Advertisement

جولة_في_ربوع_أستراليا


جولة في ربوع أستراليا




جولة في ربوع أستراليا

بين مصر وهونولولو

تأليف
محمد ثابت

روعة الفطرة نلمسها في جمال نساء الماوري من شعوب پولينيزيا في زيلندة الجديدة.

مقدمة


شاءت المقادير أن أحقق هذا العام أمنية طالما جالت بخاطري فحسبتها خيالًا: هي أن أقوم بجولة حول الكرة الأرضية عابرًا المحيطات الثلاثة الكبرى: الهندي والهادي والأطلنطي، متجولًا فيما أحاط بالمحيط الأعظم من قارات وجزائر، ما خلا شواطئ آسيا التي طفنا بها في عام فائت. ولقد تبيَّن لي بعدما حَللتُها أنَّا لا نعرف عن حقيقة الحياة فيها إلا القليل لبُعد الشُّقَّة بيننا وبينها.
جُبتُ كثيرًا من بقاع أستراليا وزيلندة وجزائر المحيط الهادي وأمريكا الشمالية، فألفيت الحياة فيها متقاربة متشابهة، وتغاير كل المغايرة ما رأيته في بلاد أوروبا وآسيا وأفريقية. وهي في جملتها تتخذ الولايات المتحدة مثلًا لها تحتذيه وتقفو على آثاره، فسنة التطور فيها تسير بخُطًى جبارة، حتى فاق العمران هناك سائر البلاد، واستحقت تلك الجهات أن تسمَّى بالدنيا الجديدة.
ويظهر بحق أن المحيط الهادي سيكون محط الأنظار ومستمد القوى — مادية ومعنوية — في الجيل المقبل؛ فبلاده كلها فتية لمَّا تجهد مرافقها أو تخور مناشطها، ولقد نجحت في جملتها من سيئات القديم وتقاليده التي ظلت ولا تزال عثرات في سبيل كثير من وجوه الإصلاح في بلاد الدنيا القديمة؛ لذلك كان يهولني هناك مدى نشاط القوم في الإنشاء والتجديد ولمَّا يزد عمر تلك البلاد على قرن وبعض قرن.
على أنها لم تسلم من سيئات المادة والمغالاة في التربية الاستقلالية والحرية المطلقة التي لا تكاد تتقيد بقانون، ولا يكبح جماحها عرف أو تقليد؛ فالفتاة تستبيح السير وفق أهوائها، ويعلم الآباء فيها ذلك وهم به قانعون وله مُنشِّطون، والأبناء لا يتورعون أن يأتوا ما راقهم دون اعتداد بأب أو رعاية لأم، والخادم يمزح مع سيده ويلهو في حضرته كأنه له ند أو به زعيم.
ولقد شجع هذا العمران هجر المنازل، والميل إلى حياة الأندية والمقاصف والفنادق، فلا تكاد تلمس للبيوت حرمة ولا تقديرًا، فهي أبدًا خاوية من ساكنيها الذين يجرون وراء عمل مادي، أو نزهة خلوية، أو ملهى يأوون إليه سحابة يومهم وساعات ليلهم، وحتى الإنسان الفطري نزيل جزائر المحيط الهادي قد جرفه ذاك التيار فحاكاهم في كل شيء.
ولست أدري ماذا عسى أن تبلغ الحال بأولئك في قرن آخر من الزمان، وقد بلغوا في القرن الفائت ما لم تبلغه أمم قبلهم في عدة أجيال.
وأني لأجدني حائرًا: أنسمي ذاك عمرانًا وتقدمًا — وهو لا شك نشاط إنتاجي يبهر العقول — أم تدهورًا وانحطاطًا نال من أخلاقنا الشيء الكثير.
وفي ظني أن مصرنا الفتية التي أضحت اليوم في فجر عهد جديد تستطيع أن تتخذ من تلك البلاد الجديدة أسوة حسنة في نشاطها المادي والعلمي، وأن تحتفظ بما ورثت من أخلاق، وتقيم في سبيل الانحلال سدودًا نتقي بها شر تلك الإباحة المقيتة.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيتفإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوامحمد ثابت
أول رمضان ????
?? نوفمبر ????
لبثنا في طوافنا حول الأرض عشرة أيام ومائة يوم، قطعنا خلالها فوق أربعين ألف كيلو متر.

بداية الرحلة


طالما تاقت نفسي إلى طواف كامل حول الأرض، وكنت كلما فكرت في ذلك بدا الأمر متعذرًا، وانتقلت به إلى عالم الخيال والأماني، وكيف يستطيع ضعيف مثلي القيام بذلك وقد أعوزني الوقت والمال؟ قاربت عطلة الصيف ولم أصمم على شيء ولما يبق لي من القارات الخمس سوى أصغرها: أستراليا، وهل تستحق تلك الجزيرة التي ليس لها كبير شأن زيارة تكلفني كثيرًا من المال والمشاق؟ ولكني أعود فأقول: إن لي في جارتها زيلندة الجديدة وما حوت من آيات الطبيعة هي وما حولها من جزائر ما يبرر زيارة إلى أقصى الأرض مهما حف ذلك من نصب ومشقة.
طفقت أتردد على دور السياحة أتخير من السفن أكثرها ملاءمة لي في الوقت والمال، وقد أوشكت شراء تذكرة إلى أستراليا بأربعين جنيهًا في الدرجة الثانية المخفضة Tourist ، وإذا بي أتحدث إلى الرجل في الطواف حول العالم، وما أصبو إليه من جولة تعيد إلى ذاكرتي نبأ ماجلان وما قاسى، فقال الرجل: ولم لا تقوم بمثل ذلك وأنت إن فعلت تستطيعه في أربعة شهور، وبقيمة زهيدة عن طريق شركة P. & O. Peninsular & Oriental؟! فقلت: وكم أدفع لذلك؟ قال: مائة وخمسة وعشرين جنيهًا. فلم أتردد لحظة، ودفعت المبلغ وأنا أطيب ما أكون خاطرًا وأكثر بهجة. وكان حظي في السفر على الباخرة مالويا Maloya من كبريات بواخر شركة P. & O.، وحمولتها ?? ألف طن، وبها من وسائل الراحة وحسن المعاملة وجودة الطعام ووفرته ما لم أجده من قبل في جميع أسفاري على كثرتها. وقد لاحظت أن جل خدامها من الهنود؛ وذلك لرخص أجورهم. والباخرة معدة لعدد من المسافرين يربو على الألفين، وقد كانا بها زهاء أربعمائة. وقد لفت نظري علم الشركة الذي قسم إلى أربعة مثلثات الأبيض والأزرق، وهو برتغالي، والأصفر والأحمر، وهو إسباني، مع أن الشركة إنجليزية، لكني علمت أن الشركة قديمة جدًّا، ولقد ساعد أصحابها سنة ???? ملكة البرتغال ضد بعض الثوار، وكذلك ساعدت الشركة الملكة إيزابلا في ثورة إسبانية، فشجعت هاتان الدولتان الشركة، وفي مقابل ذلك احتفظت بالعلمين البرتغالي والإسباني شعارًا لها. ولقد اتخذت الشركة لها قاعدة تجارية هامة في عدن منذ ???? قبل فتح قناة السويس، حتى قيل: إنها كانت فاتحة التجارة في تلك الجهات.
كان نصيبي من الباخرة في مجاورة شاب روسي مهذب، وسيم الطلعة، يشتغل بالتدريس في مدارس الهند، فما كاد يعلم بأني مصري حتي بدرني قائلًا: لماذا تعاملوننا بتلك القسوة في بلادكم؟ قلت: وأية قسوة تعني؟ قال: منذ حلت الباخرة بورسعيد والبوليس يحوطني، وقد نزل الركاب جميعًا للتريض في المدينة إلا إياي، وقد دهشت لما خبرني زميلي في الكابين بأنه عند عودته متأخرًا في المساء من المدينة رأى الجندي المصري جالسًا أمام باب الكابين وبيده البندقية ليراقبني، لكنه كان يغط في نومه ولم يشعر بوجودي؛ فلماذا تعاملون الروس هكذا وقد اعترف بنا وبحكومتنا كل العالم حتى من كانوا ألد خصومنا؟!
ولقد علمت بأنه النظام السوفييتي سائر في سبيل التوطيد والاستقرار، وأن شبح البلشفية بمعناها الذي نعرفه غير موجود في بلادهم، وأن حالة العامة في بلادهم ليست بالبؤس والانحطاط الذي نسمع عنه، فلقد تقدمت حالهم عما كانت عليه قبل الحرب — وإن كانوا أقل من فلاحي أوروبا — والدولة تُعنى بشئون الفلاح والفقير، وهي التي تدير كل المصانع والمزارع والأعمال الرئيسية، فكأن الأمة كلها مجموعة من موظفين ومأجورين تحت إشرافها، ولا يمتلك أحد عقارًا ولا شيئًا من الآلات قط، بل تلك كلها ملك للأمة، وفي يد الدولة، لكن الناس أحرار في أن يوفروا من دخلهم ما شاءوا، على أنهم كلما جنبوا مالًا وفيرًا زادت ضرائب الدخل جدًّا، حتى كادت تسوي بين دخل الغني والفقير إلا في فوارق معقولة.
قامت الباخرة تشق قناة السويس في بطء شديد خشية أن تحدث تيارات جانبية تقربها من القاع، أو تحدث ضررًا بجوانب القناة. ولقد حدثتني سيدة سويسرية كانت ذاهبة إلى الهند عن منظر القناة وبورسعيد بأنه منفر ليس به ما يجتذب الأنظار، ولا ما يحقق شيئًا عما قرأت عن مصر وخصبها وجمالها، وحتى بورسعيد بلدة بدت في نظرها قذرة غير ذات جمال، ولقد كان شعورها خيبة أمل عن مصر، فقلت بأن تلك المنطقة بعيدة عن وادي النيل الخصيب، فهي قطعة من الصحراء، والبلاد التي فوقها أسست لأغراض الإشراف على القناة ووسائل الملاحة فيها، فهي حقًّا لا تمثل بلاد مصر.
شكل ?: وسط ميدان رئيسي في بمباي.
جزنا السويس بعد منتصف الليل، وكان قيامنا من بورسعيد العاشرة صباحًا، وقد مرت بنا زهاء عشر بواخر، وهو متوسط ما يمر في كل يوم طيلة العام، ودخلنا خليج السويس الذي يبلغ طوله ??? ميلًا، وعرضه بين ??–??، وكنا نرى على جانبيه صخورًا مشرفة متناثرة عريت عن كل نبت، وبدت إلى يسارنا عيون موسى بنخيلها الوفير، وهنا الموقع الذي احتفل فيه موسى وبنو إسرائيل بنجاتهم من فرعون وآله يوم عبر البحر سالمًا وغرق أعداؤه، وبعد ساعات بدت جبال سيناء المقدسة الشاهقة، وأعلاها جبل أم شومر ???? قدم، وجبل كترينا بذروتيه: حورب ????، وموسى ????، وهنا كلم الله تعالى موسى تكليمًا، ثم جبل سربال ????.
وقد رأينا سلسلة كترينا فاترة على بعد، لكن ذروة موسى لم تكن ظاهرة رغم تكاثر الأعين والمناظير عليها من جانب الباخرة وجماهيرها الغفيرة. مكان أثار من الذكريات أقدسها؛ فلقد نشأت في تلك الناحية ديانات ثلاث كبرى: الموسوية والمسيحية والمحمدية، رغم ما هي عليه من جدب منفر، وتربة ماحلة. وفي أحد أخاديد جبل كترينا دير للنصارى أسسه جستنيان سنة ??? ولمَّا يزل قائمًا، وفي مكتبة الدير وُجدت أقدم نسخة من التوراة منذ خمسين عامًا.
شكل ?: غابات شجر جارا في غرب أستراليا.
انتهى الخليج ودخلنا متسعات البحر الأحمر نفسه الذي قد يبلغ عرضه عند أقصى حدوده ??? ميلًا، وهنا تفتحت أبواب الجحيم فلفظت من هجيرها طيلة الأيام الأربعة التي لبثناها فيه، ما جعل الجميع ناقمًا على هذا البحر؛ فكان الكل حيارى ماذا هم صانعون في هذا الجو الممض الخانق. لم يهنأ لنا نوم ولا جلوس لا صباحًا ولا مساءً، ولم تكن تنعشني قليلًا إلا ذكرى الأرض المقدسة: إلى يسارنا الحجاز مثوى الرسول ?، وإلى يميننا الوطن العزيز المقدس مصر والسودان، ولم يفز بهذا الشعور وتلك الغبطة من جماهير المسافرين سواي. ويا لفرح القوم ساعة أن كانوا يلمحون باخرة قادمة على بعد منا، أو حيوان الدرفيل Dolphin الذي كثرت جموعه عند نهاية البحر! ولم نلمح من شواطئه إلا عاتي الصخر ومجدبه؛ إذ لا يكاد يصيبه من المطر شيء، ولا يصب فيه من الأنهار جدول واحد؛ لذلك كانت نسبة الأملاح في مائه أكثر منها في البحار الأخرى، وتحف بشواطئه سلاسل معقدة ذات شعاب عدة من صخور المرجان رغم عمق البحر العظيم، وكانت تعكر مياهه الهادئة طفيليات محمرة غبراء من عشب الماء هي التي أكسبته اسمه؛ بحر حوى مجموعة من الذكريات الخالدة، والظاهرات العجيبة، رغم طبيعته التي لا تستهوي من الناس أحدًا.
عدن

أخيرًا انتهى بنا الأمر إلى مياه عدن في السابعة من صبيحة الأحد ?? يونيو، فظهرت رباها المجدبة المنفرة منثورة في غير حصر، ووفد من أهلها مختلفي السحن والأزياء والجنسيات جمع كبير؛ هنود وصومال وعرب وأوروبيون وإنجليز إلخ.
حللنا أرض عدن وأقلتنا سيارة كبيرة ساعتين كاملتين مقابل أجر نصف جنيه لكل واحد منا، وطافت بنا شبه الجزيرة كلها، وأوغلت قليلًا في لحج قرب حدود اليمن. ومنظر عدن من البحر منفر منثور الربى، يوغل البحر فيها بألسن لا تحصى، وكانت قطع الأسطول البريطاني تنثرها جميعًا. وقد أضحت عدن من أكبر محاط الدنيا لتموين البواخر بزيت البترول، وكانت تصف أمامنا خزاناته في فناطيس هائلة، وفي أعداد لا حصر لها، وجلُّها لشركة البترول الإنجليزية الإيرانية، وغالب السفن اليوم تعتمد على البترول بدل الفحم في سيرها.
وفي متسعات البادية من وراء الصخور العاتية ميادين للطيران الحربي، ومعسكرات، ومحطات للبرق اللاسلكي، كل ذلك يشعر بمكانة عدن الحربية، وأنها من مفاتيح البحار المنيعة، تملَّكها الروم في القرن الأول الميلادي، ثم احتلها الترك سنة ????، وتنازعها البرتغال أيامًا ثم خضعت لحكام صغار، واضمحلت حتى بلغ سكانها سنة ???? «???» نفس، ولقد قاسى أسطول الإنجليز التجاري من القرصنة التي كانت عدن مقرها، ففاوض الإنجليز القوم أن يبيعوهم البلدة، ووافق سلطان لحج على تركها مقابل ???? ريال تدفع سنويًّا، لكنه نقض عهده، وسلب سفينة إنجليزية في سنة ????، فأخذها الإنجليز عنوة.
سارت بنا السيارة تشق الميناء في طرق رصفت رصفًا بديعًا إلى جانب البحر، ومن شرقها تقوم الربى، وأعلاها جبل «شوم شوم أو شام شان»، وعلوه ???? قدم، واسمه مقتبس من الشمس، وعليه تقوم أبراج السكون لطائفة الپارسي عبدة النار، ومنهم هناك عدد كبير، وقد قامت جل حوانيت التجارة والمصارف أسفلها، ثم مررنا بمحلة وطنية على البحر تسمى المعلة شهر أهلها منذ القدم ببناء السفن dhow التي غالبت البحار زمنًا، وكان الكثير منها يرسو هناك. وبعد ليات عدة علونا إلى فوهة البركان الخامد التي تتوسطها مدينة عدن القديمة، ولم يكن الوصول إليها ممكنًا إلا بعد تسلق جوانب البركان، لكن الإنجليز شقوا أخدودًا لا يكاد يتسع إلا لعربة واحدة وصلها بالمتسعات السفلى عند الميناء، ويسمونه Main-pass، وفوقه مغارة كان يتعبد فيها هارون، وقيل: هابيل. شكل ?: غابات شجر الكاري.
والبلدة تقوم في مدرجاته، وجل أهلها من الهنود والعرب والصومال، ويناهز عددهم ?? ألفًا، واللهجة السائدة العربية المحرفة، ولعل أعجب المناظر التي تسترعي النظر مشهد العربات على اختلاف أنواعها تجرها الجمال، بعضها في شكل براميل كبيرة لنقل الماء، والبعض في صناديق لحمل المتاع. أخيرًا صعدنا الجانب الأعلى من تلك الفوهة، فبدت أحواض المياه القديمة Tanks في ليات بعضها دون بعض، وقد رصفت بالآجر والحجارة، وقيل: إن الذي بناها الفرس سنة ???، ويقال: إنها أقدم من ذلك بكثير. وتتسع لحمل ?? مليون جالون من ماء المطر، على أن المطر اليوم لا يكاد يسقط إلا مرة كل ثماني سنوات، ويظهر أنه كان كثير التهطال في الزمان الغابر، وكانت تلك المياه المدخرة تسقي البلاد جميعًا، وعند سقوط الماء يباع بالمزاد جملة، ويوزعه المتعهدون بالقرب والصفائح والعربات، وكلما مُلئ الخزان مرة أغرق نفرًا من الناس، وذلك فأل حسن في زعمهم.
نزلنا ذلك الجبل وسرنا صوب بلاد العرب، فمررنا بمتسعات من مناقع يجفف فيها ماء البحر لترسيب الملح، وكانت تنتثر بأكوام الملح الأبيض، وبطواحين الهواء التي تدار لنزح ما فاض من المياه، وجل ذلك الملح يصدر إلى بلاد الهند، وبعد زهاء ثلاثين ميلًا أقبلنا على بلدة الشيخ عثمان، وفيها آبار أرتوازية ركبت عليها الآلات، ومدت الأنابيب الغليظة لنقل الماء إلى جميع أرجاء عدن، فهي مصدر الماء الهام في تلك البلاد، وهناك زرعت متسعات من بساتين يانعة هي الظاهرة الوحيدة للخصب في تلك البلاد الصحراوية، وإلى جانبها بدت مباني لحج التي تدخل تحت الحماية البريطانية، وسلطانها صديق للإنجليز حميم.
ومجموع سكان الحماية كلها ??? ألف، وتحكمها وزارة المستعمرات إلا بلدة عدن، فهي تحت حاكم الهند؛ لذلك كانت النقود المتداولة الروبية والأنا.
هنا توالت الذكريات خصوصًا عندما حدثنا الرجل أن في هذا المكان بقرب المعلة تدفن رفات قابيل قاتل هابيل، وهنا في متسعات تلك الأراضي كانت تفد ملكة سبأ لتلهو وتلعب في الشتاء، ولقد أبحرت من مياه عدن يوم قامت للقاء سيدنا سليمان عند خليج السويس.
وأظرف شيء في عدن أن الناس لا يلقون عنتًا من رجال الجمارك ولا تفتيشًا كما يحدث في سائر الثغور، فينغص على المسافر عيشه؛ فهي ميناء حرة فيما عدا الأسلحة والكحول والأعطار.
شكل ?: تشق سكة الحديد صحراء أستراليا دون انحناء مسافة ??? ميل.
قامت الباخرة تبرح عدن بعد أن رست في مياهها ثلاث ساعات، وما كدنا نبرح الميناء وتغيب عنا رُباه حتى تبين لنا أن الباخرة تركت اثنين من المسافرين؛ أحدهما هندي يقصد بمباي، وهو شاب قصير القامة، أسود اللون، مرح، ميال إلى اللهو واللعب، وهو طالب في جامعات إنجلترا، والآخر ألماني طويل القامة، غير جذاب السحنة، نزلا يجوبان بعض أرجاء البلدة؛ فتجاوزا الميعاد المضروب لقيام الباخرة، فلم تعبأ لهما. والعجيب أنهما مفلسان؛ فلقد جاءني الأسود بالأمس يقول بأن صاحبه الألماني قد سقطت حقيبة نقوده وهو يتريض في بورسعيد، وأصبح لا يمتلك مليمًا وهو ذاهب إلى أستراليا معي؛ فهل لي أن أقرضه جنيهات، حتى إذا ما وصل أستراليا ردها إلي؟ فقلت: ولم لا تقرضه أنت؟ قال بأني أفلس منه.
فترددت وقلت: لا إخال نقودي تكفي أن أقرض أحدًا، ومع كلٍّ سأرى ما يمكن عمله في الغداة، ولبثت حائرًا كلما ذكرت حرج موقفه، وصممت أن أقرضه شيئًا، على أني كنت ألاحظ عليه أنه كثير الاختلاط بالفتيات يساهمهن الرقص، ويشاطرهن الشراب، ويسرف في ذلك وفي شرب الدخان في مظهر لا يدل على الحاجة أو العوز، ولما أن تركته الباخرة في عدن علمت عنه أنه شبه محتال، فحمدت الله أني لم أقرضه شيئًا، وظل موضوعهما حديث المسافرين طيلة اليوم، وأنهما سيلبثان في هجير عدن أسبوعين كاملين حتى تفد الباخرة التالية ولا مال لديهما ولا متاع!
أوغلت الباخرة في مياه خليج عدن، ولبثت اليوم كله ولما ينقص الحر، لا بل أخذ في الزيادة إلى درجة كدنا نختنق معها، وأصابني صداعٌ أنا وكثيرًا من المسافرين من جرائه، ولما حان ميعاد العشاء جلس إلى جانبي ضيف هندي جديد، نحيل القامة، أسمر اللون، براق العينين، تعلوهما نظارة أعادت إلى ذكراي شبح غاندي كاملًا، وكان كلما قدم الخادم إليه صنفًا من الطعام تشكك فيه ورفضه، فجاءه رئيس الموائد فعلم منه أنه نباتي لا يأكل اللحم — وأمثال أولئك في الهند كثيرون — فأخذت أحدثه عن ذلك فقال بأنه لم يذق اللحم طوال حياته، قلت: ولماذا؟ قال: هي عقيدة أصبحت عادة متأصلة؛ فلا أكاد أطيق حتى رؤية اللحم، قلت: إذن فسأكون في جوارك من أكبر المنغصات؛ لأن جل غذائي أنا من اللحم، فتظرف الرجل وقال: كلا، بل لا يضايقه ذلك، على أني لاحظت أنه لا يفد إلى المائدة إلا عندما أكاد أنتهي من طعامي. وهو مدرس هندي في مدارس عدن الحكومية الابتدائية، وقد قال لي: بأن جو عدن شديد الحرارة مدى ثلثي العام، لكنه صحي جدًّا؛ إذ قلما تنتشر الأمراض في تلك البلدة لجفافها.
شكل ?: البئر المباركة في الجبال الزرقاء بقرب سدني.
أصبحنا في اليوم التالي والبحر مضطرب مائج، والرياح شديدة بليلة، وهي الموسمية التي أنقصت من حرارة البحر الأحمر حتى اضطررنا أن نلبس المعاطف الخفيفة، على أن اضطراب الماء قد أصاب الكثير منا بمرض البحر، وقد أحسسته أنا وظل ينغصني يومين كاملين، والعجيب أنه انصرف عني بعد ذلك، مع أن البحر زاد شدة — ويظهر أن الإنسان إذا ما اعتاده قليلًا خفت وطأته — وظل زهاء نصف المسافرين لا يجلسون على موائد الطعام، بل يستلقون على مقاعد فوق سطح الباخرة في الهواء الطلق؛ لأنه خير علاج لإيقاف شر ذلك المرض المُمضِّ.
وكم كان يدهشني من جموع السيدات، وجلهن من الأستراليات، إدمانهن على التدخين! فأنت لا تكاد ترى الواحدة إلا والسيجارة في فمها، وصندوق السجاير الكبير في يدها إلى جانب كتابها. وتلك ظاهرة لم أشهدها في سيدات الشعوب الأخرى إلا على سبيل الاستثناء. والأستراليون معروفون بالإباحة الشديدة؛ فهم يطلقون حرية كبيرة للنساء. ومما كان يثير عجبي مظهرهن وهن يسرن عرايا إلا في ستر العورة، وكأن أزواجهن يستعرضن جمال جسومهن أمام أنظار الغير، وإذا ما أقبل المساء ارتدين مهفهف ملابسهن في أزياء عدة تتنوع بين ليلة وأخرى، ويجلس الجميع رجالًا ونساء حول حلقة الرقص.
ولا تكاد تعزف الموسيقى في التاسعة مساء حتى يقبل الكل على المخاصرة والرقص إلى ساعة متأخرة من الليل. وكانت تلك هي وسيلة التسلية الوحيدة تقام كل ليلة، أما في خلال النهار فهناك من الألعاب: تنس البواخر، والبنج بنج، والحمام، ورمي الحلقات، والأراجيح، وكيف يمكن التغلب على سأم السفر الطويل إلا بتلك الوسائل المتعددة؟!
شكل ?: لا تزال تلك الطريقة الساذجة مستعملة في استخلاص الذهب من رمال أستراليا الغربية.
على أني لاحظت أن مزاج الإنجليز أبعد عن الموسيقى إذا قورنوا بغيرهم؛ فلا تكاد تُعزف إلا للرقص، أما في البواخر الألمانية فكانت الموسيقى تلعب أدوارها أربع مرات في اليوم على الأقل، وقد كانت معنا عائلة إسرائيلية ألمانية طريدة ألمانيا بسبب اضطهاد هتلر لها، فهاجرت لترتزق في أنحاء أستراليا، وكانت سيدتهم تشنف أسماعنا كل ليلة بعزفها الجميل على البيانو.
لبثت اليومين السالفين أُعرِض عن تناول الطعام إلا في قليل من الفاكهة الطازجة؛ خشية أن يعاودني مرض البحر، وكان شعوري به يتردد علي آنًا فآنًا، وكانت رأسي أميل إلى الثقل، وفي اليوم الثالث قمت من نومي عند الأصيل وأنا مكتئب مقطب الوجه، وبينا أنا أسير في جانب منعزل من السفينة وإذا باثنين من البحارة يحملان نقالة عليها جثة سيدة هي Miss Love، وقد فتح جانب من الدرابزين ومدت لوحة مستطيلة من خشب وضعت الجثة عليها، بعد أن حنطت ولفت في قماش لا يخترقه الماء Water Proof وأثقلت بالعوارض المعدنية، ثم أرخى عليها العلم الإنجليزي ووضعت بحيث تواجه أرجلها الماء، وعند رأسها أقيمت منضدة عليها مجموعة من الأناجيل فتحت ونكست عليها، ثم جيء بابنها، وهو شاب نحيل، وزوجها ولما يصل العقد الخامس، وأُجلِسا على مقعدين إلى جوارها، وما كاد يسمع خبرها الجميع حتى فزعوا وتكاثروا يُطلون من هنا وهناك. وكان نصف الجثة يشرف باللوحة الخشبية على المحيط، وما كادت الشمس تغرب في السادسة والنصف تمامًا حتى نفخت الباخرة في صورها، وأبطأت سيرها، ثم وقفت في عرض البحر، وعند ذلك أمال البحار لوحة الخشب فزلقت الجثة عليها إلى اليم، وغاصت إلى حيث لا يعلم إلا الله مستقرها؛ فعلا الكدَرُ وجوهنا جميعًا، وصاحت آنسة جميلة صيحة فزع، ثم أغمي عليها، فأسرع الآخرون بإنقاذها، ثم أقبل الكل إلى الرجل وابنه يعزونهما في فقدها، وقد كانت مريضة وتقصد بلاد أستراليا للاستشفاء، فوافاها أجلها في تلك البقعة التي لم تكن تخطر ببال أحد: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ صدق الله العظيم.
شكل ?: شارع هانان الرئيسي في كالجورلي.
ولقد عجبت لما رأيت الرجل وابنه على مائدة الطعام بعدها بقليل يأكلان معنا عشاءهما، مع أنَّا نحن لم نتناول من الطعام إلا اليسير بسبب ما خلف ذاك الحادث عندنا من أسًى، ثم سرعان ما نسي القوم الموقف، وبدا الكل في مختلف ملابسهم الفاخرة وزينتهم البراقة، ومن بينهن الغادة التي أغمي عليها، على أن الباخرة أعلنتهم بأن الموسيقى والرقص سيوقف عرضهما الليلة حدادًا على الفقيدة. وفي الحق ماذا يجدي الحزن بعد أن نفذ قضاء الله ولا راد لقضائه؟ مظهر من مظاهر الإيمان كان أجدر بنا نحن الشرقيين!
أعلن القوم عن سحب يانصيب هذه الليلة للمشتركين مقابل شلن للنمرة، وكذلك أقيمت حفلة سباق الكلاب، وذلك من ستة كلاب خشبية يتصل كل بحبل يلف طرفه في بكرة تمسك بها سيدة، وعندما تُعطى الكلمة تحاول كل منهن طي الحبل، ومَن أسرعت سبق كلبها وفاز، ولكل من النظارة أن يراهن على من شاء بشلن واحد، وقد جربت حظي في النوعين من المقامرة فلم أُصب شيئًا. بمباي

وفي اليوم التالي وصلنا بمباي في الساعة الرابعة والنصف مساء، فبدأ الخليج تحف به الربى الوطيئة من الجانب الأيمن، وفي الأيسر تقوم المدينة على بسيط من الأرض، وفي الصدر ظهرت بوابة الهند Gateway of India في قوس مشرف، وإلى مقربة منها فندق تاج محل أكبر فنادق البلدة. وخشيت من انخفاض المد لو تأخرنا في الدخول، وعند ذلك ترسو بعيدًا، لكن كان وصولنا قبيل انسحاب المد. ولقد تعكر ماء المحيط قبل ظهور بمباي بساعة من الزمان؛ فكان يبدو وكأنه ماء النيل أيام الفيضان. وبمباي يقع أغلبها على جزيرة مستطيلة تصلها بالهند قناطر عدة.
نزلنا البلدة بعد أن فحصت جوازاتنا وختمت بطاقات النزول إلى البر، وقد نزل من ركاب الباخرة زهاء ????، ولم يبق معنا من المسافرين إلا القليل، وبمباي تعد أهم الثغور التي ترسو عليها بواخر تلك الشركة. جُبنا أرجاء البلدة المجانبة للميناء فكانت آية في الفخامة والنظافة، كلها قصور شاهقة، وعلى أنماط من الهندسة متباينة، وكثير منها يحكي القلاع، وما كدنا نوغل في قلب المدينة حتى تجلت الأحياء الوطنية بشوارعها الضيقة وحركتها التي لا تحد، فالناس خليط عجيب لا أول له ولا آخر بوجوههم الممطوطة، وأجسامهم الهازلة، وألوانهم السمراء القاتمة.
شكل ?: الميل الذهبي بحفائره ومناجمه في كالجورلي.
أما الأزياء فمدهشة في تنوعها وألوانها، وبخاصة معاطف السيدات إذا كن من الطبقة الممتازة، فكلها من الحرير المهفهف؛ هذا أحمر قانٍ، وذاك أخضر زاهٍ، والآخر أصفر فاقع، والرابع أبيض ناصع. وتلك أجمل ظاهرة تسترعي النظر في بمباي. أما السِّحنُ فلا تكاد تلمح في إحداها مسحة من جمال قط. ومن أزياء الرجال كان يستلفت النظر جماعة البارسي في كل مكان، ويلبسون على رءوسهم قلانس سوداء، وعلى أجسادهم معاطف سوداء طويلة «بلاطي» تكاد تصل إلى ما دون الركبتين.
وهم الطبقة التي بيدها أغلب رءوس الأموال، والتي تدير الشئون التجارية، فهم في جمع المال والحرص عليه يشبهون اليهود، وأكثرُ عددٍ منهم في تلك البلدة. ومما شاهدناه لهم أبراج السكون الخمسة التي تعرض فيها موتاهم عارية، حتى إذا ما نهشت العقبان البرية لحمها أُخفيت العظام في آبار هناك.
ولقد كان يهولني عدد الجماهير التي تموج بها الطرقات؛ إذ تكاد الرءوس والأكتاف تتلاصق، ولا يستطيع الواحد أن يشق طريقه بينهم إلا بجهد كبير، ورغم كثرة عربات الترام والأتوبيس لا تجد مكانًا خاليًا أبدًا، وإذا نظرت إلى البيوت من داخلها بدت كأنها خلايا النحل؛ لضيقها وكثرة نزلائها.
ورغم أن بمباي تعد أكثر بلاد الهند رقيًّا وتحضرًا، فقد كنا نرى السواد الأعظم من السكان من أشباه العرايا الذين تعلوا وجوههم علامات طوائفهم من نقط وخطوط في أشكال عدة، وجلهم يسير وأفواههم مفتحة ينضح منها ذاك اللعاب الأحمر الذي يحكي الدم، من أثر ما يمضغون من ورق شجر «البيتل» المنفر الشكل والمذاق. وقد كنت أوجست خيفة المغالاة يوم أن تكلمت عن الهند في جولتي في ربوع آسيا ووصمتها بالتأخر المعيب، لكني ألفيتني مصيبًا فيما كتبت.
لبثت أنا وزميل هندي من جزيرة سيلان نتجول في أنحاء عاصمة الهند التجارية زهاء أربع ساعات، ومن العجيب أنه لم يستطع أن يفهم من لغات القوم العدة كلمة واحدة، فلغته هو تامل، ولغات بمباي هندوستاني — وهي اللغة التي يفهمها أكبر عدد من الهنود — وججوراتي وكثير غيرها، والمثقفون يتفاهمون بالإنجليزية.
قمنا نبرح بمباي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ولبثنا نسير إزاء الشاطئ وجبال الغات الغربية الوطيئة تبدو على بُعد إلى يسارنا، وكانت الرياح الموسمية الجنوبية الغربية حقًّا تهب في شدة لا بأس بها، وتحمل معها السحاب الذي أمطرنا كثيرًا في بمباي، وكان يسح تارة ويمسك أخرى ونحن سائرون وسط اليم.
واليوم السبت «?? يونيو ????» قمنا والجو غائم، كثيف السحاب الذي بدا متصلًا بماء المحيط، حتى كان الجو قاتمًا مظلمًا، وظل المطر هاتنًا مدرارًا طيلة النهار إلى الظهر، ولقد فاجأتنا السفينة بالوقوف والصفير المتواصل؛ فذعرنا، ولما أن تساءلنا عن الأمر قيل: إنها تسلمت رسالة باللاسلكي أن باخرة أخرى قادمة إلى الشمال، وخشية أن تصطدم معها بسبب كثافة الجو وظلامه ظلَّت تُصفِّر، وتقف تارة وتهدئ السرعة أخرى حتى مرت بنا تلك السفينة، فاستأنفنا سيرنا بالسرعة العادية، وهي زهاء ?? عقدة في الساعة.
كولمبو

وفي باكورة الصباح بدت بلاد جزيرة سرنديب، وأقبلنا على ثغرها الرئيسي كولمبو — ومعناه بالسنهالية: ورق المانجو «منجه Amba ورق Cola» لكثرة ما كانت تنمو تلك الأشجار هناك، ولقد كان ثمرها يعرض في كل مكان بقيم زهيدة جدًّا — تقدم بوليس الميناء وختم الجوازات لمن يريد نزول البر، ونقلتنا لانشات الشركة مجانًا إلى الشاطئ، فكانت شوارع البلدة ومبانيها آية في الجمال وخفة الروح، خصوصًا الحي المجانب للميناء ويسمى The Fort، وحتى الأحياء الوطنية البحتة التي ركبنا لها الترام تارة والأمنبوس أخرى إلى بُعدٍ زاد على ستة أميال. شكل ?: النسر الذهبي: أكبر كتلة من ذهب زنتها ???? أوقية.
كل هذه بدت جميلة تزينها الخضرة الرائعة في كل الأرجاء، فكأن البلاد قامت كلها وسط غابات لا أول لها ولا آخر؛ فلا تقع عيناك إلا على أشجار ومروج تتوسطها المساكن كبيرها وصغيرها، وكذلك الحوانيت. وتغريد الطيور على اختلاف صنوفها يشجيك أينما سرت — اللهم إلا صيحات الغربان التي تتكاثر حولك في غير خوف ولا فزع فتزعجك دائمًا — ويلفت النظر نظافة البلدة حتى في أفقر نواحيها، وكذلك دقة البوليس وحسن إشرافه على كل شيء، غير أن ذاك الجمال ينتقص منه مظهر الفقر الذي يسود الكثير من الناس، وكثرة المتسولين الذين يضايقونك إلى درجة تفقدك الاستمتاع بتلك الجنة النادرة.
وكم من مرة ذعرت على غرةٍ، حين ألفيت صبيًّا أو طفلة عارية قد أسرعت بإلقاء جسدها على الأرض تحت قدمي، وتمرغت وهي تتمسكن، ثم تمسكت بالحذاء تقبله في منظر تستنكره النفوس! وكم هاجمنا من سائقي «الركشا» وألحفوا في الحديث معنا، والإصرار على أن يقودونا إلى هنا وهناك ليطلعونا على البازار والحدائق ودور الرقص والمجون وما إلى ذلك، ونحن نرفض كل أولئك! لكن أنَّى لنا أن نغلب ذاك اللجاج الذي ينغص على الإنسان عيشه، وقبل أن نتخلص من هؤلاء بعد النهي والزجر يداهمك غيرهم.
ولقد كنا نسير ومن ورائنا جيوش من سائقي الركشا من المتسولين والسماسرة، ويا ويلنا لو وقفنا ننظر إلى حانوت أو ومعبد! هنا يهاجمنا أهله، ويتمسكون بنا أن نزور حوانيتهم لاستعراض ما هنالك فقط لا للشراء؛ فإن فعلنا ذلك تمسكوا أن نشتري هذا وذاك، وإن حاولنا ذلك ضوعفت الأثمان واستخدمت الحيل حتى غير الشريفة لإرغامك على الشراء! وأنت في ذلك الحين تحاط بعدد ممن لا دخل لهم في الأمر يزجون بنفوسهم في الحديث، وإذا فرغت من ذلك المكان طلبوا منك أجر تدخلهم هذا!
ظاهرة ما كان أجدر بالبوليس الدقيق هناك أن يقاومها أشد المقاومة، وهو إن فعل وفَّر على السائحين كثيرًا من المضايقة، وشجعهم أن يكثروا من زياراتهم لا أن يجتنبوها. ولقد حدثني بعض ركاب الباخرة أنهم لاقوا من أمثال تلك المضايقة كثيرًا في بورسعيد، فهلَّا عُني بوليسنا بالضرب علي أيدي أولئك السماسرة والمتسولين والمتدخلين حتى لا يشعر السائحون بمثل ما شعرت أنا به؛ مما كرهني في زيارة تلك البلاد.
حان ميعاد الطعام فأردنا أن نجرب المطاعم القومية لنرى ما فيها، فما كدنا ندخل واحدًا منها حتى سرت بين أصحاب المطعم وخدمه شبه موجة حِرْنا في تفسيرها، وأخذوا يتهامسون ثم تقدم رئيسهم فطلبنا إليه طعامًا، فقال: أرز وكري Rice & Curry؛ فأي نوع منه ترغبون؟ قلنا: لا ندري، فهات ما عندك. فوضع أمامنا صحفة ملئت أرزًا مسلوقًا في وسط المائدة، وأحاطها بأطباق صغيرة بها طائفة من سائل أصفر كثيف، به قطع من مواد مختلفة علمنا أن بعضها من لحم بقري أو ضاني، أو دجاج أو سمك، والبعض من خضر لم نعرف أغلبها سوى العدس والقرع، وبكل طبق نوع واحد من هذه، ومذاقها كلها حريف جدًّا. فأخذنا نغترف الأرز في أطباقنا ونلوثه بذاك الكري، ولما طلبنا خبزًا قال بأن ليس له وجود عندهم، لكنه أحضر لنا مقاصيص من رقاق منتفخ صنعوه من دقيق الحمص. أما الفاكهة فالموز أو المانجو بالطبع. فرغنا من الطعام وعند دفع الحساب تداولوا في الأمر، ثم طلبوا ثمنًا فاحشًا غير معقول، هو زهاء عشرين قرشًا لكل منا، مع أن ثمن ما أكلنا لا يكلف الوطنيين أكثر من قرش واحد أو اثنين؛ فثارت ثائرتي وقلت بأني لن أدفع ذلك، وبعد مشادة قبلوا شلنين لكل منا، وخرجنا ناقمين على أولئك اللصوص الذين يحالون استغلال الغريب بدرجة هي السرقة بعينها.
شكل ??: شجرة الكاري ذات الخشب الصلب والقوام الذي يفوق خمسين مترًا.
أما الأهلون فأعمق سوادًا في لونهم من الهنود، وجلهم يرتدون الملابس الوطنية في لفافة حول الخصر يربطها حزام، ثم تتدلى طياتها إلى القدمين، وعلى النصف الأعلى قميص أو «جاكتة»، والعجيب أن جل ذلك من الحرير حتى لأفقر الناس، ومنسوجات الحرير النباتي هناك رخيصة جدًّا؛ فالقميص يبدأ ثمنه بشلن واحد، وبعضهم كان يبدو في حرير ممتاز غالي الثمن، والعجيب أن الجميع يسيرون حفاة مهما بلغ من نظافتهم ووجاهة هندامهم.
أما النساء فسافرات جميعًا إلا المسلمات — والمسلمون كثيرون جدًّا في تلك الجزيرة، ويلبس رجالهم الطرابيش، والعجيب أن الكثير كان يعرف لمجرد النظر إلى بأنني مسلم فيقول: «مسلمان»؟ فأجيب: نعم؛ فيُسرُّ ويلاطفني حتى يبرح الترام وكأنه لقي واحدًا من أهله. هذا ولم ألمح في نساء تلك البلاد كلها واحدة عليها مسحة من جمال قط، فهُنَّ أمعن قبحًا من الرجال، فكأن الطبيعة بقدر ما أسرفت في جمال نباتها وحيوانها اجتزأته من وجوه نسائها، على أن تقدير الجمال نسبي على ما بدا لي؛ لأن أحد رفقاء الباخرة من الهنود ألفت نظري إلى سيدة قال بأنها آية في الجمال، فخلته هازلًا لا جادًّا؛ لأنها كانت على جانب كبير من القبح.
ومن الديانات السائدة: البوذية، وكنا نرى قسس بوذا يسيرون حفاة وقد تدثروا بملاءات لونها فاقع — أصفر أو برتقالي أو أحمر — ورءوسهم عارية، وقد حلقت شعورها، فبدت الجمجمة براقة محمرة، إلى ذلك ديانة الهندوس، ولغات الكلام مختلفة تسودها اثنتان: التاملية، والسنهالية.
ومن الجهات التي تروق السائح كثيرًا حديقة النبات Cinnamon Garden، وبها جل طوائف النبات الاستوائي، وكذلك قنطرة فكتوريا ونهر فكتوريا الذي يجري إلى جانب البلدة. وجو البلدة تلطفه الرياح الموسمية فيصير منعشًا جميلًا إذا حجبت الشمس سحابة خفيفة، وإلا كانت أشعة الشمس حارة محرقة، ولقد فاجأنا المطر بعد الظهر في غزارة عجيبة، على أنه لم يجاوز ساعة من الزمان، ثم عادت السماء تنقشها الغيوم المبعثرة حتى المساء حين أتينا إلى الباخرة، وكانت حركة الشحن دائبة، وجل البضاعة من شاي سيلان ذائع الصيت يرسل إلى أستراليا، وزيلندة، وسكانها من أكثر بلاد الأرض استهلاكًا للشاي.
شكل ??: أضحت أدليد من أفخر مدن الدنيا بعد أن كانت قرية ريفية منذ مائة عام.
وفي تمام الساعة العاشرة مساء أذنت الباخرة بالرحيل؛ فدقت أجراسها، ونفخت أبواقها، وتنحت عن الميناء بأضوائها المنثورة يشرف عليها جميعًا إعلان عن شاي سيلان بالضوء الأزرق في حروف كبيرة جدًّا. ظل الركاب يتحدثون عما بقي من الأيام إلى أستراليا يستكثرونها؛ لأن الباخرة لن ترسو على البر إلا بعد تسعة أيام كاملة، وزاد الأمر وحشة أن عدد المسافرين قد انضمر جدًّا؛ لأن جلهم نزحوا إلى بمباي وكولمبو، على أن البحر أصبح في اليوم التالي أكثر هدوءًا.
وفي المساء أعلن الربان أن السفينة ستجتاز خط الاستواء الساعة السابعة والربع تمامًا من صباح الغد «الثلاثاء ???/??»، فقمنا مبكرين لنلمح من هذا الخط قبسًا يفصل ما بين نصفي الكرة الأرضية، والعجيب أن جل المسافرين قاموا مبكرين، وأخذوا يشيرون إلى نواحي البحر وكأنهم رأوا وسط اليم خطًّا أو فاصلًا، وكانوا مغتبطين لأنَّا بدأنا ندخل مياه النصف الجنوبي، وهي لا شك أطهر شأنًا، وأراضيها أقل زحامًا وعبثًا. وكان البحر يومنا هذا أملس هادئًا لم تكد تخدش أديمه موجة واحدة كأنه لجة من زيت براق.
ولقد أعلن الربان أن الساعات يجب تقديمها عشرين دقيقة كل يوم حتى نصل أستراليا؛ لأن انتقالنا إلى الجنوب الشرقي سيظل في زاوية واحدة لا تتغير، وكلما قاربنا الشرق بكَّر شروق الشمس، وجاء ظهر اليوم سابقًا لظهر الأمس، ولم تحفل الباخرة كثيرًا بخط الاستواء كما فعل الألمان يوم عبرته ذاهبًا إلى أمريكا الجنوبية. والحق أن البواخر الألمانية أكثر مرحًا وأدعى للترويح عن المسافرين، ويظهر أن الصلف الإنجليزي وبرودهم المعروف قد أثَّر حتى في تلك المناسبات.
ولقد كان الجو صافيًا، والنسيم عليلًا طريًّا منعشًا لم يحقق تلك المخاوف التي تزعجنا بها الجغرافيا عن خط الاستواء، وهجير حره، ووابل مطره، على أن اتجاه الرياح قد تغير؛ فبعد أن كانت بالأمس تهب وافدة من يميننا جهة الغرب أصبحت اليوم تفد من يسارنا، وهو الشرق؛ والأولى هي الموسمية الجنوبية الغربية، والثانية هي التجارية الجنوبية الشرقية.
حل المساء، وزينت الأبهاء بالثريات الكهربائية الملونة، والجوانب بالأعلام المختلفة، وذلك احتفاء بعيد ميلاد ملك الإنجليز؛ إذ قد بلغ الثانية والأربعين، وظل القوم يرقصون إلى ساعة متأخرة من الليل، لكن عددهم القليل قد أنقص كثيرًا من بهجة الاحتفال؛ إذ كنا لا نعدو الخمسين مع أن الدرجة الثانية أعدت لأكثر من ستمائة، ولا يفضل القوم السفر إلى أستراليا على بواخر P. & O.، بل يؤثرون عليها Orient Line لا لشيء سوى أن الشركة الأولى تستخدم كثيرًا من الهنود في المطعم والحجرات، أما الأخرى فكل خدامها من الإنجليز. وإني لأعجب من عصبية القوم لألوانهم وجنسياتهم؛ فبمجرد أن يلمحوا أحدًا تشوب لونه السمرة ولو الخفيفة خالوه Coloured، ونظروا إليه نظرة أخرى، وتحرجوا معه في الاختلاط والحديث كأنه وباء يوشك أن يصيبهم. وتلك النزعة لا نلمحها تبدو ظاهرة إلا بعد اجتياز قناة السويس؛ فعندئذ يبدءون التفرقة، ويظهر أنهم يُلقِّنون ذلك أبناءهم منذ الطفولة، حتى إنَّا كنا نلاحظ صغارهم ينفرون من الهنود حتى ولو كانوا من ركاب الدرجة الأولى. شكل ??: تمتاز أدليد بشوارعها الفسيحة الممتدة.
وأعجب كيف لا يقابل الشرقيون ذلك بمثله أو يزيد، بل يعترفون بتلك الذلة والمسكنة، ويتحدثون عنها وكأنها أمر واقع قضى به الله عليهم؛ فهلا تكاتفنا على مقاطعتهم، وعدم التودد إليهم، والترفع عنهم حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويقلعوا عن ذلك الصلف الأجوف. ولقد كنت ألمح في معاملتي لهم؛ إذ كنت أنبو عنهم ولا أكثرت لهم، فكانوا هم يحاولون بعد ذلك مخالطتي وخطب ودي من نواحٍ عدة.
بدأ البحر منذ عصر الخميس يضطرب والرياح تعصف، وظل كذلك طوال الليل، وأصبح أكثر عنفًا؛ إذ كان موج البحر يعلو جوانب الباخرة فلم يستطع أحد البقاء على السطح، بل آووا إلى مضاجعهم، وكانت أغلب مقاعد الطعام خالية، وكان الجو رطبًا، والسماء محملة بكثيف الغيوم، فكان ذلك في ظني تغييرًا مستملحًا؛ إذ كنا قد بدأنا نسأم طول المسافة في جو واحد وعمل متكرر.
ولقد كان حظي هذا اليوم خيرًا من سابقه؛ إذ ربحت ???? شلنًا في سحب يانصيب يجريه القوم على الأرقام التسعة كل يوم مقابل شلن واحد للتذكرة. وكنت كلما طوحت ببصري إلى آفاق المياه المائجة المضطربة المخيفة ألمس عظمة الكون، وضآلة الإنسان أمام القدرة العلية، وكنت أُكبِرُ في طلائع الكاشفين جرأتهم وجميل صبرهم يوم كانوا يقطعون ذلك بالسفن الشراعية الصغيرة، ونحن على عظمة باخرتنا ومنعتها كنا نخشى أن يصيبها ضر أو أذًى.
ولقد عاكس هذا الاضطراب سرعة الباخرة، فبعد أن كانت تقطع ??? ميل في اليوم نزلت إلى ??? ميلًا، وقد مررنا ليلة الأمس بمجموعة من جزائر تسمى Keeling أو Cocos على اسم إنجليزي كشفها سنة ????، وأهملت إلى سنة ???? حين ذهب إليها الكابتن Ross وبهره جمالها؛ فرجع ليحضر عائلته، وإذا به يجد أسرة أخرى قد احتلتها فتنازعتا، وتغلب الأول، وأضحى حاكمًا عُرف بالحزم والعدل بين سكانها القليلين، ولا تزال أسرته تملك أغلب وسائل الإنتاج هناك إلى اليوم، مع أن الجزائر دخلت تحت وزارة المستعمرات يشرف عليها حاكم سنغافورة، وهي من محطات البرق الهامة في المحيط؛ إذ منها تمتد الأسلاك إلى كولمبو وجزائر الهند وأستراليا وموريس ومدغشقر وجنوب أفريقية. شكل ??: يكثر الكانجارو حول أدليد.
ما كنت إخال أنا في أيام قليلة سننتقل من الصيف القائظ إلى القر الزمهرير؛ فلقد هبطت الحرارة هبوطًا فجائيًّا لما أن اجتزنا خط عرض ??°ج، وأخذت في النقص فشعرنا ببرد الشتاء، واضطررنا إلى لبس الصوف والتحافه، وسرعان ما تغيرت الأزياء وغطيت جوانب السفينة، وانزوى غالب المسافرين إلى حجراتهم، وكانت السحب تحجب الشمس غالب الساعات، وإن تكشف عنها قليلًا فرح القوم وماجوا، ولا يكاد يستوي بهم الجلوس تحت أشعتها المحبوبة الدفيئة حتى تختفي، ويعودوا من حيث أتوا. وشتان ما بين نيران البحر الأحمر وهجيره، وبين قر تلك البحار المجانبة لأستراليا، وفي كليهما كان الامتعاض يسود أوجه القوم؛ فلا الصيف أرضاهم، ولا الشتاء أقنعهم. ومتى كان الإنسان لربه شكورًا؟
ولقد أخذ الكثير يعد عدته للنزول إلى أرض أستراليا في الغداة، ونشط البحارة في تجهيز روافعهم وفتح مخازنهم استعدادًا لتفريغ بضاعتهم في فريمانتل أول مرسى أسترالي، وكم هالتنا كثرة البريد الذي كُدِّس في آلاف الأكياس فبدا كأنه التل الشاهق! وذلك كله لجهات غرب أستراليا.
بكر الخادم ينادينا منذ الساعة السادسة والنصف صباحًا كي نسرع بالصعود للكشف الطبي، وقد علمت منذ الأمس أنه شديد، ومن الغريب أني أصبت بمجموعة من دمامل شوهت من وجهي كثيرًا، وقد كان ظاهرًا منها في يوم واحد عشرة، ولعل ذلك من شدة الحرارة في الجهات الشمالية، وخصوصًا البحر الأحمر، وكذلك بسبب الغذاء المحفوظ المثلوج مدى العشرين يومًا السالفة، ذاك الذي أثر في شهيتنا فقلَّتْ شيئًا فشيئًا، فخشيت أن يكون ذلك سببًا في منعي من الدخول فتتكرر حادثة جنوب أفريقية.
ولكن شتان بين رقة الأستراليين وظرفهم وخشونة أهل نانال وغلظتهم؛ فلقد أقبل رجال الكرنتينا ومررنا أمامهم، ونظروا إلى أيدينا وأذرعنا ثم أجازوا لنا الدخول حيث تفحص جوازاتنا. هنا داخلني الخوف أن يكون المصريون من غير المرغوب فيهم كما هي حال جنوب أفريقية، خصوصًا وأنهم سلموا جميع الرعايا البريطانيين جوازاتهم، إلا فريقًا قليلًا من الأجانب أمثالي استمهلونا حتى يفحص جوازاتنا رجل آخر، لكنه كان غاية في رقة الحاشية ولين الجانب، وقد ختم الجواز لي وتمنى لي رحلة سعيدة، فكان ذلك لا شك مطمئنًّا لي ومزيلًا للوساوس التي ساورتني طويلًا قبل وصولي إلى تلك البلاد.
فريمانتل

أسرعت لأستقبل: فريمانتل Fremantle مرسى السفن الوافدة إلى أستراليا من الغرب عند مصب نهر سوان، ذاك الذي أوفدت إليه من سدني سنة ???? طائفة من المنفيين لاستغلاله، وكان قائد السفينة التي حملت تلك البعثة يسمى فريمانتل، فأطلق اسمه عليها، ومنذ سنة ???? أصبحت فريمانتل أكبر مرسى لوفود المنفيين، وهم أول نزلاء أستراليا. بدت الميناء عظيمة الامتداد تحدها حواجز الأمواج، وتقف السفن العدة إلى مراسيها، ومن حولها الروافع المرصوصة إلى مد البصر. شكل ??: الكانجارو يسابق السيارة.
والبلدة تقوم على مجموعة من رُبًى صغيرة في ?يلات بديعة سقوفها منحدرة حمراء، وجلها بالآجر الأحمر أو الخشب، وشوارعها تعلو وتهبط إلى مد البصر. أقلتنا سيارة وسارت بنا تشق شوارع البلدة بعد أن عبرت قنطر نهر سوان، ثم سلكت سبيلها إلى پرث عاصمة غرب أستراليا، وتبعد عنها بمسافة ما بين الأهرام والقاهرة، وكانت جل الطريق تشق وسط مروج طبيعية خضراء تغص بالأحراش ويتخللها الشجر، وقد اتخذ منها القوم ضواحي كادت تملأ الفراغ ما بين البلدين، وكلها في ?يلات أنيقة صغيرة متجاورة حول كل منها حديقة صغيرة أرضها خضراء بطبيعتها.
پرث

ظهرت پرث على الضفة الشمالية لنهر سوان الذي يتسع عندها اتساعًا هائلًا، وقد طغى على مائه ملح المحيط فأضحى أجاجًا. هنا اتسعت الشوارع واكتظت بالمباني الفاخرة، إلا أن جلها لا يتعدى الدور أو الاثنين إلا القليل من دور الحكومة والبريد والبنوك، ويشق الترام والأمنبوس أهم طرقها. أما عن السيارات الخاصة والتاكسي؛ فحدث كثرةٌ تفوق كل وصف حتى قيل لي: إن كل الناس من ملاك السيارات، وأظرف ظاهرة في شوارعها أن الإطارين عريضان جدًّا تظلهما ظلة ممدودة من زجاج أو خزف أو قيشاني بديع، ومظهر المساكن وأهل البلدة يدل على جانب كبير من الغنى والرفاهية، ولم نكد نجد ناحية قذرة أو بيوتًا قديمة متهدمة؛ فالجميع يسيرون في هندام نظيف، ووجوه جميلة، وبخاصة النساء.
ولم ألاحظ كثيرًا من الدخلاء بينهم كما لاحظت في أهل أمريكا الجنوبية وجنوب أفريقية مثلًا. والبلدة هي وفريمانتل وضواحيها تُئْوي ??? ألف نفس، وليس ذلك الغنى بعجيب؛ فهي أكبر مصدر للذهب في أستراليا حتى أطلق عليها The golden west، وكذلك كان لغلو الأجور دخل في ذلك؛ فالعامل الذي يصلح الطريق يتقاضى خمسين قرشًا في اليوم. ولن أنسى منظر المدينة في تقوسها الجميل، وتغضنها الجذاب من ربوة في King’s park أكبر متنزهاتها الذي تبلغ مساحته ???? فدان، وقد نسق نصفه وترك الباقي بحالته الأولى الفطيرة Bush، وعلى جانب منه تطل الجامعة، وهي في بناء فاخر على نمط قريب من الأندلسي ببوائكه التي يعلو بعضها البعض، وبرجها الذي حاكى مآذن بلاد المغرب، وهي منحة من هبات كبار الخيرين الأستراليين، وتنتشر حولها الكليات في أبنية مختلفة. ولقد هالني ما علمته من أن التعليم بجميع درجاته مجاني حتى الجامعة نفسها؛ لذلك لم أعجب لما علمت أن الدولة تنفق على التعليم في أستراليا فوق ثمانية ملايين من الجنيهات، مع أن سكان القارة كلهم ملايين، أعني أقل من نصف سكان القطر المصري، ومستوى الثقافة في البلاد مرتفع جدًّا. شكل ??: حيوان الولابي شبيه الكانجارو.
ولقد تفقدنا حالة الأسواق لأنَّا كنا نسمع أن الأسعار عالية في تلك البلاد، وإذا بنا نجدها رخيصة؛ فالحلة الإفرنجية بثلاثة جنيهات، والحذاء بأربعين قرشًا، ولقد هالتنا معروضات اللحوم على اختلاف صنوفها، وقد كتب على كل نوع ثمنه، فكان يكتب على الرطل الضاني ? بنسات — والبنس الأسترالي أقل من البنس الإنجليزي — فهو يوازي نحو ثلاثة مليمات «الجنيه الإنجليزي كان يساوي ?? شلنًا أستراليًّا» أي أن الرطل دون القرشين، وذلك في المدن الكبيرة، وهو لا شك في الريف أرخص؛ فالشاة هناك تُشترى بخمسة شلنات أو أقل من ذلك.
لبثت اليوم كله أتجول والجو ماطر، والسحب تسد الآفاق، وكم أمطرت من برَدٍ كثيف، ووابل غزير! هذا إلى شدة البرد وعصف الرياح، وكان القوم يستبشرون لذاك المطر لأنه المنقذ لأغنامهم وغلالهم، وقد تخلف عنهم في السنتين الخاليتين فاضطر الكثير أن يتركوا مزارعهم، ويبحثوا عن عمل آخر، ولما تأخر هذا العام خالوه أسوأ، وكادوا أن ييأسوا من إنتاج المراعي ومحصول القمح، لكنهم بدءوا يستعيدون أملهم وقد داهمهم المطر وابلًا منذ أول هذا الشهر «يونيو»، وهو موسم الشتاء عندهم. ومطرهم لا يسقط إلا في هذا الفصل كما هو الحال في الإسكندرية وبلاد البحر الأبيض عندنا في الشمال.
وكنت في تلك الجولة أزامل جماعة من الألمان الذين هاجروا من بلادهم زهدًا في هتلر وتجافيًا به؛ لأنه يسومهم سوء العذاب؛ فمثلًا أضحى لا يباح لهم البيع ولا الشراء ولا دخول المطاعم، وقد كُتِب جميعُ الحوانيت على الأبواب: «ممنوع دخول اليهود.» وأولادهم يُطردون من المدارس ويضطهدون، ويُلقون بالوحل كلما ساروا في الطريق، والعجيب أنهم إن أرادوا النزوح تركوا أموالهم في ألمانيا، ولا يباح للواحد أكثر من عشرة ماركات، أي أقل من جنيه.
أما عقاره وأملاكه فتبقى باسمه، لكنه لا يأخذ منها فائدة في الخارج، وإن باعها دفع النصف ضرائب، والنصف الباقي ظل في بنوك ألمانيا؛ لذلك احتالوا على إخراج أموالهم، فبعضهم يشتري سلعًا وتحفًا ألمانية غالية، ثم يبيعها إذا خرج بنصف ثمنها، ويحصل بذلك على بعض ماله. وقد هاجر منهم زهاء مائة ألف الآن، وهم يزيدون على ثلث المليون. وكم راقني من هؤلاء القوم ديمقراطيتهم! فقد كان معهم سيدة قال لي بأنها الطباخة، وكان يقدمها عليه في كل شيء كأنها إحدى نسائه، وكانوا يجلسون معها في الطعام والسمر لا فرق بينها وبينهم؛ ولذلك عدت نفسها واحدة منهم تحس إحساسهم. فأنَّى لنا نحن تلك المعاملة وإكرام الخدم حتى يخلصوا لنا، ويحسوا إحساسنا!
شكل ??: الكوالا دب أستراليا العجيب.
أما عن رفيق النوم في الباخرة فيوناني اسمه باسليوس، يقوم على مزرعة للرعي في قرية وراء فريمانتل هو وأخ له، وقد زار عائلته في سلونيك ورجع يستأنف عمله، وقد خبرني بأن الأرض هناك رخيصة، فالفدان بشلن واحد، وتُسقى المزارع إما بالأمطار، وإما بالآبار الهوائية يدقُّونها، وتُكلِّفهم جنيهين للقدم الواحدة عمقًا في الأرض. ويدهشني في أولئك القوم جلدهم على المكاره، وإقدامهم على طلب العيش في أقصى الأرض، وقد بدا لي أنه هو وأخوه يعيشان عيشة تقشف شديد، ويجمعان المال للمستقبل.
ويكاد الرجل يكون أميًّا ليس لديه من المعلومات إلا النذر القليل، وهو أقل تهذيبًا من سائر الطوائف الأوروبية التي كانت معنا، وتعوزه النظافة؛ فلم يكد يُغير ملابسه الداخلية المدة كلها، وكان يتجشى ويتمخط في غير تورع مع أن ذلك ينافي الآداب الأوروبية كلها، ولكن ما ذنبه وقد قضت عليه بذلك أمة فقيرة، وشعب منحل، وحكومة مرتبكة، ألا قاتل الله الفقر والضعف؛ فهما سبب كل ذلة وتدهور.
كنت أزمع أن أترك الباخرة هنا وأستقل سكة الحديد The Trans. Cont. لكن حذرني خبير بها كان في الباخرة فقال: بأنك ستصرف ثلاثة أيام كاملة وأنت تسير وسط صحارى مجدبة مملة، ليس بها إلا قرى ضئيلة ليست بذات شأن، وفوق ذلك فإن شدة البرد، وبخاصة أثناء الليل، لا تحتمل، ولم تزود العربات بالمدافئ والمعدات الواقية، ولن تفقد إلا كالجورلي مقر مناجم الذهب الشهيرة. فترددت طويلًا، ثم رجحت البقاء في الباخرة بعد زيارة كالجورلي خلال اليومين اللذين وقفتْهما الباخرة في فريمانتل. أقلني القطار وبدأنا نسير في نجاد جرانيتية يكسى كثير من جهاتها بالغابات، وجلها من أشجار الكافور «اليوكالبتس» الذي يسمونه Gum Tree، والذى لا تكاد ترى غيره في غالب جهات أستراليا الخضراء، ولما كان شكله العام غير جذاب كانت كثرته سببًا في افتقار القارة الأسترالية إلى جمال الغابات، وكنا نرى بعض أشجاره تفوق عشرين مترًا في العلو. وكنا نرى قليلًا من شجر الصندل وشجر جارا وكاري Jarrah, Karri، وهما أهم مصدر للأخشاب القيمة في أستراليا، وأغنى جهات القارة بهما الركنُ الجنوبي الغربي، وتصل شجرة الجارا ??? قدمًا، ويزيد قطرها على المتر، وخشبها متين، عظيم النفع في القناطر وعوارض سكة الحديد sleepers والرصف، وهو يقاوم الحشرات كلها. شكل ??: الطائر الضاحك ويسمى كوكابورا.
أما شجرة كاري فتصل ??? قدمًا، وقطرها متران ونصف، وتمتاز بمتانة الخشب وطول كُتله، ولا يكاد يفرق عن خشب الجارا إلا إذا حرق؛ لأنه يتفحم ويسود، أما الكاري فيخلف رمادًا أبيض، وكلاهما يقاوم الاحتراق طويلًا، أما خشب الكافور فشديد المقاومة خصوصًا للآفات؛ لأن رائحته تطرد كل الآفات، إلا أنه لا يستخدم في الأثاث والأبنية بسبب رائحته.
ظل الشجر سائدًا الطريق زهاء ثلاث ساعات ثم اختفى فجأة، ودخلنا في سهول مموجة لا نهائية يسمونها نالاربور Nallarbor Plains جيرية، وهي التربة يكسوها غشاء رقيق من ثرى أحمر ينمو به عشب قصير قاتم يسمونه bluebush, saltbush، مذاقه مالح منفر، وأعجب ما في ذاك العشب أنه يظل أخضر طوال العام، ويغالب قيظ الصيف وقر الشتاء، وله خاصية عجيبة في تشرب الرطوبة، سواء من المطر أو الندى الكثير هناك. وتلك السهول تجري ??? ميلًا إلى الشرق، ويسير خط سكة الحديد فوقها مستقيمًا، ومنه جزء طوله ??? ميل لا ينحني درجة واحدة، والمنطقة موحشة لا يقطنها من الناس أحد، وإلى شمالها كثير من البقاع التي لم تستكشف إلى اليوم، والمنطقة جافة جفافًا مطلقًا، حتى كانت المياه من أكبر الصعاب التي اعترضت مد سكة الحديد، ولقد أعدوا آبارًا تمد الخط على جانبيه من مسافة ??? ميل.

