Advertisement

السفر_إلى_المؤتمر


السفر إلى المؤتمر




السفر إلى المؤتمر

تأليف
أحمد زكي




السفر إلى المؤتمر

أحمد زكي

رقم إيداع ??????/?????
تدمك: ???? ??? ??? ??? ??

مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
جميع الحقوق محفوظة للناشر مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
المشهرة برقم ???? بتاريخ ???/???/?????
?
إن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة غير مسئولة عن آراء المؤلف وأفكاره
وإنما يعبِّر الكتاب عن آراء مؤلفه
?? عمارات الفتح، حي السفارات، مدينة نصر ?????، القاهرة
جمهورية مصر العربية
تليفون: ?+ ??? ?????????        فاكس: ?+ ??? ?????????
البريد الإلكتروني: hindawi@hindawi.org
الموقع الإلكتروني: http://www.hindawi.org
??
تصميم الغلاف: إيهاب سالم.

جميع الحقوق الخاصة بصورة وتصميم الغلاف محفوظة لمؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة. جميع الحقوق الأخرى ذات الصلة بهذا العمل خاضعة للملكية العامة.
Cover Artwork and Design Copyright © 2013 Hindawi Foundation for Education and Culture.
All other rights related to this work are in the public domain.



مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم


سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وصلاةً وسلامًا على نبي الهجرة الذي اختصه مولاه بمحامد لا تستقصى، وعلى آله وصحبه الذين انتشروا في الأمصار، وطافوا الأقطار، فرفعوا للعِلم أعلى منار، وضربوا للناس الأمثال فأصبح التمدن كما نراه جليل المقدار، سامي الاعتبار.
وبعدُ … فإن لكل عاملٍ غاية يتوخاها، ولكل مُرتادٍ ضالة ينشدها، وضالتي التي نشدتها في هذه المجموعة؛ العناية بتخييل ما شاهده العيان من المناظر الشائقة والمرائي الرائقة تخييلًا تتجلَّى به للقارئ موائل يتقرَّاها بيده ويسبرها بساعده، فإنني حاولت أن أمثل له تأثير الحس وانفعال النفس؛ إذ الباصرة تمقل، والخيال ينقل، والمفكرة تخبر، والضمير يسبر، فتنفعل الحواس فتملي على اليراع بحسب ما يقع عليها من التأثير، وحكمها في ذلك راجع إلى مزاج الإنسان وطبيعته ومشربه وتربيته. فقد كنت أعرف قبل تطوافي ببعض البلدان أمورًا كثيرة، ولكنني لما طوَّحت بي الأيام إلى تلك النواحي تناسيت الصور التي كانت مرتسمة في مخيلتي، فمثَّلها لي الانفعال النفساني بصورة توافق أو تخالف ما كنت أعرفه، فهذا هو التأثير النفساني الذي ابتغيت المبادرة بتمثيله بوقته في رسائلي هذه قبل أن يضيع شيء منه أو يعرض مؤثر آخر عليه، حتى إنني كنت أكتب رسائلي هذه وأنا بين حلٍّ وترحال، تطوح بي الأسفار ولا يستقر لي قرار، وليس لي من الوقت ما يكفي للمراجعة والتنقيح، وإعادة النظر والترجيح؛ لأنني كنت أخذت على نفسي قبل السفر أن أمضي نهاري في التنقل من مكان إلى مكان، أصعد إلى أعالي كل مدينة نزلتُ بها، وأدخل في جميع آثارها، وأطوف كل شوارعها، وأزور كافة متاحفها، وبالجملة أُشاهد كل ما يمكن مشاهدته في اليوم، وأقضي شطرًا من الليل ليس بقليل، في إتمام ما يتسنى أو تلزم رؤيته بالليل، وتعليق المفكرات وكتابة البريد، وكنت في كل لحظة متخوفًا من فوات القطر حتى لقد صدق عليَّ قول بديع الزمان الهمذاني:
إسكندريةُ داريلو قرَّ فيها قراريلكنَّ بالشام لَيلِيوبالعراق نهاري أو ما قاله عبد الله بن أحمد بن الحرث شاعر ابن عباد:
يومًا بحذوَى ويومًا بالعقيق وبالــعذيبِ يومًا ويومًا بالخُليصاءوتارة أنتحي نجدًا وآونةًشعب العقيق وأخرَى قصر تيماء بل قد كان وقتي من أقصر ما يكون، حتى لقد كنت أسعى في توفير الزمن وتكثيره بإتعاب نفسي وحرمانها من الراحة، فأفضل السفر ليلًا في أغلب الأحيان، إلا إذا لم يكن ذلك في الإمكان، ولقد صدق رسول الله الكريم في قوله: «عليكم بالدلجة؛ فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار.»
وقد أفرغت وسعي في التحقيق والتدقيق كما يشهد به المنصفون من الناظرين في هذه الرسائل، التي يُعلِّي من رايتها ويرفع من ذكرها أنني حررتهم وأنا أنظر الأشياء بعينَيْ مصري بحت ينفعل بانفعال المصريين ويكتب للمصريين، فلم أعبأ بقول مصنِّف غربي، ولم ألتفت إلى نبأ مؤلف عربي إلا حيثما تدعو الضرورة إلى تحقيقات جغرافية أو علمية وذكر بعض الإحصائيات، وفيما عدا ذلك أُشهد الله أني لم يكن لي من معتمد في استكناه الحقائق واستجلاء الماهيات سوى شعوري المصري الخالص من أثر الشوائب، والاستفسار ممن يوثق بعمله وخبرته من أهل هاتيك الديار.
هذا وقد باشرت طبعها بغاية العناية، وأوردت الجمل التي كانت حذفت في غيبتي أثناء طبعها في الجرائد لأسباب اقتضاها الزمان، فرددتها كما كانت يوم كتبتها بأوروبا بالتمام، غير أني أضفت هنا كثيرًا من الحواشي والتعليقات لزيادة التحقيق والتدقيق في بعض المواضع.
وإني أنبه القارئ إلى أن الرسالة الكبيرة على باريس لم يسبق طبعها في الجرائد هي وكِمالة الرسالة الأندلسية في بيان امتزاج العرب بالعجم في إسبانيا، والاستشهاد على ذلك بالأعلام، وكذلك الخاتمة، فضلًا عن الزيادات الكثيرة والإضافات الوافرة.
وإنني أستلفت النظر إلى رسالة باريس الثانية (وهي الخامسة عشرة)، فإنها تُصَوِّر تلك المدينة للقارئ تصويرًا وافيًا جامعًا، بحيث إن من تَمعَّنها واستكمل قراءتها يمكنه أن يقول إنه يعرف باريس وما تحويه مما قد لا يعرفه كثيرٌ من المقيمين بها، سواء كانوا من أهلها أو النازحين إليها، وأكثر مما يقف عليه السائح الذي قد يقيم فيها شهرًا أو أكثر من شهر. وأما كمالة الرسالة الأندلسية فهي تستحق من العناية ما لا يقل عن ذلك، وحسبي أنني طَرقت بها بابًا جديدًا توصلت منه إلى منهاج من التحقيق، يَشهد الله بمقدار ما عانيته فيه من التعب والتنقيب والمراجعة، وكل ذلك لا يخفى على فطانة أهل الإنصاف ومحبي الحقائق العلمية.
وأقول: إن ما دوَّنته في هذه الرسائل هو شيءٌ قليل في جانب ما عندي من البيانات والمعلومات، التي عنَيت بتعليقها وجمعها لتدوينها في الرحلة الكبرى.
وغاية سؤالي للملك المتعالي أن يُقدرني على إتمامها، وييسر الطريق إلى طبعها وتعميمها، فإنني عزمت على إدارة سياجها، وانتهاج منهاجها، بحيث يكون موضوعها علميًّا محضًا، أتحرى البحث فيها بصفة كوني مسلمًا شرقيًّا يعنيني من عملي التنقيب عن آداب الشرقيين والغربيين، والمقارنة بين أخلاقهم وعلومهم ومذاهبهم ونحلهم، ومبلغ ارتقائهم، ومقدار تأثير الأولين على الآخرين والآخرين على الأولين في القديم أو الحديث، ومرجع ذلك في الأغلب إلى دواوين الفلاسفة ومصنفات الجهابذة من الفريقين، والله الهادي إلى سواء السبيل.
أحمد زكي

مقدمة الطبعة الثانية


هذه الطبعة الثانية أقدمها للأفاضل الأجواد الناطقين بالضاد في جميع البلاد، وقد كان السبب في بروزها حضرة الوزير الجليل والمشير الخطير، الآخذ بناصر المعارف، المؤيد لأبناء الوطن، مُمهد السبيل لكل مجتهد في الكسب والتحصيل، مُعين المشتغلين بعضده القوي المتين، مَحط رحال الآمال، صاحب الدولة والإقبال مصطفى رياض باشا رئيس مجلس النظار وناظر الداخلية الجليلة والمعارف العمومية حفظه الله وأبقاه وأكثر من المستظلين بحماه.
هذا وإني أجتزئ عن الرسائل الكثيرة والتقاريظ العديدة، التي وردت أو ظهرت في الجرائد العربية والإفرنكية بالنبذة الآتية التي كتبها رئيس المنشئين وفخر الكاتبين، حضرة الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الكريم سلمان وكيل إدارة الجرائد الرسمية. قال حفظه الله:

فوائد السفر ولو لغير المؤتمر


بقلم  عبد الكريم سلمان
أراني وأنا أقص على قومي مثل هذا القصص، قد أُحدث عن معلوم، وأتعرض لبيان مفهوم، ولكني مع ذلك لا أخالهم إلا موافقين على أن في الإعادة إفادة، وعلى أنه ربما سنح للمتأخر من فكر المتقدم بعض لوازم كانت غير بينة، فأدركها، ثم صاغها على أسلوب جديد فراقت للناظرين، ولكل زمان مقال، كما أنه لكل مقال مجال.
القرآن الشريف والسنة النبوية يحُضان على الرحلة من دار الإقامة إلى غيرها من الدّيار: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا،???أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ،???قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ،? إلى غير ذلك من الآيات. وعملُ النبي ? وعمل الصحابة — رضوان الله عليهم — من بعده أكمل وأجلى في الاستدلال. الحكمة في مشروعية هذا الأمر مبينة في الآي الكريمة وهي تَذكر حال الماضين، والاعتبارُ بما كان لهم في زمانهم، وما انتهى إليه أمرهم من عمارٍ أو دمارٍ، وليس هذا إلا ليزداد الفكر تنوُّرًا، والعقل تبصرًا، وينفسح أمامه مجال النظر والتصرف وترتيب المسببات على الأسباب سنة هذا الشرع الحنيف فيما كلفنا به من الأعمال.
أتذكر أنه وأنا في التاسعة أو العاشرة كان يَفِدُ إلى مقر إقامتي مع والدي وأهلي سفن شراعية كبيرة، فيها تجار من الإفرنج يبيعون إلى أهل شواطئ النيل أمتعة المنازل وزينتها وحاجات الحياة، فكنت ممن يخرجون مع آبائهم للشراء، ولكن غرضي وغرض أترابي غير ما كان للوالدين، فلم نَكُ لنقصد إلا مشاهدة تلك السفن — وكان اسمها عندنا (الغُليون) — وتعرُّف من فيها من الباعة الإفرنج إن كانوا من جنسنا وعلى زيِّنا كما يقول آباؤنا، أو هم على ما في خيالنا يخالفوننا في الطول والعرض والصورة والوضع، فلما كنا نراهم طبق الأصل كما أَخبرنا، لا مخالفين كما تخيلنا، نرجع وقد استفدنا بانتقالهم إلينا وانتقالنا إليهم في سفينتهم شيئًا جديدًا، ما كان يتأتى لنا لو لم يحضروا عندنا أو بقينا في دورنا، واندفع عنا ذلك الخيال قبل أن نصل إلى سن الرجال، فهذه فائدة صغيرة تناسب ذلك السن سنَّ الأطفال.
المُشاهد أن أهل القرى — وهم طبقات كثيرات — يكون أولادهم مختلفين في النجابة والذكاء الفطريَّيْن، ولكن النجباء منهم يمتاز ابن التاجر من بينهم بأن له معلومات أوسع من سِواه، فتراه يحُدِّث أترابه بما ليس لهم به علم إذا رجع مع أبيه من بعض الأسفار، ينبئهم بأن البلد الذي كان فيه مع أبيه أطول بنيانًا وأوسع عمرانًا، وبأعمال البيع والشراء والكيل والميزان، وغير ذلك من أطوار الآدميين مما يسعه عقل الصبي في صباه. وكذلك نجد طلاب العلم في الأزهر والمدارس في مصر وبقية المدائن يُحصلون شيئًا آخر غير ذلك العلم الذي طلبوه، فنجدهم وهم من أهل الريف يقتبسون معلومات عن أحوال الناس وعشرتهم، ليست من منقولات الكتب ولا مباحث تلك العلوم، وكذلك نرى البدويَّ وهو في بيته الشَّعر وعيشه الضيق ليس حوله غير الأجمال تنوء بالأحمال، يتغير حاله إذا ترك البادية وحل بالحاضرة، ونظر المزارع والزُراع والدُور والمتاع، ولو غادرها وعاد ذَكر لقومه أسماء، ووصف لهم ما دلت عليه من المسميات التي هم عنها بمعزلٍ بعيد.
وكذلك توجد في قُطرنا قرى يشُط مزارها ويتباعد جوارها، ليس لأهلها بالناس اختلاط ولا للناس بهم ارتباط، فنرى أهلها كأنهم قريبون من أول الخَليقة أو حوالي زمن الطوفان، وهذا على العكس من حال القرى المتجاورة وأهلها المتزاورة، فإنهم أوسع مدارك وأكثر معلومات. ونرى الفرق بين كل طبقة مما تقدم وبين مقابلها بمقدار الانتقال عن المواطن عدمًا ووجودًا وقلةً وكثرةً، والتفصيل في هذا مما لا يحتمله المقام، فلا بد من الرجوع إلى الإجمال.
الفائدة العائدة من الانتقال ليست قاصرة على ذات المنتقلين، ولكنها من الأمور المتعدية للآخرين. نعم إنها لنفس المنتقل أكبر وأجمع، فإنه وحده الذي يمكنه التلذذ بالمناظر البهجة، والتأثر بالمبصرات الغريبة، والانفعال في الرائين أشد منه في السامعين، إلا أن هذا إذا رجع لقومه وحدَّثهم بما رأى عن علم وكمال توصيف، أوجد عندهم شيئًا مما ذاقه، وبث فيهم روح الطلب إلى خيرٍ مما هم فيه من حيث المعيشة ولوازم الحياة الطيبة، وقد يجدُّ بهم السير إلى اختيار الحسن مما سمعوه وإجادة التقليد فيه، فما هي إلا أزمان قلائل حتى يُعرف الحسن في البلاد وتتسابق إليه الهمم، فتنتشر المنفعة ويتقدم النفع كلما تقدمت الأجيال.
الأمة بالقياس إلى غيرها من الأمم لا تختلف عن القرية بالقياس إلى سواها من القُرى، فإن كانت إحدى الأمم راكدة في موطنها ليس للكثير من أفرادها تردد على مجاوريهم، كانت أقل معلومات وأقرب إلى السذاجة عن سعة الإدراك، فكانت كالقرية البعيدة المزار المتنائية الجوار، وحالها ما قدمناه من وقوف حركة الأفكار، فإنها لم تشاهد ما ينبهها إلى الجولان، وإن كانت واحدة من الأمم قد نجب فيها أقوام، وهمُّوا بنيل الأوطار، فأكثروا من الأسفار، استفادوا ما لم يعتادوا، فأفادوه مواطنيهم، وانتشرت بذلك بين أهليهم أخبار مجاوريهم، فأخذوا أحاسنها، وترقَّت الأمة بتمامها من حال إلى حال.
الشاهد على صدق هذه القضايا هو حال أمتنا المصرية في زمانَيها الغابر والحاضر، فإنها لما كانت غريبة في باب الحضارة وأقل تنوُّرًا مما هي عليه الآن، كان أمر السفر منها إلى غيرها يُعد من الأعاجيب، ولا ننسى أننا كنا نفزع غرابة إذا قيل إن فلانًا منا سافر إلى (بحر برًّا) أو قدم منه. كان هذا اللفظ عندنا عنوانًا على ما سوى ديارنا، سواء كان من البلاد الأوروبية أو الآسيوية (عدا الحجاز)، أما الآن وقد تنورت العقول، فقد بدلت تلك الغرابة عند العامة بشبه العادة، وكثر تردد أهلينا على تلك الديار الخارجية عنا، وعرفت الفائدة بما نقلوه إلينا من أحوالهم العامة والخاصة. وقد رأينا أن التقدم والتأخر في حركة الفكر والإقبال على الانتقال والتناكص عنه، متلازما الحصول، حتى كأن كلًّا منهما علة لوجود الثاني والفصل بينهما من المحال.
المأخوذ مما تقدم أن فائدة السفر تعود على المسافر نفسه وعلى قومه، وقد ترجع أيضًا على البلاد التي إليها السفر، وليس ذلك بالأمر البعيد على الإدراك، ولا نذهب في التمثيل له إلى غير هذه البلاد المصرية، فإن أهل الديار الأوروبية كانوا لا يعتقدون فينا إلا أننا من متوحشة الأفريقيين، فيصدقون عنا كل خبر سمعوه، ولا يرون منا إلا قومًا عُطلًا من كل فضيلة، وكان لا يكفيهم ما ينقله لهم عنا رجالهم إلينا من أننا مثلهم في قابلية الكمال، فلما كثر ترددنا إليهم في ديارهم وخالطوا رجالنا فيهم، ورأوا منهم أناسًا مهذبين ورجالًا عارفين يخوضون معهم في كل حديث عن القديم والحديث، يضربون في كل علم عن دراية وفهم، أيقنوا بأن الإنسان واحد في الغرب والشرق، وسوَّوا بيننا وبينهم في الحكم بأننا من نوع واحد، يجوز على أحد المثلين ما يجوز على الثاني من العلم بعد الجهالة، ومن التمدن بعد الوحشية، ومن الرفعة بعد الضعة والانحطاط. فهذه فائدة لهم بانتقالنا إليهم عرفونا بعد ما جهلونا، وحكموا صوابًا بعد أن كانوا خاطئين. نعم إننا شاركناهم في هذه الفائدة، فقد صرنا في أعين الغائبين عنا من نوع الإنسان، لنا ما لهم وعلينا ما عليهم من الحقوق والواجبات، فكانت الفائدة من سفر المصريين إلى الديار الأوروبية مزدوجة بين الطرفين، وهذا ما يُعظم شأو الأسفار ويجعلها هينة على النفوس، وإن كان عَذابها لا يُحتمل وفيها ما لا يطاق من الأهوال.
البُرهان على أن هذه الفوائد حصلت من أسفار المصريين، وعلى حصرها في السفر أن البلاد التي لم تجرِ رِجلنَا إليها ولم يُشاهد لنا فيها شبح، قد بقيت فينا على ذلك التصور، ولم يعلم أهلها من أخلاقنا غير أخبار النَّقَلة خطأً كان أو صوابًا. يدلنا على هذا ما رواه بعض الصينيين الموجودين في ديارنا الآن من أنهم جاءوا مصر وهم على عقيدة أن المسلمين لا يفلتون من يحل في ديارهم وإن كان من المسلمين، ولما شاهدوا غير ما سمعوه من لطف المعاملة وكريم المجاملة لم يسعهم إلا الإقرار بالمروءة العربية، وقالوا: إننا سننشر ضد ذلك المسموع ونذيعه في أنحاء بلادنا، وبذلك ربما ارتفع الوهم عن النفوس. ولا نرتاب في أن بعض البلاد المشرقية التي لم يتعرفها سواها، ولم يشارف أهلها غيرها من الديار الأوروبية، قد بقيت على حال لا ترى معها في أعين الغائبين عنها إلا كما نُرى به نحن قبل أن يكثر سفرنا إلى الديار الأوروبية، ويرتفع مقدارنا فيها من أنهم لا يقبلون الكمال بحال من الأحوال، وكذلك لا نشك في أن أهل تلك البلاد المشرقية الباقية على الخمول لو اتجهت رغباتهم إلى ما اتجهنا إليه من الأسفار، لارتفع ذلك الحجاب عنهم كما ارتفع عنا، وأخذوا من قلوب القوم مكانًا، وكذلك لو زادت رغبتنا نحن في الأسفار إلى غير ما شاهدناه من الديار، وكثر رحالنا في أقاصي الأرض وجوانبها من مشارقها ومغاربها، لاستجلبنا من الفوائد واستجمعنا من الشوارد ما يجعلنا في الوجود كبارًا، وينقل أقدامنا في سبيل الاجتماع المدني خطوات بها تحل محل الاعتبار والإجلال.
الفضل كل الفضل في اتصال العالم ببعضه وتمكُّن الإنسان من مجاوزة أرضه، لِما تجدد من المخترعات البخارية برية كانت أو بحرية، فأهل الأجيال الأول كانوا معذورين ولا تحسبهم مقصرين، إذا لاحظنا طول المسافات ووعورة المسلوكات، فقد كانوا مع ذلك يتجشم بعضهم المشقة على بُعد الشقَّة، ويخترق البحار إلى القفار، تحمله الناقة وزاده وزادها، ويضطر إلى الاقتصاد منهما خوف ضارية الجوع على الحامل والمحمول، ولا يعود إلا وقد صاحب الأرب وتزود الأدب، ورجع إلى أهله فعلمهم ما عَلم، وأفادهم ما غنم: فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم،? وكفى بفرض الحج على كل المسلمين والسفر إليه مرغبًا لهم ومعينًا على هاتيك الأسفار الصعاب، التي هي في الحقيقة قطعة من العذاب، وساعد على تحمله أيضًا مشروعيته لطلب العالم: «اطلبوا العلم ولو بالصين»، وسرى ذلك إلى كل الأمم المختلفة، فكان لكل أمة النصيب الكافي من السفر إلى غيرها على قدر الاستطاعة في تلك الأزمان، وإن كان لا يحسب شيئًا فيما هو حاصل في هذا الزمان. نعم إن الأسفار في زماننا هذا تعد قليلة بالنسبة لسهولة الاتصالات وقلة النفقات، فلا بد أن نرى الأمم كلها أو غالبها يومًا من الأيام كأنها أمة واحدة، بما يكثر من تردد أفراد كل واحدة على الثانية في ديارها، وتبادل المنافع بينها، وتعرُّف كل منها أحوال صواحباتها، وهنالك تكون الفائدة الحقيقية من الأسفار وتحل الحقيقة محل هذا الخيال.
المظنون أن قد تبينت فوائد السفر في هذه النبذة الصغيرة، وإن كان ذلك على وجه مجمل بغاية الاختصار، ولما كان المناسب في هذا المقام أن يُذكر بعض الفوائد الخاصة لبعض الأسفار الخصوصية، رأيت أن أذكر طرفًا مما يناسب هذه الرحلة التي كانت لأحد الشبان الأفاضل من المصريين إلى الديار الأوروبية وما ينجم عنها من الفوائد في حد ذاتها مضافًا إلى تلك الفوائد العامة للأسفار العمومية.
فأما الراحل فشهرته بالفضل، وإقباله على العمل، وأعماله المنتشرة بيننا، مما يغنينا عن الإطناب في تعريفه والتنويه بتوصيفه، وأما الرحلة فإلى مجتمع العلوم الشرقية سنة ???? في مدينة لوندرة، وأما الغرض منها فالنيابة رسميًّا عن الحكومة الخديوية في هذا المؤتمر، وأما الفائدة منها فنبينها موجزة ولا نطيل فيها المقال.
الواجب على هذا الراحل ليس إلا الوصول على مكان الاجتماع في وقته المعين، وتقديم شيء من التأليف العربي إلى هيئته، وحضور جلساته على الانتظام، وإبداء رأيه فيما تدور عليه المذاكرة فيه، وإن نيط من قبله بعمل أتاه على الوجه المطلوب كما أجمع عليه رأي أهليه، هذا كل ما كان يلزم حضرة هذا المندوب المصري. وإذا أدَّاه كما وجب فقد خَلُص من تبعة التقصير، واستحق الثناء من مُرسله عليه. إلا أنه لم يكتفِ بهذا الواجب، بل أحاطه بنوافل أدَّاها قبله وبعده وفي أثنائه، كان القصد منها استفادة ما عليه أصناف الإنسان الآخرون، من حيث عملهم في دنياهم وعيشهم وبناؤهم وصناعتهم وعلومهم، وكيفية التربية عندهم، وما لهم من الأخلاق والعادات والمشارب والمعتقدات، وما هم فيه من نعمة ورخاء وشغل وعناء، وما جددوه من المخترعات، إلى غير ذلك مما هم عليه من جميع الأحوال.
النوافل التي أداها حضرة هذا الفاضل كان يتأتى له مشاهدتها، وأن تقتصر عليه لذَّاتها، ولما يعود يحدثنا عنها حديث الرائين، ولكنه لم يُرد أن تكون المنفعة من رحلته قاصرة عليه أو متعدية لنا، ولكن لتبقى بعدنا لأبنائنا؛ فلذلك قيَّد كل ما رآه من الأوابد والشوارد، وبعد رجوعه ضمها إلى بعضها واستخرج منها هذه الرسائل الفعالة في النفوس، الآخذة بمجامع القلوب عجبًا واستغرابًا، ولقد كان من الممكن أن يأخذ في سفره هذا طريقًا واحدًا في الذهاب والإياب، وأن لا يتغيب عن بلده أكثر من الزمن الذي يستلزمه ما كُلف به فيقتصد من زمانه وماله، ولكن أحبَّ استجماع الفوائد فنحا منحى السائحين الأقدمين، واختار أن يشهد له الطريقان طريق الغدو وطريق الرواح، وقد أخذت الأقطار أمامه في رجوعه برقاب بعضها، فكلما خَلُص من بلد تذكر الثاني فانساق إليه بحكم حب الاستطلاع، وإن لم يكن في طريقه ولا في حسبانه وقت مبارحته دار إقامته الأولى، وطوحت به الرغبة في الاستكناه إلى أن عرج على بلاد الأندلس العربية الأصل، وليست من إحدى طرقه إلى بلده، وأضاف إليها بلاد البرتغال وهي كذلك لم تتعين طريقًا له، وتغيَّب عن بلاده تلك الشهور الطوال.
المعجِب في كتاب هذه الرحلة هو استنهاض هِمة قومه كلما رأى لذلك فرصة، وتنبيههم على ما جَرَّ العظمة والفَخَار لأولئك الأقوام، ومقابلة أعمالهم بأعمالنا، والتنبيه على مواضع انتقاصنا، واستحسان بعض العوائد عندنا مع مقارنتها بما هم فيه، واستجماع ملاك البيان في التوصيف بعبارات كأنها فوتغراف نَقلت إلينا صورة معانيهم بالتدقيق، فلم يفتنا مما تجمل الإحاطة به فائتة، وكان هو عندهم حاكيًا عما صرنا إليه من التقدم ومحبة التعلُّم واجتلاء الحقائق على ما هي عليه، والرغبة في الاستفادة والتقاط الحكمة من أي طريق، وإن هذا لهو السحر الحلال.
المسطور في عبارات هذا الكتاب أن مؤلفه الفاضل أخذ على نفسه أن يُفَصِّل رحلته إلى تلك الديار في كتاب أوسع من هذا يأتي فيه على ما لم يتح له في هذا الكتاب من مقابلات الأخلاق والعوائد، والبحث في أصولها ومرجع اللغات والأعلام ومآخذها بعبارات علمية مؤسسة على البراهين العقلية والنقلية، ولا تظنه إلا فاعلًا؛ لأنه عودنا الجد والنشاط، وقد استبان مع ذلك ما توخيناه من الفائدة الخاصة بهذه الرحلة في حد ذاتها كما يفهمه القارئ مما تخلَّل عباراتها من حكمةِ وضعها وأسلوب صنعها، وما قصده واضعها منها. نسأل الله أن يوفقنا وإخواننا إلى معرفة الفضل لذويه، وأن يكثر من أمثال هذا الفاضل في البلاد حتى تتجسم منافع السفر للعيان وتتشربها الأرواح والأبدان، فيزداد فينا عدد السائحين والغادين والرائحين، ويعمل كل منهم على نشر ما استفاد من السياحة في البلاد فيكون كُلُّنا عونًا لأخيه في الحَط والترحال، ونَصِل إلى ما قصدناه من الكمال.
هوامش

(?) النساء: ??.(?) الروم: ?.(?) الأنعام: ??.(?) التوبة: ???.
الرسالة الأولى


عن نابولي في يوم السبت (?? محرم سنة ?????/??? أغسطس سنة ????)
لقد صدق من قال: إنه إذا كان للعلم مجال فللعمل ألف مجال، وإن حقائق الأشياء وهي في عالم التصور أقل منها بكثير حينما تبرز إلى حيز الوجود وتتجلى في مظاهر الشهود، فطالما قرأت ما أتى به الكتاب من الآيات البيِّنَات، وما ترنَّم به الشعراء من الأبيات الأبِيَّات في الحنين إلى الأوطان والتشوق إلى الأهل والخِلَّان والتوجع من مفارقة المألوف والتفَجع من مبارحة الديار والربوع، ولم تكن نفسي تتأثر من ذلك إلا بمقدار إعجابها ببراعة الكاتب، واقتدار الناظم على صوغ المعاني في أجمل القوالب، وسَبك الألفاظ على أبدع طراز، وتمثيل التخييل بما ترتاح له النفس وينشرح منه الفؤاد.
وكنت أظن أن ذلك إنما مصدره تنميق الكتاب وتزويق الشعراء حتى قضى عليَّ طلب المعالي بمفارقة مصر السعيدة المحروسة وديارها المحبوبة المأنوسة، فانجلت لي هذه العواطف الجليلة في أجلى جلبابها وَحلَّت هذه الشعائر الحميدة في فؤادي بأحلى معانيها، فتمنيت حينئذ لو كنت من المنشئين المجيدين لأصور لك أيها القارئ العزيز والمواطن الفطين حب الوطن مجسمًا في أجمل حال، وعلى أكمل منوال ليكون ذلك باعثًا يدفعك إلى تعزيز شأنه، والسعي بما في قدرتك على رفع مناره، والاجتهاد بما قسمه الله لك من العرفان في تهذيب أبنائه، وبث نور العلم في أنحائه. فإني وعينيك حينما اقترب الوقت المضروب لمبارحة القاهرة يوم السبت (?? أغسطس سنة ????/محرم سنة ????) كنت أمتع الطرف، وأزود الناظر بما في القاهرة من باهر المناظر، وأجتلي محاسنها الكرَّة بعد الكرَّة، وأتزود من رؤية معاهدها المرَّة بعد المرَّة؛ ليكون لي ذخرًا منها إلى أن أعود إليها بسلامة الله وحسن توفيقه، وما زلت على هذه الحال، مشغول البال، هائج البلبال، وأنا كالباهت الحيران، حتى حان وقت السفر وحل يوم الرحيل.
فاحتشد الإخوان الأفاضل، والخلان الأماثل لتوديعي على محطة العاصمة، وكان الكثير منهم يقول: «إنما جئنا لنودّعك حتى تتقوى بنا عزيمتك، وينشرح برؤيتنا صدرك، فتبذل قصارى ما عندك في حسن القيام بالمأمورية الجليلة التي عهدت إليك، وتأتي بأصدق برهان على أن في مصر من الشبان من إذا شملهم بنظره الكريم أمير مصر مولانا العباس أصبحوا من أنفع الناس، وجعلوا للوطن العزيز بين الأمم المتمدنة مقامًا محمودًا وفضلًا مشهودًا.»
فكنت أنظر إلى نفسي ومن أنا، ثم أردّد الفكر في هذا الاحتفال وفي أمثال هذا المقال، فأرى أن هذا التظاهر العظيم وأن هذا الاحتفال والتكريم، إنما يقصد به إعلاء كلمة الوطنية، واتحاد القلوب على تنشيط كل من يقوم بعمل يرجى منه نفع البلاد، بقطع النظر عن مقام القائم بهذا العمل في هيئتنا الاجتماعية صغيرًا كان أو كبيرًا، فإني لم أبلغ إلى الآن ما يجعل القوم يتقاطرون عليّ بهذه الحفاوة، فلا ريب في أن الباعث لذلك الاحتفال والإجلال هو الإخلاص في التكاتف على تأييد كل مسعى علمي وتعضيد كل عمل وطني، وإن إخواننا أيدهم الله بروح منه قد أحسوا بوجوب الدعوة إلى رفع شأن الوطن وتعزيزه، فلهم من وطنهم أخلص الشكر وأجزل الثناء، إذ ليس في وسعي أن أوفيهم حقهم من الاعتراف بجميل فضلهم.
ولقد لاقيت في الإسكندرية (عروس المشرق وعنوان المغرب) عند مَقدمي إليها وقيامي منها مثل ما لقيت في القاهرة، وفي ذلك برهان قاطع على أن الشعور بحب الوطن، والدأب على استمرار حركة النهضة الوطنية قد سرى في عامة الفضلاء سريان الأرواح في الأجساد، وكيف لا يكون الأمر كذلك وأميرنا الهمام وولي نعمتنا المقدام مولانا العباس — وطد الله دعائم ملكه ونشر في الخافقين ألوية مجده — لنا به أحسن أُسوة وأتم قدوة، فإنه أول من يسعى في النهوض بالوطن المحبوب إلى ذروة العز ومنصة الشرف.
وقد قال لي حينما تشرفت بلثم أيديه الكريمة وشكر أياديه العميمة: إن بعضهم اعترض على تعييني في هذه المأمورية العلمية العلية بأني ما زلت في دور الشبيبة والفتوة، فأجاب بلفظه الفاخر المنيف: إن هذا هو ذات الواجب عين الصواب، فإن زكي من نوابغ الشبان، وبه يمكننا أن نبرهِن لعلماء أوروبا على أن عندنا من الشبان من يجارونهم في ميادين الفضل والعرفان.
فكيف لا أتيه فخارًا وأختال ابتهاجًا بهذا القول الذي هو أفضل من جميع علامات التشريف ودرجات التكريم، وكيف لا أدأب على البحث والاجتهاد حتى يبقى اعتقاد وَلِي النِّعم في عبده المخلص هكذا على الدوام، وكيف لا يكون في ذلك المقال أعظم تنشيط لأمثالي من الشبان يدعوهم إلى اطّراح الكسل، وترك الخمول، والإقبال على كل عمل يرفع شأن وطنهم ويستوجب رضا ولي نعمتهم، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وبمثل هذا فليتنافس المتنافسون.
قمت من الإسكندرية في صباح يوم الثلاثاء ?? أغسطس سنة ???? في باخرة من بواخر شركة اللُّويد النمساوية اسمها فُوروُورد، قد جمعت إلى النظافة أسباب الراحة، بحيث لم يكن ينقصنا فيها شيء مما نراه في المدائن سوى قرب تناوله وسهولة الحصول عليه بمجرد الضغط على الجرس الكهربائي، ولم يكن فيها كثير من السّواح، ولكنها أقلعت بعد الوقت المضروب بربع ساعة على التقريب، وسارت الهُوينا إلى أن خرجت من بوغاز الإسكندرية، وابتعدت عن الشطوط المصرية، فكنت أحدق النظر المجرد ومستعينًا بالنظارة المقربة إلى رؤية أطراف الأراضي المصرية حتى سترها حجاب الأفق. وإذ ذاك أخذتني كآبة، وتولاني حُزن، وتملكني انقباض مما لم يكن لي به عهد من ذي قبل، فاغرورقت الدموع في فؤادي وتلهفت نفسي إلى معاهد بلادي، ولم تذهب عني هذه اللوعة إلا بعد أن أطلت الفكرة في أني أسعى إلى مجد مؤثل قد يدركه أمثالي، وأعود على وطني سالمًا غانمًا رابحًا ناجحًا بإذن الله تعالى، فشاغلت نفسي عن تيار هذه الأفكار بالنظر إلى تمايل السفينة ذات اليمين وذات اليسار، وتلاعب الأمواج وصفاء المياه الذي اكتسب فيما أمام الإسكندرية لونًا أزرق باهيًا، جعل اللجة كأنها قطعة واحدة من الفيروزج الجميل.
وما زالت السفينة توالي سيرها حتى أتى ميعاد الطعام فأكلت قليلًا منه؛ لأني عجزت عن الإتمام، ولم أكُ — وحقك — من القادرين بسبب ما اعتراني من دوار البحر، وإن كانت الدوخة خفيفة جدًّا، فقد أخبرنا أهل الخبرة أن هذه الحالة من أخف السياحات شدة على من ليس لهم عادة بالأسفار في البحار، ولكن هذا القول لم يمكنني من الامتناع عن الاضطجاع على فراشي، فلما حان العصر خرجت إلى ظَهر السفينة لأجرب الحالة، فعاودتني الدوخة ودوران الرأس فقفلت معُجلًا إلى مضجعي، ولم تتيسر لي الاستراحة إلا بعد أن صارت معدتي صِفرًا من الصفراء مدة الليلة الأولى واليوم الثاني والليلة الثانية، ولم أتمكن من تناول شيء سوى قليل من اللبن بالقهوة وبعض الفاكهة. وقد كان صاحبي حضرة الشيخ محمد راشد قد أصابه ما أصابني، فلبثنا في حجرتنا مضطجعين على الأسرة متقابلين، فكنا في هذه الحالة أشبه بالمرضى في المستشفى النمساوي، ووجه الشبه الجامعة في الجنسية بين المستشفى والباخرة، ونظافة الخدمة وإتقانها، وقيام عمال من صنف واحد بها، وقد شعرنا بشدة اضطراب السفينة وتزايد ارتجاجها (أو نَوَدانها أو مَيَدانها) حينما. اقتربنا من جزيرة كريد.? وفي اليوم الثالث مررنا أمام سواحل اليونان وبين بعض جزائرها، وكان مَن معنا من بني الإغريق (الجريج) فرحين مبتهجين برؤية سواحل بلادهم يرنون إليها بلحظ متوالٍ والانشراح مِلء فؤادهم، ثم مررنا قِبال جزيرة كورفو Corfou (قرفس كتب العرب) ذات المناظر الجميلة والحدائق الغنَّاء، التي اشتهرت في السنة الماضية بقيام أهلها على بني إسرائيل، وفتكهم بهم الفتك الذريع. وما زال البحر صاحيًا والهواء موافقًا والشهية حاضرة فعوضنا ما فاتنا من الطعام، وخسر متعهده ما أكسبه إياه اشتداد البحر في اليومين الأولين، حتى وصلنا في ذلك اليوم إلى برندزي، واسمها في كتب العرب إبرندس، وعند الفرنساوية برند (Brindes)، وعند الرومانيين برنتسيون أو برندزيوم (Brintision وBrindisium)، وكنا نعتقد أننا نجد من وكلاء كوك فيها أعظم مساعدة فلم يتحقق أملنا. وأقول إنه إذا كان جميع عماله في الجهات الأخرى من الكسل والخمول مثل ما هم عليه في هذه الفَرضة، فالأحسن للغريب أن يسترشد بكتب الدليل ويباشر شئونه بنفسه، ولعلهم لا يكونون كذلك في بقية المدائن التي سنمر عليها، وقد سمعنا عنهم خيرًا كثيرًا ونحن بمصر، وسنكتب عما شاهدناه منهم بعد ذلك إن شاء الله. كان وصولنا إلى إبرندس — أو إبرنطس كما يسميها العرب — بعد قيام قطار الصباح (الساعة السادسة) المتوجه إلى نابوني عن الطريق القريب، فحرنا بين المقام في هذه المدينة الحقيرة (بالنسبة لأوروبا)، وبين اتباع الطريق المنحني مع القطار الذي يقوم الساعة تسعة وخمس وعشرين دقيقة، ففضلنا الرأي الثاني لكي نتخلص من أخلاق أهل برنديس وأخلاطها الذين هم أحط في المدينة من جعيدية مصر، وأرذل من سفهائها، وأشد إلحافًا وإلحاحًا من شحاذي السيدة زينب.
فتوجهنا إلى المحطة وكان مع رفيقي شنطتان ومعي أيضًا ثنتان، فأبى رجال المحطة إلا أن يكون إرسال ثنتين منها بعد دفع الأجرة عنهما، فامتثلنا ودفعنا نحوًا من ستة وثلاثين قرشًا، وهذا ليس من الغرابة في شيء، بل الأغرب أن أحد مستخدمي المحطة (وهو الذي ألزمنا بحمل متاعنا إلى المخزن) جاء إلينا بعد أن تبوأنا مقعدنا من القطار، وطلب أن نتحفه بشيء من النقود، فقلت له: عجبًا منك ومن فعالك! تغرمنا ما ليس بواجب علينا للسكة الحديدية، ثم تجيء وتطلب منا الإحسان؟! ولكنه أظهر المذلة والمسكنة وباء فرحًا مبتهجًا حينما أتحفته بنصف فرنك.
ثم قام القطار فإذا الأرض حوالي إبرندس مكتسية بحلة خضراء مزينة بأشجار ورقاء، كل ذلك وهي صخرية قد أذابت الأمطار قشرتها، وأودعت فيها الخصوبة والبركة بإذن الله، بحيث إننا كنا نرى كثيرًا من الأشجار نابتة بين شقوق الأحجار، ونرى الأراضي بارتفاع وانخفاض واستواء وانحدار، وكلها مجللة بثياب سندسية في غاية البهاء. وقد رأينا الكَرْمَ فيها وفي بعض جزائر إغريقية (Grece أي بلاداليونان) لا يرتفع عن شبرين، فكان منظره كنبات الخس في مصر، ولكنه يأتي المحصول الكثير والعنب الجيد اللذيذ على ما بلغنا من أهل هاتيك الديار، وهذا دليل على أن اتخاذ العروش والتكاعيب لأشجار الكَرْمِ مما لا يجديها نفعًا، بل قد يترتب عليه قلة المحصول؛ لأن العصارة تتصرف في ساق النبات وأغصانه بدلًا من أن تتكون ثمرًا جَنيًّا، ومع ذلك فالحكم لعلماء النبات، فقد يقال إن العنب صنفان. وبعد أن ابتعدنا عن إبرندس (برندزي) رأينا الأرض قاحلة فيها نبات شائك شاهدنا القوم يحرقونه في بعض الجهات لتسميد الأرض، كما يفعل بعض أهل مصر، ولما تجاوزنا هذه الضواحي رأينا السهول قاحلة ماحلة، ثم مررنا على بلاد عامرة وكان مرورنا على ساحل البحر الأدرياتيكي (المعروف عند العرب بجون البنادقيين). وكانت معنا في الوابور فرقة من الجنود، فلما مررنا على محطة أوستوني (Ostuni) رأينا فيها كثيرًا من النساء العجائز ينتظرن من لهن من الأقارب، فكن يودعنهم ويقبلنهم ببكاء وانتحاب مثل ما يراه الإنسان ببعض محاط مصر سوى أنهن لا يولولن بالعويل والصياح. وما زال الوابور يسير بنا بين جبال وتلال وقيعان ووديان حتى قدمنا مدينة نابولي الزاهرة الباهرة، بعد أن اخترقنا ثلاث مقاطعات في الجنوب والشرق الشمالي لجنوب إيطاليا، وكلها تستقي من مياه الأمطار تخزنها في صهاريج، ورأينا فيها سواقي ونواعير وآبارًا يشبه ماؤها مياه الآبار في مصر، وقد علمت أن المهندس (زنباري) قدم مشروعًا مقتضاه شق ترعة تأتي بالمياه من نهر سيلي (sele) الذي يصب في خليج سالرنو (Salerno)؛ لترتوي منه مقاطعات فودجا وباري ولتشي (Foggia وBari وLecce، وفي كتب العرب فوج وباري ولج)، وإن نفقاته تبلغ مائة مليون ليرة طليانية (والليرة الطليانية تعادل فرنكًا فرنساويًّا فتكون مساوية لجزء من ستة وعشرين جزءًا من الجنيه المصري) قدم هذا المشروع من نحو ?? أو ?? سنة، ولكنه لم يبرز إلى حيز الوجود لقلة المال وعدم تيسر الحصول عليه. هذه عجالة يسيرة من أمور كثيرة علقت بها مذكرات ومفكرات سأفصلها في الرحلة إن شاء الله.
هوامش

(?) كنت تصورت أن اشتقاق لفظة القند بمعنى السكر عند العرب من اسم هذه الجزيرة الآن الذي هو كنديا لاشتهارها باصطناع العسل الجيد، ولو أن علماء اللغة نصوا على أن القند عربية واردة في الشعر الفصيح وقال بعضهم: إنها فارسية؛ ولذلك تحريت الحقيقة فعلمت بعد البحث والتنقيب أن المسلمين لما فتحوا هذه الجزيرة في سنة ??? اختطفوا بها مدينة سموها (الخندق)، ثم حرف الروم والإفرنج هذا الاسم إلى كنديا، وتعارفه العرب بهذا الاسم وتناسوا الاسم العربي القديم، كما حصل مثلًا في «دار الصنعة ودار الصناعة»، فإنه اسم عربي معتبر يدل على المكان الذي تصنع فيه السفن، ذكره بهذا المعنى المقري وابن بطوطة وابن الأثير والإدريسي وابن خلدون وابن جبير والمسعودي وغيرهم، وهو عند العرب يدل أيضًا على المكان الذي صنع فيه شيء من الأشياء ولكنه بالسفن أخص، حرفه الإسبانيون إلى Darsena وAjerzana وArsenal، ونقلها الطليانيون هكذا Arsenale وDarséna، والإنكليز إلى Arsenal، والفرنساوية إلى Arsenal وDarse. ومن المعلوم أن أهل مصر في هذا الزمان — أي من أيام محمد علي — استعملوا فيما يتعلق بفن البحر كلمات كثيرة نقلوها عن اللغات الإفرنكية وأخصها الطليانية، فلم يلتفتوا إلى أن كلمة Darsena أصلها عربي، بل أضافوا لفظة (خانه) التركية وقالوا: ترساخانه لاعتيادهم على إضافة (خانه) إلى أسماء جميع الأماكن العمومية الأميرية جريًا على الاصطلاح الخاص باللغة التركية، ثم إنهم أحسوا ببعض المخالفة بين لفظتي (ترساخانه) و(دارسنا Darsena الطليانية) فحذفوا خانه واقتصروا على قولهم: «ترسانه»، ومثل هذه الكلمة كثير، نقله الإفرنج إلى لغتهم ثم استرجعها العرب من غير أن يعيدوا لها شكلها، بل أبقوها بكيفية لا يكاد يتعرفها الباحث، وليس هذا محل استقصائه. وأرجع إلى الموضوع فأورد هنا ما أتحفني به حضرة صديقي المهذب محمد أفندي كامل تيمور من أعيان التجار بالإسكندرية لكون هذه الجزيرة وطنه، وله بها علم تام: كانت هذه الجزيرة تسمى عند قدماء اليونان (أيدا) لكون أعلى جبل فيها بهذا الاسم، ولما كان طولها يضاهي عرضها سبع مرات أو ثمانية سميت بما معناه (الطول السعيد)، ثم سميت بما معناه (ذات الهواء) لكون هوائها جيدًا وجافًّا للغاية، ثم أطلق عليها اسم جديد معناه (العظمة)؛ لكونها أعظم جزائر بحر الروم، وفي آخر الأمر سماها الأغارقة (كريت) تشريفًا لها؛ لكون زوجة أحد حكامها كانت تسمى كذلك — قد وردت هذه الأسماء في تاريخ يوناني قديم ألفه عن هذه الجزيرة أحد الفلاسفة والمؤرخين واسمه باكو فاتون — وقد قال حسين بك كامي في تاريخ كريد الذي ألفه باللغة التركية، أن العرب حرفوا كلمة (كريت) إلى أقريطش والعثمانيين إلى (كريد) لسهولة التلفظ بها. ولمناسبة كون العرب بنوا في مدينة إيراقليو (Hiraklio) المعروفة الآن باسم (قندية وكندية) خنادق وطوابي جسيمة لا زالت موجودة إلى الآن حرَّف الروم والأوروباويون لفظة (خندق) إلى كندك ثم إلى كنديه، وجعلوا هذا الاسم للدلالة على جزء من الجزيرة فجاء البنادقة وأطلقوه عليها كلها، وبقي ذلك متعارفًا عند الإفرنج إلى الآن.
الرسالة الثانية


عن رومة في يوم الاثنين (?? محرم سنة ?????/??? أغسطس سنة ????)
لعلي أكون أحرزت برسالتي الأولى رضا حضرات القرّاء الألباء، وإلا فإن العذر واضح لكون كتابتها كانت بعد تعب شديد عانيته من سفر ثلاثة أيام في البحر، تتلوها عشر ساعات بلا انقطاع في باخرة البر، وليس في ذلك من غرابة لعدم العادة، ولقد كان سمعي ينبو من مقال القائل: (بل العذاب قطعة من السفر)، فلما حقق الخبر الخبر زال عني الاستنكاف مما كنت أحسبه ضربًا من المجازفة في المبالغة، خصوصًا وأن أسلافنا لم يكن لهم ما أفاضه عرفان هذا القرن (التاسع عشر) على أبنائه من تسهيل الانتقال، وتأمين الارتحال، وتقليل المسافات، وتناهي البخس في النفقات بالنسبة لما كان ينبغي صرفه في هاتيك الأوقات، وتيسير أسباب السير والنظر والتأمل في آثار من غَبر، ومصنوعات من حضر، وتوسيع دائرة العقل بالاطلاع على نتائج أفكار الغير، إلى ما هناك من الفوائد والمكاسب في المتاجر والمصانع مما لا ينكره إلا المكابر.
ولذلك فإني بعد المقارنة أحسب هذا التعب راحة وهذا الشقاء نعيمًا، فلم أتربص حتى تجيئني الأنباء من الأصدقاء بما كان لباكورة رسائلي من الشأن عند الأدباء، فإني (على كل حال) أشعر في نفسي بما يدفعني بالرغم عني إلى الكتابة، حتى كأني بين الخلان والأخدان، فقد وجدت مجال القول ذا سعة وألفيت مقام الكتابة صالحًا فأقول: إن نابولي — والحق يقال — لتستحق أن يُكتَب عليها مجلد ضخم لا صفحات قليلة تتلى (أو لا تتلى) ثم تتطاير في الهواء؛ وذلك لأنها ضمت إلى بهاء المنظر، جمال الطبيعة، وقَرنَت بين حسن الصناعة ونشاط السكان، مما يجعلها جديرة بأن تشد إليها الرحال، وينزل بها أولو البصائر والإبصار الأيام الطوال بل الشهور بل الأعوام.
والذي يضاعف حسنها في نظر القادم إليها من الطريق التي اتخذناها (طريق فودجا) أنه يوافيها بعد أن يقطع كثيرًا من الفيافي والقفار، ويسير خلال الجبال الموحشة والأرض اليباب، وتحت الأنفاق (Tunnels) المنقورة في الصخور، وفوق القناطر المقامة على الوديان والأغوار، وبين الهاويات الخاويات، وكل ذلك يجعله غير مستأنس ولا بنفسه متوجسًا خيفة من كل ما يحيط به، حتى إن الخيال (أو الحقيقة) ليُصوِّر له أن باخرة البر ذاتها قد انتعشت بقوة الحياة فتولاها الرعب وتملكها الجزع، فأخذت تتلمس في مشيتها وتسير الهوينا (عن تبختر) بعد أن كانت تسعى على عجل، فينقلب الصفير الخارج من صدرها زحيرًا يمازحه صوت أبح خافت يعاون على إكمال الوحشة وإبعاد الائتناس، وهي في غضون ذلك تنساب فوق الوهاد وتحت النجاد كأنها الأفعون (يخرج ليكون قاتلًا أو مقتولًا). ولا يزال هذا حال الراحل وحال مطيته حتى يصل بالسلامة إلى نابلس الغرب الأوروبي، ولكن (شتان بين مشرق ومغرب) فيحمد غِب السرى إذ يرى نفسه في مدينة هي في الحقيقة كالحديقة الأنيقة، ناعم البال منشرح الفؤاد، ويصدق قول من أنشأ (وبضدها تتميز الأشياء)، ولكني أترك الاسترسال مع هذا التيار، فقد ألقيت عصا التسيار وقرت العين باجتلاء محاسن هذه المدينة اليانعة الرائعة الناصعة ومعاهدها الباهرة الزاهرة الفاخرة، وخذ مني حديثًا وجيزًا على عجلة، وانتظر إذا أردت التفصيل في الرحلة.
هذه المدينة أسسها أقدم قدماء الإغريق في الزمان العتيق، وسموها بلسانهم نيابوليس (Neapolis) أي: المدينة الحديثة، وكان لها اسم آخر غير شائع وهو بارثنوب (Parthenope) وقد حَرف الطليانيون اسمها المشهور إلى نيابولي ثم نابولي (Neapoli) والفرنساوية إلى نابل (Naples وNapoli) وعرب هذا الزمان إلى نابولي، وقد ورد اسمها في كُتب الجغرافية العربية القديمة (نابل ونابل الساحلية ونابل الكتان لكثرة هذا الصنف ومنسوجاته بها في قديم الزمان). وأما نابلس (أو نابلوس) المعروفة في الشام فقد أطلق الرومان عليها هذا الاسم غصبًا، وألغوا اسمها القديم وهو شكيم (Sichem) الوارد في التوراة وقصص الأنبياء. ولقد أخطأ ياقوت الرومي حيث جهل الأصل اليوناني لهذه التسمية، فانتحل لها اشتقاقًا من عندياته أو نقلًا من غير تثبت، فقال في معجمه: إنها مركبة من «ناب» أي: سن ومن «لوس» أي: التنين بلسان السامرة فيكون الحاصل من معنى اسمها «ناب التنين». وليست أهمية هذه المدينة وبهجتها بسبب أقدميتها، وما بقي بها من آثار أهلها السالفين، فإنها خلو من المخلفات والأطلال التي يقصدها عادة الزوار في المدائن القديمة العهد مثل نابولي، وإنما هو موقعها الذي لا يزيد عليه في العالم كله سوى موقع القسطنطينية. وحسبي هذا التمثيل للدلالة على أنها جمعت المحاسن الطبيعية الشائقة، والمناظر البهيجة الرائقة، فهي على هيئة مدرج ينحدر على سفح تلال تنتهي إلى البحر، وفي شرقيها بركان فيزوفيو (Vesuvio المعروف عند العرب بجبل النار)، وحواليها تلال ترى المنازل نازلة من أعلى قللها تترى إلى منتهى سفحها، فإذا ارتقى الإنسان أحدها نظر إلى المدينة بجملتها، فرأى من شوارعها الصاعد والنازل والمنحدر والمستوى والمنحط والعالي، ومع ذلك فالهواء فيها كلها جيد والحركة مستديمة؛ لأنها من أهم مواني هذه الديار وأكثر مدائنها في العمار، ويعتبرها أهل السياحة والأسفار من أجمل الأمصار، وأبهج مواقع الدنيا على الإطلاق، وقد كان خليجها العجيب يجذب إلى نواديها الأغراب من جميع الأصقاع، وما زالت الآلاف منهم تتردد أيضًا في هذا الزمان على ربوعها الغنَّاء وحدائقها الفيحاء للرياضة والنزاهة. ومن الغريب أن حُسن موقعها جعل الأجانب يطمحون إليها، كما أن رخاء العيش فيها أوجب رخاوة أهاليها، فلم يذودوا عن حياضهم، ولم يصدوا الفاتحين وغاراتهم فتوالى عليهم حكم اليونان، فالأوسكيين (Osques)، فالرومانيين، فالقوط (Goths)، فالبوزنطيين (Byzantins)، فالنورمانديين (الذين يذكرهم العرب باسم المجوس)، فالألمانيين، فالإسبانيين. ومدينة نابولي المذكورة هي مدينة كبيرة ذات شوارع واسعة ومبانٍ شاهقة، تفرجنا فيها على مُربَّى الأسماك (Aquarium) ورأينا معيشتها، وهي في نفس ماء البحر على أحجار الصخر، وفي خلال الأعشاب المائية بشكل غريب ومنظر معجب، وتفرجنا على القصر الملوكي وقد كان تشييده في سنة ???? وفيه من الصور والرسوم والتماثيل والموائد ما يدهش الأنظار، ويحير أفكار أولي الألباب، ويقضي بالعجب العجاب، وهو متسع الأرجاء، فيه منارة فسيحة جدًّا ترى فيه الأشجار منضودة على شكل الأسوار، وهيئات المثلثات والمربعات والمنحنيات، وأغصانها مشتبكة محتبكة منضودة ممدودة مقصوصة مرصوصة، بحيث تتكون منها أشكال وتراكيب على طراز غريب وترتيب عجيب، ورأينا فيه مربى للطيور ولكنه ليس بالشيء العظيم، ورأينا الأشجار الباسقة والمياه الدافقة والخضرة النضرة التي تتشحذ بمرآها الأذهان، وتكتحل بطلعة نورها الأجفان، فلا عجب إذا كان بنو الطليان من أجود أهل الأرض في إتقان الشعر، وإجادة التصوير، وإحكام الرسم، والبلوغ في الصنائع لمستظرفة. والفنون الجميلة غاية لا تكاد تدركهم فيها أمة أخرى، فقد رأينا في هذا القصر الطائل من الرسوم والنقوش وأساليب العمارة، والتفنن في النحت والإغراب في التمثيل والتخييل ما لا تفي هذه العجالة بعشر معشار ما يستحقه من البيان، ثم جلنا في شوارع المدينة صاعدين هابطين متأملين اقتدار الأهالي، وشغفهم بتجميل أماكنهم، وتزويقها بما يستوقف الأنظار، ويقضي على الناقد المنصف بأن يقضي لهم بسلامة الذوق وحسن الاختراع.
وهناك أستميحك أيها القارئ أن تقف معي برهة أمام الجمال وتؤدي له واجب الإتاوة، مقرونة بالتسبيح والتهليل والتكبير (سبحان الله – الله الله – ما شاء الله – الله أكبر).
فإننا من عهد ما بارحنا الإسكندرية وفارقنا سان ستفانو (ملتقى الغادات الحسان ومجمع الغانيات المعجبات) لم يستقر طير نظرنا على شيء من أغصان الملاحة، سوى أننا كنا نرى في طريقنا من برندزي إلى فودجا إلى نابولي بعض أشباح ينتسبن إلى حواء ولا نسبة، وهن من قبح الصورة وسماجة الوجه بحيث لو رآهن شيخ الأبالسة لعدل عن الوسوسة واستبدال الإغراء بالقرار، والأغرب من ذلك أن وجوههن تكون جافية وأقدامهن حافية وشعورهن منتوفة ورءوسهن مكشوفة، ومع ذلك فلا بد لهن من العُظَّامة أو ما يقوم مقامها، كأن تأتزر الواحدة بالفستان وتتشح بالصدار لإظهار قدٍّ هو أشبه بالقدر.
وما زلنا على هذه الحال حتى ظننا أن أوروبا إنما ترسل إلى بلادنا أفضل ما فيها من العيون الناحرات الساحرات، واللحاظ الفاتنات الفاتكات، فلما قدمنا هذه المدينة رأينا غير ما ظننا. ولقد كان منظرنا، وخصوصًا الرفيق الموافق والصديق الصادق الشيخ محمد راشد، يسترعي منهن الأنظار، فكان لي بذلك فرصة أغتنمها لتعويض ما فات، والتأمل في صنع ربك ذي الجلال والإكرام، فكانت الواحدة تحملق إلينا فترسل سهامًا من فاتر الألحاظ، والأخرى تستغرب من شكلنا فيفتر فمها عن درٍّ يأخذ بحبات القلوب، ومنهن من كانت تترك عملها الذي خرجت لأجله من كناسها وتسعى خلفنا تستغرب شكلنا، بينما نحن معجبون بشكلها. ومنهن من كنَّ يطللن من الشبابيك فيشبكن الفؤاد ولا حرج عليهن، ومنهن من كانت الخواتم بخصورهن أليق من الخناصر، وغير ذلك مما يطول شرحه ويقصر يَراعي عن بيانه، حتى إننا لم نر حِيلة للتخلص من شراك هذه الشباك سوى التعجيل بالرحيل فقصدنا المحطة.
فوقعنا في شبكة لم تكن لنا في حسبان ولم تخطر لنا على بال، وذلك أن عمال السكة الحديدية أبوا إلا أن يُدفعونا الرسم على ثلاث شنطات من متاعنا وإبقاء شنطة واحدة تحت يدنا، فأظهرنا لهم شدة الغرابة من تنوع المعاملة في برندزي أولًا وفي نابولي ثانيًا وقلنا لهم: أليس القانون واحدًا في إيطاليا كلها أم هل يختلف تطبيقه بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص؟! فكان جوابهم لنا: (برندزي هي برندزي وأما نابولي فهي نابولي.) فلم نر بُدًّا من نقدهم ما طلبوا، ولكني حررت هذه الجملة في مذكراتي. وإذا لم يكن لي من الوقت ما يكفي للتعمق في البحث عما حوته هذه الكلمة الجامعة من دقائق المعاني وعويص الأفكار، آثرت أن أطرحها الآن على حضرات علمائنا الأعلام؛ ليجعلوها موضوعًا للمتون والشروح، والحواشي والتتميمات والتكميلات والتذييلات والتعليقات، والأخذ والرد والتوجيه والاعتراض والقيل والقال، حتى إذا رجعت بالسلامة ووقفت على خلاصة الأبحاث، أخذتها عن الثقات غنيمة باردة وزينت بها صفحات الرحلة.
ثم سارت بنا باخرة البر إلى رومة في طريق تَحف به من الجانبين أشجار مدت أغصانها فاشتبكت، فكانت أشبه بعذارى الجان خرجن من الجبال المحيطة، وتهيأن للرقص على أجمل منوال، فمدت كل واحدة منهن ذراعيها إلى أختها ذات اليمين وإلى تربها ذات الشمال ووقفن في انتظار القطار، حتى إذا اقترب منهن تحركن حركات منتظمة معجبة بقدود مياسة وأصوات مطربة، واستمر الحال على هذا المنوال بين الجبال الصماء تتخللها الخضرة الزهراء والأشجار الشماء، حتى بلغنا رومة بسلام وتوجهنا إلى الفندق واسترحنا.

