Advertisement

تخليص-الإبريز-في-تلخيص-باريز

تخليص الإبريز في تلخيص باريز
تأليف
رفاعة رافع الطهطاوي

بسم الله الرحمن الرحيم
سبحان من سيَّر أقدام الأنام إلى ما مضى في سابقُ علمه، ويسر للإنسان الأقدام على محتم قضائه حكمُه، فلا محيص لقوي وضعيف، وشريف، عما جرى في أم الكتاب، ولا مفر لغني وفقير، وخطير وحقير، عن الاقتراب إلى مطوي ذلك الحجاب.
أحمده — سبحانه وتعالى — حمْد من أبلاه فصبر، وأغناه فشكر، وأشكره شكر من توجه بجنانه للسير إلى مرضاته، فتنزه في رياض القبول وجناته، وأصلي وأسلم على من سارت ركائب شوقه إلى مدبره، وأشارت مواكب حسن خلقه إلى طيب عنصره: سيدنا محمد الذي سافر إلى الشام، وهاجر إلى المدينة، وسار من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وكان جبريل أمينه، وعلى آله وأصحابه، وعترته وأحبابه.
أما بعد: فيقول العبد الفقير إلى أمداد سيده ومولاه، السائر حيث وجهه وولاه، المعتمد على الكريم النافع، رفاعة ابن المرحوم السيد بدوي رافع الطهطاوي بلدًا، الحُسيني القاسمي نسبًا، الشافعي مذهبًا: لما منّ الله — سبحانه وتعالى — عليَّ بطلب العلم بالجامع الأزهر والمحل الأنور، الذي هو جنة علم دانية الثمار، وروضة فهم يانعة الأزهار، كما قال أستاذنا العلامة العطار:
لازم إذا رمت الفضائل مسجدًابشموش أنوار العلوم تنورا
فيه رياض العلم أينع زهرهافلذلك المعنى تسمى «الأزهرا»
وقال بعضهم — وأحبِسنَّ — بيتين، معرضًا بعلماء الحرمين:
ومن يغترب عن «أزهر» العلم فليَنُحعلى بعد دار العلم والعلماء
ففيه بحور طاميات، وغيرهبحور عروض لا تجود بماء?
وحصلت ما يسر به على الفتاح مما يخرج به الإنسان من الظلام، ويمتاز به عن مرتبة العوام، وكنت من معشر أشراف جارت عليهم الأيام، بعد أن أجرت غيثها في ديارهم، وأشارت إلى نصبهم? الأعوام، بعد أن صبت أعلام راحتها في مزارهم. ومن المركوز في الأسماع في القديم والحديث، وعليه الإجماع بعد الكتاب والحديث — أن خيرَ الأمور العلم، وأنه أهمُّ كل مهم، وأن ثمرته في الدنيا والآخرة، صاحبه تعود، وأن فضله في كل زمان ومكان مشهود، سهل لي الدخول في خدمة صاحب السعادة أولاً في وظيفة واعظ في العساكر الجهادية، ثم منها إلى رتبة مبعوث إلى باريس صحبة الأفندية المبعوثين؛ لتعلم العلوم والفنون الموجودة بهذه المدينة البهيَّة، فلما رسم اسمي في جملة المسافرين، وعزمت على التوجه أشار علي بعض الأقارب والمحبين، لا سيما شيخنا العطار.? فإنه مولع بسماع عجائب الأخبار، والاطلاع على غرائب (ص ?، ?) الآثار، أن أنبه على ما يقع في هذه السفرة، وعلى ما أراه وما أصادفه من الأمور الغريبة، والأشياء العجيبة، وأن أقيده ليكون نافعًا في كشف القناع عن محيا هذه البقاع، التي يقال فيها: إنها عرائس الأقطار، وليبقى دليلاً يهتدي به إلى السفر إليها طلاب الأسفار، خصوصًا وأنه من أول الزمن إلى الآن لم يظهر باللغة العربية — على حسب ظني — شيء في تاريخ مدينة باريس، كرسي مملكة الفرنسيس. ولا في تعريف أحوالها وأحوال أهلها؛ فالحمد لله الذي جعل ذلك بأنفاس ولي النعمة وفي عهده، وبسبب عنايته وتقويته للعلوم والفنون، فما قصرت في أن قيدت في سفري رحلة صغيرة، نزعتها عن خلل التساهل والتحامل، وبرأتها عن زلل التكاسل والتفاضل، ووشحتها بعض استطرادات نافعة، واستظهارات ساطعة، وأنطقتها بحث ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرانية والفنون والصنائع، فإن كمال ذلك ببلاد الإفرنج أمر ثابت شائع، والحق أحق أن يتبع، ولعمر الله إنني، مدة إقامتي بهذه البلاد، في حسرة على تمتعها بذلك وخلو ممالك الإسلام منه، وإيَّاك أن تجد ما أذكره لك خارجًا? عن عادتك، فيعسر عليك تصديقه، فتظنه من باب الهذر والخرافات، أو من حيز الإفراط والمبالغات، وبالجملة فبعض الظن إثم، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب:
وإذا كنت بالمدارك غراثم أبصرت مدركًا لا تمار?
وإذا لم تر الهلال فسلملأناس رأوه بالأبصار
وقد أشهدت الله — سبحانه وتعالى — على ألا أحيد في جميع ما أقوله عن طريق الحق، وأن أفشي ما سمح به خاطري من الحكم باستحسان بعض أمور هذه البلاد وعوائدها، على حسب ما يقتضيه الحال، ومن المعلوم أنني لا أستحسن إلا ما لم يخالف نص الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة وأشرف التحية.
وليست هذه الرحلة مقتصرة على ذكر السفر ووقائه، بل هي مشتملة أيضًا على ثمرته وغرضه، وفيها إيجاز العلوم والصنائع المطلوبة، والتكلم عليها، وعلى? طريق تدوين الإفرنج لها، واعتقادهم فيها، وتأسيسهم لها؛ ولذلك نسبت في غالب الأوقات (ص ?) الأشياء التي هي محل للنظر أو للاختلاف، مشيرًا إلى أن قصدي مجرد حكايتها.
وقد سميت هذه الرحلة: «تخليص الإبريز،? في تلخيص باريز»، أو «الديوان النفيس، بإيوان? باريس».
وقد رتبتها على مقدمة، وفيها عدة أبواب، وعلى مقصد، وفيه عدة مقالات، وكل مقالة فيها عدة فصول، أو كتب مشتملة على فصول، وعلى خاتمة، راجع الفهرست في أول الكتاب.
وقد حاولت في تأليف هذا الكتاب سلوك طريق الإيجاز، وارتكاب السهولة في التعبير؛ حتى يمكن لكل الناس الورود على حياضه، والوفود على رياضه، ولو صغر حجمه، وقل جرمه، فهو مشحون بما لا يحصى، من فوائد الفرائد، وبما لا يستقصى، من جزائل الخراد. (شعر):
فإذا بدا لا تستقلوا حجمهوحياتكم، فيه الكثير الطيب
وأسأل الله — سبحانه وتعالى — أن يجعل هذا الكتاب مقبولاً، (لدى الخاص والعام) وأن يوقظ به من نوم الغفلة سائر أمم الإسلام من عرب وعجم. إنه سميع مجيب، قاصده لا يخيب.

? في العروض تورية؛ فالعروض ميزان الشعر، واسم لمكة والمدينة.
? النصَب: التعب.
? هو الشيخ العطار، ولد بالقاهرة سنة ????هـ (????م) وتتلمذ على أكابر علماء عصره، وتولى مشيخة الأزهر سنة ????هـ، وظل في منصبه إلى أن توفي سنة ????هـ (????).
? في المطبوعة: خارقًا.
? في المطبوعة، لا تماري.
? في المطبوعة: على بدون واو.
? ذهب إبريز: أي خالص.
? الإيواء: المكان المتسع من البيت، يحيط به ثلاث حوائط.
المقدمة
الباب الأول
في ذكر ما يظهر لي من سبب ارتجالنا إلى هذه البلاد، التي هي ديار كفر وعناد، وبعيدة عنا غاية الابتعاد، وكثيرة المصاريف؛ لشدة غلو الأسعار فيها غاية الاشتداد.
أقول: إن هذا يحتاج إلى تمهيد، وهو أن الأصل في الإنسان الساذجية، والخلوص عن الزينة، والوجود على أصل الفطرة، لا يعرف إلا الأمور الوجدانية، ثم طرأ على بعض الناس عدةُ معارف لم يسبق بها، وإنما كشفت له بالصدفة والاتفاق، أو بالإلهام والإيحاء. وحكم الشرع أو العقل بنفعها، فاتبعت وأبقيت.
مثلاً: كان في أوائل الزمن، يجهل بعض الناس تنضيج المطعومات بالنيران؛ لجهل النار بالكلية عندهم، ويقتصرون على الغذاء بالفواكه أو بالأشياء المنضجة بالشمس، أو أكل الأشياء النيئة، كما هو باق في بعض البلاد المتوحشة إلى الآن، ثم حصل اتفاقًا أن بعضهم رأى خروج شرارة نار من الصوان، بمصادمة حديدة أو نحوها، ففعل مثل ذلك، وقدم وأخرج النار وعرف خاصيتها، وكان (ص ?) في الناس من يجهل الصبغ والتلوين للثياب باللون الأرجواني مثلاً، فرأى بعضهم كلبًا أخذ محارة من البحر، وفتحها وأكل ما فيها، فاحمر حنكه، وتلون بما فيها، فأخذوها، وعرفوا منها صناعة الصباغة بهذا اللون، كما يحكى ذلك عن أهالي «صور» ببر الشام.
وكانت الناس في أول الأمر تجهل ركوب البحر، ثم بإلهام إلهي، أو باتفاق بشري، عرفوا أن من خواص الخشب السبح على وجه الماء، فصنعوا السفينة، ثم تبحروا في السفن، وعمروها، ونوعوها أنواعًا، فكانت أولاً صغيرة للتجارات، ثم ترفعوا فيها، حتى صلحت للجهاد والحرب، وقس على ذلك ما أشبهه، من المحاربة بالسهام والرماح أولاً، ثم بعد ذلك بالسلاح، ثم بالمدافع والأهوان.
وقد كانت الناس في أول الزمن تعبد الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، ثم بإلهام الله تعالى، وبإرساله الرسل صاروا يعبدون? إلهًا واحدًا، فكلما تقادم الزمن في الصعود، رأيت تأخر الناس في الصنايع? البشرية والعلوم المدنية، وكلما نزلت، ونظرت إلى الزمن في الهبوط رأيت في الغالب ترقيهم وتقدمهم في ذلك، وبهذا الترقي، وقياس درجاته، وحساب البُعد عن الحالة الأصلية، والقرب منها، انقسم سائر الخلق إلى عدة مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبة الهمل المتوحشين.
المرتبة الثانية: مرتبة البرابرة الخشنيين.
المرتبة الثالثة: مرتبة أهل الأدب والظرافة، والتحضر والتمدن، والتمصر المتطرفين.
مثال المرتبة الأولى: همل بلاد [المتوحشين] الذين هم دائمًا كالبهائم السارحة، لا يعرفون الحلال من الحرام، ولا يقرءون، ولا يكتبون، ولا يعرفون شيئًا عن الأمور المسهلة للمعاش، أو النافعة للمعاد، وإنما تبعثهم الوجدانية على قضاء شهواتهم كالبهائم، فيزرعون بعض شيء، أو يصيدونه، لتحصيل قوتهم، ويخصون بعض أخصاص أو خيام، للتوقي من حر الشمس ونحوه.
ومثال المرتبة الثانية: عرب البادية، فإن عندهم نوعًا من الاجتماع الإنساني، والاستئناس، والائتلاف، معرفتهم الحلال من الحرام، والقراءة والكتابة وغيرها، وأمور الدين، ونحو ذلك غير أنهم أيضًا لم تكمل عندهم درجة الترقي في أمور المعاش، والعمران، والصنائع البشرية، والعلوم العقلية والنقلية، وإن عرفوا البناء، والفلاحة، وتربية البهائم، ونحو ذلك.
ومثال المرتبة (ص ?) الثالثة: بلاد مصر، والشام، واليمن، والروم، والعجم، والإفرنج والمغرب، وسنار، وبلاد إفريقية? على أكثرها، وكثير من جزائر البحر المحيط، فإن جميع هؤلاء الأمم أرباب عمران وسياسات، وعلوم وصناعات، وشرائع وتجارات، ولهم معارف كاملة في آلات الصنائع، والحيل على حمل الأشياء الثقيلة بأخف الطرق ولهم علم بالسفر في البحور، إلى غير ذلك.
وهذه المرتبة الثالثة تتفاوت في علومها وفنونها، وحسن حالها، وتقليد شريعة من الشرائع، وتقدمها في النجابة والبراعة في الصنائع المعاشية.
مثلاً: البلاد الإفرنجية قد بلغت أقصى مراتب البراعة في العلوم الرياضية، والطبيعة، وما وراء الطبيعة أصولها وفروعها، ولبعضهم نوع مشاركة في بعض العلوم العربية، وتوصلوا إلى فهم دقائقها وأسرارها، كما سنذكره، غير أنهم لم يهتدوا إلى الطريق المستقيم، ولم يسلُكوا سبيل النجاة، ولم يرشدوا إلى الدين الحق، ومنهج الصدق.
كما أن البلاد الإسلامية قد برعت في العلوم الشرعية والعمل بها، وفي العلوم العقلية، وأهملت العلوم الحكمية بجملتها، فلذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه، وجلب ما تجهل صنعه؛ ولهذا حكم الفرنج بأن علماء الإسلام إنما يعرفون شريعتهم ولسانهم، يعني ما يتعلق باللغة العربية، ولكن يعترفون لنا بأنا كنا أساتيذهم في سائر العلوم، وبقِدَمنا? عليهم.
ومن المقرر في الأذهان، وفي خارج الأعيان أن الفضل للمتقدم، أو ليس أن المتأخر يغترف من فضالته،? ويهتدي بدلالته، وما أحسن قول الشاعر:
ومما شجاني أنني كنت نائمًاأعلل من فرط الكرى بالتنسم
إلى أن بكت ورقاء في غصن أيكــة تردد مبكاها بحسن الترنم
فلو قبل مبكاها بكيت صبابةبسعدي شفيت النفس قبل التندم
ولكن بكت قبلي، فهيج لي البكابكاها، فقلت الفضل للمتقدم
ويعجبني أيضًا قولهم في هذا المعنى عند المكافأة:
أنا الشجاع الذي قد كنت في ظمأوسط الهجير على الرمضاء في الوادي
فجدتُ بالماء، فضلاً منك مبتدئًابغير قل، فأشفي غُلة الصادي
هذا جزاؤك منا، لا نمن بهفضلاً بفضل، وكان الفضل للبادي
(ص ?، ?) فإننا كنا في زمن الخلفاء العباسيين أكمل سائر البلاد، تمدنا، ورفاهية، وتربية زاهرة زاهية، وسبب ذلك أن الخلفاء كانوا يعينون العلماء وأرباب الفنون وغيرهم، على أن منهم من كان يشتغل بها بنفسه، فانظر إلى المأمون بن هارون الرشيد، فإنه زيادة عن إعانة ميقاتية? دولته كان يشتغل بنفسه بعلم الفلك، وهو الذي قد حرر ميل دائرة فلك البروج على دائرة الاستواء، فوجده بالامتحان ثلاثًا وعشرين درجة، وخمسة وثلاثين دقيقة، وغير ذلك.
وقد أعان «جعفر المتوكل» من العباسية «اصطفان»? على ترجمة الكتب اليونانية؛ ككتاب «ذيسقوريدس» في الأدوية.
وكذلك الملك «عبد الرحمن الناصر» صاحب الأندلس، فإنه طلب من ملك «قسطنطينية» المسمى «أرمانيوس» أن يبعث إليه رجلاً يتكلم باللسان اليوناني واللاطيني ليعلم له عبيدًا يكونون مترجمين عنده، فبعث له راهبًا يسمى: «نقولا» على غير ذلك.
فمن هنا تفهم أن العلوم لا تنتشر في عصر إلا بإعانة صاحب الدولة لأهله، وفي الأمثال الحكمية: «الناس على دين ملوكهم».
وقد تشتت عز الخلفاء، وانهدم ملكهم، فانظر إلى الأندلس، فإنها بأيدي النصارى الأسبانيول، من نحو ثلاثمائة وخمسين سنة.
وقد قويت شوكة الإفرنج ببراعتهم، وتدبيرهم، بل وعدلهم ومعرفتهم في الحروب، وتنوعهم واختراعهم فيها، ولولا أن الإسلام منصور بقدرة الله — سبحانه وتعالى — لكان كلاشيء، بالنسبة لقوتهم وسوادِهم، وثروتهم، وبراعتهم وغير ذلك. ومن المثل المشهورة: «إن أعقل الحكام أبصرَهم بعواقب الأمور».
ولهذا تنبه (المتولي) على بلاد مصر — القاهرة — أن يرجع إليها شبابها القديم، ويحيي رونقها الرميم، فمن مبدأ توليته وهو يعالج في مداواة دائه، الذي لولاه كان عضالاً، ويصلح فسادها الذي قد كاد يكون زواله محالاً، ويلتجئ إليه أربا لفنون البارعة، والصنائع النافعة، من الإفرنج، ويغدِق عليهم فائض نعمته، حتى إن العامة بمصر، وبغيرها، من جهلهم يلومونه في أنفسهم غاية اللوم؛ بسبب قبوله? الإفرنج، وترحيبه بهم، وإنعامه عليهم، جهلاً منهم بأنه إنما يفعل ذلك لإنسانيتهم وعلومهم، لا لكونهم نصارى؛ فالحاجة دعت إليه، ولله در من قال:
إن المعلم والطبيب كلاهمالم يبذلا نصحًا إذا لم يُكرما?
فاصبر لدائك إن جفوت طبيبهواصبر لجهلك إن جفوت معلما
ولا يتأتى لإنسان أن ينكر أن الفنون والصنائع الغربية بمصر قد برعت الآن، بل وقد أجدت بعد أن لم تكن، ويرجى بلوغُها درجة كمال وفوقان، فما أنفقه (الوالي) على ذلك كان في محله اتفاقًا، فانظر إلى «الورش» والمعامل والمدارس ونحوها، وانظر إلى ترتيب أمر العساكر الجهادية من «ألايات» ومدارس حربية، فإنه من أحسن ما صنعه، وأحق ما يؤرخ من فعل الخيرات، ولا يمكن إدراك ضرورية هذا النظام إلا لمن رأى بلاد الإفرنج، أو شاهد الوقائع.
وبالجملة والتفصيل، [فإن الوالي] آماله دائمًا متعلقة بالعمار، ومن الحكم المعروفة «العمارة كالحياة، والخراب كالموت، وبناء كل [إنسان] على قدر همته.
وقد سارع (الوالي) في تحسين بلاده، فأحضر فيها ما أمكنه إحضارُه من علماء الإفرنج، وبعث ما أمكنه بعثه من مصر إلى تلك البلاد، فإن علماءها أعظم من غيرهم في العلوم الحكمية. وفي الحديث: «الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أهل الشرك». قال بطليموس الثاني: «خذوا الدر من البحر، والسمك من الفأرة، والذهب من الحجر، والحكمة ممن قالها». وفي الحديث: «اطلب العلم ولو بالصين» ومن المعلوم أن أهل الصين وثنيون وإن كان المقصود من الحديث السفر إلى طلب العلم، وبالجملة حيثما أمن الإنسان على دينه، فلا ضرر في السفر، خصوصًا لمصلحة مثل هذه المصلحة.
ولعل هذا كله مطمح نظر (الوالي) في هذه الإرسالية وغيرها من الإرساليات المتتالية المتسلسلة?? فثمرة هذا السفر تحصل — إن شاء الله — بنشر هذه العلوم والفنون الآتية في الباب الثاني، وبكثرة تداولها، وترجمة كتبها وطبعها في مطابع ولي النعم.
فينبغي لأهل العلم حيث جميع الناس على الاشتغال بالعلوم والفنون، الصنائع النافعة، وليس هذا الزمان قابلاً لأن يقال فيه كما قال بهاء الدين أبو حسين العاملي في صرف العمر في جمع كتب العلم وادَّخارها ومطالعتها، في شعره:
على كتب العلوم صرفت مالكوفي تصحيحها أتعبت بالك
وأنفقت البياض مع السوادإلى ما ليس ينفع في المعاد
تظل من المساء إلى الصباحتطالعُها، وقلبك غير صاح
وتصبح مولعًا من غير طائلبتحرير المقاصد والدلائل
وتوضيح الخفا في كل بابوتوجيه السؤال مع الجواب
لعمري، قد أضلتك الهدايةضلالاً ما له أبدًا نهاية
وبـ«المحصول» حاصلك الندامةوحرمان إلى يوم القيامة
وتذكرة «المواقف» والمراصدتسد عليك أبواب المقاصد
فلا ينجي النجاة من الضلالةولا يشفي الشفاء من الجهالة
وبالإرشاد لم يحصل رشادوبالتبيان ما بان السداد
وبالإيضاح أشكلت المداركوبالمصباح أظلمت المسالك
وبالتلويح ما لاح الدليلُوبالتوضيح ما اتضح السبيل
صرفت خلاصة العمر العزيزعلى تنقيح أبحاث الوجيز??
بهذا الأمر صرف العمر جهلُفقم واجهد فما في الوقت مهلُ
ودع عنك الشروح مع الحواشيفهن على البصائر كالغواشي??
وقوله:
أيها القوم الذي في المدرسةكل ما حصلتموه وسوسه
فكركم إن كان في غير الحبيبما له في النشأة الأخرى نصيب
فاغسلوا بالراح عن لوح الفوادكل علم ليس ينجي في المعاد
لأن هذا مقال من تجرد عن الدنيا، وانهمك على الآخرة، أو من اشترى العلوم بأغلى ثمن، فبخس صفقتها حادث الزمن.
الباب الثاني من المقدمة
[يتعلق بالعلوم والفنون المطلوبة، والحرف والصنائع المرغوبة]
ولنذكر لك هنا الصنائع المطلوبة، لتعرف أهميتها، ولزومها في أي دولة من الدول، وهذه الفنون إما واهية في مصر، أو مفقودة بالكلية.
وهي قسمان: قسم عام للتلامذة، وهو: الحساب، والهندسة، والجغرافيا، والتاريخ، والرسم، وقسم خاص (ص ??) متوزع عليهم، وهو عدة علوم:
العلم الأول: علم تدبير الأمور الملكية، ويتشعب عنه عدة فروع: الحقوق الثلاثة التي يعتبرها الإفرنج، وتسمى بالنواميس. وهي الحقيق الطبيعية، والحقوق البشرية، والحقوق الوضعية، وعلم أحوال البلدان مصالحها وما يليق بها، وعلم الاقتصاد في المصاريف وعلم تدبير المعاملات والمحاسبات، والخازندارية وحفظ بيت المال.
العلم الثاني: علم تدبير العسكرية.
العلم الثالث: علم القبطانية، والأمور البحرية.
العلم الرابع: فن معرفة المشي في مصالح الدول،?? يعني علم السفارة، ومنه (الإيلجبة)،?? وهي رسالة البلدان. وفروعه: معرفة الألسن، والحقوق، والاصطلاحات
العلم الخامس: فن المياه،?? وهو صناعة القناطر، والجسور، والأرصفة، والفساقي، ونحو ذلك.
العلم السادس: الميكانيقا،?? وهي آلات الهندسة، وجر الأثقال.
العلم السابع: الهندسة الحربية.
العلم الثامن: فن الرمي بالمدافع وترتيبها، وهي فن (الطوبجية).
العلم التاسع: فن سبك المعادن، لصناعة المدافع والأسلحة وغيرها.
العلم العاشر: علم الكيميا، وصناعة الورق، والمراد بالكيميا معرفة تحليل الأجزاء وتركيبها، ويدخل تحتها أمور كثيرة؛ كصناعة البارود والسكر وليس المراد بالكيميا حجر الفلاسفة، كما يظنه بعض الناس، فإن هذا لا تعرفه الإفرنج، ولا تعتقده أصلاً.
العلم الحادي عشر: فن الطب، وفروعه: فن التشريح، والجراحة، وتدبير الصحة، وفن معرفة مزاج المريض، وفن البيطرة؛ أي معالجة الخيل وغيرها.
العلم الثاني عشر: علم الفلاحة، وفروعها: معرفة أنواع الزروع وتدبير الخلا بالبناء اللائق به، وغيرها، ومعرفة ما يخصه من آلات الحراثة المدبر للمصاريف.
العلم الثالث عشر: علم تاريخ الطبيعيات، وفروعه: الحيوانات، ومرتبة النباتات، ومرتبة المعادن.
العلم الرابع عشر: صناعة النقاشة، وفروعها، فن الطباعة، وفن حفر الأحجار ونقشها، ونحوها.
العلم الخامس عشر: فن الترجمة، يعني ترجمة الكتب، وهو من الفنون الصعبة، خصوصًا ترجمة الكتب العلمية، فإنه يحتاج إلى معرفة اصطلاحات أصول العلم المراد ترجمتها، فهو عبارة عن معرفة اللسان المترجم عنه وإليه، والفن المترجم فيه.
فإذا نظرت بين الحقيقة (ص ??، ??) رأيت سائر هذه العلوم المعروفة معرفة تامة لهؤلاء الإفرنج ناقصة أو مجهولة بالكلية عندنا، ومن جهل شيئًا فهو مفتقر لمن أتقن ذلك الشيء، وكلما تكبر الإنسان عن تعلمه شيئًا مات بحسرته، فالحمد لله الذي (أنقذنا) من ظلمات جهل هذه الأشياء الموجودة عند غيرنا، وأظن أن من له ذوق سليم، وطبع مستقيم يقول كما أقول، وسأذكر بعضها بالاختصار في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى، وهو المستعان.
الباب الثالث من المقدمة
[في ذكر وضع البلاد الإفرنجية، ونسبتها إلى غيرها من البلاد، ومزية الأمة الفرنساوية على من عداها من الإفرنج، (وبيان وجه الحكمة في) إرسالنا (إليها)، دون ما عداها من ممالك الإفرنج.]
فنقول: اعلم أن الجغرافيين من الإفرنج قسموا الدنيا — من الشمال إلى الجنوب، ومن المشرق إلى المغرب — خمسة أقسام، وهي: بلاد أوروبا (بضم الهمزة والراء وتشديد الباء) وبلاد (آسيا «بكسر السين»)، وبلاد «الأفريقة»، وبلاد «الأمريقة «وجزائر البحر المحيط المسماة «الأوقيانوسية».
فبلاد «أوروبا» محدودة جهة الشمال بالبحر المتجمد، المسمى: ببحر الثلج الشمالي، وجهة الغرب ببحر الظلمات المسمى: البحر المظلم، والبحر الغربي، وجهة الجنوب ببحر الروم، المسمى: البحر المتوسط والأبيض، وبلاد «آسيا» وجهة الشرق ببحر «الخزر»، (بضم الخاء والزاي، آخره راء)، ويقال له: بحر الحَزَز، (بحاء مهملة مفتوحة، ثم زايين معجمتين، أولاهما مفتوحة)، ويسمى أيضًا: بحر جرجان وبحر طبرستان، وببلاد آسيا.
فحينئذ بلاد أوروبا تقال على بلاد الإفرنج، وبلاد الأروام، وبلاد قسطنطينية، وبلاد الخزر،?? والبلغار، والأفلاق، والبغدان،?? والسرب، وغيرهما.
وهي نحو ثلاث عشرة أرضًا، أي ولاية أصلية: أربعة منها في الشمال: وهي بلاد الإنكليز، وبلاد «دانيمرق»، (بكسر النون وفتح الميم، وسكون الراء)، وبلاد «أسوج»، (بفتح الهمزة،، وسكون السين، وكسر الواو)، وبلاد «الموسقو».
وستة في الوسط، وهي: «بلاد الفلمنك»، وبلاد الفرنسيس، وبلاد «السويسة» وبلاد «النيمسة»، وبلاد البروسية (بضم الباء)، وبلاد «جرمانية» المتعاهدة.
وثلاثة في الجنوب، وهي: بلاد (ص ??، ??) إسبانيا مع «البورتوغال» وبلاد «إيطاليا»، وبلاد «الدولة العلية العثمانية» في بلاد «أوروبا» التي هي: بلاد الأروام، والأرناؤط والبشتاق، والسرب، (بالباء أو الفاء)، وبالبلغار، والأفلاق، والبغدان (بضم الباء، وسكون الغين).
فمن ذلك تعلم أن تفسير بعض المترجمين بلاد أوروبا وبلاد الإفرنج فيه قصور، اللهم إلا أن تكون بلاد الإفرنج تطلق على ما يعم بلاد الدولة العلية، ولكن يناقض ذلك أن (مترجمي) الدولة العثمانية يقصرون بلاد «أفرنجستان» على ما عدا بلادهم من بلاد أوروبا، ويسمون بلادهم ببلاد الروم، وإن كانوا يعممون أيضًا في لفظ الروم، فيريدون به بعض الأحيان ما يعم بلاد الإفرنج، وبعض البلاد الداخلية في حكمهم من بلاد «آسيا».
وبلاد «آسيا» محدودة أيضًا جهة الشمال بالبحر المتجمد الشمالي، وجهة الغرب ببلاد «أوروبا» و«الأفريقية». وجهة الجنوب ببحر الهند، وبحر الصين، وجهة الشر ببحر الجنوب المحيط، وببحر بِهرنغ.?? (بكسر الباء، وسكون الهاء، وفتح الراء، وسكون النون، وبالغين أو الكاف).
وهي تنقسم أيضًا إلى عشر أراض أصلية: واحدة جهة الشمال، وهي بلاد «سبير».
وسبعة في الوسط، وهي: بلاد الدولة العلية العثمانية التي هي «الشام»، و«أرمينية»، «كردستان» و«بغداد» و«البصرة»، و«قبرص»، وغيرها، ثم بلاد العجم، وبلاد «بلوجستان» وبلاد «قابولستان»، و«أفغهانستان» وبلاد «التتار الأكبر»، وبلاد الصين، وبلاد «يابونيا».??
واثنان في الجنوب، وهي: بلاد العرب، وبلاد الهند؛ فبلاد الحجاز، وبلاد الوهابية تحت حكم الدولة العلية، وبلاد اليمن تحت حمايتها، وبلاد عمَّان مستقلة، وكلها أقاليم جزيرة العرب.
فهذه هي ولايات آسيا.
ثم بلاد «الأفريقية»، وهي محددة جهة الشمال ببحر الروم، وجهة الغرب بالبحر الأطلنتيقي، المسمى: بحر الظلمات ويسمى بحر المغرب، وجهة الجنوب بالبحر المحيط الجنوبي، وجهة الشرق ببحر الهند، «وببغاز باب المندب» وببحر «القلزم»، المسمى: البحر الأحمر، وببلاد العرب.
ويمكن تقسم «الأفريقية» إلى ثمان أراض أصلية: اثنتان في الشمال، وهي: بلاد المغاربة، وبلاد مصر.
وأربعة في الوسط، وهي: «السينيغبينيا»،?? وبلاد «الزنج»، وبلاد «النوبة، وبلاد «الحبشة».
واثنتان في الجنوب وهما: بلاد «غينا» وبلاد «كفرية».??
فهذا ما يسمى الآن عند الإفرنج: بلاد أفريقية، وإن كانت «إفريقية» في الأصل بلدة (ص ??) معلومة جهة «تونس» وما حواليها، ثم أضيف إلى بلاد أوروبا ما قاربها من الجزائر، وكذلك لبلاد «آسيا» و«أفريقية» وهذه الأقسام الثلاثة يعني «أوروبا» و«آسيا» و«أفريقية» تسمى: الدنيا القديمة. أو الأرض القديمة، يعني المعروفة للقدماء.
وأما بلاد «أمريكة» أو «أمريقة»، (بالكاف أو القاف) فتسمى: الدنيا الجديدة، وتسمى أيضًا: الهند الغربي، وتسمى في بعض الكتب العربية (عجائب المخلوقات).
وهي إنما عرفت للإفرنج بعد تغلب النصارى على بلاد الأندلس، وإخراج العرب منها، فإن هذا الوقت كان مبدأ للسياحة، وجوب البحر المحيط، واستكشاف البلاد بإعانة الدول لأرباب الأسفار والملاحة.
وأما الآن فقد كانت السياحة تكون عند الإفرنج فنًا من الفنون، فليس كل أحد يحسنها، ولا كان دولة تتقنها؛ وذلك أنه لما كثرت الآلات الفلكية والطبيعية، سهلت الاستكشافات البرية والبحرية، وتداولت الأسفار، واستكشفت الأماكن والأقطار، وضم إلى ما يعرف من قديم الزمان، هذه الدنيا الجديدة التي انتظمت في سلك معرفة أولى العرفان.
ثم زاد الحال باختراع سفن النار، ومراكب البخار، فتقاربت الأقطار الشاسعة، وتزاورت أهالي الدول، وصارت المعاملات والمخالطات بينها متتابعة.
ومما قام مقام آلات السياحة قبل ابتداعها، وناب عن أدوات الملاحة قبل اختراعها، الأنوار المحمدية، والغيرة الإسلامية، بل والمعارف الوافرة في العلوم الرياضية والفلكية والجغرافية، في زمن الخلفاء العباسية، ففتحوا بلاد مصر، والسودان، والمغرب، والعجم، وبلاد قابول، وبخارى، والهند، والسند، وجزائر سيلان، وسومطرة، وبلاد التبت، والصين، وعدة ولايات ببلاد أوروبا، مثل ممالك الأندلس، وصقلية، وبلاد الروم، وغير ذلك.
وتقدمت عندهم العلوم الجغرافية، واشتهر من علماء الجغرافية كثيرون كالمسعودي،?? وابن حوقل،?? والشريف الإدريسي،?? وابن الوردي،?? والسلطان عماد الدين أبي الفدا صاحب حماة.??
ثم لما خمدت عندهم أنوار هذه المعارف، وأهملوها ازدراء لها، أو لسبب آخر، قلت سياحاتهم، وقام مقامهم طوائف الإفرنج، وبرعوا في ذلك، واستفادت الدولة والرعية الفوائد الجسيمة، بالأمور السياسية والتجارية (ص ??)، وصيروا الأمم أشباه البهائم إلى ملة النصرانية، وكان الإسلام أولى بتلك المزية، ولقد تصدى (الحاكم)، لإحياء هذه المعارف، التليد منها والطارف، حتى لاحت تباشير بدور?? العلوم، وتلاشت عن المعارف غياهب الأحلاك والغيوم. (شعر):
وإذا رأيت من الهلال نموهأيقنت أن سيصير بدرًا كاملاً
ثم إن بلاد «الأمريقة» تتصل بستة بحور، فيتصل بها جهة الشمال البحر المحيط المتجمد وبحر بافين،?? ومن جهة الشرق ببحر المغرب، وببحر جزائر «الأنتيلة»،?? وبالبحر المحيط الأكبر، المسمى «أقيانوس»، «وبحر بهرنغ» جهة الغرب.
وهي قسمان: الأمريقة الشمالية، والأمريقة الجنوبية.
فأمريقة الشمالية ست أراض أصلية، وهي: الأمريقة الرسية،?? أو المحكومة بالموسقو، وبلاد «أغرونلنده»،?? وبلاد «بريطانية الجديدة»،?? أو بلاد الإنكليز الجديدة، وبلاد «الإيتازونيا»، وهي الأقاليم المجتمعة،?? وبلاد «مكسيك» وبلاد «غواتيمالا».
والأمريقة الجنوبية تسع أراض، وهي: بلاد «كلنبيا» وبلاد «أبريزيلة»،?? وبلاد «برو»، وبلاد «بولوية»،?? وهي: «برو العليا»، وبلاد «براغية»،?? وبلاد «بلاطة»،?? وبلاد «شلي»، (بكسر الشين، وتشديد اللام المكسورة»، وبلاد «إبتاغونيا» (بفتح الباء والتاء، وضم الغين، وكسر النون).
وأما جزائر البحر المحيط، فإنها غربي بلاد الأمريقة، وعلى الجنوب الشرقي من بلاد «آسيا»، وهي محددة «من سائر جهاتها بالبحر المحيط وهي، ثلاثة أجزاء أصلية «النوتازية»?? (بضم النون المشددة، وكسر الزاي).
«والأستورالية»، (بضم الهمزة، وسكون السين، وضم التاء، وكسر اللام) «والبولينيزية»، (بضم الباء، وكسر اللام، والنون والزاي).
«ثم بلاد» أوروبا فيها أربعة بنادر أصلية مشهورة بالتجارة: «إسلامبول» تخت الدولة العلية، و«لوندرة»، (بضم اللام، وسكون النون، وفتح الدال) تخت بلاد الإنكليز، «وباريس» تخت بلاد الفرنسيس، «ونابُلي»، (بضم الباء) ببلاد «إيطاليا».
والبنادر الأصلية ببلاد آسيا أربعة أيضًا: بكين، (بكسر الباء والكاف) قاعدة بلاد الصين، «وقلَقوطة»، (بفتح القاف واللام، وضم القاف)، ويقال «كلكتة»، (بكافين) قاعدة بلاد الهند التي تحت حكم الإنكليز، «وصورة»، ببلاد الهند أيضًا، ويقال: هي التي كانت تسمى: «المنصورة»، «ومياقو»، (ص ??) (بكسر الميم، وضم القاف) في بلاد جزيرة «يابونيا».
والبنادر الأصلية ببلاد «الأفريقية» أربعة: «القاهرة» قاعدة مصر، «وسنار» قاعدة حاكم بلاد النوبة، والجزائر، وتونس ببلاد المغاربة.
والبنادر الأصلية ببلاد «أمريقة الشمالية» هي: «مكسيكو» ببلاد «مكسيك» «ونويرق»?? في بلاد «الأيتازونيا»، «وفيلادلفيا»، (بكسر الفاء والدال، وسكون اللام، وكسر الفاء. ومدينة «وسهنغتون»?? (بسكون السين، وكسر الهاء، ثم نون ساكنة بعدها غين مكسورة).
وأربعة في «أمريقة الجنوبية»، وهي: «ريوجانير» (بكسر الراء، وضم الياء وكسر النون) في بلاد «أبريزيلة» «وبنو سيرس»، (بكسر الباء والسين والراء) في بلاد «بلاطة»، «وليمة»، (بكسر اللام) في بلاد «برو»، «وقيطو»، (بكسر القاف) في بلاد «غرناطة الجديدة».
وفي بلاد البحر المحيط بندران شهيران، وهما: مدينة «بتاويا»، بندر جزيرة «جاوة»، ومدينة «مانيلة»، الواقعة في جزيرة «مانيلة» إحدى جزائر «فيليبينة» فهذه المدينة هي قاعدة جميع هذه الجزائر.
ثم إن بلاد «أوروبا» أغلبها نصارى، وبلاد الدولة العلية هي بلاد الإسلام بهذه القطعة.
وأما بلاد «آسيا» فإنها منبع بلاد الإسلام، بل وسائر الأديان، وهي أوطان الأنبياء والمرسلين، وبها نزلت سائر الكتب السماوية، وهي تتضمن أشرف الأماكن والأرض المباركة، والمساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، وفيها منشأ ومضم عظام سيد الأولين والآخرين، والصحابة، وهي منشأ الأئمة الأربعة (رضي الله تعالى عنهم) لأن منشأ الإمام الشافعي (رضي الله عنه) غزة، ومنشأ الإمام مالك (رضي الله عنه) المدينة المشرفة، ومنشأ الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان الكوفة، ومنشأة الإمام أحمد بن حنبل بغداد، التي كانت (كما قيل) في أيام الخلفاء، بالنسبة للبلاد، كالأستاذ في العباد، وكلها من بلاد «آسيا».
وبها، يعني ببلاد «آسيا» العرب، وهم أفضل القبائل على الإطلاق، ولسانهم أفصح الألسن باتفاق، وفيهم بنو هاشم، الذين هم مُلَح الأرض، وزُبَدة المجد، ودرع الشرف.
ومما يدل على فضلها أن بها الأماكن المفضلة؛ كالقبلة، التي يجب على كل إنسان أن يتوجه إليها خمس مرات في اليوم والليلة، والمدينتين اللتين نزل بهما القرآن العظيم، ففضائلها لا تحصى، وآثار أهلها لا تستقصى، قال بعض أهلها:
عطفة، يا جيرة «العلم»??يا أهيل الجود والكرم
نحن جيران لذا «الحرم»حرم الإحسان والحسن
•••
نحن أقوام به سكنواوبه من خوفهم أمنوا
وبآيات الكتاب عنوافاتئد فينا أخا الوهن
نعرف «البطحا»، وتعرفناو «الصفا» و«البيت» يألفنا
ولنا «المعلى»، «وخيف» منىفاعلمن هذا، وكن، وكن
ولنا خير الأنام أبو«عليّ المرتضى» حسب
وإلى «السبطين» ننتسبنسبًا ما فيه من دخن??
ومع إن الإسلام قد تولد فيها، وانتشر منها إلى غيرها، ففيها جزء عظيم باق على الاتباع أو الكفر؛ كبلاد الصين، وبعض بلاد الهند، وجزء سالك في إسلامه طريق الضلال، كروافض العجم.
وأما بلاد «أفريقية» فإنها تشتمل على أعظم البلاد؛ كبلاد مصر التي هي من أعظم البلاد وأعمرها، وهي أيضًا عش الأولياء والصلحاء والعلماء، وكبلاد المغرب التي أهلها أهل صلاح وتقى وعلم وعمل، وإن شاء الله يمتد بها الإسلام.
وأما «أمريقة» فهي بلاد كفر؛ وذلك أنها كانت عامرة في الأصل بهمل عبدة الأصنام، فتغلب عليها الإفرنج لما قويت شوكتهم في الفنون الحربية، ونقلوا إليها جماعة من بلادهم، وأرسلوا إليها قسيسين، فتنصر كثير من أهلها، فالآن بلاد «أمريقة» غالبها نصارى إلا الهمل، فهم وثنيون ولم يوجد بها دين الإسلام، وسببه قوة الإفرنج في علم ركوب البحر، ومعرفتهم العلوم الفلكية والجغرافية، ورغبتهم في المعاملات والتجارات، وحبهم للسفر، قال الشاعر:
إن العلا حدثتني، وهي صادقةفيما تحدث: أن العز في الثقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منىلم تبرح الشمس يومًا دارة الحمل
وقال آخر:
قلقل ركبك للفلاودع الغواني والقصور
فمحالفو أوطانهمأمثال سكان القبور
لولا التغرب ما ارتقتدرر البحور إلى النحور
وقال الحريري:
لجوبُ البلاد مع المتربةأحبُّ إلي من المرتبة
وقال غيره:
قم واغترب في البلاد مجتهدًافمن ثوى في بلاده هانا
كبيدق لا يزال محتقرًاحتى إذا سار فرزانا??
وقال:
أنفق من الصبر الجميل، فإنهلم يخش فقرًا منفقٌ من صبره
والمرء ليس ببالغ في أرضهكالصقر ليس بصائدٍ في وكره
ومن المعلوم أن الدر والمسك لا يشرفان ما لم يفارقا وطنهما ومعدنهما، وكل هذا لا ينافي أن حب الوطن من شعب الإيمان؛ لأن المقصود السياحة، والأخذ في أسباب طلب الرزق، وهذا لا يمنع من تعلق الإنسان بوطنه ومسقط رأسه، فإن هذا أمر جبِلِّي، قال الشاعر:
يا بعيد الدار عن وطنهمفردًا يبكي على شجنه
كلما جد الرحيل بهزادت الأسقام في بدنه
وقال غيره:
ولقد زاد الفؤاد شجىطائر يبكي على فننه
شفه ما شفني، فبكىكلنا يبكي على سكنه
ولا ينافي أيضًا هذا الأمر مادة التوكل والاعتماد على المولى، كما يفهم من كلام الشاعر في قوله:
لقد علمت، وما الإسراف من خلقيأن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه، فيعييني تطلبهولو قعدت أتاني ليس يعييني??
وقول الآخر:
اقنع بأيسر رزق أنت نائلهواحذر، ولا تتعرض للإرادات
فما صفا البحر إلا وهو منتقصوما تكدر إلا في الزيادات
فإن هذا معناه التسلية لمن لا يحب الأسفار، أو النهي عن السفر للطمع.
وأما بلاد (ص ??) جزائر البحر المحيط، فإنها قد فتح كثير منها بالإسلام، كجزيرة «جاوة»، فإن أهلها مسلمون، وبالجملة فبلاد «النوتازية» أغلبها إسلام، وندر وجود دين النصرانية فيها.
ومن ذلك كله تعلم أنه يمكن أن أقسام الدنيا الخمسة يصح تفضيل بعضها على بعض، ويعني تفضيل جزء بتمامه على الآخر بتمامه، بحسب مزية الإسلام وتعلقاته، فحينئذ تكون «آسيا» أفضل الجميع، ثم تليها «أفريقية» لعمارها بالإسلام والأولياء والصلحاء، خصوصًا باشتمالها على مصر القاهرة، ثم تليها بلاد «أوروبا» لقوة الإسلام، ووجود الإمام الأعظم، إمام الحرمين الشريفين، سلطان الإسلام فيها، ثم بلاد الجزائر البحرية؛ لعمارها بالإسلام أيضًا مع عدم تبحرها في العلوم كما هو الظاهر، فأدنى الأقسام بلاد «أمريكة»؛ حيث لا وجود للإسلام بها أبدًا، هذا ما يظهر لي، والله أعلم بالصواب.
وهذا كله بالنظر للإسلام، والأمور الشرعية، والشرف الذاتي، فإن المراد بالشرف ما يعم الشرعي وغيره، فلا يقال: أن أغلب ذلك من باب المزية، وهي وحدها لا تستدعي أفضلية.
ولا ينكر منصف أن بلاد الإفرنج الآن في غاية البراعة في العلوم الحكمية وأعلاها في التبحر في ذلك، بلاد الإنكليز، والفرنسيس، والنمسا، فإن حكماءها فاقوا الحكماء المتقدمين، كأرسطاطاليس، وأفلاطون، وبقراط، وأمثالهم، وأتقنوا الرياضيات، والطبيعيات، والإلهيات، وما وراء الطبيعيات أشد إتقان، وفلسفتهم أخلص من فلسفة المتقدمين؛ لما أنهم يقيمون الأدلة على وجود الله تعالى، وبقاء الأرواح، والثواب والعقاب.
فأعظم مدائن الإفرنج مدينة «لوندرة»، وهي كرسي الإنكليز، ثم «باريز»، وهي قاعدة ملك فرنسا، و«باريز» تفضل على «لوندرة» بصحة هوائها، كما قيل، وطبيعة القطر والأهل، وبقلة الغلاء التام.
وإذا رأيت كيفية سياستها، علمت كمال راحة الغرباء فيها وحظهم وانبساطهم مع أهلها، فالغالب عن أهلها البشاشة في وجوه الغرباء، ومراعاة خواطرهم، ولو اختلف الدين؛ وذلك لأن أكثر أهل هذه المدينة إنما له من دين النصرانية الاسم فقط، حيث لا ينتحل دينه، ولا غيرة له عليه، بل هو من الفرق المحسّنة والمقبّحة بالعقل، أو فرقة من الإباحيين الذين يقولون: إن كل عمل يأذن فيه العقل صواب، فإذا ذكرت له دين الإسلام في مقابلة غيره من الأديان أثنى على سائرها، من حيث (ص ??) إنها كلها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وإذا ذكرته له في مقابلة العلوم الطبيعية قال: إنه لا يصدق بشيء مما في كتب أهل الكتاب؛ لخروجه عن الأمور الطبيعية.
وبالجملة ففي بلاد الفرنسيس يباح التعبد بسائر الأديان، فلا يعارض مسلم في بنائه مسجدًا، ولا يهودي في بنائه بيعة، إلى آخره، كما سيأتي في ذكره سياستها، ولعل هذا كله هو علة وسبب إرسال البعوث فيها هذه المرة الأولى أبلغ من أربعين نفسًا، لتعلم هذه العلوم المفقودة، بل سائر النصارى تبعث أيضًا إليها، فيأتي إليها من بلاد «أمريكة» وغيرها، من الممالك البعيدة، وقد بعث أيضًا عدة طلاب للعلوم ببلاد الإنكليز، لكنهم ليسوا عديدين، وكذلك ببلاد النمسا، وبالجملة فسائر الأمم تطلب العز، وتسعى إليه، كما قال الشريف الرضي: «اطلب العز، فما العز بغال».
ولا أعز من العلوم والفنون تطلبها الولاة والحكام، فإنهم كلما كانوا أجلَّ خطرًا، وجب أن يكونوا أدق نظرًا.
الباب الرابع
[في ذكر رؤساء هذه السفرة]
قد بعث الوالي في السفر إلى بلاد فرنسا ثلاثة رؤساء من أكابر ديوانه، وجعلهم رباط نظر عام على من عداهم، وهم على هذا الترتيب:
فأولهم: صاحب الرأي التام، والمعرفة والأحكام، حائز فضيلتي السيف والقلم، والعارف برسوم العرب والعجم. حضرة عبدي أفندي المهردار.
والثاني: صاحب الرأي السديد، والطالع السعيد، حضرة مصطفى مختار أفندي الدويدار.
والثالث: الحاوي بين العلم والعمل، واليراع والأسل: حضرة الحاج حسن أفندي الإسكندراني، بلغه الله في الدارين الأماني. (آمين).
ثم إن حضرة الأفندية الثلاثة كانوا يتعلمون أيضًا كالباقي، فحضرة الأفندي المهردار سابقًا اشتغل بعلم تدبير الأمور الملكية، وحضرة الأفندي الدويدار سابقًا (يشتغل)?? بعلم تدبير الأمور العسكرية. وحضرة الحاج حسن أفندي يشتغل بعلم القبطانية والهندسة البحرية.
وكان لسائر الثلاثة اجتهاد زائد، وتحصيل بالغ، مع أن الأمرية في الغالب تأنف ذلك، وقد كان حكم هؤلاء الثلاثة بالنوبة (ص ??، ??) فكانت نوبة الواحد يومًا، والآخر يومًا آخر وهكذا، فآل الأمر إلى أن صارت شهرًا شهرًا، ثم صار الأفندي المهردار وحده.
ثم إن حضرة الأفندية الثلاثة كان معهم في تدبير الدروس جناب «مسيو جومار» الذي (عين) ناظرًا على الدروس، وهو أحد علماء «الأنستتوت»،?? (بفتح الهمزة، وسكون النون، وكسر السين) أي مشورة?? العلماء وأكابرهم، والذي يتراءى في طبعه ويشاهد منه دائمًا أنه يرغب في الاعتناء بمصالح مصر من جهة نشر المعارف والعلوم فيها، بل وفي سائر بلاد «الأفريقية»، كما يفهم ذلك من حاله، ومما قاله في طالعة «رزنامته»?? التي ألفها سنة ألف ومائتين وأربعة وأربعين من الهجرة: «وشهرة معارف «مسيو جومار» وحسن تدبيره يوقع في نفس الإنسان من أول وهلة تفضيل القلم على السيف؛ لأنه يدبر بقلمه ما لا يدبر غيره بسيفه ألف مرة، ولا عجب؛ فبالأقلام تساس الأقاليم، وهمته في مصالح العلوم سريعة، كثيرة التأليف والاشتغال.
الغالب أن هذه الخصلة في سائر علماء الإفرنج، فإن مثل الكاتب كالدولاب إذا تعطل تكسر، وكالمفتاح الحديد، إذا ترك ارتكبه الصدأ، وجناب «مسيو جومار» يشتغل بالعلوم آناء الليل، وأطراف النهار، وسيأتي ذكره عدة مرات، وسنذكر لك عدة من مكاتيبه التي وصلت بيدي، إن شاء الله تعالى.
وهنا انتهت المقدمة.

? في المطبوعة: يعبدونه.
? في المطبوعة: في الصنايع.
? في المطبوعة: أمريقة.
? القدم: السبق والتقدم.
? الفضالة كالفضلة: البقية.
? الميقاتية: هم الذين يحددون الوقت ويبينون ساعات الليل والنهار، لمعرفة أوقات الصلاة.
? هو اصطفان بن «بازيل» من تلامذة حنين بن إسحق، وأول من قام بترجمة كتاب Dioscorides في الطب.
? في المطبوعة: قبول.
? الرواية المشهورة: لا ينصحان إذا هما لم يكرما.
?? زيادة في الطبعة الثانية. وليست في الطبعة الأولى.
?? المقاصد، والدلائل، والمحصول، والمواقف، والمراصد، والنجاة، والإرشاد، والتبيان، والإيضاح، والمصباح، والتلويح، والتوضيح، والوجيز أسماء لكتب شرعية ولُغوية ونحوية.
?? الغواشي: جمع غاشية، وهي الغطاء.
?? ترجمة لـ La Diplomatie.
?? عرف رفاعة (الأيلجية) بأنهم رسل البلاد، ولعلهم الوزراء المفوضون، مأخوذة في الفرنسية من مادة Eligibilité ومنها.
?? ترجمة لـ L’Hidraulique.
?? الهندسة الحربية.
?? تقع إلى الغرب والشمال لبحر قزوين.
?? الأفلاق والبغدان يكونون دولة رومانيا الحديثة.
?? يفصل بين شبه جزيرة ألاسكا وقارة آسيا.
?? هي اليابان.
?? في المطبوعة: السينغنيا.
?? عرفها رفاعة في مقدمة كتاب (قلائد المفاخر) ص ??، فقال: كفرية (بضم الكاف وفتحها) … ولاية في جنوب أفريقية، جهة إقليم زنجبار.
?? جغرافي فقيه، أديب: توفي بدمشق ???هـ (????م).
?? رحالة جغرافي له كتاب «المسالك والممالك» (توفي نحو سنة ???هـ-???م).
?? مؤرخ ومن أكابر العلماء بالجغرافيا، ورحالة، له كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» (???-???هـ) (????-????م).
?? توفي سنة ???هـ.
?? أمير مؤرخ جغرافي، له «تقويم البلدان» (???-???هـ) (????-????م).
?? في الأصل «بدو».
?? يفصل بين جرينلاند وأمريكا الشمالية.
?? جزائر كثيرة متناثرة شرق أمريكا الوسطى.
?? هي شبه جزيرة «ألاسكا».
?? هي ما تسمى اليوم: «جرين لاند 
Greenland
».
?? Nouvelle-Bretagne-New England.
?? نسميها اليوم بالولايات المتحدة 
Etas-Units
.
?? البرازيل 
Brasil
.
?? بوليفا Bolivie.
?? براجواي 
Paraguay
.
?? دلتا نهر بلانا، وهي جزء من البرازيل.
?? هي إندونيسيا 
Indonecie
.
?? هي. نيويورك 
New York
.
?? هي واشنطون 
Washington
.
?? العلم: الجبل.
?? الدخن: الفساد.
?? البيدق: الجندي الراجل، وهو اسم لقطعة في الشطرنج، والفرزان: الوزير، قطعة في الشطرنج أيضًا، يشير الشاعر إلى أن البيدق لا يزال يتحرك في مكانه من قطعة الشطرنج، إلى أن يحل في مكان الوزير. بعد أن يفقده صاحبه، فيكون مطلق الحرية في التحرك كما يشاء يمينًا ويسارًا وإلى الإمام، وإلى الخلف.
?? في المطبوعة «لا يعييني».
?? زيادة ليست في المطبوعة.
?? كلمة فرنسية l’Institut.
?? يريد بمشورة العلماء: مجلسهم.
?? الرزنامة: كلمة تركية بمعنى تقويم.
المقصد
[في مدة السفر «من مصر إلى باريس»، وما رأيناه من الغرائب في الطريق، أو مدة الإقامة في هذه المدينة العامرة بسائر العلوم الحكمية، والفنون والعدل العجيب، والإنصاف الغريب، الذي يحق أن يكون من باب أولى في ديار الإسلام، وبلاد شريعة النبي (?)].
وهذا المقصد يتضمن عدة مقالات، تشتمل على عدة فصول:
المقالة الأولى: فيما كان من الخروج من مصر إلى دخول مدينة «مرسيليا» التي هي فرضة من فرضات الفرنسيس، وفيها عدة فصول.
المقالة الثانية: فيما كان من دخول «مرسيليا» إلى دخول مدينة «باريس» (ص ??) وفيها فصلان.
المقالة الثالثة: في دخول «باريس»، وذكر جميع ما شاهدناه، وما بلغنا خبره من أحوال «باريس».
وهذه المقالة: هي الغرض الأصلي من وضعنا هذه الرحلة؛ فلذلك أطنبنا فيها غاية الإطناب، وإن كان جميع هذا لا يفي بحق هذه المدينة، بل هو تقريبي، بالنظر لما اشتملت عليه، وإن استغرب هذا من لم يشاهد غرائب السياحة، قال بعضهم:
من لم ير الروم، ولا أهلهاما عرف الدنيا ولا الناسا
فمن باب أولى بلاد «أفرنجستان».
المقالة الرابعة: في ذكر نبذ من العلوم والفنون المذكورة في الباب الثاني من المقدمة.
المقالة الأولى
الفصل الأول
في الخروج من مصر، إلى دخول ثغر إسكندرية
كان خروجنا من مصر يوم الجمعة، الذي هو ثامن يوم من شعبان، سنة إحدى وأربعين ومائتين بعد الألف، من الهجرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، فتفاءلت بأن عقب هذا الفراق يحصل الاجتماع، وأن تسلم العودة سيقوم مقام الوادع.
فركبنا زوارق صغيرة، وتوجهنا إلى الإسكندرية، وأقمنا على ظهر النيل المبارك أربعة أيام، ولا فائدة لذكر بعض البلاد والقرى التي رسونا عليها.
وكان دخولنا الإسكندرية يوم الأربعاء (ثالث عشر يومًا)? من شهر شعبان، فمكثنا فيها ثلاثة وعشرين يومًا، في (سراية) الوالي بها.
وكان خروجنا إلى البلد في هذه المدة? قليلاً، فلم يسهل لي ذكر شيء من شأنها، غير أنه ظهر لي أنها قريبة الميل في وضعها وحالها إلى بلاد الإفرنج، وإن كنت وقتئذ لم أر شيئًا من بلاد الإفرنج أصلاً، وإنما فهمت ذلك مما رأيته فيها دون غيرها من بلاد مصر، ولكثرة الإفرنج بها، ولكون أغلب السوقة يتكلم ببعض شيء من اللغة الطليانية ونحو ذلك، وتحقق ذلك عندي بعد وصولي إلى «مرسيليا» فإن إسكندرية (عينة) «مرسيليا» وأنموذجها، ولما ذهبت إليها سنة ?? وجدتها قطعة من أوروبا.

? الصواب: الثالث عشر.
? في المطبوعة: المدينة.
الفصل الثاني
في ذكر نبذة تتعلق بهذه المدينة، لخصناها من عدة كتب عربية وفرنساوية وذكرنا ما ظهر لنا صحته
فنقول: قال في القاموس: إن «إسكندرية» منسوبة إلى «إسكندر» ابن الفيلسوف (صوابه فيليبش)، وهو الذي قتل «دارا» وملك البلاد.
والإسكندرية ستة عشر بلدًا منسوبة إليه، منها بلدة ببلاد الهند، وبلدة بأرض بابل، وبلدة بشاطئ النهر الأعظم، وبلدة بصغد سمرقند، وبلدة بمرو، واسم لمدينة بلخ، والثغر الأعظم ببلاد مصر، وقرية بين حماة وحلب، وقرية على دجلة قرب واسط، منها الأديب أحمد بن المختار بين مبشر، وقرية بين مكة والمدينة وبلدة في مجاري الأنهار بالهند، وخمس مدن أخرى.
ومرو: بلدة من خراسان ببلاد الفرس، والنسبة إليها مروي ومروزي، وانظر ما مراده بالنهر الأعظم؟ ثم رأيت في كتاب تقويم البلدان لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن ناصر سلطان حماة أن بالأندلس نهرًا يسمى بالنهر الأعظم، وهو نهر «أشبيلية» ونص عباراته: «ومنها نهر «أشبيلية» من بلاد الأندلس، ويسمى عند أهل الأندلس النهر الأعظم» انتهى.
ولعله إنما سمي عندهم بالنهر الأعظم لامتيازه بحادثة المد والجزر، كما نبه على ذلك أبو الفداء في قوله: يدخله المد والجزر عند مكان يسمى الأرحا لا تزال فيه المراكب منحدرة مع الجزر، صاعدة مع المد، وقال بعضهم في المد والجزر:
خليلي، بادر بي إلى النهر بكرةوقف منه حيث المد يثني عنانه
ولا تجز الأرحا، فإن وراءهايبابا، وعيني لا تريد عيانه
فعلى هذا تكون «إسكندرية» اسم بلدة بالأندلس. ولعل «إسكندر» حين اجتيازه بجزيرة الأندلس بنى بها بلدة.
وذكر صاحب كتاب «نشق الأزهار في عجائب الأقطار» إن الإسكندر ذا القرنين اجتاز بلاد الأندلس، وفتح بها (بغاز) جبل الطارق، المسمى بحر الزقاق، وإن محل هذا البغاز كان أرضًا بين «طنجة» وبلاد الأندلس، ولم يذكر في هذا الموضع أن «إسكندر» بنى بلدة بهذه الجزيرة، لكن هذا لا يدل على عدم وجود بلدة بها.
وظاهر عبارتهم أنه يوجد اثنان، كل منهما يسمى (ص ??) الإسكندر: أحدهما «إسكندر ذو القرنين» والآخر، هو قاتل «دارا».
وقال في القاموس في موضع آخر: «ذو القرنين» إسكندر الرومي؛ لأنه لما دعاهم إلى الله تعالى ضربوه على قرنه، فأحياه الله تعالى، ثم دعاهم، فضربوه على قرنه الآخر، فمات، ثم أحياه الله، أو لأنه بلغ قطري الأرض، أو لضفيرتين له. انتهى. فظاهر كلامه أن إسكندر ذا القرنين هو نفس إسكندر الرومي.
والذي عليه علماء الشرق أن ذا القرنين المذكور في الآية الشريفة هو غير إسكندر اليوناني، فإن الأول أقدم من الثاني وهو الذي قيل بنبوته، وأنه بنى سد «يأجوج ومأجوج»، وإنه بحث عن ماء الحياة بلا طائل، وفاز به الخضر (عليه السلام) فلذلك كان حيًا إلى الآن، وأما الثاني فإنه يسمى «إسكندر الرومي» أو اليوناني، يعني الإغريقي؛ لأن قدماء الأغارقة تسمى: اليونان، والمتأخرون يشتهرون باسم الأروام.
وأما الإفرنج فلا يقولون إلا بوجود «إسكندر الأكبر» ابن «فيليبش» أو ابن «فيلبوش» المقدوني،? ويجعلونه عين ما يعبر عنه في التواريخ العربية باسم «إسكندر ذي القرنين»، وينسبون إليه سائر ما يحكى عنه من العجائب، كسد «يأجوج ومأجوج» ونحو ذلك، غير أنهم لا يصدقون بما لا يوافق العادة.?
وعلى كل حال، فقد اتفق كلام العلماء وحكماء الإفرنج على أن «إسكندرية» تنسب إلى إسكندر الرومي، وهو ابن «فيلبش».
وأنا أقول: الظاهر أن ذا القرنين هو الذي يعبر عنه عند اليونان «بهرقليوس» أو «هرقول»، يدل على ذلك تسمية بوغاز جبل طارق «بوغاز هرقليوس»، مع عبارة كتاب «نشق الأزهار». وكذلك ما ذكر في خرافات اليونان، عند الكلام على عمودي «هرقول»، من أنه أدخل «أوقيانوس» البحر المحيط) في الجزء المسمى الآن «جبل طارق» بين جبلين كانا قبل ذلك متصلين ببعضهما. أحدهما يسمى: «قلبة» في جهة إسبانيا، والآخر يسمى «بيلا» في جهة «أفريقة»، وصارا بعد فتح البوغاز بينهما كأنهما عمودان، وكتب عليهما طهرقول ما معناه «ليس خلف ذلك شيء».
ومما يدل على ذلك أيضًا: ما ذكره اليونان في خرافاتهم، من أن هرقول من فحول الرجال الذين يعبرون عنهم بأنصاف الآلهة، ويعتقدون أنهم متولدون بين الباقي والفاني، أي بين إله وبشر، فإن «هرقول» (ص ??، ??) (على زعمهم) متولد من «جوبتير» أي «المشترى» و«اللمينة» زوجة أنفتريون» ملك «طيوة» حيث تشكل بشكل هذا الملك، وواقعها، فحملت به منه.
وذلك قريب مما ذكره «الدميري» في كتابه: «حياة الحيوان» نقلاً عن «الجاحظ» حيث قال ما ملخصه: إن عمرو بن يربوع كان متولدًا بين السعلاة والإنسان.
قال: وذكروا أن «جُرهمًا» كان نتاج الملائكة والآدميين، فكان إذا عصى الملك ربه في السماء أهبط إلى الأرض في صورة رجل، كما صنع بهاروت وماروت، وأن من هذا القبيل كانت «بلقيس» ملكة «سبأ»، وكذلك كان ذو القرنين، وكانت أمه آدمية، وأبوه من الملائكة؛ ولذلك لما سمع عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) رجلاً ينادي رجلاً: يا ذا القرنين: قال أفرغتم من أسماء الأنبياء، فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟
وقال: وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والإنس، فقال تعالى: وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ، وذلك أن الجنيات إنما تعرض لصرع رجال الإنس على جهة العشق، في طلب السفاد، وكذلك رجال الجن لنساء الإنس، ولولا ذلك لعرض الرجال للرجال والنساء للنساء، وقال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ، ولو كان الجان لا يفتض الآدميات، ولم يكن: ذلك في تركيبه، لما قال الله هذا القول. انتهى.
غاية ما هناك أن العلوية في اعتقاد العرب آهلة في اعتقاد اليونان، وأظن أن هذه المسألة لو عرضت كالجاري على أرباب مدرسة فرنسا العظمى المسماة «أكدمة» لأجابت بعد النظر فيها بالصحة، وأيدت القول بذلك.
وقد سلف في عبارة القاموس أسماء البلاد التي تسمى «بإسكندرية»، وليس مما ينسب إلى «إسكندر» الرومي الشهير بلدة «الأرناؤط» المسماة «إسكندرياسي»، يعني «إسكندرية». بل هي منسوبة على «إسكندربيك».
وقال بعضهم: مدينة «إسكندرية» ببر مصر كانت تسمى قبل بناء الإسكندر لها بنحو ثلاثمائة سنة واثنتين قبل ظهور عيسى (عليه السلام) «قيسون» (بفتح القاف وسكون الياء التحتية).
وقال الإفرنج: إنها كانت تسمى «نو»، (بضم النون)، وقبل فتحها بالإسلام كانت تارة تحت حكم الرومان، وتارة تحت حكم الأروام أو اليونان.
وفتحها عمرو بن العاص بأمر عمر بن الخطاب، ولما فتحها كتب إلى عمر (رضي الله عنه) أنه وجد بها أربعة آلاف قصر، وأربعة (ص ??) آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي تدفع الجزية، وأربعمائة ميدان، واثني عشر ألف بقال، وخضري، وفاكهاني، ولعل هذا من مبالغات المؤرخين، كما بالغوا في غيرها من البلاد؛ كمدينة بغداد.
ومن عجائب ما فيها خزانة الكتب التي حرقها عمرو بن العاص (رضي الله عنه)، فكانت عدة ما فيها من الكتب سبعمائة ألف مجلد.
وقد كان أهل هذه المدينة في سالف الزمان ثلاثمائة ألف نفس تقريبًا، أهلها الآن أقل من ذلك بكثير.
وقد تغلب عليها الفرنسيس ثم أخرجهم الإنكليز منها، ورجعت إلى يد الإسلام.
ومن الآن يلوح عليها أنوار العمارات، وبها بهجة التجارة، كما أنها كانت في الزمن السابق مركزًا للتجارات، وصارت في هذا الوقت دار إقامة الحاكم في أغلب الأوقات، وهي أشبه وضعًا وعمارة بفرضات الإفرنج.
وهي على الشمال الغربي من القاهرة بنحو خمسين فرسخًا، موضوعة في إحدى وثلاثين درجة، وثلاث عشرة دقيقة من العرض، يعني درجة البعد عن خط الاستواء، وسيأتي ذكر المسافة بينها وبين باريس.

? في المطبوعة «المقدواني».
? في المطبوعة «للعادة».
الفصل الثالث
في ركوب البحر المالح المتصل بثغر الإسكندرية?
اعلم أن هذا البحر يسمى في كتب الجغرافيا العربية «بحر الروم» لأنه يتصل إحدى جهاته ببلاد الروم، ويسمى أيضًا فيها «بحر الشام» لمجاورته أيضًا لبلاد الشام، ويسمى أيضًا عند الإفرنج «البحر المتوسط» أو الجواني. وإنما سمي بذلك؛ لأنه داخل الأراضي الناشفة، بخلاف البحر المحيط، فإنه محيط بجميع الأراضي، حتى قال بعضهم: إنه متواصل الجريان تحت الأراضي العالية على سطح مائه، وإن حقق بعضهم خلافه لوجود الأراضي اليابسة تحت سطحه؛ كبعض أراضي «الموسقو».
ويسمى هذا البحر الجواني باللسان التركي «بحر سفيد» والبحر الأبيض؛ لمقابلته ببحر «بنطش» أو «البحر الأسود».
وهناك بحر آخر يسمى «بالبحر الأبيض» وهو بلاد «الموسقو»، وهو المراد بالبحر الأبيض، في إطلاقات علماء الجغرافية.
وكان ركوبنا هذا البحر عصر يوم الأربعاء، خامس يوم من رمضان، وقد امتطينا سفينة حرب فرنساوية لا تغادر في فؤاد (ص ??، ??) الإنسان رعيًا ورزينة صناعة تجذب قلب الراكب؛ حتى يصير في وسطها صبا: محتوية على سائر ما يحتاج إليه من الحرف والصنائع، مشتملة على آلات الحروب وعلى (الحربجية)? ومحصنة بثمانية عشر من المدافع، وكان مجراها يوم الخميس سادس يوم من شهر رمضان المبارك، وكان هبوب الريح وقتئذ خفيفًا، فسرنا من غير إشعار بالسير، فتوسمنا في وجهها الخير، ولم نتألم بذلك، وكنت قبل ركوب البحر عملت بما علمه لي بعض من سافر من العلماء إلى إسلامبول، من تجرُّع حسوات? عظيمة من ماء البحر المالح، وقال: إنه يدفع ألمه، فكان الواقع أنه لم يحصل لي ألم، على أني حين نزلت المركب كمنت متمرضًا بالحمى فبرئت منها بمجرد السفر وحركة السفينة؛ وربما صحت الأجسام بالعلل.
ولا زلنا نسير، من غير شدة تحرك واضطراب، نحو أربعة أيام، وبعدها عصفت الرياح، وتموج ماء البحر وتلاعب بذات الألواح، تلاعب الأشباح بالأرواح، فلازم أكثرنا الأرض، وتوسل جميعنا بالشفيع يوم العرض. ووقع عندنا [جميل]? الموقع قوله بعض الظرفاء: «خاطر من ركب البحر، وأشد منه خطرًا مَن جالس الملوك بغير علم ومعرفة»! وتحقق عندنا تضمين بعضهم لهزل أبي نواس في قوله:
رأيت جميع الهائلات محيطةبوطئي لأجل الحمل جارية البحر
فأقسمت عمري، لا ركبت سفينةولا سرت طول الدهر إلا على الظهر
غير أن المعتمد على الكريم، لا يخشى من الخطب العظيم، وما أحسن قول من قال:
لما ركبنا ببحروكاد من خاف يتلف
على الكريم اعتمدناحاشاه أن يتخلف
وقد ذهب هذا الأمر بعد نحو ثلاثة أيام، وصار يزور غبًّا.
ومما يستحسن في طباع الإفرنج دون من عداهم من النصارى حب النظافة الظاهرية، فإن جميع ما ابتلى الله سبحانه وتعالى به قبط مصر? من الوخم والوسخ أعطاه للإفرنج من النظافة. ولو على ظهر البحر! فإن أهل المركب التي كنا فيها يحافظون على تنظيفها وإذهاب الوسخ ما أمكن، حتى إنهم يغسلون مقعدها كل يوم من الأيام، (ص ??، ??) ويكنسونها في غرف النوم كل نحو يومين، وينفضون الفراش وغيره، ويشمونها? رائحة الهواء، ويزيلون أوخامها، مع أن النظافة من الإيمان، وليس عندهم منه مثقال ذرة!
ومع ما عند الفرنساوية من النظافة الغريبة بالنسبة لبلادنا، فإنهم لا يعدون أنفسهم من الأمم كثيرة الاعتناء بالنظافة، كما يفهم من هذه العبارة المترجمة من كتاب «العوائد والأخلاق» المؤلف باللغة الفرنساوية، وعبارته:
«أعظم الناس اعتناء بنظافة المنازل: أهل «الفلنمك»، فتجد في مدنهم غالب حاراتهم مبلطة بالحجر الأبيض، المتعهد بالتنظيف، وبيوتهم مجملة من خارجها أيضًا، وشبابيكهم (القزاز) تغسل دائمًا، بل وحيطانهم الخارجية.»
وقد توجد النظافة في حصة من بلاد الإنكليز، وببلاد الأقاليم المجتمعة? من «أمريكة»، وهي قليلة في فرنسا والنمسا وغيرهما.
ومن الأمم من هي كثيرة الاتساخ، وكثيرة القمل، بل تجد بعض أناس يأكلهم القمل، ولا يبالون.
وقد ذهب داء البرص من منذ انتشار الأقمصة البيض التي تغسل، ويغير بها كل أسبوع مرة، وعدة مرات، فالملابس البيض من جملة ما أنتج النظافة والسلامة من آثار الأوساخ الرديئة».
انتهى.

