغزالي نائب حماة ، فإن السلطان سليما كان فاوضهما

سرا ليولهما الشام ومصر على ما قيل إذا ساعداه على فتح هذا القطر ، فلما انهزمت ميمنة الغوري وقتل الأتابكي سودون العجمي وملك الأمراء سيباي نائب الشام ، انهزم جانب كبير من العسكر وانهزم خير بك وهرب فانكسرت الميسرة وكان ابن معن وأمراء الساحل صحبة خير بك والغزالي فقال الأمير ابن معن لمن معه من رجاله وقومه : دعونا ننفرد لننظر لمن تكون النصرة فنقاتل معه. ولما اضطرمت نار الحرب فرّ الغزالي وخير بك إلى ناحية عسكر السلطان سليم بمن معهم من أمراء الديار الشامية وبقي الغوري بعسكر المصريين أي عسكر الشام والمغول عليهم من أمرائها من الشراكسة والوطنيين قد استمالهم السلطان فقاتلوا في صفوفه بدلا من أن يقاتلوه ، ونائب الشام سيباي الذي كان يتطير منه الغوري لأن اسمه يبدأ بحرف السين قد هلك دونه في المعركة يدافع عن ملك سيده لا كما كان هذا يتوهم.
قوة الغالب والمغلوب :
اختلف تقدير المؤرخين لقوة العثمانيين والمماليك فأغلبهم على أن ابن عثمان كان في أربعين ألف مقاتل مجهزين بمدافع حسنة ، وروى نامق كمال أن العثمانيين كانوا في ثمانين ألفا وثمانمائة مدفع ، وأن الغوري كان في خمسين ألفا لا مدافع لهم. وذكر الغزي أن الغوري أتى من حلب إلى دابق في ثلاثين ألفا وقال ابن طولون : إن السلطان سليما وصل إلى دمشق في عساكر عظيمة لم تر العين مثلها يقال : إن عدتها مائة ألف وثلاثون ألفا. وذكر بعض المؤرخين أن السلطان سليما أمر أن تعد القتلى من الفريقين في مرج دابق فكان قتلى الشراكسة ألف نفس وقتلى الروم أي الترك أربعة آلاف. وكان فقدان المدافع من جيش الغوري وخيانة ربع جيشه وعدم ثقته بأحد من دواعي القضاء عليه وعلى سلطانه ، وأهم ذلك خيانة بعض قواده وامتناع الأمراء عن الدفاع في صفوفه أو يظهر لهم الغالب!
قويت نفس السلطان سليم بما أصاب جماعته من الانتصار الباهر ، وما قتل من رجال الغوري ، ثم تحول من مرج دابق ودخل حلب من غير ممانع ، ونزل في الميدان الذي كان السلطان الغوري نزله ، وانتشر خبر الهزيمة وقتل

الغوري في أنحاء الشام ، فوثب الناس بعضهم على بعض ونهبوا الزروع وأخذوا الأموال ، واضطربت العمّال أيما اضطراب ، ونهبت حارة السمرة بدمشق وقتلوا جماعة وأخذوا أموالهم ، وكذلك فعلوا بتجار الفرنج ونهبوا أموالهم ، وكانت فتنة هائلة ونهبوا بيوت أعيان دمشق من القضاة والتجار ، فخرج غالب الصدور منها بسبب ذلك وبسبب فتنة ابن عثمان وفساد الأحوال بمصر والشام وتوجه أمراء الغوري وعسكره المهزوم إلى حلب ، فوثب عليهم أهل حلب قاطبة ، وقتلوا جماعة من العسكر ونهبوا سلاحهم وخيولهم وأثقالهم ، ووضعوا أيديهم على ودائعهم التي كانت بحلب ، وجرى عليهم من أهل حلب ما لم يجر عليهم من عسكر ابن عثمان كما قال ابن إياس. وكان بين أهل حلب والمماليك السلطانية إحن منذ توجهوا قبل خروج السلطان من القاهرة إلى حلب فنزلوا في بيوت أهلها واغتصبوا نساءهم وأولادهم، وآذوا الحلبيين كل الإيذاء ، فما صدق أهل حلب أن وقعت لهم هذه الكسرة حتى يأخذوا بثأرهم.
وعلى الجملة فإن ما نال السكان أواخر حكم المماليك مما عجل بالقضاء على الدولة المالكة وفتح القلوب للسلطان سليم الأول ، وخدمه كثير من أهل الشأن قبل مجيئه فكانوا يوافونه بالأخبار تترى عن مقاتل الغوري ومواطن الضعف من دولته ، وقد بدأوا يتجسسون للعثمانيين منذ أواخر القرن الماضي فكان ذلك من العوامل القوية في الفتّ في عضد الجيش الشركسي وإمالة القوة إلى الجيش التركي ففتحت الشام في وقعة واحدة ولم يبك على دولة المماليك إلا من كانوا باسمها يتمتعون بالخيرات وينالون مظاهرها ويسلبون نعمة الأمة.
دخول السلطان سليم حلب ودمشق :
وافى السلطان سليم مدينة حلب فاستقبله أهلها بالمصاحف والأعلام يجهرون بالتسبيح والتكبير ويقرأون «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» وطلبوا منه الأمان فأمنهم وأنعم عليهم ثم أخذ يجمع مالا من التجار سماه «مال الأمان» ورأى خلفاء أرباب الطرق الصوفية فسأل عنهم وهم يحملون أعلامهم ويرحلون إلى دمشق وأشار عليه خير بك بأن يقتلهم وكانوا نحو ألف نفس ، واستسلم

نائب قلعة حلب فأرسل السلطان إليه شخصا من جماعته أعور أعرج وفي يده دبوس خشب ليقول بلسان الحال إنه أخذ حلب بأضعف جنده. وطلع السلطان سليم إلى القلعة فرأى فيها ما أدهشه من مال وسلاح وتحف وكان بها على رواية ابن إياس نحو مائة ألف ألف دينار وثمانمائة ألف دينار. وقال مؤرخو الترك : إنه كان فيها مليون دوكا. ورأى السلطان سليم من أنواع الأسلحة والزينة ما جمعه الغوري من وجوه الظلم والجور والتحف التي أخرجها من الخزائن من ذخائر الملوك السالفين من عهد ملوك الترك حكام مصر والشام الأيوبيين وذلك عدا ما كان في بيوت الأمراء وغيرهم من رجال الدولة. ووجه ابن عثمان الجيش إلى مرعش ففتحها وملك معها ثلاث عشرة قلعة من مملكة الغوري وأحرز ما فيها من مال وسلاح. وذكروا أن العثمانيين عثروا في خيمة الغوري في مرج دابق على مئتي قنطار من الفضة ومئة قنطار من الذهب وفي رواية أن هذه الخزينة كان فيها ما قيمته مليون ليرة وقيل : إنه وجد في قلعة حلب ثلاثمائة ألف ثوب كامل.
وأقام السلطان العثماني في حلب ثمانية عشر يوما وبايعه أهلها بحضور واليها خير بك ، وتوجه إليه أمير المؤمنين المتوكل على الله العباسي ، وكان جاء مع الغوري من مصر ومعه القضاة الثلاثة فأجلس السلطان الخليفة وجلس بين يديه وخلع عليه وأنعم عليه بمال ورده إلى حلب ، ووكل به أن لا يهرب أي إنه أسره بأسلوب لطيف ، وصلى الجمعة في الجامع الكبير فأطلق الخطيب على السلطان العثماني لقب خادم الحرمين الشريفين فكان ذلك كما قال راسم فأل خير بأن السلطان سليما سيكون صاحب دولة إسلامية كبرى. قال : وكان خيره باي (خير بك) أحد أمراء الغوري استأمن السلطان العثماني لما تقهقر جيش مصر فأنقذ نفسه. وولى السلطان على حلب قراجا باشا. وسار في جيشه إلى حماة وحمص ففتحت له أبوابهما ، وبايعه أهلهما على الطاعة كما بايعه أهل طرابلس والقدس. وجاء السلطان دمشق فاستقبله أهلها ورضوا به ملكا عليهم ، فكأنه بدخوله دمشق عاج ببعض بلاده القديمة. قال ابن طولون : «وفي يوم الخميس الثامن والعشرين شعبان (922) وصل متسلم ملك الروم (الأتراك) إلى القابون الفوقاني واسمه مصلح ميزان ، ثم وجه من يكشفون له هل يسلم أهل دمشق أم يقاتلون ،

وقد كانت اتفقت أكابرها ومشايخ الحارات على تسليمها فسلموها. وفي يوم الجمعة التاسع والعشرين منه دخل نائب دمشق الجديد من قبل ملك الروم واسمه يونس باشا ، وخطب في هذا اليوم في الجامع الأموي المولوي ابن فرفور باسم ملك الروم وكذلك في سائر الجوامع ، ثم تتابع دخول العسكر ، وفي يوم السبت مستهل رمضان منها وصل ملك الروم إلى المصطبة السلطانية بأرض برزة في عساكر عظيمة يقال : إن عددها مائة ألف وثلاثون ألفا وعزل عن نيابة دمشق يونس باشا وولى مكانه أحمد بن يخشي. وفي يوم الإثنين العشرين من ذي القعدة وهو خامس شهر كانون الأول ورابع الأربعينيات الشتوية سافر ملك الروم من دمشق إلى مصر لأخذها من يد الشراكسة.
مقابلة أمراء البلاد سلطانهم الجديد وتغير الأحكام :
قابل الأمراء السلطان سليما ومنهم الأمير فخر الدين المعنى الأول أمير الشوف فخطب أمامه بالنيابة عن أمراء البر خطبة جميلة استمالت بها قلب الفاتح ، فأحسن إليه وخلع عليه وسماه سلطان البر وأفضل عليه وعلى رفاقه من الأمراء مثل الأمير جمال الدين الأرسلاني اليمني الذي جعله واليا على بلاد الغرب والأمير عساف التركماني أمير بلاد كسروان وبلاد جبيل ، وأمرهم أن يحسنوا السياسة لقومهم وأن يسعوا بكل ما يؤول إلى عمران بلادهم ، وقدمت إليه الناس من كل جانب إلا الأمراء التنوخيين القيسيين فإنهم لم يأتوا لأنهم كانوا من حزب الدولة الشركسية. وقال كامل باشا : إن أمير العرب ناصر الدين (ابن الحنش) وكان عهد إليه الدفاع عن دمشق من قبل الشراكسة قبل بالصلح الذي اقترحه عليه خيرباي وخضع للسلطان سليم ، فنزل هذا في القصر الأبلق فجاءه محافظو قلاع سورية وأمراء العرب والدروز يعرضون الطاعة له. ويقول ابن إياس : إن الأمير ناصر الدين بن الحنش ، أمير عربان حماة لما بلغه أن ابن عثمان أرسل طلائع عسكره وقد وصلت إلى القابون بالقرب من دمشق ، لقيهم ابن الحنش وحصل بينه وبين عسكر ابن عثمان مقتلة عظيمة وقتل منهم جماعة وأطلق عليهم الماء من أنهر دمشق حتى صار كل من دخل في تلك المياه بفرسه يوحل فلا يقدر على الخلاص فهلك من عسكر ابن عثمان جماعة كثيرة.

ولما استقرت الحال بالشام ضرب السلطان سليم المكوس على الناس وعلى الأحكام الشرعية فتعطلت الحدود. قال الغزي : ولما بلغ الإمام علي بن محمد المقدسي أن العثمانيين ضربوا الجزية حتى على المومسات تنخع الدم من كبده وتمنى الموت ، للقهر الذي أصابه وللغيرة على دين الإسلام وتغير الأحكام وقال في دخول السلطان سليم دمشق هذه الأبيات:
ليت شعري من على الشام دعا
    بدعاء خالص قد سمعا
  فكساه ظلمة مع وحشة
    فهي تبكينا ونبكيها معا
  قد دعا من مسه الضر من ال
    ظلم والجور اللذين اجتمعا
  فعلا الحجب دعا فانبعثت
    غارة الله بما قد وقعا
  فأصاب الشام ما حل بها
    سنة الله التي قد أبدعا
  هذا ما رواه مؤرخ ذاك العصر ، وربما وكان فيما بلغه مبالغة نشأت من تعصب للدولة الشركسية أو رجاء أخفق ، وكان يظن أنه يتم على يد ابن عثمان من إقامة الحدود ورفع المظالم شيء كثير في مدة قصيرة ، وما خلت دولة مهما بلغ من سخفها وسخف القائمين بها من أنصار لها على الحق والباطل ، وكثير من الأمور إذا نظرت إليها من وجهها راقتك ، وإذا ملت إلى الوجه القبيح أحصيت عليها بعض العيوب.
السلطان في دمشق وفي الطريق لفتح مصر :
جهز السلطان سليم جيشه في دمشق وقضى فصل الشتاء فيها يعمر بعض المباني. وقال صولاق زاده : إن السلطان سليما كان مدة إقامته في دمشق يختلف في الأوقات الخمسة إلى الشيخ محمد بلخشي في جوار جامع بني أمية وإن السلطان سليما لما كان يعتقد بالاستمداد من أرواح الأنبياء العظام الطاهرة ، وأرباب المقامات الشريفة لم يغفل هذا المقصد مدة إقامته في دمشق ، ولما رأى قبر العارف بالله محيي الدين بن عربي قد تداعى وخربت تربته أمر بتعميره على ما يجب ، وأنشأ بجواره جامعا على أجمل طرز ، وعمر زاوية بقربه ، ووقف على ذلك عدة قرى ومزارع. وقال أيضا : إن السلطان سليما صرف الأمراء

والجند فأخذوا دستورا إلى مواطنهم ليقضوا فيها فصل الشتاء بعد أن استراح اثني عشر يوما في المصطبة.
وذكر ابن طولون أن النائب بدمشق ابن يخشي نادى في 2 ذي الحجة (922) بالأمان والاطمئنان ، وأن لا ظلم ولا عدوان ، ولا يحمل أحد سلاحا ، وأن لا يتكلم أحد فيما لا يعنيه.
سار السلطان عن طريق البر إلى غزة فعصت عليه ففتحها حربا ، والتقى جيش العثمانيين مع جيش المصريين في خان يونس بين غزة والعريش ، فشتت الجيش العثماني الجيش المصري ، ثم عصت غزة والرملة فقمع ثائر الغزاة فيها ، وكانت الوقعة المهمة بين عسكر مصر وعسكر ابن عثمان على الشريعة بالقرب من بيسان اندحر فيها المصريون وقاد جندهم الغزالي. قال ابن طولون : وفي 16 ذي الحجة (922) التقى سنان باشا الوزير الأعظم لملك الروم مع جان بردي الغزالي وكسر الغزالي فدقت البشائر بقلعة دمشق وسيب بها نفط كثير ثم نادى النائب بالزينة واستمرت مدة أسبوع.
ذهب السلطان سليم في جيشه إلى مصر وقتل الملك الذي كان بايع له المصريون بعد هلاك السلطان الغوري واسمه طومان باي ، ففتح القطر المصري على أيسر سبب. قال ابن طولون : ولما وردت البشائر بفتح مصر زينت دمشق سبعة أيام ودارت مبشرو الأروام على بيوت الأكابر والحارات بالطبول والنايات ثم أتبعوها بزينة سبعة أيام لما ورد الخبر بأن السلطان سليما أفنى الشراكسة وعاد السلطان عن طريق البر إلى الشام بعد تغيبه ثمانية أشهر ودخل دمشق (11 رجب 923) وفي يوم 22 منه طلبت العساكر النزول في البيوت فهجموا على النساء وتضرر الخلق بذلك ضررا زائدا وتحقق أن السلطان عزم على الإقامة بدمشق فغلت الأسعار وعند ذلك شرع بعمارة تربة ابن عربي وصرف عليها عشرة آلاف دينار. ومن غريب التوفيق أن السلطان سليما كان أعد في ذهابه إلى مصر خمسين ألف جمل لحمل المياه في الصحراء التي تفصل الشام عن مصر فأمطرت السماء مطرا غزيرا أغنى جيشه عن ماء الروايا ، وسهل عليه قطع صحراء التيه.
وبينا كان السلطان سليم سائرا إلى مصر تأخر من جماعته في الرملة ، أناسا

فشاع الخبر أن أهل المدينة قتلوهم ، وبلغ ذلك السلطان فأمر بقتل أهل البلد فقتلوا عن آخرهم ولم يبق فيها ديار ولا نافخ نار. ويقول القرماني : إن السلطان أمر بقتل عامة أهل الرملة عند عودته من مصر وقد بلغه الثقات أن أهلها قتلوا من كان عندهم من العسكر المجروحين. وقال ابن إياس : إن الغزالي لما تلاقى مع سنان باشا على الشريعة أشيع في غزة أن الغزالي قد انتصر على عسكر ابن عثمان وقتل سنان باشا وعسكر ابن عثمان ، فبادر علي باي دوادار نائب غزة وأجناده فنهبوا وطاق العثمانيين وأحرقوا خيامهم وقتلوا ممن كان في الوطاق والمدينة من العثمانية نحو أربعمائة إنسان ما بين شيوخ وصبيان وممن كان بها مريضا ، فلما ظهر أن الكسرة على عسكر مصر وقتل من قتل من الأمراء رجع سنان باشا إلى غزة فوجد من كان بها قد قتل ونهب الوطاق ، فجمع أهل غزة قاطبة وقال لهم : من فعل ذلك بنا؟ قالوا : علي باي دوادار نائب غزة ، وأجناده فنهبوا وطاق العثمانيين وأحرقوا خيامهم وقتلوا ممن كان في الوطاق والمدينة من العثمانية نحو أربعمائة إنسان ما بين شيوخ وصبيان وممن كان بها مريضا ، فلما ظهر أن الكسرة على عسكر مصر وقتل من قتل من الأمراء رجع سنان باشا إلى غزة فوجد من كان بها قد قتل ونهب الوطاق ، فجمع أهل غزة قاطبة وقال لهم : من فعل ذلك بنا؟ قالوا : علي باي دوادار نائب غزة ، وأجناد غزة ، ولم نفعل نحن شيئا من ذلك ، فأمر سنان باشا بكبس بيوت غزة فوجدوا فيها قماش العثمانية وخيولهم وخيامهم فقال لهم سنان باشا : نحن لما دخلنا غزة هل شوشنا على أحد منكم قالوا : لا. فقال لهم : كيف فعلتم بعسكرنا ذلك ، فلم يأتوا بجواب ولا عذر ولا حجة فعند ذلك أمر عسكره أن يلعبوا فيهم بالسيف فقتلوا منهم كثيرين وراح الصالح بالطالح.
ونصب السلطان واليا على مصر خير باي نائب حلب ، وواليا على دمشق جان بردي الغزالي نائب حماة ، وأضاف إلى هذا القدس وغزة وصفد والكرك ، وأما حمص وطرابلس والمدن البحرية فجعلها بأيدي عماله من الأتراك ، وبقي الحال على ذلك مدة طويلة. وكانت ولاية دمشق تمتد من المعرة إلى عريش مصر على ذلك مدة طويلة. وكانت ولاية دمشق تمتد من المعرة إلى عريش مصر على مال معين قدره مائتا ألف دينار وثلاثون ألف دينار. قال شمس الدين سامي : إن جانبردي الغزالي كان قائدا عاما للجيش الذي أرسله طومانباي لقتال السلطان سليم فغلب في الوقعة التي جرت في غزة وفرّ ثم رأى أن يستأمن السلطان سليما ويخدمه ، فأعانه على قهر طومانباي وفتح مصر ثم كان سببا لقتل طومانباي. ومكافأة لخدمته نصبه السلطان واليا على دمشق ، أما حلب فقد نصب عليها قره جه أحمد باشا ودام فيها واليا ثلاث عشرة سنة لغنائه وكفايته في خدمة دولته.

فتوق وغارات وتأذي السكان :
ولما مهد السلطان سليم الديار الشامية والمصرية عصى عليه محمد بن الحنش المتغلب على صيدا والبقاعين وشيخ الأعراب (924) ثم هرب واتهم الأمير زين الدين والأمير قرقماز والأمير علم الدين سليمان أنهم من حزبه فقبض عليهم الغزالي وبعث برأس ابن الحنش ورأس ابن الحرفوش إلى السلطان سليم في حلب وأطلق سراح هؤلاء المعتقلين ، وكان ابن الحنش كثير العصيان على نواب حلب وعلى سلاطين مصر. ولما ملك ابن عثمان دمشق امتنع من مقابلته ، ثم اضطربت أحوال جبل نابلس وصار العربان ينهبون الضياع التي حول حاضرتها ويقتلون أهلها. وفي مدة إقامة السلطان سليم في حلب لدن عودته من فتح دمشق ومصر قتل بعض أشرار حارة بانقوسا ، ولما بلغه أن الشاه إسماعيل الصفوي يريد أن يهاجم حلب أخذ يطيب خاطر الحلبيين ورفع عنهم ما كان أثقل كواهلهم به من الضرائب والمكوس وأنشأ يعنى بتحصين حلب.
ومن أعمال الغزالي استيلاء العربان (925) على الحاج الشامي فخرج إليهم ومعه نائب غزة ونائب الكرك ، فاقتتل مع العربان وقتل منهم جماعة وغنم أموالهم. وفي السنة التالية أتى الفرنج إلى ساحل بيروت وحاصروا من بها فكسروهم وملكوا بيروت وظلوا فيها ثلاثة أيام ، فلما بلغ نائب الشام ذلك عين دواداره (1) ومعه الجمّ الكثير من العساكر فتوجهوا إلى بيروت واقتتلوا مع الفرنج. وكان بين الفريقين واقعة قتل فيها كثير منهم وأسر ثلاثمائة إنسان منهم وغنموا منهم أشياء كثيرة من سلاح وقماش ، وقيل : أسروا جماعة من أولاد الملوك الفرنج وملكوا ثلاثة من كبار مراكبهم. ويقول ابن طولون : إنه قتل من المسلمين مئة ومن الفرنج أربعمائة جاءوا في زي الأروام وجيء برؤوس الإفرنج إلى دمشق (926).
__________________
(1) الدوادار : حامل الدواة ويطلق في عهد المماليك على أشخاص يوصلون كتب السلطان ويقدمون إليه السفراء وغيرهم ممن يتمثلون أمام الملك.

وفي ذهاب السلطان إلى مصر وعودته إلى الشام قاسى الشاميون من اعتداء جنده كثيرا ، فقطع الأجناد الأشجار ورعوا الزروع وأخرجوا أهلها من بيوتهم في كل بلد واحتلوا وتعدوا على أعراض الناس ، فتضرر الناس بذلك وعرفوا أنهم أخطأوا في نفض أيديهم من أيدي الشراكسة لأول ما بدا لهم من قوة العثمانيين ، وخاب رجاؤهم في أن تغيير الدول قد يكون منه رحمة ، خابت الظنون لما جاء دور العمليات وغلط في الحساب من كانوا يتوقعون من الدولة الجديدة كل الخير وأن الحظ يحظهم متى خفقت أعلامها عليهم ، وكانوا يرقبون طلعة العثمانيين منذ سنين رقبة هلال العيد ، للاستمتاع بحكمهم الرشيد وعهدهم السعيد ، ولطالما ساء فأل من يهتمون للأمر الجديد ، ويفتحون له قلوبهم وصدورهم بادئ الرأي مع علمهم أحيانا بتهورهم ، وأي فشل أعظم لمن كانوا يطلعون الدولة الخالفة على عورات الدولة السالفة ، حبا بأن يكون لهم شيء من الراحة والهناء إذا تغيرت الدولة.
محاسن السلطان سليم ومساويه ومهلكه :
صرف السلطان سليم سنة وشهرا في فتح الشام ومصر وهلك بعد مغادرته القطرين بنحو ثلاث سنين (926) وقد بالغ مؤرخو الترك في وصف فضائله خصوصا من كتبوا بلسان الرسميات. وكثيرا ما يكون في الروايات الرسمية نظر كبير إذا وضعت على محك النقد التاريخي. وكان مؤرخو العرب أقرب إلى الثقة في وصف هذا الفاتح الذي هو بلا مراء نابغة العثمانيين أو من نوابغهم بعد محمد الفاتح. ترجمه النجم الغزى في الكواكب السائرة بقوله : كان السلطان سليم سلطانا قهارا ، وملكا جبارا ، قوي البطش ، كثير السفك ، شديد التوجه إلى أهل النجدة والبأس ، عظيم التجسس عن أخبار الملوك والناس ، وربما غير لباسه وتجسس ليلا ونهارا ، وكان شديد اليقظة والتحفظ ، يحب مطالعة التواريخ وأخبار الملوك ، وله نظم بالفارسية والرومية (التركية) والعربية.
ومما قال ابن إياس فيه : إنه لم يجلس بقلعة الجبل (بمصر) على سرير الملك جلوسا عاما ، ولا رآه أحد ، ولا أنصف مظلوما من ظالم ، بل كان مشغوفا

بلذته وسكره ، وإقامته في المقياس بين الصبيان المرد ، ويجعل الحكم لوزرائه بما يختارونه ، فكان ابن عثمان لا يظهر إلا عند سفك دماء الشراكسة ، وما كان له أمان ، وكلامه ناقض ومنقوض ، لا يثبت على قول واحد كقول الملوك وعادتهم في أفعالهم. وقال أيضا : إن السلطان سليما قتل يونس باشا الصدر الأعظم وكان مقربا جدا عنده ولكن ابن عثمان ليس له صاحب ولا صديق ولا أمان منه لأحد من وزرائه ولا من عسكره ومن طبعه الرهج (الشغب والفتنة) والخفة ، ويحب سفك الدماء ولو كان لولده ، ويقال : إنه قتل أباه وإخوته ، لأجل مملكة الروم ، وآخر الأمر إنه قتل يونس باشا لكونه صار له عليه يد قديمة.
وفي الواقع أن السلطان سليما قتل وزيره حسن باشا في رحيله إلى مصر لأن هذا لاحظ أن في قطع الصحراء هلاك الجيش فضرب السلطان عنقه ، ولما غادر السلطان مصر وألف جمل تحمل أمامه منها إلى الاستانة ما غنمه من الذهب والفضة قتل وزيره الآخر يونس باشا في صحراء قطبة والسبب في ذلك أن السلطان اقترب من الصدر الأعظم وهو سائر معه وقال له : أرأيت كيف مصر الآن وراءنا وغدا نبلغ غزة. فلم يتمالك الصدر أن أجاب السلطان : نعم ولكن أي ثمرة حصلت من هذا التعب والمشقة ، إن لم يكن هلاك نصف الجيش السلطاني في الحروب ووسط الرمال ، وبقيت حكومة مصر بعد هذا في أيدي الخونة. فلما قال الصدر ذلك استشاط السلطان غضبا فضرب عنق الوزير في الحال ودفن في الخان الذي كان أنشأه بين مصر والشام يونس بن عبد الله التركي الدوادار بالقرب من غزة ، فدفن يونس باشا في خان سميه يونس الدوادار ، وعهد السلطان بالصدارة إلى بيري باشا.
وقال الشرقاوي : إن خير بك لما دفع إلى السلطان سليم مفاتيح مصر ردها عليه وولاه عليها إلى أن يموت فشاوره على أن أبناء الشراكسة يريدون الدخول في جملة الأجناد فأجازه بذلك ، وشاوره في إبقاء أوقاف الشراكسة وهي نحو عشرة قراريط من أرض مصر فأجازه بإبقائها على ما كانت عليه ، فتشوش وزيره وقال : فني مالنا وعساكرنا ، وتبقى لهم أوقافهم يستعينون علينا بها ، فقال السلطان سليم : أين الجلاد وكانت إحدى رجليه في الركاب فضرب عنق

الوزير ووضع رجله الثانية في الركاب. وقال : عاهدناهم على أنهم إن مكنونا من بلادهم أبقيناهم عليها وجعلناهم أمراءها ، فهل يجوز لنا أن نخون العهد ونغدر؟ وإذا أدخلنا أبناءهم في جندنا فهم أولاد مسلمين ويغارون على ديارهم ، وأما أراضيهم فأصلها ملك القائمين ومنهم من وقف معهم من قامت ذريته عليه من بعده ، فهل يجوز أن ننازع الملاك في أملاكهم؟ وأنا أزلت الوزير كراهة أن يغير عليّ اعتقادي بتكرار كلامه اه.
كان القتل عند السلطان سليم أسهل أمر وألطفه ، وكان شديدا جدا على وزرائه قتل منهم سبعة لأسباب تافهة. وقال القرماني : إنه خنق إخوته وغيرهم من أهل بيته وعددهم سبعة عشر نفرا وذلك حين توليه الملك وجرى عند الأتراك في حكم الأمثال قولهم : من أراد الموت فليكن وزيرا للسلطان سليم ، لأن لقب وزير كان شهادة على الموت العاجل. وقال صولاق زاده : في عصر سليم كان الوزراء أبدا عرضة للتنحية ثم للقتل بعد شهر من تنصيبهم ، ولذلك اعتادوا أن يحملوا معهم صكوك وصاياهم ، وكلما كانوا يخرجون من مجلس السلطان يعتقدون أنهم عادوا إلى الحياة بعد الموت. وقد وصفه فوسكولو المؤرخ البندقي بأنه أقسى البشر قلبا لا يحلم بغير الفتوح والحرب اه. ولم يكن السلطان سليم يراعي من جميع رجاله إلا المفتي الأعظم زنبيللي علي أفندي ، وكان هذا قوالا بالحق وكثيرا ما كان يرده عن مظالمه ، ويحول بينه وبين إزهاق النفوس بلا حق ، وقد أنقذ بعمله من القتل مئات من البشر ، وهذا المفتي العظيم تولى مشيخة الإسلام ستا وعشرين سنة على عهد ثلاثة سلاطين وهم با يزيد الثاني وسليم الأول وسليمان الأول :
لم يطل عهد هذا الفاتح الجبار أكثر من ثماني سنين وثمانية أشهر ، ولم يعمل في الشام إلا أن أقرّ القديم على قدمه في أسلوب الأحكام ، وغنم ما تيسر من ثروة المماليك والأغنياء، وزاد في الضرائب والمكوس ، ونصب حكاما ممن استأمنوا إليه أو خانوا الدولة الأولى وتقربوا إليه منذ دخل حلب ووضع قيد الأسر للخليفة أمير المؤمنين المتوكل على الله آخر خلفاء بني العباس بمصر ، وأخذه معه لما انصرف إلى الاستانة ، ثم ألقى الاختلاف بينه وبين أولاد عمه أبي بكر وأحمد. وقال ابن إياس : إن السلطان سليما تغير خاطره على الخليفة

المتوكل على الله وأرسله إلى مكان عسر يقال له الست أبراج والمظنون أنه كان هناك آخر العهد به فقتله وأشاع بين الملإ أنه مات ، ولا يستكثر ذلك من ملك قتل أباه لأجل الملك فضلا عن إخوته وآله. ويقول «نامق كمال» : إن الخليفة العباسي قد تخلى لال عثمان عن حقه في الخلافة في جامع أياصوفيا علنا. وفي رواية أن الخليفة بقي إلى زمن السلطان سليمان وأنه أطلق من سجنه ووسع عليه وقال بعضهم : إنه أذن له بالسفر إلى مصر فسافر اليها ومات بها.
وروى المؤرخون أن السلطان سليما كان يريد أن يعمل عملا نافعا للأمة بأسرها. كان ينوي أن يجعل اللغة العربية لغة الدولة الرسمية بدلا من التركية فعاجلته المنية قبل إتمام هذا العمل الجليل. والغالب أنه نشأ له هذا الفكر يوم افتتح مصر والشام وخطب له في الحرمين الشريفين فسمي فاتح ممالك العرب ، فرأى أن العرب في مملكته أصبحوا قوة لا يستهان بها ، وأن الترك هم عنصر الدولة الأصلي لا يشق عليهم أن يستعربوا دع سائر العناصر من البشناق والأرناءوط والكرد واللاز والشركس والكرج. ولو وفق السلطان سليم إلى إنفاذ هذه الأمنية لخلصت الدولة العثمانية في القرون التالية من مشاكل عظيمة ، ودخلت في جملة العرب عناصر كثيرة مهمة ، ولزاد انتشار اللغة العربية فأصبحت الاستانة موطنا لها كما كانت بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة.
خارجي خان أولا وثانيا :
أصبحت الشام بالفتح العثماني آمنة عزوات الشمال والشرق والجنوب ، وصارت بين أملاك الدولة الفاتحة فأمنت من هذه الوجهة ولكن أصبح أعداؤها في داخلها ومن أهل دولتها. فتحت الشام ومصر في وقعتين مهمتين وما عداهما فمناوشات لا يؤبه لها. فلما رحلت القوة وخلا الجولجان بردي الغزالي نائب دمشق حدثته نفسه بالخروج عن الطاعة وصعب على طبعه إلا أن يخون سيده الثاني كما خان سيده الأول :
ومن يتعود عادة ينجذب لها
    على الكره منه والعوائد أملك
  ففاوض بعض أمراء لبنان والعربان فوعدوه أن يمالئوه على عمله ، ودعا لنفسه بالسلطنة في دمشق وبايعه الناس على ذلك طوعا أو كرها ، ووافقه على

عصيانه الأعراب والمماليك ولقب نفسه بالملك الأشرف صاحب الفتوحات ، وزينت له دمشق ثلاثة أيام وأوقدت له الشموع على الدكاكين ، وقبل له الأمراء الأرض وقد جمع العسكر الكثير ، وخطب باسمه على منابر دمشق وضربت السكة باسمه على الذهب والفضة. وأرسل إلى أمير الأمراء بمصر ليقوم معه لنزع حكم العثمانيين عن مصر والشام فنمّ عليه للسلطان ، فقام الغزالي وحده مدفوعا بتنشيط زعانف السكان والمماليك والعربان والأكراد أتباع كل ناعق ، وكثر الملتفون عليه حتى تسحب المماليك إليه من مصر وكثروا سواده. وذكروا أن من اجتمع عليه من الجند كان خمسة عشر ألفا من المماليك والتركمان وثمانية آلاف ممن يضربون البنادق.
ولما بلغ قراجه باشا والي حلب موت السلطان سليم كان بعسكره في حيلان فرجع إلى حلب وحصنها واستخدم خلقا كل إنسان بثلاثمائة درهم ، وأنفق عليهم من مال السلطان شهرين ، وأعطى الانكشارية كل واحد ألفين والاصباهية كل واحد ألفا زيادة على الراتب ، وخرج إلى قرية سرمين وقرية داريخ ونهبهما ، فخرج اليه أمير شيزر من جهة الغزالي فأخذ منه جميع المكسب وغنم منه جماعة وجهز رؤوسهم إلى دمشق ، ودخل نائب حلب إليها مكسورا ووصل عسكر الغزالي إلى الأنصاري وخرج إليه عسكر حلب. فأرسلت الدولة على الغزالي فرهاد باشا في ثمانية آلاف انكشاري عدا من انضم إليه من قوى الأناضول وكان معهم ثمانية عشر مدفعا كبيرا.
سار الغزالي إلى حلب ليستولي عليها فحاصرها مدة ولم يقدر عليها لصدق أهلها في قتاله ، وداهمه الجيش العثماني بما أتاه من المدد فانكسر ، وجاء إلى حماة فتبعه العسكر العثماني واقتتلوا معه فهرب منهم ، وقصد التوجه إلى دمشق وخرّب في طريقه قناطر الرستن على العاصي فتبعوه فكانت بين الفريقين معركة دارت خارج دمشق قتل فيها نحو عشرة آلاف إنسان وقيل أكثر من ذلك ، بينهم عربان ومماليك وجماعة من عوام دمشق وفيهم أطفال وصغار من أهل الضياع وغيرهم ممن حضر القتال. قال ابن إياس : وكانت هذه الوقعة تقرب من وقعة تيمور لنك لما ملك الشام وجرى منه ما جرى من قتل ونهب وسبي وحرق ضياع وما أبقوا في ذلك ممكنا. وليس الخبر كالعيان.

ثم نودي في دمشق بالأمان سنة (927) وقد خرب نحو ثلثها من ضياع وحارات وأسواق وبيوت ، وأصاب حلب وحماة وحمص من خراب القرى وهلاك الأنفس وذهاب الأموال شيء كثير.
كان الغزالي لما جاء دمشق مهزوما من الجيش العثماني قتل خمسة آلاف انكشاري جعلهم السلطان سليم حامية عند ما فتحها ، وذلك مخافة أن يلتحقوا بجيش فرهاد باشا فأولم لهم وليمة وقتلهم على بكرة أبيهم شر قتلة. ثم دارت الدائرة عليه وتشتت جيشه فقتله خازن أمواله وجاء برأسه إلى القائد التركي ، فذهب ودولته الموهومة لم ينل الشام منه إلا الضغط والشدة بعدها.
قال المقار : إن الغزالي استولى على دمشق وطرابلس وحمص وحماة وحلب وخطب له بالجامع الأموي بأنه سلطان الحرمين الشريفين ولقب بالأشرف ، وأن الدولة أرسلت عليه جيشا من ثلاثين ألفا وأربعة آلاف انكشاري ومعهم مائة وثمانون عربة ، فالتقى عسكره وعسكرها عند قرية الدوير ، وتواصل العسكر الرومي وركب السلطان من المصطبة ببقية عسكره فما كان لحظة حتى انكسر وقطع رأسه ، ثم تلاحق العسكر الرومي ببقية العسكر الهاربين إلى الصالحية ونواحي دمشق وارتجف الناس رجفة عظيمة وقتل من شباب الصالحية نحو الخمسين ومن كل حارة نحو المائة وكذا من القرى ، وقيل : إن عدد القتلى 7070 ، وهجم العسكر على الصالحية والأحياء والقرى ، فكسروا الأبواب وحواصلها وبيوتها ودكاكينها وغير ذلك وآذوا النساء فضلا عن الرجال فلم يحترموا صوفيا ولا فقيها ولا كبيرا ، وكانت النساء قد اجتمعن بجامع الحنابلة ومدرسة أبي عمر وغيرهما فهجموا عليهن وعروهن وأخذوا بعض نساء وجوار وعبيد وصبيان ، وجهز الباشا رأس الغزالي ومعه نحو ألف أذن من المقتولين إلى السلطان سليمان. وبعد هذه الوقعة اقتسم العثمانيون نيابات الشام فجعل إياس باشا في دمشق ، وفرحات بك في طرابلس ، وقره موسى في غزة. أما فرهاد باشا فاتح الشام ثانية ومنقذها من الغزالي فقد ضج الناس من شدته وبأسه وتمثيله بالبريء والمجرم على السواء.