أستراليا


(?) كالجورلي

أخيرًا بعد عشر ساعات دخلنا بلدة كالجورلي التي يطلقون عليها اسم بلدة هانان Hannan، وهو الذي أسسها؛ لذلك كنا نرى اسمه يكتب على شارعها الرئيسي، ويحمله كثير من الأندية بها، ولقد قصُّوا عليَّ بأن الرجل نزل المكان باحثًا عن المعادن، وحدث أن حصانه كان يجري وسط العشب حين ضرب حافره حجرًا تدحرج وبدا براقًا، وإذا به من ذهب خالص، فانتشر نَبَؤُه، وسارع الناس إلى المكان من بقاع الأرض المختلفة رغم جدب المنطقة وجفافها الشديد، ولقد قيل: بأن الماء كان يباع بثمن أغلى من ثمن الخمر هناك. أزاح القوم الأحراش ونصبوا خيامهم، ثم أخذت البلدة تمتد والمباني تقام حتى بلغت امتدادها الحالي الذي حاكى في نظري بلاد المراكز الصغيرة عندنا، إلا في كثرة مداخنها وأكداس رمالها، وتلال الثرى الذي أزيح ليفسح مجالًا لحفائر المناجم. وتمتد منطقة المناجم ميلًا كاملًا يطلقون عليه اسم الميل الذهبي The Goldin Mile؛ لكثرة ما أغلَّ من ذهب. ركبت الترام الذي يشق البلدة، ووصلت إلى فتحة منجم عاد القوم إلى استغلاله بعد أن أُوقِف العملُ لمَّا أنْ انخفض ثمن الذهب، ولما انحطت قيمة الجنيه الأسترالي اليوم علت قيمة الذهب، فعاد القوم إلى العمل، ولم تشعرني المنطقة بالغنى المفرط الذي كنت أتخيله؛ إذ قد رسمتْ لي الكتب التي طالعتها عن ذهب الإقليم صورة مكان كادت أن ترصف أرضه بالذهب الخالص، على أني ألفيته متربًا قذرًا لا يبدو على أهله شيء من هذا الغنى الخيالي الذي سمعت عنه.
نزلت إلى سراديب ممدودة في شعاب عدة يجري فيها «الترلي» وقد ملئ رمالًا لسد الحفائر خشية انهيار جوانب المناجم، وأخيرًا وقفنا إلى جوار عمود براق أمسكنا به وزلقنا إلى أسفل المنجم، ورأينا قليلًا من العمال يكسرون حجارة الكورتز، وفيها بعض تبر الذهب. ولقد انحطت قيمة تلك المناجم اليوم عما كانت عليه في بدء كشفها، حتى إنها لا تكاد تسد نفقاتها؛ لذلك لم تبد حركة العمل فيها ناشطة كما خلتها. ولقد فاق مجموع ما استغل من مناجم كالجورلي وحدها عشرين مليون أوقية، قيمتها تزيد على ثمانين مليون جنيه، أما ما أخرجته أستراليا كلها فيزيد على مليار جنيه.
شكل ?: الإيميو نعام أستراليا.
بت ليلتي وعدت بقطار الصباح إلى پرث، ولم يمكني ضيق الوقت من زيارة منطقة البحيرات الملحة التي تقع إلى شمال منطقة الذهب، والتي يوجد حولها قوم من السكان الأصليين في حالتهم الفطرية. وتحمل بعض تلك البحيرات أسماء بلغتهم لا يكاد الواحد منا يستطيع النطق بها لتنافرها وتعدد حروفها، أذكر من بينها اسم بحيرة «كاديبراويرا كانا» الذي يحتوي على تسعة عشر حرفًا Cadibarrawirracanna. رجعت أستقل الباخرة وقد خاب أملي في الميل الذهبي وثروته الخيالية. قامت بنا الباخرة تسير جنوبًا ثم تطوف حول الركن الجنوبي الغربي لأستراليا في تقوسه وكثرة جزائره، وقد أخذ القوم جميعًا ينذروننا بالويل الشديد الثلاثة الأيام التالية التي فيها نشق مياه الخليج الأسترالي العظيم The Great Bight؛ فقد عُرف بينهم بشدة الموج، واضطراب الماء في عنف مخيف، فبدأت الباخرة تضطرب، وعلا الموج، ولعب بها ذات اليمين وذات الشمال، ثم جزنا رأس Leeuin — بالبرتغالية أنثى الأسد — وهو أبعد نتوء في هذا الركن من أستراليا. وبعده اتجهنا شرقًا نوغل في الخليج المرهوب، على أن الله خَيَّبَ فأل أولئك المتشائمين؛ فلم يزد البحر شدة، بل على النقيض من ذلك خَفَّتْ وطأته، وتلطف بنا كثيرًا عن ذي قبل، ولم نلحظ من جديد سوى شدة الرياح الغربية العكسية، وزيادة في البرد، على أنَّا بعدَ أن أمضينا يومًا كاملًا في هذا الهدوء النسبي عاد البحر إلى ما عهده القوم فيه، وغضب غضبة لم تهدأ ثورتها إلا بعد وصولنا أدليد، أي يومين كاملين أو يزيد، حين ألزم المسافرين مضاجعهم، وصرفهم عن الطعام واللهو.
وكانت السفينة على ضخامتها تقفز قفزات مروعة يخيل إليك إذا كنت واقفًا أن الأرض قد هجرت قدميك فصرت معلقًا في الفضاء، وتسمع لتلك الرجات ضجيجًا يصم الآذان، ويوقظك فزعًا مرعوبًا، هذا إلى شدة البرد، وهزيم الريح، ووابل المطر. وللقوم الحق أن شبهوه بخليج بسكاي غرب فرنسا، فهو في ظني يفوق ذاك شدة وعنفًا، وخليق به أن يسمى Great Bite؛ لأن قرصته السيئة لا تُمحى من الذاكرة أبدًا. ساقني الحديث مع أسترالي كان عائدًا مع زوجته من إنجلترا إلى الموازنة بين الإنجليزي والأسترالي، فقال الرجل: بأنه يعود من إنجلترا بكلمة واحدة هي disappointment، قلت: وكيف؟ قال: إني ألفيت الإنجليز ليسوا رجال العصر الحاضر، بل هم يعيشون على تقاليدهم وماضيهم They live on tradition، وهم طائفتان: قوم يترفعون عن كل شيء، ويضعون أنوفهم في السماء، ويصعرون خدودهم في شيء من الصلف والغطرسة الجوفاء، وفريق وضيع ليس من مرتبتك أن تخالطه. أما الطبقة الوسطى المستنيرة فمعدومة هناك. شكل ?: أحد مروج الماشية في أستراليا.
لقد ذهبت إلى إنجلترا يحدوني أمل كبير أني سألقى خير مرشد ومعلم، وأحسن مثل يحتذى، وإذا بي أراهم في مجموعهم دون المتوسط بكثير، وإني لأترفع من أن أضع نفسي ندًّا لهم لا تلميذًا أتلقى منهم التهذيب. ولقد لمس الأستراليون ذلك منذ الحرب الكبرى، فقد كانوا يخالون إنجلترا كل شيء، وإذا بالجنود الأستراليين يفوقون الجنود الإنجليز كفاءة وخلقًا، فمنذ ذاك الحين عاد الأستراليون يحترمون أنفسهم، ولا يخالون الإنجليز كبراءهم وقادتهم. ونحن نرى في الأمريكان خير قدوة؛ فهم لا يزالون في نخوة الشباب لا يركنون إلى الماضي البائد، ولا يداخلهم الغرور الذي يسود الخلق الإنجليزي؛ لذلك كان المزاج الأسترالي أقرب ما يكون إلى الأمريكي، وأبعد ما يكون من الإنجليزي. والحق أني كدت ألمس ذلك من مقارنة النفر القليل الذي كان معي على الباخرة، فهم قوم مرحون غير مترفعين، يسارعون إلى المعاشرة، ويخالطون الجميع في شيء كبير من التواضع الجميل، والحاشية الرقيقة.
أخيرًا أقبلنا في صبيحة يوم ??/???/????? على جزيرة كبيرة عند مدخل خليج سبنسر يسمونها جزيرة كانجارو، ولبثنا نسير إزاءها ساعات عدة، وفي الرابعة بعد الظهر بدت أرض الشواطئ عند أدليد وطيئة، ولم يدل المكان على شيء من الجمال، فهو مَرسًى حقير على رصيفه أربعة مخازن ليس غير، ومن ورائه أرض عشبية مهملة لا يسكنها أحد. وهذه هي الميناء الخارجية للسفن الكبيرة.
(?) أدليد

هنا أقلنا قطار مدى ساعة كاملة ميلًا، مررنا خلالها على عدة قرى صغيرة من بينها Port Adelaide، وهي الميناء الداخلية الصغيرة. خرجنا من محطة أدليد الفاخرة وإذا بالمدينة آية في الجمال، قسمت رقعتها على النمط الأمريكي في مربعات وخطوط متعامدة بدون استثناء، والأبنية غاية في الجمال، والشوارع فسيحة جدًّا، ونظافتها تسترعي الأنظار، والمتاجر على أحدث طراز، فهي حقًّا جديرة بلقبها The City Beautiful، ويقوم إلى جوانبها جميعًا مجموعة من متنزهات نسقت أيَّما تنسيق، ومساحة بعضها ألفان من الأفدنة. ويشرف من ورائها جبل Mount Lofty، وأعلى ذراه ???? قدم، يبدو من أي مكان نظرت. ومنظر المدينة من مرتفعاته التي نصلها بالسيارات أو بالقطار في أقل من ساعة يسحر اللب، ويزيد المدينة قيمة ورَواء وبهجة، وهي عاصمة أستراليا الجنوبية، وثالثة مدن أستراليا، يقطنها زهاء ثلث المليون من مجموعة سكان المقاطعة، وهم ??? ألف؛ أعني نحو نصف مجموع الناس هناك أو يزيد. حل المساء وكنت مع بعض الرفقاء الإنجليز، وكان الجوع والبرد قد أخذا منا كثيرًا؛ فأوينا إلى مطعم في أحد الشوارع الرئيسية وقلنا له: هات لنا أكلة قومية، فقال: ها هي Three Course Meal، أعني من ثلاثة أصناف؛ الأول: broth شربة ثقيلة كأنها «الكشك» يدخلها دهن ذنب الكانجارو المحبب لديهم، وأعقبها باللحم Mutton مع القنبيط والكرنب المسلوق والبطاطس المشوي بقشره، ثم تلا ذلك بنوع من الحلوى pudding الساخنة من خليط الفاكهة والقرنفل والعجين والكريمة، وبعد ذلك القهوة مع اللبن، وإلى جانب هذا أكداس من الزبد، ثم شرائح الخبز الأسمر والأبيض. كل ذلك الطعام الشهي دفعنا له شلنًا واحدًا أستراليًّا، أعني أربعة قروش مصرية، فأدهشنا ذلك الرخاء والرخص الذي ما كنا نعهده هناك. شكل ?: طريقتهم في جني الكروم في أستراليا الجنوبية.
أما دور السينما فلا حصر لها؛ إذ هي التسلية الرئيسية، وجل الأشرطة أمريكية، والبلدة تتأهب للاحتفال باليوبيل الذهبي Golden Jubilee لمرور مائة عام على تأسيس حكومة ولاية جنوب أستراليا؛ إذ أسست سنة ????، وقد أسرفوا في الإعلان عن Centenary Celebration والإعداد له، ويظهر أنه سيكون بالغ الأبهة؛ لأنه سيبدأ في أول سبتمبر ويظل مستمرًّا إلى آخر العام. وسيشمل المهرجان جانبًا عظيمًا من الألعاب والإذاعات، وتزيين البلدة كلها، وخصوصًا الشوارع الرئيسية، ومن بينها أسبوع الزهور، وفيه يزين كل بيت وحانوت واجهته بالزهور على اختلافها، وللمتفوق جوائز كبيرة، وقد زرعوا من الزهور مساحات كبرى خاصة بذلك، وعند حلول سبتمبر يكون الربيع عندهم، وهو موسم الزهور الجميل، وليس للقوم حديث اليوم إلا هذا الحفل والدعاية له. (?) ملبورن

قمنا نسير شرقًا جنوب ملبورن، فظل الشاطئ الجيري مشرفًا من بلاد جنوب أستراليا الجنوبية، فكان البحر مضطربًا، والجو مظلمًا ماطرًا طيلة الليل ونهار اليوم التالي، وفي صباح الاثنين انعرجنا شمالًا لنوغل في جون ملبورن الذي يسمى بورت فيليب، فإذا به بالغ الامتداد، كثير الليات والشعاب، وعند مدخله وقفنا نلتقط الدليل Pilot. وظلت الباخرة تسير فيه فوق ثلاث ساعات ونصف مدى أربعين ميلًا أو يزيد، وفي نهايته بدت مداخن المدينة ومراسيها ممدودة في ثنيات وشعاب عدة. ولقد استرعى نظري ما زودت به تلك المراسي Piers من أحدث وسائل الشحن والتفريغ، فما أن وقفنا حتى بدأت شباك الحديد تجري هنا وهناك تحمل السقايل التي نسير عليها إلى البلدة، ثم أخذت الروافع Cranes تجري وتدور، ومن تحتها إلى جوار السفينة عربات سكة الحديد. أخذنا الترام إلى المدينة فبدا لي عجيبًا لم أر مثيله من قبل: القاطرة مكشوفة وبها مقعدان جانبيان للركاب بينهما فجوة يقف فيها السائق وبيده الفرامل يحركها؛ ليسير الترام أو يوقفه، وتلك الفرامل تتصل بسلسلة تحت الأرض تتحرك دائمًا، وتحدث جلبة في الشوارع دائمًا، فإن أراد الرجل تحريك الترام أنزل تروس الفرملة فاتصلت بالسلسلة فجرى الترام، وإن شاء أن يوقفه رفعها فانفصلت عن تلك السلسلة. ويكاد ذلك الترام يعد أثريًّا؛ لأنه أقدم ما أسس هناك، ويسمونه cable car. اخترقنا من الأبنية ما هو فاخر ضخم شاهق، ونزلنا وسط البلدة فهالنا ما كان لشدة الحركة، ووجاهة الأبنية، وحسن تنسيق العرض في المتاجر، وجمال إضاءتها، وهم يَقْفون أثر نيويورك في نظام الأبنية، فهي في كتل Blocks متعادلة تفصل بينها شوارع متعامدة، وحركة المرور فيها هائلة؛ إذ تكاد العربات تسد الطرق سدًّا، وقد ألفت نظري من بينها عربات النقل الكرو بخيولها الضخمة ذوات الأرجل الهائلة، التي تسمع وقع سنابكها في جلبة صاخبة، وترى شعورها الهادلة التي تكسبها مظهرًا بريًّا، وأنت لن تستطيع اختراق الطرق إلا عند زواياها، ولما أن يسمح البوليس بذلك، عندئذ ترى المارة تتلاصق أكتافهم وهم مسرعون لاجتياز تلك الطرق. شكل ?: مهرجان الزهور في العيد الذهبي لتأسيس أدليد.
وبين فترة وأخرى ترى حنفية أقيمت وسط طبق أبيض يشرب الناس منها، واستغربت تلك الظاهرة البدوية في هذا الوسط المتحضر. أما الناس فغاية في الرقة وحسن الاستعداد للإرشاد، فلا أكاد أسأل أحدهم أمرًا حتى يرغب في أن يدلني إليه بنفسه، وإذا شكرته قال: Welcome. ولقد لاقاني أحدهم ممن تعرفت إليهم في الباخرة أسير في الطريق وهو يركب التاكسي فأصرَّ أن أركب معه، وظل يطوف بي هو وزوجته أطراف المدينة طويلًا، ولما أن فرغنا من الرحلة حاولت عبثًا أن أقوم بنصيبي من الأجر مع أني أعتقد أنه ضاعف الرحلة لأجلي، ودفع للسائق زهاء ستين قرشًا. وكثير من المباني يفوق الدور العاشر علوًّا، ومنها ناطحات تعلو إلى الدور السادس عشر، علوته فإذا منظر المدينة والمياه المحيطة بها والمتنزهات وأرض السباق التي تحفها آية في الإبداع والجمال، ولو أن رداءة الجو وكثافة سحبه ورذاذ مطره قد أخفى من جماله الكثير، وكان القوم يعتذرون لي عن رداءة هذا الجو؛ لأني جئت في Off Season؛ إذ إن هذا الشهر أردأ أوقات السنة عندهم، على أنهم قالوا: بأني محظوظ؛ فالأسبوع الماضي لم يكن يطاق؛ لأنه كان قارس البرد، ولم تنقطع سيول المطر أبدًا. خرجنا إلى متنزهات المدينة وما أكثرها وأبدع تنسيقها! فهي تزيد على ربع مساحة المدينة كلها، وفي جانب منها Fitzroy Gardens، زرت مأوى الكابتن كوك، وهو بيت ريفي صغير بالآجر الأحمر كان مسكن أبويه في إنجلترا، فنقل بشكله وأقيم حيث حل كوك من بلاد فكتوريا «ملبورن»، وبدوره الأرضي غرفتان صغيرتان إلى جوارهما مجموعة من مداخل، وأثاثه من خشب مصمت، والمدفأة من شباك الحديد الغليظ، ودخان الفحم قد لوث جوانبها، وهناك خريطة الدنيا في دائرتين عليها خط سيره، وبالدور الأعلى غرفة وشرفة، وفي وسطه قطعة حجر كسرت من الصخرة التي رسا عليها أول يوم وصل أستراليا في خليج بوتاني قبيل سدني. وذاك البيت كعبة الجميع يزورونه اعترافًا بفضل كوك على الأستراليين؛ إذ هو الذي أوجد لهم ذاك النعيم المقيم. ثم طفنا بأرجاء حديقة النبات الهائلة التي نسقت أيما تنسيق، وحوت من مختلف نبات أستراليا ما لا يحصيه إلا أولو العلم والمختصون في ذلك الفرع، وقد أعجبني كثيرًا منظر السرخس Ferns الذي أذكرني بالعصر الفحمي وما كان به من نبات كثيف. قامت بنا السيارة على طريق سنت كلدا الشهير الذي يحدثك عنه كل ملبورني بشيء من الفخر والزهو، وإذا به حقًّا طريق فاخر أعد وسطه للعربات الثقيلة، ويمينه ويساره للعربات الخفيفة، والإطاران للمارة، والأشجار تحد كل أولئك إلى مد البصر، وعلى جانبيه تقوم أفخر مساكن القوم Residential Quarters، وفي متنزهٍ منه بدا مشرفًا كالطود بناءُ الجندي المجهول، ويسمونه The Shrine Of Remembrance، بنوه لإحياء ذكرى من ماتوا من أبناء فكتوريا في الحرب العظمى، وكلفهم فوق مائتي ألف جنيه. شكل ?: الأسترالي الأصلي يلقي علينا درسًا في قذف البوميرانج.
وهو مدرج هائل يؤدي بدرجة في أربع جهاته إلى بهو من أعمدة داخله قبة مجوفة وسطها المدفن، وحوله الأسماء بالذهب وعليها النياشين والأعلام، وقد شق منور في جانب من سماء القبة ينبثق منه شعاع للشمس يسقط على الضريح الساعة الحادية عشرة من اليوم الحادي عشر من نوفمبر؛ فيثير من الذكريات أجلها.
وفي أثناء الليل تلقى عليه الأضواء الكهربائية من جميع الأركان في قوة يجعله يبدو بهيجًا براقًا بما حوى من زخرف ومرمر ثقيل، ثم واصلنا سيرنا إلى نهاية الطريق، فبدا شط البحر رمليًّا ناعمًا مدرجًا أقيمت عليه الجواسق والحمامات — وتلك أحب الجهات لهم صيفًا — وفي جانب منها مدينة للألعاب، ويسمونها Coney Melbourne تشبيهًا لها بجزيرة كوني عند نيويورك، ثم كانت جولتي في المدينة أثناء الليل، فلم يسترع نظري سوى أضواء الشوارع والمتاجر بألوانها العدة، ولم يكن رواد الطريق ليلًا كثيرين إلا عند دور السينما — وهي أحب ملاهيهم — ولعل للجو العكر الماطر دخلًا في ذلك. شكل ?: ملپورن تُرى من الطيارة بقصورها وناطحاتها.
ويا لهول ما ترى إن وقفت هنيهة عند محطة سكة الحديد هناك! ترى سيولًا من الناس دافقة: ذاك مسافر وهذا آيب صباح مساء، وبناء المحطة فاخر جدًّا، وعلى أبوابها الرئيسية ساعات كثيرة بعدد الأرصفة والخطوط المختلفة، وتبين ساعة قيام كل قطار، ويشق البلدة نهر يارا Yarra الصغير، ويسير وهو يتلوى بينها، وتعبره قناطر فاخرة عدة أجملها Prince’s Bridge إلى جوار المحطة، وقد نسقت جوانب ذاك النهر وصُفَّت عليها اللنشات الأنيقة للنزهة والمسابقة. أما عن الألعاب Sports، وغرام القوم بها على اختلاف صنوفها، فذاك أمر قد جاوز بالأستراليين الحد المعقول، وأخشى أن يكون قد أضحى ضربًا من الجنون؛ فإذا لم تتكلم عن الرياضة والألعاب، وتكون عليمًا بدقائقها وأسماء أبطالها؛ فأنت رجل متأخر في زعمهم. وكم كانوا يتحدثون معي عن حوادث اللعب المختلفة وهم موقنون بأني بما يقولون فهيم! والحق أني لم أكن أفقه منها شيئًا؛ بل كنت أدعيه خشية أن أُرمَى بالتأخر. وأينما سرت بدت أمامك أرض السباق ووسائل الرياضة في كثرة عجيبة، ولعل أحبها لديهم سباق الخيل التي لا تفتأ حتى دور الحكومة وسكة الحديد تعلن عنه في إسراف كثير، وكذلك الهوكي والكركت والسباحة وسباق الدراجات. ولقد كان يفد معي على الباخرة شاب لم يجاوز الرابعة عشرة، وهو بطل فرنسا في سباق الدراجات، وقد دُعي إلى أستراليا ودُفعت له تكاليف باهظة لينازل بطلها الشاب الذي لم يجاوز السادسة عشرة، وقد استقبلوه استقبالًا عظيمًا، ونشرت الصحافة صورته وتحدثت عنه طويلًا.
والمباريات الرياضية بين المقاطعات الأسترالية قائمة لا تنقطع أسبوعًا، وتكاد تملأ أخبارها نصف فراغ الجرائد كلها على كبرها. وأعجب الجرائد التي لا تحصى، والتي تظهر في حجم كبير، فمثلًا Time Herald تبدو في أربع وعشرين صفحة يوميًّا، ولها عدة طبعات: الأولى والثانية والثالثة لليوم الواحد، وأنت تقرأ فيها فلا تكاد تجد شيئًا عن العالم الخارجي أبدًا، اللهم إلا ما تعلق باللعب والإعلان. والمعروف عن الأستراليين أنهم لا يعبئون بأخبار العالم كثيرًا؛ لأنهم في معزل عنه لا تهمهم شئونه، ولكل جريدة عمارة فاخرة قد تزيد على عشرة أدوار، ويكاد يخصص الدور الأسفل كله على كبره لسيارات النقل التي توزع الجريدة بمجرد ظهورها في أنحاء المدينة. وأغلب الناس من قراء الجرائد، وقد رأيت أحدهم ابتاع «الهرالد» ببنس ونصف «خمسة مليم»، ونظر فيها نظرة وهو واقف على ناحية من الطريق، ثم أطبقها ووضعها في سلة المهملات.
شكل ?: طريق كلدا الشهير في ملبورن.
وفي المساء كان بعض الفقراء يمرون ليلتقطوا منها ما راقهم، وتلك شبيهة بما رأيته في بلاد أمريكا يوم أن زرتها، ويظهر أنهم يتخذون نيويورك وأهلها مثلًا، وينأون عن لندن وينقدونها دائمًا. والجرائد حرة إلى حد كبير، وقد تنشر أخبارًا فاضحة مبالغة في الصراحة، فمما قرأت مثلًا الخبر الآتي: قالت المس روز عن نفسها: كنت أخرج لأمرح مع شاب ينفق علي ثلاثين شلنًا في الأسبوع، ولما لم يزد على ذلك هجرته إلى غيره، ولكن سرعان ما هجرني ونأى عني، فهلا عاد إليَّ حبيبي الأول!
والنساء في أستراليا أميل إلى الإباحة والانقياد وراء الحرية المطلقة؛ حتى قيل: إن حرمة المنازل هناك ضعيفة، ولا تحرص الزوجة كثيرًا على حقوق زوجها، حتى قال بعض القضاة في حكمه مرة: «يسود البلاد أزواج منحلون، وزوجات بعيدات عن الوفاء.» وقضايا الطلاق هناك لا تدخل تحت حصر.
آوينا في المساء إلى مقهى لنستريح، فتقدمت منا الآنسة تسألنا: ماذا نشرب؟ فقال صديقي الألماني: بيرة، والفرنسي: شمبانيا، والإنجليزي: براندي، وأنا: قهوة باللبن، فابتسمتْ وقالت: يظهر أنكم لم تمروا بتلك البلاد من قبلُ؛ ألستم تعلمون أن الخمور محظور بيعها بعد الساعة السادسة من كل يوم؟! فدهشنا لذلك، وشرب الكل قهوة معي.
وقد علمنا بعد أن ذاك هو القانون في فكتوريا كلها؛ ولذلك ترى العمال بعد الخروج من العمل الساعة الخامسة تمامًا مسرعين إلى المقاصف؛ ليشربوا ما راقهم من الخمر قبل حلول السادسة، وكذلك احترامهم ليوم الأحد مكفول بالقانون؛ فلا يباح للجرائد أن تصدر يوم الأحد قط، ولا يجري الترام ساعة الصلاة، ولا تفتح صالات اللعب والتنس، على أن سائر بلاد أستراليا تسخر من فكتوريا وملبورن، وترميها بالشعوذة وسلب الناس مسراتهم بلا مبرر، وتسمي عملها هذا kill-joys. ويظهر أن البوليس هناك شديد جدًّا؛ فمثلًا دخل بنا سائق التاكسي طريقًا لا يباح دخول السيارات فيه، فاستوقفه على الفور وأخذ نمرته ليلزمه الغرامة المفروضة، فقال السائق: ولكن كيف أعرف ذلك ولم تقم إشارة هنا تدل على ذلك؟ فقال: حقًّا ذلك واجب على الدولة، ولكني أقوم أنا بالواجب علي؛ فتلك هي الأوامر، ولك أن تدفع أمام القضاء بذلك كي توضع الإشارة اللازمة.
شكل ?: فوق جبل النصر وراء ملبورن.
كذلك فإنك إذا ألقيت بأية ورقة في الطريق، فللبوليس أن يلزمك بما يقرب من العشرين شلنًا غرامة. والحق يقال: إن شوارع البلدة بالغة النظافة، وقد حاولت أن أعثر على بعض الأحياء القديمة القذرة slum فلم أجد قط. والقوم بعيدون عن التدين لا يكادون يؤمون الكنائس، ولا تكاد ترى من الكنائس إلا النادر. أدهشني ذاك العمران الهائل والرقي العجيب الذي ما كنت إخاله في تلك القارة المنبوذة النائية، والتي لا نكاد نعلم من حقيقتها شيئًا، وحتى الإنجليز أنفسهم يخطئونها ويخاطبون أبناءها قائلين: You colonials أنتم لا تعرفون هذا ولم تتعلموا ذاك. مع أنهم على جانب عظيم من العلم والرقي. حدثني أسترالي عائد هو وزوجته من إنجلترا عن جهل الإنجليز فقال: بأنهم دعوا إلى بيت، وقدم الشاي والسكر المكنة Loaves، فقالت لها ربة البيت: هذا سكر يا سيدتي، أظنك لم تريه في هذا الشكل من قبلُ؟ قالت: وكيف؟ نحن الذين نصنعه ونرسله إليكم! وكانت تسألها: هل عندكم دور للسينما؟ أليست أستراليا موطنًا للسود ومصادًّا للكانجارو والإيميو؟ تلك كل معلومات بعض الإنجليز عن أستراليا؛ ولذلك فهم ينظرون إليهم نظرة السيد للمسود، وقد أحس الأستراليون ذلك، وتبرموا بموقفهم من أولئك السادة. وللناس بعض الحق أن جهلوا الكثير عن تلك القارة، فهي نائية عن العالم كله، وأقرب إلى أمريكا منها إلى أوروبا، وملبورن — في نظري — خير من أغلب مدن أوروبا، وأكاد أفضلها على لندن نفسها، فإنك لا تجد في أحيائها ما يعادل Covent Garden & Liverpool Str قذارة وإهمالًا وإن كانت دونها حجمًا، وهل كان يعتقد John Batman يوم أن وقف وسط رهط من الأبرجينيز على ضفة نهر صغير كانوا يسمونه Yarra Yarra لأول مرة سنة ???? وقال: ذاك مكان صالح لإقامة قرية صغيرة؛ هل كان يخال ذلك الرجل أنها ستصبح بهذه الفخامة في مدى مائة عام؟ فلقد بدأت في تلك السنة بأربع عشرة نفسًا، واليوم فاقت المليون من مجموع سكان فكتوريا. وهي ثانية بلاد أستراليا بعد سدني، وخير البلاد الصناعية هنالك فيها ما ينوف على خمسة آلاف مصنع رأسمالها فوق خمسين مليون جنيه، وتنتج من السلع ما يقدر بمائة مليون جنيه في كل عام. ولقد بدأت نغمة التفاخر بالسلع الأسترالية Home Made تكثر في المتاجر المختلفة. شكل ?: اشتهرت آنسات فكتوريا بالرشاقة والجمال.
قمنا إلى سدني وبلاد ويلز، وأخذ يسير بنا البيلوت المسافات الممدودة وسط ليات جون پورث فيليب الجميل، ثم تركنا بعد ثلاث ساعات، وأوغلنا في المحيط نسير شرقًا، وكان الشاطئ يبدو إلى يسارنا في رُبًى وطيئة وجزائر عدة، ثم اخترقنا مضيق بأس بين تسمانيا وأستراليا، ودخلنا المحيط الهادي الذي حقق لنا تسميته هذه؛ فلقد ظل ماؤه هادئًا، ونسيمه عليلًا، وسماؤه مشمسة بعد أن سادنا ذاك الجو العكر في نواحي جنوب أستراليا، وظل طيلة يوم الأربعاء في هدوئه فاستبشر الجميع أنهم مقبلون على أيام هي خير مما سلف، وجلهم سيغادر الباخرة في سدني باكورة صباح الخميس ? يوليو.
(?) سدني

بدأت طلائع سدني حوالي الساعة السادسة صباحًا، ووقفت بنا الباخرة تنتظر البيلوت ساعة، ولما أن أقبل أخذت تشق طريقها مقبلة على خليج جاكسون بلياته العدة، التي يوغل بها في البر في غير حصر، وسط رُبًى وطيئة لانهائية تكسوها الخضرة من الأشجار الكثيفة، والدغل الثقيل، في رواء يفوق كل وصف. وقفنا نستجلي من آيات الطبيعة الرائعة ما أذهلنا، وإذا بنا ندخل تحت قنطرة دونها كل ما رأيت في بلاد العالم الأخرى حتى قناطر نيويورك، تصل ما بين طرفي الميناء في امتداد هائل، وضخامة لا تحد، وهي من معجزات فن الهندسة المعمارية؛ فعلى الرغم من ضخامتها تراها معلقة، ويمر بها من فوقها قطار سكة الحديد والترام والعربات والمارة، كل في جانب خاص ذات اليمين وذات الشمال، ومن تحتها تمخر جميع البواخر مهما بلغ حجمها كي تدخل الميناء أو تخرج منها. وهي مفخرة لأهل سدني يباهون بها العالم أجمع، فلا يكاد يكلمك أحدهم عن بلده حتى يقول: هل رأيت Sydney Bridge؟ وقد كلفهم بناؤه فوق عشرة ملايين من الجنيهات. أخذنا نمر من جون إلى آخر حتى رست بنا الباخرة وحللنا المدينة، وإذا بها تفوق في نظري جميع بلاد أوروبا، بل وأمريكا في كل شيء؛ فأحياؤها التجارية تمتد في شوارع فسيحة متوازية طويلة من الميناء إلى محطة سكة الحديد، ثم تقطعها أخرى عرضية، وجلها يسير به الترام الفاخر والأتوبيس، وأغلبه من طابقين. وتكاد حركة المرور تسد الطرق سدًّا، ويُظلُّ الإطارين غشاءٌ عريض من زجاج أو خزف بديع تحته أبواب المتاجر، وقد مد أمام كل باب منها الاسم في حروف كبيرة من نور يكون أغلبه أحمر أو أزرق يتلألأ صباح مساء.
وعرض السلع في نوافذ الأمكنة يدل على شيء كبير من حسن الذوق وجمال الفن، وذاك الحي الغاص يشبه ملبورن تمامًا إلا في أن شوارعه تعلو وتهبط فوق الربى والوهاد، ومن المباني كثير يفوق الدور الخامس عشر، وحتى الفندق الذي حللته Morris Hotel في شارع Pit به أربعة عشر دورًا. أما ضخامة الأبنية ووجاهتها فحدث عنها، وبخاصة دور البنوك والشركات الكبرى، وهم لا يعرفون تلك الأبنية بنمرها، بل كل عمارة تحمل اسمًا خاصًّا، مثل Sydney House وUnion House. أودعت حقائبي ذلك النزل الجميل، وأجره ستة شلنات في اليوم، أعني أربعة وعشرين قرشًا، وبعد أن تفقدت خريطة المدينة وتسلمت عددًا لا يحصى من المطبوعات المصورة عن نواحي الجمال فيها، قصدت توًّا إلى: دار السياحة Govern Tourist Bureau، وتلك إدارة حكومية نافعة لها فروعها في جميع بلاد أستراليا، وتؤدي خدمات عظيمة للسائحين من جهة أخرى، فلا يكاد قطار أو سفينة تصل بلدًا من بلادهم حتى ترى مندوبي ذاك المكتب يقدمون لك أكداسًا من المطبوعات والخرائط التي تتجلى بها بدائع بلادهم، ويرشدك الدليل إلى كل شيء طلبت بدون مقابل. وهم يرتبون سياحات داخلية مختلفة لها أسعارها الثابتة، وفي مواعيد مقررة كل يوم بعضها بالسكة الحديدية والبعض بالبواخر، والغالب بالسيارات الفاخرة البديعة. وجل وسائل النقل هناك ملك للدولة «سكة الحديد والأتوبيس والترام، وقطر تحت الأرض، والسابحات الصغيرة، وحتى جانب كبير من عربات التاكسي.»
شكل ??: بيت الكابتن كوك يتخذ متحفًا لمخلفاته في ملبورن.
والحكومة هناك تنزع إلى الاشتراكية؛ لأنها تكاد تملك كل شيء، وتساهم في أغلب العقار والأراضي والغابات، وجل المنشآت الكبيرة لها، وبخاصة البيوت المالية والتعليم والمواصلات، وكثير من النزل والمطاعم.
ساهمت في كثير من السياحات التي يقومون بها مقابل قيم معقولة، وبدأت بالسياحة في المدينة وما جاورها؛ فطافت بنا السيارات زهاء ثلاث ساعات مقابل خمسة وعشرين قرشًا، والدليل يلفت أنظارنا إلى الجهات الهامة، ويشرح ما خفي عنا من أمرها. وسدني بحكم توغل البحر فيها بزوائده العديدة لم تكن محصورة في رقعة واحدة، بل ترى نواحيها مبعثرة هنا وهناك، وشوارعها تعلو وتهبط وتتلوى كثيرًا، وقد بلغ من انحدار الطرق أن تزيد الزاوية على خمس وأربعين درجة، وذاك في نظري زاد المدينة جمالًا.
أما في ملبورن فالبلدة مسطحة محصورة في حيز محدود، ويقولون بأن ملبورن أكثر وجاهة وتمثيلًا للأرستقراطية من سدني، وكذلك أهلها أكثر تمسكًا بقواعد الإتيكيت واللياقة إلى أقصى حد، فهل تستطيع أن تجتاز الشارع من وسطه، أو تسير في هندام غير منسجم، أو تخلع عنك البقعة وتسير عاري الرأس؟ إن فعلت ذلك تعرضت للنقد الشديد، والبلدان يتنافسان، وتدعي كل منهما حق الأولوية في أن تكون عاصمة أستراليا، وهل تستطيع وأنت في سدني أن تتكلم عن ملبورن أو العكس؟ فهم لا يحبون إلا الإطناب كلٌّ في بلده. وسرعان ما يسألك أحدهم كيف رأيت ملبورن؛ أهي خير من سدني؟ فإن قلت: نعم. آلمته كثيرًا، وتلك المنافسة الحادة بين البلدين هي التي حدت بهم إلى تخير العاصمة في بلد أنشئ بينهما هو كانبيرا، رغم عدم لياقته لذلك مطلقًا.
استرعى نظري روعة الشوارع، وضخامة المباني، والإسراف في تجميلها بالمرمر البراق، والعلو الشامخ في قلب المدينة. أما في أطرافها حيث مساكن القوم، فالبيوت ?يلات من طابق واحد أو اثنين على الأكثر، ولا تكاد ترى بيتين متشابهين في الهندسة، وحول كل منها متسع للحديقة التي تعوزها المزروعات والزهور والأشجار، فجلهم يتركونها أرضًا يكسوها الكلأ المشذب، ويكاد كل واحد هناك يمتلك بيته، ولا تكاد تجد واحدًا لا يمتلك سيارته؛ لذلك كان تزاحمها في الطرق كثيفًا جدًّا.
طفت بتلك الأحياء التي تقوم بيوتها الأنيقة فوق الربى، وتنحدر إلى البحر، ويحوطها بين هذا وذاك شجر الصمغ «البوكالبتس»، الذي لا يكاد يخلو منه مكان في البلاد كلها من سهل وجبل، وكم راقتني نواحيها الرملية Beaches، خصوصًا Bondi وManly وCoogee، وتقوم عليها حمامات السباحة البديعة. شكل ??: معرض الأبقار في أدليد.
ومن الشواطئ ما هو صخري مشرف في علو شاهق، وتغضن مخيف، تضرب فيه موجات المحيط الهادي في شدةٍ ساعةَ أنْ تقذف بها الرياح الغربية، فيعلو رشاشها إلى عنان السماء، ومن تلك الشواطئ القاسية ما أحاطته الدولة بأسوار عالية؛ لأن كثيرًا منها كان يتخذ مقذفًا لراغبي الانتحار، وهؤلاء في البلاد كثيرون، فلا يكاد يمر يوم لا تسمع فيه بحادثة انتحار، وحتى قنطرة سدني الجديدة بعد أن تم بناؤها أخذ المنتحرون يفضلونها على غيرها، فاضطرت الدولة إلى رفع الجوانب، وتزويدها بالشباك الشائكة.
ونزعة الانتحار هذه يرجع بعضها إلى المرض، والأغلب للفقر؛ فالبلاد مستوى العيش فيها مرتفع، وجل الناس يبدو عليهم الغنى واليسار، وحاجياتهم عدة لا تقف عند حد، وحتى الأجراء يتقاضون رواتب كبيرة، فلا ينقص دخل العامل عن نصف جنيه في اليوم؛ ولذلك عرفت أستراليا بأن الأجور فيها مرهقة تفوق حتى تلك التي في أمريكا؛ لذلك سارع القوم بالانتحار إذا أمضَّتهم طول البطالة.
جلست إلى مائدة الطعام في النزل إلى جوار شاب خفيف الروح أخذ يتحدث إلي، وإذا به سوري حل هو وإخوته منذ خمس سنين، وهو يشتغل بالتجارة، وقد قال لي بأن مجيئه إلى أستراليا كان حظًّا سعيدًا؛ إذ شتان بين دخله هو وعائلته في بلاد الشام وبين ما يكسب هنا، فالمال في أستراليا متوفر جدًّا للرجل المجد النشيط، وهم يعيشون في قرية داخل سدني، وهو يتردد على العاصمة كل أسبوع، وللسوريين والإغريق أندية كثيرة في سدني، دعاني إلى أحدها، وتناولت الطعام الشرقي البديع، وقد لازمني اليومين الأولين واستفدت من خبرته هناك كثيرًا.
وكم كانت دهشتي من جرأته، وبخاصة في أمر مخاطبة النساء ومسامرتهن! ونساء أستراليا أُعطين نصيبًا من الحرية لا يحد، فليس للأبوين على الفتاة سلطان قط، وهن على جانب كبير من الجمال والرشاقة وخفة الروح، يسرعن بالاختلاط والمعاشرة في غير تحرج، إلا أن فيهن شيئًا كثيرًا من الخجل، ولا يبدو عليهن شيء من الفجور الذي تلمسه في نساء أوروبا مثلًا، وأنت لا ترى الكثير منهن تقفن على نواصي الطرق متسكعات في الكثرة المزرية التي كنت أراها في البلاد الأوروبية.
فالمتبذلات هناك قليلات جدًّا، وليس في البلاد دور للفجور، وما الداعي لذلك والبلاد معروفة بمجاوزة الحد في الحرية؛ يأتي الواحد ما يريد في غير رقيب؟! اللهم إلا إذا صحب ذلك اعتداء على كائن من كان. وأول ما يسترعي نظر الزائرين المتسعات الهائلة من الأرض التي يُخصَّص بعضها للمتنزهات، والبعض للملاعب الرياضية. ولعل الأستراليين أكثر أهل الأرض ولوعًا بالرياضة على اختلاف أنواعها؛ فأنديتها لا تكاد تغيب عن العين حتى في الريف، وكل أسترالي عضو في واحد أو اثنين منها على الأقل، والبعض يساهم في الاشتراك في ثمانية نوادٍ معًا.
شكل ??: الأغنام عند حظائر الجز في أستراليا.
وأحب الألعاب لديهم جميعًا الجولف ثم التنس، وإن لعبوا كرة القدم والهوكي كثيرًا، وهل هناك أسترالي واحد لا يلعبها؟ أما المساهمة في سباق الخيل فأمر قد جاوز بهم الحد؛ فهم يقامرون عليها بكل شيء، والأستراليون من أكثر أهل الأرض ميلًا للمغامرة على اختلافها، ومن المتنزهات التي تتوسط المدينة Hyde Park، نسق خير تنسيق؛ فهو يفوق جمالًا هايد بارك لندن، لكنه أصغر وأقل شجرًا، وتقوم وسطه النافورات البديعة والتماثيل، ومن بينها تمثال للكابتن كوك كاشف أستراليا، وفي جانب منه ذكرى الحرب War Memorial في مدرج رباعي عليه شبه قبة مربعة هرمية، تطل من دائرة وسطها على تمثال لجندي قتيل عاري الجسد استلقى على عمود تحته ألسنة لنيران مندلعة، وقد كتب حولهم أسماء البلاد التي ساهموا فيها بأرواحهم. الجبل الأزرق والمغارات

ساهمت في رحلة المغارات والجبل الأزرق The Blue Montains & Jenolan Caves، وقد استغرقت يومين، وتكلفت زهاء ثلاثة جنيهات، قامت بنا السيارات تشق ضواحي سدني، وكلها نظيف جميل البنيان، ثم أوغلنا في سهل يسمونه Emu Plain لكثرة ما كان يَؤمُّه من نعام أستراليا قديمًا، ويقسم جلها إلى «زرابي» للأغنام أو الماشية، ويسورها أهلها بأسلاك تصلها قوائم خشبية، وحيث تكثر الفيران والأرانب تسد بشباك السلك سدًّا محكمًا — ولا تزال الأرانب تتلف جانبًا كبيرًا من المزارع هناك. ثم أخذنا نعلو جوانب الجبال الزرقاء، فزادت كثافة الشجر، وكله من أشجار الأوكالبتس المختلفة، وبعضها Wattle وكان كثير منها يغص بحيوان الكانجارو، يقفز هنا وهناك في كثرة هائلة، ومنه أنواع أخرى أضعف ذنبًا، وأقصر قامة، وأغبر لونًا، بعضها يسمى Wallabies، والبعض Wallaries، وفوق الشجر كنا نرى جموع حيوان الدب الأسترالي Native Bear أو Koalas في وجهه العريض، ووبره الناعم، وجسده السمين، يقرض طوال الوقت ورق شجر الكافور في شهية تسترعي الأنظار، وذلك غذاؤه الوحيد، وهو من ذوات الجيب كأغلب حيوانات أستراليا. ولبثنا نمر في الوهاد بالقرى البديعة تسيل حولها مجاري الماء، ويحفها الشجر الكثيف حتى مررنا بأكبرها Katoomba، وهناك تناولنا الغذاء في مطعم فاخر للسكة الحديدية، ثم واصلنا سيرنا ونحن نعلو تدريجًا في تلك الطرق الملتوية البديعة حتى وصلنا أعلى بقعة ???? قدم، وأينما نظرت إلى الجبال وجوانبها بدت زرقاء يفوق لونها لون السماء زرقة، وذلك ناشئ من بخار أو شبه دخان خفيف يعم أرجاءها ويكسبها ذاك اللون الذي من أجله سميت Blue Mounts. أخيرًا، بعد أن قطعنا زهاء ??? ميلًا، دخلنا مناطق المغارات عند الغروب، هناك آوينا إلى فندق حكومي Chateau وسط الجبال الشاهقة، فأذكرني ببلاد سويسرا في كل شيء، إلا في أن ذرى الجبال هنا لا تكسوها الثلوج، وبعد العشاء دخلنا إحدى المغارات، وتسمى Left Imperial، يتقدمنا دليل سار بنا في سراديب الصخر مسافات طويلة، ثم بدأت المغارة نفسها فلبثنا نسير داخلها زهاء ساعتين، نتنقل من تجويف هائل في الصخر إلى غيره تتدلى من سقوفه زوائد الصخر المتبلور في أشكال مدهشة، وألوان عدة Stalagtites، وكان يزيدها روعة نظام تسليط الضوء الكهربائي عليها من جهات عدة في إسراف كبير. شكل ??: أغنام المرينو ذات الأصواف الناعمة.
ومن الأرض كانت تقوم الصاعدات Stalagmites العجيبة، ومن تلك الظواهر ما كان يبدو أبرًا مدببة، أو كتلًا مجزعة، أو شرفات لها أهداب كأنها الشيلان يُسمُّونها Shawls في بلورات صافية البياض، أو مزركشة بالحمرة التي أكسبها إياها أكسيد الحديد، والبعض كان يرى كأنه شعاب المرجان، وبين هذا كنا نرى بحيرات يملؤها الماء، وبعضها كان يتصل بنهيرات باطنية كنا نسمع دوي الماء الدافق فيها. وفي صباح اليوم الثاني، دخلنا مغارة أخرى يسمونها Orient، عدد درجاتها ???? سلمة بعضها يعلو بنا إلى السماء، والبعض يهوي إلى الأعماق. وقد لبثنا داخلها ثلاث ساعات نستجلي بدائعها ومعجزات القدرة الإلهية فيها، وقد حملت هذا الاسم لأن بها ثلاث حجرات Persian, Egyptian, Indian Chambers، ففي الهندية تبدو مجموعة الصاعدات والداليات كأنها باجودا بودا أو معابد الهندوس، وفي الفارسية قبة هائلة حولها بعض المآذن والنقوش التي بدت فارسية، وفي المصرية تبدو الصاعدات كأنها الجثث الفرعونية المحنطة، خصوصًا إذا ما أُطفئت أغلب الأضواء. وهم يتقاضون أجورًا كبيرة على دخول تلك المغارات، ومتوسط أجر الواحد خمسة شلنات، أعني عشرين قرشًا، وعددها إحدى عشرة مغارة، لكل منها اسم خاص، وتلك المغارات تحمل اسمًا أستراليًّا قديمًا abriginal، معناه مغارات الجبال العالية، وقد كشفها Charles Whalan سنة ???? وهو يتعقب لصوصًا سرقوا بعض الماشية، فوجدهم يأوون إلى تلك المغارات. وكثيرًا ما كان يهاجم أولئك اللصوص قوافل الذهب وقطعان الماشية والأغنام في تلك الجبال وهي سائرة من الشرق إلى الغرب والعكس. ولقد أوقفت الحكومة خمسة أميال حول تلك المنطقة حرم فيها الصيد أو البناء أو الملك A Reserve؛ لذلك زادت فيها كثافة الغابات، وأوضحت مأوًى آمِنًا لمختلف الحيوان، وكنا نرى طوال الطريق جحور الكانجارو والولابي والولاري والكوالا، وبعض الولابي كان يفد إلينا من جوار المغارات آمنًا وديعًا، ومن الطيور شيء لا يدخل تحت حصر، وأجملها في نظري الببغاء الأسترالي بألوانه البديعة، وكنا نطعمه الخبز والزبد من نوافذ المطعم في النزل. أخذنا نسير حول المغارات بعد استيعاب اثنتين منها صعودًا فوق الربى كثيفة الشجر، وعرة المسالك، وكان البرد قارسًا حتى إن الصقيع كان يكسو المقاعد، ويعم ورق النبات في أغشية رقيقة بيضاء محببة، وقد راقني من النبات شجر السرخس الكبير بورقه الذي يحكي زغب الريش، وكان معي رهط من النساء والرجال وفدوا من بلاد ملبورن وأدليد وپرث، وكانوا على جانب كبير من كرم الطبع، وحب المعاشرة، والأدب الجم، حتى إني أصبحت واحدًا منهم، وقد أعطوني عناوينهم وأصروا أن أزورهم في بلادهم، وكم راقهم حديثي عن بلاد أستراليا، وما وصلت إليه من رقي وكمال يفوق كثيرًا من بلاد العالم المتمدين!
شكل ??: يجز الصوف بالآلات لكثرته.
عدت إلى المنزل وإذا بإشارة تليفونية تطلبني أتكلم مع المستر Ward وزوجته في بيته، وذلك أحد رفقاء الباخرة كان في رحلة حول العالم وعاد عن طريق قناة السويس، وهو مندوب عن مصنع كبير في سدني اسمه David Jones، وجل مهمته أن يتفقد نظام تفصيل أردية الرجال في جميع البلاد، ولما أن حادثته في التليفون قال بأنه سيجيء بعربته ليطوف بي أرجاء سدني، ثم نتناول العشاء في منزله. وحاولت أن أعتذر فلم أفلح، ولقد لبث ينتقل بي من ناحية إلى أخرى، ثم قصدنا الدار، وإذا بجمع من أقربائه يرحبون بي، وقد أصروا أن أرافقهم غدًا الأحد في تمضية سحابة النهار خارج المنزل، وقد كنت ضيفهم طوال اليوم، وموضع رعايتهم وكرمهم، ولما ودعتهم قالوا بأنهم سيرونني قبل سفري، وفي مساء الثلاثاء دعوني لتناول العشاء للمرة الثانية، فأدهشني ذاك الكرم والظرف النادر الذي يلاحظه الإنسان ملموسًا في جميع سكان أستراليا، وحب المعاشرة والإفراط في الكرم من ألزم صفاتهم.
ثم كانت زيارتي لحديقة الحيوانات في حي Taronga Park، ركبت لها سابحة مائية Ferry، والسابحات عديدة تصل ما بين أطراف الميناء العديدة في بواخر صغيرة فاخرة تقوم كل نصف ساعة، وبأجر ثلاثة بنسات، أي قرش صاغ، تلقي بالقطعة في الصندوق فيدور بك المدخل إلى السابحة، صعدت تلك الربى ودخلت الحديقة، فراقني حسن تنسيقها من ربوة لأخرى، وهم يلاحظون في حظائر الحيوان أن تكون ملائمة لبيئة الحيوان، وأن يحمل المدخل إليها بعض هندسة البلاد التي تفد منها وهم يكتبون لوحة تفسر كثيرًا من صفات الحيوان وبيئته، ويشفعونها بخريطة يظلل فيها الجزء الذي يقطنه الحيوان. والحديقة غنية بالطيور وذوات الجيب، ومما راقني بها القرد الأشقر Alibnoe ناصع البياض جيء به من الملايو، والحصان البري قصير القامة، هادل الشعر، كبير الرأس جدًّا، والدب الأسترالي Native Bear أو Koala في جسده السمين، ولونه الأغبر، وجمجمته الكبيرة، يعلق بأطراف الشجر، ويأكل ورق الكافور. وبيت السباع هناك شبه مغارات عميقة يقوم حولها سور قصير من حديد، وهي ليست مسقوفة، فيخيل إليك بأنها طليقة، ومنظر الميناء بزوائده العدة يبدو رائعًا من أية بقعة في الحديقة نظرت، على أن الحديقة في مجموعها صغيرة فقيرة في طوائف الحيوان، وحديقة القاهرة في نظري تفوقها كثيرًا.
لاپروز