? في المطبوعة «بثغر إسكندرية».
? الحربجية: الجند.
? في المطبوعة «حثوات» والصواب ما ذكرناه.
? زيادة اقتضاها السياق.
? في المطبوعة «قبطة».
? في المطبوعة «ويشممونها».
? محاولة منه لترجمة كلمة Stats-units.
الفصل الرابع
فيما رأينا، من الجبال، والبلاد، والجزائر
قد مررنا على جزيرة «كريد» سابع يوم من سفرنا، ورأينا على بعد جبلها الشامخ المسمى عند اليونان «إيدا» الشهير بالأمور الغريبة في تواريخهم.
ثم في اليوم الثالث عشر منه، رأينا جزيرة «سيسيليا»، (بالمهملتين)، وبعضهم يكتبها بالمعجمتين، وهي مشهورة باللسان العربي باسم «صقالية»، أو «صقلية».
وهذه الجزيرة على الجنوب من بلاد «إيطاليا» منفصلة عنها (بالبغاز) المسمى «بغاز مسينة»، (بفتح الميم، وتشديد السين المكسورة المهملة، وسكون الياء، وفتح النون)، وهي من أعظم جزائر البحر المتوسط وأخصبها؛ ولذلك كانت تسمى في الزمن السابق، «شونة رومة»، وكانت في الأعصر السالفة سببًا لحرب السابق. «شونة رومة»، وكانت في الأعصر السالفة سببًا لحرب الرومانيين مع أهل «قرطاجة»، أي سكان الغرب، ثم انتهى الأمر إلى أن وقعت تحت حكم الرومان، ثم انتقلت منهم إلى ملوك اليونان، ثم فتحها المسلمون، ثم تغلب عليها النصارى (ص ??، ??) «النرمندية»، (بضم النون المشددة وسكون الراء، وفتح الميم وكسر الدال، وفتح الياء المشددة) فرقة من أهل الشمال، وهم سكان إقليم «نرمنديا» الذي هو الآن من أيالات فرنسا، ثم حكمها بعض ملوك الإسبانيول، ثم النيمسا، ثم انتهى الأمر إلى أن كانت جزءًا من مملكة «نابلي الكتان»? المسماة «بولية»? حتى إنها هي و«نابلي» قد يسميان الآن عند الإفرنج «السيسيليتين» بتغليب «سيسيليا» على «نابل».
وفي كتب الجغرافيا أن أهل هذه الجزيرة مائة ألف نفس، ومدنها فوق الجبال وقد رأينا بهذه الجزيرة على بعد، في اليوم الرابع عشر الجبل المسمى «منتثنا» (بفتح الميم وسكون النون، وكسر التاء الفوقية، وسكون الثاء المثلثة) و«منتثنا» كلمة مركبة من كلمتين: إحداهما «منت» معناها: جبل، والأخرى «اثنا» فالأحسن كتابتها هكذا «منت اننا»، وهو مشهور الآن بلفظة «جبيل»، ويظهر لي أن هذا الاسم تحريف «جبل» فهو عربي أدخله المسلمون في هذه الجزيرة، وأطلقوه على هذا الجبل، فبقي بعد خروجهم إلى الآن، وتغير بتحريف أهل هذه الجزيرة له.
وهذا الجبل جبل نار، فإنه يخرج منه بالنهار دخان، وبالليل لهب، وقد يقذف مواد حجرية محترقة.
ثم إن جبال النار تسمى بالإفرنجية «الجبال البلكانية». ويسمى الجبل الناري «بلكان»، (بضم الباء الموحدة، وسكون اللام)، ويقال «ولكان»، (بضم الواو)، وقد صحِّف هذا الاسم بالعربية على لفظة «بركان» بالراء) ولعله تعريب عن لغة أهل الأندلس، ويسمى «طهمة» (بفتح الطاء، وسكون الهاء) كما ذكره السعودي في كتابه المسمى «مروج الذهب».
وفوهة البركان تسمى بالفرنساوية: «كراتيرة»? (بكاف وتاء فوقية مكسورتين، وفتح الراء الثانية)، ولا يوجد جبل نار غالبًا إلا في الجزائر.
وقد ذكر أرباب رصد هذا الجبل أن ارتفاعه على ظهر سطح البحر المحيط ألف وتسعمائة قدم وثلاث? أقدام، وأن دورة قاعدة نحو خمسة وخمسين فرسخًا فرنساويًا ودائرة فوهته ربع فرسخ.
ثم إن العادة أن جبل النار يهيج، ثم يسكن، ثم يهيج. وقد يمكث مدة مطفيًا حتى يظن الناس خموده بالكلية، ثم يهيج ثانيًا بعد مضي مدى أعصر، وقد هاج «جبل أثنا» إحدى وثلاثين مرة، ومنها هيجانه سنة ألف وثمانمائة وتسع? بتاريخ الإفرنج، وأعظم هيجانه ما كان سنة سبعمائة وثلاث وتسعين؛ حيث (ص ??) خرب مدينة «كابان»، وأهلك ثمانية عشر ألف نفس.
وعلامة هيجان البراكين شدة العجيج والفرقعة والدوي تحت الأرض، وابتداء التدخين، أو ازدياده، قال بعض الطبائعية:? «إننا إذا قابلنا حوادث الزلازل بحوادث البراكين رأينا كأن هاتين الحادثتين معلولتان لعلة واحدة، وهي النيران التي تحت الأرض أي المحتقنة في باطنها، إلا أن آثار الزلازل أوسع من آثار البراكين، يعني أن آثار الزلازل تظهر في متسع عظيم من الأرض، بخلاف آثار جبال النار فلا تمتد إلا بجوار قرب جبل النار».
وقد جرت العادة أيضًا أن الزلزلة تعظم بقدر البعد عن البركان وعلل ذلك بعضهم بقوله: إن النار التي تحت الأرض تحاول منفسًا، لتخرج منه، فإن كان في الأرض بركان فإنها تخرج منه، فتذهب قوة النار، فتتفقد الزلزلة، بخلاف الأرض الخالية عن البراكين، فإن النيران تحاول منفسًا فيها، فلا تجده، فترتج الأرض بذلك.
وقال بعض الحكماء أيضًا: إن كلاً من الحوادث البركانية والزلازل، صادر عن جاذبية المحاكة، المسماة بالفرنساوية: «إلاكتريسته»،? بكسر الهمزة، وسكون الكاف، وكسر التاء والراء، وكسر السين، وفتح التاء)، المسماة: «الرسيس»، (بفتح الراء المشددة، وكسر السين) التي هي خاصة الكهرباء عند حكها.
قال بعضهم في رد هذا القول: «إنه ينافي ما اعتمده بعض الحكماء في بناء الأرض، ونظم طبقات صخورها».
ومن القواعد المقررة أن ثوران البركان يغلب كلما قل علوه، ويقل كلما عظم العلو، وهذا ما جرت به العادة. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وفي اليوم الخامس عشر رسونا على مدينة «مسينة»، لم نخرج من السفينة أبدًا؛ لأنهم لا يمكنون من يجيء من البلاد الشرقية إلى بلادهم أن يدخلها إلا بعد (الكرتنة)، وهي: مكث أيام معلومة، لإذهاب رائحة الوباء. ولكنهم يجيئون للإنسان بسائر ما يحتاج، ويناولهم الثمن، فيضعونه في إناء فيه خل ونحوه، مع التحفظ التام. (راجع الفصل الأول من المقالة الثانية).
وقد تزودنا من هذه المدينة ما احتجنا إليه، من الفواكه، والخضراوات والمياه العذبة.. إلى آخره، وأقمنا بموردتها خمسة أيام وشاهدنا من بُعد قصورها العالية وهياكلها الشامخة السامية ورأيناها توقد قناديلها ووقداتها قبل أن يدخل وقت الغروب، وتمكث بعد شروق الشمس.
(ص ??، ??) والظاهر أن مدة مرورنا بها كانت عيدًا؛ حيث إننا سمعنا بها أصوات النواقيس مدة إقامتنا، حتى إن ضربهم النواقيس مطرب جدًا.
وقد صنعت في ليلة من هذه الليالي، في المحادثة مع بعض الظرفاء مقامة ظريفة، مضمونها ثلاثة معان:
الأول: المجادلة في أنه لا مانع من أنه الطبيعة السليمة تميل إلى استحسان الذات الجميلة مع العفاف، وأنشأت في ذلك حملة شواهد لطيفة، وأنشأت فيه قولي:
أصبو إلى كل ذي جمالولست من صبوتي أخاف
وليس بي في الهوى ارتيابوإنما شيمتي العفاف
الثاني: سكر المحب من معاني خمر عين محبوبه، واستغناؤه عن الراح براحته، وأنشأت فيه هذا المعنى قولي:
قد قلت لما بدا، والكأس في يدهوجوهر الخمر فيها شبه خديه
حسبي نزاهة طرفي في محاسنهونشوتي من معاني سحر عينيه
الثالث: في تأثر النفس بضرب الناقوس، إذا كان من يضرب الناقوس ظريفًا يحسن ذلك، وقد أنشدت في هذا المعنى قول الشاعر:
مذ جاء يضرب بالناقوس قلت لهمن علَّم الظبي ضربًا بالنواقيس
وقلت للنفس: أيُّ الضرب يؤلمكيضرب النواقيس، أم ضرب النوى؟ قيسي
وذيلتها ببعض أبيات مجنسة، والبحث في معناها، ونوع تجانيسها، بالجواب عن بعض ألغاز نحوية.. إلى آخره، وليس هذا محل بسط الكلام في ذلك.
ثم سرنا من هذه المدينة اليوم المتمم العشرين من مدة سفرنا، سرنا حتى حاذينا جبل النار، وجاوزناه.
وفي اليوم الرابع والعشرين جاوزنا مدينة «نابلي»، وقد كانت قديمًا تسمى باللغة التركية «بولية»، وتعديناها بنحو تسعين ميلاً، فانعكس الريح، وصار قدام السفينة، هابًا من المقصد لا إليه؛ لأنه من جهة الهواء. ويعجبني قول بعضهم:
ومهفهف عني يميل، ولم يمليومًا إليَّ، فقلت من ألم النوى:
لم لا تميل إليَّ يا غصن النقا؟فأجاب: كيف وأنت من جهة الهوا؟!
وقول الصلاح الصفدي:
تقول له الأغصان إذ هز عطفه:أتزعم أن اللين عندك قد ثوى؟
فقم، نحتكم في الروض عند نسيمهليقضي على من مال منا مع الهوى
فبانعكاس الريح، رجعنا إلى مدينة «نابلي» بعد أن جاوزناها، ورسونا عندها، ولم ندخلها لما تقدم.
وهي من المدن العظمى ببلاد الإفرنج، وملكها يحكم على بلاد جزيرة «صقلية» المتقدمة، ومدينة «نابلي» هي كرسي هذا الملك، وقد تسمى باللغة العربية، «نابلي الكتان»،? (بفتح الهمزة، وكسر اللام، وسكون الكاف).
وقد كانت مملكة «نابلي» في يد الإسلام، ومكثت نحو مائتي سنة، ثم تغلبت عليها النصارى النورمندية، هي ومملكة «صقلية» ولم تزل إلى الآن في أيدي النصارى الإيطاليانية، حتى إنها تسمى: بلاد إيطاليا الجنوبية.
وقد أسفنا أن مدينة «نابلي» هي إحدى (البنادر) الأربعة الأصلية بالبلاد الإفرنجية.
ثم رأينا في اليوم التاسع والعشرين جزيرة «قرسقة»، (بضم القاف، وسكون الراء وضم السين، وفتح القاف) التي هي في حكم الفرنسيس، وتسمى الآن: جزيرة «قرس»، وقد فتحها المسلمون، ولم يمكثوا فيها زمنًا طويلاً، وهي وطن «نابليون»، (بضم الباء، وسكون اللام، وبالياء) الشهير باسم «بونابارته» الذي تغلب على مصر في غزوة الفرنساوية، ثم تولى سلطنة فرنسا، مع أن أباه كان رئيسًا في «الطوبجية).
وفي اليوم الثالث والثلاثين رسونا على فرضة «مرسيليا»، فكانت مدة مكثنا في البحر ثلاثة وثلاثين يومًا، ومنها مكثنا خمسة أيام قدام «مسينة»، (بفتح الميم، تشديد السين المكسورة، وفتح النون)، ونحو يوم قدام «نابلي»، وتأخرنا كثيرًا بلعب الرياح.. ولولا ذلك لوصلنا في أقل من هذه المدة بشيء يسير.

? بإضافة «نابلي» إلى الإقليم الذي فيه ويسمى: قطانيا.
? Pouille.
? Cratére.
? في الأصل: (ثلاثة) وهو خطأ.
? فى الاصل: تسع.
? الطبائعية: علماء الجيولوجيا.
? Electricité.
? راجع ص ??.
المقالة الثانية
الفصل الأول
في مدة إقامتنا في مدينة مرسيليا
قد رسونا على موردة «مرسيليا» التي هي إحدى فرض بلاد فرنسا، فنزلنا من سفينة السفر في زوارق صغيرة، فوصلنا إلى بيت خارج المدينة معه (للكرنتينة) على عادتهم. من أن من أتى من البلاد الغربية لا بد أن (يكرتن) قبل أن يدخل المدينة.
ولنذكر هنا ما قيل في (الكرنتينة) بين علماء المغرب، على ما حكاه لي بعض من يوثق به من فضلاء الغرب، قال: وقعت بين العلامة الشيخ محمد المناعي التونسي (ص ??) المالكي، المدرس بجامع الزيتون، ومفتي الحنفية العلامة الشيخ محمد البيرم، المؤلف عدة كتب في المنقول والمعقول، وله تاريخ دولة بني عثمان من مبدئها إلى السلطان محمود الحالي، محاورة في إباحة (الكرنتينة) وحضرها، فقال الأول بتحريمها، والثاني بإباحتها، بل وبوجوبها، وألف في ذلك رسالة، واستدل على ذلك من الكتاب والسنة، وأقام الأول الأدلة على التحريم، وألف رسالة في ذلك، على اعتماده فيها في الاستدلال على أن (الكرنتينة) من جملة الفرار من القضاء.
ووقعت بينهما محاورة أيضًا نظير هذه، في كروية الأرض وبسطها، كالبسط للمناعي، والكروية لخصمه.
وممن قال من علماء المغرب بأن الأرض مستديرة، وأنها سائرة، العلامة الشيخ مختار الكنتاوي بأرض أزوات، بقرب بلاد «تمبكتو»، وهو مؤلف مختصر في فقه مالك، ضاهى به «متن خليل» وضاهى أيضًا «ألفية» ابن مالك في النحو، وله غير ذلك من المصنفات في العلوم الظاهرية والباطنية، كأوراد وأحزاب، كحزب الشاذلي، وقد ألف كتابًا وسماه: «النزهة»، جمع فيه جملة علوم، فذكر بالمناسبة علم الهيئة، فتكلم على كروية الأرض، وعلى سيرها، ووضح ذلك، فتلخص من كلامه أن الأرض كرة، ولا يضر اعتقاد تحركها أو سكونها.
مات هذا الشيخ سنة ألف ومائتين وست وعشرين من لهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وخلفه حفيده المسمى باسمه.
ثم إن هذا البيت الذي كنا فيه (للكرنتينة) متسع جدًا، به القصور والحدائق والبناء المحكم، فبه عرفنا كيفية إحكام أبنية هذه البلاد وإتقانها، وامتلائها بالرياض والحياض.. إلى آخره.
ولم نشعر في أول يوم إلا وقد حضر لنا أمور غريبة في غالبها، وذلك أنهم أحضروا لنا عدة خدم فرنساوية، لا نعرف لغاتهم، ونحو مائة كرسي للجلوس عليها؛ لأن هذه البلاد يستغربون جلوس الإنسان على نحو سجادة مفروشة على الأرض، فضلاً عن الجلوس بالأرض، ثم مدوا السفرة للفطور، ثم جاءوا بطبليات عالية، ثم رصوها من الصحون البيضاء الشبيهة بالعجمية، وجعلوا قدام كل صحن قدحًا من (القزاز)، وسكينًا، وشوكة، وملعقة، وفي كل طبلية نحو قزازتين من الماء، وإناء فيه ملح، وآخر فيه فلفل، ثم رصوا حوالي الطبلية كراسي، لكل واحد كرسي، ثم جاءوا بالطبيخ (ص ??) فوضعوا في كل طبلية صحنًا كبيرًا أو صحنين، ليغرف أحد أهل الطبلية، ويقسم على الجميع، فيعطي لكل إنسان في صحنه شيئًا يقطعه بالسكين التي قدامه، ثم يوصله إلى فمه بالشوكة لا بيده، فلا يأكل الإنسان بيده أصلاً، ولا بشوكة غيره، أو سكينه، أو يشرب من قدحه أبدًا. ويزعمون أن هذا أنظف وأسلم عاقبة.
ومما يشاهد عند الإفرنج أنهم لا يأكلون أبدًا في صحون النحاس، بل ولا في أونية أبدًا، ولو مبيضة؛ فهي للطبخ فقط، بل دائمًا يستعملون الصحون المطلية.
وللطعام عندهم عدة مراتب معروفة، وربما كثرت وتعددت كل مرتبة منها؛ فأول افتتاحهم الطعام يكون (بالشوربة)، ثم بعده باللحوم، ثم بكل نوع من أنواع الأطعمة، كالخضراوات والفطورات، ثم (بالسلطة).
وربما كانت الصحون مطلية? بلون الطعام المقدم، فصحون (السلطة) مثلاً خضر منقوشة بلون (السلطة)، ثم يختمون أكلهم بأكل الفواكه، ثم بالشراب المخدر، إلا أنهم يتعاطون منه القليل، ثم بالشاي والقهوة، وهذا الأمر مطرد للغني والفقير؛ كل على حسب حاله.
ثم إن الإنسان كلما أكل طعامًا في صحنه غيَّره، وأخذ صحنًا غير مستعمل ليأكل فيه طعامًا آخر.
ثم إنهم أحضروا لنا آلات الفراش، والعادة عندهم أنه لا بد أن ينام الإنسان على شيء مرتفع نحو سرير، فأحضروا ذلك لنا.
ومكثنا في هذا المحل ثمانية عشر يومًا، لا نخرج منه أبدًا غير أنه متسع جدًا، وفيه حدائق عظيمة، ومحال متسعة، للتماشي فيها، والتنزه في رياضها.
ومن هذا البيت ركبنا العربات المزينة المجملة التي تستمر عندهم آناء الليل وأطراف النهار تقرقع، وسرنا بها إلى بيت في المدينة، لكنه في حواشيها، من القصور المصنوعة خارج المدينة بحدائقه وأدواتها، فمكثنا منتظرين التوجه إلى مدينة «باريس» ومدة مكثنا في هذا البيت كنا نخرج بعض ساعات للتسلي في البلد، وندخل بعض القهاوي.
والقهاوي عندهم ليست مجمعًا للحرافيش، بل هي مجمع لأرباب الحشمة؛ إذ هي مزينة بالأمور العظيمة النفيسة التي لا تليق إلا بالغنى التام، وأثمان ما فيها غالية جدًا، فلا يدخلها إلا أهل الثروة، وأما الفقراء فإنهم يدخلون بعض قهاوي فقيرة أو الخمارات والمحاشيش، ومع ذلك هذه المحال أيضًا مجملة تجملاً نسبيًا. وقد أسلفت أن مدينة إسكندرية (ص ??) تشبه في حالها مرسيليا.
وأذكر هنا أن الفرق بينهما اتساع السكك والطرق اتساعًا مفرطًا لمرور جملة عربات معًا في طريق واحد، والآن صارت الإسكندرية بالهمة الخديوية بنحو ذلك، ثم إن سائر القاعات والأروقة أو المنادر العظيمة يوضع في حيطانها الجوانية مرآة عظيمة كبيرة، حتى إنه ربما كانت سائر جوانب القاعة كلها من زجاج المرآة؛ ليظهر لها رونق عظيم. «فأول مرة خرجنا إلى البلدة مررنا بالدكاكين العظيمة الوضع المزججة بهذه المرائي، والمشحونة بالنساء الجميلات، وكان هذا الوقت وقت الظهيرة.
وعادة نساء هذه البلاد: كشف الوجه والرأس، والنحر، وما تحته، والقفا، وما تحته، واليدين إلى قرب المنكبين.
والعادة أيضًا أن البيع والشراء بالأصالة للنساء، وأما الأشغال فهي للرجال، فكان لنا بالدكاكين والقهاوي ونحوها فرجة عليها، وعلى ما يعمرها.
وكان أول ما وقع عليه بصرنا من التحف قهوة عظيمة، دخلناها، فرأيناها عجيبة الشكل والترتيب، والقهوجية امرأة جالسة على صفة عظيمة، وقدامها دواة وريش وقائمة، وفي قاعة بعيدة عن الناس محل لعمل القهوة، وبين محل جلوس الناس ومحل القهوة صبيان القهوة، ومحل الجلوس للناس مرصوص بالكراسي المكسوة بالمشجرات وبالطاولات المصنوعة من الخشب الكابلي الجيد، وكل طاولة مفروشة بحجر من الرخام الأسود أو المنقوشة، وفي هذه القهوة يباع سائر أنواع الشراب والفطورات، فإذا طلب الإنسان شيئًا طلبه الصبيان من القهوجية، وهي تأمر بإحضاره له، وتكتبه في دفترها، وتقطع به ورقة صغيرة فيها الثمن، وتبعثها مع الصبي للطالب، حين يريد الدفع، والعادة أن الإنسان إذا شرب القهوة أحضر له معها السكر، ليخلطه فيها ويذيبه، ويشربه، ففعلنا ذلك كعادتهم. وفنجان القهوة عندهم كبير نحو أربعة فناجين من فناجين مصر. وبالجملة فهو قدح لا فنجان، وبهذه القهوة أوراق الوقائع اليومية لأجل المطالعة فيها، وحين دخولي بهذه القهوة ومكثي بها ظننت أنها قصبة عظيمة نافذة؛ لما أن بها كثيرًا من الناس، فإذا بدا جماعة داخلها أو خارجها ظهرت صورهم في كل جوانب الزجاج، ظهر تعددهم مشيًا وقعودًا قيامًا، فيظن أن هذه القهوة طريق، وما عرفت أنها (ص ??) قهوة مسدودة إلا بسبب أني رأيت عدة صورنا في المرآة، فعرفت أن هذا كله بسبب خاصية الزجاج؛ فعادة المرآة عندنا أن تثني صورة الإنسان. كما قال بعضهم في هذا الشأن:
أبرقع منظر المرآة عنهمخافة أن تثنيه لعيني
أقاسي ما أقاسي، وهو فذفكيف إذا تجلى فرقدين!
وعادتها عند الإفرنج، بسبب تعددها على الجدران وعظم صورتها، أن تعدد الصورة الواحدة في سائر الجوانب والأركان.
ومن كلامي:
يغيب عني فلا يبقى له أثرسوى بقلبي، ولم يسمع له خبر
فحين يلقي على المرآة صورتهيلوح فيها بدور كلها صور
وقال شيخنا العطار: لم أر ألطف تخيلاً في هذا المعنى من قول ابن سهل:
ألقى بمرآة فكري شمس صورتهفعكسها شب في أحشائي اللهبا
قال الحريري في مليح بيده مرآة:
رأى حسن صورته في المرآةفأصبح صبًا بها مدنفا
وصير يعقوب اسمًا لهيشير بأن قد رأى يوسفا
وسيأتي كمال الكلام على ذلك كله في ذكر مدينة باريس.
ومدة إقامتنا في مرسيليا بعد (الكرنتينة) شغلناها أيضًا بتعلم تقطيع الحروف، يعني تعلم تهجي اللغة الفرنساوية.
ثم إنه يوجد في مدينة مرسيليا كثير من نصارى مصر والشام الذين خرجوا مع الفرنساوية حين خروجهم من مصر، وهم جميعًا يلبسون لبس الفرنسيس، وندر وجود أحد من الإسلام الذين خرجوا مع الفرنسيس؛ فإن منهم من مات، ومنهم من تنصر، والعياذ بالله، خصوصًا المماليك، الجورجية والجركسية، والنساء اللواتي أخذهن الفرنسيس صغار السن، وقد وجدت امرأة عجوزًا باقية على دينها.
وممن تنصر إنسان يقال له عبد العال، ويقال إنه كان ولاه الفرنسيس بمصر (أغاة انكشارية) في أيامهم، فلما سافروا تبعهم، وبقي على إسلامه نحو خمس عشرة سنة، ثم بعد ذلك تنصر، والعياذ بالله، بسبب الزواج بنصرانية، ثم مات بعد قليل ويقال إنه سمع عند موته يقول: أجرني يا رسول الله! ولعله ختم له بخير، وعاد إلى الإسلام، فقال بلسان الحال:
الحمد لله، الحنيفةُ ملتيوالله ربي، وابن آمنة نبيِّي
ولقد رأيت له ولدين وبنتًا، أتوا في مصر وهم على دين النصرانية؛ أحدهما معلم الآن في مدرسة أبي زعبل.
ومثله ما حكاه لي بعضهم أن سر عسكر المسمى «منو» المتولي في مصر بعد قتل الجنرال «كليبر» (بفتح الكاف، وكسر اللم وكسر الباء) كان أسلم في مصر نفاقًا، كما هو الظاهر، وتسمى: عبد الله وتزوج ببنت شريف من أشراف رشيد، فلما خرج الفرنسيس من مصر، وأراد الرجوع، أخذها معه، فلما وصل رجع إلى النصرانية، وأبدل العمامة (البرنيطة) ومكث مع زوجته، هي على دينها مدة أيام فلما ولدت، وأراد زوجها أن يعمد ولده على عادة النصارى لينصره أبت الزوجة ذلك وقالت: لا أنصر ولدي أصلاً، ولا أعرضه للدين الباطل! فقال لها الزوج إن كل الأديان حق، وإن مآلها واحد وهو عمل الطيب، فلم ترض بذلك أبدًا فقال لها إن القرآن ناطق بذلك، وأنت مسلمة فعليك أن تصدقي بكتاب نبيل: ثم أرسل بإحضار أعلم الإفرنج باللغة العربية «البارون دساسي» فإنه هو الذي يعرف يقرأ القرآن وقال لها سليه عن ذلك فسألته، فأجابها بقوله: إنه يوجد في القرآن قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. فحجها بذلك! فأذنت بمعمودية ولدها، ثم بعد ذلك انتهى الأمر على ما قيل أنها تنصرت، وماتت كافرة.
كل دين إن فاتك الإسلامفمحال؛ لأنه أوهام
ومما رأيته من جملة المصريين في مرسيليا: إنسان لابس أيضًا كالإفرنج، واسمه محمد منطلق اللسان في غير اللغة العربية، فلا يعرف من اللسان العربي إلا اليسير، فسألته عن بلده ببر مصر، فأجاب بأنه من مدينة أسيوط من أشرافها، وأن أباه يسمى السيد عبد الرحيم، وهو من أكابر هذه البلدة، وأمه تسمى مسعودة أو قريبًا من ذلك الاسم، وأنه اختطفه الفرنساوية في حال صِغره، ويقول: إنه باق على إسلامه يعرف من الأمور الدينية: الله واحد ومحمد رسوله، والله كريم!».
ومن العجائب أنني بعد كلامه توسمت فيه الخير، وكان على وجهه سمة أشراف أسيوط (ص ??، ??) حقيقة، فإن صح كلامه كان من أولاد سيدي حريز بن سيدي أبي القاسم الطهطاوي وأشراف طهطا من أولاد سيدي يحيى بن القطب الرباني سيدي أبي القاسم، وله ثالث يسمى سيدي علي البصير، ذريته أهل جزيرة شندويل، وشهرة سيدي أبي القاسم الطهطاوي لا تخفى على من يعرفه، وإن لم يذكره سيدي عبد الوهاب الشعراني في الطبقات، وكثير من الأشراف بالبلاد العثمانية ينتهي نسبهم إلى سيدي حريز المتقدم.
ومما رأيته في مرسيليا الملعبة المسماة «السبكتا كل» وأمرها غريب ولا يمكن معرفتها بوصفها، بل لا بد من رؤيتها بالعين، ونذكرها في الكلام على «باريس» ومكثنا في هذه البلدة خمسين يومًا وتوجهنا إلى باريس.

? في المطبوعات: «المطلية».
الفصل الثاني
في الخروج من مرسيليا إلى دخول باريس وفي المسافة بينهما
اعلم أن عادة المسافرين من مرسيليا إلى باريس بالعربات أن يستأجروا العربة أو موضعًا فيها، فأما أن يأكلوا على كيسهم أو يدفعوا قدرًا معلومًا للعربة? والقوت مدة الطريق.
ثم إن السفر يكون ليلاً ونهارًا إلا وقت الأكل ونحوه، وكل البلاد التي في الطريق فيها مواضع معدة للطعام والشراب، مشتملة على سائر أنواع المطعومات والمشروبات في غاية النظافة والظرافة. وفيها محال للنوم مفروشة بالفرش العظيم، وبالجملة فهي مستكملة الآلات والأدوات.
فلما ركبنا عربات السفر، كل جماعة منا في يوم، وسرنا من مرسيليا سيرًا سريعًا، مستمرًا على حالة واحدة، ولا يتأثر الإنسان، كسفر البحر بالرياح ونحوها، وصلنا مدينة ليون في ضحوة اليوم الثالث، ومدينة ليون، على البعد من مرسيليا باثنين وتسعة عشر فرسخًا، ومن «مرسيليا» إلى «باريس» مائتان وأحد عشر فرسخًا فرنساويًا، وقد مكثنا في «ليون» نحو اثنتي عشرة ساعة للاستراحة، ولم أرَ داخل هذه المدينة إلا بالمرور فيها، أو من شباك البيت الذي كنا فيه:
ومن لم يستطع أعلام رضوىلينزل بعضها نزل السفوحا
ثم سرنا منها ليلاً إلى «باريس»، فدخلناها صبيحة اليوم السابع من خروجنا من مرسيليا، وقد مررنا بقرى كثيرة، وأغلبها مشتمل على البيع والشراء والخفر، عظيمة الأبنية مزينة بالأشجار، وبالجملة فالقرى مسلسلة متصلة ببعضها? غالبًا، خصوصًا (ص ??) مع جد السير، حتى إن الإنسان لا يظن إلا أنه في بلدة واحدة، والمسافرون غالبًا في ظل الأشجار المرصوصة بوجه مرتب مطرد في سائر الطرق، وندر تخلفه في بعض المحال. ثم إن الظاهر في هذه القرى والبلاد الصغيرة أن جمال النساء وصفاء أبدانهن أعظم من ذلك في مدينة «باريس» غير أن نساء الأرياف أقل تزينًا من نساء «باريس» كما هو العادة المطردة في سائر بلاد العمران.

? في المطبوعة: للعربية.
? الصواب: سلسل بعضها ببعض.
المقالة الثالثة
الفصل الأول
في تخطيط «باريس» من جهة وضعها الجغرافي، وطبيعة أرضها، ومزاج إقليمها وقطرها
اعلم أن هذه المدينة تسمى عند الفرنسيس «باري» (بالباء الفارسية التي تلفظ بين الفاء والباء) ولكن يكتب هذا الاسم «باريس» ولا ينطق بالسين أبدًا فيه، كما هو عادة الفرنساوية من أنهم يكتبون بعض الحروف ولا يلفظون بها أبدًا، خصوصًا حرف السين في آخر بعض الكلمات؛ فإنه لا ينطق به أبدًا مثلاً أتينه (بإمالة التاء) مدينة حكماء اليونان تكتب بالفرنساوية (أتينس) أو (باريز)، وربما قالوا «فارس». وأظن أن الأوفق كتابتها بالسين، وإن اشتهر على ألسنة غير أهلها قراءتها بالزاي، ولعل ذلك إنما نشأ عن أن السين في اللغة الفرنساوية قد تقرأ زايًا في بعض الأحيان ببعض شروط، وإن كانت مفقودة هنا إلا في حال النسبة فإن النسبة إلى «باريس» عند الفرنسيس بارزياني، وهذا بعينه هو السبب؛ لأن النسبة ترد الأشياء إلى أصولها، ولكن هذه القاعدة في النسبة العربية، والنسبة هنا أعجمية، وقد مشيت في بعض أشعاري التي أنشدتها فيها كتابتها بالسين.
حيث قلت:
لئن طلقت باريسًا ثلاثافما هذا لغير وصال مصر
فكل منهما عندي عروسولكن مصر ليست بنت كفر!
وقلت:
لقد ذكروا شموس الحسن طراوقالوا إن مطلعًا بمصر
•••
ولكن لو رأوها وهي تبدوبباريس لخصوها بذكر
وسميت بذلك؛ لأن طائفة من قدماء الفرنساوية كانت على نهر السين تسمى، (الباريزيين)، ومعناها في اللسان القديم الفرنساوي سكان الأطراف والحواشي، وليس هذا الاسم منقولاً عن «باريس» اسم رجل شهير كما قاله بعضهم.
ثم إن هذه المدينة من أعمر مدائن الدنيا، ومن أعظم مدائن الإفرنج الآن، وهي كرسي بلاد الفرنسيس، وقاعدة ملك فرنسا، وسيأتي تفصيل ذلك في محله.
وهي موضوعة في التاسعة والأربعين درجة وخمسين دقيقة من العرض الشمالي، يعني أنها بعيدة عن خط الاستواء جهة الشمال بهذا القدر.
وأما طولها فإنه يختلف، فإذا اعتبرنا خط نصف النهار الذي ينسب إليه الفرنساوية أطوال سائر الأماكن، وهو خط نصف النهار المرسوم في رصدهم السلطاني، وهو يمر بباريس، فهو حينئذ مبدأ الأطوال على حساب الفرنساوية، كان طولها صفرًا، وأما إذا حسبنا على خط نصف النهار الذي كان يأخذ بطليموس الأطوال منه، ولا يزال? إلى الآن مبدأ أطوال بعض الأمم، كأهل «الفلمنك» وهو خط نصف نهار «الجزائر الخالدات» ببحر المغرب، كانت باريس في عشرين درجة تقريبًا من الطول الشرقي.
ولنذكر لك هنا كيفية معرفة درجتي الطول والعرض في? مكان من الأمكنة، وثمرة ذلك، وإن كان يخرجنا عما نحن بصدده فنقول: اعلم أن علماء الهيئة قد أوضحوا بالأدلة كروية الأرض، وإنها غير صادقة التكوير، ثم صنعوا على هيئتها صورة، وسموها صورة الأرض.
ولإمكان تقسيم الأرض، وتسهيل معرفتها، توهموا فيها دوائر أنصاف نهار ودوائر متوازية، ومحورًا وقطبين ورسموها على صورتها المصطنعة؛ فمحور الكرة الأرضية هو الخط الموازي لمحور الفلك، وطرفاه هما القطبان، ويسمى أحدهما القطب الشمالي، والآخر القطب الجنوبي، ودوائر أنصاف النهار هي الدوائر التي تعبر من أحد القطبين إلى الآخر، وعلة تسميتها بذلك أنه إذا كانت الشمس في سمت رأس محل يمر عليه هذا الخط وقت الظهر بذلك المحل، ومركز هذه الدوائر هو مركز الأرض.
ولما الدوائر المتوازية فهي الدوائر الواقعة أعمدة على دوائر أنصاف النهار، وهي التي بينها وبين مركزها تواز على محور الأرض، (ص ??) وأعظمها دائرة الاستواء وهي الدائرة العظمى السنوية البعد من القطبين، وهي تنصف الكرة نصفين أحدهما النصف الشمال، والآخر النصف الجنوبي، ثم إن دوائر أنصاف النهار. والدوائر المتوازية كسائر الدوائر، تنقسم إلى ثلاثمائة وستين درجة وكل درجة تتجزأ إلى ستين دقيقة، وكل دقيقة إلى ستين ثانية، وكل ثانية إلى ستين ثالثة، وهكذا.
وللإفرنج تقسيم آخر جديد، وهو: أن الدائرة تنقسم إلى أربعة أرباع، وكل ربع يتجزأ مائة، تسمى درجات مثينية، وكل درجة مائة دقيقة مثينية، وكل دقيقة مائة ثانية كذلك، وهكذا. وهذا نشأ عن استعمالهم الحساب الأعشاري، والحساب المتري، والأول أشهر استعمالا، وبهذه الدوائر العظمى يتحدد الطول والعرض؛ وذلك أن العرض هو بعد الدائرة متوازية عن المتوازية التي هي دائرة الاستواء، فإن أخذته جهة الشمال كان عرضًا شماليًا، ونهايته تسعون درجة، وإن كان جهة الجنوب فجنوبي، ونهايته كذلك، وأما الطول فهو بعد خط نصف النهار عن خط نصف نهار آخر مصطلح على أنه أولى، وهو شرقي، وقدره مائة وثمانون درجة، وغربي وقدره كذلك، وقد وضع أصحاب الجغرافيا في الكرة? أو الخرطات على كل دائرة متوازية ما تبعد به من الدرجات عن دائرة الاستواء، كما جعلوا على كل دائرة نصف نهار عدد درج بعدها من دائرة نصف النهار الأولية.
وقد رسم كما أسلفناه «بطليموس» الحكيم دائرة نصف النهار الأولية في «الجزائر الخالدات»، فلما انكشفت بلاد أمريكة اختار الإفرنج أن يجعل كل قطر من الأقطار خط نصف نهارهم الأولي ببلادهم، لينسبوا إليها ما عداها، كما صنع الفرنساوية، فإنهم جعلوا خط نصف نهارهم الأولي في مدينة باريس، وبقيت منهم أمم كالفلمنك على أخذ الأطوال من جزيرة الحديد بالجزائر الخالدات.
وفي الواقع أن الأولى، كما هو الظاهر، اتخاذ مبدأ أطوال مشترك لجميع الأمم ينسب إليه ما عداه، ويكون في قطر لا عمار بعده معلوم أو ممتاز بمزية؛ كمكة المشرفة، ثم إن كيفية تحديد أن الشمس أو الأرض، كما يقوله الإفرنج، تقطع حركتها اليومية في أربع وعشرين ساعة فهي تقطع من الدائرة التي ترسمها في سيرها خمس عشرة (ص ??) درجة في كل ساعة فتقطع درجة كل أربع دقائق يعني أنه إذا دخل وقت الظهر في القاهرة مثلاً فلا يدخل وقته في المكان الذي يبعد عنها جهة الغرب بخمس عشرة درجة إلا بعد ساعة ويدخل بعد ساعتين، فيما يبعد عنها بثلاثين درجة، وهلم جرا، وبعكس ذلك في المكان الذي يبعد عنها جهة المشرق، فإنه إذا كان الظهر في القاهرة يكون قد مضى ساعة بعد الظهر في المكان الذي يبعد عنها جهة المشرق بخمس عشرة درجة، ويكون مضى ساعتان فيما يبعد عنها في هذه الجهة بثلاثين درجة إلى آخره.
فلنذكر هنا — حينئذٍ — متى يكون الظهر في «باريس» إذا كان الظهر في أصول البلاد الغربية منها والشرقية، وبذلك يفهم بعدها عن هذه البلاد، فيقال: إذا كان وقت الظهر في مصر القاهرة لا يدخل وقته في «باريس» إلا بعد مضي ساعتين إلا أربع دقائق، وإذا كان الظهر في «إسلامبول» كان في «باريس» بعد مضي ساعة وست وأربعين دقيقة، وإذا كان في بغداد كان دخوله في باريس بعد ساعتين وثمان وأربعين دقيقة وفي حلب إذا دخل الظهر لا يدخل في «باريس» إلا بعد ساعتين وثلث، وإذا دخل الظهر في الجزائر لا يدخل في باريس إلا بعد أربع دقائق تقريبًا، وإذا دخل في «تونس» فيدخل في «باريس» بعد مضي نص ساعة ودقيقتين، ووقت الظهر في «أصفهان» يدخل في «باريس» بعد مضي ثلاث ساعات واثنتين وعشرين دقيقة، وإذا كان في مدينة «بكين» (بكسر الباء والكاف) كرسي ملك الصين، يكون في «باريس» سبع ساعات وإحدى وأربعون دقيقة، وفي مدينة الباب الأبواب? تكون ساعة وثماني وأربعون دقيقة، وفي مدينة «رومة الكبرى نصف ساعة وثماني دقائق وهذه البلاد على الشرق من مدينة «باريس».
وأما البلاد التي على غربيها فإذا كان الظهر في مدينة «مدريد» كرسي ملك الأندلس؛ فإنه يكون فات وقته في «باريس» بأربع دقائق وإذا كان في مدينة «أشبونة» كرسي البرتوغال فإنه يكون فات وقته في باريس بخمس دقائق ونصف، وإذا دخل وقته في «فيلادلفيا» بكسر الفاء، وسكون الياء، وفتح اللام، وكسر الدال المهملة، وسكون اللام، وكسر الفاء) مدينة بأمريكة، فإنه يكون قد مضى بعده في «باريس» خمس (ص ??) ساعات وثلاث عشرة دقيقة، وإذا كان وقته في مدينة «ريوجانيرو» (بكسر الراء وضم الباء، وكسر النون، وسكون الياء) كرسي سلطنة «إبريزيلة» في أمريكة، فهو ثلاث ساعات تقريبًا، وإذا كان نصف النهار في جزيرة «كنفو» في «أمريكة الموسقو» يكون نصف الليل في «باريس» فإنهما متقاطران.
والمسافة بين «باريس» و«إسكندرية» سبعمائة وتسعة وستون فرسخًا فرنساويًا، وبينها وبين القاهرة ثمانمائة وتسعة فراسخ، وبينها وبين مكة المشرفة سبعمائة وأربعون فرسخًا، وبينها وبين «إسلامبول» خمسمائة وستون فرسخًا، وبينها وبين حلب ثمانمائة وستة وستون فرسخًا، وبينها وبين طمراكش سبعمائة وخمسة وعشرون فرسخًا، وبينها وبين «تونس» ثلاثمائة وسبعون فرسخًا، وبينها وبين مدينة «لوندرة» كرسي الإنكليز مائة فرسخ، وبينها وبين مدينة «بتربرغ»? كرسي الموسقو خمسمائة وستة وأربعون فرسخًا، وبينها وبين مدينة «موسقو» كرسي الموسقوبية القديم ستمائة فرسخ وبينها وبين مدينة «رومة» كرسي البابا ثلاثمائة وخمسة وعشرون، وبينها وبين مدينة «بجة»? كرسي النيمسا ثلثمائة وخمسة وعشرون أيضًا، وبينها وبين مدينة «نابلي» ثلاثمائة وأربعة وثمانون فرسخًا.
وارتفاعها بالنسبة لسطح البحر المحيط ثماني عشرة قامة، ومن المعلوم أنها من بلاد المنطقة المعتدلة، فليست في غاية الحرارة، ولا في غاية البرودة، فإن أقصى درجات الحر فيها إحدى وثلاثين درجة ونصفًا، وهذا نادر. والحر الأوسط تسع وعشرون درجة، وأقصى درجات البرد بها في الغالب اثنتا عشرة درجة، وندر بلوغه ثماني عشرة،? والبرد الأوسط سبع درجات.
ومعلوم أن درجة الحر تحسب من شروع المتجمدات في الذوبان إلى حد فوران الماء، ودرجات البرد من شروعه في الجمود.
والأغلب فيها عدم صحو الزمن وكثرة الغيوم، بحيث تمكث الشمس في الشتاء عدة أيام لا تنكشف ولا يرى جَرْمها غالبًا، فما كأنها إلا ماتت وعاش الليل، ويحسن هنا قول بعضهم:
قلت والليل مقيمودجاه غير ساري
أعظم الخالق أجر الــخلق في شمس النهار
فلقد ماتت، كما مات غرامي واصطباري?
وأما المطر، فإنه لا ينقطع في هذه المدينة في سائر فصول السنة، وإذا نزل في الغالب نزل بكثرة؛ فلذلك احتاجوا في دفع ضرره إلى جعل أعالي الدور منحدرة لتنزل منها المياه إلى أسفل الدور، وفي سائر البيوت والطرق مجاري وبالوعات، فترى وقت المطر سائر طرق «باريس» محدودة بمجار؛ كالقناة الجارية المياه، خصوصًا وأرض هذه المدينة مبلطة بالحجر، فلا تتشرب المياه أبدًا، بل تسير إلى هذه المجاري، ومنها إلى البالوعات.
وتغير مزاج الهواء والزمن في «باريس» أمر عجيب، فإنه قد يتغير في اليوم الواحد (ص ??) أو مع ما بعده حال الزمن، مثلاً: يكون في الصباح صحو عجيب لا يظن الإنسان تغيره فلا يمضي نصف ساعة إلا ويذهب بالكلية، ويخلفه المطر الشديد، وقد يكون حر يوم من الأيام أربعًا وعشرين درجة، ولا يصل اليوم الآتي إلى اثنتي عشرة،? وهكذا، فقل أن يأمن الإنسان تغير الوقت بهذه البلاد، فمزاجها كمزاج أهلها كما سيأتي.
ومعلوم أنه ينبغي أن يتحفظ الإنسان من ضرر هذا التغير وإن كان هواء «باريس» في الجملة طيبًا مناسبًا للصحة، ومع أن حرها لا يصل إلى حر القاهرة في الغالب فهو غير مألوف أبدًا، ولعل ذلك للانتقال من شدة البرد إلى شدة الحر.
وأما بردها فإنه وإن كان في طاقة الإنسان تحمله من غير عظيم تعب، فإنه لا يمكن للناس الشغل إلا بالتدفئة بالنار؛ فلذلك كان في سائر قهاويها وخاناتها ومعاملها وحوانيتها مداخن مبنية في الأود، ليوقد فيها النار، وهي مرتبة على وجه بحيث لا ينتشر في الأودة دخان الحطب?? فإن هذه المداخن نافذة إلى الهواء، فيجذب الهواء الدخان، ويطرده خارج البيت، وفي بعض الأود يصنعون نوعًا من الفرن له باب من الحديد ويلحقون به قصبة من صفيح، وينفذون هذه القصبة في فرجة تتصل بالهواء، فيضعون الخشب في الفرن، ويغلقون باب المحمى فيصعد الدخان جهة القصبة، ومنها يصعد إلى الخلاء فتسخن الفرن وتحمي قصبتها فتسخن الأودة أو الرواق ونحوهما?? أو عندهم نوع آخر عجيب يسمى «المداخن المسقوبية»?? وعادة المدخنة أو الفرن المسماة عند الفرنساوية «بوالا»?? أن ظاهرها مطلي طلاء عظيمًا في غاية النظافة، والمدخنة دائمًا مرخمة الجوانب، ولها عرصة من حديد، وهي عند الفرنساوية لحسن صناعتها من زينة المحل فيكتنفونها في الشتاء، ومن أعظم إكرام الضيف عندهم في الشتاء تقريبه جهة النار، ولا عجب في ذلك، نسأل الله إنقاذنا من حر نار جهنم، ولله در القائل:
النار فاكهة الشتاء فمن يردأكل الفواكه شاتيًا فليصطل
وأحسن من قال:
دخلت يومًا على صديقوالبرد يفري به الفريا
فأوقد النار قلت كلالأنت أولى بها صليا
وبالجملة فالتدفئة في الشتاء عند الفرنساوية جزء من المؤونة، فهذا ما يستعينون به على البرد.
وأما ما يستعينون به على التوقي من ضرر المطر فهو المظلات المسماة في مصر بالشمسيات، يعني وقايات الشمس، وتسمى تلك عند الفرنساوية وقاية المطر، وفي الحر تمشي النساء بالشمسيات، ولا يمكن للرجال ذلك أبدًا.
وأرض هذه المدينة مفلحة دسمة مثمرة، فكيف لا وما من بيت من البيوت الوافرة إلا وبه بستان عظيم الأشجار والخضراوات وغيرها؟ وأغلب النباتات الغريبة يوجد بهذه البلدة، فإنهم يعينون بتطبيع?? النباتات كالحيوانات الغريبة ببلادهم، ومثلاً شجر النخل لا يخرج إلا في الأقاليم الحارة، ومع ذلك صنع الفرنساوية كل الحيل، حتى زرعوا منه شيئًا، وإن كان لا يثمر، إلا أنه ينفعهم في الجوع إليه عند قراءتهم في علم النباتات، وقد اشتهر عندنا أن النخل لا يوجد إلا ببلاد الإسلام، ويرد عليه أنه عند كشف بلاد أمريكة وجدوا بها نخلاً غير منقول، كما هو الظاهر من بلادنا، فانظر هذا مع قول الفاضل القزويني في كتابه عجائب المخلوقات، وغرائب الموجودات ما نصه، نخل شجرة مباركة عجيبة، من عجائبها أنها لا تنبت إلا في بلاد الإسلام انتهى. ولعل النخل الموجود في غير بلاد الإسلام نوع مخصوص يصدق عليه اسم النخل عند أهل النباتات، والمقصور على بلاد الإسلام نخل التمر، لمناسبة مزاج?? قطرها فتأمل.
وبقرب أرض باريس عين ماء معدني باردة الماء.
ويشقها نهران أحدهما — وهو الأعظم والأشهر — يقال له: نهر السين بفتح السين) والآخر نهر «غوبلان» قال بعض علماء الكيميا من الإفرنج: إن أقل المياه خليطًا بالمواد الخارجية «نيل مصر» و«نهر الكنك» ببلاد الهند ونهر «السين» «بباريس» ويتفرع على ذلك اعتبار مائها في فن الطب من الأمور المناسبة لصحة الأبدان، وأنه يحسن تطبيب وطبخ الخضراوات بها دون غيرها، وتحليل الصابون بها للغسل ونحو ذلك.
وفي نهر السين بداخل باريس ثلاث جزائر؛ إحداها تسمى «جزيرة السيتة» وكان بها باريس القديمة «والسيتة» «بكسر السين وسكون الياء وفتح الفوقية» معناها المدينة، فكأنه قيل جزيرة المدينة وشتان بين هذا وبين النيل، والروضة والمقياس، فإن نزهة الإنسان في الروضة والمقياس لا تضاهى؛ لأن الخليج (ص ??) يعبر مصر، والسين يعبر طباريس إلا أن نهر السين بتمامه يشق «باريس» وتجري به?? السفن العظيمة الوسق، وبه الأرصفة الجيدة والنظافة على حوافيه، ومع ذلك فنزهته غير سارة وشتان أيضًا بين ماء «النيل» و«السين» من جهة الطعم وغيره؛ فإن ماء النيل لو كانت العادة جرت بترويقه قبل استعماله كما هو العادة في ماء نهر السين لكان من أعظم الأدوية، وأقول أيضًا إنه فرق بعيد بين طعم ماء نهر «السين» وماء العيون والقطوع والسواقي ببلاد صعيد مصر. وبالجملة والتفصيل ففرق بعيد بين تربة مصر «وباريس» ومياههما وفواكههما إلا في نحو الخوخ، وإقليمهما، فلولا نجامة أهل باريس وحكمتهم وبراعتهم، وحسن تدبيرهم، واعتنائهم بتعهد مصالح بلادهم، لكانت مدينتهم كلاشيء، فانظر مثلاً على نهر «السين» فإنه وإن كان نزهة في أيام الحر فإنه قد يبلغ في وقت الشتاء ثماني درجات من الجمود والانعقاد، حتى إنه يمكن أن يداس عليه بالعربات، وانظر إلى أشجار هذه المدينة، فإنها تكون مورقة في أيام الحر، وفي أيام البرد لا تجدها إلا قرعة رديئة المنظر، كأنها حطب مصلب، وهذا في سائر البلاد الباردة، وقال بعضهم في هذا المعنى:
سألت الغصن: لِمْ تعرَى شتاءوتبدو في الربيع وأنت كاسي؟!
فقال لي: الربيع على قدومخلعت على البشير به لباسي
(و) قال بعضهم في وصف يوم برد وأجاد: «في يوم برد جعله الله منه في حمى، ومجال حرب كان الظفر فيه لابن ماء السما، كأنما ماجت الأرض فرحًا لانهلال السحاب، وقويت أوتادها إذ صار لها بالسماء من جبال المطر أمد الأسباب. وكأنَّ السماء قد رأت ما بالأرض من السرور فبعثت تهنيها بصوت الرباب، فلكم تفتحت أعين النور لعيون الغمام الساجمة، ولكم استمرت به مسرة واستقرت به سائمة، ولكم ضحكت الأرض لبكاء السماء بمدامعها، وظهر البشر على وجهها.
وانظر إلى زمن تلك المدينة، فإنه دائمًا معتم في سائر أيام الشتاء وغالب أيام الحر، فإذا تنزه الإنسان ساعة تنكد ساعة أخرى، وذهب حظه بالرعد والبرق، وانهطال المطر والصواعق، إلا أن الثلوج بها ومجاري البالوعات تقي من الوحل المضر، فليست (ص ??، ??) كأرض جيلان التي?? قال فيها الشاعر:
أقمت بأرض جيلان زمانًاولم يك ذاك مني غير جهل
فلم أحصل على خير متاحسوى سح الغيوث وخوض وحل
وأهلها لا يبالون بذلك. فيقال في سائرة أيامها ما قاله بعضهم في وصف يوم شديد البرد من أنه يوم يجمد خمره، ويخمد جمره، ويخف فيه الثقيل إذا هجر، ويثقل فيه الخفيف إذا هجم. إلا أن الفرنساوية يكثرون من الملاهي في ليالي الشتاء؛ لأنهم يبذلون جهدهم في التوقي من مضارها، نسأل الله تعالى الوقاية من برد الزمهرير، فلو تعهدت مصر وتوفرت فيها أدوات العمران، لكانت سلطان المدن ورئيسة بلاد الدنيا، كما هو شائع على لسان الناس من قولهم: مصر أم الدنيا، وقد مدحتها مدة إقامتي «بباريس» بقصيدة وهي:
ناح الحمام على غصون البانفأباح شيمة مغرم ولهان
ما خلته مذ صاح إلا أنهأضحى فقيد أليفه ويعاني
وكأنه يلقي إلي إشارةكيف اصطباري مذ نأى خلاني
مع أنني والله مذ فارقتهمما طاب لي عيشي وصفو زماني
لكنني صب أصون تلهفيحتى كأني لست باللهفان
وبباطن الأحشاء نار لو بدتجمراتها ما طاقها الثقلان
أبكي دمًا من مهجتي لفراقهموأود ألا تشعر العينان
لي مذهب في عشقهم واريتهومذاهب العشاق في إعلان
ماذا عليَّ إذا كتمت صبابتيحتى لو ان الموت في الكتمان
ما أحسن القتلى بأغصان النقاما أطيب الأحزان بالغزلان
قالوا أتهوى والهوى يكسو الفتىأبدًا ثياب مذلة وهوان
فأجبتهم لو صح هذا إننيأختار ذلي فيه طول زماني
والذل للعشاق غير معرةبل عين كل معزة للعاني
أصبو إلى من حاز قدًّا أهيفًايزري ترنحه بغصن البان
وأحن نحو شقيق تم خدهقد نم فيه شقائق النعمان
ويروقني أبدًا نزاهة مقلتيفي حسن طلعة فاتك فتان
أمسي وأصبح بين شعر حالكومنير وجه هكذا الملوان
ولطالما قضيت معْهُ حقبةونسيم مصر معطر الأردان
زمن عليَّ به لمصر (فديتها)حق وثيق عاطل النكران
أو شابهت عيناي فائض نيلهالم توف بعض شفائه أحزاني
أو لو حكى قلبي بحار علومهاطربًا لما أخلو من الخفقان
ولكم بأزهرها شموس أشرقتوأنارت الأكوان بالعرفان
فشذا عبير علومهم عم الورىوسرت مآثرهم لكل مكان
وحوتهمو مصرٌ فصارت روضةوهمو جناها المبتغى للجاني
قد شبهوها بالعروس وقد بدامنها «العروسي» بهجة الأكوان
قالوا تعطر روضها فأجبتهم«عطارها حسن» شذاه معاني
حبر له شهدت أكابر عصرهبكمال فضل لاح بالبرهان
لو قلت لم يوجد بمصر نظيرهلأجبت بالتصديق والإذعان
هذا لعمري إن فيها سادةقد زينوا بالحسن والإحسان
يا أيها الخافي عليك فخارهافإليك إن الشاهد «الحسنان»
ولئن حلفت بأن «مصر» لجنةوقطوفها للفائزين دواني
و«النيل» كوثرها الشهي شرابهلأبر كل البر في إيماني
وأما مصر فإنها سليمة من مكاره شرد «باريس»، كما إنها خالية أيضًا عن الأمور المحتاج إليها في وقت الحر، مثل الاستعانة على نظرية الزمن، فإن أهل «باريس» مثلا سهل عندهم رش ميدان متسع من الأرض وقت الحر، فإن أهل «باريس» مثلاً سهل عندهم رش ميدان متسع من الأرض وقت الحر، فإنهم يصنعون دنا عظيمًا ذا عجلات، ويمشون العجلة بالخيل، ولهذا الدن عدة بزابيز، مصنوعة بالهندسة تدفع الماء بقوة عظيمة، وعزم سريع، فلا تزال العجلات ماشية، والبزابيز مفتوحة حتى ترش قطعة عظيمة في نحو ربع ساعة، لا يمكن رشحها بجملة رجال في أبلغ من ساعة. ولهم غير ذلك من الحيل، فمصرنا الأولى بهذا لغلبة حرها (قد صار الآن جل ذلك بمصر).??
ثم من غرائب نهر «السين» أنه يوجد فيه مراكب عظيمة، فيها أعظم حمامات «باريس» المشيدة البناء وفي كل حمام منها أبلغ من مائة خلوة، وسيأتي ذكرها.
ومن الأمور المستحسنة أيضًا أنهم يصنون مجاري تحت الأرض توصل ماء النهر إلى حمامات أخرى وسط المدينة، أو إلى صهاريج بهندسة مكملة. فانظر أين سهولة هذا مع ملء صهاريج مصر بحمل الجمال، فإن ذلك أهون مصرفًا، وأيسر في كل زمن، وشطوط هذا النهر داخل المدينة، مرصفة بحيطان عظيمة عالية فوق الماء نحو قامتين، يطل المار بجانبها على النهر، وهي محكمة البناء.
وقناطر هذا النهر «بباريس» ست عشرة قنطرة، فمنها قنطرة تسمى قنطرة بستان النباتات، ولها أربعمائة (ص ??) قدم من الطول وعرضها سبعة وثلاثون قدمًا، ولهذه القنطرة خمسة قواصير من الحديد محكمة ومسندة على حجارة من أحجار النحاتة، وقد بنيت هذه القنطرة في خمس سنوات، وصرف فيها ثلاثون مليونًا من الفرنكات، يعني ثلاثين ألف ألف فرنك، وتسمى هذه القنطرة: قنطرة «استرلتز»، سميت بذلك باسم محل غلب فيه «نابليون» ملك «النيمسا والموسقو»، فيقال لهذه الواقعة واقعة: «استرلتز». ويقال لها واقعة موسم تتويج نابليون.
«واسترلتز» بلدة وقعت هذه النصرة بقربها، وهذه النصرة تستحق عند الفرنساوية الذكر الجميل على مر الدهور؛ فلذلك أبدوها ببناء هذه القنطرة، فتسميتها بهذا الاسم للتذكار وبقاء الآثار.
ونهر السين يشق «باريس» نحو فرسخين، وعرضه فيه مختلف؛ فعند القنطرة المتقدمة يكون من الطول مائة وستة وستين مترًا.
وقوة سير مياهه المتوسطة عشرون برمقًا.?? في كل ثانية، أو ألف ومائتان في كل دقيقة.
وسطح أرض «باريس» صنفان؛ فالأول «جبس» والثاني طين، ماء نهر «السين» بعد زيادته، وأرضها مركبة من راقات مختلفة، فالراق الأول مزرعة طينية مرملة ذات حصى. الثاني: طَفل مختلط بجبس وصدف، الثالث: طفل صواني، الرابع: طفل جيري صدفي، الخامس: حجر الجير المخلوط بصدف، السادس: البحر الملح. السابع: طين شبيه بالإبليزي الثامن: من طباشير وجير مفحوم طباشيري.
ثم إن هذه المدينة مشقوقة ومحوطة?? بصوف أشجار مرصوصة على سمت الخطوط المتوازية، لا يخرج بعضها عن بعض أبدًا، وعلى منوالها بطريق «شبرا» وفي «أبي زعبل» و«جهاد أباد»?? وهي مورقة في أيام الحر، يستظل المار بها من حر الشمس، وتسمى «البلوار»?? (بضم الباء وسكون اللام) فيوجد في «باريس» (بلوارات) خارجة كالسور للمدينة و(بلوارات) داخل المدينة، ومحيط (البلوارات) الخارجة أبلغ من خمسة فراسخ ونصف، وعدد (بلوارات) «باريس» اثنان وعشرون (بلوارًا).
وفي المدينة عدة فسحات عظيمة تسمى المواضع، يعني الميادين، كفسحة «الرملية»?? بالقاهرة، في مجرد الاتساع، لا في الوساخة، وعدها خمسة وسبعون ميدانًا، ولهذه المدينة أبواب خارجية برانية كباب النصر بالقاهرة، وهي ثمانية وخمسون بابًا وبهذه المدينة أربع قنايات من صنف (ص ??) المسماة عيونًا، وثلاثة دواليب لجري المياه بالنواعير، إلا أنها عظيمة، وستة وثمانون صهريجًا، ومائة وأربع عشرة حنفية على الطرق.
ومما يدل على عمارة هذه المدينة كون أهلها دائمًا في الزيادة البينة، وأرضها في الاتساع، وعماراتها في التكميل والتحسين، وهمتهم?? جميعًا في توسيع دائرتها بالأبنية العظيمة، لإعانة ملوكهم على ذلك برفع عوايد البيوت المستحدثة على التنظيم الجديد مدة من الزمن، قال الشاعر:
إن البناء إذا تعاظم شأنهأضحى يدل على عظيم الشأن
وبذلك يكثر أهلها، فإن أهلها الآن — يعني أهل الاستطيان بها — فوق مليون من الأنفس، ومحيطها سبعة فراسخ فرنساوية، ومطايا هذه المدينة — كغيرها من بلاد فرانسا — العربات، إلا أنه يكثر فيها ذلك ويتنوع، ولا تزال تسمع بها قرقعة العربات ليلاً ونهارًا بغير انقطاع، وسيأتي تفصيل ذلك في غير هذا المحل.

