Advertisement

تحدي_تغير_المناخ


تحدِّي تغيُّر المناخ




تحدِّي تغيُّر المناخ

أيَّ طريق نسلك؟

تأليف
دانيال دي بيرلمتر وروبرت إل روثستاين

ترجمة
أحمد شكل
مراجعة
ضياء ورَّاد



تحدِّي تغيُّر المناخ

The Challenge of Climate Change

دانيال دي بيرلمتر وروبرت إل روثستاين

Daniel D. Perlmutter, and Robert L. Rothstein

الطبعة الأولى ????م
رقم إيداع ??????/?????
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
بيرلمتر، دانيال دي.
تحدِّي تغيُّر المناخ: أيَّ طريق نسلك؟/تأليف دانيال دي بيرلمتر، روبرت إل روثستاين.
     تدمك: ???? ??? ??? ??? ??
?
     ?- المناخ
          أ- روثستاين، روبرت إل (مؤلف مشارك)
          ب- العنوان

?????

تصميم الغلاف: خالد المليجي.

يُمنَع نسخ أو استعمال أي جزء من هذا الكتاب بأية وسيلة تصويرية أو إلكترونية أو ميكانيكية، ويشمل ذلك التصوير الفوتوغرافي والتسجيل على أشرطة أو أقراص مضغوطة أو استخدام أية وسيلة نشر أخرى، بما في ذلك حفظ المعلومات واسترجاعها، دون إذن خطي من الناشر.
Arabic Language Translation Copyright © 2015 Hindawi Foundation for Education and Culture.
The Challenge of Climate Change
Copyright © 2011 John Wiley & Sons, Ltd.
All Rights Reserved.
Authorised translation from the English language edition published by John Wiley & Sons Limited. Responsibility for the accuracy of the translation rests solely with Hindawi Foundation for Education and Culture and is not the responsibility of John Wiley & Sons Limited. No part of this book may be reproduced in any form without the written permission of the original copyright holder, John Wiley & Sons Limited.



إلى زوجتي فيليس وأحفادي شيمَس، ونُوا، وليف؛ مع أمل في مستقبل أفضل لجميع الأحفاد.
دانيال دي بيرلمتر إلى زوجتي الحبيبة جين؛ أنتِ مصدر إلهامٍ لجميع دعاة حماية البيئة!
روبرت إل روثستاين
شكر وتقدير


نود أن نشكر إس إم مايك ميلر وآيفان كراكوسكي لِما قدَّمَاه من تعليقات مفيدة على الفصل الحادي عشر. وكذلك نشكر المراجعِين المجهولين من وايلي-بلاكويل أيضًا لما قدَّموه من نقدٍ بنَّاءٍ.
يرغب دانيال بيرلمتر في شكر زوجته فيليس وأولاده شيرا وشاول وتوفا، الذين يستحقون جميعًا شكرًا وامتنانًا على التشجيع والتعليقات البنَّاءة في جميع مراحل إعداد النسخة الخطية. ويوجِّه الشكرَ أيضًا إلى مارشال إس ليفين على المقترحات والمحادثات المثمرة.
ولا يود روبرت روثستاين شكر جون بولتون في لندن على التعليقات المفيدة على إسهاماته في هذا الكتاب فحسب، ولكن أيضًا لتشجيعه ودعمه طوال الوقت. كما يود أيضًا شكر ماريون ليندبلاد-جولدبرج على تعليقاتها المفيدة للغاية على الفصلين الأول والحادي عشر. وأخيرًا، يود شكر إميلي بنسون من «ستيكهولدر فورام» على تعليقاتها على الفصلين الأول والثاني، وعلى توفير بعض المواد المفيدة عن مؤتمر كوبنهاجن.
أي أخطاء في الأرقام أو أخطاء نجمت عن سهوٍ ظهرت في النسخة النهائية نتحمل مسئوليتها كاملةً.
دانيال دي بيرلمتر وروبرت إل روثستاين

تمهيد


ثمة موضوع لا ينفك يتكرَّر في روايات الخيال العلمي بشأن الكيفية التي قد يستجيب بها البشر لغزو كائنات فضائية من خارج الأرض. عادةً ما ينقسم الرجال والنساء في الروايات من حيث استجاباتهم، فيقفون كما هو متوقَّع إلى جانب هوياتهم القومية أو العرقية، أو مصالحهم الاقتصادية، أو درجة نزعتهم إلى كراهية الغُرباء. تظل الحال هكذا ما دام الغزاة غير عدوانيين، أو ربما حتى غير مبالين بتطلعات البشر، إلا أن السيناريو يتغيَّر جذريًّا إذا تبيَّنَ أن الكائنات الفضائية معادِيةٌ للبشر.
يحدث في هذه الحالة أن يتَّحِدَ جميع البشر في مواجهة الخطر القادم من الخارج. والتهديد الخطير لنا جميعًا يُعِيد تعريفَ ما نرى أنه «الآخَر»، وعندما يتشكَّل هذا التوجُّه العقلي الجديد بين أبناء الأرض، فإن القصص عادةً ما تنتهي نهايةً سعيدة. ومن خلال المقاومة التعاونية من قِبَل البشر ينهزم العدو، أو على أقل تقدير يتخلَّى عن فكرة غزونا ويتركنا في سلام نخطِّط لمستقبل متفائل.
بما أن هذه قصة رمزية مناسبة، فإنها قد تكون قصة مفيدة في التفكير في التهديدات التي يتعرَّض لها كوكبنا، والتي تنشأ عن الاحترار العالمي، وكذلك استجاباتنا نحوها. ونظرًا لأن الأدلة العلمية على آثار انبعاثات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي آخِذة في التأكُّد على نحوٍ متزايد، فمن الواضح أن الأضرار الناجمة عن الاحترار العالمي سوف تحدث على نطاق واسع على هذا الكوكب، ولن تنحسر في بضعة مواقع في القطبين. وفي هذه اللحظة من تاريخنا القصير نسبيًّا في التعامل مع هذا «الغزو»، فإن كل بلد وكلَّ جماعةِ مصالح اقتصادية تبحث عن سبيلٍ للاستفادة من ذلك في النهاية. إن البلدان النامية — خاصة الصين والهند — لا ترغب في قبول أيِّ سياسة من شأنها إبطاء التنمية الاقتصادية لديها. ونفى مبدئيًّا أصحابُ المصالح الاقتصادية الذين يستفيدون كثيرًا من احتراق الوقود الحفري وجودَ أيِّ مشكلة على الإطلاق، بحجة أن الأدلة العلمية لم تكن مُقنِعة؛ وبعد ذلك، عندما لم يَعُدْ موقفُ الإنكار التام مقبولًا، شرعوا في استثمار بعضٍ من مواردهم الهائلة في مصادر الطاقة البديلة. وكانت النتيجة ارتباكًا في الرأي العام، وعدم يقين بشأن قوة التهديد، وغياب الوحدة التي كان من شأنها أن تضغط على الحكومات من أجل اتخاذ إجراءات أقوى. ليس الناخبون على استعداد للتضحية بجزء كبير من وسائل راحتهم — مع وجود استثناءات قليلة نوعًا ما — من أجل مواجهة بعض المخاطر غير المرئية حتى الآن.
متى سيتغيَّر الموقف؟ في قصتنا الرمزية كان من الضروري الانتظار حتى يصبح التهديد واضحًا للجميع، عندما يبدو بقاء الأجيال أكثر أهمية من تحقيق مكاسب قصيرة المدى، وعندما يصبح من المسلَّم به عالميًّا أن التهديد لا يمكن التعامُل معه إلا من خلال إجراءٍ تعاوني فوري على مستوى العالم. يحدُونا الأمل في أن هذا الكتاب سوف يسهم في إدراك تغيُّر المُناخ العالمي من خلال المساهمة في عملية رفع الوعي على نطاق أوسع.
ولكن هل من الضروري حقًّا إصدار كتاب آخَر حول مشكلات الاحترار العالمي؟ إننا مُغرَقون تقريبًّا كل يوم بفيض من الكتب والمقالات والتقارير التي تسعى إلى تعريفنا بمخاطر الاحترار العالمي، وما نحتاج — كلُّنا؛ أفرادًا ودولًا ومؤسساتٍ دوليةً — إلى القيام به لتفادي أسوأ المخاطر والتكيُّف مع ما لا نستطيع تجنُّبه. في الواقع كثيرٌ من هذه الأعمال محاوَلات ممتازة من قِبَل علماءَ بارزين وناشطين في مجال البيئة. هل يكرِّر هذا الكتَابُ المحاولاتِ السابقةَ فحسب، أم سيساهم بشيء ذي قيمة؟
إننا نعتقد بالفعل أن عملنا التعاوني يقدِّم شيئًا ذا قيمة؛ شيئًا يختلف عن التحليلات أو النصائح المعتادة لغير المقتنعين. فبدأنا باهتمام مشترك بالقضايا البيئية — كيف يمكن للمرء ألَّا يكون مهتمًّا بها؟ — ولكن بخلفيتين علميتين مختلفتين تمامًا؛ فأحدنا أستاذ في الهندسة الكيميائية، والآخَر أستاذ في العلاقات الدولية. في البداية ركَّزَ كلٌّ منَّا على ما نعرفه أفضل المعرفة، ثم سَعَيْنا للتقارب حول مجموعة من الخيارات السياساتية في فترات زمنية مختلفة، فظهر توافُق طيِّب من امتزاج تجاربنا الفردية ووجهات نظرنا وتركيزاتنا.
تُعرَض النتائج في الفصول الختامية لتقديم قائمة من السياسات الممكنة، وهي خيارات قائمة على خصائص مستدامة علميًّا وسياسيًّا وأخلاقيًّا، والأهم من ذلك تقديم اقتراحات بأولويات محددة على المدى القصير وعلى المدى المتوسط وعلى المدى الطويل. وليس المقصود من هذا الكتاب أن يكون مساهَمةً بحثيةً جديدة في تكنولوجيا الهندسة أو العلاقات الدولية، وإنما أن يكون مجموعة من المداخل الموصى بها للقرَّاء غير المتخصصين، التي ربما تساعدهم في تحديد موقفهم تجاه بعض قضايا العصر الأكثر حيويةً.
أخيرًا، تجدر بنا الإشارة إلى أننا نكتب هذا الكتاب في أعقاب مؤتمر كوبنهاجن الذي عُقِد في ديسمبر من عام ????. وصَفَ البعضُ هذا المؤتمرَ بمصطلحات متشائمة أنه الفرصة الأخيرة (أو أفضل فرصة) للبشر لمنع درجات الحرارة العالمية من الارتفاع لمستويات لا يمكن التعامل معها، ولكن لدينا وجهة نظر مختلفة؛ فنحن نعتقد أن المؤتمرات العالمية ليست أفضل إطارٍ لوضع أهدافٍ ذات معنًى وجداول زمنية للمبادرات السياسية السريعة والحازمة من قِبَل المساهمين الكبار في الاحترار العالمي. ولكن الأكثر أهميةً هو أن ما نتج عن كوبنهاجن — وهو وثيقة توفيقية ضعيفة تفتقر إلى التفاصيل الأساسية حول طريقة التنفيذ — لم يغيِّر شيئًا في مسألة الحاجة إلى اتخاذ جميع الدول والمجتمع الدولي إجراءات سياساتية دائمة وضرورية. سيكون خطأً كبيرًا أن نستسلم في يأس ونقول: كان مؤتمر كوبنهاجن مخيبًا للآمال، لقد ضاع كل شيء. في الواقع لم يَضِع كل شيء حتى الآن، ولا تزال هناك تغيُّرات تكنولوجية و/أو سياسات مهمة نسعى إليها يمكن أن تُحدِث فارقًا؛ ويمكن أن تجنِّبنا الانزلاق إلى عالم من الصراع والحرمان كما صوَّره الفيلسوف هوبز. فهذه السياسات والمواءمات هي التي ستحقِّق هدفنا المرجو في النهاية.
دانيال دي بيرلمتر
«جامعة بنسلفانيا»
روبرت إل روثستاين
«جامعة كولجيت»

الفصل الأول
البداية


سيرغب القارئ في معرفة ما يدور حوله هذا الكتاب؛ أيْ كيف سيتعامل مع الأسئلة الصعبة المطروحة حول الطاقة والبيئة، ومع الاحترار العالمي على وجه الدقة. وتهدف خطة الكتاب إلى تناوُل هذه الأمور من وجهتَيْ نظرٍ متداخلتين؛ واضعةً في الاعتبار الخيارات الفنية المتوفرة، ولكن في سياق القرارات السياساتية والمفاوضات التي ترتبط بها ارتباطًا وثيقًا. وفي كلا هذين المجالين، نخاطب القارئ العادي غير المتخصص. ونرسم سياسات مهمة يمكن أن تُحدِث فارقًا عند تنفيذها، ونقترح خطوات محدَّدة ونضع قائمة أولويات.
(?) وجهة النظر المتَّبَعة

هذا كتاب يسعى إلى التنقُّل بين نقيضين. فنحن نعتقد أن ظاهرة الاحترار العالمي تَحدث وأن تصرفات البشر عامل رئيسي في ذلك الاحترار، ولكننا لسنا مقتنعين بأن كل شيء سيضيع إذا لم تُطبَّق على الفور وفي كل مكان تغييراتٌ هائلة في السياسات وأنماط الحياة؛ فلدينا وفق حساباتنا «فرصة سانحة» لفترة من عشرة إلى عشرين عامًا لوضع سياسات ستكون فاعلة في تسهيل التكيُّف مع المستويات الحالية من الاحترار العالمي، والتخفيف من أسوأ آثار الزيادة الخطيرة للغاية والطويلة الأمد في درجات الحرارة العالمية. سوف تكون هذه السياسات مكلِّفة، وسوف تتطلب مواءمات صعبة على نحو متزايد بينما يجري تدشين اقتصادِ طاقة جديدٍ، وسوف تحدث «صدمات» سياساتية وأخطاء مكلفة على طول الطريق، ولكن التغييرات لن تكون بالغة التكلفة أو مستنزفة بما لا طاقة لنا به ولن تُباغتنا «إذا» لم نستخدم الشكوك والصراعات الأيديولوجية كأعذار للمماطلة. وسوف نناقش هذه الأمور كلها بمزيدٍ من التفصيل في الفصول التالية.
نظرًا لثبوت أن الكثير من توقعات تغيُّر المناخ بالغَتْ جدًّا في التفاؤل — إذ تَبخس جسامة الأحداث الفعلية قدرها — فمن الممكن أن تزول الفرصة السانحة بسرعة أكبر مما نتوقَّع الآن. ولإدراك وجود احتمال أن مثل هذا الوضع التعيس يمكن أن يحدث، فإننا بحاجة إلى أن نكون مستعدين لتنفيذ بعض الاستجابات الأكثر تطرُّفًا — وفي بعض الحالات المثيرة للجدل — بسرعة كبيرة حيال الاحترار العالمي. ولهذا السبب، تتَّبع اقتراحاتنا السياساتية المذكورة في الفصول التاسع والعاشر والحادي عشر استراتيجية ذات مسارين: مسار «طبيعي» في العقدين القادمين يسعى لإقامة عملية سياساتية تعمِّق قدرتنا على التعامل مع آثارِ الاحترار الذي حدث وسيستمر في الحدوث، وتخفيفِ آثاره، وإدامة هذه العملية السياساتية؛ ومسار «غير طبيعي»، يركِّز في البداية على نفقات الأبحاث المعززة التي تسعى إلى تفادي الأسوأ والحد من الأضرار الناجمة عمَّا لا يمكن تفاديه. يوجد تشابه بسيط هنا مع استجابة إدارة أوباما نحو الخطر الذي هدَّد مؤخرًا النظام المالي في الولايات المتحدة، وكذلك النظم المالية في جميع أنحاء العالم؛ ففي هذه الحالة، تم اللجوء إلى استجابات سياساتية متعددة الأبعاد وواسعة النطاق للحيلولة دون حدوث انهيار مدمِّر. قد تظهر الحاجة إلى استجابة طارئة مماثلة إذا أصبح المسار غيرُ الطبيعي واقعًا، ولكن توجد احتمالات معقولة لتفادي مثل هذه النهاية.
نريد أيضًا أن نكون مُنْصفين في تحليلنا، بحيث لا نكون من منكري تغير المناخ تمامًا، أو من المدعين الأيديولوجيين الذين يبحثون فحسب عن مكسب حزبي من النقاش حول تغير المناخ، بل أن نكون من المحلِّلين الذين يعتقدون أنه يمكننا التعامل مع المشكلة على نحو أكثر فاعليةً وبتكلفة أقل من خلال مجموعة متنوعة من الوسائل الأخرى. إنَّ علم وسياسة تغير المناخ يتطوران باستمرار، وتظهر معلومات جديدة من مجموعة متنوعة من المصادر، وتنشأ تكوينات جديدة من القوة السياسية والرأي العام باستمرار. من المهم أيضًا التأكيد على أنه مهما كانت درجة اتفاق الآراء في الأوساط العلمية والسياسية، فإن العامة بوجه عام مشوشون أو مترددون أو غير مبالين عادة بالنقاش حول الاحترار العالمي؛ هم مركزون في المقام الأول على القضايا الاقتصادية (الوظائف والرهون العقارية والمعاشات وغيرها)، وبالنسبة إليهم يمكن لآثار تغيُّر المناخ الطويلة المدى أن تنزل بسهولة إلى موضع متدنٍ على أجندتهم السياسية (أو الشخصية). ومن ثَم، أظهرت دراسة حديثة أن الاحترار العالمي كان في المركز العشرين على قائمة القضايا ذات الاهتمام للناخب التقليدي، وهذا له آثار واضحة على ما هو مرجح — أو غير مرجح — أن يكون مجديًا أن تفكر فيه أيُّ حكومة. سوف نعود إلى مسألة آثار الرأي العام في وقت لاحق، وخاصة في الفصل الحادي عشر.
ربما يجدر أيضًا التعليق على الجدل الذي دار في ديسمبر ???? بشأن رسائل إلكترونية بين عدد من العلماء في جامعة إيست أنجليا تم اختراقها (على نحو غير قانوني). على ما يبدو كشَف عددٌ قليل من الرسائل بعضَ الجهود الطفيفة من قِبَل قليل من العلماء لإخفاء انخفاضٍ حديثٍ في درجات الحرارة، ومنع نشر بعض المقالات التي كتبها بعض منكري الاحترار العالمي.1 ولما كانت الرسائل المخترَقة قد سُرِّبت في الوقت الذي جرى فيه افتتاح مؤتمر كوبنهاجن، أدَّى ذلك إلى إرباك العامة وقدَّمَ ذريعة (وإن كانت زائفة) لمعارضي اتخاذ إجراء سريع نحو اقتصاد طاقة جديد. ومن ثَمَّ، استشهد المندوب السعودي في مؤتمر كوبنهاجن بالرسائل الإلكترونية المسرَّبة في كلمته الافتتاحية كسبب لتأجيل اتخاذ الإجراء، مضيفًا — على نحو غريب للغاية — أنه ينبغي تحت أيِّ ظرف تعويض البلدان المصدِّرة للنفط عن أيِّ خسائر اقتصادية محتملة، إذا بدأت مصادر الطاقة المتجددة تحل محل المواد الهيدروكربونية في اقتصادات الوقود. ولكنه مع ذلك لم يعرض تعويضات موازية من جانب الدول المصدرة للنفط لإعادة أرباحهم التي هبطت عليهم من السماء إلى أولئك الذين تضرَّروا بسببهم. والأكثر تخييبًا للآمال هو أن العلماء في إيست أنجليا انتهكوا المعايير المهنية الخاصة بهم؛ ولكن بنظرة أوسع، لا يشكِّل ذلك فارقًا كبيرًا.2 توجد أدلة مادية وفيرة على الاحترار العالمي، وبالفعل ردَّتِ المنظمة العالمية للأرصاد الجوية على هذا الغضب بإصدار تقرير جديد يشير إلى أن العَقد من ???? إلى ???? كان الأكثر احترارًا على الإطلاق. مع ذلك، ليست المحاولة الفاشلة لدحض الاحترار العالمي هي الأكثر أهميةً هنا، وإنما مدى تحوُّل النقاش في حدِّ ذاته إلى حرب أيديولوجية تبدو فيها أيُّ أو كل وسائل المقاومة مقبولةً لدى الطرفين. ليس المقصود من هذه التعليقات إنكار أنه لا تزال هناك العديد من الشكوك حول سرعة الاحترار، وحول الآثار المترتبة على درجات الاحترار المختلفة، وحول أفضل السبل للتعامل معه، وحول تكاليف الخيارات المختلفة. ومع ذلك، ما هو «مؤكد» هو أن الاحترار العالمي قد حدث ويحدث بِوَتيرة مثيرة للقلق، وأن تأخير رد فعلنا سيكون أمرًا غير مسئول؛ فتوجد أمور مؤكدة وكذلك شكوك في هذا الجدل، ولا ينبغي أن تُستخدَم الشكوك في تسويغ الإحجام عن اتخاذ إجراء. لقد حاولنا فيما يلي تجاوز الحروب الأيديولوجية، والتركيز بدلًا من ذلك على ضرورة تدشين عملية سياساتية توفِّر تأمينًا — كما يأمل المرء — ضد الأسوأ لأنفسنا وللفئات الأكثر ضعفًا واستدامة هذه العملية. يبدو أنه من غير المتوقع تسوية الكثير من الشكوك لسنوات أو عقود قادمة، ولكن يمكن التعامل معها بسهولة أكبر إذا أمكن التلاقي حول اتفاق الآراء — محليًّا ودوليًّا — على ضرورة أن نتحرك «الآن» لمكافحة التغيرات المناخية التي حدثت وتحدث، والبدء في الاستعداد لتلك التي قد تحدث بوتيرة متسارعة في السنوات المقبلة. والعقبات التي تحول دون تحقيق هذا الاتفاق في الآراء شديدةٌ، كما سنرى، ولكننا سوف نناقش بعض مخاطر عدم القيام بذلك فيما يلي.
تعهدنا في هذا الكتاب بتقديم منهج عملي لتناول مجموعة واسعة من التحديات، ولكن ندرك أيضًا أن كثيرًا من القراء يريد شرحًا إضافيًّا حول بعض القضايا الفنية، حتى عندما يكونون على دراية كافية فيما يتعلَّق بالتداعيات السياسية. ونتيجة لذلك، يتناول العديدُ من الفصول التالية الأفكارَ العلمية التي تشكِّل الأساس للعديد من المقترحات الفنية المذكورة ويشرحها، والهدف في كل حالة هو تقديم خلفية كافية لفهم أكمل للتفاصيل التي تنطوي عليها.
يضع فصل «نظرة عامة على نطاق العمل» مناقشة الطاقة في إطار دولي من خلال معالجة مسائل العرض والطلب على أنواع الوقود الحفري الرئيسية في ضوء الزمان والمكان. ونقدم الوحدات الشائعة لقياس الطاقة والكهرباء (الميجاواط والجيجاواط) ووحدات قياس كميات النفط (الجالون والبرميل) من أجل تذليل المقارنات الكمية اللاحقة. وسوف تُستخدم بعد ذلك في فحص الأرقام المعروفة — سواء الحقيقية أو المشكوك في صحتها — بشأن الاحتياطيات الطويلة المدى. وفوق كل ذلك، يركِّز النقاش على إدراك أن الطاقة قابلة للتحويل، وعلى فكرة أن البشر لا يصنعون الطاقة، ولكن بدلًا من ذلك تَعلَّمْنا تحويلها من صورة متاحة إلى أخرى أكثر فائدةً لأغراضنا. تشكِّل هذه الفكرة الجوهرية أساسَ كل الأعمال الهندسية الرائعة التي سبَّبت تغييرات جذرية في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية في القرنين التاسع عشر والعشرين المنقضيَيْن، وهي الأساس الذي بُنِي عليه الفصلان التاليان حول «الطاقة المتجددة» و«تخزين الطاقة».
في الفصلين الخامس والسادس، تناولنا الطاقة الشمسية وارتباطاتها مع التكنولوجيات المختلفة الخاصة بالوقود الحيوي وطاقة المياه والرياح. ولكن ثمة أيضًا أسئلة مهمة يجب طرحها والإجابة عليها حول الطاقة التي تُوصَف بأنها طاقة متجددة؛ وذلك لأن عددًا كبيرًا من النتائج السياسية والاقتصادية تعتمد على تعريف هذا المصطلح. وبما أن مصادر الطاقة المتجددة تحصل على المنح الحكومية والمزايا الضريبية في كلٍّ من الساحتين المحلية والدولية، فمن المهم تقييم إنْ كان المستفيدون من المعاملة التفضيلية في الواقع يُسهمون في الأهداف التي حفزت وضع التشريعات في المقام الأول، أو إن كانوا مجرد متطفلين يبحثون عن الربح من خلال توصيفهم بأنهم متعهدو سلع أو مصنعون لمعدات يمكن وصفها بأنها متجددة.
يستعرض فصل «تخزين الطاقة» مجموعة واسعة من التكنولوجيات القائمة و/أو المقترحة التي تخدم هذا الغرض، ويسلِّط الضوء على نقاط القوة والضعف لكلٍّ منها. ويأخذ الفصل بيد القارئ لفهم السبب في أن التخزين الموسع أمر حيوي في تطوير جميع مصادر الطاقة المتجددة، ولإدراك أن بعض التكنولوجيات هي في الواقع أجهزة تخزين، مع أنها قد لا تبدو على الفور ضمن هذه الفئة.
ويتقصى الفصل السابع القيود السياسية المحلية والدولية التي أخَّرت أو عرقلت الاستجابة السريعة والفاعلة حيال تغيُّر المناخ. ربما نعلم، بوجه عام، الكثير من الأشياء التي يجب أن نفعلها، ولكن إن لم نتمكن من إزالة أو إصلاح العقبات السياسية، ربما نجد أنفسنا نتعامل مع الاحترار العالمي باعتباره كارثة ناشئة. وينتقد الفصل السابع فشل المفاوضات في الماضي، وفي الوقت ذاته يُرسي ما يمكن القيام به لتحسين آفاق إجراء مفاوضات أنجح في المستقبل. ويضيف الفصل الأخير «آفاق ما بعد كوبنهاجن» بعض التعليقات الأخرى حول إمكانيات الإصلاح.
أما الفصول الثامن والتاسع والعاشر، فموجَّهة نحو المستقبل القريب ولكن ليس القريب للغاية؛ فنقترح سلسلة من الخطوات التي ينبغي اتخاذها ووضعها في شكل قائمة أولويات مع تحديد تواريخ لها. ويقع كثير من هذه التحركات في عالم التكنولوجيا، ولكنها تشمل أيضًا خطواتِ تفاوض وتغيير في السياسة على المستوى الدولي وكذلك المحلي. ويبدو في بعض الأحيان أن التفاوض مع الكونجرس الأمريكي لدينا صعب، وأحيانًا أكثر صعوبةً من التوصُّل إلى اتفاق في الخارج.
يناقش الفصل الحادي عشر ما حقَّقه مؤتمر كوبنهاجن في ديسمبر ???? وما لم يحققه؛ هل كان تمرينًا مفيدًا في وضع السياسات الدولية، أم كان مضيعة للوقت والموارد؟ وسوف نعود أيضًا في هذا الفصل إلى بعض الأسئلة السياسية المتروكة دون إجابة في الفصل السابع، لا سيما حول تأثيرات الرأي العام وإمكانات الإصلاحات التي قد تولِّد استجابات أكثر فاعليةً لتغيُّر المناخ.
الموضوع الرئيسي الذي سنتناوله يمكن تلخيصه في هذه العبارة: «لم يفُت الأوان بعدُ». توجد فرصة سانحة تمتد لعَقد أو عَقدين، وخلالها يمكن لمجموعة متنوعة من الإجراءات الفنية والسياسية أن تقدم درجات مختلفة من الوقاية أو التحسين أو العلاج أو ثلاثتها لأكثر الأضرار فظاعة لكوكبنا وسكانه. نهجُنا براجماتي، فنحن نشير إلى أولويات البدائل الممكنة، ونشدد على قرارات أخلاقية وعملية أيضًا، وسنحاول إظهار أن العدالة والإنصاف بين الأجيال مكونات أساسية وضرورية لأيِّ قرارات نأمل أن تُحدِث التغيير.
(?) ما هي مشكلتك؟

يوجد اتفاق كبير في كل الأوساط العلمية والسياساتية على الحاجة لاتخاذ إجراء — واتخاذه قريبًا — حيال استخدام الطاقة العالمي الذي يسبِّب تغيُّرات عالمية مستمرة تؤدي إلى تدهور بيئي خطير، وسيسبب الاحترار العالمي غير المنظم عواقبَ كارثية على الأرض ونظمها الفرعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة. ومع ذلك، يوجد خلاف على نطاق واسع حول هذا الإجراء وتوقيته، وكيفية توزيع تكاليف أيِّ خيارات سياساتية. الخلاف ليس مستغربًا في ظل الشكوك العلمية المستمرة حيال مدى التغيرات المتوقعة، والجداول الزمنية الكبيرة المرتبطة بها، والتكاليف الهائلة المحتملة للانتقال إلى اقتصاد طاقة جديد، بل ربما إلى نظرية جديدة أو نظرية معدلة تعديلًا كبيرًا عن النمو الاقتصادي. وما يضاعف الشكوك أنه من المرجح أن تتطلب التغييرات اللازمة درجة غير مسبوقة من التعاون الدولي، ودرجة من الاتفاق السياساتي الداخلي، والتي قد تكون مستبعدة لأن جماعات المصالح القوية تقاوم تغيير النظام القديم. إضافة إلى ذلك، يحتاج المرء أن يدرك الحقيقة الواضحة التي مفادها أن النشاط الاقتصادي الطبيعي — النمو، والتنمية، والتجارة، والتصنيع — هو السبب الأساسي لأزمات الطاقة والبيئة؛ مما يزيد من تعقيد مشكلة تحقيق التغيير بالتوافق.
إن العواقب المدمرة الممكنة لعدم القيام بأي شيء حيال الطاقة والبيئة موثقة توثيقًا جيدًا، ومستشهد بها كثيرًا. والخطوات الإيجابية التي تحققت في هذا الصدد في العقود الثلاثة الأخيرة لم تحظَ بتقدير كبير، وهي علامات بازغة مهمة وجديرة بالاهتمام على التغير. فعلى سبيل المثال، أتت مساهمات كبيرة في هذا الصدد في أعقاب إنشاء «معهد الرصد العالمي» في عام ????، الذي يتضمن بيانُ المهمة الخاصُّ به ما يلي: معهد الرصد العالمي مؤسسة بحثية مستقلة تعمل بصدد بناء مجتمع مستدام بيئيًّا وعادل اجتماعيًّا، وفيه تُستوفَى احتياجات جميع الأشخاص دون تهديد صحة البيئة الطبيعية أو رفاهة أجيال المستقبل. ومن خلال تحليل القضايا العالمية الحاسمة تحليلًا ميسرًا يعتمد على الحقائق، يساعد معهدُ الرصد العالمي في تعريف الناس في جميع أنحاء العالم بالتفاعلات المعقدة بين الناس والطبيعة والاقتصادات. ويركز المعهد على الأسباب الكامنة وراء مشاكل العالم والحلول العملية لها، من أجل إلهام الناس للمطالبة بسياسات وأنماط استثمار وخيارات أنماط حياة جديدة.
حذرت المنشورات المختلفة لمعهد الرصد العالمي3 من التدهور البيئي على مدى عقود. فاختفاء الغابات وتآكل التربة وانهيار مصايد الأسماك ونقص المياه وذوبان الأنهار الجليدية واختفاء الأنواع النباتية والحيوانية وزيادة الاحترار العالمي؛ كلها تهديدات تنشأ من الفشل المتعدد الأبعاد في اتخاذ إجراء. هذه التغييرات الجسيمة يجب عاجلًا أو آجلًا أن تسبِّب استجابات مجتمعية كبرى، بعضها سيحدث لأكثر من سبب واحد. وتصنيف استجابة معينة على أنها اقتصادية أو سياسية المنشأ إجراء اعتباطي؛ حيث قد تنتج الاستجابة عن سبب واحد أو عن عدد مجتمع من الأسباب. مع ذلك، وعلى الرغم من التحذيرات المروَّج لها جيدًا، فإن الاستجابات عمومًا كانت فاترة إلى حدٍّ كبير. توجد مجموعة متنوعة من الأسباب لذلك؛ ومنها الشكوك حيال أيُّ الخيارات يجب اتخاذها، والخلافات العلمية والأيديولوجية، والمخاوف حيال التكاليف المفرطة وخاصة في أزمة اقتصادية صعبة وخطيرة جدًّا، والسهولة التي تستطيع بها «جبهات المقاومة» تأخير أو إحباط العمل محليًّا وعلى الصعيد الدولي، وبالطبع المخاطر العالية للغاية المتضمَّنَة في سوء الاختيار أو عدم الاختيار على الإطلاق.
خَلَقَ غياب أيِّ إجراءات قوية من جانب الحكومات فضاءً تحرَّكَ فيه النشطاء السياسيون. فعلى سبيل المثال، بذل آل جور — نائب الرئيس الأمريكي السابق — جهدًا ملحوظًا لحشد التأييد العام لاستجابات فورية وواسعة النطاق للاحترار العالمي وما يرتبط به من عناصر التدهور البيئي، ونُشِرت تحذيراته في كتاب4 شهير وفي فيلم وثائقي مرتبط به فاز بجائزة الأوسكار. وحصل على جائزة نوبل في عام ???? تقديرًا لإسهاماته. ومن خلال تحويل جور عمل حياته من ساحة سياسية إلى أخرى، جذب اهتمامًا عالميًّا نحو حركة بدأت على الأقل في تغيير توجهات عامة الناس. ولا يكاد يمر يوم دون أن تحتوي الصحف والتقارير التلفزيونية على قصة عن بعض جوانب الشواغل البيئية أو الطاقة المتجددة. وتبرز إعلانات الشركات الكبرى الآن ادعاءات عن منتجاتها أو تطورات في سياستها تهدف إلى مساعدة هذه القضية. ويبدو أنه كان في العقد الماضي بدايةٌ على الأقل لتحوُّل التوجهات بشأن ضرورة فعل شيء ما حيال هذه التهديدات. مع ذلك، يجب القول إن التحذيرات الشديدة اللهجة قوبلت بردود فعل مختلطة في بعض الدوائر؛ فتصوير التهديدات بطريقة تجعلها تبدو ساحقة ولا يمكن إيقافها دون إجراء تغييرات هائلة في السياسة، وهذه التغييرات نتائجها غير مؤكدة على الإطلاق، ربما أثار تنفيسًا للمشاعر الكامنة؛ فأثار التشاؤم الأعمق حول قيمة القيام بأي شيء على الإطلاق؛ ما عزَّزَ بالفعل المحافظية المعرفية لمعظم الأفراد الذين يتردَّدون في تحدِّي المنطق المتعارَف عليه أو تغيير وجهات النظر الأساسية.5 كما سنعرض بالتفصيل في الفصول القادمة، فإن اعتمادنا المستمر على الطاقة المولدة من الوقود الهيدروكربوني — النفط والغاز والفحم — هو السبب الرئيسي للاحترار العالمي؛ إذ تواصِل مستوياتُ ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي ارتفاعها. وعلى الرغم من تفهُّم الجميع هذا التأثير، فإن الجهود الرامية إلى تحقيقِ اتفاقٍ دوليٍّ قابلٍ للبقاء من أجل خفض الانبعاثات تعثَّرَتْ. يبدو أن التزام إدارة أوباما بالانخراط في المفاوضات لتعزيز اتفاقية كيوتو «بطريقة قوية» — والذي ولَّد في البداية موجة من التفاؤل — قد تراجع نوعًا ما في خطابات الحملة الانتخابية، وليس هذا مُستغرَبًا؛ نظرًا لضغط قضايا أخرى وتعقيد عملية التوصُّل لإجماع محلي.6 وبطبيعة الحال، ترتبط هذه القضايا أيضًا ارتباطًا وثيقًا باعتبارات سياسية واقتصادية؛ مثل: ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الاعتماد على مورِّدين يُحتمَل أن يكونوا غير موثوق بهم في مناطق يُحتمل أن تكون غير مستقرة من العالم، وزيادة النزعة القومية الاقتصادية وتأميم الموارد، والمنافسة ليس فقط بين المنتجين والمستهلكين ولكن أيضًا بين مختلف المستهلكين، وزيادة عدم المساواة والشعور المتزايد بالظلم، واحتمال زيادة الصراع داخل وبين الدول التي تقاتل من أجل السيطرة على الموارد؛ إذ إنَّ الدفع مقابل النفط لا يُبقي إلا مالًا أقل لتلبية الاحتياجات المحلية الملحَّة الأخرى. توجد ضغوط سياسية أخرى جديرة بالذكر؛ بعيدًا عن قدرة جماعات المصالح القوية على إحباط التغيير، وبعيدًا عن حقيقة أن كل النظم السياسية في الواقع، وخصوصًا النظم الديمقراطية، تجد صعوبة كبيرة في وضع أيِّ خطط جادة طويلة المدى. فلا بد أن تضاف لها الأزمة الاقتصادية الحالية، التي قد تستمر آثارها لمدة عقد من الزمان. علاوة على ذلك، توجد إغراءات واضحة للاحتفاظ بأي إنجازات تكنولوجية تحدث، باعتبارها ملكية فكرية قيِّمة ينبغي بيعها بسعر باهظ. فبدلًا من معاملة الإنجازات التكنولوجية كمنفعة عامة لا بد من مشاركتها، ربما يسعى مبتكرها إلى اكتناز المعرفة والحصول على دخل من الاحتكار الذي قد يصبح متاحًا. هذا السلوك يذكِّرنا بما يُطلَق عليه سياسات «إفقار الجار» التي سادت في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي سعت إلى تصدير المشاكل بدلًا من حلها على نحو تعاوني، وعزَّزَ من ذلك حينها وفي الفترة الراهنة غيابُ مؤسسة دولية تعمل على تسهيل هذا التعاون، وكذلك غياب قيادة قوية من جانب الدول الغنية والقوية.
ثمة نتائج أخرى غير متوقَّعة يمكن وصفها بأنها التأثير الضار لتطور يبدو جيدًا. على سبيل المثال، إذا انخفض الطلب على النفط وانخفض سعره، فسيقل الحافز للاستثمار في الطاقة البديلة، وربما يؤدي ذلك إلى انخفاض الدعم الحكومي؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الصعوبة التي تواجهها البدائل للمنافسة والبقاء. في الواقع، إن وضْعَ السياسات، الذي يُعَدُّ أسيرًا للأحداث — ركود هذا العام، وانتعاش العام المقبل — عمليةٌ متقطعة وغير متسقة. وهناك أيضًا التأثير المحتمل «لخطر أخلاقي» آخَر؛ وهو أن الحماس المفرط للوصول إلى حل سريع في هذا العام — مثلًا، حبس الكربون — قد يؤخِّر أو يقوِّض سياسات مؤلمة أخرى قد تبدأ في الحد من الانبعاثات بسرعة أكبر.
نظرًا إلى أن نواتج احتراق المواد الهيدروكربونية هي المساهم الرئيسي في الاحترار العالمي — ويوجد اتفاق متزايد في الآراء على ذلك بين الغالبية العظمى من العلماء الحسان السمعة — وإذا كانت النتيجة هي زيادة احتمال أن الكثير من المخاطر والتهديدات المشار إليها سابقًا سيخلق اضطرابًا عالميًّا وإقليميًّا ووطنيًّا، مما يخفض من مستويات المعيشة و(ربما) يخلق حالة دائمة من الأزمة والخوف والقلق؛ فما السبب في أنه كان من الصعب للغاية وضع سياسات مشتركة لتجنُّب مثل هذه التهديدات؟ ليس من الصعب توضيح ما ينبغي أن تكون عليه حزمة السياسات المعقولة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو الدول الأخرى أو في الواقع بالنسبة إلى المجتمع الدولي ككل، ولكن وضع تلك السياسات موضع التنفيذ كان — وربما لا يزال — مسألة مختلفة تمامًا. سوف نستكشف بعض أسباب هذا الأمر في الجزء التالي.
(?) التحديات التي نواجهها

لقد ألمحنا بالفعل إلى بعض العقبات التي تعوق وضع السياسات الوطنية والدولية الفاعلة، وهي: (?) كانت جماعات المصالح القوية والغنية — ولا تزال — عقبةً أمام الإصلاح الرئيسي في اقتصاد الطاقة الموجود.
(?) توجد اختلافات شديدة في المصالح بين البلدان المتقدمة وبلدان العالم الثالث، التي لا تثق في أيِّ فكرة بالابتعاد عن استراتيجيات التنمية القائمة على التصنيع السريع والاستخدام المكثف لمصادر الطاقة التقليدية.
(?) التكاليف المحتملة باهظة ولا تلقى قبولًا في فترة الخوف والاضطراب الاقتصادي.
(?) الرأي العام ليس له (هل يمكن أن نقول حتى الآن؟) صوت قوي يؤدي إلى العمل والتضحية.
(?) لا يوجد نظام سياسي بارع في اتخاذ الحاجات الطويلة المدى على محمل الجد؛ أيِ البذل الكبير الآن لضمان فوائد مستقبلية أو لتجنُّب أخطار قد لا تقع أبدًا. الخيار الأسهل هو «التحرك دون تخطيط» أملًا في أن يظهر شيء ما، أو أن يتحمل شخص آخَر وزر ما سيحدث.
ربما تكون هذه الأمور أكثر العقبات ذكرًا التي تحول دون تحقيق اتفاق في الآراء، على الصعيدين المحلي والدولي، حول ضرورة تنفيذ استراتيجية شاملة — وليس مجرد تأكيد الحاجة إليها — للتعامل مع الأزمات البيئية المرتبطة بأزمات الطاقة. ولكن من الواضح أن المرء يحتاج لمحاولة تعميق وتوسيع نطاق هذا التحليل أبعد من مجرد ذكر العقبات المألوفة. وتوجد سبل لإقناع الحكومات وشعوبها بالحاجة إلى دفع الأموال أو التضحية الآن من أجل تحقيق منافع غير مؤكدة في المستقبل، ولو في المستقبل البعيد. ولاحَظَ سامرز على سبيل المثال أن تكاليف وفوائد السياسة في المستقبل عادةً ما تُمنَح قيمةً أقل بسبب الميل إلى تقييم الفوائد اليوم أكثر من غدًا، ولأننا نعتقد أننا من المحتمل أن نحصل على بضائع قيمتها دولار واحد في المستقبل عن طريق إنفاق أقل من دولار واحد اليوم.7 وبرغم ذلك، يشير إلى عامل تعويض؛ وهو الالتزام الأخلاقي «الموجود لدى معظمنا حيال واجبنا تجاه الأجيال القادمة». وينبغي أيضًا تنبيه المستثمر المتردِّد صاحب الاستثمار الطويل المدى بأنه ليس لدينا ضمانات لتحقيق ثروات أكبر في المستقبل، خاصة إذا كانت مخاوفنا من الضرر العالمي تتحقَّق في الواقع بسبب إهمالنا للخيارات المتاحة اليوم. استند الإنصاف بين الأجيال دائمًا على نوع من الأعراف الضمنية حول عدالة التوزيع؛ كل جيل يقبل التزامات غير رسمية نحو المستقبل بسبب توقُّعاته الخاصة للمعاملة بالمثل في المستقبل، وكانت هذه الفكرة في الولايات المتحدة أساس برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية وغيرها. وعلى الصعيد البيئي، يعني هذا ضمنًا أن كلَّ جيلٍ يمكنه الاستفادة العادلة من الأراضي والموارد لتلبية الاحتياجات الخاصة به، ولكن لا يمكن أو لا ينبغي أن يضرَّ المستخدمين المستقبليين من خلال تقويض أو تقليل الإنتاجية الطويلة المدى لتلك الأرض أو تلك الموارد دون داعٍ. صُوِّر ذلك في تعريف لجنة برونتلاند8 «للتنمية المستدامة» بأنها تنمية «تلبِّي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتهم الخاصة.» هذا المعيار يؤكِّد التزامنا تجاه الحفاظ على أراضي المحميات والمناطق البرية المحمية، وهي السياسات الوطنية التي حظيت بقبول وموافقة واسعَين منذ القِدَم في مجتمعاتنا. ويمكن لهذه الصيغ أن تخدمنا كمبادئ توجيهية أو معايير، ولكن يجب على التطبيقات الفردية أن تواصل معالجة المسائل التشغيلية عمليًّا. كم ينبغي أن ندفع الآن من أجل فوائد مستقبلية غير مؤكدة؟ مَن الذي يقرِّر كيف ومتى نستثمر استثمارات بعينها؟ مَن الذي يجب أن يتحمل معظم التكاليف الآن ويتمتع بمعظم الفوائد في المستقبل؟ كيف يكون «المستقبل» مستقبلًا؛ أيْ هل نفكِّر لعشر سنوات مقبلة أم لجيل أم ماذا نفعل؟ يبدو أنه لا يوجد أيُّ بديل — على الأقل في المجتمعات الديمقراطية — لقبول حقيقة أن القرارات ستكون هي النتائج غير المؤكدة للعملية السياسية، وهي العملية التي لن تكون فيها احتياجات الأجيال القادمة سوى شأن واحد من بين الكثير من الشئون.
ثمة جانب من جوانب الأزمة الاقتصادية الحالية لا يحظى بقدر كبير من النقاش، وهو مستوى القلق والخوف الذي نشأ بين المواطنين على جميع مستويات المجتمع، وليس بين الضحايا المعتادين فحسب — الفقراء والضعفاء — ولكن أيضًا بين الأغنياء والواثقين بأوضاعهم (سابقًا؟) فالمخاوف حيال فقدان فرص العمل والدخول والمعاشات ومستوى المعيشة بأكمله منتشرة وليست غير منطقية. وللأسف، يزيد من تفاقُم المشكلة استغلالُ هذا الخوفِ والقلقِ ومحاولةُ التلاعب بهذه المشاعر لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية (وخاصة من خلال وسائل الإعلام العامة). في هذا الصدد، من الضروري أن نغرس لدى العامة وبين قادة الحكومة الاستعدادَ للتفكير في الالتزامات المستقبلية، ومقاومةَ التحيُّزات المألوفة المرتبطة بصنع القرار في ظل عدم اليقين،9 من خلال التأكيد مرارًا وتكرارًا على وجود خيارات تُوضَع في الاعتبار. الهدف هنا ليس مجرد الدفاع عن أن المساواة بين الأجيال ربما تؤدي إلى إزالة مستوًى من الصعوبة والتعقيد في عملية التفاوض، ولكن عن أن استخدامها قد يخفِّف التركيز المستنزِف لدى بعض شرائح السكان (كبار السن، والأكثر ثراءً، وأصحاب التأثير) على الرفاهية الاقتصادية الشخصية، وهو ما لا يمكن تخفيفه بطريقة أخرى. لن يكفي تقديم ملاحظات بسيطة عن العواقب الطويلة المدى للأنانية المفرطة أو عمليات التأميم المتبادلة للموارد؛ بل يحتاج المرء أيضًا اقتراحات عملية حول كيفية تدشين عملية تفاوضية قابلة للتطبيق في مثل هذه الظروف. وسنناقش هذه المسألة بمزيد من التفصيل في فصل لاحق، ويكفي هنا أن نقول إن المفاوضات الخاطفة في إطار مؤتمر عالمي قد تكون جسرًا تفاوضيًّا بعيدًا للغاية، لا ينتج عنه سوى جمود أو التزامات كاذبة نادرًا ما تُنفَّذ. ومن المرجح ألَّا يكون التدرُّج «العادي» كافيًا؛ مما يعني ضرورة وجود نوع أعمق أكثر استدامةً من التدرُّج، مع وجود أهداف توافقية طويلة المدى تتحقق من خلال خطوات منتظمة في اتجاهٍ متَّفَق عليه بصورة مشتركة.
ثمة عقبة أخرى تعترض خلق اتفاق دولي قابل للبقاء، وهي غياب المعرفة المشتركة على نطاق واسع حول أسباب المشكلة وما يجب القيام به لحلها، وهي العقبة التي لم تكن أهميتها مفهومة دائمًا. وصف هاس10 هذا بأنه «المعرفة التوافقية»، والتي يتم بناؤها اجتماعيًّا — شريطة الخضوع للاختبار والتقييم — ومن ثَم تختلف عن الأيديولوجية في مواجهة تحديات مستمرة، فكان من الصعب إيجاد هذه المعرفة في السياق الحالي بسبب تعقيدات الحقائق والفترات الزمنية الممتدة المتضمَّنَة. وزِيدَ فوق هذه العواملِ المعارَضةُ العرضية من أغلب الآراء العلمية التي يمكن استخدامها كأسباب أو مبررات لمقاومة اتخاذ إجراء. لاحِظْ، على سبيل المثال، بيانَ العلماء الثلاثة الذي ينص على أن «المعرفة الوحيدة التي يُعوَّل عليها هي أن التفاهمات الحالية للمشكلة سوف يكون قد عفى عليها الزمن خلال عشرة أو عشرين عامًا.»11 وكذلك النزعة نحو الانتقاء والاختيار من بين الأدلة المختلفة، وتجاهل الأدلة المتعارضة؛ كل ذلك يمثل أيضًا عائقًا أمام الاتفاق، فضلًا عن رغبة السياسيين في وجود أمور مؤكدة في بيئةٍ تهيمن عليها الاحتمالات والشكوك. ورغم أن تلك المعرفة ملتبسة وغير مؤكدة ومختلفًا عليها، فإنها لا يمكن أن تعتبر حجةً لعدم اتخاذ أيِّ إجراء، وإنما هي بالأحرى حجةٌ لمحاولةٍ أقوى لخلق المعرفة التوافقية، لا سيما من خلال إنشاء هيئات كبيرة من الخبراء المعترَف بهم على نطاقٍ واسعٍ للحصول على أفضل المعارف المتاحة ونشرها وتوفير تمويل أفضل للمشاريع البحثية الجادة. إن نجاح الهيئة الحكومية الدولية المعنيَّة بتغير المناخ، والتي فازت بجائزة نوبل قبل بضع سنوات، يدل على ما يمكن وما ينبغي القيام به؛ كانت أوراقها أكثر موثوقيةً وتوازنًا بكثير من الجهود المقابلة التي بذلها مثيرو المخاوف البيئية أو المتشككون في مجال البيئة، وكانت مفيدة على الأقل في دعم القرارات الحكومية نحو اتخاذ مواقف سياساتية قوية نسبيًّا حيال هذه المسائل. بطبيعة الحال، سيكون من الأسهل تحقيق اتفاق في الآراء بشأن الالتزامات القوية نحو اتخاذ إجراء، إذا كان لدى الكيان شيء من قبيل مشروع الهبوط على سطح القمر في الولايات المتحدة لحشد التأييد وتوليد الحماس. ويتمتع هذا المشروع بمعرفة توافقية قوية على نحو معقول حول كيفية تنفيذ هذه المهمة، وبقيادة قوية وتأييد شعبي، كما يتمتع برؤيته «كسباق» مع عدو عنيد من أجل تبرير الجهد. للأسف، لا توجد ظروف مقترنة مثل هذه الظروف، سواء محليًّا أو دوليًّا، لتحفيز حدوث نتائج مماثلة فيما يتعلق بالطاقة أو البيئة.12 يرى البعض كوْنَ وقوع كارثة بيئية في العالم المتقدم أمرًا كافيًا، شيئًا أقرب إلى كارثة تسونامي في آسيا، ولكنها تضرب مثلًا لندن أو باريس أو ميامي. وهذا بطبيعة الحال وسيلة مكلفة للغاية وغير مسئولة لتوليد استجابات سياساتية فاعلة. إلى جانب ذلك، لا يبدو أن للزيادة الهائلة في المساعدات التي حدثت مباشرة بعد كارثة تسونامي تأثيرًا دائمًا على أيٍّ من الحكومات الإقليمية أو المؤسسات الدولية. فمع حدوث بعض الاستثناءات القليلة (معظمها يتعلَّق بتثبيت أجهزة استشعار تقنية أفضل)، يبدو أن معظم المستجيبين يتراجعون إلى عملهم كما هو معتاد. يبدأ الاتفاق في الآراء في الداخل؛ أيْ إن العقبة الأساسية أمام الوصول للاتفاق — التي لاحظناها بالفعل في مختلف المراحل — هي دور السياسة الداخلية. في الواقع، المشاكل التي نناقشها يهيمن عليها النظام الفرعي؛ فالمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية، وأي كيانات دولية أخرى تفتقر للسلطة والموارد اللازمة للقيام بكثيرٍ من الأمر من تلقاء نفسها.13 ولا توجد تخطيطات أو حيل ذكية للتغلب على هذه المشكلة، ولكن يجدر بنا التأكيد على نقطة واضحة، وهي أنه مع وجود اتفاق على القضايا المحلية أو دون وجوده، فإن القيادة القوية المصممة هي المتغير الحاسم الذي يسمح بوجود درجة من الأمل في ظل الوضع الراهن. ومن ثَم استبدال حكومة أوباما-بايدن بحكومة بوش-تشيني المقاوِمة «ربما» يساعد الولايات المتحدة في تأكيد الريادة في مجالَي الطاقة والبيئة، وأخيرًا في الحصول على فرص عادلة ومحترمة للتعبير عن سياساتها ومواقفها، ولكن قد يضطر الإجراء الحازم إلى انتظار الخروج الناجح من الأزمة الاقتصادية الحالية. نادرًا ما كانت البيئة مسألة «على قمة الأولويات» بالنسبة لمعظم الحكومات، وحتى وقت قريب لم تكن مشكلة الطاقة أول الاهتمامات ومحورها إلا عندما يحدث ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط. ونتيجة لذلك، كانت المؤتمرات حول هذه القضايا يهيمن عليها أنصار البيئة، والمدافعون عن الصناعة، وعلماء البيئة، والبيروقراطيون الحكوميون المتوسطو المستوى. وهكذا، على سبيل المثال، بالنظر إلى الماضي، فإن الكثير من المسئولين الذين شاركوا في التفاوض على بروتوكول كيوتو في عام ???? «… يقولون الآن إنهم يرون أنه ضعيف وغير متفهم للواقع السياسي والاقتصادي.» وكما قال مسئول بريطاني: «في كيوتو، قطعنا على أنفسنا الكثير من الوعود، ولكننا لم نكن وضعنا السياسات الداخلية، وهذا هو السبب في أن اتفاقية كيوتو … كانت في نهاية المطاف هشَّة للغاية.»14 توجد نقطتان بسيطتان هنا؛ هما: أن المفاوضات يجب أن تُدفَع من قِبَل قيادة ملتزمة ورفيعة المستوى، لا سيما من الولايات المتحدة، وأن الخبرات حول القيود السياسية الداخلية أمر بالغ الأهمية إذا كنَّا نريد اتفاقات سيتم إقرارها وتنفيذها. خلاصة القول، العقبات شديدة وأدوات التعامل معها غير مكتملة النمو بعدُ. ولكن الاعتراف بالمشاكل التي تواجهنا لا يحكم علينا بالاستسلام لها، والغرض من هذا الكتاب تقديم مناهج بنَّاءة يمكن أن تخفِّف الآثار غير المرغوب فيها وتتجنبها أيضًا حيثما يكون ذلك ممكنًا. وستركز اقتراحاتنا على السياسة والتكنولوجيا العلمية على حدٍّ سواء، أيًّا كان الخيار أو مجموعة الخيارات التي سوف تخدم هذه الغايات.
هوامش

(1) There is an excellent column about this incident by Thomas L. Friedman, see “Going Cheney on Climate,” New York Times, December 9, 2009, p. A37.(2) This is not meant to deny that the furor over the leaked e-mails did make some difference. Thus, in an environment where public attention is focused on the economy and the skeptics and deniers speak with an inappropriate degree of certainty, a poll in the months after the incident indicated that the share of the public who do not believe climate change is happening increased from 15% to 25% and the percentage who do think it is happening and man-made dropped from 41% to 25%. See “Greener than Thou,” The Economist, February 13, 2010, p. 61.(3) The diametrically conflicting views of the Worldwatch Institute and the Competitive Enterprise Institute are discussed in William D. Sunderlin, Ideology, Social Theory, and the Environment (Lanham, MD: Rowman and Littlefield, Inc., 2004), pp. 178-9.(4) Al Gore, An Inconvenient Truth (Emmaus, PA: Rodale, 2006).(5) Andrew C. Revkin, “In Debate on Climate Change, Exaggeration is a Common Pitfall,” New York Times, February 25, 2009, p. A14.(6) See Elisabeth Rosenthal, “At U.N. Talks on Climate, Plans by the U.S. Raise Qualms,” New York Times, April 9, 2009, p. A14.(7) Lawrence Summers, “Foreword,” in Joseph E. Aldy and Robert N. Stavins, eds, Architectures for Agreement: Addressing Global Climate Change in the Post-Kyoto World (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2007), p. xix.(8) Brundtland Commission, Report of the World Commission on Environment and Development, published as Our Common Future (Oxford, UK: Oxford University Press, 1987).(9) For comments on the problems of decisionmaking under uncertainty and in an environment of fearfulness, see Daniel Gardner, The Science of Fear (New York: Dutton, 2008), p. 39ff.(10) Ernst B. Haas, When Knowledge is Power: Three Models of Change in International Organizations (Berkeley, CA: University of California Press, 1990), p. 21.(11) Peter M. Haas, Robert O. Keohane, and Mark A. Levy, “Improving the Effectiveness of International Environmental Institutions,” in Peter M. Haas, Robert O. Keohane, and Marc A. Levy, eds, Institutions for the Earth (Cambridge, MA: MIT Press, 1993), p. 410.(12) In any case, perhaps the moon landing is an inappropriate analogy because we do not have a single aim in the policy debates on climate change but rather many aims, some of which compete with each other.(13) Peter M. Haas, Robert O. Keohane, and Mark A. Levy, “Improving the Effectiveness of International Environmental Institutions,” op. cit., pp. 397–426.(14) Both quotes are from Elisabeth Rosenthal, “Obama’s Backing Increases Hopes for Climate Pact,” New York Times, March 1, 2009, p. 10.
الفصل الثاني
نظرة على السياسة الجغرافية


توجد مؤلفات هائلة ومتزايدة حول الاحترار العالمي تتناول الموضوع من كل منظور يمكن تخيُّله تقريبًا. في هذه الظروف، ربما يتساءل المرء عمَّا يمكن تعلُّمه من إعادة تركيز النقاش الحالي من منطلق الخلاف السابق عن الطاقة والبيئة؛ الجدل الذي أثير حول حدود النمو في سبعينيات القرن العشرين. توجد في الواقع بعض الدروس المفيدة التي يمكن استقاؤها من هذا الجدل السابق، وسوف نعرضها فيما يلي في هذا الفصل. وعلاوة على ذلك، توجد فوائد من عرض المناقشة الحالية من منظور «المنفعة العامة» الدولية، وهي الفئة التي لم تكن موجودة قبل الآن. ومن أجل تقديم خلفية تحليلية جديدة للمناقشة، سنستكشف أيضًا ما يمكن أن يعلِّمنا إياه هذا الإطار عن ضرورة تدشين مثل هذه المنفعة العامة وتحقيق الاستدامة لها. يمثِّل هذان المنهجان لتناول موضوعات تغيُّر المناخ والتحكُّم فيه البنيةَ الأساسية لهذا الفصل، وسنزيد جزءًا ختاميًّا حول الجدل السياساتي الذي يمهد الطريق للفصول التالية المتخصصة على نحو أكبر.
(?) هل توجد حدود للنمو؟

نُشِر كتاب «حدود النمو» في عام ????، وأصبح «قضية شهيرة» على الفور.1 وادَّعى مؤلفو الكتاب — باستخدام مجموعة متنوعة من تقنيات النمذجة الحاسوبية المتطورة — أن استمرار الاتجاهات المتزامنة في النمو السكاني والتصنيع والاستهلاك الغذائي واستخدام الموارد والتلوث؛ من شأنه أن يؤدِّي إلى انهيار حتمي للاقتصاد العالمي والمجتمع العالمي في وقتٍ ما في السنوات المائة المقبلة. عدَّلت المنشورات التي تَلَتِ الكتابَ بعشرين ثم ثلاثين عامًا على نحو طفيفٍ بعضَ التوقعات المرعبة، ولكن ظلت الرسالة الأساسية هي نفسها؛ تقريبًا دون تفكير في الأمر، تجاوزت الأرضُ — أو على نحو أكثر تحديدًا، المجتمعات الصناعية المتقدمة — الحدودَ التي يمكن عندها للموارد المتجددة تجديد نفسها، والمعدلَ الذي يمكن عنده تغيير المجتمع من الاعتماد على الموارد غير المتجددة إلى الاعتماد على الموارد المتجددة.2 وأثير الجدل حول أن الموارد الحيوية مثل الغذاء والماء والنفط سوف تختفي بمعدلات متفاوتة اعتمادًا على افتراضات مختلفة حول سرعة النمو، وأن مستويات التلوث الآخذة في الارتفاع ستصل إلى حدٍّ لا يمكن تحمُّلُه. ولا يمكن تجنب الفوضى والانهيار إلا من خلال إبطاءِ النمو المتسارع للسكان والتطوُّرِ السريع للتصنيع. كان وضع نموذج جديد للنمو ضروريًّا على ما يبدو، على الرغم من عدم وضوح ما قد يكون عليه هذا النموذج أو إن كان أيٌّ من النماذج البديلة أكثر قابلية للتطبيق أو أكثر قبولًا، لا سيما في العالم الثالث، من قابلية النموذج الحالي للتطبيق أو قبوله. وأزمة النفط التي اندلعت بعد حرب «يوم كيبور» في عام ???? في الشرق الأوسط — الزيادة التي وصلت إلى ??? بالمائة في أسعار النفط في غضون بضع سنوات قصيرة — ساهمت بلا شك في النظرة المتشائمة التي سادت الجدل حول نضوب الموارد وارتفاع الأسعار والصراع والاضطراب العالمي المحتمل. وعلاوة على ذلك، أثارت أزمة النفط في ذلك الوقت بعضَ ردود الفعل المتطرفة من جانب البلاد المستهلكة، والتي تمثِّل تحذيرًا مفيدًا حول أخطار الهستيريا تحت الضغط؛ إذ دعا البعض لغزو المملكة العربية السعودية وبلاد الخليج الأخرى بناءً على مبدأ أنهم لا يمتلكون الموارد الموجودة تحت أراضيهم، ونادَى آخَرون إلى استخدام الغذاء كسلاح، على ما يبدو، لتجويع السعوديين وغيرهم؛ لإجبارهم على خفض الأسعار أو القيام بذلك؛ خوفًا مما قد تفعله الولايات المتحدة أو ما قد يفعله الآخَرون. ويبدو أن وصفات الكوارث والفوضى تلك لم تتخطَّ قطُّ نطاقَ المقالات الرنانة في مجلات مثل «كومنتاري»، ولكنها خوَّفت السعوديين بالفعل ودفعتهم لمحاولة زراعة الحبوب الغذائية لأنفسهم بتكلفة عالية جدًّا في صحارى قاحلة للغاية.
أسهم كتاب «حدود النمو» بالفعل إسهامًا كبيرًا في ظهور وتعميق الحركة البيئية، وقدَّمَ على ما يبدو تحذيرًا حول الآثار المترتبة على النموذج السائد للنمو الاقتصادي. لم يكن التحذير ينصُّ على أن كل شيء كان سينفد فجأةً، أو أن الانهيار حتمي في تاريخ معين، بل تناول التحذير في شكل ضمني حدودَ السرعة؛ إذا كان الكتَّاب مُحِقُّون، فإننا كنَّا نتجاوز السرعات الآمنة في استخدامنا الموارد وضغْطنا على البيئة، وسندفع — كلنا — ثمنًا باهظًا إذا لم نصلح أساليبنا بسرعة. ولكن «حدود النمو» والكثير من نماذج (أو مجادلات) التشاؤم الأخرى التي أوجدها وبدا أنه يبرِّرها، أثارت أيضًا ردودَ فعل سلبية قوية من عدة مصادر رئيسية؛ هي: العالم الثالث، والكثير من الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد، وبعض العلماء المختلفين في الرأي الذين رأوا أن هذه الرفاهية والتصنيع مفيدان بالنسبة للبيئة والفقراء في نهاية المطاف؛ وذلك في الواقع يَقْلب حجج المتشائمين رأسًا على عقب.
كان موقف العالم الثالث أيديولوجيًّا إلى حدٍّ كبير؛ فمن الصعب العثور على أيِّ تحليلات محددة بوضوح ومدروسة من الناحية المفاهيمية للآثار المترتبة على الحدود الحقيقية أو المزعومة للنمو من قِبَل محلِّلي العالم الثالث. ما بَدَا أن الكثيرَ من زعماء العالم الثالث ومثقفيه يعتقدونه هو — لا إراديًّا تقريبًا — أن الجدل كله كان مؤامرة من جانب الدول المتقدمة الغنية للحفاظ على قوتها وازدهارها، عن طريق إخبار البلدان النامية أن عليهم التخلي عن نموذج النمو الذي نجح جيدًا في الماضي، وبَدَا أنه النموذج الوحيد الذي من شأنه أن يضع البلدان النامية على نفس الطريق نحو تحقيق الثروة وارتفاع مستويات الدخل. فإذا تخلَّتِ البلدان النامية عن هذا النموذج، الذي يمثِّل التصنيعُ السريع أحدَ مكوناته، فماذا يمكن أن يحل محله؟ وإذا استخدموا الموارد على نحو أكثر اعتدالًا، فكيف سيتغلبون على الفقر؟
في الواقع، لم يركِّز جدول أعمال العالم الثالث على استنفاد الأوزون أو الاحترار العالمي (باستثناء بعض الدول الجزرية المهدَّدة)، بل ركَّزَ على قضايا مثل انخفاض الإنتاجية الزراعية، والتلوث بالكيماويات السامة، وقبل كل شيء النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل والوصول التفضيلي إلى الأسواق والمزيد من المساعدات الخارجية. إضافة إلى ذلك، كان هناك جهد متواصِل لإلقاء اللوم في أزمات الطاقة والأزمات البيئية على العالم المتقدم، والإصرار على أن الدول المتقدمة كانت بناءً على ذلك مسئولة عن التكاليف الكاملة لإصلاح الضرر. وكان اتجاه الصين والهند وغيرهما من البلدان النامية لأنْ يكونوا مساهمين كبارًا في كلتا الأزمتين يُعتبَر مشكلة مستقبلية، وليس المشكلة الرئيسية حول مَن كان مسئولًا عن خلق المشاكل الموجودة الآن.
هل كانت هناك استراتيجيات نمو بديلة متاحة تتعامل على نحو منصف وفاعل مع مجموعتي الشواغل؟ بالتأكيد كانت نماذج اللانمو المطروحة من قِبَل هيرمان دالي فاشلة.3 اعتقَدَ دالي أن النمو لم يكن دائمًا جيدًا، وأن فكرة «التنمية المستدامة» — التي أصبحت شعارًا بين مناصري حماية البيئة، وخاصة في منظومة الأمم المتحدة — كانت عبارة لا معنى لها، لكنه ترك أسئلة بلا إجابة كانت ذات صلة مباشِرة بالبلدان الفقيرة ذات رأس المال البشري المحدود أو الموارد المالية المحدودة. وقُوبِلت نماذج أخرى — مثل تلك التي ركَّزت على تلبية احتياجات الإنسان الأساسية قبل التركيز الشديد على التصنيع — بالتشكُّك، ليس فقط من قِبَل نخب العالم الثالث، ولكن أيضًا من قِبَل الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد التقليديين. ظهر العداء نحو هذه الاستراتيجية — الذي استند في جزء منه على افتراض غير مبرر بأنها معادية للنمو — لأول مرة في سبعينيات القرن العشرين كردٍّ على فشل نظرية النمو المعياري للحدِّ من الفقر كثيرًا في العالم الثالث. وكان جزء من مقاومة العالم الثالث مجرد رغبة في إجبار الدول المتقدمة على زيادة المساعدات الخارجية والاستثمار المباشِر، وزادها ما بين النخب من مخاوف من أنه قد يسبب أيُّ تغيير فقدانَهم للسيطرة المباشرة على كيف وأين ينبغي إنفاق أموال المساعدات. عكَسَ جزءٌ آخَر من المقاومة فكرة أن الاهتمام بالبيئة ترفٌ لا يمكن لهذه البلدان تحمله بعد. وهذا يتشابه أيضًا مع الحجة التي كانت مألوفة من قبلُ، والتي كان يقدِّمها الكثير من النخب الحاكمة، والتي مفادها أن الديمقراطية والمنافسة السياسية من الرفاهيات التي لا يمكن للبلدان الفقيرة تحمُّلها. كانت هذه الحجة الأنانية ستصير أكثر منطقيةً إذا كانت النخب الحاكمة استخدمت قوتها بالفعل من أجل الصالح العام، ولكنها للأسف أساءت استخدام قدر كبير من هذه القوة لمجرد الاحتفاظ بالسلطة ومكافأة الأصدقاء وإبعاد الأعداء المحتملين. علاوة على ذلك، نظرًا لحقيقة أن الكثير من الموارد التي كانت في طريقها للتعرُّض لأن تكون شحيحة تكمن في العالم الثالث، كان هناك أيضًا أمل في أنها ربما تستفيد في الواقع من زيادات الأسعار الناتجة، كما حدث مع النفط.
كان النقاد الرئيسيون لحجة حدود النمو هم الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد التقليديين أمثال جوليان سايمون، وكانت حجتهم بسيطة للغاية في جوهرها؛ تتم المبالغة في تبسيط التحذيرات حول أيِّ حدود للنمو لأنها ركَّزت على عدد قليل جدًّا من المتغيرات، وفشلت في أن تأخذ بعين الاعتبار كيفية استجابة إبداع البشر التكنولوجي والعمل الطبيعي للسوق، نحو زيادة الندرة. كان ابتكار البشر، وفقًا لسايمون، «المورد المطلق» الذي لا ينضب معينه. وهكذا، ذهب إلى أن كتاب «حدود النمو» كان «مثالًا رائعًا لكيف يمكن أن يكون العمل العلمي سيئًا على نحو شنيع، ومع ذلك يكون مؤثِّرًا للغاية.»4 وعلاوة على ذلك، رأى أن أسعار المواد الخام والطاقة انخفضت بشكل مطرد من حيث القيمة الحقيقية (مع استبعاد «التغيرات الصغيرة» القصيرة المدى)، وأن الإمدادات الغذائية تنمو باطراد في معظم أنحاء العالم الثالث، وأنه تم استصلاح المزيد من الأراضي، وأنه يمكن أن يقل خطر التلوث إذا استمرت متوسطات الأعمار المتوقعة في التحسُّن، وسيكون النمو السكاني ربحًا صافيًا للبلدان المتقدمة والبلدان النامية إذا ما استمر على نحو معتدل. وأيَّدَ لومبورج موقفه،5 والذي ركَّزَ أيضًا على الإحصاءات التي تبيِّن انخفاض الفقر في العالم وازدياد متوسط الأعمار. باختصار، كان «المتشائمون» البيئيون «قاتلين للمتعة يركبون الموجة الموصلة للسلطة السياسية.»6 وثمة جانب آخَر من حجة المناهضين للمتشائمين يتمثَّل في أن التعديل في بعض النطاقات (على سبيل المثال، التحسينات المدخلة على حفظ الموارد وكفاءة استخدامها) كان أسرع مما بَدَتْ عليه توقعات المتشائمين؛ مما يعني توافر المزيد من الوقت والمساحة للابتكار والتكيُّف، وخاصة في نطاقات مثل الاستخدام المتزايد الانتشار للأسمدة والري والأدوية الجديدة. قدَّمت هذه الحجج نقدًا مفيدًا لبعض نقاط الضعف في نماذج حدود النمو؛ كانت المبالغة في التبسيط تهمة ملائمة بشكل خاص لأن النماذج أسقطت الكثير جدًّا من الأمور، على الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أو تجاهلَتْها. مع ذلك، في حين أظهرت السوق ازدهارًا كبيرًا، كان النقاد — الذين أسندوا حجتهم إلى الطريقة التي ينبغي للسوق أن تعمل وفقًا لها، أو ربما التي تعمل وفقًا لها بالفعل — يسقطون أيضًا بعض الاعتبارات الرئيسية. ربما تستجيب الأسواق لمؤشرات الأسعار، لكنها كثيرًا ما تفعل ذلك مع فجوة زمنية خطيرة، وربما تكون النظم السياسية والرأي العام أكثر بطئًا، خاصة عندما تقاوم المصالح القوية التعديل ويظل عدم اليقين الفكري سائدًا. لا يمكننا ببساطة الوثوق ثقة عمياء في أن قدرة الإنسان على الابتكار لا تنضب، وأنها سوف توفِّر الحلول في الوقت المناسب، وأن الإجحاف المحتمل من بعض التعديلات قد يكون أيضًا مصدرًا آخَر للتأخير، وربما تحدث الأزمات بصدمات حادة مفاجئة، وليس تدريجيًّا مع وجود وقت للتكيُّف.
إحدى المشكلات التي واجهت هذا الرأي — لا سيما في السنوات الأولى — هي أنه كان يميل نحو التحول إلى موقف أيديولوجي؛ فمؤيدو السوق الحرة يسخرون من غياب التطور الاقتصادي لدى المتشائمين، ومناصرو البيئة لا يرون سوى ضرورة تغيير السياسات الحالية جذريًّا لتجنُّب الكارثة. وكان الأمر كما لو أن سفينتين تمران في الليل، تمثِّلان نموذجين متنافسين ولا تعترف أيٌّ منهما بوجود الأخرى أو أهميتها.7 لحسن الحظ، أصبح النقاش أقل في السمة الأيديولوجية؛ إذ أصبحت الأدلة على تراكم ثاني أكسيد الكربون في البيئة العالمية أكثر قبولًا، وحازت شرعيةً كبيرة من قِبَل التقارير الدورية المقدَّمة من الهيئة الحكومية الدولية المرموقة المعنية بتغير المناخ. ونتيجة لذلك أدرك الكثير من أنصار كلا الجانبين أن هناك ثمنًا يُدفَع مقابل الانبعاثات، وكان بعضهم — الذين يرون الأخطار الأخلاقية والسياسية لتجاهل مسألة إنصاف الفقراء في كل مكان — على استعداد للوضع في الاعتبار بعضَ شواغل البلدان النامية. هذا لا يعني القول بوجود اتفاق كامل في الآراء بشأن جميع هذه القضايا. على العكس من ذلك، هناك درجة معينة من الاختلاف في كل قضية تقريبًا، ولكن الاختلافات ليست شديدة كما كانت من قبلُ. حتى أشد مؤيدي السوق الحرة يرون الآن ضرورة العمل على حماية البيئة، وأدرك معظم مناصري حماية البيئة أن هناك حاجة لنوع من نمو الدخل. يتعلق الكثير من الخلافات الآن بخيارات سياساتية محددة ومقايضة صعبة بين القيم المختلفة، حتى مع إقرار كلا الجانبين أن القضايا العلمية والفنية التي لا تزال دون حل، والتي تحتاج إلى توضيح، لا ينبغي أن تُستخدَم لتسويغ التقاعس التام عن العمل. القضية الرئيسة هي كيفية التوفيق بين هدفين مشروعين بالدرجة نفسها، ولكن يحتمل أن يكونا متباينين؛ النمو المستمر للدخل والتخفيف من الفقر مقابل حماية البيئة من أسوأ آثار النمو وحمايتها من استمرار الاعتماد على الوقود الكربوني. يوجد بصيص من الأمل يطل من إمكانية وضع نوع جديد من استراتيجيات النمو النوعية، ولكن حتى إذا وُضِعت هذه الاستراتيجية، فإنه ليس من الواضح أنها ستلقى قبولًا من البلدان المتقدمة أو النامية، في ضوء الظروف الاقتصادية المحفوفة بالمخاطر ومقاومة المصالح القائمة.
يوجد — وطالما كان موجودًا — علماء معارضون للافتراض البسيط، وربما المبالغ في البساطة، القائل بأن النمو السكاني والرفاهية التي يدعمها التطورُ التكنولوجي سيؤديان حتمًا إلى كارثة بيئية. ويقف جيسي أوزوبيل وبول واجنر — عالما البيئة الموقران — في طليعة الأصوات المعارضة؛ فقد نادَيَا بأن تقليل استهلاك الطاقة (وخاصة الوقود الكربوني) والبضائع لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي يمد بأمل أن التنمية الاقتصادية وتحسين جودة البيئة يمكن أن يحدثَا في نفس الوقت.8 وشهد معظم البلدان في الفترة من ???? حتى ???? تناقُصَ كثافةِ انبعاثات الكربون في الأنشطة الاقتصادية، غالبًا بسبب المكاسب الناتجة عن زيادة الكفاءة. ونتيجة لذلك، «تشير كل التحليلات ضمنيًّا إلى أنه على مدى السنوات المائة المقبلة سوف يتخلَّص الاقتصاد البشري من معظم الكربون في نظامه، وينتقل من خلال الغاز الطبيعي إلى اقتصاد الهيدروجين.»9 باختصار، يمكن أن يستمر كل من السكان والرفاهية في النمو دون حدوث تأثير بيئي أكبر نسبيًّا. ويرى أوزوبيل أيضًا — وكذلك المتحدثون الرسميون لكثيرٍ من شركات النفط — أن نظام الطاقة الحالي لدينا، المعتمد على الوقود الكربوني، من المرجح أن يستمر لفترة طويلة في المستقبل. فيقول: «تتطور أنظمة الطاقة وفق منطق خاص، تدريجيًّا، ولا تتحول فجأةً إلى شيء مختلف.»10 وكما يشير تيرني، هذا يعني ضمنيًّا أن عدم وجود ثورة خضراء في مجال الطاقة أمر جيد؛ لأنه «كلما ازداد الجميع ثراءً، أصبح الكوكب أنظف على المدى الطويل.»11 والحجة على ذلك هي أنه «مع ارتفاع الدخول، غالبًا ما يركِّز الناس أولًا على تنظيف مياه الشرب، ثم بعد ذلك على ملوثات الهواء مثل ثاني أكسيد الكبريت.» وهكذا، لا شيء — على نحو مفترض — ينبغي القيام به لإعاقة التصنيع السريع؛ وذلك لأن العواقب البيئية السيئة الفورية ستزول قريبًا. ماذا يمكن أن يُقال عن هذه الحجة؟ في المقام الأول، إذا ما وُضِعت هذه الحجة في السياق مع الحجج السابقة، فليس من الصعب رؤية السبب في أنه حتى المراقبون الأذكياء يمكن أن يختلفوا حول الاحترار العالمي وأزمة الطاقة. يوجد على ما يبدو حجج معقولة تدعم الكثير من السياسات المختلفة، وما يتم اختياره في كثيرٍ من الحالات يعكس على الأرجح أيديولوجيات شخصية وتفسيرات للمصلحة الذاتية، بل أيضًا مجموعة الإحصاءات التي سيتم التركيز عليها. ثانيًا، تقدِّم حجة أوزوبيل وواجنر بطرق عديدة للبلدان النامية حلمًا طالما روادَهَا؛ فلا تخبرها فحسب أن المنهج المعياري للتنمية الاقتصادية لا يزال أفضل وسيلة لتحقيق النمو والازدهار — فلا حاجة للمخاطرة بتطبيق نظريات جديدة غير مجرَّبة — ولكن تخبرها أيضًا أنه سيُنتِج في يوم من الأيام نتائج بيئية أفضل. أخيرًا، حتى لو انخفضت كثافات الاستخدام بصورة مطردة كما أشار أوزوبيل وواجنر، فماذا سيحدث للاحترار العالمي مع تواصل هذا الإيقاع السريع للتصنيع؟ ماذا لو ثبت أن هذا الإيمان بأن السوق سوف توفر بدائل كافية للموارد التي تزداد ندرتها وارتفاع ثمنها اتضح أنه مفرط التفاؤل؟ وماذا لو عرقل الاضطراب الاقتصادي والصراع السياسي وعدم الاستقرار الاجتماعي التوجه نحو «إزالة الكربون» قبل حدوث الرفاهية والتحسينات البيئية؟ باختصار، في الوقت الذي يقدِّم لنا فيه أوزوبيل وواجنر صورةً للنجاح على المدى الطويل، فإنهما يتجاهلان كل المخاطر والصعوبات على المدى القصير التي قد تجعل استنتاجاتهما نظرية بحتة.
يبدو أنه يوجد درسان بسيطان من هذه المناقشة الوجيزة للجدل حول حدود النمو؛ الدرس الأول هو أن التوقعات المثيرة للمخاوف والتنبؤات الكارثية التي انغمس فيها بعض خبراء البيئة استنادًا إلى كتاب «حدود النمو» — التحليلات من نوع «أسوأ سيناريو» — أدَّتْ في الواقع إلى تأثير معاكس للتأثير المقصود. وكمثال على ذلك، لاحِظ تعليق بايرون: «أساس الحضارة غير آمِن على نحو مهلك، وانهياره بات وشيكًا.»12 إذا كان يُنظَر لظروفنا على أنها بالغة السوء مع ضرورة إجراء الكثير من التغييرات الكبيرة والمكلفة بسرعة، وحتى قبل أن يُنظَر إلى دلائل العلم على أنها قاطعة؛ فإنه ليس من المستغرب أن كثيرًا من الناس سوف يتغاضون عن الرسالة ويعودون إلى عملهم كالمعتاد. وربما حجة مصاغة بعناية أكبر مع مجموعةٍ واضحة من الأولويات وفهمٍ واضحٍ للمقايضات المحتملة تؤدِّي إلى نتيجة أفضل عاجلًا. وبالمثل، الحجج التي تقول لنا كلُّ شيء على ما يرام ما دمنا نفعل «الأمور الطبيعية»، يمكن أيضًا أن تصرف انتباهنا بعيدًا عمَّا يجب القيام به الآن. فالدرس الثاني يعزِّز الدرس الأول. فالحرب الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية بين نموذجين متباينين أخَّرَتْ الاستجابةَ السياساتية الفاعلة؛ مؤشرات الأسعار على المدى القصير — مثل انخفاض أسعار النفط أو ثباتها في فترة طويلة من ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين — استُخدمت كذريعة لصرف النظر عن التحذيرات من المخاطر المنتَظَرة. إن القائمة الطويلة من الأشياء الواضحة التي كان ينبغي القيام بها بعد تجارب صدمات الأسعار في سبعينيات القرن العشرين — حفظ الموارد، وزيادة الكفاءة، ورفع معايير الأميال التي تقطعها السيارات مقابل كل وحدة حجم من الوقود، وزيادة الإنفاق على أبحاث وتطوير مصادر الطاقة البديلة — تعرَّضَتْ للتجاهل لأنه كان من الأسهل والأقل تكلفةً عدمُ القيام بأي شيء، وصرف النظر عن التحذيرات التي كانت في البداية مفرطة في التبسيط ومُغالًى فيها، ولكنها مع ذلك بالتأكيد تستحق اعتبارًا جادًّا أكثر بكثير. إن الجدل مفيد إذا كان يوضِّح الأمور، وليس كذلك إذا كان يحجب ضرورة اتخاذ إجراء. (?) المنافع العامة والأضرار العامة