الرسالة الثالثة


رومة? عن فلورانسة في يوم الثلاثاء (غرة صفر الخير سنة ?????/??? أغسطس سنة ????)
يا للعجب يا للعجب! كأني نسيت الكتابة بلسان العرب، أو كأنَّ مُقامي بهذا البلد أضاع اللب وأذهب الرَّشَد، فكيف العمل فكيف العمل؟! وأنا كلما حاولت التحرير أو أخذت في التحبير استعصى القلم وحَرَنَ جواد التفكير، وانهالت عليَّ المطالب انهيالًا لا يجعلني أعرف بم يجب الاستهلال؟ ومتى يكون الختام؟ وكيف أتخلص إلى تلخيص شيء من المذكرات الجمة والمفكرات العديدة التي اقتطفتها أو جمعتها على هذه المدينة المختالة في حلل البهاء والجمال المجللة، بما أودع فيها من آثار العظمة ومشاهد الجلال، ففيها العمائر الفاخرة الفائقة، والقصور الواسعة الشاهقة، والمزارات المتعددة المتنوعة، والبقايا الكثيرة مما خلفه فيها القياصرة والأباطرة والقناصل والأمراء والأشراف والكبراء والسادات والباباوات، فإنها من يوم نشأتها إلى الآن ما زالت عاصمة السياسة والحل والعقد وكعبة الديانة الوثنية ثم النصرانية، وكل من تولى الأمر فيها يسعى بما في وسعه لتوسيع نطاقها، ويبذل جهَده في زخرفتها بما يُوجب له الفَخَار ويستبقي ذكره على ممر الأيام.
فلذلك ترى شوارعها فسيحة وميادينها أنيقة، وفي كل ساحة فسقية يتدفق الماء منها، وفيها أشكال مُعجبة وأصوات مطربة، وقد نصبوا فيها كثيرًا من المسلَّات التي استجلبوها من بلادنا، مع أن عاصمتنا القاهرة خلو منها بالمرة (والذي بقي عندنا من المسلات ما زال في موضعه يندب التمدن الذي كان حوله، ويتحسر على عدم العناية به مثل أمثاله في أوروبا وأمريكا).
وللمباني في رومة منظرٌ رائقٌ بهيج بألوان زاهية براقة تعجب النظار، وعلى جميع جدرانها وأبوابها ونوافذها ومطلاتها وشرفاتها وأفاريزها، ترى التماثيل من النقوش البارزة والتصاوير المختلفة والرسوم المتعددة، كأن كل واحد من أهاليها أراد أن يستوقف السائحين والجائلين والرائحين والجائين، بل هذا غرام قام بهم وشغف لازمهم فلا مندوحة لهم عنه؛ لأنك ترى حتى الجزار (القصَّاب) يزوق حانوته بأغصان الأشجار، ويعرض اللحم على الأنظار مقطعًا قطعًا، ملتفًّا أعلاها بقراطيس من الورق الأبيض الناصع تنضم ثنياته إلى بعضها فتجمعها زهرة من الزهر المختلف الألوان، ومثله بائع الخضار في حسن الترتيب وجمال العرض ولا ينقص عنهما غيرهما، فكل واحد يتفنن فيما يلزم الخلائق بالإقبال عليه (واللي ما يشتري يتفرج).
وقد اغتنمنا فرصة مقامنا بهذا البلد لزيارة ما به من الكنائس التي يضرب بها المثل في الضخامة والفخامة، والمتانة والجلالة، والتناهي في الإبداع واللاتناهي في الإغراب، والتشييد الهائل والزخرفة التي تلهي ولا شك المتعبدين والمتعبدات، وتشغل المتنسكين والمتنسكات بالنظر إليها (وإلى بعضهما خصوصًا)، وإن العقل ليحار في كيفية تشييدها، ويذعن باقتدار ذلك الذي صورها بالقلم على القرطاس، ثم أبرزها مجسمة على سطح البسيطة، حاوية كمال التناسق، وتمام التناسب، وإحكام الصنع، وإتقان الوضع في كل نوع من جدرانها وعمدانها وسواريها إلى عقودها إلى سقوفها إلى قبابها، حتى إنه لم يترك مقالًا لقائل، ولم يدع مجالًا لاستعمال ليت ولو، وفوق ذلك فإن للقوم بحفظها عناية لا بعدها ولا قبلها؛ ففي كل كنيسة منها سلالم للتعمير والترميم والتجبير والتتميم. ومع كثرة الكنائس والبيع بها (فإنها تكاد تناهز نصف الألف) رأينا القوم مشتغلين بتشييد غيرها، وأنت تعلم ما حاق في هذا الزمان بالحكومة البابوية والسلطة الدينية من الضعف والاضمحلال في بلاد أوروبا على العموم وإيطاليا على الخصوص.
هذا وقد زرنا معرض الصور والرسوم، ومصنع الفصوص والفسيفساء في قصر الفاتيكان، ورأينا بهما من الغرائب والعجائب التي يقصر عن تفصيلها هذا الإجمال، ثم شاهدنا ما بالمدينة من آثار القدماء والمتاحف والمعارض والقصر الملوكي والأطلال القديمة والسراديب المنقورة في قلب الجبل، حيث كان النصارى في مبدأ أمرهم يلجئون إليها أيام الاضطهاد، ويتقون بالاختفاء فيها شر عُبَّاد الأوثان.
وقد رأينا في كل ساحاتها وباحاتها وميادينها وبساتينها وفي كافة الأرجاء من منازهها وشوارعها، تماثيل كبارهم وعظمائهم الذين قاموا بخدمة الوطن، وترقية شأن البلاد وتعزيز مقام الأمة، بحيث إن ذكرهم لا يمكن أن يمحوه الزمان، وبذلك عرف الأهلون عالمهم وجاهلهم كبيرهم وحقيرهم مقدار الأجر العظيم الذي يصيبه من ينفع الوطن من أيِّ وجه كان وبأيِّ عمل كان، ووقف السكان عمومًا على تواريخ أولئك الذين استفادت منهم البلاد فائدة حسية أو معنوية قليلة أو جليلة، واتخذوهم نموذجًا لتهذيب الأبناء الناشئين وتربيتهم على السير في جادتهم ومحاكاتهم في خدمة الأوطان.
وهنا ينبغي لي أن أقف قليلًا كاسف البال متحسرًا على كون أهل بلادنا يهملون تخليد ذكر من له فيهم منفعة بأية وسيلة تكون، مع أنه — وايم الحق — هو أفضل الأعمال وأجل ما تشد لأجله الرحال، فإن الذي يعلم أنه إذا خدم وطنه عَرِف قومه قدره، وأجلُّوا ذكره، وشادوا له الآثار والمباني التي تضمن له عمرًا غير العمر الفاني، وتستديم حياته إلى كل جيل، لا شك أنه يضحي النفس والنفيس ويواظب على السعي والعمل لنيل هذا الشرف الذي ليس بعده شرف.
ألا ترى أن الكثير من علمائنا وفضلائنا قد انقرض ذكرهم بمجرد دخولهم في رمسهم، اللهم إلا أن يكون لهم كتاب متداول مشهور (وهم الأقلون). وهل يصح لي أن أُعرِّف بني وطني الكرام بأن السعي في تخليد ذكر الأماجد الأماثل الذين يخدمون الوطن هو أكبر باعث ينهض بالنفوس، ويحرك العزائم، ويحد القرائح، ويوجب الإقدام على العظائم، فتغتنم الأمة والوطن أجل المغانم ويربحان باجتهاد أفرادهما وسعي أبنائهما، من غير أن يكونا على الدوام في حاجة إلى الأجنبي والدخيل، لا نسير إلا بمشكاة نورهما ولا نهتدي إلا بهدايتهما وإرشادهما. أم آن لنا أن نفطن إلى هذه الحقائق وندرك ما وراءها من المنافع، فنطرح الحسد منا لبعضنا ونسعى جميعًا في وجهة واحدة لصالح الوطن العزيز كُلٌّ بقدر ما عنده، ونعضد بعضنا لنكون كالبنيان المرصوص، فلعل أهل بلادنا تهزهم الأريحية المصرية، وتثور فيهم النخوة الوطنية والحمية الأهلية فيتشبهون بأمم أوروبا لنوال الفلاح والنجاح.
أواه، تحدثني نفسي عند كتابة هذه السطور بأن الكثير من القراء لا بد أن يستخف بهذا المقال، ولكني أنادي من له حياة أو كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فتلك لعمرك عواطف وطنية وإحساسات قومية وددت لو يشعر بها أهلي، كما تملكتني حينما رأيت الخاصة والعامة في هذه المدينة واقفين تمام الوقوف على جميع ماجريات أولئك العظماء الذين أقيمت لهم التماثيل والأنصاب، وتزينت بصورهم قصور الملوك وقاعات الدواوين، حتى كان ذلك باعثًا للأمة الطليانية على مباراة الأمم العظيمة، ففتحت المعامل الكبيرة، وألَّفت الشركات الجليلة، وأقدمت على مهام الأعمال فحفظت ثروة البلاد، وروَّجت الصنائع الوطنية، فاكتسبت أيما اكتساب.
نعم لا ننكر أن الدولة الطليانية واقعة الآن في أزمة مالية وقد برك فيها جمل الفقر، ولكن لها عذر واضح من حيث إنها في وقت قصير أنشأت مواني حربية بحرية، وأنجزت كثيرًّا من الأعمال العظيمة ذات المنفعة العمومية لكي تضاهي الدول الكبيرة والأمم المثرية، فكانت كالزرَّاع ينفق كل ما عنده ثم ينتظر الغلة والريع، وقد بدأت تجني ثمار ما غرست وأخذ الخير يدرُّ عليها، وأظن أنه لا يمضي عليها نحو النصف مائة حتى تنفض ما عليها من غبار الفاقة، مما حاق بها من الارتباك والإعسار.
وكأني بك أيها القارئ قد مللت من هذا الاستطراد، وتود مني بدل ذلك أن أُكاشفك بما رأيته في هذه البلاد من الأمور العرضية الثانوية، التي قد يكون وراءها فائدة معجلة جزئية يمكن إدخالها في بلادنا، مثل: العربات والسكة الحديدية والبريد والتلغراف والبواخر والشرطة (البوليس). وما أشبه ذلك من التنظيمات من أنهم يضعون أسماء الشوارع على رقع مربعة من الرخام؛ لكي لا يتطرق إليها البلاء بسرعة، كما حصل عندنا في الأخشاب التي وضعتها نظارة الأشغال في القاهرة بمصاريف باهظة، ولكني أقول لك: إن الحر شديد جدًّا وإني أقاسي منه أكثر منك من عهد مبارحتي للإسكندرية إلى هذا اليوم، حتى كأني ذهبت إلى أسوان أو السودان فعافني من ذلك الآن عافاك الله.
وأعتقد أن الحر في هذا العام بأوروبا أشد منه في كل عام، بل لم يعهد القوم له مثيلًا قبل الآن. ولقد كنت أستغرب ذلك في أرض أوروبا حتى قرأت في جريدة التريبونا الصادرة في يوم الاثنين ?? أغسطس تلغرافًا من المناورات، ينبئها بأن اشتداد الحر فوق العادة قد أتلف صحة الجنود الذين في المناورات في جملة جهات، وآخر من ويانة يقول إن القيظ مستمر فيها وأنه وردت عليها الأخبار من جملة مدائن أن الحر سبب وفيات كثيرة، وأن سبعة من العساكر زهقت أرواحهم من اشتداد الحر، بينما كانوا في المناورات، وأن الفلاحين قد اضطروا لترك أعمالهم، وأن الفاكهة قد أصابتها أضرار بليغة، فكيف لا تشفق عليَّ مع ذلك كله وقد كنت أيضًا بالأمس (يوم الأحد) أتريض في رومة، ورأيت في منازهها من رأيت وما رأيت، وحسبك مني هذه الإشارة … لأنك لبيب فهيم.
هوامش

(?) رومية ورومية الكبرى ورومية المدائن في كتب العرب، ويشقها نهر التيبر (Tevere وTibre) المعروف عند العرب بنهر الصِّغر.
الرسالة الرابعة


مدينة فلورانسة
لولا وجوب الوجود بلندرة في يوم موعود وميقات محدود لحضور احتفال مشهود والاشتراك في مؤتمر معدود، لأطلت المقام برياض رومة الغناء، وأكثرت من التجوال في ساحاتها الفيحاء، ولكني تزودت من شميم عرارها، وتشبعت من محاسن آثارها، فودعتها بالعين والنفس متطلعة إليها والقلب شغف بها، ورددت الدعاء لدولتها بالثروة واليسار، وما ركبت القطار حتى بادرت فأعقبت ذلك بالدعوات الصالحات المستجابات لوطني وخلَّاني وأهلي ونفسي؛ وذلك لأنه خيل لي أن الدعاء مقبول في هذه الأقطار؛ لأني ما خرجت منها إلا بعد أن التزمت بالمساعدة على إنماء ماليتها (وأول ما يجني على المرء اجتهاده).
فإن عمال المحطة قالوا لا بد من دفع أجرة النقل على الشنطات الأربع التي مع رفيقي ومعي، فأفهمت ناظر المحطة ما وقع ببرندزي، ثم بنابولي من أخذ الأجر في الأولى على ثنتين، ثم في الثانية على ثلاث، فقال: إن هذه الشنطات تزيد طولًا وعرضًا في القياس عما يبيحه القانون لأفراد الناس. فأخذ العجب مني كل مأخذ، إذ لم يكن لي ذلك في حساب، وقلت: لعل القوم لا يعرفون الهندزة وقد أتقنوا المتوالية العددية من علم الحساب، فتوليت الدفع في المدينة الثالثة من إيطاليا على الشنطات الأربع، ووطنت نفسي على اتباع هذه الخطة في كل محطة حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
ثم سار بنا القطار يجوب البلاد جوبًا وينهب الأرض نهبًا، إلى أن بلغ بنا مدينة فلورانسة المصطلح على تسميتها عند أهلها بمدينة فيرنتزا التي تكلم عليها الشريف الإدريسي في نزهة المشتاق، وسماها فلرنسة من غير إشباع (كما نفعل نحن اليوم تقربًا من اللفظ الإفرنجي)، فنزلنا فندقًا لبثنا فيه ريثما استرحنا ونفضنا غبار السفر (هذه العبارة من باب المجاز لوجهين: الأول أن سفرنا كان بالليل، والثاني أن السكة الحديدية في إيطاليا لا تثير قط عِثْيَرًا مهما كانت سرعة القطار؛ لأن المصلحة معتنية كل الاعتناء بوضع الزلط والحصباء على طول الطريق، فهي نِعمة للمسافر تمتعه بما يبدو أمامه من المناظر من غير أن يخشى ضررًا ما على النواظر)، وبعد ذلك خرجنا لنروِّح الرُّوح بأرواح ريحان هذه المدينة، وننزه الطرف في طرقها القديمة وطرفها الثمينة.
فأخذنا عربة قلنا لسائقها أن يدلنا على دليل خبير فخيَّرَنا بين شاب وشيخ كبير، وقال لنا: إن الثاني أفضل لمعرفته بالمدينة وطول ممارسته لهذه الصناعة، فاخترناه على بركة الله راجين منه الإفادة بالدلالة اللفظية والمعنوية. ولكن وقار الشيب كان مستوليًا عليه أكثر من دلالة اللزوم حتى ألزمه السكوت والسكون، فكان جالسًا أمامنا كأنه ثالثنا … بل رابعنا (بحساب العربجي) يُجيل ناظره ذات الشمال وذات اليمين، يتأمل ويتفكر تشبهًا بالمتصوفين أو المتفلسفين، ولا يجيب عن أسئلتنا المتعددة إلا بما فيه قليل الفائدة، فأسفنا على اختيار الاختيار، ورجعنا على أنفسنا بالملامة ولات حين ندامة، ولكنا تسلينا أملًا بأن غيرنا يكون له خير موعظة بما جرى لنا والعاقل من اتعظ بغيره.
أما المدينة فلها من الداخل منظر بعيد عن الرشاقة مجرد من الملاحة؛ لأنك ترى القصور القديمة فيها شاهقة متواصلة، والعمائر الجسيمة شامخة هائلة وعليها من الرزانة جلباب، ومن الجمودة والجفوة أثواب، ليست قائمة من الخارج على أعمدة ولا بواكي مُعقدة، ولا أمامها أشجار نضرة أو خضرة مزدهرة حتى تروق خاطر الخُطار وتقر ناظر النُّظار، فهي بالمعاقل والمحاصن أشبه منها بأماكن المساكن، شادها سادات المدينة وأشرافها في القرون الوسطى للتحرز بها والالتجاء إليها.
ولكنك إذا سرت بعيدًا عن سرة المدينة سُررت برؤية الرياض الأريضة، والجنات الطويلة العريضة، والساحات التي هي أكثر من أن تحصى، والميادين الشائقة بما حولها من الأشجار والأزهار التي أوجبت تسميتها بمدينة الأزهار، فترى حينئذ عليها من الجمال حُلة باهية، ومن المحاسن ما تختال فيه كالغادة الهيفاء، خصوصًا إذا ارتقيت ربواتها أو قصدت منتزهاتها، ولا سيما المنتزه الكبير فإنه من أنزه المنازه التي رأيناها، وأبهج المباهج التي عرفناها، إذ هو من الاتساع والامتداد وجمال المنظر ورونقة الترتيب، بحيث يجيد الفكر ويحسن الذوق ويجلو صدأ العقل ويغذي الروح ويصفي القرائح، فلا عجب إذا تفرد أهلها في تعشق الطبيعة، وبرعوا في الفنون الظريفة.
ولا بِدع إذا قلت في هذا المقام إن كل طلياني لا بد أن يُخلق نابغًا بالطبع في الرسم والتصوير والنقش والنحت والتعمير، أو التحبير والتحرير، أو الموسيقى والأغاني ونظم القريض والمعاني، فقد زرت معرض الصور المعروف بالرواق، ورأيت فيه آثارًا صناعية جليلة وبقايا فنية جميلة مما لا تكاد تضاهيه مجموعة في الدنيا القديمة والجديدة، حتى لقد مللت من كثرة التأمل والمشاهدة، وتعبت من الاستمرار في التسيار مع تيار هذا المعرض العريض الطويل، فعدلت (لعجز لا لنقص) عن إتمام مناظرة ما به من التحف الثمينة العجيبة، وعولت على الخروج منه معجبًا بما فيه قادرًا إياه حق قدره، ثم طفنا بالمدينة وتفرجنا على ما فيها من بدائع الصناعة وعجائب الطبيعة مما أدخر شرحه للرحلة.
فرأيت في منتزهها هرمًا صغيرًا مبنيًّا بالأحجار الكبيرة، فحسبته من مصنوعات أجدادنا المصريين، وقد نقل إلى هذه الديار كما نقل غيره من أحاسن الآثار، ووضع بجانب المنتزه عناية به وحفاوة، ولكني علمت من التسآل أن بعض العمال ابتناه على نفقته لاصطناع الثلج وحفظه به، فعجبت من هذا التفنن في الإتقان، واستغربت من اقتدار بني الإنسان.
وعلى ذكر الثلج والتفنن أذكر أني رأيت رجلًا يبيع الماء المثلج في برميل لطيف ظريف نظيف خفيف ذي حنفيتين من الخارج وأنبوبة لوضع الثلج من الداخل، يحمله على ظهره ويسعى به ليبيع الماء من غير عناء أينما شاء، وإحدى الحنفيتين مخصصة لغسل الكأس التي يستقي منها الناس، وقيل لي إن الرجل اخترع ذلك الطراز منذ عشرة أيام، وأما غيره فلا يزال يبيع الماء المثلج في أحواض من الأخشاب يقف بجانبها ولا بد للظمآن من الورود إليها.
وقد رأيت في جميع المحاط التي مررت عليها شبانًا وفتيات، بل فتيات وشبانًا يحملن ويحملون بأيديهن وأيديهم وعاءً مركبًا من أسلاك ينقسم إلى عيون عدتها ثمان أو عشر فيها أكواب مترعة يمررن ويمرون بها على القطار لتقديم الماء المثلج لمن شاء من المسافرين في نظير صلدي واحد (أكثر من ملِّيمين بشيء قليل).
ومما رأيته بهذه المدينة رجل مُقعَد سطيح، ولكنه يسعى بنفسه كما يسعى غيره بقدمه ويستمنح الإحسان من كل إنسان في أي مكان، فإنه اتخذ عربة صغيرة بقدر ما يجلس عليها ولها أربع عجلات، وبما أن الشوارع منتظمة والأرض ممهدة والسير ميسر في جميع أنحاء المدينة، فما على صاحبنا إلا أن يضغط بيده على الأرض قليلًا لتحريك العجلات، والتنقل من طريق إلى طريق، وقد استغنى بهذه الكيفية عن اتخاذ أعمى يحمله ويسعى به في نظير إرشاده إياه على الطريق ومقاسمته ما يصيبه من الرزق، ولا شك عندي أني سأرى رفيقه الأعمى (بحسب ما جاء في حكايات شارح المقامات الشريشي الأندلسي وفلوريان الفرنساوي) يدبِّر له وسيلة يتوصل بها إلى نوال الحَسَنة من غير احتياج لنظر المقعد وتكلفة حمله على كتفه؛ لأن أهل هذه البلاد بلاد أوروبا أهل حركة وعزيمة وتفنن وإقدام.
وهنا أستوقف القلم مرة ثانية بالرغم عن البواعث الكثيرة التي تجيش في الصدر كغليان القدر، فتدعوه للاندفاع في هذا التيار، وإني لأعاني هذا العناء خشية على القارئ من الملال وشفقة على نفسي.
فقد برَّح بي التشوق إلى الأوطان واشتد بي التشوُّف إلى الإخوان لعدم استقراري في مكان وتعذر استطلاعي الأخبار التي تتوق إليها النفس ويحوم حولها الفؤاد، فيا لله من البعاد! ويا لله من غالب شعرائنا كيف يصفون وهم في مستقرهم عواطف وإحساسات لا يشعرون بها، ولكنها تجيء كلها طبق المراد! أهذا من صدق الحدس أو من سلامة الفطرة! … ويا ليتني كنت تخرجت في الشعر حتى كان ينفتح أمامي المجال ويتسع لي المقال!

الرسالة الخامسة


مدينة بيزا Pisa
لقد أبدعتم يا أهل البديع في تنويع الطباق، فهو لعمركم من سلامة الاختراع، ولقد برعتم يا أهل المنطق والكلام في بيان التناقض والتضاد ومعاني الاجتماع والارتفاع، فإن وقتي على كل حال أعتبره ثمينًا نفيسًا، ولكني أجده الآن طويلًا قصيرًا؛ أما الأول، فلكثرة الشجن بالحنين إلى الأهل والوطن، وأما الثاني، فلتقصيره عن مساعدتي على زيارة مدينة البندقية (فنسيا).
فإني كنت بفلورنسه وليس بيني وبينها سوى ست ساعات، ومع ذلك لا يصح لي أن أتعجب وأقول إن المشتهى قريب وما إليه وصول، فإن الطريق مُيَسر والوصال أسهل من أن يدبر، والبخار مسخر والقطار حاضر، ولكن الوقت سلطان قاهر، فكيف لا أتمكن من زيارة تلك المدينة التي قامت فيها الخلجان مقام الحارات، والجداول مقام الشوارع، والمراكب مقام المركبات، والزوارق مقام العربات، والمقاذيف والمداري مقام الخيول الجواري … ألا إن الوقت محسوب والقيام إلى جنوة أمر محتوم، فالبدار البدار إلى دار الوفادة، والعجل العجل لتأدية واجب الرسالة.
ولكني استعضت عما فاتني بقسمة طريقي إلى قسمين للوقوف في بيشة أكثر من ساعتين كانتا في الحقيقة أبرك من يومين، فاتخذت دليلًا من أهل الشباب معدن القوة والفتوة وأمل المستقبل، فطاف بنا المدينة وأطلعنا على محاسنها، فعوض علينا ما خسرنا بسبب اختيار الشيخ في فلورنسة. رأيت أمورًا كثيرة في هذه المدينة الصغيرة (التي لا يتجاوز عدد سكانها ????? نسمة ومصرنا القاهرة فيها حوالي ?????? نفس)، وإني أحيط علم حضرات القراء بالنبأ القليل من غير تفصيل.
هذه المدينة تسمى في كتب الجغرافية العربية القديمة بيش وبيشة، وقد وردت باسم بيزا في بعض كتابة الشريف الإدريسي، مَرَّ عليها حين من الدهر كانت فيه خاضعة لملوك تونس في أيام دولة المُوَحدين (أو الملثمين لا أتذكر الآن ذلك بالتحقيق)، فإني رأيت بدار المحفوظات فيها التي تشبه الدفترخانة المصرية عندنا (من غير تشبيه ولا تمثيل) صكوكًا كثيرة، وعهودًا متنوعة، وإجازات غير قليلة وبعضها يتضمن الضمان لأهلها بالحرية التامة والأمان في كافة المعاملات، وإقامة شعائر الأديان، وهي صادرة لهم من أولئك الملوك (وقد اعتنى العالم الطلياني أمارى بنشرها وترجمتها)، ورأيت اسم البلد فيها هكذا: بيشة، وقد شاهدت في هذه الدار أيضًا غير ذلك من الأوراق الرسمية التي اتخذتها كل دولة تولت عليها أو كان لها علاقة بها، ورأيت فيها على صغرها كثيرًا من التماثيل التي تحيي ذكر أهم رجال إيطاليا، أخص منها تمثال الطيب الذكر فكتور عمانويل مؤسس الدولة الطليانية الحالية الملقب عندهم بأبي الوطن، ولكنه كان كله مغطى بالأخشاب المنضودة بحيث لا يرى منه شيء ما؛ وذلك لأنه أقيم حديثًا وسيحتفل بإزاحة الستار عنه قريبًا بحضرة الملك والملكة والأسرة الحاكمة ورجال الدولة وأهل الحل والعقد.
ثم زرت المدرسة الجامعة ومكتبتها العظيمة، ورأيت فيها من النظام ما يوجب الإعجاب بها؛ مثال ذلك أن الكتاب الذي يُستعار منها يوضع مكانه قطعة من الخشب بمقدار حجمه وعلى شكل الكتاب، وتكتب عليها نمرته وعنوانه إلى أن يُرد الكتاب إلى محله، وفي ذلك فائدتان: أولاهما؛ حفظ أنظام الكتب وعدم ميلها على بعضها بسبب الخلو بينها مما يضيع استقامتها واعتدالها، وثانيتها؛ التنبيه على أن هذا المكان يشغله كتاب مستعار الآن مع حفظ عنوانه ونمرته لإعلام من يريد أن يجيل ناظره على الكتب فقط. ورأيت فيها أيضًا صناديق من الخشب على شكل الكتب توضع فيها المجلات الدورية، وأخرى لحفظ الكراريس والأجزاء التي تظهر في أوقات معينة من كتاب واسع كبير حتى لا يتولاها التلف والضياع، ومتى تمت الكراسات والأجزاء جلدوها مع بعضها وأودعوها في المحل اللائق بها. ثم زرنا مدرسة المعلمين العليا وتفرجنا على معرض التاريخ الطبيعي، وهو إن لم يكمل لكنه حاوٍ لكثير من التحف والطرف، وفيه كثير من الحيوانات النادرة الغريبة من حشرات وديابات وأطيار وأسماك ومعادن وأحجار ونباتات وأشجار وثمار وأزهار، وغير ذلك مما يدخل في هذه الدائرة.
ثم زرنا كنائسها وبِيَعَها، وأغربها كنيسة بجانبها برج للناقوس منعزل عنها، وهو شامخ في الهواء لا باعتدال بل بانحراف؛ فإنه يميل بكليته على سطح الأرض بمقدار خمسة أمتار؛ أي إنك لو أنزلتَ من أعلى قمته خطًّا عموديًّا على مستوى الأرض لكانت المسافة بين نقطة مسقطه وبين جدار الأساس خمسة أمتار بالقياس، ثم عمدنا على قبة التعميد وهي بناء آخر مستدير بجانب الكنيسة من الجهة الأخرى، وبينما نحن نتأمل في عجيب تركيبها وبديع هندامها وحسن نظامها وإتقان رسومها و… و… و… إلخ، وإذا بالدليل صَفَّقَ بيديه مرتين ثنتين فانزعجنا منهما انزعاجًا شديدًا لا يخطر على البال؛ إذ أعقبهما دوي ولا قصيف الرعود وهزيم أين منه فرقعة المدافع المتوالية في ساحة الوغى، حتى ظننا أن القيامة قامت، وأن الأرض زُلزلت زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها، وأن الجبال اندكت والسماء انفطرت (وا مؤتمراه … وا مؤتمراه …!) واستمر الصدى على هذا المدى عشر ثوانٍ، فعجبنا كل الإعجاب من هذا الصنع المحكم الذي لا يحاكيه صنع في العالم.
وقد كنا رأينا شيئًا مثل ذلك في كنيسة رومة من حيث تدبير الهواء في صلب البناء؛ إذ يقف الإنسان بجانب سارية من سواريها ويكلم صاحبه من خرق صغير فيها، فيسمع كلامه واضحًا ظاهرًا من خَرق آخر في السارية الثانية، أو أن يقف بجانب باب في أعلى القبة ويسمع صاحبه وهو يناجيه بجانب الباب المحاذي له على مسافة تقرب من المائتي متر، ولكن ذلك كله ليس شيئًا في جانب ما رأيناه في بيشة، ثم أخذ الدليل يوءوء ويوهوه على عادة الإفرنج في المغنى، والصدى يجيبه بأجمل أسلوب وألطف معنى.
ثم تفرجنا على قرافة المدينة ويدعونها (كاميوسانتو)؛ أي الميدان المقدس أو ما أشبه ذلك، فرأينا فيها رسومًا كثيرة بارزة ومجوفة، وقبورًا في صلب الحيطان وتحت الأقدام، ولكن ذلك ليس من الغرابة في شيء بل الغريب أن في وسطها مربعًا كبيرًا طينه كله مجلوب من أرض بيت المقدس (أورشليم) جلبته من الشام ?? مركبًا من سفائنهم تبركًا بتلك الطينة الطيبة؛ ولكي يكون في بلدهم قطعة من الأرض المقدسة تخرج الأزهار والأعشاب الخاصة بتربتها في معدنها الأصلي، وقد دعاني الدليل لأخذ شيء من تلك الأزهار على سبيل التذكار.
وقد رأيت أيضًا بيعة صغيرة على حافة النهر لا يفصلها عن الماء شيء، وهي في غاية الإبداع والجمال مبنية بقطع صغيرة من المرمر المختلف الألوان على شكل مُعْجِب وأسلوب جميل، وأغرب ما فيها أن سقفها من الداخل يشبه السقوف المصرية العربية القديمة، من حيث التطعيم بالخشب والأبنوس والتلقيم بالصدف والعاج، ولكنه ليس كذلك بل كله من الحجر المركب مع بعضه على شكل الفص والفسيفساء، فله منظر جميل بهيج يزيد في محاسن المنتزه الكائن على الضفة الأخرى من النهر وهو في غاية الحسن.
وبودي أن أختم هذه الرسالة بذكر شيء من الجمال في بيشة، فلا شك عندي أنه كان أكبر شفيع لنوالها الحرية والأمان من ملوك تونس أيام كانت خاضعة لهم، ولا يمنعني من الإفاضة في هذا الموضوع سوى خوفي من أن تتطاول عليَّ ألسنة السوء، ولكني أقطعها وأستريح منها حتى لا تبقى لي بالمرصاد فيما ربما ينساق إليه الحديث في غير هذه المدينة؛ مما لا يرى الكاتب بُدًّا من ذكره من باب الإحاطة ليس إلا، فقد كان مروري عليها وقت الظهيرة وقت القيلولة وقت اشتداد الحرارة، ومع ذلك رأيت الغانيات الرائحات والغادات الغاديات المشوقات الممشوقات الهائفات المهفهفات ذوات القدود والخدود والصدور والنحور والخصور والشعور و… و… وغير ذلك مما ألقيه على الشعراء ذوي الوهم والخيال ليتكفلوا بشرح حقيقة الحال.

الرسالة السادسة


مدينة جِنوة
لم أبارح مدينة من إيطاليا وفي جوانحي من اللهف عليها والشغف بها مثل ما حصل لي في بيشة، حتى إن قلمي قد طغى عليَّ ويود أن لا يتكلم إلا عليها، ولم يكن في وسعي سوى مفارقتها ولساني يكرر على جناني ما في وطابه من قليل الأشعار الخاصة بالغزل والنسيب والغرام والتشبيب، ولكن أين ذلك كله مما كنت أشعر به. ومما زاد توجعي على مفارقة محاسنها وأحاسنها أن القطار صار يسير بين الجبال وعلى حافة البحر بالتمام، فبينما هو يجري تحت الجبل وفي ظلام حالك، إذ ترى نوافذ منقورة في الصخر الذي يحيط بك من الجهات الست ترسل النور إلى النَّفَق، والأمواج إلى جسر السكة، والطمأنينة والسكينة إلى الباخرة ومن فيها، فتتجدد فيها وفيهم عوامل القوة وتدب روح النشاط.
ثم استمر الأمر على هذا النهج؛ نخرج من نَفَق، وندخل في نَفَق، يوصلنا إلى ثالث، يتبعه آخر فآخر، وهكذا. والمسافة بين كل واحد والذي يليه قدر الدقيقة أو أقل. ترى الوابور يقترب فيها من الطود الشامخ اقترابًا شديدًا، حتى كأنه يستند عليه أو يأوي إليه ليعصمه من الانزلاق في بحر الروم، ولكنه متى دخل النفق عَجل السير واندفع بسرعة كأنه نجا من خطر لأقل منه أو لشجاعة أوجدتها فيه العادة بل … في المسافر الذي مر تحت كثير من الأنفاق فما بقي يعبأ بها أو يسأل عنها، فضلًا عن أن أرضها ممهدة مطمئنة، وليست منحدرة كما في جنوبي إيطاليا. والخلاصة أننا وصلنا جنوة ونزلنا بها لنتفرج عليها أولًا، ثم على مظاهر الاحتفال الذي سيقام بها إحياء لذكرى أحد بنيها، وهو المخلد الذكر كرستوف كولمب مكتشف قارة أمريكا.
هذه المدينة تسمى جنوة (Genova) في لغة أهلها وجين (Genes) عند الفرنسويين، وورد اسمها كما رسمته في كتب الجغرافية العربية القديمة، وإن كان أبناء العرب في هذا الزمان يكتبونها جنوة أو جنوى، وكثيرًا ما كان اسمها موجبًا للخلط بينها وبين مدينة جنيف (Geneve) في سويسرة عند بعض الذين لم يعتادوا التحقيق والبحث بالتدقيق، أما الذين وقفوا على الفرق، وعرفوا وجوب التمييز فيسمون الثانية (أي مدينة سويسرة) جنيفة أو جنيفا، ولكنها وردت في كتابة الشريف الإدريسي هكذا (جنبرة)، وسأبين لك تعليل هذه التسمية وكثير من أمثالها بالتفصيل في الرحلة إن شاء الله. أما منظرها ففي غاية البهجة والجمال، ولا أقول مثل كُتاب الإفرنج أو الذين حذو حَذوهم من أبناء العرب أنها على شكل نعل الفرس أو حِدوته، بل أقول إنها كالنون وجوفها هو جونها. ومتى خيم الليل ترى هذه النون ساطعة كالهلال، بل تتلاقى من طرفيها بأضواء السفائن الراسية فيها، فتكون كحلقة مفرغة قد مُلئت من الأنوار ثم أُلقي بها في تيار البحار، ولا يقرب من مشابهتها فيما أعلم سوى مدينة دمياط في أيام الزينة والمواسم الكبيرة.
ولما أصبح الصباح نَزلنا من نُزُلنا واتخذنا دليلًا لنا (من الشبان)، فشاهدنا عظمة المعدات وجمال الاحتفال الذي سيكون لمن جعل العالم توأمين، وبُلِّغنا أن الأسطول البريطاني بعد أن رسا قبل غيره على مقربة من المدينة أقلع على نية الرجوع قبل الأجل المضروب، ولم يكن في المينا سوى ثلاث مراكب طليانية وواحدة هولاندية، فوطَّنا النفس على زيارتها في عصر النهار.
ثم طفنا المدينة صاعدين هابطين وشاهدنا حصونها وأبراجها وآثارها ومفاخرها، ثم دخلنا دار البلدية فأنستنا نظيرتها في الإسكندرية، فإن كل غرفة من غرفها وكل قاعة من قاعاتها مفروشة بالأثاث الفاخر، ومزينة بالنقوش الأصلية البالغة في الإتقان، وفيها من التماثيل والرسوم والأبسطة والستائر والموائد والمعدات ما يجعلها أشبه بديار التحف منها بديار الإدارة والسياسة، ورأيت في إحدى قاعاتها تمثال كرستوف كولمب، وتحت التمثال صندوق من المرمر مغلق منيع فيه كتابات الرجل ورسائله التي كتبها بخط يده؛ لكنهم لأجل أن لا يحرموا الناس من مشاهدتها وقراءتها أخذوا صورتها بالفوتوغراف، وعرضوها على الأنظار تحت ألواح من الزجاج، ثم إنك ترى صور وقائعه وأسفاره واكتشافاته وكل ما قاساه في آخر أيامه مصورًا محفوظًا فيها، بحيث إنك بمجرد الاطلاع عليها تعرف تاريخه وماجربانه عن ظهر قلب.
وفي دار البلدية المذكورة غير ذلك من تماثيل العظماء مما لا أرى حاجة للكلام عليه الآن. غير أني أقول إن القصر الفاخر الذي هي فيه كان ملكًا لإحدى العائلات الكبيرة فتنازلت عنه لها، وعلى ذكر ذلك أقول أيضًا إن أعظم منتزه في وسط البلد كان لعائلة غنية أخرى، فتنازلت عنه للبلدية، وهي جعلته منتزهًا للعامة، ومربى لبعض الأطيار الغريبة والأزهار النادرة، ومتحفًا للتاريخ الطبيعي، ولقد بلغني أن إحدى السيدات تبرعت للمدينة أيام حروبها بمبلغ يوازي ?????? فرنك لتعزيز الحصون وتقوية القلاع والمحافظة على أكبر أبواب المدينة، فأقامت لها البلدية بعد موتها التماثيل والأنصاب إقرارًا بفضلها على وطنها وإشهارًا لحبها لقومها، وعلى ذكر ذلك أقول وأقول وأعيد وأعيد ما ستراه مفصلًا في الرحلة، وإن غدًا لناظِره قريب.
غير أني أسألُك كلمة واحدة، ثم أنتقل من هذا الموضوع، وذلك أني قرأت تواريخ بلادي، ووقفت على وقائع قومي، وتحسرت لمَّا رأيت أني لا أتذكر شيئًا يشبه ذلك أو يقرب منه، فإن كان على بالك أمر من هذا القبيل أو أقل منه بقليل، فإني أُناشدك الوطنية ألا ما أتحفتني به لتزول عني الغُصَّة؛ وليكون في تذكير القوم به أعظم أُسوة.
هل أحدِّثك بحديث العمامة والطربوش في أكبر كنائس هذه المدينة، فإنه يدل على أنه لم يزرها أحد قبلنا بشكلنا، وأن قُسوسها لم يبرحوا قط منها. دخلنا هذه الكنيسة وقلنا لسائق العربة ينتظرنا، ولكنه لما رآنا دخلنا من الباب ولم نرفع عمائرنا (العمارة في اللغة كل ما يوضع على الرأس من طربوش وعمة وطرطور وقلنسوة إلخ، وتقابلها بالفرنسوية لفظة Couvrechef وCoiffure) أشار إلينا باتباع هذه السنة فلم ألتفت إليه، ولما دخلنا نبهنا الدليل إلى ذلك، فأضفت جهله إلى جهل السائق وأفهمته أن ذلك غير لائق، وبعد خطوتين جاء الحارس يتبختر في ملبوسه الأرجواني وأزراره النحاسية، ويتوكأ على صَولجانه وقال لنا: لا بد من كشف الرأس احترامًا للمعبد الكاثوليكي. فأفهمته أن هذه عادتنا في بلادنا، فذهب وأحضر لنا شَماسًا أوشكت أن أقنعه، ولكن رآنا المُطران فأقبل إلينا ووافق على ملاحظات أولئك، فقلت له: يا سيدي إننا ولله الحمد نعرف واجب الأدب في كل مقام، ونعتبر كشف الرأس إخلالًا بالاحترام، فلا ندخل قط على عظيم أو في مسجد إلا ورءوسنا مغطاة، ولا شك أنه سيَقْدِم إليكم كثير من أمثالنا بمناسبة الاحتفال بمهرجان كرستوف كولمب وكلهم يصنعون صنعنا. فأظهر الاقتناع ثم قال لي: سَلمنا بذلك لرفيقك فإن شكله شرقي قح، وأما أنت فإنك بالملابس الأوروبية، وحيث إنك قد اخترت ملبوس الإفرنج على ملبوس بلدك فاقتدِ بالإفرنج في نزع القبعة. قلت له: كلا، فهذا هو الشكل الرسمي في بلادنا، وهذا الذي على رأسي ليس بقبعة، وقد زرنا قبل الآن كثيرًا من الكنائس، وأهمها كنيسة مار بطرس برومة، فحيَّانا رهبانها، وأكرموا مثوانا، وكلمونا بالعربية، وأطلعونا على ذخائرهم ونفائسها، وفرجونا على الأعمدة الرخامية التي أرسلها إليها ساكن الجنان أفندينا محمد علي باشا حينما احترقت وساعد ملوك الأرض على إقامتها. وحينئذ اقتنع تمامًا، وقال للحارس يطلعنا على ما عندهم من الذخائر القديمة الصحيحة من سلاسل وأخشاب وغير ذلك مما لا يحتمل المقام تفصيله.
ثم خرجت من الكنيسة وفي نفسي غُصة من ملبوسي هذا الذي ترتب على اتخاذه في بلادنا إماتة كثير من صنائعنا وصُناعنا وإحياء بعض صناعات الإفرنج السريعة العطب، ومساعدة التجارة الأجنبية على انتزاف ما بقي لنا من قليل الثروة، فضلًا عن أن الحذاء الإفرنجي يوجب في الأرجل سِقامًا قد تكون سببًا في نكد العيش ومرارة الحياة، أما البنطلون المحزق، والصديري المضيق، والسترة أو الجكته أو الساك والردنجوت أو السموكن أو الفراك، والقميص المكوي، ورباط الرقبة الملوي، وغير ذلك من الأزياء والأنواع فإنها ليست موافقة لطبيعة الإقليم في بلادنا بالمرة، وأما الطربوش فليس فيه من مزية سوى حبس الهواء فوق المخ، وعدم تمكينه من الخروج لاحتباك أطرافه على الرأس، فهو أجود وأنفع في البلاد الباردة وليس وراءه إلا الضرر في البلاد الحارة، وأما العمامة، وخصوصًا إذا كانت مقرونة بالعَذَبة، فإنها مفيدة جدًّا للصحة تمنع تأثير الشمس وأوارها عن الوجه وعما يحاذيه من الخلف، خصوصًا وأن البياض أوفق الملابس في البلاد الحارة، ومن جهة أخرى فإن عرب مراكش لا يزالون إلى الآن (وهم على ما هم عليه من التمسك بالإسلام) يلبسون على ما بلغني شيئًا شبيهًا بالقبعة له حواف تمنع وهج الشمس عن الوجه وعن نقيضه.
هذه ملحوظات عَنت لي إثر دخولي الكنيسة، وقد كان شيء شبيه بها دار في رأسي حينما رأيت أن الملبوس الشرقي أجلب للأنظار (كما وقع في نابولي وغيرها)، فكنت أودُّ أن أكون مُشاكلًا لرفيقي بعمامة وقُفطان وجُبَّة مرخاة الأردان، ولا أبقى على هذا الحالة التي اختارها أهل بلادنا، فكانوا أشبه بالغراب أراد أن يتشبه بمشية طائر جميل (هو الطاووس أو غيره)، فلم يتمكن من التقليد ونسي سَيره القديم.
لكن الطربوش — والحق يقال — جعل لي في أوروبا مزايا كثيرة، منها: أن القوم كانوا يفسحون لي في كل مكان، وإذا أقبلت على حانوت قابلوني بالبشاشة والإكرام، ولا بد أن يكون السبب في ذلك أن بعض أغنيائنا وكبرائنا يتوجهون بشكل مثل شكلي، وينفقون الدرهم والدينار من غير حساب، يأخذون ما حَصلوا عليه في بلادهم بأية الوسائط، وينفقونه في أوروبا من غير فائدة لهم ولا لأوطانهم، بل في قضاء أوطار باطلة وخلاعات زائلة تبقى بعدها حسرات متواصلة، والشواهد أكثر من أن تعد.
وإني لا أشكرهم مطلقًا على كونهم جعلوا أهل التجارة يرحبون بي، ويوسعون لي مقامًا محمودًا، بل كان أولى لهم ثم أولى لهم أن يتخيروا الصرف في نفس بلادهم بما هو أفضل لهم وأجدى لوطنهم، كما رأينا في مدائن أوروبا. هذا موضوع يدوخ منه رأس الكاتب والقارئ، فأتركه لغيري وأريح منه نفسي.
ولما كانت مدينة جِنوة متفردة على غيرها باصطناع الشفتشي، توجهنا إلى أحد المعامل ورأينا كيفية الاصطناع من أولها إلى آخرها، من أخذ الفضة وهي كتلة قاتمة، واصطناعها أسلاكًا مختلفة في الحجم تتراكب مع بعضها بجميع الأشكال مما يندهش له العقل، خصوصًا وأن القائمين بها أطفال وطفلات تحت إدارة معلمين ومعلمات، وسأكتب عليها بالتفصيل عند التيسير.
ولما خرجنا من المعمل تلاقينا بغتة برجل لابس طربوشًا، فوقف ووقفنا، ثم تبادرنا التحية بالعربية، وحصل لنا برؤيته فرح كثير؛ إذ لم نصادف أحدًا من أبناء الشرق من يوم خروجنا من الإسكندرية إلى ?? أغسطس يوم وجودنا بجِنوة. ثم عرفنا أنه السيد محمد بن عبد الغني وكيل سلطان مراكش في إيطاليا، وأراد أن يستضيفنا فاعتذرنا؛ لأن الوقت لا يساعدنا. وبعد ذلك أردنا أن نزور السفائن البحرية، فأخذنا زورقًا كانت الأمواج تصده والتيار يمنعه، إلى أن أقررنا بوجوب الرجوع، وسلينا النفس بأننا سنجد في إنجلترا ما هو أعظم وأكمل، وكل الصيد في جوف الفرا.

الرسالة السابعة


من تورينو إلى مودان إلى باريس
فارقت جِنوَة وأنا معجب بنشاط أهلها ووطنيتهم وغريب إقدامهم، حتى لقد رأيتهم يزحزحون الصخور، ويقيمون مكانها القصور، ويصعدون إلى أعالي الجبل فيبنون المساكن الأنيقة والدور الرشيقة. ولقد أطلت التفكير في زخرفتهم حتى لقرافتهم التي فاقت كل ما رأيته في غير مدينتهم، بإبداع التماثيل وكثرة العناية، بحيث إنها تعد من أحسن منازههم وأنظفها وأبهجها ولا يصح للسائح أن لا يزورها. وقد رأيت بعض العائلات تقيم لمن يتوفى من أفرادها أثرًا جليلًا من المرمر الناصع بالتمثيل المحكم والإتقان التام مما يكلفها ?????? فرنك فنازلًا، واعتنت البلدية بتنظيمها على هذا النسق المعجب، وقَسَّمَتها أقسامًا بقدر اللحود تبيعها لمن يريد، وهي تتكلف بتشييد القبور وإقامة الأنصاب لمشاهير المدينة قديمًا وحديثًا.
وكانت جِنوة أول مدينة شعرنا فيها بالبرد الخفيف، وفيها تنازل الغيث علينا مدرارًا، ثم قمنا منها قاصدين باريس، ولكنا التقينا في القطار برجل من أهل تورينو، أشار علينا بشطر الطريق نصفين حتى لا تفوتنا الفرصة من مشاهدة هذه المدينة الفاخرة التي تسمى في كتب قدماء العرب طزون وطرونة وأطرونة، وحتى لا نتعب من طول الطريق.
فعملنا بنصيحته وكنا أرسلنا متاعنا إلى باريس مباشرة، فدخلنا المدينة وقد أرخى الليل سداله وجر الظلام أذياله، فرأينا شوارعها أنيقة تضيء الكهربائية أرجاءها، فتساعد على زيادة جمال المباني الفخيمة التي تحف بها، وأمضينا بقية الليلة بثياب النهار، حتى إذا أصبح الصباح (وانتشر نوره ولاح وأشرقت الشمس على جميع البطاح وانتعشت بنورها الأرواح … إلخ قافية الحاء) قمنا من الفندق وطلبنا من البواب أن يتحفنا بدليل من أولي الألباب.
فأحضر لنا? شيخًا يفَنًا دردحًا دردبيسًا، مع كونه أننًا دحدحًا جعسوسًا، أصعل أصلع سلنطع أسلع سمعمع، وله جفن أمرط، وحاجب أطرط، وجبين أبهق، وصدغ أقهب، بآذان مسترخاة فيها أوبار مدلاة، يبرز من وجهه أنف فيه الفَطَس والخَنَس، وفوقه ثقبان مُلَوَّزان كأنهما عينان جاحظتان، يعتريهما الحَوَص والخَوَص من كل مكان، وتحت ذياك الخرطوم مشفَر مشئوم، أحلى ما فيه الهَدَل وأخف ما فيه الثقل، وهو محشو بعظام نخرة أو أحجار مُكلسة مجيَّرة بمثابة الأسنان في بقية بني الإنسان، ولكنها بالفَقَم تميزت، وأنواع الثعل فيها تميزت، حلق شواربه للتخفيف، وزين هذا الوجه اللطيف بعارضين كالخنيف، وجعل لذقنه حِلية بإعدام اللحية، فصارت حمراء مستبردة أشبه بشيء في الحمامة بل في القِرَدة. وقد أقبل علينا بهذا المحيا الدميم والخَلْق الشتيم، وهو ساهم من العُبوس والهم، يرفع القدم بعد القدم ويدب متمهلًا متثاقلًا من الهَرَم، فكلمني بحُبسة في اللسان، ورُتَّة في البيان، ولَفف مع عقله وغمغمة وخنة وحكلة وطمطمة. فراعني منظره وهالني مخبره، وكدت أرده من حيث أتى، وأبحث لي على فتى، إذا لا فائدة لي من هذا الشيخ الأنحس الأتعس، ذي الظهر المقوس والمنظر المخنبس. فقد أخلقت حِدته، وقبحت نضرته، وأظلم ضياؤه، وذهب بهاؤه، ونقض الدهر مرته، وأذهب كِدنته، وأكل عليه وشرب، ونحله حتى احدودب، قد تكسرت قواريره، وساء مصيره، فأصبح كالشبح الباطل، أو الظل الزائل، بل العفريت ذي الرجل المسلوخة، أو الغول ذي السحنة الممسوخة، أو أبو خيشة وأبو غرارة المشهورين في كل حارة، أو «بركة الله والعافية» الذي يخوف به كل غلام، أو اليحشوم المعروف عند العوام، أو البعبع وأبو زبعبع، أو الخيدع والخيلع والخولع، أو العكنكع والكعنكع.
فنظرت إليه نظر المزدري، ولكنني حرت في أمري حينما رأيته قد ابتقع لونه وانتقع وامتقع، فدبت في نفسي حينئذ عوامل الرأفة والحنان، وتحركت عندي عواطف الشفقة والإحسان. وقلت: لا شك أنه قد ألفجته الحاجة إلى إخلاق الديباجة، ولعل هذا الوجِل المُستطار المُفْقَع المدقوع خلفه صبية يتضورون من الجوع الديقوع اليرقوع، فجاء يبحث لهم على غُفه وبُراَض لتخفيف ما ألم بهم من الضنك والشَّظف والمضاض، فرثيت حينئذ لحالة هذا المنتجع، وتحننت عليه، فأذهبت عنه الروع، وآمنت خيفته، وخفضت جاشه، وأنجزته حاجته، وأدركته طلبته.
ثم ركبنا عربة وهو معنا نتفرج على المدينة وما فيها من الغرائب، وكانت كلها تزيد في عيني جمالًا واعتدالًا، وليس الفضل في ذلك لمنظر صاحبنا فقط؛ بل لأنها في الحقيقة تحتوي بعد استُكهُلم (عاصمة السويد) على أجمل حدائق الدنيا، وقد طفنا منازهها وارتقينا ربواتها، وأهم مرتقى صعدنا إليه هو جبل شامخ يكاد يكون رأسيًّا، عليه أربعة قضبان كشريط السكة الحديدية، وفوق كل اثنين منها عربة عجلاتها السفلية كبيرة والعلوية صغيرة جدًّا، بحيث يكون الجالس على هذه العربة كأنه على الأرض المنبسطة، ومتى دق الحارس الجرس الكهربي صعدت بانتظام من غير أدنى ارتجاج، تجذبها قوة الغاز ثم ترسلها إلى مكانها الأول عندما تجيء الإشارة، وسأصف لك هذه الآلة في رحلتي؛ فقد كتبت إلى مخترعها أطلب منه البيان الشافي.
ولمَّا تسنَّمنا ذروة هذه الربوة رأينا متحفًا فيه الحيوانات والأحجار والأعشاب والأزهار الخاصة بالقسم من جبال الألب المجاور للمدينة، ثم صعدنا على سطح المتحف، فرأينا النظارات المُقربة قد قرَّبت لنا الجبال حتى كأنها صارت تحت يد المتناول، وقد كلل الثلج هاماتها فكأنها هرِمَت من طول العهد، إذ ترى السحب فوقها متراكمة على الدوام، ولكن سفحها ما زالت فيه قوة الشبيبة والإنبات، فتراه مجللًا بالحلل السندسية البديعة.
ثم هبطنا عن هذه الربوة وقصدنا متاحف المدينة ولا أذكر منها الآن إلا القسم المصري، فقد رأيت لهم عناية تامة بحفظ الآثار التي صرفوا في جلبها من بلادنا الأبيض الوضاح والأصفر الرنان، ورأيت فيه مجموعة كاملة من ورق البردي المزين بالأشكال والرسوم الباهية، فيها تصوير الأحوال التي تمر على المصري القديم من يوم منبته إلى يوم منيته إلى يوم دينونته إلى يوم مستقره (في جنة أو جهنم)، ثم نزلنا تحت الأرض في قاعات طويلة فيها الآثار المصرية الضخمة كالمسلة، وصورة لأبي الهول وهي في غاية الجمال. وإني لأعجب كيف يصح إطلاق لفظ أبي الهول على هذا التمثال الذي وجهه وجه غادة حبشية مفرطة في الملاحة، اللهم إلا أن يقال إن حسنه يهول من يراه كما يقال في لغتنا الواسعة (لهذه الفتاة محاسن رائعة)، ولم لم يكن التمثال الهائل الذي بجانب الأهرام ما كان هذا التعبير يصح في الأذهان، ولكن قد كان ما كان، فالأجدر بنا أن نحمل هوله على ما به فرط الحسن وصباحة المحيا.
ثم خرجنا من هذا المتحف إلى غيره مما في المدينة، فشاهدنا أسواقها عامرة وحوانيتها مشحونة بأصناف البضائع، ثم إن الفاكهة فيها، بل في كل إيطاليا، من أجود ما يكون، حتى إني رأيت البرقوق فيها بحجم الكمثرى، بحيث لا يصح أن نسمي نظيره في بلادنا إلا بلفظة بريقيق (بالتصغير)، ثم خرجنا منها قاصدين بلاد «فرانسة الغراء»، فسار القطار تجره باخرة من الأمام وتدفعه أخرى من الخلف؛ لأن الأرض كانت آخذة في الارتفاع.
وقبل أن نصل إلى مدينة مودان الفاصلة بين تخوم فرنسا وإيطاليا دخلنا نفَقًا منقورًا في جبل يناطح السحاب، فداخلني منه خوف شديد ورعب زائد، فأخرجت الساعة بنوع من الإلهام لكثرة فزعي من هذه الكتلة المتناهية في الجسامة والضخامة التي ستكون فوقنا، وقد كنت أحسب نفسي قد تعودت على السير في الأنفاق، فإذا الأمر ليس كذلك؛ لأن القطار صار يسير ويتعثر في مشيته، ثم يخفف من وطأته ثم يستريح ثم يصفر ثم يتنهد، ثم ينحدر فيكتم نَفَسه خوفًا من الانزلاق على المنحدر، وينتقل على قضبان توشك أن تكون مضرسة لحفظه من السقوط، وقد استطال السير حتى كادت النفوس تزهق من انحصار الهواء ومن الرعب الشديد الذي قد تضاعف بمرور باخرة أخرى بجانبنا ما لبثت أن بارحتنا، وتركت باخرتنا كالفرس أجهدها الضنى وحضرتها ساعة الوفاة، ومع ذلك لا يرحمها الفارس بل ينخسها ويستنزف ما بقي فيها من حول وقوة (ولا حول ولا قوة).
وكنت وأنا تحت هذا الجبل المتعالي أخشى أن يسقط حجر واحد منه، فينهار ويروح القطار شهيد هذا الدمار الذي ليس بعده دمار، وكنت أخشى أن يصح على السائق نص الحديث النبوي (لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى)، وكان الطَّل متساقطًا والنور في العربة أصفر باهتًا (مثل فانوس اللصوص)، فتوسلت إلى الله — جل شأنه — أن يهيئ لنا الخروج من هوة الظلمات إلى فضاء النور، فتقبل الدعاء وأنعش أرواحنا بالضياء. وليس هذا الوصف الحقير شيئًا بجانب الحقيقة على الإطلاق، وإن لم تصدقني فتعالَ إيطاليا ومر بهذا النَّفَق (ولا تنس بيشة)، فإنك ستمضي به إن شاء الله تعالى أكثر من نصف ساعة، وترى أكثر مما جاء في هذا البيان، وليس الخبر كالعيان.
ولقد اعترفت حينئذ بصدق من قال إن الحادثات تمر على الإنسان ثم ينساها حتى كأن لم يكن منها ما كان، وأنه عُرضة للنسيان في كل زمان ومكان، فإني بعد الخروج من هذا المسلك الحرج افتكرت أني نسيت أمرًا خطيرًا، وذلك أني خرجت من إيطاليا ولم أتناول شيئًا من المكرونة أو المعكرونة أو المَقَرُونة (طعامها المشهور) حتى وددت لو رجعت إليها لآكل منها بالأرطال أو بالأمتار (فقد بلغني وأنا بمصر أنها تؤكل في بعض النواحي من هذه البلاد بالأمتار)، ولكن هيهات هيهات رد ما فات، خصوصًا وقد خشيت عودة المرور من ذلك الطريق في النفق المضيق، ومع ذلك فقد سهل الأمر؛ لأنني تذكرت حينئذ الجران بار (أرجوك السماح فإن المقرونة مقرونة فيه بالإتقان).
ولما وصلنا إلى مودان نزل الركب يهنئ بعضهم بعضًا على السلامة من ذلك الجبل المريع، واستنشقنا حينئذ هواء فرنسا، وقد كانت رئاتنا في احتياج إليه، وتسلمنا عمالُ السكة الحديدية الفرنسوية، ثم سار بنا القطار بين جبال شامخة شماء يشقق من أعاليها الماء، فيكون غدرانًا وأنهارًا تنساب بجانب الوابور وتحته بمنظر رائق جميل، والهواء صافٍ عليل يروح النفس ويرد إليها الحياة. ولا أعلم لماذا اعترتني هزة الفرح ونشوة السرور وأنا أمر بينها معجبًا بهذه المحاسن الطبيعية، وقد رأيت في بعض حقولها، وفي بعض مزارع إيطاليا شادوفنا المصري بالتمام، ولولا وجود الجبال وكون الذي يسقي الأرض بالشادوف لابسًا القبعة والبنطلون لظننت أني في أرياف مصر أشاهد فلاحنا المعهود.
وشتان بين ما لاقيته في جنوب إيطاليا مما قبض الصدر وضيق عليَّ القلب، وبين ما شاهدته في جنوب فرنسا مما يَسُر الخاطر ويُقر الناظر. أما المدائن التي مررنا عليها في جنوب فرنسا، فإنما هي قُرى خلوية ليس فيها شيء من الجمال الذي رأيناه في مدن إيطاليا، وكنت عند كل محطة أسمع القوم وخصوصًا النساء يملأن الأفواه عند النطق باسم باريس فيقلن (باري، والأكثر باغي بغُنَّة ومدَّة فيها الترخيم الرخيم)، ثم أقبل الليل فشددت حلقة في أعلى الكرسي فانقلب سريرًا بل فراشًا وثيرًا، فنمت متوكلًا على الله ولسان حالي يكرر ما يقوله المصريون (على قلبها لطيلون)، وبعد ?? ساعة قضاها الوابور في السير الحثيث وصلنا مدينة باريس.
وقبل أن أنتقل إلى الكلام على هذه المدينة الحسنا، أرى من الواجب علي أن أوفي بوعد قد أخذته على نفسي، وهو ذكر ما ألاقيه من عمال كوك، فإني لا يسعني أن أوفيهم هنا حقهم من الثناء، فقد قاموا بخدمتنا في جميع المدائن التي نزلنا بها أحسن قيام، وساعدونا في كل طلباتنا فوق المرام، وأمدونا بجميع أنواع التسهيلات والإيضاحات، خصوصًا في فلورنسة وتورينو حتى محوا الهفوة التي وقعت ببرندزي، فلله در كوك أحسن الله مثواه بقدر إحسانه إلى نفسه وإلى العالم كله!
القاموس