? في المطبوعة: «ولا زال».
? فيها: «من؟».
? الأصل: «الأكرة».
? وتسمى باب الأبواب، وهي بحر قزوين.
? Pélershourg.
? هي مدينة فيينا.
? المطبوعة: «ثمانية عشر».
? هنا في الأصل المطبوع أبيات من الشعر فيها استطراد عن الموضوع والمشروع.
? في المطبوعة: (اثني عشر).
?? يقصد الوقود من فحمٍ ونحوه.
?? في المخطوطة «ونحوها».
?? المسقوبية أي الموسكوفية.
?? Poéles.
?? هو ما يسمى بأقلمة النباتات.
?? المزاج: المناخ.
?? المطبوعة: «بها».
?? في المطبوعة: «الذي».
?? تعليق زاده على النص بعد عودته إلى مصر.
?? البرمق: الإصبع بالتركية.
?? في المطبوعة: «ومحتاطة».
?? كذا في المطبوعة وهي أشبه بأن تكون اسم بلد بالهند.
?? Boulevard.
?? كنت نحت القلعة.
?? في المطبوعة: وهم ثم.
الفصل الثاني
في الكلام على أهل باريس
اعلم أن الباريزيين يختصون من بين كثير من النصارى بذكاء العقل، ودقة الفهم وغوص ذهنهم في الغويصات، وليسوا مثل النصارى القبطة، في أنهم يميلون بالطبيعة إلى الجهل والغفلة، وليسوا أسراء التقليد أصلاً، بل يحبون دائمًا معرفة أصل الشيء والاستدلال عليه، حتى إن عامتهم أيضًا يعرفون القراءة والكتابة، ويدخلون مع غيرهم في الأمور العميقة، كل إنسان على قدر حاله، فليست العوام بهذه البلاد من قبيل الأنعام كعوام أكثر البلاد المتبربرة.
وسائر العلوم والفنون والصنائع مدونة في الكتب حتى الصنائع الدنيئة، فيحتاج الصنائعي بالضرورة إلى معرفة القراءة والكتابة لإتقان صنعته، وكل صاحب فن من الفنون يحب أن يبتدع في فنه شيئًا لم يسبق به، أو يكمل ما ابتدعه غيره. ومما يعينهم على ذلك زيادة عن الكسب حب الرياء والسمعة ودوام الذكر، فهم يقتدون بقول الشاعر:
لعمري رأيت المرء بعد زوالهحديثًا بما قد كان يأتي ويصنع
فحيث الفتى لا بد يذكر بعدهفذكراه بالحسنى أجل وأرفع
وقول ابن دريد:
وإنما المرء حديث بعدهفكُن حديثًا حسنًا لمن وعى
وقيل لإسكندر: لو استكثرت من النساء كثر ولدك، وطاب بهم ذكرك، فقال: دوام الذكر في حسن السيرة والسنن، ولا يحسن لمن غلب الرجال أن تغلبه النساء.
ومن طباع الفرنساوية التطلع والتولع بسائر الأشياء الجديدة، وحب التغيير والتبديل في سائر الأمور، وخصوصًا في أمر الملبس، فإنه لا قرار له أبدًا عندهم، ولم تقف لهم إلى الآن عادة في التزيين، وليس معنى هذا أنهم يغيرون ملبسهم بالكلية، بل معناه أنهم يتنوعون فيه؛ مثلاً: لا يغيرون لبس (البرنيطة) ولا ينتقلون منها إلى العمامة، وإنما هم تارة يلبسون (البرنيطة) على شكل، ثم بعد زمن ينتقلون إلى شكل آخر، سواء صورتها أو لونها، وهكذا.
ومن طباعهم المهارة والخفة، فإن صاحب المقام قد نجده يجري في السكة كالصغير، ومن طباعهم أيضًا الطيش والتلون، فينتقل الإنسان منهم عن الفرح إلى الحزن وبالعكس، ومن الجد إلى الهزل وبالعكس، حتى إن الإنسان قد يرتكب في يوم واحد جملة أمور متضادة، وهذا كله في الأمور الغير المهمة، وأما في الأمور المهمة، فآراؤهم في السياسات لا تتغير، كل واحد يدوم على مذهبه ورأيه، ويؤيده مدة عمره، ومع كثرة ميلهم إلى أوطانهم يحبون الأسفار، فقد يمكثون السنين العديدة والمدة المديدة، طوافين بين المشرق والمغرب، حتى إنهم قد يلقون أنفسهم في المهالك، لمصلحة تعود على أوطانهم يحبون السفر، فقد يمكثون السنين العديدة والمدة المديدة، طوافين بين المشرق والمغرب، حتى إنهم قد يلقون أنفسهم في المهالك، لمصلحة تعود على أوطانهم، فكأنهم مصداق قول الحاجري:
كل المنازل والبلاد عزيزةعندي ولا كمواطني وبلادي
وقال آخر:
نقِّل فؤادك ما استطعت من الهوىما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتىوحنينه أبدًا لأول منزل
ومن خصالهم محبة الغرباء والميل إلى معاشرتهم، خصوصًا إذا كان الغريب متجملاً بالثياب النفيسة، وإنما يحملهم على ذلك الرغبة والتشوف إلى السؤال عن أحوال البلاد، وعوائد أهلها، ليظفروا بمقصدهم في الحضر والسفر، وقد جرت عادة النفوس إلى الطمع من الدنيا بما لا تظفر به، كما قال الشاعر:
إن النفوس على اختلاف طباعهاطمعت من الدنيا بما لم تظفر
وليس عندهم المواساة إلا بأقوالهم وأفعالهم، لا بأموالهم، إلا أنهم لا يمنعون عن أصحابهم ما يطلبون استعارته لا هبته إلا إذا وثقوا بالمكافأة، وهم في الحقيقة أقرب للبخل من الكرم، وقد ذكرنا علة ذلك في ترجمتنا «مختصر السير والعوايد في ذكر الضيافة» وفي الواقع، حقيقة السبب في ذلك هو أن الكرم في العرب.
ومن أوصافهم توفيتهم غالبًا بالحقوق الواجبة عليهم، وعدم إهمالهم أشغالهم، فإنهم لا يكلون من الأشغال سواء الغني والفقير، فكأن لسان حالهم يقول: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
ومن المركوز في طبعهم حب الرياء والسمعة، لا الكبر والحقد، فهم كما يقولون في مدح أنفسهم: أخلص قلوبًا من الغنم عند ذبحها، وإن كانوا عند الغضب أشد افتراسًا من النمور، فإن الإنسان منهم إذا غضب قد يؤثر الموت على الحياة، فقل أن يفوت زمن يسير من غير أن يقتل إنسان نفسه خصوصًا من داء الفقر أو العشق.
ومن طباعهم الغالبة: وفاء الوعد، وعدم الغدر، وقلة الخيانة، ومن كلام بعض الحكماء: المواعيد شباك الكرام، يصطادون بها محامد الأخبار، وقال آخر: كفر النعمة من لؤم الطبيعة ورداء الديانة، وقال آخر: الشكر وكاء النعمة، والوفاء به صلاح العقبى، وقيل: وعد الكريم ألزم من دين الغريم، وقال بعضهم الخيانات تؤذي الأمانات.
ومن طباعهم الغالبة: الصدق، ويعتنون كثيرًا بالمروءة الإنسانية، قال بعضهم في مدحها: المروءة اسم جامع للمحاسن كلها.
ومن الصفات التي يقبح وصف الإنسان بها عندهم: كفر النعم، مثل غيرهم. فيرون أن شكر المنعم واجب، وأظن أن جميع الأمم ترى ذلك — وإن كانت قد تفقد هذه الصفة عند أفراد، فهو خروج عن الطبع، فهي كشفقة الوالد وبر الولد، فإنهما قد يتخلفان في بعض الأفراد، مع أنهما صفتان جِبلِّيتان، عند سائر الأمم والملل، ومما قيل في ذلك، وهو أحسن ما قيل مع ما فيه من الاستطراد:
هب البعث لم يأتنا نذرهوأن لظى النار لم تضرم
أليس بكاف لذي فكرةحياةُ المسيء من المنعم
ويقال إن أبا بكر الخوارزمي الشاعر المشهور قصد الصاحب بن عباد فأحسن زوله، وأكرمه وأقام في نعمته مدة، ثم حين ارتحاله كتب بيتين وجعلهما في مكان حيث يجلس الصاحب وهما:
لا تحمدنَّ ابن عباد وإن هطلتْكفاه بالجود حتى أخجل الديما
فإنها خطرات من وساوِسهيعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما
فلما وقف عليهما الصاحب، قال وقد بلغه موت الخوارزمي:
أقول لركب من خراسان أقبلواأمات خوارزميُّكم؟ قيل لي: نعم
فقلت اكتبوا بالجص من فوق قبره:ألا لعن الرحمن من يكفر النعمْ!
وهذا بخلاف أبي طالب عبد السلام بن الحسين المأموني من أولاد المأمون، وهو شاعر محسن أقبل على الصاحب بن عباد، فرماه ندماءُ الصاحب فسقطت منزلته عنده، فقال قصيدة طلب فيها من الصاحب الإذن بالرحيل، ومن وداعها قوله:
أسير عنك ولي في كل جارحةفم بشكرك يحوي منطقًا أربًا
إني لأهوى مقامي في ذراك كماتهوى يمينك في العافين أن تهبا
لكن لساني يهوى السير عنك لأنيطبق الأرض مدحًا فيك منتخبا
أظنني فتُّ أهلي والأنام هموإذا ترحلت عن مغناك مغتربا
ومن خصالهم أيضًا: صرف الأموال في حظوظ النفس، والشهوات الشيطانية، واللهو واللعب، فإنهم مسرفون غاية السرف.
ثم إن الرجال عندهم عبيد النساء، وتحت أمرهن؛ سواء كن جميلات? أم لا. قال بعضهم: إن النساء عند الهمل معدات للذبح، وعند بلاد الشرق كأمتعة البيوت، وعند الإفرنج كالصغار المدلعين، قال الشاعر:
اعصَ النساء فتلك الطاعة الحسنةفلن يسود فتى يعطي النساء سِنة
يعقنه عن كثير من فضائلهولو سعى طالبًا للعلم ألف سَنة
ولا يظن الإفرنج بنسائهم ظنًا سيئًا أصلاً، مع أن هفواتهن كثيرة معهم، فإن الإنسان، ولو من أعبائهم، قد يثبت له فجور زوجته، فيهجرها بالكلية، وينفصل عنها مدة العمر. والتفريق بينهما بهذه المثابة يكون عقب إقامة دعوى شرعية ومرافعة يثبت فيها الزوج دعواه بحجج قوية على رءوس الأشهاد، تتلوث فيها الذرية بالفضيحة وإن كانت بدون لعان، ولا تعرض للأولاد. وهذا يقع كثيرًا في العائلات الكبيرة والصغيرة، ويشهد مجلس المرافعة الخاص والعام، فلا يعتبر الآخرون بذلك، مع أنه ينبغي الاحتراس منهن، كما قال الشاعر:
لا يكنْ ظنك إلا سيئًابالنسا إن كنت من أهل الفطن
ما رمى الإنسان في مهلكةقط إلا ظنه الظن الحسن
ومن كلام بعض الغرب الغرباء خطابًا لزوجته:
إن امرءًا غره منكن واحدةبعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
ومن الأمور المستحسنة في طباعهم، الشبيهة حقيقة بطباع العرب: عدم ميلهم إلى الأحداث، والتشبب فيهم أصلا، فهذا أمر منسي الذكر عندهم، تأباه طبيعتهم وأخلاقهم، فمن محاسن لسانهم وأشعارهم أنها تأبى تغزل الجنس في جنسه، فلا يحسن في اللغة الفرنساوية قول الرجل: عشقت غلامًا؛ فإن هذا يكون من الكلام المنبوذ المشكل؛ فلذلك إذا ترجم أحدهم كتابًا من كتبنا يقلب الكلام إلى وجه آخر، فيقول في ترجمة تلك الجملة عشقت غلامه، أو ذاتًا؛ ليتخلص من ذلك فإنهم يرون هذا من فساد الأخلاق، والحق معهم؛ وذلك أن أحد الجنسين له في غير جنسه خاصة من الخواص يميل بها إليه كخاصة المغناطيس في جذب الحديد مثلاً، وكخاصة الكهربا في جذب الأشياء، ونحو ذلك، فإذا اتحد الجنس انعدمت الخاصة، وخرج عن الحالة الطبيعية، وهذا الأمر عندهم من أشد الفواحش، حتى إنه قلمًا ذكروه صريحًا في كتبهم بل يكنون عنه بما أمكن، ولا يسمع التحدث به أصلاً، ويعجبني قول الشيخ عباس اليمني:
كلفت بسُعدَى والرباب وزينبولم أعتبر آس العذار ولامه?
ولا اخترت تشبيبًا بأمرد مذهبًاوإن ذم طبعي من يراه ولامه?
وما حسنه عندي سوى في عجاجةوحمل فناء كالشهاب ولامه?
ويغشى سعير الحرب ليس يصده:حنانيك عن ضرب الرقاب، ولا: مَه?
ومن خصالهم الرديئة: قلة عفاف كثير من نسائهم كما تقدم. وعدم غيرة رجالهم فيما يكون عند الإسلام من الغيرة بمثل المصاحبة والملاعبة والمسايرة، ومما قاله بعض أهل المجون الفرنساوية: لا تغتر بإباء امرأة إذا سألتها قضاء الوطر، ولا تستدل بذلك على عفافها، ولكن على كثرة تجربتها. انتهى. كيف والزنا عندهم من العيوب والرذائل، لا من الذنوب الأوائل، خصوصًا في حق غير المتزوج، فكأنَّ نساءهن مصداق قول بعض الحكماء: لا تغتر بامرأة، ولا تثق بمال وإن كثر، وقال آخر: النساء حبائل الشيطان، وقال الشاعر:
تمتع بها ما ساعفتك، ولا تكنجزوعًا إذا بانت فسوف تبين
فإن هي أعطتك الليان فإنهالآخر من طلابها ستلين
وإن حلفت لا ينقض النأيُ عهدهافليس لمخضوب البنان يمين
وبالجملة فهذه المدينة؛ كباقي مدن فرانسا وبلاد الإفرنج العظيمة، مشحونة بكثير من الفواحش والبدع والاختلالات، وإن كانت مدينة «باريس» من أحكم سائر بلاد الدنيا وديار العلوم البرانية، وأثينة الفرنساوية، وقد قابلتها فيما تقدم نوع مقابلة بأثينة — أي: مدينة حكماء اليونان — ثم رأيت بعض أهل الأدب من الفرنساوية قال ما معناه: إن الباريزيين أشبه الناس بأهل أثينة، أو هم أثينيو هذا الزمان، فإن عقولهم رومانية، وطابعهم يونانية. انتهى.
وقد أسلفنا أن الفرنساوية من الفرق التي تعتبر التحسين والتقبيح العقليين، وأقول هنا إنهم ينكرون خوارق العادات، ويعتقدون أنه لا يمكن تخلف الأمور الطبيعية أصلاً، وأن الأديان إنما جاءت لتدل الإنسان على فعل الخير، واجتناب ضده، وأن عمارة البلاد وتطرق الناس وتقدمهم في الآداب والظرافة تسد مسد الأديان، وأن الممالك العامرة تصنع فيها الأمور السياسية كالأمور الشرعية.
ومن عقائدهم القبيحة قولهم: إن عقول حكمائهم وطبائعييهم أعظم من عقول الأنبياء وأذكى منها.
ولهم كثير من العقائد الشنيعة كأفكار بعضهم القضاء والقدر، مع أن من الحكم العاقل من يصدق بالقضاء، ويأخذ بالحزم في سائر الأشياء، وإن كان لا ينبغي للإنسان أن يحيل الأشياء على المقادير أو يحتج بها قبل الوقوع، فإن من الأمثال التي سارت بها الركبان: من دلائل العجز كثرة الإحالة على المقادير، ومن كلام بعضهم: إذا وقعت المجادلة فالسكون أفضل من الكلام، وإذا وقعت المحاربة: فالتدبير أفضل من التقدير.
ومنهم جماعة يعتقدون أن الله تعالى خلق الخلق، ونظمهم نظامًا عجيبًا، فرغ منه ثم لا يزال يلاحظهم بصفة له تعالى، تسمى صفة العناية والحفظ، تتعلق بالممكنات إجمالاً، بمعنى أنها تمنتها عن خلل انتظام الملك، وسنذكر بعض عقائدهم في غير هذا المحل.
ثم إن لون أهل «باريس» البياض المشرب بالحمرة، وقل وجود السمرة في أهلها المتأصلين بها، وإنما ندر ذلك لأنهم لا يزوجون عادة الزنجية للأبيض أو بالعكس، محافظة على عدم الاختلاط في اللون؛ حتى لا يكون عندهم ابن أمة. قال الشاعر:
في الهند طير ناطقسبحان مولى ألهمه
يقول في تغريده:ابن الأمة ما ألأمه!
بل لا يعدون أنه قد يكون للزنج جمال أصلاً، بل غيره عندهم من صفات القبح، فليس لهم في المحبة مذهبان، ولا يحسن عندهم قول الشاعر في غلام:
لك وجه كأنّ بناني خطتــه بلفظ تمله آمالي
فيه معنى من البدور، ولكننفضت صبغها عليه الليالي
لم يشنك السواد بل زدت حسنًاإنما يلبس السواد الموالي
بل لسان حالهم دائمًا ينشد قول الآخر:
ألا إن عندي عاشق السمر غالطوإن الملاح البيض أبهى وأبهج
وإني لأهوى كل بيضاء غادةيضيء لها وجه وثغر مفلج
وحسبي أني أتبع الحق في الهوىولا شك أن الحق أبيض أبلج
على أنه لا يحسن عند الفرنساوية استخدام جارية سوداء في الطبخ ونحوه؛ لما ركز في أذهانهم أن السود عارون عن النظافة اللازمة.
ونساء الفرنساوية بارعات الجمال واللطافة، حسان المسايرة والملاطفة، يتبرجن دائمًا بالزينة، ويختلطن مع الرجال في المنتزهات. وربما حدث التعارف بينهن وبين بعض الرجال في تلك المحال، سواء الأحرار وغيرهن، خصوصًا يوم الأحد الذي هو عيد النصارى، ويوم بطالتهم، وليلة الاثنين في (البالات) والمراقص الآتي ذكرها، ويحسن قول بعضهم (شعر):
والراقصات وقد مالت ذوائبهاعلى خصور كأوساط الزنابير
يخفي الردى سقمها عنا فيفضحهاعقد البنود? وشدات الزفابير
ومما قيل: إن «باريس» جنة النساء، وأعراف الرجال، وجحيم الخيل؛ وذلك أن النساء بها منعمات، سواء بمالهن أو بجمالهن.
وأما الرجال فإنهم بين هؤلاء وهؤلاء، عبيد النساء فإن الإنسان يحرم نفسه وينزه عشيقته، وأما الخيل فإنها تجر العربات ليلاً ونهارًا على أحجار أرض «باريس» خصوصًا إذا كانت المستأجرة للعربة امرأة جميلة، فإن (العربجي) يجهد خيله ليوصلها إلى مقصدها عاجلاً؛ فالخيل دائمًا معذبة بهذه المدينة.
وحيث إن باريس من بلاد الفرنسيس، فمعلوم أن لسان أهلها هو اللسان الفرنساوي، ولنذكر هنا نبذة من ذلك فنقول: اعلم أن اللسان الفرنساوي من الإفرنجية المستحدثة، وهو لسان الغلوية، يعني: قدماء الفرنسيس، ثم كمل من اللغة اللاطينية، وأضيف إليه شيء من اللغة اليونانية النيمساوية ويسير من لغة الصقالية وغيرها، ثم حين برع الفرنساوية في العلوم نقلوا كلمات العلوم من لغات أهلها، وأكثر الكلمات الاصطلاحية يونانية، حتى كان لسانهم من أشيع الألسن وأوسعها، بالنسبة لكثرة الكلمات غير المترادفة، لا بتلاعب العبارات والتصرف فيها، ولا بالمحسنات البديعية اللفظية، فإنه خال عنها، وكذا غالب المحسنات البديعية المعنوية، وربما عد ما يكون من المحسنات في العربية ركاكة عند الفرنسيس، مثلاً لا تكون التورية من المحسنات الجيدة الاستعمال إلا نادرًا، فإن كانت فهي من هزليات أدبائهم وكذلك مثل الجناس التام والناقص؛ فإنه لا معنى له عندهم وتذهب ظرافة ما يترجم لهم من العربية، ما يكون مزينًا بذلك، مثل قول صاحب البديعية:
من العقيق ومن تذكار ذي سلمبراعة العين في استهلالها بدم
ومن أهيل النقا تم النقا وبداتناقص الجسم من ضر ومن ضرم
ولا يمكن أن ينقل إلى لغاتهم ما قلته في نظم مصطلح الحديث:
صحيحُ جسمي من فرط الجوى عضلاومرسل الدمع من عيني قد اتصلا
تواترت قصتي في الناس قاطبةحتى لضعفي رثى لي كل مَن عذلا
تعنعن السحب عن عيني روايتهاكما يسلسل عنها القطر إذ هملا
رفعت أمري إلى قاضي الهوى فأبىوقال: مالي على هذا المليح ولا
يا قلب صبرًا على ما فيك من عللٍولا تشذ، وتجزع، واترك المللا
ودع بقية ما أبقاه من رمقلديه، لا تعتبر تعنيف من عدلا
فذاك لاح وبالتدريس مشتهروقوله منكر، زور، وما قبلا
إلى آخر قولي فيها:
وقفت حبي عليه لا يجاوزهوهكذا شأن صب في الهوى كملا
وسيأتي تتميم الكلام على ذلك، وبالجملة فلكل لسان اصطلاح، واصطلاح اللغة الفرنساوية تقليل التصريف ما أمكن، وتصريف الفعل مع فعل آخر؛ مثلاً إذا أراد الإنسان أن يخبر بأنه أكل فإنه يقول: أملك مأكولاً، يعني لا يمكن تصريف (أكل) في بعض أحواله إلا مع فعل الملك أو التلبس، فكأنه يقول: تلبست بالأكل. وإذا أراد أن يقول: خرجت، يقول: أنا أكون مخرجًا، يعني: خرجت وهكذا يسمي فعل الملك، وفعل الكينونة: فعلين مساعدين؛ يعني أنهما يعينان على تصريف الأفعال، ويتجردان عن معناهما الأصلي، وإذا أرادوا تعدية الفعل قالوا: فعلت له الأكل، يعني جعلته يأكل، أو أكلته، وفعلت له الخروج، يعني أخرجته وهكذا، فلا يمكنهم تصريف الأفعال كما يمكن في اللغة العربية؛ فلذلك كانت لغتهم ضيقة من هذه الحيثية، ثم إن قواعد اللسان الفرنساوي وفن تركيب كلماته وكتابتها وقراءتها يسمى: (غرماتيقي) «واغرمير» (بتشديد الميم) عند الفرنسيس، ومعناه فن تركيب الكلام من لغة من اللغات، فكأنه يقول: فن النحو فيدخل فيه سائر ما يتعلق باللغة، كما نقول نحن: علوم العربية: وتريد بها الاثني عشر علمًا المجموعة في قول شيخنا العطار:
نحو وصرف عروض بعده لغةثم اشتقاق قريض الشعر إنشاء
كذا المعاني بيان الخط قافيةتاريخ هذا لعلم العرب إحصاء
وبعضهم زاد البديع، وآخر استحسن زيادة التجويد، وبالجملة فباب الزيادة والنقص فيها مفتوح؛ إذ حصرها وتقسيمها في ذلك جعلي لا حصري.
والظاهر أن هذه العلوم جديرة بأن تسمى مباحث علم العربية فقط، فكيف يكون كل من الشعر والقريض والقافية علمًا مستقلاً برأسه، وكل من النحو والصرف والاشتقاق علمًا برأسه، وانظر ما المراد بالتاريخ وبكونه من العلوم العربية مع أن أول من ألف فيه علماء اليونان، وأول ما ظهر في هذا الفن كتب «أوميروس» في واقعة يكون المراد بالتاريخ طريقة إنشاء تواريخ الحوادث السنوية على أسلوب حساب الجمل، فيكون أيضًا تسميته علمًا من قبيل التوسع في تعريف العلم، وعلم الخط قديم أيضًا؛ فالإفرنج يدخلون هذه المباحث في علم تركيب الكلام، بل ويعدون منه المنطق والوضع والمناظرة.
ثم إن اللغة الفرنساوية كغيرها من اللغات الإفرنجية لها اصطلاح خاص بها، وعليه ينبني نحوها، وصرفها، وعروضها، وقوافيها، وبيانها، وخطها، وإنشاؤها، ومعانيها، وهذا ما يسمى «إغرماتيقي» فحينئذ سائر اللغات ذات القواعد لها فن يجمع أو لتحسينها، فحينئذ ليست اللغة العربية هي المقصورة على ذلك، بل كل لغة من اللغات يوجد فيها ذلك، نعم اللغة العربية أفصح اللغات، وأعظمها، وأوسعها، وأحلاها على السمع، فحينئذ العالم باللغة اللاطينية يعرف سائر ما يتعلق بها، قلة إدراك في النحو في حد ذاته وفي غيره كالصرف، فمن الجهل أن يقال: إنه لا يعرف شيئًا، بدليل جهله باللغة العربية، وإذا تبحر الإنسان في لغة من اللغات كان عالمًا باللغة الأخرى بالقوة، يعني أنه لو ترجم له ما في اللغة الأخرى وعبر له عنه كان قابلاً لتلقيه ومقابلته بلغته، بل ربما كان يعرفه من قبل، ويعرف زيادة عليه، ويبحث فيه، (ص ??) ويبطل منه ما لا يقبله العقل، كيف والعلم هو الملكة، وحينئذ فقد لا يعرف الإنسان المطولات باللغة العربية، ويعرف ذلك باللغة الفرنساوية لو ترجم له، على أن كل لغة محمومة فلها مطولها وأطوالها وسعدها? نعم ليس كل مانع ماء، ولا كل سقفٍ سماء، ولا كل بيت بيت الله، ولا كل محمد رسول الله، وكما قال الشاعر:
وهيهات ما كل النسيم حجازياولا كل نور يبهج الشرق والغربا
وقال آخر:
وما كل مخضوب البنان بثينةولا كل مسلوب الفؤاد جميل
فلا شك أن لسان العرب هو أعظم اللغات وأبهجها:
وهل ذهب صِرفٌ يحاكيه بهرج
ولله در من قال:
يليق الخطاب اليعربي بأهلهفيهدي الوفا للنقص والحسن للقبح
ومن شرف الأعراب أن محمدًاأتى عربي الأصل من عرب فصح
وأن المثاني أنزلت بلسانهبما خصصته في الخطاب من المدح
ومع ما يتراءى إن الأعاجم لا تفهم لغة العرب إذا لم تحسن التكلم بها كالعرب، فهذا لا أصل له، ومما يدلك على ذلك أني اجتمعت في «باريس» بفاضل من فضلاء الفرنساوية شهير في بلاد الإفرنج بمعرفة اللغات المشرقية، خصوصًا اللغة العربية والفارسية يسمى «البارون سلوستري داساس» وهو من أكابر «باريس» وأحد أعضاء جملة جمعيات من علماء فرنسا وغيرها، وقد انتشرت تراجمه في «باريس» وشاع فضله في اللغة العربية، حتى إنه لخص شرحًا للمقامات الحريرية، وسماه مختار الشروح، وقد تعلم اللغة العربية على ما قيل بقوة فهمه، وذكاء عقله، وغزارة علمه، لا بواسطة معلم إلا في مبدأ أمره، ولم يحضر مثل الشيخ خالد? فضلاً عن حضور المغني? مع أنه يمكنه قراءة المغني، كيف وقد درس البياضوي عدة مرات، غير إنه حين يقرأ ينطق كالعجم ولا يمكنه أن يتكلم بالعربية إلا إذا كان بيده الكتاب، فإذا أراد شرح عبارة أغرب في الألفاظ التي يتعذر عليه تصحيح نطقها، ولنذكر لك خطبته في شرحه لمقامات الحريري لتعرف نفسه في التأليف، وقلم عبارته، فإنه بليغ، وإن كان به يسير من الركاكة، وسبب ذلك أنه تمكن من قواعد الألسن الإفرنجية؛ فلذلك مالت إليها عبارته في العربية، قال في طالعة شرحه التي حاول فيها الجري على نهج دينه ودين الإسلام من غير أن يغبن أحدهما:
بسم الله المبدئ المعيد، الحمد لله العالي المتعالي، الذي له الأسماء الحسنى، ولا يخالط صفاته عن وجل من صفات المخلوق شيء أقصى ولا أدنى، العليم الذي ليس لعلمه نهاية، والحكم الحكيم الذي حكمه وحكمته وراء كل حد وغاية، لا يحصر لاهوت وجوده زمان ومكان، ولا يشوب صفاء جبروته شائبة زيادة ولا نقصان. مسبب الأسباب الذي لا يتحرك في أطراف الأرض والسماء متحرك إلا بقدرته وإرادته، ولا يتكلم في أكناف الآفاق متكلم إلا بإلهامه وإفادته، أحمده حمد من اعترف بتقصير فهمه، وضعف عقله فهداه برحمته وتوفيقه إلى تحصيل بعض العلوم والفنون، وأشكر له شكر من كان يخبط في ظلام الجهل فأخرجه برأفته وتأييده إلى فضاء الرشد ونور التمييز، حتى عرف الحق اليقين من أباطيل الظنون، ثم أتوسل إليه — سبحانه وتعالى — بأنبيائه المرسلين، وأوليائه المقربين. الذين كل واحد منهم كالغُرة على جبهة الدهر، وكالتاج على مفرق العصر، وأسأله — عز وجل — أن يجعلني من عباده المهتدين، الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، إنه على كل شيء قدير، وبإجابة هذا الدعاء جدير.
أما بعد: لما فضل الله جنس الناس على سائر المبتدعات بفوائد الأفهام، واختص بني آدم من بين أصناف الحيوانات بكرامة الكلام، بعث في كل أمة من الأمم من يكون في تمهيد قواعد البلاغة واستنباط أحكام شريعتها معروفًا مشهورًا، ويصير لسانك طريقة الفصاحة إمامًا ودستورًا، فممن اشتهر بذلك بين الأنام، وصار المشار إليه في هذا الباب عند أهل الإسلام، مؤلف المقامات المشهور بالحريري، وهو الشيخ الإمام أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الذي ازدرى من كان قبله من الأدباء والفصحاء، وأجهد من جاء بعده من الظرفاء والبلغاء، فأتى لما رأيت أن كتابه المذكور، لم يزل مذ ألفه إلى يومنا هذا لعلم الأدب كالعلم المشهور، يحسبه الخاصة والعامة واسطة عقده، وخلاصة نقده، ويعتقدونه نور مصباحه، وضياء صباحه، بل لا يشك أحد منهم أنه أزهار بستانه، وأثمار جنانه، وزلال مائه، ونسيم هوائه، أحببت أن أشرحه شرحًا متوسطًا بين الإيجاز والتطويل، أكشف الغطاء عن مشكلاته ومجملاته بالتفسير والتفصيل.
وقد شرح المقامات الحريرية من علماء المشرق والمغرب كثير، وذكرهم الحاج خليفة في كتابه المسمى: «كشف الظنون» عن أسامي الكتب والفنون، وما وصلت يدي إليه من مؤلفاتهم شروح أربعة منها «غريب الإيضاح في غريب المقامات الحريرية» للإمام برهان الدين أبي الفتح ناصر بن عبد السيد المطرزي الخوارزمي، المتوفى سنة عشر وستمائة، وهذا الشرح مع وجازته كتاب مفيد محصل للمقصود.
والمطرزي كانت له معرفة تامة بالنحو وباللغة والشعر وأنواع الأدب، وهو صاحب كتاب «المغرب» تكلم فيه على الألفاظ التي يستعملها الفقهاء من الغريب.
ومنها كتاب «شرح ما غمض من الألفاظ اللغوية، من المقامات الحريرية» تأليف الشيخ محب الدين عبد الله بن الحسين العكبري البغدادي المتوفى سنة عشر وستمائة، قال: إني رأيت المقامات الحريرية مشحونة بالألفاظ اللغوية، وهي أحد الكتب التي عني بها علماء العربية، ودعاني ذلك إلى تفسير ما غمض من ألفاظها على الإيحاز، وقد كنت عثرت لبعض الناس على شيء من ذلك إلا أنه أسهب بما لا يحتاج إليه، وربما فسر اللفظة بغير ما قصد منشئها.
ومنها «شرح المقامات» للأستاذ اللغوي النحوي أبي العباس أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القسي الشريشي المتوفى سنة تسع عشرة وستمائة، وهو شرح طويل، ذكر الشريشي أنه لم يترك في كتاب من شروح المقامات فائدة إلا استخرجها، ولا عائدة إلا استدرجها، ولا نكتة إلا علقها، ولا غريبة إلا استحلقها، حتى صار شرحه تأليفًا في المقامات يغني عن كل شرح تقدم فيها، ولا يحوج إلى سواه في لفظة من ألفاظها، ولا معنى من معانيها، وقد أخذ شيئًا كثيرًا من شرح ابن ظفر الصقلي صاحب كتاب «سلوان المطاع» في عدوان الأتباع المتوفى بمدينة حماة سنة خمس وستين وخمسمائة.
ومن شرح الفندهجي، وهو الشيخ الإمام تاج الدين أبو سعيد محمد بن سعادات عبد الرحمن بن محمد الخراساني المروزي الفندهجي، وقيل: البندهجي، المتوفى بمدينة دمشق سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
ومنها شرح آخر تأليف الشيخ شمس الدين أبي بكر محمد ابن أبي بكر الرازي، صاحب أسئلة القرآن، ومختار الصحاح، المتوفى بعد سنة ستين وستمائة، وهذا الشرح لم يذكره الحاج خليفة في كتابه المذكور، وهو شرح لطيف، يشهد لصاحبه بكمال الأدب إلا أن النسخة التي هي في ملكي نسخة ناقصة سقط منها نحو نصف الكتاب، حتى لم يبق إلا شرح الخطبة، ثم شرح المقامة الخامسة والعشرين، أخذًا من قول الحريري: وإني والله طالما تلقيت الشتاء بكافاته إلى آخرها، وشرح ما يتلوها من المقامات إلى?? قوله في المقامة الخمسين:
(ولم تزل معتكفًاعلى القبيح الشنع)
هذا ما كان لي من شروح المقامات، وقد اجتمع عندي أيضًا نسخ ست من كتاب المقامات بلا شرح، غير أن أكثرها يوجد به من التعليقات والحواشي ما ينتفع به القارئ، وقد اخترت من تلك الشروح والحواشي كل ما يحتاج إليه طالب العلم في تحصيل المقصود، ويستعين به الراغب في الأدب، على إدراك المطلوب، ثم أضفت على ذلك شيئًا كثيرًا نقلته من كتب أئمة النحو واللغة، ومن مجمع الأمثال، للعلامة الميداني، وكتاب وفيَات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لابن خلكان، ثم من ديوان البحتري، ومن ديوان المتنبي، وشرح المعلقات للزوزني، وغير هذا من كتب الأدب كل ذلك ليتيسر على من أعجبه الغوص في بحار اللغات العربية أن يظفر من دررها بكل يتيمة عقيلة، وليسهل على المولع بغرائب العلوم الأدبية المشرقية أن يصل من جواهر معادنها إلى كل فلذة ثمينة جزيلة، وإنما المرجو ممن نظر في هذا الشرح المختار أن لا يؤاخذني على ما ظهر عليه من العثرات، بل أن يستر بذيل كرمه ما استبان له من العورات، والله أسأله أن يجعل هذا الكتاب لمن تصفحه من أهل الشرق والغرب نافعًا مفيدًا، ولجميع من أسرع إلى مورده من أبناء جنسنا ومن غير جنسنا هنيئًا مريئًا حميدًا انتهى كلامه.
وقال في المقدمة الفرنساوية لهذا الكتاب: إن المقامات البديعية تفضل المقامات الحريرية.
وقد ترجم إلى الفرنساوية عدة مقامات من الاثنتين في مجموعة: كتاب الأنيس المفيد، للطالب المستفيد، وجامع الشذور، من منظوم ومنثور، وبالجملة فمعرفته خصوصًا في اللغة العربية مشهورة، مع أنه لا يمكنه أن يتكلم بالعربي إلا بغاية الصعوبة، وقد رأيت له في بعض كتبه توقيفات عظيمة، وإيرادات جليلة، ومناقضات قوية، وله اطلاع عظيم على الكتب العلمية المؤلفة في سائر اللغات، وسبب ذلك كله تمكنه من لغته بالكلية، ثم تفرغه بعد ذلك لمعرفة اللغات شعر:
العلم لا يدرك بالتمنيعليك بالتكرار والتأني
كم أعجمي ألكن أخنأدرك بالتكرار كل فن
ومن جملة مؤلفاته الدالة على فضله، كتاب في النحو سماه: «التحفة السنية في علم العربية»، فإنه ذكر فيه علم النحو على ترتيب عجيب لم يسبق به أبدًا، وله مجموع سماه: «المختار من كتب أئمة التفسير والعربية في كشف الغطاء عن غوامض الاصطلاحات النحوية واللغوية»، فقد جمعه وترجمه من العربية إلى الفرنساوية، وله غير ذلك من المؤلفات والتراجم خصوصًا في اللغة الفارسية، فإنه بارع فيها غاية البراعة، وشهرته بالفضل في بلاد الإفرنج لا تنكر، حتى إنه قد أتحف بعلامات الشرف من كبار ملوكهم، واتساع دائرة هذا الحبر في معرفة لغات أهل المشرق والمغرب القديمة والحديثة، بما يسهل تصديق ما قيل في حق الفارابي فيلسوف الإسلام: من أنه كان يحسن سبعين لسانًا ولنذكر ترجمته هنا مراعاة للنظير فنقول:
هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان بن أوزلغ التركي الفارابي الحكيم الفيلسوف، فيلسوف الإسلام الماهر الباهر، قدم على سيف الدولة بن حمدان، وكان مجلسه مجمع الفضلاء في جميع العلوم، فأدخل عليه، وهو بزي الأتراك، وكان ذلك عادته فوقف بين يديه، فقال له سيف الدولة: اجلس، فقال: حيث أنت أو حيث أنا؟ فقال: حيث أنت. فتخطى رقاب الناس، حتى انتهى إلى مجلس سيف الدولة وزاحمه في مسنده حتى أخرجه عنه، وكان على رأس سيف الدولة مماليك وله معهم لسان يسارهم به قلّ أن يعرفه أحد، فقال لهم بذلك اللسان: إن هذا الشيخ قد أساء الأدب، وإني مسائله عن أشياء إن لم يعرف بها فأخرجوه، فقال له أبو نصر بذلك اللسان: أيها الأمير اصبر، فإن الأمور بعواقبها، فتعجب سيف الدولة منه، وقال له: أتحسن هذا اللسان؟ فقال: نعم، أحسن أكثر من سبعين لسانًا، فعظم عنده، ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في المجلس في كل فن، ولم يزل كلامه يعلو. وكلامهم يسفل، حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده، ثم أخذوا يكتبون ما يقول، فصرفهم سيف الدولة وخلا به، فقال له: هل لك في أن تأكل؟ قال: لا، قال: فهل تشرب؟ قال: لا، قال: فهل تسمع؟ قال: نعم، فأمر سيف الدولة بإحضار القيان، فحضر كل ماهر في هذه الصناعة بأنواع الملاهي، فلم يحرك أحد منهم آلته إلا عابه أبو نصر، وقال له: أخطأت فقال له سيف الدولة: فهل تحسن في هذه الصنعة شيئًا؟ قال: نعم، ثم أخرج من وسطه خريطة، ففتحها، وأخرج منها عيدانًا فركبها، ثم لعب بها، فضحك كل من في المجلس ثم فكها، وركبها، ولعب بها، فبكى من في المجلس، ثم فكها، وركبها، ولعب بها، فنام كل من في المجلس حتى البواب، فتركهم نيامًا وخرج!
وكان منفردًا بنفسه، لا يجالس الناس، وكان مدة مقامه بدمشق لا يكون غالبًا إلا عند مجتمع ماء، أو مشتبك أشجار ورياض، يؤلف هناك كتبه، ويتناوبه?? المشتغلون عليه وكان يلازم غياض الفرجل، وربما صنف هناك، وقد ينام، فتحمل الريح تلك الأوراق، وتنقلها من مكان إلى مكان، قيل: وهو السبب في نقص بعض مصنفاته، فإنه كان يصنِّف في الرقاع دون الكراريس.
وكان أزهد الناس في الدنيا متقللاً منها أجرى عليه سيف الدولة في كل يوم أربعة دراهم، ومن شعره:
لما رأيت الزمان نكساوليس في الصحبة انتفاع
كل رئيس به ملالوكل رأس به صداع
لزمت بيتي وصنت عرضابه من العزة اقتناع
أشرب مما اقتنيت راحالها على راحتي شعاع
لي من قواريرها ندامىومن قراقيرها سماع
وأجتني من علوم قومقد أقفرت منهم البقاع
ومنه:
أخي خل حيز ذي باطلوكن بالحقائق في حيز
فما الدار دار مقام لناولا المرء في الأرض بالمعجز
ينافس هذا لهذا علىأقل من الكلم الموجز
وهل نحن إلا خطوط وقعنعلى نقطة وقع مستوفز
محيط العوالم أولى بنافماذا التزاحم في المركز
ثم إن الفنون باللغة الفرنساوية قد بلغت درجة أوجها حتى إن كل علم فيه قاموس مرتب على حروف المعجم في ألفاظ العلوم الاصطلاحية، حتى علوم السوقة، فإنها لها مدارس كمدرسة الطباخة، يعني مجلس علماء الطباخة وشعرائها، وإن كان هذا من أنواع الهوس، غير أنه يدل على اعتناء هذه البلاد بتحقيق سائر الأشياء، ولو الدنيئة وسواء في ذلك الذكور والإناث، فإن للنساء تآليف عظيمة ومنهن مترجمات للكتب من لغة إلى أخرى، مع حسن العبارات وسبكها وجودتها، منهن من يتمثل بإنشائها ومراسلاتها المستغربة، ومن هنا يظهر لك أن قول بعض أرباب الأمثال: جمال المرء عقله، وجمال المرأة لسانها، لا يليق بتلك البلاد، فإنه يسأل فيها عن عقل المرأة وقريحتها وفهمها وعن معرفتها.
ثم العلوم الأدبية الفرنساوية لا بأس بها، ولكن لغتها وأشعارها مبنية على عادة جاهلية اليونان وتأليههم ما يستحسنونه، فيقولون مثلا: إله الجمال، وإله العشق، وإله كذا، فألفاظهم في بعض الأحيان كفرية صريحة وإن كانوا لا يعتقدون ما يقولون، وإنما هذا من باب التمثيل ونحوه. وبالجملة فكثير من الأشعار الفرنساوية لا بأس به، ولنذكر لك شيئًا من بعض أشعارهم مترجمة من كلام بعضهم للعبد الفقير:
وإذا القلوب تعلقترأت الجميع جميلا
كسفينة تسعى إلىشعب يكون مهولا
لهفي على زمن الهناإن صح كان بخيلا
وقوله مترجمًا لي:
ودع القلب فيك يا قاتلييا خيال المسعد الزائر
إن روحي بالجراح اصطلتوعلى البرء لست بالقادر
وسروري في الهوى لمحةمثل زهر الورق الزاهر
ومن القصيدة المسماة: «نظم العقود، في كسر العود»، للخواجة يعقوب المصري منشئًا، الفرنساوي استيطانًا، وقد اعتنيت بترجمتها سنة ألف ومائتين واثنتين وأربعين: وأخرجتها من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام قول صاحبها ونظمه للعبد الفقير:
زاد بي الحال إذ صفالي حاليوغنائي بالعود والألحان
باسم ربي والسادة الأعيانوترنمت شجوة بالحسان
وبسعدي ذات الجبين المفدى
فصغى سمعها إلى إنشاديورمى النار لحظها في فؤادي
فلهذا شعري غدا في اتقادوبدا من حماسه في انفراد
لذوي الفهم والمعارف يهدي
أحرق العشق قلبها كاحتراقيفأنت تطفئ اللظى بالعناق
فتضاممنا ضمة المشتاقوتلاثمنا عادة العشاق
فتثنت لتُخجل الغصن قدا
شنف السمع من رقيق التغانيواستمع يا أخي صوت المثاني
يا خليلي بالله هلا ترانيأنني قد أحييت شعر «ابن هاني»
بعد أن كان قد توسد لحدا
وبعد هذا بعدة أبيات، تخلّص الشاعر إلى ذم العشق وتوابعه، فقال:
واحيائي واخجلتي صار فنيإنني في هوى الملاح أغني
برخيم الغنا كظبي أغنوبأوتاري أبتدي وأثنِّي
ما أرى هذا للفضائل أجدى
أفأيامي كلها لي عقيمةأو مالي عواقب مستقيمة
بل على طاعة الهوى مستديمةأفما هذه مراق ذميمة
أقتفي هزلها وأرفض جد
أعلى احتساء كأس نصيبخامل غير كافل لأريب
مع أني والله غير مريبهمتي همة الذكي النجيب
تقنص المجد والسوا تتعدى
وقال يذم نفسه ويوبخها على العزم على فراق محبوبته، لا سيما وهي تتأذى من فراقه:
ويح عز وسؤدد نشتريهبنواح الملاح إذ نشتهيه
يا فؤادي سل عند أي فقيهيغفر الذنب من قتال بنيه
لنوال الفخار علك تهدي؟
يا فؤادي قد أسلمتك الأموراوأباحتك متجرًا لن يبورا
أفترضى علي الظبا أن تجورالست ألفيك آسفًا مقهورًا
حيث قديت قلبها الآن قدا
وهذه القصيدة كغيرها من الأشعار المترجمة من اللغة الفرنساوية عالية النفس في أصلها، ولكن في الترجمة تذهب بلاغتها، فلا تظهر علو نفس صاحبها، ومثل ذلك لطائف القصائد العربية، فإنه لا يمكن ترجمتها إلى غالب اللغات الإفرنجية من غير أن يذهب حس، بل ربما صارت باردة، وسيأتي تتميم الكلام على غالب الآداب الفرنساوية والعلوم والفنون.

? الأصل: «جمالات».
? الآس: الريحان. والعذار: الخد، ولامه: استدارته.
? لام هنا بمعنى: عذل.
? اللام مسهل اللأم: جمع لأمة، وهي الدرع.
? مَه: اسم فعل أمر بمعنى اترك.
? البند: العلم الكبير، يريد به الثوب.
? السعد والأطول والمطول شروح وتعليقات لكتاب الخطيب القزويني في علم البلاغة.
? كتاب ابتدائي في النحو.
? كتاب للمنتهين في النحو.
?? في النسخة المطبوعة ببولاق: «إلا».
?? في المطبوعة البولاقية: «وينتابه».
الفصل الثالث
في تدبير الدولة الفرنسية
ولنكشف الغطاء عن تدبير الفرنساوية، ونستوفي غالب أحكامهم؛ ليكون تدبيرهم العجيب عبرة لمن اعتبر، فنقول: قد سلف لنا أن «باريس» هي كرسي بلاد الفرنسيس، وهي محل إقامة ملك فرنسا وأقاربه وعائلته المسماة «البربون» (بضم الباء الموحدة، وسكون الراء، وضم الباء الثانية) فلا يكون ملك فرانسا إلا من هذه العائلة.
ومملكة الفرنساوية متوارثة، ومسكن ملك فرنسا (سراية) تسمى: «التولري» (بضم التاء وكسر الواو وكسر الراء)، والغالب إن الفرنساوية يعبرون عن ديوان فرنسا بقولهم: «كابينة النواري» يعني ديوان هذه السراية، أي ديوان الملك.
ثم إن أصل القوة في تدبير المملكة لملك فرنسا، ثم للجماعة أهل «شمبر دوبير»? (بفتح الشين، وسكون الميم) يعني ديوان «البير» (بفتح الموحدة) أي: أهل المشور الأولى، ثم لديوان رسل العملات، ثم إن الديوان الأول، يعني ديوان «البر» هو في قصر «بباريس» يسمى قصر «لقسمبورغ» والديوان الثاني في قصر «بوربون» ثم يلي ديوان رسل العمالات ديوان الوزراء والوكلاء، ثم ديوان يسمى «الديوان الخصوصي»، وبعد ذلك يوجد ديوان يسمى: «ديوان سر الملك» وديوان يسمى: «ديوان الدولة للمشورة» فحينئذ ملك فرنسا صاحب قوة تامة في مملكته بشرط رضاء تلك الدواوين المذكورة، وله خصوصيات أخرى سيأتي ذكرها في السياسة الفرنساوية.
ووظيفة أهل ديوان «البير» تجديد قانون مفقود، أو إبقاء قانون موجود على حاله، ويسمي القانون عند الفرنساوية: شريعة: فلذلك يقولون: شريعة الملك الفلاني، ومن وظيفة ديوان «البير» أن يعضد حقوق تاج المملكة، ويحامي عنه، ويمانع سائر من يتعرض لها، وانعقاد هذا الديوان يكون مدة معلومة من السنة، في زمن اجتماع ديوان رسل العمالات، بإذن ملك الفرنسيس، وعدد أهل ذلك الديوان غير منحصر في عدة مخصوصة، ولا يقبل دخول الإنسان فيه إلا وهو ابن خمس وعشرين سنة ولا يشرك في الشورى إلا وهو ابن ثلاثين سنة ما لم يكن من بيت المملكة، وإلا فبمجرد ولادته يحسب من أهل هذا الديوان ويشرك في المشورة حين يبلغ عمره خمسًا وعشرين سنة.
وكانت وظيفة «البيرية» متوارثة للذكور فيقدم أكبر الأولاد، ثم بعد موته يقدم من يليه وهكذا.
ووظيفة ديوان رسل العمالات غير متوارثة، ووظيفتهم امتحان القوانين والسياسات والأوامر والتدبير والبحث عن إيراد الدولة ومدخولها ومصرفها، والمنازعة في ذلك والممانعة عن الرعية في المكوس والفرد? وغيرها؛ إبعادًا للظلم والجور وهذا الديوان مؤلف من عدة رجال ينصبهم أهالي العمالات وعددهم أربعمائة وثمانية وعشرون رسولاً ولا يقبل إلا من يكون سنه أربعين سنة، ولا بد أن يكون لكل واحد منهم عقارات تبلغ فردتها ألف فرنك كل سنة، وأما الوزراء فإنهم متعددون؛ فمنهم وزير الأمور الداخلية، ثم وزير الحرب. ثم وزير الأمور الخارجية، ثم وزير البحر والخارجين من بلاد الفرنسيس، النازلين ببلاد يعمرونها، في غير بلاد الفرنسيس، ثم وزير الخزينة ثم وزير الأمور الدينية، ثم وزير تعليم الفنون والصنائع، ثم وزير التجارات ووزير الأمور الداخلية نظير (الكتخدا) ببر مصر، ووزير الخزينة نظيرًا لخازندار، ووزير التجارات نظير ناظر التجارات، ووزير الأمور الخارجية نظير رئيس أفندي بالدولة العثمانية، ووزير الحرب نظير ناظر عموم الجهادية، وهكذا. غير أنه عندنا ليس وزيرا، وعندهم يعدونه من الوزراء.
وأما الديوان الخصوصي، فإنه تخصيص الملك لجماعة بمشورته إياهم على مادة مخصوصة، والغالب على أهل هذا الديوان كونهم من أقاربه ووزرائه.
وأما ديوان سر الملك فإنه يتألف من وزراء السر ومن أربعة وزراء آخرين، لهم وزارة مطلقة ثم جماعة من أرباب المشورة في الدولة.
وأما ديوان الدولة، فإنه يتألف ممن يعينه الملك من أقاربه من الوزراء التسعة الكاتمين سر الدولة، ثم من وزراء الدولة المطلقين، ومن أرباب المشورة، ليتعلموا تدبير الدولة.
ومن ذلك يتضح لك أن ملك فرنسا ليس مطلق التصرف، وأن السياسة الفرنساوية هي قانون مقيد، بحيث إن الحاكم هو الملك بشرط أن يعمل بما هو مذكور في القوانين التي يرضى بها أهل الدواوين، وأن ديوان «البير» يمانع الملك وديوان رسل العمالات يحامي عن الرعية، والقانون الذي يمشي عليه الفرنساوية الآن ويتخذونه أساسًا لسياستهم هو القانون الذي ألفه لهم ملكهم المسمى: لويز الثامن عشر (بضم اللام وكسر الواو) ولا زال متبعًا عندهم ومرضيًا لهم، وفيه أمور لا ينكر ذوو العقول أنها من باب العدل.
والكتاب المذكور الذي فيه هذا القانون يسمى الشرطة? ومعناها في اللغة اللاطينية ورقة ثم تسومح فيها، فأطلقت على السجل المكتوب فيه الأحكام المقيدة، فلنذكره لك، وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير المماليك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك، حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم، وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلمًا أبدًا، والعدل أساس العمران.
ولنذكر هنا نبذة مما قاله فيه العلماء والحكماء، أو في ضده من كلام بعضهم: ظلم اليتامى والأيامى مفتاح الفقر، والحلم حجاب الآفات، وقلوب الرعية خزائن ملكها، فما أودعه إياها وجده فيها، وقال آخر: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل. وقيل فيما يقرب من هذا المعنى: سلطان الملوك على أجسام الرعايا لا على قلوبهم، وقال بعضهم: أبلغ الأشياء في تدبير المملكة تسديدها بالعدل، وحفظها من الخلل. وقيل: إذا أردت أن تطاع فاطلب ما يستطاع، إن المولى إذا كلف عبده ما لا يطيعه؛ فقد أقام عذره في مخالفته، وقال بعضهم شعرًا يفيد أن النصر يتوقف على العدل:
تروم ولاة الجور نصرًا على العداوهيهات يلقى النصر غير مصبب
وكيف يروم النصر من كان خلفهسهام دعاء من قسي قلوب؟!
وقال آخر:
لا يفلح المغتال والظلوموالبغي مرعى نبته وخيم
فمضجع الظالم بئس المضجعومصرع الباغي فبئس المصرع
إن القصاص واقع بالمثلوالدهر يجزي بيسير الفعل
وفي هذا القانون عدة مقاصد: المقصد الأول الحق العام «للفرنساوية»، الثاني: كيفية تدبير المملكة: الثالث في منصب ديوان «البير»، الرابع: في منصب «ديوان رسل العمالات» الذين هم أمناء الرعايا ونوابهم، الخامس: في منصب الوزراء، السادس: في طبقات القضاء وحكمهم، السابع: في حقوق الرعية، قال صاحب الشرطة المذكورة:
الكلام على حق الفرنساوية المنصوب لهم
المادة الأولى: سائر الفرنساوية مستوون قدام الشريعة.
المادة الثانية: يعطون من أموالهم بغير امتياز شيئًا معينًا لبيت المال، كل إنسان على حسب ثروته.
المادة الثالثة: كل واحد منهم متأهل لأخذ أي منصب كان وأي رتبة كانت.
المادة الرابعة: ذات كل واحد منهم يستقل بها، ويضمن له حريتها، فلا يتعرض له إنسان إلا ببعض حقوق مذكورة في الشريعة، وبالصورة المعينة التي يطلبه بها الحاكم.
المادة الخامسة: كل إنسان موجود في بلاد الفرنسيس يتبع دينه كما يجب لا يشاركه أحد في ذلك، بل يعان على ذلك ويمنع من يتعرض له في عبادته.
المادة السادسة: يشترط أن تكون الدولة على الملة (القاثوليقية) الحوارية الرومانية.
المادة السابعة: تعمير كنائس (القاثوليقية) وغيرهم من النصرانية يدفع له شيء من بيت مال النصرانية، ولا يخرج منه شيء لتعمير معابد غير هذا الدين.
المادة الثامنة: لا يمنع إنسان في فرنسا أن يظهر رأيه وأن يكتبه، ويطبعه بشرط أن لا يضر ما في القانون، فإذا ضرَّ أزيل.
المادة التاسعة: سائر الأملاك والأراضي حرم، فلا يتعدى أحد على ملك آخر.
المادة العاشرة: للدولة دون غيرها أن تكره إنسانًا على شراء عقاره لسبب عام النفع، بشرط أن تدفع ثمن المثل قبل الاستيلاء.
المادة الحادية عشرة: جميع ما مضى قبل هذا القانون من الآراء والفتن يجب نسيانه، وكذلك ما وقع من المحكمة وأهل البلد.
المادة الثانية عشرة: أخذ العساكر يرتب وينقص عما كان عليه وقد يعين بقانون معلوم وضع عساكر في البر والبحر.
كيفية تدبير المملكة الفرنساوية
المادة الثالثة عشرة: ذات الملك محترمة ووزراؤه هم الكفلاء في كل ما يقع، يعني هم الذين يطالبون، ويحكم عليهم، ولا يمكن أن يمضي حكم إلا إذا أنفذه أمر الملك.
المادة الرابعة عشرة: الملك هو أعظم أهل الدولة؛ فهو الذي يأمر وينهى في عساكر البر والبحر، وهو الذي يعقد الحرب والصلح والمعاهدة والتجارة بين ملته وغيرها، وهو الذي يولي المناصب الأصلية، ويجدد بعض قوانين وسياسات، ويأمر بما يلزم، ويمضيه إذا كان فيه منفعة للدولة.
المادة الخامسة عشرة: تدبير أمور المعاملات بفعل الملك وديوان «البير» و«ديوان رسل العمالات».
المادة السادسة عشرة: يقرر الملك وحده جزاء القوانين، ويأمر بإعلانها وإظهارها.
المادة السابعة عشرة: يبعث القانون بأمر الملك إلى ديوان «البير» أولا، ثم إلى ديوان رسل العمالات، إلا قانون الجبايات والقردة، فإنه يبعث أولاً إلى ديوان رسل العمالات.
المادة الثامنة عشرة: تنفذ الدولة القانون إذا رضي به الجمهور كل من الديوانين.
المادة التاسعة عشرة: لأحد الديوانين أن يلتمس من الملك إظهار قانون في أمر كذا، وأن يبين له فائدة وضع ذلك القانون.
المادة العشرون: يصنع هذا القانون بأحد الديوانين في مجلس سري، وما صنعه أحد الديوانين واستقر رأيه عليه يبعثه للديوان الآخر بعد التفكر عشرة أيام.
المادة الحادية والعشرون: إذا رضي الديوان الآخر بالقانون فإنه يصوغ عرضه على الملك؛ فإذا طرحه الديوان الآخر لا يمكن عرضه له، أي: لذلك الديوان مدة اجتماعه في هذه السنة.
الثانية والعشرون: الملك وحده هو الذي يأذن بالقانون ويظهره للرعية.
الثالثة والعشرون: ماهية الملك محدودة له مدة توليته على كيفية واحدة، لا تزيد ولا تنقص عن القدر المعين له عند توليه من مجلس ديوان «البير» يعني ديوان المشورة الأولى.
الرابعة والعشرون: ديوان «البير» هو جزء ذاتي لتشريع القوانين التدبيرية.
الخامسة والعشرون: يجتمع هذا الديوان ويفتح مدة أشهر بأمر الملك في زمن واحد مع انفتاح ديوان رسل العمالات، فيفتحان معًا في يوم واحد ويغلقان كذلك.
السادسة والعشرون: لو اجتمع ديوان? «البير» قبل انفتاح ديوان رسل العمالات أو قبل إذن ملك فرنسا؛ كان سائر الترتيب الصادر من هذا المجلس مدة الاجتماع ممنوع الإمضاء وملغيًا.
السابعة والعشرون: تسمية الشخص «بير فرانسا» هو حق الملك وعدد أهل ديوان «البير» غير محدود، وللملك أن يلقب «البير» بأي لقب كان، وله أن يجعل ذلك اللقب له مدة حياته، وأن يجعله متوارثًا لذريته.
الثامنة والعشرون: يمكن أن يدخل «البير» في الديوان وهو ابن خمس وعشرين سنة، ولا يبدي رأيه في المشورة إلا بعد بلوغه في السن ثلاثين سنة.
التاسعة والعشرون: رئيس ديوان «البير» هو قاضي قضاة فرنسا مهردار ملكها، أي: وزير خاتم ملكها، فإن اعتذر؛ خلَفَه من أهل الديوان من يعيِّنه الملك لذلك.
الثلاثون: أقارب الملك وذراريه يكون لهم الدخول في مرتبة «البيرية» بمجرد ولادتهم، ويجلس كل منهم بعد رئيس ذلك الديوان، ولا يكون لهم كلمة ورأي في المجلس إلا بعد بلوغهم في السن خمسًا وعشرين سنة.
الحادية والثلاثون: لا يمكن لأحد من أهل مجلس «البير» أن يدخل في ذلك الديوان عند انفتاحه إلا بإذن من الملك؛ بأن يبعث رسولاً، فإن فعلوا غير ذلك كان ما فعل بحضرتهم لاغيًا.
الثانية والثلاثون: كل آراء ديوان «البير» يجب كتمها عن غيرهم.
الثالثة والثلاثون: ديوان الملك هو الذي يستقل بالقضاء على الخيانة في الدولة ونحوها، من كل ما يضر الدولة مما هو مقرر في القوانين.
الرابع والثلاثون: لا يمكن أن يقبض أحد على واحد من أهل ديوان «البير» إلا بأمر ذلك الديوان، ولا يمكن أن يحكم عليه غيرهم في مواد الجنايات.
ديوان رسل العمالات الذين هم وكلاء الرعية
الخامسة والثلاثون: ديوان رسل العمالات مؤلَّف من جملة رسل ينتخبهم المنتخبون (بكسر الخاء) الذين يقال لهم: «اللكتور» (بكسر اللام المشددة وسكون الكاف) وترتيبها مصنوع بقوانين مخصوصة.
السادسة والثلاثون: كل العمالات تبقى على ما هي عليه قبل هذه الشرطة من عدد ما لها من الرسل.
السابعة والثلاثون: من الآن فصاعدًا تختار الرسل لتمكث سبع سنوات لا خمسة، كما كانت.
الثامنة والثلاثون: لا يصلح الإنسان للدخول في ديوان الرسل إلا إذا بلغ أربعين سنة، وكان له أملاك يدفع عليها ألف فرنك فِردة.
التاسعة والثلاثون: لا بد أن يُجمع في كل عمالة خمسون ألف نفس موجود فيهم شرطا السن والملك المذكوران؛ ليختار الرسل منها، فإن لم يكمل ممن يدفعون ألف فرنك خمسون وجب تكميلها ممن? لهم أملاك يدفعون عليها دون ألف فرنك، ثم اختيار الرسل من جملة الخمسين.
الأربعون: شرط «اللكتور» أي المنتخب للرسل أن يكون له ملك يدفع فردته ثلثمائة فرنك، وأن يكون قد بلغ من العمر ثلاثين سنة.
الحادية والأربعون: رؤساء مجلس المنتخبين ينصبهم الملك، فيدخلون في أهل هذا المجلس.
الثانية والأربعون: يجب أن يكون نصف رسل العمالات فصاعدًا مستوطنًا عادة في تلك العمالة.
الثالثة والأربعون: رئيس ديوان رسل العمالات ينصبه الملك ويختاره من خمسة رسل يعرضهم ذلك الديوان.
الرابعة والأربعون: مجالس هذا الديوان تكون جهرية إلا إذا أراد خمسة من رسل العمالات كتم شيء، فإنه يجوز إخراج الناس الأجانب من الديوان.
الخامسة والأربعون: الديوان ينقسم إلى دواوين صغيرة تسمى «البورو» يعني مكاتب، فأهل هذه «البورو» تمتحن الأشياء التي يستحسنها الملك ويبعثها لها.
السادسة والأربعون: لا يقع تصليح شيء في آداب سياسات فرانسا، ولا يمضي إلا إذا رضي به الملك وبحث فيه في تلك الدواوين الصغيرة.
السابعة والأربعون: ديوان رسل العمالات ينتقي تقارير طلب الفرد، والمكوس ولا تصل إلى ديوان «البير» إلا إذا رضي بها ذلك الديوان.
الثامنة والأربعون: لا يمكن أن ينفذ أمر الملك في الفرد إلا إذا رضي به الديوانان وأقرَّه الملك.
التاسعة والأربعون: فردة العقار لا تقطع إلا سنة فسنة ويمكن قطع غيرها لأجل معلوم.
الخمسون: على الملك أن يأمر بفتح الديوانين كل سنة، ولكن متى أراد، وله أن يبطل ديوان رسل العمالات، بشرط أن يصنع ديوان رسل جديدًا، وأن لا يزيد في تجديد الآخر عن ثلاثة أشهر.
الحادية والخمسون: لا يمكن أن يقبض أحد على إنسان من أهل مجلس رسل العمالات مدة فتح الديوان، وشهرًا ونصفًا قبل فتحه، وشهرًا ونصفًا بعده.
الثانية والخمسون: لا يمكن أن يقبض على أحد من أعضاء الديوان بسبب مادة من مواد العقوبات، ما دام الديوان مفتوحًا، وما دام اجتماع الديوان، إلا إذا بغت وهو متلبس بالخطيئة، أو أذن الديوان بأخذه.
الثالثة والخمسون: عرض الحال الذي يعرض على أحد الديوانين لا يقبل إلا إذا كان مكتوبًا، وآداب السياسة الفرنساوية لا تجوِّز أن يقدم الإنسان تقريرًا بنفسه في المجلس.
الوزراء
المادة الرابعة والخمسون: يجوز أن يكون الوزير من أهل كل من الديوانين، وله — زيادة على ذلك — حق الحضور في أحدهما، ومتى طلب أن يتكلم في الديوان وجب أن يصغي إلى كلامه.
الخامسة والخمسون: يسوغ لديوان رسل العمالات أن يتهم الوزراء، فتسمع دعواه في ديوان «البير» ليحكم بينهم ذلك الديوان فيفصل خصومتهم.
السادسة والخمسون: لا يتهم الوزير إلا بخيانة في التدبير بالرشوة أو باختلاس الأموال، فيحكم عليه على حسب ما هو مسطر في القوانين المخصوصة.
طائفة القضاة
المادة السابعة والخمسون: الحكم حق الملك، يعتبر كأنه صادر منه، فيحكم القضاة المنصبون من الملك الذين لهم ماهية من بيت المال، ويبتون الحكم باسم الملك.
الثامنة والخمسون: إذا ولّى الملك قاضيًا وجب إبقاؤه ولا يجوز عزله.
التاسعة والخمسون: القضاة المنصبون وقت هذه الشرطة لا يمكن عزلهم ولو تجدد قانون آخر.
الستون: إقامة قضاة المعاملات لا يمكن إبطالها أبدًا.
الحادية والستون: إقامة قضاة المصالحة تبقى أيضًا ولكن قاضي المصالحة يجوز عزله، وإن كان منصبه يأتي له من الملك.
الثانية والستون: لا شيء يخرج عن حكم هؤلاء القضاة.
الثالثة والستون: لا يسوغ بسبب ما تقدم تجديد محاكم أو مجالس زائدة إلا بجمع قضاة النقباء الذين يقال لهم «بربوتال» إذا احتاج الأمر إلى ذلك.
الرابعة والستون: إقامة الدعوى والتشاجر بين الخصوم قدَّام الحاكم الشرعي تكون على رءوس الأشهاد في مواد العقوبات، إلا إذا كان الذنب مضرًا إشهاره بين العامة أو مخلاً بالحياء، فإن أهل المحكمة يخبرون الناس بأن هذا الأمر يقع سرًا.
الخامسة والستون: إقامة (ص ??) الجماعة المحكمين المسماة «جورية الجنايات» لا تبطل أبدًا، وإذا لزم تغيير بعض شيء في مواد القضاة، لا يمكن إلا إذا كان بقانون من الديوانين.
السادسة والستون: قانون معاقبة الإنسان بالاستيلاء على ما تملكه يده قد أبطل بالكلية، ولا يمكن تجديده أبدًا.
السابعة والستون: للملك أن يعفو عن الإنسان، وأن يخفف مواد العقوبات.
الثامنة والستون: كتب قوانين السياسات التي عليه العمل غير المناقضة لما في هذا الشرطة لا ينسخ حكم ما فيها إلا إذا تغير بقانون آخر.
حقوق الناس التي يضمنها الديوان
المادة التاسعة والستون: كل أهل العسكرية سوى أصحاب خدمة دائمة أو متروكين لوقت الحاجة، وكل النساء المتوفى عنهن أزواجهن وهم في العسكرية يبقى لهم مدة حياتهم وظيفتهم ودرجتهم وخرجُهم.
السبعون: ديون الرعية التي في ذمة الديوان هي مضمونة على حسب اضطلاع الدولة مع أرباب الديون.
المادة الحادية والسبعون: لم يفضل لأهل الشرف القديم من درجات الشرف إلا الاسم فقط، وكذلك لأرباب الشرف الجديد، ثم لملك فرانسا أن يعطي درجة الشرف الفرنساوي لأي إنسان شاء ولكن ليس له أن يخص من يعطيه ذلك برفع الفِرَد ونحوها عنه؛ فليس للشرف مزية غير التسمية.
الثانية والسبعون: من له علامة التمييز المسماة درجة «الشوالية» يعني الفارس في فنه، فإن له أن يحفظها على الصورة التي يعنيها ملك فرنسا لهذه الدرجة.
الثالثة والسبعون: القبائل والنزلات الخارجة من فرنسا لتعمير بلاد أخرى، وللاستبطان بها، تكون مدبرة بقوانين وسياسات أخرى.
الرابعة والسبعون: على كل ملك من ملوك فرنسا أن يحلف عند تولية المملكة الفرنساوية ألا يحيد عن هذه الشرطة.
ثم إن هذه الشرطة قد حصل فيها تغيير وتبديل من منذ الفتنة الأخيرة الحاصلة في سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة وألف بتاريخ الميلاد، فراجعها في باب قيامة الفرنساوية وطلبهم للحرية والمساواة انتهى. فإذا تأملت رأيت أغلب ما في هذه الشرطة نفيسًا، وعلى كل حال، فأمره نافذ عن الفرنساوية، ولنذكر هنا بعض ملاحظات فنقول:
قوله في المادة الأولى: سائر الفرنسيس مستوون قدام الشريعة، معناه سائر من يوجد في بلاد فرنسا من رفيع ووضيع لا يختلفون في إجراء الأحكام المذكورة في القانون، حتى إن الدعوى الشرعية تقام على الملك وينفذ عليه الحكم كغيره، فانظر إلى هذه المادة الأولى، فإنها لها تسلطًا عظيمًا على إقامة العدل وإسعاف المظلوم، وإرضاء خاطر الفقير بأنه كالعظيم؛ نظرًا إلى إجراء الأحكام.
ولقد كادت هذه القضية أن تكون من جوامع الكلم عند الفرنساوية، وهي من الأدلة الواضحة على وصول العدل عندهم إلى درجة عالية، وتقدمهم في الآداب الحضرية.
وما يسمونه الحرية ويرغبون فيه هو عين ما يطلق عليه عندنا العدل والإنصاف وذلك؛ لأن معنى الحكم بالحرية هو إقامة التساوي في الأحكام والقوانين، بحيث لا يجوز الحاكم على إنسان، بل القوانين هي المحكمة والمعتبرة، فهذه البلاد حرية بقول الشاعر:
وقد ملأ العدلُ أقطارهاوفيها توالى الصفا والوفا
وبالجملة، إذا وجد العدل في قطر من الأقطار، فهو نسبي إضافي لا عدل كلي حقيقي؛ فإنه لا وجود له الآن في بلدة من البلدان، فهو كالإيمان الكامل، والحلال الصرف، وأمثاله ذلك ونظائره، فلا معنى لحصر المستحيل في القول والعنقاء والخل الوفي، كما هو مذكور في قوله:
لما رأيت بني الزمان وما بهمخلٌّ وفيٌّ للشدائد أصطفي
أيقنت أن المستحيل ثلاثةالغول والعنقاء والخل الوفي
ومع أن ذلك منوع في العنقاء، فإنها نوع من الطيور، موجود الأفراد، يذكر عند أرباب علم الحشائس، وذكر الثعلبي في قصص الأنبياء قصة العنقاء مع سيدنا سليمان في تكذيبها بالقدر، نعم لا وجود للعنقاء بالمعنى المشهور عند العامة من العرب والإفرنج: من أنها من أعلاها عقاب ومن أسلفها أسد، وعلى كل حال فلها في الجملة وجود.
وأما المادة الثانية فإنها محض سياسة، ويمكن أن يقال: إن (الفِرَد) ونحوها لو كانت مرتبة في بلاد الإسلام كما هي في تلك البلاد لطابت النفس، خصوصًا إذا كانت الزكوات والفيء والغنيمة لا تفي بحاجة بيت المال، أو كانت ممنوعة بالكلية وربما كان لها أصل في الشريعة على بعض أقوال مذهب الإمام الأعظم، ومن الحِكم المقررة عند قدماء الحكماء: «الخراج عمود الملك».
ومدة إقامتي بباريس لم أسمع أحدًا يشكو من المكوس و(الفرد) والجبايات أبدًا، ولا يتأثرون، بحيث إنها تؤخذ بكيفية لا تضر المعطى، وتنفع بيت مالهم، خصوصًا وأصحاب الأموال في أمان الظلم والرشوة.
وأما المادة الثالثة فلا ضرر فيها أبدًا، بل من مزاياها أنها تحمل كل إنسان على تعهد تعلمه، حتى يقرب من منصب أعلى من منصبه، وبهذا كثرت معارفهم، ولم يقفل تمدنهم على حالة واحدة مثل أهل الصين والهند، ممن يعتبر توارث الصنائع والحرف، ويبقي للشخص دائمًا حرفة أبيه.
وقد ذكر بعض المؤرخين أن مصر في سالف الزمان كانت على هذا المنوال، فإن شريعة قدماء القبطة كانت تعين لكل إنسان صنعته، ثم يجعلونها متوارثة عندهم شريفة، فكانت هذه العادة من مقتضيات الأحوال؛ لأنها تعين كثيرًا على بلوغ درجة الكمال في الصنائع؛ لأن الابن يحسن عادة ما رأى أباه يفعله عدة مرات بحضرته، ولا يكون له طمع في غيره. فهذه العادة كانت تقطع عرق الطمع، وتجعل كل إنسان راضيًا صنعته، لا يتمنى أعلى منها، بل لا يبحث إلا عن اختراع أمور جديدة نافعة لحرفته توصل إلى كمالها. انتهى.
ويرد عليه أنه ليس في كل إنسان قابلية لتعلم صنعة أبيه، فقصره عليها ربما جعل الصغير خائبًا في هذه الصنعة، والحال أنه لو اشتغل بغيرها لصلح حاله، وبلغ آماله.
وأما المادة الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، فإنها نافعة لأهل البلاد والغرباء؛ فلذلك كثر أهل هذه البلاد وعمرت بكثير من الغرباء، وأما المادحة الثامنة، فإنها تقوى كل إنسان على أن يظهر رأيه وعلمه وسائر ما يخطر بباله، مما لا يضر غيره، فيعلم الإنسان سائر ما في نفس صاحبه خصوصًا الورقات اليومية المسماة «بالجورنالات» او «الكازيطات» الأولى جمع (جرنال) والثانية جمع (كازيطة) فإن الإنسان يعرف منها سائر الأخبار المتجددة، سواء كانت داخلية أو خارجية، أي داخل المملكة أو خارجها، وإن كان قد يوجد فيهات من الكذب ما لا يحصى، إلا أنها قد تضم أخبارًا تتشوق نفس الإنسان إلى العلم بها، على أنها ربما تضمنت مسائل علمية جديدة التحقيق، أو تنبيهات مفيدة أو نصائح نافعة، سواء كانت صادرة من الجليل أو الحقير؛ لأنه قد يخطر ببال الحقير ما لا يخطر ببال العظيم، كما قال بعضهم: لا تحتقر الرأي الجليل، يأتيك به الرجل الحقير؛ فإن الدرة لا تستهان لهوان غواصها، وقال الشاعر:
لما سمعت به سمعت بواحدورأيته فإذا هو الثقلان
فوجدت كل الصيد في جوف الفراولقيت كل الناس في إنسان
ومن فوائدها: أن الإنسان إذا فعل فعلاً عظيمًا، أو رديئًا، وكان من الأمور المهمة كتبه أهل (الجورنال) ليكون معلومًا للخاص والعام، لترغيب صاحب العمل الطيب، وردع صاحب الفعلة الخبيثة، وكذلك إذا كان الإنسان مظلومًا من إنسان، كتب مظلمته في هذه الورقات، فيطلع عليها الخاصة والعام، فيعرف قصة المظلوم والظالم من غير عدول عما وقع فيها، ولا تبديل، وتصل إلى محل الحكم ويحكم فيها بحسب القوانين المقررة، فيكون مثل هذا الأمر عبرة لمن يعتبر.
وأما المادة التاسعة، فإنها عين العدل والإنصاف، وهي واجبة لضبط جور الأقوياء على الضعاف، وتعقيبها بما في العاشرة من باب اللياقة الظاهرة، وفي المادة الخامسة عشرة نكتة لطيفة، وهي: أن تدبير أمر المعاملات لثلاثة مراتب، المرتبة الأولى: الملك مع وزرائه، والثانية: مرتبة «البيرية» المحامية للملك، والثالثة: مرتبة رسل العمالات الذين هم وكلاء الرعية والمحامون عنهم؛ حتى لا تظلم من أحد، وحيثما كانت رسل العمالات قائمة مقام الرعية، ومتكلمة على لسانها كانت الرعية كأنها حاكمة نفسها، وعلى كل حال فهي مانعة للظلم عن نفسها بنفسها، وهي آمنة منه بالكلية ولا يخفى عليك حكمة باقي المواد.
خلاصة حقوق الفرنساوية الآن بعد سنة ???? من الميلاد وتصليح الشرطة
حقوق الفرنساوية الواجبة لهم والواجبة عليهم (مضمون الشرطة بعد التغيير)
الفرنساوية مستوون في الأحكام على اختلافهم في العظم والمنصب والشرف والغنى، فإن هذه مزايا لا نفع لها إلا في الاجتماع الإنساني والتحضر فقط، لا في الشريعة؛ فلذلك كان جميعهم يقبل في المناصب العسكرية والبلدية، كما أنه يعين الدولة من ماله على قدر حاله.
وقد ضمنت الشريعة لكل إنسان التمتع بحريته الشخصية؛ حتى لا يمكن القبض على إنسان إلا في الصورة المذكورة في كتب الأحكام، ومن قبض على إنسان في صورة غير منصوصة في الأحكام يعاقب عقوبة شديدة.
ومن الأشياء التي ترتبت على الحرية عند الفرنساوية أن كل إنسان يتبع دينه الذي يختاره يكون تحت حماية الدولة ويعاقب من تعرض لعابد في عبادته.
ولا يجوز وقف شيء على الكنائس أو إهداء شيء لها إلا بإذن صريح من الدولة.
وكل فرنساوي له أن يبدي رأيه في مادة السياسات، أو في مادة الأديان، بشرط أن لا يخل بالانتظام المذكور في كتب الأحكام.
كل الأملاك على الإطلاق حرم لا تهتك؛ فلا يكره إنسان أبدًا على إعطاء ملكه إلا لمصلحة عامة، بشرط أخذه قبل التخلية قيمته، والمحكمة هي التي تحكم بذلك.
كل إنسان عليه أن يعين في حفظ المملكة العسكرية بشخصه، بمعنى أنه كل سنة يجمع أولاد إحدى وعشرين سنة لتضرب القرعة، لأخذ العساكر السنوية منهم، ومدة الخدمة العسكرية ثمان سنوات، وكل فرنساوي عمره ثماني عشرة سنة، وله حقوقه البلدية يمكنه أن يتطوع ويدخل العسكرية.
ويُعفى من العسكرية عدة أناس: الأول: من طوله دون متر وخمسة وسبعين (سنتيمترًا) يعني: أربعة أقدام وعشرة برامق:? الثاني: أصحاب العلل. الثالث: الابن أكبر الإخوة الأيتام من أبيهم وأمهم: الرابع، الابن البكري أو المنفرد أو ابن الابن الأكبر أو المنفرد عند فقده إذا كانت الأم والجدة لا زوج لها أو كان أبوه أعمى أو سنه سبعين سنة: الخامس: البكري أحد الأخوين اللذين وقعا في قرعة لمة واحدة، السادس: الأخ الذي أخوه باق تحت البيرق أو مات في الخدمة أو جرح في الحرب، ولو أراد إنسان أن ينوب عنه غيره فإن المنوب عنه يضمن النائب سنة من خوف الهرب، إلا إذا كان الهارب قبض عليه في السنة أو مات تحت بيرق الفرنساوية، وفي أحد وعشرين في شهر (دقمبر)? من كل سنة كل العساكر التي تمت خدمتهم يؤذن لهم بالعود إلى محلهم.
ولما كان لا يمكن لكل إنسان أن يدخل بنفسه في عمل الدولة. وكَّلت الرعية بتمامها عنها في ذلك أربعمائة وثلاثين وكيلاً تبعثها إلى باريس في المشورة: وهؤلاء الوكلاء تختارهم الرعية وتوكلهم بأن يمانعوا عن حقها، ويصنعوا ما فيه مصلحة لها، وذلك أن كل فرنساوي مستكمل للشروط التي منها أن يكون عمره خمسًا وعشرين سنة، له أن يكون ممن له مدخل في انتخاب رسل عمالاته.
وكل فرنساوي له أن يكون رسولاً إذا كان عمره ثلاثين سنة، وكان موصوفًا بالشروط المذكورة في كتاب الأحكام.
وفي كل مأمورية مجمع اختبار وانتخاب، ومجامع انتخاب للأقاليم الصغيرة: ومجامع المأموريات الكبيرة مؤلفة من المنتخبين الكبار، وتعين ??? رسولاً، ومجامع انتخاب الأقاليم الصغيرة تعين ??? رسولاً، ودفاتر أرباب الانتخاب تطبع وتكتب في الطرق شهرًا قبل فتح مجامع الانتخاب حتى إنه يمكن لكل إنسان أن يكتب إعلامًا به، وكل منتخب (بكسر الخاء) يكتب رأيه سرًا في ورقة ويعطيها للرئيس مطوية والرئيس يضعها في إناء القرعة.
وديوان رسل العمالات يتجدد أهله بالكلية كل خمس سنوات، ولا يمكن أخذ الفرد إلا بخلاصة من مشورة الديوانين، مقررة من طرف الملك، ويمكن لأهل البلدان أن يراسلوا أهل الديوانين بطرق (العرضحال) ليشتكوا من شيء ويعرضوا شيئًا نافعًا.
القضاة لا ينعزلون فلا يحكم على إنسان إلا بقضاة محل استيطانه، والدعاوى تقام جهرًا، وذنوب الجنايات لا يحكم فيها إلا بحضرة جماعة يسمون «الجوريين? «والعقوبة بالقبض على الأموال بطلت.
للملك أن يعفو عن المعاقَب وأن يخفف العقاب الشديد — على الملك وورثته أن يحلفوا عنه ارتقاء الكرسي بأن يعملوا بما في كتاب قوانين المملكة.
ثم إنه يطول علينا ذكر الأحكام الشرعية أو القانونية المنصوبة عند الفرنساوية، فلنقل: إن أحكامهم القانونية لست مستنبطة من الكتب (ص ??) السماوية، وإنما هي مأخوذة من قوانين أخر غالبها سياسي، وهي مخالفة بالكلية للشرائع وليست قارّة الفروع، ويقال لها: الحقوق الفرنساوية، أي حقوق الفرنساوية بعضهم على بعض؛ وذلك لأن الحقوق عند الإفرنج مختلفة، ثم إن بباريس عدة محاكم وفي كل محكمة قاض كبير كأنه قاضي القضاة وحوله رؤساء وأرباب مشورة، ووكلاء الخصوم، ومحامون للخصوم ونواب عن المحامين، وموقع الوقائع.
شعر
من ادعى أن له حاجةتخرجه عن منهج الشرع
فلا تكونن له صاحبًافإنه ضُر بلا نفع

? Chamire des paris بالفرنسية أي: مجلس الأعيان ويلاحظ أن المؤلف استعمل (de) وهي للمفرد، مكان (des) وهي للجميع.
? الفرد جمع الفردة وهي الضريبة. وهي كلمة تستعملها العامة في مصر إلى وقتنا هذا.
? La chart.
? مجلس الأعيان.
? في المطبوعة: «مما».
? أصابع.
? هكذا في المطبوعة ولعله: ديسمبر.
? يسمون المحلفين والكلمة فرنسية الأصل Jurés.
الفصل الرابع
في عادة سكنى أهل باريس وما يتبع ذلك
من المعلوم أن البلدة أو المدينة تبلغ من الحضارة على قدر معرفتها، وبعدها عن حالة الخشونة والتوحش، والبلاد الإفرنجية مشحونة بأنواع المعارف والآداب التي لا ينكر إنسان أنها تجلب الأنس وتزين العمران، وقد تقرر أن الملة الفرنساوية ممتازة بين الأمم الإفرنجية بكثرة تعقُّلها بالفنون والمعارف، فهي أعظم أدبًا وعمرانًا والبنادر أولى في العمارات عادة من القرى والضِياع. والمدن العظمى أولى من سائر البنادر وتحت المملكة أولى من سائر ما عداها من مدن تلك المملكة؛ فحينئذ لا عجب أن قيل: إن باريس التي هي قاعدة ملك الفرنسيس من أعظم بلاد الإفرنج بناء وعمارة، وإن كانت عماراتها غير جيدة المادة، فهي جيدة الهندسة والصناعة، على أنه ربما يقال أيضًا: أن مادتها جيدة إلا أنها ناقصة؛ لعدم كثرة حجر الرخام فيها، ولخلوها عن بعض أشياء آخر — كيف لا؟ وأساس حيطانها من أحجار النحاتة، وكذلك الحيطان الخارجية، وأما الداخلية ذاتها تتخذ من الخشب الجيد في الغالب، وأما عواميدها فهي غالبًا من النحاس، فقل إن كانت من الرخام، كما أن تبليط الأرض يتخذ من حجر البلاط، وقد يكون من الرخام الأسود مع البلاط؛ وذلك أن الطرق دائمًا مبلطة بحجر البلاط المربع، والحيشان مبلطة بالبلاط المذكور، والقيعان بالآجر أو بالخشب، أو بالمرمر الأسود مع البلاط المشغول، وجودة الحجر أو الخشب تختلف باختلاف يسار الإنسان.
ثم إن حيطان الغرفات والأرض من خشب كما تقدم، وهم يطلونه بالطلاء، ثم يسترون الحيطان بورق منقوش نقشًا نظيفًا، فهو أحسن من عادة تبييض الحيطان بالجير، فإن الورق لا يعود منه شيء على من مس الجدار، بخلاف الجير، بل وهو أهون مصرفًا وأعظم منظرًا وأسهل فعلا خصوصًا في (أوضاتهم) المزينة بأنواع من الأمتعة التي لا يمكن الإفصاح عنها، غاية ما يقال: إن الفرنساوية يحاولون أضعاف نور (الأرض) بوضع الستائر الملونة، خصوصًا الخضراء، وأرض أوضهم مبلطة بخشب أو بنوع من القرميد الأحمر، ويحكون أرض (الأوضة) كل يوم بالشمع الأصفر، المسمى عندهم شمع الحك، وعندهم حكّاكون بالأجرة، معدون لذلك بالخصوص، وتحت أسرتهم، المكسوَّة بالمخيشات وبالمشرجات وغيرها، سجادات عظيمة يطئونها بالنعال، وفي كل (أوضة) مدخنة للنار، وهي على شكل صفة القلل مرخمة بجيد الرخام، وفوقها ساعة «بشتختة»? وحول الساعة من الجهتين آنية من تقليد الرخام الأبيض، أو من البلور، فيها أزهار أو تقليد أزهار، وحول هذا من الجهتين القناديل الإفرنجية الدولابية التي لا يدرك صورتها حقيقية إلا من رآها موقودة، وفي غالب (أوضهم) آلات الموسيقى المسماة «البيانو» (بكسر الباء وضم النون)، فإذا كانت (الأوضة) أوضة شغل وقراءة ففيها طاولة مشتملة على آلات الكتابة وغيرها، مثل سكاكين قطع الورق المصنوعة من العاج أو البقس? أو غيرهما، وأغلب (الأوض) مشحونة بالصور، خصوصًا صور الأقارب، وفي (أوضة) الشغل أيضًا قد توجد صورة «عجيبة» وأشياء من غرائب ما كان عند القدماء على اختلافهم.
وربما رأيت على طاولة الشغل أوراق الوقائع على اختلاف أجنساها، وربما رأيت كذلك في (أوض) الأكابر (النجفات) العظيمة التي توقد بشموع العسل، وربما رأيت أيضًا في (أوضهم) في يوم تبقى الناس طاولة وعليها جميع الكتب المستجدة والوقائع وغيرها لتسلية من أراد من الضيوف أن يسرح ناظره، وينزه خاطره في قراءة هذه الأشياء، وهذا يدل على كثرة اهتمام الفرنساوية بقراءة الكتب، فهي أنسهم.
ومن التوقيعات اللطيفة: الكتاب وعاء مليء علما، وظرف حشى ظرفًا، ومن لك بروضة تقلب في حجر وبستان يحمل في كم، وما أحسن قول بعضهم شعرًا:
دفتري مؤنسي وفكري سميريويدي خادمي، وحلمي ضجيعي
ولساني سيفي، وبطشي قريضيودواتي عيشي، ودرجي ربيعي
وقال آخر:
لنا جلساء ما يمل حديثهمألبَّاء مأمونون غيبًا ومشهدًا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضىوعقلاً وتأديبًا ورأيًا مسددًا
فإن قلت أموات فما أنت كاذبوإن قلت أحياء فلست مفندًا
ومن كلام بعضهم: نعم المحدث الدفتر، ومن كلام بعض الظرفاء: ما رأيت باكيًا أحسن تبسمًا من القلم. ثم إن جميع هذه التحف يكمل الأنس بها بحضور سيدة البيت — أي: زوجة صاحبه التي تحيي الضيوف أصالة، وزوجها يحييهم بالتبعية — فإن هذه (الأوض) بما احتوت عليه من اللطائف من (أوضنا) التي يحيا فيها الإنسان بإعطاء شبق? الدخان من يد خادم في الغالب قبيح اللون.
وأما السقوف فإنها من الخشب النفيس، ثم إن البيت في العادة مصنوع من أربع طبقات، بعضها فوق بعض ما عدا البناء الأرضي، فلا يحسب دورًا وقد يصل إلى سبعة أدوار، وغيرها تحت الأرض من المخادع التي تستعمل أيضًا لربط الخيل، أو المطبخ وذخائر البيت، وخصوصًا النبيذ والخشب للوقود.
ثم إن البيت عندهم كما في بيوت القاهرة، مشتمل على عدة مساكن مستقلة ففي كل دور من أدوار البيت جملة مساكن، وكل مسكن متنافذ (الأوضات)، وقد جرت عادتهم بتقسيم البيوت إلى ثلاث مراتب؛ المرتبة الأولى: بيت عادي. والثانية: بيت لأحد من الكبار، والثالثة: بيوت الملك وأقاربه ودواوين المشورة ونحوها، فالأول يسمى: بيتًا، والثاني يسمى: دارًا، والثالث يسمى: قصرًا أو (سراية).
ويمكن أيضًا تقسيم البيوت من حيثية أخرى إلى ثلاث مراتب أيضًا: المرتبة الأولى: البيوت التي لها حاجب، ولها باب كبير يسع دخول العربة منه، والثانية: البيوت التي داخلها دهاليز ولها بواب، ولا يمكن أن تدخل العربة من بابها، والثالثة البيوت التي لا بواب لها، أي لا مكان للبواب فيها يسكن فيه، ووظيفة البواب في باريس أن ينتظر الساكن إلى نصف الليل، فإذا أراد الساكن أن يسهر في المدينة زيادة عن الليل، فعليه أن ينبه البواب لينتظره، ولكن لا بد أن يعطيه بعض شيء، وليس على الحارات بواب أصلاً، وليس لها أبواب كما في مصر.
ثم إن العقارات بباريس غالية الثمن والكراء، حتى إن الدار العظيمة قد يبلغ ثمنها مليون فرنك، يعني نحو ثلاثة ملايين قروشًا مصرية، ثم إن كراء المساكن في باريس قد يكون لمجرد المسكن، وقد يستأجرها الإنسان بفراشها العظيم وجميع أثاثها وآلاتها.
وآلات البيت عند الفرنسيس هي آلات الطباخة والمأكل بأجمعها، بطقمها المشتمل على الفضيات ونحوها، وآلة الفراش للنوم، وهو في الغالب عدة طراحات؛ إحداها من الريش، وملاية فرشة تتغير كل شهر، وحرامات الغطاء، ثم آلات التجمل، وتلقي الزوار، وهي الكراسي المكسوة بالحرير ونحوه والشزلانات? المكسوة كذلك، والكراسي العادية والآلات العظيمة المنظر؛ كالساعات الكبيرة المسماة عندهم: «بندول» وكأواني الأزهار العظيمة، وغيرها من أواني القهوة المموهة بالذهب وكالنجعة المعلقة التي تتقد بالشموع المكررة، وكخزانة الكتب التي لها باب من (القزاز) يظهر منه ما فيها من الكتب جيدة التجليد، وكل إنسان له خزنة كتب، سواء الغني أو الفقير؛ حيث إن سائر العامة يكتبون ويقرءون.
والغالب أن الرجل ينام في (أوضة) غير التي تنام فيها زوجته، إذا تقادم الزواج.
ومن العوائد التي لا بأس بها أن قصر ملك فرنسا وقصور أقاربه تنفتح حين خروج السلطان وأقاربه كل سنة إلى الإقامة في الخلاء مدة أشهر، فيدخل سائر الناس للفرجة على بيت الملك وأقاربه، فيرون أثاث البيت وسائر الأشياء الغريبة، ولكن لا يدخل أحد إلا بورقة مطبوعة مكتوب فيها الإذن بدخول شخص أو شخصين أو أكثر، وهذه الورقة توجد عند كثير من الناس، فإذا طلبها الإنسان ممن يعرفه أعطاها له، فترى في البيت ازدحامًا عظيمًا للفرجة على جميع ما في حريم الملك وأقاربه، وقد دخلت ذلك عدة مرات فرأيته من الأمور العجيبة التي ينبغي التفرج عليها، وفيه كثير من الصور التي لا تمتاز عن الناس إلا بعدم النطق، وفيه مصور كثير من ملوك فرنسا وغيرهم، وكل أقارب السلطنة وكل الأشياء الغريبة، وأغلب الأشياء الموجودة في حريم السلطنة مستحسنة من جملة جودة صناعتها لا نفاستها بالمادة؛ مثلاً سائر الفراش كالكراسي والأسرِّة حتى كراسي المملكة مشغولة شغلاً عظيمًا بالقصب المخيش، ومطلية الذهب إلا أنه لا يوجد بها كثير من الأحجار الكريمة كما يوجد ببلادنا ببيوت الأمراء الكبار بكثرة، فمبنى أمور الفرنساوية في جميع أمورهم على التجمل لا على الزينة وإظهار الغنى والتفاخر.
ثم سائر الأغنياء «بباريس» يسكنون في الشتاء في نفس المدينة وقد أسلفنا في ذكر طبيعة إقليم «باريس» أن كل بيت به مداخن تتقد فيها النيران في القيعان (والأود) وأما في مدة الحر، فمن له يسار سكن في الخلاء؛ لأن القصور بالخلاء أسلم هواء من داخل المدينة، ومن الناس من يسافر في بعض بلاد فرنسا أو ما جاورها من البلاد؛ ليستنشق رائحة البلاد الغريبة، ويطلع على البلاد، ويعرف عوائد أهلها، خصوصًا في مدة من السنة تسمى عندهم مدة التعطيل، أو مدة الفراغ، يعني البطالة، حتى النساء فإنهن يسافرن وحدهن، أو مع رجل يتفق معهن على السفر، وينفقن عليه مدة سفره معهن؛ لأن النساء أيضًا متولعات بحب المعارف والوقوف على أسرار الكائنات والبحث عنها، أو ليس أنه قد يأتي منهن من بلاد الإفرنج إلى مصر؛ ليرى غرائبها من الأهرام والبرابي? وغيرها، فهن كالرجال في جميع الأمور. نعم قد يوجد منهن بعض نساء غنيات مستورات الحال يمكن من أنفسهن الأجنبي، وهن غير متزوجات فيشعرن بالحمل، ويخشين الفضيحة بين الناس، فيظهرن السفر لمجرد السياحة أو لمقصد آخر ليلدن، ويضعن المولود عند مرضِع بأجرة خاصة ليتربى في البلاد الغريبة، ومع هذا فالأمر ليس بشائع، وبالجملة «ما كل بارقة تجود بمائها» ففي نساء الفرنساوية ذوات العرض، ومنهن من هي بضد ذلك، وهو الأغلب لاستيلاء فن العشق في فرنسا على قلوب غالب الناس ذكورًا وإناثًا وعشقهم معلل؛ لأنهم لا يصدقون بأنه يكون لغير ذلك إلا أنه قد يقع بين الشاب والشابة فيعقبه الزواج.
ومما يمدح به الفرنساوية نظافة بيوتهن من سائر الأوساخ، وإن كانت بالنسبة لبيوت أهل الفلمنك كلاشيء فإن أهل الفلمنك أشد جميع الأمم نظافة ظاهرية، كما أن أهل مصر في قديم الزمان كانوا أيضًا أعظم أهل الدنيا نظافة، ولم يقلدهم ذراريهم وهم القبطة في ذلك.
وكما أن باريس نظيفة فهي خلية أيضًا من السميات، بل ومن الحشرات فلا يسمع بأن إنسانًا فيها لدغته عقرب أبدًا، وتعهد الفرنساوية تنظيف بيوتهم وملابسهم أمر عجيب، وبيوتهم دائمًا مفرحة بسبب كثرة شبابيكها الموضوعة بالهندسة وضعًا عظيمًا يجلب النور والهواء داخل البيوت وخارجها وظرفات? الشبابيك دائمًا من (القزاز) حتى إذا أغلقت فإن النور لا يحجب أصلاً، وفوقها دائمًا الستائر: للغني والفقير، كما أن ستائر الفرش التي هي نوع من الناموسية غالبة لسائر أهل باريس.