عندما نتحدث عن المنافع العامة نعني المنافع غير التنافسية؛ أيْ إن استهلاكها من قِبَل طرف واحد لا يقلِّل المعروض من المنافع للآخَرين. والمنافع العامة أيضًا لا تقبل الاستبعاد؛ أيْ لا يمكن استبعاد أيِّ شخص من استخدام المنفعة. وتشمل المنافع العامة تقليديًّا أمورًا مثل الدفاع الوطني والمنارات ونظام المدارس العامة ونظام الطرق السريعة بين الولايات. ومع ذلك، توجد أشكال أخرى من المنافع العامة. منافع النادي غير تنافسية ولكنها تقبل الاستبعاد؛ وتشمل الأمثلة عليها: المتنزهات الوطنية وملاعب الجولف العامة والطرق السريعة التي تتقاضى رسومًا من المستخدم. والنوع الآخَر الذي يُوصَف بأنه تنافسي ولكن لا يقبل الاستبعاد هو ما يُطلَق عليه «موارد الممتلكات العامة»؛ وتشمل الأمثلة عليه مصايد الأسماك في أعماق البحار أو استنفاد مناطق الرعي المشتركة من خلال الإفراط في استخدامها، وكثيرًا ما يشار إلى هذا الحدث الأخير بأنه «مأساة المشاعات». ونظرًا لأن الأسواق غير منسقة وتقودها المصلحة الذاتية الفردية، فإنها تفشل أحيانًا في إنتاج المنافع العامة أو في إنتاج جزء من اللازم منها. ونتيجة لذلك، عادة ما تتولى الدولة إنتاج المنافع العامة، ولكن يمكن أيضًا أن يتولى في بعض الأحيان إنتاج هذه المنافع جهاتٌ فاعلة جماعية من غير الدول مثل الكنائس أو المنظمات غير الحكومية مثل نادي سييرا أو الصليب الأحمر؛ أو بالطبع قد لا تُنتَج على الإطلاق. والجهات الفاعلة التي تستخدم المنفعة أو تستفيد منها ولكن لا تدفع مقابل صنعها أو صيانتها تُوصَف بأنها «منتفعة بالمجان». إن الحافز للتخلي عن تصنيع المنفعة العامة وعدم دفع حصة عادلة من تكلفة إنتاجها، يمكن أن يكون عاليًا جدًّا إذا لم تكن المنافع كبيرة أو كانت عقوبات عدم الامتثال ضعيفة أو يسهل التهرب منها.
توجد أسئلة واضحة تطرأ فيما يتعلق بإنتاج المنافع العامة: كم يلزم إنتاجه من المنفعة؟ كيف ينبغي تمويل إنتاجها؟ في ظل الشكوك التي تكتنف قاعدة المعرفة العلمية التكنولوجية في المستقبل، يوجد أيضًا سؤال حول كيفية الحصول على أيِّ نوع من أنواع المعرفة لتبرير عملية صنع منفعة عامة سيجري تنفيذها على نحو فاعل. في الواقع، يمكن للشكوك حول تكاليف ومخاطر عدم الامتثال أو التطورات غير المتوقعة أن تقوِّض إنتاج المنافع العامة. لماذا تُدفَع هذه التكاليف أو يُلتزم بالامتثال لها إذا كانت المخاطر والتكاليف مرتفعة واحتمالية عدم الامتثال لها عالية؟
عادة ما تقتصر مناقشة المنافع العامة على الدول القومية، وتظهر بالفعل في مجال المالية العامة. ولكن ما رأيناه على نحو متزايد في الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية مع العولمة هو أن العوامل الخارجية السلبية — التكاليف الإضافية للإجراءات الاقتصادية — تتحملها الدول المجاورة عبر الحدود على نحو متزايد. وهكذا أصبح السعي من أجل المنافع العامة العالمية بؤرة اهتمام جديدة؛ ليس فقط بسبب «تجاوز» العوامل الخارجية حدود الدولة، ولكن أيضًا لأن المخاطر النظامية العالمية أصبحت مساحةَ قلق متزايدة. إن الأزمة الاقتصادية الحالية وعدم القدرة الواضحة للبنية المالية العالمية على التعامل معها يوضحان الخطر الكامن في نطاق واحد من الإخلال بتوفير مثل هذه المنافع. وتعد نقاط ضعف النظام المتزايدة في ردع الانتشار النووي مثالًا آخر لعواقب عدم ابتكار منفعة عامة عالمية فاعلة. وبطبيعة الحال، تتمثل مشكلة النظام الدولي في أن الانتفاع بالمجان يمكن أن ينتشر؛ فالغش سهل للغاية مع غياب نظام عقوبات قوي وغياب أيِّ هيئات مخولة لردع الانتهاكات أو لفرض عقوبات على عدم الامتثال.
إن الفجوة بين ما هو مطلوب وما يمكن تقديمه واسعة، لا سيما في الشئون الدولية، ولكنها ليست بالضرورة غير قابلة للرأب على الإطلاق؛ فهناك بالفعل بعض النجاحات المحرزة في تحقيق المنافع العامة العالمية. وكما أثبت باريت باقتدار، حقق بروتوكول مونتريال بشأن استنفاد طبقة الأوزون نجاحًا بسبب مجموعة متنوعة من العوامل؛ فقد وضع قيودًا على «كل» الدول وليس الدول المتقدمة فقط، وكان سقف الانبعاثات دائمًا وليس مؤقتًا أو انتقاليًّا، وكان هناك رادع قوي للانتفاع بالمجان؛ حيث كانت آلية الامتثال قوية جدًّا مع وجود تهديدات بتعليق المساعدات المقدمة إلى البلدان النامية أو بتوقيع عقوبات تجارية. وفي المقابل، لم يحظَ اتفاق كيوتو حول تغير المناخ بأيٍّ من هذه الظروف؛ فلم توقع الولايات المتحدة على الاتفاق، ونُفِّذ على نحو سيئ لأن نظام الامتثال كان ضعيفًا. للأسف، كان من الصعب تكرار الظروف التي جعلت مفاوضات مونتريال ناجحة نجاحًا نادرًا من ناحية التفاوض، ومثلت الاتفاقية الدولية بشأن القارة القطبية الجنوبية أيضًا نجاحًا معقولًا؛ ربما لأن شروط مدة المعاهدة وإعادة التفاوض قدَّمت للمشاركين القدر اللازم من المرونة.13 وعلى قدر وجود تاريخ مشترك من التعاون بين أطراف الاتفاق أو إلزامها بالاستمرار في التفاعل بطرق مهمة في المستقبل، ربما يساعد الاهتمام بالحفاظ على سمعة جيدة بشأن الوفاء بالالتزامات وتحقيق درجة من مصداقية التنفيذ أيضًا؛ في بقاء واستمرار بعض الاتفاقات، حتى عندما يكون أحد الطرفين أو كلاهما لا يرى مصلحةً وطنيةً قوية في القيام بذلك. ومن المهم للغاية أيضًا أن يرى جميع أطراف الاتفاق أنه عادل ومنصف، مع أن الاتفاق على تفسير هذه الشروط قد يكون أكثر صعوبةً من التوصُّل إلى الاتفاق في المقام الأول. شاركنا في جدل علمي وفني حول حجم المشاكل في مجال الطاقة والبيئة، وجدل سياسي حول وسيلة تحقيق التعاون وتوزيع التكاليف والفوائد، وجدل أخلاقي حول الإنصاف والمسئوليات حيال أجيال المستقبل، والمطالبات الجوهرية للبيئة نفسها. توجد خلافات حول كل هذه الأمور، ولكن بعضها شديد والآخَر يوجد به درجة من التقارب. الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الجميع تقريبًا هو أن أيًّا من المشاكل في هذه العوالم المعقدة لا يمكن حلها من جانب واحد أو عن طريق مجموعة صغيرة نسبيًّا من الدول؛ المطلوب فعليًّا هو درجة كبيرة وغير مسبوقة من التعاون الدولي. فالأزمات العالمية أو الإقليمية لا يمكن تركيزها أو احتواؤها ضمن الحدود الوطنية، كما أوضحت مشكلتا الأمطار الحمضية وتشيرنوبل بطرق مختلفة. وحتى لو أثبت الأمن الجماعي عدم نجاحه أو عدم فاعليته، ربما يجب وضع نظام مختلف لأمن الطاقة والأمن البيئي الجماعي.
لاحظنا بالفعل معظم العقبات المحلية أمام تحقيق المستويات المطلوبة أو المأمولة من التعاون، ونركز هنا على العقبات الإضافية أمام التعاون الدولي، التي وحْدَها أو مجتمعةً معًا تجعل إحراز التقدم صعبًا حتى بين المشاركين الحسان النية؛ وهي على وجه التحديد: (?) غياب الاتفاق الفكري.
(?) التركيز على المدى القصير.
(?) الرغبة في حماية درجة سيادة مستمرة في التناقص.
(?) المؤسسات الدولية الضعيفة والفقيرة التي لا تستطيع أن تفرض بسهولة عقوبات على السلوك المنحرف.
(?) الأيديولوجيات والتفسيرات المختلفة لأصحاب المصالح الوطنية والدولية.
(?) التفاوت في القوة.
(?) الصراعات المحلية والإقليمية.
(?) الشكوك الوقائعية التي ترفع من مخاطر اتخاذ خيارات سياساتية واضحة.
(?) القيود والهموم التي أوجدَتْها الأزمة الاقتصادية الحالية.
علاوة على ذلك، المارقون والمنتفعون بالمجان خطر لا مفر منه في مثل هذه الظروف. وباختصار، لدينا فجوة كبيرة جدًّا بين الطلب على وسائل أكثر فاعليةً لتحقيق درجات ضرورية ومفيدة من التعاون والقدرة على توفير ذلك دوليًّا. وكما ذُكِر سابقًا، نحن نتعامل مع الصراعات المثقلة بالانحياز القيمي بشكل أساسي، التي لا يمكن حلها إلا من خلال العملية السياسية. وربما يمكننا الحصول على منظور أفضل بشأن هذه القضايا إذا انتقلنا لمناقشة وجيزة حول مشكلة تحليلية مشابهة جدًّا، وهي عدم كفاية ما يتم توفيره من منافع عامة دولية. أو ربما سنتعلم شيئًا أكثر فائدةً، وهو أنه قد يكون من الضروري اتباع نهج مختلف لتحقيق التعاون.
في أغلب الأوقات كانت المنافع العامة الدولية أصعب بكثير في إنتاجها من المنافع العامة المحلية. وإضافة إلى العقبات المذكورة بالفعل، هناك بعض العوائق الأخرى التي تستحق تعليقًا وجيزًا. بطبيعة الحال، إن الإنصاف بين الأجيال قوة أضعف بين مختلف البلدان مما هي عليه في أيِّ أمة واحدة، وتوجد بالتأكيد بعض العادات والتقاليد المشتركة في النظام الدولي ولكن في السياق الحالي، فهي حتى الآن بدائية ومقصورة في الغالب على مجموعة صغيرة نسبيًّا من أنصار حماية البيئة الملتزمين. ولن تكون النصائح أو التحذيرات المخيفة من كارثة وشيكة كافيةً عندما يوجد الكثير جدًّا من المشاكل الأكثر إلحاحًا التي تتطلب الاهتمام. أخيرًا، توجد معضلة أساسية في جذور العلاقات الدولية، وهي أن غياب الثقة أكبر بكثير مما هو عليه في النظم المحلية، فإمكانية أن يتراجع الطرف الآخر أو الأطراف الأخرى عن الالتزامات أكبرُ، ومن الصعب معرفة أو اكتشاف ما تعتزم الأطراف الأخرى القيامَ به، وتختلف المصالح اختلافًا كبيرًا في أبعاد كثيرة، وربما تتغير الظروف الأولية التي أدَّت إلى المفاوضات من الأساس؛ ما يولد الحاجة أو الرغبة في اغتنام الفرص الجديدة أو درء التهديدات الجديدة. وتتمثل إحدى نتائج ذلك في أن التركيز ينتقل أحيانًا من خلق المنافع العامة التي يصعب التفاوض حولها إلى التفاوض بشأن اتفاقات لدرء «الأضرار» العامة المتفق عليها بالتراضي. ومع ذلك، هذا أيضًا لم يكن سهلًا؛ فلاحظْ — على سبيل المثال — صعوبةَ تحقيقِ مستوًى حيويٍّ من التوافق بشأن وقف انتشار الأسلحة النووية، كما هو الحال مع إيران وكوريا الشمالية.
أشار بعض الباحثين إلى أن المؤسسات الدولية يمكن أن تتدخل في هذه المرحلة للمساعدة في التفاوض وصولًا لاتفاق دولي والمحافظة عليه. فوفقًا لرأيهم، يمكن لمثل هذه المؤسسات أن تساعد في التغلب على مشاكل الإجراء الجماعي من خلال توفير معلومات مهمة حول تفضيلات الأطراف، ومراقبة التنفيذ والإعلان العام عن عدم الامتثال للالتزامات، والمساعدة في التركيز على مبدأ الإنصاف وتحقيقه. للأسف، المؤسسات الدولية القائمة نادرًا ما توفِّر هذه الفوائد، والسياسةُ الداخلية داخل الدول هي الأكثر أهميةً. وعلاوة على ذلك، كان عدم الإقدام على إصلاح معظم المؤسسات الدولية خلال فترةِ تَولِّي كوفي أنان منصب الأمين العام للأمم المتحدة يعني أنها لا تزال ضعيفة، وتفتقر إلى الموارد، وتعاني سوء مستوى العاملين (على الرغم من كفاءة بعض المسئولين)، وأنها مقسومة بسبب الأيديولوجيات والمصالح مثل الدول نفسها.
باختصار، الاعتماد على المؤسسات في فعل ما لا تستطيع الدول نفسها القيام به أو لا ترغب في القيام به، أو الاعتماد عليها في المساعدة في فعل ذلك، ليس من المرجح أن يحل مشكلة عدم توفر بعض المنافع العامة الدولية الضرورية. وليس من قبيل الصدفة أن مختلف المقترحات بتجاوز أو تجاهل النظام المؤسسي الحالي وخلْق بدائل أكثر فاعليةً له اكتسبت أهمية متزايدة في السنوات الأخيرة. أحد هذه المقترحات هو إنشاء «عصبة الديمقراطيات»، ولكن تحديد مَن بالضبط سيكون مؤهلًا لدخولها ليس أمرًا واضحًا تمامًا، والشرعية التي ستكون لها ليست واضحة، والإجراءات أو السياسات التي ستتبعها ليست واضحة بذاتها. وثمة بديل مختلف على الساحة البيئية، وهو إنشاء «ائتلافات للقوى الراغبة» التي ستضع معايير لأنفسها ولن تستبعد مشاركة الدول الراغبة في قبول تلك المعايير في المستقبل. وسوف نعود لهذه المناقشة في فصل لاحق، ويكفي أن نقول هنا أن توفير المنافع العامة الدولية من المرجح أن يظل صعبًا في جوهره، ما لم يقتنع واضعو السياسات الداخلية في الدول المنفردة أن مصالحهم تستدعي ذلك. يجب على المرء أن يأمل في أن التغيير يمكن أن يحدث دون وقوع كارثة تجبر على الانتباه إلى ضرورة التعاون، مهما كانت كلفة ذلك على حساب مبدأ السيادة أو التفسيرات الضيقة للمصلحة الذاتية. ويساعد في ذلك التأكيد على أن العقبات الرئيسيةَ سياسيةٌ وأخلاقيةٌ في الأساس، وأن تسوية الصراعات المثقلة بالانحياز القيمي أو عدم تسويتها ليس ممكنًا إلا من خلال العملية السياسية.14(?) وضع السياسات والمفاوضات

يوجد اتفاق واسع النطاق حول طبيعة الاستجابة السياساتية المناسبة من قِبَل الولايات المتحدة (والدول المتقدمة الأخرى أيضًا) نحو أزمات الطاقة والبيئة، ويبدو أن جميع هذه المناهج تتفق على أن الاستجابة يجب أن تكون شاملة، وأنها يجب أن تجمع بين سياسات مختلفة في أطر زمنية مختلفة، وأن مختلف أنواع الحلول التوفيقية ستكون ضرورية، وأننا يجب أن نهدف لنظام مَرِن وأقل تأثُّرًا بالصدمات والمفاجآت. وعناصر المجموعة واضحة؛ وهي حفظ البيئة، وتحسين الكفاءة، وزيادة الإنفاق على أنواع الوقود البديل، والابتكار التكنولوجي، وزيادة إمدادات الوقود المحلية — قدر الإمكان — وتنويع الموردين الأجانب بعيدًا عن المصدِّرين الذين من المحتمل أن يصبحوا غير مستقرين أو عدائيين. كما يوجد اتفاق أيضًا على أن العامة يدركون مخاطر الزيادات الحادة والمفاجئة في أسعار النفط، ولكنهم غير راغبين حتى الآن في تغيير السلوكيات على نحو مناسب — أو ربما غير قادرين على ذلك. علاوة على ذلك، فإن ثروة وقوة شركات النفط والفحم (وأنصارها السياسيين) لا تزالان أكبر بكثير من قوة مورِّدي الوقود البديل أو جماعات الضغط البيئية.15 وعندما يضيف الفرد في هذه المعادلة الشكوك بشأن التطورات العلمية والتكنولوجية في المستقبل، والخلافات حول الخطوات التي ستحظى بالأولوية القصوى، فإن النتيجة تكون واضحة: جمودًا سياسيًّا، وخطبًا رنانة، وتحرُّكًا تدريجيًّا بسيطًا.16 وإحدى صعوبات إيجاد الدعم الشعبي تتمثَّل في الطبيعة شديدة التقلب لارتفاعات وانخفاضات أسعار النفط؛ فالنفط بواقع ? دولارات أو أكثر للجالون ربما يحشد تأييدَ الرأي العام، ولكن انخفاض سعره انخفاضًا سريعًا نسبيًّا لِيعود إلى دولارين للجالون سيبدد الحماس من أجل التغيير. إن صعوبات الحصول على تأييد لمجموعة سياسات شاملة ومكلِّفة وخلافية، لا سيما عندما تتطلب تركيزًا جادًّا على مخاطر المدى الطويل والتزامات الأجل البعيد حيال أجيال المستقبل؛ هي صعوبات شديدة للغاية، لدرجة أن بعض المحللين ينادون بضرورة إعادة تركيز النقاش على الأمن القومي.17 وبينما يكون ذلك — أو لا يكون — مفيدًا في حشد التأييد الشعبي والسياسي، فإنه يخلق بعض الصعوبات الشديدة. فالأمن نفسه مصطلح ذاتي للغاية: ما هو القدر الكافي منه؟ ومَن ينبغي أن يحدد بلوغنا تلبية احتياجاتنا الأمنية؟ وكيف ينبغي قياس وجوده أو غيابه؟ إذا كان أمن الطاقة والأمن البيئي الآن غيرَ قابلَين للتجزئة، فهل التركيز على الأمن القومي لا يسبِّب سوى انعدام للأمن أو تفشٍّ أشد للقومية أو ربما حتى الإمبريالية (تذكَّرِ الحجج التي سِيقتْ لاستخدام القوة ضد الدول النفطية في سبعينيات القرن العشرين)؟ هل يمكن أن نسعى لتحقيق الأمن لا لأحد سوى المستهلكين، أم يجب أن يشمل ذلك أيضًا المنتجين؟ ويوجد أيضًا بعض التناقضات المحتملة في السعي من أجل الأمن. على سبيل المثال، يمكن أن تؤدي الدعوة «للاستقلال» في مجال الطاقة إلى زيادة النقص في الإمدادات وارتفاع الأسعار (وهو ما يضر الفقراء على نحو خاص)، كما يمكن أيضًا أن يتسبَّب في ذلك الطلب على زيادة الإمدادات في احتياطيات النفط الاستراتيجية.18 باختصار، ربما تكون إعادة تعريف هذه القضايا من الناحية الأمنية مفيدة، لكنها ليست حلًّا سحريًّا لكل شيء، ويمكن أن تكون خطيرة إذا لم يتم التعرُّف على جوانب الغموض المحتملة. ربما تكون المقترحات حول عناصر مجموعة السياسات الشاملة مفيدة عمومًا لكنها تعاني اثنين من أوجُه القصور الرئيسية. ففي المقام الأول، إنها لا توفر توجيهًا مفيدًا لكيفية تحقيق الأهداف المنصوص عليها؛ في الواقع، هي أفضل بكثير من حيث كونها لا توضح شيئًا سوى السبب في أنه من غير المرجح أن تكون تلك السياسات نفسها مجدية من الناحية السياسية. ثانيًا، حتى لو افترضنا إمكانية الموافقة على حزمة تدابير شاملة، فإنها ربما لا تقدِّم أيَّ توجيه بشأن الهدف السياساتي الذي ينبغي أن تكون له أولوية على غيره. ما الذي ينبغي أن يأتي أولًا؟ وهل يصنع ذلك فارقًا؟ من المفترض أنه في عالم سياساتي ذي موارد شحيحة للغاية، يحتاج المرء بعض التوجيهات حول الأولويات و/أو المبادئ التي تتحدد من خلالها تلك الأولويات، فمجرد إعادة تسمية المشكلات بوصفها متعلقةً بالأمن لا يكفي.
وقعت عملية التفاوض — التي سنناقشها بالتفصيل لاحقًا — في شَرَك الحروب الأيديولوجية نفسها التي تخلق الصعوبات المحلية. على سبيل المثال، عبَّر مايكل جراب — أستاذ تغير المناخ في إمبريال كوليدج في لندن — عن أسفه إزاء فشل المؤتمر السابق حول الاحترار العالمي، قائلًا: «عندما يفشل شيء من هذا القبيل، فإنه يفشل بسبب تحالف أولئك الذين يطمعون فيما هو أكثر من اللازم مع أولئك الذين لا يريدون شيئًا.»19 جرى جدل في الآونة الأخيرة حول إن كنَّا نقترب من «نقطة تحوُّل» بيئية، وهذا دالٌّ أيضًا على الطريقة التي يمكن للحجج غير ذات الصلة أن تصرف الانتباه من خلالها عن مسائل أكثر عملية.20 ومن ثَم، ربما لا تفشل المفاوضات بسبب العقبات السياسية والاقتصادية المعتادة فحسب، ولكن أيضًا لأن الأيديولوجيات والعواطف يمكن أن تؤثِّر على النتائج. ربما لا يضمن الوعيُ بمجموعة العقبات التي تعترض نجاح المفاوضات الحصولَ على نتيجة أفضل، ولكن يمكن أن يقدِّم رؤيةً حول ضغوط المشاركين. سنناقش استراتيجيات التفاوض الممكنة في الفصل السابع وما يليه حتى الفصل العاشر، ولكن ربما تكون بعض التعليقات الأولية مفيدة في هذه المرحلة. أولًا: المفاوضات عبارة عن مسألة متعددة الأبعاد؛ فهي في الواقع بمنزلة مباريات شطرنج متعددة الأبعاد مع وجود لوحاتِ لعبٍ مختلفة، ولاعبين مختلفين عند كل لوحة، وتخطيطات واستراتيجيات مختلفة في كل مباراة. إن كيفية تحريك جميع المباريات في الاتجاه نفسه ليست واضحة، ولكن يجب وجود «توافق كافٍ» على الأقل على كل مستوًى قبل أن يصبح الاتفاق النهائي مُجديًا. وتعقيدات إرضاء الكثير جدًّا من المصالح في نفس الوقت تشير إلى سعي للخيارات الأحادية الجانب، أو إنشاء ائتلافات من مجموعات صغيرة. كما تشير أيضًا إلى أن المفاوضات «الخاطفة» في المؤتمرات العالمية قد لا تكون أفضل نهج، وأن شكلًا من أشكال «التدرج المتسارع خطوة فخطوة» ربما يكون أكثر ملاءمة. وفي النهاية، ربما يعتمد النجاح على توافق عدد من العوامل: وهي القيادة السياسية القوية من جانب البلدان الرئيسية (وليس فقط من جانب الولايات المتحدة)، والمدفوعات الجانبية للمتضررين من أيِّ اتفاق، و«الهندسة المتغيرة» حتى تستطيع مختلف البلدان ذات القدرات المختلفة تحقيق الأهداف المشتركة بسرعات مختلفة، وبشعور لدى جميع الجهات الفاعلة بأن الجميع يقدِّمون التزامات ذات مصداقية نحو تنفيذ السياسات المتفق عليها.
علاوة على ذلك، يحتاج المرء إلى محاولة وضع بعض الفروق المفيدة حول خصائص المشكلات المختلفة ودرجات المخاطر المختلفة المرتبطة بمختلف الخيارات. على سبيل المثال، تشير نازلي شكري إلى وجود بعض العمليات والنتائج البيئية الخارجة عن سيطرة الإنسان (الإشعاع الشمسي مثلًا)، وبعضها يقع تحت سيطرة الإنسان جزئيًّا (التراكم السريع لثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي مثلًا)، وبعضها يقع تحت سيطرة الإنسان بالكامل أو على نحوٍ شبه كامل تقريبًا (استنفاد طبقة الأوزون في طبقة ستراتوسفير مثلًا).21 وهذا يشير إلى أننا بحاجة إلى التركيز على القضايا التي يكون لتدخُّل الدولة فيها (بدعم من المؤسسات الدولية) أفضلُ فرصة للنجاح في التأثير على سلوك الفرد والجماعة، بحيث يكون لكثير من الدول أو لمعظم الدول القدرةُ — وحدها أو بمساعدة فنية — على تنفيذ السياسات المتفق عليها. بطبيعة الحال، تتمثَّل المشكلة هنا في أن بعض النتائج الأكثر خطورةً، مثل الاحترار العالمي من خلال انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، ربما تتطلب أيضًا بعض التدخلات الأكثر شمولًا وتعقيدًا، وصعوبةً من الناحية السياسية، مثل تغيير نظام وسائل النقل وتكبُّد تكاليف أعلى مقابل الكهرباء. والسعي نحو الإجراءات التي يمكن القيام بها بسرعة، والتي لا تتطلب مفاوضات مطولة مع الكونجرس وغيره من الهيئات التشريعية الأخرى، هو خطوة صغيرة منطقية في هذا السياق.22 ثمة مثال آخَر هو اقتراح بيورن لومبورج23 أنه يمكن تحقيق خفض انبعاثات الكربون بفاعلية أكبر من خلال زيادة الإنفاق على التقنيات منخفضة الكربون زيادة كبيرة، بدلًا من استمرار جهود إعادة التفاوض على بروتوكول كيوتو الذي فشل في تحقيق أهدافه. وبينما لا يوجد ما يضمن أن زيادة الإنفاق على البحث سوف تُسفِر عن نتائج أفضل، فإن الفكرة هنا تشبه فكرة «تفريع السلطة» في الجماعة الأوروبية: لا تسعَ دائمًا لعقد «الصفقات العالمية» الكبرى على أعلى مستوى، بل ركِّزْ على أدنى مستوًى يمكن فعليًّا أن يؤدِّي المهمة المطلوبة. أخيرًا، توجد نقطة صغيرة تستحق ذكرها مجددًا. نظرًا للشكوك السائدة وعدم الرغبة في تحمُّل مخاطر كبيرة، فمن السهل للغاية الوقوع في فخ عدم القيام بأي شيء، أو طلب درجة من الوضوح حول مواضيع مثل الاحترار العالمي أو أنواع الوقود البديل التي من غير المرجح أن تأتي لبعض الوقت، أو الانتظار حتى فوات الأوان أو حتى تصبح تكلفة التصرُّف أعلى بكثير. يجب أن نكون على استعداد لنسأل عن المخاطر التي نرغب في أن نأمن منها. وإذا كان هؤلاء الذين يحذِّرون من المخاطر المتزايدة للاحترار العالمي واستمرار الاعتماد على الوقود الكربوني البالغَي التشاؤم، فإن التكاليف التي سيتكبدها المجتمع عالية ولكن ليست كارثية؛ إذ سنكون قد أنفقنا موارد على أشياء ينبغي القيام بها على أيِّ حال، حتى لو بمعدل أو بدرجة سابقة لأوانها. من ناحية أخرى، إذا كان أولئك الذين ينكرون الاحترار العالمي أو مدى سرعة وانتشار حدوثه مخطئين، يمكن أن تكون النتائج كارثية بالنسبة للبلدان المتقدمة، وكذلك بالنسبة للبلدان النامية، بل بالنسبة لكوكب الأرض نفسه أيضًا؛ فلا ينبغي استخدام الشكوك كذريعة للمماطلة. نحن لا نعرف كل شيء نودُّ أن نعرفه، لكننا نعرف ما يكفي لتبرير الجهود الجادة لإبطاء الاحترار العالمي وخفض اعتمادنا على الوقود الحفري بأسرع ما يمكن.
هوامش

(1) Donella H. Meadows, Dennis L. Meadows, J?rgen Randers, and William W. Behrens III, The Limits to Growth: a Report for the Club of Rome’s Project on the Predicament of Mankind (New York: Universe Publisher, 1972).(2) See Donella H. Meadows, J?rgen Randers, and Dennis L. Meadows, Beyond the Limits: Confronting Global Collapse, Envisioning a Sustainable Future (White River Junction, VT: Chelsea Green Publishing Company, 1993), and Donella H. Meadows, J?rgen Randers, and Dennis L. Meadows, Limits to Growth: the 30-Years Update (White River Junction, VT: Chelsea Green Publishing Company, 2004).(3) Herman E. Daly, Beyond Growth: the Economics of Sustainable Development (Boston: Beacon Press, 1997).(4) Quoted in William D. Sunderlin, Ideology, Social Theory, and the Environment (Lanham, MD: Rowman and Littlefield, Inc., 2004), p. 286.(5) Bjorn Lomborg, The Skeptical Environmentalist: Measuring the Real State of the World (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1998).(6) See Julian Simon, The Ultimate Resource (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1983), passim.(7) William D. Sunderlin, Ideology, Social Theory, and the Environment, op. cit., is interesting and useful on ideological posturing by both sides in the debate.(8) Jesse H. Ausubel and Paul E. Waggoner, Dematerialization: Variety, Caution, and Persistence, (Washington, DC: Proceedings of the National Academy of Sciences, 2008).(9) Jesse H. Ausubel, “The Liberation of the Environment: Technological Development and Global Environmental Change,” lecture at the Hungarian Academy of Sciences, 1994.(10) Quoted in John Tierney, “Use Energy, Get Rich and Save the Planet,” New York Times, April 21, 2009, p. D4.(11) Ibid, p. D1.(12) Michael P. Byron, Infinity’s Rainbow: the Politics of Energy, Climate and Globalization (New York: Algora Publishing, 2006), p. 3.(13) See Barbara Koremenos, “Loosening the Ties that Bind: a Learning Model of Agreement Flexibility,” International Organization, Vol. 55, No. 2, Spring, 2001, pp. 289–325.(14) For a similar argument, see J. Samuel Barkin and George E. Shambaugh, eds, Anarchy and the Environment (Albany, NY: Suny Press, 1999).(15) See Andrew C. Revkin, “On Climate Issue, Industry Ignored its Scientists,” New York Times, April 24, 2009, p. A1 and A14.(16) See David Rothkopf, “New Energy Paradigm, New Foreign Policy Paradigm,” pp. 187–213, and John Podesta and Peter Ogden, “A Blueprint for Energy Security,” pp. 225–39, in Kurt M. Campbell and Jonathan Price, eds, The Global Politics of Energy (Washington, DC: Aspen Institute, 2008).(17) See David Rothkopf, “New Energy Paradigm, New Foreign Policy Paradigm,” pp. 208-9, ibid., and Thomas L. Friedman, “Show Us the Ball,” New York Times, April 8, 2009, p. A23.(18) Useful on these questions are Daniel Yergin, “Energy Under Stress,” in Kurt M. Campbell and Jonathan Price, eds, The Global Politics of Energy (Washington, DC: Aspen Institute, 2008), pp. 27–43, and A. F. Alhaji, “What Is Energy Security?” Energy Politics, Vol. 5, No. 2, Spring, 2006, pp. 62–82.(19) Quoted in Andrew C. Revkin, “Odd Culprits in Collapse of Climate Talks,” New York Times, November 28, 2000, p. F1.(20) Andrew C. Revkin, “Among Climate Scientists, a Dispute Over ‘Tipping Points’,” New York Times, March 29, 2009, p. 3.(21) Nazli Choucri, “Introduction: Theoretical, Empirical, and Policy Perspectives,” p. 32, in Nazli Choucri, ed., Global Accord: Environmental Challenges and International Responses (Cambridge, MA: MIT Press, 1995).(22) See Daniel F. Becker and James Gerstenzang, “Obama’s Power Plays,” New York Times, April 25, 2009, p. A17.(23) Bjorn Lomborg, “Don’t Waste Time Cutting Emissions,” New York Times, April 25, 2009, p. A17.
الفصل الثالث
نظرة عامة على نطاق العمل


لإدراك المشكلات المعقدة والفرص التي أصبحت جدَّ ملحةٍ في القرن الحادي والعشرين، ينبغي إدراك أن «الطاقة والبيئة» موضوع واحد، وليستا موضوعين. فإذا كنَّا نريد الحدَّ من الأخطار التي تهدِّد بيئتنا — سواء الضباب الدخاني المحلي، أو التغيرات العالمية على عموم الكوكب — يجب أن نواجه في نهاية المطاف القضايا الواسعة النطاق حول كيفية استخدامنا للطاقة. في الوقت نفسه، فإن أيَّ جهود لإنشاء مصادر طاقة آمنة في المستقبل، أو لتحويل استخدامنا لهذه الموارد إلى اتجاه بنَّاء، يجب أن تأخذ في الاعتبار الآثارَ البيئية المفيد منها والضار.
تحديد الأولويات من بين كمٍّ كبير من الخيارات يتطلَّب دراسة معلومات وقائعية فيما يتعلق بالجدوى الفنية والتكاليف، ولكن أيَّ تقييم سينطوي بالضرورة على اختلاط بالسياسة، وسيُثقَل ثقلًا كبيرًا بقيم نسبية يربطها صانع القرار بكل نتيجة ممكنة. ولأن كل خيار يعكس مزيجًا معقدًا من القيم السياسية والاجتماعية والثقافية، فلا توجد قرارات محايدة أو فنية بحتة في هذه الساحة.
الطاقة هي مقياس للقدرة على أداء عملٍ ما؛ أيْ مقياس للقدرة على إحداث تغيير في عالمنا المادي. الهدف من مثل هذا العمل يمكن أن يكون مشروعًا بنائيًّا ضخمًا يتطلب تنفيذه قوة ومقدرة بدنية غير عاديتين، أو قد يكون مسألةَ تحكُّم دقيق كما هو الحال في العملية الحاسوبية التي تُنفَّذ من دون بذل كثير من الجهد الميكانيكي. وينبغي أن تكون أهداف عملنا متاحة أمام النقد الاجتماعي وكذلك التكنولوجي، ولكن مهما كانت الأهداف في حالات معينة، فإن كافة أوجُه الحياة الحديثة تتطلب منَّا الاستفادة من موارد الطاقة وتكييفها حسب التطبيقات العملية. وربما نفضل خفض أو زيادة استخدامنا للطاقة بينما نكتشف أن سلوكًا جديدًا يتسق أكثر مع أنماط الحياة المفضلة لدينا، ولكن استخدام الطاقة لتحقيق التغيير عملية لا يمكننا الاستغناء عنها.
نبدأ في هذا الفصل في معالجة الخطوات التكنولوجية الأولى في العملية الأكبر لتحديد الأولويات، مركِّزين أولًا على استخدامنا السابق والحالي للطاقة بهدف إدراك كيف يمكن أن يحدث التغيير وكيف حدث. بعد ذلك نتناول بالشرح الجوانب القابلة للتشكيل من الطاقة؛ وذلك لأن فهم الجدوى في هذا المجال يجب أن يرتكز قبل كل شيء على وضوحٍ حيال الطاقة وأشكالها الكثيرة، وكيفية تحويلها لخدمة أغراض مختلفة.
(?) تاريخ من التغيير

تجدر الإشارة إلى أن أحد الانتقادات الرئيسية لحجة حدود النمو التي نوقشت في الفصل الثاني هو أنها فشلت في أن تأخذ في الاعتبار الإبداعَ التكنولوجي واستجابات السوق نحو زيادة الندرة. وربما توجد المعلومات اللازمة لاختبار هذا الرأي جزئيًّا في تقارير الوقود المستخدَم على مر الوقت، ويمكن التعرف على هذه الاتجاهات في الشكل ?-?، الذي يقدِّم مقارنةً بين أنواع الوقود المستخدَمة منذ منتصف القرن التاسع عشر.1 وبفحص التقديرات المبيَّنَة في التمثيل البياني يتضح أن الفحم حلَّ تدريجيًّا محل الخشب، ثم حلَّ النفط محل الفحم، وبعد منتصف سبعينيات القرن العشرين، بدأ الغاز الطبيعي يحل تدريجيًّا محل النفط في بعض الاستخدامات. هل يجب أن تُنسَب هذه التغييرات إلى قوى السوق أم إلى «المورد المطلق» المتمثل في الإبداع التكنولوجي البشري؟ بما أن الخشب والفحم والنفط كانت موارد متوافرة بكثرة خلال القرن التالي بعد عام ????، فمن المأمون منح الفضل لقوى السوق في كثير من التغييرات؛ حيث انتقل المستخدمون من وقودٍ إلى آخَر استجابةً لتغيُّرات الأسعار ورغبة المستهلك في الراحة. وبالتأكيد تضمَّنَ الأمرُ عمليةَ ابتكار كبيرة؛ فمن بين أمور أخرى، كان لا بد من إعادة تصميم الأفران للتوافق مع كل وقود جديد، وطُوِّر التعدين السطحي من أجل الفحم، وابتُكِرت تقنيات حفر جديدة لتحسين استخراج النفط من الآبار الموجودة أو الوصول إلى رواسب جديدة؛ ومع ذلك، كانت التغيرات التكنولوجية المطلوبة إلى حدٍّ كبير إضافات للأفكار الهندسية السابقة، ولم تكن ابتكارات ثورية.
شكل ?-?: التغيرات في مصادر الطاقة في العالم.
على النقيض من التاريخ السابق، أيُّ استقراء للمستقبل يعتمد على النمو المحتمل للطاقة النووية وللتكنولوجيات الجديدة التي تكون ثورية حقًّا، والتي تتطلب بالفعل براعة بشرية. تجدر الإشارة إلى أن التمثيل البياني في الشكل ?-? يتجاهل تمامًا ما يتعلق بأحدث التطورات مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الأمواج أو المد والجزر، وسوف نعود لهذه البدائل عندما يتحول النقاش إلى الموارد المتجددة ومصادر الطاقة الجديدة الممكنة. والأكثر ارتباطًا بشواغلنا الحالية هو حقيقة أنه في الماضي لم يكن التحول من وقود إلى آخر مثيرًا للجدل سياسيًّا أو اقتصاديًّا؛ لأن ندرة الموارد أو القضايا البيئية لم تكن شاغلًا كبيرًا في ذلك الوقت. وعندما مَنَحَت التغييراتُ قطاعًا من قطاعات الاقتصاد ميزةً على قطاع آخر، اعتبرتْ ضرورته أمرًا مفروغًا منه في الصورة الأكبر. قوبل الضرر البيئي — مثل الضرر الناتج من التعدين السطحي غير الخاضع للرقابة — إلى حدٍّ كبير بالتجاهل طوال معظم الفترة، ولم يُشَرْ إليه إلا كأثر محلي. وعند غياب الخلافات الحادة، يمكن إجراء التغييرات دون خلق أنواع الضغوط المتضمنة في اعتناق نهج جديد تمامًا للإمداد بالطاقة واستخدامها. سيتطلب وضعنا الحالي في العديد من النواحي تغييرًا جذريًّا أكبر بكثير في سياقٍ من عدم اليقين، وينبغي أن نتوقع تسببه في خلافات تدعمها آراء قوية.
شكل ?-?: إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام (المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية، إدارة معلومات الطاقة، الاستعراض السنوي للطاقة لعام ????).
شكل ?-?: حجم إنتاج النفط الخام من حقلَيْ نفط كبيرين.
من المفيد دراسة التجارب الجيدة التوثيق للمنتجَين الرئيسيين للنفط. إنتاج الولايات المتحدة من خام النفط2 بلغ ذروته في عام ????، كما هو مبين في الشكل ?-?، ووصل إنتاج الدول غير الأعضاء في منظمة البلدان المصدِّرة للنفط (أوبك) ككلٍّ إلى الذروة أو الاستقرار في الإنتاج بين عامَيْ ???? و????.3 حسَّن طرح مصادر ألاسكا الصورة، ولكنَّ هدفَ الاستقلال عن النفط المستورد أحبط الإدارات المتوالية، وكانت الولايات المتحدة تعتمد بشكل متزايد على الواردات الأجنبية. وفي عام ???? تحت قيادة الرئيس نيكسون، الذي كان يؤيد الاستقلال في مجال الطاقة، ظلت الولايات المتحدة تستورد ??? من احتياجاتها النفطية، وبحلول عام ???? خلال فترة رئاسة الرئيس بوش الأب، زادت الواردات إلى ???، وبحلول عام ???? وصلت النسبة إلى ???. وبسعر النفط عام ????، كانت تكلفة هذه النسبة الأخيرة من الواردات نحو ??? مليار دولار سنويًّا، وكان لها تأثير شديد للغاية على الميزان التجاري للدولة. شكل ?-?: حجم إنتاج النفط الخام من ثلاثة حقول نفط عملاقة.
ولكن ما النمط الذي يتبعه كل حقل نفط؟ يقدِّم شكلَا ?-? و?-? بيانات إنتاج النفط الخام على مدى سنوات من حقلَيْ نفط كبيرين وثلاثة حقول عملاقة بوحدة برميل لكل يوم، يحتوي البرميل على ?? جالونًا. بينما تختلف هذه البيانات من أكبر أحواض النفط في العالم في تفاصيلها، فإن الأكثر لفتًا للانتباه هو الاتجاه إلى الحد الأقصى من معدلات الإنتاج الذي ينخفض في الوقت الذي تبدأ فيه مختلف الآبار في الاستنفاد. وهذا يعني — في الواقع — أن الإمداد المستمر بمعدل غير منقوص يعتمد على: (?) إيجاد سبل الوصول إلى أيِّ نفط قد يبقى في الآبار المستنفَدة، أو (?) الاكتشاف المتكرر لحقول جديدة لتعويض الآبار الحالية عندما تتوجه نحو الجفاف، أو (?) استغلال المصادر البديلة الأقل جاذبية حتى الآن. جدول ?-?: سيناريو إنتاج النفط العالمي لعام ????.
مصدر النفطمعدل الإنتاج (مليون برميل/يوم)النسبة المئويةالمجموع??????النفط الخام – الحقول المنتِجة حاليًّا????النفط الخام – حقول لم تُستخدَم بعدُ????النفط الخام – حقول لم تُكتشَف بعدُ????الغاز الطبيعي المسال????نفط غير تقليدي??استخلاص معزَّز إضافي للنفط??
دُرس كل احتمال من هذه الاحتمالات في دراسة نُشِرت من قِبَل الوكالة الدولية للطاقة،4 مع تلخيص النتائج في الجدول ?-?. ويتضح من تحليل الوكالة الدولية للطاقة أننا بدءًا من عام ???? فصاعدًا ستنقص إمدادات النفط من الحقول المنتِجَة حاليًّا، وسوف نضطر إلى الاعتماد الكثيف أكثر وأكثر على البدائل غير التقليدية (على سبيل المثال، الرمال القطرانية)، أو على حقول لم تُستخدَم بعدُ أو لم تُكتشف حتى الآن. والاعتماد على مصادر غير مستخدمة أو غير مكتشفة — بحكم طبيعته — يجب أن يسبب الانزعاج من عدم اليقين، وتشير خطة الوكالة الدولية للطاقة إلى أن جزءًا كبيرًا ممَّا سوف نحتاجه يقع ضمن هذه الفئات المزعجة. (?) قياس الطاقة

من أجل مضاهاة ومقارنة خيارات الطاقة الكثيرة التي سبق أن اقتُرحت في كل وسائل الإعلام والمنشورات الفنية، وكذلك تلك المقترحات التي لم تأتِ بعد؛ نحن في حاجة إلى مقياس لقياس الطاقة. سيكون من المستحيل دون هذا المقياس تمييز الآثار الكبيرة من الآثار الصغيرة، والتافهة من المهمة. وكما هو الحال مع تناول أيِّ موضوع كميٍّ، توجد مقاييس متعددة شائعة الاستعمال، فحتى المقياس البسيط المألوف نسبيًّا مثل المسافة يمكن التعبير عنه بالأقدام والياردات والأميال أو بالسنتيمترات والأمتار والكيلومترات، ناهيك عن التركيز في الآونة الأخيرة على الأبعاد الجزيئية بالنانومترات.
لأن الوحدة الكهربائية «واط» مستخدمة على نطاق واسع في الإضاءة المنزلية وفواتير الكهرباء الشهرية، فإنها تمثل مقياسًا مألوفًا ومفيدًا لمعدل استخدام الطاقة. والمصباح الكهربائي بقدرة ??? واط معروف جيدًا في جميع المجتمعات المتقدمة، وأصبح في واقع الأمر رمزًا يمثل الأفكار والتقدم لجزء كبير من القرن الماضي. إذا اعتبرنا أن المنزل الصغير العادي يحتاج إلى ضوء عشرة مصابيح بقدرة ??? واط في الوقت نفسه، فإن معدل استخدام الطاقة هو عشرة أمثال ??? واط؛ أيْ ???? واط، وهو ما يسمى أيضًا «كيلوواط». وفي حي صغير مكوَّن من ألف منزل مثل هذا المنزل، فإن معدل الاستخدام يكون ???? كيلوواط، وهو ما يسمى «ميجاواط». ومعدل استخدام الطاقة — أيِ استخدام الطاقة لكل وحدة زمنية — هو المقصود من مصطلح «القدرة»، وعندما يُستخدم لهذا الغرض، يمكن حساب كمية الطاقة من القدرة عن طريق ضرب معدل الاستخدام في الفترة الزمنية للاستخدام. وغالبًا ما يعبر عن المقياس من الطاقة بالكيلوواط الساعيِّ (كيلوواط في الساعة).
شكل ?-?: وحدات قياس الطاقة الكهربائية.
وبالتوسع خطوةً إضافية على التمثيل الجغرافي الحضري، ستتطلب مدينة متوسطة الحجم مكونة من مليون منزل ???? ميجاواط من الطاقة؛ أيْ «جيجاواط». وبطبيعة الحال، فإن الطلب على الكهرباء بشكل عام أكبر بكثير مما هو مطلوب للمصابيح الكهربائية فحسب؛ فهو يتضمن أجهزة لا حصر لها، ويمكن أن يتذبذب الطلب بشدة في أوقات مختلفة من اليوم أو السنة. ومن الأمثلة المعروفة الطلب المفاجئ لزيادة الطاقة في أول ساعات المساء عندما يعود العاملون لمنازلهم ويستخدمون مكيفات الهواء والمجففات وغسالات الأطباق. بينما تفيد وحدات الكيلوواط والميجاواط والجيجاواط في تقريب احتياجات المنازل والبلدات والمدن الصغيرة، يتطلب قياس احتياجات المدن الكبرى والدول بأكملها إلى وحدات أكبر. وعندما تطرأ الحاجة إلى ذلك، تكون وحدة القياس هي التيراواط، وهي تعادل ???? جيجاواط، ويَرِدُ التوضيح التذكيري لهذه الدرجات في الشكل ?-?. (?) الإمدادات: من أين نحصل عليها؟

قبل الانتقال إلى دراسة خيارات جديدة، من المفيد استعراض «الوضع الراهن»؛ لأن إمدادات الطاقة الحالية هي التي نسعى لاستبدالها أو خفض استخدامها على الأقل. كيف يمكننا تلبية الاحتياجات الحالية؟ بيانات عام ???? من وزارة الطاقة الأمريكية5 مجملة في الجدول ?-?. والقيم الموجودة في الجدول هي متوسطات عبر فترات زمنية ممتدة؛ إذ إن المعدلات الفعلية لاستخدام الطاقة تتذبذب على مر الزمن واختلاف الأماكن. وتوضح الأرقام أن ??? من استخدامات الولايات المتحدة جاءت من مصادر أربعة فقط: النفط والفحم والغاز والطاقة النووية. ومن بين هذه المصادر، نجد أن النفط هو المصدر الرئيسي على نحو ساحق بنسبة ???، والطاقة النووية هي أصغر مصدر بنسبة ?? فقط. وازداد استخدام الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء في السنوات القليلة الماضية، ويتجاوز الآن الفحمَ كمصدر رئيسي. ومن المصادر المتبقية الكتلة الحيوية (الخشب والذرة التي تتخمر إلى إيثانول ونفايات المحاصيل) التي تُشكِّل نحو ??، والطاقة الكهرومائية التي تُشكِّل نحو ??، أما الطاقة الحرارية الأرضية وطاقة الرياح والطاقة الفولتضوئية الشمسية فتشكل مجتمعة أقل من ??، وهي النسبة التي لا تُذكَر تقريبًا في الصورة الكلية في عام ????. ولاحظ أن كميات الطاقة المدرجة في الجدول يُعبَّر عنها بوحدة التيراواط؛ لتجنُّب وحدة القياس التي ستتطلب كثيرًا من الأصفار، ولكن يوضح السطر الأخير المجموع الكلي بوحدة الجيجاواط. جدول ?-?: مصادر الطاقة في الولايات المتحدة لعام ????.
المصدرالاستخدام بالتيراواطالنسبة المئويةالمجموع???????المجموع بالجيجاواط = ??????البترول??????الغاز الطبيعي??????الفحم??????الطاقة النووية?????الكتلة الحيوية (بما في ذلك الإيثانول)?????الطاقة الكهرومائية?????الطاقة الحرارية الأرضية + الطاقة الشمسية + الرياح?????
جدول ?-?: مصادر الطاقة في العالم لعام ????.
المصدرالاستخدام بالتيراواطالنسبة المئويةالمجموع???????المجموع بالجيجاواط = ???????البترول?????الفحم?????الغاز الطبيعي?????الكتلة الحيوية (الخشب + نفايات المحاصيل + روث الحيوانات)???الطاقة الكهرومائية????الطاقة النووية??الطاقة الحرارية الأرضية + الطاقة الشمسية + الرياح?????
تتوفر مراجعة مماثلة فيما يخص استخدام الطاقة في جميع أنحاء العالم6 حتى عام ????. لا يزال النفط هو المصدر الأساسي للطاقة بنسبة ???، ولكن الفحم والخشب والطاقة الكهرومائية أكثر بروزًا على المستوى العالمي من الولايات المتحدة جدول ?-?. وأكَّد هيلرينج وباريكا7 أنه لكي تحقِّق دول الاتحاد الأوروبي الأهداف التي وَضعتْها لنفسها، يمكن أن تنتقل هذه الدول إلى زيادة استخدام الخشب من المزارع والغابات والمخلفات الزراعية والمنتجات الثانوية لصناعات معالجة الأخشاب. ومن المثير للاهتمام أن نكتشف أن نفايات المحاصيل وَرَوث الحيوانات يسهمان في إمدادات الطاقة في العالم بنسبة أكبر في الحجم من إسهام الطاقة النووية؛ ربما تقل هذه المصادر الزراعية مع تحسن مستويات المعيشة في الاقتصادات النامية. وتسهِّل قوائم الجدول ?-? من مقارنة الإجمالي العالمي البالغ ???? تيراواط مع الإجمالي الخاص بالولايات المتحدة البالغ ??? تيراواط، ما يوضِّح حقيقة أن استهلاك الولايات المتحدة وحدها يصل إلى ما يقرب من خُمس معدل استهلاك الطاقة على مستوى العالم. وقد أدت هذه الملاحظة لتوجيه انتقادات للسياسة الأمريكية من قِبَل بعض أنصار الحفاظ على البيئة، ولكن قد تخفُتْ حدة هذه الشكاوى مع ازدياد استهلاك الطاقة بين الدول النامية بسبب تحوُّلها إلى النمو السريع. (?) الطلب: كيف نستخدمه؟

في الولايات المتحدة، ينقسم استهلاك الطاقة بالتساوي تقريبًا بين ثلاثة استخدامات: النقل والصناعة والتدفئة المنزلية. وحتى الآن لا تعتمد وسائل النقل اعتمادًا كبيرًا على مصدر الطاقة فحسب، ولكن تعتمد أيضًا على شكل من الطاقة بوجه خاص؛ أيْ إن السيارات والطائرات والقطارات تعمل باستخدام سوائل عالية المحتوى من الطاقة الكيميائية لكل وحدة حجم، فنحتاج لهذه الطاقة المركزة لتحقيق المطلوب من التسارعات والمسافات المقطوعة بين مرات ملء خزانات الوقود لدينا. في الوقت الحالي، يُستخرج البنزين ووقود الديزل ووقود الطائرات النفاثة من النفط، مع وجود حصة من الإيثانول في البنزين، ولكن الوقود في المستقبل ربما يُستخرج من مصادر مختلفة تمامًا. ومن بين الاحتمالات التي ستُناقَش في الفصول اللاحقة تغويز الفحم أو الكتلة الحيوية لصنع غاز اصطناعي (خليط من الهيدروجين وأول أكسيد الكربون). ويمكن أن يَتْبع هذه الخطوةَ الأولى تفاعلاتٌ محفِّزة مختارة لتكوين السوائل الهيدروكربونية أو الكحولية، وستوفر هذه التطوراتُ الوقودَ السائل الذي نحتاجه بينما تُحررنا من الاعتماد على النفط.
يجري أيضًا تطوير مركبات تستخدم الكهرباء مصدرًا للطاقة كبدائل للنقل لا تعتمد على البترول. ومن خلال استخدام بطاريات عالية السعة لتخزين الطاقة، سوف تحصل المركبات على طاقتها في نهاية المطاف من أيِّ وقود يُستخدم في توليد الكهرباء. وحاليًّا يستخدم نحو ??? من محطات توليد الكهرباء في الولايات المتحدة الفحمَ أو الغاز أو الطاقة النووية أو الطاقة الكهرومائية؛ ومن ثَم تتجنب استخدام البترول. ويظهر التقسيم التفصيلي في الشكل ?-?.8 شكل ?-?: مصادر الوقود لتوليد الكهرباء في الولايات المتحدة لعام ???? (المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية، إدارة معلومات الطاقة، الاستعراض السنوي للطاقة لعام ????).
يختلف مصدر الطاقة في الصناعة اختلافًا كبيرًا اعتمادًا على معرفة إن كانت طبيعة عمليات الإنتاج في الأساس ميكانيكية أم كهربائية أم كيميائية. ويمكن العثور على أمثلة عديدة من المصانع التي تستخدم كل شكل من أشكال الطاقة. فتصنيع الألومنيوم، على سبيل المثال، يتطلب استثمارات ضخمة في الطاقة الكهربائية، كذلك تصنيع الكلور. والفحم المحوَّل إلى كوك هو مقوم رئيسي في صهر المواد الخام لتكرير المعادن، والقوة الميكانيكية ضرورية في تشكيل المعادن أو درفلتها، والصناعة التي تنتج أو تستخدم البلاستيك والألياف الاصطناعية برمَّتها هي مستخدم رئيسي للمواد الكيميائية؛ إما كمواد متفاعلة أو مواد محفزة. تقدم هذه القائمة اللانهائية تقريبًا العديد من الفرص لخفض كميات أحد أنواع الطاقة أو استبدال أحد أشكال الطاقة بشكل آخَر أكثر فائدة.
لا يزال تسخين المياه في المنازل والتدفئة يعتمدان في المقام الأول على النفط والغاز، رغم ظهور تطورات جديدة تشمل تسخين المياه بالطاقة الشمسية. والاستخدام المنزلي للكهرباء، سواء لأجهزة التدفئة أو مكيفات الهواء أو الأجهزة الأخرى، يعتمد على مصدر الطاقة الذي تستخدمه شركة الكهرباء المحلية في محطات التوليد لديها. واليوم، اعتمادًا على الموقع، يمكن أن يكون المصدرُ الوقودَ الحفري أو الطاقة الكهرومائية أو النووية. في واقع الأمر، من المرجح أن تكون الطاقة مُنتَجة من كل هذه الأصول في وقت واحد، إذا كانت الطاقة مأخوذة من شبكة طاقة مشتركة تغطي منطقة واسعة. وفي المستقبل، ربما تُلبَّى الاحتياجات المنزلية من خلال خلايا وقود مثبَّتة في كل منزل على حدة، ولكن هذه الخلايا لم تُطوَّر بعدُ بالكامل على المستوى التجاري. إذا توافرت هذه البدائل، فإنها ستوفِّر قدرًا أكبر من المرونة المحلية، وربما تنقل الاستخدام على المدى الطويل إلى وقود لا يعتمد على مصادر النفط.
(?) هل سينفد البترول أم الغاز؟

بما أن النفط هو مصدر الطاقة الرئيسي اليوم لدينا، ويُتوقَّع أن يظل كذلك في المستقبل القريب، فثمة سؤال بديهي ومن الضروري طرحه من أجل أغراض التخطيط: إلى متى سيدوم النفط؟ الجواب مسألة داخلية خطيرة بالنسبة للولايات المتحدة، ولها عواقب دولية كبيرة.
توجد تقديرات متاحة من عدد من المصادر9 عن رواسب النفط المؤكدة بجميع أنحاء العالم، فضلًا عن تقديرات الرواسب التي لم تُكتشَف حتى الآن ولكن من المتوقع اكتشافها. وهذه الأخيرة، بطبيعة الحال، من الصعب جدًّا تحديدها؛ لأنها تعتمد على الكثير من العوامل الذاتية. تذكَّرْ أن كميات النفط تقاس بوحدة البرميل المكون من ?? جالونًا للبرميل الواحد. وتصل أقل التقديرات للموارد الرئيسية القابلة للاسترداد في جميع أنحاء العالم إلى نحو ألفَيْ مليار برميل، واستُنتِج ذلك جزئيًّا من مرور الولايات المتحدة بفترة ذروة في ????. وتأتي الأرقام الأكثر تفاؤلًا من الوكالة الأمريكية للمسح الجيولوجي التي قَدمت في عام ???? تقديرًا بلغ ???? مليار برميل، ونحن نعلم أيضًا بدقة تامة معدل استخدامنا الحالي الذي يصل سنويًّا إلى حوالي ?? مليار برميل. هل هذه الحقائق ليست كافية لوضع التقديرات اللازمة لمستقبلنا؟ ستكون كافية إلا أن الاستخدام الحالي مقدر له الزيادة مع ازدياد سكان العالم وزيادة مطالبهم المادية. وبالتطلع للأمام لحوالي عقدين حتى عام ????، ربما نتنبأ بطلب عالمي متوقع يصل مثلًا إلى ?? مليار برميل سنويًّا. هذه الأرقام تعطينا صورة للوقت المتبقي اعتمادًا على الافتراضات المحددة التي فرضناها: من خلال التقدير المنخفض للموارد القابلة للاسترداد الرئيسية واستخدامنا المتوقع، يمكننا أن نتوقع امتلاك النفط خلال السنوات الخمسين المقبلة على الأقل، أما إذا كان التقدير الأعلى للموارد القابلة للاسترداد الرئيسية أقرب إلى الواقع، يمكن أن نتوقع حوالي ?? عامًا من إمدادات النفط. وتتلخص هذه العمليات الحسابية البسيطة في الجدول ?-?؛ إذ ينشأ الفارق في النتائج من مستويات عدم اليقين في التقديرات، وكذلك درجات التفاؤل في التقييمات. يمكن إيجاد حل توفيقي بين وجهتي النظر المتطرفتين في دراسةٍ صدرت مؤخرًا عن مركز أبحاث الطاقة في المملكة المتحدة، والتي درست أكثر من ??? منشور للحصول على ?? توقعًا للإنتاج العالمي للنفط وتقييمها. ركَّز تقريرها10 على الوقت الذي ينبغي فيه توقع ذروة إنتاج النفط التقليدي، وخلص إلى أن عام ???? سيكون هو التاريخ المرجح. بالطبع ذروة الإنتاج ليست النهاية، وينبغي أن نتوقع أن الإمدادات لن تجفَّ في ذلك التاريخ بين عشية وضحاها. جدول ?-?: هل سينفد النفط؟
?الاحتياطيات العالمية المؤكدةالاحتياطيات الرئيسية القابلة للاسترداد = تقدير منخفضالاحتياطيات الرئيسية القابلة للاسترداد = تقدير عالٍالتقديرات (مليار برميل)????????????الاستخدام الحالي (مليار برميل/السنة)??????الاستخدام المتوقَّع في عام ???? (مليار برميل/السنة)??????السنوات المتبقية وفق معدل الاستخدام الحالي???????السنوات المتبقية وفق معدل الاستخدام المتوقع??????
تنشأ شكوك إضافية فيما يتعلق بهذه المسألة من عدد من الاتجاهات، بعض منها تكنولوجي وبعض اقتصادي وبعض سياسي. ومن بين هذه الاتجاهات الثلاثة، التكنولوجيا هي الأكثر وضوحًا في أهدافها المباشرة، حتى لو كانت تفاصيل تطوُّرها يمكن أن تكون معقدة: يلزم أن تكون جيولوجيا رواسب النفط أكثر موثوقية، ويلزم إيجاد تقنيات حفر جديدة للوصول إلى الرواسب الأعمق، ويلزم ابتكار هندسة كيميائية مطوَّرة لاستخراج النفط من الصخر النفطي والرمال القطرانية، والمصادر الأخرى غير المرجحة. ويعتبر كل ما هو قابل للتحقيق من الناحية التكنولوجية في أيِّ وقت من الأوقات عاملًا محددًا مهمًّا في كمية النفط المتاح كاحتياطيات مؤكدة؛ أيْ كمية النفط التي يمكن استخراجها من الأرض.
تتمثل حالة عدم اليقين الاقتصادي الخطرة في تقييم الاحتياطيات المؤكدة في سعر النفط في السوق العالمية؛ فعندما ترتفع الأسعار، ربما يكون المنتجون أكثر استعدادًا لإنتاج وبيع ما لديهم، ويكون الحفَّارون أكثر استعدادًا للحفر أعمق وكذلك السفر إلى مواقع قاسية الطبيعة. ولا يقل أهميةً عن ذلك حساسيةُ المنافسة بين البدائل «غير التقليدية» التي يحتمل أن تزيد أسعارها. فعلى سبيل المثال، كان يُستخرج نحو ??? مليون جالون يوميًّا من النفط على نحو مربح من الرمال القطرانية في ألبرتا بكندا، عندما ارتفعت أسعار النفط لفترة وجيزة إلى ??? دولارًا للبرميل خلال عام ????، وذلك جعل كندا أكبر مورد أجنبي للنفط في الولايات المتحدة؛ إذ بلغت واردات النفط منها ??? من واردات تلك السنة،11 ومع ذلك هدَّدت المصانع بإغلاق أبوابها عندما انخفضت أسعار الخام البترولي المنافس إلى ?? دولارًا للبرميل. شكل ?-?: أسعار النفط من ???? حتى ????.
من الواضح أن النفط المتاح والقابل للاستخراج في أيِّ وقت من الأوقات يعتمد على سعر البيع، ولكن توجد أيضًا حقيقة تغيرات في الأسعار استجابةً للطلب. على سبيل المثال، نجحت استراتيجيات المحافظة على البيئة إبَّان حكومة كارتر في سبعينيات القرن العشرين في الحد من الاستهلاك، حتى انخفض سعر النفط بشكل حاد خلال ثمانينيات القرن العشرين. وتظهر التقلبات الكبيرة في الأسعار على مدى العقود الثلاثة من عام ???? حتى عام ???? في الشكل ?-?، بالقيمة الدولارية آنذاك.12 تتعلق الشكوك السياسية حول النفط إلى حدٍّ كبير بتوزيعه غير المتكافئ. وكما هو مبين في الجدول ?-?، فإن الكثير من الإمدادات العالمية تقع في أماكنِ النزاع و/أو عدم الاستقرار السياسي، الحاليةِ أو المحتملة في المستقبل القريب. مع ذلك، لا ينبغي النظر لجميع المصادر في ضوء ذلك؛ فبلدان المنشأ الفعلية لواردات الولايات المتحدة من النفط في عام ????13 موضحة في الشكل ?-?، الذي يبيِّن أن كندا والمكسيك من بين أكبر الموردين. تصدر الأطراف المعنية معلومات عن الكميات في المواقع المختلفة، سواء كانت هذه الأطراف من الحكومات أو القطاع الخاص، التي ترى أن تأثير بياناتها قد يكون أكثر أهمية من دقتها. علاوة على ذلك، الاحتياطي المؤكد يكون فقط احتياطيًّا حقيقيًّا إذا كان يمكن استخراج منتَجه وشحنه للمستهلكين، وشهدنا في أكثر من مناسبة انقطاع الإمدادات لأسباب مختلفة؛ منها: الغزو أو الحرب أو القرصنة أو التمرد أو المصالح الوطنية. جدول ?-?: مواقع رواسب النفط.
المنطقةالنسبةالإجمالي???الشرق الأوسط??أمريكا الجنوبية?أفريقيا?الاتحاد السوفييتي السابق?أمريكا الشمالية?آسيا والمحيط الهادئ?أوروبا?
لأن عددًا من الدول المنتجة للنفط وَضعت ميزانياتها الوطنية على أساس توقع بيع النفط بأسعار عالية، فإنها تواجه أزمات داخلية عندما تنخفض الأسعار بشكل حادٍّ. أورد تقديرٌ حديث14 أسعار النفط بالبرميل التي تستطيع ست دول عندها الوصول لنقطة التعادل؛ وهي: قطر عند ?? دولارًا للبرميل، وليبيا عند ?? دولارًا، والمملكة العربية السعودية عند ?? دولارًا، ونيجيريا عند ?? دولارًا، وإيران وفنزويلا عند ?? دولارًا. وعلى الرغم من صحة أن منتِجِي النفط بحاجة لبيع النفط بقدر ما يحتاج المستهلكون لشرائه، فإن المكاسب السياسية القصيرة المدى المتصوَّرة — الداخلية أو الدولية — يمكن في بعض الأحيان أن تتجاوز المصالح الاقتصادية الطويلة المدى. وعلى النقيض، يمكن أن يكون للالتزامات الطويلة المدى عواقب اقتصادية ضارة إذا كانت هناك تغيرات سريعة على المدى القصير. فعلى سبيل المثال، في عام ???? أُجبرت شركة جازبروم الروسية بموجب عقد مسبق طويل المدى على استيراد الغاز الطبيعي من أوزبكستان، على الرغم من اضطرار روسيا حينها إلى بيع الغاز بخسارة.15 أخيرًا، حتى إذا وُضع تقدير عملي لما هو متاح وما سوف يكون متاحًا في المستقبل القريب، فإن التوقعات بشأن الاستخدام السنوي لن تكون واضحة تمامًا. وكلما ازداد ازدهار العالم النامي، زادت شهيته نحو النفط. ففي السنوات الأخيرة كان النمو في الصين والهند جديرًا بالملاحظة على نحو خاص، ولكن من المتوقع أن يكون تأثير المشكلة أكبر إذ تحقِّق دولٌ بجنوب شرق آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية تقدمًا اقتصاديًّا. وبالنظر إلى هذه التوقعات، يبدو أن الاستخدام العالمي السنوي المتوقع البالغ ?? مليار برميل، والذي أدى إلى التقديرات الأكبر بتوافر الإمدادات إلى ?? عامًا؛ قد يكون في الواقع مفرطًا في التفاؤل، ويمكن استنفاد الاحتياطي في فترة أقصر على نحو ملحوظ. ومع ذلك، لتحقيق التوازن في الصورة على نحو سليم، ينبغي أن يضاف إلى ذلك أنه لا تزال اكتشافات البترول الجديدة مستمرة في أجزاء كثيرة من العالم.
شكل ?-?: واردات النفط الأمريكية لعام ???? (المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية، إدارة معلومات الطاقة، الاستعراض السنوي للطاقة لعام ????).
يجب أيضًا على أيِّ تناوُل لإمدادات الوقود الحفري والطلب عليه النظرُ إلى خليط الغازات الهيدروكربونية الذي يطلق عليه «الغاز الطبيعي». فعندما يُستخرج من الأرض، يكون هذا الغاز مكوَّنًا في الأساس من الميثان مع كميات أصغر من غيره من المواد القابلة للاشتعال (الإيثان والبروبان والبيوتان والبنتان) وبعض الشوائب. وبعد خطوات التنقية، يصبح هذا الغاز ثاني أهم مصدر للطاقة في الولايات المتحدة، ولا يتجاوزه في تقييم استهلاك الطاقة على مستوى العالم سوى الفحم. وكما هي الحال مع البترول، فإن أيَّ تقدير لرواسب الغاز يخضع لشكوك جيولوجية وتكنولوجية واقتصادية وسياسية؛ ومع ذلك، توجد أرقام متاحة ويمكن من خلالها أن نتحدث عن الاحتياطيات ومعدلات الاستخدام. أَعدَّتْ إدارة معلومات الطاقة في وزارة الطاقة الأمريكية16 تقديرًا عن الغاز الطبيعي القابل للاسترداد في الولايات المتحدة، من يناير ????. كان الرقم الإجمالي ???? تريليون قدم مكعب، ولكن الملفت للنظر هو أنه من هذا الرقم الإجمالي، ??? تريليون قدم مكعب فقط تصنف على أنها «احتياطيات مؤكدة»، وتتكون البقية من احتمالات غير مؤكدة تنقسم إلى أربع فئات مختلفة: (?) غير مكتشف. (?) مقدَّرة. (?) غاز ذائب في النفط. (?) مصادر غير تقليدية. ويرتبط كل من هذه الفئات الأربع بوضوح مع شكوك ملحوظة. ولهدف المقارنة، يتيح المصدر نفسه الإجمالي العالمي لشهر يناير ????، البالغ ???? تريليون قدم مكعب.17 كما فعلنا سابقًا مع النفط، قد نسأل إلى متى ستستمر هذه الموارد إذا استُخدمت بمعدل الاستهلاك الحالي. تتلخص نتائج عمليات الحساب البسيطة لهذه النسبة في الجدول ?-?، مشيرة إلى أن الاحتياطيات العالمية المؤكدة توفر إمدادات مضمونة لنحو ?? عامًا، ولكن الاحتياطيات الأمريكية المؤكدة الحالية ربما تنفد خلال تسع سنوات فحسب. بالطبع الرقم المعتمد على الاحتياطيات المؤكدة هو الاحتمالية الأكثر إفراطًا في التشاؤم؛ لأنه لا يضع في الاعتبار عمليات التنقيب المستمرة والاكتشافات الجديدة. وفي الواقع كانت الاكتشافات الأخيرة في الولايات المتحدة كبيرة على نحو غير متوقع، لا سيما تلك الاكتشافات المرتبطة باحتياطيات الصخر النفطي، وقفزت احتياطيات البلد بنسبة ??? خلال عامين فقط. وهذه الزيادة الكبيرة في الإمداد المحلي الأمريكي قادمة مما يسمى «مصادر غير تقليدية»، وهي الفئة التي تضم الرمال القطرانية وغيرها من المواد المجتمعة التي تتطلب عملية استخراج أكثر تكلفة من العملية التي تتبع الحفر التقليدي. وإذا استخدمنا هذه المصادر بدلًا من الاحتياطيات المؤكدة في حساباتنا لاحتمالات إجمالي الاحتياطيات القابلة للاسترداد في الولايات المتحدة، فإن فترة الإمداد المضمونة تزداد على نحو كبير إلى ?? عامًا. جدول ?-?: احتياطيات الغاز الطبيعي.
?احتياطيات الولايات المتحدة المؤكدةإجمالي تقديرات الولايات المتحدةاحتياطيات عالمية مؤكدةالاحتياطيات (تريليون قدم مكعب)????,???????الاستهلاك السنوي (تريليون قدم مكعب/السنة)???????????سنوات متبقية?????
فيما يتعلق بالفحم — وهو ثالث المصادر الرئيسية لطاقة الوقود الحفري — تُقدَّر الاحتياطيات العالمية القابلة للاسترداد بنحو ??? مليار طن، موزعة على نطاق واسع ولكن يقع معظمها في الولايات المتحدة وروسيا والصين (انظر الشكل ?-? لبيانات عام ????).18 إذا لم يتغير الاستهلاك الحالي البالغ ??? أطنان سنويًّا، فإن إمدادات الفحم ستستمر ??? عامًا. ويبلغ نصيب الولايات المتحدة من إجمالي الاحتياطيات ??? مليار طن، ويجري استخدامها حاليًّا بمعدل ??? مليار طن سنويًّا. شكل ?-?: احتياطيات العالم القابلة للاسترداد من الفحم لعام ???? (المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية، إدارة معلومات الطاقة، توقعات الطاقة في العالم لعام ????).
إجمالًا، يمكننا أن نقول إن لدينا إمدادات وقود حفري كافية لتلبية الاحتياجات الحالية لما لا يقل عن نصف القرن القادم، إلا أن الصورة قد تتغير إذا زادت الاحتياجات على مستوى العالم أكثر مما هو متوقع. ولكن بقولنا ذلك، فإنه يبقى أن نتساءل هل كنا «نريد» مواصلة حرق الوقود الحفري في ضوء الفهم الحالي للآثار المترتبة على مناخنا العالمي وكل ما يتبع ذلك. يبدو أن لدينا فرصة سانحة لن تدوم طويلًا؛ أيْ فترة من الزمن يمكن خلالها — إذا اخترنا القيام بذلك — أن نتمكَّن من مواصلة حرق الوقود الحفري من أجل إتاحة الانتقال إلى نمط حياة تكنولوجي واقتصادي مختلف.
(?) أشكال الطاقة

تمهيدًا لأيِّ دراسة لبدائل للطاقة، من الضروري تذكُّر حقيقة أساسية؛ وهي أن الطاقة لا تستُحدث ولا تفنى، إنما يتغير شكلها فحسب. يحدث هذا بطريقة مشابهة لشراء عملة جديدة في مقابل ما يمتلكه الشخص بالفعل، فبعد عملية الإبدال تختلف المظاهر ولكن تبقى القيمة الأساسية نفسها. ومن ثَم، فإن أيَّ دراسة للخيارات هي بمنزلة دراسة للتحول من شكل إلى آخر، وأفضل ما يمكن أن نأمل فيه على الإطلاق هو أن يكون شكل الطاقة الجديد أكثر توافرًا وأكثر مرونةً أو أكثر فائدة في العموم في تلبية احتياجاتنا. تحتاج هذه الفكرة تفصيلًا أكثر من خلال التعرُّف على ماهية أشكال الطاقة المختلفة في الواقع.
يصادف كل واحد منا الطاقة بمختلف أشكالها في وقائع الحياة اليومية. تصل إلينا «الطاقة الإشعاعية» من الشمس في خارج المنزل في أيِّ يوم صافٍ، ونرى جزءًا من هذه الطاقة مباشَرةً في صورة ضوء مرئي ونشعر بالجزء غير المرئي من طيف الشمس في صورة حرارة عندما تمتصه بشرتنا. وإشعاع الشمس مصدر أيضًا لتفاعلات التمثيل الضوئي التي تساعد النباتات على النمو؛ ومن ثَم تتحول الطاقة الإشعاعية إلى «طاقة كيميائية»؛ حيث تُخزن في النباتات حتى تُؤكل أو تُحرق أو تفسد، وإذا أكل البشر أو الحيوانات الأخرى النباتات، تُخزن الطاقة في أشكال كيميائية أخرى في الأنسجة الحيوانية.
على مدى العصور الجيولوجية، دُفنت بعض النباتات والحيوانات التي كانت موجودة آنذاك وتغيرت كيميائيًّا عندما تعرضت لظروف قاسية من الحرارة والضغط. شكَّلَت تلك التغيرات الكيميائية الفحم والنفط والغاز التي نستخدمها اليوم؛ أو ما يسمى بالوقود الحفري، وبحرقها نطلق في الواقع طاقةَ الشمس المخزنة لفترة طويلة في ذلك الوقود في شكل مواد كيميائية تسمى هيدروكربونات. وهدفنا من حرق الوقود — بطبيعة الحال — هو إطلاق هذه الطاقة المخزنة في شكل «طاقة حرارية»، يمكن استخدامها لتوليد البخار تحت ضغط. وحتى يتحرر ضغط البخار، يمكننا أن نفكر فيه على أنه شيء تتوافر فيه الإمكانية لأداء وظيفة لم يؤدِّها بعدُ، وعندما يُستخدم لتشغيل محرك بخاري أو عجلة توربينية، تتحقق هذه الإمكانية؛ بمعنى أن «الطاقة الكامنة» تتحول إلى طاقة حركة «ميكانيكية»، والتي تسمى أيضًا «طاقة حركية»، والتوربين بدوره يشغِّل مولدًا كهربائيًّا لتوليد الكهرباء.
يحدث تحوُّل مشابه للطاقة الكامنة إلى طاقة حركية عند إطلاق المياه المخزنة خلف السد عبر التوربينات، فتُستخدم الحركة المغزلية للتوربينات في توليد الكهرباء أيضًا، وتعطينا ما نسميه عادة الطاقة الكهرومائية. وبتتبع خطوات هذا التحول إلى البداية، نجد أن كل شيء بدأ من الشمس، عندما بخَّرَتِ الطاقةُ الإشعاعية المياهَ التي تكثفت وسقطت في صورة أمطار وثلوج، وجرى الماء في الأنهار التي ملأت المساحة وراء السد، والإطلاق اللاحق للطاقة الكامنة في المياه المخزنة جعل من الممكن توليد «طاقة كهربائية».
ومن الجدير بالذكر أنه توجد صور كثيرة لهذا الأمر. فعلى سبيل المثال، في الجهاز الذي يسمى «خلية وقود»، تتحول الطاقة الكيميائية المخزنة في الوقود إلى كهرباء مباشرةً، دون خطوات وسيطة. وفي محرك الاحتراق الداخلي الذي يشغِّل سياراتنا تتحول الطاقة الكيميائية في البنزين (أو الإيثانول) إلى طاقة ميكانيكية لتحريك السيارات. وفي السيارات الهجينة الأحدث، يُستخدم بعض من الطاقة الكيميائية للوقود لشحن البطارية؛ أيْ يُستخدم لتخزين الطاقة في صورة كيميائية أخرى. إضافة إلى ذلك، عندما تُستخدَم المكابح، بعضٌ من الطاقة الحركية الموجودة في العجلات تُشغل مولدًا صغيرًا يشحن أيضًا البطارية.
يمكن النظر إلى المفاعلات النووية التجارية في هذا السياق كذلك، بما أنها في جوهرها أجهزة لغلي الماء لتكوين البخار لاستخدامه في توليد الكهرباء، وهي تختلف عن محطات التوليد العادية في أنها تستخدم «الطاقة النووية» كمصدر للتحويل إلى طاقة حرارية. ويعرض الجدول ?-? ملخصًا موجزًا لأشكال الطاقة المختلفة. جدول ?-?: صور الطاقة.
النوعالأمثلةطاقة إشعاعيةأشعة الشمسطاقة كيميائيةالنباتات والنفط والغاز والبطارياتطاقة حراريةالحرارةطاقة كامنةضغط البخار والمياه خلف السدطاقة حركيةحركة الناعورة والطاحونة الهوائية والسياراتطاقة ميكانيكيةحركة الآلاتطاقة كهربيةالتيار في الأسلاكطاقة نوويةانشطار اليورانيوم واندماج الهيدروجين
أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن الكهرباء ليست بالضرورة نهاية التحوُّلات. إذا تبددت الطاقة الكهربائية في عنصر التسخين بمحمصة الخبز، فإن الغرض هنا هو تحرير الطاقة الحرارية؛ وإذا كانت تغذي فرن الميكروويف، فإن الطاقة الكهربائية تتحول إلى موجات كهرومغناطيسية تقوم بدورها بتسخين الطعام لدرجة الحرارة المطلوبة.
ربما نجمل كل ما سبق في القول بأن مختلف أشكال الطاقة يمكن تحويلها من شكل إلى آخر. كانت بعض هذه التحولات جزءًا من الطبيعة قبل ظهور البشر في الصورة بوقت طويل، أما الخطوات الأخرى فهي جزء من الثورة التكنولوجية التي حدثت في مئات السنوات القليلة الماضية. ويوضح الجدول ?-? مجموعة مختارة موجزة من هذه التحوُّلات. جدول ?-?: أمثلة لتحويلات الطاقة.
تحويل الطاقةالمثالمنإلىالتمثيل الضوئي للنباتاتطاقة إشعاعيةطاقة كيميائيةحرق الفحمطاقة كيميائيةطاقة حراريةضغط البخارطاقة حراريةطاقة كامنةالتوربين ومحرك البخارطاقة كامنةطاقة ميكانيكيةالدينامو (المولد الكهربي)طاقة ميكانيكيةطاقة كهربائية
لا ينبغي أن تؤخذ حقيقة أن الطاقة يمكن أن تتحول من شكل لآخر على أنها تعني أن كل التحولات فاعلة بالقدر نفسه؛ فكفاءة التحول عالية جدًّا في الواقع بالنسبة لبعض الخطوات، فالمولد الكهربي — على سبيل المثال — يحول الطاقة الحركية إلى كهرباء بمعدل أفضل من ???. من ناحية أخرى، لا يمكن تحويل الحرارة إلى حركة ميكانيكية عادة إلا في حدود حوالي ???، وفي هذه الحالة، نسبة ا? ??? التي لا يمكن تحويلها يجب أن تُطرح في شكل حرارة منخفضة الدرجة. ومحرك الاحتراق الداخلي عادة ما يحول أقل من ??? من الطاقة الكيميائية الموجودة في الوقود إلى حركة في العجلات؛ إذ يُطرح الباقي مرة أخرى في شكل حرارة من الاحتكاك أو في مبرِّد المشعاع (ماء أو جليكول) ومنه إلى الهواء المحيط.
إن إدراك أن الطاقة يمكن تحويلها من شكل إلى آخر هو ما أدى في نهاية المطاف إلى الملاحظة التاريخية المتمثلة في أن الطاقة لا تُستحدَث ولا تفنى، وإنما تتحول فحسب. مع ذلك، ينبغي إضافة أنه في أيِّ تحوُّل من شكل إلى آخر، تنخفض جودة جزء من الطاقة ويمكن أن ينتج في صورة أقل قدرة على تلبية احتياجاتنا؛ وهكذا يمكن القول عن تحويل الطاقة إنه لا يوجد شيء دون مقابل. والمقارنة بتحويل العملات مفيدة هنا مرة أخرى؛ إذ ينبغي تضمين الرسوم التي يتقاضاها البنك أو الوكيل الذي يقوم بعملية التحويل في تقدير القيمة. وستتكرر مواضيع التحول والفقد تلك فيما يلي، ومع وضع أوجُه القصور هذه في الاعتبار سوف نستكشف في الفصول القادمة مجموعة متنوعة من الأفكار لتحسين وضع الطاقة لدينا.
هوامش

(1) US Department of Energy, Energy Information Administration (EIA), Annual Energy Review 2008, published June, 2009, Figure 5, p. xx, http://www.eia.doe.gov/aer/pdf/aer.pdf.(2) Ibid., Figure 5.2, p. 130.(3) Matthew R. Simmons, Twilight in the Desert: the Coming Saudi Oil Shock and the World Economy (Hoboken, NJ: Wiley, 2005); also Energy Information Administration (EIA), “World Primary Energy Production by Source, 1970–2006,” International Energy Database table, www.eia.doe.gov/aer/txt/ptb1101.html.(4) International Energy Agency, World Energy Outlook 2008; also reported in Richard A. Kerr, “Energy: World Oil Crunch Looming?” Science, Vol. 322, November 21, 2008.(5) US Department of Energy, EIA, Annual Energy Review 2008, op. cit.(6) Energy Information Administration (EIA), “World Primary Energy Production by Source, Section 11” International Energy Database table, www.eia.doe.gov/aer/txt/ptb1101.html.(7) Bengt Hillring and Matti Parikka, “Potential Market for Bio-Based Products” in P. Ranalli, Improvement of Crop Plants for Industrial End Uses (Netherlands: Springer, 2007), pp. 509–21.(8) US Department of Energy, EIA, Annual Energy Review 2008, op. cit., Figure 8.2a.(9) Richard A. Kerr, “Splitting the Difference Between Oil Pessimists and Optimists,” Science, Vol. 326, November 20, 2009, p. 1048, www.ukerc.ac.uk/support/Global%20Oil%20Depletion.(10) Ibid., p. 1048.(11) Jad Mouawad, “Report Weighs Fallout of Canada’s Oil Sands,” New York Times, May 18, 2009.(12) US Department of Energy, EIA, Annual Energy Review 2008, op. cit.(13) US Department of Energy, EIA, Annual Energy Review 2008, op. cit., Figure 5.4.(14) Jad Mouawad, “OPEC Plans Further Output Cut,” New York Times, December 16, 2008.(15) Andrew E. Kramer, “Falling Gas Prices Deny Russia a Lever of Power,” New York Times, May 16, 2009.(16) US Department of Energy, Energy Information Administration (EIA), Annual Energy Outlook 2009, Report No. DOE/EIA-0484.(17) US Department of Energy, Energy Information Administration (EIA), World Proved Reserves of Oil and Natural Gas, www.eia.doe.gov/emeu/international/reserves.html.(18) US Department of Energy, EIA, International Energy Outlook 2009, op. cit.; also US Department of Energy, EIA, Annual Energy Review 2008, Figure 11.13.
الفصل الرابع
الاحترار العالمي


تغيَّر فهمنا المشترك لكيفية تأثير استخدامنا للطاقة على البيئة تغيرًا كبيرًا على مدى العقود القليلة الماضية. وحتى قبل إنشاء وكالة حماية البيئة في عهد إدارة نيكسون، كان من المسلَّم به أن الروائح والجسيمات المرئية في الجو فوق المدن الكبيرة في الولايات المتحدة لها آثار ضارة على الصحة العامة، وكان ظهور البنزين الخالي من الرصاص اعترافًا بالمخاطر الناجمة عن حرق البنزين الذي يحتوي على رابع إيثيل الرصاص. باختصار، تقبَّلَ وعيُنا الجمعي، بطريقة أو بأخرى، فكرةَ أن الضباب الدخاني وتلوث الهواء مزعجان، وفي بعض الأحيان ضارَّان، وأنه يلزم اتخاذ إجراءات للحد من مخاطرهما.
وردًّا على هذا الإقرار، صَنَّفتْ وكالةُ حماية البيئة الملوثاتِ المختلفةَ إلى فئات محددة تظهر في الجدول ?-?، ووَضعت معايير لكلٍّ من ملوثات الهواء؛ فحَددت التركيزات القصوى لكلٍّ مِن الملوثات من أجل إبقاء المخاطر الصحية عند مستويات مقبولة. لا يُلتزم دائمًا بالحدود المعينة التي حددتها وكالة حماية البيئة، وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنه بمرور الوقت تتجه الحدود القصوى للتركيزات التي فرضتها وكالة حماية البيئة إلى الانخفاض كلما توفرت معلومات أفضل عن درجة كل خطر. على سبيل المثال، تحدد الحد المسموح به للأوزون عند سطح الأرض ليكون ????? جزء في المليون في عام ???? إبَّان إدارة كلينتون. وخلال فترة رئاسة بوش اللاحقة أصبح المستوى المعياري ????? جزء في المليون، ويسعى مقترح وكالة حماية البيئة الجديد1 المقدَّم في عام ???? للحد من الأوزون إلى جعل الحد المسموح به للأوزون ????-???? جزء في المليون على مراحل على مدى عقدين من الزمن. برغم الإقرار بالتحسينات الإيجابية، فإن هذه التحسينات تتباين تباينًا كبيرًا؛ لأن كل مادة ملوِّثة لها مصادرها الخاصة وتُزال من الجو من خلال آلية مختلفة. جدول ?-?: معايير وكالة حماية البيئة لملوثات الهواء.
المادة الملوِّثةالمصدر الأساسيأول أكسيد الكربون (CO)الاحتراق غير الكاملأكسيد النيتريك (NO)يتكون في المحركات والأفرانثاني أكسيد الكبريت (SO2)ينتج من احتراق الفحمجسيمات بي إم-??السخام الذي يتكون في محركات الديزل والحرائقالرصاصينتج من البنزين المحتوي على الرصاص وتقشير الطلاءالأوزون (O3)يتكون في الهواء من أكسيد النيتريك والهيدروكربونات
كان العمل الأكثر نجاحًا في الاستجابة لتوقعات وكالة حماية البيئة هو الحد من الرصاص في الهواء، من خلال إلغاء استخدام رابع إيثيل الرصاص كمادة مضافة إلى البنزين. وتحقَّق مزيد من التحسن في جودة الهواء عن طريق إدخال محولات حفازة في أنابيب عوادم السيارات، فضلًا عن إضافة مواد منظِّفة للنفايات السائلة من محطات الطاقة. خفَّضت هذه التغييرات معًا انبعاثاتِ أكسيد النيتريك وثاني أكسيد الكبريت. يشكِّل هذان الملوثان قطيرات حمضية في الغلاف الجوي يمكن تصنيفها كأمطار حمضية عندما تهطل على السطح كجزء من التساقط العادي. أما الأوزون — أحد أكثر مكونات الهواء إزعاجًا على نحو مباشر — فلا ينبعث على هذا النحو، بل يتكون في الهواء عن طريق التفاعلات الكيميائية الثانوية لأكسيد النيتريك والهيدروكربونات. ووفقًا لذلك، يمكن تخفيف آثاره عن طريق خفض تركيزات سلائفه. تجدر الإشارة إلى أنه مع أن المواد الساقطة مثل المطر الحمضي تؤثِّر في بعض الأحيان على مستجمعات أمطار أكبر، فإن الآثار الأشد من معظم الملوثات عادة ما تكون محلية، داخل وحول مدن بعينها، ولا تكون عالمية أبدًا.
مشكلات تلوث الهواء تلك لا تزال تلازمنا، ولكن إضافة إلى ذلك نواجه الآن مشكلة يحتمل أن تكون أكثر خطورةً؛ مشكلة الاحترار العالمي. فهذا الشاغل الجديد له تأثيرات بعيدة المدى من ناحيتين؛ الناحية الأولى: سيؤثِّر على الجميع تقريبًا في كل مكان على وجه الأرض. والناحية الثانية: من المتوقع أن تكون آثاره كارثية في بعض الأماكن على الأقل، وبمجرد أن تحدث، لا يمكن علاج تأثيرها فعليًّا في فترة حياة الإنسان. علاوة على ذلك، كما أشار ألدي وستافينز وكثيرون غيرهما، فإن التعامل مع الاحترار العالمي وتغيُّر المناخ هو في نهاية المطاف مشكلة مشاعات عالمية؛ وذلك لأن الغازات تبقى في الغلاف الجوي لعقود، وتمتزج بشكل متساوٍ في الغلاف الجوي العلوي؛ «لذا لا تتقيد الأضرار بموقع الانبعاثات.»2 وإذا كانت هذه الاحتمالات غير مخيفة بما فيه الكفاية، فإن الإصلاحات التي يجري دراستها تدعو إلى تغييرات كبيرة في أنماط حياتنا الحالية، تغييرات لا تتحقق بسهولة عندما يُعرف أن الضرر لن يحدث إلا في وقت ومكان بعيدين عنا. وإقرارًا بهذه الاعتبارات الواسعة النطاق، وسَّعت وكالة حماية البيئة من نطاق عملها بشأن ما يحدد بأنه انبعاثات غير مقبولة، وفي عام ???? اقترحت الوكالة فرضَ حدودٍ على مستوى البلد بأسرها بشأن الانبعاثات الناتجة من محطات الطاقة ومعامل التكرير وغيرها من المنشآت الكبيرة على قدر مساهمتها في الاحترار العالمي. وسوف يلقي هذا الفصل الضوء على تفاصيل هذه الشواغل والحجج المساقة، ويبدأ في الأخذ في الاعتبار إطار عمل يمكن فيه التماس بعض الحلول.
(?) درجة حرارة الكوكب