طبيعة الدولة العثمانية :
بقي أرباب المقاطعات في الدولة العثمانية كما كانوا في دولة المماليك. يضمنون الخراج مقابل أموال يتعهدون بها ، ويعرقون اللحم والعظم بعد ذلك لحسابهم ، مثل أمير عرب الشام مدلج بن ظاهر بن آل جبار وكانت منازل قومه في سلمية وعانة والحديثة ، والأمير فخر الدين المعني الأول حاكم الشوف ، وجمال الدين الأرسلاني حاكم الغرب ، وبني شهاب في وادي التيم ، وبني الحرفوش في بعلبك ، وبني ساعد أمراء البر وحوران وعجلون وغيرهم في غيرها ، وكلهم أشبه بأمراء صغار يخضعون الخضوع التام لحكام المدن ، والمقتدر منهم الذي كان على صلات حسنة مع الوالي التركي القريب من عمله ، ومن يجعل له وكيلا يرجع إليه في أعماله في دار السلطنة ، وإذا غضب الوالي على الأمير المتغلب يرسل عليه جيشا من الانكشارية كما فعل والي دمشق سنة (930) مع أمير الشوف ، فيخرّب العسكر قراه ويستصفي أمواله ويأسر أهله ورجاله ويسبي نساءه ، فعلوا ذلك مرات في لبنان والبقاع وبعلبك ووادي التيم وغيرها ، وينشأ هذا الغضب من تأخرهم عن تأدية الخراج ، أما المظالم التي تنزل بالناس فحدث ما شئت أن تحدث عنها.
كان من قواعد الدولة العثمانية إذا فتحت مصرا أن تولي أمورها الكبرى لولاتها وقضاتها والصغرى لأبناء البلد المفتوح ، وتلقي حبلها على غاربها لا تهتم لتنظيمها اهتمامها لفتح أراض جديدة ، وإذ كان الولاة يبتاعون مناصبهم على الأغلب بالمزاد في دار الملك ، كان المزايدون في الأكثر من الساقطين في أخلاقهم ، لا يتأخرون عن ارتكاب كل محرم ليسلبوا الرعية ما أمكن فيملأوا خزائنهم وخزائن من حملوهم على رقاب الأمة. وساعد على إيغال العمال في الفساد قلة المواصلات ، وبعد دار السلطنة عن أكثر الولايات ، فبين دمشق والاستانة مثلا 1100 كيلومترا و 386 ساعة ، وإن قدّر لأرباب الظلامات فوصلوا العاصمة رغم هذه المصاعب لبث شكواهم إلى السلطان ، كان بعض أصحاب الشأن يحولون دون ذلك ، فكانت الشام كله يستأثر بها وال أو واليان يحكمان فيها بحسب مزاجهما بدون مراقب إلا من ذمتهما ، فإذا

كانا ممن تجردا منها فهناك البؤس والنحس ، وضياع الحقوق وفساد النظام.
قال جودت في تاريخه : إن الدولة العلية لما انتقلت من دور البداوة إلى دور الحضارة لم يتخذ رجالها الأسباب اللازمة لهذا الانتقال ، وحصروا أوقاتهم في حظوظ أنفسهم وشهواتهم ، يقيمون في العاصمة القصور الفخمة ، ويفرشونها بأنواع الأثاث والرياش مما لا يتناسب مع رواتبهم فاضطروا إلى الارتشاء وبيع المناصب بالمال وتلزم الأقاليم وإقطاعها بالأثمان الفاحشة، فضاق ذرع الأهلين ، واضطر كثير من أهل الذمة أن يهجروا الأرض العثمانية إلى الخارج ، وترك غيرهم القرى وجاء الاستانة فرارا من الظلم فلم يبق مكان في الاستانة ، وتلاصقت الدور وتضايقت أنفاس الناس وكثر الحريق والأوبئة ، وصعب تدارك ما يلزم هذه المدينة الضخمة من الحبوب فأصبحت الحكومة تأتي بها من القاصية ، والتجارة ليست من شأن الحكومة اه.
من أمثال الترك السمكة تفسد من رأسها ، وحقيقة أن فساد الولايات كان ينبعث من العاصمة أيام كان يقبض فيها على زمام الأحكام غالبا جهلاء ظلام وصموا بسلب الناس بكل حيلة ، حتى ينعموا بما يجمعون في قصورهم ومصايفهم على ضفاف الخليج والمضيق في فروق. وإذا صادفت العناية أن تولى الصدارة رجال عظام على شيء من حسن الإدارة وقوة الإرادة ، فإن رئاسة النظار كثيرا ما تولاها في السلطنة العثمانية الندماء والسخفاء بل الطباخون والطهالون والمزينون والبساتنة وغيرهم من المقربين من نساء القصر الملوكي ، أو الزنوج الخصيان الذين كانوا يولون ويعزلون كما يشاؤون ويشاء ضيق عقولهم.
ولا عجب في حكومة هذا شأن نصب الرئيس فيها إذا كان الوزراء والعمال على هذا النحو ، فلطالما ولي المشيخة الإسلامية في الترك أغبياء أدنياء في منشئهم ومسلكهم ممن ليس لهم من العلم الديني إلا قشوره وشارة أهله وعلى نسبة وسائط بعضهم وكثرة ما يعرف من المقربين من السلاطين كان ارتقاء أحدهم إلى المناصب العليا ، وهذه الطبقة لا تقرب إلا من كانوا على شاكلتها من الجهل والفساد. ومثل هؤلاء الرجال إذا كان لهم قوة يستندون

إليها وهي جيش الانكشارية فهناك الخراب بلفظه ومعناه. فإن هذا الجيش الذي قدم للدولة لأول أمره خدمات جلى وفتحت به الفتوحات عاد فمحق باختلاله واعتدائه على الرعايا كل حسنة سلفت له.
ولئن خلف السلطان سليما ابنه السلطان سليمان القانوني وهو العاشر من ملوك آل عثمان سنة (926) وكان على جانب من العقل وحب القانون ، إلا أن الشام أصبحت في أيامه الطويلة التي دامت 48 سنة في معزل لأن السلطان مشغول بفتوحاته حارب اثنتي عشرة مرة وخرج في أكثرها ظافرا ، فلا يهمه كأكثر أجداده وأحفاده من كل ما يفتح إلا أن تضرب السكة وتقام الخطبة باسمه وتجبى الجبايات ولا يتأخر الولاة عن إنفاذها إلى دار الملك، فكانت الشام جزءا صغيرا بالنسبة لضخامة ملكه ، فلم ينلها منه شيء من العدل والإشراف ينسيها ما لاقته في القرن السالف من التقلقل والانحلال.
وكان السلطان سليمان بطاشا كأبيه ولكن لم يشتهر شهرته ، هاج مرة أهل حلب في أوائل حكمه وقتلوا في الجامع القاضي والمفتي فصدرت إرادته السنية بقتل جميع أهل حلب لو لا أن كان في الصدارة إذ ذاك رجل عاقل اسمه إبراهيم باشا ، فألغى هذا الأمر البربري واكتفى بقتل زعماء الثورة. وإبراهيم باشا كان على جانب من الأخلاق الحسنة والذكاء تولى الصدارة من سنة (929 ـ 942) اي 17 سنة وقام بإصلاحات مهمة ثم قتله السلطان وندم على قتله ، ولا عجب إذا استسهل سليمان القتل فقد قتل ابنه الأكبر مصطفى وحفيده وابنه با يزيد وأولاده الخمسة على أفظع صورة.
كوائن داخلية وأمراء المقاطعات :
ومن الأحداث في الشام بعد فتنة الغزالي ما وقع في سنة (927) من ثورة جماعة من عربان دمشق على النائب اياس باشا ، خرج إليهم فانكسر وجرح ورد إلى دمشق وهو مكسور وقتل من عساكر دمشق كثير ومن عربان نابلس أيضا ، وكانت فتنة بدمشق. وفي سنة (928) كان مقتل حسن وحسين أولاد الأمير عساف في بيروت ، وذلك لما كان من الاختلاف بينهما وبين أخيهما الأمير قائدبيه على الحكم فتوسط بينهما حتى طلبا الصلح ونزلا على أخيهما قائد بيه

فغدر بهما وقتلهما فحكم قائد بيه جبل كسروان حتى مات سنة (930) وخلفه الأمير منصور ابن أخي الأمير حسن وامتد حكمه إلى عكار. وكانت طرابلس بيد النواب يستأجرها محمد أغا شعيب من أهل عرقة ويستأجر الأمير منصور جبيل والبترون وجبة بشرة والكورة والزاوية والضنية. وفي سنة (930) جهز والي دمشق خرم باشا حملة لقتال الدروز في الشوف فانتصر عليهم وأحرق قرية الباروك وثلاثا وأربعين قرية ، وأرسل إلى دمشق أربعة أحمال من رؤوسهم فعلقت على القلعة ورجع ومعه مجلدات من كتب الدروز ، ثم أرسل أربعة أحمال من رؤوسهم وأحرق نحو ثلاثين قرية ونهب قرية البرج وسبى نحو 360 من النساء والأطفال وغنم ما لا يحصى من البقر والجمال والغنم وغير ذلك.
وفي سنة (935) وقع قتال بين أولاد شعيب وأولاد سيفا أمير التركمان وقتل علي الشعيبي في عرقة وتولى أولاد سيفا عكار ، ثم قتلوا محمد آغا شعيب حاكم طرابلس قدام القاضي فأعطاهم القاضي فتوى بأنهم أبرياء من دمه وأنه هو ألزمهم بذلك. وفي سنة (940) وقعت فتنة أهلية في العاقورة وجبة المنيطرة في لبنان نشأت من خصام بين مالك اليمني وهاشم العجمي من مشايخ العاقورة ، وكثرت الدسائس بين بني الحرفوش أمراء بعلبك وآل سيفا حكام طرابلس ، وأخذ أبناء العم يقتلون أولاد عمهم للاستئثار بالإمارة ، وخربت بعض تلك الديار ومن القرى ما نزح سكانه عنه. قال الشهابي : وكبر قدر بني حبيش عند ابن سيفا وصاروا متصرفين في تدبير حكمه وبقيت العاقورة خرابا سبع سنين لم يقطن فيها أحد. ثم إن القيسية سكنوا في طرابلس واستحصل اليمنية أمرا من نائب دمشق ورجعوا فبنوا العاقورة ثانية وفي سنة (951) توفي الأمير فخر الدين بن عثمان بن معن الذي حكم من حدود يافا إلى طرابلس وبنى بنايات وقلاعا عظيمة واستراح الناس في حكمه وأطاعته العرب وخلفه ولده الأمير قرقماز ، وبعد وفاة فخر الدين امتد حكم الأمير منصور بن عساف من نهر الكلب ببيروت إلى حدود حمص وحماة وقوي بماله ورجاله.

مهلك السلطان سليمان وتولي سليم السكّير :
توفي سليمان القانوني سنة (974) ولا شأن للشام في عهده إلا أن تظهر شعورها بأخبار انتصاراته وغاراته ، وفتح قلاعه ومعاقله التي كان يملأها بجند الانكشارية ولكي يكون له جيش دائم على استعداد للحرب كل ساعة كان يقتضي له من النفقات الباهظة ما تنوء به قوة الرعايا ، وكان أهل الإسلام يودون بعد تكبير رقعة الملك في آسيا أن تصح إرادة الدولة على فتح فارس وقد بدت أمارات الهرم فيها فتتصل بالهند ، وذلك خير من أن تفتح المجر وتحارب امبراطور ألمانيا وتؤلب عليها دول أوربا. ذكر ضيا باشا أن الأتراك بددوا شملهم في الحروب والقلاع والأرجاء البعيدة وجعلوا أنفسهم في أوربا وراء سور من المرابطين يقلي علمهم وتربيتهم يوما فيوما ، وفيه أمم من الخرواتيين والبلغار والروم لم تختر ملة الإسلام ، وفي آسيا العرب والأكراد والزيدية والشيعة نشأوا وكبروا ببذر الفساد الذي بذره الشاه إسماعيل ، فكان الأولون خصماء للإسلام والآخرون خصوم الأتراك ، كانت مناداتهم بنصر السلطان من الألسن لا من القلوب اه.
خلف السلطان سليمان ابنه سليم الثاني ، وهذا لم يذكر اسمه في الشام إلا على منابرها فقط لأنه كان شريبا خميرا حتى لقب بسليم السكير وله من أعمال الخلاعة ما يخجل منه ، ولم يخرج من الاستانة للغزاة ، وهو أول ملك من آل عثمان تخلى عن الحرب بنفسه ، ومات على سريره في قصره ، على حين كان أجداده يموتون في الحرب وفي طريق الغزو والفتح. وفي أيام سليم الثاني فتحت قبرس وكانت للبنادقة وهلك وأسر من أهلها نحو ثلاثمائة ألف إنسان في بعض الروايات.
هلك سليم الثاني سنة (982) بعد أن حكم ثماني سنين وستة أشهر وخنقوا أولاده الخمسة يوم دفنه على ما جرت بذلك عوائدهم القبيحة. وفي أيامه جاء أمثال محمد الباشا الصقللي من الصدور العظام ، الذي تدارك بعمله الدولة من السقوط بما قام به من الإصلاحات ، وأهمها إثخانه في العصاة وأرباب الدعارة ، وجاء غيره من الرجال الذين يعدهم الأتراك من العظام. ولكن الشام لم تر

طلعة هذا الملك كما أنها لم تشهد من والده من قبل شيئا من خطط الإصلاح ولا من القوانين النافعة ، ولا شاهدتهم أو وكلاءهم يشرفون على الشام ليرفعوا الضيم عن أهله ، وفي عهده (980) وزع القشلق (أي العساكر المشتية) على الشام ونهب عسكر الدولة لبنان وما إليه وسلبوا سائمته وأسرفوا في الظلم ، حتى كادت الناس تسأل الموت لنفوسها ، وأقفرت في لبنان قرى كثيرة وفي الدر المنظوم أنه قتل من الموارنة في تلك المعمعة نحو ثلاثين ألفا (كذا) عدا الذين قتلوا في ليماسول في جزيرة قبرس حين حاصرها الأتراك وفتحت سنة (978).
عهد السلطان مراد الثالث وحملات على أرباب الدعارة :
وفي سنة (982) تولى الملك مراد الثالث فقتل إخوته الأربعة وكانت همته مصروفة إلى توسيع حدود مملكته أيضا وفي أيامه (991) وجه عسكرا إلى لبنان لحرب الموارنة للشكاوى التي قدمت إليه من طائفة الروم في سواحل طرابلس بأنهم أخربوا تلك الكور. وفي سنة (993) ولى السلطان خسرو باشا إيالة الشام وجاء دمشق وتخاصم مع محمد علي باشا الوند الوالي السابق مدة شهر ، ثم استقرت الحال على تولية علي باشا وانفصل خسرو باشا ، وكانت مدة ولايته سبعة أشهر فعزل ثم خلفه جامورجى محمد باشا وبقي في الولاية أربعة أشهر ثم خلفه علي باشا مرة ثانية وبقي واليا أربعة أشهر. وفيها سرقت الخزينة السلطانية في جون عكار في طريقها من مصر إلى الاستانة فوجهت الدولة إبراهيم باشا وضربت على أيدي المعتدين ، وسار جعفر باشا حاكم طرابلس وأحرق إقليم عكار ، وتقدمت الشكايات من حاكم طرابلس على الأمير محمد بن عساف وعلى أمراء الدروز بأنهم هم الذين سلبوا الخزينة ، فسار إليهم إبراهيم باشا ولما وصل إلى عين صوفر حضر إليه عقال الدروز فغدر بهم وقتل منهم نحو ستمائة رجل. ويقول كامل باشا : إن إبراهيم باشا لما جاء من مصر إلى الشام كان في عشرين ألف جندي ودعا أمراء الدروز إلى المعسكر فأبى ابن معن أن يجيب الدعوة لأن والي دمشق مصطفى باشا كان استدعى أباه وغدر به وقتله فأقسم هو ألا يجيب دعوة أحد من رجال العثمانيين ، فأحرق الجيش العثماني 24 قرية من قرى ابن معن وقتل الدروز القائد أويس باشا مع خمسمائة

من جنده ، وطلب إبراهيم باشا ترحيله فأرسل اليه ابن معن مئة ألف دوكا و 480 بندقية وخيلا وأشياء ثمينة ، ولما تسلمها الوزير العثماني أمر بإحراق 19 قرية من قرى ابن معن وأعدم ثلاثمائة من رجاله ، وفي خلال ذلك كان الأسطول العثماني أخرج إلى صيدا أربعة آلاف جندي وضرب الساحل وأخذ ثلاثة آلاف أسير. قال البوريني : إن إبراهيم باشا لما خرج من مصر خرج بأموال عظيمة وتحف كثيرة منها أنه جعل للسلطان مراد تختا من الذهب مرصعا بالجواهر العظيمة ورجع ومعه عساكر مصر ، وجمع عساكر الشام وحاكمها إذ ذاك أويس باشا وكبس جبل الشوف فقتل ونهب وحرق وأخذ منهم أموالا جمة وحاصرهم محاصرة عظيمة حتى إن أميرهم قرقماز بن معن مات قهرا.
وفي سنة (944) أراد جماعة من أقارب الأمير علي الحرفوش صاحب بعلبك أن ينزعوا حكومتها من يد أبي علي الشهير بالأقرع بن قنبر لأنه من غير أولاد الأمراء ، وحكومة بعلبك متوارثة لبني الحرفوش ، فعرف ابن الأقرع ما دبّر له فجاءه ألفا رجل جمعهم بنو حرفوش من كسروان والشوف وعين دارة وأرادوه على أن يخرج بعياله وبمن يلوذ به حيث شاء فأبى إلا قتالهم ، واستنجد بالأمير قرقماز بن الفريخ أمير البقاع وبغيره من التركمان والعرب فولى الدروز هاربين فتبعهم أهل بعلبك يقتلونهم ، وقتلوا منهم ألفا وثمانين قتيلا ولم يقتل من جماعته سوى شخص واحد. قال البوريني : وكان أصلح له ولجماعته طعاما قبل المعركة فقاتل أعداءه ورجع والطعام لم يبرد وأرسلت الرؤوس لدمشق لتعرض فيها. ثم قتل علي بن الحرفوش ابن الأقرع وندم على قتله ، وأخذت الدولة بعد ذلك الأمير ابن الحرفوش إلى دمشق بالأمان وقتلته وقتلت معه عسافا الكذاب الذي ادعى انه ابن طرباي أمير اللجون.
بنو عساف وبنو سيفا وابن فريخ وخراب البلاد :
وفي سنة (999) جمع الأمير محمد بن عساف الرجال وسار لطرد يوسف باشا بن سيفا من عكار ، فلما بلغ يوسف باشا ذلك جمع رجاله وكمن له في العقبة بين البترون والمسيلحة وقتله هناك ، ولم يكن له ولد فانقطع نسله ، وكان لبني

عساف في كسروان 232 سنة فانقرضت دولتهم تلك السنة. ذكر المؤرخون في حوادث سنة (999) أن منصور بن فريخ أعيد إلى لواء صفد وأعطى قرقماز لواء نابلس وصاحبه الدالي على لواء عجلون ، وذلك بالتزام مال لجهة السلطنة قدره ثمان كرات كل كرة مائة ألف دينار غير ما ينوبها من الكلف. وقد خرب ابن فريخ هذا كورا كثيرة وقتل خلقا ، وكان في أول أمره بدويا من خدام ابن الحنش فترقى به الحال إلى أن التزم مالا عظيما على لوائي صفد ونابلس وإمارة الحج وعمر عمارات عظيمة بالبقاع بقرية قب الياس ، وشرع في عمارة دار عظيمة خارج دمشق واستعمل فيها العملة بالسخرة ، وقد خنق في قلعة دمشق لظلمه وتخريبه العمالات التي استولى عليها خصوصا البقاع وصفد ونابلس.
وفي سنة (1000) أمر قاضي دمشق مصطفى بن سنان بقيام النواب من المحاكم وإغلاق أبوابها فأغلقت أسواق البلد كلها ، وسبب ذلك أن الدفتردار محمودا ارتشى من ابن الأقرع بخمسة عشر ألف دينار وولاه على بعلبك بدل ابن الحرفوش فأدى ذلك إلى خراب بعلبك ظاهرها وباطنها ، ورحل أكثر أهلها حتى تعطلت الأحكام الشرعية بها وعتا بها ابن الأقرع وأتباعه وصادر الناس مصادرة ليوفي بها المال الذي التزم به للسلطنة.
وكان المكس في هذه الحقبة حتى على الخمور والخمارات يتقاضاه كل من كان باشا دمشق يلتزمه صاحب الشحنة وهو من كبراء الانكشارية بمال كبير يدفعه للباشا ويحرق الأخضرين في جبايته ، وكان من الولاة في ذلك الدور في الشام الصالح والطالح مثل سليمان بن قباد باشا الذي تولى نيابة القدس وقطع دابر المفسدين ثم تولى محافظة دمشق (990) وكان ينوع العذاب للسراق وقطاع الطريق.
ومنهم من خلفوا آثارا مثل خسرو باشا وعادلي محمد باشا وبهرام باشا من ولاة حلب فإنهم بنوا مدارس وجوامع فخمة في الشهباء ومنهم لالا مصطفى باشا الذي ولي دمشق سنة (981) خمس سنين وقد مدحه ابن بدير والمقار ووصفه هذا بأنه صاحب الخيرات والحسنات وأنه عمر تحت القلعة بدمشق الخان والحمام اللذين لا نظير لهما وأثنى أيضا على مراد باشا الذي

تولى دمشق سنة (976) وعمر جامعا في السويقة المحروقة وهو صاحب خيرات وحسنات أيضا.
وأثنى المؤرخون على أحمد بن الأمير قانصوه الغزاوي الساعدي الذي تولى إمارة عجلون وما والاها من كور الكرك والشوبك بعد وفاة أبيه ، وباشر الإمارة في هاتيك النواحي في زمن سلطنة مراد بن السلطان سليم وقالوا : إنه كان قليل الأذى للرعايا وهو من قوم لهم قدم في الإمارة في هاتيك الديار ، كانوا في زمن الشراكسة أمراءها وكان من أجداده محمد بن ساعد أميرا في جبل عجلون. ومنهم درويش باشا نائب دمشق وصاحب الجامع المنسوب اليه وخان الحرير (987) ومن ظلمتهم والي حلب حسين باشا المتوفى (949) كان كثير القتل سفاكا للدماء على صورة قبيحة من تكسير الأطراف والإحراق بالنار والمحرق حي وغير ذلك ، متناولا للرشى لا نفع له سوى مضرة اللصوص ، ومن سفاكيهم العظام سنان باشا فاتح اليمن وصاحب الجامع المنسوب اليه بدمشق وقد ذكر ابن المقار جريدة مخلفاته التي أرسلت إلى الاستانة بعد موته فإذا هي تساوي بضعة ملايين من الدنانير. وقد قال مؤرخو الترك : إن الخيرات التي قام بها سنان باشا في ممالك مختلفة من جوامع ومدارس وتكايا وخانات تقدر نفقاتها بمليوني ليرة ذهب بسكة زماننا ، وإن ما عمره من المعاهد والمباني الفخمة في الأقطار التي نزلها تناهز المئة. لا جرم أنه من العتاة الطغاة الذين يجيزون خراب الولايات ليعمروا جيوبهم وخزائنهم ، وأعمالهم الخيرية قد تأتي بالعرض أو لحب الشهرة. وأقبح بصدقة أو عمل خير يكون أصل ما أنفق عليه من قتل الأنفس والمال الحرام.
حالة البلاد في الحكم العثماني :
حكم الشام في هذه الحقبة من الزمن أي مدة 78 سنة أربعة من ملوك آل عثمان وهم سليم الأول وسليمان القانوني وسليم الثاني ومراد الثالث ، وظلت روح الدولة في هذه الديار لم تتغير. ولئن جاء فيهم واضع القوانين المدعو بالقانوني السلطان سليمان وطال عهده على ما لم يقع له مثال في تاريخ هذه الدولة ، فإن الشام كانت حاله بعد الفتح العثماني تنتقل من سيء إلى أسوأ ، والوالي أو

الولاة في هذه الديار يكونون على الأغلب ممن لا ذمم لهم ولا قدرة إلا على جلب المغانم لأنفسهم ، وإزهاق الأرواح في ذاك العصر من الأمور الهينة التي لا تستغرب.
بعد الفتح العثماني واندحار المماليك في مرج دابق والضرب على أيدي العصاة في فلسطين ، كان الرجاء معقودا أن تخلد الشام إلى الراحة ويرفرف عليها طير السعد ، فزادت المكوس والضرائب على وجه قاس ، وكثر فساد جيش الدولة من الانكشارية والسباهية ، فكان يأتي على الأخضر واليابس في المدن والقرى ، خصوصا إذا جاء البلاد منهم فوق حاميتها كتائب أخرى لتشتي فيها ، وهناك يزيد الاعتداء على البيوت والأعراض والأموال. وربما تخطفوا النساء والأولاد في الأزقة رابعة النهار ، وفي أول حكم السلطان سليمان أي بعد أربع سنين من الفتح كان ما كان من عصيان الغزالي فهلك كثير من الأبرياء في دمشق وحلب ، وارتكب الوزير فرهاد باشا لتسكين الفتنة والضرب على يد الثائر من الشدة ما عج بالشكوى منه كل إنسان.
ويمكن حصر مصائب هذا الدور في أمور ثلاثة : ظلم الوالي ويكون في الغالب عاتيا مرتشيا ، وظلم الجند في حلهم وترحالهم ، وشقاء الديار بصغار الأمراء من أهلها ، في الجبال والسهول ، وكبار أرباب النفوذ في المدن. وهذه الطبقة تطورت تطورا جديدا في عهد العثمانيين فكانت من أكبر الأسباب في فساد البلاد ، ولو صلحت وسلمت من ظلم بعضها بعضا لما استطاع الوالي التركي والقاضي التركي والقائد التركي أن يعملوا مباشرة في هذا القطر عملا مضرا. وأهمّ من هذا وذاك أن الدولة العثمانية على عهد عزها لم تفكر إلا في الفتوح ، وفي حرب من يجاورها من صغار الأمراء والملوك ، حتى إذا كانت أيام إدبارها وهي تبدأ من أواخر سلطنة سليمان القانوني ، كانت همتها مصروفة إلى قمع الفتن الأهلية ، ورد عادية أعدائها عن مملكتها الواسعة.
إن ابن الشام لا يهتم كثيرا إذا بلغت جيوش الدولة العثمانية أواسط أوربا في فتوحها وفتحت بودابست وأشرفت على فينا ، وإذا فتح سليمان زهاء ثلاثمائة حصن وقلعة ، وأصبح اسمه في الغرب مضرب الأمثال في الرهبة ، فكانت بعض الأمهات يخوفن أبناءهن باسمه إذا أردنهم على الرقود والكف عن البكاء ،

ولا يهتم ابن الشام أيضا إذا كثرت الخيرات على العاصمة بما يصرف فيها من أموال المغانم والمغارم ، ما دامت طرق الجباية عنده منهكة لقواه ، وما دام الولاة يسفون لأخذ المكوس لأنفسهم من الحانات ومن المسكرات ، وما دامت الضرائب تستوفى حتى من المغنيات والمومسات ، وما دامت المناصب الكبيرة دع الصغيرة يتوصل إليها بطرق دنيئة على سبيل الضمان والإيجار ، وما دام الأمن مختل النظام وأهل البادية ولصوص الأعراب على عاداتهم في السلب والنهب ، ومن المتعذر أن ينتصف المظلوم من الظالم ، وأن تعمل الدولة في باب العمران جزءا مما تأتي في تخريبه.
وضع السلطان سليمان قوانينه وما ندري إذا كانت وصلت إلى هذه الديار ، وهب أنها انتهت إليها فهي في السجلات محفوظة ، لم يطبق منها إلا ما لا ينفع العلم به ولا يضر الجهل بمضامينه. وما دام القانون السماوي الذي عملت الشام به منذ الفتح الإسلامي غير نافذ على ما يجب ، فما الحال بقانون يعمله رجال قد يغيرون من الغد اجتهادهم وهو يتعذر تطبيقه وإنفاذه؟ بدأت الدولة منذ دور سليمان بالرسميات وأخذت تلقي الشغب بين العلماء ، وذلك برتب اخترعتها لهم وجرايات أدرتها عليهم ، فزادت لأجل هذه النفقات الضرائب والخراج على الأمة وكثر التنافس بينهم ، وقلّ القوالون بالحق من رجال العلم ، وأنشأ معظمهم يدلسون ويوالسون ويمتدحون السلطان مهما ضل وغوى ، وسهل بعد ربط العلماء بروابط الرتب والرواتب أن يستصدر السلاطين كما قال ضيا باشا فتاوى بقتل الأبرياء ممن تغضب عليهم الدولة ، وكان الذين يقتلون كل سنة على هذه الصورة عددا من الناس لا يستهان به وفيهم العاقل والدراكة ، وكل من في قتله راحة للدولة أو مصلحة يتوهمها السلطان وبعض الزبانية الطغاة من ولاته ، وقد تعاقب على دمشق خلال القرن العاشر أي مدة 78 سنة خمسة وأربعون واليا وعلى حلب سبعة عشر ، ولم يحس الناس بتبدل نافع في حكم العثمانيين من عهد المماليك حتى بعد ثمانية عقود من السنين.

العهد العثماني
«من سنة 1000 الى 1100»
عهد محمد الثالث وأمراء الإقطاعات وفتن :
دخل القرن الجديد والشام تسير من بؤس إلى بؤس ، وتعاقب تبدل الولاة عليها والسعيد منهم من كان يحول عليه الحول ، وأكثرهم يقيمون فيها أشهرا ثم يصرفون ويستبدل غيرهم بهم ، ومنهم من كان يقيم أياما ومنهم سبعة أيام ومنهم ثلاثة ، وتعاقب على دمشق خلال هذا القرن واحد وثمانون واليا وعلى حلب تسعة وأربعون واليا ، فكان الوالي لا يتمكن من الإصلاح إن أراده وقلبه متعلق أبدا بثبات منصبه ، والغالب أنه لا يتوفر على غير جمع المال بالطرق المنوعة ليوفي ما عليه من المقرر لجماعة الاستانة من الأموال ، وكان الولاة يبتاعون الولاية ابتياعا والمزايد الأكبر هو الذي توسد إليه قال راسم في تاريخه : أمر السلطان مراد أن يكتب إلى أحمد باشا كوجك والي الشام بأن يدفع إلى السلحدار باشا عشرين ألف ليرة ويبقى في منصبه فاضطر الوالي أن يؤدي المبلغ.
ومن أهم أدوات التخريب في هذا القرن خروج جند الانكشارية عن حد الاعتدال وكثرة اعتدائهم على الرعية ، يستطيلون على أموالها وأعراضها ويثلمون شرفها ويذلون أعزتها ، وهم القوة القاهرة وأذاهم لاحق بالكبير والصغير. وكثيرا ما حاول الولاة أن يخففوا من غلوائهم ليستأثروا بالقوة دونهم أو يرفعوا عن عاتق الأمة التعسة بعض شرورهم ، فيسفر قتالهم عن زيادة إيصال الشرور إلى الناس على ما يأتي تفصيله في هذا الفصل المغموسة حوادثه بالدماء.

كان المتغلبون على أكثر البر في أوائل القرن ، الأمير شديد بن الأمير أحمد حاكم العرب من آل جبار وكان كلقبه واسمه ظالما جبارا عنيدا. قال كاتب جلبي : وما زال آل عثمان يعطون لواء سلمية لأمراء العرب وأمراؤهم هم عرب آل جبار وهم قبيلتان آل حمد وآل محمد يمتد حكمهم الى أرجاء حلب والرقة. وكان قرقماز المعني في لبنان ، وأحمد بن رضوان في غزة بعد قانصوه أمير عجلون وما والاها من الكرك ، والأمراء بنو الحرفوش في بعلبك ، والأمراء بنو شهاب في وادي التيم ، وأحمد بن طرباي أمير اللجون في نابلس ، ومنصور بن فريخ البدوي على البقاع تغلب عليه بعد ابن الحنش وحكم نابلس وصفد وعجلون وانحاز إليه جماعة من جند دمشق ، وأخاف الدروز ثم شن الغارة وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وقد خرب العمران وقتل الخلق حتى أخذه وزير دمشق وقتله في سنة (1002) وذهب على حصار قلعة الشقيف النفوس والأموال ، حاصرها والي دمشق ونازل قلعتي الشقيف وبانياس ، وبلية القلاع كبلية المدن غرض لهجمات المهاجمين فقد أخذ المحارزة قلاع القدموس والعليقة والمينقة مرارا ، وكان الإسماعيليون يستردونها بعد مدة ، وفي سنة ألف تقريبا هجم الإسماعيليون على القدموس عند ما كان العلويون مشغولين بالعبادة في يوم الغدير وقتلوا من المشايخ ثمانين شخصا عدا العوام وتملكوا القدموس (قاله في تاريخ العلويين).
وفي سنة (1003) توفي مراد الثالث وخلفه ابنه محمد الثالث فقتل يوم جلوسه تسعة عشر أخا له وعشر جوار حاملات من أبيه ثم ابنين له ، وكان مع ذلك على رواية المحبي صالحا عابدا ساعيا في إقامة الشعائر الدينية وأوصافه كلها حسنة وهو مظفر في وقائعه عالي الهمة. ولم ينل الشام شيء من تدين محمد الثالث ، وطالبت الحكومة الأهلين بأموال سنتين فلقوا شدة وعنتا.
ذكر المقدسي في حوادث سنة (1004) أنه جاء ساع من الباب العالي يأمر بأن يجتمع العلماء والصلحاء والمشايخ والفقراء وأولاد المكاتب في الجامع الأموي ، ويقرأوا القرآن ويدعوا لعساكر الإسلام بالنصر ، وما أعجبها من قضية جمع فيها بين ظلم المذكورين وطلب الدعاء منهم ، فليت شعري بأي لسان يدعون وقد اشتهر أنهم يطالبون الرعايا بعوارض سنتين جديدة وعتيقة وطالبوا

اليهود بمال عظيم اه وقال أيضا في حوادث سنة (1005). إنه استقر في دمشق كيوان منشئ الظلم بالشام قائدا بباب صاحب الشحنة ، فشرع يصادر ويسلب ، وكثرت القتلى في أزقة دمشق ، وكان الإنسان يمشي فلا يسمع إلا من يقول غرموني أربعين قرشا ومن يقول سبعين قرشا وثلاثين وعشرين وأكثر وأقل. واصطلم الناس من كثرة الظلم وبقي من يخشى الفضيحة يحمل الجزية إلى كيوان المذكور قبل أن يرسل إليه. هذا ما كان يجري في عاصمة الشام على مرأى ومسمع من القريب والغريب ، فما بالك بما كان يجري في الأقاليم التي تقل فيها المراقبة وتضعف المقاومة ، فقد تهيأ لأخبارها هنا من دونها أو بعضها حتى وصلت إلينا، وهناك ضاعت أخبارها لقلة المدونين.
وظهر في أيام أحمد مطاف باشا كافل حلب (1005 ـ 1008) فساد كثير من العربان في أنحاء حلب فأرسل عليهم ابنه درويش بك فاقتتلوا فانهزم عسكر حلب وكانوا ألف فارس وأخذ عرار أمير العرب يتبعهم ويقتل منهم ويغير عليهم.
وفي سنة (1007) كانت الواقعة في نهر الكلب بين ابن معن وابن سيفا فانكسر ابن سيفا وتشتتت جيوشه ، وتولى فخر الدين المعني كسروان وبيروت. واستولى يوسف باشا سيفا على جهات طرابلس لما أهلك رؤساء عصاة ابن جانبولاذ التركماني ، واستقل بها وأخرج بواسطة عسكر السكبان جند الانشكارية من عمالته ونكل بهم وصار له بذلك نفوذ وسلطان.
وقال نعيما في حوادث سنة (1008) : إن عسكر الانكشارية في دمشق جاءوا حلب بحجة جباية أموال الدولة ، وتسلطوا على فقرائها وعملتها وتجاوزوا الحدود في الاعتداء، وأساءوا استعمال سلطانهم في الرعية ، فقطع والي حلب رأس سبعة عشر رجلا منهم ، ودام الشقاق بين الأهالي والانكشارية مدة طويلة أدى إلى سفك دماء كثيرة بغير حق اه. ومن ذلك اعتداء خداويردي قائد حلب على الناس وفتكه ونهبه وتعديه حتى ضجر منه أهاليها وحكامها ، حين قامت الحرب بينه وبين نصوح باشا ، وبينه وبين ابن جانبولاذ ، وكان هو وأحفاده قد عاثوا في الأرض فسادا ومنه نشأ طغيان العسكر الشامي.
ومن فتن هذه الأيام خروج عبد الحليم اليازجي رأس جماعة درويش

الرومي حاكم صفد ، وإرسال خسرو باشا نائب الشام عسكرا إلى درويش ليسلم الولاية إلى آخر ، فقاتل اليازجي عن مخدومه بالسيف فأخذ درويش إلى دمشق وصلب بأمر السلطان. أما اليازجي وجماعة درويش فساروا على ساحل البحر إلى طرابلس ثم إلى جانب حلب ودخلوا مدينة كلز فتنبه لهم نائب حلب وأرسل جيشا لمحاربتهم ، فقتلوا من أصحاب اليازجي مقتلة عظيمة ، وخرج بمن بقي معه من أصحابه المفلولين ، وما زال يحارب جيوش السلطنة في الأناضول حتى هلك سنة (1010).
وفي سنة (1011) باغت الأمير يونس بن الحرفوش جبة بشري ، فلما بلغ ذلك يوسف باشا سيفا جمع السكبان الذين عنده وهاجم مدينة بعلبك فاجتمع ببيت الحرفوش في القلعة ، ونهب بنو سيفا بعلبك وحاصروا قلعة حدث بعلبك خمسين يوما وملكوها ثم نادوا بالأمان. وفي سنة (1014) كانت وقعة جونيه بين يوسف باشا سيفا والأمير فخر الدين المعنى فانكسر عسكر سيفا.
عهد أحمد الأول وفتنة ابن جانبولاذ وغيرها :
في سنة (1012) توفي محمد الثالث وخلفه أحمد الأول ولم يتغير شيء في الشام وغاية الأمر أن الخوارج في أيام السلطان الجديد اشتدت شوكتهم فنال الأمة منهم كل حيف ، ودخل القطر في هرج ومرج. وفي أيامه ظهرت الخوارج في جهات حلب وما زالت الأمور في تخبط حتى خرج جانبولاذ وادعى السلطنة واضطربت الأحوال على ما سيجيء. قال القرماني: وفي أيام هذا السلطان قام الطغاة والبغاة ، وانمحت من الوجود أمهات الأمصار وشملها البوار ، أما القرى والقصبات والرساتيق والمزدرعات فأكثر من أن تحصر.
وقال العرضي : كانوا يرسلون من قديم الزمان في دولة بني عثمان شرذمة من عساكر دمشق وعليهم شوربجي بحوالات أموال السلطنة فيحصل لهم الانتفاع ويخدمون عند الدفتردار وفي دار الوكالة وفي باب القنصل الفرنجي وفي كل مدة يرسلون غيرهم وعليهم شوربجي ، حتى قطن بحلب أعداد كثيرة منهم واتسعت أموالهم وكبر جاههم ، واستولوا على أغلب قرى السلطنة يعطون مال السلطان عن القرية ويأخذون من أهلها أضعافا مضاعفة ،

وتبقى أهل القرية جميعا خدمة لهم وجميع ما يجمعونه لغيرهم لا لأنفسهم.
ومن الكوائن أن خارجيا من السكبانية اسمه رستم جاء إلى كلز ومعه من البغاة أجناد كثيرة ، وكان ضابط كلز عزيز كتخدا من جماعة حسين باشا بن جانبولاذ أمير الأمراء بحلب، فبعث واستنجد بعسكر حلب ومنهم العسكر الجديد فخرجوا لنصرته ، فتقابلت الأجناد وقامت بينهم سوق الحرب والضرب فانتصر رستم على عسكر كلز وحلب وقتل عزيز كتخدا وقتل من العسكرين كثير وولوا منهزمين فنهب الخارجي كلز وصادر أعيان القرى.
ولما ولي نصوح باشا نيابة حلب ـ وكان متغلبا في حكمه عسوفا قوي النفس شديد البأس كما قال المحبي ـ كان لجند دمشق أي الانكشارية الغلبة والعتو يذهب منهم كل سنة طائفة إلى حلب وينصب عليهم قائد من كبارهم وكان بعض عظماء الجند قد تقووا في حلب وفتكوا وجاروا خصوصا طواغيتهم خداويردي وكنعان الكبير وحمزة الكردي وأمثالهم ، حتى رهبهم أهلها وصاهرتهم كبراؤها ، واستولوا على أكثر قراها ، فلما رأى نصوح باشا ما فعلوه حتى قلّت أموال السلطنة ، وصارت أهالي القرى كالأرقاء أجلاهم عن الأقاليم ووقعت بينه وبينهم فتنة بل فتن ، وعجز عن إخراجهم فاستعان بحسين بن جانبولاذ فبعث هذا ابن أخيه الأمير علي بعسكر عظيم ، فاستولى نصوح باشا على قلعة حلب ووضع متاريس تحتها واستعد للقتال ، فأخذ العسكر الدمشقي باب بانقوسا وجمعوا جموعهم ، وهم لا يعلمون أن حسين باشا جانبولاذ بعث عسكره ، ودخل الأمير علي في اليوم التالي بالعساكر المتكاثفة فتبعهم نصوح باشا والأمير علي إلى قرية كفر طاب فوقع بينهم حرب فانهزم الدمشقيون بعدما قتل منهم جم غفير. ثم خرج نصوح باشا في عسكره إلى كلز فقابل حسين باشا بعسكره والتقت الفئتان فانكسر نصوح باشا وقتل أكثر عسكره ودخل حلب منهزما وأخذ في جمع الأجناد وبذل الأموال لتكثير العدد والأعتاد. وبينا هو على ذلك جاء الأمر بأن حسين باشا عين كافلا للممالك الحلبية وعزل نصوح باشا ، فلبس نصوح باشا جلد النمر ، وامتنع من تسليم حلب لحسين باشا ، وأقبلت بعد أسبوع عساكر الوالي الجديد حسين باشا إلى قرية حيلان فاستقبلهم نصوح باشا بالحرب فانكسر أيضا ،

ونزل حسين باشا بعساكره في أحياء حلب خارج السور وأغلق نصوح باشا أبواب المدينة وسدها بالأحجار ، وفتح باب قنسرين وحرسه ، وقطع حسين باشا الماء عن حلب ومنع الميرة والطعام عن المدينة ، ونصب نصوح باشا المتاريس على الأسوار وصف عسكره عليها مع المكاحل ، وقامت بين الواليين حرب شعواء ، وأخذ حسين باشا في حفر الخنادق والاحتيال على أخذ البلدة ، وأنشأ نصوح باشا يحفر السراديب ، وعم الحلبيين البلاء من المبيت على الأسوار وحفر السراديب ، ومصادرة الفقراء والأغنياء كل يوم وليلة لطعام عسكر السكبان وعلوفاتهم ، وأغلقت الدكاكين وتعطلت الصناعات ، وحرقت الأخشاب للطعام والقهوة ، واشتد غلاء الحاجيات وعدم قوت الحيوان والإنسان واستمر الحصار نحو أربعة أشهر وأياما ، ثم تصالح نصوح باشا وحسين باشا فخرج الأول واستولى حسين باشا على الديار الحلبية ، وشحنها بالسكبان وصادر الأغنياء والفقراء لأجل علوفة السكبان.
ولما قتل حسين باشا خرج ابن أخيه علي عن طاعة السلطنة ، وجمع جمعا عظيما من السكبانية حتى صار عنده منهم ما يزيد على عشرة آلاف ، ومنع المال المرتب عليه ، وقتل ونهب في تلك الأطراف ، إلى أن تعهد ابن سيفا صاحب عكار للسلطنة بإزالة الأمير علي عن حلب فجمع له الجند من دمشق وطرابلس والتقى بابن جانبولاذ (جانبلاط) قرب حماة فكانت الغلبة على ابن سيفا ، فاستولى ابن جانبولاذ على مخيمه ومخيم عسكر دمشق واستولى ابن جانبولاذ على طرابلس ، واستخرج الأموال من أهلها وأخذ دفائن كثيرة لهم ، و
لم يستطع فتح قلعتها ، ثم سار مع حليفه ابن معن وكان هو وابن شهاب وابن الحرفوش خرب بعلبك وأحرق قراها ، وخرب ابن جانبولاذ البقاع ووصل إلى دمشق ، واقتتل ابن جانبولاذ مع العسكر الدمشقي فانفل العسكر الدمشقي وأرضوا ابن جانبولاذ بمال حتى فرج عن دمشق ، واستمر النهب في أطرافها ثلاثة أيام ، ثم سار إلى حلب وجاءته الرسل من السلطنة تقبح عليه فعله في دمشق ، فكان تارة ينكر فعلته ، وطورا يحيل الأمر على عسكر دمشق ، ويشرع بسد الطرق ويقتل من يعرف أنه سائر إلى أطراف السلطنة لإبلاغ ما صدر منه ، حتى أخاف الخلق ونفذ حكمه من أدنة إلى نواحي غزة ، وصاهر ابن سيفا

فامتثل هذا أمره ، وانقطعت أحكام السلطنة عن هذه الديار نحو سنتين ، وكان ابن سيفا بعد أن غلبه ابن جانبولاذ على دمشق ونهب ولايته التجأ إلى أحمد بن طرباي الحارثي أمير لواء اللجون. قال القرماني : إن ابن جانبولاذ لما ولي حلب جمع كل شقي من القبائل والعشائر ، ليأخذ ثأره من جماعة الإنكشارية فالتقوه في مدينة حماة ومعهم محمد باشا الطواشي نائب دمشق وعامة الجيوش من الكماة ، فانهزم عسكر الدولة واستمر ابن جانبولاذ في أثرهم إلى حدود دمشق فاستقبله الأمير فخر الدين بن معن بمن معه من الدروز وطائفة السكمانية ، ثم التقى ابن جانبولاذ مع العساكر الشامية فاستولى على أموالهم.
ولما حدث ما حدث من الفتن والغوائل عهد السلطان إلى مراد باشا أن يعيد الشام إلى حكم الدولة لأنه ثبت أنه خرج عن حكمه ، فجاء في عشرين ألف فارس وعشرين ألف راجل وقيل في أكثر من ذلك ، فبرز إليه ابن جانبولاذ في أربعين ألفا فغلب ابن جانبولاذ وهرب إلى الاستانة وأقنع السلطان بحسن حاله ، وجاء مراد باشا بعد أن كسر ابن جانبولاذ في سهل الروج قرب المعرة وقتل من جماعته أحد وعشرين ألفا وتسلم قلعتها بالأمان ، وبالغ في قطع شأفة الأشقياء والسكبانية. وكان علي باشا جانبولاذ لما انكسر مع مراد باشا حصن قلعة حلب ورفع إليها عياله وأسبابه وولى عليها أطلي طوماش باشا وأمره بحفظها لمدة ثلاثة أشهر ريثما يرجع إليه بالنجدة من سلطان العجم ، ثم تجهز للسفر وحال خروجه من أراضي حلب وصل مراد باشا الوزير ومعه أحمد باشا حافظ الشام ويوسف باشا سيفا وشددوا الحصار على حلب وافتتحوها ، ووعد أطلي طوماش بالنيابة على حلب فاطمأن وسلم القلعة ثم قبض عليه وقتله وضبط القلعة ، وباع عيال علي باشا جانبولاذ بيد الدلال فبيعت والدته بثلاثين قرشا ، ثم وقعت المناداة على المحافظين فقتلوهم في أماكن مختلفة وأتوا برؤوسهم إلى الوزير ولم ينج منهم إلا القليل ، وكان الرجل يقتل العشرة منهم ، ومهد الوزير أمور حلب وخدمته أمراء العرب. وقالوا : إن الأمير فخر الدين فرّ إلى البادية في جماعة الدروز والعربان بعد تلك الوقائع لأنه أعان الخوارج على السلطنة. وللقيم محفوظ الدمشقي مرتجلا