إنما اخترت هذا الوصف الكريه لزيادة التكريه في بيان التشويه ولزيادة التنفير فيه، حتى يشترك القارئ معي في جميع عواطفي وتتجسم له الحقيقة كما ينبغي وكما يبتغي. وهناك ملحوظ أهم وأدق أريد أن أستلفت إليه الأنظار من أرباب الأقلام والأفكار، وهو أنني أكره طريقة الكتابة بمثل ما نحوته في وصف ذلك الرجل، ونفوري منها أشد — ولا شك — من نفور القارئ مني عند مروره على ذلك الفصل، ولكنني أرجوه بناءً على ذلك أن يمنع ويمتنع عن اتخاذ مثل هذا الأسلوب المعيب في كتاباته، حتى لا تكون مثل ما أقدمت عليه كثيرة الألفاظ، فارغة المعنى، مشحونة بالحشو، مزدانة باللغو، مشمولة بالغثاثة، مصحوبة بالرثاثة. فإن هذا الأسلوب البغيض الجلف الفاسد النسيج، السخيف التركيب، فيه من البشاعة والشناعة ما يجعله مستهجنًا ملفوظًا مذمومًا مردودًا، ولا غَرو أن التكلف والتصنع في التنقيب في قعر القاموس عن الألفاظ المستنفرة المستغربة المتوعرة المتقعرة «المعجرفة»، لا يكون فيه أدنى دليل على العلم بأصول اللغة والتبحر فيها، بل هو دليل على سخافة ذلك المتكلف المتصنع وجهالته وحماقته، بل هو برهان قوي على ما يعبر عنه العوام بالتقعر والحنشصة. ونحن اليوم في عصر تعرف فيه قيمة الوقت، فيا حبذا لو تفطن الأدباء إلى تخير الألفاظ اللائقة، وجعلها في خدمة المعاني المطلوب التعبير عنها لا كما يفعل البعض (وخصوصًا أهل السجع) من جعل المعنى أسير اللفظ يجري حيثما رآه لا حيثما أراد المنشئ.
ولقد تنبه إلى ذلك نفس أئمة الإنشاء، فقال أبو هلال العسكري، المتوفى سنة ??? في كتاب الصناعتين: «وقد غلب الجهل على قوم فصاروا لا يستجيدون الكلام إذا لم يقفوا على معناه بكد ويستفصحونه إذا وجدوا ألفاظه كزة غليظة وجاسنة غريبة … فلا خير في المعاني إذا استكرهت قهرًا وفي الألفاظ إذا جرت قسرًا.» وقال ابن الأثير المتوفى ??? في المثل السائر: «إن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها، وسبروا وقسموا فاختاروا الحسن من الألفاظ، فاستعملوه ونفوا القبيح فلم يستعملوه»، فلما عرفوا السهل السلس المستجاد منها قالوا بوجوب اعتباره واستعماله وأبقوا الباقي في أمهات اللغة وبطونها للرجوع إليها بقصد تعرف كلام الأعراب في بواديهم، وتفهم مقاصدهم ليس إلا. هذا ولولا أنني أردت أن القارئ يستهجن هذا الأسلوب بجميع حواسه لما سمحت لنفسي بالاعتماد على هذه الألفاظ التي يترتب على عدم معرفتها إضاعة الوقت سدى؛ ولذلك أضفت هذا القاموس تلافيًا للضرر، وبعض الشر أهون من بعض.
الألف

الأَننِ: الكثير الأنين وهو التأوه من الألم.
الباء

البُرَاض: القليل الزهيد اليسير.
ابتُقع: (انظر امتقع).
الأبهق: ذو البياض الرقيق في ظاهر البشرة.
التاء

الأتعس: المشئوم المنحوس.
الثاء

الثَّعل: تراكب الأسنان على بعضها.
الجيم

جُحُوظ العين: عظمة المقلة وبروزها.
الجِدة: ضد البِلَى.
الجُعْسُوس والجُعشوش: القصير الدميم.
مُجير: صار مثل الجير، والجير خطأ صوابه الجِيار، واسمه عند العرب الصاروج أيضًا، والكِلْس بمعناه معرب عن اللغات الإفرنجية.
الحاء

الحُبسة: تعذر الكلام عند إرادته.
احْدَوْدَب: احقوقف؛ أي: اعوج كظهر البعير بمعنى خرج ظهره ودخل صدره وبطنه.
الحُكْلة: نقصان آلة النطق حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال.
الحَوَص: ضيق مؤخر العين حتى كأنها خيطت.
الخاء

الخُرْطوم: الأنف.
الخَلْق: الفِطرة.
أخْلق: بلي وتفانى واضمحل وتلاشى.
إخلاق الديباجة: الاطلاع على دخيلة الأمر الذي يُستنكف من كشفه، فهو بذل ماء الوجه في السؤال على التشبيه بقولهم: «أخلق الثوب.»
المخنبس: لفظ اشتققتُه لضرورة السجع البارد من قولهم: «الخُنَابس» بمعنى الكريه المنظر، والرجل الضخم تعلوه كردمة أي: قصر.
الخَنَس: تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاعٍ قليل في الأرنبة.
الخَنيف: أردأ الكتان البالي.
الخُنَّة: أن يشرب الحرف صوت الخيشوم بشدة.
الخَوَص: غئور العينين مع الضيق.
الدال

الديباجة: الوجه.
الدحْدَح والدحدحة والدحداح والدحداحة والدُّحادِح والدُّحَيْدحة والدَّوْدَح: القصير والمستدير الململم.
الدَّرْدَبِيس: الداهية والشيخ والعجوز الفانية كأنه من الدروس.
الدِّردِح: الشيخ الهم.
المَدْقُوع: الرجل يذل في فقره حتى يلصق بالدقعاء وهي التراب.
الديقوع: الجوع الشديد كقوله: (جوع يُصدع منه الرأس ديقوع).
الدميم: القبيح.
الراء

الرُّتَّة: تمنع أول الكلام فإذا جاء شيء منه اتصل.
اليَرْقُوع: الجوع الشديد.
السين

الأسلع: ذو سلعة؛ أي: شجة، وسلع الرجل صار أبرص.
السَّلنطع: المتعته في كلامه كالمجنون.
السَّمَعمَع: الرجل الصغير الرأس والمرأة الكالحة في وجه الإنسان المولولة في أثره.
الساهم: الضامر المتغير.
الشين

الشبح الباطل: الهُباء.
الشتيم: الكريه الوجه.
الشَّظف: الضيق والشدة والبؤس ويبس العيش.
المِشفر: شفة البعير وقد يستعمل للخيل وللناس.
الصاد

أصعل: دقيق الرأس والعنق.
أصلع: الذي انحسر شعر مقدم رأسه.
الضاد

الضنك: الضيق من كل شيء. يقال للمذكر والمؤنث مثلًا «عيشة ضنك».
تضوَّر: تلوَّى من وجع الجوع.
الطاء

الأطرط: الخفيف شعر الحاجبين.
الطَّمْطَمة: كون الكلام شبيهًا بكلام العجم.
المُستطار: المذعور.
العين

العقلة: التواء اللسان عند إرادة الكلام.
الغين

الغُفَّة: البلغة من العيش.
الغَمْغَمة: أن تسمع الصوت ولا يتبين لك تقطيع الحروف.
الفاء

الفَطَس: تطامن قصبة الأنف وانتشارها أو انفراش الأنف في الوجه.
المُفقع: الذي تناهى سوء حاله في الفقر.
الفَقَم: بروز الثنايا العليا من الأسنان إلى الخارج فلا تقع على السفلى.
القاف

الأقهب: الذي فيه حمرة فيها غُبرة وكدورة.
الكاف

الكِدنة: النحم واللحم.
اللام

ألفج الرجل: أفلس وذهب ماله ولزق بالأرض من كرب أو حاجة، فاضطُر للالتجاء إلى غير أهله وذهب فؤاده فَرقًا وذلًّا.
اللَّفف: إدخال حرف في حرف.
مُلوَّزان: يقال ذلك للعينين المشقوقتين مثل اللوز.
الميم

المِرَّة: قوة الخَلق وشدته ونقض الدهر مرته بمعنى أزالها وأعدمها.
الأمرط: ذو الشعر المنتوف الساقط.
المُضاض: الماء لا يطاق ملوحة، ووجع يصيب الإنسان في العين.
امتُقع: (على بناء المجهول) تغير لونه واختطف من حزن أو فزع أو ريبة، وكذلك انتُقع ولكنه بالميم أجود.
النون

المنتجِع: الذي يقصدك طالبًا لمعروفك.
الأنحس: الكثير الشؤم.
نَحِل: صار ناحلًا هزيلًا ضئيلًا.
انتُقع: (انظر امتقع).
الهاء

الهَدَل: استرخاء الشفة أو المشفر.
الهَرَم: بلوغ أقصى الكبر.
الواو

الوَجِل: الكثير الخوف.
الياء

اليَفَن: الشيخ الكبير الطاعن في السن.
ذيل القاموس

أكل الدهر عليه وشرب: إشارة إلى استهانة الدهر به ونكايته فيه.
تكسرت قواريره: إشارة إلى أن عظامه صارت كالزجاج وقد تكسر.
العفريت وأبو رجل مسلوخة والغول وأبو غرارة وأبو خيشة و«بركة الله والعافية» واليحشوم وأبو زبعبع والبعبع والخيدع والخولع والخيلع والعكنكع والكعنكع كلها أسماء خرافية خيالية يتخذها الأمهات وبعض العوام لتخويف الأطفال، فتتربى فيهم ملكة الجبن والهلع وبئست العادة.
هوامش

(?) أرجو القارئ قبل أن يوجه إليَّ سهام الانتقاد والملام، أن يتفضل ويصبر على تلاوة هذا الوصف حتى يأتي على آخره، ثم ينظر إلى القاموس الذي وضعته في آخر هذه الرسالة ليعلم دخيلة الأمر ويقف على بواطن السر.
الرسالة الثامنة


باريس
هذه باريس تحفة الدنيا ونزهة العالم وزهرة الكون. هذه باريس جنة الجنائن ومدينة المدائن وعاصمة العواصم. هذه باريس منبع البهاء والمحاسن ومرتع الظباء الأحاسن. هذه باريس تمثال الفخامة والجلال، وشخص الخفة والرقة والجمال. هذه باريس معدن العلوم ومركز دائرة العرفان في هذا الزمان. هذه باريس التي مهما بلغتُ في الوصف والمقال فإني بعيد عن حقيقة الحال بُعدًا ليس له مثال، ولا يكاد يخطر على بال، فليس لي حينئذ إلا الاكتفاء بأنها فردوس الفراديس …
بل هي هي باريس

قدمت إليها في بكرة النهار (من يوم ?? أغسطس)، ورأيت فيها من الحركة والنشاط ما هالني وراعني وألزمني الإقرار بالعجز عن التحبير والحيرة في التحرير! فكيف يتسنى لي أن أوافيكم يا قوم بما شاهدته فيها من التناهي والبلوغ إلى غايات الكمال في كل موضوع وباب. وإني إذا أرخيت للفكر العنان ومكنت القلم من الجولان في أي ميدان، أُملي عليكم ما يملأ الأوراق ويدهش القُراء، ولكني أؤجل التلخيص إلى عودتي إليها بعد إتمام المأمورية، والتنقل في بعض مدائن الإنكليز؛ لكي تكون كتابتي عليها عن تحقيق وتدقيق، فإنها تملكت فؤادي واستولت على لُبي حتى إني فارقتها مضطرًّا بعد ما قضيت بها يومين وما قضيت منها وطرًا، مُوطنًا النفس على الرجوع إليها واستجلاء مشاهدها ومعاهدها. وهل تكتفون بذلك مني الآن، أم تريدون أن أوافيكم بعُجالة فيها نبأ له شأن؟
أريد أن أتكلم على أحسن نصف في بني الإنسان ولكني أخاف اللوَّام، فاسمحوا لي بالله عليكم هذه المرة بمعاودة الكلام على المرأة، وأعدكم أني لا أعود وما عهدتموني أنقض العهود، وكيف أُلام على الدخول في هذا الموضوع الحرج الواسع، وقد كان للمرأة ولا يزال لها الشأن الأول واليد الطُولى في الانقلابات الدولية، والنظامات السياسية، والترتيبات الدينية، بل في كل شأن من شئون العُمران، وفي كل عمل من أعمال الإنسان. فإننا إذا صرفنا النظر عن أم الأمهات وتصفحنا التاريخ العام، وجدنا لها أثرًا وعملًا معروفًا في كل الأديان التي نزل بها الوحي، أو زَيَّنها الوهم واخترعها الخيال. وهذه الإشارة الوجيزة تكفي من له أقل اطلاع.
ثم إذا نظرنا بوجه الإجمال إلى تاريخ القدماء من مصريين وأشوريين ويونانيين ورومانيين وغيرهم، وجدنا المرأة هي دون سواها سبب التقدم والارتقاء أو عِلة التقهقر والانحطاط، وعلى يدها تم تشييد الدول العظيمة، أو تبديد سطوتها ومحو أثرها من الوجود. وطالما اشتبك القتال وتفانى الأبطال لأجل امرأة واحدة، وكذلك الحال في تاريخ الأمم الحديثة، حتى قال بعض العلماء: إذا أراد الله أن يقضي خيرًا على الأرض قَيَّض له امرأة فكانت الوسيلة إلى إجرائه، وإذا أراد الشيطان أن يقضي شرًّا توسل إليه أيضًا بامرأة، هذا أمر كان وكائن ويكون إلى يوم تحشرون.
وإني أذكر لكم ما يحُضرني الآن من الشواهد، مثل ذلك: دلوكة العجوز في التاريخ المصري القديم والمرأة التي كانت سببًا في حروب تروادة الشهيرة، ولوكريس وفرجنيا في التاريخ الروماني، وتلك الغادة الكيمائية التي جاء في بعض الروايات أنها كانت سببًا في القبض على أنيبال الأفريقي قائد قرطاجة، بعد أن أذاق الرومانيين من العذاب ما أذاقهم، ثم ريني (Irene) وتيودورا في تاريخ بوزنطيا (Byzance)، وتلك الحسناء الفلسطينية التي احتالت على شمشون الجبار، فأخضعته وأوقعته في يد أعدائه بعد أن أوقع بهم وعجزوا كلهم عنه بمفرده، وتلك الفِتن التي آثار غبارها نساء داود عليه السلام في آخر أيامه وتوصلت إحداهن بالحيلة والدسيسة (على ما جاء في التوراة)، حتى ألزمته بأن يجعل ابنها سليمان عليه السلام خليفة له، والبسوس والزَّباء في تاريخ العرب، وطوميرس ملكة المساجيت التي طلب كورش ملك فارس أن يتزوج بها، فامتنعت فأقام عليها حربًا كانت عاقبتها وبالًا عليه وعلى قومه، وإليصا مؤسسة قرطاجة، وكليوبطرة ملكة مصر الشهيرة، ودخول العرب في الأندلس وخروجهم منه كان سببه المرأة.? وهذه النساء في صدر الإسلام، وشجرة الدر وغيرهن في تاريخ الإسلام، وفَتْك الرشيد بالبرامكة على ما في بعض الروايات سببه المرأة، ولا ننسَ زوجة الزَّمخشري، فإنها على ما يروى عنها هي التي أرجعته بالبرهان الفعلي لا القولي عن القول بخلق الأفعال،? وأجنيس سوريل التي كانت سببًا في سقوط الدولة الفرنساوية، ثم جان دارك راعية الغنم التي طردت جيوش الإنكليز من أرض فرنسا. والشواهد أكثر من أن أتذكرها الآن، وأنا في بلاد الإنكليز. وكان أحد القضاة في أوروبا كلما نيط به تحقيق واقعة جنائية يقول للشرطة: (ابحثوا عن المرأة)، وبذلك كان يصل لاكتشاف الحقيقة على الدوام، مهما كانت وقائع الدعوى تصرف الظنون عن وجود أصبع للمرأة فيها. ولم يكن فعله هذا من ضروب النبوة أو الاطلاع على ما وراء الحجاب، وإنما هو من قبيل الاستقراء والاستنتاج، ومن تمام معرفة تأثير المرأة في أعمال الناس. ولقد أحسن شاعرنا العربي إذ يقول:
إذا رأيت أمورًامنها الفؤاد تفتتفتِّش عليها تجدهامن النساء تأتت وأذكر بيتين آخرين يختصان بالمرأة لا أدري أيهما الأحق بأن يقال عنده صدق. أذلك الذي قال:
إن النساء شياطين خُلقن لناأعوذ بالله مِن شرِّ الشياطين أم تلك التي أجابته في الحال وأجادت المقال:
إن النساء رياحين خُلقن لكموكلكم يشتهي شَم الرياحين أمَّا أنا فأحكم بعد الحيرة الطويلة بأرجحية القول الثاني، وليس من شيمتي أن أستبد عليك لموافقتي، بل أتركك حرًّا فاختر لنفسك ما يحلو.
ولا شك أن الفرنساويين نظروا إلى كل هذه الملاحظات، وما يناسبها بنظر الناقد البصير والمتدبر الحكيم، فأرسلوا مثلًا تناقلته الأفواه (إن ما تريده المرأة يريده الله Ce que femmeveut, Dieu veut.)؛ لذلك كان لها عندهم الكلمة النافذة والأمر المطاع، فلا يُقدم الرجل منهم على أمر لا ترضاه زوجته، ومتى أقدمت هي على عمل أو تعلَّقت به مشيئتها وَجَب عليه الرضا به والإقرار بوجوبه، والقول بأنه لا مندوحة عنه. وهم يبالغون في إكرام المرأة والتأدب في حقها (ولو ظاهرًا) بما يفوق الوصف، وفي تثقيف عقلها بجميع أنواع العلوم والمعارف (حتى التي لا يُقدم عليها إلا فحول الرجال)؛ ولذلك نبغ منهن الكاتبات المحررات الشاعرات الخطيبات المصورات المشخصات المحاميات الطبيبات المخترعات في كل أمر ذي بال أو غير ذي بال. إلى هنا أُنبه قلمي للعدول عما استطرد فيه على ما ينتظره منه بعض القراء عقيب ما صَدَّرت به الكلام من التخوف من اللوَّام، وقد تعلقت آمال ذلك البعض (إذا صح التعبير بالبعض عن الكل) بأن أُحدثه على فسحتي في باريس يوم الأحد الرابع من أغسطس، بعد أن أمضيت الحد الثاني منه في سان ستفانو بالإسكندرية والثالث في منازه رومة وخمائلها السندسية.
ولعمري إنه يحق لهم ذلك الانتظار ولا يحق لي أن أبخل عليهم ببعض ما شاهدته؛ إذ الإحاطة متعسرة بل متعذرة. فإني أمضيت يوم السبت وصبيحة ذلك اليوم الأحد البهيج في السؤال عن كثير من العلماء، الذين سبقت لي بهم معرفة بالذات أو بمحض العلاقة الأدبية، ولم يسعدني الحظ بمقابلة أحد منهم على الإطلاق؛ لأنهم كلهم قصدوا الخُلوات طلبًا للرياضة والتمتع بالسكينة والهواء السليم (وربما كان هربًا من الهواء الأصفر وقى الله بلادنا منه)؛ ولذلك أخذتني الغيرة منهم فأحببت أن أتشبه بهم في استنشاق النسيم، وإمتاع النواظر برؤية العيون المراض الصحاح، ومشاهدة ما في الطبيعة والصناعة من باهي المحاسن وباهر الأحاسن.
وما هو إلا أن حانت ساعة النزهة حتى علُوت عربة توسَّمت في سائقها الفهم والنباهة، وركب على يميني رفيقي الأستاذ الشيخ محمد راشد وقلنا لسائق العربة أن يغدو بنا إلى حيث يخرج القوم بحجة النزهة والرياضة وترويح الفكر وإراحة البال، فأرسل الخيل تعدو في شوارع منتظمة عامرة آهلة، حتى إذا اقتربنا من غابة بولونيا أخذ يسير الهوينا، ونحن نُمتع النواظر برؤية الوجوه النواضر واللِّحاظ الفواتر والثغور البواسم والخدود النواعم، والقدود المياسة والخصور النحيلة إلى ما وراء ذلك مما هو وراء الوصف والبيان.
وقد كان منهن الخاطرات بالدلال والاعتدال في حُلل البهاء والجمال، وملبوس أفخر يزيد الملاحة بما لا يقدر، ومشية متوازنة بحركات متجانسة ممزوجة برقة وإعجاب لا يصح أن تسمى بالتبختر، ومنهن الراكبات في العربات وبجانبهن أو أمامهن رجال من عائلاتهن (أو غيرها)، ولكنهن لا ينظرن إليهم ولا هم ينظرون إليهن، بل كل من الفريقين مشغول عن صاحبه (الذي تمتلكه اليد) بمن يسعى أمامه أو يمر بجانبه أو يعدو خلفه. وكل واحدة من هذه الجواري المملكات المالكات تبذل غاية جهدها ومنتهى فنها؛ لكي تتجلى في مظهر أنيق رشيق يسبي ويصبي، ثم لا تكتفي بخطف العقول والأرواح بل هي فوق ذلك فَتاكة فَتانة (والفتنة أشد من القتل)، وما زلنا ننتقل من منظر إلى أبدع إلى أبرع إلى أبهج إلى أبهر، حتى انبهرنا واندهشنا وضاعت منَّا صِيغ أفعل التفضيل التي كنا حفظناها لمثل هذه الفرصة، وقد كَلَّ البصر وارتد الطرف حسيرًا.
ففكرت حينئذ أن البخار تكفَّل بتقريب المسافات، فأغنانا عن استعارة أجنحة القَطا للطيران إلى موضع الحب والهوى، ولكني في عَوَز زائد إلى كثرة النواظر؛ لأن العينين اللتين منحهما لي الباري لا تكفياني لرؤية هذه المناظر التي أمامي، وتأسفت على كوني لم أتزود قبل الرحيل بشيء من العيون، التي كانت تنفعني وتنفع أصحابها في مثل هذه الحال التي ليس بعدها حال، ولكن لله الحمد فإن الباب ما زال مفتوحًا والأمر ميسورًا؛ لأني سأرجع إلى باريس وأقيم بها نحوًا من أسبوعين أو أكثر، فكل من يهزه الشوق لاستجلاء هذه المحاسن بنفسه من غير أن يتحلحل عن مجلسه، فليساعدني بما هو لازم ( ع)، ومتى انصرفت عن هذه المدينة أرجعت إليه العين بالعين، فتحدثه بما رأت وتؤكد له صدق من قال، وما راءٍ كمن سمعا. فلما رأيت ما رأيت من التناهي في التبرج والبهرجة، والتغالي في التزويق والزبرقة، والتهالك على النماكة والغندرة، خطر على بالي أني لو كنت من قدماء اليونان الذين يعتقدون بتعدُّد الآلهة، لكنت أقول إن إله الجمال بالغ في الإتقان، وبذل كل ما في وسعه من حسن الصنع عندما كان مشتغلًا بالخليقة في هذه البلاد، ولكني بفضل الله من المؤمنين الموحدين المسلمين الذين يقولون تبارك الله أحسن الخالقين.
وقد تذكرت حينئذ عبارة لاتينية كان القدماء يكتبونها على الساعات رمزًا إلى انقضاء الحياة بمرور الأوقات وهذه ترجمتها: (كلهن جارحات والأخيرة تقتل Vulmerant omnes ultimanecat)، ولو كنت من الشعر بمكانة القادرين على سبكه والمجيدين لحبكه لصغت هذا المعنى في أبيات بديعة في الكلام على النساء، ولكنني لا أتصور أنه فات شعراءنا البلغاء. أقول الحق أنني لم أستغرب بعد ذلك كله من تلف بعض الشبان الذين توجهوا إلى أوروبا، فإن المجرجر والمكبب والمقبب والمحدب والمعقد، وخصوصًا الشريط الذي يعقد على الخصر ويتطاير في الهواء من وراء المعروف عند الباريسيات بما معناه (اتبعني يا فتى Suivez moi jeune homme) كل ذلك يجر إلى الغرور من غير شعور، ويهوي بأهل الهوى إلى هاوية الغواية والشرور، إلا من عصم ربك وهم ولله الحمد كثيرون. وقد قال لنا سائق العربة: إن ما رأيناه ليس بالشيء الذي يذكر؛ لأن المدينة الآن صِفر من أهاليها المقصودة بالذات وأكابر القوم كلهم في الخلوات. وهنا أنتقل من هذا الموضع إلى موضوع آخر له به تمام الارتباط، وهو أني من أهل المذهب القائل بعدم إطلاق الحرية للنساء إلى هذه الدرجة التي تجاوزت الاعتدال إلى التطرف في الإفراط، فإن المرأة بعد كل تعليم وتهذيب أراها ضعيفة ميالة أكثر من الرجل لداعي الشهوات والتفاني في الملاذ، فالواجب أن تكون الحرية لهن كالملح في الطعام، فإن التعليم ليس بقادر أن ينزع منهن هذه الأميال، وإن نزع منهن الخرافات التي يبثثنها في عقول الأطفال.
أقول ذلك بمناسبة ما رأيته في (تقويم ترويح النفوس Calendrier Amusant) المكتوب باللغة الفرنساوية عن سنة ?? القادمة. قال في النهر الثاني من صحيفة ?? والأول من صحيفة ?? ما خلاصته: إن العلامة كستنر (koestner) أحد أساتذة ليبسيك وصاحب التصانيف العديدة المشهورة نشر كتابًا فيه أبحاث علمية دقيقة مستوفاة، تكلم فيه على حركة ازدياد المواليد ونقصها في البلدان المختلفة مستندًا على الأرقام، وقد أدته ملحوظاته وحساباته إلى إثبات النتائج الآتية بحسب التعديل المتوسط وهي:أن المرأة الألمانية تخون زوجها ? مرات، والبلجيكية ست مرات وأربعة أخماس المرة (بحسب التعديل المتوسط كما قلنا)، والإنكليزية خمس مرات، والنمساوية أربع مرات ونصف مرة، والهولاندية أربع مرات، والسويدية أو الدنيمركية مرتين، والطليانية مرة وخمسة أسداس المرة، والفرنساوية مرة واحدة، والإسبانية سبعة أثمان المرة، والبرتغالية واليونانية خمسة أسداس المرة، والصربية والبشناقية والتي من الجبل الأسود والبلغارية ثلثي مرة، ثم التركية (ويعنون بهذه اللفظة المسلمة وغير المسلمة من الشرقيات) عُشر المرة الواحدة.? فإذا سلمنا بهذا الحساب الذي استنتجه ذلك الأستاذ الألماني، رأينا أن في التحجب وفيما يقرب منه فائدة عظيمة في صيانة الأعراض.
وبعد أن طفنا هذا المنتزه مرتين رجعنا إلى فندقنا، فعلمنا بكل سرور وانشراح أن دولتلو أسعد باشا سفير الدولة العلية في باريس حضر لزيارتنا، وترك لنا ورقة الزيارة. وقد كنا توجهنا إلى السفارة في صبيحة ذلك اليوم (الأحد) البهيج، وحظينا بمقابلة دولته ولبثنا معه مدة، انصرفنا بعدها شاكرين ما لاقيناه من لطفه وبشاشته وجميل مؤانسته ولطيف محادثته.
ثم أمضيت الليلة وأنا أحلم أني في غابة بولونيا، وأنه لا تصح مؤاخذتي على وصف ما رأيته فيها إلا بعد أن يؤاخذ بهاء الدين العاملي على وصف النساء في الأرجوزة الشهيرة، التي كتبها على رحلته في بَلخ، وأوردها في أوائل الجزء الثاني من «الكشكول»، وبعد أن يُؤاخَذ الكثير من فحول العلماء وأكابر الأتقياء الذين لم يأنفوا ورود هذا الروض الأنف. وهكذا إلى أن أشرقت الغزالة، فحملنا أمتعتنا، ثم ركبنا القطار السريع قاصدين لوندرة عاصمة بلاد الإنكليز التي لا تغرب الشمس عن ممالكها ومستعمراتها.
هوامش

(?) فإنه لما افتض رذريق ملك الأندلس بكارة ابنة يوليان عامله في بر العدوة تمالأ هذا الرجل مع موسى بن نصير وقومه، وسهَّل لهم سبيل الفتح، ولما اقترنت الملكة إيزابلا مع الملك فردينند قويت شوكة الإسبانيين على العرب فغلبوا عليهم، ولولا حزم الملكة إيزابلا ما أمكن إخراجهم من الأندلس، فضلًا عن كون بعض الملوك الأخيرين من بني نصر تزوج ببعض شريفات الإسبانيين بعد أسرها، فكان في ذلك سبب آخر لاضطراب المملكة في الداخل وسأشرح ذلك في الرحلة.(?) هذه المسألة لا بد أن تكون مكذوبة؛ إذ لا يقنع مثله بمثل هذا البرهان مع خروجه عن نقطة النزاع بينه وبين أهل السنة.(?) هذا الحساب ملحوظ فيه مجموع الأفراد، وليس الحصر فيه أن كل فرد يعمل هذا العمل، بل هو عبارة عما يعمله البعض قليلًا كان أو كثيرًا، ويوزع على المجموع في الحساب الإحصائي.
الرسالة التاسعة


من باريس إلى لوندرة وخلاصة وجيزة على المؤتمر
اشتهر الإنكليز عند الخاص والعام بالاختصار في الكتابة والكلام، والهجوم على المقصود من غير تقديم مقدمة أو استفتاح بفاتحة، وسأتكلم عن أخلاقهم بالتفصيل في الرحلة، وأكتفي الآن بمجاراتهم في هذا السبيل.
قمت من باريس إلى دييب (Dieppe) أحد ثغور فرنسا في الشمال الغربي، وركبت الباخرة وأنا مرتجف من هول بحر المانش ودواره؛ إذ إني قرأت في كل كتب السياحة أنه من أشد الأبحر اضطرابًا وهيجانًا، لانحصاره بين شطوط فرنسا وإنجلترا واندفاع التيار فيه؛ ولذلك كان الأوروبيون، بل الأمريكيون أنفسهم، يعترفون بشدة هوله، ويفزعون دائمًا من اجتيازه، حتى لقد حمل ذلك بعض المهندسين من فرنسا على تقديم مشروع مقتضاه خرق نَفَق تحت قاع البحر تسير فيه السكة الحديدية للسهولة والراحة وتقريب المسافة، ولكن إنجلترا عارضت في إنجاز هذا المشروع خوفًا من تعدي قوة حربية برية عليها من فرنسا فجاءة (كما يقول الفرنساويون). ولقد ازداد رعبي حينما سألت أحد المسافرين وأجابني بأكثر مما قرأت، ثم تمكن الفزع مني كل التمكن بعد أن أنذرني القبطان نفسه بأضعاف ما أفادني الأول، فكاد يفعل بي الوهم ما يقصُر عنه دوار البحر، ولولا أني تجلدت، وإذ كنت مضطرًّا للسفر وليس لدي من المراكب سوى ركوب هذا المركب، ولا يمكنني الانتظار حتى تعترف إنجلترا بفائدة النفق (كما اعترفت بفائدة قنال السويس فيما بعد)، فقد اعتمدت على الله وعملت بنصيحة بعض الخبيرين الذين تعرفت بهم في باخرة البر، فبادرت بطلب الطعام قبل قيام السفينة، حتى يكون في المعدة شيء يقاوم تأثير الدوار بادئ بدء، فلا يقع على الأمعاء مباشرة.
فجاءني الغلام وكلمني بالإنكليزية، وكنت قد نسيت اليسير الذي تعلمته قبيل سفري من القطر المصري؛ بسبب استعمالي الطلياني في إيطاليا والفرنساوي في فرنسا، فضلًا عما في رطانة الإنكليز من الصعوبة والدمدمة والتعقيد والهمهمة وإهمال المقاطع الأخيرة من الكلمات، فلم أفهم منه شيئًا بالمرة، ولكنني تذكرت أن أحسن طعام يجيد القوم صناعته هو الرزبيف والبفتيك (أو البُكتيف بحسب رواية البعض في بلادنا)، فذكرت اسم اللون الأول، فعاد الغلام ومعه قطعتان كبيرتان حواليهما من الدهن سواران، بل سوران وبجانبهما قليل من شبه المرق، فغمست لقمة في هذا السائل ثم وضعتها في فمي، فكادت تحدث عندي ما هو أشد من دوران البحر ودوخة الرأس واضطراب الأمعاء، لولا أن تداركت نفسي فأهويت إلى فمي بكمية عظيمة من الملح والفلفل والخردل؛ وذلك لأن الإنكليز يصنعون مآكلهم من غير ملح ويتركون تمليحها للآكل بقدر ما يريد، وخلاصة القول أني أكلت كما أكلت (لا هنيئًا ولا مريئًا).
وأما رفيقي فقد آثر النوم على كل شيء عملًا بما اكتسبه من التجربة في بحر الروم.
ثم إني صعدت على ظهر السفينة لأتمتع بمنظر البحر ومشاهدة المدينة، ولو أن ذلك يزيد في أعراض الدوار، ولا أصف اعتدال الجو وبهاء السماء وصفاء اللجة وجمال المدينة، وأجرافها الصخرية الشامخة التي تتأطَّم الأمواج تحت أقدامها، بل أقول إني كنت أستغرب من تحسن الحال كلما تقدمت السفينة إلى الأمام وأنا لا أشعر بالاضطراب، ولكن القبطان كان يقول لي (بالفرنساوية): تربَّص قليلًا ريثما تعارض السفينة التيار فهناك كل الهول. وما زال الحال على هذا المنوال حتى بدت لنا شطوط إنجلترا والفرح يداخلني قليلًا قليلًا إلى أن دخلنا ميناء نيوهافن (New Hayen) بسلامة الله تعالى وحسن معونته بعد مسير أربع ساعات ونصف. وكان عدد المسافرين ??? في الدرجة الأولى، و?? في الثانية، ولم يؤثر الدوار إلا على ستة من الستات واثنين من الخواجات، وقد أجمع الخبيرون على أن مثل هذا اليوم لا يجيء إلا فيما ندر، غير أنني قلت لعل هذا من كرامات المؤتمر. ثم نزلنا في المدينة فاستقبَلَنا أعوان الجمرك يسألوننا هل معنا شيء من الدخان والسجاير، ثم وضعوا أمتعة المسافرين على كثرتها في مخزن كبير بحسب ترتيب عددها في التسجيل، ووضعوا النمرة على الأرض بالطباشير لكل متاع مسافر مع بيان عدد ما يتبعه من الشنطات وغيرها؛ لكي يتوجه كل أحد بحسب تذكرته إلى موضع نمرته فيرى متاعه بدون أن يكون ازدحام أو اختلاط أو ضجة أو رجة، فأعجبني هذا الترتيب، وبعد التفتيش باللطف والمجاملة سار بنا القطار إلى لوندرة فيما بين حقول خضراء ناضرة ومراعٍ واسعة زاهرة.
فلما وصلنا المحطة المقصودة من لوندرة في مساء ?? أغسطس تلقَّانا عامل من بيت كوك ومعه كثير من مكاتيب إخواني الذين تركتهم في مصر، وَصَلَت قبل وصولي، فحفظها لي عامل كوك. وقد تلوتها باشتياق زائد قبل أن أنتقل خطوة واحدة، وحمدت المولى على هذه النصف مشاهدة مسرورًا بها شاكرًا لله ذاكرًا ما لهم من الفضل والعناية. ثم ركبنا العربة قاصدين الفندق، فإذا المدينة كبيرة ضخمة جسيمة هائلة لا يصح أن تسمى مدينة أو عاصمة، بل هي قُطر كبير، وإذا حق لي تسمية باريس (جنة الدنيا) فلا بد لي من تسمية لوندرة موسوعات العالم.
وقد نزلنا في أهم فندق بأهم حَي من أحياء هذا القطر إعلاءً لشأن المأمورية، وإجلالًا لمقام حكومتنا السنية، وهو المعروف ? (ألبماريل هوتيل) وهو من الطبقة الأولى، ولا ينزل به أحد من المسافرين إلا بتوصية أو تقديم. وكان نُزُلًا لأعضاء العائلات الملوكية الذين جاءوا إلى هذه الديار. وقد كان النور الكهربائي فيه طوع بناني طول الليل وطول النهار. وإن اليراع لعاجز عن وصف ما عليه الفندق، ولكني أقول إن بذل الدنانير الوافرة أجرة للنزول فيه كبذل الدراهم في غيره، وسأصفه بما في المقدور في الرحلة إن شاء الله تعالى.
وفي صباح النهار نزلنا إلى قاعة الاستقبال، فرأينا ثلاثة من أبناء بلدنا قد حضروا للسلام علينا، وكنا لا نتوقع أن أحدًا يعرف مكاننا في تلك الساعة، فحصل لنا برؤيتهم ومكالمتهم مزيد السرور، وهم من التلامذة الذين أرسلتهم الحكومة الخديوية للتعلم في بلاد الإنكليز، وقد صدر لهم أمرها بمقابلتنا وإرشادنا.
ثم حضر لزيارتنا في الفندق سعادة الجنرال السير غرنفل باشا سردار الجيش المصري سابقًا، فاستقبلْنَا سعادته بواجب الاحترام اللائق بمكانته من الفضل والعلم، وهو الذي يساعدنا في مأموريتنا هذه كما سيمر على نظر القارئ، ثم حضر لنا رفيقنا الثالث وهو الدكتور فولرس (Vollers)،? وقد رددنا هذه الزيارات بعد ذلك. فلما جاء يوم افتتاح المؤتمر أرسل لنا سعادة سردارنا السابق عربته لتقلنا إلى محل الاجتماع، فلما وصلنا رأيناه يموج بالناس، ولا يجهل القارئ أن جميع من يضمه المكان هو من مشاهير العلماء، ونخبة الفضلاء من كل أمة، ولم يحضر المؤتمر أحد من العائلات الملوكية، بل كلهم اعتذروا برسائل برقية وغير برقية.
وافتتح حضرة الرئيس الأستاذ مكس مُلَّلر أعمال المؤتمر بخطبة قد كانوا طبعوها في ?? صحيفة ووزعوها علينا، وكلها غُرَر ودُرَر، وربما لخصتها في الرحلة. أما الرياسة الإدارية فقد كانت في يد اللورد نورثبروك (الذي كان حاكمًا على الهند، وقد جاء مصر من زمن غير بعيد)، ولاحظ الجميع أن الوقت المقرر قد مضى ولم يتم العمل المحدد في البيان الرسمي ليوم الافتتاح، بل إنه لم يتكلم أحد غير الرئيس، وآخر أثنى عليه وثالث تكلم بالطليانية، وعلى ذلك انفضت الجلسة الافتتاحية. وفي المساء كانت مأدبة اللورد نورثبروك لأربعة وعشرين مدعوًّا من أهل المؤتمر لم يكن بينهم شرقي غيري، وقد أجلسوني على المائدة وإلى يميني الدكتور بوهلر، وهو من أشهر مشاهير العلماء في أوروبا، وإلى يساري السير غرنفل باشا، وكانت المأدبة أشبه شيء بمآدب الملوك على ما سمعت لا ما عرفت.
وفي الأيام التالية كانت الأقسام تشتغل بمباحثها، وفي جملتها الفرع الثاني من القسم الثاني الخاص بالساميَّات الذي كُنا فيه، فلما جاء دورنا تكلم الدكتور فولرس على رسالة كتبها في الأصوات العربية مستندًا على ما رواه ابن يعيش شارح المُفَصَّل وما جاء به سيبويه النحوي، ثم تلوته بالفرنساوية مبينًا إجمال ما في الرسائل التي قدمتها للمؤتمر،?ثم قام حضرة الأستاذ الشيخ محمد راشد، وتكلم على رسالته التي كتبها في الكلام الدارج بمصر القاهرة، وأورد كثيرًا من أزجال العوام وألحانهم وموشحاتهم وموالياتهم وأدوارهم، ثم قَدَّم شرحًا مطولًا كتبه على خطبة مقامات الحريري. وفي اليوم الرابع عينوا لجنة دولية للنظر في شئون المؤتمر الآتي والإقرار على وقت انعقاده ومحله، وتعينتُ فيها عضوًا نائبًا عن الديار المصرية. وكان الحاضرون ?? بما فيهم الرئيس، فتُليت الخطابات الواردة في هذا الشأن، ودارت المذاكرة على تعيين وقت انعقاد المؤتمر الآتي. فقال الكونت داجو بيرانتي مندوب إيطاليا: إن اللازم عقده بعد ثلاث سنوات حتى يتيسَّر للعلماء في خلال هذه المدة أن يحضروا مباحث يقدمونها فيه، فقلت حينئذ: (إن القاعدة التي تقررت في أول الأمر لأجل عقد المؤتمر كل ثلاث سنوات إنما كانت لقلة المستشرقين، وأما الآن فقد انتشروا حتى كان لهم من أمريكا مشاركون كثيرون، والواجب علينا أن نوجد لهم فرصًا كثيرة يعرضون فيها أعمالهم؛ لئلا يزداد الشقاق بين أجزاء هذه الجمعية، فتضيع القاعدة الأولى بالكلية، وتذهب ثمرات هذا الجمع أدراج الرياح، ويصر علماء كل دولة على عقد مؤتمر في عاصمتها كل عام أو عامين، فيتفرق العمل شذر مذر. ولهذا فإني بمناسبة الشقاق الحاصل الآن في لسبون أرى وجوب الإقرار على عقد المؤتمر في سنة ??؛ أي بعد سنتين فقط.) فطرح الرئيس هذين الرأيين على الأعضاء وحسبت الأصوات، فإذا هي متساوية في كل فريق ?? عضوًا وبقي الترجيح له، فأطال الإمعان ثم انحاز إلى رأينا وتقرر الاجتماع في سنة ??، ثم تقرر أن يكون مركزه مدينة جنيفا (جنبرة) ببلاد السويسرة. ثم تقدَّم مشروع خاص بتنظيم أعمال المؤتمرات في المستقبل، وجعلها تسير على وتيرة واحدة فتقرَّر بعد بعض تعديلات.
ولما حَل اليوم المحدد لانفضاض المؤتمر اجتمع فيه خلقٌ أقل من الذين حضروا يوم الافتتاح، ودارت المذاكرة على ما قرَّرته اللجنة الدولية التي سبقت الإشارة إليها ثم أعلنوا بالاختتام.
وفي المساء توجهنا إلى مأدبة أعدَّتها لجنة تنظيم المؤتمر لجميع الأعضاء في قاعة (هوتيل متروبول)، وهو من أكبر فنادق لوندرة، وكان عدد الحاضرين فيها ??? مدعو. وكان السير غرنفل باشا على يميني والأستاذ الفاضل الشيخ محمد راشد على شمالي، ولا يخطئ من يُشبه هذه الحفلة ببرج بابل من حيث اختلاف الألسنة، إلا أنها بالغة في الكمال والإتقان، جمعت أصنافًا كثيرة من بني آدم ولغات متخالفة تكلم بها القوم الواحد بعد الآخر، وقال رفيقي شيئًا يناسب المقام، ثم تكلمت بالعربية حسب مقتضى الحال.
واعلم أنه لكبر هذه المدينة واتساعها لم يظهر فيها أثر ما لانعقاد مؤتمر المستشرقين، بل ولا أقل أثر لمؤتمرات غيره كانت منعقدة في الوقت الذي انعقد مؤتمرنا فيه؛ وهي مؤتمر للعَمَلة (بفتح الميم)، ومؤتمر للمعامل، وثالث للصحة، وكل هذه منزوية في غضون جوف هذه المدينة التي تسمى عند العرب (لُنْدرس) كما هو اسمها الآن عند أهل إسبانيا، وأما اسمها في لغة أهلها فهو لَنْدن (London)، ولكن الفرنساوييين يسمونها لُوندر (Londres)، ويضعون في آخرها سينًا لا ينطق بها، فإذا أرادوا النسبة إليها رجعوا للأصل اللاتيني الذي يقرب من اللفظ الإنكليزي فقالوا لندنيان (Londonien). وفي الأسبوع الذي كان المؤتمر منعقدًا فيه (من ? إلى ?? سبتمبر) دعينا لمآدب كثيرة ونزه مفيدة للجسم والفكر، يسمونها رياضة رياضية، وبلغتهم جاردن بارتي (Garden Party)، لكنهم ينطقون بها (جادن باتي) بجيم وألف مفخمتين ونون لا تكاد تظهر، وكذلك الباء الفارسية والألف في التفخيم والتاء والياء في عدم الظهور (فهذا درس من اللسان الإنكليزي، وإن كنت لا أعرف منه الآن إلا قليلًا). ولا أذكر من هذه الرياضات الرياضية في هذا المقام سوى مأدبة أعدها لنا اللورد أمهرست (وهو غير الذي كان حاكمًا على بلاد الهند)، فقد دعانا في يوم ?? سبتمبر إلى قصره الكائن على مسافة أربع ساعات من لوندرة، فركبنا القطار ونزلنا عند وصولنا في عربات فاخرة أرسلها لنا رب الضيافة، ومنزله أشبه شيء بمدينة عامرة فيها الرياض الغناء والمنازه الفيحاء، ومن ألطف ما يروق النظر فيها أماكن أعدها للعب، فسيحة الأرجاء مفروشة بالأعشاب الطبيعية، وفيها الغابات والبحيرات لصيد الطيور والأسماك، ومعمل للغاز وآخر للكهربائية، وآخر لاصطناع العربات وترميم آلات الزراعة وخزانة للأسلحة، وغير ذلك، مما يدل على تمكن الحضارة وضخامة الثروة وأصالتها. وأذكر أنه جمع في روضته هذه كثيرًا من الأشجار النادرة الغريبة من أقاصي المشرق والمغرب، وله عناية بالأزهار والفواكه فوق العقل، وقد رأيت عنده صنفًا من العنب كبير الحجم لذيذ الطعم أبيض اللون، وله خاصية الرائحة الذكية فيضوع أريجه عند أكله.
وقد اصطنع فيه زهرية على مثال بستان الأزهار الذي كان في قصر الحمراء بغرناطة أيام دولة عرب الأندلس، وشكلها آخذ بالبصر بهجةً ورونقًا.
أما داخل القصر فحدِّث عنه ولا حرج وقل ما شئت، ففيه دار تحف مصرية وبابلية وعمومية؛ ولأجل أن يتصور القارئ مقدار التحف التي فيه وعظيم أهميتها أقول إنه يوجد لديه ?? صندوقًا كبيرًا كلها مشحونة بآثار مستخرجة فقط من تل العمارنة في ديارنا قريبًا من مَلَّوى بمديرية أسيوط، وهو ينظر الآن في بناء محل متسع لعرض هذه الآثار فيه.
وأما المكتبة فهي كبيرة جدًّا وفيها نُسخ كثيرة بخط اليد من المصاحف الشريفة، وكثير من الكتب العربية والفارسية والهندية مما له قيمة، وذلك عدا الكتب الإفرنجية المنسوخة بخط اليد المحلاة بالصور والرسوم البالغة حد الإتقان، والكتب التي كانت باكورة اختراع المطبعة في أوروبا، وفي إنكلتره، وهي الآن نادرة الوجود وقَلما توجد في الكتبخانات العمومية التي من الدرجة الأولى، وأحسن شيء رأيناه نَسَق وضعها وترتيبها المدهش للعقول، وقد أعد للكتب النادرة المثال خزائن من الحديد خشية عليها من الحريق إذا شبت النار، وإن كان متحفظًا على جميعها كما ينبغي.
وفي المنزل غُرفة ورقها من الجلد الأندلسي القديم، وعليه أشكال ورسوم صوَّرها أحد المعلمين النابغين، وأما الآنية والفرش والأثاث والاستعداد، وكثرة الرسوم والطيور والحيوانات المصبرة، فذلك مما لا حد لوصفه، ولا تسل بعد هذا عن بقية قاعات النوم والجلوس والأكل، وما تحتوي عليه من الأثاث والنور والأشكال والأوضاع، فكله من وراء مقدور اليراع. وفي الدار كلها أسطوانات عليها إعلانات تفصيلية بكيفية استعمالها بالسهولة لإخماد النار إذا شبت في أي مكان. وخلاصة القول أنه إذا كان في الدنيا نعيم فهو في منزل هذا الرجل.
أما دماثه أخلاق حضرة اللورد وحسن معاملته لنا هو وزوجته وبناته الست، فذلك بمقدار ثروتهم وحضارتهم، وقد أحرزوا من شكرنا بمقدار ما كان لنا من مكارم الأخلاق.
ومن بناته ثلاث أو ثنتان جئن مصر والباقيات لم يزرنها، ولكنهن يقرأن الحروف العربية، ويقدرن على كتابة بعض الكلمات بخلاف أخواتهن الأُخر. وقد كان بود هذه العائلة الكريمة أن تبقينا عندها أيامًا كثيرة، ولكنا مع وجود أعظم من رغبتهم عندنا اعتذرنا؛ لأن حضرة الشيخ كان لا بد من رجوعه إلى مصر في يوم ?? سبتمبر، فودعناهم بعد أن أخذت إحدى كريماته صورتنا بالفتوغراف، وبعد أن استكتبونا أسماءنا بالعربية والإفرنجية.
أما نزهتنا في لوندرة فلا أتكلم عليها الآن، وإنما أذكر أني شفيت الغليل برؤية شبه مدينة البندقية في إحدى ضواحيها، وهو محل متسع اسمه البندقية (Venice) فيه تياترو رحب ومعمل للزجاج يشبه معامل البندقية، وفيه شوارع مائية ومراكب ومراكبية تمثل للإنسان مدينة البندقية بالتمام. فحمدت الله على هذه الفرصة التي جعلت لي فكرة على هذه المدينة المائية، حتى كأني شاهدتها بالعين فما لا يدرك كله لا يترك كله.
وقد توجهنا في يوم من الأيام إلى معرض التاريخ الطبيعي البريطاني، وكان مرشدنا فيه حضرة وطنينا الفاضل المتفرد بالشهرة في هذا الفن الدكتور عثمان بك غالب، فاستفدنا من دقائق المعرض وحقائقه أشياء كثيرة. وأقول الآن إن الحكومة تنفق عليه وحده في السنة أكثر من ?? ألف جنيه إنكليزي في نظير ماهيات العلماء والعمال فقط؛ أي خلاف المشتروات وصيانة المكان، وغير ذلك من النفقات الكثيرة التي لا يمكن أنها تقل عن هذا المقدار. وقد كان في الأول فرعًا من المتحف البريطاني، فلما اتسع نطاقه وازدادت معروضاته نقلوه إلى هذا المكان المخصوص، وهو في غاية الترتيب ونهاية الكمال.
هوامش

(?) كان الدكتور فولرس مديرًا للكتبخانة الخديوية في ذلك الوقت.(?) انظر خلاصة الخطبة في آخر الكتاب.
الرسالة العاشرة