منذ زمن سحيق، قبل أن تنشأ أيُّ حياة حيوانية على كوكبنا بوقت طويل، كانت الشمس تسخن كوكب الأرض، وحتى الآن — باستثناء بعض الارتفاعات والانخفاضات على مر الزمن — استقرت درجة الحرارة. من الواضح أنه توجد عملية تعويضية تسمح بفقد الحرارة المجمعة، ولولا ذلك لكانت درجة الحرارة قد ارتفعت لمستويات لن تدعم حياة الإنسان. كيف يحدث انتقال الطاقة إذن؟
إن تذكرَ أن نصف كوكبنا فقط في نهار في حين أن الجانب الآخر في ليل يوضح أن أشعة الشمس الواردة كلها ترفع درجة حرارة نصف واحد فحسب في وقت واحد؛ والجانب الآخر لا تصله أيُّ أشعة ويمكن أن يكون بمنزلة مصدر لإخراج الإشعاع إلى الفضاء. وعلى نحو عام، هاتان الطاقتان متوازنتان؛ إذ يجب أن تكون الطاقة الواردة والطاقة الخارجة متساويتين لتحقيق الاستقرار في درجة حرارة الكوكب. ومقدار الطاقتين معروف: عمومًا، تبلغ الطاقة التي تصل إلى كوكبنا من الشمس ???? واط لكل متر مربع (واط/م?)، ولكن ينعكس حوالي ثلث هذا الإشعاع مرة أخرى عن طريق السُّحُب وغيرها من الأسطح؛ ما يجعل متوسط درجة حرارة الكوكب ??? درجة مئوية = ? درجة فهرنهايت. وهذا يعني أنه إذا كان يُنظر لعالمنا من الفضاء من مكان بعيد جدًّا، فإنه سيبدو باردًا على نحو غير مريح؛ إذ تبلغ حرارته أقل بكثير من نقطة تجمد المياه. هذه النتيجة تختلف كثيرًا عمَّا نعايشه يوميًّا؛ مما يقتضي تفسيرًا. إننا محظوظون للغاية على الأرض بامتلاك غلاف جوي واقٍ يوفر للمكان الذي نعيش فيه متوسط درجة حرارة سطح يبلغ حوالي ?? درجة مئوية (?? درجة فهرنهايت) وهي درجة أعلى بكثير من متوسط درجة حرارة الغلاف الجوي، وهو النطاق الذي يكون فيه الماء في حالة سائلة. بالطبع لا يزال يوجد تباين كبير في درجات الحرارة تبعًا للموقع والوقت من اليوم والوقت من السنة والطقس، ولكن متوسط درجة الحرارة على السطح أعلى بكثير من متوسط درجة حرارة الغلاف الجوي ككلٍّ.
لِفهْم كيف يكون غلافنا الجوي وقائيًّا، فمن الضروري أولًا أن نتذكر أنه إضافةً إلى ضوء الشمس المرئي، يشمل إشعاعُ الشمس مكوناتٍ غير مرئية (تُسمَّى الأشعة فوق البنفسجية) وهي مشبعة بالطاقة للغاية، لدرجة أنه لا يمكن لأعيننا رصدها. والهواء شفاف بالنسبة للأشعة المرئية والأشعة فوق البنفسجية؛ أيْ إنها تخترق الغلاف الجوي وتصل إلى الأرض وترفع درجة حرارة السطح. وعندما يشع السطح الحرارة إلى الخارج، أثناء مرحلة التبريد من دورة اليوم، فإنه يفعل ذلك في صورة موجات حرارة (تُسمَّى الأشعة تحت الحمراء)؛ ولكن موجات الحرارة ذات الطول الموجي الأطول يمتصها عدد من عناصر الغلاف الجوي، لا سيما بخار الماء وثاني أكسيد الكربون والأوزون وأكسيد النيتروز والميثان. وكما هو موضح في الشكل ?-? تُنتِج هذه العملية غطاءً حول كوكبنا، وهو ما يشبه في كثير من النواحي التدفئة في الدفيئة، وأصبح يُطلَق على هذه المكونات «غازات الدفيئة». شكل ?-?: تأثير الدفيئة (المصدر: الإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي، قسم علم المناخ القديم http://www.ncdc.noaa.gov/paleo/globalwarming/what.html). (?) يمر بعض الإشعاع الشمسي عبر الغلاف الجوي ويرفع درجة حرارة سطح الأرض. (?) ينعكس بعض من الإشعاع الشمسي إلى الفضاء مرة أخرى. (?) تنبعث الأشعة تحت الحمراء (موجات الحرارة) من سطح الأرض الساخن نحو الفضاء. (?) بعض الأشعة تحت الحمراء يمر عبر الغلاف الجوي، وبعضها تمتصه غازات الدفيئة. (?) يعاد إرسال بعض من الطاقة التي تمتصها غازات الدفيئة إلى الأرض مرة أخرى وترفع درجة حرارة الطبقة السفلى من الغلاف الجوي والسطح (المصدر: الإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي، قسم علم المناخ القديم).
(?) غازات الدفيئة

من اللطيف جدًّا أن نعيش في مكان دافئ. إذا كانت غازات الدفيئة تبقينا دافئين وتحمينا ممَّا يمكن أن يكون بردًا مهلكًا في حالة عدم وجودها، فلماذا نخشاها؟ إنها مسألة امتلاك الكثير للغاية من شيء جيد، ونخشى التبعات الوخيمة لارتفاع درجة الحرارة المفرط. والتأثير النسبي لكل غاز من غازات الدفيئة يعتمد على كلٍّ من تركيزه في الغلاف الجوي وقدرته على امتصاص الأشعة تحت الحمراء.
يُعتبَر الماء في صورة بخار في الهواء مساهمًا رئيسيًّا في تأثير الدفيئة، ولكن الماء موجود أيضًا في الغلاف الجوي في شكل قطيرات سائلة تشكل السُّحُب. وعلى النقيض من رفع درجة الحرارة الذي يخلفه تأثير الدفيئة، يمكن للغطاء السحابي أن يُحدِث تأثيرًا معاكسًا من خلال توفير سطح عاكس لأشعة الشمس الواردة؛ ومن ثَم يكون التأثير الكلي للمياه هو مزيجًا من التدفئة والتبريد يختلف في الزمان والمكان مع تغيُّر التساقط والرطوبة. ولما كانت هذه التغييرات خاضعة للطقس، فإن تأثيرها خارج عن سيطرتنا إلى حدٍّ كبير، وقد قُدِّمت اقتراحات مؤخرًا بأنه قد يكون من الممكن تغيير الغطاء السحابي على نحوٍ بنَّاء. وسوف نناقش إمكانيات هذه الهندسة الجيولوجية في فصل لاحق.
الأوزون غاز من غازات الدفيئة ومنافس مهم لثاني أكسيد الكربون، وهو موجود في الغلاف الجوي على ارتفاعات منخفضة وكذلك ارتفاعات عالية جدًّا. ويتكون على ارتفاعات عالية (في طبقة ستراتوسفير) من الأكسجين العادي من خلال التعرض للأشعة فوق البنفسجية من الشمس، ويعمل بمنزلة مرشح للأشعة يحمي الحياة على سطح كوكبنا. وكان من المسلَّم به من كثيرين في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين أن هذا الدور الوقائي يتعرض للخطر؛ لأن الأوزون كان يتعرض للإزالة من خلال التفاعل الكيميائي مع مركبات الكلوروفلوروكربون التي يطلقها العديد من التدخلات البشرية، وعُقد مؤتمر في مونتريال في عام ????، وتم الاتفاق على بروتوكول لعلاج المشكلة عن طريق تقليل إنتاج مركبات الكلوروفلوروكربون وإحلال مركبات أقل ضررًا محله للاستخدام في التبريد وتكييف الهواء ومعالجة الفوم والعبوات المضغوطة. كانت استجابة قطاع الصناعة سريعة وفاعلة؛ فجرى توليف عائلة جديدة من المواد الكيميائية وخضعت للاختبار وبيعت لتحل محل مركبات الكلوروفلوروكربون الضارة، ويُطلَق على المركبات الجديدة اسم مركبات الهيدروكلوروفلوروكربون للإشارة إلى وضع ذرات الهيدروجين بدلًا من بعض ذرات الهالوجين في مركبات الكلوروفلوروكربون. ويعد نجاح بروتوكول مونتريال وتعديلاته في عام ???? علامة مميزة للطريقة التي يمكن بها لاتفاق دولي أن يعمل لمصلحة الجميع.
ويتكون الأوزون أيضًا من التفاعلات الكيميائية التي تتضمن أكسيد النيتريك والهيدروكربونات على ارتفاعات منخفضة حيث نعيش (في طبقة من الغلاف الجوي تُسمَّى تروبوسفير)، وهو أحد الملوثات التي سعت وكالة حماية البيئة منذ فترة طويلة للسيطرة عليها؛ لأنه ضار على نحو خاص في المدن الكبيرة؛ حيث توفر الكثافة المرورية الهيدروكربونات المتفاعلة في عوادم السيارات والحافلات. وعلى الرغم من أن الأوزون غاز دفيئة قوي، فإنه متفاعل كيميائيًّا ويعيش لفترة قصيرة نسبيًّا في طبقة تروبوسفير، وإذا لم يُستبدل بانتظام، فإنه سيختفي تلقائيًّا من الجو في غضون أيام إلى أسابيع، ولا يمكن أن يمثِّل تهديدًا طويل المدى.
إضافة إلى بخار الماء والأوزون، ثمة عدد من الغازات الأخرى في الغلاف الجوي التي تُوصَف بأنها غازات دفيئة، وتوجد بمستويات تركيز قد تغيَّرَتْ ولا تزال تتغير بسبب تدخل الإنسان. وأشهر هذه الغازات هو ثاني أكسيد الكربون (الصيغة الكيميائية: CO2)، والذي نزيده كل يوم عن طريق حرق الوقود الحفري بكميات كبيرة. والوعيُ المتزايد بعبء ثاني أكسيد الكربون وضَعَ هذا الغازَ في بؤرة التركيز بصفته الجاني الرئيس، وصيغت مصطلحات مختلفة لوصف تأثيره. وعندما نتحدث عن «انبعاثات الكربون» أو «بصمة الكربون» أو «الاقتصاد القائم على الكربون»، أو «تراخيص الكربون»؛ فإننا نعني في كل حالةٍ الإشارةَ إلى غاز ثاني أكسيد الكربون. جدول ?-?: تركيزات غازات الدفيئة في عام ???? وفترة بقائها في الغلاف الجوي.
الغازالتركيز في الغلاف الجوي (جزء في المليون)فترة بقائها في الغلاف الجوي قبل أن يتقلص التركيز إلى الثلثثاني أكسيد الكربون (CO2)???قرنالميثان (CH4)???عقدأكسيد النيتروز (N2O)???قرنمركبات الكلوروفلوروكربونتركيزات متعددة منخفضة للغايةسنوات إلى قرونمركبات الهيدروكلوروفلوروكربونتركيزات متعددة منخفضة للغايةسنوات إلى قرون
في حين أنه تم إيلاء اهتمام أقل لبعض غازات الدفيئة الأخرى، فإنها يمكن أن تتسبب في تأثيرات كبيرة على المناخ. والغازات الأكثر إثارةً للقلق مذكورة في الجدول ?-? جنبًا إلى جنب مع تركيزاتها الحالية والفترة المقدرة لبقائها في الغلاف الجوي. وهذا المعلومة الأخيرة من الأهمية بمكان؛ لأنها تخبرنا إن كانت تصرفاتنا سوف تؤثر على حياة أطفالنا وأحفادنا أم لا. وجميع الغازات المذكورة في القائمة طويلةُ الوجود للغاية في الغلاف الجوي مع إمكانية استثناء غاز الميثان؛ الغاز الوحيد الذي يقاس عمره المتوقع بالعقود. وتُعتبَر أيضًا المبردات من مركبات الكلوروفلوروكربون من غازات الدفيئة القوية، ولكن كما ذُكِر سابقًا، اتخذت بالفعل خطوات في السنوات الأخيرة من أجل القضاء على آثارها عن طريق إحلال سوائل تشغيل أقل ضررًا في الثلاجات ومكيفات الهواء، ومن خلال جمع المواد الكيميائية المتخلفة لإعادة تدويرها أو تدميرها. تستمر بعض المركَّبات في هذه العائلة على مدى سنوات طويلة، والبعض الآخر يعيش فترة قصيرة جدًّا، وتتراوح الأرقام بين الحد الأدنى البالغ ?? عامًا (بالنسبة لغاز CFC-11) والحد الأقصى البالغ ???? عام (بالنسبة لغاز CFC-115). لحسن الحظ، تركيزات هذه المركبات في الهواء منخفضة للغاية؛ عادة حوالي واحد في الألف فحسب من تركيز ثاني أكسيد الكربون. أما مجموعة الهيدروكلوروفلوروكربون فهي أقل إثارةً للقلق؛ لأن تركيزها لا يزال أقل في الهواء، وهي أقل ضررًا كغاز دفيئة ممكن. يوجد غاز الميثان في الهواء بسبب مجموعة متنوعة من المصادر. تأتي النسبة الأكبر من غاز الميثان من حيوانات المزرعة المجترة (الأبقار والأغنام وجاموس الماء) عن طريق التخمر المعوي الذي يحدث في أجهزتها الهضمية. تُعزى ثاني أكبر مساهمة في انبعاثات الميثان إلى الممارسات الخدمية السيئة في إنتاج ونقل الوقود الحفري، لا سيما الغاز الطبيعي والنفط. وتركز جهود المحافظة على البيئة في الآونة الأخيرة على هذه المسألة استجابةً لمعلوماتٍ أصدرتها وكالةُ حماية البيئة تقدِّر أنه تتسرب ? تريليونات قدم مكعب من غاز الميثان إلى الهواء كل عام من صناعة النفط والغاز.3 وكما هو مبين في الشكل ?-?، الجناة الرئيسيون هم روسيا والولايات المتحدة، ويليهما أوكرانيا والمكسيك وإيران. ونفى محتكرو الغاز الحكومي الروس هذه الأرقام، ولم يعترفوا إلا برقم يبلغ نصف ذاك الرقم فحسب؛ ومن ناحية أخرى، أشارت مراجعة وكالة حماية البيئة إلى أن جميع هذه الأرقام قد تكون منخفضة أكثر من اللازم. وتَنتُج انبعاثات الميثان الأخرى من زراعة الأرز وإنتاج الفحم والتخلص من مياه الصرف ومقالب القمامة والحرق المنزلي للوقود الحيوي. شكل ?-?: انبعاثات غاز الميثان من صناعات النفط والغاز لعام ????.
إلا أنه ثمة مصادر أخرى محتملة لغاز الميثان يصعب حصرها الآن، ولكن من الممكن أن تكون كبيرة جدًّا، وتوجد رواسب الميثان هذه في طبقات من الجليد الدائم مرتبطة بشكل ضعيف في صورة هيدرات في أماكن عميقة تحت المحيطات الباردة، وتبقى محتجزة في مكانها ما دام محيطها باردًا بما فيه الكفاية، ولكن يتمكَّن غاز الميثان من الهرب إلى الهواء إذا ارتفعت درجات الحرارة بشكل ملحوظ. يوجد خطر حدوث تأثير متعاظم في هذه الحالة؛ وذلك لأنه عندما يدخل غاز الميثان المتحرر حديثًا الغلاف الجوي بسبب الاحترار العالمي، فإنه سيسبب مزيدًا من الاحترار، وهذا في الواقع حلقة رد فعل إيجابي تغذي نفسها. ولا يُعرف مدى خطر ذلك وحساسيته على درجات الحرارة العالمية في هذا الوقت.
الغاز التالي مباشرة في غازات الدفيئة هو أكسيد النيتروز (الصيغة الكيميائية: N2O، كما تشيع تسميته بغاز الضحك). كان يُطلَق نحو ?? مليون طن من هذا الغاز في الهواء كل عام خلال تسعينيات القرن العشرين على مستوى العالم، وكان ما يقرب من ثلث هذه الكمية بشريَّ المنشأ في الأصل، وتأتي هذه المساهمة البشرية على نحو رئيسي من تسميد التربة والاحتراق والعمليات الصناعية. وبسبب تركيزه المنخفض جدًّا في الهواء، فإن تأثير هذه الانبعاثات على الاحترار العالمي في هذا الوقت ضئيل نسبيًّا، ولكن انبعاثات أكسيد النيتروز تتزايد بمعدل يقدر أن يكون في نطاق ???-???? كل عام.4 وعلاوة على ذلك، يُستبعَد هذا الغاز من الجو ببطء شديد جدًّا، وفقدان نصف تركيزه يتطلب حوالي قرن، وبسبب ذلك ربما يكون التأثير المتراكم مزعجًا إذا استمر معدل الانبعاثات في النمو خلال القرن الحادي والعشرين. وبالنظر إلى كل هذه الاعتبارات، لا يزال ثاني أكسيد الكربون محط الاهتمام. ولأن ثاني أكسيد الكربون هو العامل الرئيسي في الاحترار العالمي، فمن المهم جدًّا فحص الأرقام المسجَّلَة لمعرفة إن كان تركيزه في الغلاف الجوي تغيَّر في السنوات الأخيرة أم لا. وتتوفر البيانات الموثوق فيها عن هذا الأمر منذ عام ????. وعند التمثيل البياني يشار إليها أحيانًا باسم منحنى كيلينج؛5 تكريمًا للكيميائي الذي طوَّر تقنيات القياس. وكما هو موضح في الشكل ?-?، ازداد التركيز بنحو ??? على مدى نصف القرن الماضي، ليصل إلى مستوى ??? جزءًا في المليون في عام ????، ويستمر في الارتفاع بمعدل حوالي جزأين في المليون سنويًّا. وتتسبَّب التغيرات الموسمية في كل عام في التقلبات الدورية في التركيزات؛ حيث تمتص النباتات ثاني أكسيد الكربون خلال فترة نموها، وعندما يحل فصل الشتاء يُحرق المزيد من الوقود في الأفران لدعم الفترات الأطول لاستعمال التدفئة. شكل ?-?: قياسات غاز ثاني أكسيد الكربون بين عامَيْ ????–???? (المصدر: المتوسط الشهري لثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي في مرصد مونا لوا في هاواي، رسم بياني من إعداد هوجو أهلينيوس، برنامج الأمم المتحدة للبيئة/قاعدة بيانات الموارد العالمية-أريندال).
شكل ?-?: درجات الحرارة العالمية من عام ???? حتى ???? (المصدر: تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تغير المناخ في عام ????: قاعدة العلوم الفيزيائية).
وعلاوة على ذلك، توجد أدلة واضحة على أن الكوكب يزداد حرارة، على الرغم من التقلبات المناخية التي تحدث على كثير من الفترات الزمنية القصيرة. وتؤكد الأرقام المسجلة منذ منتصف القرن التاسع عشر6 — المبينة في الشكل ?-? — الزيادة الحادة في متوسط درجات الحرارة العالمية التي حدثت بعد بداية الثورة الصناعية، وهي الفترة التي زاد فيها حرق الوقود الحفري على نحو مطرد. وصدرت بيانات قياس درجات حرارة السطح من مجموعة كبيرة من المحطات الأرضية والبحرية، عُرِضَتْ هنا مع اعتبار مستوى الصفر هو متوسط درجة الحرارة بين عامي ???? و????. بينما تظهر الزيادة في المسح الأول صغيرة نسبيًّا، حوالي ??? درجة مئوية (??? درجة فهرنهايت)، فإن هذا التغيير كبير على الصعيد العالمي ونذير بتغيرات أكبر في المستقبل. وتجدر الإشارة إلى وجود الكثير من التقلبات العشوائية في الأرقام المسجلة على مدار أيِّ فترة زمنية قصيرة؛ وذلك لأن دورات ارتفاع درجة حرارة المحيطات وانخفاضها تسبب تقلبات سنوية كبيرة بالمقارنة بالتغييرات الطويلة المدى. تظهر اتجاهات واضحة عند حساب متوسط البيانات على مدار فترات من ?–?? سنوات. فعلى سبيل المثال، أشار تقييم قياسات درجة حرارة السطح الصادر عن الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)7 أن العقد من ???? حتى ???? هو الأشد سخونةً حسب الأرقام المسجلة، وأظهرت بياناتها التي تغطي السنوات الثلاثين الماضية اتجاهًا نحو ارتفاع درجة الحرارة بمقدار ??? درجة مئوية (??? درجة فهرنهايت) في العقد الواحد. يعتقد أن الزيادات في درجات الحرارة في بعض القطاعات الجغرافية ترتبط بالجفاف وذوبان الجليد والأعاصير والهجرات السكانية وغيرها من الكوارث البيئية والبشرية. والأدلة على ذوبان الجليد قوية، والأحداث المرتبطة مثل الأعاصير مع ارتفاع درجة حرارة المحيط تشير بقوة لهذا، ولكن لم يتفق بعدُ جميعُ الخبراء في هذه المجالات اتفاقًا تامًّا على ذلك. يتوقع نموذج الإعصار الأحدث الأكثر تفصيلًا لمنطقة المحيط الأطلسي أنه سيوجد المزيد من الأعاصير الأشد قوةً، مع أن العدد الإجمالي للعواصف سيكون أقل.8 ويتسبب الجفاف والفيضانات في مختلف أجزاء العالم في هجرات بشرية ضخمة، ولكن حتى الآن لم تُنسَب مباشرةً إلى الاحترار العالمي. ومع ذلك، إذا كانت هذه العلاقات حقيقية، فسوف ندفع ثمنًا باهظًا حقًّا في المستقبل لتجاهلها اليوم. بما أن مواقع إنتاج ثاني أكسيد الكربون ترتبط بشكل وثيق للغاية باحتراق الوقود الحفري، فإنها ليست موزعة بانتظام حول العالم. تظهر بيانات وزارة الطاقة الأمريكية9 لعام ???? أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من الصين تمثِّل ??? من الإجمالي العالمي؛ النسبة التي تتجاوز بالكاد مثيلتها في الولايات المتحدة، ولكن النمو الاستثنائي للتصنيع في الصين تسبَّبَ في طلب على الطاقة يفوق كل الدول الأخرى، ويبدو أنه بحلول عام ???? كانت الصين في المركز الأول على مستوى العالم على نحو واضح، وفي عام ???? كانت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بنسبة بلغت حوالي ??? من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وتبعتها روسيا والهند واليابان، كما هو مبين في الشكل ?-?. ولأن بلدين فحسب مسئولتان عن جزء كبير من إجمالي الانبعاثات، شعر كثيرون أنه لن تنجح أيُّ اتفاقيات دولية تهدف إلى الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون دون اتفاق بين العملاقين، الولايات المتحدة والصين. وعلى حدِّ تعبير أحد المفاوضين الأمريكيين في مجال المناخ:10 «بالتأكيد لن يكون ممكنًا عقد أيِّ اتفاق إذا لم نجد سبيلًا للمضي قدمًا مع الصين.» إذن، ما هي الصعوبات؟ شكل ?-?: النسبة المئوية لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون حسب البلد، لعام ???? (المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية، إدارة معلومات الطاقة، الاستعراض السنوي للطاقة لعام ????).
تظهر العراقيل أمام أيِّ اتفاق بشأن السيطرة على الانبعاثات قبل كل شيء؛ من المخاوف من أن أيَّ قيود على استخدام الطاقة سوف تتعارض مع التنمية والنمو الاقتصاديين. وفي المفاوضات الثنائية بين العملاقين، تستند الحجج التي يقدِّمها كلا الجانبين على مجموعة متنوعة من وجهات النظر التي ادعى مؤيدو كلٍّ منها أنها منصفة، منها: (?) بما أن الصين دخلت النمو الصناعي متأخرة، فإنها ترغب في الحرية التي تمتعت بها الولايات المتحدة خلال القرن والنصف قرن الماضيين. (?) ينبعث من الصين أربعة أضعاف ثاني أكسيد الكربون المنبعث من الولايات المتحدة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي. (?) الانبعاثات الصينية أقل لكل نسمة من انبعاثات الولايات المتحدة التي بها عدد سكان أقل. (?) تزداد انبعاثات الصين بوتيرة أسرع من أيِّ دولة كبرى أخرى. (?) معظم ثاني أكسيد الكربون الذي دخل بالفعل في الغلاف الجوي جاء من سلوك الدول الغنية اليوم في الماضي، وليس من الصين. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه العقبات الهائلة في المفاوضات، يوجد اتفاق من جميع الجوانب على أنه يجب القيام بشيء للحد من الآثار البعيدة المدى، وأنه توجد ضرورة للتعهد بأن الانبعاثات في المستقبل ستكون «قابلة للقياس وقابلة للتحقق منها وقابلة للإبلاغ عنها». تقدِّر إحدى الدراسات التي أجراها معهد أبحاث الطاقة الكهربائية11 أنه بغياب الضوابط الجديدة، فإن الاتجاه الحالي من شأنه أن يؤدي إلى الوصول إلى مستوًى من ثاني أكسيد الكربون في الجو يصل إلى ??? جزءًا في المليون بحلول عام ????. (?) هل الاحترار العالمي خطؤنا؟

ما حقائق الاحترار العالمي التي يمكن أن نذكرها على وجه اليقين؟ أولًا: ثاني أكسيد الكربون بالتأكيد أحد غازات الدفيئة، وقد زاد تركيزه في الغلاف الجوي زيادة كبيرة على مدى عقود طوال. ونظرًا لأن توقيت الزيادة يتوافق بشكل وثيق مع النمو الصناعي الذي أدى إلى زيادات هائلة في حرق الوقود الحفري، فمن المعقول أن نعزو معظم الزيادة في التركيز لهذا التغيير. لوضع كل هذا في منظور أطول زمنًا، ينبغي القول إن علماء الجيولوجيا قد أثبتوا عن طريق أخذ عينات من مخلفات العصور الغابرة أن هذا الكوكب قد مرَّ بارتفاعات وانخفاضات في درجة الحرارة قبل أن يكون للبشر أيُّ إسهام بفترة طويلة، ومن العدل أن نسأل عن قدر تسبُّب المساهمات البشرية (السلوك البشري) في التغير في الآونة الأخيرة.
توجد إجابة هذا السؤال في تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وهي هيئة حكومية دولية علمية أسَّستها في عام ???? الأممُ المتحدة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية. وفي تقريرها التقييمي الرابع12 بعنوان «تغير المناخ في عام ????»، خلصت الهيئة إلى أن: «معظم الزيادة الملحوظة في متوسط درجات الحرارة العالمية منذ منتصف القرن العشرين ينجم «في أغلب الظن» عن الزيادة الملحوظة في تركيز غازات الدفيئة البشرية المنشأ.» وتُعرَّف عبارة «في أغلب الظن» في التقرير على أنها تعني أن حكم الخبراء قيَّم الاحتمال بأنه أكثر من ???. ويمثِّل هذا التقرير إجماعًا في الرأي بين مئات من الكتاب والمحررين، وخضع لمراجعة أكثر من ??? من الخبراء والحكومات. وتستند نتائج الهيئة إلى مجموعة متنوعة من القياسات العلمية التي تشمل ذوبان الأنهار الجليدية في أجزاء كثيرة من العالم، وارتفاع درجة حرارة المحيطات، وانحسار الجليد البحري، فضلًا عن درجات الحرارة في الغلاف الجوي وسطح الأرض. وتتفق دراسة أجرتها الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم مع نتائج الهيئة، وأشار بيان الجمعية الفيزيائية الأمريكية لعام ???? بشأن الاحترار العالمي إلى أن الاحترار «لا يمكن إنكاره»، ويمكن أن يؤدي إلى اضطرابات بيئية واجتماعية كبيرة. وثمة ملخص ممتاز للوضع التاريخي والوضع الحالي لهذه المسألة كان موضوع خطاب جيمس جيه مكارثي في عام ???? أمام الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم، بوصفه رئيسًا لها.13 وأعرب أيضًا جون هولدرن، وهو المستشار العلمي للرئيس أوباما، مؤخرًا14 عن تأييده لنتائج الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وقد نُقِل عنه قوله: «إن أيَّ نظرة شاملة وحديثة إلى حدٍّ معقول على الأدلة توضِّح أن الحضارة قد أنتجت بالفعل تدخلات بشرية خطيرة في النظام المناخي.» وقال أمام إحدى جلسات الكونجرس حول هذا الموضوع:15 «يتغيَّر المناخ العالمي بطرق غير تقليدية جدًّا مقارنةً بالتقلبات الطبيعية المعروفة والمتوقَّعة منذ فترة طويلة.» وبحلول عام ???? — أيْ بعد عامين من صدور التقرير الأخير من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ — تحقَّقتْ توقعاتُ الهيئة لأسوأ سيناريو. وقال الرئيس المشارك لمؤتمر كوبنهاجن المعني بالتغيرات المناخية16 في مارس من عام ???? للوفود: «الانبعاثات ترتفع على نحو جنوني، والتقديرات بارتفاع مستوى سطح البحر أعلى مما كان متوقعًا، والتأثيرات المناخية في جميع أنحاء العالم تظهر بتواتر متزايد.» يوجد توافق بين الغالبية العظمى من المجتمع العلمي على أن تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ صحيح إلى حدٍّ كبير. وإن وُجِد تباين في وجهات النظر، فإنه بشأن الفترات الزمنية التي ستستغرقها ارتفاعات درجات حرارة محدَّدة، وبشأن حدة التغيرات العالمية التي ستلي ذلك. وتتوقع أسوأ السيناريوهات حدوث فيضانات وأعاصير وجفاف، يليها اضطرابات اجتماعية نتيجة التحولات السكانية الضخمة.
(?) مؤشر التأثير الإشعاعي

من أجل بعض الأغراض، من المفيد وجود مقياس لمدى فاعلية أيِّ غاز دفيئة معين في تغيير توازن طاقة الكوكب. وعلى وجه التحديد، ربما نسأل: ما هو الفرق الحالي بين الطاقة التي يحملها الإشعاع الوارد والتي يحملها الإشعاع الصادر؟ وكيف تغير الفرق استجابةً لبعض المحفزات؟ إذا كان هذا التغيير نتيجة لزيادة تركيز أحد غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، يمكننا استخدامه بمنزلة مؤشر للأهمية والتأثير النسبيين لغاز الدفيئة كآلية محتملة لتغير المناخ. ومن أجل هذه المقارنة يستند التغيير المحسوب إلى تاريخ سابق للعصر الصناعي، والاسم الذي يُطلَق على هذا المؤشر هو «التأثير الإشعاعي»، ويُقاس بوحدة الواط لكل متر مربع (واط/م?). ويتناسب التغير في درجة حرارة السطح المحدثة للتوازن مع مؤشر التأثير الإشعاعي: القيمة الموجبة لمؤشر التأثير الإشعاعي تشير إلى ارتفاع حرارة المناخ، والقيمة السالبة تخبرنا بأننا نسير نحو بيئة أكثر برودةً. وكمثال على تطبيقه، فإن مؤشر التأثير الإشعاعي البالغ ???? الناتج عن مضاعفة تركيز ثاني أكسيد الكربون يؤدي إلى زيادة درجة حرارة السطح بثلاث درجات مئوية. جدول ?-?: مؤشرات التأثير الإشعاعي لغازات الدفيئة الطويلة العمر لعام ????.
الغازالتأثير الإشعاعي للغاز (واط/م?)التأثير الإشعاعي للغاز مقارَنةً بثاني أكسيد الكربونالمجموع?????ثاني أكسيد الكربون (CO2)?????الميثان (CH4)????????أكسيد النيتروز (N2O)????????إجمالي مركبات الكلوروفلوروكربون????????إجمالي مركبات الهيدروكلوروفلوروكربون????????غازات أخرى????????
قدَّمَ تقريرُ الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ المذكور أعلاه قائمةً مفصلة لمؤشرات التأثير الإشعاعي لغازات الدفيئة الطويلة الأمد، وترد البيانات في الجدول ?-?. وبمقارنة الأرقام يتضح السبب في كون ثاني أكسيد الكربون بؤرة الاهتمام، والسبب في زيادة الدراسات حول الميثان وأكسيد النيتروز. ولا تزال آثار الغازات الخاضعة لبروتوكول مونتريال موجودة. ويتناقص تركيز مركب الكلوروفلوروكربون الرئيسي بنحو ?? سنويًّا، ولكن عمره البالغ ??? سنة يعني أنه سيكون عاملًا في الاحترار العالمي لسنوات قادمة، وهو يقع في المركز الثالث كأهم غازات الدفيئة، كما هو مبين في الجدول ?-?. وكذلك مركبات الهيدروكلوروفلوروكربون التي طُرِحت لتحقيق أهداف اتفاقية مونتريال تقدِّم أيضًا مساهمة ملحوظة في مؤشر التأثير الإشعاعي، ولكن تأثيرها محدود. علاوة على ذلك، عمر مركبات الهيدروكلوروفلوروكربون الأهم صناعيًّا يبلغ ?? عامًا أو أقل، وستنخفض تركيزاتها ما لم تحدث انبعاثات كبيرة في المستقبل. جدول ?-?: مؤشرات التأثير الإشعاعي للانبعاثات القصيرة العمر والمتوسطة العمر.
المصادرمؤشر التأثير الإشعاعي (واط/م?)النسبة المئويةالمجموع???????التخمر المعوي??????إنتاج الغاز??????زراعة الأرز??????إنتاج الفحم??????التخلص من مياه الصرف البشرية??????مقالب القمامة?????حرق الوقود الحيوي في المنازل?????
يشير البند الأخير في الجدول ?-? — «غازات أخرى» — إلى مزيج من المكونات الضئيلة المقدار، لا سيما سادس فلوريد الكبريت (SF6) ورابع فلوريد الكربون (CF4) وسادس فلوريد الإيثان (C2F6). ومع أن تركيزاتها منخفضة، فإن مؤشر التأثير الإشعاعي لهذه المركبات لا يتعدى حوالي ?? من قيمة مؤشر التأثير الإشعاعي لثاني أكسيد الكربون؛ ولكن من المهم أن نلاحظ أنها غازات دفيئة قوية ولها أعمار من آلاف السنين، وفي الواقع تقدِّم مساهمةً دائمة لمؤشر التأثير الإشعاعي العام. وهي منتجات رئيسية ومنتجات ثانوية لمعدات توزيع الطاقة وتصنيع الألومنيوم، وقد تزايد تركيزها في الهواء خطيًّا لنحو ?? عامًا. لأن عمر الميثان في الغلاف الجوي يصل لعقود فحسب، فمن الممكن تصنيفه بأنه متوسط العمر لا طويل العمر. وتبَنَّتْ هذا الرأيَ جاكسون،17 التي استخدمت مؤشر التأثير الإشعاعي على نحو فاعل للغاية للقول بأنه إضافةً إلى المخاوف بشأن التغيرات الطويلة المدى، فإنه يلزم معالجة آثار كل ملوث من الملوثات المتوسطة والقصيرة العمر على المناخ على حدة. فعلى سبيل المثال، من خلال دراسة تقديرات مؤشر التأثير الإشعاعي للانبعاثات القادمة من سبعة مصادر إنتاج رئيسية (في المقام الأول الميثان)، أوضحت أنه يمكن توقع إضافات كبيرة إلى الاحترار العالمي من هذه المدخلات على مدى السنوات العشرين المقبلة، مع أن عمر الميثان في الغلاف الجوي يقاس بالعقود وليس بالقرون. وأشارت جاكسون إلى أن هذه الاتجاهات لم تكن لتُعرف إذا لم يجرِ تتبُّع سوى غازَي ثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتروز الطويلي العمر، وخلصتْ إلى ضرورة الدعوة إلى توقيع معاهدتين منفصلتين لمعالجة هذه الاحتياجات المختلفة. ويوضح الجدول ?-? أحجامَ بعض تقديراتها وتوزيعها. ويتفق إجمالي مؤشر التأثير الإشعاعي البالغ ???? واط/م? مع أرقام غاز الميثان الأخرى.18(?) عودة لتلوث الهواء

عندما بدأنا هذا الفصل فرَّقنا بين تلوث الهواء والاحترار العالمي؛ حيث كان الأول محليًّا ومسألةَ صحةٍ عامةٍ في الأساس، في حين كان الثاني عالميًّا ويشكِّل خطرًا أعم وليس على الصحة الشخصية والمجتمعية فحسب. ولكن توجد أدلة دامغة على أن جسيمات الهباء الجوي نفسها وثاني أكسيد الكبريت والأوزون التي تلعب دورًا رئيسيًّا في التأثير على صحة الفرد تؤثِّر أيضًا على توازن إشعاع الأرض، ويمكننا الآن أن نرى أنه يوجد في الواقع أكثر من ارتباط سطحي بين هذين المجالين؛ إذ إن انبعاثات الملوثات في صورة غاز الميثان وأكسيد النيتروز وأكسيد النيتريك والكربون الأسود (السخام) ومركبات الكلوروفلوروكربون تشارك جميعها في عملية تغيير المناخ. وتعيش بعض هذه الغازات فترة قصيرة أو متوسطة في الهواء، ولكنها تعمل بمنزلة غازات دفيئة لفترة طويلة بما يكفي لإحداث بعض الاحترار العالمي غير المرغوب فيه. علاوة على ذلك، فإن آثار تأثيرها الإشعاعي لا تتناسب ببساطة مع انبعاثات الملوثات، وستستمر بالتأكيد ما دام إطلاقها في الجو مستمرًّا. ويدعم هذا التحليل دراسات بالغة التفصيل أجراها شيندل وزملاؤه،19 الذين استخدموا قِيَم مؤشر التأثير الإشعاعي المثبَتة والنماذج المناخية الحاسوبية لمجموعة متنوعة من الملوثات المحلية، من أجل القول بأن السياسات التي تستهدف جودة الهواء المحلي أو الإقليمي ينبغي أيضًا أن تأخذ في الاعتبار الآثار الطويلة المدى على المناخ. وقد تناول باريش وتشو20 أيضًا هذه المسألة، متسائلين كيف يمكن التوفيق بين تخفيف تغير المناخ والجهود المبذولة لتقليل الآثار الصحية الناجمة عن تلوث الهواء. برغم ذلك، ولأن عمر ثاني أكسيد الكربون في الهواء طويل للغاية، فإنه يُعتبَر خطرًا عالميًّا طويل المدى على نحو خاص، وسوف يظل محور كل الجهود الرامية إلى التحسين. وكلف قرار المحكمة العليا في الولايات المتحدة في عام ???? وكالةَ حماية البيئة أن تقرِّر إن كانت الغازات المُغيِّرَة للمناخ تمثِّل تهديدًا على صحة الإنسان أم لا، وإذا كانت تمثِّل تهديدًا، فعليها العمل على تنظيمها. وأقرت وكالة حماية البيئة بهذا رسميًّا،21 وتنظر الوكالة الآن في أن تجعل السيطرة على انبعاثات غازات الدفيئة ضمن حدود اختصاصها ومجال مسئوليتها. وبإصدار الوكالة نتائجها بشأن هذه المسألة، أبدت أنه يمكنها استخدام قدرتها التشريعية للسيطرة على انبعاثات غازات الدفيئة من مصادرها الثابتة الكبيرة مثل محطات الطاقة التي تحرق الفحم وأفران الإسمنت، حتى دون اتخاذ الكونجرس مزيدًا من الإجراءات. (?) الإصلاحات الفورية أو القصيرة المدى

قبل النظر في سُبُل للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، من الضروري وضعها في سياق التوازن الديناميكي عمومًا؛ أيْ ندرك أن تنظيم الغاز جزء من سلسلة من العمليات الطبيعية التي تزيل الغاز من الغلاف الجوي على نحو مستمر وعلى الصعيد العالمي. فالأشجار وجميع النباتات التي تستخدم التمثيل الضوئي للنمو والمحافظة على بقائها تتغذى على ثاني أكسيد الكربون وتزيله من الغلاف الجوي، والمحيطات والكثير من أنواع التربة هي مصارف مهمة لإزالته؛ لأنها تذوِّب الغاز لتكوين الكربونات والبيكربونات الذائبة. ومن هذا المنظور، من المزعج أن نجد أن الغابات الرئيسية في العالم تتعرض للتدمير استجابةً للضغوط الاقتصادية من أجل التوسع في الزراعة، وهذا السلوك لا يقلل من القدرة العالمية لكوكبنا على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الجو فحسب، ولكن أيضًا يطلق على الفور كميات هائلة من الغاز عندما يُحرَق الخشب. ويُقدَّر أن تدمير الغابات المَطِيرة مسئول عن حوالي ??? من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة على الصعيد العالمي.22 ومن الواضح أن أيَّ علاج لهذه المشكلة سوف يتطلب تغييرات كبيرة في السياسات داخل بلدان معينة وفيما بين البلدان. وتوجد مقترحات قيد الدراسة؛ منها على سبيل المثال برنامج خفض الانبعاثات الناجمة عن إزالة الغابات وتدهورها (ريد)، الذي سيدفع أموالًا للبلدان مقابل الحفاظ على الأصول الطبيعية. وعلى الطرف الآخر من معادلة مكافحة غازات الدفيئة، اقتُرحت مجموعة كبيرة متنوعة من الإجراءات التي يمكن اتخاذها للحد من الإطلاق المفرط لثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، بعضها إصلاحات تكنولوجية، والبعض الآخَر يستخدم ضغط التفوق الاقتصادي للتأثير على السلوك، ولا يزال البعض الآخر يعتمد على القيود السياسية الداخلية أو الدولية. وتظهر خلافات حول كلٍّ منها؛ وذلك لأن كثيرًا من هذه المقترحات يتطلب استثمارات رأسمال ضخمة، أو يستند إلى معاهدات أو تقنيات غير مؤكدة النجاح حتى الآن. سندرس هذه الأفكار بمزيد من التفصيل في فصول لاحقة، ولكن إليك الإصلاحات الجذابة والمتاحة في التو أو على المدى القصير.
وعلى صحة أن أيَّ تحرك سوف يترتب عليه تكاليف أو انخفاض في الدخل لبعض الفصائل، والتي ستلقى معارضة، فإن الانتباه إلى تحقيق كفاءة أكبر والحد من الهدر غالبًا ما سيؤدي إلى تحسينات ستتطلب استثمارات رأسمال منخفضة نسبيًّا، وستؤتي ثمارها على فترات قصيرة نسبيًّا. وسنركز الآن على الفرص السانحة لتحسين كفاءة الاستخدام من خلال تناول الحفاظ على البيئة في أربع فئات فرعية: النقل، والصناعة، والقطاع السكني، وتوليد الكهرباء.
حتى وقت قريب، كانت محركات السيارات الحديثة تستخدم أقل من ??? من الطاقة الكيميائية المتوفرة في البنزين المستخدم، وكانت نسبة ا? ??? المتبقية تُهدَر عندما تُفقَد في الهواء المحيط. ولم تلقَ المحركات الأكثر توفيرًا ترحيبًا؛ لأنها كانت مرتبطة بالسيارات الأصغر حجمًا، وكانت أبطأ في حالة تسارع السيارة، ولكن محركات الديزل كانت تحقِّق أرباحًا مرضية، وانتشرت في أوروبا أكثر من الولايات المتحدة. والآن مع ظهور التكنولوجيا الهجينة، تستخدم المحركات كميات أقل من البنزين من خلال العمل في ظل ظروف ثابتة أكثر مثالية لشحن البطارية التي تعمل بها السيارة، أما السيارات الهجينة التي يمكن توصيلها بالكهرباء مباشرة فهي موجودة فحسب على المخططات، ولكنها على بُعْد سنوات طوال من أن تكون عملية، وعندما تصبح حقيقة واقعة — إن أصبحت كذلك — سوف يتحول عبء تحسين الكفاءة من المركبة إلى محطة توليد الكهرباء التي ولَّدت الكهرباء في المقام الأول.
لسنوات طوال تخلفت الولايات المتحدة عن الدول الصناعية الأخرى في إلزام أصحاب السيارات باستخدام الوقود على نحو أكثر كفاءة. وفي الوقت الذي كانت فيه أرقام الولايات المتحدة تبلغ ?? ميلًا/جالون للسيارات، وتنخفض لتصل إلى ?? ميلًا/جالون للسيارات الرياضية المتعددة الأغراض (الشاحنات الخفيفة)؛ وضع الاتحاد الأوروبي معياره عند ?? ميلًا/جالون، وكان معيار اليابان يصل إلى ?? ميلًا/جالون، وحتى الصين التي وصلت متأخرةً كانت متقدِّمة على الولايات المتحدة بمعيار ?? ميلًا/جالون. وكانت نتيجة هذا التردد في فرض استخدام المحركات التي تستخدم بنزينًا أقل متوقعة؛ ففي حين زاد استهلاك النفط في الولايات المتحدة بنسبة ??? في فترة ?? عامًا بعد عام ????، خفضت جميع دول أوروبا الغربية تقريبًا استهلاكها خلال تلك الفترة، وبعضها بنسبة أكثر من ???. وتَرِدُ تفاصيل المقارنة في الشكل ?-?. شكل ?-?: اتجاه استهلاك النفط في الفترة ????–????.
لو كانت الولايات المتحدة قد احتذت بالدول الأوروبية في هذا الاتجاه، لكانت تخلَّصت من المعاملة الاختيارية التي طالت السيارات الرياضية المتعددة الأغراض بوضعها في فئة الشاحنات الخفيفة. كان يمكن لهذا التغيير أن يوفر ما يصل إلى ?? من استخدام البنزين إذا ما أُبعِد نصفُ السيارات الرياضية المتعددة الأغراض فحسب عن الطريق. علاوة على ذلك، كان يمكن للتحول الكبير لاستخدام محركات الديزل في نصف السيارات أن يوفر ??? أخرى، ولكن للأسف لم تُتَّخَذ أيُّ خطوة من هاتين الخطوتين. وبحلول عام ???? كان الكونجرس الأمريكي أخيرًا على استعدادٍ لاتخاذ الخطوات التي كان ينبغي اتخاذها منذ عدة عقود. فالقواعد الفيدرالية التي سيبدأ تطبيقها في عام ????، وتكون سارية النفاذ على نحو كامل بحلول عام ????؛ تفرض زيادات في معايير كفاءة الوقود للسيارات والشاحنات الخفيفة في الولايات المتحدة إلى ???? ميلًا/جالون، وهي زيادة أكبر بكثير من متطلبات السنوات ا? ?? الماضية (التي كانت أكثر قليلًا من ?? ميلًا/جالون).23 وفي الوقت نفسه الذي تسير فيه الولايات المتحدة في هذا الاتجاه، ترفع الدول الأخرى أيضًا من سقف توقعاتها لكفاءة استهلاك الوقود في السيارات. وعلى أساس المقترحات التي تستعرضها صناعة السيارات الصينية، يتمثَّل أحد التقديرات24 في أنها سوف تفرض متوسطًا على السيارات يبلغ ???? ميلًا/جالون في عام ????. ومن المعروف أن أيَّ برنامج يستغل وسائل النقل العام بكثافة سوف يحقق تحسنًا أكثر في الكفاءة بالنسبة لكل سائق. فعندما تكون الطرق واسعة وتتوفر حارات واضحة، فإن نُظُم النقل السريع بالحافلات ستكون قادرة على إقناع الكثافات السكانية العالية بالتخلي عن سياراتها عند التنقل إلى أمكان العمل أو الدراسة. على سبيل المثال، يشير أحد التقديرات إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في بوجوتا بكولومبيا انخفضت إلى نحو ??? من النسبة التي توقَّعَها قطاع صناعة السيارات.25 تشترك التطبيقات الصناعية وتوليد الطاقة الكهربائية في الحاجة لدرجة حرارة عالية وبخار ذي ضغط مرتفع؛ في الحالة الأولى كمصدر للحرارة على نحو رئيسي، وفي التطبيق الثاني لتحريك التوربينات المتصلة بالمولدات. ويبرد البخار عندما يمنح الطاقة الكامنة لأيٍّ من هذين الغرضين، ومع أن البخار الأبرد إلى حدٍّ ما لا يزال يتمتع بطاقة مفيدة، فإنه كان يُعتقَد في السنوات الماضية أنه من غير المجدي اقتصاديًّا تكبُّد عناء استرداد بعض هذه الحرارة، مع أنها قُدِّرت بأنها حوالي ??? من الطاقة الكامنة. والآن تغيرت الصورة، وتجد أحدث الأجهزة طرقًا لاسترداد الحرارة من البخار الفائض، إما عن طريق إنتاج المزيد من الطاقة، أو عن طريق استخدامه لأغراض ثانوية، مثل تيارات تغذية عملية التسخين المبكر أو التدفئة الداخلية أو لتسخين المياه بالمنازل.
وفي اتجاه مختلف للغاية توجد تغييرات لا تهدف كثيرًا لتحقيق كفاءة استخدام نوع معين من الوقود، ولكن بدلًا من ذلك تهدف إلى تغيير الوقود بهدف الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. يحدث هذا الاستبدال لأن كلَّ وقود يتمتع بإنتاج مميز — ولكن مختلف — من ثاني أكسيد الكربون عند إطلاق قدر معين من طاقته الكيميائية. فبأخذ النفط كمعيار للمقارنة، فإن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من احتراق الفحم أكبر بحوالي ???، وانبعاثاته من الخشب أكبر بنسبة ??? عند إنتاج قدر معين من الطاقة. وفي المقابل، إنتاج ثاني أكسيد الكربون من احتراق الغاز الطبيعي أقل بحوالي ???، وهو ما حفَّز على الانتقال من الفحم إلى النفط إلى الغاز متى كان ذلك ممكنًا. وهذه الخطوة الإصلاحية بطبيعة الحال تعتمد على وجود إمدادات كافية من النفط والغاز الطبيعي بأسعار تنافسية، وربما تكون مجرد إجراء مؤقت على المدى الطويل.
بما أن استخدام الطاقة في المباني السكنية والتجارية هو من أجل التدفئة والإضاءة وتشغيل الأجهزة في المقام الأول، فإنه يمكن إيجاد الكفاءة على الفور في العزل الأفضل، والإضاءة التي تستهلك قدرة كهربائية أقل لكلِّ وحدة من الضوء، والتدفئة الأكثر فاعليةً. بعض هذه التغييرات يمكن تنفيذها بسهولة وبعضها بالفعل قيد التنفيذ؛ فيمكن لمصابيح الفلورسنت أو الصمامات الثنائية الباعثة للضوء (إل إي دي) أن تحل محل المصابيح المتوهجة، ويمكن شراء الثلاجات المعزولة عن محيطها على نحو أفضل. أما الإصلاحات الأخرى فهي هيكلية وتتطلب تغيرات بنيوية يمكن بسهولة تنفيذها في المباني الجديدة، ولكن ليس من السهل تنفيذها على الفور كتعديل تحديثي.
تُستخدَم الطاقة الشمسية المتجددة على نطاق واسع بنجاح، من خلال التقاط أشعة الشمس على سطوح المباني لتوفير المياه الساخنة، وفي تطبيقات أقل شيوعًا لتوليد الكهرباء. وسنتناول هذه المواضيع بمزيد من التفصيل في الفصل التالي الخاص بالطاقة المتجددة.
(?) عودة لحدود النمو والمشاعات

في تناولنا السابق للجدل حول حدود النمو، حاولنا عرض المواقف المتعارضة. من ناحية كانت توجد التحذيرات ضد النمو غير المقيد للسكان الذي من شأنه أن يؤدي إلى استنفاد الموارد، وجاءت المعارضة من أولئك الذين يريدون أن يروا التصنيع في دول العالم الثالث، وكذلك من الاقتصاديين المتفائلين الذين توقعوا أن تبتكر قوى السوق موارد بديلة عن الموارد الحالية عندما يحدث نقص في المعروض. ولكن هذه الحجج، أيًّا كان مصدرها، قُدِّمت في وقت سابق على تحوُّل الاحترار العالمي إلى مصدر قلق خطير. وفي سياقنا الأحدث في القرن الحادي والعشرين لا يزال الكثير من الآراء السابقة موجودًا وربما يكون صحيحًا، ولكن طغى عليه التأثير الصارخ للاحترار العالمي. ليس الأمر مجرد أنه قد تنفد منَّا مادة خام معينة أو وقود حفري بعينه، ولكن ربما يعجل استخدام نوع من الوقود أو عملية كيميائية بانزلاقنا في حالة من فوضى غير مقبولة تعم أنحاء العالم.
في الوقت الذي تكتسب فيه الأدلة على الاحترار العالمي قوة أكبر، تزداد صعوبة أن ننكر أثره الحالي والمستقبلي. ومع ذلك، تطالب مختلف جماعات المصالح والدول بحقها في المشاعات، ويدفعون بالحجة القائلة بأن احتياجاتهم من أجل التنمية لها أهمية قصوى وينبغي للآخرين تحمُّل تكاليف أيِّ إجراء تصحيحي، إلا أنه توجد الآن أصوات تدعم إجراءً جماعيًّا دوليًّا في سبيل حماية كوكبنا. وتجدر الإشارة إلى أن التغيرات المناخية ليست موزعة بانتظام على جميع أجزاء العالم. فعلى سبيل المثال، ذوبان الأنهار الجليدية — مع أنه لا يحدث بوضوح إلا في أماكن محددة — يمكن أن يؤدي إلى آثار محلية وعالمية. ومدينة إل ألتو في بوليفيا التي استخدمت نهرًا جليديًّا قريبًا لفترة طويلة كمخزن للمياه، تخسر الآن هذه الإمدادات من المياه. إن التأثير على السكان البالغ عددهم بضعة ملايين تأثير عارم وسوف يضطر معظمهم إلى الانتقال ما لم تتخذ إجراءات طارئة. والأكثر إثارةً للخوف في هذا الصدد هو تقرير للبنك الدولي يشير إلى أن فقدان أنهار الأنديز الجليدية من شأنه أن يهدد ما يقرب من ??? مليون شخص على مدى السنوات العشرين المقبلة.26 ثمة بقعة أخرى حساسة على نحو خاص لمسألة الاحترار العالمي هي دولة بنجلاديش المنخفضة؛ حيث إن ما يقرب من خمس مساحة البلد أعلى من مستوى سطح البحر بأقل من متر واحد.27 وتتنبَّأ آخِر التوقعات بارتفاع مستوى سطح البحر بما يصل إلى مترين بحلول نهاية هذا القرن،28 وإذا حدث ذلك، فسوف تفقد ملايينُ كثيرةٌ من السكان أراضيَها الزراعية ومصادر رزقها، وبطبيعة الحال سوف يكون للانتقال الإجباري لهذا العدد الكبير من الأشخاص تداعيات دولية. يبدو أننا نعقد آمالنا أكثر فأكثر على الابتكار والإحلال، وذلك باستخدام تشريعات لتوفير دعم وحوافز اقتصادية وبالاعتماد على قوى السوق من أجل تطوير بدائل للوقود الحفري. وسوف ننتظر لنرى إن كانت هذه التعديلات تُبعد مجتمعاتنا بعيدًا عن إنتاج ثاني أكسيد الكربون بما فيه الكفاية أم لا، ولكن يبدو بالتأكيد أنها تمثِّل الاختبار الحاسم للنموذج الاقتصادي المعتمد على استجابات السوق.
قدمنا في الفصل الثاني فكرة المنافع العامة وفكرة المشاعات الجماعية. فالجو الذي يحتوي على تركيز أقل من ثاني أكسيد الكربون يمكن اعتباره منفعة عامة؛ إذ إن مزاياه متاحة للجميع ولا يمكن استبعاد أيِّ شخص من التمتع بفوائده. ربما يكون الأمر مشابهًا مع مصايد الأسماك في المحيطات العابرة للحدود الوطنية، ولكن يختلف الأمر فيما يتعلَّق بما يضاف أو يُزال من المشاعات. والمنتفعون بالمجان في صناعة صيد الأسماك هم أولئك الذين «يأخذون» من المحيطات بينما يتجاهلون الحاجة إلى تجديد إمدادات الأسماك، في حين أن المنتفعين بالمجان فيما يخص الاحترار العالمي هم أولئك الذين «يضيفون» إلى غازات الدفيئة، ويرفضون المساهمة في تقليلها على المستوى الدولي.
إن إطلاق كميات متزايدة من ثاني أكسيد الكربون في الجو مثال جيد لاستخدام المشاعات؛ إذ إن كل مخالف يمكن أن يشعر أن الهواء ملكية عامة يحق له استخدامها، وأن مساهمته الفردية صغيرة على أيِّ حال. وإذا تصرَّفَ عدد كافٍ من المشاركين بالطريقة نفسها، يمكن للتأثير التراكمي أن يكون كارثيًّا، بل يشكل بالفعل «مأساة المشاعات». وبتنحية هذه الانحرافات عن حسن المواطنة الدولية، يتبقى لدينا ضرورة التفاوض حول الاستجابات النسبية من جميع أصحاب المصلحة، حتى إذا لم يكن هناك منتفعون بالمجان ولا سوء استخدام للمشاعات. ومع اعتبار أن كل السكان في جميع أنحاء العالم تمثلهم حكومات وطنية، كيف يُوزَّع عبء الامتثال؟ علاوة على ذلك، كم من الوقت ينبغي تخصيصه لكلِّ دولة أو مجموعة دول مشاركة لترتيب أمورها؟
(?) عزل ثاني أكسيد الكربون

على الرغم من جميع النوايا الحسنة التي نبديها للحد من إنتاج ثاني أكسيد الكربون بأي وسيلة متاحة، لا يزال يتبقى الاعتراف بأنه في المستقبل القريب لن تزول المشكلة تمامًا؛ فلا يزال لدينا مسألة التخلص الممكن من ثاني أكسيد الكربون، أو احتوائه على أقل تقدير. لا يمكن الوصول إلى كل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على نحو متساوٍ؛ فجزء كبير من إجمالي الانبعاثات يأتي من مصادر صغيرة موزعة تشمل السيارات ومدافئ المنازل وأماكن العمل، وهذه الانبعاثات تَدخل الهواء مباشَرةً، ولن يكون من العملي فصل غاز الدفيئة الضار. ونظرًا لأن الغاز موجود فقط في الهواء على مستوًى مخفف جدًّا يصل إلى أجزاء في المليون، فليس لدينا إلا أمل ضئيل في إزالته بوسائل كيميائية بمجرد خروجه من المصدر. بدلًا من ذلك، إذا أردنا احتجازه، فلا بد من إزالته من انبعاثات الأفران؛ حيث يكون موجودًا بتركيزات أعلى من ذلك بكثير. ومع أن تقنيات الهندسة الكيميائية المؤكدة النتائجِ متاحةٌ لهذا الغرض، فإن تكاليف عمليات التنقية تلك لا يستهان بها، ويدعم مكتب وزارة الطاقة — المعنيُّ بطاقة الوقود الحفري والمختبر الوطني لتكنولوجيا الطاقةِ — الأبحاثَ الأساسية الرامية إلى تطوير عمليات محفزة جديدة، وكذلك استخدام المواد الجديدة التي يمكن أن تقلل من هذه التكلفة.
ولكن كل ذلك يدفعنا مباشَرةً إلى السؤال التالي: ما الذي سنفعله بكميات ثاني أكسيد الكربون الهائلة بمجرد أن نحتجزها؟ كيف يمكننا عزل الغاز؟ ويطلق عادة على دراسة هذا السؤال «احتجاز وعزل الكربون».
الأسلوب الأكثر توافرًا على الفور لعزل ثاني أكسيد الكربون هو الاحتواء الجوفي. ثمة أماكن عديدة توجد بها آبارُ نفطٍ وغازٍ مستنفدةٌ، وفي أماكن أخرى اكتُشِفت قِباب مِلْحية ضخمة تحت الأرض، أو عُثِر على مساحات كبيرة فارغة مع طبقة صخرية حاملة للمياه يُطلَق عليها «مستودع مياه جوفية»، فيمكن ضخ ثاني أكسيد الكربون في هذه الآبار المهجورة والكهوف الطبيعية وعزله عن المناطق المحيطة. إن مساحات التخزين في هذه المواقع كبيرة للغاية، ولكنها بالطبع ليست غير محدودة، وتوجد بعض الشكوك حول إن كانت تتوافر مساحة كافية في مثل هذه المستودعات لاستيعاب كل كمية الغاز التي تنبعث اليوم إضافةً إلى الغاز الذي سينتج في المستقبل، مع أنه ستتوافر مساحات أخرى عندما تنفد مخزونات الآبار النَّشِطة حاليًّا. ويضاف إلى هذا الاحتمال التحذيرُ من أن بعض الآبار المهجورة قد تصبح نَشِطة عندما تجعل التكنولوجيا الجديدةُ عملياتِ إعادة استخلاص النفط أو الغاز مربحةً.
وعلى الرغم من هذه التحفظات، أُجري تعديل تحديثي لمحطة كبيرة لتوليد الكهرباء تعمل بالفحم في ولاية فرجينيا الغربية، من أجل احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون وتسييله وحقنه في طبقة مسامية من الدولوميت على عمق ??? ميل (??? كيلومتر) تحت سطح الأرض، وكان من المقرر أن تبدأ تجربة احتجاز وعزل الكربون في سبتمبر أو أكتوبر من عام ????، على أمل أن يظل ثاني أكسيد الكربون معزولًا تحت الأرض لآلاف السنين.29 ويجري التخطيط لتجارب مماثلة في أوروبا، وتركِّز إحدى هذه التجارب في هولندا على حقول الغاز المستنفَدة التي تقع على عمق أكثر من ميل تحت بلدة باريندريخت؛30 حيث ترغب الحكومة الهولندية وشركة شل أويل في حقن ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون بدءًا من عام ????. وتشير الجماعة البيئية «جرين بيس» إلى إمكانية حدوث تسرب بطيء يمكن أن يتبع تآكل الأنابيب إذا ذاب ثاني أكسيد الكربون المحبوس في المياه الجوفية وشكَّل حمض الكربونيك، وتفضِّل الجماعة بدلًا من ذلك إنفاق أموال الحكومة على تجميع الطاقة المتجددة من الرياح أو من مصادر الطاقة الشمسية. ويشعر أهالي البلدة المحليُّون بالخوف من تسرب الغاز ويعارضون الخطة؛ ويبقى أن نرتقب إن كانت الحكومة ستفرض نفوذها على المدينة باستشهادها بالمصلحة الوطنية. يوجد نوع ثانٍ من الاقتراحات يتمثل في تخزين الغاز في أعماق المحيط؛ حيث سيصبح الغاز قابلًا للذوبان في الماء البارد عندما يتعرض لضغط مياه المحيط، والمتوقع عندئذٍ أنه لن يتدفق في صورة فقاعات نحو السطح ويهرب، وإنما سيبقى في صورة أملاح كربونات وبيكربونات ذائبة. وفي مثل هذه الظروف، فإن مياه المحيط في المناطق القريبة ستصبح أكثر حمضية، وتُغير من كيمياء المحيط والحياة التي تعتمد على هذا التركيب الكيميائي. في الواقع، يمكن أن يصبح المحيط أقل ملاءمة للأسماك والعوالق النباتية وأشكال الحياة الأخرى الموجودة في المحيط.31 مع ذلك، ثمة فكرة أخرى تستخدم إمكانية الدفن مرة ثانية، ولكنْ هذه المرة في رواسب صخور البازلت تحت الأرض، وهي أكاسيد كيميائية قادرة على التفاعل مع ثاني أكسيد الكربون لتكوين كربونات الكالسيوم أو المغنيسيوم أو الحديد أو أيٍّ منها، وهي مركبات صلبة غير قابلة للذوبان. وتوجد هذه الرواسب على سبيل المثال تحت المحيط الهادئ قبالة سواحل ولايتَي أوريجون وواشنطن، ولكن لا تزال هناك بعض الشكوك حول إن كانت العمليات الكيميائية الضرورية ستحدث بالمعدلات المطلوبة في الظروف المحلية تحت سطح البحر أم لا.
أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن التمثيل الضوئي الخاضع للسيطرة قُدِّم كطريقة ممكنة للتخلص من ثاني أكسيد الكربون الموجود بالفعل في الهواء، والفكرة هي تشجيع النمو الواسع النطاق للعوالق إما في حاويات احتواء مغلقة أو بنثر البذور في مياه المحيط المفتوحة،32 وهذا ليس عزلًا حقيقيًّا، ولكن مع ذلك يستحق اهتمامًا بتفاصيله، وسوف نتناوله بمزيد من التفصيل في فصل لاحق. في الفصل التالي، نتوجه بالانتباه إلى الطرق التي يمكن من خلالها أن تكون مصادرُ الطاقة الشمسية المباشرة بدائلَ حقيقية للوقود الحفري، وتُسمَّى هذه المصادر عمومًا بِاسْم «المصادر المتجددة»، مع أنه في بعض الأحيان يوجد بعض الخلاف السياسي بشأن ما يمكن أن يندرج تحت هذا المسمى. وضُمنت هذه الأمور أيضًا في الفصل القادم.
هوامش

(1) John M. Broder, “E.P.A. Seeks Tighter Rules to Cut Down Air Pollution,”New York Times, January 8, 2010, p. 1.(2) Joseph E. Aldy and Robert N. Stavins, eds, Architectures for Agreement: Addressing Global Climate Change in the Post-Kyoto World (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2007), p. 1.(3) Andrew C. Revkin and Clifford Krauss, “A Cheap, Easy Way to Curb Climate Change: Seal the Gas Leaks,” New York Times, October 15, 2009, p. 1.(4) A. R. Ravishankara, John S. Daniel, and Robert W. Portmann, “Nitrous Oxide: the Dominant Ozone-Depleting Substance Emitted in the 21st Century,” Science, Vol. 326, October 2, 2009, p. 123.(5) Monthly mean atmospheric CO2 at Mauna Loa Observatory, Hawaii, graphed by Hugo Ahlenius, UNEP/GRID-Arendal, http://maps.grida.no/go/graphic/atmospheric-concentrations-of-carbon-dioxide-co2-mauna-loa-or-keeling-curve.(6) IPCC Report: S. Soloman, et al., eds, Climate Change 2007: the Physical Science Basis. Contribution of Working Group I to the Fourth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change (Cambridge, UK: Cambridge University Press for the Intergovernmental Panel on Climate Change, 2007), http://ipcc-wg1.ucar.edu/wg1/Report/AR4WG1. Data compiled by the Climatic Research Unit of the University of East Anglia and the Hadley Centre of the UK Meteorological Office. The documentation for this data set is in P. Brohan, J. J. Kennedy, I. Haris, S. F. B. Tett, and P. D. Jones, “Uncertainty Estimates in Regional and Global Observed Temperature Changes: a new dataset from 1850,” Journal of Geophysical Research, Vol. 111, 2006, p. D12106.(7) John M. Broder, “Past Decade was Warmest Ever, NASA Finds,” New York Times, January 22, 2010, p. A8.(8) Morris A. Bender, Thomas R. Knutson, Robert E. Tuleya, et al., “Modeling Impact of Anthropogenic Warming on the Frequency of Intense Atlantic Hurricanes,” Science, Vol. 327, January 22, 2010, p. 454.(9) Department of Energy, Energy Information Administration (EIA), Annual Energy Review 2008, Figure 11.19.(10) John M. Broder and Jonathan Ansfield, “China and U.S. in Cold War-like Negotiations for a Greenhouse Gas Truce,” New York Times, June 8, 2009, p. A4.(11) Jonathan B. Weiner, Engaging China on Climate Change, Resources Issue No. 171, Winter/Spring, 2009, p. 29.(12) S. Soloman et al., eds, Climate Change 2007, op. cit.(13) James J. McCarthy, “Reflections On: Our Planet and its Life, Origins, and Futures,” Science, Vol. 326, December 18, 2009, p. 1646.(14) Elizabeth Kolbert, “The Catastrophist,” The New Yorker, June 29, 2009, pp. 39–45.(15) Andrew C. Revkin and John M. Broder, “Facing Skeptics, Climate Experts Sure of Peril,” New York Times, December 7, 2009, p. 1.(16) Eli Kintisch, “Projections of Climate Change Go From Bad to Worse, Scientists Report,” Science, Vol. 323, March 20, 2009, p. 1546.(17) Stacy C. Jackson, “Parallel Pursuit of Near-Term and Long-Term Climate Mitigation,” Science, Vol. 326, October 23, 2009, p. 526.(18) Piers Forster, Gabriele Hegerl, Reto Knutti, et al., “Assessing Uncertainty in Climate Simulations,” in S. Soloman, et al., eds, Climate Change 2007: the Physical Science Basis. Contribution of Working Group I to the Fourth Assessment Report of the Intergovernmental Panel on Climate Change (Cambridge, UK: Cambridge University Press for the Intergovernmental Panel on Climate Change, 2007).(19) Drew T. Shindell, Greg Faluvegi, Dorothy M. Koch, Gavin A. Schmidt, Nadine Unger, and Susanne E. Bauer, “Improving Attribution of Climate Forcing to Emissions,” Science, Vol. 326, October 30, 2009, p. 716.(20) David D. Parrish and Tong Zhu, “Clean Air for Megacities,” Science, Vol. 326, October 30, 2009, p. 674.(21) John M. Broder, “Greenhouse Gases Imperil Health, E.P.A. Announces,” New York Times, December 8, 1009, p. A16.(22) Elisabeth Rosenthal, “Deal Seen Near For Payments to Save Forests,” New York Times, December 16, 2009, p. 1.(23) John M. Broder, “Obama to Toughen Rules on Emissions and Mileage,” New York Times, May 19, 2009, p. 1.(24) Keith Bradsher, “China’s Mileage Mandate,” New York Times, May 28, 2009, p. B1.(25) Elisabeth Rosenthal, “Buses May Aid Climate Battle in Poor Cities,” New York Times, July 9, 2009, p. B1.(26) Elisabeth Rosenthal, “In Bolivia, Water and Ice Tell a Story of a Changing Climate,” New York Times, December 14, 2009, p. 1.(27) Mason Inman, “Hot, Flat, Crowded—and Preparing for the Worst,” Science, Vol. 326, October 30, 2009, p. 662.(28) W. T. Pfeffer, J. T. Harper, and S. O’Neel, “Kinematic Constraints on Glacier Contributions to 21st-Century Sea-Level Rise,” Science, Vol. 321, September 5, 2008, p. 1340.(29) Matthew L. Wald, “Refitted to Bury Emissions,” New York Times, September 22, 2009, p. 1.(30) Aoife White, “Debate over CO2 Heating Up: an Underground Storage Plan Raises Hackles in the Netherlands,” Philadelphia Inquirer, November 15, 2009, p. A6.(31) Dalin Shi, Yan Xu, Brian M. Hopkinson, and François M. M. Morel, “Effect of Ocean Acidification on Iron Availability to Marine Phytoplankton,” Science, February 5, 2010, p. 676.(32) Eli Kintisch, “Rules for Ocean Fertilization Could Repel Companies,” Science, Vol. 322, November 7, 2008, p. 835.
الفصل الخامس
الطاقة المتجددة


من بين العديد من التعميمات بشأن الطاقة التي أكدنا عليها في الفصل الثالث، ثمة نقطتان وثيقتا الصلة على نحو خاص بموضوع مصادر الطاقة المتجددة؛ أولًا: كل صورة من صور الطاقة المتنوعة يمكن أن تتحول إلى صورة بديلة، وثانيًا: كل الصور المتوفرة لدينا تأتي أصلًا من أشعة الشمس. وهذا يعني أنه بمنح بعض الاهتمام للمقاييس الزمنية الجيولوجية، فإن الطاقة كلها طاقة شمسية.
إذن، ما هي السمة المميزة التي تسمح لنا بوصف بعض أشكال الطاقة بأنها متجددة؟ لا يتصل الأمر بالمصدر الأساسي إلا بصلة ضعيفة، وإنما يتعلق بالنطاق الزمني للتجدد. إذا كان الوقت اللازم للتحوُّل يُقاس بالساعات أو الأيام أو الأشهر — مدة زمنية قصيرة بالنسبة لأعمار البشر — نعتبر المصدر متجددًا. من ناحية أخرى، إذا كان الوقت اللازم طويلًا عندما يُقاس من واقع خبراتنا، فإننا نصنف المورد على أنه غير متجدد. ومن ثَم، بما أن تكوين الوقود الحفري يحدث على مدى دهور من العصور الجيولوجية، فهو غير متجدد، في حين أن نمو النبات عن طريق التمثيل الضوئي والتغيرات في الرياح أو المد والجزر تُصنف في عداد الموارد المتجددة؛ لأن تحوُّلات أشعة الشمس إلى هذه الأشكال تحدث في غضون ساعات أو أيام أو شهور.
هذا الفهمُ لما هو متجدد أو غير متجدد مهمٌّ باعتباره إطارًا لتقييم بعض الدعوات بتصنيف موارد على أنها متجددة عندما يكون التحرك ذا دوافع سياسية و/أو اقتصادية. وبحلول منتصف عام ????، كانت ?? ولاية أمريكية، إضافة إلى مقاطعة كولومبيا، قد حددت حصصًا تُلزم شركات توفير الكهرباء بأن تكون نسبة مئوية من مبيعات الطاقة أو السعة المركبة قادمةً من الموارد المتجددة.1 ولتقديم حوافز اقتصادية توجد إعفاءات ضريبية فيدرالية ومِنح وقروض جديدة ممتدة متاحة لتلك التجهيزات التي تندرج تحت مسمى متجددة. وثمة فوائد إضافية ترافق هذه التسمية؛ هي «أرصدة الطاقة المتجددة» التي يمكن أن تصبح قابلة للبيع إذا أصبحت المعايير الوطنية المقترحة قانونًا. مع وجود مليارات من الدولارات على المحكِّ، تضغط جماعات الضغط على المشرِّعين لتوسيع حدود التعريف، وتمكَّنَتْ في بعض الولايات من تضمين مصادر للطاقة مثل نفايات الفحم وغاز الميثان المستخرج من مناجم الفحم والإطارات القديمة باعتبارها مصادر متجددة، وتوجد ضغوط أخرى على المشرِّعين من أجل اعتبار حرق القمامة عملية متجددة، والبعض يريد تضمين الطاقة النووية تحت هذا المسمى. وبتذكر أن الغرض من الانتقال للطاقة المتجددة هو الحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من خلال تقليل اعتمادنا على الوقود الحفري، فإن هذا الفصل سيتبنى نظرة أضيق إلى ما ينبغي اعتباره من الطاقة متجددًا. ونستثني نفايات الفحم والميثان المستخرج من مناجم الفحم والوقود النووي؛ إذ إنها تأتي من مورد محدود، ويمكن القبول بالقمامة والإطارات المعاد تدويرها بقدر ما يتبين في الواقع أنها إمدادات مستمرة ويمكن الاعتماد عليها. سينصبُّ تركيزنا في الأجزاء التالية على الجوانب الفنية والتخطيطية للانتقال من وضعنا الحالي.
ينبغي للمرء أن يسأل أولًا: أين نقف اليوم؟ مرة أخرى نتوجه إلى بيانات وزارة الطاقة2 للحصول على إجابة، وكما هو موضح في الشكل ?-?، يُصنَّف ?? فقط من استهلاك الطاقة كله في الولايات المتحدة في عام ???? بأنه من مصادر متجددة. ويمكن تقسيم هذه الشريحة الصغيرة نسبيًّا من الدائرة لمزيد من الأقسام الفرعية: تمثِّل مصادرُ الكتلة الحيوية التي تشمل الخشب وكذلك النفايات أكبرَ مساهمة (???)، وتليها الطاقة الكهرومائية (???)، ويبقى ??? فحسب لجميع مصادر الطاقة المتجددة التي تُعزَى إلى الرياح ومصادر الطاقة الحرارية الأرضية، وفقط ?? لتحويل الطاقة الشمسية إلى حرارة وكهرباء. شكل ?-?: استهلاك الطاقة المتجددة في الولايات المتحدة لعام ???? (المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية، إدارة معلومات الطاقة، مكتب الفحم والطاقة النووية والكهربائية والوقود البديل).
يختلف التوزيع نوعًا ما إذا تحول الانتباه إلى الاستخدام العالمي.3 فالطاقة الكهرومائية هنا أكثر هيمنة؛ إذ تمثل حوالي ??? من إجمالي الطاقة المتجددة على مستوى العالم، وحرق المواد ذات الأصل البيولوجي والمحاصيل المخمرة إلى كحول ينتج نحو ???، أما طاقة الرياح فتنتج حوالي ??. وعلى المستوى العالمي ينتج تحويل الإشعاع الشمسي إلى طاقة مفيدة ??، وهي زيادة ملحوظة عن الجزء الضئيل المذكور في بيانات الولايات المتحدة. وثمة مخطط أعمدة يقارن هذه المقادير في الشكل ?-?؛ حيث ضُمنت مصادر الطاقة الحرارية الأرضية أيضًا للمقارنة. ويتم الحصول على الطاقة الحرارية الأرضية من خلال الاستفادة من حرارة الماء الساخن والبخار تحت السطح، لكنها ليست متجددة بالمعنى الحرفي؛ لأن مصادرها مستودعات محدودة يمكن أن تنفد في النهاية. وعلى نفس المنوال، الطاقة النووية التي تعتمد على الانشطار النووي ليست متجددة؛ لأن اليورانيوم مورد محدود. والمواد البيولوجية بالتأكيد متجددة في كل دورة نمو، مع أن احتراقها في نهاية المطاف يعيد إلى الغلاف الجوي ثاني أكسيد الكربون الذي استُخرِج ليساعد على النمو. شكل ?-?: الطاقة المتجددة في العالم لعام ???? (المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية، سجل بيانات الطاقة المتجددة لعام ????).
(?) الطاقة الكهرومائية

إن استخدام النواعير لحصد الطاقة المتدفقة في الجداول والأنهار ومساقط المياه أمر يعود إلى زمن بعيد في الواقع، وكانت هذه النواعير مستخدمة في الولايات المتحدة حتى وقت متأخر من القرن التاسع عشر حتى حَلَّت محلها المحركات البخارية والمحركات الكهربائية. وفي الوقت الراهن عادة ما يُحبس تدفق المياه خلف سدود كبيرة، ويُطلق بطريقة خاضعة للسيطرة لتشغيل توربينات متصلة بمولدات كهرباء. عادة لا تتحقق المقدرة الكاملة للسد (التي تُسمَّى القدرة)؛ لأن إطلاق المياه تحكمه قيود مضافة متعلقة بالإمدادات والصيانة واحتياجات الري، ويُطلَق على جزء القدرة الذي يُستخدَم فعليًّا «مُعامل الحمل»، ويُعبَّر عنه بنسبة مئوية. ويوضح الجدول ?-? القدرة والإنتاج الفعلي للطاقة لتسع دول هي أكبر منتجي الطاقة الكهرومائية، ويبلغ مجموع القدرات في الجدول ??? جيجاواط، ولكن هذا المجموع ليس كل ما يمكن استخراجه على مستوى العالم من طاقة المياه، وتُبنى حاليًّا السدود في أماكن كثيرة حول العالم لزيادة الإمدادات. ويبلغ أحد التقديرات للقدرة الإجمالية المحتملة حوالي ???? جيجاواط. يوجد أكبر معدل نمو في الطاقة الكهرومائية في الوقت الراهن في الصين؛ حيث سيكون مشروع «سد الممرات الثلاثة» الأكبر في العالم. وأيضًا في الصين، يُعَدُّ سد زياوان الذي اكتمل بناؤه مؤخرًا أطول سد في العالم مع قدرة تخزين مياه مساوية لجميع خزانات جنوب شرق آسيا مجتمعة، وهذا السد هو واحد من ثمانية سدود تحت الإنشاء على النصف الأعلى من نهر ميكونج. وفي الوقت نفسه، بدأت لاوس بناء سلسلة من ?? سدًّا من المأمول الانتهاء منها بحلول عام ???? على الجزء الأدنى من النهر ذاته، وقد أعربت دراسة حديثة للأمم المتحدة عن مخاوف من أن التغيرات المصاحبة في تدفق النهر سوف تؤثر على التنوع البيولوجي وتلحق أضرارًا بالنظام الإيكولوجي الذي يُعَدُّ موطنًا لعشرات الطيور النادرة والأنواع البحرية الصالحة للأكل.4 وسواء نظر المرء إلى التكاليف البشرية للسكان المشردين أو انتبه إلى العواقب الإيكولوجية لبناء السد، فإنه يجب مقارَنة الآثار السلبية مع البدائل. فمع التخفيف الملائم لأسوأ العواقب، ربما تستحق السدود هاتين التكلفتين إذا قورنتا بالتكاليف التي سيدفعها العالم لزيادة محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم في ظل التصنيع السريع النمو، ولا ينبغي أن يكون الكمال المثالي عدوًّا للتحسن المحدود.
جدول ?-?: قدرة توليد الطاقة الكهرومائية لكلِّ بلد.
البلدالقدرة جيجاواطمعامل الحمل نسبة مئويةالإنتاج الفعلي جيجاواطالصين????????كندا???????البرازيل???????الولايات المتحدة الأمريكية???????روسيا???????النرويج???????الهند???????اليابان???????فرنسا??????
(?) الوقود الحيوي

توجد عدة فئات فرعية رئيسية من العمليات التي تنتج منتجات تندرج تحت مسمى الوقود الحيوي، وربما استُخدمت النباتات الخشبية من المواد المعروفة والمستخدمة منذ فترة طويلة مثل المحاصيل الزراعية والأشجار التي تُزرَع لهذا الغرض، أو بقايا الغابات والحقول وذلك بوصفها موادَّ خامًا. واقترح أيضًا لهذا الاستخدام زراعة محاصيل جديدة مثل الثمام العصوي الذي يمكن زراعته في الحقول غير المستخدمة، أو زراعة الطحالب في أحواض اصطناعية. وأيًّا كان المصدر المحدد، فإن أبسط طرق المعالجة التكنولوجية هي الاحتراق الخاضع للسيطرة في الفرن؛ فيَنتج عنه منتَج غازي ساخن (يتألف في الأساس من البخار وثاني أكسيد الكربون، ويصاحب ذلك النيتروجين من الهواء المستخدم للاحتراق) يمكن استخدامه لتشغيل التوربينات وتوليد الكهرباء بطريقة تقليدية. ومع ذلك، هذه الطريقة لا تنتج الوقود السائل اللازم لاستخدام وسائل النقل، كما أنها لا تقلل من عبء غازات الدفيئة في الغلاف الجوي.
ولتصنيع وقود سائل قابل للاحتراق فإن المواد النباتية يمكن أن: (?) تُعالج كيميائيًّا و/أو تخمر لإنتاج الكحوليات، أو (?) تُحوَّل كيميائيًّا و/أو تحفيزيًّا إلى هيدروكربونات شبيهة بوقود الديزل. وأول هذه البدائل يُستخدَم بالفعل على نطاق واسع، وتؤكِّد المؤشرات على أن أهميته ستستمر لعدة سنوات قادمة، وهذا يشمل زراعة الذرة وقصب السكر لغرض واضح، وهو تحويلها إلى إيثانول كمادة تضاف لوقود البنزين. ويشمل أيضًا هدفًا بعيد المدى وهو تحويل النباتات السليلوزية غير المخصصة للتغذية إلى هذا الوقود. السليلوز سكر مركب وهو أحد المكونات الرئيسية في جميع النباتات النامية تقريبًا، ولكنه لا يتخمر بسهولة، بل يجب تحليله أولًا بالوسائل الكيميائية أو الإنزيمية لإنتاج السكريات البسيطة التي يمكن بعد ذلك تحويلها إلى كحول.
التحويل البيولوجي للمحاصيل إلى وقود معروف منذ أبحاث وايزمان، الذي كان قادرًا على إنتاج الكحول البوتيلي (بوتانول) والأسيتون اللَّذين كانت بريطانيا العظمى في حاجة ماسَّة لهما خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. مع ذلك، كان أسلوب الإنتاج غير مربح، عندما انحسرت الحاجة، وتُركت هذه العملية. في الآونة الأخيرة، تدرس شركة بريتش بتروليوم وشركة دوبونت صورة محدَّثة من هذه العملية لإنتاج الوقود الذي تطلقان عليه «بَيوبوتانول».5 وتأمل الشركتان أن تبدآ الإنتاج على نطاق واسع بحلول عام ????، مع أن هذا قد يكون توقعًا مبالِغًا في التفاؤل. والعمليات المستخدمة فعليًّا، المعتمدة على تخمير الذرة أو السكر، حساسة للغاية تجاه الاحتياجات السياسية الوطنية والتداعيات الدولية، وتقدم أمثلة ممتازة على التفاعل المكثف بين التطوير التقني والفوائد الاقتصادية للأطراف المعنية والقرارات السياساتية. وفي البرازيل، حيث البترول غالي الثمن والسكر رخيص، كان تخمير قصب السكر — ولا يزال في الوقت الراهن — هو أساس صناعة البنزين. وفي الولايات المتحدة، أسهم الإيثانول المصنوع من الذرة بحوالي ?? من السوق المحلية للوقود السائل في عام ????، وتزداد النسبة المئوية من أجل الوفاء بمعايير الوقود الفيدرالية التي تنص على الزيادة من ? مليارات جالون في ???? إلى ?? مليار جالون بحلول ????.6 واستباقًا للحاجة إلى تلبية المتطلبات الجديدة، دخلت العديد من شركات النفط الكبيرة هذا المجال، على سبيل المثال اشترت شركة سونوكو مصنعًا قائمًا من المتوقع أن يقدِّم ??? من الإيثانول اللازم للتحويل إلى البنزين.7 سواء كانت العملية تبدأ بشراب قصب السكر أو شراب الذرة، فإن عملية التخمر من الناحية الفنية متطورة ومدعومة في الولايات المتحدة من خلال مِنح فيدرالية للمزارعين ومعامل التكرير، والاستفادةُ من الوقود الحيوي التي يجب السعي وراءها قبل كل شيء هي الاعتمادُ على المزارع المحلية لتحل محل النفط المستورد، ولكن كان هذا الهدف موضع جدل منذ طَرَحَ بيمنتل وباتزك تساؤلات حياله.8 فدرس هذان المؤلفان الطاقة المستخدمة في: (?) زراعة المحصول. (?) تشغيل الآلات الزراعية. (?) الري وتشغيل الآلات ونقل المحاصيل. (?) أخيرًا، تخمير وتقطير الإيثانول من المزيج المائي؛ وخلصا إلى أن الطاقة المستخدمة في إنتاج الإيثانول بهذه الطريقة أكبر من الطاقة التي ينتجها الإيثانول كوقود. قدمت الحجج المضادة القوية من قِبَل ممثلي الصناعة وتقارير وزارة الزراعة الأمريكية ومختبر أرجون الوطني استنتاجًا معاكسًا، وألقت باللوم في هذا التناقض على استخدام بيمنتل لبيانات عفى عليها الزمن لا تعكس الوضع الحالي. تنقسم الانتقادات الرئيسية لهذا الارتباط بالإيثانول إلى شقين: الأول هو أن استخدام الذرة الواسع النطاق لإنتاج الوقود تسبَّبَ في ارتفاع أسعار الذرة على نحو كبير، مما أضَرَّ جميع المستهلكين وخاصة الفقراء في أجزاء أخرى من العالم الذين يعتمدون على الصادرات الغذائية من الولايات المتحدة. والشكوى الثانية هي ثمرة ارتفاع الأسعار، التي جعلت المزارعين في مختلف أنحاء العالم يحولون المراعي والغابات إلى أراضٍ لإنتاج المحاصيل. وتطرح ممارسات إزالة الغابات تلك كميات كبيرة من غازات الدفيئة في الجو، كما أزالت التغيرات في المناظر الطبيعية بعضَ مصارف ثاني أكسيد الكربون النَّشِطة للغاية التي يعتمد العالم عليها في كل موسم نمو. يشير أحد التقديرات9 إلى أن انبعاثات الكربون التي تنتج عن إزالة الغابات الاستوائية في أماكن مثل البرازيل وإندونيسيا والكونغو مسئولة الآن عن ??? من جميع الانبعاثات العالمية التي تسهم في تغير المناخ. تشير حسابات سيرشيجر10 إلى أن حرق إيثانول الذرة كوقود يُنتج ضِعف انبعاثات غازات الدفيئة التي يُنتجها البنزين الخالي من الكحول، إذا ما أُدرِجت الانبعاثات الناتجة عن تحويل الأراضي في الحسابات. ويرى أنه لا توجد فائدة في استخدام الوقود الحيوي عندما تُدرَج التكلفة الكاملة الواقعة على البيئة في عملية الحساب، وقُبِلَ هذا الموقف من قِبَل مجلس موارد الهواء في كاليفورنيا،11 وهو المسئول عن تنفيذ معايير الوقود في ولاية كاليفورنيا، والتي تتطلب تخفيضًا بنسبة ??? في انبعاثات غازات الدفيئة من وقود النقل بحلول عام ????. ومن المرجح أيضًا أن تدخل الحكومة الفيدرالية في هذا الجدل؛ إذ يقضي قانون عام ???? من وكالة حماية البيئة أن تحسب «دورة حياة انبعاثات غازات الدفيئة» لمصادر الطاقة المتجددة. للتحايل على بعض الصعوبات المرتبطة باستخدام المحاصيل الغذائية لإنتاج وقود سائل، يوجد بحث جارٍ سيستخدم المحاصيل غير الغذائية (أيِ المواد الأولية السليلوزية) كمواد خام لتصنيع الإيثانول أو لتشكيل مكونات أخرى للوقود؛ والهدف من ذلك هو إنتاج هذه المواد الأولية من المحاصيل المعمرة المزروعة خصوصًا لهذا الغرض، والموجودة على أطراف الأراضي، لمنع المنافسة مع الإنتاج الغذائي.12 ويدعم الخطواتِ في هذا الاتجاه القانونُ الأمريكي لعام ???? الذي يقضي بإنتاج ?? مليار جالون من الإيثانول من السليلوز بحلول عام ????، فضلًا عن توجيه الاتحاد الأوروبي الذي يقضي بأنه يجب أن يأتي ??? من إجمالي وقود النقل في أوروبا من مصادر متجددة بحلول عام ????. وقد أدَّى تمرير الكونجرس لمشروع قانون المزارع الأمريكي لعام ???? إلى المزيد من المعالجة لمسألة الوقود الحيوي، وإلى تقديم إعانات لإنتاج الإيثانول من السليلوز ووقود الديزل الحيوي تقدر بما يصل إلى دولار واحد للجالون لمعامل التكرير، و?? دولارًا لطن الكتلة الحيوية للمزارعين. وانتهى هذا الخصم الضريبي الفيدرالي في بداية عام ????؛ مما جعل هذه العمليات أقل جاذبية من الناحية الاقتصادية. إضافة إلى ذلك، توقَّفت كثير من الأسواق الخارجية عندما فرض الاتحاد الأوروبي تعريفات جمركية على جميع أنواع الوقود الحيوي. الفئة الفرعية الثانية من عمليات إنتاج الوقود السائل — تلك التي تركز على الهيدروكربونات كهدف لها — لم تختبر حتى الآن على أيِّ نطاق خارج المختبر. والعمليات التي تجري حاليًّا دراستها كمرشحات للنشر على نطاق واسع13 تستند إلى مجموعة متنوعة من الخطوات الكيميائية التي تحوِّل الزيوت المستخرجة من النباتات أو الطحالب إلى مركبات مشابهة لتلك الموجودة في المنتجات البترولية، ويمكن استخدام هذه المنتجات كبنزين أو وقود ديزل أو وقود طائرات نفاثة، وهذا يتوقف على الظروف التفصيلية لخطوات التحويل. وخطط الأعمال الجارية، التي تستهدف تواريخَ بدايةً من ???? حتى ????، تتطلب مصانع ذات قدرات إنتاجية تصل إلى ??? مليون جالون من الوقود سنويًّا بأسعار ستكون تنافسية عندما يبلغ سعر النفط ?? دولارًا للبرميل. على سبيل المثال، أعلنت إكسون-موبيل عن نيتها لاستثمار ??? مليون دولار على مدى ? سنوات لتطوير عملية لإنتاج الوقود السائل المكرر من الطحالب. مع ذلك، يستند نوع مختلف آخر من هذه العمليات على التغويز الكيميائي في درجة حرارة عالية للمواد الخام لإنتاج غاز وسيط يُسمَّى «الغاز التركيبي»، بعد ذلك يعالج ما يُسمَّى بالغاز التركيبي (خليط من الهيدروجين وأول أكسيد الكربون) لتشكيل الهيدروكربونات المطلوبة باستخدام المواد المحفزة. يمكن للمرء أيضًا أن يرى هذه العملية كأسلوب لتخزين جزء من الطاقة الكيميائية التي كانت موجودة في المواد الخام النباتية من خلال عملية التمثيل الضوئي؛ أولًا في صورة غاز تركيبي، ثم في صورة وقود هيدروكربوني. مع وضع هذا في الاعتبار، سوف نناقش ملامح هذه العملية بالتفصيل في الفصل السادس الذي يتناول تخزين الطاقة.
أيًّا كانت تفاصيل المعالجة، فإنه ينبغي أن يضاف في تقييم الفوائد المحتملة لاستخدام ما يُسمَّى «الكتلة الحيوية» كمادة خام أن أيَّ كتلة حيوية هي جسم صلب ضخم يحتوي على كمية كبيرة للغاية من المياه. والتكاليف النسبية للشحن والتجفيف سوف تحدُّ من معالجة النباتات التي ستكون قريبة من مصدر الكتلة الحيوية، ومن ثَم ستميل إلى تقييد مساحة (وكفاءة حجم) منشأة التصنيع.
الحجة التي قد تبدو الأكثر قوةً في الجدل الدائر حول بدائل الوقود الحيوي هي تلك التي قدَّمها بوضوح شديد كامبل ولوبيل وفيلد.14 وتناولوا مباشَرةً البديلين الحاليين لاستخدام الكتلة الحيوية: (?) التحويل إلى إيثانول لتشغيل المركبات ذات محركات الاحتراق الداخلي، أو (?) التحويل إلى كهرباء لتشغيل السيارات المعتمدة على البطاريات الكهربائية. وقارنت تقييماتُ دورة الحياة مسافاتِ النقل وانخفاضات غازات الدفيئة التي ستتحقق من تخصيص مساحات الأراضي لأحد هذين الخيارين، وهو ما يمثِّل الطاقة اللازمة لزراعة المواد الأولية وتحويلها إما إلى كهرباء أو إلى إيثانول، وكذلك الطاقة اللازمة لتصنيع المَركبات والتصرف فيها. واكتشفوا أنه «يمكن للمرء أن يسافر باستخدام الكتلة الحيوية النامية على هكتار من الأراضي عندما يتم تحويلها إلى الكهرباء لمسافة أكبر مما يقطعها عندما يتم تحويل الكتلة الحيوية إلى إيثانول.» وتشير نتائج عملهم أيضًا إلى أن انبعاثات غازات الدفيئة تصبح أقل عند اتباع مسار التحويل إلى كهرباء وتفضيله عن مسار التحويل إلى كحول، حتى عندما تُسقط آثار استخدام الأراضي من الحسابات. وربما تنبع مزايا غير مباشرة أخرى من مسار التحويل إلى كهرباء من خلال سهولة الربط مع المصادر المتجددة الأخرى مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، أو نحصل حتى على فائدة أكبر من التمركز إذا أصبح عزل ثاني أكسيد الكربون أسهل. (?) طاقة الرياح