ومؤرخا واقعة دخول السكبانية مع ابن جانبولاذ إلى دمشق في أوائل سنة ست عشرة بعد الألف نقلها في التذكرة الكمالية.
دخل الشام جيوش
    كجمال قد رغوا
  كل كردي غبي
    بهم الناس لغوا
  ودروز ولئام
    لمقال ما صغوا
  نهبوا الشام وآذوا
    وعلى الناس بغوا
  نهبوها في جمادى
    أفحشوا أرخ طغوا
  (1016)
ولم تقتصر فتنة ابن جانبولاذ على دمشق وحلب بل تناولت بعلبك والبقاع وطرابلس وغيرها. قال النجم الغزي : إن كافلي الشام وطرابلس دخلا على أهل حماة وحمص وأمرا أهلهما بإخلاء المدينتين وكان ابن جانبولاذ في أثرهما ، فدخل هو وعساكره حماة وحمص ونهبوهما ونهبوا قراهما ، واتفق كيوان رئيس سرية دمشق مع ابن معن على العصيان وعلى مساعدة ابن جانبولاذ ، فذهبا إليه واجتمعا به في الجون بالقرب من نهر البارد ، فاستولوا على حماة وحمص وعكار وجبلة واللاذقية والحصن وطرابلس وغزير وبيروت ، ثم اجتمع ابن جانبولاذ وابن معن وكيوان وحاصروا دمشق على ما تقدم قال : وكان الأمر مهولا واجتمع أكثر الناس بدمشق. وقال ابن المقار في حوادث (1016) : إنه ظهرت طائفة من الخوارج يقال لهم السيمانية أظهروا في الأرض أنواع الفساد ، وحدث بين أمراء الشام حروب وفتن عظيمة عم فيها النهب وخربت أكثر البلاد.
ومن الأحداث في تلك الأيام ما رواه مؤرخو لبنان في حوادث سنة (1016) من أن الجند المشتى «قيشلق» السلطاني تفرق على البلدان من حلب إلى الشوف ، وكان عدده نحو أربع كرات والكرة مئة ألف. كذا قالوا وكانت الناس في ضيق عظيم من الغلاء ومن الضرائب التي كانت على الضياع والأديار. ووقع في زمن تولية كوجك سنان باشا دمشق وكان يتولاها سنة (1017) أن فرقة من عرب آل جبار المعروفين بأولاد أبي ريشة نفروا من العراق فوصلوا إلى تدمر ، وانضم إليهم قوم من طائفة السكبانية المنهزمين من وقعة علي بن

جانبولاذ. فعاثوا في تلك الديار وقطعوا الطريق ، ولما ورد من حلب العسكر المصري الذي كان قد طلب لقتال كبير السكبانية محمد بن قلندر والأسود سعيد ، التقى جيش السلطان مع جيش البغاة فغلب عسكر السلطان وهرب منهم جمع ، ومن جملة الهاربين الجماعة المذكورون وكانوا نحو أربعمائة سكباني ، فلما انضموا إلى العرب المذكورين كان السكبان يضربون بالبندق والعرب يضربون بالرماح والسيوف ، وأخذوا قلعة القسطل وقلعة القطيفة ونهبوا المعصرة وقتلوا من بها من الرجال والنساء. فلما بالغوا بالقتل والنهب والغارة والعدوان قصدهم سنان باشا ومعه العسكر الدمشقي ، وانضم إليهم عرب المفارجة وكبيرهم عمرو بن جبير فأدركوا العرب والسّكبان في نواحي قلعة القطرانة ، فقتلوا من السكبان نحو ثلاثمائة رجل وقبضوا على آخرين ودخلوا بهم إلى دمشق على متون الجمال وعلى كتف كل واحد منهم خشبة طويلة وهي وتد (خازوق) وفي اليوم الثاني أتلفوهم وفرقوا أجسادهم على أحياء دمشق.
الأمير فخر الدين المعني وآل شهاب وفتن :
تخوفت الدولة من الأمير فخر الدين المعني الثاني لتحصينه القلاع وامتداد سلطته في أصقاع الشام ، فأرسلت عليه في سنة (1020) الحافظ أحمد باشا كافل دمشق وكافل حلب وكافل ديار بكر وكافل طرابلس وأمراء الأكراد في جيوشهم ونحو النصف من الفرسان في جيش مؤلف من ثلاثين ألفا ، وحاصر ابن معن تسعة أشهر فلم يقدر أن يأخذ قلعة من القلاع ، فلما أعيته الحيلة أرسل رجلا من جماعته لمن في القلاع يقول : أنا مالي عندكم غرض بل إن للوزير الأعظم شأنا مع الأمير فقولوا له أن ينزل إلى خيامنا وعليه أمان الله ونأخذ منه دراهم للسلطان وللوزير ونقرّه في أماكنه فقالوا : الأمير ذهب في المركب إلى ديار الفرنج فلما تحقق ذلك رضي بنزول أم فخر الدين فقالت : نحن ما ضبطنا بلدا بغير اسم السلطان ، ولا انكسر عندنا مال ، فعند ذلك أعطت السلطان مائة ألف قرش وأعطت الوزير خمسين ألفا والحافظ أحمد باشا مثلها وانفصل الأمر على ذلك.
هرب الأمير فخر الدين إلى إيطاليا تاركا الحكم في لبنان وما إليه لابنه

الأمير علي وأقام فيها خمس سنين وشهرين تعرف خلالها إلى ملوك طسقانه من أسرة ميديسيس المشهورة في فلورنسة ، وأطلع على طرف من المدنية الأوروبية ثم عاد إلى وطنه بعد مهلك خصمه والي دمشق فاستلم زمام الأحكام ولا سيما المسائل الحربية ، بقوة أعظم وتدبير أحكم ، مستصحبا معه كثيرا من المهندسين لبناء القلاع وعمل الذخائر الحربية ، وكان ابنه الحاكم في الظاهر وهو الحاكم في الحقيقة ، وأخذ يحصن كوره ويكثر الصلات الحسنة مع الفرنج ولا سيما مع الطليان ، وعقد معاهدة دفاعية هجومية مع أصحاب طسقانه كأنه ملك مستقل ، فخافت الدولة منه وكانت تعده من قبل عاصيا قوي الشكيمة، وأخذت تحاذره وتنظر إليه نظرها لعاص عارف بمقاتلها ، وأنه لا بد له يوما أن يستقل عنها ببلاد الشام ، إذ بلغ أتباعه نحو مائة ألف من الدروز والسكبان ولم يستول فقط على الشوف وجبل عاملة بل تعداهما إلى عجلون والجولان وحوران وتدمر والحصن والمرقب وسلمية ، وسرى حكمه من صفد إلى أنطاكية وملك نحو ثلاثين حصنا مثل صفد ونيحا وشقيف تيرون وعجلون وقب الياس وبعلبك والمرقب والبترون.
وفي سنة (1021) خرج أحمد باشا بالعساكر من دمشق إلى وادي التيم ونزل في خان حاصبيا وهرب بيت شهاب أصحاب وادي التيم منها فهدم دورهم وأتلف أملاكهم ونهب حاصبيا (1022) وفي سنة (1023) خرج الحافظ أحمد باشا من دمشق إلى قب الياس واجتمع إليه حكام صفد وصيدا وبيروت وغزة وحماة وعشائرهم وأمراء الغرب وبعلبك ووادي التيم ، فوقع بين أهل الجرد والغرب والمتن وأهل الشوف قتال بقرب نهر الباروك انكسر فيه أهل الغرب والجرد والمتن وعسكر الدولة كسرة عظيمة ، فأحرق أحمد باشا قصر بيت معن في دير القمر وكان رئيسهم إذ ذاك الأمير يونس كما أحرق قرية عبيه. ثم جرت وقعة بين جماعته وجماعة من حزب المعنيين على قلعة الشقيف فانكسر جماعة أحمد باشا وقتل منهم نحو خمسمائة قتيل وأكثرهم من السكبان وكان عسكر الدولة نيفا وعشرين ألفا ثم امتنع (1024) يوسف أغا من أن يتسلم حصن الشقيف وحصن ارنون إلى أن يخرج منهما بنو معن أولاد العرب ويتصرف بهما الأتراك تمام التصرف ، فشق ذلك على الأمير يونس وأخذ في

هدمهما ، ولما انتهى الخبر إلى الوزير فرح جدا وأمر بخرابهما ، ولبث المسلمون في تخريبهما أربعين يوما. وجرت (1025) وقائع بين أولاد ابن معن وأصحاب المقاطعات في لبنان وحرق الشوف والجرد والغرب والمتن وهلك كثيرون وكانت النصرة للقيسية خربت بيت معن ، وكان بنو تنوخ أمراء الغرب منذ سنة (542) يميلون إلى بني معن ، فلما حاربتهم الدولة انتهز علي بن علم الدين اليمني والي الشوف الفرصة وقبض على أعيان المعنيين وقتلهم واستصفى أموالهم ، ثم سار إلى قرية عبيه فدعاه الأمراء التنوخيون إلى مأدبة في سرايتهم فاغتالهم وقتلهم كلهم صغارا وكبارا فانقرض التنوخيون بموتهم.
عهد مصطفى الأول وعثمان الثاني :
في سنة (1026) توفي أحمد الأول وخلفه مصطفى الأول المعروف بالأبله فخلع بعد ثلاثة أشهر وخلفه عثمان الثاني ولم يجر في أيامه ما يستحق أن يدون في الشام اللهم إلا ما كان من حرب بين ابن معن وابن سيفا (1028) فخرب ابن معن قرية عكار وسرايا بيت سيفا في طرابلس وخرب هذه كما خرب قلعة جبيل. ثم عاد مصطفى الأول سنة (1031) فتولى الملك أربعة عشر شهرا وخلع بعدها. إذ لم يعد في الإمكان ستر نقصه الذي كان يتولاه العلماء ليحكموا باسمه فأبرزوه في صورة ولي من الأولياء وما هو إلا أبله من البلهاء. فزادت الدولة خلال هذه الحقبة تغاضيا عن الشام حتى قويت شوكة المتغلبين وأرباب النفوذ في المدن والقرى والسهول والجبال ، وأصبح القطر بلا راع خصوصا بعد الضعف الذي ظهر من الدولة في العقد الثاني من هذا القرن في فتنة ابن جانبولاذ وحصار حصون ابن معن ، وتجلى لأذكياء المتغلبة موقف الدولة معهم ، فأصبحوا يزدادون في إرهاق الرعية. والولاة ليسوا دونهم في العنت والتخريب والقتل والنهب.
وكان نائب حلب محمد باشا (1031) ظلوما غشوما أخذ أموالا كثيرة من كل قرية من غير سبب ، وقضى أن لاتباع البضائع كلها إلا لمن عينه من جماعته ثم تباع من أحد السوقة بعد ذلك ، فكان ظلمه مزدوجا على المدني والقروي ، وفي هذه السنة خرب صاحب الشرطة جميع قرى القنيطرة

وفي السنة التالية (1032) خرب الأمير فخر الدين بن معن كرك نوح وسرعين نكاية ببني الحرفوش.
عداء على الفرنج وفتن داخلية :
وبينا كان ابن معن يهيء السبل للفرنج حتى تزيد متاجرهم مع أهل الساحل ويكثر سوادهم في مدنها ولا سيما في موانيها ، ويرخص لهم بتأسيس قنصليات ويدخل المبشرين إلى لبنان ، ارتكب ابن سيفا حاكم طرابلس سنة (1032) أمرا عظيما نفر الفرنج من غشيان المواني لاستبضاع القطن والحبوب ، وذلك أنه ضبط مركبين فرنساويين كان معهما ثمانون ألف قرش لابتياع بضائع ، فأرسل ابن سيفا وأمسك ولدين صغيرين من المركبين وعلمهما أن يقولا : إن المركبين للقرصان ، وإنهما أخذا في طريقهما مركب تجارة للمسلمين ، وزعم أنه وجد في المركبين أسبابا لمداخلة المسلمين ، ولم يكن ذلك صحيحا ولكنه جعل ذلك طريقا لضبط جميع ما في المركبين من البضائع والأموال ، وأمسك جميع من فيهما من التجار والنوتية وقتلهم جميعا. وبعد ذلك باع المركبين بثلاثة آلاف قرش. قال الشهابي : ومن حين حدوث هذه الفعلة لم يدخل ميناء طرابلس من تجار الفرنج أحد ، وتوجه أناس من الفرنج إلى الباب العالي للشكوى على ابن سيفا ، ولكن لكثرة عزل الوزراء لم يلتفت أحد إليهم وراحت على من راح.
ومن الفتن الأهلية ما حدث سنة (1032) من دخول أحمد الشهابي وحسن الطويل بلاد عجلون ومقابلة أهل القرى لهما وتجمع أهالي نابلس وعربها ، وحرقت من القرى فارا والخزبة وحلاوى وكانت من أكبر قرى عجلون ، وحرق الأمير علي الشهابي قرية سرعين في البقاع وجميع قرى بعلبك وتحصن أهل بعلبك في القلعة. وجرت فتنة بين عساكر دمشق والأمير يونس الحرفوش ـ وكان هذا ظالما متجاهرا بالظلم ـ وكرد حمزة سنة (1033) فاغتنم الانكشارية الفرصة وأغاروا على المستضعفين من الأهلين وتعاقب تغيير الولاة وانحاز بعض الخوارج إليهم ونقل الناس أمتعتهم وأثقالهم من خارج مدينة دمشق إلى داخلها مرارا ، وحارب العسكر الدمشقي أولاد الحرفوش لإخراجهم من بعلبك.

وكان كيوان أحد كبراء الأجناد في دمشق خلال هذه المدة ينزع إلى التعدي ولا شكيمة ترد جماحه ، ولا وازع يكف من غربه ، فأخذ الناس بالتهمة وتطاول إلى أخذ أملاكهم حتى استولى على أكثر بساتين الربوة والمزة من ضواحي دمشق وضم بعضها إلى بعض ، وكان إذا أخذ حصته من مكان احتال على الشركاء فيه حتى يأخذ حصصهم طوعا أو كرها ، وكان نواب محكمة الباب وأعيان شهودها يساعدونه على عدوانه حتى أهلك الحرث والنسل. وذكر الغزى أن كيوان الطاغية أعيا أهل دمشق ظلما وفتنة ، وكانت بداية كيوان نهاية أويس ثم تجاوز عنه بمراتب ، فطمع هو وقائد الصالحية أولا في أملاك الفلاحين ، واستخلاص ما ملكوه بالشراء أو بالمغارسة ، فكان يعمل الحيلة لأحدهم حتى يوقعه في مخالب صاحب الشحنة ولو بالتهمة والاستتباع. وقد اقترف يوسف السقا من الأجناد الدمشقيين ضروب المظالم ، وصادر الناس في أموالهم وعقارهم ، وقبض على غالب أعيان دمشق وشيوخها وهرب بعضهم ، واغتصب من تجارها المشاهير وبعض أهلها الضعفاء مالا جزيلا أناف على مائتي ألف دينار ومن التحف والأقمشة ما لا يحصى. ومثل هذه الشؤون كانت تجري على مشهد من الولاة ويتغاضون عنها لأنها قد تكون بإيعازهم وهم لا محالة شركاء أولئك الزعماء.
حملات على الأمير فخر الدين المعني وغيره :
أدركت الدولة أن خطر فخر الدين المعنى على حياتها في هذه الديار زاد عن سنة (1020) وأنه تأصلت أحكامه بعد عودته من إيطاليا ، وما كانت في حملتها الأولى والثانية لتغضي عن تخريب الأقاليم إلا اضطرارا ، فساق هذه المرة مصطفى باشا والي دمشق (1033) جيشا على فخر الدين فاستظهر هذا بالأمير محمد الشهابي حاكم وادي التيم كما استظهر حاكم الشام بابن سيفا حاكم طرابلس وابن الحرفوش صاحب بعلبك فهلك جمهور من عسكر دمشق قدر بمائتي قتيل ولم يقتل سوى رجال قلائل من جماعة ابن معن ، وكانت الوقعة في عين الجر (عنجر). وقبض جماعة ابن معن على والي دمشق فجاء الأمير فخر الدين وقبل ذيله ، وقيل شفع بالوالي علماء دمشق

وكبراؤها لدى ابن معن ، ورجع عسكر دمشق مفلولين وفي رواية أنهم خامروا على الوالي وأطلق الأمير فخر الدين والي دمشق مكرما ، فعاد إلى الفيحاء ينتقم ممن كان السبب في غزو ابن معن. وهذه الوقعة زادت في مكانة أمير لبنان في نظر الدولة والأمة ، ودلت على أنه كان مع قوته عاقلا بعيد النظر ، وأنها عاجزة عن أخذه إلا بتجهيز جيش عظيم لأنها حاولت غير مرة ذلك فرجعت بالخيبة خصوصا وقد عملت محالفته لكوسموس الثاني كبير دوجات طسقانه ، وأن فخر الدين لما استظهر بأسطول فرديناند الطسقاني استولى على ساحل الشام وغلب جيش الدولة غير مرة.
وفي سنة (1033) أيضا جلس جماعة الوالي بدمشق على الطرق ومعهم الريش يضعونه على رأس كل من يرونه وينادون عليه «مستاهل لم يقدر أن يرفعها من شدة الخوف» قال المقار : فلما كملوا أرسلوهم إلى اليمن فقتلوا كلهم هناك. ومعنى ذلك أن الدولة كانت تريد تجنيد أناس لترسلهم من الشام إلى اليمن فلم تر أظرف ولا أعدل من هذه الطريقة في التجنيد. وفي سنة (1038) عين والي دمشق شرذمة من العسكر لمنازلة بني شهاب في وادي تيم الله بن ثعلبة فنهبوا قراهم وأحرقوها.
وقد وزعت الدولة عسكرها على كور الشام ليشتي فيها سنة (1041) وكان جيشا كبيرا فخص دمشق منهم أثنا عشر ألف جندي ما عدا أتباعهم ، وكان مأكلهم ومشربهم من أهل دمشق وأقاموا بها أربعة أشهر ، فلما عزموا على السفر أخذوا ترحيلة من أهل دمشق خمسين قرشا من كل دار فاضطرب أهل دمشق اضطرابا عظيما. وقال أبو بكر العمري من قصيدة وصف بها سنة «القشلق» :
قوم من الأتراك عاثوا بها
    على خيول ضمّر سبق
  من جهة الشرق لقد أقبلوا
    والشر قد يأتي من المشرق
  في رقعة الشام غدت خيلهم
    وذلت الأرخاخ للبيدق
  أجلوا أهالي الدور عن دورهم
    بالسيف والدبوس والبندق
  واتخذوها مسكنا دونهم
    بالفرش من خز واستبرق
  وحملوهم كلفا أعجزت
    غنيهم جهدا فكيف الفقير
 

قال المحبي : أن القشلق من عسكر السلطان مراد بن أحمد كانوا عينوا لمحاربة شاه عباس فدهمهم الشتاءدون الوصول إلى خطة العجم فأمروا أن يشتّوا في دمشق وأطرافها من القرى وضيقوا على الناس أمر المعيشة وبالغوا في التعدي ونهب أموال الناس.
وفي سنة (1043) جاء السردار الأعظم محمد باشا إلى حلب يحمل مرسوما سلطانيا بقتل نوغاي باشا لأنه تهامل في قتل من يجب قتلهم من الأشقياء واكتفى منهم بمصادرة أموالهم ، فقتل وأرسل رأسه بلحيته البيضاء إلى جانب السلطنة. قال نعيما : وهذا الوزير ممن سبقت لهم خدم جلى للدين والدولة وهو من أقدر الوزراء. وفي هذه السنة تجمع نحو خمسمائة من أرباب الفساد من الانكشارية وثاروا بوالي حلب فقتل منهم خمسون وجرح كثيرون ، ثم جاء رؤساؤهم معتذرين للوالي بما صدر من أوباشهم فتأثر جميع النافخين في بوق الفتنة وقتل الجرحى والهاربين منهم فسكنت الثائرة. وفي هذه السنة خرجت عساكر من دمشق وباغتوا أمير وادي التيم فنهبوها وأحرقوا قراها وباغت صاحبها العسكر الدمشقي فظفر بهم ورجعوا عن أقليمه.
القضاء على الأمير فخر الدين المعني :
في سنة (1043) قويت كلمة فخر الدين بن معن الثاني وكانت الدولة منذ ثلاث وعشرين سنة تنظر إليه نظر الخارج عن طاعتها ، وحاولت غير مرة أخذه فلم تستطع لأنه كان بجيشه أقوى من الجيوش التي تساق عليه ، وأرضه حصينة بطبيعتها وحصونه كثيرة ممتنعة ، ولو لا أن الدولة مرتبكة بغوائل خارجية لضمت قوى كثيرة من قوتها وأخذته أخذ عزيز مقتدر ، فلما استراح بالها من مشاكلها أرسلت عليه جيشا من الأناضول بقيادة أحمد باشا الأرناؤدي كافل دمشق فانتصر عليه الأمير فخر الدين في وقعتين قرب صفد ، ثم انتصر عليه القائد العثماني في وادي التيم وقتل ابنه عليا وتوفي أخوه متأثرا من جراحاته ، وكانت أرسلت الدولة عليه أسطولا من البحر فغلب على أكثر سواحله وعاون بنو سيفا وأصحاب الأحزاب بعسكر وافر الجيوش العثمانية ومشوا مقابل المراكب على طريق البرفتشتت المعنيون ،

وكانت الدولة تحاذر من معاونة أسطول البنادقة أو الطسقانيين له ، ولجأ الأمير إلى شقيف تيرون فضاقت نفسه وفي رواية أنه هام على وجهه في الجبال سنة ودل جماعته عليه ، ثم عمد إلى مغارة في جزين فاضطر أن يسلم نفسه إلى الوزير العثماني فدخل به إلى دمشق بموكب حافل وهو مقيد على الفرس خلفه ، ثم حمل إلى الاستانة فقابله السلطان مقابلة لا بأس بها ولامه على أفعاله فقدم أعذاره ، واحتج بأنه جمع الرجال لأمور مختصة بالوزراء والنواب وما قتل غير العصاة على السلطنة ، وأن القلاع التي استولى عليها وفتحها كانت بيد العصاة وسلمها للسلطنة فاقتنع السلطان من كلامه وعفا عنه ولكنه أبقاه مخفورا. ولما قام حفيده الأمير ملحم وكسر جيش والي دمشق ونهب صور وبيروت وعكا صدر أمر السلطان بقطع رأس الأمير فخر الدين وخنق ابنه الأكبر.
وذكر الشهابي أن الأمير علي بن علم الدين اليمني الذي وسد إليه حكم لبنان بعد أسر الأمير فخر الدين قد ضبط جميع أرزاق بيت معن وقبض على تابعيهم وقتل بعضهم ، ثم باغت الأمراء بيت تنوخ وكانوا في الحمام في السراي التي تحت القرية فقتلهم وردم البرج على أولادهم الصغار ، ولم يترك من بني تنوخ ذكرا يخلفهم ، ولما بلغ ذلك الأمير ملحم بن معن جمع من كان معه من القيسية وركب على اليمنية فقتل منهم كثيرا وقدر من قتل من الفريقين بنحو أربعمائة نفس ، وانهزم الأمير علي بن علم الدين إلى دمشق وخرج منها بعسكر نحو خمسمائة رجل وعند ما وصل تحت قب الياس نزل سعيد أحمد أبو عذرا إلى مقاتلتهم برجال العرقوب في نحو أربعمائة رجل ، فأخلت له الدولة الخيام حتى دخل بالرجال ثم أطبقوا عليه فما سلم منهم إلا القليل ، فرجع الأمير ملحم واختبأ في الشوف وتجددت عند ذلك الشكايات على الأمير فخر الدين وعندها أمر السلطان بقتله. قال المرادي : إن أملاك الأمير فخر الدين وهبها السلطان مراد إلى أحمد باشا الكوجك ، وكان عمر التكية خارج باب الله بالقرب من مسجد القدم بدمشق فوقف عليها ذلك من متعلقاته في بعلبك وصيدا وريشيا وحاصبيا وكانت أملاكا لفخر الدين.
وبهلاك الأمير فخر الدين وضعف سلطة الأمراء المعنيين استراح الأمراء المجاورون أمثال بني سيفا في طرابلس والأمير أحمد بن طرباي الحارثي أمير

اللجون في نابلس ، وقد وقعت بين هذا وبين الأمير فخر الدين حروب كثيرة ، وكان ابن معن توجه لقتاله ثلاث مرات ورحل ابن طرباي إلى الرملة وكان في كل مرة يكسر عسكر ابن معن ويدحره ، وأشهر وقعاته معه وقعة يافا وكان هو وحسن باشا حاكم غزة محمد بن فروخ أمير نابلس فقتل من جماعة ابن معن مقتلة عظيمة وغنم غنيمة وافرة. وحارب مرة بدو الساحل على نهر العوجا وبدد جموعهم ولكن أهل كورة حارثة في جينين حاصروه في قلعة هذه المدينة وأخرجوه منها.
هلك فخر الدين بن معن الثاني بعد أن كاد يستولي على أكثر الأقاليم بأخذه أملاك بني سيفا وبني الحرفوش في طرابلس وبعلبك ، وقد كان واسع الصدر بعيد الغور والنظر متسامحا يسير مع المدنية سير تعقل ، وأخذ في آخر أمره يعمر في بيروت حديقة للوحوش تقليدا لملوك إيطاليا ، وعمر قلعة صرخد وقلعة شميميس وقلعة فوق أنطاكية وجهزها بالعساكر. فشكته حكومة حلب للباب العالي. قال المحبي : إن ابن معن بلغ مبلغا لم يبق وراءه إلا دعوى السلطنة. وعلل البوريني سبب أخذ الدولة له أنه أخذ يحصن قلعة الشقيف عدة أعوام وأخذ لواء صفد ، فعظم شأنه وارتفع مكانه وبعد صيته ، وكثرت أمواله لأنه تصرف في أرض ما خطر في بال أحد من الأمراء التصرف فيها ، وكان ملك كفر كنّه وعكا والساحل وصفد وبلاد ابن بشارة والشقيف وبيروت وصيدا وو جبل كسروان وجبة المنيطرة وجبيل وأنطلياس والبترون والجرد والغرب والمتن والشوف والمقيطع والشحار والبقاع وبعلبك وصور المعشوقة ، وحصن قلعة الشقيف وجددها وشحنها بالأرزاق الكثيرة وجعل بها من آلات الحصار شيئا كثيرا واستمر في ذلك التحصين نحو عشرة أعوام فتفطن له الأمراء والوزراء.
وقال نعيما : إن قلاع الشقيف وبانياس ودير القمر كانت محصنة في عهد ابن معن فصعب استيلاء الجند العثماني عليها لما عصى على الدولة ، وإن من قتلوا في برهة قليلة من عصاة الدروز بلغ نحو ثلاثة آلاف وأحرقت بيوتهم وقراهم ، وإن عهده وما بعده في الجبل مضى مع الدولة تارة في حرب وطورا في سلم وصلح اه. ومن الحصون التي رممها وأنشأها قلعة قب الياس وبانياس وبرج الكشاف في بيروت وبرج البحصاص في طرابلس ورأس بعلبك واللبوة وحدث

بعلبك والصلت وحيفا ونوله وسمر جبيل وطرابلس وصافيتا والمرقب وحصن الأكراد.
وكانت له في باب قوة الإرادة آيات منها أنه لما حدث اختلاف بينه وبين بيت سيفا أصحاب طرابلس ، أتى بنو سيفا وأحرقوا ونهبوا الشوف فأقسم كما قيل هكذا : «وحق زمزم والنبي المختار لعمرك (لأعمرك) يا دير بحجر عكار». وهكذا كان فإنه لما فاز على بني سيفا وحاصر قلعة الحصن وأخذها وهدمها ، جعل الجمال بالألوف تجلب الحجارة من عكار إلى دير القمر وبنى الدور القديمة في الدير ووزع في جدرانها من حجارة عكار الصفراء.
كان ابن معن يجمع إلى الحسنات سيئات فمن حسناته أنه كان يميل إلى عمران إماراته ويتسامح مع الأجانب حتى تكثر صلات الشاميين بهم للتجارة ، وكان عنده على الدوام عشرة آلاف جندي تحت السلاح ويستطيع أن يجند مثلها وقيل : إنه كان يستطيع أن يجند أربعين ألفا. وقد سئل لما كان في إيطاليا كم يقدر أن يجهز من العسكر فقال : كنت أجمع نيفا وعشرين ألفا ما عدا الذين يتأخرون في البلاد للمحافظة ، وكان يفضل على الأدباء والعلماء وكذلك كان يفعل خصومه بنو سيفا. أما سيئاته فكان مفرطا بأخذ الأموال من الناس ولا سيما بعد أن زار إيطاليا وتعلم منها البذخ حتى اشمأزت منه رعيته ، وقد بلغت جبايته تسعمائة ألف ليرة يعطي الدولة نحو ثلثها ويتمتع بالباقي. وكان نزوعا إلى العلى محافظا على صلواته مع الجماعة وعلى عاداته الإسلامية حتى في إيطاليا ، وبنى جامعا ومأذنة في البلدة التي نزلها ، ولما كان في الغرب عرض عليه ملك اسبانيا أن يدين بالنصرانية ويتولى مملكة أعظم من مملكته فاعتذر بلطف. ذكر هذا مؤرخه الخالدي إلا أن «المعلمة الإسلامية» تقول : إن الأمير فخر الدين لما فر إلى ليفورنا (1022) واستقبله كوسموس الثاني الدوق العظيم باحتفال حافل لم يتحقق الأمل الذي كان عقده من العودة في الحال بجيش معاون من المسيحيين للقضاء على السلطة التركية في الشام. وعبثا حاول أن يظهر أن الدروز من نسل مسيحي اسمه الكونت دي درو وأنه هو أيضا من أبناء كودفري دي بوليون من أمراء الصليبيين. ولم يوفق أن يحمل المسيحيين على إعلان حرب صليبية جديدة. وربما كانت قواه إذا قيست بقوى ابن سيفا صاحب طرابلس

متكافئة لأن الدولة كانت تعضد ابن سيفا سرا حتى لا يتعاظم نفوذ ابن معن ، ولكن شتان بين الرجلين في الغناء وبعد النظر.
فتن في الساحل :
وفي سنة (1044) حارب الأمير عساف بن يوسف سيفا الأمير علي بن عساف وأحرق بلاد جبيل والمنيطرة وقتل من جماعة عساف كثيرون ، وكثرت الحكام والأحزاب في لبنان وظلموا الرعايا وأخذوا المال الأميري مرتين ، وقبضوا على رؤساء القرى وشددوا عليهم ليخبروا عن أرزاق بيت معن وبيت الخازن ، وفي السنة التالية باغت الأمير علي بن سيفا قرية أميون وأحرقها ، فجمع خاله الأمير عساف الرجال ودارت الحرب بينهما في أرض عرقة فانكسرت جماعة الأمير علي ، ثم أعاد هذا الكرة على خاله في عناز من بلاد الحصن فظفر به الأمير عساف وقتل من جماعته مقتلة كبيرة واشتد الضيق بالناس.
وفي سنة (1046) قصد أحمد الشمالي اغا الانكشارية مقاتلة الأمير علي بن علم الدين لتأخره في أداء المال السلطاني ومعه متولي صفد وبيروت وطرابلس فانهزم قدامهم ، ورحل معه يمنية الغرب والجرد والمتن والشحار والشويفات بعيالهم ومواشيهم وكانوا نحو سبعة آلاف نفس فدخلوا كسروان ، وانهزم من قدامهم القيسية وكسروهم في مرحاتا ، ثم طردوهم من كسروان فساروا إلى عكار وسار عسكر الدولة على طريق الساحل ودخلوا طرابلس وخرجوا إلى نهر البارد فانهزموا من أمامهم ولحقوهم بأرض الجون فكسروهم وسبوا حريمهم وأخذوا مواشيهم ، ثم إن طروبه البدوي تداخل بالصلح بين الأمير عساف وابن أخته علي فرجع ابن علم الدين إلى بيروت. ولما حدث ذلك الاختلال في الساحل ظهر الأمير ملحم بن معن وحكم الشوف ، وجمع بيت الحرفوش سكمانهم وعربانهم لاسترجاع بعلبك فخرج إليهم نائب دمشق بعسكره ووقع بينهم الحرب فظفر النائب ببيت الحرفوش وقتل منهم مقتلة عظيمة. أي إن الحال لم تستتب في لبنان بهلاك الأمير فخر الدين المعني ، وقد جرت شؤون كثيرة من خراب وقتل وئشنق في السنين التي أعقبت قتله حتى آخر عهد مراد الرابع.

وكان الوالي بدمشق سنة (1046) درويش محمد باشا الشركسي ففتك بأهلها وتجاوز في ظلمهم الحد وفي آخر أيام (1047) اجتمع العامة على القاضي واشتكوا من الظلم وبالغوا في التوسل ، فلما بلغه ركب وكان مخيما في الوادي الأخضر بدمشق وأتى مغضبا وسفك دم بعضهم ثم عزل وصار أمير الأمراء بطرابلس. وهذه القاعدة مما كانت تسير عليه الدولة في نقل الولاة فمن ترتضيه ويوافق مصلحتها تنقله إلى مكان آخر إذا قامت عليه الشكايات مهما عظمت وثبتت لديها ، كأن الولاية الأخرى ليست من ملكها ولا يهمها أمر أهلها ، وأن الوالي بمجرد نقله يغير أخلاقه.
إبراهيم الأول وسفاهته :
توفي مراد الرابع سنة (1049) بعد أن حكم سبع عشرة سنة وكان من الشدة على جانب عظيم منهمكا في شهواته ولذاته ، قيل إنه قتل مائة ألف إنسان منهم خمسة وعشرون ألفا بنفسه وأمام عينيه ولكنه أمن على حدود الولايات الشرقية باستيلائه على بغداد ، وهو الذي قضى على فخر الدين المعني الثاني ، ولو لا ذلك لاستقل هذا بالشام وربما امتد حكمه إلى أبعد من ذلك من الأقطار والممالك ، ولم ترتح هذه الديار بعد مراد الرابع ، كما أنها لم ترتح على عهده فخلفه السلطان إبراهيم وكان خالعا ماجنا فسدت المملكة في أيامه بأخلاقها ومشخصاتها ، وكان أبدا في شاغل عن الأمة إلا بما كان من تحقيق شهواته ، وكان غريبا فيها. وقد عقد مراد بك في تاريخه «أبو الفاروق» فصلا في سلطنة النساء استغرق جزءا برمته نلخصه هنا ليتبين للقارئ كيف يكون حال مملكة سلطانها سخيف ضعيف.
ومما ذكر فيه استرسال السلطان أحمد في الشهوات حتى قضى في الثامنة والعشرين شهيد الغواني والكؤوس ، أما السلطان إبراهيم هذا فهو أعظم زير ابتلي بحب النساء حتى كان كل أسبوع يبني ببكر ويجرى له عرس وتقام الأفراح في قصره ، وكان كلما سمع هو أو والدته «كوسم والدة» أو أحد حاشيته وحملة غاشيته ووزراؤه وعماله بغانية حسناء يقدمونها لسلطانهم ، حتى عجز سلطان عن ملامسة النساء لكثرة إفراطه فجاء «جنجي خواجه» وكتب نسخ

الأدوية والعقاقير النافعة في القوة حتى أصبحت المملكة تفاخر بأن سلطانها يستطيع أن يقترب من أربع وعشرين بكرا في الأربع والعشرين ساعة! وأصبح القول الفصل في القصر السلطاني للجواري والسراري ، وكان على نسبة اشتداد أعصاب السلطان يضعف عقله وهو لا عمل له إلا الأفراح والنساء والغناء والخلاعة ودخول الحمام واقتناء الجواري والحلي والزهور والأموال والطرائف ، وإصدار والأوامر بقتل الأنفس بمعنى وبلا معنى ، وأخذ يستريح إلى رؤية المناظر الفظيعة من القتل شأن قياصرة رومية في أواخر أيامهم.
وكان تقرر جعل النساء الرسميات أربعا ثم أبلغت والدة السلطان عددهن إلى ثمان نساء ، لأن نسل بني عثمان كاد ينقرض ، وأحبت كوسم والده تكثير نسلهم على هذه الصورة ، ولكل واحدة من تلك الجواري من الخدم والخادمات والوصيفات والندماء والنديمات والخازنات والملبسات عشرات وربما مئات ، تجبى وارادت الولايات العظيمة لتعطى إلى المقربين والمقربات ، والوظائف تباع بيع السلع بالمزاد ولا سيما على عهد الأغوات بكتاش اغا ومراد اغا ومصلح الدين اغا وأمثالهم ، ولم يبق أحد لا يرتشي من الصدر الأعظم فنازلا ، لأن السلطان يطلب من كل عامل عنده جعلا يليق بشأنه سلطانه ، حتى تعدت الحال في طلب الأموال إلى كبار التجار في الاستانة ، وأخذ رجال القصر ونساؤه يسلبون من الأمة ما يقدرون عليه ، واضطر كثير من التجار إلى الاختفاء وإغلاق حوانيتهم تخلصا من مطالب جماعة السلطان ، ولا تسل عن رواج سوق الحليّ والجواهر والعربات المرصعة والطسوت المحلاة والنعال المزينة بالأحجاز الكريمة والإسراف في استعمال الذهب واللؤلؤ والزبرجد وسائر المعادن النفيسة في الآنية والزينة والنقش فإنه مما لا تتصوره العقول.
وكانت واردات لواء (سنجاق) تعطى من قبل نفقة لنساء القصر فأصبحت أيالة الشام على طولها وعرضها يخصص ريعها وجبايتها للمرأة السابعة بحسب الأصول الحديثة على العهد الإبراهيمي. ولم يرض النساء أن تجبى لهن الأموال الولاة وبكوات الألوية ، بل كنّ يعين جباة من قبلهن يجبون باسمهن ريع الولاية أو اللواء. وقد كان الذي عهدت إليه جباية واردات الشام محمد اغا الذي اشتهر فيما بعد في التاريخ العثماني باسم محمد باشا الكوبرلي الكبير ،

وهو ممن حالوا بتدبيرهم دون سقوط الدولة العثمانية. قال أبو الفاروق : ولا غرو فقد توجد الدرة النفيسة بين الكناسات والقمامات.
ولم يكتف السلطان بما كان يقدم له من النساء بل كان يطوف العاصمة وضواحيها ، فإذا رأى من أعجبته وتردد وليها في إرسالها يلقى جزاءه في الحال ، وبلغ السلطان مرة أن امرأة ايبشر مصطفى باشا في جهات سيواس على غاية من الجمال ، فأرسل إلى واردار علي باشا ثلاثين ألف ليرة ليبعث إليه بزوجة مصطفى باشا فنفر علي باشا من اقتراح سلطانه وأجاب بالرفض ، فقرر السلطان إهلاكه ، ولكن علي باشا رفع راية العصيان وجعل عالي الأناضول سافلها ، وقرر السلطان أن يأتي بزوجة ايبشر مصطفى باشا ويعريها ويجعلها في أحد الشوارع المهمة بين عمودين يربط إليهما رجلاها ويداها ويطلق للعامة والعسكر أن يلمسوها حتى تموت ، فلم يقنع السلطان أصحابه بالرجوع عن هذا العمل البشع إلا بعد اللتيا والتي.
وقرر هذا السلطان الأخرق يوما أن يقتل النصارى بأسرهم في مملكته فاحتال عليه شيخ الإسلام قائلا : إن في قتلهم نقص واردات السلطنة ، وإن مئتي ألف إنسان إذا قتلوا في العاصمة تخف الجباية لا محالة ، وبهذا استرجعوا من هذا المعتوه الفاجر إرادته المختلة وهكذا حتى خلع وقتل سنة (1058) بعد سلطنة ثمان سنين وتسعة أشهر. وقد قتل عدة من رجاله وقتل الصدر الأعظم مرة لأنه بعث في طلبه لتدارك حطب للقصر فقال له الوزير : إن هذا الطلب ليس من الأمور المهمة التي يفكر فيها من يفكر في أمور السلطنة فمثّل به في الحال ولم يجرأ بعدها على تولي الصدارة إلا من كان على جانب من الرياء والنفاق ليرضي السلطان.
وذكر مؤرخو الترك أن سلطان زاده محمد باشا الذي تولى الصدارة على عهد السلطان إبراهيم ثلاث سنين خرب خلالها في جسم الدولة ما لا يقع مثله في ثلاثة قرون ، وبلغ من ريائه مع سلطانه ما لم يوفق إليه أحد ، وجاءه أمر من السلطان ذات يوم يقول فيه : إن الخزينة نضبت أموالها ولا بد أن يسترجع ما أهداه أجداده السلاطين إلى حرمي مكة والمدينة من المجوهرات ليسد العجز فقال الصدر الأعظم على دهائه وريائه وهو يقرأ هذه الإرادة السلطانية :

لقد سقطت الدولة إلى هذه الحالة بفيلق من الجواري الناقصات من بنات الروس وبولونيا والمجر وفرنسا.
ومما ذكروه في باب إسراف ذاك الدور أنه كان عند دفتردار محمد باشا 47 طاهيا و 7 رؤساء طهاة ولكل طاه خدامه وخيامه وأشياؤه وبغاله وجماله حاضرة على الدوام وفي بيت مؤنته من الأواني المرصعة والمذهبة والمفضضة وغيرها ما يبلغ مجموع ثمنه ثروة كبرى. وهكذا أسرف السلطان ورجاله في كل شيء وفسدت الأخلاق ولا من يجسر أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر حتى قال أبو الفاروق : إن معظم كبراء الأمة ومن كان لهم علاقة بقصر السلطان إبراهيم كانوا يتقربون إليه بتقديم الأبكار الحسان فرأوا القيادة والدياثة أحسن شافع لهم عنده للترقي والاغتناء.
فإذا كان على هذا النحو حال دار الملك وحال قدوة رجال الأمة فيها ، فما الحال بالولايات ولا سيما البعيدة كهذا القطر ، وكان ولاته كولاة غيره من جماعة القصر ينصب أكثرهم بشفاعة النساء والقوادين والقوادات. على هذا المثال كان أغوات القصر الأغبياء ينصبون الولاة ولا يتركون لهم مجالا ليقفوا على حال البلد الذي يقضي عليهم إدارته ، بل يبدلونهم بغيرهم بعد مدة وجيزة ويبعثون بآخر من هذا الطراز. كل ذلك من مقتضيات الجهل والطمع والشفاعة ، فاقتضى أن يكون الوالي من صنائع بعض العظيمات أو العظماء ، وكثيرا ما يكون ما جمعه من المال في ولايته داعيا إلى توجيه النظر اليه فيقتل لتصادر أمواله ، ولطالما كان قتل العمال مما يروق السلطان لأنه يقبض على أكثر موجودهم ، وكم من مرة كانت امرأة أحدهم أو قصره البديع في المضيق في فروق سببا في الغضب عليه والحسد له ، حتى يورده الوزير الأكبر أو غيره حتفه ليتمتع بعده بزوجته أو ليسكن قصره أو ينال غير ذلك.
وذكر أبو الفاروق عند كلامه على مصطفى سلطان وكيف تجرد في قصره عن العالم وحصر وكده في شهواته أن آل عثمان من القديم تفردوا بغلبة شهواتهم عليهم ، وقد وقع عارض لمراد الثالث فأخذ أهل القصر السلطاني يتعلمون أدوية الباه من الشرق والغرب وهو يسيء استعمالها.

