Advertisement

جولة_في_ربوع_أفريقية


جولة في ربوع أفريقية




جولة في ربوع أفريقية

بين مصر ورأس الرجاء الصالح

تأليف
محمد ثابت




جولة في ربوع أفريقية

محمد ثابت

اليوم أقصُّ على بني وطني نبأ جولتي في ربوع أفريقية بعد أن تقدمتْها «جولة في ربوع آسيا»، «جولة في ربوع أوروبا». تلك الجولة التي أيَّدتْ لديَّ ما نعرفه عن «القارة الغامضة» في شعوبها وحيوانها وأحراشها ومفاوزها، وكم كان لبحثي في تلك الأنحاء لذة دونَها ما لقيتُ في أوروبا وآسيا أعوامي السالفة، ففي أوروبا لمسنا مدنية الغرْب التي تقوم على المادة بكامل حسناتها من رقي وعمران وما يستتبعه ذلك من رفَهٍ وانحلال.
وفي آسيا واجهتْنا مدنية الشرق العريقة تلك التي تقوم على أسس معنوية ودعامات روحية لم تفسدها المادة وإن أفسدت منها الرجعية والتمسك بأهداب القديم.
أمَّا أفريقية فقد بدتْ بريَّة لم يُفسِدها الدخيل حيث وضحت الفطرة تتجلى في إنسانها الهمجي وحيوانها البري، مما أذكرني بعصور ما قبل التاريخ يوم كان الإنسان ساذجًا يأتي ما توحي به الفطرة وتدفعه إليه الغريزة، هنا يستطيع المنقب أن يتعقب خطى التطور الآدمي في كل شيء، في بنية الإنسان ولغته وعقائده وعاداته، ولطالما خالَ قُرَّاء الأسفار أن مجاهل أفريقية وهمج أهلها قد خضعتْ جميعًا لوفود المستعمرين، ولكن تلك فكرة جِدُّ خاطئة، فالسواد الأعظم من أهل تلك الأصقاع لا يزال حرًّا لا يعترف بسلطان ولا يفقه للحكم الأجنبي معنًى، وهيهات أن تنال منه مدنيتنا أو تخلِّف فيه أثرًا.
ولشد ما كان أسفي إذْ لم أوت من فسحة الوقت ما يشفي للبحث غلة أو يروي للنفس ظمأً، على أني أرى فيما قصصتُ هنا قبسًا قد ينير السبيل، واللهَ أسألُ أن يوفقنا جميعًا لما فيه خير الوطن المفدَّى وأبنائه الأبرار.

نبذة تاريخية


طالما أشاد الناس بذكر «بار ثلوميو دياز» يوم أن طاف برأس العواصف كما هلَّل الكثيرون لمرور السفن من قناة السويس بعد فتحها، لكن فاتَهم أن ذلك لم يكن بالشيء الجديد المستحدث، فلقد حاول فرعون مصر «نكو» قبل ميلاد المسيح بنحو ستمائة سنة فتح قناة النيل والبحر الأحمر، والقناة التي تصل بحر أرتريا فتحها سيتي قبل ذلك بسبعمائة عام، وكانت تقطعها السفن في أربعة أيام وكان اتساعها يكفي لمرور سفينتين متجاورتين بمجاذيفهما، وقد مات في حفرها في عهد «نكو» اثنا عشر ألفًا، وقد خلَّف «نكو» عمله هذا غير تام حتى أتمه دارا الفارسي ولحاجته لإرسال أسطوله الحربي تحت قيادة بعض الإغريق ليصل البحرين، بعث نفرًا من الفينيقيين بسفنه وأمرهم ألَّا يرجعوا إلا عن طريق أعمدة هرقل Pillars of Hercules وهو جبل طارق عائدين لمصر أعني بعد الطواف حول أفريقية كلها، وفي السنة الثالثة من بدء رحلتهم أتموا ذلك وقصُّوا على الفرعون عجبًا، أنهم وهم يطوفون بليبيا رأوا الشمس ظهرًا ناحية يدهم اليمنى، أي أنها تميل عنهم شمالًا بعد أن كانت وهم في نصف الكرة الشمالي لا تميل إلا إلى الجنوب بالنسبة لهم، ويرجح الكثيرون أن المصريين جميعًا هاجروا من أواسط أفريقية في عصور قبل التاريخ وحلوا مصر، ويؤيدون ذلك بقرب الشبه بين سِحَن المصريين الأصفياء وبين بعض قبائل كنيا اليوم — نخص منهم المساي والتوركانا — وقد يكون لآثار زمبابوي في رودسيا علاقة بالمصريين، ولا شك أن لنهر النيل العظيم أثرًا كبيرًا في توزيع الإنسان قديمًا؛ لأن سير الإنسان كان قيد الأنهار الكبيرة، ولقد سجَّل الإغريق علاقتهم بشرق أفريقية إلى زنجبار منذ القرن الثاني قبل الميلاد، ولعلهم أتباع الفينيقيين والعرب من قبلهم، ولما أعقبهم الروم وأُغرِموا بالذهب والأحجار الكريمة لا يبعد أن يكونوا قد فتحوا طرقًا تجارية إلى هنالك، ولدينا وثيقة كتبها إغريقي هو Periplus قبل الميلاد يصف بعض المِيَن التجارية من ممباسا شمالًا ويقصُّ عن زوارق القوم من الشجر المنقور أو الألواح الموثوقة بالحبال وشباك الصيد وتجارة العاج الهائلة وقشور السلاحف وقُوَّاد السفن من العرب والقرصان، وبعض السلع كالقمح والنبيذ والزجاج والأسلحة المعدنية، وبعد ذلك بقرن كان بطليموس يحاضر ويكتب عن جغرافية أفريقية ومنابع النيل مستندًا إلى المعلومات التي استقاها من رحَّالة الإغريق ومن مؤرخي الهنود الذين اعتلَوْا هضابَ كنيا وافدين من السواحل الشرقية. على أن هناك أسرارًا يَحارُ فيها العلماء من بينها كشفُ أراضي الذهب بين اللمبوبو والزمبيزي في رودسيا الجنوبية، وكذلك بعض الأعمال الهندسية للري حول الزمبيزي وفوق الجميع آثار زمبابوي (وزمبابوي معناها مصانع الذهب أو مطاحنه) ولا ندري متى بدأ الإنسان استغلال تلك المناجم وصياغة الذهب، ويظن البعض أن زمبابوي من عمل البانتو في القرون الوسطى، ويرى البعض أنها من عمل الهنود الدرافيديين، والراجح أنها من عمل عرب سبأ عهد سليمان، وعلى ذلك فرودسيا تعد موطن مناجم الملك سليمان، وكان ثغر سوفالا الذي أرسل منه الذهب والعاج والفضة والقردة والطاووس إلى أوفير Ophir من بلاد اليمن أو سبأ حيث نشأت الملكة شيبا Sheba وسلكت طريق القوافل الموصلة إلى بيت المقدس، وهي التي بعث إليها سليمان وهرون يجلبان منها الذهب والأحجار الكريمة والعقاقير والبخور والعصيَّ الحلوة «قصب السكر». ويغلب على الظن أن عرب سبأ لم يستعمروا رودسيا بل استغلوا مناجمها وبنَوْا معبدَ زمبابوي وغيرَه واستخدموا في العمل الهنود والشعوب السوداء، يؤيد ذلك الأثرُ القديم الذي يُرى شاخصًا للهنود والعرب في أهل سواحل أفريقية الشرقية، ولا يُعلَم مبدؤه باليقين، فالمسعودي يخبرنا عن ممتلكات العرب وتوابعهم من الهنود في القرن العاشر، وفي لغة أهل السواحل والجزائر وبعض عاداتهم ما يؤيد صلتَهم بالعرب منذ القدم وفي الأقاصيص أن سام Shem أبَ آسيا الصفراء ما هو إلا سبأ وحام أبَ أفريقية السوداء هو كوش Cush ذاك الاسم الذي نطلقه على بلاد النوبة وهؤلاء ما هم إلا سبأ أيضًا. انقطع حبل التاريخ فترة طويلة إلى ??? بعد الميلاد وفي ??? حمل العرب دعوةَ الإسلام إلى هنالك، وقد أجمع المؤرخون على أن العصر الذهبي لشرق أفريقية هو العصر العربي حين ازدهرت التجارة وقامتِ المِيَن وفُتحتِ الطرق في داخل القارة، وكان سكان أفريقية هم الخدم والأتباع؛ لأن العرب أقاموا نفوذهم على الرقيق وتسخيره في الزراعة على طول السواحل الخصبة، تلك التي أضحت أهراء بلاد العرب، وقد ربتِ المحصولات لدرجة بررت اعتبار أفريقية بالنسبة لآسيا في القرن الثامن كموقف أمريكا من أوروبا اليوم، وغالب مدنهم الساحلية بين كلوا ومجديشو لا تزال قائمة إلى اليوم، وبعد انتشار الإسلام قام زيدٌ حفيدُ عليٍّ — كرَّم اللهُ وجهَه — على رأس طائفة من الملحدين وحلوا سواحل شرق أفريقية إلى خط الاستواء وامتزجوا بالأهلين، وبعدهم بقليل وفد كثير من المسلمين وطاردوا أشياع زيدٍ وتقدموا إلى سوفالا حيث وجدوا الذهب فاستقروا هناك، وقص المسعودي — الذي زار أفريقية — في كتابه «مروج الذهب» عن العرب والفرس الذين سلكوا طريق الرياح الموسمية من مدغشقر وشرق أفريقية إلى ساحل ملابار وسيلان، والسفن التي كانت تسير بين البحر الأحمر والخليج الفارسي وسوفالا وعن أقزام البشمن الذين أسماهم «واق الواق» وعن زنوج البانتو الذين كانوا يجتاحون البلاد جنوبًا ويتبادلون الذهب والعاج وجلود الفهود وقشور السلاحف مع العرب لنقلها لأسواق الهند والصين.
وفي القرن الحادي عشر قام طائفة من الشيعة الفرس وحلو ثغر كلوة وكانوا خصومَ مسلمي العرب هناك وغالبوهم وأشرفوا على سوفالا وملندة وممباسا وبمبا وزنجبار ومافيا وموزمبيق، وكان لهم مَحَاطُّ عندَ الزبيزي وفي مدغشقر والجزائر المجاورة، وقد جاء ابن بطوطة يقص علينا نبأ نفوذ العرب التجاري فقال بأنهم كانوا يقيمون المدن على الجزائر التي يسهل حمايتها، واستبدلوا ببيوت الطين والخشب القديمة بيوتًا من الحجر بسقوف مسطحة وأفاريز تطل على أزقة ضيقة متلوية، وقد قامت سراي السلطان تواجه البحر، وكانت مآذن المساجد تبدو مشرفة وسط المساكن، وحول تلك البيوت البيضاء نسقت الحدائق وبواسق النخيل، وكانت طبقة الأرستقراطيين والأغنياء من العرب تسير بأرديتها الفضفاضة في شيء من الوقار والأبهة وسط الطرق، وقد مُيِّز المسلمون عن كافة الألوان بلبس العمامة وحمل السيف حتى ولو لم يكن بعضهم يرتدي من الملابس شيئًا، وكان السيف هامًّا لديهم لكثرة الخصوم وتعدد المنازعات بين مسلمي العرب والفرس وبين أرفاض «زيد» وبين السنيين العرب والشيعة من الفرس وبين الكَفَرة من السود لا بل وبين كل أولئك. على أنه رغم كل ذلك فقد امتزج العرب بالبانتو وكان المولَّدون من أولئك واسطة جلب المتاجر من الداخل، ولم يتوطن العرب في الداخل بعيدًا عن السواحل، بل كانوا يستفيدون من الضرائب على طريقة قرطاجنة وكانوا ينقلون متاجرهم في سفنهم المسماة dhows التي لُقبتْ بطيور السماء العظيمة تلك التي غالبت الرياح الموسمية إلى قاليقوت وكان يديرها المولدون، وكان الوسطاء في قاليقوت من الأروام وأهل الشرق الأقصى الذين وفدوا بالبهار من جزائر الملوك وبالأخشاب العطرة والحرير من الصين واليابان. ثم أقبل عهد «ماركوبولو» في القرن الثالث عشر فوصف الإقليم قائلًا إن أهل زنجبار عبدة أصنام جسومهم ضخمة يأكل الواحد من الغِذَاء ما يكفي خمسة أشخاص، وهم سود يسيرون عرايا وأشكالهم كأنها العفاريت طعامهم اللحم واللبن والأرز والبلح، وقال بأن الفيل والزراف يوجدان هناك بكثرة وأن أهلها شجعان بواسل في القتال يحاربون على ظهور الفِيَلة والإبل، على أن البعض يشك في صدق تلك الرواية؛ لأن «بولو» لم يَزُرِ الجزيرة بنفسه.
وقد وصف أحد مؤرخي القرن الرابع عشر أهلَ مجدشو بأنهم نَهِمون في الأكل دباغون يلتهم الواحد غِذَاء جمهورٍ كبير وحدَه، وأن ممباسا مدينة كبيرة تغص بالموز والليمون وأن أهلها ديِّنون شرفاء، وأن «كلوا» بيوتها من خشب وقد ظل مُلْك السلاطين فيها خمسمائة سنة، ويظهر أن غالب الناس والحكام هناك كانوا من المنفيين من بلاد فارس.
البرتغال: على أثر تقرير قُدِّم لملك البرتغال سنة ???? يحبذ زيارة أملاك العرب الشاسعة في شرق إفريقية، أرسل فاسكو دجاما مع أربع سفن بحارتها من المجرمين الذين وعدوا بإطلاق صراحهم في الشرق، لكن استقبال البرتغال هناك كان قاسيًا إذ دخلوا في نزاع مع العرب دام قرنًا كاملًا، وأخذ نفوذ البرتغال وإمبراطوريتهم يمتد وساعدها انقسام العرب وضعفهم في البحر عن أعدائهم، وكان غرض البرتغال في البدء تجاريًّا، وقد حنقت عليها البندقية سيدة تجار البحر الأبيض إذ ذاك، ومصر التي خشِيَتْ ضياعَ ??? ألف جنيه كانت تَرِدُها في العام مكوسًا تجارية، فتعاون كل أولئك على البرتغال، لكن شاءت المقادير أن ينتصر «المايدا» على المصريين والعرب في واقعة «ديو» وبذلك أصبح المحيط الهندي بحرًا برتغاليًّا لمدة قرن. على أن البرتغال لم يتوغلوا في داخل أفريقية لوحشية الأهالي ولكثرة الأوبئة لذلك لم يحس نفوذهم في الداخل خصوصًا وأنهم لم يستخدموا العرب وسطاء لهم خوفًا منهم وحنقًا عليهم، ولقد بدءوا أعمال التبشير لكنه لم يجد فتيلًا رغم اختلاط جنودهم بالسود والهنود ومصاهرتهم مما أضعف نفوذهم حربيًّا، ولقد تدهوروا مدنيًّا؛ لأن سياستهم كانت تقوم على الابتزاز والأسلاب ليس غير، وأتم انحلالَ نفوذهم ضمُّ فيليب بلاد البرتغال لإسبانيا فأصبح أعداء إسبانيا الكثيرون أعداءً للبرتغال، وبدأت مزاحمة هولندا وإنجلترا وفرنسا لهم. تقدمت أساطيل هولندا إلى جنوب أفريقية وأقامت شركات تجارية والهولندي بحكم طبيعة بلاده وسيط تجاري على أن عيبهم كان عدم التضامن فهم اعتادوا القيام جماعات صغيرة لا يهمهم جيرانهم من بني جنسهم مما دعا شركاتهم إلى التنافس الذي أضعفهم، وزادت هجرة الأوروبيين إلى الكاب هولنديين وألمانًا وفرنسيين خصوصًا طوائف الهوجنوت الذين فروا من فرنسا إلى هولندا فشجعتْهم هذه على السفر لجنوب أفريقية وتصاهر الجميع مع السود والهنود فكان منهم شعوب البوير (المزارعين)، وقد ساعدتْهم نزعتهم إلى الرعاية على الارتحال بعيدًا في داخل القارة وافدين من الجنوب؛ ولذلك نقلوا عناصر مدنيتهم إلى قلب أفريقية.
بدأت مزاحمة الإنجليز بعد أن أخذوا الغلبة في البحار وتحول المركز المالي العالمي من أمستردام إلى بنك إنجلترا في لندن، وقام أهل اسكتلنده المعروفون بالمثابرة إلى جانب الإنجليز المعروفين بالمغالبة والمخاطرة في شيء من الحرص وساعدهم على الفوز افتقار الشركة الهولندية إلى الحكمة حتى فسد موظفوها وابتزوا منها الأموال الطائلة مما أضعف ماليتها، أضف إلى ذلك خسائر الحرب وكره الأهالي لها أولئك الذين بدءوا يطالبون بالاشتراك في حكومة البلاد وألحوا في دستور مسطور خصوصًا بعد أن نجحت ثورة أمريكا ضد الاستعمار.
وصلت سفن الإنجليز وأمَّنتِ السكان على متاعهم ومنحتهم حرية الاتجار وأُبقِيَ الموظفون في أماكنهم إلا الوظائف الرئيسية التي أخذها الإنجليز لأنفسهم، ومال الإنجليز إلى كَلْنَزَة البلاد لكن اللغة الهولندية كانت لغة الكنيسة، أما لغة الكلام فكانت الإنجليزية إلى جانب الهولندية، وطالب الناس بجعل أفريقية للأفريقيين، وأخيرًا تأسست جمهوريتان الترنسفال، وأورنج الحرة، ثم توحدتا في جمهورية واحدة، ثم أوجد نظام جمركي بين كل ولايات جنوب أفريقية شبيه «الزلفرين» ودخلتْه رودسيا الجنوبية، لكن مُحيت الجمهورية وضمت لاتحاد جنوب أفريقية تحت إشراف بريطانيا، ولا يزال يحن كثير إلى العصر الجمهوري وبعضهم يرغب في حكومة الدومنيون، وقد خرجت رودسيا من الاتحاد؛ لأنها أقل خبرة وعلمًا وأندر سكانًا، وقد حاول الجنرال «سمطس» ضمها مؤيدًا رأيه بأنها استعمرت من الجنوب وبأن قانونها مقتبس من قوانين الاتحاد، كما أنها كانت عضوًا في الاتحاد الجمركي، وهي لا تستطيع وحدها الوقوف ماليًّا بدون مساعدة الاتحاد، إلى ذلك إتمام الصلة الحديدية بينها وبين الكاب.
تبيِّن الخريطة خطة السير وأهم البلدان التي حللناها والشعوب التي لاقيناها. وقد ناهزتِ المسافة التي قطعناها عشرة آلاف ميل وخمسمائة بين بحر وبر.
أما في شرق أفريقية فقد عاد للعرب بعض نفوذهم القديم خصوصًا حول زنجبار وفي عهد أظهرهم نفوذًا «السلطان سيد سعيد» ثار عليه زعيم شعوب «مزروي» وطلب حماية الإنجليز لممباسا لسوء معاملة السلطان لهم، فأعلنت الحماية ورفع العلم البريطاني لأول مرة هناك وتحالف السلطان سيد سعيد مع الإنجليز ونقل مركزه الرئيسي من عُمان إلى زنجبار وتضامن مع الإنجليز في منع الرقيق وأقام قصوره في الجزيرة. ولما مات تنازع خلفاؤه الحكم فتدخلت إنجلترا وزادت مصالحها في شرق أفريقية فرفعت الحماية على زنجبار نفسها، وكان كبار الكاشفين الإنجليز قد أوغلوا في أفريقية، وفي سنة ???? اتفقت الدول العظمى على تحديد ملك سلطان زنجبار كخطوة لاقتسام شرق أفريقية، وأخذ الألمان يزاحمون الإنجليز هناك وأرغموا سلطان زنجبار أن يتنازل لهم عن جزء من ساحل أفريقية بسطوا عليه حمايتهم، لكن الشركة الإنجليزية التجارية قاومت ذلك ومدت سكة الحديد من ممباسا إلى فكتوريا ولما كسدت تجارتها تنازلت عن أملاكها لسلطان زنجبار مقابل مبلغ من المال، ولا يزال علم زنجبار الأحمر يرفرف على حصن ممباسا وتدفع حكومة كنيا ستة عشر ألف جنيه سنويًّا مقابل احتلالها للسواحل، ومنذ سنة ???? أضحت كنيا مستعمرة للتاج ما خلا شريطًا ساحليًّا ضيقًا فهو حماية؛ لأنه من أملاك زنجبار.