كما هي الحال مع طاقة الماء، فإن لاستخدام الرياح في تشغيل طواحين الهواء تاريخًا طويلًا. أما الجديد فهو التكنولوجيا الآلية المتطورة المرتبطة بتوليد الكهرباء، التي توفر تجميعًا أكثر كفاءة للطاقة. والطاقة التي تُجمَّع من طاحونة الهواء تتأثر كثيرًا بسرعة الرياح (فتختلف مع مربع السرعة؛ أيْ إن انخفاض السرعة إلى النصف سيؤدي إلى خفض الطاقة المجمعة إلى الربع)؛ ونتيجة لذلك من الضروري وضع طواحين الهواء في المواقع التي من المعتاد أن تهب عليها الرياح القوية. وكما هو موضح في الشكل ?-?، المواقع المفضلة في الولايات المتحدة هي في وسط وشمال وغرب البلاد، وكذلك على طول سواحل المحيط الأطلسي وسواحل المحيط الهادئ.15 وكذلك تختلف سرعات الرياح باختلاف الوقت في اليوم وفصل السنة؛ فتبلغ ذروتها عادة في الصيف وتهبط إلى أدنى مستوًى في منتصف فصل الشتاء؛ ونتيجة لذلك، لا تولِّد مزارع الرياح سوى جزء بسيط من قدرتها المقدرة، وعادة ما يكون الإنتاج حوالي الثلث، وهذا يعني في الواقع أن المرء لا يمكن أن يعتمد على طاقة الرياح وحدها، ولكن يجب أن يخطِّط للتكامل مع مصادر أخرى يمكن الاعتماد عليها. شكل ?-?: موارد طاقة الرياح في الولايات المتحدة على ارتفاع ?? مترًا (المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية، المختبر الوطني للطاقة المتجددة، أطلس موارد طاقة الرياح في الولايات المتحدة).
في عام ???? كان لمزارع الرياح الموجودة في الولايات المتحدة قدرة تراكمية تبلغ نحو ?? جيجاواط من الطاقة، وقد زيدت هذه القدرة إلى ?? جيجاواط في عام ????، ثم زيدت مرة أخرى إلى ?? جيجاواط بحلول نهاية عام ????، بمساعدة من الخصومات الضريبية الفيدرالية وحوافز الاستثمار، فضلًا عن قوانين الولايات التي تقضي بأن يأتي جزء من الطاقة المحلية من مصادر الطاقة المتجددة.16 وقد وُضِعت خطط للتوسعات الكبيرة، سواء في البر أو في المواقع البحرية، ويظهر نمط النمو الأمريكي في القدرة التوليدية من هذا المصدر في الشكل ?-? عن السنوات ????–????.17 شكل ?-?: نمو قدرة توليد الكهرباء من الرياح في الولايات المتحدة (المصدر: وزارة الطاقة الأمريكية، إدارة معلومات الطاقة، مكتب الفحم والطاقة النووية والكهربائية والوقود البديل).
يوجد في المملكة المتحدة حاليًّا حوالي ??? جيجاواط من طاقة الرياح، وتمت الموافقة على ??? جيجاواط إضافية ولكن لم تُدمج بعدُ، واقترحت زيادة إضافية قدرها ?? جيجاواط عن طريق تركيب ? آلاف توربين رياح جديد. واذا سارت الأمور وفقًا لهذه الخطة، سوف تكون قدرتها الإجمالية ?? جيجاواط، وهي إضافة كبيرة للغاية إلى ا? ?? جيجاواط الموجودة حاليًّا في المملكة المتحدة من الفحم والغاز والطاقة النووية والطاقة المائية. وكان الهدف الذي وَضعته المفوضية الأوروبية هو إنتاج ??? من احتياجاتها من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام ????، ووصلت الدنمارك بالفعل لهذا الهدف. ومنذ عام ????، بدأت الصين في ضخ استثمارات ضخمة في التقنيات الخضراء بهدف الوصول لزيادة كبيرة في توليد الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة الأخرى بحلول عام ????.18(?) الطاقة من المد والجزر والأمواج

اقتُرِحَ تجميع الطاقة الكهربائية من أمواج المحيط على محمل الجد19 في وقت مبكر في عام ????، ولكن يمكن تلخيص النتيجة بسهولة كالآتي: كان المصدر متاحًا دائمًا ولم يُستخدَم قطُّ لأن الاستثمارات كانت دائمًا ما تُعتبَر كبيرة للغاية لدرجةٍ لا يبررها التوفير في مجال الطاقة. تتغير الصورة اليوم مع ارتفاع تكاليف الطاقة وظهور خطر الاحترار العالمي. أورد سكراجز وجيكوب20 ما توصل إليه معهد أبحاث الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة حول أن الطاقة الكامنة في أمواج المحيطات في الولايات المتحدة تماثل الطاقة المولدة حاليًّا من الطاقة المائية التقليدية، وأورَدَا أيضًا تقدير صندوق الكربون في المملكة المتحدة الذي يفيد بأن الموارد البحرية المجديَة اقتصاديًّا تبلغ حوالي ??? من الطلب المحلي الحالي. لإيجاد المواقع المناسبة لاستخراج الطاقة من البحر، يبحث المرء عن ترددات الموجات المنخفضة والموجات عالية السعة. وهذا يعني أن المياه العميقة مفضلة عن الشواطئ الضحلة، والشواطئ الغربية عادة ما تكون أفضل من الشواطئ المواجهة للشرق. تتشكل الموجات في المياه العميقة وتتبدد طاقتها بينما تقترب من الشاطئ؛ ففي الأعماق الأقل من ?? مترًا تكون الطاقة أقل من ثلث الطاقة التي كانت تحملها الموجة في المياه العميقة. في عام ???? كانت توجد تجهيزات قبالة سواحل البرتغال (تقدر قدرتها بنحو ???? ميجاواط)، وإسبانيا (??? ميجاواط)، وأوريجون (? ميجاواط)، ولا يوجد حتى الآن أيُّ اتفاق بشأن أفضل تصميم، ووحداتُ الاختبار المختلفة صغيرةٌ وتستخدم تقنيات وأنظمة هندسية مختلفة، وعادة ما تُضبَط للعمل بأفضل شكل مع تردد موجي معين، ولكن الموجات الحقيقية تُظهِر سلوكًا عشوائيًّا على مجموعة من الترددات، ويلزم وضع توقعات إحصائية ومراقبة وثيقة لتحسين النظام بأكمله.
مع أن المد والجزر والأمواج تمثِّل أشكالًا من الطاقة المائية، فإنها تختلف عنها اختلافات مهمة عديدة؛ ويتمثَّل أحدها في أن طاقة المد والجزر هي الشكل الوحيد من أشكال الطاقة التي تُستمَد مباشَرةً من حركة القمر حول الأرض، وحركة كوكب الأرض في مداره حول الشمس. وهذه الحركات النسبية تنتج تغيرات في الجاذبية، والتي تغيِّر على نحو دوري مستوياتِ المياه التي نشير إليها بالمد والجزر. ويعتمد حجم التذبذبات في المد والجزر في أيِّ موقع معين على تغير مواقع القمر والشمس بالنسبة إلى كوكبنا، وكذلك يعتمد على شكل خط الساحل، وانحدار الجرف القاري، وشكل قاع البحر.
لأن مولِّد طاقة المد والجزر يستخدم هذه الظاهرة لتوليد الطاقة، فإن طاقة المد والجزر يمكن التنبؤ بها بدرجة كبيرة ولا تنضب عمليًّا. مع ذلك، فإنها تختلف بشدة باختلاف الجغرافيا والموقع؛ إذ ينبغي اختيار مولِّد طاقة المد والجزر مع الوضع في الاعتبار ارتفاع منسوب المياه أو السرعة الحالية للمد والجزر، وعادة ما يوضع عند مصبات الأنهار أو الخلجان أو بين الكتل الأرضية. وأحد أنواع المنشآت المستخدمة يُطلَق عليه «حاجز صناعي»، وهو في جوهره سد مبني عبر مصب المد والجزر؛ فيحجز الماء لتخزينه من أجل طاقته الكامنة، ويطلق إمدادات المياه المخزنة من خلال توربينات عند الحاجة إلى الطاقة. وتعمل محطة طاقة مد وجزر كبيرة بطاقة ??? ميجاواط — وهي أكبر حاجز صناعي في العالم — بنهر الرانس بفرنسا منذ عام ????. وفي بريطانيا، من المخطط أن يستفيد حاجز صناعي ضخم بقدرة ? جيجاواط بحلول عام ???? من موجات المد البالغة ?? مترًا على نهر سيفرن، وتبلغ التكلفة المالية المقدرة ?? مليار دولار، ومن المتوقع أن يقدم عائدات طويلة الأجل مع الحد الأدنى من تكاليف الصيانة، وتوفيرًا متوقعًا لما يزيد على ?? مليون طن من الفحم سنويًّا. ومع ذلك، غلقُ أيِّ مصب يمكن أن يكون له آثار بيئية بالغة مماثلة لتلك التي تحدث عند أيِّ سد كبير، ما يغيِّر الحياة البحرية والنباتية بالمنطقة. ويوجد أسلوب بديل لتجميع الطاقة الحركية من الماء المتحرك من خلال وضع التوربينات مباشرة أمام التيار المتحرك، أحد أمثلةِ ذلك التوربينُ المنشأ في عام ???? في خليج سترانجفورد بأيرلندا الشمالية بقدرة ??? ميجاواط، والذي يُوصَف بأنه أكبر توربين للمد والجزر في العالم.
ينبغي التأكيد على التمييز بين المد والأمواج مرة أخرى فيما يتعلق بالاعتماد عليها؛ وذلك لأنه في حين يمكن التنبؤ بالمد على مدى فترات زمنية قصيرة وطويلة، يعتمد عمل الموجة إلى درجة كبيرة على الرياح المحركة لها. ونتيجة لذلك، سوف تعاني الطاقة المستمدة من حركة الأمواج من عدم الانتظام نفسه الذي تعانيه الطاقة المستمدة من خلال توربينات الرياح.
(?) الاستخدام المباشر للطاقة الشمسية

أوضحنا وأكدنا سابقًا على نقطة أن كل الطاقات المتجددة تستخدم — على نحو مباشر أو غير مباشر — الإشعاعَ الشمسي باعتباره مصدرًا أصليًّا، ومن ثَم تتكون الرياح بفعل الشمس من خلال تسخين الهواء بطريقة غير متساوية. وتتكون الأمطار والثلوج، التي تتدفق إلى جميع الأنهار، عندما يبرد الهواء بما فيه الكفاية ليتكثف الماء المتبخر سابقًا ويترسب. ولكن عندما نتحدث عن الطاقة الشمسية، فإننا نعني بذلك الاستخدام المباشر لأشعة الشمس، وليس الاستخدام غير المباشر عن طريق الرياح أو الأمواج.
يحدث الاستخدام المباشر لأشعة الشمس من خلال أحد هذين التحولين: (?) يمكن استخدام أشعة الشمس لتوليد الحرارة في أيِّ سائل مخصص لأن يكون ناقلًا، (?) أو يمكن امتصاص الإشعاع في خلايا فولتضوئية تحول الطاقة إلى كهرباء مباشرة. ويتحقق التحويل المباشر إلى كهرباء بواسطة خلايا سيليكون مصممة خصوصًا لتمتص الضوء وتنتج تيارًا كهربائيًّا، ولكن يجب العمل على إنتاج بدائل أرخص للسيليكون تعتمد على شرائح رقيقة من تيلوريد الكادميوم، وكذلك أساليب لاستخدام عاكسات لتركيز المزيد من ضوء الشمس في مساحة جامع أشعة أصغر.
في الاستخدام السكني، عادة ما تُجمع الطاقة الشمسية عن طريق تسخين سائل متحرك، ويكون الناقل هو المياه الساخنة التي تمر بعد ذلك من خلال أنابيب للتدفئة الداخلية أو الاستحمام. ومن أجل التطبيقات الصناعية التي يمكنها استخدام التسخين العالي الحرارة بكفاءة، يمكن للسائل أن يكون ملحًا منصهرًا يطلق طاقته لتوليد البخار الذي يُستخدَم لتوليد الطاقة. وفي هذه الحالة اقتُرح استخدام مرايا مركِّزة من أجل تغطية مساحة أوسع لجمع أشعة الشمس، التي تنعكس في اتجاه مستقبِل مركزي.
لتشجيع البحث والتطوير في هذا المجال، طرحت الحكومات سياسات تحفيزية للخلايا الفولتضوئية، وتشمل هذه الحوافز مزايا ضريبية تعمل على استرداد جزء من الاستثمارات اللازمة لبناء وتركيب النظم، إضافة إلى فرض قيود على المرافق تُلزِمها بشراء الكهرباء الفولتضوئية من المنتجين. واستجابة لذلك، أَعلن أكبر مرفق في ولاية نيو جيرسي في عام ???? خطة لتثبيت ?? ميجاواط من أجهزة الجمع المعتمدة على الخلايا الفولتضوئية على مدى ? سنوات.21 وفي ألمانيا وكاليفورنيا وفلوريدا، طرحت الحكومات ما يُطلَق عليه «التعريفة التفضيلية لإمدادات الطاقة المتجددة»، التي تحدد سعر الكهرباء المَبيعة إلى المرافق بسعر أعلى من سعر السوق السائد،22 وتشير التقديرات إلى أنه بحلول نهاية عام ???? سيصبح حوالي ??? من القدرة التوليدية من الخلايا الفولتضوئية مربوطة بشبكة المرافق الكهربية. الغرض السياسي من هذا الدعم الحكومي هو تعزيز قدر أكبر من الاستقلالية في قطاع الطاقة المحلي وتسهيل البدء والنمو في صناعة ليست مستعدة بعدُ للمنافسة حتى تصل إلى اقتصاديات الحجم اللازمة. ويمكن رؤية التأثير الفوري للحجم من خلال تذكُّر أن تكلفة الخلايا الفولتضوئية كانت تصل إلى ?? دولارًا لكلِّ واط في عام ????. ويبلغ سعر التكاليف الحالية لوحدات لوحات السيليكون حوالي ? دولارات لكلِّ واط، وتزيد إلى ??? دولارات لكلِّ واط مع إضافة رسوم التركيب في عام ????. وللاستشهاد ببعض الأرقام النموذجية،23 ذُكِر أن نظام طاقة شمسية جديدًا بقدرة ?? كيلوواط مركَّبًا على سطح مصنع في فيلادلفيا كلَّف ??? ألف دولار، وهو ما يناظر تكلفة ??? دولارات لكلِّ واط، ولكن بعد المنح والحسومات الفيدرالية والحكومية، إلى جانب الخصومات الضريبية على الإهلاك، انخفضَتِ التكلفة الصافية (بما في ذلك تكلفة السقف الجديد) إلى ??? ألف دولار، وهو ما يعطي تكلفة تركيب تبلغ ??? دولار لكلِّ واط. وخلصت دراسة مقارنة أجراها جريج نيميت24 إلى أن نسبة ??? من الانخفاض في التكلفة في ?? عامًا منذ عام ???? يعود الفضل فيها إلى اقتصاديات الحجم. وعزا ??? أخرى من الانخفاض إلى التقدُّم في مجال البحث والتطوير. أحد التصميمات التي يمكن أن تُحسِّن كفاءة جمع الأشعة في الخلايا الشمسية يَستخدم عواكس لالتقاط الإشعاع على مساحة أكبر. هذا يقلل من التكلفة؛ لأن الجامع العاكس أقل تكلفة من المساحة المعادلة لحجمه من الخلايا الشمسية. وفي حين يبلُغ سِعر وحدات لوحات السيليكون مع رسوم التركيب حوالي ??? دولارات لكلِّ واط، فإن نظام الجامعات العاكسة يخفض السعر إلى حوالي ? دولارات لكلِّ واط. وتُعَدُّ التقديرات التي يعدها العاملون في هذا المجال25 متفائلةً للغاية على نحو واضح؛ إذ يتوقعون أنه عندما تنخفض تكاليف التصنيع، فإن المحطات التي تستخدم الخلايا الفولتضوئية ستكون قادرة على المنافسة مع طرق توليد الكهرباء بالطرق القياسية بحلول عام ????، حتى دون الحوافز الفيدرالية الأمريكية الحالية البالغة ??? كخصم ضريبي على الاستثمار. ومع ذلك، لوضع هذه التقديرات في سياقها تجدر الإشارة إلى أن إجمالي القدرة التراكمية على مستوى العالم لإنتاج الخلايا الفولتضوئية كان نحو ?? جيجاواط في عام ????، كان نصفها في ألمانيا وحوالي ??? في الولايات المتحدة، وهذا يعني أنه اعتبارًا من ذاك التاريخ فإن إجمالي قدرة الخلايا الفولتضوئية بالميجاواط يبلغ أقل من ???? من القدرة العالمية لمنشآت توليد الكهرباء. كما هي الحال في كثير من الأحيان عندما تدخل أجهزة ذات تقنية عالية جديدة في السوق، فإن تكلفة التحول لاستخدام الخلايا الفولتضوئية لا تزال مرتفعة جدًّا للمنافسة مع البدائل التقليدية، فيما عدا حالات خاصة تكون فيها المواقع بعيدة بُعْدًا كبيرًا عن شبكة الإمداد، أو في المناطق التي تتوافر فيها أشعة الشمس بوفرة وترتفع فيها تكاليف الكهرباء كما هي الحال في أجزاء من ولاية كاليفورنيا أو اليابان أو هاواي. من ناحية أخرى، تُعتبَر تكلفة توليد الطاقة الحرارية الشمسية تنافسية مع الفحم النظيف (دون عزل) وأقل تكلفة من الطاقة النووية للمنشآت الصغيرة. وترِد أرقام المقارنة من التقرير الأخير26 للمجلس الوطني للبحوث حول كلٍّ من هذه البدائل لتوليد الكهرباء في الجدول ?-?؛ حيث تشمل القوائم تكاليف الطاقة لكلِّ كيلوواط مستخدَم في الساعة (سنت/كيلوواط ساعيٍّ). وبالنظر إلى هذه الأرقام، فإنه ليس من المستغرب أن يمثِّل حرقُ الفحم ??? من توليد كهرباء الولايات المتحدة، والغاز الطبيعي ???، والطاقة النووية ???. جدول ?-?: تكاليف الكهرباء في الولايات المتحدة في عام ????.
المصدرسنت/كيلوواط ساعيالفحم التقليدي?«الفحم النظيف» (من دون عزل)?الطاقة النووية??الطاقة الحرارية الشمسية?الطاقة الفولتضوئية الشمسية>??
عند تجاهل كل مسائل الاقتصاد والتكاليف للحظة، يظل هناك اعتبار آخر يضع الطاقة الناتجة عن مصادر الخلايا الفولتضوئية في منظور أكثر وضوحًا بوصفها بديلًا محتملًا لمصادر الطاقة الحالية لتوليد الكهرباء. ينبغي أن نسأل: كم من مساحة السطح سنحتاج إلى تغطيتها بخلايا السيليكون للحصول على كمية مفيدة من الطاقة الكهربائية من الشمس عبر الخلايا الفولتضوئية؟ بالوضع في الاعتبار الانعكاس وغطاء السحب والطقس والكثير من التقلبات خلال السنة، فإن الطاقة التي تصل إلى سطح كوكبنا تبلغ في المتوسط حوالي ??? واط لكلِّ متر مربع (واط/م?)، وربما نتوقع أن التحويل للخلايا الفولتضوئية الحالية سيكون فاعلًا بنسبة ??? ويوفر ?? واط/م? في شكل كهرباء. يتوقع أحد التقديرات الحديثة27 أنه بحلول عام ???? يمكن للولايات المتحدة استخدام تكنولوجيا الخلايا الفولتضوئية القائمة لإنتاج ??? من إجمالي استهلاك الكهرباء؛ أيْ ??? ألف ميجاواط. وبحساب بسيط لنسبة هذه الأرقام تتضح ضرورة وجود مساحة ?? تريليون متر مربع أو حوالي ?? ألف ميل مربع. وبالوضع في الاعتبار المسافة بين وحدات الخلايا الفولتضوئية وتوفير المساحة للمعدات الإضافية المساعدة ومركبات الخدمة وموصلات وناقلات الكهرباء المجاورة، يمكن للمرء أن يضاعف بإنصافٍ المساحةَ المطلوبة لتصبح ?? ألف ميل مربع؛ أيْ ما يعادل مساحة ??? من إجمالي مساحة ولاية نيو مكسيكو مثلًا. بالتأكيد ليست المساحة المطلوبة أمرًا تافهًا، لكن ربما تتحسن الصورة العامة إذا كان من الممكن وضع جامعات الأشعة في مناطق صحراوية فقط؛ حيث يمكن توقُّع أن ينتج الإشعاع الساقط أكثر من ?? واط/م?، أو إذا زيدت كفاءة الجامعات في تحويل الطاقة زيادة كبيرة. وبافتراض حدوث هذه التحسينات، ستظل الخطط في حاجة إلى الوضع في الاعتبار تكاليف نقل الطاقة لمسافات طويلة للمستهلكين. إذا ركزنا اهتمامنا بدلًا من ذلك على منزل يتضمن مثلًا ???م? من مساحة السطح المفيدة، فإن مقدار الطاقة نفسه البالغ ?? واط/م? يمكن أن ينتج ? كيلوواط من الكهرباء؛ أيْ ما يكفي لتلبية الطلب الشهري للمنزل الأمريكي المتوسط من الكهرباء؛ ومع ذلك، هذا التقدير الشهري هو متوسط الاستهلاك على مدى النهار والليل، ووقت هطول المطر وسطوع الشمس، ولن يكون كافيًا في أوقات ذروة الطلب عندما يجب اللجوء إلى المصادر التكميلية. بطريقة أو بأخرى كل مصادر الطاقة المتجددة متقطعة، وهذا يؤدي بنا إلى الفصل السادس؛ حيث سنولي الاهتمام إلى خيارات تخزين الطاقة. (?) الطاقة النووية

ذكرنا سابقًا أن الطاقة النووية ليست متجددة بشكل كامل؛ إذ إن إمدادات اليورانيوم محدودة، ولكنْ أيًّا كانت الفئة المناسبة لتصنيفها، فإن للطاقة النووية بعض المزايا الواضحة من بين السبل الممكنة لتوليد الكهرباء. ولما كانت محطات الطاقة النووية لا تحرق وقودًا هيدروكربونيًّا، فإن تشغيل هذه المحطات لا يُنتج ثاني أكسيد الكربون نهائيًّا. وعلاوة على ذلك، الطاقة النووية تقنية معروفة؛ ففي فرنسا يأتي نحو ??? من إجمالي الكهرباء المولَّدة من محطات نووية، وفي الولايات المتحدة يُنتِج أكثر من مائة مفاعل نووي تجاري ما يقرب من ??? من الطاقة الكهربائية في البلاد في الوقت الراهن. وعلى الرغم من ذلك، لم يُقدَّم طلبٌ لبناء محطة نووية جديدة أو لم تُبنَ أيُّ محطات في الولايات المتحدة منذ أكثر من ثلاثة عقود. وكان غياب أيِّ تحركات جديدة في هذا الشأن استجابة لزيادة تكاليف البناء، فضلًا عن تصاعد المخاوف من مخاطر الإشعاع في أعقاب حادث جزيرة ثري مايل عام ???? في الولايات المتحدة وانفجار عام ???? في تشيرنوبل بأوكرانيا. وإضافة إلى ذلك، تَواصل عدم الارتياح إزاء التخزين الحالي للنفايات النووية فوق الأرض، والذي يحدث حاليًّا في مواقع متعددة منتشرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وقد تأجل لعقود اقتراح بتوحيد المواقع في موقع واحد تحت الأرض في جبل يوكا في نيفادا، بسبب الشكوك الجيولوجية وتوقعات الأداء المتغيرة والمعارضة السياسية هناك.28 والآن، بعد إنفاق نحو ?? مليارات دولار على دراسات تقييم المخاطر، يظهر من خطط الميزانية الفيدرالية لعام ????29 أن استراتيجية جديدة للتخلص من النفايات النووية سوف تحل محل الفكرة السابقة باستخدام موقع جبل يوكا. واليوم، مع تصاعد القلق العام بشأن الاحترار العالمي، ربما ندخل فترة من النهضة النووية.30 ففي عام ???? كان لدى اللجنة التنظيمية النووية طلبات للحصول على إذن لبناء ?? محطة جديدة، وقدَّمَ الكونجرس ضمانات قروض وتأمينًا ضد التأخيرات التنظيمية. مع ذلك، لا يزال تنفيذ مثل هذه الضمانات مصدرًا آخر للجدل، بسبب أن التأخيرات الطويلة وتجاوزات التكاليف في الماضي كانت شائعة في بناء المفاعلات.31 ومع وجود الضمانات الحكومية، فإن أيَّ خسائر للقطاع الخاص يجب أن تكون مغطاة من وزارة المالية الأمريكية. وعلى الرغم من هذا التذليل للعوائق، يجب الاعتراف بأن بناء محطات الطاقة النووية الجديدة يستغرق سنوات عديدة من التصميم إلى البناء حتى الانتهاء، وهذا السبيل كعلاج لاستخدام الوقود الحفري ليس إصلاحًا متوفرًا على المدى القصير، وينبغي أن يُنظر إليه على نحو صحيح كهدف على المدى المتوسط. كذلك يجري التخطيط لتوسيع القدرة النووية في الخارج، فأعلنت الصين عن خطط منذ ? سنوات للانتقال من قدرة ? جيجاواط إلى ?? جيجاواط بحلول عام ????؛ وزادت الصين في الوقت الحالي من النمو المتوقع في هذا المجال لتهدف إلى ?? جيجاواط بحلول عام ????، و??? جيجاواط بحلول عام ????. إذا حقَّقَ الصينيون أهدافهم لعام ????، فإنهم يقدِّرون أن الطاقة النووية ستظل لا توفر إلا نحو ??? من احتياجاتهم من الكهرباء، ولعلمها بالمخاطر المرتبطة بهذا المجال، طلبت الصين خبراء من الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أجل العمل فيها والمساعدة في التدريب.32(?) الطاقة الحرارية الأرضية

تحت الطبقة الرقيقة التي يعيش عليها البشر من كوكبنا يوجد عالم شديد السخونة، وكان كذلك من وقت نشأته حتى الوقت الحاضر. ويتوقف توفيره مصدرًا مستدامًا للطاقة على قدرتنا على الوصول إلى هذا المخزون الحراري الهائل، ولكنه في معظم المواقع معزول عنا بفعل قشرة عازلة. وفي الأماكن التي تكون فيها القشرة رقيقة أو مكسورة، بالقرب من حدود الصفائح التكتونية عمومًا، يمكننا أن نجمِّع الطاقة — وهذا ما نفعله بالفعل — عن طريق تمرير البخار أو الماء الساخن من خلال الخزانات الجوفية، واستخدام الطاقة لتشغيل مولدات كهرباء أو لتوفير التدفئة. كانت قدرة توليد الكهرباء في جميع أنحاء العالم من هذا المصدر في عام ???? حوالي ?? جيجاواط، وبلغت التدفئة الحرارية المقدرة ?? جيجاواط إضافية، وهما رقمان صغيران للغاية مقارَنةً بمصادر الوقود الحفري التقليدية.
وللوصول إلى جيوبٍ أعمق من الحرارة ومواقع في أماكن أخرى بعيدًا عن الحدود التكتونية، من الضروري الحفر خلال طبقات من الصخور والأرض، عادة لأعماق تبلغ عدة أميال تحت سطح الأرض. طُوِّرت هذه التقنيات لإنتاج البترول، ولكن تكاليف الحفر حتى الآن أثنت هذه المحاولات، وسيصبح الاستثمار فيما يُسمَّى «أنظمة حرارة الطبقات الجيولوجية المحفزة» أكثر جاذبيةً عندما تصبح أنواعُ الوقود الأخرى أكثر كلفةً، والحدُّ من انبعاث ثاني أكسيد الكربون أكثرَ إلحاحًا. في الواقع، توجد تركيزات من ثاني أكسيد الكربون في بعض الغازات الساخنة تحت القشرة الأرضية، ولكن يمكن إعادتها مرة أخرى إلى الثقوب نفسها التي خرجت منها. وفي أحد الأشكال المختلفة من هذا النهج، يُحقَن الماء المضغوط في عمق الأرض بهدف تكسير الصخور التي تحبس الحرارة تحت الأرض، ولكن ارتبطت هذه العملية بزلازل في المنطقة المحيطة. اضطر مشروع في سويسرا في عام ???? إلى التوقف عندما سُجلت عدة آلاف من الأحداث الزلزالية وشعر بها السكان خلال ? أيام من حقن المياه، وأغلق المشروع على نحو دائم في عام ???? استجابة لقرارات دراسة حكومية سويسرية.33 وقد أثار مشروع مماثل في عام ???? في ولاية كاليفورنيا34 المخاوفَ من الزلازل بين السكان؛ لأنه كان مصممًا للحفر إلى أكثر من ? ميل (???كم) تحت سطح الأرض. وفي أماكن أخرى، مثل نيوزيلندا وألمانيا، تسببت مشاريع الطاقة الحرارية الأرضية في هبوط الأراضي الحدودية. على الرغم من هذه الحكايات التحذيرية، فإن مزايا الطاقة الحرارية الأرضية كبيرة جدًّا؛ فالإمدادات لا تنضب تقريبًا، وهي متوفرة في جميع أوقات اليوم وطوال فصول السنة، وتكلفة الإنتاج منخفضة باستثناء الاستثمار اللازم للحفر الأولي. وقبل كل شيء، يَعِدُ هذا المصدر بالحد من عبء غازات الدفيئة الكلِّي، ولا يزال يوجد أمل أن ينجح التطبيق العملي في المناطق الأقل كثافةً سكانيةً.
(?) الانبعاثات غير المباشرة والتكاليف الخفية

الآثار الكاملة لأيِّ تغيير ليست واضحة دائمًا. على سبيل المثال، عندما كان مجلس موارد الهواء في كاليفورنيا في مهمة لتقييم إضافة الكحول إلى البنزين، لم تتحدد نتائج ما توصَّلوا إليه من خلال انبعاثات الكربون الناجمة مباشرة عن احتراق الوقود، بل بشكل حاسم من خلال تأثير ثانوي، وهو الانبعاثات التي جاءت من تحويل الأراضي الذي أعقب الضغوط الاقتصادية التي أوجدها الطلب الجديد على تخمير المحاصيل. تطلَّبَ التقييم الواقعي نظرةً شاملةً على الأمر في سياقه، كما تطلب التعرُّف على الآثار اللاحقة وغير المباشرة على التوازن العام للكربون. ويلزم إجراء تقييم مماثل لكلِّ خطوة مقترحة نحو التحكم في المناخ.
أُثِيرت نقطة ذات حساسية خاصة في هذا الصدد فيما يتعلق بالطاقة النووية.35 للوهلة الأولى، يبدو أن المفاعل النووي لا يُنتج ثاني أكسيد الكربون على الإطلاق، وأن انشطار اليورانيوم لا يُنتج سوى طاقة «نظيفة» في شكل بخار يُستخدَم لتشغيل توربينات؛ ومن ثَم تتولد الكهرباء. مع ذلك، يجب أن ندرك بالفحص الأدق للعملية بأكملها أن إنتاج اليورانيوم و/أو البلوتونيوم لا يخلو من مدخلات من الطاقة؛ أولًا لا بد من استخراج خام اليورانيوم من مصدره بالحفر، ثم يجب تركيز نظير اليورانيوم ??? عبر الانتشار الغازي في البداية، ثم باستخدام أجهزة الطرد المركزي العالية السرعة، وأخيرًا يجب تحويل اليورانيوم إلى كريات أكسيد وقضبان وقود مناسبة لإدخالها في قلب المفاعل. تتطلب كل خطوة من هذه الخطوات مدخلات من الطاقة، وفي بعض الحالات يُستخدم الوقود الحفري، وفي خطوات أخرى تُستخدَم الكهرباء المولدة بحرق الوقود الحفري. والتأثير المباشر بالتأكيد هو إطلاق ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ولكن حجم هذه الانبعاثات لم يوثق عمومًا، ربما بسبب ارتباطه باستخدام اليورانيوم في تصنيع الأسلحة؛ ونتيجة لذلك فإنه ليس من السهل تقديرها. أشارت هيلين كالديكوت إلى أن توليد الكهرباء من الطاقة النووية يُنتج ثلث ثاني أكسيد الكربون الذي تنتجه محطة تقليدية مماثلة في الحجم تحرق الغاز الطبيعي. ومع ذلك، حذرت من أنه سوف تظل هناك حاجة إلى نسبة أكبر من الوقود الحفري في المستقبل في الوقت الذي تنخفض فيه جودة خامات اليورانيوم المتوفرة. شكل ?-?: احتياطيات وموارد أكسيد اليورانيوم بالأسعار المختلفة.
مع ذلك، يظهر موضع شك آخَر في هذا المجال من إمكانية استعادة اليورانيوم من خلال إعادة معالجة الوقود المستنفد. وحتى الآن لم يكن ذلك جزءًا من بروتوكول المحطات النووية في الولايات المتحدة، مع أنه يحدث في دول أخرى، لا سيما فرنسا. وسوف تصبح إعادة المعالجة تلك جذَّابة على نحو متزايد عندما ترتفع تكلفة اليورانيوم المُنقَّى حديثًا، ولكن بالطبع هذا النمط من الاستعادة الكيميائية يتطلَّب أيضًا استثمارًا للطاقة. علاوة على ذلك، كما هي الحال مع الموارد الطبيعية الأخرى، فإن التكلفة تعتمد على سهولة التوافر. وعلى العكس، تصبح استعادة كميات إضافية ذات جدوى اقتصادية عندما ترتفع الأسعار. ونشرت وزارة الطاقة بيانات حول احتياطيات أكسيد اليورانيوم،36 ويبيِّن الشكل ?-? الاحتياطيات المؤكدة والمقدرة والمتوقعة لكلٍّ من التكاليف الثلاثة للرطل الواحد. وكنقطة مرجعية، تجدر الإشارة إلى أن سعر أكسيد اليورانيوم قد اختلف منذ عام ???? من الحد الأدنى البالغ ?? دولارات إلى الحد الأقصى البالغ ?? دولارًا للرطل الواحد. لا يُعبَّر دائمًا عن تكاليف تنفيذ التغيير مباشرة في صورة تكاليف بناء أو تكاليف تشغيل. فعلى سبيل المثال، أيُّ تغيير يتطلَّب زيادة في الطلب على مياه الري للزراعة أو مياه التبريد لتوليد الطاقة، سيكون عليه التعامل مع مشكلات إمدادات المياه. حسب الموقع، يمكن للنمو الكبير في الطلب أن يؤدي إلى نقص في المياه وتكاليف كبيرة حتى لو لم يُعبَّر عنها بصورة مباشرة بمصطلحات نقدية بسيطة. وأورد روبرت إف سيرفيس37 دراسات تفيد بأن إنتاج جالون من الكحول من خلال عملية تخمير الذرة يتطلب ?? جالونًا من مياه الري في المتوسط، وهذا يُترجَم إلى زيادة حاجة الري إلى ? مليار جالون على الأقل في اليوم الواحد، إذا أرادت مزارع الولايات المتحدة إنتاج محاصيل كافية لتلبية إنتاج الكحول وأنواع الوقود الحيوي المتقدمة الأخرى المنصوص عليها من الكونجرس. ولتوضيح هذه الأرقام في سياق، فإنه يمكن مقارنتها مع احتياجات المياه لوسائل توليد الطاقة الأكثر تقليدية: فمن أجل إنتاج كمية الطاقة نفسها، يتطلب الري في عملية إنتاج الإيثانول من الذرة ما لا يقل عن ?? مِثلًا من المياه التي تتطلبها محطة للطاقة تعمل بالغاز الطبيعي. هوامش

(1) Felicity Barringer, “With Billions at Stake, Trying to Expand the Meaning of ‘Renewable Energy’,” New York Times, May 25, 2009, p. A8.(2) US Department of Energy, Energy Information Administration (EIA), Annual Energy Review 2008, published June, 2009, Figure 10.1.(3) US Department of Energy, 2008 Renewable Energy Data Book, published July, 2009.(4) Michael Casey, “Dams Pose a Danger to Mekong Waterway,” Philadelphia Inquirer, May 24, 2009.(5) Glenn Hess, “BP and DuPont Plan ‘Biobutanol’,” Chemical and Engineering News, Vol. 84, No. 26, June 26, 2006, p. 9; also at http://green.blogs.nytimes.com/2009/07/16/biobutanol-creeps-toward-the-market/?scp=1-b&sq=biobutanol+BP&st=nyt.(6) Clifford Krauss, “Big Oil Warms to Ethanol,” New York Times, May 27, 2009, p. B1.(7) Harold Brubaker, “Sunoco Wins Ethanol-plant Bid,” Philadelphia Inquirer, May 25, 2009, p. C1.(8) David Pimentel and Tad W. Patzek, National Resources Reseach, Vol. 14, No. 1 (2005), pp. 65–76.(9) Thomas L. Friedman, “Trucks, Trains and Trees,” New York Times, November 11, 2009, p. A27.(10) Timothy Searchiger, Ralph Heimlich, R. A. Houghton, et al., “Use of U.S. Croplands for Biofuels Increases Greenhouse Gases through Emissions from Land-use Change,” science, Vol. 319, February 29, 2008, p. 1238.(11) Dan Charles, “Corn-based Ethanol Flunks Key Test,” science, Vol. 324, May 1, 2009, p. 587.(12) G. Philip Robertson, Virginia H. Dale, Otto C. Doering, et al., “Sustainable Biofuels Redux,” science, Vol. 322, October 3, 2008, p. 49.(13) John R. Regalbuto, “Cullulosic Biofuels—Got Gasoline?” science, Vol. 325, August 14, 2009, p. 822.(14) J. E. Campbell, D. B. Lobell, and C. B. Field, “Greater Transportation Energy and GHG Offsets from Bioelectricity than Ethanol,” science, Vol. 324, May 22, 2009, p. 1055.(15) US Department of Energy, Renewable Energy, Wind Powering America, http://www.windpoweringamerica.gov/wind_maps.asp.(16) Jad Mouawad, “Wind Power Grows 39% for the Year,” New York Times, January 26, 2010, p. B1.(17) US Department of Energy, Energy Information Administration (EIA), Office of Coal, Nuclear, Electric and Alternate Fuels, Wind Energy Update April 2010, http://www.windpoweringamerica.gov/pdfs/wpa_update.pdf-8031.5KB.(18) Robert Kennedy, Jr., “The New (Green) Arms Race,” Outreach (Copenhagen: Stakeholders Forum), December 7, 2009; also see Martin Jacques, When China Rules the World: the End of the Western World and the Birth of a New Global Order (New York: Penguin Press, 2009).(19) S. H. Salter, “Wave Power,” Nature, Vol. 249, 1974, p. 720.(20) Jeff Scruggs and Paul Jacob, “Harvesting Ocean Wave Energy,” science, Vol. 323, February 27, 2009, p. 1176.(21) Andrew Maykuth, “PSE&G Plan Takes Solar Energy Public,” Philadelphia Inquirer, July 30, 2009, p. 1.(22) Michael Scott Moore, “Germany’s Fine Failure,” Miller-McCune, Vol. 2, No. 4, p. 15.(23) Diane Mastrull, “A Solar Investment,” Philadelphia Inquirer, November 15, 2009, p. C1.(24) Greg Nemet, IIASA Annual Report for 2008, http://www.iiasa.ac.at.(25) K. Zweibel, J. Mason, and V. Fthenakis, “By 2050 Solar Power could End US Dependence on Foreign Oil and Slash Greenhouse Gas Emissions,” Scientific American, Vol. 298, No. 1, 2008, pp. 64–73.(26) National Research Council, Critique of the Sargent and Lundy Assessment of Cost and Performance. Forecasts for Concentrating Solar Power (Washington, DC: National Academies Press, 2002).(27) Richard M. Swanson, “Photovoltaics Power Up,” science, Vol. 324, May 15, 2009, p. 891.(28) Rodney C. Ewing and Frank N. von Hippel, “Nuclear Waste Management in the United States—Starting Over,” science, Vol. 325, July 10, 2009.(29) Office of Management and Budget, A New Era of Responsibilities: Renewing America’s Promise, (Washington, DC: Government Printing Office, 2009), pp. 63–5, http://www.whitehouse.gov/omb/assets/fy2010_new_era/Department_of_Energy.pdf.(30) Matthew L. Wald, “Nuclear Power may be in Early Stages of a Renewal,” New York Times, October 23, 2009, p. B3.(31) Matthew L. Wald, “Loan Program may Stir Dormant Nuclear Industry,” New York Times, December 23, 2009, p. B1.(32) Keith Bradsher, “China, Rushing into Reactors, Stirs Concern,” New York Times, December 10, 2009, p. 1.(33) James Glanz, “Quake Threat Leads Swiss to Close Geothermal Project,” New York Times, December 11, 2009, p. A12.(34) James Glanz, “In Bedrock, Clean Energy and Quake Fears,” New York Times, June 24, 2009, p. 1.(35) Helen Caldicott, Nuclear Power is Not the Answer (New York: The New Press, 2006).(36) US Department of Energy, Energy Information Administration (EIA), Annual Energy Review 2008, Figure 4.13.(37) Robert F. Service, “Another Biofuels Drawback: the Demand for Irrigation,” science, Vol. 326, October 23, 2009, p. 516.
الفصل السادس
تخزين الطاقة


في دراستنا للمصادر المحتملة للطاقة المتجددة ظهرت ملاحظة مقلقة كانت سمة في جميع البدائل تقريبًا، باستثناء طاقة المد والجزر: كانت المصادر متقطعة. فلأن نصف العالم يكون في ظلام لنصف اليوم، فلا توجد طاقة شمسية تحصد حينها حتى لو كانت السماء صافية، وسيكون انقطاع الطاقة ملموسًا أيضًا خلال ساعات النهار في الأيام الممطرة أو الغائمة. وبالمثل، ستنخفض طاقة الرياح أو تنقطع تمامًا عندما تقل سرعة الرياح على نحو كبير. أحد سبل علاج هذا النقص يتمثَّل في نقل الطاقة لمسافات كبيرة من الأماكن التي تتوفر فيها إلى تلك الأجزاء من العالم التي تحتاج إليها، ولكن هذه الفكرة تفترض أن تكاليف النقل ليست باهظة. إن الاستثمارات اللازمة في بعض المواقع لتركيب الأبراج وخطوط الكهرباء لنقل الكهرباء يمكن أن تصل إلى ? ملايين دولار للميل الواحد، وهي تكلفة ضخمة في التقييم العملي لطواحين الهواء أو أجهزة الطاقة الشمسية التي يجب أن تُوضَع بعيدًا عن المراكز السكانية حيث تتوافر الشمس والرياح الكافيتان.
لا تزال هناك قيود أخرى تنشأ عن تبني الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة المتجددة. أولًا: تُطلب الطاقة القابلة للاستخدام في أوقات محددة، ولكن ليس دائمًا عندما تكون متوفرة، ويجب إمداد هذا الاستخدام في ذروته من مصادر تكميلية يمكن الاستفادة منها في وقت قصير. ثانيًا: تجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من استخدام الطاقة لدينا يكون للسيارات والقطارات والطائرات والسفن، وفي المستقبل المنظور ستتطلب هذه الأسواق وقودًا متنقلًا، عادة في شكل سائل وليس توفيره مباشرة من مصادر الطاقة المتجددة. وتشير كل هذه الاعتبارات إلى اتجاه واحد: توجد حاجة ملحة للاحتفاظ بالطاقة مخزَّنةً، لإبقائها في محبس مؤقت من شأنه أن يتغلب على قيود تقطُّع المصدر وتلبية ذروة الطلب ومتطلبات النقل. وعلاوة على ذلك، إذا كانت الطاقة المحولة إلى مخزون يمكن نقلها مثل الطاقة الكهربائية خلال أوقات غير الذروة، فإن الحمل المخفَّض على خطوط الكهرباء خلال أوقات الذروة سيسمح بقدرة نقل أقل وتحقيق توفير مُصاحب لذلك في تكاليف الاستثمار.
سوف نتناول في هذا الفصل مجموعة متنوعة من خزانات الطاقة. إن العديد من بدائل التخزين تأتي في أشكال كيميائية؛ أيْ إنه مهما كانت الطاقة التي نرغب في تخزينها، فإنها سوف تستخدم لتكوين مواد كيميائية يمكن استخراج الطاقة منها في وقت لاحق. وربما تظهر الطاقة المستعادة في شكل كهرباء من بطارية أو خلية وقود، أو يمكن الحصول عليها في شكل حرارة من احتراق وقود سائل أو غازي. ومن أجل بعض الأغراض، من المفيد تخزين الطاقة في شكل طاقة كامنة، إما عن طريق إنشاء خزان مياه كبير في مكان مرتفع، أو عن طريق تخزين الطاقة في شكل هواء مضغوط، وفي كلتا الحالتين ستستخرج الطاقة المخزنة من خلال تشغيل توربينات أو آلات أخرى ذات فائدة مباشرة. ولاحقًا في هذا الفصل، سوف نتناول التخزين في شكل طاقة حرارية في سائل ساخن. يمكن أن يكون السائل عبارة عن أيِّ ناقل للحرارة، ولكن الاقتراحات المطروحة عادة هي تسخين الماء أو الملح المنصهر. وأخيرًا، فإننا سوف نستكمل الدراسة في هذا الفصل بإضافة إشارة إلى جهاز بديل آخَر، وهو الحدافة (أو دولاب الموازنة) التي يمكن استخدامها لتخزين الطاقة في شكل طاقة حركية.
(?) البطاريات وخلايا الوقود

البطاريات مألوفة في الاستخدام اليومي؛ إذ تُستخدَم لتشغيل السيارات وتوفير الطاقة للمصابيح اليدوية والألعاب وساعات اليد وأجهزة الكمبيوتر والهواتف، وتُستخدَم في عدد لا يحصى من التطبيقات المنزلية والنقل. والبطاريات عبارة عن أجهزة كيميائية تخزن الطاقة الكهربائية، ولكننا عادة لا نفكر في حدود التخزين فيها إلا عندما تنفد طاقتها. فعلى النطاق الصغير، في الساعات والمصابيح اليدوية، من الشائع التخلص من البطارية واستبدالها عندما تفقد شحنتها، وهذا ينجح لأننا نستفيد أحيانًا من هذه البطاريات الصغيرة لسنوات، وهي الفترة التي يكون فيها معدل سحب الطاقة صغيرًا مقارَنةً بقدرتها المشحونة بالكامل. من ناحية أخرى، يوجد الكثير من البطاريات التي يجب إعادة شحنها بصورة دورية من أجل تقديم الخدمة العملية، كما هي الحال — على سبيل المثال — مع الهواتف المحمولة وأجهزة الراديو المحمولة والحواسيب المحمولة، وكذلك مع بطاريات الرصاص الحمضية المعروفة في السيارات والتي يعاد شحنها تلقائيًّا عندما يقود السائق السيارة.
تشترك جميع البطاريات في وجود قطبين؛ أنود (القطب الموجب) وكاثود (القطب السالب)، ولكنها تختلف في استخدام مواد كيميائية مختلفة للأنود والكاثود، وكذلك للموصل الذي يعمل على نقل الشحنات بين القطبين. وكل مجموعة لها خصائصها، وهي قادرة على توفير مزايا محددة في تطبيقات معينة، ولتوضيح هذه النقطة فإنه من المفيد إلقاء نظرة على مجموعة من المواد التي دُرست باعتبارها مرشحة كبطاريات للسيارات الكهربائية والسيارات الهجينة. وإضافة إلى تكاليف المواد والتصنيع اللازمة لوزن وحجم معينين من البطاريات التي يمكن حملها، توجد ثلاثة متطلبات أساسية أخرى: نطاق مقبول من مسافات التنقل بين مرات إعادة شحن البطارية، والقدرة على تسريع كافٍ للسيارة عند الحاجة لذلك، وعدد مقبول من دورات الشحن والتفريغ وإعادة الشحن قبل أن تصبح البطارية عديمة الفائدة. وترجمة هذه التوقعات إلى مواصفات تصميمية سوف يتطلب: (?) أن تكون المسافة المقطوعة بين كل عمليتَي شحن حوالي ??? ميل (???كم) على الأقل، و(?) أن تكون البطارية المثبتة قادرة على توليد حوالي ??? واط لكلِّ كيلوجرام من الوزن، و(?) أن يكون عدد دورات الشحن أكبر من ألف مرة مما يمكن أن يجعل عمر البطارية ? سنوات على الأقل.
وتظهر هذه الخصائص في الجدول ?-? لخمسة أنواع من البطاريات التي كانت مرشحة للاستخدام في السيارات. وتُعَدُّ بطارية الرصاص الحمضية المعيارية المألوفة نقطة انطلاق جيدة؛ فهي مقبولة فيما يتعلق بالتسارع، وربما نقبل بعدد دورات الشحن، لكنها ثقيلة للغاية في مقابل الطاقة التي تنتجها، ولن تكون مقبولة في سيارة تعمل بالكهرباء فقط؛ لأنها ستحتاج إلى إعادة شحنها بعد نحو ??? ميلًا (??? كيلومترات) فقط. أما مزيج النيكل والكادميوم فيتحمل عددًا أكبر من دورات الشحن، ولكنه فشل أيضًا في تقديم نطاق المسافات المطلوب. ويمكن لمزيج الصوديوم والكبريت أن يفي بالمسافة المطلوبة، ولكن تندرج المادتان تحت المواد المسبِّبة لخطر الاشتعال إذا تعرَّضَتَا للهواء على نحو عرضي. أما بطاريات هيدريد النيكل المعدني وبطاريات ليثيوم أيون فتتحمل كلتاهما عددًا كبيرًا من دورات الشحن وتتمتع بإمكانية معززة للتسارع؛ مما يجعل هذه البطاريات مرشحًا جيدًا لمتطلبات السيارة الهجينة التي تستخدم محرك بنزين لإعادة شحن بطاريتها على نحو دوري. جدول ?-?: البطاريات المرشَّح استخدامها في السيارات.
نوع البطاريةالمسافة المقدرة بالأميال في الشَّحنة الواحدةالتسارع النسبي (واط/كجم)عدد دورات إعادة الشحنبطارية الرصاص الحمضية?????????بطارية النيكل والكادميوم??????????بطارية الصوديوم والكبريت?????????بطارية هيدريد النيكل المعدني (للسيارة بريوس قبل ????)??????????بطارية ليثيوم أيون (للسيارة بريوس بعد ????)??????????
متطلبات الوزن والحجم لها الأهمية نفسها في اختيار البطارية؛ فبطارية مزيج هيدريد النيكل المعدني أصغر بكثير في الحجم من بطارية الرصاص الحمضية أو بطارية النيكل والكادميوم، وبطارية الليثيوم أيون أصغر حجمًا وأخف وزنًا من منافسيها. في الواقع، كانت بطارية هيدريد النيكل المعدني الخيارَ التجاري في سيارة تويوتا بريوس حتى نماذج ???? على الأقل، وأعلنت جنرال موتورز وتويوتا خططًا لإنتاج عدد صغير من المَرْكبات التجارية بعد عام ???? ستعتمد على بطارية ليثيوم أيون.
يوجد شكل مختلف في موضوع طاقة السيارات الهجينة، هو نوع من السيارات الكهربائية يُسمَّى السيارات الهجينة التي تُوصَّل بالكهرباء. والهدف هنا هو تسيير السيارة قدر الإمكان من خلال البطارية، وعدم استخدام محرك البنزين كمصدر للطاقة إلا إذا كانت هناك حاجة لطاقة إضافية أو عندما تكون إعادة الشحن غير عملية. عادة، ستُشحن البطارية بانتظام، وربما كل ليلة عندما تكون تكاليف الكهرباء أقل. وأَعلنت العديد من شركات صناعة السيارات خططًا لإمداد السوق بعشرات الآلاف من هذه السيارات في السنتين أو الثلاث سنوات القادمة، ولكن يبقى أن نرى هل سيكون المستهلكون على استعداد لدفع التكاليف الأولية الإضافية لهذه المَركبات أم لا. وتدعي تويوتا أن سيارتها بريوس، التي تُوصَّل بالكهرباء والتي تستخدم بطارية ليثيوم أيون، ستقطع مسافة ???? ميلًا (?? كيلومترًا) بشحنة واحدة قبل أن تتحول إلى الأداء الهجين التقليدي، وفي هذا الاستخدام تتوقع تويوتا قطع ??? ميلًا (??? كيلومترًا) للجالون الواحد من البنزين.1 يقدر تحليل قام به المجلس القومي للبحوث أن وضع سياسة حكومية لتشجيع شراء السيارات الهجينة الجديدة التي توصل بالكهرباء سوف يتطلَّب دعمًا كبيرًا يصل إلى مئات المليارات من الدولارات،2 ولكن بالطبع ستتغير الصورة تمامًا إذا ما أثمرت الجهود البحثية الحالية عن بطاريات خفيفة الوزن ذات تكلفة منخفضة وكثافة طاقة عالية جدًّا. وهذه النتيجة هي الهدف الطويل المدى للتعاون بين وكالة الطاقة لمشاريع البحوث المتقدمة (أربا إي) ووزارة الطاقة الأمريكية والقطاع الخاص متمثلًا في اتحاد صناعة بطاريات السيارات الأمريكي. وكان التمويل الذي حصل عليه هذا العمل في عام ???? جزءًا من حزمة تدابير التحفيز البالغة ??? مليار دولار التي خصصها الكونجرس. في استعراض ما يرتبط بهذا الجهد من آمال وشكوك، من المفيد أن نتذكر الثمرات التي يمكن توقُّع جَنْيِها من التحول نحو اعتماد أكبر على البطارية وأقل على محرك البنزين. أولًا، بما أن توليد الكهرباء يحدث في محطات كبيرة لتوليد الطاقة، فإنه تتوفر ميزة العدد الأقل من أماكن العمل في مقابل ملايين المنابع للسيارات. هذه المركزية تسمح باستخدام الوقود الحفري الأقل إنتاجية نسبيًّا لغازات الدفيئة، وستوفر أماكن يمكن فيها إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغازات السائلة من أجل عزله، إذا أثبتت هذه التقنية جدواها، وسوف يتناسب ذلك جيدًا مع أيِّ خطط توسُّع للطاقة النووية. وعلاوة على ذلك، أيُّ كهرباء تولدها تقنيات الطاقة المتجددة يمكن أن تلبِّي احتياجات النقل لدينا من خلال إدخالها مباشرة في الشبكة الكهربائية؛ وعلى القدر نفسه من الأهمية، فإن المنافع السياسية والاقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط المستورد ستكون عظيمة.
(?) الغاز التركيبي والوقود السائل

لا نحتاج — بالنسبة لبعض التطبيقات — لتحويل أشكال الطاقة الأخرى إلى وقود فحسب، ولكن نحتاج أيضًا لتحويلها إلى وقود سائل؛ وذلك من أجل وسائل النقل على نحو أكثر تحديدًا. نحتاج إلى هذا الوقود للسيارات والطائرات في الوقت الراهن، وسوف نظل بحاجة إليه في المستقبل المنظور على الأقل. ذكرنا بالفعل إنتاج الكحول عن طريق تخمير السكر أو الذرة أو غيرها من المحاصيل غير الغذائية، وكذلك ذكرنا مزاياه وعيوبه، وسننتقل الآن إلى نهج بديل يقوم على خليط وسيط من الغازات يُسمَّى «الغاز التركيبي».
الغاز التركيبي هو خليط من غاز أول أكسيد الكربون (الصيغة الكيميائية: CO) والهيدروجين (الصيغة الكيميائية: H2)، يَنتج إما عن طريق تفاعل كيميائي مع البخار أو بواسطة الأكسدة الجزئية لأيِّ مركب عضوي من مجموعة كبيرة من المركبات العضوية، وذلك باستخدام مواد خام مثل الفحم أو الغاز الطبيعي أو الهيدروكربونات الموجودة في أحد المنتجات النباتية التي نطلق عليها الكتلة الحيوية. على سبيل المثال، إذا كان الميثان في الغاز الطبيعي (الصيغة الكيميائية: CH4) هو المادة الخام، يتشكَّل الغاز التركيبي من خلال تفاعل الأكسدة الجزئية:3ميثان + أوكسجين هيدروجين + أول أكسيد كربون
ويمكن أن يوفر حرق بعض مصادر المواد الهيدروكربونية الطاقةَ اللازمة لهذا التفاعل، ولكن التكلفة ستكون زيادة ثاني أكسيد الكربون المنبعث.
في تفاعل كيميائي لاحق يمكن تحويل الغاز التركيبي إلى أيِّ وقود سائل من مجموعة متنوعة من الوقود السائل، وهذا يتوقف على المادة المحفزة ودرجة الحرارة وظروف الضغط المختارة لحوض المفاعل. أفضل العمليات المطبقة لذلك الأمر هي عملية فيشر-تروبش، التي سُمِّيت باسم مخترعَيْها، اللذين اخترعاها في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. وبسبب تكاليف الإنتاج، فإن طريقة فيشر-تروبش غير عملية حتى الآن إلا في ظروف خاصة؛ فخلال الحرب العالمية الثانية استخدمت ألمانيا الفحم لتغذية عملية فيشر-تروبش عندما قُطعت المصادر النفطية الأخرى. وفي جنوب أفريقيا خلال فترة التمييز العنصري، كانت عملية فيشر-تروبش المعتمدة على الفحم والغاز الطبيعي أساس إنتاجهم التجاري لوقود الديزل. من ناحية أخرى، لم تكن هذه العملية حتى الآن تنافسية مع التصنيع المعتمد على النفط، ويمكن أن تصبح جذابة مرة أخرى إذا أصبحت المحاصيل غير الغذائية مصادر طاقة مهمة و/أو أُنتج الهيدروجين باستخدام الطاقة المتجددة على نحو لا يؤدي إلى زيادة عبء ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
ويوضح الشكل ?-? شكلًا بيانيًّا مصوَّرًا لأحد المصانع التي ستستخدم الفحم أو الغاز الطبيعي أو الكتلة الحيوية لإنتاج الوقود السائل عن طريق الغاز التركيبي الوسيط.4 ويمثِّل المربع المكتوب فيه «تغويز» جميع الخطوات الفرعية التي تنتج الغاز التركيبي الوسيط، وكذلك الإنتاج الثانوي لغاز ثاني أكسيد الكربون. وثمة خطوة إضافية لإزالة الشوائب من تيار الغاز وفصل ثاني أكسيد الكربون من أجل عزله (لم تُطبَّق بعدُ في صورة مجدية تجاريًّا). و«مفاعل عملية فيشر-تروبش» مع عملية التنقية اللاحقة يُكمل التحويل إلى وقود سائل صالح للاستعمال. بطبيعة الحال، ستتطلب كل خطوة من خطوات التصنيع الشامل تطورات مفصلة لعمليات الهندسة الكيميائية، بما في ذلك تنقية الغاز قبل التفاعل وعملية فصل النواتج اللازمة بعد التفاعل، وجميعها تسهم على نحو رئيسي في التكلفة العالية نسبيًّا لهذه العملية التصنيعية. ويوضح الشكل نفسه أيضًا استخدامًا بديلًا للغاز التركيبي، وهو استخدام الغاز لتصنيع البنزين من خلال عملية «موبيل» بواسطة كحول الميثيل (الميثانول) الوسيط، وسوف يعتمد المسار المفضل على الظروف الاقتصادية في وقت معين ومكان معين. شكل ?-?: صنع الوقود السائل عن طريق الغاز التركيبي.
في تحوُّل حادٍّ عن التقنيات التي تستخدم البترول أو الكتلة الحيوية كمواد أولية، عرضت وزارة الطاقة دعم برنامج بحثي جديد لاستكشاف نهج بديل لصنع وقود النقل السائل.5 والهدف هو استخدام «الكائنات الدقيقة لتسخير طاقة كيميائية أو كهربائية لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى وقود سائل.» النجاح في هذا المسعى قد يكون بعيدًا جدًّا، ولكن الفوائد ستكون كبيرة جدًّا، بما في ذلك — من بين أمور أخرى — القدرةُ على إعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون المنبعث من احتراق الوقود التقليدي. (?) غاز الهيدروجين

لعدة عقود، حلم البعض بتطبيق «اقتصاد الهيدروجين»، من أجل تخزين الطاقة باعتباره غازًا أوليًّا قابلًا للاحتراق، واستخدام الغاز لكلِّ احتياجاتنا من الصناعة إلى النقل. ولما كان احتراق الهيدروجين ينتج المياه كمنتج وحيد للعملية، فإنه يبدو للوهلة الأولى أنه الحل غير الملوِّث لمشكلتَيْ إمدادات الوقود والاحترار العالمي. ولكن بما أن الهيدروجين لا يوجد إلا في المركبات الكيميائية ولا يوجد في حالته الغازية حرًّا، فإن أيَّ تقييم دقيق لهذه الاحتمالات يجب أن يدرس كيفية تصنيع غاز الهيدروجين. يعتمد أسلوب الإنتاج الحالي على تفاعل البخار مع المصادر الهيدروكربونية من النفط أو الغاز الطبيعي. على سبيل المثال، إذا استخدمنا الغاز الطبيعي، فإن التفاعل يُسمَّى «إعادة التشكيل بالبخار»:ميثان + مياه هيدروجين + أول أكسيد الكربون
ولإنتاج المزيد من الهيدروجين، يُتبع هذا التفاعل بما يُسمَّى «تفاعل إزاحة غاز الماء»، والذي يستخدم بخارًا إضافيًّا ليتفاعل مع أول أكسيد الكربون الناتج من الخطوة الأولى:أول أكسيد الكربون + ماء هيدروجين + ثاني أكسيد الكربون
تُنتج هذه العملية الصناعية بالغةُ الكفاءة ملايينَ من الأطنان من غاز الهيدروجين كل عام، ولكن من المهم أن نؤكد أنها تنتج أيضًا ثاني أكسيد الكربون بالقدر نفسه الذي ينتجه حرق الغاز الطبيعي مباشرة كوقود. ولُخصت الصيغ الكيميائية لإعادة التشكيل بالبخار وتفاعل إزاحة غاز الماء في الجدول ?-? بهدف الرجوع إليها. جدول ?-?: المعادلات الكيميائية في تصنيع الهيدروجين.
ميثان + ماء هيدروجين + أول أكسيد الكربونأول أكسيد الكربون + ماء هيدروجين + ثاني أكسيد الكربون
في ضوء هذا الإنتاج لثاني أكسيد الكربون، من الواضح أنه ما دام الهيدروجين يُصنع من المواد الخام الهيدروكربونية، فإن استخدامه ليس علاجًا للاحترار العالمي. وعلاوة على ذلك، بما أننا لدينا بالفعل نظام ممتاز لنقل الغاز الطبيعي، فلا توجد فائدة متوقعة من اقتصاد يعتمد على الهيدروجين ما لم تُكتشف وسيلة كفءٌ لصنع غاز الهيدروجين لا تعتمد على المواد الهيدروكربونية.
إذا أردنا عدم استخدام المصادر الهيدروكربونية للحصول على الهيدروجين، فإن المصدر المستهدف الواضح هو الماء، والذي يمكن تقسيمه إلى عناصره (الهيدروجين والأكسجين) عن طريق التحليل الكهربي: الماء (سائل) الهيدروجين (غاز) + أكسجين (غاز)
يمكن إنتاج الكهرباء اللازمة من محطة للطاقة النووية أو من أيِّ مصدر متجدد، سواء كان من طاقة المد، أو أشعة الشمس المباشرة، أو مشتقاتها في الرياح أو الأمواج أو المحاصيل غير الغذائية. هذا السيناريو يثير سؤالين؛ أولًا: ما مدى كفاءة عملية التحليل الكهربي؛ أيْ ما مقدار الطاقة الكهربائية المتاحة الذي يُخزن فعليًّا في الهيدروجين الناتج؟ وثانيًا: هل توجد وسيلة أفضل لتخزين الطاقة الكهربائية من تخزينها في غاز الهيدروجين؟
بالنسبة لمسألة الكفاءة، فمن المسلَّم به عمومًا أنه مع التكنولوجيا الحالية لا يحوِّل التحليل الكهربي للماء ما يكفي من الطاقة الكهربائية إلى طاقة كيميائية في الهيدروجين ليكون مُجديًا اقتصاديًّا. فالطاقة الكهربائية المفقودة تضيع في صورة حرارة، وأرقام التحويل المذكورة عادة ما تكون في حدود ??–???؛6 إذ لا يتم إدراج الطاقة المفقودة في توليد الكهرباء. وتعتمد النتائج بشكل كبير على المحفِّز المستخدم للأنود والكاثود في خلية التحليل الكهربي، ويستخدم التطبيق الحالي سبائك البلاتين لهذا، ولكن يوجد أمل للتحسن إذا أمكن اكتشاف أسطح محفزة أفضل. إحدى الميزات الجذابة للهيدروجين كوقود هي السهولة النسبية التي يمكن أن يتأكسد بها في «خلية الوقود»، وهي الجهاز الذي يحوِّل الطاقة الكيميائية إلى كهربائية؛ أيْ يعكس في الواقع التغيير الحادث عن طريق التحليل الكهربي. يمكن أن تكون خلايا الوقود صغيرة بما يكفي لاستخدامها في السيارات أو في المنازل، مع أن تخزين غاز الهيدروجين قد يكون عاملًا مقيِّدًا. وبالنسبة لتطبيقات السيارات، يُزعم أنه يتم إجراء تحويلات تصل إلى ??–??? في تحويل الطاقة الموجودة في الهيدروجين إلى كهرباء،7 ولكن تعتمد التفاصيل على ظروف التشغيل ونوع خلايا الوقود المستخدمة. مرة أخرى، مواد تكوين الخلية حيوية وهذا يترك مجالًا للتفاؤل بشأن اتجاهات المستقبل، ولكن ما مدى بُعْد «المستقبل»؟ كذلك يجب على التقييم الواقعي لإمكانات إنتاج سيارة تعمل بالهيدروجين أن يتضمن السلبيات. ذكر تقييم من قِبَل وزارة الطاقة الأمريكية8 سلبيات مثل تكلفة خلايا الوقود للمركبات، وعدم القدرة على تخزين كميات كبيرة من الهيدروجين، وغياب وجود وسيلة لتوليد الهيدروجين لا تنتج ثاني أكسيد الكربون، وغياب البنية التحتية للتزود بالوقود على مستوى الدولة. وخلص تقييم وزارة الطاقة إلى أن مستقبل الهيدروجين يبعد بأكثر من ?? عامًا، وأنه نتيجة لذلك لا يستحق سوى أولوية منخفضة بين البدائل. (?) ضخ المياه أم ضغط الهواء

طالما كانت الطاقة الكهرومائية المثال الأكثر نجاحًا للطاقة المتجددة، ويمكن أيضًا للطاقة الكامنة المرتبطة بمصدر مياه على مستوًى مرتفع أن تُستخدَم لتخزين الطاقة التي تأتي من مصادر أخرى، وذلك ببساطة من خلال إنشاء بحيرة تخزين عن طريق الضخ من مستوًى منخفض إلى مستوًى أعلى. إن تكنولوجيا الضخ متقدمة للغاية، ويمكنها نظريًّا استخدام طاقة من أيِّ مصدر متجدد أو غير متجدد، ولكنها أكثر جاذبيةً لقدرتها على استخدام الطاقة المتجددة التي لا تعتمد على المصادر التقليدية المنتجة لثاني أكسيد الكربون.
ويمكن أيضًا تطبيق الفكرة ذاتها عن تخزين الطاقة في شكل طاقة كامنة في صورة تخزين الغاز المضغوط. فيمكن استخدام الطاقة المتاحة في أيِّ وقت من الأوقات، ومهما كان مصدرها لضغط الهواء. فعندما يُطلق الهواء المضغوط من خلال توربين أو آلة أخرى، فإن تدفق الهواء يحول الطاقة الكامنة إلى طاقة حركية، ثم إلى الطاقة الكهربائية أو الحركة الميكانيكية المطلوبة. ومن أجل تخزين كبير للطاقة يجب أن تكون غرفة الضغط هيكلًا جيولوجيًّا تحت الأرض مثل منجم ملح مستنفد أو حقل غاز طبيعي مستنفد، والتي تتنافس على المساحة مع العزل المقترح لثاني أكسيد الكربون. ومع ذلك، على الجانب الإيجابي، يتفوق الهواء المضغوط تحت الأرض على مستودعات المياه بميزة أنه لا يؤثر على السكان المحليين أو النظام البيئي فوق سطح الأرض، وثمة ميزة أخرى هي الحد من استخدام الوقود الحفري، وذلك على النحو التالي: عندما يتحرر الهواء المضغوط يبرد بينما يتمدد، فيجب رفع درجة حرارته قبل أن يدخل التوربينات. ويتحقق هذا بسهولة عن طريق خلط الهواء بالغاز الطبيعي وإشعال الخليط، ثم تستخدم نواتج الاحتراق الساخنة لتشغيل التوربينات بطريقة تقليدية، ولكنها توفر حوالي ثلثي الوقود الحفري الذي كان سيستخدم لتوليد كمية الكهرباء نفسها.
عند تناول التجهيزات الجديدة من المفيد إجراء مقارنات مع الخيارات المألوفة الموجودة. أحواض الضغط عمومًا تعيش لفترة مفيدة أطول من البطاريات، وتُصنع من مواد غير سامة، ومع ذلك، فصنْعها أكثر تكلفة لكلِّ وحدة لتخزين الطاقة. وللاستخدام عندما تتوفر كثافة ثابتة من الإمدادات، تفضل البطاريات على الهواء المضغوط؛ وذلك لأن البطارية تعمل بتيار ذي جهد ثابت، في حين أن خزان الهواء المضغوط يفقد الضغط عندما يتحرَّر الهواء. من ناحية أخرى، يمكن تقديم الطاقة من الهواء المضغوط بسرعة أكبر، وهي ميزة حيوية عندما تكون السرعة مفضلة.
شكل ?-?: رسم تخطيطي يبين كيف يمكن للطاقة الشمسية أن تنتج الكهرباء عن طريق التخزين الحراري الوسيط في الملح المنصهر (المصدر: برنامج تركيز الطاقة الشمسية في مختبرات سانديا الوطنية).
حتى الآن لا يوجد إلا نظام كبير واحد لتخزين الطاقة في الهواء المضغوط، موجود منذ عام ???? في مكينتوش بألاباما بقدرة ??? ميجاواط. ومن المتوقع وصول دعم من وزارة الطاقة في أواخر عام ???? لوحدات تخزين هواء مضغوط مقترحة، من شأنها أن تضاعف القدرة الحالية بأكثر من ثلاثة أمثال.
(?) المياه الساخنة أو الملح المنصهر

الحرارة الزائدة تحيط بنا في كل مكان؛ فالشمس ترفع درجة حرارة أسطح منازلنا وجميع الأسطح المكشوفة، والآلات بجميع أنواعها تشتِّت الحرارة جراء الاحتكاك، والثلاجات ومضخات الحرارة تنقل الطاقة الحرارية من الداخل إلى الخارج. والألواح الشمسية على السطح التي تضم أنابيب يمكنها تجميع الإشعاع الساقط من الشمس وتحويل الطاقة إلى مخزون حراري في صورة ماء ساخن، وتستخدم هذه التركيبات عادة لتوفير المياه الساخنة و/أو التدفئة في المنازل، وكذلك في المتاجر والمصانع. إذا كان يمكن تسخين الماء إلى درجة حرارة عالية بما فيه الكفاية ليكون بخارًا، يمكن استخدام النظام لتشغيل توربين وتوليد كهرباء على نطاق أوسع، ولكن هذا التركيب سيتطلب جامعًا عالي الضغط ومجموعة من المرايا لتركيز الإشعاع من منطقة واسعة على السطح الأصغر لجامع الأشعة. ويوجد شكل مختلف من هذا التطبيق يستخدم الملح المنصهر بدلًا من الماء كسائل للعمل عليه، من أجل تذليل الوصول لدرجة حرارة أعلى مناسبة تؤدي إلى تحويل أكثر كفاءة للكهرباء. ويوضح الشكل ?-? تمثيلًا مصوَّرًا لنظام الملح المنصهر.9 والعناصر الأساسية للنظام هي النطاق الكبير الذي يضم مرايا التركيز، وجامع الحرارة المركزي، وخطوط الملح المنصهر المنتشرة، وصهاريج التخزين، ومحوِّل الطاقة النهائية لاستخدام الحرارة لتشغيل المولد التوربيني. وما دامت خزانات السائل الناقل المسخَّن معزولة جيدًا، يمكن الاحتفاظ بالطاقة المخزونة لساعات أو أيام لتكون متاحة عند ارتفاع الطلب، حتى خلال الأوقات التي تنخفض فيها مصادر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. (?) الحدافة

على الرغم من عدم تطبيق ذلك على نطاق واسع، فإنه ينبغي الإشارة إلى إمكانية تخزين الطاقة في شكل طاقة حركة في عجلة دوَّارة. فأيًّا كانت الطاقة المتاحة (الكهرباء عادة) يمكن استخدامها لزيادة سرعة العجلة، ومن ثَم تُخزن في شكل طاقة حركية، وعندما يُراد استخراج الطاقة من جهاز التخزين هذا، فإنه يمكن ربطه بمولد كهربي أو أيِّ محرك ميكانيكي حسب الرغبة. أحد الأمثلة المثيرة للاهتمام على هذا الربط كان موجودًا في إيفردون بسويسرا لعقود عديدة في خط حافلة قصير المدى. توضع الحدافة على متن حافلة وتعمل مع العجلات عندما يتطلب الأمر تحركها، وتصل العجلة إلى سرعتها القصوى في كل محطة. يعمل النظام بنجاح لأن طريق الحافلة قصير، وتحتاج كل رحلة إلى مخزون قليل نسبيًّا من الطاقة. وفي هذا الصدد من المهم أن نلاحظ أن تكنولوجيا ألياف الكربون المركبة الحديثة جعلت من الممكن صناعة برامق عجلة خفيفة الوزن ذات قوة شد كبيرة للغاية؛ مما يجعل من الممكن الوصول لسرعات دوران أعلى، ومن ثَم زيادة كثافة تخزين الطاقة. وبما أن الطاقة المخزنة تزيد مع زيادة مربع سرعة الدوران، فإن هذه التغييرات لا بد أن تجعل من الحدافة شكلًا من أشكال التخزين الأكثر كفاءةً، ومن ثَم الأكثر جاذبيةً من الناحية الاقتصادية. وتشمل الوحدات التجريبية الآن محامل مغناطيسية وحجرات تفريغ للحد من الخسائر الناجمة عن الاحتكاك إلى الحد الأدنى، وأشير إلى أن استعادة الطاقة المخزونة يصل إلى ???.10 ولا تزال الطاقة المقدرة للوحدات القائمة صغيرة للغاية؛ إذ تصل إلى حدود ?? كيلوواط. وبالمقارنة مع غيرها من أجهزة تخزين الطاقة، فإن مزايا الحدافات الأساسية تتمثل في الاستجابة السريعة (في دقائق)، والعمر الطويل (لمدة عقود) مع دورات متعددة لدخول الطاقة وخروجها، وقلة الحاجة للصيانة. وبالمقارنة مع البطاريات — على وجه الخصوص — يمكن لتكنولوجيا الحدافة التغلُّب على أوجُه قصور البطاريات المتمثلة في القدرات المنخفضة وأوقات الشحن الطويلة.
هوامش

(1) Hiroko Tabuchi, “As Rivals Gain, Toyota Announces Plug-In Hybrid Prius,” New York Times, December 15, 2009, p. B5.(2) Jad Mouawad and Kate Galbraith, “Study Says Big Impact of the Plug-In Hybrid will be Decades Away,” New York Times, December 15, 2009, p. B5.(3) This translates into the chemical formula: SPECIAL_IMAGE-EPUB/Images/equation01.svg-REPLACE_ME
(4) Wikipedia article on synthetic fuel, http://en.wikipedia.org/wiki/Synthetic_fuel.(5) Jeffrey Mervis, “ARPA-E Puts Another $100 Million on the Table,” science, December 7, 2009, http://bit.ly/7xaug5.(6) Linus Pauling, General Chemistry, Section 15–2 (San Francisco: Dover Publications, 1970).(7) Fact sheet published by the Department of Energy (DOE) Energy Efficiency and Renewable Energy Information Center, “Hydrogen Fuel Cells,” http://www.hydrogen.energy.gov/pdfs/doe_h2_fuelcell_factsheet.pdf.(8) Robert F. Service, “Hydrogen Cars: Fad or the Future,” science, Vol. 324, June 5, 2009, p. 1257.(9) Figure 6.2 is from “Concentrating Solar Power Program at Sandia National Laboratories,” http://www.sandia.gov/Renewable_Energy/solarthermal/NSTTF/salt.htm.(10) Alan Ruddell, Storage Technology Report: WP-ST6 Flywheel (Didcot, UK: CCLRC-Rutherford Appleton Laboratory, June 17, 2003).
الفصل السابع
عملية التفاوض


أشرنا بالفعل إلى ضرورة وصول الدول داخل النظام الدولي إلى اتفاقات تعاون تحل المشاكل المرتبطة — أو على الأقل، تقلِّلها إلى حدٍّ كبير — التي تسبَّب فيها نظام الطاقة المعتمِد على الكربون والاحترار العالمي المتواصل. إن التفاؤل الناتج عن الاعتقاد بأن السوق وبراعة الإنسان ستستجيبان بسرعة وفاعلية لهذه التحديات لم يختفِ بشكل كامل، ولكن حتى المدافعون الأشداء عن ذلك يُقِرُّون الآن بإمكانية أن السوق لن تستجيب بسرعة أو بفاعلية كافية حيال ندرة الطاقة والتدهور البيئي. مع ذلك، بينما لا تزال بعض الشكوك موجودة في التفاصيل حول ما يحدث ومدى سرعة حدوثه وماذا يمكن أو يجب القيام به، فإنه يتزايد أيضًا الإقرار بأن التغيرات البيئية في بعض المناطق يمكن أن تكون دائمة، وأننا نعرف ما يكفي لإدراك الحاجة إلى بذل جهود تعاونية لخلق اقتصاد طاقة جديد يمكن أن يعيق أو يقلل من معدل نمو الاحترار العالمي.
للأسف، معرفة ما «يجب» علينا القيام به وأنواع التأمين التي «يجب» علينا تقديمها ضد مختلف أنواع الكوارث لا تعادل القيام بهذه الأمور. وناقشنا بالفعل بعض العقبات التي تعترض التعاون على الصعيدين المحلي والدولي في الفصل الثاني، ومن الواضح أنها لا تزال مهولة، وربما تكون مسئولة عن التركيز المتنامي على مختلف البدائل العلمية والتكنولوجية والهندسية التي قد تخفف آثار الاحترار، إذا استمر تعثُّر التعاون وازدادت حدة أزمات الطاقة والأزمات البيئية.1(?) فترة انتقالية

أصبح من الشائع تأكيد أننا في فترة انتقالية بين اقتصاد طاقة وآخر مختلف عنه تمامًا، ولو أنه لا يزال حتى الآن اقتصادَ طاقة غير واضح. منذ وقت ليس ببعيد، مع نهاية الحرب الباردة وهزيمة صدام حسين في حرب الخليج الأولى، وتسارع وتيرة العولمة والهيمنة الأمريكية الأحادية الجانب فيما بعد الحرب الباردة؛ بَدَا أن هذا الانتقال يحدث على الأرجح تدريجيًّا وعلى نحو سلمي وتعاوني. قيل لنا إن انتصار الديمقراطية والرأسمالية علامة على «نهاية التاريخ»، وإن العولمة سوف تنشر الرخاء خارج الحدود الضيقة للعالم المتقدم، وإن تحوُّل أعداد متزايدة من الدول الاستبدادية إلى الديمقراطية لن يحقق السلام فحسب، ولكن سيوفر أيضًا استعدادًا أكبر للتعاون من أجل حل المشاكل الدولية.2 كانت توقعات الانتقال الحميد إلى نظام دولي جديد متعجلة؛ فقد جلبت العولمة الرخاء، ولكن عدم المساواة ازداد أيضًا، ولم تقدِّم الانتخاباتُ في الدول الحديثة العهد بالديمقراطية الفوائدَ المتوقعة على الفور، وقاومت العديد من الأنظمة الاستبدادية التحولات المرجوة بكل قوة. علاوة على ذلك، مع استمرار تَفاقُم بعض النزاعات القديمة وظهور نزاعات أخرى جديدة، اختفت فكرة الانتقال السلس والتدريجي لنظام عالمي جديد. وأدى انهيار البنية المالية العالمية في عام ???? وما بعده، فضلًا عن عدم اليقين والقلق بشأن ما قد يحل محلها، إلى زيادة صعوبات تحويل اقتصاد الطاقة في العالم، وصعوبات تجنب التركيز المفرط على حسابات المصلحة الذاتية القصيرة الأمد.
(?) أسوأ مخاوفنا