فتنة وال أخرق في حلب :
ومن الأحداث في أيام السلطان إبراهيم فتنة ثار وقدها بين الانكشارية ورؤسائهم في حلب ، كان السبب فيها أن الانكشارية طلبوا من رؤسائهم أن يعطوهم غروشا بدلا من الأقجات ، وطلبوا عزل وكيل رئيسهم وكاتبه ، فقتل منهم جملة ، ثم وقعت بينهم وبين رجال الصدر الأعظم فتنة قتل فيها نحو خمسين رجلا من الطرفين وانتهت القضية بقتل آغتهم ووكيله وكاتبه. ومنها ما رواه نعيما في حوادث سنة (1054) قال : إنه كان في بر حلب رجل اسمه الأمير عساف يتولى إمارة البادية ، وقد أخذ يسلب أرباب القرى أموالهم وسلط أشقياء العربان عليهم ، فأنشأوا يقطعون السابلة حتى عم شرهم وصعب استئصال شأفتهم ، فدبر والي حلب إبراهيم باشا تدبيرا أخرق وذلك بأن دعاه إلى مأدبة ليغتاله في خلالها ، وعلم الوالي أن الرجل لا يوافي حلب فارتأى أن يأدب المأدبة على خمس ساعات من المدينة ، فخرج الوالي في جنده وخرج عامة أهل البلد لابسين أحسن بزة ، راكبين الخيول المطهمة ، حتى وافوا محل الضيافة التي أقامها الوالي لأمير البر ، وكان الوالي أوعز إلى جنده أن يطلقوا النار على الأمير عند ما يقترب منه لتقبيل الركاب على العادة فأتمروا بأمره ، ولكن الأمير كان يلبس ثلاث دروع فلم يؤثر فيه سلاحهم وركب فرسه من ساعته ، وكان معه زهاء ستة آلاف فارس مدججين بالرماح ، فحملوا على جند الوالي حملة منكرة وقتلوا منهم جماعة ، وأحاطوا بالأهالي فسلبوهم ثيابهم وخيولهم ، ولم يكونوا أقل من خمسة آلاف وقد جرح أكثرهم ، ورجع الوالي إلى حلب لم يظفر بمبتغاه فأثرت هذه الحادثة ، وأخذ الأمير عساف يعادي الدولة العثمانية علنا وطمعت البادية فأخذوا يطيلون أيدي اعتدائهم أكثر من قبل فاضطرت الدولة إلى تنحية واليها الفاسد الرأي السيء التدبير ، وبذل الوالي اللاحق وجماعته أنواع اللطف مع الأمير عساف حتى أعادوه إلى حظيرة الطاعة للسلطنة في الجملة ، وطفق يهادي عمال السلطنة بالخيول ويرسل إلى الحكومة جزءا من الجباية. وما كان يألفه بعض العمال من إعطاء الأمان للخوارج أو غيرهم ثم اغتيالهم في مائدة أو إدخال السم عليهم أو صلبهم علنا قد أدى إلى رفع ثقة الناس من عهودهم ومواثيقهم. وغلطة

واحدة ارتكبها والي حلب الأحمق أدت إلى ما أدت إليه من الفساد والبلبلة. قال الشهابي في حوادث (1054) أنه عزل محمد باشا الأرناؤوط عن إيالة طرابلس وتولاها حسن باشا وكانت الناس لكثرة المظالم تبيع كل ثلاثة شنابل قمح بقرش ، ثم أعيد إلى طرابلس محمد باشا الأرناؤوط وأجرى المظالم على الرعايا حتى خربت قرى كثيرة ورحل أهلها.
محمد الرابع وصدارة كوبرلي :
بويع محمد الرابع بالسلطنة سنة (1058) بعد السلطان إبراهيم فطال عهده إلى سنة (1099) أي إحدى وأربعين سنة ، وإذ كان طفلا عهدت والدته ، بعد تغيير كثير من الصدور ، بالصدارة العظمى إلى رجل عاقل من رجال الدولة وهو محمد باشا كوبرلي وكان أميا إلا أنه أتي بأعمال وطدت دعائم الملك بعد تزعزعه في عهد السلطان السابق بسلطة النساء ، واشترط في تولي الصدارة أن يكون حرا في عمله لا ينازعه منازع ، ولا تقبل فيه وشاية ولا يعين للمناصب إلا من يريد ، وقتل ستة وثلاثين ألف إنسان حتى ألقى الرهبة في النفوس ، وأمن قيام الخوارج والنزاع إلى الثورة من الزعماء وأرباب الدعارة والجند والعصاة ، وخلفه ابنه أحمد باشا كوبرلي الذي كان حاكم دمشق وقاتل الدروز وانتصر عليهم. وكان على غاية من العلم والعمل. ثم خلفه في الصدارة قره مصطفى باشا فأخرج الصدارة عن طورها لأنه كان جماعا للمال له وعنده ألوف من الخيل وكلاب الصيد والبزاة و 1500 حصان و 1500 سرية و 700 خصي.
وخلفه مصطفى زاده من أسرة كوبرلي أيضا وكان من المضاء والشجاعة وحسن الإدارة والاستقامة على جانب عظيم ، واشتد على المزورين والمرتشين وقضاة السوء وملأ خزانة الدولة بأموال اللصوص. وكان يقتل من يتناول التبغ من قبل ، فجعل تجارته حرة على أن توضع عليه رسوم فاحشة ، وقضى أن لا يؤخذ من الرعايا مسلمين كانوا أم مسيحيين غير المقرر من الجزى والخراج ، وقسم المكلفين إلى ثلاثة أقسام يدفع الأول منهم دوكا واحدة ، والثاني دوكا اثنين ، والثالث أربع دوكات ، وهذا هو النظام الجديد الذي بقي بعد هذا الوزير

زمنا ، وخلفه صدر آخر كان ابن أخت الكوبرلي الأول اسمه حسين عموجه زاده وكان على قدم أجداده بعد نظر وحسن إدارة ، فصح في هذه الأسرة ما قاله أحد مؤرخي الفرنجة من أن الوزير الأول منهم لقب بالكبير أو القاسي والثاني بالسياسي والثالث بالصالح والرابع بالحكيم. ولكن تأثيرات هؤلاء العظماء من الصدور لم تكن إلا في الشام لبعد المسافة عن العاصمة ، ولأن طريق الالتزام في جباية الأموال كانت سقيمة تدعو إلى إضعاف المملكة ، ولأن الوالي كانت له لا مركزية واسعة يعمل بقريحته على الأغلب.
وفي تاريخ فلسطين أن حكومة سورية في القرن الثامن عشر كانت حكومة لا مركزية أي إقطاعات أو حكومة أمراء ومشايخ يقوم كل منهم بحكم منطقته. فكان مشايخ أبو غوش أو البراغثة يحكمون بني مالك وبني حسن وبني زيد وبني مرة وبني سالم ، فإذا اختلف اثنان كانا يتقاضيان عند الشيخ ويقبلان حكمه لا محالة ، ومن خالف العادات أو أخلّ بتقاليدهم يسجن في سجنهم ، وكان الشيخ أو الأمير يحبي الضرائب ويقدم المقطوع عليه للوالي ويأخذ الزيادة ، وإذا حدثت فتنة أو خيف من وقوعها كان يطلب الوالي المعاونة من أمراء منطقته فيخرجون بأنفسهم ومن ورائهم رجالهم وفرسانهم. وكثيرا ما كان يستبد هؤلاء المشايخ بالفلاحين ابتغاء مرضاة الأمراء والولاة فأدى هذا النظام إلى انتشار الفوضى واختلال الأمن وسبب للحكومة خسرانا كبيرا في الأموال والرجال.
ولقد حاول السلطان محمد الرابع لما كبر وترعرع أن يقتل شقيقيه سليمان وأحمد فمنعته والدته من قتلهما وحال بينه وبين القتل المفتي الأعظم ، موردا له كلام الله مخوفا له من عذابه ، وبذلك انقضى دور قتل أبناء ملوك آل عثمان وتسلطن شقيقا محمد الرابع بعده. ووقعت في سلطنة أحمد الرابع في الشام كوائن كثيرة منها الوقعة التي حدثت سنة (1600) م في وادي القرن من عمل لبنان الشرقي ، وذلك أن ابن علم الدين أغرى ابشير باشا والي إيالة الشام بالزحف على ابن معن حاكم لبنان فالتقت عساكر الشام والمعنية عند وادي القرن وكانت الدائرة على عسكر الشام. ويقول مؤرخو الترك : بل كانت على عسكر ابن معن وكان اسم ابن معن الأمير ملحم ولي كما قال

المحبي بلاد عمه أي الشوف والغرب والجرد والمتن وكسروان وكان حازم الرأي عاقلا حسن التصرف فلهذا أبقي مدة تزيد على عشرين سنة لم ينغص له فيها عيش إلا مرة واحدة لما قصده ابشير باشا وكان ذلك بإغراء بعض المفسدين وانتصر في تلك الوقعة. وفي خلال ذلك كان درويش الشركسي المعروف بالمجنون واليا على تدمر فكان يغير على العربان وينهبهم ويأسر منهم ويدخل إلى دمشق بالمواكب الحافلة ، ثم ولي لواء عجلون فثار بينه وبين أهلها حروب كثيرة وكسروه.
وروى نعيما (1065) عند كلامه على والي حلب ابازه حسن باشا أنه كان من أبناء الجد بلغ المناصب بصور غريبة وهو شقي يميل إلى الفساد والمظالم ، وإذا أريد تسطير ما أتاه من الجور على الرعايا لاستلاب أموالهم اقتضى ذكر مجمله كتابا ضخما. وأن الحكام كانوا يجبون الجباية ضعفين فيأخذون ممن يقضي عليه أداء عشرة آلاف عشرين ألفا ، ومن يغرم الخمسين مئة أو مئات ، ولم يكن لتعديهم غاية ولا لظلمهم حد يقف عنده ، فتهلك القرى والدساكر بمظالم الجند الذين يرسلهم الولاة والقضاة ممن كانوا يبتاعون بالرشاوي مناصبهم فيغضي عنهم الكبراء لأنهم شركاؤهم فكان من يرفعون ظلاماتهم إلى الاستانة لا يجدون أذنا صاغية وربما انعكس الأمر عليهم وصدّق رجالها الوالي الظالم وسفه أحلام المتظلمين فيزيد الظالمون في ظلمهم. قال : وكان الفقراء يرتحلون عن أراضيهم فأصبحت القرى المعمورة والقصبات المشهورة مروجا ينعق فيها غراب الخراب ، وإذا كان من يحاولون الجلاء عن أرضهم أغنياء يسوق الوالي عليهم الأربعمائة والخمسمائة من جنده ينهبهم ويسبيهم اه. ومن الغريب أن يكون حسن أبازه باشا واليا على حلب على عهد صدارة الكوبرلي الذي يقدسه العثمانيون بإدارته ولعلهم يحكمون على الرجل من رجالهم بحسن الإدارة والإصلاح بمجرد بطشه بالعصاة وإجهازه على من لا تروقه أعمالهم أو ينازعونه في سلطانه ، أما تقاضي الجباية مرتين من الرعايا وإلقاء الفتن الدائمة بينهم فليس من المسائل الجوهرية في قائمة أعمالهم! وحسن أبازه باشا ، خرج عن طاعة الدولة في حلب ومات في تلك النواحي وانضم إليه السكبان وخمسمائة جندي كانوا مع نائب دمشق أحمد باشا الطيار فعينت الدولة

لقتاله الوزير مرتضى باشا فتقابل الجيشان وانكسر مرتضى ثم أخذ بالحيلة وقتل هو وأعيان جماعته وتفرق عسكره وكان ذلك سنة (1069).
وفي سنة (1071) قدم واليا على دمشق أحمد باشا كوبرلي ابن الصدر الأعظم محمد باشا وكان في الخامسة والعشرين من عمره. قال المحبي : وكانت الشام مختلة فأصلحها وركب على أولاد معن وبني شهاب فأزالهم عن بلادهم وقمع أهل الفتن. وذكر المؤرخون أن هذا الوالي لما كان بسعسع كاتبه بنو شهاب وعرضوا عليه جانبا من المال فما قبل وسار إلى وادي التيم فهدم سرايات بيت شهاب في حاصبيا وراشيا وبيوت مدبريهم وقطعوا نحو خمسين ألف شجرة من توتهم في مرج عيون والبقاع ، وأعطى ولاية وادي التيم لأولاد علم الدين مع المقدم زين الدين وابن أخيه عبد الله. فزال بذلك حكم الشهابيين عن وادي التيم. وما أسخف هذه الطريقة في التأديب التي هي عبارة عن تخريب العمران. هذا وابن الكوبرلي من خير من ولي الشام ومن رجال الإصلاح والعلم. وأقام ابن الكوبرلي على صيدا باشا وجعلت باشاوية من ذلك الوقت حتى يرفع حكم أولاد العرب وأعطاها علي باشا الدفتردار. ولما بلغه ما صار من والي طرابلس واليمنية من حرق دور بيت أبي اللمع وبيت الخازن وبيت حمادة وقطع أرزاقهم وما وقع من الخراب في وادي علمات وإتلاف حراج مشمش ولحفد وأرض جبيل والبترون وجبة المنيطرة والعاقورة ، ولما بلغه ذلك وأن الرعايا ضاقت به وخربت ديارها أمر بصرف العساكر ورجع إلى الشام ، وعلي باشا هو الذي طلب مالا من ناظر كنيسة مار جرجس في بيروت وإذ لم يقبل النصارى أمر أن تصير الكنيسة جامعا وبنى لها مأذنة وسميت مقام الخضر. وفي سنة (1071) قدم علي باشا إلى صيدا وهو أول من تولاها من الباشاوات وكانت فتنة عظيمة بينه وبين مشايخ المتاولة فأوقع بالقيسية ونهب إقليمهم فارتحلوا عنه وبعد سنتين نصر الوالي القيسية.
وفي سنة (1073) قتلت الدولة منصور بن شهاب أمير وادي التيم والأمير علي ابن عمه لموافقتهما رؤساء جند دمشق في وقعة مرتضى باشا لما ولي نيابة دمشق وقارب أن يدخلها ، فأرسلا جندا من وادي التيم تجمع في دمشق وانضم إلى من قام فيها من رؤساء الأجناد والأوباش والتقوا مرتضى باشا في القطيفة فهرب

منهم. ولما كتب النصر للدولة نزلت العقوبة بالثائرين وفي مقدمتهم الأمير منصور وأخوه والشهابيون على ما قاله المحبي في وصف إدارتهم وسيرتهم على عهده : «وجورهم بالنسبة إلى أمراء بلاد الشام كالدروز بني معن والرافضة بني الحرفوش وبني سرحان مقصور على أنفسهم من حيث المعتقد فحسب ، ومالهم في القديم والحديث كثرة أذية للمسلمين».
ومن مساوي حكومة الإقطاعات أن صغار أمرائها من الشاميين كانوا يضطرون كل الاضطرار إلى المصانعة فتراهم أبدا مع القوي الذي تدوم سعادته إذا ولت عنه ولووا وجوههم ، وفي هذا السبيل كانوا يقتلون رجالهم بل يقتل أبناء الأسرة الواحدة بعضهم بعضا وتخرب بيوتهم وبيوت شملهم وحاشيتهم. والولاة يشدون مع هذا ويرخون لذاك شأنهم مع كل صاحب سلطة وقوة. وهكذا كانوا في معاملتهم لليمنية والقيسية يقوى تارة هؤلاء وطورا أولئك ، فقد وقعت سنة (1075) في الغلغول عند برج بيروت وقعة بين القيسية واليمنية قتل فيها عبد الله بن قائد بيه ابن الصواف وانكسرت اليمنية وانهزموا إلى دمشق. واشتدت الحالة على الشام في هذه السنة بسبب الطاعون المنتشر في أرجائها الذي أقفلت به بيوت كثيرة لموت جميع سكانها حتى إن قاضي حلب ضبط الأموات في حلب فبلغوا 140 ألفا وكان القحط عم القطر قبل أربع سنين فجيء بالقمح من مصر وبيعت غرارة الحنطة بثمانين قرشا. ولم تفتر الحكومة مع ذلك عن حرق الدور والقرى فقد استنجد (1082) بنو حيمور أمراء البقاع بحكومة دمشق فأنجدتهم بعسكر فداسوا وادي التيم وحرقوا دور بني شهاب وقراهم. واشتد ظلم بني حمادة في عمل طرابلس وظلموا الرعايا ، فخربت القرى وكان في خلال ذلك (1081) واليا في حلب حسين باشا المعروف بصاري حسن يتلطف بالرعايا وينتقم من ذوي الكبر والمناصب. كما أن ظلم والي دمشق ومتسلمه اشتد سنة (1083) فأغلقت المدينة مرتين احتجاجا على عمله.
وفي سنة (1086 ـ 1087) حرقت قرى البترون وفي السنة التالية حرقت قرى جبيل والبترون أيضا وخلت جبيل من سكانها. وفي سنة (1087) أمر والي طرابلس بحريق وادي علمات وهي فرحة وعلمات وعشاق وطورزيا والحصون

واهمج وجاج وقرى جبة المنيطرة وهي كفر جال والمغيرة ولاسا والمنيطرة وأفقا ولما رجع للعسكر جاء مشايخ بيت حمادة وأحرقوا قصوبا وتولا عبد الله وبسبينا وصغار وشبيطن. وفي سنة (1090) تولى خليل بن كيوان على صيدا فظلم الرعية كثيرا. وفيها كانت التجريدة على الأمراء آل شهاب من والي صيدا ووالي دمشق وكان النصر للباشاوات. وفي السنة التالية باغت الأمير عمر الحرفوش مع آل حمادة جماعة الأمير فارس شهاب في نيحا قرب الفرزل فقتله وقتل خمسين رجلا من شيوخ وادي التيم ، فجمعت أسرة شهاب العساكر وساروا إلى بعلبك فتداخل الأمير أحمد بن معن بالصلح وجعل جزية على آل الحرفوش كل سنة خمسة آلاف قرش ورأسين من أطايب الخيل. وفي سنة (1096) تولى ابن معن صاحب الشوف جميع مقاطعات بيت حمادة فأحرق ايليج ولاسا وأفقا والمغيرة وقطع أملاكهم. وفي سنة (1098) لما فر الأمير شديد إلى جبيل نزل إلى العاقورة فأحرق من ضياع بيت المشايخ بيت حمادة نحو أربعين ضيعة وقطع أشجارها.
وكانت مصيبة القطر في هذا الدور واحدة في الظلم ، فكان الوالي في حماة مثلا إذا غضب على رجل يضعه على «الخازوق» ، وإذا غضب على امرأة وضعها في خيش مع شيء من الكلس وألقاها في العاصي ، وأصبح الناس لكثرة المصادرات يكتمون أموالهم ويدفنونها في الأرض لتنجو من المصادرات والسرقات ويتظاهرون بالفقر ، وربما مات أحدهم فجأة ولا يعلم أولاده بدفينته في جدار البيت أو الحائط فيقع المال بعد مدة في يد من تنتقل إليهم الدار. قال المحبي : ولكثرة جور الحكام في حماة على الأهلين في القرن الحادي عشر هاجر أغلب سكانها إلى دمشق.
أما في جهات لبنان الغربي والشرقي فإن الوالي أو المتسلم أو المستبد إذا غضب على رجل أحرق قريته كلها أو عاقبه بقطع شجره ، ولذلك كان من الدعاء على الرجل في لبنان «الله يقطع رزقه» أي أشجاره أو «يخرب زوقه» أي بيته ، والزوق البيت ، وفي سنة (1098) ورد الأمر لعلي باشا النكدلي متولي إيالة طرابلس أن يقتصّ من الأمير شديد الحرفوش لتخريبه قرية رأس بعلبك وهدمه حصنها ، فكتب إلى الأمير أحمد بن معن أن يوافيه بالرجال فلجأ

الأمير شديد إلى المشايخ الحمادية فأحرق علي باشا قرية العاقورة وأربعين قرية من قرى بني حمادة ، ثم نزل عسكر للباشا على عين الباطية فباغته ليلا آل حمادة والحرافشة وقتلوا منهم خمسة وأربعين رجلا وانهزم العسكر.
عهد سليمان الثاني والحكم على الخوارج :
توفي محمد الرابع سنة (1099) وتولى السلطان سليمان الثاني والأمور في عهده الطويل لم تتبدل والمرض واحد ، وهو سوء الإدارة وخراب العمران وهلاك المال وهتك الأعراض وقتل الرجال. وتم القرن والشام غرض الرماة تصيبها مطامع الولاة والأمراء وأرباب الإقطاعات والألوية وأهم ما كان فيه مظالم بني سيفا وبني معن وثورة ابن جانبولاذ ، والولاة نسق واحد لأنهم نسخة من عصرهم ، وإذا كانت أحوال القصر السلطاني ومن فيه مختلة كانت الولايات حقيقة بأن تباع فيها الأرواح بيع السماح ، تساوى في ذلك البوادي والحواضر ، والناس في أمر مريج لا يستقرون في بلد ويتنقلون في الأرجاء وإذا اشتد الظلم في مكان هجروه إلى موطن يتوهمونه أقل مظالم ومغارم ، وأنى لهم مكان يسكنون إليه ويأمن فيه سربهم. وإذا امتاز هذا القرن بنبوغ آل الكوبرلي الذين تولوا الصدارة فإن ما أصاب الشام من عنايتهم جزء صغير جدا لا يكاد يشعر به ، وعهد أولئك السلاطين كإبراهيم الفاجر ومصطفى الأبله ينسي عهد محمد الرابع ومراد الرابع.
ولم يؤثر عن هذا القرن أنه أنشئ فيه غير قليل من الجوامع والمعاهد مثل جامع ابشير باشا وخان الوزير بحلب وكان بعض الولاة في القرن الذي قبله يرهقون الرعية ويقيمون شيئا باسم العمران أما هذا القرن فغاية ما يقال فيه أنه تخريب الموجود. وممن حمدت سيرته من الولاة حسين باشا البالجي أمير صفد ثم طرابلس (1002) فقد كان من أنصف الحكام على ما قال المؤرخون ، وإذا كتب لأحدهم أن كان على شيء من الأخلاق ينازعه المنازعون على ولايته في الاستانة فلا يتقلد زمامها إلا بمقدار ما يتعرف إلى أهلها ويدرس طبائعهم ويستقري ديارهم ثم يشخص إلى العاصمة ويستبدل غيره به وهكذا دواليك. هذا وأهمّ ما كان من حوادث هذا القرن فتنة ابن جانبولاذ التركماني

التي زال بها حكم الدولة عن القطر سنتين وذلك من أذنة إلى غزة ولم يطل أمد هذا الاستيلاء كثيرا إذ كانت دعامته القوة الموقتة ، وهو ابن ساعته لم تعدّ له الأسباب بجملتها. أما الأمير فخر الدين بن معن الثاني فإنه كاد يستولي بالفعل على الديار لتنظيم جيشه وتعزيز قلاعه وبسط يده بالعطاء حتى استمال رجال الاستانة أنفسهم ، وعني بإدخال روح التجدد في إمارته ودعي سلطان البركجده الأمير فخر الدين الأول ولو كان لحلفائه دوجات طسقانه إذ ذاك شيء من القوة وأنجدوه بقليل من رجالهم وذخائرهم ، ولو لم يشتغل بال البابا وملك اسبانيا وكبير دوجات فلورنسة بحرب الثلاثين سنة لكانوا أعانوه على نيل أمانيه في الاستقلال خصوصا وهم الذين كانوا يزينون له من قبل الاستيلاء على أنطاكية ، فلو قدّر لهم أن ينجدوه لسهل عليه الاستقلال بالشام من عريشه إلى فراته بعد أن تمت له كل معداته ، والعقل رائده والحزم قائدة ، خصوصا وكان معوّله في قوته على الدروز وهم في هذه الديار على التحقيق منذ القديم من أشجع العناصر التي عرفت بمتانتها ومضائها في الحروب. وكان كثير من مدبريه ورجاله من المسيحيين ولمحبة قومه له ادعته أهل المذاهب الثلاثة في إمارته ، فالموارنة يقولون له كان مارونيا والدروز درزيا والحقيقة أنه مسلم سني ـ خلافا للمحبي والمرادي ـ يحسن السياسة والإدارة وينظر إلى رعيته نظر المساواة ويأخذ لخدمته الكفاة من كل طائفة. فهو بلا مراء مثال الأبطال في عصره ، وكان على أتم الاستعداد للحرب وعلى معرفة بالإدارة وطبائع الأمة ، ولو لم تصرف الدولة العثمانية قوتها كلها في قتاله لعمل في الشام في القرن الحادي عشر ما عمله محمد علي الكبير في مصر في القرن الثالث عشر ولم يكن دونه ذكاء ومضاء ودهاء.

العهد العثماني
«من سنة 1100 الى 1200»
حال الشام أول القرن الثاني عشر :
تبلج فجر القرن الثاني عشر للهجرة والدولة لا تفكر في غير مصائبها الخارجية ، والمملكة التي كانت تمتد من أسوار فينا إلى جنوب جزيرة العرب ، ومن فارس إلى الغرب الاقصى لا وحدة فيها ، ولا جامعة تجمعها ، وليست متجانسة ولا متماثلة ، تكافحها الثورات الداخلية ، وتساورها الحروب الخارجية فلا تهتم للأولى اهتمامها للثانية ، وتفنى في سلطانها ويستعبدها أرباب الإقطاعات ويستبد بها الجند والولاة ، وسكان هذا القطر كسائر الأقطار العثمانية كأرقاء لا عمل لهم إلا إرضاء شهوات حكامهم من وطنيين وغرباء ، ولم يكن اختلاف العناصر أقل ضررا عليها من اختلاف الطبقات العسكرية (اوجاقات) من الانكشارية واللوند والسكبان والقبوقول ، والنزاع بين هؤلاء الجند وبين رجال الإدارة قائم على ساق وقدم في أغلب السنين ، بل بين كل صنف من من أصنافهم ورؤسائه ، والأرواح في هذه السبيل تباع بالمجان ، فلم يحدث شيء مما يقال له الإصلاح لأن رجال الدولة لم يفكروا فيه حتى يتوسلوا بأسبابه ، وإذا توسلوا فلا يحسنون طرقه ، وقد اعتادوا الأخذ ولم يعتادوا العطاء بتحسين الحالة ، ليزيد الأخذ والعطاء معا.
وندر أن يجيء من الاستانة رجل صالح في أخلاقه ، معروف باستقامته وكبر عقله وسعة معرفته ، يحسن إدارة الناس ويكف الظالم عن ظلمه ، وهل

يفارق فروق إلا من أكره ، وهناك النعيم والهناء وضروب الشهوات البشرية ، وإذا جاء هذه الديار وال كبير من العمال فلإملاء هميانه على الأكثر بأموال الأمة ليعود إلى العاصمة سريعا، يعيش عيشا طيبا وينعم في قصورها بأمواله وطرائفه ، ويجني في سنة ثروة كبرى تكفيه وأولاده وأحفاده على غابر الدهر.
لم يكن ابن الشام يتبرم بنظام الدولة لزيادة في الجباية ، بل لأن الجباية كانت على غير قاعدة مطردة ، قد تجبى جباية سنتين أو ثلاث في غير أوقاتها في آن واحد ، ولا تراعى في الجبايات أعوام القحوط والجدوب والمصائب ، وإذا ضاقت الحال بأحد العقلاء أو ببعض الجماعات فرفع صوته بالشكوى عدوه خارجيا وقاتلوه وحرّفوا دعوته على ولاة الأمر في الاستانة ، ولبّسوا على العامة في أمره ، حتى يسكتوا نأمته ويزيفوا دعوته ، وإلا فلا يعقل أن يسكت جميع الناس عما ينال الأمة من هذه الطريقة المعوجة في الإدارة ، فالخير في الناس ما انقطع ولن ينقطع ، ومهما بلغ من انحطاط شعب لا يخلو من نبهاء يجاهرون بالحق ، ولو كان في المجاهرة حتفهم أحيانا.
وقد مهر رجال هذا الدور في تزيين الباطل وإلباسه ثوب الحق ، وتقليل عدد الهالكين والشاكين والثائرين والناقمين ، وإذا نشبت ثورة أو حدثت فتنة أو تألف جماعة لمقصد شريف ، وكثيرا ما يصورون العذاب الأليم في صورة نعيم مقيم ، ولا يعرضون على السلطان إلا المسائل الكبرى ، كأن تتقد ثورة في الشام لا يمكن تلافيها إلا بإرسال جيش كبير من آسيا الصغرى ، وتحتاج إلى مال لا بد من استصدار إرادة سنية بأدائه من خراج الولاية الفلانية. وغدا قتل الإنسان وسبى النساء والصبيان وخراب العمران ، من الأمور المألوفة في تلك الأزمان. وفي هذا القرن بدأ الحكام وأرباب المقاطعات ينوعون أسماء الجباية كأن يقولوا الشاشية والبزرية ، لسد عوزهم والقيام بواجب الضمانات الدولية ، وكثير من الفتن كان الداعي اليها تأخر المقطعين عن تأدية ما عليهم من الجباية للدولة في أوقاتها ، فتعدهم عصاة عليها وتسوق عليهم قوة تكون عاقبتها نكالا على صاحب الإقطاع أو المتسلم ، وخرابا على البلاد وأهلها من كل وجه.

والدولة قلما سعت إلى استئصال شأفة الشر ، وما بحثت في أسبابه قط فتلافتها قبل وقوعها ، وقلما اهتمت للفتن إلا إذا التهب شرارها وخشي منهما على سلطانها ، وندر أن أعدت المستعدين ، ورفعت ظلامة المظلومين ، ولماذا تهتم وكل قطر نشز عليها تضر به بعسكر من أهل القطر الأقرب إليه ، إن لم تستطع ضربه بأبناء بلده أنفسهم ، وإذا خافت من وال أو صاحب إقطاع قوة تسلط عليه خصمه أو جاره ، فالناس أبدا متعادون متشاكسون ، والألفة ارتفعت من بين أهل البلد الواحد فكيف تأتلف العناصر ، وما ذلك إلا لتنفيذ رغائب السلطان الذي لا يرى لمملكته بقاء إلا إذا تباغض الناس وتربص كل فريق بالفريق الآخر الدوائر.
بدأ القرن وعبدون باشا والي صيدا يوغل في مظالمه ، وجعفر باشا والي دمشق ليس دونه في إنشاء المظالم ، أما الأمراء المتغلبة من أبناء الأقاليم فكان أكثرهم من أحفاد الذين سبقوهم في غزة ونابلس وعكار ولبنان ووادي التيم وبعلبك وحوران والكرك وسلمية. قال راشد : إن بعض أعيان دمشق أغراهم المال والإقبال فأرادوا الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة ، فكادوا لواليهم حمزة باشا وطردوا عسكره إلى خارج دمشق وقاموا بأفعال شنيعة رافعين علم الثورة ، فنقل حمزة باشا إلى إيالة طرابلس وأخذ الأهلون عند رحيله يطالبونه بما كانوا أهدوه إليه من الكراع والبسط وغيرها ونهبوا أتباعه. ثم عين أحمد باشا مكانه فلم يساعده الوقت على التنكيل بهم وخلفه مصطفى باشا مكانه فاضطر أيضا لإلقاء حبلهم على غاربهم. ولما عين كورجى محمد باشا أجريت عليه التنبيهات اللازمة ليطهر الأرض من هؤلاء الأعيان فدعا الوالي تسعة منهم كما دعا العاصين محمد آغا صدقة ومحمد آغا قوشجي وبطش بهم وأرهب غيرهم من الخوارج. هذا ما قاله راشد في هذه الفتنة ، ولم يقل إن والي دمشق ارتشى من الناس وظلمهم حتى ثاروا عليه ، بل قال : إنهم أهدوا إليه أيام ولايته وطالبوه بهداياهم لما رحل عنهم فأبانوا عن صغر نفوسهم ، وهذا مما يظهر ذهنية الدولة في تلك الأيام ، وأن الوالي يجب أن تهدى اليه الخيول والطنافس والأعلاق وربما الدنانير والدراهم من غير نكير. وما ندري كيف تكون الرشوة إن لم تكن هذه الهدايا هي الرشوة بعينها.

وفي تقرير لأحد قناصل البندقية أن منصب الوالي كان في الاستانة يكلف من 80 إلى 100 ألف دوكا ومنصب الدفتردار يباع من 40 إلى 50 ألف دوكا ومنصب القاضي يساوي أقل من هذه القيمة ، وكلهم إذا جاءوا البلد الذي عينوا له يسلبون النعمة ويعرقون اللحم ويكسرون العظم.
دور أحمد الثاني وفتن :
توفي سليمان الثاني سنة (1102) فتولى السلطنة أخوه أحمد الثاني وهو الحادي والعشرون من ملوك آل عثمان والسادس عشر منهم في القسطنطينية. وفي أيامه (1103) عاقبت الدولة أعيان دمشق على ما بدا منهم في معاملة حمزة باشا على ما تقدم ، وأرسلت حملة على أبناء سرحان حمادة (1103) النازلين في جبال طرابلس وكان لهم قبائل وعشائر ، فاتفقوا مع أبناء معن حكام صيدا وبيروت ، فصاروا يلتزمون أموال الحكومة ولكن لا يؤدون إليها مطاليبها في آخر السنة ، حتى قلت واردات الدولة فأوعزت إلى محافظ الإيالة المذكورة الوزير علي باشا فجمع ما تيسر له من الأجناد وذهب إلى جبالهم التي امتنعوا فيها فقتل منهم كثيرين وأخذ زعماءهم وجعلهم طعاما لسيوف رجاله ، وطلب أبناء معن الأمان فأجيبوا إليه وتخلصت المقاطعات من تعديهم وظلمهم. ونزع الحكم من آل حمادة وكانوا في بعلبك والهرمل وعكار وجبيل والبترون والضنية والزاوية والجبة وانهزموا على طريق العاقورة فلحقتهم العساكر ومات منهم ومن عيالهم نحو مائة وخمسين نفسا من الثلج ، ولما وصلوا إلى قرية الفرزل أتتهم العساكر وأبادتهم ولو لم يعف عنهم المشايخ الخوازنة ما سلم أحد منهم ، وحرّقت القرى وفتشوا عنهم وقرضوهم على بكرة أبيهم. وتوجه (1103) الأمير يونس شهاب من وادي التيم ودخل بلاد بشارة بعسكر عظيم فقتل ونهب ثم أرسل والي طرابلس إلى ابن معن يعرض عليه القطائع التي كانت لآل حمادة فلم يقبل وأجاب أنه لا يمكنه إجابة الطلب بسبب خراب الأقاليم ، وأخذ والي طرابلس يتأثر من بقي من بني حماده في السهل والجبل حتى أفناهم واستعان بولاة دمشق وصيدا وحلب وغزة على

قتال ابن معن فساقوا عليه ثلاثة عشر ألفا فهرب ووسد الأمر إلى الأمير موسى اليمني بن علم الدين.
في سنة (1105) على رواية راشد رأت الحكومة أن أبناء سرحان حمادة عادوا فنجم ناجم شرورهم ، وأخذوا يتقوون بمعاضدة ابن معن لهم ، فأقامت الدولة الوزير طوسون باشا قائدا عاما عليهم ، فجمع من أطراف سورية ألف مقاتل من العرب والأكراد ثم جمع ما قدر عليه من الجند هو وحكام سورية فالتقى عشرون ألف مقاتل في بعلبك والبقاع ، فلما علم العصاة بذلك أوجسوا خيفة وتأثرهم العسكر فقبضت عليهم وأوردتهم حتفهم وطهرت تلك الأرجاء منهم اه.
وفي سنة (1106) عينت الدولة متسلما على حماة اسمه سعد بن مزيد فأكثر التعدي والظلم فقام الحمويون وأخرجوه من البلد قهرا ، فذهب إلى المعرة وأرسل شكاية إلى الدولة ينسب فيها التعدي للحمويين ، وأن حسنا الدفتري المشهور بابن قنبق هو مثير الفتنة ، فجاء الأمر بقتله فقتل في داره سنة (1106). وكأن لسان حال الدولة يقول : أيها الرعايا المستعبدون اخضعوا لعمالي مهما كانت سيرتهم وإلا قاتلتكم ، ومن فتح فاه بالشكوى أنتقم منه بما يستحقه ، فهذه خطتي ، وبالرضى عنها تنالون حظوتي.
دور مصطفى الثاني وانقراض دولة بني معن :
توفي أحمد الثاني سنة (1106) وكانت مدة حكمه أربع سنين وثمانية أشهر ، فتقلد السلطنة بعده مصطفى الثاني فكتب مصطفى باشا والي صيدا إلى السلطان الجديد يقول : إنه لا يمكن أن يحكم قطر الدروز سوى بيت معن وأظهر استعداد الأمير أحمد بن معن لذلك ودفع مائتي كيس للمطبخ ، فورد العفو لابن معن مع أوامر الولاية على بلده ، وزاد أرسلان باشا والي طرابلس (1108) في طلب المال فتشتت كثير من الرعايا عن مواطنهم من شدة الغلاء والظلم وركب والي دمشق على حاصبيا وقطع توتها.

توفي أحمد بن معن (1109) فانقرضت بموته الدولة المعنية لأنه لم يكن له ولد ذكر ، فاجتمع المشايخ من السبع المقاطعات وهي الشوف والمناصف والعرقوب والجرد والمتن والشحار والغرب واختاروا الأمير بشير بن شهاب من أمراء وادي التيم على لبنان ، فتولاها وأحبته الناس وأطاعوه لعدله وكرمه ، وكانت البلاد يومئذ حزبين قيس ويمن والقيسية أكثر وأقوى وكانوا راضين بولاية الأمير بشير ، وأما اليمنية فلم يرتضوا به ولكن لم يمكنهم التظاهر بالتعصب عليه لضعفهم وقلتهم.
وفي سنة (1110) تولى إيالة طرابلس أرسلان باشا وإيالة صيدا أخوه قبلان باشا ، وكان الشيخ مشرف بن علي الصغير حاكم بلاد بشارة قد قتل أناسا من رجال للدولة وقصد العصيان فاستنجد قبلان باشا بالأمير بشير الشهابي ، فجمع الأمير بشير ثمانية آلاف رجل وكبسوا مشرفا في مكان يقال له المزريعة ، فقبض عليه الأمير بشير وعلى أخيه محمد وعلى حسين المرجي وسلمهم إلى الباشا فأمر بشنق حسين المرجي وأعطى الأمير بشيرا إيالة صيدا من صفد إلى جسر المعاملتين ، وآجر قبلان باشا مقاطعة آل علي الصغير للأمير بشير فأقام عليها متسلما الشيخ محمودا أبا هرموش. وفي هذه السنة أطالت عنزة وبنو صخر أيديها على الحجاج ، وكان يعهد إلى هاتين القبيلتين بتسفير الحاج ولهما رواتب مقررة عليه ، وقتل منهما خمسون رجلا في القيود فانتقموا من الحجاج وأخذوا أموالهم وعروضهم ، ودخل محمد باشا أبو قاوق إلى دمشق بصعوبة. وحوادث البادية تتكرر في العقد الواحد مرة أو مرارا فيهلك فيها من العربان وأبناء المدن خلائق وعيش البادية منذ القديم من الغزو ، والدولة لم تفتح لهم موارد ليعيشوا منها ويكفوا أذاهم عن الحاج والتجارة. وتولى سنة (1114) إيالة الشام محمد باشا بيرام قال الناس وظلمه ماديكان وكان حبسه انحلال الحديد الأوطان من غير خيمة وكانت شمس النهار تؤذيهم وبرد الليل أعظم وكان يسمى حبسه المسطاح ولما عزل شكا أهل دمشق إلى الدولة وأنهم نهبوه وقتلوا من جماعته وأخذوا من خزنته أربعة جمال. ولقد أثنى الأجانب على وال من ولاة حلب اسمه يوسف باشا جاء في أوائل المئة السابعة عشرة للميلاد وقالوا إنه كان يحكم بدون أن يظلم ويسلب ، وإن استقامته جلبت الخير والبركة

وقد جاء حلب في تلك الحقبة واليان اسم أحدهما قائم مقام يوسف باشا تولاها سنة (1112) ثلاث سنين والآخر اسمه طوبال يوسف باشا تولاها سنة (1125) ولا نعلم أيهما أثنى عليه الفرنج.
***
عهد أحمد الثالث وسياسة الدولة مع من ينكر الظلم ووقعة عين دارة :
وفي سنة (1115) خلع مصطفى الثاني بعد أن حكم ثمان سنين وتسعة أشهر وعشرة أيام ، وتولى السلطان أحمد الثالث وهو الثالث والعشرون من آل عثمان. وفي تاريخ راشد أن محمدا نقيب أشراف القدس تغلب سنة (1118) على الحاكم والوالي وأخذ يبث الفساد في تلك الأرجاء فأرسلت الحكومة ألفي انكشاري وثلاثمائة جبه جي ومئة مدفعي لتقوية مركزها في القدس فوقع بينه وبين عسكر الدولة وقائع كثيرة فركن إلى الفرار واختفى في قلعة طرطوس ، فبلغ واليها أمره فأرسل فقبض عليه وأرسله إلى الاستانة فقتل. وما ندري معنى لقول المؤرخ إن نقيب القدس أخذ يبث الفساد في تلك الأرجاء ، بل نعتقد أن ثورته لرفع فساد العمال وسوء الإدارة ، يعرف ذلك من عرف أن القوم اعتادوا في كتاباتهم الرسمية أن يلقبوا بالمفسدين كل من كانوا من المصلحين ، بيد أنهم مفسدون لأمرهم ، عاملون على نقض أساس مجدهم. كما وقع في هذه السنة أيضا وقد أراد سليمان باشا البلطجي كافل دمشق أخذ قرض من تجارها وإحداث بعض مظالم ، فمنعه أعيان دمشق ومنهم أسعد البكري وعبد الرحمن القاري المحاسني فنفاهم إلى صيدا وعرض للدولة أمورا عنهم لم يأتوها ثم أعيدوا إلى بلدهم واعتذر الوالي عما عزا إليهم.
وفي سنة (1119) توفي الأمير بشير الشهابي وخلفه الأمير حيدر الشهابي فركب في السنة التالية لغزو المتاولة لأن المشايخ بني علي الصغير كانوا أخذوا بعد وفاة الأمير بشير بلاد بشارة من بشير باشا وبقي في يد الأمير حيدر حكم بلاد الشوف وكسروان ، فغزاهم الأمير حيدر وتجمعت المتاولة في قرية النبطية فأوقع بهم هناك وظفر بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة ، ورجع إلى موطنه فعظم ذلك على بشير باشا فأرسل يقوي الأمراء اليمنية في الغرب والجرد

من بني علم الدين وغيرهم. وفي سنة (1121) تعاظم أمر اليمنية في الشوف وتظاهر الأمراء بنو علم الدين بذلك وساعدهم الأمير يونس أرسلان حاكم الشويفات ومال إليهم من القيسية الشيخ محمود أبو هرموش ، ثم وسد الحكم إلى الأمير يوسف علم الدين وأخيه منصور ، وكان زمام ولايتهما بيد الشيخ محمود أبو هرموش فجاروا على القيسية وظلموهم ولم يبقوا لهم منزلة ولا حرمة. وفي هذه السنة أحرق الأمير يوسف مع عسكر الدولة بلدة غزير ونهبها ، وسار والي دمشق إلى جبل عجلون وباغت نابلس وقتل من أهلها مقتلة عظيمة وسبى عسكره نحو سبعمائة امرأة.
وفي سنة (1122 ه‍ 1711 م) أنفذ الأمير حيدر الشهابي أمرا إلى قيسية الشوف فتجمعوا في رأس المتن ، فلما بلغ اليمنية ذلك أرسلوا إلى بشير باشا والي صيدا فحضر إلى حرج بيروت ، وأرسلوا إلى نصوح باشا والي دمشق فحضر إلى البقاع واجتمع القيسية من الغرب والجرد والشوف إلى عين زحلتا في العرقوب ، ثم انتقلوا إلى عين داره ، وجرى الاتفاق أن تطلع عساكر الدولة المجتمعة في حرج بيروت إلى بيت مري في أول المتن ، وأن يطلع نصوح باشا إلى المغيثة في طرف المتن ، واليمنية إلى حمانا في وسط المتن ، وتمشي الثلاث فرق في يوم واحد على القيسية ، فأجمع رأي القيسية مع الأمير حيدر الشهابي أن يباغتوا اليمنية في الليل في عين دارة ، فباغتوهم وأعملوا فيهم السيف ، وقاتلت اليمنية أشد قتال وما زالوا كذلك حتى ملكت القيسية عين دارة ، وما سلم من اليمنية غير قليل. وفي تلك الليلة قتل خمسة أمراء من بني علم الدين وأمسك الشيخ محمود أبو هرموش وقطع الأمير لسانه وأباهم يديه ، فقويت شوكة القيسيين وعظم أمرهم ، ونزح من كان يمنيا وخربت ديارهم ، وزال ذكر اليمنيين من الشوف وحكم الأمير حيدر وأعطى الذين كانوا معه كل ما كان وعدهم به ، وكثرت المشايخ في أيامه. وتعرف هذه الوقعة بوقعة عين دارة التي قتل فيها جميع الأمراء من آل علم الدين بيد الأمير حيدر الشهابي فانقرضت سلالتهم كما ضعفت شوكة اليمنيين.