بدء الرحلة


إلى بور سودان: غادرنا بور سعيد عصر الأربعاء نشق قناة السويس جنوبًا، ثم أوغلنا في خليج السويس الذي كانت تبدو سواحله على الجانبين تارة تنأى وطورًا تقترب إلى أصيل الخميس حين دخلنا البحر الأحمر وظل الساحل المصري باديًا. وفي باكورة الجمعة كنا وسط الماء لا تبصر العين من اليابسة شيئًا، وفي غداة السبت أقبلنا على بور سودان. حللتُ المدينة فبدت صغيرة جديدة ليس بها ما هو جدير بالذكر طرقاتها نظيفة وفي استقامة، وعلى جوانبها تقوم المباني الحديثة في طابق واحد، ومظهر المدينة مجدِب عارٍ عن النبْت لا تكاد العين تقع على خضرة قط، ويزيدها جدبًا جبالها المقفرة التي تحيط بها من كل جانب اللهم إلا جون من البحر طَمَرَ القومُ جانبًا منه وأقاموا الميناء عليه، والأرصفة مزودة بالروافع الثقيلة تجري على قضبان تؤدي من السفن إلى حظائر للسلع ما صدر منها وما ورد، وأظهرُ بناءٍ إذا أقبلتَ على المدينة من الميناء، دارُ المديرية من طابقين كان يعلو سارياتها العَلَمان المصري إلى جانب الإنجليزي وأهل المدينة أخلاط من السود يتكلمون العربية والزنجية. وكان عمال الميناء من قبل من مهاجري اليمن، لكن الحكومة رأت أن تخص الوطنيين بهذا العمل فاستقدمت من داخل السودان جماهير يقومون بالنقل مقابل أجر خمسة قروش في اليوم، وأعجبُ قبيلة كانت تبدو بينهم البشارية يرسلون شعورهم تتدلى على أقفيتهم في جدائل رفيعة وشعر الناصية يترك منفوشًا وقائمًا في كرة، وجو المدينة لافح محرق شديد الجفاف؛ ذاك لأن أمطارها تسقط في الشتاء وبمقادير قليلة إلا إذا صادفهم السيل وعندئذٍ ينذر بالخطر، ومن هذا الماء يملئون أحواضًا يرشحون الماء فيها ويستقون منها، وهنالك وراء الجبال عند منازل المطر نطاق ضيق تكسوه الخضرة وهو المكان الوحيد الذي يستنبتونه في هذا الإقليم القفر. ميناء بور سودان.
غادرنا المدينة فأنعشنا نسيم البحر قليلًا، وقد كان جو البحر الأحمر هذا العام جميلًا في الجملة، ولم نحس ذاك السكون الخانق الذي كابدناه عامنا الفائت في طريقنا إلى الهند والصين واليابان، ويظهر أنه لا يكون إلا في أواخر مايو، على أن الحرارة أخذت تتزايد من يوم لآخر، وفي يومين دخلنا:
طريق كلنديني يشق غابات المانجو، ممباسا.
عدن: بجزائرها المحدبة الجافة تقام البيوت والحصون على منحدراتها المواجهة للقارة، وكان ساحل القارة يبدو جليًّا وطيئًا على بُعد، وقد نزلتُ المدينة للمرة الثانية فلم أستزد منها بشيء جديد، صخور عاتية عريت عن النبت يكاد يصهرها وهج الشمس، وفي الأصيل برحناها والماء هائج مضطرب أنذر بمرض البحر، وأخذ ذلك يتزايد حتى انقضى اليوم التالي وظَهَر إلى يميننا قرن أفريقية عند رأس «جوار دافوي» في حائط صخري مجدب مخيف يمتد إلى الآفاق، وهنا تغيرت الظروف الجوية فأضحت الريح جنوبية وبَلِيلَة كادتْ قطرات ضبابها تكسو الجبال على بُعد منَّا، وأخذت الريح الموسمية هذه تزأر في شكل مخيف حتى لم ينجُ فرد من مرض البحر وظلت السفن تترنح طوال يوم الأربعاء وبعض الخميس وخفَّ الحر الذي عوَّدَنا أياه البحر الأحمر، وكان الهواء باردًا عاصفًا بَلِيلًا يحس المرء أنه مشبع بالرطوبة ذاك البلل الذي هو سر فيض نيلنا الغامر، وخصب بلاد الهند النادر، وكانت السماء تتلبد بالغيوم الثقال ولبثنا وسط هذا المحيط الزاخر القاتم الرهيب يومين، ثم عبرنا خط الاستواء جنوبًا فتحسنت حالة البحر نوعًا وخفت حدة الريح وندرت سحب السماء وأضحت متقطعة، وكان ينعشنا الأمل بوصول أرض ممباسا في الغداة كي نجد عوضًا عن هذا البحر الممل ولو إلى حين. على حافة قلعة ممباسا.
ممباسا: في ستة أيام من مغادرتنا لعدن ألقتِ الباخرة مراسيها على أرض ممباسا، وهي جزيرة ذَرْعُها ميلانِ في ثلاثةٍ، تسمى ملكة الجزائر المرجانية؛ إذ تحفها هالة من شعاب المرجان وبدت في خضرتها الوفيرة القاتمة كأنها زمردة ألبست فجوة من شرق أفريقية، وفيما بينها وبين القارة يتلوى البحر في مخابئ آمنة جعلت الميناء من أجمل مِيَن شرق أفريقية وأمنعها على الإطلاق، ولقد كانت الميناء القديمة تقوم شمال الجزيرة لكن الإنجليز اتخذوا ساحلها الجنوبي مرفأ؛ لأنه أفسح مجالًا وأبعد غورًا فأقيمت عليه الأرصفة الممتدة تقوم عليها العنابر والروافع التي تديرها الكهرباء، ويطلق القوم على هذا الجزء: مرفأ كلنديني ومعناه بلغة السواحليين مكان الماء العميق، نزلنا إلى رصيف الميناء باكورة الصباح وكانت الجزيرة تعلو تدريجًا في منحدر من صخر الجير المهشم القديم فسلكنا سبيلنا صعدًا في طريق «كلنديني» الذي يشق الجزيرة نصفين وتقوم عليه المباني الرئيسية من متاجر ودور للحكومة وبيوت منسقة، والطريق تحفه الغابات ذات الأشجار الوارقة الباسقة على اختلاف أنواعها ولا تكاد تخلو قطعة من الأرض من النبات والعشب الوفير فهو كسائر طرق الجزيرة قد شق وسط غاباتها الكثيفة وكان أظهر الشجر المانجو، الذي كنا نرى ثمره ملقًى على الأرض في كثرة هائلة ولا يُعنَى المارة بأمره فثمنُه هو وسائر الفاكهة الاستوائية زهيد للغاية فقد كنت أنتقي أطايب المانجو من بائعه بملليمين ولما أتينا على آخر الطريق بدت القلعة التاريخية تطل على الميناء القديمة — ويسمونها قلعة يسوع — شادها البرتغال سنة ???? يوم أن أصبحت ممباسا عاصمة دولتهم الإفريقية، لكنها سقطت في يد سلطان ممباسا سنة ???? حين قتل جميع البرتغاليين في المدينة، وبعد أربع سنوات استعادها البرتغال وأعادوا بناءها، وفي ???? بدأ العرب حصارهم العظيم الذي دام ثلاث سنين وانتهى بفتح القلعة وقتل ما تخلف من حاميتها، وهي اليوم سجن ويزمع تحويلها إلى متحف، وفي مدخل تلك الميناء كاد فاسكو دجاما يفقد أسطوله؛ لأن قواد سفنه وكانوا من العرب تآمروا على تدميره فاتفق اثنان وسبَّبا اصطدام سفينتين تحطمتا ولما قبض عليهما وعُذِّبا بصبِّ الزيت المغلي في جسدهما اعترفا بأنهما فَعَلا ذلك انتقامًا للعرب فشُنقا قصاصًا ولفاسكو دجاما شارع صغير باسمه وعامود تذكاري كأنه قمع السكر شكلًا ولونًا. وممباسا كانت منذ القرن الثامن حصنًا للعرب منيعًا تحت أئمة عُمان ومسقط، وكانت أكبر أسواق للرقيق إذ ذاك، ولما كشف البرتغال طريق الرأس وجدوا في مرافئ شرق أفريقية أماكن آمَن من البحر وغوائله تلك التي قاسَوْها في جنوب أفريقية، وفي سنة ???? حاز «المايدا» قائدهم النصر في إحدى معارك التاريخ الحاسمة هي «واقعة ديو» حين دمَّر أساطيلَ العرب والمصريين مجتمعة وضمن للبرتغال احتكار المحيط الهندي لمدة قرن من الزمان كامل، ولا يزال يطلق القوم على الجزيرة «كسيواتشا مفيتا» أيْ جزيرة الحروب.
مساكن ممباسا من جدائل العصيِّ تسد بالطين.
ومدينة الأهالي هنا أشبه بقرية صغيرة تقام بيوتها وكأنها الأخصاص من شباك العصي والأعواد تملأ فضاءاتها بالطين وسقوفها متحدرة تكسى بالقش أو صفائح المعدن، والبيت في مجموعه مربع الشكل والطرق أزقة متلوية في غير نظام، وكنا نرى جمهرة من تلك الدور بين فجوات الغابات الفطيرة والسكان أخلاط من بينهم ???? من الهنود، ???? من العرب، ???? من الأوروبيين، ????? من السود، ومجموع السكان حوالي ?? ألفًا يتكلمون لغات مختلفة أخصها: السواحلية: وهي خليط من لهجات البانتو مع العربية، وكنت أتلمس في كل جملة كلمة أو اثنتين أفهم بها سياق الحديث، وتكتب بحروف عربية وهي اللغة الرسمية في شرق أفريقية فكنت أراها تكتب إلى جانب الإنجليزية حتى في الإعلانات، فمثلًا عند منحنيات الطرق كنت أجد كلمة «أصبر» بمعنى خفف السير، وعند بائع الماء ترى كلمة «ماج» ومن الكلمات الشائعة: «زماني» بمعنى من زمان مضى و«بريدي» بمعنى البرد، و«كرتاس» بمعنى الورق و«سفري» بمعنى الرحلات «وَمَبارَك» للتحية، و«دَوَى» للدواء، واللغة السواحلية سائدة في شعوب السواحل جنوبًا إلى الناتال ومن ممباسا إلى فكتوريا نيانزا في داخل أفريقية.
والشعب السواحلي وليد اختلاط العرب بالزنوج فهو من أب عربي وأم زنجية، وهم يعيشون اليوم عيشة خمول في السهول الساحلية ذات النبت والشجر الوفير، وقد كانوا تجار عاج ورقيق من قبل، ولما حرم الاتجار بالرقيق أهمل العرب مزارعهم؛ لأنها كانت تتوقف في فلحها على أيدي الرقيق، وكان هؤلاء يحبون سادتهم من العرب ويختلطون بعائلاتهم؛ لأنهم كانوا يعاملون معاملة حسنة، وكانوا لذلك أصحاء الجسوم لكنهم بعد إلغاء الرقيق فقدوا سادتهم ولم يستطيعوا العمل وحدهم فأضحوا وكأنهم الغنم فقدوا راعيهم كذلك العرب فإنهم اعتادوا من قبل حياة السادة يشرفون على عبيدهم فحسب، فلما فقدوا عُمَّالهم لم يستطيعوا مباشرة العمل وحدهم، فكان من نتائج هذا التحرير أن انحطَّ النوعان السيد والمسود، وتدهورت حالة الإنتاج في الأراضي الخصيبة الساحلية، والعرب هناك لا يزالون يفاخرون بحسبهم القديم ويتمسكون بأهداب من العزة واهية في فلول قصورهم المتوارثة في مدن السواحل، ولا يزالون يحتقرون العمل اليدوي ويظهرون شيئًا من كبريائهم القديم كنا نلمحه على وجوههم، وهم آخذون في التدهور السريع لا بل والانقراض أمام المزاحمين من الأجانب أسيويين وأوروبيين، ويقال عن السواحليين أنهم مبذرون كسالى على أنهم قوم مرحون قانعون بما يلقون يشتغلون بجد أسبوعًا من كل شهر، وبما يكسبون يسدون حاجاتهم بقية الشهر وكفاهم فخرًا أنهم نشروا لغتهم التي أصبحت لغة التعارف بين كثير من وسط أفريقية وشرقها.
نقف تحت شجرة «الباوباب» في غابات شرق أفريقية.
وفي ممباسا طائفة من أصفياء العرب تحكي لهجتهم لهجة أعراب البادية في مصر على أنهم قذرون ومتأخرون ويشبهون في السِّحَن مسلمي الهنود الذين يكثرون هناك، وللمدينة مظهر إسلامي في تعدد مساجدها وهم يتمسكون بشعائرهم لا يحيدون عنها، أما سِحَن الزنوج فمُنفِّرة للغاية بقاماتهم القصيرة وأنوفهم المفرطحة والنساء أشد قبحًا، يلبس غالبهم الطربوش تتدلى خصلته الغليظة الملونة (فيما يحكي «زر» العمامة) على جباههم وكأنهم البُلَهاء.
وممباسا تقع إلى جنوب خط الاستواء بأربع درجات وكان الجو مدة إقامتي بها جميلًا أميَل إلى البرودة إلا أنه رطب فالسماء قلما كانت تخلو من الغيوم، ولم أشعر وأنا بها أنني أقارب خط الاستواء بحرِّه القائظ على أنه إذا بزغت الشمس فإنك تلاحظ فرقًا عظيمًا في الحرارة؛ إذ ترسل الشمس أشعتها الرأسية فتكاد تخرق الجلد فإذا ما حجبتْها سحابة — وكثير ما هي — انتقلنا من وهج المنطقة الحارة إلى نسيم الجو الأوروبي البليل والموسم البارد هناك بين إبريل وسبتمبر، ويلفت النظر أشجار عتيقة هي بقايا أشجار «الباوباب» التي نمت إبان سيادة العرب والبرتغال وقد اعوجَّتْ أعوادُها بمضي السنين وكثرت تجاعيدها وفروعها بحيث كانت تبدو الشجرة وكأنها أربع شجرات أو ست ضمت إلى بعضها وتشعبت كل في أعلاها تشعبًا مستقلًّا عن جارتها.
والميناء صاخبة تظل حركة الشحن والتفريغ بها دائبة وهي الميناء الرئيسية لمستعمرة كنيا، والمنفذ الوحيد لمتاجر أوغندا؛ إذ يصلها بالبحيرات خط حديدي وكذلك تصرف عنها بعض متاجر تانجانيقا والكنغو وأشهر ما تصدره: البن الذي يزرع في مساحات شاسعة في كنيا، ثم السيسال وهو نبات كالصبار يدق فيصبح أليافًا صفراء براقة، لكنها خشنة تحكي الليف الأبيض من نخيل مصر وينسج للأشرعة والغرائر والحبال، ومن المواد الصادرة من هنا القطن ذو الليفة القصيرة وقشور شجرة Wattle تستخرج منها الأصباغ وكذلك العاج، وقد زرت في ميناء ممباسا مستودعًا للعاج تجمعه الحكومة وتصدره تحت إشرافها بمقادير وفيرة، ومن الأسنان ما كان بالغ الطول زنة أكبرها مائتا رطل أعني أن الفيل الواحد قد ينتج أربعة قناطير، ويختلف العاج جودة باختلاف الحيوان سنًّا ونوعًا، وكان ثمن الرطل الغفل من النوع الجيد خمسين قرشًا ويصدر الخرتيت بقلة وقرنه قصير وفي مخروط مقوس إلى الخلف وثمن الرطل منه سبعون قرشًا. سن الفيل قد يبلغ ضعف قامة الرجل طولًا.
وغالب الأعمال التجارية يقوم بها الهنود، أما باقي الأهلين فأُجَرَاء وقد قيل لي: إنه بسبب الكساد العالمي الحالي اضطر نحو نصف الجنس الأبيض وبخاصة أصحاب الأعمال الكبرى من الإنجليز أن يبرحوا البلاد، وقد لاحظنا الكثير منهم يعودون لإنجلترا لكساد أعمالهم هنا، وها هي باخرتنا غصت بهم يوم برحت ممباسا.
بعض سيدات السواحليين من المسلمات.
قامت باخرتنا «لانجبي كاسل» تشق ما بين جزيرة ممباسا إلى اليسار وإفريقية إلى اليمين وكانت الشواطئ وفيرة النبت وبخاصة شجر المانجو إلى اليسار والنرجيل إلى اليمين والساحل مشرف رأسي ومن صخور الجير الذي اصفرَّ بمضيِّ السنين وفي خمس ساعات أقبلنا على بلاد تنجانيقا:
تانجا: قرت عيوننا في باكورة الصباح بجمال المناظر حول تانجا التي دخلناها في الليل ونحن نيام، خليج تحفه الجزائر الصغيرة المترامية وفوق الجزيرة الكبيرة أقيمت المدينة ببيوتها المنثورة، ثم طغت على جوانب الخليج قبالتها حيث يصب نهر سيجي Sigi الصغير، وقد كانت عهد الألمان أولى ثغور تانجانيقا، لكنها اليوم فقدت شيئًا من شهرتها، ولا يزال يصدر منها فوق ثلث حاصلات البلاد، والإقليم حولها غنيٌّ بمزارع السيسال والكبرا وفوق المرتفعات البن والشاي، وهي منفذ طبيعي لإقليم كلمنجارو، أهلها أحد عشر ألفًا من بينهم ??? من البيض و???? من الأسيويين هاجمها الإنجليز سنة ????، لكنهم رُدُّوا بخسائرَ فادحة، وفي سنة ???? فتحها الجنرال «سمطس» ولا تزال تُرى باخرة ألمانية صغيرة غرقت هناك إبان الحرب. أقلتْنا سيارة طافت المدينة وهي على نمط دار السلام، ثم أوغلنا في مجاهل الغابات خلفها فهالَنا ما بها من فصائل النبات الملتف المتعانق بين صغير وعملاق وخلالها قطع القوم فجوات زرعوها من السيسال والتابيوكا، لكن غالب الأراضي مهمل يحتاج في زرعه واستغلاله إلى جهد كبير حتى تُستأصَل تلك الطفيليات التي كنا نمر خلالها فتغطي جموعَنا تمامًا بعضُها في أعواد وأوراق كأنها قصب السكر والبعض شجيرات أوراقها مهفهفة خفيفة عريضة، هنا ذكرنا حقًّا مخابئ الوحوش التي خبرنا السائق عنها طويلًا؛ وبخاصة السبع والشيتا نمر أفريقية الأرقط، وبينا نحن نتحدث إذا بجمهرة من القردة في أحجام مختلفة تجري على بعد وتتسابق إلى الشجر، وهنا قال الرجل بأن هذه القردة أضحت من أكبر المنغصات هناك لا بل وفي باقي أفريقية إلى أقصى الجنوب فهي تسير في جماعات وتهاجم حقول الذرة ويقف منها حارس أو اثنان للرقابة ولا يفتأ الباقون يقطعون أكواز الذرة ويولون سراعًا، لقد اتبعوا في مطاردته طريقة عجيبة هي أن يصاد واحد في فخ، ثم يحلق شعره كله ويطلى جسده بدهان أزرق ويطلق صراحة فإذا أتى عشيرته ورآه الجمع هكذا خشي أن يحل به مثل ذلك، فينقطع الجميع عن زيارة تلك البقعة مدة طويلة هروبًا من ذاك المنظر المخزي! وسط الغابات المغلقة في تانجا.
أدَّى بنا التسيار خلال تلك الغابات إلى مغاور بها من الصاعدات والداليات والفجوات ما يُشعِر بمرور نهر تحت الأرض ثقب الصخر هكذا، والمنطقة حولها جِدُّ موحشة لولا ما نرى من جموع الفراش رائع النقوش، ومن أسراب الطيور الغريدة في ألوانها الساحرة، وبعد أن سرنا طويلًا فاجأنا نُهَيْر يكاد يغطيه كثيف النبت وخليعه، ومن الشجر الذي استرعى أنظارنا «الباوباب» الشامخ، وكان له ثمر كأنه أكواز الشمام الكبير يغطي قشورَه وبرٌ أملس ناعم إلى ذلك شجر متعدد الثمرات من بينها ثمرة حمراء هادئة كأنها التفاح قلبها ناصع البياض تتوسطه نواة ضخمة كنواة المانجو ويسميها القوم بالسواحلية «توفاه» بمعنى تفاح، والجوافة والمانجو التي أثقلها الثمر دون أن تجد صاحبًا يستغلها. هنا حط رهطنا الرحال وأخذنا نأكل من ذلك الثمر الشهي حتى امتلأنا بطونًا وجيوبًا، ويتخلل كلَّ أولئك شجرُ النرجيل الذي لا يغيب عن العين. طال بنا التجوال والركوب زهاء ساعتين بين وِهَاد ونِجَاد فهمنا خلالها معنى الغابات الكثيفة حقًّا في رهبتها ووحشتها وجمالها الرائع.
زنجبار: في أربع ساعات بدتْ أرض زنجبار في شبح فاتر لبث كلما قاربناه يجلو في جزائر صغيرة منثورة حول الجزيرة الكبيرة وحول الجميع نطاق أبيض ناصع من تكسر موج البحر على جسور المرجان التي يحيط بها، وكان النبت الوفير يكسوها جميعًا، وفي أكثر من ساعتين رسونا على بُعد من الأرصفة وأقلتْنا الزوارق الصغيرة إلى الشاطئ فبدت المدينة شبيهة بناحية الميناء القديم في الإسكندرية طُرقها مختنقة لكنها نظيفة وغالب بيوتها من طابقين في هندسة بين العربية والمصرية، ويواجه الميناء قصر السلطان القديم في منظر لا بأس بأبهته في أعمدته التي تحوط طوابقه كلها ويسمونه «بيت العجايب» وهو اليوم دار الحكومة كان يرفع عليه علم البلاد في قماش أحمر، وبجانبه القصر الجديد للسلطان على مدخله لوحة نحاسية كتب عليها: «السلطان الخليفة سيد»، وهو عربي يلبس عمامة شبيهة بعمامة الهنود، ومن هنا أقلتنا الركشا إلى أرجاء عدة من المدينة أخصها شارع «دارا جيني» وهو يجانب شعبة من البحر كأنها القناة الضيقة عليها قناطر عدة يصل بها القوم إلى مسكنهم الوطني وهو أخصاص تقام على شاكلة تلك التي في ممباسا تمامًا، وفي نهاية الطريق يقوم المتحف ويسمى «دار الأماني» تحت قبة صغيرة حوى بعض المخلفات القديمة من سيوف ومخطوطات وهدايا وبعض المقاعد والطبول الكبيرة التي استخدمت في الحروب والمعروضات ليست بذات قيمة تذكر، بعد ذلك زرنا بيت الحاكم الإنجليزي — وزنجبار وبمبا سلطنة تحت حماية الإنجليز — وهو أفخر مباني المدينة يقوم في شكل قلعة تطل على البحر تزينها الحدائق المنسقة وأمامها متنزه فكتوريا، وهو ملعب عام وبه بعض المقاهي والمراقص، أما أسواق المدينة فأعجب شيء بها؛ فهي أزقَّة مختنقة ذات لفائف كأنها التِّيهُ لا يُعلَم لها أول ولا آخر بشعابها المعقَّدة، فهي أشبه بحي خان الخليلي وما جاوره عندنا، أرضها مرصوفة نظيفة وبها تُعرَض مبيعاتهم وغالبها من منتجات هندية ويابانية، وتضم المدينة من الأهلين مائتي ألف نفس منهم ??? ألفًا من السواحليين وعشرون من العرب وخمسة عشر من الهنود، أما الأوروبيون فلا يجاوزون ???، واللغة السائدة السواحلية التي يتكلمها الجميع، والإسلام دين السواد الأعظم، أما السِّحَن فبعيدةُ الشبه جدًّا ومنوَّعة، وغالبهم في جهلٍ عميق، ويقوم بالأعمال التجارية الهامة الهنود في الغالب، وليس للبلاد نقود خاصة فهم يستخدمون النقود الهندية (مثل الروبية، والآنه) وأعجب ما هنالك أن ساعة البلاد تسير على النظام العربي، فعند الغروب تكون الثانية عشرة وترى حتى ساعات الميادين تسير على هذا النظام. أمام «بيت العجائب» قصر سلطان زنجبار.
في أحَد أزِقَّة زنجبار.
والمدينة تقوم على الطرف الجنوبي الغربي للجزيرة التي يبلغ طولها خمسين ميلًا ومساحتها ??? ميلًا مربعًا، وتبعد عن القارة بنحو ?? ميلًا، والبلاد تاريخية قديمة عُرفتْ أخبارها منذ سنة ?? ميلادية، وظلتْ قرونًا أكبر مِيَن شرق أفريقية وأغناها موردًا، والبيت المالك والطبقة الممتازة من العرب من شيعة أيبادهي Ibadhi لذلك خلت مساجد المدن من المآذن والمؤذن ينادي من باب المسجد، وعدد مساجدها هذه يفوق المائة أشهرها مسجد كزمكازي Kizimkazi بُنِي سنة ???? عندما احتلَّ الفرس الجزيرة والساحل المواجه لها، وعِمادُ ثروتِها: القَرَنْفُل: الذي زرعه السلطان «سيد سعيد» وأمرَ أصحابَ الأرض أن يزرعوه وإلَّا اغتصبَ أملاكهم فأصبحَ الغلةَ الرئيسية منذ مائة سنة؛ إذ ??? من قرنفل العالَم أجمع يصدر من هذه البلاد، وهو يشغل مساحة ?? ألف فدان ونحو ? مليون شجرة تنتج نحو ??? ألف قنطار قيمتها من عشرة ملايين روبية — والروبية سبعة قروش — ويحسن ألَّا يزيد عدد الشجر على ثمانين للفدان، وشجره يُثمر في سن بين الخامسة والثامنة وقد يُثمر في الثالثة، وغلة الفدان خمسة أرطال من القرنفل الجاف، وجَنْيُ القرنفل يحتاج إلى مهارة وإلَّا تلف كثيرٌ من الفروع السفلى، وهو يُجفَّف بعمليات شاقة وإذا نضج وتُرك حتى تتفتح أكمامه فقَدَ قيمتَه، وإذا أزهر آذى الشجرة؛ لذلك كان العلم بميقات جَنْيِهِ وليدَ خبرةٍ طويلة، والحكومة تتقاضى عليه من الضرائب ما يوازي ??? من قيمته لذلك اهتمت به كثيرًا؛ لأنه عماد موردها، ومن القرنفل تُستمَدُّ الأعطار والبُهَار والعقاقير والفانيليا Vanillin وعجيبٌ أنه جُرِّب في السواحل المقابلة لزنجبار في أفريقية فلم ينجح بتاتًا رغم تشابه المناخ، ولو أنه نجح تمامًا في مدغشقر التي بدأت تنافس زنجبار؛ إذ بلغ إنتاجها ??? ألف قنطار، وفي سنة ???? هبَّتْ عاصفة عاتية اقتلعتْ جميع أشجاره في زنجبار وأُعيد زرعُها. مصنع للقرنفل ينشر المحصول أمامه في زنجبار.
قمتُ بجولة في ضواحي المدينة وهي غابة كثيفة تشقها الطرق التي تعلو وتهبط وتلتوي في تعقيد كبير، وأظهرُ الشجر النرجيل والمانجو، وقد دخلتُ مزارع القرنفل بأشجاره الكبيرة في خضرة مصفرة وثمرُه ينمو في عناقيد من براعم متجاورة يعلوها زهر كأنه الوبر، ثم تحمر البراعم وتقطف، ثم تجفف، وكنا نرى البيوت كلها تنشره على الحصر أمام الأبواب وفي كثير من الجهات تقوم مصانعه، وكنا نمر ببعض مصانع «الكبرا» وفيها يجمع النرجيل، ثم يُعرى عن قشوره وألبانه ويُحطَّم لبابه ويشحن إلى الخارج لاستخراج زيوته، وتعد الجزيرة خير بلاد شرق أفريقية بإنتاج الكبرا؛ إذ صدَّرت نحو ?? ألف طن سنة ????، وشجرة النرجيل تزكو في الشواطئ الحارة الرطبة خصوصًا بين ممباسا والزمبيزي (في كنيا نحو نصف مليون شجرة وفي تانجانيقا ثلاثة أرباع المليون) ويكمل نمو الشجرة في سن العاشرة لكنها تُغِلُّ في السادسة والسابعة وتظل تثمر نحو مائة سنة، ويحسن ألَّا يزيد عدد النخيل في الفدان على سبعين شجرة وتغل الشجرة من الكبرا بخمسة قروش، وفي بعض الجهات يهمل الثمر مقابل العصير من الجذوع ذاك الذي يعمل منه نبيذ القوم المسمى Tembo على أن ذلك يؤذي بالشجر جدًّا لذلك منعتْه الحكومة في بعض الجهات. إحدى قرى زنجبار.
ومن الشجر الغريب هناك شجرة فاكهة الخبز ذات ورق في حجم ورق الموز، لكنه مخرم مسنن في وسطه وأطرافه وثمرتها في حجم الشمام الكبير إلا أنها أكثر تفرطحًا وأضيق في وسطها وظاهرها خشن محبب وباطنها مادة نشوية يتخذ منها الدقيق، وقيل إن ست شجرات منها تمون عائلة كاملة بما تحتاج إليه من الخبز طوال العام، إلى ذلك نبات «الكسافا أو الماهوجا أو التابيوكا» ويبدو كالكروم على بُعْد فإن دانيتَه بدا أعوادًا معقَّدة في طول قامة الرجل إذا اقتلعتَ العود من الأرض خرجتْ معه مجموعة من جذور درنية في حجم طويل ومادتها نشوية لبنية لمسًا وطعمًا ويأكلها القوم طازجة ومطبوخة، وما زاد من محصولها جُفِّف فأضحى خفيف الوزن هشًّا إذا سُحق بِيع دقيقًا، وهو من أهم المواد الغذائية في شرق أفريقية وحيث يكثر يزيد السكان، ويقال إنه أرخص المواد لاستخراج الكحول منه.
سرنا طويلًا خلال تلك المزارع الكثيفة النبت والشجر، وبين آونة وأخرى كانت تنكشف وِهادٌ تغص بالبيوت الريفية تقام من أعواد الغاب المتقاطعة تُطلى بالطين وتغطى بجدائل من خوص النرجيل، وكلهم مسلمون ولغتهم سواحلية، على أن النساء سافرات يلبسن دثارًا فضفاضًا خفيفًا ألوانه زاهية ويعلقن في آذانهن أقراطًا من ورق ملون مَثْنَى وثُلاثَ ورُباعَ وبعضُها في حجم نصف الريال، وسِحَنُهن أجملُ من سائر السود اللاتي رأيتُهن إلى آخر أفريقية جنوبًا ولون القوم أخفُّ سوادًا مما يُشعِر بتأثير الدم العربي فيهم جميعًا، وأعجب ما نرى حفلات الرقص القومي يتمايلون خلاله بشكل مضحك تصحبهم قرعات الطبول الإفريقية الضخمة وكأنها البراميل المستطيلة تدق من جانبيها.
وقد زرنا في تلك الضواحي القصر القديم للسلطان «سيد برغش» وهو أطلال وسط حدائق تزينها برك البشنين والبردي، ولا تزال كثير من أعمدته الضخمة قائمة وكذلك جانب من حماماته التركية بمداخلها الكثيرة، ويقص القوم أن هذا السلطان كانت له زوجات يناهز عددهن المائة جارية من مختلف الأجناس في هذا القصر، وهذا سر تسميته «بقصر الحريم»، وهناك قصر آخر يطل على البحر ولا بأس بحفظه كان مقرَّه الريفي ولا يزال السلطان الحالي يقضي فيه يوم السبت من كل أسبوع، عدنا من جانب الجزيرة الآخر مخترقين الحي الآهل بالسكان في بيوتهم ضخمة البنيان ذات الأبواب الحديدية المصمتة الثقيلة، ومن بينها دار البريد والحربية وأسواق الخضر والسمك، ثم زرنا الكنيسة الإنجليزية التي أقيمت في مكان سوق الرقيق القديم، وقد بُني المذبح في المكان الذي كان معدًّا للجَلْد والتعذيب، وقد صُنع الصليب الذي يعلو المحراب من خشب الشجرة التي يدفن تحتها قلب الرحَّالة لفنجستون على بحيرة على بحيرة بنجويلو في منابع الكنغو.
تجفيف النرجيل لعمل الكبرا، دار السلام.
دار السلام: أبحرنا إلى دار السلام الخامسة صباحًا وكان البحر هادئًا جميلًا وظل عقد من الجزائر الصغيرة يمتد من زنجبار جنوبًا إلى مسافة مديدة، وكنا أحيانًا نلمح شاطئ القارة فاترًا على بعد، وفي خمس ساعات بدت مجموعة من الجزائر المتقاربة كثيفة النبت ومن ورائها مباني دار السلام وأخذنا نتطلع إلى مدخل الميناء وكان ربان الميناء Pilot يدير السفينة يَمنةً ويسرةً وكأنها السيارة على ضخامتها، وأخيرًا ظهر المدخل مختنقًا تحفُّه شواطئ رملية مدرجة لا تسمح بمرور سفينتين معًا وعنده رأينا رصيفًا منهارًا وسفينة غارقة كان قد رمى الألمان بذلك إلى قَفْل الميناء في وجه الأعداء من الإنجليز إبان الحرب، وما إن اجتزنا هذا المضيق حتى انفسحت الميناء بشواطئها الرملية الممدودة في ألْسُنٍ لا حصر لها تنتثر عليها المباني ذات السقوف المتحدرة الحمراء تحفها المزارع الغنية ويكاد يخفيها شجر النرجيل، وفي الحق إنها لَمِيناءٌ آمنة مختبئة حققت في نظري تسميتها بدار السلام التي أسسها سيد عبد المجيد سلطان زنجبار سنة ???? واحتلها الألمان سنة ????، على أن الميناء ضحلة المياه كأنها المستنقع ولا يمكن للسفن دخولها إلا ساعة المد، وكنا نلاحظ عند المدخل كثيرًا من الشجيرات يغطيها ماء المد في مساحات مترامية وعجبنا لنموها في هذا الماء الأُجاج، أما منظر الميناء بجزائرها ونبتها ومبانيها فمن أروع ما رأيتُ جمالًا فقد أبدعتِ الطبيعة تنسيقها وزادها الألمان تجميلًا. هكذا يبدو أجناد البوليس في شرق أفريقية كلها.
هنا أقبل البوليس الزنجي يلبس الطربوش الأصفر — وكان في ممباسا، وزنجبار أحمر اللون — تتدلى منه خصلة ثقيلة سوداء وبذلته صفراء ويلف على الساق شريط أزرق «الشين» أما الأقدام فبدت سوداء براقة بلونها الطبيعي؛ ذلك لأن رجال البوليس في شرق أفريقية جميعها يسيرون حفاة الأقدام. جُبتُ أرجاء المدينة بمبانيها ذات الهندسة الألمانية المتشابهة طرقها فسيحة مرصوفة وفي استقامة تسترعي النظر تَحُفُّها الأشجار الوارقة، والحي الأوروبي منها كثير الحدائق فاخر المباني لدرجة تفوق الوصف، والناس أشباه سكان زنجبار وممباسا غالبهم مسلمون، وكنا نسمع المؤذن ينادي للصلاة من أبواب المساجد أو من فوق سقوفها بلهجته العربية المحرفة، والهنود هنا كثيرون، وبيدهم غالب المتاجر شأنهم في سائر بلاد شرق أفريقية ووسطها، وقد علمتُ أن نحو نصف الأراضي والمباني في دار السلام وتانجا وزنجبار مِلْك لأغنياء الهنود، وهم ينبثون بين الأهلين ويخالطونهم ويعيشون معهم على قدم المساواة، ولذلك فهم محبوبون إلا من الأوروبيين الحانقين عليهم؛ لأنهم في زعمهم موضع خطر اقتصادي كبير بسبب مزاحمتهم للأوروبيين مزاحمة قاتلة في التجارة؛ ذلك لأن معيشتهم بسيطة جدًّا لا يكادون ينفقون شيئًا، وهذا ما جعلهم يكدسون الأموال ويزاحمون الغير بأجرهم الرخيص ونشاطهم الزائد، وكم كان دهشي عظيمًا لهذا النشاط الهندي الذي كان يبدو مجسمًا في جميع شرق أفريقية وقلبها إلى ألبرت نيانزا في الداخل، فلم أكد أدخل ديوانًا أو متجرًا إلا وهم قادته وذلك عكس ما رأيتُه منهم في بلادهم عامِي الفائت، وذلك يظهر بوضوح مبلغ أثر الضغط وفساد البيئة في بلادهم ذاك الذي يَقعُد بهِمَمِهِم إلى هذا الحدِّ الشائن، أما في خارج بلادهم حيث تحرروا من قيودهم السياسية والدينية والاجتماعية فقد ظهرت مواهبهم الكامنة وكفاءاتهم الخامدة.
إحدى جميلات دار السلام.
ولهم هناك مدارسهم ومساجدهم وقد زرتُ في ضواحي دار السلام مدرسة لصغار الفتيات من الهنود حَوَتْ نحو مائة وخمسين يجلسن على الحصر في مكان نظيف، وكان الدرس ألعابًا رياضية يقف البنات في دوائر متداخلة ويَدُرْنَ وبأيديهن عصيٌّ قصيرة من الأبنوس كأنها الصوالج وفي وسط الدائرة فتاة تعزف على شبه بيان صغير وهن يرقصن وراء النغمة ويغمزن بأرجلهن ويغنين وتلطم كل فتاة عَصَوَيْها، ثم تعود بهما فتصدم عَصَوَيْ جارتها وهكذا.
والمدينة تشهد للألمان بحسن القيام على بلدانهم وتنظيمها بدرجة تفوق أقرباءهم الإنجليز، وقد كنتُ أسمع من كثير ومن بينهم موظف إنجليزي هناك كان يشغل وظيفة عهد سيادة الألمان، أن الإدارة اليوم اضطربتْ منذ غادر الألمان البلاد فهم في زعمه كانوا أقدر على حكمها، وتتردد الإشاعة أن تانجانيقا ستعاد للألمان. وكان جو البلاد باردًا لطيفًا أدفأ من أيام شتاء مصر قليلًا والسماء يغشاها السحاب المتقطع، أما صيفهم وهو موسم المطر الغزير فبَعْدَ سبتمبر حين يسقط المطر وابلًا وقد حفروا له على جوانب الطرق مجاري كأنها القنوات الصغيرة، والمدينة تقع جنوب خط الاستواء بسبع درجات إلا قليلًا، وسكانها عشرون ألفًا نصفهم إفريقيون. وهي اليوم أكبر مِيَن تانجانيقا تحتكر ??? من تجارتها، ومن الصادرات الهامة التي كنا نراها توسق في السفن في غرائر كبيرة البُنُّ والفول السوداني المقشور الذي يستخرج منه المرجرين والكبرا وألياف السيسال: ذاك النبات الذي يحكي الصبار الكبير أدخله الألمان أفريقية من بلاد المكسيك فانتشر خصوصًا في تانجانيقا حيث بلغ الصادر منه في العام بنحو مليون جنيه وتقطع أوراقه من السنة الثالثة وعددها بين ??، ?? ورقة في العام وتظل تنمو كل عام مرة وينمو العود الأوسط تعلوه جمة «شوشة» عليها البذور وتظهر الأوراق الجديدة في أسفله، وبعد السنة الثامنة تموت الشجرة ويبذر البذر من جديد وتغل الورقة رطلًا والفدان ???? رطل سنويًّا، وقد تبلغ أليافه المترَ طولًا في لون أبيض براق، والأوراق تعطن ثم تدق وتنشر الألياف على عصيٍّ في الشمس، ثم تحزم وهي خير ما يصنع منها الحبال لمتانتها، وهو يفضل في مصانع أوروبا على قنب مانلا وللنبات فضل في أنه ينجح في التربة الرملية ويحتمل أشد التقلبات المناخية ولا يتطلب مالًا كثيرًا وزراعته لا تحتاج إلى خبرة واسعة كما أنه لا يتعرض لأمراض قط ويمكن أن يستغل ويصنع في جميع شهور السنة، وأصلح الأجواء له الحارة الجافة، ومن ثم الأجواء الصحية الملائمة للإنسان، فمصر تلائمه جدًّا ولا أدري لِمَ لا نشجع إنتاجه في بلادنا رغم توافر الظروف لزراعته وحاجتنا إلى منتجاته، وقد بلغ ثمن الطن منه سنة ????م ?? جنيهًا، لكنه تدهور اليوم إلى ?? جنيهًا مما هدد زراعته جدًّا، على أن الأمل في انتعاشه كبير؛ لأن الطلب عليه متزايد؛ إذ يَفضُل قنب مانلا المزاحم له. بعض الأحياء الوطنية، دار السلام.
برحنا دار السلام الثانية مساءً بعد أن اضطرت الباخرة أن تنتظر علو ماء المد ثلاث ساعات وأخذت تتمايل حتى أتت على مخارج الميناء وسط المناظر الساحرة، وفي صباح اليوم التالي كان الجو جميلًا مشمسًا إلا في سحب خفيفة منثورة، لكنه ما لبث أن فاجأنا باضطراب إعصاري شديد أعقبه وابل من المطر، ولم يكن ذلك غريبًا فإنا نعلم أن مضيق موزمبيق أحد مفاوز الأعاصير، وكان السحاب يرسل القطرات فتتصل بماء المحيط في شكل قاتم مخيف وفي ساعتين انكشف الجو وعاد البحر هادئًا، أما مهابُّ الرياح غالب الأيام فالجنوب والجنوب الشرقي وتلك هي الرياح التجارية تندفع وراء الشمس إلى القارات الشمالية حيث يخف الضغط ويتخلخل الهواء.
إلى شرق أفريقية البرتغالية: في أقل من يوم دخلنا البحار البرتغالية وأقبلنا على خليج Pemba في دائرة كبيرة ذَرْعُها سبعةُ أميال في خمسة، وعند مدخله ميلٌ ونصف تحوطها الرُّبَى الصخرية التي كادت تعرى عن النبت خصوصًا في هذا الموسم من السنة وهو موسم الجفاف، وعلى مدرجات إحدى تلك الربى تقوم مجموعة من بيوت صغيرة بيضاء جديدة يشقها طريق رئيسي واحد يتلوى فوق المرتفعات، والبلدة تسمي بورت أميليا أقيمت منذ خمس سنوات وينتظر لها مستقبل تجاري عظيم؛ لأنها أصلح المنافذ الطبيعية لأرض نياسا لاند وقيل لجزء من رودسيا الشمالية أيضًا، ويزمع مدُّ خطٍّ حديدي بينهما وعندئذٍ تزاحم مدينة موزمبيق، والخليج عميق متسع الداخل بحيث إذا ما أقيمت عليه الأرصفة آوى من السفن ما لا يُحصى، وإقليم نياسا الذي خَلْفها غنيٌّ بالزراعة والتعدين، ومن غلاته السيسال والنرجيل والقطن والطباق والذرة والحبوب الزيتية، وقد ظلت الباخرة يومنا توسق من السيسال والسمسم، والإقليم كثيف السكان من السود وإن كان البيض به قليلين، والميناء تعد من أصح مِيَن شرق أفريقية جوًّا؛ إذ يندر بها الملاريا والحمى السوداء وذباب تسي تسي تلك التي تكثر في سائر مِيَن البرتغال وذلك بفضل جودة الصرف الطبيعي بسبب مرتفعاتها. رقصة أوزارامو في شرق أفريقية.
الملاريا: تكاد تكون كل أفريقية من رودسيا جنوبًا إلى أقصى السودان شمالًا عرضة لهذا المرض إبان موسم المطر وهو نتيجة بعوضة مريضة ملوثة، وجراثيم المرض تحمل في دم البعوضة وتنقل إلى الإنسان إذا لدغته وقد تنقل من المريض إلى السليم، ولحسن الحظ قلما تلدغ البعوضة في ضوء النهار ولذلك قلَّ خطرها إذا اجتنب الإنسان الأماكن ضعيفة الضوء نهارًا وإذا طرد البعوض ليلًا؛ لذلك كنا نشاهد كل البيوت في المناطق الموبوءة تحمي نوافذها وأبوابها بشباك السلك، وأكبر حامل للمكروب الأهالي من السود وبخاصة أطفالهم، فإذا أبعد هؤلاء عن البيوت ليلًا قلت الفرصة في أن ينقل البعوض العدوى منها إلى غيرهم، وكان يصف لنا الأطباء تناول خمس حبات من الكينين يوميًّا خصوصًا عند تناول الطعام وذلك يكفي لمنع العدوى، وبعوض الملاريا لا ينقل بعيدًا إلا بواسطة الرياح القوية، ولما كانت المياه ضرورية لحياته لزم ردم النقائع واستئصال الشجيرات والغاب المهشم الذي يتجمع تحته الماء الراكد، فإذا تعذر ذلك وجب رشها بالبترول، وكثير من البط وصغار السمك يأكل بويضات البعوض Larvae بشَرَهٍ زائد، وقيل إن سيوة في مصر تخلصت من ذلك الوباء بنوع من السمك اسمه تاليبيا Talipia جلبتْه من فرنسا سن ????، ويقال إن بعض أنواع الخفاش أفاد في استئصال البعوض في جهات من الولايات المتحدة، وإذا عُني بعلاج الملاريا زالت تمامًا على أنها كثيرًا ما تبقى في الجسم مختبئة في الطحال أو الكبد وعندما يناسبها ضعف الجسم تظهر ثانية، وعدم الانتظام في علاجها مدة طويلة قد يؤدي إلى مضاعفات منها: الحُمَّى السوداء: التي تسبب نزول الدم القاتم مع البول، ومن هنا جاء اسمها، وهذا المرض أخطر من الملاريا؛ لأنه يضعف القلب ضعفًا شديدًا؛ لذلك وجب ألا يحرك المريض وألا يجلس، وتحتم أن يباشره الطبيب دائمًا. ومن الأمراض المنتشرة هناك مرض الماشية Nagane الذي تنقله ذبابة تسي تسي تلك التي تنتشر في ?? مليون فدان من رودسيا وحدها وتفتك بالماشية فتكًا ذريعًا، ومما يخفف من وطأتها أنها قلما تلدغ ليلًا ولا تقارب المياه ولا تعبر الأنهار قط. لبثتْ باخرتنا في بورت أميليا يومًا كاملًا هاجمَنَا خلاله جماهيرُ الباعة من السود كلٌّ يحمل أقفاصًا من الغاب بها مجاميع من طيور ذوات ألوان ساحرة، وكان القفص يعرض بعشرة قروش والبَبْغاءُ الكبير بخمسة قروش والنسناس بعشرة، وذلك يؤيد كثافة الغابات موطن تلك المخلوقات.
جانب من سوق دار السلام.
قمنا إلى موزمبيق: فوصلناها في نصف يوم فبدتْ جزيرة كبيرة حولها مجموعة من جزائر تكسوها الخضرة النضرة، وأخذنا ندخل بين طياتها وعلى منحدرات تلك الجزائر جميعًا تقوم المدينة، والجزيرة الرئيسية تبعد عن القارة بثلاثة أميال، والجزائر كلها مرجانية تحفها الشعاب المتعددة وتغض بمختلف الأصداف ذات الأشكال العجيبة التي هاجمَنَا بها جمهورُ الباعة. رسونا بعيدًا وحملتْنا الزوارق إلى المدينة، وأول ما استرعى أنظارنا القلعة القديمة بحوائطها الحجرية الضخمة الشاهقة التي يبلغ علوها ?? قدمًا، وهي تحيط بطرف من الجزيرة، دخلناها وتسلقنا أسوارها التي تثقبها عيون تطل منها المدافع القديمة الثقيلة تُحمَل على عَجَل من خشب وفي وسط سقفها حوض غائر لجمع ماء المطر الذي كان يستقي منه الحراس، وفي أسفلها عدة مقاصير وحجرات مظلمة بُنيتْ سنة ???? بحجارة كلها نقلت من البرتغال على بعد ???? ميل في زوارق ذاك العصر، وهي تُتخذ اليوم سجنًا، ويفاخر البرتغال بأن عَلَمَهم ظل يرفرف فوقها منذ أقيمت في سنة ???? إلى يومنا هذا بدون انقطاع. مزارع السيسال في تانجانيقا.
خرجنا نجوب المدينة فراقتنا طرقها الضيقة الملتوية رصفت بالحجر يجانبها إطاران بالأسمنت وإلى جانب أحدهما مجرًى صغير لماء المطر الذي ينزل إبان الصيف وبخاصة في ديسمبر ويناير، أما البيوت فكلها من طابق واحد وبالحجارة الثقيلة، لا تكاد تَرى بها من النوافذ شيئًا فهي تحكي بيوت القرون الوسطى تمامًا، ويخيل إليك أنها مجموعة سجون ممتدة، وكنا نرى معدن الميكا القديمة يقوم مقام الزجاج في بعض مناورها، وأجملها بيت الحاكم يطل على الميناء، والبلدة صغيرة لا يعدو ساكنوها ???? نفسًا منهم ??? من البيض، ??? من الهنود والباقون من الزنوج الذين يدين غالبهم بالإسلام، ولهم جانب من المدينة أقاموا به أخصاصهم المربعة ذات السقوف المنحدرة بالقش والطين والغاب، وكم يروقك منظر السيدات وهن يسرن في ملاءات خفيفة من أسفل الجسد إلى وسط الصدر في وجوه منكرة يزيدها قبحًا أن الكثير منهن يلطخن الوجه كله بعجين أبيض بحيث لا ترى منه إلا عينين براقتين، وتلك آية التجمل لديهم، والسيدة إذا سارت بدا تقوسها في انتفاخ عجزها إلى الوراء وصدرها الكاعب إلى الإمام في شكل مضحك؛ أما الطرق الرئيسية فتكاد لا ترى بها مارة قط، فإذا ما أطلتَ النظر في الأبواب المفتحة بدا في داخلها المظلم حانوتٌ به بعض المعروضات الضئيلة، والمدينة ظلت عاصمة أملاك البرتغال زمنًا طويلًا، والإقليم الذي خلفها خصيب بالذرة والفول «السوداني» والسمسم والتابيوكا والبُنِّ، وظلت السفينة تحمل وسقها من الفول والسمسم والكبرا، ويزمع مد خط حديدي منها إلى نياسالاند التي تعد إحدى منافذها الطبيعية، وهي وإن قلَّت أهميتها اليوم عن ذي قبل إلا أنها هامة من الوجهة التجارية؛ ففيها تجمع غلات البلاد المجاورة بواسطة خفاف السفن التي يمتلكها الأعراب وتسمى داو Dhows، ومن هنا تصدره إلى الخارج. قمنا نشق بوغاز موزمبيق إلى: بيرا: فوصلناها في يوم واحد، وكن جو يومنا مضطربًا عاصفًا مطيرًا، وقبل أن تبدو بيرا بساعات تغير لون ماء المحيط فأضحى عكرًا كأنه ماء النيل إبان الفيضان وذلك من أثر نهر الزمبيزي الزاخر، ورغم بُعْد بيرا عن مصبِّه بنحو مائة ميل سبَّب ماؤه حدوث تيارات قاسية تجتاح المدينة، إلى ذلك فإن المدينة تقع قرب مصب نهرين صغيرين «Pungwee من الشمال وBuzi من الجنوب»، ولقد انتظرنا دليل الميناء ونحن نبعد عنها بنحو ?? ميلًا مما يدل على أن مدخل الميناء ضحل قليل الغور، وقد عانينا كثيرًا ونحن نرسو إلى رصيف الميناء، ولما غاض الماء إبان الجَزْر هَوَتِ السفينة حتى استقرتْ على الأوحال فأدهشني ذلك، لكن علمتُ أن السفن مبسوطة من أسفلها وليست مثلثة كما كنتُ أعتقد فلا ضير أن تستقر السفينة على قاعها، وفي الأصيل علا المد فجاوز ?? قدمًا، وهذا المد العالي الذي يدرك المدينة هو سر شهرتها التجارية وإن كانت الجرافات دائبة على تطهيرها من الرواسب، دخلنا المدينة فبدأنا نسمع البرتغالية يتكلمها غالب البيض، أما لغة السود فلهجة أخرى تقرب من السواحلية، وقد لاحظنا في وجوه السود تغيرًا فاللون أسود والشعر أمعن في التجعد والقامات أخذت في الطول، والبيوت مبعثرة في غير نظام وكلها من طابق واحد إلا شارع هو آية في التنسيق له أرصفة بالأسمنت، وعلى الجانبين تقوم الأشجار ومجارٍ للمطر تُطمَر بالرمل، ثم إطار ضيق للراجلين وأجمل ما به بيوت في فلات أنيقة تقوم على عُمُد أو شِبَاك من قوائم الأسمنت والآجرِّ وعليها طابق واحد متحدر السقوف والكلُّ تغشاها شِبَاك السلك الدقيق اتقاء البعوض؛ ذلك لأن المدينة تقع في بقعة وطيئة تكثر من حولها الأوحال والمناقع ويؤمها بعوض الملاريا، وكثير من البيوت يُبنى بألواح الصاج المجزع أو من الخشب وبها خط لسيارات الأمنيبوس، وقد كان بها ترام لكنه أوقف لقلة دخله، والهنود هنا أقل ظهورًا منهم في البلدان السابقة والبوليس من الزنوج يلبسون فوق الرأس قلنسوة ممطوطة توضع على جانب من الرأس وهم حفاة الأقدام. بورت أميليا «شرق أفريقية البرتغالية».
والغذاء القومي هنا مزيج من مدشوش الذرة يطبخ كالأرز المسلوق وقد تقطع عليه شظايا السمك نيِّئًا أو مقددًا ويأكله القوم بشكل تعافُه الأعين ويسمونه Milipapa، وسكان المدينة حول ?? ألفًا منهم فوق الألفين من البيض وأقل من ذلك من الهنود، وكثير من السود يقومون بزراعة الأراضي الداخلية خصوصًا التي تنتج المطاط والقصب والذرة، ولا تزال طريقة البرتغال سائدة وهي أن يمتلكوا الأرض جميعها ويكلف السود بفلحها، لكنهم بدءوا يرون أن الطريقة الإنجليزية في تمليك الأراضي للأهلين وتكليفهم بخدمتها مقابل ضرائب يدفعونها هي خير وأعود بالنفع، وميناء بيرا عظيمة، حركتها التجارية لا تخبو ولا يقل عدد السفن التي تدخلها عن ??? حمولتها فوق ثلاثة ملايين طن، وهي تعد مفتاح رودسيا كلها تلك البلاد الشاسعة عديمة السواحل وتصلها بسلزبرج عاصمة رودسيا سكة حديدية. ونهر زمبيزي يقسم رودسيا قسمين الشمالية الأقرب للفطرة والهمجية والجنوبية الأكثر عمرانًا، ولعل رودسيا أقدم بلاد لها تاريخ مدون في أفريقية بعد مصر، فأهلها الأصليون كانوا من البشمن الذين تركوا آثارهم في رسومهم داخل بعض المغارات هناك ولسوء حظهم كانت بلادهم مفرطة في الغنى المعدني خصوصًا الذهب، حتى غزا البلاد في عهد سليمان الحكيم شعب من الأعراب يسمَّوْن عرب سبأ أو شيبا، وهم فرع من الفينيقيين تملكوا مناجم الذهب واستخرجوه وأغرقوا به العالم حتى لم يصبح للفضة في عهد سليمان من قيمة تُذكر بجانب الذهب، وهؤلاء تركوا من آثارهم هناك ما هو جدير بالذكر بين معابد ومناجم وقلاع، ولعل أفخرها البيوت الصخرية في زمبابوي في مقاطعة فكتوريا من جنوب رودسيا قبالة ثغر بيرا مباشرة، وهي بقايا مدنية عريقة حقًّا كان أهلها يتعبدون في الهيكل الأهليلجي الذي كان يحوطه سور من الجرانيت علوه ثلاثون قدمًا وبه برج مخروطي شامخ، ويظهر أن السبئيين سادوا أغلب بلاد رودسيا على سعتها بين ????ق.م، ???? بعد الميلاد حتى غلبهم جماعة البانتو من الشمال، ولما أغار البرتغال من الشاطئ سنة ???? دخلوا البلاد عن طريق الزمبيزي، لكنهم لم يتمكنوا من البقاء وهزموا سنة ???? وساد الهمج هناك فوق قرن من الزمان حتى كان عصر المستكشفين أمثال لفنجستون وسسل رودس.