قصدت زيارة خليج بتاني Botany Bay أول مكان رسا به Captain Cook في تلك البلاد، فركبت له الترام أربعين دقيقة، وجزء كبير من الأرض التي قطعناها بري مهمل bush، وأخيرًا وصلنا إلى محطة يسمونها لاپروز Laperouse على اسم الفرنسي الذي احتلها كأول إنسان أبيض عقب كوك مباشرة، وكان يعتزم ضمها لفرنسا. شكل ??: الخبراء يفرزون صنوف الصوف للتصدير.
ولقد رأينا مقبرة قسيس لاپروز مشرقة على الماء هناك، وهو أول أبيض دُفِنَ في أستراليا كلها، وركبنا سابحة مائية إلى الشاطئ المقابل الذي نزل به الكابتن كوك، وقد أقاموا له هناك نصبًا تذكاريًّا يحج إليه الجميع معترفين بفضله عليهم؛ إذ أمدهم بتلك القارة الفتية الغنية.
ولقد استرعى نظري في تلك الناحية كثير من الوجوه السمراء، والسحن الهمجية الغريبة، وهم بقية من سكان أستراليا الأصليين Aboriginals لا يزال منهم زهاء ستين نفسًا، قد نسوا لغتهم الأصلية، ويتكلمون لهجة إنجليزية رديئة جدًّا، ويشتغل جُلُّهم بصناعة الأسلحة القديمة، وبخاصة البوميرانج boomerang الذي يعرضونه للسائحين، وكم دهشت لما رأيت كل واحد ينتحي جانبًا من الأرض ويلقي بالبوميرانج أمام الناس، وهو قطعة خشب معوجة مسطحة من جانب، مقببة من الآخر. والعجيب أنه يقذف بها إلى الجو في غير شدة، فتخرج كالسهم النفاذ يدور في السماء دورة أو اثنتين ثم يعود فيسقط عند قدمي الرجل الذي ألقاه. ولقد حاولت أن أتعلم طريقة رميه، ولبث الرجل يرشدني إليها زهاء نصف ساعة، وقد كدت أنجح وشريت منه واحدًا بشلن، وذلك السلاح لصيد الطيور والحيوانات الصغيرة، ومنه نوع كبير للقتل Dead boomerang من خشب ثقيل جدًّا، إذا أصاب قتل، وأعجب ما في البوميرانج أنه إن أصاب لم يرجع إلى صاحبه، وإن خاب عاد تحت قدميه تمامًا، وكان لمنظر أولئك الناس وهم يلقون بأسلحتهم أمامنا لذة كبيرة، وتقدير لكفاية الإنسان حتى في أحط أطوار همجيته. (?) السكان الأصليون

ومن السكان الأصليين عدد يقارب ستين ألفًا، يتفرق جلهم في الصحاري الداخلية وغابات الشمال، ولا تزال منهم بقية من أكلة لحوم البشر، ويعيشون إلى اليوم في عصر لا يزيد على سكان العصر الحجري، وكانوا يعيشون بحالتهم هذه منذ مائتي ألف عام، وهم أحط أجناس البشر عقولًا، وسِحَنُهم منفرة، وليسوا على استعداد للتقدم أبدًا؛ فهم يعيشون على صيد الحيوان، وجمع بيض الطيور من أوكارها فوق الشجر، ومن أحب الأطعمة لديهم النمل، ولكي يربوه يقتلون عدوًّا لهم ويدفنونه، فيجتمع النمل حول جثته، وعندئذ يجمعون النمل ليأكلوه.
ويُعِدُّون طعامًا محبوبًا من أعشاش الطير، يكسرونها وينقعونها في الماء بأوساخها ونملها، ثم يُسْحَقُ ذلك في الماء فيكون شرابًا حمضي المذاق لذيذًا عندهم. ويتزوج الرجل منهم من أي عدد شاء من النساء ما دام قادرًا هو وأصدقاؤه على تقديم الهدايا، ولما كان ذلك يستطيعه الطاعنون في السن من الرجال دون الشبان لم يبق من الفتيات من تكفين لزواج الشباب، وذلك قد أضعف النسل وأنقصه، إلى ذلك فإنهم يئدون البنات غالبًا؛ لذلك انحدر جنسهم إلى طريق الفناء رغم محاولة الدولة الإبقاء عليهم وتحسين مستواهم.
والغابات التي يحلونها لا تكاد تُخْتَرَق لما يحفها من أخطار الحيوان، وبخاصة الأفاعي، وحتى الشجر نفسه قاتل مميت، فهناك تسود الشجرة اللاذعة Stinging tree، فمن لمس ورقها العريض تسمم وظل يقاسي آلامًا شديدة، وهناك من الفَرَاش الكهربائي ما إذا لمسته شعرت بهزة عنيفة خطيرة؛ لذلك لا يزال كثير من جهاتها مجهولًا بمن فيه من وحوش وإنسان، وتشكل الدولة لجانًا وبعوثًا تقوم ببحث حال أولئك، وإعداد الوسائل التي بها يبقون على ذلك الجنس الذي ظل منحطًّا بسبب طول عزلته، حتى إن البحث لم يكشف عن أي أثر لمدنية قديمة في أستراليا كلها. شكل ??: شارع كنج في سدني.
وهو في جمجمته وعظام أطرافه يشبه إنسان أوروبا إبان عصر الجليد، وهم نصف عرايا، شعرهم كث على لِحاهم، كثيف فوق جسومهم، يحبون الوشم، ويعتقدون في السحر، ومحاربوهم ينقشون أجسادهم، ويخرقون آذانهم وأنوفهم بالأسلحة، ويشعلون النار بِحَكِّ قطع الخشب بعضها ببعض، ويجدلون من شعورهم حبالًا لربط سلاحهم من البوميرانج والقسي والحِراب.
وقد يصل طول الواحد منهم ست أقدام، والذين يقطنون منهم بكوينزلند وأستراليا الوسطى بدءوا يتصلون بالجنس الأبيض ويأنسون إليه، وقد حارب منهم كثير إلى جانب الحلفاء في الحرب العظمى في ميادين فرنسا.
وتُعَدُّ أستراليا بسببهم متحف الأجناس القديمة؛ إذ فيهم يجد العلماء مجالًا كبيرًا للبحث عن أصول الآدميين، ومن أشهر قبائلهم: Arunta وWarramunga وBinbinga وKamilioi، ولغتهم تحكي أصوات الحيوان يكررونها مئات المرات بنغمة موحدة مملة. وإذا خالف أحدهم أوامر السحرة؛ كأن يأكل طعامًا شهيًّا حُرِّمَ عليه كشحم الإيميو ولحم الكانجارو وغذاء الزعماء، عُوقِبَ بفقء عيونه، وبعدم إطلاق لحيته — وإطلاق اللحى شعار الاحترام عندهم. ومن أعجب عاداتهم الحداد والنحيب على المُتَوَفَّى، فتراهم يصيحون صيحات منكرة عالية، وبِيَدِ كلٍّ منهم مضرب أو حربة يضربون بها أجساد بعضهم ضربًا مبرحًا، ولا يتألم لذلك أو يحاول تجنب تلك الصدمات، ثم تُشْعَل نار وهم حولها يهرولون ودماؤهم تسيل من أجسادهم، ثم تُحْمَلُ الجثة فوق شجرة، ويُنْزَع اللحم عنها، ويَكْسِر أخو الفقيد العظام، ثم تُدْفَن في جحر تحت الأرض.
ومن أقسى عاداتهم أن الغلام إذا شب خضع لصنوف من التعذيب أربعة عشر أسبوعًا، وفي نهايتها يُرْمَى فوق نار يُزَاد لهيبها تدريجًا، والغلام يتلوى فوقها بسرعة لكي يتجنب خطرها، فإذا استقر فوقها عشر دقائق عُدَّ رجلًا وزُيِّنَ بأشرطة من جلود الكانجارو. والموت عندهم نتيجة لتأثير سحر صَدَرَ من شخص آخر لا يزالون يبحثون عنه لينتقموا منه.
عُدت إلى قلب المدينة أسير بين جدرانها الفاخرة وحركتها الصاخبة، أدخل ذاك البناء وأصعد غيره، واختلف إلى بعض متاجرها البديعة ومصارفها الغنية، فكان يذهلني ميلهم إلى الوجاهة، وشديد إسرافهم في تموين أبنيتهم بأحدث الوسائل وأجملها، ترى البناء براقًا بُولِغَ في نقشه وتجميله، حتى بدا بناء بنك مصر على وجاهته لا يُذْكَر إلى جانب تلك المباني، فعجبت لمظاهر الغنى واليسار البادية في كل شيء.
شكل ??: في أرض جامعة سدني.
ولقد سألت عن Slum الأحياء الفقيرة فأرشدوني إلى بعضها، وإذا بها بيوت صغيرة نظيفة جدًّا هي أقدم الأحياء ليس غير، ولا توحي بالفقر أو القذارة أبدًا، على أنه رغم ذلك تجد في المدينة زهاء أربعين ألفًا من العاطلين يُمْهَرُون معاشًا هو شلن كل يوم، على أن نقابة العمال تحاول توظيف الجميع كل بدوره ولو إلى حين. والعمال هناك متمتعون بحقوق كثيرة يندر وجودها في الخارج؛ فلا يجوز لرب المصنع أن يطرد أحدهم إلا بإذن من النقابة، ولا يستطيع توظيف أحد، فهو يطلب النوع الذي يريد، والنقابة ترسله وتفرض له الأجر، والمصنع أو المتجر يمهد للعمال شراء منتوجاته بنفقات الإنتاج ليس غير، ويخولهم متسعًا من الوقت لتناول شاي الصباح العاشرة صباحًا: ربع ساعة، والغداء: ساعة، ولا يصح لعامل أن يشتغل بعد الساعة الخامسة إلا بأجر مضاعف؛ لذلك كان كل الناس متيسرين، وساهم في بنوك التوفير ??????? من مجموع السكان البالغ مليونًا. وقد دل الإحصاء أن لكل فرد في أستراليا ودائع في البنك تبلغ ?? جنيهًا على الأقل، ولا عجب؛ فالبلاد فتية وغنية الموارد، وأهلها قليلون، والطلب الخارجي على خاماتهم الكثيرة يتزايد كل يوم، على أنها رغم ذلك لم تخل من المتسولين، وجلهم من مدمني الخمر أو العاطلين، وبعضهم يسير في الطرق عازفًا على مزماره أو كمانجته مستجديًا، لكن عدد أولئك قليل جدًّا، وفوارق الطبقات غير موجودة رغم ميل الكثير منهم للوجاهة والظهور؛ فأنت تعامل الخادم أو الخادمة وكأنه من عائلتك، فترى العامل يغني ويلهو أمام سيده، وقد يشاطره السيد ذلك السمر واللهو.
وكم لاحظت من العمال في هندامهم غير النظيف يركب الترام إلى جوار سيدات ممن بدا عليهن اليسار، فيفسحن لهم المكان، ويبتسمن لهم، ويكلمنهم على قدم المساواة، وفي غير تأفف أو اشمئزاز! وسرعان ما يجاذبك الناس أطراف الحديث حيث كنت، ويسألونك: كيف رأيت بلادهم؟ ثم يقولون: هل لاحظت مدى الحرية التي يتمتع بها الناس هنا جميعًا؟ تلك Free Country ليس لأحد قبل الغير سلطان قط، فنحن أحرار نتصرف كيفما شئنا دون أن يتدخل في أمرنا أحد. ومن المظاهر العجيبة التي استرعت نظري طائفة المبشرين الذين يسيرون بعربات كبيرة زُوِّدَت بمكبرات الصوت، ودينامو الكهرباء والأضواء، ويقفون على نواصي الطرق يبشرون بالمسيح والمسيحية، وكنت أرى الناس وقوفًا حول المبشر بعضهم منصت، والبعض ساخر، والرجل يقول: المسيح الذي ضحى بنفسه من أجلنا كيف لا نؤمن به Lose faith in kim؟ فصاح رجل من المستمعين قائلًا: ولِمَ لم يرفع عنا الخطايا دون أن يلجأ إلى تعذيب نفسه؟ وكيف يموت وهو Supreme being؟ أنا لا أعتقد في وجوده، وآخر قال: هل تعلم ما كان لون آدم وحواء Adam & Eve؟ وثالث قال: قبل أن يولد المسيح هل لم يكن هناك عالم موجود؟ وكيف خلق المسيح هذا الكون ومتى؟ فكان المبشر يتهرب من الأسئلة ويقول: هاكم الإنجيل يقول: لقد خلقت العالم وقلت له: كن فكان! وكان جلهم يبدو متبرمًا غير مصدق. شكل ??: في قلب الجبال الزرقاء بمقاطعة ويلز الجنوبية الجديدة.
والعجب أنهم لا يتعرضون لبعضهم، فكل منهم يُبْدِي رأيه في حرية دون اعتراض، وقد تناقش عجوزان في الأمر، واحتدم الجدال بينهما، وأخيرًا مد أحدهما يده للآخر قائلًا: Well Shake hands friend، والقوم غير متعصبين ولا يؤمون الكنائس إلا نادرًا، ويُخيل إليَّ أن تلك النزعة التي تباعد بينهم وبين الدين هي التي حدت بالقسس وأرباب الكنائس أن يخشوا على مستقبلهم، فنشطوا بتلك الدعاية، وشجعوا طائفة من الناس اسمهم جيش الخلاص Salvation Army من الشبان والفتيات يلبسون أردية خاصة، ويطوفون بالشوارع. وقد شاهدت حلقة منهم نصفها من البنات والنصف من الشبان يغنون ويطبلون بالدفوف، ويلعبن ويَدُرْنَ على تلك الأنغام، ثم يقفن ويتقدم واحد، ويقف على كرسي ويُحدث المستمعين حديثًا أساسه الإيمان، ووجوب التمسك به Faith in Jesus. ومظهر الديمقراطية يبدو في كل شيء حتى في المطاعم، فترى المطعم الرخيص إلى جانب الأرستقراطي كثير النفقات، وإذا دخلت الأول رأيت به العامل بملابسه القذرة إلى جوار المتأنق الوجيه من الناس، وتعجب لرخص الطعام في تلك المطاعم، فبعضها يعطي الوجبة ذات الصنفين Two Course Meal بقرشين، وذات الثلاثة Three Course Meal بسبعة بنسات، أي أربعة وعشرين مليمًا، ويتبع ذلك الخبز والزبد والشاي غالبًا أو القهوة. كذلك النُّزُل ترى الفندق يعلن عن الغرفة بشلن ونصف، وإلى جواره آخر يعلن عنها بثمانية شلنات أو يزيد، ولا تكاد تعرف الفقير إلا بلهجته الغامضة وهو يستخدم كثيرًا من الكلمات الدارجة Slang، ويُمعن في الحديث عن طريق الأنف، ويزيد الكلمات لفًّا وعوجًا حتى لا يكاد يُفْهم. ومما استرعى نظري بعض الكلمات العربية، مثل: مافيش وامشي Mafeesh وImshee بمعنى «لا شيء واذهب»، وكثير منها يرجع إلى السكان الأصليين. ولا تزال أسماء البلاد والأنهار وما إليها تشعر بذلك مثل: بلدة Katumba، وناحية Wallamaloo وTarra Murra. ومن الجهات الجديرة بالزيارة: المتحف الذي زرته — والدخول إليه مباح بغير أجر للجميع — فكانت معروضاته حيوانات محنطة، وهياكل عظيمة لحيوانات العصر الحاضر والبائد، وبخاصة الأسماك، ثم قسم چيولوجي به جُل المعادن والصخور.
شكل ??: الداليات والصاعدات في مغارات جنولان في الجبال الزرقاء.
ويقتصر القسم التاريخي على مجاميع من أسلحة سكان جزائر المحيط الهادي وأدواتهم، وكذلك مخلفات الأستراليين الأقدمين aboriginals. وقد استرعى نظري في هذا القسم شعار الحزن من حزمة من نثير جذع بعض الشجر يلبسه رجل أخرس، ثم يأكل قطعة من الجثة لتهديه إلى تعرف المتسبب في الموت، ويدل هذا الرجل عليه، ثم نعش القتيل، وهو أسطوانة أصلها شجرة منقورة قطرها قدم، تُحْشَر بها عظام الفقيد بعد أن ينزعوا اللحم كله، ويُطْبَخ هذا اللحم ويُقَدَّم للزائرين والمقربين ليأكلوه. أما أقرباؤه فلا يقربونه. وكان بعض تلك النعوش يُعْرَض بعد كسره وإظهار العظام منه، ثم قسم صغير جدًّا مصري به جثتان ملفوفتان في كفنهما وداخل توابيتهما يرجع زمنهما إلى ما بين ??–???ق.م، ثم عدة رءوس محنطة من الأسرة الخامسة، ثم قليل من ألواح بابل الطينيَّة. وفي ناحية مخلفات الكابتن كوك، وبعضها من أجهزته ومتاعه، والبعض مما جمع من مخلفات أهل جزائر المحيط الهادي.
وقد راقني في قسم الحيوان المحنط كانجارو عملاق يفوق الزرافة طولًا، وكان يعيش هناك وانقرض اليوم، ثم أنواع لا حصر لها من ذوات الجيب، وحيوان البلاتبوس «ذو المنقار البطي»، ثم الطائر القيثاري lyre، وهو أسود في حجم الدجاجة الكبيرة، وله ذَنَب ريشه طويل، وله زَغَب خفيف كريش النعام، ومن وراء هذا ريشتان منقوشتان كبيرتان في رسم القيثارة تمامًا. ثم الطائر القسوري Cassowary، وهو مثل الإيميو إلا أنه أسود الريش كالنعام، وله عرف طويل، والطائر الضاحك الذي يسمونه كوكابورا kookaburra الذي يُرَى في أستراليا، ويعيش على الأفاعي التي ينقضُّ عليها، ثم يرفعها في الجو ويرمي بها إلى الأرض؛ حتى تضعف، ثم يجرحها ويلتهمها، وصياحه ضَحِك مستمر يسترعي النظر، وهو قريب الشبه بالغراب الأسود الكبير، إلا أنه أضخم جسمًا، وأقصر رقبة، وأطول منقارًا، وضحكته هكذا كا كا كا هو ka ka ka hoo، ومن السمك: الراي، يحكي الترس المستدير في لون أغبر، وله ذنب قصير رفيع تخرج من أعلاه شوكة مسننة سامة قتالة، وجلده متين خشن تُتَّخَذ منه بعض المبارد. وفي ناحية قرب الميناء متحف الفن Art Gallary، وهو صغير، وغالب معروضاته من الصور الأجنبية، أما إنتاج الأستراليين فقليل، وإن كانت بعض صورهم آية في الإبداع، ثم كانت زيارتي لحديقة النبات Botanical Garden، وهم يعنون بهذا النوع من الحدائق في كل بلادهم، فإذا ما تحدثت إلى أحدهم عن أي بلد من بلادهم سارع بسؤالك: هل رأيت حديقة النبات؟ شكل ??: همج أستراليا أحط الفصائل البشرية عقولًا.
والحديقة بها مجموعة لا بأس بها من النبات خصوصًا الاستوائي Tropical، وأروع ما بها Giant Ferns، وفي جانب من مدخل الحديقة دار الموسيقى Conservatorium of Music، وبه مدرسة هائلة لتخريج الموسيقيين المحترفين، ومتحف صغير لآلات الموسيقى، وغالبها لهمج المحيط الهادي. ومن الأحياء العامرة ناحية من المدنية تُسَمَّى King’s Cross هي أكثر جهات البلدة حركة وجلبة في المساء، وتُصَفُّ على جوانبها دور الملاهي، خصوصًا السينما والمقاهي بديعة التنسيق، والمطاعم الفاخرة، وتظل أضواؤها ساطعة إلى ساعة متأخرة من الليل، وهي على ربوة تنحدر منها الطرق في صعود وهبوط إلى مد البصر. ولن أنسى منظر أحياء المدينة وأنا فوق تلك الجهات العالية؛ إذ كانت تنتثر بالثُّريَّات المتلألئة إلى مد البصر، وبعضها يسطع ويخبو في ألوان مختلفة، وأينما نظرت رأيت جانبًا من الميناء وأجوانها النحيلة وقد فُرِشَت منحدراتها بتلك النجوم الساطعة في جمال لا يُحَدُّ.
مر الأسبوع الذي أقمته في سدني وكأنه سويعات قصيرة، رغم أن الجو في الثلاثة أيام الأخيرة كان قاتمًا غائمًا مطيرًا، وهذا الشهر أسوأ وقت لزيارة البلدة، وقمت أودع أستراليا، تلك البلاد التي تُعَدُّ أكبر الجزائر، وأصغر القارات، وأحدث بلاد الدنيا مدنية، وأقدمها من الوجهة الجيولوجية، فلقد طالت عزلتها عن سائر القارات؛ فخمد تطور الإنسان فيها، وظل الأسترالي الأصلي إلى اليوم يعيش في طور البداوة الأولى، ولا يزيد مستواه على مستوى إنسان العصر الحجري. ولقد تأخر كشفها بسبب بُعدها، وامتداد صحاريها، وقسوة جبالها، وقد ساعد هذا على قيام أمة تستند على أصول الحرية والديمقراطية؛ إذ لم تتأثر برجعية القرون الأولى وتقاليدها، حتى إنِّي كلما حدثت نفرًا منهم قالوا: نحن نعيش في بلاد حرة.
ولقد بلغت تلك البلاد من التقدم والثراء حدًّا كبيرًا؛ فمستواهم الثقافي عظيم بفضل جهود الدولة في التعليم الذي تنفق عليه فوق ثمانية ملايين من الجنيهات، هذا خلاف مجهود المدارس الأهلية، وحتى النساء يساهمن في الشهادات العالية، وغالبهن يُؤْثِرن جانب التربية، فَجُلُّ المُدرِّسات في المدارس الابتدائية والصناعية والثانوية منهن، وكثير من المُحاضِرات في الجامعات من النساء، ولهن حق الانتخاب منذ سنة ????، ومنهن كثير من البوليس، وبيدهن سلطة كبيرة.
شكل ??: همج أستراليا كلفون بالقتال بحرابهم الطويلة وتروسهم.
وليس الفقر بحائل دون التعليم، لذلك وجدت كل الكفاءات مجالًا للظهور، وللسينما فضل ثقافي كبير، ودور السينما متعددة في كل مكان حتى في القرى، وقد دل الإحصاء على أن في أستراليا فوق ???? دار للسينما، أي بمعدل دار لكل أربعة آلاف نفس، وتلك النسبة تفوق حتى الولايات المتحدة، ومن تلك الدور تسعون في سدني، وثمانون في ملبورن، ويزيد ما يُعْرَض سنويًّا من الأفلام على ?? مليون قدم، أي نحو ألفي فلم، ونحو ??? منها أمريكي؛ لذلك كانت جل الثقافة أمريكية لا أوروبية.
وإذا ذهب الأمريكي إلى أستراليا لم يلحظ فرقًا كبيرًا بينها وبين بلاده؛ ففي الحقول يرى الزراعة بالآلات الحديثة، وفي المدن يرى دور الملاهي الأمريكية، وحتى الجرائد والمجلات تتبع أمريكا في نظامها وضخامتها. والأستراليون رواد مدن، ويندر من يعيش منهم في القرى، وقد دل الإحصاء على أن ??? منهم يحلون المدن، ولا يهمهم من أمر العالم الخارجي شيء، فَقَلَّمَا تشير الجرائد إلى البلاد الأخرى.
وتميل الصحافة إلى مداهنة الشعور القومي دائمًا؛ لأن الناس يغضبون لأي نقد يُوَجَّه لهم، وهم يفاخرون بأنهم أكثر الأمم حرية، وهم على جانب كبير من حب المعاشرة والكرم؛ فمهما بلغ بهم الضيق المالي لا يغفلون كرمهم. والأسترالي أكثر اعتمادًا على نفسه حتى من الإنجليزي، يبدأ عمله في الحياة مبكرًا في حداثة سنه، ويجري وراء المادة بجد، فإن خسر في حياته لم يفزعه ذلك، بل تراه يجدد مجهوده بأمل صادق في المستقبل وتفاؤل مبشر، وهو في صبره واحتماله وأريحيته وكرمه قريب شبه بساكن الصحراء، فبمجرد التعارف يكاشفك بكل شيء، ويتخذك صديقًا، ويدعوك إلى منزله، ويصحبك ليطوف بك بالعربة وهو في كل ذلك مرح ضحوك، وليس لفوارق الطبقات وجود لديه؛ فقد يكون الوزير من أبوين وضيعين، وقد يكون حفيد العظيم عاملًا بسيطًا، ولا ضير في ذلك قط، وبقدر كدِّه وراء الرزق تراه مبالغًا في لهوه ولعبه.
ومستوى المعيشة بينهم مرتفع جدًّا؛ فالمنزل الصغير يتطلب خمسة عشر جنيهًا نفقات شهرية على الأقل، وأجر الطباخ الماهر جنيهان في الأسبوع، وأجر الخادمة أربعة جنيهات في الشهر، ويُرْمَى الأستراليون بأنهم يفتقرون إلى الحياة المنزلية، ولعل ذلك راجع إلى جوهم المشمس الصافي الجميل الذي يشجع الحياة خارج المنزل، وإلى أنهم جميعًا موسرون ينفقون كثيرًا من المال في الخارج؛ لذلك كثرت الأندية التي قد يشترك الواحد منهم في عشرة منها في آنٍ واحد، إلى ذلك حياة الخلاء والشواطئ والمراقص التي أُغْرِمَ بها الجميع، فلا تكاد تكلم أحدهم عن بلاده حتى يسألك قائلًا: هل رأيت شواطئنا beaches؟ وإذا دعا أحدهم صديقًا له أضافه في فندق؛ لأن المنازل يعوزها الاستعداد والخدم، ولقد خلف فيهم ذلك حب الديمقراطية والرياضة التي ولعوا بها إلى حد الجنون. شكل ??: أُشْرِفُ على ميناء سيدني من حديقة الحيوان.
وهم متفائلون مستبشرون دائمًا؛ فترى الواحد يقول: ذاك الضنك سيزول في غير رجعة، ولم لا؟! أليست بلادنا غنية وفيرة الخيرات والموارد؟ ويُعْزَى ذاك التفاؤل الجميل إلى جوهم المشمس الباسم، إلى ذلك فهم نزاعون إلى التساهل والتسامح وتيسير الأمور، وأنت تسمع على ألسنتهم دائمًا عبارة Give it a go أي «خليها ماشية»، وهم في ذلك يشبهون المصريين، ويعزو البعض تلك البساطة إلى عزلتهم عن العالم، وإلى المساحات الشاسعة التي يقطنها عددهم القليل، ومثل ذلك لا يساعد على إنتاج العقول الراجحة، وبُعْد النظر في تصريف الأمور. ومظهر الغِنَى واليسار غالب على كل فرد؛ فيكاد كل واحد يمتلك سيارته ومسكنه الذي يتراوح ثمنه بين ???–???? جنيه، وأجور العمال عالية باهظة تكفلها لهم الدولة نفسها، وتدفع لهم المرتبات والمعاشات السخية في حالة البطالة، فالقانون يمنع العامل أن يشتغل بأقل من ? بنسات، و? شلنات، و? جنيهات في الأسبوع، أي نحو خمسين قرشًا في اليوم.
والفقراء تتعهدهم الدولة ولا تتركهم لتبرعات المحسنين كما هي حال أوروبا؛ لأنها تعدُّ ذلك من الواجبات العامة. وتكاد الدولة تشرف على كل شيء، من بينها التعليم والمصارف وطرق المواصلات، وبخاصة سكة الحديد، وأهمها الخط القاري ويسمونه The Trans، ويمر بين العواصم كلها من پرث إلى برسبين، وطوله ???? ميلًا تقطعه القاطرات في ستة أيام. شكل ??: لا يزال الأسترالي الأصلي يعيش في العصر الحجري.
وأهم موارد البلاد المراعي، فأول الصادرات الصوف بنحو ?? مليون جنيه في العام، ثم القمح والدقيق بنحو مليون جنيه، فالجلود ، فالزبد ?، فاللحم ?، فالفاكهة ، والصادر من الصوف آخذٌ في الزيادة لجودته، لكن اللحوم آخذةٌ في النقص لأن أغنام المرينو رديئة اللحم، جيدة الصوف. والصوف هنا ثلاث درجات: المرينو الصافي للنسيج الممتاز، ثم المختلط للنسيج العادي، ثم الخشن لصنع الطنافس والأغطية «البطاطين»، ولقد صَدَّرت أستراليا ربع صوف العالم، ونصف نوع المرينو المطلوب في الأسواق، وبلغ الإنتاج فيها ??? مليون رطل، وقد بلغ ثمن الرطل ?? بنسًا، لكنه نزل هذا العام إلى تسعة بنسات؛ لذلك كان الفلاح يشكو الضائقة المالية، ويخشون اليوم مزاحمة الصوف الصناعي، وعدد الأغنام في البلاد مليون؛ فهي أُولَى بلاد صوف المرينو، وقد يبلغ ثمن الخروف الأصيل الواحد ???? جنيه، أما الماشية فتنتشر في كل مكان، وبخاصة كوينزلند، لكنها تسد الحاجة المحلية فقط. ويلي ذلك القمح الذي بلغ محصوله ??? مليون بوشل، أي نحو ?? مليون أردب يُصَدَّر نحو خُمسها. ومن الإنتاج الهام هناك السكر، لكن زرعه يتكلف كثيرًا بسبب علو أجور العمال، فهي ?? شلنًا في اليوم مع أنها في الهند خمسة بنسات، وفي جاوة عشرة؛ لذلك كان ثمنه غاليًا. ومجموع صادرات أستراليا مليون جنيه. والصناعة آخذة في النشاط؛ إذ يُوَظَّف فيها اليوم ??? مليون جنيه، وتُنْتِج المصانع ما قيمته ??? مليون جنيه كل عام، خصوصًا في ويلز وفكتوريا، وبسبب علو الأجور زادت في البلاد قوة الشراء، فأضحت أستراليا من أغنى الأسواق، على أن نفقات الإنتاج الصناعي تزيد ??? عنها في إنجلترا؛ لذلك كانت السلع غالية، ومستوى المعيشة مرتفعًا، وتحاول الدولة علاج ذلك بالضرائب الجمركية الحامية، لكن حالة أستراليا المالية ستظل في ضيق حتى تُعَالَج المشكلتان: علو الأجور، وعلو الضرائب الحامية.
أما الضرائب العامة فَعَالِيَةٌ جدًّا، وعبؤها ثقيل على الناس؛ إذ تزيد على ??? من الدخل، وأكبر سبب لذلك كثرة ديونهم، فالدَّين العام ???? مليون جنيه، منها ??? مليون نفقات الحرب العظمى. وكثير من مرافق البلاد مُعَطَّل بسبب قلة السكان وعلو الأجور، لكنهم يخشون إن هم فتحوا باب المهاجرة أن تطغى عليهم الأجناس الدخيلة. ولا تزال البلاد ناشئة وتثق في مستقبلها ثقة كبيرة، وكثيرًا ما كنت أسمع تلك العبارة تجري على ألسنتهم مجرى المثل، وهي: تعيش أوروبا على ماضيها، وأمريكا على حاضرها، أما أستراليا فعلى مستقبلها. ويشبهها البعض بحسناء لَمَّا تستيقظْ من نومها بعدُ فيقولون: She is a sleeping beauty. شكل ??: شارع من أوكلند.
كان لا بد لي أن أبرح البلاد الخميس ?? يوليو، وإلا اضْطُرِرْتُ لانتظار الباخرة التالية شهرًا كاملًا، ولم يكن لدي من الزمن أقضيه في زيلندة الجديدة سوى أسبوع واحد؛ فآثرت أن أستشير دار السياحة الزيلندية New Zealand Government Tourist Bureau، فقامت بتنظيم رحلة تشغل السبعة أيام، ودفعت لها ? بنسات، و?? شلنًا، و?? جنيهًا أستراليًّا، أعني زهاء عشرة جنيهات مصرية، وقد زُوِّدت بمجاميع من المطبوعات عن زيلندة، بعضها مصوَّر بالألوان البديعة، والبعض وافر الشرح مزود بالخرائط، وكل ذلك يُصْرَف مجانًا لمن أراد، وتلك طريقتهم الناجحة في الدعاية لبلادهم. ولقد ذلل لي ذاك المكتب صعاب الجمارك، وأعفاني من التأمين الذي يدفعه كل من حل زيلندة — وقدره عشرة جنيهات — وتلك المكاتب تجدها في أمهات مدنهم جميعًا، وتسير في دقة وإخلاص عجيب، وكلها حكومية. قمت أبرح أستراليا تلك البلاد التي لم نكن نعرف عنها إلا ما يتعلق بالذهب وسبكه، والصوف وتصديره، والهمج الأصليين وسلاحهم من البوميرانج، فكان يُخَيَّل إليَّ أني سأرى قومًا من الرعاة يعيشون عيشة بدوية، وإذا بي أرى شعبًا راقيًا فاق سائر الشعوب حضارةً، وحتى رعاتهم في الريف على جانب كبير من التهذيب ونظافة الهندام وجمال المساكن. حقًّا كانت تسترعى نظري أينما سرت حوانيت عرض اللحوم ومنتجاتها، فكنت أقف إلى جوارها طويلًا وأنا مدهوش لرخص المعروضات أولًا، وللتأنق الشديد في عرضها في «فترينات» كبيرة غاية في النظافة والوجاهة.
ولم أعجب لهذا الرخص، فقد بلغ بهم انخفاض الأسعار أنهم كانوا يبيعون الشاة بشلن واحد في السنوات الأخيرة، حتى هجر الكثير منهم مزارعهم وتخلَّص من قطعانه وبحث عن عمل آخر، غير أن الحال قد تحسنت قليلًا الآن بفضل ما تقوم به البنوك من الخدمات للفلاح، وقد كانت تدهشني كثرة المصارف؛ فلا يكاد يخلو منها شارع واحد، وهي متعددة وفي أبنية رائعة.

زيلندة


(?) إلى زيلندة

حللت الباخرة نياجرا من بواخر شركة Union Line التي تصل ما بين أستراليا وزيلندة وأمريكا، وحمولتها ????? طن، لكنها من طراز قديم، وقد كان في وداعي على الميناء المسز وورد وبعض أقربائها. والحق لقد غمرني أولئك القوم بكرمهم، فالكرم والظُّرف وحب المعاشرة سجية فيهم، فلا تكاد تتعرف إلى نفر منهم حتى يأخذوا عنوانك، ويُصروا على الكتابة إليك كأنك صِرْت منهم. وخرجنا نتنحَّى عن الميناء، وقد كان تزاحم المودعين كثيفًا، ومع كل منهم أشرطة ملونة من ورق في طيَّات يُلْقُون بها إلى المسافرين، فيستطيل الشريط كلما بعدت الباخرة عن المَرْسَى؛ لتظل الصلة بين الصديقين طويلًا، فكانت شباك تلك الأشرطة تسد الجو، ولا تسمح بالمرور على الرصيف مطلقًا، وكلما بعدنا تكشفت روائع ميناء سدني. وقد مررنا تحت القنطرة الفاخرة التي ليس لها نظير في العالم أجمع، ولبثنا نشق مياه المحيط الهادي المارد العظيم، ولم تكن موجاته عالية، ولكن السفينة كانت تتمايل وترتعد كأنها ترهب ذاك المارد الخضم، على أن ما نعرفه عنه من الهدوء بالنسبة لغيره كان مطمئنًا لنا بعض الشيء، ولكن القوم جميعًا كانوا يوجسون خيفة من بحر طسمان، وهو ما بين أستراليا وزيلندة، وبعضهم يقول بأنه من أشد بحار الدنيا اضطرابًا، ويظهر أن حظنا كان جميلًا؛ لأن الأيام كلها قد انقضت في هدوء وجو مشمس جميل يحكي شتاء مصر تمامًا.
شكل ?: شارع رئيسي في أوكلند وترى البوليس مشرفًا على الحركة من ذاك الصندوق المرتفع.
واليوم الأحد ?? يوليو قبيل الظهر رأينا أول قبس من أرض نيوزيلند في ثلاثة مخاريط شبه مجدبة يسمونها The Three Kings، ثم أخذت الجوانب الصخرية المشرفة للجزيرة الشمالية تبدو إلى يميننا، وسنظل بجانبها الليل كله، ولقد كان جمهور المسافرين أكثر ظُرفًا وأميل إلى المعاشرة من رفقاء الباخرة الأولى مالويا؛ لأن الجنس الإنجليزي لم يكن يُوجَد بينهم، بل كان الجميع من أهل زيلندة وأستراليا وأمريكا، وكلهم أميل إلى المرح، وأبعد عن الترفع والكبرياء والصلف، وكم كانوا يكثرون من التحدث إليَّ في شئون مختلفة، وبخاصة عن مصر! ولما أن عرفوا أني مصري وعلموا بسياحاتي وأطلعتهم على بعض الصور الفوتوغرافية، انهال الجميع يطلبون عنواني، ويعدون بزيارة مصر، ويقدمون إلي عناوينهم كي أكتب إليهم، ودهشوا كيف أستطيع القيام بتلك الرحلات الجسيمة، وكانوا يقولون: إن نفقاتها لا شك تدفعها لك حكومتك، خصوصًا وأنت في وزارة المعارف، فكنتُ أتردد في الجواب وأقول: لا، بل أقوم بها لحسابي الخاص، وإن كانت الوزارة تساعدني مساعدة أدبية فقط. وقد لبثوا يتحدثون معي إلى ما بعد منتصف الليل، وفي الصباح تهافتوا عليَّ يأخذون صورتي وكأنهم لاقوا شخصًا عظيمًا. فانظر كيف يقدرون الرحلات، ويرون القائمين بها أهلًا للإجلال والتكريم!
(?) أوكلند

وصلنا أوكلند قبيل شروق الشمس بعد ثلاثة أيام ونصف، وأقبلنا على الطبيب وضابط الجمارك ومررنا أمامهم، وتسلمنا ترخيص النزول إلى بلادهم في غير شدة ولا تعطيل، ومررنا من الجمرك بدون تفتيش بفضل رجال مكتب السياحة الحكومي. وقد بدت ميناء أوكلند عظيمة حديثة البنيان والأثاث والمعدات، وترى الأرصفة متوازية وفي صف منتظم، ومن خلفها البلدة تقوم على منخفضات من ورائها ربًى وطيئة.
وقد اخترقت الشارع الرئيسي Queen St. إلى نُزُل أوكلند الفاخر، والشارع شبيه أخواته في سدني وملبورن تمامًا، إلا أن مظهر الناس والمباني والمعروضات أقل وجاهة وثراء. شكل ?: شلالات وايروا الرائعة شمال أوكلند.
وكثير من الناس يبدو عليهم مظهر الفقر، وكان يسير بعض الصبية حفاة، وفي ثياب مرقعة. أقلني الترام إلى المتحف فوق ربوة نُسِّقَت حولها المتنزهات، والبناء حديث وعلى جانب كبير من الفخامة، والدخول إليه مجانًا للجميع، على أنك تجد صندوقًا إلى يمينك كُتِبَ عليه: «نرجو التبرع بشيء للقيام بنفقات المتحف.» ومحتويات المتحف قَيِّمة فيما يختص بمخلفات الماوري من زوارق في أحجام عدة، وطول أكبرها ?? قدمًا، وعرضه ?، ثم أسلحة حجرية وطبول ومراسٍ «هلب» من حجر مخروط كالرحى، وسلال لصيد السمك، وإبر من عظام الطيور، وأردية من ليف النرجيل، وحرابهم من أسنان السمك خصوصًا Sword fish. ويُسْتَرْعَى النظر بنوع خاص نقشهم على الخشب وحفرهم فيه، فقد بلغ حدًّا كبيرًا من الذوق الفني والمَقْدرة، ويرصعون بعضها بالصدف البَرَّاق. وكانوا ينسجون أقمشتهم الرقيقة من ألياف قشور بعض الشجر Bark cloth فتبدو بيضاء كأنها الكتان، والفتل في سُمْك جدائل الخيش. وهناك بعض بيوت للماوري كاملة من الخشب المحفور واللون الأحمر، وتملأ بين القوائم بأعواد الغاب تربطها شرائح رقيقة ملونة منه — كشغل الكراسي الخيزران — في نقوش وألوان فنية بديعة، والسقف مثلث «جمالون»، وأمام الدار شبه «فراندة»، والأعمدة كلها تُنْقَر في أشباح بشعة مخيفة، والبيت مظلم من داخله عديم النوافذ، وتُلْصَق بجميع جدرانه أصداف كبيرة تعكس قبس الضوء الذي يدخل من الباب فينير المكان، والخشب جُلُّه من شجر Kauri المتين أشهر أشجار نيوزيلند. وهناك دار للاستقبال كان يقيمها زعيمهم وسط البلدة للحفلات، واستقبال الضيفان، وعرض الرقص الذي يولعون به جدًّا، ويسمون دار الضيافة Hotunui، ومعاطفهم يُكْسَى بعضها بريش الطاووس. ومن معروضاتهم بعض توابيت موتاهم من خشب كالبرامي الكبيرة نُقِرَت في صورة أشباح مخيفة. وشعوب المحيط الهادي في جزائره العدة ثلاثة: أهل ميلانيزيا، وهم سود أفريقيون بهم مميزات الزنوج في كل شيء، ويمتدون شرقًا إلى فيجي ونيوكالدونيا، وهم أقدم نزلاء جزائر المحيط الهادي، ثم أهل پولنيزنا، وهم قوقازيون وفدوا حديثًا من الهند على الراجح، واخترقوا ميلانيزيا وانتشروا بعيدًا في المحيط واختلطوا بغيرهم، لكنهم لا يزالون يحتفظون بمميزات الجنس الأبيض — ومنهم الماوري — ثم أهل ميكرونيزيا، تلك الجزر الصغيرة المرجانية شمال خط الاستواء، ولا يزال أصلهم مجهولًا، لكنهم أميل إلى المغول.
ولعل الماوري أهل زيلندة القدماء أكثرهم استعدادًا للرقي، ومن عاداتهم مضغ جذور نبات السرخس Ferns، وذلك بسبب سرعة انحلال أضراسهم وتآكلها، وكان هذا يبدو في الجماجم المعروضة بالمتحف، وهناك بعض آثار أبورجنيز أستراليا، وقليل من بابل والروم ومصر «جثتان وأوانٍ وخرز»، ويلي ذلك في الأهمية قسم الطيور والحيوانات المحنطة، عُرِضَت وسط بيئتها الطبيعية، وأعجبها طير زيلندة العجيب الكيوي Kiwi، ولعله أغرب طيور العالم؛ فليس له أجنحة قط ولا ذَنَب، وخياشيمه على حافة منقاره الطويل النحيل، وريشه يبدو كالشعر تمامًا، والبيض لا يتناسب مع الحيوان؛ فالطائر لا يزيد على الدجاجة الرومية المتوسطة بينما تجد بيضه يحكي بيض النعام حجمًا، وهو جبان نَفُور لا يبدو إلا ليلًا، وكاد أن ينقرض تقريبًا. شكل ?: مشاهد الطبيعة رائعة في زيلندة.
وثَمَّ قسم جيولوجي لا بأس به، وآخر نباتي، وقد استرعى نظري به كتل الصمغ الكبيرة، وزِنَةُ القطعة منها ?? رطلًا، ويُسْتَمَدُّ من جذور شجر الكوري Kauri، وبعض كتله صفراء رائعة جميلة كأنها الكهرمان تمامًا، وقد تُرَى بعض الحشرات داخله، وتُصْنَع منه العقود. متحف فاخر كلفهم ربع مليون جنيه، ويقع على أعلى ربوة تُشرف على المدينة، ويُوضَع في الدور العلوي منه قبر الجندي المجهول وحوله أسماء ???? جندي ماتوا من مقاطعة أوكلند في الحرب العظمى، وقد رأيت المكتبة التي أهداها جورج جراي لها، وبها ?? ألف مجلد.
قمنا بعد الظهر نطوف بالمدينة وضواحيها في عربات السياحة Sightseeing cars، فاخترقنا أهم أحياء البلدة وأروعها شارع Queen الفسيح كثير الحركة، ثم أخذنا نعلو إلى الربى المجاورة، وعلى مدرجاتها تقوم المساكن الصغيرة الجميلة، ويندر أن نرى في المدينة كلها بيتًا يعلو أكثر من طبقتين، وجُلُّ البيوت من الخشب، ويندر أن تُبْنَى بالحجارة أو الآجُر؛ وتلك لكثرة غابات الكوري حولهم ولمتانة خشبه. وقد زرنا ساحة سباق الخيل في متسع هائل نُسِّقَ تنسيقًا يفوق الوصف، ومساحته ??? فدان وهبها أحد الأثرياء، ويُعَدُّ أجمل ساحة للسباق في نصف الكرة الجنوبي، ويتهافت القوم على المقامرة في تلك الحفلات الأسبوعية بشكل يسترعي النظر، وسباق الخيل أحب الملاهي وأكبر طرق المقامرة عندهم.
لبثنا نسير وسط تلك المخاريط وكلها بقايا لبراكين خامدة، وقد تجمع منها في دائرة قطرها خمسة أميال ?? مخروطًا؛ مما يدل على أن المنطقة كانت نهبًا لتلك القوى الباطنية المخيفة أزمانًا، لكنك تعجب إذ لا تجد في زيلندة إلا بركانًا واحدًا ثائرًا اليوم هو Ngauruhoe وسط الجزيرة الشمالية، وعُلُوُّه ???? قدم؛ لذلك كانت جميع الأراضي من تربة سوداء بركانية غاية في الخصب، حتى إننا لم نكد نرى شبرًا لا تعلوه الخضرة، وحتى شقوق أسفلت الطريق كان ينمو بها العشب كثيفًا. أخيرًا وصلنا طرف البلدة الشمالي، وعنده تكاد تتصل مياه البحرين الشرقي، وهو المحيط الهادي، والغربي، وهو بحر طسمان، ولا تعدو مسافة الفصل بينهما ميلًا ونصف، وفي تلك البقعة الضيقة المنعرجة أقيمت أوكلند، لكن خير مراسيها في الشرق؛ لذلك اضْطُرت البواخر من أستراليا أن تطوف بشمال الجزيرة مدة يوم كامل حتى تصلها، ومن ثَمَّ فكروا في حفر قناة تصل الشرق بالغرب، وتُقَرب زيلندة يومًا كاملًا من أستراليا، ويُطْلِقون على أوكلند Gateway of N. Zealand، وكنا نُبْصِر بالأطفال والصبية والفتيات في غدواتهم من المدارس وسط الأمطار الهاطلة وهم يلبسون المعاطف من الجلد البراق، والطراطير، وأحذية الكوتش طويلة العنق في شكل جذاب مضحك، وكثير من الأطفال يسيرون حُفاة، وفي ثياب رثة بعض الشيء، مما لم نلاحظه في أستراليا قط. شكل ?: نبات السرخس الكثيف ينمو في جميع أنحاء زيلندة الجديدة.
عدنا الساعة الخامسة بعد ذاك الطواف الطويل، لكن الجو كان مكفهرًا عبوسًا ماطرًا، والبرد قارسًا، ورغم ذلك استمتعنا بمناظر تلك الربى تكسوها الخُضرة، وتنثرها البيوت الخشبية حمراء السقوف. ولن أنسى منظر الميناء بدت من فوق الربى في جمال فاتن، وتنسيق بديع، وهي التي حدت بالحاكم Hobson سنة ???? أن يتخيرها مكانًا لعاصمة جديدة لزيلندة، إلى ذلك فإنها أسهل اتصالًا بالداخل، وأكثر أشجارًا، وأخصب تربة، أسسها منذ ?? سنة، وأسماها على اسم الملكة فكتوريا؛ لذلك يُطْلَق عليها اسم The Queen city. وأظرف ما يُذْكَر أن تلك المساحة البالغة ثلاثة آلاف فدان شراها من الماوري بالثمن الآتي: خمسين جنيهًا من النقود، وخمسين بطانية، وعشرين بنطلونًا، وعشرين قميصًا، وعشرة أصدار، وعشر قبعات، وأربعة صناديق من الطباق، وصندوق من الغلايين pipes، ومائة ياردة من القماش، وعشر أوانٍ حديدية، وكيس من السكر، وآخر من الدقيق، وعشرين بلطة. وقد وُفِّقَ الرجل في اختياره، وأقبل القوم عليها، فأضحت أكثر البلاد تجارة وسكانًا «??? ألفًا» ومقاطعة أوكلند من أغنى جهات الدنيا بمنتجات الألبان والمراعي، وقد ساعدها جوها المعتدل عن جو ولنجتون فأضحت العاصمة التجارية للبلاد.
(?) إلى ولنجتون

قمت بقطار المساء إلى الجنوب صوب ولنجتون في أقصى جنوب الجزيرة الشمالية، وظل القطار يسير بنا زهاء خمس عشرة ساعة ??? ميل، أي فوق ما بين مصر والأقصر، وسط أراضٍ مموجة تكسوها خضرة قصيرة، وتُسَوَّر بالأسلاك الشائكة قِطعًا كبيرة هي المزارع Sheep farms التي تُرَبَّى عليها المراعي، وكانت تُطْلَق فيها ألوف الخراف في صوفها الأبيض الكث الكثيف، ووجهها الذي يبدو مغضنًا في طيات دائرية بعضها خارج بعض، وسحنتها جميلة جدًّا، وقليل من الأرض يُخَصَّص للأبقار. وبين آنٍ وآخَر كنا نمر بغابة من شجر الكوري والصنوبر، ولما أن قاربنا ولنجتون زاد تعقيد الجبال، وكثرت المسايل المائية والمساقط العالية، وبعض الجداول كان يتلوى ليات ثعبانية متعاقبة، والقرى كانت تقوم بيوتها في بطون تلك الوديان، لكن عددها قليل وبيوتها نادرة، ثم أوغلنا في مجموعة من أنفاق لا حصر لها، وأخيرًا وصلنا العاصمة وسط جو مكفهر قمطرير، وسيل للمطر لا ينقطع، واضطراب للريح شديد، وبرد قارس زمهرير. والبلدة معروفة بتقلب مناخها، وكثرة أنوائها دائمًا، وبخاصة في هذا الفصل فصل الشتاء؛ إذ تَسُودُ رياح جنوبية قارسة البرد، وتزجي السحاب، فيجعل الجو رطبًا لا يطاق، وقد ظل كذلك اليومين اللذين أقمتهما بها، فلم أستطع التجوال إلا راكبًا.
حللت نُزُل Barrats من الفنادق الفاخرة، ثم جاءت سيارة السياحة وطافت بنا البلد وضواحيه، فكان القسم التجاري والحكومي في المنخفضات المُجانبة للبحر، وجُلُّها أرض طمروها على حساب البحر، وأقاموا عليها أكبر المباني من الأسمنت والحجارة، على أن عددها محدود وارتفاعها لا يعلو كثيرًا. وقانون زيلندة لا يُبِيح العلو أكثر من ??? قدم — مع أن نيويورك قد علت بيوتها ??? دور. شكل ?: ولنجتون عاصمة نيوزيلند.
ومن المباني الفاخرة دار البريد والبرلمان والبلدية Town Hall، وبعض البنوك والشوارع لا تتبع نظامًا خاصًّا، بل تتعرج وتحكي أخواتها في أستراليا وأوكلند. أما أحياء السُّكْنَى، فالرُّبَى المعقدة التي يعلو بعضها فوق ??? قدم، وتقوم عليها البيوت الخشبية البديعة في ?يلات من دور واحد، وكانت الصخور تبدو بركانية في الغالب، ومشققة وملتوية لشدة تَعَرُّض تلك البلاد لفعل الزلازل، فلا يكاد يمر أسبوع دون أن يحدث زلزال يضطرب له القوم، وذلك من الأسباب التي دعت إلى إقامة المساكن من الخشب؛ فإنه أكثر مقاومة لهزاتها.
أما منظر الميناء وخلجانها العديدة من فوق تلك الرُّبى، ومن جوانب الطرق الثعبانية المخيفة التي تتلوى على جوانبها صعودًا وهبوطًا، فذلك ما يعجز القلم عن وصفه. وأنت ترى متسعات الملاعب والسباق فسيحة في تلك المنخفضات، وتلك الميناء اختيرَت عاصمة البلاد سنة ???? بفضل اتساع مساحة مياهها العميقة التي تُقَدَّر بعشرين ألف فدان، وبفضل موقعها المتوسط بين الجزيرتين.
ولقد نمت أهميتها حتى شملت تجارتها ثلث تجارة البلاد، وبلغ سكانها ??? ألفًا، على أن جوها العَكِر ووعورة جبالها شجع أوكلند أن تفوقها أهمية، وكان بدء تأسيس المدينة في سنة ????، حين شرت مكانها شركة نيوزيلند، ثم حملت اسم دوق ولنجتون الذي شجع بكتاباته كشف أستراليا وتعميرها، وسيقيمون له مهرجانًا ذهبيًّا لمرور مائة عام سنة ????.
ومن جهاتها القيمة: المكتبة التي أهداها لها تاجر وطني سنة ???? اسمه Alex Turnbull، بها ستون ألف مجلد من أفخر الكتب، ومنها ?? ألف مجلد على جهات الباسفيك وحدها، وكذلك المتحف، وهو شبيه أخيه في أوكلند، ومجموعة الماوري به قيمة جدًّا، وحديقة النبات تحوي مجموعة قيمة من نبات زيلندة، وكذلك حديقة الحيوان، على أنهما صغيرتان بالنسبة لحدائق أستراليا. وقد استرعى نظري اهتمام البلدية بالبلد وأهله اهتمامًا فاق كل حد، فهي تبذل مجهودات جبارة في إصلاح الأراضي، وإقامة المباني والمتنزهات العامة والتموين. وقد أعجبني منظر عربات اللبن تُصفُّ فتكاد تسد الشارع على جانبيه؛ انتظارًا أمام الملبن الذي يعقم اللبن ويعبئه في زجاجات مغلقة، ويُوَزَّع على البيوت كل يوم. ويبلغ مقداره يوميًّا ???? جالون. أما شطوط الاستحمام فنادرة جدًّا؛ لأن الساحل صخري عنيف الموج، إلا في جهات رملها أسود قذر منفر، وفي نهاية تلك النواتئ الصخرية وقفنا نُطِل إلى الجنوب لنرى قبسًا من جبال كايكورو المغطاة بالثلوج في الجزيرة؛ لأن مسافة ما بين الجزيرتين هنا بوغاز كوك لا تزيد على ثلاثة عشر ميلًا، على أن جَماله لم يبد؛ لأن الجو كان أغبر منفرًا.
شكل ?: تكاد بلدة واكا تخفيها الأبخرة الصاعدة من جوف الأرض.
ويُخَيَّل إليَّ أن ولنجتون تفوق أوكلند جمالًا بمينائها بورت نكلسون ذات الرءوس والمداخل الجذابة، وإنْ كان بعض الناس يفضل أوكلند عليها. قمت أودع ولنجتون الجميلة، وإن لم يكن استقبالها لنا كريمًا؛ لأن ريحها الصرصر ومطرها الغزير لازمنا طوال اليومين من ساعة وصول القطار الأول إلى قطار الرحيل. قام بنا القطار شمالًا بشرق، وسكة الحديد هنا تديرها الدولة، ومقياسها أضيق من المقاس العادي، وبها درجتان: الأولى والثانية، وهذه مَطِيَّة الجميع، والعربات مريحة جدًّا، مقاعدها مُعَدَّة لاثنين؛ واحد إلى اليمين، وواحد إلى اليسار، وبينهما طرقة، وهي مغطاة بالجلد المجزع الأحمر الفاخر، وتمر المدافئ تحت القدمين، والقاطرة من نوع ضخم جدًّا قوي ليستطيع الصعود فوق تلك الربى العاتية.
وللدولة ???? ميل، وهي أرخص سكك الدنيا وأكثرها أمنًا؛ فقد بلغ المسافرون في الثماني سنوات الأخيرة ??? مليونًا لم تحدث خلالها حادثة واحدة. أخذنا نشق طريقنا وسط تلك الجبال المعقدة تكسوها الغابات وغالبها من الصنوبر، وتجري من دونها خوانق ووديان ملتوية خلَّابة يدوي فيها الماء ويضطرب. ومن تلك الجبال ما يكسوها الثلج، لكن ذلك قليل جدًّا، وكانت تقوم القرى البديعة في جهاتها المنخفضة، وكلما تقدمنا قَلَّت الجبال، وانفسحت شبه سهول مموجَة تكسوها خضرة لا يكاد يستقيم لها عود، وقد يكسوها عشب قصير ذهبي، وتنثرها بقع تسدها الغابات، وتلك الأراضي كلها مقسمة إلى مزارع تحوطها شباك السلك، والغنم الأبيض يعبث بعشبها، ويُجْهِز عليه في شهية لا تخبو.
ولقد كانت الشياه أحيانًا تُرَى مع صغارها تقرض العشب على جوانب من تلك المزارع زلقة منحدرة، بحيث يخيل إليك أنها لن تستقر في مكانها، وتَعْجَب إذ تَرَى كل تلك الأغنام عديمة الأذناب؛ وذلك لأنهم يبترونها منذ الصغر؛ لكيلا ينصرف مجهودها عن اللحم إلى الدسم والسمن الذي يُكَدَّس في الذَّنَب بدون جدوى.
ولم تقع عيني على واحدة غير بيضاء أو تشوبها بقعة، ولا تزال حال الفلاح هناك قاسية بسبب هبوط أثمان اللحوم والأصواف، وفي بعض تلك المزارع كانت تُطْلَق الماشية والخيول. وفي مواسم الجز Shearing يطوف الجزازون بآلاتهم وينزعون الصوف عن الأغنام، ثم يُرْسَل إلى المفارز لعزله إلى أنواعه الجيدة وغيرها، ثم يُعَدُّ للتصدير، وموسم الجز يبدأ حوالي ديسمبر من كل عام. ومهنة الجز يقوم بها الماوري غالبًا، فيحملون آلاتهم الصغيرة ويطوفون بالمزارع، وفي غالب المحطات كنا نرى مسالك من خشب تَمُرُّ فيها الأغنام فتُجَزُّ، ثم يُشْحَن صوفها في عربات سكة الحديد المُجَانِبَة لها. أخذت تلك المتسعات تزيد امتدادًا كلما قاربنا بلدة Napier، وقليل منها يُزْرَع فاكهة وخضرًا؛ إذ جُلُّها للمرعى، ومتوسط ثمن الفدان منها جنيه، ويزيد بالطبع كلما قارب المدن، أخيرًا بعد ثماني ساعات دخلنا المدينة، وقد تحسَّن الجو كثيرًا بمجرد مغادرتنا لولنجتون، على أن السحاب لم ينقشع تمامًا. والبلدة صغيرة ووسط منطقة غنية جدًّا بمراعيها ومنتجاتها من الألبان واللحوم، وقد استرعى نظري نظافة المدينة وحداثة مبانيها الخشبية البَرَّاقة الملونة، لكني علمت أن زلزال سنة ???? قد دكَّها تمامًا، وقد أكلت النيران جُلَّ مبانيها، لذلك جُدِّدَت في مجموعها. وقد رأينا دار البلدية City hall القديم مهشمًا محترقًا؛ تُرِكَ دليلًا على قسوة الطبيعة في تلك الجهات. ولقد نسقوا شارع البحر بالحدائق والأنوار الليلية الوفيرة في إسراف جميل. قامت بنا السيارة تسير في عقد من جبال لا آخر لها جلُّها تُقَسَّم بأسوار السلك إلى مزارع للغنم غنية بعشبها؛ ولذلك جاد اللحم في زيلندة جدًّا؛ فهي من أُولَى بلاد العالم في ا? Mutton، لكن الصوف قد قلت قيمته، وفسدت فتلَتُه؛ لأن أغنام المرينو يجب أن تمرح في مساحة أفسح وعشب شحيح؛ لِتُجْهِدَ جسمها بالسير طويلًا؛ فيهزل اللحم، ويزكو الصوف. شكل ?: عند مدخل قرية الماوري واكاريواريوا.
ومتوسط المساحة المطلوبة للشاة فدان من الأرض المتوسطة الجودة، هذا إن أردنا لحمها، ومن تلك المزارع ما تبلع مساحته ?? ألف فدان، لكن الحكومة تشجع اليوم توزيع الأراضي إلى مساحات أصغر، ولم تكن تلك المساحات تخلو من الشجر الكثير، وبعض جهات الجبال كان كثيف الغاب، وفير النمو العشبي أسفل الشجر، خصوصًا فصائل السرخس Fern. شكل ?: في قرية الماوري أمام دار الضيافة، وإلى جانبي كيري القائدة.
وكم مررنا بوديان ذات خوانق متلوية وفيرة الماء عنيفة التيار! وكان منظر الوديان من دوننا ساحرًا، وبخاصة من أعلى بقعة اسمها Turanga Kumu على ارتفاع ???? قدم، ثم أخذنا نهبط، وتناولنا الشاي في لوكاندة صغيرة اسمها Taupo هي أكبر بحيرات زيلندة الجديدة، وطالما أبصرنا بقطعان من الخيول البرية تمرح في تلك السهول. أخيرًا في منتصف الثانية مساء دخلنا wairaiki من المحطات البديعة، وتناولنا الغداء، ثم طفنا بوادي فواراتها العجيب بعد أن مررنا بعدة نافورات صغيرة يتصاعد بخارها ويغلي ماؤها. ولما أن انكشف ذاك الوادي أبصرنا به نهرًا كثير الخوانق والشلالات، متحجر الجوانب، وكل مياهه تغلي حرارة، وتنفجر من مصادرها على الجوانب وفي القاع في كثرة مخيفة، وتمتد تلك المنطقة ميلين أو يزيد. والعجيب أنه يَغُصُّ بالنبات الجميل رغم تلك الحرارة المتقدة. شكل ?: فوارة البخار كاربيبتي في وايراكي.
سرنا صوب رتوروا أعجوبة تلك المنطقة، فأوغلنا في أراضٍ مُجْدِبَة بركانية صخرها من النوع المثقب الذي يسمونه Pumice، ولا يصلح للزرع ولا للمرعى قط، ولذلك رأت الدولة استغلاله في غابات الصنوبر، فزرعت مساحات شاسعة من صغار الشجر، ولا تزال دائبة على ذلك العمل، وستصبح تلك الأشجار صالحة لقطع الخشب منها بعد ?? سنة. وفي الرابعة بعد الظهر مررنا بقرية واكاريواريوا ثم دخلنا. (?) رتوروا