لوندرة
بودي لو يتيسر لي أن أكتب الآن ولو كلمتين على هذه المدينة، بل على هذا القطر الواسع الذي يسمونه لوندرة، ولكني أقف أمام هذا الموضوع الهائل شبيهًا بالنملة بجانب مسجد السلطان حسن، أو كالزورق الصغير في البحر المحيط، وأنَّى له أن يهتدي إلى بر السلامة! فعلام أكتب؟! وماذا أصف؟! وفيم أخوض؟!
فلقد اشتملت متاجرها على جميع الأصناف والمحصولات، كما أن بضائعها ومعاملها بلغت من الاتساع والإتقان فوق ما يتصوره الإدراك، حتى إن مجرد الدخان الذي ينبعث منها إلى سمائها يتحد مع ضبابها، ويزيد في تكدير جوها، ثم يتساقط على مبانيها وعمائرها وتماثيلها وأنصابها، فيجعل منظرها أسود قاتمًا كثيبًا محزنًا تنقبض منه النفوس ويذهب بالانشراح أدراج الرياح، وفيها من الإقبال على الشئون واغتنام الفرص ومعرفة قيمة الوقت ما يحير الأفكار ويبهر الأبصار، ورجال الشرطة فيها بلغوا من الانتظام وحسن الدراية، وكمال الدربة معرفة الواجبات ما لا يكاد يضاهيهم فيه غيرهم في الكون بأسره، حتى صار لهم مهابة في النفوس وسيطرة حقيقية على كافة الأفراد، بحيث إن أقل إشارة منهم تكفي لمنع أي خلل أو اضطراب.
أما استمرار الحركة في شوارعها فمما لا يتصوره الإنسان إلا بعد المناظرة بالعيان، فإنها في أقل الأيام (ما عدا يوم الأحد) تشبه يوم مهرجان النيل أو ليلة احتفال الأعجام في العاشر من محرم الحرام، أو موسم المولد النبوي أو الأحمدي (أو كل ذلك مجموعًا إلى بعضه)، فترى العربات العمومية ذوات العجلتين وذوات الأربع تتقاطر وراء بعضها، وبجانبها عربات الأومنيبوس شبيهة بالمنازل والدور كسلسلة متصلة الأطراف، والناس يتبع بعضهم بعضًا كأنهم يساقون إلى المحشر، إلى غير ذلك مما يقتضي التعريف به أن تظهر الحقيقة فوق الإغراق والغلو في المبالغة، ولكنى لا يصح لي أن أعتذر بتعذر الإحاطة بأطراف هذا الموضوع عن كتابة ما شعر به الوجدان وتأثَّر به الجنان، وإني أحاول ذكر قليل مما تيسر لي الوقوف عليه من الإجماليات ومن أمور شتى ومنشورات متنوعة تصور للقارئ بعضًا من كلٍّ من جسامة هذه المدينة العظيمة، واتساع نطاقها وامتداد أعمالها وكيفية الحركة فيها.
فأول شيء يؤثر على عقل القادم إليها ما يراه من حركة الوابورات، وسرعة مسيرها، وكثرة عددها، وتنوع اتجاهاتها واختلاف أوضاعها في الارتفاع والانخفاض، حتى يكاد يعتريه دوار في الرأس يشبه دوخة البحر، ويداخله خوف شديد من إمكان حصول الاصطدام في كل لحظة، أو خروج القطار عن الشريط في كل خطوة، حتى إذا وصل المحطة زادت الدهشة مما يراه فيها من الاتساع وكثرة الأرصفة، وجسامة المباني وتعدد صنوف المخلوقات وتناهي صفوف العربات، مما يضيع اللب ويذهب بالرشاد، ثم متى دخل في شوارعها وسار في طرقاتها ومسالكها بُهت وبلغ الاضطراب منه منتهاه.
ومهما وصفت ومهما شرحت ومهما بالغت، فإني لا أبلغ عشر معشار الحقيقة؛ ولذلك رأيت أن الطريقة المثلى هي أن أكتفي الآن بذكر بعض أمور متفرقة، تجعل للقارئ فكرة صغيرة عن عظمة هذه المدينة الكبيرة.
ولكني أقول قبل ذلك إن الشركات والجمعيات وما بينها من المزاحمة الممدوحة والمناظرة المحمودة، هي روح هذه الحركة وأُس هذا الارتقاء، فمهما نظر الإنسان إلى أي عمل من الأعمال رآه في يد شركة من الشركات، وليس للحكومة دخل في شيء ما سوى المراقبة العالية والسيطرة المعنوية، التي تجعل الجمهور في أمان من اغتيال هذه الشركات، وفيما عدا ذلك فإن الأمة قائمة بنفسها مكدة في طلب المكاسب والمعالي بما يفيدها، ويرفع شأن دولتها من غير أن تتنازل وتمد يدها لإمداد الحكومة ماديًّا أو معونتها معنويًّا؛ حتى إن الإنسان ليتساءل بعد ما يراه من تنوع الشركات وتناولها كل شأن من شئون العقليات والمحسوسات، كيف أن مثل البوستة والتلغراف والجمرك والدخولية والبوليس والجيش ليس في يد الشركات؟ نعم، فقد كانت البوستة والتلغراف خاضعَين لهذا القانون العام في هذه البلاد بلاد التعاضد على الأعمال، والتباعد عن الخمول والإهمال، ومعرفة ثمرات الاجتهاد والاتحاد والاقتدار على إنماء المال، ولقد كان فَتح الهند كما لا يخفى وإضافتها للدولة الإنكليزية على يد شركة تجارية وأمثال ذلك كثيرة.
وذلك لأن أفراد الأمة البريطانية يرون أنهم لم يخُلقوا إلا للعمل والاكتساب، ولقد بلغت محبة الاستقلال فيهم مبلغًا لا يكاد يتصوره العقل، حتى إن بعض البنات في العائلات الكبيرة تذهب للرسم والتصوير أو التطريز والتدبيج أو التعلم والتدريس لتكتسب بنفسها، ولا تكون كَلًّا على عوائق أهلها مع ما هم فيه من الثروة والرفاهية، ومنهن من يؤثرن التغرب في بلاد الهند وأستراليا وكندا بصفة وصائف أَولَى من البقاء في منازلهن خاليات من العمل منغمسات في البطالة والكسل، وذلك شأن الشبان أيضًا حتى لقد جاء في أمثالهم أنه (لا شيء يُفلح مثل الفلاح)، وذلك يشبه من بعض الوجوه المثل الفرنساوي (الغاية تُبرر الواسطة)، وهم يعتبرون الفقر عيبًا بخلاف سائر الأمم؛ ولذلك يشتغلون كلهم مثل النحل، ولو كان الرجل منهم ابن غني يملك القناطير المقنطرة فلا بد له من التكسب بعرق جبينه.
وحبهم لوطنهم ولأنفسهم ولأبناء جنسهم أمر لا يُكيف. مثال ذلك: أن الرجل منهم إذا كان يعرف لغة غير لغته الأصلية، فلا يتكلم بها إلا عند الضرورة القصوى، وإذا رأى منك أنك تعرف من الإنكليزية مبادئها أخذ يخاطبك بها، ويجتهد في منعك من مكالمته باللغة المشتركة بينك وبينه؛ لأنها غير إنكليزية، وكذلك السكة فلا يتعاملون بغير النقود الأهلية مطلقًا، ومثلها المقاييس والمكاييل والأوزان، ومع أن العقلاء منهم يعترفون بأفضلية الطريقة الأعشارية لكنهم لا يزالون متمسكين بطرائقهم المتعددة المتخالفة التي ليست على أساس ثابت.
ومثال ذلك أنك إذا توجهت لأي مخزن، وطلبت صنفًا أو محصولًا مما اشتهرت بعض البلاد الأجنبية بصناعته وإتقانه، فإن رب الحانوت يجيبك بأنه موجود عنده، ولكنه ينصحك نصحًا بأخذ الصنف الإنكليزي قائلًا لك إنه أجود وأفضل من جميع الوجوه.
وهذا الموضوع يجرني إلى الاستطراد بذكر كلمة واحدة على الوطنية في بلاد أوروبا التي أتيح لي زيارتها إلى الآن، وهي إيطاليا وفرنسا وإنجلترا، إلى من يخدم الوطن باعتبار أعماله العمومية المفيدة للبلاد ويجلون ذِكره على الدوام، من غير أن ينظروا مطلقًا إلى أعماله الشخصية وأموره الداخلية، ومهما كان فيها من موجبات الانتقاد، فإن ذلك لا يمنعهم من اعتباره واحترامه ورفع صيته إلى أعلى عليين، ألا ترى أن (غاربالدي) الذي يهتز لاسمه قلب كل وطني طلياني، قد خدم الدولة الطليانية وأوجد وحدتها فأحله أهلُ بلاده المحل الأول من الإعزاز والإعظام، ولم يلتفتوا إلى ما تناقله بعضهم عنه من الأعمال المنكرة التي ارتكبتها زوجته الفتاة وقد اتخذها بعد أن صار طاعنًا في السن. ومثال ذلك (غامبتا) رجل الجمهورية الفرنسوية، فإن قصته مع عشيقته معروفة، وهي التي أطلقت عليه الرصاص، فنقلته إلى غير هذه الدار، ومع ذلك فهو مَوضع الإعجاب عند الفرنساوية يلهجون بذكره ويتمدحون بمآثره، ويحتجون بأقواله ويستشهدون بأعماله، وقد أقاموا له في أعظم نقطة من باريس حيث كان قصر الإمبراطور جهة ميدان الكاروسل تمثالًا فخيمًا رفيعًا اكتتب الأهلون لإقامته على أفخر مثال، وهم يأتون لزيارته من كل أنحاء فرنسا يضعون عليه الأكاليل والتيجان كأنه كعبة آمالهم.
وأما لوندرة ففيها تمثال أمير البحر (الأميرال نِلسُن) الذي كسر الدونانمة الفرنساوية وتعقبها في كل البحار وفاز بالانتصار في وقائعه، وخصوصًا في الجهة من الأندلس المعروفة في كتب العرب باسم طَرَف الأغر (التي حرَّفها الإفرنج إلى ترافلجار Trafalgar، وقد خبط أصحابنا المترجمون في نقلها إلى العربية فقالوا ترفلجار أو طرف الغار)، فقد أقاموا له تمثالًا فاخرًا على عمود شامخ يشرف على كل مباني لوندرة، ونظروا إلى ما اكتسبه منه الوطن ولم يلتفتوا بأي وجه إلى علاقاته السرية مع امرأة أخرى (كان لها بعل فيما بلغني)، حتى إنه حينما أدركته الوفاة أثناء الواقعة البحرية في طَرَف الأغر كان أول شيء اهتم به هو السؤال عن نتيجة القتال، فلما بلغه أن النصر لدولته سكر بخمرة الفوز وهو في سكرات الموت، ولم يلتفت بعد ذلك لشيء سوى أنه أوصى بإعطاء سيفه ووشاحاته إلى خليلته. وقد نقشوا على قاعدة العمود كلمة مأثورة عنه كان يتمثَّل بها كثيرًا وهذه ترجمتها: (إن إنجلترا تنتظر من كل فرد من أبنائها أنه يقوم بما عليه.) ولقد يُذكرني ذلك بالملكة كاترينة إمبراطورة الروسيا، فإن التاريخ ينبئنا بأنها كان لها محبون معلومون ولهم مرتبات وعلوفات رسمية بهذه الصفة في ميزانية الحكومة، حتى إنها لبست الحداد رسميًّا بعد وفاة أحبهم إليها مدة سنتين، ومع ذلك فلا يزال الروس يطأطئون لذكرها الرءوس ويفتخرون بها ويمجدون اسمها؛ لأن دولتهم في أيامها وباجتهادها بلغت من التقدم وعلو المكانة ما جعل لها جانبًا مهيبًا في أعين الدول الأخرى.
فهكذا يكون حب الوطن، وهكذا يكون السعي في تشجيع الفضلاء على خدمته. فإن النظر إلى السفاسف وتعقب الهفوات التي لا يترتب عليها ضرر للأمة والوطن لا يكون من ورائه إلا إهباط العزائم وتثبيط الهمم، فتخمد القرائح النيرة وتنطفئ الأفكار الوقادة، ويقعد المجتهدون وأصحاب الأماني عن الكد وراء المعالي، ولا يصيب الوطن من ذلك إلا خُسران رجال ربما كان له من وراء أعمالهم فائدة جليلة.
ولقد ساقني الكلام على وطنية الإنكليز إلى هذا الاستطراد، فأسأل القُراء عَفوًا؛ لأني أرى نفسي وجوارحي وقلمي وفكري تندفع بالرغم عني إلى ذكر شيء من هذا القبيل، عسى أن يكون له صدى في بلادنا فيكون من ورائه النفع العميم.
وأرجع الآن إلى الكلام على لوندرة التي يتعسر على الإنسان أن يقول أين مبدؤها وأين منتهاها، ومن المحتمل أنه لم يتفق لأحد أنه رآها كلها، وأن ذلك لن يتفق في الاستقبال لما يستوجبه المشروع من الصعوبة والإتعاب والحيرة والاضطراب، فإن مسطحها ??? كيلومترًا مربعًا من غير ضواحيها وأرباضها، وقدروا أطول دائرتها ?? كيلومترًا، وأن طولها من الشرق إلى الغرب ?? كيلومترًا، ومن الشمال إلى الجنوب ?? كيلومترًا، وطول طرقها ???? ميل، وطول بالوعاتها ومصارفها ???? ميل، وكان عدد سكانها في أول القرن؛ أي سنة ????، عبارة عن ?????? نفسًا، وفي سنة ???? صاروا ???????، ولما جاءت سنة ???? بلغوا ??????? يسكنون في ?????? دارًا، وفي سنة ???? أثبت الإحصاء الرسمي أنهم ??????? بما في ذلك الضواحي المتصلة بها تمام الاتصال. ويتضح من التقرير الابتدائي عن حركة السكان في سنة ???? أن عددهم في شهر أبريل من تلك السنة كان ???????، وعدد المنازل ??????، وعدد الأغراب المتوطنين بها ??????، ولها وحدها في مجلس البرلمان ?? عضوًا ينوبون عنها.
ولكنك إذا نظرت إلى ذلك الاتساع الهائل وتلك المسافات المتباعدة الشاسعة تراها معدومة وكأنها لم تكن، فإن المدينة قريبة الأطراف لسهولة التنقل، وكثرة الوسائط من كل نوع، ففيها أكثر من ????? عربة بعجلتين وحصان واحد والسائق من خلف (واسمها هَنْسَم وهي مثل عربات الأوتيل كونتيننتال في القاهرة) أو بأربع عجلات وحصانين لركوب هذه الخلائق المتزاحمة، أما عربات الأمنيبوس فلا تقل عن ???? عربة تسير في ??? خط متمايزة عن بعضها، أنشأتها شركات متعددة، وبلغ عدد الركاب في عربات إحدى هذه الشركات (وقدرها ??? عربة) ?? مليونًا من النفوس في سنة ????، وفي كل عربة منها ?? مقعدًا؛ ?? في الداخل و?? على ظهرها، وفي أكثرها زيادة على ذلك مكانان بجانب السائق وفي ضواحي المدينة، وبعض جهاتها عربات الترامواي التي تجرها الخيل على قضبان حديدية وهي لأربع شركات، ولا يمكن إدخالها في المدينة لكثرة الازدحام، فإن المقرر أن عربتين تسيران إلى الأمام وعربتين إلى الخلف، وقلما تكون جهة من الشارع خالية من الأربع عربات.
وقد أحدثت سكة حديد العاصمة (التي تسير تحت الأرض) عربات الأمنيبوس توصل بين المحاط وبعضها، وتتميز عن عربات الأمنيبوس الأخرى بأن السائق تكون فوق رأسه مظلة كبيرة عليها اسم الشركة، ويجوز لكل إنسان صادفها في طريقه أن يركب فيها.
وفيها أيضًا عربات تسمى (ماي كوتش) تسير بالسواحين والمتفرجين إلى بعض مدائن النزهة القريبة.
وفيها شركة تتكلف بحمل الأمتعة والرزم والطرود التي لا يتجاوز وزنها ??? رطل إلى أية جهة من جهات لوندرة وضواحيها، ولها أكثر من ???? مكتب فرعي متوزعة في كل أنحاء المدينة، وثمن النقل زهيد جدًّا. وقد تأسست شركة أخرى لنقل البالات مثل بالات الأقطان والبراميل بأنواعها، والبضائع الكبيرة الحجم، وأهم هذه الشركات فيها ???? مستخدم و????? حصان، وهنا أقول إن سائقي العربات في لوندرة يفوقون في صناعتهم جميع أمثالهم في سائر أنحاء الأرض.
وهناك أيضًا شركة خيرية تألفت لمساعدة العساكر البرية والبحرية، الذين قضوا مدة الخدمة، فإنها تكتنفهم وتقوم باحتياجاتهم وتستخدمهم في نقل الرزم والطرود الصغيرة بأجرة لا تتجاوز ?? مليمًا بحسب بُعد المسافة وثقل الحمل.
ويوجد بها شركات لها زوارق بخارية كثيرة العدد تجري في نهر التيمز على الدوام لنقل هذه الجماهير المجمهرة من مكان إلى مكان، وهي في البحر بمثابة عربات الأمنيبوس في البر، ويجوز للراكب فيها أن ينتقل من الواحد للآخر بحسب الجهة التي يقصدها من غير زيادة في الأجرة، وهي لا تتجاوز ?? ملِّيمات، وتقوم المركب كل خمس دقائق، ويوجد شركات أخرى لها بواخر تسير بين لوندرة والجهات التي على نهر التيمز وتقوم كل ربع ساعة وكل نصف ساعة (ما عدا أيام الشتاء)، وفوق ذلك على النهر مراكب كثيرة بالقلوع والمقاذيف يؤجرها الناس للفسحة على الماء، أو للتنقل من جهة إلى أخرى، ويوجد مراكب بخارية أنشأتها بعض الشركات للسفر من لوندرة إلى جميع مواني إنجلترا واسكتلندة وإرلندة، بل ولفرنسا والجهات الأخرى من قارة أوروبا، هذا بصرف النظر عن المراكب البخارية التجارية الكبيرة التي تمخر في جميع البحار.
وفي لوندرة أكثر من ??? محطة للسكة الحديدية، أقل واحدة منها (حتى التي تحت الأرض) أكثر من محطة القاهرة الحالية اتساعًا وحركةً وعملًا، ومنها ما يساوي محطة مصر والإسكندرية وطنطا ثلاث مرات في ثلاث مرات، وقد يمر في بعضها (مثل محطة كلابهام) أكثر من ???? قطار في اليوم من غير احتساب قطارات البضاعة (وأنت تتخيل مما ذُكر كم ينبغي أن يكون مقدارها في بلدة تجارية صناعية مثل لوندرة).
وفي سنة ???? نقلت سكة حديد العاصمة، وكلها تحت الأرض ??? ملايين من الركاب بالتمام وقد ازداد هذا العدد الآن زيادة كلية.
ثم إن القطارات كثيرة جدًّا وسريعة للغاية والعربات مفروشة بكل عناية وإتقان، حتى إن عربات الدرجة الثالثة هي أحسن بكثير من عربات الدرجة الثانية عندنا وفي بعض أقطار أوروبا. ولا يمكن أن يمر على الإنسان لحظة واحدة وهو في القطار من غير أن يرى قطارين أو ثلاثة تحت أقدامه، ومثلها بجانبه، ومثلها فوقه بقليل، ومثلها يجري على القناطر والجسور، ومثلها بحذائه ذات اليمين ومثلها إلى جانب اليسار، وهكذا مما يحدث الخبال، وذلك كله نتيجة المزاحمة وثمرة المناظرة، فإن الذي يريد أن يتوجَّه من لوندرة إلى مانشستر مثلًا يجد أمامه خمسة طرق مختلفة في يد شركات مختلفة، وكل واحدة منها تجتهد في أن تضمن للمسافر من المزايا والفوائد والتسهيلات ما يجعله يُقبل عليها دون سواها، حتى إن الطوالات الخشب المستعملة في الدرجة الثالثة أصبحت لا وجود لها بالكلية. وقد تكون عربات الدرجة الثالثة في قطارات الإكسبريس، كما أن بعض القطارات لا توجد فيها إلا الثانية، وفي بعضها (وهي السريعة) لا ترى إلا الأولى.
ولا يمكن أن يمضى على الإنسان إذا وقف في مكانه ثلاث دقائق من غير أن يمر عليه ما يريده من عربات الأمنيبوس، أو القطارات أو الزوارق البخارية أو غير ذلك، فأصبحت المسافة في هذا البلد الطويل العريض معدومة والأبعاد متقاربة؛ لسرعة وسائط النقل وكثرتها وسهولتها وتيسرها.
وخلاصة القول أن تعدد الشركات ومنافستها لبعضها البعض التنافس الممدوح يجعل الإنسان مهما قَلَّب ناظره في أية جهة من جهات المدينة على وجه الأرض، أو تحت الأرض أو في الجو فوق أسطحة المنازل، يرى عددًا هائلًا من القطارات البخارية؛ منها ما يرفع عقيرته إلى عنان السماء، ومنها ما يكتم نفسه في جوف الأرض ويكتفي بالأنين.
ومن تأمل في حركة هذه القطارات التي لا ينقطع دويها، وكلها مركبة من ?? أو ?? عربة كبيرة كلها مشحونة ببني آدم، ثم نظر إلى الزوارق البخارية، وإلى سواريها التي تجعل النهر كغاية بالغة في الاتساع، ثم نظر إلى عربات الأمنيبوس وهي تجدُّ في السير وليس بها مقعد خالٍ، ثم نظر إلى حركة الشوارع وما فيها من المركبات المختلفة المقادير والأحجام والأشكال والأنواع، وكلها غاصة بالناس وبالبضائع، ثم نظر إلى جانبي الطريق، ورأى الأقوام تمور وتموج كالسيل المنهمر الذي لا يصده عائق، فلا شك أن يعتريه اضطراب واندهاش وتأخذه الحيرة والاختبال، ويحكم بأن هذه المدينة كقرية النمل، وليس لها من هذا القبيل نظير في العالم بأسره على الإطلاق.
والذي يزيد في الإعجاب والاستغراق أنه لا يسمع صوتًا ولا صياحًا ولا ضجة، ولا اعتراكًا بنسبة جزء من ألف جزء من هذه الحركة، بل كل إنسان صامت أو هامس مقبل على شئونه مكد في الذهاب إلى مقصده، وكل شيء يجري فيها كالساعة المنتظمة ذات الآلات الكثيرة والغايات المتنوعة، حتى إن الغريب ليحكم بأنه بين قوم لا يسمعون ولا يتكلمون.
ولا أنتقل من هذا الموضوع قبل أن أذكر شيئًا يسيرًا عن سكة حديد العاصمة، فإنها عبارة عن طريقين: أولهما يدور حول الستي City (أعني المدينة مثل السكرية والغورية وما حواليهما من الجهات، فإنها معروفة في مصر القاهرة باسم المدينة أيضًا)، والثاني حول البلد كلها، وهما متصلان ببعضهما في كثير من النقط، وقد بلغت نفقات الميل الواحد فيما بلغني ثلاثة ملايين من الجنيهات؛ لأن الشركة التزمت بدفع قيمة الأراضي والمنازل وحفر الأرض وبنيان القباب والعقود وغير ذلك مما يوجب صرف المبالغ الجسيمة. وبما أن القطارات في هذه الطرق تسير تحت الأرض إلا عند دخولها في المحاط (فإنها كلها مكشوفة إلى السماء)، فقد رأى مهندسو الشركة أن يصنعوا الآلات البخارية محتوية على مزيتين مفيدتين جدًّا لمقتضى الحال، فأولاهما: أن الآلة مجهزة بحيث إنها تحرق الدخان المتصاعد منها فلا يكون له أدنى تأثير، وثانيتهما: أنها تصطنع من الفحم الذي تحرقه زيت الحجر (الغاز أو البترول) اللازم لإضاءة كافة العربات على الدوام والاستمرار.
ثم إن القطار يدخل المحطة وهو في منتهى السرعة، ويقف مرة واحدة فيحصل ارتجاج خفيف جدًّا لا يكاد يشعر به الإنسان، والسبب في ذلك أنهم وضعوا ثلاث جهات من الرصيف ثلاثة ألواح كبيرة لتوفير الوقت ومكتوب عليها ما معناه (انتظر هنا للدرجة الأولى والثانية أو الثالثة)، فيقف ركاب الدرجة الأولى في المكان المعين وركاب الدرجة الثانية في المحل المخصص لهم ومثلهما أصحاب الدرجة الثالثة، ثم إن العربات في القطار مرتبة وراء بعضهما بحسب الترتيب المعين في رصيف المحطة، فمتى جاء الوابور وقف في المكان المناسب، فلا يكون على المسافرين إلا أن يدخلوا العربات من غير تعب ولا سؤال، بل بتحريك القدم خطوة أو خطوتين بالأكثر، وذلك لمنع الاختلاط فإن القطار لا يقف أكثر من بعض ثوانٍ، وتجد على باب العربات من الداخل عبارة هذه ترجمتها: (انتظروا حتى يقف القطار.) ولكني أرى من الواجب على المسافر أن يشرع في النزول بمجرد وقوف القطار؛ لأن أقل تأخير يترتب عليه أن يساق إلى المحطة الثانية، ثم يرجع مع قطار آخر إلى المحطة المقصودة من غير أن يلتزم بدفع أجرة تكميلية، بشرط أن لا يظهر على وجه الأرض، بل يستمر على رصيف المحطة، وهذا أمر ينبغي تنبه الغريب إليه؛ فإن كثرة الإعلانات في المحطة تمنعه، ولا شك من أن يعرف اسمها، فالأجدر به والحالة هذه أن يسأل قبل النزول في القطار عن عدد المحاط التي سيكون الوقوف فيها قبل الوصول إلى المحطة اللازمة، أو أن يجتهد في قراءة اسم المحطة على فوانيسها ودكك الانتظار، فإنهما المحلان الوحيدان الباقيان للآن في حرز وأمان من هجمات أصحاب الإعلان.
وكل إنسان يركب في القطار يجوز له أن يُؤمِّن على حياته ونفسه من العوارض والأخطار التي ربما تطرأ في أثناء السفر، ففي حالة الوفاة تدفع الشركة ألف جنيه إنكليزي لورثة المسافر في الدرجة الأولى الذي يكون قد أمَّن على حياته بدفع مبلغ يوازي ?? مليمًا زيادة على ثمن التذكرة، وتدفع مبلغ ??? جنيه لورثة المسافر في الدرجة الثانية الذي يدفع ? مليمات زيادة على ثمن التذكرة، ومبلغ ??? جنيه للمسافر في الدرجة الثالثة الذي يدفع ? مليمات زيادة على ثمن التذكرة، فإذا كان العارض غير الوفاة التزمت الشركة بالتعويض بمبلغ نسبي بحسب شدة العارض وخفته.
وفي هذا المقام أذكر ما رواه بعضهم من أن رجلًا من الإنكليز كان يركب على الدوام في الدرجة الأولى ولا ينسى مطلقًا التأمين على حياته، وفي كل مرة وصل المحطة بالسلامة أخذ في اللعن والشتيمة والسباب لعدم وقوع ما كان ينتظره لعائلته من الثروة واليسار. وحقيقة فإن الأخطار قليلة، بل نادرة، بل لا تكاد تُذكر.
وقد كان إنشاء هذا الخط في سنة ????، وله أكثر من ?? محطة، وقد يمتد إلى بعض ضواحي لوندرة (ويكون حينئذ على وجه الأرض)، وقد يسير تحت نهر التيمز في نَفَق هو عبارة عن أنبوبة من الحديد، وفي كل خمس دقائق يقوم قطار، وذلك من الساعة ستة صباحًا إلى نصف الليل (ولكن القطار يقوم قبل الساعة ? صباحًا وبعد الساعة ? مساء في كل ربع ساعة)، وثمن التذاكر طفيف جدًّا، فلا يزيد على خمسة قروش صاغ.
وأقول بهذه المناسبة إن تسجيل المتاع ليس من أصول السكة الحديدية في بلاد الإنكليز على العموم (لا كما في إيطاليا أواه منها أواه)، بل إن المستخدمين يستغربون من الذي يطلب ذلك منهم؛ لأن القاعدة العامة (وقد يكون لها استثناء لا أعرفه الآن) أن الإنسان يكتب اسمه واسم المحطة على متاعه، ثم يباشر وضعه على عربة صغيرة في الرصيف، ثم في العربة المعروفة (باسم عربة العَفْش) ومتى وصل إلى المحطة المقصودة نزل وتوجَّه إلى المستخدم وأعلنه عن متاعه، فيسلمه في الحال من غير أدنى تعب ولا اختلاط ونزاع أو عطل أو مماطلة.
وعندي كلام كثير على السكك الحديدية وكثرتها وتقدُّمها في بلاد الإنكليز، ولكن لا يسمح لي المقام بإيراده الآن، وإنما لا يسعني أن أخفي إعجابي بها من كل الوجوه، حتى إن الإنسان لا يتصور كيف أنها لا تنقل هذه البلاد، وخصوصًا لوندرة إلى أية جهة من أقطار المعمورة.
ومن أغرب الشركات التي في هذه المدينة شركتان ليس لهما من عمل سوى الاستدعاء بالكهرباء، وذلك أن لكل منهما مشتركين في جميع جهات المدينة وكافة أنحائها، ومنازلهم متصلة بسلك كهربائي بالمكتب الموجود في دائرته، ويكون في المنزل شبه مِزولة عليها خمسة أزرار: الأول للساعي، والثاني للطبيب، والثالث للعربة، والرابع للاستغاثة من الحريق، والخامس للاستنجاد بالبوليس، فإذا ضغط المشترك على أحد هذه الأزرار عرفت الشركة مطلوبه، فتبعث له في الحال ساعيًا أو طبيبًا (وإذا كان له طبيب مخصوص يكون عنوانه معلومًا عندها فتخبره بالطلب) أو عربة للركوب، أو طلمبات الحريق، أو رجالًا بواسطة إدارة البوليس لإمداده بالقوة اللازمة.
وهاتان الشركتان مستعدتان أيضًا لخدمة غير المشتركين بهما، فيجوز لهم إرسال طرودهم وأمتعتهم بواسطة سعاتها في نظير أجرة لا تزيد عن ?? مليمًا في الساعة، وفوائد هذه الشركات ظاهرة خصوصًا في المدن الكبيرة.
وهذا الحديث على الشركات يسوقني إلى ذكر شيء وجيز عن شركة حماية الحيوانات — وإن كان اسمها معروفًا في مصر — فإنها من أغرب الشركات وأفيدها، وهذه الشركة تحت حماية البرنس دوغال وَلي العهد. وقد كان لها تأثير عظيم في هذه البلاد؛ حيث إنك لا ترى القوم حتى الذين من الطبقة الدنيئة يتجاسرون بأي حال ولأي سبب على إهانة الحيوان الأعجم وإساءته، ولها عُمال كثيرون ومن أعضائها جم غفير من أصحاب الوجاهة والنفوذ. وكل من أقدم على هذا العمل المُنكر حُكم عليه بالأشغال الشاقة من ستة شهور إلى سنة كاملة. وكثيرًا ما ركبتُ في عربات متعددة، ولا أتذكر أن السائق رفع السوط على الحصان أكثر من مرتين بكل خفة، وكثيرًا ما قطعت المسافات الطويلة من غير أن يلمس السوط جسد الحصان على الإطلاق. ومثل هذه الشركة لا لزوم لها في بلادنا إذا راعينا الأحكام الشرعية المفروضة كما هو الواجب علينا.
وقد رأيت في البلاد الإفرنكية التي مررت بها قاعات المطالعة، ولكنها في لوندرة قليلة وليس للحكومة يد فيها البتة، بل قد أنشأتها شركات تجارية متنوعة أو خاصة بطبع الكتب ونشرها، وقد أسست بعض الشركات كتبخانات ترسل الكتب اللازمة إلى منازل المشتركين، فلا تكلفهم التوجه إلى مركزها لانتقاء الكتب التي يرغبون مطالعتها في منازلهم، وقيمة الاشتراك من جنيه واحد إلى خمسة إلى ستة في السنة.
وفي هذه المدينة غير ذلك من الشركات التي لا تدخل تحت حصر، ولو أردت أن أذكر كلمة على كل واحدة أو أكتفي بمجرد الإشارة إلى اسمها لا تسع المجال بما يوجب الملال مهما كان اصطبار القارئ ومجاملته للكاتب، ولكني أقول إني رأيت فيها كثيرًا من شركات التوريد التي تتعهد للمشترك بجميع ما يطلبه من الأصناف والمحصولات اللازمة له ولعائلته ولمنزله بأبخس الأثمان ومن أجود الأصناف.
ثم أنتقل إلى الكلام على النوادي (المعروفة بالكلوب)، فإنها كثيرة جدًّا وأهمها نحو المائة، وكلها في قصور فخيمة شامخة باذخة بالغة النهاية في الزخرفة والاتساع والإتقان والاحتواء على كل ما يطلبه الإنسان؛ من مأكول ومشروب وجرائد وكتب وغير ذلك مما يلزم للفكاهة والمسامرة وتمضية الوقت في نعيم وسرور، وكل شيء فيها من أجود نوعه وبثمن المقطوعية (الذي يساويه فقط)، وهي معدة لاجتماع الأصحاب والأصدقاء الذين من صنف واحد وأذواق متشابهة، وعددها بالنسبة إلى لوندرة أكثر منه في أية عاصمة أخرى من عواصم أوروبا، ولا يُقبَل العضو فيها إلا بعد اقتراع سري دقيق جدًّا، ورسم الدخول من خمسة جنيهات إلى أربعين (والغالب ??)، والرسوم السنوية من ثلاث جنيهات إلى خمسة عشر، هذا عدا ثمن المأكولات والمشروبات.
وفي بعضها يجوز للعضو أن يستضيف بعض خِلَّانه، ومنها ما هو للرجال والنساء، ومنها ما هو للنساء خاصة، أو للعلماء أو لحزب المحافظين أو لحزب الأحرار أو للهند الشرقية أو للضباط البرية والبحرية العاملين أو للضباط المتقاعدين أو للمستعمرات أو لتحسين نوع الكلاب أو لمدرسة أكسفورد الجامعة أو لمدرسة كمبريدج الجامعة (ولا يُقبل فيهما إلا المتخرج منهما)، أو لألعاب الكرة أو لرجال السياسة أو للسياحة (ولا يدخل فيها إلا من ساح إلى مسافة ??? ميل عن لوندرة) أو لرجال الآداب.
ومن أغرب نواديها ذلك المعروف باسم النادي المتوحش، وفيه كثير من أرباب الجرائد والآداب والفنون والتشخيص، ومن أعضائه البرنس دوغال، ورسم الدخول فيه ? جنيهات، والرسوم السنوية ثلاثة جنيهات، ولأغلب المدارس نوادٍ خاصة بتلامذتها الحاليين والسابقين، وقد يزيد أعضاء بعض النوادي عن ???? شخص.
وكل جمعية وكل شركة وكل نادٍ يولم في السنة وليمة فاخرة، وأهم هذه الولائم وليمة جمعية التصوير، ويجتمع فيها أكابر أرباب العلم والسياسة والرياسة والجيش والبحرية وأعضاء البرلمان ورؤساء الأساقفة والأفوكاتية والبرنس دوغال وإخوته، وكل من اشتهر في فن أو عمل، وقيمة النفقات في هذه الوليمة تبلغ من ? جنيهات إلى ? جنيهات عن كل واحد من المدعوين.
وفي هذه المدينة أكثر من سبعة آلاف مطعم (لوكانده)، والخدمة فيها كلها منتظمة جدًّا، ولو أن أماكنها في الغالب ليست بالغة في الزخرفة مثل نظائرها في أوروبا، وكثير من هذه المطاعم على مذهب الهنود، فلا تجد فيها سوى الخضارات وما تنبته الأرض، وأما اللحوم فلا توجد فيها البتة؛ لأنها محرمة.
وفيها نحو ألف قهوة وكلها على الطراز الإنكليزي؛ أي إن الإنسان يمكنه أن يتناول الطعام فيها بثمن بخس، ولكنه إذا طلب شيئًا من المشروب وجب عليه دفع الثمن مقدمًا للخادم لكي يستحضره له من الخارج (وكذلك الحال في بعض الفنادق وفي كثير من المطاعم)؛ لأن هذه الأماكن ليس لها رخصة في بيع المشروبات، ثم إن القهوة عبارة عن قاعة ضيقة تنقسم إلى طوالات من الخشب منفصلة عن بعضها تمام الانفصال ومثبتة في الحائط والأرض مثل تقسيم عربات الدرجة الثانية في السكة الحديدية، فيأكل الإنسان فيها وهو بمعزل عن جاره، وفيها تجد دوامًا القهوة والشاي والشكولاته والكاكاو والبيض والجبن.
أما القهاوي الكبيرة التي من جهة المدينة (الستي)، فهي أشبه ببورص تجتمع فيه التجار والنواخذة (مجهز والسفن Armateurs) وأصحاب الضمان من الحريق والغرق وسائر الطوارق والعوارض والسماسرة وأمثالهم، فيتعاقدون فيها ويتبايعون. وفيها بعض محلات يسمونها دواوين السجاير تشبه القهاوي التي في أوروبا، ويكون بعضها عبارة عن قاعة كبيرة فيها نجف وثريات وألواح فيها صور ورسوم، وعند الدخول يدفع الإنسان شلنًا واحدًا (? صاغ) ويكون له حق في سجارة إفرنكية وفنجان قهوة وقراءة أهم الجرائد المطبوعة في إنكلتره وفي أوروبا، وقد أنشأ بعض الفرنساويين والطليانيين قهاوي على الطراز الأوروباوي (المتعارف في مصر)، ولكن هذين الصنفين من الأماكن العمومية لا يجوز لهما، بل ولا يمكنهما وضع الموائد أو الكراسي على برازيق الطريق.? ومتى سار الإنسان على برازيق الطريق رأى فيما بين الحوانيت كثيرًا من مخازن الدخان، فإنها في لوندرة فوق العدد والإحصاء.
وقد رأيت كثيرًّا من الحمامات فيها الماء الملح الأُجاج أو العذب الفُرات باردًا أو مسخنًا على درجات مختلفة، وفيها حمامات على الطراز التركي المتعارف في مصر، وقد صار للإنكليز الآن بها وَلَع وغرام، وإن لم يكن القائمون بالخدمة فيها على كل شيء من مهارة أهل بلادنا، وفي بعض الحمامات لا تزيد الأجرة عن ?? مليمًا، ومع ذلك فإن الشركات القائمة بإرادتها تربح أرباحًا وافرة.
وفيها تياترات كثيرة وأشهرها ثلاثة وثلاثون، وفيها عدد عظيم من الملاهي وقهاوي الغناء والموسيقى، وأماكن عرض الصور والبهلوان، وغير ذلك مما يكون فيه تشخيص الروايات أيضًا.
وفيها وحدها أكثر من ??? جريدة منها ?? للديانة على سائر مذاهبها، فإن الشيع الدينية في بلاد إنكلتره كثيرة متنوعة جدًّا، وهم يحترمون كل الأديان وكافة الاعتقادات، حتى إنه يصح أن يقال إن كل إنكليزي يعبد الله بحسب هواه. وقد بلغ عدد الديانات والمذاهب في بلادهم أكثر من ???، وكل واحدة من هذه الشيع تدعي بالطبع أنها هي التي فازت باكتشاف الحقيقة، وهي تتناظر مثل مناظرة الشركات التجارية، ومع ذلك ففي كل يوم تظهر شيعة جديدة. وأبغض المذاهب إلى هذه الأمة هو مذهب الكاثوليكي الرسولي الروماني، ويكرهون البابا كراهة التحريم. وهذا التعصب المطلق بجانب ذلك التساهل المطلق هو من باب التناقض المطلق.
وأفكارهم واعتقاداتهم وآراؤهم ومقالاتهم في غاية الغرابة، ولا يسمح لي المقال الآن ببيان شيء منها، ومع ذلك أقول إن منهم طائفة تسمى الكويكرز (Quakers) لا يركعون إلا للعلي المتعالي، ولا يرفعون قبعتهم لأحد ما (كما هي عادة الإفرنج)، ويخاطبون الناس قاطبة بالكاف؛ أي لا يعظمون المفرد باستعمال الجمع كما هو المألوف في أوروبا، فلا يقولون: حضرتكم أو أنتم أو ما أشبه ذلك، بل قلت لك أنك فعلت كيت وكيت … إلخ. وهذا النوع من التعبير يسمى عند العرب (المخاطبة بالكاف)، وعند الفرنساويين (Tutoyer)، ولا يحلفون أبدًا حتى أمام المحاكم، ويمتنعون من الدخول في سلك العسكرية؛ لأنهم يعتبرون الحرب محرمة وجناية، حتى إن جون بْرَبْط السياسي الإنكليزي المشهور استعفي من وزارة غلادستون في سنة ???? بسبب الحرب التي وقعت بين إنكلتره وأهل الثورة العرابية في مصر. ولهم غير ذلك من الأطوار والأخلاق. وأما جيش السلام فلا أتكلم عليه الآن، وإنما أقول إن جماعة من البوذيين الوثنيين جاءوا إلى لوندرة بقصد تبويذ الإنكليز (إذا صَح التعبير؛ أي جعل الإنكليز كلهم على مذهب بوذه Boudha)، وبلغني أن لهم هيكلًا تقام فيه شعائرهم الدينية في خط ويت شابل (white Chapel) المعمور بألوف من الخلائق، وعلمت أن أعمالهم سائرة في طريق التقدم، وأن بعضًا من رجال البوليس الإنكليزيين قد دخلوا في زمرتهم. وبمناسبة الديانة والكلام عليها أقول الآن إن أمة الإنكليز انفردت عن سائر سكان الأرض بمراعاة الراحة المطلقة في يوم الأحد، فهو عندهم يوم مقدس تنقطع فيه الأعمال مرة واحدة، ويستعدون لذلك من ابتداء عصر السبت، فترى الخلائق تتناقض والازدحام يقل شيئًا فشيئًا والمخازن تغلق والنواقيس تَدُق، ومتى جَن الليل عادت الحركة إلى منتهاها، ورجع الاضطراب إلى أقصاه لكن في الأسواق فقط؛ إذ يتوجه القوم إليها من كل صَوب لأخذ المؤنة والذخيرة اللازمة لذلك اليوم الذي يقف فيه دولاب الأعمال، وينقطع الأخذ والعطاء والبيع والشراء حتى فيما يتعلَّق بالقوت اللازم لحياة النفوس، ومتى أصبح الصباح رأيت المدينة قفرًا بَلْقَعًا ليس فيها سوى القليل من رجال الشرطة، وبعض نفر منثور في شوارعها، وأما المخازن والأبواب والشبابيك وديار التحف والآثار والتياترات فكلها مغلقة، والعربات بجميع أنواعها يقل وجودها بالكلية، وأما القهاوي واللوكاندات، فتفتح في مواقيت الفراغ من الصلاة فقط؛ أي من الساعة الأولى إلى الساعة الثالثة بعد الظهر، ومن الساعة السادسة بعده إلى ما قبل نصف الليل بساعة.
ولكن الأغرب من ذلك كله أن البوستة مع أهميتها تتعطل حركتها، فلا تباشر أي عمل ما ولا توزع الخطابات الواردة إليها ولا ترسل المكاتيب الصادرة إلى الخارج، ومثلها التلغراف؛ فإن أسلاكه تستريح أيضًا في هذا اليوم الراحة العامة إلا في بعض المحاط الكبيرة جدًّا، وكذلك الجمرك فإنه يحجز البضائع وأمتعة المسافرين الذين يقدمون إلى هذه البلاد في هذا اليوم المشئوم، فإنه حقيقة يوم الحسرة على الغريب يضطره للاعتكاف في منزله، وتضييع يوم من حياته بلا ثمرة ولا عمل، والقضبان الحديدية لا بد أيضًا من استراحتها فلا تمشي القطارات عليها أثناء القُدَّاس، وفي غير هذا الوقت تقل حركتها إلى الربع أو أقل، وترى في جداول مواقيت السفر خانة عمومية لأيام الأسبوع وخانة خصوصية للقطارات القليلة جدًّا التي تقوم في يوم الأحد، وتلك المحاط التي كانت بالأمس عامرة آهله بالخلائق تصبح وهي ساكنة مطمئنة، ويكون منظرها مع عظمتها واتساعها مشوبًا بشيء من الإيحاش يجعلها أشبه بقبر هائل.
وخلاصة القول أن المدينة كلها ينقطع منها الحس وتبارحها الحياة، فكأنها سراج قد خبأ نوره فجأة، ولا يتصور المرء أنه ما زال في تلك المدينة المتماوجة بهذه المخلوقات، بل يخطر على باله أنه دخل بلدًا جاءها النذير بقرب جيش هاجم عليها، فولى أهلها الأدبار وتركوا الديار وما في الديار ملتجئين إلى الخلوات والقفار، وأبقوا بعضًا من الرجال يراقب حركات العدو ويعلمهم بأعماله، حتى إذا أقبل المساء ابتدأت الحياة تدب في هذه الآلة العظيمة المعروفة بلوندرة، فترى بعض الناس يبتدئون في الجَوَلان، ومتى قابل الواحد منهم صاحبه (من الرجال أو النساء) سأله هل كنت في الكنيسة فيجيبه بالإيجاب أو يعتذر بعذر قوي مقبول.
ولأجل ذلك ينبغي للغريب أن يغتنم فرصة الأحد في التوجه إلى الكنيسة في الصباح، ثم يخرج إلى أرباض البلد لاستنشاق الهواء الصحيح، فإنه يكون محتاجًا إليه لقلته في لوندرة بسبب الدخان، ولكني أشير عليه بأن يرجع في عصر النهار، ويطوف بعض الشوارع ويمر ببعض الحدائق مثل هايدبارك وغيره، فإنه يرى فيها كثيرًا من الخطباء، وأغلبهم من الشغالة واقفين يخطبون في أي موضوع يدور في أدمغتهم مثل الفوضى والاشتراكية والديانة بسائر أجزائها عندهم، وترى الرجل منهم يخطب وحواليه جماهير تتكأكأ عليه كتكأكئهم على ذي جِنة وهو لا يقول لهم افرَنقعُوا، بل كلما زاد عددهم رفع عقيرته مشيرًا إلى اليمين وإلى الشمال مكثرًا من القيل والقال، والأغرب من ذلك أن بعضهم يقف يتكلم بصوت مرتفع، ويشير بيديه مع أنه وحده وليس حوله من يستمع له، ولكنه يوالي الكلام كأنه محاط بالأقوام، ويستمر بالإيماء إلى من يفرض وجودهم ذات اليمين وذات الشمال، ومنهم من يجيء في ركب جليل بالموسيقى والأغاني والأناشيد وغير ذلك من المقدمات التي تصطاد العامة، وتجذبهم إلى حضور مقالته، ومنهم من يطوفون في الشوارع بالألحان والأنغام والرايات والأعلام.
وقد رأيت في بعض الجرائد ذكر حادثة من أغرب ما رواه الراوون في هذا الموضوع قد حصلت بلوندرة في رأس عيد السنة، وكنت وقتئذ بلشبونة عاصمة البرتغال، ولا أرى بأسًا من إيرادها في هذا المقام لتمام المناسبة.
أن واعظًا من أشهر وُعاظ الإنكليز وأبلغ خطبائهم أعلن أنه عازم أن يعظ البُهال الذين لا عمل لهم في كنيسة مار بولس الكبرى بلندن، فتقاطر الفقراء الذين ليس لهم عمل يعيشون به إلى الكنيسة، ووقف رجال البوليس صفوفًا خوفًا من أن يأتوا أمرًا مخلًّا بالنظام، ولكنهم دخلوا الكنيسة أفواجًا على غاية من الهدوء والانتظام، وجلسوا في أماكنهم على الترتيب، وعلامات الاحترام والوقار بادية على وجه كل منهم، مع أنه كان بينهم الفوضويون والاشتراكيون والمحركون على تكدير صفاء الراحة، ثم أفاض الواعظ في كلام أثار به أعماق النفوس، وحَرَّك العواطف وأقنع العقول، فاستمال إليه معظم الحضور من الذين كان يُظن أنهم جاءوا مستهزئين، فخرجوا مصلين مستغفرين. ولكن قومًا كانوا يعارضون الواعظ من حين إلى حين، تارة بعدم استحسان أقواله وطورًا بكلام الهزل، كأنهم في اجتماع عقدوه في حديقة من الحدائق العمومية، وجعل المتطرفون من الفوضويين والاشتراكيين بينهم يوزعون رسائلهم الثوروية على الحاضرين ليقرءوها، ولما انتهى الواعظ خرج موكبهم متجمهرًا وسار زعماؤهم بالرايات الحمر أمامهم، وهم ينشدون النشيد الفرنسوي المعروف بالمرسيلياز.
وبالاختصار، إن كل واحد منهم تُزين له نفسه الكلام يقف في أي مكان، ثم يتكلم بما يريد ويجتمع الناس حوله أو لا يجتمعون، ويكون رجال الشرطة بجانبهم غير مبالين بتجمعهم مهما كانت أقوال الخطيب موجهة ضد الدولة، أو بالحث على إحراق دور الأغنياء وسلب المخازن الكبيرة، وما أشبه ذلك، فإن حرية المقال في هذه البلاد وصلت إلى ما هو فوق منتهاها.
وفي يوم الأحد يكثر السُّكْر والسرقة أيضًا؛ لأن الإنكليز لا يعرفون الوسط، فإن بلادهم بلاد التناقض جمعت الأطراف، فإما التناهي في الغنى، وإما التناهي في الفقر، وإما التناهي في الفضيلة والعفاف، وإما التناهي في الرذيلة والفجور، وإما التناهي في العمل، وإما التناهي في الكسل، إلى غير ذلك من الأطراف، حتى إن المدينة إما أن تكون غاصة بالجماهير، أو تكون خلوًا من العالم بالمرة (في يوم الأحد) وهكذا.
ولكثرة اللصوص وتفننهم فيها ينبغي، بل يجب، على الإنسان أن لا يكلم أحدًا لا يعرفه، وأن يجتنب كل من يعرض عليه خدمته وإرشاداته أو يبادره بالكلام، وإذا احتاج لأي أمر من الأمور فلا يسأل إلا رجال البوليس، فإنهم يبادرون بالإجابة بحذق وفطانة، أو يدخل في بعض المخازن ويستعلم فيها عما يريد. وقد اعتاد الإنكليز أنفسهم على ذلك، فإذا اتفق لك من سوء الحظ أنك كلمت واحدًا منهم، فإن كان من أصحاب الأدب وأهل المجاملة أجابك بنعم أو لا من غير زيادة، وكثيرًا ما يُعرِض عن الإجابة ويلازم الصمت، ويستمر في طريقه من غير أن يلتفت إليك بالمرة، وإن كان شرسًا أعطاك درسًا أو قلع لك ضرسًا.
هذا وأينما سار الإنسان في شوارع لوندرة رأى حوانيت عليها صناديق للبوستة، وفي كل صندوق فتحتان كبيرتان إحداهما لوضع المراسلات الخاصة بالمدينة نفسها، والثانية للمراسلات التي برسم أقاليم إنجلترا والبلاد الأجنبية. وفي بعض الشوارع المتباعدة عن هذه الحوانيت ترى على برازيق الطريق أسطوانات كثيرة من الحديد الملون بالبوية الحمراء معدة لوضع المراسلات فيها، حتى لا يلتزم الإنسان بالتوجه إلى المكتب القريب منه. وثمن تذكرة البوستة للمملكة البريطانية نصف بِنْس (أي ? مليم) وللخارج بِنْس واحد (أربعة مليمات).
وعدد مرات التوزيع في الستِي (المدينة) اثنتا عشرة مرة في كل يوم، وإحدى عشرة في المواضع التي حول دار البوستة المركزية على مسافة ثلاثة أمثال، ويبتدئ التوزيع من الساعة ? ونصف إفرنكي صباحًا، وفي بعض الجهات يكون إرسال المكاتبات بالتلغراف في قناة يفرغون منها الهواء، وعلامة ساعي البوستة أن يدق على الباب دقتين عنيفتين، وفيما عدا الجهات المحيطة بدار البوستة يكون التوزيع ست مرات في اليوم الواحد، ويجوز إرجاع طوابع البوستة إلى مكاتبها، فتخصم من قيمتها ? ونصف في الماية في نظير العمولة والإصدار.
واعلم أنه يوجد بهذه المدينة شوارع كثيرة لها اسم واحد، وقد يبلغ عددها عن كل اسم واحد ?? أو ??؛ فلأجل منع الاختلاط الذي يتأتى حصوله بهذا السبب قسمت إدارة البوستة المدينة إلى ثمانية أقسام باعتبار الجهات الأربع الأصلية، والجهات الأربع الفرعية، ووضعت حرفًا أو حرفين (ج ش؛ أي جنوب شرقي مثلًا) للتمييز بينها بالسهولة حتى لا يحصل عائق أو غلط في التوزيع؛ ولذلك ينبغي لكل من يراسل أحدًا من أهل لوندرة أن يضع هذه الحروف الصغيرة، بعد ذكر اسم الشارع والمدينة لسهولة التسليم وعدم التعطيل.
أما التلغراف فكان قبل سنة ???? لثلاثين شركة، ثم أخذته الحكومة وجعلته تابعًا لمصلحة البوستة، ومع أن أقل أجرة لإرسال أي تلغراف من لوندرة وإليها هي أعلى مما في بلادنا؛ لأنها هنا ست بِنسات (أي خمسة قروش من العملة الدارجة)، وهي في بلادنا قرشان فقط بالعملة الصاغ، ولكن القوم يستخدمونه بكثرة لا يتصورها العقل؛ لأنهم يفضلون خسارة القليل من المال واكتساب الوقت الثمين، ومع ذلك فأعمال البوستة أيضًا ما زالت رائجة. وإذا دفع الإنسان أجرة رد التلغراف وفات الوقت المقرر للإجابة أمكنه استرجاع ما دفعه لهذا الغرض في ظرف ثلاثة أيام من تاريخ الإرسال، ويجوز إرسال الرسالة البرقية إلى جملة أشخاص مقيمين في مقاطعة واحدة بشرط أن يدفع المرسل ? مليمات على كل نسخة غير النسخة الأصلية، ويجوز أيضًا إرسالها إلى أشخاص مقيمين في جهات مختلفة بعد دفع نصف الأجرة العادية على كل نسخة خلاف النسخة الأصلية، وهذه التسهيلات المفيدة للمصلحة وللجمهور غير موجودة في بلادنا.
وبمناسبة التلغراف أذكر أنه يوجد بين باريز ولوندرة سلك تلفوني وأجرة التكلم فيه لأي فرد من أفراد الناس مدة ثلاث دقائق ? شلنات (?? قرشًا صاغًا)، أما التلفون الخاص بلوندرة وحدها فهو في يد جملة شركات.
ولا يسعني إلا أن أؤجل الكلام على التعليم والمستشفيات، وأكتفي بأن أقول إن المدارس في هذه البلاد تعتني عناية عظيمة بتربية الجسد والعقل؛ لأن العقل السليم لا يكون إلا في الجسد السليم (Mens sana in corpore sano)، ومن جملة المدارس التي زرتها مدرسة إيزلوورث المعروفة باسم (نيو برو رود كولليج) فرأيت النظام فيها بالغًا حَدهُ وناظرها المستر بارنت (Barnett) على غاية الظرف واللطف وحسن المعاملة ودماثة الأخلاق، وعلمت منه وتحققت بنفسي أن تلامذتنا المصريين فيها بلغوا من التقدم والنجاح درجة يغُبطون عليها، وأنا متأكد من الآن أنهم سيخدمون الوطن خدمة جليلة عند رجوعهم إليه بما اكتسبوه من المعارف والآداب، ويسرني بل يجب عليَّ أن أورد أسماءهم في هذا المقام وهم حضرات الأفندية: أحمد بَراده، ومحمود يوسف، ومحمود قاسم. وقد أصدرت نظارة المعارف العمومية أمرها إلى وطنينا المجتهد الفاضل حسن أفندي توفيق الذي كان في برلين بالتوجه إلى لوندرة؛ لتعلُّم اللغة الإنكليزية وغيرها بهذه المدرسة، ورأيته وعلمت منه بكل ارتياح وانشراح أنه ألَّف كتابًا في التاريخ العام، وأنه بعد أن يتمَّه قريبًا يشرع في تدوين ما استفاده من أنواع العرفان ووقف عليه من شتات الفوائد التي تنفع أبناء بلاده. ولعمر الحق إن هذه النتائج مما يَسُر مصر وكل محب لها ولأهلها. وأقول مثل ذلك أيضًا عن حضرات الأفندية التلامذة: على عمر، وأحمد فهمي، ومحمود إسماعيل، الموجودين بمدرسة هومرتن، فإني توسَّمت فيهم النجابة والفطانة وتفرَّست أنهم عند عودتهم إلى وطنهم بعد زمن قريب سيبرهنون على أنهم لم يضيعوا أوقاتهم سدى، بل اكتسبوا من العلوم ما يجعلهم هم وإخوانهم إن شاء الله وساعدتهم العناية في مقدمة العاملين على إتحاف أبناء بلادهم بما يفيدهم في ميدان العرفان (وإن غدًا لنِاظره قريب).
وسأشرح لك الكلام في الرحلة على التعليم وطرقه، وقرب الوصول إلى ثمراته في بلاد الإنكليز، وعلى مدرسة أكسفورد الجامعة بنوع خصوصي؛ لأني زرتها بالتفصيل. وأكتفي الآن بإيراد بعض المرتبات التي للأساتذة لتعْلَم أن مرتبات أمثالهم في بلادنا أقل مما يكتسبه الواحد منهم في يوم أو بعض يوم؛ مثال ذلك أن المدرسة الجامعة في اسكتلندة تدفع لمدرس الكيمياء ?? ألف فرنك في السنة؛ أي ثلاثة آلاف ومائتي جنيه؛ أي مائتين وستة وستين جنيهًا وثلثي جنيه في الشهر الواحد، ولمدرس التشريح ????? فرنك، ولمدرس الطب ????? فرنك، ولكل من مدرس التاريخ الطبيعي والباثولوجيا ????? فرنك، ومدرس النباتات مرتبه السنوي ????? فرنك. ويوجد في المدرسة الجامعة بمدينة جلاسكو مدرس للتشريح ومرتبه ????? فرنك في السنة. وأما المدرسة الجامعة بأكسفورد، ففيها ??? مدرسًا مجموع مرتبهم السنوي أربعة ملايين من الفرنكات؛ أي متوسط الواحد منهم ???? فرنك. وفي المدرسة الجامعة بكمبريدج ??? أستاذًا ومجموع مرتبهم السنوي ??????? فرنك. وفي دبلين عاصمة إرلندة مدرسة اسمها الترينتي (أي التثليث) وفيها ?? مدرسًا مرتبهم ?????? فرنك في السنة، فهكذا تكون العناية بالتعليم والقائمين به.
ومن الأمور التي تدهش القادم إلى لوندرة كثرة الإعلانات التي يراها على جدران المحطة وكل مكان فيها، حتى لا يمكنه مطلقًا معرفة اسم المحطة وتمييزه عن الإعلانات، ثم متى سار في الشوارع رآها كلها إعلانات، وإذا ركب في عربات الأومنيبوس أو غيرها رآها كلها إعلانات من الداخل والخارج والأسفل والأعلى. ولقد كان صدري يضيق من رؤيتها وهي كأنها تتهددني بوجوب قراءتها والعمل بما تشير إليه والاستحصال على ما تدل عليه، فكنت إذا قلبت طرفي يَمنَة أو يَسْرَة أو رفعته إلى أعلى أو خفضته إلى أسفل أو حولته إلى الخلف أو رجعت به إلى الأمام رأيت الإعلان واقفًا لي بالمرصاد، فإذا أغمضت الطرف لأستريح منه قليلًا، ثم انتبهت فلا مناص لي من رؤيته على الدوام.
وفي كل مكان مختلف الصور والأشكال والرسوم والألوان، فإذا أخذت تذكرة للسكة الحديدية أو لعربات الأومنيبوس أو غير ذلك رأيت الإعلان مقتفيًا أثري وأثر كل من كان في أي مكان وأي زمان، فإذا اشتريت كتابًا أو جريدة أو تعريفة أو خريطة أو ما أشبه ذلك رأيت الإعلان هو على الدوام يضطرني لقراءته بالرغم عني قبل أي موضوع يهمني، فإذا مشيت على برازيق الطريق رأيت الإعلان يتماطر عليَّ من حيث أدري ولا أدري، فأحتار في كيفية التخلُّص منه، فإذا جُنَّ الظلام رأيت الإعلان مكتوبًا بالأنوار على صفحات الزجاج أو بواسطة القنوات الخاصة بنور الاستصباح، وقد يكون في ظلمات الأنفاق والسراديب مرقومًا بأحرف فسفورية متألقة.
وقد جرت عادة الجرائد أنها تخصص صفحاتها الأولى للفصول المهمة والمواضيع ذات الفائدة العامة، ولكن الأمر هنا بالعكس؛ لأن الإنجليز يعتبرون الإعلان من أهم الأشياء، فترى جرائدهم كلها على اختلاف مواضيعها وتنوع مشاربها مشحونة بالإعلان، خصوصًا الصفحات الأولى والصفحات الأخيرة، حتى إن الإنسان ليحتار قبل أن ينظر إلى مواضع الأخبار والفصول السياسية؛ إذ لا بد من المرور على الإعلان، مثال ذلك جريدة التيمس المعروفة بملكة الجرائد تحتوي على ?? صحيفة، منها نحو إحدى عشرة صحيفة مخصصة للإعلان، وقس عليها سائر رعاياها.
وقد علمت ورأيت أن بعض البيوت التجارية يتكبَّد النفقات الطائلة والمصاريف الهائلة لنشر الإعلان على صحائف حديدية في جميع المحطات، ثم لا تكتفي بذلك فتضع صحائف أخرى في عربات السكة الحديدية (خصوصًا التي تحت الأرض)، ثم لا تكتفي بذلك فتنشره في عربات الأومنيبوس والترامواي في كافة أرجائها، ثم لا تكتفي بذلك فتنشره في جميع الجرائد، ثم لا تكتفي بذلك فتنشره على غطاء جميع الكُتب التي تظهر حديثًا، وفي الصفحات الأولى والأخيرة منها، ثم لا تكتفي بذلك فتعلقه في جميع أنحاء المدينة، ثم لا تكتفي بذلك فتستخدم رجالًا تلبسهم بشكل مخصوص وتضع أطواقًا من الحديد على خواصرهم وأكتافهم لتعليق الإعلان، فيمشي الرجل منهم (ويسمونه سندويش Sandwich، وهي كلمة إنجليزية يراد بها شريحة دقيقة مقدودة من اللحم الضاني أو البقري أو العجالي أو الخنزيري أو من الخبياري توضع مدهونة بالزبد بين شقتين رقيقتين من الخبز، وفي التسمية الاصطلاحية إشارة لطيفة إلى كون الرجل محشورًا بين الإعلان أو كون الإعلان محشوًّا به)، وأمامه وخلفه وفوق رأسه ألواح من خشب مكتوب عليها الإعلان، ثم لا تكتفي بذلك فتطبع أوراقًا صغيرة تضعها في يد السندويش فيفرقها على المارة، فهذا لعمرك هو الحصار بعينه. وكل واحد من أصحاب الإعلان يجتهد في التفنن في إعلانه حتى يجعله يضطر الأنظار للالتفات إليه، لما فيه من الرسوم والحروف والألوان وغير ذلك مما يُضيق الصدر ويقضي على الإنسان بأن يحسد العُميان.
وهنا تذكرت العُميان، فقد سبق لي القول بأن المُقعدين استغنوا عن خدمتهم، وقلت لا بد لي أن أجد طائفة العُميان قد وجدت هي أيضًا طريقة تكفيها الحاجة إلى أنظار المُقعدين، ولا أريد أن أتكلم على النكايا المخصصة لهم بواسطة الحكومات أو أهل البر والإحسان، فإنها ليست من تفننهم، وقد كنت أعرف أنهم اتخذوا الكلاب للاسترشاد بها والسير خلفها، ولكني قرأت في بعض الجرائد أثناء مروري على باريس أن أحد العُميان جلس على برزوق الطريق ووضع بجانبه لوحة مكتوبًا عليها هذه العبارة: (ألقوا نظرة وصلديًا إلى الذي لا يمكنه أن يردهما إليكم.) فكيف لا يحن قلب الإنسان وتدفعه عوامل الشفقة إلى إمداد صاحب ذاك الفكر الحسن؟
ولما جئت لوندرة رأيت العميان قد تفننوا في الاختصار؛ لأن الوقت عند الإنكليز من ذهب، فترى الرجل واقفًا حيث تمر الألوف المؤلفة في كل لحظة، وعلى صدره صندوق صغير فيه فوهة ومكتوب عليها (Blind بلَيِند؛ أي أعمى) ليس إلا، ثم إن بعضهم أراح نفسه من الوقوف أيضًا فوضع صندوقًا بجانب شباك التذاكر في المحطات، حتى إن المسافر بعد أن يأخذ الباقي له يضع بِنسًا أو بنسين أو ما يتيسر بكل سهولة من غير أن يتكلَّف وضع يده في جيبه وإخراج الدراهم منه، فإن ذلك يُضيع منه الزمان ويمنعه عن الإحسان. وأتذكر أني أول مرة رأيت الرجل واقفًا على قنطرة لوندرة ومعه هذا الصندوق لم أفهم الكلمة التي عليه، فوقفت أنظر هذا الأمر، ولما سألت من معي وعرفت سر المسألة فرحت كثيرًّا إذ تمكنت بذلك من الإيفاء بوعدي في رسالة فلورانسة. ولكني ما لبثت أن تكدرت؛ لأني سمعت بعض المارين بجانبي يقولون عني إني أمين باشا (رجل خط الاستواء وهو الدكتور شنتيزر الألماني)، فقد ثارت فيَّ العواطف الوطنية والإحساسات القومية؛ لأني لا أرضى أن أشبَّه برجل مثل هذا الذي خان حكومتي وبلادي، وباع أو أعطى أملاكها في خط الاستواء لدولته الأصلية أو لغيرها بعد أن رقَّته حكومتنا السنية إلى مراتب العز والشرف، وَسهَّلت له سبيل الثروة واليسار وحسن السمعة والاشتهار، ثم تكلفت النفقات الطائلة (وهي في احتياج إليها) لإمداده وإنجاده وإنقاذه، فقابل ذلك المعروف وكل هذه المواساة بالنُّكران وفعل ما فعل قاتله الله (وقد فعل).
وبالأسف أني بعد ذلك سمعت أُناسًا آخرين يقولون هذا القول عني، حينما يرون اسمرار وجهي واحمرار طربوشي.
ولقد تجولت في بعض مدائن الإنكليز — وسأتكلم عليها بالاختصار في الرسالة الآتية وأترك التطويل إلى الرحلة — ثم رجعت إلى هذه المدينة وكانت مدة مقامي فيها أولًا وثانيًا ثلاثة وثلاثين يومًا، ولم أشرع في السياحة إلا بعد أن ودعت صديقي الفاضل عثمان بك غالب، وكأنني ودعت معه نفسي أو أودعته روحي لشدة الألم الذي حصل لي من فراقه، ولكوني بقيت بعده وحيدًا (وما أردت أن أستعين بالتلامذة المصريين، حتى لا أشغلهم عن الدرس والتحصيل، وحتى أتعوَّد على السياحة بمفردي).
فمن أخلاق الإنكليز التي وقفت عليها في سياحتي في بعض مدائنهم المشهورة، أن الجراءة والإقدام فيهم أكثر منهما في أية أمة أخرى، فهم يقتحمون كل الأخطار التي تخطر على البال، وهم مخلوقون للسياحة والتجوال، ومتى خرج الواحد منهم من وطنه قاصدًا أي جهة وقابلته الصعوبة والمشقات والأهوال والأخطار، فلا يزيده ذلك إلا ثباتًا وإقدامًا وعنادًا؛ لأنه رسم خط سيره ولا يمكنه أن يعدله أو يرجع عنه، وإذا كتب في دفتر سياحته أنه في يوم كذا وساعة كذا يكون في المحل الفلاني، فإذا لم تصادفه منيته في الطريق، فلا شك أنه يكون فيه في الوقت المعين.
وإذا سافر لأقصى أقاصي الأرض فعل من غير ضجة ولا رجة ولا حيرة، وذلك عنده أسهل من السفر إلى القبة والمطرية لأهل القاهرة، وإلى الرمل لأهل الإسكندرية، وإنما هنالك سؤال وحيد لا يمكن أن ينساه وهذا هو: (هل أرجع من طريق الصين أو طريق أمريكا؟)
ولا بد لكل إنجليزي من أبناء البيوتات الكبيرة أن يكون عارفًا بقيادة المراكب والخيل والعربات، ويتعود من نعومة أظفاره على الرياضات الجسدية، فلا يعبأ بالمشي مسافة مائة ميل أو بالتجديف في الزورق من لوندرة إلى أكسفورد (?? ميلًا)، وكثير منهم يذهبون من لوندرة إلى إيدمبورج عاصمة اسكتلنده سعيًا على الأقدام والمسافة (??? أميال)، ومنهم من سار على أقدامه ??? مرحلة في بلاد السويد، وهم يستمرون على المشي بهذه الكيفية حتى يصبحوا طاعنين في السن، وترى الشيوخ الهَرمين يمشون في الأرياف كل يوم خمسة أو ستة كيلومترات، ولا يمتنعون عن ذلك إلا إذا أصابهم مرض لا بد أن تعقبه الوفاة. ومعلوم أن غلادستون ما زال إلى الآن يقطع الأحطاب بنفسه، حتى لقد اتفق له في الشهر الماضي (أغسطس) أن بقرة نطحته وكادت تبقره، بينما كان مواظبًا على عادته في الغابة.
وفيهم كثير من الشيوخ يغتسلون بالماء البارد صباحًا ومساءً صيفًا وشتاءً، ولا يتناولون فطورهم إلا بعد مشي ثلاثة أو أربع أميال.
ويوجد بأكسفورد أستاذ جرت عادته أن يمضي المسامحة السنوية مع زوجته في قارب يقوم هو فيه بالتجديف، وهي بإمساك الدَّفَّة،? ويستمر على ذلك شهرًا أو شهرين في كل سنة، ومتى أقبل المساء نزل بأحد الخانات التي على ساحل النهر، وعند الصباح يأخذ منه المؤنة، ثم يستمر في تجواله، وقد ساح بهذه الكيفية على أغلب أنهار أوروبا. وكثير منهم يذهبون على عجلة الأسلاك (السيكل Cycle) من إحدى عواصم أوروبا إلى الأخرى. وقد جرت عادة أغلب المتزوجين حديثًا بقضاء الشهر الأول، المعروف عند الإفرنج بهلال العسل، على ظهر هذه العجلة في الوديان والغابات والبراري والخلوات، متنقلين من قرية إلى أخرى بدون أن يكون مع الزوجين شخص ثالث يضايقهما. وإذا سألت الواحد من هؤلاء الأقوام عن سؤال أجابك لحرصه على الوقت بنعم أو لا فقط، وفي النادر يجيبك بكلام قليل جدًّا، بحيث إنه لا يتخلى عن عمله الذي في يديه أو قراءة جريدته، وكذلك السائل يطرح السؤال ثم يوالي عمله. وفي المكاتب الخاصة بالإدارات العمومية أو بالشركات ترى هذا الإعلام: (الرجا منك أن لا تتكلم إلا فيما يختص بالأشغال.) وفي الكتبخانات والمحلات العمومية ترى كلمة (صه) أو (الكلام ممنوع) مطبوعة في كل جهة، وترى طريق الدخول وطريق الخروج واضحًا في كل المحطات، وما أشبهها من المحال العمومية وبجانبه أصبع يشير إلى الطريق.
وما أصدق الذي قال إن الإنكليز لا يشبهون أية أمة أخرى، ولكنهم كلهم متشابهون متجانسون على منوال واحد وطراز واحد، وهم يتحاشون القول الهراء بكل ما في وسعهم، فيعبرون عن الزنا بقولهم (مسامرة جنائية)، ويستبدلون هذه الجملة (ممنوع إلقاء القاذورات وممنوع التبول إلخ) بهذه (لا ترتكب أي إتلاف)، ويسمون المبولة والمرتفق (مغسلًا)؛ ولأجل تأييد هذه التسمية يضعون طستًا لغسيل الوجه وفرشًا لتنظيف الشعر والملابس؛ ولذلك يقول الرجل منهم (إني أريد أن أغسل يدي) بدلًا من قولنا (أنا رايح زي الناس أو رايح أزيل ضرورة أو أنقض أو أفك وضوئي)، ولا يقولون عن المرأة إنها حُبْلى، بل إنها (في طريق العائلة) أو (في حالة تستدعي الاهتمام)، وهم يتحاشون المزاح بالمرة أمام النساء، وفي بعض المباول العمومية يكتبون هذا الإعلام: (أصلح ملابسك وبنطلونك قبل الخروج) وهكذا.
وفيهم ثقة تامة يعجب بها الغريب حتى في الأعمال والتجارة. والصدق فيهم منتشر جدًّا، فيكتفي الرجل منهم عند الزواج بأن يُعلن عن سِنِّه وأنه عَزَب أو لم يتزوج، ولا يبرز أوراقًا لتأييد أقواله، وإذا كذب الواحد منهم مرة في الأمور القضائية حوكم كمن يحنث في يمينه أو يخون عهده، وإذا كذب عند أحد الأفراد طرد في الحال. ومن ثقتهم أن عمال الجمرك يسألون القادم عما معه من الأشياء الخاضعة للرسوم ويعتمدون قوله، فإذا ظهر كذبه صودرت الأشياء المضروبة عليها الرسوم الجمركية لجانب الحكومة، وألزم الكذاب بدفع قيمة الرسوم ثلاثة أضعاف.
ومتى اصطحب شاب بفتاة كان له أن يُعرفها بأصحابه، وينفرد بها في الفسحة والنزهة والمراقص والتياترات والخلوات وغير ذلك، وقد يبقى عقد الخطبة بينهما سنين طوالًا إلى أن يتيسر للشاب القيام بما يلزم من المصروف، ومتى حصلت المفاتحة في الخِطبة فلا يجوز لأحدهما أن يعدل عن الزواج إلا برضا الآخر، فلو عدل الشاب طالبته الفتاة وأهلها بالعطل والإضرار، وأبرزوا في الجلسة المخاطبات والمكاتبات التي تبادلها المحبان، وتعترف الفتاة أمام المحكمة بالأقسام التي أغلظها لها بالبقاء على حبها وبغير ذلك، وإذا كان العدول من طرف المخطوبة لا يتأخر الفتى في إقامة القضية واكتساب مبلغ وافر من المال في نظير العطل والإضرار، ولا يُنظر إلى أحدهما في هذه الحالة بعين السخط والاستهزاء، بل يرى القوم فعله أمرًا طبيعيًّا أو حقًّا مكتسبًا أو واجبًا لا بد من قضائه.
وللإنكليز تمسُّك شديد بعاداتهم وتقاليدهم يشبه محبتهم للغتهم، وتفضيلهم لها على ما عداها، حتى إنهم يحتقرون الغريب الذي يزورهم أو يتوجه إلى التياترو أو يجلس في الفندق على مائدة الأضياف بغير الملابس السوداء الرسمية المعتبرة عندهم في ليالي الاحتفالات، وأغلب النساء في البيوتات الكبيرة يتكلمن بالفرنساوية جيدًا. ومن عاداتهم أنهن يقمن عن المائدة بعد تمام الأكل، ويبقى الرجال وحدهم لشرب الدخان وغيره والمسامرة والمحادثة، ثم يتقابل الكل في قاعات الاستقبال أو غيرها. وفي النساء لدى التكلم خِفة في الحركة وشَمَم وجراءة وإقدام، ولولا أني وعدت بعدم الرجوع لهذا الموضوع لشرحت الحال وأطلت المقال، وحسبي أن أقول إن الذي يحكم عليهن بحسب العينات التي يراها في مصر يعترف بأنه أخطأ وجازف متى جاء هذه البلاد. ومن الغرابة أن الواحدة منهن متى كانت جميلة فليس لها مثيل على وجه الأرض، ومتى كانت قبيحة فلا يضارعها في السماجة إنسان؛ وذلك لأن الوسط غير موجود في بلادهم في كل الأمور.
ومما ينبغي تنبيه الغريب إليه أن لا ينفرد بالجلوس مع أية امرأة كانت في غرفة من عربات السكة الحديدية، مهما ظهرت له في مظاهر الاحتشام والوقار والنبل والكمال، فلقد تجمع كثير منهن (كما تجمع الرجال واشتركوا في التجارة والصناعة)، واتفقن على جعل القطارات ميدانًا لأعمالهن، فمنهن النصابات المحتالات النشالات الطرارات، ومنهن التي تطالب بمبلغ عظيم وتهدد صاحبها بأنه إن لم يؤدِّ هذه الجزية عن يَد وهو من الصاغرين بلَّغت رجال الشرطة عنه في المحطة التالية بأنه فاتحها بما يخل بالآداب وغير ذلك، ومنهن المتدينات المترهبات اللاتي يلازمن الرجل بدعوى أنهن يخلِّصن روحه، ويهدينه إلى الصراط المستقيم صراط الذين اتبعوا المذهب البروتستانتي، ثم تأخذ في إيراد الدلائل والبراهين لإقناعه بوجوب الدخول فيه. وفي هذا القدر كفاية الآن.
واعلم أن مباني لوندرة كلها على طراز واحد ومثال متشابه ومنوال متجانس، وكلها متسربلة بملابس الحداد كأن أهلها يرون مثل بني العباس أن (النور في السواد)، ويظهر للمتأمل فيها أنها مبنية بالطوب الأحمر، ولا تزيد عن الدورين إلا في النادر، ولكنها متى تعدت هذا العدد أو تجاوزت النموذج المُتبع عندهم في البناء فيكون ذلك للطرف الآخر مرة واحدة، فقد شاهدت بعض الدور فيها ثلاث عشرة طبقة، ورأيت من جمال بعض المنازل والقصور ما جعلني أحكم بأني في إحدى مدائن إيطاليا بعيدًا عن لوندرة بمراحل وكيلومترات. ومثال ذلك كنيسة ماربولس تتراءى على مسافة ????? متر مما حولها، وفي كل المباني طبقة تحت الأرض يستخدمونها للطبيخ والغسيل والتخزين، وما أشبه من اللوازم المنزلية، حتى لا يكون ذلك بجانب المساكن، بل إن النزول إلى هذه الطبقات يكون من سلم على برزوق الطريق، فلا يدخل الفحَّام أو الجزار أو الخباز أو الخُضَري أو غيرهم من المتعهدين بالتوريد في المساكن مطلقًا، ودبروا النور والهواء في تلك الطبقات الأرضية بما يجعلها موافقة للصحة، ورأيت في بعضها قاعات للجلوس وغرفًا للاستقبال في غاية الزخرفة والجمال، بحيث إنها تروق في عين الإنسان وتستميله إلى إطالة الجلوس فيها.
أما المساكن فإن منظرها من الخارج عادي حقير، ولكنه من الداخل محفوظ بالتأنُّق وله من التزويق رونق يأخذ بالأبصار، فترى فيها المفروشات الثمينة والطُّرف والتحف التي لا تقدر قيمتها، وترى الكراسي والمقاعد مختلفة الأصناف والأشكال، وترى الأمتعة والمرائي في جميع النواحي مرتبة بذوق وحذق قد تجرد منهما خارج المنزل بالمرة، وهذا أيضًا من باب التناقض.
وأما طبخهم فعادب (تافه) وفي غاية البساطة، فكأنهم لا يزالون على الفِطرةَ؛ لأن الأشكال التي يعرفونها قليلة العدد، وليس لهم من تنويع أو تعديل، بل ما زالوا سائرين فيها على سُنة آبائهم الأولين، ولكنها كلها — والحق يقال — صحية نظيفة، وقد فاقوا الأمم جميعًا في اصطناع الروزبيف، فإنك ترى كتلة من اللحم تزن ثلاثين أو أربعين رطلًا وكلها مسواة بالسواء من الداخل والخارج ومن جميع الجوانب، وهم لا يضعون الملح في الخبز أيضًا.
أما الفنادق الكبيرة وأغنياء القوم، فيستخدمون طباخين فرنساويين، حتى إنهم يضطرون (مع شدة محبتهم للغتهم) لكتابة وفهم أسماء الألوان بالفرنساوية، ولقد أحسن فولتير حيث قال: (إن الناس في بلاد الإنكليز يعبدون الله على خمسين نوعًا، ولكنهم لا يهيئون البقري والضاني إلا على نوع واحد.)
أما نمر المنازل في الشوارع والحارات فليست منتظمة كما في مصر بطريقة الشفع والوتر، بل قد ترى الجانب الأيمن مبتدئًا بعدد ? ثم ? ? ? وهكذا، حتى إذا انتهى الشارع بعدد ما رجعوا بالعدد الذي يليه من نهاية الجانب الأيسر، فيكون أول الشارع فيه أول أعداد المنازل من جهة اليمين وآخرها من جهة الشمال، وفي القليل منها قد اتبع القوم طريقة الترتيب الحسنى المتعارفة في مصر وغيرها من ديار أوروبا.
وفي جميع المحاط والمتاحف والآثار العمومية والأسواق المهمة والميادين التي بين الشوارع ترى مرتفقات ومباول عمومية، بعضها خاص بالنساء والباقي للرجال، وكلها في غاية النظافة ونهاية الاستعداد، وتضاء بالليل بالكهربائية، وفيها الماء مُتساقط بإحكام على الدوام من أحواض قد ترى في بعضها الأسماك المختلفة الألوان؛ يُربيها الحارس في هذه البحيرة التي يتجدد ماؤها في كل لحظة، وكثير من هذه المرتفقات متسع جدًّا، ويُنزل إليها بدرج لأنها تحت الأرض (إذ لا فضاء لها فوقها في هذه المدينة الجسيمة كلها)، وإذا اضطر أحد لقضاء الحاجة ولم يجد المرتفق قريبًا منه، فله أن يدخل في أي دكان فطاطري ويدفع بنسًا واحدًا (? مليمات) للخادم.
وقد سبق لي ذكر الستي (المدينة) وسهوت أن أقول إنها مركز الصناعة والتجارة لا للوندرة وحدها بل للعالم أجمع، تتوارد إليها كنوز الثروة من جميع أقطار الأرض، وتديرها هي كيف شاءت وترسلها أينما أرادت، ومَن نظر إلى جوها تصور أن رتيلاء هائلة جاءت ونسجت خيوطها، وأرسلتها في جميع أطرافها، فإن الأسلاك التلفونية والتلغرافية التي فيها عدُّها أعسر من إحصاء قطرات الأمطار.
ومما يدلك على أن الحركة في هذه الجهة من لوندرة قد وصلت إلى نهايات التصور أن الرسائل الواردة عن طريق البوستة توزع فيها في كل ساعة من ساعات النهار، وأن عدد المكاتيب التي ترد إليها في كل صباح يزيد عن الألف ألف (وهناك مخزن واحد يرد له في اليوم أكثر من ثلاثة آلاف رسالة)، وعدد سكان الستي المقيمين بها ????? نفسًا، ولكنها في ساعات الأشغال تتوافد إليها الخلائق من كل فَج عميق حتى يبلغ عدد الذين بها طول النهار أكثر من ??????، منهم ????? رئيس بيوت تجارية و?????? مستخدمًا و????? مستخدمة و????? غلامًا لا يزيد سنهم عن ?? سنة، وقد حسبوا أن في ?? ساعة (في يوم ?? أبريل سنة ????) دخل إلى حدود الستي ??????? شخصًا و????? عربة مختلفة الأنواع.
ومتى أقبل الليل رجعت هذه الخلائق كلها وتركت الستي قاعًا صفصفًا، حتى إذا انشق النهار رأيت هذه الأقوام تنهال عليها من كل جانب بمئات الألوف كالسيل المنهمر، فهي أشبه بالبحر يحدث فيه المد والجزر.
ومما يدل على أن روح التجارة مجموعة في العاصمة الإنكليزية أن الرسائل التي توزعها البوستة في لوندرة وحدها تزيد عن ربع مجموع الرسائل التي برسم بريطانيا العظمى كلها، بل إن بلاد اسكتلندة (Scotland) (وتعرف عند العرب باسم سقوسية) بأجمعها لا يرد لها من الرسائل نصف ما يرد للوندرة، كما أن إيرلندة (وتسمى كذلك في كتب العرب القديمة) بسائر مدائنها ومعاملها ومتاجرها البحرية لا يرد لها الثلث من هذا القدر. فكيف لا تنهال جداول الثروة على هؤلاء القوم العاملين الذين يعرفون حقيقة قيمة الوقت، حتى إن الرجل منهم إذا تفكر في أي أمر من التسهيل والتيسير، وثابر عليه بقليل من الثبات، وساعده حسن جده، لا يلبث أن يصير من أغنيائهم وأشرافهم ونبلائهم.
مثال ذلك: رجل كان يصطنع البيرة (الجعة) واسمه (باس)، فأتقن عملها وتفنن في طرق التعريف بها، حتى إنه وصل الآن إلى ثروة لا يمكن تقديرها إلا لمن يعلم أنه اشترى الدار التي كان يسكنها اللورد بيكونسفلد وزير إنجلترا الشهير، ثم فرشها بالمتاع الفاخر، وبلغت نفقات الفرش وحده ?? ألف جنيه تقريبًا، من ذلك لوحتان فيهما بعض الصور والمناظر بستة عشر ألف جنيه، ولما وصل إلى ما وصل من اليسار توصل إلى أن صار من اللوردات الكبار (اللورد بِربون)، وعنده الآن سبعة آلاف عامل وله إيرادات كثيرة، ودخله من الجعة وحدها بين ??? ألف و??? ألف جنيه في السنة الواحدة، ومرتب مدير الإدارة عنده هو ? آلاف جنيه إنكليزي في السنة.
ومثله: كوك المشهور، وتاريخه معلوم في مصر. وقد أصبح لبيته الآن أقلام ومكاتب في كافة البلاد المتمدنة، بل إن له في لوندرة وحدها نحوًا من ثمانية مكاتب، وكلها تشبه بل تفوق المصالح المنتظمة المشهود لها بالإجادة. ومما يدل على انتظام إدارته وتيقظ عماله لراحة معامليه أنهم أطلعوني في لوندرة على ترجمة شكواي من وكلائهم في برندزي، أرسلها لهم وكيلهم في القاهرة نقلًا عن رسالتي الأولى، واستفهموا مني عن اللازم، ووعدوني بمعاقبة المقصرين حتى لا يعودوا للإخلال بواجباتهم، وسأفرد للكلام عليه في الرحلة فصلًا إن شاء الله.
ومثله: رجلان اسمهما (سبيرز وبوند) قد التزما بأن ينشئا في جميع محاط لوندرة وبريطانيا العظمى سُكُردانات? للآكلين والشاربين من المترددين على القطارات، فراجت تجارتهما وربحت أعمالهما، حتى تعديا هذا النوع إلى غيره فأنشآ دكاكين بدَّالين (بقالين) وخياطين وغير ذلك، وعندهما من النساء المستخدمات نحو الخمسمائة امرأة. ومثلهما كثير غيرهما اتبعوا طريق الجد في أعمالهم، ففازوا وصاروا من أهل الثروة، وأقبلت عليهم الخلائق، وأقرت لهم بالفصاحة والأصالة، وصار لهم في النفوس مهابة وجلال، حتى إن كثيرًا من المحُدثين بهذه الصفة أصبحوا أعضاء في البرلمان بالنيابة عن بعض المقاطعات، بل عن بعض المدارس الجامعة، وهم كثيرون لا أريد أن أطيل الرسالة بذكرهم، ولكني لا أرى مندوحة عن (هويتلي) الكلام على رجل اسمه Whitely. هذا الرجل كان في مبدأ أمره من طائفة المتسببين ببيع بعض الأصناف على عربة يدفعها بيده أو يقف بها بجانب البرزوق، فأصبح الآن وهو صاحب مخازن واسعة في لوندرة لا يضاهيها غيرها في كل البلاد التي رأيتها. ولقد علمت أنها فريدة في العالم بأجمعه، ولما دخلت هذه المخازن حِرت واندهشت، وضللت عن الطريق لتشعب مسالكها وتنوع الأصناف فيها، فإنك تجد عنده كل ما يحتاجه الإنسان من أي طبقة كان، من يوم مولده إلى يوم ملحده، من جميع الأصناف وكافة الأنواع من ملابس للجسم وللرأس ولليدين وللأقدام، داخلية وخارجية للرجال والأطفال والنساء والبنات، جاهزة أو مُفصلة بحسب الإرادة، ومن أقمشة لجميع أصناف الناس للملكية والعسكرية البرية والبحرية، ومن حرائر ومنسوجات مختلفة متعدد متنوعة، ومن روائح وأعطار، ومن بضائع أجنبية من جميع أقطار الدنيا من مصاغات ومجوهرات مختلفة الأقدار والأحجام والأثمان، ومن مشغولات الحديد وكافة المعادن على الإطلاق، ومن أخشاب وأحطاب، ومن كتب وورق وما يقتضيه ذلك من جميع الأنواع، ومن فواكه طرية وناشفة وخضراوات جافة ورطبة جَنيَّة، ومن لحوم الحيوانات والصيد، ومن حيوانات حية وأطيار وأسماك، بل تجد عنده الفحم الحجري، بل الكبريت، بل كل ما يتصوره الإنسان يجده في هذه الدكان وعليَّ الضمان.
ذهب إليه في أحد الأيام رجل من اللوردات، وأراد أن يربكه ويضحك عليه فقال له: إني أريد فيلًا أبيض (ومعلوم أنه من الندرة بمكان)، فتلقاه الرجل بكل هدوء وسكينة واستوصفه الفيل اللازم، وساومه الثمن وأخذ عنوانه، ثم قال له: أَضرب لك موعدًا بعد ثلاثة شهور يحضر مطلوبك! فلم يمضِ الأجل المعين حتى جاء إلى صاحبنا اللورد كتاب في البوستة يُعلمه بوصول الفيل حائزًا لكافة الشرائط المطلوبة والأوصاف المرغوبة، وأن هويتلي مستعد لإرساله إليه في المكان الذي يُعَيِّنه. وبلغني أن عدد الفتيات المستخدمات في مخازنه يقارب الخمسة آلاف وأمثال هؤلاء كثيرون.
فلا يعجب الإنسان حينئذ إذا اضطر القوم للاستعمار والاجتهاد في جلب الذهب إلى بلادهم من كافة أقطار الأرض، حتى صارت مدينتهم سوق العالم كله، وأصبح كثير منهم يكتسبون في الدقيقة الواحدة خمسة أو عشرة جنيهات أو أكثر، ومنهم مَن إيراده السنوي يعتبر في بلاد أخرى رأس مال عظيم جدًّا، ومنهم (دوك اف فُونشَيَر)، يملك من الأراضي فقط ما قيمته ثمانية آلاف ألف جنيه، ومع ذلك فإن ثروته هذه ليست شيئًا يذكر بجانب (دوك وستمنستر) التي لم يتيسر حصرها للآن.
وبهذه المناسبة أقول إن الباحث المدقق لا يرى في أي نقطة في الكون منظرًا أبشع ومشهدًا أشنع من الفقر الذي أناخ بَكلكَلِه على جانب عظيم من سكان لوندرة، فإن ذلك المنظر يوجب لوعة وألمًا لا يضاهيهما شيء من الأحزان لقربه من تلك الثروة الطائلة، وتلك النعمة الكاملة الآخذة في النماء والازدياد، بقدر اشتداد وطأة الفاقة وتناهي الإعسار، فهلا يرى الناظر بعد ذلك أن هذه المدينة قد تفرَّدت بالجمع بين الأطراف، وانعدم فيها الوسط في كل أمر من أمور الحياة، حتى لقد صدق شاعرهم شيلي إذ قال ما معناه:
إن جهنم المستعرةأشبه بمدينة لوندرةهوامش