أمام قلعة موزمبيق، ويفاخر البرتغال أن علمهم ظلَّ يرفرف عليها منذ حلُّوهَا.
والبلاد غنية بالمعادن جدًّا، فلقد أنتجت على أيدي البيض مائة مليون جنيه من المعادن ثلاثة أرباعها ذهبًا — فهي ثالثة جهات الإمبراطورية البريطانية في إنتاجه، والنحاس بها كثير وبعض مناجم رودسيا الشمالية تنتج سبعة آلاف طن يوميًّا ومجموعة ما في أرضها ??? مليون طن من النحاس، وقد كانت باخرتنا تحمل وسقًا منه في كتل فطيرة طوال إقامتنا في بيرا، ولعل أفخر مناظر رودسيا «شلال فكتوريا» على الزمبيزي وعنده تعبر سكة الحديد النهر في أعلى قنطرة في الدنيا، وليس في طوق إنسان أن يصور روعته، تصوَّر بحرًا زاخرًا من الماء في عرض ميل يهوي كله هوة غورها ??? قدمًا وفي قرارها يختنق كل هذا إلى مائة ياردة ويعلو رذاذ الماء ??? قدم في الجو ويسمع دوي الماء على بعد عشرة أميال، ويزيد المنظر سحرًا كثرة أقواس السماء التي تنعكس بألوانها المتحركة في ضوء الشمس نهارًا والقمر ليلًا، وفي اليوم المطير الهادئ يصعد البخار في خمسة أعمدة رأسية تسمى بالأصابع الخمسة أو «بالدخان الراعد» وهذه يراها المقبل على بعد ?? ميلًا وأطلق العرب على الشلال — آخر الدنيا — ويخال البعض أن الشلال حديث العهد جدًّا، وأنه منذ ثلاثة قرون فقط كان الزمبيزي يجري إلى كالاهاري ويغذي أخوارها ومناقعها التي يُرى ماؤها اليوم آسنًا مالحًا فلما تحول النهر هكذا جفف إقليم كالاهاري وزاد مناخه تطرفًا.
وللأستاذ شفارتز مشروع هائل به يعيد صلة الزمبيزي بتلك المجاري القديمة فيملؤها ماء هي وسائر بحيرات كالاهاري فيعود للمكان خصبه، وبذلك يمكن ري عشرة ملايين من الأفدنة. وأهل رودسيا يعيشون على فطرتهم، وهم قبائل عدة وتتعدد لهجاتهم ويعبدون الجن، ولعل أعجب قبائلهم قبيلة «أواتوا» الذين يعيشون فوق مناقع لوكانجا وتقوم أخصاصهم من الغاب والطين وسط الماء ويتنقلون في زوارق نحيلة، أقدامهم مكفوفة كأقدام الوز وهي في الحقيقة رخوة لدرجة تجعلهم لا يكادون يطيقون الوقوف على اليابسة؛ لذلك حق عليهم التسمية بالإنسان المائي، وهناك قبيلة شبيهة بهم حول مناقع بنجويلو وتسمى قبائل «وونجا» شعارهم التمساح وقبائلهم لا تزال تتعقب أنسابها عن طريق الأم.
مباني موزمبيق تبدو كأنها سجون «طرة».
وبعض النحاس الغفل الذي كان يوسق في السفن ونحن وقوف في بيرا يفد من «كاتانجا» في جنوب الكنغو البلجيكية، وتلك مقاطعة أثبت البحث الحديث أنها غنية جدًّا بالمعادن وبخاصة النحاس والراديوم، ففي سنة ???? كشف الراديوم مختلطًا بمعدن اليورانيوم ويصدر الخام إلى بلجيكا ونسبة الراديوم كبيرة جدًّا، ففي أمريكا أغنى بلاد الدنيا إلى سنة ???? كان يستخلص من طن الخام ???? ملِّيجرام من الراديوم، لكن الطن في كاتانجا ينتج ???? ملِّيجرام، ويقدر ثمن الجرام بنحو ????? جنيه، ولذلك يقدر ثمن الطن من الخام بنحو ???? جنيه، والبوليس يحرس المناجم في كاتانجا اليوم وكأنها مناجم الماس، وقد كانت أمريكا تنتج أربعة أخماس محصول الدنيا لكن ستزاحمها كاتانجا تمامًا، ومجموع إنتاج الراديوم الآن ثلاثون جرامًا، وثروة هذا الإقليم أخذت تجتذب سكة حديد الكاب، والقاهرة إليها، فبعد أن كانت تنتحي ناحية شرقية انعرج الخط إلى الكنغو، وأرض كاتانجا مرتفعة تلائم سكنى الجنس الأبيض، وقد فكر البلجيكيون إبان الحرب الكبرى لما أن كادت ألمانيا تمحو بلادهم من أوروبا أن يتخذوا أمثال تلك المقاطعة من الكنغو وطنهم الثاني، وأن ينتقلوا إليها تحت أمير وطني بلجيكي.
قمنا عصر الجمعة إلى الجنوب، وبعد ساعتين بدتْ على بُعد إلى يميننا قرية سوفالا التاريخية القديمة التي كانت آخرَ محاطِّ العرب قديمًا، ويزعم البعض أنها الفاصل بين الشرق والغرب؛ إذ النفوذ الغربي سائد بعد ذلك إلى أقصى أفريقية جنوبًا، أما في كل ما سبق من سواحل أفريقية فالأثر العربي لا يزال سائدًا رغم خروج تلك البلاد من أيدي العرب، وفي الصباح بدت:
لورنزو ماركوز: في خليج عظيم الامتداد يناهز طوله ?? ميلًا بين شواطئ رملية مشرفة لونها أحمر تكسو أغلبها الأعشاب، وقد أسماه البرتغاليون خليج «دلاجوا» ومعناه من «جوا» لأنه اتخذ مرسى لسفنهم الوافدة من الهند صوب البرتغال، أما السفن التي كانت تفد من البرتغال إلى جوا فكانت ترسو على خليج «الجوا» ومعناه «إلى جوا»، وهو اليوم مكان ثغر بورت اليزبث في الكاب. نزلنا المدينة فهالنا ما رأيناه من مبالغة في التنسيق والنظافة، جميع الطرق رحبة تتوسطها المماشي ذات الأشجار، وبجانبها إطاران عريضان أحدهما يرصف بالأسمنت، وبين آونة وأخرى كنا نمر بمتنزه صغير أنيق تزينه الجواسق الخشبية سامقة السقوف، وهذه يتخذها القوم مقاهي ومشارب للشاي تحوطها أرصفة من الودع الملون، وجزء من المدينة مقام على منخفضات الشواطئ، أما غالب الأحياء الممتازة فتُبنَى فوق الرُّبَى من خلفها، وتمتد الشوارع بين هذا وذاك فتصعد بانحدار قاسٍ، وأنت تكشف من طرفها المرتفع المدينة كلها والخليج الرائع من دونك، والبيوت كلها «فلات» من طابق واحد هي آية في النظافة والجمال، ويتوسط المدينة سوقها في بناء فخم يحوطه متنزه جميل تقوم على أركانه الأربعة الجواسق الأنيقة، ولعل تلك الجواسق أظهر ما يميز المدينة، دخلنا السوق في باكورة الصباح فكان القوم من السود نساءً ورجالًا يفترشون سلعهم وبخاصة مواد الغذاء والفاكهة على مناضد من حجر وتسمع جلبتهم وهم يساومون الباعة وبخاصة النساء بصدورهن البارزة وأعجازهن المنتفخة وعلى ظهورهن يربطن أطفالهن وكأنهم صغار القردة، وكانت تسترعي نظري رءوسهم بشعرها الفلفلي وناصيتها المدببة وجبهتها المشطورة المتحدرة، ومن أفخر مباني المدينة محطة سكة الحديد التي تعد من أجمل محاطِّ أفريقية، كذلك حديقة النبات التي تغص بفصائل المناطق الحارة، وهي تقام على مدرجات بعضها فوق بعض، وفي جانب صغير منها حديقة للحيوان وفي طرفها الآخر متحف جميل حوى مجموعة من الحيوان المحنَّط المحشو بكامل حجمه تحوطه نماذج من بيئته، ويغلب أن ترى الحيوان ممسكًا بفريسته.
أشرف على الحي الوطني المكتظ، موزمبيق.
ومن أعجب ما رأيتُ أفعى تُمسك بقرد صغير، وأخرى تمسك بغزال التفَّتْ حول جسمه وهي تمتص الدم من رأسه، إلى ذلك مجموعة من الأسماك المحنطة وبعض الحشرات ومن بينها ذبابة تسي تسي في حجم يزيد قليلًا على الذبابة العادية وأجنحتها مجزعة كأوراق الشجر، وهي إذا لدغت إنسانًا بدت عليه عوارض الجنون، ثم يستلقي وبعد شهور قليلة يصبح جسمه عظامًا بالية، وفي الطابق العلوي بعض المخلفات الحربية لهمج أفريقية يوم فتحها البرتغال، والدخول للمتحف بغير أجر، وهناك سجِلٌّ دوَّنَّا فيه أسماءنا.
وفي ناحية متطرفة من المدينة نُسِّق شاطئ البحر في مدرجات وطرق ملتوية وجواسق وحمامات هي آية في الإبداع، وتسمى ناحية بولانا، وكم يعجبك منظر الشاطئ الوطيء ومن خلفه تقوم شرفة عالية من الرمل الأحمر تتخلله منابت العشب البري، وحقًّا لقد أكْبَرَتْ تلك المدينةُ في نظري من شأنِ جماعة البرتغال وأيَّدتْ حُسْنَ ذَوْقهم، أما في المساء فالمدينة مظلمة هادئة إلا في مصابيح الكهرباء وإشارات المرور، وهذه على أحدث نظم فالمصباح معلق وسط مفارق الطرق ويتعاقب اللون من الأحمر (لإيقاف المرور) إلى الأصفر (للاستعداد للسير) إلى الأخضر (لفتح الطرق) في فترات منتظمة، كل ذلك يتحرك بنفسه بدون جندي يُباشِره «أوتوماتيكي».
وسكان المدينة ?? ألفًا ربعهم من البيض والمسلمون هناك قليلون جدًّا، وليس بالمدينة مساجد قط، ويظهر أن جمعيات التبشير هناك ناشطة؛ لأني كنت أرى جماهير السود يمسكون بأناجيلهم تلف في مناديل من حرير وهم يسيرون زرافات إلى الكنائس يوم الأحد، والمدينة عاصمة شرق أفريقية البرتغالية، أما بيرا فعاصمة أملاك الشركة التجارية البرتغالية، وكل منهما له حكومته فهذه تديرها حكومة البرتغال رأسًا، أما منطقة بيرا فتديرها الشركة ولكلٍّ نقودها الورقية وطوابع للبريد تغاير ما للأخرى حتى إنني لم أجد هنا مَن يقبل نقود بيرا، وكذلك لم أستطع وضع طوابع شريتها من بيرا على خطاباتي هنا، وقيل إن الشركة ستسلم بلادها للحكومة بعد ست سنوات، ولهجات السود هنا متعددة؛ فأهل بيرا لا يفهمون أهل بورنزوماركوز على أنها من لهجات البانتو.
إلى جانب إحدى حِسَان موزمبيق وقد كَسَتْ وجهَها بالعجين تجملًا.
البانتو: هم جميع السود من جنوب خط الاستواء إلى حدود جنوب أفريقية، لغاتهم وإن اختلفت لهجاتها إلا أنها ترجع إلى أصل مشترك، والبانتو ليسوا سكان البلاد الأصليين بل زحفوا من الشمال، فريق من الشمال الشرقي وهم أخفُّ سوادًا ويسمَّوْن بالشعوب النيلية التي دخَلَهم الدمُ الحاميُّ، ولما كان الدم الحاميُّ هو الذي ميَّز دم البانتو عن السود وكان الحاميون شعبة من الشركس أقرباء الأوروبيين قال البعض بأن البانتو أقرب إلى الجنس الأبيض منهم إلى الأصفر أو الأسود أو الأحمر. وفريق أسود وَفَد من جانب الكنغو، والفريقان تقدما من البحيرات جنوبًا وبعضُهم زحف ناحية كلاهار، والبعض إلى الجنوب الشرقي وكانوا أكثر غلبة وقوة فأسسوا إمبراطورية مونوموتابا في القرن الخامس عشر، وفي القرن السادس عشر غزاهم فريق آخر أشد شراسة وحل ناتال وتبع هؤلاء قبائل «باروتسي» ضخام الأجسام في لون أسود نحاسي وشعر جعْد ولحًى نادرة الشعر وأنوف فطساء، وفي القرن الثامن عشر البافندا والباكوينا إلى الأورنج والدمارا إلى جنوب غرب أفريقية، وكل قبيلة كانت تحمل اسم رئيسها مسبوقًا بكلمة آما Ama بمعنى الشعب أو الناس. والبانتو عمومًا لهم نظام قبائلي تدعمه أسس دينية، وكل قبيلة تقدس زعيمها، وسلطتُه زمنَ الحرب مطلقةٌ وزمنَ السلم تتوقَّف على قوة أخلاقه ومتانة عادات القبيلة وتقاليدها التي يفسرها للناس مستشاروه Indunas الذين يجب عليه أن يعمل بمعاونتهم، ويلي هؤلاء مقامًا مجلس القبيلة وغالبهم من أقرباء الزعيم؛ لأنهم يقدسون البيت المالك وفروعه. وأغنياء الزعماء يتزوجون أكثر من سيدة والزوجة الأولى تسمى زوجة اليد اليمنى والثانية زوجة اليد اليسرى، وهناك الزوجة العظمى وابنها وارث الملك، وهذه الزوجة تأتي متأخرة في العادة؛ ولذلك غلب أن يتولى الوارثُ المُلْكَ طفلًا تحتَ وصاية عمِّه أو أحد أقربائه، وقد كان هذا من أسباب كثرة المنازعات خصوصًا عندما يبلغ الصبي الرشد ويتسلم مهام الملك، أما أولاد الزوجتين اليمنى واليسرى فيعطَوْنَ رجالًا وقطعانًا ليؤلِّفوا عشائرَ جديدة تنضم للقبيلة، ولذلك صعب على الأوروبيين هناك أن يقفوا على مقر السلطة وصاحب النفوذ الحقيقي منهم فقد يمضون معاهدة مع رئيس ويظهر لهم أن الباقين ليسوا مرتبطين بها لا هم ولا ورثته بعد موته، وكان يوقِف استبدادَ الزعيم برعاياه سهولةُ نظام التبنِّي والتحول من عشيرة لأخرى فإن استبدَّ هجروه وانحازوا إلى رئيس غيره والرؤساء في الغالب عادلون، ولهم محاكم وقضاة ويسمحون للمتهم بالدفاع والاستئناف وكل عقوباتهم تنفذ «بالكي» بالحديد الذي يسخن لدرجة الاحمرار، وعند بعضهم يحول على الطبيب الساحر ليشتَمَّ فيه رائحة الإجرام ويلصق به التهمة، على أن أغلب العقوبات تنحصر في شيئين الإعدام أو الغرامة التي تُدفع ماشية، أما السجن فغير معروف بين قوم يقطنون بيوتًا واهنة.
بيرا «شرق أفريقية البرتغالية» بيوتها مبعثرة في غير نظام.
وكان عقاب السَّحَرة الموت واغتصاب أملاكهم؛ لأنهم ارتكبوا جرمًا سياسيًّا ودينيًّا، ويعتقدون في إلهٍ واحدٍ يسمونه امكولونكولو Umkulunkulo هو الذي خلق الناس وكل شيء حي من الطين وسلخه من عود الغاب، وكانوا يرون في هذا الإله أبًا أشبه بآدم عندنا منه بإلهٍ، ويحوط كل هذا عالَم للأرواح الطيب منها يجب أن نسعى لنتصل بها والخبيث يجب الابتعاد عنها، وهؤلاء هم الذين يتصل السحرة بهم ليلحقوا بالإنسان ضررًا أو بالماشية والمحاصيل. وكان من وظيفة طبيب السحر أن يشتَمَّ هؤلاء، وأغلب الشبهات كانت تحوم حول المُفرِطين في الغِنَى، وقانون القبيلة كان يحفظ في ذاكرة الساسة المحنكين «أندونا» أما الكتابة فلم تكن في لغتهم، وكلما كان الرئيس لَسِنًا فصيحًا قدَّره الجميع وحاولوا النقل عنه، وتكثر بينهم المناظرات، التي هي في أوروبا أساس البرلمانات، وللنساء هناك — عكس أوروبا — قدرة مدهشة على استماع تلك المناظرات، ولذلك كان من نصيب المرأة عند البانتو أن تزيد في ثروة اللغة من ناحية التعابير الموسيقية الجذابة، ولكي يجتنب النساء ذِكْرَ أسماء الذكور من أقرباء أزواجهن كان لزامًا عليهن أن يخترعن كلمات جديدة، واليوم نرى بين نساء الزولو — أشد قبائل أفريقية رجعية — لغة خاصة بهن مجموع كلماتها نحو خمسة آلاف كلمة.
البانتو يأكلون «الميليبابا» من مدشوش الذرة ونثير السمك.
ولهجات البانتو ??? تمتاز كلها بكثرة التعابير وبأن أواخر كلماتها متحرك في الغالب، وبأن أوائل الكلمات متحدة الحروف مما يجعلها كلها متشابة متوافقة النغم، على أن بعض لهجاتها لا تخلو من التهتهة وضروب اللكنة التي سَرَتْ إليهم من لغة الهوتنتوت.
والبانتو من الناحية الاقتصادية رعاة ماشية، يمارسون الزراعة كعمل ثانوي، وإعداد الأطعمة والشراب المسكر وزرع الحبوب وفلح الأرض وتعهد الحدائق من نصيب المرأة، أما رعاية الماشية فعمل الرجال، والماشية ذات القرون ثروة القبيلة ومفخرتها، ولذلك قدسوا الماشية وأقاموا بيت الماشية في الوسط ومن حولها بيوتهم، وإذا أرادوا الاتصال بالموتى سلخوا ثورًا حيًّا وسط بيت الماشية يمثل القبيلة وآخر يمثل العدو والذي يظل حيًّا مدة أطول يدلهم على مبلغ نجاحهم أو فشلهم في الحرب المقبلة، كذلك كانت تدفع الغرامات والتعويضات ماشية، وشعر ذنب نوع من الماشية خير علاج للأمراض لديهم.
والماشية هي خير غُنْم في الحروب وبها يدفع المهر Lobala الذي تفاخر به الزوجة والذي يعدونه سر إنتاج الذرية؛ إذ لولا الماشية لأصبح الأولاد غير شرعيين! وحيازة الأراضي أساسية لديهم فالأرض والرجال دعامة القبيلة، والبيت الأعظم كرال Kraal للزعيم في الوسط وحوله تقوم البيوت الأخرى وحول هذه جميعًا مساحات الأرض المملوكة لهم، وقد تتداخل في أملاك القبائل الأخرى فإن تنازعوا على أرض كان السيف هو الحكم فمن هُزِم خَسِرَ أرضَه، وقد تُستأصَل القبيلةُ كلها وتضيع أرضُها والأرض ملك القبيلة كلها، وليس من حق الزعيم أن يبيعها أو يهبها، وهنا موضع خلاف شديد بينهم وبين نزلاء الأوروبيين الذين يتقيدون بالعقود المكتوبة، أما البانتو فلا يعرفون للعقود قيمة فليست الأرض لديهم هي الهامة، بل الناس الذين فوقها وكل فرد من القبيلة بحكم نشأته فوق الأرض له الحق في هوائها ومائها وعشبها وحطبها وحيوانها، ولذلك فإن هؤلاء إذا باعوا الأرض للنزلاء كان معنى البيع لديهم أنهم يمنحون بعض الامتيازات التي لأبنائهم على تلك الأرض مقابل ثمن من الماشية أو الضأن أو الأسلحة، وكان معنى ذلك في نظر الزعيم أن النزلاء أصبحوا أتباعه! ومثل تلك النزعات والأفكار المتناقضة أدت إلى كثير من الارتباك بين الفريقين وجرَّتْ إلى الحروب التي طالما خاضها البيض مع الكَفَرة في جنوب أفريقية، والبانتو عامل من العمال الذين تعوزهم المهارة والصبر التي اشتهر بها أهل الشرق، وهو خامل بفطرته؛ لأن حاجياته قليلة، ويمكن الحصول عليها بسهولة من الغابات وقنص الحيوان، لذلك فهو يميل إلى الرعاية أكثر من الزراعة التي يقع عبؤها على المرأة، ورغم احتكاكهم بالجنس الأبيض فإنك إذا زرت مساكنهم (تسمَّى كرال) بدتْ لك فطرتهم فهم لا يعبئون بالكماليات والمسرات، وهم قادرون على سد حاجاتهم القليلة وعدم الاهتمام بالراحة التي نهتم لها نحن كثيرًا، ويدهشك عدم شعورهم بالمسئولية العائلية تلك التي تقلق بالَنا نحن كثيرًا، وهم يملكون الأرض على طريقة المشاع، ومع أنهم ليس في مقدورهم إنماء الثروة فهم لا يسعون إلى ذلك قط، إلا أن الفقر ليس معروفًا لديهم، فكل أفراد القبيلة متساوون لا يتصدَّق أحدهم على غيره؛ لأن المال حق للجميع، إلى ذلك مورد الأب من مهور بناته، كل ذلك يشجع البانتو أن يعيشوا على فطرتهم وأن ينصرفوا عن العمل. أحد أبراج زمبابوي مقر كنوز سليمان الحكيم.
ميناء لورنزو ماركوز: والميناء مزودة بأحدث الوسائل وأوفاها من أرصفة وروافع وسكك حديدية، وهناك رافعة للفحم تستطيع تفريغ ??? طن في الساعة يندر وجود أمثالها، هي تجلب الفحم من الترنسفال؛ إذ تتصل بها بخط حديدي فهي أقرب المنافذ لمعادن الترنسفال وذهب الراند أغنى مناجم الأرض جميعًا، إلى ذلك فهي تصدر فاكهة جنوب أفريقية، وقد لبثت باخرتنا توسق من أقفاص التفاح والبرتقال، وقد أعدَّ لها مخازن ذات مثالج على الميناء، وتقارب متاجر الثغر مليون طن في العام غالبها من الترنسفال. أمام محطة لورنزو ماركوز البرتغالية.
أرض الذهب: حُقَّ للعالَم أن يُسمِّي بلادَ الترنسفال بأرض الذهب، فقد زاد مجموع الذهب الذي استخرج منها رغم صغر مساحتها على ألف مليون جنيه في نحو أربعين عامًا، وأغنى بقاعها الراند الذي يُغِلُّ من الذهب أربعين مليون جنيه في العام مع أن إنتاج الذهب في العالم كله مليون جنيه سنويًّا فالترنسفال وحدها تنتج ? من ذهب العالم (أما الولايات المتحدة فتنتج ??? فقط). وأول من كشف الذهب هناك رجل أفريقي اسمه «ووكر» وهو يحفر ليقيم منزلًا سنة ????، فاعترضتْه صخور من المجمعات «كنجلمرات» وبعض الرمل الفضي بدا تحتها الذهب في عرق يتلوَّى في امتداد أفقي لمسافة لا تقل عن ?? ميلًا وفي سمك قد يبلغ أحيانًا خمسين ميلًا وامتداد من الغرب إلى الشرق، وقد بدأ الرجل يعمل في استخراج الذهب، لكنه قبل أن يُؤتي شيئًا يُذكَر مات صاحبه فقيرًا، ولقد أطلق الناس على هذا العرق اسم «عرق سبأ» Sheba reef إشارة إلى عرب سبأ وقوم سليمان الحكيم وما حازوا من ثروة من ذهب تلك الناحية قديمًا، فقد أثبتت الآثار أنهم استغلوا الذهب في مناجم تمتد من زمبابوي إلى الراند، ويعتقد الجيولوجيون بأن العرق نهر قديم كان يجري فوق صخور الجرانيت، وكان النهر يحمل تِبْر الذهب في رواسب وكانت له دلتا وهي التي يمثلها إقليم الراند أغنى البقاع بالذهب اليوم، ثم ما لبث أن طُمِر المجرى ورفعتْه القوة الباطنة، ولقد تكهن العلماء عن مستقبل الراند فقدروا أن الخام الذي به لا يقل عن ??? مليون طن، وبعضهم قال بأنه ???? مليونًا مع العلم بأن كل ما استخرج من الخام إلى اليوم لم يصل ??? مليون، وقال الدكتور «فاجنار» إن بالراند الآن ما لا يقل عن ???? مليون جنيه من الذهب، وتقوم المناجم على نجاد تتخللها لوانئ الجرانيت وقد حفرت فتحاتها وتعمقت إلى ???? قدم حتى قيل إنها أعمق مناجم الدنيا، وفي بعضها يشتغل العمال على عمق ???? قدمًا، وهذا يصحبه زيادة في الحرارة وزيادة في الأجور والنفقات، وهذا ما يهدد التعدين هناك وينقص من قيمته عن ذي قبل، على أن تحسين وسائل الإنتاج لا تزال تعوض على المعدنين خسائرهم. في الراند أغنى مناجم الذهب في العالم تستخدم أحدث الآلات في الحفر.
ولقد درَّتْ تلك المناجم على العمال خيرًا كثيرًا فقد دفعت المناجم للبِيض من العمال في العشرين سنة الأخيرة ??? مليون جنيه وللسود ??? مليونًا، ولا يقل عدد البيض عن عشرين ألفًا والسود مائتا ألف، ورأس المال الموظف في الراند ?? مليون جنيه، وتعد المناجم أبدع مناجم الدنيا وأتقنها نظامًا تحتكرها ?? شركة يمثلها أعضاء في غرفة تعدين الترنسفال، ويقولون إن نحو ??? من سبائك الذهب التي صدرت من الترنسفال عادت إلى البلاد نقودًا، وتلك الثروة الخيالية هي التي قامت من أجلها مدينة جوهانسبرج في الراند، وقد بلغ أهلوها في أمد وجيز نصف المليون نصفهم من السود والنصف من البيض ولا تزال تتضخم بسكانها، وقد أقيمت على نتوء جنوب نهر فال (ومنه أخذ اسم ترنسفال؛ أيْ: عبر نهر فال) وقد بدأ عدد العمال من السود قليلًا فاضطروا إلى جلب الصينيين الذين هددت كثرتهم البلاد فرُحِّلوا ثانية بعد أن أحرقوا جثث موتاهم وأخذوا رمادها ليدفن في بلادهم، أما اليوم فإن العمال السود كثيرون جدًّا وقد أحبوا العمل في المناجم حتى إن أبناءهم لا يُعدُّون رجالًا إلا بعد أن يبدءوا التوظف في المناجم، وتراهم يقيمون حفلاتهم يرقصون على أنغام طبولهم وموسيقاهم الخشبية (شرائح خشبية كالبيان تُضرب وتعطي أنغامًا مختلفة) كلما حلَّ موعد تسلمهم لمرتباتهم، وكانوا يتبارَوْن في ذلك لدرجة كانت تخرج بهم إلى النزاع والحرب أحيانًا، خصوصًا إذا ما لعبت الخمر بلبهم.
ومن معادن الترنسفال الهامة: البلاتين والماس، فالبلاتين ينتظر أن يزاحم أكبر البلاد إنتاجًا له وهي روسيا في إقليم أرال، ومحصولها السنوي ربع مليون أوقية، ثم كولومبيا في أمريكا الجنوبية وتنتج ?? ألفًا، وثمن الأوقية ?? جنيهًا، والعالم يستهلك في السنة ??? ألف أوقية من المعدن الجديد و?? ألفًا من القديم المعاد صهره.
في مناجم الراند وترى ?? سبيكة من ذهب ثمن الواحدة ??? جنيه.
أما الماس ففي منجم برمير Premier حيث أقيمت مدينة بريتوريا من أجله، وجدتْ أول ماسة هناك زنتها ???? قيراطًا وحجمها « × × ? بوصة» والمنجم كأس بركانية يكسر صخرها بالديناميت، ثم يحمل الهشيم ويركز كل ????? طن منه إلى قدم مكعبة، وهذه تفحص باليد وقد استخرج من هذا المنجم طن من الماس قيمتها مليون جنيه، مع أن ثمن الأرض كلها لم يبلغ ?? ألف جنيه، على أن مصادر الماس الهامة في جنوب أفريقية حول نهر أورانج، وأقدم ماسة وجدت في جنوب أفريقية عَثَرَ عليها صبيٌّ اسمه يعقوب سنة ???? في قرية «هوبول» على الأرنج، وكان يلعب بها وزنتها قيراطًا وثمنها خمسمائة جنيه، وهذا الصبي هو الذي نبَّه الناس إلى وجود الماس كما فعل ووكر الذي عثر على عرق الذهب في الترنسفال، وبعد سنين عثر آخر من الهوتنتوت على قطعة زنتها قيراطًا بيعت بمبلغ ????? جنيهٍ، وهي التي يطلق عليها اليوم «نجم جنوب أفريقية» وثمنها اليوم ?? ألف جنيه، وسرعان ما ذاعت الإشاعات المبنية على الوهم والمبالغة في أوروبا عن الوديان التي تنتثر بقطع الماس وعن أكواخ الزنوج من الطين ترصعها قطع الماس الثمينة، فدفع هذا بالكثير إلى المهاجرة إلى «وادي الماس» وفي سنة ???? عثروا على قطعة ثمنها ثلاثون ألف جنيه، وفي ???? وجد طفلٌ قطعة زنتها ??? قيراطًا، ولقد ازدحم المهاجرون حول «كمبرلي» التي تحفها المناجم فيما لا يزيد على ميل، وقد أنتجت تلك المنطقة وحدها بنحو ??? مليون جنيه من الماس في أقل من نصف قرن، وقد كان الممولون يشترون المزارع الصغيرة بآلاف الجنيهات، ثم يبحثون عن الماس وكان بعض تلك المزارع يغل ملايين منه، ويكثر الماس في تربة من الطفل الأزرق، والعادة أن العمال يملئون عربات صغيرة من ذلك الطفل، ثم ينشرونه شهورًا في العراء والشمس حتى يقلَّ تماسكه ويمكن تكسيره بسهولة وتسمى تلك المساطح floors يحرسها رجال مسلحون وتحوطها أسلاك شائكة، وإذا ما صلحت للعمل حملت ثانية في عربات وحلت بالماء وبآلات ذوات أسنان حادة، ومن كل مائة عربة تستخلص واحدة تحوي الماس، وهذه تدخل آلة تفصل الماس إلى ست درجات حسب الحجم والوزن، ومن كل سبعين ألف طن من الطفل الأزرق يستخرج عشرة أرطال من الماس، وعادة القوم عند البحث عن الماس أن يجتمع الحفارون تحت قيادة رئيس، ثم يقفون في صف ويصدر الرئيس الأمر بالجري فيهجمون سراعًا ويختار كلٌّ مكانًا يدق فيه وتدًا، ثم يحفر حوله، وفي سنة ???? كان أكبر سباق من نوعه هناك حين بلغ عدد أفراده عشرين ألفًا جَرَوْا كلهم في وقت واحد. والحكومة هناك تشاطر في نحو ??? من الأرباح، هذا خلافًا لما تتقاضاه من ضرائب الصادر وضرائب الدخل من أصحاب المناجم، وقد سنَّتِ الحكومة قانونًا بالاتفاق مع اتحاد المعدنين تحدد به مقدار المعروض من الماس كل عام حتى لا يهبط ثمنه هبوطًا فاحشًا يصحبه إيقاف العمل وطرد آلاف العمال من المناجم.
إحدى حفائر الماس الكبرى في كمبرلي.
ويظهر أن الماس يعم الأراضي التي يجري فيها نهر أورانج كلها؛ لأنهم يعثرون عليها في كل أرجائه إلى مصبه حيث ينتثر الشاطئ بالماس إلى شمال مصب الأورنج بنحو ??? ميل وقيل: ???، ولذلك أطلق على هذا الجزء اسم «شاطئ الماس»، ويرجح العلامة الدكتور فاجنار أنها حملت مع رواسب النهر ودفعها تيار بنجويلا الذي يسير إزاء الشاطئ شمالًا بدليل صغر بلوراته كلما سرنا شمالًا مما يؤيد أن في الأرانج بطونًا للماس تُستكشَف بعدُ، على أن الماس هنا يعيبه صغر حجمه رغم جودة نوعه.
إلى الناتال: أقلعت الباخرة في باكورة الصباح «الإثنين ?? يوليه» والبحر هادئ والجو مشمس بارد كأنه شتاء مصر؛ إذ كنا نقارب بلاد جنوب أفريقية في شتائها الذي يحكي جو يناير عندنا، وفي صباح اليوم التالي دخلنا خليج دربان أكبر بلاد الناتال، وهو في دائرة تحوطها الرُّبَى من جميع نواحيها تكسوها الأعشاب النضرة والأشجار الوفيرة. وأرصفة الميناء ومعداتها هائلة صاخبة، وظلت باخرتنا تحمل وسقها من غرائر السكر الناعم الذي تستخرجه الناتال من القصب المنزرع في مساحات شاسعة، وقد علمنا أن الفدان هناك ينتج بين ?? و??? طن من القصب حسب جودة الأرض، ومن السكر بين و طن، ويظهر أن دراية الزولو سكان البلاد من السود بزراعة القصب كبيرة؛ لأن الفدان في جاوه مثلًا ينتج ?? طنًّا من القصب فقط، وفي كوبا ?? طنًّا وفي هواي ?? طنًّا، وهي من أحسن البلاد إنتاجًا على أن هبوط ثمنه هذا العام إلى أربعة ملِّيمات للرطل عاكَسَ إنتاجَه بعض الشيء، ويعزى هذا الهبوط إلى كثرة إنتاج العالَم من السكر الذي بلغ ?? مليون طن مقابل سنة ???? من القصب والبنجر معًا. ولقد أنتجت الناتال ??? مليون رطل صدرت نصفها بنحو مليون جنيه سنة ????. كيف تفرز قطع الماس بحسب الحجم والجودة.
ولقد أخذ يحتلُّ القصبُ الأراضيَ التي تُزرَع هناك شايًا؛ ذلك لأن الشاي يتطلب خبرة الأسيويين، وهؤلاء قد منعت القوانين الجائرة هجرتهم إلى جنوب أفريقية على أني كنتُ أرى كثيرًا من النجاد يكسوها الشاي، وعلمتُ أن المساحة المنزرعة ثلاثة آلاف فدان ولا تسد سوى ربع حاجة جنوب أفريقية من الشاي، وشجرتُه هناك تنضج بعد سبع سنين، لكنها تعطي محصولًا يسد نفقاتها في الرابعة، ولذلك وجب على زرَّاعه أن يبدءوا برأس مال كبير ينفقون منه حتى يَنتُج ويُربَّى وإذا عُني بالأرض ونظافتها يؤتي الشاي ثمرَه لمدة خمسين عامًا بدون حاجة إلى تجديد زرعه، ومتوسط محصول الفدان في الناتال ??? رطلًا جافًّا — كل أربعة أرطال من الورق الرطب تصبح رطلًا جافًّا — وهذا دون المحصول الذي شاهدتُه عامِي الفائتَ في جزيرة سيلان بالهند، ولعل لخبرة الهنود وتوافر عددهم دخلًا في ذلك؛ فإن أجرة العامل في الناتال تزيد على أجرته في الهند ثلاثة أضعاف ونصف.
وقد رستْ باخرتنا إلى جوار رصيف الحيتان وهو المكان الخاص بأعداد ما يصيده القوم من الحيتان الكبيرة، والناتال من البلاد الشهيرة بصيدها، وقد كان يلقى أمامنا منها ما لا يقل عن خمسة في جثث هائلة، وقيل لنا إن ما يصاد منها في جنوب أفريقية لا يقل عن ثلاثة آلاف حوت في السنة ثمنها نحو نصف مليون جنيه، وقد صدرت البلاد خمسة ملايين جالون من الزيت بثلث مليون جنيه، ومن الحوت يأخذون الزيت، وثمن الطن منه ?? جنيهًا، ثم اللحم وهو غني جدًّا بمادته الغذائية، ثم السماد، ثم العظام وهي ثلث وزن الحيوان بها ??? من فوسفات الجير، ? من النشادر، ويمكن تحويل الجثة كلها إلى سماد غني، ولقد أسرف الإنسان في صيد الحوت حتى هُدِّدَ بالانقراض؛ إذ بلغ ما صِيدَ من نصف الكرة الجنوبي ????? حوت وفي العالم كله ?? ألفًا من السنة، ولسوء الحظ أن حمايته متعذرة؛ لأنه خارج عن حدود كل دولة فلا يحميه إلا القانون الدولي. صيد الحيتان مهنة هامة في دربان.
ولعل أول ما استرعى أنظارنا تعدُّد السِّحَن واختلاف الأجناس البشرية، إذ كنا نرى الهنود والملايو بجسومهم الناحلة والسود بقاماتهم الطويلة وعضلاتهم المفتولة خصوصًا المتابيل والزولو أشد سكان الأرض فراسة وقسوة؛ فهم أخطر من الهنود الحمر في أمريكا وزنوج أستراليا وما أورى زيلندة، وأظهر ما كنا نراهم وهم يسوقون الركشا يلبسون في رءوسهم القرون الكبيرة علامة على القوة وحولها الريش علامة على السرعة وخفة الحركة، إلى هؤلاء المولَّدين الأفريقيين بسِحَنهم الأوروبية في لون أسمر، ثم الهولنديين والإنجليز، فالناس هناك خليط لا أول له ولا آخر.
ولعل أعجب الشعوب جميعًا الهوتنتوت والبشمن: البشمن: «شعوب واق الواق» أقدم سكان أفريقية فهم هناك منذ العصر الحجري حين كانوا يتنقلون في كل أرجاء القارة، على أنه يُشَك في أنهم سكان أفريقية الأوائل (ذلك لأنا عثرنا على أقزام في وسط القارة يخالفونهم) ولم يكونوا يعرفون النار، ولقد استحضر منهم فرعونُ عددًا كان يرقص أمامه ويسليه، وقال المسعودي بأن أهل السواحل عرفوا سكان «واق الواق» وكأنهم القردة، أولئك الذين عاشوا مع سائر الحيوان قبل أن يخلق الله الإنسان من الطين، ولهؤلاء الحق أن اعتقدوا بأنهم غير آدميين؛ فهم أبعَدُ الناس عن الآدميين لقِصَرِهم (فهم دون خمس أقدام) ولشَعْرِهم المنفوش ولآذانهم التي لا شحمة لها ولوجوههم المثلثة عديمة اللحى وكأنها وجوه الثعالب، وكانت عيونهم غائرة تحت حواجب مشرفة بارزة، وكانت سوقهم الدقيقة وأقدامهم الصغيرة تبدو وكأنها لا تكاد تحمل بطون الرجال المنتفخة ولا الثدْيَ الهادل والعَجُزَ الضخم للنساء، وكانوا رعاة يتنقلون في عشائر عدد الواحدة ??? على الأكثر، يقودهم زعيم كأنه القائد الحربي، والروابط العائلية كانت واهنة بينهم، يتزوجون أكثر من واحدة، وشبانهم يقتتلون من أجل الحصول على الزوجات، ونساؤهم وَقُورات، وروابط الزوجية واهنة أيضًا فلا يكاد الطفل يستقيم على سوقه حتى يهيم على هواه، والمسنُّون والمرضى يهجرهم ذووهم؛ لأنهم عبءٌ لا يستطيع الانتقال، وعبادتهم الجنُّ والتمسكُ ببعض التقاليد الخرافية، وبعضهم كان يقدس «كاآنج» Kaang رئيس السموات، والبعض عبدوا النجوم والقمر، ولغتهم فقيرة اللفظ لا تعدو كلماتها ?? وهي غاصة بأصوات التهتهة واللكنة Clicks ومخارج الأنف فدراستها توضح لغة الإنسان الأول وكيف تطورت ومنها فَهِمَ البعضُ أسرار أصوات بعض الطيور والحيوان، وكيف تطورت إلى الكلام، وأنت تسمع أصواتهم في مخارج متقطعة وكأنها عواء القردة.
ويختلف المعنى بحسب طريقة التعبير والتهتهة، واللغة خالية من صيغ الجمع، ومعرفتهم بالحساب لم تتعد الثلاثة، لكنهم عوَّضوا بعض هذا النقص في اللغة والحساب بالحفر والرسم، وفي هذين فاقوا إنسان العصور القديمة، ومن مواهبهم غرامهم بالأقاصيص وحركات الوجه والرقص الذي يمتاز به كل سكان أفريقية، وفيما عدا ذلك فليس لهم من متاع الدنيا شيء قط، حصلوا على النار من أثر الاحتكاك، وسكنوا العشش، ورداؤهم عباءة من جلد خفيف يتخذونها غطاء لهم في الليل، وتزينوا بالودع وبيض النعام يحملون فيه الماء، ودخنوا نباتًا كالطباق اسمه dagga وثَمِلوا بخَمْر أعدُّوه من العسل البري وبعض الجذور النباتية، ولم يستأنسوا من الحيوان سوى الكلب، ولم يعرفوا المعادن ولا الزراعة ولا النسيج؛ وكان عمادهم في الغذاء على الجذور والنمل وأصداف البحر وما يصيده الرجال من الحيوان بسهامهم المسمومة، يتخذون السم القوى من حشرة هي أصغر من البعوضة حجمًا، وهم في القتال بواسل، ولهم قدْرة مدهشة على الحصول على الماء من النبات فهم يمتصونه حتى من الغاب الأجوف ومن جذوع الشجر ومن بعض فصائل القرع التي تنمو في الصحراء. ولقد كانوا يقاومون حياة الرعاية التي عاشها الهوتنتوت ويرمونها بأنها حياة خمول، كذلك لم يتفقوا مع النزلاء أبدًا؛ ولذلك فَنِيَ منهم في القتال كثير إلا أقلية تقطن الصحاري فيما جاور كالاهاري، ولا يزال العالَم حائرًا مدهوشًا لما خلَّفه أولئك المنحطون من الفن الجميل في الحفر والتصوير على الصخور في كل أرجاء جنوب أفريقية، وقد أرجعها بعض العلماء إلى ما وراء ???? سنة ق.م.
الهوتنتوت: وهم أحدث عهدًا من البشمن، ويخال البعض أنهم قبل مجيء الهولنديين بألف عام كانوا يقطنون حول البحيرات، ثم زحفوا جنوبًا، ويرى البعض أنهم انحدروا إلى الساحل الغربي ولازَموه إلى الكاب ثم شرقًا إلى الناتال، وآخرون يرون أنهم ساروا إزاء الساحل الشرقي، وكان زحفهم لاجتناب الاحتكاك بالبانتو من جهة وللتخلص من ذباب «تسي تسي» حول الزمبيزي من جهة أخرى، وأجسادهم أكبر من أجساد البشمن وقاماتهم أطول، وكانوا يُسمُّون أنفسهم خُويْ خُويْ Khoi khoi أي رجال من رجال، وكان لهم لحًى وجسومهم أنحف من الأوروبيين وظهورهم مجوفة وأقدامهم صغيرة وعيونهم متباعدة وخدودهم غائرة وذقونهم مدببة ولونهم زيتوني مصفر، ورغم شعرهم الجعد الصوفي وشفاههم الغليظة وأنوفهم الفطساء فإن لونهم يقرب من ألوان الأوروبيين، وهم يزينون شعرهم بالودع والنحاس، وكِلَا الجنسين يلبسون جلود الأغنام، صوفها يلامس الجلد شتاء ويكون من الخارج صيفًا، بيوتهم نصف دائرية ومن الحصر والعصي، وهم وسط بين العصرين النحاسي والحديدي، وعلى ذلك فهم يتقدمون البشمن بمراحل، استخدموا النحاس بكثرة والحديد على قلة، وهم رعاة قبل كل شيء، ويقع عمل الرعاية على الرجال وإعداد اللبن والغذاء على النساء، وليس هناك من رابطة بين القبائل، يسيطر على كل قبيلة رئيس وراثي، على أن الثروة لديهم أهم من الزعامة، وأغنياؤهم يتزوجون بأكثر من واحدة، وعنايتهم بالمسنين والمرضى لا توجد، ولغتهم أغنى قليلًا من لغة البشمن، وقد ورثوا عنهم كثيرًا من التهتهة، وقد امتزجت بها اللغات الحاميَّة، وهم يحبون القصص والرقص كالبشمن، لكنهم أقل منهم شجاعة وفنًّا؛ إذ لا يعرفون الحفر ولا التصوير، أسلحتهم الحِرَاب والسهام ذات الأطراف المعدنية والدروع والتروس من الجلد، وبعضهم يُمرِّن الثيران تتقدمهم في القتال ليحتموا خلفها، وبعضهم يعبد الجن، والبعض ارتقى واعتقد في إله الخير ومحلُّه السماء الحمراء وإله الشر ومقره السماء المظلمة السوداء، ولا يكاد يوجد الجنس صافيًا اليوم رغم أنهم كانوا كثيرين يوم دخل الهولنديون البلاد، وقد وصفهم فان رييبك بأنهم مَرِحون قَذِرون كِرام لحدِّ التبذير كسالى نَهِمون في الطعام يتناولونه أنَّى وجدوه، شديدو الصبر إبان المَحْل، يحبون التطيب بالأعطار وهم مخلصون صادقون شكورون.
بقايا نقوش «البشمن» على الصخور في ناتال.
ومشكلة السكان في جنوب أفريقية من أعقد مشاكل الدنيا؛ فالبيض منقسمون على أنفسهم لا بحسب الجنسية فحسب، بل وأيضًا بسبب ما شجر بينهم من النزاع في الماضي، كذلك أهل البلاد متعددو الأجناس والقبائل مختلفو النزعات، وإلى هؤلاء عدد متزايد من الهنود وهم مُبغَضون من الفريقين السابقين، فكيف يمكن لكل أولئك أن يمتزجوا ليكونوا جنسية لها قومية واحدة! تلك مشكلة معقدة، فالبيض هناك هم القادة والسادة والسود الخَدَم والأتباع رغم كثرتهم الهائلة — فعددهم ملايين والبيض مليون ونصف — وزاد الأمرَ تعقيدًا أن السود مختلفون في مقدار الذكاء فالبانتو ومنهم الزولو أذكى من الهوتنتوت وهؤلاء أذكى من البشمن، إلى ذلك كثير من المولدين الذين يحاولون أن يلحقوا أنفسهم بالبيض ويرفعوا مستواهم إليهم. سائقو الركشا من الزولو والقرون شعار البسالة والريش شعار خفة الحركة.
وأكثر ما يُرى الهنود في الناتال؛ حيث جُلبوا من بلادهم للقيام بشئون الزراعة التي تنحَّى عنها في البدء أهل البلاد — وهم اليوم نادمون على ذلك — أما في الكاب فالهنود أتى بهم الهولنديون من الملايو وجزائر الهند يوم أن كان جنوب أفريقية تحت حكمهم، وكثير من الباعة هناك من الملايو ولهم أحياء خاصة، وكثير من نسائهم محجبات يلبسن القناع، وكثيرًا ما تسمع المؤذن يدعوهم إلى الصلاة؛ لأن سوادهم مسلمون.
كيف يجدل جميلات «الزولو» شعورهن.
والهولندي والإنجليزي القُحُّ آخذٌ كلاهما في الزوال والانقراض، والذي يحل محلَّهما اليوم الأفريقي Afrikander الذي يظهر فيه الأثر الهولندي أكثر من الأثر الإنجليزي، يؤيد ذلك إحصاء الجنس الأبيض هناك الذي دل على أن ??? من البيض في الكاب هولنديون و??? في الأورنج و??? في الترنسفال، ولا يسود الدم الإنجليزي إلا في الناتال حيث تبلغ نسبة الهولندي ??? فقط، ويرى البعض في سكان جنوب أفريقية الذين اندمج خليطهم اندماجًا تامًّا هكذا سيادة المرأة الهولندية وحماسة شبان فرنسا وحنكة السن الألماني، ولكثر توغلهم في البراري الداخلية أضحَوْا نصف متوحشين وأهملوا نظافة البيوت الهولندية وافتقروا إلى النظام الاجتماعي، وعاشوا عيشة شبيهة بعيشة الرعاة المملة، إلى ذلك فإن اشتغالهم بالصيد ودوام أكل اللحوم وتعدد الحروب مع الكَفَرة والبشمن جعلهم أكثر جفاءً من الأوروبيين، على أن نظام المعيشة العام يبدو إنجليزيًّا ولغة القوم السائدة مزدوجة إنجليزية وتاليه Taal وهي لهجة هولندية يحرفها ذووها بين بلد وآخر، لكن اللغة الكتابية أقرب إلى الهولندية، أما العامية فقد بسطت كثيرًا ودخلها كثير من الكلمات الغريبة، وكثيرًا ما يسمع المرء ثلاث لهجات هولندية مختلفة: الهولندية التي يتكلمها أهل هولندا ولهجة محلية تستخدم في التعليم والتالية، وقد كان لهذا الخلاف فضل في ظهور اللغة الإنجليزية إلى جانب الهولندية، وأغنياء الهولنديين هناك يعيشون عيشة إنجليزية ويوفدون أبناءهم ليتموا تعليمهم في جامعات إنجلترا، وكان يطلق على أولئك الهولنديين شعوب البوير: والكلمة معناها المزارعون؛ لأنهم كانوا يزرعون الأرض لإطعام ماشيتهم، وقد كانوا يحتقرون الأهلين؛ لذلك تجدهم مُبغَضين من السود، وهذا مما ساعد على تقدم الإنجليز إلى جانبهم في جنوب أفريقية، والبويري حريص في المال شحيح في معاملاته ميال للمرح والنكات عنيد إلى الحد الأقصى، ويحاول البوير منذ قامت حكومة الاتحاد أن يسلبوا غالب الأعمال من أيدي منافسيهم الإنجليز؛ لأنهم يشعرون بأنهم الأغلبية التي يجب أن تمسك سلطة البلاد بيدها وتتصرف في أموالها، ولقد كنتُ ألمس ذلك في عين السخط التي كان ينظر بها هؤلاء إلى الإنجليز جميعًا، وهم دائبون على مضايقة الإنجليز في أعمالهم ووظائفهم لدرجة أن كثيرًا منهم أخذ يترك تلك البلاد إلى غيرها، وقد كان معي في سفينة العودة نحو ثمانية من الإنجليز الذين فصَلَهم رؤساؤهم من البوير، وكانوا يقصدون شرق أفريقية بحثًا عن عمل جديد، وأظهر ما يكون ذلك الشعور في الترنسفال والأورانج أولًا، ثم في الكاب والناتال، هذا إلى انصراف البلاد تدريجًا عن الاتجار مع الإنجليز وشذوذها عن إنجلترا في الاحتفاظ بالنقد الذهبي رغم خروج إنجلترا عن معيار الذهب، مع أن ذلك قد أحدث أثرًا سيئًا في صادرات جنوب أفريقية. ولغة البلاد الرسمية مزدوجة الإفريقية (الهولندية) والإنجليزية وتطبع جميع الأوراق بهما معًا، ولا يُقبَل في الوظائف إلا مَن يُجيدها، وكنت أرى الإعلانات وأسماء المتاجر تُكتب بهما معًا وتُدرسان في المدارس جميعها. لا تزال تلك العربات تجرها قطر من الثيران أداة النقل في ريف جنوب أفريقية.
مَلِك من البانتو يرأس حفلة رقص حربية أمام قصره.
الحاجز اللَّوْني Colour Bar ضرب من الرِّقِّ المستور: ما كان أشدَّ دهشي واستنكاري للمعاملة السيئة التي يُعامِل بها البِيضُ في جنوب أفريقية الشعوبَ السوداء، رغم أنهم أصحاب البلاد وليسوا دخلاء متطفلين كالبيض! فقانون «الحاجز اللوني» هناك يحرِّم على السُّود القيام بالعمل الممتاز الذي قصر على البيض، حتى ولو وجد من السود أَكْفَاءٌ لهذه الأعمال، وخص بالسود العمل اليدوي المهين، إلى ذلك فليس للسود حق دخول الوظائف العامة، ولهم مدارسهم الخاصة يدرسون فيها مبادئ القراءة البسيطة، وليس لهم دخول مدارس البيض، ولا يَدَ لهم في تصريف شئون البلاد؛ لأنهم ممنوعون من التصويت في الانتخاب، ولا يباح لهم دخول النُّزُل والمقاهي وما شاكلها فلهم محالهم الخاصة، بل وفي بعض الأحيان بلاد وأحياء خاصة، وفي بعض البلاد يحرم عليهم دخول الأحياء الإفرنجية بتاتًا، ولا يُقبل الخَدَم منهم ويعامل الأسيويون وبخاصة الهنود والصينيون كذلك، فهم في الناتال ممنوعون من فتح المتاجر بجانب البيض، وكم ناقشتُ القوم في هذا التشريع غير المعقول، ذاك الذي ينافي النواميس الطبيعية، فكانت تَعِلَّاتهم أن أجور هؤلاء زهيدة جدًّا لدرجة تزاحم البيض مزاحمة قاتلة، وهم لا ينفقون في معيشتهم شيئًا يذكر بجانب ما ينفقه البيض؛ لذلك وجب إبعادهم بتشجيع بقائهم في حياتهم الريفية الهمجية وبسنِّ قوانين تحدد لهم دائرة أعمالهم، وخشية أن يجتاح السود الجنس الأبيض (لأن السود هم الأغلبية الساحقة) يحظر القانون على البيض الزواج من السود أو اتخاذ نسائهن خلائل لهم، ولا يلحق بالسود الأسيويون فحسب بل والمولدون وهم من النزلاء الأوائل الذين اختلطوا بالدم الأسود، ويُميَّزون على السود قليلًا؛ إذ يُسمَح لمن يزيد دخله على مائة جنيه في العام بالاشتراك في التصويت العام، ولهم أن يقيموا مقاهي وحانات خاصة بهم، أما السود فممنوعون من الخمر بتاتًا هذا في الكاب فحسب، أما في باقي جنوب أفريقية فالمولدون يعاملون معاملة السود، وأدهى من ذلك أنهم يعاملون بعض الدول الأخرى معاملة شبيهة بذلك، تلك الدول التي يضعونها تحت نظام اسمه Quota System وما كانَ أشدَّ ألَمِي عندما علمتُ أن المصريين كذلك! لذلك لم أعجب عندما علمتُ أن «المهاتما غاندي» قد اضطرتْه معاملةُ جنوب أفريقية لبنيه من الهنود بهذا الاضطهاد المُزْري أن يصبح على ما نعلمه فيه من التطرف في الدفاع عن صوالح بنيه؛ لأنه أمضى شطرًا من حياته مشتغلًا بالقانون في بلاد جنوب أفريقية وعاين بنفسه ظلم الإنسان لأخيه الإنسان. جمهرة من أكواخ البانتو، كرال.
وتعجب إذ تعلم أن كثيرًا من العمال من البيض كسالى يعوزهم النشاط، فهم لا يفترقون عن السود كثيرًا، ومع ذلك تجدهم ممتازين، وقد قيل إن نزلاء الجنس الأبيض الذين حلوا جنوب أفريقية وجدوا العبيد فاتخذوهم رقيقًا لمدة قرنين، فَقَدَ البيضُ خلالَهما نشاطَهم وفضائلهم الخلقية — وتلك من سيئات الملكية وإهمال فكرة الشيوع في الأرض والتمسك بذاك القانون الظالم الذي يخصص العمل الممتاز للبيض دون السود، ذاك التصرف الذي ينقده الكثير لمنافاته للإنسانية، ولأنه يجعل البلاد عاجزة عن منافسة العالم اقتصاديًّا بسبب علو أجور البيض، لكنهم يعترفون بأنهم مضحُّون في ذلك مقابل ضرورة تحويل البلاد جميعها إلى مواطن للجنس الأبيض دون الأسود الذي يرمقه البيض بنظرات الحنق والاحتقار فلا ينادونه إلا بنغمة الآمر ولا يتحدثون عنه إلا باسم «كافر» مما كنتُ أتألَّم له كثيرًا، على أن القلق وعدم الرضى من جانب السود آخذٌ في الزيادة؛ لأن احتكاكهم بالبيض علَّمهم أن يتمسكوا بحقوقهم وصوالحهم التي شعروا بأنها مهضومة ضائعة، وقد أخذ يبدو ذلك في حركات الإضراب حيثما يكثر العمال من السود هناك.