على الرغم من الحاجة البديهية لاتفاقيات تعاوُن متعددة الأطراف واستجابة سياساتية داخلية مناسبة، فإن «الإجماع العلمي على احتمالات الاحترار العالمي أصبح أكثر تشاؤمًا بكثير على مدى السنوات القليلة الماضية. في الواقع، أحدثُ التوقعات من بعض علماء المناخ المشاهير تشبه نظريات نهاية العالم.»3 والشكوك حول جدوى التغييرات اللازمة في حياتنا السياسية والاقتصادية تعزز المخاوف بشأن المستقبل. ومن ثَم، ألقى جون بدينجتون — كبير المستشارين العلميين للحكومة البريطانية — مؤخرًا «خطابًا مروِّعًا» حول الأهوال التي تنتظرنا. قال بدينجتون: «بحلول عام ????، سيكون العالم في مواجهة عاصفة هوجاء من نقصٍ في المواد الغذائية والطاقة والمياه يسبِّبها النمو السكاني ويفاقمها تغيُّر المناخ.»4 ويتوقع جيمس لوفلوك — عالِم آخر — أن «الاحترار العالمي سيكون قد محا ??? من البشر بحلول نهاية هذا القرن.»5 وهذه تقديرات واقعية، حتى لو سلَّم المرء بأن التوقعات الأكثر تشاؤمًا هي خليط معقد من العلم والأيديولوجية والميل الشخصي. ولا يحتاج المرء لإضافة أن الانهيار الاقتصادي الحالي، الذي قد تُستمر آثاره لعشر سنوات على الأقل، سوف يجعل الجهود التعاونية المبذولة لمواجهة هذه النزعات أكثر صعوبة، كما سيفعل بالطبع الصراع المستمر مع بعض أجزاء العالم الإسلامي وداخله؛ تلك الأجزاء التي هي أيضًا جزء من العالم يسيطر على حصة كبيرة من احتياطيات النفط العالمية. وتوجد أيضًا نزعات وتطورات أخرى يحتمل أن تهدد العودة السلسة إلى التقدم المتحرر السابق. والأكثر بروزًا قد يكون: صعود الصين والهند؛ المتنافستين القويتين على الموارد والقوتين الاقتصاديتين والعسكريتين الصاعدتين، واللتين ليستا على استعدادٍ دائمًا للتعاون في السعي لتحقيق المنافع العامة الدولية أو للحدِّ من استخدامهما للوقود الكربوني.
القومية العدوانية لروسيا بوتين.
الصعوبات التي يواجهها الاتحاد الأوروبي في الحفاظ على زخمه التكاملي، لا سيما مع إضافة عدد كبير من الدول الفقيرة ذات الثقافة السياسية المختلفة.
تزايد العداء للولايات المتحدة في ظل إدارة بوش وتشيني؛ وهو الأمر الذي ستجد أيُّ إدارة — حتى إدارة أوباما الأكثر شعبيةً — صعوبةً في تغييره بسرعة.
تخلق هذه التطورات تعقيدات متعددة الأبعاد وشكوكًا حول كيفية التفاوض على اتفاقات تعاونية في خضم الكثير من المصالح المتباينة والصراعات الأيديولوجية والضغائن الملتهبة ومستويات التنمية المختلفة. أو بعبارة أخرى، استُبدِل بالرؤى الحميدة التي ظهرت بعد الحرب الباردة للعولمة والديمقراطية رؤية خبيثة على الأرجح لصراع ومنافسة متجددين، وسياسة جغرافية رجعية وخطيرة. في هذه الظروف، فإن الفجوة المألوفة بين الحاجة إلى مستويات عالية من الحوكمة الدولية الفاعلة والتعاون، وقدرة أو رغبة الدول أو المؤسسات الدولية في توفير هذه الحوكمة؛ من المتوقع أن تكون أوسع من أيِّ وقت مضى.
يمكن أن يُستمد استنتاج مماثل من إمعان التركيز على السياسة الجغرافية للطاقة. فلأكثر من ثلاثة عقود، بغض النظر تقريبًا عن سعر النفط المتقلب، حذر مختلف العلماء وخبراء النفط والشخصيات السياسية، أحيانا بشدة، من الأخطار التي تنتظر العالم المتقدم — بل تنتظر أيضًا الدول النامية غير النفطية — إذا لم تُبذل جهود كبيرة للحد بشكل جذري من الاعتماد على مصدر طاقة هو العامل الرئيسي المتسبب في الاحترار العالمي، والذي من المتوقع أن يصبح أكثر ندرةً وتكلفةً، والخاضع إلى حدٍّ كبير لسيطرة قوًى عدائية و/أو غير مستقرة. قوبلت هذه التحذيرات بتجاهل من كثيرين؛ لأن الرأي العام لم يُوقظ بما فيه الكفاية لتغيير السلوكيات؛ حيث تقوض التقلبات الحادة في الأسعار دعم تطوير أنواع وقود بديلة أكثر تكلفة. وجاءت مقاومة إضافية من شركات الطاقة الكبيرة القادرة على الضغط على الحكومات الضعيفة والمنقسمة غير الراغبة في المخاطرة بسياسات قد تكون مكلفة.
يبدو أن التحذيرات المتكررة من مصادر موثوقة ليس لها أيُّ تأثير، إلا على مجموعة صغيرة نسبيًّا على بينة من مخاطر عدم التحرك. على سبيل المثال، توقعت الوكالة الدولية للطاقة أن إنتاج العالم من الطاقة يجب أن يزيد بأكثر من ??? في السنوات الخمس والعشرين المقبلة لتلبية الطلب المتوقع، ولكن لا يوجد ما يؤكد على أن هذه الزيادة سوف تكون متاحة (خاصة إذا كان هناك مزيد من الاضطرابات لدى أيٍّ من الموردين الرئيسيين بسبب حرب أو صراع داخلي)، ويمكن أن تكون العواقب السياسية والاقتصادية لعدم تلبية هذا الطلب كارثية.6 ومع الاعتماد المتزايد على الفحم والانخفاض الحاد في الجودة البيئية يمكن للمرء أن يرى انتشارًا للحمائية التجارية أكثر من أيِّ وقت مضى، والمنافسة الحادة للسيطرة على إمدادات المواد الخام، والصراعات العنيفة المتصاعدة، والهجرات الجماعية اليائسة التي تسبب كوارث إنسانية.7 أصدرت الأمم المتحدة بالفعل دراسة للصعوبات القائمة والمحتملة التي سببها «اللاجئون لأسباب بيئية»، الذين لا يندرجون ضمن التعريفات القياسية للَّاجئين، والذين ربما لا يمكن السيطرة عليهم تقريبًا من حيث العدد. فعلى سبيل المثال، يمكن لارتفاع مستوى سطح البحر لمتر واحد (?? بوصة) في الأنهار الرئيسية في آسيا أن يؤدي لنزوح ?? مليون نسمة؛ وهم الذين يُوصَفون بأنهم «فقراء دون أوراق رسمية». في أسوأ الأحوال، يمكن أن تنشأ حرب باردة جديدة، ولكن مع تحالفات مختلفة وقضايا مختلفة على المحك، فلا تركز على التفوق الأيديولوجي بل على الصراع على الموارد، وعدم الاستقرار المالي، والنظام التجاري المتدهور. تفاقمت صعوبات إدراك أين نتجه أو كيف السبيل إلى تلك الوجهة بفعل نزعة رئيسية: إذا بَدَا أن كل النزعات في عصرِ ما بعد الحرب الباردة، في البداية على الأقل، تشير في الاتجاه الإيجابي نفسه، فإن العكس يبدو صحيحًا الآن. تباطأت العولمة على نحو واضح عندما تقلصت التجارة العالمية، ويبدو أن نظام الحمائية في ازدياد، ويبدو أن درجة معينة ممَّا يمكن أن يُسمَّى «اللاعولمة» — التراجع عن التوجه إلى زيادة درجات التكامل — تحدُث. ومع ذلك، التراجع ليس كاملًا، وربما ترتفع وتيرة العولمة مرة أخرى لو أتيح تمويل التجارة، ولقي الطلبُ التحفيزَ الكافي، وساعدت منظمة التجارة العالمية على مقاومة شكل أو آخر من أشكال نظام الحمائية. مع ذلك، حتى هذه اللحظة لم تتمكن دول العالم من كبح جماح الانخفاضات الحرة في التوقعات الاقتصادية بشكل قاطع كما تنتشر مستويات عالية من القلق حول المستقبل في كل مكان. باختصار، يوجد خطر واضح من العودة المطوَّلة — إلى حدٍّ ما — إلى القومية الاقتصادية والاستجابات السياساتية التي تنتهج «إفقار الجار». ويرى نيكولاس ستيرن أن سياسات التعامل مع تغير المناخ والأزمة الاقتصادية يمكن أن تكون متكاملة، ويمكن للاستثمار في التحول نحو تخفيض الكربون أن يسرع ويدعم الجهود المبذولة لتحفيز النمو، ولكن الدعم السياسي والنفسي لمثل هذه الإجراءات لا يزال محدودًا.8 يجدر التأكيد على أن توقع الأسوأ والتصرف كما لو أنه هو النتيجة الأكثر ترجيحًا للنزعات الحالية ربما يخلق جمودًا سياسيًّا؛ لأن كل الخيارات تبدو سيئة للغاية. ومن المتوقع أكثر أن تتحقق مخاوف المتشائمين لو لم نفعل شيئًا أو نتراجع إلى موقفِ «كلُّ شخص مسئولٌ عن نفسه» اليائسِ، ولكن من المهم أن نؤكد على أن الحتمية البيئية مغالية في التبسيط، وأنه لا يزال بإمكاننا اتخاذ خيارات يمكنها التأثير كثيرًا على مصيرنا، وأنه حتى في أسوأ الظروف لا تزال توجد خيارات يمكن اتخاذها — أو يجب ذلك — من شأنها أن تحسِّن أو تقلِّل من التكاليف والأخطار. وسوف نتناول بعناية أكبر في بقية هذا الفصل موضوعَ إنْ كانت توجد طرق ووسائل لتحسين احتمالات وجود اتفاقيات تعاونية ناجحة.
(?) إرشادات نظرية التفاوض

أثمرت دراسات نظرية التفاوض وممارسة التفاوض عن مجموعة كبيرة من الأفكار التي تسعى إلى تقديم إرشادات لإجراء مفاوضات ناجحة. وسنتناول هذه المسألة بمزيد من التفصيل في الفصل التالي، ولكن سيكون من المفيد تقديم لائحة لبعض هذه المقترحات في هذه المرحلة، كإطار مرجعي تحليلي. وتشمل اللائحة البنود التالية: (?) يجب أن يعكس أيُّ اتفاق مصالحَ الأطراف، ويجب أن يشعر جميع الأطراف أنهم يكسبون من التوقيع أكثر مما يكسبون من الانسحاب.
(?) إن الرغبة في المعاملة بالمثل في المفاوضات المقبلة، والرغبة في الحفاظ على سمعة بالوفاء بالالتزامات؛ سببان مهمَّان للحفاظ على الاتفاق.
(?) إن تخطيطات المدفوعات الجانبية والتعويضات والربط بين القضايا ربما تحثُّ الدولةَ المترددة على التوقيع وتنفيذ الاتفاقيات.
(?) لا بد من أن تكون القيادة من قِبَل أقوى دولة أو دول، وربما تكون ذات أهمية خاصة إذا كانت الدولة القائدة على استعداد لدفع تكاليف المنافع الجماعية للاتفاق (أيْ سوف تدفع في البداية أكثر من حصتها المقررة من التكاليف).
(?) يجب أن يُرى الاتفاق عادلًا، ويجب ألَّا يبدو تقسيم الأعباء غير منصف.
(?) ربما تكون في بعض الأحيان التهديدات المعقولة ضروريةً لضمان الامتثال وتجنُّب الانتفاع بالمجان.
ومن الواضح أيضًا وجود خوف شديد — خاصة في التفاوض مع كثير من المشاركين أو مع أعداء قدامى — من ألَّا يمتثل الطرف الآخر لشروط الاتفاق. فإذا كان تداخل المصالح واضحًا جدًّا، وإذا كانت التوقعات حول ما سيفعله الاتفاق متقاربة، فإن هذا يساعد في مثل هذه الظروف. هذا يعني أيضًا أن الثقة في المشاركين الآخرين في الاتفاق ستكون أعلى إذا وُجدت درجة معينة من الثقافة المشتركة والخبرات المشتركة، ووُجِد تاريخ مشترك من احترام الاتفاقات السابقة. ومن الواضح أن هذه الخصائص تعاني نقصًا في ساحة المفاوضات البيئية التي تجمع معًا مجموعة كبيرة من الدول.
التحليل شيء، والممارسة السياسية ربما تكون شيئًا مختلفًا تمامًا. ومن ثَم، ربما توجد أفضل هذه الظروف، ولكن تفشل في تحقيق النتائج المرجوة، إذا غلبت الخلافات والشكوك المذكورة. خلاصة القول، إذا أردنا التفاوض للخروج من المآزق الحالية، فعلينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من المقترحات المنطقية أو العقلانية لنظرية التفاوض للبناء على هذه الأفكار من أجل توسيع نطاق منظورنا. يتمثل جزء من المشكلة في أن الطاقة والبيئة لا يمكن عزلهما عن أيِّ شيء آخر يحدث في الأنظمة المحلية والدولية؛ ففي كل الأوقات، ترتبط هاتان المسألتان بكل شيء آخر تقريبًا، لا سيما القيم، والأيديولوجيات، وتوزيع التكاليف والفوائد، والسلطة السياسية والاقتصادية، وتوقعات التنمية، والجشع التجاري، وربما السمعة الشخصية أيضًا.
توجد نقطتان بسيطتان تُستخلصان من هذه المناقشة: الأولى واضحة؛ وهي أنه يجب علينا أن نبدأ بالاعتراف «بجميع» العقبات التي تعترض التعاون؛ العقبات السياسية والاقتصادية وكذلك العلمية، فتجاهلُها أو الحديث عن ضرورة وجود «إرادة سياسية» مبهمة لحلها أمرٌ عديم الفائدة. والنقطة الثانية هي أن ندرك أن مشاكل الطاقة والبيئة لن تُحَلَّ بمجرد توجيه مناشدات من قِبَل المشاهير أو بالإشارة إلى دراسات علمية مفصلة. المشكلة الرئيسية هي كيفية بناء تحالفات على الصعيدين المحلي والدولي تكون قوية بما فيه الكفاية وملتزمة بما يكفي للتوصُّل إلى اتفاقات حقيقية «برغم» الصعوبات المحيطة بها. ربما توجد مخاطر في اتخاذ إجراء ما، ولكن توجد مخاطر أكبر في عدم اتخاذ أيِّ إجراء، ويمكن دائمًا انتقاء خيارات أفضل أو أسوأ، حتى في أسوأ الظروف. ونعتذر للمتشائمين؛ فلا يمكن القطع بحدوث الكارثة حتى الآن.
(?) دروس مفيدة من الماضي

من الناحية المثالية، ما نسعى إليه من خلال مزيج من السياسات المحلية الأحادية الجانب والاتفاقات الدولية التعاونية أمرٌ واضح؛ وهو سياسات سليمة علميًّا، ومنطقية اقتصاديًّا، وبراجماتية سياسيًّا.
تركز معظم دراسات المفاوضات البيئية السابقة على الاختلافات الحادة بين نجاح بروتوكول مونتريال بشأن استنفاد الأوزون، والفشل الذريع لبروتوكول كيوتو بشأن خفض انبعاثات غازات الدفيئة، ونوقشت أوجُه الاختلاف في العديد من الدراسات. باختصار، كان بروتوكول مونتريال أسهل في التنفيذ وأكثر نجاحًا بسبب أن الأزمة كانت وشيكة، وكان يوجد إجماع علمي ولم تكن التكاليف عالية (لأن البدائل الملائمة لمركبات الكلوروفلوروكربون كانت متاحة)، وكان يوجد اتفاق على تدبير بسيط لإنهاء كل استخدامات مركبات الكلوروفلوروكربون على الفور، وقُدِّمت المساعدات إلى البلدان النامية، وكانت توجد عقوبات لانتهاك الاتفاق يمكن أن تكون شديدة. وعلاوة على ذلك، من المهم أن نتذكر أنه كان لبروتوكول مونتريال إجراءات مراجعة دورية وإعادة تقييم لبنوده، وهذا يمثل ضمانة مهمة في سياق عدم اليقين والمخاطرة.9 وكذلك ذَكَرَ طَلَبَة ورومل-بولسكا أن الاتفاق كان قائمًا على «مبدأ وقائي» للتصرف قبل وقوع أضرار غير قابلة للعلاج في طبقة الأوزون، وهذا مبدأ مفضَّل لدى مناصري حماية البيئة، ولكنه أقل تفضيلًا لدى الاقتصاديين وعلماء السياسة الذين لا يتحمسون للقيام بمخاطرات كبيرة ومكلفة قبل أن نتيقن بدرجة أكبر أنها ضرورية. إجمالًا، كان لدينا شيء أقرب إلى ما يحلم به المفاوض؛ اتفاقيةٌ تبدو عادلة للجميع، وكانت وسيلة فاعلة لتحقيق هدف مشترك، ولم تترك مشاركًا في حالٍ أسوأ من حاله الراهنة. وعلى النقيض، فشلت اتفاقية كيوتو؛ لأنها كانت تتعامل مع مشكلة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير؛ فكانت لا تزال توجد بعض الخلافات العلمية حول الأسباب والآثار، وربما تكون تكاليف التنفيذ ضخمة، ووُضعت الأهداف والجداول الزمنية على نحوٍ بدا غير كافٍ لكثيرٍ من مناصري حماية البيئة، وربما قبل كل شيء، كان السبب يتمثل في رفض الدول المهمة مثل الولايات المتحدة والصين والهند التوقيعَ على الاتفاق؛ ومن ثَم تعثرتْ الاتفاقية وفشِل الكثيرُ من الدول في الوصول إلى الحد الأدنى من الأهداف الموضوعة.
إن أوجُه الاختلاف بين مونتريال وكيوتو مثيرة للاهتمام ويمكن أن تكون مفيدة، لكنها قد تكون أيضًا مضللة إلى حدٍّ ما؛ فالظروف التي جعلت من اتفاقية مونتريال ممكنة — حدوث أزمة، ووجود هدف بسيط، بالإضافة إلى التوصل إلى حل توفيقي وليس مكلفًا للغاية — قد لا تُعاود الظهور في أيِّ وقت قريب؛ في الواقع ربما لن تتكرر مونتريال مرة أخرى للأسف، ولكن الظروف التي تسببت في فشل كيوتو من المرجح جدًّا أن تتكرر كلها. في الواقع، لا يزال الكثير من الاستراتيجيات والتخطيطات التي استخدمت خلال مفاوضات كيوتو الأصلية مصدرًا للخلاف والنقاش خلال الجهود المبذولة لإعادة التفاوض حول بنودها، وسنركز في هذا الجزء في المقام الأول على بعض المشكلات العامة التي لم تنشأ في مونتريال وكيوتو فقط، ولكن أيضًا في مختلف المفاوضات الدولية الأخرى. وسوف نسعى في الفصل القادم إلى الانتقال من العام إلى الأكثر عملية، وسوف تركز الفصول اللاحقة على خيارات سياساتية محددة.
تتمثَّل إحدى المشكلات التي طَفَتْ على السطح مرارًا وتكرارًا في الشواغل بشأن مَن يُسمَح له بالجلوس إلى طاولة المفاوضات. وتوجد إيجابيات وسلبيات في كل مكان، سواء كانت المفاوضات في مؤتمرات عالمية كبيرة، أو مؤتمرات إقليمية، أو مجموعات مختارة ذاتيًّا مثل «مجموعة العشرين» أو «مجموعة الدول الثماني» أو «مجموعة الثماني زائدًا عليها خمس» أو «ائتلافات للقوى الراغبة». فتتغير الظروف وتظهر الفرص وتتطور، وما يبدو مثاليًّا في أحد الترتيبات قد يكون دون المستوى الأمثل في ترتيب آخر.
نظريًّا، تبدو المؤتمرات العالمية هي الأفضل؛ نظرًا لمستويات المشاركة العالية والشرعية الضمنية لهذه المجموعات العالمية أو شبه العالمية، كما أنها يمكن أن تكون مفيدة في رفع مستوى الوعي ووضع القضية على جدول الأعمال الدولي، مع أن هذا يمكن أن يكون بعيدًا عن التأثير الكبير على التنفيذ. ويمكن أن تبدو كل المستويات التفاوضية الأخرى في المركز الثاني في الأفضلية — إذ تتمتع بمشاركين أقل وشرعية نظامية أقل — لكنها يمكن أيضًا أن تكون أكثر فاعليةً في توليد مستوياتٍ أعلى من الأداء واستعداد وقدرة أكبر على تنفيذ السياسات. وعلى النقيض، ربما لا تؤدي المؤتمرات الكبرى إلا إلى حل وسط مخفف، يغلف الخلافات حول القضايا الأساسية، وسرعان ما يُنسى عندما تعود الوفود للوطن. إضافة إلى ذلك، نظرًا للصعوبات الواضحة للمفاوضات المعقدة بين عدد كبير من الوفود، فإنه ربما يعتمد الكثير على معرفة إن كان قد تم التفاوض على الوثيقة النهائية مسبقًا من قِبَل مجموعة صغيرة من البيروقراطيين الحكوميين من البلدان الرئيسية أم لا.
بصفة عامة، تُناصِر البلدانُ النامية بشدةٍ المؤتمراتِ الكبيرةَ التي توفر لهم مقعدًا حول الطاولة وفرصة أكبر للحصول على المزيد من المساعدات الخارجية في مقابل الدعم. ولم تُحلَّ مشكلة المكان تلك؛ وذلك لأن الدول ذات المصالح المختلفة قد يكون لها تفضيلات مختلفة حول أفضل مكان للمفاوضات. ربما تكون إحدى نتائج ذلك أن تُجرَى المفاوضات على جميع المستويات في وقت واحد، وهو أمر على أقل تقديرٍ مكلفٌ ومُرْبك ويحتمل أن يؤدي إلى التضارب؛ حيث تظهر معايير مختلفة وتُقبل التزامات مختلفة. مع ذلك، ربما يكون من الصحيح أيضًا أنه بما أن السياسات الناجحة يجب أن تحدث على جميع المستويات — المحلي والوطني والإقليمي والدولي — ربما تكون العملية التفاوضية المتعددة الأبعاد ضرورة حتمية، مهما كانت الخسائر في الكفاءة. ولا يتمثل الهدف بطبيعة الحال في عملية تفاوض فاعلة ومنصفة فحسب، ولكن أيضًا داعمة على نحو متزايد.
توجد مسألة أخرى تتعلق بحقيقة أن النظام الدولي يفتقر إلى المؤسسات ذات السلطة السيادية للإجبار على تنفيذ القرارات؛ ومن ثَم معظم الاتفاقيات — لا سيما التي تتضمن أعدادًا كبيرة من المشاركين — يجب أن تكون ذاتية التنفيذ. وللمرء أن يتوقع وجود انحياز أقوى نحو التنفيذ والامتثال في الاتفاقيات بين الدول التي تتشارك في التقاليد الثقافية والخبرات التاريخية ومستويات التنمية المماثلة، ويمكن أيضًا في هذا السياق أن يوجد مزيد من القلق حول الحفاظ على سمعة قوية بالالتزام بالاتفاقيات. في الواقع، يجب أن ترى الدول مصلحة ذاتية قوية في الوفاء بالالتزامات، ويجب أن تثق أيضًا في أن الآخرين سوف يشاركونها هذا التوجُّه. ولكن مثل هذه الاتفاقيات صعبة؛ بسبب الشك في وفاء الآخرين بالتزاماتهم (لا سيما إذا كان تاريخهم المسجل سيئًا)، وشيوع الرغبة في الانتفاع بالمجان، على الأقل حتى يوجد دليل على الامتثال الممتد أو استعداد جدير بالثقة لفرض عقوبات صارمة على عدم الامتثال، وسوف نعود إلى هذه المسألة في الفصل التالي.
وينبغي أيضًا الإقرار بأن التفاوض على اتفاقية — على أيِّ مستوًى، ومهما كان عدد المشاركين، ومهما كانت نوايا الامتثال — يمكن أن يحثَّ المشاركين على تنفيذها، لا لسبب إلا اكتساب سمعةٍ موثوق بها بالامتثال للشروط، أو تعزيز فكرة أن انتهاك شروط الاتفاقية يمكن أن يشكل سابقة سيئة على نحو خطير. وأظهرت المفاوضات في وقت الحرب الباردة أنه حتى ألدُّ الأعداء يمكن أن يروا فوائد الامتثال للالتزامات عندما يتوقعون المكاسب، ويكونوا حريصين على اكتساب سمعة باستحقاق الثقة. ويعد أيضًا الالتزام السوري والمصري بمختلف الاتفاقيات مع إسرائيل مثالًا توضيحيًّا على ذلك، ويمكن رؤية النقيض التام لذلك في الإخفاقات المتبادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في تنفيذ بنود اتفاقية أوسلو.
(?) ما الذي يجب أن تحققه المعاهدة؟

ما نوع المعاهدة التي سيبدو من مصلحة الجميع التصديقُ عليها وتنفيذها؟ باستثناء وقوع أزمة ساحقة تتقدم على حسابات المصلحة الذاتية الضيقة، يجب أن تلبي هذه المعاهدة معايير العدل الواسعة الاختلاف. ونظرًا للتفاوتات الكبيرة في السلطة، فإن هذا يعني أن معيارًا واحدًا للعدل أو الإنصاف قد يسود، ولكن ستزداد احتمالات فاعلية الاتفاقيات إذا كان الطرف الأقوى مدركًا لضرورة تجنب مظهر (أو حقيقة) فرض وجهات نظره. من الواضح أن هذا مهم في السياق الحالي؛ لأن التفاوتات في السلطة والثروة والإمكانات العلمية كبيرة للغاية، ولدى الدول النامية شكاوى معقولة بشأن مَن ينبغي أن يتحمل تكاليف الحد من المستويات الحالية من غازات الدفيئة، وتكاليف وضع وتمويل منهج أقل في كثافة الكربون من أجل التنمية والحد من الفقر. وسوف تصبح المساهمة القوية والمقسمة على مراحل من جانب معظم البلدان النامية ذاتَ أهمية متزايدة؛ فالمساعدة ضرورة وليست رفاهية.
كذلك ثمة توافق متنامٍ بين الخبراء على أن التركيز على أحكام إجبارية ملزمة وأهداف وجداول زمنية واضحة غيرُ عملي على الأرجح، إن لم يكن ذا آثار عكسية.10 وتمثل هذه الأحكام إشكالية خاصة بالنسبة للبلدان النامية التي تفتقر إلى الإمكانات الإدارية والفنية التي تتمتع بالكفاءة. إضافة إلى ذلك، ونظرًا لقاعدة المعارف غير المؤكدة، فإن حقيقة أنه بمجرد وضع المعايير ربما يكون من الصعب تعديلها، وحقيقة أن وجود اتفاقية سابقة واضحة ربما يعرقل المفاوضات اللاحقة للتوصل إلى اتفاقية أفضل؛ تشيران إلى أن الأهداف والجداول الزمنية الملزمة ربما تكون سابقة لأوانها، على أدنى تقدير. وهناك أيضًا سؤال صعب حول كيفية تحديد هذه الأهداف ومَن ينبغي أن يكون مُلزَمًا بتنفيذ الأهداف وفي أيِّ فترة زمنية. إذا حددت الاتفاقية أهدافًا وجداول زمنية متناظرة بالنسبة لجميع الأطراف، فربما يسهِّل هذا من مهمة التفاوض ويجعل الانتفاع بالمجان أكثر صعوبةً، ولكن ذلك يكون أيضًا غير عادل وغير عملي عندما لا يكون الأطراف في الواقع متناظرين. كذلك ربما أيضًا يساعد التناظر على ظهور درجة من الارتياب والنفاق؛ إذ يمكن أن تُوَقِّع البلدان النامية من أجل الفوائد الإضافية المتاحة (المساعدات الخارجية، والمساعدات الفنية، والثناء على الالتزام الظاهري بحماية البيئة)، ولكنها لا تملك النية ولا القدرة على الامتثال للشروط الإلزامية. وتوجد أيضًا مشكلة هنا تتمثل في تحديد مسئوليات «مشتركة لكن متباينة» للبلدان النامية — وهو نهج معياري في العديد من المعاهدات — وهو التعبير الذي ربما يصبح أيضًا تعبيرًا ملطَّفًا عن عدم القيام بأي شيء أو القيام بأقل قدر ممكن. توجد وجهة نظر بديلة يقدِّمها باقتدار نيكولاس ستيرن، تفيد بأننا بحاجة إلى التصرف بسرعة وعلى نحو فاعل بحلول عام ???? للسيطرة على انبعاثات الكربون، وأن تحديد الأهداف والجداول الزمنية — بالتأكيد بالنسبة للدول المتقدمة وغيرها من كبار الملوِّثين — عنصر حاسم في هذه الجهود.11 لن يُطلب من البلدان النامية التضحية بالأهداف الإنمائية أو قبول الأهداف والجداول الزمنية الفورية، ولكن سيُطلب منها القيام بذلك بعد عام ????. وهذا الجزء الأخير ضروري؛ لأنه إذا نجحت الدول المتقدمة في الحد من انبعاثاتها، فإن البلدان النامية (بما في ذلك الصين والهند) سوف تسهم في عام ???? بحوالي ??? من الانبعاثات العالمية. وبالنظر إلى النقطة الأخيرة، قد لا يوجد في الواقع تفاوت كبير بين وجهتي النظر هاتين حول الأهداف والجداول الزمنية. ثمة فارق واحد هو أن منتقدي الأهداف والجداول الزمنية ركزوا على السلوك القديم، في حين أن ستيرن يركز على الاحتياجات الحالية. يبدو غالبًا أن هذا يعكس حكمًا حول مدى حتمية التصرف بسرعة بحيث تكون التخفيضات الكبيرة في طريقها للحدوث قبل عام ???? (وبديهيًّا بعد ذلك)؛ إذا آمن المرء بأنه «يجب» تحقيق تخفيضات كبيرة بحلول عام ????، وإلا فسوف يصبح الاحترار العالمي كارثة لا يمكن علاجها، فإن الأهداف والجداول الزمنية الجادة يجب أن تكون إلزامية، ويجب معاقبة الانتهاكات بشدة. يبدو بالفعل أن مخاطر عدم التحرك بسرعة كافية أكبر بكثير من مخاطر المطالبة بجهود فورية للحد من الانبعاثات؛ فعلى هذا النحو، أيًّا كانت المشاكل المحتملة للأهداف والجداول الزمنية، فإن عدم وضعها يعكس حكمًا بأنه يمكن تحمل مخاطر الاستجابة المحدودة. وفي أيِّ حال، ينبغي للتسوية الواضحة للأهداف والجداول الزمنية المقسمة على مراحل لمعظم البلدان النامية (لكن ليس الصين والهند منها) أن تكون كافية للعقد القادم أو نحو ذلك.
إن النُّظُم اللامركزية والمَرِنة التي توزِّع المهام وفقًا للقدرة، والتي تكون أسهل نسبيًّا في المراجعة، ربما تكون بناءً على ذلك أكثر فاعليةً عمومًا.12 يخبرنا ألدي وستافينز أنه بالنظر إلى الشكوك الكبيرة التي تميِّز علم المناخ واقتصادياته وتكنولوجياته والقدرة على التعلم في المستقبل، فإن البنية التحتية السياساتية المَرِنة القائمة على نهج متسلسل لصنع القرار يشتمل على معلومات جديدة ربما تكون مفضلة على الخطط السياساتية الأكثر جمودًا،13 وهذا يعني ضرورة إجراء تقييم منتظم للأداء على أساس متجدد، ولكن أسئلةً مثل مَن ينبغي أن يجري التقييمات والسلطات التي يجب أن يتمتع بها المقيِّمون هي أسئلة معقدة ولم تُحل. وكذلك يذكر روستيالا وفيكتور أيضًا اثنتين من المزايا المهمة الأخرى للنهج المرن وغير الملزم للمفاوضات؛ فمثل هذه الاتفاقيات لا تضطر للمرور عبر عملية التصديق المحلي الصعبة سياسيًّا، وربما تسمح للدول بتقديم التزامات أكثر طموحًا مما سيكون ممكنًا بموجب اتفاقية ملزمة.14 خلاصة القول هي أن الالتزامات المرنة وغير الملزمة، لها بعض المزايا الواضحة في سياق عدم اليقين والقدرات شديدة التفاوت، ولكن يوجد أيضًا بعض المزايا الواضحة للأهداف والجداول الزمنية الثابتة، لا سيما إذا تدهورت الظروف أو لم تتحقق الأهداف الأولية. ما يُعَدُّ أفضلَ على الأرجح سوف يعتمد على طبيعة الاتفاقية ودرجة الإجماع على خطورة المشكلة والوقت الواضح المتبقي للتصرف على نحو فاعل؛ وهذا خليط معقد من الأحكام الموضوعية والشخصية. ثمة موضوع آخر في مجال نظرية التفاوض؛ هو هيمنة السياسات الداخلية، أو على الأقل أهميتها المتساوية مع التكوين الدولي للقوة والمصالح، فلا تختلف التكاليف والمصالح بين الدول فحسب، بل أيضًا داخل الدولة الواحدة. فبما أن أيَّ اتفاقية رسمية يجب أن تحصل على تصديق، وبما أنه حتى الاتفاقيات غير الرسمية تحتاج دعمًا محليًّا كبيرًا، فإن ضرورة تحقيق «توافق كافٍ» محليًّا أمرٌ بالغ الأهمية؛ فمن دون ذلك لن توجد أيُّ اتفاقية، أو من المرجح أن تفشل الاتفاقية.15 ومع أن القيادة السياسية ليست المتغير الوحيد في وضع السياسات المناسبة وفي خلق توافق محلي، فإنه من الواضح أنها متغير لا غنى عنه، شريطة أن تكون هذه القيادة قادرةً على تجنُّب المواقف الأيديولوجية، ومستعدةً للمخاطرة ببعض رأس المال السياسي لتحقيق تقدم بشأن هذه القضايا. ويمكن أيضًا أن تتيسر المفاوضات المحلية في الولايات المتحدة حول تشريعات تغيُّر المناخ إذا أثبتت المفاوضات الثنائية بين الولايات المتحدة والصين نجاحها؛ لأن ذلك سيقلل من مخاوف تحوُّل الصين إلى منتفع بالمجان وسعيها لكسب ميزة تنافسية غير عادلة، ولكن نتائج هذه المفاوضات قبل كوبنهاجن وبعدها كانت مخيبة للآمال. لقد تنامت بسرعة في المجتمع البيئي خيبة الأمل في سياسات حكومة أوباما في مجال الطاقة وتغير المناخ، لا سيما بسبب دعم الرئيس للطاقة النووية.16 ومع ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من المشكلة التي تواجه الرئيس هي نتيجة للحمل الزائد على النظام: كخوض حربين كبيرتين، وكالأزمة الاقتصادية الطاحنة، وضرورة إصلاح نظام الرعاية الصحية؛ وهي الأمور التي لا تترك الكثير من الوقت للقضايا الأخرى. ويزيد عبء العمل السياسي عندما تنطوي القضايا على تكاليف مرتفعة، وتغيرات محتملة في أنماط الحياة المريحة، ومقاومة قوية من الجماعات ذات المصالح التي تخاف من الخسائر المحتملة المتضمنة في تبني اقتصاد طاقة جديد أو التي تعارض أيديولوجيًّا فكرةَ أن الاحترار العالمي خطر جدي. والاستقطاب الشديد الذي يبدو أنه أصاب النقاش السياسي في الولايات المتحدة يجعل التفاوض على حلولٍ وسط براجماتية أكثر صعوبةً. وأخيرًا، تحديد جداول زمنية سياسية متباينة في البلدان المختلفة تؤدي إلى تقليص المساحة السياسية، وتضيف طبقة أخرى من التعقيد لعملية التفاوض. (?) إلى أين نتجه؟

توجد نقطة أخيرة جديرة بالتناول، وهي الدروس المحتملة التي يمكن استقاؤها من تحليل المفاوضات البيئية. وقد أشار الخبير الاقتصادي في جامعة هارفارد ريتشارد شمالنسي أنه عندما يمكن للمدى الزمني للمشكلة أن يمتد قرونًا، «فإن إنشاء مؤسسات وأُطر دائمة يبدو منطقيًّا قبل اختيار برنامج سياساتي معين — وأكثر أهمية من اختياره — من المؤكد أننا سننظر إليه باعتباره برنامجًا قويًّا جدًّا أو ضعيفًا جدًّا في غضون عقد من الزمان.»17 وهذا أمر معقول جدًّا وسنعود إلى هذه المسألة في الفصل التالي. ومع ذلك، ينبغي أيضًا الإشارة إلى أن تعليق البروفيسور شمالنسي قد يطرح سؤالين مهمين؛ أولًا: نظرًا لمحدودية معرفتنا، كيف يمكننا أن نعرف المؤسسات والأطر التي ينبغي إنشاؤها؟ وثانيًا: ما الخيارات التي يفترض بنا اتخاذها في غضون العقد، لا سيما أنه ليس لدينا خيار الامتناع عن القيام بأي شيء إلى أن نعرف ما يكفي للقيام بالشيء الصحيح (أو على الأحرى المفترض أنه صحيح)؟ ما مدى الفائدة المستقاة من هذه التعميمات؟ إنها أفضل ما تمكَّنَّا من العثور عليه، وهي بشكل عام أحكام واقعية حول حدودِ ما هو ممكن في السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحالي. وهكذا فإن النصائح بأن نكون مَرِنين، وأن نركِّز على النظم اللامركزية غير الملزمة، وألَّا نضع أهدافًا وجداول زمنية ثابتة إلا عندما نكون متأكدين على نحو معقول أنها ضرورية، وأن نركز على إقامة مؤسسات وأطر سياساتية بدلًا من وضع سياسات محددة يمكن أن تصبح مختلة سريعًا؛ هي كلها اقتراحات معقولة حول مسار العمل الصحيح.
ومع ذلك، من العدل أن نسأل إن كانت الأهداف المعتدلة والوسائل المرنة كافية أم لا. ففي الغالب، الفارق الرئيسي بين البراجماتيين والمتشائمين هو الوقت؛ أيْ إن الخلافات تنتهي عندما تصبح مشاكل الطاقة والبيئة أسوأ كثيرًا، وليس عندما يكون ذلك محتملًا. ونظرًا لعدم اليقين حول مدى ما نمتلكه من وقت، تتطلب المشكلة الرئيسية تقييمًا شخصيًّا في الأساس للمخاطر، بعبارة أخرى: بما أن المنهج المعتدل قد لا يسفر عن نتائج معتبرة بالسرعة الكافية، والمنهج الراديكالي يمكن أن يكون مكلفًا للغاية، ويمكن أن يكون مضللًا (أيْ نختار المنهج الراديكالي الخطأ)، ويمكن أن يتضح أنه لم يكن ضروريًّا؛ فأيَّ مخاطر نريد خوضها؟ ومَن الذي سيتخذ القرار في أيِّ نوع من ساحات التفاوض؟ إذا لم يكن من الممكن التوصل إلى أفضل اتفاقية أو الاتفاقية الضرورية على الحد الأدنى، فكيف يمكننا تقليل مخاطر فشل السياسات الدولية وزيادة احتمال الاقتراب التدريجي من مستوى «الجيد بما فيه الكفاية»؛ أيْ الاتفاقية التي تحقِّق تقدُّمًا مطردًا نحو الأهداف المشتركة بإنشاء اقتصاد طاقة جديد وبتقليل الاحترار العالمي والعمل بإنصاف تجاه الأغنياء والفقراء والأجيال الحالية وأجيال المستقبل؟ سوف نستكشف هذه القضايا في الفصل التالي، ناظرين عن كَثَبَ في مسألة الامتثال، مع استكشاف بعض الأفكار المستحدثة في المفاوضات التجارية وفي تنمية الاتحاد الأوروبي، وسندرس التدرُّج من حالة لأخرى — «هندسة المتغيرات» — والتعميق مقابل التوسيع. ونادرًا ما تصلح أفكار من سياقات أخرى لمشكلة جديدة بشكل كامل، لكن يمكن أن تكون مفيدة في توليد رؤًى أو وجهات نظر جديدة. وسوف نتناول مرة أخرى أيضًا مسألة أشكال المفاوضات، وإن كان تضمين جميع أو بعض «الأطراف المعنية» — على مدى تحديد هذا المصطلح — سيحسِّن آفاق نجاح المفاوضات ويجعل العملية التفاوضية أكثر شرعية؛ وسيكون الهدف على طول الطريق هو العثورَ على بعض الوسائل العملية لتقليص العقبات التي تعترض طريق الوصول لاتفاقيات دولية قابلة للنجاح.
هوامش

(1) See Lawrence Summers, “Foreword,” p. xxiv in Joseph E. Aldy and Robert N. Stavins, eds, Architectures for Agreement: Addressing Global Climate Change in the Post-Kyoto World (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2007).(2) See Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man (New York: Free Press, 1992), and Samuel P. Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late Twentieth Century (Norman, OK: University of Oklahoma Press, 1991).(3) Paul Krugman, “Empire of Carbon,” New York Times, May 15, 2009, p. A23.(4) Quoted in “Renewable Energy: Greenstanding,” The Economist, April 25, 2009, p. 86.(5) Ibid.(6) See Michael T. Klare, Rising Powers, Shrinking Planet: the New Geopolitics of Energy (New York: Henry Holt and Company, 2008).(7) “Migration and Climate Change,” The Economist, June 27, 2009, pp. 79-80.(8) See Nicholas Stern, A Blueprint for a Safer Planet: How to Manage Climate Change and Create a New Era of Progress and Prosperity (London: Bodley Head, 2009), pp. 206-7.(9) See Scott Barrett, Environment and Statecraft: the Strategy of Environmental Treaty-Making (New York: Oxford University Press, 2003), Joseph E. Aldy and Robert N. Stavins, eds, Architectures for Agreement, op cit., pp. 11–13, and Mostafa Kamal Tolba and Iwona Rummel-Bulska, Global Environmental Diplomacy (Boston: MIT Press, 1998).(10) See Edward A. Parsons and Richard J. Zeckhauser, “Equal Measures or Fair Burdens: Negotiating Environmental Treaties in an Unequal World,” pp. 81-2 in Henry Lee, ed., Shaping National Responses to Climate Change: a Post-Rio Guide (Washington, DC: Island Press, 1999), and Jonas A. Meckling and Gu Yoon Chung, Sectoral Approaches to International Climate Policy, a Typology and Political Analysis (Cambridge, MA: Belfer Center for Science and International Affairs, Harvard University, 2009).(11) Nicholas Stern, A Blueprint for a Safer Planet, op. cit., p. 144ff.(12) David G. Victor, Kal Raustiala, and Eugene B. Skolnikoff, “Introduction and Overview,” pp. 17-18 in D. G. Victor, K. Raustiala, and E. B. Skolnikoff, eds, The Implementation and Effectiveness of International Environmental Commitments: Theory and Practice (Cambridge, MA: MIT Press, 1998).(13) Joseph E. Aldy and Robert N. Stavins, eds, Architectures for Agreement, op cit., p. 10.(14) Kal Raustiala and David G. Victor, “Conclusions,” p. 685ff in D. G. Victor, K. Raustiala, and E. B. Skolnikoff, eds, The Implementation and Effectiveness of International Environmental Commitments (Cambridge, MA: MIT Press, 1998).(15) “Sufficient consensus” was a term initially used to describe the decision by both sides in the peace negotiations in South Africa in the 1990s to go ahead without unanimity on either side but with “sufficient” support—a relatively strong majority—to sustain the peace process.(16) See John M. Broder, “Environmentalists Cooling on Obama,” New York Times, February 18, 2010, p. A16.(17) Quoted in Joseph E. Aldy and Robert N. Stavins, eds, Architectures for Agreement, op. cit., p. 355.
الفصل الثامن
من النظرية إلى التطبيق العملي


طرَحَ اجتماعٌ بمؤتمر القمة العالمي لدوائر الأعمال المعنيِّ بتغيُّر المناخ في مايو ???? المواضيعَ التالية للمناقشة: «كيفية إنشاء أسواق عالمية قوية لحقوق انبعاثات الكربون، وتمويل الطاقة النظيفة، وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة، وتشجيع الاستثمار في مجال التكنولوجيا، وتعزيز التعاون التكنولوجي، وحماية الغابات، وتطوير الاستخدام المستدام للأراضي، وإدارة وتمويل التكيف مع تغيُّر المناخ.»1 ولا حاجة بنا لقول إن هذا جدول أعمال كبير بالنسبة لمؤتمر يُعقد لمدة ثلاثة أيام. مع ذلك، يصاب المرء بالدهشة جرَّاء الافتراض الواضح أن الحلول هي حلول فنية أو ستكون كذلك في الأساس، وأنه يمكن ترك المشاكل السياسية الخاصة بالتوصل إلى اتفاق بشأن هذه القضايا ليحلها الآخرون. ونظرًا للمشاكل السياسية العميقة الموجودة محليًّا ودوليًّا، فإن هذا النهج ليس معقولًا؛ فمجرد عقد المزيد من الاجتماعات، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، لِجَمع نفس الخبراء معًا للتوصل إلى النقاط نفسها التي توصلوا إليها بالفعل، وأحيانًا مرارًا وتكرارًا؛ لن يكون كافيًا. إذا دارت الأسئلة الرئيسية حول «ما يجب القيام به، وكيف ومتى نقوم به، ومَن الذي سيدفع ثمن ذلك»، فإن العملية السياسية سوف تكون حيوية على الأقل، مثل العمليات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية.2 وتوجد ضرورة واضحة للتوجه نحو النتائج العملية، وهذا هو محور هذا الفصل. (?) نظم مختلفة ووجهات نظر مختلفة

من الواضح أن متغير القيادة أمر حيوي في تحديد مسألة إن كانت القضايا البيئية تظهر في جدول الأعمال السياسي أو في التأثير بقوة في ذلك، ولكن توجد قضايا أخرى هنا تستحق التعليق. أشار بعض المحللين إلى أن الدول الديمقراطية لن تكون قادرة على التعامل مع مشاكل الطاقة والبيئة؛ لأن جماعات الضغط القوية ذات المصلحة الشخصية تهيمن عليها، وتسودها ثقافة مادية ومركزة على سبل الوفاء بالاحتياجات القصيرة المدى.3 مع ذلك، لا توجد أدلة مقنعة على أن الدول الاستبدادية كان أو سوف يكون أداؤها أفضل، أو أن المجتمعات المغلقة سوف تكون أكثر فاعليةً في توليد الابتكار التكنولوجي، أو أن تعبئة القاعدة الشعبية للمجتمع المدني سعيًا لتحقيق الأهداف المشتركة ستكون ممكنةً في المجتمعات الاستبدادية، التي قوضت عمدًا جميع عناصر المجتمع المفتوح. وهذا بطبيعة الحال لا ينفي أن الأنظمة الديمقراطية لديها بعض العيوب البارزة، ليس أقلها الميل إلى التناقض الناتج عن الانتخابات المتكررة والتغييرات في الحكم. ومع ذلك، فإن معظم الدول الديمقراطية أغنى بكثير وأكثر فاعليةً بكثير في أداء المهام الحيوية التي ستكون ضرورية للتعامل مع الطاقة والبيئة؛ مثل التخطيط للمستقبل، ودعم البدائل، ورعاية البحث العلمي والتكنولوجي. ويبقى أن نرى إن كانت الصين المعاصرة ستكون استثناءً من هذا التعميم أم لا؛ فمع الحفاظ على الضوابط السياسية الصارمة، تحوَّلت الصين بنجاح حتى الآن من نظام شيوعي مغلق إلى اقتصاد مركنتيلي شبه مفتوح يستثمر بكثافة في الطاقة المتجددة؛ وأصبحت في مقدمة قائمة الدول، مقارَنةً بما كانت عليه. وسنعود إلى مسألة الصين في الفصل الختامي. ترتبط القدرة على التوصل إلى اتفاقيات دولية ناجحة في مجالي الطاقة والبيئة على نحو وثيق بالإيجاد المسبق للتوافق المحلي حول هذه القضايا. ومع ذلك، من الواضح أن هذه القدرة تختلف اختلافًا شديدًا في مجموعة الدول المساهمة الرئيسية في الاحترار العالمي. يمكن صنع التوافق أو فرضه في الدول الاستبدادية، مع أنه حتى في الولايات المتحدة من المفترض أن يؤثر الدعم الشعبي ودعم النخبة على مدى فاعلية هذا التوافق في الممارسة العملية. وربما تقل الاختلافات بين الدول الديمقراطية من حيث تحقيق توافق كافٍ، ويرجع ذلك في جزء منه إلى التوافق العلمي المتنامي، وفي جزء آخر إلى التغيرات في الحكومة في الولايات المتحدة وغيرها من الدول. ومع ذلك، لا تزال الخلافات كبيرة، ومن المرجح أن تظل كذلك لعدة سنوات بسبب المخاوف من ارتفاع التكاليف المرتبطة باقتصاد طاقة جديد، والمخاوف من فقدان الميزة التنافسية إذا تبنَّتْ دولةٌ عملياتٍ جديدة ولم يتبنَّها المنافسون، وبسبب نوع من الخوف والقلق المعمم حول المستقبل الاقتصادي على المستوى الفردي وعلى المستوى الوطني.4 حتى مع وجود قيادة سياسية قوية ومعلومات جديدة حول وتيرة التغير المناخي وعمقه، من المتوقع أن نشهد توترًا متواصلًا بين التوافقات المحلية غير المستقرة، والتفسيرات المتباينة للمصالح الوطنية ونشهد كذلك الحاجة المتزايدة لتحقيق درجات كبيرة من التعاون الدولي. والحكومات الديمقراطية — مهما كانت فضائلها الوفيرة — تضيف حتمًا درجة كبيرة من عدم القدرة على التنبؤ إلى عملية التفاوض؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يتيقَّنَ مما سوف تكون الحكومة القادمة قادرةً أو غير قادرة على فعله، أو راغبة أو غير راغبة في فعله. على أيِّ حال، إذا استمر الاحترار العالمي، فلن يكون نوع النظام السياسي متغيرًا ذا أهمية كبيرة؛ فربما يجبر تدهور الأوضاع «جميع» الدول على اتخاذ إجراءات متماثلة للغاية — وكثير منها سيكون إلزاميًّا — للتكيُّف مع التهديدات الأكثر حدةً أو للتخفيف منها.
ثمة مسألة أخرى ظهرت في عملية التفاوض، وهي تتعلق بآثار وجهات النظر المختلفة للاقتصاديين ومناصري حماية البيئة ومتخصصي العلوم السياسية. فببساطة، مناصرو البيئة عرضة للتركيز على «المبدأ الوقائي»، وهو شكل من أشكال تحليل «أسوأ سيناريو»؛ هذا التحليل الذي يصر على التصرف قبل الحصول على كل الأدلة خشية أن التأخير في التصرف سيخلق منزلقًا لا رجعة فيه نحو كارثة.5 ونكون مدفوعين حينها إلى القيام بأمور «بغض النظر عن التكلفة»، وهو موقف غير منطقي بالنسبة للاقتصاديين الذين يصرون على أننا لا يمكن أو لا ينبغي أن نتجاهل التكاليف، وعلينا أن نحاول الاحتفاظ بالمرونة في ضوء حدود معرفتنا. ويجب على المرء أيضًا، كما يفعل بول كروجمان، إدراك أنه من الضروري أن يتجاهل ما يسميه «الأمور الاقتصادية غير المرغوب فيها»؛ فهو يشجب الحجج المغالية في التبسيط القائلة بأن «حماية البيئة ستحقِّق مكسبًا، دون أيِّ تكاليف»، ولكنه يقول أيضًا: «تشير أفضل التقديرات المتاحة إلى أن تكاليف برنامج الحد من الانبعاثات ستكون متواضعة، ما دام نُفِّذ تدريجيًّا.»6 وقدَّمَ ستيرن حججًا أكثر تفصيلًا حول تكاليف وضع وتنفيذ استراتيجية اقتصادية منخفضة الكربون، ويقدر ستيرن التكاليف في حدود ?-?? من الناتج المحلي الإجمالي في العقود المقبلة، وهي بالتأكيد أقل من تكاليف التعامل مع احترار عالمي حاد. وعلى أيِّ حال، فإن الصراع بين تركيز مناصري حماية البيئة على اتخاذ قرار حاسم بشأن الإجراءات المطلوب اتخاذها، وتركيز الاقتصاديين (ومتخصصي العلوم السياسية) على منهج تقدير التكاليف بالنسبة إلى الفوائد؛ يمكن أن يكون شديدًا، ويمكن أن يؤدي إلى خلافات حادة حول ما ينبغي القيام به ووقت القيام به. أخيرًا، من المتوقع أن يقاوم متخصصو العلوم السياسية أيَّ نهج لا سياسي في جوهره، ويركز على نحو ضيق أكثر من اللازم على إيجاد الآليات المؤسسية المناسبة للتغلب على مشاكل الإجراء الجماعي، ويتجاهل جدوى التسوية السياسية التي ستكون الآلية المؤسسية معنية بحمايتها.7 ومن هذا المنظور، فالحلول الوسط والتنازلات لا مفر منها، وتجاهُلها قد يخلق حالة أخرى يصبح فيها «الأفضل عدوًّا للجيد»؛ لا سيما عندما لا نكون متأكدين كثيرًا مما يُعتبَر «أفضل». وعلى أيِّ حال، كل هذه التحيزات المهنية ربما تجعل الاتفاقيات التعاونية صعبةً للغاية. (?) تحسين التوقعات

من المتوقع أن تختلف آثار الاحترار العالمي — سواء كانت محلية أو إقليمية أو دولية — في الشدة وكذلك الموقع الجغرافي. علاوة على ذلك، لأن القدرات على التعامل إما مع مصادر المشكلة أو مع عواقب تغير المناخ؛ تختلف أيضًا اختلافًا كبيرًا، فإن الرغبة أو القدرة على دفع تكاليف تخفيف الآثار والتكيُّف معها نادرًا ما تكون متناظرة. ومن ثَم، فإن الهدف العسير المتمثل في وضع إطار سياساتي عالمي مستقر، وإنشاء مؤسسات دولية فاعلة، والتوصل لسعر عادل بمرونة ومتفق عليه بالتبادل لانبعاثات الكربون؛ هدف من الصعب جوهريًّا تحقيقه. توجد أسئلة متعددة تحتاج إجابات عليها؛ منها: على أيِّ مستوًى ينبغي أن تبدأ المفاوضات؟ مَن سيحصل على مقعد حول طاولة المفاوضات؟ هل سيُحدِث شكلُ الاتفاقية أيَّ فارق؟ ما نهجُ عملية صنع السياسات ذو الاحتمالات الأوفر للوصول إلى اتفاقيات واقعية؟ ما المبادئ التي ينبغي أن نستعين بها في الإجابة على هذه الأسئلة؟ نبدأ بتلخيص بعض الشروط العملية التي عادةً ما تصاحب المفاوضات الناجحة. صحيح أنها كثيرًا ما يتم تجاهلها، ولكن لماذا ينبغي أن يشغلنا ذلك؟
في المقام الأول، يجب أن تقتنع الحكومات أن لديها مصلحة قوية في التفاوض وفي دفع تكاليف بلوغ اتفاق دولي، وبطبيعة الحال، يجب أن يكون لديها تحالف محلي قوي على استعداد لدعم الاتفاق الذي تتوصل إليه أيًّا كان. ومما يتضمنه ذلك بوضوح أنه يجب أن تُجرَى مفاوضات على ثلاثة مستويات على الأقل؛ أحيانًا في الوقت نفسه، وأحيانًا على التوالي: على الصعيد الداخلي، وعلى مستوى المجموعة الأكبر داخل منظومة التفاوض الدولي، وعلى مستوى ما بين المجموعات للتوصل إلى اتفاق نهائي. لكلِّ مستوًى مشاكله الخاصة، التي تُفاقِم الصعوبات على المستوى النهائي ما بين المجموعات. والعملية التفاوضية المعقدة تلك، وخاصة داخل منظومة الأمم المتحدة، أصبحت مختلَّة على نحو متزايد؛ فدائمًا ما يكون التوافق داخل المجموعة هشًّا، وكثيرًا لا ينتج عن المفاوضات اللاحقة التي على مستوى ما بين المجموعات سوى نتائج مبهمة غير واضحة بالمرة. واستمرت هذه العملية لا لسبب إلا غياب وجود بديل فاعل للمفاوضات بين أكثر من ??? دولة.
وتشمل العقبات التي تعترض سبيل التقدم على الصعيد الوطني الجداولَ الزمنية السياسية المتباينة؛ ربما بسبب الانتخابات المقبلة أو تغيير القيادة. ويمكن أن تطول العملية الدولية على نحو مفرط بسبب الانقسامات الداخلية داخل كل مجموعة (لا سيما بلدان العالم الثالث العديدة والمتنوعة للغاية)، وبسبب أنه قد لا يوجد الكثير من التوافق بين حزم المطالب التي تقدِّمها كل مجموعة، وربما تؤخِّر الخلافاتُ حول الإنصاف أيضًا الوصولَ لاتفاق، وكذلك الشكوك بشأن توزيع الأرباح والخسائر. بالطبع، تسعى الدول للوصول إلى اتفاقات تقدِّم منافع متبادلة (أو تعويضًا للخاسرين إذا لزم الأمر)، ولكن الاختلافات في القوة والمصالح المدركة يمكن أن تؤثِّر على حسابات الشروط المقبولة والتخصيص السليم للتكاليف. يمكن التغلب على العقبات بسهولة أكبر إذا كانت دولةٌ غنية وقوية على استعداد لدفع أكثر من حصتها النسبية من التكاليف الأولية للاتفاقية لضمان التوصل إلى نتائج مستقبلية أكثر فائدة، ولكن هذه التضحيات صعبة في ظل البيئة السياسية والاقتصادية الراهنة. توجد هذه العقبات في جميع مجالات التفاوض، لكنها تكون أكثر حدةً على مستوى المؤتمرات العالمية.
في حالة وجود إجماع داخل نطاق سياساتي، فإن الساحة المحلية عادةً ما تكون أقل تبعيةً. فعلى أيِّ حال، بمجرد وضع السياسة الداخلية، فمن الصعب تغييرها؛ حيث تظهر تحالفات للدفاع عنها ولمعارضة السياسات الجديدة ذات التكوينات المختلفة من الفائزين والخاسرين. ومن المتوقع أيضًا أن ينصاع صنَّاع القرار للسياسات القائمة — إلا عندما يكونون جددًا في مناصبهم — وأن يتجاهلوا المعلومات المناقضة ويبرروا الفشل باعتباره مجرد مقدمة لتحقيق النجاح في المستقبل. علاوة على ذلك، وعلى النقيض من نماذج صانع القرار العقلاني في صنع القرارات، فإن صانع القرار في العالم الحقيقي من المحتمل أن يكون غير متأكد من الأهداف والأولويات، ومنحازًا لخياراته، ومنجذبًا إلى مختلف الاتجاهات بفعل العاطفة والعقل، وخاضعًا لضغط شديد بسبب ضرورة انتقاء خيارات لا بد أنها تزعج بعض الجماهير المهمة.8 والصراعات المحلية مهمة في حدِّ ذاتها، لكن يمكنها أيضًا أن تقوض عملية التفاوض الدولي. توجد مشكلة أخرى مع هذا الشرط هي أن قياس النجاح ليس واضحًا تمامًا، فالنجاح (أو الفشل) يعكس الأحكام الموضوعية والشخصية؛ ومن ثَم التحرك نحو تحقيق بعض الأهداف — مثلًا، تحقيق أهداف خفض الانبعاثات — التي يمكن قياسها بموضوعية، ولكن الأحكام الشخصية تتدخل أيضًا؛ إذ إنه يجب أن يشعر مختلف أطراف الاتفاق أن الاتفاق ناجح وفقًا لمعاييرهم الخاصة. وحتى لو بَدَا أن بعض الأهداف تحقَّقت على نحو موضوعي، فإن مسألة إن كانت كافية (على الأقل من حيث المعرفة الراهنة) تكون أو يمكن أن يكون الحكم عليها شخصيًّا إلى حدٍّ كبير. كما يوجد أيضًا التعقيد الإضافي الذي يتمثل في أن النجاح أو الفشل القصير المدى يمكن أن يتحول إلى فشل أو نجاح طويل المدى. باختصار، يمكن أن تكون الأحكام المبكرة بالنجاح أو الفشل مضللةً أو مدمرةً.
من المتوقع أن يكون العامل الثاني في تسهيل التفاوض بشأن الاتفاقيات الدولية هو وجود شعور واسع الانتشار — لا سيما بين المشاركين الرئيسيين — بأن أطراف الاتفاقية سوف يمتثلون لها، وأن لديهم القدرة على القيام بذلك مع وجود عقوبات ذات مصداقية وجدِّية لعدم الامتثال أو من دون وجودها، وأنهم لم يوقِّعوا الاتفاقيةَ بنِيَّة الخداع. ويدور جدل حادٌّ بين المتخصصين حول مسألة إن كان عدم الامتثال ينبغي أن يُعامَل على أنه انتهاك للاتفاقية يجب المعاقبة عليه، أو على أنه مشكلة يجب التغلب عليها عن طريق الإقناع ومحاولة تعزيز القدرة على الامتثال. مع ذلك، الإجاباتُ المجردة على هذا السؤال ليست مفيدة كثيرًا. يعتمد الكثير في هذا الأمر على خطورة المخالفة (على سبيل المثال، المخالفة خطيرة في حالة إيران ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية)، وعلى أهمية الدولة المخالفة في سياق المشكلة الحالية، والقدرات الإدارية والفنية لطرف الاتفاقية الذي لم يمتثل. إن أوجُه الإبهام واضحة؛ فعدم امتثال الصين لاتفاقيةٍ للحد من انبعاثات الكربون يشكِّل انتهاكًا خطيرًا جدًّا، لكن ربما يتم تجاهُل محاولة فرض عقوبات صارمة، وإلا فستؤدي إلى جعل الصين تبتعد عن أيِّ التزام آخر للحد من الانبعاثات. لكن إذا لم تُطبَّق العقوبات، أو على الأقل إذا لم تمثِّل تهديدًا ذا مصداقية، فماذا سيكون الحافز للامتثال بالنسبة للصين في المقام الأول، بصرف النظر عن الإدراك المتزايد بأن الاحترار العالمي سيكون كارثيًّا بالنسبة للصين مثل جميع الدول الأخرى؟ وعلى النقيض، الدولة الأفريقية التي لا تمتثل لأنها تفتقر إلى القدرة على القيام بذلك لا ينبغي أن تكون مرشحًا لفرض عقوبات عليها: ربما لا يؤدي عدم امتثالها إلى أيِّ عواقب سوى العواقب المحلية (التي قد تكون شديدة)، وهي بحاجة إلى المساعدة الفنية والمالية لتصبح قادرة على الامتثال. وفي كلتا الحالتين، باستثناء وجود حالة طوارئ ناجمة عن معلومات جديدة حول الاحترار العالمي، فإن الإقناع والمساعدة يبدوان نموذجًا أكثر عقلانية للجهود الرامية إلى التعامل مع عدم الامتثال، أو ربما ينبغي للمرء أن ينتهي إلى الرد الاقتصادي الشهير على جميع الأسئلة؛ كل هذا يعتمد على الموقف. وما يعتمد الأمر عليه هنا هو الأحكام حول خطورة المخالفة المذكورة؛ على سبيل المثال، إذا استمر الاحترار العالمي في التصاعد، فإن عدم امتثال بلد كبير أو حتى العديد من البلدان الصغيرة يمكن أن يشكِّل تهديدًا قاتلًا يبرِّر فرض عقوبات شديدة. الحكم السياقي من النوع نفسه ضروري فيما يتعلق بالانتفاع بالمجان؛ يتوقف الأمر كله على مَن يفعل ذلك ومدى خطورة المشكلة في الوقت الراهن. علاوة على ذلك، يمكن السيطرة على الانتفاع بالمجان عن طريق أن يكون من المعلوم أن عدم الامتثال سوف يؤثر على العلاقات التي ستستمر في المستقبل، وستزيد احتمالات الامتثال أيضًا إذا كانت عقوبات عدم الامتثال شفافة ومتسقة، وإذا كانت توجد آلية لتسوية النزاعات.
من المتوقع أن يتأثر الامتثال والتنفيذ بشدة بنطاق السياسة الداخلية أيضًا؛ فإحدى المشكلات هي أن الأفراد الذين يتفاوضون على الاتفاقية الدولية من غير المحتمل أن يكونوا هم الأفراد المسئولين عن تنفيذها، فربما يتبدد الإحساس «بملكية» الاتفاقية، وربما تؤثر مجموعة مختلفة من المصالح ووجهات النظر في الأمر. إضافة إلى ذلك، تتغير في كثير من الأحيان الظروفُ التي كانت سائدة عندما تم التوصل إلى اتفاق، وفي بعض الأحيان يكون هذا التغير جذريًّا، كما تتغير الحكومات بوتيرة منتظمة إلى حدٍّ ما. ومن ثَم فإن الشكوك بشأن استعداد أو قدرة أطراف الاتفاقية الآخرين على تنفيذها بأمانة هي شكوك مزمنة، وربما تؤدي في الواقع إلى حلقة مفرغة؛ عمليات انسحاب استباقية من الاتفاقية توقعًا للانسحاب الاستباقي للأطراف الأخرى. وربما تكون الاتفاقيات التي لم تنفذ أسوأ من عدم التوصل لاتفاقية على الإطلاق؛ من حيث إنها قد تجعل التفاوض حول الاتفاقيات المقبلة أكثر صعوبةً.
يوجد سبب عملي آخَر لأخذ مسألة التنفيذ على محمل الجد؛ الغالبية العظمى من المفاوضات تكون بين الحكومات الوطنية في شكل مفاوضات ثنائية أو متعددة الأطراف، ولكن في كثير من الأحيان سوف تُنفذ الاتفاقية المتفاوض عليها على الصعيد دون الوطني؛ إذ إن السلطات الإقليمية والمحلية قد يكون لها السيطرة على أمور مثل إنتاج الطاقة وشبكات النقل وإنفاذ القوانين. وللتوضيح، قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحكومات دون الوطنية تؤثر في «??–?? بالمائة من مشاريع خفض انبعاثات غازات الدفيئة؛ ما يجعل أيَّ اتفاق في كوبنهاجن بلا معنًى، ما لم تضع الحكومات البِنى اللازمة لضمان ترجمة الالتزامات إلى إجراءات على المستوى المحلي.»9 وتسيطر الحكومات الإقليمية والمحلية أيضًا في كثير من الأحيان على الموارد المالية الحيوية، ومن المرجح أيضًا أن تكون أول مَن يتأثَّر بالكوارث البيئية والمسئول الأول عن عمليات الإنقاذ. إضافة إلى ذلك، ربما تكون خبراتها ومعرفتها المحلية متفوقة على خبرات ومعرفة الحكومات الوطنية. تشير هذه الاعتبارات إلى أن القدرات والمشاركة المحلية يجب أن تكون شاغلًا بالغ الأهمية في عملية التفاوض الدولي. ونادرًا ما تكون كذلك، ويعود السبب في جزء منه إلى أن البيروقراطيات والحكومات الوطنية تهتم للغاية بحماية دائرة نفوذها. وبطبيعة الحال، عادة ما تكون البنية التحتية والخبرات المحلية في البلدان النامية ضئيلة، ومن ثَم يضمن ذلك فشل السياسات ما لم تكن المؤسسات الدولية قادرة على المساعدة بسرعة وفاعلية، ويجدر أيضًا إدراك أنه في حين أن التنفيذ المحلي والإقليمي شاغلٌ بالغ الأهمية، سيكون دائمًا من الصعب دمج هذا الشاغل في سياق المفاوضات الدولية.
أخيرًا، يوجد شرط آخر ربما يكون له في بعض الحالات تأثير على احتمالات التفاوض على اتفاقيات ناجحة، يتعلق هذا العامل بتصميم الاتفاقية نفسها.10 مع كثرة الشكوك البالغة وتطور المعرفة بسرعة كبيرة وعدم استقرار تفسيرات المصالح، فإنه ليس من المستغرب أن تسعى الدول للحصول على تأمين ضد احتمالية أن يصبح التزام اليوم عبئًا في العام المقبل. وكما ذكرنا آنفًا، إحدى طرق التعامل مع هذا الوضع تكون من خلال إضفاء المرونة على أحكام الاتفاقية، من خلال تحديد فترات متكررة للتقييم والمراجعة، وربما عن طريق إنشاء نظام امتثال يُؤثِر الإقناع والمساعدة بدلًا من فرض عقوبات قاسية. ومن المؤكد تقريبًا أن تتغير الظروف التي تسود عند توقيع الاتفاقية المبدئية بطرق مهمة، ومن المنطقي أن يؤخذ ذلك في الاعتبار من البداية؛ فمحاولة فرض الامتثال للشروط التي عفى عليها الزمن أو الزائدة عن الحاجة أمر غير منطقي سياسيًّا واقتصاديًّا. تمثِّل هذه التعميمات تحذيرًا يمكن أن يكون مفيدًا حول ما يحتاج المفاوضون وضعه في اعتبارهم؛ وهي لا تضمن النجاح لكنها ربما تيسِّره. ومع ذلك، في سياق الطاقة والبيئة حيث تمتزج السياسة والسلطة، والعلم والتكنولوجيا، وعلم الاقتصاد وعلم البيئة، والمحلي والدولي معًا بطرق معقدة، ربما نحتاج أكثر من ذلك؛ ربما نحتاج اقتراحات محددة وعملية حول كيفية التنقل خلال ساحة المفاوضات الوعرة التي تتطور باستمرار.
(?) الجدل حول أماكن المفاوضات

ما هو أفضل محفل للتفاوض على اتفاقيات دولية تعاونية؟ سوف تؤثِّر إجابتنا على نوع الاتفاقية الدولية التي يجري التوصُّل إليها واحتمالية تنفيذها. هل هي على المستوى العالمي، تجمع دول العالم جميعها تقريبًا، والمنظمات الدولية ذات الصلة، فضلًا عن مجموعة كبيرة متنوعة من المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام والعلماء والناشطين، في مكان واحد لفترة معقولة من الوقت للوصول إلى معاهدة تَعِد بحلٍّ أو بتقليل المشاكل التي تظهر في أحد نطاقات الاهتمام؟ أم ينبغي على المرء السعي إلى الوصول لاتفاق في أماكن أصغر، مثلًا بين أولئك الذين لهم تأثير قوي ومباشر فحسب على المشكلة (على سبيل المثال، المنتجون الرئيسيون لانبعاثات الكربون)، أو في مجموعات أصغر مُشَكَّلة بالفعل مثل مجموعة العشرين أو مجموعة الدول الثماني أو مجموعة الثماني زائدًا عليها خمس (الصين والهند والبرازيل والمكسيك وجنوب أفريقيا)، أو في «ائتلافات القوى الراغبة» المُنشأة خصوصًا لذلك؟
من المتوقع أنه لن يوجد مكان واحد كافٍ لجميع القضايا، وسوف تكون التنازلات حتمية، ويمكن أن يكون أيُّ مكان أو كافة الأمكنة مناسبةً بالنسبة لبعض القضايا، وغير ملائمة تمامًا لقضايا أخرى. إضافة إلى ذلك، يجب أن توجد عملية التفاوض كمتسلسلة؛ فلا يوجد مستوًى — من المستوى الشعبي حتى العالمي — غير ذي صلة، وستسعى عملية صنع السياسة الناجحة إلى ضمان أن الإجراءات والسياسات على كل مستوًى تتفق مع الإجراءات والسياسات على المستويات الأخرى وتكملها. وإذا فشلت المفاوضات بين الدول في التوصُّل إلى اتفاقيات فاعلة، وإذا تُرِكت كل دولة تقريبًا تتصرف كما تريد، ربما نحتاج إلى إعادة النظر في عملية وضع السياسات الدولية بأسرها، فربما نُضطر إلى قلبِ هذه العملية رأسًا على عقب؛ فبدلًا من التركيز على الاتفاقيات المتعددة الأطراف، قد نُضطر إلى التأكيد على حتمية وضع كل دولة لأهدافها وجداولها الزمنية الملزِمة قانونًا وخططها للاستجابات السريعة حال وقوع أزمةٍ ما. فعلى سبيل المثال، في اجتماعٍ ما قبل كوبنهاجن اقترح ممثل أستراليا سلسلة من «الجداول الوطنية» كبديل لنهج كيوتو. وربما تكون هذه البرامج الوطنية بمنزلة أساس لجهود لاحقة لوضع إطار عالمي مشترك للسياسات المتفق عليها بالتراضي.11 ويمكن أن تكون البرامج الوطنية نماذج أولية لما يمثِّل الحد الأدنى للتفاوض في المفاوضات المتعددة الأطراف، وهذه هي ثاني أفضل استراتيجية، ولكنها لا تزال سابقة لأوانها؛ فالمسار المتعدد الأطراف صعب ولكنه ليس ميئوسًا منه بعدُ، لكنه ربما يصبح كذلك، ونحن بحاجة إلى التفكير في بدائل الآن. سنناقش ما حدث في كوبنهاجن في بداية الفصل الختامي، ويكفي هنا أن نشير إلى أنه على الرغم من سلسلة الاجتماعات التحضيرية الأكبر في تاريخ دبلوماسية المؤتمرات، فقد فشل مؤتمر كوبنهاجن في تلبية الآمال أو التوقعات. إن البحث عن بدائل مطروحٌ بالفعل، ولكنه غير مثمر حتى الآن بسبب المصالح المتضاربة.
وينبغي أن تكون فوائد أيٍّ من أماكن التفاوض الأصغر واضحة؛ فمن خلال جمع البلدان المتقدمة الكبرى والقوى «الناشئة» الكبرى — الصين والهند والبرازيل بالإضافة إلى بلد أو اثنين آخرين — مع تمثيل محدود للبلدان النامية الأخرى، فإنه ربما يكون من الأسهل التوصل إلى توافق في الآراء بين الأطراف المتماثلة نسبيَّا، وستزيد احتمالات أنه ستكون لديهم القدرة على تنفيذ الاتفاقات. بطبيعة الحال، ربما تجعل الصين والهند والبرازيل الوصولَ إلى توافق في الآراء صعبًا، ولكن يمكن أن يحدث الأمر نفسه مع المحافل الأكبر. وعلاوة على ذلك، بعض البلدان النامية التي اختيرت لتمثيل البلدان النامية ككلٍّ أو لتمثيل منطقة معينة داخل مجموعة السبع والسبعين (مجموعة بلدان العالم الثالث داخل منظومة الأمم المتحدة)، ربما تشعر بضرورة أن تكون أكثر راديكاليةً وتطلبًا مما قد ترغب في أن تكونه بنفسها من أجل تلبية المصالح الواسعة النطاق لبلدان العالم الثالث المتباينة للغاية. ومع ذلك، تظل هذه المحافل أكثر قابليةً نسبيًّا للإدارة من المؤتمرات العالمية، وتجمع فيها الدولَ الفاعلة الأبرز المسئولة عن الغالبية العظمى من انبعاثات الكربون. وعلى نفس المنوال، فإنها تفتقر إلى شرعية المحافل الأكبر، وبعض البلدان المهملة أو التي لا يمثِّلها سوى آخرين ربما تصبح من أكبر «مجرمي انبعاثات الكربون» في السنوات المقبلة، والدول غير الحاضرة قد لا تشعر أن أيَّ اتفاقٍ عادلٌ أو أنه يعكس مصالحها. باختصار، الاتفاقيات الأضيق بين البلدان الغنية والقوية وعدد قليل من البلدان النامية الرئيسية قد تكون فعالة نسبيًّا على المدى القصير، ولكن ستقل فاعليتها على المدى الطويل. ربما ينطبق الأمر نفسه بالنسبة لأصغر المنتديات: المفاوضات الثنائية التي تجرى بين الولايات المتحدة والصين باعتبارهما أكبر دولتين متسببتين في انبعاثات الكربون وأقوى بلدين. إذا ارتفعت حدة التوتر بين الولايات المتحدة والصين، فإن السماح للآخرين بدخول المفاوضات قد يكون مفيدًا، خاصة إذا كانوا ملتزمين بالسعي للوصول إلى اتفاق دولي ذي منفعة متبادلة. وهذا هو «ثاني أفضل» الحلول، ولكنه ربما يكون أفضل خيار متاح إذا لم يكن «أولُ أفضل» حل على المستوى العالمي متوفرًا أو مكلفًا أكثر من اللازم أو مستغرقًا لوقت أطول من اللازم للتفاوض.
بدأت مناقشة «ائتلافات القوى الراغبة» في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين، عندما أصبح عدم جدوى المفاوضات بين مجموعة السبع والسبعين والبلدان المتقدمة واضحًا على نحو متزايد. وحَّدَتْ مجموعة السبع والسبعين نظريًّا العالمَ الثالث الكبير جدًّا والمنقسم خلف مواقف مشتركة؛ في الواقع، لم تحقِّق مجموعة السبع والسبعين حقًّا مواقفَ مشتركة قطُّ، فجمعت كل المطالب ببساطة معًا في حزمة كبيرة وغير قابلة للتفاوض، وكانت النتيجة جمودًا لم يُفدْ أحدًا. ركَّزَ السعي نحو اتباع نهجٍ أكثر عملية وفاعلية في المفاوضات على ائتلافات القوى الراغبة التي تشاركت الولايات المتحدة المصالح معها في نطاق اهتمام معين، بغض النظر عن مستوى التنمية أو الموقع الإقليمي أو الأيديولوجية. وتشمل الانتقادات الرئيسية لهذه الائتلافات حقيقة أنه يجب إعادة تشكيلها متى ظهرت مشكلة جديدة، وأنه قد توجد تنازلات جديدة ضرورية، وأنها لا تكتسب عادات التعاون أبدًا.12 تبدو هذه العيوب طفيفة؛ فعملية إعادة تشكيل الائتلافات نفسها أمر ضروري في المنظمات الكبيرة والدائمة، وتوجد فائدة كبيرة في الفكاك من قيود منظومة المجموعات الجامدة داخل الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، ولا يتضح سبب عدم اكتساب عادات التعاون ضمن ائتلاف القوى الراغبة. إضافة إلى ذلك، نظرًا لأوجُه القصور المعروفة لنظام موظفي الأمم المتحدة، والتي يبدو من غير المحتمل إصلاحها في أيِّ وقت قريب، والتي لا تكافئ الجدارة على حساب النوع أو الموقع الجغرافي إلا نادرًا؛ فإن البيروقراطيات الحكومية التي من شأنها تنظيم وتنفيذ قرارات تكوين ائتلاف القوى الراغبة يمكن أن تكون أكثر فاعليةً بكثير في التفاوض على اتفاقيات حقيقية. لائتلافات القوى الراغبة مزايا أخرى عديدة، بصرف النظر عن تداخل المصالح الواضح، وإن كان حيويًّا، في مسألة معينة. تُذكَر المناقشة الموجزة في الفصل الثاني حول منافع النادي ضمن المفهوم الأوسع للمنافع العامة الدولية. منافع النادي غير تنافسية ولكنها تقبل الاستبعاد — على عكس المنافع العامة التقليدية — فعلى سبيل المثال يتطلب دخول حديقة وطنية أو استخدام الطريق السريع رسومًا. في هذا السياق، فإن ميزة ائتلاف القوى الراغبة هي أن الأعضاء يشتركون في مصلحة ويوافقون على قواعد النادي، ولكن يمكن لغير الأعضاء الانضمام متى يكونون على استعداد لقبول اتفاقياتها والالتزام بقواعدها. لا توجد استثناءات اعتباطية من خلال الموقع الجغرافي أو الانتماء الأيديولوجي أو حتى الثروة. وفوق كل شيء، هذه المجموعات الصغيرة لكن غير الحصرية تزيد احتمالات أن تكون قادرة على التوصل لمواقف مشتركة وتنفيذها بسرعة، وعلى التكيف سريعًا مع التغيرات في المعلومات أو الظروف الخارجية. ربما لا تزال المساعدات الخارجية والمساعدات الفنية ضرورية لبعض الأعضاء الأفقر والأضعف في الائتلاف، لكن تقل احتمالات حدوث ابتزاز على مستوًى كبير كثيرًا ما يحدث في الساحات العالمية؛ حيث يمتنع بعض المشاركين عن الموافقة ما لم يتم شراء موافقتهم. على أيِّ حال، في حين أن هذه الائتلافات ربما تكون من الناحية النظرية ثاني أفضل حل، فإنها ربما تكون أيضًا أفضل الوسائل المتاحة للوصول لتوافق واقعي في الآراء بين عدد معقول من الدول، ولفعل ذلك بسرعة، ولتوفير القدرة على التنفيذ الفاعل، وللسماح بانضمام أعضاء جدد بسهولة نسبية. وهذا الانفتاح أمام الأعضاء الجدد الذين يقبلون قواعد النادي هو الفارق المهم عن الأندية الحصرية مثل مجموعة الدول الثماني أو مجموعة العشرين.
ربما يوجد أيضًا تشابه مفيد هنا مع بعض الأفكار العملية التي ظهرت داخل الاتحاد الأوروبي للتعامل مع حقيقة أن توسُّع الاتحاد الأوروبي أضاف عددًا من البلدان الأكثر فقرًا والأقل نموًّا، التي تحتاج إلى مزيد من الوقت للتكيف مع قواعد ولوائح الجماعة. تعكس إحدى الأفكار الجدلَ حول «التوسُّع مقابل التعمُّق»؛ أيْ مسألة إن كان ينبغي أن يتوسع الاتحاد الأوروبي على نحو سريع ليشمل جميع الأعضاء المحتملين في أوروبا أو إن كان ينبغي أن يكون التوسع تابعًا لتعميق درجة التكامل بين الأعضاء القائمين. فضَّلَ الاتحاد الأوروبي جانب التوسُّع بقوة، ولكن في السياق الحالي ربما يجب أن يأخذ التعمُّقُ الأسبقيةَ. ومن المتوقع أن يحتوي حتى ائتلاف القوى الراغبة على أعضاءٍ على مستويات مختلفة من التنمية وذوي تفسيرات مختلفة للمصالح الوطنية. هكذا تزداد احتمالات استمرار الائتلاف وازدهاره إذا كان يسعى تدريجيًّا لتعميق التزامه بالمبادئ المتفق عليها، ولكن يدرك في الوقت نفسه ضرورة وجود درجات متفاوتة من الالتزام والتنفيذ، ويطلق الاتحاد الأوروبي على هذه السياسة اسم «هندسة المتغيرات»؛ وهي فكرة ألَّا يجب أن يشارك كل عضو منذ البداية في كل مبادرة سياسية. وقد نوقش هذا الإقرار «بالمسئوليات المشتركة لكن المتباينة» على نطاق واسع بين مقترحات السياسات حول المفاوضات البيئية، ولكنه غالبًا ما يصبح كناية عن التهرب من المسئوليات.13 ومع ذلك، في إطار ائتلاف القوى الراغبة (أو نادي القوى الراغبة)، ينبغي أن يكون من الأسهل إرساء فوارق واقعية، ومراقبة الامتثال، و«رفع تصنيف» الأعضاء الذين طوَّروا القدرة على الوفاء بمختلف الالتزامات على نحو تام. ظهرت فكرة «رفع التصنيف» في المفاوضات التجارية الدولية للإشارة إلى أنه عندما مُنِحت بعض البلدان النامية وصولًا تفضيليًّا إلى أسواق البلدان المتقدمة، فإنها سترتفع تصنيفيًّا؛ بمعني فقدان وضعها التفضيلي عندما تصل إلى مستوًى معين من النمو. كان يوجد جدل حتمي حول معايير رفع التصنيف ومَن ينبغي أن يتخذ القرار. وفي السياق الحالي، تنطوي الفكرة على وجود معايير مغايرة وإن كانت متقدمة تدريجيًّا من أجل قياس التقدم المُحرَز وزيادة المتطلبات مع تحسن الأداء، وكذلك سيكون من المفترض أيضًا أنه سيكون من الأسهل توفيق السياسات المحلية (إذا كان ذلك على نحو مغاير) في ائتلاف القوى الراغبة، وتنسيق السياسات الوطنية لتجنُّب الإجراءات الأحادية الجانب. باختصار، يسعى المرء هنا إلى التوصل لإطارٍ تفاوضي يتمتع بأفضل فرصة في إيجاد الْتِزامات قوية بسرعة، ومن المتوقع أن يكون أكثر مرونةً، ولكن أيضًا أقل غموضًا من الالتزامات الرخوة في الساحات السياسية العالمية، وأن يفرق بين الالتزامات والمسئوليات للدول ذوات القدرات المختلفة، ولكن ليس إلى درجة التهرب.
اقتُرِح أحد بدائل ائتلافات القوى الراغبة في كتابٍ صدر مؤخرًا.14 أيَّدَ المؤلفون إنشاءَ مجموعة من ست عشرة دولة (مجموعة الدول الست عشرة)، من شأنها أن تجمع القوى الكبرى والقوى الصاعدة في محاولة لتوحيد القدرة على العمل ومسئولية القيام بذلك. ومن المفترض أن يكون من شأن الجوهر الثابت للعضوية التشجيع على القدرة على التنبؤ والمحاسبة، ويسمح بدرجة من الحوار المؤسسي لإيجاد التوافق في الآراء. وأيًّا كانت فضائل مجموعة الدول الست عشرة كمركز لصنع السياسات في الساحة العالمية حول الكثير من القضايا، فإننا لا نعتقد أنها ستكون متفوقة على ائتلاف القوى الراغبة فيما يتعلق بالطاقة والبيئة. فمجموعة الدول الست عشرة سوف تجمع في داخلها بلدانًا لها مصالح مختلفة للغاية وتفسيرات مختلفة لمخاطر الاحترار العالمي، وهذه الاختلافات يمكن أن تؤخر أو تحبط أو تقيِّد مقترحات العمل المشترك. على النقيض، في بيئةٍ تتحتم فيها الحاجةُ للتصرف بسرعة، فإن الائتلاف الذي يجمع الدول ذوات الأولويات نفسها وذوات الشعور نفسه بضرورة تجنُّب التأخير، ربما يكون أكثر فاعليةً. (?) التفاوض حول الاستراتيجيات المحلية والدولية

لا يمكن أن تنجح سياسة دولية إن لم تكن متوافقة مع السياسات المحلية، ولن تعمل سياسة محلية بفاعلية إلا إذا كانت متوافقة مع الاتفاقيات الدولية. ومع ذلك، ينبغي أن تكون إجراءات الدولة — ويمكن أن تكون — اللبنات الأولى في العالم السياساتي المتعدد الأبعاد، وفي الواقع كان الالتزام بوضع خطط وطنية طوعية للحد من الانبعاثات إحدى الاتفاقيات القليلة التي انبثقت عن مؤتمر كوبنهاجن. ومن أجل التوضيح، أشار هال هارفي — الرئيس التنفيذي لمؤسسة «كلايمت ووركس» — إلى مجموعة متنوعة من الإجراءات التي ينبغي للدول نفسها القيامُ بها، وهي إجراءات «ذاتية التمويل وتجْني أرباحًا بيئية هائلة، ولا تحتاج إلى أن توقِّع الدولُ المائة والتسعون معاهدةً لتحقق نتائج.»15 فيمكن اتخاذ إجراءات مثل تحسين معايير الكفاءة للأجهزة والمباني، أو تحسين المسافة المقطوعة بالأميال لكلِّ وحدة حجم من الوقود في السيارات، أو اتخاذ إجراءات لحماية الغابات الوطنية؛ يمكن اتخاذها على الصعيد الوطني وتعزيزها من خلال إجراء دولي لاحق. ولكن ما هي استراتيجية التفاوض الدولية المناسبة للدول؟ يوجد بالطبع الكثير من نماذج التفاوض، والكثير من مختلف مناهج تسوية النزاعات. ومع ذلك، تميل المناهج الأبرز في المفاوضات إلى التفريق بين المفاوضات التوزيعية والمفاوضات التكاملية. النهج الأول أكثر إثارةً للخلاف لأنه يركِّز على مَن يحصل على أيِّ حصة من كعكة ثابتة الحجم، والنهج الثاني أكثر تعاونًا نسبيًّا لأنه يركِّز على زيادة حجم الكعكة بحيث يستطيع كلا الطرفين الحصول على مكاسب أكبر، مع أنه يمكن أن يوجد صراع حول مَن يحصل على الحصة الأكبر من الكعكة الأكبر. على الرغم من فائدة هذين النموذجين في وصف وتحليل بعض القضايا التقليدية في العلاقات الدولية، فإنهما لا يبدوان مفيدين في السياق الحالي؛ فيوجد تركيز ضمني في المناهج التقليدية على السلطة، وعلى مَن لديه القدرة لكسب حصة أكبر من الكعكة، وعلى ما يمكن للأضعفِ القيامُ به لتحسين احتمالات ما يحصل عليه، وعلى وقت أو أسباب اختيار الأقوى عدمَ ممارسة سلطته؛ فالمنافسة — وليس التعاون — هي بؤرة التركيز الرئيسية. وينبغي للمرء أن يلاحظ أيضًا في هذا الصدد أن بعض نماذج المفاوضات الأكثر أناقةً التي يفضِّلها خبراءُ الاقتصاد لا تؤتي ثمارها في السياق الحالي؛ لأنها تميل إلى التركيز على لقاء واحد، وليس على استمرارية العلاقة، ولأنه من الصعب تعيين قِيَم كمية لمجموعة من النتائج المختلفة.
لا تزال الاستراتيجيات التقليدية مواتية، إذا ركزنا — مثلًا — تحديدًا على السياسة الجغرافية للطاقة والصراع بين منتِجِي ومستهلكي النفط، لكنها أقل أهميةً، وربما تأتي بنتائج عكسية إذا ركَّزنا على المسائل الأوسع نطاقًا بشأن الجهود التعاونية لخلق اقتصاد طاقة جديد ولتقليل مخاطر الاحترار العالمي. فعلى نحو ضمني، ما يبدو أن الدول تتفاوض حوله في هذه الظروف ليس مجرد معرفة مَن يحصل على ماذا، ولكن أيضًا إرساء قواعد للسلوك في ساحة تعايُش تنافسي لكنه سلمي. والهدف هنا هو متابعة وحماية المصالح الوطنية، ولكن ليس لدرجة أن يوجد تهديد للنظام الدولي نفسه أو للمعاملة العادلة لجميع أعضاء المجموعة أو النادي. وفي هذا السياق يسعى المرء — ببطء لكن على نحو ثابت — لترسيخ فكرة أنه لا ينبغي السعي وراء المصالح الوطنية القصيرة المدى إلى الحد الذي يهدِّد استقرارَ النظام الدولي ذاته. وتجدر الإشارة إلى أن سياسات الصين في كوبنهاجن وسعيها للحصول على مزايا تنافسية في التجارة الدولية تبدو على خلافٍ مع ذلك المنظور الجديد للمفاوضات؛ إذ ركَّزَتْ سياساتها بقوة شديدة على تحقيق مصالحها الوطنية.
تتمثَّل إحدى المشكلات هنا في أن نماذج التفاوض التي من شأنها أن تكون أكثر ملاءمةً لعالم من رقع الشطرنج المتعددة الأبعاد يكون فيه التعاون ضروريًّا، ويجب أن تستمر المباريات فيه لعقود أو أكثر؛ لا تبدو موجودة. وتعاني مفاوضات السلام في الصراعات التي طال أمدها من العيب نفسه؛ لأن الهدف أكثر من مجرد إرساء نمط امتيازات متبادلة وتقارب تدريجي حول اتفاقية توافقية مقبولة؛ فالجانب الأضعف يسعى أيضًا للحصول على الاحترام والتقدير، ويقبل كلا الطرفين ضرورة تسوية الصراعات في النظام السياسي ويكون الهدف المشترك الطويل المدى هو إرساء قواعد جديدة للتعايش السلمي.16 ربما تقربنا النقطة الأخيرة إلى حدٍّ ما من نهج محسَّن للتفاوض بشأن قضايا الطاقة والبيئة، وإطار المفاوضات حول هذه القضايا غير مستقر لوجود مستويات عالية من المخاطر والشكوك، ولتغيُّر المعارف وتصورات المصالح بسرعة. ومن ثَم يجب أن يسعى النهج الجديد للتفاوض نحو إدارة التغيير السريع ووضع قواعد متفق عليها بصورة متبادلة حول كيفية القيام بذلك، وكيفية تفسير المعارف التي تتطور باستمرار.17 تميل التوقعات في نماذج التفاوض التقليدية إلى أن تكون تنافسية، ولكننا نبحث هنا عن توقعات يعزِّزها كلا الطرفين تتخذ التعاون والمنافسة أمرين مسلمًا بهما؛ مما يجب أن يؤثر على المعارف والمعلومات التي نسعى إليها، وأنماط السلوك التي يتبنَّاها الأطراف تجاه شركائهم في التفاوض. بدأت بالكاد هذه الحركة نحو منهج بديل للتفاوض. وثمة صلة ممكنة مع بعض الكتابات السابقة الأكثر رصانة ومعيارية حول البيئة، والتي تركز على مسئوليتنا المشتركة نحو الأجيال المقبلة بتسليم الكوكب غير مدمَّر، ولكن لم تترسخ هذه الصلة حتى الآن على نحو واضح. ومن ثَم فإن المنهج الجديد مثالي؛ إذ إنه بمرور الوقت ربما يبدأ في تغيير المفاهيم والسلوك. ربما كان أقصى ما يمكن أن يقال في هذه اللحظة هو أن الجهود المبدئية ربما ينبغي أن تركز على أنماط التفاوض التكاملية: زيادة حجم الكعكة، والتركيز على حل المشكلة وعلى إقناع البلدان الغنية أن الالتزام الواضح بالإنصاف والتنمية ربما يولِّد استجابات تعاونية تبدأ التحركَ نحو التزامات عملية مشتركة لإرساء قواعد جديدة للتعامل مع الطاقة والبيئة.
(?) منهج خاطف أم منهج متدرج متزايد السرعة؟