فتن ومظالم مستجدة وظهور آل العظم :
وفي سنة (1122) ركب نصوح باشا على الكرك وعمل لغما ووضع فيه البارود وأعطاه النار فانهدم جانب من السور فصاح أهلها بالأمان وخرجوا عن القلعة فقتلهم وأسر الأولاد وسبى النساء. وفي سنة (1123) باغت ناصيف باشا والي دمشق المتن وأسر منها أناسا وسبى النساء والأولاد. وفي سنة (1124) عهد والي صيدا بولاية بلاد بشارة إلى الأمير قاسم الشهابي حاكم حاصبيا فأنشأ بها مظالم كثيرة.
وفي سنة (1129) تولى دمشق عبد الله باشا الكمركجى وكان عادلا حكيما لكنه لم تطل مدته أكثر من سنة. وفي سنة (1131) كانت وقعة القرية بين الأمير حيدر الشهابي والمشايخ المتاولة وكانت النصرة للأمير حيدر. وفي سنة (1133) كانت الفتنة بين مشايخ المتاولة والشيخ ظاهر العمر حاكم صفد وجرى بينهم قتال شديد فانهزم عسكر الصفديين وقتل منهم خلق كثير ، ثم خرج عثمان باشا والي دمشق بالعسكر على صفد وقتل منهم أكثر من ثلاثمائة رجل وقتل البشناق أولاد مشايخ صفد. وفي سنة (1136) كان الظلم شديدا وكثرت العوانية حتى صارت أرض الشام مشغولة بالظلم في شرورها وكثر الظلم واستلاب الأموال. وثارت (1137) فتنة بين القبوقول والانكشارية وظلت دمشق ثلاثة أيام مقفلة وقتلت فيها جماعات من القول والرعية وكذلك الحال في حلب. وفي تاريخ العلويين أن الحرب دارت بين الكلبية وبني علي من عشائر النصيرية مدة سبع سنين بدأت سنة (1140) ثم اتحدت العشائر الكلبية «النراصرة والقراحلة والياشوطية والجهينية وبيت محمد» وهجمت على عشيرة بني علي بالاتفاق وحرقوا قراها وحاصروا قلعة عين الشقاق لما تجمع بنو علي فيها بعد أن هدموا جميع قراها ولم يبق ملجأ لبني علي سوى الحصار ، وداموا على الدفاع في القلعة. ثم دكتها الدولة العثمانية. قال صاحب تاريخ العلويين الذي أورد هذا : لم يكن العلويون يحاربون الأتراك فقط ، بل كانوا يحارب بعضهم بعضا أيضا لأن المنطقة ضيقة والنفوس كثيرة ، وفي عهد الأتراك أصبح الأخ يقتل أخاه ليأكل ما عنده.
وعرف هذا الدور بظهور آل العظم حكاما في الشام ، واختلف الباحثون في أصلهم فمن قائل إنهم أتراك من قونية ، ومن زاعم أنهم عرب من المعرة

معرة النعمان. تولى دمشق (1137) إسماعيل باشا العظم وكان من قبل واليا على طرابلس وهو أول من تولى إيالة دمشق من بني العظم ، وقال بعض المؤرخين : إن ناصيف باشا كان واليا على دمشق وقتل في الرملة سنة (1130) وعلى هذا فيكون هو أول من تولى دمشق من هذه الأسرة. ذكر ابن ميرو أن والد إسماعيل بن إبراهيم العظم كان جنديا سكن معرة النعمان وكان لأهلهما مع التركمان التي ترد إلى جبلها شتاء وقائع جرح في بعضها والد المترجم فتوفي وأعقب المترجم إسماعيل وسليمان وموسى ومحمدا وكلهم أعقب خلا محمدا وكانت ولادة إسماعيل قبل السبعين وألف بالمعرة وبها نشأ ، وتقلبت به الأحوال إلى أن صار حاكما ببلده ثم بحماه ، وأنعمت عليه الدولة بطوخين رتبة روملي ومالكانة حماة وحمص والمعرة وعلى أخيه سليمان ، ومنصب طرابلس عليه وسر عسكر الجردة فبعد عوده من الجردة سنة (1138) تولى الشام وإمرة الحاج بالوزارة وحج ست سنين وحارب في السنة السادسة عرب حرب بين الحرمين وامتحن سنة (1143) وحبس بقلعة دمشق واستأصلوا أمواله مع أموال ذويه ثم أفرج عنه وأعقب السيد إبراهيم وأسعد وسعد الدين ومصطفى ومعظمهم تولوا الوزارة.
وفي سنة (1143) توفي الأمير حيدر الشهابي حاكم لبنان بعد أن حكم ستا وعشرين سنة على رواية المؤرخ الشهابي بالعدل والحلم والكرم وحسن التدبير وخلفه ابنه الأمير ملحم ، والأمير حيدر هو الذي أحيا ذكر القيسية وألقى ابنه الفتنة بين المشايخ فاختلفوا ، وكانت الدولة لا تقدر عليه على بغض أسعد باشا العظم والي صيدا له وسعيه به.
عهد محمود الأول :
تنازل أحمد الثالث عن ملكه باختياره (1143) بعد أن حكم ثماني وعشرين سنة وتسلطن محمود الأول وهو الرابع والعشرون من آل عثمان والتاسع عشر منهم في القسطنطينية ، وكان السلطان أحمد الثالث غريبا في أطواره يحب الطيور والأزهار ، ويقضي أوقاته في تسلية سراريه بالأفراح

والزين ، ومع هذا يسجل له الفضل ورجاحة العقل في حسن اختياره صدورا عظاما شرفوا بأعمالهم عهده فلم يكن كبعض أجداده لا يعمل ولا يترك أحدا يعمل.
وفي هذه السنة وقع بين القبوقول والانكشارية الحرب والقتال وأغلقت دمشق أربعة أيام وقتل من الفريقين شرذمة. وقعت بين رجال والي طرابلس عثمان باشا والانكشارية فتنة وضد الانكشارية قتل بها من الفريقين ناس ، ثم تصالح الجندان على أن يلزم الانكشارية حماية الوالي ويعزل قائم مقامه وبعض الضباط ويخرج عسكره من المدينة. وفي سنة (1144) استأجر الأمير ملحم الشهابي بلاد بشارة وقبض على الشيخ نصار بن علي الصغير وباغت إخوته فهربوا ونهبت الدروز ذاك الإقليم وعاد أولاد الشيخ نصار واستأجروا المقاطعات من الأمير ملحم.
قال الشهابي في حوادث سنة (1147) انتقل أسعد باشا العظم من صيدا إلى إيالة دمشق وكان واليا عليهما منذ سنة (1143) وتولى إيالة صيدا أخوه سعد الدين باشا والي طرابلس وتولى طرابلس سليمان باشا العظم وقويت شوكة بني العظم في بلاد العرب وعظمت دولتهم اه. عظمت دولتهم لأنهم أخلصوا في الغالب للدولة كل الإخلاص حتى أمنتهم ووسدت إليهم الأحكام في الشام وتركتهم يعملون ما يشاءون ، وجاء دور وهم حكامها من أقصاها إلى أقصاها ، وقل جدا في هذا القرن من تولى ولاية حلب أو دمشق أو طرابلس أو صيدا أو اللاذقية أو غزة بضع سنين. ومن بني العظم من زاد زمن ولايته على عشر سنين ، فإن إسماعيل باشا العظم تولى دمشق ست سنين (1137 ـ ـ 1143) ، وسليمان باشا العظم تولاها خمس سنين للمرة الأولى (1146 ـ 1151) وثلاث سنين للمرة الثانية (1154 ـ 1156) وأسعد باشا العظم تولاها أربع عشرة سنة (1156 ـ 1170) وكان تولى صيدا أربع سنين ومحمد باشا تولى دمشق مرتين اثنتي عشرة سنة ، وكان بنو العظم كسائر الأسر القديمة التي تغلبت على بعض أصقاع الشام أمثال بني معن وبني شهاب وبني الحرفوش وبني سيفا وبني طرابيه ومنهم الصالح والطالح وهل هم إلا نموذج من عصرهم ، ولا شك أنهم جمعوا أموالا كثيرة لأن حكوماتهم طالت أيامها والولاية

بالالتزام ، فكان الوالي منهم كسائر الولاة يرضي الاستانة بمبلغ ويبقى له بعد كل إسراف مبلغ كبير ، وهو المتحكم في الأفراد والجماعات. وقد صادرت الدولة سليمان باشا العظم لما توفي سنة (1156) وعذب المفوض بذلك أسرته على أبشع وجه ، وكذلك ضبطت أموال ابن أخيه أسعد باشا وأخرجت الدفائن من قصره وكان بعضها مخبوءا في الأرض والجدران والأحواض وبيوت الخلاء وفعلت مثل ذلك بأتباعه ورجاله. قال الشهابي : إن أسعد باشا العظم بنى أبنية عظيمة في دمشق وجمع مالا لا يحصى وسار بالحج مرات فأنعمت عليه الدولة العلية برتبة علامة الرضى وأمرت أن لا يشهر عليه سلاح ولا يقتل ، ثم أرسلت إليه فقتلته في الحمام طمعا بكثرة أمواله وضبطت ماله وأملاكه وقال : إنه كان جليلا عاقلا حسن التدبير مولعا بالخيل الجياد حتى قيل : إنه كان عنده خمسمائة فرس من جياد الخيل لأجل ركوبه.
وذكر الدويهي أن السلطان محمودا أنعم على عبد الرحمن أفندي (1165) محصل حلب بالولاية فوجه في الحال متسلمه حسن اغا إلى طرابلس فأمن الخواطر ونادى بالأمان وصار الفلاح ينزل إلى طرابلس آمنا على نفسه وأرخص الأسعار ومهد الأمور التي كانت متبلبلة من ظلم بيت العظم ، وكذلك فعلوا بإسماعيل باشا في دمشق وبأخيه سليمان باشا والي صيدا وبياسين بك بن إبراهيم باشا والي اللاذقية من قبل أبيه وأسعد بك بن إسماعيل باشا والي حماة وحسن بك أخي إسماعيل باشا حاكم المعرة هؤلاء جميعا سجنوهم وأخذوا أموالهم للسلطنة وولوا على صيدا أحمد باشا بن عثمان باشا أبو طوق اه. وقال فولنيه الرحالة الفرنسي : إن بني العظم كانوا من أحسن من جاء دمشق من الولاة.
وترجم ابن ميرو أسعد باشا العظم فقال : إنه لما وسدت إليه الدولة مالكانة حماة سار فيها سيرة حسنة وعمر بها خانات وحمامات وبساتين ودورا ليس لذلك كله في البلاد الشامية نظير ، ثم ولي صيدا فاستعفى منها وطلب حماة منصبا بعد أن كانت مالكانة له ولعمه ، فرفعت منه المالكانة ووجهت له منصبا ودخلها سنة أربع وخمسين ومائة وألف ، وبذل الأموال إلى أن جعلها مالكانة له بعناية الوزير الكبير بكر باشا. وفي سنة ست وخمسين تولى دمشق وإمرة الحاج

لموت عمه سليمان بات الوزير وحج بالحجيج أربع عشرة حجة وعزل عن دمشق وإمرة الحاج بالوزير حسين باشا مكي وولوه حلب ثم عزل عنها ونفي إلى جزيرة كريت ونسبوا له ما وقع بالحجيج وقتل بمدينة أنقره. وقال في ترجمة أسعد باشا أيضا : إنه كان محمودا في ولايته وأهل الشام في زمانه في راحة وأمن وطمأنينة ، وكان صبورا صبر على الأشقياء حتى أخذهم الله على يده ، وآذاه عرب حرب فصبر على أذاهم حتى انتقم الله له منهم عن يد الوزير عبد الله باشا جته جي. وقال جودت في وقائع سنة (1197) : وفيها توفي والي الشام وأمير الحاج محمد باشا العظم بعد أن أقام في وظيفته اثنتي عشرة سنة ولما كان وزيرا مشهورا من أهل الثروة والغنى عين مباشرون مخصوصون من الاستانة لضبط أمتعته وأمواله. وقد أثنى المرادي على محمد باشا العظم هذا فقال : إن له من المآثر في كل ولاية وليها ولا سيما في دمشق ما يحسن ذكره وأنه رفع المظالم وأنشأ المعالم قال : وبالجملة فهو من أحسن من أدركناه من ولاة دمشق وأكملهم رأيا وتدبيرا.
والغالب أن الدولة كانت مرتاحة البال من ناحية بني العظم في الشام يقاتلون الخوارج عليها ولا تحدثهم أنفسهم بنزع أيديهم من يدها ويدفعون إليها الخراج في أوقاته ولذلك كانت ترعاهم على الجملة في حياتهم وتتركهم يستمتعون بنعمها ، فإذا هلكوا جاءت ووضعت يدها على عروضهم وأموالهم كما هي عادتها ، ولعلها استبطأت أسعد باشا في الولاية فخشيت شره فخنقته. وبالجملة فإن أحوال ذاك العصر يصعب الآن الحكم عليها لقلة من نظر في المؤرخين في الحوادث نظر الاستنتاج الصحيح.
فتن ومشاغب :
رجع إلى سلسلة الحوادث. فقد توفي سنة (1048) الأمير محمد فروخ النابلسي وكان من شجعان الدنيا ، تولى حكومة القدس ونابلس فأرهب العربان وكبر صيته وبقي في إمارة الحج ثماني عشرة سنة ، وألقيت رهبته في قلوب العربان وكانوا إذا أرادوا أن يخوفوا أحدا منهم يقولون ها ابن فروخ أقبل

فتتلوى قوائمه. وفي سنة (1152) كبس وزير صيدا مقاطعة الشقيف وقتل الشيخ أحمد فارس وأولاده ورفعت القبوقول والأورط من الشام (1152) لخبث سيرتهم وهاجم (1156) الأمير ملحم الشهابي إقليم المتاولة ووصل إلى قرية نصار فالتقى بعساكرهم وانتشب بينهم القتال فكسرهم كسرة هائلة وقتل منهم ألفا وستمائة قتيل وقبض منهم أربعة مشايخ ونهب أرضهم وأحرقها ، وباغت والي صيدا ووالي طرابلس ووالي دمشق إمارة الأمير ملحم الشهابي في لبنان لتأخره عن أداء المال السلطاني وأحرقوا إقليم التفاح ومرج بشرة ثم وقع الصلح وأدى ما عليه. وجهز (1156) سليمان باشا العظم والي دمشق عسكرا على الظاهر عمر الزيداني بعد أن قبض على أخيه مصطفى وشنقه بدمشق ، فلما وصل الوزير إلى قرب عكا لحصارها رشا ظاهر العمر بعض أتباعه فأدخل على سليمان باشا السم في طعامه فمات وجيء به إلى دمشق في أكثر الروايات ، وسليمان باشا هو ابن إبراهيم ولي طرابلس وصار جرداويا لأخيه شقيقه الوزير إسماعيل ثم ولي صيدا ، وبها صارت له الوزارة ثم ولي صيدا ثانية ثم ولي دمشق (1146) بإمارة الحج وحج خمسا بالحج الشامي ثم ولي مصر وعاد إلى دمشق فوليها سنتين.
وفي سنة (1157) كانت الموقعة في مرج عيون بين المشايخ المتاولة وأهالي وادي التيم ومعهم دروز جبل الشوف وكانت الكسرة على الدروز وعسكر وادي التيم وقتل منهم نحو ثلثمائة قتيل وحرقت المتاولة جميع قرى مرج عيون.
وفي سنة (1158) ملك الدالاتية قلعة دمشق فقاتلهم الانكشارية ، وأمر أسعد باشا العظم حاكم دمشق أن يقصدوا سوق ساروجا وأطلقت المدافع فخربت الدور ونهبت دار رئيس الفتنة وخربت ، وجرّت القافية بقية الدور ولم يبق من سوق ساروجا إلا القليل وأعمل اسعد باشا السيف بكل عاص وقتل عسكره أناسا ، وسلبوا الدور وأحرقوا بعضها ، ثم صلب كثيرين وبقيت المشنقة أياما لا تخلو من مصلوب اتهم أنه كان يمالىء أرباب الدعارة على رغائبهم ، وتركت جثثهم أياما أمام السراي تأكلها الكلاب وسلخت رؤوسهم وجعلت أكواما ، وصارت المدافع تطلق بكرة وعشية مدة شهرين ، وكثر العزف بالأبواق وإطلاق السهام النارية في الفضاء.

وفي سنة (1160) غزا أسعد باشا العظم البقاع فركب الأمير ملحم الشهابي بعسكره إلى المغيثة ونزل إليه عند بر الياس فانكسر الباشا ووصل الأمير ملحم إلى سهل الجديدة ثم رجع وأحرق جميع قرى البقاع ورجع إلى إمارته منصورا وهابته الدولة. والسبب في هذه الفتنة تأخر الأمير ملحم في دفع الأموال الأميرية علة العلل وأصل معظم الفتن ، وغضب سليمان باشا العظم (1161) على الانكشارية في دمشق فأخرجهم عنها ، فحضر رئيسهم أحمد آغا القلطقجي ومعه عدة أغوات إلى جبل الشوف ، واجتمعوا عند المشايخ بني يزبك وكانوا ينزلون وينهبون من نواحي دمشق ويقطعون الطريق ، وأحرق الأمير ملحم ديار بني تلحوق في الغرب وديار بني عبد الملك في الجرد.
وحاصر سليمان باشا العظم الشيخ ظاهر العمر في قلعة طبرية (1160) ثلاثة أشهر فأدركه ركب الحج فارتفع عنها ، ولما خرج الباشا إلى الحج أرسل الأمير ملحم عسكرا إلى بعلبك فطرد الأمير حيدرا الحرفوش وولى مكانه الأمير حسينا ، وخربت الدروز أرجاء بعلبك وقطعت أشجارها. وفيها حضر خط شريف بقتل أغوات الانكشارية بدمشق فقبض الوالي على بعضهم وقتل ابن الفلاقنسي. وذكر ابن بدير أنه بلغ متسلم دمشق سنة (1162) أن بعض الدروز من جماعة ابن تلحوق جاءوا دمشق ينهبون ويحرقون فأرسل إلى الموالي والمفتي والقاضي يأمرهم بأن يأخذوا معهم الأعلام وينادوا : هؤلاء خوارج فمن كان يحب الله والسلطان ليخرج إلى قتالهم. فخرج الناس فقتلت الحامية زمرة وكان الدروز يحتجون بأن قدومهم كان لإخراج إخوان لهم كانوا مسجونين فلما موطلوا نادوا في حارة الميدان والقبيبات كل من لا يخرج للقتال معنا ننهب ماله وداره ، فانضم جماعة من الحارات ونزلوا إلى السويقة ووقع القتال بينهم وبين القبوقول والدالاتية ، وأغلقت البلد حوانيتها وحصرت الحارات ونبه المتسلم على أهلها أن لا يخرجوا إلى الأزقة ليحرسوا دورهم ، ثم جرت مقتلة بين الفريقين قتل فيها نحو خمسين قتيلا من جماعة المتسلم والقبوقول. وفتح عسكر الباشا الدكاكين في باب الجابية ونهبوا ما فيها من طعام وهدموا مصاطبها وصيروها متاريس ومن الغد باكروا القتال

وزحفوا إلى السويقة ومعهم العملة والبناؤون فحرقوا الدور والقصور وأطلقوا المدافع على الأشقياء فولوا الأدبار ، فأمر المتسلم عسكره أن يقعوا في نهب الدور والدكاكين. وروي أنه أخرج فتوى وحجة وأمرا قاضيا بأن ينهب الجند من حد السويقة ويقتلوا ويهدموا ولا يعفوا عن إنسان فسلبوا الأموال وسبوا الحريم. ولما هرب الدروز نودي في البلد بالأمان وأن تفتح الأسواق ويكف عن النهب قال ابن بدير : وقد سرت مع من سار فرأيت فضائح الميدان ، والقتلى مجدلة ، والأبواب محطمة ، والدكاكين مقفرة ، ثم اضطرب أهل القبيبات والميدان والسويقة وباب المصلى وأخذوا ينقلون أثاثهم إلى داخل المدينة مثل باب السريجة والقنوات وغيرهما من الحارات. وخاف الأكابر والحكام والعامة فجعلوا يعزلون الدكاكين ويخبأون ما حوته في البيوت وبلغ عدد الدور المنهوبة في هذه الوقعة كما قيل ألفا وتسعمائة دار وأما الحوانيت فكثيرة جدا.
هذا وقد أخذ القبوقول يمسكون الناس ويأتون بهم إلى الحكام ويقولون : هذا كان يقاتل مع الأشقياء فيقتلهم المتسلم من غير حجة ولا إثبات ، ولا قصد للقبوقول إلا أخذ ثارات لهم مضت مع الإنشكارية ، إلى آخر ما أصاب دمشق في ذاك العام من حرق ونهب وغلاء وفضائح وفظائع. وكان من العادة أن تغلق أرتجة الفيحاء وحوانيتها جملة عند اندلاع لسان الفتن بين القبوقول والإنكشارية وبينهم وبين الدالاتية والأشراف والأكراد والدروز ، حتى ينادي مناد من قبل الحاكم يأمر بفتح الدكاكين ويطمن الناس.
وجاء دمشق (1161) أحد موالي أسعد باشا العظم وكان نقل بعد ولايته دمشق إلى حلب ، فذكر الإنكشارية والعامة ظلمه أيام كان سيده حاكما في دمشق فقاموا قومة رجل واحد فالتجأ إلى القلعة وحماه القبوقول ، ولما أريد على الخروج من دمشق أبى فأغلقت البلدة دكاكينها ومحالها وتجمع الإنكشارية وتبعهم الناس وتعصب العناتبة والأكراد والدالاتية مع القبوقول وأهل حارة العمارة وحدثت غارة في سوق الدرويشية وأطلقت النيران على الإنكشارية ثم قاموا على أهل حي العمارة فانهزم أهلها منها وأحرقوها حتى صارت بلقعا وراح أهلها إلى الجامع الأموي ، ودامت الفتنة أياما حتى قر رأي الأكابر والأمراء على إخراج مولى ابن العظم من دمشق فأخرج ولم تطفأ جذوة الفتنة ، لأن

الثائرين ما زالوا يتلمظون بطعم الغنائم ويزدردون حلوى الغارة ، وجاء الخبر بأن الجالين عن دمشق نهبوا الضياع في طريقهم وقتلوا الأنفس وهتكوا الأعراض وصادفوا جماعة من طائفة الحكام فسلبوهم وقتلوا منهم فريقا. وأخذ القبوقول يطلقون النار على الرعية وظلت الفتنة قائمة في البلد بين القبوقول والإنكشارية والأشراف فقتل من هؤلاء نحو ثلاثين وبضعة أولاد وشبت الحرب في شوارع المدينة أياما ثم عتا الإنكشارية على حاكم دمشق فصاح في جنده وركب إلى الميدان فهربوا أمامه فأعمل هو وجنوده السيف فيهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا ومن لم يمت بالسيف قادوه بالسلاسل والأغلال ، وعم نهب العسكر الكبير والصغير والناس بين قتيل وأسير ، ونهبت الدور والدكاكين وانتكبت نكبة عظيمة فعريت النساء وخطفت الجواري والعذارى ، وتمنى العقلاء الموت ، ثم نهض جماعة الحاكم إلى النهب فمنعهم وأمر بجمع ما نهبوه فما وصل إلا القليل أودعه بعض الجوامع وأمر مناديا ينادي لتأخذ الأسباب أصحابها ، فأخذ بعضها وذهب الأكثر ، وأما أتباع الوالي فطفقوا يقتلون كل من يصادفونه ويقطعون رأسه أو يحبسونه ، وتناول أذاهم من في الدور وتعست الحال.
ووصف ابن النجار هذه الفتنة فقال : إن السلطان أرسل واليا آخر غير الذي كان وجرت هذه الوقعة في عهده ، فقتل الأشقياء من المسلمين والدروز والنصارى وخربوا وحرقوا الدور ونهبوا الأماكن قال : وتعطلت الأسواق والمعاملات بسببهم في دمشق قريبا من سنة لا تقام جمعة ولا يسمع آذان ولا يفتح جامع ولا يتمكن أحد من الخروج من منزله لحاجة ولا لغيرها ، لفسادهم وإفسادهم وتعديهم على الخاص والعام. وإنما كان سبب تمكنهم من ذلك عدم وجود وال بدمشق فإن واليها كان خرج منها إلى الحج أميرا فجاء الوالي الثاني وقتل منهم من قدر عليه وفر منهم من فر وسلب دورهم ومتاعهم وأثاثهم ، ولحق دمشق وأهلها من ذلك الوالي وحاشيته وجنده كل بؤس ، وذلك بسبب قيامهم على أولئك الأشقياء ، وانتهبت غالب المنازل في دمشق وقتل خلق كثير من الأبرياء ، نزل هذا الجند الكثير من دور الناس ، وأخرجوا أهلها منها بالعنف وظهر من أتباع هذا الوالي ما أنسى أهل دمشق ما كانوا

فيه من الضنك والشدة قبل قدوم هذا الجند إليهم وقال : إن هذه الفتن وقعت سنة (1170) وأرسل عبد الله باشا الشجي واليا ليرفع الحيف عن الدمشقيين ويعيد الأمن إلى طريق الحج ، واشتبك القتال كما تقدم بين القبوقول والإنكشارية ثم فرّ الإنكشارية طالبين البراري والقفار فتبعهم نفر من الجند وقتلوا منهم عددا ، ثم إن الجند أخذ في قتل من يراه كائنا من كان وشرعوا في النهب والسلب فانتهبوا معظم المنازل والحوانيت من الحقلة إلى باب الجابية ، والجند يأتون بالرؤوس إلى الوزير ، فقتل من الرعايا على هذه الحال عدد كثير وانتهب المال والمتاع ، وظلم رئيسهم وحواشيه واختطفت النساء والغلمان جهارا من غير مدافع ، والجند يقولون إن جميع الدمشقيين كفرة وإنهم قوم يزيد. قال الشهابي في دخول والي دمشق الجديد إلى المدينة : إنه كان مع الشتجي ثلاثة عشر ألف رجل فاجتمعت أهالي دمشق إلى الميدان ليمنعوه من الدخول فدهمهم ليلا وقتل منهم مقتلة عظيمة.
وفي سنة (1163) حصل بين سعد الدين باشا العظم وبين أهل حلب وحشة فرحل عنها جرداويا «وكان عرض عليه منصب حوران فاستعفى من ذلك لأنه لم يتول هذه الإيالة في الدولة العثمانية أحد استقلالا لقلة دخلها ووفرة خرجها فولوه طرابلس جرداويا لأخيه أسعد باشا الوزير فأقام جرداويا فيها وفي صيدا وحلب اثنتي عشرة سنة» روى الشهابي في حوادث سنة (1171) أنه وقعت شرور كثيرة بين انكشارية دمشق والقبوقول وكانت دروز الجبل تعين الإنكشارية في القتال فانتصروا وحاصرت القبوقول في القلعة وجرى بينهم أربع وقائع ، والإنكشارية تنتصر بإمداد الدروز ، ثم وقعت الفتنة بين عسكر الباشا وعسكر الإنكشارية فانكسر عسكر الوزير وخرج الإنكشارية من دمشق نحو ألف فارس ووقع القتال بين أهل البلد وعسكر الوزير فقتل من أهل البلد نحو مائة قتيل ثم نادى الباشا بالأمان.
وعدد ابن بدير كثيرا من مظالم الدفتردار فتحي أفندي ومما قال : إن الأهلين لما ضاقوا به ذرعا استعدوا الباب العالي فأعداهم فأحضر إلى العاصمة ليمثل بين يدي السلطان ، فأخذ يمنح المنائح لأرباب المظاهر حتى أدخلوا على السلطان شخصا آخر بدلا منه وأوهموه أنه هو المشتكى منه فأمر

بقتله فقتل. أما فتحي فسفره أعوانه من النظار تحت جنح الدجى فآب إلى دمشق يفعل الأفاعيل المنكرة ، حتى إذا ضاق الخناق ورد الأمر بقطع رأسه فقطع وجرّ في شوارع المدينة وترك للكلاب تنهشه ومثل ببعض أعوانه وصودرت أمواله.
عهد عثمان الثالث ومصطفى الثالث وبعض الأحداث في أيامهما :
وبينا كانت دمشق تموج بالفتن وتستل فيها الأرواح بسوء إدارة الولاة وتلاعب رؤساء الجند كان لبنان وهو ربيب القوة والمقاومة لا يخلو على ذاك العهد من فتن تدك العمران ، وتفني الإنسان والحيوان ، فقد ذكر المؤرخون أن المشايخ المناكرة تطاولوا (1163) على إقليم جزين فعظم ذلك على الأمير ملحم الشهابي وركب لحرب جباع الحلاوة فهربت المتاولة من وجهه وأحرق أكثر ضياعهم ، وكان قد أصاب منهم جماعة في جبل الشوك فوق جباع وقتل من المتاولة نحو ثلاثمائة نفس وحرق حارة جباع وقطع الأشجار ، وأحرق قليمي الشقيف وبشارة ، ثم حدث بين جماعة الأمير ملحم الشهابي ووالي دمشق وقائع طفيفة بسبب الظلم الواقع في البقاع على المسافرين في طريق دمشق فقتل أناس من عسكر الفريقين ، ثم وقع الصلح بين أمير لبنان ووالي دمشق على أن يؤدي الأول للثاني نفقة الحملة. وفي سنة (1165) وقعت فتنة بين المشايخ بني أبي نكد فغضب الأمير ملحم الشهابي عليهم وأرسل فنفاهم من البلاد فنزحوا إلى وادي التيم وهدم منازلهم في دير القمر ثم رضي عنهم. وكانت للسيد أحمد باشا الذي كان واليا في حلب سنة (1165) الحظوة عند رجال الاستانة قال أبو الفاروق : فعينوه واليا على قونية فسبقه إليها زوربا كورد محمد ، وأثار أفكار أهلها عليه لما عرف به من مظالم ، فحاربوه وهلك أناس في هذا السبيل ، ثم عينته الدولة واليا على حلب فسبقه إليها كورد محمد أيضا ومثل الرواية التي مثلها في قونية فحاصرت حلب لذلك خمسة أشهر. ودامت الحرب فيها مدة وأحرقت البيوت وخربت البساتين وقطعت المياه عن البلدة.
وفي سنة (1168) توفي محمود الأول بعد سلطنة خمس وعشرين سنة وتولى السلطنة السلطان عثمان الثالث وهو الخامس والعشرون من آل عثمان ولم يعمل

عملا يذكر اللهم إلا ما كان من تبديل وزرائه والإفراط في هذا التبديل ، وكان يميل إلى الطرب والصفا ويعمر الأبنية في العاصمة وأسس بعض دور الكتب وفي خلال ذلك تولى دمشق وإمارة الحاج حسين باشا مكي ولم يكن شرها في جمع المال ويميل إلى العدل وحسن الرياسة غير أنه كما قال المرادي : كان بطيء الحركة عن شهامة الوزراء ، فبسبب ذلك حصل من الجند الوطني والقبوقول (الحرس) وغيرهما من طوائف الأكراد والعسكر فتن وحروب وحصل للأعيان والرؤساء الضيق العظيم وقامت عليهم الناس.
وفي سنة (1172) هلك السلطان عثمان بعد أن ملك ثلاث سنين وثمانية أشهر وخلفه مصطفى الثالث فافتتح العهد بالإعلان بتبديل السياسة ولكن كان عهده كما قال مؤرخو الفرنج عهد انهيار المملكة الانهيار التام وسيادة الاشمئزاز على الناس ، ووضع ثقته في وزيره رجب باشا فأحسن وكان رجب ذكيا ومخلصا. وفي سنة (1174) كان واليا على دمشق عثمان باشا الكرجي وكان يلقب بالصادق ، وسبب هذا اللقب أنه كان من بعض مماليك أسعد باشا العظم وهذا يحبه لنباهته ، ولما قتل أسعد باشا وضبطت الدولة داره وأمواله طلبوا عثمان هذا فأخبرهم بخزائن مولاه ، ثم وجدت قائمة بين تلك الأموال فكانت مطابقة لكلامه فأنعمت عليه الدولة ولقبته بالصادق ، وتولى ولاية دمشق إحدى عشرة سنة (1174 ـ 1185) ومما وقع في أيامه ركوبه لحرب محمد الجرّار إلى قلعة صانور ، أرسل إلى الأمير يوسف فبعث بعسكره والتقى به عثمان باشا فعظم أمره عنده وأكرمه ، وأصلح الأمير إسماعيل الشهابي حاكم حاصبيا قلعة بانياس وبنى ما كان قد هدم منها من زمان ابن معن وأقام بها فحاصره عثمان باشا الصادق مدة وجيزة ثم سلمه القلعة ونهب عثمان باشا كل ما كان فيها وأمر بهدمها.
سيرة ظاهر العمر الزيداني وسياسته :
استراحت الدولة من ناحية الشام لوجود وال مخلص لها في دمشق عثمان باشا الكرجي الصادق ، فتركته وشأنه يعمل باسمها ويقاتل أعداءها ، فطالت ولايته على حين تقلبت حلب في مدة حكمه على دمشق إحدى عشرة سنة في أيدي

عشرة ولاة. وكانت الشام تتمخض في خلال ذلك بظهور رجلين في العقدين الأخيرين من هذا القرن كما تمخضت أواخر النصف الأول منه بظهور آل العظم ، ونعني بهذين الرجلين الشيخ ظاهر العمر الزيداني وأحمد باشا الجزار. وقد اهتمت لعظم شوكتهما الأمة والدولة ، جاء الثاني على أثر الأول فبزه ظلما وعدوانا. ولم يكن قيام أمر الرجل في ذاك العهد يتوقف على نباهة فيه وعلم وسياسة ، بل غاية ما يحتاجه شيء من المعرفة بطبائع من يقوم فيهم ، وتلطف باستمالة قلوب أفراد يعوّل عليهم ، ورأس مال قليل يؤديه ثمن إقطاع أو نفقة الظهور ، ومهارة في البطشة الكبرى الأولى ودهاء وحيلة ، وعندها يزيد كل يوم قوة ، ولا تلبث الدولة أن ترعاه ، والأهلون أن يتفيأوا ظله وحماه.
في أواسط القرن الحادي عشر جاء إلى جهات فلسطين الشمالية من الحجاز رجل يدعى زيدان وله ولد اسمه عمر ولعمر ولدان اسمهما ظاهر وسعد. ظعنوا عن ديارهم لخصومة وقعت بينهم وبين عدو أقوى منهم مراسا ، فجاءوا وضربوا خيمتهم في الأطراف الشمالية من سهل البطوف في أرض يقال لها مسلخيت من عمل نابلس. ولما كانت قرية عرابة أقرب القرى إليهم جاء وجهاء القرية وزاروهم وحيوهم وسألوهم أن يأتوا إلى قريتهم يضربون خيامهم في أرضها لأنهم كانوا على أربعة أميال منها. وكان في قرية سلّامة المعروفة اليوم بخربة سلامة الواقعة على منحدر الوادي المسمى بهذا الاسم شيخ درزي قوي الجانب برجاله الأشداء باسط أجنحة نفوذه على ما جاوره. مر بعرابة ذات يوم ووقع نظره على فتاة أعجبه حسنها وطمع فيها لنفسه. ونزل بيت أحد وجهاء القرية ودعا إليه الزعماء وطلب منهم الفتاة ، فشق على سكان عرابة ذلك خصوصا وهو درزي وهم سنة. وارتبك أهل القرية فسألهم زيدان عن السبب فذكروا له ما وقع فقال لهم : الخطب سهل على أن تعاهدوني أن تعملوا ما أسألكم إياه ولا تبوحوا به فقال : أجيبوا الدرزي إلى ما طلب وعينوا له وقتا يوافيكم فيه لأخذ العروس ، وإذا جاء مع جماعته رحبوا به فإذا استقر بهم المقام خذوا أسلحتهم ثم اتركوهم يهزجون ويرقصون إلى حين الرقاد ، وكل واحد منكم يأخذ واحدا إلى داره ليؤويه ولما رقد الجميع هبّ زيدان وأفنى جماعة الدروز ، ثم أغار هو وجماعته على سلامة مع سكان

عرابة فبطشوا بمن بقي فيها وخربوها فعظم قدر زيدان وانضم إليه أناس ممن يحبون الغزو والشقاوة ، وألف منهم جيشا يغزو بهم ، فينزل بأرباب العمل الويل والخراب. ثم قتل زيدان بعض رجال المقادحة وكان منهم حاكما طبرية والناصرة ، فأضحى المقادحة بلا زعماء فاحتل أهل عرابة نمرين وغيرها. ورزق ظاهر ستة أولاد ذكور وكفله سكان عرابة لدى والي صيدا فالتزم الجباية ، وكان بعض السنين يتلكأ عن أداء ما تعهد به وأحيانا يؤدي للدولة حقها ، حتى نمت ثروته وأقام في عكا فجعل أخاه سعدا في دير حنا ، وأولاده علي في صفد، وعثمان في شفا عمرو ، وسعيد في الناصرة وجهات مرج ابن عامر ، وصليبي في طبرية، وأحمد في تبنة وجبل عجلون.
كانت جبال بيروت وأعمالها بيد حكامها الأمراء الشهابيين يدفعون الأموال لوالي صيدا المعين من قبل الدولة ، وكانت صور وعملها بيد المتاولة يضمنون أموالها من والي صيدا، وأما جبال عكا وما إليها فكانت بيد مشايخها ومن جملتهم بيت أبي زيدان كانوا يضمنونها من والي صيدا أيضا ، فما زال الأمر كذلك حتى ظهر الشيخ ظاهر العمر فصادق مشايخ المتاولة وتزوج نساء كثيرات فتكاثر بنوه وأقرباؤه حتى بلغوا مقدار خمسمائة نفس ، وعمروا قلعة طبرية وقلعة صفد وغيرهما وبدأوا يسطون على عكا وصور ، وأظهروا الشقاوة وقطع الطرق فضجر منهم والي صيدا واضطر أن يضمن مدينة عكا إلى الشيخ ظاهر العمر ويضمن صور للمشايخ المتاولة ، وابتدأ الشيخ ظاهر العمر يبني في عكا سرايا عظيمة وسورا وأبراجا ويجمع إليه العسكر وانتشرت أعلامه في تلك البقعة وأطاعته مشايخ المتاولة ودخلت عرب البادية تحت حكمه «وكان عادلا في الرعية وسار معهم سيرة مرضية» وساعدته المتاولة في أطراف لبنان فخافه السلطان وأوهمه أنه يجعله نائبه في القدس ويوليه عكا والناصرة وطبرية وصفد وسائر البلدان التي في تلك الأطراف وأنه أمير العرب فصدق وكف عن المحاربة. وذكر شوفيه وايزامبر : أن ظاهر العمر نشط الزراعة وقضى على غزو القبائل المجاورة له من العرب فوفق إلى توطيد الأمن في الأقاليم فكان المسيحيون والمسلمون يهرعون إلى نزول أرضه من جميع أطراف الشام لينعموا فيها بالراحة والتساهل الديني.