(?) البرزرق يقابل كلمة التروتوار الفرنساوية (Trottoir) الشائعة الآن. راجع شرح القاموس ولسان العرب في ترجمة ب رزق تجد أن معناه القسم من الطريق العام المخصص على جانبيه للسائرين على الأقدام، وأما كلمة إفريز التي استعملت تحاشيًا من كلمة تروتوار (أوتل توار بحسب نطق العوام)، فهي في غير موضعها؛ لأنها فارسية معربة ومعناها في كتب اللغة الجزء البارز من أطراف أعالي البناء، فيقابلها لفظ كرنيش المعرب عن الفرنساوية ومنها قول: الفرنساويين (Frise) بمعناه.(?) الدفة لفظة مولدة وتسمى في العربية «السُّكَّان»، قال في تاج العروس: والسكان كرمان … ذنب السفينة عربي صحيح. وقال أبو عبيد: هي الخيزرانة والكوثل (مؤخر السفينة أو سكانها). وقال الأزهري: ما نسكن به السفينة وتمنع به من الحركة والاضطراب. وقال الليث: ما به تعدل، وأنشد لطرفة:كسكان بُوصيٍّ بدجلة مصعد
(والبوصيُّ ضرب من السفن، وهو الزورق معرب بوزي.)(?) يؤخذ من كلام شفاء الغليل أن السكردان لفظ فارسي معرب، ومن شرحه له يستفاد أنه يقابله في اللغة الإفرنكية كلمة بوفيه (Buffet) المستعملة الآن في اللغة العربية، وحينئذ فالرجوع إلى السكردان أولى؛ لأنه يدل على الخزانة يحفظ فيها المأكول والمشروب.
الرسالة الحادية عشرة


تجول في بعض مدائن الإنكليز
قمت من لوندرة في يوم الخميس ?? سبتمبر وقد اكفهر وجه السماء، واحتجبت شمس الضياء، وخيَّمت في المدينة كتائب الضباب، ثم تمزَّقت ضلائع السحاب فتساقطت الأمطار كالأنهار، وتسابقت السيول من أعالي التلول، وتتابع الرعد القاصف يصحبه البرق الخاطف، ورأيت الناس يبتدئون في إيقاد النور في الشوارع والحوانيت والدور، فنزلت من العربة إلى جهة مستقربة للتفرج على هذه الحركة المستغربة غير مبالٍ بهاطل الوابل، فخُيِّل لي أني في صندوق كبير من الزجاج القاتم، وعلى جدرانه شبه أشجار منضودة ومياه معدودة وطرائق ممدودة، وأشباح في غدو ورواح، وما وصلت إلى سكة الحديد إلا وقد بلغ الظلام منتهاه، فأسرعت إلى عربة القطار السريع، ورأيت الماء ينهال من ميازيبها كأنها أفواه القرب.
ولما استقر بي الجلوس واستأنست بالجلوس ورأيت النفوس تتضجر من هذا الجو العبوس، فاتحت بعض القوم بهول هذا اليوم، فقال هذا هو الضباب الأسود، ولعله يقف عند هذا الحد فلا يكون طليعة لعرمرم الضباب الأصفر، فإنه هو الموت الأحمر. فأظهرت الاشتياق لمعرفة هذا الافتراق! فأخبرني أن الضباب عندهم قسمان؛ أولهما: وهو الذي نشاهده الآن أكثر غرابة وأقل ضررًا للإنسان، فإنه يجعل وقت الظهيرة البهيج كمنتصف الليل البهيم، فيسارع الناس بإضاءة النبراس، ومتى كان الضباب في الطبقات العالية، فليس فيه من الضرر ما يستحق أن يذكر، ولكنه على كل حال لا يوجب عَطَلًا في دولاب التجارة وحركة الأعمال، وأما الصنف الثاني: فهو الأصفر يؤثر على الحَلق، ويتهدد الخلق بالخَنْق، ويوجب التحفظ على الأفمام بالأكمام، وقد اخترعوا للوقاية منه كمامات مخصوصة للتمكن من التنفس بسهولة، وكل من أهمل الاحتراز بهذا الغطاء أو بهذه الكمامة خرج الدم من فيه مع اللعاب إن لم تزهق النفس وتذهب إلى الرمس، وفي الحال يُسرجون المصابيح في الشوارع والحارات والدوار والدكاكين، ولكنه يستحيل على الإنسان أن يرى النور نفسه ولو كان بمقربة منه، وبعضهم يلتجئون إلى العربات فيلبثون بها ساعات.
وترى هذه الحركة الهائلة التي تفردت بها لوندرة تقف كلها مرة واحدة، ولا يتجاسر الجريء على أن يتقدم فترًا أو يتأخر شبرًا خوفًا من الاصطدام بشيء مما لا يراه. وهذا الصنف من الضباب لا يظهر إلا بعد مدة خمسة عشر يومًا، وأخص الأوقات به شهر نوفمبر، فقد يمر الأسبوع الكامل كأنه ليلة واحدة قد يتخلَّلها أحيانًا شَفَق باهت يزيد في الحزن والكآبة المنتشرة على أرجاء المدينة؛ ولذلك كان الإنكليز أعرف الناس بمضار الجو في مدينتهم، فيبارحونها في فصل الشتاء (إلا من تضطره حوائجه وأعماله)، ويَفِرُّ الأعيان والأشراف واللوردات منها في هذه الأوقات؛ لأنها تكون — والحق يقال — غير قابلة للسُّكنى بما يغشاها من ركام الضباب المتوالي الذي يمزج فيها بين النور والظلام، ويزيد في درجة الرطوبة إلى حد لا يطاق.
فشكرت الرجل على هذه الإفادة، وأردت أن أحيطه علمًا باعتدال الجو في بلادنا وبهاء السماء عندنا، مما يجعلها جنة تقر النواظر وتشرح الخواطر، ولكني رأيته لا يعبأ إلا ببلاده، ولا يلتفت إلى غير ما هو في معلومه، فأقفلت باب الحديث. كما أخذ هو والجماعة في تدخين شبقاتهم القصيرة الشهيرة وتلاوة جرائدهم الكثيرة، واشتغلت أنا بإضافة هذه الفوائد على ما علمته من سرعة تغير الجو في لوندرة، فإن متوسط درجة الحرارة فيها هو ???? من درجات سنتيجراد، وقد تنزل في الشتاء إلى ? تحت الصفر.
ولم يمضِ إلا قليل من الزمن حتى وصلنا مدينة برمنجهام (Birmingham)، فنزلت بها، وهي مدينة قديمة اسمها الأصلي برومويشام، ثم حَرَّفها العامة إلى بروماجم، واشتهرت الآن باسمها المتداول المعروف، وهي مركز المعامل التي تشتغل باصطناع الحديد في بلاد الإنكليز، وفيها ورش للجلوانوبلستيا ولاصطناع الريش الفولاذ التي يستعملها الإفرنج في الكتابة بدل الأقلام، وللمصنوعات الحديدية الخاصة بالكنائس، وعلى مقربة منها ورشة لاصطناع الزجاجات العدسية الخاصة بالفنارات البحرية وأخرى لعمل العربات. ومن أجمل مبانيها دار المدينة، وفيها متحف وافٍ ومكتبة أهلية يقوم بالخدمة فيها نساء في غاية الفَطانة، وفيها غرفة مخصصة لمؤلفات شاعرهم الفيلسوف الشهير شكسبير تحتوي على مجموعة فيها كتبه التي طبعت في جميع المطابع، وفيها تراجمها إلى كافة اللغات الأوروباوية، وكذلك البوستة يقوم بمباشرة أعمالها نساء لهن حظ وافر من علم الجغرافية. ثم قمت منها إلى مدينة دربي (Derby)، وتفرجت على مكتبتها ومتحفها، ولكنها ليست إلا عبارة عن معامل كثيرة خالية مما يشرح صدر الغريب، أو يستميله لإطالة البقاء فيها، وأهم شيء يستحق الذكر هو أني حططت بها الرحال (أعني جعبة ملابسي وقِمَطر أوراقي) مدة ?? ساعة. وأسرعت بالقيام منها إلى مدينة منشستر (Manchester) على القطار السريع، فمر تحت نَفَق اسمه بيك فورست تونل، وطوله ميلان كاملان، ولكن القطار قطعهما في دقيقتين، وكانت فيه بطارية كهربائية لإضاءة كافة العربات بالليل أو عند دخولها نهارًا في بعض الأنفاق فقط، ومنشستر مدينة كبيرة عامرة فيها كثير من المعامل. وأهم شيء تفرغت له فيها مكاتبها الكثيرة المجانية التي أُعِدت لتثقيف عقول الأهالي، وتشحيذ أذهان العمال في أوقات خلوهم من الأعمال، وقد رأيت في أهم مكتباتها مجموعة مستوفاة لا نظير لها في أعظم مكاتب أوروبا، حيث احتوت على جميع ما ألفه العلماء في فن اختذال الكتابة (الستنوغرافيا)، وفيها مجموعة كاملة لأهم جرائد بريطانيا العظمى وأعمال البرلمان، وكتب قديمة نادرة، ومعمل للتجليد. ورأيت فيها طابعًا يؤثر على الورق من غير حبر استحدثوه، حتى لا يتمكن أحد القراء من اختلاس بعض أوراق الكتب التي يكون فيها تصاوير ورسوم أو جداول أو غير ذلك، مما يستشره الغواة للاختصاص به وإتلاف الكتاب برمته، وهي طريقة لطيفة يحسن اتباعها في الكتبخانة الخديوية حفظًا لما فيها من الذخائر والنفائس، حتى إن الذي يستعير الكتاب النادر لا تسول له نفسه تجريده من بعض الصفحات فيصبح أبتر عديم القيمة.
وفيها غرفة للقراءة يجد الإنسان فيها جميع الجرائد التي تصدر في اليوم، وسأشرح الكلام بالتفصيل على مكاتبها التسعة وغرف المطالعة المتعددة إظهارًا لما جاءت به من الفوائد التي لا تقدر. وعدد سكان هذه المدينة ?????? نسمة بما فيها سالفور من أرباضها، وهي كما لا يخفى مركز لصناعة الأقطان (وفي متحفها نموذج من جميع محصولات القطن بأنواعه في كافة أقطار العالم)، وليست من شيء في حسن المنظر وبهاء الرونق، بل هي كسوق يتموَّن فيه أهل المدائن التي حولها، وكل هذه المدائن مختصة بغزل القطن ونسجه بما يتبعه من الصنائع.
وفيها بعض عمائر تستحق الذكر مثل دار أمانة المدينة، ودار التجارة الحرة وهي معدة للاجتماعات العمومية تسع ???? نفس، وفيها بستان للنبات في غاية الانتظام، وفيها كثير من الأسواق والكنائس المهمة، وفي شوارعها وميادينها أنصاب لتخليد ذكر مشاهير الإنكليز، وقد مضى عليَّ فيها أحد الآحاد فكأنها ولوندرة قد أفرغتا في قالب واحد، ومما زاد في أهمية المدينة أن شركة تألفت وساقت مياه البحر الاطلانطيقي من ليفربول إليها في ترعة سموها قنال مانشستر؛ لكي يتيسر للسفن أن تدخل في نفس إنجلترا حتى تصل إليها بما فيها من بضائع، وقد بلغت نفقات هذا القنال نحو ? ملايين من الجنيهات، والمنظور أنهم يصرفون أيضًا أربعة ملايين أخرى (وقد ورد التلغراف في ? يناير سنة ??، وهو يوم طبع هذه الملزمة من الطبعة الثانية بأن القنال قد تم وحصل الاحتفال به).
ثم قمت منها إلى ليفربول (Liverpool)، ونزلت بفندق إدلفي، وهو من أفخر وأفخم الفنادق التي رأيتها بأوروبا من حيث الاتساع والإتقان وكمال المعدات، حتى إن أدنى غرفة فيه يضيئها النور الكهربائي، وفيها التلفون للمخاطبة مع إدارة الفندق وخَدَمه ولمكالمة النازلين به مع بعضهم ومع المشتركين في التلفون من أهل المدينة. وقد تفرجت فيها على المحاكم وعرفت أساليب التقاضي والمحاماة عندهم، وزرت مكتبتها ومتاحفها وشاهدت آثارها وأنصابها، وتقابلت فيها مع الشيخ عبد الله ويليم كويليم رئيس الطائفة الإسلامية من أبناء الإنكليز، ودعاني لتناول الطعام عنده وأكرم مثواي، ورأيته قائمًا هو وأصحابه بتأدية الفروض الدينية الشرعية بقدر اجتهادهم في دار جعلوا فيها قِبلَة ومحرابًا ومكانًا للصلاة ومنبرًا للوعظ والخطابة، وفيها مدرسة إسلامية لتعليم الآداب والفنون الإنكليزية على ما يوافق النصوص الشرعية، وهي إلى الآن في عهد الطفولية، وكلهم متوددون لبعضهم رُحَماء بينهم، مقبلون على تكسب أرزاقهم، يتخاطبون بألفاظ الإخاء ويحيون بعضهم بتحية الإسلام، ويزيد عددهم الآن عن الستين بما فيهم بعض النساء، ولا شك أنهن سيكون لهن اليد البيضاء في تعميم نشر المبادئ الحقة، وإظهار مزايا الدين الحنيف شأنهن في كل عمل أقبلن عليه في أي قطر من أقطار المسكونة، وقد ترجموا بعض السور الكريمة ونظموها في قصائد يرتلونها في بعض الاجتماعات، وعندي نسخة منها، ثم إني أديت معهم فريضة العِشاء في ليلة ??–?? سبتمبر.
وقد اشتد الزمهرير وتنازلت الحرارة وارتفعت البرودة بما لم أعهد له مثيلًا من قبل، حتى كانت جوارحي تنتفض وفرائصي ترتعد كأني العصفور بَلله القَطر، واستمرت أسناني على الاصطكاك والاحتكاك حتى تحققت أن برد العجوز في بلادنا ليس بالشيء الذي يذكر بجانب ما تسميته برد الشاب عندهم، وكانوا كلهم يقولون: أين هذا من البرد الصحيح؟ مع أنني كنت أشعر ببرد يغير الألوان وينشف الأبدان ويجمد الريق في الأشداق والدمع في الآماق؛ لأن هذا اليوم مما جمد خمره وخمد جمره، يثقل فيه الخفيف إذا هجم، ويخف الثقيل إذا هجر، وكنتُ فيه بين أطباق البُرَد ورجم البَرَد، وكان القوم لا يستغيثون إلا بحر الراح وسورة الأقداح.
وبعد أن خرجنا من المسجد صاحبني اثنان منهم لإرشادي على الفندق، وبينما نحن في أثناء الطريق إذا بمبادئ حريقة في مخزن خشب، فوقفنا نتأمل أفاعيل النار مع اشتداد هبوب الرياح، ولم تمضِ برهة كبيرة حتى ارتفع لسان اللهيب إلى عنان السماء، وتطاير الشرر إلى جهة الشرق، فأتت على المخزن وبعض البيوت المجاورة له، ولم يتغلب عليها رجال المطافئ مع إقدامهم وبراعتهم، إلا بعد أن بلغت النَّفس التراقي، ولولا حَذاقتهم وسكون الأهالي وعدم اضطرابهم واستيلاء الهَلَع عليهم لكانت أحدثت إتلافًا أعظم مما حدث، وسأكتب عليها بالتفصيل. وإنما أذكر الآن ثبات الإنكليز، فإني لم أسمع في الجماهير التي تجمهرت إلا صياحًا واحدًا من امرأة استغاثت بالقوم لإنقاذ ولدها، وألقت نفسها في مقدمتهم لاستخلاص فَلَذة كبدها، وبعد ذلك استولى الصمت والسكون حتى في أهالي المنازل المجاورة التي كانت ألسنة النار تتطاول إليها، وبقي رجال المطافئ مالكين لحريتهم في العمل، حتى انقضت هذه القارعة ولم يمت فيها أحد من الناس، والحمد لله.
وعدد أهالي ليفربول ?????? نفس، وهي أول المواني البريطانية بعد لوندرة، بل قد تَفُوق عليها بما يصدر منها إلى الخارج وأخص تجارتها مع بلاد أمريكا؛ إذ يجيئها منها كميات من الحبوب والأقطان وغير ذلك من المحصولات مما لا يكاد يتصوره العقل، ثم تصدرها بعد اصطناعها في معاملها إلى جميع أنحاء العالم. وأحواضها أهم ما يوجد في أعظم مواني الدنيا تدخل إليها أكبر السفائن في كل لحظة وهي متقاطرة صفوفًا صفوفًا وراء بعضها على مدى ستة أميال وزيادة، بحيث إن منظرها يعتبر من عجائب العالم، ولا يزالون إلى الآن يشتغلون بحفر أحواض جديدة وإنشاء مخازن للتجارة البحرية.
ومن أهم مبانيها قاعة سنت جورج، وهي عمارة فخيمة جليلة بما فيها من الرونق والبهاء وحسن النظام، يجتمع فيها القوم أثناء الانتخابات أو الاحتفالات العمومية، ورأيت قصر متحف الفنون والصور والرسوم وغرفة المطالعة والمكتبة الحرة والبورصة، وغير ذلك من عظائم الآثار التي لا يسمح لي المقام بالتوسع في الكلام عليها الآن، وفيها كما في غيرها من مدائن الإنكليز تلك الرياض السندسية التي تنقي الهواء، وتسر الفؤاد بما فيها من الخضرة والنضرة والمياه المتدفقة والأشجار القليلة، حتى يتيسر للنظر أن يمتد إلى منتهى الأفق، وفيها مدرسة جامعة، وغير ذلك مما أستبقي شرحه للوقت والمكان المناسبين له.
هذا وقد كنت عقدت النية على الرجوع إلى لوندرة مباشرة، ولكني عدلت عن ذلك وعَوَّلت على زيارة بعض مدائن الغال لقربي منها، ولعلمي بأنه لم يسبقني أحد من أبناء جلدتي من هذا الجيل في التوجه إليها، وستكون موضوع الكلام في الرسالة التالية إن شاء الله.