جنوب أفريقية: كيف مُنِعتُ من دخوله


تقدَّم المسافرون على الباخرة إلى ضابط المهاجرة، ولما أن جاء دَوْري فاجأني الضابط قائلًا: آسف أن أبلغك بأن حكومة الاتحاد لا تسمح لك بالنزول في بلادنا، كما يقضي قانون المهاجرة، قلت: ولكني سائح ولستُ مهاجرًا وجواز سفري يؤيد ذلك، وهاهي أوراقي الرسمية التي تثبت بأني موظف في الحكومة المصرية وأني جئت في رحلة علمية، قال: هذا أمر المنع ولا طائل في المناقشة، قلت: ولكن الباخرة سائرة بعد الكاب إلى إنجلترا رأسًا وليس ذاك طريقي فهل يسمح لي بالنزول حتى آخذ أول باخرة عائدة إلى شرق أفريقية، قال: لا يكون ذلك إلا بأن تُزَجَّ في معسكر المهاجرة حتى تجيء الباخرة، قلتُ: ألَا أستطيع أن آوي إلى نُزُلٍ تحتَ رِقَابَتِكم بعد أن أدفع التأمين الذي تطلبون؟ قال: هذا لا يكون، وتركني.
موقف قلق لم أخبره طَوَالَ حياتي! أقوم برحلة كبَّدتْني كثيرًا من الجهد والمال قصد البحث العلمي الخالص فأودع السجن! أيةُ عدالةٍ في الدنيا تُسيغ ذلك؟ لبثتُ ليلتي أتردَّدُ فوق ظهر الباخرة من مقعد لآخر ورجل البوليس يراقبني ويسير خلفي أنَّى سِرْتُ، وركبان الباخرة يرمقونني بنظراتهم التي كنتُ أقرأ في بعضها العطف وفي البعض سوء الظن بأني مجرم أثيم، ثم أويتُ إلى مضجعي، ولكن كيف ينام الحائر القَلِق الأعزل. وفي صباح اليوم التالي علمتُ أن باخرة العودة ستجيء بعد ثلاثة أيام فآثرتُ السجنَ لكي أنقذ رحلتي بعد أن أكدوا لي أن المكان مريح وأني سأكون مُمَتَّعًا داخلَه بكل ما أريد، وسأدفع نفقات الحجز والرقابة والحرس وحمل المتاع، ولقد استكتبوني صكًّا بقبول السجن ودفْع ما أُطالَب به من نفقات، ولم يكن يدور بخلدي أن في الأمر شيئًا خفيًّا.
جِيء بي إلى معسكر كبير وما إنْ دخلتُه حتَّى بدأتِ الغِلْظة الأليمة والمعاملة التي تُنكِرها النفوس الأبيَّة وبخاصة مِن رئيسِهم المسمَّى «هلاول» الذي بدرني في نغمة الأمر بقوله: أمعك نقود؟ أسرِعْ وأظهِرْها، ثم نظر إليَّ شذرًا وصاح: ما لك تضرب في مشارق الأرض ومغاربها هكذا! ادفع ثمن هذا غاليًا الآن! قلتُ: وما شأنُكَ في هذا؟ إني مستعدٌّ أن أدفع ما تطلبون، ثم همَّ يفتشني بشكل قبيح وهو يقول: نحن لا نحب أن نرى وجوه المصريين هنا.
قلت: ألا يصح أن أعامَل معاملة هي خيرٌ من تلك كما وعدتموني، قال: لا تُعارِض فتلك أوامر يجب ألَّا تناقش بعد أن وكزني ووجهه مقطب كئيب، ثم التفتَ إلى الحقائب وقال: افتح هذه لنرى ما فيها، ثم أمرني أن أُخرج منها ما أريده داخل السجن، وكلما أخرجتُ شيئًا قذفني بنكاته القارصة، من ذلك أنه رأى زجاجةَ «صبغة اليود» فقال: حذارِ أن تشربها الليلة! ورأى المشط فقال: وكذلك الشعر لا بد أن تمشطه! ورأى بعض الكتب فقال: وما تلك؟ قلتُ: بعض مؤلفاتي في الجغرافيا والرحلات، فقال: إذن فأنت الرجل الذي أبغضه منذ الصغر! وما إلى ذلك من هراء القول. فثارت ثائرتي وقلت: أنا لا أطيق هذه الإهانات، وخيرٌ لي أن أعود إلى الباخرة، قال: لا فقد انتهى الأمر.
حملتُ متاعي والسجان أمامي يصيح في خشونة: «ادخل هنا!» وإذا بي أجوز بابًا حديديًّا مصمتًا في أعلاه أعواد الحديد إلى ردهة صغيرة سماوية إلى يسارها صفٌّ من القاعات المختنقة المظلمة فاسدة الهواء؛ إذ ليس بها سوى فتحات عالية مختنقة بها شباك الحديد والسلك، أما الباب فحديد مصمت حاولتُ أن أحرِّكه حولَ مفاصله لتتسع فتحة مدخله فلم أستطع لثقله، وليس به سوى ثقب مُقَبَّى يغشاه الزجاج، وهذا ليطل خلاله السجان فيرى ما أنا فاعل داخل ذاك الجُبِّ، أما الأرض فالأسفلت القاتم الأغبر والسقف ألواح الحديد، ويلاصق الجدران لوحتان من خشب للجلوس أمامهما ثلاثة أَسِرَّة هي أعواد ثقيلة من خشب متباعد عليها قطعة من لباد أغبر وبطانيتان رقيقتان باليتان أقذر من أن تسيغ لك نفسك لمسهما، تلك هي مقرِّي داخل السجن، وفي الجانب الآخر من الردهة مقصورة للمياه تعافُ النفس دخولها، وصادف أن كنتُ في كل هذا السجن وحيدًا، وقد تُرك معي عبدٌ أسود ضخم الجثة غائر العينين يراقبني آنًا ويتهادى مشيًا على مرأًى مني آنًا آخر، وكلما مضت فترة سمعت صليل أبواب وحدائد مزعجة وإذا به حارس آخر يدخل ليرمقني ثم ينصرف، وكان كلما دخل واحد بدرني قائلًا: «أمعك نقود؟» صوِّرْ نفسك في هذا الموقف، وقد أرخى الليلُ سدولَهُ وساد السكون إلَّا في وطء أقدام ثقيلة لذاك الزنجي خلال فترات متقطعة. وكلما أقبل ميعاد الطعام وفد الغلام «بصينية» من حديد أسود صدئ بها بعض أطباق من الزنك وإلى جانبها «براد» من زنك قديم قذِر به شاي مازجَهُ اللبن ومنطال (كوز) لأتناول فيه الشاي، وأقسم لو وجدتُه في مرحاض لما مسسته، وهذا هو الطعام الممتاز الأوروبي الذي سأدفع عنه أكثر من سبعين قرشًا كل يوم.
جَنَّ الليلُ واشتدَّ البرد ونوافذ الطاقات مفتحة ليس بها أبواب والفصل هناك شتاء قارس يعادل برد يناير في مصر تمامًا، ومفروض أني سأنام ملء جفوني؛ لأني لم أنم الليلة الفائتة إلا غرارًا! مفرش قذر يابس وغطاء منتن خفيف لا وسائد ولا تكآت والقاعة واطئة مرطوبة نزُّ الماء يُلمَس في جدرانها، على أني لا أغمِط القوم فضلهم فقد كان من وسائل الترف في تلك الغرفة مصباح كهربائي ضئيل وقطيلة (فوطة) خيِّل إليَّ من شدة قذارتها أن الزنجي مسح لونه فيها. هكذا افتُرض أن أقضي ثلاث ليال كنتُ أسرح في مداها اللانهائي وإذا بالغلام يتحدث إليَّ فيقول: متى تسافر؟ قلت: يوم السبت في أول باخرة قال: ومَن يَدري! فطالما كان المسجونون أمثالك يقولون: إننا سنسافر بعد يومين، فيُقيمون عشرات لا بل وشهورًا، قلت: ولماذا؟ قال: لأن القوم هنا يستفيدون بطول المكث نفقات من المسجونين فيُفوِّتون عليهم باخرةً وثانية وثالثة بحجة أنها ممتلئة وليس بها أماكن خالية. وأنا أعلم أنْ لو أفلتتْني الباخرة المقبِلة انتظرتُ بعدَها ثمانيَ ليالٍ أخرى حتى تجيء الثانية!
قلت: يا لله أهكذا يُعامَل الأبرياء في بلادٍ تدَّعي المدنية وتنتحل لها جنسية أوروبية نفورًا مما تسميه بالهمجية الإفريقية؟ وهل بعد ذلك وحشيةٌ وتجرُّدٌ عن الإنسانية؟! أهكذا يُكافَأ البحث العلمي الخالص فينقلب الثواب عقابًا قاسيًا ممضًّا؟!
في السابعة والنصف مساءً أقبل الحارس وأخذ يُحادِثني عن سبب سجني ولما عرفني قال: ولكن كيف يتصرفون مع رجل مثلك هذا التصرف المشين، وأخذ يطعن على العقول المدبرة لتلك البلاد بشكل دلني على أن الفساد شائع، وهذا عين ما قاله لي الحارس في الباخرة بالأمس، وفي نهاية الحديث أبدى أسفه ولما أخذ ينصرف قال: هذا «الجردل» لقضاء الحاجة، ثم أغلق عليَّ الباب بمفاتيحه الثقيلة. أظنك تقدِّر مدى جولات الفكر في عزلة القلق الأعزل، أخذت الساعات تتلو بعضها البعض والسكون يزداد وحشة إلى منتصف الليل حين اضطجعتُ، وإذا بطفيليات البَقِّ وغيره تتسابق إليَّ وتترامى عليَّ من كل جانب فقمت فزعًا عيوفًا، فكم من مجرم أثيم ملوث الدم موبوء الجسد لامَسَتْ تلكم الحشرات! لم يسعني إلا المكث على مرارة الخشب بعيدًا عن هذا الفراش الموبوء حتى الصباح، وأخذت تمر الساعات وأنا كلما أسمع جلبة أخال الحارس أقبل ليفتح الباب فتزول بعض الوحشة حتى الساعة الثامنة والنصف صباحًا حين فتح الباب وقدم طعام الإفطار في صمت وتقطيب، ولبثتُ أتوقع أن يحمل الزنجي الفراش «والجردل» وإذا بي أنا المكلف بذلك فلم تُسِغ لي النفس عمله وتركتُ الأشياء مكانها.
كتبت للرئيس أقابله شاكيًا شارحًا ما لقيت فرفض طلبي، وكم كنت أخشى أن يطول بي المكث ويفوِّتني هؤلاء الأنذال الباخرة فأظل في هذا الجب ما شاء الله، وكم كنت أرى من نقوش على الجدران خطها مَن أصابهم سوء الحظ أمثالي فزجوا في ذاك الجب، وكلها تدل على الإيلام الممضِّ، منها مَن يصف تلك البلاد التي تدَّعي المدنية بأنها أظلم ما على سطح الأرض، والبعض يشبِّه المكان بجهنم والبعض يكتب: سأبرح هذا الجحيم غدًا بعد أن قضيتُ فيه شهرًا ونصفًا!
وفي الصباح كتبتُ أرجو مقابلة الرئيس للمرة الثانية، فجاءني الضابط البغيض «هالاول» وأخذ يتهكَّم في قحة زائدة ولم يسمح لي بمقابلة الرئيس وقال: إن كان لديك شكاية فها أنا، فقلت له: أيليق هذا المكان برجل مسئول مثلي سيدفع عنه جنيهًا في اليوم، قال: وأي مسئول أنت؟! قلت: موظف في حكومة لا تقل احترامًا عن حكومتكم، ومدرِّس ومشتغل بالعلم والتأليف، فأخذ يتهكَّم ويقول: نعم، المكان لا عيب فيه، فهل تظن أننا سنقيمه لك من جديد؟!
أقبلتِ الليلة الثالثة وأمضيتُها على مَضَض انتظارًا لما عساه يجيء به الغد وعند الفجر شعرت بألمٍ مُبَرِّح في أحدِ جَنْبَيَّ من أثر برد المكان ورطوبته وحاولتُ أن أقاومه، ولكن ليس في الوسع شيء ولو ناديتُ حتى اختنقتُ فلن يسمعني أحد، أخيرًا أقبل الغلام بالإفطار وهو يقول: أنت ستذهب إلى الباخرة اليوم؛ لأني رأيتُها على الميناء أمس ولأني أخبرتُ المطعم ألا يجهز لك طعام الظهر فاستبشرتُ، وفي العاشرة جاء الضابط الذي ابتلاني الله به وناداني في سوء أدب وخشونة قائلًا: محمد! محمد! أمستعد للخروج؟ فرمقتُه شذرًا ولم أُجِبْه، فقال: ستخرج بعد نصف ساعة، وحاول أن يكون متظرِّفًا، ولما خرجتُ وصعدتُ إلى الطابق العلوي لأتسلَّم نقودي طلبت أن أقابل الرئيس، فقال: لماذا؟ قلت: أريد التحدث إليه، قال: ولكنه خرج ولن يعود إلَّا يوم الإثنين بعد باكِرٍ فهل تنتظره؟! فأسرعتُ وقلبي يُسابقني إلى الباخرة، وأخذ بعض أتباعه يتألَّم لما حل به، وقال بأن هؤلاء الضباط جميعًا أنذال، تلك طبيعتهم هم يشوهون سمعة البلاد دائمًا ونحن الموظفون تحتهم لا نستطيع الكلام، نتألم لما يجري أمامنا ونحن صامتون، وهنا أقبل ذلك النذل وجلس إلى جانبي وقال: أظنك غاضبًا! قلت: وأية نقمة وغضب وبخاصة لما لاقيته على يديك أنت شخصيًّا! قال: ولِمَ؟! قلت: لأنك عاملتني معاملة الكلاب، قال: لم يحصل شيء من ذلك، قلت في صوت جهوري: ألستَ أنتَ الذي قلتَ كَيْتَ وكيتَ، وذكرتُ بعضَ إهاناته لي ولما رأى جموع المسافرين منصتين لقولي: قال: بل كنت أمزح لأني رأيتك في موقف حرج، فأردتُ أن أسرِّي عنك، قلت: هل تبادلنا الإخلاص والتعارف من قبل وهل تقاطيع وجهك كانت تدل على المزاح، وهل قولك بأنكم لا تحبون المصريين قول المازح؟ قال: إذن ستشكوني خاصة، قلت: نعم إلى كافة النواحي المسئولة في مصر وإنجلترا، بل وفي كل بلد أتصل به، فبدت عليه علائم الارتباك وقال: لكن حذار أن تقول غير الصدق، فأنا خادم الحكومة أنفذ قوانينها فحسب، قلت: نعم لكم أن تمنعوني من الدخول في بلادكم، ولكن ليس لكم أن تلحقوا بالناس مثل تلك الإهانات، فليس ذلك من القانون في شيء، فتركني وأقلعتِ الباخرة والناس من حولي أقصُّ عليهم أمري فيذهلون ويستنكرون ويرمون القوم بكل خسة وتوحش.
هنا باغتَنِي شابٌّ نمساويٌّ قائلًا: لقد أخطأتَ التصرف فلقد حلَّ بي مثل ذلك يوم حللت البلاد منذ ثلاثة شهور، لكني كنتُ أحسن حظًّا منك إذ لجأتُ إلى تصرُّف مالي مهد لي سبيل الدخول، ولقد أيد ذلك كثير من المسافرين ومن بينهم بعض العائدين من الإنجليز!
وقد شرعت أكتب احتجاجي لرجالاتهم وكبريات جرائدهم من ظهر الباخرة، فجائني رد جريدة «ناتال مركوري» بأنها عاينتْ مكان السجن فإذا به حوشي مشين، ورد وزير داخليتهم في شبه اعتذار بأن القانون قضى بذلك ويؤكد في آخر خطابه بأنني «على الأقل لاقيت أحسن معاملة على أيدي رجاله!» فعجبتُ لتلك المغالطة؛ إذ كيف تعد تلك الشتائم وذاك السجن المزري من حسن المعاملة.
غابت عن ناظري تلك البلاد التي سأظل أحمل لها أسوأ الذكريات، بلاد لم ترعَ للعلم حرمة، ولا للمجاملات الودية عهدًا، ولكن كيف تفعل ذلك وهي تعد مصر والمصريين — بنص قوانينها — من الأمم المنحطَّة التي هي دون بنيها مقامًا. ولقد علمتُ لما أن عرضت شكواي على القنصلية البريطانية في القاهرة أنهم يضعون مصر في زمرة الشعوب الملونة Coloured المنحطة في زعمهم، ولو أني علمت ذلك وأنا هناك لكان لي معهم إزاء تلك الإهانة الكبرى شأن آخر. والعجب أنا نظل سكوتًا فلا نطالب بمحو تلك الوصمة أو على الأقل بمقابلة المثل بالمثل، فلِمَ لا يُمنَع أبناؤهم من الدخول إلى بلادنا على نحو ما يفعلون معنا؟ هل غفلوا عن أصولهم فعدوا أنفسهم من السادة وهم مَن نعرف مِن أصولهم ما نعرف؟ ولكن حسبنا أن نتغنَّى بأننا كرماء لضيوفنا وهم بنا مزدرون ولحقوقنا غامطون!