وقال واصفوه : إنه ما زال في ظهور حتى نشبت الحرب بين الدولة العثمانية والدولة الروسية فضعفت الدولة في الأقطار الشامية ، فزاد ظاهر العمر قوة وعدا على والي صيدا وطرده منها وتملكها وأرسل لها حاكما من عنده ، واستمر يحارب الوزراء سبع سنين ولم يدفع مالا للدولة ، وله معهم وقائع انتصر فيها على عساكر الترك وعسكر الدروز والعربان. وفي هذه الأثناء صادق دولة روسيا بمشورة وكيله الخاص إبراهيم الصباغ من أهل عكا ، وكان هذا صاحب عقل وتمييز إلا أنه يحب المال كثيرا ، كما حالف الأمير فخر الدين المعنى الثاني في القرن الماضي أمراء طسقانه.
واستمر الشيخ ظاهر حاكما على عكا نحو أربعين سنة إلى سنة (1189). والسبب في وقوع الفتن بين الشيخ ظاهر العمر وولاة الأطراف أن عثمان باشا الصادق والي دمشق لما وليها سنة (1174) وكان شديد المكر كثير الدهاء ، ولى أولاده الاثنين صيدا وطرابلس ، فصار يظلم رعية الشيخ ظاهر العمر ويطلب المال للسلطان ، فبدأت الحرب بينهما فانكسر عثمان باشا وخلت خزائنه فأخذ يلح على الأهالي في طلب المال ، فضج الناس من ظلمه ، وعصاه أهل الرملة وغزة ويافا ولم يطيعوه إلا بعد حروب كثيرة ، فوقعت البغضاء في قلوب إقليم القدس وتمنوا حكم علي بك صاحب مصر عليهم ، وكان هذا قد قوي فأطاعته البلاد المصرية.
وحاول عثمان باشا سنة (1183) أن يغزو ظاهر العمر بالاتفاق مع أمراء جبل الشوف فأرسل ظاهر يستنجد بوالي مصر علي بك ، وكان هذا عزم على رفع لواء العصيان على الدولة ، وفي قلبه حقد على عثمان باشا ، فهش لاقتراح الشيخ ظاهر لأنه كان يريد امتلاك الأمصار من عريش مصر إلى بغداد ، وكان قد راسل الملكة كاترينا المسكوبية طالبا منها أن تمده بالمراكب والرجال وهو يملكهم المدن البحرية في الشام. ولما وصلت إليه رسالة الشيخ ظاهر جهز له ستة سناجق كبار ورأس عليهم إسماعيل بك وأصحبهم بعشرة آلاف من الغز والعربان والمغاربة وأمرهم أن يكونوا في طاعة الشيخ ظاهر العمر وساروا إلى أراضي المزيريب في حوران ، وكانوا نحو عشرين ألفا ، لقتال عثمان باشا فعدل إسماعيل بك عن الغزاة لما لاقى من تمرد أولاد الظاهر وعشيرته ، فشكا

الشيخ ظاهر إلى الأمير علي بك ما لقي من إسماعيل بك فابتدأ الأمير علي يجهز العساكر والجنود على نية الخروج لتملك الشام.
وفي هذه السنة قبض الأمير يوسف الشهابي على عدة من مشايخ آل حماده فالتجأوا إلى وزير طرابلس وأتوا بعسكر إلى قرية بزيزا ووقع القتال بينهم في قرية ميون فانكسر عسكر طرابلس وحاصر بعضهم في برج في أسفل القرية ثم سلموا وساروا إلى طرابلس ، وفيها بلغ الباب العالي ما فعله علي بك ، فأمر والي دمشق أن يسير بخمسة وعشرين ألفا لمنع جنود عكا من معاضدة علي بك فسار الوالي بالعساكر ، فوافاه الشيخ ظاهر العمر في ستة آلاف بين جبل النيران وبحيرة طبرية ورده على أعقابه.
حملة أبي الذهب على الشام :
استكثر أمير مصر علي بك (1184) من جمع طوائف العسكر وأمر بسفر تجريدة إلى الشام وأميرها إسماعيل بك وكان أرسل أحد رجاله فقتل سليطا شيخ عربان غزة هو وإخوته وأولاده ، فذهبت تجريدة من البر وأخرى من البحر ووقعت بين جنده وحكام الشام وأولاد العظم حروب ومناوشات وفي سنة (1185) أخرج علي بك من مصر تجريدة عظيمة وأميرها محمد بك أبو الذهب في جند كثير من المغاربة والترك والهنود واليمانية والمتاولة ، وسافرت من طريق دمياط في البحر ، فلما وصلوا إلى الديار الشامية حاصروا يافا وضيقوا عليها حتى ملكوها ، ثم توجهوا إلى باقي المدن والقرى وحاربهم النواب والولاة فهزموا وقتلوا وفروا من وجه الجيش المصري ، فاستولى على الممالك الشامية إلى حدود حلب. قال هذا الجبرتي ، وقال غيره : إن محمد بك أبا الذهب لما وصل إلى الشام حضر إليه أولاد ظاهر العمر ومشايخ المتاولة وانضموا إلى عسكره فصار جيشا عظيما ينيف على الستين ألفا ، فسار محمد بك أبو الذهب طالبا دمشق ، وكان عثمان باشا قد رجع من الحج فجمع العساكر لقتاله ، فما لبث عثمان باشا أن انكسر فخيم أبو الذهب حول المدينة قاصدا حصارها ، وأرسل إلى أهلها كتابا يشير فيه إلى ما أتاه عثمان باشا من الظلم وإهانة الحجاج والزوار وظلم المسافرين والتجار ، وأنه يريد أن يطهر هذه

الأرض منه نصرة للدين وغيرة على المسلمين ، ويذكر ما فعله بعلماء غزة في العام السابق من دفنهم في الأرض أحياء ، وأنه أخذ فتوى المذاهب الأربعة في قتاله ، وصرف الأموال والعساكر ليردوا الظالم ويستردوا المظالم ، فخرج العلماء والعوام من أهل دمشق كافة إلى محمد بك أبي الذهب وطلبوا منه الأمان فأمنهم وأكرمهم ، ودخل المدينة وجلس في دار الوزارة ونادى بالأمان ، وكانت القلعة لم تزل محاصرة فأمر بإطلاق المدافع عليها وطلب المحاصرون الأمان فتسلم القلعة. وتراجع عثمان باشا إلى حمص وجهز العساكر الكثيرة. وابتدأ إسماعيل بك يغير قلب محمد بك أبي الذهب على الشيخ ظاهر العمر فحصل بينهما فتور وخوفه عاقبة التمرد على السلطان فنهض بعساكره ليلا من دمشق وسار طالبا الديار المصرية ، وشاع رحيله من الغد فتعجب الأهلون من ذلك ولم يعلموا السبب فيه ، ورجع أولاد ظاهر العمر والمشايخ والمتاولة كل منهم إلى مكانه وقد تأسفوا على سعيهم.
وفي رواية أن السبب في ترك العسكر المصري بزعامة محمد بك أبي الذهب حصار دمشق أن عثمان باشا واليها لما أشرف على الهلاك بعث إلى قائد المماليك بصرة ثقيلة بالدنانير للرجوع عن محاربته فارتشى منه ، وأمر عسكره بترك المحاصرة وتركوا حصار قلعة دمشق ، فلما رأى ظاهر العمر خيانتهم ، وأنهم قد فارقوه وتركوه وحده عجز عن فتح القلعة فرجع إلى دياره ، فتخلص عثمان باشا وعاد يجهز العساكر بعد مدة قليلة للخروج لمحاربة ظاهر العمر ودخل أراضيه وحاصره في عكا وجدّ في الحصار حتى صعب الحال على الشيخ ، وكاد عثمان باشا يفتح عكا ، فما نجا الشيخ في هذه المرة إلا بمساعدة ولديه ، فقد جمعا العرب وهجما على الترك ليلا فكسروهم وشردوهم فهرب منهم عثمان باشا ، ثم جمع الشيخ ظاهر عساكره وحارب الدروز فغلبهم وتملك قراهم التابعة لعامل صيدا. ولما بلغ السلطان خبر فتوحه وهو مشتغل بحرب روسيا صعب الحال عليه ، فأرسل السلطان إلى الشيخ يعرض عليه الصلح ، وقد عزل عثمان باشا وولديه عن ولاية دمشق وصيدا وطرابلس ، وأما الشيخ ظاهر فقد أضمر في نفسه أن يدخل في طاعته الشام كله وهو يستند في ذلك على مساعدة علي بك أمير مصر.

وذكر المرادي أنه كان مع محمد بك أبي الذهب تسعة ألوية وخمسة من أولاد الظاهر أمير بلدة عكا ومشايخ المتاولة والصفدية ونحو ثمانين مدفعا وأربعون ألف مقاتل ، وعينت الدولة لقتاله والي حلب ووالي كليس ووالي طرابلس فخرجوا مع وزير دمشق بالعساكر الشامية والأجناد ، وصارت المعركة في سهل داريا وفي أقل من ساعة انكسر العسكر الدمشقي وفرهاربا كل من والي كليس ، والي حلب وعساكرهما ، وقتل منهم شرذمة قليلة وثبت كافل دمشق عثمان باشا وولده محمد باشا والعساكر الدمشقية ودام القتال ثلاثة أيام ، وفر أعيان البلد إلى حماة واستولى الفزع على الناس ، وغص الجامع الأموي بأهالي القرى فنزلوا بأهلهم وأمتعتهم ومواشيهم إليه. ولما عاد أبو الذهب عن دمشق رجع عثمان باشا وولده محمد باشا ورئيس «اليرلية» يوسف أغا جبري من جبل الدروز ومعه خمسة آلاف درزي وبعد مدة ضرب عثمان باشا عنق ابن جبري ، لأنه كان السبب في تقوية الدولة المصرية على العساكر الشامية طمعا في قتل عثمان باشا وصيرورته مكانه كافلا بدمشق.
عاد أبو الذهب إلى مصر ورجع إلى دمشق عثمان باشا وحضر إليه الأمير يوسف الشهابي لأنه كان قد أرسل إليه نائبه يوسف أغا جبري يستنجده ، وكان الأمير يوسف قد جمع عسكرا وتجهز للمسير فاتفق قيام أبي الذهب عند ذلك. ولما فرغ بال عثمان باشا وقتل نائبه يوسف أغا جبري رئيس الأنكشارية ونهب أمواله أقام مكانه رجلا من أهل دمشق يقال له عثمان آغا شبيب ، ثم خرج بعسكر عظيم إلى أرض الحولة يريد قتال الشيخ ظاهر العمر والمتاولة الذين كانوا السبب في تلك الفتنة فجمع ظاهر العمر رجاله واجتمعت المتاولة وكبسوا عثمان باشا في الليل فذعرت عساكره وقتل منهم خلق كثير. وهزمهم الشيخ ظاهر وما زال في إثرهم حتى وصلوا إلى بحيرة الحولة فألقى كثير منهم أنفسهم في البحيرة وماتوا غرقا. وهرب عثمان باشا بنفر قليل فاستولى ظاهر العمر والمتاولة على أسبابه. وكتب الشيخ ظاهر إلى الأقاليم الشامية ودخل الناس كافة في طاعته. فخرج علي بك من مصر فالتقاه ظاهر العمر بالإكرام ودخل به إلى عكا فأرسل كتبا منه (1185) ومن الشيخ ظاهر العمر إلى ملكة المسكوب يسألانها معاضدتهما على الدولة العثمانية ، وأن ترسل

إليهما المراكب الحربية ليسلماها الديار المصرية. وأقام علي بك ينتظر الجواب وقويت مشايخ المتاولة على الدولة ، وتطاولت على أطراف جبل الشوف ومرج عيون والحولة ، فاتفق الأمير يوسف وخاله الأمير إسماعيل حاكم وادي التيم الأدنى وجمع الأمير يوسف نحو عشرين ألف جندي وسار قاصدا قرية جباع الحلاوى وأحرق إقليم التفاح وحرق جباعا وقطع أشجارها وهدم بنيانها.
وكان عسكر المتاولة المجتمع في النبطية نحو ثلاثة آلاف ، ولما وصل الأمير يوسف الشهابي إلى كفر دمان أحرقها وتوجه إلى النبطية فالتقى بشر ذمة من عسكر المتاولة نحو خمسمائة خيال ووقع بينهم قتال انكسر فيه عسكر الأمير يوسف كسرة هائلة ، ومات كثير من عسكره تعبا وعطشا ومنهم من اختلت عقولهم ، وفقد من عسكره في هذه الوقعة أكثر من ألف وخمسمائة قتيل ، وركب الشيخ كليب نكد من حاصبيا إلى دير القمر وغزا المتاولة في قرية علمان فهزمهم ومنعهم من الحضور إلى إقليم الخرنوب وتلك الأطراف ، وسارت عساكر الدولة مع عسكر الأمير يوسف لحصار مدينة صيدا وأنقاذها من يد ظاهر العمر وكانوا في أكثر من عشرين ألفا معهم المدافع والزنبركات فأقاموا على حصارها سبعة أيام. وجاءت المراكب الروسية إلى عكا التي استنجد بها ظاهر العمر فأرسلها إلى صيدا فأطلقت مدافعها على جيش الدولة وجيش لبنان ، وساق ظاهر العمر عسكره وقدروه بعشرة آلاف جندي والتقى بعسكر لبنان وجيش الدولة في سهل الغازية ، وانتشب القتال فانكسر عسكر الدولة وقتل منه نحو خمسمائة نفس وانقلب راجعا إلى دمشق ، وأما المراكب الروسية فسارت إلى بيروت وملكت جانبا منها وأحرقت بعض الأبراج ، فهربت الشهابية من المدينة وخرج أهلها إلى البر ، ودخلت الفرنج بيروت ونهبت كل ما وجدته فيها ، ثم رحلت إلى عكا بعد أن أعطاها حاكم لبنان (7500) قرش تعويضا ، ثم عادوا وأطلقوا على بيروت ستة آلاف مدفع دفعة واحدة كذا قال المؤرخ ، حتى ظن الناس أن القيامة قامت وسمع صوت المدافع على ما قيل إلى قبة السيار فوق دمشق كالرعد القاصف ، وأحاطوا بالمدينة بحرا مدة أربعة أشهر ليل نهار ، فتضايق المتحاصرون فيها ونفد ما عندهم من الزاد فكانوا يأكلون لحوم

الخيل والحمير والكلاب ، وهناك اضطر الجزار إلى التسليم وطلب الأمان عن يد ظاهر العمر وتسلم الأمير يوسف بيروت وغرم المسلمين ثلاثمائة ألف قرش وسلمها للسفن المسكوبية. قال أحد المؤرخين : ضرب الروس بيروت ونهبوها في القرن الثامن عشر وكانت فيها بيوت أمراء الجبل ومشايخه ، وكانوا بنوا فيها خانات وقيساريات وكان الفرنسيون يدعونها «باريز الموارنة الصغرى» وكثير من الموارنة كانوا قناصل لفرنسا.
ووقعت في هذه السنة بين الشهابيين والحماديين في العاقورة والقلمون واقعة. وفي سنة 1186 أخذ سيد أحمد من والي دمشق حكم البقاع فتوجه إلى قب الياس وبنى ما كان هدم فيها من الزلازل وحصنها بالمدافع والرجال. وفي هذه السنة أحرق يوسف الشهابي بعض قرى الضنية لما بلغه من خيانة المشايخ بني رعد حكام الضنية مع المشايخ بني حمادة. وفي سنة 1187 حمل عثمان باشا والي دمشق في خمسة عشر ألف جندي على الأمير يوسف الشهابي حاكم لبنان في جهات البقاع. وجرت عدة وقائع بين العسكرين وانهزم والي دمشق في الليل تاركا المدافع والذخائر ثم انفصل الفريقان على غير نتيجة.
عهد عبد الحميد الأول وتتمة أخبار أبي الذهب :
هلك أحمد الثالث (1187) وخلفه ابنه عبد الحميد الأول وفي أيامه استولى العجم على العراق ولم يبلغه الخبر إلا بعد خمس سنين ، وهو السابع والعشرون من آل عثمان ، مضت مدة على رحيل أبي الذهب من الشام وبقي ظاهر العمر بعد اعتصامه بروسيا وكسرته والي دمشق غير مرة واتهام أبي الذهب بالخيانة أمام والي مصر ممتعا بولايته حتى سنة (1189) ، وفيها سافر أبو الذهب إلى الديار الشامية ـ رواية الجبرتي ـ لمحاربة ظاهر العمر واستخلاص ما بيده من الأقاليم ، وكانت الدولة أذنت له بالمسير إلى ظاهر العمر وخراب أرضه ، فوصل إلى أرجاء غزة وارتجت الديار لوروده ، ولم يقف أحد في وجهه وتحصن أهل يافا بها وكذلك ظاهر العمر تحصن في عكا ، فلما وصل إلى يافا (1188) حاصرها وضيق على أهلها وامتنعوا هم أيضا عليه وحاربوه من داخل وحاربهم من خارج ، وألقى عليهم المدافع والمكاحل والقنابر عدة أيام وليال ،

فكانوا يصعدون إلى أعلى السور ويسبون المصريين وأميرهم سبا قبيحا ، فلم يزالوا بالحرب عليها حتى نقبوا أسوارها وهجموا عليها من كل ناحية وملكوها عنوة ونهبوها وقبضوا على أهلها وربطوهم بالحبال والسلاسل وسبوا النساء والصبيان وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، ثم جمعوا الأسرى خارج البلد وأعملوا فيهم السيف وقتلوهم عن آخرهم ولم يميزوا بين المسلم والمسيحي والإسرائيلي والعالم والجاهل والعامي والسوقي ولا بين الظالم والمظلوم. وبنوا من رؤوس القتلى عدة صوامع ووجوهها بارزة تنسف عليها الأتربة والرياح والزوابع ، ثم ارتحل عنها طالبا عكا. ولما بلغ ظاهر العمر ما وقع بيافا اشتد خوفه وخرج من عكا هاربا فوصل إليها أبو الذهب ودخلها من غير مانع ، وأذعنت له باقي المدن ودخلت تحت طاعته وهدم قلعة دير مار يوحنا ودير مار الياس في صفد وقتل رهبانهما.
ويقول جودت : إن أبا الذهب قام من مصر في ستين ألف جندي إلى يافا ، وبعد حصارها خمسين يوما استولى عليها وأعمل السيف في أهلها كبيرهم وصغيرهم ، وأن ظاهر العمر طلب مددا من الأمير يوسف الشهابي حاكم لبنان فأبى أن يمده فلم يسعه إلا الهرب من عكا والتجأ إلى عرب غزة ، ولما حصل أبو الذهب في عكا استولت الدهشة على الناس حتى إن بعض الأسر الكبيرة هاجرت بيروت خوفا وهلعا ، أما الأمير يوسف حاكم لبنان فقدّم هدايا إلى أبي الذهب طيب بها قلبه ، وجاء متسلم صيدا أحمد آغا الدكزلي ملتمسا رضاه مظهرا طاعته ، فأمنه على نفسه ومركزه ، كما جاء مشايخ بني متوال فأكرمهم أبو الذهب ثم استدعى أن يولى أمور مصر والشام فجاءه من السلطنة المنشور بذلك ولكن كان قد قضى نحبه وتفرقت جموعه وعادوا إلى مصر ، فلم تنل الدولة مأربها من ظاهر العمر ولم تستفد الشام سوى أن قتل من أهلها جمهور كبير ولا سيما في حصار يافا. وجرى على أثر هذه الواقعة بين المتاولة والغز الذين في صيدا قتال عظيم فانكسرت المتاولة كسرة هائلة وقتل منهم جماعة.
خاتمة ظاهر العمر وولاة حلب :
قال جودت : لما سمع ظاهر العمر بوفاة أبي الذهب عاد إلى عكا وأخذ

يطيل أيدي الأذى أكثر من قبل ، فأرسلت عليه الدولة سنة (1189) قائد البحر حسن باشا الجزائري ، وكتب إلى والي دمشق إذ ذاك محمد باشا العظم وإلى والي صيدا وإلى الجزار أحمد باشا الذي نصب محافظ السواحل الشامية وإلى متصرف القدس ، فبعث قائد البحر أولا يطلب من الظاهر ما في ذمته للدولة من الأموال الأميرية (وهي خراج سبع سنين) فلم يوافق على ذلك مستشار ظاهر العمر إبراهيم الصباغ ، وكان بيده جميع أموال ظاهر العمر ، وقال له : إن الدولة لا يرضيها شيء وأراد سيده على المقاومة ولكن استمال متسلم صيدا عسكر ظاهر العمر وقال لهم : لا يجوز مقاتلة عسكر السلطان فأبوا أن يقاتلوه. فلما علم ظاهر العمر بالأمر فرّ على وجهه لا يلوي على شيء هو وأولاده ، فضبط قائد البحر أمواله وذخائره وجيء بإبراهيم الصباغ فأخذت منه أموال ظاهر العمر ثم قتل. ويقول بعض المؤرخين : إن ما وجد من أموال ظاهر العمر اثنان وثمانون ألف كيس من النقد قال جودت: سبحان الله! بمثل هذا المال والنوال ومتسلم صيدا أحمد آغا الدكزلي يطلب عشر معشاره لإرضاء الدولة فتشح نفس إبراهيم الصباغ فيجلب البلاء على نفسه ويكون سببا لخراب بيت مولاه بيت آل زيدان.
وذكر بعض من استوفوا سيرة ظاهر العمر أنه في أواخر سنة (1189) حضر قائد البحر حسن باشا الجزائري بالأسطول لأن السلطان عبد الحميد الأول لما عقد الصلح مع الدولة الروسية سنة (1187) التفت لتنظيم الولايات فوجه قائد البحر إلى حيفا ، وذلك بعد موت أبي الذهب ورجوع العساكر المصرية بمدة قليلة ، وأن مطالب القائد كانت أموال سبع سنين متراكمة ، فادعى الظاهر أن ليس عنده مال وأنه مستعد لحرب قائد البحر لأن عنده بارودا وقذائف وثلاثة مدافع ، فأطلق قائد البحر أربعة أيام النار على عكا ، وكان عدد قنابله 7750 قنبلة ولم يحدث منها ضرر بل هدمت قليلا من المحلات ، وقيل بل سقطت قنبلة على مخزن البارود فاحترق ، فخرج الشيخ ظاهر بعياله فقتله أحد المغاربة في الطريق في محل يسمى الرقايق ، وكان قاتله عبدا من عبيده منذ خمس عشرة سنة فقتله القائد التركي به لخيانته سيده ، وحزوا رأسه وحمل إلى الاستانة ونهب العسكر المدينة ساعتين. وكان قائد السفينة الفرنسية التي جاءت

لحماية تجار عكا الفرنسيين وحملتهم إلى وطنهم نبه على التجار الفرنسيين بأن كل من عنده وديعة لإبراهيم الصباغ ولكل من يلوذ به ملزم بحسب أوامر السلطان أن يقدمها إلى قائد البحر العثماني فأعطوها وكانت 36 ألف كيس ذهب عدا الجواهر والتحف ، وضبطت حواصله وكانت مشحونة بأصناف البضائع وضبط مبلغ كبير ممن يلوذ بإبراهيم الصباغ الذي أخذ وقتل في الاستانة ، وكذلك أحمد آغا الدكزلي الذي خان مولاه فقد صلبه قائد البحر في صاري المركب ، وسلم قائد البحر ولاية عكا إلى أحمد باشا الجزار ، سلمه عكا وصيدا وما يليهما ، فاحتال الجزار على أولاد ظاهر العمر وأقام الشيخ عثمان الظاهر شيخ المشايخ ويقول مشاقة : إن حسن باشا طلب من ظاهر العمر خمسين ألف قرش تبلغ بأسعار ذاك الوقت خمسة وعشرين ألف ريال فرنسا فأشار أكثر معتمدي الشيخ بالدفع إلا الطبيب التاجر إبراهيم الصباغ فإنه خالف رأي الجماعة ، وقيل : إنه وصل من أموال ظاهر العمر وأولاده وإبراهيم عبود الصباغ إلى خزينة السلطان ثلاثمائة وثمانون ألف كيس تساوي خمسة ملايين ليرة وخمسة وعشرين مليون فرنك خلا ما اختلسه حسن باشا لنفسه.
وفي أوائل (1190) رجع حسن باشا الجزائري بالأسطول إلى عكا وحضر محمد باشا العظم والي دمشق بعسكره وإبراهيم باشا والي القدس بعسكره ونصبوا معسكراتهم خارج مدينة عكا وطلع معهم أحمد باشا الجزار بعساكره وساروا جميعا مع أمير البحر قاصدين البطش بأولاد ظاهر العمر فأمنوهم وحملهم قائد البحر إلى الاستانة وقتل في الطريق أحدهم واسمه أحمد لأنه طعن فيه جهارا وبقي أحد أولاد الظاهر واسمه الشيخ علي يتنقل في البراري، فبلغ الدولة خبره فأرسلت إلى محمد باشا العظم أن يرسل إليها رأس علي الظاهر أو يقتل هو به ، فأرسل والي دمشق رأس ابن الظاهر مع ثلاثة رؤوس من جماعته وأنكر جماعة أحمد باشا الجزار الرأس المحمول ، وقالوا : إنه ليس رأس الشيخ علي الظاهر فأحضرت الحكومة ولديه الحسن والحسين وكانا في الاستانة وقالت لهما هل تعرفان هذه الرؤوس المقطوعة فلما رأياها بكيا فقيل لهما : ما يبكيكما؟ فأجابا هذا رأس والدنا علي الظاهر وقد عرف من كبر عارضيه لأنه كان يدعى أبو سبعة شنبات ، وبذلك انقضت دولة الظاهر واندثر ذراريها

وقامت دولة الجزار أحمد باشا الذي ضيق على أولاد الظاهر وذراريه وبعث أحد جواسيسه إلى ابنه علي وقتله في مرج علما الخيط.
والغالب أن الشيخ ظاهر العمر الذي حكم صيدا وعكا ويافا وحيفا والرملة ونابلس وإربد وصفد وجميع المتاولة كانت تحت أمره ، كان إلى السذاجة والفطرة ، استسلم لوكيله إبراهيم الصباغ ، وكان هذا مثلا سائرا في الإمساك وحب المال ، فحاول أن يخلص سيده من دفع خمسة آلاف كيس مع ان لديه أضعاف أضعافها من الذهب ، دع سائر العروض والجواهر ، واغتر ظاهر العمر بقوته الضئيلة فكان في ذلك ذهاب دولته وهلاكه وهلاك وكيله ، ولم يثمر جمع الأموال الثمرة المرجوّة ، ولو قدّر له أن يعمل بما رسمه له السلطان سنة (1188) من العفو عن جميع ما تقدم من ذنوبه وذنوب غيره على شرط أن يؤدي الخراج لبقي في عزه إن كانت الدولة تريد دوام العز لأحد.
كانت الشكوى قليلة من إدارة ظاهر العمر فإن ما جمعه في أربعين سنة قد جمع غيره من حكام الأقاليم مثله في مدة قليلة. ذكر فولنه أن علي باشا المعروف بجتالجه لي الذي تولى حلب مرتين آخرها سنة (1193) ، وكان معاصرا للجزار جمع في خمسة عشر شهرا زهاء أربعة ملايين ليرة (الغالب أن الليرة هي الفرنك الطلياني) وأنه سلب جميع أرباب الحرف حتى انتهى سلبه إلى منظفي الغلايين. وقال غيره إن مدينة حلب التزمها ملتزم من الاستانة بثمانمائة كيس أو نحو أربعين ألف جنيه ويعطي الوالي 8330 جنيها في السنة لنفقات الولاية لكنه يكثر ابتزاز الأموال الطائلة من الأكراد والتركمان وسائر السكان ، وقد جمع منهم عبدي باشا الذي كان واليا قبل عهد فولنه 160 ألف جنيه في سنة واحدة وضرب ضريبة على كل واحد وكل صناعة.
قال بعض من عاصره : وقد فر من حلب غالب تجارها ووجوه الناس ومن له شهرة وسجن الأعيان ، وأن الكوسح خادمه لما خرج إلى قتال التركمان صار يخرب القرى ويسلب أموالها حتى قام أهالي حلب وحاصروه وأخرجوه من البلدة. ونقل في أعلام النبلاء في حوادث سنة (1194) أن عبدي باشا والي حلب جاء في جيش عظيم إلى كلز لتأديب الأشقياء وأصدر أمره إلى أهل البلدة أن يخرجوا منها أهل العرض والرعايا إلى طرف الباشا ويبقي الأشقياء ، فأجابوه

بلسان واحد : ليس في بلدتنا أهل عرض أصلا بل كلنا أشقياء ، فزحف الوالي على البلد فحاصرها وفتحها ووقع القتل والنهب في كلز ، وهتكت الأعراض وذبحت الأطفال. وأن الوالي أخذ يسلب أموال الناس في حلب وفي سجونه من الأكابر والمشايخ والاشراف خلا الرعايا وأهل الذمة مقدار عظيم ، وعسكره كثير يرتكب في حلب أنواع الرذائل ، وبلغ من سوء فعل أتباعه أن كسروا غراريف بساتين حلب ودواليبها وأخشاب بيوتها وطياراتها من حدود قرية بابلا (باب الله) إلى قرب بستان الدباغة ، وحرقوها وحرقوا أخشاب قرى البلد بأجمعها ، وسلبوا متاعها ونهبوا مواشيها وتركوها قاعا صفصفا إلا ما حماه الله من القرى البعيدة ، وجاء الوالي الجديد فنبه أن لا يحمل أحد سلاحا وكل من وجد من أهالي المحلات خارجا عن الطريق المستقيم فعلى جيرانه أن يخبروا عنه ليقتله ، ومن شهد جيرانه بحسن حاله فلا سبيل لأحد عليه ، وصار يقتل كل من أخبر بسوء حاله ، وأمر الناس أن يفتحوا دكاكينهم وأرباب القرى أن يتعاطوا زراعتهم وأن ما مضى لا يعاد ، ومن لم يفتح دكانه ينهبها ويشنق صاحبها.
وروي في أخبار الحاج يوسف باشا ابن العظم الذي تولى حلب بعد عبدي باشا أنه صار يأخذ بالمجان مماليك وجواري من أصحابها قهرا ، ويحضر التجار وغيرهم ويكرمهم ويقول لهم : «أنا وزير إقشعوا خاطري ، لا يعلم بها أحد حتى لا يمشيها غيري» وأرسل فطلب من كل بلدا حصانا. وجاء بعده عبدي باشا وسار على أقدام سميه الأول في الظلم والجور على صورة لم يسبق لها مثيل ، وأنشأ يأخذ بدل القرش أربعة ، وصادر القوم وعذبهم وصارت حبوسه ملأى بالناس.
وصف فولنه ظاهر العمر بأنه لم تشهد له الشام مثيلا في الأزمان الغابرة ، وكان داهية باقعة في السياسة حكيما محنكا ولكنه كان طماحا طماعا ، ومن محاسن صفاته أنه لم يكن يحب الاحتيال ويجاهر بما يضمر ولو قاسى من ذلك العنت ، وأنه أحب المسيحيين ورفع شأنهم وعدل في الناس.
وقال من عاصره : حكم الظواهرة البلاد نحو ثمانين سنة وامتد نفوذهم من حدود جبل عامل شمالا إلى أطراف جبال القدس جنوبا ومن البحر

المتوسط غربا إلى جبل عجلون شرقا ، وكانوا يرجعون في أحكامهم إلى أصول العشائر حسبما توحيه إليهم ضمائرهم ، وقد شادوا في الأقاليم أبنية ضخمة فرم ظاهر العمر بعض ما تمكن من ترميمه مما خربته الحروب الصليبية ورفع سور عكا الداخلي ، وشاد فيها جامع محلة الجرنية وبنى علي في صفد القلعة الباقي شيء من آثارها إلى اليوم ، وبنى صليبي في طبرية السرايا المعروفة اليوم باسم الصقرية نسبة إلى عرب الصقر الذين صال عليهم صليبي واكتسحهم ، وعمر الجامع الواقع جنوب السراي ، ورم عثمان قلعة قرية شفا عمرو وعمرها، وبنى أحمد قلعة تبنة ، وشيد سعد قلعة دير حنا. وهذه القلاع الثلاث لا تزال موجودة ، وعمر في دير حنا الجامع الموجود إلى اليوم وكان بناؤه سنة (1144) ه.
أولية الجزار :
أخذ الجزار بعد استلام ولاية صيدا سنة (1191) يقوى وتشتد شكيمته خصوصا وقد ولي دمشق مع بقاء عكا عليه ، ثم استقل بولاية عكا وأخذ يغزو متغلبة تلك الأرجاء فوقعت بينه وبين الأمير يوسف الشهابي وقعة سنة (1191) في نقار السعديات بين صيدا وبيروت فلم يسلم من جماعة الشهابي إلا القليل ، وأحرق عسكر الجزار المكاس والجديدة والدكوانة في لبنان وقتل أناسا من أهلها ، ثم وقعت بين عسكر الدولة وعسكر لبنان في المغيثة عدة وقائع انتصرت الدولة فيها على أهل الجبل وقتل منهم قتلى كثيرة وأكثرهم من المتن وداهم عسكر الدولة بني الحرفوش في بعلبك وأحرقت الدولة زحلة. وقوي الجزار بمجيء ستمائة فارس من اللوند وكانت الدولة أمرت بقتل جماعتهم وكانوا ستة عشر ألفا ، فلم يسلم منهم إلا الذين جاءوا الجزار ، ولما عزم على الإقامة في عكا ابتدأ بإصلاح أسوارها وإتقان بنيانها وجعل على كل قرية أن يحضر أهلها جميعا ثلاثة أيام في الأسبوع بالسخرة لأجل العمارة.
وجرت حروب كثيرة بين الشيخ علي بن الشيخ ظاهر العمر وعساكر الجزار حتى قتل على ما سلف ، وكذلك بين الجزار والأمير يوسف الشهابي والتقى مرة في طريق صيدا عسكر الجزار بالنكدية وكانوا يكمنون له فقتل

الجزار أكثرهم وقبض على بعض أعيانهم ، فجعل الأمير يوسف يعتذر للجزار ويستشفع في إطلاقهم مقابل مئة ألف قرش ، ولما طلب الأمير المال من الجبل أبى الأمراء الدفع فطلب الأمير من قائد عسكر الجزار أن يتلف أشجار بيروت ففعل وقتل جماعة من رجالهم ، ثم سار إلى بعلبك وعظم أمره ، وحينئذ خرجت بيروت من يد الأمير يوسف ودخلت في حكومة الجزار ، واقتتل الأمير يوسف مع الجزار فانهزم في عدة مواقع ثم تصالح الشهابي والجزار.
وأرسل أحمد باشا الجزار (1191) أحد رجاله من الأكراد في جماعة منهم فاجتازوا قب الياس فعلم أهلها فحصنوها ، وردوهم عنها بإطلاق المدافع فذهب الأكراد إلى بعلبك وصادروا كبار المتاولة ، ولا سيما الأمير محمد الحرفوش وسجنوه ، ثم شنوا الغارة على سعد نايل وقتلوا بعض سكانها ونهبوها ، ثم حاربوا الدروز في البقاع وقتلوا بعضهم وأحرقوا قرى كثيرة في البقاع وهاجموا سغبين ثم عادوا عنها ، وقد قتل منهم نحو مائتين ثم أمرهم الجزار فعادوا إليه ، وكان سبب إرسالهم أن الأمراء اللمعيين لم يدفعوا الضريبة الشاشية التي فرضها الجزار على اللبنانيين في السنة السابقة. وفي سنة (1192) أو 93 نقل الجزار مركزه إلى عكا لحصانتها. وزاد الجزار (1194) المكوس والمغارم على لبنان.
وفي سنة (1195) وقعت فتن ومناوشات بين عسكر الجزار وعسكر الأمير سيد أحمد وعسكر دمشق في أرض قب الياس في البقاع قتل فيها كثيرون وانتصر الجزار ووقعت وقعة في الظهر الأحمر في وادي التيم ، وفي سنة (1197) استولى الجزار على بلاد بشارة بعد وقعة مع مشايخها من بني متوال ، وتسلم هونين وتبنين وشقيف أرنون ، أخذ هذه القلعة الأخيرة بالأمان وقتل من بها وتسلم جباعا وباد اسم بني علي الصغير وبني منكر. وفي هذه السنة توفي محمد باشا العظم وكان وزيرا عادلا مهابا على قول ميخائيل الدمشقي وقال المرادي : إنه كان من رؤساء الوزراء عقلا وكمالا وعدلا ودينا وسخاء ومروءة وشجاعة وفراسة وتدبيرا وكان واسع الرأي مهابا وضرب على أيدي البغاة وقطاع الطريق ، وراقت دمشق وما والاها في أيامه ، وصفا لأهلها العيش ونامت الفتن ، وعين محمد بن عثمان باشا وكان ظالما قاسيا ثم تولى أخوه درويش

باشا ثم تولى محمد بطال باشا وكان حدثا جاهلا ليست له خبرة بالمقاطعات. وقتل (1197) الوزير حسين مكي باشا والي غزة وصادرت الدولة أمواله وكان حارب بني صخر وعرب الوحيدات بعسكره فاستأصلهم.
وفي سنة (1198) تولى أحمد باشا الجزار ولاية دمشق وفي سنة (1199) وقعت فتن أيضا بين عسكر الدولة واللبنانيين قتل فيها فريق من الطرفين. ومن جملة الفتن ما ذكروه من عصيان يوسف الجرار وتحصنه في قلعة صانور ، فحاصرها الجزار بنفسه فلم يظفر بطائل فطمع أهل نابلس وأخذوا ينهبون الناس ، فذهب الباشا ونهب بعض قراها وقتل أناسا كثيرين ثم حاصر صانور ثانية ، وأصبحت مقاطعة نابلس في فوضى والجزار كل مرة يغزوها ويخرب في قراها ويقتل من أهلها ولم ينل أحمد الجزار من يوسف الجرار ما كان يتطال إليه حتى مات الجرار. قال بعضهم : إن نابلس لم تبرح بعصيانها تقلق الإدارة التركية وكان العصاة فيها يعتصمون بقلعة صانور. هذا وقد تولى حلب في هذا القرن سبعون واليا قضى معظمهم أشهرا في الولاية وأكثرهم لم يتجاوز الخمس سنين وكان ولاة دمشق في هذا القرن ستة وأربعين واليا كان منها نحو خمس وأربعين سنة في حكم آل العظم.
الحكم على القرن الثاني عشر :
قرن كله ذل ومسكنة ، وتقاتل وتشاحن ، عرف بتغلب القيسية على اليمنية بعد وقعة عين دارة ، ورجوع ابن معن إلى الإمارة في لبنان ، وانقراض دولة المعنيين بموت الأخير منهم ، وظهور بني شهاب حكام وادي التيم بمظهر جديد خلفوا المعنيين في لبنان ، وبظهور أبناء علي الصغير في بلاد بشارة وانقراضهم كانقراض آل حمادة من شمالي لبنان ، وظهور بني العظم حكاما في الولايات الشامية وتراجع أمرهم ، ثم ظهور ظاهر العمر في عكا وما إليها ودوام حكومته أربعين سنة ، ثم إرسال والي مصر تجريدة بقيادة إسماعيل بك وأخرى بقيادة محمد أبي الذهب ورجوع هذا عن الديار الشامية بعد أن فتحها إلا قليلا ، واعتصام الظاهر عمر بملكة روسيا وحصار أسطول الروس بعض الساحل ولا سيما بيروت ، ثم ظهور الجزار الذي قرض بيت ظاهر العمر.

والدولة قلما جهزت جيشا خاصا للقضاء على سلطة أحد المتغلبين اللهم إلا جيوشا أشبه بنجدات يوم مجيء أبي الذهب لفتح الشام ، واستغاثت بأبي الذهب لتنقذ الشام من ظاهر العمر فجاء بجيش من مصر ، اي إن الدولة كانت تستعين بالجار على جاره وبابن العم على ابن عمه وتضعفهم جميعا ، ومعظم حملاتها كانت للانتقام ممن يتلكأ في تأدية الجباية لها ، وقلما سمع بأنها نحت عاملا كبيرا لسوء إدارته ، وكثرة نهمته في جمع ثروته ، والعاقل المستقيم من ولاتها لا تطول ولايته كثيرا حتى يتمكن من إصلاح بعض الشؤون ، وكان الولاة في الحقيقة يستمتعون بلا مركزية واسعة لا يحتاجون معها إلى مراجعة الاستانة في كل أمر ، ولكن أين العامل النشيط فيهم الذي يعرف يدبر أمور الناس ، وإذا تهيأ الرجل فلا تحدثه نفسه بذلك حتى يتهم حالا بإرادة الاستقلال ويشي فيه جيرانه والطامعون في ولايته.
أما سلاطين هذا القرن فكانوا وسطا والوسط لا يعمل عملا نافعا ، ولم ينشأ للسلطنة صدور عظام عرفوا بالمضاء وحب العمل أمثال أبناء كوبرلي وصوقوللي في القرن الماضي ، بيد أن أعمالهم لم يصل إلى الشام منها إلا الصدى ، ولم يخرج من الشام نابغة بعقله وإدارته من أرباب الإقطاعات وغيرهم كما كان في القرن المنصرم ، وجل همهم مصروف إلى دفع عادية خصمائهم من أقربائهم أو غيرهم ، وكانوا دون من يأتي من الاستانة من الولاة عقلا وعدلا ، ومما ظهر في هذا القرن من النقص المحسوس قلة السكان فقلق العقلاء ، وكان في حلب قبل استيلاء العثمانيين (3200) قرية يتقاضى منها الخراج فنزل عددهما إلى أربعمائة قرية حتى إن ابن معن لم يقبل أن يتولى مقاطعة بني حمادة لأنها خربت ، وهام الفلاحون على وجوههم في المدن والجبال وهكذا الحال في ولاية دمشق وفلسطين. وقال فولنه : إن سكان كسروان وحده ضعفا سكان فلسطين. وهكذا كان السكان يكثرون في المقاطعات التي تتخلص مباشرة من إدارة الباب العالي مثل لبنان ووادي التيم ونابلس وعجلون ، وإن لم تكن حالتها مما يستحب.
أما أعمال العمران فلم يقم فيها إلا قصور لأرباب الدولة أمثال قصر لأسعد باشا العظم في دمشق وقصره في حماه إلى غير ذلك ، وقامت من المدارس مدرسة

إسماعيل باشا العظم ومدرسة سليمان باشا العظم في دمشق ، وبعض مدارس في حلب ، ولكن بدأ خراب المدارس القديمة العظيمة بمقياس واسع ، وتداعت المساجد والجوامع ، ولم يقم من المشاريع النافعة ما يستحق الذكر كأن القطر لا صاحب له يغار عليه ، فالمتغلبة من أبنائه والقادمون من الولاة عليه ، لا يهتمون لمثل هذا الشأن ، وسلاطينها ضعاف إن أفلح أحدهم فعمر له جامعا ومقبرة خاصة في دار الملك عدوه محبا للعمران ، متقربا بعمله الصالح من الباري الديان.
انتهى الجزء الثاني من خطط الشام
ويليه الجزء الثالث وأوله العهد العثماني من سنة 1200

فهرست
الجزء الثاني من خطط الشام
الدولة النورية من سنة 522 إلى سنة 569 3 ـ 43
فتنة الإسماعيلية ووقعة دمشق 3
دخول آل زنكي الشام 5
استنجاد بعض الصليبيين بالمسلمين واستقرار حال دمشق 6
خيانة صاحب دمشق وقتل أمه له 8
توحيد الحكم على يد زنكي وقضاؤه على إمارة صليبية 9
الحال بعد نصف قرن من نزول الصليبيين 13
صفات عماد الدين زنكي وتولي ابنه نور الدين 15
الحملة الصليبية الثانية وغزوتها دمشق 17
تقدم نور الدين في فتوحه 21
انحلال دولة مجير الدين وتوفيق نور الدين 23
مقاصد نور الدين وفتحه دمشق 25
الداعي لنور الدين على فتح دمشق 28
مرض نور الدين وإبلاله وتتمة فتوحه وهزيمته في البقيعة 31
حملة نور الدين على مصر 33
بعض غزوات نور الدين 36
قيام بني شهاب من حوران وحربهم الصليبيين 37
الفتور بين نور الدين وصلاح الدين 39
وفاة نور الدين وصفاته الطيبة 40

الدولة الصلاحية من سنة 569 إلى سنة 589 44 ـ 68
أولية صلاح الدين والملك الصالح 44
اختلاف الآراء واستيلاء صلاح الدين على الشام 46
تملك صلاح الدين ومحاولة اغتياله وسر نجاحه 48
فتوح صلاح الدين ووفاة الملك الصالح 51
وقعة حطين وفتح فلسطين 55
فتح القدس والرملة 56
بقية الفتوح الصلاحية 60
الحملة الصليبية الثالثة 62
مزايا صلاح الدين ووفاته 64
الدولة الأيوبية من سنة 589 إلى سنة 637 69 ـ 94
أبناء صلاح الدين واختلافهم ودهاء عمهم العادل 69
استئثار العادل بالملك الصلاحي 72
الأحداث في عهد العادل واهتمامه بحرب الصليبيين 74
الحملة الصليبية الخامسة 79
وفاة العادل 80
فتح الصليبيين دمياط وذلتهم بعد العزة 82
اختلاف بين أبناء العادل وتقدم الكامل عليهم 83
الحملة الصليبية السادسة 87
اختلافات جديدة بين آل العادل 89
وفاة الملك الكامل وحال الشام بعده 92
انقرض الأيوبين وظهور دولة المماليك البحرية وظهور التتر من سنة 637 إلى سنة 90 95 ـ 129
ظهور الخوارزمية 95
اختلاف بني أيوب واعتضاد بعضهم بالفرنج وعودة الخوارزمية 97
وفاة الملك الصالح ومبدأ دولة المماليك 101

هولاكو التتري 104
مقتل الملك المظفر قطز وسلطنة الظاهر بيبرس وأحداث 109
حروب الظاهر وفتوحه 111
وفاة الملك الظاهر وسلطنة ابنه الملك السعيد ثم سلطنة المنصور قلاوون 114
وفاة قلاوون وسلطنة ابنه الأشرف خليل وإثخانه في فرنج الساحل 121
الحملة الصليبية السابعة وانتهاء الحروب الصليبية 123
دولة المماليك من سنة 690 الى 790 130 ـ 154
فتوح أرمنية وعصيان الموارنة بعوامل صليبية 130
وقائع التتر 134
غزوة الأرمن والكسروانيين وتزعزع السلطنة 139
الغزوات في الشمال وظهور دعوة جديدة 142
سياسة المماليك مع أكبر عمالهم ووفاة الناصر وتولي المنصور 144
خلع الملك المنصور ومقتل غير واحد من إخوته الذين خلفوه 146
أحداث وكوائن وعصيان ومخامرات 148
مقتل الأشرف شعبان والأحداث بعده 151
سلطنة برقوق وحالة المماليك البحرية والشراكسة 153
وقائع تيمور لنك من سنة 790 إلى 803 155 ـ 175
بداءة تيمور لنك ومناوشة جيشه 155
القتال على الملك 157
عوامل الخراب قيس ويمن 157
الخوارج على ملوك مصر 160
وفاة برقوق وسلطنة ابنه الناصر فرج والخوارج على الملك 163
الحرب الأولى مع تيمور لنك 164
تيمور لنك على أبواب حلب 166
تيمور لنك على حماة وسلمية وحمص 168