? نوع من المناضد الصغيرة ذات الأدراج.
? اسم لنوع من الأشجار.
? الشبق: أنبوبة مجوفة من عود خشبي يثبت في أحد طرفيها الحجر الذي يوضع فيه التبغ وكانت تستعمل للتدخين في ذلك العصر.
? التي يسمى واحدها بالشازلون، أي الكراسي الطوال.
? المسلات.
? يريد ما يسمى الضرفة: المصراع.
الفصل الخامس
في أغذية أهل باريس وفي عاداتهم في المآكل والمشارب
اعلم أن قوت أهل المدينة هو الحِنطة، وهي في الغالب صغيرة الحبوب، إلا إذا كانت منقولة من البلاد الغريبة فيطحنونها في طواحين الهواء والماء، ويخبزونها عند الفران فيباع الخبز في دكانه، وسائر الناس لها مرتب يومي تشتريه من الخباز، وعلة ذلك توفير الزمان والاقتصاد فيه؛ لأن سائر الناس مشغولون في أشغال خاصة؛ فصناعة العيش في البيوت تشغلهم.
ثم إن المحتسب يأمر الخبازين أن يكون عندهم كل يوم من العيش ما يكفي المدينة وفي الحقيقة لا يمكن فقد العيش أبدًا بمدينة باريس، بل ولا فقد غيره من أمور الأغذية.
وأدم أهل هذه المدينة اللحوم والبقول والخضراوات والألبان والبيض وغيرها، والغالب تعدد الأطعمة ولو عند الفقراء، ثم إن المذابح عندهم تكون بأطراف المدينة لا داخلها، وحكمة ذلك أمران: دفع الوخم، ودفع أضرار البهائم إذا انفلتت، وكيفية الذبح تختلف عندهم، فأما ذبح الضأن فإنه أهون من ذبح غيره، فإنهم ينفذون السكين وراء زوره يعني بين زوره ورقبته، ثم يقطعونه بعكس ما نفعل، وأما ذبح العجول فإنه مثله، وأما الثيران فيضربونها بمقامع من حديد في وسط رأسها فيدوخ من عِظم الخبط، ثم يكررون ذلك عدة مرات، فيقطع الثور النفس مع بقاء الحركة، ثم يذبحونه كما تقدم من ذبح الضأن، ولقد بعثت خادمًا لي مصريًا إلى المذبح ليذبح ما اشترى منه كما هو عادتي، فلما رأى معاملة الثيران بمثل ذلك الأمر البشع جاء يستجير، ويحمد الله تعالى؛ حيث لم يجعله ثورًا في بلاد الإفرنج، وإلا لذاق العذاب كالثيران التي رآها، والعجول والثيران تكون من البقر؛ إذ لا وجود للجواميس بهذه البلاد إلا للفرجة.
وأما ذبح الطيور فإنه على أنواع مختلفة: فمنهم من يصنع فيها كالغنم، ومنهم من يقطع لسان الطائر، ومنهم من يخنقه بفتلة خيط، ومنهم من يذبحه من قفاه إلى غير ذلك.
وأما الأرانب فإنها لا تذبح أبدًا، بل تخنق ليحقن فيها دمها.
وأما ذبح الخنازير فلم أره؛ لأن له مذبحًا مخصوصًا، والظاهر أنهم يصنعون بها كالعجول، ثم من الأمور التي بها راحة للناس بمدينة «باريس» محال الأكل المسماة «الرسطراطور» أي «اللوكنجة»،? فإنها مستوفية لما يجده الإنسان في بيته بل أعظم، وقد يجد الإنسان ما يطلبه حاضرًا، وفي هذه «الرسطراطور» غرف لطيفة متعددة مستوفية لآلات البيوت، وربما يوجد فيها محال للنوم مفروشة بأعظم الفراش، وكما يوجد في «الرسطراطور» أنواع المآكل والمشارب يوجد فيها أنواع الفواكه والنُقَل.
وعادة الفرنساوية الأكل في طباق كالطباق العجمية أو الصينية، لا في آنية النحاس أبدًا، ويضعون على (السفرة) دائمًا قدام كل إنسان شوكة وسكينًا وملعقة، والشوكة والملعقة من الفضة، ويرون أن من النظافة (أو الشلبنة)? ألاّ يمس الإنسان الشيء بيده، وكل إنسان له طبق قدامه، بل وكل طعام له طبق، وقدام الإنسان قدح فيصب فيه ما يشربه من (قزازة) عظيمة موضوعة على (السفرة) ثم يشرب فلا يتعدى أحد على قدح الآخر.
وأواني الشرب دائمًا من البلور والزجاج، وعلى السفرة عدة أوان صغيرة من الزجاج أحدها فيه ملح، والآخر فيه فلفل، وفي الثالث خردل إلى آخره.
وبالجملة فآداب سفرتهم وترتيباتها عظيمة جدًا، وابتداء المائدة عندهم (الشوربة) اختتامها الحلويات والفواكه، والغالب في الشراب عندهم النبيذ على الأكل بدل الماء. وفي الغالب، خصوصًا لأكابر الناس، أن يشرب من النبيذ قدرًا لا يحصل به سكر أصلاً؛ فإن السكر عندهم من العيوب والرذائل، وبعد تمام الطعام ربما شربوا شيئًا يسيرا من العرقي، ثم إنهم مع شربهم من هذه الخمور لا يتغزلون بها كثيرًا في أشعارهم، وليس لهم أسماء كثيرة تدل على الخمرة كما عند العرب أصلاً، فهم يتلذذون بالذات والصفات، ولا يتخيلون في ذلك معاني ولا تشبيهات ولا مبالغات، نعم عندهم كتب مخصوصة متعلقة بالسكارى، وهي هزليات في مدح الخمرة، لا تدخل في الأدبيات الصحيحة في شيء أصلاً.
ويكثر في «باريس» شرب الشاي عقب الطعام؛ لأنهم يقولون إنه هاضم للطعام، ومنهم من يشرب القهوة مع السكر، وفي عوائد أغلب الناس أن يفتتوا الخبز في القهوة المخلوطة باللبن، ويتعاطوها في الصباح — وإذا أردت بعض شيء يتعلق بالمأكل والمشرب فراجع فصل المآكل والمشارب في ترجمتنا كتاب: «قلائد المفاخر».
ثم إن الغالب أن ما يقطعه أهل هذه المدينة من المآكل والمشارب كل سنة يكون هذا تقريبه، فمن الخبز ما تزيد قيمته على خمسة وثلاثين مليونًا من الفرنكات، وتأكل من اللحوم نحو واحد وثمانين ألف ثور، وأربعمائة وثلاثين ثورًا، ومن البقر نحو ثلاثة عشرة ألف بقرة، ومن الضأن أربعمائة وسبعين ألف كبش، ومن الخنازير الوحشية والأهلية نحو مائة ألف خنزير، ومن السمن بنحو عشرة ملايين من الفرنكات، ومن البيض بنحو خمسة آلاف فرنك.
ومن غرائب الأشياء أن فيها التحيل على عدم عفونة الأشياء التي من شأنها العفونة؛ فمن ذلك ادخار اللبن بكيفية خاصة خمس سنين من غير تغير، وادخار اللحم طريًا عشر سنوات، وادخار الفواكه لوجودها في غير أوانها، ومع كثرة تفننهم في الأطعمة والفطورات ونحوها، فطعامهم على الإطلاق عديم اللذة، ولا حلاوة صادقة في فواكه هذه المدينة إلا في الخوخ.
وأما خماراتها فإنها لا تحصى؛ فما من حارة إلا وهي مشحونة بهذه الخمارات، ولا يجتمع فيها إلا أراذل الناس وحرافيشهم مع نسائهم، ويكثرون الصياح وهم خارجون منها بقولهم ما معناه: الشراب، الشراب! ومع ذلك فلا يقع منهم في سكرهم أضرار أصلاً.
وقد اتفق لي ذات يوم وأنا مار في طريق في «باريس» أن سكران صاح قائلاً: يا تركي، يا تركي، وقبض بثيابي، وكنت قريبًا من دكان يباع فيه السكر ونحوه، فدخلت معه، وأجلسته على كرسي. وقلت لرب الحانوت على سبيل المزح: هل تريد أن تعطيني بثمن هذا الرجل سُكْرًا أو نُقَلاً؟ فقال صاحب الحانوت: ليس هنا مثل بلادكم، يجوز التصرف في النوع الإنساني؟ فما كان جوابي له إلا أنني قلت: إن هذا الشخص السكران ليس في هذا الحال من قبيل الآدميين، وهذا كله والرجل جالس على الكرسي، ولا يشعر بشيء، ثم تركته بهذا المحل وذهبت.

? يريد (اللوكاندة): الفندق.
? التظرف.
الفصل السادس
في ملابس الفرنسيس
من المعروف عندنا أن غطاء رأس الإفرنج (البرنيطة)، وأن نعالهم في الأكثر الصرم السوداء، و(التاسومات): وأن لباسهم في الغالب هو الجوخ الأسود، وأما الفرنساوية فإنها في الغالب أيضًا على هذا الملبس إلا أنهم لا يلزمون ملبسًا خاصًا، بل كل إنسان يلبس باختياره ما تأذن له العادة بلبسه، والغالب أن لبسهم ليس زينة، وإنما هو في غاية النظافة، ومن العوائد العظيمة: انتشر لبس القمصان والألبسة والصديريات تحت ملابسهم، فإن الموسر يغير في الأسبوع عدة مرات، وبهذا يستعينون على قطع عرق (الواغش)? فلذلك كان لا أثر للقمل ونحوه إلا عند من اشتد به الفقر.
وملابس النساء ببلاد الفرنسيس لطيفة بها نوع من الخلاعة، خصوصًا إذا تزيَّنّ بأغلى ما عليهن، ولكن ليس لهن كثير من الحلي فإن حليَّهن هو الحلق المذهب في آذانهن، ونوع من الأساور الذهب يلبسنه في أيديهن خارج الأكمام، وعقد خفيف في أجيادهن، وأما الخلاخل فلا يعرفنها أبدًا، ولبسهن في العادة الأقمشة الرقيقة من الحرير أو (الشيت) أو (البفت) الخفيف، ولهن في البرد شريط فروة فيضعنه على رقابهن، ويرخين طرفيه كالمآزر؛ حتى يصل بطرفيه إلى قرب القدمين.
ومن عوائدهن أن يحتزمن بحزام رفيع فوق أثوابهن، حتى يظهر الخصر نحيفًا ويبرز الردف كثيفًا، ومما أنشده الحاجري في ديوانه، وإن كان فيه خروج قوله:
ومزنر ياليتني أستاذهكيما أفوز بضمة من خصره
القس يسقيه شبيهة خدهوالمسلمون بأسرهم في أسره
فوحقه لولا رشاقة قدِّهما رقَّ إسلامي لشدة كفره
ومن خصال النساء أن يشبكن بالحزام قضيبًا من صفيح من البطن إلى آخر الصدر؛ حتى يكون قوامهن دائمًا معتدلاً لا اعوجاج به، ولهن كثير من الحيل.
ومن خصالهن التي لا يمكن للإنسان أن لا يستحسنها منهن عدم إرخائهن الشعور؛ كعادة نساء العرب، فإن الفرنسيس يجمعن الشعور في وسط رءوسهن، ويضعن فيه دائمًا مشطًا ونحوه، ومن عوائدهن في أيام الحر كشف الأشياء الظاهرية من البدن؛ فيكشفن من الرأس إلى ما فوق الثدي، حتى إنه يمكن أن يظهر ذلك من الأمور المخلة عند أهل هذه البلاد، ولكن لا يمكن لهن أبدًا كشف شيء من الرجلين، بل هن دائمًا لابسات للشرابات، الساترة للساقين، خصوصًا في الخروج على الطرق، وفي الحقيقة سيقانهن غير عظيمة أصلاً، فلا يصلح لهن قول الشاعر:
لم أنسه إذ قام يكشف عامدًاعن ساقه كاللؤلؤ البراق
لا تعجبوا إن قام فيه قيامتيإن القيامة يوم كشف الساق
وملابس الحزن عند الفرنسيس هي علامة حزن تلبس مدة معلومة، ولها محل معلوم؛ فالرجل يضع علامة الحزن في (برنيطته) مدة معلومة، والمرأة في ثيابها والولد على فقد أبيه أو أمه يلبس علامة الحزن ستة أشهر، وعلى فقد الجدة أربعة أشهر ونصفًا والزوجة على فقد الزوج سنة وستة أسابيع، وعلى فقد الزوجة ستة أشهر، وعلى فقد الأخ أو الأخت شهرين، وعلى فقد الخال، والخالة، والعم، والعمة ثلاثة أسابيع، وعلى فقد أولاد الأعمام والعمات والأخوال والخالات أسبوعين.
ثم إن ما يباع في باريس من الجوخ كل سنة بنحو مليون من الفرنكات تقريبًا ومن الحرير بثلاثة ملايين من الفرنكات، ومن الفراوي بمليون من الفرنكات، ولعل السبب في ذلك هو أن الفراوي تشتري من خصوص باريس، لأهل باريس.
ومن المتداول عند الفرنساوية استعمال الشعور العارية لنحو الأقرع ورديء الشعر، بل قد يستعملونها في اللحى والشارب للتقليد، وقد شاعت عندهم تلك العادة من زمن «لويز الرابع عشر» ملك فرانسا؛ حيث إن هذا الملك كان يلبسها، ولا يخلعها من رأسه أصلاً إلا عند النوم، وما زالت إلى الآن مستعملة، لكن للأقرع أو رديء الشعر، ومن الغريب أنها تستعمل الآن في مصر بين نساء القاهرة.

? يريد: الحشرات.
الفصل السابع
في منتزهات مدينة باريس
اعلم أن هؤلاء الخلق؛ حيث إنهم بعد أشغالهم المعتادة المعاشية لا شغل لهم بأمور الطاعات، فإنهم يقضون حياتهم في الأمور الدنيوية، واللهو، واللعب، ويتفننون في ذلك تفننًا عجيبًا.
فمن مجالس الملاهي عندهم محال تسمى «التياتر»? (بكسر التاء المشددة، وسكون التاء الثانية)، «والسبكتاكل»? وهي يلعب فيها تقليد سائر ما وقع، وفي الحقيقة أن هذه الألعاب هي جد في صورة هزل، فإن الإنسان يأخذ منها عبرًا عجيبة؛ وذلك لأنه يرى فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى، وذم الثانية، حتى إن الفرنساوية يقولون: إنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبها، فهي وإن كانت مشتملة على المضحكات، فكم فيها من المبكيات، ومن المكتوب على الستارة التي ترخى بعد فراغ اللعب باللغة اللاطينية ما معناه باللغة العربية: «قد تصلح العوائد باللعب».
وصورة هذه «التياترات» أنها بيوت عظيمة لها قبة عظيمة، وفيها عدة أدوار كل دور له (أود) موضوعة حول القبة من داخله، وفي جانب من البيت مقعد متسع يطل عليه من سائر هذه (الأود) بحيث إن سائر ما يقع فيه يراه من هو في داخل البيت، وهو منور (بالنجفات) العظيمة، وتحت ذلك المقعد محل للآلاتية، وذلك المقعد يتصل بأروقة فيها سائر آلات اللعب، وسائر ما يصنع من الأشياء التي تظهر، وسائر النساء والرجال المعدة للعب، ثم إنهم يصنعون ذلك المقعد كما تقتضيه اللعبة، فإذا أرادوا تقليد سلطان مثلاً في سائر ما وقع منه، وضعوا ذلك المقعد على شكل (سراية) وصوروا ذاته، وأنشدوا أشعاره، وهلم جرا. ومدة تجهيز المقعد يرخون الستارة لتمنع الحاضرين من المنظر، ثم يرفعونها ويبتدئون باللعب، ثم إن النساء اللاعبات، والرجال يشبهون العوالم في مصر.
واللاعبون واللاعبات بمدينة باريس أرباب فضل عظيم، وفصاحة، وربما كان لهؤلاء الناس كثير من التآليف الأدبية والأشعار، ولو سمعت ما يحفظه اللاعب من الأشعار وما يبديه من التوريات في اللعب، وما يجاوب به من التنكيت والتبكيت لتعجبت غاية العجب.
ومن العجائب أنهم في اللعب يقولون مسائل من العلوم الغريبة والمسائل المشكلة ويتعمقون في ذلك وقت اللعب، حتى يظن أنهم من العلماء، بل الأولاد الصغار التي تلعب، تذكر شواهد عظيمة من علم الطبيعيات ونحوها، ثم إنهم يبتدئون اللعب بآلات الموسيقى،? ثم يلعبون ما يريدون لعبه، واللعبة التي تظهر تكتب في ورقة وتلصق في حيطان المدينة، وتكتب في التذاكر اليومية ليعرفها الخاص والعام وفي الليلة يلعبون اللعبات، وبعد فراغ كل لعبة ترخى الستارة، فإذا أرادوا مثلاً لعب شاه العجم ألبسوا لاعبًا لبس ملك العجم، وأحضروه وأجلسوه على كرسي.. وهكذا.
وهذه (السبكتاكلات) يصورون فيها سائر ما يوجد، حتى إنهم قد يصورون فرق البحر لموسى عليه السلام، فيصورون البحر ويجعلونه يتماوج حتى يشبه البحر شبهًا كليًا، وقد رأيت مرة في الليل أنهم ختموا (التياتر) بتصوير شمس وتسييرها، وتنوير (التياتر) بها حتى غلب نور هذه الشمس على نور النجف، حتى كان الناس في الصباح، ولهم أشياء أغرب من هذا، وبالجملة (التياتر) عندهم كالمدرسة العامة، يتعلم فيها العالم والجاهل.
وأعظم (السبكتاكلات) في مدينة باريس المسماة «الأوبرة» (بضم الهمزة وتشديد الباء المكسورة، وفتح الراء) وفيها أعظم (الآلاتية) وأهل الرقص، وفيها الغناء على الآلات والرقص بإشارات كإشارات الأخرس، تدل على أمور عجيبة، ومنها (تياتر) تسمى: «كوميك» فيغنى فيها الأشعار المفرحة.
وبها (تياتر) تسمى: «التياتر الطليانية» وبها أعظم (الآلاتية)، وفيها تنشد الأشعار المنظومة باللغة الطليانية، وهذه كلها من (السبكتاكلات) الكبيرة، وفي باريس «سبكتاكلات» أخرى وهي مثل تلك إلا أنها صغيرة.
وهناك أيضًا (سبكتاكلات) يلعبون فيها الخيل والفيلة ونحوها، ومنها (التياتر) المسماة «تياتر فرنكوني» (بكسر الفاء وفتح الراء وسكون النون وضم الكاف وكسر النون الثانية)، وفيها فيل مشهور بالألعاب الغريبة معلم تعليمًا عجيبًا.
وكما أن أكبر (التياترات) «الأوبرة» فأصغرها (تياتر) تسمى: تياتر «الكمت» وهي معدة لنزاهة الصغار كالحاوي في مصر «والكمت» اسم معلم هذه السبكتاكل? وكل اللاعبين (ص ??) واللاعبات صغار السن، وهذه (التياتر) يوجد بها كثير من الشعبيثيات) و(السيم)? ونحوها، ولو لم تشتمل (التياتر) في فرانسا على كثير من النزعات الشيطانية لكانت تعد من الفضائل العظيمة الفائدة، فانظر إلى اللاعبين بها فإنهم يحترزون ما أمكن عن الأمور التي يفتتن بها المخلة بالحياء، ففرق بعيد بينهم وبين عوالم مصر، وأهل السماع ونحوهم.
ولا أعرف اسمًا عربيًا يليق بمعنى (السبكتاكل) أو (التياتر) غير أن لفظ (سبكتاكل) معناه منظر أو منتزه أو نحو ذلك، ولفظ (تياتر) معناه الأصلي كذلك، ثم سمي بها اللعب ومحله، ويقرب أن يكون نظيرها أهل اللعب المسمى خياليًا، بل الخيالي نوع منها.
وتشتهر عند الترك باسم (كمدية) وهذا الاسم قاصر إلا أن يتوسع فيه، ولا مانع أن تترجم لفظة (تياتر) أو (سبكتاكل) بلفظة: خيالي، ويتوسع في معنى هذه الكلمة، ويقرب من تصوير (السبكتاكل) أو هو منها مواضع، يصور فيها للإنسان منظر بلد أو أراض أو نحو ذلك؛ فمن ذلك (بانورمه)? وهو محل تنظر فيه فترى المدينة التي تريد تصويرها، ففي صورة مصر ترى كأنك على منارة السلطان حسن مثلاً والرميلة تحتك، وباقي المدينة، ومنها (كسمورمه)،? وفيه صورة بلدة ثم أخرى وهكذا. ومنه (ديورمه?) وفيه صورة دار، ومنها (أورانومه?) وفيه صورة الفلك الأعظم، وسائر ما يحتوي عليه مصورًا على مذهب الإفرنج، فالمتفرج فيه يمكنه أن يطالع علم الفلك، ومنها (أوروبرمه??) وفيه صورة بلاد الإفرنج.
ومن المتنزهات محال الرقص المسماة «البال» وفيه الغناء والرقص، وقل إن دخلت ليلاً في بيت من بيوت الأكابر إلا وسمعت به الموسيقى والمغنى، ولقد مكثنا مدة لا نفهم لغنائهم معنى أصلاً، لعدم معرفتنا بلسانهم، ولله در من قال في مثل هذا الأمر:
ولم أفهم معانيها، ولكنشجت كبدي، فلم أجهل شجاها
فكنت كأنني أعمى معَنَّىيحب الغانيات ولا يراها
(البال) قسمان: (بال) عام، ويدخله سائر الناس، (كالبال) في القهاوي والبساتين، (وبال) خاص، وهو أن يدعو الإنسان جماعة للرقص والغناء والنزهة ونحو ذلك؛ كالفرح في مصر، و(البال) دائمًا مشتمل على الرجال والنساء، وفيه وقدات عظيمة، وكراسيّ للجلوس.
والغالب أن الجلوس للنساء ولا يجلس أحد من الرجال إلا إذا اكتفت النساء، وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس، ولم يكن ثم كرسيّ خال قام لها رجل وأجلسها، ولا تقوم لها امرأة لتجلسها، فالأنثى دائمًا في المجالس معظمة أكثر من الرجل، ثم إن الإنسان إذا دخل بيت صاحبه، فإنه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه، ولو كبر مقامه ما أمكن، فدرجته بعد زوجته أو نساء البيت.
ومن المنتزهات جمعية الناس، كضمة?? مصر، إلا أن فيها دائمًا آلات الموسيقى والغناء والرقص، وبين كل نوبة من المسيقى والغناء يقسم على الحاضرين بعض مطعومات ومشروبات خفيفة. وبالجملة فالموسيقى بالأصالة، والشراب الخفيف بالتبعية هما حظ هذه المجالس، كما قال الشاعر:
هل العيش إلا ماء كرم مصفق??ترقرقه في الكأس ماء غمام
وعود «بنان» حين ساعد شدوهعلى نغم الأوتار ناي «زنام»??
وقد قلنا إن الرقص عندهم فن من الفنون، وقد أشار إليه المسعودي في تاريخه المسمى: «مروج الذهب» فهو نظير المصارعة في موازنة الأعضاء ودفع قوى بعضها إلى بعض، فليس كل قوي يعرف المصارعة، بل قد يغلبه ضعيف البنية بوساطة الحيل المقررة عندهم، وما كل راقص يقدر على دقائق حركات الأعضاء، وظهر أن الرقص والمصارعة مرجعهما شيء واحد يعرف بالتأمل، ويتعلق بالرقص في فرنسا كل الناس، وكأنه نوع من العياقة والشلبنة لا من الفسق؛ فلذلك كان دائمًا غير خارج عن قوانين الحياء، بخلاف الرقص في أرض مصر، فإنه من خصوصيات النساء؛ لأنه لتهييج الشهوات، وأما في باريس فإنه نمط مخصوص لا يشم منه رائحة العهر أبدًا، وكل إنسان يعزم امراة يرقص معها، فإذا فرغ الرقص عزمها آخر للرقصة الثانية، وهكذا، وسواء كان يعرفها أو لا، وتفرح النساء بكثرة الراغبين في الرقص معهنّ، ولا يكفيهن واحد ولا اثنان، بل يحببن رؤية كثير من الناس يرقصن معهن لسآمة أنفسهن من التعلق بشيء واحد، كما قال الشاعر:
أيا من ليس يرضيها خليلولا ألفا خليل كل عام
أراك بقية من قوم موسىفهم لا يصبرون على طعام
وقد يقع في الرقص رقصة مخصوصة؛ بأن يرقص الإنسان ويده في خاصرة من ترقص معه، وأغلب الأوقات يمسكها بيده، وبالجملة فمسُّ المرأة أيّامّا كانت في الجهة العليا من البدن غير عيب عند هؤلاء النصارى، وكلما حسن خطاب الرجل مع النساء، ومدحهن عد هذا من الأدب، وصاحبة البيت تحيي أهل المجلس.
ومن النزه: المواسم العامة التي تصنع في الصيف، ومبناها على الرقص والآلات، وتسبيب البارود، ونحو ذلك.
ومن المواسم العامة عندهم أيام تسمى أيام (الكرنوال) وتسمى عند قبطة مصر أيام الرفاع،?? وهي عدة أيام يرخص لسائر الناس فيها سائر التقليدات والتشكلات، فيتشكل الرجل بشكل امرأة، والمرأة في صورة رجل، ويتراءى (الخواجة) في صورة راع ونحو ذلك، وبالجملة فيباح سائر ما لا يضر براحة المملكة وانتظامها.
ويقول الفرنساوية إن هذه الأيام أيام جنون، ويدور بهذه البلدة فحل أسمن فحول فرنسا، في موكب عظيم مدة أيام الزفر?? الثلاثة، ثم يذبحونه ويعطون لصاحبه (بخشيشًا) في نظير تسميته له؛ حتى يسمن سائر الناس عجولهم.
ومن منتزهات باريس الحدائق العظيمة العامة؛ ففي باريس نحو أربعة بساتين كبرى يتماشى فيها العام والخاص، فمنها حديقة (التولري)?? التي بها قصر الملك، وهي من أعظم المنتزهات، يدخلها المتجملون من الناس، ويحجز الأسافل من دخولها فكأنها مصداق قول بعض الظرفاء:
لو كنت أملك للرياض صيانةيومًا لما وصل اللئام ترابها
ومنها حديقة تسمى «الشمزليزه»،?? ومعناه بالعربية: رياض الجنة، وهي من أرق المنتزهات وأنضرها، وهي بستان عظيم يبلغ أربعين «أربانًا» و«الأربان» هو قياس يقرب من الفدان، ومع أن طول طريقها نحو ألف قامة، فإنها موضوعة بحيث إنك إذا مددت نظرك رأيت طرفها الثاني قدام عينيك، وفي هذه الروضة العظيمة دائمًا شيء من الملاهي لا يمكن حصره، وسائر أشجار هذا البستان متصافة، متوازية بعضها مع بعض، رتبت بحيث إنه يوجد مدخل من كل الجهات، فهو على سمت الخطوط المستقيمة من سائر الجهات، وفي وسط كل جملة من الأشجار يوجد محل مربع، وهذه الحديثة يتصل أحد جوانبها بنهر السين، وبينها وبينه رصيف، وبجانبها الآخر بيوت بأطراف الخلاء، وفيها كثير من القهاوي (الرسطواطورات)، يعني بيوت الأكل وفيها سائر أنواع الطعام والشراب، وهي مجمع الأحباب والأكابر، وبها كثير من المرامح للخيل، ويدخل فيها الأكابر بالعربات المزينة، وفيها عدة آلاف من الكراسي بالأجرة، يجلس عليها في زمن الربيع نهارًا وفي زمن الصيف ليلاً، وأعظم اجتماع الناس فيها يوم الأحد، فإنه يوم البطالة عند الفرنساوية، وبالجملة فهذه الحديقة محل المواسم والأفراح العامة والزينات، وبها تتماشى سائر النساء الجميلات.??
ومن المتنزهات المحال المسماة «البلوار»، وهي الأشجار المتصافة المتوازية، وقد أسلفنا بيانها، وهي محل يتماشى فيها سائر الناس، في سائر الأيام، وفيه أعظم قهاوي باريس، وتدور فيه الآلاتية المتنقلون بآلاتهم، وفيه كثير من محال (التياترات)، وبه أيضًا تدور النساء اللواتي يتعرفن بالرجال، سيِّما بالليل، فهو في جميع الليالي، وفي ليلة الاثنين، يحوي كثيرًا من الناس، فترى فيه كل عاشق مع معشوقته، ذراعه في ذراعها إلى نصف الليل، ويصلح هنا قول الشاعر:
لا تلقَ إلا بليلٍ من تواصلهفالشمس نمامة والليل قواد
كم عاشق وظلام الليل يسترهلاقى الأحبة والواشون رقاد
وقال آخر:
أيها الليل طر بغير جناحليس للعين راحة في الصباح
كيف لا أبغض الصباح وفيهبان عني أولو الوجوه المِلاح
ولا يمدح الليل إذا من ترقب فيه وصال محبوبه، وتفقد فيه نيل مطلوبه، بخلاف من كثر فيه حرقه، وزاد أرقه، وطال سهاده، وطار رقاده، فإنه يهوى الصباح؛ ليذهب همه ويرتاح، قال الشاعر:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجليبصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيا لك من ليل كأن نجومهعلى صفحات الجو شُدَّت بيذبل
وقال آخر:
ليلَى وليلي نفى نومي اختلافهمابالطَّوْل والطُّول، يا طوبى لو اعتدلا
يجود بالطول ليلي كلما بخلتبالطَّول ليلى، وإن جادت به بخلا
وقال من يشكو من الليل:
يا ليل طل، أو لا تطللا بد لي أن أسهرك
لو كان عندي قمريما بت أرعى قمرك
وقال آخر مثله:
يا ليل طلْ، يا شوق دُمْإني على الحالين صابر
لي فيك أجر مجاهدإن صح أن الليل كافر
وهذا أيضًا من باب الشكوى.
ومن المنتزهات أيضًا سوق تباع فيه الأزهار، وفي هذا السوق تجد سائر الأشجار والنباتات والأزهار الغريبة النادرة ولو في غير أوانها، حتى إن الإنسان يمكنه أن يجدد بستانًا في يوم واحد بأن يشتري سائر ما يحتاج، ثم يزرعه في يوم، وبالجملة فلا يمكن أن الإنسان يتمتع بهذه المتنزهات إلا بصحة البدن.

? Le Théàtre.
? Le spectacle.
? في المطبوع ورسمت «الموسيقى» هكذا كلما ذكرت في الكتاب.
? Spectacles.
? هي «الشعبثيات»: يريد بها ألوان الشعوذة، ويريد بالسيم: ما يشبه خيال الظل.
? Panorama.
? Cosmorama.
? Diorama.
? Uranorama.
?? L’europeorama.
?? الضمة: جماعة يسيرون حول العريس ليلة العرس يغنون ويصفقون.
?? المصفق: الشراب المحول من إناء إلى آخر ليصفو.
?? بنان وزنام: موسيقيان، والشعر للبحتري في الخليفة المتوكل.
?? الأيام السابقة للصيام.
?? أكل لحم الطيور، كما يسمى في بعض بلاد مصر إلى اليوم.
?? Jardins ies tuileries.
?? Chemps-Elysées.
?? في المطبوع: الجمالات.
الفصل الثامن
في سياسة صحة الأبدان بمدينة باريس
لما كان من ضروريات الحكمة الاعتناء بحفظ صحة الأبدان، وكان الإفرنج أحكم الأمم؛ كثر اعتناؤهم بهذا الفن، وبتكميل آلاته ووسائطه، وكانوا أشد الناس مسارعة لما فيه نفع للبدن؛ كالحمامات والمحام الباردة المياه، وترييض الجسم وتعويده على الأمور الشاقة، كالعوم، وركوب الخيل، والألعاب التي يخف بها البدن.
والحمامات في باريس متنوعة، وفي الحقيقة هي أنظف من حمامات مصر، غير أن حمامات مصر أنفع منها وأتقن وأحسن في الجملة؛ وذلك أن الحمام في مدينة باريس عدة خلوات، في كل خلوة مغطس من نحاس يسع الإنسان فقط، وفي بعض الخلوات مغطسان، وليس عندهم مغطس عام كما في مصر، ولكن هذه العادة أسلم بالنسبة للعورة؛ فإنه لا طريقة أن يطلع إنسان على عورة آخر، حتى إن الخلوة التي فيها مغطسان بين كل مغطس ستارة تمنع أن ينظر الإنسان صاحبه، وليس في دخول الإنسان هذه المغاطس الصغيرة لذة كالدخول في الحمامات، ولا يعرق الإنسان بها أبدًا؛ إذ الحرارة لا توجد إلا في المغطس لا في الخلوة أبدًا وإن كان يمكن أن يوصي الإنسان على حمام بالبخار، فإنهم يصنعون له ذلك ولكن بثمن آخر غير الثمن المعتاد.
وفي الحمام صفان من الخلاوي: صف للرجال وصف للنساء، وكما أنه يوجد حمامات مستقرة يوجد حمامات منقولة، فإذا طلب الإنسان حمامًا في بيته، أو كان مريضًا، أو نحو ذلك، فإنهم يحملون إليه في عربة كالبرميل الماء البارد في شقة، والساخن في أخرى ومعها محم، فيوضع المحم في بيت الإنسان، ويملأ من الماء المسخن، فيغتسل الإنسان منه، ثم بعد فراغه يحملونه إلى بيت الحمام.
ومن الحمامات حمام يضع فيه الإنسان بعض بدنه لبعض الأمراض، فيسمى نصف حمام، والحمامات بباريس كثيرة، وأشهرها ثلاثون حمامًا تقريبًا.
ومن أمور الرياضات النافعة لصحة البدن مدارس يتعلم فيها علم السباحة، وهي ثلاثة مكاتب على نهر السين، ومنها مدارس لتخفيف البدن، وجعله قابلاً للأشياء العجيبة كالبهلوانية، والمصارعة، ونحو ذلك.
الفصل التاسع
في الكلام على اعتناء باريس بالعلوم الطبية
اعلم أن مدينة باريس هي أعظم مدن الإفرنج التي يرحل إليها الغرباء، لتعلم العلوم خصوصًا العلوم الطبية، وقد ينتقل إليها المرضى من بلاد بعيدة للبحث عن تداويهم فيها، والعلوم الطبية التي تسمى أيضًا علم الحكمة هي: علم الطب والجراحة والتشريح وفن (الفسيولوجيا)? ومعرفة داء الإنسان من حاله، وسياسة الصحة لحفظها، وتطبيب الحيوانات وغير ذلك.
والحكماء في باريس كثيرون جدًا، حتى يوجد في كل خط عدة حكماء، بل الطرق مملوءة من الحكماء حتى إن الإنسان إذا أصيب في الطريق بداء فإنه لا بد أن يجد الحكيم حالاً؛ لكثرة الحكماء بهذه البلدة.
ووضع المرضى بالنسبة للأطباء مختلف، فمن المرضى من يطلب الطبيب ليزوره عنده، وللحكيم قدر معلوم على كل مرة يأتيها إليه، ومن المرضى من يذهب إلى الطبيب في بيته، وللطبيب ساعات معينة يمكث فيها قصدًا في بيته لتلقي الناس، ومن المرضى من ينتقل مدة معينة في بيت يسمى بيت الصحة، معَد لمن يدفع قدرًا معينًا في نظير أكله وشربه وسكناه وتطبيب بدنه وخدمته ونحو ذلك.
وفي باريس بيوت حكماء معدة لمن ابتلي بخلل شيء من عظام البدن؛ كالأحديداب فإنه يدخل بيتًا من هذه البيوت للتطبيب، فيقومون بدنه بشيء من علم الحيل، كما إذا كان إنسان مقطوع أحد الأطراف، فإنهم يجبرون ذلك بأن يضعوا له من المعدن أو الخشب شيئًا في محله.
وفي هذه المدينة أيضًا بيوت يدخل فيها النساء الحوامل المشرفات على الولادة، ليلدن فيها ويقضين فيها مدة النفاس، وفي هذه البيوت توجد القوابل وسائر ما يحتاج إليه في الولادة.
ومن المواضع المعدة للمرضى والتي يوجد فيها الأطباء المارستانات العامة، فيدخلها المرضى للعلاج والإقامة مدة المرض بلا عوض.
ثم إن الأطباء في باريس فرقتان: إحداهما أطباء عامة لمطلق الأمراض على تنويعها، والأخرى لداءات خاصة، وبذلك أن علم الطب متسع جدًا، فقلّ أن يشتغل إنسان بسائر فروعه ويحققها، فاحتاج أطباء الفرنساوية إلى أن الطبيب بعد أن يقرأ فروع العلوم الطبية ينبغي له أن يختار منها فنًا ليصرف فيه همته، ويتقوى فيه ويتبحر؛ حتى يشتهر ويمتاز عن غيره من الأطباء بتحقيق ذلك الفن؛ حتى يجلب إليه من به داء يدخله شيء من ذلك الفن؛ فلذلك يوجد في باريس أطباء مثلاً لخصوص مرض الرئة، وأطباء لمرض العين تسمى: «المحلاتية» وأطباء لأمراض الأذنين، وأطباء لداء الأنف وتجبيره، حتى إن من أطباء الأنف من يمكنه بالحيلة أن يرجع الأنف المجدوع صحيحًا.
وفي باريس أطباء تستعمل جاذبية المغناطيس الإنسانية، للاستعانة على مداواة الإنسان. وتفصيل ذلك أن في باريس جماعة من الطبائعية، تزعم أنه ثبت عندهم أن بدن الإنسان يشتمل على مادة سيالية، يعني جاذبية المغناطيس الإنسانية، يعني أن هذه المادة لها خاصية المغناطيس: وتحصل هذه بتقريب اليد عدة مرات كالمسح، فينعس الإنسان، أو تغيب حواسه، حتى لا يحس شيئًا، فإذا غاب وكان مريضًا بمرض شديد عالجه الحكماء بقطع شيء أو بفتح شيء من بدنه من غير أن يشعر بشيء أبدًا، وقد جرب ذلك في قطع ثدي امرأة، بعد مغناطيسيتها، فمكثت عدة أيام ثم ماتت، فقال علماء المغناطيسية: إنها ماتت بسبب آخر لا بألم القطع، فإنها عاشت بعده، فالمغناطيسية نافعة لمعالجة الأمراض العصبية.
وفي باريس أيضًا حكماء لخصوص مداواة خلل العقل، أو لألم أعضاء التناسل، أو الحصوة، ولخصوص الأمراض الجلية المنفرة وغيرها؛ كالجذام والجرب.
وفي باريس أيضًا حكماء لتوليد النساء، فإن العادة أيضًا في باريس أن المرأة يولدها رجل حكيم عارف بأمور الولادة.
وبها حكماء لمعالجة البياضة التي تنزل بالعين، والماء الذي يعميها، وبها حكماء لأوجاع الصدر وداء الفالج الذي هو شلل بعض الأعضاء، فيداوونه بعلاج يسمى: «الإكمبكتور»? (بكسر الهمزة والكاف، وسكون الميم، وضم الباء، وسكون الكاف، وضم التاء) يعني شكات دبابيس كثيرة دقيقة، فيخرجون بذلك شيئًا من الدم، ينفع لتخفيف ضرر هذا الداء، وبها حكماء لعلاج اختلال خلقة الإنسان، وهذا العلاج يسمى: «الأرتوبيدي»? (بضم الهمزة، وسكون الراء، وضم التاء، وكسر الباء، وسكون الياء، وفتح الدال) يعني فن إصلاح خلل أعضاء الأطفال، فمن الحكماء من يصلح خلل الفم أو الوجه، ومنهم من يشتغل بتدبير الأعضاء الناقصة لسد خللها بأعضاء أخرى مدبرة.
ثم إن فروع العلوم الطبية كثيرة، فالمشهور منها فن التشريح، وفن تمييز أمراض الإنسان من حال طبيعته، وفن الكيمياء العقاقيرية، وفن أسباب الأمراض الباطنية الطبية، وعلم الجراحة الطبية، ووضع العصابة على الجراح، والتضميد بالمراهم، وفن تطبيب ملازم الفراش المبتلى بأمراض ظاهرية، وفن تطبيب ملازم الفراش المبتلى بأمراض باطنية، وفن معالجة النفساء، وتوليد الحامل، وعلم الطبيعة التي تدخل الطب، وعلم العقاقير والأدوية المفردة أو المركبة، وصناعة المعاجلة ومباشرة المريض.
ومدارس الحكمة بمدينة باريس منافعها شهيرة؛ فمنها مدرسة كبيرة تسمى «أكدمة الصكمة السلطانية، وهي ديوان الحكماء السلطانية وهي مجعولة لحاجة المملكة الفرنسية، ومباشرة الأمراض العامة الضرر، كالأمراض الوبائية، والأمراض التي يعتقد الفرنساوية أنها معدية، وكمرض فصل البهائم.
ومن وظيفة علماء «أكدمة الحكمة» معالجة سائر الناس بما تجعله المملكة موقوفًا على النفع العام، كإشهار تلقيح البقري، لإخراج الجدري، وامتحان الأدوية الجديدة، والأدوية المكتومة، وامتحان الأدوية المعدنية الأصلية أو المصطنعة، لإدخالها في الأدوية، وبالجملة فأهل هذه الجمعية السلطانية أعظم الحكماء الفرنساوية.
ولنذكر هنا بعض ما يتعلق بمارستانات باريس في فصل فعل الخير، وقد أسلفنا بعض شيء من ذلك في الفصل السابق.
ولنذكر لك نبذة من فن قانون الصحة، وتدبير البدن؛ حتى تتم فائدة هذه الرحلة، وهذه النبذة ترجمتها في باريز لقصد استعمال جميع الناس بمصر لها، لصغر حجمها، فهي وإن كانت تخرجنا عما نحن بصدده، إلا أن منفعتها عظيمة، وثمرتها جسيمة.

? Physiologie.
? L’acuponcture.
? L’orthopédie.
نصيحة الطبيب
المادة الأولى في وصية صحاح البدن
لا شك أن الأطباء معتبرون بين الناس لشدة نفعهم عندهم، ومع ذلك فالأولى الاستغناء عنهم؛ لأنهم رفقاء المرضى فلنحرص على حفظ أنفسنا من أسباب المرض ومن الاحتياج إلى الطبية.
والدواء المجرَّب لمنع الاحتياج إليه هو اعتياد الكد والقناعة، ولنذكر لك بعض أمور أُخر:
الأول: لا تسكن دارًا مماسة لمزرعة مرتفعة، أو دارًا غائرة في الأرض يسيرًا، فإن كلا هذين الوضعين يجعل الدار رطبة ومضرة للصحة؛ فالعافية ولو كانت قوية تذهب فيهما على تداول الأيام.
ارفع أرض بيتك بعض قراريط، برمل أو حصى، أو طوب مسحوق، أو ما أشبه ذلك، وتجنب البناء في أرض مماسة لأرض أعلى منها، اجعل منافس الهواء إلى الجنوب الشرقي أي اجعله بين الشرق والجنوب؛ فإن ذلك للصحة أسلم من جميع الأوضاع.
الثاني: الهواء المخزون يجلب الحمَّى المحرقة، فوسع طاقاتك ليسهل فيها دخول الهواء والنور، وافتحها في غالب الأحيان؛ لأن البرد للصحة أوفق من الحر، فأهل الجانب الشمالي حياتهم وصحتهم أبرك من أهل الجنوب، والمريض يشفى في غرفة مفتوحة لسائر الرياح، وربما هلك لو كان بجانب الحرارة.
الثالث: بركة الماء الراكد إذا اشتد قربُها من البيوت فإنه يتصاعد منها أبخرة لا تناسب الصحة، بل تؤذيها أو ربما قتلت. وبسبب ذلك ترى بعض البلدان منتنًا بالأوباء فاجتنب هذه الأشياء الجالبة للأمراض والأوجاع.
الرابع: السُّكْر يرعى البدن ويحرقه، ويسرع بالمشيب، فنصيب من ينهمك على شرب الخمور وغيرها من المسكرات أن يصاب بداء الذبول وبقصر الأجل.
الخامس: من أسباب الأمراض اختلاف الزمن؛ كتعاقب الحر والبرد، ونزول المطر السريع أو نزوله باردًا في وسط الأيام الحارة، فأولى ما يطرد هذه الأمراض أن تلبس أزيد مما يقتضيه الفصل، فالبس أثواب الشتاء قبل فراغ الخريف، ولا تعجل خلعها عند دخول الربيع، وإذا ابتل بدنك كله بماء بارد فاغتسل بالماء الفاتر، فإن لم يبتل إلا عضو فقط، فاغسله وحده.
السادس: احذر إذا اشتد حرك أن تمكث في موضع بارد أو تشرب ماء شديد البرودة، وإلا فالعرق ينحبس حالاً ويتداخل في الباطن، ويتسبب عن ذلك داء الخناق وورم الصدر والفولنج? المحرق وغير ذلك، فإذا نفذ القضاء وابتلي بأحدها، فالواجب تداركه لعله يخف، فأول ما تحس بمبادئ العلامات، فضع القدمين في ماء هين الحرارة، وطرِّ بالماء الفاتر ظاهر المتألم من الحلق أو الصدر أو البطن، واحتقن بالماء الفاتر المخلوط بيسير اللبن وتعاطَ (الشوربة) التي صورتها أن تأخذ قبضة من زهر «الخمان» وتضعها في إناء خزف مع أوقية ونصف من جيد الخل ورش على الجميع قدح ماء مغلي وغط الإناء ودعها تبرد، فمتى بردت هذه (الشوربة) فصفها بخرقة وذوب فيها أوقيتين من العسل، فإذا فعلت ذلك فقد غنمت ما حرمت منه الطبيب من الدراهم، فإن ما تعطيه له منها ذاهب عن يدك، وربما كان ذلك الطبيب لا يفيدك في هذا الداء شيئًا.
المادة الثانية في الدلالة على ما يصنع حين أخذ المرض في الظهور
اعلم أن كثيرًا من الناس باعتناء فاسد يريد أن يداوي المرضى فيهلكهم، فأول ما يبدو قليل من الحمى أو القيء فلا يجد أحسن من تعريق المريض فيضغطه تحت أغطية ثقيلة، ويحجب عنه الهواء، ويسقيه شوربة الخضراوات الحارة وربما سقاه خمرًا حارًا أو حلوًا، فهل من الأصحاء من يستطيع حمل ذلك؟ أو ليس أن هذا يمرض من ليس بمريض؟ نعم، قد يكون العرق به الشفاء، لكن حين تكون الأمراض قد صدرت عند انحباسه أو بعد تقليل هذه أو إزالتها بكثرة تعاطي (الشوربات) وعلى كل حال فلا بد من إدخال الهواء اللين في موضع المريض؛ لما أن حاجة الإنسان إلى الهواء كحاجة السمك إلى الماء، و(الشوربات) الحادة تزيد الحرارة التي تهلك المريض وتحرقه وتيبِّسُه، والخمر هو سم حقيقي في الحمى، فعليك بخلاف ذلك من (الشوربات) الرطبة الباردة، فإنها تذيب الأخلاط المنفسدة وتسهل خروجها وتجفف الحرارة، وتنظف المعدة، وبعض الناس يريد أن يرد العافية لذي القيء فيعطيه المرق: فيضاعف ألمه مع أن من الحقيقة المقررة عند أكابر الأطباء أن المريض الذي به خميرة المعدة كلما أعطوه من الأغذية زاد ضعفه، وهذه الأغذية إذا انفسدت بالأخلاط المعفونة التي تختلط معها في الجوف تنقلب مرضًا جديدًا، فما يتعين في شفاء المريض هو ما يضعف المرض؛ ففي كل عشرين مريضًا يموتون في الأرياف فأكثر من الثلثين يمكن أنه كان يشفى بلا شيء لو كان في موضع مستور من مضار الرياح، وكان لا يشرب إلا ماء مبردًا، ولكن لا مفر من القدر، وأغلب الأمراض الحادة والحميَّات يتقدمها أيام تشويش كيسير الخدر، وقلة النشاط وعدم شهيَّة الأكل، ويسير ثقل المعدة والتعب، وثقل الرأس والنعاس الثقيل، عديم الراحة غير المصلح القوي، بل وثقل الصدر والميل إلى البرودة وتيسر العرق غير المعتاد وانقطاع العرق المعتاد، وعند ذلك يتيسر تدارك أو تخفيف هذه الأمراض المضرة بأربعة: الأول: ترك سائر الأشغال الشاقة والمداومة على الأشغال الهينة، الثاني: تقليل أكل المغذيات أو اجتنابها، لا سيما ترك اللحم والمرق والبيض والنبيذ، الثالث: إكثار الشرب يعني أن يشرب كل يوم قزازة فأكثر في كل نصف ساعة طاسة من الشربة المذكورة في المادة السابقة أو من الماء الفاتر المخلوط في كل قزازة إما بخمس عشرة أو بعشرين حبة من الملح المعتاد أو بفنجان خل أو بملاعق من العسل. الرابع: الاحتقان بماء فاتر أو بهذا الدواء وهو أن تأخذ قبضتين من الحشائش أو من زهر الخبازي وتغمرهما وترش عليهما نصف (قزازة) ماء مغلي وتصفيها بخرقة وتضيف عليهما أوقية عسل.
المادة الثالثة: في الدلالة على ما يصنع حين ظهور المرض
اعلم أنه ينبغي للمريض إذا تلبس بالبرودة، أو القي? أو الألم أن يلزم الفراش والجلوس، وأن يتغطى زيادة عن عادته، وأن يشرب في كل ربع ساعة فنجانًا من مسخن (الشوربة) السابقة، فلا باس بتغطية المرضى حال بردهم، ولكن لا بد من تخفيف الغطاء كلما خفت البرودة؛ حتى يكون بمجرد انقطاعها ليس عليهم إلا الغطاء المعتاد.
ثم إن بعض أهالي القرى يعتادون النوم على طراحة مكبوسة ريشًا، ويتغطون بغطاء ثقيل من الزغب، والحر الصادر عن الريش هو خطر على المحمومين، لكن لما اعتيد على ذلك يمكن اغتفار هذه العادة في بعض الأحيان، إلا في مدة الحر واشتداد الحمى، فليتخذ للنوم طراحات مكبوسة بالقش، وللغطاء ملاحف أو أكسية أقل خطرًا من الريش، فهذا هو ما يريح المريض.
وينبغي الحذر من تسخين هواء محل المريض، ومن كثرة الناس، واللغط، ومن الكلام معه إلا على قدر الحاجة، وينبغي فتح طيقانه، وأقله ربع ساعة في النهار، وربع ساعة بالليل، وينبغي مع فتح الطيقان فتح باب الغرفة ليتجدد الهواء، ولكن لإبعاد المريض عن جريان الأهوية فلتسحب عليه ستائر فراشه، أو ليحجب عن الهواء بكيفية أخرى، وفي زمن الحمر ينبغي إبقاء طاقة من الطيقان مفتوحة.
ويحسن أيضًا تبخير غرفته بخل مطفى فوق نحو مجرفة حديد محماة.
وينبغي في الهجير، والمريض متعب بالهواء الحار، أن يرش بلاط غرفته، وأن يوضع فيها فروع غليظة من شجر الصفصاف ونحوه، تغمس في إناء فيه ماء، لتكون مسقية.
وليجتنب المريض تناول الأطعمة المغذية، ولا يأكل إلا يسيرًا من خفيف الثريد المنضج أو الأرز المطبوخ بالماء مع يسير من الملح، ولا بأس في الصيف بالأثمار المستوية في الشتاء بالتفاح المنضج، أو البرقوق والأجاص، بعد تيبسهما وطبخهما، فهذه الأثمار إذا أكلت بلا إكثار منها تروى وتبرد وتصلح الصفراء المنفسدة الحارة؛ فهي الأغذية اللائقة المحموم، واستعمل الشراب الرطب، والمبرد الذي ذكرناه سابقًا، ولا بأس أيضًا أن تضع في نحو (قزازة الماء) طاسة من عصير الفواكه التي ذكرناها قريبًا.
وينبغي للمريض أن يشرب كل يوم (قزازتين) من ماء فأكثر وأن يتناول في المرة يسيرًا، ففي كل ربع ساعة يشرب فنجانًا ما لم ينم، واللائق أن يكون الشراب غير شديد البرودة، ففي اعتدال الزمن يكون في مزاج طراوة نسيم.
ولو امتنع المريض من حاجة الإنسان جملة أيام، أو لم يبل بكثرة أو خرج بوله أحمر، أو خلطك في كلامه، أو كانت (حمته) قوية، أو كان وجع رأسه أو كليته شديدًا أو كانت بطنه متألمة، أو كان محتاجًا كثيرًا إلى النوم فليحتقن كل يوم مرة بالحقنة المركبة مما سبق ذكره في المادة الثانية، فالاحتقان شفاء المحموم إلا إذا حدث للمريض العرق النافع فلا يحتقن.
وإذا خف المرض فينبغي الخروج من الفراش في اليوم ساعة فأكثر، كما يمكنه، ولكنه لا أقل من نصف ساعة، ولا ينبغي ترك فراشه وهو متلبس بالعرق.
ومن المستحسن تصليح فراشه كل يوم، وتغيير ما على بدنه كل يومين، إذا تيسر ذلك، ومن الضرر البيِّن الحكم بخلاف ذلك. اعتقاد أنه يخشى على المريض من خروجه من فراشه، فيتركه في ثيابه المتسخة، وهذه الثياب لا تقتصر في أضرارها على إبقاء أصل المرض فقط، بل تقويه، (ولو) قيل، إن المريض تعبان جدًا، وهذه حجة عاطلة ولو سلم أن استعمال ذلك يتعبه درجة، فإنه يزيد ما بقي من قوته، ويسرع تخفيف ألمه.
المادة الرابعة: في معالجة الناقِه
اعلم أنه ما دام بالإنسان قليل من الحمى فلا يتناول إلا الأغذية الخفيفة التي بيناها، فإذا انقطع عرق الحمى؛ فلا بأس أن يتناول غيرها كقليل من اللحم الطري، أو السمك، أو المرقة أو البيض هين النضج، فهذه الأغذية تصلح القوى بشرط عدم الإكثار فيما يتناول منها، وإلا فتبطئ الصحة؛ لأن المعدة الضعيفة من المرض ليست متأهلة إلا ليسير الهضم، فلو أعطيتها فوق ما في قوتها لم ينهضم سائر ما يدخل فيها، بل ينفسد، وقوام البدن إنما هو بما تهضمه المعدة لا بما يصل إليها فقط، فينبغي للناقِه أن يكون كالمريض في تناوله قليلاً في كل مرة، ولكن في غالب الأوقات، وأن لا يتعاطى في المرة إلا جنسًا واحدًا من الأطعمة، وأن لا يكثر من تغيير الأطعمة، وأن لا يستعجل في مضغ ما يتناوله من الجوامد، وأن لا يكثر من الشرب، وخير الشراب هو الماء المخلوط بشيء من الأنبذة.
وليَسر على قدر ما يستطيع ماشيًا أو راكبًا عربة أو فرسًا، ومن العبث ترك ركوب الخيل في هذه الحالة لمن يملك الخيل، كأغلب أهل الأرياف، وإذا كان السير بعد تناول الطعام كان مقويًا لمادة الهضم بخلاف فعله قبل، فهو ربا يضر الهضم، وليتناول من قام من المرض يسيرًا من الطعام في المساء؛ لأن النوم أريح وأصبح له من الأكل، ولا يضره عدم قضاء الحاجة كل يوم، نعم إذا جاوز يومين من غير خروج شيء فليحتقن ثالث يوم، أو قبله إن علم أن قبض بطنه تتولد عنه الحرارة، أو الانتفاخ، أو ضيق الصدر، أو وجع الرأس، وينبغي لمن قام من مرضه جديدًا ألا يسرع في العودة إلى شغله، فإن لم يصبر إلى تمام عافيته طال ضعفه، فالاستعجال على الشغل قبل أوانه يعقبه من الخسارة زيادة على ما يؤمل كسبه، فإن لم يتحفظ على نفسه، وإلا أصابه مرض الذبول فينبغي حين إرادة الأخذ للمبادئ مراقبة العواقب.
المادة الخامسة: في وصايا عامة على الصحة
اتخذ القناعة في الأكل، فمن لم يقنع لا يشبع، بل يهلك نفسه، قيل: من أرخى على الطعام طويل عنانه، حفر مقبرته بحدة أسنانه، لا تأكل دون مرتين في اليوم، بل لا بأس بثلاثة، والصغار لهم أن يأكلوا أربع مرات بل خمسًا.
لا تنم عقب الأكل، ومدة النوم للسليم ست ساعات أو سبع، وللضعيف والصغير أطول من ذلك.
تضمحل القوة والعقل، ويذهب كل منهما باعتياد تطويل النوم.
النظافة نصف الصحة، فلتكن في البدن والثوب والمسكن والغذاء والمتاع.
لا تمضغ الدخان، ولا تنتشق به؛ فكثرة اللعاب الذي يكسبه للطبيعة مضعفة على طول الزمن، وبه يضيع الريق اللازم في الهضم، وينتن النفس، وتسودّ الأسنان، وتنفسد، وقد شوهد أن كثيرًا من الناس اعترته الحماقة بالإكثار من شرب الدخان أو شم النشوق.
إياك والانهماك على تعاطي الخمور والمسكرات، سيَّما أيام الصوم، وقد توهم أنها تشد القوى، مع أن القوة المستفادة من تعاطيها تمر في أدنى زمن، ويعقبها وهن، وذلك كما أن النار تذكو إذا أكثرت من نفخها وترعى الوقود سريعًا، ولا تعطي الحرارة إلى درجة.
وأما الفلاحون الذين يشتغلون في وقت الصيف فعليهم تغطية رءوسهم وأن يتداركوا أشغالهم.
المادة السادسة: في معالجات لجملة علل وأمراض
الأول: الزكام والنزلة، يقال: هذا ليس بشيء، إن هو إلا زكام أو نزلة، نعم، نسلم أن الإنسان لا يموت بذلك، لكن يتسبب عن ذلك حرارة الصدر المهلكة له.
ومن كلام بعض الحكماء الأقدمين: يهلك بالنزلة والزكام أبلغ مما يهلك بالوباء، وعلاج ذلك: استعمال الشربة المذكورة في المادة الأولى، أو تعاطي سلاقة الخمان التي ربعها أو ثلثها لبن، وينبغي قبيل النوم وضع الرجلين في الماء الفاتر، ولو انحبست البطن تعيَّن الاحتقان، وينبغي الاقتصار على تناول الأطعمة الخفيفة، وتعاطي اليسير في المأكل، ولا بأس بتعاطي بعض طاسات من خفيف مرقة الخشخاش الأحمر، وقد توهم بعضهم أن هذا الداء يذهب بالعرقي المحروق، أو الخمر المعطر، أو الحلو، مع أن هذا كإلقاء الحطب في النار؛ إذ هذه الأشربة أقرب في تثقيل هذا الداء من إزالته، أو ليس أن هذا الداء حرارة، وهي تزداد بهذه الأشربة.
الثاني: وجع الأسنان إذا كان الوجع ناشئًا عن فساد السن فخير علاجه، كما قيل الكلبتان؛ فاللائق قلعه، وإلا دام الوجع، وفسد غيره من الأسنان، وربما جر ذلك إلى فساد الحنك، ولكن لو اختير بقاء السن خوفًا من قلعه فلا بأس أن نختبر، بأن تلطخ على موضع الفساد قطنة مبلولة في قطرات من عصير القرنفل، فإن ذلك يصلحها زمنًا طويلاً، وربما كانت نهايته تفتتها وسقوطها، ويمكن أيضًا إصلاحها بأن تلطخ على ذلك الموضع قطعة صغيرة من عرق عاقر قرحًا، وتتمضمض بسليق النبات المسمى: حشيشة الفضة، وأما إذا تحرك الوجع من غير أن تكون الأسنان منفسدة، فأدم الغرغرة بالشعير، أو بالماء واللبن، وتضميد الصدغ بالضماد المطري، واتخذ الحموم جملة ليال بماء فاتر ولا تشرب الأنبذة المخدرة ولا تكثر من الأكل، وأما إذا كان بالإنسان قرح فتنضيجه بأن تديم في فمك لبنًا أو تينًا مطبوخًا في لبن، فإذا نضج فافتحه، فإنه سهل غير مؤلم.
الثالث: السكتة اعلم أن داء السكتة يأتي الإنسان فجاءة فيعطل الحواس والحركات الاختيارية ما عدا النبض، وبه يعسر التنفس، وهذا المرض مخوف فتجب المسارعة إلى الطبيب، ومدة انتظار حضوره يجب أولا كشف رأس المريض، وتغطية ما عداه من البدن بشيء خفيف جدًا، وجلب الهواء الطري عنده، وفتح طوقه? بالكلية ثانيًا: يقام حسبما يمكن رأسه إلى أعلى ورجلاه إلى أسفل، ثالثًا: يحقن بحقنة مصنوعة من سلاقة الحشائش الطرية والملح، رابعًا: اسقِه كثيرًا من الماء حسب الإمكان، خامسًا: إبعاده عن الأشربة المخدرة كالخمر، وكذلك الماء المعطر شربًا وضمادًا وسعوطًا، سادسًا: عدم مسِّه وتحريكه إلا للضرورة، سابعًا: عصب الرجلين تحت الدغصة، وهي العظم المدور والمتحرك في وسط الركبة؛ حتى يتحجب الدم عن الصعود إلى الرأس، وربما يرجع داء السكتة بعد ذهابه، وكلما رجع، كان أصعب مما قبله، فالواجب تداركه من قبلُ بأن يأكل وهو في هذه الحالة قليلاً جدًا، وأولى ما ينفع له أن يترك العشاء، وأن يتجنب الأشياء الغزيرة المائية، وطيبات الروائح والحوامض والأشربة المقوية والقهوة، وأن يأكل قليلاً من اللحم كثيرًا من الخضراوات والفواكه، وأن يشرب دواء مسهلاً مرتين أو ثلاثًا، كل سنة، وأن يتريَّض، وألا كثر من السخونة في (أودته) أو حرارة الشمس، وألا يتأخر في النوم أو في القيام منه، وأن لا يلبث فوق ثمان ساعات في فراشه.
الرابع: ضربة الشمس، هو مرض يصيب الإنسان متى اعترض في الشمس زمنًا طويلاً عريان الرأس، فيعرف هذا المرض بوجع الرأس الشديد، واحترار البشرة واحمرار العيون، وجمود الدموع، وضعف البصر عن الامتداد إلى الضوء، وقد يحصل للمريض به سهر، وربما أحس بالنوم وقلق (قلقًا) شديدًا، وفي الغالب تكون بشرة الوجه محترقة، فالمريض لا يزال شديدًا حتى يأتي الطبيب سريعًا، فينبغي في مدة انتظاره أن تضع رجلي المريض في ماء فاتر، وتدخله نصف حمام، أو حمامًا كاملاً، واحتقنه بأعشاب مطرية، اسقِه كثيرًا من شربة الليمون والماء، أو اسقه ماء مخلوطًا بيسير الخل، وأنفع من ذلك مصل اللبن الصافي المخلوط بيسير الخل، والطخ على جبهته وصدغه ورأسه خرقة مطراة بماء بارد وخل معًا.
الخامس: نهش السميات: أولاً أخرج الزبان إذا لصقت بالمحل الملدوغ، ثانيًا: تعهّده بالماء، ثالثًا: الطخ عليه إمَّا كزبرة أو كرفسًا أو زهر الخمان. رابعًا: فإن عظم الحرقان فأسرع ما ينفع هو أن تبل خرقة صوف في سلاقة الخمان وتلطخها، وهي هينة الحرارة خامسًا: أن تلصق على الوجع لبخة من سحيق بزر الكتان أو من لباب الخبز الممزوج بالبن أو العسل.
السادس: قاعدة يجب اتباعها في تعهد الصغار والأطفال، حق على الأمهات اللاتي يردن حفظ صحة أنبائهن وتربيتهم أن يتركن عوائد البربر من لف الأطفال بكيفية يمتنع معها تحركهم، وتنقل أرجلهم أو أيديهم، فكيف يقلن لو أخبرهن إنسان أن اللازم لصحتهن أن يحتبسن في أثوابهن وأن يلصقن أذرعتهن ببدنهن، وألا يتحركن؛ كالمسلسل! فلأي شيء يصنعن ذلك بأطفالهن، وهم ضعاف، فليطلقنهم يتحركوا وليعرضن أطرافهن للهواء، من يتوهم من غير مستند أن الفرس الصغير أو العجل كذلك من المستحسن لصحتهما ربطهما تكتفهما على ذلك الوجه، أو ليس أن حكم تربية الآدمي كغيره من باقي الحيوانات؟
السابع: السم بالفطر? وهي جنس رديء من الكمأة، كثير من الناس من يهلك بميله إلى الفطر، وكان الأحسن في حقهم يقينًا أن يتجنبوه، وقد شوهد غير مرة أن الأم تحمل لعيالها كثيرًا من الفطر لتبرئهم به فتقتلهم بيدها، وأعمال هذا النبات السمي لا يظهر إلا بعض مضي ست ساعات إلى اثنتي عشرة؛ فأول ما تحس بها اطلب الطبيب وتناول مدة انتظار حضوره حبتين أو ثلاث حبات من الطرط مقيء، أي: ملح الطرطير المقيء بعد تذويبه في طاستي ماء.
الثامن: السم بالزنجار، اعلم أن آنية النحاس التي تستعمل فيها المطبوخات هي خطرة بسبب زنجرتها سريعًا، والزنجار سمٌّ قوي، فلتبيض أوانيك وقتًا بعد وقت بالقصدير، ولا تترك الأطعمة تبرد فيها، خصوصا إذا كان بها الخل أو الحماض أو الحريفات أو الدسمة، فإذا اعتراك وأنت محترز عن ذلك قولنج أو قيء فامزج نحو خمسة عشر من بياض البيض في (قزازتي) ماء، واشرب منها طاسة في نحو دقيقتين لتتقيأ السم، فإن لم تجد البيض فأكثر من شرب اللبن فإن عدمت اللبن فمن الماء المحلى أو ماء الصمغ.
التاسع: داء الكلب، وهو معروف لسائر الناس بوصفه وعمله الرديئين، وهو يتولد طبيعة في الذئاب والثعالب والسنانير وخصوصًا في الكلاب، وعضة الحيوان الكلب تكسب هذا الداء للآدميين وغيرهم من الحيوانات، وعلامة الكلْب الكَلِب أنك تراه أولاً كئيبًا ذابلاً مدة أيام، فيختفي، ويسلك المحال المظلمة، ولا ينبح، بل يختفي ويترك المأكل والمشرب، ثم يهجر بيت أصحابه، ويجري من جهة إلى أخرى، ويقف شعره، ويبتل لسانه من اللعاب، ويتدلى من فمه، وينعوج ذنبه بين رجليه، ويهرب من المائعات ويهم أن يعض سائر الناس، حتى صاحبه، ثم يموت بعد يوم أو يومين بشدة مصارعته، وتفوح من جيفته رائحة منتنة، فالواجب حينئذ دفنها في عميق من الأرض.
ومتى عض هذا الكلب الإنسان فإن الجرح من عاداته أن يلتئم بالسهولة، كأنه غير متسمم، وبعد مدة قليلة أو كثيرة، وهي ثلاثة أسابيع إلى ثلاثة أشهر يحس بالجرح وجعٌ مكتوم، فينتفخ أثره، ويحمر، وينتفخ، ويقيح، ومدته تخرج حارة منتنة محمرة، ويذوق المريض الكآبة والخدر والكسل والبرودة، ويعسر عليه التنفس، ويمسك الوجع أمعاءه، يضطرب في تعاسة، يعطش عطشًا مهلكًا، ويقاسي إذا شرب، ثم يعتريه الارتعاد من الماء والمائع، ويبح صوته، ثم يجن ويموت، وليس من شأن من أصيب بهذا الداء أن يعض غيره دائمًا، بل معظم المبتلين بهذا الداء إذا أحس هجومه عليه ينصح الحاضرين بأن يكونوا منه على حذر، وما يذوقه من الألم تقصر عنه العبارة، فيتمنى ولو الموت.
ومعالجته هي: أن أول ما يعضه الكلب تسرع الدواء فيه، فإن توانيت سرح السم إلى الدم، ولا يجدي التطبيب شيئًا، وذلك هو أن تستخرج الدم من الجرح بعد كشفه، وتغسله بماء مملح، وتكويه بحديدة بعد إحراقها في النار حتى تبيض بعد الاحمرار وتغرزها في سائر أقطار الجرح، فلو بقي جزء من الجرح غير محكم الكي كان الكي كلا شيء، ويصح أن تستعمل بدل الحديدة المحرقة دهن الزاج فتدخله بين شفتي الجرح وتجريه في سائره، ومتى انكوا اللحم تغطيه بخرقة مدهونة بالقيرووطي، أي: المرهم، أو بالزبدة الطرية، اعلم أنه يجب غسل الثياب المنقوبة بأسنان الكلب الكَلِب؛ لما أنها حين تشربت من ريقه تخلل بها جزء من سمه، وما تقدم لك هو الكيفية المتعينة المجربة في هذا المرض الشديد، فلا تتردد، أو تخف قليلاً من الألم الذي يطرد غيره من الألم الشديد، أو الهلاك المفزع، وأيضًا لو طلبت الحكيم لأثبت لك بسداد رأيه هذه المعالجات السالفة، ولا بأس أن تستعمل هذا الدواء في أي حيوان معضوض بكلب كَلِب.
العاشر: الاستعانة على إفاقة الغريق:
أولاً: لا تيأس من إفاقة الغريق إلا إذا أخذ بدنه في العفونة، فحينذ ولو مضت ساعات كثيرة من وقت غرقه، أو ذهبت حركته بالكلية، أو فقد أمارات الحياة فافعل به ما يستحقه عليك من واجبات الأخوة: فقبل كل شيء اطرد من اجتمع عليه من الخلق؛ لأنه يضيق الصدر، ويحجب الهواء.
ثانيًا: لو رأيت الغريق قد فقد الحس والحركة فأمل رأسه، بحيث يكون إلى أسفل، وافتح شفتيه؛ حتى يخرج بسهولة الماء الذي قد دخل من الفم أو الأنف، وارفع رأسه مغطاة بقلنسوة من صوف إن تيسرت، وأدرج باقي بدنه في نحو ملحفة.
ثالثًا: انقله سريعًا إلى أقرب موضع.
رابعًا: بعد وصوله اخلع ما عليه من الثياب بأسهل ما يمكن، ولو بقطعها بآلات إن لزم.
خامسًا: افرش له عند ذلك بعض طراحات و(مخدات) بها بعض صلابة واجعلها قريبًا من نار متقدة، وضع فوق الطراريح ملحفة من الصوف، ورقد الغريق فوقها مرفوع الرأس ملفوف البدن.
سادسًا: دلّك البدن تحت الملحفة بالرفق بخرقة صوف مدفأة يابسة، ثم دلك، بالمائات القوية المستقطرة على ظاهر بدنه خصوصًا على السرة وما حولها، والأولى خصوصًا في الشتاء أن تسخن عاجلاً ماء، وتملأ منه مثانات? على الثلثين من ماء هين الحرارة، وتضعها فوق أجزاء البدن المحتاجة للحرارة.
سابعًا: مدة الدلك أو عقب وضع المثانات ينبغي أن تدخل الهواء في صدره، بأن تضع قصبة أو ريشة في فم المريض، أو في إحدى طاقتي أنفه، مع فتح الأخرى، وانفخ في تلك القصبة بمنفاخ لدفع الهواء فيها، فإن كان النفخ في الفم فاقبض الأنف، ولكن ارخ أصابعك مرة بعد أخرى، ليخرج منه الهواء أحيانًا.
ثامنًا: أشممه القلي البخاري، يعني الروح البخارية من ملح النشادر، بأن تقرطس ورقة حتى تكون مبرومة في صورة فتيلة وتشربها من (قزازة) قلي بخاري، وتعرضها تحت أنف الغريق أو تداخلها في منخاره، وتكرر هذا العمل مرارًا بالرفق.
تاسعًا: ألعقْه إن أمكن يسيرًا من روح الأنبذة المخلوطة بالكافور، وربما مكث هذا المانع في فمه يسيرًا من الزمن، ثم بلعه ولكن لا تملأ فمه منه حتى يتعسر بلعُه.
عاشرًا: لو بلعها فاعطِه أكثر منها فلو تحركت معدته من غير وجود قيء، وذلك مما يتعبه فاعطه ثلاث حبوب من الطرطر المقيئ مذوبة في ثلاثة أو أربعة ملاعق ماء، فإن تقيأ بهذه الكيفية فاسقه ماء فاترًا، وإن أنزل من المخرج شيئًا فقوِّه بتناوله شيئًا من الأنبذة.
حادي عشر: لو أبطأ عن الإحساس فاحقنه حقنة حريفة، وصورتها أن تأخذ أوراقًا يابسة من الدخان، قدر نصف أوقية، ومن الملح المعتاد ثلاثة دراهم، وتغلي ذلك في مقدار من الماء يعادله نحو ربع ساعة وتحقنه به، ويصح أن تؤلف هذه الحقنة من نصف طاسة ماء وطاسة خل، وربع رطل من الملح المعتاد، وهذه كيفية معالجة الإفاقة للغريق، وتدبيرها ممكن لكل إنسان، حتى يحضر الطبيب، فيعينهم أيضًا، ولو كانت مفيدة، ففائدتها لا تحصل إلا بعد التدبير مدة ساعات على التوالي؛ ففائدة ذلك بطيئة خفية، ولذلك كان اللازم استدامة ذلك زمنًا، فمن الغرقى من لا يفيق إلا بعد ست ساعات أو سبع من مبدأ خروجه من الماء.
الحادي عشر: غيبوبة الحياة برائحة بيوت الأخلية والبالوعات والآبار والمجاري ونحوها.
أولاً: أخرج سريعًا من أصيب بهذا الداء، وضعه تحت الهواء.
ثانيًا: جرده من الثياب، ورش على بدنه ماء باردًا: أو ماء مشوبًا بخل، وهو أولى، وأولى منه حامض الجير.
ثالثًا: ألعقه ماء باردًا ممزوجًا بقليل من الخل.
رابعًا: احقنه بحقنة ماء بارد ثلثها خل، ثم بعد ذلك احقنه بملح ذائب.
خامسًا: أدخل في أنفه طرف شعر ريشة، وحركها بالرفق.
سادسًا: أدخل الهواء في صدره بواسطة قصبة، وانفخها بمنفاخ، كما سلف في الغريق عند العمل.
السابع: اسلك سبيل النشاط والاستعجال في هذه المعالجة. فكلما أبطأت كلما ظن اليأس من إنتاجها، ولما كان الموت لا ينكشف إلا بعد مدة، تحتم إدامة المعالجة حتى يتيقن.
الثاني عشر: غيبوبة الحياة بالبرودة:
اعلم أن شدة البرد قد تستحكم بأعمالها في الإنسان، فتجمد الأعضاء، وتحبس جريان الدم، وربما مات بها الإنسان، ودواؤها مخوف العاقبة جدًا وإن كان لا ألم به أبدًا، فمباديها هو الرعشة التي تكاد تصرع الإنسان، وصلابة الجسم، وانحباس الدم، وخدر المفاصل، وذهاب الإحساس، والتذاذ البدن بالنوم، وانقياده إليه ولو بالقهر، وانقطاع حركات الحياة على التدريج، وعاقبته خروج المبتلى به من حيز الأحياء إلى حيز الأموات، وفي الحقيقة حركات الحياة ليست إلا متوقفة، فعليك أن تسرع في معالجته بدواء؛ سواء ذهبت أمارات الحياة بالكلية، أو بقي منها شيء، واعلم أن بعض الناس توهم أن معالجة إفاقته تكون بالحرارة، وهذا وهم فاسد، لإضرار الحرارة بكثير من الناس، ولكن معالجته هي أن تلف أولاً بدنه في محلفة من صوف، وتحمله إلى أقرب ما يرتاح فيه من الأماكن، وتخلع ثيابه وتضعه في فرش غير محمي، ثانيًا: إذا كان عندك ثلج فدلك البدن مع رفق بشيء من ذلك، مارًا من القلب إلى المفاصل، ثم بعد لحظات دلكه بدل الثلج بخرقة مسقية بماء بارد، وبعده بماء فاتر، ثم بماء مسخن ورش على وجهه شيئًا من هذه المياه ثالثًا: لو تعذر الثلج فضعه في حمام فيه ماء بئر بارد، وبعد نحو ثلاث دقائق أفرغ عليه قليلاً من الماء المسخن، وهلم جرا، فأفرغ عليه كل ثلاث دقائق، حتى تذهب برودة الماء على التدريج، ويصير فاترًا معتدلاً، واعمل جميع ذلك نحو ثلاثة أرباع ساعة فقط، فإن استشعرت برجوع حركة نبض المريض، فلك أن تزيد حرارة الحمام؛ حتى يصير في درجة سخونة الحمام المعتاد، وما دام المريض في الحمام فرش على وجهه يسيرًا من ماء بارد بعد تدليكه بخرقة رقيقة، رابعًا: الهواء في صدره بواسطة أنبوبة أو منفاخ، كما سبق في الغريق، سادسًا: أعطه سفوفًا حبات من الملح المعتاد، والعقه لعقتين ماء باردًا مخلوطًا بقطرات من ماء الملكة، سابعًا: إذا بقي بالمريض الخدر، فاسقه قليلاً من ماء ممزوج بخل وإن كان نومه به سباتًا فاحقنه بحقنة حادة، وهي ما تقدمت في شأن الغريق، ومن سوء الخطأ توهم أن استعمال الخمور والمسكرات القوية، يمكن أن يتدارك به إبعاد هذا الداء، مع أن الأمر بعكس ذلك، وهو أن كثرة الأشربة تحبس جريان الدم، فمن ينهمك على تعاطيها فهو أشد تأثرًا من غيره بآفات البرودة.
الثالث عشر: غيبوبة الحياة بدخان الفحم كل من يمكث في غرفة مغلقة موقد? بها فحم فقد ألقى نفسه في مهلكة، فمبدؤها يحصل للإنسان شدة وجع الرأس، وبعد ذلك يعتريه تعسُّر النفس. ثم يقع في ذبول، كحالة الموتى، فإن عولج فذاك، وإلا هلك.
ومعالجته هي أن تسرع إلى تعريضه في الهواء وتتجرده من أنوابه، وتنيمه على ظهره، وتسقيه ماء ممزوجًا بخل وترش من هذا الماء على وجهه وصدره، وتبل خرقة من ذلك الماء وتدلك بدنه بها، وتمسح وجهه ثم تعيد ذلك عدة مرات، وتقرب نحو مشامه عود كبريت مشتعلاً، أو غيره من حاد الرائحة، وتغمزه في باطن أنفه بطرف ريشه، وتحقنه مرتين: الأولى بماء ممزوج بخل والثانية بماء ملح، فإن بقي بعد ذلك على حالته فدلك فقار ظهره بممسحة من عرف حيوان، والطخ شيئًا من معجون الخردل على بطن رجليه، وأدخل الهواء في صدره بأن تدخل في إحدى طاقتي أنفه فم منفاخ وليس في الغالب يُفيق المريض، فإن ساعدتك المقادير على إفاقته وظهر شيء من أمارات الحياة فضعه في فرش عظيم التسخين، في غرفة بها الهواء وألعقه شيئًا من خير الأشربة.
الرابع عشر: في معالجة الحرق: أول ما يحترق عضو الإنسان فليغمس العضو في أبرد ما يمكن من الماء، وإن تعذر غمسه في الماء، فرشه دائمًا بإسفنجة مملوءة منه، وكلما تسخن الماء المستعمل في ذلك الغسل فجدده، وواظب على ذلك ساعات، وافتح ما ينتفخ من الدمامل بطرف إبرة واحذر أن تفشخها أو تسلخ البشرة، ثم الطخ على ذلك العضو المرهم الملصوق على بعض خرقة رقيقة بورق اللازوق ومحل هذا كله ما لم يمض نصف ساعة قبل غسل العضو المحترق في ماء بارد، وإلا فهذا الدواء يكون مضرًا، بل في هذه الحالة لا بد أن تكتفي باستعمال المرهم الذي تنوب عنه الزبدة الطرية، ولو رأيت الحرق امتد على العضو بتمامه فعليك بالحكيم لتستعين به على ذلك.
الخامس عشر: في الجدري والتخلص من مجيئه بتلقيح البقري.
أمر الجدري معلوم، وكونه إما قاتلاً أو مشوهًا. لا سيما بالوجه بين عند سائر الناس، وربما أذهب البصر وأورث أسقامًا تنقضي إلا انقضاء الأجل، وهناك طريقة لتداركه قبل أوانه مجربة فمن مرض بالجدري مع وجودها فهو من سوء تفريط والديه وإهمالهما، فعلى أبي الإنسان وأمه المبادرة لذلك، فإذا بلغ سن المولود ستة أسابيع إلى ثمانية وجب طلب الحكيم ليخرج سم الجدري بالتلقيح ولا عذر لهما إن أهملا في ذلك، لقدرتهما على مداواة ولدهما، فلو تركاه حتى أصيب بالجدري فقد فات أوان استعمال تلقيح البقري، فيندمان حيث لا ينفع الندم.
وفي بعض الممالك تلقيح البقري للأطفال معين على بيت المال، فلا كلفه فيه خصوصًا على الفقراء، فعلى أهل هذه المملكة أن يقبلوا عليه في الحال، ولا يتأخروا إلى غد، فربما في اليوم القابل تحرك سم الجدري، ولا يغتر بقول من يزعم أنه غير مثمر شيئًا، فصحيح التجربة أوضح فائدة استعماله، ومن استعمله لطفل فأصيب الطفل بعد ذلك بالجدري؛ فذلك لفقد شروط: كان التلقيح كان غير محكم الوضع، والحبات التي أخذت كانت غير تامة، فإذا استعملته في المولود فاطلع الحكيم على حبات البقري تتحقق إصابة استعماله وعدمها، واستعمال تلقيح البقري غير مؤلم فهو أخف من شكة إبرة ولا يمرض به الإنسان، ويصح استعماله لأي عمر كان.
والجدري داء متوقع مدة أجل الإنسان، حتى كأنه دين مآله إلى القضاء، وقضاؤه يحصل بالمسارعة إلى استعمال تلقيح البقري أن يريد التخلص من إصابته.
خاتمة
هذا آخر ما أوردنا شرحه من النصائح النافعة للصحة، فالصحة جوهر نفيس عن سائر ما عداه؛ إذ يسلبها لا تنفع زينة الحياة، فما ثمرة الأموال لعليل، لا يتمتع منها بشفاء الغليل. يذهب المريض كنوز ذهبه، لمن يبريه من وصبه، ومع ذلك قد يكون خلاف غرضه، فلا يصح له الشفاء من مرضه، تقرع الأمراض باب الخطير، على نسق ما تقرع باب الحقير، ولا ترق لشكواه، ولا تسمع دعواه، حكمة بالغة للحكم العدل، ذي الاقتدار والفضل، فليس بنا قوة ولا حول، بل الكل بحول وقوة ذي الطول، فهو الممرض والشافي، والمبتلي والمعافي، ها نحن الآن في حيز الحياة والثبات، ولا ندري هل نعد غدًا في زمرة الأموات؟ فهذا سر خفي لا نصل إلى فهمه، كيف وقد استأثر به الله في غامض علمه! فلا تثق بالمخايل الطاهرة، من الصحة الزاهية الزاهرة، فربما في أسرع من البرق اللامع، تعترينا الأمراض وتلزمنا المضاجع، وقدرتنا على القبض على الأجل، وحفظ الصحة من الخلل، كاقتدارنا على عروج السما، واتخاذ الأفلاك ملزمًا، فعلينا بالاستعداد للمعاد، ولنكن كالمسافر المستحضر على الحمل والزاد، العازم على الرحيل، الجازم من الإقامة بالقليل. قد كان بالأمس نوبة الجاز، وستأتي غدًا نوبة صاحب الدار، ولا خوف علينا ولا حزن، حيث كان خلاص ذمتنا حسن، هذا، والحمد لله وحده، وصلى الله على نبيه وآله وصحبه وسلم.