بلاد كنيا


عود إلى ممباسا: ركبتُ البحر عائدًا من حيث جئتُ ومررت ثانية ببلاد أفريقية الشرقية البرتغالية، ثم بلاد تانجانيقا، ثم بلاد كنيا ولما أن حللت ممباسا قمت بقطار «البضاعة» أخترق قلب بلاد كنيا، ولم يوافق يومي يوم قطار للمسافرين Mail، وذلك يقوم مرتين في كل أسبوع، وفي كل يوم عدا هذين قطار للبضاعة تلحق به عربة أو اثنتان للمسافرين. تبدو هضبة كنيا موسم الجفاف شبه صحراوية.
أخذ القطار يسير بنا وسط جنة من النبت الوفير والشجر الكثيف، وكان أظهره النرجيل والمانجو، وبعد مسيرة خمسة عشر ميلًا وهي عرض السهل الشرقي الساحلي الوطيء أخذنا في الصعود السريع في لَيَّات عجيبة، وبين آونة وأخرى كانت تنكشف وهادٌ مغضنة وفيرة النبت عديدة النقائع مشعبة المسايل في مشاهد خلابة حتى أقبل الليل، وكان كلما تقدم القطار قل النبت فصار عشبًا، وفي الصباح كنا نسير فوق هضبة شبه مجدبة، شتان بينها وبين المنحدر الساحلي الذي كان بالأمس غنيًّا بالشجر، وكاد الشجر ينعدم في تلك البرية شبه الصحراوية إلا في شجيرات نصف شائكة والأرض يكسوها كلأ جاف لذلك يسميها الأهلون Nyika ومعناها البراري، وأجف جهاتها قطعة وسطها تسمى تارو Taru، وزاد الإقليمَ جفافًا أنا كنا نجوزه إبان موسم الجفاف، الذي يكاد ينعدم مطره، والمحاطُّ صغيرة ونائية عن بعضها، والجهة تكاد تخلو من الأهلين اللهم إلَّا جمهرة من السود كانوا يفدون إلينا كلما وقف القطار من أكواخهم المنثورة، وكانوا فرحين كأنهم وجدوا بعض الأنس في ضوضاء القطار، ويختلط بهم كثير من الهنود الذين يكوِّنون السواد الأعظم من موظفي المحاطِّ والقطر، والكل يتكلم السواحلية التي يفهمها الجميع، وإن كان لكل قبيلة لهجة خاصة لا تفهمها جارتها، فالسواحلية أصبحت لغة التفاهم Lingua Franca وهنا فاجأتْنا سحابة كثيفة من الجراد الذي يُغِير على الإقليم منذ ست سنين ويهدد المزارع وطالما فتك بإنتاجها، وكثير من الأهلين عرايا إلا في أزار فضفاض من الجلد وبيدهم القِسِيُّ والسهام وإلى جانبهم الخناجر الكبيرة على فطرتهم الأولى، أما الجو فكان أميَلَ إلى البرودة، وبخاصة في الليل وباكورة الصباح؛ إذ حاكى شتاء مصر تمامًا — رغم أنا نقارب خط الاستواء قلب المنطقة الحارة. وذلك من أثر الارتفاع الذي كان يناهز خمسة آلاف قدم، وكانت السماء صافية مكَّنتْنا أن نمتع البصر بمشهد: قمة جبل كلمانجارو أعلى ذرى أفريقية وأصلها كأس لبركان خامد تبدو كالطبق المقلوب.
جبل كلمانجارو: أعلى ذُرى أفريقية جميعًا يشمخ في السماء إلى ????? أقدام، تتوِّجه عمامة من الثلج الوضَّاء علوها ???? قدم، وحدها، ولذلك لم أعجب لما علمت أن معنى كلمان جارو الجبل الأبيض، وأصله بركان خامد تكسو جوانبه الغابات من علو ???? إلى ????? قدم، تحتها شجيرات وأعشاب ومزارع تعم مدرجاته الهادئة، وفوقها عشب قصير إلى ارتفاع ????? قدم حيث تبدأ الثلوج، تلك التي تبعث بألسن من الثلاجات عديدة تنزل إلى علو ????? قدم في جنوبه الغربي وإلى ????? فقط في الشمال، ويسمى شعوب المساي ذروته الغربية المسماة «كيبو» ببيت الله نجاجي نجاي Ngaji Ngài ويعلل البعض ندرة ثلوجه على سفوحه الشمالية والشرقية التي كنا نراها إلى تيار هوائي دفيء يمر في سماء تلك الجهة، وقد حدَّث بعض القوم بأنه يرى في أعلاه وكأنه الإناء المقلوب، وهو أسهل جبال أفريقية جميعًا لمن أراد تسلقه، وإن تلك الغابات التي نراها ملتفة كثيفة إلى حد مخيف، يليها علوًّا إقليم شبيه بجبال الألب في عشبه وزهوره، ثم يعرى أديم الجبل في صخر بركاني قاتم مسافة طويلة تؤدي بنا إلى الثلوج الوضاءة، وهناك يخف ضغط الهواء لدرجة تجعل نبرات القلب تدقُّ سراعًا حتى لتكاد تسمعها فيمن يجاورك من الصاعدين، ولا تقوى على احتمالها إلا القلوب الراسخة القوية، وسكة الحديد يخرج منها فرع عند محطة «فوي» إلى حجر ذلك الجبل العتيد، وكانت أخص المزارع أسفله من البن والموز تتصاعد أعمدة الدخان من آلاف الأخصاص المختبئة فيها. واصل القطار بنا سيرَه في قلب كنيا، وما لبث أن وقع البصر على جماهير من الحيوان البري في أنواع مختلفة وقطعان لا تدخل تحت حصر ذات اليمين وذات الشمال، تعرفتُ من بينها الزبرا والزراف والتياتل والنعام. هنا علمتُ أنَّا نُجانِب أكبرَ حرم للحيوان في الدنيا Game Reserve لا بل أكبر حديقة طبيعية للحيوان يحرم القانون صيد الحيوان أو قتله داخل حدوده، ولقد كان شريط سكة الحديد هو الحد بين الحرم إلى اليسار والصيد المباح إلى اليمين، ولبث كذلك زهاء ثلث الطريق بين ممباسا ونيروبي عاصمة كنيا وجموع الحيوان تبدو قريبة منا في كثرة هائلة وبعضها كان يسير وراء رئيس كأنه القائد، وكأن الحيوان قد عرف حرمه، فإذا ما أحس قرب القطار وكان إلى جانبنا الأيمن خارج الحرم عدا سراعًا إلى عبور الخط إلى يسارنا وهناك أبطأ السير، ثم وقف يرمقنا بنظراته وكأنه أمن شرنا واحتمى في القانون متحديًا إيانا ونحن نشير إليه بأيدينا فلا يعيرها أهمية، وليلة الأمس دهم قطارنا زرافة وهي تتخطى القضبان فقتلها، ووقف لذلك برهة، فكنا نرى الجمع الباقي من الزراف يقف آمنًا مستأنسًا، وقد حاولت أخذ صورة شمسية لتلك القطعان لكن كانت تعوزني «العدسة المقربة» التي يستخدمها هواة الحيوان وقد خبَّرني القوم أنهم كثيرًا ما رأوا جمعًا من الحيوان يجفل ويولي الأدبار في ذعر شديد؛ لأنه أبصر بأسد كاسر على بعد منه، ومن أنواع الحيوان التي لم أرَها من قبلُ الجاموس والبقر البري ويسمون نوعًا منه جنو، وآخر أوريبي والهارتبيست والويلدبيست وكثير غيرها. قطيع من وايلد بيست في حرم الحيوان.
حرم الحيوان ومسرحه: لبث الإنسان زمانًا يبرر قتل الحيوان البري لأسباب منها الاستفادة باستغلال الأراضي الزراعية والاتجار فيما يصيد من الحيوان، إلى ذلك ما يستفيده صحيًّا من وراء مطاردته ومن اتقاء الأوبئة التي يحملها هذا الحيوان، لكن الفكرة السائدة اليوم حماية الحيوان في مساحات من الأرض تعتبر إما ملكًا عامًّا أبد الدهر ويطلقون عليها مسارح الحيوان National Park وإما حرمًا يمنع القانون صيد الحيوان فيه حتى ينسخ ذاك القانون بقرار برلماني ويسمونه G. Reserve ويراعى في تلك البقاع أن تلائم الحيوان الذي يراد حمايته، وأن تكون شاسعة غنية بالأعشاب والمياه وأن تنأى عن البقاع التي يراد ترقيتها وأن يسهل على الزوار دخولها، وأن يندر سكانها ومعادنها؛ لذلك تنتقَى غنية بالمناظر الجذابة والجو المغري الجميل. ولقد بدأت تتغير وجهة نظر هواة الصيد، فبعد أن كان يلذ للإنسان صيد الحيوان والإسراف في قتله ذاك الإسرافَ الذي خُشِي معه انقراض كثير من فصائل الحيوان آثر اليوم استخدام آلة التصوير ذات العدسات المقربة بحيث يمكن تصوير الحيوان وجموعه وهي في حالتها الطبيعية، إلى ذلك فإن تلك المسارح أصبحت خير الوسائل لدراسة الحيوان، خصوصًا وأن الحكومات أقامت بها جواسق يستأجرها الرواد بثمن زهيد، ومن أشهرها مسرح «كروجر» في شرق ترنسفال في جنوب أفريقية ومسرح ألبرت شمال شرق الكنغو البلجيكية بين بحيرتي إدورد وكيفو، ويؤمها من العلماء ما يقرب من ?? ألفًا كل عام، وأما حرم الحيوان فمتعدد خصوصًا في كنيا وأوغندة والسودان.
سباع مجاهل كنيا طالما تفتك بالكثير من الأهلين.
والحيوان لا شك متأثر بالعشب حوله؛ ففي مرتفعات شرق أفريقية حيث يكثر الغذاء طوال العام لا يرغَم الحيوان على التجول بعيدًا، كما هي الحال في رودسيا ونياسالاند، والعادة أن حيوان المناطق التي تكثر بها الشجيرات أكثر تجوالًا وسفرًا من ساكن السهول، إلى ذلك الألوان الواقية للحيوان التي تجعله يحكي الوسط من حوله، فإن لم تكن واضحة استعيضت بقوة الحواس الشم والبصر والسمع، وقد قيل إن القرون من أكبر العوامل في إرهاف السمع، إلى ذلك خفة الحركة والرائحة الكريهة التي تنبعث من بعض الحيوان واللحم كريه المذاق، وعجبت من بعض الغزلان في أفريقية؛ لأن أنثاه تفقد رائحتها تمامًا إذا ما قاربت الوضع لكيلا يهتدي عدوها إلى مكانها، وفي يومين أو ثلاثة من ميلاد صغارها تعدو في سرعة الأم تمامًا، وبعض الحيوان يشتم رائحة عدوه على بعد ثلاثة أميال، والبعض كالنسر مثلًا يرى بقع الدم على الأرض من علو عشرة آلاف قدم، ولعل للحيوان إحساسًا لاسلكيًّا لم يتوصل إليه ماركوني إلا هذه الأيام يهديه إلى ما يحوطه من خطر حتى في حلكة الليل. أليست الغريزة التي أوتيها الحيوان أبعد أثرًا من العقل الذي وُهبه الإنسان؟!
ملك الغاب.
ولقد كانت أفريقية غاصَّة بالحيوان في بدء كشفها حتى إن الكاشفِين كانوا يطلقون اسم الحيوان الشائع على الأنهار والجبال والبحيرات وما إليها، لكن دخول الجنس الأبيض طاردها إلى المجاهل، فالسباع مثلًا كانت تجوب القارة كلها إلى الكاب، وكان كثير منها يوجد في حدائق المنازل هناك، أما قطعان الغزال — ذاك الذي فاق ?? فصيلة — والزبرا فكانت تسد الآفاق لكن إسراف الناس في قتْلها أباد كثيرًا من أعدادها، لا بل وفصائلها، ولا تزال شرق أفريقية تغص بالحيوان على اختلافه. ولقد قصَّ عليَّ القومُ هناك من أنباء الحيوان وعاداته شيئًا كثيرًا نروي هنا بعضها:
السبع: يعرفون منه في أفريقية ثلاثة أنواع؛ ذا الرقبة البيضاء والحمراء والسمراء وهذا أشرسها والنوع الذي يوجد شمال السودان لا معرفة له وهو أقل وحشية، ومتوسط طول السبع من الذنب إلى الأنف ثلاث ياردات، ووزنه بين ثلاثة قناطير وخمسة وينقص وزن الأنثى عن الذكر بمقدار الربع، والأسد يعمر بين عشرين سنة وثلاثين، وهو حيوان يسير في جماعات ويهاجم كذلك في جماعات، وهو يمتاز عن الشيتا — نمر أفريقية الأرقط — بذَنَبِه الذي يجرُّه في الأرض وراءه إذا سار على عكس ما يفعل الشيتا، وهو لا يهاجم الإنسان قط إلا إذا كان جائعًا والجروح التي يحدثها سامة، وقوته لا يصدقها العقل حتى قيل إن الأسد يستطيع قفز حائط مرتفع وفي فمه عِجْل، وخير الطرق لقتله أن تصوب الرصاصة بحيث تخترق الحلق إلى الرئتين أو بين العينين، وإذا أصابت الكتف أعجزتْه عن السير، لكنه يظل حيًّا ساعات وهنا الخطر الأكبر، ومعرفة السبع تخف عادة إذا كان من سكان الشجيرات، وزئيره نتيجة لذبذبة في الحلق لا تصحبها حركة ظاهرة في الفم؛ ولذلك ينخدع السامع في تحديد مصدر صوت السبع على بُعد، وهو يزأر ليلقي الرعب في قلوب فرائسه، وإذا شبع لا يهتم أبدًا بما يرى من صيد وحيوان، ويعرف سائر الحيوان فيه ذلك فلا يعبأ به وهو شبعان، وكثيرًا ما يخترق السبع قطيعًا من الزبرا أو الهارتبيست في شرق أفريقية وهي لا تتحرك، وكم فتك السبع في كنيا بالجماهير من الناس إبان مد سكة الحديد بين ممباسا وفكتوريا حتى إن الأهلين كانوا يعتقدون أن أرواح زعمائهم تحل أجساد تلك السباع لتفتك بمن يشتغل في مد الخط؛ لأن ذلك كان في زعمهم إهانة كبرى لهم، ويظهر أن السبع يلعق جلد الإنسان ليشرب دمه طازجًا قبل أكل لحمه، وقد ثبت ذلك من الجثث التي أُنقذتْ من براثن السباع قبلَ تَمَام أكلها؛ إذ كانت تُرى قطعٌ من الجسد وقد أزيل عنها الجلد وبدا اللحم من تحتها جافًّا خاليًا من الدم. والسبع يتعقب فريسته في سكون، ثم يهاجم على أن الفرقعة تزعجه، حدث مرة أن هاجم سبع تاجرًا على حمار في محطة «فوي» وقبل أن يمسك به ذعر الحمار فدوَّى رنين بعض الآنية التي كان يحملها فخاف السبع وفر هاربًا، وإذا فاجأ قومًا وصاحوا في وجهه ولى عنهم، وعجيب أن يبدأ السبع أكل فريسته من الذنب متجهًا نحو الرأس، فكلما أزعج وترك فريسته كان أسفلها منهوشًا، وقبائل «واكامبا» هناك تلتهم لحوم السباع والفهود نيئة بعد سلخ جلودها، ويعتقد الهنود أن شحم الأسد خير علاج لمرض «الروماتزم» وأمراض أخرى وإذا أكل السبع قصد مجرًى للشرب، وعندئذٍ يستلقي في أول مكان ظليل يلاقيه دون أن يهتم بأحد، فهو لا يخشى حيوانًا قط سوى الإنسان وإلى الآن لا يزال الإنسان في أفريقية بعيدًا عنه ومِن أحب اللحوم لديه لحم الزبرا، والعجب أن يتبعه ابن آوى أو ضبع ويقترب منه وهو يأكل فريسته وكلما لمس اللحم نفر السبع فيه فتنحى قليلًا، ثم عاود الكرة وأخيرًا يأكل ما تخلف من الأسد، ويقول الأهلون: إن السبع يأكل لحوم جميع فصائل الحيوان إذا دعتْه ضرورة الجوع حتى لحوم السباع نفسها، لكنه يأنف من لحم الضبع وابن آوى، فهو لا يأكلها ولو أشرف على الهلاك جوعًا؛ وذلك احتقارًا لشأنهما.
أحب اللحم للسباع حمار الوحش، والسبع يبدأ أكل فريسته من ذَنَبِها.
ولا يزال السبع يكثر جدًّا في أوغندا وشرق السودان إلى حدود الحبشة، وأجمل أنواعه في بلاد كنيا، وقد خبَّرني ناظر إحدى المحاطِّ وهو هندي أنه كثيرًا ما كان يستيقظ ليفتح الطريق للقطار، وإذا بسبع أو اثنين قد كمنا تحت مقاصير المحطة وزئيرهما يصم الآذان فلا يجسر أن يفتح الباب ويظل القطار واقفًا وهو يصفر حتى تذعر الأسد وتفر، وكثيرًا ما تهاجم أرصفة المحاطِّ فيختبئ العمال داخل المكاتب وفي مخازن الماء (الفناطيس).
ومن الحيوان المفترس كثير الوجود هناك إلى جانب الأسد الفهد والشيتا: فالفهد أصغر من النمر قليلًا وزنُه قنطار ونصف، ولعله أخطر حيوان في الوجود إذا جُرِحَ، وهو من أصعب الوحوش مراسًا وأشدها حذرًا بحيث يتعذر قنْصُه أو ضربه، وموطنه الشجر والغاب، وطعامه من القردة والغزلان والدجاج والفيران، وإذا أعوزتْه تلك سطا على الخراف، ولخطره يطارده الناس ويقتلونه أنَّى وُجد؛ ولذلك ندر جدًّا.
والشيتا: يصعب تمييزه من الفهد ولا خطر منه إلا إذا جُرِحَ، وحتى وهو جريح لا ينكص راجعًا على صياده، ولونُه جميل أصفر أو أحمر تزيِّنه بقع سوداء وبطنه أبيض وذنَبُه طويل، لكن يظل مرفوعًا، وهو يترنح في مشيته وهو أسرع الحيوانات طُرًّا، وقيل: إنه يجري بسرعة خمسين ميلًا في الساعة، ولسهولة صيده كاد ينقرض، والشيتا هو نمر أفريقية الأرقط؛ إذ لا يوجد نمر المخطط في تلك القارة أبدًا. قطيع من «الزبرا» يرد الماء في حرم الحيوان.
الزراف: كم كان يروقنا منظر أسراب الزراف وهي تتهادى في مشيتها ورقابها الطويلة تترنح، وأعجبُ ما ترى الزرافة وهي راكضةٌ أو رابضة على الأرض بجوار شجيرة ورأسها يشمخ وكأنه جذع له شعاب، وإذا قاربتَها ألفيتَها وديعةً أليفةً، علوها وهي واقفة في مسقط رأسي من طرف قرنها إلى الأرض قد يقارب ستة أمتار، ولها قرنان قصيران يغطيهما الجلد ونتوء من عظم يطول كلما تقدم الحيوان في السن حتى يُرى أحيانًا وكأنه قرن ثالث، وخلف الدماغ قرنان صغيران جدًّا، وقوة البصر لديه حادة، ولحمه لذيذ، وجلده قيِّم في صنع السياط الطويلة، فقد تتخذ منه سيور في طول يفوق ستة أمتار إذا شق الجلد بطول الرقبة، والزراف يكثر في السهول الجافة كثيرة الشجيرات والأعشاب الشوكية، على أنه آخذ في الانقراض؛ ولذلك حرم قتله بتاتًا، وكثيرًا ما تشتبك رقاب الزراف بأسلاك البرق فتقطعها وهي تجري في الظلام، وشعر ذنبها سميك تتخذ منه بعض الأساور أحيانًا. النعام: ومن أكثر الحيوان ذيوعًا هناك النعام بين أغبر رمادي وأسود — وغالب الذكور كذلك — وقد استأنس القوم منه الكثير — خصوصًا في جنوب أفريقية — وأول أفراخ استؤنست منه في سنة ????، ثم أخذ ذلك في الانتشار حتى داهم التجار انحطاط ثمن الريش اليوم إلى حد أخذ يهدد تربية النعام بالانقراض، وقد أرسلت حكومة جنوب أفريقية بعثة سنة ???? لجلب نعام شمال أفريقية وغربها وهو أجود؛ لأن ريشه أقصر وأكثف، ومتوسط ما ينتجه الطائر بين ??–?? أوقية من الريش، و??–?? ريشة طويلة بيضاء، و??–?? ريشة سوداء، هذا خلاف الريش القصير، والظَّلِيم (ذكر النعام) يزيد إنتاجه الثلث على إنتاج الأنثى. الشيتا أسرع الوحوش قاطبة.
ويُربَّي النعام بالتفريخ عادة، فتوضع الطيور الكبيرة في زرائب مساحتها عشرة أفدنة حيث يُعنَى بإطعامها يوميًّا، ويجب إلا تُزعَج بأية حال، ثم تؤخذ صغار الأفراخ إلى زرائب مساحتها حوالي مائة فدان، حيث يُعنَى بها وبإطعامها بمقصوص العشب وهشيم العظام والحصى وما شاكلها، وأكبر عدوٍّ لها ابنُ آوى، ويتقي القومُ شرَّه بوضع الأفراخ داخل حظائر تغلق ليلًا، ولمَّا كانت الذكور كَلِفَةً بالنِّزال وضرب أندادها فُصل بينها بسياج من شوك.
ويفرخ زوج النعام ثلاث مرات في السنة، وتفقس كل مرة بين ?? و?? بيضة، ويؤتي الفرخ نتاجه من الريش في الشهر السادس من سنِّه، وذلك بأن تقص أطراف الريش وتترك خوافيها ثلاثة أشهر حتى تذبل، ثم تنتزع دون أن تسبب للحيوان ألمًا، وبعد ذلك بستة شهور أخرى يبدأ المحصول الثاني بالنظام نفس، وخير أنواع الريش ما نمت في الربيع والخريف، ولقد هم القوم سنة ???? بتربيته وبنوا عليه آمالًا تبشر بالأرباح الطائلة، فبلغ الثمن لزوج النعام ??? جنيهًا، وإذا كان من نوع ممتاز بيع الزوج بألف جنيه، ولما نزل سعر الريش عقب سنة ???? أفلس الكثير من التجار، ثم عاد الثمن إلى الصعود حتى بدْء الحرب الكبرى حين هوى الثمن من ثلاثة جنيهات للرطل إلى جنيه ونصف، فكان ذلك ضربة قاضية يضاف إليه الجفاف الذي توالى هذه السنوات، وكذلك التغير الذي حدث في أزياء الناس وأذواقهم مما نزل بعدد النعام إلى العُشْر في جنوب أفريقية، فعدد المستأنس منه اليوم ??? آلاف، تُغِلُّ سنويًّا ألف رطل ثمن الرطل نصف جنيه، وتفرض الحكومة غرامة مائة جنيه على مَن يُصدِّر النعام وخمسة جنيهات على من يصدِّر بيضَه. وفي سنة ???? بدأ يدخل الريش في النسيج بنسبة ? ويمكن أن يزاد إلى ???، كذلك بدأ القوم يدبغون جلد النعام الذي يساوي الواحد منه ربع جنيه، ويُباع لحمه بخمسة قروش للرطل، مما جعل قتل الحيوان أربح من تربيته فأخذ هذا يهدد بانقراضه، وجلده هذا متين جدًّا مخطط تخطيطًا غريبًا يلائم القفازات والحقائب (المحافظ) والفُرُش، وغالبه يصدَّر إلى أمريكا، ويلاحظ نقص شديد هذه الأيام في الصادر من منتجات النعام في شمال أفريقية وغربها، والريش الأفريقي يفضل ريش أستراليا وأرجنتيا بأمريكا كثيرًا في جودته، والنعام أكبر الطيور حجمًا ومن أشدها حذرًا وأقواها بصرًا، لكن مخ النعامة لا يزيد على مخ الغراب، ولحمُها لذيذ الطعم جدًّا والسباع تحب لحمها، ويغتبط الأهالي إذا رأَوْا أسدًا يفترس نعامة؛ لأنهم يسرعون إلى المكان لأخذ الريش الثمين، والنعامة تأكل أوراق الشجر والحشرات كالعقارب والجعلان، وكذلك الحصى إن دعتها الضرورة. نيروبي: في ثماني عشرة ساعة بعد قيامنا من ممباسا وصلنا نيروبي عاصمة مستعمرة كنيا البريطانية. وهي تقوم في وهدة تتغضن من حولها التلال، وهي على علو ???? قدمًا لذلك كان الجو بها باردًا وبخاصة لما جنَّ الليل حين كنتُ أشعر برعشة شتاء مصر القارس وأنا في غرفتي مساء، وهنا أدركتُ حقًّا أثر الارتفاع في زيادة الفرق بين حرارتي الليل والنهار، وأن الليل هو شتاء تلك الأقاليم الاستوائية المرتفعة، والمدينة لم تكن شيئًا منذ ربع قرن حين كانت مجموعة من أكواخ بائسة، أما اليوم فهي مدينة ذات مبانٍ فاخرة وطرق معبَّدة فسيحة تتوسطها المزارع وبجانبها الشجر في تشذيب جميل، على أن اختيار موقعها لم يكن موفَّقًا؛ لأنها عرضة لسيل المطر الذي يهوي إليها من النِّجاد حولها إبان المطر، وموسمُه هنا مرتان من مايو إلى يولية، ومِن أكتوبر إلى ديسمبر، فتصبح رطبة نزة، وقيل إن سبب اختياره أن عاملًا زنجيًّا ممن كانوا يشتغلون في بناء سكة الحديد كان يحمل قضيبًا من حديد ولما وصل تلك البقعة أجهده الحر والتراب فألقى به هنا، ولما جاءه المهندس قال: لا بأس باتخاذ هذا المكان قاعدة لأعمال الشركة، ومِن ثَمَّ نشأت المدينة، مع أن هناك من المرتفعات حولها ما كان أجدر بها وأولى. قطيع من الزراف.
قمتُ بجولة في أطراف المدينة فأخذتِ السيارة تعلو في طرق متلوية تحتها المزارع والأشجار وبخاصة شجر وتل Wattle الذي ينزع القوم قشوره وعندما تجف تقطع شظايا، ثم تصدَّر في غرائر لاستخراج الأصباغ الحمراء منها، ثم شجيرات البن التي تغطي مساحات هائلة في ارتفاع قصير وتنمو في صفوف مسطرة في دقة وتنسيق فائق، وحبوب البن تنمو متجاورة واحدة فواحدة على طول الفروع في حجم النبق وفي لون أخضر، فإذا ما احمرتْ جُمعتْ باليد، وكل ثمرة في داخلها حبتان متلاصقتان بناحيتيهما المشقوقتين، وتتوسط أغلب المزارع مصانع تعده للتصدير، وكلها في أيدي الأوروبيين وبخاصة الإنجليز، ويمتاز بُنُّ شرق أفريقية برائحته الذكية القوية، وهو يزكو في كنيا على ارتفاع ???? قدم، وقد صدر منه سنة ???? فوق ??? آلاف قنطار، ومتوسط الصادر بمليون جنيه، وشجرته تثمر في سنتين ومرتين كل عام، ويُجنى من كل شجرة بين رطل وثلاثة في المرة الواحدة، والشجرة تعمر طويلًا، ففي نيكاراجوه بأمريكا الوسطى تثمر إلى سن الستين، وعلى سفوح كلمانجارو يزكو البن العربي الشهير. وكنا نمر بمساحات شاسعة من الأرض الخصبة ذات التربة الحمراء السميكة وهي وقف على الأهلين لا يباح لغيرهم امتلاكها Native Reserve شأن كثير من أراضي كنيا، وكنا نرى أكواخهم المستديرة تتناثر خلالها وهم يزرعون فيها كل ما يحتاجون، وبخاصة الذرة، وهم لا يهتمون بالزراعة للبيع والاستغلال؛ لأنهم لا يكادون يعرفون للنقود قيمة إذ كانت حاجياتهم فطرية محدودة، والعادة أن تقطعهم الحكومة تلك الأراضي مجانًا مقابل دفع ضريبة بسيطة لا على الفدان بل على الكوخ الواحد بمعدل جنيه ونصف في العام، ولما كان الرجل منهم يتزوج أكثر من واحدة — إذ الغالب لا يقل عن خمس نسوة — اضطر أن يدفع الضرائب مضاعفة بقدر ما يمتلك من بيوت، وهذا ما يدفع أولادهم إلى العمل لكي يحصلوا على ما يسدون به تلك الضرائب وعلى أمهار زوجاتهم، وفيما عدا ذلك لا حاجة لهم بالمال. وقبائل تلك المنطقة يسمون الكيكويو: يسيرون عرايا نساء ورجالًا إلَّا في إزار من جلد يتدلى من أمام ومن خِلَاف إلى الركبتين، وهو مفتوح الجوانب غير منتظم الأطراف، ولا يَرَوْن عيبًا في ظهور كل أجزاء الجسد عارية فكأنه أمرٌ طبيعي، وتَرى النسوة يلبسن في السوق الحجال من النحاس أو الفضة في أساور أو ثعابين قد تبلغ العشرين تحت بعضها أسفل الركبة وعند العرقوبين لغير المتزوجات وفي الأذرع دون الأرجل للمتزوجات، ويعلقن حلقات ملونة كبيرة من الخرز تحت الأذن ولثقلها ترفع الأذن بشريط من خرز يلف على الجبهة ويربط في قوف الأذن ليساعدها على حمل تلك الأوزان، وشحمة الأذن تُخرق وتشحذ فتتسع لحلقة في حجم الريال الكبير تعلوها أخرى وثالثة أصغر منها، ثم تخترقها قطع من خشب أسطوانية الشكل، إلى ذلك عقود الخرز العدة، وكثير من الرجال يفعل ذلك أيضًا، أما الرءوس فتحلق ناعمة، وترى النسوة يسرن طوال الطريق وهن يعلقن وراء ظهورهن أحمالًا من الحطب أو المتاع أو الأطفال في قطعة من جلد يرفعها سير يمر بأعلى الجبهة وإلى جانبها يتدلى إناء من جلد به مزيج الذرة وجذور التابيوكا كأنها البطاطا في طعم لزج كالعجين، والرجال يحملون الحراب والدروع وسلاحهم الرئيسي القِسِيُّ والسهام المسمومة، وهم يَبرُدون الأسنان الأمامية لتبدو مدببة حادة، ويتخذون أخصاصهم في أعماق الغابات، حتى إنه ليصعب الوصول إليها، وإن وصلتَها تعذر عليك دخولها إلا حبوًا، وهي مجدولة جدلًا جميلًا يدل على شيء كثير من حسن الذوق والاستعداد للرقي، على أنها قذرة جدًّا يعيش داخلها الناس والقطعان.
الشارع الرئيسي في نيروبي عاصمة كنيا.
وهم زُرَّاع لحد كبير، ويُعرَفون بين جيرانهم بالغدْر والجُبْن والمكر، على أنهم مسالمون نشيطون، وهم يخافون آلة التصوير خصوصًا نساءهم خشية أن يؤثر فيهن سحرها أثرًا سيئًا، وكنتُ كلما رأيتُ جمعًا منهن أعرض «الفتوغرافية» لهنَّ مداعبةً فكنَّ يَصِحْنَ ويولولْنَ ويضطربْنَ في مرأًى مضحك، وهم كلما شعروا بضعف في إنتاج أرضهم للذرة والبطاطا لجئوا إلى غابة جديدة فأحرقوها واستنبتوا مكانها حتى أتلفوا مساحات شاسعة من الغابات هناك، لذلك بدأت تمنع الحكومة ذلك وتعمل على إعادة استنبات الأشجار، والكيكويو وثنيون في عقائدهم كثيرة الخرافاتن ومن عاداتهم خِتَان الفتيات دون الذكور، وقد سَرَتْ منهم تلك العادة إلى الكثير من السود من حدود السودان، وهم في الختان لا يكتفون بقطع الزائدتين (الشفرتين) فحسب بل وما حولهما، ثم يُربط الفخذان أيامًّا فيلتحم طرفا الجرح ويسد المكان كله عدا موضع غابة رفيعة توضع وسط الجرح وتحرك قليلًا في كل يوم، فإذا اندمل الجرح لم يترك إلا ثقبًا ضئيلًا هو موضع تلك الغابة، وعند الزواج يحاول الزوج فضَّها فتُحمَل إليه الزوجة في بيته وأهلُها من حولها، ويحاول الزوج ذلك فإن صاحتْ أخذوها منه إلى بيتهم على أن تعاد في الليلة التالية، ويعاد ذلك حتى يستطيع فضها، ولا يزال القوم خاضعين لنظام القبيلة، وزعماؤهم يقومون بالفصل في الخصومات بينهم، فإن عجزوا وهذا نادر تدخلت الحكومة في الأمر.
وسط مزارع البن «كنيا».
لبثنا نسير في تلك الجنة صعدا ومن حولنا المروج والغابات في أراضٍ مغضنة رائعة المناظر، ومن بين تلك المنحدرات ما كان يُزرع شايًا على أنه لا يصادف هناك من النجاح كثيرًا، وأخيرًا أدى بنا السير إلى نُزُل منعزل فوق ربوة تعلو سبعة آلاف قدم، هي جنة ساحرة لولا ما كان يحوطها من برد زمهرير، يقصدها الكثير للراحة أيامًا محدودة، فإن طال المكث أضر بالقلب بسبب خفة ضغط الهواء، الذي يعجِّل بالإجهاد؛ لذلك كنا نشعر بالتعب عاجلًا كلما سرنا على الأقدام قليلًا، ومن تلك الربوة بدا على بُعدٍ جبل:
سيدات الكيكويو يلبسن إزارًا من جلد.
كنيا: الذي يشمخ في السماء ????? قدمًا، وهو ثاني ذُرى أفريقية، وأولُ مَن بلغ قمتَه السير ماكندر سنة ????، والقمة تتدلَّى منها خمسة عشرة ثلاجة، وهي بقايا لبركان خامد قديم هَشَّمتِ التعريةُ من ارتفاعه ما لا يقل عن ???? قدم، لذلك لا نرى الفوهة اليوم واضحة، وتكسوه بين ارتفاع ????، ????? قدم غابات من الأرز cedar والكافور والخيزران (البامبو)، وعلى جوانبه تتدرج النباتات من الاستوائية الكثيفة إلى أعشاب جبال الألب وزهورها في جلاء تام، والإقليم الذي حوله أخصب بقاع كنيا جميعًا وأكثرها ملاءمة لسكنى الجنس الأبيض ومن أغناها بالقنص بما في ذلك الفيلة، وأخص قبائل الأهلين حوله: المساي: أولئك الذين كانوا نذير الفزع وسادة الحرب لجميع أهل أفريقية من فكتوريا نيانزا إلى ممباسا، حياتهم حياة قتال وحرب، على أن عديدهم تضاءل بسبب توالي الحروب وفتْك الجُدَرِيِّ بهم، وأول ما يسترعي نظر السائح نظامُهم العسكري المحكم، فالصِّبْية رُعاةٌ مسلحون إلى سن ?? حين يصبحون من المقاتلة Elmorani الذين يخضبون حرابهم بدم الغير، ويخلصون لوطنهم، ويمتنعون عن الزواج والتدخين والمسكرات، ويعيشون عيشة زهد وتقشف، حتى تنقضي مدة خدمتهم، وإلى جانب الحِرَاب ذات الحدَّيْن والدروع يحملون سيفًا تراه معلقًا من حزام من جلد غفل، ومنظرهم وهم في أردية الحرب يلقي الرعب في القلوب، وبخاصة غطاء الرأس الذي يطوق الوجه كله في شعور نافشة، وكلما هاجموا محلة Kraal قتلوا الرجال المدافعين جميعًا بالحراب، أما النساء فيقتلنَ في المساء بالهراوات وهم يفاخرون أنهم لا يتخذون من بعضهم أسرى ولا مسجونين، بل يقولون حيثما تمر جنودُنا لا تُعقِب من الأحياء نفرًا، وقد لا يقتلون النساء أريحية منهم، ولكي يتخذوا منهن خدمًا، وغرضهم الأول من تلك الغارات الاستيلاء على قطعان الغير؛ لأن المساي رعاة لا زُرَّاع تُقدَّر ثروتهم بحسب قطعانهم، وعجيب أنهم لا يصيدون الحيوان الذي تغص به بلادهم احتقارًا، اللهم إلا السباع، غذاؤهم الرئيسي لحم البقر واللبن والدم الطازج الذي يُتَّخَذ من الحيوان وهو حي، والنساء يقمن بالتبادل التجاري البسيط، وقد تكون القبيلتان في قتال مستعر والنساء على الحدود يتبادلن تلك المتاجر، وهم يعبدون إلهًا اسمُه «نجاي» Ngai ويطلقون هذا الاسم على كل ما لا تفقهه أفهامهم، ومن عاداتهم الغريبة اقتلاع السنَّيْنِ الأمامِيَّيْنِ من الفك الأسفل، وتلك أخص ما تميزهم عن جيرانهم، ويخال البعض أنها عادة شاعت اتقاء مرض تصلب الفك الذي كان منتشرًا لديهم، حدث مرة أن تابعي في ضواحي نيروبي وكان من المساي صادف جمجمة في الأرض فأسرع إليها ورفعها باحترام وقد عرف أنها لمساي مثلِه لنقص السنَّيْنِ الأماميَّيْنِ، ثم عكف على بعض العشب — وهم يقدسون العشب؛ لأنه سرُّ نمو قطعانهم — وبصق عليه وحشا به تجاويف الجمجمة والتفتَ إليَّ وقالَ: ذلك لكي نزيل الشرَّ عنَّا، ودهشتُ لما صادفَنَا صديقٌ له في الطريق فبصق هو في وجهه، وتلك عادتهم في التحية، ويسترعي النظرَ آذانُهم وما فيها من الحلي فهم يشحذون شحمتها طويلًا، ثم يثقبونها وتتدلى منها أكواب وصفائح وقِطَعٌ من خشب في أحجام مخيفة، والرجال يلبسون جلود السباع وأذناب القردة على رجولهم وريش النعام فوق رءوسهم، وعند العرقوبين يضع الرجال أجراسًا لتدل الناس على اقترابهم، والنساء يغطين أجسادهن بأطواق النحاس في البطن والخصر والسوق والسواعد والرقاب في أوزان مبهظة، ولا تعد السيدة من النبيلات إلا بكثرة تلك الأطواق، وهم لا يدفنون موتاهم خشية تدنيس الأرض بل يحملون الجثث في العراء وتترك لتلتهمها جارحات الطير والوحوش، ولا يدفن سوى الزعماء فوق تلال تقوم مشرفة عليهم، والمساي أنبل المتوحشين وأكثرهم استقامة، وهم يتخذون من القبائل الأخرى خدمًا ورقًّا، خصوصًا قبائل «اندروبو» وإذا جاءك مسالمًا مدَّ ذراعه الأيمن بمحاذاة كتفه وشد أصابعه إلى أعلى بحيث تواجه راحة اليد من أراد مسالمته. أحد المقاتلة عند الكيكويو ويرتدي قرطًا وكأنه الكوب الكبير.
جبل كنيا الرائع.
ولقد كان نظامهم العسكري المحكم من أكبر العقبات والمشاكل أمام الحكومة التي أخذت تقاومه وتصرفهم عنه بمنع المران العسكري وتحريم حمل الحراب والدروع، لكن سرعان ما حدا بهم هذا إلى التدهور والفناء وتحاول الحكومة صرف مجهودهم إلى استثمار منتجات الألبان، وهي تقيم لهم المصانع والمدارس لذلك، ويساعد الحكومةَ في ذلك زعماؤهم رغم احتقارهم للعمل اليدوي، كذلك فهي تشجع تصاهرهم مع الكيكويو، والمساي صحيحو الأجسام نحيلو السوق قريبون في الشبه من المصريين الأصفياء، لونهم نحاسي ولغتهم قريبة من لغات أعالي النيل، وهم يعدون أنفسهم الطبقة الأرستقراطية في أفريقية، يؤيد ذلك مظهرهم الوقور وبسالتهم وكبرياؤهم واستقلالهم وذكاؤهم، وهم ضعيفو الإيمان بالسحر، وزعماء الدين لديهم Laibons يقصر عملهم على الدواء والعلاج واستنزال المطر، والحالة الصحية حولهم رديئة فمنازلهم تطلى بروث البقر وتقام في دوائر كي تقي البقر داخلها فينتج من هذا انتشار التراب والذباب بكثرة مخيفة، نساؤهم يعِشْنَ عيشةً هي أسهل من نساء القبائل الزراعية، وتهددهم الوحوش التي تجري وراء قطعانهم، وقديمًا كان جُلُّ مرانهم على صيد السباع بالحراب والدروع كخطوة للمران الحربي فلما قاومت الحكومة هذا الروح تشجع الحيوان الوحشي وأضحى لا يخشى الناس فأباحتِ الحكومة لعدد محدود منهم حمل الحراب لوقاية قطعانهم، ومن أسوأ عاداتهم تخضيب حراب المقاتل الحديث بدماء الغير، ولا يزال بعضهم يهاجم الغرباء ويقتلهم رغم تحريم القانون لذلك، والنساء هن اللاتي يشجعنهم على ذلك؛ لأنهن يسْخَرْنَ جماعات من كل مقاتل لم تخضب حربته ومن حفلاتهم قبل التخضيب أن يصارع الفتى ثورًا أسود يظل يومًا كاملًا يطعمه القوم اللبن ويسقونه الخمر، ويتبارى الكل في حفل ويحاول كل فتًى أن يُمسك بالثور الثَّمِل السكران من قرنه الأيمن، وسرعان ما يُلقي الثورَ على الأرض ويسلخه حيًّا ويقطع الجلد إلى سيور يتزين بها الفتيان جميعًا حول العرقوبين والرسغ، ولتقديسهم للبقر لا يذبحونه لأخذ اللحم؛ لذلك كان جل غذائهم مزيجًا من اللبن والدم، ويستخرج الدم بطريقة مدهشة إذ يربط الثور ويضرب الرجل بسهمه في وريد الرقبة فيسيل دم الحيوان ويجمع في إناء لحدٍّ لا يُميت الحيوان، ثم يضمد جرحه ويترك الحيوان ليستعيد قواه ودمه، ثم تعاد العملية مرارًا، ويقال أن وباءً فتك بماشيتهم سنة ???? فأباد قطعانهم ولوثت عفوناتها أرجاء الهواء ومياه الأنهار فمات من المساي جماهير عدة ولم يستعيدوا عديدهم وسلطانهم بعد تلك الصدمة، فكان هذا من حظ النزلاء البيض من الإنجليز في تلك الجهات حيث لم تكن مقاومة المساي لهم كما كان القوم يتوقعون. المساي في كامل ردائهم الحربي.
عدت إلى ناحية أخرى من نيروبي هي مسكن الطبقة الأرستقراطية من الهنود، والهنود هنا كثيرون وبينهم المفرطون في الغنى، وبيدهم غالب المتاجر والوظائف المتوسطة في مصالح الحكومة وفي الأنزال، وهم المشرفون على الخدم من السود في كل مكان، وإن الإنسان ليعجب لنشاط الهنود وسعيهم بعيدًا وراء كسب المال وكأنهم اليهود في الحرص على المال أو جماعة الإغريق في ريف مصر، وكلهم مكتنزون للمال لا يكادون ينفقون منه شيئًا لبساطة معيشتهم، وغالبهم هناك من المسلمين، ولذلك أقاموا لهم مسجدًا على نظام تاج محل هو آية في الهندسة والجمال، والشيعة منهم أقاموا بناءً ضخمًا صُفَّتْ به المقاعد، وكأنه المدرسة يفِدُ إليه الصبية كل يوم بين السادسة ومنتصف الثامنة مساءً وهم يرتلون بعض أدعية ويصلون، ثم ينصرفون، أما مساكن الأوروبيين ففي ضاحية تسمى التل تطل على المطار الفسيح وإلى جانبها مباشرة حرم الحيوان، وقد كنتُ أرى به آلاف الغزلان والتياتل «هارتبيست وويلد بيست» وغيرها.
المتحف: زرت متحف المدينة وهو على صغره قيِّم في محتوياته، راقني به مجموعة من الحيوان المحنط، وأعجبُه دب النمل Ant bear وكأنه القنغر شكلًا وحجمًا، والسمك ذو الرئة في طول مترين وكأنه كلب البحر Shark، ثم مخلفات الإنسان من جماجم أسنانها بالغة الضخامة وجباهها متحدرة، ومقاعد وآلات وآنية من خوص وخشب وزينة من أقراط وأساور من نحاس وخرز وأسلحة من حراب وتروس وآلات موسيقية منها طبول منقورة في جذوع الشجر وقيثارة ذات أوتار بعضها طولي وبعضها عرضي «وقانون» من غاب غليظ أجوف يرص متجاورًا وتعلوه سيور الجلد بدل الأوتار ورباب ومزمار، كذلك أفخاخ للأرجل من جديلة من خوص تتوسطها عصيٌّ مدببة تكاد تتلاقى في وسط الدائرة فتَخِزُ جلد المجرم المعاقب وخزات مستمرة أليمة، وسفن شراعها من جدائل الخوص، وثم قسم جيولوجي وآخر نباتي به نماذج من ألواح الخشب على اختلاف صنوفه، وقرن هو ثمرة شجرة Entada طوله متر ونصف وبه أربع عشرة فولة الواحدة في حجم قطعة الصابون الكبيرة ينمو قرب السواحل الحارة، وأعجب الكل ثمرة سوداء كأنها خشب الأبنوس في فلقتين متجاورتين كأنهما قربتان بيضيتان متلاصقتان لونًا وحجمًا، وشجرتها تنمو في الشواطئ وبخاصة في جزائر سيشل وتسمى جوز البحر Coco de mer والنخلة تصل مائة قدم وأوراقها عشرين، والثمرة تكاد تكون أكبر ثمار الدنيا حجمًا تنضج في عشر سنين، عثر عليها الكاشفون أولًا طافية في البحر، والثمرة تؤكل وتصلح لعمل بعض الأدوية، وثَمَّ قسم للحشرات من بينها حشرة العصيِّ Stick في طول شِبْرَيْن، وكأنها العصي تمامًا والحشرة المُصَلِّيَة praying تحكي «فرس النبي» تأكل لحوم غيرها، وسميت كذلك لأنها ترفع رجليها الأماميتين وكأنها تصلي دائمًا، ومجموعة من فَرَاش بديع، والمتحف رغم صغره قيم جدير بالزيارة. يلبس المساي جلد السبع الذي يصيده بحربته ليدل على رجولته.
سيدات المساي.
إلى الأخدود الأعظم: غادرتُ نيروبي فأخذ القطار يعلو في صفحة غنية بالمزارع أظهرها البن، وكلما توغلنا زادت وعورة المنحدر وتعقدت ليَّات السكة ويمكنك تقدير ذلك إذا علمت أننا علونا في الأميال الخمسة والثلاثين الأولى ألفي قدم، والقاطرة هنا من ذات المحركين كي تستطيع مغالبة ذاك الصعود، وكان الخط يجانب سلسلة ملتوية تهوي من جوانبها الوديان المختنقة إلى قرار الوهاد المغضنة من دوننا، والمناظر من حولنا رائعة، لبثنا نعلو والوهاد تنكشف حتى مررنا بمحطة «كيكويو» نسبة إلى حافة الهضبة التي تعلوها ومَن يقطنها من قبائل الكيكويو، هنا بدا الإنسان على فطرته عاري الجسد في غير إزار كلَّا ولا ستار للعورة نساءً ورجالًا، اللهم إلا الأغنياء منهم، وهؤلاء يلبسون إزارًا من جلد ليس تحته شيء، وفي تلك المرتفعات متسع للرعاية وبخاصة للبقر والماعز التي كنا نرى منها القطعان الكثيفة، والبقر يلفت النظر بلونه القاتم ذي البقع البيضاء وبما يعلو كتفه من سنام ناتئ غليظ، ولما قاربنا الذروة زادت غابات شجر واتل Wattle في ورقه القاتم المثقب المهفهف وزهره الذهبي العطر ذاك الذي تستغل قشوره للأصباغ وخشبه للوقود، وكثير من قاطرات سكة الحديد تحرقه بدل الفحم، ويقولون إن الإقليم كانت تسده الغابات والأحراش منذ نصف قرن فقطعت وزرع هذا الشجر مكانها، وحيث تبدو التربة الحمراء السميكة تقوم منابت الذرة. أخيرًا وصلنا إلى الذروة في محطة Upland على علو ثمانية آلاف قدم، منظر أذهل الفؤاد بروعته إذ تكشَّفَ من دوننا: الأخدود الأعظم Great Rift Valley: في مشهد سيظل يشغل من الفكر حيزًا لا تمحوه السنون فلعله أروع مشاهد أفريقية على الإطلاق، هنا بدا الوادي المغضن الفسيح في هوة لا تكاد تدرك العين قرارها، ذاك القرار الذي كان ينأى من دوننا بألفَيْ قدم فكانت تبدو وديانه المختنقة اللانهائية تتلوى وسط الربى المخروطية إلى قصارى مسارح النظر، منظر دونه المناظر التي رأيتُها في سويسرا وإسكندناوه وجبال الهملايا، وقد زاد المكان جمالًا أبناؤه الأبرار الذين لم تمسسهم مساوئ المدنية من الإنسان الهمجي عاري البدن وطوائف الحيوان الوحشي التي كنا نمر جوارها وبخاصة أسراب النعام والتيتل والزبرا حمار الوحش بديع النقش ذاك الذي كانت جموعه تسير في مئات ترعى وجميع رءوسها في اتجاه واحد وفق عادتها. ظل القطار يهوي فتستبين تلك الربى الناتئة وما جاورها من أكواخ مكورة ساذجة، وكل تلك الربى مخاريط لبراكين خامدة كانت ثائرة غاضبة يوم أنِ الْتَوَى سطح الأرض وانفطر فخلف ذلك الأخدود الهائل الذي يمتد من موزمبيق وبحيرة نياسا جنوبًا إلى البحر الأحمر فالبحر الميت في فلسطين شمالًا؛ أعني مسافةً ذَرْعُها خمسة آلاف ميل، وهو يبدو واضحًا بين الحافتين المشرفتين: كيكويو إلى الشرق وماو إلى الغرب، وسَعَةُ ما بينهما ??? ميلًا، ويقولون إن سبيلنا هذا خلاله بواسطة سكة حديد كنيا هي خير بقاع الأخدود روعة وجمالًا، أخيرًا أدى بنا الهبوط إلى مشهد سلسلة من البحيرات تطوقها حافات المخاريط البركانية القديمة ومِن أسمَاهَا مكانًا «لونجونوت» الذي يعلو ???? قدم وتتسع فتحته إلى ميلين ونصف، وهي غائرة العمق تكاد تسدها الغابات وتتخللها شقوق تصعد غازات سامة، ومن ورائه تبدو سلسلة من بحيرات أهمها ماجادا، نايفاشا، ناترون، المنتايتا وناكورو وبارنجو. بعض أردية الحرب عند المساى.
وبعد أن جزنا محطة «لنجونوت» وبحيرتها وبركانها بدت نايفاشا ( × ?? ميلًا) في شكل هلال تتوسطه جزيرة هلالية هي ناحية من شفة ذاك المخروط البركاني الهابط، وهنا كثر الطير والزبرا وأفراس الماء بشكل استرعى أنظارنا، وكانت منحدراتها تكسى بمزارع السيسال، وفي سبع ساعات دخلنا بلدة ناكورو في قرار الأخدود الأعظم، هنا استرحتُ يومًا كاملًا في بطن ذاك الوادي الفذ الأوحد، والمدينة بجوها المنعش البارد الصحي مزار لطلاب الراحة والاستشفاء، إذ يبلغ ارتفاعها ???? قدم أو يزيد قليلًا، وهي قرية صغيرة بها طريقان رئيسيان متقاطعان، تصَفُّ عليهما الحوانيت والمساكن الوطنية ذات الطابق الواحد والسقوف المنحدرة، وكلها من صفائح الزنك، وحول نصف أهلها وتجارها من الهنود، وأحد هذين الطريقين يؤدي بنا هبوطًا إلى بحيرة آسنة صغيرة تحوطها عدة رُبًى بركانية ويحف بمدرجاتها الرملية كثيف الدغل وبعض الشجر المنثور، وفيها كثير من الطير ودابة الماء، وقد تسلقتُ بعض تلك الربى فبدا منظر البحيرة فيها رائعًا، على أن البعوض مختلف الحجم كان يحوطني أينما سرت في سحائب مخيفة، والمدينة تطوقها حافة بركان Menengai قطر فوهته أميال، ومن ورائها يمتد بطن الأخدود الأعظم شمالًا وجنوبًا في سهول مترامية تعوزها الفلاحة ووسائل الري كي تغل نتاجًا وفيرًا. بعض زينة الشعر عند أهل كنيا.
إلى فكتوريا نيانزا: برح القطار ناكورو وأخذ يصعد الجانب الغربي للأخدود وكان الصعود سريعًا؛ إذ بلغنا القمة بعد ?? ميلًا، علونا خلالها ???? قدمًا فوق ناكورو، وكانت ليَّات السكة متعددة والربى المنثورة يعلو بعضها البعض تكسوها الغابات القاتمة، وهنا وهناك كنا نرى بقاعًا شاسعة زرعها ذووها، على أن هذا الجانب رغم ثروته بالنبت وكثرة المسايل المائية التي تسيل بالماء إبان المطر، أندر سكانًا والمناظر أقل روعة، ومعابر سكة الحديد هنا بلغت ?? في قناطر ملتوية شاهقة تشهد لأولئك الجبابرة الذين أقاموا الخط مغالبين الطبيعة ووعورتها، وهنا شعبة لسكة الحديد تعبر خط الاستواء ثلاث مرات في طيات متعاقبة. عبرنا «حافة ماو»، ثم أخذنا نهوي سراعًا إلى السهول المؤدية إلى فكتوريا نيانزا وفي خمسين ميلًا هبطنا ???? قدم، ولن أنسى زمهرير البرد خصوصًا لما أقبل المساء، فقد كادت قدماي تجمدان، وكان البرد يفوق أقسى ليالي شتاء مصر، والعجب أننا كنا فوق خط الاستواء تمامًا، لكن هو الارتفاع الذي هبط بالحرارة إلى ذاك المدى البعيد، على أنا شعرنا بزيادة الدفء عاجلًا لما أن أخذنا في ذاك الهبوط، ولقد انتقلنا إلى جوٍّ حارٍّ تمامًا لما بلغنا كيسومو على البحيرة وأخذت السهول تنفسح وتنأى الربى كلما هبطنا وغالبها برِّيٌّ يكسوه العشب والشجر إلا في بقع نادرة من نبات الذرة تجانبها جمهرة من مساكن القوم، وفي ظني أن مستقبل تلك المتسعات وَقْفٌ على الفلاحة والزراعة إذا ما زُودت بوسائل الري والأيدي العاملة، وإقليم كنيا رغم غناه المفرط في خصب التربة ووفرة المطر وكثافة النبت نادر السكان، ولعل أغنى بقاعه بالنبت والخصب الأخدود الأعظم؛ لذلك كنا نرى كثيرًا من المساكن تجاور المحاطَّ على خلاف الهضبة بين ممباسا ونيروبي التي كانت موحشة خالية من الأهلين، وكان نصيبنا من الحيوان الوحشي هنا قليلًا. دخلنا كيسومو: فتجلَّتْ مياهُ فكتوريا على بُعدٍ في لونها الفضي وامتدادها الرهيب، ووقف القطار إلى جانب السفينة Clement hill والمدينة قرية صغيرة بها طريقان واضحان عليهما الدور والحوانيت، وغالب أزِقَّتها تطل على البحيرة في انحدار؛ لأنها تقع على إحدى رُبَى خليج «كافروندو» وهو شعبة من البحيرة كأنه رأس الحيوان تحفُّ به من جميع نواحيه نجاد مغضنة، والمدينة قد فقدتِ اليوم شيئًا من شهرتها التجارية لمَّا أنْ فُتح الطريق الحديدي إلى جنجا وكامبالا رأسًا، على أنها لا تزال المرسى الرئيسي لبواخر البحيرة، تلك التي نُقلتْ قطعها بسكة الحديد وركبت في حظائرها التي تعدُّ أعلى مراسٍ للسفن في الدنيا، وأول باخرة وصلت فكتوريا أرسلت قطعًا لا يزيد وزن الواحدة على قنطار، نُقلتْ كلها على كواهل الناس من ممباسا مسافة ??? ميل، وكانت حمولتها ?? طنًّا، فتصور مبلغ المشقة والنفقات! إلى هذه الأخطار التي تعرضتْ لها القافلة من الوحوش والقحط ونضوب الغذاء. زينة الآذان والأنوف عند قبائل توركانا.
وقد كانت السفينة تحمل وسقها من الأغنام والخنازير ومنتجات الألبان، والمدينة تموج في المساء بأسراب حيوان اسمه Impala كالغزال الصغير، تسير قطعانه بجانب المارة كأنها مستأنسة، ويواسي بعضها البعض، وحدث مرة أنْ ضُرب واحدٌ منها فجُرح وفرَّ وعَدَا معه اثنان إلى جانبه ليعاوناه على المسير. هنا بدا الأهلون من قبائل كافرندو أبعد عن الهمجية التي لمسناها في سكان الأخدود، يلبسون الأردية في جلابيب فضفاضة من قطن، ولا يكثرون من التزين بالمعادن والخرز، وهم أقوياء بواسل ومستمد رئيسي للعمال، وهم من أكثر الهمج عِفَّة يحكمهم زعماء أشداء، وعديدهم يناهز المليون، والضباط والبوليس يلبسون الطربوش الأحمر تتدلى منه خصلته الثقيلة. فكتوريا: قمنا إلى أوغندا نشقُّ عباب مياه خليج كافرندو الذي ظلت شواطئه تبدو في سلاسل جبلية وطيئة تكسوها خضرة خفيفة، وكان لون الماء عكرًا زيتيًّا تشوبه حمرة خفيفة كأنه ماء النيل إبان الفيض. ما أقسى ما يعانيه القوم في تجميل شفاههم هكذا.
ولقد كان الجو صحوًا والشمس محرقة والحر قائظًا، ولمَّا أن تحركت الباخرة أنعشَنَا نسيمُ البحيرة البليلُ، ولبثنا نشق خليج كافرندو زهاءَ خمسِ ساعات (?? ميلًا)، وقبيل المنفذ أخذت المخاريط الخامدة الصغيرة تتقارب حتى خُيِّل إلينا أن البحر مغلق لا منفذ له، لكن ما لبثت تلك المخاريط تنشق إلى جزائر جرانيتية صغيرة يتلوَّى الماء خلالها، وهي جميعها تكسوها خضرة لا يكاد يستقيم لها عود، وقد بدا للخليج منفذان رئيسيان مختنقان، سلكنا سبيلنا إلى الأيمن بين منثور الجزيرات الساحرة، وما كدنا نجوز آخرتها حتى دخلنا بحر «النيانزا» المائج الخضم الذي غابت عنا شواطئه وصفا ماؤه في خضرة زيتية مستملحة، وهنا فقط كان الفرق بينه وبين المحيط بمائه صافي الزرقة. وقفتُ أُجيلُ النظر في تلك العظمة، وشعرتُ بالغبطة الكاملة حيث تحقق حلم كنتُ أحسبه خيالًا بعيدَ النوال هو أنْ أرى فكتوريا نيانزا التي نَدِينُ لها بروحنا وحياتنا؛ لأنها المنبع الثابت لنيلنا الخالد العتيد، وما كانَ أحلَى مغربَ الشمسِ وقد صوَّبتْ إلينا رياشَها الذهبية من خلال كومات السحب! وقبل أن تنفذ إلى الصميم منَّا دفعتها صفحة الماء عاكسة إياها في توهج يسحر اللب، وما كادتْ تغرب الشمس حتى انطفأتْ تلك الألوان الجذَّابة، وخيم الظلام الرهيب شأن سائر البلاد الاستوائية التي ينطفئ فيها ضوء الشفق عاجلًا، ولقد أنصف القوم في تسميتها «نيانزا» ومعناها البحر فهي ??? × ??? ميلًا أو ?????كم? تطوفها الباخرة في خمسة أيام كاملة، وهي تغاير سائر البحيرات في أن شواطئها مدرجة وليست مشرفة، تكسوها الخضرة التي تعرَّفْنا مِن نباتها البردي والبشنين، وإذا ما هاجت وغضب ماؤها اقتلع منها كُتَلًا كنَّا نراها طافية. مسجد هندي على نمط تاج محل في نيروبي.
استقبلنا مشرق الشمس بألوانه القاتمة الجملة «وبورت بل» قبالتَنا وهي ثغرٌ صغير أُقيم على البحيرة ليصلها بمدينة «كامبالا» العاصمة التجارية لأوغندا، وهي ليست مدينة، بل مجموعة مراسٍ وأرصفة عليها أشرطة سكة الحديد التي تمتد سبعة أميال إلى كامبالا.
قطعان الحيوان عند الأفق في حرم الحيوان.
هنا انتقلنا إلى القطار فسار بنا وسط مدرجات فكتوريا التي كان يكسوها البردي والغاب والقصب الكثيف، ويغطي أجوان البحيرة العديدة أطباق البشنين ونَورُه الكبير، وكنا بين آونة وأخرى نبصر بجمهرة من الأكواخ زرع القوم حولها بعض الخضر وأشجار الموز حتى وصلنا محطة كامبالا.
القطار ينزل بنا إلى الأخدود الأعظم.
بحيرة ناكورو وسط الأخدود الأعظم.
كامبالا: أخذت أصعد في طريق متلوية أدتْ بي إلى النُّزُل فنظرت من حوله وإذا الوهاد والنجاد لا حصر لها، تكسوها جميعًا الغابات والأحراش، وتتناثر عليها المباني الحديثة في سقوفها المتحدرة من صفائح الزنك، والكل في طابق واحد، وفوق ذروة كل ربوة بناء شامخ، والمنظر حول كامبالا ينم عن مناظرَ أوغندا كلِّها، تلك التي أطلَقَ عليها ستانلي «لؤلؤة أفريقية» فهي مجموعة من تلال محدبة، ذُرَاها مسطَّحة، بينَها وديان تسدها الخضرة، وتفاجئك المياه بكثرة وعلى غير انتظار، والمدينة مقامة على سبعة تلالٍ، كما بُنيت روما، لكنها أبعد جمالًا وأغنى روعة، تتصل كلها بطرق متلوية تهوي تارة وتصعد أخرى إلى مئات الأميال في رَصْفٍ بديع، وهي تشق جزءًا من أفريقية كان إلى أمدٍ قريب مجهولًا مغلقًا، ارتقيت أعلى تلك التلال واسمه تل ناميرمبي Namirembi ومعناه تل السلام، تتوِّجُه الكاتدرائية الإنجليزية، وفيها أقيمتْ أول صلاة مسيحية هناك سنة ????، ودُمرت تمامًا بعاصفة سنة ????، ثم جُددت بعد عام، لكن السماء الغاضبة نسفتْها بعاصفة سنة ????، والكنيسة الفاخرة الحالية أتمت سنة ????، وإلى مقربة من المكان «تل كاسوبي» تتوِّجه المدافن الملكية، وأروع ما رأيت منها مقبرة الملك موتيزا Mutesa وابنه الماجن موانجا Mwanga والد الملك الحالي، وبجوار المدفن الطبل الأعظم «موجا جازو» الذي كان يدقه رئيس الجلادين «موتا مانياج» كلما أرادت آلهة القبيلة «لوباري» الفظيعة بعض الذبائح البشرية كيوندا Kiwenda طوع عادتها الدموية القاسية، والمدخلُ قَبْوٌ يحوطه سور من جدل الغاب الأنيق، تتوسطه ردهة مستديرة تقوم حولها مساكن الحراس، وفي المقدمة المدفن وهو كوخ فاخر مستدير يقوم على عدة عُمُد مزركشة ومن جذوع الشجر، وفي قراره المقبرة تصفُّ عليها الحِرَاب البراقة، وإلى يمينه مدفن ابنه موانجا، وإلى جوار حظائر المدفن مسكن أخت «موتيزا» وحاشيتها في أكواخ كبيرة تحوطها أسوار الغاب، وكم خضَّبتْ أرجاءَ هذا التل دماءُ الأبرياء من بني الإنسان، وكانوا يُقدَّمون زرافات كقرابين في عهد ذاك الطاغية. سكة الحديد إلى فكتوريا، وهي هنا تعبر خط الاستواء ثلاث مرات بلياتها العجيبة.
نبذة عن تاريخ أوغندا والطاغية موتيزا: أول مَن رأى أوغندا من الأوروبيين «سبيك»، لكن تجار العرب كانوا يعرفون البلاد حق المعرفة قبل ذلك بزمان بعيد، ولقد دهش سبيك؛ لأنه بعد أن سار من الساحل عند زنجبار بين أقوام من العرايا الهمج رأى أهل أوغندا يلبسون الأنسجة المختلفة حتى إنهم استنكروا أن يَرَوْا حمار سبيك يبدو عاريًا، وقد لاقاه الملك موتيزا وأكرمه، وكان طاغية قاسيًا، له سبعمائة زوجة ومائة وخمسون من الأبناء، وقد رحَّب بالأجانب ظنًّا منه أنهم سيزيدون البلاد علمًا وقوة واعتنق المسيحية، وطلب أن توفد إلى بلاده البعوث الدينية، ولما مات موتيزا سنة ???? قيل إنهم قدَّموا على مقبرته خمسمائة من الضحايا البشرية، وقد كَرِهَ ابنُه موانجا المسيحية وشجَّعه العرب على ذلك، وكان شِيَعُ المسيحيين هناك في شقاق مستمر، فأخذ موانجا في إحراق كل مَن يعتنق المسيحية أو يُلقيه طعامًا للتماسيح، لكن بعض قومه ثاروا عليه فهرب وأيَّد العربُ أخاه ملكًا لنشر الإسلام، لكن أسرع المسيحيون واستنجدوا بموانجا الذي حارب العرب وخذلَهم، وأيده المبشِّرون بالمال والرجال حتى كانت سنة ???? فأُمضيتْ معاهدة بين إنجلترا وألمانيا ضُمتْ بها أوغندا لإنجلترا، ودخلها «لوجارد» حاكمًا فاتحًا بجيش من السودانيين وأهل زنجبار وهُزم العرب على مقربة من «كوار» سنة ???? في مقاطعة أنكولي، ولما أمِنَ المسيحيون خطر العرب اقتتلوا ثانية (الكاثوليك الروم ضد البروستانت)، وكان لوجارد يتعقب فلول جنود أمين باشا السودانيين فقُتل بعض البروستانت بيد الكاثوليك الذين ساعدهم موانجا فقامت الحرب بين الفريقين طويلًا، وأخيرًا رُفع العلم البريطاني لأول مرة هناك ومُنح المسيحيون من الفريقين امتيازات كثيرة، ثم طالبت الشركة التجارية البريطانية في شرق أفريقية بامتلاك البلاد وقرر البرلمان البريطاني إخلاءها لكن عاد فعدل عن ذلك. الشوارع في كيسومو تنحدر كلها إلى بحيرة فكتوريا.