هل ينبغي أن نحاول التوصل إلى اتفاقية من خلال منهج «خاطف»، مثل مؤتمر كوبنهاجن؟ أم هل من الممكن تحقيق نتائج أكبر من خلال تدابير أصغر، وإنقاذ المنهج المتدرج ممَّن ينتقصون من فاعليته؟ سبق وأكَّدنا على شكوكنا حول صحة الاعتماد على المؤتمرات العالمية الكبيرة في اتخاذ قرارات واقعية، لكننا لم نوضِّح السبب وراء شعورنا بأن الأسلوب الأكثر تواضعًا في صنع السياسات في منتدًى أصغر قد يؤدي إلى نتائج أفضل. فالتدرج — الذي يَفترض أن أفضل دليل لسياسة الغد هو سياسة الأمس، وأن التغيير «تدريجي» — واجَهَ انتقادات شديدة في السنوات الأخيرة، لا سيما فيما يتعلق بعمليات السلام الفاشلة في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى. ويبدو كثير من الانتقادات مبرَّرًا عندما تفشل الخطوات الصغيرة في الاحتشاد لتحقيق تقدُّم مطرد نحو الهدف، فيمكن للصدمات والمفاجآت أن تُخرِج بسهولة أيَّ عملية عن مسارها قبل تحقيق تقدُّم كبير، وربما يُعتقَد أن الخطوات الثورية الحقيقية قد تتطلب مؤتمرًا كبيرًا (مثل اتفاقية كامب ديفيد في عام ????، أو اتفاقية دايتون في عام ????) يجمع كل الزعماء الكبار معًا من أجل التغلب على الجمود والركود، ولكن الظروف التي سهلت النجاح في تلك الحالات لا تتكرر بسهولة، خاصة مع وجود أكثر من ??? بلدًا يريد حماية مصالحه.
أشار فيرتسبرجر أيضًا إلى أنه في القرارات ذات المخاطر العالية توفر العملية التدريجية شعورًا زائفًا بالثقة في التحكم في الوضع، وتتسبب في تصلب معرفي يثبط التعلم.18 ولكن أيَّ عملية اتخاذ قرارات تنطوي على مخاطر عالية قد تفعل الشيء نفسه، وليس واضحًا إن كان تبنِّي استراتيجيةٍ «مستدامة» قائمةٍ على منهج التدرج لن يُسفِر عن نتائج أفضل أم لا. وهذا صحيح لا سيما إذا كان من المهم أن تبدأ عملية سياساتية جديدة بعد أن تدهورت المفاوضات المبكرة ووصلت إلى طريق مسدود غير ذي جدوى. ما يبدو أن منتقدي المنهج التدريجي ينتقدونه هو الإجراءات التدريجية المنعزلة وغير المنسقة، وليس اتباع «استراتيجية» تدريجية تبدأ بهدف مشترك يتم الاقتراب منه تدريجيًّا من خلال الخطوات المخطط لها والتي تستمر في السراء والضراء. يقترب فاريل وبوزون مما نقصده هنا؛ فهما يعارضان «الرهانات الكبيرة على تحقيق إنجازات مذهلة صعبة البلوغ»، ولكن يؤيدان «حملة مركزة للقيام بمئات من التحسينات التدريجية التي تؤدي إلى تأثير تراكمي كبير على خفض استهلاك الطاقة.»19 فإذا كانا قد أيَّدَا أيضًا بذل جهد أوليٍّ يرمي إلى وضع أهداف مشتركة من شأنها أن توفر التوجيه لاختيار الإجراءات التدريجية، وإذا كانَا أكَّدَا على ضرورة التخطيط من البداية للتعامل مع الصدمات والمفاجآت التي لا مفر منها، كان منهجهما سيتطابق تقريبًا مع المنهج الذي ننادي به هنا. والهدف هو الحفاظ على التدرج وجعله التزامًا طويل المدى حول كيفية المضي قدمًا، وليس مجرد مجموعة من الإجراءات المنعزلة التي من السهل أن تحيد عن مسارها. نعتقد أن هذا التركيز سيقلِّل من معظم أوجُه القصور التي تُعزى عادةً إلى التدرُّج. ربما يجد هذا المنهج مقاومة ناشئة ليس فقط من تاريخ الإخفاقات السابقة للسياسات التدريجية، ولكن أيضًا لأن الاستراتيجية التدريجية قد تبدو كبيرة (أو متكلفة؟) على نحو غير كافٍ بالنسبة لحجم المشاكل في مجالَي الطاقة والبيئة. وقد اقترح البعض المراهنة «بكل شيء» على تكنولوجيا ثورية واحدة محتملة، ولكن المبادرات الكبيرة قد تؤدي إلى احتفالات كبيرة في حديقة البيت الأبيض بدلًا من النتائج العملية عندما يحين وقت التنفيذ. أما المنهج المقابل لمنهج المقامرة الكبيرة فهو التركيز على مجموعة شاملة من التدابير السياساتية، والتي يُموَّل كل منها على نحو كافٍ، ويمكن أن يكون هذا مكلفًا للغاية ما لم تحدد أولويات واضحة. والتفضيل المقدم هنا هو التدرج المتسارع خطوة فخطوة، وسوف نحدد في الفصول الثلاثة المقبلة وجهة نظرنا بشأن الخيارات والقرارات التي يجب اتخاذها على كل فترة زمنية.
أكدنا بالفعل على معضلات ومخاطر صنع السياسة عندما يوجد الكثير جدًّا من الشكوك، وعندما تكون المصالح غير واضحة أو غير مستقرة، وعندما يكون الاقتصاد العالمي في حالة هشة للغاية. ربما يكون من الأفضل في مثل هذه الظروف أن يكون المرء حكيمًا، وأن يفعل ما يمكن فعله وليس ما قد يكون أو لا يكون من الضروري القيام به، وأن يسعي قبل كل شيء نحو بدء عملية لها تأييد واسع النطاق؛ عملية مستدامة يكون لديها القدرة على تحقيق نتائج كبيرة بمجرد إيجاد درجة من الزخم السياساتي.20 قد يعزو المرء جزءًا كبيرًا (ولكن ليس حصريًّا) من نجاح عملية السلام في أيرلندا الشمالية للاستراتيجية التدريجية المستدامة من قِبَل الحكومة البريطانية، والتي استمرت على مدى ?? عامًا تقريبًا، وأصبحت قوية بما يكفي لتحمُّل حتى الاعتداءات الإرهابية الوحشية مثل تفجير أوماه. من المهم ألَّا يساء الفهم هنا؛ فنحن لا نؤيد الاستراتيجية التدريجية بوصفها حلًّا سحريًّا أو باعتبارها الاستراتيجية السياساتية الوحيدة التي يجب اتباعها. إذا كانت المشاكل التي نناقشها تسبب تدهورًا بيئيًّا حادًّا، وإذا أصبحت خياراتنا صارمة وخطيرة على نحو متزايد؛ فربما يصبح من الحتمي القيام بمحاولة أخرى للتوصل إلى اتفاق عالمي يسعى لتحقيق نتائج معتبرة بسرعة. وحتى ذلك الوقت، ليس الفشل محتمًا، وربما يكون تبنِّي استراتيجية تدريجية مستدامة أفضلَ أملٍ لتفادي نتيجة محزنة.
(?) خيارات في سياق المخاطر

إن حجم المشاكل التي تواجهنا ضخم، فهي تؤثر علينا جميعًا وربما تفعل ذلك لمدة قرن أو أكثر، وتثير قضايا أخلاقية وعملية شديدة، ويجب أن تخضع للتفاوض محليًّا ودوليًّا مع معرفةٍ تتطور باستمرار وغير مقنعة للبعض. والمشكلة الرئيسية في مثل هذه الظروف هي المخاطر؛ المخاطر الموجودة في المشكلات نفسها، والمخاطر الكامنة في السياسات المختارة للتعامل مع المشكلات، والمخاطر المحتملة بالنسبة لصانعي السياسات في حال فشل هذه السياسات.
يشعر مختلف الأفراد بالمخاطر بشكل مختلف في السياقات المختلفة. وعلى هذا النحو، تتأثر تفسيرات المخاطر على نحو كبير بعوامل مثل درجة تعقيد المشكلة، ودرجة عدم اليقين، والمدى الزمني، والسمات الشخصية. ومن المحتمل أن يبدو مستوى المخاطر أعلى بكثير إذا كانت الأحداث غير المتوقَّعة تبدو أنها متوقَّعة الحدوث؛ وهو ما يعني أيضًا أن تكاليف الفشل يمكن أن تتصاعد. وبيت القصيد هنا فيما يتعلق بالطاقة والبيئة هو أنه يبدو أننا نواجه «مجموعة عصيبة» من المخاطر؛ منها: فشل محتمل للسياسات مع عواقب وخيمة على كلٍّ من المجتمع وصانعي السياسات، وأخطار ناجمة عن تغير المناخ ستصبح واضحة على نحو متزايد وقريبة زمنيًّا على نحو متزايد، وتطورات ربما يصبح علاجها متعذرًا، وصناع قرار لن يتمكنوا من الفرار من مسئولية عدم التصرف في الوقت المناسب. فالتخطيطات القياسية للقادة العازفين عن خوض المخاطر — اتخاذ قرار من خلال عدم اتخاذ قرار وتأجيل القرارات الصعبة للمستقبل — لا ينبغي أن تكون كافية هنا، ولكن كما تشهد عقود من حديث الكثير من علماء البيئة بلا طائل، فإن الفجوة بين ما يجب على النظام السياسي أن يفعل وما سيفعل لا تزال كبيرة.
سعى هذا الفصل لتوضيح بعض العقبات السياسية التي أحبطت نجاح المفاوضات الدولية في الماضي، ولتقديم اقتراحات حول ما يمكن القيام به لتحسين احتمالات النجاح في المستقبل. يجب أن يكون الاختبار النهائي لجهودنا عمليًّا ومنسجمًا مع القيود الفنية والسياسية القائمة: ما هي القرارات التي يجب اتخاذها؟ ومتى يجب أن نتخذها في ضوء الكثير من العقبات التي ناقشناها؟ تعرض الفصول الثلاثة المقبلة خياراتنا المطروحة وتناقشها.
هوامش

(1) See “Coping with Climate Change,” International Herald Tribune, May 22, 2009 (Special Advertising Supplement), p. 1.(2) The quoted material is from “Global Challenge and Summit Theme: How to Shape a New Green Economy?,” ibid, p. 1.(3) See Anthony Giddens, The Politics of Climate Change (Cambridge, MA: Polity Press, 2009), pp. 73–5.(4) A more recent and extensive analysis by Paul Krugman argues that any sensible solution must give all parties a self-interested reason to reduce emissions, which requires proper market incentives and direct governmental controls for problems that require immediate action. See Paul Krugman, “Green Economics: How We can Afford to Tackle Climate Change,” New York Times Magazine, April 11, 2010, p. 39. This sort of focus on both the market and government intervention (and thus politics) may reduce some of the conflicts between economists and political scientists.(5) See Lawrence Summers, “Foreword,” p. xxi in Joseph E. Aldy and Robert N. Stavins, eds, Architectures for Agreement: Addressing Global Climate Change in the Post-Kyoto World (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2007). and Alan S. Blinder, Hard Heads, Soft Hearts: Tough-Minded Economics for a Just Society (Cambridge, MA: Perseus Press, 1987), pp. 138-9.(6) Paul Krugman, “An Affordable Salvation,” New York Times, May 1, 2009, p. A21; also Nicholas Stern, A Blueprint for a Safer Planet (London: Bodley Head, 2009), pp. 90–8.(7) See the preface to J. Samuel Barkin and George E. Shambaugh, eds, Anarchy and the Environment (Albany, NY: SUNY Press, 1999).(8) See Yaacov I. Vertzberger, Risk Taking and Decisionmaking: Foreign Military Intervention Decisions (Stanford, CA: Stanford University Press, 1998), p. 109ff.(9) Fiona Harvey, “Meetings are Global But Action is Local,” Financial Times, September 26, 2009, p. 1.(10) See Scott Barrett, Environment and Statecraft (New York: Oxford University Press, 2003), and Barbara Koremenos, “Loosening the Ties that Bind: a Learning Model of Agreement Flexibility,” International Organization, Vol. 55, No. 2, Spring, 2001, pp. 289–325.(11) See “Avoiding a Crash at Copenhagen,” The Economist, September 26, 2009, p. 8.(12) See Stephen G. Brooks and William C. Wohlforth, “Reshaping the World Order,” Foreign Affairs, Vol. 88, No. 2, May, 2009, p. 55.(13) Joseph E. Aldy and Robert N. Stavins, eds, Architectures for Agreement, op. cit., p. 359.(14) Bruce Jones, Carlos Pascual and Stephen John Stedman, Power and Responsibility: Building International Order in an Era of Transnational Threats (Washington, DC: Brookings Institution Press, 2009), p. 51ff.(15) Quoted in John M. Broder and James Kanter, “U.S. Climate Stand Worries Europeans,” New York Times, November 4, 2009, p. 4.(16) See Ian E. Morley, “Intra-Organizational Bargaining,” pp. 203–24 in Jean F. Hartley and Geoffrey M. Stephenson, eds, Employment Relations: the Psychology of Influence and Control at Work (Oxford, UK: Blackwell, 1992).(17) Ian E. Morley, Janette Webb, and Geoffrey Stephenson, “Bargaining and Arbitration in the Resolution of Conflict,” pp. 117–34 in Wolfgang Stroebe, Arie W. Kruglanski, Daniel Bar-Tal, and Miles Hewstone, eds, The Social Psychology of Intergroup Conflict (New York: Springer-Verlag, 1988).(18) Yaacov I. Vertzberger, Risk Taking and Decisionmaking, op. cit., p. 33.(19) Diana Farrell and Ivo Bozon, “Demand-side Economics: the Case for a New US Energy Policy Direction,” p. 60 in Kurt M. Campbell and Jonathan Price, eds, The Global Politics of Energy (Washington, DC: Aspen Institute, 2008).(20) Paul Krugman also favors a “big bang” approach on the principle that even a small probability of a major catastrophe should justify a massive policy initiative. We would agree in a different political and economic universe but believe such an approach is not yet politically feasible and that it is imperative to start a policy process now even if it must be initially modest.
الفصل التاسع
أين وجهتنا من هنا؟


مع أننا لم نَرَ بعدُ الكوارثَ المتوقَّع حدوثها نتيجة الآثار غير المباشرة للاحترار العالمي في مسائل مثل الصراع على الموارد ونقص الغذاء والماء والهجرات الجماعية، فإن مؤشرات التراجع ساءت والتهديدات لبيئتنا اقتربت. وتحدث التغييرات بمعدل يتجاوز قدرة الحكومات والمؤسسات الدولية على الاستجابة على نحو فاعل، ولم يَعُدْ من الممكن تجاهل التوقعات المفزعة دون أن نتعرض لخطر. في الواقع، التنبؤات الحالية بتكاليف وعواقب الفشل في الاستجابة بسرعةٍ كافية لأخطار تغيُّر المناخ أصبحتْ أكثر قبولًا بكثير من التوقعات السابقة بحدوث كوارث، مثلما تبيَّنَ خلال مناقشات حدود النمو في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. وكمثال ربما نلقي نظرة على دراسة حديثة أجراها باتيستي ونايلور،1 اللذان وجَدَا أنه ثمة احتمال بنسبة أكبر من ??? بأن ترتفع درجات الحرارة في مواسم النمو في المناطق المدارية وشبه المدارية في القرن الحادي والعشرين، بحيث تتجاوز حتى درجات الحرارة الموسمية الأكثر تطرفًا المسجلة خلال القرن الماضي. وتُظهر نماذجُهما التي تعرض نمو الحبوب الرئيسية في هذه المناطق خسائر في المحصول في حدود ???–??? لكلِّ زيادة في درجات الحرارة الموسمية، ويمكن مقارنة هذه التقديرات مع بيانات المحاصيل الأوروبية لعام ???? عندما كانت درجات الحرارة في الصيف أعلى ? ??? درجات مئوية (??? درجات فهرنهايت) فوق التقديرات المناخية الطويلة المدى؛ كان محصول الذرة في إيطاليا أقل بنسبة ??? عن العام السابق، وانخفض الإنتاج في فرنسا بنسبة ???، وقلَّت محاصيل الفاكهة بنسبة ???. لا يوجد جديد في المناقشات بشأن قيود السياسة الداخلية أو ضعف نظام التفاوض الدولي، أو حول مطالب الدول النامية بمزيد من المساعدات الخارجية، أو عن عدم قدرة أو عدم رغبة حكومات أكثر البلدان تقدُّمًا بالإقدام على المخاطرات القصيرة المدى لدرء الأخطار الطويلة المدى. ومع ذلك، توجد اليوم عقبة إضافية تتمثَّل في رفض البلدان النامية قبول أيِّ قيود على السعي لتحقيق النمو عبر تبني استراتيجية تصنيع سريع تؤدي إلى انبعاثات كربون كثيفة.
مع أن الفترة الزمنية لاتخاذ إجراءات قد قصرت، فإنها لم تنتهِ بعدُ، وربما يكون لدينا حوالي ?? إلى ?? سنة لوضع سياسات يمكن أن تبطئ معدل التدهور، وتحقِّق استقرارًا معقولًا في ارتفاع درجات الحرارة في العالم يقارب درجتين مئويتين (??? درجات فهرنهايت)، وتبدأ في وضع الأسس لإنشاء اقتصاد طاقة منخفض الكربون. يجب أن تؤدي الخطوات الفاعلة إلى نتائج ملحوظة بسرعة، ويجب أن تُوزَّع التكاليف بإنصاف، ويجب ألَّا تبدو باهظة التكاليف في فترة عجوزات ضخمة في الميزانية. علاوة على ذلك، بينما يوجد دائمًا أمل في إنقاذنا من أخطاء طرائقنا من خلال المعرفة الجديدة أو الابتكارات التكنولوجية الثورية الجديدة، فمن المخاطرة الكبيرة للغاية أن ننتظر هذا الإنقاذ في الوقت الذي نُواصل فيه العمل كالمعتاد؛ فمِثل هذا الإنقاذ قد لا يأتي أبدًا. سيكون من الاستهتار أن نستسلم لنبوءات الوعيد والهلاك أو أن نتخلى عن القيام بكل ما نستطيع بأسرع ما يمكن. وبناء على ما تقدَّمَ، فمن الضروري انتقاء خيارات على جبهتين: بشأن مسارات التفاوض التي يمكن أن تُسفِر عن تحركات في الاتجاه الصحيح، وكذلك حول الأولويات من بين العديد من الحلول الاقتصادية-التكنولوجية-العلمية التي اقتُرِحت. وسيتناول هذا الفصل جوانب من كلٍّ منها.
(?) هل المتاح غير كافٍ؟

عندما نشرع في التوصل إلى اتفاقات بشأن السياسات المقترحة، من الضروري أن نتخذ سبيلًا ما بين اثنتين من النتائج المخيبة للآمال. فمن ناحية نحتاج للانتباه لتحذير كروجمان من أنه في حين أن الأفضل ربما يكون عدو الجيد، فإن ما هو «ليس جيدًا بما فيه الكفاية للنجاح» قد يقوِّض الأفضل والجيد (بما فيه الكفاية). ونحن نسعى بدلًا من ذلك إلى «الجيد بما فيه الكفاية للنجاح» الذي يساعد على إرساء وبدء عمليةِ وضْع سياسات ناجحة على نحو تراكمي. وعلى الناحية الأخرى، يجب أن يدرك المرء أيضًا أنه لو استمرت الأوضاع في التدهور، فإن السعي الدءوب نحو الاستراتيجية الممكنة «فحسب» قد لا يكون كافيًا لتحقيق أيِّ نتيجة ذات معنًى.
في هذا السياق ثمة أمل في الأهمية المتزايدة التي تُولِيها معظمُ حكومات البلدان المتقدمة لضرورة وضع مجموعات متناسقة من السياسات تبدأ التحول إلى اقتصادات منخفضة الكربون. ولا يوجد شك في أن عدم موافقة الصين والهند وغيرهما من البلدان النامية على الحد من انبعاثات غازات الدفيئة أمر مخيب للآمال كثيرًا، ولكن ربما توجد فترة ?? إلى ?? سنة أمامنا سوف تكون فيها انبعاثاتهم المتزايدة مؤذِيَةً ولكن ليست مدمِّرة بعدُ. إضافة إلى ذلك، ربما يصبح «أثر المحاكاة» للتحولات السياساتية الناجحة من جانب البلدان المتقدمة ذا أهمية متزايدة كضغوط سياسية نحو زيادة التعاون، وربما تبدأ الدول النامية نفسها في إدراك التكاليف التي تتكبدها بتركيزها على التنمية الكثيفة الكربون. وعلى أيِّ حال، ما لا تفعله البلدان النامية ليس عذرًا بالنسبة للدول المتقدمة لتأجيل الجهود الجادة لخفض الانبعاثات. وفي هذا الصدد، فإن المثال الذي ضربته حكومة المملكة المتحدة بوضع استراتيجية متماسكة للانتقال نحو مجتمع منخفض الكربون، ربما يكون له آثار دولية أوسع من خلال المساعدة في إطلاق عملية التغيير.
لأن هذه المبادرة البريطانية قد يكون لها عواقب بعيدة المدى على الصعيد الدولي، فإن الأمر يستحق إيلاء بعض الاهتمام لتفاصيلها. ظهر هذا العنوان في صحيفة إنجليزية مؤخرًا: «حزب العمال يطالب بثورة الطاقة الخضراء». كان إد ميليباند — الذي كان حينها وزير الطاقة وتغيُّر المناخ في حكومة جوردون براون — قد وضع للتوِّ خارطةَ طريق طموحة لتيسير جهود المملكة المتحدة في تحقيق هدفها بخفض انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة ??? بحلول عام ????، وهو الهدف الذي يتضمن الحصول على ??? من احتياجات المملكة المتحدة من الكهرباء من الرياح وطاقة المد والجزر والطاقة النووية بحلول عام ????.2 واستجابة للدعم المتزايد من الأحزاب والدعم الشعبي لاتخاذ إجراءات جادة بشأن تغيُّر المناخ وأمن الطاقة، تهدف الخطة أيضًا إلى وضع بريطانيا على المسار الصحيح لخفض انبعاثاتها بنسبة ??? بحلول عام ????، وهو الجهد الذي من شأنه أن يضع البلاد في طليعة البلدان المتقدمة التي تحاول الاستجابة لتغيُّر المناخ. وتهدف التدابير العديدة في الخطة إلى الخفض السريع لاستخدام الطاقة في توليد الكهرباء وفي المنازل والنقل والصناعة، من خلال وضع بعض الأهداف الملزِمة قانونًا للحد من الكربون، واستخدام جميع التدابير المتاحة أمام الحكومة لتسيير العملية؛ بما في ذلك ضرائب الكربون، والأسواق المنظمة، والدعم الحكومي لأبحاث الطاقة المتجددة والتنمية، فضلًا عن تقديم أموال نقدية للأُسر التي تولد طاقتها الخاصة بنفسها. وتقييمًا لهذا المقترح، كتبت صحيفة «الجارديان»: «لم تنشر أيُّ حكومة أخرى في العالم أيَّ شيء مثل هذا قطُّ، إنه بيان جماعي بالنوايا ووصْف مفصل إلى حدٍّ ما للطريقة التي يمكن أن يتحقَّق بها خفض انبعاثات الكربون.» يثني البعض على هذه النية المعقودة ولكنهم يصرون على أن الأهداف طموحة للغاية لدرجة يستحيل معها تحقيقها بحلول عام ????. ومع ذلك، حتى لو لم تتحقق الخطة على نحو كامل، فإن هذه الانتقادات لا تعني بالضرورة أن مقترحات ميليباند غير مهمة أو محكوم عليها بالفشل. في الواقع، جهود حكومة بلد متقدم رئيسي من أجل سَنِّ هذه التدابير الطموحة وتنفيذها ربما تحفز الحكومات الأخرى على وضع خططها الخاصة، ويمكن أن يحدث أثر المحاكاة إذا جرى تطبيق جزء كبير من هذه الخطة ويبدأ في إحداث بعض الآثار المفيدة على خفض انبعاثات الكربون، ومن المفترض وجود بعض الفوائد المحتملة من «التعلم بالممارسة». وعلى أيِّ حال، فإن مجرد كسر الجمود السياسي الموجود في السنوات الأخيرة ربما يكون مهمًّا بنفس درجة أهمية تفاصيل أيِّ مقترح معين.
ومع ذلك، توجد انتقادات أخرى يلزم الإشارة إليها، ولو كَنوع من التحذير في المقام الأول لصانعي السياسات الآخرين؛ أولًا: كما أشارت «الجارديان»، تُقدم هذه الحزمة المعقدة من المقترحات مع «اقتراح جريء بأن هذه التخفيضات يمكن أن تتحقق دون حرمان الناس من وسائل الراحة الموجودة في حياتهم الحالية الكثيفة الكربون.»3 على ما يبدو أن هذا يعكس حكمًا حول مدى التضحية التي تكون الجماهير على استعداد لتحملها في فترة الاضطرابات الاقتصادية. وبطبيعة الحال، فإن التعديلات والتكييفات الضرورية سوف تلقي بمشكلة التكاليف إلى المستقبل، وعلى حكومة أخرى. توجد قاعدة حكيمة تصلح للتطبيق هنا: لا تطلب الكثير من الحكومات المثقل كاهلها بالفعل، ولا تتوقع منها خوض مخاطرات كبيرة أو أن تكون سخية تمامًا حيال التكاليف المحتملة أو العواقب غير المتوقعة. إذا أصبح التقدم واضحًا وإذا خفَّتْ حدة الأزمة الاقتصادية الراهنة، فسوف يصبح من الأسهل سياسيًّا واقتصاديًّا تحمُّل تكاليف إقامة اقتصاد طاقة جديد. توجد مجموعة أخرى من الانتقادات الشديدة على نحو خاص، مع أنها على عكس النمط العادي المتمثل في التركيز الحكومي المفرط على المدى القصير. ويواجه الجيل الحالي من السياسيين عواقب ثلاثة عقود من الفشل في استباق تناقص إمدادات المواد الهيدروكربونية والإعداد لذلك، والاعتماد المتزايد على موفرين لخدمات الطاقة لا يمكن الاعتماد عليهم، أو من المرجح أن يكونوا في وضع غير مستقر. فعلى سبيل المثال، ربما تعاني بريطانيا العظمى من عجز في الكهرباء بتكلفة يمكن احتمالها بحلول عام ????، وتواجه احتمالًا مشئومًا بحدوث انقطاعات التيار الكهربائي وزيادة استخدام الفحم والابتزاز المحتمل من جانب بعض موفري خدمات الطاقة. كل هذا كان متوقعًا منذ بضع سنوات، لكن لم يُفعل حياله سوى القليل؛ إذ كان من السهل للغاية تجاهل الأخطار البعيدة. والآن بطبيعة الحال أصبح التصرف محتمًا، ولكن كما تساءلت مجلة «ذي إيكونومست»: «بما أن الغاز محفوف بمخاطر شديدة، والفحم شديد التلوث، والطاقة النووية بطيئة للغاية، ومصادر الطاقة المتجددة لا يمكن الاعتماد عليها كثيرًا»؛ فمِن أين ستأتي الإمدادات الضرورية؟4 ثمة استراتيجيات واضحة من المفترض أن حكومة المملكة المتحدة ستتبناها لزيادة الإمداد وتقليل مدى القابلية للتأثر، لكن سيكون من الصعب القيام بذلك إذا تركز الاهتمام بإفراط على التهديدات المستقبلية للاحترار العالمي. فالمعنى الضمني هو أن مقترحات ميليباند تركز كثيرًا على تهديدات المدى الطويل، ولا تركز بما فيه الكفاية على التهديدات الوشيكة على المدى القصير. هذا تعليق منصف، ولكن يجدر أيضًا القول إن بعض جوانب هذه المقترحات سوف يكون له آثار مفيدة على الطلب على المواد الهيدروكربونية على المدى القصير، وإن مسألة أمن الإمدادات هي في المقام الأول مسألة سياسة خارجية تتطلب استجابة دولية أو إقليمية منسقة. وربما يمكن تخفيف المشكلة من خلال زيادة سعة التخزين.
أخيرًا، توضح مقترحات ميليباند بعض المعضلات الشديدة التي تواجه انتقاء خيارات سياساتية فاعلة في سياقٍ تهيمن عليه المعرفة العلمية السريعة التغير، والقيود الاقتصادية الشديدة، ودعم الجمهور المتقلب وضعف الحكومات. وهكذا بينما اشتكى البعض من أن المقترحات مفرطة الطموح وربما تكون مضللة حيال ضرورة إحداث تغييرات كبيرة في أنماط الحياة، أشار البعض الآخر إلى أن المقترحات ليست طموحة بما فيه الكفاية. على سبيل المثال، حذَّر تقرير علمي حديث أُعد لوزارة الطاقة وتغير المناخ من أن الاحترار الشديد (ارتفاع درجة الحرارة بمقدار ? درجات مئوية (??? درجات فهرنهايت)) يمكن أن يحدث بحلول عام ???? — وليس عام ????، كما كان متوقَّعًا سابقًا — مع احتمال حدوث عواقب كارثية بالنسبة للبلدان المتقدمة والنامية على حدٍّ سواء. مع ذلك، أثار تقرير آخر شكوكًا شديدة حول قدرة أسواق الطاقة المحررة في المملكة المتحدة على إجراء التغييرات الضرورية في سياسات الطاقة، وما يترتب على ذلك من ضرورة زيادة التدخل الحكومي؛ وهو ما يفترض ضمنًا حدوث مزيد من الصراع السياسي والأيديولوجي المحلي، ومزيد من البطء والتذبذب في عملية وضع السياسات.5 بيت القصيد في السياق الحالي هو أنه بينما يدعم المرء مقترحات ميليباند (وغيرها من الجهود المماثلة) كخطوات مهمة في العملية المستمرة لوضع السياسات، يجب على المرء أن يدرك أيضًا ويضع في الاعتبار ضرورة الاستعداد لبذل المزيد من الجهد عند الضرورة. ثمة استجابة وطنية أخرى نحو إدارة الطاقة جديرة بالذكر هنا؛ الدنمارك هي البلد الأكثر كفاءة في استخدام الطاقة في الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يعكس خططًا وُضعت بعد أزمة النفط الأولى في سبعينيات القرن العشرين، فركزت الجهود الطويلة المدى على ضمان تأمين الإمدادات وخفض انبعاثات غازات الدفيئة والحفاظ على فاعلية التكلفة.6 وكانت النتيجة انخفاض حاد في الانبعاثات متزامن مع زيادة بنسبة ??? في الناتج المحلي الإجمالي للدنمارك في نفس الفترة. وكذلك استثمرت الدنمارك أيضًا بكثافة في أنواع الوقود البديلة (لا سيما الرياح والكتلة الحيوية)، وأجبرت قطاع الصناعة لديها — على نحو مدهش للغاية — على الابتكار في مجال البيئة من خلال المزج بين ضرائب الطاقة والكربون، ونظام تحديد وتداول الانبعاثات، وقوانين البناء الصارمة. ما الذي ألهم السياسيين الدنماركيين بالمخاطرة بإثارة غضب مواطنيهم وقطاع الصناعة لديهم من خلال فرض ضرائب وقوانين بناء؟ قالت متحدثة باسم الحزب الاشتراكي الدنماركي المناصر لقضايا البيئة: «ليس لدينا الكثير من الموارد، وإنما لدينا دولة رفاهة علينا أن نحافظ عليها، لذلك علينا أن نفكر للمستقبل في كل وقت ولا نظل عالقين في الماضي. هذا هو مصدر شجاعتنا.»7 لماذا لم تحذُ بلدان أخرى حذو الدنمارك أو تكنْ شُجاعة مثلما كان ساستها؟ إدراك مدى القابلية للتأثر جزء من الجواب، ولكن ثمة بلدان أخرى كانت ضعيفة على نحو مماثل ومع ذلك لم تستجب بالقدر الكافي، وكثير مما قامت به الدنمارك ليس سرًّا وله عديد من المدافعين عنه في كل مكان. ربما يكمن جزء آخَر من الجواب في الترتيبات السياسية؛ فقد سمح النظام البرلماني الدنماركي لحكومات الأغلبية بتنفيذ سياسات فاعلة، على النقيض من حكومة الولايات المتحدة المقسمة والمستقطبة. على الأقل، توضح الدنمارك أن السياسات الوطنية الفاعلة لا تزال حتمية، ويمكن أن تكون فاعلة على نحو معقول كحائط صد ضد الفشل الدولي، مثل محصلة مؤتمر كوبنهاجن. (?) التدابير المالية

طُرِح عدد من الأفكار التي تستخدم المميزات الاقتصادية أو العقوبات أو الضرائب كمحفزات للحد من انبعاثات غازات الدفيئة. ثمة خطة تلقى قبولًا واسعًا في الولايات المتحدة عادةً ما يُشار إليها باسم خطة تحديد وتداول الانبعاثات، وهي ذلك النهج الذي كثيرًا ما طُرح في مؤتمر كوبنهاجن عام ????، والذي قَبِله مجلس النواب الأمريكي في عام ????. والفكرة هي تخصيص مستوًى مسموح به من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكلِّ منتِج (محطة توليد طاقة أو مصنع أو بلد بأسره)، والسماح له ببيع أو شراء أو الاتِّجَار بحقوق هذه الانبعاثات. وينتج حافز لخفض الانبعاثات من خلال برنامج تحديد وتداول الانبعاثات؛ إذ إن أيَّ انخفاض في الانبعاثات قابل للبيع مباشَرةً في السوق، وربما تُوزَّع الحصص المسموح بها مجانًا أو بسعر محدَّد مسبقًا. ويشير أحد التقديرات8 إلى أن السوق العالمية «للاتِّجَار في انبعاثات الكربون» تلك وصلت إلى ??? مليار دولار في عام ????، ولكن سوق تسعير الكربون متقلبة للغاية؛ ومن ثَم فإنه من الصعب أن يُخطط لها مقدمًا. استخدام أسقف الانبعاثات في أماكن مختلفة يعني ضمنًا الحاجة إلى المراقبة والتحقق، وهي متطلبات قابلة للتنفيذ من خلال الامتثال في ظل الظروف المحلية، ولكنها متطلبات تمثِّل حجر عثرة كبيرًا في سبيل المفاوضات الدولية. ففي حين أن الولايات المتحدة أصرَّتْ على نظام تحقُّق صارم، فإن الصين قاومت أيَّ نوع من الرقابة الدولية على هدفها المفروض ذاتيًّا بالنسبة لانبعاثات غازات الدفيئة.9 يحب أنصار هذا النظام مقارنته مع قانون الهواء النظيف لعام ???? في الولايات المتحدة، الذي سمح لمحطات الطاقة التي تحرق الفحم والتي تقل انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكبريت (SO2) وأكسيد النيتروجين (NOx) عمَّا دون مستوى سقف انبعاثاتها؛ ببيع الرصيد الخاص بها إلى المرافق الأخرى التي كانت انبعاثاتها مرتفعة كثيرًا. وتشير التقارير إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت في الولايات المتحدة انخفضت بنحو ??? منذ تطبيق القانون،10 مع أن الكثير من محطات توليد الطاقة القديمة كانت «معفاة»؛ أيْ يُسمَح لها بتخطِّي القواعد الجديدة. جانب آخَر من منهج تحديد وتداول الانبعاثات ينص على ما يُسمَّى «التعويض» الذي من شأنه أن يسمح باستخدام بدائل عوضًا عن عمليات خفض الانبعاثات. والتحركات التي تخلق التعويضات يمكن أن تقلل على نحو مباشر من ثاني أكسيد الكربون في الجو، مثل زرع مساحة كبيرة من الأشجار، أو يمكن أن تكون غير مباشرة في تأثيرها، مثل السياسات التي تؤدي إلى تجنب إزالة الغابات. وإذا اعتمدت التعويضات، فإن سقف الانبعاثات لأيِّ مصدر سيعلو من خلال أيِّ إجراء بمقدار يتناسب مع تأثيره على الحد من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. يبقى أن تتحدد مجموعة إجراءات التكليف أو الإسقاط التي سيتم اشتمالها ومعاملتها على أنها تعويضات.
ويرى المنتقدون أن تحديد وتداول الانبعاثات يضر أكثر مما ينفع؛11 إذ إنه «يعطل قدرتنا على الحد من انبعاثات غازات الدفيئة … ويقدِّم حوافز للشركات التي تسبب التلوث.» ويعترضون على نحو خاص على التعويضات معتقدين بأنها لن يمكن التحقق منها إلى حدٍّ كبير. للتخلص من بعض هذه الاعتراضات اقترح هانسن12 استبدال نظام آخر يُطلَق عليه «الرسوم والأرباح» بنظام تحديد وتداول الانبعاثات، والذي سيُفرض بمقتضاه رسم الكربون على كل وحدة من الوقود الحفري منتَجة أو مستورَدة، يتدرج في القيمة وفقًا لكمية ثاني أكسيد الكربون التي ينتجها احتراق هذا الوقود. ومن المحتمل أن ترتفع أسعار السلع لتعكس كمية الوقود المستخدمة في إنتاجها، ومن ثَم تثبط استخدام ذلك الوقود. وبناءً على فكرة هانسن، فإن الرسوم المحصَّلة ستُوزع على العامة كأرباح؛ حيث يمكنهم استخدامها في شراء سلع تستخدم تكنولوجيات موفرة لانبعاثات الكربون. واقترح ليفين13 شكلًا آخر من هذه الفكرة من شأنه أن يضع الرسوم على السلع الاستهلاكية (كالبنزين مثلًا) بدلًا من الوقود الحفري الأصلي؛ ومن ثَم سيحتفظ بسجل للرسوم المحصلة من كل فرد، ويعيد المبلغ المجمع إلى كل فرد في شكل حساب يمكن السحب منه في شراء السلع أو الخدمات الموصوفة بأنها تشجِّع الاستخدام المنخفض الكربون. وثمة خطط أخرى وُضعت في تكساس وكاليفورنيا وألمانيا، واعتُمدت في وقت لاحق فيدراليًّا في الولايات المتحدة، تلك الخطط استخدمت «نقودًا مقابل السيارات القديمة» أو ما يطلق عليه «مستردات التخريد» في محاولة لتشجيع المستهلكين على استبدال سيارات جديدة أكثر كفاءة في استخدام الوقود بسياراتهم القديمة. يشير أحد التقديرات14 إلى أن الانخفاض الذي سينجم عن استبدال المركبات التي تستهلك جالونًا واحدًا لكلِّ ?? ميلًا بجميع المركبات التي تستهلك جالونًا واحدًا لكلِّ ?? ميلًا سيصل إلى تخفيض سنوي يبلغ ???? مليار جالون من البنزين؛ أيْ حوالي ?? من إجمالي الاستهلاك في الولايات المتحدة. أكدنا في الفصل السابق على أن الضغوط الاقتصادية التي يمكن أن تدعم تطوير بدائل للوقود الحفري تعتمد كثيرًا على التكاليف في أيِّ سوق، وتتكون الحوافز أو تضيع عندما تتأرجح أسعار النفط والغاز الطبيعي والفحم. وعلى المدى الطويل — مثلًا، عدة عقود من الآن — من المتوقع أن ترتفع الأسعار مع تضاؤل الإنتاج والاحتياطيات، ولكن لماذا ننتظر حدوث ذلك إذا كان يمكن تسريع ضغوط السوق عن طريق تغيير السياسة المالية؟ يمكن القول إن هذه الحقيقة هي أهم سبب لدعم فرض ضرائب على استخدام الوقود الحفري، شريطة أن تكون النتيجة هي جعل بدائل الطاقة جذَّابةً بما فيه الكفاية لتشجيع تنميتها. وكذلك سينتج عن هذه الضرائب أيضًا تدفُّق للدخل يمكن استخدامه لدعم البحث والتنمية على المستوى المحلي، أو دعم المجالات الجديدة الجذابة أو تمويل المنح الدولية للحد من الانبعاثات في الدول النامية أو جميع ما سبق. إن فرض الضرائب المتدرجة أسهل عمومًا من تطبيق قواعد تحديد وتداول الانبعاثات، التي تخضع لمجموعة من التقييمات الشخصية والأحكام السياسية. وعلاوة على ذلك، يمكن لبِنْية الضرائب أن تستوعب بسهولة المستردات (في صورة ضرائب سلبية) كمكافآت للامتثال للحدود اللازمة وتخطِّيها أيضًا.
(?) سؤال معقد

لنفترضْ أننا نطرح سؤالًا معقدًا: ما العوامل التي يجب أن تجتمع — أيْ تتلاقى — إذا أردنا اختراق جدار المقاومة والجمود والتحفُّظ المعرفي من أجل تكوين استجابات تعاونية وفي الوقت المناسب للتهديدات (والفرص) الكثيرة التي يولِّدها تغير المناخ؟ تناوَل كينجدون مثل هذا السؤال باستخدام استعارة «جداول المياه» الثلاثة التي يجب أن تجتمع: المشاكل والسياسات والشئون السياسية.15 ويمكننا بسْطُ نطاق تحليله حتى الساحة الدولية؛ حيث نهتم على نحو أساسي بالكيفية التي تستطيع من خلالها مسألةٌ ما على جدول الأعمال أن تخترق المقاومة السياسية للتغيير. الجواب أو الأجوبة ربما تختلف حسب اختلاف الظروف، ولكن يبدو أنه يوجد بعض الموضوعات المشتركة. في المقام الأول، يجب أن يوجد توافق في الآراء حيال وجوب معالجة القضية؛ بمعنى أنه «يجب القيام بشيءٍ ما حيالها» على نحو سريع نسبيًّا. وربما ينشأ هذا الإجماع حول ضرورة اتخاذ إجراء من أزمةٍ ما أو حدثٍ مأساوي أو تغيُّر ملحوظ للغاية في مؤشر ما (كما هو الحال مع مختلف «الصدمات» الاقتصادية). إن تحديد ما يتعين اتخاذه من إجراءات وما يتعين تنفيذه من سياسات عادةً ما يكون أكثر إثارةً للجدل؛ لأن القوى المقاوِمة للتغيير دائمًا ما تكون قوية، ولا بد من توقُّعِ حدوث خلافات حول كيفية الاستجابة. حدث مثال على ذلك في عام ???? عندما وافق مجلس النواب الأمريكي على مشروع قانون يسعى لاستخدام آلية تحديد وتداول الانبعاثات للحد من انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة ??? بحلول عام ????. ينشئ القانون ما يسمَّى بتراخيص الكربون التي يمكن أن تباع وتشترى، ويخصص ????? من التراخيص المجانية لقطاع الطاقة (المرافق) و????? فقط لمنشآت تكرير النفط. ردًّا على ذلك، نظَّم معهد البترول الأمريكي سلسلة من الاحتشادات العامة لإرسال رسالة «شديدة وواضحة» لمجلس الشيوخ معارضةً لهذا التشريع، بحجة أنه سيجبر شركات النفط على شراء العديد من تراخيصهم في السوق الحرة.16 وردًّا على ذلك، أوضح المتحدث بِاسْم منظمة للبحث والتوعية يطلق عليها «مركز التقدم الأمريكي» أن معامل التكرير سيُسمَح لها بالحفاظ على قيمة التصاريح المجانية، في حين أن المرافق العامة ستضطر لإرجاع قيمة تراخيصها للعملاء، ووجَّهَ تهمًا بأنه «كان هدفُ قطاع النفط هو منعَ أو إضعاف الجهود الرامية لمعالجة الاحترار العالمي.» العامل الثاني الذي يسهِّل التقارب هو التطوير التدريجي للتوافق في الآراء بين الخبراء والمختصين في مسألة حول ما يعرفونه وما لا يعرفونه، والبدائل التي ينبغي النظر فيها والتي لا ينبغي النظر فيها. وقد لاحظ كينجدون أن الأفكار التي تنجو من الجدل السياساتي هي تلك التي تبدو مجدية من الناحية الفنية، والتي تعكس قيم المجتمع ولا تبدو مكلفة للغاية وتحظى بتأييد عام.17 ومع ذلك، حتى عندما يوجد إجماع سياساتي بين الخبراء وتتطلب مشكلةٌ ما استجابةً سياساتية قوية، فمن المرجح ألَّا يتحقَّق إلا القليل ما لم يكنِ النظام السياسي (محليًّا ودوليًّا في حالة الولايات المتحدة) منفتحًا للتغيير. ويمكن أن يتحقق هذا بمجموعة متنوعة من الطرق: تغيُّر في الحكومات، أو ظهور زعيم قوي يتمتع بالكاريزما، أو تغير في توزيع السلطة والأيديولوجيات في الهيئات المتفاوضة، أو تغير في الرأي العام أو المزاج العام حيال قضيةٍ ما، أو حدث صادم — أحداث الحادي عشر من سبتمبر أو أحداث بيرل هاربر — يقوض الأنماط التقليدية للفكر والعمل. عادة ما ينبثق الإجماع في الساحة السياساتية من خلال المناقشة والتحليل، ولكن الإجماع في النظام السياسي يعكس عادة إما التفاوض والتسوية أو التفوق الانتخابي لحزب واحد وأيديولوجيته. إن التقارب في مسألة صعبة، والوصول لدرجة كبيرة من التوافق بين الخبراء حول ما يجب القيام به حيالها، ووجود نظام سياسي قادر وراغب في اتخاذ إجراء سياساتي جدِّي، كل هذا يخلق — بمصطلحات كينجدون — «فرصة سانحة»؛ وهي فرصة يمكن أن تزول بسرعة أو لا تُدرك أو يمكن أن تزول قسرًا إذا كانت مقاومة التغيير لا تزال قوية. ونظرًا لمعارضة التغيير المحتملة ووجود درجة معينة من الشكوك الفكرية حول أفضل مسار للعمل، فليس من المرجح اغتنام الفرصة دون قيادة قوية على استعداد للمخاطرة برأس المال السياسي.
يوجد بعض التشابه المحتمل هنا مع تطور الجدل حول الطاقة والبيئة. في المقام الأول، أصبحت المشاكل نفسها أكثر إلحاحًا وصعوبة؛ حيث زاد التوافق العلمي، وأصبحت الأحداث الخطيرة مثل الأعاصير والجفاف تحدث بوتيرة أسرع وتخلِّف مستويات أعلى من الدمار، كما أن المؤشرات المختلفة للكوارث (ارتفاع درجات الحرارة، وذوبان الأنهار الجليدية، وارتفاع منسوب المياه، وتناقص الأرصدة السمكية) تزداد في شدتها فيما يبدو. واشتدت المناقشات السياساتية بين الخبراء أيضًا، ويوجد شبه إجماع حول ضرورة التصرف بسرعة وبتعاون، واقتُرِحَ الكثير من البدائل بالفعل أو أنها ما زالت قيد الدراسة النشطة. إن الحلقة المفقودة واضحة: توجد عقبات سياسية واقتصادية أمام الاتفاق واستغلال الفرصة السانحة التي تبدو متاحة، وتظهر تلك العقبات بمجموعة متنوعة من الطرق.
باختصار، لدينا درجة كبيرة من التوافق. من الواضح أن الطاقة والبيئة تُعرفان بوصفهما مشكلتين تحتاجان إلى التعامل معهما من قِبَل الحكومات الوطنية وكذلك المؤسسات الدولية، ويوجد إجماع متزايد في الأوساط العلمية حول طبيعة السياسات التي يتعين تبنِّيها. وأخيرًا، قد يوجد أكثر من مجرد حركة مظهرية في الساحة السياسية؛ فتوجد إدارة جديدة في واشنطن، وخطط قوية من المملكة المتحدة ربما تحفز الآخرين على العمل، وبعض العلامات المشجعة من الصين على أنها عازمة على خفض انبعاثاتها وإنشاء قطاع طاقة متجددة قادر على المنافسة، وتوجد بوادر على أن أسوأ ما في الأزمة الاقتصادية قد انتهى، ووعي متزايد بالفوائد المحتملة للاستثمارات الواسعة النطاق في مجال الطاقة المتجددة وتعزيز كفاءةِ عمليةِ التعافي الاقتصادية الآن ولعقود قادمة. ويحتاج المرء إلى التأكيد على أن هذه التطورات الإيجابية المحتملة كلها في خطر. على سبيل المثال، لا تزال الصين تواصل بعنادٍ تطبيقَ سياسات قومية، وربما تسبِّب أزمة الديون الجارية في اليونان وجنوب أوروبا تباطؤًا في النمو وركودًا آخر في الاقتصاد العالمي.
(?) تقييم عام

من الواضح أن كلًّا من التوافق الكامل بين تعريف المشكلة والإجماع السياساتي والاتفاق السياسي لا يزال بعيدَ المنال. ويمكن سرد التأثيرات السلبية بسهولة: (?) لا تزال الأزمة الاقتصادية موجودة.
(?) لا تزال المخاوف حيال تحمل تكاليف الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون عالية.
(?) لا تزال الشركاتُ تخشى من مسألة أنَّ تبنِّي تكنولوجيات جديدة ولكن مكلفة يمكن أن يضعفها أمام المنافسين الذين لم يتبنَّوا مثل هذه التكنولوجيات.
(?) يوجد خوف مستمر من أن الفوائد التي ستنتج عن أيِّ طفرة تكنولوجية سيتم اكتنازها ولن تجري مشاركتها مع الآخرين.
(?) لا يزال الرأي العام غير داعم بقوة للتغييرات الضرورية في السياسات (خاصة إذا كانت تتطلب تكاليف).
(?) لا تزال المصالح المتعارضة ووجهات النظر المختلفة سائدة.
(?) تتزايد الشكوك حول إن كانت سياسات إدارة أوباما سوف تطابق خطابها السياسي أم لا.
(?) لا تزال البلدان النامية غير راغبة في تغيير استراتيجيات النمو الحالية، أو قبول الأهداف والجداول الزمنية الصارمة، أو أن تفعل شيئًا دون زيادات كبيرة في المساعدات الخارجية.
لرؤية أحد أمثلة هذه الضغوط، لاحظ أنه في حين أن الصين تستثمر بكثافة في مصادر الطاقة المتجددة، فإنها تفعل ذلك من خلال استراتيجية حمائية وقومية، تدعم إلى حدٍّ كبير شركات الطاقة المحلية الخاصة بها عندما يتم منح العقود.18 وإذا حذت البلدان الأخرى حذوها، فربما يتسبب ذلك في حرب تجارية. وقد لا تكون إجراءات الصين في هذا الصدد إلا رَدًّا على الشرط الموجود في تشريع تحديد وتداول الانبعاثات الأمريكي، الذي من شأنه أن يسمح بفرض تعريفات جمركية على صادرات البلدان التي لا تسيطر على الانبعاثات بشكل كافٍ وسريع. يمكننا أن نلاحظ على الجانب الإيجابي أن بعض هذه المشاكل ربما تضاءلت بالانتقال إلى ساحة مفاوضات أضيق وأكثر تركيزًا؛ لأنه لا يحتاج كل بلد إلى تبنِّي كل سياسة من البداية (هندسة المتغيرات، كما هي الحال لدى الاتحاد الأوروبي). علاوة على ذلك، ربما ينتج أثر المحاكاة من إجراءات عمليات التكييف الناجحة، وربما تزيد وتيرة التوافق لا سيما إذا تمخضت السياسات المعتمدة حديثًا عن فوائد سريعة بتكلفة مقبولة. وفي حين أنه من الواضح أن التقدم نحو التعاون لا يزال معلقًا، يبدو أن عدد المؤشرات الإيجابية ينمو بوتيرة أسرع قليلًا من المؤشرات السلبية. على أيِّ حال، يبدو من الحكمة أن نسعى إلى تعميق وتوسيع الاتجاهات والتطورات التي يمكن أن تكون مفيدة بدلًا من المطالبة غير المُجديَة سياسيًّا ولا اقتصاديًّا بإجراء بتغييرات هائلة وفورية في السياسات. إلى جانب هذه الاتجاهات، يجب علينا أن نعترف بالحقيقة غير المرغوب فيها بأن بعض حالات عدم التوازن التي نخشاها ونأمل تجنُّبها ربما تغيِّر التوازن إذا ظهرت باعتبارها مؤشرات جديدة على كارثة تَلُوح في الأفق. وعلى أيِّ حال، لا يوجد عذر لتأخير الاستعدادات لعمليات التكيُّف مع تغير المناخ وتخفيف الآثار التي يمكن على الأقل أن تضع أساسًا لانتعاش أكثر سرعة.
(?) الاختيارات والأولويات

عدَّد الكثيرُ من المحللين مكونات حزمة سياسات الولايات المتحدة للتعامل مع تغير المناخ وأمن الطاقة.19 كانت هذه القضايا مطروحة منذ أزمة النفط في سبعينيات القرن العشرين والجدل المحموم حول حدود النمو. ومع ذلك، ما كان غائبًا خلال مناقشة معظم هذه القوائم هو تحليل الأولويات — ما ينبغي القيام به ومتى ولماذا — وإدراك كيفية التعامل مع القيود المفروضة على عملية صنع السياسات في سياق سياسي واقتصادي صعب للغاية. وفي مسألة الأولويات نأمل أن نشير إلى بعض الاتجاهات المفيدة من خلال تقسيم المجال إلى شرائح وفقًا للجدول الزمني المناسب لكلِّ خيار. وفيما يتعلق بالسياسة، ندرك أن الجدلَ التقليدي بين مؤيدي منهج السوق الحرة ومؤيدي الحاجة إلى تدخل حكومي قوي؛ أدَّى دائمًا إلى تعقيد مشكلة الاختيار. ومن وجهة نظرنا، فإنه من الصعب جدًّا أن نرى كيف يمكن إنجاز الكثير دون الدعم الحكومي لمصادر الطاقة المتجددة وللبحث والتطوير لعدد من التقنيات الأخرى، ودون تحديد الحكومة لتكلفةٍ لانبعاثات الكربون، ودون وضع الحكومة إطارًا قانونيًّا للاستثمار الخاص ودعمها له. ولكن ينبغي أن نلاحظ أيضًا ما هو واضح؛ أيْ أن اختيار نهج واحد واستبعاد الآخرين كافة أمر غير معقول أو حكيم؛ فالاستثمار الخاص والمبادرات الخاصة عنصر مهم من العناصر المشكِّلة للاستجابة الفاعلة. وللتغلب على الجمود الحكومي والميل إلى المماطلة توجد مطالبات في بعض الدوائر باتخاذ إجراء سريع وقوي قد لا يكون مجديًا من الناحية السياسية، فالأكثر أهميةً هو اختيار السياسات التي تتسم بالفاعلية والكفاءة والإنصاف لنطاق واسع من المجموعات الاقتصادية. وتشير القيود السياقية أيضًا إلى أنه سيكون من الحكمة اختيار سياسات قصيرة المدى من المتوقع أن تعطي نتائج سريعة نسبيًّا من أجل عامة الجماهير المتشكِّكة من البداية، والتي لا تتطلب نفقات ضخمة وأعباءً ضريبية أثقل من أجل تمويل المشاريع الممكنة. وقبل كل شيء، يجب أن تكون السياسات مَرِنة بما فيه الكفاية للاستجابة بسرعة لأيِّ إشارات إيجابية أو سلبية، وأن تكون قابلة لبسط نطاقها إذا ظهرت ضرورة أو فرصة لذلك. ولا يرغب المرء أيضًا في أن يطلب من الحكومات الضعيفة والمثقل كاهلها أن تتخذ إجراءاتٍ تهدِّد بهزيمة سياسية أو بخسارة كبيرة للدعم الشعبي. وتوجد قاعدة حكيمة سياسيًّا جوهرية هنا: لا تطلب أشياء كثيرة من الحكومات المثقل كاهلها بالفعل، ولا تتوقع منها القيام بمخاطرات كبيرة أو أن تكون شفافة تمامًا حول التكاليف أو التبعات غير المتوقعة.
نحن لم نتحدث بعدُ عن الأبعاد الاقتصادية للمشاكل التي أوجدها الاحترار العالمي الآن أو التي سيوجدها في الفترات المختلفة في المستقبل. فالأزمة الاقتصادية التي اندلعت في عام ???? وَضعت بوضوح قيودًا قاسية على المال الذي من المتوقع أن يكون متاحًا، بل ربما يكون حتى من الصعب الحفاظ على المستويات الحالية للإنفاق على الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة والمساعدات الخارجية في حالة عدم استئناف النمو وعدم استعادة التفاؤل بشأن المستقبل، ربما الأهم من ذلك أن تفاعُلَ الكثيرِ جدًّا من المتغيرات في الكثير جدًّا من السياقات المختلفة والفترات الزمنية يشير إلى أن أيَّ مجموعة من الأرقام افتراضيةٌ إلى حدٍّ كبير، وربما تنطوي على درجة زائفة من الدقة. ومن ثَم فإننا نتفق مع إيفو دي بور — الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ — عندما أعلن مؤخرًا أن تقديرات التكلفة «لا تزال هدفًا متحركًا، فبدء سد الهوة الآن أكثر أهمية من تحديد حجمها الدقيق في المستقبل.»20 في هذا الصدد، تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الاقتصادي بول كروجمان الحاصل على جائزة نوبل يعتقد أن «ادعاءات الأضرار الاقتصادية الهائلة الناتجة عن التشريعات المناخية … وهميةٌ … وأن أفضل التحليلات الاقتصادية المتاحة تشير إلى أنه حتى التخفيضات الكبيرة في انبعاثات غازات الدفيئة لن تفرض سوى تكاليف متواضعة على الأسرة المتوسطة الحال».21 على الرغم من هذه الشكوك، فإن إدراك ما يكتنفه التكيف مع تغير المناخ من مبالغ ضخمة أمر مفيد. هذه هي الحال، خاصة أن كثيرًا من الذين يعارضون ضرورة تخفيف الاحترار العالمي بأقصى سرعة ممكنة يبنون حجتهم على تقديرات التكاليف غير السليمة من الناحية التحليلية، والمقصودة على ما يبدو لترويع الجمهور بدلًا من تثقيفهم. لا أحد بالطبع ينفي وجود تكاليف للتسوية في إنشاء اقتصاد طاقة جديد أو في التكيف مع التكاليف المباشرة وغير المباشرة الحالية لتغير المناخ، ولكن يجب أن تكون تلك التكاليف ممكنة التحمل. في الواقع، إذا كانت بعضُ التوقعاتِ العلميةِ لاحتماليةِ وقوعِ كوارثَ وشيكةٍ (??–?? سنة) دقيقةً، فإن تكاليف عدم القدرة على التصرف الآن قد تفوق بمراحل تكاليف التصرف بحكمةٍ الآن وفي العقدين المقبلين.
من الصعب للغاية تحديد تقديرات لمتوسط التكاليف بالنسبة للبلدان المتقدمة؛ لأنه من المرجح أن يكون لدى كل بلد مزيج مختلف جدًّا من مصادر الطاقة المتجددة ومصادر الطاقة التقليدية وبأسعار مختلفة. وإضافة إلى ذلك، فإنه من الصعب للغاية أن نعرف ما هي البنود التي ينبغي أو لا ينبغي أن تُدرَج في التقديرات. وإن لم يحدث ارتفاع حاد ومستمر في أسعار الوقود الحفري، فإنه من غير المرجح أن تحل الطاقة المتجددة محل جزء كبير للغاية من استخدامات النفط والغاز الطبيعي لعدة عقود قادمة، وحتى عملية الاستبدال الجزئي سوف تتطلب دعمًا حكوميًّا لعدة سنوات. ومع ذلك، في حين أن تكاليف الفرصة البديلة للإنفاق على إنشاء اقتصاد طاقة جديدة ربما تكون عالية، فإنه يمكن لمعظم البلدان المتقدمة أن تستفيد على نحو كبير من المساهمة في هذا الإنفاق لصالح حزم تدابير التحفيز الحالية. على أيِّ حال، كما هو الوضع مع الإنفاق في زمن الحرب، لا يوجد بديل معقول لإيجاد الموارد اللازمة.
لخص بول كروجمان أفضل التقديرات المتاحة حاليًّا للتكاليف بالنسبة للولايات المتحدة، وأشار إلى أن دراسة حديثة أجراها مكتب الميزانية التابع للكونجرس غير المتحزب خلصت إلى أن مشروع قانون واكسمان-ماركي للطاقة الذي تمت الموافقة عليه مؤخرًا «سيكلف الأسرة المتوسطة ??? دولارًا فقط في السنة، أو ??? بالمائة من الدخل» في عام ????، وسيرتفع العبء إلى ???? من الدخل بحلول عام ????، ولكن بما أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي سيتضاعف بحوالي ??? مرة، فإن «تكلفة حماية المناخ لن تؤثِّر في هذا النمو.»22 وبطبيعة الحال، تقديرات التكاليف تلك لا تشمل الفوائد الواضحة للحد من أسوأ آثار الاحترار العالمي. إن الاستقطاب المتزايد للجدل حول تغير المناخ في الولايات المتحدة يخاطر بتوليد نوع من قانون جريشام في السياسة؛ حيث تقضي المواقف الحزبية على التحليل المعقول؛ ومن ثَم يجب بذل الجهود باستمرار لمقاومة المبالغات الأيديولوجية الذاتيةِ المصلحةِ في التكاليف المحتملة. توجد مشكلة اقتصادية أكثر إزعاجًا تؤرِّق البلدان النامية؛ ففي الواقع، مطالبهم بالحصول على التزام كبير من المساعدات الخارجية كتعويض عن الأضرار الناجمة عن انبعاثات البلدان المتقدمة الآن وفي العقود الماضية، والتعامل مع عمليات التكيف مع تغير المناخ؛ أصبحت واحدة من العقبات الرئيسية أمام التوصل إلى اتفاق في كوبنهاجن. وتشير التقديرات الأولية إلى رقم سنوي يبلغ نحو ??? مليار دولار لمدة ?? سنوات، وهو ما يتجاوز المستويات الحالية للمساعدات الخارجية. وزادت تحليلات أحدث وأكثر تخصصًا من الناحية الفنية من المبالغ المتوقَّعة اللازمة لتكيُّفٍ ناجحٍ زيادةً حادةً. وبسبب حالات فشل التنمية السابقة، لا سيما الفشل في تطوير بِنًى تحتية عاملة، أشارت إحدى الدراسات الحديثة إلى الحاجة إلى ??? مليار دولار سنويًّا لمدة ?? عامًا للتخلص من عجز البنية التحتية، ومبلغ آخر قدره ?? إلى ?? مليار دولار سنويًّا لتحديث البنية التحتية للتعامل مع تغير المناخ.23 وأشار تقرير جديد للأمم المتحدة إلى رقم سنوي يبلغ ??? إلى ??? مليار دولار لمدة ?? سنوات للسماح للبلدان النامية بالنمو دون الاعتماد على الوقود «الملوِّث».24 ومع أن هذه المبالغ الضخمة أقل من إجمالي المبالغ المتعهد بها في إطار حزم برامج التحفيز الحالية، فإن المبالغ مثبطة للهمة حتى لو كانت تقديرات تقريبية. وعندما تضاف لنفقات برامج التحفيز، فإنه لا يبدو أن هذه المبالغ مجدية على المستوى السياسي أو الاقتصادي. مع ذلك، يبدو أن نوعًا من الالتزام المالي — على ما يبدو بين ??? مليار دولار و??? مليار دولار في السنة — سوف ينتج عن المفاوضات، لو كان السبب الوحيد عدم وجود أيِّ أمل فعليًّا في إبطاء الاحترار العالمي دون التزامات قوية بنموذج جديد للطاقة من قِبَل البلدان النامية. وهذا إنفاق ضخم للغاية في الظروف الحالية، ربما يزيد من ضغوط زيادة الإنفاق على البحث والتطوير لمصادر الطاقة المتجددة و/أو بعض مقترحات هندسة المناخ المتنوعة التي طُرِحت بهدف خفض التكاليف على نحو ملحوظ. وخلال تقييم أثر هذه الأرقام، فإنه ينبغي أن يضاف في الموافقة على ذلك أنه إذا التزمت جميع البلدان المتقدمة بهدف تقديم ???? من الناتج القومي الإجمالي في صورة مساعدات إنمائية رسمية، فإن المبلغ سيقترب من تحقيق الهدف البالغ ??? مليار دولار. حتى الآن لم يقدِّم الجميع هذا الالتزام، ولا حتى الولايات المتحدة. وتقييمًا لتلك الممانعة، يجب الاعتراف بأن آثار المساعدات الخارجية كثيرًا ما كانت مخيبة للآمال؛ فالكثير منها أُهدِر على مشاريع خاطئة، أو فُقِد بسبب الفساد أو عدم الكفاءة. إن أشد البلدان فقرًا والبلدان النامية المتوسطة الدخل تُنتج بالفعل ما يقرب من نصف إجمالي انبعاثات الكربون، ومن المتوقع أن تزداد انبعاثاتها باطراد. واستمرار إزالة الغابات، وزيادة محطات توليد الطاقة التي تستخدم الوقود «الملوِّث»، واستمرار الالتزام باستراتيجية النمو القياسية للتصنيع السريع تُعَدُّ في حدِّ ذاتها وصفة لإحداث كارثة. وبصرف النظر عن أيِّ تكاليف ضخمة من منطلق الكوارث الطبيعية وتدهوُر الصحة وزيادة الصراع ونقص الغذاء والتحركات السكانية الضخمة، فإن أحدث دراسة للبنك الدولي25 تشير إلى أن التكاليف بالنسبة إلى أفريقيا يمكن أن تصل إلى ?? من الناتج المحلي الإجمالي، وإلى ?? في الهند. وهذه التكلفة المرعبة تشير إلى أن البلدان النامية لديها أمور على المحك في مفاوضات كوبنهاجن أكثر من أيِّ مجموعة أخرى من البلدان؛ مما يعني أنه يوجد احتمال للوصول لحلول توافقية يمكن أن تتحملها جميع الأطراف في المؤتمر نفسه. إن ما قد يجعل هذه الحلول التوافقية صعبة التحقيق ليس مجرد ضخامة المطالب المالية لدول العالم الثالث — التي من الواضح أنها تجعل مستويات المساعدات الحالية تبدو ضئيلة، في الوقت الذي تتعرض فيه فاعلية المساعدات الخارجية لهجوم حاد وثمة مطالبات بديلة كثيرة بشأن الموارد المتاحة — ولكن أيضًا أن هذه المطالب تعكس شعورًا عميقًا بالظلم والاستياء؛ إذ تشعر البلدان الفقيرة أن البلدان المتقدمة سبَّبَتِ المشكلة، وأنه لا ينبغي ولا يمكن حلها من خلال طلب تضحيات في النمو المستقبلي من أولئك الذين لا يستطيعون تحمُّله. علاوة على ذلك، بما أن البلدان الفقيرة ترى المساعدات تعويضًا عن ظلم الماضي، فهم لا يريدون أيَّ قيود على المساعدات التي يحصلون عليها.26 وفي الواقع يرفضون حتى الآن قبول المطالب الغربية القياسية بالمساءلة والشفافية حيال جميع سبل إنفاق المساعدات. وتفاقمت الشكوك الغربية حول جدوى هذا الإنفاق بسبب فشل كثير من مشروعات المساعدات، وبسبب نقاط ضعف البلدان النامية في التنفيذ الفاعل (وهي مسألة سوف نتناولها لاحقًا). على أيِّ حال، سوف يجري تفاوض على ما يبدو حول بعض الحلول التوافقية في نهاية المطاف؛ لأنه من الواضح أن ذلك يصبُّ في مصلحة جميع الأطراف التي تسعى إلى الحد من الاحترار العالمي، ولكن حدود ذلك الحل التوافقي هي مجرد تخمينات في هذا الوقت. وإذا لم يُتوصَّل لحل توافقي، أو إذا نُظِر للاتفاق على أنه مظهريٌّ إلى حدٍّ كبير وغير فاعل؛ فإن مطالب زيادة الإنفاق على مشاريع الهندسة الجيولوجية ستزداد بالتأكيد، وهي المسألة التي سنعود لها لاحقًا في هذا الفصل. يوجد تعليق أخير حول هذه المسألة على قدر من الأهمية. من الواضح أن الجزء الأكبر من مساهمات العالم الثالث الحالية في الاحتباس الحراري تأتي من مجموعة صغيرة من البلدان؛ وهي الصين والهند والبرازيل وإندونيسيا (البَلدان الأخيران يسهمان بسبب إزالة الغابات). وتوجد بعض الدلائل على أن هذه البلاد أصبحت تدرك على نحو متزايد المخاطر التي ستعاني هي نفسها منها جرَّاء الاحترار العالمي والفوائد المحتملة من محاولة التربح من الطفرات التكنولوجية. كما أنه من الواضح أن هذه البلدان أيضًا كانت عازمة على الحفاظ على النفوذ التفاوضي قبل مؤتمر كوبنهاجن وأثناءه وبعده. ومع ذلك، استمرت مواقفهم المتشددة في الوقت الذي كانت فيه قدرةُ الدول المتقدمة على الاستجابة بسخاءٍ محدودةً بشكل كبير.
لم يأتِ الموقف المتشدد من اللامبالاة أو الجهل؛ فالصين على وجه الخصوص — على الرغم من عدم استعدادها لقبول أهداف وجداول زمنية ثابتة — تبذل جهودًا كبيرة للحد من انبعاثاتها والانضمام إلى الجهود الرامية إلى الاستفادة من تطوير أنواع وقود بديلة. وكذلك البرازيل وإندونيسيا كانتا ترسلان إشارات مؤخرًا حول استعدادهما لخفض إزالة الغابات خفضًا كبيرًا (وهو الأمر الذي يساهم بحصة كبيرة في إجمالي الانبعاثات)، إذا حصلت على تعويضات كافية. لا تريد أيٌّ من هذه البلدان أن تتحمل اللوم على فشل خفض الانبعاثات بسبب المصلحة الذاتية، ولا تريد أيٌّ منها أن تفوِّت فرصة الحصول على المكاسب الاقتصادية المحتملة، ولا تريد أيٌّ منها أن تُدمَّر جرَّاء تبعات الاحترار العالمي.
ربما يرى المتفائل الحَذِر (جدًّا) في هذا الأمر — ولو من خلال نظارة سوداء — علامات ضمنية على تنامي الوعي بأن المصلحة الذاتية والمصلحة العالمية مرتبطتان، وكذلك التنمية والجهود الرامية لخفض الاحترار العالمي. ولكن وجود طرفين يتحدث كل منهما بجانب الآخَر ولا يحاول فَهْم ما يحتاجه الآخر أو يريده؛ ليس بوصفة لنجاح التفاوض. وفي الوقت الراهن لا توجد وسيلة لمعرفة إن كانت هذه الفجوة سوف تستمر أو تتقلص أو تزيد، وربما يكون التأخر في التحرك نحو حل توافقي مكلِّفًا بمرور الوقت.
(?) المحاذير

اختيار السياسات في مجال معقد للغاية ومليء بالشكوك مهمة صعبة دائمًا؛ فيتحرك كلٌّ من المتغيرات — العلمية والسياسية والاقتصادية وغير المتوقعة — بإيقاعاته الخاصة، ولكن يمكن أيضًا أن يحيد عن طريقه جراء حركة حادة مفاجئة من المتغيرات الأخرى. على سبيل المثال، التركيز على «الفرص السانحة» المألوفة (مثلًا، حماية البيئة أو زيادة كفاءة الاستخدام) يكون منطقيًّا على نحو عملي بارز على المدى القصير، ولكنه يمكن أيضًا أن تَثبُت عدم كفايته إذا استمر الاحترار العالمي في الزيادة وتأخرت بلدان أخرى في الاستجابة. إذا كان هذا يحدث، فعلينا أن نكون مستعدين للتحرك بقوة لحشد دعم شعبي أو للعمل دون الحصول على هذا الدعم إذا كانت توجد ضرورة لاتخاذ إجراء طارئ. عمومًا، يجب أن تهدف القرارات لكسب الوقت والدعم لسياسات أشد قوة في المستقبل، إذا وُجدت ضرورة لها — وعندما تظهر أيضًا.
يمكن تبرير التمويل المبكر للأبحاث إذا كانت المشاريع المختارة شكلًا من أشكال التأمين الطويل المدى. قدَّمَ ستيفن تشو — وزير الطاقة في إدارة أوباما — عددًا من المقترحات المهمة بشأن البحث والتطوير، التي ينبغي أن يتلقَّى معظمُها تمويلًا الآن، مع أنه قد تمر عقودٌ قبل أن يمكن تحقيقها. وكما ذكرنا آنفًا، ربما يصبح المدى الطويل مدًى قصيرًا إذا تدهورت الظروف. وتشمل اقتراحات تشو طلاء أسطح المباني والطرقات بالأبيض لتعكس أشعة الشمس مرة أخرى نحو الفضاء، وبناء شبكة كهرباء «ذكية»، وحرق النفايات النووية في مفاعلات خاصة من شأنها أن تحولها إلى عناصر حميدة بشكل أكبر. وخفَّضَ تشو أيضًا تمويلَ المشاريع التي يعتبرها غير مدروسة.27 أما بالنسبة للقرارات الطويلة المدى، فإن الكثير منها يعتمد على نجاحات السياسات القصيرة المدى، فضلًا عن مزيد من التطورات على صعيد الاحترار العالمي وأمن الطاقة والتطورات الخارجية غير المتوقعة («الصدمات» الاقتصادية والاضطرابات السياسية في البلدان الرئيسية … إلخ). وسوف يكون الإنفاق الكبير على البحث والتطوير مناسبًا لجميع الفترات الزمنية الثلاث التي سنناقشها، ولكن التمييز القاطع بين الفترات الزمنية المختلفة مصطنع إلى حدٍّ ما؛ لأن بعض السياسات المتوسطة المدى (مثلًا، بناء المفاعلات النووية) وبعض السياسات الطويلة المدى (مثلًا، الاندماج النووي أو بعض مشاريع الهندسة الجيولوجية) تتطلب تمويلًا مستدامًا وقصير المدى. وينبغي توزيع الإنفاق الأولي بين عدد معقول من الاحتمالات، ولكن عندما يبدو أحد هذه الاحتمالات واعدًا أكثر من غيره، يجب أن يكون الإنفاق أكثر تركيزًا وأكثر كثافةً. فمن قِصَر النظر المقامرة في وقت مبكر على أيِّ مشروع كبير بعينه.
الساحة الدولية على نفس القدر من الأهمية، ولكن من المتوقع أن تكون العقبات التي تعترض سبيل الاتفاقات التعاونية أشد مما تكون عليه في الساحة المحلية؛ فالتفسيرات المتباينة للمصالح الوطنية ومستويات التنمية المختلفة والجداول الزمنية السياسية المختلفة والقيم والأيديولوجيات المختلفة تعقِّد عملية التفاوض. في هذه الظروف، إذا افترضنا أن السرعة على القدر نفسه من أهمية الكفاءة والفاعلية والإنصاف في الاستجابات السياساتية الدولية، فمن المنطقي للغاية أن نركِّز في البداية على الاتفاقيات التعاونية «الحقيقية» (لا البلاغية) بين مسببي التلوث الرئيسيين الحاليين. يأمل المرء أن تشكِّل هذه المجموعة الأخيرة «ائتلافًا للقوى الراغبة»؛ إذا لم يحدث ذلك، فربما ينبغي استخدام مختلف أساليب الترغيب والترهيب من أجل التحفيز على التعاون. وسوف تصبح المؤتمرات العالمية مثل مؤتمر ريو ومؤتمر كوبنهاجن أكثرَ إثمارًا إذا كان التعاون القصير المدى بين مسببي التلوث الرئيسيين ناجحًا على نحو معقول، وإذا توافرت تكنولوجيات جديدة ومساعدات خارجية إضافية. ومن المأمول أن تلقى التكنولوجيات الجديدة مشاركةً وألَّا تسبِّب المخاوف من أضرار المنافسة نزعة قومية وحمائية مفرطة، وهذا سبب قوي لتفضيل الاتفاقات الدولية التي تضع معايير للنظام ككلٍّ. أخيرًا، يجدر إعادة التأكيد مجددًا على نقطة سابقة: لا يمكن أن ينجح التعاون الدولي إلا إذا كان قائمًا على سياسات وطنية قوية للحد من الانبعاثات والتحرك نحو تبنِّي اقتصاد طاقة جديد.
(?) قائمة مهام

قبل مناقشة خيارات سياساتية محددة لفترات زمنية مختلفة، ربما يكون من المفيد إجمال الخصائص التي نأمل أو يجب أن تكون موجودةً في السياسات التي نختارها. وربما يكون من المفيد أيضًا الإشارة إلى أننا ندعو لاستراتيجية ذات مسارين تغطي ثلاث فترات زمنية، وتشمل أيضًا مسارًا ثالثًا محتملًا إذا تدهورت الأوضاع تدهورًا حادًّا. باختصار، سوف نقترح استراتيجيات ملائمة لاتباع سياسات مناسبة في فترات زمنية مختلفة.
سوف نسعى لسياسات تلتزم بمبادئ توجيهية واضحة المعالم، على النحو التالي: (?) يجب وضع الأهداف المتوقَّع أن تكون قابلةً للتحقيق في فترة زمنية أو أخرى، ويجب أن تكون الفترات الزمنية الأولى اللازمة لوضع وتنفيذ سياسات معينة شديدة الوضوح على المدى القصير، ومعتدلة الوضوح على المدى المتوسط، وربما تكون في نطاق التوقعات على المدى الطويل.
(?) يجب أن تبدو التكاليف من الممكن تحملها في أعين واضعي السياسات والجمهور، على الرغم من أن عبارة «من الممكن تحملها» في هذا السياق يجب أيضًا أن تتعدل وفق حجم الخطر المُدرَك في أيِّ لحظة.
(?) يجب دائمًا أن تؤخذ الآثار الجانبية المحتملة في الحسبان؛ ومبدئيًّا، ينبغي اختبار المشاريع المحفوفة بالمخاطر كثيرًا، وتقييمها تجريبيًّا قبل التنفيذ.
(?) يجب أن تكون السياسات مقبولة على المستوى السياسي لدى أغلبية كافية، محليًّا ودوليًّا، إلا إذا أصبح خطر الاحترار العالمي شديدًا للغاية، لدرجة أن تصبح الإجراءات الفورية أمرًا حتميًّا.
(?) اختيار أيِّ نهج سياساتي مفرد أمر مبكر على نحو خطير، وينبغي الحفاظ على مرونة التمويل والدعم.
(?) لا يمكن أن تكون السياسات جائرة؛ بمعنى أن قطاعًا واحدًا فحسب من المجتمع يستفيد منها على حساب القطاعات الأخرى، وإذا كان من المرجح أن تحدث هذه النتيجة، فيجب وضع خطط تعويضية.
توفر هذه المتطلبات المثالية معايير مفيدة للخيارات المحددة اللاحقة.
بغض النظر عما حدث في كوبنهاجن، علينا مسئولية أخلاقية وعملية للقيام بأقصى ما يمكننا بأسرع ما في وسعنا للتعامل مع الآثار المباشرة للاحترار العالمي، والاستعداد للتعامل بأفضل ما نستطيع مع آثاره الطويلة المدى. وهذا هو مسارنا الأول والذي يشمل الإجراءات السياساتية الواجب اتخاذها في المستقبل القريب وعلى المدى المتوسط والطويل؛ بحيث تلبِّي أكبر عدد ممكن من الخصائص السياساتية المرغوبة. ونسعى لأفضل اندماج للإجراءات الممكنة والضرورية التي يمكننا اتخاذها. واختيارنا المفضل هو القيام بذلك على المستوى الوطني والدولي من خلال ائتلافات القوى الراغبة التي تسعى للتغلب على أوجُه القصور في عملية صنع السياسات من خلال عملية التدرج المتسارع خطوة فخطوة.
يجب علينا أيضًا أن نبدأ في الاستعداد لقصور في المسار الأول عن طريق زيادة الإنفاق على البحث والتطوير لبعض التكنولوجيات التي لم تُختبَر، والتي تستند إلى علوم معترف بها، فضلًا عن مجموعة متنوعة من تقنيات الهندسة الجيولوجية غير التقليدية والجديدة ذات النتائج غير المعروفة بعدُ. هذا هو المسار الثاني الذي ينبغي السير فيه في الوقت نفسه مع المسار الأول. ماذا عن أسوأ سيناريو: فَلْنفترض أن المسارين كليهما لا يكفيان، وزادت سرعة الاحترار العالمي مع كل أخطاره البيئية والسياسية والاجتماعية المصاحبة له؟ وبإدراك هذا الاحتمال، ينبغي للقائمين على التخطيط في المنظمات الحكومية والدولية ذات الصلة تكريسُ بعض الطاقات الفكرية لتحديد العقوبات و/أو الجزاءات التي ربما تكون ضرورية في مثل هذه الظروف العصيبة.
هوامش

(1) D. S. Battisti and R. L. Naylor, “Historical Warnings of Future Food Insecurity with Unprecedented Seasonal Heat,” science, Vol. 323, January 9, 2009, p. 240.(2) “Labour Orders Green Energy Revolution,” The Guardian, July 16, 2009, pp. 1, 6-7, and 32.(3) Ibid.(4) “A Good Climate for Development,” The Economist, August 6, 2009, p. 9.(5) David Adam, “Catastrophic Warming ‘in our lifetimes’—Met Office,” The Guardian, September 28, 2009, p. 1, and “Questioning the Invisible Hand,” The Economist, October 17, 2009, p. 66.(6) Danish Climate and Energy Policy (Copenhagen: Danish Energy Agency, 2009) and Renewable Energy Policy Review (Copenhagen: Danish Energy Agency, 2008). We have relied on these reports for our comments.(7) Quoted in Thomas L. Friedman, “The Copenhagen That Matters,” New York Times, December 23, 2009, p. A27.(8) K. Capoor and P. Ambrosi, State and Trends of the Carbon Market 2009 (Washington, DC: World Bank, 2009).(9) John M. Broder and James Kanter, “China and U.S. Hit Strident Impasse at Climate Talks,” New York Times, December 15, 2009, p. 1.(10) James Hansen, “Cap and Fade,” New York Times, December 7, 2009, p. A27.(11) Laurie Williams and Allen Zabel, “Cap and Trade does More Harm than Good,” Philadelphia Inquirer, June 24, 2009, p. A19.(12) James Hansen, “Cap and Fade,” op. cit.(13) Marshall Levine, personal communication, December 1, 2009.(14) Lisa Margonelli, “Let’s get Serious about Auto Sales, Eco-incentives,” New York Times, May 16, 2009.(15) John W. Kingdon, Agendas, Alternatives, and Public Policies (Boston: Little, Brown and Company, 1984).(16) Clifford Krauss and Jad Mouawad, “Oil Industry Backs Protests of Emissions Bill”, New York Times, August 19, 2009, p. B1.(17) John W. Kingdon, Agendas, Alternatives, and Public Policies, op. cit., p. 126ff.(18) Keith Bradsher, “In China, a Shield Goes Up for Energy Firms,” International Herald Tribune, July 15, 2009, p. 13.(19) See, for example, various essays in Kurt M. Campbell and Jonathan Price, eds, The Global Politics of Energy (Washington, DC: Aspen Institute, 2008).(20) Quoted in Tom Zeller, Jr., “A High Cost to Deal with Climate Shift,” International Herald Tribune, August 31, 2009, p. 18.(21) Paul Krugman, “The Truth: It’s Easy Being Green,” New York Times, September 25, 2009, p. A25.(22) Ibid.(23) Martin Parry, Nigel Arnel, Pam Berry, et al., Assessing the Costs of Adaptation to Climate Change: a Review of the UNFCCC and Other Recent Estimates (London: IIED and the Grantham Institute, Imperial College, 2009).(24) Neil MacFarquhar, “A Sobering Estimate for Clean Global Energy,” International Herald Tribune, August 10, p. 12.(25) World Development Report 2010: Development and Climate Change (Washington, DC: World Bank, 2009), pp. 12 and 45-6.(26) See “A Bad Climate for Development,” The Economist, September 19, 2009, p. 77.(27) See “The Alternative Choice,” The Economist, July 4, 2009, p. 62.
الفصل العاشر
قائمة أولويات