? الفولنج: مرض معوي مؤلم يعسر معه خروج الثقل والريح.
? في الأصل: العي.
? الطوق (الياقة): الجيب.
? يسمى: نبات أوبر.
? زجاجات.
? في الأصل: مغلوقة موقود.
الفصل العاشر
في فعل الخير بمدينة باريس
اعلم أن غالب الناس ببلاد الإفرنج وسائر البلاد التي تكثر الصناع والنجامة فيها يعيشون من كسب أيديهم، فإذا حصل للإنسان منهم مانع كمرض أو نحوه، فقد معيشته واضطر إلى أن يعيش من غير كسب يده، كأنّ يتكفف الناس، أو نحو ذلك، فشرعت المارستانات المعدة لفعل الخير، حتى إن الإنسان لا يسأل ما في أيدي الناس، وكلما كثرت صنائع بلدة وكثر كسبها كثرت أهاليها فاحتاجت إلى مارستانات أكثر من غيرها، ومعلوم أن مدينة «باريس» من أعمر المدن وأكثرها صناعة ونجامة؛ فلذلك كثرة مارستاناتها وجمعيات فعل الخير بها سادة لخلل شح أفراد أهلها وبخلهم؛ لما تقدم أنهم بمعزل عن الكرم من العرب، فليس عندهم حاتم طي، ولا ابنه عدي، ولم يخرج من بلادهم معن بن زائدة الشهير بالحلم والندى الذي قال فيه الشاعر:
يقولون: معن لا زكاة لمالهوكيف يزكي المال من هو باذله
إذا حال حول لم يكن في ديارهمن المال إلا ذكره وجمائله
تراه إذا ما جئته متهللاكأنك تعطيه الذي أنت نائله
هو البحر من كل النواحي أتيتهولجته المعروف والبر ساحله
إذا مر بالوادي فتبكي تلالهعليه وبالنادي فتبكي أرامله
تعوّد بسط الكف حتى لو انهأراد انقباضًا لم تطعْه أنامله
ولو كان ما في كفه غير روحهلجاد بها فليتق الله سائله
ولم يسمع في بلادهم عند ملوكهم ووزرائهم شيء ولو يسيرًا مما يحكى عن بني العباس والبرامكة أصلاً، فالملك المنصور المشهور بالدوانقي? أكرم الكرماء بالنسبة إليهم، نعم إن البلاد المتحضرة يقل إكرامها، وأيضًا يرون أن إعطاء القادر على الشغل شيئًا فيه إعانة له على عدم التكسب.
وفي مدينة باريس ديوان لتدبير المارستانات، وأهله خمس عشرة نفسًا للمشورة العامة، وفي هذا الديوان خمس نظارات: النظارة الأولى: لمباشرة المارستان، النظارة الثانية: لمباشرة مهمات المراستان، والخدمة للمرضى والعقاقير العامة، النظارة الثالثة: مباشرة الأوقاف، النظارة الرابعة: مباشرة الفقراء في بيوتهم وإعانتهم، النظارة الخامسة: مباشرة مصاريف المارستان وتوابعها.
ولا يدخل الإنسان المارستان إلا إذا أثبت مرضه. يقول الحكماء: ومن قام من مرضه في المارستان وأراد أن يخرج منه قبل أن يتم شفاؤه وترجع له قوته أخذ من الوقف بعض شيء يستعين به على قوته؛ حتى يمكنه الرجوع إلى أشغاله.
وأعظم مارستان «بباريس» المارستان المسمى: «أوتيل ديو» يقرب أن يكون معناه «بيت الله» وهو موقوف على المرضى والجرحى، ولا يدخل فيه الأطفال ولا أرباب الداء العضال، ولا المجانين ولا النفساء ولا أرباب الأمراض المزمنة، ولا المبتلى بالإفرنجي، فإن كل داء من هذه الأشياء له مارستان خاص.
ومن المارستانات الشهيرة في «باريس» مارستان يسمى «ستلويز» وهو معد لأرباب الأمراض المزمنة، ولأرباب الدمامل والقوبة، والحكة، والجرب، ونحو ذلك.
وفي باريس مارستان للقطاء، يعني الأطفال الذين يلتقطونهم من الطرق فيدخل فيه الذين يهملهم أهلهم كأولاد الزنا ونحو ذلك.
«وبباريس» مارستان أيضًا للأيتام، وفيه يدخل الأولاد الفاقدون لأهاليهم، وهو موقوف على نحو ثمانمائة ذكر وأنثى. فالذكور فيه في جهة، والإناث في أخرى، ويباشر هذا المارستان ديوان يدبره فلا يوضع الصغير في المارستان إلا بأمر هذا الديوان، وإذا بلغ الإنسان إحدى عشرة سنة في السن فإنه يخرج بإذن أهل ذلك الديوان من هذا المارستان، ويسكن عند معلم صنعة ومصرفه يخرج من وقف المارستان، ولمعلم الصنعة أن يتبنى الصغير، أي يأخذه وينزله منزلة ابنه، ولكن بشرط أن يثبت لأهل ذلك الديوان يساره وفضله وحسن حاله.
ومن جملة مارستانات «باريس» مارستان موقوف لتلقيح الجدري بوضع البقري.
ومنها مارستانان يسمَّيان «مارستاني الشيخوخة والهرم» فأحدهما للذكور، والآخر للنساء، ومنها مارستان لأصحاب الداء العضال، موقوف على أربعمائة وخمسين مريضًا ذكرًا وخمسمائة وعشرين مريضة».
ومنها: مارستان العميان، من أهل «باريس» أو غيرها من العمالات، فلهم فيه الأكل والشرب، وسائر ما يحتاجون إليه في تعليمهم ونحو ذلك.
ومنها: مارستان المجانين، وفيه (قشلة)? عظيمة تسمى مارستان السقط، وفيه يوضع مجاريح الحروب ومقاطيع الأيدي أو الأرجل أو نحو ذلك، وهو من أنظف وأعظم المارستانات، وفيه ستة عشر طبيبًا، وجائحيًا، وستة عقاقيرية لصناعة الأدوية.
ويوجد في «باريس» زيادة عن هذه المارستانات ديوان عام يسمى «ديوان الإحسان» المقصود منه تكميل الخير الذي لا يمكن في المارستانات، كما إذا أحرقت تجارة تاجر أو انكسر، فإنه يجبر من هذا الديوان بشروط معلومة.
وفي كل خط «بباريس» ديوان إحسان، والإحسان فيه قسمان: إحسان حالي وإحسان حولي، فالأول يعطى للفقير الذي وقف حاله أو حدث له ما يعطله، والثاني لمن به حالة دائمة تمنعه من الشغل، ومن فعل الخير بمدينة «باريس» إنه يوجد بشاطئ نهرها علب وحوائج بها روائح لتشميم الغريق والمغمى عليه والجريح ونحو ذلك ليفيق، ويوجد أيضًا بهذه المواضع عدة رجال من أهل الخبرة، لينهضوا لإسعاف من وقعت له حادثة عارضة.
ومن هذا كله يتبين أن فعل الخير بمدينة «باريس» أكثر منه في غيرها بالنسبة للجملة أو للمملكة، لا لكل واحد على حدته فإنه قد يشاهد في طرقها أن بعض الناس الذين لا يذهبون إلى المارستانات الموقوفة ونحوها يقع في وسط الطريق من الجوع، وربما تراهم ينهرون السائل، ويردونه خائبًا، زاعمين أنه لا ينبغي السؤال أبدًا؛ لأنه إذا كان السائل قادرًا على الشغل فلا حاجة إلى السؤال، وإن كان عاجزًا عنه فعليه بالمارستانات ونحوها؛ ولأن السائلين عندهم أصحاب حيل في تحصيل الأموال في غالب الأحوال، حتى إنهم يتشكلون في صورة المجاريح ونحوهم؛ ليشفق الناس عليهم ويرقوا لحالهم.
ومن فعل الخير أنهم يجمعون عند الحاجة أشياء لمن نكبه الزمان حتى يصير بها غنيًا، فمن ذلك أنهم جمعوا لأولاد «الجنرال ني» نحو مليونين من الفرنكات يعني ستة ملايين من القروش.

? المنسوب إلى (دوانق)، وهي جمع (دانق) كصاحب، وهو سدس الدرهم.
? القشلة: المستشفى.
الفصل الحادي عشر
في كسب مدينة باريس ومهارتها
اعلم أن المركوز في أذهان هؤلاء الطوائف محبة المكسب والشغف به، وصرف الهمة إليه بالكلية، ومدح الهمة والحركة وذم الكسل والتواني، حتى إن كلمة التوبيخ المستعملة عندهم على ألسنتهم في الذم هي لفظة الكسل والتنبلة، وسواء في محبة الأشغال العظيم والحقير، ولو حصل من ذلك مشقة أو مخاطرة بالنفس، فكأنهم فهموا قول الشاعر:
حب السلام يثني عزم صاحبهعن المعالي، ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًافي الأرض أو سلمًا في الجو واعتزل
ودع غمار العلا للمقدمين علىركوبها، واقتنع منهن بالأمل
إلى أن قال:
فإنما رجل الدنيا وواحدهامن لا يعوِّل في الدنيا على رجل
ثم إن أعظم التجارات وأشهرها في «باريس» معاملات الصيارفة، والصيارفة قسمان: صيارفة المملكة أو (الميري)، وصيارفة «باريس»، ووظيفة صيارفة الدولة بالنسبة للتجارة أن يضع الناس ما يريدون وضعه، ويأخذوا كل سنة ربحه المعين في قانونهم، فلا يعد عندهم هذا الربح ربا إلا إذا زاد عما في القانون، وللإنسان أن يأخذ ما وضعه من المعاملة عند صيارفة الدولة متى أراد، ومثل ذلك صيارفة «باريس» فإنهم يأخذون ويعطون الأموال بالمرابحة، وهم يعطون الربح أزيد مما تعطيه صيارفة بيت المال الذين هم صيارفة المملكة، ولكن المال الموضوع عند صيارفة المملكة آمن من الموضوع عند صيارفة الدولة، فإن ما يأخذونه يكون دينًا على الدولة، والدولة دائمًا موجودة.
ومن أمور المعاملات المهمة عند أهل «باريس»: جمعية تسمى «الشركاء في الضمانة» فإنها تضمن لمن يدفع لها كل سنة قدرًا هينًا مخصوصًا سائر ما يتلف في بيته بحادثة قهرية، كما إذا احترق بيته أو حانوته أو نحو ذلك، فإنها ترجعه له كما كان، وتدفع له قيمته.
وفي مدينة باريس معامل سلطانية ومعامل غير سلطانية: فمنها معامل المعادن كأشغال الفضة والذهب واتخاذ الآنية منهما، ومنها معامل الصيني (والفرفوري)? ومعامل الشمع الإسكندراني ومعامل الصابون والقطن والجلود المدبوغة، وشغل السختيان،? ونحو ذلك، وصناعتهم تعظُم جودتها شيئًا فشيئًا؛ حتى إنهم كل نحو ثلاث سنوات يعرضون أشغالهم على رءوس الأشهاد، ويظهرون ما اخترعوه وما كملوه.
وفي باريس عدة خانات عظمى، توجد فيها سائر المبيعات، ووكائل وحوانيت وبيوت للتجارة أو الصناعة مكتوب على واجهتها اسم التاجر واسم تجارته، وبعض الأحيان قد يكتب اسم المتجر، ألا يمكن أن يشرع الإنسان في التجارة إلا إذا دفع لبيت المال شيئًا ولو هينًا، فيأخذ (نيشانًا علامة على الإذن له في التجارة، فيحتاج أن يكون معه (النيشان)، وعلى تجارته.
وللتجارة مكتب مخصوص يسمى مكتب التجارة، يتعلم فيه التلامذة علم التجارة، وعلم تمييز صفات أنواع الأشياء المبيعة، ومعرفة الأثمان والقيم.
وفي هذا المكتب خمس عشرة مدرسة، وفيه تلامذة من أقاليم عديدة، وبمقتضى قانون ذلك المكتب أنه بدفع القدر المعين يقبل من أراد الدخول للتعليم من سائر الأمم.
ومن الأمور التي تعين على النجامة والكسب تعمير طرق البر والبحر؛ فمن ذلك صناعة الخلجان والقوارب التي تسير بالدخان ونصب القناطر، ونصب دواوين تسفير العربات الكبيرة (والتليغراف) وهي الإشارة، ونصب البريد بالساعي، والبريد بالخيل وغير ذلك.
فانظر إلى مدينة «باريس» فإن حولها أربعة خلجان تأتي منها المتاجر، وفي نهر السين تسير قوارب على صورة العربات، وقوارب تمشي بالنار سريعة السير، وبمدينة «باريس» جملة أنواع من العربات مختلفة الشكل والاسم والسير والاستعمال، فمنها عربات معدَّة لوسْق الأمتعة من «باريس» إلى البلاد البرانية، (ص ???) وتسمى «رولاجة»? ومنها جنس معد لوسقه بالناس ليسافروا فيه، ويسمى «الدلجنس» ومنها عربات صغيرة للسفر إلى المحال القريبة من «باريس» تسمى «كوكو»? (بضم الكافين) ويدفع فيها على كل رأس قدر معلوم، كالسفر في السفن، وفي «باريس» عربات تستأجر إلى أجل معلوم، كيوم أو شهر أو سنة، والعربات العادية في «باريس» هي: الفياكرة وهي ما فيها مقعد فيه سدلتان متقابلتان، تسعان ستة أنفس، ولها حصانان يسحبانها «والكيريولة» وهي نصف «الفياكرة» فلها سدلة واحدة: وركوب «الفياكرة»? أو «الكيريولة» تكون أجرته بالساعة، أو يستأجر من محل إلى محل آخر، وأجرة محدودة لا تزيد ولا تنقص، ووجودها في سائر طريق «باريس» أكثر من وجود الحمير في طريق القاهرة، وقد تجددت الآن عربات كبيرة تسمى «الأمنيبوسة»? معناها: لكل الخلق، وهي عربات كبيرة تسع كثيرًا من الخلق، مكتوب على بابها أنها تمشي إلى الحارة الفلانية، فكل الناس الذاهبين إلى حارة واحدة يركبونها، ويدفع كل منهم قدرًا معينًا، وهي موجودة في أمهات خطوط «باريس» ومن العربات جنس ينقل أمتعة البيوت، ومنها عجلات البياعين ويسوقونها، ويدورون بها في الطريق ليبيعوها، وهذه العجلات قد يسحبها حصان، وقد يسحبها حمار، وقد يسحبها شخص واحد أو مع كلبه، وبها أجناس أخر من العجلات لحمل الحجارة والتراب وغير ذلك.
وأما البريد المسمى عند الفرنسيس البسطة» فإنه من أهم المصالح النافعة في التجارات وغيرها، يسهل فيه إخبار الغير بواسطة المكاتبات التي تذهب عاجلاً، ويأتي ردها في أسرع ما يكون. وتدبيرها بكيفيتها التي هي عليها من أعظم ما يمكن، فإن المكاتيب التي تبعث في البلد وأن العمالة تصل إلى صاحبها من غير شك؛ لأن سائر نمرة البيوت مكتوب عليها بالرقم عددها المسمى «النمرة» فيها يمتاز البيت عما عداه، والمكتوب الذي تبعثه الإنسان تضعه في محل المكاتيب الموضوع في كل حارة، فيأتي الساعي ويأخذه، فيصل المكتوب إلى الحارة الأخرى، ويأتي رده في يومه.
ثم إن الفرنساوية يحترمون أمور المراسلات غاية الإمكان، فلا يمكن لإنسان أن يفتح مكتوبًا معنونًا باسم آخر ولو كان متهمًا بشيء، ولما كان احترام المراسلات بباريس على هذه (ص ???) الحالة كثرت الرسائل بين الأحباب والأصحاب، خصوصًا بين العشاق، لأمن الإنسان على مكتوبه من أن يفتحه غير المرسل إليه، المعنوَن باسمه، وأعلام العشق بين العاشق ومعشوقته يكون بالمراسلة، وبها أيضًا يحصل الوعد بالمواصلة، وفي باريس محل لإرسال المعاملات والحوائج مع الساعي أيضًا، من غير خوف أبدًا ومن الأمور النافعة في التجارات (الجورنالات) فيكتبون فيها كثيرًا من البضاعة النافعة أو الجيدة الصنعة، ويمدحونها، ليروجوا السلع، وليعلِّموا الناس بها، وصاحب البضاعة يدفع لهم شيئًا في نظير ذلك، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، وقد يطبع التاجر الذي يرى ترويج سلعته عدة أوراق صغيرة، ويرسلها مع خدم في سائر البيوتات، ولسائر المارين بالطرق، ويفرقها عليهم مجانًا؛ ففي هذه الأوراق يذكر اسمه واسم دكانه، وما عنده من المبيع، ويعين القيمة لسلعته.
وبالجملة ففي مدينة باريس يباع سائر ما يوجد في الدنيا سواء كان خطيرًا أو حقيرًا، ومن أعظم الأشياء دكاكين العقاقيرية، فيها توجد سائر الأدوية مجهزة، وسائر العقاقير التي وجه الأرض المعروفة الاسم والخاصية.
وسائر الخلق «بباريس» يحبون الكسب والتجارة، سواء الغني والفقير، حتى إن الصغير الذي لا يمكنه التكلم إلا بالأشياء الصغيرة إذا أعطيته فلسًا يفرح به ويصفق بيديه قائلاً ما معناه بالعربية: كسبت وقنيت؛ ولولا أن كسبهم مشوب في الغالب بالربا لكانوا أطيب الأمم كسبًا، وإذا كسدت تجارة أحدهم كما هو غالب في تلك البلاد فسد حاله، وآل أمره إلى تطلب ما في أيدي الناس، وربما أخذ معه مكتوبًا من أحد الكبار يدل على كساد حاله، وأنه يستحق الإعانة، ويكثر وقوع مثل هذا الأمر في هذه المدينة وإن كثر أخذها وعطاؤها.
وتداول الأمطار والرياح لا يمنع الإنسان منهم عن الخروج إلى شغله، يقولون بلسان حالهم: اليد الفارغة تسارع إلى الشر، والقلب الفارغ يسارع إلى الإثم.
وأهل «باريس» أغنياء جدًا، حتى إن المتوسط منهم أغنى من تاجر عظيم من تجار القاهرة، فلا يرضون قول الشاعر:
ولا فخر إلا بالنوال وبالعطاوليس بجمع المال عز ولا فخر
بل يحرصون على الأموال، ويسلكون سبيل الحرص زاعمين أنه يزيد في الأرزاق، ولا يقتدون بقول الشاعر:
وليس يزاد في رزق حريصولو ركب العواصف كي يزادا
وقد يوجد بها من أهالي الحرف الدنيئة من إيراده كل سنة أبلغ من مائة ألف فرنك، وذلك من كمال العدل عندهم، فهو المعول عليه في أصول سياساتهم، فلا تطول عندهم ولاية ملك جبار أو وزير اشتهر بينهم أنه تعدى مرة وجار، ولا شك أنه تأسس في قلوبهم قول الشاعر:
والملك الجبار والمنيعما عنده هاد، ولا شفيع
دعية الجبار مرعى الحربوالملك العادل نصف الخصب
وهذا لا يمنع من أنهم يدفعون (الميري) عن طيب خاطر، لما أنهم يرون أن الخراج عمود الملك إذا دفع كل إنسان منهم ما هو عليه قادر، فمال (الميري) هو قوام صورة الممالك، وإحسان مصرفه في استحقاقه خير مما هنالك، قال الشاعر:
والمال أس لقيام الصورةوخير منه صالح المشورة
ولما كانت رعيتهم رائعة كان الدولة عندهم لها إيراد سنوي عظيم، فإن إيراد الدولة الفرنساوية كل سنة نحو تسعمائة وتسعة وثمانين مليونًا من الفرنكات.
ومن جملة أسباب غنى الفرنساوية أنهم يعرفون التوفير، وتدبير المصاريف، حتى إنهم دونوه، وجعلوه علمًا متفرعًا من تدبير الأمور الملكية، ولهم فيه حيل عظيمة على تحصيل الغنى، فمن ذلك عدت تعلقهم بالأشياء المقتضية للمصاريف، فإن الوزير مثلاً ليس له أزيد من نحو خمسة عشر خادمًا، وإذا مشى في الطريق لا تعرفه من غيره، فإنه يقلل أتباعه ما أمكنه داخل داره وخارجها وقد سمعت أن قريب ملك الفرنسيس المسمى: الدوق «درليان» وهو الآن السلطان الذي هو من أعظم الفرنسيس مقامًا، وأكثرهم غنى، له من الأتباع وسائر من طرفه من العساكر ونحوها (كالبستانجية) والخدم وغير ذلك نحو أربعمائة نفس لا غير، والفرنساوية يستكثرون ذلك عليه، فانظر الفرق بين باريس ومصر؛ حيث إن العسكري بمصر له عدة خدم.

? نوع من الصيني.
? نوع من الجلد.
? Roulage.
? Coucott.
? fiacre.
? Omnibus.
الفصل الثاني عشر
في دين أهل باريس
قد تقدم لنا في الشرطة أن دين الدولة هو دين النصارى «القاثوليقية» وقد بطل هذا الشرط بعد الفتنة الأخيرة، وهم يعترفون للبابا الذي هو ملك رومة بأنه عظيم النصارى وكبير ملتهم، وكما أن الدين القاثوليقي هو دين الدولة الفرنساوية كذلك هو دين غالب الناس عندهم، وقد يوجد «بباريس» الملة النصرانية المسماة: «البروتستانتية» وغيرها، ويوجد بها كثيرٌ من اليهود المستوطنين، ولا وجود لمسلم مستوطن بها.
وقد أسلفنا أن الفرنساوية على الإطلاق ليس لهم من دين النصرانية غير الاسم، فهم يدخلون في اسم الكتابيين، فلا يعتنون بما حرمه دينهم، أو أوجبه، أو نحو ذلك؛ ففي أيام الصيام في «باريس» لا ينقطع أكل اللحم في سائر البيوت، إلا ما ندر، كبعض القسوس، وبيت ملك الفرنسيس القديم، وأما باقي أهل المدينة فإنهم يستهزئون بذلك ولا يفعلونه أبدًا، ويقولون: إن سائر تعبدات الأديان التي لا نعرف حكمتها من البدع والأوهام. ولا تعظم القسوس في هذه البلاد إلا في الكنائس عند من يذهب إليهم، ولا يسأل عنهم أبدًا، فكأنهم ليسوا إلا أعداء للأنوار والمعارف، ويقال: إن غالب ممالك الإفرنج مثل «باريس» في مادة الأديان، ثم إن «مسيو دساسي» لما اطلع على ذلك كتب عليه ما نصه: قولك أن الفرنساوية ليس لهم دين ألبتة، وإنهم ليسوا إلا بالاسم فيه نظر، نعم إن كثيرًا من الفرنساوية خصوصًا من سكان «باريس» ليسوا نصارى إلا بالاسم فقط لا يعتقدون اعتقادات تدينهم، ولا يتعبدون بعبادات النصرانية، بل هم في أعمالهم لا يتبعون إلا أهواءهم، تشغلهم أمور الدنيا عن ذكر الآخرة، تراهم ما دامت حياتهم لا يهتمون إلا باكتساب الأموال بأي وجه كان، وإذا حضرهم الموت ماتوا كالبهائم، ولكن فيهم أيضًا من يقيم على دين آبائه يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعمل الصالحات، وهم طائفة لا تحصى من الرجال والنساء، ومن العوام والخواص. بل ومن المشهورين بفضل العلم والأدب، غير أنهم في ورعهم وتقاهم على مراتب شتى: منهم من يشارك عامة الناس تصرفاتهم، ويحضر معهم في محافل اللذات أعني «السبكتاكل» «والبال» ومجامع الأغاني، ومنهم المتقشفون المعرضون عن كل ما تشتهيه الأنفس، وهؤلاء أقل عددًا، وإن دخلت كنائسنا أيام الأعياد المعظمة ظهر لك صحة قولي.
هكذا انتهت عبارته والحامل له على ذلك: كونه من أرباب الديانة، وعددهم نادر ولا حكم له.
ومن الخصال العادية المهولة ببلاد الفرنسيس أو بلاد «القاثوليقية»: عدم الإذن بزواج القسيسين على اختلاف مراتبهم ودرجاتهم، فإن عدم زواجهم يزيدهم فسقًا على فسقهم.
ومن الخصال الدميمة: إن القسيسين يعتقدون أنه يجب على العامة أن يعترفوا لهم بسائر ذنوبهم؛ ليغفروها لهم، فيمكث القسيس في الكنيسة على كرسي يسمى كرسي الاعتراف، فسائر من أراد أن تغفر ذنوبه يذهب إلى كرسي الاعتراف، داخل باب بينه وبين القسيس حائل كالشبكة، فيجلس، ثم يعترف قدامه بذنوبه، ويستغفره، فيغفر له، وقد عرف عندهم أن أكثر من يدخل الكنيسة أو يذهب إلى الاعتراف يكون من النساء والصغار، وهذا موافق لقول بعض شعراء العرب:
إن من يدخل الكنيسة يومًايلق فيها جآذرًا وظباء
ودرجة القسيسية عندهم مختلفة؛ فأولهم الكردينال وهو بعد «البابا» في الرتبة؛ وذلك أن البابا قبل توليته يشترط أن يكون «كردينالاً» ثم بعده «المطران» ثم بعده «الأسقف» ثم «الخوري» ثم «نائب الخوري» ثم «الشماس».
وعند الفرنساوية أعياد دينية متنقلة: يعني لا تقع في يوم معين كل سنة، بل هي دورية ومرتبة في الغالب على وقوع عيد الفصح.
فمن أعيادهم الغريبة «عيد الرفاع» وقد تقدم، ومنها عيد ظهور السيد المسيح، ويسمى عند الفرنسيس: عيد الملوك، وذلك أن كل عائلة تصنع فطيرة عظيمة، وتضع فيها حبة فول في عجينها، ويقسمون الفطير على الندامى، فكل من جاءت حبة الفول في نصيبه فهو الملك، فإن جاءت في نصيب رجل فإنه يسمى باسم الملك، ويخاطب فوق المائدة وتمام الليلة بخطاب الملوك، ثم يختار من النساء امرأة يجعلها الملكة، فتخاطب أيضًا بذلك الخطاب، وإن جاءت الفولة من نصيب امرأة فإنها أيضًا تختار من الحاضرين شخصًا كالزوج لها، وتطلق عليه اسم الملك، فيكون سائر إكرام الليلة للملك والملكة، برسوم خاصة، وقوانين مألوفة، وهذه الكيفية تصنع في سائر البيوت في مدينة «باريس» حتى بيت ملك الفرنسيس.
ومن جملة بدع القسيسين أنهم يصنعون في عيد القربان موكبًا ويلبسون فيه حللاً مطرزة، ويدورون المدينة بشيء يسمونه «البونديو» وكلمة «البونديو» مركبة من كلمتين: الأول: «بون» ومعناها: طيب، أو عظيم، والثانية «ديو» ومعناها: الإله، فكأنهم يقولون: إن الإله حاضر في الجحفة،? التي بين أيدي القسوس، والمراد عندهم «بالبونديو» عيسى عليه السلام، والفرنساوية يعرفون أن هذه الأمور من باب الهوس الذي يدنس بلادهم، ويزري بعقول أهلها، غاية الأمر أن العائلة السلطانية كانت تعين القسيسين على هذه الأمور، فتمتثل الرعية لذلك مع غاية الحط والتشنيع.
وللقسيسين بدع لا تحصى. وأهل باريس يعرفون بطلانها، ويهزءون بها، ولهم أعياد أخر لا يسعها هذا الكتاب.
ثم إن لكل إنسان من الفرنساوية عيدًا وهو يوم مولد القديس الموافق له في اسمه فإذا كان إنسان اسمه بولص مثلاً فإن عيده يكون عيد «ماري بولص»، فنرى كل إنسان اسمه بولص«يصنع وليمة ويشهر عيده، وفي عيد الإنسان يهادونه بأنواع الأزهار.»

? الجحفة: بقية ماء في حوض.
الفصل الثالث عشر
في ذكر تقدم أهل باريس في العلوم والفنون والصنائع، وذكر ترتيبهم، وإيضاح ما يتعلق بذلك
الذي يظهر لمن تأمل في أحوال العلوم والفنون الأدبية والصناعة في هذا العصر بمدينة «باريس» أن المعارف البشرية قد انتشرت وبلغت أوجها بهذه المدينة، وإنه لا يوجد من حكماء الإفرنج من يضاهي حكماء «باريس» بل ولا في الحكماء المتقدمين كما هو الظاهر أيضًا، غير أن صاحب النقد السديد قد يقول: إن سائر الفنون العلمية التي يظهر أثرها بالتجارب، معرفة هؤلاء الحكماء بها ثابتة، وإتقانها عندهم لا نزاع فيه، كما يشهد لذلك قول بعض أجلة الحكماء: «الأمور بتمامها، والأعمال بخواتيمها، والصنائع باستدامتها».
وأما أغلب العلوم والفنون النظرية فإنها معروفة لهم غاية المعرفة، ولكن له مبعض اعتقادات فلسفية، خارجة عن قانون العقل، بالنسبة لغيرهم من الأمم، غير أنهم يموهونها، ويقوونها، حتى يظهر للإنسان صدقها وصحتها، كما في علم الهيئة مثلاً، فإنهم محققون فيه: وأعلم ممن عداهم بسبب معرفتهم بأسرار الآلات المعروفة من قديم الزمان، والمخترعة له.
ومن المعلوم أن المعرفة بأسرار الآلات أقوى معين على الصناعات غير أن لهم في العلوم الحكمية حشوات ضلالية مخالفة لسائر الكتب السماوية، ويقيمون على ذلك أدلة يعسر على الإنسان ردها، وسيأتي لنا كثير من بدعهم، وننبه عليها في محالها إن شاء الله تعالى.
وإنما نقول هنا: إن كتب الفلسفة بأسرها محشوة بكثير من هذه البدع، فسائر كتب الفلسفة يجري فيها الحكم الثالث، من الخلاف الذي ذكره صاحب متن السلم في الاشتغال بعلم المنطق. فحينئذ يجب على من أراد الخوض في لغة الفرنساوية المشتملة على شيء من الفلسفة أن يتمكن من الكتاب والسنة، حتى لا يغتر بذلك، ولا يفتر عن اعتقاده، وإلا ضاع يقينه، وقد قلت جامعًا بين مدح هذه المدينة وذمها:
أيوجد مثل «باريس» ديارشموس العلم فيها لا تغيب
وليل الكفر ليس له صباحأما هذا وحقكم عجيب!
ومن جملة ما يعين الفرنساوية على التقدم في العلوم والفنون سهولة لغتهم وسائر ما يكملها، فإن لغتهم لا تحتاج إلى معالجة كثيرة في تعلمها، فأي إنسان له قابلية وملكة صحيحة يمكنه بعد تعلمها أن يطالع أي كتاب كان؛ حيث إنه لا التباس فيها أصلاً، فهي غير متشابهة، وإذا أراد المعلم أن يدرس كتابًا لا يجب عليه أن يحل ألفاظه أبدًا، فإن الألفاظ مبينة بنفسها، وبالجملة فلا يحتاج قارئ كتاب أن يطبق ألفاظه على قواعد أخرى برانية من علم آخر، بخلاف اللغة العربية مثلاً، فإن الإنسان الذي يطالع كتابًا من كتبها في علم من العلوم يحتاج أن يطبقه على سائر آلات اللغة، ويدقق في الألفاظ ما أمكن، ويحمل العبارة معاني بعيدة عن ظاهرها.
وأما كتب الفرنسيس فلا شيء من ذلك فيها، فليس لكتبها شراح ولا حواش إلا نادرة، وإنما قد يذكرون بعض تعليقات خفيفة تكميلاً للعبارة بتقييد أو نحوه، فالمنون وحدها من أول وهلة كافية في إفهام مدلولها، فإذا شرع الإنسان في مطالعة كتاب في أي علم كان تفرغ لفهم مسائل ذلك العلم وقواعده من غير محاكاة الألفاظ. فيصرف سائر همته في البحث عن موضوع العلم، وعن مجرد المنطوق والمفهوم، وعن سائر ما يمكن إنتاجه منها، ولما غير ذلك فهو ضياع مثلاً إذا أراد إنسان أن يطالع علم الحساب، فإنه يفهم منه ما يخص الأعداد من غير أن ينظر إلى إعراب العبارات، وإجراء ما اشتملت عليه من الاستعارات، والاعتراض بأن العبارة كانت قابلة لتجنيس وقد خلت عنه، وإن المصنف قدم كذا، ولو أخره كان أولى، وأنه عبر في محل الواو والعكس أحسن، ونحو ذلك، ثم إن الفرنسيس يميلون بالطبيعة إلى تحصيل المعارف، وتشوقون إلى معرفة سائر الأشياء؛ فلذلك ترى أن سائرهم له معرفة مستوعبة إجمالاً لسائر الأشياء، فليس غريبًا عنها، حتى إنك إذا خاطبته تكلم معك بكلام العلماء، ولو لم يكن منهم؛ فلذلك ترى عامة الفرنساوية يبحثون، ويتنازعون في بعض مسائل علمية عويصة، وكذلك أطفالهم فإنهم بارعون للغاية من صغرهم، فالواحد منهم كما قال الشاعر:
عشق المعاني الغر وهو مراهقوافتض أبكار الفنون وليدا
فإن قد تخاطب الصغير الذي خرج من سن الطفولية عن رأيه في كذا وكذا، فيجيبك بدلاً من قوله لا أعرف أصل هذا الشيء بما معناه «الحكم على الشيء فرع عن تصوره» ونحو ذلك، فأولادهم دائمًا متأهلون للتعلم والتحصيل، ولهم تربية عظيمة، وهذا في الفرنسيس على الإطلاق.
والعادة أنهم يزوجون أولادهم قبل تمام تعلمهم، وهذا يكون غالبًا في عشرين إلى خمس وعشرين سنة، فقل منهم من كان في سن العشرين، ولم يبلغ درجة التدريس، أو يتعلم صنعته التي يريد تعلمها، غير أنه قد يمكث مدة طويلة ليتمكن من العلوم والفنون غاية التمكن، وهذا السن في الغالب تظهر به براعة الإنسان وحسن طالعته، كما قال الشاعر:
إذا ما أول الخطّي أخطافما يرجى لآخره انتصار
إذا جاز الفتى عشرين عاماوما بلغ المراد فذاك عار
فكان هذه? السن عند سائر الأمم سن انتهاء الناجب، فانظر إلى الأخضري فإنه في سن إحدى وعشرين سنة قد نظم رسالة السلم وشرحها، وكذلك العلامة الأمير فإنه في دون العشرين بيسير صنف مجموعة فتورك? على قول الأخضري:
ولبني إحدى وعشرين سنةمعذرة مقبولة مستحسنة
بأنه وهو في دون ذلك السن ألف في أصعب من ذلك المقام، وما قلناه بالنسبة لأرباب المعارف من الإفرنج.
وأما علماؤهم فإنهم منزع آخر لتعلمهم تعلمًا تامًا عدة أمور، واعتنائهم زيادة على ذلك بفرع مخصوص، وكشفهم كثيرًا من الأشياء، وتجديدهم فوائد غير مسبوقين بها، فإن هذه عندهم هي أوصاف العالم، وليس عندهم كل مدرس عالمًا، ولا كل مؤلف علامة، بل لا بد من كونه بتلك الأوصاف، ولا بد له من درجات معلومة، فلا يطلق عليه ذلك الاسم إلا بعد استيفائها والارتقاء، ولا تتوهم أن علماء الفرنسيس هم القسوس؛ لأن القسوس إنما هم علماء في الدين فقط، وقد يوجد من القسوس من هو عالم أيضًا، وأما من يطلق عليه اسم العالم فهو من له معرفة في العلوم العقلية التي من جملتها علم الأحكام والسياسات.
ومعرفة العلماء في فروع الديانة النصرانية هينة جدًا، فإذا قيل في فرنسا: هذا الإنسان عالم لا يفهم منه أنه عالم في دينه، بل إنه يعرف علمًا من العلوم الأخرى [ي]، ويظهر لك فضل هؤلاء النصارى في العلوم عمن عداهم، وبذلك تعرف خلو بلادنا، عن كثير منها، وأن الجامع الأزهر المعمور بمصر القاهرة، وجامع بني أمية بالشام، وجامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بفأس، ومدارس بخارى ونحو ذلك كلها زاهرة بالعلوم النقلية، وبعض العقلية كعلوم العربية. والمنطق، ونحوه من العلوم الآلية، والعلوم في مدينة باريس تتقدم كل يوم، فهي دائمًا في الزيادة فإنها لا تمضي سنة إلا ويكشفون شيئًا جديدًا، فإنهم قد يكشفون في السنة عدة فنون جديدة، أو صناعات جديدة، أو وسائط، أو تكميلات، وستعرف بعض هذا إن شاء الله تعالى.
ومما يستغرب: أن في رجال العسكرية منهم من طباعه توافق طباع العرب العربا في شدة الشجاعة الدالة على قوة الطبيعة، وشدة العشق الدالة ظاهرًا على ضعف العقل، مزاجهم كالعرب في الغزل بالأشعار الحربية، وقد رأيت لهم كلامًا كثيرًا يقرب من كلام بعض شعراء العرب مخاطبًا لمحبوبته بقوله:
ولقد ذكرتك والوغى بحر طغىوالنقع ليل والأسنة أنجم
فحسبته عرسًا ونحن بروضةوأنا وأنت بظله نتنعم
وقول الآخر:
ولقد ذكرتك والرماح نواهلمني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنهابرقت كبارق ثغرك المتبسم
وقول صاحب لامية العجم:
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعتبرشقة من نبال الأعين النجل?
ولا أهاب صفاح البيض تسعدنيباللمح من خلل الأستار في الكلل?
ولا أخل بغزلان تغازلنيولو دهتني أسود الغيل بالغيل?
ولنذكر لك مجامع العلماء، والمدارس المشهورة، وخزائن الكتب، ونحو ذلك لتعرف به مزية الإفرنج على غيرهم.
فمن خزائن الكتب: الخزانة السلطانية، وفيها سائر ما أمكن الفرنساوية تحصيله من الكتب في أي علم كان بأي لغة كانت، مطبوعة أو منسوخة، وعدة ما فيها من الكتب المطبوعة أربعمائة ألف مجلد، وفيها مبلغ عظيم من الكتب العربية الخزائنية التي يندر وجودها بمصر أو بغيرها، وفيها عدة مصاحف لا نظير لها أبدًا، ثم إن المصاحف التي عند الفرنساوية في خزائنهم غير مهانة، بل هي مصونة غاية الصون، وإن كان عدم إهانتها حاصلاً غير مقصود، غير أن الضرر في كونهم يسلمونها لمن يريد أن يقرأ القرآن منهم أو يترجمه أو نحو ذلك، وتوجد المصاحف للبيع في مدينة «باريس»، وبعضهم لخص من القرآن العظيم سائر الآيات التي اختارها للترجمة ثم ترجمها، وضم إليها قواعد الإسلام، وبعض شعبه، وقال في كتابه إنه يظهر له أن دين الإسلام هو أصفى الأديان، وأنه مشتمل على ما لا يوجد في غيره من الأديان.
ومن خزائن الكتب: الخزانة المسماة خزانة «مسيو» وتمسى خزانة «الأرسنال»? ومعنى «أرسنال» (ترسانة) وهي أعظم الخزائن بعد الخزانة السلطانية، وبها نحو مائتي ألف مجلد مطبوعة، وعشرة آلاف منسوخة، وأغلب هذه الكتب كتب تاريخ وأشعار، خصوصًا الأشعارالإيطاليانية.
ومنها: خزانة «مزارينه»? وفيها خمسة وتسعون ألف مجلد مطبوعة، وأربعة آلاف منسوخة.
ومنها: خزانة «الأنسطيطوت»? أي دار العلوم، وفيها خمسون ألف مجلد.
ومنها: خزانة المدينة، وهي نحو ستة عشر ألف مجلد، وهي دائمًا في الزيادة، وكتبها آداب.
ومنها: خزانة بستان النباتات،? وفيها عشرة آلاف مجلد في العلوم ولفيها خزانة الرصد السلطاني، وفيها كتب علم الهيئة.
ومنها: خزانة مكتب الحكمة، ومنها خزانة «أكدمة?? الفرنسيس» وهي خمسة وثلاثون ألف مجلد، وكل هذه خزائن موقوفة.
وهناك خزائن مملوكة وهي كثيرة جدًا: فمنها ما يشتمل على خمسين ألف مجلد، ومنها للدولة نحو أربعين خزانة، فأقل ما يوجد في كل خزانة منها ثلاثة آلاف مجلد، وأكثرها في الغالب خمسون ألف مجلد، وقد تنيف عن ذلك ولا حاجة لتسميتها هنا.
ولكل إنسان من العلماء أو الطلبة أو الأغنياء خزانة كتب على قدر حاله، ويندر وجود إنسان «بباريس» من غير أن يكون تحت ملكه شيء من الكتب، لما أن سائر الناس تعرف القراءة والكتابة، وسائر بيوت الأعيان فيها خلوة مشتملة على خزانة الكتب، وعلى آلات العلوم وأدواتها، وعلى التحف الغريبة التي تتعلق بالفنون، كالأحجار التي بحث عنها علم المعادن ونحو ذلك، ففي «باريس» كثير من الخزائن التي يقال لها «خزائن المستغربات»،?? فيوجد بها ما تتشوق إليه نفوس الفضلاء ليستعينوا به على الغوص في الطبيعيَّات كالمعادن والأحجار والحيوانات البرية والبحرية المحفوظة الجثة، وسائر المواليد من الأحجار والنباتات، وسائر الأشياء التي فيها آثار القدماء.
وتعلق هذه الأشياء العلوم إن الإنسان يدرس ما يراه في الكتب ويقابله، فإن رأى في كتاب تعريف حجر كذا، وحيوان كذا، وكان الحجر أو الحيوان نصب عينه قابله مع الأوصاف المذكورة في الكتب، وأنفع الأشياء بالنسبة للطبيعيات بمدينة «باريس» البستان السلطاني المسمى «بستان النباتات» وفيه سائر ما يعرفه البشر من الأمور الخارجة من الأرض الغريبة، ويزرع بأرضه سائر النباتات الأهلية التي يعالجون تطبعها عندهم بقوة الصناعة والحكمة، فيطالع طلبة علم العقاقير والحشائش دروسهم ويقابلون ما في الكتاب على ما يرونه، ويأخذون فرعًا من كل صنف من الحشائش يضعونه في نحو ورقة، ويكتبون اسمه وخاصيته، وفيه أيضًا سائر مراتب الحيوانات الحية غريبة أو أهلية برية أو وحشية، فيوجد بها نحو الدب الأبيض والأسود، والسبع، والضبع، والنمورة والسنانير الغريبة، والإبل، والجواميس، وغنم بلاد التبت، وزرافة سنار، وفيلة الهند، وغزلان البربر، والأيل، وبقر الوحش، وأنواع القردة، والثعالب، وسائر أنواع الطيور المعروفة لهم، وسائر هذه الحيوانات التي تراها حية بهذا البستان تراها ميتة أيضًا محشوة بالتبن، يراها الإنسان على صورة الحية، كبو البقر الذي يصنعه الفلاحون بوادي مصر.
ويوجد في هذا البستان أروقة مملوءة بالمعادن النفيسة، وسائر الأحجار سواء كانت (غشيمة)?? أو طبيعية، فترى فيها مراتب الطبيعيات الثلاثة يسافر أجناسها وأنواعها وأنصافها، ففيها كثير من الأشياء التي لا يمكن أن نجد لها أسماء عربية كحيوانات بلاد أمريكية أو نباتها وأحجارها.
وكل هذه الأشياء موضوعة بهذا البستان كالعينة أو الأنموذج من كل شيء، ومكتوب على كل شيء اسمه باللغة الفرنساوية، أو اللاطينية، مثلاً في القاعة التي فيها سبع مكتوب عليها اسم السبع باللغة الفرنساوية وهو «ليون» وهكذا.
ومما وقع في هذا البستان ما اشتهر أن بعض السباع قد مرض، فدخل حارسه، ومعه كلب فقرب الكلب من الأسد، ولحس جرحه فبرئ الجرح، فحصلت الألفة بين الأسد والكلب، وخلت محبة الكلب في قلب الأسد فصار الكلب يتردد دائمًا على الأسد، ويتملق إليه، ويراه كأنه من أصحابه، فلما مات الكلب مرض الأسد لفرقته، فوضعوا معه كلبًا آخر، امتحانًا لتطبعه، فتسلى به عن الميت، ولا زال معه.
وفي بستان النبات رواق يسمى «رواق التشريح» وفيه جميع «الموامي» أي الجثث المحنطة المصبرة ونحوها من الجثث.
ويوجد بهذا الرواق بعض شيء من جثة المرحوم الشيخ سليمان الحلبي الذي استشهد بقتله للجنرال الفرنساوي «كليبر» وقتل الفرنساوية له في أيام تغلبهم على مصر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ومن محال العلوم الفلكية «الرصد السلطاني»?? بمدينة «باريس» وهو من أغرب المراصد الموجودة على ظهر الدنيا، وذلك أنه مني من مجرد الحجارة بغير دخول الحديد أو الخشب في مادته، وهو على شكل مسدس الأسطحة المتوازية القائمة الزوايا، موجه الضلوع الأربعة إلى الجهات الأربع: الشرق، والغرب، والشمال، والجنوب، في طرف الجهة الجنوبية صومعتان مثمنتًا الزوايا، وفيه طرف الجهة الشمالية صومعة ثالثة مربعة وهي باب الرصد، وفيه رسم الفرنسيس في رواق في الدور الأول خط نصف نهارهم، فخرج ذلك الخط يقسم الرواق قسمين متساويين فمن هذا الخط يحسب الفرنساوية درجة الطول، فينسبون إليه غيره من الأماكن المغايرة له في السمت، وقد أسلفنا ذلك موضحًا في الفصل الأول من المقالة الثانية، وارتفاع سطحه ثلاث وثمانون قدمًا فوق الأرض، وهو منقسم إلى عدة أروقة مناسبة لحاجة أشغال الفلك، فمن هذه الأروقة ستة لها ممارق مفتوحة قطر كل ممرق ثلاثة أقدام، وهو موضوع على كيفية يمكن معها رؤية السماء، ويعين فيها على ما يحتاج إلى رصده، فترى منها النجوم وأنت في المخادع التي تحت الأرض، وفي هذه الأروقة امتحنوا ثقل الأجسام الطبيعية، وميزان الهواء، وفي هذا الرصد رواق كبير فيه آلات، وعلى قلته آلة تعديل الرياح المسماة: «الأنيمومتر»?? بها تقاس قوة الرياح وفيها طشت يسمى: «دن العيار» يعدل به ماء المطر الذي ينزل كل سنة.
ومخادع هذا المرصد هي داخلة في الأرض التي عمقها يساوي سمك حيطان الرصد، وإلى هذه المخادع ينزل بدرج على الدوران والانعطاف؛ كدرج المنارة، وعدة درجها ثلثمائة وستون، ووظيفة هذه المخادع أنها قد تفيد الطبائعية والكيماوية أن يصنعوا بها تجاربهم بأن يجمدوا فيها المائعات، ويبردوا بها الأجسام، ليعرفوا مزاج الأهوية، وفيها رواق يسمى «رواق المناجاة» أو رواق الأسرار؛ وذلك أن فيه أمرًا عجيبًا من قرع الصوت للأذن، أي وصوله بالهواء إليها، وذلك أن بالرواق عمودًا يقابله عمود آخر، فإذا وضع الإنسان فمه على العمود، وأسر بكلام فإنه يسمعه الإنسان الذي بالعمود الآخر، ولا يسمعه من يقرب منه، وهذه الأمور يفهمها من له إلمام بخاصية الصوت.
ومن المحال العلمية بمدينة باريس موضع يقال له: «الكنسروتواز» (بضم الكاف، وسكون النون، وكسر السين، وسكون الراء، وفتح الواو، وسكون التاء) كلمة فرنساوية معناها المخزن أو المحفظ، أو نحو ذلك، وفي هذا المحل جميع الآلات سواء العظيمة وغيرها، خصوصًا الآلات الهندسية، كآلات الحيل، وتحريك الأثقال، ويزعم الفرنساوية أنه ليس في الدنيا نظير هذا المخزن، وفي هذا المحل يرد الصدى صوت الشخص برد عجيب.
ثم إنه يكثر بباريس مدارس سائر العلوم والفنون والصنائع، وقد سلف الكلام على اعتناء الفرنساوية بالحكمة يعني علم الطب ولهم فيها مدارس كثيرة.
ولنذكر هنا محال العلماء ومراتبهم فنقول: إن العلماء في مدينة «باريس» لهم مجامع عظيمة تسمى بأسماء مختلفة، فمنها ما يسمى: «أكدمة»، ومنها ما يسمى: مجمعًا أو مجلسًا، «الأنسطيطوت» عندهم اسم عام يشتمل على جميع اجتماع «الأكدمات» أي المجالس الخمس، وهي: «أكدمية» اللغة الفرنساوية و«أكدمية» العلوم الأدبية، ومعرفة الأخبار والآثار، و«أكدمية» العلوم الطبيعية والهندسية، و«أكدمية» الصنائع الظريفة،?? و«أكدمية» الفلسفة، وقولنا «أكدمية» أو «أكدمة» أو «قدمة» هو لفظ مأخوذ من اسم مكان في مدينة «أثينا» كان أفلاطون الحكيم يعلِّم فيه تلاميذه، ومنه قيل لطائفة من الفلاسفة القدماء: «الأكدميون» وكان يقال لهذا المكان «من أكدمية» لأن صاحبه كان شخصًا يونانيًا اسمه: «أكدمس»، وقد جعل هذا المكان وقفًا لأهل مدينة «أثينا»، وصيروه بستانًا يتماشون فيه، ويتفرجون، فكان يدرس فيه أفلاطون، ومنه قيل لجماعة أفلاطون «أكدميون» ويقال لهم «أفلاطونيون» وهم مشهورون أيضًا في كتب العربية بالإشراقيين (بالقاف، والفاء) ويقال لهم أيضًا إلهيون، ويطلق «أكدميون» الآن عند الفرنساوية فيفهم منه بمجرد إطلاقه أهل أكدمة الفرنسيس، وهم كبار علماء الفرنساوية، فإذا قيد فالمعنى ظاهر كما إذا قيل: «أكدمة مصر»، فالمراد بها الجامع الأزهر؛ لأن المراد به ديوان أكابر علماء مصر.
فأوّل علماء «باريس» بل وعلماء فرنسا ديوان العلوم المسمى: «أكدمة الفرنسيس» وأهلها أربعون عالمًا، كل واحد من الأربعين يسمى: عضوًا، يعني أن هذا الديوان بأربابه كالبدن، وكل واحد كالعضو منه، وفي الغالب أن أرباب هذا الديوان لهم فضل عظيم على من عداهم من الفرنساوية، ووظيفتهم تأليف القواميس الفرنساوية، وأنهم يمتحنون مؤلفات العلوم الأدبية وكتب التاريخ، وقد اتفق أن بعض علماء الفرنسيس قد بلغ درجة عالية في العلوم، وصلح لأن يكون من أرباب هذا هذه «الأكدمة» بدل واحد من أربابها مات، وكان هذا العالم كثير المجون، فتوقفوا في قبوله في هذا الديوان، فما كانت حيلته إلا أنه كان دائمًا يعرّض بهجو أهلها، فمن نوادر وقائعه: أنه مر ذات يوم ومعه بعض أصحابه على هذه «الأكدمة» فتحدث مع أصحابه، فتذاكروا في فضل علماء «أكدمة» فقال: لا شك أن عقول أرباب هذا الديوان كعقل أربعة، يشير بذلك إلى بعض الأمثلة?? الفرنساوية، من قولهم في مدح الإنسان: إن له عقلاً كعقل أربعة ومشيرًا إلى أن عقل كل عشرة منهم كعقل واحد، فظاهر عبارته من باب المدح وباطنها غير ذلك.
ومن نوادره: أنه كتب قبل موته كعادة الفرنساوية على رخامة قبره المهيَّأ له بيت شعر باللسان الفرنساوي يقول فيه ما معناه بالعربية:
هنا قبر من لم يك شيئًا أيمهكلا ولا من علما أكدمه
ومعناه: هذا قبر من لم يصل إلى درجة أيّاما كانت حتى لو بلغت هذه الدرجة في الحقارة درجة هؤلاء العلماء.
وهناك أكدمة تسمى «أكدمة تقييد الفنون الأدبية» وأهل ديوان هذه الجمعية ثلاثون نفسًا، ووظيفتها الاشتغال بالألسن النافعة، وبآثار الأمم وأخلاقها، وغالب شغلها تكميل آداب العلوم الفرنساوية بما خلت عنه، مما هو في كتب علوم اللغات الغريبة؛ كاللاطينية، والعربية، والفارسية، والهندية، والصينية، واليونانية، والعبرانية، والقبطية وغيرها.
ومن الأكدمات الأكدمة المسماة «أكدمة العلوم السلطانية» وأهلها منقسمون أحد عشر قسمًا، لكل قسم منهم فرع مخصوص فتكون فروعهم اثني عشر فرعًا: فأهل القسم الأول: يشتغلون بالرياضيات، كالهندسة والحساب: وأهل القسم الثاني بعلوم الحيل كعلم جر الأثقال ونحوه، والثالث: بالعلوم الفلكية والرابع: بالعلوم الجغرافية، والعلوم التجريبية، والخامس: بعلم الطبيعة العامة، والسادس: بالطبيعة، والسابع: بعلم المعادن والأحجار، والثامن: بعلم الحشائش، والتاسع: بتدبير مصاريف الأرض، والعاشر، بتطبيب الدواب، والحادي عشر: بالتشريح، والثاني عشر: بفن الطب والجراحة.
ومنها: الأكدمة السلطانية المسماة: «أكدمة مستظرفات الفنون»،?? وهي خمسة فروع: الأول: فن الرسم، الثاني: في النحاتة، والثالث: فن العمارات، الرابع: فن النقاشة، والخامس: فن تركيب حروف الموسيقى.
ومنها: مكتب الفنون الظريفة، وهو مكتب موقوف على تعليم علم الرسم وتوابعه، وفيه يتعلم الرسم، والنقاشة والعمارة.
ومن مجالس العلوم جمعية تسمى: «أثينة الفنون» وهي تعين على تقدم الفنون والصنائع، وهي كالحكم الذي ينفذ الأشياء، ويقضي فيها برأيه.
ومنها: «أثينة باريس» السلطانية، وهي محل علوم وفنون، ولا يكون فيها الإنسان للتعلم إلا إذا دفع شيئًا يسيرًا كل سنة، والمدرسون فيها أرباب فضل.
ومنها: جمعية تسمى «الجـمـعـيـة الفـيلوماتـيـة»?? ومعناه: محبو العلوم — والغرض من هذه الجمعية الإعانة على التقدم في علوم التولّدات، وهي مرتبة الحيوانات والنباتات والمعادن.
ومنها: جمعية تشتغل بعلوم الإنشاء والبلاغات والغرض من هذه الجمعية تدوين العلوم الأدبية، وحفظ غريبها؛ حتى لا تفسد لغة الفرنسيس، وإذا اخترع الإنسان معنى غريبًا، أو أجاب عن سؤال غريب أو قال شعرًا مقبولاً، فإنهم يعطونه جائزة ذلك.
ومنها: جمعية تسمى: «حسن الدروس» ووظيفتها تعليم الآداب القاثوليقية، والدين القاثوليقي.
ومنها: جمعية تسمى «أكدمة أبناء أبلون» يعني الأدباء، وهي مجلس أرباب الفنون الأدبية.
ومنها: جمعية تسمى: «الجمعية الأسياتية»?? يعني في لغات أهل آسيا، أو اللغات المشرقية، ووظيفتها تحصيل كتبها الغريبة، وترجمتها إلى الفرنساوية، أو طبعها لتشتهر.
ومنها: جمعية تسمى «الجمعية الجغرافية» وهي معدة لتحسين وتكميل علم الجغرافيا، فهي تقوى الناس على السفر إلى البلاد المجهولة الأحوال، فإذا سافر فيها إنسان ورجع يطلبون منه سائر ما علقه عليها، فتأخذ ما علقه وتقيده وتدخله في كتب الجغرافيا؛ ولذلك كان ذلك العلم عند الفرنساوية دائمًا يأخذ في الكمال. وبالجملة: فهذه الجمعية هي التي تخدم سائر ما يتعلق بالجغرافيا، كطبع (الخرطات) ونحوها.
ومنها: الجمعية «الغرماتيقية» يعني المشتغلة بنحو اللغة الفرنساوية فإن علم النحو يسمى في اللسان الفرنساوي «الأغرمير» وباللاطينية وبالإيطالية «أغرماتيقا» ووظيفة هذه الجمعية: الاشتغال بتصحيح اللغة وتجديد اصطلاحات، أو إبقاء الاصطلاحات القديمة؛ لأن اللسان الفرنساوي لسان غير قار القواعد كتابة وقراءة.
ومنها: جمعية تسمى «جمعية المولعين بالكتب الخزائنية» ووظيفة أهل هذه الجمعية الحث على طباعة الكتب النافعة النادرة.
ومنها: جمعية للخطاطين، وأهلها يشتغلون بإجادة الخط.
ومنها جمعية تسمى: جمعية المغناطيسية الحيوانية، وهي جماعة تقول: بوجود سيال مغناطيسي في الحيوان.
ومنها: جمعية «حفظة آثار القدماء»، وهي جمعية معدة لحفظ سائر ما يوجد من الآثار الباهرة عند القدماء؛ كبعض مبانيهم، ومومياهم، وملبسهم ونحو ذلك، والبحث عن ذلك؛ ليتوصل به إلى دراسة عوائدهم، ففي ذلك يوجد كثير من الأمور النفيسة المأخوذة من بلاد مصر، كالحجر المصور عليه فلك البروج المأخوذ من «دندرة» فإن الفرنساوية يتوصلون به إلى معرفة الفلك على مذهب قدماء أهل مصر، فإن مثل ذلك يأخذونه بغير شيء إلا أنهم يعرفون مقامه، فيحفظونه، ويستخرجون منه نتائج شتى، ومنافع عامة.
ومنها: مكتبة تسمى «مكتبة الأطوال»، وأهلها اثنا عشر: ثلاثة مهندسون، وأربعة فلكيون، وأربعة بحرية، وواحد جغرافي، فيشتغلون بعلم الهيئة، وتأليف (الرزنامات) السنوية، وتحرير الزيجات،?? وذكر أطوال البلاد.
ومنها: الجمعية السلطانية في علوم الفلاحة، وتحرير توفير المصاريف البرانية والجوانية وأهل هذه علماء، أغنياؤهم يعطون الجائزة لمن يخترع شيئًا جديدًا نافعًا.
ومنها جمعية لتحسين الأصواف، ووظيفة أهلها مباشرة ما يتعلق بالغنم.
ومنها: جمعية تعين على حث الفرنساوية على البراعة في الفنون والصنائع، وهي تعين الصنائع بسائر أنواعها على التقدم، فإذا اقترح إنسان شيئًا نافعًا أخذ من أهل هذه الجمعية تحفة عظيمة وشهرة.
وفي باريس مدارس سلطانية تسمى: «الكوليج»?? (بضم الكاف، وفتح اللام، وسكون الياء) وهي مدارس يتعلم فيها الإنسان العلوم المهمة التي تكون وسائل في الأمور المقصودة منها، وهي خمسة (كوليجات) يدرس فيها صناعة الإنشاء والتآليف، والألسن القديمة الغريبة، والعلوم الرياضيات، وعلم التاريخ، والجغرافيا، والفلسفة، وأصول الطبيعيات، يعني كتبها الصغيرة، وعلم الرسم، وعلم الخط وفيها مراتب للطلبة، فإن الإنسان يسلك فيها في العادة مرتبة كل سنة، ففي كل سنة من ست سنين يخرج الإنسان من مرتبة إلى أعلى، فهي بالترقي، لا بقوة الفهم ولا بغيره، فلا يمكن للإنسان أن يتعدى أبدًا [مرتبته].
وهناك (كوليجان) آخران غير سلطانيين، وفيهما يدرسان ما يوجد في (الكولجات) الخمسة السابقة، وفيها (كوليج) آخر يسمى (كوليج الفرنساوية السلطاني) وهو أعظم جميعها فيتعلم فيه الرياضيات، والطبيعة المخلوطة بالحساب، والطبيعة العملية، والهيئة، والطب، والتشريح العمليان، وفيه تعلم اللغات: العربية والفارسية، والتركية، والعبرانية، والسريانية، والهندسة، ولغة أهل الصين، وعلومهم، ولغة التتار، والحكمة اليونانية التي هي فلسفة اليونان، وعلم الفصاحة والبلاغة في اللسان اللاطيني، وعلوم بلاغة اللغة الفرنساوية، وهذا (الكوليج) يشتمل على أكابر المدرسين، وفيه ستة آلاف طالب. ومن أشهر المدارس: مدرسة «بوليتقنيقا»?? (بضم الباء وكسر اللام، وسكون الياء والقاف، وكسر التاء والنون، وسكون الباء) يعني مدرسة كليات العلوم، وفيه يدرس الرياضيات، والطبيعيات، لتربية مهندسين في علم الجغرافيا، وفي العسكرية، فمهندسو الجغرافيا يهندسون القناطر والأرصفة والطرق والجسور والخلجان، وكل آلات الحبل ورفع الأثقال، وأما مهندسو العلوم العسكرية، فهم يهندسون القلاع والحصون والبروج، والتوقي من ضرر الأعداء، واتخاذ العراضي، وهندسة تسييب البارود، وأرباب هذه المدرسة محققون، لهم باع في سائر العلوم، ويكفي في فضل الإنسان أن يكون من تلاميذها.
ومنها: مكتب يسمي «مكتب الفروع الفقهية» فيدرسون فيه أحكام المعاملات والجنايات ونحوها.
ومنها: مكتب موقوف على تعليم علم الرسم، فيدرس فيه الذكور والإناث علم التصوير.
ومنها: مكتب الغناء السلطاني فيتعلم فيه أيضًا الذكور والإناث علم الألحان الصوتية والغناء الكنائسي.
ومنها: مكتب موقوف أيضًا على الرسم والرياضيات، لتكون وسائل للفنون، فيتعلم فيه الحساب، والهندسة، والقياس، ونحاتة الحجر والخشب، وعلم المساحة، وتصوير البهيمة، والآدمي، والأزهار وأنواع الزينة.
ومنها: مكتب القناطر والجسور: وفيه يتعلم هندسة الطرق والخلجان والأرصفة.
ومنها: مكتب سلطاني لتعلم علم المعادن، وفيه يتعلم وسائط كشف المعادن واستخراجها.
ومنها: مدرسة الفنون والحرف يتعلم فيهما علما الكيمياء والهندسة الداخلان في الحرف والفنون، وفيها يوجد سائر آلات الصنائع الموجودة إلى هذا العصر.
ومنها: مكتب يسمى: مكتب اللغات المشرقية المستعملة، وفيه يتعلم الفارسي والماباري والعربية الأصلية والدارجة ولغة الترك والأرمن والروم.
ومنها: مكتب يسمى «مكتب الأرليغولوغي»?? (يفتح الهمزة وسكون الراء وكسر اللام، وسكون الياء، وضم الغين واللام وكسر الغين الأخيرة) يعني تفسير الكلمات المكتوبة من قديم الزمان في اللغات القديمة، فيفسرون فيه النقود والمعاملات المكتوبة في الأزمنة السالفة والأحجار المنقوشة، وترجمة الهياكل القديمة المكتوبة.
ومنها: مكتب سلطاني يتعلم فيه تواريخ الدول وسياساتها ونحو ذلك.
ومنها: مكتب سلطاني للموسيقى والإنشاء، والخطابة، وفيه يتعلم أهل اللعب والغناء والآلاتية، من الذكور والإناث، وأهل التعلم به أربعمائة نفس.
ومنها: مدرسة بستان السلطان، التي هي بستان النباتات، وبها يقرأ ثلاثة عشر درسًا في جملة فروع؛ كعلم الحشائش، والطبيعيات، والكيميا، والمعادن، والتشريح، والمقابلة بين أجزاء بدن الآدمي والبهيمة.
ومنها: مكتب يسمى «مكتب البستنجية»?? وفيه يتعلم علم زراعة الشجر، وحفظه من البرد وتطبيع?? النباتات الغريبة المنقولة على إقليم المحل الذي نقلته إليه.
ومنها: مكتب تقليم الأشجار غير المثمرة لإخراج ثمرها.
ومنها: مكتب تعليم النباتات والمعادن لمن يريد السفر في بلاد ليميز نباتها ومعدنها.
ومنها: مكتب يسمي: «طب البهائم»،?? وفيه يتعلم تطبيب البهائم، وفيه مارستانات للحيوانات المريضة، وفيه مدرسة كيميا، ومدرسة لعلم الطبيعة، وفيه العقاقير، وبستان حشائش، ومكتب للفلاحة العملية، وجملة أجناس من البهائم، معدة لتجربة اختلاف أصناف البهائم وأصولها، فيطلقون فيه صنفًا مثلاً من الخيل على صنف آخر، كحصان عربي على حجرة?? أندلسية ليتولد منها صنف آخر.
ومنها: مكتب الصم البكم، وهو موقوف على مائة نفس، ويدخلون فيه من إحدى عشرة إلى ست عشرة، فيتعلم فيه القراءة والكتابة، والحساب واللسان، والتاريخ، والجغرافيا، وصنعة من الصنائع، وفي هذا المكتب (ورشة) يتعلم فيها علم الطباخة، والنقاشة، والنجارة والخراطة والخياطة، (والصرماتية) ونحوها.
وزمنها: مكتب العميان السلطاني، وهو موقوف على جملة محصورة من العميان، فيتعلمون القراءة على شيء مكتوب لهم كتابة مخصوصة فيمسونها باليد، ويتعلمون أيضًا علم الجغرافيا، على خرطات مخصوصة أيضًا، ويتعلمون التاريخ واللغات، والرياضيات، والموسيقى بالصوت وبالآلة، وغير ذلك من الحرف كشغل الجرابات ونحوه.
وغير ما ذكرناه يوجد أيضًا عدة مدارس.
ويوجد في «باريس» أيضًا مكاتب تسمى: «البنسيونات» جمع «بنسيون» (بفتح الباء وسكون النون، وكسرالسين، وضم المثناة التحتية، وسكون الواو) وهي مكاتب يتعلم فيها الصغار الكتابة والقراءة وعلوم الآلات كالحساب، والهندسة، وغيرها، كالتاريخ، والجغرافيا، وهي نحو مائة وخمسين (بنسوينا) وفيها أكل الإنسان، وشربه، ونومه، وغسل ثيابه، ونحو ذلك، فيدفع أهالي الأولاد قدرًا معلومًا في السنة.
وغير البنسيونات المذكورة يوجد بيوت صاحبها عالم، فيأخذ عنده عدة أولاد، ليأكلوا معه، ويشربوا معه، ويعلمهم بنفسه، أو يحضر لهم معلمين عنده.
وغير هذا كله فكثير من الناس يحضر لأولاده المعلم في البيت كل يوم ليعلمهم عهده.
ومن الأشياء التي يستفيد منها الإنسان كثير الفوائد الشاردة التذاكر اليومية المسماة: «الجرنالات»،?? جمع «جرنال» وهو يجمع اللغة الفرنساوية على «جرنو» وهي ورقات تطبع كل يوم، وتذكر كل ما وصل إليهم علمه في ذلك اليوم، وتنشر في المدينة وتباع لسائر الناس، وسائر أكابر «باريس» يرتبونها كل يوم، وكذلك سائر القهاوي، وهذه «الجرنالات» مأذون فيها لسائر أهل فرنسا أن تقول ما يخطر لها، وأن تستحسن وتستقبح ما تراه حسنًا أو قبيحًا، وأن تقول رأيها في تدبير الدولة، فلها حرية تامة، ما لم تضر بذلك، فإنه يحكم عليها وتطلب بين يدي القاضي.
«والجرنو» عصب، فكل جماعة لها في رأيها مذهب كل يوم تقويه وتحاميه، وتؤيده، ولا يوجد في الدنيا أكذب من «الجرنالات» أبدًا خصوصًا عند الفرنسيس الذين لا يتحاشون الكذب إلا من حيث كونه عيبًا.
وبالجملة فكتاب «الجرنو» أسوأ حالاً من الشعراء عند تحاملهم أو محبتهم.
«والجرنالات» مختلفة الأنواع والأصناف، فمنها ما هو معد لذكر أخبار داخل مملكة الفرنسيس وخارجها، ومنها ما هو مخصوص بأمور المملكة فقط، وما هو للمعاملات وما هو للطب. ولكل علم على حدته؛ كعلم الطب إلى آخره.
والجرنال الواحد ينطبع منه غالبًا للبيع خمسة وعشرون ألف نسخة، وكل جرنال تكثر نسخه على حسب رغبة الناس، وأرباب «الجرنو» يعرفون الأخبار الغريبة قبل غيرهم؛ لأن لهم مراسلات مع سائر البلاد، وهم في الواقع كخطباء الأمة يتعرضون للمدح والذم، والاستحسان والاستقباح، والتحسين والتقبيح، والإغراء والتحذير، إلى غير ذلك، وقبلهم في ذلك المؤلفون، وربما اتخذ المؤلفون خطابات أرباب «الكازيطات»،?? مادة لهم وأعلى درجة منهم أرباب الخطابات بالجمعيات العمومية الذين هم من أعضاء المجالس، وهم أعلى طبقة في الاعتبار من الشعراء، فإذا نظرت وجدت هذا على نسق العرب في قديم الزمان، فقد قال أبو عمرو بن العلاء ما نصه: «كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب؛ لفرط حاجتهم إلى الشعر، الذي يقيد عليهم مآثرهم?? ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم، ومن غزاهم، ويهيب?? من فرسانهم، ويخوف من كثرة عددهم، ويهابُهم شاعر غيرهم، فيراقب شاعرهم، فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبه ورحلوا إلى السوقة، وتشرعوا?? إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر؛ ولذلك قال الأول: الشعر أدنى مروءة السري?? وأسرى?? مروءة الدنيّ، ولقد وضع?? قول الشعر من قدر النابغة الذبياني، ولو كان في الدهر الأول ما زاده إلا رفعة.
ومن جملة علوم «باريس» الدفاتر السنوية، والتقويمات الجديدة، والزيجات?? المصححة، ونحو ذلك، فكل سنة يظهر فيها كثير من (الروزنامات) المشتملة على التواقيع وعلى غرائب العلوم والفنون، وعلى كثير من أمور الدولة، وعلى تسمية أكابر الدنيا، وتسمية أعيان فرنسا، وتعيين بيوتهم ودرجاتهم ووظائفهم، فإذا احتاج الإنسان إلى اسم واحد، وإلى بيته راجع في ذلك الكتاب.
وفي «باريس» (أوض) القراءة أو خلوات القراءة، فيذهب الإنسان فيها، ويدفع قدرًا معلومًا، ويقرأ سائر «الجرنالات» وغيرها من الكتب، ويستأجر منها ما يحتاجه من الكتب ويأخذه عنده ويرجعه.
ومما يبهر العقول في باريس دكاكين الكتبية وخاناتهم، وتجارات الكتب، فإنها من التجارات الرائجة مع كثرتها وكثرة المطابع، وكثرة التآليف التي تنطبع كل سنة فإنها يعسر حصرها، وأغلبها المقصود منه الكسب لا النفع، ولا تمر سنة بمدينة «باريس» إلا ويخرج من المطبعة كتب معدومة النظير، واغتناؤهم بالمعارف هو أحسن ما ينبغي أن يمدحوا بهن قال الشاعر:
إذا شئت أن تحظى من الكتب كلهابأطيب مروي وأحسن مسموع
فطالع مجاميع الدفاتر، إنهاتفرق من همِّ الفتى كل مجموع
وقال آخر:
اجعل جليسك دفترًا في نشْرهليريك من حكم الزمان نشورا
ومفيد?? آداب، ومؤنس وحشةوإذا انفردت فصاحبًا وسميرا
وبالجملة فلا يمكن وصف مدينة «باريس» مع تفصيل علومها وفنونها، إلا أنه يمكن التعبير عن ذلك إجمالاً كما ذكرنا.

? في الأصل (هذا).
? تورك: اعتمد.
? عين نجلاء: واسعة جميلة.
? الغِيل: الشجر الكثير الملتف، والغَيَل: جمع غيلة، وهي القتل خدعة.
? الكلل: جمع كلة، وهي الستر الرقيق.
? Arsenal la Bibliothéque.
? Mazarine.
? Bibliotheque de L’Institut.
? La Bibliotheque du Jardin des Plantes.
?? Bibliotheque de L’Academie Fançaise.
?? يريد الطب البيطري: “Les musées”.
?? غشيمة أي: غفلا، خامًا.
?? l’Observatiere Royal.
?? Anémomètre.
?? الفنون الجميلة  
Les Beaux Arts
يريد بها.
?? يريد الأمثال.
?? Les Beaux Arts.
?? La Socièté philomathique.
?? La Société Asiatique.
?? التقاويم.
?? Collége.
?? L’Eçole polytechnique.
?? L’Ecole de L’archéologie.
?? البستنجية: البستانيين — يريد علم فلاحة البساتين.
?? التطبيع: جعلها تتطبع بحالة الإقليم الجديد.
?? يريد الطب البيطري.
?? الحِجرة بكسر الحاء: الأنثى من الخيل.
?? المصحف 
Jis Journaux
.
?? الكازيطات 
Gazettes
هي الصحف.
?? في الأصل: باثرهم — تحريف.
?? هيب إلى فلان: جعله مهيبًا عنده.
?? يريد: اتخذوا إلى أعراض الناس طريقًا.
?? السّريّ: صاحب الشرف والمروءة.
?? أسرى: أشرف.
?? وضع من فلان: حط من قدره.
?? الزيجات: التقاويم.
?? الأصل: «معيد» وهو تحريف.
المقالة الرابعة
فيما كنا عليه من الاجتهاد والاشتغال بالفنون المطلوبة لتحصيل غرض الوالي، وفي تدبير أشغال الزمن في القراءة والكتابة وغيرهما، وفي المصاريف الواسعة الخارجة من طرف الوالي، وفي عدة مراسلات بيني وبين بعض خواص الإفرنج تتعلق بالتعلم، وفي ذكر ما قرأته من الفنون والكتب بمدينة «باريس».
ومن هذه المقالة تفهم أن تعلم الفنون ليس سهلاً، وأنه لا بد لطالب المعارف من اقتحام الأخطار، لبلوغ الأوطار، في تلك الأقطار.
قال الشاعر:
دعيني أنل ما لا ينال من العلافصعب العلا في الصعب، والسهل في السهل
تريدين إدراك المعالي رخيصةولا بد دون الشهد من إبر النحل
وقال آخر وهو من الكلام الجامع:
من كان يعلم أن الشهد راحتهفلا يخاف للدغ النحل من ألم
وقال آخر أيضًا:
إن الفضائل بالأخطار مولعةٌفابغ الفضائل وابذل جهدك الثمنا
وإن أراك الهوى منه الهوان فقلحكم المنية في حب الحبيب منى
الفصل الأول
فيما حصل لنا في أول الأمر من الترتيب في القراءة والكتابة وغيرهما
من عادة أهل «باريس» أنهم في التعليم يبتدئون بتعليم الإنسان القراءة في كتب عظيمة الحروف لترسم صورها في ذهنه، وفي هذه الكتب توجد الحروف الهجائية بتركيبها، ثم بعدها عدة ألفاظ لغوية من الأسماء والأفعال، فهذه الطريقة يتعلم الإنسان منها الكتابة، ويحفظ هذه الكلمات، وينطق بها كما ينبغي، حتى تخرج لغته من صغره صادقة الجودة، ثم بعدها تلقى في هذه الكتب عدة جمل سهلة التعقل، تناسب الصغار، فمن هذه الجمل ما وجدناه في الكتاب الذي قرأناه، هذه فرس لها أربع أرجل، والطيور ليس لها إلا رجلان، لكن لها أجنحة تطير بها، وأما السمك فإنه يسبح في الماء، ونحو ذلك مما هو معلوم للمخاطب، فهو مثل قول النجاة: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، الممثل به لما لم يفِد فائدة جديدة، على اختلاف تفسير الوضع? في قولهم: الكلام هو اللفظ المركب المقيد بالوضع، ثم بعد ذلك يوجد في هذا الكتاب أوصاف الحيوانات المعروفة، خصوصًا التي تتعلق الصغار باللعب بها: من العصافير، والطيور، والسنانير، ونحو ذلك، ثم بعد ذلك نبذة صغيرة في كيفية سلوك الصغار وطاعتهم للوالدين ونحو ذلك، ثم نبذة في علم الحساب، فبعد فراغ هذا الكتاب يبدءون في قراءة كتاب أهم منه، وفي كتاب النحو الفرنساوي وغيره، وتقسيم الزمن على دروس الإنسان، فإن الإنسان يتعلم في النهار عدة أمور مختلفة، فيقرأ في الصباح مثلاً التاريخ، ثم بعد درس تصوير مع معلم الرسم، ثم بعده درس النحو الفرنساوي، ثم بعده ندرس تقويم البلدان، ودرسًا مع معلم الخط لتعليم قواعد الكتابة: إلى آخره، وقد أسلفنا ذلك.
ولما كانت آمال الوالي متعلقة بتعلمنا عاجلاً، ورجوعنا إلى أوطاننا ابتدأنا في «مرسيليا» قبل وصولنا إلى «باريس» وتعلمنا في نحو ثلاثين يومًا التهجي، ثم لما ذهبنا إلى «باريس» مكثنا جميعًا في بيت واحد، وابتدأنا في القراءة، فكانت أشغالنا مرتبة على هذا الترتيب، وهو: أنا كنا نقرأ في الصباح كتاب تاريخ ساعتين: ثم بعد الغذاء نتعلم درس كتابة ومخاطبات ومحاورات باللغة الفرنساوية: ثم بعد الظهر درس رسم، ثم درس نحو فرنساوي، وفي كل جمعة ثلاثة دروس من علمي الحساب والهندسة، وفي مبدأ الأمر كنا نأخذ في درسين: يعني في معرفة الكتابة الفرنساوية، ثم بعد ذلك كنا نأخذ كل يوم درسًا، ثم انتهى الأمر إلى أننا تعلمنا الخط، فانقطع عنا معلم الخط، وأما الحساب والهندسة والتاريخ والجغرافيا فلم تزل نشتغل بها حتى سهل الله علينا بالرجوع، وقد مكثنا جمعيًا في بيت واحد دون سنة قرأ معًا في اللغة الفرنساوية، وفي هذه الفنون المتقدمة، ولكن لم يحصل لنا عظيم مزية إلا مجرد تعلم النحو الفرنساوي، ثم بعد ذلك تفرقنا في مكاتب متعددة، كل اثنين، أو ثلاثة: أو واحد منا في مكتب مع أولاد الفرنساوية، أو في بيت مخصوص عند معلم مخصوص، بقدر معلوم من الدراهم، في نظير الأكل والشرب والسكنى، والتعليم وتعهد أمورنا: من غسل، ونحوه، فكان يأخذ صاحب المكتب أو البيت نحو عشرة أكياس كل سنة في نظير ذلك، ولا يلزمنا شيء في المأكل والمشرب.
ولما كانت طباع هذه البلاد شدة البرودة كان لكل واحد منا في كل سنة بثلثمائة قرش خشب للتدفي بها، وغير هذه المصاريف العظيمة كان يشتري لنا من طرف (الميري) أيضًا القمصان والسراويل والنعال وسائر ما يلزم من الآلات والأدوات، مثل الكتب والورق والحبر وأقلام التصوير وغيرها، ومما ينبغي ذكره أيضًا ما كان يعطى للحكماء (والأجزاجية) في مداواة من كان يمرض منا: فإن الحكماء في «بباريس» مع كثرتهم غاية الكثرة، يأخذون في زياراتهم للمريض الموسر قدرًا له وقع، على اختلاف مراتبهم في الشهرة وعدمها، ويتعدد القدر بتعدد الزيارة،? وهذا إن لم يكن للحكيم سنوية معلوم، وقد أفلنا ذلك في باب اعتناء الفرنساوية بالطب، وتعهدهم للصحة، فأقل الحكماء يأخذ في كل زيارة خمسة فرنكات والحكيم الجليل المتوسط يأخذ في كل زيارة خمسة فرنكات، والحكيم الجليل القدر يأخذ في كل زيارة أبلغ من خمسين فرنكًا، وكلما تعددت الزيارة في اليوم الواحد تعدد القدر، وأما بالنسبة للمعدم فقد لا يأخذون منه شيئًا، ونحن نعد هناك من الموسرين، بل من الأغنياء لتجملنا بالملبس الغريب عندهم، ولنسبتنا للوالي.
ولكثرة هذه المصاريف في تعليمنا وغيره من سائر ما ذكرنا، كان ناظر التعليم أو الضابط علينا يذكرنا به في أغلب الأوقات لنجتهد، وسترى بعض ذلك في مراسلات كتبها لي بعد الامتحان العام.