كامبالا تقام على سبعة تلال، وهاك جندي البوليس وسط شوارعها المنحدرة.
الزي القديم والحديث في كامبالا.
وفي ???? أُعلنت الحماية على أوغندا، وأُطلق أيدي الكاثوليك والبروستانت معًا ليقوموا بشئون التعليم وتحويل الوثنيين إلى المسيحية ما استطاعوا، وأخذت الحماية توسع أملاكها غربًا وشمالًا، وفي ???? ثار موانجا ثانية بمعاونة المسلمين وجنود السودان، وكادت إنجلترا تخسر البلاد كلها لولا انتصارها سنة ????، وفيه أُسر موانجا ونُفي إلى سيشل حيث مات سنة ????، وأمضيت معاهدة «منجو» سنة ???? ونصب ابن موانجا «دودي تشوا» ملكًا تحت أوصياء من أهله؛ لأنه كان طفلًا في سن الرابعة، ودَفعتْ له بريطانيا راتبًا كبيرًا، وتعهَّده مدرس إنجليزي خاص. والطاغية موتيزا كان يقدسه رعاياه، وكان يحكم حكم إقطاع معقد، وكانت تقلبات أهوائه قاسية مدهشة، فطالما بتَرَ رأس زوجة لأنها نسيتْ أن تُغلق الباب وراءه، وكان ماجنًا؛ فكلما سمع عن فتاة جميلة حملها إليه أتباعه قهرًا عنها، والتعذيب لأقل هفوة كان شائعًا كقطع الآذان واللسان وقلع العيون وما إليها، وكان كلما خرج جيشه دُفنَ أمامَه طفلٌ حيٌّ إرضاءً للعفاريت، ولا يزال الباجندا أهل البلاد إلى اليوم يستهينون بالحياة ولا يستنكرون كثيرًا من أعمال القسوة التي تقع تحت حسهم، وكثيرًا ما كان يجلس موانجا ويجيء الرجل أمامه فيقطع ذراعه، ثم يشوى في النار، ثم ساقُه وأخيرًا يُلقَى كله في النار على مرأًى منه وهو ثَمِلٌ سكران.
أمام مقصورة موتيزا حيث كانت تقدم الضحايا البشرية.
أمام مدفن موتيزا الطاغية وابنه الماجن «موانجا».
ومن تلال كامبالا السبعة تل منجو Mengo مقر الحكومة الوطنية وموطن الكاباكا «الملك»، وكان الطريق الرئيسي المؤدي إلى القصر يتدرج علوًّا إلى المدخل الرئيسي تجانبه الخضرة والأشجار المشذبة، ويطوق التل كله سور شاهق من جدائل الغاب والقصب متقن الصنع أيَّما إتقان، وعلى الباب يقف الجندي «أسكرى»، وإلى داخله تقوم المباني يمينًا وشمالًا، بعضها حديث النظام والبعض أقبية وأخصاص عادية، وتلك دور الحكومة، وفي الوسط يقوم القصر الملكي وهو قصر حديث البناء، وأمام بابه توقد نارٌ لا يَخمد أوارُها إلَّا يومَ يموتُ الملك، وكانتْ تُزجيها الذبائحُ البشرية منذ نصف قرن، وإلى جوارها رأينا طبولًا تدق على الدوام إعلانًا وإرهابًا، ويقطن القصر الملك الوطني السير دودي تشوا Daudi Chwa سليل ملوك باجندا، وخلف القصر بركة تغص بالتماسيح التي كان غذاؤها لحوم المجرمين الذين كانوا يُلقَوْن فيها أحياء، وعلى ربوة من تل كامبالا نفسها زرت متحفًا صغيرًا أقيم في مكان الحصن الذي بناه «لوجارد» ورفع عليه العلم البريطاني لأول مرة سنة ????، هنا ذهب خيالي إلى عهد أمين باشا والعلم المصري الذي ظل يرفرف فوق المكان طويلًا، ولولا غدرُ الزمان للبث هناك إلى يومنا هذا، أما المتحف فصغير يحوي بعض مخلفات أوغندا من دروع وتروس من الخوص والجلد وأسلحة من حراب وقِسِيٍّ وطبول وأدوات موسيقية ساذجة وبعض زينة المحاربين وما إليها، وبجوار السجن تقيم عجوز شمطاء هي ساحرة شهيرة اسمها موواموزا كانت في مقاطعة كيجيزي قرب حدود الكنغو، ولكثرة ما سببتْ من شغب وإرهاب نفتْها الحكومة إلى هنا، وهي تخصص لها ولخَدَمِها وأتباعها من حولها رواتب شهرية بها تعيش في رخاء؛ وذلك اتقاءَ شرها وسيطرتها على أذهان السذج من دهماء العبيد. وكامبالا هي العاصمة التجارية لأوغندا، أما العاصمة السياسية فهي:
مدخل البيت الملكي «كاباكا» في كامبالا.
عنتبة: (ومعنى الكلمة الكرسي) فهي تُشرف على البحيرة بثلاث شعاب كأنها الكرسي، وهي مدينة فاخرة آية في التأنق، على أنها صغيرة جدًّا، ويكاد يكون كل قاطنيها من كبار الموظفين الأجانب، وتسترعي النظر بها متنزهاتها اللانهائية وحديقة للنبات هائلة بها جُلُّ فصائل الشجر والزهر وبخاصة الاستوائي، وقد وصلناها بالسيارات من كامبالا في أقل من ساعتين، وكامبالا تعلو البحر بنحو ???? قدم، والجو فيها جميل جدًّا أميل إلى البرودة، والسماء صافية في العادة قبل الظهر، أما بعده فتكاد تحجبها الغيوم التي كثيرًا ما تَهمي وابلًا، أذكر منها عاصفة عاتية ظلت ساعة كاملة والماء يتهاطل كأنه من أفواه القرب، وكان ضجيجه إلى جانب قصف الرعد مرعبًا مزعجًا مما جعلني أفهم معنى الأمطار الاستوائية، مع أني كنت هناك في غير موسم المطر، والإقليم يشعرك بعظمة الغابات أينما طوحتَ ببصرك، أما الطيور بديعة اللون فلا تُحصى ولا تخبو زقزقتها وتغريدها لا ليلًا ولا نهارًا، وفي المساء وسط ظلمة المدينة الحالكة ترى الخضرة تنتشر فيها نجيمات تتلألأ وتنطفئ في كثرة هائلة وهي اليراعة الطائرة fire fly التي أزعجتْني أيما إزعاج لأول مرة رأيتُها وكنتُ في الطريق وحيدًا حينما لاحظتُ عددًا منها فوق قمة أحد تلال النمل، وما كدتُ أُقاربها لأعرف ما هي حتى هبَّتْ منها عاصفة في وجهي وكأنها نار قد انفجرت. المقصورة الملكية في أوغندا.
والأهلون من السود يتجمع غالبهم حول تل منجو مقر الملك وغالبهم من شعوب «الباجندا» يلبس كثير منهم أردية بسيطة من قشر شجرة اسمها Bark cloth tree ينزعون قشرها الليفي بعناية، ثم تنقع قِطَعُه في الماء وتنشر وتدق بالمطارق حتى يصبح ناعمًا طريًّا خفيفًا، والشجرة منتشرة في كل أوغندا، وأعجب ما فيها أنك إذا قطعتَ جزعًا ودفنتَه في الأرض ينمو شجرةً بمجرد نزول المطر عليه، وإذا سُلخ الجلد وجب تغطية الجذع بورق الموز وقاية له حتى يظهر الجلد من جديد، وجلد المرة الثانية أدق أليافًا وأكثر نعومة وجودة من جلد الدفعة الأولى، وقد بدءوا يلبسون اليوم جلابيب القطن، والباجندا هؤلاء أهل جِدٍّ وذكاء وكبرياء، يفاخرون بأن منشآتهم سابقة للإنجليز الذين لم يزيدوا على نظمهم في إدارة البلاد شيئًا، وقد كانوا طعمة لتجار الرقيق قديمًا أكثر من غيرهم، ويمتاز الواحد منهم على أهل كنيا بأنه منتج وأنه سيد نفسه في مزارعه، ويرجى على يديه تقدم زراعي خصوصًا في القطن، وأوغندا تعد ثالثة بلاد الإمبراطورية البريطانية في إنتاجه، وهم أسرع من غيرهم في التمدين بدءوا يلبسون الملابس الإفرنجية ويُعبِّدون الطرق وينظفون المساكن ويركبون الدراجات التي كنتُ أراها مطية الجميع في مزارعهم، وأكواخهم من الخوص والغاب والطين، بعضها مربع والبعض مستدير، وغالبهم لا يَدِين بدِينٍ خاص إلا أن أثر المبشرين المسيحيين واضح جدًّا؛ فهم أول مَن حلَّ البلاد من البيض، دائبون على الدعاية الدينية، وقد ضموا لهم طائفة كبرى من السود الذين كنت أراهم يسيرون والصليب الفضي يتدلى من صدورهم، ومئات منهم يؤمُّون الكنائس يوم الآحاد، أما المسلمون فقليلون إلا مِن الهنود الذين يحتكرون المتاجر ويحلون أكبر أحياء المدينة، وللقوم لغتهم الخاصة، على أن السواحلية لا تزال لغة التعارف بين المتنورين من القبائل المختلفة. عند مدخل القصر الملكي تدق هذه الطبول صباح مساء رهبة وإزعاجًا.
هذا، وجمال الطبيعة حول كامبالا يأخذ باللب، وطفقت أتجول كل يوم سيرًا على الأقدام خلال تلك النجاد والوهاد تطربني أصوات الطيور وتقر عيني بألوانها إلى الآلاف المؤلفة من الزهور فوق الشجر ووسط الكلأ في فصائل لا يحصيها العد وتطير حولها مجاميع الفراش كبير الحجم، وعجيب أني كنت أرى كل فراشة لا تحط إلا فوق زهرة تحكيها لونًا، وقد كنت أقصد إزعاجها فتطير، ثم تعود إلى زهرها دون أن تخطئ، وكان الطير يفعل ذلك إلى حد ما، وكم كنت أحاول ترك الطريق المعبد لأشق الأحراش والغابات اختزالًا فتخونني لياتها وأظل أسير فلا أهتدي إلى غاية، كلا، ولا أتعرف حتى المكان الذي طرقته، أذكر ليلةً أني خرجتُ عصرًا صوب تل الملك فأوغلتُ في الغاب ظنًّا مني أنني أستطيع تحكيم ملكة الاتجاه، فما لبثتُ أن ضللتُ وسط تلك الغابات الرهيبة الموحشة إلى الثانية صباحًا، أعني الليل كله تقريبًا، حتى فاجأتْني ناعورة سيارة سلكتُ سبيلي جريًا إليها وإذا بي في طريق شُقَّ خلالَ الغابات، ولن أنسى مبلغ الذعر كلما سمعتُ حركة وأنا جالسٌ أستريح في وحشة الليل الرهيبة، على أني علمتُ بعدُ أن الوحوش والحشرات قد قلَّتْ هناك جدًّا لقرب الغابات من مواطن الإنسان، أما الأهلون فشديدو الملاحظة يتعرفون طريقهم حتى وسط الشجر الكثيف، وكان النساء نشيطات في الزراعة يتعهدن الموز والبطاطا والتابيوكا، وكلهن يلبسن الملاءات الملونة تدثر الجسم كله من أسفل الصدر، أما ما فوق ذلك فعارٍ، ويسترعي النظر الحزام الذي يلف من فوق العجز إلى ما تحت السرة وهو مدلًّى من الأمام فيساعد على انبعاج الصدر والبطن إلى الأمام وانتفاخ العجز إلى الوراء فتبدو السيدة مضحكة في مشيتها خصوصًا إذا كانت من قبائل «باهيما» رُعاة البقر المشهورين في أنكولي غرب البحيرة، وآية التجمُّل لديهن السِّمَن المفرط الذي تسعى إليه السيدة حتى لا تكاد تستطيع السير، وهم يتخذون من شعر الفيل أساور وعقودًا رجالًا ونساءً، يدهنون رءوسهم بروث البقر، فإذا سألت أحدهم عن تلك العادة القذرة أجابوا بأنهم لو نظفوا أنفسهم نفر البقر منهم فهو لا يتبع إلا الجسوم الملطخة بفضلاته، والعجيب أنهم يعدون أنفسهم الطبقة الأرستقراطية المسوَّدة على من حولهم، وأعجب ما في أبقارهم قرونها التي يهولك امتدادها.
وكنت أرى آلاف المخاريط التي يسمونها «تلال النمل» يسكنها النمل الأسود والأبيض في حجم بالغ وتراها من داخلها مثقبة في سراديب متلوية، والنمل هناك آفة خطيرة تفسد كل شيء في الغابات والمساكن، وهم يتركون النمل يبني مخاريطه التي تراها تصفُّ على جوانب الطرق ووسط الغابات، فإن تعرَّضوا لها لجأ النمل الى إقامتها تحت المساكن بعد نخْرِها فلا تلبث المساكن أن تنهار، وهذا النمل أعمى لا يبصر، ويبني له حواجز على جذوع الشجر في الغابات ليأمن السقوط إذا تسلق، وهذه يقيمها من الطين الذي يحمله فوق رأسه ويلصقه بالجذع بمادة صمغية من أفرازه وينخر الشجر ويأكله.
التمساح لوتمبي يجيب النداء.
والكساد المالي كان يبدو مجسمًا في أوغندا كما بدا من قبلُ في كنيا وسائر بلاد جنوب أفريقية وشرقها، فكثير من الدور والحوانيت خاوية الوفاض، تُعرض للإيجار ومئات منها آخذ في التصفية ودخْل الحكومة آخذٌ في النقْص السريع خصوصًا دخل السكة الحديدية والبواخر؛ لذلك اختَصَرَتْ كثيرًا من القطر والبواخر، وتفكر في الاستغناء عن بعض الموظفين، كما استغنت عن كثيرين من قبلُ وأنقصت المرتبات جميعًا، وها هو نُزُل سافوي ثاني أنزال المدينة يبيع متاعه وسيغلق أبوابه آخر الشهر، ولم يكن به من النزلاء غيري أنا ورجل آخر؛ مما أفقدنا روح الاجتماع فكنا نتناول طعامنا ونأوي الى مضاجعنا خلسة كأننا خجلون مما نحن فيه من وحشة، على أن الأهلين لا يخشون ذاك الكساد لندرة حاجياتهم ولتوافر طعامهم الفطري من منتجات الغابات التي لا ينضب معينها.
يناديان التمساح لوتمبي على بحيرة فكتوريا.
على ضفاف بحيرة فكتوريا حيث يقطن التمساح المقدس لوتمبي.
وفي ناحية من كامبالا تبعد عنها بنحو أربعة عشر ميلًا وتطل على البحيرة مكان يسمونه لوتمبي Lutambe أيِ التمساح، قصدناه فكان الطريق إليه يهوي وسط المزارع والغابات الكثيفة المشتبكة المظلمة، ومشهد البحيرة ساحر بجزائرها الصغيرة المنثورة وتغضن الساحل الذي يحفه نبات الماء في كثافة مشتبكة وبخاصة البردي والبشنين والحلفاء وكثير من الأشجار والشجيرات، وكان بعض الشاطئ مدرجًا والبعض صخريًّا مشرفًا في حمرة قاتمة من نسيج الجرانيت المحبب، وعجيب أن كانت تنمو خلاله الأعشاب وبعض الشجر، وهذا المكان يدين بشهرته الذائعة لتمساح ضخم عتيق من بين آلاف التماسيح التي تغص بها البحيرة. وقف زنجي هناك على الشاطئ وأخذ يناديه وهو يصيح بأعلى صوته قائلًا: «لوتمبي ياد يالوتمبي يانجو كوو» مرات حتى سمع التمساح النداء على بُعْد شاسع وعمق سحيق ووفد إلى الرجل وزحف بجواره ليأكل من يده بعض السمك، ولبث الغلام يناديه يومنا زهاء الساعة والنصف وكدنا نيأس من ظهوره وأخيرًا عند الغروب ظهر يشق الماء وأخذ يزحف بجوارنا كأنه أليف مستأنس يلتقط السمك الذي كنا نقدمه له، وعلمنا أن متوسط ما يكفيه كل يوم مائة كيلوجرام من السمك.
ويقول القوم في أقاصيصهم أنه ظل حارس البحيرة الأمين فوق مائتي عام ويقدسه الجميع، وفي بعض الأحيان لا يسمع النداء فيصفق له الغلام بصفائح في الماء فيجيء إليه، ويؤيدون أنه عتيق بتثاقله الشديد عندما يظهر ويمشي على الشاطئ، ويروُون عنه أنه نهش ذراع رجل مرة، ولقدسيته اتهموا الرجل بالسرقة فأخذوا الرجل إلى الشاطئ ونادوا «لوتمبي» وطالبوه بقولهم: «أرنا بحكمك الراجح إن كان الرجل لصًّا أم بريئًا.» وقدموا له الذراع الثاني فالتهمه التمساح، وعندئذٍ اعترف الرجل بسرقته وردَّ ما سرق لصاحبه ومات بعد ذلك بزمن قليل، وعادة تقديس التماسيح واستئناسها ومداعبتها هكذا مصرية قديمة.
سوق كامبالا.
سوق كامبالا: يقوم في بناءين متجاورين يقسمان إلى مدرجات طولية مسقفة تعرض تحتها المبيعات، أحدهما للخضر واللحوم، وهو نظيف جدًّا كان القوم يبيعون فيه أنواعًا شتى من الفول والجذور بعضها أخضر يؤكل طازجًا، والبعض مجفف كأنه قطع الحلوى يُسحق ويباع دقيقًا، ثم الفاكهة وبخاصة الموز في عراجين ضخمة، ويليه كثرة «البوبوز» في حجم «الشمام» إلا أنه مدبب من أحد طرفيه ولون لبه برتقالي وطعمه حلو لذيذ كان يقدم لنا في النزل نأكله بالملعقة في طعام الإفطار، أما البناء الآخر فقسم فيه للسمك المجفف في شكل أغبر مقدد منفر المنظر كريه الرائحة ويعرض في أحجام مختلفة من تروس قطرها خمسة سنتيمترات إلى سمك طوله المتر، وقسم آخر مكشوف تعرض به من القناني القديمة وعلب التبغ الفارغة وقطع من صفيح ونحاس للزينة وكلها من سقط المتاع تدل على سذاجة القوم وسخف عقولهم، والزحام هنا بالغ أشده، وكم كان يسترعي نظري نظام التحية إذا تلاقى صديقان يبسط أحدهما كفيه متجاورين ويلمس الآخر بطنهما براحته، ثم تظل اليد تتحرك بينهما ذهابًا وجيئة مرات، وخلال ذلك يفوه كلٌّ بكلمة تحية تتبعها زمجرة، لا بل وتأوهات عميقة طويلة، ومن الغريب أن وجه كل منهما منصرف عن وجه أخيه، والنسوة تمر وهي تتهادى متثاقلة لما تحمل فوق رأسها من متاع وفوق ظهرها من طفل كأنه القرد الصغير، وغالبهم يبدون في حرائر فاضحة اللون بين أزرق وأصفر وأحمر، وبعضهن لا يغطين الأكتاف الى الثديين ليظهرن زينة الوشم والتجريح الذي خلف في الجسم صفوفًا منظمة من أدران تتعرج يمنة ويسرة، وقد جرني الحديث عن المستوى الخلقي هناك، فعلمت أن العفة لا تكاد توجد بين الأهلين الذين لا تزال نزعتهم الحيوانية سائدة، هذا إلى تذوقهم طرفًا من المدنية التي جعلت بعضهم يسعى وراء النقود من أي طريق، وسواء أكانت المرأة آنسة أم متزوجة فإنه يمكن استمالتها واستهواؤها عاجلًا، وكثيرًا ما يرضى الآباء والأمهات والأزواج بذلك، وقد أيَّد عندي ذلك زيارتي لمستشفى كامبالا أكبر مستشفيات تلك الأقاليم؛ حيث كان غالب المرضى هناك يشكون الأمراض السرية وبخاصة الزهري، وقد خبرني بعض الأطباء هناك أن تلك الأمراض منتشرة في البلاد بكثرة مروعة، وهي تودي بحياة الكثيرين منهم، ولحسن الحظ أن القوم لا يُخفون المرض بل يقدمون أنفسهم للحقن بدون خجل. لا تكاد تنقشع تلك السحائب عن جبال القمر أبدًّا.
والزواج هناك من سن العاشرة، والبنات يبلغن الحلم مبكرات، والأب يُؤثِر الذرية من البنات؛ لأنه يتقاضى عليهن مهورًا عن زواجهن، ثم يأخذ الزوج عروسه ويبقى المهر الذي دفعه للأب يتمتع به، وأخص مهرجان يقام للزواج الرقص والطبول المزعجة.
وليس في المدينة من وسائل التسلية أو الملاهي شيء قط على كبرها حتى ولا المقاهي أو المراقص كلا ولا الأضواء، فإذا أقبل الليل خيم الظلام وعم السكون وسادت الوحشة المدينة كلها، ومصابيح الطرق متباعدة ضئيلة الضوء؛ لأنها تنار بالبترول حتى إنني كنت أتلمس طريقي ليلًا وكأني الأعمى الضرير؛ لذلك كان لزامًا أن يحمل كل عابر سبيل مصباحه أو «بطاريته» كي يتعرف طريقه وسط تلك الظلمة الحالكة.
وبالمدينة مجموعة من شبه متنزهات في متسعات تكسوها الخضرة، وفي بعضها تنمو الأشجار وغالبها ملاعب «للجولف والتنس والهوكي» ويتوسط المدينة متنزه صغيرة يعرض به مدفع حديث بعيد المرمى لا يزال براقًا انتُزع من السفينة الألمانية التي كانت تحرس ثغر موانزا جنوب فكتوريا نيانزا لما سقطت في أيدي الإنجليزي سنة ????، وأقيم إلى جواره نصب تذكاري لمن فقدوا أرواحهم في الحرب العظمى من السود سكان البلاد، ويخيل إليَّ أن كامبالا كلها متنزه جميل من أية بقعة نظرتَ أحاطتْ بك الخضرة النضرة في أرض مغضنة إلى الآفاق، ومساكن الأهلين من الزنوج هنا نظيفة إذا قورنت بأكواخ القبائل الأخرى؛ إذ ترى البيت وقد استؤصلت من حوله الأشجار والأعشاب البرية وأحيط بسياج يغلب أن يكون من النبت والزهر، ويكنس الناس داخل البيوت ويحرقون القمامات عند الغروب في أجحار وراء البيوت تلك الفكرة التي نقلتْها فِرَق الكشافة عن أمثال أولئكم من سكان الغابات.
أقزام جبال القمر ويبدو الأوروبي وسطهم عملاقًا.
أقزام السود في غابة أتوري على رونزوري جبال القمر.
إلى جبال القمر: «رونزوري»: طالما حننتُ إلى مشاهدة جبال القمر تلك التي تخيلها بطليموس قبل الميلاد مستمدَّ مياه أعظم أنهار الدنيا نيلنا المبارك، ولقد كان الإسكندر المقدوني يرى ذلك، وقد سمع سبيك من العرب أن هناك جبلًا رهيبًا لا يكاد يستبين لكثرة ما يكسوه من المواد البيضاء ولا يستطيع أحد ارتقاءه لوعورة منحدره، وقد رآه بيكر في زرقة فاترة لذلك أسماه «الجبل الأزرق»، وفي ???? تسلق ستانلي جانبًا صغيرًا من مرتفعه، لكنه لم يكن يدري ما يعلوه من ارتفاع شاهق، كذلك أمين باشا الذي أقام على ألبرت عشر سنين ولم يرَ قبسًا منه، ولقد تحقق لي مرآه بفضل رجل فرنسي لاقيته في كامبالا علمت منه أن هناك طريقًا معبدًا طوله ??? أميال تشقه السيارات غربًا الى «فورت بورتال»، وهي قرية صغيرة في أسفل تلك الجبال قطعناها في ست ساعات خلال مناظر أوغندا المألوفة الساحرة، نجاد تنكشف منها هُوًى تسدُّها الغابات وتباغتنا النقائع في غير حصر تغص بالبردي والبشنين، أكبرها بحيرة «وامالا»، ثم جزنا تل «موبندي» موطن السَّحَرة ورسل الآلهة «ناكاهيما» وعليه تقوم بقايا الشجرة المقدسة التي تقدم تحتها الضحايا البشرية، وعندما قاربنا «فورت بورتال» كثرت منابت البن التي تحفها من جميع نواحيها، وهناك حللتُ استراحة خشبية لأمضى فيها ليلتي استأجرتُها بجنيه؛ إذ ليس بالمدينة فنادق قط لا بل وليس بها شيء إلا بقايا حصن قديم. رعاة «أنكولي» بأبقارهم ذوات القرون الشامخة «أوغندا».
هنا قام إلى غربنا «رونزوري» يسامت السماء ويتصل بسحبها في كثافة رهيبة أيدت في ظني خرافات القوم هناك، أولئك الذين يعتقدونه مقر الجن ومحط الأرواح التي انسلخت عنها أرواح أجدادهم من الحكام الجبابرة؛ لذلك فهم يرهبونها جميعًا، أما الغابات حوله فتسد الآفاق سدًّا ويسمونها غابة أتوري Eturi مقر الأقزام من السود الذين رأيتُ بعضَ أفرادهم في المدينة، ولا يجاوز الواحد أربع أقدام في الطول، يعيشون على الصيد بحرابهم وسهامهم المسمومة، لم أَشْفِ من مشهد ذاك الجبل العاتي غلة فلقد طفقت أرقبه سبع ساعات متواليات في وضح النهار، لكن لم أدر أوله من آخره ضباب وسحاب ورذاذ ماء لا ينم عما فوقه، ولقد قيل لي إن منحدراته وبخاصة الشمالية أكثر بقاع الدنيا رطوبة؛ لأن مطرها يفوق ??? بوصة، ولأن نز الماء من جوانبها لا ينقطع أبدًا، ولا تكاد الجبال تبدو إلا بضعة أيام من السنة إذا ما صفا أديم الجو حولها، ولا يكاد حينذاك يبدو في لون قرنفلي شاحب تكسوه عمائم الثلج في مساحة مائة ميل مربع وتتجلى أعلى الذرى «مرجريتا» على علو ????? قدمًا، وهي أشد ذرى أفريقية وعورة وأصعبها تسلقًا، وأحدث مَن حاولوا صعود الرونزوري «دوق أبروزي» الذي يقول في كتاب رحلته عن وعورة الغابات هناك: كنا لا نرى في الأرض سوى جذوع وفروع تسد الآفاق، يكسوها الطحلب الذي يتدلى منها وكأنها اللحى الكثة المترنحة تشوِّه كل شيء، وما الأدواح إلا لفائف لا يتعرف المرء أين تبدأ مطاويها وإلى أين تنتهي، ولا سبيل إلى الورق الأخضر إلا إنْ تلمسته في الأغصان السماوية وأنت لا ترى للضوء قبسًا بسبب ما يحجبه من الجدائل الكثيفة والفروع المتعانقة في كثرة تسد كل شيء، أما الأرض فيخفيها خليع النبت ميته، وتبطنه طبقات من الطحلب الزلق اللزج، قذر في مرآه نتن في رائحته، والمكان ساكن موحش رهيب.
عدت إلى كامبالا وفي نفسي حسرة؛ لأني كنت أخالني أستطيع أن أرتقيه فأشرف على سمليكي في هوَّته السحيقة، لكن وابل المطر ووعورة المرتقى وكثيف الغاب كل ذلك حال دون تحقيق ما هَوِيتُ، على أن ما رأيتُه يعوِّض ما كلفتني تلك الجولة الفرعية من عناء ومال هو عشرون جنيهًا أو يزيد.
شوارع جنجا تنحدر كلها إلى بحيرة فكتوريا.
تحت شجرة موتيزا حيث كانت تقدَّم الضحايا البشرية في جنجا.
إلى جنجا منفذ النيل: أخذ القطار يعلو بنا تدريجًا وهو يتلوى لياته العجيبة وسط أقاليم مموجة تكسوها الخضرة الكثيفة، وبين آونة وأخرى كانت تبدو فجوات زُرعت من الموز تمتد متسعاته إلى الأفق كأنه الغابات، وقد كان علو شجره يفوق أربعة أمتار وفي وسطها تقوم أكواخ قليلة للأهلين، وقد يزرعون بجوارهم بعض الذرة والبطاطا، وفي بعض الجهات قصب السكر، ومررنا بأحد مصانعه الكبيرة على أن القصب هناك من نوع قصير العقد صغير الأعواد، وكانت تنكشف بعض النقائع ومسايل المياه وكلها تكاد تختنق بالنبت والبردي في «شواشيه» الأنيقة، وكانت المحاطُّ متباعدة جدًّا لندرة السكان هناك. وكان القطار يحمل وقوده من أرمات الخشب المكدسة في المحاط، وقبيل جنجا فاجأَنا منظر البحيرة في لونها الفضي وامتدادها العظيم، وسرعان ما انعطف القطار فبدا النيل وهو يتلوى في مخرجه من البحيرة وكأنه طيات من الفضة يخرج من قمع متلألئ هو خليج نابليون، وقبل أن يستقيم رأيته يهوى درجة هي شلال ريبون مفتاح النيل وتتوسط تلك الدرجة صخرتان متباعدتان ينساب الماء خلالهما في ثلاث فتحات أكبرها اليمنى، وتلك الصخور بدت على بُعد كأنها شعاب الزمرد الأخضر، ولما دانيتها بعد حلولي المدينة كانت صخورًا سوداء من الديوريت الناري القديم تكسوها الأعشاب الطويلة والشجيرات، وأمام ذاك المسقط الذي يهوي بالنيل كله أربعة أمتار تكثر الشعاب الصخرية المنثورة في غير نظام يتمايل الماء حولها، وينزل عدة مساقط صغيرة هنا انثنى القطار وعبر النهر بقنطرة نحيلة، يبدو مشهد الشلال والجنادل والصخور من فوقها رائعًا، وما كدت أحل غرفتي من نُزُل أبيس Ibis الأنيق الصغير حتى تمثل أمامي منظر الشلال والنيل فأسرعت إليه سيرًا على الأقدام مسيرة ربع ساعة، وهناك تجلت العظمة وتوالت الذكريات، نزلت إلى حافة الشلال فلم يسعني إلا أن أجلس معظم الوقت أنظر إلى مهوى الماء السحيق وأستمع لدويِّه الرهيب يظلني رذاذه ويطربني هزيمه. كان يتجلى ماء فكتوريا عند شفا المسقط أملس ناعمًا في وسطه مضطربًا يعلوه الزبد في جوانبه، وبين آونة وأخرى نرى السمك يحاول مغالبة الماء بقفزاته العدة عساه يتخطى الشلال سابحًا في الهواء إلى البحيرة، لكن أنَّى له ذلك ودفعُ الماء شديد ومستواه بعيد وكأنه كان يتخذ هذا العمل ملهًى له ومستراضًا، وكان الطير يحطُّ فوق البحيرة، ثم لا يلبث يطير جماعات يتخذ كل فريق شكلًا هندسيًّا هو إلى المخروط أو الوتد أقرب ويحوم حولنا، ثم يعود فيهوي إلى الماء، هنا سرح الخيال في النيل ومصر، وما كانت عليه إبان عظمتها، وما تعاقب عليها من حوادث وعبر، والنيل باقٍ على هذا النحو طوال الأعمار، وكنت أشعر بآيات إخلاصي تتجسم خارجة من القلب لتسابق الماء إلى الوطن العزيز، منظر جدير بالتقديس، ولا يزال إلى اليوم يقدسه بعض قبائل الكنغو، يفدون إلى ريبون ويقدمون للنيل القرابين والضحايا ليسترضوا إله المياه الجارية. على حافة شلال ريبون منفذ النيل المبارك.
وعلى جانب من الشلال مولِّد للكهرباء يسخِّر بعض مائه المندفع وتلك تستخدم في رفع المياه للمدينة كلها، لكنه لم يستغل في الإضاءة لندرة السكان وشح الاستهلاك في جنجا، والمدينة نفسها متسع من الربى يشرف منحدرًا إلى خليج نابليون تكسوه الخضرة النضرة والشجر الوفير، وبيوتها فلات حديثة بديعة تنتثر مبعثرة في مساحات شاسعة وتشقها الطرق المتلوية والمتاجر تصف على طريقين متقاطعين هما أكبر طرق المدينة، وعلى الشاطئ أقيم مرسًى للسفن كان يغص بالنقل والتجارة قبل اتصال جنجا بكامبالا بسكة الحديد، لكنه اليوم فتر تجاريًّا وخمل، وكان أخص ما ينقل إليه القطن أهم نبات أوغندا، وتُعنَى به إنجلترا هناك عناية خاصة فتعرض نماذجه في محطة سكة الحديد، ويزرع حول بحيرة كيوجا في الأراضي ذات التربة السوداء، وموسمه الشتاء، وقد كانت تقلُّه بواخر البحيرة إلى ناماسجالي، ومنها بسكة الحديد إلى جنجا، ومِن ثَمَّ في فكتوريا إلى كيسومو، ثم بسكة الحديد إلى ممباسا، أما اليوم فتقلُّه سكة الحديد من شرق كيوجا إلى ممباسا مباشرة (وقد بلغت المساحة المزروعة في أوغندا ??? ألف فدان).
شلال ريبون، وترى فكتوريا إلى اليسار والنيل إلى اليمين.
وقد اتخذ الإنجليز من الأراضي الممدودة متسعات للرياضة على اختلاف صنوفها، شأنهم في جميع بلدانهم، وعلى منحدرات المدينة المؤدية إلى البحيرة كثيرًا ما تخرج مردة التماسيح وعمالقة أفراس الماء وتشاطر الناس ذاك المستراض الجميل، على أنها كثيرًا ما تلتهم عاثري الحظ من الأهلين وهم يغتسلون أو يغسلون متاعهم، حتى قيل إن التمساح يقتل من سكان أفريقية أكثر مما يقتله أي وحش آخر.
النيل وجنادله بعد خروجه من فكتوريا.
وفي ناحية من المدينة شجرة قديمة كان الطاغية «موتيزا» يجلس تحتها ويأمر بالذبائح البشرية التي طالما خضبت دماؤها تلك البقعة على مشهد منه، وهي اليوم وسط ملعب للتنس يجتمع اللاعبون حولها مرحين كأنهم يتحدَّوْن ذاك الوحش ويتناولون الشاي تحتها.
نستقل الباخرة جرانت من ناماسجالي عبر بحيرة كيوجا.
إلى بحيرة كيوجا: غادرت جنجا بسحر مناظرها نهارًا ووحشتها الفائقة ليلًا إلى ناماسجالي ولبث القطار زهاء أربع ساعات يشق طريقه في صعود وهبوط ويسلك مطاوي عجيبة وأجواف غابات مهملة لم تطرقها يد إنسان، فالإقليم موحش لم نكد نرى به من الأهلين أحدًا ولم يقف القطار في كل ذلك إلا أربع وقفات بجوارها جمهرة من الأكواخ حولها مساحة من الموز والبطاطا يعيش عليها قوم هم أشد سوادًا ممن رأيناهم من قبل، وتربة الأراضي حمراء ناعمة يطير هباؤها فيخضب كل شيء. نرسو على بورت ماسندي لنستقل السيارات إلى بحيرة ألبرت.
وناماسجالي: قرية لا تكاد تزيد حوانيتها على عشرة كلها في أيدي الهنود ولها ميناء صغيرة على بحيرة كيوجا في مكان من البحيرة اتساعه ثلاثة أضعاف اتساع النيل عندنا، هنا حللنا باخرة صغيرة كأنها منشور رباعي طويل يتقدمها «صندلان» متلاصقان في حجم كبير عليهما البضائع ومسافرو الدرجة الثالثة ودهشت لما رأيت الباخرة تدفع هذين أمامها كل رحلتها، قمنا نشق عباب كيوجا ذاك البحر الذي يبدو ماؤه أملس مخضرًّا لا حراك به قط، تحفُّ جوانبه الحلفاء والبردي والغاب بمقادير كبيرة، وأخذت البحيرة تنبسط فتنأى شواطئها تارة، وتضيق وتتقارب أخرى، وكل شواطئها مناقع ضحلة، وكان جو يومنا أميَلَ الى الحرارة رغم ما أصابنا من مطر على أن الليل فوق أديم البحيرة بارد جميل. يستعرض زوجاته التسع راقصات، أوغندا.
الطريق بين ماسندي وألبرت، وترى شجر واتل تحته شجيرات البن.
وفي اليوم التالي أصبحنا والمطر وابل ومستبحرات المياه مشعبة في كل جانب، وأعشاب البردي والبشنين تظهر في جزائر سابحة في حجم كبير، وكثير من تلك الكتل من خليع النبت كان يعترض سير السفينة فيُنتشَل بالروافع ويُرمَى إلى الجانب، والسفينة مستعدة لذلك مزودة بالروافع الثقيلة فوق «صنادلها»، وفي باكورة الصباح كانت أسراب التماسيح تمرح وسط الماء في بقع سوداء على مقربة من الضفاف، وكانت المنطقة الواقعة إلى يميننا تدخل في نطاق مرض النوم، ذاك الذي يُعدُّ أخطر الأمراض في أوغندا وجنوب السودان، والمناظر من حولنا أضحت سهولًا لا أثر للجبال فيها، وكان النيل يختنق أحيانًا إلى نصف سعته في مصر وباخرتنا Grant كانت تترك عند مفارق الماء زورقًا بخاريًّا «رفاصًا» ليذهب إلى المِيَن الصغيرة الواقعة على شعاب بحيرتي «كيوجاوكوانيا»، وتلك الشعاب تبدو على الخريطة لكثرتها وكأنها العنكبوت، ثم تعود خفاف البواخر هذه لتلاقي باخرتنا عند عودتها، وفي وسط ذاك المتسع اللانهائي من البردي ظهر مرسًى صغير هو: ثغر ماسندي: حوله بضعة مساكن خالية من الأهلين، هنا أقلتنا سيارة المصلحة وسارت بنا ساعة ونصفًا في طريق شق وسط البردي أولًا، ثم وسط متسعات مبسوطة يزرعها القوم وخاصة من السيسال تليها غابات وأحراش برية لم تمسسها يد الإنسان إلا في فجوات صغيرة بها الموز والتابيوكا حيث كنا نبصر بكوخ أو اثنين فقط، ولما قاربنا مدينة ماسندي بدت الرُّبَى، وكنا نرى الغابات يحكي نباتها المتسلق الكُرُوم تغطي الأرض كلها بأعراشها، والطيور فيها لا حصر لها، وكان الطريق نفسه يغص بدجاج غانا ودجاج الوادي البديع الذي يأكله القوم كثيرًا، أما الجو فكان ماطرًا باردًا أحوجني إلى ارتداء المعطف الثقيل. دخلنا مدينة ماسندي عاصمة «بانيورو» من أقسام أوغندا فشابهت كامبالا في مناظرها المغضنة وفيرة النبت إلا أنها أصغر، وحللنا النزل التابع لمصلحة سكة الحديد وهو آية في الجمال، والنساء هنا يلبسن ملاءات ملونة خفيفة تلف حول الجسد من فوق الثديين إلى القدمين، ويَعنِينَ بشعرهن الذي يُجدل على قِصَرِه الشديد في فتائل رفيعة لكل ذؤابة لا تزيد على سنتيمترين ويَسِرْنَ حفاةً سافرات شأن جميع نساء أفريقية الشرقية، وغالب الرجال يلبسون الجلباب من القطن على نحو ما نراه في مصر، وهم هنا خاضعون لحكومات قوية من زعمائهم الذين تمهرهم الحكومة الإنجليزية رواتب مقابل قبضهم على ناصية الأمور، وهي لا تتدخل تدخلًا مباشرًا في شئونهم، ولولا ذلك لما استطاعت الحكومة إخضاعهم أو الإحاطة بهم، وتلك الخطة متبعة بشكل أكثر إحكامًا في أوغندا منها في غيرها، وتتخذها إنجلترا نموذجًا لحكم طوائف الشمال المتبربرة وتنتوي نشرها في كنيا، وهؤلاء الزعماء يعيشون عيشة بذخ إفرنجية ويلبسون وزوجاتهم أردية أوروبية، ولهم برلمان في مقاطعة منجو شمال شرق كامبالا للمداولة في شئونهم، ولا تزال غالب الأعمال في يد الهنود وبخاصة المسلمين منهم، على أن جل حركة التوفير على أثر الأزمة الحالية منصبَّة عليهم، وكبار الإنجليز يعترفون بأن توظيف الهنود كان خطأ كبيرًا في السياسة منذ البداءة، ويحاولون إحلال السود أو الأخلاط ممن هم غير الهنود مكانهم، والتعليم تقوم به البعثات الدينية تعاونها الحكومة. أمضينا في ماسندي يومًا وفي الغداة قمنا بالسيارة إلى: بيوتيابا: فوصلناها في ساعتين (?? ميلًا) خلال أرضٍ مموَّجة عليها غابات عذراء تكسو أشجارها الطفيليات وتتخللها المسايل، وفي الوهاد كانت تبدو الغابات مغلقة تمامًا، والطريق شق في تربة حمراء يزيد سمكها على مترين، وليس به من الأهلين أحد اللهم إلا جمهرة قليلة من السود، كنا نجوز أكواخهم كل بضعة أميال ينشرون أمامها «الماهوجا» بعد تقشيرها، ثم يدقونها دقيقًا في أهوان من الخشب، وكان بعضهم يمزج هشيمه بفتات الذرة، إلى ذلك بعض الموز والسمسم والبطاطا. رقصة الفتيان في أوغندا.
رقصة الحرب في أوغندا.
وفي فترات متباعدة كانت تظهر قرية صغيرة جدًّا، وعجبت أن كان الهنود هم أصحاب الحوانيت فيها، وبعد منتصف الطريق كنا نمر بمزارع النزلاء البيض وبخاصة الإنجليز في مساحات أقاموا وسطها بيتهم الأنيق، وقاموا يستأصلون النبات البري ويزرعون البن في شجيراته القصيرة وصفوفه المنسقة ووسقه الكثير، ولكي يتقوا وهج الشمس عنوا بالغابات وبَوَاسِقِ الشجر لتحمي شجيرات البن من دونها، وكم كان عجبي شديدًا لإقدام هؤلاء على عمل شاقٍّ وحياة موحشة لا ترى حولهم من مؤنس قط، لكنها الرجولة والخلق الرصين يروض النفس ويستمد النشاط والسرور من كل شيء، وحول كل مزرعة نفر من الأهلين يقومون على خدمة الأرض، وكنا نراهم نساء ورجالًا يقطعون العشب البري، ثم يتركونه مكانه حتى يجف، ثم يحرق حيث هو فينقي الأرض ويسمدها وكلهم يُدخِّن في غلايين خشبية طويلة حتى الفتيات.
رقصة الفتيات في أوغندا.
وما حللنا الثلث الأخير من الطريق حتى أخذنا في الهبوط، ثم عند الميل السادس من بيوتيابا داهمنا مشهد الأخدود الألبرتي الرائع تتوسطه البحيرة في هوة بُعدها ألفا قدم بلونها الفضي تحفُّها سهول مبسوطة إلى مدًى شاسع تؤدي إلى تلال تعلو في نجاد وسلاسل لا نهائية (وذرع البحيرة ??? × ?? ميلًا) منظر ساحر حقًّا، يكاد يقارب مشهد الأخدود الأعظم، وهذا الجزء من الطريق يعد من أجمل طرق الدنيا لتنوع مناظره وكثافة غاباته وتعدد فصائل شجره نخص منه النخيل وشجر الصمغ الأزرق والعنب البري المتسلق والسرخس عريض الورق الذي منه تكوَّن الفحم في العصور البائدة. أما القردة والفيلة فحدِّث عن كثرتها.
فتيات عِلْية القوم في أوغندا.
هَوَيْنا إلى تلك السهول التي اسودَّت تربتها بما خلَّفته البحيرة عليها من رواسبها، ثم جزنا مجموعة من أكواخ وحوانيت ومبانٍ حكومية، وتلك كلها مدينة بيوتيابا، ولها ميناء صغيرة لا بأس بحركتها التجارية؛ فهي حلقة اتصال بين بلاد أوغندا إلى اليمين والكنغو إلى اليسار، وكانت جبال الكنغو تظهر فاترة وراءنا ونحن نرسو على بيوتيابا، وقيل لنا ذاك جبل «لولوجا» وهو جزء من خط تقسم المياه بين الكنغو وألبرت، قمنا نشق عباب ألبرت ولبثنا نرى الشاطئين على بُعد؛ لأننا سلكنا سبيلنا إلى الجزء الشمالي من البحيرة، وهو يأخذ في الاختناق حتى يصبح بحر الجبل المتسع عقب تقابل نيل فكتوريا بالبحيرة مباشرة، وعلى تلك الجبال تقع مدينة محاجي من بلاد الكنغو ولها ثغرها الصغير الذي مررنا به — والبحيرة تعلو سطح البحر بنحو ???? قدمًا، على أنها أحطُّ من فكتوريا بنحو ???? أقدام، ماؤها أشد زرقة وطعمه أكثر تغيرًا من ماء فكتوريا؛ مما يدل على زيادة عمقها وأملاحها.
ولبثنا نسير صوب النيل وقد لزمت الباخرة الجانب الأيسر للبحيرة؛ لأنه أبعد غورًا بسبب قربه من الجبال، أما الجانب الأيمن فوطيء تمتد وراءه السهول، أخيرًا مررنا بعدة جزائر يغطيها العشب خصوصًا البردي والبوص والبشنين الذي طالما كنا نلاقي كتلًا منه طافية، ثم دخلنا مأزقًا هو أضيق من نصف نيل مصر وهنا أول نيل بحر الجبل، وكانت السهول الممدودة إلى يميننا جزءًا من «حرم الحيوان» لذلك رأينا بين الأشجار المتفرقة جموعًا من الفيلة أكثر الحيوان ظهورًا هنا فكان يبدو في قطعان ولم نرَها على الجانب الآخر قط؛ لأنه خارج عن الحرم فكأنها أنِسَتْ في حرمها أمنًا، وهذه المنطقة من أوغندا وما يليها شمالًا إلى جنوب السودان وغربًا إلى الكنغو خير مناطق الفيلة في الدنيا.
الطبيب الساحر وهو ذو نفوذ يسود أذهان الناس في أوغندا.
والفيل: لا يكاد يوجد جنوب الزمبيزي، وقد أسرف الكثير في قتله حتى قُدِّر ما يُقتل سنويًّا في الكنغو البلجيكية بستين ألفًا في السنة، ويقدر عدد الفيلة في أوغندا بنحو سبعة عشر ألفًا وفي تانجانيقا ?? ألفًا، والفيل يسير في جماعات أقلها بين ?? و??، وقد يبلغ القطيع مائتين، والفيل الأفريقي يغاير الأسيوي في آذانه بالغة الحجم فهو إذا بسط أذنيه ساعة الهجوم كان طولها من أقصاها لأقصاها خمس ياردات، كذلك فهو يغاير الأسيوي في جمجمته فمخه أوطأ في دماغه، وهناك فجوة في رأس الفيل الهندي رخوة تسبب موته سريعًا، وهذه لا تكاد توجد في الأفريقي، والفيل من أحدِّ الحيوان شمًّا وأرهفه سمعًا فهو يشتمُّ رائحة الإنسان على بعد نصف كيلومتر ولا يُعادِله حيوان آخر في ذلك، والعادة أنه يرفع خرطومه في الهواء ليشتمَّ رائحة عدوِّه، على أن بصره ضعيف لا يرى على بعد ?? ياردة حتى ولو كان الجسم على وضح الأفق، ويعمر طويلًا؛ إذ يزيد عمره على ??? سنة، وفي الكنغو نوع من أقزام الفيلة لا يزيد علوه على أقدام، ولا يزيد وزن نابه على سبعة أرطال للذكور ورطلين للإناث، ولقد أسرف الأوروبيون الأوائل في قتل الفيل فاختفى من مناطق كثيرة هناك، لكن البلجيكيين اليوم فطنوا لذكاء الفيل وهم يسخِّرونه في الزراعة، فالزوج من الفيلة يجر أربعة أطنان بسرعة ?? ميلًا في اليوم، ويحرث فدانًا في نصف اليوم، ويمتاز على سائر الحيوان في أنه غير قابل لعدوى الأمراض، وأنه يتكفل بغذائه وحده فلا يكلف صاحبه شيئًا. شارع رئيسي في بيوتيابا على ألبرت.
بعض أبناء بيوتيابا على ألبرت نيانزا.
تسير الفيلة في قطعان يتقدمها دليل.
وفي كثير من جهات أوغندا كثرت الفيلة لدرجة مضرَّة؛ لذلك توفد الحكومة بعثات لقتلها ومطاردتها إلى المجاهل، وحدث مرة أن طارد صيادٌ قطيعًا وضرب رصاصة في فيل منه فصاح وسقط إلى منحدر، ولشدة الضجة اضطرب القطيع فأخذ الفيل الهاوي يصدم فيلًا آخر فيقع حتى وجد جمع من الفيلة أسفل الهوة وقد هشمت عظامها تهشيمًا، والفيل إذا رأى عدوه أعطى إخوانه إشارة ليستعدوا، وإذا قصد المهاجمة رفع خرطومه وآذانه وحدق في العدو، ثم عدا نحوه، وهناك طيرٌ يلازمه ويحط على ظهره اسمه Egret وكثيرًا ما يدل على الفيل إذا رُئي الطير يحوم فوق العشب في جماعات، ويظهر أن الطير يتبع الذباب الذي يعف على ظهر الفيلة ويضايقها جدًّا؛ ولذلك ترى الفيل يظل يحمل العشب بخرطومه ويلقيه على ظهره ليطرد هذا الذباب، والعادة أن الفيل إذا أصيب ومات بعيدًا، فإنه يعد ملكًا لمن صاده وبعد أسبوع يصبح ثلثه ملكًا لمن يعثر عليه والثلثان للحكومة. العاج: والفيل الذي يقطن الجهات الجافة التي يقل فيها الغذاء تكون أنيابه قاسية على أن أجود العاج ما كان لينًا، وهذا يكثر في الجهات وفيرة المياه حيث تطول الأنياب ويجود نوعها، ويندر اليوم أن نعثر على فيلة ذات أنياب كبيرة، ونحن إذا قسمنا أفريقية من وسطها تمامًا بخط رأسي كان العاج في غرب هذا الخط أشد صلابة منه في شرقه؛ لذلك كان أجود العاج في الشرق، وأسنان الأنثى أصغر وأخف وزنًا فسن الأنثى يبدأ من ?? رطلًا والذكر من ?? رطلًا ويزيد، وأثقل سن عثرنا عليه يحفظ اليوم في متحف كنزنجتون بلندن وزنه رطلًا، والفيل الكبير قد يصل علوه إلى كتفيه ?? قدمًا وقد يزن ستة أطنان، وأكبر الفيلة أسنانًا اليوم في أوغندا وفي أعالي النيل والكنغو البلجيكية، وقلما يزيد سن الفيل في السودان والحبشة على ?? رطلًا، وأكبر الفيلة أسنانًا لا تسير في جماعات بل فرادى، وكثير من العاج المصدَّر من أفريقية مأخوذ من هياكل الفيلة التي يعثر عليها القوم ميتة في الغابات، وأعلى ثمن عرف لرطل العاج الجيد جنيه ونصف، ومن هذا تصنع كرات «البلياردو». أفراس الماء في منطقة السدود.
والنيل من هنا إلى منطقة السدود شمالًا غاصٌّ «بأفراس الماء» التي كانت تنفر في الماء بكثرة مروعة، والتي كانت تصادم باخرتنا صدمات عنيفة، وفرس الماء غذاء محبوب للأهلين الذين يلتهمون لحمه نيئًا ومجففًا، وهو ثاني الحيوانات وزنًا بعد الفيل؛ يزن ثلاثة أطنان، وسُمْك جِلْده بوصتان وهو أصلح ما يكون لصناعة السياط (الكرابيج)، وكان لأسنانه قيمة كبيرة يوم كانت تتخذ منها الأسنان الصناعة، والأنياب السفلى يصل طولها ثلاثين بوصة خصوصًا إذا لم ينطبقا على الأنياب العليا، وأطول ناب عُرف ?? بوصة وصيده خطر؛ لأنه حيوان مهاجِم مَهِيب، ويقول صيادوه إن خير مكان لقتله أن يضرب تحت العينين وخلف الأذن، ويغلب أن تصوب الرصاصة إلى الأنف الذي يطفو فوق الماء وهو سريع الغوص جدًّا، فإن أصيب غاصَ ولا يطفو إلا بعد ست ساعات من قتله.
النيل قبيل نيمولي وبه الأعشاب الطافية.
ولعل أكثر بقاع الأرض بهذا الحيوان النيل من هنا إلى بحر الجبل شمالًا، والحيوان يظل في النهر نهارًا لا يُرى منه ظاهرًا سوى الآذان والعيون، وفي المساء يقصد البر ليأكل، ولا يعود للماء إلا فجر اليوم التالي، وهو يصعد مناطق العشب والسدود بسهولة ويتخذ له طرقًا ثابتة للخروج والعودة، والأهالي (خصوصًا الشلوك والنوير من سكان بحر الجبل) يصيدونه بحرابهم فيكمنون له عند الغروب على جوانب تلك المسالك وإذا قرب أرسلوا حرابهم ذوات الأسنان الجانبية، وهي تتصل بحبال طويلة فيسرع الحيوان بالعودة لكنهم يتعقبونه حتى يموت ويجرونه إلى الشاطئ، على أن بعض الأفراس تهاجم عدوها، وبفكها المُخيف قد تتناول زورقًا بمَن فيه وتغرقهم جميعًا، على أن ذاك الإنسان الهمجي لا يبالي بحياته قط، وإذا مات الحيوان جروه إلى الشاطئ، وسرعان ما يقطعونه ويشعلون النيران ويأكلون شواءه، وكثير منهم يلتهم اللحم نيئًا والباقي يقطعونه في شرائح تعلق على الأشجار المجاورة؛ بحيث لا يبقى من الحيوان إلا هيكله في أقل من ساعتين.
وكثير منهم يدفع الضرائب من أسنانه، ويظهر أن أفراس الماء كانت تمضي غالب وقتها في البر نهارًا وليلًا، لكن هجمات الإنسان لها اليوم ألجأتها إلى الماء طوال النهار، وساعده في غذائه وسط النهر كثرة الأعشاب الطافية خصوصًا كرنب الماء الذي يكثر في منطقة السدود، ويبدو كالزهر الأخضر الكبير يطفو على السطح وهو الذي يسد النهر؛ لذلك يظن أن طرد أفراس الماء إلى النهر يساعد على إنقاص تلك الزهور فتخف كثافة السدود. وكثيرًا ما كنا نسمع صوت أفراس الماء تنبعث من أعماق الماء دون أن نرى علامة تدل على موضع الحيوان حتى ولا فقاقيع الغاز التي تتخلل الماء ساعة تنفسه، ولحمه خشن لكن القوم قد امتدحوا لي طعمه. ويأكل بعضُ البِيضِ هناك لسانَه فقط.
مرسى رينو كامب على نيل ألبرت.
اختنق النيل وأضحى كالقناة بعد مغادرتنا لبحيرة ألبرت ورسونا على «بكواش» من قرى الضفة اليسرى حيث انتقلنا إلى باخرة أصغر تستطيع مواصلة السير في مجرى النيل الضحل، وما كدنا نرسو عليها حتى هالني جماهير السود الذين وفدوا ليرَوا البواخرَ ونزلاءَها، وما كان أشد دهشتي حين رأيت الكثير منهم عرايا تمامًا نساءً ورجالًا وأطفالًا! تضع المرأة حول خصرها عِقْدًا من خرز تتصل به ذؤابة من ورق الموز أو جدائل من سلوك الحديد أو الخرز أو حزمة نحيلة من العشب، لا تكاد تستر العورة، ومن خلاف يتدلى شريط أو «زر» من فتائل رفيع طويل يتحرك ذهابًا وجيئة كلما تحركت هي في شكل يبدو على بُعد وكأنه الغورلا أو القرد الكبير بذَنَبِه المتدلِّي، وألوانُهم جميعًا فاحمة برَّاقة، والناس يختلطون هكذا في غير حياء كأنهم البهم على فطرتهم الأولى، جنَّ الليل وسادت الوحشة وإذا بسحائب البعوض وصغار الهوامِّ الطائرة تخيم حولنا حتى كادت تعشى الأبصار لكثرتها؛ إذ كانت تخترق كل شيء رغم أن الأبواب والنوافذ تكسوها شباك السلك لمنعها؛ لذلك اضطررنا أن نطفئ المصابيح كلها، وبعد العشاء مباشرة آويت إلى مضجعي وحول الثالثة صباحًا أيقظني قصفٌ للرَّعْد مخيف وهزيمٌ للعاصفة مرعب فقمت مذعورًا، وإذا بشدة الرياح تكاد تلقي بالسفينة إلى البر، وسيول المطر كانت تترى في غزارة غير مألوفة، ولقد دفعت العاصفة ماء النهر إلى البحيرة فهبط مستواه أكثر من قدم، وخشي الربان إن استمر ذلك أن تدرك السفينة الأوحال فيتعذر المسير، وفي الثامنة صباحًا مررنا بمرسى:
موتير: في مكان مختنق من النهر تحفه من الجانبين ربوتان صخريتان؛ ولذلك اختار المهندسون المكان لإقامة سد ألبرت المنتظر، على أني أخال الماء إذا ما علا خلفه بين سبعة أمتار وتسعة كما هو مزمع يغرق من البلاد المجانبة لضفتي النهر وللبحيرة نفسها مساحات شاسعة كانت تبدو وطيئة من حولنا، على أن التعويضات لن تكون كبيرة؛ لأن الإقليم مهمل لا يكاد يطرقه إنسان. جميلات من قبائل نوبة على نيل ألبرت.
ولقد اتخذ أمين باشا موتير هذه معسكرًا له، وأقام حصنه بها، ولا تزال ترى أنقاضه على بُعد، ومنه كان يُشرف على الإقليم كله من قِبَل خديوي مصر؛ لذلك أثار المكان في نفسي ذكريات جعلت له قيمة كبيرة عندي رغم أنك لا ترى اليوم إلا مرسًى صغيرًا وراءه استراحة واحدة ليس غير، وقد هداني بعض القوم إلى مكان هناك تدفن فيه بعض جثث الجنود المصرية التي كانت مع أمين باشا.
على ضفاف النيل الأعلى في رينو كامب.
وحول تلك المنطقة قوم ينتحلون اسم «النوبة» يظن أنهم من سلائل الجنود السودانيين الذين حلوا مع أمين باشا وتوطنوا الإقليم بعده، وغالبهم مسلمون إلى اليوم، وهم يعدون أنفسهم أكبر شأنًا من سائر القبائل يتكبرون ويفاخرون عليهم، وتتخذ منهم حكومة أوغندا أجنادًا أشداء، وأجمل ما استرعى نظري رداء نسائهم يتخذ من جلد المعزى وبعد صقله يقطعون الجلد خيوطًا طويلة «شرابة» ويعملون منه نطاقًا يربط حول الخصر فتتدلى أهدابه النحيلة الطويلة وتسترهن إلى نصف الفخذين فتُكسِبهن جمالًا وجاذبية خصوصًا وهي تهتز مع أعجازهن إذا ما سرن يتهادين، وأجسادهن جميلة وإن أعوز الوجوه الجمال لكثرة ما يعلوها من تخطيط يميز كل قبيلة عن الأخرى، وقد كانت هذه العلامات في الأصل تطبع على وجوههم علامة الرق، والنساء هناك مُجِدَّات خصوصًا في إتقان السلال والخوص والأصباغ التي يتخذونها من قشور الشجر وعصاراته وهن مَهَرة في القتال كالرجال تمامًا.
على نيل ألبرت، رينو كامب.
أما النيل نفسه هناك فيُرى عادي الاتساع إذ يقل عن سعة نيل مصر، لكنه في الواقع عظيم الاتساع؛ لأن أكثر من ثلثيه يغطيه نبات الماء خصوصًا الغاب والبردي فيبدو كأنه جزء من الشاطئ، لكن كثيرًا ما كنا نرى كتلًا كبيرة منه طافية يحاول الربان تجنبها خشية أن تمسك بهدارات الباخرة فتحطمها، وأكثر ما يرى ذلك العشب عند المنحنيات في جانبها المحدب غير المواجه للتيار، على أنه لا يكاد يخلو منه مكان، وجزائره المنفصلة لا تُحصى، بعضها بالغ الامتداد، يتشعب النيل عندها شعبتين أو ثلاثًا، أما أفراس الماء والتماسيح وطيور الماء فلا تدخل تحت حصر، ولا تزال الفيلة تُرى بكثرة في حرمها إلى يميننا، هذا إلى التياتل والقردة على الجانبين، وماء النهر أملس هادئ عديم التيار، على أن لونه عكر.
عرايا نيل ألبرت يصيدون السمك بحرابهم.
وصلنا مرسى «رينو كامب» وكان عرايا القوم يتطلعون إلى السفينة في تزاحم، وكان يومنا يوم السوق لديهم؛ لذلك اجتمعوا تحت شجرة كبيرة قرب المرسى، وكانت السلع المعروضة بعض أنواع الحبوب كالسمسم والذرة وسعف النخيل والسمك الطازج والمجفف، وكنت إخال رينو كامب غاصة بالخرتيت؛ لأن معنى اسمها «معسكر الخرتيت» على أني علمت أنها كانت محطَّ رِحَال جماعة الصيادين الذين كانوا ولا يزالون يخرجون للصيد في جماعات (سفاري بلغتهم) وأخص الحيوان هناك الخرتيت الذي أصبح نادر الوجود لدرجة أنه كاد ينقرض، حتى إن الحكومة تحرم صيده اليوم بتاتًا، «والخرتيت»: يقطن حيث يوجد الفيل خصوصًا على ضفاف النيل الأعلى، وهو يلجأ اليوم إلى سكنى الشجيرات ويهجر السهول، وقرنه عظيم القيمة خصوصًا لدى الصينيين الذين يتخذون منه مقويات لأعضاء التناسل، وتعمل منه آنية لشرب الماء، والناس يعتقدون أن أي شراب مسموم إذا وضع في كوب منه تصدع وانفلق، وحاسة الشم عند الحيوان قوية، أما السمع والبصر فضعيفان حتى إنك لو وقفت ساكنًا ومر بجانبك لم يحس وجودك، وقرنه الأمامي أطول من الخلفي، وطول الأول ?? بوصة والثاني ??، والحيوان يزن ثلاثة أطنان، وجلده سميك جدًّا لا يكاد يخترقه إلا الرصاص المصمت الثقيل، وهناك نوع اسمه «الخرتيت الأبيض» أكبر جثة وأطول قرونًا، ولونه كلون أخيه، ولا يمتاز عن العادي في اللون، بل بالفم المربع وبنتوء من العظم فوق الجمجمة يمنعه أن يرى ما يقع أمامه إن كان الرأس أفقيًّا، وهو أندر حيوان ثديي في الوجود، ويظن أن ما يوجد في أوغندا كلها لا يجاوز ???، والخرتيت حيوان مهاجِم خطير قوي، حدث مرة أن مهرِّبي العبيد كانوا يسوقون إلى الساحل واحدًا وعشرين عبدًا توثق رقابهم إلى سلسلة واحدة كما كانت العادة فهاجمهم خرتيت ضرب العبد الأوسط ومن قوة الصدمة قطعت السلسلة رءوس العبيد جميعًا وفصلت من جثثها.
الخرتيت من أندر الحيوان وجودًا وأخطرها صيدًا.
غادرنا «رينو كامب» نشق طريقنا وسط النهر الضيق الذي لا يزيد على سعة قناة في عرضه، وكان يساعدنا تياره الضئيل وهو هنا بين ميلين وثلاثة في الساعة، وكانت تبدو إلى يميننا سلسلة من جبال وطيئة، وكان عهدي بالنهر الاتساع العظيم والتيار الضئيل لكن ألفَيْته على خلاف ما أعرف على أن جوانبه يكسوها العشب إلى سفوح التلال المحيطة بالوادي فلعل هذا داخل ضمن مجري النهر وإن أخفاه ذاك العشب، وعلمت أن الإنسان يتعذر عليه السير فوقه لكن الفيلة تَجِد السير عليه سهلًا لضخامة أرجلها التي لا تغوص بين فتحاته. وأنت إذا دانيته خيل إليك أنها أرض منزرعة مع أنه نبت كثيف يطفو في تماسك شديد وجذور ملتفة، وكان النهر أحيانًا يتشعب فنرى خلف العشب مستبحرات شاسعة، وطالما وقفت الباخرة وأرسلت زورقًا إلى ناحية من ذاك العشب لتقل بعض المسافرين من الأهلين.
وفي المحاطِّ التي وقفنا بها كان بعض الإنجليز يفدون ليتناولوا بعض الشراب والطعام من الباخرة التي لا تزورهم إلا مرة كل أسبوعين؛ لذلك لا يصلهم البريد إلا كلما مرت بهم، وهم يضبطون ساعاتهم على الشمس؛ إذ لا صلة لهم بالعالم الخارجي؛ ولهذا كنا نجد فرقًا قد يزيد على نصف الساعة بين زمننا وزمنهم؛ وكلما سألناهم عن مبلغ اغتباطهم بتلك العزلة أبدوا استمتاعهم الكامل وسرورهم لما هم فيه، فأعود أُكبِر فيهم تلك الهمة العالية، والحق إن الإنجليزي لقديرٌ على خَلْق السرور والاستمتاع في كل مقام سهل أو صعب، وهنا تبدو التضحية للواجب والإخلاص في خدمة الأوطان.
مرسى نيمولي حيث ركبنا السيارات خمس ساعات إلى جوبا.
بتنا ليلتنا في محطة اسمها لاروبي ومنها قمنا إلى نيمولي، وهنا بدت الجبال المعقدة، وأخذ النهر يتلوى رغم اتساعه، وإلى يسارنا مررنا ببقايا حصن لأمين باشا في دوفيلي Dufile وأخذ النخيل الذي يسمونه براس بام brasspalm ينتشر بكثرة هائلة بورقه المروحي، وحيث يوجد تكثر الفيلة؛ لأنها تأكل ثمره الأصفر الكبير، ويقال إن الفيلة هي التي تنشر النوى وهي تلقيه على طول السواحل، ولذلك يؤم صيادو الفيلة البقاع التي يكثر فيها هذا النخيل، وقبل الظهر ظهرت نيمولي، واسمها أكبر منها؛ لأني كنت أخالها مدينة فإذا هي مرسًى صغير لا يجانبه شيء سوى مظلة من حديد، وقد كان لها شأن يذكر من قبل لكنها اضمحلت اليوم كثيرًا، وهي وما يليها شمالًا من ضفة النيل الغربية كانت تابعة لأوغندا، أما الساحل المقابل لها فكان تابعًا للسودان من نيمولي جنوبًا إلى مخرج النيل من ألبرت فتبودلت المناطق سنة ???? وجعل خط الحدود أفقيًّا يتبع الجبل المجانب لنيمولي من الجنوب مباشرة.
السودان