الرسالة الثانية عشرة


تجوال في بلاد الغال
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وبرأه على أبدع تكوين، وصوَّره في أجمل مثال، وفطره على أكمل منوال، ثم أودع فيه من غرائب الغرائز وخَفِي الأسرار ومكنون القوى ما لا يرتاب في وجوده الحاذق الفطين أو يتخيله الدرَّاكة الفهيم أو يخطر على بال اللبيب الأريب، ولا يزال العلم يكشف لنا في كل يوم عن قِناع هذه الخبايا، ويكاشفنا بما في تلك الزوايا، ويطلعنا بمقدار تقدم العرفان على ما في الإنسان العاجز من آثار الاقتدار كلما قرن الإرادة بالعمل ووفق بين الفكر والتحقيق في مظاهر الوجود. وهذه كلها قضايا ثابتة عند من قدح زناد القريحة الصحيحة، وتدبر في سلائق الخلائق، وأرسل رائد التأمل إلى عجائب الارتقاء العصري، وما كان من نتائج سعي العقلاء في الأيام الخوالي.
أقول ذلك بمناسبة ما اشتهر به المصريون من الركون إلى السكون والخلود إلى الراحة والقناعة بالكفاف، وما ذلك إلا لتوفر العيش في بلادهم البارة بأهلها، وتيسر أسباب الكسب ونوال الرزق من غير ما كد ولا كدح، كما هو الشأن في الأمم المتوطنة بالبلاد الجليلة أو الأصقاع المجدبة القاحلة، أو البلاد التي ضاق ذرعها عن القيام بأود أبنائها، حتى اضطروا للنزوع عنها إلى ما هو أخصب وأبرك سعيًا وراء القوت أو طلبًا للرفاهية والنعيم.
وليس السكون من شئون المصريين دون من عداهم ممن يدبون على وجه الكرة الأرضية، فما هم وربك إلا كسواهم من طوائف المخلوقات الذين أفاضت عليهم يد العناية الأزلية نعمها المترادفة، حتى جعلت بلادهم مطمحًا لأنظار الغريب عنها يلتجئ إليها على الدوام، ويقرع أبوابها طلبًا للقرى والضيافة.
ثم إننا إذا نزلنا في سلم الكائنات إلى الحيوانات رأينا هذه النتيجة بعينها، فأنواع الدبابات وأصناف الحشرات وأطيار الهواء وأسماك الماء خاضعة لهذا الناموس الكوني العام، فما كان منها في وسط مشحون بالخيرات تراه من طبيعته ميالًا للسكينة وعدم العنفوان، وما كان بعكسه يكون من خلقه البطش والبغي والعدوان، وقد استمر الحال على هذا المنهاج حتى تأصلت هذه الأخلاق، وصارت وراثية في كلٍّ من الفريقين يتناقلها الأبناء عن الآباء والأحفاد عن الأجداد، ولكننا إذا قبلنا الموضوع وعكسنا القضية كما يفعل علماء الطبيعيات ببعض الحيوانات، لا تلبث الجبلات أن تتغير، والسجايا أن تتحور، والطبائع أن تتنوع وتتحول، والأميال أن تتبدل وتتعدل بحسب ما يقتضيه الحال ويستوجبه المقام.
لذلك كان البدو على العموم مجبولين على الترحال والضرب في أطراف البلاد، حتى إذا تمصروا أصبحوا كأهل الحضر أقل استعدادًا للهجرة والتغرب عن الأوطان والابتعاد عن الأرض التي نبتوا بها، واستقوا من مائها وتغذوا بنباتها.
ولما كانت بلاد الإنكليز كثيرة البعد عن أن يصدق عليها أنها من الخصب وتوفر الرزق، بحيث تكفي لمؤنة أهلها، تولد فيهم بالضرورة حب السياحة والسعي في مناكب الأرض، وبذل كل ما في وسعهم من الوسائط الحسية والوسائل المعنوية لجلب الثروة من أقطار الأرض وأطرافها إلى تلك الجزيرة التي يسكنون بها، ثم لما ضاقت عنهم التزموا بالاستكثار من الاستعمار والانتشار في سائر الأقطار، مثل الفينيقيين وأبنائهم القرطاجيين، ومثل الأغارقة (Ies Grecs) والرومانيين، ومثل العرب في أول دولتهم، والبرتغاليين والإسبانيين في مبدأ نشأتهم، ومثل الألمانيين واليونانيين وغيرهم من أمم هذا الزمان. وبعد أن كانت السياحات للإنكليز من أول الحاجيات، أصبحت الآن من ضروريات الكماليات؛ لأنها رُسِّخَت في ملكاتهم وثبتت في أخلاقهم حتى إنهم فاقوا جميع أمم الأرض في هذا الموضوع.
وبعكسهم المصريون وأشباههم من الأقوام، فإنهم لم تحوجهم بلادهم للخروج من حوزتها ومبارحة حومتها؛ لكونها تكفَّلت لهم بلوازم الحياة ولم تضنَّ عليهم بما يسد رمقهم، حتى إنه ما أمكن ولا يمكن ولن يمكن أن يموت فيها أحد بسبب الجوع، كما هو حاصل في كل يوم بلوندرة وغيرها من مدائن الإنكليز، ولا يمكن أن لا يجد العامل فيها عملًا يغنيه عن بذل ماء الوجه وإخلاق الديباجة أو الانتحار إن كان في نفسه شيء من الشمم والشهامة. وأما لوندرة وحدها فقد شهد الأستاذ كيرهاردي نفسه، وأكد بأن عدد العمال الذين لا عمل لهم هو ??????، ومعلوم أن أقل تعطيل في معامل أية مدينة من بلاد الإنكليز يوجب انقطاع الخبز عن مئات ألوف من العمال كما تشهد به التلغرافات.
فلا غرابة حينئذ في أن مصر لم تخرج كثيرين من أهل السياحة والريادة ومحبي الاستطلاع، ولكن ذلك ليس برهانًا على عدم استعداد أهلها لها، بل إن البارئ — جل وعلا — خصَّهم أيضًا بهذه الغريزة، كما حلَّاهم بصفاء القريحة، وجودة الذهن، وسمو المدارك، وغير ذلك من المزايا العقلية التي يعترف لهم بها حتى أعداؤهم من الأجانب.
وإنما الأعمال محك الرجال، فلا يصح للعاقل المنصف حينئذٍ إلا أن يسخر ويستخف بأولئك السائحين الذين جاءوا مصر، وحكموا بأن أهلها ليس فيهم اقتدار على السياحة وطلب العِز في التنقل، فإن أول طواف حول أفريقية كان في عهد الفراعنة الأقدمين، وعلى سفائن المصريين وبواسطة المصريين، خرجوا من بحر الروم مُغربين حتى تجاوزوا بحر الزقاق (بوغاز جبل طارق)، ثم اجتازوا بحر الظلمات (المحيط الأطلانطيقي) إلى أن بلغوا ما يعرف الآن برأس عشم الخير، ثم جابوا البحر الهندي وألقوا المراسي عند مدينة القُلزَم (قريبًا من السويس). ومن نظر في كتاب (مصر والجغرافيا) الذي وُفقت إلى إظهاره حديثًا أذعن بأنهم قد كانت لهم اليد البيضاء في الاكتشافات الجغرافية التي حصلت ببلاد السودان وغيرها، وإن كانت رسائلهم وتقاريرهم وكتاباتهم لم تنل حقها من الانتشار؛ حتى تكون بهجة في عين المحب وقذى في أعين المبغضين.
ولقد صدق الفرنساويون في المثل الذي أرسلوه، حيث قالوا: (إن الشهية تحضر وقت الأكل L’appetit vient en mangeant)، وأصدق منهم إمامنا البوصيري فيما أتى به من الحكم (إن الطعام يُقوي شهوة النَّهم)، فإني حينما أتيح لي مبارحة الربوع التي ألفتها والديار التي عهدتها (وهذه هي المرة الأولى) عرفت مقدار الحنين إليها والتوجع من مفارقتها، حتى لقد اشتد بي الوجد عليها وأنا بفلورانسة على مَقربة منها، ولا يعرف الشوق إلا من يكابده، ولا ينكر هذه العواطف النبيلة إلا من تجرد منها. ولكنني كنت كلما طوَّحت بي الأسفار أستأنس إلى السياحة، وأرى في نفسي ما يجذبني إلى رؤية بلاد كثيرة وأقوام عديدة، حتى إنني لمَّا كنت بليفربول شعرت بما يدفعني إلى زيارة بلاد الغال، وقد دارت المكالمة بيني وبين بعض الإنكليز على ما عزمت عليه من التوغل في هذه البلاد فاستكبر هذا المشروع على شاب من المصريين، وقال لي: «إنه من باب المجازفة سيما مع قلة بضاعتي في اللغة الإنكليزية مع كوني لو كنت متقنًا لها لما أفادتني بشيء كثير؛ لأن أهل تلك البلاد لهم لسان آخر خاص بهم، وهو بعيد عن الإنكليزية بعدًا شاسعًا.» فقلت له: «ولمَ تقدمون أنتم إلى بلادنا وتكتبون عليها مع عدم معرفتكم بلساننا، ولا وقوفكم على أخلاقنا؟!» فقال: «إننا نستعين بما كتبه أسلافنا الذين خالطوكم وأقاموا بين ظهرانيكم، فضلًا عن انتشار لساننا في أوطانكم وكثرة التراجمة الذين نستخدمهم في التفهم والتفهيم.» فأجبته بأني «لا أرى من مانع في أن أكون لقومي مثل أولئك الأسلاف الذين تشير إليهم، وأني أستعين بترجمان من أهل تلك البلاد يفهمني بالإنكليزية وعلى قدر الإمكان ما ليس في وسعي إدراكه من لغة قومها، فإن الإنكليز والأمريكانيين لا بد أن يكونوا قدموا إليها، وحينئذ فلا شك في وجود نفر من أهلها بكلمونني بالإنكليزية على قدر ما أفهم».
ثم أحطت صاحبي بمشروع سياحتي في الأندلس والبرتغال، وأني لا أفهم كلمة واحدة من اللغة الإسبانية، فقال: «ذلك سهل عليك؛ لأنها قريبة من الفرنساوية والطليانية ولك بهما إلمام.» فسلمت له بسداد هذا الجواب، فقال لي: «وهناك عوائق أخرى ربما لا تقوى على مقاومتها، وهي البرد الشديد والرطوبة الزائدة وتوالي الأمطار في هذه البلاد الجبلية.» فقلت له: «وفوق ذلك فإني عازم على النزول إلى مناجم الفحم الحجري.» فهز رأسه وبرم شاربيه وتبسَّم ضاحكًا ثم قال بصوت متقطع: «إذا كان الكلام سهلًا على اللسان، فالعمل صعب على الإنسان.» فترجمت له ما قاله شعراؤنا «أنجزَ حُرٌّ ما وعد – وإن غدًا لناظره قريب»، ثم ودعته بعد أن وعدته بأني أكاتبه من هاتيك البلاد، وركبت القطار في عصر النهار.
ولما وصلت إلى مدينة شستر Chester استدعيت حَمالًا نَقَلَ متاعي إلى قطار آخر، وأعطيته جنيهًا ليستحضر لي تذكرة إلى لنجوثلن Lengollen ويرد لي الباقي، فذهب وغاب ثم رجع موفيًا بالمراد، فأتحفته بما قَدَّرني الله عليه؛ لأنني فكرت أنه كان في وسعه عدم الرجوع. ووصلت لنجوثلن في منتصف الليل أو قبله بقليل، وكان المطر متواليًا عليها بما لم أعهده في عمري، وأما البرد فيكفيني أن أقول إنه أهداني بالزكام مدة أربعة أيام، وسمعت للمياه خريرًا يشبه الهدير والزئير وكأنها متدفقة من صخور عالية متأطمة على جنادل متوالية متساقطة في جداول سافلة. وبلغت النُزُل كالغريق لا يخاف البلل، فأوقدوا نارًا حامية اصطليت بها واستأنست لها، وما سمعت أذان الديكة في الأيكة وتسبيح الأطيار على أفنان الأشجار حتى وثبت إلى الشباك، وألقيت نظرًا متسارعًا إلى ما أمامي من المناظر، فإذا جبال شاهقة تكسوها خضرة رائعة، تتخللها أزهار شائقة، تكتنفها أشجار باسقة، تنساب بينها مياه دافقة، لونها ضارب إلى الاصفرار والاحمرار مثل مياه النيل المبارك أيام الفيضان، فانثلج فؤادي كما انثلج جسمي، وقَرَّت عيني بباهر هذه المناظر وجمال هذه الحال، حتى عَوَّلت على إطالة الإقامة في هذه المدينة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها ???? نسمة، فأخلدت إلى الراحة فيها وترويح البال بمرائيها بعد أن لاقيت من لَغَط المدائن الكبيرة وضجتها ومتناهي اضطرابها وحركتها، ما جعلني محتاجًا لقليل من الراحة حتى يعود لي النشاط لموالاة السياحة. ومن الغرابة أني عَلمتُ بعد مبارحتي لها بزمان أن أهل التجوال لا يحطون بها الرحال إلا للاستراحة.
فإنها مدينة صغيرة واقعة على نهر الدي (ومعنى دي باللغة الغالية: الأسود، وبالإنكليزية بلاك)، وتسمى بلسان أهلها لنجوثلن، وإن كانوا يرسمون اسمها في الكتابة هكذا (للنجولن)، وعلى نحو ميلين منها أطلال دارسة لدير قديم، وهي أجمل ما بقي من عمائر القدماء في شمال هذه الأراضي، وعلى ميل ونصف منها بقايا حصون منيعة قائمة بشكل مخروطي على تل مرتفع يطل على المدينة، ويصد عنها المغيرين عليها، وقد زرتهما بالتفصيل وشاهدت أعمال الحفر فيهما، وكشف ما كان دارسًا تحت الأرض منهما. وفيما وراء هذه الحصون يمتد النظر إلى مسافة أربعة أميال تشغلها جبال طباشيرية، تتخللها مروج أريجة ومراعٍ فسيحة، ويحف بالمدينة من الشمال إلى الجنوب وادٍ بَهي بهيج يبلغ طوله ?? ميلًا، ينعش الفؤاد ويشجي النفس بنوره وزهره وخضرته، وقد آثرت التوجه إليه على عربة في طريق البر عن ركوب القطار، حتى أتمتع باجتلاء محاسنه وتسريح الطرف في مشاهده. ورأيت ما أبقاه فيه الدهر من آثار القصور الدارسة التي تتعلق بما كان لها من المكانة في الفخامة والجلال، وتشهد بأن الأيام خلعت عليها ما عندها من الجمال.
وقد تنقلت من هناك إلى قرى كثيرة حول لنجوثلن، وتحققت في أهل الغال بشاشة وبشرًا وائتناسًا ويسرًا مع الطباع الكريمة والأخلاق الفاضلة النبيلة، ولهم بالغريب حفاوة وأي حفاوة، فهم يتهالكون على خدمته والاجتهاد في مرضاته من غير أن تكون لهم غاية ما في ديناره، وخلاصة القول أني عهدت فيهم تلك السجايا البدوية العربية الفاضلة التي تتجلى مظاهرها في الأرياف والخلوات أكثر منها في المدائن والأمصار، وهذا ما حداني على إطالة المكث بلنجوثلن أكثر مما تستحق في الحقيقة، وخصوصًا أن الفندق الذي نزلت فيه وهو (هاند هوتل Hand Hotel) قد قام أهله بخدمتي فوق اللازم ويَسروا لي جميع المطالب بما كتب لهم على صحيفة فؤادي آيات من الشكر لا يمحوها الدهر، لقد وطنت نفسي على الذهاب إلى هذه المدينة إذا ساعدتني العناية بالقدوم إلى أوروبا مرة ثانية. وقد رأيت النساء في بلاد الغال يفقن أضرابهن في بلاد إنجلترا الحقيقية، فيما هو من مميزات الجنس اللطيف مع ما هنَّ عليه من البساطة التي تستوجبها المعيشة الخلوية، وبُعدهن عن التأنق الذي يضطر إليه أترابهن حينما يطلعن في سماء الأمصار. وللسيدات في لنجوثلن جمعية خاصة بهن في دار هي في الحقيقة تُحفة للناظرين وطُرفة للقادمين، فقد حوت من آثار الصناعة وبدائع الأعمال ما لا يمكنني المقام من استيفائه الآن، فإنها كلها من الخشب القديم المشغول شغلًا دقيقًا على يد أمهر الصناع، وفيها طرائف قديمة ومجموعات نفيسة من حُليٍّ وجواهر ومتاع فاخر وصور ومناظر وأسلحة ونقوش وأشكال وأوانٍ، يليق بها أن تعرض في أهم المتاحف المعتبرة، وفيها رجام قبر من الرخام مكتوب عليه عبارة باللغة التركية.
وفي هذه المدينة الصغيرة أكثر من اثني عشر معملًا لغزل الصوف ونسجه، يديرها التيار والبخار، وقد تفرجت على بعضها ورأيت الصوف كيف يُفرز، ثم يُنظف، ثم يُغزل، ثم يُنسج، ثم يُغسل، ثم يُكوى، ثم يُلَف، وكل ذلك بواسطة الآلات، وتحت مراقبة شرذمة من الغلمان وثلة من البنات.
ولا أعلم كيف استولت عليَّ الرغبة في التوجه إلى منبع نهر الدي، ورؤيته وهو يخرج من البحيرة التي تتجمع فيها المياه المتساقطة من الجبال، فجهزني أهل الفندق بما يلزم، وأحضروا لي ترجمانًا صاحبني في ذهابي بالسكة الحديدية إلى مدينة بالا Bala، وسرت مسافة ساعة حول بحيرتها، ورأيت الجداول تنساب من قلل الصخور القريبة منها، وتنهال في حياضها، ثم تجري إلى الوادي فيتكون منها نهر الدي. كل ذلك والمطر متوالٍ لا ينقطع إلا بمقدار خمس دقائق تطلع فيها الغزالة، ثم لا تلبث أن تختبئ وراء حجاب السحاب، يكتنفها قَوس قَزَح مزدوجًا، بل قد لا تمهلها الأمطار ريثما تختفي عن الأنظار، ولقد طاب لي المقام في هذه المدينة الهادئة المطمئنة مع ما فيها من التغيرات الجوية التي لا تخطر على بالِ مَن تعوَّد إقليمنا.
ولكني ما قدمت في الحقيقة إلى بلاد الغال إلا طمعًا في رؤية مناجم الفحم الحجري أس الصناعة وينبوع الثروة ومحور العمران في هذا الزمان، ذلك المعدن النفيس الذي يجدر بنا أن نسميه الحجر الكريم والإكسير الصحيح، فإنه فضلًا عن فوائده المتعارفة قد استخرج منه علماء الكيمياء أصباغًا باهية متنوعة وأعطارًا أذكى من جميع الأصناف المعروفة، وسكرًا يباع في الصيدليات، والدرهم منه يوازي أكثر من ثلاثين من أجود أنواع السكر المعتاد، وقد أثبتوا أن حجر الماس من الكربون، وبذلك يجوز لأهل البيان أن يقولوا إن الماس في الفحم في الحقيقة والمجاز (وسبحان من يفتق النور من رتق الظلمات، ويخرج الأحياء من الأموات)، وفيه غير ذلك من الجواهر والمنافع والمزايا التي ربما أتعرض لشرحها عند الكلام على المنجم الذي زرته بالتدقيق والتفصيل.
فإني قمت من لنجوثلن يصحبني ابن ربة النزل حتى وصلت إلى مدينة شيرك (Chirk) على طريق يشبه السكك الزراعية في بلادنا، وانعطفت منها إلى منجم بقربها، وما تمكنت من زيارته إلا بعد عناء شديد؛ لأن القوم حسبوني في أول الأمر رائدًا من طرف أصحاب المناجم الألمانية جئت أسترق أسرارهم وأقف على طرائقهم إلى غير ذلك مما يخشاه أهل الفن الواحد من بعضهم، ولكن المدير لما عرف صفتي ووطني واطلع على رقعة زيارتي، فتح لي الأبواب، ومهد أمامي الطرق، وأتحفني بكافة المعلومات، وأعطاني نسخًا من التقارير الرسمية والرسائل الفنية لأستعين بها على الإشباع في هذا الموضوع، ثم قام بنفسه وطاف معى جميع الأماكن وأحاطني بكيفية العمل، ثم أمر وكيله أن ينزل معي داخل المنجم بعد أن ألبسني رداءً قصيرًا من الجوخ الغليظ الخشن، وسَلمني هَراوة أتوكأ عليها وأستعين بها على التلمس في السير داخل هوة النفق الحالكة، وأعطاني مصباحًا من مصابيح الأمان أهتدي به في السير، وأستعين به على النظر، ثم قدم لي شيئًا من المرطبات وقال لي: (قد صرت الآن من عُمالنا، فاخضع لنواميسنا فبادر بالعمل بلا مهل.) فامتثلت وانحنيت مع الوكيل في أحد الصناديق الموضوعة على المركبة المعدة لإخراج الفحم من جوف الأرض إلى وجهها، فهوت بنا المصعدة (Ascenseur)، وكان سطح الصندوق الأسفل يفر من تحت أقدامي بمناسبة سرعة الآلة في النزول حتى رست بنا على بعد ثمانمائة متر عن سطح البسيطة، فاستلمنا أحد العمال، وفتش جيوبنا لئلا يكون معنا شيء من الدخان أو الكبريت أو المواد القابلة للانفجار، ثم فحص المصباح الذي معنا (وكان الوكيل نفسه خاضعًا قبلي لهذا الاختبار) وبعد ذلك سمح لنا بالمرور، فسرنا من سرداب إلى سرداب صَاعدين هابطين مُقبلين مُدبرين بالتواء وانعطاف، بحسب اتجاه عرق الفحم في بطن الأرض، وكنا نمر على سكك حديدية عليها قطارات مختلفة الاتجاهات بحسب دفع البخار وجذبه بواسطة السلاسل الحديدية. وفي الجهات المطمئنة رأينا خيولًا تجر العربات مشحونة بالفحم وتتركها بجانب المصعدة، فترفعها هذه إلى وجه الأرض، ولهذه الخيول التي لا تنقص عن الثلاثين اصطبلات في السراديب فيها كل ما تحتاجه من المئونة والراحة، وفي السراديب حنفيات للمياه وتنانير للنيران (في محلات مخصوصة) وآلات للبخار، وفوهة كبيرة عليها آلة عظيمة تُدخل الهواء بكثرة زائدة إلى هذه الهاويات العميقة. وهذا المنجم مركَّب من دورين أحدهما فوق الآخر، فالأول تحت سطح الأرض بمسافة ثلاثمائة متر، والثاني تحته بخمسمائة متر، وقد طفت فيهما ثلاث ساعات، ولم يتيسر لي أن أسلك في كل طرقاتهما؛ لأن ذلك يستغرق يومين أو ثلاثة.
ولكنني استعضت عن ذلك بالتوجه إلى أقصى ناحية وصل إليها العمال، واقتنعت بذلك ودخلت إلى أبعد نقطة في كليهما، حيث رأيت العمال يقيمون الأخشاب لإسناد السقف حتى لا ينهار عليهم. ولما كنت بحكم الشرط الذي اشترطه عليَّ مدير المنجم أُحسب في هذه السياحة الأرضية عاملًا من عمال المنجم أمرني الوكيل بأن آخذ المِعول بيدي، وأشارك العمال في قطع الفحم، فكان كذلك، وأخذ ما قطعته بيدي تذكارًا، ثم وقفت معجبًا باقتدار الإنسان، وإذا بفكر مُظلم تولاني فاقشعر منه جسدي ووقف له شعر رأسي؛ إذ مر على ذاكرتي كالسهم الخاطف تاريخ تلك الكوارث والقوارع الكثيرة الوقوع في المناجم وتذكرت أحداثها.
وهو ما كنت قرأته بالجرائد الإفرنكية في مصر في شهر مارس الماضي من الانفجار الذريع الذي حصل بأحد المعادن في بلاد البلجيكا، حتى إنه لشدة الرجة التي أحدثها جعل أهل البلاد البعيدة عن موقع هذه الطامة بمسافة خمسة كيلومترات يتخيلون حصول زلزال عنيف، وما لبث الخبر أن انتشر حتى توافد الناس أفواجًا إلى محل الوقعة الفظيعة، وأخصهم أهالي العَمَلة وعيالهم، واشتغل أهل الإقدام والجراءة بترتيب وسائل استنقاذ الأرواح من هذا الموت الزؤام، ولكن اجتهادهم ذهب أدراج الرياح، وضاعت مساعيهم سدى، فقد كتب الله أن تكون هذه الطامة عامة، فإنهم شعروا بتزعزع جديد في بواطن الأرض أعقبه صياح رنان (النار النار)، وأبصروا الشرر يتطاير في الهواء من بئر التهوية يحيط به دخان كثيف كان يتسارع إلى وجه الأرض نذيرًا باعتراك العناصر في أحشائها واجتماعها على إهلاك من فيها من العَمَلة المساكين بشرِّ أنواع العذاب المبين، ثم انهار أحد جدران بئر التهوية، فساعد على اشتداد النيران وقطع حبال الرجاء في الإنقاذ والفداء.
وكان الناس وهم في حالة اليأس يسمعون زئيرًا شديدًا يخرج من الأعماق، ويشعرون باضطراب وارتجاج، وفي بعض الأحيان كانت تهب عليهم روائح خصوصية وتهاجمهم أبخرة كبريتية، فتُعلمهم باشتداد الكرب وتوالي الخطب، وتنبئهم بأن الحريق آخذ في الازدياد، وأنه لا مطمع في استخلاص ضحايا النار، حتى اصفرت الوجوه وذهبت العقول وضاع الصواب، فأقبل كثير من الحاضرين وفيهم جم غفير من النساء يترامون على البئر وقد أحاط به الجند، ولم ينجحوا في صد المعتوهين عن اللحوق بآبائهم وأزواجهم وأبنائهم وأقربائهم لإنقاذهم من مخالب النار، إلا بعد أن أشهروا السيف البتار وتكاثفت جموعهم، فزحزحوا الناس بقوة السلاح، وهم ينظرون إليهم بعيون زائغة تنظر ولا ترى، وأفواه تصطك أسنانها وقد انعقد لسانها، ووجوه تولاها الذهول واعتراها الخبال، فصاروا كالأشباح بلا أرواح.
ولا أتذكر الآن بالضبط عدد الذين ذهبوا فريسة هذه القارعة، ولكني أذكر أنه يبلغ المائتين. وهذه حادثة واحدة من كثير دوَّنها تاريخ المناجم، وكنت أفكر فيها كلها، ولم يخرجني من هذا الحال إلا تناجي العمال بلسان الغال، فإنني لو كنت من البارعين في فن المفارقات لقلت إنه يتركب بحسب هذا البيان (أي النسخة باعتبار بعض المصريين):
قيراط??ممزوجة مع بعضها ينشأ عنها اللسان الغالي?ألماني?إنكليزي??لاوندي?يوناني?سرياني?عربي وعبري
وحينئذ بادرت بالخروج إلى وجه الأرض، وشكرت أفضال المدير وأنا أرتجف من هول الخطر الذي ألقيت بنفسي في تهلكته، ولكنني قلت في نفسي: إن الذي يجيء بلاد الإنكليز ولا يرى معادن الفحم الحجري، فلا يصح له أن يقول إنه كان في إنجلترا أو زار هذه الجزيرة.
ثم انطلقت من هذه المدينة (شيرك) إلى مدينة أخرى تفرجت فيها على معمل اصطناع الطوب المطبوخ (الآجر) بواسطة البخار، وهو معمل كبير يأخذ الطين اللازم من تَل كبير مجاور له. ثم انتقلت إلى مدينة أخرى قريبة منها، ورأيت فيها العَمَلة يلعبون بعد خروجهم من المعادن بالكرة بأقدامهم (الفوت بول)، وهو لعب رياضي خاص بالإنكليز ولهم فيه مهارة غريبة.
ومن هنا ركبت القطار راجعًا إلى شستر، وهي فيما بين بلاد الغال وبلاد الإنكليز، ولكنها تعتبر من الثانية، ومع ذلك فسأذكر عليها الآن تفصيلًا قليلًا.
هذه المدينة قديمة أسسها الرومانيون على مصب نهر الدي الذي يمر على لنجوثلن، وعدد سكانها ????? نفسًا، ولا يزال فيها كثير من بقايا الرومان وأبراجهم وأسوارهم التي هي كشوارع معلقة في المدينة اعتاد الأهالي على النزهة والرياضة فيها، ويبلغ طولها ميلين، ومن الأمور التي انفردت بها أن برازيق الطريق يكون عليها حوانيت وخلفها مماشٍ فيها دكاكين أخرى، وفوق الحوانيت الأمامية يرتفع الدور الأول من المنازل، فيكون الشارع عليه من الجانبين صَفان من المخازن، وخلف كل منهما ممشى فسيح موازٍ للشارع وعليه دكاكين أخرى، وسقفه هو أرضية الطبقة الأولى من المساكن، وفيها كنائس عتيقة بعضها مشيد بالطوب الأحمر، وفيها ميدان فسيح تتسابق فيه الخيول في بعض أيام السنة. وخلاصة القول أن لها منظرًا انفردت به دون المدائن التي مررت عليها ببلاد المشرق وأوروبا.
وقد اشتهرت بصناعة الجُبن وإن لم يكن من طبيعة أهلها، فقد بيضوا صفحات تاريخهم بالذود عن حياضها، أيام كانت بلاد الإنكليز منقسمة إلى ممالك صغيرة كثيرة في عراك مستديم وحروب مستمرة.
وإلى هنا أستوقف اليراع عن الإفاضة في شرح ما عندي من المُعلقات والمُفكرات، فإن ما ذكرته عن بلاد الغال قليل في جانب ما استحصلت عليه من الفوائد والمعلومات، ولكن القليل دليل على الكثير.

الرسالة الثالثة عشرة


العودة إلى لوندرة


وفيها إيماء إلى نهر التيمس وقناطره والأنفاق التي تحت الأرض والحدائق والكنائس والقصور وبنك إنجلتره، ودار الضرب، وبرج لوندرة ومحلات البر والإحسان، ومؤنة المدينة وميناها وتنويرها ومطافئها وشربها ومصارفها وضواحيها (رشمند ببساتينها ووندسور بقصر الملكة ورياضها)، ومعرض «مصر القديمة» في لوندرة والصناعة الشرقية العربية فيه واستنهاض الهمم إليها.
***

رجعت من بلاد الغال الزاهرة التي هي في إنجلترا بمثابة سويسرة بما يتجلى فيها من محاسن الطبيعة ونضرة الخلوات، ونزلت ثانية بعاصمة الإنكليز، ورأيت فيها ما رأيت مما قصصت بعضه في رسالتي الأولى عنها، وهي وإن طالت بقدر ما طالت فليست في الحقيقة بالنسبة لهذه المدينة إلا كالبعوضة بجانب الطود الشامخ، ولا يطاوعني قلمي على الانتقال منها إلى غيرها، ولكنني لا يتسنى لي بأي حال من الأحوال أن أفيض في شرح الكلام على التيمس، وقناطره الأربع عشرة وأرصفته المنضودة الممدودة على جانبيه أو الأنفاق التي تمر تحت قاعه، كأن الآلاف المؤلفة من العربات المختلفة الأنواع وقطارات البخار والترامواي والزوارق التي تجري على وجه النهر كعدد النمل كلها غير وافية بحاجات أهل هذه المدينة للانتقال من شاطئ إلى شاطئ، فقادهم ميلهم للاختصار وتوفير الزمن، وتسهيل العمل إلى إحداث هذه الأعمال الشاقة.
فإن أحدها (تيمز تونل) يبلغ طوله ??? مترًا، وهو عبارة عن ممشاتين معقودتين متصلتين ببواكٍ وأساطين على مسافات متساوية، ويمر تحت قاع الماء بخمسة أمتار، وقد بلغت نفقاته ???????? فرنك، وكان أول الأمر مخصصًا لأفراد الناس ينزلون إليه من سلم مظلم منزلق ارتفاعه ?? مترًا، ولكنه لم يحُز من الخلائق إقبالًا مع كون أجرة المرور كانت زهيدة جدًّا، وهي بنس واحد (? مليمات)، فاشترته شركة خصوصية في سنة ????، ومدت فيه خطوطًا حديدية تجري عليها القطارات وتتصل بسكة حديد العاصمة. وقد كان إنشاؤه في سنة ????.
وأما النَّفَق الثاني فهو بجانب برج لوندرة واسمه (تَوَر سبُوي)، وهو عبارة عن قناة من حديد الزهر قطرها متران وطولها ??? مترًا، يُنزل إليه من سُلمين حلزونيين على ?? درجة موضوعين على كلٍّ من ضفتي النهر (وأجرة المرور نصف بنس؛ أي مليمان)، وكان البدء فيه في شهر فبراير سنة ????، وإتمامه في شهر إبريل سنة ????، ولم تزد نفقاته عن ?????? فرنك.
وأما الثالث فقد أنشأته شركة السكة الحديدية الكهربائية، واحتفل البرنس دوغال بافتتاحه في ? نوفمبر سنة ????.
نعم إنني خصصت هذه الرسالة لذكر بعض آثار لوندرة وعمائرها وتحفها وضواحيها، ولكني لا أجد متسعًا للقول على حدائقها العشر التي يُضرب بها المثل في العالم كله، ولا على بستان البنات وما فيه من غرائب الحيوانات (وهو ملك لإحدى الشركات)، ولا على كنائسها المهمة مثل القديس بولس ودير وستمينستر والهيكل والكنائس الإنكليزية البِيع المنشقة عنها والبِيَع الكاثوليكية والأجنبية، فإن عددها في المدينة وأرباضها يناهز الألف ونصف الألف، ولليهود فيها ?? كنيسًا، إلى غير ذلك من أماكن العبادة العديدة التي أقامتها طوائف دينية لا يحصيها إلا الله.
وكيف يتسنى لي أو لغيري تلخيص شيء وجيز في مثل هذه العجالة عن تصور تلك المدينة؛ مثل دار الندوة (البرلمان)، وقصر سان جمس، وقصر بوكنجم، والويت هول (وقد كان فيه إعدام الملك تشارلس الأول)، وقصر مارلبورو، وقصر كنسنتن، وقصر لمبث (وهو مقر رئيس أساقفة الكنيسة الإنكليزية) — وقد رأيت فيه مصحفًا بخط سلاطين مصر موضوعًا في الكنيسة بجانب الإنجيل — وغير ذلك من قصور الملوك والأمراء أو المخصصة للنوادي والاجتماعات.
وبمثل ذلك أعترف بأنه ليس في وسعي أن آتي بُلمع يسيرة عن الأماكن المدنية والعمائر العمومية مثل جلد هول (الذي هو دار أمانة المدينة)، وفي إحدى قاعاتها تمثالان عظيمان من الخشب المجوف يمثلان يأجوج ومأجوج. وتَسَع هذه القاعة ? آلاف نفس، وفيها مكتبة حرة فيها سبعون ألف مجلد، وفيها متحف للآثار والمخلفات الباقية من لوندرة القديمة، وقد عرضوا فيها إمضاء شاعرهم شكسبير على صك مبايعة اشتروه للمتحف بمبلغ لا يقل عن ??? جنيهًا، وفي الدار تلك العربة التي يركب عليها اللورد أمين المدينة في التاسع من شهر نوفمبر يوم الاحتفال بتثبيته، وتبلغ النفقات اللازمة لترميمها ??? جنيهًا في كل سنة منذ إنشائها في سنة ????، أو المنشن هوس (هو القصر الذي يسكن فيه اللورد أمين المدينة مدة سنة انتخابه) أو البنك (ويرد إليه في كل يوم ?? ألف ورقة قيمتها مليون جنيه، فيمزقون أحد أطرافها ويحفظونها مدة ?? سنوات ويصدرون غيرها للتعامل، وفيه مطابع كثيرة كل واحدة تخرج في اليوم الواحد ?? ألف ورقة مختلفة القيمة، وقد بلغ عدد الورق الذي أرجع إلى البنك في يوم ? أكتوبر سنة ??، ????? وقيمتها ??????? جنيهًا، ورأيت فيه ورقة قيمتها مليون جنيه ولا ثانية لها، ورأيت ورقة تداولتها الأيدي مدة ??? سنة، وبلغت أرباحها المركبة ???? جنيه، وفيه ?? مكتبًا، ويخفره بالليل قرة قول فيه ?? عسكريًّا وضابط واحد، وهو غير قابل للاحتراق. وفيه سبائك كثيرة من الذهب الإبريز والفضة الخالصة، وفيه آلات لوزن الجنيهات تلقي بالجنيهات الصحيحة في مكان، وبالتي نقصت بالمداولة والمعاملة في مكان آخر، وتزن في الدقيقة الواحدة ?? جنيهًا، وفي كل يوم من ?? ألف إلى ?? ألف جنيه.
وقد كان رأس مال البنك في أول الأمر ??????? جنيه، وصار الآن ???????? جنيه إنكليزي، وقد بلغ عدد الورق الذي صَدره البنك في خمس سنوات ثم عاد إليه ودفع قيمته ???????? ورقة بنك نوت تملأ ????? عُلبة، وإذا وضعت هذه العُلب بجانب بعضها بلغ طولها ميلين اثنين وثلث ميل، ولو وضعت هذه الأوراق نفسها فوق بعضها لكان ارتفاعها خمسة أميال وثلثي ميل، ولو صُفَّت إلى جانب بعضها طرفًا لطرف لتكوَّن منها شريط طوله ????? ميلًا، ولو حسبنا مسطحها لوجدناه يساوي مسطح حديقة الهايد بارك (ومعلوم أن سطحها ??? هيكتارًا)، وقد كانت قيمتها الأصلية عبارة عن ?????????? جنيه إنكليزي وثقلها ?? طونولاطة وثلثا طونولاطة).
ولا أذكر الآن شيئًا عن البورصة وأعمالها ودار البوستة والتلغراف والجمرك ودار الضرب (ويبلغ عدد العُملة التي تصنعها في الأربع وعشرين ساعة ????? جنيه إنكليزي)، وكيف يتسنى لي التلميح بكلمتين إلى برج لوندرة، وما فيه من الأسلحة الفاخرة والحلي المجوهرة، أو المتحف البريطاني، وقد طار صيته في الآفاق بكثرة ما فيه من الذخائر والأعلاق وتنوع النفائس واختلاف المخلفات، مما يجعله في مقدمة متاحف الدنيا، حتى إن غرفة المطالعة فيه لا مثيل لها في العالم كله، بل إن مجرد المرور على ما فيه من المحفوظات يستغرق نحو الأسبوع بالتمام، بل إن برنامجاته وفهارسته هي عبارة عن مجلدات ضخام، ويجيء بعده غيره من المتاحف الكثيرة المتنوعة ومعارض الصور والرسوم والفنون والعلوم.
وماذا عساني أقول الآن على نظام البلدية في هذه المدينة الواسعة، أو على ترتيب الشرطة الذين يزيد عددهم عن ????? رجل، أو على محاكمها الكثيرة العدد المتنوعة الاختصاصات، أو على مدارس الحقوق الأربعة، أو على محلات البر والإحسان ودور النقاهة والجمعيات الخيرية المخصصة لتربية أبناء الفقراء، فإن عددها يتجاوز الألف، ومقدار المبالغ التي تنفقها بما فيها التبرعات والهبات (والنقوط التي تجمع في الكنائس) تزيد عن سبعة ملايين من الجنيهات.
والمستشفيات فيها على أنواع: فمنها ما هو عمومي، ومنها ما هو مخصص لبعض الأمراض، مثل: مداواة الطواعين والوقاية منها، وعلل الصدر، والربو، والرمد وأدواء العين، وغير ذلك من الآفات والعاهات، ومنها ما هو للمجاذيب (وعددهم في بعضها ??? ولا غرابة)، ومنها ما هو للأطفال أو للنساء أو للولادة، هذا بصرف النظر عن الأجزاخانات العديدة التي توزع الأدوية احتسابًا لوجه الله. وعدد الأسرَّة في هذه المستشفيات يزيد عن ????، ويدخل بها في السنة أكثر من ????? مريض، وهي توزع الأدوية مجانًا على أكثر من ??????? نفس، وفي بعضها مدارس للطب والتشريح، أو الأقرباذين أو غير ذلك من فروع الطب.
وفيها كتبخانات معتبرة، ومتاحف متنوعة، ومعامل كيماوية، وغرف للطبيعة، وبساتين للنبات، ومجاميع باتولوجية وغير ذلك، وفيها مَرَابٍ للأيتام قد يزيد عددهم في بعضها عن ???، وقد كان أحد الماهرين في صناعة الموسيقى يجيء فيها ويقرع أُرغُنًا في غاية الإتقان أهداه له (وهو فيه إلى الآن)، وكانت الخلائق تتهافت على هذا المكان من كل فج لسماع هذا المطرب الفريد، وقد تحصل من أجرة دخولهم مبلغ يزيد على ????? جنيه خصصه للَمربى ومن فيه من الأيتام، ولم يأخذ منه بارة واحدة.
وفي لوندرة، فضلًا عن ذلك، كثير من الأماكن الخيرية وجمعيات البر ومساعدة العَمَلة والسعي في نفع بني الإنسان، وفيها كثير من التكايا التي يُجبر المتكففون على الدخول فيها والاشتغال بما هم أهل له، وفوق ذلك ترى هناك كثيرًا من المستشفيات المختلفة الأنواع لأجل الجنود البرية والبحرية الذين أصابتهم العاهات.
وماذا أقول على المؤنة في مدينة يزيد عدد السكان فيها عن الخمسة ملايين ونصف مليون، وكلهم لا بد لهم من الطعام فيها أربع مرات تقريبًا في كل يوم، حتى إن ما تستهلكه في العام الواحد يبلغ هذه المقادير:
?????? نور.
?????? رأس من الضأن والعجول والخنازير.
(وقد أثبت علماء الإحصاء أن متوسط ما يستهلكه النفر الواحد من سكانها في اليوم الواحد يزيد عن ??? جرامًا من اللحم.)
??????? من الطيور وحيوانات الصيد.
أما الأسماك مثل سمك المرجان المعروف في كتب العرب باسم طرستوج، وعند اليونان طريفلا، وعند عوام الأندلس المول. ثم السلباج المعروف بالمارماهيج وبالنون وبالأنقليس وبثعبان البحر. ثم التن (واسمه كذلك في الكتب العربية)، ثم السردين واسمه عند العرب العرم. ثم محصولات البحر من الحيوانات الرخوة مثل الجندفلي والقرقله والأسترديا والمحار بأنواعه والسرطان الكبير وأبو جلمبو وأبو تكني والبضالينس وبراغيث البحر وبلحه والحلزون والسرطان وقنفذ البحر المعروف عند أهل الإسكندرية الآن باسم رتسا، ويسمى عندهم أيضًا قنشد (ولا شك عندي أن هذه اللفظة محرفة عن كلمة قنفد)، وغير ذلك من الأصناف العديدة التي لا أعرف أسماءها، فإنها تنهال على المدينة بمقادير هائلة لا يتصورها العقل، يشهد لذلك أن هناك آلافًا من الزوارق والقوارب لا حرفة لها سوى نقل هذه الحيوانات الرخوة القوقعية هي والروبيان المعروف عند الفرنساوية باسم هومار (Homard)، وقال ابن البيطار: (إن المصريين يسمونه فرندس، وإن أهل الأندلس كانوا يسمونه قمرون.) ???????? هيكتولتر من اللبن.
????????? بيضة.
???????? كيلوجرام من السمن والزبدة.
???????? كيلوجرام من الجبن.
?????? طونولاطة من أصناف الخضراوات المهمة، ومنها نبات الحرف فقط (وهو المعروف عند العرب أيضًا بالرشاد وعند الفرنساوية بالكرسون Cresson) ما مقداره من ثمانمائة إلى تسعمائة طونولاطة.
????? طونولاطة من أنواع الفاكهة.
وغير ذلك وغير ذلك وغير ذلك.
أما السوائل التي يستهلكونها فلا تقل عن ذلك، بل هي أيضًا بنسبة هذه المقادير الهائلة، فإنها تتجاوز ??? مليون لتر في الأربعة آلاف خمارة والسبعمائة ألف بيت خصوصي، ويمكن تقدير المشروبات الروحية بثمانية عشر مليونًا من اللترات، وإذا قابلنا بين النبيذ وبين الجِعة (البيرة) وجدناه شيئًا لا يذكر بجانبها؛ إذ لا يشربه إلا الأواسط والأغنياء، ومع ذلك فكمية استهلاكه في العام الواحد لا تقل عن ?? مليونًا من اللترات. أما الفحم الحجري فيجيء منه في كل عام كميات تزيد على ?? مليون طونولاطة. وثلاثة أرباع هذه المقادير الجسيمة ترد عن طريق النهر والباقي في السكة الحديدية.
وأهم أسواقها (وهو سوق سجيثفلد) يشغل مسطحًا قدره ?? ألف متر، وفيها سوق آخر (اسمه سوق البهائم) قد يسع في آن واحد ???? ثور و???? عجل و????? شاة و??? خنزير، وقد يكون في بعض الأيام مخصصًا لبيع الخيول. وفيها سوق آخر للسمك والقواقع ليس إلا، وآخر للأطيار فقط، وآخر للخضار والأثمار والأزهار دون ما عداها، وآخر للخيل وحدها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
أما التجارة والصناعة والمينا وأحواضها ومخازنها، فهي عالم كبير مستقل بنفسه، ولا أعلم ماذا أقول عنها الآن بعد أن تحققت أن ميناها هي أهم مواني العالم وأكثرها محطًّا للسفائن؛ إذ إن متوسط ما يرد عليها سنويًّا يبلغ ????? سفينة، مجموع حمولتها ???????? طونولاطة، وقيمة ما فيها من البضائع والأرزاق يزيد على مائة وعشرين مليونًا من الجنيهات الإنكليزية. أما الأحواض ومخازن التجارة فمن أهم مناظر لوندرة وأبدعها، تجعل للناظر (خصوصًا إذا وقف على قنطرة لوندرة، لندن بريدج) فكرة في أهمية العاصمة الإنكليزية وجسامتها واتساع نطاقها بما فيها من المراكب المتراكبة والبضائع المتراكمة والخلائق المتزاحمة، ولا يسمح لي المقام بتفصيل قليل عن حركتها الهائلة.
وفي المدينة ثلاث شركات متعهدة بإضاءتها بالغاز، وقد قدَّره أهل المعرفة بمبلغ ??? مليونًا من الأمتار المكعبة، وتستهلك للحصول عليه مليوني طونولاطة من الفحم الحجري، وغاز الاستصباح هذا يجري في قنوات مجموع طولها مليون كيلومتر، وتزيد النفقات السنوية عن ??????? جنيه، مع أن المبالغ اللازمة لسقي المدينة بالمياه لا تصل إلى نصف هذا المبلغ الجسيم. وهناك شركات كثيرة تألفت للإضاءة بالنور الكهربائي، وكان قبل هذه السنة قاصرًا على منازل الأفراد ومخازنهم، ولكنه في أول هذا العام صار استخدامه في بعض الشوارع المهمة والميادين الأصلية.
ويجرني الكلام على النور إلى الحديث على النار، فقد كان رجال المطافئ قبل سنة ???? تحت إدارة شركات خصوصية تجارية أو تابعين لبعض فروع الإدارة البلدية، وكانت نتيجة هذا الافتراق وقوع أضرار بالغة؛ لأنهم في أغلب الأحيان، كانوا يتركون النار تفعل أفاعيلها وتلتهم المنازل التي لم تكن مؤمنة عندهم أو تابعة لهم، ولكن هذه الشركات اجتمعت كلها في تلك السنة، واتحدت وامتزجت ببعضها فألفت شركة عمومية واحدة لمقاومة الحرائق.
واعلم أن لعمالها مهارة لا يناظرهم فيها أحد في الكون إلا ما علمته عن رجال المطافئ في أمريكا، ويستخدمون في مصلحتهم ?? سلكًا تلغرافيًّا و?? سلكًا تلفونيًّا، يجمع بينها وبين بعضها ?? مكتبًا إداريًّا. فإذا شبت النار في بعض المواضع تيسر لهم أن يستحضروا من الآلات والأجهزة كل ما يلزم في بضع دقائق، وتتصل مراكز رجال المطافئ بدواوين النظارات والمصالح العمومية والمتاحف والمعارض وغير ذلك من المباني الأميرية بواسطة ??? مزولة استغاثة، وعدد رجال المطافئ ???، ولهم زي مخصوص معروف، وعندهم ?? طلمبة بخارية، و? طلمبات بخارية عوَّامة، و??? سلم للاستنقاذ من مخالب الحريق، وغير ذلك من الأجهزة الكثيرة المتفرقة في كافة أنحاء المدينة، وقد أطفئوا في سنة ???? حرائق بلغ عددها ???? منها ??? ذات أهمية عظيمة، ومات في هذه الحرائق ?? شخصًا.
وبعد الكلام على النار يجيء بالطبع الكلام على الماء، فاعلم أن المياه اللازمة للشرب في لوندرة ليست من نهر التيمز، بل قد تأسست شركات عديدة لجلبها من غُدران ونُهيرات أخرى في قنوات هائلة مرفوعة على عمدان عظيمة وقباب جسيمة (مثل الدواميس المعروفة بالعيون التي كانت تستقي بها قلعة الجبل بمصر في الزمان السابق، ولا تزال آثارها باقية إلى الآن)، ثم تنصب المياه في أحواض واسعة، ثم ترشح من قاعها بمرورها على أحجار هشة تعلوها طبقات من الرمل الغليظ والحصى الدقيق، وتبلغ كمية المياه الواردة إلى المدينة في كل يوم بالتعديل المتوسط ????????? لتر، منها ????????? يستعملها الأهالي في قضاء حوائجهم ولوازم منازلهم، فيكون متوسط ما يستهلكه النفر الواحد من سكان لوندرة ??? لترًا من الماء في كل يوم.
وأستطرد بهذه المناسبة إلى الإشارة إلى مصارف لوندرة وبالوعاتها، فقد كانت كلها تَصُب في أول الأمر في نهر التيمز، حتى جعلته مقرًّا للأقذار، ومنبعًا للجراثيم القتَّالة، وأصلًا في تسميم الهواء، وسببًا في ازدياد الأمراض، وإتلاف صحة السكان، وفتك الموت بهم فتكًا ذريعًا. فإن متوسط المواد العفنية التي كانت تنساق إليه في كل يوم يبلغ ?????? متر مكعب، وفي سنة ???? اجتهد مجلس شورى العاصمة (البلدية) بدفع هذه المضار ودرس مشروعًا للمصارف يصرف عن المدينة هذه المخاوف، ويلقي بهذه القاذورات إلى ما تحت لوندرة بستة وعشرين ميلًا في النهر إلى البحر بواسطة طلمبات بخارية قوتها ???? حصان بخاري، ولكن هذه العملية لا تحصل إلا في وقت الجزر؛ أي عند نزول مياه النهر في البحر، فيأخذ التيار هذه القاذورات وهذه العفونات بعيدًا عن المدينة، ويذهب بأضرارها أدراج الرياح، وتبلغ كمية المواد البرازية الملقاة بهذه الكيفية في النهر ?????? مترًا مكعبًا في كل يوم.
وليس هذا كله شيئًا في جانب ما يمكن أن يقال على لوندرة، لكن لا بد من الانتقال إلى ذكر طرف وجيز على بعض ضواحيها مثل رِشمِند، فإنها مدينة صغيرة تختال في حُلل الجمال، واقعة على الضفة اليمنى لنهر التيمز وعلى منحدر تلال بهيجة، فيها غابات ومنازل خلوية تبتهج العين برؤيتها، وفيها قنطرة بديعة وآثار قصر قديم، وهي مشهورة بصناعة فطير بجبن يسمونه (بنات الشرف)؛ لأن وصائف مليكة الإنكليز هن اللاتي اخترعنه، وأشهر ما في هذه المدينة هو روضها الأريض الكائن على هضبة فسيحة، وفي وسطه برك كثيرة تبدو منها للناظر مشاهد تروق النواظر، ويخرج القوم إلى هذا الروض للرياضة في فصل الصيف، واستنشاق النسيم الصحيح العليل. وخلاصة القول أن وجودها على مقربة من لوندرة نعمة كبرى للنازلين بها والمقيمين فيها، بل برهان جديد على أن الإنكليز ينتقلون من الطرف إلى الطرف ولا يعرفون الوسط.
وأما وِندسُور فهي مدينة تبعد عن لوندرة ?? ميلًا تقريبًا، وعدد سكانها ?????، وأهم ما فيها هو قصر الملكة المعروف باسمها، وهو عبارة عن قلعة حصينة، ولا يشبه قصور الملوك إلا بما حواه من بعض الزخرفة والرسوم، ولكنه في نظري لا يضاهي أقل قصر من القصور الملوكية التي شاهدتها بإيطاليا، بل إن أفخم مدخنة (وجاق) للاصطلاء فيه هي أقل من أقل مدخنة في قصور الجيزة والجزيرة ونحوهما مع عدم لزومها في بلادنا وشدة احتياجهم لها في إنجلترا، وقد زرت الإصطبلات والعربخانات الملوكية، ولكني أستغرب كيف أن نفقاتها بلغت ????? جنيه إنكليزي. نعم إنهم لم يطلعونا على عربات التشريفة الخاصة بالملكة، ولكن عربات معيتها وحاشيتها يمكنني أن أقول إنها أقل من نظائرها في المعية الخديوية السنية، وكذلك الخيول فإنها وإن كانت من الأصائل البالغة في القوة والجمال ولكني (وإن لم أكن من أهل هذا الفن) أقدر أن أقول إنها أقل من الجياد الأصائل التي عند سعادة علي باشا شريف.
وأما بناء الإصطبلات نفسه فأقول ولا أخشى تكذيبًا إنه أقل زخرفة وإتقانًا من الإصطبل الجميل الجليل الذي ابتناه حضرة عزت بك القاضي بالمحكمة المختلطة في سرايه، التي بجانب السراي المنيرة، وإن كان هذا صغيرًا جدًّا في جانب جسامة ذاك.
أما الحدائق التي في القصر وحواليه فهي من أبهى ما يراه الإنسان وأجمل منها تلك الغابة البعيدة عن مدينة وِنُدسُور قليلًا، المعروفة باسم (فرجينيا ووتر)، والذي يزيد في بهجتها أنها كانت في أول الأمر عبارة عن مستنقعات تبعث بالعفونة إلى الهواء وبجراثيم الأمراض إلى ما حولها من الجهات، فحولوها ونظموها ودبروا تصريف الماء منها وإليها، حتى أصبحت جنة تَسرُّ الناظرين، وسبحان من يُغير ولا يتغير، تبارك الله رب العالمين.
وقبل أن أختم هذه الرسالة أرى من الواجب عليَّ ذكر معرض أقامه بعض الأفراد في مدينة لوندرة وسماه (نياجارا هول)، ولكنه يفرِّج الزائرين فيه الآن على مدينة منف عاصمة الفراعنة أيام مجدها وعظمتها، ولا أقدر أن أوفي صانع الرسم حقهُ من المدح على تصوير القصور والأشجار والأصنام والمعابد والنيل والأهرام وأبي الهول والإسرائيليين حين خروجهم من مصر وغير ذلك، فإنه أبدع كل الإبداع، حتى إن الرائي يتخيلها مجسمة للعيان بعيدة عن بعضها كما في الطبيعة بأحسن شكل وأكمل أسلوب، وكل ذلك على قطعة كبيرة من القماش تحيط بالمكان الذي يقف فيه المتفرج معجبًا بهذه الدقة في العمل وهذا التناهي في الإتقان.
وسأشرح الكلام عليها في الرحلة إن شاء الله. فقد رَحب بي صاحب المكان ترحيبًا خصوصيًّا لكوني من المصريين ولكونه من أعضاء المؤتمر، وأتحفني بجميع الاستعلامات اللازمة، وأطلعني على جميع التفاصيل التي لا يُطلع عليها الجمهور، بما استوجب جزيل شكراني وجليل امتناني.
وأغرب ما رأيته في ملحقات هذا المكان رجل من إخواننا أبناء الشرق واسمه المعلم إلياس ليان حلوة، قد برع في أعمال النقش على الخشب بالطرق الشرقية القديمة التي كادت تندثر في هذا الزمان، وقد رأيت له من الأعمال ما أدهشني إتقانها ونظامها وتناسقها، مما جعل أهل الفن من الأوروباويين الذين يَقدِمون إلى هذا المكان يعترفون له بالبراعة والاقتدار. وقال لي إنه يُعد جميع هذه المصنوعات لمعرض أمريكا القادم تشريفًا للشرق وبنيه. ورأيت فيه من العواطف القومية والإحساسات الوطنية ما زاد في إعجابي به، وفوق ذلك فهو خبير بلعب السيف والنَّقر على آلات الطرب، وقد تأثرت حينما رأيته محافظًا على محبة ملته ودولته وعادات أهله وبلدته.
ووددت لو أن أهل الشرق يلتفتون لصنائعهم، ويشجعون القائمين بها؛ لكي لا تزول وتُصبح أثرًا بعد عين، خصوصًا لما رأيت أمم الغرب يتفاخرون بصناعاتهم الخاصة بهم، وببراعتهم فيها على من عداهم، وحكوماتهم تساعدهم على الارتقاء والتفنن فيها حتى يفوقوا أمثالهم، فتكتسب بذلك أوطانهم حسًّا ومعنًى مكاسب لا تقدر، ووددت أيضًا لو كانت ظروف الأحوال تساعدني على مساعدة هذا الرجل وأمثاله من أهل بلادنا، حتى يكون لها بهم وبأمثالهم شأن رفيع في الحضارة، ومعرض العمران الذي سيقوم في شيكاجو، وعسى أن يكون لهذا النداء صدى في الأوطان لما وراءه من المنافع التي لا تنكر. والله يهدي من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