? يقول علماء الوضع: إن الكلمات إنما أفادت معانيها بوضعها لهذه المعاني.
? في الأصل (الزيادة)، وهو تعريف.
الفصل الثاني
في تدبيرنا في شأن الدخول والخروج
حين اجتماعنا في بيت الأفندية كنا لا نخرج منه ليلاً ولا نهارًا إلا يوم الأحد الذي هو عيد الإفرنج بورقة إذن البواب من الضابط الذي نظّره علينا الوالي، ثم بعد (ص ???) تفرقنا في المكاتب المسماة «البنسوينات»? كنا نخرج أيام البطالة، وهي يوم الأحد بتمامه ويوم الخميس بعد الدروس، وأيام أعياد الفرنساوية، ومنا من كان يخرج كل ليلة بعد العشاء إن لم يكن له درس بعده؛ ولنذكر لك هنا «قانون نامة» الذي صنعه (الأفندية) بعد دخولنا في «البنسيونات» وعبارته:
هذه صورة ترتيب (الأفندية) في «البنسيونات».
المادة الأولى: إن يوم الأحد المقرر لهم الخروج فيه يلزم أن يخرجوا من البنسيونات في الساعة التاسعة، ويأتوا إلى البيت المركز من أول الأمر، ويقدموا وقت الدخول ورقة معلمهم إلى (الأفندي) (النوبتجي) في هذا الشهر، لأجل أن يعلم ساعة دخولهم في البيت، وبعد ذلك يذهبون إلى المواضع المعدة للفرجة، بشرط أن يجتمع ثلاثة أو أربعة، ثم يرجعون إلى «البنسيونات» في أيام الصيف في الساعة التاسعة، وفي أيام الشتاء في الثامنة.
وهذا الترتيب لازم ولا بد، فإن رجع أحد إلى «البنسيون» قبل ذلك، وتعشي هناك، فهو أولى وأحسن ومن اللوازم ألا يدور أحد في الأزقة ليلاً، ومتى دخل في «البنسيونات» يعطي الورقة المذكورة للمعلم.
المادة الثانية: أنَّ من لم يمتثل لخصوص ما سبق يمنع الخروج من «البنسيون» بحسب الاقتضاء جمعة أو جمعتين.
المادة الثالثة: إن كل من له شكاية من معلمه لا تسمع، ولا تقبل، حتى يكتبها في ورقة، ولا تسمع إلا من جهة التعليم، أو من جهة أخرى يحصل لها منها ضرر، ولكن قل أن يكب ورقة الشكاية يعرف عنها معلمه مرة، ثم يكتبها (للنوبتجي) في هذا الشهر.
المادة الرابعة: أن جميع (الأفندية) يمتحنون في آخر كل شهر، ليعرف ما حصلوه من العلوم في هذا الشهر، ويسألون عما يحتاجون إليه من الكتب والآلات، ويكب في آخر كل شهر كسبهم وتحصيلهم وأفعالهم على الصحيح، ولأجل هذا ينبغي التفكر في هذا الخصوص؛ لأجل تحصيل غرض الوالي.
المادة الخامسة: لو احتاجوا شيئًا من الكتب والآلات في أثناء الشهر يطلبونه من معلمهم بورقة يكتبونها له، ومعلمهم يخبر بذلك «مسيو جومار» فإن رآه مناسبًا يعطيهم ذلك بعد ما يخبر (النوبتجي) فإن اشترى أحد شيئًا من غير إجازة يلزمه أن يدفع ثمنه من عنده.
المادة السادسة: إنه بعد الامتحان بما ذكرنا في المادة الرابعة إن استحق أحد من (الأفندية) الهدية بنجابته تعطى له كتب وآلات وسكة.?
المادة السابعة: في محل التفرج أو الطريق لا ينبغي لأحد منهم أن يرتكب ما يخل بمروءته وهذا الأمر هو أهم الجميع، وممنوع أشد المنع.
المادة الثامنة: إن كل الأفندية الذين هم في «البنسيونات» لا يدخلون في البيت المركز إلا كل خمسة عشر يومًا مرة، وهو يوم الأحد.
المادة التاسعة: إن يوم الأحد الذي لا يأتون فيه إلى البيت يخرجون فيه مع أولاد الفرنساوية أو مع المعلمين إلى مواضع التفرج أو الرياضة أو ما ينبغي رؤيته، وكذلك يوم الخميس أو يوم التعطيل، إن لم يكن عليهم شغل، فيذهبون مع من ذكر إلى المواضع المذكورة.
المادة العاشرة: يتبعون قوانين «البنسيون» كأولاد الفرنساوية بالتدقيق والاهتمام في غير الأمور المتعلقة بالدين.
المادة الحادية عشرة?: إذا خالف أحد هذا الترتيب يقابل بقدر لمخالفته وإذا أظهر عدم الطاعة يحبس بالخشونة، وإن كان أحد يتشبث بأفعال غير لائقة، وأطواره غير مرضية، وجاءت تذكرة من معلمه تشهد عليه بقبح حاله، وتبين عصيانه فمثل ما ذكر الوالي في القوانين التي أعطاها لنا نتشاور مع المحبين له من أهالي هذه المدينة، ونرسل فاعل القبح والعصيان بنفسه حالاً إلى مصر من غير شك ولا شبهة.
المادة الثانية عشرة?: أن جميع (الأفندية) يكونون في «البنسيونات» في هذا الترتيب على حد سواء، وإن كان في «البنسيونات» مائدتان؛ إحداهما للمعلمين، والأخرى للتلامذة (فأفنديتنا) يأكلون مع معلميهم.
المادة الثالثة عشرة?: إن (الأفـنـديـة) المـذكـوريـن يلزمهم جميع ما ذكر من القوانين من غير امتياز، وبسبب ذلك أعطينا كل واحد منهم صورة ذلك.
المادة الرابعة عشرة: كل المواد السابقة هي خلاصة أفكارنا، ونتيجة أذهاننا وأذهان الأعيان الذين وصاهم علينا الوالي، وبناء على ذلك كل أحد يلزمه أن يتبعه، مع التنبه لأجل تحصيل رضاء الوالي، فمن لم يمتثل، أو تعلل بشيء يجري عليه ما هو مذكور في قانونه.

? Les Pension.
? يريد النقود. والسكة في الأصل: حديدة منقوشة تضرب عليها الدراهم.
? في الأصل (عشر)، وهو خطأ.
? في الأصل: عشر، خطأ.
? في الأصل: عشر، خطأ.
الفصل الثالث
في تغريب الوالي لنا في الشغل والاجتهاد
جرت عادته من مدة خروجنا من مصر بأنه كان يبعث لنا «فرمانًا» كل عدة أشهر، يحثنا فيه على تحصيل الفنون والصنائع، فمن هذه «الفرمانات» ما كان من باب ما يسمى عند العثمانية إحياء القلوب مثل الفرمان الآتي، ومنها ما كان من باب التوبيخ على ما كان يصله منا ويبلغه عنا من بعض الناس حقًا أو غير ذلك، (كفرمان) آخر وصلنا قبل رجوعنا إلى مصر القاهرة، ولنذكر لك هنا (فرمانًا) من النوع الأول الذي هو إحياء القلوب، وإن كان فيه أيضًا شائبة توبيخ لتعلم كيف كان يحثنا على التعليم، وهذه صورة ترجمته:
قدوة الأماثل الكرام (الأفندية) المقيمين في «باريس» لتحصيل العلوم والفنون زيد قدرهم.
ينهي إليكم أنه قد وصلنا أخباركم الشهرية والجداول المكتوب فيها مدة تحصيلكم، وكانت هذه الجداول المشتملة على شغلكم ثلاثة أشهر مبهمة لم يفهم منا ما حصلتموه في هذه المدة، وما فهمنا منها شيئًا وأنتم في مدينة مثل مدينة «باريس» التي هي منبع العلوم والفنون، فقياسًا على قلة شغلكم في هذه المدة عرفنا عدم غيرتكم وتحصيلكم، وهذا الأمر غمنا غمًا كثيرًا، فيا (أفندية) ما هو مأمولنا منكم، فكان ينبغي لهذا الوقت أن كل واحد منكم يرسل لنا شيئًا من أثمار شغله وآثار مهارته، فإذا لم تغيروا هذه البطالة بشدة الشغل والاجتهاد والغيرة، وجئتم إلى مصر بعد قراءة بعض كتب فظننتم أنكم تعلمتم العلوم والفنون، فإن ظنكم باطل فعندنا ولله الحمد والمنة رفقاؤكم المتعلمون يشتغلون ويحصلون الشهرة، فكيف تقابلونهم إذا جئتم بهذه الكيفية، وتظهرون عليهم كمال العلوم والفنون، فينبغي للإنسان أن يتبصر في عاقبة أمره، وعلى العاقل ألا يفوِّت الفرصة، وأن يجني ثمرة تعبه، فبناء على ذلك أنكم غفلتم عن اغتنام هذه الفرصة، وتركتم أنفسكم للسفاهة، ولم تتفكروا في المشقة والعذاب الذي يحصل لكم من ذلك، ولم تجتهدوا في كسب نظرنا وتوجهنا إليكم، لتتميزوا بين أمثالكم، فإن أردتم أن تكتسبوا رضاءنا فكل واحد منكم لا يفوّت دقيقة واحدة من غير تحصيل العلوم والفنون، وبعد ذلك كل واحد منكم يذكر ابتداءه وانتهاءه كل شهر، ويبين زيادة على ذلك درجته في الهندسة، والحساب، والرسم، وما بقي عليه في خلاص هذه العلوم، ويكتب في كل شهر ما تعلمه في هذا الشهر زيادة على الشهر السابق، وإن قصرتم في الاجتهاد والغيرة فاكتبوا لنا سببه، وهو إما من عدم اعتنائكم، أو من تشويشكم، وأيّ تشويش لكم هل هو طبيعي أو عارض؟ وحاصل الكلام أنكم تكتبون حالتكم كما هي عليه حتى نفهم ما عندكم، وهذا مطلوبنا منكم، فاقرءوا هذا الأمر مجتمعين، وافهموا مقصود هذه الإرادة.
قد كتب هذا الأمر في ديوان مصر، في مجلسنا في إسكندرية، بمنّه تعالى: فمتى وصلكم أمرنا هذا فاعملوا بموجبه، وتجنبوا وتحاشوا عن خلافه (خمسة في ربيع الأول، سنة ????) خمسة وأربعة بعد الألف والمائتين من الهجرة، انتهت صورة المكتوب.
ومن وقت هذا المكتوب صرنا نكتب كل شهر جميع ما قرأناه وما تعلمناه في ذلك الشهر، ويكتب تحته المعلمون أسماءهم ويبعثونه إلى الوالي، فلما تساهل بعض منا في ذلك كتب «مسيو جومار» إلينا جميعًا مكاتيب، ليأمر من كان مواظبًا على كتابة هذه الأوراق في كل شهر أن يدوم على مواظبته، ويوبخ من تساهل، وهذه صورة ترجمة المكتوب الذي أرسله إلي في هذا المعنى، ولنذكره كما هو:
إلى محبنا العزيز الشيخ رفاعة:
لا يخفى عليكم الأمر الوارد من الوالي المتعلق بالأوراق الشهرية، المشتملة على الدروس التي قرأتموها، فدم على ما أنت عليه من المواظبة، وابعث هذه الأوراق في اليوم الثلاثين كل شهر «لمسيو المهردار أفندي» واطلب منه أوراقًا غير مكتوبة، ولتكتبها بعد ذلك، ومن المعلوم أن هذه الورقة الشهرية لا تأخذ في كتابتها إلا نصف ساعة؛ لأن الغرض منها مجرد ضبط عدد الدروس التي قرأتها، ومعرفة نوعها، وليكتب رئيس مدرستك في كل شهر في الورقة الشهرية تحت اسمك، ولا يخفى علي اجتهادك، ولا أجهل قدر ثمرة تحصيلك، فاطلب منك أن تواظب على توفية الحقوق التي كلفت بها، واعلم وتيقن بمحبتي لك.
جومار
أحد أرباب ديوان الأنسطيطوت
باريس ?? في شهر يونيه ?? في شهر محرم سنة ????
الفصل الرابع
في بعض مراسلات بيني وبين بعض من كبار علماء الفرنساوية غير مسيو جومار
فمن كاتبني عدة مرات «مسيو دساسي» ولنذكر لك بعض مكاتيبه، فمنها ما كتبه باللغة العربية، ومنها ما كتبه باللغة الفرنساوية.
صورة مكتوب منه:
من الفقير عليّ — رحمه ربه سبحانه وتعالى — إلى المحب العزيز المكرم، والأخ المعز المحترم الشيخ الرفيع رفاعة الطهطاوي، صانه الله — عز وجل — من كل مكروه وشر، وجعله من ذوي العافية وأصحاب السعادة والخير.
أما بعد: فإن القطعة التي أكملت المطالعة فيها من كتابك النفيس، وحوادث إقامتك في باريس رددتها إليك على يد غلامك، ويصلك صحبتها حاشية مني على ما تقوله في باب تصريف الفعل في لغتنا الفرنساوية، فإذا نظرت فيها تبين لك صحة ما نستعمله من صيغة الفعل الماضي، فمن الواجب عليك أن تصنف كتابًا يشتمل على نحو اللغة الفرنساوية المتداولة عند أمم أوروبا كلها وفي ممالكها؛ حتى يهتدي أهل مصر إلى موارد تصانيفنا من فنون العلوم والصناعات ومسالكها، فإنه يعود لك في بلادك أعظم الفخر.
ويجعلك عند القرون الآتية دائم الذكر، ودمت سالمًا.
كتبه المحب سلوستري دساسي
صورة مكتوب آخر:
إلى حبيبنا الشيخ رفاعة الطهطاوي، حفظه الله، وأبقاه. أما بعدك فإنه سيصلك مع هذا ما طلبته منا من الشهادة بأننا قرأنا الكتاب المشتمل على حوادث سفرك، وكل ما أمعنت فيه النظر من أخلاق الفرنساوية وعوائدهم وسياساتهم وقواعد دينهم وعلومهم وآدابهم وجدناه مليحًا مفيدًا يروق الناظر فيه، ويعجب من وقف عليه، ولا بأس أن نعرض خط يدنا على "مسيو جومار" وإن شاء الله يحصل لك بمصنفك هذا حظوة عند حضرة سعادة الباشا وينعم عليك بما أنت أهله ودمت على أحسن حال.
محبك الداعي: سلوستري دساسي الباريزي
وصحبة هذا المكتوب أرسل إلي ورقة باللغة الفرنساوية لأطلع عليها «مسيو جومار» وهي بالتقريظ أشبه، وصورة ترجمتها.
لما أراد مسيو رفاعة أن أطلع على كتاب سفره باللغة العربية قرأت هذا التاريخ إلا اليسير منه، فحق لي أن أقول: إنه يظهر لي أن صناعة ترتيبه عظيمة، وأن منه يفهم إخوانه من أهل بلاده فهمًا صحيحًا عوائدنا وأمورنا الدينية والسياسية والعلمية، ولكنه يشتمل على بعض أوهام إسلامية ومن هذا الكتاب يعرف علم هيئة العالم وبه يستدل على أن المؤلف جيد النقد، سليم الفهم، غير أنه ربما حكم على سائر أهل فرنسا بما لا يحكم به إلا على «أهل باريس» والمدن الكبيرة، ولكن هذه نتيجة متولدة ضرورة من حالته التي هو عليها، حيث لم يطلع على غير «باريس» وبعض المدن.
وقد حرص? باب العلوم على ذكر المعلومات توطئة للتوصل إلى المجهولات خصوصًا في نبذته المتعلقة بعلم الحساب، وبهيئة الدنيا.
وعبارة هذا الكتاب، في الغالب وضاحة غير متكلف فيها التنسيق، كما يليق بمسائل هذا الكتاب، وليست دائمًا صحيحة بالنسبة لقواعد العربية، ولعل سبب ذلك أنه استعجل في تسويده، أنه سيصلحه عند تبيضه وفي التكلم على علم الشعر ذكر استطرادًا بعض أشعار عربية أجنبية من موضوع هذا الكتاب، على ما يظهر لي، لكنه ربما أعجب ذلك إخوانه من أهل بلاده، وفي الكلام على تفضيل الصورة المدورة على غيرها من الأشكال، ذكر بعض أشياء قليلة الجدوى فينبغي له حذفها، وما ذكرت هذه الأشياء وبينتها هذا التبيين إلا للإعلام بأني دققت النظر في قراءاتي هذا الكتاب.
وبالجملة فقد بان لي أن مسيو رفاعة أحسن صرف زمنه مدة إقامته في فرنسا، وأنه اكتسب فيها معارف عظيمة، وتمكن منها كل التمكن؛ حتى تأهل لأن يكون نافعًا في بلاده، وقد شهدت له بذلك عن طيب نفس، وله عندي منزلة عظيمة، ومحبة جسيمة.
البارون سلوستري دساسي:
باريس في شهر فبريه سنة ???? (?? في شعبان سنة ????)
و(هذه) صورة ترجمة مكتوب كتبه لي قبيل خروجي من مدينة «باريس».
بعد إهداء السلام إلى مسيو رفاعة، يحصل لي حظ عظيم إذا جاء عندي يوم الاثنين الآتي، والساعة في ? إن أمكنه أن يسرني برؤيتي له لحيظات لطيفة، ويحصل لي أيضًا غاية الانبساط؛ إذا بعث لي أخباره بعد وصوله إلى القاهرة، فإذا لم يتيسر لي رؤيته طلبت له طريق السلامة، ولا أزال أتذكر دائمَا آثاره، وأستنشق أخباره، مع انجذاب قلب، وانشراح صدر.
البارون سلوستري دساسي
وصورة ما كتبه «مسيو كوسين دي برسوال» مدرسا للغة العربية المتداولة في المحاورات، المشهورة باسم الدارجة عند العامة، بدار كتب خانة السلطانية «بباريس» وكنت كتبت له أن يبعث لي رأيه في هذه الرحلة، فكتب هذا الجواب، وصورته:
حضرة المحب العزيز الأكرم، الفصيح اللسان والقلم، جناب الشيخ رفاعة المحترم، حفظه الله آمين.
بعد إهدائكم جزيل السلام، ومزيد التحية والإكرام، فقد ورد علينا عزيز مكتوبكم البارحة، فبادرنا بقضاء حاجتكم، فواصل لكم طيَّة تحرير تحتوي على رأينا في كتاب حوادث سفركم الذي تفضلتم علينا باطلاعنا عليه، وبالحقيقة قلنا مثل ما هو اعتقادنا وشرحنا ما وجدنا فيه من المحاسن، وأما بخصوص المذام فما لقينا من ذلك شيئًا.
وحيث أنكم عازمون على السفر في آخر هذا الشهر، فالمأمول من حسن محبتكم أنكم بعد وصولكم بالسلامة إلى بلادكم لا تحرمونا من خاطركم، وتواصلونا بالإعلام بصحتكم، ونترجاكم أيضًا أنه إذا طبع كتابكم تبعثوا? لنا منه نسخة، وبذلك تصيرونا? ممنونين، ولأفضالكم شاكرين، والله تعالى يحفظكم والسلام.
محبكم كوسين دي برسوال
?? شباط سنة ????
والمراد بطيه التحرير ورقة شهادته بأنه اطلع على هذا الكتاب، وقال رأيه فيه. وصورة ترجمة هذه الطية التي كتبها لمسيو جومار باللغة الفرنساوية ليخبره برأيه في هذه الرحلة:
قرأت بالتأمل مؤلف الشيخ رفاعة الملقب بتخليص الإبريز في تلخيص باريز، فوجدته يتضمن حكاية صغيرة في سفر المصريين المبعوثين إلى فرنسا من طرف وزير مصر الحاج محمد علي باشا، وتشتمل على تخطيط مدينة باريز، وعلى نبذات موجزة في جملة فروع من العلوم المطلوبة التعليم من هؤلاء التلامذة، وقد ظهر لي أن هذا التأليف يستحق كثيرًا من المدح وأنه مصنوع على وجه يكون به نفع عظيم لأهالي بلد المؤلف، فإنه أهدى لهم نبذات صحيحة من فنون فرنسا، وعوائدها، وأخلاق أهلها، وسياسة دولتها، ولما رأى أن وطنه أدنى من بلاد أوروبا في العلوم البشرية والفنون النافعة أظهر التأسف على ذلك، وأراد أن يوقظ بكتابه أهل الإسلام، ويدخل عندهم الرغبة في المعارف المفيدة، ويولد عندهم محبة تعلم التمدن الإفرنجي، والترقي في صنائع المعاش، وما تكلم عليه من المباني السلطانية والتعليمات وغيرها، أراد أن يذكر به لأهالي بلده أنه ينبغي لهم تقليد ذلك، وما نظر فيه في بعض العبارات يدل في الغالب على سلامة عقله، وخلوّه من التعسف والتحامل.
وعبارة هذا الكتاب بسيطة أي غير متكلف فيها التنميق، ومع ذلك فهي لطيفة، وحين كان نسخة هذا الكتاب بيدي كان الجزء الذي يتعلق بالعلوم والفنون غير تام، فما رأيت منه إلا نبذة في الرياضيات، وعلم هيئة الدنيا، ومبادئ أصول الهندسة، والجغرافيا الطبيعية، فهذه النبذات وإن كان موجزة إلا أنها مشبعة.
فيترجى أن المؤلف يدوم على تأليف النبذات الباقية بهذه المثابة، وإذا اجتمعت هذه النبذات في الكتاب هذا فإنها تكون كتاب علوم مستقل، مفتاحًا لغيره من العلوم نافعًا لأهل العربية، وإذا فرغ الكتاب بهذه الطريقة فإنه يستدل به على رفعة عقل مؤلفه، واتساع دائرة معرفته.
كوسين دي برسوال
فإذا قابلت هذا المكتوب مع ما تقدم رأيت أن «مسيو دساسي» و«مسيو كوسين» اتفقا على حسن هذا الكتاب، وعلى بساطة عبارته، أي عدم التأنق فيها، وعلى نفعه لأهل مصر.
وإنما «مسيو دساسي» عابه بثلاثة أشياء: الأول: اشتماله على بعض مسائل يعتقد أنها من أوهام الإسلام، الثاني: جعلنا ما ينسب لمدينة «باريس» وغيرها من المدن عامًا لسائر بلاد فرنسا، الثالث: ذكرنا بعض أشياء قليلة الجدوى عند تفضيل الشكل المدور على غيره من الأشكال.
وأما «مسيو كوسين» فإنه لم يتعرض لما جعله «مسيو دساسي» من باب الأوهام، ولما تحدثت معه في شأن ذلك أجابني بأنه لم ير ذلك مضرًا؛ حيث إني كتبت على ما هو في اعتقادي، وإلا لو تتبعت ما قاله الإفرنج، ووافقت آراءهم للحياء أو غيره لكان ذلك محض موالسة، وأما قول «كمسيو دساسي»: إن عبارة في هذا الكتاب بسيطة فمعناه أن تراكيبه لم يحاول فيها سلوك طريقة البلاعة: يقال عند علماء الفرنساوية، عبارة بسيطة في مقابلة العبارة البليغة.
ولنذكر لك هنا رسالة من شخص كان بيني وبينه محبة أكيدة، وصورة اجتماعي لهذا الشخص أني دخلت مكتبه لقراءة «الكازيطات» أي الوقائع اليومية، فتعرفت بهذا الشخص الذي هو (محاسبجي) في وزارة الخزينة المالية، وأخوه مأمور «دبرطمانة? «يعني إقليمًا من أقاليم الفرنساوية، وهو من بدنة عظيمة، تسمى: «السلادانية» نسبة إلى «سلادان» يعني صلاح الدين يتوهمون أنهم ينتسبون (ص ???) إلى السلطان صلاح الدين الأيوبي، قائلين: إنه يحتمل أن يكون حين محاربته مع الإفرنج تسرّى بفرنساوية، فحملت منه، ثم انطلقت إلى بلادها، فبقي الاسم في أولادها وذراريها إلى الآن، ثم إني كما تعرفت به تعرفت بسائر أقاربه، وما زلت معهم على الصحبة الأكيدة مدة إقامتي في «باريس»، فلما سافرت كان عند أخيه المأمور في إقليم الترك في مدينة يقال لها «البي» فأرسل إليَّ هذا المكتوب، وهذه صورة ترجمته، مع بعض حذف جائز.
إلى حضرة عزيزنا الشيخ رفاعة
قد سلمت أمانتك لابن شيخ المأمورية، ليعطيها لك، فانتظرها بعد وصول هذا المكتوب بزمن يسير، وقد وكلني أخي بأن أخبرك بثنائه عليك على ما صنعته معه من الجميل في إعارتك له هذه الأمانة، وأن أهنيك على بلوغك المأمول.
هل عن قريب تفارقنا لترى وطنك العزيز؟ فإن شاء الله تجتمع بما تركته فيه من الأقارب والأحباب، وتجده بخير، فقد بلغني أن سفرك قد قرب جدًا، حتى إنني لا أظن أن أقابلك في مدينة «باريس» ولكن لو سافرت قبل هذا الزمن بيسير لاجتمعنا في مرسيليا وودعتك في آخر مدينة من مدن الفرنساوية تعبر فيها في سفرك، ولو تأخر سفرك مدة يسير لافترقنا في مدينة «باريس» التي كان بها أول اجتماعنا، ولا أدري إن التلاقي مقدرًا أم لا، ولكن تقلبات الدهر كثيرة، خصوصًا للإفرنج، فلا يمكنني أن أجزم بعدم الاجتماع، وبالجملة فلا شك أنك تركت في فرنسا صديقًا يتذكرك، ويتأثر لك بما يقع لك من النفع والضر، ويسر غاية المسرة إذا بلغه أنك تحظى في بلادك بثمرة فضلك وأوصافك، وليت شعري ترجع إلى بلادك بأي اعتقاد في طبيعة الفرنساوية، وقد رأيت هذه الملة في وقت ينبغي أن يكون تاريخًا من غرائب سيرها، وأظن أنك تسأل في بلادك مرارًا عديدة عن هذه الفتنة العظيمة، ونصرة الفرنساوية في طلب الحرية.
فإذا وقع اتفاقًا أن سفرك توقف مدة أيام فمأمولي أن أراك في مدينة «باريس» وإلا فأرجو منك ألا تسافر حتى تودعني بلسان القلم بمحبتي لك غاية المحبة.» انتهت صورته.
جول سلادان.
وهذه صورة مكتوب تفهم منه أيضًا رغبة الفرنساوية في تحصيل الكتب الغريبة وترغيبهم للمؤلفين أو المترجمين في ترجمة الكتب وتأليفها، وهذه صورة ترجمة هذا المكتوب:
إلى مسيو الشيخ رفاعة: قد حملني «مسيو دبنغ» أن أسأل عن ترجمتك لكتاب العلوم الصغير المشتمل على أخلاق الأمم وعوائدهم وآدابهم؛ لأن «مسيو دبنغ» مؤلف هذا الكتاب، فإذا كانت ترجمتك تنطبع في مصر هل? يتيسر لمؤلف الأصل أن يقيد السمع لتحصيل عدة نسخ من نسخ هذا الكتاب بالشراء، ونعرفك أنك تخبرنا إلى أي محل وصلت في الترجمة من المجلد الأول من جغرافية ملطبرون، فإن هذا الجزء الآن يطبع طبعًا آخر مصححًا مشتملاً على زيادات لا توجد في الأول فلا بأس أن نحيطك به علمًا، فإنه يكمل طبعه في أثناء هذا الشهر، ومني إليك مزيد التحية.
محبك الصادق: رنو
بخزانة الكتب السلطانية بباريز

? في الأصل: (أحرص) تحريف.
? الصواب: تبعثون.
? الصواب: تصيروننا.
? Département أي غليم.
? الصواب: فهل.
الفصل الخامس
في ذكر ما قرأته من الكتب في مدينة، «باريس» وفي كيفية الامتحانات، وفيما كتبه لي «مسيو جومار»، وفيما كتب من خلاصة الامتحان الأخير، في الوقائع العلمية، وأذكر هنا ما قرأته مرتبًا بهذا الترتيب، وإن تكرر مع ما سبق
(?) تعليم أصول نحو اللغة الفرنساوية
كان خروجنا من الكونتينة في السابع والعشرين من شهر شوال سنة ????، وبعد أيام قليلة في مرسيليا ابتدأنا في التهجي والقراءة، وبعد نحو أربعين يومًا تعلمنا الحروف الفرنساوية والتهجي، ووصلنا «باريس» في شهر محرم، فرجعنا ثانيًا للابتداء في أصول الهجاء، واشتغلنا بذلك نحو شهر، ثم ابتدأنا جميعًا في قراءة أجرومية «تومند»? في نحو اللغة الفرنساوية، وكان المعلم يضيف إليها من أجرومية أخرى ما يحتاج إليه الحال فلما خرجت من بيت (الأفندية) قرأت مع «مسيو شواليه» أجرومية أخرى، ومع معلم آخر يسمى «لمونري»? أجروميتين، وفي كل من البيتين، يعني بيت (الأفندية) وبيت المعلم كنت أشتغل بالإعراب النحوي، والإعراب المنطقي — يعني تطبيق الكلام على قواعد النحو وقواعد المنطق — وبالإملاء والإنشاء والقراءة، وما زلت على ذلك ثلاث سنوات.
(?) علم التاريخ
ابتدأنا في بيت (الأفندية) حين كنا معًا بكتاب «سير فلاسفة اليونان» فقرأناه، وتممناه، ثم ابتدأنا بعده في كتاب تاريخ عام مختصر مشتمل على سير قدماء المصريين والعراقيين، وأهل الشام، واليونان، وقدماء العجم، والرومانيين، والهنود، وفي آخره نبذة مختصرة في علم «الميثولوجيا»? يعني علم جاهلية اليونان وخرافاتهم، ثم قرأت عند «مسيو شواليه» كتابًا يسمى: «لطائف التاريخ»? يتضمن قصصًا وحكايات ونوادر، ثم بعده قرأت كتابًا يسمى «سير أخلاق الأمم وعوائدهم وآدابهم»? ثم تاريخ سبب عظم دولة قياصرة الروم وانقراضها? ثم كتاب رحلة «الخرسي» الأصغر إلى بلاد اليونان? ثم قرأت كتاب «سيغر»? في التاريخ العام، ثم سيرة نابليون، ثم كتابًا في علم التواريخ والأنساب، ثم كتابًا يسمى «بانوراما العلم»? يعني مرآة الدنيا، ثم رحلة صنفها بعض المسافرين في بلاد الدولة العثمانية، ثم رحلة في بلاد الجزائر.
(?) علم الحساب والهندسة
قرأت في الحساب «بزوت»،?? وفي الهندسة المقالات الأربع الأول من كتاب لوجندره.??
(?) علم الجغرافيا بأنواعها
قرأت مع «مسيو شواليه» كتاب جغرافية يشتمل على الجغرافية التاريخية والطبيعية والرياضية والسياسية، ثم قرأت رسالة أخرى في الجغرافية، يعني معجم البلدان، ثم قرأت الكتاب الأول بعينه مع معلم آخر غير «مسيو شواليه»، وقرأت أيضًا مع «مسيو شواليه»، جملاً عظيمة من جغرافية «ملطبرون»?? ورسالة ألفها التعليم بنته في هيئة الدنيا، وقرأت وحدي مؤلفات عديدة في هذا الفن.
(?) فن الترجمة
ترجمت مدة إقامتي في فرنسا اثني عشر كتابًا وشذرة يأتي ذكرها في آخر هذا الكتاب، يعني اثني عشر مترجمًا بعضها كتب كاملة، وبعضها نبذات صغيرة الحجم.
(?) كتب في فنون مختلفة
قرأت كتابًا في علم المنطق الفرنساوي مع «مسيو شواليه» و«مسيو المونري» وعدة مواضع من كتاب «ليبرتروايال»?? من جملتها المقولات وكتابًا آخر في المنطق يقال له كتاب «قندلياق» غير?? فيه منطق أرسطو.
وقرأت مع «مسيو شواليه» كتابًا صغيرًا في المعادن وترجمته.
وقرأت كثيرًا من كتب الأدب فمنها مجموعة?? «نويل» ومنها عدة مواضع من ديوان «ولتير»?? وديوان «رسين»?? وديوان «رسو»?? خصوصًا مراسلاته الفارسية التي يعرف بها الفرق بين آداب الإفرنج والعجم، وهي أشبه بميزان بين الآداب المغربية والمشرقية، وقرأت أيضًا وحدي مراسلات إنكليزية صنفها «القوتة شستر فيلد»?? لتربية ولده وتعليمه، وكثيرًا من المقامات الفرنساوية، وبالجملة فقد اطلعت في آداب الفرنساوية على كثير من مؤلفاتها الشهيرة.
وقرأت في الحقوق الطبيعية مع معلمها كتاب «برلماكي» وترجمته وفهمته فهمًا جيدًا، وهذا الفن عبارة عن التحسين والتقبيح العقليين، يجعله الإفرنج أساسًا لأحكامهم السياسية المسماة عندهم شرعية، وقرأت أيضًا مع «مسيو شواليه» جزأين من كتاب يسمى «روح الشرائع»?? مؤلفه شهير بين الفرنساوية يقال له «منتسكيو» وهو أشبه بميزان بين المذاهب الشرعية والسياسية، ومبني على التحسين والتقبيح العقليين، ويلقب عندهم بابن خلدون الإفرنجي، ما أن ابن خلدون يقال له عندهم أيضًا: «منتسكيو الشرق» أي «منتسكيو الإسلام» وقرأت أيضًا في هذا المعنى كتابًا يسمى «عقد التأنس والاجتماع الإنساني»?? مؤلفه يقال له «روسو» وهو عظيم في معناه.
وقرأت في الفلسفة تاريخ الفلسفة تاريخ الفلاسفة المتقدم المشتمل على مذاهبهم وعقائدهم وحكمهم ومواعظهم، وقرأت عدة مال نفيسة في معجم الفلسفة «للخواجة ولتير» وعدة محال في كتب فلسفة «قندلياق».??
وقرأت في فن الطبيعة رسالة صغيرة مع «مسيو شواليه» من غير تعرض للعمليات.
وقرأت في فن العسكرية من كتاب يسمى «علميات ضابطان عظام» مع «مسيو شواليه» مائة صحيفة، وترجمتها.
وقرأت كثيرًا في كازيطات العلوم اليومية والشهرية، وفي «كازيطات»?? السياسات اليومية التي تذكر كل يوم ما يصل خبره من الأخبار الداخلية والخارجية المسماة «البوليتيقة» وكنت متولعًا بها غاية التولع وبها استعنت على فهم اللغة الفرنساوية وربما كنت أترجم منها مسائل علمية، وسياسية، خصوصًا وقت حرابة الدولة العثمانية مع الدولة الموسقوبية.
ولنذكر لك هنا ترجمتنا رسالة فرضية من فرنساوي متطوع بالخدمة في معسكر «الموسقو»، حررها من مدينة «شملا» القريبة من جبل «بلقان» إلى بعض أمراء الألوية بمدينة «باريس» تاريخها اثنان وعشرون من يوليه الإفرنجي سنة ???? من الميلاد:
«اعلم يا محبنا أن هذه أول مرة التحم فيها صفنا مع الصفوف الإسلامية من منذ وصولنا إلى العساكر الموسقوبية، ثم إن سائر ما رأيته مما يذهل العقول ويحير الألباب، تقصر عنه العبارة، كيف وهو أمر غريب! بالنسبة إلى مثلي، فلو كنت مثل جنابكم من العسكر المتمرن على الحروب سافرت في غزوة مصر، ورأيت واقعة أبي قير، وحصار مدينة عكا لما حار لبي حين رأيت شيئًا جديدًا لم أكن عاينته قبل ذلك، مما يكل عنه الوصف، ولكن تأمل يا أخي في أمري حيث إني قد كنت في خفر مليكنا، وخرجت من مكتب «سنسير» ولم أحضر من الوقائع إلا وقعة الأندلس، فلم أشعر إلا أن وجدت نفسي قدام جبل «بلقان» بعد أن جبت البراري والقفار، وعاينت المشاق بتهديد أهلها لنا وتخلصهم منا، وإدهاشهم لجيوشنا، وانظر في استعجابي وذهاب صوابي حين خرجت الفوارس التركية متصافة صفوفًا عجيبة للحروب الإسلامية بأعلى «شملا» وقد وصل إلى شريف علمكم من دفتر علم «الموسقو» تفصيل هذه الواقعة، وشر أحوال الجمع الغفير من عساكرنا، والخبر بأنها صارت ضائعة، وقد شاهدت بعيني رأسي سوء ميتة «الميرالاي باردي الموسقوبي» بحالة رديئة؛ حيث انقسم نصفين بضربة مدفع تركية، ومن الآن فقط ظهرت صعوبة هذه الحرابة، وطول مدتها لا يعد من الغرابة، وإن كان بعساكرنا شجاعة وصلابة في الحروب، فعساكر الإسلام لها مصادمة قوية بمعزل عن الهروب، وهذه المصادمة هي التي تستهل الخطر، وتخترق المانع لبلوغ الوطر، ينتج منها ثمرتان: الأولى: أنها تلقي الحيرة في عقول الرجال، والثانية: أن عاقبتها دائمًا تفرغ الفزع في قلوب الأعداء، ولو كانوا من الأبطال، ولو شاهدت عيناك ما شاهدته من أن الفرسان العثمانية تروع (ص ???) الإنسان بمجرد منظرها المرعب، وبسرعة اقتحامها المدهش المعجب، ومشيها على صوت الألحان الوحشية، وصهيل الخيول الكردية، ونزولها كالصواعق على المشاة الموسقوبية لحكمت مثلي بأن هذه الحرابة تطول، وأن اضطرام نارها قل أن يزول، أو ليس أن للدولة العثمانية فرسانًا عظيمة مرتبة بترتيب عجيب، وهمة عليه بنظام غريب؟ أو هل ينكر أحد أن رجالهم متمرنون على ركوب الخيل، وأن خيولهم على أصل خلقتهم الوحشية طائعة لسيدها في الإقدام والإحجام، يبلغ عليها في الحرابة المقصود والمرام؟ فيا ويح العساكر القرابة التي يلتحم صفها بصف هذه الخيول المركوبة لهؤلاء الفحول الذين لهم زيادة عن قوتهم الجهادية، دعامة غيرتهم الإسلامية والوطنية، وهذه مزية لا توجد يقينًا في عساكر «الموسقو»، ثم ازدحام الخلائق في أوقات الحروب له تدبير صحيح، ولكن في هذه الواقعة لا يجهل إنسان ولو كان من «القزاق» أن الفخر لعساكر الإسلام، وهذا الخبر ربما ظهر لك أنه عجيب من مثلي، خصوصًا وأنا قد جئت متطوعًا في عسكر «الموسقو»، لأشاركهم في اقتحام الأخطار، وأقتسم معهم الفخار، ولكن لما وصلت إلى هنا ظهر لي أن الظن قد خاب، وأني قد حدت عن الصواب، ورأيت أعداءنا الذين كنا نتهمهم بحقارة الرتبة والرداءة هم الليوث الضراغم، ليس لهم شيء من الدناءة، بل هم أقرب إلى قبول التأدب والظرافة من الإفرنج.
واعلم يا أخي أن غيرتي على خلاص الأروام من يد العثمانية لم تنقص شيئًا، ولكن أقول ليت شعري، هل تلزم الغارة على إسلامبول في خلاصهم؟ أو ليس مما يتحسر عليه أن ما خسرناه في أخذ مدينة «إبرائل» من العساكر كان يكفي وحده في فك أسر الأروام وتحرير رقابهم، وتقليل سفك دمائنا بعساكر الإسلام، وقد أسرنا عن قريب أحد ضباط العساكر العثمانية، وكان شابًا بديع الصورة كثير الجروح، فعفا عساكرنا عن قتله ولم يكن ذلك لغيره، ورقوا لملاحته وجراحته، فخاطبته باللغة الإيطاليانية، ففهم مقالي وأجاب سؤالي، وأخبرني بأن أباه له من العمر الآن ثمانون سنة، وله إخوان في خدمة حسين باشا لا يشك في نصرة الدولة العثمانية، بل يقول: إن الترك يصلون إلى موسقو، واعلم يا أخي أن في «شملا» نحو مائتي ألف محارب، ويتجدد عليها كل يوم، وسلطانهم بكل عظيم عن يقين، وها أنا الآن أطوي لك كتابي لأضع قدمي في ركابي، فالآن عساكر الأعداء تحارب في طليعة جيشنا، وأنا بين دوي ألحان الترك، وعجيج أصوات الروس غريق، وهذه حرابة مهولة إن نظرت بعين التحقيق.

? Charies-François thomond: Eléments وقد كتب اسمه في المطبوعة (لومند) de la Grammaire françsia.
? Lomonry.
? Mythologie.
? Les Agrements de L’histoire.
? Les Moeurs des Peuples Leurs habitudes et leur Savoir Vivre par Dipping.
? L’Histoir de la Cause de La grandeur et de La Décadence de L’Empire des Césars Romains, Par montetesquieu.
? Voyage du trés Jeune Anacharsis en Grèce.
? Ségur.
? Panorama du Monde.
?? Etienne Bezout: Traité d’arithmétique.
?? Legendre: Eléments de Géometrie.
?? Malte-Brun.
?? La Porte-Royale.
?? Condilliac.
?? Noel.
?? Votaire.
?? Racin.
?? Rousseau: Les Lettres Persanes.
?? Le Comte Chesterfield.
?? L’esprit des Lois.
?? Le Contral Social.
?? Condiliac.
?? أي الصحف.
الفصل السادس
في الامتحانات التي صنعت معي في مدينة «باريس» خصوصًا في الامتحان الأخير الذي أعقبه رجوعي إلى مصر
اعلم أن من عادة الفرنساوية أن لا يكتفوا في العلم بمجرد شهرة الإنسان بالفهم، أو الاجتهاد، أو بمدح المعلم في المتعلم، بل لا بد عندهم من أدلة واضحة محسوسة تفيد الحاضرين في الامتحان قوة الإنسان والفرق بينه وبين أمثاله، وهذا إنما يكون بالامتحانات العامة يحضرها العام والخاص، بدعوة مثل دعوة الولائم عادة. وهناك امتحانات خاصة، وهي أن يمتحن المعلم تلامذته كل أسبوع أو شهر؛ ليعلم قوة زيادتهم في ذلك الأسبوع أو الشهر، وليكتب مفاد ذلك إلى آبائهم، فكنا في البنسيونات بهذه المثابة، وكل سنة يصنع معنا الامتحان العام بحضور أعيان الفرنساوية.
فأول بحث صنع معنا كان أغلبه ومداره على اللغة الفرنساوية، وقد جرت العادة عندهم بأنهم يعطون هدية امتحان للبارعين في الجواب المتميزين عن غيرهم، ففي أول امتحان عام بعث لي «مسيو جومار» كتابًا يسمى «رحلة أنخرسيس في بلاد اليونان» سبعة مجلدات جيدة التجليد مموهة بالذهب، يصحبها هذا المكتوب الذي صورته مترجمًا:
أول يوم من شهر أغسطس سنة ???? من الميلاد.
قد صرت مستحقًا لهدية اللغة الفرنساوية، بالتقدم الذي حصلته فيها، وبالثمرة التي نلتها في الامتحان العام الأخير، ولقد حق لي أن أهنئ نفسي بإرسالي لك هذه الهدية من طرف (الأفندية) النظار دليلاً على التفاتك في التعليم، ولا شك أن الوالي يسر متى أخبر أن اجتهادك وثمرة تعلمك يكافئان المصاريف العظيمة التي يصرفها عليك في تربيتك وتعليمك، وعليك مني السلام مصحوبًا بالمودة.
وقوله في الامتحان الأخير المراد أنه (آخر) بالنسبة لما قبله من الامتحانات الخصوصية.
وهدية الامتحان تشبه أن تكون مثل جائزة الشعراء: أو هي كقصب السبق وفي الامتحان العام الثاني بعث لي كتاب «الأنيس المفيد، للطالب المستفيد»، و«جامع الشذور، من منظوم ومنثور» تأليف «مسيو دساسي» وصحبته هذا المكتوب، وصورته مترجمًا.
باريس ?? شهر مارث سنة ???? من الميلاد.
قد صرت مستحقًا لهدية النحو الفرنساوي، بالتقدم الذي حصلته في هذه اللغة، وبالثمرة التي نلتها في الامتحان العام الأخير، ولقد سرني أنك صرت مستحقًا أن أبعث لك علامة السرور منك، تشويقًا لك، وها أنا باعث جدول امتحانك للوالي باجتهادك وفلاحك، ولا شك أنه يسر بأنك تشتغل مع ثمرة، وأنك أهل لرعايته لك واعتنائه تربيتك وتعليمك، وعليك مني السلام.
وفي هذين الامتحانين أخذت هدية الامتحان.
وأما صورة الامتحان الأخير الذي به رجعت إلى مصر أن «مسيو جومار» جمع مجلسًا فيه عدة أناس مشاهير، ومن جملتهم وزيرا لتعليمات الموسقوبي رئيس الامتحان، وكان القصد بهذا المجلس معرفة قوة الفقير في صناعة الترجمة التي اشتغلت بها مدة مكثي في فرنسا.
وصورة ما تحصل من الامتحان وكتبه الفرنساوية في وقائع العلوم ما نصه: وصور التلميذ رفاعة أنه قرئ في المجلس دفتران: الدفتر الأول يشتمل على تعديد اثنتي عشرة ترجمة من اللغة الفرنساوية إلى العربية ترجمها المذكور منذ سنة وهذه أسماؤها:
الأول: نبذة في تاريخ إسكندر الأكبر، مأخوذة من تاريخ القدماء، الثاني: كتاب أصول المعادن، الثالث: رزنامة سنة ???? من الهجرة، ألفه «مسيو جومار» لاستعمال مصر والشام، متضمنًا لشذرات علمية وتدبيرية، الرابع: كتاب دائرة العلوم في أخلاق الأمم وعوائدهم، الخامس: مقدمة جغرافية طبيعية مصحة على «مسيو هنبلض»، السادس: قطعة من كتاب ملطبرون? في الجغرافية، السابع: ثلاث مقالات من كتاب «لجندر»? في علم الهندسة، الثامن: نبذة في علم هيئة الدنيا، التاسع: قطعة من «علميات ضابطان عظام» العاشر: أصول الحقوق الطبيعية التي تعتبرها الإفرنج أصلاً لأحكامهم، الحادي عشر: نبذة في «المثولوجيا» يعني جاهلية اليونان وخرافاتهم، الثاني عشر: نبذة في علم سياسات الصحة.
الدفتر الثاني: يشتمل على رحلته، وذكر سفره ثم أحضر له عدة تآليف مطبوعة في بولاق، فترجم منها مواضع بسرعة إلى اللغة الفرنساوية، ثم قرأ بالفرنساوية مواضع منها ما هو صغير ومنها ما هو كبير في «كازيطة» مصر المطبوعة في بولاق، ثم بحث معه في ترجمة العلميات العسكرية المترجمة له فكان بعض الحاضرين يده الأصل الفرنساوي، والشيخ بيده الترجمة. ثم إنه يترجم العربية بالسرعة إلى الفرنساوية قراءة لا كتابة، ليقابل عبارة الترجمة مع عبارة الأصل، وقد تخلص على وجه حسن من هذا الامتحان فأدى العبارات حقها من غير تغيير في معنى الأصل المترجم، ولكن ربما أحوجه اصطلاح اللغات العربية أن يضع مجازًا بدل مجاز آخر من غير خلل في المعنى المراد، مثلاً:
في تشبيه أصل علم العسكرية بمعدن مشبع يستخرج منه كذا غير العبارة بقوله: العسكرية بحر عظيم تستخرج منه الدرر. وقد اعترض عليه في الامتحان بأنه بعض الأحيان قد لا يكون في ترجمته مطابقة تامة بين المترجم والمترجم عنه، وأنه ربما كرر، وربما ترجم الجملة بجمل، والكلمة بجملة، ولكن من غير أن يقع في الخلط، بل هو دائمًا محافظ على روح المعنى الأصلي، وقد عرف الشيخ الآن إنه إذا أراد أن يترجم كتب علوم فلا بد أن يترك التقطيع، وعليه أن يخترع عند الحاجة تغييرًا مناسبًا للمقصود، وقد امتحن في كتاب آخر، وهو مقدمة القاموس العام المتعلقة بالجغرافيا الطبيعية، وهذا الكتاب ترجمه هو إلى العربية ولما كان وقت ترجمة هذا الكتاب لم يصل إلى درجته الآن في اللغة الفرنساوية، كانت ترجمته دون ترجمة الكتاب الذي بحث معه فيه قبله، وكان عيبه أنه لم يحافظ على تأدية عبارة الأصل بجميع أطرافها، وعلى كل حال فلم يغير في المعنى شيئًا، بل طريقته في الترجمة كانت مناسبة، فتفرق أهل المجلس جازمين بتقدم التلميذ المذكور، ومجمعين على أنه يمكنه أن ينفع في دولته، بأن يترجم الكتب المهمة المحتاج إليها في نشر العلوم، والمرغوب في تكثيرها في البلاد المتمدنة، ولا شك أن بعض هذه الكتب قد يحتوي على أشكال، وأحمد أفندي العطار من أهل بلاده يشتغل بالطباعة على الأحجار لأجل ذلك، وقد كان حاضرًا في المجلس، فقدم لأهل المجلس عدة عينات مطبوعة بيده على الحجر من تصوير وكتابة عربية وفرنساوية، وقد ابتدأ في معرفة تسيير الشوكة للنقش والقلم للكتابة، وقلم الشعر لكتابة التصوير، وفي تصويراته توجد حيوانات (ص ???) وأمور عمارات وغير ذلك من الأمور المصنوعة بالخطوط من غير ظل، ولكنه جاء في فرنسا كبير السن؛ فلم يمكنه أن يصور تصويرًا صحيحًا خاليًا عن جميع العيوب، ولكن يمكنه أن يعرف معرفة تامة طريق الطباعة على الحجر علمًا وعملاً، وينسخ (عينات) التصوير التي تعطى له ويطبعها بنفسه عند الحاجة، ويمكنه أن يتأهل لفتح دار لطباعة الحجر ونظارتها، وقد ترجم مختصرًا في صناعة الطباعة بالحجر وكتبها على الحجر وطبعها بيده، وكانت نسخة منها موضوعة على (باش تختة? «مسيو جومار» انتهى كلام «كازيطة» دائرة العلوم.
وكتب لي مكتوب تهنئة برجوعي إلى مصر بعد تحصيل المرام غير أن هذا المكتوب قد ضاع مني وكان لا بأس بذكره هنا وصورة ترجمة ما كتبه لي «مسيو شواليه» وهو أشبه بإجازة وشهادة لي:
وزارة الحرب
يقول الواضع اسمه فيه: «شواليه» تلميذ قديم من تلامذة مدرسة العلوم المسماة «بلوتكنيقا»? الضابط المهندس المكتوب في وزارة الحرب الوكيل من طرف «مسيو جومار» والأفندية النظار بالإرشاد إلى تعليم مسيو الشيخ رفاعة:
أشهد أني مدة نحو ثلاث السنوات والنصف التي مكثها التلميذ المذكور عندي لم أر منه إلا أسباب الرضى سواء في تعليمه أو في سلوكه المملوء من الحكمة والاحتراس، وحسن خلقه ولين عريكته، وقد قرأ معي في السنة الأولى اللغة الفرنساوية «والقسمغرافيا»? انتهى وفيما بعد الجغرافيا والتاريخ والحساب وغير ذلك. ولما كان خاليًا عن الاستعداد والخفة اللازمين لتعلم الرسم مع ثمرة، لم يشتغل به إلا مرة في كل أسبوع لمجرد امتثال أوامر الوالي ولكن صرف جهده مع غاية الغيرة في الترجمة التي هي صنعته المختارة له وأشغاله فيها مبينة في إعلاماتي الشهرية، خصوصًا في «الجرنالات» الأولى التي أعطيتها «لمسيو جومار» وحسب هذا التلميذ ما في هذه الإعلامات والجرنالات.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن غيرة مسيو الشيخ رفاعة تناهت به إلى أن أدته إلى أن شغله مدة طويلة في الليل تسبب عنه ضعف في عينه اليسار، حتى احتاج إلى الحكيم الذي نهاه عن مطالعة الليل، ولكن لم يمتثل لخوف تعويق تقدمه، لما رأى أن الأحسن في إسراع تعليمه أن يشتري اكتب اللازمة له غير ما سمح به (الميري) وأن يأخذ معلمًا (ص ???) آخر غير معلم (الميري) أنفق جزءًا عظيمًا من ماهيته المعدة هل في شراء كتب، وفي معلم مكث معه أكثر من سنة، وكان يعطيه الدرس في الحصة التي لا يقرأ معي فيها.
وقد ظننت أنه يجب علي وقت سفره أن أعطيه هذا الإعلام الموافق لما في الواقع ونفس الأمر، وأن أضيف إلى ذلك الإفصاح عما في ضميري من كمال اعتقاد فضله ومحبته.
مسيو شوالي
?? في شهر فبريه سنة ????

? Malt-Brun.
? Legendre.
? منضد صغير ذو أدراج عدة.
? مدرسة المهندسي 
L’Ecole Polytechnique
.
? L. Cosmogsaphier.
المقالة الخامسة
في ذكر ما وقع من الفتنة في فرنسا، وعزل الملك قبل رجوعنا إلى مصر، وإنما ذكرنا هذه المقالة لأنها تعد عند الفرنساوية من أطيب أزمانهم وأشهرها، بل ربما كانت عندهم تاريخًا يؤرخ منه
الفصل الأول
في ذكر مقدمة يتوقف عليها إدراك علة خروج الفرنساوية عن طاعة ملكهم
اعلم أن هذه الطائفة متفرقة في الرأي فرقتين أصليتين، وهما: الملكية والحرية، والمراد بالملكية أتباع الملك القائلون بأنه ينبغي تسليم الأمر لولي الأمر، من غير أن يعارض فيه من طرف الرعية بشيء، والأخرى تميل إلى الحرية، بمعنى أنهم يقولون: لا ينبغي النظر إلا إلى القوانين فقط، والملك إنما هو منفذ للأحكام على طبق ما في القوانين، فكأنه عبارة عن آلة، ولا شك أن الرأيين متباينان؛ فلذلك كان لا اتحاد بين أهل فرنسا، لفقد الاتفاق في الرأي، والملكية أكثرهم من القسوس وأتباعهم، وأكثر الحربين من الفلاسفة والعلماء والحكماء وأغلب الرعية، فالفرقة الأولى تحاول إعانة الملك، والأخرى ضعفه وإعانة الرعية، ومن الفرقة الثانية طائفة عظيمة تريد أن يكون الحكم بالكلية للرعية، ولا حاجة إلى ملك أصلاً، ولكن لما كانت الرعية لا تصلح أن تكون حاكمة ومحكومة. ويجب أن توكل عنها من تختاره منها للحكم، وهذا هو حكم الجمهورية ويقال للكبار: مشايخ وجمهور.
وشريعة الإسلام التي عليها مدار الحكومة الإسلامية مشوبة بالأنواع الثلاثة المذكورة لمن تأملها وعرف مصادرها ومواردها، فعلن من هذا أن بعض الفرنساوية يريد المملكة المطلقة، وبعضهم يريد المملكة المقيدة بالعمل بما في القوانين، وبعضهم يريد الجمهورية، وقد سبق للفرنساوية أنهم قاموا سنة ???? من الميلاد وحكموا على ملكهم وزوجته بالقتل، ثم صنعوا جمهورية، وأخرجوا العائلة السلطانية المسماة «البربون» من مدينة «باريس» وأشهروهم مثل الأعداء وما زالت الفتنة باقية الأثر إلى سنة ???? ميلادية، ثم تسلطن «بونابارته» المسمى: «نابليون» وتلقب بسلطان سلاطين: ثم لما كثرت محارباته وكثر أخذه للممالك وخيف بأسه وبطشه تعاهد عليه ملوك الإفرنج؛ ليخرجوه من المملكة، فأخرجوه منها، مع محبة الفرنساوية له، وأعادوا البربون إلى محلهم رغمًا عن أنف الملة الفرنساوية، فكان أول من تسلطن منهم «لويز الثامن عشر» ولأجل تغريب الناس في حكمه وتمكين ملكه صنع قانونًا بينه وبين الفرنساوية بمشورتهم ورضائهم، وألزم نفسه أن يتبعه ولا يخرج عنه، وهو الشرطة، وقد ذكرناها مترجمة في باب سياسة الفرنساوية ولا شك أن وعد الكريم ألزم من دين الغريم. وقد جعل هذا القانون له ولمن بعده من ورثة مملكة الفرنساوية، وأنه لا يزاد فيه ولا ينقص إلا إذا اتفق عليه الملك وديوان «البير» وديوان وكلاء الرعية، فلا بد من الديوانين والملك، ويقال إنه صنع ذلك على غير مراد أهله وأقاربه وهم يحبون التصرف المطلق في الرعية، ويقال: إنهم تعصبوا عليه، وكان رئيس العصبة أخاه «كرلوس العاشر» حتى إنه اطلع على ما أخفاه له فأبطله: ويقال إن كرلوس العاشر أراد في «كبر لويز الثامن عشر» أن ينقص ذلك القانون، ويرجع إلى طريق إطلاق التصرف، فلم يمكنه ذلك، ثم بعد موت أخيه أظهر «كرلوس» الحيلة، وأبطل ما كان نواه، وأظهر أنه لا يريد شيئًا من ذلك، وجوز لكل إنسان أن يبدي في الكازيطات رأيه بالكتابة من غير أن ينظر فيه قبل طبعه وإظهاره فصدق الناس كلامه واعتقدوا أنه لا يخلف وعده، بل فرحت سائر الرعية بتدبيره ومشيه على القوانين، ثم إنه انتهى أمره إلى أن هتك القوانين التي هي شرائع الفرنساوية وخالفها، وقبل هتكه للشريعة بانت منه أمارات ذلك بمجرد تقليده الوزارة للوزير: «بولنياق» وهو معلوم المذهب والتدبير، يعني أنه يميل إلى كون الأمر لا يكون إلا للملك، ويقال إن هذا الوزير هو ابن زنا، زنت أمه بهذا الملك، فولدته منه، فهو في الحقيقة أبوه، وشهير بالظلم والجور، ومن الحكم التي في غاية الشيوع: أن ظلم الأتباع مضاف إلى المتبوع، وفي الحديث: (من سل سيف الجور سل عليه سيف الغلبة ولازمه الهم)، وقال الشاعر:
من أنصف الناس ولم ينتصفبفضله منهم فذاك الأمير
ومن يرد إنصافه مثل ماأنصف أضحى ما له من نظير
ومن يرد إنصافه، وهو لاينصفهم فهو الدنيء الحقير
ولما كان هذا الوزير سابقًا «إيلجيًا» ببلاد الإنكليز من طرف الفرنساوية، يعني رسولاً للمصالح بين الدولتين، كانت الفرنساوية تنسب إليه كل ما خالف مذهب الحرية، وكلما شاع عنه أنه راجع إلى فرنسا يظن جميع الناس أنه لا يأتي إلا ليتقلد منصب الوزارة ويغير القوانين؛ فلذلك كان يبغضه سائر أرباب الحرية وأغلب الرعية، وقد عرف الفرنساوية من قبل أن اختياره للوزارة كان مقصودًا لمهم، وقد حصل بعد توليته بنحو سنة.
وقد قلنا فيما سبق: إن ديوان رسل العمالات الذين هم وكلاء الرعية يجتمعون كل سنة للمشورة العمومية، فلما اجتمع هذا الديوان عرضوا على الملك أن يعزل هذا الوزير ومن معه من الوزراء الستة، فلم يصغ لكلامهم أصلاً، وقد رجت العادة أن ديوان المشورة يعمل فيه جميع الأشياء بمقالة أكثر أربابه، وكان المجتمع في هذا الديوان للمشورة في قضية الوزراء أربعمائة وثلاثون نفسًا، منها ثلثمائة لا يرضون بإبقاء الوزراء، ومنهم مائة وثلاثون يحبون إبقاءهم، فكان العدد الأكثر عليهم، والعدد الأقل لهم، فتيقنوا عزلهم، وكان الملك يحب إبقاءهم، لاستعانته بهم على تنفيذ ما أضمره في نفسه فأبقاهم، ثم خرم القانون بعدة أوامر ملكية فكانت عاقبتها خروجهم وإخراجهم له من بلادهم معزولاً، فهو كما قال الشاعر:
لم يدرِ ما يجني عليه القولولا لماذا أمره يؤول
يلقي الكلام كيف ما ألقاهلم يحسن الفكرة في عقباه
وهكذا التهوير في المقالوصحبة الأشرار والجهال
يخفضك الجاهل أنَّى رفعكيرديك وهو زاعمٌ أن ينفعك
الفصل الثاني
في ذكر التغيرات التي حصلت وما ترتب عليها من الفتنة
قد سبق لنا من القوانين السالفة في الكلام على حقوق الفرنساوية في المادة الثامنة أنه لا يمنع إنسان في فرنسا من أن يظهر رأيه، ويكتبه ويطبعه، بشرط أن لا يضر ما في القوانين. فإن أضر به أزيل، فلما كانت سنة ????، وإذا بالملك قد أظهر عدة أوامر، منها: النهي عن أن يظهر الإنسان رأيه، وأن يكتبه أو يطبعه بشروط معينة، خصوصًا «للكازيطات» اليومية، فإنه لا بد في طبعها من أن يطلع عليها أحد من طرف الدولة، فلا يظهر منها إلا ما يريد إظهاره، مع أن ذلك ليس حق الملك وحده، فكان لا يمكنه عمله إلا بقانون، والقانون لا يصنع إلا بإجماع آراء ثلاثة: رأي الملك ورأي أهل ديواني المشورة يعني ديوان البير، وديوان رسل العمالات، فصنع وحده ما لا ينفذ إلا إذا كان صنعه مع غيره، وغير أيضًا في هذه الأوامر شيئًا في مجمع اختيار رسل العمالات، يعني في الذين يختارون رسل العمالات ليبعثوها في «باريس» وفتح ديوان العمالات قبل أن يجتمع مع أنه كان حقه ألا يفتحه إلا بعد اجتماعهم كما فعله في المرة السابقة، وهذا كله على خلاف القوانين، ثم إن الملك لما أظهر هذه الأوامر كأنه أحس في نفسه بحصول مخالفة، فأعطى المناصب العسكرية لعدة رؤساء مشهورين بأنهم أعداء للحرية، التي هي مقصد رعية الفرنساوية، وقد ظهرت هذه الأوارم بغتة حتى ظهر أن الفرنساوية كانوا غير مستعدين لها، وبمجرد حصول هذه الأوامر قال غالب العرافين بالسياسات: إنه يحصل في المدينة محنة عظيمة يترتب عليها ما يترتب — كما قال الشاعر:
أرى بين الرماد وميض جمرويوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعيدان تذكووإن الحرب أولها الكلام
ففي مساء اليوم الذي ظهرت فيه هذه الأوامر في «الكازيطات» أخذ الناس في الحركة بقرب المحل المسمى بالروايال «يعني» السراية السلطانية التي سكنها عائلة أقارب الملك المسماة «عائلة أورليان» التي منها الملك الآن، وهذا الوقت ظهر الغم على وجوه الناس، وكأن هذا يوم السادس والعشرين في شهر يوليه، وفي يوم السابع والعشرين منه لم يظهر غالب «كازيطات» الحرية لعدم رضائها بالشروط، فلذلك بلغت الأوامر جميع الناس حصلت حركة عظيمة بعدم ظهور «الكازيطات» التي من عادتها أنها لا تفتر عن الظهور إلا لمهم عظيم، فأغلقت «الورشات» والمعامل (والفبريقات) والمدارس، فظهر بعض كازيطات الحرية آمرة بعصيان الملك والخروج عن طاعته، ومعددة لمساوية وفرقت على الناس من غير مقابل، وبهذه الديار، بل وفي غيرها قد يبلغ الكلام؛ حيث تقصر السهام، خصوصًا مادة الخطات، فإنها قوية وخصوصًا بلاغة الإنشاء، فلها مدخلية عظيمة كما قيل: إن نزل الوحي على قوم بعد الأنبياء نزل علي بلغاء الكتاب! خصوصًا إذا كان ما يذكر في تلك اليوميات مقبولاً عند العامة، ومقصودًا عند الخاصة، فإن هذا هو عين البلاغة الصحيحة؛ إذ هي ما فهمته العامة، ورضيت به الخاصة، فلما سمع بذلك ولاة الحسبة حضروا في المحال العامة، ومنعوا الناس من قراءة هذه «الكازيطات»، وحاصروا مطابعها، وهموا بكسر آلات الطباعة، وكسروا بعضها، وحبسوا من اتهموه من الطباعين، (وبهدلوا) كثيرًا ممن أظهر شيئًا مخالفًا لترتيب الملك من الرعية، وهذا أيضًا مما قوى غضب الفرنساوية، فكتب أرباب هذه الكازيطات يعني رؤساء الفرنساوية الذين هم يكتبون فيها آراءهم «ورقة إنكار» وأشهروها وعددوا نسخها، ولصقوها بجدران المدينة وأمروا فيها الرعية بالحرب، وعينوا محمله، وكان الميعاد في درب «سراية باليروايال»? فازدحم فيه كثير من الأمم، وفيما حوله من الحارات، فكانت العساكر السلطانية تحاول تفريق هذا الازدحام، فعظم دويّ الرعية، وكثرت أصواتهم، وظهر غضبهم في سائر الدروب والحارات، فهجم العسكر على الرعية، والتحم القتال بين الفريقين، فكان الرعية تقاتل أولاً بالأحجار، والعساكر بالسيوف وآلات الحرب، فكثر القتال وعظمت المطاردة من الجانبين، ثم بحث الرعية عن آلات الحرب، وظهر صوت البارود من الجانبين، في مدينة «باريس» فكأنما لسان حال الفرنساوية الذي هو أصدق من لسان مقالهم جعل يقول:
إن بني عمك فيهم رماح
فعظم القتال وكان أكثر المقتول والمجروح من الرعية، كما قال الشاعر:
فالحرب تنكح، والنفوس مهورهاما بين أبكار تزف وعون
وترى الدماء على الجراح طوافياوكأنها رمد بنُجل عيون
فاشتد غضبهم، وعرضوا القتلى في المحال العامة، لتحريض الناس على القتال، وإظهار عيوب العساكر، وقامت أنفس الناس على ملكهم؛ لاعتقادهم أنه أمر بالقتال، فما مررت بهذا الوقت بحارة إلى وسمعت فيها: السلاح! السلاح. أدام الله الشرطة، وقطع دابر الملك! فمن هذا الوقت كثر سفك الدماء، وأخذت الرعية الأسلحة من السيوفية بشراء أو غصب، وأغلب العملة والصنائعية خصوصًا الطباعين هجموا على (القرقولات) وخانات العساكر، وأخذوا منها السلاح والبارود، وقتلوا من فيها من العساكر، وخلع الناس شعار الملك من الحوانيت والمحال العامة، وشعار ملك الفرنسيس هي صورة «زهر الزنبق»، كما أن شعار ملك الإسلام «صورة هلال» وملك الموسقوبية «صورة عقاب»، وكسروا قناديل الحارات وقلعوا بلاط المدينة، وجمعوه في السكك المطروقة، حتى يتعذر مشي الفرسان عليه، ونهبوا (خبخانات) البارود السلطانية، فلما اشتد الأمر وعلم الملك بذلك، وهو خارج أمر بجعل المدينة محاصرة حكمًا، وجعل قائد العسكر أميرًا من أعداء الفرنساوية مشهورًا عندهم بالخيانة لمذهب الحرية، مع أن هذا خلاف الكياسة والسياسة والرياسة، فقد دلهم هذا على أن الملك ليس جليل الرأي، فإنه لو كان كذلك لأظهر أمارات العفو والسماح، فإن عفو المَلك أبقى للمُلك! ولما ولي على عساكره إلا جماعة عقلاء، أحبابًا له وللرعية، غير مبغوضين ولا أعداء، ولكن أراد هلاك رعاياه حيث نزلهم بمنزلة أعدائه، مع أن استصلاح العدو احزم من استهلاله، ويحسن قول بعضهم:
عليك بالحِلم وبالحياءوالرفق بالمذنب، والإغضاء
إن لم تقل عثرة من يقاليوشك أن يصيبك الجهال
فعاد عليه ما فعله بنقيض مراده، وبنظير ما نواه لأضداده، فلو أنعم في إعطاء الحُريّة، لأمة بهذه الصفة حَريّة، لما وقع في مثل هذه الحيرة، ونزل عن كرسيه في هذه المحنة الأخيرة، لا سيَّما وقد عهد الفرنساوية بصفة الحرية وألفوها، واعتادوا عليها وصارت عندهم من الصفات النفيسة، وما أحسن قول الشاعر:
وللناس عادات وقد ألفوا بهالها سنن يرعونها وفروض
فمن لم يعاشرهم على العرف بينهمفذاك ثقيل عندهم وبغيض
وفي اليوم الثامن والعشرين أخذت الرعية من يد العساكر محلاً يسمى: «دار المدينة» الذي هو محل شيخ مدينة باريس، فعند ذلك ظهر الخفر الأهلي يعني «الرديف»? وهم عساكر كانت سابقًا تخفر الأهالي، كما أن للملك عساكر (ورديان)? تخفره وقد كان أبطلهم الملك «شرل» أو «كرلوس العاشر» فلما وقعت الفتنة ظهروا ليمانعوا عن الرعية، فشهروا أسلحتهم للقتال، وطردوا سائر العساكر من محلهم، وأحرقوا كثيرًا منها، وفي هذه الأوقات ارتفعت المحاكم، وصار الحاكم هو الرعية، ولم يمكن للدولة عمل شيء، فقد بذلت ما عندها من القوة لإخماد ذلك وتسكينه فلم تقدر عليه، فكان جميع المحافظين متحركين، و(الطبجية)? معينة لاثني عشر ألفًا من الورديان السلطاني، وستة آلاف من عساكر الصف، فكانت جملة العساكر السلطانية ثمانية عشر ألف نفس غير الطبجية والمحافظين، وكان من يحمل السلاح من الرعية أقل من هذا العدد ولكن من لا يحمل السلاح يحارب بالأحجار، أو يعين المتسلح، وبعد أخذ دار المدينة وسلب مدفع من العساكر الحربية ظهر انهزام سائر العساكر السلطانية بالبلدة، ثم ذهبوا إلى الديوان المسمى «لوور»? وإلى قصر «طويلريا»? وهو (سراية الملك) ووقع الحرب فيهما بين العساكر وأهل البلد، وبينما هم ف الحرب بهذا المحل؛ إذ انتشر البيرق المثلث الألوان الذي هو علامة الحرية على الكنائس والهياكل العامة، ودقت نواقيس الخطر لإعلام سائر الناس داخل وخارج «باريس» من أهل المدينة أو غيرها، بطلب حمل السلاح منهم للاستعانة على العساكر، فلما رأت العساكر أن النصرة للرعية، وأن ضرب السلاح على أهل بلادهم وأقاربهم عار عليهم امتنع أغلبهم، وعزل كثير من رؤسائهم نفسه من منصبه، وفي اليوم التاسع والعشرين في الصباح، ملك أهل البلد ثلاثة أربع المدينة، ووقع أيضًا في أيديهم قصر «طويلريا» و«لوور» فملكوهما، ونشروا عليهما بيرق الحرية، فلما سمع بذلك سر عسكر المأمور بإدخال أهل «باريس» في طاعة السلطان، رجع، فكان هذا تمام نضرة أهل البلد، حتى أن العساكر دخلت تحت (بيرق) الرعية، ومن هذا الوقت ترتب حكم وقتي وديوان مؤقت، لنظم البلاد حتى ينحط الرأي على تولية حاكم دائم، وكان رئيس هذا الحكم المؤقت سر عسكر، المسمى «لافييته»? وهو الذي قاتل في الفتنة الأولى للحرية أيضًا، وهذا الرجل شهير بأنه يحب الحرية، ويحامي عنها، ويعظم مثل الملوك بسبب اتصافه بهذا الوصف وكونه على حالة واحدة ومذهب واحد في «البوليتيقة» وليس صاحب قريحة، مستخرجًا للعلوم من حيز العدم كغالب رجال الفرنساوية ومشاهيرهم، خصوصًا في العلوم العسكرية، ولكن أعظم الناس مقامًا، لا قريحة وفهمًا، وليس المراد القدح في معرفته، بل في انتهاء الرياسة إليه، ومما يشاهد في سائر بلاد الدنيا أن التصدر ليس دائمًا على قدر المعرفة وإن كانت المعرفة موجبة له بالشرع والطبع، ومن الغريب أن مثل هذا الأمر يقع أيضًا في البلاد الحسنة التمدن، وأظن أن هذا كله مصداق الحديث الشريف الذي هو «ذكاء المرء محسوب عليه من رزقه» وكما قال الشاعر:
إذا أبصرت ذا فضل فقيرًافلا تعجب لفقر في يديه
فقد قال النبي مقال صدقذكاءُ المرء محسوب عليه
وما أحسن قول الشاعر:
ولو أن السحاب همى بعقللما أروى مع النخل القتادا
ولو أعطى على قدر المعاليسقى الهضبات واجتنب الوِهادا

? Le Sérail Palais Royal.
? الرديف: الجند الاحتياطي.
? يريد بهم الحرس.
? رجال المدفعية.
? Louvre.
? La palais des Tuileries.
? La Fayette.
الفصل الثالث
كيف كان يصنع الملك في هذه المدة، وفيما جرى بعد ذلك من رضائه بالصلح، بعد فوات أوانه، وفي خلعة المملكة على ابنه
اعلم أن أوامر الملك برزت منه وهو في بلدة «سنكلو» على القرب من باريس، فالفتنة حصلت في باريس، والملك لم يكن بها، ثم أن أهل المدينة بعثوا له أن يغير وزراءه، وأن يسترد أوامره، ويسترجعها، يعني أن يكتب أمرًا بأنه أعاد إليه ما كان أمر به فلم يرض بذلك، وأرسلوا إليه في ذلك عدة وكلاء، ليستعطفوه، ويترجوه في هذا المعنى، فلم يفد كلامهم. بل كان: أضيع من دمع على طلل، وأخبروه أن الرعية لا تريد ذلك أبدًا، وأنه ربما ترتب عليه فساد أعظم من ذلك، فأجاب بأن كلامه غير قابل للتغيير والتبديل، فلما تحقق عنده أن دولته قد أشرفت على الزوال بسبب عدم قبوله للمصالحة، أرسل يطلب منهم ذلك بنفسه، فأجابوه بأنه لم يبق محل للصلح، وأن أوان الصلح قد فات، وأنه لم يتبصر في العواقب، ومن لم يتبصر في العواقب لقي النوائب، وأنه لم يدقق النظر، وإلا لما حصل له ذلك [الضرر] وفي اليوم الثلاثين من شهر يوليه اتفق رأي أهل مشورة رسل العمالات على أن يبعثوا ليترجوا «الدوق درليان» قريب لسلطان من بدنة ثانية بأن يكون قائم مقام المملكة؛ حتى تقع مشورة أخرى على من يتولى مملكتهم وكان خارج «باريس» فبمجرد ما وصله ما اقتضاه نظر هذه المشورة وصل إلى «باريس» في الحادي والثلاثين، ونزل في دار المدينة، وأجاب برضائه بما صنعه أهل هذا الديوان وعند دخوله شرع يذكر عبارة عظيمة في السبب الحامل له على الرضاء بذلك، وملخصها: أنه قد حصل لي غاية التحسر على الأمر الذي جعل «باريس» في هذه الحالة المسببة عن خرم القوانين أو تفسيرها بمعنى بشع تحتمله عبارتها، ولقد امتثلت وجئت بينكم لأخلص البلاد من الفشل، ولا بد أن ألبس معكم علامة الثلاثة ألوان التي قد لقستها كثيرًا في أول عمري، ثم ختم عبارته بقوله: والشرطة تصير من هذا الوقت حقًا، يعني أنه يعمل بقوانين المملكة، وتصير متبعة لا يحاد عنها لكونها حقًا، ولقد صارت هذه الجملة عند الفرنساوية مثلاً من الأمثال، وألفاظها بالفرنساوية في غاية الحماسة، ثم إن «شرل» العاشر ظن أنه يمكن التخلص من زوال مملكته بخلع المملكة على ابنه ونزوله عنها له: شعر:
يود لو أن أيام الحمى رجعتوقل أن رد شيء بعد ما ذهبا
فما كان ذات يوم في «سنكلو»? إلا وخرج ابنه «الدوفين»? في ساحة، وجمع فيها العساكر، وأعلمهم بأن أباه ولاه ملكًا، فتلقت العساكر هذا الخبر باستخفاف وبغير اعتناء. ثم إن الملك لما ولى ابنه سافر مع ديوانه وجلسائه في ليلة التاسع والعشرين من شهر يوليه، وبقي الدوفين وحده ينتظر عاقبة توليته، فأحضر جميع من معه من العساكر، وسيرها قدامه، ليرى كيفيتها، فلما علم أنها لا ترضى بالمحاربة معه، نوى السفر، وخرج من «سنكلو» فبعد عدة ساعات من خروجه، انتشر على قصر «سنكلو» (البيرق) المثلث، وهذا القصر هو (سراية) السلطان في هذه البلدة، فوصل السلطان وأتباعه في «رنبوليا»? في غرة شهر أغسطوس، وفي اليوم الثاني من هذا الشهر بعث «شرل» العاشر وابنه «الدوقين» ورقة «للدوق درليان»? قريبهما يذكران فيها أنهما خلعا المملكة على الدوق «دبردو? حفيد الملك، وابن أخي الدوفين» وأنهما جعلا «الدوق درليان» وكيله ووليه؛ حتى يبلغ رشده، وطلبا منه في هذه الورقة أن يبعث لهما جماعة، ليؤمنوهما في خروجهما من فرنسا، فعرض «الدوق درليان» ذلك على مشورة رسل العمالات فلم يرضوا بخلع المملكة ورضوا بأن يبعثوا له عدة وكلاء من الكبار؛ ليؤمنوه في خروجه من فرنسا، ثم إنه جاء الخبر في «باريس» أن الملك لم يرض الخروج حالاً، فوجهوا إليه جملة من العساكر، ليكرهوه حالا على الخروج فبمجرد سماعه بذلك أجاب بالخروج متوجهًا إلى بلاد الإنكليز.
شعر:
والدهر طورا بعزيقضي، وطورًا بهون
وهكذا حال الدنيا، وأحسن ما قيل في التسلية والصبر على مكارهها قول بعضهم:
سلا بنفسي عن الدنيا وبهجتهاأني أرى فانيًا منها تلا فاني
والصبر أحمد ما أوليت من قلبما كنت في شدة إلا تلافاني
ما كنت في شدة إلا تلافاني وفي هذا الوقت كان ابن عمه قائم مقام المملكة «بباريس» فكان الأمر والنهي له ولدواوين المشورة، فأول ما صنعه تقرير بقاء الثلاثة ألوان التي هي علامة على الحرية الملة الفرنساوية، ثم فتح ديوان مشورة العمالات وديوان مشورة البير، وقد جرت العادة أنه عند فتح ديوان مشورة العمالات يحضر الملك، ويخطب على منبر بكلام فصيح، يذكر فيه ما صنعه من التحسين في بلاده، وما هو عازم على فعله في سنته، ولما كان هذا الدوق قائمًا في هذا الوقت مقام الملك صعد على المنبر يقول كلامًا وجيزًا مضمونه:
إنه يتحسر على الخطر الذي حصل لمدينة «باريس» عقب هتك قوانين المملكة، ثم بعد فراغه سلم لديوان المشورة الورقة التي بعثها له «كرلوس» العاشر وابنه «الدوفين» المتضمنة لخلعهما المملكة على الدوق «دبردو» وأنهما يسميانه «هنري» الخامس؛ لأنه تقدم في فرنسا أربعة ملوك كل منهم يسمى: «هنري» ثم خرج قائم مقام المملكة من المشورة، وصار ديوان المشورة يفتح كل يوم للتدبير.