التي بدت مدينة كبيرة منسقة أَيَّمَا تنسيق، وجُلُّ أهلها يرتزقون من السائحين، وبها عدد كبير من الفنادق الفاخرة، ويؤمها الزائرون للاستشفاء بمياهها المعدنية أولًا، ولمشاهدة عجائب القوى الباطنة حولها ثانيًا، فما كدت أصل نُزُل Waiwera البديع حتى ألقيت بحقائبي وأسرعت لأرى عجائب ذاك البلد، فقصدت قرية الماوري الصغيرة التي تقع على شاطئ بحيرة رتوروا، وتسمى Ohinim utu، فهالني ما رأيت: بيوت خشبية أنيقة يقطنها الماوري تقوم وسط نيران يتصاعد بخارها من كل ناحية، ففي الطرق وفي حدائق البيوت وإلى جوار شاطئ البحيرة يتصاعد بخار يسد الآفاق، وتسمع له أزيزًا أو دويًّا كأنه يخرج خلال مصفاة من الصخر، وهنا وهناك ترى فتحات يغلي فيها الماء، وتسمع دوي فقاقيعه. وأَعْجَبُ كيف يستطيع هؤلاء الناس، وبخاصة الأطفال، السير وسط تلك الأخطار، وكثير منهم يغترف الماء الحار ليحمله إلى البيت للطبخ أو الغسيل، وبعضهم يستحم في تلك البِرَكِ. وعلى ربوة فوق تلك القرية نَبْعٌ يُسَمُّونَه fairy spring ماؤه لذيذ بارد رائق الزُّرْقَة، يكثر به سمك ملون Trout يلعب في كثرة مدهشة، ويباح للناس صيده، ومن الأطفال من كان يصيد السمكة ثم يسارع فيغمرها في النبع الفوار فَتُسْلَق ويأكلها على الفور. ولقد دخلت كنيسة الماوري هناك، فإذا بنقوشها فاخرة كلها في عمد من الخشب نُقِرَت في أشباح مخيفة، وزُيِّنَت بالصدف كعادتهم، ومنظر تلك البلدة ليلًا يثير الرعب؛ لأن البخار يظهر في وضوح، ويسد آفاق البلدة — فالشمس تُخَفِّفُ من وضوحه نهارًا. ولقد خُيِّلَ إليَّ أنها بلدة تلتهمها النيران، والناس يأوون إلى منازلهم الصغيرة الخشبية تسمع حديثهم ولا تكاد ترى مقرهم من كثرة الأبخرة، وبعضهم كان ينام في «الفراندة» الخارجية ولا يحس البرد على قسوته؛ لأن الأبخرة تحوطه من كل جوانبه.
شكل ??: فوارات زيلندة الجديدة.
عُدت أزور بعض الحمامات، وهي هناك كثيرة، وأكبرها تديرها الحكومة، فما كدت أقرب أكبرها حتى كان البخار يتصاعد إلى عنان السماء، وإذا بالنبع في دائرة قطرها زهاء أربعة أمتار يصعد ماؤه البخار في مدخنة ضخمة ويسمونه نبع Rachell، ومنه تأخذ الأنابيب الماء القلوي إلى مقر الاستحمام، وهو حوض هائل مكشوف إلى السماء أُحِيطَ بالمقاعد والفراندات، واختلط به المستحمون والمستحمات، ويتصاعد بخاره دائمًا وكأنه نبع آخر، ودرجة الماء ???°ف، أي درجة الغليان تمامًا، وهو يضاء بالنور الأزرق البنفسجي ليلًا، فيبدو المنظر رائعًا، خصوصًا إذا نظرته من وسط المتنزهات الفاخرة التي تزين المكان إلى مساحات بعيدة، وأنت تشم رائحة الكبريت تعبق الجو في جميع أرجاء البلدة، وقريبة شبه برائحة حمامات حلوان تمامًا. (?) واكاريواريوا

قمت مبكرًا صباح الجمعة، وأقلتني سيارة إلى قرية واكاريواريوا Whakarewarewa على بُعْد ميلين من رتوروا، وما كدت أصلها حتى أبصرت مجموعة من المساكن الخشبية الأنيقة لا تكاد تبدو من كثرة الأبخرة المتصاعدة إلى عنان السماء من كل فج، وحولها سور وطيء من شرائح خشبية، ولها بوابة من قوائم خشبية حمراء نُقِرَت في أشباح مخيفة كعادة الماوري. نزلت بالباب فتقدم إليَّ جمع من سيدات الماوري وفتياتهم يتمايلن في دلال ويَقُلْنَ: أتريد مرشدًا يا سيدي Guide Sir؟ قلت: نعم، فقَدَّمَتْ إليَّ إحداهن بطاقة اسمها وعليها: Kiri، قلت: وهل هذا اسمك؟ قالت: بل مختصَرُهُ؛ فهو بالكامل: Kiriwakariwi، فأخذت تقودني إلى مفاوز تلك القرية العجيبة: هنا مجموعة من فوارات حارة تقذف بالماء الحار في درجة الغليان إلى عنان الجو، وهناك فتحات يتصاعد منها بخار كثيف وهو يزمجر في صوت مرعب، وفي مكان آخر عيون من الطين الأبيض، وأخرى من الوحل الأسود يغلي في فقاقيع كبيرة، والأرض تحت قدمي أينما سرت تهتز وتَنْفُس عَمَّا في جوفها في أصوات فاترة، وبخار خفيف. وعند بعض تلك العيون ذات المياه الغالية المضطربة رأيت جمعًا من الفتيات يغسلن الثياب وهن يتحادثن ويتسامرن، ويكاد البخار يحجبهن عن الأنظار، وفي مكان آخر أحاطوا بعض الفتحات بألواح خشبية، وعلقوا فيها سلاسل البطاطس أو قدور الشاي، وفي فترة وجيرة يُعَدُّ للأكل أو الشرب، وخلال كل أولئك كنت أرى البيوت الخشبية منثورة، والأطفال يمرحون هنا وهناك في غير وَجلٍ، وبعضهم كان غاطسًا يلعب ويستحم في إحدى تلك البِرَك الصغيرة، ويمر بالبلدة نهير صغير تجد ماءه باردًا هنا، وبعد أمتار يبدو ساخنًا لكثرة ما تُلقي فيه العيون الجانبية، ثم يعود باردًا، وهكذا.
ومن العجيب أنهم يصيدون السمك من فرع منه إلى اليمين، ثم يغمر الطفل السمكة في الشعبة اليسرى الحارة فتُشْوَى ويأكلها على الفور، وأكبر تلك الفوارات يسمونه Pohutu، وقد علمت أنه خمد منذ ثلاثة أسابيع، وعندما يثور يعرفونه بعلامات جانبية من المياه المتفجرة، فتُدَقُّ الأجراس، أو يُنادي المنادي إيذانًا بفورته ليسارع الكل إليه، ويشاهدوا انفجاره الذي قد يصل ??? قدمًا في الجو، وإلى جواره في شقوق الصخر تضع الطيور البرية بيضها؛ لأنه أدفأ لها، وأسهل لتفريخها. شكل ??: ومن النافورات ما يقذف بالأوحال المستعرة.
استرعى نظري بين البيوت بناء خشبي مستطيل كبير أمامه «فراندة»، وكله من خرط الخشب في الأشباح المخيفة، فقلت: وما هذا؟ قالت: دار ضيافة البلدة، وإلى جواره واحد أصغر منه مرفوع على قوائم خشبية إلى السماء هو مستودع الغذاء الذي سيُقَدَّم إلى الضيفان، وفي ذاك البيت الكبير تُعْقَدُ مجتمعاتهم وأفراحهم و«محازنهم» ومراقصهم، وعندئذ يشاطر أهل القرى الأخرى فيأوون إلى تلك الدار.
وكان كثير من السيدات في «فراندات» بيوتهن دائبات على شغل النسج والجدل من ألياف الكتان لُوِّنَت بالأسود والأحمر في أحزمة حول الجبهة، وحول الخصر، وداليات من عيدان الكتان كُسِّرَت أجزاء منها في فِتَل رفيعة، وتُرِكَت أخرى كأنها قصب الغاب الرفيع، وتلك تُلْبَس من الخصر وتتدلى على الثوب أو على الجسد العاري، فتروح وتغدو وتعطي صوتًا يسترعى الأنظار، ويلبسه النساء والرجال. ووجوه القوم سمراء عريضة التقاطيع جميلتها، والشعور غزيرة هادلة سوداء برَّاقة يُرسلها السيدات إلى ما دون الكتفين، والأجسام أميل إلى الغِلظة والسِّمنة، وبخاصة النساء، وفيهن جاذبية كبيرة، وخفة روح؛ إذ لا تكاد تفارق البسمات ثغورهن أبدًا.
والكل أميل إلى الاجتماع يسارع إليك بالحديث والسؤال عنك وعمَّا حولك في رقة زائدة، ويعيشون عيشة مرحة سعيدة لا يحملون همًّا، وسواء أَكَثُر رزقهم أم شَحَّ فَهُمْ سُعداء في كلتا الحالتين، ولا يعبئون بالدنيا أبدًا، ولذلك لم يعرفوا قيمة النقود، ومنهم بعض الأثرياء الذين يمتلكون مئات الألوف من الجنيهات، لكنهم يبددون منها بمقادير غير معقولة، وبعضهم بدد ماله كله ولا يزال يشعر بالسعادة، ولا يبدي من الهَم ِّشيئًا، وحتى فقراؤُهم وحفاتُهم الذين كنا نراهم في ثياب خَلِقَة كانوا يتقدمون إليَّ في رقة ويتطوعون للإرشاد، ولا يبدو عليهم إِلْحَاف في طلب شيء من الهبات قط؛ فإن قدمت إليهم شيئًا تسلموه شاكرين، وإن لم يكُ من ذلك شيء انصرفوا باسمين غير ممتعضين.
ومنطقهم عذب سائغ موسيقي، وجميع الحروف تبدو ممطوطة ناعمة تشبه اللغة الطليانية، وكل حرف في الكلمة لا بد أن يُنْطَق في وضوح، وفي غير إدغام. وكنا نرى جُلَّ أسماء البلاد والجبال تحتفظ بأصلها الماوري، وتحاول الدولة الاحتفاظ بتلك الأسماء ما استطاعت. والماوري فصيح ذلق اللسان خطيب بالفطرة، وهم يباهون بأدب لغتهم، ويفاخرون بعضهم ببلاغتهم في القول.
عُدت من تلك القرية السحرية التي يعيش أهلها وسط أتون متقد مضطرب صباحَ مساءَ وهم ناعمون راغدون، وقد اخترقت قنطرة على جانب من النهر الذي يجري فيه الماء الساخن، وكان الأطفال يَثِبُون من أعلى القنطرة إلى ذاك الماء ليلتقطوا الدريهمات التي يلقيها السائحون فيه. والماوري هؤلاء يختلطون بالبيض في إخاء ومساواة كاملة، مدارسهم واحدة، وحقوقهم متعادلة، ولهم أعضاؤهم في البرلمان، على أن الدولة تميل إلى منعهم من المصاهرة مع البيض حتى لا ينقرض الماوري باندماجه في الجنس الأبيض وافر العدد، فمجموع سكان البلاد ??????? منهم ????? من الماوري.
وايمانجو

قامت بنا السيارة إلى رحلة Waimangu؛ فسِرْنا في أرض بركانية تعلو وتهبط ويندر نبتها، ثم دخلنا في مجموعة مخاريط بركانية أعلاها Tarawera بِلَوْنِه الأسود المغبر، ثم أشرفنا على هوة تركنا عندها السيارات وأخذنا نسير على الأقدام فوق أرض مرتجفة خلال خوانق عميقة كلها تصعد أبخرة ومياهًا تغلي، ثم وقفنا بِهُوَّةٍ مستديرة مشرفة الصخور تملؤها المياه الزرقاء الصافية في حرارة مضطربة، وإلى يمينها أخرى أصغر منها وأعلى مستوى، وبها ماء درجته ساخنة لكنها دون الأولى حرارة، ثم هوينا إلى خانق يجري وسطه ماء يتلوى يستمد من فوارات الضفاف التي لا تخبو أبدًا. شكل ??: يغتسلن في مياه الفوارات الطبيعية.
وأخيرًا أشرفنا على بحيرة فسيحة ماؤها صافٍ، وركبنا الزورق البخاري، وما كدنا نخرج من الخلجان الجانبية حتى بدت شواطئها في مداخن مستمرة إلى مد البصر، ويسمونها بحيرة Rotomahana أي المُسْتَعِرَة، ثم تسلقنا الرُّبَى مشيًا إلى بحيرة أعلى منها، وأعظم مساحة، وهي بحيرة Tarawera التي انفجر من حولها البركان في آخر ثوراته سنة ???? فَغَيَّرَ معالم المكان؛ إذ أباد بلادًا وبحيرات، وملأ أخرى بالمياه المُسْتَمَدة من فواراته، وقد أرونا بقايا القريتين اللتين طمرهما بالطين الحار وأهلك أهلهما من الماوري، وقد كان هناك بعض مساكن للجنس الأبيض وبعض الفنادق الكبيرة فأتى عليها جميعًا. اخترقنا جانبًا من تلك البحيرة في زورق آخر، ثم ركبنا سيارة هناك مَرَّت بنا في غابات من الصنوبر الذي زرعته الدولة للمستقبل، ثم بدت أمامنا بحيرتان: الخضراء إلى اليسار، والزرقاء إلى اليمين، والمكان مُحَاط كله بمخاريط البراكين التي لا تُحْصَى، ولا تكاد تغيب عن العين الأبخرة المتصاعدة.
شكل ??: الطبخ والتسخين على حرارة الأرض في نيوزيلند.
وأخيرًا ظهرت بحيرة رتوروا نفسها وعلى جوانبها مدينة رتروا وقرى الماوري التي زُرْناها من قبلُ: منطقة ساحرة أُحِيطَت بمجموعة من روائع الطبيعة من بحيرات وجبال وغابات ووديان وأخاديد، وزُوِّدَت بتلك الفوارات والمياه المعدنية الحارة في شكل لم أعهده من قبل، اللهم إلَّا في أيسلندة بشكل أصغر منه هنا، وهي تلي في ذلك فوارات يلوستون بارك في جبال الرُّكي من غرب الولايات المتحدة.
فيلوستون بارك، ورتوروا، وأيسلندة قد احتكرت منابع الفوارات في العالم تقريبًا، ويسمونها Gysers، وهي باللغة الأيسلندية تدل على النبع الفوار. تَعْجَبُ إذ ترى الناس يعيشون مطمئنين إلى تلك المخاطر المُحْدِقة بهم، فإذا خاطبتهم في ذلك قالوا: ذلك خير وأجدى؛ لأن كثرة تلك الأبخرة المتصاعدة عندنا من بواطن الأرض هي خير ضمين بعدم حدوث انفجارات عنيفة، أو زلازل مدمرة، فكأنها صمام الأمن Safety Valve لبلاد نيوزيلند كلها. شكل ??: تنتظر الغادة ريثما تشوي سلة البطاطس في حرارة الفوارات.
حل المساء ودخلتُ غرفة الطعام، وإذا بمُظاهرة ترحيب بي من ركن من أركانها، ولما أن ألفيت جمعًا من السيدات الأمريكيات اللاتي كن معي على ظهر الباخرة نياجرا حييتهم، وأخذنا نقصُّ ما راقنا من تلك الجهات، فقلن: هلَّا جئت معنا لتحضر Maori Concert؟ قلت: نعم، فذهبنا لحضور ذاك الحفل، فأخذ فتيات الماوري بجمالهن الساحر، وأرديتهن الجذابة، وإلى جوارهن الفتيان يعرضن علينا طرفًا من غنائهم ورقصهم Poi، فكانت الأنغام مشجية، وجلها محزنة من نغمة الصبا، وقريبة شبه بأنغام هواي. وكان الجميع يغنون سويًّا، ومنهم الصوت الرفيع والغليظ في انسجام بديع، ثم عرضوا رقصات مختلفة؛ فرقصة الزوارق وهن جلوس وراء بعضهن وأرجلهن ممدودة، وأذرعهن تلمس الأكتاف، ويحركن الأذرع والأرجل، فيُخَيَّلُ إليك أنهن جمع من البحارة يجذفون ويرتلون. وتلك أحب الرقصات إليهم؛ لأنهم شُهِروا بقدرتهم على بناء الزوارق النحيلة وركوبها في عرض المحيط الهادي المديد، ثم رقصة الفرح، ويقفن صفوفًا متباعدة، وكل صف يبدي حركات تغاير الآخر بالأيدي والأرجل، وصفٌّ واقف والتالي له راكع أو جالس.
ولعل أغرب الكل ما يسمونه Haka، وفي ذلك تنتهي الرقصة أو الأغنية بتكشير السِّحن، ولَيِّ الجباه، وتعويج الخدود، وفتح الأبواق، وإخراج الألسن في شكل بشع، ويشفع ذلك بصيحة مزعجة، ويحاول كل رجل وسيدة أن يُظْهِر حركات غير التي يظهرها الثاني، إلى ذلك الرفس بالأرجل، وتلك يُقْصَد بها تخويف العدو أو التهكم عليه، أو إدخال السرور على الإخوان، كل نوع بحسب المناسبة التي تتطلبه، وتلك من أقسى الدروس التي يُدَرَّب عليها أطفالهم، ولا يُحْتَرم الواحد منهم إلا إذا أتقنها، مع أنها تبدو في ظني مظهرًا وحشيًّا منفرًا، وقد تُعْرَف هذه برقصة الحرب أحيانًا. وكنت أرى الأطفال يتمرنون عليها في ألعابهم الخاصة وسط الطرق، وكلما تحدثت إلى أحدهم بدرني قائلًا: هل رأيت الهاكا Haka؟ كأنها أهم شيء في نظرهم، وثَمَّ رقصٌ دينيٌّ، وكانت ديانتهم خليطًا من الخرافات وعبادة الجن، والوثوق في السحرة من القساوسة، ويظهر أن الماوري عَبَدَ الطبيعة إلى حد كبير؛ لأنك تراه يتخذ من مظاهرها أسماء له ولذويه، ويميل إلى دفن جثته عند موته في مكان ناءٍ منعزلٍ وسطَ غابة، أو على بركان، أو فوق ذروة جبل، وعندئذ يُصبح المكان مقدسًا يحرم أن يقتل الإنسان حول القبر طائرًا أو حيوانًا، وإن فعل عرض نفسه للقتل. وكنت أرى تلك القبور الفردية قائمة وسط الشجر في طريقنا، وهم في ذلك يشبهون اليابانيين. والماوري يُعَدُّ من أكثر الشعوب الفطرية عقلًا ورزانةً، واحترامًا للنظام والقانون، واستعدادهم للرقي عظيم، وذوقهم الفني تلمسه أينما سرت في ملابسهم وشعورهم، وتنسيق بيوتهم، وبخاصة صناعة نقر الخشب وترصيعه، وموسيقاهم مشجية. ومن فنونهم التي كانت شائعة: النقش على الوجوه في رسوم مختلفة، ولا يزال يُرَى أثر ذلك في المسنين منهم، وبخاصة النساء، فكنت أراهن وقد خضبن ذقونهن بالوشم الأزرق في أشكال عدة، لكن تلك العادة آخذة في الزوال اليوم، إذ قَلَّمَا كنت أشاهدها في الجيل الناشئ.
وايتومو ومغارة اليراع

ثم عرجت على Waitomo على بُعْدِ مائة ميل إلى غرب رتوروا؛ لأزور مغاراتها ذائعة الصيت، فدخلت مجموعةً من مغارات تفوق تلك التي حدثتك عنها في الجبال الزرقاء قرب سدني بأستراليا، لكنَّ أعجوبةَ الجميع مغارة اليراع Glow worm Grotto، دخلناها وبعد أن قطعنا مفاوز ملتوية أشرفنا على بحيرة فوقها أقبية طبيعية، وهنا رأينا عجبًا: رأينا سماء تتلألأ بثريات تعدها بالملايين، وهي تُبهر النظر بضوئها، وتحتها ماء البركة يعكس أضواءها في مشهد عجيب. شكل ??: شاطئ البحيرة الملتهبة روتوماهاتا في زيلندة.
ويتدلى من الأقبية خيوط رفيعة في طول بين الشبر والشبرين، وتلك مادة تفرزها اليراعة من فمها، وتتدلى بها هكذا لِقَنْصِ فريستها من البعوض والذباب والحشرات الصغيرة التي إذا ما رأت ضوء اليراع طارت إليه، ومتى لمست الخيوط التصقت بها فلا تستطيع الإفلات، وعندئذ تلتهم اليراعة الخيط أولًا حتى تقرب الفريسة منها فتمتصها، ثم تأكل ما بقي منها، وتلك الخيوط تبدو محببة بيضاء. واليراعة في ضِعف حجم الذبابة العادية، وهي لا تَسمع ولا تَرى، لكنها تحس تموجات الأثير بسرعة عجيبة، وعندئذ تخفي ضوءها لكيلا يراها أحد؛ لذلك نبهنا الدليل أن نسير على مهل، وألا نتكلم قط ولا نسعل أو نبدي صوتًا أو حركة عنيفة ونحن نركب زورقًا تحت تلك السماء المتلألئة.
وتلك اليراعة تمر على أطوار أربع: البَيْض، والدودة الصغيرة ثم الكبيرة — وهنا أكبر نشاطها وأقوى ضوئها — ثم طور الفراش. وتلك المغارة هي الوحيدة من نوعها في العالم، ويعدونها إحدى عجائب الدنيا، فكيف سلك اليراع سبيله إليها؟ وكيف آوت طائفة من الحشرات في مائها الآسن؟ ذلك ما لا يعلمه إلا علَّام الغيوب.
(?) الماوري

قمت أبرح رتوروا عائدًا إلى أوكلند مُوَدِّعًا طوائف الماوري أول من عَمَّر بلاد نيوزيلند، فلقد وفدوا إليها جماعات متفرقة بدأت أُولَاها سنة ????، وأكبر مجموعة منهم وصلت سنة ????، ويذكرونهم باسم Tohungas أو القساوسة، ويفاخرون بالانتساب إليهم، وكلٌّ منهم إلى اليوم يعرف الزورق الذي جاء عليه جده فيقول لك الواحد: أنا وفدت على Arawa، والآخر يقول: لا، بل على Tokitimu أو Tainui، أو Aotea أو Tokomaru. ويخالونهم وفدوا من تاهيتي المجاورة ويسمونها Ha wauki، ويقول مؤرخوهم: إن أول كاشف لنيوزيلند الملاح Kupe من جزيرة Raiatea إحدى جزائر سوسيتي، ورفيقه Mgake سنة ???، وعادا يَقُصَّان عن تلك الأرض الغنية غير المسكونة، وقد أسموها Ao-tea-roa أي الأرض المشمسة. شكل ??: رقصة ماورية.
وقد مضى قرنان ونصف بعد ذلك ولم يذهب أحد منهم إليها، لكن زيلندة قد دخلها قوم من أخلاط الميلانيزيين والبولنيزيين، وهؤلاء قد استعبدهم الماوري، ولا تزال منهم بقية في جزائر شاتام، ويقول العالم الأثنولوجيست الماوري Ti Rangi Hirowa: إن سبب هجرتهم الضغط عليهم بالحروب في جزائرهم الأولى وتكاثر عددهم في تلك المساحات الضيقة، ولا يُعْرَف منشؤهم باليقين؛ ففيهم الدم المغولي، وبعض أسماء أماكنهم، وكذلك هم قريبو شبه بالزنوج في ضخامة أنوفهم وشفاههم، ولكن المظهر الغالب الأبيض القوقازي، فهل كان أصلهم من هنود أمريكا وفدوا إلى الجزائر، أو من مصر جاءوا عن طريق الهند واليابان؟ ذلك أمر لا يزال يفتقر إلى إثبات، ولقد حار العلماء في ذلك حتى أسموا الماوري لغز المحيط الهادي Riddle of the Pacific، ولقد ظلوا أصحاب البلاد حتى جاء الجنس الأبيض، وأول من رآهم طسمان سنة ????، ثم تلاه كابتن كوك سنة ????، ولما بدأ وفود الأوربيين خشي الماوري أن يُغْلَبُوا في بلادهم، فشنوا الحروب عليهم، خصوصًا وأن طبقة المهاجرين الأوائل لم تكن من خيرة الناس خُلقًا، بل من المنفيين والمجرمين، فأساءوا إلى الماوري، واستبوا نساءهم. ولقد دوخت تلك الحروب الأوروبيين وأدهشتهم بمهارة استعدادها، وخفة حركاتها، على أن عددًا لا بأس به ظل مواليًا للإنجليز، وذلك هو الذي قَصَّر أمَد الحروب، وتخصهم الدولة الآن بزهاء ستة ملايين من الأفدنة هي وَقْفٌ عليهم وعلى ذويهم.
شكل ??: رقصة الپوي أحبها لديهم.
ولما رآهم كوك لم يكونوا يعرفون زراعة الحبوب، ولا صناعة الخزف والمعادن والجلود، ولم يمارسوا الرعاية، وجهلوا الكتابة والقراءة، لكنهم استطاعوا أن يعيشوا بين الهمج مُسَوَّدِين ممتازين بفضل جدهم وذكائهم، ولقد كانوا موضع الاحترام، ومثار الفزع، بذئابيتهم القاسية، ووجوههم المنقوشة، وحروبهم الشعواء، وشجاعتهم النادرة، خصوصًا في الملاحة وجَوْب البحار، على أن ميلهم للمعاشرة، وفرط أدبهم وحبهم للاستطلاع، واستعدادهم للتعليم والتجارة، ساعد على سرعة اختلاطهم بالأجانب.
وكانت معيشتهم في نظام «كميوني» شيوعي يسوده زعماء أشداء، ويدعمه سياج من تقاليد أسموها تابو Tapu. وكانت تقوم ديانتهم على عبادة الأصنام المنوعة، وكان قساوستهم الملقبون Tohunga هم أطباؤهم ورواتهم، ولم يزد عددهم على ??? ألفًا، وقد نزل اليوم إلى ?? ألفًا بسبب الحروب وفَتْكِ الأمراض الصدرية بهم، ورداءة الحال الصحية بينهم، ولاستخدام الطباق والخمور والملابس الأوروبية. لكن ظهر منهم علماء خدموا جنسهم، وعنوا بثقافة بني جلدتهم، وبدأت دماؤهم تختلط بالبيض، وأكثرهم ينزل حول منابع المياه الحارة لأنهم استخدموها في شئونهم، ولا يزالون يحتفظون بالكثير من عاداتهم، من بينها: التحية بمسح الأنوف ووضع اليد في اليد، أما التقبيل فيحتقرونه ويمجُّونه — وزهاء نصف سكان العالم كذلك: المغول والملايو والپولينيزيين — إلى ذلك لبس المعاطف من أهداب الكتان، والتزين بالريش، وسماع الموسيقى، وممارسة الرقص، وهم ميالون إلى الرياضة، ورغم أنهم مهروا في كرة القدم والجولف؛ فإنهم يحتفظون بألعابهم، وبخاصة السباحة، وقنص الطيور، والمسابقة بالزوارق.
شكل ??: رقصة البحر عند الماوري.
أقلني القطار عائدًا إلى أوكلند، وقد كثرت في الطريق مزارع الأغنام، وتعددت البلاد الصغيرة التي يشتغل أهلها بتصديرها هي ومنتجاتها، وكنا نرى كثيرًا من مصانع الجبن والزبد واللحوم، ويقولون: إن مقدار الفيتامين الذي بها يفوق نظائرها في البلاد الأخرى بفضل وفرة الشمس وجودة العشب. وقد استرعى نظري في الطريق أشجار يسمونها Cobbage tree كالنخيل الرفيع ينتهي بفروع على كل «شوشة» مسننة «كاللاتانيا»، وكذلك فاكهة مستديرة الشكل Passion fruit بغشاء قرنفلي مُسْوَد سميك كالجلد، إذا كسرته ظهرت به مادة كالطماطم شكلًا وطعمًا، وهم يحبونها جميعًا رغم أني ألفيتها منفرة المذاق جدًّا. وفي صباح السبت ?? يوليو غادرتُ زيلندة الجديدة، تلك البلاد التي أحببتها الحب كله، فهي قارة أو عالم مصغر حوى بدائع الطبيعة جميعها من جبال وثلوج وغابات ووديان وبراكين وفوارات وسهول ومروج، كل ذلك تراه في الجزيرة الشمالية، ولقد فوَّتني قِصَر الزمن زيارة الجزيرة الجنوبية بمشاهد روائع جبالها وثلاجاتها، وبخاصة حول قمة Cook وفيوردات شاطئها الجنوبي الغربي البري الذي لا يقطنه أحد، وسهول كانتربري الهائلة مقر مزارع الغلال؛ ففي تلك الجزائر مجال لكل زائر مهما اختلفت نزعته، وحتى الحيوان الذي كان نادر الوجود بها أضحى اليوم وفيرًا. وتَعْجَب إذ تعلم أنه عندما كشف كوك الجزيرة لم يكن بها أي حيوان من ذوات الأربع، وأقدم ما تراه اليوم هناك الحلوف، ولقد كان مع كوك في سفينته قليل منه يوم وصل البلاد، فأطلقها هناك فسارت في الأرض ونما عددها اليوم؛ لذلك لا تزال البلاد عديمة الوحوش والأفاعي. وأهل البلاد بلغوا من المدنية والتهذيب حدًّا كبيرًا يفوق كثيرًا من بلاد أوروبا ولمَّا يزد عمرهم هنا على مائة سنة؛ إذ أول استعمار منظم للبلاد بدأ سنة ????، ونحو ??? من السكان اليوم وُلِدُوا في زيلندة، و??? في إنجلترا، أعني أن زهاء ??? من السكان من أصل إنجليزي، و?? من الماوري، وفوق نصف الناس من سكان المدن؛ لذلك قَلَّ عدد القرى التي كنا نصادفها في سفرنا هناك.
والدولة تشرف على الكثير من موارد الإنتاج، ولذلك كانوا موظفوها زهاء خُمْس مجموع السكان، وهم يُؤْثِرون التوظف في الحكومة؛ لأنها تدفع لهم أجورًا عالية. وليس للدولة دِين خاص، وجو البلاد معتدل جميعًا، وهو صحي إلى أكبر حد، فنسبة الوفيات عمومًا ???? في الألف «أستراليا ????، وإنجلترا ????، وأمريكا ????»، وبين الأطفال دون سن السنة ????? في الألف، وهي أصغر نسبة في الدنيا جميعًا، وكذلك متوسط العمر فهو ?? سنة للرجال و?? للنساء، وتلك أعلى نسبة في الدنيا.
والسكان مرحون اجتماعيون مؤدبون كرام يسارعون بالمصادقة، ولا عجب فتلك صفات أكسبهم إياها ركوب البحر، فهم ملاحون بفطرتهم، ومن كان يدير السفن لا بد أن يسحر المسافرين بظرفه وأدبه، والزيلندي أكثر سكان الأرض ركوبًا للبحر وقطعًا للمسافات البحرية الشاسعة. وأساس موارد البلاد مزارع الرعاية وما تنتج من ألبان ولحوم وأصواف، تلك التي يجزونها باليد والآلات. وقد بلغ من مهارتهم أن الرجل ينزع الصوف كله من الشاة قطعة واحدة فيبدو كأنه الفرو. ولا بد أن تُغْمَر الخراف قبل الجز في سائل مُعَقِّم.
شكل ??: تلك الرقصة قريبة شبه برقص الريف عندنا.
ويناهز عدد الأغنام بها أربعين مليونًا — لا يجاوز المرينو المليون؛ لأن اللحم هو الأساس وليس الصوف كأستراليا — والماشية ملايين، أي أن كل فرد من السكان له بقرة حلوب، وتسعة عشر رأسًا من الغنم، والقوم أغنياء لأن مجموع ثروة الأفراد قُدِّرَ بنحو ??? مليون جنيه، أي ??? جنيهًا لكل فرد. وتوزيع الثروة متعادل لا تكاد تحس فوارق الطبقات قط، ومستوى المعيشة مرتفع جدًّا، وحاجياتهم متعددة حتى بين أفقر الناس. ويُعَدُّ الزيلندي من كبار أكلة اللحوم؛ فمتوسط استهلاك الفرد يقرب من رطل من اللحم يوميًّا، ونصف رطل من السكر، وسبعة أرطال من الشاي في العام، فإذا استبعدت الأطفال والمرضى كان استهلاك الفرد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، وبَعْد الشاي في الشُّرب الجعة والويسكي، ويكاد يشرب الشاي مع الأكلات جميعًا، ولا يحبه إلا قويًّا أحمر اللون قاتمًا. أما الألعاب وانهماكه في مختلف أنواعها، فذلك أمر يسترعي النظر؛ فهو لا يقل عن الأسترالي في ذلك، وأنت ترى حوانيت بيع مهمات اللعب في كل شارع، وفوق نصف أوراق الجرائد نَشْرٌ عن الألعاب المختلفة، وبيع تذاكر السباق والكرة والجولف وما إليها، يُعْرَضُ ويُرَوَّجُ له بإعلانات كبيرة تُعَلَّق في كل مكان، وقد حضرت يوم لعب فريق منتخب زيلندة مع فريق إنجلترا، فهالني ما رأيته من تهافت على شراء التذاكر وزحام مدهش داخل الملعب وخارجه.
شكل ??: الرقص ضروب شتى عند الماوري.
قمت أودع تلك البلاد التي حباها الله في نطاقها الضيق الذي لا يزيد على مساحة إنجلترا إلا القليل بجميع محاسن الدنيا: جو بديع مشمس لا تبلغ حرارته في الصيف حد المضايقة، ولا تنزل في الشتاء إلى ما دون ما تشتهي النفس، وأرض وفيرة الخيرات من خصب في التربة، وملاءمة للحبوب والفاكهة والرعاية والغابات، إلى معادن في كنوز لا تزال ذخرًا للمستقبل، وروائع للطبيعة لا تجتمع في مثل هذا الحيز من بلاد الأرض الأخرى، وأناس هم للظُّرْف عنوان، وللأدب والكرم مورد، وحتى الماوري من الإنسان الفطري كان أجمل همج العالم خِلقة، وأدناهم من الرقي ذوقًا، وأكثرهم ظرفًا وأدبًا.
ومن العجيب أنها آخر البلاد التي كشفها الجنس الأبيض، رغم أنها أنسبها لسكناه، وذلك لشديد بعدها عن العالم، فهي في معزل عن سائر القارات وحتى عن أستراليا نفسها، فهي تبعد عنها بنحو ???? ميل، وعلى الرغم من أنَّ ذلك قد وقف في سبيل رقيها الاقتصادي والتجاري، فإنه أفادها من حيث مجموعة سكانها؛ لأن بعد الشقة قد نجاها من الفقراء والجهلة، ومن أقل الناس إقدامًا وجرأة وكفاءة، فالمهاجرون إليها جاءوا عن طريق الحكومة البريطانية، أو من الأثرياء المقتدرين على جوب تلك البحار الشاسعة؛ لذلك نشأ بها شعب ذكي نشيط، انتشر على قلته في مساحتها التي تعادل مساحة إيطاليا، وتزيد قليلًا على مساحة الجزائر البريطانية نفسها.

أمريكا الشمالية


(?) عبر المحيط الهادي إلى أمريكا

ركبت الباخرة الأمريكية Monterey لشركة Matson، وهي من أجمل بواخر هذا الخط وأكبرها، وكان في وداعي على البحر بعض الأصدقاء الذين تعرفت بهم في رحلاتي هناك، وقد أحضروا إليَّ بطاقات الزهور، وعندما آذنت الباخرة بالرحيل نزلوا إلى الرصيف، وأخذوا يقذفونني بكرات من أشرطة الورق الملون، أُمْسِكُ بطرفٍ وهُمْ بالطرف الآخر؛ لتظل صلة المودة متصلة بيننا إلى أبعد حد، وكلما تنحت الباخرة عن المرسى أطالوا الشريط. وكان جمهور المودعين الكثيف يسد الجو بتلك الأشرطة. وأخيرًا بدأت جوانب الميناء تتضاءل وتتقارب وينحصر جمالها حتى كنا في عرض البحر بعد ساعة من الزمن، ثم ظلت جبال زيلندة وجزائرها الصغيرة تبدو طوال النهار، وكان جل المسافرين من الأمريكان والأستراليين والزيلنديين، وكلهم متقاربون في الخِلْقة والخُلُق، وكان المحيط الهادي رفيقًا بنا وديعًا، فلم يحرك من غضب موجه شيئًا مع أنَّا كنا نقرأ أن زوابعه المجانبة لشواطئ اليابان، وتُسَمَّى تيفون، تجتاح تلك البلاد وتدمر من قراها وتتلف من أرواحها الكثير، وظل على هدوئه هذا ثلاثة أيام إلَّا قليلًا حتى أقبلنا على جزائر فيجي.
جزائر فيجي

فانفسح أمامنا خليج مستطيل تَحُفُّه جوانب جبلية تكسوها الخضرة الكثيفة، ويزين مدخله عقد من زبد البحر ورغاويه يبدو أبيض، ويكاد لا يترك من المدخل إلا شطرًا ضيقًا، وذلك حاجز مرجاني Coral reef، كنا نرى بعض نواتئ شعابه بارزة فوق الماء، وعليه تتكسر الموجات فترغي وتعطي ذاك اللون الأبيض الجميل. رسونا على رصيف الميناء وكان الجو أغبر ماطرًا، لكنه ما لبث ينكشف، وما مضى الظهر حتى بدت الشمس ناصعة بين بقع السحاب المنثور. أخذنا سيارة طافت بنا زهاء ساعتين بين وهاد ونجاد تسدها الخضرة سدًّا، وهنا وهناك تبدو الأكواخ الخشبية في الأحياء الراقية، وأخصاص من الحشائش للأحياء الفقيرة، والناس جلهم من الفيجيين ذوي الوجوه المفلطحة العريضة، والأجسام المفتولة الطويلة، فهم من العمالقة نساء ورجالًا.
شكل ?: «نبتيون» إله البحار يشهد لنا باجتياز خط الاستواء، ويتهدد من يمسنا بسوء، وقد أسبغ علينا هذه الدبلوم المذيلة بإمضائه الكريم.
وأعجب ما يسترعي النظر فيهم شعرهم؛ فهم جميعًا يتركونه ينمو رأسيًّا في هالة قد تزيد على الشبر طولًا للنساء والرجال معًا، والشعر أجعد خشن أسود، وقليل منه مصفر، وهم يسيرون حفاة الأقدام عراة الرءوس دائمًا، أما الملابس فتحكي لفائف الهنود أسفل الجسد في ألوان مزركشة، واللون الأحمر غالب عليها، وقد يُتْرَك أعلى الجسد عاريًا، وهم على جانب كبيرة من الرقة والوداعة، ينظرون إليك ويبتسمون، ثم يسارعون بالحديث والتودد إليك، ولا يهمهم من أمر الدنيا شيء، فهم قانعون أبدًا ويشعرون بسعادة الحياة كاملة، أما سحنهم فمنفرة في الغالب، وإن كانت أجسادهم جميلة أميل إلى السمن.
ويختلط بهم الهنود في كثرة عجيبة في المدينة والقرى جميعًا، ويقومون بغالب الأعمال التجارية، وشتان بين أجسادهم الناحلة الضئيلة وجسوم الفيجيين كاملة النمو. زرنا بعض مدارسهم — وللفتيان مدارس معزولة عن مدارس البنات — وكان عدد المدرسة أربعمائة طالب منهم من يفوق العشرين عامًا في السن. وهي مدرسة ابتدائية تديرها جماعة المبشرين، ولا يكادون يتقاضون من المصاريف إلا النادر، ولا تزيد على خمسة شلنات في العام، وهم يضعون في كل حجرة طائفتين من الطلبة: قسم للهنود، وقسم للفيجيين. ويتعلمون الإنجليزية ثم لغتهم الخاصة. ولغة الفيجيين لم تكن تُكْتَب، لكنهم يكتبونها اليوم بحروف إنجليزية.
وبعض الفِرَق كانت تتدرب على فلاحة البساتين، وكانوا يزرعون التابيو كاشتلا، وأخرى كانت في درس أشغال يدوية يصقلون قشور النرجيل وينقشونها ليصنعوا منها كئوس الشرب، وقد بدأ الفيجيون يحقدون على الهنود الذين كادوا يحتكرون كل شيء؛ فعددهم في الجزائر كلها زهاء ?? ألفًا، مع أن عدد الفيجيين ?? ألفًا، أما سكان مدينة سو?ا فهم ?? ألفًا، وهي العاصمة، وتقع في الجزيرة الرئيسية Viti Levu. جزائر عديدة تفوق ??? جزيرة، لكن المسكون منها زهاء ??، ويخترقها خط طول ???°، فبعضها يقع غربه والبعض شرقه، والذي يسير من الغرب — كما نسير نحن في رحلتنا — يربحون يومًا، فلقد كان يومنا أمس الثلاثاء ?? يوليو، فأصبحنا اليوم الثلاثاء الثاني أيضًا ?? يوليو، وكنا نعتقد أنه الأربعاء فَقِيلَ لنا: لا، بل الأربعاء غدًا، أما إذا كنا وافدين من الشرق من أمريكا سائرين إلى الغرب، فإذا كان أمس الثلاثاء فاليوم الخميس إذا اجتزنا الخط ومررنا بالنصف الغربي بالجزائر، وبذلك نخسر يومًا يضيع علينا فلا نذكره، ولقد قابلنا ركاب باخرة أخرى في سو?ا، وكان المسافرون معتقدين أنه يوم الأحد فأصبحوا هنا الثلاثاء، وبذلك «نطوا» الاثنين.
شكل ?: رقصة الها كا في مظهرها البشع.
وأني لأعجب لسرعة تغير الجو، فلقد أصبح الحر لا يُطَاق هنا والشمس مُحْرِقَة، والسير مُجْهِدًا، مع أنه منذ ثلاثة أيام كانت تصطك أسناننا من أثر البرد القارس يوم برحنا زيلندة! وماذا عسى أن يكون الحر في الأيام القليلة الآتية ونحن مقبلون على خط الاستواء — وجزائر فيجي تقع على ??° جنوبًا تقريبًا — والشمس عمودية الآن على عروض الشمال ??°ش، والفيجيون شعب من الميلانيزيين الذين ينتمون إلى الجنس الزنجي، والجزائر مُستعمَرة بريطانية منذ ????.
أخذنا نطوف سيرًا على الأقدام بعد أن تركنا السيارة، ونسير من ربوة لأخرى وسط أراضٍ وفيرة الخصب، متعددة الثمر والشجر، وكنا نبصر بوفرة الأناناس والمانجو والباباز والتابيوكا والتارو taro، وهو جذر شجيرة كالموز منتفخ من أسفله — كالقلقاس — يُعِدُّون منه مادة نشوية مغذية. أما النرجيل فَحَدِّثْ عن كثرته، فأنت ترى شَجَرَهُ في كل مكان، خصوصًا إزاء الشاطئ، وعنده ترى الشجر منحنيًا إلى الماء دائمًا رغم علوه الشاهق، وتلك من طرق النشر الطبيعي؛ لأن الثمر الكثيف إذا نضج سقط بعضه على الماء فحملته الأمواج بعيدًا إلى الجزائر الأخرى، فنما شجرًا جديدًا، وانتشر بذلك هذا النوع. وكنا نرى القوم دائبين على أكله وشرب مائه اللذيذ، وهم يجهزون دهنه ويبيعونه ليدهنوا به جسومهم مقاومةً للحر، وتقويةً للشعر، وتجميلًا للبشرة كما يقولون، ولذلك كانت رائحة الجزائر كلها أينما سرت والناس جميعًا تشع هذا الدسم الذي قد يكون زنخًا كريهًا. ومن الشجر الذي أَلْفَتَ نظري بجماله ورونقه شجرة السائح Travellers Tree في مروحة هائلة، وتمتد أضلاعها في أعلى الساق بانتظام هندسي بديع، وورقها يحكي ورق الموز تقريبًا. سلكنا سبيلنا إلى الباخرة، وهناك في مجاورة رصيف الميناء عرض الفيجيون تجارتهم من الأصداف وشعاب المرجان الملونة بديعة الأشكال إلى عقود المرجان، إلى أسلحة القوم من سهام وقسي ومطارق وزوارق خشبية صغيرة، وأعجبها المزدوج، فترى زورقين بينهما شبكة عريضة من شرائح الخشب المزركش ليُقَامَ عليها مسكن فوق الماء، وأخذ كلٌّ يحاول اجتذاب أنظارنا إلى سلعه في رقة، وفي غير ذاك الإلحاف المقيت الذي نلاحظه في بائعي الهند وبورسعيد مثلًا.
وفي الخامسة مساء آذنت الباخرة بالرحيل وعزفت موسيقاها كما هي العادة كلما أقبلنا على مكان جديد أو انصرفنا عنه، فأخذت جوانب الميناء تتقارب وينحصر جمالها بخضرتها الناصعة وبيوتها الحمراء نثرت على المنحدرات، وجماهير الناس يودعوننا بهز أيديهم ومناديلهم. والفيجيون يشبهون الماوري في رقتهم وأجسامهم وخفة روحهم ومرحهم الدائم، لكن شتان بين جمال الماوري وبين وجوه هؤلاء التي يندر أن ترى بها مسحة من جمال.
جزائر ساموا

برحنا الجزائر نشق المحيط الهادي في طريقنا إلى الشمال الشرقي، وبعد يومين كاملين أقبلنا على جزائر ساموا الأمريكية التي تُعَدُّ من أكبر القواعد البحرية في المحيط الهادي، فبدت الجزائر تكسوها الخضرة وتعلو جبالها علوًّا كبيرًا. دخلنا خليجًا مستطيلًا منتظم الجوانب، وفي نهاية المرسى مدينة Pago Pago عاصمة الجزائر وينطقونها «پانجو پانجو»، وكان ذلك صباح الأربعاء ?? يوليو. شكل ?: هاإيريرا أو نظرة الوداع.
نزلنا إلى البر وركبنا سيارة مرت بنا مسافة بعيدة على حافة الماء فوق صخور جُلُّها بركاني عتيد، ومن ورائها الجبال الشاهقة كانت تعلو فوقنا علوًّا رأسيًّا شاهقًا، وكلها تُكْسَى بكثيف الغاب ونخيل النرجيل، ويكاد الشاطئ كله يُحَفُّ بسلسلة متصلة من هذا النخيل، وكنا نرى المباني الخشبية المنسقة تكتظ متقاربة عند المرسى، وهي للإدارة الحكومية والبنوك ومحال التجارة ومساكن البِيض، ثم تبع ذلك أكواخ منثورة قد تكون فردية منعزلة للسكان الوطنيين، وفي نهاية المسافة انفسح الجبل وترك بسيطًا من الرمال أقيمت عليه القرية الرئيسية هناك، واسمها Nuuuli. هنا استقبلنا الأهالي بوجوههم السمحة وسحنهم الجميلة نساءً ورجالًا وأطفالًا، ودعونا إلى ساحة الرقص، فدخلناها وجلسنا، وإذا بثلاثة صفوف من فتيات لبسن حول الخصر حزامًا عريضًا له ذؤابات تتدلى إلى القدمين، وتركن النصف الأعلى عاريًا بلونه الأسمر الخمري الجذاب، وأجسادهن الممتلئة صحة ونشاطًا، ووجوههن الجذابة، وأخذ قائدهن ينقر على صفيحة بعصاه نقرات منتظمة وهن يرقصن وقوفًا وقعودًا، ويغنين ثم يختمن الأغنية والرقصة بضربة من الأقدام وصيحة عالية، وكان الرجل يعلن عن اسم كل رقصة، وتطوف علينا الفتيات بجوز الهند الطازج وقد شطفن ناحية لنشرب ماءه اللذيذ. وتلك تحية لقدومنا.
شكل ?: ها إيريماي أو نظرة الترحيب.
خرجنا نطوف البلدة، وإذا بها مجموعة أكواخ من قوائم خشبية يغطي ما بينها القش والعشب، وقد يكون البيت مستطيلًا متحدر السقف أو دائريًّا مخروطي الغطاء، وفي وسط البلدة دار فسيحة لعقد الاجتماعات، وللقرية أربعة رؤساء «زعماء»، وهم الذين يتكلمون ويخطبون في المجتمعات مدافعين عن «صوالح» ذويهم، وكنا نرى أطلال بيوت مهشمة قِيلَ لنا: إن إعصار الهركين مرَّ بها فاجتاح منها الكثير.
وقد استرعى نظرنا جمال السِّحَنِ وجاذبية اللون الخمري خفيف السمرة، وهم قريبو شبه بالماوري في زيلندة الجديدة، ولكنهم بعيدون البعد كله عن أهل فيجي الزنوج، وكثير منهم خصوصًا النساء يرسلون شعورهم السوداء البرَّاقة الهادلة التي تزيدهم رونقًا وجمالًا، وليس بالجزيرة عدد كبير، بل هم قليلون، وهم من الجنس البولنيزي، ويبدو لنا من أشكالهم أثر الجنس الصيني واضحًا، وكم كان سرورهم بوفودنا كبيرًا، فهم يشعرون بالأنس الكبير كلما وفدت عليهم باخرة، وكانوا يتطوعون جماعات لإرشادنا ولا يبتغون من وراء ذلك نفعًا، وكثير منهم كان يعرض علينا صداقته وعنوانه لنكاتبه نساءً ورجالًا، وبعضهم كان يقدم عقود المرجان وبعض أشغال الخشب المنقور هديةً لنا، ويرفض أن يتقاضى ثمنها.
وقد عرض الكثير منهم سلعهم علينا وجُلُّها من منقور الخشب الملون في أسلحة وزوارق وعِصِيٍّ، ثم أشغال القش من سلال ملونة، ثم أرديتهن خصوصًا الحزام الذي تتدلى منه تلك الأهداب الطويلة، وقد نقشوا عليه اسم بلدتهم، ومن أجمل ما عرضوا قطع الأقمشة الملونة التي دقوها وصقلوها من قشور الشجر bark cloth، تبدو كالورق أو القماش المُنَشَّى، وهو متين جدًا. شكل ?: ملابس أهل زيلندة بسيطة جذابة.
ومن أبدع المناظر عقود الزهور الضخمة الملونة الطويلة يلبسونها جميعًا رجالًا ونساءً، وكلما ذبل واحد أعاضوه بغيره، وهم يَفْتنُّون في تنسيقه فيبدو رائعًا، ولا تكاد ترى واحدًا يمشي بدون ذاك العقد يتدلى على صدره، وقد ألبسونا تلك العقود لمَّا أنْ دخلنا دارهم. ولقد عزفت فرقة الموسيقى وغنى معها جمع من الفتيان على شاطئ البحر تجاه السفينة وداعًا لنا عند قيامنا. وعند الساعة الواحدة بعد الظهر ركبنا الزورق الصغير، فأقلَّنا إلى السفينة التي ترسو على بُعد من الشاطئ، وقامت بنا تتنحى عن ذاك الخليج البديع، ثم لبثنا نمر بمجاميع من جزائر صغيرة يجملها ذاك النبات الكثيف الذي يكسو رباها الشاهقة، ونخيل النرجيل الأنيق الذي يزين شطآنها، حتى اختفت عن الأنظار، وعدنا منعزلين وسط مياه المحيط الهادي الساكن الرهيب، ونحن نتحدث عن جمال تلك الجزائر وجاذبية أهلها.
شكل ?: ميناء هونولولو في حجر الجبال البركانية.
وساموا مجموعة من جزائر أهمها ثلاث: الاثنتان الغربيتان تديرهما زيلندة الجديدة مُنْتَدَبَةً عن عصبة الأمم، وقد كانتا لألمانيا قبل الحرب، وأهلها زهاء ?? ألفًا، والثالثة الشرقية لأمريكا، وسكانها ?? ألفًا.
هونولولو