الرسالة الرابعة عشرة


السفر من إنجلترا إلى فرنسا عن طريق دوفر وكالة وذكراميان
لقد احترت والله حينما اخترت الانتقال من الكلام على لوندرة بعد الإطالة في الكتابة عليها، والتوسع في القول عنها بمقدار ما وصلت إليه يدي في الرسالتين الخاصتين بها، فإني لا أزال أجد للشرح مجالًا يستغرق رسائل ضافية الذيول، بل مجلدات تملأ الكاتب وتشحن الأذهان بالغرائب، وتذكِّر من يتذكر بما يمكن الإنسان أن يصل إليه بالاجتهاد بمفرده أو مع استعانته بأبناء جنسه، وتجلو على أبصار أولي البصائر بعض ما أودعته القدرة الإلهية في العوالم الطبيعية من القوى التي يتوصل العقل لاستكناه خباياها واستكشاف أسرارها، ولكني أرى بالرغم عني وجوب الانتقال من هذا الموضوع مع ما أتيته فيه من التقصير مضافًا إلى ما في ذهني من القصور.
على أني لا أرى لي مندوحة في إغفال حادثة خطيرة وقعت بالمدينة قُبيل مبارحتي لها، فلا بد لي من ذكرها في هذا المقام، ولو لتأييد ما قلته عن هذه الأمة من ميلها للأطراف، وغرامها بالتناقض في كل الأحوال الأدبية بل المادية، فقد سبق لي أثناء الكلام على دياناتهم أنهم يحترمون جميع المذاهب والعقائد، ولكنهم يبغضون المذهب الكاثوليكي بُغضًا ليس له أول يُعرف ولا آخر يوصف، وأنهم يكرهون البابا كراهة التحريم. فاسمع الآن ما حصل أثناء انتخاب اللورد أمين المدينة.
اجتمع رؤساء الطوائف وأكابر التجار لانتخاب شيخ لهم، فكان المختار هو المستر ستوارت كيل، فقام البرتستانت واعترضوا وصَخبوا ولجوا بالسخط وهاجوا وماجوا، وكتبوا استرحامات كثيرة وقَّع عليها الألوف والألوف من أهالي لوندرة يسألون فيها الملكة أن لا توافق على هذا التعيين، وأن تصدر أمرها بإعادة الانتخاب. فانعقدت جمعية لفصل الخلاف، فقال قائل منهم: ما نالت لندرة حريتها وما تمتعت بامتيازاتها إلا بعد أن أهرق البروتستانت دماءهم في هذا السبيل، فمن العار على العاصمة أن يكون شيخ مشايخها منتميًا إلى الكرسي البابوي، وعضَّدهُ في هذا الرأي كثيرون من المجتمعين، ولكن المعتدلين فازوا بالغلبة بعد أن طالت المشاحَّات وتعارضت المشاحنات، فإنهم قالوا: قد امتازت إنجلترا بحب الحرية في العمل، وإن لوندرة مدينة الحرية الدينية، وهذه المشاجرات لا تليق بأمثالهم، فقد سبق أن كان شيخ مشايخ لوندرة إسرائيليًّا، فكيف يجوز ذلك ولا يصح في شرع المنصفين أن يكون كاثوليكيًّا؟! فألزمتهم الحجة وتقررت الرياسة للرجل.
ثم إذا نظرنا إلى المختار نفسه نراه أشد تعصبًا، فقد قرر أنه لا يعترف إلا بالبابا ثم بالملكة، وهي كلمة لم يجسر على التفوه بها من قَبله إنسان؛ ولذلك رفض الحضور إلى كثير من الاجتماعات الدينية التي جرت العادة بأن يحضرها اللورد أمين المدينة منذ القديم، وقد أبى أن يذهب بموجب وظيفته الرسمية إلى الكنيسة الفلانية والمعبد الفلاني، وأصر في عدم الذهاب بنفسه وفي إرسال مندوب من قِبله، فإنه اشترط عليهم أن لا يكون له معاون ينوب عنه في هذه الأمور الرسمية، فهلا ترى من أغرب الغرائب شدة تمسك أولئك، وعدم تنازل هذا إلى هذه الدرجة، حتى كان كلٌّ من الفريقين على طرفي نقيض، بحيث يكاد الإنسان يثبت الحق للبروتستانت في اعتراضهم على نصب شيخ يأبى أن يسايرهم إلى هذا الحد في شعائرهم الدينية، ولو حرمة للعادات القديمة والأصول المرعية!
ولما كنت في باريس وافتني الجرائد في ?? نوفمبر منبئة بأنه في اليوم الذي قبله تم الاحتفال بتثبيت اللورد أمين المدينة في هذه السنة؛ ولكون الرجل من الكاثوليكيين وهذه أول مرة انتخب فيها كاثوليكي للقيام بهذه الوظيفة المهمة عقيب الانشقاق الذي جَعَل للمذهب البروتستانتي السيطرة في إنجلتره، كان للاحتفال أهمية خصوصية وقد بلغت أكلافه ????? فرنك.
وهذا الرجل (ستوارت كيل) من الثروة والغنى والعلم بمكان، ولكنه مهما كان إيراده لا يمكنه أن يقوم بالمصاريف الباهظة التي يستوجبها مركزه إذا لم تساعده لجان الطوائف الحرفية والصناعية في لوندرة، والدليل على ذلك أن سَلَفهُ في السنة الماضية صرف ????? فرنك في أمور متنوعة، وقد بلغت ولائم الغداء والعشاء التي أقامها احتفالًا باللجان الرئيسية لمدينة لوندرة ?????? فرنك، وبلغت نفقات الوليمة التي أعدها إحياء لعيد الملكة ?????? فرنك، وأما المأدبة التي أقامها ابتهاجًا بنجاة البرنس دوغال من المرض، فقد بلغت مبلغًا يفوق حساب الحسابين، فإنها أوجبت عليه صرف ?????? فرنك مع أن مرتب الوظيفة في السنة هو ????? جنيه إنكليزي ليس إلا.
ولا بأس من ذكر بعض أرقام في هذا المقام تدل على ما أنفقه القوم في سنة ????؛ لأجل حصولهم على الانتخاب وانتظامهم في سلك أعضاء البرلمان، فقد كان عدد المترشحين له في لوندرة وحدها ???? من الأشخاص، وبلغ ما أنفقوه من المال لاستمالة العامة ولنوال الأصوات بتقديم المآكل والمشارب، وطبع الآراء والأفكار ونحو ذلك مبلغ ?????? جنيهًا إنكليزيًّا، ولم ينتخب منهم إلا ??? فقط، وقد بلغ ما أنفقه واحد منهم ??? جنيه إنكليزي أوصلته إلى نوال ???? صوتًا، فيكون ثمن الصوت الواحد عليه ?? شلنًا (?? قرشًا صاغًا)، وبلغت نفقة الحصول على الصوت الواحد في بعض الجهات ??? فرنكًا (نحو ???? قرشًا صاغًا)، ومع ذلك لم يفز بالانتخاب ذلك الذي أنفق كل هذا المال.
أما مشاهير القوم فلم ينفقوا شيئًا زائدًا عن المعتاد بالنسبة لغيرهم، فإن غلادستون أنفق ??? جنيهًا، والسير وليم هاركور ????? فرنكًا، وهذا كله خلاف النفقات اللازمة لتمهيد الانتخاب، فتأمل وارجع بنا إلى الموضوع.
قمت من لوندرة في مساء ?? أكتوبر وركبت القطار بالليل كما جرت عادتي للاستكثار من الوقت، وعدم ضياع الفرص هَباءً منثورًا، فوصلت مدينة دوفر في منتصف الليل، وكان في إمكاني ركوب متن البخار والتوجه توًّا إلى فرنسا، ولكنني آثرت رؤية دوفر وتمضية نصف النهار بها كي أودِّع فيها إنجلترا بعد أن أشاهد ما خلَّفه الرومان في هذه المدينة الساحلية من الآثار، وما أحدثه الإنكليز من موجبات التحصين والدفاع، فعوَّلت على النزول بها وما افترَّ ثغر الصباح حتى تجولت في المدينة وطفت أنحاءها مع دليل من أهلها، وإليك ما وقفت عليه فيها بالإجمال:
هذه المدينة لا يزيد عدد سكانها عن ???? من النفوس، وهي ذات موقع معجب في نهايته وادٍ رائق وتعلوها أجراف عالية من الصخور تحيط بها من كل الجهات. وكان أول شيء عنيت به بعد التجوال في طرقاتها وميادينها أنني صعدت على جبل عالٍ فوقه قلعة حصينة ترتفع عن مستوى سطح البحر بثلاثة وتسعين مترًا، ورأيت فيها كثيرًا من المباني القديمة الرومانية ممتزجة بصروح أقامها الإنكليز لتكميل وسائل الدفاع في هذه النقطة الحربية المهمة، وأقدم جزء في هذه القلعة الممتدة بغير انتظام على مسافة ?? هيكتارًا هو البرج الروماني، وارتفاعه ?? مترًا، وشكله ثمانيٌّ من الخارج مربع من الداخل، وليس فيه سلالم تسمح بالصعود إلى قمته، وقد وضعوا فيه ناقوس الكنيسة العسكرية التي إلى شرقيه، وربما كان الرومان يستخدمونه في إرسال النور إلى المراكب القادمة بالليل، وفي المخابرة معها برايات الإشارات حينما يكون قدومها بالنهار. أما الكنيسة فإن أساسها يدل على أنها من صنع السكسونيين (قدماء الإنجليز)، وهي من أقدم العمائر الدينية التي في بلاد إنجلتره.
وأما المباني النورماندية فهي كثيرة جدًّا، وأهمها صرح يُرى على مسافة بعيدة في البحر، وقد كانت الشمس طالعة فتيسر لي وأنا فوقه رؤية شطوط فرنسا بإرشاد الدليل قبل منتهى الأفق بقليل، وقد توجهت إلى ثكنة — أي قُشلاق — هناك ورأيت العساكر في حالة التعلم والتمرن على الحركات، ولم أستنكف من زيارة المطبخ، بل إنني عجبت لنظافته وإتقانه وجودة المأكولات المخصصة للعساكر الأنفار، مما يغبطهم أو يحسدهم عليه آلاف وآلاف من أهل إنجلترا الذين يموتون جوعًا في كل يوم.
ثم زرت خزانة السلاح وما فيها من المخلفات الحربية والغنائم التي أخذها الإنجليز من أعدائهم في ساحات الوغى البرية والبحرية، ورأيت فيما بين المدافع الكبيرة مدفعًا طويلًا أرسلته إحدى ملكات هولاندا (الفلمنك) هدية لإنجلترا، وعليه أشعار منظومة على لسان حاله بمعنى أنه يرسل القلل إلى الأعداء، فيردهم على أعقابهم خاسرين، ويبعث بمقذوفاته إلى القلاع والحصون فينسفها عن آخرها، ثم نزلت من طوابي هذه الروابي إلى أهم ميدان في المدينة فرأيت موسيقى تصدح في ضحى النهار، وعلمت أن مجلس البلدية هو القائم بنفقاتها لإيجاد الطرب والانشراح في المدينة على الدوام.
ولكني لم يسمح لي وقتي بتشنيف آذاني الشرقية بنغماتها الغربية؛ لأن القطار حضر من لوندرة وفيه جماعة المسافرين إلى قارة أوروبا، فلحقت بهم واتبعت خطواتهم حتى وصلنا السفينة، وتبوأ القوم مقعدهم منها، وأخذت أطوف جوانبها وأعلو ظهرها لرؤية المناظر وتعهد ما حواليَّ من المعاهد، وما هو إلا أن أبحرت حتى رأيت أغلب الحاضرين قد انقسموا قسمين؛ بقي بعضهم في مؤخرها وذهب الآخرون إلى مقدمها، وكان الفريق الأول يطيل النظر إلى المدينة وأطرافها وأبراجها، والفريق الثاني يحدق النظر والنظارات إلى الأمام وإلى أقاصي الأفق، وبقيت أطوف ذات اليمين وذات اليسار وأدفع بخطواتي إلى الأمام، ثم أكر راجعًا إلى الخلف، إلى أن أدركت بعد سماع تلاغي الفريقين أن أهل الخلف من أبناء الجزيرة يحيون بلادهم، ويتزودون منها بنظرة أخيرة، وأن أهل الأمام اشتد بهم الهيام للتعجيل برؤية بِقاعِهم.
ولكن الضباب يصحبه السحاب انتشر بأقرب من لمح البصر، فكان يحول دون إدراكهم الوطر، غير أنه لم يثنِ عزيمتهم عن التكرار في إطالة الأنظار وإنشاد الأغاني والأشعار، والترنح لقرب الوصول من الديار. ثم استمر الطرفان على هذا الشأن حتى انتصف الطريق، فتبدت صخور فرنسا وشطوطها كأنها أشباح تتظاهر في ظلال الخيال، وحينئذ أخذ الإنكليز يقتربون من أواخر السفينة بقدر ما أمكنهم مستعينين بآلات التقريب، كأنهم يسألون تلك الجزيرة بل الأم الحنونة أن تبقى محافظة عليهم مراعية لهم في غربتهم، ناشرة لواء حمايتها عليهم أينما حلوا وأينما ساروا.
وأما أنا فكنت في هذه الحال أرسل أشعة القلب وأنظار الفؤاد إلى ديار ألفتها، وربوع نَبَتُّ بها وأقوام ترعرعت بينهم قد شبوا على المكرمات واستقوا من نيل الكمالات، فحييتهم على البعاد تحية ممزوجة بخالص الوداد والإخلاص، وكلفت النسيم بالتسليم على خير أمة أخرجت للناس.
ولما اقتربنا من شطوط فرنسا رأيت في الأفق شيئًا يشبه الأحبال والأسلاك قد وصلت بين الأرض والسماء، وبعد تحقيق النظر علمت أنه المطر، فبقيت أتأمل فيه، وأُسبِّح مُرسله ومنشيه، حتى ألقت السفينة مرساها، وقد كان باسم الله مجراها ومرساها، فإن البحر كان برًّا بنا ولم يمسسنا بأدنى أذى والحمد لله.
ولما نزلت بكاله فضلت التعريج بأميان (Amiens) على التوجه إلى باريس؛ لكي أزور كنيستها الجامعة التي طار صيتها في الآفاق، وهناك وجه آخر حملني على النزول بها، فإنني أردت أن أزور هذه المدينة التي كان لأحد أبنائها يد عظيمة في أكبر المصائب التي دمرت الإنسانية، وخربت الديار وعفت الآثار؛ فإن رجلًا منها كان سببًا في إيقاع أشد فتنة وقعت واستدامت مدة طويلة بين الغرب والشرق، بل بين النصرانية والإسلام، وذلك الرجل هو المعروف ببطرس الناسك أو الراهب (Pierre I’Ermite). وأصل اسمه كوكو بتر، وأصله من هذه المدينة، فخرج منها طالبًا زيارة بيت المقدس، فكانت هذه الزيارة سببًا في حمله أهل أوروبا على حمل السلاح ومقاتلة المسلمين بكل ما استطاعوا، فهلكت ملايين منهم في نفس بلادهم، وفي أرض آسيا الصغرى والديار المصرية، ووقع في هذه الحروب الصليبية من الوقائع ما تقشعر له الأبدان وتذوب من هوله الأكباد، وسبب ذلك كله رجل واحد أخذ في تهييج النصارى وزعمائهم، وجعل يغريهم على الإيقاع بالمشرقيين وإهلاكهم، حتى كان ما كان من الحروب الصليبية الشنيعة التي أترك تفاصيلها للمؤرخين وأرجع لموضوع الكلام.
أمضيت الليلة بأميان ولما جاءت كتائب النور كنت في طليعتها، وطفت المدينة ومتاحفها ومكاتبها وآثارها مما لا أجد مندوحة عن الإشارة إليه بالإيجاز في هذه الرسالة كما سيأتي.
هذه المدينة متقادمة في العهد بحيث لا يتيسر لأهل التاريخ تعيين الوقت الذي ظهرت فيه، ولا معرفة الذين وضعوا قواعدها ورفعوا معالمها، ولها في تاريخ فرنسا الحربي فخر أثيل وذكر جميل. وقد توجه أهلها في الزمان العتيق لمحاربة أنطيوخوس ملك الشام، ورجعوا حاملين ألوية التمدن مما اكتسبوه في آسيا من العرفان.
وعدد سكانها الآن ????? نفسًا، وفيها جمعية للفنون الأدبية، وبستان للتجارب، ومدرسة زراعية عملية، وفيها إدارة تلتقط الأطفال والأيتام والمعتوهين الفقراء وتقوم بلوازمهم، وفيها برج قديم مظلم اسمه بفروا قد التهمته النيران في كثير من الأحيان، وهو حبس للبلدية وفيه ربيئة يقيم به على الدوام؛ للإنذار بما يقع في المدينة من الحرائق، فإذا رأى آثار النار في إحدى الديار دق جرسًا زنته ????? كيلوجرام، فيبادر رجال المطافئ لإخماد أنفاسها وتلافي إتلافها. وهم يستخدمون هذا الجرس أيضًا في المواسم والاحتفالات، وفيه ساعة كبيرة جدًّا لتعيين الوقت بصفة رسمية.
وقد صعدت إلى قمته ولكن ظلمته الداخلية أحدثت فيَّ انزعاجًا لا يمكنني أن أصفه الآن، مع أن شكله من الخارج أنيق ومنظر المدينة من أعلاه رشيق، فلله هذا البرج! قد جمع بين الإنذار بالشرور والتبشير بالسرور، وجوفه مستودع للظلام وجسمه محفوف بالأنوار، فظاهره فيه الرحمة وباطنه مِن قبله العذاب، أو كأنه من أعمال الإنكليز لاستجماعه بين الضدين.
وأما المكتبة العمومية المعروفة بمكتبة الخُط (بضم الخاء)، فإن أهميتها تزيد عن حاجات المدينة؛ إذ فيها ??? كتاب بخط اليد وأكثر من ????? مجلد مطبوع. ومما يستحق الذكر فيها أن أرملة الكونت روليسكاكير (وهو من أبناء المدينة)، تبرعت للمكتبة بجميع الكتب التي خلفها زوجها (وقدرها ????? مجلد) مع ما يتبعها من الدواليب والأدراج والتحف القديمة والصور الثمينة، وأغلبها له علاقة بالرموز النصرانية والمخلفات الدينية العتيقة، والقسم المهم من هذه الكتب هو عبارة عن مجموعة للسياحات في الأرض المقدسة، وفي الكتبخانة تماثيل كثيرة لأهم رجال المدينة الذين خدموها، وأخص بالذكر منهم تمثال الموسيو بوفيللي، وسأتكلم عليه بعد قليل.
ومن أعجب ما رأيته في الحديقة العمومية بهذه المدينة جذع شجرة نَخِرة عليها بعض أغصان نضرة، وفيها تجاويف كما يشاهد في الأشجار العتيقة التي نزل بها البلى، وما زالت فيها قوة الحياة، ولكن هذا الجذع وهذه الأغصان ليست إلا من الصاج والأسمنت اصطنعها بعض المتفننين بناء على اختبار جعلت له المدينة مكافأة عيَّنتها، ومن ذلك أني رأيت في دار بعض الأفراد تمثالًا فخيمًا من المرمر الناصع يمثل وجهاء المدينة وعظماءها، الذين فاقوا غيرهم في فنون الرسم والعمارة والتصوير، اصطنعه ذلك الرجل على نفقته بقصد وضعه في الميدان العام، ولكن المجلس البلدي رأى من المحذورات ما يمنعه عن قبول هذه الهدية النفيسة، فوضعها الرجل في داره بحيث يراها المارة.
وقد رأيت فيها ملعبًا للخيول والحيوانات المستأنسة (سيرك) وكله مبني بالآجر، ولكنه مكسو بطبقات من الأسمنت بحيث تمثل للناظر أنه مشيد كله بأحجار النحت والدستور والرخام، وهو من الأهمية بمكان عظيم ينطق بما لمهندسيه من المهارة والجراءة والإقدام، فإنهم نظموه بحيث يمكن بسهولة وقتية تحويله إلى قاعة فسيحة مثل القاعات التي في قهاوي الملاهي والمغاني وتسع ???? متفرج، وأما زخرفة الجدران فَحدِّث عنها ولا حرج، وأما تراكيب الحديد المستند عليها السقف من غير ارتكاز على الأرض في قاعة بهذا الاتساع، فإنها تدهش الناظر، بل تخيفه وتلزمه الإقرار بإبداع الصانع، وهي مرتبة بحيث يمكن للجمهور الخروج منها في برهة قصيرة إذا وقع اضطراب أو حدث طارئ، وهي تُضاء بالليل بالنور الكهربائي ترسله إليها آلات موضوعة تحت الأرض في غاية النظام والإحكام.
ودخلت في ملعب آخر أقامه بعض الأفراد لعرض الحيوانات المفترسة وتسخيرها في الألعاب أمام الجمهور، وإنما أردت بهذه الإشارة تنبيه الأذهان إلى صاحب هذا الملعب، فإني سأشرح الكلام عليه في الرحلة وأبين ما ناله بالجد من المجد حتى صار شيئًا مذكورًا، ونال الرعاية من الملوك والأمراء بعد أن كان فقيرًا مُعدِمًا ويتيمًا مُهْمَلًا.
وقد استخدمت السكة الحديدية بعض الخنادق التي كانت حول المدينة لمسير قسم من طريق القطارات فيها، والبعض الآخر نظموه سككًا ودروبًا سلطانية كما في باريس وأغلب مدائن فرنسا.
وتدور تجارة المدينة وصناعتها على الأقمشة من جميع الأشكال والأنواع، والقطيفة الخاصة باللباس وبالأثاث وغير ذلك، وفيها مغازل للكتان يشتغل فيها نحو ???? من العمال، وأما مغازل الصوف فيشتغل فيها ???? عامل، وفيها غير ذلك من أنواع التجارة وأصناف الصناعة مما لا حاجة لذكره.
وفيها أماكن لتعليم الألمانية والإنكليزية للرجال والنساء مجانًا في ساعات معينة، وأيضًا لتعليم الميكانيكا التطبيقية، ورسم صور الآلات، وقانون التجارة، وفن التشريع الصناعي، وفن إمساك الدفاتر في الصنائع، والجغرافيا الصناعية، والنسيج بالنظريات والنسيج العملي، وتطبيق الكيمياء على الصباغة، وفن الصباغة ومعالجة الأصباغ، والموسيقى، وفن تفصيل القطيفة.
وغير ذلك مثل: الرسم الابتدائي، والتصوير بالجبس، ونقش الأحجار، والرسم التقليدي، والتشريح، وتاريخ الفنون، والرسم العملي، والرياضيات وفن الرسم (لأجل البنات) إلخ.
وليس على الطالب إلا أن يُشعر كاتب أسرار أمين المدينة لنوال تذكرة يكون دخوله بمقتضاها في الأوقات المعينة. وفي المدينة مدارس منتظمة للمعلمين والمدرسين (بدرجاتها الثلاث)، وللفنون الصناعية والحرفية، وفيها ?? مدرسة ابتدائية للصبيان و?? للبنات و?? مدرسة للأمهات، ومدرسة لتعليم الصنائع الخاصة بالحديد والأخشاب، وأخرى للطب والصيدلية، وأخرى للموسيقى، وأخرى للفنون المنزلية إلخ.
وفي أميان كثير من التكايا المخصصة للطاعنين في السن من الذكور والإناث والأيتام والأطفال، الذين يتركهم أهلهم بعد الولادة، وللمصابين بالأدواء العقيمة العضالة، وللمُعدمِين من الجنسين وكفيفي البصر، أو المصابين بأمراض في عيونهم وغير ذلك.
وفيها بستان للنبات يحتوي على قاعات للتاريخ الطبيعي وعنابر لتربية نباتات البلاد الحارة، وتعطى فيه دروس عمومية في علم النبات.
وفي المدينة ? جرائد يومية و? أسبوعية، منها واحدة نصف أسبوعية وواحد دينية وواحدة زراعية وفيها غير ذلك من المنشورات الدورية شيء كثير، وفيها ثلاثة متاحف أحدها عام للفنون والصنائع، والثاني خاص بالأطيار، والثالث للتاريخ الطبيعي، وسأتكلم عليها في الرحلة إن شاء الله.
وفي المدينة خمسون قنطرة تصل أطرافها ببعضها؛ لأن نهر السوم يشقها من أولها لآخرها وأهمها سبعة.
ومن أهم ما ينبغي ذكره ورؤيته في هذه المدينة دار المجاذيب وتكية العميان، فإن المسيو بوفيللي المذكور أوصى عند موته بمبلغ ?????? فرنك لتشييد البيمارستان وبمثله لإنشاء تكية للعميان، يكون فيها أقسام للمتزوجين وأخرى للعُزَّاب والأرامل من الجنسين، ومدرسة للبنات وأخرى للصبيان. وقد زرت تكية العميان بنوع خصوصي لانتشار الرمد في بلادنا، وتفقدت كل ما فيها من الترتيب والنظام بإرشاد حضرة ناظرها، فإنه هشَّ للقائي ورحب بي وقدم لي كل ما طلبته منه من البيانات، ولكن لا يسمح لي المقام بسردها الآن فأدخرها إلى ما بعد، وأتكلم على الكنيسة الجامعة، وبها تكون خاتمة رسالتي هذه.
أول من أدخل الديانة النصرانية إلى هذه المدينة رجل اسمه القديس فيرمان في سنة ???، ثم حكم عليه بضرب عنقه في سنة ??? في قصر قديم من بناء الرومان، وبعد ذلك دفنت جثته خارج المدينة، وهو أول أساقفة أميان، ثم توالت الأيام وتناسى الناس خبر ذلك الذي جاء مبشرًا بالإنجيل، حتى ظهرت كرامات على ما يرويه القوم وتتناقله الأفواه فاستدل بها الأسقف التاسع واسمه القديس سوق على قبر القديس فيرمان؛ ولذلك تبرع أهل أميان والمدن المجاورة لها بهدايا كثيرة وتحف نفيسة لبناء كنيسة جامعة من الخشب داخل المدينة باسم القديس فيرمان، فجاء النُرمانديون (ويعرفون عند عرب الأندلس باسم المجوس) في سنة ???، وأحرقوها فأعدها أهلها ثم التهمتها النيران، واستمر الأمر على هذا الحال من تعمير وتدمير حتى كانت سنة ????، فاحترقت عن آخرها ولم يبقَ لها أثر في الوجود، فلم تمضِ سنتان حتى شرع القوم في وضع الحجر الأول من الكنيسة الحالية، وفي سنة ???? حصل حريق أتلف بعض أجزائها، ووقعت الصاعقة في سنة ???? على ناقوسها فحطمته تحطيمًا، ولكن أهلها رمموا ذلك وأصلحوا ما أفسد الدهر.
ومُسطَّح الأرض التي تشغلها الآن عبارة عن ???? متر، وسهمها يرتفع عن أعلى نقطة من سطحها ?? مترًا ونصف متر، وفوقه صليب من الحديد ارتفاعه تسعة أمتار، وفيها من الداخل ??? سارية تتكئ عليها قبابها وعقودها، وأما شبابيك الزجاج ففيها تصاوير وألوان تدهش الإنسان، وكذلك الأرغن والوردات الزجاجية الهائلة التي تمثل الفصول الأربعة. وفيها كثير من قبور المشاهير وتماثيل القديسين.
وأما منبر الوعظ والخوروس فهما أعجوبة من أعاجيب الصناعة بما فيهما من التفنن في النقش على الخشب، فإنهما يصوران للناظر جميع ما جاء في العهد العتيق من الحكايات والوقائع تمثيلًا بإتقان وإحكام، ومن أغرب ما رأيته في هذا الخشب الغريب أن النقاشين تركوا فيه بعض قطع طويلة متصلة به من الطرفين، وهي في هيئة الأوتار فإذا غمزها الإنسان بأصبعه أخرجت صوتًا مطربًا لطيفًا، وإذا نقر عليها الماهر في صناعة الموسيقى ربما أمكنه إبراز بعض الأنغام بإيقاع متناسق متناسب، كما هو في الآلات المعدة لذلك، وكل هذا الخشب من الجودة والمتانة بمكان عظيم. وقد كانت أجرة الصناع فيه من ? إلى ? مليمات في اليوم الواحد.
ويخيل للناظر إليه أن الغبار مُخيم عليه، ولكنه بعيد من ذلك، بل إنه نظيف جدًّا وإذا لمسه الإنسان لا يتلوث أصبعه بشيء من السواد. وقد قال لنا الخادم: إن ذلك الشيء الشبيه بالغبار له سبب في التاريخ؛ وذلك أنه لما وقعت إحدى الثورات بفرنسا خشي أسقف الكنيسة على هذه المصنوعات الجميلة من أن تتطاول إليها أيدي العوام فيبددونها ويهشمونها، فأحضر كثيرًا من الهشيم والبرسيم وشحن به الكنيسة من أولها إلى آخرها، وبقيت مخزنًا بهذه الكيفية مدة طويلة من الزمان أوجبت تداخل الغبار في جزئيات الخشب، واكتسابه هذا اللون الباهت الذي يشاهد عليها الآن. وخلاصة القول أن هذه الكنيسة من أجمل وأبدع وأكمل وأبرع ما رأيته للآن في سياحتي، بل هي في هذه المدينة كدُرَّة يتيمة تحسدها عليها رومة. وفي هذه الكلمة مِن مدحها ما يفي بالمرام لمن شاهد أو علم جمال الكنائس في عاصمة النصرانية والسلام.

الرسالة الخامسة عشرة


العودة إلى باريس
من لي بباحث في أخلاق الإنسان يكون قد وَقَف نفسه على درس الحيرة والاضطراب، وتحقيق تأثيرهما، وتعرف تنوعاتهما. وقد حضرني حينما عَوَّلت على كتابة هذه الحروف، وأعددت القلم والقرطاس، واستفتحت بتحرير ديباجة العنوان، ثم أبقيت يدي معلقة في الفضاء، والقلم بين أصابعي في الهواء، وأعيني شاخصة تنظر ولا ترى، وأسناني تصطك اصطكاكًا متواترًا، وشفاهي يتلاعب بها الاختلاج من غير انتظام، ثم تقع السفلى منهما بين الأسنان فينبهني الألم، فأضع القلم وأرفع يدي إلى جيبي كأني أعصره عصرًا لأستخرج التبيان منه قسرًا، ثم أُسكن بها فكري طورًا، وأرجع لحالتي الأولى من إمساك اليراع وإمساك الذهن، حتى كدت أُعافي نفسي من الخوض في هذا الموضوع، لولا سبق الوعد في الرسالة الثامنة بتلخيص وجيز على باريز، يُعرف القارئ بها، ويصف بعض أحوالها، ويقص عليه شذورًا من أنبائها.
وما مصدر هذه الحيرة — وحقك — عجز عن التسطير، أو إحجام في ميدان التحرير والتحبير، ولكن هي المواضيع انهالت عليَّ انهيالًا هالني، وتزاحمت تزاحمًا تراخت معه عزائمي، حتى أشبهت (هي) أقوامًا احتشدوا في دار شبَّت بها النار، فطفقوا يتسارعون للخروج من باب ليس لهم سواه، وصاروا يتدافعون ولا يعلمون أنهم يتمانعون وأنهم إذن عما قليل هالكون، فقام فيهم شيخ فَطين، ونَبَّههم إلى هذا الخطر المبين، وحثهم على التُؤَدَة والسكينة للنجاة من هذه المصيبة العظيمة، فأراعُوه السمع وسَلموا كلهم من الروع. وقالوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
فَعنَّ لي حينئذ أن أقتدي بهم. وأذكر الحيرة في الابتداء، ثم التوصل للاهتداء، بقسمة المواضيع إلى مطالب أتكلم فيها على باريس من جملة وجوه، بحسب ما وصل إليه جهدي ووقفت عليه بنفسي.
(?) كلمتان على باريس

يقول أهل هذه المدينة إنها الآن وستكون على مدى الأزمان حاضرة الحضارة والعمران، ومدينة المدنية في كل ميدان. لا يضيرها اضطراب السياسة فيها أو انشقاق الأحزاب بين أهاليها. وإن الأجانب يفدون إليها وسيتقاطرون عليها؛ إذ ليس في العالم إلا باريس واحدة (وأنت تعلم أن في إحدى الواحات المصرية قرية حقيرة تسمى باريس — فيا لله من هذا التناقض!) ويقولون إن من أقصى أماني الأغراب أن يمتعوا أنظارهم بمجالي محاسنها، ولا سيما أهل الأرياف والأقاليم في فرنسا، فإنهم يرون وجوب المجيء إليها خصوصًا بعد الزواج ليقضوا بها (هلال العسل)، وليس ذلك إلا لأنها تفردت عما سواها وفاقت على ما عداها بما جمعت من أسباب اللهو، ووسائل الانشراح، وإراحة الخاطر، وتمضية أويقات الصفاء والهناء. وخلاصة القول أنها مركز للجذب العام وفتنة لجميع الأنام.
هذه المدينة يشقها نهر السين (La Seine) إلى نصفين يكاد أن يكونا متعادلين، وهي منقسمة إلى ثمانين خُطًّا (بضم الخاء) في عشرين قسمًا، على رأس كل قسم رئيس يعرف بأمين المدينة (شيخ البلد) وثلاثة مساعدين، وعلى رأس الجميع موظف عالٍ لقبه مأمور ضبطية السين، وعليه القيام بوظيفة الأمين العام (شيخ عموم البلد). وعدد سكانها ??????? نفسًا، ومسطح البقعة التي تشغلها من الأرض فيما بين الحصون التي حولها عبارة عن ???? هيكتار، وطول محيطها ?? كيلومترًا، والحصون عبارة عن دائرة مزدوجة طولها ?? كيلومترًا و??? مترًا، وفيها ?? بابًا للمدينة و? معابر تمر منها السكة الحديدية، ومعبران لنهر السين وآخران لترعتين. وطول الطرقات العمومية فيها هو ?????? متر ومسطحها عبارة عن ???? هيكتارًا، وفيها أكثر من ????? دار، وميزانيتها في السنة تبلغ ??? مليونًا من الفرنكات. ولما كانت الكوليرا ضاربة أطنابها بها في الصيف الماضي، تكبدت المدينة نفقات باهظة في رش السوائل المطهرة في الطرق العمومية، ولغسل أماكن القاذورات والمباول في كل يوم من أيام الوباء، حتى بلغت المصاريف ???? فرنك في اليوم الواحد، وقد بلغت مصاريف التطهير، وتنقية الهواء في المدارس التابعة للمدينة ???? فرنك، وقد كان مجموع المصاريف التي أنفقت بهذا السبب في فترة اجتماع المجلس البلدي ??????? من الفرنكات.
(?) متاحف باريس

أول شيء تنساق إليه أقدام السائح الذي يقصد الاطلاع على الغرائب ومشاهدة الطرائف إنما هو المتاحف، وأحقها بالتقديم هو متحف اللُّوفر، فإنه يحتوي على أكمل مجموعة في العالم من حيث الفنون الصناعية، وقد كان إنشاؤه في قصر اللُّوفر في سنة ???? بأمر من الجمعية الأهلية، فجعلوه مقرًّا لجميع الأعمال الغريبة التي كانت متفرقة في قصور الملوك، ثم جاء أساتذة الفنون المتقنون وحلَّوه برسوماتهم ونقوشهم، وكثر المتبرعون بفرائد الصور وذخائر الأشكال حتى أصبح من أكمل وأجمل متاحف الدنيا.
وإني أشير الآن بالإجمال إلى ما فيه من الأقسام، فإن التفصيل يكاد يكون من المستحيل فيه للتماثيل والأنصاب من الرخام (ومنها الزهرة إلهة الجمال لميلو، ثمنها وحدها ??? ألف فرنك)، ومن النحاس من صنع الأقدمين أو محاكاة لهم، وفيه نقوش دينية على المرمر وأبواب هياكل ومعابد، ثم نقوش وكتابات رومانية بارزة، وفي إحدى قاعاته إناءان كل واحد منهما من حجر واحد ومتباعدين عن بعضهما نحو ?? مترًا، وإذا تكلم الإنسان في أحدهما سمعه صاحبه من الثاني، وهذا من غرائب الصدى وليس لهما من مثيل إلا في أمريكا على ما علمت. وفيه قاعات لأواني الفخار وللوح الرسم والتصوير مما وراء العقول، ولا تسلني الآن عما فيه من مخلفات قدماء المصريين والرومانيين والأشوريين والبابليين وغيرهم من أمم السلف، وفيه متحف للجزائر وآسيا الصغرى. وخلاصة القول أنه في باريس كالدرة اليتيمة في القلادة الثمينة.
وفي الدور الثاني منه متحف للبحرية فيه صور المراكب وجميع آلات البحر وأدواته عند جميع الأمم، وفيه خريطة كبيرة مجسمة من الجبس تمثل قناة السويس وأعماله ومدائنه أهداها له دولسبس، وفيه متحف صيني، أما أثمان الأعمال التي فيه وزخرفة القصر، فهي من قبيل ما ورد في ألف ليلة وليلة.
أما متحف لُكسمبرج (Musee & Luxembourg)، فهو مخصص لحفظ رسوم المتفننين العصريين ونقوشهم، وعلى بابه تمثال بهيئة فرنسا وهي تقدم أكاليل الفخار إلى آلهتي النقش والتصوير، وفيه كثير من النقوش في الحجر والرخام والرسوم على القماش مما يقضي بالعجب العجاب. أما متحف الحمامات ودار كلوني (Hotel Cluney)، فيمتاز عن السابقين بأنه مخصص لكثير من المجموعات المحتوية على آثار الأقدمين ومخلفاتهم النفيسة من كل نوع من أعمال أمم مختلفة، وقصر الحمامات هو أقدم العمائر في هذه المدينة، حتى إنني حينما شاهدته تنكرت أنني في باريس وتصورت أنني في رومة، خصوصًا عندما دخلت في قاعته الكبيرة الباقية إلى الآن في غاية الحفظ والصيانة تحت قبتها العتيقة الفسيحة، ويقول بعض المؤرخين إن يوليان المرتد نُودي به إمبراطورًا رومانيًّا في هذه القاعة (سنة ???ق.م)، وفي المتحف الآن أكثر من ????? قطعة معروضة على الأنظار، وكلها من الفائدة والأهمية بمكان؛ إذ تحتوي على كثير من أمتعة القدماء وأبسطتهم ومنسوجاتهم، وعلى عربات مذهَّبة كان يستعملها الملوك في القرون الوسطى، وبعضها يجره الجياد وبعضها مما يحمله الرجال على الأعناق، ولا أظن أن في متاحف المدائن الأخرى مجموعة تعادلها. وفي الدور الأول من هذا المتحف مجموعة من الأسلحة والدروع والدرق والمَجانِّ والخُوذ للمقاتلين وللخيول ومن الأواني المعدنية، ثم مجموعة من الأواني الخزفية (وفيها مجموعة من صناعة رودس وأخرى أندلسية)، والمينا والخشب المنقوش المُحلى بالصور الباهية، ومجموعة من الأقداح والأكواب والقازوزات والقارورات. وفي هذا المتحف غرفة تحتوي على مجموعة من المصنوعات العبرانية أهدتها له البارونة ناتالي دوروتشيلد، من ضمن ما فيها تمثال لتابوت العهد على هيئة دولاب، وشمعدانات ذات سبعة فروع وثمانية وتسعة، وكلها من الخشب المنقوش والفضة الخالصة والنحاس الصافي.
وفي المتحف خلاف ذلك من صناديق القدماء وأَسِرَّة الملوك والأواني المتخذة من خشب الأبنوس وسن الفيل، ورقع الشطرنج والبلور الصخري والساعات ومفارم الدخان والمفاتيح والسكردانات والمناقد، وكرة أرضية من نحاس مذهب والأقفال والأغلاق والمتارس (الدرابيس)، والمصوغات مثل تيجان الملوك القوطيين وأكاليل الإبريز الخالص الأصم المحلاة بأحجار الصفير والدر العديم النظير، ومذبح (من أقسام الكنيسة) من النضار الدقيق المطروق بصناعة وإتقان والأساور والخواتم وورد من الذهب، وغير ذلك مما يعجز القلم عن وصفه وتحار الأفكار من مشاهدته منضودًا محفوظًا كما كان وكأحسن ما يكون.
أما قصر الحمامات فقد كان بناؤه في سنة ??? ميلادية بأمر الإمبراطور الروماني كونستانس كلود، ثم اتخذه ملوك فرنسا فيما بعد سكنًا لهم مدة من الزمان، ولما تركوه اشترى أطلاله أحد القساوسة، وبعد ذلك اشترته مدينة باريس وأحاطته بحديقة لطيفة، وجعلته مقرًّا للتماثيل الرخامية والحجرية التي أقيمت في باريس في العصر الذي شُيِّد فيه القصر، وأطلق عليه اسم قصر الحمامات؛ إذ لم يبقَ من معالمه سوى قاعة الاستحمام. وفي البستان كثير من الأنصاب والعمدان أغلبها كانت في القصر أيام كان يسكنه القسيسون، ومن أهم ما فيها صليب من الحديد انتزعه الفرنساوية من كنيسة سان والدمير بمدينة سباستبول وغير ذلك.
وأما متحف الآلات والفنون الصناعية (ويسمى أيضًا بالمحفظ الأهلي للفنون والصنائع)، فقد أقيم في مكان كنيسة قديمة أضيف إليها جملة قاعات كثيرة، وعلى بوابته تمثالا العلم والصناعة، وفيه مكتبة تحتوي على ????? مجلد خاصة بتطبيق العلوم والفنون على الصناعة، وفي إحدى غرفه رسم بعض المجيدين في التصوير تماثيل الصناعة والرسم والتصوير من جهة والعلم والطبيعة والكيمياء من جهة أخرى، وفيه معامل للكيمياء والطبيعة، وتُعطى فيه دروس ليلية في العلوم وتطبيقها على الصنائع مجانًا لكل طالب يقوم بها رجال من أشهر النابغين في هذه الفروع.
وهو يحتوي على جميع أصناف المحاريث وآلات متنوعة للتقطير وتكرير السكر، ومثال معمل للعربات وأدوات الخراطة والخياطة والنسيج والغزل، وبعض عينات من المنسوجات والآلات الخاصة بنظريات الحركة والانتقال، وآلات تحويل الحركة وتوليدها وآلات العدد والتلغراف الكهربائي وغير الكهربائي، والتلفون وآلات الصوت والجلوانوبلاستيا والموازين والأثقال وآلات علم الطبيعة، وأدوات استخدام حرارة الشمس وجهازات كهربائية متنوعة، وآلات علم الآثار العلوية، وآلات تقييد الأرصاد، وآلات استخراج غاز الاستصباح وجهازات الاستضاءة، وآلات الورق وآلات الطباعة والنقش والتصوير الشمسي، ثم المتحصلات الكيماوية وآلات طبع الألوان والأصباغ على الأقمشة، وتماثيل معامل حمض الكبريتيك، ثم كيفيات اصطناع الخزف والفخار والمينا والزجاج والبلور، وغير ذلك مما تتعذر الإحاطة به، ويستدعي المشاهدة وتمضية الوقت النفيس.
وأهم ما استوقف أنظاري تماثيل استخراج الفحم الحجري وأدواته وآلاته وجهازاته وآباره وسبر أغواره، والمعادن التي تخرج معه والأصباغ والروائح، والأعطار التي تستخرج منه وغير ذلك. وقد رأيت في نموذجات المنسوجات قطعة من شغل مصر أهداها الخديوي الأسبق إلى هذا المتحف، وفيها أشعار عربية مكتوبة بأحرف من القصب ومزركشة بذوق وحذق، بحيث إنها تجعل لصناعة بلادنا مقامًا محمودًا بين ما يجاورها من منسوجات الأمم الأخرى.
وفي تياترو الأوبرا (Theetre de eopere) متحف ومكتبة للتشخيص والتمثيل والروايات وفن الألحان، ولكن المتحف ليس من الأهمية بحسب ما يتصوره الذي يسمع عنه وبعكس ذلك المكتبة. أما متحف فنون الزخرفة والتزويق فالغاية منه المساعدة على توسيع نطاق أعمال المشتغلين بتطبيق العلوم على الصنائع؛ إذ يرون فيه نموذجات لا تحصى من صنع الأقدمين والمحدثين، فتتربى بذلك ملكتهم ويقتدرون على الاختراع والتنويع، فإنها تحتوي على مجاميع متعددة فيها تصاوير على القماش، ونقوش على الأخشاب والأحجار والمعادن ومصنوعات شرقية مثل الأنسجة والعاج والأبسطة والخزف والزجاج من صنع فارس وغيرها، وفيها أيضًا تصاوير بالألوان وأقمشة قديمة وحديثة وأثاثات المنازل ثم طريق التزويق بحسب العصور قديمًا وحديثًا، وغير ذلك مما يطول شرحه.
أما متحف تطبيق فن النحت فهو في قصر التروكاديرو (Trocadero)، ويحتوي على نموذجات بالجبس من أهم أعمال المباني في مشارق الأرض ومغاربها في العصور السالفة، ومن بوابات وعمدان وجدران وعقود وقبور ونقوش بارزة في الحجر، وغير ذلك مما يطلق عليه لفظة آثار. وهي مرتبة بحسب تاريخ أوقاتها وبيان الأماكن التي فيها الآثار الأصلية وماهية الموضوع بالإيجاز. وأول ما يراه الإنسان فيها هو نقوش قدماء المصريين وغيرهم من الأمم القديمة حتى ينتهي إلى القرن الثامن عشر، فيرى غرفة فيها أعمال من جميع الأمم كأنها فهرست للغرف التي سبقتها أو بيان إجمالي لما رآه الإنسان قبلها. وأما متحف طبائع الأمم وأحوالها فهو في الدور الأول من قصر التروكاديرو أيضًا ويحتوي على ????? قطعة تمثل أصناف الأمم وكيفية معيشتهم وتغذيتهم ولباسهم وسلاحهم بالأقدار الطبيعية التي تصورهم للإنسان، كأنه يراهم كما هم بالتمام في أقاليم أستراليا والأوقيانوسية وغيرها، مثل ملبوس الرؤساء وشباك الصيد في البحر وحبائل القنص في البر والمساكن وصورة المتوحشين، وغير ذلك مما يتعلق بأمم أفريقية وأمريكا وأوروبا وآسيا. ويرى الإنسان فيها الزوارق والنقوش والأكواخ والمنسوجات والأسلحة والمصنوعات الزجاجية والفخارية والأطلال الدارسة، وسارية من حجر واحد تشبه شكل الآدمي في تكوينها الطبيعي (واردة من بلاد المكسيك) والمحاريب والمعابد والهياكل وبعض موميات واردة من أمريكا وجهازات الجنائز والاحتفالات بالأموات، وكل ذلك مما يتعلق بالقبائل المتوحشة والبدوية والمتمدنة والحضرية، سواء كانت تسكن عند القطب الشمالي أو بجانب الخط الاستوائي أو تحته أو فيما بينهما. وفيه غرفة مخصصة لبيان أهل فرنسا، بحسب أقاليمها وتَنَوع معيشتهم ومساكنهم وأخلاقهم وغير ذلك.
أما متحف التربية فيحتوي على مكتبة مركزية خاصة بالتعليم الابتدائي، فيها الكتب المؤلفة في فن التربية وأساليب التعليم ورسوم وأشكال وخرائط ومجاميع وكتب مطالعة، وغير ذلك مما يلزم الدارسين والمدرسين، وفيه زيادة على ذلك مكتبة متنقلة تُعير الكتب إلى القائمين بوظائف التعليم في سائر أنحاء فرنسا، وفيه آلات التعليم وأدواته وأجهزته وجملة مجاميع للتاريخ الطبيعي ولتعليم الرسم والتصوير في المدارس الابتدائية والثانوية ومدارس المعلمين، وفيه تماثيل للمباني الدراسية لبيان أوفقها للصحة والتعليم، من حيث التهوية والإضاءة وغير ذلك من المرافق.
وهذا المتحف المفيد يحتوي على قاعة كبيرة فيها كلها خرائط جغرافية فقط، وغرف أخرى للرسم ومعامل للكيمياء والطبيعة والأشغال اليدوية وأخرى تحتوي على أثاث المدارس وأدوات الدراسة ونموذجات تصوِّر المدارس غير الفرنساوية. وفي الدور الأول مكتبة التربية الفرنساوية والأجنبية، وأهم قسم فيها هو مكتبة للموسيو رابو تحتوي على ???? مجلدًا خاصة بهذا الفرع من التعليم، وقد اشترتها الدولة بعد وفاته باسم هذا المتحف، وبعض الكتب الموجودة في هذه المجموعة قد صارت الآن أندر من الكبريت الأحمر، وفيها أيضًا مجموعة تحتوي على كتب التعليم في القرن السادس عشر. وفي الدور الأول مجموعة علمية ومعامل للعلوم الطبيعية وأثاثات مدرسية، وشرائع فرنساوية وأجنبية خاصة بالمدارس.
وقد ترتب على إنشاء هذا المتحف فوائد كثيرة خصوصًا المكتبة المتنقلة، فإنه قد يتفق وجود بعض من المترشحين لوظائف التدريس، أو للترقي إلى وظائف سامية ولا يكون في وسعهم الاستحصال على الكتب الدراسية اللازمة لبعدهم عن المدن الكبيرة ولضيق ذات يدهم، فأنشأت الدولة هذا المتحف ليعيرهم الكتب اللازمة بناءً على طلبهم، فيرسلها لهم خالصة أجرة البريد في صناديق محكمة من الخشب مدة شهر أو شهرين بحسب ما يريدون، ولهم الحق في تمديد الأجل المحدود. وسأشرح الكلام في الرحلة على هذا المتحف بنوع خصوصي لما له من المزايا الكبيرة.
أما متحف جيميه أو متحف الأديان الأهلي، فإنه يتضمن كل ما جمعه الموسيو إيميل جيميه E. Guimet أثناء سياحاته في بلاد المشرق، ثم إنه تبرع بهذه المجموعة النفيسة التي تبلغ قيمتها أكثر من ملايين من الفرنكات لمدينة باريس؛ لأجل إفادة أبناء وطنه، والغاية منها درس الأديان القديمة وعقائد المشرق، بحسب الرسوم الصحيحة والتماثيل والكتب والتصاوير الأصلية الصادرة عن نفس المتعبدين، وهي مرتبة بحسب المذاهب والاعتقادات والأوقات. واعلم أن هذا الرجل الكريم فضلًا عن هذه الهبة السَّنية تبرع بنصف المصاريف اللازمة لبناء دار المتحف، وقد بلغني من ثقة أن رجلًا من أغنياء الإنكليز عرض عليه مبلغًا وافرًا من النقود لمشترى جزء زهيد من المجموعة، فأجابه بما معناه (إنما تعبت وجمعت ما ترى لإفادة أبناء بلادي؛ وللإعانة على رفع شأن وطني وذلك أثمن وأغلى مما تعرضه عليَّ الآن بما لا يقدر بأي حال)، فهكذا تكون الشهامة والمروءة في محبة الوطن والسعي في إعلاء كلمته وتمجيد ذكره. ومن أهم ما في هذا المتحف مكتبة تحتوي على كتب كثيرة بخط اليد و????? مجلد في مواضيع متنوعة و???? مجلد صيني وياباني ومصري قديم، وهو يحتوي على مصنوعات من الخزف خاصة بديانات الصين واليابان وقدماء اليونان وإيطاليا وفرنسا وقبائل أفريقية والأوقيانوسية وآلهتهم وتعبداتهم وهياكلهم ومعابدهم، وفيه هياكل كثيرة منها هيكل يسمى بالمندرة، يحتوي على ?? إلهًا (والمندرة هي المعبد الذي يجتمع فيه جميع الآلهة عند اليابان مثل البانتيون عند اليونان والكعبة عند الجاهلية، وأقدم هذه المنادر هي مندرة سين جون وكان فيها ???? إلهًا).
وآلهة الهيكل المحفوظ بهذا المتحف تنقسم إلى ثلاثة أقسام لتدبير الكون، وهي الكمال في الاعتقاد البوذي، ثم التجسد لخلاص الأرواح بطريق الإقناع، ثم التحول لجذب النفوس بالوعيد والتهديد.
وهناك أيضًا آثار كثيرة مما يتعلَّق بديانة الفراعنة وكيفية معيشتهم في هذه الدنيا ونعيمهم في الحياة الأخرى، وفي ضمنها تماثيل آلهة وتمائم وأوراق بردي ومذابح وهياكل وأحجار مقدسة وغير ذلك.
وفي هذا المتحف غرف للتدريس والعمل، وجميع جدرانه مغطاة برسوم وأشكال تناسب الأشياء المعروضة في كل غرفة أو تكملها، بحيث إن الناظر الدقيق يقف تمام الوقوف على كيفية التعبد والتدين عند كل قبيلة من هذه القبائل. وقد رأيت في فناء المتحف عنبرًا لتربية النباتات المجلوبة إلى فرنسا من البلاد الحارة، وفي أقصى الفناء قاعة يصعد إليها بسلم، وفيها مجموعة من الأحجار المختلفة ورجامات القبور القديمة عُني بجمعها أثناء سياحته في آسيا جناب الموسيو دو مرجان (De Morgan) الذي هو مدير المتحف المصري الآن. وقد تقرر أثناء إقامتي في باريس أن تلامذة المدارس العالية وتلامذة المدارس الحرفية في هذه العاصمة يذهبون إلى هذا المتحف كل يومين مرة بالمناوبة مع بعضهما لأجل الوقوف على كيفيات اصطناع الخزف والطقوس الدينية بإرشاد الموكلين بحفظ المتحف أو الموسيو جيمي نفسه. أما متحف والنتين هاوي فقد سمي باسم أول من أسس مدارس العميان. وهو وإن كان صغيرًا الآن لكنه جدير بالنظر؛ إذ يحتوي على الآلات والأدوات الخاصة بأعمال العُميان، وعلى كثير من مصنوعاتهم في جميع البلاد. كان دليلي فيه أحدهم وهو الموسيو جيلبو أحد أساتذة مدرسة العُميان، فأطلعني على جميع ما فيه قطعة قطعة بإرشاد وثبات ومعرفة بمواضيع كل شيء، حتى انبهرت من هذا الدليل الماهر، فإنه له معرفة بالغزل والنسيج وكثير من الصنائع اليدوية، وأخص معلوماته الجغرافية والتاريخ والفنون الأدبية، وقد أتحفني ببعض من مؤلفاته وفيها ديوان شعر يعبر فيه عن عواطف العُميان وإحساساتهم، وكيف يقدرون الأشياء. وله كتب أخرى كثيرة تدل على فضله وسعة اطلاعه. وهو الذي سعى في تأسيس هذا المتحف على نفقته، ثم أمدته الجمعيات والمدارس في البلاد الأوروباوية والأمريكانية بتحف أخرى، ولا يزال يدفع إيجار المنزل من إيراده.
وفي باريس متاحف أخرى كثيرة لا يجوز لي أن أتكلم عليها؛ لأنني لم أزرها. وقد جرت عادتي أني لا أذكر إلا ما عرفته بنفسي، ولكني أشير إلى أسماء بعضها مثل: متحف الطوبجية والأثاث الأهلي والطب ومقابلة التشريح والمعادن وآلات الموسيقى والرصدخانة والنقود والمحفوظات (الدفترخانة). والمتحف التاريخي لمدينة باريس (وبه مكتبة فيها نحو ????? مجلد)، ومتحف المجموعات الفنية لمدينة باريس، ومتحف كاين وقد أسسته زوجة كاين، ومتحف جالييرا، ومتحف الغشاشين (ويوجد له نظير في جمرك الإسكندرية)، وفوق ذلك فإن لأغلب المدارس والجمعيات العملية والفنية متاحف خاصة بها.
(?) قصور باريس

هذه بلد القصور، فحيثما قَلَّبَ الإنسان ناظره رأى قصرًا شاهقًا وبنيانًا شامخًا وإتقانًا زائدًا، ولكني لا أتكلم الآن إلَّا على بعض القصور المهمة، وأترك الباقي لفرصة أخرى.
فمن أفخرها قصر التويلري Tuilleues يدل على ذلك ما بقي منه بعد الحريقة التي التهمته أثناء ثورة الكومون في شهر مايو سنة ????. كان بناؤه في سنة ????، وقد أقيمت في مكانه الآن حديقة أنيقة مزدانة بأنواع الأزهار تتخللها تماثيل رمزية وَفَساقٍ تدفع الماء إلى حيضان بهيجة بكيفيات رشيقة تَسُرُّ الناظرين. أما قصر اللُّوفْر (Palais de Louvre) فقد شُيِّد في عام ???? على أطلال قلعة عَثر القوم على بعض بقاياها تحت الأرض في سنة ????، وسكنه كثير من ملوك فرنسا قبل أن يكْمُل تمامًا، حتى جاء الإمبراطور نابليون الأول فشدد الأوامر بإنهائه ولكنه لم يساعده الزمان على بلوغ الغاية في هذا الأمر الجليل. فلما كان الإمبراطور نابليون الثالث أتمه على الوجه المرغوب واحتفل بافتتاحه في سنة ????. وقد بلغت أكلافه ثلاثة ملايين من الجنيهات الاسترلينية (?? مليون فرنك)، وفيه رسوم ونقوش وتصاوير وتماثيل وزخرفة وتزويق في الجبس والحجر والرخام والخشب، وعلى وجهاته وعقوده وجدرانه وسقوفه ونوافذه ومطلاته وأفنانه ورحباته تسلب العقول وتخلب الألباب، وواجهته الأصلية مركبة من عُمد مستندة على عُمد تمثيلًا لأجمل وأعظم هياكل العبادة عند قدماء اليونان. وخلاصة القول أنه اليوم تحفة حوت متاحف وأُعجوبة جمعت عجائب. ومما يلحق بهذا القصر ميدان الكاروسل (Carrousel أي ميدان البرجاس)? وهو من أجمل ميادين باريس، ويبتدئ بقوس فخار هائل تحيط به البساتين الناضرة، ويحف به من اليمين والشمال تمثالان رمزيان للحرية والشريعة. ومن هذا المكان يمتد النظر إلى بستان التويلري والمسلة المصرية وقصر الشانزلزية وقوس فخار الكوكب، وينتهي الميدان المذكور بحدائق اللوفر، وفيه تجاه قوس فخار الكاروسل عمود أثري أقيم لتخليد ذكر غامبتا المشهور، وهذا العمود يتركب من كتلة حجرية عظيمة تحيط بها تماثيل من البرونز (الشَّبَهان) تصوِّر الحقيقة والقوة والحرية والمساواة، وفوق هذه القاعدة منشور هرمي من الصَّوَّان يبرز منه تمثال الرجل واقفًا ومائلًا برأسه إلى الخلف قليلًا وباسطًا ذراعه الأيمن بشهامة، وهو يرشد أبناء وطنه إلى الواجب والشرف، وتحت أقدامه الذائدون عن حياض الوطن يرعاهم ملاك فرنسا، وقد ارتفع بأجنحته إلى عنان السماء فقاموا من سقطتهم، ونفضوا ما عليهم من الغبار وجمعوا أسلحتهم المتكسرة، وعلى الواجهات الأخرى من المنشور جُمَلٌ مقتطفة من المقالات الرنانة التي ألقاها هذا الخطيب على قومه يدعوهم إلى الدفاع عن بلادهم إلى آخر نقطة من حياتهم وغير ذلك، وفوق قمة هذا الأثر تمثال رمزي للديمقراطية (أي حكومة الأهالي بأنفسهم)، وقد فازت وعلت كلمتها فامتطت صهوة غضنفر ذي أجنحة. وقد أقيم هذا التمثال في ?? يوليو سنة ????، بنقود جمعها القوم من اكتتاب عام اشترك فيه أبناء فرنسا المقيمون في حومتها والبعيدون عنها. وأما قصر البورصة (Le Bourse) فهو على شكل معبد يوناني بما في واجهته وحوله وفي داخله من السواري والأساطين، وطوله ??مترًا وعرضه ??، وفي أركانه من الخارج تماثيل أربعة للتجارة والعدالة القنصلية والصناعة والزراعة، وفي داخله قاعة كبيرة للعمليات المالية تسع ألفي شخص، وعلى جدرانها تصاوير بالغة في الإتقان، بحيث يخالها الناظر نقوشًا بارزةً، وهي عبارة عن الاحتفال بافتتاح البورصة على يد شارل التاسع، وفرنسا وهي تستقبل الإتاوة من أقسام الدنيا الخمسة واتحاد التجارة والعلوم والصنائع وأهم المدائن في فرنسا. وقد زرت هذا القصر ولكنني أعترف بأني لم يتيسر لي أن أدرك شيئًا من أحواله أو أقف على نُزر من تفاصيل ماجرياته، حتى كنت أُتحف بها القُراء، وغاية ما رأيته فيه جلبة وضوضاء وصياح وصخاب وتماوج وتدافع وأيد ترفع وأرجل تُهَرْول وأقوام يخرجون وآخرون يدخلون، وفي يد كل واحد قرطاس وقلم من الرصاص وصكوك مختلفة الألوان، ولا أدري كيف يتفاهمون في بابلهم هذه، وإن كانوا كلهم بلغة واحدة يتخاطبون. وفي هذا القصر مكتب للتلغراف وآخر للتلفون وبارومتر كبير وسكردان يتناولون فيه غداءهم من غير أن يبتعدوا عن الميدان. أما قصر الأنفاليد (Anvalide) (العساكر السِّقط) فقد شاده الملك لويز الرابع عشر في سنة ????، فإن هذا الملك العظيم أراد أن يضمن حياةً طيبة للعساكر الذين تُبْتَر بعض أعضائهم أو تصيبهم بعض العاهات، ولا يكون لهم وسيلة للتعيش بعد أن وخط الشيب رءوسهم وهم في سلك النظام، ولكن الذي نظم هذا القصر حقيقة وأجاد ترتيبه إنما هو نابليون. ومسطح الأرض التي يشغلها هذا القصر عبارة عن ?????? مترًا مربعًا، وهو معدٌّ في الأصل لسكن ???? نفس، ولكنه اليوم لا يحتوي إلا على ربع خمس هذا العدد؛ لأن قدماء الجهادية في هذا الزمان يفضلون تمضية ما بقي من عمرهم في استقلال وحرية وإنفاق المعاش الذي يخوّله لهم القانون بحسب ما يريدون، أما النازلون به فتعتني الدولة عنايةً تامةً بمسكنهم ومطعمهم وملبسهم وتدفئتهم وكل ما يلزم لهم. وأمام هذا القصر رحبة فسيحة طولها ??? متر وعرضها ???، وفيها صفوف كثيرة من الأشجار.
وبعد هذه الرحبة فِناء خارجي تحف به الخنادق من كل جانب، ويحدق به من اليمين والشمال بطارية مدافع، اغتنمها الجيش الفرنساوي في حروبه، وهي التي تستخدم في إنباء الباريسيين بالحوادث الكبيرة مثل الانتصارات والمواسم وغير ذلك، وحول هذه المدافع مدافع أخرى من طرازات متنوعة وعيارات مختلفة، وفي خلال صفوفها مماشٍ يتنزه فيها قدماء الجنود النازلين بالقصر. أما واجهة هذا البناء الفخم فتُحْدث في النفس جلالة وفي الفكر إجلالًا وطولها ??? أمتار، وفيها ??? شباكًا، وعلى يمين الباب تمثال إله الحرب، وعلى يساره إله الحكمة، وفي الدهاليز تمثيل بعض الوقائع التي انتصر فيها الفرنساويون، وفي الفناء الداخلي تماثيل كثير من قوادهم وشجعانهم.
وأهم ما استوقف أنظاري في نفس القصر هو المكتبة التي أسسها نابليون، وهي تحتوي على ألف مجلد تقريبًا، ولا يجوز الدخول والشغل فيها إلا للعساكر السِّقط. ومن ملحقاتها قاعة تحتوي على صور جميع مارشالات فرنسا ومديري هذا القصر، وتصغير يمثل للرائي عمود وندوم المشهور، والقنبلة التي قتلت تورين في سنة ????، وهو من أفرس أبطالهم، ومثال من الجبس لتمثاله فوق فرسه، وبعض المخلَّفات التي تركها نابليون في جزيرة سنت هيلانة (محل منفاه) جمعها بعض المغُرمين بمجده؛ مثل: أغصان من الشجرة التي كان يستظل بها، وقطرات من الينبوع الذي كان يستقي منه، وقبضة من التراب الذي وطئه بقدمه، وقصة من شعره، وقطعة من ورقه، وما أشبه ذلك، وضعها بعض المُجيدين في لوحة تأخذ بالأبصار لما أودعه فيها من الإبداع، وهناك أيضًا أشياء كثيرة من التي كان يستخدمها الإمبراطور في منفاه.
وفي هذا القصر كنيسة باسم القديس سان لويس، وليست ذات أهمية بالنسبة لبنائها؛ بل لأنها مخصصة لدفن المارشالات ومديري القصر؛ ولأنها تحتوي على كثير من الآثار التي تُحيي ذكر أبطالهم المعدودين، وفي قبتها كثير من الرايات التي اغتنمها القوم في مواقع القتال في أفريقية والفريم وإيطاليا والصين والمكسيك والتونكين، وفي إحدى بيعها صورة لسيدنا عيسى عليه السلام مرسومة على القماش، ولكن الناظر إليها يخال أنها مجسمة بكل انتظام.
وخلف هذه الكنيسة قبر الإمبراطور في قبة هي أجمل أثر ديني مصنوع في فرنسا، بحسب الطراز اليوناني، ولا يدخل القوم إليها إلا بعد أن يرفعوا قبعاتهم تعظيمًا وتفخيمًا، وفيها بيعة تحتوي على بقايا جيروم شقيق الإمبراطور وبقايا ابنه البكري، وبيعة أخرى فيها قبر تورين ذلك البطل العظيم، وأمامها بيعة فيها عظام ووبان Vauban، وبجانبها ناووس فاخر يحتوي على بقايا شقيق آخر للإمبراطور. أما قبر الإمبراطور نفسه فهو في ناووس من الصَّوَّان الأحمر لم يرَ الرَّاءون مثله في البهجة والفخامة، وهو في وسط القبة في حفرة عميقة مكشوفة للأنظار ومبلطة بالفسيفساء، وهناك من التصاوير الهائلة وقبور المخلصين لهذا الرجل وتماثيل انتصاراته وغير ذلك مما يدهش الأبصار، ويقضي على الإنسان بالإعظام والإكبار، ويجعل خطواته مقرونة بالتحسب والهوينا، ويذكره بأنَّ هذا العالَم مصيره الفناء، وأن نهايات المجد الزوال، ويتذكر قول القائل: «ألَا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلا الله باطل» خصوصًا عندما يقرأ هذه العبارة التي أوصى بها نابليون: (أتمنى أن تدفن عظامي على ضفاف نهر السين في وسط هذه الأمة التي أحببتها حُبًّا جَمًّا)، فيخرج المتفرج وهو يقول: «المُلْك لله والدوام لله، سبحان الحي الذي لا يموت، إنا لله وإنا إليه راجعون.»
وأما قصر الفنون المستظرفة فقد أقيم على أطلال دير، وتم تشييده في سنة ????، وفيه مدرسة لتعليم الرسم والنحت والعمارة والنقش بأنواعه، وذلك التعليم نظري وعملي؛ ولهذا القصر فناءان وضعت في أوَّلهما أبواب قصور قديمة وأعمدة متقنة بأشكال مختلفة، وتماثيل للماهرين من الصانعين وغير ذلك، وفي وسطه عمود من المرمر الأحمر مشوب بالشب، وفوقه تمثال الخِصب، وأما الفناء الثاني ففيه مجاميع من تماثيل وقطع تماثيل من أيام القرون المتوسطة إلى عصرنا هذا، وفي وسطه فسقية من قطعة واحدة من الحجر كانت أمام قاعة الطعام في أحد الديور لأجل غسل الأيدي، وعلى الواجهة الأصلية لهذا القصر هذه الكلمات الثلاث (رسم عمارة النحت) منقوشة بعناية وإتقان وتفنن وإبداع، وعلى اليمين والشمال أسماء الأساتذة الذين نبغوا في هذه الفنون.
وفي دهاليز القصر وغرفه أمثلة لتماثيل قديمة ومعابد وثنية ومصنوعات في النحاس وتصاوير رفائيل في قصر الفاتيكان، وأشهر العمائر في فرنسا وغيرها، وصور أعضاء جمعية الرسم والنحت وبعض أساتذة المدرسة، وفيها مكتبة تحتوي على ?? ألف مجلد، ونحو مليون قطعة من النقوش، وفيه مجموعة للصور التي تحوز الطبقة الأولى في امتحان رومة، وهي أعلى درجة يمكن للمصوِّر الماهر أن يتوصل إليها، وخلاصة القول أنها حوت من ظرائف الفنون ما يثبت في تلامذتها قوَّة التصوُّر وإبراز الأفكار على القرطاس أو الأحجار.
أما قصر لُكْسُمْبُورج (Pelais du Luxemburg)، فهو الآن مستقر لمجلس السناتو (شيوخ فرنسا)، وقد زرته أربع مرات بواسطة حضرة الفاضل الكامل الموسيو بوليا (M. Pauliat) أحد أعضائه الموقرين. وهو قد وَقف نفسه على خدمة أبناء العرب في الجزائر وتونس والذب عن حقوقهم ورفع الأذى عنهم، وللمسلمين في قلبه محبة شديدة، وبواسطته تمكنتُ من الحضور في الجلسات أربع مرات ووقفت على أساليب المذاكرة والمداولة والمناظرة والمناضلة، ولو شئت حضور الجلسات أكثر من ذلك لتمكنت بواسطته جزاه الله خيرًا. هذا القصر أمرتْ بتشييده ماري دومدسيس زوجة هنري الرابع على مثال القصر الذي تربت فيه في فلورانسة، ثم تقلبت عليه الأحوال، فبعد أن كان سكنًا للملوك أصبح سجنًا في أيام الثورة الفرنساوية، ثم مقرًّا لمجلس المشيخة، ثم للقنصلية، ثم للسناتو، ثم لنبلاء فرنسا ثم لمحافظة السين (دار أمانة المدينة)، ثم للسناتو في هذا الزمان. وفيه مكتبة تحتوي على أكثر من ????? مجلد، وفوقها قبة مغشاة بأشكال ناضرة فاخرة. وفي القصر تماثيل نصفية لبارات فرنسا (Pairs de France) وشيوخها قديمًا، وهو من أجمل القصور وأكثرها زخرفة وتزويقًا. وقاعة الجلسات فيه عبارة عن نصفي دائرة متقابلين يجلس الأعضاء بأحزابهم وانشقاقاتهم وتنوعاتهم في النصف الأكبر، وأما الرئيس ولجنة الإدارة ففي النصف الآخر، وعندما تفتح الجلسة لا يتم الانتظام، بل يستمر الأعضاء الذين يدخلون على التسامر فيما بينهم وعدم الالتفات للخطباء ولا للرئيس، وترى الموكَّلين بالخدمة يتصايحون بهذه العبارة (صه أيها السادات) ويردِّدونها جملة مرات، فتذهب في الهواء تردد من جدار يدفعها إلى جدار من غير أن يكون لها تأثير على الحُضار. وترى بعض القوم يخرجون وآخرون يدخلون، والرئيس يدق الجرس في كل نفَس، فلا يؤثر أكثر من صياح الحرس، حتى إذا جاءت مواضيع المذاكرة الحقيقية وقام الخطيب الذي عليه الدور أخذ الانتظام حده، وصار القوم يرمقونه ويتفهمون كلامه، ومنهم من يجُيبه بالتفنيد، وآخر يؤيده بالتأكيد، وفريق يُصَفِّق له استحسانًا، وآخرون يهزون الأكتاف استهجانًا، وبعضهم يقاطعه في الكلام، وغيرهم يساعده على الإتمام، والرئيس يدعو الجميع إلى ملازمة النظام، وهكذا حتى ينتهي الخطيب مما ندب نفسه إليه، فيحتل مكانه أحد المتحزبين له أو عليه، ويصعد الوزير لتأييد سياسة الحكومة وتزكية مساعيها أو لبيان ما يطلبه الأعضاء من الإفصاح عن حالة البلاد في الداخل أو الخارج، ولا يزال القوم في أخذ وعطاء وبيع وشراء واستفهام عن إبهام وإفصاح بقول صراح، حتى تنفض الجلسة ويفيض الأعضاء من حيث أفاض الناس، ولا يصبح الصباح إلا وقد طُبعت أعمال الجلسة وما قيل فيها كلمة كلمة وحرفًا حرفًا بالتمام والكمال؛ إذ في خدمة المجلس كُتَّاب مُختذِلون (Sténographes) ينقلون بالإشارات المختصرة كل ما يُلقيه الخطيب من البيانات، أو يرد عليه من الاعتراضات أو يقع من الاضطرابات أو يظهر من الإشارات، ثم يرسلونها للمطبعة بعد كل عشر دقائق، وهناك يصير نقلها أو ترجمتها للكتابة العادية وجمعها وإعدادها للطبع، فلا يجيء نصف الليل إلا وقد تم طبع الجريدة الرسمية، وفيها حوادث الجلسة بالتفصيل الذي ليس بعده تفصيل، مع أن الجلسة لا تفتح إلَّا في الساعة الثالثة ونصف من بعد الظهر، وقد تنتهي فيما بين الساعة الخامسة والسادسة أو بعد هذه بقليل. وأما قصر بوربون فهو مقر مجلس النُّواب، وله واجهتان إحداهما تطل على نهر السين والأخرى على ميدان باسم القصر. والأولى هي الواجهة الأصلية وفوق عِمْدانها نقوش ورسوم تمثل فرنسا وفي يدها الدستور، وحواليها تماثيل الحرية والسلام والحرب والفنون والفصاحة والصناعة والتجارة. وقاعة الجلسات كلها من المرمر وحولها عمدان منضودة، وهي على شكل نصف دائرة تسع ??? نائبًا، ونظام الجلسات فيها يشبهه في السناتو، سوى أن اللغط فيها أكثر والعراك أظهر والخصام أقرب من حبل الوريد والدعوة إلى المبارزة ليست بالأمر الجديد، بل قد تحصل في كل لحظة عقيب أقل لفظة، وقد رأيت في كلا المجلسين أن بعض الخُطباء لا يُوفَّق إلى نوال القبُول من عموم الحاضرين، فيعطف بمناسبة حيثما اتفق إلى ذكر الوطن وشرفه ومجده وفخره ووجوب التفاني في إعلاء مقامه، وبذل المهج لإعزازه، ثم يُحيِّي القائمين بنصرته الذائدين عن حومته، ويترحَّم على وفاة من وفاه حقه وعرف واجبه، وهكذا من الأساليب الخطابية، فيخلب الألباب ويسحر العقول ويستجذب القبول، فيجاوبه السامعون بالتصفيق وعلامات الاستحسان وكلمات الإعجاب، خصوصًا إذا كان مقْوالًا سَيَّالًا وخطيبًا مصْقَعًا يعرف كيف يقرن الإشارات بالكلمات، وكيف يكون توقيع الألفاظ ليكون لها وقع في الفؤاد.
وقد اتفق في الجلسة التي حضرتها في مجلس النواب حصول مطر بغير سحاب استبدلت فيه الأمواه بالأوراق، فكانت تتناثر على الأعضاء من غير افتراق، وذلك أن رجلًا اسمه ألكساندر هوليه تربَّص فرصة مناسبة فقذف عليهم بكراريس مطبوعة عنوانها (هتك ستر الطرارين)، ولكن الجنود قبضوا عليه في الحال وأودعوه السجن تحت المحاكمة. قالت بعض الجرائد إنه يعني بذلك مسألة بناما، فكتب الرجل إلى الجرائد أنه لم يحُمْ حول هذا المقصد، ولا أعلم الآن ماذا تم في أمره.
وأما قصر الصناعة، فهو معد للمعارض السنوية والجزئية، أقيم في سنة ???? بمناسبة المعرض العام من مال شركة مؤلفة من كثير من المساهمين، ثم اشترته الدولة، وله فناء مستطيل طوله ??? مترًا وعرضه ??? أمتار ومسطحه ????? متر. وعلى بابه تمثال كبير يمثل فرنسا، وهي توزع أكاليل الفخار من الذهب النضار على الصناعة والفنون، وهما جالستان تحت أقدامها. وعلى الجدران المحيطة بالقصر أسماء الذين برعوا في العلوم والفنون والصناعة مرموقة بحروف من الإبريز، وقد جعلوه بعد سنة ???? مقرًّا للمعارض السنوية للرسم والنحت والعمل والصناعة، وفن الحدائق ومعارض الخيول والحيوانات والأطيار إلخ.
وكان فيه أثناء مُقامي بباريس معرض أشغال النساء، فكان فيه جميع أصناف ملبوساتهن بحسب الأزياء وتنوُّعها في كل عصر وعند كل أمة قديمة أو حديثة نسَّقوها على شكل مُعجب مطرب، وخصوصًا قبعاتهن وأشكالها المختلفة وتفننهن فيها بما يجذب الأبصار ويسلب الألباب، وليس هذا مقام الشرح عليها، فأترك وصفها إلى فرصة أخرى.
وخلف هذا القصر بناء من الحديد واللبن يسمى كشك مدينة باريس، وهو معد لجملة معارض متنوعة، وكان به أيام مقامي في هذا البلد معرض الصنائع المتعلقة بلحم الخنزير، وكانت الدولة ترسل إليه الموسيقى العسكرية تصدح فيه بألحانها الشجية.
وأختم الكلام في هذا الموضوع الطويل العريض بخلاصة قصيرة على قصر التروكادير، فقد بني على رابية بمناسبة المعرض العام الذي أقيم في سنة ????، واشتركت فيه حكومتنا المصرية وأصابت حظًّا وافرًا من الفضل والفخار، وهو يشتمل على أحاسن أساليب البناء وطرازات العمارة، وفوقه تمثال الشهرة وتصاوير، وفي هذه القاعة مكان للموسيقيين يسع ??? نفر منهم بآلاتهم، وأما القاعة نفسها فيمكن أن يجلس بها ???? متفرج بالراحة، وتحته مَرْبَى لأسماك المياه العذبة موضوعة في مغارات فسيحة تتجدد فيها المياه على الدوام، ومنظر هذا القصر وعمدانه وأبراجه وأروقته وأجنحته وحديقته وفسقيته، مما يفتن العقول ويستغرق الزمان في التأمل والإمعان.
وفي باريس غير ذلك عدد كثير من القصور العمومية والخصوصية؛ ولا أتكلم عليها لأني لم أدخلها.
(?) معامل باريس