طريقنا في وادي النيل من منبعه إلى مصبه.
قطر مترامي الأطراف يزيد على ربع مساحة أوروبا كلها أو نحو مليون ميل مربع، أعني أنه ثلاث مرات ونصف قدر مساحة مصر بصحاريها، ونحو مائة مرة قدر المساحة المنزرعة من أرضنا، ومع ذلك لم يستغل من مساحته الهائلة إلا بضعة آلاف ميل، وهو إلى اليوم برية فطيرة لم يفسدها دخيل، ولا يزال موطن الوحشي من إنسان وحيوان، حتى قيل عن شعوب الشلوك هناك بأنهم «أكثر همج الدنيا وحشية»، والسودان ينقسم طبيعيًّا إلى شطرين: الشمالي ومداه ستمائة ميل أي إلى جنوب الخرطوم بمائة ميل بين عرضي ??، ?? وهو صحراوي مجدب لا أمل في استغلاله فهو امتداد الصحراء الكبرى، والجنوبي ويمتد بعد ذلك ألف ميل إلى الجنوب كلها سهول خصيبة ذات تربة سوداء من أرساب النيل طوال الأجيال الغابرة وهي — إذا استثنينا إقليم السدود — جديرة بإنتاج الحبوب والقطن والبن إذا فلحت، والمطاط والغلات الاستوائية من غاباتها الطبيعية، أهل هذا القسم الجنوبي أعجب متوحشي الدنيا قاطبة، هم والحيوان سواء، يمكن للإنسان دراستهم حتى ولو جهل لغتهم كما يفعل دارس العجماوات؛ فهم أبناء الطبيعة الفطيرة بسطاء ذوو أجسام شامخة وعضلات مفتولة، مدربون على التمرينات العضلية، وأخصهم بالذكر الشلوك والدنكة والنوير، فهم حقًّا المادة الآدمية الغفل الذين لم يتقدموا خطوة واحدة منذ عهد أمين باشا وإسماعيل باشا الكبير، أولئك سكان النصف الجنوب.
أما في السودان الشمالي من نحو ??? ميل جنوب الخرطوم إلى حدود مصر، فالجنس السائد هو العربي، وهم أرقى بكثير من أهل الجنوب رسخت فيهم المدنية العربية، ولم ترسخ في الجنوب، ويقولون إنها آخذة في الزوال في تلك الأنحاء الجنوبية، وآخر قبائل العربان جنوبًا البقارة، ولا يكادون يفوقون جيرانهم من الشلوك حضارة، أما قبائل العرب حول النيل الأزرق فهم من أرقى الناس أدبًا وشجاعة، وهم صيادو أخطر الحيوانات بالحراب من متون خيولهم، ويسمونهم قبائل «هام رام» وأمثالهم أهل نهر العطبرة، ثم نزلاء البحر الأحمر وقبائل «فوزي ووزي» أشياع «عثمان دجنا» الذين غالبوا المدافع الحديثة إبان ثورة السودان، وهؤلاء يُعرفون بالقسوة لدرجة هي الوحشية بعينها، والبقارة وفدوا من الشمال الغربي من بلاد البربر، وفي سنة ???? ظهر السلطان هاشم الذي اتخذ الأبيض عاصمة له، وبعد ذلك بعشر سنين غزا بلاده شعوب دارفور «الكنجارا» وسادوا حتى كانت الحملة المصرية سنة ????، أما عن تاريخ بحر الغزال فلا نعرف شيئًا باليقين، ويظهر أن قبائل الدنكا غزوه من الشمال، ثم أعقبهم قبائل «أزاندي» من الجنوب منذ مائتي سنة، ثم كانت بعثة محمد علي باشا إلى بحيرة نو سنة ????، ثم أعقب ذلك بعثات من سفن تجارية وصلت إلى مشروع الرق، وإبان ثورة المهدي نشط تجار الرقيق من العرب فكانوا يسوقون إلى السواحل الشرقية ثمانين ألفًا من العبيد في كل عام.
على قنطرة نهر أسوا بين نيمولي وجوبا.
من نيمولي إلى جوبا: أقلتني سيارة لشركة النقل التي تتعهد لدى حكومة السودان بالنقل في تلك الشقة مقابل ثمانية جنيهات عن كل مسافر وأربعة ملِّيمات عن كل رطل من المتاع، ويظهر أن للشركة الحق في رفع الأجور هكذا، وبخاصة في هذه الأيام الكاسدة، فمثلًا لم يكن معي يوم سافرت أحدٌ فكنتُ أنا المسافر الوحيد الذي جاء من أجله سيارتان إحداهما صغيرة للركاب والأخرى كبيرة (لوري) لنقل المتاع، مع العلم بأن هذا النقل لا يحصل إلا مرة كل أسبوعين، والطريق ??? ميلًا قطعناه في خمس ساعات، هنا بدأنا نسير صعدًا في طريق معبَّد متسع يتلوى فوق الجبال التي تكسوها الأشجار القاتمة، وكلما علونا ظهر النيل من دوننا في طية فضية نحيلة بجانبه بساط متسع من الخضرة، ثم أخذنا ننزل الجانب الآخر لتلك الربى فهوينا نحو ??? مترًا إلى سهول سوداء التربة عظيمة الخصب، بلغ من خصبها أن العشب البري طغى على الطريق المرصوف فغطاه في غالب جهاته إلى علو كان يخفي سياراتنا تمامًا، وكل تلك أراضٍ مهملة لا إنسان فيها إلا نفر من قبائل مادي وأشوري مبعثر عارٍ حتى عن ذلك الشريط الذي كنا نراه يتدلى وراء أهل نيل ألبرت. هنا قلت أين الأيدي المصرية التي اعتادت فلاحة الأرض فتستنبت منها ذهبًا خالصًا وفيرًا؟ وهي هنا لا تحتاج إلى كبير عناء؛ فالري بالمطر مكفول طوال ثمانية شهور في العام، وليس بها من الحزون التي رأيناها في أرض كنيا وأوغندا إلا اليسير؛ وقد كان هذا من رأي اليوناني سائق السيارة الذي أخذ يحدثني عن الأيدي المصرية وفعلها السحري في الحقول — وقد أقام عندنا أمدًا. هنا لاقاني بعض إخواننا من الموظفين الأقدمين وأضافوني برهة وقصوا عليَّ طرفًا مما يجري في السودان اليوم ومحاولة الفصل بينه وبين مصر بكافة الوسائل كأبعاد الجند وإقالة الموظفين، وقد بدءوا محو اللغة العربية وإهمالها في المخاطبات الحكومية على أن الحالة المالية كاسدة منذ برح الجيش المصري البلاد، وكل سنة تمر تخلف عجزًا ماليًّا كبيرًا، وهمُّ السلطات منصرف إلى الإنفاق على القطن في الجزيرة، على أنه لا يبشر كثيرًا. مررت في الطريق على سبع قناطر تعبر نهيرات سريعة أهمها نهر «أسوا» الزاخر المضطرب كثير المساقط، وفي أخريات الطريق عادت الجبال وأخذنا نعلو ونهبط وسط ذاك النبت الوفير حتى وصلنا حافة النيل المضطرب كثير الجنادل التي رأينا من بينها جندل فولا، وبعده دخلنا بسياراتنا سابحة تجرها باخرة صغيرة عبر النيل الذي كان إذ ذاك طاميًا بالماء إلى حافته في لون قاتم وتيار جارف ووراء الجانب الآخر دخلنا:
جوبا: وهي منشأة حديثة بها مجموعة من المباني الصغيرة ذات السقوف المتحدرة، وينزل الطريق الوحيد الرئيسي إلى النيل حيث ترسو البواخر التي تقوم مرة كل أسبوعين، اتخذت المدينة مبدأ الانتقال إلى الشمال بدلًا من الرجاف التي تقع بجوارها إلى الجنوب، وهي قرية قديمة وأكبر من جوبا، وكانت البواخر تقوم منها مخترقة فجوة بين الجنادل فآثر القوم اجتناب أخطارها واستبدلوا بها جوبا والربوة التي تقع عليها الرجاف ترتجف أبدًا، ويقول القوم إن هزات الأرض أخذت تتزايد في هذه الأيام، فلقد اهتزت منذ أول العام ثلاث هزات عنيفة، ويخشى القوم انفجارًا بركانيًّا يحتمل حدوثه. أما جوبا فليس بها إلا بعض محال تجارية أكبرها لطائفة من الإغريق يبيعون فيها كل شيء بين مأكل وملبس ومشرب، ولاحظت أن الهنود قد اختفوا تمامًا رغم أنهم كانوا أصحاب المتاجر في كل شرق أفريقية، ويلي الإغريق من الغرباء السوريون ثم السودانيون، وأقلهم المصريون، على أني هنا بدأت أشعر بأنني في وطني؛ إذ بدأت اللغة العربية تحل محل السواحلية، وكثير من الأهلين على وحشيتهم يتكلمونها. حللت الباخرة التي تدفع أمامها باخرة أصغر منها لركاب الدرجة الثانية بجانبها صندلان كبيران يوثقان فيها ويحملان ركاب الدرجة الثالثة وبعض البضائع وخشب الوقود، وفي الثامنة من صباح الأحد ? سبتمبر أقلعنا نشق النيل الطامي العكر، وأخذ يتلوَّى ليات وعرة تحفُّ ضفافه أراضٍ وطيئة يكسوها عشب بري كالحلفاء، وهي أرض خصيبة تعوزها الخبرة والأيدي العاملة، وفي التاسعة مررنا بمكان «غندكرو» إلى اليمين فلم نرَ ما يدل على وجود مدينة قط، بل عدة أكواخ من خلفها بعض التلال، وهنا كانت بقايا محطة السير صمويل بيكر واضحة، وكانت محطة عسكرية هامة للجنود المصرية منذ عهد أمين باشا، أما الجو فكان دفئًا جميلًا.
تدفع باخرتنا أمامها كل تلك السابحات، زودت بالروافع لانتشال أعشاب السدود.
وما حل الظهر حتى كنا نرسو على منجلا فظهرت بها بعض المباني التي أقامها الجيش المصري من الآجُرِّ الأحمر، وفريق من الأهلين افترشوا الأرض بمبيعاتهم من قصب السكر والفاكهة خصوصًا الموز والجوافة والبوبوز والقشدة التي كنا نشتري الواحدة منها بمليم، وغالب البائعين من قبائل «الباري» أشداء الجسوم طوالها، فكثير منهم يصل سبع أقدام ويزيد، وقد وقفتُ بجانب أحدهم فكنت قزمًا، وأعجب ما فيهم رجالهم الذين يسيرون عرايا، وكأن عدم ستر العورة أمر فطري طبيعي، وبعضهم يضع سوارًا أو اثنين حول الساعد وعند الرسغ وبعض الخواتم والأقراط، وأخصاصهم دقيقة البناء نظيفة لكنهم لا يزالون على الفطرة، وكثيرًا ما يضع الرجل عِقْدًا من خرز أزرق أو أحمر حول خصره العاري، والمدينة كانت مقر المديرية لكنها هُجرت الآن واتُّخذت جوبا مكانها فأصبحت قرية لا شأن لها، وكنا نراهم يهدمون المباني المصرية شأنهم في جميع البلدان التي تبدو متمصرة عن غيرها محاولين أن ينسى الناس بعدَ حينٍ كلَّ ما هو مصري.
بعد ساعتين مررنا بمرسى «سمسم» الصغير الذي تُزوَّد السفينة فيه بالأخشاب، وكانت مكدسة على الضفاف بمقادير كبيرة، وأخذ النيل يتلوى ليات متعاقبة كانت تبدو فيها وظيفة الجرف في الضفة المواجهة للتيار فكان يُرى الطين فيها مشرفًا زُهاء ثلاثة أمتار، أما الجانب المقابل له فتكاد تسده الأوحال والرواسب، وكانت السفينة كلما دارت دورة اندفعت إلى العشب رغمًا عنها فأوغلت فيه بقعقعة مخيفة، ثم تتخذ سبيلها بعدُ في ماء النهر الطامي، ولا أدري ماذا تفعل إبان انخفاض الماء بين نوفمبر وأبريل، وبعد أكثر من ساعة وصلنا:
تركاكا: إحدى بلاد قبائل الباري بأخصاصهم الجميلة، وبعدها اختنق النيل وزادت لفائفه وأعشابه التي تسده حتى خيل إليَّ أني دخلت في صميم منطقة السدود مع أننا لا نزال في مبدئها، وقد ألفتَ نظرَنا في ذلك العشب أربعة فيلة يعرفهم القوم وتحميهم الحكومة مع أنها تصرح لمن يطلب أن يصيد فيلًا واحدًا، ولما كانت الرخصة تكلف الصياد عشرين جنيهًا وثمن قنطار العاج هبط الآن إلى عشرين جنيهًا رغب الكثير عن الصيد إلا خاصة الهواة. هنا جرَّني الحديث مع بعض المسافرين من السودانيين والأجانب وبعضهم من القائمين بشئون «التعليم» عن نظامه فعلمت أن هناك من المدارس الابتدائية حوالي العشر في عواصم المديريات الشمالية إذا أتمَّها الطالب انتقل إلى كلية غوردون في الخرطوم، وهي تنقسم إلى فروع عدة، الغرض الأساسي منها تخريج طائفة من الموظفين، وفروع تلك الكلية هي في عرفهم الأقسام العالية يتمها الطالب في أربع سنين، والدراسة هناك سطحية وتقوم على التحفيظ وغالبها باللغة الإنجليزية. وعلمت من الكثير من الطلبة أن التدريس قد انحطَّ مستواه منذ برح الكليةَ جماعةُ المصريين من الأساتذة، وبعضهم كان من المخضرمين الذين حضروا العهدين، أما في جنوب السودان حيث نحن الآن فالتعليم في أيدي المبشِّرين، والبعثات الدينية التبشيرية هنا تشجَّع كل التشجيع، فمثلًا تُخفَّض لهم نفقات الانتقال إلى الربع، وتُقدَّم لهم الاستراحات يشغلونها أنَّى شاءوا، وكان معي منهم في الباخرة ثلاثة وكان بعضهم من الطليان، وكانت الباخرة تقف خِصِّيصَى في مكان صغير ليس من مراسيها لنزول واحد منهم، وتلك خطوة شبيهة بما رأيتُه في أوغندا حيث التعليم كله في أيدي المبشرين وليس للحكومة به علاقة إلا المعاونات المالية.
نرسو على منجلا وترى بعض المباني المصرية تهدم.
أما الدعاية للإسلام فتُعاكَس كل المعاكسة، فإذا فكر أحدهم في جمع إعانات لإقامة مسجد صغير مُنع من ذلك، وقد بلغت الحال أن بعض المسلمين لا يَشْجُعون على أداء شعائر دينهم هناك علانية، وليس ذلك تعصبًا دينيًّا، بل هي فكرة متممة لفصل السودان الجنوبي عن الشمالي ليشبه أوغندا، يؤيد ذلك ما قرأته في الكتب الإنجليزية عن السودان، تلك التي تحاول التفرقة بين السودانيين ببراهين واهية، إلى ذلك أن أهالي الشمال والجنوب يُمنَعون من السفر من طرف لآخر إلا بترخيص رسمي مع أنهم سودانيون من أبناء البلاد، وكان يسافر البعض خلسة وكثيرًا ما عوقبوا على ذلك وأعيدوا من حيث أَتَوْا.
ولشد ما كان عجبي لأسلافنا الذين لم يحاولوا تمصير هذه البلاد وتحويل أهلها الهمج البسطاء إلى الدين الإسلامي الذي لو كثر معتنقوه لما أمكن محاولة الفصل بين الشمال والجنوب! وتلك هي الفكرة السائدة في نشر الدعوة في كل شرق أفريقية والسودان الجنوبي، وما حركة نقل الموظفين الذين ينتمون إلى السودان الشمالي في اللغة والدين من الجنوب إلى الشمال أو الاستغناء عنهم هم والمصريون إلا أثرٌ من آثار خطة الفصل بين السودانَيْنِ، ويُشاع أن السودان الجنوبي من نصف الجزيرة سيضم إلى شرق أفريقية ويميل الساسة إلى إطلاق اسم اتحاد شرق أفريقية على هذا الجزء مضافًا إلى أوغندا وكنيا وتنجانيقا، وستكون حكومته شبيهة بحكومة اتحاد جنوب أفريقية.
في أعالي النيل يصيدون الفيل بالحراب.
بور: في اثنتي عشرة ساعة وصلنا بور على الضفة اليمنى من النهر، وهي مدينة كبيرة بيوتها أخصاص دقيقة الصنع منسقة، يفصل كل مجموعة منها سورٌ من الغاب، والطرق كلها تُحدُّ بسورين من جدائل البوص، وبها بعض المحال التجارية في أخصاص فسيحة ومربعة وليست مستديرة كالمساكن ولها شرفات (برندات) على عُمُد من خشب من جهاتها الأربع، ومقر المركز الحكومي على المرسَى مباشرة، وهنا كان يقوم العَلَمان المصري إلى جانب الإنجليزي، والمأمور سوداني قوي الجسم، وقد كان المآمير من المصريين الذين استُعيض عن بعضهم بالوطنيين السودانيين، والغالب أن يحل مفتش إنجليزي في المراكز الشمالية محل المأمور، وقد كان لمركز بور مأمور ووكيل لكبره، والمكان وطيء تحفه المناقع وأعشاب النهر التي لا آخر لها؛ لذلك يعرف بكثرة البعوض كثرةً مروعة، وغالب الأعشاب من حشيش النمر والغاب وأم الصوف كسائر المناطق السابقة، ولقد بدأنا ندخل بلاد شعوب الدنقة بدل أمم الباري، قمنا نتخبط في جوانب العشب التي كانت تعلوه باخرتنا، ثم نحاول التخلص منه بمشقة كبرى، وكم صدَمْنَا من تماسيح وأفراس الماء، وقد مرت بنا باخرة صغيرة عليها العَلَم المصري وبها فريق من المهندسين المصريين الذين يقومون بأبحاثهم في تلك المناطق الغامضة ومركزهم الرئيسي الملكال، وقد خبرني بعضهم أن تصرف النيل هنا كبير؛ إذ يبلغ ??? متر في الثانية، لكن المسارب الكثيرة هي التي تبدده، رأينا منها مسربًا اسمه «فيفنو» بدا كالنهر الصغير، لكن البحث أثبت أنه يسحب وحده نصف ماء النيل ويبدده في إقليم السدود. ومن المشروعات التي يبحثونها تعقب ذاك المسرب الذي يجري إلى جهة هي أجفُّ من منطقة السدود الصميمة إلى شرقها ويقارب منبع الزراف، ثم يعود فيلتوي عائدًا إلى ملاقاة بحر الجبل بعد أن يكون قد بدد ثلاثة أرباع مائه، وهم يبحثون في وصله بالزراف الذي هو أقل خطرًا على الماء من الجبل؛ إذ إن تصرف بحر الجبل حول ألف م? في الثانية والآن لا يصل منها بحيرة نوسوي مائتين والباقي يضيع بالتبخير، وفي الحق إن المنطقة لمن المعضلات التي تحار في حلها كبار العقول؛ لذلك لبثت مصلحة الري دائبة على بحثها منذ ???? إلى اليوم، ولما توفَّق بعدُ إلى طريقة لإنقاذ الماء لا ولا جزء مما تبدده تلك النقائع التي لا يبدو لها من نهاية، وبواخر الري المصري كل يوم تدون الأرصاد الجوية والتصرفات وتقيس المسائح المحيطة بالإقليم دون جدوى. لبثنا اليوم كله نمخر عباب ذاك العشب اللانهائي، وكل آونة تطلع علينا مجاميع صغيرة من أخصاص أقيمت فوق العشب مطلة على النهر في مسافات متباعدة الواحدة تلو الأخرى، وكان أهلها العرايا يسرعون بالظهور لتحيتنا من بُعد.
في غابة شامبي وسط بعض العرايا والنقائع.
وظلت تتلقفنا مطاويه فندخل صميم العشب بسفننا ونحاول التخلص منه بقوة البخار ومجهود الرجال الذين يقفزون في اليم والعشب وهو يغص بالتماسيح والأفراس وطالما اغتالتْ منهم عاثري الحظ، وكان ربان السفينة الزنجي يقذف بنا عمدًا إلى الضفة كي يكسر شرة التيار. وفي الصباح كان الجو غائمًا مطيرًا كما كان بالأمس، وقد لاحظتُ أن العشب أضحى كله من البردي الذي امتد إلى الآفاق حتى خيل إليَّ أن الله قد خص تلك المنطقة فجمع فيها عشب الدنيا كله، إلى ذلك فإن تيار النهر بدا فاترًا؛ ذلك لأنَّا نقارب منطقة السدود الصميمة، وفي التاسعة من صباح اليوم التالي رسونا على:
غابة شامبي: وهي قطعة من أرض وطيئة وسط المستبحرات الشاسعة، وإلى جانبها يمد النيل بحيرة آسنة فسيحة، وقد عَلَا فيضُ النيل هذا العام فكانت البيوت سابحة في نقائعه، وهي مجموعة من أكواخ أنيقة غالبها مستدير وبها محلان تجاريان في ملكية بعض العربان من سودان الشمال كما هي حال غالب المتاجر في الجنوب، وعلى البحيرة مباشرة تقوم المستشفى ودار الحكومة (وهي نقطة للبوليس) والاستراحة، وأخص ما استرعى أنظارنا أهل البلاد من الدنكا حالكي السواد في وجوه جمالها فائق الحدِّ رجالًا ونساءً، وغالبهم ينقشون جباههم بالتجريح البارز في خطوط أفقية أو رأسية، وكان بينهم كثير من أبناء النيام نيام؛ لأن هناك طريقًا يمتد من شامبي إلى بلادهم في بحر الغزال، هنا استوقفنا جمع من الصبية يرقصون على نغم آلة موسيقية كالطنبور وهم يحركون أرجلهم حركات منظمة ومعقدة كأنها رقصة «شارلستون» وهم لا يملون الرقص مهما طال بهم الوقت. الدنقة أو الدنكا: بعد أن كان يطلق عليهم اسم زولو أعالي النيل بسبب قوتهم وبأسهم تفرقوا من أثر الحروب الداخلية وغارات تجار الرقيق عليهم، وقد امتدت بلادهم من شمال بحيرة نو إلى جنوب السدود حول شامبي إلى شرق النيل الأبيض من كودك والرنك، وتلك المنازعات الداخلية هي التي حَدَتْ بهم إلى ذاك التفرق والسكنى في قرًى صغيرة قد لا يزيد عدد الواحدة على أفراد عائلة واحدة، وتاريخهم غامض لكنهم أغاروا على العرب في أخريات عهدهم وقبيل دخول الأتراك في السودان وتقدموا شمالًا على الضفة الشرقية للنيل الأبيض (كما فعل الشلوك على الضفة اليسرى) لأن مناطق السدود قد ضاقت بهم لضيق المساحة اليابسة فيها، ويظهر أن هذا هو السبب الذي حدا بكل القبائل المتوحشة أمثالهم في أعالي النيل أن يطغوا على العرب شمالًا في أخريات القرن الثامن عشر، ولولا ظهور أسلحة الجنس الأبيض الحديثة في الشمال لاكتسحوا جميع السودان، ونعرف باليقين أن الدنكا عبروا السوباط وغزوا بلاد الفنج سنة ???? وتقدموا تحت قائدهم «أكواي تشا كاب» فوق ??? ميل شمالًا إلى جزيرة آبا التي هبَّ منها الدراويش يكتسحون الشمال، لكنهم رُدُّوا إلى جنوب الرنك، وقد قاسَوْا من تجار الرقيق مرارة؛ فقد كان يساق منهم في العام عشرون ألفًا بين نساء ورجال وأطفال. زينة الرجال عند الدنكا.
والدنكا شعب رعاية، قطعانهم هي كل شيء لديهم، لهم زرائبهم التي يقر فيها الرجال صباح مساء يراقبون القطعان وهم يغنون أغاني البقر المقدس وينامون على فرش من روث هذا الحيوان، وأكواخهم شبيهة بأكواخ الشلوك إلا أنها قذرة وغير منظمة، وهم يسيرون عرايا إلا إذا زاروا منطقة أخرى حين يحملون خرقة مهفهفة، والمتزوجات يلبسن جلدين لمعزى واحد من أمام والأخر من خلاف، وهذين يقدمهما لها الزوج عند الزفاف، أما التزين بالخرز والودع فللجميع نساء ورجالًا، وكبر العقود للرجال دليل على جاههم وثروتهم، وشبانهم يكثرون من لبس الخرز فوق رءوسهم بعد حلق شعورها إلا الناصية التي يكور شعرها في أشكال مختلفة، وهم كالشلوك يدهنون الشعر بمخلوط من بول البقر والروث ومسحوق الثرى الأحمر، ويزيدون قذارة عن الشلوك في دهن الجسد كله بهذا المخلوط الذي يصعد من الروائح الكريهة ما تعافه النفوس خصوصًا عقب استعماله مباشرة.
والرقص لديهم أقلُّ جلالًا وأبهة من رقص الشلوك، وعلامة الحداد عندهم أن يلبس الرجال والنساء حزامًا رفيعًا من حبل من مجدول العشب حول الخصر، وأسلحتهم الحراب القصيرة والصوالج والتروس وغالبها من جلود خشنة.
منطقة السدود قبيل بحيرة نو، وترى سدًّا طافيًا.
وأعجب عاداتهم ما اختص بالزواج والميلاد والموت، فقبل ميلاد الطفل تُحجَز الحامل وحدها في كوخ ويحوطها من الخارج حبل يدل على وجوب عزلتها، وكل مَن تخطَّى ذاك الحبل السحري يصبح مسئولًا عما يصيب المرأة والطفل من مرض أو أذًى، وثروة الرجل تُقاس بقطعانه وعدد بناته اللاتي بَلَغْنَ الحُلُم، ويغلب أن يكون ذلك في سن الخامسة عشرة؛ لأنهن يُمهَرن عند الزواج بين ثلاثين بقرة وأربعين على حسب جمالها، ولما كانت المرأة عرضة للبيع فهي لا ترث، وهم يخالفون الشلوك في مراسيم الزواج؛ إذ بَعْد أن يدفع الزوج جزءًا من المهر يخول له الاختلاط مع الفتاة ولا يدفع الباقي إلا بعدَ ميلاد أول طفل حين يحل دفع باقي المهر، وللرجل أن يطلق زوجته العقيم، فإذا ثبت صدق قوله ردَّ له أبوها ما دفع، وللفتاة أن تتزوج من غيره، فإن طلقها للسبب عينه وتزوجها ثالث فلا مهر لها، فإن حملت وولدت في هذه المرة كان الأطفال لها لا للأب ولها حق بيعهم، وفي قوانينهم أن الزوج المسنَّ الذي يعجز عن إتيان النساء له حق في أن يزوج ابنه من زوجته فإن لم يفعل طلبت هي الطلاق، والرجل لا يرغب في الطلاق مخافة أن يضيع عليه ما دفع مهرًا من الأبقار.
كيف تجنح السفن في أعشاب السدود الكثيفة.
وعلى ذلك فالبقر لديهم أهم من النساء؛ لأنه معيار التبادل، وهم يقدسونه فيظل الرجال في حراسة الزرابي، وهم يغنون للبقر أو يرقصون أمامه لكيلا تمرض الأبقار أو يقلَّ نسلُها، وينام الرجال مع البقر ليلًا، وتُشكَّل قرونها وهي صغيرة حتى تأخذ رونقًا جذابًا، وهو يستخدم روثها وبولها في زينته، وقد أَلِفَ رائحتها التي أصبحت محبوبة لديه، والغنيُّ يملك من البقر بين خمسمائة وألف، وأخصُّ غذائهم لبن البقر يُمزَج به نوع من الفول يسمونه «كوردالا» والذرة تُؤكل مع لحوم الغزلان والسمك، ولتسهيل ازدراد ذلك الطعام اللزج تُقتَلَع الأسنان الأربعة السفلى منذ الصغر بواسطة إحدى الحراب التي يصيدون بها السمك، ومن أحب الأطعمة لديهم دم الماشية؛ فيربطون الثور ويضربون وريدًا منه بحربة فيسيل الدم إلى إناء، ثم يضمد الجرح بالروث والثَّرَى ويُقيم الرجل الإناء إلى فمه مرتشفًا الدم في لذة غريبة، ثم يُناوِله لجاره، وكثيرًا ما ترى على جباههم خطوطًا من التجريح بارزة في أنظمة مختلفة، وهذه تميز قبائلهم المختلفة.
ورغم وحشيتهم هذه فهم على دراية ببعض الفنون؛ يجيدون الضَّفْر والجَدْل وصُنْع الطبول والخزف والسلال والأسلحة، كذلك الصيدلة والجراحة وطب الأسنان والتدليك وطب الحيوان، فالعقاقير التي يستعملها طبيبهم تُؤخذ من الجذور والأعشاب ولها في الشفاء أثر كبير، ويدفع القوم ثمن الدواء بقرًا، والتدليك علاج عام نافع خصوصًا في المغص المعوي الذي ينتشر بينهم، وكثيرًا ما يستخدمون الحجامة، وعادة اقتلاع الأسنان الأمامية يعللها البعض بأنها تسهل لهم النطق بلغتهم التي تحكي الهمس؛ لأنها فقيرة باللفظ، وقيل ليستطيعوا الأكل إذا أصابهم مرض تصلب الفكَّين الذي يتعرض له كافة المتوحشين، ومما يتعرض له صغارهم من القسوة تجريح جباههم ليحملوا شعار قبيلتهم، إلى ذلك دفعُهم وهم في مقتبل العمر إلى الوحوش والأفاعي كي ينالوا شرف قتْلها فرادى، وهم يتخذون شعارًا من الحيوان، فالأفعى البصَّاقة دليل المطر، فإذا نزل بعد الجدب أقاموا لها حفلة كبيرة عند بيت الساحر الأعظم، فيشعلون النيران في وسط الدائرة التي يحوطها القوم وهم يرقصون، ثم يتقدم زعيم السحر وبيده أفعى فينسحب الجميع ما خلا رجلًا عاريًا يمد ذراعه فيطوي الساحر الأفعى حول هذا الذراع، ولا يخاف الرجل وإلا لحقه عارٌ كبير، وتوثق ثلاث أفاعٍ في الأرض إلى عامود بجانب النار لحراسة المكان حتى تنتهي الحفلة، وعجيب ألَّا يخشى القوم تلك الأفاعي التي تبصق السم دائمًا، فإذا وصل جسم الإنسان آلَمَهُ ألمًا شديدًا وإذا لحق العيون أعماها.
في صميم منطقة السدود