جنة الباسفيك وجوهرة المحيط الهادي

شكل ?: لا يفتر ثغر فتيات هونولولو إلا عن ابتسامات دائمة.
ثم كان يوم الاثنين ? أغسطس حين بدت في باكورة الصباح الرُّبَى البركانية لجزائر هواي، وهي سلسلة من جزائر أكبرها اثنتا عشرة من بينها ثمانٍ مأهولة بالسكان، وأكبرها الجنوبية التي تُسَمَّى هواي، والتي بدا منها قبس بركان Kilauea الثائر مقر الآلهة في زعمهم. وأخيرًا أشرفنا على جزيرة Oahu كثيرة الذرى، وأهمها موناكيا ????? قدم، ومونالوا ?????، وفي جانب منها دخلنا ميناء هونولولو في قوس ضيق المدخل، وكانت تقوم في تلك المياه مُظَاهرة بحرية لقِطَعِ الأسطول الأمريكي؛ إذ الجزائر تُعَدُّ أمنع القواعد البحرية في المحيط، وهي تُسَمَّى بحق جبل طارق الباسفيك. استَعْرَضَنَا الطبيب ثم تقدمت الباخرة من الرصيف، وكانت شرفاته وجوانبه تغص بمجموع المستقبلين تتوسطهم الموسيقى الرسمية التي تعزف استقبالًا لكل باخرة ووداعًا لها. وتلك عادة اتُّبِعَتْ منذ عهد مليكهم كاميهاميها الخامس سنة ????. وكان برج الميناء الشاهق الأنيق يشرف علينا تعلوه ساعة كبيرة، وتزين جوانبه الأربعة كلمة ألوها Aloha — كُتِبَتْ بالخط الكبير ومعناها مرحبًا أو وداعًا — وما كادت تقف الباخرة حتى هاجم المستقبلون أحبابهم، وبيَدِ كلٍّ منهم مجموعة من عقود من الزهر مختلف ألوانه في جمال لا يُحَدُّ، وأخذوا يحلون بتلك العقود أعناق أصحابهم. وكان باعة هذه العقود، وغالبهم من الفتيات، ينتشرون في جميع الطرق المؤدية إلى الميناء في كثرة تلفت النظر، وتسمع نداءهن في كل مكان، وزهاء مائتي نفس مهنتهم إعداد تلك العقود ويسمونها Leis في هونولولو، ولا يقل ما يُبَاع منها سنويًّا عن ??? ألفًا، بسعر شلن لكل واحد، أي نحو ?? ألف جنيه، هذا خلاف ما يُبَاع في الجزائر الأخرى، ولا يقل ما يُلْبَسُ هناك عن مليون عقد في السنة، وتلك من أجمل الظواهر التي تسترعي نظرك وأنت تسير بينهم، وبعضهم — رجالًا ونساءً — يلبس عشرة عقود كبيرة في ألوان مختلفة. استأجرنا سيارة بخمسة عشر ريالًا — وكنا خمسة أشخاص — لتطوف بنا البلد، وتستوعب الجزيرة كلها، وأخذنا نشق شوارع البلدة وكأننا نسير في إحدى كبريات مدن أمريكا تمامًا؛ فالمباني رشيقة، ومعروضات الحوانيت جذابة، وحركة المرور وبخاصة السيارات تسد الطرق سدًّا، حتى صعب علينا استخدام آلة التصوير فيها، وجماهير المارة في الطرق كثيفة متعددة الأجناس؛ فإلى جانب الوطنيين ذوي الشعر الأسود المرسَل، والسحن المفلطحة، واللون الأسمر، والعيون الكبيرة، والقامات الطويلة، رأينا عددًا غالبًا من اليابانيين في أرديتهم الفضفاضة، ثم البرتغاليين، ثم الصينيين والفلبينيين بسحنهم العجيبة، وقليل من الهنود في جسومهم الناحلة، ثم الكوريين في أكمامهم المنتفخة.
شكل ?: التحية بين ماوري زيلندة بمسح الأنوف.
هذا إلى الأمريكيين والغرباء من سائر سائحي العالم، فكأنها بلدة عالمية ترى أحدث أزياء باريس تسير جنبًا لجنب إلى جوار الأردية القومية ذات الذؤابات من العشب، وتشاهد ملاعب الجولف والبولو إلى جوار اللعب بالزوارق انزلاقًا على حافة الأمواج — وتلك أحب صنوف اللعب عند الوطنيين — فهي بلدة پولينيزية تعيش في جو أمريكي بلغ من المدنية شأوًا؛ فالحياة الپولينيزية الفطرية تظلها أحدث المدنيات وأرقاها، ومجموع ذاك الخليط في جزيرة Oahu — وتعني الكلمة مكان الاجتماع — هذه ??????، وفوق نصفهم في هونولولو وحدها، واليابانيون يفوقون ثمانين ألفًا، أما سكان الجزائر كلها فنحو ?????? نفسًا. ثم مررنا ببعض المعابد اليابانية والبوذية وكثير من الكنائس، ولعل أجملها كنيسة Kawaiahao التي بُنِيَتْ من صخور المرجان وشعابه لكثرته حول تلك الجزائر، ثم وصلنا بعد ميلين إلى أجمل شطوط الجزيرة ويُسَمَّى Waikiki beach. هنا انفسحت مدرجات الرمال النقية إلى مد البصر، وأقيمت ال?يلات الأنيقة، واكتظ الشاطئ بالمستحمين وبالمقاهي والنُّزُل الفاخرة، ومن بينها نُزُل Waikiki الذي بلغ من الوجاهة والامتداد حدًّا كبيرًا. جلسنا إلى الشاطئ لنرى أعجوبة الرياضة البحرية هناك ويُسَمُّونَها Surfing، ترى الفتيان والفتيات يمتطي كلٌّ منهم زورقًا نحيلًا أو لوحًا من خشب مدبب الأطراف، ثم يحركه برجليه وهو واقف عليه، فيجري الزورق ويعلو ويهبط وفق تكسر الموج على الشطوط هناك في سرعة وخفة حركة لم أَرَ لها نظيرًا، وهو خلال ذلك يميل ويجلس وينام ثم يعود واقفًا، والزورق يجري في اهتزاز مخيف، ويساعد على تعاقب الأمواج الخفيفة كثرة شطوط المرجان، وتلك لعبة ملوكهم منذ القدم يتعلقون بها إلى حد المخاطرة. أخذنا نسير بعيدًا عن المدينة ونوغل في ريف الجزيرة، وكنا نمر ببيوت فاخرة ذات حدائق مُنَسَّقَة قِيلَ لنا بأنها مصايف أكبر ممولي أمريكا «المليونيرز» وأشهر نجوم السينما في هوليوود، يفدون إليها لتمضية فصل الصيف كل عام. أما القرى فقليلة نادرة السكان، بيوتها خشبية صغيرة، أو أخصاص مجدولة من العشب وألياف النرجيل. وكانت مخاريط البراكين الخامدة تحوطنا من كل جانب؛ فَحَوْلَ هونولولو وحدها عشرون فوهة بركانية خامدة، وكانت الطرق المرصوفة تلتوي بنا حول تلك النجاد صعودًا وهبوطًا في وعورة مخيفة، ثم وقفنا إلى جوار صخرة Bali الشاهقة المدببة، فبدا منظر الوديان الخضراء من دونها رائعًا، ولم نستطع الوقوف بها طويلًا لشدة عصف الريح التي كادت تلقي بنا جميعًا. وتلك البقعة لا تهدأ عواصفها أبدًا، وهي أشد بقاع الجزائر عُنْفًا في هوائها. ومن جانب تلك الصخرة هاجم أحد ملوكهم Kamehameha عدوه Oahu وألقى به وبجنوده إلى أسفلها مسافة ??? قدم فماتوا جميعًا. شكل ?: لا تزال لعادة الوشم فوق الوجوه بقية بين الماوري.
أما عن ثروة الجزيرة بزهورها المختلفة؛ فذلك لم أشاهده في ناحية أخرى من الكرة الأرضية، فيكاد يُرَى الشجر والعشب كله مزهرًا، وفي أشكال ساحرة، ورائحة عبقة، وألوان لا آخر لها. وأظهر تلك الزهور جميعًا الهبسكس، ويعدونه الزهر الرسمي، وهو رمز الجزيرة، ولا تقل أنواعه المختلفة الألوان عن ????، وتكاد تجدها جميعًا في حديقة هَاوٍ اسمه Kooper يدير فندقًا على بعد ?? ميلًا من هونولولو. والنبات يُزْهِر طول العام، وتبقى الزهرة يومًا واحدًا، لذلك تُقْطَع كل مساء لتخلي مكانها لزهرة أخرى في الصباح. ومن أعجب الزهور عباد القمر في كأس أصفر كبير تراه ذابلًا منكمشًا في النهار، فإذا ما غابت الشمس وحل الظلام أو انتشر ضوء القمر قام وتفتح، ويُسَمُّونه Cereus، فلا تكاد تقع العين على مكان يخلو من تلك الزهور المنوعة الجميلة؛ لذلك لم أعجب لانتشار عادة لبس عقود الزهر، حتى بين طبقة العمال وهم يفلحون الأرض أو يرصفون الطرق، حتى أضحى عقد الزهر شعارًا لتلك البلاد، ورمزًا للوداع والاستقبال. ومن أجمل ما استهوى أنظارنا مشهد حقول الأناناس تنتشر إلى الأفق فوق أرض مموجة، وفي تخطيط هندسي بديع، والنبات يبدو كالصبار يتوسطه كوز مصفر محبب من الثمر تزين قمته ذؤابة مورقة، وقد تزن الواحدة ?? رطلًا. ومن تلك المزارع عشرون ألف فدان في تلك الجزيرة، وهو أجود أنواع العالم حلاوة وطراوة وحجمًا، ويتطلب عناء كبيرًا في زرعه؛ فبعد زرع البذور يُشْتَل ثم يُرَشُّ بالسائل المطهر ثم يُلَفُّ في ورق لحمايته وهو صغير، على أنه لا يتطلب ريًّا، بل ينمو على مياه الأمطار، وأول ثمره يظهر بعد ??–?? شهرًا، ثم تُقْطَفُ الثمرة الأولى فتخلفها الثانية بعد ?? شهرًا، ثم الثالثة في السنة الرابعة، ثم يُنْزَعُ من جذوره وتُزْرَع الأرض خضرًا، ثم يُعَاد زرعه من جديد، وهو يزكو فوق المرتفعات المموجة، ويُعَدُّ ثاني حاصلات الجزيرة بعد قصب السكر.
وكنت أرى عربات سكة الحديد تجري وسط الحقول لتنقل الثمر إلى المصانع، وقد زرنا أكبر مصانع الدنيا للأناناس، وهو في هونولولو نفسها، فكان الثمر يُقَشَّرُ بآلات ثم يجري على أشرطة ليمر أمام الفتيات اللاتي كن يلتقطن ما تخلف فيه من زوائد القشر، ثم يرتبن القطع حسب النوع والحجم، ثم تُسَاق القطع إلى المخرطة لتقطيعها، ثم تمر على فريق آخر من الفتيات لوضعها في العلب، ثم تُدْفَع العلب إلى معمل العصير والسكر لرشه بالشربات من عصيره مع قليل من السكر، ثم يُعَقَّم وتُقْفَل العلب وتُشْحَن. وهنولولو أكبر جهات العالم تصديرًا له.
ومن أظرف ما استرعى أنظارنا فوق المصنع شكل ثمرة أناناس هائلة تبلغ عشرات الأمتار طولًا في لونها البرتقالي المحبب وذؤابتها الخضراء، وتلك هي مستودع المياه اللازمة للمصنع، أقيمت على علو شاهق لتمده بالماء من جهة، ولتقوم إعلانًا على إنتاج المصنع من جهة أخرى، وهي أعلى شيء يراه المرء إذا حل المدينة. وكانت حقول قصب السكر تملأ المنخفضات إلى الآفاق، وكانت أعواده بالغة الطول، لكن عقده قصيرة.
وهو ينضج هناك في ?? شهرًا، ويُحْصَد في كل شهر تقريبًا، فترى القصب الناشئ الصغير في جانب، والناضج الكبير في الآخر، ولا يُجَدَّدُ زرعه إلا كل ?–?? سنة، ومصانعه هائلة، وهناك فرع كيمائي تحليلي خاص به ملحق بالجامعة، والأبحاث تتقدم سراعًا؛ ففي كل عام يصلون إلى تحسين نوع القصب وعصيره واستئصال آفاته بنجاح ليس له نظير في أي جهة من الدنيا. ولقد اقترح أحد أساتذة الجامعة هناك إيفاد بعض الطلبة المصريين إلى هذا الفرع — كما يفعل الأمريكيون — ما دام القصب والسكر يهم مصر اقتصاديًّا. ويغل فدان القصب سبعة أطنان من السكر غير المكرر.
شكل ??: شيخ ماوري يرتدي الفرو ويزين وجهه بالوشم والتجريح.
وتُعَدُّ هواي ثالثة بلاد العالم إنتاجًا للسكر — بعد كوبا التي تمتاز بخصب تربتها، وجاوة برخص الأجور فيها — وقد بلغ إنتاج الجزيرة من السكر والأناناس مائة مليون ريال في العام، والعامل في مزارع القصب يتقاضى ريالًا كل يوم، ويُزَوَّدُ بالمسكن والطعام والأطباء فوق ذلك. ومما عجبت له طريقتهم في إشعال النار مساء في حقول القصب إذا ما نضج، وفي باكورة صباح اليوم التالي ترى الأعواد قائمة وقد احترقت أطرافها وأوراقها، وبذلك يوفرون على أنفسهم عناء تقشيرها.
وفي جهات كثيرة كنا نمر بمزارع هائلة للموز الذين يحصون من أنواعه هناك خمسين، وبعض العراجين يزن خمسين رطلًا، ويحوي ??? موزة، وهناك نحو عشرين نوعًا ينمو بريًّا ويفضله الأهالي لأنه لذيذ الطعم، عطر الرائحة، ولا يزيد عمر الشجرة على سنة ونصف، ثم تُقْطَع وتُغْرَس فسائلها من جديد، وقد يصل طول الشجرة اثني عشر مترًا.
ومن أغرب النباتات التارو Taro كان يبدو نبته كالقلقاس تُقْلَع جذوره وتُغْلى ثم تُؤْكَل كالبطاطا، أو تُسْحَق في شكل معجون لإعداد طعامهم القومي المحبوب المسمَّى poi، وقد أكلته فألفيته منفرًا كأنه الفالوذج الهزاز المرق، بنفسجي اللون في شيء من السُّمرة، وفي غير حلاوة. أما شجر البوبوز ففي كل مكان يحمل وسقه من أكواز خضراء كالشمام، وهو يثمر طوال العام، ويقدمونه في الإفطار، وهو حلو لذيذ، وله أثر كبير في تنشيط الهضم. لبثنا ننتقل في تلك الجنة الساحرة، ونمرُّ بشواطئ تلك الجزيرة البديعة، وكان القوم يصيدون السمك في كثير من تلك النواحي بحرابهم، فينسل الشاب بين صخور الشاطئ، وما أسرع ما تراه يلقي بحربته الطويلة في الماء ويُخرج وقد علقت بها سمكة كبيرة! وكثير منهم يصيدون السمك ليلًا على المشاعل، فيمسك الواحد منهم بشعلة نار وراء ظهره ويسير وسط الماء، فتجتذب تلك الشعلة السمك، فيقرب منه، وعندئذ يُعْمِل فيه حِرابَه قنصًا وصيدًا.
ومن السمك ما يزن ??? رطل، ومن أغرب أنواعه sword fish بأنفه الذي يمتد مترًا وكأنه الحربة ذات المنشارين. وفي مكان من الشاطئ رأينا شبه نافورات تنفجر من البحر، ويعلو ماؤها ورشاشها أمتارًا في الجو، وتلك ظاهرة يسمونها نافورة البحر blow holes، فإذا دفع الموج الماء تحت الصخر المثقب البركاني تفجَّر الماء منه عاليًا. شكل ??: مغارة اليراع العجيبة في وايتومر.
عُدنا آخر النهار إلى المدينة وأخذنا نتجول في أحيائها الغاصَّة بالناس سيرًا على الأقدام، وكان الهوائيون أهل البلاد يسيرون في وجوههم التي تحكي وجوه الماوري إلا أنهم أقل جمالًا، وأكثر سمرة، وأجسادهم ممتلئة، وتبدو عليهم علامات الصحة لجودة مناخ بلادهم، وبساطة معيشتهم في المأكل والملبس والمسكن، فأَخَصُّ طعامهم السمك وجذور التارو البوي poi، ثم الفاكهة الاستوائية. ومن آدابهم في المائدة أنه لا يصح الحديث في موضوع مادي، وإلا عُدَّ ذلك محرمًا منكرًا tapu، ويجب قَصْرُ الحديث على ما يُدخل السرور على النفس، وعند الجلوس إلى المائدة تُقَدَّم آنية الپوي، وهي سلطنيةٌ يغمس كلٌّ منهم أصابعه فيها، ويتناول بعض بندق kukui مع الملح وبعض أعشاب البحر، ثم يأكل قطعة من قديد السمك، وكلما تناول الرجل أصبعًا من الپوي تناول النساء اثنين. وعلى الضيف أن يقول بين آنٍ وآخر he ono أي ما ألذ هذا! وجل ملبسهم من قشور الشجر، خصوصًا شجرة tapa التي إذا ما بلغت بين ? و? أمتار قُطِعَت، ثم حاول النساء سلخ قشرها في قطعة واحدة، ثم يُصْقَل ظاهرها بالأصداف، وتعطن في النهر وتُدَقُّ ثم تُجَفَّفُ. وكثيرًا ما تُرَى القطعة الواحدة تفوق ملاءة السرير كبرًا، وإذا دُهِنَ بزيت النرجيل أضحى «ووتر بروف»، وهو متين جدًّا، لكنه غير قابل للغسيل، ولرداءة رائحته يستخدمون مسحوق خشب الصندل. وشكل الملابس يحكي ملاءات الهنود، ويُسَمُّونَها Holuku. وهم يفضلون السير عراة الرءوس والأقدام، ويحبون التحلي بالعقود والخواتيم نساءً ورجالًا. وأردية الملوك والوجهاء عباءة يكسوها الريش الثمين بشكل فني جميل، وفراشهم من الحصر، ووسائدهم من خشب أو حجر، وغطاؤهم من لحاء الشجر شجرة Tapa، يبدو كالورق أو الجلد، وأوانيهم من القرع يصقلونه ثم يزين بالنقوش الجميلة فلا يفترق عن الفخار أو الخزف الثمين، ولا تزال ترى طريقتهم الأولى في إشعال النار بحك قطعتين من خشب؛ إحداهما غضة ناعمة بها حفرة، والأخرى صلبة، وبالاحتكاك العنيف يتفحم تراب الخشب ثم يشتعل، وكانوا يحفظونها زمنًا طويلًا بإشعال طرف حبل من شجر tapa فلا يُطْفَأ أيامًا، وكنا نرى تلك الحبال تُعَلَّق على أبواب الحوانيت يشعل القوم منها سجائرهم.
ومن معتقداتهم أن الزعماء مبعوثون من عند الله؛ لذلك يجب تقديسهم، فلا يصح لأحد الوقوف إذا مر زعيم أو ذُكِرَ اسمه، بل يجب الركوع، ولا يجوز استخدام المجرى الذي يستقي منه الزعماء، ولا الطعام الذي يأكلونه. والزعماء هم مُلَّاك الأرضِ وصيدِ البحر ومجهودِ الناس وعملِهم، والملك يُوزِّع ذلك على الزعماء، وهؤلاء على أتباعهم في شبه نظام إقطاعي.
وكان للنساء مركز منحط؛ فلم يُبَحْ لهن الأكل مع الرجال، ولا طبخ طعامهن في إناء واحد مع طعام الرجل، ولا تدخل المرأة المعابد، ولا تأكل الموز ولا النرجيل، فكل ذلك كان محرمًا tapu. وقد حدث مرة أنهم رأوا أميرتين تأكلان الموز فحُكِمَ على مربيتهن بالقتل، وكان للقسس سلطان كبير عليهم. شكل ??: إحدى مزارع الأغنام في زيلندة.
ولغتهم عجيبة أيضًا فلا تزيد حروفها على اثني عشر هي: a e h i k l m n o p u w، والحروف المتحركة تُنْطَق جميعًا، ومن الكلمات الشائعة التي يستخدمها حتى كبار سراة الأمريكيين في وسط حديثهم ما يأتي: نعم ea – مرحبًا أو وداعًا al oha – كلا aole – تعال هنا hele mai – غضبان كدر hulu – بحر kai – ميت make – موسيقى mele – حسن maikai – كيف حالك ipehea oe – أسرع wikiwiki. ومنطقهم عذب موسيقي، وعلى جانب كبير من البلاغة الشعرية، فهم يُشبِهون في ذلك ماوري زيلندة، وهم مولعون بالموسيقى حتى أضحت أنغامهم المشجية أحب ما يسمعه الأمريكان أنفسهم، وكنا نسمعها طول الطريق، وكنت أطرب لسمعها؛ لأن فيها شيئًا كبيرًا من الحنان والعاطفة الفطرية، وقد حضرنا رقصة hula وأغنية ukulele ونحن في فندق شط Waikiki، فكانت ساحرة، والراقصة بدت في تمويج الجسم في ثنيات عدة، وتحريك الأيدي والذراع حركات ثعبانية لتحكي حركات الموج وأوراق النخيل إذا ما داعبتها الرياح. بلاد يشعر المرء فيها بالسعادة الكاملة؛ إذ يستمتع بكل شيء، ويرى القوم فيها هانئين يسيرون مرحين وهم يغنون، ويرقصون، ويزينون أعناقهم بعقود الزهر الجميل وهم حفاة، وإذا جاع أحدهم أو عطش تسلق شجرة النرجيل وألقى بثمرها إلى الأرض، واستمد منه غذاء وشرابًا، والجو حوله ممتع مُوَحَّد طول العام، فَسَنَتُهُم شهر من شهور الربيع مداه ??? يومًا، والسماء مشمسة تلطفها الرياح التجارية البليلة، وترسل عليها مطرًا متقطعًا ينزل غالبه ليلًا، والهواء خالٍ من الأتربة والأوساخ؛ فلا تكاد تعرف الجزيرة الأمراض قط، ويزين سماءهم قوس قزح حتى في ضوء القمر.
وليس في لغتهم كلمة تعبر عن معنى الجو، وكثير منهم على جانب عظيم من الثقافة؛ فالتعليم هناك ذو مستوى عالٍ منذ زمن بعيد، فلقد بدأت المدارس هناك عملها قبل أن تبدأ في كلفورنيا نفسها، وكان سراة كلفورنيا يبعثون بأبنائهم لتلقي العلم فيها. وجامعة هونولولو عظيمة راقية، وكثير من طلاب أمريكا يحضرون دروس الصيف فيها؛ ليجمعوا بين العلم والاستمتاع بعطلة الصيف، وقد علمت أن عدد التلاميذ في الجزائر بلغ ?? ألفًا في نحو ??? مدرسة، ويقوم بالتدريس لهم ???? مدرس، وفي الجامعة زهاء ???? طالب، وهي تسير على نمط جامعات أمريكا.
شكل ??: مثالج اللحوم في نيوزيلند.
هذه حال تلك الجزائر التي تهوي أعماق البحر حولها إلى ???? متر، والتي كشفها الإسبان «سنة ????» وأخفوا خبرها حتى جاء كوك «????» وأسماها ساندوتش، على اسم صديق له، ولما رآه الأهالي خالوه إلهًا فسجدوا له، وقدموا له القرابين، لكن كثرة طلب الغذاء لإطعام رجال كوك، وسوء سلوكهم مع الأهالي، وعدم احترامهم لعقائد الناس أدى إلى نزاع؛ فتقدم رئيس وطني وطعن كوك بأحد الخناجر التي قدمها كوك له هدية، فَخَرَّ قتيلًا. ويقوم نصب تذكاري له هناك، فقام بعدُ أحد ضباطه ?نكو?ر وبذل جهودًا كبيرة في مصادقة الناس، وأقنع الملك كاميهاميها ببطلان الأصنام، وإلغاء المحظورات tapus؛ لأنها كانت مصدر مظالم تقع على أيدي القسس. ولقد طلب الأهالي حماية بريطانيا، لكن إنجلترا كانت إذ ذاك مشغولة عنهم بشئونها، فتقدم الأمريكان ونشروا التعليم والتبشير؛ فقام الناس بثورة سنة ???? خُلِعَت على أثرها آخر ملكاتهم Ihnokalani، فنادى الناس بأمريكا، ورُفِعَ العلم الأمريكي فأُعْلِنَت الجمهورية، وفي ???? طلبوا الانضمام للولايات المتحدة خشية أن تحتلها اليابان التي بدأت تحشر أبناءها هناك، وتجعلها لها قاعدة بحرية، ولقد طمع الروس في تملكها. وكانت تجارة خشب الصندل أهم الموارد هي وزيت الحوت الذي كان يُصَاد بكثرة حولها، لكن تلك التجارة قد اضمحلت وحلت الزراعة محلها، خصوصًا لمَّا أنْ نشط استخراج الذهب من كلفورنيا، واحتاج نزلاؤها إلى استيراد الغذاء من هواي من غِلال وخضر، ثم شجع الصينيون زراعة قصب السكر والأرز، ثم تشعبت منتجاتها حتى أضحت على ما ترى اليوم.
عدنا إلى الباخرة فبدا الرصيف مائجًا بالمودعين وبائعات الزهور والعقود، وقد لبس كل من المسافرين والمودعين عشرات العقود البديعة، وقد ركب الباخرة في الدرجة الثانية من هونولولو ??? مسافرًا يعودون إلى أمريكا بعد تمضية عطلة الصيف، وبدأت موسيقى الوداع تعزف، وأشرطة الورق الملون تصل ما بين فريق المسافرين والمودعين، ثم أخذت الباخرة تتنحى عن الميناء تدريجيًّا حتى غابت تلك البلاد الممتعة عن الأنظار، وكان آخر ما يُرَى برج الميناء وعليه كلمة aloha تودعنا. وخرجنا إلى عرض المحيط ونحن آسفون أن برحنا جنة الباسفيك أو جوهرة المحيط كما يسمونها غالبًا، عندئذ أخذ المسافرون والمسافرات يلقون بعقود الزهر الجميلة إلى المحيط حتى لم يخلفوا معهم منها شيئًا؛ لأن ذلك فأل حسن يؤكد لهم عودتهم لزيارة الجزيرة مرات أخرى، وكنت ألبس من تلك العقود اثنين لم تُسِغ لي نفسي أن ألقي بهما إلى اليم، لكني لم أنجُ من لومهم؛ فكلما مرت بي آنسة قالت: ألا تريد أن تعود إلى زيارة هونولولو ثانية؟ فأقول: بلى، فتلك أمنيتي، فتقول: إذن سارع بإلقاء عقودك إلى البحر، ولما أن غلبتني كثرتهن ألقيت بالعقدين على الرغم مني، ولعل الأمل الكبير في العودة إلى زيارة هونولولو يعوضني عما فقدت من تلك العقود البديعة.
شكل ??: عربات توزيع اللبن تنتظر تعقيمه في ولنجتون.
وبسبب وفرة الزهور كثر النحل جدًّا، حتى إنَّا كنا نسمع طنين النحل في كل مكان، ولقد علمنا أن النحل هناك يغل مليونين من أرطال العسل سنويًّا، وقدروا أن كل عشرين ألف نحلة تحمل رطلًا من الرحيق، وهذا يصبح ربع رطل من العسل، وبذلك يكون مجموع النحل في الجزائر ??? ألف مليون نحلة، وشهر يونيو هو شهر العسل عندهم، والشمع الذي يُتَّخَذ منه أحسن الأنواع العالمية وأكثرها مقاومة للانصهار.
لوز إنجليز

عدنا إلى المحيط الهادي نشق مياهه الوديعة يومين، ثم أعقبهما آخرينِ بدا خلالهما البحر على غير ما عهدناه؛ إذ ظل مضطربًا حتى أعيى الكثير من المسافرين، وفي يوم السبت ? أغسطس دخلنا ميناء سان پيدرو، وهي ثغر لوز إنجليز، وكان شاطئ كلفورنيا الصخري قد بدا إزاءنا منذ المساء.
حللنا البلدة — وهي ضاحية صغيرة، ميناؤها لا يزال تحت التنقيح والإنشاء — وركبنا الترام مسافة أربعين ميلًا إلى لوز إنجليز، ومعناها الملائكة باللغة الإسبانية، فهالنا ما رأينا من أمرها؛ فهي مدينة صاخبة مائجة بالناس والحركة إلى حد كبير، وتكاد تتبع في نظامها نيويورك لأن شوارعها متقاطعة ومتعامدة، غير أنها تعلو وتهبط حسب تموج الأرض حولها، ولقد نمت نموًّا عظيمًا منذ أسسها الإسبان من ??? سنة، خصوصًا في السنوات الأخيرة، حتى بلغ سكانها مليونًا وربعًا، وأضحت خامسة مدن أمريكا، فهي أكبر من القاهرة.
أما مبانيها فجُلُّها من ناطحات السحاب التي تفوق أدوارها العشرين، ولعل أروع شوارعها برودواي نظير أخيه في نيويورك في وجاهته، والتأنق الفائق في عرض متاجره، والإسراف الكبير في تموين مبانيه بالمرمر الملون الذي يبدو وكأنه الخزف الفاخر تحده أسلاك النحاس الأصفر البديع إلى ذروته مهما علا. أما عن حياة الليل فيه وفيما جاوره من طرق، فذاك أمر يبهر النظر، ويستهوي الحكيم، فالمقاصف والمقاهي تعددت أشكالها وبُولِغ في تنسيقها، ودور الملاهي وبخاصة السينما فاقت كل وصف جمالًا، وحركة المرور في الشوارع تسد الآفاق سدًّا، فَسَيْل السيارات دافق كل آن، هذا إلى الترام متعدد الأنواع، وقُطُر تحت الأرض، وسكة الحديد في كل جانب، وكذلك الأتوبيس، ولا يمكن لأحد أن يعبر مفارق الطرق إلا إذا أُوقِفَت إشارة المرور.
والإشارات أتوماتيكية بالأنوار الملونة، وذراع يُرْفَع وعليه كلمة go فتمر السيارات ويتوقف المارة، ثم يدق الجرس ويسقط ذاك الذراع ويُرْفَع غيره وعليه stop. زرت بعض حدائقها ومتنزهاتها الرائعة، ومنها حديقة الحيوان التي تمتاز بإظهار بيئة الحيوان الطبيعية حوله من غابات وجبال، ثم مزرعة السباع وبها زهاء ??? أسد يروضونها على اللعب، فيركبها الرجل ويدربها على بعض الألعاب، وبعضها يُرْسَل إلى هوليوود ليشاطر في إخراج الأفلام السينمائية، ثم مزرعة التماسيح لتربية تلك الطائفة من الحيوان، ومنها ما يفوق عمره المائة عام، ثم مررنا على دار الألعاب الأُلُمبية «الاستوديوم» الذي يبلغ ?? فدانًا، وبه مقاعد لعدد ??????.
شكل ??: زجاجات اللبن تُعَقَّم وتُقْفَل في ولنجتون.
ثم مرت بنا السيارة خارج البلدة خلال بساتين الفاكهة، وبخاصة البرتقال الذي كانت صفوف أشجاره المنتظمة تمتد إلا الآفاق — وهي جزء من إنتاج كلفورنيا الذي اشْتُهِرَت به حتى قُدِّرَ محصول البرتقال بعشرين مليون جنيه في كل عام — ثم كان ركوبنا الترام إلى هوليوود.
(?) هوليوود

عاصمة السينما في العالم؛ إذ تُخرِج وحدها زهاء ??? من جميع أفلام الدنيا، تلك التي أصبحت مطمح آمال الكثير ممن أَنِسُوا في نفوسهم كفاءة في التمثيل والغناء والموسيقى والجمال، وبعض الألعاب كالمصارعة والرقص والملاكمة وما إليها، حتى إن ثلث ركاب الباخرة كانوا منهم، وكلهم جاءوا يطبون الغِنى والمال في عاصمة الخلاعة والجمال.
دخلنا البلد بعد مسيرة نصف ساعة بالترام، فبدت تقوم في حضن جبل منخفض تتوجه رُبًى تكسوها الخضرة، وقد بدا بناء مرصد «جرفث» مشرفًا بقبابه، وقد زرناه، وبه من المناظير ما يُعَدُّ من بين أكبر مناظير الدنيا بعد منظار جبل ولسون — وهو قريب من ذاك الموضع، لكن لم تُتَح لنا فرصة زيارته لنرى منظاره البالغ قطره ??? بوصة «وهم اليوم يصبون عدسات منظار آخر قطره ??? بوصة» — ثم موضع للفلك «پلانتوريوم» شبيه ذاك الذي زرناه في برلين.
أما عن جمال بلدة هوليوود والإسراف في إقامة مبانيها وتسيق حدائقها، فذاك أمر لا يجدي فيه القلم، بل عليك أن تشاهده بنفسك كي تدرك رونقه، وتحس جماله، وترى بريق المباني، وفاخر فرشها، ورائع هندستها، وبديع معروضاتها؛ مما يشعر بالغِنَى المفرط والجاه الكبير، وبخاصة دور الملاهي التي لا تدخل تحت حصر. وقد راقني منها الملهى الصيني Chinese Theatre أقيم على نمط پاجودا الصين، وبُولِغ في تجميله من الداخل، وزُوِّدَ بالفراش الوثير، ويسمونه Premier؛ لأن كل فلم جديد يُعْرَض فيه أولًا، وفي بهو مدخله الفسيح ترى كل رخامة رُصِفَت بها الأرض تحمل طابع يدي إحدى نجوم السينما، وبعض تمنياتها للملهى وإمضاءها والتاريخ. كل ذلك محفور في صميم الصخر. ومن الدور الشهيرة: الملهى المصري، سُمِّيَ كذلك لأنه أقيم في هندسة المعابد المصرية القديمة، وأينما سرت تلاقيك الاستديوهات ذائعة الصيت، تلك التي تُؤْخَذ داخلها أفلام العالم أجمع، ومن بينها استوديو شارلي شابلن الذي قصر تمثيله اليوم على فلم أو اثنين في العام؛ حتى يتشوق الناس إليه ولا يزهدوا في أفلامه إن كثرت عددًا، وكان لي حظ لقائه هناك.
طفقت أسير في جنبات تلك الضاحية السحرية أشاهد سيول المارة تسد الطرق وأرصفتها سدًّا، وبحر السيارات زاخر بحيث تكاد تُفْرَش الطرق بها فرشًا، فلا يكاد يخرج الواحد إلا في سيارته. وكنت أعجب للحياة كيف تسير في تلك الناحية؛ أرى النساء قد ظهرن في أزياء الرجال من سراويل وجاكتات وأربطة رقبة وشعر مقصوص، بحيث يصعب التعرف إليهن بين الذكور، ومن الرجال من دهن وجهه، وحمر شفاهه، وأرخى شعره، ولمَّع أظافره، وسار يتبختر ويتيه عجبًا كأنه الآنسة الحسناء.
أما عن جمال السحن ودلال المشية وفاخر الهندام، فذلك لم أره في مكان قبل هذا، وكثير من أولئك من سراة العالم أجمع، وبعضهم من نجوم السينما الذين طبقت الآفاق سمعتهم، ومنهم من وفد طامعًا في الغِنَى، راغبًا في الوجاهة، ساعيًا بجماله وخفة حركاته، ورشاقة قده، وشجي صوته أن يصبح في عداد تلك النجوم. ولا عجب أن تصبح هوليوود بغية الناس من أقصى الأرض، وهل يُتَاح لهم من المجون ووسائل اللهو والإسراف ما يلقونه هنا؟ وهل في الدنيا سوى هوليوود واحدة؟! وما أبدع ما يُرَى شارع هوليوود بوليفار قلب المدينة النابض، وشارع هوليوود أ?نيو الذي يليه فخارًا ويقطعه متعامدًا عليه! ما أبدعهما ليلًا حين تكاد الأضواء فيها تبهر النظر، وتستهوي الرزين! وقديمًا عُرِفَ الأمريكيون بالإسراف في سبل الإعلان، ومن أخصها الإضاءة الملونة المتحركة ليلًا.
شكل ??: بين فريق من أهل جزائر ساموا.
ولم أكد أوغل في أطراف المدينة حتى بدت المساكن الأنيقة بحدائقها المنسقة التي تشعر بغنى أصحابها المفرط، وحسن ذوقهم، وجميل اختيارهم، وبخاصة فوق تل يسمونه بيفرلي Beverly؛ حيث رأينا جُلَّ منازل النجوم في إبداع يفوق الوصف، وكانت تسترعي نظري ليلًا أشعة من الضوء القوي تُرْسَل كالسهام إلى السماء في اتجاهات مختلفة، وتتحرك عبر تلك السماوات وهي تتقاطع وتقوى ثم تخبو، وقد تبدو كوابلٍ من الشهب والنيازك الضخمة، وتلك من مميزات كلفورنيا عمومًا في الإعلان، وبخاصة هوليوود؛ لذلك تراها على شاشة السينما دائمًا تنبعث وكأنها أشعة الشمس القوية. وكنت أرى تلك المصابيح تسير على عجل في الشوارع، وإلى جوار كل منها «دينامو» كبير يولد لها الكهرباء، ويحرك الرجل المصباح فيتمايل شعاع الضوء في كل اتجاه. وعدت في اليوم التالي أزور هوليوود لأني لم أشف من جمالها غلة، وتزودت منه طوال اليوم، وقد لاحظت أن الحياة فيها أغلى منها في سائر البلاد، فلا أكاد أُخرج الريال حتى لا أرى له بقية، وأنت لا تزال تنفق الريال تلو أخيه حتى يصبح وفاضك خلوًا من المال، وعندئذ تفيق لنفسك ولا تندم على ما أنفقت في سبيل الوقوف على حال هوليوود وأهلها. ولقد استوقفني في أحد شوارعها منظر جماعة من العمال ينقلون بيتًا برمته من قطعة أرض إلى أخرى، وقد حفروا حول الأسس، وأوقفوا قاعدة البيت على أعمدة من كتل خشبية تحتها بكر كبير، وسيزمعون جره على تلك البكر إلى بيئته الجديدة.
وقفت مبهوتًا؛ لأني كنت إخال ذلك لمَّا أن سمعته أول مرة منذ عامين ضربًا من الخيال، أو نوعًا من التهكم على مبالغة الأمريكيين و«فشرهم»، لكني ألفيته حقيقة! وقد دهش صديق لي أمريكي لأني لم أعرف أنهم ينقلون البيوت الضخمة مسافات بعيدة منذ زمان بعيد.
مالت الشمس، وآذن ميعاد العودة إلى الباخرة، فأخذت أودع ذاك البلد الساحر، وكان آخر ما وقع نظري عليه منزل النجمة Ann Harding فوق حجارة تحكي الجبال الطبيعية، من دونها بركة الاستحمام الفسيحة، ثم منزل النجمة الجميلة Marion Davies بديع الهندسة، فاخر الحدائق، وقد فُتِحَ للقاء من أراد من الزائرين، وقد استمتعت بزيارته ولقاء صاحبته، ثم مررنا بمدرج Hollywood Bowl الذي نُقِرَ مسرحه الهائل في صخر الجبل، وزُوِّدَ بمقاعد في أنصاف دوائر تتسع كلما بعدت وعلت، وهنا يُعْرَض التمثيل وتُؤْخَذ بعض الأفلام صيفًا في الهواء الطلق. شكل ??: آنسات هونولولو الرشيقات.
وقد زرت جامعة هوليوود، وعلمت أن بها طالبًا مصريًّا اسمه غنيم، حاولت مقابلته لكني لم أُوَفَّق، وهي غنية بأقسام الفنون والتمثيل والموسيقى والغناء. سار الترام وسط ضواحي هوليوود في طرق تحدها أنواع من النخيل مختلف الشكل، ثم عرج بنا على لوز إنجليز، وقد تزودنا من جمالها وروعة شوارعها، ثم قرب ميعاد العشاء فآثرنا أن نتناوله في مطعم قبل العودة إلى الباخرة، فدخلنا أحد المطاعم الفاخرة وقد كُتِبَ عليه: الوجبة ثمنها ?? سنتيمًا، أي ? قروش.
ولما أن وصلنا المقاعد جلسنا ننتظر الخادم طويلًا فلم يحضر، والناس من حولنا يأكلون، فصفقنا فاسترعى ذلك نظر الجميع، وجاءتنا آنسة تقول: ماذا جرى؟ قلنا: نريد عشاءنا، قالت: قوموا تناولوه بأنفسكم. فبدأنا نمرُّ صفوفًا على عدة فتيات: الأولى ناولتنا صينية وفوطة وسكينًا وملعقة وشوكة، فحملناها إلى قسم الشُّربة، فملأت الأخرى لنا سلطنية وضعتها على الصينية، ثم زحفنا بمتاعنا إلى قسم اللحوم والسمك ننتقي ما نحب، ثم إلى قسم الخضر، ثم إلى قسم السلطات، ثم قسم الحلوى، وأخيرًا قسم المشروبات.
عندئذ ألفيت صينيتي قد مُلِئَت وثقل علي حملها، وشعرت بغضاضة في نفسي أن أعمل عمل الخدم، لكن لم أر بُدًّا من ذلك والناس هناك كلهم سواء، وحملتها في جهد إلى المناضد المجانبة، ثم أخذنا نتناول طعامنا بشهية كبيرة، وأخيرًا تناولنا ورقة بالثمن «?? سنتيمًا» ثم دفعناه عند الخروج. وذاك النوع من المطاعم هو الشائع في كل بلادهم، ويرى فيه القوم أداة سهلة لك أن تختار ما يروقك من الطعام المرصوص أمام عينيك، إلى ذلك فإن تلك المطاعم رخيصة جدًّا، حتى إنك تستطيع أن تتغدى بثلاثة قروش.
ومن المطاعم ما تدخلها وتقف إلى جوار البنك وتطلب ما تريد وتأكله واقفًا، وهو أكثرها انتشارًا؛ إذ ترى منها عشرات في كل شارع. وقد شجع على كثرتها تزاحم الناس عليها؛ لأن جل حياتهم خارج المنازل، فلا يكادون يعدون من الطعام في المنازل شيئًا، بل تخرج العائلة كلها عند كل وجبة ويأكلون ما يرغبون.
ركبنا الترام السريع عائدين إلى سان پيدرو، وكنا نمر بقرى كبيرة، وفي جانب منها على مقربة من البحر أبصرنا بشِبْهِ غابات كثيفة من شباك الحديد العالية، فقِيلَ لنا: هي آبار البترول التي جعلت كلفورنيا من أولى جهات العالم إنتاجًا لهذا المعدن، وكانت خزانات البترول Tanks الأسطوانية الغليظة تضيء بلونها الفضي على بعد أميال. شكل ??: أجساد فتيات هونولولو ممتلئة متناسبة.
قامت بنا الباخرة تبرح لوز إنجليز وضواحيها بعد أن أقمنا فيها يومين كاملين، ولم يبق في السفينة من الستمائة مسافر سوى مائة، والباقون أسرعوا إلى المقام في هوليوود، ولقد أقفرت الباخرة من أُنْسهم وخفة روحهم؛ فجلُّهم ممن ألفوا حياة المجون واللهو في غير قيد لدرجة كانت تهولني؛ فالآنسات يختلفن إلى الفتيان، ويغازلون بعضهم البعض جهارًا، ثم يكون التقبيل والزغزغة والاحتضان وما فوق ذلك مما كنت أستنكره كثيرًا.
والعجب أن ذلك لم يكن يسترعي من أنظار الآخرين أو يثير سخطهم، بل على النقيض من ذلك كانوا يساهمون فيه، وحتى الأمهات أو الآباء كانوا يساعدون بناتهم على ذاك اللهو، وكثير من الفتيات كن يسرن عرايا في غير حياء، وكانوا يسخرون مني إذا ما غضضت الطرف عنهن وعمَّا يأتين، ولم أشهد من الإباحة في أسفاري السالفة ما شهدته هذه المرة، ولا عجب؛ فَجُلُّ القوم من الأمريكيين الهوليووديين والنيوزيلنديين والأستراليين، وكلهم سواسية في الأخذ بأكبر نصيب من الإباحة في كل شيء.
أوى جُلُّ المسافرين هذه الليلة إلى مقارهم على خلاف العادة ليعدوا نفوسهم، ويحزموا متاعهم؛ لأنها آخر أيامنا على ظهر الباخرة التي ستصل فرسكو ظهر الغد، وكان الكل يأسفون على مبارحة السفينة، والحرمان من متاع الحياة فيها. والحياة على ظهر الباخرة مترفة نشيطة، ففي باكورة الصباح يمرُّ الغلام بجرس يعطي أنغامًا كالبيانو ليوقظ القوم عند السادسة، ثم يطوف آخَر بالجريدة اليومية الصغيرة من ست عشرة صفحة على ورق صقيل جميل، كنا نقرأ فيها أخبار الباخرة واللاسلكي الخارجي، ثم مقالات قيمة عن البلدان التي ستقف عليها الباخرة مزودة بالصور البديعة.
ثم تمر الآنسة بكأس الشاي وبعض الفاكهة، وفي السابعة صباحًا يطوف الجرس الثاني ويصيح الغلام: «إن الإفطار سيُقَدَّم بعد نصف ساعة.» عندئذ نتوجه إلى المطعم ونأكل ما راقنا من طعام شهي: فاكهة مثلجة وطازجة ومطبوخة، وبعض البوردج «العصيدة باللبن»، أو مقصوص الرقاق اليابس Corn flakes، أو الكنافة Shreaded wheat، وبعض اللحوم والكبد والسمك، وبعض البيض «عجة أو مقلي إلخ»، وفطائر ومربى وعسل ولبن وزبد وشاي أو قهوة أو كاكاو. شكل ??: تحلي عقود الود جيد الناس في هونولولو.
وإذا ما فرغنا من الإفطار قصدنا بهو المطالعة نقرأ بعض الجرائد والكتب التي نقترضها من مكتبة الباخرة، ثم نخرج إلى سطوح السفينة لنساهم في الألعاب المختلفة: تنس، وبنج بنج، وbull board، ورمي الحلق، ودفع الأقراص Shuffle board، والاستحمام في البركة المالحة وما إلى ذلك، وفي بعض الأيام يقام سباق الخيل، وبين محطة وأخرى تُقَام مباريات عمومية يساهم فيها الجميع، وتُعْطَى الجوائز للفائزين. وفي العاشرة صباحًا يطوف الغلام بكئوس المثلجات، وإذا أقبل الظهر دق جرس الغداء فذهب القوم إلى المطعم في غير تكلف في الهندام، فترى الكل نصف عرايا وقد تحرروا من كل قيد. بعد ذلك تعزف الموسيقى فنستمع لها، وبعضنا يؤثر القراءة، والبعض يعكف على الضامة checkers أو الشطرنج check أو النرد أو الورق. وفي الساعة الرابعة تعزف الموسيقى ويُقَدَّم الشاي، ثم تنشط حركة الألعاب الخارجية، وفي السادسة يدق جرس العشاء، ويصيح الغلام منبهًا بأن الطعام سيُقَدَّم بعد نصف ساعة. هنا يسرع القوم جميعًا رجالًا ونساءً إلى غرفهم ليتزينوا ويلبسوا فاخر ثيابهم، حتى الأطفال منهم، وهم يرون اللبس قبل العشاء لازمًا، فكنت أستعرض من الأزياء صنوفًا وألوانًا، فإذا كانت السفينة ستصل ثغرًا في الصباح كانت حفلة العشاء كبيرة للوداع Farewell dinner، ندخل المطعم فنرى الأعلام الصغيرة وملابس للرأس من ورق ملون مضحك fancy dress. وقد يلبس الجميع أردية مضحكة، أو أزياء تمثل همج الإنسان، أو بعض الأمم الغريبة، فيكون عشاء جميلًا. ولا تلبث بالونات الجلد الرقيق الملون ترفرف على الرءوس وتطير، ثم يضربها الخادم بدبوس فتنفجر في صوت كصوت المدافع، بعد ذلك نحضر حفلة السينما. وفي منتصف العاشرة يبدأ الرقص والشرب إلى ساعات متأخرة من الليل، وهنا يطوف الغلام علينا بصواني الساندوتش المنوع، وقد تُعْقَد ألعاب للمقامرة وسط كل أولئك.
ذلك مثل من سحابة اليوم الذي نمضيه على ظهر الباخرة، ولا عجب أن بدأ الجميع يشعر بالأسف لمغادرة البحر رغم ما قد يصادفنا فيه من منغصات موجه ومرضه. وفي الحق أن حياة البحر لتعشق إن أخلاها المرء من المغالاة في المجون واللهو، ولعل أجمل ما فيها جميعًا الإخوان الذين نصطحب بهم مهما كثر عدد المسافرين، تراهم يختلطون ويتجاذبون أطراف الحديث ويصيرون أصدقاء، فحياة البحر خير عون على تربية النفس على حب المعاشرة والتهذيب والدعة.
ولقد صرفت نصف يوم الاثنين كله في عبارات الوداع، وتبادل بطاقات الأسماء والعناوين، وكلنا آسف جد الأسف على فراق حبيبه الذي لم يزد عهد صداقته على أسبوعين. دق جرس الطبيب ظهرًا وقد وفد مع رجال المهاجرة، فتقدمنا وكان قلبي يرتجف خشية أن يكون الكشف الطبي قاسيًا، لكني مررت عليه وتسلمت أوراق نزولي إلى أرض الولايات المتحدة دون قيد، فاغتبطت بذلك الغبطة كلها، ويظهر أنهم قد تغاضوا اليوم عن التراكوما رغبةً منهم في الانتفاع بأموال السائحين.
خرجنا إلى سطح السفينة نشرف على رُبَى كلفورنيا، ونستقبل خليج سان فرنسسكو، فبدا في مدخل ضيق يسمونه الباب الذهبي The Golden gate يفصل ما بين فرسكو إلى يميننا، وأوكلند وبركلي إلى اليسار، وقد بدأ القوم يصلون طرفيه بقنطرة معلقة شاهقة ستكون أكبر قناطر العالم طرًّا وأعلاها، وقد رأينا القوائم شُدَّت عليها الجنازير الضخمة المقوسة التي ستحمل القنطرة عند تمامها. شكل ??: الصحافة في عرض البحر «مثل من الجرائد اليومية التي تُطْبَع على ظهر الباخرة وتُوَزَّع على المسافرين مجانًا».
(?) سان فرنسسكو

بدا خليج فرسكو مغضنًا في شعاب عدة تتوسطه جزر صغيرة، رأينا على إحداها أكبر سجن هناك يضم بين جدارنه المحصنة كبار مجرمي أمريكا كلهم، وبخاصة عصابات شيكاغو gangsters، وعلى جوانب تلك الأجوان تقوم المدينة وضواحيها على مدرجات جبال مغضنة. وأبصرنا بقنطرة أخرى بالغة الطول تُسَمَّى «فرسكو وبركلي»؛ لأنها تصل ما بين البلدين، ويبلغ امتدادها أميال، وقد كلفت ???????? ريالًا، أي فوق ?? مليون جنيه، وهي أطول قناطر الدنيا، وسطحها من دورين: الأعلى للسيارات الخفيفة، وسيمر عليها يوميًّا إذا ما تم بناؤها ?? ألف سيارة، والدور الأسفل لمرور العربات الثقيلة والترام، ويجتازها من الركاب ??? ألفًا في اليوم. ولقد كان مشهد المرفأ ساحرًا بديعًا، والميناء تنافس سدني وريودجانيرو جمالًا، وتُعَدُّ أكبر «المين» الطبيعية المغلقة الآمنة في الدنيا. نزلنا البلد ونقلتنا السيارة إلى نُزُل Stewart في شارع Geary، وأجره ريال ونصف في اليوم، والفندق فاخر جدًّا، ويغص بالمسافرين إلى حد لم أعهده من قبل. خرجت أجوب الجهات القريبة من الفندق، وإذا بشوارعها عظيمة الامتداد، شامخة البناء، فاخرة المتاجر والمعروضات، غاصة بالحركة جدًّا؛ لأنها قلب المدينة، وبخاصة شارع Market Str. أعظم شوارع المدينة وأشدها حركة، يجري به أربعة أشرطة للترام متجاورة لشركتين مختلفتين، وبعض الشوارع تتعامد عليه، والبعض تتوازى معه، وأخرى تميل خارجة عنه، ثم تقابلها غيرها متعامدة عليها أيضًا، والكل يسير على نظام الكتل blocks كما هي الحال في نيويورك. شكل ??: زهرة عباد القمر في هونولولو.
وفي تلك الأحياء الفاخرة كثير من ناطحات السحاب التي تبلغ أدوارها بين الخمسة عشر والخمسة والعشرين، وقد صعدنا أعلاها؛ وهي ناطحة شركة التليفون، إلى سطح الدور الثلاثين، فكان مشهد المدينة منه جميلًا ساحرًا، ويشتغل بها في ساعات العمل من الموظفين ???? موظف.
ومن المباني الرائعة دار البلدية City Hall بقبتها الأنيقة، تزين ميدانها النافورات والحدائق البديعة، وهي تغص بالحَمَام يطعمه الناس فيرفرف على أكتافهم وهو أليف وديع. أما عن حياة الليل في تلك الشوارع فصاخبة مائجة تزينها الأضواء الملونة التي ألفناها في هوليوود ولوز إنجليز في إسراف كبير، ودور الملاهي لا تُحْصَى، والمطاعم والفنادق تُعَدُّ بالمئات، ففي سان فرنسسكو ???? فندق، وفوق ??? مطعم، مع أن سكانها لا يزيدون على سبعمائة ألف. وقد عجبت كيف تجد تلك الفنادق والمطاعم من الزائرين ما يكفيها، لكني علمت أن نحو ??? من سكان المدينة من رواد تلك النُّزُل والمطاعم، مما أَفْقَد البيوت رونقها، وكاد يقضي على نظام العائلة البديع؛ فلا يكاد أحدهم يأكل في بيته قط، وكثير منهم ينام في الفنادق، وإذا أضافك أحدهم على طعام أو شراب، دعاك إلى أحد تلك المطاعم. أما البيت وما له من حرمة مقدسة، وجميل أثر في تربية النشء، فذاك ما لا تراه هناك قط، وكثير من تلك الأماكن باهظة التكاليف؛ إذ أجر المبيت فيها يفوق ستة ريالات في الليلة الواحدة، على أنك تجد الكثير بين نصف الريال والريال.
وجل المطاعم على النظام «الوقافي» تخدم نفسك وتدفع ما بين خمسة قروش وعشرة في العادة. ركبنا سيارة النزهة sightseeing في رحلة مداها فوق ثلاثين ميلًا في ثلاث ساعات، وأجرها ريالان، وطفنا بِجُلِّ نواحي المدينة وأطرافها، وزرنا بعض كنائسها القديمة، وبالمدينة زهاء ??? كنيسة جلها للمذهب الكاثوليكي، ثم دخلنا الأكواريوم الذي حوى مجموعة قيمة جدًّا من السمك، خصوصًا الملون البديع، ولعل أعجبه Turkey fish، وهو ملون، وتحكي أجنحته الديك الرومي. ثم دخلنا متحف التاريخ الطبيعي، ولا بأس بمحتوياته خصوصًا المعدنية، ثم وقفنا بشواطئ الاستحمام الرملية المديدة، وقد أُقِيمَت حولها الملاهي ودور السينما واللونابارك والمطاعم، وفي ناحية منها جزء صخري من الشاطئ به بعض الجزيرات التي تغص مياهها بسباع البحر، تنفر في الماء، وتلعب مرحة آمنة. وقد اخترقنا أكبر متنزهات البلدة، ويُسَمَّى متنزه القرن الذهبي، ومساحته ???? فدان، وتكثر المتنزهات خارج البلدة، لكنها تندر جدًّا في وسطها، ثم اعتلينا بعض التلال المحيطة بها، فكان منظر المدينة وبحارها وقناطرها، وبخاصة القرن الذهبي، رائعًا.
عادت بنا السيارة الكبيرة الفاخرة، ومنها ما يسافر إلى أقصى بلاد الولايات المتحدة، ويفضلها الكثير على سكة الحديد؛ لأنها مريحة جدًّا من جهة، ولأن أجرها أرخص بكثير من سكة الحديد، فأجر السفر بها من سان فرنسسكو إلى نيويورك مثلًا ثمانية جنيهات ونصف، مع أن الأجر في القطار ضعف ذلك. ثم كانت زيارتي للمدينة الصينية China Town، وهي قسم من المدينة احتله الصينيون. وهم هناك جالية كبيرة العدد، حتى إن تلك الناحية تُؤْوي أكبر مجموعة من الصينيين خارج الصين، وتقع على تَلٍّ تنحدر منه الشوارع في ميل مخيف قد ينزل فجأة ??°. شكل ??: ركوب الأمواج الهائجة بزوارق نحيلة من أحب وسائل الرياضة في هونولولو.
أخذنا نسير وسط تلك الشوارع فأذكرتني برحلتي في الصين نفسها؛ فالمباني أُقِيمَت على النمط الصيني ذي السقوف الخشبية المقوسة الأطراف، والمصابيح من حديد أو ورق ملون، وعنوانات المتاجر في شرائح طولية تزينها بقع الخط الصيني الجذاب، والحركة هناك ناشطة مائجة بالمارة من الصينيين بعيونهم المائلة المنتفخة، وقاماتهم القصيرة، وأرديتهم العجيبة. وجل ما يُعْرَض في متاجرهم من الأنسجة واللعب الصينية، ولهم هناك مطاعمهم ومكاتبهم وجرائدهم التي تُطْبَع بلغتهم.
وقد تناولت العشاء في إحدى تلك المطاعم، وراقني منها الأرز ومزيج من نثير اللحم والسمك والسردين وصنوف أخرى لم أعرفها، واستمتعت بالشاي الصيني الأخضر الذكي، ثم دخلت دار التمثيل الصيني، فمثلوا أمامنا رواية بالملابس الصينية، على أني ألفيت التمثيل جامدًا تعوزه الحركات الخفيفة، فلا تكاد الممثلة تتحرك قط، وصوتهم في الحديث والغناء منفر جدًّا، والنساء يتكلفن القول في تماوت سقيم، وأدهى ما في الأمر موسيقاهم، وهي عبارة عن طبول كأنها الرعد، أو صوت مجموعة من صفائح تُقْرَع عاليًا، ويصيح معها مزمار مُملٌّ النغمات، ويبلغ من علو تلك الجلبة أنا لم نكد نسمع من قولهم في التمثيل شيئًا، وقد تصدعت رءوسنا على أن الصينيين كانوا منصتين مأخوذين، وهم معروفون بتقديرهم للبلاغة في القول، والتعمق في الفلسفة، ثم كان التمثيل المتثاقل، وأمثال تلك الدور كثير في تلك البلدة.
أويت إلى النزل وطفقت أربعة أيام كاملة أتزود من ظُرف سان فرنسسكو، وخفة روحها، وأنس أهلها، ولن أنسى مشيتي خلال تلك الشوارع الأنيقة الغاصة بالجماهير ليلًا ونهارًا، وكانت تستوقفني بين آنٍ وآخر تلك المباني الشامخة التي بُولِغَ في تنسيقها وتجميل مواضعها، وكثير منها يبدو جديدًا. وهذا القسم من البلدة هو الذي دمره الزلزال سنة ????، واشتعلت به النار فلم تُبْقِ منه شيئًا؛ لذلك أنشأه القوم من جديد على نظام هو خير من سالفه، وهو القسم الشمالي الشرقي الذي يتوسطه شارع Market. ولقد رغبت في زيارة الجامعة فركبت لها الفرسى في ضاحية بركلي Berkly، وهناك في بنائها الفاخر كان يتلقى دروس الصيف زهاء ???? طالب من مختلف الجهات، أما أثناء الشتاء فعدد طلابها ?? ألفًا، وهي من أكبر جامعات أمريكا. ثم عرَّجت في عودتي على حديقة الحيوان الجميلة، وشاطئ الاستحمام وما حوى من صنوف الألعاب الأمريكية على نمط ما رأيناه في مدينة الملاهي في معرض العام الفائت، إلا إنه ثابت وعظيم الامتداد، ومتعدد الألعاب، وتدهش للأموال التي ينفقها الناس هناك، وحتى الأطفال كانوا ينفقون ريالات متعاقبة بدون اكتراث. ثم عدت مخترقًا بعض ضواحي السكنى، وجل بيوتها من دورين أو ثلاثة، وغالبها بالخشب الذي يُطْلَى فيُرَى وكأنه البناء الأصم، وذلك خشية آثار الزلازل كثيرة الحدوث في تلك الجهات. ولقد أعدت تجوالي ليلتي الأخيرة أستمتع بأنوار المدينة الخاطفة، وحركتها المستمرة، ومتاجرها المعروضة، وحتى بعض البنوك، وبخاصة بنك أمريكا، كانت الأضواء تشرق في بنائه الفاخر، وكانت الحركة المالية فيه مستمرة، وقد كُتِبَ عليه: البنك مفتوح آناء الليل وأثناء النهار.
شكل ??: همج المحيط الهادي يصيدون السمك بالحراب.
على أني لاحظت رغم كثرة الأموال عددًا كبيرًا من العاطلين، ومنهم من كان يعترضني ويطلب عونًا ماليًّا ويقول بأنه معوز لا يجد عملًا، وقِيلَ لي: إن عددهم يناهز عشرة ملايين في البلاد كلها، ومنهم من تدفع له الدولة إعانة مالية حتى يجد مرتزقًا. وكنت أحس بالألم المفجع لأمثال هؤلاء؛ إذ يبصرون بعيونهم مبلغ المتاع الذي ينغمس فيه أقرانهم، والريالات التي تبدر بسخاء هنا وهناك، وهو صِفر اليدين لا يستطيع سد حاجة مما اعتاد من صنوف المترفات ومطالب الحياة الأمريكية التي لا تُحَد. وكان كثير من أبناء السبيل حفاة وفي ثياب مرقعة، لكنهم رغم ذلك المظهر البائس يسيرون مرحين، فإذا سألك أحدهم عونًا ولم تجبه إلى سُؤله لم يُلحف في الطلب، بل ابتسم وسار إلى سبيله.
وفي صباح الجمعة ?? أغسطس قمتُ أودع سان فرنسسكو التي أسسها الإسبان سنة ???? بوساطة بعض بعوثهم الدينية St Francs، وفي سنة ???? لم يزد سكانها على ???، وعندما كشف «مارشال» الذهب حول مجرى ساكرمنتو، هاجر الناس إليها من كل فج، وبلغ التزاحم حدًّا كان الفراش يُسْتَأْجَر بجنيه في الليلة، وكانت البيضة تُبَاع بريال، وبلغت أجور العمال ?? ريالًا في اليوم، وفي عامين بلغ أهلها ?? ألفًا. ركبت السابحة إلى أوكلند حيث محطة سكة الحديد، وأقلني القطار سائرًا صوب الشمال إلى بلاد كندا مخترقًا جبال الركي الشامخة، وكان الجو خلال إقامتي في فرسكو جميلًا أقرب إلى شتاء مصر منه إلى صيفها، بعكس ما قاسيته في هوليوود ولوز إنجليز من الهجير اللافح الذي يفوق في نظري صيف مصر، وذلك كان من ضمن العوائق التي صرفتني عن زيارة «خانق كلرادو» بعد أن كنت قد اعتزمت زيارته. دخل بنا القطار في سهول مبسوطة قد اصْفَرَّ أديمها ببقايا الغلال المحصودة، ومنها متسعات هائلة زُرِعَت بأشجار الفاكهة، وبخاصة البرتقال، ثم أخذت الخضرة الطبيعية تزداد بعد أن سرنا زهاء ثماني ساعات، وكثر الشجر البري.
شكل ??: في جزائر ساموا ذات الطبيعة الساحرة.
ثم أخذنا نوغل في الربى ونترك السهول والقطار يتلوى صاعدًا في جهد كبير رغم ضخامة قاطرته، ثم عمت الغابات النجاد كلها، وهي في القمم من شجر الصنوبر، لكن الأغلبية من الأشجار المورقة، وبخاصة red wood، وكانت وديان الماء الغائرة المتعرجة تبدو في رواء يستهوي القلوب، وفي بعضها شلالات كبيرة. وكانت القرى نادرة تقوم بيوتها الصغيرة كلها من خشب. وفي مجاورة المجاري المائية كنا نرى كثيرًا من مناشر الخشب، وهو من أكبر صادرات تلك الجهات، وفي بعض تلك المجاري كانت كتل الخشب الغفل تُوصَل بعضها بعوارض خشبية فتكون عوامة سابحة هائلة، ومقدمها يُرَصُّ في شكل مقدم السفينة في مثلث كي يسهل عليه شق الماء. ومن الشجر الذي كان يقطعه القوم ما بلغ ضخامة هائلة، بحيث كنا نرى جزءًا صغيرًا من شجرة واحدة يملأ فراغ عربة نقل كبيرة.
شكل ??: قد يزيد الفراش على قامة الرجل في هونولولو.
وكلفورنيا وأرجون من أشهر بلاد العالم بذاك النوع من الشجر الضخم شاهق العلو، وهو Red Wood، وكثير من المناشر تقوم إلى جوارها مصانع عجينة الورق من الخشب. وأخذ ذاك الجمال الطبيعي الذي لم تكد تمسسه يد الإنسان يزداد حتى قاربنا البحر عند بلدة سياتل. (?) سياتل