? Saint cloud.
? لقب ولي عهد فرنسا Le Dauphin.
? Ramboufllet.
? Le Due d’Orléens.
? Due de Bordeaux.
الفصل الرابع
فيما انحط عليه رأي أهل المشورة، وفيما ترتب على هذه الفتنة من تولية الدوق دورليان ملك الفرنساوية
اعلم أن المشورة كانت تدبر حالة فرنسا المستقبلة، وقد أسلفنا أن آراء الفرنساوية مختلفة، حتى إنهم في المشورة مختلفون في الموضع، فمنهم الملكية يجلسون في الجهة اليمنى، والحريون في الجهة اليسرى، والتابعون لآراء الوزراء في الجهة الوسطى، وكل منهم يقول رأيه من غير معارض له؛ لأن العبرة بكثرة الأصوات وما زال هذا الأمر، معمولاً به إلى الآن، ولم تغير الفتنة شيئًا من ذلك، فكان أصحاب الآراء فرقتين: فرقة تريد المملكة، وفرقة تريد الجمهورية، والفرقة الأولى منها من كان يريد تمليك الدوق «دوبردو» حفيد الملك القديم، ومنهم من كان يريد تولية ابن «نابليون» الذي هو «بونابارته» ومنهم من كان يريد تمليك «الدوق درليان» قائم مقام المملكة، وعائلة «درليان» هي العائلة الثانية الوارثة للملكة، بعد انقراض العائلة الأولى البكرية، وهي عائلة «البربون» ثم إنه ظهرت ورقة مطبوعة، وألصقت في الحارات والمشارع العامة، مضمونها، قد صح بالتجربة أن الجمهورية لا تناسب بلاد الفرنساوية، وأما الدوق دبردو فتوليته تجعل الفرنساوية تحت حكم «البربون» فتقع الفرنساوية فيما فرت منه، وأما ابن نابليون فهو تربية قسيسين وهم أعداء الحرية فتعين «الدوق درليان» انتهت.
وقد دبرت عدة مواد انحط عليها الرأي:
المادة الأولى: أن الكرسيَّ فارغ حسًا ومعنى، ولا حق لأحد فيه فلا بد من شغله بأحد، الثانية: من أغراض الفرنساوية ومن مصالحهم أن تحذف العبارات الدالة على الاستعلاء من الشرطة، التي هي كتاب قوانين المملكة؛ لأن بقاءها بهذه الكيفية يحط بمقام الرعية الفرنساوية، ولا بد أن يحذف من الشرطة بعض المواد الغير اللائقة وتبدل بغيرها، حتى تكون مصلحة على ما تقتضيه الحال الراهنة، ثم بعد تمام ذلك طلب ديوان مشورة وكلاء الرعية أن المصلحة العامة اللازمة حالاً لجميع الفرنساوية أن يترجى حضرة سعادة «الدوق درليان لويز فليب» قائم مقام المملكة؛ لأن يكون ملكًا وتكون مملكته وراثة بعده لأولاده الذكور، ثم بعده لأكبر أولاده، وهكذا، يعني أن، الملك إذا مات انتقلت المملكة لأكبر أولاده، فإذا مات أو حصل له عذر كانت لابنه الأكبر، وهكذا. وأن يقبل المملكة ويرضى بالشروط، وبصيغة المبايعة التي يعينها له أهل المشورة، وأن يلقب بملك الفرنساوية، لا بملك فرنسا، والفرق بينهما أن ملك الفرنساوية معناه كبير على نفس الأشخاص بجعلهم له ملكًا، بخلاف ملك فرنسا، فإن معناه أن أرض فرنسا ما دامت باقية فهو سيدها وملكها، ولا منازع له من أهل بلاده فيها، وسبب ذلك أن الملوك السالفين كانوا يلقبون ملوك فرنسا، وكان إذا كتب الواحد منهم يقول ما صورته: أنا فلان بفضل الله تعالى ملك فرنسا «نوار»? على كل من يرى هذه الأوامر الحاضرة سلام قد أمرنا ونأمر بما سيأتي لنا، وقوله: ملك فرنسا ظاهر، وأما قوله «ملك نوار» فإن هذا لقب اصطلاحي له، لمجرد الشرف: وسبب ذلك أن أسلاف ملك فرنسا كانوا يحكمون على مملكة «نوار» ثم انتقلت منهم إلى ملوك إسبانيا، فصارت حصة منها وبقي اللقب لملك فرنسا، وأما ملك الفرنساوية فإنه يقول في كتابته: أنا فلان ملك الفرنساوية مني السلام على من حضر في الحال والاستقبال قد أمرنا ونأمر ففرق بين عبارة الأول والثاني، فإن الأول: جعل نفسه ملك مجموع فرنسا ونوار بإنعام الله — سبحانه وتعالى — عليه، والثاني: جعل نفسه ملك الفرنسيس، ولم يقل بفضل الله، ولقد تحاشى عن أن يقول ذلك لإرضاء الفرنساوية فإنهم يقولون إنه ملك الفرنسيس بإرادة ملته، وبتمليكهم له، لا أن هذه خصوصية خص الله — سبحانه وتعالى — بها عائلته، من غير أن يكون لرعيته مدخلية فظهر من هذا أن قوله بفضل الله، معناه عندهم باستحقاقه لذلك بولادته ونسبه، كما أن قوله ملك فرنسا معناه صاحب الأرض والسلطنة عليها: وإلا فلو كان عندنا لاستوت العبارتان، فإن كون الملك ملكًا باختيار رعيته له، لا ينافي كون هذا صدر من الله — تعالى — على سبيل التفضل والإحسان، ولا فرق عندنا مثلاً بين ملك العجم وملك أرض العجم، ثم بعد تمام المشورة بعث إليه أهلها عدة رسل، فقرأ عليه رئيس الرسل ما اتفق عليه أهل ديوان المشورة، فأجاب حالاً بقوله: قد سمعت والقلب في اضطراب ما عرضتموه علي من خلاصة مجلس المشورة، من انتخابي للملكة، ولقد صح عندي أن عبارتكم الصادرة عنكم هي أيضًا عبارة لسان حال الرعية بتمامها، وظهر لي أن ما صنعتموه في القوانين يناسب ما ذهبت إليه في السياسات التي مارستها مدة حياتي، ولكن حصل لي من ذلك انفعال عظيم؛ لأنني لست أنسى مدة حياتي ما قاسيته سابقًا من الأهوال، حتى إنني كنت عزمت على أن لا أطمع في قضية السلطنة، ونويت على أن أعيش خاملاً مرتاحًا بين عيالي، ولكن حبي لعمار بلادي غلب ذلك، فهو جدير بأن أوثره عليه، حيث قد أيقنت أن الضرورة دعت إليه، ثم إنه عين اليوم الذي يتتوج فيه، في ديوان رسل العمالات، فلما جاء اليوم الموعود جاء في الساعة المتفق عليها بموكب عظيم، من غير خفر سلطاني، ومن غير جلساء، وقد جرت عادة ملوكهم بأن زينة الموكب إنما هي بذلك، وكل ما مشى خطوة حياه جميع الناس من الجواب بقولهم: حفظ الله «الدوق درليان» حفظ الله الملك، فلما دخل الديوان ركب مصطبة بقرب الكرسي، وسلم على أهل المجلس ثلاث مرات، ثم جلس على دكة أمام الكرسي وابنه الأكبر عن يمينه، والثاني عن يساره، وخلفه أربعة وزراء في العسكرية يلقبون بالمارشالات — جمع «مارشال» — وهو أعلى مراتب العسكرية عند الدولة الفرنساوية، وهو دائمًا مضاف إلى فرنسا فيقال: مارشال فرنسا، وبالفرنساوية «مارشال د فرانسا».
والدال علامة على الإضافة بين المضاف والمضاف إليه، مثل اللام المقدرة في الإضافة عندنا، فعلامة الإضافة ظاهرة عند الفرنسيس، ثم بعد جلوسه عزم على أهل ديوان «البير وديوان رسل العمالات، بالجلوس، ثم طلب من رئيس الديوان أن يقرأ عليه الخلاصة التي عزم عليه أهل الديوانين فيها بالمملكة، فلما فرغ الرئيس من قراءتها أجاب «الدوق» المذكور بقوله: يا ساداتنا. قد سمعت مع التأمل خلاصة الديوانين، وقد وزنت عبارتهما وأمعنت فيها النظر، وأقول: رضيت من غير شرط ولا تعليق بجميع الشروط المذكورة في الخلاصة، وبتلقيبي ملك الفرنسيس الذي أعطيتموه لي، وها أنا حاضر مستعد للحلف والمبايعة على أني أحفظ ذلك، ثم قام الملك مكشوف الرأس، ورفع يده اليمنى، وشرع يقول هذه الصيغة، الآتية بترتيب وترتيل، وبصوت ثابت من غير لجلجة، وهذه الصيغة مترجمة: أشهد الله — سبحانه وتعالى — على أني أحفظ مع الأمانة الشرطة المتضمنة لقوانين المملكة، مع ما اشتملت عليه من الإصلاح الجديد المذكور في الخلاصة، وعلى أني لا أحكم إلا بالقوانين المسطورة وعلى طريقها، وإن أعطى كل ذي حق حقه، بما هو ثابت في القوانين، وأن أعمل دائمًا على حسب ما تقتضيه مصلحة الرعية الفرناسوية وسعادتها وفخرها، ثم صعد على كرسي المملكة، وشرع يقول: يا ساداتنا، قد حلفت في هذا الوقت يمينًا عظيمًا، وما جهلت بالواجبات المرتبة به على، مع عظمها واتساعها، لما أن نفسي تحدثني أنني أوفى بها، وما قيلت المبايعة إلا عن رضى، وقد كنت عزمت على ألا أركب أبدًا الكرسي الذي أعطته لي الملة الفرنساوية، ولكن لما رأيت أن فرنسا قد جرحت حريتها، وتكدرت الراحة العامة بأرضها، وبهتك قوانين المملكة قد أشرفت على الفساد، وجب نصب القوانين، وكان ذلك من وظيفة ديوان «البير وديوان رسل العمالات» وقد وفيتهم بذلك، فما صنعناه من إصلاح الشرطة يستلزم الأمن في المستقبل فمأمول أن فرنسا تصير مرتاحة في داخلها، ومحترمة في خارجها، والصلح في بلاد أوروبا يزيد ثباتًا، فلما فرغ من كلامه صاحت الأصوات: حفظ الله الملك «لويز فليب الأول»، ثم سلم الملك على المجلس، وخرج، مصافحًا من رآه من أهل المجلس وغيرهم، وركب حصانه، ومشى، وصار يصافح الناس عن يمينه وعن يساره، وربما عانق كثيرًا من الناس، وكان موكبه مؤلفًا من أهل البلد، وهن خفر الملة المسمى الخفر الأهلي يعني «الرديف» ولما دخل الليل نورت باريس بوقدة عظيمة وكان تملكه في السابع من شهر أغسطوس سنة ???? من الميلاد.

? Navarre.
الفصل الخامس
فيما حصل للوزراء الذين وضعوا خطوط أيديهم على الأوامر السلطانية التي كانت السبب في زوال مملكة الملك الأول الذي فعل فعلته، وفي العواقب لم ينظر، وطمع بما لم يظفر
كما قال الشاعر:
إن النفوس على اختلاف طباعهاطمعت من الدنيا بما لم تظفر
اعلم أن الفرنساوية بعد هذه الفتنة اهتموا غاية الاهتمام بالتفتيش على الوزراء الذين كانوا السبب في ذلك، وأيضًا فإنه بمقتضى القوانين أن الوزراء يضمون ما يقع في المملكة من الخلل فهم المحاسبون دون الملك: وليس على الملك شيء أصلاً، فحملهم ثقيل، ووظيفتهم شاقة التحمل، فعليهم الوزر في كل ما يحدث، قال الشاعر:
يتداول الناس الرياسة بينهموأريد حظهموا فلا أسطيع
وأكلف العبء الثقيل وإنماتبلى به الأتباع لا المتبوع
فعليهم الأثقال يرمى حملهاوعلى الرئيس الختم والتوقيع
فبرزت الأوامر في جميع طرق البلاد أن يوقفوهم إذا مروا عليهم، وقد قلنا: إن رئيس الوزراء كان «بولنياق» فمسك من الوزراء أربعة منهم هذا الأمير المذكور، وصورة القبض عليه: إنهم وجوده خارجًا من بلاد فرنسا في صورة خادم لامرأة عظيمة، فعرفوه، وأوقفوه وخفره الخفر الموجود في الطريق خوفًا من الرعية، ثم اعلموا بذلك الديوان في «باريس» فكتب هو مكتوبًا إلى ديوان مشورة «البير» وقد كان من رجال المشورة يقول فيه: إنه لا معنى للقبض عليه؛ حيث إنه من أهل هذا الديوان، واحتج بالمادة الرابعة والثلاثين من الشرطة، لا يمكن أن يحبس أحد من أهل ديوان «البير» إلا بأمر أهل ذلك الديوان، ولا يمكن أن يحكم عليه غيرهم في مواد الجنايات، فما كان جوابهم إلا أنهم اجتمعوا وقرءوا مكتوبه ثم تشاوروا فكانت خلاصة المشورة الإذن بالقبض عليه وحبسه؛ حتى يحكموا عليه، فجيء به إلى بلدة «ونسينه»? بقرب «باريس»، وحبي في قلعتها، ثم قبض على الثلاثة الأخر وحبسوا معًا من غير أن يحصل لأحد منهم شيء من الترذيل أبدًا مدة حبسه، ثم أنهم مدة حبسهم بنوا لهم محلاً عظيمًا في ديوان مشورة «البير» لتسمع دعواهم فيه وجعلوه بناء متينًا وثيقًا على صورة عظيمة، حتى لا يمكن للرعية الهجوم عليهم لأذيتهم ولا لأحبابهم أن يخلصوهم من الحبس، وكلفوا ذلك أموالاً لها وقع عظيم ثم جاءوا بهم إلى هذا المكان وحبسوهم في محل منه، وصاروا يأتون بهم كل يوم وكانت دعوتهم من أعظم ما يتعلق غرض الإنسان بسماعه.
ومن أجل ما يدل دلالة قطعية على تمدن الفرنساوية وعدل دولتها: ولنذكر لك بعض شيء منها فنقول:
اعلم أن ملك الفرنسيس الجديد لما تولى تعلقت إرادته بعزل سبعين رجلاً من أهل مشورة «البير» الذين كان ولاهم «شرل العاشر» الملك السابق ثم سمى منهم تسمية جديدة من كان على غرضه فلو كان هؤلاء السبعون (فضلوا) من أهل الديوان لكانوا يحامون عن الوزراء، فكان غالب أهل ديوان مشورة «البير» أعداء لهم إلا أن التمسك بالقوانين، وطيب نفوسهم في الجملة وعدم ميلهم بالطبيعة إلى الظلم كان سببًا في نجاة الوزراء المذكورين، ومما يتعجب منه أن الوزير «بولنياق» حين القبض عليه أراد أن يختار واحدًا يحامي عنه من العارفين بالأحكام، فلم يختر إلا «مرتنياق» أحد الوزراء المعزولين قبله ليس بينه وبينه وصلة ولا محبة، وأعجب من ذلك أن الآخر الذي هو «مرتنياق» وفى بذلك مع غاية الأمانة التامة، وبذل ما عنده من المعارف لدفع الإيرادات عن موكله، وكذلك كل واحد من الوزراء المقبوض عليهم وكّل محاميًا لهم، ثم لما فتحوا الدعوى أرسلوا لكل واحد من الوزراء المحبوسين يطلبونه بخصوصه مع غاية الرفق واللين.
وكيفية أول ما يسأل به: ما اسمك؟ ما وصفك؟ ما منصبك؟ ما رتبتك؟ فيجيب بأجوبة هذه الأسئلة، ولو كانوا يعرفون ما ذكر ثم قالوا لكل واحد منهم: أتقر بأنك وضعت خط يدك تحت أوامر الملك؟ قال: نعم، ولأي شيء فعلت ذلك؟ فيجيب بأن الملك أراده، ولأي شيء أراد الملك فعل ذلك؟ وهل عزم عليه من قديم الزمان أو الآن فقط؟ وقد كان كل منهم يجيب في مثل هذه الأسئلة بقوله: لا أفشي سر ديوان حضرة الملك أصلاً، مع غاية التعظيم في المجلس لمليكهم المعزول ولم يتفوه أحد منهم بشيء من أسرار الديوان أبدًا، ولم يكرههم أحد على ذلك، ثم بعد سؤالهم وانتهائه، وكتب خلاصته جاء المحامون عنهم ومكثوا أيضًا عدة أيام، ليظهروا أن الوزراء بريئون من الذنوب وأن مقصدهم كان حسنًا، وهكذا، فبعد ذلك امتحنت المشورة جميع الدعوى، ثم قضت بما هذه صورته: من حيث إن الوزراء وضعوا خط أيديهم تحت الأوامر المخالفة لقوانين المملكة، ومن حيث إنهم هتكوا حرمة القوانين ومخالفتها، حكمت المشورة عليهم بالحبس الدائم، وتجريدهم من أوصاف الشرف وألقابه، وحكمت على «بولنياق» زيادة على ذلك بالموت الحكمي وهو تقريبًا نظير مسألة من انقطع خبره وحكم بموته القاضي باجتهاده، بعد مضي مدة لا يعيش فوقها غالبًا، والموت الحُكْمي عند الفرنساوية، ويقال له: «الموت المدني» هو أن يكون حكم الحي عندهم كحكم الميت في كثير من الأحوال، وهو أن المحكوم عليه بذلك يزول عنه جميع ما يملكه ليدخل تحت يد ورثته مثل ما إذا مات حقيقة، ولا يصح أن يرث غيره بعد ذلك: ولا أن يورث هو غيره الأموال التي ملكها بعد ذلك، ولا يمكنه أن يتصرف في أمواله جميعها أو بعضها بهبة أو وصية، ولا يجوز إهداؤه، ولا الوصية له إلا بالقوت، ولا يجوز أن يكون وليًا ولا وصيًا ولا شاهدًا في شهادة شرعية، ولا تقبل دعواه، ولا ينعقد نكاحه، بل ينفسخ نكاحه الأول، بالنظر للأحكام المترتبة عليه: ولزوجته وأولاده أن يصنعوا في أمواله أو في أنفسهم كما لو مات هو حقيقة، وبالجملة فهو حي ملحق بالموتى، ولكن لما كان هذا الوزير وأمثاله ممن يحكم عليهم بذلك من أعيان الناس، وكانت ذريته حسنة التربية، كان المحكوم عليه بذلك يبقى في العادة على ما كان عليه قبل الحكم؛ لكون عائلته تعتقد أن هذا من باب التعدي المحض، وأنه ناج بينه وبين مولاه، ولا تفارقه زوجته أصلاً؛ لاعتقادها أنها في عصمته باطنًا، ولو ولدت منه بعد ذلك ولدًا ورثه الإخوة معهم، وإن كان هذا خلاف الأحكام المترتبة على الموت الحكمي، ولما سمعت الرعية بذلك قاموا وقالوا لا بد من الحكم عليهم بالموت الحقيقي، فأخبرهم أهل الدولة أن هذا يناقض ما تطلبونه من الحرية والعدل والإنصاف، وإن كتاب القوانين لم يعين نوع عقوبة الوزراء إذا حصلت منهم خيانة، وإنما حكمت المشورة بالاجتهاد عقوبة لهم وزجرًا لأمثالهم، ويصلح في حقهم قول الشاعر:
فهم من المجد في حضيضوهم من الجد في الروابي
وهم إذا فتشوا وعدواأعز من عودة الشباب
ثم ليلة أن حكم عليهم بذلك، قبل أن يطلعوهم على خلاصة المشورة أخرجوهم من هذا الحبس الذي كان بني لأجلهم، وخفروهم إلى قلعة «ونسينه»? فحبسوهم بها، ومنها نقلوهم إلى قلعة أخرى، وهم محبوسون بها إلى الآن، والحكم عليهم بهذه الكيفية، مما يدل على حسن أخلاق الدولة الفرنساوية.

? Le Ville de Vincennes.
? Le chateau de vincennes.
الفصل السادس
فيما كان بعد الفتنة في سخرية الفرنساوية على «شرل العاشر» وفي عدم اكتفاء الفرنساوية بذلك
اعلم أنه جاء إلى الفرنساوية خبر وقوع بلاد الجزائر في أيديهم قبل حصول هذه الفتنة بزمن يسير، فتلقَّوا هذا الخبر من غير حماسة، وإن أظهروا الفرح والسرور به، فبمجرد ما وصل هذا الخبر إلى رئيس الوزراء «بولنياق» أمر بتسييب مدافع الفرح والسرور، ولقد صدق من قال:
وكم سرور طيَّه أحزانلأجل هذا خُلِق الزمان
وصار يتماشى في المدينة كأنه يظهر العجب بنفسه؛ حيث إن مراده نفذ، وانتصرت الفرنساوية في زمن وزارته على بلاد الجزائر، فما كانت أيام قلائل إلا وانتصرت الفرنساوية عليه، وعلى ملكه نصرة أعظم من تلك، حتى إن مادة الجزائر نسيت بالكلية وصار الناس لا يتحدثون إلا بالنصرة الأخيرة: على أن حاكم الجزائر خرج منها بشروط، وأخذ منها ما يملكه، وملك الفرنسيس خرج من مملكته يتندم على ما وقع منه، وللزمان صروفٌ تدول، وأحوال تحول، وكان هذا هو عاقبته على غارته على بلاد الجزائر بأسباب واهية لا تقتضي ذلك، بل بمجرد إرضاء هوى النفس، وإذا نصر الهوى بطل الرأي.
مما وقع أن المطران الكبير لما سمع بأخذ الجزائر، ودخل الملك القديم الكنيسة يشكر الله — سبحانه وتعالى — على ذلك جاء إليه ذلك المطران ليهنيه على هذه النصرة، فمن جملة كلامه ما معناه: أنه يحمد الله — سبحانه وتعالى — على كون الملة المسيحية انتصرت نصرة عظيمة على الملة الإسلامية، ولا زالت كذلك — انتهى — مع أن الحرب بين الفرنساوية وأهالي الجزائر إنما هو مجرد أمور سياسية، ومشاحنات تجارات ومعاملات ومشاجرات ومجادلات، منشؤها التكبر والتعاظم.
ومن الأمثال الحكيمة: لو كانت المشاجرة شجرًا، لم تثمر إلا ضجرًا، فلما وقعت الفتنة كسر الفرنساوية بيت المطران بعد هروبه وخربوه، وأفسدوا جميع ما فيه حتى إنه تخفى، ولم يعلم له أثر ثم ظهر واختفى ثانيًا، وهجم على بيته ثانيًا، وما زال مذمومًا مخذولاً، وقال الشاعر:
لا تعجبنَّ رويدًا إنها دولدنيا تَنَقَّل من قوم إلى قوم
إلى قوم ثم إن الفرنساوية لما رأوا أن «شرل العاشر» أخرج «باشا الجزائر» من مملكته أيضًا، صاروا يهزءون «بشرل العاشر»، ويصورونه هو وباشا الجزائر في الطرق، ويكتبون في وقائع النوادر تلميحات غريبة، ونكات ظريفة؛ فمن جملة ذلك أنهم صوروه هو والباشا المذكور وكتبوا تحت صورة باشا الجزائر: وأنت أيضًا.. جاءت نوبتك؟!! كأن الباشا يقول للملك استفهامًا ليهزءوا به: وأنت أيضًا عزلت كما عزلتني!
شعر:
فقل للشامتين بنا رويدًاأمامكمُ المصائب والخطوب
وقال آخر:
الدهر يفترس الرجال فلا تكنممن تطيِّشه المناصب والرتب
كم نعمة زالت بأدنى زلةولكل شيء في تقلبه سبب
وكتبوا أيضًا في وقائع النوادر ما نصه: إن الباشا المذكور يقول «لشرل» العاشر: قم بنا نلعب لعب كذا، على قدر معلوم، وإن لم يكن معك شيء جمعنا لك شيئًا، على سبيل الصدقة من الناس! يشيرون بذلك إلى أن باشا الجزائر خرج من بلاده غنيًّا، و«شرل العاشر» خرج من بلاده فقيرًا، وصوروا أيضًا الملك المذكور في صورة الأعمى يتكفف الناس، ويقول في سؤاله: اعطوا بعض شيء للفقير الأعمى، يشيرون إلى أنه لم يتبصر في عواقب الأمور، وصوَّروه أيضًا هو ووزيره «بولنياق» خارجين من كنيسة إشارة إلى أنهما لا يفلحان إلا في هذه العبادة الباطلة، وإنهما قسوس لا أمراء، وكانوا يزعمون أن الملك كان يلبس في بعض الأحيان لبس القسيسين، ويقدس بالناس كالقسيس في كنيسته التي في (سرايته)، وكانوا يصيحون في البلدة بعد هذه الفتنة بورقات مطبوعة، فيها: عشق هذا الملك وفساده في صغر سنه، وفسق المطران الكبير، وهكذا، وبأن ابن ابنه ليس هو ابنًا حقيقيًا، وإنما هو ابن مزور، والعجيب أنهم كانوا يصيحون بهذه الأوراق ليبيعوها في ساحة بيت الملك الجديد، الذي هو من أقارب الملك، وأعجب من ذلك أنهم يكتبون في هذه الورقة: إن الملك الجديد هو الذي كتب ذلك سابقًا في «جرنالات» الإنكليز، بعد ولادة حفيد الملك القديم، ويصيحون بذلك، ولا أحد ينكر عليهم، لما أن حرية الرأي قولاً وكتابة تقضي بذلك.
وبعد تولية هذا الملك ظهرت عدة تعصبات عظيمة، منها من يريد عزله ونصب الجمهورية لعدم اكتفائه بالحرية وطلبه أزيد عن ذلك، ومنهم من تعصب لنصب الحكم القديم، وتولية حفيد الملك السابق.
وما زالت هذه الفتنة باقية الآثار إلى الآن، وربما تعدت آثارها إلى غيرها من البلاد.
فمن ذلك: الفتنة التي ترتب عليها انعزال إقليم البلجيك من مملكة الفلمنك، وقد كان جزءًا منها.
ومن آثارها أيضًا: طلب بلاد له الحرية والخروج من حكم الموسقوبية.
ومنها: الفتن التي وقعت في بلاد إيطاليا.
الفصل السابع
فيما كان من دول الإفرنج، بعد سماعهم بانعزال الملك الأول وتقليد المملكة للملك الثاني، وفي رضائهم بذلك
لا يخفى أن العائلة السلطانية القديمة قد رجعت بعد تعاهد الدول الإفرنجية على السلطان «نابليون» وإخراجه ونفيه إلى جزيرة «سنت هلينة»، وترجيع هذه العائلة إلى البلاد بعد أن كانت في البلاد الغريبة، فتملك هذه العائلة إنما هو بمعاهدة ملوك الدول الإفرنجية، فهي في الحقيقة مملكة على فرنسا رغمًا عن أنف غالب الفرنساوية، فلما وقعت الفتنة خشي الفرنساوية من أن الملوك المذكورين يأتون بجيوش على بلادهم، وينصبون كرسي هذه العائلة، فتخلصوا من ذلك بتملك العائلة الأخرى التي هي عائلة «أرليان»، ولكنهم لم يعلموا هل ترضي الملوك بذلك أو لا؟ وعزموا على أنهم إذا لم يرضوا بذلك وجاءوا لمحاربتهم حاربوهم، ولو حصل ما حصل وجهزوا ما يدل على ذلك.
ولنذكر لك هنا نسبة ملوك الإفرنج بالنظر لهذه المادة فنقول: اعلم أن ملك إسبانيا يوافق بسياسته وسلوكه سياسة ملك فرنسا القديم، وهو أيضًا من أقاربه؛ لأن العائلة التي تحكم ببلاد إسبانيا من العائلة التي تحكم ببلاد فرنسا، فهي تميل إليها ظاهرًا وباطنًا، ومثلها في ذلك الميل بلاد البرتوغال، فهاتان المملكتان لا يحصل منهما شيء يخاف به على العائلة القديمة، وأما بلاد إيطاليا فإن دولة «نابلي» ودولة «رومة» ودولة «سردنيا» توافق أيضًا في سياستها سياسة «البربون»، يعني العائلة القديمة، فحينئذ ملوك هذه الدول تأثرت باطنًا بما وقع في بلاد الفرنساوية، وأما دولة «المسقو»، ودولة «النيمسا»، ودولة «البروسه»، و«الإنكليز» فإنها متعاهدة على تولية عائلة «البربون» القديمة المملكة، فهي أيضًا تأثرت بذلك نوع تأثر، وخصوصًا الدولة المسقوبية، وأما الدول الصغيرة ببلاد الإفرنج فإنها تابعة للدول الكبيرة، فلم يبق مع دولة الفرنساوية الجديدة إلا بعض أقاليم صغيرة تريد الحرية، غير أن أهل دولة الإنكليز أظهرت الرضا بما وقع؛ فلذلك ملكهم كان أول من اعترف بالمملكة لملك الفرنساوية الجديد، وقد جرت العادة أن الملك إذا تولى لا بد من أن يعترف له الملوك بالتملك، ويقروه على ذلك، وهو من الرسوم غالبًا، يقال إن حضرة مولانا السلطان الأعظم لما سمع بذلك، وأخبره «الإيلجي» أجاب بأنه لا يصنع شيئًا حتى يرى ما تصنع ملوك الإفرنج، فإن أقروه على ذلك أقره أيضًا ومدخلية الدولة العلية في ميدان دوائر الدولة الإفرنجية قليل.
وممن توقف في الإقرار مدة طويلة ملك الموسقو، ثم بعد ذلك أقره بشرط ألا يتغير شيء في ميزان بلاد الإفرنج، يعني أن الإفرنج تبقى على ما هي عليه، من غير أن يحصل بها راجحية أو مرجوحية في السياسة، بمعنى أن مملكة فرنسا مثلاً لا تزيد عما كانت عليه قبل الفتنة، والظاهر أن أكثر الملوك التي أقرت ملك الفرنساوية الجديد، إنما أقرته على ذلك، ورضيت بما وقع رضاه وقتيًا؛ حتى إن الفرنساوية تحس بذلك وتجهر به، كأنها لا تثق بذلك الصلح الذي تراه كأنه هدنة وتعليق.
ولما خرجت من فرنسا كان جميع الناس يتوقع فيها إشهار الحرب وظهوره بين النيمساوية والفرنساوية، أو الموسقوبية، أو الإسبانيول، أو البروسة.
والله — سبحانه وتعالى — أعلم بما كان ربما يكون، وللفرنساوية الآن التئام مع الإنكليز لم يسبق مثله أبدًا، وأما الكلام على الرجوع فراجعه في خاتمة الرحلة.
المقالة السادسة
[في ذكر نبذات من العلوم والفنون المسرودة في الباب الثاني من المقدمة]
وهي تشتمل على عدة كتب
الكتاب الأول
في تقسيم العلوم والفنون من حيث هي، وفي ذكر الفنون والعلوم العامة لجميع التلامذة.
الفصل الأول
في تقسيم العلوم والفنون على طريق الإفرنج
اعلم أن الإفرنج قسموا المعارف البشرية إلى قسمين: علوم وفنون فالعلم هو الإدراكات المحققة المذكورة بطريق البراهين، وأما الفن فهو معرفة صناعة الشيء على حسب قواعد مخصوصة.
ثم إن العلوم تنقسم إلى رياضيَّة وغيرها، وغير الرياضية تنقسم إلى طبيعيات وإلهيات.
والعلوم الرياضية هي: الحساب، والهندسة، والجبر، والمقابلة.
والعلوم الطبيعية هي: تاريخ الطبيعيات، وعلم الطبيعة، وعلم الكيمياء.
والمراد بتاريخ الطبيعيات علم الحشائش والأعشاب، وعلم المعادن والأحجار وعلم الحيوانات.
وهذه الفروع الثلاثة تسمى مراتب التولدات: مرتبة النباتات، ومرتبة المعادن، ومرتبة الحيوانات.
وأما الإلهيات فتسمى أيضًا علم ما وراء الطبيعيات: أو ما فوق الطبيعيات.
وأما الفنون فإنها تنقسم إلى فنون عقلية، وإلى فنون عملية، فالفنون العقلية ما يكثر قربُها من العلوم، مثل علم الفصاحة والبلاعة، وعلم النحو، والمنطق، والشعر، والرسم، والنحاتة والموسيقى، فإن هذه فنون عقلية؛ لأنها تحتاج إلى قواعد علمية. وأما الفنون العملية: فهي الحِرَف.
هذا هو تقسيم حكماء الإفرنج، وإلا فعندنا أن العلوم والفنون في الغالب شيء واحد، وإنما يفوق بين كون الفن علمًا مستقلاً بنفسه، وآلة لغيره، ثم إن العلوم المطلوبة من عموم التلامذة هي: الحساب، والهندسة، والجغرافيا، والتاريخ، والرسم، ومعرفة هذه كلها تكون بعد معرفة اللغة الفرنساوية، وما يتعلق بها؛ فلذلك وجب علينا هنا أن نذكر نبذة منها:
الفصل الثاني
في تقسيم اللغات من حيث هي وفي ذكر اصطلاح اللغة الفرنساوية
اعلم أن اللغة لما كانت ضرورية في أفهام السامع معنى يحسن سكوت المتكلم عليه وكانت لازمة في التفهيم والتفهم وفي المخاطبات والمحاورات، وجب عند جميع الأمم على المتعلم أن يبتدئ بها، ويجعلها وسيلة لما عداها، واللغة من حيث هي الألفاظ المخصوصة الدالة على المعاني المخصوصة، وطريقها الكلام والكتابة المختلفة باختلاف الأمم، وهي قسمان: لغات مستعملة، ولغات مهجورة؛ فالأول ما يتكلم بها الآن كلغة العرب، والفرس، والترك، والهند، والفرنسيس، والطليانية، والإنكليز، والإسبانيول، والنمسا، والموسقو، والثاني ما انقرض أهله واندثر ولم يبق إلا في الكتب مثل اللغة القبطية، واللاطينية، واليونانية العديمة المسماة بالإغريقية، ومعرفة هذه اللغات المهجورة في المخاطبات نافعة لمن أراد الاطلاع على كتب المتقدمين، في بلاد الإفرنج توجد مدارس مخصوصة معدة لتعلم هذه الألسن، لما يعلمُون من نفعها.
وكل لغة من اللغات لا بد لها من قواعد لتضبطها كتابة وقراءة، وتسمى هذه القواعد باللغة الطليانية «أغرماتيقا» وباللغة الفرنساوية «أغرمير» ومعناها تركيب الكلام، يعني علم ضبط اللغة من حيث هي، وهو مرادنا هنا فهو: علم به يعرف تصحيح الكلام والكتابة على اصطلاح اللغة المرادة الاستعمال، والكلام ما قصد به إفادة السامع معنى يحسن عليه السكوت، وهو يتركب من الكلمة، وأقسامها عند أهل اللغة العربية ثلاثة: الاسم، والفعل والحرف، والاسم إما مظهر نحو زيد، أو مضمر نحو هو، أو مبهم نحو هذا، والفعل إما ماض كضرب، أو مضارع كيضرب، أو أمر كاضرب، والحرف إما مختص بواحد من قسميه كمن وقد، أو مشترك بينهما كهل وبل.
وإنما قسمنا هذا التقسيم هنا؛ لأنه سيأتي لنا أن الفرنساوية عندهم الضمير واسم الإشارة قسيمان للاسم، ولا يعدان منه بوجه من الوجوه فإنهم جعلوا أجزاء الكلمة عشرة، كل واحد منها قسم مستقل له علامة وهي الاسم، والضمير وحرف التعريف والنعت والمشترك وهو أسماء المفعول والفاعل والفعل والظرف ويسمى عندهم مكيف الفعل، وحروف الجر وحروف الربط وحروف النداء والتعجب ونحوه، فيقولون في تعريف الاسم هو كلمة تدل على شخص أو شيء أي على العالم وغير العالم مثل زيد وفرس وحجر، وفي تعريف الضمير: هو ما يقوم مقام الاسم وحرف التعريف هو أيضًا عندهم لام التعريف كما عندنا إلا أنه يختلف باختلاف الاسم الداخل عليه، فإنه للمذكر «ل» بالضم، وفي المؤنث «ل» بالفتح، ولجمعيهما «لس». ولكن السين لا ينطق بها ويقولون في تعريف النعت هو ما يدل على الاتصاف بوصف من الأوصاف كحسن وجميل، فهو نظير الصفة المشبهة، وأما اسم الفاعل واسم المفعول فإنهما نحو ضارب ومضروب، والظرف عندهم مثله في لغة العرب، وحروف الجر مثل الظروف، وحروف الجر في اللغة العربية، فإذا قال الإنسان باللغة الفرنساوية: «جئت» قبل زيد وبعده، فإن قبل وبعد من حروف الجر عندهم، وإذا قال جاء زيد أولاً أو قبل أو نحو ذلك فإنه ظرف، وأما الحروف الروابط فإنهم يعرفونها بأنها ما تتوسط بين كلمتين أو جملتين نحو واو العطف في قولك جاء زيد وعمرو، ونحو أن قولك أؤمل أن أعيش زمنًا طويلاً، ومن هذا القسم إذن وحينئذ من نحو قولك أنت عاقل، فإذ أنت قابل للتعلم أو أنت فحينئذ قابل، وحروف النداء والتعجب ونحوها معلومة، وقواعد لغتهم يلزمها هذا التقسيم.
ويظهر أن قول بعضهم: أقسام الكلمة أو الكلام ثلاثة في سائر اللغات، وأن الحصر عقلي لعلة استغلالها المفهومية وعدمه، ودلالة ما استقل بالمفهومية على زمان وعدمها فيه بعض شيء.
ورأيت في كتب الفرنساوية من قسمها أولاً إلى هذه الأقسام الثلاثة، ثم قسمها تقسيمًا ثانويًا، فالحصر حينئذ عقلي على حاله.
ثم إن كل إنسان يعبر عن مقصوده إما بالكلام أو بالكتابة، فكلامه يسمى عبارة ومنطقًا، وتعبيره عن مقصوده بالكتابة يسمى نفسًا ومسطرة وقلمًا، فقد يكون قلم الإنسان أفصح من عبارته، فإنه قد يكون الإنسان ألكن، ويكون قلمه فصيحًا ثم إنه إذا أفصح وأغرب غرابة مقبولة كانت عبارته عالية، وإن كانت عبارته مؤدية للمقصود من غير ركاكة فهي مناسبة، وإن كان بها بعض شيء يمجه السماع فهي ركيكة أو رديئة، وعلى كلٍّ، فالعبارة إما بها إطناب أو اختصار أو على الأصل، ثم إن الكاتب إما أن يفصح عن مراده بنظم أو نثر، وعلى كل فإما أن يكون كلامه أو تأليفه باللغة المستعملة في المحاورات المسماة الدارجة أو باللغة الموافقة، فقواعد النثر هو الأصل في الكلام والتآليف، ولا يحتاج إلى وزن تقفية إلا في السجع، وهو لسان العلوم والتاريخ والمعاملات والمراسلات والخطابات ونحو ذلك؛ ولاتساع اللغة العربية كان بها كثير من كتب العلوم منظومًا، وأما لغة الفرنسيس فلا ينظم فيها كتب العلوم أصلاً.
والنظم هو أن يفصح الإنسان عن مقصوده بكلام موزون مقفى، وهو يحتاج زيادة عن الوزن إلى رقة العبارات، وقوة والأسباب الداعية لنظمه، ويعجبني قول بعضهم موريًّا:
صوغ القريض على اختلاف رجالهما بين خصبًا لا تعد وجوهرُ
وإذا أردت بأن تفوز بدرِّهنظمًا فخذه من «صحاح الجوهري»
ولبعضهم:
يا من يقول الشعر غير مهذبويسومني التكليف في تهذيبه
لو كان كل الخلق فيك مساعديلعجبت من تهذيب ما تهزو به?
وقال بعضهم في فقد الأسباب:
قالوا تركت الشعر قلت ضرورةباب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار: فلا كريمٌ يرتجىمنه النوال، ولا مليح يعشق
وقال آخر:
الشعر لا يخفى عليكم حالهقد بار — وا أسفاه — بعد نفاق?
وارحمتا لبني القريض؛ فإنهمماتوا، وهم أحيا من الإملاق?
ونظم الشعر غير خاص بلغة الغرب؛ فإن كل لغة يمكن النظم فيها بمقتضى علم شعرها، نعم، فن العروض على الكيفية الخاصة به المدون عليها في لغة العرب وحصره في البحور الستة عشر المستعملة هو لخصوص اللغة العربية، وليس في اللغة الفرنساوية تقفية النثر، ومعرفة فن النظم لا تكفي في نظم الشعر، بل لا بد أن يكون الشاعر به سجية النظم سليقة وطبيعة، وإلا كان نفسه باردًا وشعره غير مقبول:
إلى العربي مل في نظم شعرفذاك لسان أرباب الكمال
فشعر الفرس أسكرنا بجاموشعر الترك طرز بالخيال
ولنذكر هنا خلاصة صغيرة من الأشعار ملخصة من أحسن القصائد والمقطعات فنقول: قد اشتهر أن أرق بيت قالته العرب في الغزل قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حورقتلتنا، ثم لم تحيين قتلانا
يسلبن ذا اللب حتى لا حراك بهوهن أضعف خلق الله إنسانا
ولنذكر هنا حكاية لطيفة، وهي: إنه دخل أعرابيٌّ على ثعلب، فقال له: تزعم أنك أعلم الناس بالأدب؟ فقال: كذا يزعمون، فقال: أنشدني أرق بيت قالته العرب، وأسلسه فقال قول جرير: إن العيون إلى آخره، فقال: هذا الشعر غث رث، قد لاكه السفلة بألسنتها، هات غيره، فقال ثعلب: أفدنا من عندك يا أعرابيٌّ: فقال: قول مسلم بن الوليد صريع الغواني:
نبارز أبطال الوغى فنبيدهمويقتلنا في السلم لحظ الكواعب
وليست سهام الحرب تفني نفوسناولكن سهام فوقت في الحواجب
فقال ثعلب لأصحابه: اكتبوها على الحناجر، ولو بالخناجر! فشعر مسلم ابن أبي الوليد أقوى حماسًا من قول جرير، وأقول: إن نسبة القوة بينهما كنسبتها بين قول بعضهم:
خطرات النسيم تجرح خديــه ولمس الحرير يدمي بنانه
وقول ابن سهل الإسرائيلي:
إني له عن دمي المسفوك معتذرأقول: حملته في سفكه تعبا
ومما يمكن نظمه في سلك قول مسلم بن الوليد قول بعضهم:
نعد العذارى من دواهي زمانناوأقتلها أحداقها والمحاجر
ونشكو إليها دائرات صروفهوأعظمها أطواقها والأساور
ويعجبني قول أمين أفندي الزللي في همزيته:
واقرن صبوحك بالغبوق، ولا تدعفرص السرور بغدوة ومساء
واعقد ببنت الحان، واجعل مهرهاعقلي، وأشهد سائر الندماء
واستجلها بكرًا تقلد جيدهابعقود درٍّ بل نجوم سماء
إلى أن قال:
من كف ساق في لِماه ولحظهوحديثه نوع من الصهباء
وبخده ورد حماه بأسهمعن قطفه باللحظ والإيماء
ويحسن هنا ذكر قول الشهاب الحجازي:
لا وغصن راق للطرف ورقوعليه حلل الظرف ورق
وشموس لم تغب عن ناظريوالشعور الليل والخد الشفق
وعيون حرمت نومي وماحللت لي غير دمعي والأرق
ما احمرار الراح إلا خجلامن رضاب سكرت منه الحدق
والذي قد حسبوه حببًافوق خد الكاس قطرات العرق
ويعجبني قول بعضهم:
لولا شفاعة شعرها في صبهاما واصلت وأزالت الأسقاما
لكن تنازل في الشفاعة عندهاوغدا على أقدامها يترامى
وينتظم في سلكه قول بعضهم:
سل سيفًا من لحظه ثم أرخىوفرة وفرت عليه الحميلة?
إن شكا الخصر طولها غير بدعلنحيل يشكو الليالي الطويلة
ومما يفوق قول الواو? الدمشقي أو يساويه:
قالت الظعن يا هذا؟ فقلت لها:أما غدًا زعموا أولاً فبعد غد
فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقتوردًا، وعضت على العُناب بالبَرد
وقول بعضهم:
بنفسي بيضاء العوارض أقبلتبوجه كأن الشرق من حسنه غرب
وبين الإزار الملوي حقف رملة?وبين الوشاح الملتوي غصن رطب
وتحت لئام الخز أنفسها لظى?وفوق الرواد السكب لامعها سكب
تبدت مع الأتراب تدعو على النوى?وإن لم يكن في الغانيات لها ترب
تسيل على الخد الأسيل? دموعهاوصب دموع العين يروي به الصب
وقد وكلت إحدى يديها بقلبهامخافة أن يرفض من صدرها القلبُ??
فلما أجزن الجسر قمن وراءهكسرب من الغزلان ليس له سربُ??
وعضت بِدُرّ الثغر فضةَ معصميكاد يثنيه من الذهب القلب??
وكادت تحط الرحل لولا عزيمتيفي جفون العين أسهمها الهدب
ومما بعد من الأشعار الرقيقة قول الشاعر:
يصفرّ وجهي إذا تأملهطرفي فيحمر خده خجلاً
حتى كان الذي بوجنتهمن دم جسمي إليه قد نقلا
ومما ينسب للخليفة هارون الرشيد:
وإذا نظرت إلى محاسنهافلكل?? موضع نظرة نبل??
وتنال منك بحد مقلتهاما لا ينال بحده النصل
شغلتك وهي لكل ذي بصرلاقى محاسن وجهها شغل
فلقلبها حلم يباعدهاعن ذي الهوى، ولطرفها جهل
ولوجهها من وجهها قمرولعينها من عينها كحل??
ومن أرق ما قيل أيضًا قول الشاعر:
لاموا على صب الدموع كأنهملا يعرفون صبابتي وولوعي
فأجبتهم: وعد الخيال بزورةأفلا أرش طريقه بدموعي
ومما يعجب في الرثاء قول أي الطيب في أبي شجاع فاتك:
يا من يبدل كل يوم حلةإني رضيت بحلة لا تنزع
ما زلت تخلعها على من شاءهاحتى لبست اليوم ما لا يخلع
ما زلت تدفع كل أمر فادححتى أتى الأمر الذي لا يدفع
فظللت تنظر لا رماحك شرَّعٌ??بين الأقام ولا سيوفك قطع
بأبي الوحيد وجيشه متكاثريبكي ومن شر السلاح الأدمع
وإذا حصلت من السلاح على البكافحشاك رحت به وخدك تقرع
إلى أن قال:
من للمعاقل والجحافل والسرى??فقدت بفقدك قميرًا لا يطلع
ومن اتخذت على الضيوف خليفةضاعوا ومثلك لا يكاد يضيع
وقوله أيضًا في فاتك المذكور:
لا فاتك آخر في مصر نقصدهولا له خلف في الناس كلهم
من لا تشابهه الأحياء في شيمأضحى تشابهه الأموات في الرمم
عدمته وكأني سرت أطلبهفما تزيِّدني الدنيا على العدم
إلى أن قال:
الدهر يعجب من حملي نوائبهوحمل جسمي على أحداثه الحطم??
وقت يضيع وعمر ليت مدتهفي أمته من سالف الأمم
أتى الزمان بنوه في شبيبتهفسرهم وأتيناه على الهرم
بالجملة والتفصيل فأحسن وأظرف سائر ما قيل:
سلوت على الأحبة والمداموملت عن التهتك والهيام
وسلمت الأمور إلى إلهيوودعت الغواية بالسلام
وملت إلى اكتساب ثواب ربيوقدمًا طال عزمي بالغرام
وما أنا بعده معط عنان الــهوى لكن ترى بيدي زمامي
أبعد الشيب وهو أخو سكونيليق بأن أميل إلى غرام
فشرب الراح نقص بعد هذاولو من راحتي بدر التمام
فكم أجريت في ميدان لهوخيول هوى وكم ضربت خيامي
وكم قبلت وردًا من خدودوكم عانقت غصنًا من قوام
سأوتي الكأس تعبيسًا وصدًاوإن جاءت تقابل بابتسام
عزمت على الرجوع عن المناهيومثلي من يدوم على اعتزام

? الصواب: ما تهذيبه، ليكون الجناس تمامًا.
? نفاق: مصدر نفق البيع: راج: ورغب الناس فيه.
? الإملاق: الافتقار.
? الحميلة: علاقة السيف.
? الصواب: الواواء.
? الإزار: كل ما سترك، والحقف: كل ما اعوج من الرمل واستطال.
? الخز: الحرير، واللظا: النار أو لهجها.
? الأتراب: جمع ترب وهو من ولد معه، والنوى: البعد.
? الأسيل: اللين الأملس الطويل.
?? ارفضّ: تفرق، وذهب.
?? السرب من الغزلان: القطيع منها، وسرب (في آخر البيت) بمعنى البال والقلب والنفس.
?? يثنيه: يكون ثانيًا له، القلب (بالضم)، سوار المرأة.
?? الأصل: «فكل» وبه ينكسر الوزن ولعل الصواب ما ذكرناه، فلكل.
?? النبل: عظام الحجارة أو صغارها.
?? الكحل: سواد منابت شعر الأجفان خلقة.
?? شرع: مسددة، مصوبة.
?? الجحافل: جمع جحفل، وهو: الجيش العظيم.
?? الحطم: الشديدة.
الفصل الثالث
في فن الكتابة
هو فن يعرف به التعبير عن المقصود بنقوش مخصوصة تسمى حروف الهجاء أو حروف المعجم، وأغلب الحروف الهجائية متفقة في سائر اللغات ومبدوءة بحرف الألف إلا عند الحبشة، فإن حرف الألف هو الثالث عشر، وصناعة الكتابة شديدة النفع عند سائر الأمم، وهي روح المعاملات وإحضار الماضي، وترتيب المستقبل ووصول المراد، ونصف المشاهدة، ثم إن العرب والعبرانيين والسريانيين يكتبون من اليمين إلى الشمال، والصينيون يكتبون من أعلى إلى أسفل، وتكتب الإفرنج من الشمال إلى اليمين، وهل الأوفق طبعًا الكتابة من اليمين إلى الشمال كما تكتب العرب وغيرهم ممن ذكرهم معهم، أو العكس كما تكتب الإفرنج؟
مما يدل على الأول ترتيب الأعداد فإنها مرتبة طبعًا، وهي تبتدئ من اليمين إلى اليسار؛ فالآحاد التي هي أجزاء العشرات تكون على يمين العشرات، والعشرات كذلك بالنسبة للمئات، وهي كذلك بالنسبة للألوف، وإذا كان الأعداد أصولاً لغيرها — يعني أشياء أولية اتفقت فيها الطبائع على اختلاف أصحابها — دل ذلك على أن مخالفتها مخالفة للأصل وثبت نقيضه وهو المراد، وحاول الإفرنج فحملوا القراءة والكتابة على قراءة الأعداد وكتابتها فقط، فبرهنوا بهذا على أوفقية طريقتهم للطبع، فمن باب أولى يقال: إن الكتاب من أعلى إلى أسفل مخالفة لمقتضى الطبع ويقال: إن العرب كانت تعرف الكتابة في زمن سيدنا أيوب عليه السلام، وقد وقع اختلاف في أن الحروف الهجائية هل هي من الأوضاع الإلهية أو من الأوضاع البشرية، وعلى الثاني فقد وقع الاختلاف في أنها من أوضاع أي ملة، فقال بعضهم: إنها من أوضاع السريانيين أو من أوضاع قدماء المصريين، واستظهر الأول فعليه تكون انتقلت من السريانيين إلى اليونان، بدليل أن الحروف اليونانية هي عين السريانية إلا أنها انقلبت من الشمال إلى اليمين، ومن أهل اليونان أخذ الرومانيون حروفهم.
وجودة الخط لا تدل على الفضل، وعدم تأدية الكتابة حقها دليل على الجهل.
وقد تنازع الشعراء في التفضيل بين السيف والقلم، بين قلم الإنشاء والحساب، وأشار المتنبي? إلى تفضيل السيف في قوله:
السيف أصدق أنباءً من الكتبفي حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف فيمتونهن جلاء الشك والريب
وأشار السيوطي في كتاب الأوائل إلى تفضيل القلم على السيف حيث قال:
الكتب عقل شوارد الكلموالخط خيط فرائد الحكم?
بالخط نظم كل منتثرمنها، وفُصِّل كل منتظم
والسيف، وهو بحيث تعرفهفرض عليه عبادة القلم
وتمام رفع المنازعة في تاريخ الدول لابن الكردبوسي في قوله: قوام الملك? شيئان: السيف، والقلم، والثاني مقدم على الأول، وبرهن على ذلك، والظاهر أن يقال في ذلك ما قيل في الكتابتين: من أن صناعة الإنشاء أرفع، وصناعة الحساب أنفع، فيقال إن السيف أرفع من القلم، والقلم أنفع.

? البيتان الآتيان لأبي تمام في مطلع قصيدته التي هنأ بها المعتصم بعد عودته منتصرًا من غزوة في بلاد الروم.
? عقل الدابة: ربطها، وشوارد الكلم: نوادرها وغرائبها، فرائد الكلم! نفائسها.
? قوام الملك: عماده، وما يقوم به.
الفصل الرابع
في علم البلاغة المشتمل على البيان والمعاني والبديع
وهو علم تحسين العبارة، أو علم تطبيق العبارة على مقتضيات الأحوال، والمقصود منه على العموم توصل الإنسان إلى الإفصاح عما في ضميره بفصيح الكلام وبليغه.
وهذا العلم بهذه الحيثية ليس من خواص اللغة العربية، بل قد يكون في أي لغة كانت من اللغات، فإنه يعبر عن هذا العلم في اللغات الإفرنجية بعلم «الريثوريقي» نعم هذا العلم في اللغة العربية أتم وأكمل منه في غيرها، خصوصًا علم البديع فإنه يشبه أن يكون من خواص اللغة العربية؛ لضعفه في اللغات الإفرنجية.
وبلاغة أسلوب القرآن الذين نزل إعجازًا للبشر من خصوصيات اللغة العربية، ثم إنه قد يكون الشيء بليغًا في لغة غير بليغ في أخرى، أو قبيحًا فيها، وقد تتفق بلاغة الشيء في لغتين أو لغات، كما إذا أردت أن تعبر عن رجل شجاع بأنه أسد، فتقول زيد أسد؛ فإن هذا مقبول في غير اللغة العربية كما هو مقبول فيها، وإذا أردت أن تعبر عن شخص حسن بأنه بديع الجمال، فتقول: هو شمس أو عن حمرة خده فتقول: خدوده تتلظى، فإن هذا التشبيه حسن في اللغة العربية، غير مقبول أصلاً في اللغة الإفرنجية، وكذلك ما يقال في الريف ونحوه، مثل قول الشاعر:
خليليَّ إن قالت بثينةُ: ما لهأتانا بلا وعد؟ فقولا لها: لها
سها، وهو مشغول بعظم الذي بهومن بات طول الليل يرعى السهاسها?
بثينة تزري بالغزالة في الضحىإذا برزت لم يبق يومًا بِها بَها?
لها مقلة نجلاء كحلاءُ خِِلقةكأن أباها الظبيُ أو أمها مها?
دهتني بودٍ قاتلي، وهو متلفيوكم قتلت بالودِّ مَن وُدُّها دَها?
وماست بأعطاف لطاف تهزهافعاينت غصن البان من هزهازها?
وقالت: وقد سارعت في السير دونهاوقاطعت طرقًا دونها ومَهامِها
سلافة ريق? عتقت، ثم روقتفمن لم يمت بالسكر من صفوها وهى
وفي الشفة اللعسا دوا كل مدنففإن كنت مشتاقًا إلى رشفها فها?
فأغلب التشبيهات الموجودة في هذه الأبيات غير مقبولة عندهم؛ لأنهم يقولون إن الطبع لا يألف الريق مثلاً لكونه آيلاً إلى البصاق، وإذا شبهت بضع العذراء قبل افتضاضها بالوردة التي لم تفتح، ثم بعده بالوردة المفتوحة كان ذلك عظيمًا عند الفرنسيس، فمبنى البلاغة عندهم على ما يقبله الطبع، ويقال: نسبة علم البلاغة للبلاغة كنسبة العروض للشعر، فحينئذ قد توجد البلاغة عند من لا يحسن علمها، كما أنه قد يحسنه غير البليغ.
وأغلب نفع البلاغة يكون في الشعر والخطابات ونحوها من كتب الآداب والتواريخ وأعظم نفع ذلك العلم الموصل إلى معرفة أسرار التنزيل وإعجازه؛ وذلك لأن النبي ? بعث في زمن شعر ونظم وكهانة، فأيده الله — سبحانه وتعالى — بالقرآن الذي لو قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى? أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـ?ذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (الإسراء: من الآية: ??) فظهر لأرباب العقول الصائبة أنه كلام قادر يقدر عليه، وأنه لا يشبه كلام المخلوقين، فآمنوا به، واتبعوه، إلا من حق عليه العذاب، فنزل القرآن الشريف على مقتضيات الأحوال، وكانت سائر عباراته مناسبة للأحوال لفظًا ومعنى، وإذا أردت توضيح العلوم الثلاثة ومعرفة قواعدها فعليك بكتب المعاني والبديع.

? السها: كوكب خفي في مجموعة «بنات نعش».
? الغزالة: الشمس.
? النجلاء: الواسعة، والمها جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية.
? دها: دهاء.
? الظاهر أن الصواب: ريقي؛ ليكون مقول القول، وعتق: قدم. ووهى الرجل: حمُق.
? المدنف: المريض.
? المدنف: المريض.
الفصل الخامس
في المنطق
هو علم يبحث فيه عن المعلومات التصورية والتصديقية من حيث توصيلها إلى غيرها، والمشهور أن واضعه «أرسطو الحكيم» المسمى أيضًا: «أرسطاطاليس» وفي كتب الفرنساوية أو أرسطاطاليس هو الذي كمل هذا الفن، وأن «أفلاطون» أيضًا هذبه، وأن «زنون» وضعه، ونسبة هذا العلم للجنان كنسبة النحو للسان، والعروض للنظم ونحو ذلك.
ولهذا العلم مبادٍ ومقاصد؛ فمباديه التصورات والتصديقات ومقاصده التعريفات والأقيسة، والتصور إدراك غير الحكم، وعكسه للتصديق فإذا تصورنا حقيقة الرجل من غير أن نحكم عليه بإثبات ونفى كان ذلك تصورًا، وإذا حكم عليه بأنه عالمٌ مثلاً فإنه يكون تصديقًا، والتصور قسمان: بسيط، مركب، فالتصور البسيط: إدراك الشيء مجردًا عن صفاته، والمركب: إدراك الشيء مع بعض صفاته، مثال الأول: ما إذا تصورت الإنسان ولم يخطر ببالك أنه متحرك، ومثال الثاني: ما إذا تصورته وميزته من الجماد بتحركه فالتصور لا يكون إلا في المفردات، كما أن التصديق لا يكون إلا في القضايا، والقضية، هي حكم يحصل بإثبات تصور إلى آخر، أو نفيه عنه، فالتصور المسند إليه الإثبات أو النفي يسمى: الموضوع، والتصور المسند إلى الموضوع مما تقدم يسمى: المحمول، والموضوع والمحمول يسميان جزئي القضية، وهذان الجزآن يجمعهما جزء ثالث يسمى رابطة، مثال ذلك ما إذا قلت: «زيد فصيح» فإن زيدًا هو الموضوع وفصيح هو المحمول، والرابطة مقدرة والتقدير زيد هو الفصيح، فإن الرابطة ظاهرة، ثم إن القضية إما كلية يعني مستغرقة لسائر الأفراد، كما إذا قلت: كل إنسان صنعة الله تعالى، وإما جزئية كما في قولك: بعض الحيوان إنسان، وكل من القضية الكلية والجزئية مسور.
وإما شخصية وإما مهملة؛ فالأولى كزيد قائم والثانية كالإنسان كاتب بقطع النظر عن الكلية والجزئية، وإما طبعية: كما في قولك: الظلم رديء، والقضية أيضًا إما بسيطة أو مركبة؛ فالقضية البسيطة ما كانت غير متعددة الموضوع والمحمول، كما في قولك: الفضيلة حميدة، والرذيلة ذميمة، وبخلافها المركبة؛ فهي ما تعدد فيها الموضوع فقط، أو المحمول فقط، أو هما معًا، كما إذا قلت: الفضيلة والرذيلة ضدان لا يجتمعان، ونحو ذلك، وإذا كانت القضية المركبة مصنوعة من عدة قضايا بسيطة فإنه يكفي في كذبها كذب بعض أجزائها، وأما التعريفات التي هي مقاصد التصورات ومصححات القضايا فإنها تنقسم إلى تعريف بالحد، وتعريف بالرسم، وتعريف لفظي، فمثال التعريف بالحد قولك: الإنسان حيوان ناطق، ومثال التعريف بالرسم قولك: الإنسان حيوان كاتب، ومثال التعريف اللفظي قولك: الإنسان هو الآدمي إذا فرضنا أن لفظ الآدمي أشهر وأعرف من لفظ الإنسان، ويمكن أن يجعل من هذا القسم الثالث سائر تفسير الألفاظ المترجمة من لسان إلى آخر، مثال ذلك: إذا قدرنا أن أعجميًا لا يعرف معنى كلمة الله، فإنه تعرفها له تعريفًا لفظيًا بقولك له: الله هو «خداي».
وكل من الحد والرسم ينقسم إلى تام، وإلى ناقص، على حسب كونه بالجنس، أو الفصل القريب أو البعيد، أو بالخاصة، أو بالعرض العام، كل منها منفردًا أو مجتمعًا، وهذا كله موضح في كتب المنطق.
وأما القياس: وهو المقصود الأصلي من علم المنطق فهو ما يلزمه لذاته تصديق آخر، مثال ذلك: ما إذا قلنا إن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يقتص من الظالم للمظلوم، فإنك تقول هكذا: الله — سبحانه وتعالى — حكم عدل، وكل من كان كذلك فإنه يقتص للمظلوم من الظالم، فتكون النتيجة هكذا: الله سبحانه وتعالى يقتص للمظلوم من الظالم، فمتى سلمنا القضيتين الأوليين فلا بد أن نسلم القضية الثالثة: والقضيتان الأوليان تسميان مقدمتين، وإحداهما تسمى صغرى، والأخرى كبرى، وروح القياس هو النتيجة.
والقياس يكون صحيحًا إذا كان صحيح المادة والصورة، وفاسدًا إذا فسدت إحداهما، والمراد بصحة المادة أن سائر قضاياه تكون صحيحة، والمراد بصحة الصورة أن يكون منظومًا على كيفية يكون إنتاجها ضروريًّا، والقياس الصحيح: هو المسمى بالحجة والبرهان، وأما القياس الفاسد أو البرهان الفاسد فيسمى سفسطة، وهو ما يشبه الصحيح وليس صحيحًا؛ لعدم ملازمة نتيجته الظاهرية للمقدمات الصحيحة.
وفي كتب الفرنسيس أن القاعدة التي ينبني عليها القياس الصحيح ويمتاز من السفسطة هي إثبات أصلين؛ أحدهما مبنى الصحة، والآخر مبنى الفساد، وهما أن المستلزم لشيء مستلزم لذلك الشيء، والنافي لشيء ناف لشيء آخر هو ناف لذلك الآخر، أو ناف للاثنين معًا، وكيفية تطبيق هذا على القياس أنك إذا سئلت عن الغضب: هل هو مذموم؟ فأردت أن تستدل على أنه مذموم، فإنك تبحث عن طرف القضية الذي هو الموضوع، فإنك ترى من جملة تعريف الغضب أنه عيب، فحينئذ كلمة غضب متضمنة لمعنى العيب فتركب مقدمة هكذا: الغضب عيب، ثم تقابل العيب مع الذم الذي هو محمول القضية، فإنك تجد أن العيب يستلزم الذم، فتقول: العيب ذميم، فإذا لما رأيت أن الغضب يسلتزم العيب، والعيب يستلزم الذم، فإنك تنتج منه أن الغضب ذميم، فكل قياس لا يمكن أن تطبقه على هذا الأصل فإنه يكون سفسطة، مثال ذلك أرسطو فيلسوف، وبعض الفلاسفة صالح، فأرسطو صالح، فإن الإنتاج فاسد، وذلك أن القضايا لا تستلزم النتيجة؛ لأنه لا يلزم من كون أرسطو هو أحد الفلاسفة، وأن بعض الفلاسفة صالح أن أرسطو صالح.
وبعض أجزاء القياس قد يحذف للعلم به، كما في قولك: الفضيلة حميدة، فينبغي كسبها.
والقياس إما حملي أو شرطي، فكل ما تقدم مثال للحملي، ومثال الشرطي: لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودًا، لكن الشمس ليست بطالعة — تخرج النتيجة قائلة — فالنهار ليس بموجود، ومحل ذلك كتب المنطق.
ثم إن الإفرنج كما يطلقون الكلمات على قواعد اللغة الفرنساوية، ويسمون ذلك إعرابًا نحويًا، يطبقونها على قواعد المنطق ويسمون ذلك [إعرابًا] منطقيًا، فإذا أراد إنسان إعراب «زيد فاضل» إعرابًا نحويًا، فإنه يقول مثلاً: زيد مبتدأ وفاضل خبره، أو نحو ذلك مما يليق بقواعد نحوهم، وإذا أراد أن يعرب إعرابًا منطقيًا فإنه يقول: زيد موضوع، وفاضل محمول، وهذه القضية قضية شخصية، ويفعلون ذلك في سائر الجمل.
الفصل السادس
في المقولات العشر المنسوبة إلى أرسطو
من المعلوم أن أرسطاطاليس حصر الأشياء المتعقلة في عشر مراتب تسمى مقولات، فجعل المواد داخلة تحت الأولى، وجعل سائر الأعراض داخلة تحت التسعة? الأخرى.
المقولة الأولى: مقولة الجوهر، وهو جسماني وروحاني.
الثانية: الكم وهو إما منفصل إذا كانت الأجزاء متفرقة مثل العدد، أو متصل إذا كانت الأجزاء مجتمعة، وهو إما متتابع مثل حركة الفلك، أو قار وهو المسمى العظم أو الامتداد للجسم، من الطول والعرض والعمق، فمن الطول وحده تتعقل الخطوط ومن الطول والعرض تتعقل السطوح، ومنها مع العمق يحصل الجسم التعليمي.
الثالثة: الكيف، وقسمه أرسطو إلى أربعة أقسام؛ فالأول: هو الاستعدادات يعني تهيئات العقل أو الجسم المكسوبة بالأعمال المتكررة مثل العلوم والفضائل، والرذائل، والقدرة على الكتابة والرسم والرقص، والثاني القوى الطبيعية: مثل قوة النفس والبدن؛ كالإدراك، والإرادة، وقوة الحفظ والحواس الخمسة والقدرة على المشي، والثالث القوى المشاهدة: مثل الصلابة، والرخاوة، والكثافة، والبرد، والحر، والألوان، والأصوات، والروائح، والأذواق، والرابع الصور، والأشكال التي ينتهي بها الكم مثل: الاستدارة والتربيع والكروية والتكعيبية.
الرابعة: مقولة الإضافة وهي النسبة بين شيئين مثل الأب، والابن، والمخدوم، والخادم، والملك، والرعية، وكنسبة القدرة والإرادة لمتعلقيهما، والبصر للمبصر بالقوة وكالنسبة التي تقتضي المشاركة، كالشبيه، والمساوي، والمباين، والأصغر، والأكبر.
الخامسة: مقولة الفعل، سواء كان قائمًا بالفاعل مثل: المشي، والقيام، والرقص، والمعرفة والعشق، أو واقعًا منه على غيره مثل الضرب، والقتل إلى آخره.
السادسة: مقولة الانفعال، مثل الانكسار، والانحراف.
السابعة: مقولة الأين؛ يعني جواب السؤال الذي يتعلق بالمكان مثل قولك: في مصر، في الحريم، في الفراش.
الثامنة: مقولة المتى، وهو جواب السؤال الذي يتعقل بالزمان، كما إذا قلت: متى كان موجودًا فلان؟ فقيل من منذ مائة سنة، أو متى وقع هذا؟ فقيل: البارحة.
التاسعة: مقولة الوضع، كحالة الجلوس، والوقوف، وكونه قبل، أو بعد، أو أمام أو على اليمين، أو على اليسار.
العاشرة: مقولة الملك، وهو وجود شيء مع الإنسان منسوب إليه؛ كاللباس، والزينة، والسلاح، فتعلق ذلك به وحوزه له هو هذه المقولة، فهذه المقولات العشر التي ذكرها أرسطو، وعدت من الأمور الخفيَّة، والإفرنج يقولون إنه ليس في معرفة هذه المقولات كبير فائدة، بل معرفتها مضرة لشيئين: الأول أن الإنسان يظن أنها مبنية على حكم عقلي ومحصورة بحصر استدلالي، مع أنها ليست إلا اصطلاحية جعلية، حصرها بعض الناس في هذه الأقسام ليظهر بها الرياسة على غيره، مع أنه يوجد في ذلك الغير من يمكنه أن يحصرها حصرًا آخر جديدًا، كما فعل ذلك بعض الناس من أنه حصر المقالات في سبعة، وسماها المواد العقلية:
المادة الأولى: العقل أو الجوهر الدراك.
الثانية: الجسم، أو الجوهر ذو الامتداد.
الثالثة: القدر أو صغر كل جزء من أجزاء الهيولات.
الرابعة: وضع الهيولات على التناسب بين أجزائها.
الخامسة: صورة الأشياء.
السادسة: الحركة.
السابعة: السكون.
الشيء الثاني أن متعلمها يكتفي بمجرد ألفاظ وهمية ويظن أنه على شيء، مع أنه لم يعرف بها شيئًا له في الواقع معنى واضح محقق.