سادَ البردي خشنُ الملمَس شاهقُ العلو في تماسُك بالأرض شديد، ووجوده دليل على زيادة العمق؛ لأنه هو الذي يغالب العمق فيمد جذوره طويلًا حتى تمسك شعابه بأوحال القاع، ولا يؤثر فيه الماء قط ولم يكن مجرى النيل خلاله إلا قناة مختنقة في ليات متعاقبة تكاد تكون طياتها متوازية تمامًا، وما فتئتْ باخرتنا تعاني صدماتها بارتجاج يهز القلوب كلما تلقفتْها لية عن سابقتها، وهنا كنا نمر بمحاطَّ وسط النقائع يغطيها العشب ولم تكن إلا ثلاثة أكواخ أو أربعة يخرج منها جمهرة من العرايا يخوضون الماء وهم يطلون علينا، وهذه متاجر صغيرة يفد إليها الهمج من أقاصي إقليم السدود يبتاعون متاعهم الضئيل، وقد باغتنا سحابٌ من الجراد الذي كان يحطُّ على ذاك العشب ويأكله رغم خشونته، والجراد هناك من أخطر الآفات ولو أن الأهالي يأكلونه بكثرة، وكان يتعقب تلك السحابات أسراب من طير الماء الأبيض ليَلْتَهِمَ منه ما استطاع، وبحر الجبل هنا هادئ الماء رائقه، سطحه أملس لا تعلوه موجة قط، اللهم إلا كلما نفر تمساح كسول أو فرس مروِّع؛ فقد بدا كالزيت لونًا وشكلًا، وأخذت جزائر العشب الطافية تعترضنا بين فترة وأخرى، أو ترتطم بالضفاف في سدود لا نهائية، وفي الحق فالمنطقة بأعشابها وسدودها ومناقعها ليَحَارُ فيها اللبُّ ولا يعرف مداها إلا علام الغيوب، وعجيب أن كان البردي يكسوه كثير من النبات الطفيلي المتسلق عليه، وكم أمسكت مع جمهرة من صحبي في السفينة بأعواده محاولين اقتلاعها فكانت تجتذبنا إليها في متانة لا يصدقها العقل، وهنا كان يكثر في الماء نبات يطفو وهو يشبه «الكرنب» الصغير أو الزهرة الخضراء الكبيرة إذا انتشلتَها كانت أعراشها وجذيراتها ملبدة كثيفة تبلغ أضعاف حجم الزهرة نفسها، وقد لاحظ بعضُ مَن أقاموا حول منطقة السدود طويلًا خصوصًا عند بحيرة نو أن كرنب الماء هذا الذي يسير واحدة فواحدة كأنها الطبق الصغير وفي المكان الهادئ يتجمع ويدور في هدوء وحيث يقل العمق تمسك جذوره بالطين، وبعد ساعة واحدة يصبح حجم الجزيرة الصغيرة التي تألفت من ذاك الكرنب كالمائدة الكبيرة، وفي الصباح كانت الجزيرة في حجم الكوخ الكبير وبعد يوم آخر ضوعف حجمها ست مرات، ولما فُحصَتْ جذوره كانت متماسكة بشدة في أوحال القاع، فإذا كان هذا فعلها في يومين فصوِّر لنفسك ما تم هناك في الأجيال السحيقة الغابرة؛ فلا عجب أن ترى في منطقة السدود جزءًا من النيل طوله ??? ميل يركد ماؤه ويتجمع حول كتل «الكرنب» هذه، نبات الماء الآخر كأم الصوف أو حشيش النمر والبردي وبعضها يفوق خمسة أمتار في العلو وضعف ذلك في جذوره.
هكذا تكونت منطقة السدود التي تسد مجرى النيل في وسطه في مساحة قدرت بنحو خمسة وثلاثين ألف ميل مربع؛ أي نحو أربعة أمثال الأراضي المنزرعة من القطر المصري، ولا تلبث أن تنفصل كتل من ذاك العشب المتماسك ولشدة ضغط الواحدة على الأخرى تراها تعلو بعضها البعض، ومثل هاتيك تخشاها السفن؛ فإن لامستْ إحداها فقد يتعذر عليها الخلاص، وإن حصرت السفينة بين كتلتين يضغطانها حتى تتهشم الباخرة تمامًا وقد حدث ذلك مرارًا، وتلك الكتل تلتئم تارة فتسد الآفاق، ولا تلبث أن تنفصل بقوة الضغط عليها فتندفع إلى غيرها وهكذا. هنا يقف ماء النيل ويتخللها فيبدد نصفه على الأقل بالبخر والمسارب الجانبية مما أعاق التقدم الزراعي بين كثير من شعوب تلك الجهات على أن بعض هذا الماء المبدد في المسارب يرد إلى النهر إبان الغيض.
منطقة لا ينساها مَن يخترقها؛ إذ يظل يذكر منظرها الموحد الممل المقبض طوال حياته، هنا يلبث العابر يشق الإقليم يومًا بعد يوم في طريق مختنق شقَّه الماء وسط العشب، ولا يزال يعاني الإنسان كثيرًا في المحافظة عليه خشية أن تسده تلك الطافيات، وكلما طوَّح ببصره لم يلقَ غير العشب، ويزيدها كآبة أنها موات لا يكاد يُرى بها من الحياة الحيوانية شيءٌ، اللهم إلا في بعض الفيلة وأفراس الماء والتماسيح ونوعٍ من الغزال خاص بها هو ستوتونجا situtunga أعدت حوافره لتلائم المناقع فهي حوافر طويلة مرنه أقرب إلى الطير المائي، وفي أسفلها نتوءات مرنة كالمطاط بدل الشعر الذي نراه أسفل حوافر الغزلان عادة؛ وذلك لتسهيل السير في الأوحال والأعشاب. وسحائب البعوض وبخاصة إذا جنَّ الليل لا يمكن مغالبتها، بعوض كبير الحجم كان ينفذ إلى صميم شباكنا من سلك وقماش فلا نشعر إلا والالتهاب الممض قد أخذ من سوقنا وأذرعنا رغم ثقيل الثياب، وخير ما كنا نتقيه به التعجيل بالنوم بعد تطهير الفراش؛ ولذلك لم نعجب إذ كانت المنطقة مهددة بالملاريا والحمَّى السوداء التي يتَّقِيها القوم بتناول الكينين كل يوم، ورغم ذلك قلما ينجو منها أحد. إلى ذلك نوع من ذباب تسي تسي الذي ينشر:
مرض النوم: وتلك الذبابة تُمرِض به، وهي أكبر حجمًا من ذبابة مصر، وأجنحتُها مخططة كورق الشجر، وتراها إذا حطت يتقاطع جناحاها كالمقص، وهذه تكثر في الأخوار كثيرة المياه التي يظلها الشجر ويملؤها العشب؛ لذلك يجب نقل الناس بعيدًا عن هذه كلما تفشَّى المرض، وهي لا تحطُّ على شيء أبيض اللون قط؛ لذلك قلَّ الخطر على الجنس الأبيض هناك بسبب لونهم ولون ملابسهم، والذبابة أعجب الحشرات في أنها لا تضع بيضها كالعادة بل تفقس بيضة واحدة داخل بطنها، ثم يخرج الجنين فيختفي في الطين؛ وعلى ذلك تكون نسبة التكاثر في هذا الذباب قليلة جدًّا، ولا يمكن أن تلد الأنثى طوال حياتها أكثر من عشر مرات، ويجب أن تلقح أكثر من مرة في كل دفعة، على أن قلة تناسلها هذا زادها احتفاظًا بحياتها فتنوعت فصائلها حتى أُحصي من هذا الذباب اثنان وعشرون نوعًا في المنطقة الحارة، وخرطومها يخترق اللحم بسهولة. وعوارض المرض تورُّم في غدد الرقبة يزيد تدريجًا، ثم يصحبُه صُدَاع مستمر أو حمَّى خفيفة حرارتها ??° وتجيء متقطعة، وبعد ستة شهور يشعر المريض بميله للنوم خصوصًا في فترات الظهر، ويتزايد هذا الشعور لزيادة تأثر الأعصاب، ويعرو الوجهَ كآبةٌ مستمرة، وتتثاقل الخُطَا، وتخور القُوَى، ثم يلي ذلك غيبوبة وذهول لا يفيق منها المريض، وخلال ذلك يضمحل الجسد فيبدو هيكلًا، وفي سنتين يموت المريض، ويمكن علاجها بالحقن، ويعزل المريض مخافة أن تلدغه ذبابة غير مصابة فتنقل العدوى منه إلى غيره، والعجيب أن الذبابة نفسها يفتك بها المرض فتموت بعد ستة أشهر، والعادة أن يمر الطبيب على كل قرية ويجمع له مشايخُ النواحي جميعَ الأهلين لفحصهم، وإن ظهر مصاب عزلوه، وبحثوا عن الأخوار فقطعوا الشجر حولها واستأصلوا العشب وأمروا الناس ألَّا يقربوها. وأصل هذا المرض وفد من الكنغو وكان ظهوره عقب حلول جنود أمين باشا في بوسوجا بعد تركهم شواطئ ألبرت، وتفشَّى سنة ???? خصوصًا حول البحيرات وجزائرها، وقد مات به فوق ربع المليون، ولقد نقلت الحكومة من جزائر بحيرة فكتوريا اثني عشر ألف نفس إلى الداخل لتنجيهم من المرض، وأوشك المرض أن ينتقل الى مصر شمالًا وإلى رودسيا جنوبًا لولا مراقبة طرق الاتصال بينها. إلى النيل الأبيض: لبثنا نسير شمالًا وقد استقام المجرى، وأخيرًا بدت إلى يسارنا فتحة في النهر يكاد يسد العشب غالبها ولمَّا أن جانبتها ظهرتْ في امتداد إلى الآفاق ناحية الغرب، وكنا نرى الضفاف إلى شمالنا وجنوبنا، وكان الماء راكدًا ليس للتيار فيه من أثر، وتلك هي «بحيرة نو» أو مقرن البحور مصب بحر الغزال، ذاك الذي لا يمد النيل بشيء يُذكر رغم سعة حوضه وتعدد روافده. أخذنا نميل إلى الشرق داخلين إلى بدء النيل الأبيض، ويظهر أن بحر الجبل لا يصب في البحيرة بل إلى شرقها بقليل، هنا انفسح المجرى وأخذ العشب في القلة، وقد مررنا على مرسًى هام هو «تونجا» بمخازنها الحديدية تشرف على النهر وأخصاصها النائية، ومنها يمتد طريق إلى تالودي عاصمة جبال النوبة؛ لذلك كانت شهرتها التجارية ذات شأن يُذكر، وغالب السكان هنا من قبائل النوير والنيام نيام الوافدين من بحر الغزال إلى غرب بحيرة نو. بعض آيات التجمل عند النوير.
والنوير: يشبهون الدنكا في أجسامهم ولهجتهم ولو أنهم أضعف بنية، يسيرون عرايا ولونهم أميَلُ إلى البياض فكأنهم منَّا، ويضعون عِقْدًا من الخرز حول الخصر، إلا أن الزوج لا يصح له أن يقابل حماه إلا بعد أن يغطي عورته، وأكواخهم أقلُّ تنسيقًا من جيرانهم، وهم يلطخون جسومهم بالرماد وكذلك وجوههم، ولا يتعهدون شعورهم بل ينفشونها في مقدم الرأس ويقصونه في خلفها، والنساء يكوِّرْنَه في أشكال مختلفة، وكنا نرى على أجسادهم خطوطًا من التجريح البارز في الصدر تتلاقى في الظهر عند نهاية العمود الفقري، ويعمل هذا التجريح بمُدْية من العاج منذ الصغر، ويقولون بأن الآباء لا يضربون أبناءهم تأديبًا، بل يكلفون الغير أن يفعل ذلك؛ لأن في ضرب الأب إذلالًا للصبي! وعيونهم تبدو حمراء بسبب الدخان الذي يصعدونه حولهم من إحراق روث البقر، وهم مشتتون في جماعات صغيرة أخصهم حول بحر الزراف والسوباط وعلى بحر الجبل بين حلة نوير وغابة شامبي وعلى بحر الغزال وراء بحيرة نو، ورغم ميلهم الشديد للغارات والحروب لا يُوحِّدون صفوفَهم كما يفعل الشلوك ضد أعدائهم، ويُعرَفون بالغدر والقسوة، ومن أحطِّ أعمالهم الصيد والرعاية، ومن صناعاتهم العجيبة عمل غلايين التدخين فالدواة من طين تتصل بها أنبوبة طويلة من الغاب وفي ناحية الفم كرة من القرع، ويزرعون الطُّبَّاق بكثرة لكنك تعجب إذا علمتَ أن أغلب الطَّبَّاق الذي يحرقونه مزيج من أعشاب المناقع والفحم ورث البقر، وجراب الطَّبَّاق أعجب فهو قطعة من خشب «أمباش» طولها متر وسمكها نصف قدم، وفي تجويفها يُحمَل الطباق ويقعر وسطها لكي تمسك في اليد، وتستخدم في الدفاع ويستعملها القوم وسادة ينامون عليها ليلًا، وجميعهم يدخنون هكذا نساء ورجالًا. وطعامهم يوضع في أطباق من خشب ويتناولونه بواسطة أصداف البحر، ولا يستخدمون اليد كالدنكا والشلوك، وأحب الغذاء لحوم الحيوان البري كالتمساح وفرس الماء، ثم الذرة واللبن، وهم كالدنكا يحبون دماء البقر لكن بَعْدَ غَلْيِها، وساعة الأكل ينفصل الذكور عن الإناث ويصطف كل جيل متقارب السن معًا ويوزع عليهم الطعام وبعض المريسة، ويلبسون في اليد سوارًا من عاج أو سلك من طيتين يبرز منهما خطافان يستعملان في الدفاع وفي تأديب الزوجات. وطريقة التجريح أن تعصر قطعة اللحم بين مقبض من الخشب، ثم تجرح بمدية ويصب عليها الماء البارد كل يوم حتى تتصلب، وهم يصيدون الفيل في الحُفَر التي تُغطَّى بالعشب، أما سائر الحيوان فبإشعال النار في العشب من حوله في مساحات شاسعة، وتلك الطريقة خطرة؛ لأنها تتلف جماهير هائلة من الحيوان وقد تهدده بالانقراض. غادة من حسان النوير ذوات القوام الشامخ.
وإذا بلغ الغلام الخامسة عشرة يحلق رأسه وينام على ظهره، ثم يوضع رأسه في حفرة ويتقدم رجل ويجرح جبهته ستة جروح متوازية تبدأ من الأذن اليمنى إلى اليسرى ويغسل الدم بريشة يبللها بالماء البارد، ثم يعزل في كوخ خارج القرية حتى يشفى فيهيم في البراري وحده أيامًا كي يقوى ويألف الشدة، وإذا ما نجح في صيد زرافة بحربته دون أن يساعده أحد عُدَّ رجلًا فيعود إلى قريته ويساهم في بقر القبيلة ويُعطَى حربتين، ثم يتزوج ويقام له كوخ خاص، والعادة أن يعمل ذلك مع الشبان متَّحدِي السن فيخرجون للصيد سويًّا، ثم يعودون إذا ما أنجزوا تلك المراسيم، ويجب على أفراد ذاك الفريق أن يخلصوا لبعضهم ويتعاونوا على العدو وعلى إقامة الأكواخ وعلى الصيد وعلى الحصول على مهر الزواج، والنوير يعتقدون في روح عُلْيَا خَلَقَتِ الدنيا، ولهم فكرة مبهمة في الحياة الأُخرَى، وهم يدفنون موتاهم بعد رش المقبرة بمزيج اللبن والمريسة، ويوضع بجانب الجثة غليون التدخين ليتسلى الفقيد حتى يصل إلى عالم الأرواح، وجثة الزعيم تُطلَى بالزبد وتوضع على قطعة من خشب وتدفن سرًّا خشية أن يجد أعداؤه طريقهم إليها فينتقموا منه، ولعل أعجب مقابر وسط أفريقية جميعًا مقبرة «هرم دنكور» التي يُدفن بها أحد أطباء السحر علوها ?? قدمًا وفي قمتها حربة تعلوها بيضة نعامة وبعض ريشها. فمِن أين جاءتهم فكرة الأهرام؟ أكانتْ لهم علاقة بمصر؟ وهم يعتقدون أن مناقع بحر الجبل يقطنها نفر من أفاعي الجن طُول الواحدة أربعون قدمًا، وفي أذنابها قرون مخيفة، والعادة أن يحمل الواحد منهم حربتين واحدة للحرب، والأخرى لصيد السمك، وقطعانهم أهم شيء لديهم، ولا سبيل إلى جباية الضرائب الحكومية إلا على الماشية كأن تَجبِي على كل زريبة تؤوي ثلاثين رأسًا ثورًا في السنة، وزعماؤهم هم المكلفون بذلك، وهم من أشد المتوحشين قسوة وأصعبهم مراسًا، وحتى حملات الحكومة التأديبية التي ترسل إليهم إذا ما اقترفوا جرمًا لا تجدي قط إلا إذا سلبت الحكومة قطعانهم، وأنشط ما يرون عقبَ الفيضان وقت أن كنا هناك ترى الواحد منهم أو الاثنين في زورق من منقور الشجر يتلمس الخيران ليصيد ما تخلف من السمك بعد نزول الماء، وأظهر شجر المنطقة الطلق والهجليج والخروب، ومن الأخير يتخذ نساؤهم الزيت الذي يتدهنون به للتجمل، أما الأول فللصمغ والثاني للخشب، وكلاهما شائك، وللهجليج ثمرة صفراء يأكلها القوم إبان القحط رغم أنها مرة المذاق، ويستمدون الماء من حُفَر يقومون عليها حتى ينز ماؤها وهم يستقون منها رغم قذارتها، ثم يغطونها خشية التبخير.
الخصر الأهيف والشفاه الممدودة عند نيام نيام.
والنيام نيام: اسم قبائل بحر الغزال، ولا ندري من أين جاء هذا الاسم؛ إذ إن غالب القبائل هناك يحملون لقب «زاندي»، وهم قصار القامات لا يزيدون عن خمس أقدام إلا نادرًا، وذلك بسبب قِصَر سيقانهم، وهم يزينون بالتجريح ويتعهدون شعورهم طويلًا نساءً ورجالًا، ولا يلبس نساؤهم شيئًا بل يُدلون حزمة من عشب على العورات، أما الرجال فيلبسون إزارًا من جلد، وهم مهرة في صيد الفيل سلاحهم الحراب والخناجر التي يُلقُون بها على بُعد فتصيب الغير، ويحاربون فُرادى وهم مختبئون وراء الشجر، ويلقون سهامهم وحولها حزمة من عشب سريع الاشتعال لإحراق أكواخ عدوهم، وهم أذكى من القبائل الأخرى وأميل إلى المرح، وهم يدفعون مهور زوجاتهم بالحراب لا بالبقر، ومتوسطه عشرون حربة، ونساؤهم أميل نساء السود للنكاح، وكثيرًا ما تطلب المرأة إلى رجل غير زوجها أن يأتيها ويعلم الزوج عنها ذلك، وهي تحتج لديه بأنه أقدر منه على هذا العمل، وكثيرًا ما يأتي الأخ أخته أو يتزوج الأب بنته، والعفاف عندهم والبكارة لا قيمة لها، وغالب السود من الوثنيين الهمج كذلك، وللفتاة عدة أصحاب قد يزورونها في مقصورتها، والفتيات تخصص لهن مقصورة في كل بيت، ويختلى الواحد بها ويراه الأبوان ولا ضير من ذلك، والشهوة عند السود عمومًا قوية جدًّا، ويزيدونها قوة بعادة التدليك الذي يقوم به الخدم للزوجة والزوج كل ليلة وبعد تعهد كل عضلات الجسد بالأدهنة المختلفة، تقوم المرأة وتشعل النار وتطلق البخور مما يثير الميول الجنسية. بعض زينة الوجه يبدو وكأنه القنفد.
ولا تزال أمم النيام نيام تتهم بأنها من الأمم الذئابية آكلة لحوم البشر، وكان زعيم قبيلة «مانجبيتو» في أقصى الغرب على حدود الكنغو كلما أعوزه اللحم قصد مع رهط من أخصائه أكواخ بعض زوجاته وعددهن ألفان، وهناك يقتل من الناس مَن لاقاهم زائرين ويأكلهم، وهذا الزعيم مات قريبًا وابنه الحالي «أوكوندو» له ??? زوجة فقط.
ولا يزال كثير من مواطن النوير والنيام نيام في معزل عن العالم الخارجي، وليس للحكومة عليها أي سلطان، ولهم هناك جمعيات سرية لا يجرؤ أحد أن يخالفها أو ينم عنها وإلا قتل غيلة بالسم، وكثيرًا ما كشف الغرباء السم يدس لهم وهم في طريقهم إلى تلك الجهات ويسمونها جماعة Bili يرأسها سحرة مشهورون، وترمي إلى حماية أعضائها واغتصاب ما يشاءون وإقامة شعائر مخيفة يستخدمون فيها المخدرات والفتيات والضحايا البشرية، وهم يستلبون بنات كثيرات فإن بحث عنهن الآباء قُتِلوا بفعل السحر، وكثيرًا ما يختفي بسببهم زعيم هو وعائلته، وفي بيت الزعيم تقوم حفلات الرقص حول نار موقدة، ولهم جواسيسهم وكلمات السر الخاصة بهم بحيث يستحيل على البوليس تعقبهم، وتلك الجماعة تمتد إلى بلاد الكنغو بلجيكية وفرنسية. إلى السوباط: أخذ النيل الأبيض في الاتساع والهدوء وقد اختفى البردي والغاب الطويل، وأضحت الجوانب أرضًا مبسوطة إلى الآفاق يكسوها عشب بري قصير، ولا يعترض هذا البسيط الأخضر سوى بعض الشجر المنثور، على أن النهر في وسطه يغص بخليع النبت ورم العشب في كتل مختلفة الحجم، وهي التي يدفع بها بحر الجبل إلى هنا؛ لذلك كانت تعوز النهر النظافة، وأخيرًا لاقانا نهر سوباط بزاوية قائمة في تيار هادئ، يبدو على بُعد أملس كأنه النيل الأبيض، لكنا لما جزناه لاحظنا تغيرًا في لون الماء وغزارته، فقد كان جانبنا الأيمن عكرًا، لكنه يغاير طمي مصر في أنه أميل إلى الحمرة وإلى اليسار ظل ماء النيل الأبيض رائقًا إلا في بقايا النبات المنحل الذي يكسبه لونًا خفيف الحمرة، وبعد قليل ساد ماء السوباط العكر وكان قد هبط فيضه إذ ذاك، أما اتساعه فمحدود ضيق إذا قورن بنيل مصر، ومن هنا بدأنا نرى جروفًا طينية للنهر واضحة، ولو أنها لم تكن متصلة بل تخللتها بعض المناقع والجوانب يكسوها عشب كأنه الشعير، وقد جزنا خرائب التوفيقية التي كان لها شأن يُذكَر من قبلُ لكنها أهملت تمامًا شأن سائر المدائن المصرية العريقة وأقبلنا على: الملكال: عاصمة أعالي النيل، ظهرت مدينة كبيرة ذات مبانٍ ممدودة وحدائق منسقة تطل على النهر، الذي كان يزينه عِقْد من بواخر غالبها لمصلحة الري المصري، والمدينة محطة الري المصري الرئيسية، تقوم فيها مكاتِبُه ومساكنه مشرفةً على النهر في هندسة أنيقة، ومن ورائها مدينة الأهالي في مجموعة من أكواخ غالبها دائري مخروطي من جدائل القش يُكسى بالطين، وفي طرف من المدينة المطار الذي ترسو عليه سفائن البريد الجوي الإمبراطوري، وإلى جانبه دار المديرية والمركز، وخلفهما مساكن الموظفين من الإنجليز، وبين قسم المديرية وقسم الري المصري يقع السوق في كتل من المباني الساذجة تغطيها سقوف الحديد، ولها شرفات مظللة، تفتح الحوانيت أبوابها عليها، وغالب المتاجر في أيدي اليونانيين، ونرى في الحانوت الواحد كل شيء على صغره من بدالة وأقمشة وخبز وطعام، وسكان المدينة أخلاط: السودانيون المسلمون ويظهرون في ملابسهم البيضاء الفضفاضة وعمائمهم الكبيرة، ومنهم مشايخ البلد يسيرون وراء مأمور المركز وهو ضابط سوداني، أما الهمج فغالبهم من الشلوك. هيئة المحكمة عند قبائل بحر الغزال.
ولعل أجمل ما راقني بالمدينة القسم المصري، ذاك الذي تقوم قصوره تحفُّها حدائق غنَّاء، وتُزوَّد كلها بالمياه المرشحة من مضخات آلية، وتضاء بالكهرباء وتزود بالأثاث الفاخر، في مظهر يدل على السخاء المصري العظيم، والغريب أن أغلب الموظفين من غير المصريين، وتحت تصرف القسم أسطول كبير لا عمل له إلا القيام برحلات إلى مناطق السدود وما جاورها ذهابًا وجيئة لم تفدنا بما يعادل نفقات سنة واحدة طوال السنين التي خلت، ومن رأي غالب المهندسين المصريين الذين تحدثتُ إليهم أنها أبحاث ضائعة لا خير فيها، على أنها إحدى وسائل التفريج عن الكربة المالية التي يعانيها السودان اليوم، ولم يقف سخاؤنا عند هذا الحد، بل إنهم شرعوا يقيمون في الخرطوم دار عمارة للأسطول المصري! زرتها وستكلفنا غاليًا، ولا يكاد يرى أحد ما وراءها من فائدة.
ضفة النيل في ملكال حيث تقوم مباني الري المصري.
غادرنا الملكال فكانت الشواطئ تزينها أشجار من «نخيل دليب»، فروعه تبدو في مراوح مسننة «كاللاتانيا»، وله ثمر أصفر في حجم البرجيل ذو لباب شبيه بالشمام شكلًا وطعمًا، وهو غذاء هام للأهالي، إلى ذلك جذوعه التي ينقرها الناس في زوارق لا يزيد عرضها على ذراع وقد يبلغ طولها الأمتار، وكثيرًا ما كنا نرى الرجل يمسك بمجذاف قصير ويسير به سراعًا فإن قارب السفينة انزوى بزورقه في العشب، وهناك نوع من الزوارق هو حزمة من غاب اسمه «امباش» تربط مدببة من طرف، وعريضة من الآخر يرميها الرجل في النهر، ويجلس وسطها، ورغم الماء الذي يتخللها فهي لا تغرق لخفتها، وإذا ما انتهى الرجل من صيده صعد البر، وحمل زورقه هذا على كتفه، بعد أن يجففه في الشمس برهة.
لبث النيل طويلًا في اتساع عادي هو دون اتساع نيلنا في مصر فلم يؤيد ما كنا نعلمه من مداه الشاسع، على أن العشب كان يحفُّ به، وكنا كلما قاربناه وصادمتْه السفينة قفز منه تمساح أو اثنان، ويظهر أن ذاك العشب داخل ضمن اتساع النهر، يؤيد ذلك أنه كان يخلو من الشجر إلا عند الأفق، وتلك المتسعات لا شك سيغمرها ماء النهر عقب إتمام خزان جبل الأولياء ويصل الماء إلى جوار الأراضي الخصيبة النائية ويمكن من ريها على حسابنا بسهولة، وقد أخذ النهر يتشعب بين جزائر متعددة عند إحداها رأينا كودوك مقر ملك الشلوك.
الشلوك: (عمالقة السودان وأكثر الهمج وحشية) طائفة من الزنج تحل قسمًا من منطقة السدود في أعالي النيل ويحكمهم ملك يُسمَّى Ret، ولا يزالون يتعقبون ملوكهم إلى الجد السادس والعشرين، ودولة هذا ا? «Ret أو Mek» كما يُلقِّبونه تمتد غرب النيل بين كاكا وتونجا وشرق النيل من جنوب كودوك إلى التوفيقية وعلى ضفتي السوباط الأدنى، ولهم نحو ???? قرية من أكواخ مخروطية من القش والطين يسكنها نحو أربعين ألفًا. وهم خاضعون تمامًا لملكهم الذي يبلغه الجواسيس كلَّ أمرٍ جلَّ أو صغُر أولًا بأول. ومن أقصى حدود بلاده إلى مركزه المختار في فاشودة على بُعد ستة أميال من كودوك. وهم معروفون بالقوام السَّمْهَرِيِّ وبطُولِ السُّوق وبروز عضلاتهم، جلدهم لامِع برَّاق، والمقاتل منهم لا يُرَى خارج كوخه بدون حربته الطويلة ذات السن العريض. ومعها حربتان قصيرتان وسلاح من خشب كأنه الوتد مدبب الطرف، ويستخدمون التروس بعضها من خشب مستدير من جلد فرس الماء، ولا يحملون الأقواس والسهام. زينة الشعر عند رجال الشلوك.
وأخص ما يسترعي النظر شعور الرجال التي يرسلونها تنمو، ثم يُشكِّلونها أشكالًا غريبة بعد أن تبطن بروث البقر. أما النساء فيَحلقْنَ مقدَّم الجمجمة ويتركْنَ شعرًا قصيرًا جدًّا في مؤخرها فتبدو المرأة كأنها صلعاء. ويتعهد شعر الرجال «حلاق» عمله محترم لديهم يتوارثه عن أجداده، وهو في شهرته ومقامه يلي الرُّماة والمقاتِلة، يأتي الرجل ويجلس أمام كوخ الحلاقة في الشمس المحرقة، ويبدأ الرجل غسل الشعر ونفشه ببول البقر، ثم يترك مدة في الشمس تناهز نصف ساعة، وأنت ترى القمل والحشرات تجري على رقبة الرجل، وأيدي الحلاق والرائحة الكريهة منبعثة منها تعبق الجو. وخلال ذلك يعد الحلاق المادة التي سيشكل بها الشعر، فيأتي بإناء من فخار ويخلط به بعض الطين والروث والبول والصمغ ويعجنه، ثم يبطن به الشعر في مهارة فائقة، ثم يجفِّفه في الشمس، ويأخذ في قطع زوائد الشعر بمُدية حادة، ويدهن جسد الرجل ببول البقر الذي يستخدمونه جميعًا رجالًا ونساء. بعد ذلك يرش فوق الشعر مسحوقًا من حرق روث البقر ممزوجًا بالثرى ليأخذ الشعر لونه المطلوب. والعادة أن يتعهد الحلاق شعر رجلين معًا لكي يعرف كلٌّ نظامَ شعره إذا ما رأى شعر أخيه، ولا تُستخدَم المرآة عندهم. وأجْر هذا العمل شاة أو معزى، ويغلب أن يتعهد الشبان شعرهم هكذا قبل الزواج والحرب وقبل الرقصة الدينية. ولكيلا يفسد نظام الشعر إذا أحس إيلام الهوام التي تتزايد في رأسه كل يوم يضع الحلاق أثناء العملية إبرًا من الخشب فتخلف خروقًا منها يمكن للرجل أن يحك رأسه بعصًا مثلها. وأصعب ما يعانيه الشخص من شعره ليلًا إذ ينام على قطعة من خشب يرفعها حاملان وهو لا ينجو من هذا العذاب ولا من عذاب القمل إلا إذا مات أحد أفراد العائلة، فعندئذٍ يجب حلق الرأس وتركها حتى ينمو الشعر ويستأنف تعهده من جديد.
ومما يعانيه شبانهم الاختبار الذي يَجُوزونه كي يَحُوزوا لقب المقاتِلة في سن الخامسة عشرة فتصحب كل واحد منهم خليلته ويذهب الجميع إلى ضفة النهر، وتمسك كل خليلة برأس صاحبها وتميلها نحو النهر وتأخذ في تشجيعه على أن يحتمل ما سيحل به من ألم. وسرعان ما يجيء طبيب ويشق جبهة الغلام بمدية حادة فلا يجرؤ واحد أن يتأوَّه وإلا كان خزيًا كبيرًا، وبعد ذلك تغسل الفتاة الدم في النهر وتنتهي الحفلة. وكل صِبْيَة هذا الجيل يُلقَّبون باسم حيوان معين يتخذ شعارهم كالأسد أو الأفعى وما إليها، وكثيرًا ما تقطع المدية شريانًا فيموت الصبي من كثرة ما يفقده من الدم، والذي يعيش منهم يصبح مساهمًا في بقر القبيلة، ويخول له الحق في الاشتراك في الرقص العام، وينظر إليه الجميع نظرهم إلى الرجال، وقبيل اجتياز هذا الاختيار يعتبرون أطفالًا مفتقرين إلى حماية الرجال وينامون في أكواخ الخدم.
والشلوك أهل مياه وأنهار، لا عمل لهم سوى الرعي وصيد الحيوان والسمك فهم يسيرون في المياه بسرعة حتى ولو غاصوا فيها إلى أكتافهم. ولا يذبحون ماشيتهم قط بل يستمدون منها اللبن. وبعد ذلك تستخدم بدل النقود في المبادلة، وهي لديهم مقدسة، ويبتاعون من النوبيين شمالهم الفول السوداني وهو غذاء رئيسي عندهم، وقلما يزرعون شيئًا، اللهم إلا بعض الذرة والطُّبَّاق فهُم كُسالَى، وكل عائلة تحل كوخين أو ثلاثة يحوطها سور وفي جانب داخلي إصطبل، والبيوت نظيفة تحوي ثلاثة أكواخ واحد للزوج وزوجه، والثاني للطبخ، والثالث للخدم والأولاد، وأحبُّ مشروباتهم المريسة وزوارقهم جذور منقورة من نخيل دليب، أو أعواد توثق في شكل مجوف يحمله الرجل إذا شاء، والشلوك إذا صادوا فرس الماء حفظوا لحمه لوقت الحفلات، وإذا صاد أحدهم فرسًا بدون مساعدة غيره لبس سوارًا من عاج حول ذراعه، وكثيرًا ما يهاجمهم وحش كالأسد والفهد فيرديه الواحد منهم بحربته وعندئذٍ يأخذ جلده ليحفظه ويلبسه في الحفلات ليدل على بسالته.
والشلوك يعيشون في قرًى مكتظة عكس أمم الباري والنوير الذين لا تزيد مجموعتهم على عائلة واحدة، فالشلوك لهم نظام عائلي وثيق وقانون موحد؛ لذلك قلَّما تقتتل شِيَعُهم، وكثيرًا ما يستعملون السم الذي يلطخون به سهامهم في قتل الغير، ومَلِكُهم لا يذوق طعامًا ولا شرابًا إلا بعد أن يتناول منه أحد تابعيه قبله، أما زينتهم فعقود من خرز ملون تلبس صفوفًا بعضها فوق بعض، وقد تغطي الرقبة كلها وقسمًا من الصدر، وهي دليل الغنى والجاه، ويلبسها الرجال أيضًا، واللون الأزرق عندهم بشير الحظ السعيد؛ لذلك يلبسه الأطفال، وكلما كثر الخرز دل على جاه الأبوين، وبعض الشبان يلبسون سوارًا في الساعد والعقب، وهذا يدل على أنهم قتلوا من الحيوان أسدًا أو فهدًا أو فيلًا، والطبخ والزراعة وعمل الخزف والمريسة وحمل المياه من عمل النساء، أما الرجال فلا يصح لهم أن يقوموا بهذه الأعمال المهينة إلا إذا طَعَنوا في السن، ولعمل المريسة يوضع بعض الذرة في سلة مع مزيج من مسحوق روث البقر والثرى وكلها توضع في ماء راكد لمدة أسبوع حتى تتخمر، ثم تنقل إلى جرة من فخار وتُغلى في الماء، ويؤخذ السائل العلوي ويُبرد، ثم يُشرب، وكلما نضبت أُضيف الماء إليها، وأُعيد غليُها، وهكذا، وهذا الخمر قويٌّ مُسْكِر.
لحم أفراس الماء شهي لديهم نيئًا ومطهيًّا، وهم يصيدونه بحرابهم.
ويخال بعض الناس خطأ أن اللحم أهم غذاء لديهم على أنهم لا يأكلون إلا لحوم السمك وأفراس الماء، أما لحوم البقر فلا تؤكل إلا في الحفلات. ومن أطعمتهم المحبوبة خليط من مسحوق الفول السوداني والذرة والسمك النيِّئ يُطهى في جرة من فخار، وكذلك لحم فرس الماء يمزج بالفول السوداني وعشب اسمه صفصاف. وتكثر حفلات الرقص بعد شرب المريسة في الليالي القمرية، خصوصًا ليلة البدر، وكلهم يرقصون والحِرَاب في أيديهم، وقد لعبت الخمر بلُبِّهم، ويقرع القوم طبولهم المزعجة وسط القرية التي تتجمع بيوتها في شكل دائرة تتوسطها ردهة فسيحة، والطبول تُقرع من وسطها في باكورة الصباح إعلانًا للناس بأن حفلة الرقص ستُقام الليلة، وكلما اختلفت قرعات الطبول اختلفت حركات الرقص ودلت على الغرض منه أهو للمطر أم الحرب أم الدِّين أم الفتيات أم الموت، ورقصة الفتيات تبدأ بعد بزوغ القمر مباشرة والغرض منها تعارف الفتيان بالفتيات؛ إذ ترى الفتيان قبل الغروب مرحين انتظارًا لملاقاة فتياتهم ويصرفون زهاء الساعة في تعهد شعورهم ولبس جلود القطط والأنمار والتحلي بصنوف لا تُحصى من الخرز والودع وما إليها، وقُبيل الغروب تَفِد الجماهير شبانًا وشيبًا وتصفُّ جِرار المريسة بحجومها الكبيرة وسط الدائرة، وإلى جانبها أطباق من الذرة واللحم نصف المطبوخ، فإذا بزغ النور بدا المسنون من النساء والرجال في دائرة ومن داخلها جماهير الشباب من الجنسين، ويظلون مرحين يتحادثون حتى يُقبِل الزعيم ومن خلفه أتباعه يحملون الطبول وأدوات الموسيقى فينصت الجمع ويتداخل الفتيان والفتيات في صفين، ثم تُعزف الموسيقى والطبول، وبين آن وآخر يرتل الكلُّ أغنية.
مجموعة من بيض التماسيح بدأت فقسها على ضفاف النيل.
وما تكاد تنتهي حتى يعلو قرع الطبل وتموج صفوفهم وبيدهم الحراب التي تتلألأ في ضوء القمر، ثم يسرع أحدهم إلى الوسط مخترقًا صفوف الشابات والشبان وهناك يتمايل ويهاجم كأنه يصارع وحشًا، ثم يعاد الغناء ثانية، وبعد ساعة على تلك الحال يشرب الكل المريسة، ويبدو صفٌّ آخر من الراقصين بعد انسحاب الأول الذي يظلُّ عاكفًا على جرار المريسة يرتشف منها ما يشاء، وأخيرًا يختلط الكل في الرقص تاركين الحراب، ويتقدم كل شاب في صف الشبان إلى فتاة في صف الفتيات وتُرفع السواعد بمحاذاة الأكتاف ويقفز كل زوج قفزات منظمة لكن دون أن يلمس الفتى خليلته، والفتيات يُظهِرْنَ دلالَهن ويُحاوِلْنَ أسْرَ الرجال واستمالَتَهم بما يفوق ما تأتيه المرأة الغربية (فهي مثلًا تُبرِز ثديَيْها بينَ آنٍ وآخر، ثم ترفع عنهما قطعة القماش المهفهفة، ثم تعيدها، وكثيرًا ما تفعل ذلك أمام القاضي في المحاكم فتؤثر فيه)، وما يكاد الليل ينتصف حتى تكون المريسة قد أخذت بلبهم فيختلط الحابل بالنابل، وبمجرد انسحاب الزعماء والمتقدمين في السن يأتي الشبان والشابات بما لا يتصوره العقل، بل وبما يستنكره الخلق الفاضل القويم.
الزواج: ولا تتزوج الفتاة قبل الخامسة عشرة، وبفضل رقصة الفتيات يمكنها أن تتعرف بالكثير من الفتيان، والزوجة يمكن شراؤها بالقطعان. وللرجل شراء ما استطاع من الزوجات؛ لأن ذلك دليل الجاه والغنى، وقبل أن تتم صفقة الشراء هذه يجب أن توافق هي على هذا الزوج، وفي العادة تكون قد رغبت فيه إبان حفلات الرقص، وهي تحب أن يكون غنيًّا بقطعانه ومزارعه، والعجيب أن الفتاة تؤثر الزوج الذي يستطيع بمالِهِ أن يشتري زوجات كثيرات غيرها. وقبل إتمام الزواج تُقدَّم الهدايا (الشبكة) كعشر من المعزى وثلاث من الحراب وعشرين خطافًا للصيد (سنارة) وما إليها، وخلال تلك الفترة يبدأ التعارف بينهما — نظام شبيه بنظام الغرب — ففي حفلة الرقص يقود الأخ أخته إلى حلقة الرقص والخجل يبدو على وجهها، وهناك يسألها زعيم القبيلة أن تعترف بجميع علاقات الحب مع فتيان آخرين من قبلُ، وهي تخشى ألَّا تقول الصدق؛ لأن الأخبار كلها تصل الزعيم أولًا بأول. وبعد تلك المداولات بين الزعماء والعروس تقرع الطبول فينصت الجميع، وهنا تكرر الفتاة ذكر أسماء الفتيان الذين أحبوها من قبل، فيُحضَر كل واحد منهم إلى وسط الدائرة ويُحكَم عليه بغرامة من الماشية والأغنام، ومتى جمعت تلك القطعان قدمت كلها مهرًا للزوج، أما الفتاة فلا عقاب عليها متى صدقت في الاعتراف ومتى أقر الزعماء ذلك، ولا عارَ على الفريقين من ذلك؛ فالاعتراف من جانب الفتاة والغرامة من جانب الفتى عقاب كافٍ وتَرْضِيَةٌ حسنة. والظاهر أن هذا التصرف لا يرمي إلى منع الفساد الخلقي بقدْر ما يرمي إلى تزويد الزوجين بالمال والمتفرِّجين بالطعام والشراب والرقص.
وعند ميلاد غلام تُقدَّم الهدايا للأب من قطعان يربو عددها بالتوالد حتى إذا ما أضحى الطفل رجلًا قدمت له بعد أن يجوز «حفلة الرجال»، وإذا مات أحدهم دفنت الجثة أمام الكوخ الذي كان يقطنه ويلف الجسم في أفخر ما كان لديه من ثياب إن وجدت، وإلى جانبها الأسلحة وأدوات الطبخ، وكل ما يلزم للحياة الأخرى ما عدا أدوات الزينة. والجسم يمدد في القبر على ظهره وتوضع تحت الرأس وسادة من خشب للرجال ومن قش للنساء والأطفال، وإذا مات الزعيم دفن داخل باب كوخه وأغلق سنة كاملة بعدَها يُهدَم، وعند دفن الميت تقام حفلة «رقص الموتى» فيجتمع الأهل وقد لطَّخوا جسومهم برماد من حرق روث البقر ويولول الجميع وفق قرعات الطبول البطيئة، ويمثل الراقصون ما يدل على شجاعة المتوفَّى وفضله ويقدِّم الناسُ لأهله الطعام والشراب وتستهلك مقادير عظيمة من المريسة، وقبل شروق اليوم التالي يُنسى الحزن بتاتًا.
زينة الرجال عند الشلوك تفوق زينة النساء.
وفي رقصة الحرب يمثلون موقعة يؤخذ فيها النساء والأطفال والماشية أسرى، وهذه الرقصة تقام في أي وقت من النهار بمجرد سماع القوم لقرع الطبول نداءً لها فيتزين كلٌّ بما لديه من أدوات البسالة من ريش وجلود وحراب وما إليها، ويتقدم المقاتلون ذهابًا وجيئة ويضربون الأرض برجولهم وحرابهم التي كثيرًا ما تنثني أو تنكسر، ثم يهاجمون الأكواخ التي فيها أسراهم ويسوقونهم فيها بشراسة زائدة وسط تهليل يصمُّ الآذان مسرعين نحو الزعيم والدماء تسيل من الجروح التي تخدش بها وجوههم وجسومهم، ثم يتقدم الطبيب بعدُ فيضمدها بعصير بعض الأعشاب.
وإذا قام نزاع بين قبيلتين أدى إلى قتال عنيف ولا تتنازل إحداهما عن الأخذ بالثأر إلا إذا تساوى عدد الضحايا من الفريقين، ولا يمكن لأية قوة مقاومتهم؛ لأنهم يلجئون إلى صيد الناس بسهامهم المسمومة.
تاريخهم: ويرجح بعض الكاشفين أنهم وفدوا من منطقة البحيرات ولم يحلوا مكانهم هذا إلا منذ أربعة قرون، وفي سنة ???? غزوا سنار لكن غزاهم البقارة سنة ????، وفي ???? ثاروا على الحكومة المصرية في السودان، وفي ???? خلال ثورة المهدي ثاروا ضد تجار الرقيق من العرب والدراويش لكنهم هُزموا وسيق عدد كبير منهم إلى أم درمان، ولهذا السبب تجدهم يبغضون العرب، ويظهر أنهم يمتُّون بصلة إلى الدنكا وبعض قبائل البحيرات مثل «كافروندو» لتقارب لغاتهم وبعض عاداتهم.
الدين: ولهم إله اسمه فوك Fok قادر ومسيطر خلق كل شيء، إلا أنهم خاضعون لما يسمونه نيكوانج وهو خليط من الوثنية وعبادة الأجداد والأرواح، فهم يرون أن أول جدٍّ لهم هو نيكوانج الذي يعمل وسيطًا بينهم وبين الإله الأعظم الذي لا يدركه أحد وهو «فوك»، فهم يقولون في وقت الضيق: «إن فوك قد غضب علينا.» ويصلون لنيكوانج للشفاعة، وروح هذا تحل كل ملوكهم، ويرون أن روح الموتى تزورهم في المنام وتؤثر على حياة الأطفال، وهم يتخيلون الله دوامة هوائية تنتابهم كثيرًا وتحمل الرماد عقب إحراق العشب في عمد سوداء عالية، ويقولون بأن الله أسود اللون؛ لأنه لا يُرى ويسكن الظلام، وإذا مات الإنسان عاد إلى ربه، وعند الصلاة يقول الشلوك: يا إلهي أتركنا وحدنا ننجُ فأنت عظيم، لا يمكن لأحد أن يتكلم معك، أنت الله، ومَن تَقتلْ منَّا يَمُتْ، أنت مقر روحنا فاتركنا ننجُ، والباقون يستمعون وهم منصتون وحرابهم في أيديهم بعضهم واقف والبعض راكع، ولتقريب فكرة الآلهة من الناس يفترضون له وكيلًا شبيهًا بالإنسان هو نيكوانج، ويتوسلون إليه قائلين: نيكوانج قد أعطاك الله الأرض فاحكم الشلوك وارجُ لنا ربك يجعل البقرة التي سنذبحها قربانًا مقبولًا لديه، ثم يقتلون البقرة ويغسلون دمَ الحربة بالماء ويخلطون هذا الماء بالروث الذي يخرجونه من أحشائها ويرشونه على الناس جميعًا، ورأيهم في الخلق يتلخص في أن الله هو الخالق خَلَق طبقتين مسطحتين: العليا وهي السماء، والسفلى هي الأرض، ثم خلق النبات والشجر، وأول حيوان ظهر الجاموس، ثم الإنسان، وكلَّم الله الجاموسة قائلًا: تعالَيْ غدًا أُعطِكِ حربةً، فسمع الإنسان ذلك وذهب خِلسة لما خيم الظلام، فلم يَرَهُ الله فتقدم وهو يمشي على أربع وينفر كأنه الجاموس فقال الله: مَن هذا؟ فأجاب أنا مَن له قرون متجهة إلى الوراء، فجَزِعَ اللهُ وأعطاه الحربة، ولما جاءتِ الجاموسة تخُور قالَ اللهُ: ألستِ أنتِ التي أخذتِ السلاح مني؟ قالت: لا بل الإنسان فأعطاها قرونه وأهاجها على الإنسان أنَّى لاقتْه. ولما خُلق الإنسان كان أحمرَ اللون؛ لأنه شُكِّل من طين النهر، ثم ذهب إلى التربة السوداء وخلق الجنس الأسود، ولما انتهى من خلقه فَرَكَ يدَيْه فسقط الطين منها فتاتا هو القمل الذي التصق بشعر الإنسان وضايقه؛ ولذلك اخترعَ الله الموسَى للتخلص منه، وفريق منهم يرى أن الله أمَرَ زوجتَه فولدتْ تَوْءَمين أسود وأبيض، وكانتْ تُحبُّ الأسود وتبغض الأبيض وأمر الله بتربيتهما، وحدث مرة أن مدَّ الأبُ رجله وأمر أن يلعقها الولدان فخضع الأبيض؛ لأنه عبدٌ وأبَى الأسود، فأحبَّ الله لذلك الأبيض وحاباه، وقال لزوجه: إن ابني هو هذا وسأملِّكه على الأسود يبيع فيه ويشتري، وسأمدُّه بالأسلحة التي تسوِّده على كل شيء.
والطبقة الأرستقراطية تشمل «Ret أو Mek» وأولاد نيارت Nia-ret وأحفاده ني آريت N-aret وأحفاد أحفاده كواني آريت Kwaniaret وهؤلاء فقط هم وارثو الملك، أما العائلات المتفرعة عن الملوك الأقدمين فتسمى أورورو Ororo ولهم نفوذ عظيم. إلى هؤلاء طبقة قوية kujurs وهم أطباء السحر تتمثل فيهم قوة القسس والأطباء وأم نيكوانج تسمى كيي يا Kieya تتمثل في التمساح؛ ولذلك قدَّسوه، وفي كل قرية هيكل لنيكوانج وهو كوخ باسق حوله كوخان عاليان تزيِّن أعلاها حرابٌ عليها بيض النعام؛ وذلك لأن نيكوانج وفد من الصحراء يمتطي نعامة، وإذا مات الملِك تزوج صغار زوجاته من بعض أقربائه، أما الطاعنات في السن فيصبحن خفر المعابد، وبنات الزعماء هن بنات نيكوانج، وعند زواجهن تقدم الضحايا لزوجة نيكوانج الكامنة في بطن التمساح، فيؤخذ عنز ويذبح على حافة نهر، وعجيب أن تَفِدَ التماسيح لأكل الدم، أما اللحم فيُرسل لحارسات المعابد، وهم إذا رأَوْا دوامةً تُرابية سجدوا لها لظنهم أن الله «فوك» يسير مختبئًا فيها، وهذه العواصف تكثُر في شهور الجفاف خصوصًا بعد اشتعال النار الذي يكثر عندئذٍ في العشب والغابات. وإذا تخلف المطر أقاموا رقصته لمدة ثلاث ليالٍ أو أربع حول معبد نيكوانج عند الغروب، وهذه هي الرقصة الوحيدة التي يلبسون لها الأردية، والعادة أن ينتظر الزعيم «كوجور» بعد الجفاف متحينًا فرصة يرجح نزول المطر فيها، ثم يقرع الطبول للرقص ويصلون وهم وقوف وجوههم إلى السماء في غير حراك ساعات طويلة وكلهم إيمان بأن المطر سينزل سراعًا، وفي داخل المعابد ترى مذبحًا للضحايا من الغنم يقام من الخشب وترى فوقه بعض الطعام والمريسة يقدمها كل مَن أراد التقرب من الوسيط نيكوانج.
حفلة تتويج الملك: والملك Mek ينتخبه زعماء القبيلة من أفراد العائلة المالكة، وفي يوم التتويج يَفِد مِن فاشودة إلى الضفة الجنوبية لنهرهم المقدس تحوطه مجامع الحرس بحرابهم، ويجتمع أهل القبائل بجيوشهم سائرين من القرى نحو أسبوعين على الأقدام، ويجب ألَّا يتخلَّف أحد الزعماء، ويلبس الملك جلبابًا مخططًا وحزامًا مزدوج اللون الأزرق والأحمر وطربوشًا أحمر قانيًا وهو شعار الملكية، ثم يركب حمارًا ويظهر على ضفة النهر يحوطه الجند من العمالقة وعليهم الجلباب الأحمر فيُحيِّي الجماهيرُ الملكَ بحرابهم المرفوعة حتى يجلس على جلد نمر، ويقدم أهل كاكا أقصى بلاد الشلوك شمالًا عجلًا أبيض، ويقدم أهل تونجا أقصى بلادهم جنوبًا فتاة صغيرة، والبلاد يقسمها النهر المقدس قسمين: جار Garr، ولواك Luak ولكل منهما زعيم، وتحت هذين زعماء القرى فيتقدم أهل الشمال بالثور إلى النهر في مواجهة الملك ويهجم زعيمهم فيخترق جسم الثور بحربته، ثم تتبعه سهام الناس من كل جانب فيسقط الثور ويسيل الدم إلى النهر، ثم يتقدم زعيم الجنوب إلى الملك وبيده الفتاة عارية فيتسلمها الملك ويصيح الكل قائلين «أيوه! أيوه!» وعندئذٍ يمكن لأهل الشمال أن يتخطَّوا النهر إلى الضفة الجنوبية، ويبدأ التتويج بأن يغسل الملك بالماء الساخن، ثم بالماء البارد لكيلا تؤذيه تقلُّبات الجو حرًّا وبردًا، ثم يُعامَل بخشونة وقسوة من الجميع، وعليه أن يُطيعَ ويخضع لكي يتعلم التواضع، ثم يركع له الجميع إجلالًا؛ لأنه ابن نيكوانج، ثم يلبسونه خفًّا في قدميه من جلد فرس الماء الغفل الخشن ليمشي به على مضض فيفهم معنى الفقر والتقشف، ثم يقدم له الخدم بعض لحم الغزال وفرس الماء إشارة إلى توافر اللحم والقناعة في أكله، ثم تقدم المريسة بمقادير كبيرة ولكن عليه ألا يسرف في شربها ليدلهم على أنه قنوع، ثم يجري إليه ثلاثة شبان بحرابهم تصوب إلى صدورهم فيدفعها الملك بيده إلى تلك الصدور حتى تدمى دلالة على أنه سيحكم حكمًا صارمًا، لكن في عدل ورحمة، وأخيرًا يقف الملك ويخاطب الزعماء، ثم يتقدم سائرًا على الأقدام فيركع الجميع إجلالًا — وهذا ما يفعله القوم دائمًا كلما رأوا الملك — وهو يتكلم في تؤدة ووقار، فيجيب القوم بصيحاتهم «أيوه! أيوه!» كلما فاه بعبارة واحدة. في النيل الأبيض: أخذنا نشق عباب النهر الذي زاد اتساعه وقربت الأشجار من جوانبه، وإن كانت لا تزال تكسوها الأعشاب القصيرة، وخصوصًا أم الصوف، وأخذت كتل العشب الطافية تندر كلما سِرْنا شمالًا، وأخذنا نرسو على محاطَّ صغيرة بعضها لم يَزِد على دَيْر واحد، وقفنا لنلتقط بعض القسس أو نُلقي إليها ببعض المبشِّرين، ولعلَّ أكبر المحاطِّ: «كاكا التجارية» على يسار النهر، وكان لها شأن تجاري عظيم؛ لأنها تتصل بمديرية جبال النوبة بطريق للقوافل إلى تالودى عاصمتها، وقد بدت أخصاص المدينة ممتدة إلى مسافة عظيمة في الداخل وعلى النهر تشرف مباني الحكومة ومركز المأمور، وأجمل ما كان يزينه العلم المصري، ثم دار التلغراف ومساكن الموظفين الذين أُنقص عددهم اليوم جدًّا قصدًا وتوفيرًا، هنا أدهشني رخص الدجاج والخراف فقد رأيت رجلًا يساوم في شاة كبيرة انتفخ بطنها بالحمل فبدأ بخمسة قروش وكان صاحبها مستعدًّا أن يبيعها بعشرة، أما الدجاجة الكبيرة فبقرش واحد، وقد ألفت نظري استخدام القوم جميعًا للسواك فترى الواحد يكلمك والسواك في فمه يدعك به لثته وأسنانه بعنف شديد عناية بالأسنان التي يمتدحون فيها صفاء لونها، ولقد نظر إليَّ غلام من الدنكا في غابة شامبي فلم تعجبه أسناني، ونظر إلى صديق لي كانت أسنانه أكثر لمعانًا وأنصع بياضًا، فقال له: أنت رجل عظيم؛ لأن أسنانك بيضاء. على أنهم يُكثرون من البصق في شكل منفِّر. ولقد استرعى نظري هنا قومٌ من السود هم أقصر قامة وأغلظ أجسادًا من الشلوك، وكان بعضهم يلف على جدائل شعره أصابع بيضاء علمت أنها غذاؤه اليومي يعجنه حول شعره ويأكل منه أنَّى شاء، ذلك لديهم أسهل حملًا خصوصًا وأنهم عرايا ليس لديهم من جعب أو جيوب، وهذا الشعب يُطلق عليه اسم: دار النوبة: الذين يقطنون الجبال الجنوبية من كردفان ألجأهم إليها عرب البقارة والهوازمة الذين طاردوهم جنوبًا عندما وفدوا من بلاد المغرب وحلوا غرب النيل الأبيض، والقوم يتحصنون اليوم في تلك المفاوز بحيث لا يستطيع أحد غزوهم قط، ومما علمتُه عنهم أن الزوجة لا تقبل أن تتزوج من رجل لم يقتل رجلًا غيره، وهم يسيرون عرايا إلا المتزوجين نساء ورجالًا، ويحلقون شعورهم إلا شعر الناصية الذي يتركه الكل منفوشًا، وهم يسيئون الظن بالغريب بسبب ما قاسَوْا من تجار الرقيق ومن أشياع المهدي الذين كانوا يهاجمونهم ويسوقونهم رقًّا، وكل قبيلة منهم تحلُّ ربوة تتكلم لهجة لا يفهمها جيرانها من الربى الأخرى، وغالبهم وثنيون، ومن عاداتهم أن الطفل بعد ميلاده يجتمع أهله في حضرة القسيس وتذبح دجاجة يغمرها الرجل في الماء ويرفعها وهي تقطر ماء فوق رأس المولود، ثم يعطيه القس اسمًا يكرره أهله، ثم يحمله الرجل إلى بيت العفاريت ويبصق عليه لتحل فيه بركته، وقد أخبرني أحد الإنجليز أنه زار أحد هؤلاء القسس مرة وبمجرد تعرُّفه به بصق القسيس على صدر الإنجليزي، وتلك خير تحية يبارك بها الناس. ومعبودهم في السماء يسمونه «بعل» يباشر عمله في الأرض بوساطة أرواح أجداد الناس آرو Arro التي تراقب كل شيء وتُنزِل الثواب والعقاب، ويعتقدون أن الآخرة دار سعادة للجميع يحشر الناس فيها جميعًا ويتزوجون بدون قيد ولا يلدون مطلقًا، وما الدنيا إلا دار تجربة، لكنهم لا يعتقدون في جهنم، والجنة طبقات حسب أعمال الناس، وكل روح يقيم وكيلًا في الأرض هو القسيس «كوجور» يتخذ السحر سلاحًا له ويقع في المرتبة بعد الملوك. ويزعمون أن حكم القسس الذي ساد مصر القديمة حينًا جاء من سلائل هؤلاء النوبيين قبل أن يبعدوا عن حدود مصر هكذا، فإذا مات زعيم ديني انتخب القوم خلفًا له، وفي الاجتماع يأتي كل مَن يأنس من نفسه كفاءة للمنصب لتختبر الأرواح قوته، وبالإلهام ينتخب الخلف وهو في حالة إغماء، ثم يمشي متكئًا على كتف الملك إلى بيت الروح إشارة إلى التعاون بينهما، ثم يظهر للناس وإذا رفضه الروح كان غير أهل للعمل هذه المرة، وله أن يرشح نفسه كرة أخرى، والعادة ألَّا يحل الروح جسم شاب بل كهل مسن، ويسود الجمعَ ساعة الحفل ذهولٌ شامل كأنه تنويم مغناطيسي. قبائل دار النوبة وقد زودت شعورهم بأصابع الغذاء من معجون الدقيق والزبد.
«دار النوبة» يعتصمون بجبالهم العاتية، وتراهم في استعراض حربي.
وأخص ما يفصل فيه القسس بين الناس حوادث القتل والسرقة، وفي الأولى يجب على أهل القاتل أن يقتلوه أو يقدموا الفدية التي يطلبها أهل المقتول، وفي السرقات يُستدعى أهل المكان ويخبرهم القسيس بأنه إذا لم يرجع الشيء المسروق قبل أن تشرق الشمس سبع مرات سيُنزِل به عقابًا أليمًا، وكثيرًا ما يجدون المسروقات في بيت الروح في ظلام الليل، ولا يجوز للملوك ولا للقسس أن يزينوا بالذهب والحلي رغم توافرها لديهم، والقسيس يزور البيوت ويبصق فيها ليباركها وتقدم له المريسة، وفي وادي الملوك عندنا نقوش تؤيد صلة هؤلاء بأجدادنا من قدماء المصريين.
ومن أعجب عاداتهم حماية اللاجئ المستجير بهم فهم يضيفونه ويكرمون وفادته مهما طال مكثه بينهم، وإذا قُتل في نزاع شَجَر بينهم يطالبون بدمه حتى ولو كان اللاجئ قاتلًا.
ولما كانت المطالبة بدم القتيل لازمة أدَّى الدفاع عن القاتل إلى القتال بين القبائل، وغالب ظني أن تلك العادة نقلوها عن العرب، وهم يقوون العلاقات بالدماء بأن يجرح الرجل ذراعه فيسيل الدم ويخلطه بدم رجل آخر أتى العمل نفسه، والنوبي يتزوج أي عدد شاء من الزوجات ما دام قادرًا على دفع المهر وهو بين عشر بقرات وأربع عشرة، وإذا دفع ربع المهر خُوِّل له أن يُخالِط الزوجة لكن في بيت أبيها حتى تلد طفلًا، ولا يأخذها إلى بيته إلا بعد دفع الربع الثاني، وإذا بلغ الأطفال سنًّا معينًا وجب تسديد كل المهر، ويغلب أن يُدفع هذا مما يتسلمه الأب مهرًا لبناته وإن لم يخلف من الإناث وجب على الأولاد أن يشتغلوا حتى يسددوا باقي مهر أبيهم، وإذا ماتت الزوجة ولم تُعقِب طفلًا طالب زوجُها بنصف المهر، والعادة ألا يقارب الزوج زوجته إلا بعد ميلاد الذكر بنحو اثني عشر أسبوعًا وبعد ميلاد الأنثى بنحو ثمانية أسابيع، وإذا مات أحدهم ولول النساء وبقيت الجثة يومًا كاملًا قبل الدفن لاعتقادهم أن الروح ترفرف فوقها — وتلك عادة مصرية قديمة — قبل أن تصعد إلى السماء Twala وتدفن الجثة نائمة على جانبها أو واقفة، وجبالهم مخروطية الشكل ذات مغارات عدة يزودونها بالذخائر والمؤن احتياطًا للحروب، وتلك تجدد كل حين خشية أن تفسد، ومن أسلحتهم كثير من البنادق التي تسربت إليهم يوم ساقهم المهدي ليحاربوا في صفوفه فهربوا بسلاحهم، وهم يجهزون البارود من الفحم والنطرون الكثير لديهم، وهم في موقفهم فوق الجبال يغلبون كل مهاجم بالرصاص والصخور، لكنهم قاسَوْا كثيرًا من فرسان البقارة خصوصًا إذا لاقَوْهم في السهول، ولكي يؤذوهم في خيلهم أدخلوا ذباب «تسي تسي» واستطاعوا نشره كلما أرادوا الفتك بدواب عدوهم كأن يملئوا قَرْعَةً بدم حيوان ويتركوها في مكان موبوء بهذا الذباب، ثم يدسونه ليلًا جهة أعدائهم، على أنهم بذلك نقلوا العدوى إلى بعض قبائلهم. فتيات كردفان من البقارة.
ومساكنهم أكواخ من الطين في شكل مخروطي كالجرس، وبيت العائلة مؤلف من ثلاثة واحد للرئيس وآخر للزوجة والأولاد وثالث احتياطي، أما الطبخ ففي كوخ الزوجة، وطعامهم الذرة والفول السوداني واللبن واللحم، من بينها الخنزير والكلب والقرد والحيوان المفترس، والكلى والكبد تؤكل نيئة طازجة، ومن أشهى طعامهم الذباب والجراد تؤكل حية مع العسل وكذلك بعض الأفاعي، وليس لهم ملابس قط اللهم إلا المتزوجات.
وللرقص: حفلات تقام حول بيت الملك فوق جبل «جلود» حيث يجتمع بين مائتين وثلاثمائة يُحلَّون بالريش والخرز والأساور من العاج ويدهنون أجسادهم باللون الأبيض ليمثلوا حيوانات خاصة كأن يبقَّع الجسد ليحكي الفهد، ويمسكون بعصا الرقص الملونة، ثم تدق الطبول والموسيقى المُمِلَّة الساذجة فيهجم صفٌّ من الشبان ويرمي كلٌّ حربته أبعدَ ما يُمكنه ويفوز بالإعجاب أقدرُهم في ذلك، ثم يَقْدَمُ صِغَار الفتيات عرايا إلا في مجموعة عقود تستر العورة ويرقصن وفق أنغام الموسيقى والكلُّ يُهلِّلون عاليًا، ثم يتلو هذا سكونٌ يشربون خلاله المريسة، وأخيرًا يختلط الشبان والفتيات في الرقص، ويحاول كلٌّ اجتذاب خليلته ويستريحون حتى يُشرِق القمر فتصعد فتاة على ربوة وتغنِّي للقمر، ومِن عجيب ما يُرى جمع من الفتيان يضربون أجسادهم بالسياط حتى تدمى لكي يُظهِروا شجاعتهم امام الغانيات.
نساء كردفان يسحقن الذرة.
وإذا خرج رجالهم للصيد يعجنون الذرة مع الزبد في أصابع يلفُّ كلٌّ حول خصلة من شعر الرأس، وكلها تبدو ذؤابات غليظة بيضاء مدلاة إلى الحاجبين في شكل غريب؛ وذلك لافتقارهم إلى الملابس والجيوب، ولكيلا تشغل أيديهم ساعة الصيد، ومن أحب حفلاتهم المصارعة التي يتبارى فيها شبان القبائل المختلفة في مهرجان كبير وفي حضرة الملك عادة.
هذا؛ وكثيرًا ما كان يختلط عليَّ اسم النوبيين الذين مررت بهم في ثلاث جهات: عقب ألبرت نيانزا شمال أوغندا، وهؤلاء أخفُّ سوادًا ويَدِين غالبهم بالإسلام وعلمتُ أنهم من سلالة جنود أمين باشا. وفريق غرب النيل الأبيض وهم هؤلاء ذوو البشرة السوداء والديانة الوثنية، والفريق الثالث في بلاد النوبة شمال الخرطوم وهم «كالبرابرة» عندنا سُمْر البشرة ومسلمون جميعًا.
إلى الخرطوم: تقدمنا في النيل الأبيض الذي زاد اتساعه على كيلومترين، وكانت المناظر حوله تنتثر بالشجر غالبه من السنط، ولم نَرَ الرُّبَى إلا في موضعين: جبل أحمد أغا وهو مخروط بركاني وطيء تكسوه الخضرة، والاسم لطبيب تركي أقام هناك ويَروي القومُ عنه أنه لما رأى الضباع قد كثرت حول المكان فأضحت خطرًا جهَّز سمًّا وناوله ضبعًا وتركه فمات وانقضَّ عليه قطيعٌ من الضباع وأكلوه — والضبع يأكل جيفة أخيه — فماتت متفرقة، ونُشرتْ بذلك الجيف المسممة التي كادت تقضي على النوع كله. أما الموضع الثاني فاسمه «الجبلين» وهي سلسلة من مخاريط بركانية في مجموعتين وأديمها نصف عارٍ وغالبها من الجرانيت البراق، وعلى سفوحها المجانبة للنهر تمتد مدينة لها شأن في تجارة السمسم والفول السوداني، وهنا تقريبًا خط ??° من العروض الشمالية، وهو الذي يعدونه فاصلًا بين السودان الشمالي الإسلامي والجنوبي الوثني، حتى إن الموظفين الذين يقيمون جنوبه تحسب لهم السَّنَةُ بسَنَةٍ وثلث في المعاش، وكانوا يُمنحون بدل مناخ، وإن كان قد أُبطل ذلك اليوم بسبب الأزمة الحاضرة، وهنا لاحظنا ظهور البيوت من اللَّبِن يكسوها الطين وتغطيها سقوف مسطحة، وفي أربع ساعات وصلنا بقعة من النهر قليلة الغور يكسوها الحصى الكبير؛ لذلك يسمونها «الزلاطة» تقوم فيها وسط الماء علامات بها يجتنب الربان السير إلا في الجزء المختنق من أقصى يمين النهر. ولقد استرعى نظري في أيدي الناس هنا الغلايين الطويلة التي يدخنون فيها مادة اسمها «البانجو أو الكمنجه» هي مخدرة للغاية وتشبه «الحشيش» والنبات ينمو كالبرسيم، ثم يزهر ويثمر حبًّا يقطف أعلاه ويجفف، ثم يباع للتدخين، ورغم أنه محرَّم فإن القوم رجالًا ونساءً وأطفالًا يدمنونه، ويقال: إنه يزرع بمقادير هائلة في الجهات النائية عن رقابة البوليس. ونظام الحكم في الريف ينحصر في الناظر وهو رئيس القبيلة ومن تحته العُمَد، ومن تحت هؤلاء المشايخ، وكلهم تُعيِّنهم الحكومة، وقد ربطتْ لهم مرتبات، وهم يشكلون محاكم لها سلطة محدودة تدون في «دفتر السلطة» الذي يتسلمه الرئيس، وقد كانت العادة قبل أن تربط لهم المرتبات أن يتناولوا نصف الغرامات التي كانوا يحكمون بها على الأهالي؛ لذلك كان القضاة يحكمون بأقصى العقوبة لأتفه الأسباب، لكن ذاك الظلم خفَّ اليوم، ولهم أن يحكموا إلى خمس سنوات بالسجن، وتكاد تعم هذه الطريقة البلاد كلها حتى التي كانت من قبل مراكز هامة إبان العهد المصري، وهناك مفتش إنجليزي يمر ويشرف على الجميع، ولقد كان الناس يبغضون المآمير المصريين قديمًا؛ لأنهم كانوا قُسَاةً في تنفيذ الأوامر يَجْبُون الأموال قبلَ حلول ميعادها كي يَحوزوا خطابات الشكر من المديرين.
قناطر سنار «مكوار» لري الجزيرة.
دخلنا قنطرة كوستي معبر سكة الحديد إلى كردفان وبتنا ليلتنا بجوارها، وفي باكورة الصباح جزناها، وفي مدينة كوستي آثرتُ أن آخذ القطار إلى الخرطوم بدل مواصلة الرحلة بحرًا اقتصادًا في الزمن؛ إذ بالحديد اثنتا عشرة ساعة وبالماء يومان، وشجَّعني على ذلك أني علمت بأن جبل الأولياء لم يبدأ العمل فيه حتى ولا التمهيدي، أما كوستي نفسها فتحكي مركزًا صغيرًا عندنا، غالب بيوتها أخصاص بسيطة ليس بها ما هو جدير بالذكر. غادرناها نشق عرض الجزيرة في أرض مبسوطة مُهمَلة تربتها حمراء يكسوها العشب البري وتتخللها نواتئ الجرانيت، وهي بقايا الصخور القديمة التي حلَّتها عوامل التعرية وكست بفتاتها تلك المتسعات تاركة هذه النواتئ؛ لأنها أشد صلابة وأبقى على الزمان، وكانت القرى التي مررنا بها صغيرة ونادرة، وعند سنار — وهي مدينة صغيرة لا تفوق كوستي — انحدرنا شمالًا وأخذت التربة تَسْمَرُّ قليلًا وتشوبها المركبات الطفلية المصفرة التي كنا نراها ذائبة في مياه المطر الغزير، وكان يملأ مسائح شاسعة يهدد سكة الحديد بالقطع، ثم بدتْ قناة الجزيرة الرئيسية وهي دون ريَّاح من ريَّاحاتنا تسير موازية للنيل الأزرق ومجانبة له، ويحفها من الجانبين سلاسل متصلة من كومات الثرى الذي استُخرج من جوفها يوم حَفَرَتْها «الكراكات» التي كنا نرى الكثير منها صدئًا مهملًا، وبين آونة وأخرى كنا نمر ببقاع زرعها ذووها ذرة، وإن كانت أغلب الأرض مهملة، وكلما تقدمنا شمالًا انفسحت السهول إلى الآفاق في انبساط لا تكاد تشوبه ربوة أو حفرة أو انحدار، وتقاطُع القنوات الفرعية التي تسير في استقامة متعامدة لا يدخل تحت حصر، وهنا زادت مسائح الذرة وبَعْدَ حَصْدِها يُزرع القطن عماد ذاك المشروع، والتربة هنا شبيهة بتربة مصر السوداء إلا أنها أخفُّ وأميلُ للاصفرار، وقد علمت أن سمكها لا يزيد على ثمانين سنتيمترًا، من دونها الصخر الصلب، إلى ذلك فإن درجة خصبها لم تحقق آمال ذويها، فقد كان محصول القطن في جميع السنين السالفة غير مرضيٍّ لافتقار التربة إلى الخصب والبلاد إلى الأيدي الماهرة، إلا أن محصول عامنا هذا كان وفيرًا كما يقولون لكنه كلَّف الحكومة نفقات هائلة في التسميد والعمل لا يُعوِّض ما أنفقَ القومُ عليه، والقطن هناك يزرع شتاء ويحصد في الربيع وينضج سريعًا في خمسة شهور، والأرض التي تكسوها الذرة الآن من أملاك الشركة تبيح للأهالي زرعها غلالًا على شرط أن يدفعوا ثلثها للشركة والثلث ضريبة الحكومة والباقي لهم، وقد اشترت الشركة جُلَّ أراضيها هذه من الأهالي بمتوسط خمسة جنيهات للفدان، والإقليم كله نادر السكان مبعثر القرى، غالبها يُبنَى بالطين واللبن، وقلَّ أنْ ترى الأخصاص المخروطية، والسكان جميعًا من سلائل العرب يلبسون الجلابيب البيضاء الفضفاضة والعمائم الخفيفة الضخمة والأحذية الحمراء (مراكيب)، ويتكلمون العربية المحرَّفة، ويَدِينون بالإسلام، وأنت تَرى على خدودهم خدوشًا طويلة يشقُّونها لتدلَّ على قبائلهم؛ بعضها ثلاثة خطوط طويلة متوازية والبعض عرضية، وآخرون خطان طوليَّان يصلُهما في الوسط ثالث أفقي كحرف H، وغيرهم ثلاثة خطوط كبيرة فوقها ثلاثة صغيرة. فى بيت الخليفة وهو اليوم متحف تعرض فيه مخلفاته، أم درمان.
الخرطوم: واسمها مشتقٌّ من خُرطوم الفيل؛ لأن شبه الجزيرة التي تقع عليها يمتدُّ لها طرف معوَجٌّ في شكل خرطوم الفيل، وهي تقع على الضفة اليسرى والجنوبية للنيل الأزرق يُقابِلها على الضفة اليمنى الشمالية «الخرطوم بحري»، والنيل الأزرق يتركهما غربًا فتشطره جزيرة توتى إلى شعبتين أفقية ورأسية، والأفقية تُلاقي النيل الأبيض في زاوية قائمة يمتد بعدها شمالًا إلى النيل الأعظم، وعلى الضفة اليسرى الغربية تقع أم درمان التي سُمِّيتْ كذلك وراء امرأة تَقِيَّة كانت تتعبَّد وحدَها في ذاك المكان، أنشأ الخرطوم محمد علي باشا الكبير بين سنتَيْ ???? و????، وقد رآها النمساوي «أرسلان بك» موفدًا من قِبَله، وهو الذي أشار بأن موقعها أمْنَع مواقع شرق أفريقية قاطبة، ولم يكن بها إذ ذاك إلا بعض أكواخ حقيرة للزنوج، والمدينة حديثة التنسيق حاول اللورد كتشنر تنقيح تصميمها؛ كي تحكي تخطيط العلم الإنجليزي Union Jack وليسهل استخدام مدافعه في رءوس الشوارع متى أراد! وقد كان يُحاول ذلك في القاهرة نفسها، وطُرُق الخرطوم فسيحة مرصوفة الوسط رملية الجوانب في غير إطار، تحفُّها أشجار مختلفة غالبها لم يبلغ علوًّا كبيرًا، ولقد أذكرتْني «بالزيتون» في أنها رملية وكلُّ بيوتها من طابق واحد غالبها يُقام بالآجُرِّ الأحمر الصغير. ولعل أجمل شوارعها شارع البحر (شارع كتشنر) وعليه حديقة الحيوان الصغيرة التي زرتُها فبَدَتْ مجموعتها بائسة صغيرة. ثم قصر الحاكم العام، وهو أفخر قصور المدينة، بُني على النظام القوطي يعلوه العَلَمان المصري والإنجليزي، وفي جزء منه بقايا قصر غوردون، والمكان الذي قتله فيه الدراويش، ثم قصر سلاطين باشا، وفي آخِر الشارع كلية غوردون التي أقامها كتشنر تذكارًا لغوردون بمال اكتُتبتْ فيه جهات الإمبراطورية البريطانية كلها، وهي أقسام؛ أهمُّها: قسم الطِّبِّ وله بناء خاص يُجاوِر محطة سكة الحديد وقسم المعلمين وقسم الحساب، وكلها ترمي إلى تخريج طائفة من الموظفين فحسب، والمواد تدرس فيها باللغة الإنجليزية، وغالب المدرسين من الإنجليز، وكان للمصريين فيها نصيب لكنهم استبدلوا بهم طائفة من السودانيين، وكان بالكلية قسم حربي لتخريج الضباط لكنه أُغلق عقب ثورة سنة ???? عقابًا للبلاد وإماتة للروح العسكرية فيهم، والضباط يُرقَّوْن من الجنود، وبِنَاءُ الكلية فاخر للغاية مقسم إلى أجنحة من خلفها حديقة منسقة على نظام حديقة «الجامعة الأمريكية بالقاهرة» وأجمل ما راقني منظر الطلبة وهم يلبسون الجلابيب البيضاء والعمائم المنتفخة المهفهفة والأحذية الحمراء (المراكيب) كلٌّ يتأبَّط كتبه، وخلف الكلية بناء خاص لمنازل الطلبة، وغالبهم يتخذون المدرسة سكنًا «داخلية»، ومن المباني الفاخرة في شارع البحر «جراند أوتيل» يحكي «شبرد» عندنا، ثم غالب مباني الحكومة والشارع تزينه أشجار اللبخ على جانبيه وتتعانق في أعلاها فتحكي أقواس النصر، وله رصيف على النيل مستقيم، وهو خير مستراض ساعة الأصيل، يليه في الأهمية شارع «غوردون» الذي يليه موازيًا له، وتقوم عليه غالب قصور الإنجليز يتوسطه تمثال غوردون يلبس الطربوش ويمتطي جملًا. وبالمدينة ترام حديث يصلها بالخرطوم بحري وبأم درمان، وهو لشركة إنجليزية وأجوره غالية، وبين الخرطومين قنطرة على النيل لمرور الناس والترام وسكة الحديد، «والخرطوم بحري» قرية أشبه «بعين شمس» غالب بيوتها صغيرة وطيئة تُبنَى باللَّبِن أو الطين، وهي متفرقة بينها متسعات من الأرض الرملية.
فوق سطح بيت الخليفة، ومنه كان يشرف على الميدان.
وعلى النيل تقوم مساكن الجيش المصري الذي كان يرابط فيها وغالبها اليوم خاوٍ، وقد شعر الناس ولا يزالون بالكساد الشديد ووقوف دولاب أعمالهم منذ خروج الجيش المصري الذي كان يُفرِّج عنهم بما ينفقه، وكم تحدَّث إليَّ العامة بأنهم منذ خروجه وهم في بؤس شديد، وهنا قصُّوا عليَّ نبأ انسحابه حين ذهب «الكمندان» بعد أن أمر الجنود بالاستعداد لضرب الخرطوم كلها في تمام الساعة الثانية عشرة ظهرًا إن هو تأخر محجوزًا عند الحاكم إلى ما بعد ذلك، ولما ذهب إلى الحاكم خاطبه قائلًا بأنه لا ينسحب إلا بأمر كتابي من جلالة ملك مصر، فرد عليه بجفاء وغلظة وهدده أن يمنع عنه المؤن والغذاء، فقال له: إن لحق بنا أي شيء من ذلك هدمنا الخرطوم كلها وموعدي مع الجند الظهر، فعاد الحاكم وهدَّأه! وظلَّ الجيش حتى جاء مندوب جلالة الملك يحمل خطاب الانسحاب في طيارة، هنا تألم الأهلون والجنود السودانيون وكانوا يرمقون إخوانهم المنسحبين بنظرات استهتار ولوم شديد.
في بيت الخليفة، وهو اليوم متحف تعرض فيه مخلفاته، أم درمان.
انتهى بنا الترام إلى موضع في خرطوم بحري، عنده يبدأ ترام صغير يسير بالبخار إلى طرفها الشمالي عند محلة يسمونها «سلامة الباشا» منها ركبنا الباخرة عبر النيل إلى أم درمان: التي أسسها محمد المهدي سنة ????، ثم ظلت تمتد عهد خليفته عبد الله التعايشي الذي لبث أربعة عشر عامًا وهو من عرب البقارة، وكان القوم يسمون قلب المدينة «البقعة» يقوم بها مسجد كبير بمئذنتين، وإلى جوار النيل مسجد المهدي ومبانيه وهي أهم ما يزوره السائح هناك، دخلنا ردهة شاسعة كأنها ميدان عابدين كان يصلي فيها المهدي الأوقات الخمسة إمامًا بالناس كل يوم، ومَن تخلف عوقب بالجلد وبالسجن إلى ستة شهور، هنا دخل الثائرون ورفعوا رأس غوردون باشا على أسنة حرابهم وسط تهليلهم، وفي ركن من الميدان بيت الخليفة وهو من طابقين ولا بأس بتنسيقه، أقيم بالآجر الذي جُلب من كنيسة «صوبا» التي هدموها — وصوبا كانت عاصمة حكومة النوبة التي حكمت مصر يومًا ما — وبعض أحجار البيت من أنقاض بيت غوردون وسقوفه من جدائل الخوص تحتها الخشب، وفيه اليوم متحف من مخلفاته: دروع وأردية وسروج وأسلحة من بينها الحراب والمدافع، ثم مطابع الحجر التي كان يطبع عليها منشوراته، وقد رأينا الكثير من تلك المنشورات كُتبت بخطه في نصائح دينية ولغة جميلة، ثم خاتمه المربع، وسريره من خشب منسق مرتفع يجدل وسطه بسيور من جلد، وبعض نقوده، وهناك بعض آلاته لسك النقود وبعض الصحاف الكبيرة كان يقدم فيها الطعام للفقراء يوميًّا، ومن المعروضات سيف الخليفة وعربة غوردون وعربة الخليفة التي جلبها من الحبشة على متون العبيد مخترقين بها الصحاري، ولم يكن يُبِيح لأحد دخول أبوابه إلا لأخيه يعقوب، وأمام البيت مقبرة المهدي دفن فيها، وكانت تتوسطها قبة عالية هدمها الإنجليز بعد فتح أم درمان، وبددوا محتوياتها حتى إن الملكة فكتوريا أرسلت تحتج على كتشنر؛ لأنها لا تود إهانة العقائد هكذا فكان اعتذاره أنه قصد بذلك صرف الناس عن تلك الخرافات ولم يقصد إهانة الدين، والمقبرة اليوم مغلقة لا يباح دخولها لكن رغم ذلك يفد الجماهير ليتبركوا بجدرانها ويقدموا لها القرابين.
بعض آلات الطبع القديمة في بيت الخليفة بأم درمان.
وإلى جوار المقبرة سجن الخليفة الذي زجَّ فيه كثيرًا من الإنجليز، والمدينة مكتظة بالبيوت الوطنية غالبها من الطين إلا شارعًا واحدًا عليه مجموعة من «فلات» تؤدي إلى القسم (مركز البوليس)، ثم إلى قنطرة أم درمان على النيل، ومن فوقها يتجلَّى اللسان أو المجرن Mogran أيْ مَقْرِن النيلين عنده لسان من الأرض يُجانِبه النيلان حتى يندمجا، وأنت ترى الماء بعده يسير مسافات بعيدة اللون الأبيض الطفلي إلى اليسار من النيل الأبيض واللون الأسمر الطيني إلى اليمين من الأزرق، وكان النيل الأزرق إذ ذاك في أعلى فيضه بتياره الجارف، أما الأبيض فكان تيَّاره هادئًا؛ لأن ماء الأزرق يحجزه فيتراكم ويعلو ويتسع؛ ولذلك بدا الأبيض عظيم الاتساع مائج الماء، والناس هنا يُشبِهون أهل صعيد مصر في الشكل والعادات غير أن ألوانهم أميلُ إلى السواد حتى إني أحيانًا كنت أنسى أنني خارج مصر وألفَتَ نظري ميلُهم إلى الهدوء وعدم الضوضاء؛ إذ كنت في الترام لا أكاد أسمع كلامًا، وإن حدث فبصوت خافت، وقد علمت أنهم لا يتشاجرون مطلقًا، ويحب الواحد لأخيه الخير ويميل إلى معاونته، وهم يذكرون مصر والمصريين أطيب الذكر ويتكلمون عن مصر وكأنها وطنهم. قصدت شجرة غوردون إلى جنوب الخرطوم في مكان اعتاد غوردون أن يركب إليه كل أصيل ويجلس تحت شجرة لا تزال هناك مطلة على النيل الأبيض، وقد زرتها لأرى ما تقوم به مصلحة الري المصري هناك من المنشآت، فقد اتخذت المنطقة مستعمرة للري أقامت بها البيوت الفخمة، وهي تتخذ شاطئ النيل مرسًى لأسطولها، والعمل قائم هناك لتصبح المنطقة مقر عمارة وميناء للأسطول المصري، وقد أدهشني ما بدا لي من إسراف شديد وتبديد في الأموال في شيء خبَّرني كثيرٌ من مهندسينا ألَّا طائل تحته. وزاد عجبي لما رأيت غالب الموظفين والقائمين بالعمل من غير المصريين، ولما أردنا الدخول لم يُسمح لنا رغم من كانوا معي من المهندسين المصريين، وقالوا: لا بدَّ من ترخيص من الرياسة الإنجليزية، وكانت على الباب لوحة كتب عليها: جناب المستر فلان هو دون غيره المتصرف المطلق في تعيين الموظفين والعمال وفصلهم، والناس هناك مندهشون لهذه المنشآت التي تنفق فيها الأموال تحت ستار الإصلاح، ولما سألت كم باخرةً تحتاج للإصلاح سنويًّا حتى تقام تلك العمائر التي بدت وكأنها مدينة صناعية صاخبة؟ كان الجواب الضحك والسخرية؛ لأن قِطَع الأسطول كله محدودة العدد!
سجن الخليفة الذي زَجَّ فيه كثيرًا من الإنجليز في أم درمان.
برحت الخرطوم في صباح منتصف سبتمبر فسار بنا القطار يشق أراضيَ مبسوطة يكسوها العشب المنثور والشجيرات الشائكة إلا في بُقَع قريبة من النهر كانت تقوم فيها أعواد الذرة «العويجة»، وغالب تلك الأراضي الجيدة القريبة من الخرطوم تملكها عائلة المهدي والمرغني وهما من الطوائف المرضيِّ عنهم! معهم بعض الأجانب ولهم آلات لرفع الماء «وابورات» على أن الأغلبية أراضٍ مهملة. وكلما تقدمنا شمالًا بدت الربى الجرانيتية متفرقة في مخاريط حولها أراضٍ شبه صحراوية، ثم أخذت تتصل تلك الربى وتتقارب فأضحت نجادًا، ثم ظهر خانق شبلوكا في سلسلتين من الجرانيت متجاورتين جدًّا بينهما ماء النيل وفي نهايته تبدو الجنادل مترامية. بعد ذلك عادت السهول واختفت الربى وأضحى المنظر صحراويًّا كثير الرمل والحصا، ثم دخلنا شندي ومن ورائها بدا النيل تقوم عليه بيوت من اللَّبِن والطين، وهنا فاجَأَنا مطرٌ غزير لطَّف الجو وخشي القوم نزول السيول التي تتهدد تلك المنطقة في مواسم المطر، وقد تبلغ من الشدة أن تجتاح طريق القطار، وإذا وصل بعضها النيل اندفع فيه وأوقف تياره وشق له طريقًا إلى الضفة الأخرى، ومصلحة سكة الحديد تعرف مواضع الخطر وتتقيه بأن تمد أسلاكًا يدفعها الماء فتدق الأجراس في المحاط وتأمر بإيقاف القُطُر حتى يُعايِن المكانَ «عمالُ الدريسة»، وها قد وقفنا ساعة في المحطة التي تلي شندي. ومنطقة شندي وما حولها أشهر مناطق السودان بالمَسْلِي لجودة مراعيها بكافة أنواعها.
أمام قسم أم درمان يرفرف عليه العلمان المصري والإنجليز.
ظل المنظر حولنا سهولًا تكسوها الأشواك شبه الصحراوية، وقد تتخللها رُبَى الجرانيت، ولبث النيل ملازمًا لنا وهو غامر الفيض يُسامِتُ ماؤه الضفافَ وقد يَعدُوها إلى المنخفضات المجانبة له، فتبدو في قنوات متلوية حولها أرض خصيبة، وقبل دخولنا مدينة عطبرة (أتبره) جزنا بلدة الدامر، ثم بدت عطبرة حيث اخترق القطار قنطرة على نهر عطبرة، وكان في أعلى فيضه عظيم الاتساع كأنه نيل مصر الفسيح في تيار جارف وماء كدر أحمر حقق في ظننا ما نعلمه عنه في كثرة أمداد النيل بالطمي بنسبة تفوق أمداد النيل الأزرق نفسه، على أنه بعد قليل يغيض ماؤه حتى يصبح شبه أخوار بها مسارب ضئيلة، وقد خبَّرني القوم أنهم يخترقونه إذ ذاك سيرًا على الأقدام دون أن يُصيبهم بلل.
دخلنا المدينة التي تقع على العطبرة والنيل وهي كبيرة كأنها أسيوط في أضوائها الكهربائية ومبانيها المنسقة وأرصفتها الممدودة، وهي نقطة تلاقي سكة حديد بور سودان وحركتها التجارية صاخبة، ومن أغرب ما تصدره محصول «الدوم» أو «المقل» الذي رأينا من شجره الكثير، وهنا يُنقل إلى مصنع لتكسر الطبقة الخارجية، ثم يخرط اللب «المقل» ويصدَّر عن طريق بور سودان إلى أوروبا واليابان لعمل الأزِرَّة للسراويل على أنه قلَّ اليوم عن ذي قبل، وأضحتْ كسلا أشهر البلاد به. مررنا بعدها بمدينة بربر واسمها أكبر منها؛ لأنها بدت قرية بيوتها من اللبن والطين وهي وطيئة لا تعدو طابقًا واحدًا.
المقرن فاصل النيل الأزرق إلى اليمين والأبيض إلى اليسار وفي المقدمة أم درمان.
هنا جرَّني الحديث مع طائفة من عِلْيَة القوم الذين أكدوا أن إخلاص أهل السودان جميعًا لمصر عميق متأصل، على أنهم ندَّدوا بالمصريين الذين كانوا في السودان؛ إذ لم يُحاوِلوا إدماج البلاد في مصر، فكان ضباط الجيش مثلًا إذا أرادوا الزواج هناك صاهروا الزنوج المنحطِّين ولم يُحاوِلوا مصاهرة العرب، وكان القُضاة الشرعيون يترفعون عن أهل البلاد، ثم قال بعضهم: انظر إلى وزارة الأوقاف المصرية مثلًا كيف أهملت التعليم الديني ولم تعاون على فتح المدارس الإسلامية وإقامة المساجد مقابل ما تفعله هيئات التبشير اليوم هناك، والحق أن مَن حلَّ السودان من المصريين لم يُخلِّفوا شيئًا من ذلك ولم يخدموا مصر، فكم قرأتُ أسفارًا نفيسة ومجلدات ضخمة كتَبَها الإنجليز ممن كانوا موظفين بالسودان خدموا فيها الناحية الإنجليزية وأغفلوا المصرية! لا بل وبعضهم كان يتوِّج كتابه باسم «السودان البريطاني» ويتهكَّم على المصريين ممن كانوا موظفين معه، ويرميهم بالخمول والترفُّه وعدم الرغبة في الإقامة هناك، مُظهِرين أمانيَهم أن يُنقَلوا إلى جنة القاهرة والتخلص من جحيم أجواء السودان، وما إلى ذلك من الحطِّ من شأننا، وكان من السهل على المصريين أن يمهدوا السبل لإخوانهم ممن سيحلون بعدهم ويهوِّنوا عليهم أمر الارتحال إلى السودان الذي لم أرَ في جوِّه كبيرَ فرْق عن جوِّ مصر رغم ما كنتُ أسمع من مبالغات إخواننا في حرِّه اللافح، لكنه الجهل أو الإهمال الذي أساء إلينا إلى هذا الحدِّ.
في محطة شندي وإلى جانبي أحد طلبة كلية غوردون بملابس الدرس.
وقد رَوى لي بعضُهم حادثةً ظريفة هي أن الخديوي سعيد باشا لما زار السودان أمر بإعفاء البلاد من الضرائب ذاك العام، وبالإفراج عن المسجونين تخليدًا لزيارته، ولما جاء عباس حلمي وزارها سنة ???? أعطيت الأوامر لكبار الموظفين أن يحتاطوا به دائمًا احترامًا له وحفاوة به في الظاهر، والواقع أنهم كانوا يرمون إلى إبعاد الناس عن الاتصال به، فأقبل رجل اسمه «محمد مكين» وتقدم ليصافح الخديوي فمُنع بحجة أن الخديوي تَعِب، فصاحَ الرجل قائلًا بأنه غنِيٌّ مُوسِر لا يريد من وراء ذلك عطاء فسمعه الخديوي وكان يتفقد المكان الذي قُتِل فيه القائد إسماعيل باشا في موقعة شندي فناداه وصافحه، فقال الرجل: إن جدَّك سعيدًا قد خلَّف في البلاد مكرمة كبيرة فما مكرمتك؟ قال: زمن سعيد غير زماننا. يعني أن السودان كله كان ملكًا لمصر وحدها إذ ذاك، فقال الرجل: «في نصفك سَولَكْ شويَّة.» وهو عُتْبٌ معناه إنْ لم يكنْ وابلٌ فطلٌّ، أو أنت في حقك متهاون، فجرى هذا القول مَجرَى المثل على ألسن الناس جميعًا إلى يومنا هذا، ويقولونه في مقام طلب التصرف في الجزء المملوك.
ومما قصَّ بعضهم وهو متألِّم نبأُ انسحاب الجيش المصري أخيرًا رغم تضامنه مع السوداني الذي فَنِيَ أغلبه دفاعًا عن حق مصر وحفظًا لعهد التضامن بينه وبين الجنود المصرية.
الهبوب الرملي الذي يداهم الخرطوم فيكاد يطمرها.
دخلنا «أبو حمد» وهي بلدة صغيرة ريفية، وبعدها أوغلنا في صحراء رملها ناعم كاد يَطمُرنا بهبوبه، وكانت تبدو نواتئ الجرانيت مبعثرة ويسمونها أحيانًا صحراء العتمور أو عتمور أبو حمد، والمسافة بين أبو حمد وحلفا ليس بها بلدان مأهولة كبيرة بل محاطُّ لوقوف القطار كي يُزوَّد بالماء، وهي عشر نمر أهمها المحطة «رقم ?»، وسبب شهرتها أن منها طريقًا يؤدي إلى أم نباره حيث توجد مناجم للذهب، وقيل إن المأمون أرسل جيشه إلى هناك واستغلها وقد قاوم الجيشَ أهلُ البلاد من عَرَب البشاريين والبجا، ويَروُون أن المأمون أزعج إبلهم بالدق على الصفائح، وكان هذا سبب انتصاره عليهم، ومنها طريق إلى دنقلة غربًا. والبشاريون مبعثرون شرقًا بين أبو حمد وأسوان، أما النوبيون فكانوا في الأصل سكان النيل نفسه لا الصحراء ابتداء من أسوان جنوبًا، ولما دخل العرب اعتنقوا الإسلام واختلطوا بهم خصوصًا أهل دنقلة، ولذلك يحاول كل نوبي أن يُسمِّي نفسه «دنقلاوي» ويغضب إذا قلتَ له بأنه نوبي، اللهم إلا أولئك الذين يجاورون أسوان، وهؤلاء يحتقرهم باقي الأهالي المنتسبين إلى العرب ويرمونهم بالخِسَّة بدليل احترافهم الأعمال الوضيعة فيما لا يَزِيد على عمل الخَدَم. أما الفريق من النوبيين الذي رفض الإسلام فهاجر جنوبًا واعتصم بجبال النوبة حول تالودي، وكلهم لا يزالون وثنيين، وقد جئنا فيما سبق على طرف من سيرتهم.
في المحطة رقم ? وسط عتمور أبو حمد.
وسط الشارع الرئيسي في وادي حلفا.
لبثنا نسير في بادية النوبة «العتمور» تسع ساعات، ثم بدت جبال الخرسان التي يجانبها النيل الضيق حوله نطاق ضيق من المزارع يزينها النخيل، وهي بدء حلفا التي وصلناها فانتقلنا توًّا إلى الباخرة بعد أن مررنا بالجمرك حيث سَأَلَنا الحراس عن الممنوعات أمثال: الأسلحة والعاج وريش النعام وشعر الزراف. أما الباخرة فمريحة جميلة هي أفخر من جميع البواخر السابقة، ووادي حلفا جُبْنَاها في أقلَّ من ساعة فهي كالمراكز الصغيرة عندنا، طرقها ضيقة يُظلُّها شجر اللبخ، وأظهرها طريق البحر «النيل». قمنا نشق النيل تحفُّه الجبال الرملية تحتها المزارع والنخيل، ولبثت تلك طويلًا والنيل يختنق تارة وينبسط أخرى، وأخذت الخضرة تشح في الضفة اليسرى حتى كادت تنمحي تمامًا وسادت الصحراء والشجيرات الشائكة، وبعد ساعتين مررنا بمحطتين لبوليس الحدود؛ إحداهما إلى اليمين والأخرى إلى اليسار، وإلى جانب اليمنى بيت رجل يمتلك بعض الأراضي يتوسطها مسكنه الصغير، وقد صادَفَ أنَّ خطَّ الحدود بين السودان ومصر مرَّ بالبيت فشَطَرَه، ولما أرادت الحكومة تعويضه ليتركه أبى وأصرَّ على الاحتفاظ به فتُرك له وهو اليوم يدفع عن جزئه الجنوبي الضرائب لحكومة السودان وعن الجزء الشمالي للحكومة المصرية.
البيت الصغير الذي يقع نصفه الجنوبي في السودان والشمالي في مصر.
الباخرة التي أقلتنا من حلفا إلى الشلال.
تعددت الربى المجدبة، ثم اتصلت في سلسلة جبلية إلى اليسار وتجلت في وسطها تماثيل «أبو سمبل» الرائعة وهي جاثمة تشرف على النهر، ثم أخذت تبدو المنابت تارة إلى اليمين وطورًا إلى اليسار وسط تلك الصحراء المجدبة، وكان أظهرها النخيل والذرة، وفي كثير من البقاع كان الشاطئان مقفرين في صخور منحدرة إلى سطح الماء في درجات سريعة. بتنا ليلتنا نرسو على مقربة من الدر، وفي باكورة الصباح أقلعنا، وأخذت القرى تزيد عددًا في بيوت متجاورة رغم ضيق النطاق المنزرع، وكلها من الطين النظيف تطلى بغشاء من الجير الأبيض، ويزينها جميعها المسجد ذو المئذنة القصيرة، وكثير من البيوت يقوم على مدرجات الصخر بعضها فوق بعض، وظهر في الصخور الحدُّ الذي يصل إليه مستوى الماء عندما يمتلئ الخزان؛ إذ يبدو الصخر أسفله في لون أردوازي يعلوه الصخر الجرانيتي الأحمر، وأخذ ذلك الحد يزيد علوًّا كلما قاربنا «الشلال»، وفي كثير من الجوانب كانت تظهر المعابد المصرية، وفي الخامسة مساءً رسونا وراء مدينة الشلال لندخلها صباحًا، وذلك قصدًا من السفينة في دفع رسوم الميناء.
(تمت بحمد الله.)