وبينها وبين فرسكو ??? ميلًا، وتقع على جون غائر في الأرض بألسن لا حصر لها، والبلدة مقامة على مدرج فوق الجبال التي تكسوها الغابات في مشهد جميل، وتبدأ الشوارع متوازية من 1st Av إلى 2nd إلى3rd إلخ، وكل واحد يعلو أخاه بنحو عشرة أمتار أو يزيد، وتقطعها متعامدة عليها شوارع أخرى، وأهمها جميعًا شارع Pike مقر المتاجر الكبيرة والحركة الصاخبة. ولقد جُبتُ جلَّ تلك الشوارع، وهي على نمط المدن السابقة، ولعل أجمل ما استرعى نظري السوق العام Public Market، تُعْرَض فيه جميع السلع بمختلف أنواعها، وخصوصًا المأكولات، في تنسيق كبير، ونظافة تامة، والباعة يحاولون استمالتك بصياحهم بالثمن، وتحسين بضائعهم، في تزاحم لم أره في سائر المدن الأمريكية الأخرى، مما أذكرني بأسواق الشرق عندنا. وكثير من الباعة من الصينيين الذين لهم حيهم في السكنى على مثال فرسكو. وفي ركن من البلدة ميدان فيه متنزه صغير أُقِيمَ وسطه نصب هندي يسمونه Totem Pole، وهو يمثل شجرة العائلة لأهل ألاسكا من الهنود الحمر. ويظهر أن الحالة المالية في البلدة كاسدة لكثرة ما شاهدت من العاطلين والمتسكعين، وكثير منهم يقف على نواصي الطرق ويستجدي المارة. (?) فكتوريا

غادرت سياتل صباحًا إلى كندا، فركبت الباخرة الفاخرة وكانت غاصة بجماهير المسافرين، فسارت بنا فوق أربع ساعات ?? ميلًا كلها وسط أجوان وجزر تحدها الربى التي تتوجها الغابات الكثيفة في مناظر ساحرة، ولما أن رسونا على فكتوريا في جزيرة ?نكو?ر مررنا برجال المهاجرة فختموا جواز السفر في غير تعطيل، ثم انتقلت إلى نزل جميل فاخر هو Dominion Hotel بريال ونصف في الليلة. وفكتوريا عاصمة مقاطعة كلمبيا البريطانية مع أنها أصغر من ?نكو?ر؛ فسكانها ?? ألفًا، ولقد أسستها شركة خليج هدسن التجارية منذ أن أقامت قلعتها سنة ????.
ألقيت بحقائبي في النُّزل ثم سارعت بأخذ مكاني من سيارة السياحة، فطافت بنا فوق ساعتين بريال خلال المدينة وخارجها، فبدت البلدة هادئة إلى حد موحش؛ لأنه يوم الأحد من جهة، ولأن بلاد كندا بعيدة كل البعد عن تلك الجلبة وسرعة الحركة التي نشاهدها في جميع مدن الولايات المتحدة. والشوارع هنا أفسح بكثير من الشوارع الأمريكية، لكن مبانيها واطئة لا تُرَى من بينها تلك الناطحات التي أُغْرِمَ بها أهل الولايات المتحدة، وأكثر تلك الطرق حركة ووجاهة Government وDouglas الذي يوازيه ثَمَّ Yates وFort اللذان يقطعانهما، ومن أجمل أحيائها: البلدة الصينية، وهي شبيهة بتلك التي في فرسكو، لكنها أصغر منها. شكل ??: نخيل النرجيل على شاطئ وايكيكي في هونولولو.
ومن المباني التي تجتذب النظر دار الحكومة يتقدمها تمثال فكتوريا، وتشرف على جناح من البحر ثم أوتيل Empress الهائل، الذي كُسِيَ من خارجه بالنبات المتسلق الأخضر البديع، وهو مزود بآيات الزخرف والإسراف في التأثيث من داخله، وإلى جواره المتحف الصغير والزورق الشراعي الذي طاف به شاب سنة ???? «?? ألف ميل» حول العالم. ولقد خرجت بنا السيارة مخترقة الغابات خارج البلدة، وهي غاصة بالنبات الطفيلي خصوصًا Ferns، وفي كثير من جهاتها كانت كثيفة الشجر جدًّا، وكنا نمر بالبيوت الخشبية الصغيرة منثورة وحولها بعض مزارع الغلال والفاكهة، خصوصًا في المنخفضات، وأخيرًا دخلنا حديقة Butchart، وهو أحد السراة أصحاب الملايين، زود بيته بحدائق بالغ في تنسيقها وتنويع شجرها وزهورها التي أعد لها بيوتًا زجاجية، ثم أمدها بمقاعد في مختلف الأشكال، وفي عدد لا حصر له، وفي جناح منها حديقة للحيوان والطيور، وفي كثير من المتسعات قد أعد ملاعب للأطفال وأراجيح، ثم فتح أبوابها للجماهير تؤمها للنزهة واللعب متى شاءت. وفي عودتنا زرنا المرصد فوق ربوة شاهقة، وبه منظار يُعَدُّ من أكبر ما صُنِعَ، صُبَّت عدساته في بلجيكا وصُدِّرَت إليه قبل احتلال الألمان لمدينة Liege بثلاثة أيام فقط، والمرصد ثاني مراصد الإمبراطورية البريطانية. والمدينة بدت آية في النظافة؛ ولذلك لم أعجب لما علمت أن نسبة وفيات الأطفال أصغرها في العالم إذا قورنت بالبلاد التي تساويها عددًا في السكان، ويطلقون عليها اسم «باب كندا» لأنها نقطة الاتصال بجميع البلاد الخارجية؛ ولذلك يرمزون لها بمفتاح ذهبي تراه معلقًا على صدور بعضهم، ومعروضًا للبيع في كثير من متاجرهم. وما كان أجمل دار الحكومة وقد أُضِيءَ صدرها كله بالثريات ليلًا، وكانت تواجهها في البحر سفينة صُنِعَت في شكل مسرح هائل زُوِّدَ بالنقوش والأضواء القوية، وأُقِيمَ مدرج كبير أمامه على الشاطئ جلس فيه الجماهير يستمعون لفرقة الموسيقى الكبيرة، ولغناء بعض المتطوعين من النساء والرجال. أما أضواء الشوارع وملاهيها فقليلة بالنسبة لما تراه في المدن الأمريكية. والبلد يبدو عليه الطابع السكسوني الإنجليزي في بروده وجمود حركته، على أنه خفيف الروح في جملته.
ولا يبدو على الناس هنا مظهر الغِنى وتبديد المال كما كنا نشاهد في البلاد الأمريكية، وكثير من الناس فقراء ويستجدون غيرهم، ويبدو على هندام بعضهم العوز الشديد، وحتى أطفالهم قد اعتاد الكثير منهم ذاك التسول.
قمنا الساعة الثانية مساء نستقل السابحة إلى مدينة ?نكو?ر.
(?) ?نكو?ر

وكان التزاحم فوق الباخرة كبيرًا حتى كانت أكتافنا تتساند، ولم يكن في الباخرة مكان للحركة؛ ذلك لأن هذا الميعاد صادف اليوبيل الذهبي للمدينة؛ ولذلك أقاموا فيها عدة مهرجانات وزينوها، وخفضوا أجور النقل شهرين كاملين، هذا إلى أن القوم يحبون الانتقال، فكلما سنحت لهم فرصة سافروا في نزهة بحرية، وهل أجمل من السير بين أجوان جزيرة ?نكو?ر ومناظرها الساحرة.
شكل ??: العناية بأرض الزرع في هونولولو.
لبثنا نسير أربع ساعات وسط صخور وجزيرات تكسوها الغابات، وتتلوى بينها الأجوان في مناظر خلابة، وقد كانت الفنادق مكتظة حتى إنِّي بعد جهد وجدت غرفة لي في نُزُل Dunsmuir، ولا بأس بها، وأجرها ريال. أخذت أجوب أكثر نواحيها حركة في شوارع فسيحة، وأبنية لا بأس بوجاهتها، ومنها ما يعلو عشرين دورًا، وقد زُيِّنَت بالأعلام والثريات، وكُتِبَ على الأعمدة: مرحبًا بكم، وذلك بمناسبة الاحتفال الذهبي. وأكبر شوارعها التجارية جرانفل Granville يمتد خمسة عشر كيلومترًا، وفي أحد طرفيه نهر فريزر، ومن أجمل المباني عليه فندق ?نكو?ر الذي تديره سكة حديد كندا الباسفيكية، وبها فوق ??? غرفة. وفي الصباح أخذت مكاني من سيارة السياحة وطفنا بنواحي البلدة، ومما راقني كثيرًا المدينة الصينية، وبها ?? ألف صيني يقطنون في بيوت صينية الهندسة، ولهم معابدهم وإعلاناتهم بخطهم العجيب. ودخلنا معرضهم وفيه بوابة فاخرة أقرضتها الحكومة الصينية حتى تنتهي حفلات اليوبيل، وإلى جوارها المدينة اليابانية وبها سبعة آلاف. وأخيرًا وصلنا Dtanley Park في مساحة ???? فدان جُلُّها من الغابات التي أدهشنا مختلف الشجر فيها وضخامته، ومن الشجر ما يزيد محيطه على ?? قدمًا ويشمخ عاليًا في الجو، خصوصًا Red cedar، وتبدو جذوعه وكأنها حزمة من أشجار التوت على بعضها، ومنها ما ينمو من وسط جذع لشجرة أخرى قُطِعَت من قديم، وهناك شجرة ملتوية نما القسم الأكبر من جذعها أفقيًّا، وقد نمت عليه شجرتان رأسيتان من نوع آخر. وأقسام الزهور هناك كبيرة، وتحوي مجاميع بديعة، وخصوصًا القسم المسمى Shakespeare’s house، وفيه تنمو كل الزهور التي ورد ذكرها في مؤلفات شاكسبير. والعجيب أنهم يضعون وسط كل حوض للزهور مصابيح الكهرباء لتضيء ليلًا وتُظهِر الزهور في شكل بديع. وقد زُوِّدَ المنتزه بالملاعب المختلفة والحمامات وحظائر الحيوان، وبه قسم مخصص للهنود الحمر، وقد أُقِيمَت به قرية هندية نموذجية تتقدمها أنصابهم المخيفة من نقر الخشب، وتبلغ علوًّا شاهقًا، وهي تمثل الآلهة ذوات أجنحة تنذر بالرعد والمطر، وعيون محدقة تنذر بوميض البرق المخيف. وهناك أثر حجري للهنود قُدِّرَ عمره بنحو ???? سنة، وفي جانب من المتنزه جزيرة صخرية يسمونها Dead man’s island، كان الهنود يدفنون فيها موتاهم، وطريقتهم في الدفن أن تُوضَع الجثة في زورق يُعَلَّق بين الأشجار، وتحرسه تلك الأشباح والأنصاب البشعة. والمتنزه يشرف على أجوان الميناء من عدة مواضع، فكانت تبدو الجزيرات والربى التي تكسوها الغابات في جمال رائع، فالطبيعة في تلك الجهات غنية بجمالها الذي يستهوي المرء أن يقيم في تلك البقاع طويلًا. شكل ??: هونولولو تنتج خير أنواع الأناناس وأوفره محصولًا.
أما البلدة نفسها فليست في روعة البلاد الأمريكية، ويبدو على مبانيها القدم، فهي تظهر قاتمة غبراء، وأهلها أبعد عن وجاهة الأمريكيين في هندامهم ومرحهم، وكثير منهم رقيق الحال معوز محتاج.
ومن المتاجر التي زرناها Stanley من ستة أدوار، وفي أعلاها حديقة سماوية معلقة يصعد إليها من شاء التريض والاستمتاع بمنظر المدينة من السماء. وقد راقني في الدور السادس معروضات الموبيليات تفرش الحجرات فرشًا تامًّا؛ فيُخَيَّلُ إليك أنها في بيت عامر بالسكان. وقد استرعى نظري كثرة الكنائس في ?نكو?ر وفكتوريا، فقد تجد خمسًا منها في شارع واحد، إلى ذلك جماعة المبشرين الذين كنت أراهم في نواصي الطرق يخطبون الناس حاثين على التمسك ? Jesus، ومعهم الموسيقى تعزف لهم، وهم يغنون بين آونة وأخرى، وكنت أرى نسخًا من الإنجيل في كل غرفة من الفنادق هناك. قمت مساء بقطار Canadian National السابعة إلا ربعًا أخترق جبال الركي. (?) جبال الركي وجاسپر

فسرنا في متسعات من السهول تغص بالغلال والفاكهة، ثم بدأنا نتسلق جبالًا وطيئة نصف مجدبة، وما فتئت الأشجار تتزايد والجبال تعلو والقطار يَجِدُّ صاعدًا في جهد كبير، وقاطرته تُعَدُّ من أضخم قاطرات العالم وأحدثها. وفي شفق الصباح بدأنا نوغل في تيه من الربى والغابات تطوقها مسايل المياه تنقبض تارة وتنبسط أخرى، ودوي المياه فيها كأنه الرعد.
وكم مررنا بشلالات رائعة أفخمها مكانًا «شلال الأهرام» الذي تتفجر مياهه وهي هاوية إلى الأغوار في شكل مثلث! وكانت بعض الدببة السوداء قيمة الفراء والتياتل والموس والألك تُرَى هناك على قلة، وقد شعرت أنها آمنة؛ إذ هي في الحرم الذي يُمْنَع فيه الصيد، وحتى المتوحش لا يضربه البوليس إلا بإذن من الحكومة. وقد فاجأتنا مجموعة من بحيرات فضية آسنة تنعكس ذرى الجبال المحيطة بأشجارها الكثيفة على صفحة مائها في مشهد رائع، وبين آونة وأخرى كنا نرى بعض الثلج الناصع البياض يكسو الربى النائية، ولعل أروعها جميعًا Mt. Robson، وعُلوُّه ?????. ومن أشهر الأنهار التي مررنا بها: فريزر، الذي كان يتسع في بعض جهاته إلى ثلاثة أمثال نيل مصر، وكانت سابحات الخشب تعوم في سلاسل متعاقبة تجرها اللنشات إلى حيث تُنْشَر. وكان يهولني النمو الأسفل للنبات الطفيلي، وبخاصة السرخس ferns الذي كثر كثرة عجيبة، وظلت تلك المناظر الخلابة تتزايد سحرًا كلما أوغلنا في تلك الجبال، ومررنا بالقرى النادرة ببيوتها الخشبية الصغيرة حتى كانت الساعة الواحدة والنصف من يوم الأربعاء حين وصلنا: جاسپر، أي بعد زهاء ?? ساعة من ?نكو?ر. شكل ??: جماهير المودعين يمسكون بأشرطة الورق الملون.
هنا تركت القطار وودَّعتُ من حولي من رجال ونساء التقوا بي وعكفوا على التحدث إليَّ وتمنوا لي رحلة سعيدة، ثم أويت إلى فندق الأهرام الصغير الجميل، وقد آثرته على غيره بمجرد أن رأيته يحمل اسمًا مصريًّا. والبلدة كلها صغيرة تتألف من مجموعة من ال?يلات الخشبية البديعة نُثِرَت وسط المزارع الطبيعية، وقامت من حولها مخاريط الجبال من كل جانب تُكْسَى بالخضرة والشجر الصنوبري، ويُغَطَّى بعضها بالثلوج الوضاءة. وهي هادئة لا تكاد تسمع فيها حركة فتخالها خلوًا من الأهلين، ولا يزيد سكانها على ????، وقد اختيرت وسط Gasper National Park الذي أوقفته الدولة متاعًا للناس جميعًا في مساحة ???? فدان، وحرمت فيه صيد الحيوان وقطع الشجر وامتلاك الأرض. ولقد عنيت شركة سكة الحديد C. National بتنسيقه في بعض جهاته، وتزويده بالطرق والفنادق، وبخاصة في مدينة جاسپر؛ لتجتذب السائحين إليه، ولقد زرت فندقها الفاخر Lodge الذي أُقِيمَ من كتل الخشب الأسطوانية في عدة أبنية منفصلة، ونُسِّقَت حوله الحدائق أيما تنسيق، وزُوِّدَ بِبِرْكَةٍ صافية الماء للاستحمام، لكن أجره باهظ هو سبعة ريالات في اليوم للنوم فقط. وقد حفظت مكاني في سيارة السياحة بريالين فطافت بنا بعض الجبال المجاورة، ثم خانق Maligne الذي سرنا على جوانبه خمسة أميال وهو يتلوى وتتعقد صخوره وتهوي روائع شلالاته في مناظر نادرة المثال، وعدنا بعد ساعتين ونصف. ومن أروع الجبال المشرفة على البلدة «كافل» في هرم مدرج تكسوه الثلوج الخفيفة، ومن دونه بحيرة ينعكس عليها في صفاء ناصع، ثم نهر أتاباسكا المختنق الذي يتلوى إلى جانب البلدة لَيَّاتٍ شديدة، وتكاد تسده الغابات على جانبيه. وبمجرد نزولنا من القطار استرعى نظرنا عمود Totem Pole الذي يذهب عهده إلى ???? سنة قديمًا، وهو رمز سيادة الأسرة عند الهنود الحمر، يحتفظون به ليدل على أنهم من أصل عريق شريف. وكنا نرى قليلًا من الهنود بوجوههم القبيحة، ولونهم الأغبر الكدر، وقاماتهم القصيرة، وأكتافهم المقوسة. وعجيب أنهم بعيدون عن أي استعداد للتقدم، فمستواهم العقلي منحط، بطيئو الفهم، رغم محاولة الدولتين الأمريكية والكندية تحسين حالهم. وهم لا شك آخذون في الانقراض، وشتان بين عقليتهم الراكدة وسحنتهم المنفرة، وبين الماوري مثلًا بذكائهم المفرط وجمالهم الجذاب. والهنود الحمر قريبو شبه بالصينيين؛ لذلك رُجِّحَ أنهم وفدوا من الصين عن طريق سيبيريا وألاسكا وانتشروا في الأمريكتين، ولا يزيد عددهم في كندا على مائة ألف.
وكثير منهم يشتغلون بصيد السمك وحيوان الفراء وقطع الخشب، ويسود الأسكيمو البلاد الجليدية الشمالية. وقبائل الهنود الحمر عديدة لا تُحْصَى، وأهمها: الأسكيمو و المكماك Micmac والمنتانيا والتشپوا والأتاوا و الكري Cree والبلاكفيت والهورن إيروكوا. شكل ??: في هوليوود بوليفار.
وفي البلدة مدرسة جميلة تحوي السنوات الابتدائية والثانوية معًا، وبعض فصولها يزيد عدده على الأربعين. طفقت يومين أجوب نواحيها وأرتقي جبالها وأغالب غاباتها، والهدوء من حولي شامل أشعرني بشيء من الوحشة والحنين إلى ضوضاء المدن التي ألفتها في رحلتي هذا العام؛ إذ جُلُّها كان في البلاد العامرة الصاخبة.
وجاسپر خير مكان لطلاب الراحة والسكون، ولطائفة الكتاب والشعراء والفلاسفة. أما الجو في تلك الأنحاء فبارد منشط تنتثر سماؤه بالغيوم التي تَسِحُّ جفونها أحيانًا، ثم تتكشف عن أضواء جذابة من وراء حجب الجبال والغابات القاتمة، والنهار هناك طويل جدًّا؛ إذ كنت أقرأ الجرائد أمام النُّزل الساعة التاسعة مساء على ضوء الشفق؛ ذلك لأن المكان على خط عرض مرتفع جدًّا هو ??° شمالًا، ولما أن وصلنا جاسپر كانت ساعتنا الواحدة والنصف، لكنَّا ألفيناها هناك الثانية والنصف، فقدمنا ساعاتنا واحدة.
وبلاد كندا عريضة جدًّا بها أربع مناطق زمنية، فكلما سرنا إلى الشرق خمس عشرة درجة دفعنا بعقارب ساعاتنا خطوة إلى الأمام. أما حياة الليل هناك فموحشة مظلمة عديمة الحركة، ووسائل التسلية نادرة، فليس ثمت إلا سينما واحدة صغيرة ومقصفًا أو اثنين، وأذكر أنني كنت أتناول الشاي في أحدها وإذا برجل متقدم السن دخل في زمرة من الأطفال، يفوقون العشرة عدًّا، وهم مرحون، وقد هجموا على البائع يطلب كلٌّ ما يرغب من شراب أو مرطب، ودفع عنهم الرجل جميعًا، ولما أن سألته: أهؤلاء بنوك؟ قال: كلا، بل إني أحب أن أجمع الأطفال الفقراء وأُزوِّدهم بشيء مما نستمتع به آنًا بعد آنٍ. فأكبرت فيه هذا الشعور الجميل، وعلمت أن الكثير من هؤلاء الناس خيرون، طيبو القلب، شفيقون بالغير. والمدهش أن الرجل لم يترفع عن الجلوس معهم ومسامرتهم رغم هندامهم الرث، وحالتهم المزرية.
شكل ??: في ناحية من هوليوود.
هنا لُمْتُ نفسي وشعرت بشيء كبير من الخجل والخزي؛ لأني لم أفعل ذلك مرة واحدة مع شريدي الشوارع في مصر، وهم لا يُحْصَوْنَ عَدًّا، وآليت على نفسي أن أشرك بعض هؤلاء معي فيما مَنَّ الله به عليَّ من نعيم ومتاع.
(?) ونيپج والپريري

قمت بقطار الخميس صوب ونيپج وأرض الپريري الشاسعة، فكانت المنطقة حبلية غنية بمناظرها وغاباتها وبحيراتها ومجاريها، وبخاصة نهر أثاباسكا، ثم أخذت الأشجار في القلة والصغر، وأضحت البيئة بستانية كما يسمونها Park، وندرت الجبال، ثم أصبحنا وسط سهول مترامية لا تكاد ترى في أرضها تموجًا ولا حزونًا، وذاك لما أن بلغنا أدمونتون من كبريات مدن مقاطعة Alberta، وظهرت منابت القمح وقد كسا الأرض ببقاياه الصفراء الذهبية. وكان القوم جادين في حصده ودَرْسه بآلات كبيرة غالبها يُدَارُ بالبنزين، والقليل بالخيل. والمدينة مركز هام للغلال وللتعدين. وقد مررنا بمطارها الهائل الذي لا يزال يخدم وتطير منه الطائرات ألف ميل إلى مناطق التعدين شمالًا، وبها كنوز الذهب والراديوم، ويخالونها من أغنى بلاد العالم. والطائرات خير وسائل النقل إلى تلك الأصقاع النائية الباردة، إلى ذلك فهي مركز لتجارة الفراء وصيد حيوانه إلى شمالها. عدنا إلى الشرق زهاء ??? ميل كلها سهول مبسوطة اخْضَرَّ أديمها بعشب لا يكاد يستقيم عوده، وظهرت منابت القمح الصفراء خلاله، وكلما قربنا من جدول أو وادي نهر ظهر الشجر القصير وحاكى الإقليم الغابات القصيرة المغلقة. والأرض هناك مقسمة إلى مزارع يُسوِّرها ذووها ويقيمون وسطها بيتهم الصغير من كوخ أو اثنين، وإلى حافة المزرعة رافعة الغلال Elevator كالبرج المربع تعلوه شبه قبة، وهنا تُخَزَّنُ الغلال حفظًا لها من التسويس أو خطر الفيران. وليس بالمَزارع أشجار ولا آبار ولا مضخات هوائية كتلك التي تميز أرض بامباس بأمريكا الجنوبية. شكل ??: بعض مسارح هوليوود في الهواء الطلق يسع ????? نفس.
والمَزارع ميل مربع في المتوسط — زهاء ??? فدان — وأصغرها ربع ذلك، والحكومة تساعد القوم بإعطاء من أراد ??? فدانًا يخدمها ثلاث سنين، فإن أفلح تُرِكَت له بقيم زهيدة تتراوح بين ?–? جنيهات للفدان. والغلال تُزْرَع على المطر ليس غير، فيُبْذَر القمح في مايو ويُحْصَد في أغسطس، والمطر يسقط في تلك المدة عادة، وإذا ما فرغ الفلاح من الحصاد وتخزين قمحه حرث أرضه من جديد وتركها للعام المقبل، وينزل عليها الثلج شتاء إلى علو ياردة تقريبًا، وإذا ما ذاب في الربيع روى الأرض، وبذر الفلاح قمحه الجديد، ولا يتطلب المحصول خدمة، بل ينمو بعد ذلك وحده حتى ينضج.
وقمح كندا أحسن أنواع العالم قاطبة ويسمونه Grade 1، ولا يزال يحتفظ في الأسواق بأغلى ثمن، وقد بلغ هذا العام ?? سنتيمًا للبوشل، وقُدِّرَ محصوله بنحو ??? مليون بوشل — أي نحو ?? مليون أردب — ولم يكن محصول هذا العام وفيرًا بسبب الجفاف الذي حل بالأراضي وندرة المطر، لكن الله عوضهم خيرًا فرفع قيمة الثمن عمَّا كان عليه من قبل، وقدروا متوسط المحصول للفدان بنحو ?? بوشل، مع أن العادة كان بين ??–?? بوشل. لبثنا اليوم كله نشق تلك الپريري المبسوطة المملة، وكان ترابها يخترق كل شيء مما أذكرني بتراب صعيد مصر، وقد اشتد الحر وسط النهار جدًّا، ونزل في الليل إلى ما يقرب من برد شتاء مصر. وقد كان الحر منذ شهر بالغ الشدة هنا حتى مات بسببه الكثير؛ إذ زادت الحرارة في الظل على ???°ف. والعجيب أن الشتاء الماضي كان قاسيًا أيضًا؛ إذ نزلت الحرارة ??° تحت الصفر، وكلما قاربنا ونيپج زاد انبساط الأرض، واسودَّ أديمها، وجاد نوعها، فهي خير أراضي الپريري خصبًا، وتمتد شمالًا زهاء ??? ميل، وجنوبًا إلى مساحات بعيدة في الولايات المتحدة.
وكان يُخَيَّلُ إليَّ أن المزارع خالية من السكان تمامًا؛ إذ قلما كنا نبصر بالناس فيها، ذلك لأنها لا تتطلب عملًا كثيرًا، على أن العمال قد يُوَظَّفُون هناك في مواسم الحصاد، وأجرهم نصف جنيه في اليوم، ويُزَوَّدُون بالمسكن مجانًا، ومع ذلك فهم غير قانعين ويرغبون في المزيد. والقوم هنا ظرفاء، ويميلون إلى العشرة وإكرام الغريب جدًّا، وفيهم شيء كبير من صفات البدو والرعاة.
ومما كان يدهشني جدًّا مستوى أطفالهم من الذكاء والرجولة، يتحدث إليَّ الطفل وهو عليم بكل ما أحاط به من ظروف الأرض والجو والإنتاج، اعتاد السفر بعيدًا عن بلده، واعتمد على نفسه في كثير من الأمر ولمَّا تبلُغ سنه العاشرة، فكنت أغبط القوم على تلك التربية الاستقلالية، وآسف لنصيب أبنائنا منها. والمدارس هنا تبدأ بالروضة، ثم بالفرق الاثنتي عشرة، وبعدها يدخل الطالب الجامعة، ولا يتعلم لغة أجنبية إلا في الفرقة الثامنة فقط، وهي هنا إما الفرنسية أو الألمانية أو اللاتينية.
شكل ??: هوليوود أثناء الليل.
أخيرًا بعد ثمانٍ وعشرين ساعة دخلنا ونيپج بعد أن اخترقنا مديرية ساسكاشوان، ووقفنا ببلدة ساسكاتون الكبيرة، ثم أوغلنا في مديرية مانيتوبا وقدمنا ساعاتنا واحدة، وفي ونيپج حللت نُزُل ونيپج الجميل مقابل ريال لليلة. والمدينة مقامة وسط تلك السهول في شوارع فسيحة يزين أغلبها الشجر المزدوج، وأكبر شوارعها Portage وMain، وبها غالب المتاجر ودور السينما والمقاهي والمطاعم. وخير ما يُزَار بها City Park، وهو خارج المدينة، حوى حديقة حيوان صغيرة ومجموعة غنية من الزهور البديعة، ثم بعض البحيرات للسباحة وملاعب الرياضة المختلفة. والبلد تقع عند تلاقي نهري Red وIssinaboin، وهي وإن كانت من البلدان الكبرى إلا أن المظهر الريفي يسودها، فهي أقل وجاهة من البلدان الساحلية، وأهلها أبسط هندامًا وأرقُّ حالًا، وهم على جانب كبير من كرم الطباع والظرف. (?) ميناپلس وسنت وبول

قمت التاسعة صباحًا صوب الجنوب إلى ميناپلس مسافة ??? ميل قطعناها في ?? ساعة، فأخذنا نشق السهول ذات التربة السوداء، والسطح المنبسط، والخصب الظاهر في كثرة العشب في كل مكان. والحق أن أرض الپريري لا يعوزها إلا الماء والأيدي العاملة الرخيصة القانعة حتى تغل من الإنتاج النباتي أضعاف ما هي عليه اليوم؛ إذ إنها لا تستطيع إلا زرع الغلال والعشب شهورًا قليلة، وتُتْرَك بورًا باقي العام.
وحيث كانت تبدو البحيرات أو الجداول كان النبت يزداد، والشجر يتكاثف، فيصبح المكان أشبه بغابة مغلقة. وبعد ساعتين ونصف وصلنا حدود الولايات المتحدة، وتقدم رجال الجمارك وفتشوا أمتعتنا في رفق، ثم مر ضابط المهاجرة وختم الجواز. وكلما تقدمنا جنوبًا كثر الشجر وسط تلك الپريري الممتدة، وزادت الآلات الزراعية في الحقول، وتضخمت مخازن الغلال وروافعه Elevators. ولقد كان هجير الحر شديدًا لافحًا طيلة اليوم، مما فاق أردأ أيام الصيف في مصر شدة، وذلك رغم المراوح التي زُوِّدَ بها القطار، وصنابير الماء المثلوج في طرفي كل عربة نحتسيه في أكواب من ورق صُنِعَت في أسطوانات فوق الصنبور. والمقاعد في هذا القطار استرعت نظري بوثير فرشها من القطيفة الثقيلة، والمقاعد فردية كبيرة «فوتيل» تدور على محور، فيحركها الجالس في أي اتجاه شاء، ومنها صف في كل جانب من العربة، أما وسطها فتُرِكَ فسيحًا وقد زُوِّدَ بالبُسط الثمينة ومطافئ السجائر الأنيقة، بحيث تشعر وكأنك تجلس في صالون أو مقهى فاخر، وعربة الطعام والمرطبات متصلة بالقطار نشتري منها ما نريد.
رغم كل ذلك نغَّص الحَرُّ علينا عيشنا، فكاد القوم يخلعون كل ثيابهم ويبدون عرايا، وقد ابتلت ملابسي كلها عرقًا. وأظرف شيء في قطارات الولايات المتحدة وكندا أنها كلها ذات درجة واحدة، لا فرق فيها بين غني وفقير، تنتقي من المقاعد ما راقك، على أني لاحظت في المسافرين من طبقة الفقراء حسن الذوق، فإذا كان من العمال من يرتدي ملابس العمل الرثة لا يتقدم وسط الجلوس، بل ينتحي جانبًا من العربة هو وإخوانه، على أنك قلما ترى أحدهم في قذارة تنفر منها.
شكل ??: وسط المناظر الساحرة فوق ذُرى جبال الركي «جاسپر بارك كندا».
أخيرًا أقبلنا على طلائع بلادة كبيرة بأضوائها الخاطفة، وهي ميناپلس، ثم قام القطار إلى شقيقتها سانت پول التي وصلناها الحادية عشرة مساء. حللت نُزُل Ryan الكبير الفاخر ?ريال ونصف، ونمت ليلتي نومًا عميقًا، وفي الصباح أقلتني سيارة السياحة مقابل ??? ريال لنطوف المدينتين الشقيقتين Twin Cities، وهما تقعان على نهر مسسبي العظيم، وكنا نخال النهر هو الفاصل بينهما، والحقيقة غير ذلك؛ إذ النهر هناك يلتوي في شكل S. في الطرف الشمالي تقع ميناپلس على جانبي النهر، وفي الطرف الجنوبي تقع سانت پول، والمسافة بينهما تفوق عشرة أميال؛ فهما ليستا متقابلتين. وعند منتصف هذا الالتواء قنطرتان يخترقهما الترامُ فيَصِلُ ما بين البلدين، ولكل منهما عدة قناطر تصل بين نواحيهما المختلفة؛ ففي ميناپلس وحدها عشرون قنطرة.
شكل ??: مروض السباع في هوليوود.
وأكبر البلدين ميناپلس، وسكانها دون نصف المليون بقليل، وهي مشتقة من كلمتين: مينى هندية معناها المياه، پوليس الإغريقية معناها مدينة، وقد حملت اسم مدينة المياه؛ لأن بها إحدى عشرة بحيرة، مررنا بخمسٍ منها، وقد رُصِفَت جوانبها وحفَّها الشجر الكثيف، وفي بعضها جزائر كثيفة الغابات، وفيها تُقَام ألعاب الماء من سباحة وزوارق Yakhting ومزالق للجليد شتاءً. وقد علمت أن المنطقة المجاورة لميناپلس بها عشرة آلاف بحيرة وسط غابات الصنوبر. أما مجموعة المتنزهات التي حول البلدة فذاك ما لم أره في بلد آخر، وقد تُرِكَ غالبها في حالته الطبيعية من غابات وجداول وأحراش يأوي إليها المتريضون، ويقيمون فيها خيامهم، ويستمتعون بمناظر طبيعية جذابة. ولقد قُرِّرَ لكل مائة نفس هناك فدان من المتنزهات، وتلك لا شك نسبة لا نراها في بلد آخر. وتدهش إذ تعلم أن غالب تلك المتنزهات هبات من بعض الخيرين هناك.
وعلى جوانب كثيرة من تلك المتنزهات والبحيرات تقوم مساكن الأثرياء في ?يلات خشبية بديعة تُطْلَى بالجص الملون في أشكال الرخام والآجر والحجارة، ولا تكاد تجد اثنتين متشابهتين في الهندسة؛ لذلك لم أعجب لما علمت أن ميناپلس تُسَمَّى: مدينة البحيرات والمتنزهات والبيوت الفاخرة. وجل المسافة بين البلدين متنزهات على هذا النمط، وبعضها يحمل أسماء هندية مثل بحيرة كتشي كومو، وعلى جوانبها رأينا مجموعة من أكوام مخروطية من الثرى منثورة إلى مسافات بعيدة، وفيها كان يدفن الهنود موتاهم، ويقيمون نصبًا صغيرًا على ذروة كل منها، والبيض لم يحلوا تلك الجهة إلا منذ ?? عامًا، وهو عمر تلك المدينة الحقيقي.
أما ليات مسسبي وكثافة الشجر على جانبيه، فذلك قد أكسبه جمالًا فائقًا، وإن كنت إخال النهر أعظم من ذلك ماءً وأفسح مجرًى، إذ ألفيته صغيرًا لا يبلغ نصف نيلنا اتساعًا، وماؤه شحيح آسن، وهو هناك أشبه بخانق صخري مشرف الجوانب، في جزء منه شلال صغير يُسَمَّى Minnihaha وHiawatha. ومن أروع المباني التي مررنا بها جامعة منسوتا في امتداد يفوق الوصف، ويلتحق بها ?? ألف طالب، وتُعَدُّ ثالثة جامعات الولايات المتحدة، ورابعة جامعات العالم بعد فرنسا، وكلمبيا بنيويورك، وبركلي في سان فرنسسكو، وبها مدرج المحاضرات أُعِدَّ بنحو ?? ألف مقعد، ثم الكلية الحربية، وهي فرض على كل طالب أن يجتاز دراستها ليُلِمَّ بالشئون الحربية الأمريكية كلها. ثم زرنا أحد مصانع فورد التي تُخرج ??? سيارة في اليوم، وقد أُقِيمَ على جانب المسسبي، وهنا حُبِسَ كل مائه في خزان يُسْتَمد من دفعه قوة الكهرباء اللازمة للمصنع. ووقفنا بأكبر مطحن للغلال في العالم يشرف على النهر بمداخنه الهائلة، ويُخْرِج كل يوم ?? ألف برميل من الدقيق.
شكل ??: ميناء سان فرنسسكو بشعابها العديدة.
وميناپلس تفاخر بأنها مدينة الدقيق Flour City، وفي مخازنها وروافعها يُطحن ??? مليون بوشل في كل عام. وجو المدينتين صناعي بكثرة المداخن وغبرة الجو الذي كسا برماده المباني بلون قاتم، والصناعة التالية للغلال هناك بذر الكتان Linseed. أما مباني المدينتين فعظيمة شأن سائر البلاد الأمريكية التي تميل إلى نظام البلوك والنواطح، وأعلاها ناطحة Foshay تعلو ?? دورًا وكأنها البرج، ودورها الأرضي ذو مساحة عظيمة وحدائق منسقة، والناطحة تقوم وسطه كأنها مئذنة المسجد، وهي رمز لوشنطن، والمدينتان متشابهتان إلا أن سان پول يبدو عليها القِدم في ضيق شوارعها، وقِصَر مبانيها، واغبرار لونها، وهي أصغر امتدادًا، فسكانها نحو ربع المليون. وفي حديقة من ميناپلس لوحة وُضِعَت على خط ??° شمالًا، وهو منتصف المسافة بين خط الاستواء والقطب الشمالي؛ مما جعل البلد قلب نصف الكرة الشمالي. وكثير من الناس هنا يبدو عليهم مظهر الغِنَى، وحتى العامل في ثيابه المغبرة يضع يده في جيبه ويخرجها قابضة على مجموعة من أوراق الريالات يدفع منها ثمن ما اشترى في غير اكتراث، ونحو ??? من السكان يملكون البيوت التي يقطنون فيها، وجلهم يحرزون سيارات هي مطيتهم في الانتقال. ولقد أدهشني حشد السيارات خارج مصنع فورد، وهي كلها ملك للعمال الذين يشتغلون داخل المصنع، فإذا ما فرغوا من العمل استقل كُلٌّ منهم مطيته، إلا أني إلى جانب أولئك كنت أرى من الفقراء والمتسولين الكثير، وبخاصة في سانت پول. والحي الفقير هناك قذر، وأهله يبدو عليهم البؤس مجسمًا، وأمريكا بلد المتناقضات ترى الغني المفرط إلى جوار البائس المسكين.
قمت صباح الثلاثاء إلى شيكاغو وركبت القطار السريع المفتخر الذي يسمونه Fephyr، وهو عبارة عن عربة واحدة ممطوطة جدًّا في شكل الحوت، وفي طول خمس عربات كاملة، وهو من خارجه من الألمنيوم الفضي البراق في ثنيات طولية متعرجة، ويجري بسرعة ?? ميلًا في الساعة بقوة الكهرباء، وقد قطع المسافة بين البلدين في ست ساعات ونصف. أما فرشه من داخله ففاخر إلى درجة كبيرة، وإذا حل ميعاد الطعام تقدم الخادم وثبت منضدة صغيرة أمام كل مقعد، وقدم الطعام والشراب المطلوب، ونحن خلال ذلك نسمع الراديو البديع الواضح، وبه أمكنة فخمة للغسيل والتوالت وصنابير الماء البارد والساخن. شكل ??: سان فرنسسكو بناطحاتها العديدة.
أما ماء الشرب فمثلوج نحتسيه في أكواب من ورق، فدهشت وقلت إلى أي حد سيبلغ الترف بهؤلاء القوم المُنَعَّمِين الذين لا يدخرون وسعًا في توفير وسائل النعيم والراحة للجمهور كله! أما الطريق فقد بدأ سهولًا كثيرة المناقع والمسايل المائية. ولقد لبثنا زهاء ثلاث ساعات بجانب نهر المسسبي، وقد ظهر هنا باتساع عظيم، ضفافه برية مهملة كثيفة الشجر والعشب، أما اختناقه عند سانت پول فذاك لأنه يدخل في خانق حجري يبدأ من شلال سنت أنثوني المجاور لميناپلس؛ ولذلك لا يصلح للملاحة شمال ذاك الشلال.
ثم أخذت منابت الذرة تبدو في متسعات إلى الأفق، وكانت أكداس الأسمدة البيضاء منثورة في الحقول، وإلى جوار ذلك بعض المراعي من البقر والخنازير، وقليل من الغنم في مزارع مسورة، ثم بدت التلال الجيرية المتعددة، مما أكسب الأرض مظهرًا غير مظهر الپريري؛ إذ كثر شجرها وتُرِكَ مهملًا في مساحات كبيرة، وزاد تموج الأرض بحيث لا يصح تسميتها سهولًا، وكانت مضخات الهواء تظهر عالية في الحقول، مما أذكرني بسهول بامباس أمريكا الجنوبية، إلا أن الأرض هنا كثيرة الشجر غير مملة المنظر كما هي حال البامباس، والبيوت مبعثرة وسط الحقول، وجلها من الخشب الكثير هناك.
(??) شيكاغو

ولما أن قاربنا شيكاغو كثرت القرى المكتظة، وزادت مداخن المصانع في كل مكان.
أما عن قضبان سكة الحديد، فذاك أمر هالني إلى أقصى حد؛ فلقد كانت تفرش الأرض إلى الأفق، وتقوم المصانع وسطها، والقضبان تجري عليها بعضها فوق بعض، وقد نرى ثلاثة قطارات الواحد تحت أخيه، ولما لم يبقَ على المدينة سوى ستة أميال أغْبَر الجو، وساده الدخان الذي كسا المباني لونًا قاتمًا منفرًا رغم ضخامتها، وأخيرًا ظهرت وسط ذاك الظلام الصناعي ناطحات السحاب في كثرة هائلة، حتى خُيِّل إليَّ أنها فاقت تلك التي في نيويورك، ثم أوغل القطار في سلسلة من قناطر ملتوية حتى دخل سراديب لا حصر لها جُلُّها تحت الأرض، وهي محطة شيكاغو الهائلة. ومن تلك الناطحات ما أعدَّ في كل دور جراجات للسيارات، فإذا أردت الصعود إلى بيتك رُفِعْتَ بسيارتك مهما علا الدور الذي أنت فيه.
حللت فندق Midland Club Hotel الرائع الفخم، وأجره نصف جنيه في الليلة. وشيكاغو تُعَدُّ من أغلى البلاد على الغريب، وما كدت أنزل لأجوب بعض نواحي البلدة حتى قصف الرعد، وأبرق الجو، وسحَّ المطر وابلًا عاق حركة المرور، لكني رغم ذلك نزلت أخوض بعض تلك الأرجاء، فكان أثر البلدة ونواطحها المرصوصة الشاهقة بالغًا حتى إني نسيت إلى جوارها نيويورك وعظمتها. أنظر إلى البناء فأجده يعلو باسقًا إلى السماء في مرمر براق، وقد زُوِّدَ بالأبواب النحاسية الثقيلة الرائعة، وثمن باب واحد في ظني يقيم بيتًا من بيوتنا. والعجيب أنهم ينيرون تلك النواطح بإسراف شديد، ثم يسلطون عليها أشعة بيضاء تجعل منظرها للوافدين رائعًا، وترى الطابق الأسفل لها عبارة عن شوارع نُسِّقَت بها المتاجر ومعروضاتها أيما تنسيق، وفي أركانها الروافع نُمِّرَت، وبعضها بلغ الأربعين.
والحق أن ذاك المشهد الهائل لَأَوَّل ما يأخذ على الوافد لُبَّه، ويكاد يُذهله فلا ينسى ما خلفه ذاك في مخيلته من عظمة وفخامة لا يدانيها أي بلد في العالم سوى نيويورك.
شكل ??: إحدى قنطرتي سان فرنسسكو.
فمن تلك الناطحات التي راعتني Field، بها ?? دورًا، والبرج يعلو فوق ذلك ?? دورًا، وهو أحدث الأبنية، ولقد اعتليت قمته فكان مشهد المدينة رائعًا، ثم بناء Board of Trade وأدواره ??، والدور المخصوص للبورصة مزود بأحدث النظم العالمية، ويُعَدُّ أحسن من سائر نظائره في الدنيا، ويشرف عليه تمثال Ceres إلهة القمح. وأروع ما ترى تلك الناطحات في مشجان أفنيو؛ حيث تبدو في صف مستقيم تمتد إلى الأفق، وتناطح ذراها السحاب، وتشرف كلها على البحيرة. والشارع قد زُوِّدَ بالمتنزهات البديعة، والأرض رُصِفَت بالمسلح، ورُسِمَت الخطوط التي تحدد للسيارات سيرها، ونظام السير يكفل أربع سيارات تسير متجاورة إلى اليمين وأخرى مثلها إلى اليسار، وإذا أُعْطِيَت إشارة المرور تحركت سيارات جانب واحد فقط، ثم يُوقَف هذا ويتحرك الآخر، وذلك ليُمَكن المارة من اختراق الشارع على دفعتين، ولولا ذلك لاستحال على الناس المرور لكثرة السيارات التي تسد الطريق سدًّا في كل دقيقة.
ولشدَّ ما كانت دهشتي لمَّا أن علمت أن أجر غسل البيت الواحد من تلك الناطحات ???? ريال، وهم يحرصون على غسلها ليزيلوا عنها تلك الطبقات السوداء التي يخلفها فوقها دخان المصانع التي تغص بها شيكاغو. ومن الأبنية الفاخرة «لوكاندة استيفنز» أكبر فنادق الدنيا؛ إذ بها ???? غرفة، وفي كل غرفة حمام وتوابعه، ثم «أثر الحرب» الذي كلفهم ? ملايين ريال، وبُولِغ في نقشه وتأثيثه إلى حد لم أر نظيره في مكان آخر، ثم بناء «متحف التاريخ الطبيعي»، وهو على نمط متحف ميونخ في ألمانيا، وإلى جواره دار الاستديوم الذي يسع ??? ألف نفس، وقد كلفهم ? ملايين ريال، ثم معهد الفلك Planetorium الذي يحكي معهد برلين، وتُعْطَى المحاضرات الفلكية للجمهور كل يوم. ومن أفخر شوارعهم مشجان أفينو على البحيرة، وشارع ate الذي يشق قلب البلد ويوازي مشجان، وهو مقر المتاجر الفاخرة، ودور الملاهي، ومُستراض المحبين طوال الليل. وكثير من شوارع البلدة منمرة على نمط نيويورك، ويقسمها شارع مادلين إلى East وWest town. ويشق المدينة نهرٌ صغير، هو نهر شيكاغو، يصب في البحيرة، وقد أُقِيمَت عليه عشرات القناطر الثقيلة، وقامت على ضفافه الناطحات. أما عن المتنزهات المنسقة الفسيحة فذاك قد فاق كل حدٍّ، ففي شيكاغو ??? متنزهًا، ومن أفخرها Lincoln، ومساحته ??? فدان، وفي قسم منه حديقة الحيوان، وبها مجموعة غنية جدًّا، وبخاصة السباع، ثم حديقة النبات وتربية الزهور في جانب آخر. وعلى جانب من تلك المتنزهات تطل بيوت السكنى، وجُلُّها فاخر لا يجاوز أربعة أدوار، وبخاصة في القسم من شاطئ البحيرة المُسَمَّى جولد كوست، وسُمِّيَ كذلك لأنه مأوى الأثرياء «المليونيرز»، وهناك ناطحة يسمونها بيت المليونيرز بها ?? دورًا، وفي كل دور منها مسكن لمليونير.
شكل ??: أغلب شوارع سان فرنسسكو منحدرة هكذا.
أما البحيرة نفسها فهائلة كأنها البحر الزاخر مرتفع الموج كثير التعرجات، وقد أُقِيمَت عليها حواجز الأمواج والمرافئ، ونُسِّقَت الطرق والحدائق، ولا عجب فهي رابعة بحيرات العالم العذبة، ولا يزالون يزيدون مساحة الأرض على حسابها، ويمدون الطرق إلى جوارها حتى بلغت ?? ميلًا، وكنا نرى وسط الماء بعيدًا منا أربع محطات لرفع الماء وسقي المدينة. وكثير من الشواطئ مدرجة رملية تقوم عليها المسابح التي يؤمها خلق كثير.
ثم كانت جولتي في الحي الزنجي، وكثير من أبنيته فاخر، ومنهم كثير من المليونيرز المثقفين. وفي البلد ??? ألف زنجي أسود جلُّهم يقطنون بجهة واحدة «حي كولنز»، وقد مررت بأكبر فنادقهم Ritz، وهو أجمل فنادق الزنوج في الدنيا، وفي هذا الحي كثير من الكنائس؛ لأن السود متعصبون للدين جدًّا، ويؤمون الكنائس دائمًا. ثم كانت زورتي للجامعة وأبنيتها المرصوصة إلى مد البصر، والمكتبة العامة، ولها ?? فرعًا منثورة في عرض المدينة، وكذلك معرض الفن الجميل، وبه قسم مصري حوى بعض التماثيل والجثث والحُلي والتوابيت الذهبية البديعة. بلد هائل ما كنت إخاله بلغ هذا الحد الذي فاق سائر بلاد الدنيا اللهم إلا نيويورك، فأنت تلمس آيات الثراء والغِنى بمجرد النظر إلى مبانيهم وفنادقهم، وبخاصة حول المنطقة التي يسمونها The Loope، ويُسَمَّى كذلك لأن القطار المرتفع Elevator يطوقها. وذاك القطار من الأعاجيب؛ فهو يسير إزاء الدور الثاني أو الثالث من البيوت، ويشق أمهات الطرق وهو مرفوع على شباك ثقيلة من الحديد نمر نحن والسيارات وترام الأرض من تحتها، وليس له نظير في العالم إلا في نيويورك. إلى ذلك فقد زُوِّدَت البلدة بمجموعة من خطوط حديدية تحت الأرض، وكم كنت أقف مبهوتًا عند مفارق بعض الطرق حينما كنت أرى ثلاثة مجاميع من قطارات يسير الواحد فوق الآخر، والسيارات تسد الطريق سدًّا، ولا ينقطع سيلها ثانية واحدة، والمارة على الأرصفة العريضة جماهير متلاصقة الأكتاف! وليس ذلك بعجيب إذا علمت أن سكان شيكاغو قاربوا الأربعة الملايين.
شكل ??: سان فرنسسكو وأضواؤها ليلًا.
أما الجلبة التي تسمعها أينما كنت في صوت كالرعد، فتنغص على المرء نومه إلا إذا اعتادها. وحياة الليل خصوصًا حول اللوب تسترعي النظر، وبخاصة كثرة الجماهير الذين يسيرون في الطرق الليل كله، وخصوصًا السيدات، حتى كان يُخَيَّل إليَّ أن ليس للقوم بيوت يأوون إليها سوى المطاعم والمقاهي ودور السينما وأرصفة الشوارع. وغرامهم بالسينما بالغ الحد؛ فأجر الدخول زهاء ريال، ومع ذلك لا تكاد تشق لك مكانًا وسط الجماهير الدافقة عليها، رغم أن السينما متواصل نهارًا وليلًا، وكلما انتهت الرواية بدأت من جديد. ولقد دخلت أكبر تلك الدور Palace Theatre، وشريت التذكرة وزاحمت وسط الجماهير الغفيرة، ولبثنا وقوفًا في ردهات الملهى نحو ساعة حتى جاء دوري في الدخول؛ ذلك لأن الأماكن كلها مشغولة، وكلما خرج فريق من المتفرجين استُعِيضَ بغيره من المنتظرين. ولا أدري من أين لهم تلك الأموال البالغة التي ينفقها الواحد منهم حتى العمال والأجيرات؛ إذ ينفقون الريالات المتتابعة، على أني لما مررت بأحيائهم الفقيرة تألمت جدًّا لأن جل قاطنيها من الحفاة والمتسولين يأوون إلى بيوت قذرة مهملة متهدمة، وقلما يرى الغريب تلك الأحياء، بل تأخذه عظمة القسم المستحدث الرائع من المدينة، فيُشْغَل به عن غيره، والمدينة تفاخر بأنها أجمل المدن وأكثرها تقدمًا.
أما مستوى الثقافة فهو مرتفع جدًّا، ويُخَيَّل إليَّ أن الفضل فيه راجع إلى الصحافة أولًا، وإلى دور السينما ثانيًا، فالأولى تزود كل الطبقات ببدائع المصورات والمقالات والمعلومات التي تناسب عقليتهم، والثانية تجتذبهم من سائر الطبقات وتنبئهم عن العالم الخارجي؛ فتوسع بذلك مداركهم. ولا تكاد ترى طفلًا أو رجلًا أو امرأة يسير بدون مجموعة من المجلات والجرائد، فالكل قراء لها بشكل يستلفت النظر.
أقمت في البلدة ثلاثة أيام، ولم يسعفني في تفقد الكثير من أحيائها سوى سيارة السياحة، التي لبثت تجوب بنا خمس ساعات حتى استوعبنا جلَّ ما يهمُّ السائحين أمره من المدينة. ولما أن عدتُ عصرًا ركبتُ الترام المرتفع إلى منطقة عرض حيوان المراعي وشرائه، ثم مصانع ذبحه وإعداد اللحوم، وهي التي كونت عَظَمة شيكاغو المالية، ويسمونها Union Stock Yards، وتقع في جنوب البلد ما بين شارعي ??–??، وتشغل مساحة قدرها ??? فدان، فظَلَّ القطار طويلًا يسير ومن دونه إلى الآفاق مربعات من حواجز خشبية ملأى بالحيوان «أبقار وخراف وخنازير». وإليها تفد ألف سيارة كبيرة من أنحاء الولايات المتحدة كلها محملة بالحيوان الذي يُعْرَض هناك، فيفد تجار الجملة مع الخبراء، ويشترون ما قيمته مليونان من الريالات، أي أربعمائة ألف جنيه في كل يوم، وفي وسط المنطقة تنتشر مصانع اللحوم الهائلة، وأكبرها «سوفت وشركاه، وآرمر وشركاه»، وهما يبيحان للناس زيارة المصنع تحت إشراف دليل خبير يقودهم شارحًا كل شيء.
مجازر شيكاغو