نقدم في هذا الفصل إطار العمل الذي يمكن استخدامه للإجابة على عدة أسئلة مرتبطٍ بعضها ببعضها: ما السياسات التي ندعو إليها، ولأيٍّ من الأطراف الفاعلة، وفي أيِّ فترة زمنية؟ سبق وأجبنا على السؤال عن «السبب» بأنه لوضع سياسات يمكن أن تبطئ تغير المناخ من خلال المساعدة على خلق اقتصاد جديد لا يعتمد كثيرًا على الكربون، والقيام بذلك بطريقة تتسم بالكفاءة والفاعلية والإنصاف والقيام بذلك في الوقت المناسب. قد يكون السؤال حول «الكيفية» أصعب الأسئلة جميعها كما أكَّدَ الفصل السابق. ولن يتوقف الكثير على القيادة السياسية الفاعلة فحسب، ولكن أيضًا على تطور خطرِ الاحترار العالمي ذاته، وسوف نستخلص أفكارًا هنا من المادة المقدمة في الفصول السابقة لتقديم بعض الاقتراحات حول كيفية تحسين آفاق الوصول لاتفاقيات سياساتية. وأدرجنا النتائج النهائية لتحليلنا في صورة موجزة في الجدول ??-? في نهاية الفصل، والذي تنقسم فيه مختلف المساعي المقترحة وفقًا لكونها بنودًا للتنفيذ أو لإجراءِ مزيدٍ من الأبحاث. بعض التغييرات المقترحة محليةٌ ويتطلب البعض الآخَر اتفاقيات دولية. وقد وُضعت كافة المقترحات في شكل جدول زمني لتوضيح الأولويات حسب درجة الصعوبة؛ إما بسبب الشكوك العلمية أو التكنولوجية أو السياسية. جدول ??-?: ملخص بالأولويات: الأبحاث وخطوات التنفيذ المقترحة على مدى فترات زمنية مخططة.
وقت التنفيذ أو الأبحاثأهداف أحادية الجانب (قرارات محلية)أهداف دولية (ثنائية الجانب أو ائتلافية)التنفيذ خلال السنوات الخمس الأولى زيادة استخدام حرارة الشمس.
الحفاظ على الحرارة المبدَّدَة.
زيادة كفاءة الأجهزة.
معيارٌ موحد لاقتصاد الوقود أكثرُ صرامةً.
خصومات ضريبية لاستخدام طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
تشريعات لتحديد وتداول الانبعاثات.
اتفاق دولي بشأن تبادل المعلومات حول احتجاز وعزل الكربون.
اتفاق بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن الأهداف والجداول الزمنية والمراقبة والإنفاذ للحد من انبعاثات الكربون بحلول عام ????.
الأبحاث خلال السنوات الخمس الأولى تقييمُ تأثير الانبعاثات غير المباشرة.
تصميم شبكات كهربائية أكثر ذكاءً.
وضْع خطط للقطارات عالية السرعة.
تصميم قياسي موحد للمحطات النووية.
تحديدُ مخاطر الحفر العميق.
إيجاد مواقع تخزين للهواء المضغوط.
إجراء تجارب احتجازِ وعزل الكربون.
?التنفيذ خلال العقد الأول الشبكة الكهربائية الذكية.
استخدام التخلص المركزي من النفايات النووية.
تحسين وسائل النقل الجماعي.
المزيد من السيارات التي تستخدم محركات الديزل.
تثبيت أجهزة تخزين الماء المضخوخ.
اتفاق بين الولايات المتحدة والصين بشأن الأهداف والجداول الزمنية والمراقبة والإنفاذ للحد من انبعاثات الكربون بحلول عام ????.التنفيذ خلال العقد الثاني تثبيت بطاريات للسيارات الكهربائية تقطع مسافة أطول.
بناء محطات جديدة للطاقة النووية.
تثبيت واستخدام خلايا فولتضوئية أكثر كفاءة.
استخراج الطاقة الحرارية الأرضية.
بناء حواجز صناعية للحصول على طاقة المد والجزر.
بناء محطة لإنتاج الوقود السائل من الطحالب.
تشغيل خطوط سكك حديدية عالية السرعة بين المدن.
استخدام تخزين طاقة الهواء المضغوط.
بدء عملية احتجاز الكربون (احتجاز وعزل الكربون).
اتفاق دولي بشأن الأهداف والجداول الزمنية والمراقبة والإنفاذ للحد من انبعاثات الكربون بحلول عام ????.
اتفاق دولي بشأن دراسة تبييض السحب وكذلك تخصيب المحيطات لنمو العوالق.
الأبحاث خلال العقد الثاني دراسة الخلايا الشمسية المحسسة صبغيًّا.
دراسة تغيُّرات المحيطات الناجمة عن ذوبان ثاني أكسيد الكربون.
دراسة إعادة معالجة وقود المفاعلات النووية.
إجراء تجارب الهندسة الجيولوجية عن طريق تفاعل البازلت الكيميائي، وتخصيب المحيطات لنمو العوالق، وتبييض السحب.
?التنفيذ خلال العقد الثالث الحصول على الهيدروجين من الماء.
إخضاع التغيرات المناخية للهندسة الجيولوجية.
دراسة جدوى الاندماج النووي.
بناء مفاعلات نووية تستخدم الوقود المعاد تدويره.
تنفيذ عمليات احتجاز وعزل الكربون على نطاق واسع.
اتفاق دولي بشأن تخصيب المحيطات لنمو العوالق.
اتفاق دولي بشأن التخلص من ثاني أكسيد الكربون في المحيطات أو في رواسب البازلت.
الأبحاث خلال العقد الثالث أبحاث الاندماج النووي.
إعادة تصميم المدن لتقصير مسافات التنقل.
تحسين تكنولوجيا تحليل المياه.
تصميم خلايا وقود كبيرة تعمل بالهيدروجين.
?
(?) مكاسب قصيرة المدى: أقل من ?? سنوات

تتمتع السياسات في هذا القسم بعدد من الخصائص التي يجدر ملاحظتها. في المقام الأول، يمكن تنفيذها جميعًا على الصعيد الوطني أو حتى دون الوطني، دون انتظار الاتفاقيات الدولية أو حتى الإقليمية، كما أنها لا تتطلب فرض عقوبات قوية على عدم الامتثال. ومن البديهي أن تأثيرها التراكمي سوف يكون أكبر بكثير إذا تبنَّتْ دول أخرى سياسات مماثلة كنوع من الاستجابة التدريجية غير المنسقة للاحترار العالمي. ثانيًا: الأسس العلمية والتكنولوجية لهذه السياسات معروفة على نحو معقول، على الرغم من أن بعضها سيستفيد بوضوح من استمرار الأبحاث. أخيرًا: بعضها يقدم بالفعل فوائد على درجة من الكفاءة والفاعلية على نطاق صغير نسبيًّا، والبعض الآخر أكثر تكلفةً وسوف يتطلب وقتًا لتنفيذه، ولكن لا شيء منها يبدو حتى الآن أنه سيثير مشاكل لا يمكن التغلب عليها من حيث الإنصاف. كما أنها — وربما قبل كل شيء — مجدية سياسيًّا واقتصاديًّا في الولايات المتحدة، لا سيما إذا كانت إدارة أوباما مستعدة (أو مضطرة) لإنفاق بعض رأس المال السياسي. وكذلك تعزيز الإنفاق على أبحاث الخيارات الأخرى محتم أيضًا، ولكن يجب أن يكون من الممكن تحمُّله في ظل الظروف الراهنة. على سبيل المثال، يوجد بالفعل تحت تصرف وزير الطاقة الأمريكي ستيفن تشو ميزانية سنوية تبلغ نحو ?? مليار دولار إضافة إلى ?? مليار دولار من حزمة تدابير التحفيز الأخيرة. باختصار، لا يوجد أيُّ سبب لعدم التحرك الآن؛ فنحن نعرف ما يجب علينا أن نبدأ به، ويمكننا أن نتوقع عوائد سريعة على نحو معقول من هذه الاستثمارات، كما أنها تقع ضمن المصالح الوطنية والدولية على نحو واضح.
بدأت بالفعل برامج الحفاظ على الطاقة تحقِّق فوائد في بعض البلدان؛ حيث تحول المستهلكون إلى استخدام أجهزة وأدوات أكثر فاعلية، بما في ذلك — على سبيل المثال — مصابيح الفلورسنت والنوافذ الواقية من الحرارة والثلاجات المعزولة على نحو أفضل. والتوفير في التطبيقات الصناعية والمحلية متاح عن طريق إعادة توجيه ما يمكن أن يكون حرارة مبددة — إذا لم يخضع لهذه العملية — وهي الحرارة الزائدة التي خلفتها بعض العمليات العالية الحرارة، والتي لا تزال ساخنة بما يكفي للاستفادة منها في أغراض التدفئة المنزلية.
أشرنا بالفعل إلى مجموعة متنوعة من خطوات السياسة المالية الأمريكية التي تقدِّم حوافز لتشجيع الأفراد على العمل من أجل المصلحة العامة، وتشمل هذه الخطوات حسومات مقابل تسليم «السيارات القديمة»، وخصومات ضريبية على تثبيت مواد عازلة، واستخدام طواحين الهواء، وتركيب مجمعات الطاقة الشمسية. ووُضِع قانون تحديد وتداول الانبعاثات للحد من انبعاثات غازات الدفيئة من المنشآت الصناعية.
من بين المكاسب التي يمكن تحقيقها على المدى القصير — المكاسب المفهوم جانبها العلمي جيدًا التي تتاح التكنولوجيا اللازمة لها بسهولة — التحسينات المدخلة على نظم ومَركبات النقل. إن الزيادات في متطلبات المعيار الموحد لاقتصاد الوقود في الولايات المتحدة التي فُرضت في عام ???? متواضعة، ويمكن أن تُحدث انخفاضات كبيرة في استخدام النفط إذا زيدت هذه المعايير مرة أخرى إلى ما لا يقل عن المستويات الأوروبية، إن لم يكن إلى مستوًى أعلى. إضافة إلى ذلك، تماشيًا مع هذا الاتجاه، فإن التحوُّل إلى زيادة استخدام محركات الديزل يمكن أن يزيد من مضاهاة المكاسب المعروفة بالفعل في السيارات الأوروبية. وأخيرًا، توجد ميزة كبيرة في توفير خدمة حافلة عامة و/أو قطار يكون نظيفًا ومريحًا، ويسير وفق جدول زمني منتظم بما يكفي لجذب أولئك الذين سيقودون سياراتهم الخاصة في حالة عدم توافر ذلك.1 الطاقة الحرارية الشمسية متاحة أيضًا بسهولة وبشكل فوري، وهذا المصدر أكثر المصادر سهولة في الاستخدام في تسخين الماء والتدفئة في المنازل والمحالِّ، ويمكن كذلك استخدامه في البيئات الصناعية التي لا تتطلب درجات حرارة عالية للغاية. واستخدامها في العمليات التي تحتاج درجات حرارة مرتفعة لا يحتاج إلى طفرة علمية جديدة، ولكن يمكن أن يستفيد من بعض التحسينات الهندسية، سواء في تركيز الإشعاع الشمسي أو في تخزين واستعادة الطاقة المتقطعة.
وَيَلي ذلك في سهولةِ الاستغلالِ الطرقُ المجربة لتجميع طاقة الرياح. وينتشر استخدام مولدات الكهرباء الكبيرة التي تشغلها طواحين الهواء في أنحاء أوروبا وأجزاء من الولايات المتحدة، وهي تُغذي بالفعل شبكات الكهرباء التي تغطي مناطق واسعة، وهذا النظام مدعوم من قِبَل التأييد الشعبي وبتشجيعٍ من المنح الحكومية. إن مواقع تركيب طواحين الهواء من أجل الطاقة محدودة في بعض المناطق بسبب ارتفاع تكلفة تركيب خطوط النقل، ولكن هذا سيكون عاملًا أقل في الحسم مع ارتفاع تكاليف الطاقة الأخرى من الوقود الحفري.
والاستخدام المباشر للطاقة الشمسية عبر الخلايا الفولتضوئية في الوقت الحاضر متاح بسهولة، ولكنه مكلف نسبيًّا، وقد أدَّى ذلك إلى تركيب الخلايا في مجموعة متنوعة من التطبيقات الخاصة، معظمها في الأماكن البعيدة أو التي لا يمكن إمدادها بالكهرباء بسهولة، والتي لا يمثِّل استثمارُ رأس المال همَّها الأول. ويمكن أن تتحقَّق تغييرات كبيرة في هذه الحالة على نحو جيد خلال العقد المقبل؛ وسيتطلب ذلك تطورات فنية جديدة في التوجه نحو استخدام مواد أقل تكلفة للتركيبات، أو زيادة كفاءة تحويل ضوء الشمس إلى كهرباء.
إن تحسين أداء البطاريات في السنوات الأخيرة كان مدفوعًا في البداية بالحاجة إلى الطاقة في الأجهزة الإلكترونية الصغيرة، ثم بمتطلبات السيارات. إن التحسينات مثيرة للإعجاب، ويبدو أن السيارة التي تعمل بالكهرباء فقط سوف تكون متاحة في غضون بضع سنوات، على الرغم من أن المسافات المقطوعة بين مرات شحن البطارية لا تزال تمثِّل عجزًا شديدًا. وبالنظر إلى أبعد من ذلك، يمكن أن يتقبَّل المستهلكون بسهولةٍ أكبر السيارةَ التي يتم شحنها بالكهرباء، والتي لا يكفي شحنها إلا لسير مسافة قصيرة إذا كانت المسافات التي يقطعونها أقصر، وهذا بدوره يتطلب تغييرًا كبيرًا في مواقع الإقامة و/أو العمل، وهي التغيرات التي تحدث بالفعل من خلال توجه البعض للعمل من المنزل لجزء من الأسبوع على الأقل. ولكي تكون البطاريات عونًا في التعامل مع قضايا الاحترار العالمي، سوف يكون من الضروري استخدام الطاقة المتجددة كمصدر لشحن البطارية بالكهرباء، وهذا ليس متاحًا بعدُ على نطاق واسع، ولكن يوجد سبب لتوقع زيادة هذه القدرة في المستقبل القريب.
بما أن التركيز يقع على التكنولوجيا المتاحة حاليًّا لصنع وقود سائل من المصادر الهيدروكربونية، فإنه يجب أن تكون عملية فيشر-تروبش على رأس القائمة. وفي حين أنها طُوِّرت منذ البداية مع الوضع في الاعتبار أن الفحم هو مصدر الطاقة، فإن هذه المادة المبدئية لا تساعد في الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. بدلًا من ذلك، للحفاظ على توازن غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، فإن سبيل الحصول على الهيدروجين وأول أكسيد الكربون اللازمين لتغذية العملية يجب أن يكون منتجًا زراعيًّا، ويُفضَّل ألا يكون منتجًا قابلًا للأكل. وسوف يُصمَّم هذا الخليط لإعادة تدوير ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق الوقود السائل عن طريق استغلال الغاز في إنماء المصدر النباتي. ويمكن عزو هذه الفائدة نفسها إلى البيوبوتانول، شريطة أن تكون المادة المهروسة المخمرة منتجًا نباتيًّا مقبولًا. ومن أجل تحقيق أهدافنا، يمكن أن يستغرق تطوير مصادر نباتية أفضل لمدخلات أيٍّ من هاتين العمليتين عقدًا من الزمن.
أخيرًا، في هذه القائمة للسنوات العشر الأولى، توجد إمكانية بناء خزانات للماء المضخوخ أو الهواء المضغوط. إن التكنولوجيا اللازمة لأحد هذين الأمرين أو كليهما متطورة تمامًا ومتاحة، ويمكن استخدام أيِّ مصدر للطاقة نحتاج إلى تخزينه. يأتي أحد عيوب الهواء المضغوط من اختلاف الضغط عند استرداد الطاقة المخزونة؛ فبينما تقدِّم البطاريات — على سبيل المثال — جهدًا كهربيًّا ثابتًا خلال فترة التفريغ كلها، فإن تغيُّرات الضغط في خزان الهواء تتطلَّب محركات يمكن أن توفر طاقة بمستوًى ثابت عندما ينخفض الضغط في حاوية التخزين. وتعويضًا عن نقطة الضعف تلك، يمكن للهواء المضغوط نقل طاقة بمعدلات مرتفعة للغاية لإحداث تسارع كبير. ومن المزايا الأخرى التي يتفوق بها الهواء المضغوط عن البطارية في تخزين الطاقة؛ طول عمر أوعية الضغط وانخفاض سمِّيَّة المواد المستخدمة. ومرة أخرى، إن تكاليف الاستثمار العالية هي العائق الكبير الوحيد أمام هذه التكنولوجيا، وسيتوقف استخدامها على البدائل التي ستتواجد في المستقبل عندما يكون تخزين الطاقة أكثر أهمية مما هو عليه اليوم.
مع أن بناء محطات طاقة نووية جديدة ليس عملية مباشرة لإنتاج الطاقة، فإن بناءها يعيد طرح تساؤلات حول تخزين النفايات النووية. وفي هذا الوقت في الولايات المتحدة تُخزن النفايات في ??? موقعًا موزعة في أرجاء البلد، وهو النظام الذي يثير شكوكًا جدية فيما يتعلق بالأمن والكفاءة. وقد اختير موقع جبل يوكا في نيفادا لتوحيد أماكن التخزين، ولكن على الرغم من إنفاق نحو ? مليارات دولار لإثبات أن الموقع مقبول من الناحية الجيولوجية، فقد توقف استخدامه في النهاية بفعل المعارضة السياسية. ويوجد خيار تُجرى دراسته الآن لإعادة تدوير الوقود غير المستخدم من أجل استخدامه في مفاعلات جديدة ومتطورة.2 ذكرنا في الفصل الثالث مخاطر الزلازل المرتبطة بالحفر العميق من أجل أنظمة الطاقة الحرارية الأرضية المعززة، وهنا ينبغي أن تَشمل اهتماماتُنا على مدى العقد المقبل الأبحاثَ الجيولوجية لتعيين الحدود الآمنة لمثل هذه العمليات؛ فنحن بحاجة إلى معرفة مدى العمق الذي يمكننا حفره في أيِّ نوع من أنواع الطبقات الرسوبية تحت الأرض، ومدى القرب الذي يمكننا الوصول إليه عند خطوط الصدع الرئيسية، ومعرفة إذا كانت المخاطر ترتبط بالمواد المسامية وكذلك بالمواد التي يجب تكسيرها بالحقن العالي الضغط أم لا. وفي مشكلة جيولوجية ذات صلة إلى حدٍّ ما، تُثار تساؤلات حول تلوث المياه الجوفية المحتمل في أعقاب إنتاج الغاز الطبيعي عبر التكسير الهيدروليكي للصخر الزيتي تحت الأرض، وتُراجع وكالة حماية البيئة الأمريكية البياناتِ التي تحدِّد إن كان الماء الصالح للشرب قد تلوَّثَ في بعض المواقع بسبب الإضافات الكيميائية المستخدمة في عملية التكسير أم لا.3 إضافةً إلى قائمة الأهداف الفنية تلك لمدة عشر سنوات مستقبلية، ينبغي إيلاء الاهتمام لسُبُل خلق «حقائق وقائعية» سياسية من شأنها أن تجعل الدعم السياسي اللازم ممكنًا، ويمكن حينها بدء عملية التغيير التي يمكن أن يكون لها آثار عميقة جدًّا، سواء على الفور أو بمرور الوقت. وبإدراك أنه من غير المتوقع أن تتجاوز الحكومات والنواب المنتخبون مصالحَ داعميهم بالأموال إلا إذا شعروا بضغط قوي من عموم الناخبين، فربما نتساءل عن التطورات التي يمكن أن تكسر جدار الجمود؛ غياب التلاحم العميق بين جمهور الناخبين الذي أدَّى إلى جدل مُرْبك بين الخبراء والمدافعين على كلا الجانبين.
بسبب أن الشباب — لا سيما مَن هم في سن الجامعة — هم مَن لديهم أمور أكثر على المحكِّ في هذا الجدل، ولديهم أكبر فرصة لاكتساب المزيد من المعرفة عن ذلك، من خلال عدد كبير من الدورات البيئية التي انتشرت في جميع أنحاء دنيا التعليم؛ فإن هذه المجموعة من المواطنين هي التي يجب أن تكون أكثر فاعلية وأكثر التزامًا. وتمامًا كما ظهرت حركات الاحتجاج المناهضة لحرب فيتنام والمؤيدة للحقوق المدنية وانتشرت سريعًا في جميع الأحرام الجامعية وفي نهاية المطاف وصلت إلى واشنطن، فمن المتوقع أن تنطلق الحركة البيئية من ممارسة نشاطها في الأحرام الجامعية؛ حيث ينتشر ويتعمق.
إذا كان حجم هذه الحركة كبيرًا، فإنها بالتأكيد ستَلْفِتُ انتباه صانعي السياسة في واشنطن وغيرها من الساحات السياسية، وبالتأكيد سوف يرى السياسيون المغامرون فرصة عابرة تسنح أمامهم وسيسعون لتطويرها وتشجيعها. باختصار، ندعو إلى إنشاء جماعات يسعى أعضاؤها إلى إقناع مؤسساتهم بتقديم التزام كبير للحد من بصمة الكربون الخاصة بها، ويمكن أن يكون للالتزام الشخصي بمجموعة متنوعة من الإجراءات البسيطة والمألوفة فائدته؛ وهي عدم ترك أجهزة الكمبيوتر في وضع الاستعداد، أو شراء الأجهزة الأكثر كفاءة، أو استخدام الدراجات الهوائية للتنقل، ولكن الآثار غير المباشرة للضغوط السياسية الأشد قد يكون لها تأثير أكبر. وفي حين أن قياس الآثار المحتملة لهذه الحركة سابق لأوانه، فإننا نعتقد أن النتائج التراكمية يمكن أن تكون ضخمة.
(?) تحسينات متوسطة المدى: ??–?? سنة

تشترك بعض طرق تحويل الطاقة في أن الأسس العلمية اللازمة لها معروفة، ولكن الصعوبات الهندسية كبيرة؛ مما يستدعي وقتًا طويلًا لتطبيقها. من أجل هذه التطبيقات يجب أن نخطِّط جهودًا تتطلب أكثر من عشر سنوات لتصميمها وبنائها والانتهاء منها، والمثال الرئيسي على مثل هذا الجدول الزمني هو مفاعل الطاقة النووية؛ فتخطيطه وتصميمه وبناؤه يحتاج إلى فترة نحو ?? سنوات، ويمكن أن تقصُر هذه الفترة الزمنية إذا سببت التطورات السلبية القريبة المدى شعورًا بالإلحاح. وبالنظر إلى ما هو أبعد من ذلك، تظهر حاجة إلى وضع تصميم قياسي موحد للمفاعلات النووية من أجل السلامة والكفاءة في أيِّ توسع في المستقبل بهذا المجال. واقتُرحت تصميمات جديدة، يقوم أحدها على مجموعة من وحدات أصغر، كل واحدة منها بقدرة حوالي ?? ميجاواط.4 وعلى الرغم من كونها أكثر أمانًا وأرخص، نظرًا للحجم الأصغر لكلِّ وحدة وموضعها تحت الأرض، فإن جمع ?? أو ?? من هذه المفاعلات يساوي قدرة المنشآت النووية الحالية، ويخضع التصميم حاليًّا للتقييم من قِبَل اللجنة التنظيمية النووية في الولايات المتحدة. تبيِّن المناقشات حول ما يلزم لاستخراج الطاقة من الأمواج والمد والجزر أن علم طاقة الأمواج معروف جيدًا، وكذلك أيضًا تتوفر المعرفة عن المد والجزر اللذين يستجيبان لقوة جاذبية القمر (والشمس). ولا تزال توجد حاجة لتطويرِ التفاصيل الهندسية للأجهزة التي ستجمع هذه الطاقة واختبارِها تجريبيًّا في المواقع، ولا يزال يتعيَّن علينا تحديد المواقع المُثلى. وعلاوة على ذلك، حتى عندما نعلم أنه يمكن بناء سدود وحواجز للمد والجزر ونعلم مكان وكيفية بنائها، فإن وقت بناء هذه المنشآت سيمتد لسنوات طوال. وكما ذكرنا من قبلُ، قررت بريطانيا بناء حاجز صناعي على مصب نهر سيفرن بتكلفة متوقعة تبلغ ?? مليار دولار على مدار فترة ?? عامًا.
كذلك سوف تحتاج الخطط الواقعية لتحسين البطاريات وخلايا الوقود أوقاتًا طويلة من البحث والتطوير، وهما على حدٍّ سواء تشتملان على عملية تحويل كيميائية؛ في البطارية لتحويل الكهرباء إلى تخزين كيميائي قابل للعكس، وفي خلايا الوقود لتحويل الطاقة المتاحة بالفعل في الشكل الكيميائي إلى كهرباء. إن البطارية هي جهاز تخزين للطاقة، أما خلية الوقود فهي محرِّك مستخدِم للوقود، إلا أنهما تشتركان في ضرورة إيجاد سطوح محفِّزة محسَّنة لأقطابهما (الأنود والكاثود). واستخدام البطاريات في السيارات الهجينة والتي تُوصَّل بالكهرباء هو التطبيق الأكبر حجمًا والأوسع نطاقًا بوضوح. ومع أن جميع شركات صناعة السيارات الكبرى وعَدَتْ أن تُطرَح المركبات التي تُوصَّل بالكهرباء في السوق في السنوات القليلة القادمة، فإن دراسة أجراها مجلس البحوث القومي الأمريكي في عام ???? خلصت5 إلى أنه سوف يتطلب الأمر عقودًا لكي يوجد ما يكفي من هذه السيارات على الطريق للتأثير على استخدام وقود البترول أو انبعاثات الكربون. إن العائق الذي يقف أمام قبول هذه السيارات على نطاق واسع هو التكلفة المحتملة لمجموعة البطاريات، التي تشير التقديرات إلى أنها حوالي ?? ألف دولار. ومع إضافة أجهزة التحويل والتحكم المساعِدة، فإن هذا من شأنه أن يضيف تكلفة لسعر الشراء ربما تصل إلى ?? ألف دولار؛ مما يزيد من سعر العديد من السيارات الصغيرة في السوق. لا يزال حافز التوصل إلى بطارية محسَّنة كبيرًا جدًّا، ويمكن أن يجني مزيدٌ من الأبحاث الجارية الآن ثمارًا جيدة للغاية بعد عقد من الزمن. في حين أنه يمكن لخلايا الوقود من حيث المبدأ استخدام أيِّ مادة هيدروكربونية لتكُون مصدرًا للطاقة — وقد قُدِّمت بيانات عملية لخلايا الوقود المعتمدة على أكسدة الكحول الميثيلي — فإن الأبحاث حول التطبيقات العملية تركِّز حصرًا على الهيدروجين كوقود؛ لأنه إذا كانت خلايا الوقود الجديدة مصممة أو معدلة لتكون قادرةً على معالجة المزيد من الوقود التقليدي مثل الغاز الطبيعي أو بعض مكونات البترول، فإنها ستُنتج ثاني أكسيد الكربون وتفقد ادعاءها بأنها تطبق محايدة الكربون. وبما أن الاعتماد على مصادر الهيدروجين يعاني من كل السلبيات المذكورة سابقًا بالتفصيل بالفعل، فإن مناصري استخدام خلايا الوقود على نطاق واسع يعقدون كثيرًا من آمالهم على الهيدروجين الأرخص الذي يمكن الحصول عليه من تحليل المياه. ولتحقيق التوازن، يجب أن يضاف إلى ذلك أن خلايا الوقود تتمتع بميزة متأصلة بأنها تتفوق في الكفاءة على كل أفران حرق الوقود بغض النظر عن الوقود الذي يتعرض للأكسدة، وهذا يعني في الواقع استخدام كمية أقل من الوقود وإطلاق كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون مقابل كمية معينة من الطاقة تُحوَّل إلى تيار كهربي.
وكما ذكرنا من قبلُ، تطوير نُظُم الطاقة الحرارية الأرضية المحسنة التي يمكنها استخراج الطاقة من الطبقات العميقة تحت سطح الأرض يعتمد على فهمٍ أكثر اكتمالًا لمخاطر الزلازل المصاحبة؛ فبافتراض أن المعلومات العلمية اللازمة جُمِعت خلال العقد الأول من الاستكشاف، ينبغي بناء التجهيزات العملية خلال العقد التالي، ويجب أن يبقى نطاق هذه الجهود غير مؤكد حتى الانتهاء من المرحلة المبكرة من هذا التطوير.
(?) حلول طويلة المدى: أكثر من ?? سنة

تقوم العديد من الأفكار التكنولوجية التي طُرِحت بهدف السيطرة على الاحترار العالمي على علمٍ لم يتطوَّر على نحو تام، أو على هندسة لم تخضع للاختبار قطُّ. وربما يتحقق ما تَعِدُ به بالكامل، ولكن من المهم أن ندرك أنه حتى مع أفضل النوايا ستحتاج وقتًا قبل استخدامها للسيطرة على المناخ عمليًّا.
تظهر أمثلة مهمة بين هذه المقترحات من هدف العزل المرغوب فيه للغاية. ولكن للأسف، حتى الآن توجد طريقة واحدة فحسب لحبس ثاني أكسيد الكربون يمكن الزعم بإمكانية نجاحها؛ وهي طريقة لاحتجاز الغاز تحت الأرض في التكوينات الجيولوجية، مثل آبار النفط المستنفَدَة. وبما أنها لم تخضع لاختبار طويل، فإن هذه الطريقة لا تزال معرَّضة أيضًا لبعض الشكوك حتى يثبت نجاحها. ويجري اختبار نسخة مختلفة من هذه الفكرة لأول مرة من خلال حبس ثاني أكسيد الكربون المنبعث من محطة توليد كهرباء عاملة. بدأت شركة أمريكان إليكتريك باور في عام ???? حقن ثاني أكسيد الكربون في طبقةٍ مساميةٍ على عمق كبير جدًّا (???? قدم (???? مترًا) تحت سطح الأرض) مجاورة لإحدى محطات الطاقة المستخدِمة للفحم التي تمتلكها، ومن المتوقع أن تستخدم العملية جزءًا كبيرًا من الطاقة التي تولدها المحطة — ربما نحو ?? إلى ??? — ولكن في حال نجاحها في جميع الجوانب الأخرى، فإن هذا يمكن أن يكون أول بيان عملي للمزاعم السابقة لما أُطلِق عليه «الفحم النظيف». ويبقى أن نرى إن كان الغاز المحبوس سيبقى في مكانه أم لا، وإن كان سيسبِّب آثارًا ضارة بينما يحل محل المياه الجوفية.6 إن جميع الطرق الأخرى لتخزين الكميات الضخمة من ثاني أكسيد الكربون التي سيلزم تخزينها، ما هي إلا محض تخمينات إلى حدٍّ كبير في هذه المرحلة. ومع أن أسسها العلمية غير مطوَّرة، وأنها يجب أن تُصنَّف اليوم على أنها غير مثبتة تمامًا، فإن هذه الأفكار تستحق مزيدًا من المتابعة، وتقدِّم أرضًا خصبة لعقد من الأبحاث حول المناهج الجديدة. ونحن بحاجة إلى أن نعرف من الجيولوجيين أماكنَ رواسب صخور البازلت التي يمكن الوصول إليها بسهولة، وظروف درجة الحرارة والضغط التي يمكن العثور على الصخور في ظلها. وينبغي أن نسأل الكيميائيين كيف يمكننا جعل الأكاسيد الموجودة في الصخور البازلتية تتفاعل مع ثاني أكسيد الكربون لتكوين كربونات مستقرة تحت الأرض. وسنريد أن نسأل البيولوجيين والكيميائيين عن طول المدة التي ستظل فيها الكربونات وأملاح البيكربونات الذائبة في المحيط في صور مستقرة، وكيف يمكن لهذه الظروف المتغيرة أن تؤثِّر على الحياة البحرية.
عندما تتوافر طريقة مثبتة لعزل ثاني أكسيد الكربون، فإن جميع بدائل تحويل الطاقة التي تركِّز غازات الدفيئة في مصادر ثابتة ستصبح على الفور أكثر جاذبيةً، وهذا يعني — على سبيل المثال — أن محطات توليد الكهرباء، سواء كانت تعمل بالفحم أو الغاز أو النفط، لن تسهم في كمية ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ونتيجة لذلك يمكن الاستعاضة عن ملايين السيارات التي تنتج حاليًّا ثاني أكسيد الكربون، بمَركَبات تعمل بالكهرباء فقط لا ينتج عنها انبعاثات غازات دفيئة.
طالما كانت الطاقة الرخيصة المحصلة من الاندماج النووي (على عكس انشطار اليورانيوم) حلمًا راوَدَ العلماء لأكثر من نصف قرن، وطالما كانت بعيدة المنال بسبب الصعوبات الهندسية الهائلة. وفتحت بعض الأبحاث الحديثة آفاقًا جديدة في هذا المسعى، لكننا لا نزال بعيدين جدًّا عن النتائج العملية. وانطلاقًا من هذه الوقائع، لا ينبغي أن نتوقع نتائج كبيرة خلال العقدين المقبلين، ولكن يمكن تضمينها في آمالنا على المدى الطويل.
كان من المعروف منذ فترة طويلة أنه يمكن الحصول على مكونات المياه — الهيدروجين والأكسجين — عن طريق التحليل الكهربي، ولكن مُنِع التطبيق العملي لهذه العملية بسبب انخفاض كفاءتها وارتفاع تكلفة الكهرباء نسبيًّا. كما يُدرَس أيضًا بديل يستخدم درجة الحرارة شديدة الارتفاع لتحليل المياه؛7 فيستخدم سطحًا عاكسًا لتركيز أشعة الشمس على مفاعل كيميائي محفِّز، ويتجنب الحاجة إلى التحليل الكهربي تمامًا. مع ذلك، ظهر سبيل آخر لتحليل المياه من الأبحاث الحديثة، وفي هذه الطريقة تبدأ أشعةُ الشمس التي جُمعت بواسطة صبغ عضوي سلسلةً من الخطوات التي تحاكي الجوانب الكيميائية التي تحدث في التمثيل الضوئي للنبات. وفي إحدى نسخ هذه العملية التي يجري العمل عليها في جامعة روتجرز،8 يتم دمج غشاء مشبَّع بمادة محفِّزة في خلية شمسية محسَّسَة صبغيًّا، وينتج الهيدروجين والأكسجين المنبعثين عبر وسيط؛ وهو جسيمات ثاني أكسيد التيتانيوم النانوية. وحتى الآن كانت نتائج هذه الطريقة قليلة للغاية، لدرجة لا تبرِّر استخدام مادة محفِّزة مكلفة ستكون لازمة في الأجهزة العملية، ولكن يجري الآن المزيد من العمل على تحسين هذه العملية في عدد من المختبرات الأكاديمية. ويمكن لأيٍّ من هذه الطرق البديلة — في المستقبل — أن تقدِّم فوائد كبيرة، ولكن يجب علينا أن ندرك أن تحقيقها لا يزال بعيد المنال. من ناحية أخرى، لدينا سبب وجيه للاعتقاد بأننا سوف نتعلم خلال العقد المقبل كيفية استخراج الوقود السائل من العوالق التي تنمو في أحواض أو آنية المفاعل الكيميائي، والنجاح في هذا المشروع سيُثير تساؤلات حول إن كان ينبغي الشروع في تخليق تمثيل ضوئي مماثل على نطاق أوسع من خلال تخصيب وزراعة المحيطات أم لا. وينبغي أن تكون المخاوف من العواقب غيرِ المقصودة المحتمَلةَ التالية لهذه الخطوة كافية لوقف ذلك، إن لم تقدِّم البياناتُ المجمَّعة في المراحل الأولية لهذا العمل أسبابًا وجيهة للمضي قدمًا. والسير قدمًا في هذه الخطوة سيكون له تبعات دولية، ويقتضي الحذرُ التوصلَ لاتفاقيات دولية حيثما يكون ذلك ممكنًا.
ونظرًا لهذه الوقائع الحديثة وجميع العقبات التي تَحُول دون التوصل لاتفاق دولي بشأن الاستجابة للاحترار العالمي، فإنه من الحكمة أيضًا وضع خطة احتياطية؛ وهي نهج يمكن أن يكون موقفًا نتخذه في حالة التراجع على الأقل. ما الخيارات المتبقية لنا إذا اكتشفنا بعد فترة طويلة من ممارسة أعمالنا كالمعتاد أن التوقعات المتشائمة أصبحت حقيقة واقعة؟ هل يَلُوح أيُّ أمل في إغلاق باب الحظيرة لإنقاذ الأَمْهار، حتى بعد أن ماتت آباؤها؟ للإجابة على مثل هذه الأسئلة، نحتاج إلى دراسة السبل التي سنلجأ إليها في عالم حدث فيه بالفعل احترار عالمي شديد بما يكفي للتسبب في أضرار خطيرة على حياة الإنسان من خلال الفيضانات والجفاف والعواصف والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بها. فإذا فشلنا في التسوية السياسية لمنع إطلاق انبعاثات غازات الدفيئة على نطاق واسع في الغلاف الجوي، فسوف نعتمد حينها على نحو متزايد على الإصلاح العلمي الفني للعمل على عكس العمليات التي تسببنا فيها بحماقتنا. اقتُرحت العديد من علاجات الهندسة الجيولوجية هذه، والتي يُطلق عليها أيضًا «هندسة المناخ»، ولكن يجب الاعتراف بأنه إلى جانب التساؤلات حول الجدوى التي تنشأ من عدم اليقين الفني المُرافق لكل خيار من الخيارات المقترَحَة، توجد مخاوف كبيرة من احتمالية حدوث عواقب غير متوقعة وغير مقصودة وربما لا علاج لها ناتجةٍ عن إجراءات عالمية تؤثر على كوكبنا بأسره.9 تنبع فكرة من أفكار الهندسة الجيولوجية من ملاحظة أن الجسيمات الدقيقة المعلقة على ارتفاعات عالية تعكس جزءًا كبيرًا من الإشعاع الشمسي الوارد إلينا إلى الفضاء مرة أخرى. ورُبطت هذه الظاهرة منذ زمن بالانفجارات البركانية الكبيرة التي تقذف الغبار عاليًا في الهواء، وكان الحدث الواقع في عام ???? في إندونيسيا ضخمًا بما فيه الكفاية للتسبُّب في «عام دون صيف» كما هو الحال بعيدًا في أمريكا الشمالية وأوروبا. وفي الآونة الأخيرة، أظهرت البيانات التي جُمِعت بعد أشهر من انفجار بركان جبل بيناتوبو عام ???? انخفاضًا كبيرًا في درجات الحرارة على مساحة واسعة جدًّا، وهو التأثير الذي استمر لعدة سنوات. مع وضع هذه التغيُّرات في الاعتبار، فقد اقتُرح أنه يمكن تخفيض احترار كوكبنا الناجم عن غازات الدفيئة عن طريق إطلاق جسيمات (كبريتات) عاكسة كافية في طبقة ستراتوسفير.10 تُصنَّف التقنيات التي تخدم هذا الهدف بأنها تقنيات لإدارة الإشعاع الشمسي «إس آر إم». أشار هيجيرل وسولومون،11 خلال تحذيرهما من أن درجة الحرارة ليست المقياس الوحيد المهم للتغيير، إلى أن هذا الإجراء يرتبط أيضًا بمخاطرة كبيرة، ويمكن أن يمثل مستوًى خطيرًا من التدخل في النظام المناخي. فعلى سبيل المثال، إذا خضعت بيانات بيناتوبو للدراسة، فإننا نجد أن هطول الأمطار انخفض خلال فترة البرد، وهو التأثير الذي إذا تعمَّم على مدى فترة طويلة، فمن المتوقع أن يسبب حالاتِ جفافٍ كبيرةً وصراعاتٍ شديدةً على الموارد المائية وعدمَ استقرارٍ سياسيٍّ في أجزاء كبيرة من العالم. ويقوم نهج ثانٍ من مناهج هندسة المناخ لإدارة الإشعاع الشمسي على تعديل السُّحُب على الارتفاعات المنخفضة، فبملاحظة أن السحب البيضاء تتشكل من عوادم محركات السفن، يدعو أنصار هذه الفكرة إلى صنع ضباب خفيف للغاية من قطيرات مياه البحر يندمج مع السحب الموجودة ويغَيِّرها من أجل تبييضها وزيادة قدرتها العاكسة لأشعة الشمس. وإضافة إلى مشاكل التكلفة والهندسة المرتبطة بنشر الجسيمات الفاعلة على مساحة المحيطات الكبيرة، تبقى شكوك حيال الآثار الثانوية المحتملة على المساحات الأرضية الموجودة في اتجاه الرياح وعكس اتجاه الرياح؛ فهطول الأمطار الغزيرة أو غير الكافية ربما يؤدي إلى فيضانات أو جفاف. ويتميز هذا النهج بميزة الاستجابات القصيرة المدى والقابلية للانعكاس، بل يمكن أن يوقف في غضون مهلة قصيرة إذا ما وُجِد أنه غيرُ فاعل أو ضارٌّ على نحو خطير بأي شكل من الأشكال. على الجانب الآخَر، جرَتِ الإشارة12 إلى أنَّ أيَّ تغيُّر يحدُّ من ارتفاع درجة الحرارة دون إزالة ثاني أكسيد الكربون من الجو يترك آثار تَحَمُّضِ المحيطات على الحياة البحرية كما هي. توجد فكرةُ هندسةٍ جيولوجية أخرى؛ هي محاولة إزالة ثاني أكسيد الكربون من الجو عن طريق عملية التمثيل الضوئي في نباتات المحيط النامية، لا سيما العوالق، وهذا من شأنه أن يتطلب برنامجًا لتخصيب المحيط عن طريق إضافة أملاح الحديد والنيتروجين والفوسفور. والفكرة هي إنتاج طحالب تمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو عن طريق عملية التمثيل الضوئي، ثم تغوص إلى قاع المحيط. وللتمييز بين هذه الطريقة من الهندسة الجيولوجية وبين طريقة إدارة الإشعاع الشمسي، أُطلِق عليها طريقة «إزالة ثاني أكسيد الكربون» التي تُعرَف اختصارًا «سي دي آر». وحتى الآن لم تُجرَ تجارب التخصيب إلا على نطاق صغير (منذ عام ????) بهدف تحفيز نمو العوالق أو الطحالب في المحيطات المفتوحة، وتشير التقديرات المتفائلة إلى أن المعالجة المتزايدة النطاق ربما تُزيل ما يصل إلى مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا. وعلى الجانب الآخر، توجد مخاوف من عواقب غير مقصودة لا علاجَ لها من مثل هذه المعالجة للمحيطات، بما في ذلك الإخلال بالنظم الإيكولوجية البحرية المحلية و/أو انبعاث غاز الدفيئة القوي أكسيد النيتروز. ومع وضع هذا في الاعتبار، لم توافق معاهدة لندن، التي وُضِعت تحت رعاية الأمم المتحدة، إلا على إجراء دراسة علمية محدودة بدلًا من الاستخدام الواسع النطاق لهذه التقنية.13 ويجب أن يشار إلى أنه بمجرد أن يبدأ تطبيق مثل هذا البرنامج على نطاق واسع، فإنه سيكون من المستحيل تقريبًا وقفه؛ لأن الأسمدة ستبقى في مكانها في المحيطات لفترة طويلة جدًّا. باعتبارها مسألةً سياسية، فإن هندسة المناخ تتميز بشيء يختلف عن أيٍّ من العديد من الاتفاقيات الدولية التي جرى السعي إليها؛ إذ إن تنفيذها لا يتطلب اتفاقًا بالإجماع أو إنفاذًا حازمًا في جميع أنحاء العالم. وهذا الانطباع عن سهولة الإجراءات الفردية التي لا تتطلب معاهدات مع الدول ذات السيادة الأخرى ربما يبدو ميزة، ولكنه يمكن أن يؤدي أيضًا إلى ردود فعل غاضبة و/أو عدائية من الدول التي ترى أنها قد تعرَّضَتْ للضرر.
(?) خطة أساسية وخطة احتياطية في الوقت نفسه

يوجد بطبيعة الحال فجوة واسعة محتملة بين إعلانات النوايا الحسنة التي تضم قائمة طويلة من خطط محددة وما يحدث فعلًا في عمليات إصدار التشريعات وتنفيذها. وليست الفجوة المحتملة بمستغربة؛ فنادرًا ما تتم الموافقة على المقترحات السياساتية الطموحة إجمالًا، وبعض جماعات المصالح يرى أن المقترحات تتجاوز حدود المقبول (أيْ تهدد مصالحها)، ويرى البعض الآخر أنها لا تصل إلى المقبول الكافي (كما سبق وأشار بعض دعاة حماية البيئة)، والأشخاص المسئولون في الواقع عن التنفيذ ربما يكون لديهم آراؤهم الخاصة حول ما ينبغي أو يمكن فعله، أو قد يكون أقل التزامًا أو أقل كفاءة.
زادت إحدى مقالات الرأي الحديثة التي كتبها اثنان من المفاوضين البيئيين المتمرسين من حالة التشاؤم العامة قبل مؤتمر تغير المناخ في كوبنهاجن؛ فاعتبر بول هونين وجيريمي ليجيت أيَّ حديث عن التكيف مع تغيُّر المناخ بدلًا من منعه أنه «اعتراف بالفشل». وأشارَا أيضًا إلى أن تسوية «القاسم المشترك الأدنى» الممكنة لن تقوم إلا بإضعاف «الْتِزام كل دولة بالتصرف»، وأن «السر الدفين هو أنه حتى الاتفاقية الأكثر طموحًا لن تحقِّق» هدفَ الحد من انبعاثات غازات الدفيئة بحلول عام ???? أو حتى عام ????. والمفارقة هي أنهما اقترَحَا بعد ذلك «عملية إعادة تقييم كبرى»، مكوناتُها ليست مبتكرة ولا مجدية سياسيًّا.14 مع ذلك، نُشِر مقال آخَر أكثر تشاؤمًا مؤخرًا بقلم جدعون راتشمان في صحيفة فاينانشال تايمز اللندنية.15 فيرى أن فرص التوصل إلى اتفاق ناجح في كوبنهاجن «قليلة على نحو متناقص»، وأن وصول أوباما إلى سدة الحكم «لن يكون العامل المغيِّر الذي يأمله العديد من الناشطين في مجال تغير المناخ» (ولاحظ مشروع القانون الضعيف الذي وافَقَ عليه مجلس النواب مؤخرًا)، وأن الصفقة المقترحة بأن «تَرْشُوَ» الدولُ الغنية «فعليًّا الدولَ الفقيرة من أجل خفض الانبعاثات وتبنِّي التكنولوجيات الأنظف»، إضافة إلى المساهمة بنسبة ?? من الناتج المحلي الإجمالي في المساعدات الخارجية «الإضافية» لمساعدة البلدان النامية على المشاركة في مكافحة الاحترار العالمي، صفقة غير ممكنة سياسيًّا. والأسوأ من ذلك أن راتشمان استخدم معلومات حصل عليها من عالم المناخ أوليفر مورتون للادعاء أنه حتى لو تم التوصل إلى اتفاق في كوبنهاجن بخفض الانبعاثات بنسبة ??? بحلول عام ????، فإن نِسَب التخفيض المتعهد بها «تبدو في الواقع غير معقولة». وأخيرًا، في حين يعتقد بعض النشطاء أن فشل كوبنهاجن سيكون كارثة، فإنهم «يعرفون أيضًا أنه حتى لو تم التوصل إلى اتفاق، فمن المحتمل أن يكون ضعيفًا وغير فاعل». وهكذا وقع النشطاء بين شقَّي الرحى: فإذا اعترفوا باحتمال الفشل، فإنهم سيخلقون أو يعمِّقون مناخًا من اليأس، وإذا أنكروا الفشل ومضَوا قدمًا، فسوف يتبعون نهجًا لا يمكن أن ينجح. لتعميق جو التشاؤم، في الاجتماع الأخير لمجموعة الدول الثماني في لاكويلا بإيطاليا (يوليو ????) لم تُبْدِ الصين ولا الهند ولا البرازيل أيَّ استعداد لقبول قيود على انبعاثاتها من غازات الدفيئة. في الواقع، أشارت الهند إلى أن القيد الوحيد الذي ستقبله هو نفس الكمية للفرد الواحد التي يُطلِقها حاليًّا مواطنو العالم المتقدم.16 وسواء كان هذا المطلب عادلًا أم لا، فإنه يمكن أن يكون مطلبًا كارثيًّا بالنسبة للجهود المبذولة للحد من الاحترار العالمي. وعندما زارت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون الهندَ بعد ذلك بوقت قصير بَدَا وزير البيئة الهندي متعمدًا للإساءة تقريبًا في تصريحه مجدَّدًا بموقف الهند بقوة في ظهور مشترك مع وزيرة الخارجية كلينتون. وسواء كان هذا الموقف الجامد غير قابل للتغيير أو كان مجرد تظاهرٍ بموقفٍ قبل الاجتماع في كوبنهاجن، فهذا أمر غير واضح، لكن الواضح هو أن المرونة سوف تأتي بتكلفة كبيرة في صورة زيادة المساعدات الخارجية، وأن الأهداف والجداول الزمنية ليست سوى تطلعات فحسب. حتى لو نجح مؤتمر كوبنهاجن في وضع أهداف وجداول زمنية قوية لخفض الكربون من مسببي التلوث الرئيسيين، وأهداف تدريجية وجداول زمنية لبقية البلدان النامية، فربما تكون النتائج مخيِّبةً للآمال. ومن ثَم أشار لومبورج إلى أنه حتى لو انخفضت الانبعاثات العالمية إلى النصف بحلول منتصف القرن، فإنه سيكون لذلك تأثير ضئيل بحلول نهاية القرن.17 وبينما قد يكون لومبورج متشائمًا جدًّا حيال فوائد التخفيضات الكبيرة بحلول عام ????، فمن المؤكد وجود فجوة بين إعلانات النوايا الحسنة حاليًّا، والأداء في العقود القليلة القادمة؛ فلا يخلو الأمر من المصالح في أن الكثير من الدول قد فشلت في الوفاء بالحد الأدنى من التخفيضات التي فرضها بروتوكول كيوتو، وأن معدل نمو انبعاثات الكربون بين عامَيْ ???? و???? تضاعَفَ أربع مرات عن معدل ???? حتى ????. أصدر مركز إجماع كوبنهاجن — المعهد الذي يديره لومبورج — عددًا من الأبحاث العلمية التي تسعى إلى تقييم عدد من الأشكال المختلفة من هندسة المناخ. على سبيل المثال، دفعت إحدى الدراسات بأن الاستثمار الصغير نسبيًّا في مجال إدارة الإشعاع الشمسي عبر تبييض السحب البحرية، يمكن أن يقضي على آثار الاحترار العالمي؛ ومن ثَم أشار لومبورج وزملاؤه إلى أن مؤتمر كوبنهاجن كان مركِّزًا على السياسات الخاطئة، وأن الهندسة الجيولوجية ستكون وسيلةً متاحة لخفض الانبعاثات أرخصَ وأسرعَ وأكثرَ فاعليةً بكثير. ومن الواضح أن مؤلفي الدراسة يدركون ضرورة وجود برنامجِ بحث شامل لتقييم الآثار الجانبية المحتملة، وأنه حتى لو كانت التجارب ناجحة، فإنهم يقدِّرون أن الأمر ربما يستغرق نحو خمس سنوات قبل أن يصبح التنفيذ ممكنًا.18 ومع ذلك، فإن هذا وغيره من مشاريع الهندسة الجيولوجية — إذا كانت مجدية، وإذا كان من الممكن السيطرة على آثارها الجانبية — «ربما» توفِّر بدائلَ لتخفيض الكربون مباشَرةً (إزالة ثاني أكسيد الكربون) أسهلَ في التنفيذ وأسرعَ في تحقيق نتائجها وأرخصَ من غيرها من البدائل المتاحة. يجب أن نتذكر هنا العبارة الساخرة القائلة: «لم يعُدِ المستقبل كما كان في الماضي.» ففي ظل عدم اليقين الكبير حيال مستقبلنا العالمي، لا ينبغي أن ننظر إلى أيِّ خيارات هندسة جيولوجية محتملة كبدائل لمسارنا الأول، ولا كخيارات تالية له إذا أثبت عدم كفايته. وإنما بسبب احتمالات الفشل والجمود السياسي، نطالب باتباع كلا المسارين «في الوقت نفسه» كشكل من أشكال التأمين، وكدليل لتعزيز البحث والتطوير في مصادر الطاقة المتجددة. إن تكاليف هذا التأمين ستكون كبيرة، ولكن تكاليف عدم القيام بأي شيء أو عدم الاستعداد لبعض الخسائر الكبيرة جدًّا يمكن أن تكون أكبر من ذلك بكثير.
أخيرًا، تَرِد بعض التنويهات بترتيب الاحتمالات المستقبلية المزعجة التي سوف تواجهنا إذا ما استمرت الدول في العقد المقبل أو نحو ذلك في مقاومة إجراء تغييرات في انبعاثات غازات الدفيئة المعروف عنها الآن أنها ضرورية، وإذا ما واصلت درجات الحرارة العالمية الارتفاع بوتيرة متسارعة. ففي مرحلةٍ ما سيكون من المؤاتي وجود رد فعل قوي لرفضهم التعاون، وربما الدعوة لتوجيه تهديدات بفرض عقوبات اقتصادية شديدة؛ مما يثير شبح الحروب التجارية والنزعة القومية الاقتصادية المدمِّرة لجميع الأطراف. ومع ذلك، ربما يكون تجنُّب مثل هذه النتيجة الفظيعة الآن واحدةً من أقوى الحجج المؤيدة لانتهاج السلوك التعاوني.
هوامش

(1) Elisabeth Rosenthal, “In Poor Cities Buses May Aid Climate Battle,” New York Times, July 10, 2009, p. 1.(2) Matthew L. Wald, “What Now for Nuclear Waste?” Scientific American, August, 2009, p. 46.(3) Jad Mouawad and Clifford Krauss, “Dark Side of a Natural Gas Boom,” New York Times, December 8, 2009, p. B1.(4) Hannah Fairfield, “New Scale for Nuclear Power,” New York Times, December 1, 2009, p. D4.(5) Jad Mouawad and Kate Galbraith, “Study Says Big Impact of the Plug-In Hybrid Will be Decades Away,” New York Times, December 15, 2009, p. B5.(6) Matthew L. Wald, “Refitted to Bury Emissions, Plant Draws Attention,” New York Times, September 21, 2009, http://www.nytimes.com/2009/09/22/science/earth/22coal.html.(7) Robert F. Service, “Sunlight in Your Tank,” Science, Vol. 326, December 11, 2009, p. 1472.(8) Robert F. Service, “New Trick for Splitting Water with Sunlight,” science, Vol. 325, September 4, 2009, p. 1200.(9) Jason J. Blackstock and Jane C. S. Long, “The Politics of Geoengineering,” science, Vol. 327, January 29, 2010, p. 527.(10) J. J. Blackstock, D. S. Battisti, K. Caldeira, et al., Climate Engineering Response to Climate Emergencies (Santa Barbara, CA: Novim, 2009), http://arxiv.org/abs/0907.5140.(11) Gabriele C. Hegerl and Susan Solomon, Risks of Climate Engineering, http://www.sciencemag.org/content/early/recent.(12) Bayden D. Russell and Sean D. Connell, “Honing the Geoengineering Strategy,” science, Vol. 327, January 8, 2010, p. 144.(13) Eli Kintisch, “Carbon Sequestration: Should Oceanographers Pump Iron?” science, Vol. 318, November 30, 2007, p. 1368.(14) Paul Hohnen and Jeremy Leggett, “Getting Serious about Climate Change,” International Herald Tribune, July 13, 2009, p. 8.(15) Gideon Rachman, “Climate Activists are Also in Denial,” Financial Times, July 28, 2009, p. 9.(16) See “Wanted: Fresh Air,” The Economist, July 11, 2009, p. 59.(17) See Bjorn Lomborg, Engineering the Climate: Global Warming’s Cheap, Effective Solution, (Copenhagen: Copenhagen Consensus Center, 2009).(18) J. Eric Bickel and Lee Lane, An Analysis of Climate Change as a Response to Global Warming, (Copenhagen: Copenhagen Consensus Center, 2009).
الفصل الحادي عشر
آفاق ما بعد كوبنهاجن


بالنسبة لكثير من العلماء ومناصري حماية البيئة الملتزمين الذين يعتقدون أن الاحترار العالمي يتسارع وأن الوقت المتبقي للعمل بفاعلية على إبطاء أو عرقلة تقدُّمه يزول بسرعة، فإن نتائج مؤتمر كوبنهاجن كارثة بكل المقاييس. وكان يوجد أمل على جبهتين؛ الأولى: أن تقلُّدَ إدارة أوباما للحكم سيؤدي إلى قيادة أمريكية أقوى واستعداد أكبر لقبول أهداف وجداول زمنية صارمة بخصوص الانبعاثات. والثانية: أن الصين سوف تُظهِر دورًا قياديًّا بشأن الاحترار العالمي يتلاءم مع موقعها الجديد في النظام الدولي، وسوف تُوافق على أهداف جادة ومراقبة فاعلة لالتزاماتها. وفي النهاية استخدمت كلتا هاتين الدولتين الفاعلتين الرئيسيتين فشلَ الأخرى ذريعةً لتقاعسها عن العمل، وضاع كلا الأملين.
هل نتج أيُّ شيء ذي قيمة عن اتفاق كوبنهاجن؟ كان يوجد اتفاق على جعل ارتفاع درجات الحرارة بحلول نهاية هذا القرن أقل من درجتين مئويتين، وعلى كل بلد أن يقدِّم تقريرًا عن الخطط الطوعية لخفض الانبعاثات، ولكن لم يحدد الاتفاق أيَّ كميات، وافتقر إلى أيِّ طريقة للإنفاذ، ولم يُحدَّد هدف إجمالي لمنتصف القرن. وتحسبًا للآثار المحتملة للاحترار العالمي، وافقت الدول المتقدمة على توفير الأموال اللازمة لتخفيفها والتكيف معها إلى ما يصل إلى ?? مليار دولار في الثلاث سنوات القادمة، وتزيد إلى ??? مليار دولار بحلول عام ????. ولا يوجد أيُّ شروط بشأن الدول التي ستدفع، والمبالغ التي ستدفعها، والجهات التي ستتلقى الأموال، وتواريخ دفع هذه الأموال. وكانت توجد حركة للحد من إزالة الغابات؛ فقد وافقت الدول المتقدمة على أن تدفع للبلدان الاستوائية ما يصل إلى ??? مليارات دولار لإبطاء تدمير الغابات، ولكن يتبقى التوصل لتفاهم حول تفاصيل الاتفاق الفعلي حول الزمان والمكان والمعايير.
(?) فشل مكلِّف أم نجاح محدود؟

لم يكن ينبغي أن تكون النتائج المحدودة لمؤتمر كوبنهاجن غير متوقعة تمامًا. ففي المقام الأول، لم تكن المفاوضات المكثفة التي استمرت لأكثر من عام قبل المؤتمر قادرة على تضييق الفجوات في السياسات بين مختلف البلدان، وانتهت بالاعتراف بالفشل. كان يوجد تحرك أولي نحو التوصل إلى اتفاق بشأن الحد من إزالة الغابات، وهذا أدى بالفعل إلى بعض النجاح الحقيقي في كوبنهاجن، ولكن الولايات المتحدة والدول الفاعلة الرئيسية الأخرى أعلنت في الأشهر التي سبقت بدء المؤتمر أنه لن يوجد أيُّ اتفاق شامل وملزِم قانونًا، وأن أقصى ما يمكن توقعه هو بيان سياسي مهلهل قد يصبح في يوم من الأيام ملزِمًا؛ وثبت أن هذا صحيح.
علاوة على ذلك، طالما كان تعليق الكثير من آمال تحقيق تقدُّم جوهري في مؤتمر واحد ضخم — يضم ??? بلدًا ذات مستويات مختلفة للغاية من حيث التنمية، وحالات الطاقة والبيئة، وتفسيرات المصالح — مبالغةً في التفاؤل. ومهما كان ما يمكن لمؤتمرات مثل هذا المؤتمر القيام به فيما يخص الشرعية وإتاحة الفرصة للتعبير عن وجهات النظر المتباينة، فهي أقل المحافل إمكانيةً لتحقيق ما يريده ظاهريًّا معظمُ المشاركين، وهو مجموعة من الالتزامات الثابتة الشاملة المقبولة لدى كل الأطراف والملزِمة من الناحية القانونية والتي يمكن التحقق منها. تناول الفصلان السابع والثامن شكوكنا حول جدوى المؤتمرات العالمية كمنتديات لصنع القرارات، ولم يقدم مؤتمر كوبنهاجن أيَّ أدلة تشير إلى أن تلك الشكوك تحتاج إلى مراجعة؛ إذ وافق منظمو الأمم المتحدة على حضور ?? ألف شخص في قاعة مؤتمرات تكفي ?? ألف شخص فحسب، ثم قضوا ساعات طويلة يتجادلون حول مَن الذي ينبغي أو لا ينبغي أن يُسمَح له بالدخول من بين الأعداد الغفيرة من الوفود التي تمثِّل المنظمات غير الحكومية وشبكات المجتمع المدني؛ ولكن المؤتمرَ السيئَ التنظيمِ والإدارةِ لم يمثِّل سوى مظهرٍ خارجيٍّ لمشاكل أعمق بكثير.
كيف يمكن للمرء التوصل إلى اتفاق في مثل هذه الظروف؟ إن ما تطوَّر في الأمم المتحدة هو نظام من المفاوضات بين المجموعات لتجنب فوضى محاولة جمع العديد من البلدان والتوصل إلى حلول وسط بينها. ومن ثَم الْتَقَت البلدان النامية في مجموعة السبع والسبعين بهدف وضع مجموعة منسقة من المقترحات، وأصبح للبُلدان المتقدمة مجموعتها الخاصة، وانضم إليها الآن معظم الدول التي كانت ذات يوم جزءًا من الكتلة الاشتراكية، والصين «مجموعة» في حدِّ ذاتها. كانت النتائج حُزَمًا من المطالب غير العملية، وكان بعضها متناقضًا في بعض الأحيان ولا يمكن تحقيق التوافق بينها دون المخاطرة بانشقاق المجموعة. فبالنسبة للبلدان النامية، كان الموقفُ الأسهلُ الأقلُ إثارةً للجدل داخليًّا هو ببساطةٍ المطالبةَ بزيادة تحويلات المساعدات الخارجية غير المشروطة، والتهديد بمنع الاتفاقيات دون هذه التحويلات؛ أما بالنسبة للبلدان المتقدمة، فإن أسهل موقف هو المماطلة؛ لأنه لم يبدُ أن أيًّا من الإقناع أو المواقف الأكثر عدوانية يحقِّق نتائج مفيدة. وطالما بَدَا نظام المجموعات ضروريًّا في الماضي لتجنب فوضى دمج ??? تفضيلًا سياساتيًّا فرديًّا، ولكنه أثبت أيضًا فشلًا متزايدًا. وللأسف، ما دام نظام التفاوض حول الاتفاقيات في المؤتمرات الكبرى هو القاعدة في الأمم المتحدة، فإنه من المحتم أن تكون الاتفاقيات الناتجة خطابات بلاغية أو رمزية إلى حدٍّ كبير. ومن أجل التوصل لاتفاقيات أكثر موضوعية، كانت الكفة أرجح بشكل متزايد نحو الاعتماد على مجموعات أصغر من الدول «التي تتشابه في طريقة التفكير» تقريبًا؛ مثل مجموعة الثماني ومجموعة الست عشرة ومجموعة العشرين، وما إلى ذلك.
برغم السوء الذي يبدو عليه هذا الوضع، فإن الأمر ازداد سوءًا في كوبنهاجن؛ إذ تفرقت الجماعات ولم يمكن بناء ائتلافات جديدة، وسادت حالة من الفوضى. فانقسمت مجموعة السبع والسبعين إلى عدة مسارات: اتخذت الصين وغيرها مما تُسمَّى القوى الصاعدة (الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وأحيانًا إندونيسيا) مسارها الخاص، ركزت الدول الجزرية والمنخفضة على مخاطر المدى القريب الخاصة بها، ومثلت أفريقيا ائتلافًا مفككًا يطالب بزيادات هائلة في المساعدات، وبدت بلدان أمريكا اللاتينية والبلدان الآسيوية المتبقية تائهة وسط هذه الفوضى. بعد ذلك، ظهرت أيضًا خلافات بين الصين والبرازيل وجنوب أفريقيا، وهو ما قد يعقد المفاوضات في المستقبل؛ فبينما دعمت البرازيل وجنوب أفريقيا الصينَ خلال المفاوضات النهائية، فإنها وصفت الاتفاقية بعدها بأنها «مخيبة للآمال»، وأعربت جنوب أفريقيا عن رأيها حيال الالتزامات التمويلية بأنها «غير مقبولة».1 وحدث أيضًا انقسام حاد بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع كون الاتحاد الأوروبي أكثر استعدادًا (وقدرة) على تقديم التزامات قوية للحد من انبعاثات الكربون. وفي هذه الظروف، أُهدرت بشكل كبيرٍ العشرة أيام الأولى أو نحو ذلك من المؤتمر بسبب الجدل الأكبر الناتج عن وثائق التسويات المزعومة التي يبدو أنها سُرِّبت عمدًا، وجميعها يحتوي على شيء تجده مجموعة أو أخرى مثيرًا للاعتراض.
كان غياب القيادة — وخاصة من قِبَل الولايات المتحدة، وكذلك أيضًا من قِبَل القيادة المزعومة للأمم المتحدة — معيقًا للاتفاق على نحو خاص. وعندما ظهر الرئيس أوباما في اليوم الأخير، آملًا على ما يبدو في إنقاذ مؤتمر على وشك الوقوع في كارثة، لم تنجح جهوده إلا في إنتاج اتفاق تجميلي سعى إلى إخفاء حقيقة أنه لم يتحقق أيٌّ من أهداف المؤتمر الأصلية. ولا يمكن القول عن وصف الرئيس للاتفاق بأنه «تقدم غير مسبوق» سوى أنه مبالغة سياسية خيالية، أو محاولة لامبالية لإخفاء الفشل.2 وتحوَّل الوضع إلى موقف هزلي، فعندما أرسل الصينيون مسئولين منخفضي المستوى لاجتماعَين مع الرئيس — الأمر الذي بَدَا إهانة متعمدة — كان عليه أن «يقتحم» لقاءً خاصًّا بين الصينيين والهنود والبرازيليين وربما واحدة أو اثنتين من الدول الأخرى؛ من أجل محاولة التوصل لاتفاقية يمكن أن تكون إنجازًا من نوعٍ ما.3 أليس من الغريب أن مؤتمرًا عالميًّا يضم ما يقرب من مائتَيْ بلد تسعى للتوصل إلى اتفاقية بشأن قضايا ذات أهمية شديدة لكل بلد؛ ينتهي بوثيقة هزيلة مكوَّنة من صفحتين ونصف خضعت للتفاوض بين خمس دول دون التشاور مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والبلدان النامية؟ حظيت الاتفاقية السياسية التي انتهى بها المؤتمر بدعم البلدان النامية والبلدان الأخرى «المستبعدة» على مضض، إن لم يكن بمرارة. لم تقبل البلدان النامية الاتفاقية دون اعتراض إلا بسبب الوعد بمساعدات خارجية، مع أن الفجوة المحتملة بين ما وُعِد به وما سيُقدَّم كانت مثيرة للقلق؛ فالصفقة التي تضمنت وعدًا بتقديم ?? مليارات دولار سنويًّا من ???? إلى ???? للبلدان النامية، ومائة مليار دولار سنويًّا بحلول عام ???? من أجل التكيف مع التغييرات، لم تتضمن أيَّ تفاصيل عن مصادر هذه المساعدات، ولم تحدِّد البلدان التي ستدفع والمبالغ التي ستدفعها، وكانت الفجوة بين ما كانت البلدان النامية تطلبه وبين ما وُعِدت بالحصول عليه ضخمة، ولكن الحصول على شيء ما أفضل على ما يبدو من عدم الحصول على أيِّ شيء. ورفَض الصينيون قبول الرقابة الصارمة على التزاماتهم للحد من الانبعاثات، وهو الأمر الذي أصرت الولايات المتحدة في البداية على أنه ضروري، وأنه لن توجد أيُّ اتفاقية دونه. وبدلًا من ذلك، لم تذكر الاتفاقية سوى أن البلدان سوف تضع أهدافها الخاصة وتضع نظامًا لمراقبة التقدم المحرز نحو تحقيق هذه الأهداف وإعداد التقارير عنه، ولكن دون أيِّ عقوبات للفشل أو أيِّ آلية لتسوية النزاعات. وكذلك اعترض الصينيون باستخدام حق الفيتو على أيِّ جهد لوضع أهداف وجداول زمنية واضحة للبلدان الأخرى، ربما لأنهم كانوا يخشون من أن تكون سابقة يُحتذَى بها.
كانت الولايات المتحدة في موقف ضعيف بحيث لا تستطيع المطالبة بمزيد من التنازلات الكبيرة بالنسبة للانبعاثات؛ لأن الرئيس كان مقيدًا فيما يمكن أن يقدِّمه، وهو ما لا يزيد عن خفض بنسبة ??? من مستويات عام ???? بحلول عام ????، وهو الحد الأدنى الذي حدَّدَه مشروع قانون واكسمان-ماركي الذي وافق عليه مجلس النواب. وتُركت للبلدان النامية حرية تحديد ومراقبة الانبعاثات الخاصة بها، ولكن مع وجود بعض الشروط من أجل الحصول على المساعدات الدولية إذا ما اختارت أن تطلبها. ووُعدت الدول النامية بتمويل مبدئي يبلغ ?? مليارات دولار للتكيف الفوري مع التعديلات، ويزداد إلى مائة مليار دولار بحلول عام ????، ولكن دون ضمانات. وكما أشرنا من قبلُ، كان الاتفاق حول إزالة الغابات جزءًا مهمًّا جدًّا من حزمة الاتفاقات (لأن ??–??? من الانبعاثات تنتج عن إزالة الغابات، ويأتي معظمها من البرازيل وإندونيسيا والفلبين)، ولكن أُرجئ الكثير من التفاصيل الضرورية حتى تخضع للتفاوض.4 وكان الالتزام بالحفاظ على مستوى ارتفاع درجات الحرارة العالمية عند أقل من درجتين مئويتين مرفوضًا لدى البلدان الجزرية التي ضغطت بقوة من أجل زيادة أقل تبلغ ??? درجة مئوية. وأُسقطت الالتزامات الأقوى باتفاقية مُلزِمة وتخفيضات كبيرة في الانبعاثات بحلول عام ???? من الاتفاق النهائي بسبب الاعتراضات الصينية بشكل رئيسي. وعلى أيِّ حال، لا شيء في الاتفاقية مُلزِم قانونًا.5 عندما ازداد وضوحًا قبل وخلال المؤتمر أنه لن يمكن التوصل لاتفاق شامل وملزِم، وأن أيًّا ما سينشأ خلال الأيام القليلة الأخيرة من المساومات المحمومة والفوضوية سيكون أقل بكثير من التوقعات؛ انتشر سؤال واحد بين كثير من الوفود والمنظمات غير الحكومية: ألن يكون عدم التوصل لاتفاق أفضل من التوصل لاتفاق ضعيف؟ كان الافتراض الواضح لأولئك الذين يفضلون عدم التوصل لاتفاق هو أن الفشل المدوي، الذي لا يمكن أن يتنكر خلف وعود غامضة بفعل شيءٍ ما في المستقبل، ربما ينشِّط تأييدًا شعبيًّا على نحو أكثر فاعلية بكثير من الاتفاق الضعيف الذي يمكن للقادة السياسيين تبريره باعتباره خطوة أولى مفيدة في عملية مستمرة. ربما لا تكون هذه الطريقة طريقة واضحة للإجابة على ذلك السؤال، ولكن ربما كان السؤال نفسه على أيِّ حال ليس سؤالًا مناسبًا نطرحه، فالسؤال الأهم هو عن إن كانت الدول الرئيسية تعلمت من تجربة كوبنهاجن أنها تحتاج إلى ابتكار عملية تفاوض أكثر فاعلية في المستقبل؛ عملية تركز حتمًا على مجموعة أصغر تتضمن جميع الملوِّثين الرئيسيين، ولكن مع افتراض أنهم لن يستخدموا سلطتهم وثروتهم لتجاهل احتياجات البلدان النامية. إننا لا نعرف حتى الآن إجابة ذلك السؤال، ولكن توجد بعض العلامات المشجِّعة على أن ساحات التفاوض الأخرى يجري بالفعل مناقشتها؛ مثل مجموعة الثماني زائدًا عليها خمس، ومجموعة الدول الست عشرة، ومجموعة العشرين. ويوجد سؤال حيوي آخَر — سنسعى لتناوله لاحقًا في هذا الفصل — عن إن كان يمكن تقليل العقبات المحلية والدولية أمام الاتفاقية في أيِّ حال من الأحوال أم لا. وإذا لم تكن التحسينات وشيكة، فسوف يصبح مؤتمر كوبنهاجن ببساطة حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الإخفاقات.
بدأ إلقاء اللوم بالفشل أو بالنتائج الهزيلة للغاية حتى قبل أن ينتهي المؤتمر. ومع ذلك، يوجد العديد من المسائل المختلطة معًا في تقييم درجات المسئولية، وربما تحتاج إلى فصلها. على وجه التحديد، مَن الذي يتحمل أغلب المسئولية عمَّا أُبقِي عليه أو استُبعد من الاتفاق النهائي؟
بعد وقت قصير من انتهاء المؤتمر، اتهم إد ميليباند — وزير الطاقة وتغير المناخ في المملكة المتحدة والمنتمي لحزب العمال — الصينيين على وجه التحديد بتخريب الاتفاقية الملزِمَة قانونًا للحد من انبعاثات غازات الدفيئة، ورَدَّتْ متحدثةٌ بِاسْم وزارة الخارجية الصينية بحدةٍ قائلةً إن «السياسي البريطاني» كان يحاول فحسب زرْعَ الفتنة بين البلدان النامية وخلْقَ توترات بين الصين ومجموعة السبع والسبعين، وهي محاولة «محكوم عليها بالفشل».6 لا شك في أن أداء الصينيين كمفاوضين في كوبنهاجن كان جيدًا؛ إذ كانت جميع مواقفهم المبدئية سليمة (بما في ذلك الالتزام بخفض الكثافة العامة لانبعاثات الكربون في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ???)، ولم يكونوا مُلزَمين بقبول أيِّ أهداف وجداول زمنية أكثر صرامةً، ولكن قبول هذه الأهداف والجداول الزمنية من جانب البلدان المتقدمة كان الهدف الرئيسي لغالبية البلدان النامية؛ لأنها في ذلك الوقت كانت أفضل وسيلة لتخفيف ارتفاع درجات الحرارة الذي من المحتمل أن تكون البلدان النامية أكثر المعانين منه بالطبع. ولما كانت الصين تريد استمرارَ الدعم السياسي من جانب البلدان النامية، ومواصلةَ الحصول على مواردها الطبيعية، فإن التهمة بأنها اعترضت على الشروط الواردة في الاتفاقية التي من شأنها أن تساعد على تقليل الاحترار العالمي؛ كانت موجعة. ومع ذلك، يبدو أن اتهام الصين له ما يبرره تمامًا. فقد شنَّ مارك ليناس — مستشار أحد الوفود الحاضرة — هجومًا أشد وطأة على الموقف الصيني في جلسات التفاوض الأخيرة.7 فأكَّدَ قائلًا: «الحقيقة هي أن الصين دمَّرت المحادثات، وأذلت عمدًا باراك أوباما، وأصرَّتْ على عقد «صفقة» سيئة حتى ينسحب قادة الغرب ويتحملوا اللوم.» وزعم أن الصين أصرت على حذف جميع الأرقام المهمة (حول تخفيضات محددة في الانبعاثات بحلول تاريخ معين) من الصفقة، والاستعاضة عنها بالتزام مبهم بخفض الانبعاثات «في أقرب وقت ممكن». ويؤكد ليناس أيضًا أن الصين نجحت في هذا لأنها «لم تكن في حاجة إلى اتفاق»، وكان الغرب والدول النامية بحاجة ماسَّة لتحقيق نتيجة إيجابية، وكان الرئيس أوباما يحتاج أن يُظهِر للكونجرس أنه يستطيع إجبار الصين، ولم يكن هناك أيُّ ضغوط على الصين من المجتمع المدني أو شبكة حيوية من منظمات غير حكومية. إن التأكيد على أن الصين لم تكن في حاجة إلى اتفاق نقطةٌ جدلية، لا سيما مع المستوى الحالي من التدهور البيئي فيها. باختصار، كانت الصين «الفائز» الواضح بحصولها على الصفقة التي تريدها، ولكنها كانت أيضًا الخاسر الواضح بسبب أن ميليباند وليناس — وغيرهما كثير — ألقيا لوم الفشل بوضوح على أسلوب الصين في زرع العراقيل. كان الموقف التفاوضي الصيني قويًّا جدًّا على نحو واضح؛ لأنه لا معنى لأيِّ اتفاق دون الموافقة القوية للصين، وكانت محصنة ضد الضغوط. فعلى سبيل المثال، التهديدات الموجودة في تشريع واكسمان-ماركي البيئي بمعاقبة عدم الامتثال لأيٍّ من شروطه بفرض ضريبة كربون حدودية على أولئك الذين لم يلتزموا بتخفيضات الكربون؛ لم يبدُ أنها أثَّرَتْ في الصينيين (أو الهنود)؛ ربما لأن مثل هذه الضرائب قد تنتهك لوائحَ منظمة التجارة العالمية، أو قد تسبِّب حربًا تجارية سيخسر الجميع فيها. مع ذلك، لم يكن موقف الصين مخيبًا للآمال لدى المجتمع البيئي فحسب؛ إذ كان الأمل معقودًا على أنه مع صعود قوة الصين والفوائد التي قد تتوقعها من إنشاء نظام دولي أكثر استقرارًا تحكمه قواعد ثابتة؛ فسوف يتكون لديها شعور متزايد بمسئولية المساهمة في خلق نظام عالمي، وليس بالمصالح الوطنية القصيرة المدى فحسب. ويمكن للمرء أن يتساءل — باعتبار كوبنهاجن نذيرًا بسلوك الصين في المستقبل — هل أصبحت النتائج التعاونية في مجموعةٍ متنوعةٍ من المجالات في الوقت الراهن مهددةً أم لا؟ ولكن قبل التسرع في الوصول إلى استنتاجات سابقة لأوانها، من المنطقي أن نحاول أن نفهم لماذا اختارت الصين التصرف هكذا في كوبنهاجن، وهذه نقطة سوف نعود إليها لاحقًا.
وانتُقدت البلدان النامية أيضًا لعدم التفاوض جديًّا، وعدم تضمين السماح بالحصول على أموال من استثمارات القطاع الخاص في تقييماتها، ولكنها ببساطة قدَّمت سيلًا من المطالب بتحويلات كبيرة وغير مشروطة من الموارد العامة. ولا ترى البلدان المتقدمة أن نفقات المساعدات الخارجية سوف تقترب أبدًا من حجم مطالب البلدان النامية، في حين قاوَمَ الكثير من البلدان النامية هذه الحجة؛ لأنهم لا يستطيعون تلبية الشروط اللازمة لجذب استثمارات القطاع الخاص، ولأنهم يفضِّلون المساعدات المباشرة من حكومة إلى حكومة. ثم مرة أخرى، لم تكن تتمتع بقدر كبير من النفوذ التفاوضي، لا سيما عندما لا تدعمها الصين ولا الهند، أو عندما لا تستطيع مجموعة السبع والسبعين التوصُّلَ إلى توافق في الآراء بشأن أيِّ شيء (باستثناء المزيد من المساعدات).
لم تقدِّم الخطابات السخيفة التي ألقاها بعض وفود دول العالم الثالث أيَّ مساعدة. على سبيل المثال، قال لومومبا دي أبينج الرئيس السوداني لمجموعة السبع والسبعين إن الاتفاق «يطلب من أفريقيا التوقيع على وثيقة انتحار … إنه حل يعتمد على القيم التي ألقَتْ بستة ملايين شخص في أوروبا في الأفران.»8 وُصِفت تصريحاته بأنها «مثيرة للاشمئزاز» و«جديرة بالازدراء» من قِبَل العديد من الوفود الغربية، ولكنها أوضحت نوعية بعض وفود العالم الثالث على الأقل. على أيِّ حال، في حين يجب على المرء أن يكون متعاطفًا مع محنة البلدان التي ستواجه كارثة محتملة دون وجود الموارد المادية أو الموارد البشرية لمواجهتها — ومن ثَم فهي في حاجة ماسة للمساعدة الخارجية — فإن الخطابات السخيفة التي تبعها قبول مُذِل «لوثيقة الانتحار» ليست طريقة مفيدة للسعي إلى التأثير على المفاوضات. ومن المفارقة أن السيد دي أبينج اختار عدم انتقاد حليف السودان الوثيق — الصين — البلد صاحب المسئولية الكبرى عن فشل المفاوضات. ما مدى الفارق الحقيقي الذي ستشكله نتيجة كوبنهاجن المخيبة للآمال في الجهود الرامية إلى تطوير استجابة متماسكة وفاعلة ومؤاتية لتغير المناخ؟ إذا كان أحدهم من المشكِّكين في الاحترار العالمي أو مُنْكريه، فسيُشيد بالنتيجة؛ فلم تُفرَض أيُّ تغييرات سياساتية مكلفة وغير ضرورية على الحكومات. وحتى بعض دعاة حماية البيئة — في محاولة لتحقيق الاستفادة القصوى من موقف سيئ — دافعوا عن رأيهم بأن كوبنهاجن كانت على الأقل خطوة أولى مفيدة في عملية سياساتية لن تتوقف؛ في الواقع استؤنفت هذه العملية بالفعل بالتحضير للمؤتمر الكبير القادم (في مكسيكو سيتي في عام ????). وبطبيعة الحال، إذا افترض المرء أن الأمم المتحدة محفل ميئوس منه لإجراء مفاوضات جادة، فإن مؤتمر كوبنهاجن يعزِّز هذه الفكرة.
ولكن حتى التحليل الدقيق الذي يبحث عن نهج جديد لتناول مشكلة الاحترار العالمي بعد كوبنهاجن يمكن أن يؤدي على ما يبدو إلى طريق مسدود. على سبيل المثال، يرى بيورن لومبورج أننا بحاجة إلى نهج جديد لا يركز على الحد من انبعاثات الكربون، وهو الأمر الذي يعتقد أنه لا فرصةَ له للحدوث في الوقت المناسب لتجنب الكارثة، وإنما يركِّز على السياسات الأكثر ذكاءً من الناحية الفنية، والأكثر جدوى من الناحية السياسية، والأكثر كفاءةً من الناحية الاقتصادية.9 ومن ثَم نحن بحاجة إلى زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة بمقادير متعددة، بسبب أن الجهود الحالية — حتى لو زاد حجمها — لن توصلنا إلا لأقل من نصف الطريق نحو تحقيق الاستقرار في انبعاثات الكربون بحلول عام ????. ويُعتقد أن البديل الوحيد هو زيادة الإنفاق على أبحاث وتطوير الطاقة النظيفة بمعدل خمسين ضِعفًا.10 وبينما نتفق تمامًا بشأن ضرورة زيادةِ الإنفاق على البحث والتطوير زيادةً كبيرة، فإن المبلغ الذي اقترحه لومبورج ليس ممكنًا من الناحية السياسية؛ فيجب علينا أن نختار التكنولوجيات التي ينبغي الإنفاق عليها، ونحدد نصيبَ كلٍّ منها من المال المتاح أيًّا كان المبلغ. لن نتراجع بالضرورة إلى نقطة الصفر بعد كوبنهاجن؛ فقد تَعلمْنا بعضَ الأشياء المفيدة عن ضرورة التوصل إلى نهج مختلف للمفاوضات، وقد حَدَثت بعض منحنيات التعلم المفيدة بين بعض البلدان المتقدمة والبلدان النامية على الأقل، ونتجت بضع نتائج مفيدة في كوبنهاجن (على سبيل المثال، بشأن إزالة الغابات) قد تكون بمنزلةِ لَبِناتٍ في المستقبل. تعتمد كيفية تفسير المرء لهذه النقاط على إصدار حكم: ما الوقت المتبقي أمام الدول والنظام الدولي للاستجابة قبل أن يبدأ ارتفاع درجات الحرارة في خلق أنماط لا يمكن علاجها من التدهور والدمار في بعض أجزاء عالمنا؟ ارتفعت انبعاثات الكربون بنحو ??? في العقد الذي تلا مؤتمر كيوتو، ويَعتقد عددٌ من العلماء الذين أَجرى معهم المحررُ العلمي لجريدة «فاينانشال تايمز» مقابلاتٍ أن ارتفاع درجة الحرارة ? درجات مئوية فقط هو الآن أفضل ما يمكن تحقيقه في هذا القرن.11 أفقدنا مؤتمر كوبنهاجن وقتًا، ولكن ليس «كل» الوقت الذي علينا أن نتصرف خلاله. وبينما يَحدث الاحترار العالمي بالتأكيد، وربما يحدث بوتيرة متسارعة، لا يزال يوجد الكثير من الشكوك حول مدى السرعة التي سيحدث بها، ومدى الفاعلية التي ستكون عليها الاستجابات، والتكاليف التي ستترتَّب على هذه الاستجابات، والآثار التي ستنشأ من مجرد افتراض أن كل شيء ضاع أو سيضيع قريبًا. والتوصل لعملية سياساتية فاعلة للتعامل مع هذه القضايا محليًّا ودوليًّا أمرٌ حتميٌّ، ولكنه صعب على نحو مُحبط. ومن الصعب إيجاد أفكار مفيدة حول كيفية التغلب على العقبات — السياسية والاقتصادية والنفسية — لإنشاء مثل هذه العملية؛ ومن ثَم من الصعب تنفيذها. ومن المفيد خلال البحث عن سبل للتعامل مع هذه القضايا ذكر التصريح الأخير من مجلة «ذي إيكونومست»: «تغيُّر المناخ هو أصعب مشكلة سياسية اضطر العالم للتعامل معها على الإطلاق.»12 واستطرد المؤلف قائلًا: «إنها معضلة السجينَيْن ومشكلة المنتفعين بالمجان ومأساة المشاعات؛ كلها مدمجة في مشكلة واحدة.» ونحن لا نختلف معه في ذلك. (?) إعادة تأطير النقاش