تيمور لنك على دمشق 168
وصف أفعال تيمور لنك في دمشق 170
الخراب الأعظم وأخلاق تيمور ونجاة فلسطين منه 173
عهد المماليك الأخير من سنة 803 إلى 922 176 ـ 204
البلاد بعد الفتنة التيمورية ومخامرة العمال 176
وقائع التركمان مع الناشزين على السلطان 178
الملك السكير وقتله 183
الخليفة السلطان وسلطنة شيخ 185
هلاك المؤيد شيخ وسلطنة ابنه في القماط 186
وفاة ططر وسلطنة ابنه ثم تولي الأشرف برسباي 188
الملك العزيز يوسف والملك الظاهر جقمق 189
المنصور والأشرف والمؤيد والظاهر خشقدم والظاهر بلباي والأشرف قايتباي 190
مصائب القطر الطبيعية ثم السياسية 191
وقعة مشؤومة وأحداث 194
أول مناوشة مع الأتراك العثمانيين 195
وفاة الأشرف قايتباي وتولي ابنه ناصر الدين محمد 197
الملوك المتأخرون وآخرهم الغوري 199
سلطنة طومان باي 200
القضاء على مملكة ذي القدرية وطبيعة دولتي المماليك البحرية والبرجية 202
الدولة العثمانية من سنة 922 إلى 1000 205 ـ 234
حالة الشام قبل الفتح العثماني 205
مقاتل الغوري ومقدمات الفتح 206
صلات العثمانيين مع المماليك ووقعة مرج دابق 208

قوة الغالب والمغلوب 210
دخول السلطان سليم حلب ودمشق 211
مقابلة أمراء البلاد سلطانهم الجديد وتغير الأحكام 213
السلطان في دمشق وفي الطريق لفتح مصر 214
فتوق وغارات وتأذي السكان 217
محاسن السلطان سليم ومساويه ومهلكه 218
خارجي خان أولا وثانيا 221
طبيعة الدولة العثمانية 224
كوائن داخلية وأمراء المقاطعات 226
مهلك السلطان سليمان وتولي سليم السكير 228
عهد السلطان مراد الثالث وحملات على أرباب الدعارة 229
بنو عساف وبنو سيفا وابن فريخ وخراب البلاد 230
حالة البلاد في الحكم العثماني 232
العهد العثماني من سنة 1000 إلى 1100 235 ـ 266
عهد محمد الثالث وأمراء الإقطاعات وفتن 235
عهد أحمد الأول وفتنة ابن جانبولاذ وغيرها 238
الأمير فخر الدين المعني وآل شهاب وفتن 243
عهد مصطفى الأول وعثمان الثاني 245
عداء على الفرنج وفتن داخلية 246
حملات على الأمير فخر الدين المعني وغيره 247
القضاء على الأمير فخر الدين المعني 249
فتن في الساحل 253
إبراهيم الأول وسفاهته 254
فتنة وال أخرق في حلب 258
محمد الرابع وصدارة كوبرلي 259
عهد سليمان الثاني والحكم على الخوارج 265

العهد العثماني من سنة 1100 إلى 1200 267 ـ 303
حال الشام أول القرن الثاني عشر 267
دور أحمد الثاني وفتن 270
دور مصطفى الثاني وانقراض دولة بني معن 271
عهد أحمد الثالث وسياسة الدولة مع من ينكر الظلم ووقعة عين دارة 273
فتن ومظالم مستجدة وظهور آل العظم 275
عهد محمود الأول 276
فتن ومشاغب 279
عهد عثمان الثالث ومصطفى الثالث وبعض الأحداث في أيامهما 285
سيرة ظاهر العمر الزيداني وسياسته 286
حملة أبي الذهب على الشام 290
عهد عبد الحميد الأول وتتمة أخبار أبي الذهب 294
خاتمة ظاهر العمر وولاة حلب 295
أولية الجزار 299
الحكم على القرن الثاني عشر 302
فهرس الجزء الثاني من خطط الشام 305 ـ 310



العهد العثماني
«من سنة 1200 إلى 1247»
الجند أداة الظلم والتدمير :
كان الشام في هذا القرن مهد القلاقل والثورات ، يقع الاعتداء في الأكثر على النصارى واليهود وأهل السكينة من المسلمين. وأكثر الفوضى ناشئة من الجند الجاهل الذي تمادى في اللؤم والدناءة حتى آض كالوحوش الضارية. ويقسم هذا الجند إلى ثلاثة أقسام : الإنكشارية والقبوقولي وهما القسمان القويان ، والقسم الثالث حرس الولاة الخاص وهو يتألف من المغاربة والتكارنة والترك والأرناؤد والدالاتية وغيرهم ، والعداوات متأصلة بينهم. ولطالما قامت بسبب ذلك فتن ، ووقعت ويلاتها على الشعب فيهرق دمه وتنهب أمواله ، وتغلق حوانيته ، وتقف الأعمال ، ولا سيما في الحواضر كدمشق وحلب. ولا تنفض هذه المشاكل إلا بتدخل الولاة أو أحد الأعيان ، ويتكرر ذلك أبدا لأن العلة الأولى فيها لم تستأصل ما دام المجرمون لا يعاقبون والأوباش لا يحملون على حرمة الشريعة. ولذلك كانت شوارع المدن وأحياؤها كثيرة الأبواب والأرتجة وتقفل أيام الثورات ، وساعة المخاصمات والمشاغبات ، والأزقة ضيقة معوجة لتصلح لحرب المتاريس.
وأكثر رجال الجندية نفوذا الإنكشارية لكثرتهم وشدتهم وصداقتهم للوالي. وكان زعماء الجند يلقبون بالأغاوات. ويرسمون على أيديهم الوشم شعار الفرقة التي ينتمون إليها ، ويرسم على أبواب المقاهي اسم الفريق الذي يختلف إليها ، وليس لهم نظام خاص. والمحلات تخضع للآغا المقيم فيها

وهو يخضع لزعيم الفرقة. ولم تكن تكفيهم إدراراتهم التي يتناولونها من مال الخزينة لكثرة أتباعهم ، فيضطرون للعمل يذهبون إليه وهم مسلحون ليسهل عليهم الانضمام إلى فرقتهم متى دعت الحاجة ، ولا شأن للخاملين وأهل الفسق إلا الاجتماع في المقاهي والحانات ، وإطالة أيدي الأذى على الناس يصادرون أموالهم ويفترسون نساءهم وصبيانهم ، وكثيرا ما يقتلون أحد أبناء السبيل لغير سبب كأن يجربوا بنادقهم أو سيوفهم في أول من تقع أعينهم عليه.
تمادى الرعاع في قحتهم وفجورهم إلى الغاية ، لضعف الحكام وقصورهم عن ردع القوي عن الضعيف ، فنشأت فئة من الناس مسلمين ومسيحيين ، اتكلوا في حفظ أنفسهم وأهلهم على أنفسهم وشدة بأسهم في الدفاع. وكان القوم يحترمون هؤلاء الأشداء ويخافونهم ، وكان منهم من عرف بالشهامة والشمم بما يغبطون عليه ويخفف ويلات الشرور اللاحقة بالرعايا من اعتداء الجند أحيانا. وبلغ التعصب الديني أقصى شدته في هذا العصر حتى تجاوزالقوم فيه حد الإفراط ، يحسب المرء كل من لم يتدين بدينه ممن يجوز له قتله أو الاعتداء عليه ، وابتزاز ماله وانتهاك عرضه ، وانتشر هذا الروح حتى عمّ السواد الأعظم من الناس. قال مشاقة بعد إيراد ما لخصناه : وكان فريق من العلماء وأهل التقوى يرون معاملة الذميّ بالحسنى تبعا لقواعد الدين الشريفة ولكنهم لم يوفقوا لردع الرعاع في زمن عمت فيه الفوضى وساد الجهل والهمجية على القوم.
من أجل هذا ساغ لنا أن نستنتج أن الشام كان أهلها وحكومتها بين ظالم ومظلوم ، يشتد الوالي في إعنات الرعية لسلب أموالهم ويرسل إلى العاصمة بالمقرر عليه ، وكثيرا ما يشاكسونه فلا يدفعون المفروض عليهم ، أو ينتقضون عليه بإيعاز بعض أهل النفوذ وقد يكون الحق معه ، والرعايا عرضة لاعتداء الجند وأغواتهم والأعيان وأتباعهم ، تساوى في الظلم المدني والقروي ، وربما كان المدني أكثر تعرضا للمهالك لقربه من هذه العوامل التي أخذت على نفسها تمثيل التخريب في مسارح الجهل على ضروبه وأشكاله. ظلمات بعضها فوق بعض ، وسلاسل مفرغة من المصائب لا يدرى أين طرفاها. وليت

شعري ما يرجى من عناية دولة بأمتها وهي تعطي الوزير ثلاثة أطواخ والأطواخ أذناب خيل فالذنب معلق من أسفله في رأس عصا وطولها نحو ثلاثة أذرع وشعره مسدول عليها ، فإذا سافر الوزير يرسل الطوخ الواحد قبل سفره بيوم إلى محل نزوله فيستعدون لاستقباله وتهيئة ما يلزمه من المآكل والعلف للدواب بلا ثمن. وأما الطوخان الباقيان فيحملان أمام الوزير في السفر. ومعنى الأطواخ أن الدولة تحكم البلاد بأذناب خيلها ـ قاله مشاقة ونحن نقول : إن الدولة التي يبلغ من غرورها هذا المبلغ لا تنجح في الحكم بحال.
قال جودت في حوادث سنة ألف ومائتين : «إن وظيفة جابي المال في حلب كانت منذ أربعين سنة مطمح أنظار الموظفين في الدولة لأنها تأتيهم بثروات إذا جاءوا بها إلى الإستانة ينالون بواسطتها رتبة الوزارة ورتبة مير ميران ، وممن كان منه ذلك أحمد باشا فإنه أخذ العلم والطوخ واشتهر شهرة عظيمة ، وما برحت هذه الوظيفة تباع وتشترى بالمزاد ، وكثيرا ما كانت الدولة ترسل بمفتشين يشاركون المرتكبين من هولاء الجباة ، وكثيرون ممن يتولون هذه الوظائف يرحلون بالأموال ينفقونها في شهواتهم حتى يهلكوا فقرا وقهرا ، ولذلك كانت أموال الدولة تبدد ويسرف فيها.»
حوادث الجزار وفتن الإنكشارية وغيرها :
بدأ القرن وأعظم وزير مسموع الكلمة في الإستانة قوي الشكيمة في ظلم الرعايا بالشام ، أحمد باشا الجزار ، تولى دمشق بعد ولاية عكا ، وذهب أميرا مع الحج فرفع الدمشقيون الشكاوى عليه إلى دار الملك فعزل وذهب إلى الإستانة فعينته الدولة وزيرا على صيدا ، وأقام في عكا وحصنها وضبط أملاك بيت شهاب في بيروت ورفع أيديهم عن حكمها ، وأنشأ للثغر أرتجة وسورا فسر المسلمون بذلك ، ونصب على دمشق إبراهيم دالاتي باشا سنة إحدى ومائتين وألف وكان جسورا مهيبا فحدث بينه وبين الأهالي اختلاف وتعصبوا عليه وحدثت فتنة ، فأغلق أحمد آغا الزعفرنجي شيخ الإنكشارية القلعة وقتل من عسكر الوالي ثلاثمائة رجل وأراد أن يضرب الوزير ، فخرج

هذا إلى حمص وحماة وجمع عسكرا كثيرا ، وأو عزت الدولة إلى الجزار وإلى الأمير يوسف الشهابي أن يعاوناه بعسكرهما ففعلا ، وعاد الوالي إلى دمشق فارتاع أهلها وأرسلوا النساء إلى الجامع الأموي فكلمه أعيان المدينة فاشترط عليهم أنه يلتزم الرحمة إذا خرج الزعفرنجي من القلعة وتسلمها رجاله ، ودخل البلد وقتل بعض الأردياء قيل : إنهم مئة وخمسون رجلا من جماعة القلعة ، وكان جاء الوالي في عسكره الى باب الله واجتمع العسكران ووقع قتال فهلك فيه من الفريقين خلق. وملك الوالي الميدان ، واستمر ذلك مدة والعسكر محيطة بالقلعة حتى سلمت. وأقام هذا الوالي أربع سنين في دمشق ، وذهب أمير القلعة إلى أمير عرب الموالي فارّا منه فأوعز إلى متسلم حماة أن يقتص من عربه لفسادهم في تلك الأرجاء ، فساق عليهم من حلب وحماة جيشا قتل منهم نحو ألف إنسان وانهزم الباقون. وكان عرب الموالي ثاروا هذه السنة في ضواحي حمص وحماة فنهبوا القرى وفتكوا بأغوات الدنادشة حكام المدينتين منهم وقتلوا كلا من شيخ الكلبيين وشيخ النصيرية وعاثوا في تلك الجهات وفتكوا بأعيانها. وفي سنة 1201 دخل عثمان باشا الى أنطاكية ونزل عسكره على الحريم وفعل فيها أفعالا قبيحة، وأتى إدلب وصادرها وخرب جميع القرى التي مرّ عليها ، وخرب الراموسة ، واشتبك القتال بينه وبين أهل الشيخ سعيد عدة أيام فقتل من عسكره بالطاعون والسلاح عدد كبير، ونهب قرى في تلك الأرجاء ، هذا والطاعون في حلب وأرجائها يفتك فتكا ذريعا.
وخربت القرى وهلك الفقراء في فتنة الأمير جهجاه الحرفوش (1202) وكان قوي على إبراهيم باشا والي دمشق ، وسرت شرارة فتنة الزعفرنجي إلى أهل دمشق حتى طلب الوالي عسكرا من جبلي نابلس والشوف ودقت طبول الوالي (1203) من دومة وفرق العساكر ثلاث فرق فدخل عمر آغا من الزفتية ، وابنه على صفّ الجوز ، والوزير على السلطاني ، وأحرقوا القبيبات وحارة التركمان ، وجرت الدماء من الصباح إلى العصر حتى أطاع أهل دمشق السلطان عبد الحميد الأول ، وخرب الوالي القلعة وأهلك متوليها بمدافعه شرذمة قليلة من عسكر الوزير ، وبقيت الحرب بين الفريقين ستة أيام بلياليها.
وفي أيام إبراهيم باشا الكردي (1203) انتشبت الحرب في وادي أبي

عباد فوق كامد اللوز في البقاع بين عسكر الجزار وعسكر الشهابيين أمراء لبنان ووادي التيم انكسر فيها عسكر الجزار كسرة عظيمة. ووقع بين عسكر الجزار والهوارة والدروز في جب جينين قتال انكسر فيه عسكر الأمير وقتل منه مقتلة عظيمة ، ثم جمع الأمير يوسف عسكر لبنان وأرسلهم مع سليمان باشا والهوارة إلى عين دارة ، فالتقوا بعسكر الجزار في قب الياس فانكسر أيضا عسكر الأمير يوسف وحدثت عدة وقائع بين عسكر الأمير في جزين وعسكر الجزار في جباع كسر فيها عسكر الأمير يوسف. وكان عسكر الزعفرنجي يعيث خلال ذلك في مرج الغوطة ، فيهلك الفلاحين ولا إهلاك الأوبئة ويرعى رجاله الزروع ولا أكل الجراد.
عهد سليم الثالث وفتن وكوائن :
هلك السلطان عبد الحميد الأول سنة 1203 وخلفه السلطان سليم الثالث وكانت أيامه كلها غوائل وفتنا : استقلت فيها القريم وأصبحت روسيا بما أخذته من أملاك الدولة على البحر الأسود دولة بحرية مهمة ، وقبل بمعاهدة كوجك قينارجه (1188) مع روسيا وبها انحط مقام الدولة ، وحارب روسيا مرتين. وقال مترجموه من الترك : إنه كان عادلا حليما تحبه رعيته. ويقول من عاصره : إن عبد الحميد الأول كان أخرق للغاية وإنه كان جاهلا وليس فيه من جودة الرأي والحزم والمضاء شيء ، ولم يستطع أن يستفيد من الثورة السياسية والدينية التي نشبت في القافقاس ، ولم يحسن الانتفاع من أسباب النجاح التي كانت متوقعة من بحريته وجيشه.
وفي سنة 1204 وقعت فتنة بين الأمير قاسم الحرفوش وابن عمه جهجاه في سهل أبلح بالبقاع ، فدحر قاسم عسكر الأمير بشير الشهابي فشق عليه فأرسل نجدة أخرى للأمير قاسم ، فلما علم ذلك جهجاه هرّب سكان بعلبك وأتلف ما فيها ولم ينالوا من جهجاه ، ثم استصرخ الجزار فأمر بأن يمد بجيش فأرسل معه عسكر المغاربة والدولة ومشايخ الدروز فانتشبت الحرب بينهم وبين ججهاه فاندحروا وقلق الناس ، ورحل كثير من السكان من تلك

الأرجاء ، ثم تغلب جهجاه على قاسم. وفي السنة التالية وقعت وقعة بين جهجاه وحاكم بعلبك إسماعيل فانهزم هذا وقتل من رجاله نحو مائتي رجل ولم يقتل من رجال جهجاه أحد. وفي سنة 1205 أحرقت عساكر الدولة وقيل عسكر الأمير بشير حاصبيا وأكثر القرى التي حولها.
مظالم الجزار واختلال الإدارة :
تولى أحمد باشا الجزار دمشق للمرة الثانية سنة 1205 وظل مقيما في عكا وأرسل متسلمين منهم أرفه أميني وكان كما قال مشاقة ظالما قاسيا يشبه أستاذه في إنشاء المظالم والحوادث الصعبة على المسلمين والنصارى واليهود. وكان الجزار مغتاظا من أهل دمشق لعرضهم على الدولة مساوئه مما أدى إلى تنحيته عن عمله سنة إحدى ، فأراد الانتقام من الساعين به هذه المرة. وبالحقيقة أن مدة حكم الجزار في دمشق وهي خمس سنين لم يرتح فيها الناس شهرا واحدا من طلب الأموال ظلما وطرح المعاملة المتصل التي حدثت بها خسائر عظيمة وطرح بضائع متنوعة ، ينهبها من جهات ويطرحها بأسعار زائدة على أخرى ، وليس هناك صغير ولا كبير إلا ويناله الظلم والقهر ، ونزح كثير من السكان وتركوا أوطانهم وعيالهم. سلسلة من المظالم لا حد لها. وكان كل سنة يقتل في قلعة دمشق بدون تحقيق أناسا وقد قتل في إحدى السنين مئة وستين رجلا خنقا وذلك في ثاني سنة من ولايته. وفي السنة الثالثة قتل نحو ستين وكان كلما جاء دمشق مرة في السنة وهو ذاهب ليحج بالناس أو آيب منه يعمل هذه الأعمال للإرهاب ولم يقف أمر المظالم عند حد أوامر الجزار المجنونة ، بل كانت الفتن في جهات أخرى من الشام على عادتها في القرون الماضية ، من ذلك أنه جرت سنة 1206 عدة وقائع كانت سجالا بين الجبل وعسكر الدولة الذين كانوا مع الأمير بشير ، وأحرقت عسكر الدولة غريفة وسبت نساء وأولادا. واشتد الخصام بين بشير قاسم وحيدر ملحم الشهابيين على الإمارة في لبنان ، وكان بشير تعهد للجزار بخمسة آلاف كيس على مثل ما تعهد به يوسف ، فأخذ يصادر كل من مالأ الأمير يوسف ،

ومال الناس إلى الأمير حيدر للتخلص من الضرائب التي سامهم الأمير بشير دفعها ، وسادت الفتن في اللبنانين الغربي والشرقي ، وهاجم والي دمشق بعلبك للانتقام من الأمير جهجاه لأنه لم يخلد إلى السكينة ، وقتل عشرات من الناس في بعلبك وسغبين وقتل من العسكر أكثر من ذلك.
وهجمت أهالي حلب على بطال آغا نوري ومحمد آغا وعلى عسكره وحصل بينهما مناوشة أدت إلى انهزامه خارج حلب ، وتوجه إلى عينتاب وحاصرها خمسة أشهر إلى أن قتل وحمل رأسه ورأس أربعة وعشرين من العصاة إلى الإستانة. قال جودت : وكان هؤلاء الخونة يتقربون إلى رجال الإستانة بالأمور الدنيئة فينصبونهم حكاما في بعض المقاطعات فيفسدون في الأرض ويتسلطون على عباد الله حتى ترفع الرعية علم العصيان وتقاوم الحكومة ولا تبعة في ذلك إلا على رجال الدولة.
وفي سنة 1206 ه‍ (1791 م) أخرج الجزار الفرنج من بيروت وبنى السور بحجارة أبنية الشهابية التي دكها ودك كنائسهم وجعلها إصطبلات. وفي هذه السنة قتل رجل من أهل بيروت خارج البلد فأغلقوا الأبواب وقبضوا على كل من وجدوه من أهل الجبل وكانوا نحو ستين رجلا فقتلوهم جميعا. وحدثني الثقة من أهل بيروت عن أبيه عن جده أن حكام بيروت المسيحيين اشتدت مظالمهم وعتوهم على المسلمين فكان الأمير يمر في شهر رمضان في المدينة يحملون أمامه الغليون للتدخين فينتصب المسلمون على الأقدام يحيونه فلا يتنازل أن يجيبهم بل يقول الخادم من ورائه : سلّم الأمير. فضاقت الحال بالمسلمين فشكوا أمرهم إلى قائد الأسطول العثماني وكان يأتي كل سنة ليحمل الأموال المقررة فقال لهم : الخطب سهل وهو أن تغلقوا أبواب المدينة متى رأيتمونا أقلعنا بسفننا وتذبحوا النصارى وبذلك ترتاحون منهم ففعل غوغاء المسلمين وقتل بهذا التدبير الجائر كثير من الأبرياء ، وبذلك تبين أن الدولة لم تكن تهتم إلا لجبايتها ، فإذا استوفتها فسواء لديها تقاتل رعاياها أم تصالحوا ، والغالب أنها تحبهم أن يكونوا على خصام أبدا حتى يخلو لها الجو ، وقاعدة «فرق تسد» من أهم قواعد حكمها.
وفي سنة 1207 وهب الشهابيون الهرمل للأمير جهجاه الحرفوش فلم

يذعن له سكانها فحاربهم وقتل منهم نحو أربعين رجلا وأحرق البلدة وفي سنة 1208 قامت الفتن بين الأشراف والإنكشارية في حلب دامت عشرين يوما قتل فيها بعض أهل اليسار والشرف ثم انكسر الأشراف وحصرهم الإنكشارية في جامع الأطروش وجرى من القبائح ألوان وأشكال.
وفي سنة 1209 صدر أمر الجزار بمصادرة بعض صيارف دمشق من الإسرائيليين وقتل بعضهم وأدخل الرعب على أبناء نحلتهم ، ونال مثل ذلك بعض أغنياء الأهالي على اختلاف مذاهبهم ، وبدأ القتل والصلب وقطع الأنوف وحبس خلق وجرم الأبرياء وهام الناس على وجوههم ، وفي هذه السنة غزا عسكر دمشق بعلبك فهرب الأمير جهجاه إلى رأس بعلبك فأحرق بعض بيوتها وكان رجال الدولة يحاذرون من شيء يقع على الشام بعد أن اعتصم الظاهر عمر بروسيا فقد ذكر شاني زاده أن والي صيدا عبد الله باشا كتب إلى الدولة بأن كنيستي عكا والناصرة وقلعة حيفا كلها مستحكمة البناء لا تخلو من محذور فاستفتى السلطان فأفتى بأن تهدم الكنيسة القديمة والجديدة معا لثبوت مضرتها ونفذ الحكم. وكثيرا ما كان الولاة في العهد العثماني يوجسون خيفة من الديارات والبيع إذا كانت مستحكمة البناء فقد أخرج السلطان سليمان النصارى من ديرهم في سفح جبل بالقرب من قرية البعنة في صفد وكان قديما يعرف بدير الخضر وأمر أحمد بن أسد البقاعي من الصوفية بالإقامة فيه مع أولاده.
وفي سنة 1210 تولى دمشق عبد الله باشا العظم والقطر في حالة مزعجة وقد دام في ولايته هذه ثلاث سنين وبقي الجزار في عكا وفي هذه السنة وقع القتال بين عسكر أولاد الأمير يوسف في جبيل وبين الذين كانوا في قلعتها من عسكر الأمير بشير وكسروهم. وفي سنة 1211 أرسل عبد الله باشا العظم عسكرا الى البقاع فأرسل الأمير بشير والجزار والي عكا عسكرا فالتقاهم الجزار ، ووقع القتال في مندرة من قرى البقاع ، فانكسر عسكر دمشق كسرة عظيمة وقتل منه جماعة. ولم يزل عسكر لبنان والهوارة مجدا في آثارهم إلى وادي المجدل وغنموا خيلهم وسلاحهم وذهب بعض اللبنانيين وأحرقوا البترونة قرب الزبداني. وفي سنة 1212 توجه والي دمشق إلى التفتيش كالعادة فلقي الطريق ممسوكة منافذها من عسكر الجزار فساءت حال رجاله ثم توجه إلى جينين

فطمع الأهلون فيه ولم يعطوه مال الدورة ، فألحق به الجزار جنده قاصدا قهره وعسكره. فركب وركب العسكر وتوجه نحو عسكر الجزار فدارت بين الفريقين حرب انتصر فيها والي دمشق على الجزار ، وقتل الأول من عسكر الثاني خلقا ، ورجع لم يعترضه أحد وقد جمع الأموال الأميرية برمتها. وفيها قامت الإنكشارية على أعيان حلب وقتلوا كثيرا منهم حتى كانوا يقتلون السيد وهو يصلي في المحراب ، فعرض الحال على الدولة فجاء شريف باشا واليا على حلب فمنعته الإنكشارية من دخولها ، فتعهد بأن يكون مسعفا لهم فدخل وأتته الأشراف فقوي بأسهم على الإنكشارية وبعد ذلك أرسل إلى الإنكشارية سرا أن يثوروا بالسادات فكبسوهم ليلا وقتلوا منهم مائتين وخمسين نفسا وأخذ منهم شريف باشا خمسمائة ألف قرش وقدمها للدولة ، وقويت شوكة الإنكشارية في حلب.
وفي سنة 1213 ضرب الجند الدالاتية جميع قرى دمشق وأكلوا مغلها وحرقوا دوابها وصار منهم قتل وسلب ـ قاله ابن آقبيق : وقال أيضا في حوادث هذه السنة : إنه كثرت الفتن وانحل الحكم حتى بقي إطلاق البارود من القلعة سبعة أيام. وانتشرت الفوضى في الأحياء والبلاد لا حكم فيها لحاكم ولا متسلم ، وأفندية البلد (دمشق) مسجونون عند الباشا في المخيم وبقي ذلك حتى رحل الباشا ، وبقي عسكره يومين وليلتين نهبوا في خلالها ما في القرى من مأكول ومنظور وعزم غالب أهلها على الرحيل لما أوقع فيهم الجند من الضرر.
محاولة نابوليون فتح الشام واستيلاؤه على غزة ويافا :
بينا كانت الفتن الأهلية بين العمال على المال ، والشام قد ضعفت فيها كل قوة ، والدولة كلما رأت عاملا قويا تكتفي بأن تضع في جواره عاملا آخر تملي له من قوتها حتى يظل في خصام مع جاره ، والضعف في الإدارة ظاهر كل الظهور ، والناس من الجزار في قسم عظيم من ديار الشام في أمر مريج ، وهي مفتحة الأبواب خالية من أسباب الدفاع إلا ما كان من أسوار

أمهات مدنها أتى نابوليون بونابرت مصر (1213) وفتحها ولما شعر باجتماع الجيوش لمحاربته وأنه إن لم يفاجىء الدولة العلية في الشام قبل أن تتم استعداداتها الحربية تكون عواقب الأمور وخيمة عليه وأن من يحتل مصر لا يكون آمنا عليها إلا إذا احتل القطر الشامي فلهذه الدواعي قام من مصر ومعه ثلاثة عشر ألف مقاتل قاصدا الشام من طريق العريش.
ولما بلغ أحمد باشا الجزار قدوم الجيش الفرنسي من مصر إلى عكا أسرع ـ على رواية نقولا الترك ـ بتدبير ما يحتاج إليه في الحصار ، وأرسل إلى يافا العسكر وحصنها بالمدافع والقنابر ، وامتد إلى مدينة غزة بعساكره وعشائره ووصلت جيوشه إلى قلعة العريش. وأقاموا فيها وتنبهت الغز للجهاد. وفي شهر شعبان سنة 1213 خرجت العساكر الفرنسية إلى مدينة بلبيس والصالحية وكتب إلى الجنرال كليبر أن يتوجه من دمياط في البر على طريق قطية. ولما سيّر بونابرت العساكر أحضر علماء الدين وقال لهم : إن الغز المماليك الهاربين مني قد التجأوا إلى أحمد باشا الجزار فجمع لهم العساكر وحضر إلى العريش وعزموا على الحضور إلى الديار المصرية فلذلك أخذتني الغيرة وعزمت أن أسير اليهم بالعساكر وأن أخرجهم من قلعة العريش ، ثم جاء الفرنسيون إلى هذه القلعة وكان فيها ألف وخمسمائة مقاتل فحاصرها ثمانية أيام ، ولما فرغت مؤونتهم وبارودهم أرسلوا يطلبون الأمان ، وأن يخرجوا من القلعة بغير سلاح ، وبعد ذلك حضر قاسم بك المسكوبي في عسكر ومهمات فبلغ بونابرت وصوله وربطوا عليه الطريق وكبسوه ليلا وذبحوا عساكره ولم يسلم منهم إلا القليل. وعندئذ أمر الجنرال دوكوا قائد مصر ووكيل بونابرت التجار أن تسير بالقوافل إلى الشام لينتفع بالمكاسب أصحاب التجارة وينتفع سكان الشام ببضائع مصر حسب العادة السابقة.
وسار أمير الجيوش بالعساكر من قلعة العريش إلى خان يونس واستخلص غزة من الغز عساكر الجزار فوجد في غزة حواصل ذخيرة من بقسماط وشعير وأربعمائة قنطار بارود واثني عشر مدفعا ومستودعا كبيرا من الخيام والقنابر. ولما بلغ يافا بنى المتاريس أمامها وأرسل يطلب إلى حاميتها التسليم وكانت نحو ثمانية آلاف فأبت وقتلت الرسول فأدار عليها المدافع وقوي الصدام فقتل

من العسكر ما ينيف على خمسة آلاف ومن أهالي البلد ألفان وهجم الفرنسيون على المراكب التي في الميناء وأخذوا منها بضاعة ثمينة. ومن الغد أطلق أمير الجيوش الأسارى وسرح الشاميين والمصريين وأمر بقتل الهوارة والأرناؤد جميعا لأن بعضهم كان في قلعة العريش وحين أطلقهم أمرهم أن يذهبوا إلى بيوتهم فأتوا يافا وحاصروا بها فقتلهم واستبقى بعض الأغاوات الكبار. وجد الفرنسيون في قلعة يافا ثمانين مدفعا وغنموا غنائم كثيرة من المراكب وغيرها.
وقائع نابليون على عكا وفي مرج ابن عامر :
وسار بونابرت بالعسكر قاصدا مدينة عكا على طريق الجبال ، ولما وصلوا إلى أرض قاقون كانت عساكر الجزار والنابلسيون في الوادي ، وحينما بلغهم قدوم الفرنسيين أخرجوا منهم من فم الوادي خمسمائة مقاتل وبدروا يرمحون تجاه العسكر وكان قصدهم أن يجروهم إلى ذلك الوادي ، فلما علم أمير الجيوش مقصدهم قسم عساكره أثلاثا ونشبت الحرب فقتل من عسكر المسلمين وولى الباقون منهزمين ، ومن الغد سار عسكر الفرنسيين إلى وادي الملح وكان بلغ الجزار اقترابهم من تلك الديار فأرسل إلى حيفا فأحضر الذخائر الحربية والعسكر ، وعندما وصل الفرنسيون إلى حيفا خرج أهاليها لمقابلتهم وسلموا أمير الجيوش مفاتيح البلد والقلعة ، ودخل الفرنسيون إلى حيفا فوجدوا بها قاربا صغيرا فيه جماعة من مراكب الإنكليز فأخذوهم أسرى ، وبعد ذلك انتقل أمير الجيوش بالعساكر إلى مدينة عكا ونصبوا المضارب والخيام في محل يقال له أبو عتبة ، وبنوا المتاريس الحصينة ووضعوا فوقها المدافع وسار الجنرال كليبر والجنرال منو إلى الناصرة ونصب حاكم إفرنسي على شفا عمرو وابتدأت الحرب على عكا خامس يوم من شوال سنة 1213 ودامت أربعا وعشرين ساعة والجيش الفرنسي يضرب المدافع والقنابر ، والمراكب العثمانية والإنكليزية تطلق المدافع من البحر حتى خيل للناظرين والسامعين أن مدينة عكا لم يبق فيها حجر على حجر ، وهمّ الجزار أن يخرج فطمنه

الإنكليز وقالوا له : إننا أسرنا في عرض البحر ثلاثة مراكب مشحونة ذخيرة فضعف أمرهم ، ثم أسر الفرنسيون مركبين كانا قادمين من الإستانة فيهما ذخائر ومدافع وستة وثلاثون ألف دينار مرسلة للجزار فسرّي عن الفرنسيين ، وحضر إلى أمير الجيوش قرب عكا الشيخ عباس بن ظاهر العمر فرحب به وأعطاه السلاح والكسوة وعشرة أكياس وكتب له أن يكون متوليا على مقاطعة أبيه. وحضر أيضا مشايخ بني متوال فوسد إليهم حكم إقليمهم وساروا من عند أمير الجيوش إلى صور وقدموا له الذخائر وتسلموا القلعة التي كانت لآبائهم.
وكان قد اجتمع من دمشق جند من المغاربة والهوارة والعربان والغز بلغوا ثلاثين ألف مقاتل بين فارس وراجل وانتهوا إلى مرج ابن عامر فبلغ كليبر خبرهم فسار إليهم في ألف وخمسمائة مقاتل ، وحينما وصلوا وشاهدتهم تلك الجموع انهزموا أمامهم مكيدة لهم ، ولم يزل الفرنسيون في أثرهم حتى وصلوا إلى أطراف المرج ومن هناك أحاطوا بالفرنسيين من كل جانب ، ولما رآهم القائد كليبر قد أحاطوا بالعسكر قسم رجاله أربعة أقسام مع كل قسمة منهم مدفع. شاهد أهالي الناصرة كثرة جيوش دمشق وأن الفرنسيين إلى قلة فبادروا وأخبروا أمير الجيوش فأحضر حالا القائد لترك وأمره بتحضير ثلاثة آلاف عسكري وأخذوا معهم أربعة مدافع ، وأمر الجنرال بونابرت أن يسيروا على وادي عبلين وبعد ثلاث ساعات من مسيرهم ركب أمير الجيوش وسار وراءهم طالبا أثرهم ، ووصل في منتصف الليل بعسكره إلى بئر البدوية وعند الصباح سار بالعسكر إلى أن نفذ إلى مرج ابن عامر وصعد إلى تل عال فكشف أرض المرج ونظر إلى الجنرال كليبر في وسط البيداء وعساكر المسلمين محيطة به والهجوم من كل ناحية وليس لهم عليه سلطان ، ثم شاهد جبلا بعيدا وعليه المضارب والخيام وكان هذا جيش الغز ، فنزل أمير الجيوش وعزل خمسمائة مقاتل ، وأمرهم أن يقصدوا الجبل ويكبسوا الجيش وتوجه قسم منه حتى صارت العساكر المحاربة في وسطهم وأحاطوا بهم ، ولما وصل أمير الجيوش إليهم ضرب مدفعا واحدا ثم ضرب القسم الثاني ثم الثالث وحينما سمعت العساكر المحاربة المدافع ورأوا قدوم النجدة وعلموا أنهم صاروا

في وسطهم ولوا منهزمين ، ولما أصبح الصباح أرسل خمسمائة جندي إلى جينين وأمرهم أن ينهبوها ويحرقوها وأخرب قرى جبل نابلس لأنهم لم يطلبوا منه الأمان.
ولما بلغ أمير الجيوش قدوم عسكر دمشق إلى صفد أمر الجنرال مرات أن يسير بخمسمائة راكب فرحل بعسكر دمشق إلى جسر بنات يعقوب ، وعلم الجنرال منو وهو في الناصرة أن في مدينة طبرية عسكر الجزار فنشب القتال بينهم ، فانكسر عسكر الجزار وانهزم بعد أن قتل منه مائتا جندي ، وظهر الطاعون في عسكر فرنسا فمات منهم خلق. وكانت الحروب قائمة على مدينة عكا الليل والنهار وهم يهجمون على الأسوار والقنابل تنهال عليهم كالمطر ، وقد أهلكوا من العساكر الإسلامية والإنكليزية خلقا كثيرا وهدموا أبراج عكا وأسوارها. ولما هلك بعض قواد الفرنسيين على أسوار عكا مع جملة صالحة من جندهم بدأ بونابرت يرجع إلى وطنه لأمر طرأ على مركزه هناك.
وكانت إنكلترا أهاجت ملوك الفرنج على فرنسا فاضطر الفرنسيون أن يرجعوا عن عكا بعد أن فقدوا على سورها ثلاثة آلاف وخمسمائة جندي ، ومات في الطاعون وعلى الطريق ما ينيف على ألف. وفي 11 ذي الحجة أمر أمير الجيوش بالقيام بجميع المضارب والخيام وانتقل إلى مدينة حيفا وكان فيها عدة حواصل قطن للجزار فأمر بإحراقها. وسار إلى يافا فأخذ ما كان لهم من الأمتعة والمدافع الكبار ودفنوها في الرمال ، وقد كانوا أخذوا من العساكر العثمانية أربعة آلاف بندقية فألقوها في البحر وأحرقوا المراكب التي كانوا غنموها من المسلمين وأخذوا من فيها أسرى وسخروهم في نقل الجرحى والمرضى من عسكر الفرنسيين يحملونهم على ألواح خشب إلى مصر.
خطيئات نابليون في الشام :
هذا ما رواه المؤرخ نقولا الترك في دخول نابليون جنوب الشام وخروجه منها وما وقع له من الوقائع وكانت مدة مقامه في الشام شهرين لم تستفد منها

فرنسا سوى قتل بعض أبنائها ، وكذلك خسرت الشام خسارة الضعيف مع القوي. ونابليون وإن عدّوه نابغة القواد في عصره أخطأ كثيرا في توسعه في فتوحه. وفتحه الشام ومصر من جملة خطيئاته ، ولم تربح أمته من حملتها على هذين القطرين إلا نشر مدنيتها على أيدي من استصحبهم نابوليون معه من العلماء والمهندسين والطبيعيين ، وكانت مصر مباءة علمهم وعبقريتهم.
وقد آخذ صاحب تاريخ الدولة العلية القائد بونابرت بأنه ارتكب قبل مغادرته يافا أمرا شنيعا لم يسبق في التاريخ وهو قتله الجرحى والمرضى من عساكره حتى لا يعوقوه في سيره. وفي تاريخ فلسطين أن جنود الجزار في يافا يوم نابوليون كانت مؤلفة من عرب وأتراك ومغاربة وأرناؤد وأكراد وجركس ، فانسحبوا لما فتحها نابوليون إلى بعض الخانات وأبوا التسليم قبل أن يؤمنهم على حياتهم فأجابهم القائد الفرنسي إلى طلبهم فاستأمن له أربعة آلاف شخص فساقهم إلى المعسكر. ولما رآهم نابوليون سأل قائده عن هذه الجموع المحتشدة فأخبره أنها حامية المدينة التي سلمت إليه أمانا وقبلهم حقنا للدماء فبهت وحار في أمره وقال : ماذا تريدون أن أفعل بهذا العدد أعندكم زاد يكفيهم ألكم مراكب تنقلهم إلى مصر أو فرنسا ؛ ومن يتولى خفارتهم إذا أرسلناهم؟ يجب أن تعطوا الأمان إلى الأطفال والنساء والشيوخ لا للرجال الأشداء المقاتلين ، ثم استشار ضباطه في قتلهم فخالفوه ولكنه أصر على رأيه وأمر بهم فقتلوا رميا بالرصاص في 10 آذار سنة 1799 ا ه.
ويقول مشاقة : إن بونابرت أمر قبل أن يغادر يافا إلى عكا بقتل الأسرى الذين وقعوا في قبضته ثلاثا : في العريش وفي غزة وفي يافا ، وكان يطلق سراحهم كل مرة بعد أن يأخذ عليهم العهود أن لا يعودوا إلى قتاله ، ولما أسرهم هذه المرة وعددهم يربو على ثلاثة آلاف حنق عليهم وعلم أنهم لا يراعون ذمة ولا يحترمون الشرف العسكري ، فأمر جنوده بإطلاق النار عليهم ولم يواروهم التراب ، وبقيت أجسامهم طعاما للطيور ، وظلت رفاتهم مكشوفة مدة ا ه. وهذا السبب معقول وله من القوانين الحربية ما يشفع به بعض الشيء أكثر من الرواية الأولى. وانتقد مسترمان على نابوليون ذبحه حامية يافا وكانت مؤلفة من أربعة آلاف أرناؤدي ووضعه السم لجنوده لدن عودته لأنهم أصيبوا

بالطاعون. وفي رواية أنه وجد فيها ألفين من الأسرى الذين أطلقهم وكانوا عاهدوه في العريش ألا يحاربوه فقتلهم والحرب غشوم.
وقال مشاقة : إن بونابرت بعد أن فرق جموع الأتراك على الحدود السورية أرسل كتابا إلى الجزار ينصح له أن يجنح معه إلى السلم فلم يتنازل الجزار إلى إجابته ، فأرسل إليه رسولا ثانيا فقتله الجزار فحنق نابوليون وتقدم برجاله البالغ عددهم عشرة آلاف مقاتل إلى غزة ، وهزم من رجال الجزار أربعة آلاف فارس ، وأسفرت وقعة يافا عن قتل ثلاثة آلاف من الجنود التركية ، ودخلت رجال نابوليون يافا ، وتصرفت بما عثرت عليه من مال ومتاع ، وهذه هي المرة الأولى والأخيرة التي سمح بها نابوليون لرجاله بالتصرف والتمتع بمال المغلوب وأملاكه. وقال الشهابي : إن العساكر الفرنسية حاصرت يافا ثلاثة أيام وملكوها بالسيف ، وكان عسكر المسلمين فيها ينيف على اثني عشر ألفا فما سلم منه إلا القليل ، وقتل كثير من النساء والأولاد حتى جرى الدم في أسواق يافا ، وأرسلت دمشق عشرين ألف جندي إلى عكا فالتقاها ألف جندي من الفرنج وكسروها وقتلوا منها مقتلة عظيمة.
ولما جاءت الأخبار إلى دمشق بأن عسكر الجزار وعسكر الإنكليز قتلوا من جند نابوليون ثلاثة آلاف جندي زينت دمشق وضربت المدافع من قلعتها ، وقد أصيبت الأقاليم التي وقعت فيها تلك الوقائع وما إليها بالخراب ، ومن أهم خرابها تسلط الجند على ضعاف الرعايا فقد نهبت العساكر التي ذهبت من دمشق لمقاتلة الفرنسيين (1213) مدينة صفد وعملوا المنكرات أثناء طريقهم. فأصيبت فلسطين هذه المرة بغوائل كانت سواحل فينيقية وأعمالها تصاب بمثلها أو أكثر منها في القرنين الماضيين. وأصبحت مثل هذه الوقائع في هذا الجزء من الشام أي في اللبنانين الغربي والشرقي وما جاورهما من الأمور العادية ، وما ذلك إلا لقيام أمثال بني حمادة وبني معن وبني حرفوش وبني شهاب ممن كانوا يحاولون أن يظهروا بمظهر كبار الأمراء وهم صغار بمواقعهم ونقص تربيتهم الحربية وضعف أخلاقهم وقلة معارفهم، فكانوا بمقاومتهم (3 ـ 2)

بعض المقاومة لعمال الدولة من الترك يخربون ديارهم ، ويهلكون من أخذوا على أنفسهم حمايتهم من ضعاف السكان.
حال الشام بعد رحيل نابليون عنه :
كان يظن بعد رحيل نابوليون ومعاونة الإنكليز للدولة العثمانية على إخراجه من الشام ، أن الدولة تبدل شيئا من أصول إدارتها وترجع عن استسلامها لعمالها الذين يجبون الجبايات ويرضونها بجزء منها ويحتفظون بالباقي لأنفسهم. ولكن الأحوال بقيت بحالها ، وظن الجزار نفسه أنه هو الذي دفع جيش نابوليون عن الشام ، فعاد يمثل مظالمه ويحمل على الناس مغارمه ، ويتناول استبداده المسلمين والنصارى واليهود على السواء ، وجنونه فنون.
ولم يكف فلسطين ما حلّ بها من ظلم الجزار ثم وقائع نابوليون حتى قام محمد باشا أبو المرق يسومها العسف والخسف ، يجور على أهل بيت المقدس والخليل وغزة والرملة ولدّ ، حتى اضطر السادات الأشراف الأبرياء لكثرة مظالمه أن يبيعوا أولادهم كما تباع العبيد والجواري على ما ذكر ذلك أحمد باشا الجزار في كتاب صدر عنه سنة 1217 إلى وكيله في دمشق.
ومن أحداث هذا الدور نهب العسكر الدمشقي (1214) جميع القرى في طريقه إلى غزير في لبنان ، وتفرقت عساكر الدولة في ضياع كسروان ونهبوا كل ما وجدوه وذلك للضرب على أيدي الأمير بشير الذي كان على ما يظهر يحاول أن يأكل الخراج ، ولذلك قاتله جيش الدولة (1215) مرة أخرى لما جاء إلى نواحي بعبدا في لبنان وقتل من أدركه في المتن ، ورجع بشير إلى عاريا وكان عسكر الدولة أحرق عدة بيوت من بعبدا والحدث وسبى النساء وقتل العجائز والأولاد فاجتمع معه أربعة وخمسون رأسا من القتلى فأرسلوها إلى الجزار ونهبوا أموالا ومواشي وأحرقوا عاريا. وذهب والي دمشق سنة 1217 إلى حماة وفتحها وبالغ في الظلم حتى فر غالب أهالي حماة عن بلدهم اتقاء شره ، وتفرقوا في دمشق وحلب وطرابلس وأصبحت حماة كالقرية لقلة سكانها.