على أني وصلت هناك بعد الميعاد؛ إذ توقف الزيارة بعد الثالثة مساء، فاضطررت أن أرجئ سفري يومًا، وعدت في الصباح ودخلت مصنع سوفت الهائل الذي يقع في «الميل المربع» المعروف بأنه أكثر بقاع العالم حركة تجارية، ومساحة المصنع وحده ?? فدانًا، ويبتاع في كل يوم من الحيوان بمليون وربع ريال. استقبلنا الدليل وأقعدنا في غرفة الانتظار، وقدم لكل منا كتيبًا مصورًا عن المصنع، وعرض علينا مجموعة من كرتات مصورة عن المصنع أُعِدَّت لكتابة البريد على المكاتب المرصوصة هناك.
ولما تجمهر عدد كبير من الزائرين تقدمنا الدليل وسار بنا إلى قسم الخنازير — والمصنع أكبر جهات العالم إنتاجًا للحوم الخنازير Ham & Bacon — فبدأ بقسم الذبح. وهنا رأينا منظرًا مفزعًا: عجلات حديدية كالتروس الهائلة تتدلى من جوانبها سلاسل غليظة، وتلك العجلات تدور فيُسَاق قطيع من الحلاليف السمان في سرداب، وبمجرد ملامسة الحيوان للسلسلة تقبض على يده وترفعه معلقًا وهو يصيح صياحًا منكرًا، وتدفع به إلى سلسلة متحركة تقوده إلى قصَّاب بيده آلة مدببة يغمدها في مكان من حلق الحيوان، فينفجر الدم ويسير إلى مجارٍ تحت الأرض ليتجمع وتُصْنَع منه الأسمدة وبعض أغذية الطيور والعلف. شكل ??: شاطئ الاستحمام في سان فرنسسكو.
تصور مئات من العجلات والصفوف والقصَّابين يقتلون جماهير الحيوان في ذاك المشهد البشع، ووسط صياح وعويل من الخنازير يصم الآذان ويلقي الرعب في القلوب، وإخالك تدهش دهشتي إذا علمت أن عدد ما يُقْتَل من الحلاليف في الساعة الواحدة ???، فإذا كانت ساعات الأسبوع ??–??، فتصور العدد الهائل الذي يُقْتَل في العام في أحد مصانع شيكاغو «فوق مليون وستمائة ألف».
ولما أن صُفِّيَ دم الحيوان جرته السلسلة إلى المحارق، فيمر على لهيب يأكل الشعر، وما تخلف ينظفه العمال، وهو يمر تباعًا الواحد بعد الآخر. وهنا يمر كل حيوان على مفتش الصحة الذي يختبر غدد الحلق والرأس والكبد والطحال، وإذا بدا فيها عيب أتلف لحم الحيوان على الفور، ثم تمر الجثث على رجال يرشونها بالماء، فآخرون يسوقونها إلى المخرطة مثل الجيلوتين تمامًا، فتُقَطَّع الجثة أنصافًا أو أرباعًا، وقسم منها يمر على فتيات يحزمن القطع دون أن يمسسن اللحم بأيديهن، ثم تُتْرَك هذه في الغرف المثلجة، ويخرجن زهاء مائتي حزمة في الدقيقة.
وبعضها يُوضَع في الغرفة المثلجة ما بين ??–?? ساعة، وبعض القطع تمر على رجال بأيديهم مشارط ومفارم يشذبون بها زوائد اللحم، ويستبعدون الشحم الذي كانت شظاياه تتطاير أمامنا هنا وهناك، ثم تمر القطع بين أسطوانات فتصبح رقائق مسطحة، ثم تُسَاق القطع إلى أفران التبخير والتدخين، وهنا تبقى بين ??–?? ساعة فوق نار من خشب شديد الصلابة، ثم تسير إلى قسم الصناديق والشحن، وهناك زهاء ???? عربة من عربات سكة الحديد ذات المثالج يُشْحَن فيها اللحم؛ لأنها لا بد أن تبقى في درجة التجميد دائمًا.
خلفنا الخنازير بصياحها وعفوناتها ودهنها منفر الرائحة وسِرْنا إلى قسم الغنم؛ حيث يُقْتَل بالطريقة عينها ??? رأس في الساعة، أي ?? مليونًا في السنة، ثم تمر على الرجال الذين يسلخونها في عجلة مدهشة، وجلهم من الزنوج، ثم إلى التقطيع فالضغط فالتثليج والحزم، وكل ذلك في أقل من ?? دقيقة، ثم سرنا إلى قسم الماشية والبقر beef، وشاهدنا عملية الذبح، وهي هناك نوعان؛ الأول: بضرب الحيوان بمطرقة حادة في مخه فيموت لساعته، ثم يُغْمَد في زوره خنجر حادٌّ فيُصفى الدم، والثاني: بالذبح بِجَرَّة واحدة من سكين حاد، وذلك تحت إشراف رجال من اليهود؛ لكيلا يحرموا أكل ذاك الحيوان. شكل ??: حقول الفاكهة تمتد إلى الآفاق في كلفورنيا.
وبعد مشاهدة العملية يُخْتَم اللحم، وإلا امتنع اليهود عن شرائه، ثم تمر على الغسيل ثم شق الصدر وإخراج الأحشاء العليا، ثم شق البطن لإخراج الأحشاء السفلى، وفي ?? دقيقة يُعَدُّ الحيوان للتصدير. وعدد ما يُذْبَح من البقر ??? في الساعة، أي نحو ??? ألف في العام، وصالة التثليج التي تبقى درجتها ??°ف دائمًا تسع ???? نصف من البقر المشقوق بطوله، ولقد شعرنا برعدة البرد وقسوة التجمد ونحن نمشي داخل تلك الغرفة.
ويزن الحيوان المتوسط ألف رطل، وإذا أُعِدَّ نزل الصافي منه إلى ???، ومما بقي تُسْتَخْرَج مواد أخرى تزن ??? رطلًا. وللصناعة فروع أهمها: الأسمدة، وأغذية الكلاب والقطط، والبصطرمة، والصابون، والمرجرين، وهو خليط من دهن الحيوان والزيوت النباتية. أخيرًا بعد ثلاث ساعات كاملة خرجنا إلى غرفة قُدِّمَت لنا فيها بعض الحلوى، وودعنا رجال swift وصرحوا بأن المصنع يرحب بأية زيارة أخرى مهما بلغ عدد الزيارات والزائرين. وعدد من يشتغلون من العمال هناك ?? ألفًا. ذلك مجهود مصنع واحد من مئات المصانع المرصوصة في تلك الجهة. هنا فهمنا حقًّا مبلغ أهمية تلك الصناعة وفروعها لشيكاغو وأهلها؛ فهي التي جعلت شيكاغو في مقدمة بلاد العالم غنًى ومالًا. عدنا إلى «الإلفتير» نشع من رائحة اللحوم، وبخاصة شحم الخنازير التي ظلت رائحته في أنفي تنغصني اليوم كله، وزاد الطين بلة رائحة «الزرابي» المجاورة Stock Yards، على أنَّا لبثنا نتحدث عن تلك العظمة الصناعية وذاك المجهود المالي الجبار الذي يقوم به أولئك القوم فيدرُّ عليهم مالًا وفيرًا. قمت أودع شيكاغو — ومعناها بالهندية الرائحة القوية؛ لأنها كانت تختص في زراعة البصل قديمًا، واليوم تشع لحمًا وشحمًا — ولبثت سائرًا صوب نياجرا مسافة عشر ساعات بالقطار، وكان أولها سهولًا مبسوطة كثيرة المرعى والذرة، منثورة بالشجر، وكنا نجانب حافة بحيرة متشجن، وعندما بلغنا حدود كندا طاف بنا رجال الجمارك والمهاجرة، ثم أوغلنا في أرض كندا دون أن نلاحظ تغيرًا في المناظر، وعندما تقدمنا بعيدًا في شبه جزيرة البحيرات تموج سطح الأرض، وكثرت غاباته ومسايل مائه البديعة، وزاد حيوان المرعى، وبخاصة البقر في الحقول.
ثم فُوجِئْنَا عند بلدة هملتون بمزارع هائلة من الكروم والفاكهة، وبخاصة التفاح، وكانت تسد الأرض كلها إلى الأفق، وكانت المحاط الصغيرة هناك تشحن صناديق لا عَدَّ لها من التفاح، والصبية يسيرون وبأيديهم تلك الفاكهة يسرفون في أكلها واللعب بها، ولقد غَيَّرْتُ القطار إلى نياجرا التي وصلتها عصرًا.
(??) نياجرا

ثم شاءت المقادير أن أزور نياجرا واستمتع بمشهدها الرائع للمرة الثانية؛ كي أشفي في النفس غلة، وأطفئ ظمأ لمَّا يُمكِّني سحاب نياجرا ومطرها العام الفائت من تحقيقه. دخلتها والسماء تقطر وابلًا، والسحاب أدكن قاتم منفر، فكانت مني خيبة أمل، وكدت أواصل سيري إلى تورنتو، لكن القلب حدثني ألا أيأس من رحمة الله، فلعل الله يفعل بعد ذلك أمرًا فتقلع السماء ويصفو الجو. نزلت فندق Fox Head Inn الجميل بريالين، وهو يطل على الشلال بمشهده الذي يأخذ بمجامع القلوب. شكل ??: البرتقال كبير الحجم وفير الثمر في سان فرنسسكو.
ألقيت بحقائبي ونزلت أشق طريقي وسط سيل المطر وقرِّ البرد وعصف الريح. بدا الشلال بروعته يشرف على خانق نياجرا الفاتر بشرفاته الرأسية الشاهقة، ويهوي ??? قدمًا في زبد أبيض ناصع، وإذا ما وصل ماؤه الهوة أسفله أرغى وفار وصعد برذاذ يصل إلى عنان السماء، ويدرك المرء أينما سار على مرأى منه، وهو يُرَى وكأنه بخار ناصع أو دخان أبيض. وينقسم ذاك الشلال الرائع شطرين بجزيرة Goat بغاباتها المستملحة، فتترك الجانب الأيمن قوسًا كبيرًا يحكي حدوة الفرس، ومن ثم سُمِّيَ Horse Shoe، وهو يناهز ثلثي الشلال كله، والقسم الأيسر، وهو الأصغر، داخل في الحدود الأمريكية، وتنزل مياهه في جدائل تختلف سُمكًا، ولا تلبث لفائف مائه الهاوي تنعقد ثم تتبعثر إذا ما صادمها ركام الصخور السفلى، ثم تذوب ماء يتفجر خلال الصخر ويندفع إلى قرار الخانق، وهو يلتوي في دوامات مخيفة. وأروع ما ترى تلك الدوامات من فوق القنطرة الحديدية المعلقة التي تعبر النهر أسفل الشلال، وتصل ما بين الجانب الأمريكي أمامنا، والكندي الذي كنا نحل أرضه؛ لذلك وقف على طرفي القنطرة رجال الجمارك والمهاجرة ليطلعوا على متاع العابرين وجوازاتهم. أعياني السير وسط ذاك الجو المنفر، فأويت إلى النُّزل أتناول طعام العشاء، ثم عدت إلى الشلال وكان رذاذ المطر قد خف أو كاد ينقطع. هنا أذهلني جمال ما رأيت، أُطْلِقَت الأضواء القوية الملونة من مصابيح لا حصر لها، فوقعت أشعتها على مياه الشلال وحافته في ألوان مختلفة كانت تتغير بين دقيقة وأخرى فتُكْسِب الشلال روعة سحرية لن يستطيع القلم تصويرها، فليس إلا القلب وكامن الإحساس بمُدركٍ مبلغَ أثرها في النفس، وقد مُدَّت الطرق المرصوفة تتلوى على طول الخانق في مواجهة الشلال، وبين فترة وأخرى تخرج شرفة ناتئة فوق الماء زُوِّدَت بالمناظير التي تقرب الشلال وتزيد منظره روعة.
أخذت أجوب تلك المناظر الساحرة، ومما زاد المنظر روعة وسحرًا بصيص القمر من بين أكداس السحب وقد أحاطت به هالة بيضاء بديعة، ثم جلس على ناصية من هاتيك متسول ضرير يعزف على قيثارته الأندلسية بيديه، وفي فمه موسيقى الفم الصغيرة تتبع القيثارة في أنغام جذابة.
بكرت في الصباح وأنا أوجس خيفة الجو الأغبر المطير، وإذا بالشمس ناصعة بين منثور السحاب والهواء بليل منعش، فكان اغتباطي لا يُحَدُّ، وأخذت أعيد الكرَّة أستجلي روائع الشلال وما أحاطه من جمال، وزحام الزائرين من مختلف بقاع الدنيا كثيف هائل، ثم ركبت الباخرة الصغيرة التي كُتِبَ عليها Maid of the Mist، ووصلت بنا هوة الشلال الأمريكي، واعتلينا بعض صخوره بقناطر صغيرة بعد أن كسونا أجسادنا ورءوسنا بمعاطف رقيقة لا يؤثر فيها بلل الماء، ثم دخلنا مغارة وراء الماء، فكانت كتلته الهاوية تنزل أمامنا وكأنها الستار الكثيف في إرغاء شديد، وهزيم كأنه صوت الرعد أو فرقعة المدافع الثقيلة، ثم نقلتنا الباخرة إلى الشلال الكندي، ولم نستطع أن ندنو من هوته لشدة تياره وغزارة مائه. شكل ??: الأشجار الضخمة في غابات كلفورنيا.
وبلدة نياجرا فولز صغيرة قامت على شئون السائحين فأسرفت في الفنادق الفاخرة والمطاعم الكبيرة، ونسقت من المتنزهات في كل ناحية، ولا يكاد ينقطع عنها سيل السائحين ليلًا ولا نهارًا، وهي لا شك خير مستراض للنفس التي أرهقها كد العمل، أو أضناها مضض الوجد والهوى، فهي أكبر عون للنفس أن تستعيد نشاطها الكامل في أيام قليلة، إلى ذلك فهي ملتقى المحبين، حتى آثرها كل حديثي عهد بالزواج، أو كل أليفين على أهبة الاقتران؛ لذلك أطلقوا عليها أرض شهر العسل.
(??) تورنتو

قمت أودع نياجرا بقطار الثانية بعد الظهر صوب تورنتو، ولبثنا نشق أرض الفاكهة المحدودة، ثم عبرنا قناة «ولاند» التي زُوِّدَت بالأهوسة لتصل الملاحة بين بحيرتي أيري وأنتاريو، وتجتنب شلال نياجرا. وبعد ثلاث ساعات دخلت المدينة واخترقت محطتها الرائعة، وأويتُ إلى نُزُل Carls Rite بريال ونصف، ثم نزلت أجوب بعض أرجائها، فبدت مدينة عظيمة تمتاز باتساع طرقها، وشدة نظافتها، وحسن نظام المرور بها، فعلى جميع النواصي تقوم الأضواء المثلثة اللون: الأخضر لتفتح الطرق، والأصفر للاستعداد، والأحمر لإيقاف المرور، يُوقَدُ ويُطْفَأ من تلقاء نفسه في جميع الشوارع في فترات ثابتة. والناس يخضعون لتلك الإشارات، ولا يتعدون القانون مطلقًا على الرغم من عدم وجود رقيب من البوليس، وحتى المارة ينتظرون وقوفًا — ولو لم تكن حركة المرور مزدحمة — حتى تفتح الإشارة الخضراء، وعندئذ فقط يعبرون الطريق. ومن أجمل الطرق Yong مقر المتاجر الرئيسية، وهو يقسم البلد شطرين: شرقي وغربي. على أني ألفيت الحركة هادئة في سائر أنحاء البلدة؛ وذلك لأنه يوم السبت حين يتأهب الجميع للراحة. أما في اليوم الثاني، وهو الأحد، فقد خُيِّلَ إليَّ أن ليس بالمدينة أحد؛ لأني كنت أسير في الطرق وحدي. وهم شديدو التعصب لذاك اليوم فلا يبيحون العمل فيه مطلقًا، ويجب أن تُغْلَق جميع المتاجر سوى الصيدليات والمطاعم، دهشت لما أن سرت ليلًا أتفقد دور الملاهي، فإذا بها مغلقة؛ ذلك لأنه يوم الأحد، ولا يُبَاح فتحها إلا بعد منتصف الليل، وعندئذ تموج بالناس، وجلهم من المتذمرين الناقمين على تلك الشعوذة وذاك التعصب.
وقد راقني ليلًا موقف الكثير من المبشرين على رءوس الطرق يصيحون ويخطبون الناس حاثين على التمسك بالدين وعدم الانهماك وراء الماديات هكذا، وقد ضحكت لما أن كان أحدهم يقول بأن المال ليس كل شيء، فلا فائدة منه إذا لم يصحبه الإيمان في …
وقبل أن ينطق بالكلمة صاح الجميع متهكمين قائلين: Jesus Christ، وظلوا يسخرون من الخطيب وهو يحاول إقناعهم عبثًا، وقد بدا لي أن جُلَّ الناس مندفعون وراء الإلحاد والماديات رغم كثرة الكنائس التي بلغ عددها ???، وجلُّها في أبنية فاخرة. أقلتني سيارة السياحة بريال ونصف وطافت بنا البلدة كلها ومتنزهاتها الهائلة التي بلغ عددها ?? متنزهًا، وأكبرها مساحة «هوارد» ذرعُه ??? فدانًا. والعجيب أنه هبة من أحد الخيرين، ثم متنزه High كأنه الغابة المغلقة، وبه مجموعة من الحيوان خصوصًا التياتل والياك وجاموس أمريكا، وكان السنجاب يجري حولنا ويفد ليأكل من أيدينا في جسمه الصغير، وذنبه المنتفخ الكبير. شكل ??: قد يتسع تجويف الشجرة لمرور عربة كاملة في غابات كلفورنيا.
والبلدية هناك مصلحة إلى درجة عظيمة ترعى مصلحة الناس، وتكاد تدير كل شيء؛ ففي المتنزهات تقيم لهم المقاعد والمناضد، وتبيح لمن شاء أن يعسكر ليلة الأحد وفي الأعياد، وقد قسمت المتنزهات إلى قطع منمرة يتسلم كل فريق ترخيصًا بمعسكره في نمرة معينة؛ لكيلا يتشاحن القوم فيما بينهم، ووسائل النقل تديرها هي وتربطها بعضها ببعض الترام والأتوبيس، ولك أن تركب من أول البلد إلى آخره بتذكرة واحدة وتُغَيِّر ما شئت من خطوط.
كذلك الإضاءة الكهربائية، فالطرق تُضَاء بإسراف شديد، وفي الشوارع الرئيسية ترى المصابيح متقاربة، وفوق كل عمود ستة مصابيح في دائرة جميلة، وتكاليف الإضاءة في المنازل لا تجاوز ريالًا في الشهر، وكل تلك القوى مستمدة من شلال نياجرا.
ولقد اخترقنا حي السكن الأرستقراطي واسمه Rose Dale، وإذا به مجموعة ?يلات بديعة، كل بيت يغاير الآخر في هندسته، ويُحَاط بالشجر المزهر الطبيعي، وكلما جد بيت زرعت البلدية أمامه شجرة الأسفندان Maple، وهي شعار كندا كلها. وفي هذا الحي متلوية طرق لا تكاد تستقيم بضعة أمتار؛ وذلك لتمنع الإسراع في سَوق السيارات، وبذلك تخف الضوضاء، ولا يُبَاح فتح المتاجر ولا المطاعم هناك مطلقًا؛ لذلك كان المكان ساكنًا سكونًا عميقًا لا تسمع به حركة مطلقًا، ويُحَاط الحي بخندق طبيعي يسمونه Ravine، وحتى أسلاك النور مُدَّت تحت الأرض فلا ترى لها أثرًا. ثم كان مرورنا بالجامعة وأقسامها، فهي تكاد تشغل قسمًا كاملًا من المدينة أُحِيطَ بأبدع المتنزهات، وبها ?? بناء كُلٌّ يمثل كلية Faculty، وهي أكبر جامعات كندا، بها نحو ???? طالب، وعمرها ??? عامًا، وقد تخرج فيها مكتشف الأنسولين علاج السكر، ولا يزال أستاذًا هناك. والتعليم هناك إجباري ومجاني بين سن السادسة والسادسة عشرة، وبالمدينة ??? مدرسة ابتدائية Public، والمكتبة العامة كبيرة جدًّا، ولها ?? فرعًا تنتشر في أرجاء البلدة، وفي عطلة الصيف يقيمون مدارس مكشوفة وسط المتنزهات لتثقيف الصغار وتنشيط قواهم الجسمية، حتى إن وزن الطفل يزيد في المتوسط عقب كل إجازة سبعة أرطال. ثم مررنا بحي مساكن العمال فدهشنا من نظافته، وجل البيوت ملك لهم، وكنا نرى لكل بيتين واجهة مشتركة، وذلك ليتخلصوا من الضريبة التي تُدْفَع بحسب امتداد واجهة البيت على الطرق العامة، وعجبت لما علمت أن ??? من سكان البلدة يمتلكون منازلهم رغم عدد السكان الذي فاق ??? ألف نفس؛ لذلك أُطْلِق على المدينة City of Homes، وبالمدينة حي للصينيين، وهم زهاء ???? نفس، وآخر لليهود وعددهم ?? ألفًا، ويبدو على البلد وأهله طابع إنجليزي، فهم أهدأ طباعًا وأكثر تمسكًا بالتقاليد من سائر الأمريكيين؛ لذلك عُدَّت العاصمة الإنجليزية لكندا. شكل ??: مدخل المدينة الصينية في فكتوريا بكندا.
ومما يسترعي النظر هناك كثرة الفروع التي للمصارف في كل شارع، على أن عدد المصارف الرئيسية قليل محدود، وكلها تحت إشراف الدولة؛ لذلك أَمِنَ الناس شر إفلاس بعضها كما هي الحال في أمريكا التي تتعدد مصارفها إلى حد خطير. وقد صادفت زيارتي لتورنتو ميعاد انعقاد المعرض العام، وهو يُعْقَد مرة في كل سنة من ?? أغسطس إلى ?? سبتمبر، ويقوم على مساحة ??? فدان، ولقد صرفت فيه شطرًا من مساء السبت، وكانت معروضاته عظيمة ومتعددة، وبخاصة قسم المسليات والملاهي، على أنه في جملته لا يفوق معرضنا السابق كثيرًا، وإن قالوا عنه بأنه أكبر معارض الدنيا، وجزء منه يطل على بحيرة أنتاريو ذات المياه الهادئة والشواطئ التي تكاد تكسوها الغابات، وعليها تقوم ميناء تورنتو، وهم جادون في توسيعها، وعندئذ تصبح أكبر الثغور التي تبعد مسافة عن المحيط — أما اليوم فمنتريال هي التي تحقق ذلك — ولقد قدَّر الهنود الحمر قيمة مياه البحيرة منذ زمان بعيد؛ لذلك أسموها «أنتاريو» أي المياه البديعة. ولقد ختمت زيارتي بالمتحف عظيم البناء كثير المعروضات، وبخاصة المخلفات الهندية الأمريكية، ثم حديقة الحيوان التي حوت مجموعة لا بأس بها من حيوان أمريكا وأستراليا.
(??) أتاوة

قمنا صباح الاثنين صوب أتاوة العاصمة السياسية لكندا، وكان القطار يجانب بحيرة أنتاريو بمياهها الملساء، وشواطئها التي تكسوها الغابات الجميلة، وكانت الأراضي سهولًا للفاكهة والغلال التي كانوا يحصدونها عند ذاك بآلات تجرها الخيول، وكنا كلما اقتربنا من أتاوة زادت كثافة الغابات، وبخاصة شجر البتولا والصنوبر، وقد عرَّى القوم مساحات أطلقوا فيها مراعيهم من البقر والخيول والأغنام ودجاجهم، وكانت القرى صغيرة، بيوتها أكواخ من خشب تقوم وسط الغابات، ولا تكاد تستبين خلال الأشجار إلا كلما بدا شارع مرصوف شُقَّ وسط الغابات.
ولبثنا سبع ساعات في مناظر بديعة من تلك الغابات تجري خلالها النهيرات السريعة، تقوم فيها الأخشاب مسافات بعيدة حين تلتقي عند مصنع للورق أو منشر للخشب، ثم أقبلنا على أتاوة؛ تلك العاصمة التاريخية التي يرتبط اسمها بنهر أتاوة التي تقوم عليه، ولقد بدا ذاك النهر فسيحًا هائلًا قبيل البلدة ثم ضاق عندما قاربناها، ولقد كشفه شامبلين Champlain سنة ????، وبهره جمال شلالاته يوم أن وقف ينظر إليها من الربوة التي تحلها العاصمة اليوم، وقد أسماها شوديير؛ لأنها تفور وكأنها قدر الشاي «شوديير أي غلاية»، ثم ما لبث هذا النهر أن أصبح طريق تجارة الفراء مدة قرن ونصف. شكل ??: ميناء فكتوريا تحف بها الأبنية الرئيسية.
وكان الهنود يرسلون على مياهه فراءهم إلى منتريال، وفي سنة ???? تنبأ أمريكي اسمه فيلمان ريت Phileman Right بمستقبل الجهة، ونزل في مكان القرية هل Hull المقابِلَة لأتاوة، وبدأ صناعة الخشب فيها، وتلك هي المورد الرئيسي اليوم لتلك البلاد، ثم زادت شهرة أتاوة لما أن شُقَّت قناة ريدو Rideau التي تصل المدينة ببحيرة أنتاريو دون أن تمس حدود أمريكا، وقد بُنِيَت لأغراض حربية يوم كانت العلاقات بين إنجلترا وأمريكا متوترة، وقد بدأها الكولونيل John By. وقد رأينا حجرين فوق Hill Park يعينان مكان مقر ذاك المهندس القدير وراء قصر لوريي، ولقد ظلت أتاوة تُسَمَّى مدينة باي By town إلى سنة ????، ولم تصبح أتاوة عاصمة كندا إلا منذ سنة ???? حين اختارتها الملكة فكتوريا حسمًا للنزاع والمنافسة الحادة بين منتريال وتورنتو؛ إذ كل منهما كانت تصبو أن تكون عاصمة البلاد. وهي تقوم على ربوة تشرف على نهر أتاوة، ومن ورائه مرتفعات لورنشيا الوطيئة، وعندها يلتقي نهر جاتينو Gatineau وريدو Rideau بنهر أتاوة؛ لذلك استطاعت أن تستغل قوة انحدار تلك المياه المختلفة، وبخاصة شلالات شوديير التي رأيناها على بُعدٍ من ربوة البرلمان، ولقد أُقِيمَت اليوم على مسافة لا تجاوز أربعين ميلًا من المدينة مجموعة هائلة من مصانع ومولدات للكهرباء، فعلى مسافة عشرة أميال منها يمكن استغلال ???? ألف حصان كهربائي من منحدراتها، وعلى مسافة ?? ميلًا يمكنها أن تُخْضِع لسلطانها مليون حصان كهربائي أو يزيد. حللت نُزُل King Edward بريال ونصف، ولا بأس به، وهو يواجه محطة Union Station، ثم قصدت لساعتي ربوة البرلمان ذائعة الصيت، وهي مجموعة من متنزهات بديعة تشرف على نهر أتاوة بقناطره البديعة التي لا تُحْصَى، وشعابه الكثيرة، وجزائره الأنيقة، وكانت تواجهنا في الجانب الآخر ضاحية Hull الصناعية، والتي يغلب على أهلها الفرنسية، وعلى جانب النهر بدت مصانع الورق، وكانت أكداس الخشب إلى عنان السماء، والنهر يغص بكتل الخشب السابحة، وكل كتلة عليها طابع صاحبها، وعند مناطق القناطر يقف الناس ليفرزوا ما لهم ويحزموه آلافًا في سابحات كبيرة تقطرها باخرة صغيرة إلى المصنع. والمنظر من تلك الربوة ساحر، خصوصًا ناحية منبع النهر حين بدا شلال شوديير الصغير الذي حُبِسَت مياهه واسْتُغِلَّت في توليد الكهرباء. وتزين تلك المتنزهات دار البرلمان التي أُقِيمَت على نمط قوطي رائع لا إخالني رأيت دارًا أفخر منها، وهي من داخلها مجموعة آيات فنية من النحت والتصوير وخرط الخشب، وبخاصة في المكتبة التي حوت نصف مليون مجلد، وقُسِّمَت بحسب المديريات المختلفة، وبها غرفة تُعَدُّ هيكلًا مقدسًا نُقِشَ على جدرانه بالذهب أسماء أبناء كندا الذين فقدوا حياتهم في الحرب الكبرى.
وبرج الدار شاهق تعلوه ساعة تدق كل ساعة دورًا موسيقيًّا يظل خمس دقائق وهو يرن رنينًا جذابًا عاليًا يُسْمَع من آخر البلدة، وحوله مجموعة من دور الحكومة، ويواجهه على الجانب الآخر لقناة ريدو قصر لوريي Chateau Lawrier في هندسة القرون الوسطى الضخمة الشاهقة، وهي أكبر فندق هناك، وقد كان لوريي رئيس الوزارة وزعيم الأحرار مدة ?? سنة، ويكاد يكون شارع ريدو الرئيسي في المتاجر والأضواء. شكل ??: يقف بنا القطار في محطة وسط جبال الركي.
وليست مباني البلدة شاهقة كسائر البلاد الأمريكية، فقلما تزيد على الدور الثالث، وكثير من المتاجر يُكْتَب اسمه بالفرنسية، وهنا لأول مرة كنت أسمع بعض القوم يتحدثون بها في الشوارع، وبخاصة في بلدة «هل»، وحتى في الإذاعة يتكلم المذيع بالفرنسية والإنجليزية، وقد بدا على سِحَن بعض الناس التغير، وقَلَّت نسبة الجمال هنا جدًّا عما كانت عليه في البلاد الأخرى، ثم طفت بالكثير من المتنزهات الفاخرة، وبالمزرعة التجريبية التي تبلغ ??? فدان أُعِدَّت لخدمة الفلاح وتوزيع الزراعة في البلاد.
ولقد كان الجو باردًا كأنه شتاء مصر تمامًا، والسحاب لم ينقطع من السماء، وفي الشتاء يقسو البرد جدًّا وتجمد مياه نهر أتاوة إلى عمق ياردة، ويكثر الانزلاق عليه، وقد شاهدنا بعض المزالق تعلو في الجو ??? قدمًا.
(??) منتريال

قمت إلى منتريال التي وصلتها في ثلاث ساعات، وكانت أجلى ظاهرة حولي كثرة من يتكلمون بالفرنسية في القطار وفي شوارع المدينة، وجُلُّ العنوانات وأسماء الشوارع كُتِبَت بالفرنسية أولًا وتحتها بالإنجليزية، وكذلك خدام الفنادق يبدءون الحديث بالفرنسية؛ ذلك لأن المدينة تُعَدُّ ثالثة المدن الفرنسية في العالم كبرًا بعد باريس ومرسيليا؛ فسكانها ???????، أي فوق مجموع سكان القاهرة، وثلاثة أرباعهم ??? فرنسيون لا يزالون يحتفظون بتقاليدهم وعصبيتهم ومذهبهم الكاثوليكي؛ لذلك كان حتمًا على كل فرد أن يتعلم اللغتين الفرنسية والإنجليزية.
وكل شيء يُكْتَب هناك من صورتين، ولكل من الطائفتين مدارسهم، على أني لاحظت أن المشادة والبغضاء بين الفريقين حادة، خصوصًا الطلبة، فكل فريق يمقت الآخر مقتًا. وحُقَّ لمنتريال أن تظل فرنسية لأن تاريخها يؤيد ذلك؛ إذ كان جاك كارتيي أول من رسا هنا على بعد ألف ميل من المحيط سنة ????، ورأى هنا قرية هندية اسمها Hochelaga، تلك القرية التي لم يبق لها أثر يوم وصل شامبلين سنة ????، ثم أطلق شامبلين اسم مونت رويال على المكان إكبارًا لملك فرنسا. والمكان على ربوة علوها ??? قدمًا، ولم يُمَدَّ أول شارع وتُقَمْ أول مَحِلَّة للنزلاء إلا سنة ???? بعد كفاح عنيف بين البيض والهنود الحمر، وقد وزع الملك الأرض على الفرنسيين على نظام الإقطاع، ولكي يشجعهم على استغلالها والبقاء فيها بعث بالسفن الملأى بالفتيات الجميلة من آنسات فرنسا ليكن قرينات للنزلاء، حتى أُطْلِق عليها سفن العرائس، لكن النظام الإقطاعي فشل؛ لأن الناس فضلوا صيد حيوان الفراء من الغابات والاتجار فيها وفي الأخشاب. وظلت البلاد تحت لواء فرنسا حتى كانت معاهدة باريس التي أنهت حروب السنين السبع سنة ???? حين حل العلم البريطاني محل الفرنسي.
والمدينة أكبر بلاد كندا، وسابعة بلاد أمريكا الشمالية، ويُطْلَق عليها أحيانًا باريس أمريكا؛ لأن الحياة فيها تحكي حياة باريس إلى حد كبير، وحتى دور الملاهي أضحت من المراقص الباريسية «كابريه»، وغلب شرب النبيذ غيره من المشروبات، وهي اليوم العاصمة التجارية والصناعية لكندا، وتُعَدُّ أكبر ثغور أمريكا بعد نيويورك، وهي أول ثغور العالم تصديرًا للقمح، وتقع على جزيرة وسط النهر ذرعها ?? × ?? أميال، وعندها يلاقي نهر أتاوة أباه سنت لورنس، ثم يتشعب نهر أتاوة اثنين بينهما جزيرة Jesus، وبين تلك الجزيرة ومنتريال يُسَمَّى الفرع Rviere des prairies، وبين هذا والقارة يُسَمَّى نهر الألف جزيرة Riviére des milles isles. شكل ??: تُعْرَف جبال الركي في كندا بروعة مناظرها الطبيعية.
ولقد خال كارتيي يوم سار في النهر أنه وجد الطريق إلى الصين، ومن ثم أطلق الاسم على شلالات لاشين القريبة من المدينة، وأقام على ذروة جبل رويال صليبًا من خشب استُبْدِلَ اليوم بصليب هائل من الحديد تراه على بعد أميال من البلدة، خصوصًا أثناء الليل حين يُوقَد بالكهرباء فتتلألأ ثرياته مشرقة رائعة.
مدينة هائلة تبدو من العواصم الكبرى، وقسمها الحديث وجلُّه إنجليزي يحكي مدن أمريكا الكبرى في حركته وأضوائه ومعروضات متاجره، وبخاصة في شارع سنت كاتارين، والقسم القديم فرنسي بحت ضيق الطرق، واطئ المباني إلا حول كنيسة نوتردام أكبر كنائس البلدة، حيث تقوم البيوت المالية والحركة التجارية، وهناك شارع نوتردام أطول شوارع المدينة يمتد ?? ميلًا، والمساكن هناك قديمة قاتمة.
وأغرب شيء فيها أن السلم يُقَام خارجها في الطريق، ولكل دور سلم قد يلتوي فيصبح حلزونيًّا، لذلك ترى واجهة المنازل على طول الشارع مجموعة من سلالم معوجة في شكل مضحك؛ وذلك ليوفروا مكان السلم ويقيموا غرفة؛ لأن غالب البيوت مكتظة، والعائلات الفرنسية هناك وفيرة العدد كثير النسل جدًّا — على عكس فرنسا نفسها — وفي بعض الأحياء الفقيرة ينام الأطفال بالدور على فراش واحد، وكلما أمضى فريق في الفراش ساعات نومه انصرف وحلَّ محله الفريق الثاني، وكل بيتين متلاصقان كأنهما بيت واحد؛ وذلك لسهولة التدفئة شتاء.
وبرد الشتاء هناك قارس جدًا؛ فالمتوسط ??°ف، وقد تنزل الحرارة إلى ??° تحت الصفر فتجمد المياه، وتُتَّخَذ الأنهار والبرك مزالق لألعاب الجليد. وكنا نشاهد الأبراج تعلو علوًّا مخيفًا؛ لينزلق القوم عليها في لعبهم شتاء، وقد يتكاثف الثلج فيسد الطرق، وعندئذ تمر كانسات الجليد فتزيحه على الجوانب، ثم تحمله بعيدًا لتسهل للناس المرور؛ لذلك أُغْلِقَت ميناء منتريال من أكتوبر إلى فبراير، وتحولت التجارة إلى هلفاكس.
وقد مررنا بحي West Mount مقر السكن الأرستقراطي، فكانت ?يلاته آية في التنسيق، ويسكنها ?? ألف نفس خليط من الإنجليز والفرنسيين، وقد بلغ من وجاهة بعضها أنَّ أجرتها تزيد في الشهر على ?? جنيهًا، وسكانها من الأثرياء الذين لم يتأثروا بالأزمة العالمية قط، بل على النقيض من ذلك ربت أموالهم. والضاحية شبه مستقلة تدير مصالحها العامة وحدها بمجلس منتخب منها، ولا تزال تنفذ قانون تحريم الخمر بين جدرانها. ومن الأحياء المتوسطة نوتردام دي جراس، وسكانه من الإنجليز، لكن ملاك الأراضي من الفرنسيين، وقد ألفت نظرنا الدليل إلى بيت صغير قال بأنه البيت الوحيد الذي يشتمل على سبعة مطابخ Seven kitchens، ولما سألناه عن السبب ضحك وقال: لأن صاحب البيت اسمه المستر مطبخ Kichen، وزوجته المسز مطبخ، وأربعة بنين هم مطابخ أيضًا، ثم مطبخ البيت، فأغرق القوم في الضحك رغم برود تلك النكتة الإنجليزية. وإلى جوار المنطقة مساحة من الأرض المزروعة هي للدولة تبيح للعاطلين أن يحرزوا منها ما استطاعوا زرعه في العام؛ ليتعيشوا منه بدون مقابل حتى يجدوا لهم عملًا. ومتنزهات المدينة لا حَدَّ لها، فعددها ??، ومن بينها بارك منتريال مساحته ??? فدان، وجله تُرِكَ غابات في شكلها الطبيعي، وفي إحداها زُرِعَت ??? شجرة من الأسفندان maple شعار كندا، وعُلِّقَ على كل واحدة اسم جندي ممن فقدوا حياتهم في الحرب الكبرى، وعلى واحدة منها عُلِّقَ ثلاثة أسماء من عائلة واحدة. شكل ??: بعض وعول جبال الركي عند جاسپر.
أما عن كثرة الكنائس التي تلقاها أينما سرت وعظمة بنيانها والإسراف في نقشها وزخرفها، فذاك ما كاد يفوق روما نفسها، وفي بعض الشوارع ترى الكنائس متلاصقة، ولا يخلو الطريق من القسس أو صِبْيَتِهم الذين يلبسون معطفًا أسود وحزامًا أخضر تتدلى له ذؤابتان طويلتان في شكل يسترعي النظر. ونفوذهم في تصريف الأمور عظيم جدًّا حتى كادت أن تصبح حكومة مديرية كوبك من رجال الدين، وغالبهم من الكاثوليك؛ ولذلك أُطْلِقَ على البلدة «مدينة الكنائس»، ففيها ??? كنيسة أكثر من نصفها كاثوليكية.
والصحافة هناك فرنسية، وأكبر جرائدهم La Pesse التي توزع فوق ??? ألف في اليوم الواحد. والقضاء في البلاد نوعان: فرنسي يتبع قانون نابليون، وإنجليزي، وكثيرًا ما يسبب ذلك ارتباكًا بين المتخاصمين، خصوصًا إذا كان أحد الخصمين كاثوليكيًّا والآخر إنجليزيًّا بروستانتيًّا. وأكبر كنائسهم نوتردام على نمط كنيسة باريس تمامًا — وهي تشرف على ميدان الحراب Place d’armes — بُنِيَت سنة ???? ثم جُدِّدَت سنة ????، ويحتوي بُرجاها على عشرة أجراس، أحدها يُعَدُّ أكبر أجراس أمريكتين، وبها مقاعد لعشرة آلاف مُصَلٍّ. وعلى ربوة في الجبل هيكل سان جوزيف، أقامه قسيسٌ اسمه André صغيرًا ليتعبد فيه، ثم ذاعت عنه الكرامات؛ فبُنِيَ بشكل أكبر، ثم أخذوا يمدون فيه، ولا يزال البناء سائرًا، وسيكون من أفخر هياكل العالم وأكبرها. نُسِّقَت المتنزهات أسفله ثم بدأت السلالم إليه، وعددها ??، وكان الحجاج هناك كثيرين جدًّا يركعون على كل سلم منها ويقرءون وُرْدًا، ومتى بلغوا القمة دخلوا الهيكل، وقدَّموا قرابينهم، وبُورِكُوا فشُفُوا من أمراضهم وضمنوا الجنة. هكذا كانوا يقولون! ولا يزال القس أندريه يتعهد الهيكل ويدرس في مدرسة أسفله مع أنه بلغ سن ?? سنة، ويصله من الخطابات زهاء ??? ألف سنويًّا، ينتظرون الرد منه والتبريك حتى تتم سعادتهم، ومن استطاع الحضور بنفسه حج إلى المكان من أقصى الأرض. وليس بالمدينة كثير من ناطحات السحاب، فأعلى الأبنية ?? دورًا، ولقد حرم القانون اليوم العلو أكثر من الدور الرابع، ولقد مررنا بإحدى تلك الناطحات المتواضعة بالنسبة لأخواتها في شيكاغو ونيويورك، لكني دهشتُ لما علمت أن بها ستة أدوار تحت الأرض لإيواء سيارات الساكنين في ذاك البناء، وعدد سياراتهم ???.
وجل التعليم هناك تحت إشراف القسس، وقسم كبير منه ديني بحت، وليس هناك قانون إجباري للتعليم، ومع ذلك فنحو ??? من الأطفال يؤمون المدارس. وبالمدينة جامعتان: ماك جل Mc J’ll أُسِّسَت سنة ????، وتشمل ثماني كليات، ثم جامعة منتريال أسسها قسس كوبك سنة ????، وهي فرع من جامعة Laval في مدينة كوبك، وبها ???? طالب. شكل ??: على ذرى الركي حيث كثر الثلج وانضمر الشجر.
ومن أعجب ما زرت مستودع الدواء فاخر البنيان عظيم الزخرف، حتى إن سقفه من الفضة الصب في وزن أطنان كثيرة تُرَى في كل ناحية منه، ومن أدواره العدة التليفون ومكبرات الصوت تلبي نداء أي إنسان في أقصى المدينة وتسعفه بالعلاج، والرجال والسيدات الوقوف به من خبراء الأطباء، وهو يعمل صباح مساء، ولا تُقْفَل أبوابه ساعة، ويتولى العمال رقابتهم على ثلاث دفعات في اليوم لكلٍّ ثماني ساعات، وأظرف ما به أنه يفتح أبوابه للزائرين جميعًا ويمدهم بالكرتات المصورة، ويبيح لكل إنسان أن يكتب رسالة يرسلها المحل إلى أقصى الأرض على حسابه.
وقد كتبت أنا بطاقتين وسجَّلت اسمي بين كشوف الزائرين، ولن أنسى بهاء المنظر وأنا أقف على شرفة جبل منتريال أُطلُّ على النهر الفسيح الهائل وجزائره المنثورة، وقد نُثِرَت بعض المدافع التي غنموها في حروبهم القديمة. ومن أبدعها جزيرة سان هيلين التي سُمِّيَت على اسم زوجة شامبلين، وهي في مجموعها متنزه واحد كبير، ويصلها هي والجزائر الأخرى بالمدينة مجموعة من قناطر أنيقة. قُمتُ إلى كوبك.
(??) كوبك

في سيارة الأمنبوس — ? ريال ذهاب وإياب — الفاخرة التي تقل ثلاثين راكبًا، وقد بلغت من الوجاهة حدًّا فاق سكة الحديد؛ فالمقاعد بالقطيفة الوثيرة والشماعات البراقة من حولنا، وعلى رءوسنا رفوف من الجلد البراق الثمين، والمراوح تدور صيفًا والمدافئ شتاء، وتلك تشق أرجاء أمريكا كلها بمواعيد ثابتة، وأجرها أرخص من سكة الحديد بكثير؛ فالسفر من سان فرنسسكو إلى نيويورك، أو من شواطئ المحيط الهادي إلى الأطلنطي دون عشرة جنيهات، وذلك أقل من نصف الأجر في سكة الحديد، وفوق ذلك فإنها تسلك طرقًا أجمل بكثير، ولا تحجب المناظرَ كثرةُ الأسلاك والمحطات وعربات الشحن التي تُنغِّص علينا سفرنا في سكة الحديد.
قمت صباحًا فوصلتها عصرًا في سبع ساعات، وكان جل سيرنا إزاء مجرى سنت لورنس الذي كان اتساعه هائلًا، وماؤه هادئًا براقًا رائقًا، وبين آن وآخر كان يلاقيه فرع أو اثنان ثم تكثر الجزائر التي تتشعب المياه حولها، وكانت تقوم المصانع الكبيرة طوال الطريق، وبخاصة الأخشاب والورق، ثم مطاحن الغلال ومخازنها وروافعها.
والطريق كله مدن وقرى بديعة أُقِيمَت أبنيتها من الخشب في تنسيق ونظافة تامة، والإقليم عامر بالسكان، وكلهم فرنسيون لا يكادون يتكلمون الإنجليزية إلا إذا اضْطُرُّوا إليها، وعندئذ تكون لغتهم ركيكة ضعيفة. وأكبر ما كان يلفت نظرنا كثرة الكنائس والقسس والصلبان التي كنا نراها قائمة حتى في وسط الحقول؛ فأينما نظرت ألفيت قسيسًا أو صليبًا، والكنائس كبيرة وفاخرة إلى حد كبير حتى في القرى الصغيرة، مما دل على شديد عصبية القوم الدينية، وكلهم من الكاثوليك المتمسكين بالدين تمسكًا شديدًا.
والأراضي كلها سهول فسيحة إلى الآفاق يزرعها القوم من الخُضر على اختلافها، ثم الغلال، وبخاصة القمح، ثم الشوفان ثم قليل من الذرة، وبعض البقاع تُرِكَ مهملًا طبيعيًّا فكَسَتْهُ الغابات، وعندها تكثر مناشير الخشب ومصانع الورق، وفي تلك المصانع يُسْحَقُ الخشب ثم يُنْقَعُ في السلفيد Salphie ليستحيل عجينة منها يُصْنَع الورق، أو تُصَدَّر خامته لصناعة الورق في البلاد الأخرى. شكل ??: عمود الهنود الحمر في جاسپر وسط جبال الركي.
وقطع الخشب عمل رئيسي يدر على مديرية كوبك وحدها فوق أربعين مليون ريال كل عام، ويجتذب آلافًا من الناس كل عام يهيمون في المجاهل، ويتوزعون في معسكرات يضم الواحد خمسين رجلًا يقطعون الخشب ثم يسوقونه إلى المجاري المتجمدة، وإذا ما ذاب جليدها عُوِّمَت الكتل بطريقة مدهشة: إذ يقف الواحد على كتلة سابحة وفي قدميه حذاء ذو نعل بارز المسامير، ثم يُحَرِّك الكتلة برجليه فتدور وهو فوقها، ثم تسبح في سرعة خيالية.
وكان يستلفت نظري أن السكان كانوا ينشرون ملابسهم المغسولة على جوانب الطرق بدون رقيب، وكذلك يعرضون بعض أشغال أيديهم من الطنافس الصغيرة، ولا تتعرض هذه لسرقة أو عبث؛ مما جعلني أمتدح فيهم تلك الأمانة. وأمام سور كل بيت صندوق مفتوح يُوضَعُ فيه البريد والجرائد الخاصة بكل بيت، ولا يتعرض لها أحد من المارة مطلقًا، وحتى الأطفال الذين يلعبون ويمرحون طوال اليوم. وفي منتصف الطريق وقفنا ببلدة الأنهار الثلاثة Trois Rivieres، وعندها تتلاقى أنهار ثلاثة مع سنت لورنس فتجعل منظر المياه الممدودة في كل ناحية رائعًا. والمكان صناعي وبخاصة للورق والخشب. وكنا نرى مجاري الأنهار مقسمة بشبه حدود من عوامات من كتل الخشب؛ لتمنع اختلاط أخشاب كل مصنع مع غيرها. دخلنا كوبك ونحن نسير في طرق ضيقة تعلو وتهبط وتشرف عليها ربوة صخرية عاتية، وحللت فندق Old Homestead Hotel المتواضع في ميدان Place D’Armes، وأمامه «شاتو فرنتناك» على اسم أحد الحكام الفرنسيين الأوائل — أفخر فنادق البلدة، وهو ملك لشركة كندا الباسفيكية، بُنِيَ على شكل حصون القرون الوسطى، ومُدَّت أمامه الأرصفة وزُوِّدَت بالمقاعد والمقاصير لتطل على النهر والمدينة السفلى من أعلى الربوة في منظر ساحر. وكوبك بلدتان: السفلى مقر دور الأعمال والحركة التجارية، والعليا فوق صخرة كوبك التاريخية، وجلها للسكنى، وكم كان يروقني السير وسط تلك الأزقة المتلوية التي تكاد بيوتها المتقابلة تتلاصق وهي قاتمة مظلمة، وقد رُصِفَت أرضها بالحجارة الصغيرة البارزة لكي تخفف من أثر شدة انحدار الطرق، وكنا نعلو إلى الطرق التي فوق الربوة بدرجات قد تفوق المائة. والترام يسير فوق منحدرات مخيفة جدًّا، وفي بعض الأحيان يكون الصعود بالروافع Elevator. والميناء غاصة بالحركة التجارية وبالسفن الكبيرة التي تمخر المحيط بين أوروبا وكوبك. والنهر هائل الاتساع شديد العمق، ويخضع للمد الذي قد يعلو ?? قدمًا. وعجيب أن المياه كلها عذبة، وتظل كذلك أربعين ميلًا جهة المصب. وتجانب الميناء سكك الحديد، وقد استلفت نظرنا مستودع الغلال لشركة Can. National بروافعه التي تتسع لنحو ??? مليون بوشل، وكذلك مصانع الورق الكثيرة هناك، ثم مصنع هائل للأحذية يُعَدُّ من أكبرها في الدنيا. ومن خصائص البلدة العربات ذات العجلتين يجرها حصان تُذكِّر المرء بالعصور الغابرة، وقد أعدت شركة الترام عربات مدرجة مكشوفة ليستطيع الركاب أن يشاهدوا مناظر البلدة في جلاء. شكل ??: معبودات الهنود الحمر في كندا.
وفي زاوية من شارع ضيق في المدينة السفلى زرنا بيت شامبلين مؤسس كوبك، وهو صغير كأنه الكوخ الخشبي، وإلى جواره تدفن رفاته، ثم صعدنا إلى سطح الربوة فأشرفنا على منظر المدينة السفلى والنهر الفسيح الهائل في مشهد بديع. وقد سُوِّرَت الربوة وصُفَّت على جوانبها المدافع القديمة في سلسلة لانهائية، وفي السهل الفسيح «سهل Abraham» كانت الموقعة الفاصلة بين قائد الجيش الإنجليزي وولف Wolfe وقائد الجيش الفرنسي مونتكام Montcalm، وكان النصر حليف الإنجليز، لكن القائدين قُتِلَا في الموقعة، وسجَّلا لهما فخرًا كبيرًا سنة ????. وقد أُقِيمَ لهما أثر تذكاري في إحدى الحدائق هناك. وبيت مونتكام الخشبي الصغير هناك، وهو مدفون في دير بالمدينة. والسهل اليوم تُرِكَ فسيحًا تكسوه الخضرة. أما عن الكنائس الهائلة فذاك في كثرة لا تُوصف بحيث خُيِّلَ إليَّ أنَّ البلد كله مقر ديني للكاثوليك، ومما زُرْنا معبد Franciscan Sisters، وأعجب ما فيه أن الراهبات يتناوبن الركوع أمام الهيكل صباح مساء، بحيث لا تخلو ساعة منهن طوال العام. وقد رأينا خمس فتيات ركعن مطأطئات الرءوس يقرأن أورادهن ولا ينصرفن حتى توافيهن صويحباتهن. والبلد بدا فرنسيًّا خالصًا، فلم نسمع الإنجليزية هناك قط، ويدير شئون البلاد مجلس المديرية المُؤَلَّف من خمسة عشر عضوًا فرنسيًّا وثلاثة من الإنجليز، وهم يحاولون الاحتفاظ بالصبغة الفرنسية في كل شيء، ويتعصبون لقوميتهم ولغتهم جدًّا، وحتى الصحافة كلها فرنسية، وليس بالمدينة إلا جريدة واحدة إنجليزية Chronicle Telegraph، على أن الإنجليز رغم قلتهم وضعف نفوذهم فهم أصحاب رءوس الأموال في تلك البلاد. وكنت أعجب كيف استطاع الفرنسيون أن يحتفظوا بقوميتهم رغم مرور قرن ونصف وهم تحت الحكم الإنجليزي، لكنَّ الفرنسيين قد عُرِفُوا بوطنيتهم الشديدة التي لا يخفونها مهما أحاطهم من عوائق، ولا يزالون يعدون شرق كندا «فرنسا الجديدة» كما أسماها شامبلين من قبل، وفوق ??? من سكان كوبك البالغ عددهم ??? ألفًا فرنسيون، ولا عجب فكوبك — ومعنى اسمها مدينة الصخرة Rock City — هي «فرنسا الجديدة»، وقد ظلت أربعة قرون تحرس مدخل السنت لورانس بحصونها العاتية التي صرف عليها الإنجليز بعد فتحها ?? مليون ريال. شكل ??: ترى هذه الأشباح المقدسة أينما سرت في الركي.
وهي في ظني من أجمل بلاد العالم، لا يتمالك الزائر لها أن يعشقها لجمال موقعها. وهل أروع من منظر النهر وجزائره، وبخاصة جزيرة لورنس، عندما رأيته من أعلى الربوة؟! أو أجمل من منظر صخرة كوبك نفسها حين رأيتها من الزورق إزاء شاطئ الجزيرة؟ إلى ذلك فإن احتفاظها بأبنية القرون الوسطى وأزقتها المختلفة المتلوية زادها في نظري جمالًا، هذا إلى الذكريات التاريخية التي تحوط كل ركن من أركانها.
ومما يلفت النظر في المدينة كثرة ميادينها الضيقة التي تتوسطها تماثيل عظماء الرجال، ومن أخصهم لا?ال أول قسيس حلها وبدأ نواة جامعة لا?ال أكبر معاهد العلم في كندا، وكذلك تمثال شامبلين، ويجاور شاتو فرنتناك مشرفًا على النهر.
(??) إلى نيويورك

قمت أودع ذاك البلد الذي خُيِّلَ إليَّ وأنا أجوب نواحيه أني في قطعة من بلاد فرنسا المحتفظة بالقديم، وعدت إلى منتريال التي غادرتها إلى نيويورك صباح الجمعة ? سبتمبر. وقد اخترق بنا القطار النهر العظيم الذي بدا كالبحر لا تكاد تُرَى شواطئه، وكان عبورنا إياه على قناطر تربطها عدة جزائر، ولم تمض نصف ساعة حتى مر بنا رجال المهاجرة والجمارك، وفحصوا أوراقنا ومتاعنا في رفق وبشاشة، ثم بدأنا نسير إزاء نهر ريشليو، ثم أقبلنا على بحيرة شامبلين التي ما كنت إخالها تمتد هذا القدر الهائل، ولبثنا نخترق مجموعة هائلة من جزائرها بقناطر لا حصر لها، وكانت المزارع تغص بالخُضر وبعض الغلال.
وجل البلاد تحمل أسماء فرنسية، والقوم فرنسيون، ولما أن فرغنا من البحيرة وشعابها ظهر إلى يميننا نهر هدسن في اتساع يفوق نيلنا، ثم أخذت الأرض تتغضن وتعقدت رباها، وكانت المزارع خليطًا من الغابات وأرض الكلأ، وكثيرًا ما كان الصخر الجرانيتي القاسي يظهر عاريًا، ولقد أضحت المناظر من حولنا ساحرة بديعة.
وكانت البلاد والقرى كثيرة غاصة بالسكان والمصانع التي لم تغب عن أعيننا طوال الطريق، ولا عجب؛ فتلك بلاد نيو إنجلند أقدم جهات أمريكا صناعة، وأقدرها مهارة في العمل وذكاء في العامل؛ ولذلك عُرِفَت بإنتاج المصنوعات الدقيقة، وكان أجر العامل فيها أعلى مستوى منه في سائر بلاد العالم. وعندما وقفنا ببلدة تروادة Troy تشعبت الخطوط الحديدية في كثرة هائلة، ثم واصلنا سيرنا، وبعد تمام عشر ساعات ومسافة ??? ميلًا دخلنا محطة Grand Central في نيويورك. وقديمًا كان مجرى هدسن هذا طريقًا طبيعيًّا للانتقال اتخذه هنود أمريكا مسلكًا لهم، ثم زاد العلم اليوم في قيمته فأضحى طريقًا مائيًّا من منتريال إلى نيويورك، ومُدَّت على طوله سكك الحديد في خطوط لا حصر لها، وكان له شأن في تجارة الفراء في أوائل عهد كشف أمريكا، على أنه يجمد شتاء فتعمل كسارات الجليد على فتح جزئه الجنوبي بين Troy ونيويورك، وحتى ثغر نيويورك يتعرض للتجمد لولا مقاومة الجليد بوساطة تلك الكسارات التي تعمل طول فصل الشتاء. ولقد كان البرد شبيهًا بشتاء مصر في منتريال وما جاورها، لكنا عندما أقبلنا على نيويورك دفئ الجو نوعًا، ولم يلزمنا بلبس معاطفنا التي حملناها من قبل. شكل ??: قطعان البيسون في سهول الپريري.
خرجنا من المحطة العامرة وأنا ذاهل من فخامتها وفسيح امتدادها، وتعدد أرصفتها، وشعاب المواصلات المختلفة التي تخرج منها إلى أنحاء المدينة خصوصًا تحت الأرض، وحللت نُزُل Chelsea في شارع ?? بقرب 7th Avenue مقر المتاجر الكبيرة والمباني الشاهقة والثروة الطائلة، ومنه إلى برودواي وشارع ?? وما لهما من صيت في الملاهي والأضواء ليلًا، فلقد خلفا في مخيلتي أثرًا قويًّا منذ زيارتي الأولى حتى شككت فيما كتبتُ، وخشيتُ أن تكون المبالغة قد لعبتْ بقلمي، لكني ألفيتني لم أوف تلك الجهات حقها من الإكبار؛ فلقد كان أثرها للمرة الثانية أروع منه في الأولى وأبلغ. وكم وقفت ذاهلًا وأنا أرى تلك الناطحات تكسوها الأضواء المتلوية المتحركة، وأولئك الجماهير الذين يسدون الطرق سدًّا ليلًا ونهارًا، ووسائل النقل التي لا تُحْصَى عدًّا، كل ذلك في نظام تام ووجاهة لا تُحَدُّ! ثم كان الصباح وكانت جولتي حول الناطحات الشهيرة مثل Empire وChrysler وركفلر وما أحاطها من طرق وأبنية، فكانت نظراتي لها إكبارًا لهؤلاء القوم ذوي العقول الجبارة والأموال الطائلة، وما وافى الظهر حتى ركبت قطارَ تحتِ الأرضِ Subway، وهو يسير تحت الأرض في الشوارع الرئيسية التي لا يجري فوقها «الإلفتير Elevator»؛ وذلك ليجد الناس وسيلة يركبونها في كل شارع. جزيرة كوني