عندما تصل قضية أو نزاع إلى حالة من الجمود، ولا يستطيع أيُّ طرف فرض إرادته على الآخر، ويمكن لكلا الطرفين الاعتراض على أيٍّ مما يقترحه الآخَر؛ فمن الضروري السعي إلى إعادة تأطير النقاش. وكما أشار لاكوف، الأُطُرُ هي بنيات عقلية تُشكِّل الطريقة التي نرى بها العالم: أهدافنا وخططنا وأفعالنا وتقييماتنا للنتائج الجيدة أو السيئة.13 وتتعلق الأطر في الواقع بكيفية تَصوُّرنا لموقفٍ ما، وأنها — على هذا النحو — تساعدنا على تفسير العالم وتنظيمه على نحو متماسك. وفي حالات الصراع (مثلًا في الشرق الأوسط أو أيرلندا الشمالية) أو في نطاقات الخلاف السياساتي الشديد (مثل تغيُّر المناخ) يمكن أن تصبح الأطر المتعارضة كليًّا راسخةً بشدة ومقاوِمةً للتغيير. وفي مثل هذه الظروف، قد يتطلب المضيُّ قدمًا إعادةَ تأطير؛ أيْ إقناعَ الطرف الآخر بتغييرِ أو تعديل إطاره بحيث تصبح الأطر المتعارضة كليًّا متوافقة جزئيًّا على الأقل. وبما أن كل إطار يبرِّر المصلحة الذاتية ويسعى إلى تحويل المترددين حياله، فإن إعادة التأطير ليست سهلة مطلقًا، وربما يتطلب الأمر تدخُّلَ طرف ثالث محايد، وهي الفكرة التي جُرِّبت مرات عديدة في مجموعة متنوعة من الصراعات، ولها نمط غير ثابت من النجاح. وربما تكون المشكلة أكثر حدةً على الصعيد الداخلي في الولايات المتحدة؛ لأنه من الصعب أن نتصور مَن سيكون الطرف الثالث المحايد، والسببَ في تمتُّعه بالقبول في الوقت الراهن الذي وصلَتْ فيه مستوياتُ الاستقطاب الحزبية واختلافاتُ الرأي العام إلى نِسَبٍ كبيرة مذهلة. في الواقع، وكما أشارت مجموعة متنوعة من المحللين، إن التغيير قد يكون صعبًا لدرجة أنه لن يولِّد قدرًا كافيًا من التقارب المفاهيمي، بل لن يولد سوى كارثة محلية مثل كارثة الحادي عشر من سبتمبر، أو كارثة طبيعية ضخمة مثل كاترينا أو تسونامي التي حدثت في آسيا. توجد مجموعة متنوعة من التخطيطات التي يمكن للمرء استخدامها في محاولةٍ لزيادة احتمالات نجاح إعادة التأطير. على سبيل المثال، من المنطقي محاولة نقل الجدل من الخوف من الخسارة (لتجنب تحيُّز «بُغْض الخسارة» السائد على نطاق واسع) إلى توقُّع المكاسب. ويوضح جوناه ليرر هذه النقطة ببعض الأمثلة المألوفة: تضاعُف عدد المرضى الذين يختارون إجراء الجراحة عندما يُقال لهم إن فرصة بقائهم على قيد الحياة تبلغ ??? بدلًا من أن فرصة موتهم ???؛ وأن نسبة أعلى بكثير من الأشخاص سوف يشترون اللحوم عندما يقال إنها خالية من الدهن بنسبة ??? بدلًا من أن يقال إنها تحتوي على دهون بنسبة ???.14 ومن ثَم فإنه قد يكون من المفيد تجنُّب التشديد على العواقب المخيفة للاحترار العالمي، والتأكيد بدلًا من ذلك على الفوائد المتعددة الأبعاد للاستجابة بسرعة وفاعلية. علاوة على ذلك، يوجد عدد من التحيزات المعرفية يجب على المرء أن يكون على علم بها أثناء سعْيه إلى وضع إطار سياساتي جديد. على سبيل المثال، الاستجابة بالتهوين من القيمة يمكن أن يؤدي إلى الاعتقاد بأن السياسةَ قليلةُ القيمة؛ وذلك ببساطة لأنها حصلت على موافقة شخص آخَر مكروه (مثلًا، ديمقراطي ليبرالي)، أو أن خطأ الإسناد الأساسي يمكن أن يؤدي إلى تفسيراتٍ للسلوك معتمدةٍ على الشخصية بدلًا من تفسيرات معتمدة على الموقف.15 وبطبيعة الحال، الإدراك الواعي لهذه التحيُّزات لا يقضي عليها، وإنما هو خطوة أولى مفيدة في احتواء الأضرار المحتملة التي يمكن أن تسبِّبها. كانت الأطر الأولية التي وضعها الطرفان في الجدل حول الاحترار العالمي بسيطةً للغاية ومتناقضة تمامًا؛ إذ أشار المجتمع البيئي إلى الأدلة العلمية المتراكمة على الاحترار العالمي، المدعومة بتحذيرات قوية بشكل متزايد من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وطالَبَ باستجابة فورية وقوية من قِبَل مختلف الحكومات في العالم والهيكل المؤسسي الدولي. ويبدو أن الاعتقاد غيرَ المدعوم كان يتمثل في أن الأدلة على الاحترار كانت قوية بما يكفي لتطغى على المعارضة، والتي رُفِضت على أيِّ حال إلى حدٍّ كبير لأنها مواقف مضلِّلة أو جاهلة أو تمثِّل المصلحة الذاتية لقطاعات النفط والفحم. للأسف، لا يكفي علم الاحترار العالمي في حدِّ ذاته؛ لأنه من الواضح أنه يتداخل مع الكثير جدًّا من القضايا الأخرى: الازدهار الاقتصادي، والتنافس على إمدادات الطاقة، واحتمالات نقص المياه، وتزايد الأراضي القاحلة، والأمن القومي، وما إلى ذلك. إن المجموعة المتحمسة من المنكرين والمشككين — مع أنها أصغر بكثير — فهي إما تنفي حدوث الاحترار العالمي، أو ترى أنه نتيجة تصرفات البشر، أو ترى أن السياسات المطلوبة ستنجح، أو أنه يمكن تحمُّلها اقتصاديًّا. سرعان ما اكتشف كلا الطرفين أن كلا الإطارين ليس كافيًا لإقناع عدد كافٍ من الناس بضرورة القيام بما يريده كلاهما؛ ونتج عن ذلك حالة من الجمود المحبط تكتنفه الشكوك، ولكنه لم يزعج الكثيرين في مجموعة المنكرين، بينما ولَّد بالتأكيد مخاوف كبيرة وأطلق صرخات يأس من كثير من أنصار حماية البيئة. ونتيجة لذلك، سعى بعض الأشخاص من كلا الجانبين إلى إعادة تأطير الجدل الدائر، وذلك بصياغة خطاب جديد من شأنه اجتذاب الدعم من الجانب الآخر.
يمكن وصف بعض جهود إعادة التأطير بأنها تراجع تخطيطي أو إدراك من السياسيين الواقعيين لما يلزم للحصول على أصوات كافية. ومن ثَم رفض عضوَا مجلس الشيوخ جون كيري وباربرا بوكسر — بناءً على نصيحة استطلاعات الرأي — استخدامَ مصطلحات الاحترار العالمي أو تغيُّر المناخ في مشروع القانون الأخير الذي تقدَّمَا به، ووصفاه بدلًا من ذلك بأنه محاولة «إعادة سيطرة أمريكا مرة أخرى على مستقبل الطاقة لدينا، والتأكيد على الريادة الاقتصادية الأمريكية وقدرتها على المنافسة، وحماية عائلاتنا من التلوث، وضمان أمننا القومي.»16 ويَعِدُ مشروع القانون — الذي لم يُصدَر بعدُ — أيضًا «بإجراءات حدودية قوية» ضد الدول التي لا تلتزم بخفض انبعاثات غازات الدفيئة، وبينما يَعِدُ مشروع القانون بحدٍّ أدنى من الخفض يصل إلى ??? في مستوى الانبعاثات في عام ????، فإن كيري وبوكسر أكَّدَا على أن أقل من ?? من الشركات الأمريكية فحسب سوف تتأثر بهذا الخفض. باختصار، أعاد العضوان تأطيرَ النقاش بلغة الأمن القومي، وبخلق فرص العمل، والحماية من المنافسة المحتملة غير العادلة؛ والآثار الضئيلة لمشروع القانون على أنماط الحياة أو مستويات المعيشة. حاول أيضًا المشككون في تغيُّر المناخ أو مُنكروه أو «الواقعيون» (كما يفضِّلون أن يُطلَق عليهم الآن) إعادةَ تأطير النقاش، وهم مجموعة متنوعة للغاية ذوو مواقف متنوعة جدًّا، كما ذكرنا سابقًا. أحد المواقف المتطرفة — يمثله البروفيسور إس فريد سنجر — يشير إلى أن مناصري حماية البيئة «لا يمتلكون أيَّ أدلة على الإطلاق».17 ومع ذلك، فإن كثيرين من مجموعة المشككين لا يواصلون إنكار أدلة الاحترار، ولكن بدلًا من ذلك يؤكدون على أن محاولة التعامل معه من خلال تخفيضات كبيرة في انبعاثات الكربون ستكون مكلفة للغاية، وسوف تزيد بالفعل من إفقار البلدان النامية (بما في ذلك الصين والهند).18 وهذا بطبيعة الحال تخطيط ذكي لإعادة التأطير بسبب المخاوف الاقتصادية السائدة في كلٍّ من البلدان المتقدمة والنامية. وصحيح أيضًا أننا سوف نظل معتمدين على الوقود الكربوني لعقود قادمة، وأن مصادر الطاقة المتجددة قد لا تتلقى التمويل الضخم اللازم لتصبح بديلًا مجديًا، وأن الفحم سيواصل — والمتوقع أن يواصل — كونه خيار الوقود الأرخص بالنسبة للصين والهند والكثير من البلدان النامية الأخرى. لا شك في أن التعامل مع تغير المناخ سوف يكون مكلفًا جدًّا، لدرجة أنه سيلزم زيادة الإنفاق على البحث والتطوير في مجال مصادر الطاقة المتجددة زيادة ضخمة وفي وقت قريب، وأن التكيف مع مستويات الاحترار العالمي القائمة يتخطى قدرات البلدان النامية دون وجود تحويلات كبيرة من الموارد. وبسبب الشكوك المتعددة حول المستقبل، فإن معظم تقديرات التكاليف في أحسن الأحوال تقديرات تقريبية مبدئية.19 ومع ذلك، برغم أن الأرقام تبدو ضخمة، فإنها جزء صغير ويمكن التحكم فيه من الناتج الاقتصادي العالمي. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذا الإنفاق يقدِّم أيضًا مجموعةً متنوعة من الفوائد من حيث فرص العمل وجودة الحياة وأمن الطاقة. ووفقًا للأكاديمية الوطنية للعلوم،20 فإن تكاليف الرعاية الصحية في الولايات المتحدة من تلوث الهواء وحده تصل إلى حوالي ??? مليار دولار سنويًّا، وعند ضرب هذا الرقم في حوالي ??? بلد، فإن التكاليف يمكن أن تكون صاعقة. ومن الواضح أن البلدان الفقيرة ستستفيد أيضًا إذا أنشئت سوق للكربون معتمدة على تحديد وتداول الانبعاثات، مع أن استثمار القطاع الخاص سوف يظل ضروريًّا.21 وأخيرًا، يجب أيضًا مقارَنةُ التكاليف الاقتصادية مع التكاليف الأكبر بكثير لعدم الإنفاق؛ لتجنُّب ما يمكن أن يكون سلسلة مترابطة من الكوارث المناخية.22 إن خوف فقدان الوظائف والدخل والمنازل على المدى القصير قد سيطر على أمل الحصول على فوائد طويلة المدى من إنشاء اقتصاد طاقة جديد، ومن الصعب في هذه الظروف تجنُّب الخلوص إلى أنه على الأقل في هذه الحالة كانت الغلبة لإعادة التأطير السلبية. ربما كان العلماء في المجتمع البيئي ساذجِين للغاية بشأن مدى فاعلية الأدلة العلمية في مناظرة سياسية-أيديولوجية تركِّز كثيرًا على الوقت الراهن مع وجود جمهور لا يزال تقريبًا غير مبالٍ — أو جاهلًا — بالمخاطر الطويلة المدى. ففي غضون عشر أو عشرين سنة ربما يوفر اقتصادُ طاقةٍ جديدٌ فوائدَ اقتصادية ضخمة وزيادة في أمن الطاقة، ولكن في السنوات القليلة المقبلة قد تكون التكاليف الانتقالية مرتفعة، وربما يفقد البعض وظائفهم أو تنتقل الوظائف إلى أماكن أخرى، وربما يحدث مزيد من الاضطرابات الاقتصادية في المستقبل القريب، وربما يستمر الاعتماد على مُورِّدي النفط الاستبداديين غير الجديرين بالثقة. وسيتفوَّق دائمًا الخوفُ من الخسارة على المدى القصير على وعود الفوائد المحتملة على المدى الطويل، لا سيما إذا أضعفت تلك المخاوف نفسها الالتزام بالعدالة بين الأجيال.
مجددًا، إعادة التأطير ضرورية، ولكن إحدى الصعوبات الواضحة تكمن في أننا في حقبةِ ما بعد كوبنهاجن، وثمة شكوك كبيرة حول أفضل سبيل للمضي قدمًا. ونحن أيضًا في عصر الأزمات المرتبطة المتعددة الأبعاد التي يمكن أن يتغذَّى بعضها على بعض وتستهلك الموارد الشحيحة. ومن ثَم، لكي يكون لأيِّ إطار جديد فرصة للنجاح يجب أن يؤكد على هذه المجموعة المعقدة للغاية من الظروف: ما يمكن وما لا يمكن القيام به على الصعيد الدولي، وما يمكن وما لا يمكن للبلدان الأخرى القيام به محليًّا، ومن المحتم على كل بلد — لا سيما على كبرى البلدان المسبِّبة للتلوث الآن وفي العقود القليلة القادمة — تطوير عملية سياساتية تبدأ في وضع سياسات فاعلة بأسرع وقت ممكن؛ سياسات يمكن أن تكون أساسًا للتعاون الدولي إن كان ذلك ممكنًا، وتوفِّر درجة معينة من الحماية إذا استمر التعاون في التعثُّر. الإجراء الوطني لا يستطيع وحده التعامل مع الاحترار العالمي، ولكنه خطوة أولى ضرورية.
سوف تكون الاقتراحات حول كيفية التعامل مع الاحترار العالمي فيما بعد كوبنهاجن أسهل بكثير إذا ما تمكَّنَّا من فهم مجموعة من الاتجاهات أو التطورات التي تشير لاتجاه واضح. فنريد في الجزء التالي مناقشة بعض العقبات الرئيسية أمام وضع سياسات فاعلة تتناول الاحترار العالمي: السياسات الدولية الصينية، والرأي العام وغيرها من القيود السياسية في الولايات المتحدة، والمواقف والسياسات المعتمدة من قِبَل معظم البلدان النامية. فمع ذلك، ليس من الممكن أو المعقول مناقشة هذه الأمور بمعزل عن الاتجاهات والتطورات الأخرى التي تحدث — أو قد يُنظَر إليها على أنها تحدث — في الساحة الدولية. ببساطة، لا ينبغي للصين أو الولايات المتحدة أو البلدان النامية وضعُ السياسات بمعزل عن الآخرين. وما يلي ذلك يعرض قائمة موجزة باتجاهات وتطورات ما بعد كوبنهاجن الإيجابية وغير الإيجابية، مع ميزة قوية بإمكانية عكس بعض هذه الاتجاهات أو التطورات بسرعة، إذا تعافى الاقتصاد العالمي من الركود، على سبيل المثال. والمقصود في المقام الأول من القائمة أن تكون بمنزلة إطار أو خلفية للمناقشة السياسية التالية.
(?) الأخبار الجيدة والأخبار السيئة

أولًا: الأخبار السيئة. من الواضح أن فشل كوبنهاجن هو التطور السلبي الأبرز، مع أن آثاره تخففت من خلال الوعي قبل المؤتمر بوقت طويل بأن التوصل لاتفاق ملزِم حول أهداف وجداول زمنية لن يكون ممكنًا. ومع ذلك، ربما تكون الاستجابة السياسية والعامة الصامتة للغاية نحو الفشل منذرة بسوء أكبر؛ فاحتمال وجود استجابات قوية حيال الاحترار العالمي منخفض للغاية من دون ضغوط من القاعدة. وعلى أيِّ حال، الدعم الشعبي المحدود لسياسات الطاقة والسياسات البيئية أمر بالغ الأهمية بحيث سنعود إليه مرة أخرى.
كانت الصين الفائز على المدى القصير في كوبنهاجن، ولكن استراتيجيتها على المدى الطويل غامضة؛ لأنها تعاني أيضًا بشدة من التدهور البيئي، ولكن لا تبدو على استعداد لاتخاذ إجراءات قوية لتفادي النتائج الأسوأ أو للتعاون من أجل التوصل إلى اتفاق دولي ملزِم. كان مخيِّبًا للآمال أن الصين لم تعدل من سياستها وأنها لم تتخذ دورًا قياديًّا؛ إذ إنها ارتقت بسرعة في التسلسل الهرمي للدول. فسياساتها أساسًا تشبه كثيرًا إحياء المركنتيلية: السعي لتحقيق المصالح الوطنية المحدودة، والاستيلاء على الموارد الخارجية الطبيعية، ومحاولة كسب أسواق التصدير بأي تكاليف، ورفض قبول التعهدات الملزِمة التي تحدُّ من إجراءاتها على المستوى الوطني. ويمكن أن يتهدَّم استقرار النظام الدولي إذا فرضت سياسات الصين على الآخرين أن يحذوا حذوها، مما يولِّد دائرة خطيرة من الصراع. فالنظم الدولية تعمل على نحو سيئ إذا لم يكن القادة على استعداد للتضحية ببعض المكاسب القصيرة المدى من أجل نشر الأمن والرخاء في الدول الأضعف. في الواقع، ستواصل الدول — وينبغي عليها — السعي لتحقيق المصالح الوطنية، ولكن ينبغي أيضًا تجنُّب السياسات التي تهدِّد الاستقرار والرخاء الدوليين. ومن الأمثلة المعروفة لمثل هذا السلوك ما فعلتْه الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما دعمت النظم المالية والتجارية لليابان وألمانيا المهزومتين؛ بحيث يمكن أن تصبحَا بسرعة حليفين قويين ضد الاتحاد السوفييتي. وللأسف، لا ترى الصين حتى الآن مسئولياتها في هذا السياق؛ فيبدو أنها تعمل فقط من أجل تحقيق مصالحها قصيرة المدى.23 في ظل غياب التوصل لاتفاق ملزِم في كوبنهاجن لبدء خفض الانبعاثات بسرعة، تَوقَّع تقرير صدر مؤخرًا عن الوكالة الدولية للطاقة في باريس24 ارتفاعًا شديدًا في استهلاك الطاقة في العقود القليلة القادمة؛ مما سيؤدي إلى ارتفاع كارثي في درجة الحرارة يصل إلى ? درجات مئوية (??? درجات فهرنهايت). وبينما يسَّر الركود الحالي تحقيق انخفاض بنسبة ?? في الانبعاثات هذا العام، فإن الوكالة الدولية للطاقة تتوقع ارتفاعًا بنسبة ??? بحلول عام ???? (نصف هذه الزيادة من الصين وحدها، وكثير من النسبة المتبقية من البلدان النامية الأخرى)، وزيادة بنسبة ??? في الطلب على الكهرباء في الفترة نفسها، والتي سيَنتج جزء كبير منها من حرق الفحم. وخلص التقرير إلى أن كل عام من التأخير في التوصل إلى اتفاق ملزِم سيتطلب في نهاية المطاف ??? مليار دولار إضافية سنويًّا لخفض الانبعاثات. وتماديًا في الاتجاه الخاطئ، حدث أيضًا انخفاض حادٌّ في استثمارات شركات النفط الكبرى وغيرها في مجال الطاقة المتجددة.25 والبلدان التي تحاول تقييم مدى توافر إمدادات النفط والغاز على المدى المتوسط واحتمالات حلول مصادر الطاقة المتجددة محلها، بعدما ترى ذلك، ستكون أكثر ترددًا حيال التغيير، وهذا — بناءً على ذلك — يعزِّز الجهود التنافسية للسيطرة على الإمدادات (كما هي حال الصين)، ويشجع على انخفاض الاستعداد للتعاون أو وضع المصالح المشتركة الطويلة المدى بعين الاعتبار. مع ذلك، يوجد عامل سلبي محتمل آخر. طالما بَدَا الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة عند مستوًى أقل من درجتين مئويتين (??? درجات فهرنهايت) هدفًا شاقًّا؛ بسبب أن التخفيضات المطلوبة في نصيب الفرد من الانبعاثات صعبةٌ للغاية. فذلك يتطلب الحد من الانبعاثات الكلية للفرد إلى حوالي طنَّيْن، ولكن المستويات الحالية في الولايات المتحدة حوالي ??–?? طنًّا للفرد الواحد، وفي أوروبا نحو ?? آلاف طن، وفي الصين حوالي ? أطنان وتزداد بسرعة. وتخفيض هذه الأرقام في أيِّ فترة قصيرة المدى نسبيًّا — مثلًا السنوات ??–?? القادمة — صعبٌ للغاية، وربما يكون مستحيلًا إذا استمرت الصين والدول النامية الأخرى في رفض قبول التخفيضات الملزِمة. وعلاوة على ذلك، فإن وسائل تحقيق هذه التخفيضات — القوانين الحكومية وتسعير الكربون وأساليب الدعم المختلفة — غير مؤكدة الآثار حتى الآن، والتكاليف المتوقعة للعمل من أجل الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة عند مستوًى أقل من درجتين مئويتين تتطلب ما يقرب من تريليون دولار سنويًّا لفترة طويلة، وسينفق حوالي نصف هذا المبلغ في البلدان النامية.26 مهما كانت دقة تقديرات التكلفة أو تقديرات آثار ارتفاع درجة الحرارة فوق درجتين مئويتين، فإن المشكلة هي أن وضع مثل هذه الأهداف الصعبة على المدى القصير بهذه التكاليف الشديدة قد يؤدي إلى الركون إلى القدرية أو اللامبالاة أو الإنكار، ناهيك عن المخاوف بشأن التبعات الاقتصادية السلبية. وقد قدَّر نيكولاس ستيرن تكاليف تحقيق هذه الأهداف بحوالي ?? من الناتج المحلي الإجمالي سنويًّا، ولكن نظرًا لأوجُه عدم الكفاءة في العملية السياساتية، فإن هذا قد يكون أقل من الواقع.27 ليست المبالغ المالية غير معقولة من الناحية الاقتصادية أو الفنية، لكنها ربما تكون غير مجدية سياسيًّا في البيئة السياسية والاقتصادية الراهنة في الولايات المتحدة وفي كثير من البلدان الأخرى، على الأقل حتى تتغير وجهة نظر كلٍّ من الرأي العام والكونجرس حيال تغيُّر المناخ. إن الفشل في إقناع الدول النامية بأن موقعها التفاوضي مختلٌّ؛ يمثِّل عاملًا سلبيًّا آخَر. فركزت هذه البلدان على الحجج القائلة بأنها لم تسبب مشكلة الاحترار العالمي، وأنها هي الأكثر عرضة لآثاره، وأنها تستحق تعويضًا كبيرًا عن أخطاء الماضي التي وقعت فيها البلدان المتقدمة لتتفادى الأضرار الكارثية إذا استمرت درجات الحرارة في الارتفاع. كما تُصرُّ أيضًا على أن الانبعاثات للفرد الواحد — والتي من الواضح أنها منخفضة جدًّا في البلدان الفقيرة — هي المعيار الصحيح، وليس الكميات المطلقة التي بدأت تزداد في بلدان كثيرة. بعض هذه الحجج صحيح، وتوجد في أيِّ حال أسباب أخلاقية وعملية لتقديم أكبرِ قدرٍ ممكن من المساعدة للبلدان النامية، بغض النظر عن كيفية توزيع التهم.
إن الحجج التي قدَّمتها البلدان النامية والتي تستمر في تقديمها قوية عاطفيًّا وتعكس شعورًا شديدًا بالظلم، ولكنها لا علاقة لها بالأمر تقريبًا؛ فأيًّا كان المتسبب في المشاكل الحادة التي سببها الاحترار العالمي والتي لا يزال يواصل التسبب فيها، فإن المعضلة التي نواجهها الآن هي أن التعويضات عن أخطاء الماضي — سواء كانت مبررة أم لا — تلهي عمَّا يجب القيام به؛ فينبغي لكل دولة التحرك بغض النظر عمَّن تسبَّب في هذا الموقف أو عمَّن من المتوقع أن يبقينا فيه. وهنا ينطبق القول الشائع: إذا لم نتعلق بعضنا ببعض، فإن كلًّا منا سيُعلَّق على حدة. فالاحترار العالمي يتجاهل الحدودَ، وانبعاثاتُ البلدان النامية آخذةٌ في الارتفاع على نحو حادٍّ وسوف تشكل الغالبية العظمى من الانبعاثات في المستقبل. إن الزعم بأن احتياجات التنمية سوف يكون لها الأولوية على حساب الاحتياجات النظامية، بل يجب أن تكون كذلك، ربما يمثل حججًا مثيرة على المستوى السياسي والاقتصادي والعاطفي، ولكنها أيضًا حجج خطيرة. وستفشل مناشدات تحويل الموارد الضخمة — مع أنها قد تكون مفيدة للطرفين — ما لم تكن البلدان النامية أيضًا على استعداد لاتخاذ إجراءات جدية قابلة للمراقبة لكبح جماح انبعاثاتها. إن الجميع أطراف أصيلة في المشكلة، ولا يمكن الاستغناء عن أيِّ طرف في الحل، والانتفاع بالمجان لن يكون كافيًا.
نظرًا لفشل الكثير من مشاريع المساعدات في الماضي، فمن غير المتوقع زيادة تحويلات الموارد الكبيرة إلا إذا أظهرت البلدان النامية أنها جادة في تنفيذ سياسات الحد من الانبعاثات، وليس إذا رفضت اتخاذ إجراءات حتى حصولها على تعويضات. إضافة إلى ذلك، فإن مطالبها بتلقِّي المساعدات دون شروطِ الشفافية والمساءلة تبعث على الشك في أن الكثير من المساعدات تذهب للفاسدين، أو ستتحول نحو احتياجات أخرى لا تتعلق بالحد من الاحترار العالمي. وللأسف لم تتواجد تقريبًا أيُّ علامة في كوبنهاجن على أن البلدان النامية كانت راغبة أو قادرة على إعادة التفكير في المواقف المتأصلة والمُرْضية عاطفيًّا والمتساهلة من ناحية التغييرات السياساتية. ويجب أن تركِّز نقاطُ الضعف الحادة التي تواجهها الاهتمامَ على الإجراءات العملية الفورية، ولكن استمرار الهيمنة في الكثير من الحالات من جانب حكومات ضعيفة وعديمة الكفاءة يميل لإبقاء التركيز على البقاء في السلطة، وليس الاستثمار بكثافة في مشروعات للتكيف مع التهديدات الحالية والناشئة.
ندرك جميعًا أن السياسة الداخلية قد تكون العقبة الأصعب في التغلب عليها إذا كنَّا بصدد وضع عملية سياساتية فاعلة للاحترار العالمي، وربما يكون أداء الرئيس أوباما في كوبنهاجن مخيِّبًا لآمال كثيرٍ من الناشطين في مجال البيئة، ولكنه كان متفوقًا كثيرًا على موقف إدارة بوش. فيبدو أنه فَعَلَ كلَّ ما باستطاعته دون بدء صراع داخلي مع الكونجرس. وتشير الأحداث السياسية الأخيرة إلى أن الرئيس أوباما ربما يكون مقيَّدًا بشدةٍ أكبر بعد انتخابات التجديد النصفي لعام ????؛ فقرار التقاعد من قِبَل العديد من الديمقراطيين البارزين من أعراض المشاكل المحتملة الأعمق. وكما كتب زيليني وناجورني، «ربما تجتمع دفعة محافظة ضد جدول الأعمال الطموح للرئيس، مع انتعاش بطيء من الركود العميق، مع تفشي الشعبوية بغضب» لتؤدي لمكاسب كبيرة للجمهوريين في سباق انتخابات الكونجرس هذا العام.28 وعلاوة على ذلك، يعني الاستقطاب الحاد والبغيض الذي أصبح مميِّزًا للجدل السياسي في الولايات المتحدة أن السياسات ستُناقَش وتُدعَم أو تُرفَض ليس لمزاياها أو لعيوبها، ولكن ببساطةٍ على أساسِ مَن يدعمها أو يتبنَّاها. ومن الواضح أن هذا لا يبشِّر بالخير بالنسبة لمستقبل التشريعات البيئية واحتمالات النجاح في مؤتمر مكسيكو سيتي في العام المقبل. ولكن مزاج الناخبين متقلب، والانتخابات لا تزال على بُعْد أشهر، وتوقُّع نتائج سلبية قد يكون سابقًا لأوانه؛ ولم يَضِعْ كل شيء حتى الآن. ولإعادة التوازن للوضع، توجد بعض الأخبار الجيدة أيضًا على جبهتَي التكنولوجيا والأعمال؛ حيث جرت بعض الأشياء التي ربما تزيد احتمالات حدوث استجابة سياساتية تتسم بالفاعلية والكفاءة، إذا آتى ثمارُها أُكُلَه قبل أن تقوِّض النزعات والتطورات السلبية أيَّ محاولات للتعاون. وأحد هذه الأخبار هو أن التقنية الجديدة للاستفادة من الإمدادات التي كان يتعذَّر الوصول إليها سابقًا من الغاز الطبيعي من الصخر الزيتي، من المرتقب أن تزيد احتياطياتِ العالم من أنظف وقود حفري زيادة كبيرة. وتقديرات الإنتاج المستقبلي هائلة؛ إذ ترتفع من الزيادة المتواضعة البالغة ??? من احتياطيات العالم المعروفة إلى ????؛ ما يبرر عبارة دانيال يرجين بأن هذه الطريقة الجديدة لاستخراج الغاز «هي أكبر ابتكار في مجال الطاقة في هذا العقد.»29 توجد نقطتان مهمتان هنا: فعند إنتاج المزيد من هذا الغاز واستبداله بالفحم، فإن الاحترار العالمي يمكن أن ينخفض انخفاضًا حادًّا، ويمكن أيضًا أن يقلِّل الاعتماد على منتِجَي النفط والغاز غيرِ الموثوق فيهما — روسيا وفنزويلا — وهو مكسب سياسي واقتصادي كبير لأوروبا والمستوردين الآخرين. ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أنه ستوجد حاجة إلى استثمارات ضخمة مقدمًا، ويحتمل أنها ستطغى على الاحتياجات الاستثمارية الأخرى، وأنه من المحتمل أن يمر أكثر من عقد قبل أن تصبح هذه الإمدادات الجديدة متاحةً على نطاق واسع. ثمة تطور واعد آخَر هو ظهور المنافسة بين منتجي الطاقة، وتوجد مصالح متشعبة حديثًا بين منتجي الغاز الطبيعي ومنتجي النفط وصناعة الفحم. وتواجه مرافق الكهرباء خلافات داخلية حول استخدام الفحم أو طاقة الرياح، وبالطبع تبحث صناعة الطاقة المتجددة عن ميزة تذلِّل لها التفوق على كل مصادر الطاقة الأخرى.30 إضافة إلى ذلك، فإنه من الأهمية بمكان أن عددًا من الشركات القوية في الولايات المتحدة — مثل جنرال إلكتريك وباسيفك جاز — انسحبت من غرفة التجارة؛ احتجاجًا على معارضة الغرفة فرضَ تشريعات قوية لمكافحة الاحترار العالمي. أما التطورات الأخرى في هذا الاتجاه فتحيطها الشكوك؛ إذ تعتمد بقوة على سعر النفط في المستقبل؛ ومن ثَم تأثيره على الاستثمارات في مصادر الطاقة المتجددة، والعلاقات بين منتجي النفط، ومعدلات النمو الاقتصادي. وقبيل مؤتمر كوبنهاجن مباشَرةً، أعلنت وكالة حماية البيئة الأمريكية أن غازات الدفيئة تشكِّل خطرًا على صحة الإنسان والبيئة؛ ومن ثَم يفتح هذا مجالًا لإمكانية السيطرة على الانبعاثات من خلال إجراءات تنظيمية حكومية، وبذلك يتم تخطِّي الحاجة لإجراءٍ مباشِرٍ من الكونجرس.31 ومع ذلك، فإن الطريق المفضَّل لخفض الانبعاثات هو من خلال العملية التشريعية؛ نظرًا لأن الإجراءات التشريعية بطبيعتها أكثر قوةً وأكثر صعوبةً في التراجع عنها. وعلاوة على ذلك، اعتمادًا على حجم وتشكيل التصويت على مثل هذا الإجراء، من المتوقع أن يبدو أكثر شرعيةً وأقل تحزُّبًا. وينبغي الإشارة هنا إلى أن بُعْدًا جديدًا أُضِيف إلى الدور الحكومي في جدل تغير المناخ. وفي الدعاوى القضائية الأخيرة، قضت محكمتا استئناف فدراليتان في الولايات المتحدة بأنه يمكن المضي في الدعاوى القضائية الخاصة بتغير المناخ.32 وفي ألاسكا وكونيتيكت وميسيسيبي يقدم أصحاب الأملاك دعاوى ضد منتجي الطاقة مدَّعِين أنهم تضرروا جرَّاء الاحترار العالمي، ويسعون للحصول على تعويضات. وطريقة التعامل مع هذه القضايا ليست واضحة، ولكن يقارنها البعض بالدعاوى الأولى ضد شركات التبغ والأسبستوس. وفي الواقع، إذا تقدمت هذه الدعاوى في المحاكم كما فعلت دعاوى التبغ والأسبستوس الأولى، فإنه ربما يتضح أن القضاء الأمريكي أكثر فاعليةً في خلق تغيير من السلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية. وقد لاحظنا بالفعل عددًا قليلًا من التطورات الإيجابية الأخرى مثل الاتفاق (المؤقت) بشأن إزالة الغابات في كوبنهاجن، ومثل ظهور إدارة جديدة في الولايات المتحدة لا تنكر الاحترار العالمي ببساطة أو تتجاهل ضرورة التعاون أو تعتقد أنه يمكنها المضي قدمًا بمفردها. ولكن حتى حُسن النية لدى إدارة أوباما لم يكن كافيًا؛ لأن الإدارة مقيَّدة بما يمكن أن يحصل في الكونجرس في فترة مشحونة للغاية.
لا بد من الاعتراف عند تقييم قائمة الاتجاهات والتطورات الجيدة أو السيئة المحتملة تلك أنه في الوقت الحالي السلبياتُ تفوق بشدةٍ الإيجابيات، ويمكن أن تمنع بالفعل الاستجابة للاحترار العالمي في الوقت المناسب. الاتجاهات والتطورات الإيجابية أضعف ومؤقتة بشكل أكبر، وقد لا تمثل أهمية كبيرة إذا ظلت الصين مقاوِمةً لاتخاذ إجراء ملزم قانونًا، وظلت الولايات المتحدة مقيدة من قِبَل الكونجرس، مع غياب الدعم الشعبي.
من الواضح أن رهانات الجدل حول تغير المناخ ضخمة. فإذا حدثت أسوأ التوقعات، يمكن أن يصبح النظام الدولي فوضويًّا وغير مستقر على نحو خطير، ولكننا نعتقد أنه لا يزال لدينا ?? أو ?? سنة لتفادي الأسوأ. وربما تظل التغييرات الأقل مسببةً لمشاكل هائلة في التكيف والتعديل، لكنها يمكن أن تكون خاضعة للسيطرة، فلا يوجد شيء ثابت: مصير هذا الكوكب ومصير الدول ومصير المواطنين أغنياءَ وفقراءَ. المشكلة الكبرى هي سرعة الاستجابة؛ أيْ مدى جودة وسرعة استجابة الدول والمؤسسات الدولية للتحديات المعقدة والمتعددة الأبعاد واللانهائية. ومع ذلك، لم تستجب الدول والمؤسسات الدولية على نحو فاعل؛ بسبب أن تهديدات الاحترار العالمي لا تبدو فورية أو واضحة أو مُقنِعَة مثل غيرها من التهديدات المكلفة، ولأن المنكرين والمشككين أعادوا تأطير الجدل لتبرير التقاعس عن اتخاذ إجراء. ويبدو أنه توجد ثلاثة أمور ستحدد إن كنَّا سننجح أو سنفشل في استجاباتنا السياساتية: (?) سياسات الصين. (?) موقف العالم الثالث. (?) عدم القدرة على الحصول على تأييد الرأي العام والكونجرس لسياسات قوية في الولايات المتحدة. وهذه هي الموضوعات التي سنتناولها في الأجزاء التالية.
(?) مشكلة الصين

بدأت الصين الاستثمار بكثافة في مجال تكنولوجيا الطاقة الجديدة في أوائل هذا القرن الجديد، ثم ضاعفت جهودها في عام ????، مع التركيز القوي على التقدُّم سريعًا في تكنولوجيا الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. بدأت الصين في إنفاق نحو ??? مليار دولار سنويًّا على التكنولوجيا الخضراء، وهو ما يساوي ميزانيتها العسكرية، وهذا يعكس تعليمات الرئيس هو جينتاو بأنه «يجب على الصين اغتنام فُرَص الأسبقية في الجولة الجديدة من ثورة الطاقة العالمية.»33 واستهدفت حزمتها من تدابير التحفيز إنفاق ??? على التكنولوجيا الخضراء، كما أنها تهدف إلى زيادة توليد الطاقة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح زيادةً كبيرة بحلول عام ????. ونظرًا لحماية الصين للصناعات الجديدة، وتوفيرها للعمالة الرخيصة، والعَدد الهائل من خريجي الهندسة الذي يتدفق من جامعاتها، وسوقها المحلية المنغلقة؛ فإن الانتقال إلى الاستثمار بكثافة في تكنولوجيات الطاقة المتجددة يَعِد بالهيمنة على أسواق التصدير، وربما كسب عوائد ضخمة ومتنامية.34 من الواضح أن القيادة الصينية — التي تتضمن الكثير من الأفراد ذوي التدريب الفني — تأخذ الاحترار العالمي على محمل الجد، ولكن مع ذلك كانت استراتيجيتها في كوبنهاجن هي رفْضَ قبول الأهداف والجداول الزمنية الملزمة قانونًا للحد من الانبعاثات، بل إنها منعت أيضًا الموافقةَ على هذه الأهداف والجداول الزمنية من الدول الأخرى. ويبدو أن استراتيجية الصين الداخلية، المركزة على النمو السريع بتوجهات مركنتيلية قوية، تُلقِي بظلالها على أيِّ ميول نحو التعاون الدولي. ومن المناسب إذنْ أن نسأل عمَّا يمكن عمله — إذا كان يوجد أيُّ شيء — لتغيير السلوك الصيني؛ بحيث يُولِي اهتمامًا أكبر إلى نتائج التعاون المفيدة لجميع الأطراف، وليس إلى الميزة التنافسية فحسب.35 أحد المداخل إلى هذا الموضوع هو أن نسأل أولًا ما هي نقاط ضعف الصين إذا ما استمرت في مسارها الحالي. أهمُّ هذه النقاط ربما يكون التهديداتِ البيئيةَ الداخلية للصين التي ستَتَفاقَم عندما تؤدي زيادة حرق الوقود الحفري إلى تغير المناخ. تشهد الصين حركةَ انتقالٍ حادةً للسكان من الريف إلى المناطق الحضرية، وهو تغيير من شأنه أن يزيد الطلب على الطاقة والاعتماد على إمدادات النفط الأجنبية والمشاكل المصاحبة لأمن الطاقة، وقد يكون من المتوقع أن يروا تلوثًا للهواء وتآكلًا للتربة ومزيجًا من الفيضانات في بعض المناطق والجفاف في مناطق أخرى؛ عندما تبدأ أنماط هطول الأمطار في التغيُّر. وستتطلب هذه الأحداث على أقل تقدير زياداتٍ كبيرةً في النفقات الصحية والعلاجية، وربما تسبِّب في نهاية المطاف ارتفاعَ مستويات المعارضة الداخلية وعدم الاستقرار.36 علاوة على ذلك، لمَّا كانت الصين قوة ناشئة في العالم، فإنها تحتاج إلى موارد وأسواق خارجية، وربما تجد صعوبةً في الحصول على الاثنتين إذا ما بدا للعالم أنها تتصرف من جانب واحد دون أدنى اهتمام بالرأي العالمي. تستفيد الصين كثيرًا من الفرص المتاحة في نظام تجاري دولي مفتوح، ولكن النظام يمكن أن يبدأ في الانهيار إذا لم يستفِدْ شركاؤها التجاريون أيضًا، ويمكن للمرء أن يرى بالفعل بوادر المقاومة المتمثلة في الإجراءات التشريعية التي اتخذتها كلٌّ من الولايات المتحدة وفرنسا لفرض رسوم جمركية على صادرات البلدان التي لا تقبل التعهدات الملزِمة بخفض الانبعاثات، والمطالبة الشعبية باتخاذ إجراءات أكثر شدةً ضد الصين بسبب «سرقة» الوظائف ظلمًا. علاوة على ذلك، توجد شكاوى متزايدة في بعض البلدان النامية من أن الصين تستولي على مواردها بثمن بخس جدًّا، وتجلب الموظفين الصينيين بدلًا من الاعتماد على عمال البلاد الأصليين؛ وهي علامات تحذيرية أيضًا على أن التركيزَ الضيِّقَ أكثرَ من اللازم على المصلحة الذاتية ربما يتحوَّل إلى إفشال للذات.
تحتاج القيادة الصينية إلى الاقتناع بأنه من مصلحتها إعادة النظر في مواقفها؛ فلم تَعُدِ الصين تتمتع برفاهية وضْع سياساتها بمعزل عن بقية العالم؛ والسبب على وجه التحديد هو أنها قوية جدًّا، وتظهر آثار إجراءاتها عبر النظم الاقتصادية والسياسية الدولية؛ فعندما رفضت في كوبنهاجن قبول قيود على سلوكها، أَلْحَقَ الرفضُ أضرارًا بَالِغة بحلفائها المزعومين في العالم النامي.37 ونشأ خلاف آخَر بسبب سلوك الصين حيال الحفاظ على عملة رخيصة على نحوٍ مصطنع وتجميعها رصيدًا ضخمًا يزيد عن تريليونَيْ دولار من احتياطيات العملة، على الرغم من توقيع العديد من العقود للحصول على الموارد الطبيعية من البلدان النامية. وخلال قيام الصين بما فعلَتْ للحفاظ على معدلات نمو مرتفعة للغاية، فإنها تلبي رغبات شعبها بارتفاع مستويات المعيشة، ولكن على حساب تشجيع المعارضة الداخلية المتزايدة من مواطنين أصبحوا أفضل على المستوى التعليمي وزادت متطلباتهم على الصعيد السياسي. باختصار، لا بد من اقتناع القيادة الصينية بأن سياساتها تحتاج للتغيير من أجل تجنُّب مواجهة مجتمع دولي متزايد العداء ومواطنين متزايدي السخط. يكمن الأمل في أن الصين ربما تصبح في المستقبل القريب مستعدة لقبول «صفقة كبرى»، وقد طُرِحت بعض البنود المقترحة للصفقة المحتملة.38 ولكي تتم الصفقة، يجب أن توافق الصين على قبول أهداف وجداول زمنية مُلزمة قانونًا للحدِّ من انبعاثات غازات الدفيئة، وأن تخضع هذه الخطوات للمراقبة. وسيلزم تنفيذ التزامات الصين خلال فترة قصيرة نسبيًّا — خمس سنوات مثلًا — قبل فرض تخفيضات أكثر حدة في الانبعاثات، وسيلزم كذلك فرض عقوبات على عدم الامتثال على مدى فترة زمنية تمتد من ?? إلى ?? سنة فحسب. وفي مقابل قبول هذه الشروط، يمكن أن تضمن الصين عدم فرض أيِّ قيود تعسفية على صادراتها، وتضمن مشاركة الأبحاث والتطورات الجديدة في تقنيات الطاقة مع توزيع التكاليف بعدل، وتضمن كذلك وضع شروط خاصة لمعاملة منصفة للبُلْدان النامية الأخرى، وعدم سعي أيِّ بلد ابتكر تكنولوجيا جديدة إلى تحقيق مكاسب من الاحتكار من هذه الميزة التنافسية. ويمكن ترك الأمور المالية للبنك الدولي لمراقبتها، أو يمكن إنشاء صندوق باسم «صندوق التخفيف من آثار الكربون» — اتباعًا لفكرة جالاجر — لتمويل التكاليف التصاعدية لاعتماد تكنولوجيات منخفضة الكربون في الصين والبلدان النامية. لماذا ستقبل القيادة الصينية بمثل هذه الصفقة؟ سواء كانت تستند إلى توقُّع زيادة المعارضة الداخلية الناشئة عن التوزيع غير المتكافئ باطراد للدخل، أو عن التطورات الخارجية غير المواتية مثل اشتداد الركود أو الحروب التجارية أو ردود الفعل القومية في العالم الثالث؛ فإن التوقعات بأن «فقاعة» الصين على وشك الانفجار سابقةٌ لأوانها. ومع ذلك، ربما تصبح معقولة في فترة ا? ?–?? سنوات المقبلة. كتب توماس فريدمان عن «فئة سياسية تركز على معالجة مشاكلها الحقيقية.»39 إن القيادة التي خططت بنجاح «صفقتها الكبرى» المحلية، والتي قادت الانتقال من الشيوعية إلى نظام هجين من السيطرة السياسية المحكمة والانفتاح الخاضع للسيطرة الدقيقة نحو الاقتصاد العالمي، ينبغي أن تكون بعيدة النظر بما فيه الكفاية لرؤية ضرورة بدء تعديل سياساتها لتأخذ في الاعتبار مسئولياتها القيادية، وتفادي ردود الفعل الشعبوية التي ربما تهدِّد بقاء تلك الصفقة المحلية. وتهتم الصين أيضًا بأن تحظى بمعاملة محترمة وبالاعتراف بمكانتها الجديدة وتوفير الإطار المؤسسي المناسب لها. ويمكن للاستمرار في تحدي الإجماع الدولي المتزايد حول الاحترار العالمي أن يبدأ في تهديد أو تقويض هذه المكانة. وأخيرًا، ينبغي أن يضاف إلى ذلك أنه توجد أيضًا بعضُ نطاقات المصالح المتبادلة المتداخلة بشكل محتمل، التي يمكن أن تجعل الصفقة أكثر جاذبيةً، وربما يشمل أحد هذه النطاقات تركيزَ الولايات المتحدة على البحث والتمويل، وتركيز الصين على الميزة النسبية للإنتاج الضخم. ويجب التفاوض بحرص حول كيفية تقاسُم فوائد أيِّ ترتيب في هذا السياق وكيفية منع الصين من الاستئثار بأنانية على التكنولوجيا الجديدة.
هل ستؤتي مثل هذه المفاوضات ثمارها مع الصين؟ يمكن إيجاد الجواب المؤقت في إجابة تشو أون لاي الشهيرة على سؤالٍ طلب منه تقييم الثورة الفرنسية: «هذا أمر سابق لأوانه.»
(?) معضلات العالم الثالث

على الرغم من الاختلاف في مستويات التنمية والموارد والتوجهات السياسية والأيديولوجية، فإن البلدان النامية الفقيرة والضعيفة حاولت منذ سنوات منتصف القرن العشرين الحفاظَ على الوحدة في مواقفها أمام دول العالم الأول (الدول المتقدمة)، وأصرت على أن مشاكل العالم الثالث هي تركة الاستعمار التي تفاقمت بسبب الشروط التجارية المجحفة لصادرات الموارد الطبيعية، وعدم إتاحة الوصول العادل إلى أسواق البلدان المتقدمة؛ كما طالبت بكميات متزايدة من المساعدات الخارجية، وكانت تفضِّل أن تكون دون شروط مثل الشفافية والمساءلة. كما أنها رأت أنها ليست مسئولة عن المستويات الحالية من انبعاثات غازات الدفيئة، فلا ينبغي أن تقبل أيَّ قيود على جهودها للنمو بسرعة عبر النموذج الكثيف الكربون نفسه الذي نجح بالنسبة للدول المتقدمة.
على مستوًى سطحي، لا شيء يبدو أنه تغيَّر كثيرًا في كوبنهاجن؛ إذ زادت مطالب المساعدات الخارجية إلى حدٍّ كبير، وأُلقي باللوم على البلدان المتقدمة بسبب المستويات الحالية لانبعاثات غازات الدفيئة، وطُلِبت التعويضات عن ذلك. ولكن، على مستوًى آخَر، تغيَّرت بعض الأمور المهمة التي تحدَّتْ وحدة العالم الثالث؛ ففي حينِ كانت الوحدة في الخطابات موجودة، فإن الوحدة الحقيقية لم تكن كذلك؛ فكما أشرنا سابقًا، فإن الدول الجزرية والدول الأفريقية وأمريكا اللاتينية و«القوى الصاعدة»، مثل الهند والبرازيل وإندونيسيا وجنوب أفريقيا، كانت تسعى لتحقيق مصالحها المباشرة الخاصة، والتي لم يكن بعضها متوافقًا مع بعض بالضرورة. كان يوجد جوٌّ أقرب إلى اليأس تنطوي عليه بعض مطالب الدول النامية بتحويلات ضخمة وفورية وغير مشروطة للموارد. كانت المساعدات في الماضي مفيدة، ولكن باستثناء عدد قليل مفضَّل من الدول، لم تُمنَح المساعدات بكميات كافية لصنع فارق كبير، لا سيما عندما يضيع جزء كبير من المساعدات بسبب الفساد وعدم الكفاءة والنفقات العسكرية المفرطة.40 مع ذلك، في الوقت الذي تبدأ فيه الآن بعضُ البلدان الفقيرة في الاضطلاع بضخامة التحديات التي تواجهها بالفعل، الناتجة عن التدهور البيئي وفشل التنمية والبنية التحتية القاصرة أو غير الموجودة والخبرة الفنية غير الكافية؛ يبدو أنه ينمو شعور حيال مدى السوء الذي ربما تصل إليه الظروف،41 وربما يعني هذا أنه حتى بعضُ النخب الحاكمة قد أدركت أخيرًا أنها أيضًا سوف تتورط بشدةٍ إذا كانت إجراءاتها للتكيف مع الاحترار العالمي غير كافية. وإذا كان الأمر كذلك، فإنها قد تتحرك بجدية أكبر للتخطيط لظرف مستقبلي عندما ستقبل مساعدات مرتبطة بمعايير أداء قوية. وأخيرًا، أيًّا كانت الأسباب المبرِّرة للمساعدات الخارجية في الماضي، فإن البلدان المتقدمة الآن تحتاج لأنْ تقدِّم البلدانُ النامية مساهمةً كبيرة في خفض انبعاثات غازات الدفيئة في المستقبل. نحن في الواقع مرتبطون معًا في مشكلة كلاسيكية بسبب المشاعات العالمية، هذه المشكلة قد تعني أن الزيادات الكبيرة في المساعدات الخارجية ستكون ضرورية وممكنة. هل تشير هذه التغييرات إلى زيادة احتمالية التوصل لاتفاق مع العالم الثالث الآن أكثر مما كان عليه الأمر من قبلُ؟ هل يمكننا التأثير على البلدان النامية من أجل التخلي عن هَوَسِها بالضغائن القديمة، وإعادة التركيز على ما يتعين عليها القيام به لحماية نفسها من ارتفاعات درجات الحرارة العالمية؟ تشير الانقسامات داخل العالم الثالث التي ظهرت في كوبنهاجن إلى أن بعض البلدان النامية تشعر بالحاجة إلى تجاوز الموقف التقليدي لمجموعة السبع والسبعين؛ فهي بحاجة إلى المساعدة بسرعة، وربما تكون على استعداد لقبول بعض الشروط على المساعدات، أيًّا كانت المساعدات المعروضة لبدء تنفيذ السياسات الفاعلة. وينبغي أن يُقدَّم لهذه الدول كلٌّ من المساعدة الفنية لوضع خطط للسياسات والمساعدات المشروطة للبدء في تنفيذ هذه الخطط، ويجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمات الإغاثة المختلفة توضيح أن العروض المماثلة مطروحة لأيِّ بلد يطلب المساعدة، وأن الهدف من ذلك ليس إنشاء نادٍ مغلق من متلقِّي المساعدات المفضَّلين، بل الإقرار بالخلافات الموجودة داخل كتلة العالم الثالث ووضعها في الاعتبار، ومن المنطقي بدء التعاون على الفور مع أولئك الذين يدركون الحاجة للقيام بذلك. فإذا كان هذا الخيار متاحًا ومأخوذًا على محمل الجد من قِبَل الكثير من البلدان الأكثر فقرًا، فإنه يمكن أيضًا أن يتسبَّب في جعل الصين والقوى الناشئة الأخرى أكثر تعاونًا.
إضافةً إلى ذلك، يجب أن نعترف بأن كثيرًا من البلدان النامية الأصغر تخشى التحرك دون دعمٍ من الصين والهند والبرازيل وإندونيسيا وجنوب أفريقيا، ولكن في حين أنه يوجد بعض التداخل في أهدافها، فإن هذه القوى الأكبر تركِّز في المقام الأول على تحقيق مصالحها الوطنية، وليس مصالح مجموعة السبع والسبعين. والمواقف السياساتية التي اتُّخِذت في كوبنهاجن من قِبَل الصين والهند والبرازيل توضِّح ذلك؛ إذ عَقدت هذه الدول صفقات خاصة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دون تشاورٍ مع مجموعة السبع والسبعين، كما أنها لم تولِ اهتمامًا لشواغل مجموعة السبع والسبعين الخاصة. وينبغي أن يكون الهدف توضيح أنه من المعقول بالنسبة للدول الأصغر والأكثر فقرًا البحث عن خيارات جديدة تحمي أو تعزز مصالحها، بدلًا من السماح للصين بتحقيق مصالحها الخاصة وراء التزامٍ ظاهريٍّ بمصالح البلدان النامية.
من المفهوم أن أيَّ عرض للبلدان النامية الأصغر والأفقر سوف يتطلب نهجًا متعدد المراحل؛ وذلك لأن معظم هذه البلدان ليست في حالة تسمح بتنفيذ التزامات ملزمة قانونًا أو قوية في هذا الوقت. ومع ذلك، فالتوقيت ليس مسألة ذات أهمية قصوى في حالة هذه البلدان؛ لأنها «حتى الآن» ليست من مصادر التلوث الكبيرة، وربما يمر عقد من الزمن قبل أن تصبح مساهماتها في الاحترار العالمي كبيرة. أما ما هو مطلوب في هذا الوقت فهو المساعدة الفنية أو المساعدات الخارجية أو الاستثمار الخاص الكافي لبدء تنفيذ سياسات التكيف. هذا يتناسب مع صياغة الأمم المتحدة القياسية «للمسئوليات المشتركة برغم تباينها» للبلدان النامية. وكما أشار جينج كاو، هذا يعني أنها سوف تتحمل مسئوليات إضافية لخفض الانبعاثات ولكن تدريجيًّا فحسب.42 كما اقترح كاو صيغةً لتقييم مسئولية الفرد والدولة من انبعاثات غازات الدفيئة، من شأنها تسهيل الاتفاق بين المانحين حول حصص التمويل اللازم المناسبة لمساعدة هذه البلدان. ستحصل بعض البلدان النامية على الأرجح على مساعدة كبيرة في السنوات ا? ?–? القادمة، ليس بقدر ما تحتاجه وبالتأكيد ليس ما تعتقد أنها تستحقه، ولكن ما يكفي للبدء في حماية نفسها من أسوأ وأقرب التهديدات البيئية. وسيحصل البعض الآخر على قليل جدًّا، بل حتى إنها ربما تضاف إلى قائمة الدول الفاشلة. وتوقُّع المزيد في هذه البيئة السياسية والاقتصادية ليس معقولًا ولا حكيمًا بسبب الكثير من الاستخدامات المشروعة الأخرى لهذه الموارد، والمقاومة السياسية القوية لمطالب الزيادة الضخمة في المساعدات. ويتمثل الأمل في ازدياد عدد البلدان النامية التي سترى العلامات وتلتفت للتحذيرات وإما تضع استراتيجيات نمو بديلة أو تصبح من أنصار مبدأ التحسينية البراجماتيين حتى يحين الوقت الذي تصبح فيه المساعدات الأكبر ممكنة.
(?) سياسة الاستقطاب

كان الرئيس أوباما مقيدًا بشدة في كوبنهاجن بالشروط القائمة لمشروع قانون واكسمان-ماركي من مجلس النواب ومشروع قانون كيري-بوكسر من مجلس الشيوخ، اللذين لم يتم العمل بهما حتى الآن. كان مشروعا القانونين كلاهما أضعفَ في تقييدهما لانبعاثات غازات الدفيئة من عدة خطط أوروبية قيد التنفيذ بالفعل. وعلاوة على ذلك، لا يوجد زعيم سياسي في ظل نظام ديمقراطي يمكن أن يندفع أكثر من اللازم أمام ناخبيه، والنتائج الانتخابية الأخيرة في فرجينيا وماساشوستس ونيو جيرسي تمثِّل تحذيرات واضحة تحدُّ من المساحة المتاحة لإدارة أوباما للمناورة في القضايا البيئية. وردًّا على ذلك، قام عضوا مجلس الشيوخ جراهام وكيري «بتحويل أنظارهما إلى حزمة أكثر تواضعًا من تدابير المناخ والطاقة»، دون أيِّ خطة فاعلة لتحديد وتداول الانبعاثات من أجل وضع سعر لانبعاثات الكربون.43 قدم أيضًا استطلاعٌ لمركز بيو للأبحاث — ظَهَر قبل شهرين من مؤتمر كوبنهاجن — أدلةً على الدعم المحدود في الولايات المتحدة للسياسات الحكومية القوية حيال الاحترار العالمي.44 وكان هناك انخفاض عامٌّ في الاعتقاد بوجود أدلة دامغة على الاحترار العالمي (من ??? في أبريل ???? إلى ??? في أكتوبر من نفس العام) مع تراجع أكثر حدة بين الجمهوريين من ??? في عام ???? إلى ??? في عام ???? إلى ??? في عام ????. وإضافة إلى ذلك، عزا ??? فقط من المشاركين في الاستطلاع الاحترارَ العالمي إلى الأنشطة البشرية. كان الانخفاض الحاد موجودًا بين الجمهوريين على نحو خاص، ولكن تراجع أيضًا تأييد الديمقراطيين، وإن لم يكن بدرجة كبيرة؛ إذ رأى ??? فقط من الجمهوريين الذين شملهم الاستطلاعُ الاحترارَ العالمي مشكلةً خطيرة في مقابل ??? من الديمقراطيين. وفي يناير ???? كان الاحترار العالمي الأدنى على قائمة أولويات الجمهوريين والمستقلين، وحلَّ في المرتبة السادسة عشرة من بين عشرين مشكلة بالنسبة للديمقراطيين، وكان هذا بالطبع في وقت الاضطرابات الاقتصادية الكبرى، فضلًا عن وجود شواغل جدية حيال العراق وأفغانستان وإصلاح نظام الرعاية الصحية، لكنه يشير إلى مدى صعوبة خلق دعم قوي للاستجابات الجادة نحو تهديدات الاحترار العالمي، أو خلْق أيِّ نوع من الضغط من الشعب على القادة السياسيين للتحرك. سعى تقرير لاحق من مركز بيو للأبحاث45 لإلقاء بعض الضوء على سبب الانخفاض الحاد في التصديق العام لأدلة الاحترار العالمي. كانت حالة الاقتصاد سببًا أساسيًّا، ولكن أشار تقرير بيو أيضًا لعدة عوامل أخرى؛ منها: الصيف البارد على نحو غير عادي، والخوف من أن الجهود المبذولة للحد من الانبعاثات ستزيد الأسعار وتؤدي إلى مزيد من فقدان الوظائف، وتأثير الأخبار التلفزيونية الأعلى مشاهدة والبرامج الإذاعية الشهيرة. تَوصَّل استطلاع رأي بيئي لمؤسسة جالوب في مارس ???? — استشهد به تقرير بيو — إلى نتائج مماثلة في جوهرها. باختصار، على الرغم من أن الآراء كانت متقلبة تمامًا، كان كثير من الأشخاص مدركين للاحترار العالمي، واعتقد كثيرون أنه كان أو سوف يصبح مشكلة خطيرة، ولكنه لم يكن مشكلة جليَّة بما يكفي لتجاوز جميع القضايا الأخرى؛ فلا يبدو من المتوقع أن تحدث أسوأ آثار الاحترار العالمي إلا بعد عدة عقود، وكان المرجح أكثر أن تقع العواقب الوخيمة الفورية على «الآخرين»؛ أيِ الفقراء والبعيدين عنا.46 إن الأشخاص الذين لديهم اهتمام محدود بمشكلة لا تزال تبدو بعيدة المدى على نحو أساسي؛ ليس من المتوقع أن يهبُّوا للعمل أو للتفكير في تغيير وجهات النظر المريحة والتقليدية من خلال المزيد من الدراسات العلمية أو تحذيرات من كارثة تلوح في الأفق. علاوة على ذلك، بما أنه يمكن تعديل شكل الإدارات والكونجرس مع كل انتخابات، فإن أصحاب المصلحة يخشون — على نحو معقول تمامًا — أن احتمالات عدم الامتثال ستزيد، وأنه ستظهر مطالب لإعادة التفاوض حول الشروط. ويمكن أن تنشأ هذه المخاوف خصوصًا عندما تنخفض كثيرًا الثقة في الحكومة والممثلين المنتخبين، وعندما تُستقطب الأحزاب والناخبون بشدة. ولتقييم مدى الاستقطاب الحالي في الكونجرس، وثَّقت عالمة السياسة باربرا سنكلير ظهور العراقيل المهددة أو الفعلية منذ ستينيات القرن العشرين: أثَّرت هذه الإجراءات في ?? من التشريعات الرئيسية في ستينيات القرن العشرين، و??? في ثمانينيات القرن العشرين، و??? بعد تولي الديمقراطيين السيطرة على الكونجرس في عام ????.47 وقدم كاس سانستين — وهو أستاذ في كلية الحقوق بجامعة هارفارد — مثالًا آخر على كيفية حدوث الاستقطاب الانتقائي؛ فمن خلال تحليل عدد كبير من المواقع الإلكترونية اكتشف أن كل طرف في جدل من الجدالات يميل للنظر بشكل كبير إلى المواضع الأخرى التي تتبنى وجهة نظر مماثلة؛ ومن ثَم فأنصار كل وجهة نظر واحدة يصبحون أكثر تطرفًا بعد التواصل مع أنصار وجهة النظر نفسها بشكل رئيسي أو معهم دون سواهم؛ والنتيجة الرئيسية لذلك تكون الاستقطاب الجماعي ويصبح التوصل بعد ذلك لحلول وسط للأطراف أصعب وأصعب.48 وهكذا يبدو أن استخدام الإنترنت الواسع النطاق يرسخ التحيزات؛ فيبحث المستخدمون عن الأشخاص الذين لديهم وجهة النظر نفسها؛ ما يعمل على ترسيخ وجهة النظر تلك، ولكن أيضًا يجعل الموقف أكثر تطرفًا وأكثر جمودًا. توجد أدلة وفيرة على هذا النمط من التعزيز في مفاوضات الاحترار العالمي. فعلى سبيل المثال، السيناتور إنهوف من أوكلاهوما، الذي وصف الاحترار العالمي بأنه «أكبر خدعة وقع فيها الشعب الأمريكي على الإطلاق»، استشهد فقط بمجموعة صغيرة من العلماء أو المناصرين الذين يؤيدون وجهة نظره، وتجاهَلَ تمامًا مجموعة كبيرة من الأدلة العلمية التي تدحضها.49 والضحية الأول لهذا النوع من الإدراك الانتقائي والاستقطاب الشديد هو النقاش الموضوعي حول الوقائع الجارية؛ إذ يتجاهل كلُّ طرفٍ الطرفَ الآخر أو يسخر منه، ويعزو المواقف المعارضة للجشع أو الجهل، ولا يرى ضرورةً لتحدي قناعاته الخاصة. وليست القيود السياسية حول وضع السياسات الفاعلة مقتصرة فحسب على الولايات المتحدة؛ فقد هاجمت صحفيَّة سياسية شهيرة في إنجلترا مؤخرًا عدمَ رغبة القيادة للقيام بمخاطر سياسية للمضي قدمًا في جدول الأعمال البيئي، وكذلك انتقدت بعض أطراف من الصحافة البريطانية لإنكارهم وجود الاحترار العالمي، وأشارت أيضًا إلى أن بيانات الاقتراع حول المرشحين المحافظين في الانتخابات العامة المقبلة أوضحت أنهم أرادوا تحركًا أقل حيال الطاقة والبيئة وتخفيض المساعدات الخارجية.50 وفي هذه الظروف العصيبة لن يصبح وجود قيادة سياسية قوية تضطلع بمجال الطاقة والبيئة ممكنًا، إلا إذا بدأ الرأي العام في التغير وطالب بسياسات فاعلة من الكونجرس والرئيس في الولايات المتحدة ومن السلطات المختصة في الدول الأخرى. وكانت الحلقة المفقودة في إقناع القادة السياسيين لدينا بالتحرك هي غيابَ الضغوط الفاعلة التصاعدية المستوى أو الوعي بإمكانية أن استمرارهم في السلطة يمكن أن يكون مهدَّدًا من قِبَل الجمهور المتضرر الذي أصبح على بيِّنة بمخاطر عدم اتخاذ أيِّ إجراء.51 هل من الممكن خلْق مثل هذه الضغوط، حتى دون وقوع كارثة مرتبطة بوضوح بالاحترار العالمي؟ يمكن الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب فقط إذا استطعنا إعادة تأطير النقاش حول الاحترار العالمي على نحو أكثر فاعلية من مجرد ربطه بفرص العمل والأمن القومي. المسألتان الأخيرتان بالتأكيد من المسائل الحيوية، ولكننا بحاجة للبحث في أيِّ مكان آخر من أجل فهم سبب ضعف الدعم لإجراءات قوية لمواجهة الاحترار العالمي، والسبب في إمكانية تجاهل الأدلة القوية المناقضة بسهولة. تحتاج هذه المسائل إلى إعادة تأطير لكي تؤثر في عملية صنع القرار وسلوك الناخبين عن طريق التأثير على العواطف والتفكير. وقد خطا توماس فريدمان خطوة في هذا الاتجاه من خلال جهوده لتنبيه الجمهور بمخاطر الاحترار العالمي واستمرار الاعتماد على مصدِّري البترول من الحكام المستبدين، وتساءل عما ينبغي أن يؤمن به المنكرون والمشككون لتبرير موقفهم. ويجيب بأن شخصًا يحمل مثل هذا الرأي يجب أن يؤمن كذلك بأن عدد السكان لن يزيد بمقدار ??? مليار نسمة بحلول عام ????، وبأنه من المفيد بالنسبة للولايات المتحدة أن تظل معتمدة على مصدِّري النفط الذين يُحتمل أن يصبحوا عدائيين أو غير مستقرين، وبأن الفقراء في العالم لن يسعَوا إلى الوصول لأنماط الحياة التي نتمتع بها في العالم المتقدم منذ عقود طويلة.52 ويمثِّل هذا وسيلة مفيدة لإلقاء الضوء على بعض نقاط الضعف في تحليل مجموعة المنكرين والمشككين، ولكنه لا يخبرنا ما يكفي عن سبب إيمانهم بوجهات النظر تلك والسبب في مقاومتهم الشديدة لتغييرها. إذا أردنا الإجابة على هذه الأسئلة، فعلينا أن نركز على تأثير كلٍّ من العقل والعاطفة على صنع القرار والسلوك السياسي؛ فقد تدهور الجدل بحدة بين أنصار المحافظة على البيئة والمشككين؛ إذ إنه في كثير من الأحيان لا يستمع أحدهما للآخر ولا يسعى لفهم موقف الآخر. كيف يمكن للمرء كسر هذا الجدار والبدء في اكتشاف قيم ومصالح مشتركة كافية للسماح بظهور بعض الحلول الوسط المقبولة والواقعية لدى الطرفين؟ يمكن استخلاص جزء من الإجابة من مجال علم النفس السياسي، الذي يتطرق لشرح كيف يمكن لأنصار أيِّ وجهة نظر تبرير رفض النظر في وجهات النظر المتباينة أو إعادة النظر في وجهات نظرهم الخاصة. ودراسة النتائج التي توصَّلَ إليها ربما تشير إلى طرق لإعادة تأطير الجدل حول الاحترار العالمي على نحو أكثر فاعليةً.
أشار درو ويستين53 إلى أن «المخ السياسي هو مخ عاطفي»، وأنه عند مواجهة معلومات مهددة أو غير متوافقة، فإن أنصار أيِّ معتقد سياسي من المتوقع أن «يبرروا» الوصول إلى الاستنتاجات المنحازين إليها عاطفيًّا. ويؤكد ليرر وويستين على أننا جميعًا في الواقع مبرِّرون.54 وهذه النقطة حيوية في السياق الحالي؛ لأنها تساعدنا على فهم السبب في أن المعلومات الإضافية لا تقلل التحيُّز بالضرورة؛ إذ إن «الناخبين يميلون فحسب إلى استيعاب تلك الحقائق التي تؤكد ما يؤمنون به بالفعل.»55 فلا ينبغي أن يحدث التنافر المعرفي إلا إذا كانت المعلومات الجديدة تتعارض مع المعتقدات الراسخة، وليس إذا سُخِر من المعلومات الجديدة أو تعرضت للتجاهل. أشار جورج ماركوس وزملاؤه إلى أن العواطف لا تؤثر فيما نشعر به فحسب، «ولكن أيضًا في طريقة تفكيرنا وما نفكر فيه وما نفعله.»56 يمكن أن تُبعد العواطفُ الأشخاصَ بعيدًا عن الاستجابات المعتادة وتوجِّههم نحو سياسات جديدة أو طرق جديدة للتفكير، وتتحفز هذه المشاعر بشكل أكثر فاعليةً من خلال مستويات القلق العالية إذا كانت مصحوبة بشعورٍ بأنَّ التحسُّن ممكن، أو أن وسيلة الخروج من المأزق متاحة؛ وإذا كان مستوى القلق منخفضًا، فإن الجدل والنقاش لا يغيِّران الآراء أو يؤديان إلى أنماط جديدة من السلوك.57 مرة أخرى، هذا أمر حيوي في سياقنا؛ لأن الرواية التي يتبنَّاها المنكرون والمشككون مصمَّمة لتقليل القلق وللإشارة إلى أن التغييرات الكبيرة والمكلفة في السلوك غيرُ ضرورية. بالنظر إلى الأدلة الكثيرة على أن الناس خبراء في تبرير معتقداتهم، وأنهم يقاومون التغيير حتى في مواجهة الأدلة المتناقضة؛ فأيُّ أمل يتوفر لإعادة صياغة الجدل حول الاحترار العالمي بطريقة مقنعة للأغلبية في كلا الجانبين؟ ادَّعت رواية المشككين والمنكرين بأنه يوجد متَّسَع من الوقت للتكيف والتعديل تدريجيًّا مع أيِّ تغييرات تحدث، وأن مخاوف المجتمع البيئي في غير محلها أو أنها تعبر عن تهافت على مصالح شخصية. كما أكدت أيضًا مرارًا وتكرارًا على أن التحوُّل السريع لاقتصاد طاقة جديد سيرفع التكاليف كثيرًا. كل هذا يولِّد إدراكًا لليقين في غير موضعه ويدعم التوجه نحو المبالغة في تقدير المكاسب الفورية والتقليل من قيمة المستقبل؛ فالخسائر المباشرة تلوح في الأفق أكبر من المكاسب المحتملة.58 ولا توجد وصفة سهلة للتغلب على قوة هذه الرواية أو التقليل من شأنها؛ فهي نظام مريح للغاية وسهل جدًّا يصلح «للمؤمنين بأفكارٍ يرفضون تغييرها وإن تبيَّنَ لهم خطؤها.» درس فيليب تيتلوك59 قابلية خطأ الأحكام السياسية المتخصصة، وقدَّمَ تحذيرًا قويًّا عن مخاطرِ ما أسماه «خطيئة اليقين». اليقينُ السابق لأوانه والتبسيط الانتقائي هما العاملان اللذان وجد أنهما مسئولان أساسًا عن سوء أحكام الخبراء. لا يشكِّك تيتلوك في الأحكام المعتمدة على أدلة علمية، لكنَّ كثيرًا من الآراء المذكورة في الجدل حول الاحترار العالمي ليست علمية، وتبدو تحذيراتُ تيتلوك وثيقةَ الصلة بالموضوع وقادمة في الوقت المناسب. كما يشير أيضًا إلى أن واحدة من الخصائص الرئيسية للخبراء المتنبئين الأكثر دقةً كانت استعدادَهم لتدبُّر وجهات النظر المختلفة والتشكيك في معتقداتهم وافتراضاتهم الخاصة. على الرغم من الكثير من الخطابات التحريضية، يوجد عدد قليل من المشكلات في الجدل حول الاحترار العالمي يقدم بعض الأفق للتعاون غير المثير للخلاف، وينبغي استخدامها لصالحنا. وفي هذا السياق نقترح نهجين قد يغيِّران طريقة الجدل ويبدآن في توليد بعض أنماط التواصل المفيدة. وسيركز التوجه الأول على تحسين القدرات المحلية على التكيف، وهي نطاق اهتمامٍ يمكن أن يشكل أساس الجهود الفورية الرامية إلى التعاون. والتركيز الثاني — والذي يعكس مباشرةً مناقشتنا السابقة حول ضرورة مناشدة العواطف والعقل «كليهما» — هو محاولة إعادة تأطير النقاش في سياق الإنصاف بين الأجيال. وخلال السعي لشرح السبب في أنْ يكون الجيل الحالي على استعداد للإنفاق على استثمارات ستستفيد منها الأجيالُ اللاحقة في المقام الأول، فإنه يمكن ملاحظة وجود نوع من المقايضة الضمنية بين الأجيال: نحن نستثمر لمساعدة أجيال المستقبل لأن الأجيال السابقة فعلت الشيء نفسه من أجلنا. وعندما تفشل هذه المقايضة وتصبح أنانية المدى القصير هي القاعدة، تنشأ الضغائن المرتبطة بالعمر وربما تكون مهدِّدة للاستقرار الاجتماعي.
مع أنه من المرجح أن يتلقى المستوى المحلي الضربة الأولى من الكوارث الناتجة عن الاحترار العالمي ويكون أكبر متضرر، فإنه لم يتلقَّ الاهتمام الكافي. وتوضح الاستجابات المحلية المتعثرة نحو كارثة تسونامي الآسيوية وإعصار كاترينا وأحداث الحادي عشر من سبتمبر أن هذا الإهمال خطأ. يوجد نمط ما في هذه الحالات: تكون القيادات الوطنية عادة ضعيفة وغير مدركة لما يجري محليًّا، ويكون تدريب الموظفين المحليين سيئًا ويُجبَرون على ارتجال استجابة دون وجود معدات أو إمدادات مناسبة، وعادة ما تتعطل الاتصالات، وتنشغل الأجهزة المسئولة إلى حدٍّ كبير بإلقاء اللوم عن كاهلها. وينبغي أن يعالج التخطيط المسبق الكافي بعضَ أوجُه القصور تلك أو على الأقل يقلِّلها.
ونظرًا لأن البلدان النامية تفتقر إلى الموارد المالية أو القوى العاملة الفنية اللازمة للتعامل مع الكوارث الضخمة، فينبغي أن يكون الاستخدام الأول لأموال المساعدات الموعود بها في كوبنهاجن هو تمويلَ وضع خطط وطنية للاستجابة السريعة للكوارث، وينبغي تضمين المساعدة الفنية في وضع هذه الخطط وتدريب الموظفين المحليين وتوفير المعدات الكافية للاتصالات والخدمات الطبية الطارئة وخطط الإخلاء. وبالنسبة للبلدان المتقدمة، التي تتوفر لديها بالفعل المواردُ والمهارات اللازمة، ينبغي للسلطات الوطنية مُطالَبة الحكومات المحلية بالاستعداد المسبق، وأن تكون مفوَّضة بالعمل بسرعة دون انتظار توجيهات السلطة الوطنية. وفي حين أن السلطات الوطنية تكون أكثر أهميةً في مراحلِ ما قبل الأزمة وما بعد الأزمة، فإن السلطات المحلية هي التي سيتعيَّن عليها التعامل مع مرحلة الأزمة. وبما أنه يوجد اتفاق عامٌّ حول فوائد الاستجابة الأولى الأكثر فاعليةً، ولأن تكاليف الاستعداد متواضعة نسبيًّا؛ فإنه ينبغي أن يكون تحسين القدرات المحلية على الاستجابة غيرَ مثيرٍ للجدل نسبيًّا. ويعني وجودُ مجموعة متنوعة من الكوارث المحتملة أن المؤسسات على جميع المستويات يجب أن تكون مَرِنة ومتكيفة مع المهمة الحالية، بل تتضمن أيضًا فوائض على نحو جزئي، كما يجب أن تكون مستعدة للتعامل مع الأحداث ذات احتمالات الوقوع الضعيفة مع كونها ذات عواقب كبيرة.
فشلت المحاولات السابقة لإعادة تأطير الجدل؛ لأن الإطارَ الذي عبَّر به المشككون والمنكرون استجابَ على نحو فاعل لاهتمامات واحتياجات الجمهور الحالية، ولأن أنصار الاستجابة السياساتية القوية للاحترار العالمي شعروا بضرورة الرد بلغة خصومهم خوفًا من الهزيمة السياسية. ويجب أن تكون الصياغة الجديدة مقنعةً معرفيًّا، ولكن يجب أيضًا — كما هو مبيَّن في مناقشتنا السابقة — أن تكون محرِّكةً للمشاعر؛ فالعقل وحده يمكن أن يقدِّم الوسيلة فحسب، لكنه لا يوصلنا للنهاية التي ننشدها.60 إن مناشدة المشاعر والعقل ليست بفكرة جديدة، ويوجد الكثير من النماذج للقوة السياسية التي تعتمد على مناشدة العواطف.61 ومع أن الهدف قد ضاع وسط ضجيج الساحة السياسية الراهنة المتسمة بالاستقطاب والجدل والشعبوية، فإنه يجب ألَّا تكون مشكلات الاحترار العالمي وأمن الطاقة حزبيةً بطبيعتها. ما القيم المشتركة التي يمكنها التغلُّب على هذه الانقسامات أو التقليل منها؟ لقد ضعف إحساسُنا بالالتزام حيال أجيال المستقبل، وإحساسُنا بالتعاطف مع مَن هم في أشد الحاجة بسبب ظروفنا الحالية، ولكنه لم يُدمَّر تمامًا كما اتضح من تدفُّق المساعدات لضحايا تسونامي آسيا وزلزال هاييتي. وتحتاج مثل هذه المشاعر إلى أن تُبعَث من جديد وتُعزَّز في اتجاهين؛ أولًا: ينبغي أن يُطلَب من كلا الجانبين — ولكن بصفة خاصة من المشككين والمنكرين — أن يتخيَّلوا أنهم ربما يكونون مخطئين. فَلْنفترض أنه لن يتضح سوى صحة جزء من أسوأ التوقعات حول تغير المناخ، فإن العواقب قد لا تزال كارثية لبعض مناطق العالم، ولن يكون الأشخاص الموجودون في العالم الأكثر ثراءً قادرين على عزل أنفسهم — إلا بتكلفة أخلاقية وعملية كبيرة — عن بعض أسوأ الآثار. وحتى لو ثبت خطأ توقعات زيادة درجات الحرارة، فستظل توجد فوائد هائلة من الاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة والحد من الاعتماد في مجال الطاقة على مصدِّري البترول من الحكام المستبدين. باختصار، حتى لو كنت مشككًا، فإنه من المنطقي للغاية أن تؤمِّن نفسك ضد إمكانية أن تكون شكوكك في غير محلها. إن الحد من القلق والمخاوف جزء مهم من أسباب دفع تكاليف التأمين، كما يمكن أن يكون عنصرًا حيويًّا في الجهود الرامية إلى تغيير الآراء والسياسات. والحجة بأننا لا ينبغي أن نقلق — كما يحتجُّ بها بعض المشككين — هي كوضع رهان كبير للغاية على احتمال أن غالبية علماء العالم لا يعرفون ما الذي يتحدَّثون عنه.
يتمثَّل المكوِّن الآخَر لهذا النهج أيضًا في شكل مناشدة مجموعة المنكرين، وتعتمد المناشدة على رأي ينادي بأنه برغم الكثير من الاختلافات، فإنه توجد قِيَم مشتركة في التزامنا حيال أجيال المستقبل والتعاطف مع أولئك الأقل قدرةً على الاستجابة للكوارث. أَلَا نَدين للأجيال المقبلة ببذل جهد حسن من أجل ترك كوكب صالح للعيش لهم؟ بغض النظر عن المعتقدات السياسية للمرء أو تقديرات المكاسب الانتخابية القصيرة المدى التي ربما تكون موجودة، أليس من الأكثر منطقيةً خوض المعارك الحزبية في نطاقات أخرى، وتقديم التزام مشترك الآن حيال أبنائنا وأحفادنا؟ يجب أن تُستخدَم السلطة السياسية لأهداف سامية أكثر من مجرد المنفعة الحزبية. هل تعيش مرتاحًا مع فكرة أن أحفادك ربما يتذكرونك بعدم قدرتك على توفير فرصة لهم للعيش حياة كاملة ومزدهرة مثل حياتنا، أو عدم اتخاذك إجراءً يكون تأمينًا لهم ضد احتمال كونك مُخطئًا؟ هل أنت متأكد تمامًا من أن كل تحذيرات المخاطر التي تلوح في الأفق من قِبَل كثيرٍ جدًّا من العلماء من كثيرٍ جدًّا من التخصصات العلمية هي تحذيرات خاطئة؟ مثل هذا اليقين في مواجهة الكثير جدًّا من الأدلة المناقضة مخيفٌ، وربما سيرى أحفادنا أنه قرار غير مسئول.
هوامش

(1) Fiona Harvey, “Climate Change Alliance Crumbling,” Financial Times, December 22, 2009 (on-line edition).(2) John M. Broder, “5 Nations Forge Pact on Climate; Goals Go Unmet,” New York Times, December 19, 2009, p. 1.(3) On the apparent snub to the President and his entrance into a meeting to which he had not been invited, see ibid, p. A10.(4) On the difficulties of negotiating the details, see “Touch Wood,” The Economist, December 19, 2009, p. 112.(5) John M. Broder, “5 Nations Forge Pact on Climate; Goals Go Unmet,” op. cit., has a very useful summary of what is in and what is not in the final agreement. Also useful is Andrew C. Revkin and John M. Broder, “Grudging Accord on Climate, Along with Plenty of Discord,” New York Times, December 20, 2009, p. 1 and 4. The full text can be found in “Copenhagen Accord Final Text,” The Guardian, December 21, 2009 (on-line edition).(6) See Ed Miliband, “The Road from Copenhagen,” The Guardian, December 20, 2009 (on-line edition). For the Chinese response, see Andrew Jacobs, “Chinese and British Officials Tangle in Testy Exchange over Climate Change,” New York Times, December 23, 2009, p. 14.(7) Mark Lynas, “How Do I Know China Wrecked the Copenhagen Deal? I was in the Room,” The Guardian, December 23, 2009, p. 10.(8) Quoted in John Vidal and Jonathan Watts, “Copenhagen Closes in Weak Deal that Poor Threaten to Reject,” The Guardian, December 19, 2009 (on-line edition).(9) See Bjorn Lomborg, “We Should Change Tack on Climate after Copenhagen,” Financial Times, December 22, 2009 (on-line edition); also see Peter Viebahn, Manfred Fishedick, and Daniel Vallentin, “Carbon Capture and Storage,” pp. 99–102 in State of the World 2009: Into a Warming World (New York: W. W. Norton and Company, 2009).(10) Bjorn Lomborg, “We Should Change Tack on Climate after Copenhagen,” ibid.(11) Clive Cookson, “Hopes for New Order from Climate Chaos,” Financial Times, December 17, 2009 (on-line edition).(12) “Getting Warmer,” The Economist, December 5, 2009, p. 4.(13) George Lakoff, Don’t Think of an Elephant! Know Your Values and Frame the Debate (White River Junction, VT: Chelsea Green Publishing Company, 2004), p. x and 4ff.(14) Jonah Lehrer, How We Decide (New York: Houghton Mifflin Harcourt, 2009), pp. 106-7.(15) George Lakoff, The Political Mind (New York: Viking, 2008), pp. 224–9.(16) Quoted in Suzanne Goldenberg, “Democrats’ Bill Pushes Senate to Act over Climate Change,” The Guardian, October 1, 2009, p. 23.(17) See Tom Zeller, Jr., “And in this Corner, Climate Doubters,” New York Times, December 10, 2009, p. A6.(18) See, for example, the view of Lord Monckton, ibid.(19) Krugman cites the results of a study by the Congressional Budget Office that indicates restricting emissions would have a modest effect on projected average annual growth rates of GDP both domestically and internationally (roughly between 0.03% and 0.09% per annum). See Paul Krugman, “Green Economics: How We can Afford to Tackle Climate Change,” New York Times Magazine, April 11, 2010, p. 39.(20) Matthew L. Wald, “Fossil Fuels’ Hidden Costs is in Billions, Study Says,” New York Times, November 11, 2009, p. A16.(21) A reasoned critique of conservative opposition to either cap and trade or a carbon tax can be found in Robert H. Frank, “Of Individual Liberty and Cap and Trade,” New York Times, January 10, 2010, p. B7.(22) John M. Broder, “Climate Deal Likely to Bear Big Price Tag,” New York Times, December 9, 2009, p. 1 and A10.(23) And China shows few signs of altering its behavior. Its demand for power from oil and gas “has led to the largest six-month increase in tonnage of human generated gases ever by a single country.” This is in the immediate post-Copenhagen period. See Keith Bradsher, “In China, Soaring Energy Appetite Threatens Emission Goals,” New York Times, May 7, 2010, p. B1.(24) See Jad Mouawad, “Gloomy Energy Report Sets the Stage for Climate Negotiations,” New York Times, November 11, 2009, p. B4.(25) See “Getting Warmer,” The Economist, December 5, 2009, p. 8. It should be noted that China is an exception to the cutback in spending on renewables.(26) For the numbers, citing an International Energy Agency report, see “Getting Warmer,” ibid., p. 20.(27) Ibid., p. 8.(28) Jeff Zeleny and Adam Nagourney, “Party is Shaken as 2 Democrats Choose to Quit,” New York Times, December 7, 2010, p. 1 and A20.(29) Clifford Krauss, “New Way to Tap Gas may Expand Global Supplies,” New York Times, October 10, 2009, p. 1 and 3.(30) John Broder and Jad Mouawad, “Energy Firms Find No Unity on Climate Bill,” New York Times, October 19, 2009, p. 1 and A18.(31) John M. Broder, “Greenhouse Gases Imperil Health, E.P.A.,” New York Times, December 7, 2009, p. 1.(32) John Schwartz, “Courts Emerging as Battlefield for Fights Over Climate Change,” New York Times, January 27, 2010, p. 1.(33) Quoted in Evan Osnos, “Green Giant,” The New Yorker, December 21, 2009, p. 54.(34) Robert Kennedy, Jr., “The New (Green) Arms Race,” Outreach (Copenhagen: Stakeholders Forum), December 7, 2009; also see Martin Jacques, When China Rules the World: the End of the Western World and the Birth of a New Global Order (New York: Penguin Press, 2009).(35) For an excellent overview of the issues raised by China’s rise, see C. Fred Bergsten, Charles Freeman, Nicholas R. Lardy, and Derek J. Mitchell, China’s Rise: Challenges and Opportunities (Washington, DC: Peterson Institute for International Economics and the Center for Strategic and International Studies, 2009).(36) Yingling Liu, “A Chinese Perspective on Climate and Energy,” pp. 84–7, and Jennifer Wallace, “The Security Dimensions of Climate Change,” pp. 63–6, in State of the World 2009: Into a Warming World (New York: W. W. Norton and Company for the Worldwatch Institute, 2009).(37) On China’s currency policies, see Paul Krugman, “Chinese New Year,” New York Times, January 1, 2010, p. A25.(38) Kelly Sims Gallagher, Breaking the Climate Impasse with China: a Global Solution, Discussion Paper No. 09–32 (Cambridge, MA: Harvard Project on International Climate Agreements, Belfer Center for Science and International Affairs, Harvard Kennedy School, November 2009).(39) Thomas L. Friedman, “Is China the Next Enron?” New York Times, January 1, 2010, p. A27.(40) William Easterly, The White Man’s Burden: Why the West’s Efforts to Aid the Rest have done So Much Ill and So Little Good (New York: Penguin Press, 2006).(41) Personal communication from a delegate to the Copenhagen conference, who talked to many Third World delegates and commentators.(42) Jing Cao, Reconciling Human Development and Climate Protection: Perspectives from Developing Countries on Post-2012 International Climate Change Policy, Discussion Paper No. 08–25 (Cambridge, MA: Harvard Project on International Climate Agreements, Belfer Center for Science and International Affairs, Harvard Kennedy School, December 2008).(43) See John M. Broder and Clifford Krauss, “Advocates of Climate Bill Scale Down their Goals,” New York Times, January 27, 2010, p. A4.(44) Fewer Americans See Solid Evidence of Global Warming (Pew Research Center Publications, October 22, 2009). All the polling data in the paragraph comes from this publication’s on-line edition.(45) Searching for Clues in the Global Warming Puzzle (Pew Research Center for the People and the Press, October 27, 2009) (on-line edition).(46) Marten Scheffer, Francis Westley, and William Brock, “Slow Response of Societies to New Problems: Causes and Costs,” Ecosystems, Vol. 6, No. 5, August, 2003, p. 495.(47) Cited in Paul Krugman, “A Dangerous Dysfunction,” New York Times, December 21, 2009, p. A29.(48) Cass Sunstein, Going to Extremes: How Like Minds Unite and Divide (New York: Oxford University Press, 2009).(49) The quote and other materials are from a speech on the Senate floor on January 4, 2005, reproduced on the Senator’s internet site.(50) Polly Toynbee, “Gutless, Yes. But the Planet’s Future is No Priority of Ours,” The Guardian, December 18, 2009 (on-line edition).(51) Since the young have been more concerned with environmental issues than the rest of the population, there have been some tentative suggestions that the Republicans might alter their hostility toward environmental policies in order to broaden their electoral base. Unfortunately, there is as yet no sign of this. It is possible, however, that the ongoing oil spill disaster in the Gulf of Mexico might finally begin to break the wall of resistance to strong environmental policies. Much will depend on how long the crisis continues and bad its near-term effects are.(52) Thomas L. Friedman, “What They Really Believe,” New York Times, November 18, 2009, p. A31; also Thomas L. Friedman, Hot, Flat, and Crowded (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2008).(53) Drew Westen, The Political Brain—the Role of Emotion in Deciding the Fate of the Nation (New York: Public Affairs, 2007), p. xv (italics in original).(54) Jonah Lehrer, How We Decide (New York: Houghton Mifflin Harcourt, 2009), p. 205; Drew Westen, ibid., p. xi.(55) Johan Lehrer, How We Decide, ibid, p. 206.(56) George E. Marcus, W. Russell Neuman, and Michael MacKuen, Affective Intelligence and Political Judgment (Chicago: University of Chicago Press, 2000), p. 38.(57) Richard Nadeau, Richard Niemi, and Timothy Amato, “Emotions, Issue Importance, and Political Learning,” American Journal of Political Science, Vol. 39, No. 3 (August 1995), pp. 558–74.(58) See Jonah Lehrer, How We Decide, op. cit., pp. 77–81, and George Lakoff, The Political Mind, op. cit., p. 228.(59) Philip Tetlock, Expert Political Judgment: How Good Is It? How Can We Know? (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2005).(60) See Drew Westen, The Political Brain, op. cit., p. 133ff.(61) The previously cited works by D. Westem, G. Lakoff, J. Lehrer, and G. E. Marcus are illustrative.