قال ابن آق بيق : وفي سنة 1217 شغلت دمشق بالظلم وإكرامية الباشا من البلاد واشتغل حسن آغا بالظلم في دمشق وإرهاق القرى بالطروحة والإكراميات وفرض الذخائر ومعاونة الجردة وغير ذلك من المظالم التي لم يسمع لها أثر في السابق قال : ولما خرج عبد الله باشا العظم من دمشق سنة 1218 قاصدا إلى طرابلس ليحارب أهلها ، وضرب عسكره بعض القرى ونهبها وظلوا على هذا التخريب حتى بلغوا طرابلس فحاصرها وخرج أهلها هائمين على وجوههم ووقع القتال بين عسكره وعسكر المتسلم وقتل من الفريقين خلق. وكان أحمد باشا الجزار يرسل النجدات إلى عبد الله باشا العظم.
وقال أيضا : إن الجزار كان يطلب من الأغنياء أموالا يأخذها منهم بعد الحبس والضرب وبقي الطرح على جميع الأصناف وأغلقت الدكاكين بدمشق وبات الناس في كرب والعسكر يحيط بالبلد ، والأكراد والشيخ طه الكردي وجنوده يعذبون الخلق أنواع العذاب حتى يقروا لهم بالأموال ، والطرح على الخلق أشكال وضروب من بنّ وتنباك وألاجه وحرير وشاشات وزنانير واستصفاء بيوت وخانات وبساتين وغير ذلك ، وظهر في دار ابن عقيل وكيل الجزار بدمشق طمائر ذهب قدرت بنحو خمسمائة كيس. ولم يكن يمر يوم دون أن يقبض على أربعة أو خمسة من أرباب الوجاهة والثروة يسجنون في سجن القلعة ويعذبهم أكراد الجزار بالكماشات والحديد والعصي إلى أن يشرف المعذّبون على الموت ويشتط العمال في طلب المال من المصادرين ويطوفون بهم في المدينة ، فيضطرون إلى بيع جميع ما يملكون ليكفّ عنهم ، ووصلت الحال بالأغنياء إلى التسوّل ، وكان قتل النفوس على الأكثر في سبيل أخذ المال مشروعا كان أو غير مشروع. فقد حدثت فتنة طفيفة بين ملتزم أموال بلاد بشارة ، فأرسل الجزار على العصاة عسكرا قتلوا منهم ما ينيف على ثلاثمائة رجل وأسروا عدة، وأرسلوهم إلى عكا جعلوا على الأوتاد ثم أخذ الجزار أموالا جزيلة من السكان.
ومن الحوادث في أيام عبد الله باشا العظم بدمشق أن القبوقول قصدوا إثارة فتنة (1214) فأغلق آغا القلعة بابها ، وحاصره الباشا فاضطر إلى التسليم بعد مدة ، فقتل آغا القلعة وهمدت الفتنة ، ثم سار عبد الله باشا لمحاربة

مصطفى بربر متسلم طرابلس وحاصر قلعتها بشدة ، وطال الأمر فالتجأ بربر إلى الجزار فسكت ولم يجبه لأنه كان يفاوض الإستانة لأخذ ولاية دمشق ، وبينا الحال مشتدة على بربر وعبد الله باشا يحاصره بعسكره أرسل الجزار إلى وكيله بدمشق محمد بن عقيل ألفي جندي وأمره أن يقبض على عبد الرحمن المرادي وحسن دفتردار المتسلم وابن سبح متسلم حمص ويقتلهم حالا ونادوا باسم الجزار واليا. فبلغ ذلك عبد الله باشا وعلم أن الدولة متغيرة عليه ، فخاف كثيرا وهام على وجهه في البادية يختبىء عند العرب. أما بربر طرابلس فرضي عنه الجزار وأقره متسلما على بلده ، ثم لامت الدولة الجزار على ما أتاه من قتل ابن المرادي كما يقتل العامة فتخلص الجزار مما أتاه وألقى تبعة قتله على وكيله ابن عقيل وقطعه إربا مع أن الجزار هو الذي أمره خطا بقتله.
مساوىء أحكام الجزار :
توفي الجزار سنة 1219 (1804) بعد أن ضرب الأهالي ضربة لم تصب بمثلها منذ أزمان. أصله بشناقي من جماعة علي بك أمير مصر هرب إلى الشام لما قتل مولاه ، وأقام يختلف إلى لبنان فاطلع على أحواله وأحوال الديار التي كانت تحت حكم الظاهر عمر من أرض الجليل. ثم توجه إلى الإستانة فعين وزيرا على صيدا أولا وحصّن عكا ورفع عن بيروت حكم بيت شهاب وضبط أملاكهم. وكان أحمد البشناقي هذا جزارا سفاكا لأنه لما كان كاشف البحيرة في مصر عهد إليه الانتقام من عربها لقتلهم عبد الله بك من المماليك فأسرف في القتل فلقب بالجزار. ولا غرو فالدم البشري في نظر أحمد باشا الجزار ، كدم الخرفان في نظر القصاب والجزّار. هاج المماليك على الجزار مرة يريدون قتله فيما يقال ولو لا حذره الشديد لقتل ، وتحصنوا في برج داخل عكا فطلبوا الأمان ، ولما علم أن خيانتهم كانت بالاتفاق مع بعض سراريه غضب عليهم جميعا وخنقهم بالماء الحار. حج الجزار مرة بالناس فلما عاد ترامى إلى سمعه اتهام مماليكه بحريمه فلم يلبث أن أرسل المماليك في حملة على لبنان وأوقد نارا كبيرة في داره ، فكان خصيانه يأتونه بنسوته واحدة بعد

أخرى فيقبض بنفسه على عنق الواحدة ويطرحها في النار على وجهها ، ويدوس على ظهرها ويضغط على رأسها ، حتى يتم شيّها في النار وتهلك فيرفعها ويحضر غيرها ، وعلى هذه الصورة الشنعاء أهلك الجزار سبعا وثلاثين امرأة ولم تنج غير فتاة في الثامنة من عمرها.
كان الجزار يقتل الكبير والصغير من وزراء وأفندية وعلماء وأغوات ، ويرضي السلطان بالمال ويداريه فيتغاضى عنه ، وكان إذا عامل أحد المغضوب عليهم بالرفق وعزف عن قتله يجذم أنفه ، ثم يصلم أذنه اليمنى ثم يقلع عينه اليمنى ولو كان من خواص خدامه. وكم من بيت خربه بسلب ماله ظلما ، وكم من رجل قتله بعد أن صادره ، وكان لا ذمة له ولا ذمام ، خدمه رجال من بيوت معروفة فلما بدا له قتلهم وصادرهم واختلق لهم ذنوبا وألقاهم في البحر. ولقد أكرمه الأمير يوسف الشهابي حاكم لبنان لما كان الجزار صعلوكا متشردا لأول أمره وعاونه لما أصبح واليا ، فكانت النتيجة أن شنقه وألقاه ثلاثة أيام معلقا ، ولطالما أخذ النوتية والركاب في مراكب كانت قادمة من مصر قبل مجيء الفرنسيين إليها ، وقتل جميع من فيها من أبناء مصر أو الشام وصادر جميع ما يحملون من البضائع.
تفنن الجزار في إهراق الدماء وحكم المؤرخين عليه :
وكان من عادة الجزار بعد أن يصادر المصادرين أن يقتلهم كما فعل سنة 1205 فقبض في دمشق على أولاد عبيد وأخذ منهم ستين ألف قرش ففروا إلى حلب ثم قبض على ثلاثين من أتباعه وسجنهم في القلعة ففدوا أنفسهم بمائتين وخمسين ألف قرش ثم قتلهم ليلا ، وقبض على خازن أمواله وأسبابه ونفاه إلى مصر ، وقبض على مفتي عكا وإمامها وعلى رئيس مينائها فقتلهم صبرا. وظلم جميع أكابر دمشق وسلب أموالهم.
وخرج ذات يوم في عكا قبل الشمس إلى باب السراي وأمر بإغلاق أبواب المدينة وقبض على كثيرين من العمال والكتاب والأهالي فسجنهم ، وكانوا مائتين وثلاثين إنسانا وقبض على النواب وسجنهم ، وكان كلما تقدم إليه

إنسان يكشف رأسه وينظر في وجهه فالذي يقول فيه نيشان يرجعونه إلى السجن ، والذي يقول ما فيه نيشان يطلق ، ثم إنه أحضر الفعلة أيضا وصنع بهم كذلك وقبض منهم جملة وأحضر التجار وأرباب الصنائع والحمالين وعلى هذا المنوال عامل الجميع فامتلأت السجون، ومن الغد أحضر المغاربة وأمر أن يخرجوا السجناء كلهم خارج البلد ويقتلوهم ففعلوا ما أمرهم به ؛ قال مدوّن وقائعه : وكان يوما عصيبا لم تكن تسمع فيه إلّا صراخ المقتولين ظلما وعويلهم وأنينهم ، وبقي القتلى كالغنم مطروحين خارج البلد ، ثم أمر أن ينادي المنادي في شوارع عكا ليخرج أهل القتلى لدفن موتاهم ، وأشار إلى أن كل امرأة ترفع صوتها تقتل حالا ، فخرج الناس ودفنوا القتلى. ثم ابتدأ يرسل جنوده يقبضون على الفلاحين ومشايخ القرى وأصحاب المقاطعات فمنهم من يقتله ومنهم من يصلم أذنه ويجدع أنفه ويطلقهم.
ولم يذكر المؤرخون علة استرسال الجزار في قتل الناس على هذه الصورة من غير سبب ولعله أصيب بمس من الجنون أو ان جنونه أطبق هذه المرة فأزهق الأرواح ، وإن امتاز في أدوار حياته بالسفك والفتك. وذكر المؤرخون أن الجزار قبيل وفاته أمر أن يغرقوا من كان في سجنه في البحر فنفذ أمره. وفي التاريخ العام أن الجزار أوقد جذوة التعصب بين المسلمين في بيروت وأغراهم بقتل الموارنة حتى يضمن حكمه على بيروت. ولم يكن يعرف فيما إذا كان الجزار خادما مخلصا للسلطان أو عاصيا وقحا. وكان كثيرا ما تجيئه رسل جاويشية من الإستانة تحمل إليه بعض الأوامر فيجز رأس القادم ويبعث به إلى ديوان الإستانة ، وهناك يغدق الذهب على الوزراء والخصيان ونساء الحرم السلطاني. وكثيرا ما كان يقول وهو في حال السكر للمسيو دي توليس : السلطان كالبنات يعطي نفسه لمن يعطيه أكثر ، فإذا حاول أن يقاومني فأنا أرده إلى الصواب بأن أهيج عليه مصر والشام وآسيا الصغرى ، وأزحف على الإستانة في جيش «القابسز» وأكون قادرا مثل لويس الكبير امبراطور فرنسا.
وقد وصف مشاقة الجزار وصفا معقولا قال فيه : إنه كان داهية ذا بأس وحنكة واسعة، سلمت إليه الدولة إدارة شؤون إيالتها وعولت عليه في

إخضاع الشام وضمه تحت جناحها ، على طريقة الغدر والخداع وإلقاء الفتن والحروب الأهلية بين الأمراء والمشايخ الذين كانوا يحكمون الرعية بالجور والعسف ويسومونهم الذل أنواعا والظلم أشكالا ، وشريعة الرجل منهم إرادته السخيفة ، والحاكم يشنق ويقتل ويشوه أخلاق الشعب ، وكأن الحال قيضت لهم رجلا كالجزار ينتقم منهم ، وكان هؤلاء العتاة لاهين بالمنازعات العائلية والحروب الأهلية يكرهون العدل ويعشقون الظلم ، لا يرحمون ضعيفا ولا قريبا ، ولم تكن معاملة الجزار للأمير يوسف أقسى من معاملة هذا الأمير لأنسبائه وإن ما لحقه من الجزار هو مما يستحقه. وقس على الأمير بقية المشايخ والأمراء الذين كانوا يستبيحون أموال الرعية وأعراضهم في سبيل أهوائهم.
قال إن الجزار ظلم ولكنه خدم الدولة والشعب ، وعادت خدماته على الدولة بالنفع فأخضع القطر لشوكتها فأطاع ، ورد عنها بثباته أمام نابوليون خطرا كان يهددها يوم حصار عكا ، وأفاد الرعية بأن أزال عنهم ضغط المشايخ والأمراء المستبدين فكان جوره بالنسبة لجور الأمراء والمشايخ قبله أقل وطأة. ولما جاءهم وضع حدا لظلمهم وزعزع سلطتهم وأرغم أنوفهم وأطلق الفلاح من عقالهم. وعلى الجملة فإنه عمل بما يوافق عصره وينطبق على أبنائه ، فبموته سرّي عمن كان غضبه يهددهم ويوشك أن يوقع بهم. وقال إن الجزار على قبح أعماله حفظ المساواة بين الرعية مع تفرق مذاهبها ، فيحبس علماء المسلمين وقسوس النصارى وحاخامي اليهود وعقال الدروز سوية ، وهكذا في إجراء العذابات الجهنمية عليهم لا يفرق بينهم ، وأكبر ما يحصى عليهم من الذنوب التوقف عن أداء الأموال التي يطلبها منهم وربما نشأ تلكؤهم من عجزهم.
وقال إن الجزار كان يتأخر عن دفع الأموال الواجب عليه أداؤها للسلطنة ويعتذر عن الدفع بأنه محتاج إلى العساكر لإدخال لبنان في الطاعة ، فسئمت الدولة من تعللاته الطويلة وكتبوا له أن المدة طالت ويظهر أنك غير قادر على تمهيده ، فلذلك صممت الدولة على إرسال وزير مقتدر بعساكر كافية لإخضاع لبنان لسطوتها فكان جوابه أنني بعد أيام قليلة إن شاء الله أبشركم بفتحه لأنه ظهر عليهم الضعف عن المقاومة ، وقد منعنا وصول الذخائر إليهم من البقاع والسواحل وهم لا يقدرون على العيش بدونها ، لان أراضي الجبل قليلة بالنسبة

لسكانه. وبعد مدة وجيزة بشر الدولة بشارة كاذبة مع الساعي فادعى أنه فتح الجبل وأنه وجد فيه من السكان النصارى مائة وعشرين ألف رجل ومن الدروز ستين ألفا ومن الشيعة ثلاثين ألفا ومثلهم من السنة ، فأتحفته الدولة بسيف مجوهر ومدحته على همته ، وأرسلت إليه بعد مدة أوراق جزية النصارى المعتادة وزادوا عليها مائة وعشرين ألف ورقة برسم نصارى لبنان ، فسقط في يد الجزار واستدعى المعلم حاييم فارحي مدير خزانته واستطلعه طلع رأيه في هذه القضية فأجابه يجب الآن دفع هذه القيمة من خزانتك لما عرضته للدولة عن فتح الجبل وعن عدد النصارى فيه. ثم ننظر في هذه الزيادة فدفع ثمن هذه الأوراق. وبعد أشهر أرسل بشارة للدولة بأن نصارى الجبل دخلوا في الإسلام. ولما دخلت السنة الثانية أرسلت الدولة للجزار أوراق جزية لبنان كالسنة الماضية فأرجع الزيادة بقوله : إن نصارى لبنان تقدم العرض عن دخولهم في الإسلام وارتفعت عنهم الجزية شرعا. قال : وهكذا كانت أمور الدولة في ذاك العهد تجري بلا تحقيق في صحة ما يعرضه عليها مأموروها.
ولما هلك الجزار أرسلت الدولة راغب أفندي الذي صار واليا على حلب بعد ذلك لضبط متروكاته ، وكانت قوانين الدولة يومئذ تقضي بأن يؤخذ كل ما يخلفه مستخدموها من أملاك وأموال وعروض ، فحررت التركة مع سندات الأموال التي كان يحررها على الأمراء والمشايخ عدا الأموال الأميرية ، فحسبت هذه الديون الظالمة من حقوق الدولة ، ولما رأوا أنها وافرة وأنه من المتعذر تحصيلها جعلوها مقسطة على رعايا أولئك الأمراء والمشايخ على عدة سنين ، فكان لبنان يدفع المال مضاعفا ، فالمال الواحد يبلغ أربعمائة كيس وكان يجبى من لبنان مال الجوالي على النصارى ومال فريضة على الدروز ، فكان القسط الواجب على اللبنانيين أداؤه من مطلوبات الجزار يبلغ مقدار ستة أموال أميرية وصار الأهالي يدفعون كل سنة مالين.
ولم يعلم ما خلف الجزار من الأموال بعد حكم تسع وعشرين سنة ولكن الذي قاله المؤرخون أن أحد رجاله الشيخ طه الكردي أخذ ألف كيس وأرسلت الدولة رجلين من الإستانة للبحث عن موجوده ، فما رأوا شيئا مهما غير ما كان أرسله إسماعيل باشا للدولة مع القبطان باشي في أول الأمر من مال

وتحف ، يقال إنها بلغت ثمانية آلاف كيس بيد أن إسماعيل باشا صرف أموالا كثيرة على العساكر والأغوات ، وعلى كل فهي قليلة بالنسبة لطول عهده ، والغالب أنه كان معتدلا في أخذ المال غير اعتداله في سفك دماء الرجال ، أو أنه ادخر كميات من الذهب غير ما عثر عليه منها فضاعت عند وكلائه وخواصه.
قاعدة المبالغة في الثروة والفقر ، والظلم والعدل ، والعلم والجهل ، والقبح والجمال تناولت أعمال الجزار أيضا ، ولو كان في قلبه بعض رحمة وعزوف عن سفك الدم الحرام إلا بما تقضي به الشريعة لعد مصلح عصره قياسا مع الصفات التي أوردها مشاقة. لا جرم أن التبعة في بعض أعماله تعود على عماله ورجاله ، وأكثرهم من أبناء هذه الديار.
المتغلبة على الأحكام بعد الجزار :
خرج الشام بعد هلاك الجزار مقلّم الأظفار ، معروق العظام ، بل مقطع الأوصال ، سيء الحال ، وأحدث موته فراغا ففقدت به الدولة أعظم قوة تمثلها ونفّس بهلاكه خناق أرباب المقاطعات المتغلبين من الأعيان ، وكان في سجن الجزار في عكا رجل يقال له إسماعيل باشا أرناؤطي الأصل ، وأصله من جملة عساكر الوزير الأعظم حين حضر إلى مصر لاستخلاصها من الفرنسيين. ولما قام الفرنج على المسلمين وأخرجوهم من مصر وتشتت العساكر في تلك الأقطار قصد إسماعيل باشا أحمد باشا الجزار ، فدعاه إلى فتح يافا فظهرت منه خيانة مع محمد باشا أبو المرق فقبض عليه الجزار وسجنه وعذبه ، كما كان يفعل بمن يقبض عليه وبقي في سجن الجزار إلى أن هلك هذا ، فخرج إسماعيل باشا من محبسه وجعل مكان الجزار فاستولى على متروكاته حتى اضطرت الدولة إلى قتاله لعصيانه في قلعة عكا وأرسلت عليه حملة ودام الحصار أربعة أشهر حتى أخذ وقتل فاستراحت الأمة من أحمد الجزار ومن خلفه.
وعصا أهل وادي التيم فأرسل عليهم إسماعيل باشا جندا كبس القرى وقتلوا زهاء مائتي قتيل وأخذوا مائتي أسير ، وكبس الأمير بشير جنبلاط

بعساكر الدروز بعض قرى عكا وقتل من عساكر إبراهيم باشا جماعة ، وإبراهيم باشا هو إبراهيم باشا الحلبي الذي نصبته الدولة مرة ثانية على دمشق وكان واليا على حلب. وكان حدث بموت الجزار اضطراب وخلت دمشق من الأحكام ، فمهد الأمور وعهدت إليه الدولة مع ولاية دمشق بصيدا وطرابلس وأوعزت إلى الأمير بشير الشهابي حاكم الجبل أن يكون في طاعة إبراهيم باشا وعونا له على إصلاح حال صيدا والساحل ، فصدع والي الجبل بالأمر لأنه كان داهية يراعي الدولة ولا يتأخر عن قضاء لباناتها ، ولا سيما الخراج والجزية يؤديهما في أوقاتها.
حاولت الدولة غير مرة القبض على مصطفى بربر متسلم طرابلس وظلّ في منصبه يسوم الناس مظالمه ، وما لبث خصمه اللدود عبد الله باشا العظم أن تولى دمشق للمرة الثالثة بعد أن كانت الدولة غضبت عليه بوشايات الجزار وشردته في البادية ولكنه دعاها إلى الرضى عنه وداواها بما تداوى به في العادة بأكياس من الذهب. وخرج عبد الله باشا من دمشق بالمحمل (1220) فحدثت بينه وبين الوهابيين أمور عظيمة ، وكانوا قد استولوا على الحجاز وتقدموا إلى الشام فهلك غالب عسكره وانتهب الحاج.
عين سليمان باشا الكرجي من مماليك الجزار واليا على عكا فأقام حاكما على يافا وعلى غزة محمد آغا أبو نبوت أحد مماليك الجزار ، وبقي حاكمها إلى أن طمع بالاستقلال فيها ، وعندما تحقق سليمان باشا ذلك ركب عليه بالعسكر فهرب إلى مصر ثم إلى الإستانة وشفع فيه الشافعون فنال رتبة الوزارة. وسليمان باشا هو الذي أراد أن يرفع بعض المظالم عن الرعايا ويحملها على الأجانب في عكا كأن يبيع الغلات والقطن والزيت من الأجانب فقط ، تبتاع الحكومة ما يفضل عن عوز الأهلين وتخزنه في مخازن لها تبيعه من التجار الأجانب القادمين في مراكبهم بالأسعار التي تريدها.
ومن الأحداث في سنة 1221 ما حدث من فتنة بين العسكر الوطنيين وجند الحرس في دمشق ، فحاصرت القلعة وأغلقت المدينة كلها ، ووضعت المتاريس داخل المدينة ، وجرت بين العسكرين حرب المتاريس في الأزقة والشوارع والسطوح والأسواق والمآذن فغلب الوطنيون الحرس وكسروهم

وهزموهم إلى مأذنة الشحم ثم ارتدوا عليهم وأخذوا طالع الفضة ، ونهب الخلق تلك الجهة كلها ، وراح الحرس مكسورين ثم عادوا وهزموا الوطنيين عند الشيخ عمود فنال الفريقان أحدهما من الآخر على غير طائل. ولم يقف شقاء دمشق عند حد التقاتل بين الجند بل أسرف الوالي كنج يوسف باشا (1222) في ظلم الناس وأراد ستر ذنوبه فأرسل إلى الدولة ألف كيس من المال لإنعامها عليه بإمارة الحج وإيالة طرابلس مع ولاية دمشق وذهب إلى نابلس وقهر أهلها وجبى منهم أموالا عظيمة ثم ذهب إلى جبل النصيريين وقاتلهم وانتصر عليهم وسبى نساءهم وأولادهم ، وكان خيّرهم بين الدخول في مذهب أهل السنة والخروج من جبالهم فامتنعوا وحاربوا وخذلوا ، وبيعت نساؤهم وأولادهم ، فلما شاهدوا ذلك أظهروا التسنن فعفا عنهم وتركهم في أرضهم بعد أن حاربهم شهرين ونهب قراهم ، ثم رحل إلى طرابلس ليقبض على مصطفى بربر متسلمها ، فتحصن هذا في القلعة فوقع القتال ، وكان الحصار أحد عشر شهرا وطرابلس خلال هذه المدة خالية من سكانها وقد جمعوا في الخانات سلعهم ومتاعهم وماعونهم ، ثم دخل يوسف باشا البلد وأطلق لعسكره الأكراد والأرناؤد وغيرهم النهب فلم يبقوا على شيء فيها وأنزل عسكره في الدور فخربوها بأخذ خشبها للدفء والوقود. وتوسط سليمان باشا والي صيدا عند الدولة فعفت عن مصطفى بربر وتسلم يوسف باشا القلعة. وكان مصطفى بربر من خدام الأمير حسن أخي الأمير بشير فتوصل بذكائه وشجاعته إلى المناصب العالية وحاز اعتبار الوزراء وخشية الرعية.
مقتل سليم الثالث ومصطفى الرابع وتولي محمود الثاني :
في غضون سنة 1221 خلع سليم الثالث بيد الإنكشارية وقتل لأنه أراد أن ينفذ خطة في إصلاح الإدارة على الرغم من حروبه مع روسيا والنمسا وغيرهما من دول الغرب ، وينشىء عسكرا جديدا يستعيض به عن الإنكشارية وكان هذا السلطان واسع النظر لكن الدهر خانه فلم يقدر أن يطبق إصلاحه ،

وكان أراد أن يخفق علم التمدن الأوربي فوق مملكته فاستدعى إليه من فرنسا ضباطا ومهندسين ورجالا من أرباب الصناعات فجاءه العدد الكثير منهم. وخلفه مصطفى الرابع فألغى جميع خطط الإصلاح ، ولكنه قتل كما قتل سلفه سليم ولم يطل عهده أكثر من أربعة عشر شهرا ، وخلفه محمود الثاني (1223) متشبعا بروح إصلاح سليم الثالث ، يريد إخراج الدولة من سباتها ، معتقدا أنه لا سبيل إلى نجاتها إلا بإيجاد قوة لها من غير عسكر الإنكشارية الذين عراهم الانحلال منذ مئة سنة ، وأصبحوا يقتلون الملوك والوزراء ويخونون الدولة في ساحات الوغى ، ويعبثون بشغبهم ومؤامراتهم بكيان الدولة ، ذاهبا إلى أن من جملة الأسباب في بقاء الدولة أن يقلّد الفرنج في مناحيهم وعاداتهم. وهو الذي لبس الطربوش والألبسة الغربية. وأخذ يقيم الحفلات والمراقص وحفلات السماع على الطريقة الأوربية.
وفي سنة 1223 مرّ ببلاد النصيريين طبيب إنكليزي فقتله الرعاع هناك ، فصدرت الأوامر بالقبض على القتلة فأرسل سليمان باشا والي صيدا عسكرا بزعامة مصطفى بربر فاكتسح ديارهم وقتل سبعين رجلا من كبارهم ، وحشا رؤوسهم تبنا وبعث بها إلى الباشا ، ثم امتنع النصيرية عن أداء المال فأرسل عليهم مصطفى بربر فنكل بهم وقتل خمسة وأربعين من رجالاتهم فأخلدوا إلى الطاعة. وكان من مقتل الطبيب وسيلة إلى الغارة على ضعاف الرعايا في زمن أصبح فيه شنّ الغارات صناعة يحترفها أناس مخصوصون في خدمة متغلب من المتغلبين.
وفي سنة 1224 قوي الاختلاف بين والي دمشق وابن الشهابي وابن جنبلاط وكانا استوليا على أملاك عظيمة من الفلاحين في البقاع فلم يزرع أحد في تلك الأرجاء. وكان الوهابيون قد استولوا خلال هذه المدة على الحجاز وأخذو يجاذبون عمال الدولة حبل السلطة في الأرجاء التي بين الحجاز والشام. وذكر بعض المؤرخين أنهم ارتكبوا في بلاد حوران سنة 1225 أفعالا بربرية من سبي النساء وقتل الأطفال ونهب الأموال وإحراق المنازل والغلال حتى قيل إنهم أتلفوا نحو ثلاثة آلاف ألف درهم وفي تاريخ نجد (1225) أن سعودا اجتاز بالقرى التي حول المزيريب وبصرى فنهبت الجموع ما وجدوا فيها من

المتاع وشعلوا فيها النيران ثم رجع إلى وطنه ومعه غنائم كثيرة من الخيل والمتاع والأثاث والطعام وقتل من أهل الشام عدة. وساق والي دمشق يوسف باشما حملة على مصطفى بربر متسلم طرابلس واستنجد بالأمير بشير الشهابي حاكم لبنان فلم ينجده معتذرا بفتن النصيرية والإسماعيلية وأن الجند اللبناني مضطر الى أن يرابط في الجبل ، فنال والي دمشق من متغلب طرابلس بالإجاعة وطول الحصار.
فتنة كنج يوسف باشا :
صدر الأمر السلطاني في سنة 1225 إلى سليمان باشا والي صيدا أن يقتل والي دمشق كنج يوسف باشا ويصادر أمواله. لأن يوسف باشا عجز عن سوق قوة لقتال ابن سعود ورأى كما قال جودت ، اشتغال الدولة بمشاكلها الداخلية والخارجية فرصة لادخار المال ، وأكثر من الاعتداء على الأهلين وظلمهم ، واختلس زيادة على هذا أموالا كثيرة من مرتبات الحج. ومما قاله السلطان لوالي صيدا في أمره الصادر بهذا الشأن : إني آمل منك صداقة وحسن خدمة لأنك تربية الغازي الجزار أحمد باشا حتى لا يقال إن هذا راح ولم يخلف إنسانا!. ومعنى ذلك أن الدولة كانت راضية عن الجزار إذا ذكرته تذكره بأنه مثال رجالها الأمناء ، وما ذلك إلا لأنه كان يؤدي لها الخراج في الجملة ويقاتل أعداءها ويرشي جماعة الإستانة بالمال على الدوام. أما سوء سيرته في الرعية وظلمهم وتقتيلهم فهذا لا ينقص بزعمها قدر الرجل ، بل يجب على العمال أن يتقيلوا مثاله.
ولما جاء سليمان باشا في جند من الدروز وغيرهم لأخذ دمشق من كنج يوسف باشا تعصب الدمشقيون لواليهم القديم ، ووقع القتال في أرض الجديدة وداريا ، فانهزم الدمشقيون وظفر العسكر اللبناني والعكاوي وقتل كثير من الدمشقيين. وفي هذه الوقعة يقول المعلم نقولا الترك في مدح الأمير بشير :
وخاض غمار الحرب تحمل خلفه
    ثلاثة آلاف تصول وتخطر
  فلاقته فرسان المنايا مغيرة
    تنادي على الباغين : الله أكبر
 


وثار الوغى والسيف قد قارع القنا
    وغطى الفريقين الغبار المكدر
  فولى على أعقابه كل ظالم
    وفي سهل داريا الأعادي تقهقروا
  وكم من سراياهم ترامت جماجم
    كأوراق أشجار على الأرض تنثر
  وكان والي دمشق القديم قد جمع أمواله فبلغت كما قيل اثني عشر صندوقا من الذهب وعشرة أحمال من الفضة ، فتعرض بعض الجند لجماعته أثناء خروجهم ليلا من السراي ، فأفلت هو ووقع المال في أيدي الجند والعامة ، فتقاسموه واغتنى أناس من هذه الغارة على أموال الوالي التي سببت نكبته ، وجمعها من أموال الدولة ودماء الأمة ، وتوجه يوسف باشا كنج إلى مصر فتوسط له محمد على الكبير بالعفو ثم بعثت الدولة بعض رجالها فضبطوا ما خلفه الوالي السابق من الأموال في دمشق بعد أن نهب ما نهب ، فكانت نحو ثمانية آلاف كيس من صافي الصابون وبعض أشياء كان يتجر بها.
سليمان باشا وأمراء راشيا وكوائن حلب :
وعدّ مشاقة من حسنات سليمان باشا ضمه إقليم البلان إلى ولاية دمشق بعد أن كان مستقلا تحت لواء أمراء راشيا الشهابيين قال وذلك لأن حكام ذلك الإقليم مستبدون ، وكانت الأهالي تقاسي عذابا وجورا لا يطاقان ، والأمراء يدفعون عن الإقليم مالا معلوما لحفظ استقلالهم به وبراشيا معا ، والحكومة مشطورة مع الأهالي إلى شطرين حزب يناصر الأمير فندي وآخر الأمير منصورا ، وكان كل واحد منهما يراقب الآخر ويترصد الفرص ليفتك به ، فيحتاج كل منهما بالطبع إلى عصابة ومال وحاشية. وقد أثنى مشاقة على سليمان باشا وقال : إنه خدم الدولة والرعية خمسة عشر عاما بالعدل والأمانة ، وكان الأسف عليه عاما حتى شعرت الدولة بفقده (1819 م) وقال : لما سلبت بلاد بشارة من أيدي مشايخها كثرت التعديات واضطرت حكومة صيدا إلى وضع عساكر كثيرة ، فلما جاء سليمان باشا الكرجي واليا على عكا اقتصر على مائتي جندي من المشاة وخمسمائة فارس وأربعمائة خيال من الهوارة يتبعهم مشاة ضبطية في باب السراي وجماعة المدفعيين على أسوار المدينة وأقام في كل بلدة من المدفعيين والضابطة كفايتها.

وسليمان باشا من مماليك الجزار اشترك مع سليم باشا في حرب الجزار ، ولما أفسد الجزار هذا العسكر على باب عكا هرب سليم باشا وسليمان باشا ، إلا أن هذا عاد إلى مولاه تائبا فوجه عليه متسلمية صيدا. وكان سليمان باشا هذا لا يسمع وشاية ويحمي من يعينهم من جماعته ولا يسمع فيهم كلاما ، وإذا عين أحدهم لا يرفعه مهما وقعت عليه من الشكاوي ، وإذا توفي أحد خدامه مسلما كان أو مسيحيا يضع ولده مكانه إن كان له ولد ويجري عليه رزقه وإن كان لا ولد له يدرّ راتبا على عياله ، وكان يعطي كل واحد من خدام بابه على حسب حاله من القرش إلى العشرة قروش كل يوم ، وهذا لأكبر ما يكون من أرباب الوظائف. قال العورا مدون وقائعه : وكان عنده لما مات 22 «دعبولة» في كل دعبولة ألف كيس ريال فرنسا (كل ريال بأربعة قروش) عدا ما كان تحت يد صرافه حاييم وأخيه موسى وهو يربو على اثني عشر ألف كيس وعدا الديون التي للخزينة على تجار عكا وبيروت وما عند حريمه من الجواهر والتحف وخلا ما عنده من الغلات والكراع.
هذا الرجل الذي خلف هذه الثروة وما ذلك بالأمر المستنكر على ولاة عصره ، كان يتبجح بكلام العادلين والمصلحين مع أفراد من حاشيته ومن يغشون مجلسه ، ليدل على حبه لإحقاق الحق وزهده في حطام الدنيا. شنشنة معروفة في بعض من يتولون الأمر يبرئون أنفسهم من حب الدنيا وهم سراق منظمون ، ويستحلون في السر كل كبيرة وفي جهرهم أعفة أتقياء. هذا الرجل قال لوكيله وصرافه حاييم وكاتبه حنا العورا يوم استولى على دمشق وخلصها من يوسف كنج باشا : أنا قضيت حياة رأيت فيها الحلو والمر ، فإذا أردتم أن تخدموني بالصداقة فأنا أشترط عليكم أن لا تظلموا أحدا ، فلا أريد الظلم ولا أذية أحد ولا خراب بيت أحد. ولا عيني بمال أحد ، وأريد ما أمكن سد باب الظلم ، وليس لي حاجة في غير لقمة خبز طيبة وحصان مليح و«جوبق» دخان والكسوة الاعتيادية وامرأة واحدة ولست آذن ولا أرخص لأحد منكم أن يجمع لي مال عباد الله بالظلم ولا بالخطف ولا بالحيلة ولا بوجه من الوجوه ، ولا أريد إلا أخذ الأموال المرتبة بأمر السلطان فقط ولا

أشكر من يسعى لي بجلب الأموال من غير حلها بل أغضب عليه ، وها أنذا أشهد الله وملائكته ورسوله عليّ وعليكم بهذا جميعه ، وأنا بريء الذمة من كل ما تفعلونه في هذه الدنيا وفي الآخرة ، فهل تقبلون بشرطي هذا كي أسلمكم زمام أموري وأريح فكري ، فأجابوه : نعم قبلنا وسمعنا وأطعنا فحينئذ قال لهم : وأنا سلمتكم مصلحتي بتمامها تصرفوا بها بحسب صداقتكم ، وقد توكلت على الله وهو نعم الوكيل. كلام أشبه بكلام عمر بن عبد العزيز لأناس من حاشيته من زهاد التابعين وتابعي التابعين!
وفي سنة 1226 حدثت فتنة بين الدروز القاطنين في الجبل الأعلى من عمل حلب وبين أهالي تلك الأرجاء وجرت بينهم وقائع فاتفق جميع أهل تلك الأطراف فأرسلوا يستشفعون بالأمير بشير فكتب إلى حكام حلب ، وأرسل مباشرين لإحضار الدروز من هناك وكانوا أربعمائة بيت وأعطاهم مئة ألف درهم لمعاشهم.
وكثيرا ما كان يجري الخلاف في دمشق بين آغا القلعة والوالي فيعتصم الآغا وجماعته في القلعة ويشرع بإطلاق الرصاص والبارود والمدافع على جماعة الوالي ويصيب الأهالي من ذلك خطوب جسيمة كما وقع سنة 1227 فأخذ عسكر الوالي يحيط بالقلعة ويطلق من المآذن المجاورة النار عليها والجنود يطلقون النيران ، ودام ضرب المدافع والحصار الشديد ليلا ونهارا بلا فتور ، وقتل أناس خارج القلعة واحترقت بعض الأماكن ، ثم وضع عسكر الوالي سلالم ودخلوا القلعة من سورها وجرت المذبحة بين المحاصرين والمحصورين ونهب عسكر الوالي القلعة ، وكان من يذهب قتلا من الجند على نسبة من يقتل من الرعية. والقلاع آية البلاء على الرعية ولا ينتفع بها عند الاقتضاء إلا الوالي أو المتغلب انتفاعا موقتا.
ومن الولاة الذين ملأوا حلب وأرجاءها ظلما ابن جبار جلال الدين باشا (1227) كان مثلا في المصادرات وقتل من يأبى إعطاء المال ولا يكاد يمضي يوم إلا ويقتل إنسانا وقد احتال على ثمانية عشر شخصا من رؤساء الإنكشارية في حلب وأهلكهم فسكنت الفتن قليلا وقطع من أوصال الإنكشارية وقبض على القياد بشدته وقلة ذمته في إهراق الدماء. وروى في أعلام النبلاء أن

ابن جبار هذا عين اثنين يتجسسان أخبار الناس الذين تجب مصادرتهم فكان يرسل اثنين حاملين بلطة يأتيان بمن يجب مصادرته ، فيزج في الحبس ويوضع في رقبته سلسلة لها شوك ، ثم يطالب بما قرر عليه وهو جرم أو جرمان ، والجرم أربعون كيسا والكيس خمسمائة قرش ، فمن لم يدفع الجرم في ثلاثة أيام يخنق ويرمى تجاه باب القلعة ، وكلما خنقوا واحدا أطلقوا مدفعا فكان يعلم عدد المخنوقين في الليلة من عدد المدافع ، وكان الوالي إذا أراد النزول إلى السوق أمر فزينت له الأسواق نهارا فينزل ومعه «البلطجية» والعساكر عن يمينه وشماله فيدور في الأسواق ، ومتى أدار وجهه إلى رجل فإن البلطجية يأتون ويضربون رقبة صاحب ذلك الحانوت ، يفعل ذلك بثلاثة أو أربعة أشخاص ثم يعود ، ولما تكرر منه هذا العمل الفظيع سأله وجوه البلد عن سبب قتل هؤلاء وما ذنبهم فكان يقول : لا ذنب لهم غير أني أقصد إرهاب الناس. وتعذيبه الناس وأخذهم بالتهم الباطلة من المأثور عنه المشهور به.
وجاء بعده خورشيد باشا وكان يصلي ويصوم لكن أتباعه يفعلون كل كبيرة وهو عنهم ساكت ، وحدث أن الأهالي هجموا على دار رئيس دائرته سليمان بك وقتلوه وحملوا سائر أتباعه بما عندهم من أدوات الفحش والخمر إلى القاضي فعد الوالي ذلك نشوزا على السلطنة من أهل حلب فاستدعى عسكرا فجاءته جملة مستكثرة منهم ، فوقعت وقعة بين العسكر والعصاة في محلة قسطل الحرامي (1235) فانكسر العصاة وهاجم العسكر البلدة وأخذوا يطلقون المدافع على أسوارها فخربوا جانبا منها ودام الحصار 111 يوما وجرى القتال داخل البلد في الشوارع والأسواق ، وكان القتال سجالا بينهم الى أن فر العصاة من الأهالي ودخل الولاة فيمن معهم من العسكر واحتلوا البلدة وقتلوا سبعة من كبار العصاة وأرسلوا برؤوسهم إلى الإستانة. وقد قال