وكان مقصدي جزيرة كوني Coney Island، فظل القطار يسير زهاء ساعة في سرعة مخيفة، ولقد انتقلنا منه إلى غيره ثلاث مراتٍ، كل ذلك بقرش واحد؛ فبمجرد أن تلقي بالقرش في الصندوق يدور بك الباب فتدخل محطةً لك أن تركبَ أي قطار شئت: Express، أو Loca، إلى up town، أو Down town، ولو أحببت أن تظل يومك كله تركب هذا وتنتقل إلى ذاك فعلتَ ما دُمتَ داخل المحطات، فإن خرجت وجب أن تدفع قرشًا آخر. بعد ساعة كاملة اخترقنا مجموعة من قناطر أدت بنا إلى الجزيرة، فألفيتها بلدًا عامرًا مُدَّت الحمامات الفاخرة على شواطئه الرملية، وأُقِيمَت في وسطه مجموعة من دور الملاهي والمعارض والمقاصف والمطاعم بشكل ليس له نظير في أية جهة من الدنيا، وفي كثرة استغرقت من وقتي ثماني ساعات كاملات حتى مررت بها مرورًا سريعًا؛ فلقد حوت كل ما يخطر بالبال من صنوف الألعاب: البهلوانية والسحرية والميسر والأراجيح، وعَرْض خوارق الطبيعة من حيوانات وإنسان؛ فهناك مجموعة هائلة من أنصاف الآدميين، والذين وُلِدُوا على نقص في تكوينهم.
ومن أعجب ما رأيت جسم فتاة لها رأسان، وجسم إنسان أطرافه كعجل البحر، وآخر كجلد التمساح، ومجموعة من الأقزام الذين لا يزيد طولهم على نصف متر، وثلاث من النساء جمعن بين صفات الذكر والأنثى؛ فنصف الجسد الأيمن خشن قوي العضلات وفير الشعر، والأيسر أملس رقيق ناعم، وجمعن بين عضوي التذكير والتأنيث معًا، وسيدة بلغ بها السمن حدًّا مخيفًا؛ فمحيط بطنها متران ونصف، ووزنها ??? رطل، وطولها متر.
شكل ??: مستودعات الغلال في سهول الپريري بكندا.
وكثير من تلك المعروضات تُشْرَح شرحًا علميًّا يرمي إلى فائدة الجمهور رغم مظهره الهزلي، فلقد دخلت معرضًا منها يعلن عن بعض أنواع التعذيب التي كانت متبعة قديمًا في وصفها الحقيقي بتماثيل تُظْهِر الحقيقة جلية، أذكر من بينها: التعذيب في بلاد الصين؛ يُوضَع الرجل في قفص ينكمش شيئًا فشيئًا ويضغط على المسكين وهو يتألم، ثم تُطْلَق عليه مجموعة من فيران جائعة كبيرة تنهش لحمه حتى يموت.
و«العاشق والعاشقة»؛ إذا أحبت فتاة شابًّا رغم إرادة أبويها حُكِمَ عليها بوضعه في «صندوق السماء»، وأُقْفِل عليه، وفي غطاء الصندوق مسامير حادة، وعليه مكبس لا تفتأ تديره فيضغط معشوقها حتى يموت بيديها على مرأى من أبيها، وفي اسكتلنده في القرن ?? كانوا يضعون أقدام المذنب في أحذية عالية من حديد وتُصَبُّ فيها المنصهرات، وفي إنجلترا سنة ???? استُخْدِمَ الوثاق Rack يُشَدُّ عليه الرجل بواسطة أسطوانة عصارة كلما دارت شدت الرجل فاستطال حتى مات، ثم التحمير البطيء بأن يُرْبَط الرجل على حافة عجلة كبيرة تدور به، ومن تحتها نار متقدة تكاد تلمس الجسم كلما مر بها، وبذلك يُشْوَى الرجل شيًّا بطيئًا. وفي المجر سنة ???? عذبوا المجرم بربطه نائمًا، ثم يأتي الجلاد بكتلة من حديد سُخِّنَ إلى درجة الاحمرار، وكوى قدميه كيًّا بطيئًا، ثم الدفن حيًّا أواسط أفريقيا عدا الرأس، ثم يُلَطَّخُ الجسد بالعسل فينجذب النحل الكبير وينهش الجثة حتى يموت الرجل، أو يُوضَع الرجل في برميل وتبقى رأسه ظاهرة تعرض للشمس المحرقة حتى يموت.
وأخيرًا عُرِضَت المقصلة وهي تهوي على رأس ماري أنتوان في مخرطة ثقيلة حادة، ونحن خلال ذلك نسمع أنينًا واستغاثة وبكاء مؤلمًا مؤثرًا لم أدر مصدره، ثم معرض آخر لعادات بعض الهنود الحمر وزنوج أفريقية من رقص وأزياء. وهنا يبدو جمع من الزنوج الحقيقيين يعرضون علينا برنامجهم، ونحن خلال ذلك نرى أمام كل معرض رجلًا أمسك بيده مكبر الصوت وأخذ يحاضر الناس ويغريهم على الدخول بعبارات شائقة جذابة تستهوي كل إنسان. وما أقبل المساء حتى انتشرت ثريات الكهرباء في إسراف شديد من عقود متشابكة لا أول لها ولا آخر، مكان يسحر القلوب، ويستهوي النفوس، وزحام الناس عليه كثيف.
ورغم رخص أجور الدخول إلى تلك الأماكن — فهي زهاء قرشين لكل منها — ينفق الواحد ريالات متعاقبة دون أن يشعر إلا وقد خلا جيبه منها، وكانت دهشتي كبيرة لما ينفقه القوم هناك حتى الذين تبدو عليهم علائم الفقر والأطفال الصغار، وكفى أن يرى المرء ذاك البلد حتى يؤمن بأن أمريكا بلاد العجائب والمدهشات. كان اليوم الأحد ? سبتمبر فآثرت أن أرود بعض المتنزهات لأرى ما هنالك، فقصدت Central Park فكانت جموع الناس كثيفة، وفي ناحية منه أُقِيمَت حديقة للحيوان هي أصغر بكثير من حديقة Bronx Park التي زرتها عامي الفائت، لكنها ضمَّت بين أقفاصها مجموعة قيمة جدًّا من مختلف الحيوان في حيز من الأرض صغير، بحيث يمكن لكل فرد أن يطوف بها ويخرج بدرس في الحيوان مفيد. ثم ركبت القطار المرتفع إلى طرف المدينة المسمى Battery، وهو أقدمها، وهناك مُدَّت المتنزهات الفسيحة على حافة البحر، وكان الناس يسدون المكان سدًّا؛ لأن البواخر التي تربط مختلف الجزائر خصوصًا بروكلن تروح وتغدو من تلك الجهة، ولقد أدى بي السير في تلك الجهة إلى أحياء العمال ومساكن الفقراء المتقاربة المكتظة، والجهة كلها تعوزها النظافة، وأهلها بدا عليهم العوز الشديد، وكثر بينهم المتسولون وأبناء الشوارع والسكارى المدمنون في ثيابهم الخَلِقة، وقد دُهِشْتُ لما أن رأيت سيدة هناك تتمايل وتشاكس الناس، وأخيرًا أتى الخمر الذي أسرفت في شربه على قواها فسقطت على الأرض في حال يُرْثَى لها. شكل ??: الشارع الرئيسي في ونيپج.
وفي ناحية من تلك المنطقة حي اليهود، وكانت اللغة العبرية تُكْتَب بالخط العريض في كل مكان، وباعة الملابس القديمة على رءوس الشوارع، وباعة «الشربات» يعرضونها في براميل زجاجية، وقد ألقوا بها قشر الليمون والبرتقال وكتبوا ثمن الكوب: سنتيمًا واحدًا، أي ملليمين. ولقد بلغ من كثرة اليهود في نيويورك أن أُطْلِق عليها أحيانًا اسم Jew York. ومن أظهر شوارع المنطقة Essex وBowery. وفي تلك المناطق يكثر اللصوص وقطاع الطرق الذين يسمونهم gangsters، وكثيرًا ما يهاجمون المارة ويسلبونهم متاعهم ونقودهم ليلًا، وقد يصحب ذلك ضرب وقتل، وحتى في وسط نيويورك في سنترال بارك Cen. Park يحدث بعض ذلك. ولا عجب؛ فإن الإمعان في الغِنى والإسراف في إنفاق النقود الذي كنت ألاحظه على المتيسرين يوغر صدور الفقراء وينحدر بهم إلى الإجرام هكذا. ولقد جمعت نيويورك بين المتناقضات حقًّا، فمن غنًى مفرط إلى فقر مدقع. ومما ساعد على وقوع ذلك في حي Battery أن الشوارع هناك غير مستقيمة؛ لأن هذا الجزء قديم من جهة، ولأن أرضه متلوية الشواطئ؛ لذلك لم تُنَمَّر الشوارع كما هي حال باقي المدينة. ولقد بنى أحد الأثرياء الذين كانوا من فقراء الحي وأضحى مليونيرًا ناطحة هائلة سيؤجرها مساكن رخيصة لسكان الحي أصدقائه الأقدمين، واسم الرجل Alfred Smith، فكان ذلك منه وفاءً جديرًا بالتقدير. وهنالك تمتد القناطر بين مانهاتن هذه وجزيرة بروكلن، ومن أشهرها قنطرة بروكلن المعلقة، وقنطرة مانهاتن، وهذه شاهقة بحيث تمر من تحتها أكبر البواخر، وفي الشوارع أسفلها يمر الترام وفوقه القطار المرتفع، والقنطرة فوق كل أولئك، وضخامتها هالتني كثيرًا؛ فهي تشمل شارعًا للمارة يليه طريق لقطارين Elevators متجاورين «الإكسبريس والعادي»، يليه وسط القنطرة للسيارات الثقيلة والأمنبوس، هذا إلى اليمين ومثله إلى اليسار، وفوق الجانبين دور آخر للسيارات الخفيفة. وقفت وسط القنطرة وأنا دهش مذهول، وكان منظر القناطر الأخرى، وبخاصة بروكلن والماء من تحتها وواجهة جزيرة بروكلن بناطحاتها الساحقة، رائعًا بديعًا. هنا عَنَّ لي سؤال فاجأت به شابًّا كان يقف إلى جواري على القنطرة، فنظر إليَّ وابتسم وقال: أنت ابن عرب؟ قلت: نعم، مصري، قال: وأنا إسكندراني جئت هنا منذ ست سنوات، ولا تزال عائلتي في الإسكندرية، على أن الكساد الحالي في أمريكا قد أخلاه عن العمل هو وزهاء ستة من المصريين، قلت: ولكن أتظلون عاطلين الوقت كله؟ قال: كلا، فإن الرئيس روزفلت — الذي يحبه العمال حبًّا جمًّا — قد ابتكر نظامًا يوظف به العاطلين ثلاثة أيام كل أسبوع حتى يجدوا عملًا ثابتًا.
شكل ??: يلعبون الضامة في المتنزهات العامة.
قلت: وكم تُؤْجَرون على ذلك؟ قال: ?? ريالًا في الأسبوع، أي ثمانين قرشًا لليوم الواحد، أعني زهاء عشرة جنيهات في الشهر، ولا يكاد ذاك المبلغ يفي بحاجاتنا؛ إذ المعيشة هنا غالية، ومطالب الحياة متعددة، قلت: وماذا كنت تشتغل قبل ذلك؟ قال: اشتغلت عاملًا في عمارة أختص بالرافعة lift، وكنت أتقاضى ?? ريالًا في الأسبوع، أعني عشرين جنيهًا في الشهر. ومن لم يجد عملًا من العاطلين يقيد اسمه في كشف ا? Relief ويتقاضى ريالًا في اليوم تدفعه له الدولة. ولقد تمسَّك أن أُرافقه إلى المقهى وأشرب معه كأسًا من القهوة، فأكبرت فيه هذا الكرم، الذي علَّمته إيَّاه مصر بلاد الكرم، وهو من عنصر أجنبي وُلِدَ في الإسكندرية وتمصَّر. وَدَّعْتُه ثم عرجت في عودتي على المدينة الصينية China Town بشوارعها التي تزينها الكتابة الصينية في بقع عريضة كُتِبَت كلماتها تحت بعضها على شرائح تُعَلَّق إلى جوانب المتاجر، على أني ألفيتها بؤرة فساد؛ إذ آوت جماهير المبتذلات والمومسات، فعجلت بالخروج منها عائدًا إلى قلب نيويورك النابض: Times Square الذي عنده تتلاقى الشوارع الثلاثة الشهيرة: برودوي و?? والطريق السابع 7th Avenue، وتتوسطه عمارة جريدة التيمز الأمريكية N. Y. Times في ناطحة كاملة، وقد شريت عدد يوم الأحد بقرش فألفيته ?? صفحة في أربعة أقسام: المصور والأخبار والهزل والرياضة، وتظل تعلن أهم أخبار اليوم بالضوء المتحرك في حروف كبيرة جدًا ليقرأها المارة جميعًا. هنا بهرتني أضواء تلك المنطقة وإعلاناتها المدهشة التي تسد الجدران سدًّا، ولقد راقني من بين تلك الإعلانات التي لا حصر لها بحر مائج يغص بالسمك مختلف النوع في ألوان بديعة متحركة، وآخَر من رجل يصب شرابًا أحمر من زجاجة في كأس، وثالث فنجال من القهوة يصعد منه بخار كثيف، وسيجارة تحترق ويصعد دخانها، كل ذلك بالنور المتوهج المتحرك. ومن صنوف الإعلان عن بعض المراقص إقامة تماثيل للراقصين والراقصات تتحرك وترقص في الشكل الطبيعي والأضواء تنعكس عليهم.
أما سيل الناس وبخاصة مساء الأحد، فذاك أمره عجيب، الأكتاف تتلاصق في غير مبالغة، وأينما كنت أسير كان يقودني تيار الناس ودفعهم لي، والسيارات الفاخرة تسد الطرق، وكنا نسمع أصوات الراديو منبعثة من كل سيارة في جلبة كبيرة، وظل جميع الناس إلى بعد الثانية صباحًا وبينهم الأطفال الصغار، ولهم العذر إذ المكان يبهر العقول ويستهوي من الناس الحكيم الرزين، فما بالك بالأطفال ضعاف الأحلام. وكنت كلما هممت بالعودة إلى الفندق لأنام ووجهت خطاي إليه أجدها تساير التيار وتأبى إلا التجول في تلك المنطقة الساحرة.
أما خروج الغانيات والشبان عن الحد المألوف في تبخترهم وعناقهم وتقبيلهم على قارعة الطريق، فذاك ما كان يروعني كثيرًا، فكأن الإباحة قد بلغت هناك غايتها، وامتنع الحياء بتاتًا، والمدهش أن ذلك لم يكن يسترعي من المارة لفتة استنكار أو امتعاض، فالكل راضون بذلك، وهل الحياة في نظر رُوَّاد برودواي إلا هذا المتاع والإسراف في المجون؟!
قمت صباح الاثنين قاصدًا تمثال الحرية، فأقلني القطار المرتفع Elevator إلى الباتري South Ferry، وهناك أخذت الباخرة Ferry إلى جزيرة صغيرة أُقِيَم عليها التمثال الذي أهدته الأمة الفرنسية للولايات المتحدة منذ خمسين سنة، وهو لسيدة تمثل الحرية تمسك بيدها اليمنى شعلة الهدى والحق والحرية مرفوعة إلى السماء، وباليسرى كتاب هو دستور الحرية. شكل ??: نشرف على نياجرا وقد أذهلنا بروعته.
وقمة الشعلة تعلو عن مستوى البحر ??? قدم، أي زهاء مائة متر، ورأس السيدة تبعث أشعة الحرية كأنها الشمس في لونها الذهبي، وفي الليل تُوقَد تلك الشعلة بالمصابيح الكهربائية، وتلقي أشعة النور من الأركان على جسم التمثال كله فيلتهب وضوحًا وبريقًا، وقد أُقِيمَ على قاعدة من الجرانيت زُوِّدَت بالروافع والدرج التي توصلنا إلى أقدام التمثال، وحول تلك القاعدة نُسِّقَت المتنزهات وزُوِّدَت بالمقاعد.
شكل ??: على قنطرة نهر شيكاغو.
ولقد هالني جماهير الزائرين الذين يسدون المكان طوال اليوم، وقد أُعِدَّ هناك سجل لقيد أسماء الزائرين، وقد دونت اسمي تقديسًا للحرية وإيمانًا بها، ولما أن عدت ركبت أطول خطوط «الإلفتير»، واخترقت البلدة كلها من أدناها إلى أعلاها from down to up. ولقد استغرقت المسافة بالقطار السريع الإكسبريس ساعة كاملة، قطعت خلالها فوق مائتي شارع وسط تلك الناطحات الهائلة، وذلك على طول 3rd Av، كل ذلك بنيكل، أي قرش واحد رميته في صندوق المدخل، وأدرت الباب وانتظرت هنيهة حتى وفد القطار، وفُتحت أبوابه من تلقاء نفسها فركبته، ثم دق الجرس فامتنع الناس عن الركوب وأقفلت الأبواب وحدها، وسار بنا ينهب الأرض نهبًا. وهذا القطار يجري من أقصى البلدة إلى أقصاها في أربعة شوارع تكاد تكون متوازية، وفي آخره تجولت في حديقة النبات ببيوتها الزجاجية التي حوت نبات جميع المناطق، ثم عرجت على جانب الحيوان وبه حديقة الحيوان الكبرى، وفي عودتي أخذت قطار تحت الأرض Subway جرى بي على طول شارع 7th Av. والعادة أنه يسير في الشوارع الكبرى التي لا يجري فوقها الترام المرتفع، وهو أسرع الوسائل إذ لا تعوقه علامات المرور، فهو تحت الأرض في سراديبه الخاصة، ولقد دُهِشْتُ لما ألفيت السراديب عليها أربعة أشرطة متجاورة للإكسبريس والعادي Express & Local على الجانب الأيمن يسيران إلى أسفل المدينة down town، ومثلهما على الجانب الأيسر إلى أعلى المدينة Up town، وأجره نيكل أيضًا. وحدث أنَّ محطتي التي كنت أريد النزول بها شارع ?? لا يقف عليها الإكسبريس، فمر بها ووقف في شارع ??، فنزلت وخطوت إلى الجانب الآخر Up town وانتظرت حتى جاء القطار العادي local، فركبته إلى حيث أردت ولم أدفع لذلك شيئًا. إلى ذلك فهناك مجموعة من الترام العادي والأتوبيس الفاخر البديع والبواخر Ferries المتعددة التي تسهل لك الاتصال بأية جهة من المدينة وما حولها من جزائر، وكل ذلك بنيكل ليس غير. شكل ??: في ناحية من مجازر شيكاغو.
ولهم الحق أن يفاخروا بأن مواصلات نيويورك أرخص وأسرع وأرقى منها في أية مدينة أخرى في العالم، ولقد ساعدها على رواجها هذا وفرة الركاب الذين تغص بهم العربات صباح مساء، فلا تتجاوز المدةُ بين القطار والذي يليه دقيقتين. وقد عددت عربات قطار تحت الأرض فألفيتها عشرًا في كل قطار، كل ذلك ولا تكاد تجد مكانًا خاليًا، وكثيرًا ما تظل واقفًا.
ولعل أفخر ما رأيته من وسائل النقل هناك محطة پنسلفانيا للسكة الحديدية، وقد كنت إخال أن المحطة التي وصلت إليها وافدًا من منتريال Grand central لا يفوقها في الأبهة والفخامة شيء، وإذا بها لا تُذْكَر إلى جانب المحطة الأخرى پنسلفانيا، فبهو المدخل يبهر النظر بمرمره وبريقه، وجمال المتاجر على الجانبين، والأقبية المذهبة فوق الرءوس، وتزين واجهة منه مجموعة من أعمدة كادت تبلغ بعظمتها أعمدة الكرنك، ثم تنزل درجًا إلى بهو آخر فسيح للتذاكر والاستراحات والمطاعم والتلغراف والتليفون والاستعلام، ثم تنزل إلى ثالث عظيم به يقف المسافرون كل فريق أمام مدخل رصيفه Track، وحول مكان مدخل ?? رصيفًا لقطارات مختلفة، والراديو بمكبراته يذيع على الجيوش التي تراها كل لحظة رقم القطار الذي سيقوم الآن ووجهته ومِن أي رصيف يسير، وإذا دخلوا نزلوا دَرَجًا آخر تحت الأرض وركبوا عرباتهم. عجبت من نزعة الأمريكيين إلى الظهور بمظهر الأبهة والغِنى المفرط في كل شيء؛ فلا يروقهم إلَّا الضخم الطلي من الأشياء، وتقع تلك المحطة في 7th Av. خرجت منها ذاهلًا وأحببت أن ألقي بآخر نظرة على أكبر ناطحات العالم The Empire State، وكان على مقربة منه، فطفت حوله فزدت إعجابًا به وبالقدرة الهندسية التي أنتجته، وقد أعلنوا في بعض نوافذه السفلى «الفترينات» يحضون الناس على الصعود إلى قمته. وأذكر من ذلك أنهم وضعوا نماذج كبيرة للبناء إلى جوار برج إيفل ومسلة وشنطن والهرم الأكبر وبرج پيزا المائل، ورُوعِيَت فيها نسب الارتفاع، فكان هو أعلاها، ثم تدرجت الأخرى نقصًا في العلو على الترتيب المذكور، وفي نافذة أخرى أعلنوا عن عدد الزائرين لقِمَّة البناء، فكانوا في الأسبوع الأخير من أغسطس: ?????، وفاق مجموع من زاره إلى آخر أغسطس ? مليون ونصف، دفع كل منهم ريالًا أجرًا للصعود، أعني أنهم ربحوا من وراء ذلك نصف مليون جنيه، ثم ذكروا الدول المختلفة التي ينتمي إليها أولئك الزائرون، ومن بينها مصر، ثم نشروا جميع أعلام تلك الدول — وكان علمنا الأخضر الجميل ظاهرًا بينها — كل ذلك ليستميلوا الناس إلى الصعود فيربحوا من وراء ذلك مالًا وصِيتًا.
أحسست بالجوع عاجلًا هذه الليلة لأن غدائي كان مفاجأة غريبة؛ فلقد رأيت في إعلان الطعام الذي يضعونه على مقدم مطاعمهم بالخط الكبير وعليه الثمن، أن الطبق الخاص Special dish اليوم هو Hot dog، ومعناه الكلب الحار، فأحببت أن أتذوق لحم الكلاب الذي يحبه القوم حبًّا جمًّا — لكثرة وروده على ألسنتهم وفي إعلاناتهم — وإذا به مجموعة من لحوم مقطعة تحكي البسطرمة حُشِرَت في أغشية حمراء أسطوانية تحكي المُنْبار. شكل ??: الساحل الذهبي مقر مليونير شيكاغو.
تناولتها في غير شهية ظنًّا مني أنها من لحوم الكلاب، ولما أن استفسرت عنها آخِر الأمر ضحك الرجل وقال بأنها من لحوم البقر، وقد سُمِّيَت كذلك لأن الكلاب تحب رائحتها حبًّا جمًّا. دخلت في المساء مطعمًا للعشاء، وهنا كان رأس الطعام صيني الأصل يُسَمَّى chop suéy، ويُعْلَن عنه بحروف كبيرة من نور أمام المطاعم، لذلك خلته شهيًّا، وإذا به خليط من نثير لحم البقر وشرائح البصل والشكوريا، صُبَّت عليه الصلصة فبدا كالعجين الأحمر، فتناولته على مضض مني لأن مذاقه كان منفرًا، ولم ينقذني من الجوع سوى الحساء والخبز والزبد. وذلك يُقَدَّم مع كل طعام، ثم فطير التفاح Apple pie وفنجال القهوة مع اللبن، وذاك نظام طعامهم العادي، وقد كلفتني تلك الوجبة ثمانية قروش مصرية. انحدرت بي قدماي إلى كعبة أهل نيويورك وزائريها: برودواي وشارع ?? و7th Av، فكانت الحالُ كما تراها كلَّ ليلةٍ: بحر زاخر من الناس من مختلف الأرض، وكنت أسمع كل فريق من المارة يتكلم بلغة مختلفة: فرنسية وطليانية ويونانية وعربية وإسبانية إلخ، وحتى اللغة الإنجليزية التي يتكلمها السواد الأعظم من أهل نيويورك، بل وأمريكا، محرفة دخلها كثير من الكلمات الغريبة. ولم يكن يروقني سماعها منهم، فقد أكسبوها اعوجاجًا وإضعافًا أفقدها موسيقى النطق الذي نسمعه من الإنجليز، وبخاصة السيدات، وذلك طبيعي بين أمة قد تألفت من عناصر متباينة وجنسيات عدة توطنوا في البلاد، ولم تتأصل في ألسنتهم اللغة الإنجليزية، أما عن اللحن والتكسير في قواعد اللغة فذاك لا يكاد يخلو منه أحد هناك.
طفقت أتجول هناك وأنا مبتهج بما أرى من أنوار وأزياء، طروب لما أسمع من ضوضاء حركة المرور الصاخبة التي كانت تنغصني بادئ الأمر، ثم ألفتها فأحببت سماعها: من صياح الناس يعلنون عن ملاهيهم، إلى صوت العجلات، إلى غناء الراديو المنبعث من كل سيارة، إلى جلبة «الإلفتير» فوق الرءوس، و«السبوي» تحت الأرض. وكان صوته ينبعث من النوافذ التي تشغل كثيرًا من أرض الطرق في شباك حديدية لا يفتأ بين آن وآخر يتفجر منها دخان وبخار ساخن هو الهواء الفاسد الذي تطرده مضخات التهوية، وتعيضه بغيره من الهواء البارد المنعش.
ومن تلك القطارات ما يسير فوق بعضه، فهناك ثلاثة أدوار «للسبوي» الواحد تحت الآخر، وفوق أولئك ترام الأرض العادي، وفوق ذلك «الإلفتير»، وقد يكون من دورين؛ قطار يجري فوق الآخر، أعني أن وسائل النقل قد تشغل ستة أدوار بعضها فوق بعض. كل ذلك يُحْدِث جلبة تقلق راحة من يحل البلد لأول وهلة، لكنه لا يفتأ يعتادها فينفر من السكون، ويعده ضربًا من الوحشة المقلقة، وذلك ما كنت أحسه أنا آخر الأمر. وعند منتصف الليل رجعت إلى الفندق، وكان جو اليوم حارًّا بعد أن كان أميل إلى البرودة في الأيام السالفة.
والجو في نيويورك سريع التقلب، فبينا تجد الشمس صاحية وَضَّاءة والهواء عليلًا، إذ به ينقلب في ساعة واحدة فيحجب السحاب الشمس، وقد يمطر وابلًا أو يعم الجو شبه دخان يخفي الكثير من جمال مناظر البلدة وما أحاطها من بحار وجزر وناطحات، وذلك هو السائد في جو نيويورك إذ قلما يصفو الجو يومًا بأكمله.
شكل ??: نجلس على حافة خانق نياجرا ومن ورائنا الشلال.
ودعت نيويورك ظهر يوم الثلاثاء ? سبتمبر مستقلًا الباخرة Saturnia الإيطالية، بعد أن أفلتت مني الباخرة Rex ملكة البواخر الإيطالية، وحمولتها ?? ألف طن. أما هذه فزهاء نصفها حجمًا، لكني ألفيتها عظيمة فاخرة البنيان والأثاث، فسيحة الأبهاء والحجرات، شهية الطعام — والإيطاليون معروفون بجودة الطهي إذا قُورِنُوا بالإنجليز — وهل أنسى صنوف المكرونة البديعة التي لم تخل منها وجبة أبدًا؟ أو قناني النبيذ بلونيه الأحمر والذهبي الذي يتلألأ فوق مناضد الطعام جميعها في كل آنٍ، والذي يشربه القوم بدل الماء في إسراف شديد، فلا يفتأ الواحد يفرغ القنينة الكبيرة ويعقبها بثانية فثالثة. أخذت الباخرة تتنحى عن أرصفة نيويورك ومينائها الصاخب العظيم، فتجلت ناطحات السحاب في روعتها الكاملة، وأخذت هذه تنضمر وتتوحد كلما بعدنا حتى أضحت شبحًا فاترًا، ثم غابت عن الأنظار. وكانت وجهتنا بسطن.
(??) بسطن

أكبر بلاد ولاية ماستشوستس، وقد أُعْلِنَ على لوحة الباخرة أنَّا سنصلها صباحًا؛ الأربعاء، ولما أن استيقظنا في الصباح ألفينا الباخرة واقفة في غير حراك وقد أحاطتها حجب كثيفة من الضباب ألزمتها الوقوف، وحرمت عليها السير خشية أن تصطدم بصخرة أو باخرة أخرى، ذلك لأنَّا كنا نحاول عبثًا أن نبصر بشيء على بعد أمتار قليلة من الباخرة ولم تُجْدِ مناظيرُنا في ذلك شيئًا. وتلك المنطقة عُرِفَت منذ القدم بخطر الملاحة فيها لأنها وسط بين تلاقي التيارين: مياه تيار الخليج الدافئ وافدة من الجنوب، ومياه تيار لبرادور البارد تقد من الشمال؛ فتكثف كثيرًا من أبخرة الجو في سحابات قاتمة هي ذاك الضباب الثقيل، وقد يسمون هذا الحجاب أو الستار الثقيل The cold wall بالحائط البارد؛ لأنه يقف سدًّا كالحائط يُشع برودة وبللًا. لبثت الباخرة واقفة تعلن عن مكانها بالأجراس والأبواق لتنبه البواخر الأخرى اليوم كله إلى الساعة السادسة بعد الظهر حين انجلى ذاك الضباب، وكنا نخاله سيخف حوالي العاشرة صباحًا عندما تعلو الشمس وتبخره، لكنه أدهشنا بركوده طوال اليوم، وقد حل ذلك بالكثير من السفن الماخرة في تلك المياه، ولقد أعلنت الجرائد عن هذا الضباب الذي عاق سير الكثير من السفن وقالت بأنه أسوأ ما وقع في فصل الضباب كله هذا العام.
شكل ??: بعد أن نزلنا من الباخرة تورنتو على بحيرة أنتاريو.
نزلنا بسطن بعد أن جزنا مجموعة كبيرة من جزائر عند مدخل مينائها، ولقد ظهرت فاترة وسط دخان المصانع المحيطة بها، وهي مدينة المنسوجات على اختلافها. وأخذنا نخترق نواحيها فكانت المباني عظيمة شاهقة، لكنها تطل على شوارع ضيقة متلوية، فكلما سرت قليلًا انعطف بك الطريق يمنة ويسرة، وتكاد تُكْسَى جميعًا بطبقة سوداء قذرة منفرة من الفحم المنبعث من دخان المصانع. وأدهشني ما رأيته من القطار المرتفع Elevator الذي يجري في خط واحد فوق الرءوس، ثم لا يفتأ ينزل إلى تحت الأرص فيصبح Subway، فكأنها جمعت بين وسيلتي النقل العظيمتين اللتين في نيويورك. والمدينة أقدم بلاد أمريكا، والذكريات التاريخية تحوطها من كل جانب، فهي مهد الثورة الأمريكية، وفيها بدأت أول شعلة لحرب استقلال أمريكا، وكانت مقرًّا لزعماء تلك الثورة.
فلقد زرنا الكنيسة القديمة التي أُقِيمَت سنة ????، والتي عُمِّدَ فيها بنيامين فرانكلن، ثم مررنا بالبيت الصغير الذي وُلِدَ فيه، وقد أبصرنا بالمكان من المزارع المحيطة بالمدينة الذي بدأت فيه أول مناوشة قاوم فيها الفلاحون الإنجليزَ بالسلاح، حين خطب زعيم الرعاع في الناس قائلًا: اثبتوا في أماكنكم ولا تطلقوا النيران حتى يعتدوا عليكم؛ فإن رغبوا في الحرب فلنبدأها في هذا المكان: Stand your ground, don’t fire unless fired upon, but if they mean to have a war, let it begin here. ثم زرنا دار البلدية القديم The Old State House الذي بُنِيَ سنة ????، والذي قام وشنطن يخطب الناس من شرفته الصغيرة ويقرأ تصريح الاستقلال والانسلاخ عن الإنجليز Declaration of Independence، وأمام تلك الشرفة وسط الميدان الصغير وُضِعَت علامة من الحجر الأبيض لتدل على مكان مذبحة بسطن التي سُفِكَت فيها أول دماء الثورة سنة ????. ثم كانت زيارتنا لمهد الحرية قاعة فايناي Faneuil Hall التي قُرِّرَت بين جدرانها عناصر الثورة وبنود الاستقلال سنة ????. ومن الكنائس القديمة كنيسة المسيح Christ Church التي عُلِّقَت فيها المصابيح سنة ???? لتنبه Paul Revere بزحف الجنود الإنجليزية. وأخيرًا اعتلينا ربوة بنكر Bunkers التي كانت مقر الموقعة الحاسمة Bunker Hill Battle بين الأمريكيين والإنجليز، ويقوم عليها نصب تذكاري لانتصار أمريكا، وهو عبارة عن مسلة شاهقة علوها ??? قدمًا ارتقيناها بنحو ??? سلمًا. ومن نوافذ الذروة بدت المدينة في منظر بديع رغم ما أحاطها من دخان وضباب. وقد بدأ بناؤها سنة ????، وتم ????، كل تلك الذكريات أحلت المدينة من نفسي مكانًا ساميًا، فهي أقدم المدن الأمريكية وأقدسها، ويعدها القوم كعبتهم يحجون إليها، ويزورون تلك الأماكن الخالدة، ويترحمون على مقابر قادتهم وأبطالهم الذي ماتوا ودُفِنُوا في رحابها دفاعًا عن استقلالهم وحماية لحريتهم. ولقد كان طريق عودتنا من الشارع الرئيسي للمدينة الذي تقع عليه أكبر المتاجر وأروع الأبنية، ويُتَوَّج باسم زعيم حركة استقلال أمريكا جورج وشنطن. ولم ندرك متحفها الشهير Agassiz Museum الذي حوى مجموعة قيمة من مختلف الزهور في أحجامها المختلفة وألوانها البديعة، وكلها من الزجاج صُنِعَ في مصانع المدينة، وليس له نظير في العالم أجمع. ولقد كان يسود جو المدينة شيئان: المظهر الصناعي الذي كان يبدو في كثرة المداخن وسواد الأبنية، ورث الثياب التي كان يرتديها غالب المارة وهم طبقة العمال، والشيء الآخر رائحة السمك التي كانت تنبعث من كل الأرجاء، وبحار بسطن تُعَدُّ من أكبر مصائد الأسماك في الدنيا؛ بفضل قربها من مياه شط نيوفوندلند نهاية دفء تيار الخليج، وكثرة الضباب الذي يجد السمك تحته غطاءً ومخبأً، وتُعَدُّ ضاحيتها التي تُسَمَّى جلوستر من أغنى بلاد الدنيا؛ لأنها أغنى المناطق هناك بصيد السمك وإعداده.
شكل ??: أشرف على نهر أتاوة من ربوة البرلمان.
وعجيب أمر هذا الضباب؛ فما كدنا ندخل الميناء ونقف بها بضع ساعات حتى عاد فخيم علينا من كل ناحية، ثم انجلى ساعة واحدة سلكنا سبيلنا فيها إلى عرض المحيط، وها نحن اليوم الخميس نشق طريقنا خلاله في بطء شديد، ولا نكاد نبصر بشيء قط، ولا تفتأ الباخرة تعلن عن مقرها بالأبواق والأجراس، ولبثنا هكذا يوم الجمعة كله حتى أخذ ينجلي تدريجًا. أما الجو فكان باردًا منعشًا، والبحر هادئًا وديعًا. واليوم السبت فقط سطعت الشمس وصفا الجو؛ لأنَّا بعدنا عن أطراف هذين التيارين.
ولقد أذكرني ذاك الضباب بفاجعة الباخرة تيتانيك التي كانت تعبر المحيط لأول مرة بعد بنائها سنة ????، وكانت تفاخر بأنها أحدث البواخر التي شقت المياه وأكبرها، وكان آلاف الركاب آمنين على أرواحهم واثقين برسوخ قدم مطيتهم على سطح الماء، وما أن أوغلت في ذاك الضباب إلى الشمال من منطقتنا هذه حتى باغتها جمد من الجليد لم تَنمَّ عنه حُجبُ الضباب الكثيفة، فحطم جانبها وغرقت. وقد أودت بحياة الألوف من المسافرين؛ لذلك لا يغامر قواد السفن اليوم في تلك المنطقة إذا أحاطهم ضبابها، ويجب أن تظل الباخرة واقفة حتى تخف وطأة تلك الظلمات.
نزل الباخرة من بسطن جمع كبير من المسافرين، وجلهم من الطليان والإغريق الذين توطنوا أمريكا، وقد حنوا إلى أوطانهم فعادوا يزورون أهلهم هناك، وبعضهم يعتزم العودة والكثير يؤثر أن يقيم في بلاده الأولى بعد أن حمل معه ما جمع من ثروة ومال، خصوصًا وأن المقام في أمريكا اليوم لا يعود عليهم بكبير فائدة؛ لأن الضائقة المالية لا تزال آخذة بمخنق الكثير في تلك الديار.
شكل ??: دار البرلمان الفاخرة في أتاوة.
وممن ركب الباخرة زهاء مائة طالب من مختلف بلاد إيطاليا استقلوا الباخرة، وقد مروا على الكثير من ثغور البحر الأبيض والبرتغال وأزورا وبسطن ونيويورك، ثم أقاموا في باخرتهم وهي ترسو هناك خمسة أيام تفقدوا فيها أنحاء المدينة تحت إشراف أستاذ إيطالي. وقد علمت لما أن حادثتهم في هذا الشأن: أن موسوليني فرض على كل باخرة أيًّا كانت وجهتها أن تعد مكانًا في أية درجة فيها لمائة طالب يسافرون معها في رحلتها ذهابًا ورجعة، مقابل نصف أجر الدرجة الثالثة تدفعه الدولة، وذلك لأنه يؤمن بفائدة الرحلات وأثرها في تربية النشء على الاستقلال، وقوة الملاحظة، والرجولة، والاعتماد على النفس.
وقد كان سلوكهم أينما ظهروا مشرفًا؛ فلم نرهم إلا في كامل حللهم يلزمون الهدوء، ويبتعدون عن المجون، ولم نلمح أستاذهم بينهم إلا نادرًا، وحتى في حفلات الرقص آخر الليل كانوا يحضرون ويشاهدون ما يقع فيها دون أن يحركوا ساكنًا. أكبرت تلك النزعة المصلحة في زعيمهم موسوليني الذي لا يدخر وسعًا في تكوين الرجال الذين ستعتمد عليهم إيطاليا في مستقبلها، وكنت أشعر بالحزن الشديد لنصيب أبنائنا من تلك التربية، وإلى متى تظل حكومتنا غافلة عن أبنائها؟ وهل يكلف وزارة المعارف مثل ذاك الأمر إلا القليل من المال؟ به يرى المصريون العالم الخارجي فتتسع مداركهم، ويرون بعيونهم كيف يغامر أبناء الأمم الأخرى طلبًا للرزق الوفير في أقصى الأرض، غير قانعين براتب ضئيل تمن عليهم به حكومتهم في وظيفة لا تلبث أن تقتل فيهم روح العمل وحب البحث، أليس ذلك أجدى على الطلبة مما يدرسون في مدارسنا، وما يحرزون من «شهادات»؟ إني لأرجو أن يلمس رؤساؤنا ما لذلك من أثر جليل في التربية، ويعدوا العدة لإنفاذه، وها نحن على أبواب عصر جديد، وقد زالت عقبة السياسة التي كانت تقف في سبيل كل تقدم، وتعترض كل محاولة للإصلاح.

العودة إلى مصر


أزورا

خرجنا إلى عرض البحر وخلفنا وراءنا منطقة الضباب الكثيف، فصفا الجو وهدأ البحر، وكانت تتعلق بمائه قطع من طفيليات الماء وأعشابه في عناقيد مشتبكة حبها صغير، وهو عشب سرجاس الذي يكثر في وسط البحر بين دورة التيارين: تيار الخليج إلى جانب أمريكا، وتيار كناريا إلى جانب أوروبا وأفريقية. وذاك البحر الأوسط الذي حمل اسم ذاك النبات «بحر سرجاس» قلما يغضب ماؤه أو يعلو موجه؛ لذلك لبثنا خمس ليالٍ وأربعة أيام كاملة نشق طرفه الشمالي في هدوء حتى وصلنا جزائر أزورا ظهر الاثنين ?? سبتمبر، فظهرت مجاميع الجزائر منثورة في امتداد كبير.
ثم دخلنا خليجًا كملته الأرصفة والحواجز الصناعية في ثغر سان ميشيل في جانب من الجزيرة الرئيسية، وكانت الأرض جبلية تعلو رباها في مخاريط متعددة لبراكين خامدة كست الخضرة القصيرة منحدراتها، وفي سفوحها السفلى أُقِيمَت المدينة بمتنزهاتها الجميلة وبيوتها الوطيئة، وكان يشرف على الميناء دير «سان ميشيل» الكبير. ولم نقف بها سوى ساعتين ونصف، وأقلنا زورق صغير إلى الشاطئ بعد أن دفعنا ريالًا ضريبة النزول إلى البر. وطافت بنا سيارة في أهم أنحاء البلدة وبعض ما أحاطها من مزارع الفاكهة والأناناس، وقد بدا على كثير من أهلها العوز؛ فكم رأينا من حفاة خَلِقي الثياب ومتسولين بائسين! على أنهم مرحون بسطاء في جملتهم، وهم من البرتغاليين؛ إذ الجزائر مستعمرة برتغالية.
لشبونة

اضطرب البحر وعلا موجه وترنحت السفينة قبل دخولنا لشبونة بيوم واحد، حتى ألزم كثيرًا من المسافرين مضاجعهم وهجروا المطعم في العشاء، ولم يشاطر منهم في رقص المساء إلا القليل. وفي باكورة الصباح أشرفنا على عاصمة بلاد البرتغال؛ دخلنا خليجًا مستطيلًا يصب في نهايته نهر التاجه، وإلى يمينه قامت لشبونة ببيوتها الوطيئة وسقوفها الحمراء تتدرج على المنحدرات، والمباني مكتظة متقاربة إلى ورائها ظهرت الربا نصف مجدبة، وقد احمرَّ أديمها من شدة الجفاف ولفح الشمس إلا في بعض نواح زرعها القوم خضرًا.
شكل ?: منظر عام لمنتريال في كندا.
نزلنا نجوب نواحيها، وظلت السيارة ثلاث ساعات وهي تشق طريقها وسط أزقة مختنقة كثرت لياتها، وصعب منحدرها، ورُصِفَت أرضها بقطع البازلت البركاني في غير نظام. والبيوت تلاصقت فيما بين ثلاثة أدوار وخمسة دون أن نرى بها فجوة أو شرفة أو فراندة، وإذا بدت بلكونة كانت عبارة عن نافذة شباك خرجت منها شبكة من درابزين متقاربة صغيرة. على أن جل واجهات البيوت كُسِيَت بالقيشاني الملون البديع، وذاك لا شك مقتبس من الأندلس وما فيها من أثر عربي. وكان الترام يجري وسط تلك الطرق الوعرة، وكلما قارب التواء وقف عامل بالإشارة ليدل الناس على اقتراب الترام لينتظروا حتى يمر.
والمتاجر جلها صغير ومبعثر أسفل البيوت في غير نظام، على أن بالمدينة عددًا من الميادين لا بأس باتساعها، تقوم وسطها تماثيل العظماء من ملوك وكاشفين، ومن أظهرهم تمثال فاسكو دجاما يشير بيده إلى البحر، وإلى ورائه كنيسة كبيرة زرنا فيها مدفنه إلى جوار بعض العظماء والأمراء. وهناك عدد كبير من الكنائس الهائلة، وقد راقني منها بناء الكتدرائية «سان جيروم» في هندستها القوطية، وأعمدة الداخل شاهقة العلو، وتحكي مآذن المساجد تمامًا، ثم كنيسة سانت أنطونيو أُقِيمَت حول المكان الذي ولد فيه، وإن كان مثواه اليوم روما، والناس يقدسونه إلى درجة العبادة، فالمقام غاصٌّ بالرُّكَّع السُّجود، تنهال الهبات من كل جانب، وتبدو الشعوذة داخله بشكل فاق ما نراه في أضرحة البلاد الشرقية.
وكان يروقنا طوال الطريق نداء المتجولين والمتجولات من بائعي السمك والخضر والفاكهة يحملون السلال على رءوسهم ويصيحون ترويجًا لسلعهم، وقد بدا على هندامهم العوز الشديد. أما المتسولون وشريدو الشوارع من الأطفال ففي كثرة هائلة، وجلهم حفاة قذرو الثياب، ولا تلبث تسمعهم يطلبون إليك سنتيمًا one cent وأيديهم ممدودة في تواضع شديد إذا قُورِنُوا بمتسولي أمريكا الذين يطلبون a quarter، أي خمسة وعشرين مليمًا؛ خمسة قروش، ولا يقنعون بدونها. وكان قد تخلف معي من النقود الأمريكية زهاء عشرين سنتيمًا بدرتها عليهم، فكادوا يطيرون فرحًا مع أن السنتيم بمليمين. ثم علت بنا السيارة تدريجيًّا حتى أشرفنا على منظر البلدة كلها وهي تتدرج ببيوتها المتلاصقة إلى البحر في مشهد بديع، وهناك زرنا حديقة للنباتات كُسِيَت سقوفها بشرائح الغاب تتخلله بعض أشعة الشمس، وبه مجموعة من النبات قيمة جدًّا.
شكل ?: كنيسة نوتردام في منتريال.
ولقد دخلنا متحف للعربات القديمة حوى مجموعة من عربات الخيل لبعض الملوك والبابوات، أذكر من بينهم البابا كلمنت الحادي عشر، وفيليب الثاني ملك إسبانيا الذي مَلَك البرتغال يومًا. والعربات مقعرة مستطيلة بُولِغ في تذهيبها وفرشها بالقطيفة والحرائر، وتزيينها بالقصب البديع، وإلى جوارها بعض السروج الذهبية والفضية وكثير من الأسلحة.
وفي ناحية هناك دخلنا مدفن الملوك في شكل «بانتيون» باريس، لكنه في حجم أصغر ومظهر أقل فخامة. وتقع دور الوزارات حول ميدان فسيح جدًّا عُنِيَ برصفه، على أن المباني نفسها قديمة وليست جذابة، والبوليس منتشر في جميع الطرق على مسافات متقاربة حتى خُيِّلَ إليَّ أنهم يخشون صدى ثورة جارتهم إسبانيا.
والبوليس هناك دقيق قاسٍ حتى إن سائقنا التفت يساره وخالف إشارته له مخالفةً بسيطة غير متعمدة، فأوقفه وسحب منه الرُّخصة وسلَّمه قسيمة المخالفة، وحاول الرجل استعطافه فأبى وقال: أتريد أن تُرِيَ السائحين الأجانب أننا لا نحترم القانون؟
شكل ?: الشعوذة الدينية منتشرة في كندا الفرنسية.
وقد راقني من بعض الطرق المتسعة على قلتها رصف الإطارين بالوَدع المُلوَّن في هندسة شرقية عربية. ومظهر البلد بدا قديمًا شبه أثري أذكرني بأزقة روما، والناس بدوا في بساطة الهندام، وشتان بينهم وبين وجاهة الأمريكيين، وحتى المعروضات في المتاجر كانت من المواد الرخيصة، والأقمشة كلها من الشيت الملون والباتستة وما إلى ذلك مما قل ثمنه، وكثير من النساء يحملن شيلانًا ثقيلة على أكتافهن رغم الجو الحار. وقد كانت الشمس شديدة الحرارة من أثر المنحدرات المجدبة التي تحيط بالمدينة، وما كدنا نخرج إلى البحر حتى رق النسيم وهبطت الحرارة هبوطًا عظيمًا مفاجئًا أيد في جلاءٍ ما للبحر من أثر في مناخ الإقليم.
أما سحن الناس فقد اسمرَّت جميعًا وكثرت العيون السوداء، على أن نسبة الجمال أقل منها في أمريكا وفي الأندلس، فقلما كنت أبصر بوجه جميل يسترعي النظر، وبدا النساء في شيء كبير من الحشمة والوقار في السلوك والهندام والحديث، على عكس فتيات الدنيا الجديدة اللاتي قد انتقصن من جمالهن كثيرًا بما يبدين من إباحة وطيش.
شكل ?: مباني كوبك تذكرنا بالعصور الوسطى.
وهم يحاولون استغلال الغريب ما استطاعوا، فمثلًا استبدلت ريالين من النقود الأمريكية فسلمني الصراف ?? اسكودو، ولما رجعت لم تكن بي حاجة إليها، فعدت أردها إليه ليعيد إليَّ النقود الأمريكية، فسلمني ريالًا و?? سنتيمًا، أي أني خسرت ستة قروش في تلك الصفقة، وذلك طبيعي في بلد فقير يحاول أهله أن يحصلوا على المال من أي طريق. والاسكودو يعادل قرشًا صاغًا تقريبًا، وهو أساس النقد البرتغالي، وينقسم إلى مائة سنتافو، أي أن السنتافو عُشر المليم.
جبل طارق

قمنا مبكرين في السادسة من صباح الخميس ?? سبتمبر لنشهد سير السفينة بين شواطئ القارتين؛ أوروبا إلى يسارنا وأفريقية إلى يميننا، ونحن نجتاز جبل طارق، وقد ظهرت الربى الجيرية الشاهقة على كلا الجانبين يغشاهما شبه دخان قاتم من السحاب، وبخاصة صخرة جبل طارق التي ظهرت كالأسد الرابض يمتد ذراعاه في انحدار متدرج، ويلتوي الطرف كأنه المخلب العظيم، وكان جانبه الأيمن المواجه للمحيط مدرج الانحدار، وعليه قامت أبنية المدينة بعضها فوق بعض. أما جانبه الأيسر المواجه للبحر الأبيض فظهر زلقًا وعر المنحدر عري صخره عن كل شيء.
أقلنا زورق صغير إلى البر، فسرنا على أرصفة الميناء بالغة الطول، ثم دخلنا بوابات الأسوار والطوابي التي تحيط بالبلدة إلى الشارع الرئيسي مكتظ المباني قليل الاتساع، ومنه تتشعب الأزقة التي لا تكاد تتسع لشخصين متجاورين تعلو بنا درجات إلى ذرى الصخرة، حيث تُقَام الحصون العاتية والمدافع بعيدة المرمى. هنا أشرفنا على البوغاز كله تتدرج المباني الصغيرة على جانبيه وتنتثر أحواض الميناء بالبواخر الحربية.
أما الناس هناك فخليط عجيب من سحن متباينة، وأزياء مختلفة، ولغات عدة، على أن الإسبانية هي الغالبة، وقد ظهر عليهم الضنك ورقة الحال، فجلهم في أسمال خَلِقة، وأجسام هازلة، ووجوه مصفرة، ولا يكادون يرتزقون إلا من وراء ما ينفقه السائحون وهم قليلون، وفي أحد الميادين رأينا عددًا كبيرًا من الإسبان اللاجئين إلى هذا البلد فرارًا من الثورة في إسبانيا، وكانوا في حال يُرْثَى لها، ولقد ركب السفينة عدد كبير من الراهبات الهاربات من إسبانيا، والحكومة الحاضرة تضطهد رجال الدين وتطاردهم.
شكل ?: ميدان أبراهام الذي هزم فيه الإنجليز فرنسا في كوبك.
ولقد أمر موسوليني أن تنقلهم السفن الإيطالية مجانًا إلى إيطاليا. والثائرون من الاشتراكيين الفاشستيين لم يطيقوا حكم الشيوعيين وسوء معاملتهم لرجال الدين، وكنا نتوقع سماع بعض طلقات المدافع الإسبانية لأن القوم هناك يسمعونها كل يوم. وكثير من نساء جبل طارق يلبسن فوق الرأس طرحة سوداء تكاد تشبه الحجاب الشرقي، ولقد دخلت إحدى كنائسهم فكانت حاشدة بهن رُكَّعًا يقرأن أدعيتهن. ويظهر أن القوم متدينون إلى حد كبير، ولا يزال للعهد العربي الإسلامي هناك بقية في قلعة عالية فوق مباني المدينة، وقد تهدمت أركانها وتصدعت جوانبها، ويسمونها Moorish Castle. طفنا بالبلدة ساعتين ثم عدنا في عربة يجرها حصان هزيل، وتلك العربات هي المطية الرئيسية هناك، وقامت بنا الباخرة توغل في البحر الأبيض، وقد ودَّعت جبل طارق للمرة الثانية وفي القلب حسرة وفي النفس أسًى لانصرام العهد العربي في تلك البلاد. كانت حفلة هذا المساء حاشدة على ظهر الباخرة، فلقد أُجْرِيَ عقب العشاء مباشرة سباق الخيل — وهو ضرب من المقامرة كلف به القوم جميعًا — ثم أعقبه شريط سينمائي بديع، ثم تقدمت فرقة من هواة المتطوعات عازفات على القيثار والبانجو والمزمار وهن يغنين أدوارًا لم تَرُقني كثيرًا؛ إذ لم تطابق أصواتهن أوتار تلك الآلات، ثم أعقب ذلك الرقص إلى ساعة متأخرة من الليل. وعجيب أمر أولئك المتطوعات، فهن يسافرن إلى البلاد الشرقية، ومصر من بينها؛ ليقفوا عند مفارق الطرق يعزفن ويغنين، ومتى التف حولهم جمع من الناس بدأن التبشير الديني مُحاولاتٍ ردَّ الناس عن دينهم إلى الدين المسيحي.
والمدهش أنهن مخلصات لمهمتهن هذه، وكُنَّ يُكلمننا وكلهن يقين بنجاحهن في ذاك العمل حتى خُيِّلَ إليَّ وهن يتكلمن في حماسة نادرة أنهن سيحولنَّ البلاد جميعًا إلى دينهن! غير أني رجعت فرثيت لحالهن ولسذاجة عقولهن، وإلى متى يظل العالم أسير تلك الشعوذة الباطلة؟ وهَلَّا وَجَّه أولئك مجهودهن إلى عمل إنتاجي نحن إليه أحوج، وبه أجدر؟!
مدينة الجزائر

كنا على أبواب مدينة الجزائر صباح يوم الجمعة فظهرت مدرجة فوق الربى ممتدة في طول هائل، ولقد حللتُها للمرة الثانية، وطافت بنا سيارةٌ أرجاء المدينة فأخذنا نصعد تدريجًا حتى بلغنا الذرى وأشرفنا على منظر ساحر للمدينة. وبيوتها البيضاء مدرجة إلى البحر، وأرصفة الميناء ضمت مختلف السفن، وأمَّنتها حواجز الأمواج التي أقامتها يد الإنسان ولا تزال توسع نطاقها كي تصبح الميناء ذات شأن تجاري كبير بموقعها المتوسط في البحر الأبيض. هنا أبصرنا بالوطنيين من المسلمين يمتزجون مع الفرنسيين في ائتلاف عجيب لا فرق بين غني وفقير، وكثير من الوطنيين يلبسون الطرابيش السميكة الوطنية.
ولما أن دخلنا إلى الحي الوطني الصرف حول القصبة القديمة كانت الشوارع أزقة مختنقة لا تتسع لأكثر من شخصين، وتكاد شرفات البيوت العتيقة تتساند على بعضها، ولا يكاد يدرك أرضها شعاع من الشمس؛ لذلك كانت رائحتها تشع وخمًا حتى لم نطق صبرًا على البقاء فيها طويلًا، وهي أحياء قذرة جدًّا. والعجيب أن بعض الفرنسيين يقطنون تلك الأزقة مع الوطنيين ويشاطرونهم معيشتهم البائسة الفقيرة. وقلما كنا نسمع العربية، وإن نطق بها أحدهم كانت شوهاء محرفة منفرة، ويستسيغون الفرنسية عنها.
وقد مررنا بعدد لا يُحْصَى من المقاهي البلدي يجلس عليها الجماهير في كسل كأنهم الذباب في شكلهم القذر وملابسهم المنتنة، وكثير منهم شوهته الأمراض، ولقد هال ذاك رفقائي من الأمريكيين الذين وفدوا إلى الشرق لأول مرة وقد ألفوا الحياة الأمريكية وعناية الدولة هناك بأحياء الفقراء، فقال أحدهم: أليس من العار على فرنسا أن تترك تلك الأحياء هكذا؟! وكيف تسمح بعرض المأكولات تعبث بها الأيدي ويعف عليها الذباب إلى هذا الحد المنفر؟! وهَلَّا ساقوا هؤلاء المرضى إلى المستشفيات رأفة بحالهم وحفظًا للناس من وبائهم؟ وفي الحق أني كنت أشعر بشيء كبير من الخجل لأني شرقي تربطني بتلك البلاد صلة الجوار والدين، ولقد سألني أحدهم قائلًا: لا إخالني سأرى شيئًا من هذا في مصر عند زيارتي لها في مارس المقبل؟ فسكتُّ عن الجواب، وقلت في نفسي: عسى أن تكون حكومتنا الجديدة قد عُنِيتْ بأحياء الفقراء، وبرقابة المطاعم، والضرب على أيدي المرتزقة من المتسولين والمشعوذين، وما ذلك عليها بعسير.
شكل ?: تمثال الحرية في مدخل نيويورك.
ولقد طغى ذاك الحي الوطني بقذارته فخلف أسوأ الذكرى في أذهان جل ركاب السفينة، حتى إني كلما سألت أحدهم: كيف رأيت مدينة الجزائر كان الجواب: Terrible & awful لم أر أشنع منها، فكنت أقول: ولكنكم نسيتم جمال الأحياء الأخرى وهي تفوق ثلثي المدينة، فكانوا ينكرون علي ذلك ويقولون بأنهم لم يلمسوا بها جمالًا. وذلك يُظهِر لنا مبلغ أثر تلك الهنات في نظر الأجنبي، ولذلك فهو إذا تحدث عن الإقليم لم يجد غير الاستنكار شيئًا. بالرمو

أبحرت بنا السفينة والجو حار والبخار كثيف، وفي الرابعة بعد ظهر السبت بدت جبال جزيرة صقلية الشمالية شاهقة غير مجدبة، وفي أسفلها مجموعة من قرى صغيرة، ثم التوت بنا في خليج فسيح تقوم عليه مدينة بالرمو عاصمة الجزيرة. ولقد مُدَّت حواجز الأمواج الصناعية وأمَّنت مكانًا متسعًا من غوائل البحر جعل المرفأ عظيمًا، ولا يزال الإنشاء فيه قائمًا على ساق وقدم، شأن موسوليني الذي يريد أن يُنْشِئَ بلاده من جديد. نزلنا البر فالتف بنا جمع لا يُحْصَى من الباعة والحوذية والمتسولين يلحفون جميعًا، هذا يحاول إكراهنا على ركوب عربته أو سيارته، وذاك يضع بضاعته في جيوبنا لندفع له ثمنها، والثالث يطلب عونًا وصدقة.
شكل ?: القطار المعلق في نيويورك.
وكانت الطرق المجانبة للميناء قذرة جدًّا، وأهلها حفاة قذرون، والمأكولات تُعْرَض في شكل منفر تعبث بها الأيدي والأعين، ولما أن أوغلنا في قلب المدينة ظهرت قيمتها التاريخية في أبنيتها الفاخرة الضخمة، أذكر من بينها الكتدرائية وقصر الملك والأوبرا وكثير غيرها في هندسة القرون الوسطى يزينها بعض الشيء الأثر العربي الأندلسي، ولقد كانت مقر ملك صقلية من بين الدويلات الصليبية، وبها مجموعة فاخرة من كنائس لا حصر لها. ولا تكاد تمر بميدان أو منعطف إلا وتجد صليبًا أُقِيمَت أمامه الشِّبَاك وعُلِّقَت المصابيح، ويركع المارة أمامه ويقبلون الأعتاب.
شكل ?: في ناحية من نيويورك.
ومن الأزقة ما يشع وخمًا وعفونة لم نكد نطيقها، وهي مكتظة بالأهلين لدرجة أن البيت كان غرفة واحدة كأنها الحانوت يكدس الساكنون فيه كل متاعهم، وفي الوسط سرير النوم، وقد يكون صاحبه تاجر بعض الشراب أو الطعام يعرض على منضدة أمامه، وقد يكون صانع أحذية كنا نراه جالسًا والحذاء على فخذيه يعمل فيه بمخرازه وخيطه في كد ونصب. وبالمدينة عدد كبير من الميادين الفسيحة تتوسطها النافورات والتماثيل على نمط ما رأيناه في روما، إلى ذلك متنزهات متفرقة، لكنها صغيرة المساحة وتفتقر إلى التنسيق والتشذيب، ومظهر الفقر والحاجة هو السائد على البلدة وأهلها، ولقد سألني صبي عونًا فقدمت إليه عشرين سنتيمًا، أي ? مليم، فكاد يطير فرحًا، وأخذ يرفع يديه إلى رأسه يحييني حتى غاب عن نظري، على أنهم على جانب كبير من الظُّرف وحب المعاشرة، وهم أميل إلى الشرقيين والمصريين في الشكل، وفي كثير من العادات وعدم التكلف.
شكل ?: أكبر ناطحات السحاب في العالم.
نابُلي

قمنا في المساء إلى نابلي التي بدت طلائعها قبيل شروق الشمس وقد تجلى فيزوف مشرفًا عليها ينشر حجره في انحدار مدرج إلى البحر، وتقوم عليه أبنية المدينة، ولقد هالنا ما حل بالميناء من التجديد والتغيير، فلقد أقامها موسوليني من جديد في مظهر رائع جميل. ولما أن جُبت بعض أرجاء البلدة بدا كثير من أحيائها وشوارعها غير ما كان يوم أن زرتها في رحلاتي السابقة. وفي الحق أن الجهود التي يبذلها زعيم إيطاليا اليوم في رفع شأنها لتُكْسِبُهُ فخارًا وإجلالًا في نظر العالم أجمع، رغم ما نعلمه من موارد البلاد المحدودة التي لا تحتمل ذاك الإنفاق على شئون العمران والتوسع الاقتصادي والحربي، لكن صدق الوطنية والعمل الخالص لصالح البلد وأهله هو الذي يأتي بالمعجزات.
طفقت أبحث عن بواخرنا المصرية عسى أن أجد لي بها مكانًا، وقد آثرت وأنا في نيويورك ألا أبتاع تذكرتي إلى الإسكندرية من شركة أجنبية، لكنني أسفت لما علمت أن بواخرنا لا ترسو على نابلي، عندئذ قصدت إلى الشركة الإيطالية فلم أجِدْ بالباخرة فكتوريا ولا التي تليها بعد أسبوع متسعًا في أية درجة من درجاتها، وبعد الجهد الشديد قبلوا أن أدفع ثمن تذكرة الدرجة الثانية وأسافر بشرط ألا أطالبهم بفراش أنام فيه، وطفقت ثلاث ليالٍ كاملة أقضي ليلي على مقاعد الصالون، حتى تجلت أرض الوطن العزيز في باكورة الصباح فقرت بها عيني بعد أن غابت عني مائة يوم وعشرة.