? الصواب: التسع.
الفصل السابع
في علم الحساب المسمى باللغة الإفرنجية الأرتيماطيقي?
اعلم أن «الأرتيماطيقي» هو أحد العلوم الرياضية الخالصة؛ وذلك لأن حكماء الإفرنج قسموا الرياضيات إلى خالصة وغير خالصة أو مختلطة، فالرياضيات الخالصة هي علم الحساب الغباري، والهوائي? وعلم الجبر، والمقابلة? وعلم الهندسة، ونحو ذلك وأما الرياضيات المختلطة فهي: علوم الحيل، وفن تحريك الأثقال ونحوها، والرياضيات الخالصة هي ما تبحث عن الكميات، والأشياء القابلة للزيادة، والنقصان، والرياضيات المختلطة هي ما يدخلها أشياء خارجية من علم الطبيعة وغيره.
والحساب أهم العلوم الرياضية وقد دلت كتب التواريخ على أن واضع هذا العلم أهل برور الشام، يعني: الصوريين، وقدماء أهل مصر — يعني أن هاتين الأمتين هما أول من جمع الأعداد والحساب، ونظماهما في عقد الترتيب، حتى إن فيثاغورس الحكيم رحل من بلاد اليونان على مصر، فتلقى فيها هذا العلم، ومما اشتهر بين السلف أن علم الحساب من مخترعات الصورتين ويقال: إنهم أيضًا أول من استعمل القوائم والدفاتر، والظاهر أن الأصابع هو أول الطرق التي استعملها الإنسان في الحساب، وأن ذلك هو السبب في كون أول عقد في العدد هو عقد العشرات، والثاني عقد عشرات العشرات التي هي المئات، والعقد الثالث عقد عشرات المئات أو الألوف وهكذا؛ لأن الأصابع عشرة، فكان الانتقال من عقد إلى آخر من عشرة إلى عشرة، ولما كانت الأصابع لا تكفي إلا في تمييز عشرة عشرة احتاج الأمر إلى طريقة أخرى، وعلامات أخرى فأخذوا صغار الحصى، وحبوب الرمل والقمح ونحوها، واستعملوها لضبط المعدودات، كما هو الآن عند بعض همل أمريكة، وبعض همل غيرها من أقسام الأرض، حتى إن بعض قدماء الأمم الماضين لا يوجد في لغاتهم ما يمكن التعبير به عما فوق العشرات، فإنهم كانوا يعبرون عن مائة وسبعة وعشرين مثلاً، بقولهم: سبعة وعشرتان وعشرة عشرات؛ وذلك لأن الأقدمين كانوا يذكرون العدد الأصغر قبل الأكبر، فيبتدئون بالآحاد ثم بالعشرات ثم بالمئات، وهكذا، كما قال بعضهم: إنه يوجد في كتب العبرانيين واليانيين ما يدل على ذلك، وهو أيضًا أسلوب اللغة العربية فيما دون المائة، وأما الآن فقد تبحر الأمم في علم الحساب وتنوعوا وتفننوا فيه، حتى وصلوا إلى كماله. وحد علم الحساب علم يبحث فيه عن الأعداد من حيث ما يعتريها من الأعمال.
والعدد: اجتماع الآحاد، وهو قسمان؛ صحيح وكسر، وزاد بعضهم ثالثًا، وهو ما تركب منهما، وسماه عددًا مشتملاً على الكسور، ويتعلق بهذه الأعداد أعمال أربعة هي: الجمع، والطرح، والضرب والقسمة، وهي معلومة في كتب هذا الفن.
وأما علم الهندسة، فموضوعه قياس الامتدادات الثلاثة التي هي الطول والعرض والعمق، كما أشرنا إليه في منظومتنا في علم الهندسة بقولنا:
موضوعه قياس الامتدادفسِرْه بالثلاثة الأبعاد
الطول والعرض كذا والعمقوشرح هذي غير مستحق
وأما الجغرافيا، فقد تقدم منها نبذة في مقدمة الكتاب، وإنما ينبغي لنا هنا أن نذكر أقسامها، فنقول: إنه تارة ينظر إلى الأرض من جهة شكلها وسكونها أو تحركها، أو نسبتها لما عداها من الأجرام الفلكية، فتسمى الجغرافيا الرياضية أو علم هيئة الدنيا، وتارة تلاحظ من جهة مادتها الترابية أو المائية، وما يتعلق بذلك مما يظهر على سطحها مثل الجبال، فتسمى بالجغرافية الطبيعية أي: المتعلقة بطبيعة الأرض، وتارة ينظر إليها من جهة اختلاف أهلها في الدين والملة، فتسمى: بالجغرافيا الدينية، وتارة ينظر إليها من جهة اختلاف أهلها في التدبير والسياسة والرسوم والقوانين، فيسمى ذلك بالجغرافيا السياسية أو التدبيرية وتارة تعتبر من جهة التغيرات والتقلبات الحاصلة طولَ الأزمان المختلفة في الأرض وفي أجزائها، بالنسبة للدين والسياسة ونحو ذلك، ويسمى ذلك بالجغرافيا التاريخية، وهذه هي الأصول، و[الأفالقسسة] غير حاصرة، ومن أراد الكلام على ذلك فعليه برسالتنا المسماة: «بالتعريبات الشافية» بمريد? الجغرافية فإنه موضح فيها غاية التوضيح، غير أنه ينبغي لنا هنا الكلام على مسألة من مسائل علم الجغرافيا الرياضية التي هي علم الهيئة، فنقول: الإفرنج قسموا الكواكب الفلكية إلى ثوابت وإلى سيارة، وإلى سيارة السيارة، وإلى ذوات الذنب، وعدُّوا الشمس من الثوابت، والأرض من السيارة، والقمر من سيارة السيارة، أي التابعة في السير للكواكب السيارة، وهذا المذهب يسمى عندهم مذهب «كبرنيق? النيمساوي»، وقد كشف المتأخرون منهم عدة كواكب سيارة لم يظفر بها المتقدمون؛ لفقد الآلات عندهم، ووجودها لهؤلاء الإفرنج، فبذلك بلغت السيارات المعروفة عندهم أحد عشر، غير الشمس والقمر، فإن الأولى من الثوابت على رأيهم، والثاني من سيارة السيارة، ولنذكرها لك على حسب قربها من الشمس، فنقول: هي: عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ، و«وِستة» (بكسر الواو، سكون السين المهملة، وفتح التاء المثناة) أي: المجمرة السيارة، و«بونون» (بضم الباء والنون بعدها واو) وتسمى (زوجة المشترى) ويقال لها: بنت زحل، و«سريس» (بكسر السين والراء بعدها ياء مسكنة) ويقال لها: (أي السنبلة السيارة) و«بلاس» (بفتح الباء وتشديد اللام) ومعناه «أبو الفلق» والمشترك، وزحل، و«أورانوس» (بضم الهمزة وراء بعدها ألف ثم نون مضمومة) ومعناه الفلك الأعلى.
وهذه الكواكب الجديدة لا يمكن رصد دورانها على نفسها إلا بصعوبة؛ لصغر بعضها في رأي العين، وبُعد البعض الآخر، بل لا يمكن رصد ما عدا «أورانوس» إلا بالنظارات الفلكية؛ ولهذا سميت عند الإفرنج بالسيارات النظارية، ويؤمل الإفرنج كشف غيرها من السيارات.
وأما التاريخ فهو أيضًا مما ينبغي للإنسان الاطلاع عليه، لا سيما أرباب الدول، ولنذكر لك هنا نبذة لطيفة ذكرها هنا بعض المؤلفين من الإفرنج، فنقول:
التاريخ مدرسة عامة يقصدها من أراد من الأمم أن يفوز بالتعلم وهو أيضًا تجريبيات حوادث الأعصر التي تساعد الحال الراهنة، من جهة اشتماله على عبر محفوظة يعين المرء على التفكر في ظاهر الآتي، فمنه يعتبر من اعتبر من جميع الناس أيًّا ما كان مقامهم؛ لما أنه يظهر على رءوس الأشهاد الآثار الرديئة المترتبة على تشاجرهم واختلافهم، ومثل هذه الصورة المهولة تحملهم على التخلق بالأخلاق الحميدة مثل الحلم والعدل. ومن التاريخ يفهم الملوك أنه في زمن سلطة ملك حَسَن التدبير ينبغي أن تكون شوكة الملك وكراسيه ظلاً ووقاية قال «بسوه»: «لو فرض أن التاريخ لا ينفع غير الأمراء، فإنه يجب قراءته للأمراء، ولكن إنما يفتح التاريخ للعاقل كنوزه؛ ليفهم منها خفياته ورموزه، فيشغل فكره مدة قراءته عن تغيرات معيشة الإنسان الباطنة، ثم ينتقل من ذلك إلى مادة أهم من ذلك، فتنكشف له سلاسل الزمن العديدة التي تمس حلقتها الأخيرة خلق العالم، أو ليس أن هذه السلاسل كميدان عظيم يطلع الإنسان فيه دفعة واحدة على جميع الأمم والدول وأزمان كل؟ فانظر إلى هذا المحفل العظيم المحتوى على أرباب سعود ونحوس، فكم فيه من مدائن دمرت، ومن دول انقرضت، ومن ممالك ذهبت واندثرت، ومن محال خربت، ومن مقابر عمرت! فكأن كل شيء يؤول إلى القبور، وهي التي تعلو وحدها على ميدان الأرض! فكم تظهر زينة الحياة الدنيا هينة حقيرة إذا نظر الإنسان من سماء التاريخ! وكم يظهر أن الجمعية التي في زماننا يسيرة هينة بجانب جمعيات أهالي القرون والإعصار، فشتان بين ملوك عصرنا الذين يمكن للناظر أن يقيس عظمها المحسوس، وملوك تلك الأزمنة التي يظهر للأعين كأنهم جبال مرفوعة على دائرة أفق الأعصر السالفة! وانظر ما تكون حروبنا الوقتية، وحبنا للعلو والشرف المؤقتين، عجائب منازعة السلف من مبدأ العالم، على مكان من الأمكنة، أو على شبر من أرض، فمن نظر حق النظر في عجائب التاريخ فإنه يكتسي بثياب الجد، ويتجرد من ملابس الهزل، ويصعد على ذروات النظر فيرى تحت رجليه أن العالم بأسره أشبه ببحر محيط، تسبح فيه سفن آمال الخلق وأمانتهم من غير دفة، عرضة للرياح الشديدة، وينتهي أمرها إلى الانكسار على ما يصادمها من الشعوب، ولا تجد من المراسي ما ترسو عليه غير فرضات القدم! فإذا نظرت من هذا المحل ترى بعين مجردة عن الطمع حطام الدنيا الفانية، والمدح الباطل المقصودين المرغوبين لكثير من الناس كلاشيء، أو ليس أن للدهر نكبات، وتغيرات في جميع ما وهبه وأعطاه، فأي مملكة أمنَّا على كرسيها من السقوط؟ وأي دولة أيسنا على تختها من الارتفاع؟ أوَما رأينا أن الهيكل الواحد يتداول على محرابه عدة أديان متباينة؟ وكم ارتكبت الرذائل حيث كانت الفضائل قاطنة؟ وكم من قواعد فخر وغنى آل أمرها إلى أن أعقبها الفقر والحقارة؟ وكم شوهد أن الخشونة والتمدن يمشيان بهرولة على سطح الكرة، ويتبادلان على أجزائها من غير تخلل وساطة بينها؟ وكيف قد آل أمرك أيُّتها المدائن التي كانت عامرة ببلاد آسيا، وقد كنت تحكمين على جميع الأمم يا مدن «نينيويونس»، و«بابل» السحر؟ أو «يا اصطخر» فارس، و«تدْمُر» سليمان، كيف صارت الآن مجالك خرابًا، وقد كنت كراسي دول العلوم فلم يبق لك من فخارك القديم، وبهائك الجسيم غير الاسم وبعض رسم من حجر! ومع ذلك فلم يحل ببلد من بلاد الدنيا، من النكبات العجيبة والبلايا الغريبة، مثل ما حل بمصر المباركة المصابة بالشقاء التي كانت خيولها تسبق سالفًا خيول سائر الممالك في الركض في ميادين الفخار والعلم والحكمة! فكأن الدهر أراد أن يصب على هذه البلاد — دفعة واحدة — إما نعيم الإنعام، أو عذاب الانتقام، مع أنه لم يكن من الأمم مثل قدماء مصر، في كونهم بذلوا جهدهم في الجلوس على مباني هياكلهم المشيدة، وأرادوا بذلك أن يكونوا مؤبدين، فبادوا جميعًا وانقرضوا، حتى إن أهل مصر الموجودين الآن ليسوا جنسًا من أجناس الأمم، بل هم طائفة متجمعة من مواد غير متجانسة، ومنسوبون إلى عدة جنوس مختلفة، من بلاد آسيا وأفريقية، فهم مثل خليط، من غير قياس مشترك، وتقاطيع شكل صورهم لا تتقوم منها صورة متحددة بها يعرف كون الإنسان مصريًا من سحنته، فكأنما سائر بلاد الدنيا اشتركت، في تأهيل بر النيل!؟ انتهى مترجمًا من مقدمة «الخواجا أكوب» في تاريخ مصر.
وعلم التاريخ واسع، وإن شاء الله — تعالى — يصير التاريخ على اختلافه منقولاً من الفرنساوية إلى لغتنا وبالجملة فقد تكفلنا بترجمة علمي التاريخ والجغرافيا بمصر السعيدة بمشيئته تعالى.

? L’Arithmétique.
? يريد بالحساب الغباري: ما يقوم به الحاسب على التراب والرمل، وبالهوائي ما يقم به على الهواء.
? يريد بالمقابلة المعادلات الجبرية.
? الصواب: «لمريد».
? وفي الأصل كيرنيق وهو خطأ. Copernic.
الخاتمة
في رجوعنا من باريس إلى مصر، وفي عدة أمور مختلفة
من المعلوم أن نفس القارئ لهذه الرحلة تتطلع إلى معرفة نتيجة هذا السفر الذي صرف عليه مصاريف لم تسبق لأحد، ولا سمع بها في التواريخ عند سائر الأمم، وإنما تسطيرها؛ لأنها أنجبت علماء منهم من وصل إلى رتبة أساطين الإفرنج، فهم ما بين مدبر للأمور الملكية، حائز كمال الرتبة في السياسات المدنية، كحضرة صاحب البراعة واليراعة رب الطالع السعيد، وذي? النجابة والرأي السديد، عبدي أفندي، وما بين متمكن في معرفة إدارة الأمور العسكرية، راق فيها إلى درجة علية، وما بين رباني بسائر الأمور البحرية، أو خبير بالطب، أو بالكيميا الصحيحة المرضية، وبصير بالطبيعيات، وماهر في علم الزراعة والنباتات، ومنهم فائق الأقران في الفنون والصنائع، وحريٌّ بفتح (فبريقات) تشتهر ببراعته بغير منازع، ولولا خوف الإطالة لذكرت جميع من ظفر بقصده من الأفندية، على حسب حوزه للمراتب العلية، ولعمري لا أستطيع عدم التعرض لعدة أشخاص قد بلغ فضُلهم الغاية في الامتياز، غير أنني أسلك في ذكرهم غاية الإيجاز، كيف لا أقول إن حضرة مصطفى مختار بيك أفندي قد بلغ درجة كبار الفرنساوية، في علم إدارة المهمات العسكرية، وقد حاز مرتبة سامية من العلوم وتمكن من المنطوق منها والمفهوم، ولا شك أنه ممتاز بالعلوم التدبيرية، وجامع لمعارف الديار الإفرنجية، وسع الله به دائرة المعارف، بممالك مصر والشام، وليس كل من اكتسب المعارف، يصدر عنه عمل اللطائف، قال الشاعر:
وعادة السيف أن يزهو بجوهرهوليس يعمل إلا في يدَي بطل
وأما حضرة حسن بك أفندي، وكذا الأفندية البحريون، ففضلهم وكمال علومهم ثابت بالبرهان، يدل عليه امتيازهم بين الأقران، شهرة اصطفان أفندي غنية أيضًا عن البيان، فقد حاز من العلوم ما حاز، وفاز من الفنون بما فاز، ولا ينكر فهم «الطين أفندي» في جميع أنواع العرفان، ولا خليل أفندي محمود، وتعلم أحمد أفندي يوسف مشهود غير مجحود، وبالجملة فالجل من الأفندية حصل المرام، ورجع لنشر هذا بديار الإسلام.
ولنذكر هنا رجوع العبد الفقير إلى مصر ليتم غرض هذه الرحلة فنقول: خرجنا من باريس في شهر رمضان سنة ???? وسرنا نقصد مرسيليا، لنركب البحر ونرجع إلى إسكندرية، فمررنا على مدينة «فنتنبلو» بقرب باريس بها قصر سلطاني، وهذا القصر شهير بأن نابليون نزل فيه عن سلطنة فرنسا، وخلعها عنه سنة ???? من الميلاد، ويشاهد به عمود على شكل الهرم مبني من الحجارة، والقصد منه أنه تبقى آثاره، لتذكر رجوع «البربون» في فرنسا، فنجد مرسومًا عليه أسماؤهم وتاريخ ولادتهم، وغير ذلك، وفي هذه الفتنة الأخيرة محا الخلق هذه الأسامي، فلا يشاهد منها إلا الآثار، وهكذا عادة الزمان، في تلونه بجميع الألوان، وغدره وفتكه بقوم، وإقباله على آخرين قبل تمام يوم، قال الشاعر:
قتلت صناديد الرجال فلم أدععدوًا ولم أمهل على جيشه خلقًا
وأخليت دار الملك بعد ملوكهمفشردتهم غربًا وبددتهم شرقًا
فلما بلغت النجم عزًا ورفعةوصارت رقاب القوم أجمع لي رقا
رماني الردا سهمًا فأخمد جمرتيفها أنا ذا في حفرتي عاطلاً ملقى
وكتابة تلك الرسوم من عادة الإفرنج، تأسيًا بالسلف من أهالي مصر وغيرهم، فانظر إلى بناء أهل مصر للبرابي وأهرام الجيزة، فإنما بنوها لتكون آثارًا ينظر بعدهم إليها من رآها.
ولنذكر لك آراء الإفرنج فيها، وما ظهر لهم بعد البحث التام حتى تقابله بما ذكره المؤرخون فيها من الأوهام. فنقول: ملخص كلام الإفرنج: إن الذي بناها هو ملوك مصر، وأنه اختلف في زمن بنائها، فبعضهم زعم أنها بنيت من منذ ثلاثة آلاف سنة، وأن الباني لها ملك يقال له: «قوف»? وبعضهم قال إن الباني لها ملك يقال له: «خميس» و«خيوبس»، والأظهر أن أحجارها منحوتة من صعيد مصر لا من البحيرة، وقال بعضهم: إن مدة بنائها لم تكن أزيد من ثلاثة وعشرين سنة، وأن العملة الذين بنوها كانوا ثلثمائة وستين ألف نفس، ولكن بمصاريف عظيمة، حتى إن ما صرف على البصل والكراث للعملة يبلغ على ما قاله «بلنياس» نحو عشرين مليونًا من القروش المصرية، ثم إن هذه الأهرام تنسب إلى أحد ملوك الفراعنة، وأنه أعد الهرم الأكبر ليضم جثته، والآخرين لدفن زوجته وبنته، فلم يدفن هو في الأول، بل بقي هذا الهرم الآن مفتوحًا. وأما الهرمان الآخران فدفنت فيهما بنته وزوجته، وسُدّا سدًا محكمًا، هذا ما حكاه الإفرنج في شأن الأهرام، وما قيل في عظم بناء الهرمين العظيمين:
خليلي ما تحت السماء بنيةيشابه بنياها بنا هرمي مصر
بناء يخاف الدهر منه وكل ماعلى الأرض يخشى دائمًا سطوة الدهر
وقال بعضهم في الأهرام، مضمنًا عجز بيت من معلقة طرفة:
لقد بت بالأهرام حول أحبةجفوني ببرد يابس وتجلد
يقول بها صحبي لبرد جليدهاوهجري: لا تهلك أسى وتجلد
قال السيوطي في منتهى العقول: إنه يتعجب من قول العلماء: إن أعجب ما في مصر الأهرام، مع أن البرابي بالصعيد أعجب منها، والبرابي هي المشهورة عند العامة بالمسلات، ولغرابتها نقل منها الإفرنج اثنتين إلى بلادهم: إحداهما نقلت إلى رومة في الزمن القديم، والأخرى نقلت إلى باريس في هذا العقد.
وأقول: حيث إن مصر أخذت الآن في أسباب التمدن، والتعلم على منوال بلاد أوروبا فهي أولى وأحق بما تركه لها سلفها من أنواع الزينة والصناعة، وسلبه عنها شيئًا بعد شيء يعد عند أرباب العقول من اختلاس حلي الغير للتحلي به، فهو أشبه بالغصب، وإثبات هذا لا يحتاج إلى برهان؛ لما أنه واضح البيان. وقد صنع نابليون في باريس عمودًا مفرغًا من المدافع التي سلبها من الموسقو والنمسا، وقد حاول الموسقو إسقاطه حين حلولهم بباريس، فما ظهر إلا عجزهم عن ذلك.
ثم بعد أن جزنا «فنتنبلو» شاهدنا مدينة «تيمور»? بعد سير أربع ساعات من «فنتنبلو» وهي على عشرين ساعة من باريس، ثم بعدها مررنا على مدينة «كونة»? على شط نهر «ألورة»? وهي مدينة تصنع فيها الهلاليب للمراكب السلطانية، ثم على مدينة «مولن»،? وبها كثير من أولاد العرب الذين صحبوا الفرنساوية من مصر إلى فرنسا ثم سرنا حتى وصلنا مدينة «رونتة»? وهي على سبعة وتسعين فرسخًا فرنساويًا على جنوب باريس، قبل الوصول إلى مدينة «ليون»? بثلاثة عشر فرسخًا، وأهلها تسعة آلاف نفس، وبها ديوان مشورة «للفبريقات: ومشورة للزراعة، وكتبخانة? ومخزن آلات طبيعية وهندسة، وبها قنطرة ظريفة على نهر «لوار» ورصيف مشهور، وهي ساحل لمركز تجارات «ليون» وغيرها من سائر أنواع البضائع، وبأراضيها مقاطع الرخام.
ونهر طلوارة يمكن المسير فيه بقرب هذه المدينة: وهذه المدينة غير مدينة «روان» البعيدة عن باريس جهة الشمال بثلاثين فرسخًا، والتي يمر بها السين، والتي هي من إقليم «نورمنديا».
ثم وصلنا إلى مدينة ليون — وقد تقدم الكلام عليها — ثم وصلنا إلى مدينة «أورغون»?? التي على جنوب باريس بمائة وثمانية وسبعين فرسخًا فرنساويًا وهي في سفح جبل — شهيرة بكون نابليون حال عبوره بها تخفى؛ خوفًا من أهلها، وما زلنا نمر ببلاد حتى وصلنا إلى «مرسيليا» وقد تقدم الكلام عليها مستوفى.?? ومنها نزلنا في سفينة تجارية، وسرنا قاصدين إسكندرية، ولا حاجة أيضًا إلى ذكر ما شاهدناه؛ لأنه عين ما سبق في المقصد — غاية ما نقول: إن كل من يعرفني من الفرنساوية طلب مني أنني بمجرد دخول إسكندرية أذكر ما يقرع فكرتي مما أستغربه لبعد عهد من مصر، ولرؤيتي خلافه في بلاد الإفرنج، وتعودي على مشاهدة غيره يظهر لي غرابة ما أراه أول وهلة، حين وصولي، فوعدت، ووفيت.
هذا حاصل ما كان لخصته،?? حسب الإمكان، فلم يبق علينا حينئذ إلا ذكر خلاصة هذه الرحلة، وما دققت فيه النظر وأمعنت فيه الفكر، فأقول: ظهر لي بعد التأمل في آداب الفرنساوية وأحوالهم السياسية أنهم أقرب شبهًا بالعرب منهم للترك، ولغيرهم من الأجناس، وأقوى مظنة القرب بأمور، كالعرض والحرية والافتخار، ويسمون العرض شرفًا، ويقسمون به عند المهمات، وإذا عاهدوا عاهدوا عليه، ووفوا بعهودهم، ولا شك أن العرض عنه العرب العرباء أهم صفات الإنسان، كما تدل على ذلك أشعارهم، وتبرهن عليه آثارهم. قال الشاعر:
وإني لحلو للصديق، وإننيلمر لذي الأضغان أبدى له بغضي
وإنني لأستغني فما أبطر الغنىوأبذل ميسورًا لمن يبتغي قرضي
وأعسر أحيانًا فتنفذ عسرتيوأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
وهتك العرض: هو ما يعبر به عندهم بالسبة والعار، قال الشاعر:
تعيرنا أنا قليل عدادنا??فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارناعزيز، وجار الأكثرين ذليل
يقرب حب الموت آجالنا لناوتكرهه آجالُهم فتطول
وإنا لقوم ما نرى القتل سُبةإذا ما رأته عامر وسلول
إذا سيد منا خلا قام سيدقؤول لما قال الكرام فصول
سلي عن جهلت الناس عنا وعنهمفليس سواء عالم وجهول
ولا يظن بهم أنهم لعدم غيرتهم على نسائهم لأعرض لهم في ذلك؛ حيث إن العرض يظهر في هذا المعنى أكثر من غيره؛ لأنهم وإن فقدوا الغيرة، لكنهم إن علموا عليهن شيئًا كانوا شر?? الناس عليهن، وعلى أنفسهم، وعلى من خانهم في نسائهم، غاية الأمر أنهم يخطئون في تسليم القياد للنساء، وإن كانت المحصنات لا يخشى عليهن شيء كما قال الشاعر:
إذا غاب عنها البعل لم تفش سرهوترضي إياب البعل حين يؤوب
قال الزمخشري، عند قوله تعالى: حكاية عن قول العزيز: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ: ما كان العزيز إلا حليمًا، وقيل: إنه كان قليل الغيرة، قال الشيخ أثير الدين أبو حيان، في تفسير هذه الآية الكريمة: وتربة مصر اقتضت هذا يعني قلة الغيرة، وأين هذا مما جرى لبعض ملوك بلادنا، وهو أنه كان مع ندمائه الخصيصين به في مجلس أنس وجارية تغني وراء الستارة فاستعاد بعض جلسائه بيتين من الجارية، وكانت قد غنت بهما، فما لبث أن جيء برأس الجارية مقطوعًا في طشت، وقال له الملك استعد البيتين من هذا الرأس، فسقط مغشيًا عليه، ومرض مدة حياة ذلك الملك! أقول: وأين غيرة هذا الملك من غيرة عبد المحسن الصوري على محبوبه، حيث قال:
تعقلته سكران من خمرة الصبابه غفلة عن لوعتي ونحيبي
وشاركني في حبه كل ماجديشاركني في مهجتي بنصيب
فلا تلزموني غيرة ما ألفتهافإن حبيبي من أحب حبيبي
انتهى «سكردان ابن حجلة صاحب ديوان الصبابة» وبالجملة فسائر الأمم تتشكى من النساء ولو العرب، قال الشاعر:
لقد باليت مظعن أم أوفىولكن أم أوفى لا تبالي
وقال آخر:
فإن تسألوني بالنساء فإننيبصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قال مالهفليس له في ودهن نصيب
يردن ثراء المال حين علمنهوشرخ الشباب عندهن عجيب
وحيث إن كثيرًا ما يقع السؤال من جميع الناس على حالة النساء عند الإفرنج كشفنا عن حالهن الغطاء، وملخص ذلك أيضًا:
إن وقوع اللخبطة?? بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن، بل التربية الجيدة والحسيسة والتعود على محبة واحد دون غيره، وعدم التشريك في المحبة والالتئام بين الزوجين، وقد جرب في بلاد فرنسا أن العفة تستولي على قلوب النساء المنسوبات إلى الرتبة الوسطى من الناس دون نساء الأعيان والرعاع، فنساء هاتين المرتبتين يقع عندهم الشبهة كثيرًا، ويتهمون في الغالب، فكثيرًا ما كانت تتهم الفرنساوية نساء العائلة الملكية المسماة «البربون»، على أن مما يقوي كلامهم ما وقع لزوجة ابن ملك فرنسا المعزول التي هي أم «الدوك دوبردو» الذي خلع عليه جده المملكة بعد عزله، ولم يقبله الفرنساوية، وقالوا إن هذا الولد ابن زنا، فإن أمه ولدت ولدًا آخر من الزنا، وادعت أنها تزوجت سرًا، فانكسر بذلك ناموسها، وبعد أن كانت تطلب مملكة فرنسا لابنها الأول، وكانت آخذة في أسباب توليته، وكان يخشى منها وقوع شيء في المملكة — سقطت من الأعين، وبعد أن وقعت في يد الفرنساوية، وكان يظن هلاكها، تركوا سبيلها قائلين: إنها صارت مهملة ورجعت إلى أهلها بولدها الأخير.
ومن أغرب ما وقع ببلاد الإفرنج في هذا الأمر، أن ملك الإنكليز «جرجس الرابع» اتهم زوجته بالفاحشة بعد أن عهد منها ذلك المرار العديدة، واشتهرت بذلك عند الخاص والعام، لكونها كانت تسافر ببلاد الإفرنج مع من تريد، ولها في كل محل عشاق، فلما رفع أمرها عند شرعهم، وأقيمت الدعوى كما ينبغي، وقصد بإثبات زناها طلاقها ليتزوج بغيرها، فلم تثبت أمور كافية في الطلاق، فحكم القاضي بإبقائها على عصمته قهرًا عنه، فبقيا متفرقين، ولكن لم يتزوج غيرها، وذاع أمرهما وشاع، ولكن في الحقيقة وإن كان يعتقد فيها ذلك إلا أنه بمجرد القرائن لا بالمشاهدة، ألا لا نثلم عرضه، فمادة العرض التي تشبه الفرنساوية فيها العرب هو اعتبار المروءة وصدق المقال، وغير ذلك من صفات الكمال.
ويدخل في العرض أيضًا العفاف، فإنهم تقل فيهم دناءة النفس، وهذه الصفة من الصفات الموجودة عند العرب، والمركوزة في طباعهم الشريفة، وإن كانت الآن قد تلاشت فيهم، واضمحلت فإنما هو لكونهم قاسوا مشاق الظلم، ونكبات الدهر، وأحوجهم الحال إلى التذلل والسؤال، ومع ذلك فقد بقي منهم من هو على أصل الفطرة العربية، عفيف النفس على الهمة، كما قال الشاعر:
فدعني ونفسي والعفاف فإننيأخذت عفافي في حياتي ديدني
وأصعب من قطع اليدين على الفتىصنيعة بر نالها من يدي دني
وأما الحرية التي تتطلبها الإفرنج دائمًا فكانت أيضًا من طباع العرب في قديم الزمان، كما تنطق به المفاخرة التي وقعت بين «النعمان بن المنذر» ملك العرب، «وكسرى» ملك الفرس.
وصورتها: إنه قدم النعمان على كسرى، وكان عنده وفود الروم والهند والصين والعجم والترك وغيرهم، فذكروا من ملوكهم وبلادهم وعماراتهم وحصونهم، فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم على جميع الأمم، ولم يستثن فارسًا ولا غيرها.
فقال كسرى، وقد أخذته الغيرة: يا نعمان، لقد فكرت في العرب وفي غيرهم من الأمم ونظرت في حال من يقدم عليَّ من الوفود، فوجدت الروم لها حظ في اجتماع ألفتها، وعظيم سلطانها وكثرة مدائنها، ووثيق دينها.
ورأيت الهند شهيرة الحكماء طيبة الثراء، كثيرة الأنهار، والبلاد والثمار، عجيبة الصناعة، مرونقة الحسان، معمورة بالأهل.
وكذلك الصين عجيبة في اجتماعها، وكثرة صنائع أيديها، وهمتها في الحروب وصنعة الحديد، وأن لها ملكًا يجمعها.
وكذلك الترك مع ما هم عليه من سوء الحال في المعاش، وقلة الريف والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، فإن لهم بعد ذلك ملوكًا تضم قاصيهم، وتدبر أمورهم.
ولم أر للعرب شيئًا من ذلك من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حرمة ولا قوة، ولا عقد، ولا حكمة، مع ما يدل على تدانيها وذلها، وضعف همتها، بحالهم التي هم بها مع الوحوش النافرة، والطيور الحائرة يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضًا من الحاجة، قد حرموا من مطاعم الدنيا ومشاربها وملابسها ولهوها ولذاتها، وأعظم طعام ظفروا به لحوم الإبل التي يعافها كثير من الطيور والسباع؛ لثقلها، وسوء طعمها، وخوف دائها، وإن قرى?? أحد ضيفًا اعتدها مكرمة، وإن أطعم لقمة عدها غنيمة، تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما عدا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها، وشد مملكتها ومنعها من عدوها، ليجري له ذلك إلى يومنا هذا، فإن لها مع ذلك آثارًا وحصونًا وأموالاً تشبه أموال بعض الناس، لكني أراكم لا تسكنون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخرون، وتريدون أن تنزلوا فوق مراتب الناس.
فقال النعمان: أصلح الله الملك.. صدقت، إن هذه الأمة تسمو بفضلها، وبعظم خطبها، وعلو درجتها، إلا أن عندي جوابًا في كل ما نطق به الملك من غير رده عليه، ولا تكذيب له! فإن أمَّنتني من الغضب مما أتكلم به، فعلت.
قال كسرى: [تكلم] وأنت آمن، فقال النعمان: أمّا أمتك فلا تنازع في الفضل لموضعها التي هي به من عقولها وأخلاقها، وبسطة محلها، وبحبوحة عزها، وما كرمها الله تعالى به من ولايتك وولاية آبائك وأجدادك، وأما الأمم التي ذكرت فما من أمة إلا فضلتها العرب بفضلها.
قال كسرى: لماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها، وحسن وجوهها وذمتها وبأسها ورياستها وسخائها وحكمة ألسنتها، وشدة عقولها ووفائها.
فأما عزها ومنعتها؛ فإنها لم تزل مجاورة لآبائك وأجدادك الذين فتحوا البلاد، ووطئوا العباد، وأقاموا الملك، وقادوا الجيوش، ولم يطمع فيهم طامع، ولم يزالوا عندهم محترمين، ولا نال أحدًا منهم نائل، بل حصونهم ظهور خيولهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء وإلى جانبهم السيوف، وعدتهم السقُف؛ إذ غيرها من الأمم، إنما عزها بالحجارة والطين والجزائر والبحور والقلاع والحصون.
وأما حسن وجوهها وألوانها، فقد يعرف بذلك فضلهم على الهند المحترقة، والصين المتجمشة، والترك المشوهة، والروم المقترة الوجوه.
وأما أنسابها وأحسابها: فليس أمة من الأمم إلا وقد جهل أباؤها وأصولها، وكثير من أولها وآخرها، حتى إن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه فلا ينسب، ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا ويسمي آباءه أبا فأبًا أحاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا بذلك أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه.
وأما شجاعتها وسخاؤها: فإن أدناهم رجلاً يكون عنده البكرة والناب، عليها بلغته وحمولته وشبعه وريه، فيطرقه الطارق الذي يغتذى بالفلذة، ويجتزئ?? بالشربة، فيعقرها له، ويرضى أن يخرج له عن دنياه كلها فيما يكتسبه من حسن الأحدوثة وطيب الذكر والثناء.
وأما حكمة ألسنتها: فإن الله تعالى أعطاهم أشعارًا، ورونقًا كاملاً، وحسن وزنه وقوافيه، مع معرفتهم بالإشارة وضربهم الأمثال: وبلاغتهم في الصفات ما ليس من ألسنة الأجناس.
ثم إن خيولهم أفضل الخيول، ونساءهم أعف النساء، ولباسهم أحسن اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وأحجار جبالهم الجزع، ومطاياهم التي لا يبلغ إلا على مثلها سفر، ولا يقطع إلا بمثلها بلد قفر.
وأما دينها وشريعتها، فإنهم متمسكون به أعظم تمسك، وإن لهم أشهرًا حرمًا، وبلدًا محرمًا، وبيتًا محجوجًا، ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون في ذبائحهم، فيلقى الرجل فيه قاتل أبيه وأخيه، وهو قادر على أخذ ثأره منه وإدراك رغمه فيه، فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله إياه؛ احترامًا لذلك البيت وتشريفًا له.
وأما وفاؤهم: فإن أحدهم يلحظ اللحظة، فهي عقد لأهلها، لا يرجع عما أضمره في نفسه حتى يبلغه، وأحدهم يرفع عودًا من الأرض، فيكون رهنًا بدينه فلا يطلق رهنه ولا يخفر ذمته؛ خوفًا من الله تعالى، وإن أحدهم يبلغه أن أحدًا استجار به وعسى أن يكون نائيًا عن داره، فيمنع عنه عدوه، ويحميه منه ولو تفنى قبيلته، أو تلك القبيلة التي استجار عليها، وذلك لما أخفر من جواره، وإن أحدهم ليلجأ إليه المحروم، والمحدث عنه، بغير معرفة ولا قرابة فينزلونه عندهم، وتكون أنفسهم وأموالهم دون ماله.
وأما قولك أيضًا الملك، حفظك الله: إنهم يقتلون أولادهم من الحاجة، فإنما يفعله من فعله منهم رغم أنفه حذرًا من العار، وخيفة وغيرة من الأزواج.
وأما قولك أيها الملك: إن أفضل طعام ظفروا به لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا له، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم ومطاعمهم، من أنها أكثر البهائم لحومًا، وأطيبها شحومًا، وأرقها ألبانًا، وأقلها غائلة، وأحلها مضغة، وإنه لا شيء من اللحوم يفاخر لحمها إلا استبان فضلها عليه.
وأما محاربتهم وأكلهم بعضهم بعضًا، وتركهم الانقياد إلى رجل واحد يسوسهم ويدبر أمرهم، فإنما يفعل ذلك من الأمم من علمت الضعف من أنفسها، وتخوفت من نهوض عدوها عليها، فإنهم يحتاجون إلى ملك، يدبر أمرهم، ويكون رجلاً من أعظمهم شأنًا وقدرًا، ويكونون معترفين بشرفه على سائرهم فينقادون إليه بأزمَّتهم، وينقادون إلى أمره.
وأما العرب: أيها الملك، فإن كثيرًا فيهم، لعظم كرمهم ووقائهم، ودينهم، وحكمة ألسنتهم، وسخاء نفوسهم يقولون: إنهم ملوك بأجمعهم مع رفعتهم، فلا ينقاد أحد إلى الآخر فإنهم أشراف.
وأما اليمن، التي وصفها الملك: فإن آباءك وأجدادك أعلم بصاحبها لما أتاه ملك الحبشة في مائتي ألف، وتغلب على ملكه وجاء إلى بابك وهو مستصرخ ذليل حقير مسلوب فلم يجره أحد من أجدادك ولا آبائك، فاستجار بالعرب فأجاروه، ولولا ما وتر به من بلية العرب لمال إلى نقص، ولم يرجع إلى محله، ولولا أنه وجد من يجيد معه الطعان بقتل الأحرار، وتبدد شمل الكفار، وبذبح العبيد الأشرار لم يرجع إلى اليمن.
قال: فعجب كسرى مما جاء به النعمان، ثم قال له: إنك لأهل لموضعك من الرياسة، ولأهلك ولأهل إقليمك، ولما هو أفضل منه ثم كساه وأنعم عليه، وأعطاه أشياء جليلة ثم سيَّره إلى موضعه من الحيرة، ثم بعدُ سيّر إليه وقتله.
والتنوخية فرقة من اليمن، وقال المتنبي على لسان بعضهم:
قضاعة تعلم أني الفتى الــذي ادخرت لصروف الزمان
ومجدي يدل بني خندفعلى أن كل كريم يمان
أنا ابن اللقاء أنا ابن السخاءأنا ابن الضراب أنا ابن الطعان
أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافيأنا ابن السروج أنا ابن الرعان
طويل النجاد طويل العمادطويل القناة طويل السنان
حديد اللحاظ حديد الحفاظحديد الحسام حديد الجنان
يسابق سيفي منايا العبادإليهم كأنهم في رهان
يرى حده غامضات القلوبإذا كنت في هبوة لا أراني
سأجعله حكمًا في النفوسولو ناب عنه لساني كفاني
وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: حضر رجل من أهالي مصر إلى عمر بن الخطاب، وجعل يشكو من عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا مقام العائذ.
فقال عمر: لقد عذت فما شأنك؟ قال تسابقت بفرسي أنا وابن عمرو بن العاص فسبقته، فحمل عليَّ بسوط في يده، وجعل يقنعني بالسوط، ويقول لي: أنا ابن الأكرمين، وبلغ ذلك لعمرو بن العاص فخشي أن آتيك لأشتكي ولده وحبسني فتفلت من الحبس، وها أنا قد أتيتُك.
قال: فكتب كتابًا: من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، إنه إذا أتاك كتابي هذا فاحضر الموسم — يعني الحج — أنت وابنك، ثم التفت إلى المصري، وقال له: قم حتى يأتي غريمك، فلما حضر عمرو بن العاص وابنه الحجَّ وجلس عمر بن الخطاب وجلسوا بين يديه، وشكى المصري كما شكى أول مرة، فأومأ عمر بن الخطاب، وقال له: خذ الدرة وانزل بها عليه: قال: فدنا المصري من ابن عمرو بن العاص، ونزل عليه بها.
وعن أنس: قال: والله لقد ضربه، ونحن نشتهي أن يضربه، فلم يزل يضربه حتى استحببنا أن لا يضربه؛ وذلك من كثرة ما يضربه، وعمر (رضى الله عنه) يقول: اضرب ابن الأكرمين.
قال عمرو بن العاص: قد شفيت يا أمير المؤمنين، قال عمر بن الخطاب للمصري: انزع عمامته، وضع الدرة على صلعة عمرو، فخاف المصري من ذلك، وقال يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني فما لي أضرب من لم يضربني.
فقال عمر (رضى الله عنه): والله لو فعلت لما منعك أحد.
ثم التفت (رضى الله عنه): وقال لعمرو بن العاص: متى استعبدتم?? الناس وقد ولدتهم أمهاتهم?? أحرارًا. انتهى.
فمنه يفهم أن الحرية أيضًا من طباع العرب من قديم الزمان.
هذا، ولا ينبغي لنا أن نختم هذه الرحلة من غير أن نشكر محاسن من ساعد الوالي في نجاح مقصوده من ترتيب أمور التلامذة وتعليمهم بمدينة باريس محب البلاد المصرية وأهلها «الخواجة جومار» فإنه يسعى بهمته ورغبته في تنفيذ مقصد الوالي ويسارع في المصلحة بلا إنكار فكأنه من أبناء مصر البارين بها فهو جدير بأن ينظم في سلك المحبين.
ومما يدل على ذلك غاية الدلالة ما ذكره في روزنامته، التي ألفها، لاستعمال مصر والشام سنة ألف ومائتين وأربع وأربعين من الهجرة، فإنه ذكر فيها أنه إن صدرت له إرادة [من الوالي] ليؤلفن كل عام روزنامة بهذا الوضع؛ ليعين على حسن تمدن الآيالات المصرية، فمن جملة ما قاله في مقدمته أنه يذكر في هذه الروزنامة عدة أمور:
الأمر الأول: الدلالة على تقدم الحرف والصنائع اللازمة لمصر من أولها لآخرها.
الثاني: تجارة أهالي أوروبا وآسيا وأفريقية كقوافل بلاد البربر ودارفو وسنار وبلاد الحجاز، ومقابلة الأقيسة والمكاييل والموازين المختلفة باختلاف البلاد المستعملة هي فيها.
والثالث: ذكر أمور الزراعة فإنها كانت سببًا في سالف الأعصر في غنى أهل مصر؛ فلهذا ينبغي أن تكون أول ما تهتم به الدولة في مملكة مصر الطيبة التربية والزراعة كثير الفروع المهمة، فمن ذلك علم توفير المصاريف الخلانية، ويتشعب عنه إصلاح المزارع، والمروج المستحدثة المدبرة وتتميم زراعة القطن والنيلة والعنب والزيتون والتوت واستخراج دقيق النيلة، واستخراج أنواع كثيرة من الزيوت، ومعرفة تربية النحل ودود القز، ودود الصباغة، وتعهد الحيوانات الأهلية، وتحسين الحيوانات البلدية بعزلها عن غيرها كالخيل والمعز، وحيوانات الأصواف، وجلب البهائم البرانية ومعرفة طِب البهائم، ومعالجة أمراضها كمرض «السواف» وحفظ الحبوب من السوسة، وغرس الأشجار، وترتيبها بحافات الطرق، وخدمة البساتين وسائر الأبنية الخلائية المناسبة لمصالح الزراعة. وفي مادة الزراعة نذكر الترع والخلجان المعدة لسقي الأراضي وللأسفار، وكذلك نذكر الطرق والجسور والقناطر في السهول والجبال المعدة لتوصيل الميال، فهذه كلها تذكر في الفلاحة.
الرابع: نتكلم على أمور مختلفة من علوم الطبيعة ومن علم المواليد الثلاثة، ومن العلوم الرياضية وهناك نتكلم على المادة المغناطيسية التي تستعملها الأطباء في معالجة الشلل ونحوه، وكذلك القوة الكهربائية، والحرارة الكروية، والحوادث السماوية، والندى، والمطر الذي يحدث بين المدارين، وكذلك نتكلم على أحجار الصواعق، وعلى جبال النار المسماة بالبركانية، وعلى الآلات الطبيعية كميزان الزمان، وميزان الحر، وميزان الرطوبة، ووقاية الرعد، والنظارات الفلكية، والنظارات المعظمة للأشياء الدقيقة التي لا يدركها النظر.
ونتكلم أيضًا على علم المعادن واستخراجها وقطع الحجارة من مقاطعها، وعلى علم الحشائش الطبية، والنباتات المستعملة في الفنون والصنائع، وعلى البهائم النافعة، وعلى علم الجبر والمقابلة والهندسة.
الأمر الخامس: يشتمل على جملة فروع من علم توفير المصاريف وسياسة الدولة، وعلى تنبيهات على علم أحوال الممالك والدول، وعلى سبب ثروتها وغنى أهلها، وعلى أحوال المعاش والمعاد وعلى ولادة الذكور والإناث في كل بلدة من البلاد، وعلى الإدارة الملكية، وعلى الأصول العامة المستعملة أساسًا لسياسات الإفرنج، وهي الحقوق العقلية والحقوق القانونية والحقوق البشرية، أي: الحقوق التي للدول بعضها على بعض.
السادس: سـيـاسـة الصـحـة العـمـومـيـة والخصوصية، ففي ذلك نتكلم على تلقيح البقري للجدريّ، وعلى الطاعون ومعالجاته، وعلى الأمراض والعوارض العامة وعلى بعض تشريح.
السابع: نذكر فيه جملة تعليمات مختلفة من مسائل أدبية وفلسفية ولغات وعلوم مثل علم الفصاحة، وفيه نتكلم أيضًا على المكاتب والمدارس في البلاد المختلفة، ونبذات في تواريخ البلاد خصوصًا مصر، وعلى حكايات ونوادر من غرائب الآداب والبلاغة الإفرنجية والمشرقية، وكذلك نذكر شيئًا من علم المنطق، ونبين الوسائط المسهلة المعلمة بالإيجاز للقراءة والكتابة والحساب، وطرق تعليم هذه الأشياء في أقرب زمن لسائر العامة.
الثامن: نبحث فيه عن عدة أشياء متنوعة، وفيه نذكر أخبار التجارة والسفن البحرية وإقامة العربات العامة وتحسين الطرق والترع والخلجان والقناطر المعلقة، والإشارة المسماة تيلغراف — يعني إشارة الأخبار — وجميع الأشغال المتجددة عند الإفرنج، ونضم لذلك لوحات أشكال لكمال الفائدة، وكذلك نرسم خرطات جغرافية وصور النباتات والحيوانات التي تنقل من البلاد الغريبة وتربى في مصر، ونذكر كثيرًا من الأمور التي تتجدد على تداور الأزمان، وبالجملة فنذكر نبذة صغيرة متشعبة من أصول عظيمة ومستفادة من أفواه الثقات سهلة الفهم لسائر الناس، ولا نستعير منها شيئًا من صعاب الكتب انتهى كلامه، ولو ينجز ما وعده به لأنه علق ذلك على الإرادة السنية ولم يصدر له أمر إلى الآن، وبالجملة فهو من المولعين بحب مصر ظاهرًا وباطنًا ومن الراغبين في خدمة الوالي حبًا له ولدولته.
وهذا آخر ما يسره الله — سبحانه وتعالى — في ذكر حوادث السفر لتلك الجهة التي لا ينكر معارفها إلا من لا إنصاف عنده ولا معرفة له، قال الشاعر:
قد تنكر العينُ ضوء الشمس من رمدوينكر الفم طعم الماء من سقم
والفضل كالشمس لا يخفى على أحدإلا على أكمه عما يراه عمي
ولا ينبغي أن يمنع ذو الحق حقه، كما قال الشاعر في هذه الأبيات المملوءة من الحكمة:
إذا كنت في حاجة مرسلاًفأرسل حكيمًا ولا توصه
وإن ناصحٌ منك يومًا دنافلا تنأ عنه ولا تقصه
وإن باب أمر عليك التوىفشاور لبيبًا ولا تعصه
وذو الحق لا تنتقص حقهفإن القطيعة في نقصه
ولا تذكر الدهر في مجلسحديثًا إذا كنت لم تحصه
وقص الحديث إلى أهلهفإن الوثيقة في قصه
ولا تحرصن فرب امرئحريص مضاع على حرصه
وكم من فتى ساقط عقلهوقد يعجب الناس من شخصه
وآخر تحسبه أنوكاويأتيك بالأمر من فصه
ولا أحد يخلص من قال الناس وقيلهم، كما قال الشاعر:
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالمًاوللناس قال بالظنون وقيل
وحيث كان العمل بالنية، والمدار على حسن الطوية؛ فلا معول على من لم يكن نيّر السياسة، ساطع الكياسة، ولا اكتراث إلا بمن رقي رتبة عليه في الرسوم والقوانين وتشبث بالشريعة، وكان فيها ذا رياسة، ودرى أن القصد إنما هو حس أهل ديارنا على استجلاب ما يكسبهم القوة والبأس، وما يؤهلهم لإملائهم الأحكام على هؤلاء الناس.
وبالجملة فنحن الآن على ما كان عليه الأمر في زمن الخلفاء العباسية، كما قال الشاعر:
وأزرق الصبح يبدو قبل أبيضهوأول الغيث قطر ثم ينهمل
ولبعض أقاربي:
يا من غدا معجبًا مما اقترحت وقدأضحى يروم مقال العاذل اللاحي
أما رأيت إذا شمسُ الضحى غربتيلجا الحريض إلى ضوء بمصباح
وقال آخر:
ليس الفتى بفتى لا يستضاء بهولا يكون له في الأرض آثار
وعلى كل حال فأرجو ممن نظر فيه أن يتصفحه بجملته؛ ليكون على بصيرة مما يقول، فإن المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل منه، ولا أقول إلا كما قال الشاعر:
فإليك وشيًا حاكهفي الطُّرس ذو باع قصير
واستر إذا عيب بداوالله يعفو عن كثير

? في الأصل «وذو» وهو خطأ.
? لعله خوفو.
? Nemours.
? Cosne.
? Loire.
? Moulins.
? Roanne.
? Lyon.
? المكتبة هي الكتبخانة.
?? La Ville dOrgon.
?? في الأصل: «مستوفيًا».
?? في الأصل: «لخصت».
?? الرواية المشهورة: «عديدنا».
?? في الأصل: «أشر».
?? لعله يريد الاختلاط.
?? في الأصل: «أقرى».
?? في الأصل «يفتدى بالقادات، ويجترئ» وهو تحريف.
?? في الأصل: «متى استعبدت من ناس».
?? في الأصل: «وقد ولدتهم أمهم».
تعليق
رفاعة رافع الطهطاوي: المفكر والمعلم
سيرة حياة المعرفة والحرية
في شهر أكتوبر من عام ????، خرجت من مصر حملة نابليون بونابرت، أول حملة استعمارية على الشرق ترغم على الانسحاب من «مستعمرتها» المسلوبة، دون شروط، وأخذت الحملة معها في صندوق من الرصاص جثة كليبر، خليفة نابليون في قيادة الحملة وحاكم المستعمرة، وأول جنرال استعماري تعدمه يد الثورة الوطنية في الشرق، وأخذت الحملة أيضًا كتاب «وصف مصر» الذي وضعه علماؤها، بينما سلمت للإنجليز «حجر رشيد» الذي سيؤدي فك طلاسمه بعد سنوات إلى إزالة ستار الغموض والجهل عن أعظم وأعرق حضارات الإنسان القديم، ولكن الحملة تركت وراءها روح المقاومة التي أثارتها والثقة في النفس واكتشاف الذات بعد قرون الاستسلام والخنوع والضياع، كما تركت الحملة وراءها عددًا من الرجال الذين صدمهم التفوق الحضاري الذي كانت تمثله فأيقظ التحدي عقولهم، وبعد ذلك بأيام، دخل محمد علي القاهرة، ضمن جيش إعادة السيطرة العثمانية، لكي يبدأ مغامرته الكبرى بهدف إعادة الروح إلى سلطنة العثمانيين وهي المغامرة التي أدت، على العكس، إلى إعادة الروح لمصر نفسها وللعالم العربي.?
ولكن في منتصف ذلك الشهر نفسه، ولد رفاعة الطهطاوي في بلدة طهطا من قلب صعيد مصر، ولم يكن لولادته يومذاك مغزى. إلا أنه ولد في البلدة التي أغرقت بنادق أهلها القديمة سفينة القيادة لحملة فتح الصعيد التي أرسلها نابليون من القاهرة، فلم تستطيع أبدًا أن تزعم أنها فتحته، ولكن ولادته رغم ذلك كانت هي ثالث الأحداث في ذلك الشهر التي سميت البداية لتاريخ مصر الحديث. بل ربما كانت ولادته، هي الحدث الأكثر أهمية، إذا نظرنا إلى التاريخ بحثًا عن أعماقه الحقيقية وأساسه، فإن العمل الذي أنجزه الصبي الصعيدي فيما بعد هو الذي أعطى المعنى الإيجابي للحدثين الأوّلين؛ فقد كان على شعب مصر، الذي دفع الثمن كله أن يكون هو الذي يصنع بجهده ذلك المعنى، وأن يكون هو الذي يجسده.
يصعب علينا الآن بالفعل أن نتخيل نوع العالم الذي جاءه رفاعة الصغير يوم مولده، كانت قد مرت ثمانية قرون تقريبًا منذ بدأت سيطرة الأجناس الآسيوية، المتخلفة حضاريًا وثقافيًا، على مصر والوطن العربي: من الأكراد والشركس والتركمان والمغول والأتراك، جاءوا قادة عسكريين، ومماليك وغزاة فاتحين، وكانوا محاربين عظماء، ولكنهم كانوا أيضًا أصحاب تخلف حضاري وثقافي عريق، وبحكم سيطرتهم السياسية القائمة على القهر، وبحكم غربتهم عن لغة الثقافة العربية ووصولهم إلى السيطرة دون سند أوليّ من «مؤسسات» هذه الثقافة — إلا الأسانيد الشكلية — وبحكم قسوتهم الأصلية وقسوة النظام الاجتماعي السائد، فقد ترابطت هذه العوامل لكي تفرض على مصر، وعلى الوطن العربي كله ستارًا من التخلف والفساد العقلي والأخلاقي أصبح فيما بعد مضرب الأمثال. والقصص التي تروى عن ذلك ليست لها نهاية، كما أن ذلك التخلف قد احتوى في مضمونه نسيانًا كاملاً للتراث الحضاري والثقافي العظيم الذي ازدهر حتى قبل وصول «الآسيويين» بعشرات قليلة من السنين، إن علماء الأزهر الذين ظنوا أن العلماء الفرنسيين يستخدمون نوعًا من السحر في معامل الكيمياء لكي يخدعوهم، وأقر مؤرخهم الكبير «عبد الرحمن الجبرتي» بأنهم يأتون أعمالاً: «لا تسعها عقول أمثالنا» هؤلاء العلماء كانوا جديرين بأن يظنوا نفس الظنون بأسلافهم العظماء من الفلاسفة والعلماء العرب، من أمثال الفارابي وابن سينا أو الكِنْدي أو ابن الهيثم أو البيروني.. هذا إذا أتيح لهم أن يسمعوا عن تلك الأسماء.
ونحن الآن قد نستخدم لغة السجع والتورية اللفظية لكي نصنع بعض الفكاهات.. ولكن هذه اللغة كانت هي اللغة الوحيدة التي يمكن أن يعبر بها من شاء الكتابة من هؤلاء العلماء، ولم تكن هذه اللغة الفقيرة قد استخدمت أبدًا، منذ نحو ألف سنة للتعبير عن شيء من العلوم الطبيعية، ولا الفلسفة العقلية، ولا العلوم البحتة — كالرياضة — ولا العلوم النظرية — كالفلك والهندسة، ونظرة واحدة إلى المجلدات الأولى من كتاب في التاريخ وضع في هذه السنوات الألف، تكشف عن التصور الخرافي الذي نقله المؤرخون من كتابات اليهود وغيرهم، ومن بقايا ما عرفوه من حكايات شعبية عن تاريخ شعبهم والشعوب المجاورة، وبعد مئة سنة فقط من موت المؤرخ وعالم الاجتماع الكبير عبد الرحمن بن خلدون.. وضع — عالم — أزهري كتابًا لتعليم أمير من المماليك في مادة — وصف العالم — أو الجغرافيا، ولكن هذا الكتاب يصلح لأن يكون دائرة معارف لكل الخرافات القديمة عن شكل كوكبنا وما يعيش فيه من أحياء، ولا يكاد وصف مصر نفسها فيه يكون صحيحًا.
أما عن أدوات الموت، فيكفي أن نتذكر أن الجبرتي قال إن الناس الذين تجمعوا لمشاهدة القتال بين الفرنسيين والمماليك في إنبابة: «لما عاينوا القنبر — أي: قذائف المدافع — ولم يكونوا عاينوه من قبل، صاحوا: يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف، وأن الجبرتي أيضًا أبدى إعجابه بالعربة الصغيرة ذات العجلة الواحدة التي صنعها الفرنسيون لتسهيل نقل الأتربة، وقال إنها — معجزة الناس الفرنساوية — وأنها — شيء لطيف..
ولكن هذا العالم كان قد اهتز هزة عنيفة في السنتين السابقتين على مولد رفاعة، وإن هؤلاء الناس الذين استنجدوا بخفي الألطاف حينما عاينوا القنبر — سبكوا شبابيك الجوامع والبيوت بعد عام واحد لكي يصنعوا مدافع وقنابل يمنعون كليبر من العودة للقاهرة في ثورتها الثانية، ونظموا أول مقاومة وطنية مسلحة وسرية ضد السلطة الاستعمارية انتهت بقتل كليبر نفسه بعد أيام، واستمرت لكي تعزل ولاة السلطان الذين جاءوا من الأستانة واحدًا بعد الآخر، وأرغمت السلطان بالثورة على تعيين الوالي الذي أرادته قيادة المقاومة من نفس مشايخ الأزهر الذين سحرتهم معامل الكيمياء واستصغروا عقولهم أمامها قبل عامين اثنين فقط.
كان بعض هؤلاء المشايخ قد اكتشف معنى الحرية ومعنى أن تحكم الأمة نفسها بنفسها، ومعنى أن تكون الأمة منظمة تدافع عن نفسها بالسلاح، وقد تكرر هذا الدفاع أيام حملة فريزر في رشيد والإسكندرية، وتحت نفس القيادة التي شجعت محمد علي لكي يقاوم الغزوة الإنجليزية ولا يهرب كما فعل المماليك، واكتشفت بعض المشايخ الآخرين قيمة العلم والحضارة، وهؤلاء هم الذين ارتبط بهم رفاعة الشاب حينما وصل إلى القاهرة لكي يدرس في الأزهر وهو في السادة عشرة من عمره، فقيرًا يحفظ القرآن وبعض كتب شروح النحو والبلاغة والفقه.
وفي القاهر يكتشف شيخه الكبير، وشيخ الأزهر فيما بعد، حسن العطار الذي كان يجمع في بيته ألمع تلاميذه لكي يتباحثوا فيما عرفوا من علوم الفرنسيين، وأسباب تفوقهم الظاهر على المماليك، وولعهم بالمعرفة والنظام والنظافة، واكتشف الشيخ الكبير موهبة تلميذه الشاب، وبينما كان عقل الشاب يتفتح أمام ما يسمعه. كانت الدولة توطد أركانها، فقد أباد محمد علي بقايا المماليك وقضى على أسس النظام الاقتصادي والإداري القديم، واكتشف أن باشوات الأستانة سيعملون على خلعه؛ حتى لا يخلق مركزًا قويًا ينافسهم من القاهرة، وقرر أن — جيشًا قويًا — هو ما يمكن أن يحميه، وبمجيء عدد من ضباط جيش نابليون المهزوم في ووترلو، وعدد من الاقتصاديين والسياسيين أتباع — سان سايمون — الاشتراكي الخيالي الفرنسي، حصل طموح محمد علي، على الأفكار العلمية اللازمة بتجسيد خياله — وهو كعسكري لا بد أن يفكر في أن بناء الجيش يمكن أن يكون النواة التي ينبغي أن يشيد فوقها وحولها بناء الدولة كلها، إن جيشًا حديثًا يحتاج إلى إدارة وصناعة وعلوم ومدارس واقتصاد حديث، ولا يمكن أن تنتجه مؤسسات متخلفة، وبذلك بدأ تجنيد الشباب للجيش، وإرسال أفراد قلائل لتلقي العلوم اللازمة لتوسيع هذا الجيش وتغذيته بما يلزمه وتغذية الدولة التي ستنفق عليه وترسله في الحروب المطلوبة منها، أو الحروب التي سنفرض عليها.
ويكتشف رفاعة، مع الفقر واحتياجه للرزق المنتظم الذي لا يتيحه التدريس في الأزهر، يكتشف أهمية الالتحاق بوظيفة في هذه المؤسسة الجديدة التي ستبنيها الدولة، والتي ستبني هي الدولة بدورها.
ويصبح رفاعة، الأزهري الذكي، تلميذ حسن العطار الذي تفتحت آفاق خياله وعقله بأحاديث أستاذه عن حضارة الغرب، يصبح موظفًا في الدولة الجديدة، إمامًا وواعظًا في إحدى وحدات الجيش الجديد، ومن هنا تبدأ رحلة الخلق الجديد.
لقد كان من الممكن أن يعود رفاعة الطهطاوي من باريس إلى القاهرة مثلما ذهب، مجرد إمام وواعظ في إحدى وحدات الجيش، وكان يمكن أن يعود، حتى بعد انضمامه إلى البعثة كدارس وليس كمجرد إمام وواعظ، كواحد منها، وواحد من الذين درسوا معه ومن بعده في عواصم أوروبا، فيتحول إلى مجرد أداة تكتيكية متوسطة الإعداد، تؤدي خدمة معينة للجيش محمد علي ودولته ثم تنتهي مثلما انتهت دولة محمد علي وانتهى جيشه بعد هزيمته أمام القوى الأوروبية التي أفزعها تقدمه فاتخذت ضده وضد مصر، أو ضد عمله على إنعاش السلطة العثمانية في الحقيقة.
ولكن رفاعة، يقدم لنا نموذجًا مثاليًا للدور الذي يمكن أن تلعبه العبقرية الفردية في التاريخ: العبقرية التي تكتشف المغزى الحقيقي لأحداث عصرها وتيار تلك الأحداث، ونكتشف واجبها في استخلاص كل ما هو ممكن من ذلك التيار لصالح قوى التقدم الحقيقية والأصيلة.
لقد انتهت «أسطورة» محمد علي بهزيمته وإجباره على قبول شروط أوروبا وباشوات السلطنة المتواطئين ضده، وجاء بعده وبعد موت ابنه إبراهيم باشا، حفيده الخديوي عباس، صورة من الولاة القدماء تخلفًا وجهلاً وقسوة وغباء وحرصًا على التخلف والجهل والغباوة، وتغلق مدرسة الألسن وكل ما أنشأه رفاعة وتلامذته من المدارس ومؤسسات الدولة المتدينة التي تحايلوا لخلقها مستفيدين من طموح محمد علي، ومن الضرروات على خلقها وفرضها على الدولة وعلى المجتمع كله ذلك الطموح.. وينفي رفاعة إلى السودان.
فكيف كان يمكن أن تبدو أسطورة محمد علي، إلا لونًا من الذكريات يتبادلها المشايخ والموظفون والضباط القدماء المسرحون من الجيش المتضائل.. لولا الكتب الألف التي كان رفاعة وتلاميذته قد نقلوها إلى العربية في كل الفنون والعلوم وطبعوها، فوزعت بين مئات البيوت وألوف الأيدي..
ولم يعد في وسع الخديو المتخلف الغبي لا أن «يغلقها» كما أغلق مدارس رفاعة، ولا أن ينفيها مثلما نفى المعلم الأول الذي اختارها بنفسه وأشرف على ترجمتها، وراجع الكثير منها، وتلقى بيديه أول نسخة منها جميعًا طوال سبعة عشر عامًا؟ ويتكرر نفس الموقف أثناء سنوات تحرير الوالي سعيد الذي جاء بعد عباس، ثم أثناء حكم إسماعيل، حتى بلغت تلك الكتب أكثر من ألفين.
فبينما كان محمد علي يحلم بالإمبراطورية، وبكرسي الصدر الأعم في الأستانة، ويحصي النقود التي جمعها جباته بالسياط من فلاحي مصر وتجارها، وبينما كان يظن أن دولته.. ومن أكبر موظفيها رفاعة نفسه — لا عمل لها إلا تصنيع الأسلحة والجنود وجمع النقود.. كان رفاعة يضع الأساس لاستمرار تطور مصر نفسها وبنيانها الحضاري الحديث كله.. بصرف النظر عن مصير هذه المغامرة التي ما كان العصر الاستعماري يقبلها في المنطقة التي تمثل محور الارتكاز لاستراتيجية الدول العظمى طوال القرن التاسع عشر، لم يكن محور حلم الباشا هو مصر، وإنما السلطنة العثمانية التي كان التاريخ قد حكم عليها بالزوال، ولم يكن يبقيها إلا منطق توازن القوى في وسط العصر الاستعماري، ولم يكن هم الباشا عظمة الإسلام وإنما مجده الشخصي.. أما الشيخ المعلم فكان محور حلمه هو مصر في المستقبل؛ لأنه تفرغ لتعليمها ولغرس البذور التي لا تموت ولا تتحكم فيها أية معاهدات دولية ولا أية نهايات لمصائر أفراد بعينهم، وكان همه هو المصريون وحريتهم ورخاؤهم واستنارتهم، وحكمهم لأنفسهم وحصولهم على حياة جديرة بالبشر، يصنعونها بأنفسهم.
كان يمكن في باريس أن يتعلم اللغة وأن يتقن الترجمة، وأن يكتفي بترجمة نصوص الكتب المدرسية التي ستلقى في الفنون العسكرية على ضباط وجنود الجيش طبقًا لخطة محمد علي وتصور رجاله عن وظيفة هذه البعثة التعليمية والبعثات المشابهة.. ولكن ها هو رفاعة الشاب يحرث أرض المعرفة كلها لكي يعد نفسه للمهمة التي قرر أن يتولاها، والتي رأى أن التاريخ نفسه يؤذن بإمكانية تحقيقها: مهمة بعث الحياة في عقل هذه الأمة ووجودها اعتمادًا على أصولها بالذات، وعلى أساس بث الروح الحية في الإدارة الأساسية لمصنع الحضارة واستيعابها وهي: اللغة؛ حتى تمتلك الأمة في لغتها أسرار تلك الحضارة الحديثة وأوعيتها وما تحتويه.
وفي يقيني أن المعلم الأول، كان واعيًا منذ البداية بما يفعله، وبما يريد إنجازه، ربما نبهه أحد إلى ضرورة أن يهتم بكل فروع المعرفة حتى يصبح «مترجمًا» يترجم كل شيء على لغته العربية، ولكن من المؤكد أنه هو الذي اختار فروع المعرفة التي يركز اهتمامه عليها، والكتب التي سيشرع في ترجمتها للاستفادة المباشرة بمادتها ولتطويع اللغة العربية — بمفرداتها وتركيبتها — من أجل أن تصبح قادرة على استيعاب هذه المادة وما يترتب عليها حتمًا من أفكار، لقد طلب إليه أستاذه الشيخ حسن العطار قبل السفر أن يسجل ملاحظاته، ولكن رفاعة هو الذي كتب صورة الحضارة والثقافة الغربيتين، ولخصهما، ونقدهما، واكتشف موقفهما الحقيقي من «الشرق» ومن وطنه، وعرف أنهما قد يكونان أداة تصلح لتطوير بلاده، ولكن من الخطر الاستسلام لهما، ومن الغباء السعي إلى استبدال جوهر وطنه بهما.
وتوحي مختارات المعلم الأول للترجمة، وموضوعاته للتأليف. أنه اكتشف الحاجات الحقيقية لحياة أمته، ولعقلها، اكتشف أنها بحاجة إلى المعارف العملية وتطبيقاتها، فاهتم بالرياضة والهندسة والمعادن والإدارة والاقتصاد، ولكنه اكتشف أيضًا حاجتها إلى تغيير تصورها عن الكون وعن الكوكب الذي نعيش فيه، وفي هذا سر اهتمامه الشخصي الخاص بالجغرافيا وبالفلك، ولا شك أنه توقف كثيرًا عند المغزى الذي تدل عليه الحقيقة التي نعرفها عن التطابق بين بداية علوم الفلك والجغرافيا الحديثة، وبين بداية عصر النهضة والتحرر الفكري في الغرب، فبهذين العلمين حصل الإنسان الغربي على «الإحساس» الصحيح بوضع البشر في الكون.. وبشكل هذه الأرض التي يقفون فوقها واستبدلوا التصور الخرافي القديم بشعور «ملحمي» يقيني جديد يدفعهم دفعًا إلى مرحلة جديدة من الصراع ضد الطبيعة، يشعرون فيه بأنهم يواجهون أشياء يمكنهم بالفعل معرفتها والوصول إليها، وإخضاعها لاحتياجات الإنسان، وليسوا أمام «مشاعل معلقة في السماء يسكنها الملائكة كما جاء في «نهاية الأرب» وفي تعاليم الكنيسة الكاثوليكية قديمًا ولا يقفون فوق «أسطوانة مستديرة يمسكها تدبير إلهي فوق قرن ثور، ويقال فوق ظهر سلحفاء يقف أو تقف فوق ظهر حوت يسبح في بحر الظلمات».
ولا شك أن المعرفة «العلمية» بحقيقة ذلك الوضع والإيمان بها يخلقان شعورًا مختلفًا وحالة عقلية متميزة كل التميز عن الشعور الذي تولده الخرافات الأخيرة.
وهذا الشعور وتلك الحالة العقلية هما ما سعى إليهما المعلم الأول؛ لأنهما يعنيان «الحرية» والقدرة على الفعل.. النتيجة المحتمة للعلم، بدلاً من حالة القهر والعجز التي تخلقها التصورات الخرافية.
وإلى جانب الجغرافيا والفلك، اهتم المعلم الأول بالتاريخ ربما يمكن أن نسميه «فلسفة التاريخ» أو «علم الاجتماع»، أو بنوع من «الأنثروبولوجيا» — «علم تاريخ العقائد»، فبعد تصحيح إحساس الناس بوضعهم في الكون وفي كوكبهم، اكتشف المعلم الأول حاجة أمته إلى تصحيح تصورها عن تاريخ المجتمع الإنساني نفسه أو تاريخ البشر أنفسهم على هذا الكوكب، ثم إلى تصحيح تصورها عن تاريخها، هي بالذات؛ ولذلك لم يكتف بترجمة وتأليف الكتب التي تقدم «حقائق» ذلك التاريخ وإنما أضاف إليها الكتب التي تكشف معنى تلك الحقائق بوصفها ظواهر موضوعية.. تحكمها قوانين لا سيطرة للبشر عليها إذا حققوا الوعي بها، كسائر قوانين العلم التي تتحكم في سائر ظواهر الطبيعة، وهي الكتب التي تمنح أمته التصور الصحيح عن حياة وعقائد وتصورات الأمم الأخرى؛ حتى يسود أمته إحساس موضوعي إزاء هؤلاء الآخرين، ينتج عن المعرفة بحقيقتهم. بدلا من التصورات الخرافية التي نجدها أيضًا في كتب مؤرخي الألف سنة الماضية وعلمائها.
ونظرة إلى كتاب الطهطاوي عن تاريخ مصر وتاريخ العرب: «أنوار توفيق الجليل في تاريخ مصر وتوثيق بني إسماعيل» تكشف أيضًا عن رغبته في إقامة تصور المصريين عن تاريخهم على نحو صحيح: إنهم أصحاب تلك الحضارة العريقة القديمة التي تطورت حتى التقت بنهر التاريخ العربي فاستوعب أحدهما الآخر وصارا نهرًا واحدًا له «روافد» بعيدة متعددة الأصول، وإن عليهم أن يعيشوا الوعي بهذا البعد التاريخي لوجودهم «الاجتماعي» حتى يعرفوا أنفسهم والمعنى الحقيقي لحضارتهم المعاصرة، وحتى يعرفوا أنهم هم الذين صنعوا تلك الحضارة، وإنهم صنعوها من خلال صراع عظيم ضد عناصر وعوامل القهر الكثيرة.
وأخيرًا نكتشف اهتمام المعلم الأول باللغة، سواء عن طريق إثرائها مباشرة بالترجمة، وإحيائها لكي تتمكن من استيعاب تلك العلوم والمعارف التي لم تستخدمها أبدًا طوال ألف سنة، والتي تطورت وتشعبت بشكل هائل طوال تلك القرون العشرة، أو عن طريق تحديد المصطلحات العلمية الجديدة وتوحيدها عن طريق وضع القواميس الخاصة في نهاية كل كتاب مترجم، تحديدًا للمعاني وتوحيدًا لها في أذهان من يستخدمون الاصطلاحات في العمل أو في التعليم، وكان المعلم الأول عمليًا إلى أقصى حد في هذا المجال، فكان يلجأ إلى اللهجة العامية لكي يأخذ منها المصطلح الذي يريده إذا لم تسعفه الفصحى، فإذا لم يجد في العامية بغيته كتب المصطلح الأوروبي بالحروف العربية كما هو، وكذلك في أسلوب التعبير الذي كان قائمًا في عصره على ضرورة استخدام المحسنات البديعية من سجع وجناس وتورية.. إلخ.
لقد اكتشف خطورة ذلك القيد الثقيل على العقلية العربية منذ تعلم الفرنسية في الشهر الأول من إقامته في باريس، وبدأ منذ ذلك الحين، في الصفحات الأولى من كتابه الأول «تخليص الإبريز» محاولة التخلص من ذلك القيد؛ سعيًا إلى دقة التعبير وتطابقه مع حقائق الأشياء ومع جوهر المعاني التي يريد التعبير عنها.
إن هذا الصراع الكبير من أجل تحرير اللغة، ومن أجل تحريرها من «التقديس» من أجل إثرائها بالمفردات والمصطلحات وأساليب التعبير، إنما تكشف عن إدراكه؛ لأن اللغة وعاء للثقافة والحضارة جميعًا، وأنه دون إعداد هذا الوعاء، لكي يكون مستعدًا للاتساع والتشكل بأشكال ما يحتويه، فإنه لا أمل في تطور حقيقي لعقل أمته، والتالي لحياتها.
لقد انتهت مغامرات الباشوات الثلاثة، محمد علي، ثم سعيد ثم إسماعيل، نهايات تتناقض جوانبها بين النفع والضرر، كما تتناقض مقدماتها بين الخير والشر، أما مصر فقد فازت بما صنعه أبناؤها، وعلى رأسهم معلمها الأول الكبير وما حققوه من معرفة وحرية وبنيان مادي ومعنوي، حضاري وثقافي تقوم عليه حياتهم الجديدة.
وفي ظني أن هذا البنيان، وفي جانبه المعنوي الثقافي بالذات، قد كان في حساب القوى التي كانت تخطط للقضاء على النهضة المصرية لتحويل مصر على مستعمرة ونقطة حراسة لطريق المواصلات الإمبراطورية في نفس العصر الاستعماري، ولا شك أن الأجيال التالية للمعلم الأول، قد جاهدت لكي تكمل طريقه، وكان عليها أيضًا أن تجاهد ضد ذلك المخطط الذي أرادنا أن نتخبط في طريق المعرفة والحرية، ولعلنا نستطيع في إعادة اكتشاف معنى العمل الذي حققه «جدنا الجليل» أن نعود إلى طريقه المستقيم.
المعلم الأول: بطاقة حياة (بقلم سامي خشبة)
?? أكتوبر ????: يولد في طهطا، ويتولى أبوه وأخواله تعليمه الأول بالعلوم التقليدية وعلى الأسلوب الأزهري.
????: يأتي إلى القاهرة ويلتحق بالأزهر.
????: التدريس في الأزهر، وتدعيم علاقته بالشيخ حسن العطار، أكبر من أدرك أهمية الجانب الحضاري الذي مثلته الحملة الفرنسية والتحدي الكامن في هذا الجانب.
????: يلتحق بالجيش الجديد — أكبر مؤسسات محمد علي — كإمام وواعظ.
????: باريس، والذهاب إليها إمامًا لبعثة من ?? طالبًا، نصفهم من أصل مصري، لدراسة العلوم الفيزيقية والإنسانية، والاجتماعية المختلفة، وطلبه الانضمام إلى البعثة كدارس لا مجرد إمام وواعظ، وقرار ضمه إلى البعثة لدراسة الترجمة.
?? أكتوبر ????: الامتحان النهائي في ختام الدراسة يقدم للجنة الامتحان نصوص ?? كتابًا أو فصولاً من كتب قام بترجمتها خلال سنوات الدراسة الخمس، تشمل جوانب من علوم والتاريخ والتعدين والجغرافيا وعلم الاجتماع والهندسة المدنية وفن القيادة العسكرية والقانون العام وفلسفة القانون والميثولوجيا اليونانية والصحة العامة وتقويم البلدان.. هذا بالإضافة إلى المخطوطة الكاملة لكتاب «تخليص الإبريز …» الذي يقدم فيه اكتشافه للحضارة الغربية: تاريخها وأصولها ومؤسساتها السياسية والثقافية والاقتصادية والتشريعية والقضائية، وأدبها وأصول السلوك والعادات فيها، وحقوق الأفراد.. ووجهة نظره النقدية والموضوعية في كل ذلك.
????: العودة إلى الوطن، وبدء العمل مترجمًا في مدرسة الطب تحت رئاسة مترجم لبناني، ثم الإشراف على المدرسة التجهيزية «الثانوية» ويعمل على تطوير مناهج الدراسة في مواد: الحساب والهندسة، ووصف الكون «الفلك» والتاريخ الطبيعي، والتاريخ الاجتماعي — القديم — والحديث، والمنطق.
????: الانتقال إلى «مدرسة الطوبجية «للمدفعية، والشروع فورًا في إعداد وتنفيذ مشروع إقامة «الجامعة» الأولى في مصر وإنشاء مدرسة التاريخ والجغرافيا» وتدريس علم الجغرافيا بنفسه، ثم طلب إعفائه من العمل في مدرسة الطوبجية، والتخطيط لإنشاء «مدرسة الألسن» لتكون النواة الحقيقية للجامعة، وترجمة المجلد الأول من «جغرافية ملطبرون».
????: افتتاح مدرسة «الترجمة» التي أصبحت مدرسة الألسن فيما بعد، وقبول الدفعة الأولى ?? طالبًا، تخرج منهم عشرون والشيخ رفاعة يدرس التاريخ والجغرافيا والمنطق والقانون والفلسفة والأدب، والإشراف الفني والإداري، توجيه الطلبة في الدراسة، واستثمارهم فورًا في الترجمة، والتركيز على العلوم الإنسانية، وعلى التاريخ والقانون والفلسفة بالذات ويترجم أول كتاب في تاريخ العقائد وعادات الشعوب، مع بدء جمع الآثار المصرية واستصدار أمر صيانتها ومنعها من التهريب والضياع.
????: يصدر ترجمته لكتاب «قدماء الفلاسفة».
????: ترجمة كتاب «تاريخ قدماء المصريين» وترجمة كتاب «المنطق».
????: إنشاء «مدرسة المحاسبة» لدراسة العلوم الاقتصادية والإدارية، إنشاء «مدرسة الإدارة الإفرنجية»، للعلوم السياسية والإدارية العليا.
????: «عودة قليلة إلى الوراء» إنشاء أقسام متخصصة للترجمة: في الرياضيات، والعلوم الطبية الطبيعية، العلوم الاجتماعية، الترجمات التركية وقرار التدريس باللغة العربية لكل المواد.
????: الإشراف على صحيفة الوقائع المصرية، وبدء إصدارها على أساس أن العربية لغتها الأساسية بدلاً من التركية.
????: إضافة وظائف جديدة، تفتيش عموم مكاتب الأقاليم، والإشراف على «الكتبخانة الإفرنجية» وعلى عدد من المدارس العسكرية والمدارس الأولية في الأقاليم.
?? نوفمبر ????: وفاة إبراهيم باشا ابن محمد علي وخليفته في حياته، ثم وفاة محمد علي نفسه بعد أقل من سنة، وانفراد الخديو عباس بالحكم.
نوفمبر ????: عباس يغلق مدرسة الألسن، ثم المدرسة التجهيزية بمشورة إنجليزية، ويقصر توزيع «الوقائع» على أصحاب الوظائف الكبرى.
????: عباس ينفي رفاعة الطهطاوي إلى السودان — ترجمة مسرحية — «تليماك» — في السودان، الكفاح من أجل العودة للوطن.
????: موت عباس، وولاية سعيد، وعودة رفاعة من السودان، وتعيينه مترجمًا في مجلس محافظة القاهرة وعضوًا بالمجلس، أول مشروعاته، إنشاء مكاتب الملة أي: مكاتب الأمة؛ لنشر التعليم بين عامة أفراد الشعب، أي: محو الأمية، أمية القراءة والكتابة، وأمية الفكر وسعيد يتجاهل المشروع.
????: تعيينه وكيلاً للمدرسة الحربية، ثم إنشاؤه مدرسة أركان الحرب، ثم يحولها إلى مدرسة للتثقيف والتعليم الإنساني العام، بدراسة اللغات الشرقية والأوروبية والتاريخ والجغرافيا.. إلخ إلى جانب العلوم التطبيقية الأساسية.
????: منظوماته الشعرية الوطنية التي دعا فيها إلى محو آثار نكسة عباس وبدء النهوض من جديد.
????: إقناع سعيد بتبني مشروع إحياء التراث العربي والإسلامي والبدء بطبع تفسير الرازي للقرآن، وخزانة الأدب، ومقامات الحريري.
????: وفاة سعيد وولاية إسماعيل، وعودة رفاعة إلى النشاط، الإشراف على «المكاتب الأهلية» ورئاسة مجلسها، والإشراف على تدريس اللغة العربية، ورئاسة قلم الترجمة الجديد وترجمة القوانين الفرنسية.
????: إصدار كتابه «أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل» … أو كتاب مصري علمي عن تاريخ مصر القديمة، وتاريخ العرب قبل الإسلام.
????: إصدار كتابه «مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية» لبحث موضوع «التمدن» وأصوله وأطواره، مع إصدار كتابه في تبسيط علم النحو وقواعد اللغة العربية.
????: إنشاء مجلة «روضة المدارس» أول مجلة ثقافية وفكرية وأدبية في مصر، وإصدار ملاحقها في شكل كتب كاملة، في الفلسفة والجغرافيا والصحة العامة وعلم النبات والفلك، والفقه الإسلامي، والأخلاق، والتاريخ العربي والإسلامي.
????: إصدار كتابه «نهاية الإيجاز في تاريخ ساكن الحجاز» — عن تاريخ وسيرة الرسول، صدر بعد وفاته في نفس العام: ????.

? عن مجلة الآداب اللبنانية العدد السابع يوليو ????، السنة ??.