مثل هذه المدينة العظيمة لا يخلو من المعامل المتناهية في الإتقان، ولكني لا أتكلم الآن إلَّا على معامل الجُبْلِين (بضم الجيم وسكون الباء وكسر اللام) (Goblaine) ومعامل الدخان. فأما الأول فقد كان إنشاؤه في سنة ???? على يد الملك هنري الرابع، وبعد أن دار الشغل فيه نحو خمسين عامًا، اشتراه لويس الرابع عشر وجعله معملًا للأمتعة والأثاثات الملوكية بناء على إشارة وزيره كولبير، فكان يشتغل العمال فيه بالطنافس والستائر المشهورة التي لا نظير لها في الكون، وبأشغال الفص والفسيفساء وبتقليم العاج وتطعيم الأبنوس وبصياغة الحلي والجواهر، وباصطناع التماثيل المخصصة لقصر فرساي، وبعد حكم هذا الملك اقتصر المعمل على اصطناع الطنافس والستائر، وفي ?? مايو سنة ???? أحرق ثوار الكومون بفرنسا جزءًا منه، فالتهمت النار كثيرًا من نفائس الطنافس وسائر الستائر. وقد أبدع هذا المعمل في تقليد الرسم وألوانه بالنسيج في أنواله وعلى منواله مع الدقة والرقة، حتى إن الملوك والأمراء ليزخرفون قصورهم ومتاحفهم بمصنوعاته التي سارت بحسنها الركبان، وفيه متحف حوى شيئًا كثيرًا من غرائب منسوجاته ومنسوجات الأمم الأخرى، وقد رأيت قَبَاطِي مصر المشهورة في كتب العرب مع أني من بلادها ولم أرها فيها. وربما تكلمت على هذا المعمل الجليل بما يستحقه من التفصيل إذا ساعدت العناية في فرصة أخرى.
وأما المعمل الثاني؛ أي معمل الدخان، فهو في بناء كبير يبلغ مسطحه هكتاران ونصف، وله خمسة أدوار، ويشتغل فيه ???? عامل أكثرهم من النساء، ورأيت فيه من جميع أصناف الدخان وكيفية تهيئته بعد عرضه لعمليات متعددة، وإعداده سجائر سائغة للشاربين، ويبلغ مقدار الدخان الذي يبيعه في السنة الواحدة ??????? كيلوجرام، وقد علمت من مديره أنَّ قيمة الربح الصافي الذي يصيب الخزينة من معامل الدخان في السنة هو ??? مليون فرنك (?? مليون جنيه إنكليزي) مع أن جميع المستخدمين به لهم معاش كامل من غير أن يخصم منهم يوم احتياطي.
ولوجود هذه المعامل في كل أوروبا منفعة أخرى أعم وأهم، وهي أن الذين يشربون الدخان في هذه البلاد موقنون بجودة الصنف، وأنه ليس مشوبًا بورق الخَسِّ والقلقاس وخوص النخل وغير ذلك، مما تتولد منه بعض الأمراض الصدرية التي لا يشفى منها صاحبها، كما أنه يتعذَّر أو يتعسَّر شفاؤه من معاقرة هذا النوع من الشراب. ولما كانت هذه المسألة ذات أهمية عمومية عظيمة، فقد اتفقت مع حضرة المدير المشار إليه على أن يتحفني بما يلزم من المعلومات والبيانات لأنشرها بين قومي عسى أن يكون لها بعض الفائدة. وقد بلغ مجموع استهلاك الدخان في فرنسا في سنة ????، ???????? كيلوجرامًا، منها ??????? كيلوجرامات من الدخان المعد للتدخين، و??????? من الدخان المعد للنشوق، و??????? من الدخان المعد للمضغ. وإليك جدول الاستهلاك بالكيلوجرام في جملة سنين لمعرفة زيادة انتشار هذه العادة أو الآفة:
سنةدخان التدخيندخان النشوقدخان المضغمجموع الكميات المباعة???????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????
ولأجل أن تكون المقارنة صحيحة ينبغي التنبيه على وجوب تنزيل نحو مليوني كيلوجرام من المقادير الخاصة بسنة ????، وذلك في نظير استهلاك أهل مقاطعتَي الإلزاس واللورين، فإنهما انفصلتا من فرنسا بعد حرب السبعين. ومن هذا الجدول يتضح أن مجموع استهلاك الدخان لم يتغير تغيرًا محسوسًا منذ سنة ????، وأن استهلاك دخان التدخين قد ازداد بالتدريج بنحو مليون من الكيلوجرامات، ومثله دخان المضغ، ولكن النشوق أخذ في النزول بنسبة ?? في المائة.
وقد بلغت كميات الدخان المستهلك في مقاطعة السين وحدها (وهي التي بندرها باريس) في سنة ???? نحو ??????? كيلوجرامًا (منها ??????? للتدخين، و?????? للنشوق، و????? للمضغ) يقابلها في سنة ????، ??????? (منها ??????? للتدخين، و?????? للنشوق، و????? للمضغ).
(?) خزائن الكتب بباريس

اشتهرت هذه المدينة بالفوقان على غيرها في ميدان الخلاعة والجد، فإنها مقرُّ الملاهي والبِدَع والمبتدعات، ومركز المعارف والمعالي والمخترعات، فلا يخلو أقل بيت فيها من خزانة كتب بحسب حالة صاحبه وذوقه، فكل أهاليها يقرءون ويكتبون، حتى إن سائق العربة، بل والكنَّاس إذا لم يكونا مشغولين بالسوق والكناسة يكونان منكبين على القراءة والدراسة، وبهذه النسبة يقاس ولوع القوم بتثقيف العقول وتنوير الأذهان كلما صعدنا في سُلَّم الارتقاء إلى أعلى الطبقات، ولا أدَّعي الاقتدار على استيفاء الكلام في هذا المطلب عن خزائن الكتب في باريس، ولكني أذكر لُمعًا يسيرة عنها بغاية الإيجاز حتى يتصوَّر القارئ ماهيتها فيتمكن من الحكم عليها.
وذلك لأن وجود الكتبخانات من أسمى الدلائل على ارتقاء المدنية وضخامة العمران، ومن أوجب الأعمال لتخليد الذكر وحسن الأحدوثة، حتى لقد سعى الملوك في جميع الأعصار في جمع الكتب والعناية بها لينوِّه التاريخ بذكرهم في جملة المساعدين على نشر المعارف وتوسيع دائرة العلوم، أما الآن وقد اتسع نطاق العرفان، وساغت موارد التعليم للطالبين، فقد صارت العناية بالكتب فرض عين على جميع الحكومات المتمدنة.
المكتبة الأهلية (Poibliotheque Nationale)، هذه المكتبة يكاد لا يكون لها مثيل في العالم، وأوَّل من عني بتأسيسها شارل الخامس ملك فرنسا في سنة ????، فإنه جمع ?? ألف مجلد وجعلها بقصر اللوفر، ثم إنها نقلت منه فيما بعد إلى جهات أخرى لا حاجة لبيانها. ولما جاء الملك فرنسوا الأول اهتم بها اهتمامًا خصوصيًّا، وزاد في عددها لغرامه بالمعارف وولوعه بالعلوم، حتى إنه نقلها إلى قصره في فوننتان بلو لتكون على مقربة منه، ثم إن الملك شارل التاسع أعادها إلى باريس، ولكن ازديادها في كل يوم كان يوجب نقلها من مكان إلى آخر، على أنها مع كل هذه العناية لم تزد عن خمسة عشر ألف مجلد في أول عهد الملك لويس الرابع عشر، فاهتم حينئذ وزيراه كولبير ولوفرا بشأنها وتقدُّمها اهتمامًا لا يزال مستمرًّا إلى يومنا هذا، ثم توالت عليها الهدايا والعطايا والوصايا من كتب بخط اليد وميداليات وأحجار منقوشة ونقود ومبصومات وغير ذلك، ولقد بلغت المطبوعات فيها في سنة ???? ثلثمائة ألف مجلد (??????) ثم ازداد هذا العدد زيادة كلية في أيام الثورة الفرنساوية بما توارد عليها من الكتب التي انتزعت من الديارات، ومن قصور المهاجرين، حتى صار من المستحيل عمل فهرست أو برنامج للمكتبة، واكتفى القوم بوضع الكتب المستجدة في أقسامها الخاصة بها باعتبار الحروف الهجائية لاسم المؤلف.
ومما يستحق الذكر أنها صارت في دفعتين عرضة لمصيبة من أعظم المصائب، ولم تنجُ منها إلا بما بذله مستخدموها من شدة العناية وصادق الإخلاص، فإن البروسيانيين لما حاصروا باريس في سنة ???? كانت المكتبة مهددة بالحريق في كل لحظة؛ إذ لو وقعت عليها قنبلة لكانت أعدمت هذه الكنوز الثمينة إلى أبد الآبدين؛ فلذلك كان أغلب مستخدميها يذهبون بالنهار إلى الحصون والقلاع للدفاع عن المدينة، ومتى جنَّ الليل يرجعون إلى المكتبة، ويطوفون حولها خفراء عليها وبعضهم يصعد على أسطحتها للوقاية من هذا العدو المبين وهو النار، ولما دخل البروسيانيون باريس اجتهد عمال المكتبة في إخفاء أهم ما فيها من الكتب التي بخط اليد، حتى لا تطمح إليها أنظار الفاتحين.
ولما تم عقد الصلح وعادت السكينة إلى ربوع فرنسا، جاء خطر جديد لم يكن في الحسبان وهو ثورة الكومون، وذلك أنه لم زحف الثائرون من فرساي على باريس، ودخلوها كانت النار تتهدد الكتبخانة من كل جانب ولكن الله سلم.
ولما عادت المياه إلى مجاريها واشتغل الناس بالعلوم والمعارف اكتسبت المكتبة أهمية فوق العادة، حتى بلغ عدد الكتب التي وردت إليها في سنة ???? وحدها ????? مجلد.
وعدد ما فيها من الكتب الآن يبلغ مليونين ونصف مليون، وإذا أضفنا إلى ذلك العدد ما هنالك من المجاميع والكتب المكرَّرة لبلغ العدد ثلاثة ملايين بالتقريب.
ولا شك أن هذه الكنوز المتعددة تستوجب تحرير فهرست وافٍ ببيان محتوياتها، وقد راعت ذلك الجمعية التشريعية، فأصدرت بهذا المعنى أمرًا عاليًا في ? يناير سنة ????.
ولكن كثرة الوارد حالت دون كل نظام، غير أن عُمَّالها قد ابتدءوا في سنة ???? بتحرير أوراق منعزلة بالبيان الكافي عن كل كتاب ورد للكتبخانة، وقد كاد الفهرست العمومي يتم اليوم. واعلم أن المبلغ المخصص للطبع هو قليل جدًّا بالنسبة لجسامة العمل، فإنه عبارة عن ?? آلاف أو ?? ألف فرنك فقط مع أن المتحف البريطاني بلوندرة ينفق في مثل هذا السبيل ?????? فرنكًا، وفي غرفة المطالعة ???? مجلد ويقابلها في مثلها في المتحف البريطاني ?????، ولكن المانع الوحيد هو ضيق المحل في باريس.
وكانت المكتبة متصلة بعمائر ومساكن لبعض الأفراد، فقرر البرلمان مبلغ ???????? فرنك لعزلها عنها، فاجتهدت الدولة حينئذ حتى اشترت هذه المباني، وأضافتها إلى المكتبة لتوسيع نطاقها وعزلها عما يجاورها، بحيث أصبحت في سنة ???? كجزيرة تحيط بها شوارع أربعة من الجهات الأربع. وتلك العناية بقصد الوقاية من اتصال الحريق إليها مما يجاورها، ولزيادة التحفظ وضعوا فيها مركزًا لرجال المطافئ. وهي على أربعة أقسام: أولها: قسم المطبوعات والخرائط والمجموعات الجغرافية.
وثانيها: قسم الكتب المخطوطة (التي بخط اليد) والنظامات السياسية والإجازات؛ أي الدبلومات.
وثالثها: قسم الميداليات والأحجار المنقوشة والقديمة.
ورابعها: قسم المبصومات.
وفي الخزانة غرفة للمطالعة تفتح في كل يوم من الأسبوع حتى في أيام الأحد من الساعة التاسعة صباحًا إلى الساعة الرابعة أو الخامسة أو السادسة الإفرنكية من المساء بحسب اختلاف الفصول، وفيها غرفة أخرى للاشتغال بالكتب ومراجعتها.
فأما قسم المطبوعات فهو فريد في أوروبا يزيد على جميع مكاتبها بكثرة ما فيه من الكتب النادرة المعدومة، فإنه وحده يحتوي على ??????? مجلد من ضمنها الكتب التي ظهرت أيام نشأة المطبعة أو التي طبعت في أشهر المطابع القديمة.
وأما غرفة المطالعة ففيها طاولات عظيمة يجلس حواليها ??? مطالع بالراحة، وفيها نحو ????? مجلد من مجموعات دورية وعلمية وموسوعات ومعاجم، وأشهر الكتب المتداولة في الآداب والعلوم والصنائع وغير ذلك، وعلى عقود هذه الغرفة أسماء أشهر الطباعين والمشتغلين بفن الكتب.
وأما غرفة الشغل فمساحتها ???? مترًا مربعًا، ويمكن أن يجلس فيها ??? شخصًا بكمال السعة والراحة، وسقفها عبارة عن ? قباب مغشاة من الداخل بالقيشاني ومتكئة على أسانيد مقربصة من الحديد قائمة على ?? عمودًا من الحديد الزهر، ارتفاع كل عمود منها ?? أمتار، وحوالي هذه الغرفة دواليب فيها نحو ????? مجلد من معاجم ومجاميع وغير ذلك، وهي متصلة بخزانة الكتب الخاصة بها، وفيها أكثر من ??????? مجلد، ويتصل بهذا القسم المجموعة الجغرافية، ولا نظير لها في أوروبا كلها؛ إذ جمعت فيها الدولة الفرنساوية خرائط جغرافية للممالك والبقاع والبلدان، وأغلبها مصنوع بالجبس وفيه خرائط فرنساوية وأجنبية من جميع اللغات، ويبلغ عددها ?????? خرطة.
أما القسم الثاني ففيه أوراق وكتب من جميع اللغات، ومجموعها ????? مجلد، منها نحو ???? مزينة بأشكال وتصاوير وحروف مذهبة ومزوَّقة، ويتبعه مجموعة من أوراق البردي المصري والإغريقي واللطيني وتعليمات شارلمان والعهود والعقود من سنة ???? إلى سنة ????، ومنشوران من البابا على ورق من البردي تاريخه سنة ??? وغير ذلك. وفيه حجرة قد وضعت فيها جميع مؤلفات فولتير فيلسوفهم وشاعرهم وأديبهم ومؤرخهم المشهور، وفيه أيضًا صناديق مغطاة بألواح من الزجاج تحتوي على أندر ما يوجد من المطبوعات والمخطوطات ذات القيمة الغالية تدل على أصول المطبعة والتجليد وغير ذلك، وفيها كتب بخط اليد يونانية وشرقية وأمريكانية، وكتب كانت ملكًا للملوك والسلاطين، وتجليد عجيب بالعاج والباغة وأوراق بردي ورق غزال وغيره وخطوط بعض المشاهير.
أما القسم الثالث فأول من أسسه لويس الرابع عشر، وهو من أهم المجموعات المماثلة له في العالم، فإنه يحتوي على أكثر من ?????? ميدالية، وفي الدهليز الموصل إليه منطقة فلك البروج التي كانت بدندرة، ومجلس أجداد تحوتمس الثالث، وكلاهما مما أتى به الفرنساوية من مدينة طيبة بالصعيد، ويوجد به أيضًا ألواح قديمة من أحجار متنوِّعة عليها نقوش بلغات شتى مهجورة، وفيها أحجار دقيقة كريمة منقوشة أو محفورة بالتجويف أو بالتبريز، ونقود إسلامية وغير إسلامية وغير ذلك مما يطول شرحه.
وأما القسم الرابع ففيه أكثر من ??????? قطعة مجموعة في ???? مجلد و??? لوح من الورق المتين المعروف بالكرتون، وفيها مبصومات تدل على تاريخ الفنون في فرنسا من ابتداء القرن الخامس عشر إلى عصرنا هذا وغير ذلك «ونعني بالمبصومات تلك الرسوم المصنوعة بالريشة أو بالقلم الرصاص؛ لكي تكون قاعدة في الطبع وهي بالنسبة لألواح الصور الزيتية كالترجمة للأصل».
ولنتكلم الآن على ميزانيتها إظهارًا لمزيد أهميتها، فقد كانت في سنة ??، ?????? فرنك، منها ??? ألفًا للمستخدمين و??? ألفًا للأدوات والمهمات و????? للفهرست، والمخصص للمشترى من هذه المبالغ هو ?? ألف فرنك وللتجليد ????? فرنك.
أما ميزانية المتحف البريطاني فإنها تزيد على ?? ألف جنيه؛ أي ??????? فرنك، نصفها للماهيات والنصف الآخر لمشترى الكتب وتجليدها وغير ذلك. نعم، إن المتحف البريطاني فيه كثير من المجاميع العلمية غير الكتب والآثار والمخلفات القديمة؛ ولذلك ينبغي لنا المقابلة بين قسم المطبوعات في كل منهما فقط.
ففي باريس ?? مستخدمًا وعاملًا، وفي مثله في لوندرة ??? مستخدمًا وعاملًا مرتبهم ?????? فرنكًا، وهذا جدول مقابلة الماهيات.
مكتبة باريس
? مدير عام????? فرنك? سكرتير وصراف??? فرنك? أمناء????? فرنك? مساعد وأمناء??? فرنك?? كتبخانجي ووكلاء وتحت التمرين وغيرهم من أصحاب اليومية والكتبة????? إلى ???? فرنك
المتحف البريطاني
? حافظمن ????? فرنكًا? مساعدونمن ????? إلى ?????? معاون لدرجة أولىمن ???? إلى ??????? معاون درجة ثانيةمن ???? إلى ??????? معاون درجة ثالثةمن ???? إلى ?????? فراشمن ???? إلى ????
وكانت ميزانية المكتبة الأهلية في أيام لويس الخامس عشر عبارة عن ????? ليرة؛ أي فرنك، منها ????? للمستخدمين و????? لمشترى الكتب والأدوات، وفي سنة ???? بلغت ????? ليرة، ثم ازدادت في أواخر حكم الملك لويس السادس عشر حتى بلغت مبلغًا جسيمًا جدًّا بالنسبة لذلك الوقت، وهو ?????? ليرة وعشرة صلادي، منها ????? للمشتروات.
كتبخانة سنت جنفياف (بفاءين فارسيتين): تحتوي على ??? ألف مجلد منها أربعة آلاف بخط اليد، وفيها زيادة على ذلك ?? ألف لوحة مزدانة بنقوش بديعة، وفيها خرائط قديمة كثيرة ومبصومات، وفيها غرفة مطالعة خصوصية تحتوي على أغرب ما فيها من مجاميع وكتب بخط اليد ومطبوعة ونقوش، وفيها تمثال أولرمش جيرنج أول من أدخل فن الطباعة إلى باريس في سنة ???? وغيره من المشاهير، وفيها غرفة مطالعة عمومية تسع ??? شخصًا وحواليها ستائر من صنع الجُبلين تمثل المطالعة، وقد دهمها الليل وهو رمز إلى الشغل النهاري والليلي في هذه الغرفة.
كتبخانة مازارين: وهي في جمعية المعارف، وفيها ??? ألف مجلد منها ? آلاف بخط اليد.
هذه هي أشهر المكاتب العمومية، وفي المدينة مما يقاربها مكتبة متحف الفنون والصنائع، وقد قلنا إنها تحتوي على ?? ألف مجلد، ومكتبة مدرسة فرنسا الجامعة وفيها ?? ألف مجلد، ومكتبة مدرسة الفنون المستظرفة، وقد قلنا إن عدد كتبها ?? ألفًا، ومكتبة المجموعات التاريخية لمدينة باريس وفيها ?? ألف مجلد و?? ألف مبصوم، ومكتبة مدرسة المعادن وفيها ? آلاف مجلد، ومكتبة بستان النبات وفيها ????? مجلد، ومكتبة الأوبرا وفيها ?? ألف مجلد وكراسة و?? ألف مبصوم، وفيها كثير من الرسوم والتصاوير والتماثيل الخاصة بفن التشخيص والموسيقى والقيان والقينات، وقد ذكرنا كتبخانات أخرى في الفصل المتقدم.
واعلم أن لكل جمعية مهما كانت غايتها ومذهبها ومشربها في السياسة والصناعة والعلوم مكتبة خاصة بها، تعد المجلدات فيها بالألوف وعشرات الألوف، وكذلك الشركات والمدارس والمكاتب العمومية ولأغلب الكتبخانات فترة معينة في السنة تقفل فيها.
(?) العمائر الدينية في باريس

يوجد بهذه المدينة ?? كنيسة (جامعة ذات أبرشية) غير البيع الصغيرة التي قد لا يخلو بعضها من الأهمية، وكل سائح يريد أن يقف على الدقائق، وأن يكون له بعض إحاطة عمومية بأحوال البلاد التي يجوبها لا يصح له أن يغض الطرف عنها، ولكني أقتصر في هذه الخلاصة على بعض إشارات خفيفة وأقوال وجيزة.
كنيسة نوتردام: كان البدء في بنايتها سنة ????، ثم توالى عليها التدمير والترميم والتكميل والتحويل والتبديل حتى استقرت على ما هي عليه الآن منذ سنة ????. وطولها ??? مترًا وعرضها ??، وارتفاعها ???? مترًا في المتوسط، ولم يحصل تدشينها? إلَّا في سنة ????، وهي من أجمل العمائر التي في فرنسا على الطراز القوطي المتفرد بالشكل البيضاوي، ويحف بواجهتها برجان ضخمان، وفيها كثير من تماثيل القديسين والقديسات وغيرهم وملوك وأمراء، وفيها جرس زنته ?? ألف كيلوجرام وجرس مأخوذ من سباستبول، حينما تحالف الفرنساوية والإنكليز وسردنيا مع الدولة العلية أيدها الله على روسيا، وغلبوا الروس على سباستبول، وفيها وردة من الزجاج عرضها ? أمتار و?? سنتي تمثل بأشكالها وألوانها الحوار بين الاثني عشر وهم مجتمعون في مكان واحد وفوقها سهم من خشب البلوط مغشي بالرصاص مركب من ثلاثة أدوار، أفرغ صانعه جهده في تنسيقها وتزويقها، وهذه الأدوار على شكل هرمي، ويرتفع السهم عن الأرض بخمسة وتسعين مترًا، وثقله ????? كيلوجرام، منها ????? من الخشب و????? من الرصاص.وفي داخل الكنيسة ?? بيعة ومنابر متناهية في الجمال يعظ فيها القساوسة الناس، وفي الخوروس أشغال في الخشب تبهر الأنظار؛ خصوصًا التراكيب والترابيع المعروفة بالعربية التي هي عبارة عن خطوط مشتبكة متداخلة في بعضها على طريقة أهل المشرق والأندلس، وفيها أرغن من أكبر أمثاله في فرنسا وأكملها، يحتوي على ???? قصبة لإخراج الهواء وتوقيع الأنغام. وأهم ما فيها — بصرف النظر عن ضخامة البناء واتساع الأرجاء وانتظام العقود، وارتفاع القباب — إنما هو خزينة الذخائر، فإنها تحتوي على مخلفات ثمينة مصنوعة من الفضة الخالصة والذهب الصافي ومرصعة بالأحجار الكريمة وآنية مقدَّسة ومباخر مفتخرة والعباءة التي تردَّى بها نابليون حينما كرَّسه البابا إمبراطورًا على فرنسا، والتحف النفيسة التي أهداها الإمبراطرة والملوك والملكة مارية أنطوانيت، وتمثال من الفضة للسيدة مريم عليها السلام، وصور وتماثيل رؤساء الأساقفة في باريس، ومجموعة من الأحجار الكريمة محفورًا فيها صور جميع الباباوات الماضين وجملة صلبان وكئوس وجامات وشمعدانات، وغير ذلك من الحلي والملابس المزركشة المرصعة التي تستخدم في الاحتفالات الدينية الكبيرة. وفي بعض الأيام يعرضون على الجماعات المتقاطرة إلى الكنيسة صندوقًا فيه إكليل الشوك، وبعض المسامير التي يقال إنها استخدمت في صلب كلمة الله عليه السلام، ويعرضون قطعة من خشب الصليب أحضرها هي والأكاليل والمسامير القديس لويس من بلاد المشرق أيام الحروب الصليبية.وخلف هذه الكنيسة منتزه بديع يفضي إلى مكان مريع تنقبض له النفوس، وتصمُّ من ذكره الآذان، وهو المعروف عندهم بالمورج، تعرض الحكومة فيه الأموات الذين لا يعرف أهلهم حتى إذا استدل عليهم أحد من العموم أرشد جهات الإدارة عنهم، وقد زرته ورأيتهم يحفظون الغرقى والمقتولين والمشنوقين وغيرهم مع العناية المتناهية والاحتراسات الواقية، فلا تخرج منهم رائحة مطلقًا، وليس منظرهم بشعًا مشوَّهًا، بل تراهم كأنهم نيام لابسون ملابس لائقة ولا يظهر منهم إلا وجوههم.
البيعة المقدَّسة (Sacre Coeus): بنيت في سنة ????، وتمت بعد ذلك بخمس سنين وهي في باريس كالدرة اليتيمة في العقد النفيس؛ خصوصًا سهمها الذي لم يرَ الراءون أبدع منه في الحسن والجمال، وهي أقدم وأجمل ما في باريس من العمائر القوطية، بناها الملك لويس التاسع القديس ليضع بها الإكليل الشوكي والمسامير وقطعة الخشب التي سبق لنا الكلام عليها، بعد أن اشتراها من بودوين الثاني ملك القسطنطينية، وقد استخدمت حينًا من الدهر كمستودع للمحفوظات القضائية، ولكنهم رمموها الآن كما ينبغي، واقتضت العمارة فيها ثلاثين سنة من الزمان، وبظاهر واجهتها تمثال الملك لويس وشقيقه لويس الأسقف، وفوقهما تمثال العذراء عليها السلام. والبيعة من الداخل تتلألأ بالزخرفة الفاتنة والنقوش المذهبة، وهي على شكل بيعتين؛ إحداهما فوق الأخرى، فأما السفلى فلا تستعمل الآن في تعبداتهم الدينية، وأما العليا فيحصل فيها القُدَّاس في يوم ?? أكتوبر، وقد كان القضاة بالمحاكم مُلزمين بحضوره قبل هذا الزمان، وبجانب سواريها تماثيل الحواريين الاثني عشر، وفيها من الشبابيك ما يبهر الأبصار، وتحار فيه الأفكار من انسجام ألوان الزجاج وتناهي بهائه وصفائه مع الإحكام في التنسيق، والإجادة في التزويق، وفوق البوَّابة وردة من قطع الزجاج تقرُّ لرؤيتها العيون وتعترف بجمالها العقول.
كنيسة سنت أوستاش (St. Ostach): أحسن الأوقات لزيارة هذه الكنيسة المتناهية في الضخامة يوم الأحد؛ إذ يكون فيها تلحين الآلات الموسيقية وتوقيع النغمات الصوتية بكيفية تطرب لها الأسماع، وهي شبيهة ببعض القصور العربية من أن خارجها لا ينبئ بشيء عما في داخلها من الزخرفة والإتقان، فإن واجهتها وجهاتها من الخارج حقيرة بالنسبة لما يُكنُّه داخلها من متانة الصناعة وجسامة المقادير وضخامة الأحجار، وارتفاع العقود ارتفاعًا متطاولًا واتساع الأقواس اتساعًا هائلًا، حتى إن الإنسان ليخيل له أنها أعدت للتحصن والاعتقال. وكان البدء في تشييدها في سنة ????، وتمت في سنة ????؛ ولذلك لم تجئ على مثال واحد أو من طراز متجانس من الطرازات المتعارفة في فن العمارة، ولكنها من أجمل كنائس باريس وأكثرها زخرفةً وتزويقًا، وطالما مررت عليها ولم تكن نفسي تحدثني بضياع الوقت في الدخول إليها، ولما شاهدتها رأيت أنها بعكس خضراء الدمن ظاهرٌ قبيح وباطن مليح، ولا أرى من حاجة للكلام الآن على ما فيها من المصنوعات والتحف والنقوش في الرخام والمعادن والأحجار أو البيع الكثيرة المشحونة بالزخارف والطرائف أو زجاج الشبابيك أو منابر الوعظ، أو مفاتيح العقود التي تربط الأقواس والحنايا، ولكني أقول إن الضياء فيها أكثر منه في أمثالها، كما أن هواءها أجود وأخف على الروح، وقد دفن بها كثير من مشاهير الفرنساوية مثل كولبير وزير لويز الرابع عشر، والقصصي لافونتين الطائر الصيت المخلد الذكر، وغيرهما من كبراء رجال السيف والقلم والحل والعقد والأدب والحسب.
كنيسة سنت جرمان لوكسروا (St. Germeine): في ميدان اللوفر بُنيت في القرن السادس للميلاد، وكان ملوك فرنسا يحضرون القداس فيها، ثم توالت عليها الأيام واتفق أن النورمانديين اعتقلوا بها في سنة ???، ثم جعلوا عاليها سافلها، فأقام القوم بناءها في أوائل القرن الحادي عشر، ثم شرعوا في تجديد معالمها وتغيير أوضاعها، ولم يتم تشييدها في هذه المرة الثالثة إلا بعد مضي ثلاثة قرون من الزمان. وإنما ذكرت هذه الكنيسة لشهرتها في التاريخ؛ إذ إنه في ليلة ?? أغسطس سنة ???? (وهو اليوم المشهور بواقعة سنت بارتلمي التي قتل فيها الكاثوليكيون البروتستانتيين قتلًا ذريعًا شنيعًا فظيعًا) اتفق المتحالفون المتمالئون على أن يبتدئوا في العمل حينما يدق ناقوس هذه الكنيسة للأذان بقداس الصباح، وفي يوم ?? فبراير سنة ???? أقيم فيها احتفال جنائزي عن نفس دوك دوبري، ولكن أحزاب الثورة التي حصلت في يوليو أوَّلوا هذا الاحتفال تأويلًا فاسدًا، واتخذوا ذلك ذريعة للتشنيع على الكنيسة، فباغتها العوام والطغام ونهبوا كل ما فيها من النفائس والأعلاق، ثم أقفلت الكنيسة وجُعلت مقرًّا لدار أمانة المدينة مدة سبع سنين، وفي ?? مايو سنة ???? أعيدت إلى وظيفتها الأولى.أما داخلها وبيعها فمثل الكنائس الأخرى، ولكن إحدى هذه البيع تمتاز بكثرة الزخرفة على الطراز القوطي، وفيها بيعة أخرى تحاكي برسومها وزجاجها البيعة المقدسة التي ذكرناها.
كنيسة سان سولبيس (Saint Sulpice): هي عبارة عن عمارة بالغة في الجمال متناهية في الاتساع، كان وضع الحجر الأول فيها بحضور الملكة آنه دوتريش (Anne d’Autriche) في سنة ????، وواجهتها عبارة عن سوار قائمة على بعضها بشكل يروق الأنظار فيما بين البرجين الشامخين، وفي دائرها من الداخل بواكٍ واسعة تعلوها أساطين متقنة وبيع متعددة تزيد في بهجتها، وفوقها قبة مزخرفة بصور ونقوش من صنع بعض الماهرين في هذه الفنون، وفي وسط صحنها مسلة من المرمر يمر عليها خط من النحاس للدلالة على الاتجاه الشمالي، وفيها منبر للوعظ في غاية ما يكون من الحسن أَمَرَ بصنعه المارشال ريشليو، وفيما عدا ذلك أشياء كثيرة لا تستحق الذكر الآن سوى الأرغن، فإنه من أكمل وأجمل ما يوجد من هذا القبيل، والقوقعتين العظيمتين اللتين يوضع فيهما الماء المقدس، وهما هدية من جمهورية البندقية إلى فرانسوا الأول، وسبيل فاخر محاط بتماثيل بوسوييه وفنلون وماسيليون وفليشيه، وهم من أهم وعاظ الكنيسة وأدباء الفرنساوية في عصر لويز الرابع عشر.
البانتيون (Pantheon): مجرد ذكر هذا الاسم يشعر بالعظمة والجلال، ويبعث في النفس هيبةً ووقارًا وفي الفؤاد إجلالًا وإكبارًا. وهو مستودع لبقايا الذين خَدموا العلوم والفنون وسَعَوا في تعزيز وطنهم وترقية بلادهم، حتى جعلوا لها بين الأمم مقامًا محمودًا وفضلًا مشهودًا، ولا يدخله إنسان إلا وتداخله السكينة والتؤدة، فيسير فيه على أطراف الأقدام ملازمًا الصمت التام، بل تكاد تخرج من فِيه ألفاظ التحية والسلام على عظام هؤلاء العظام.والبانتيون كلمة يونانية من باس: أي جميع، وثيوس: أي إله، ومعناها المعبد المخصص لجميع الآلهة مثل الكعبة في أيام الجاهلية، فإن كل قبيلة كانت تتخذ لها معبودًا مخصوصًا وتضعه فيها، وبقي ذلك إلى أن بَطُلَ بمجيء الدين الإسلامي الحنيف. وكثيرًا ما تستعمل لفظة بانتيون للدلالة على التعظيم والإجلال اللذين يقوم بهما الخلق في حق المشاهير وأهل الفضل، فيقولون إن فلانًا له مقام معين في بانتيون التاريخ وهكذا.بُني هذا المكان في سنة ???? وجُعل كنيسة باسم القديسة سنت جنفياف (بجيم وفاءين فارسيتين) راعية باريس وحاميتها، ثم جاءت الحكومة الاتفاقية في سنة ???? فغيرت ما وضع له ومنعت العبادة منه، وأطلقت عليه اسم البانتيون وكتبت على واجهته هذه العبارة الوجيزة في الكلمات البليغة في المعاني والدلالات:
لعظماء الرجال شكر الأوطان (Aux grands hommes, Ia patrie reconnaissante)

فلما آل الأمر والسلطان لعائلة بوربون، ورجعت الحكومة الملوكية أعيد البانتيون إلى أصله، حتى كانت الثورة في سنة ???? فسمي البانتيون مرة ثانية، واستمر كذلك مدة ?? سنة إلى أن جاء الإمبراطور نابليون الثالث، فأصدر تقليدًا ملوكيًّا يقضي بإعادته للديانة باسم سنت جنفياف (St. Genevieve)، ولكن الحكومة الجمهورية الحالية أصدرت أمرًا عاليًا في يوم ?? مايو سنة ???? عقيب وفاة فيكتور هوجو (Victor Hugo) مباشرة بإعادة اسم البانتيون للمرة الثالثة، وبعد صدور هذا الأمر بأيام قليلة احتفل الفرنساويون قاطبةً بنقل جثة هذا الشاعر العظيم إلى البانتيون، ودفنوها بجانب مقبرة جان جاك روسو وفولتير وميرابو، وكان هذا الاحتفال بالغًا في العظمة، بحيث لم يسبق له مثال، واشتركت فيه الدولة بصفة رسمية والأمة بأجمعها ممن في فرنسا وفي الخارج. واعلم أن واجهة هذا الهيكل قائمةٌ على اثنتين وعشرين أسطوانة، وفوقها نقوش بارزة تمثل الوطن واقفًا بين الحرية والتاريخ، وهو يوزع أكاليل المجد وشارات الفخار على عظماء الرجال مثل بونابرت من جهة اليمين، ومن جهة اليسار روسو وفولتير وميرابو ودافيد وغيرهم من رجال فرنسا المعدودين.
وطول هذه العمارة الفخيمة ??? مترًا وعرضها ?? مترًا وفوقها قبة قطرها ?? مترًا.
أما داخله ففيه كثير من التماثيل والصور الدينية والتاريخية التي لها علاقة بالمدينة، ولا حاجة لتفصيلها الآن. أما القبة فهي عبارة عن ثلاث قباب فوق بعضها، وفيها كلها نقوش لا يستحق الذكر منها إلا ما يستجلب الأنظار في القبة الثانية من الرسوم، التي تصور الموت والوطن والعدل، وعلى العمدان التي تستند عليها القبة يرى الإنسان ألواحًا مزدانة بأسماء أبناء الوطن، الذين ماتوا في سبيل الدفاع عن القوانين والحرية في ?? و?? و?? يوليو سنة ????، وسأتكلم عليهم بمناسبة العمود الذي أقيم لإحياء ذكرهم.
ومما ينبغي تنبيه الشرقي إليه من الرسوم الكثيرة المزدانة بها جدران هذا الهيكل الصورة التي تمثل الإمبراطور شارلمان وهو يعيد العلوم والآداب بعد اندراسها ويفتح المدارس ويؤسِّس المكاتب ويستقبل وفود الخليفة هارون الرشيد، ومعهم من قِبل أمير المؤمنين مفاتيح القبر المقدس هدية منه لهذا الملك العظيم الشأن، وهناك طنفستان من ستائر الجُبلين قيمتهما ?????? فرنك (أربعة آلاف جنيه إنكليزي تقريبًا).
ومن صعد إلى أعلى قمة القبة رأى أبهج المناظر وأحسن المرائي؛ إذ يكون مشرفًا على باريس وطرقاتها وقصورها وحركتها.
أما الدور الذي تحت الأرض فهو عبارة عن جملة مغارات منقسمة إلى أروقة منتظمة يتردد فيها الصدى بكيفية تقرب مما رأيته، بل سمعته في رومة وبيشة وكنيسة القديس بولس بلوندرة وفي اللوفر ومحفظ الفنون والصنائع بباريس وغير ذلك، وفيه قبور كثير من عظماء فرنسا الذين يتفاخر بهم أبناؤهم إذا جمعتهم المحافل.
وقد كان رجوعي إلى باريس عقيب وفاة رنان (Renan)? ببضعة أيام، وكانت الجرائد ورجال السياسة مشتغلين بمسألة نقله إلى البانتيون، وكثر حديث القوم بهذا الشأن إلى درجة لا يمكن تصوُّرها، وجرَّت مسألة رنان إلى التحدث بنقل غيره من مشاهيرهم أيضًا، فقدَّم وزير المعارف مشروع قانون لمجلس النواب لكي يصادق عليه حتى يكون نقل بقايا رنان بمقتضاه، وقد قال الوزير في تقريره ما معناه: (إن حكومة الجمهورية تقترح على المجلس إشراك ميشليه وكينيه مع رنان في هذا الإجلال والتعظيم، فإنهم وإن اختلفت ملكاتهم وتباينت أفكارهم ومصنفاتهم فلا تزال بينهم رابطة لا يمحوها مرور الزمان؛ إذ كانوا كلهم أساتذة في مدرسة فرنسا (College de France)، وقد أنشأها مؤسسها لخدمة المعارف الحرة وهم كلهم قد جاهدوا لتأييد الاستقلال فيما يتعلق بإبداء الأفكار، وكلهم احتملوا الشدائد وقاسوا المصاعب في هذا السبيل.) ولكن الجرائد وبعض أعضاء مجلس النواب شطوا في الطلب وتغالوا في نقل عظام بعض المشاهير إلى البانتيون، وكثير منهم أخذ في التهزئ والتهكم، وفريق آخر في نحت كلمات مستنفرة من لفظة بانتيون، وهكذا مما هو شأن الجرائد في هذه البلاد عند حلول أيِّ حادث يستلفت الأنظار، فقام جماعة بطلب نقل عظام بعض البارعين في توقيع الأنغام وآخرون منتصرون لنقل بعض المؤرخين أو رجال السياسة أو المعارف أو النظم أو الأدب أو التصوير أو الطب أو نشر الكتب أو الكيمياء أو الاقتصاد أو اللغات أو أعضاء مجلس النواب أو غير ذلك، وقام بعض النواب يطلب نقل بقايا تيارس المشهور، فردت عليه أخت زوجته بكتاب أرسلته إلى كافة الجرائد ترجوه فيه العدول عن هذا الطلب؛ لأن زوج شقيقها كان على الدوام يعرب عن رغبته في أن تدفن عظامه بجانب أهله، وقالت له في ختامه: (إني أسألك أن تتكرم بالكف عن اقتراحك، وأن تترك الموسيو تيارس بعيدًا عن اضطرابات السياسة في مكان الراحة والسلام الذي اختاره أهله له.) وبمثل ذلك أجاب بعض ورثة الشاعر المشهور لامرتين والمؤرخ ميشليه برفض نقلهما إلى البانتيون وغيرهما وغيرهما، ورأيت كثيرًا من الجرائد المعتبرة والثانوية اتخذت هذه الحوادث فرصة لاستعمال ألفاظ الطيش والخفة فيقولون: عقود البانتيون الباردة — خباياه المظلمة — زواياه المحزنة — هيكل الملل — مدفن عظماء الرجال الذين يؤدِّي لهم الوطن ما عليه من دين الشكران بشح وتقتير — إن هذه العمارة التي اجترمتها يدا فلان (كأن إنشاء هذا البانتيون جريمة لا تغتفر) أراها لا تحتوي على شيء من الإجلال الذي يتصور القوم اتحاف عظام العظماء به بعد وفاتهم — إن دانتي الشاعر الطلياني الذي كتب على الجحيم لو اطلع على هذه الأروقة الصاقعة لجعلها في سقر وبئس المستقر.
وأمثال ذلك من عبارات السخرية التي لا أتذكرها ولا أذكرها.
وبمناسبة هذا البانتيون أذكر خلاصة موجزة على العمائر المشاكلة له في بعض البلاد التي مررت عليها، فإنني رأيت في معظم الكنائس التي تفرجت عليها — إن لم أقل كلها — قبورًا لمشاهير أبناء الوطن، ومن أهم ما يستوقف أنظار المتسوِّح في أوروبا عن قدومه إلى إيطاليا البانتيون الروماني القديم، وفيه الآن قبر الطيب الذكر فيكتور عمانويل وفي كل سنة يتقاطر الطليانيون الذين تشربت قلوبهم بحب الوطن إلى هذا المكان ويزورون هذا القبر بغاية التبجيل والتوقير، وبجانب الملك قبر رفائيل الرسام المشهور وغيره من النابغين في الفنون المستظرفة. وفي فلورانسة مكان يسمى سنتاكروتشي (الصليب المقدس)، ويسمى بانتيون إيطاليا؛ لأنه يحتوي على كثير من تماثيل عظمائها في كل فن ونوع من التصوير والأدب والفلسفة والموسيقى والنحت والنقش والسياسة والدولة والعلم الطبيعي، وبعض أعضاء العائلة الملوكية وغيرهم ممن كان يندرس ذكرهم لو لم يكن اسمهم منقوشًا على الرخام، ومعروضًا لأنظار العامة والخاصة على الدوام، ولا أطيل الكلام بذكر ما في المدائن الأخرى، وأذكر ما في لوندرة فكل الصيد في جوف الفرا.
فإن دير ويستمينستر هو أحق هذه العمائر باسم البانيتون؛ أي الأثر الذي يقيمه الوطن الشاكر لأبنائه فَضْلَهم، العارف لهم حق خدمتهم، ذلك لأن من يريد أن يقف حقيقةً على عظمة الأمة الإنجليزية ومجدها في التاريخ ينبغي له أن يذهب إلى هذا الدير الذي يحتوي على أكثر من ثلاثمائة أثر أقامها الوطن لعظماء الرجال في السياسة والعلوم والموسيقى والفلسفة والشعر والسياحة والملاحة والاستكشاف والاستنباط وتشخيص الروايات وأعضاء العائلة الملوكية، وكل من عاون على إعزاز إنجلترا، ورفع منارها بأية كيفية من الكيفيات، ولا شك أن الرجل من أبناء بريطانيا العظمى حينما يدخل إلى هذا المكان، ويطوفه ويقرأ ما فيه من الأسماء يكبر في عين نفسه، ويرى من الواجب عليه أن يبذل كل جهده ليكون جديرًا بالانتساب إلى هؤلاء الأجداد، ولا يكتفي بأن يقول كان أبي أو صنع قومي.
(?) جبانات باريس

كانت المدافن في هذه المدينة بجوار الكنائس فأقصتها الدولة إلى ما وراء المساكن حفظًا للصحة وتوسيعًا لنطاق البلد، ويبلغ عددها الآن ?? جبانة؛ منها ?? داخلة في حومة باريس والباقي خارجها، وأجدرها بزيارة الغريب ثلاث فقط، وأهمها وأكبرها مقبرة لاشيز (La Chaise)؛ ولذلك توجهت إليها ثلاث مرات في ثلاثة أيام لانتظامها واحتوائها على كثير من عظماء الرجال. هذه المقبرة كائنة على رابية ذات انحدار خفيف، ويبلغ مسطحها ?? هيكتارًا، وكانت ملكًا لرجل من اليسوعيين اسمه الأب لاشيز (كان أمين سر الاعتراف للملك لويس الرابع عشر).
ولهذه المقبرة ذكر متواتر في روايات الفرنساوية وأقاصيصهم مما يتعلق بالغرام، ولكن أشهر ما وقع فيها إنما هو المقاتلة العنيفة، بل المذبحة الشنيعة التي حصلت في ثورة الكومون.
كان إنشاء هذه الجبانة وهندستها في سنة ????، ثم أخذت بعد ذلك في الاتساع والامتداد من جهة المشرق حتى أصبحت الآن عبارة عن ?? هيكتارًا أو ????? متر، وعدد سكان قبورها وحدها ? مليون؛ أي أكثر من الأحياء في باريس كلها، وفيها ??? طريقًا، ويمر تحتها نَفَق لسكة حديد الحزام Chemin de fer de ceinture التي تمر حول المدينة فيكون الأحياء تحت الأموات وفوقهم. وليس فيها شيء مما يقبض النفوس ويزعج الناظرين، بل يعتبرها كل من زارها كأنها من أحد المنتزهات البديعة، وخصوصًا حينما يتجوَّل فيها الإنسان تاركًا نفسه مع تيار الأفكار متأملًا في هذه الحياة الدنيا، ثم يقف من غير قصد فيقرأ الأسماء التي على القبور ويرى بينها بالصدفة اسم رجل عظيم أفاد الوطن أو الإنسانية بكتاباته أو أعماله، فإنني كنت في هذه الحالة يحصل لي انشراح عظيم كأنني اكتشفت أمرًا جليلًا أو وقفت على سر نافع وتعرفت بالرجل ذاتيًّا، خصوصًا وأن قبور العظماء ليست كلها على حافة الطرقات أو في المواضع التي تستوقف الأنظار، فترى العَالِم بجانب الزَّارع وبعدهما صَانِع يَخْلُفهُ شَاعِر يتلوه مُؤرِّخ فَتَاجر فرجلٌ حيثما اتفق فقائدٌ كبير أو أميرٌ شهير أو فليسوف نابغ أو مُحسن فَاضل، إلى غير ذلك من جميع أصناف الناس وطبقاتهم. وأذكر الآن بعض الذين وقفتُ أمام قبورهم وتذكرت أعمالهم وما استفدته من تأليفهم أو الذين سمعت بشهرتهم مكتفيًا بذكر الأسماء لعدم الإطالة، واعدًا نفسي بالإشارة في الرحلة إلى أعمالهم؛ مثال ذلك: فيسكوندي، وروسِّيني، وألفريد دومسيه، ولونوار، وفافين، ومادام بلان، وإرَّازو، وفولييني، وفيرون، وأورنانو، ومادام هوارو، ومادام ماري رويَرْ، ومورل، ووالسكي، ولازارجو، ورنياتللي، والأثر المقام للعساكر الفرنساوية الذين قتلوا في الدفاع عن وطنهم في حرب سنة ???? المشهورة، والأثر المقام للحرس الأهلي الذين قتلوا في الحرب المذكورة، وقبر ميشليه، وآدم والكونتس داجولت، ودوسيز وسولييه، وكاموس، وبرجيه، والأثر المقام لتيارس المشهور، ومنه يرى الناظر أمامه قبة البانتيون، ثم قبر بلانسكي، وبيَّار، ومدموازل الوتر، ومدموازل دوجنليس، ولابلاس، وغرسيه، وموليير بجانب لافونتين، وجي لوساك، ومقبرة لهوجوسان سيمون، وبنيامين كونستان، وماكدونلد، والجنرال فوا، وبيرانجيه، وبومارشيه، وسكريب، وفولني، وجرامون، ولوبل، والمقبرة التي أعدتها سارة برنار لنفسها وهي تتعهدها بنفسها في أوقات كثيرة، وقبر أبادي، والمقبرة المخصصة للمسلمين الذين يتوفاهم الله في باريس، وقبر مدموازل دوشسنوا، وتالييران، ولافيت، ومقبرة لدولسس، وأندريو، ورسباي، ومونج، وكازمير بيرييه، وفونتان، وديدو، ومقبرة الإسرائيليين وفيها ميشل ليفي (لاوي)، وروتشليد، ومادام فولد، وراشل (راحيل) المشخصة المشهورة وغيرهم، ثم قبور باجيس، وجيريكو، وبلليني، ودنون، ودلامبر.
ورأيت أثرًا يشبه ضريحًا مكتوبًا عليه ما هَذِهِ ترجمته (مقبرة الأب الأبدي)، وأقول إنهم يعنون بالأب الأبدي المولى الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد — تعالى الله عما يصفون — وإنما ذكرت هذه العبارة من باب الغَرَابة والعلم بالشيء وناقل الكفر ليس بكافر.
وبعد أن استغفرت الله — تنزَّهت صفاته وتقدَّست أسماؤه — مررت كعادتي فرأيت قبر شينييه، وكوفييه، ومنتون، ولدرو رولين، وكوسين، ومالهرب، وأوبير، وأراجو، ومدموازل لونورمان الكاهنة العرافة المعروفة التي أنبأت نابليون بجميع وقائعه في المستقبل بواسطة ورق الكتشينة بغاية الضبط وتمام التدقيق، وكان كما قالت من غير تحريف أو تبديل، وقد اتفق أنها حوكمت جملة مرار، وكانت على الدوام تقول للقضاة: إنكم إنما تُتعبون أنفسكم سدى وتضيعون أوقاتكم عبثًا، فإنني لا أموت إلا بعد سبعين سنة (أو عدد آخر لا أتذكره الآن)، وبالفعل كانت وفاتها في الوقت الذي أخبرت به.
وقبور بول بودري، ولويس دافيد، وكسافييه بيشا، ولافوازييه، وبرناردان دوسان بيير، وشيروبيني والمارشال فيكتور، والأثر المقام للذين ذهبوا فريسة الحوادث في شهر يونية سنة ????، وقبر نيلاتون، وشامبوليون، وكللرمان وجوفوان سان سير، والجنرال جوبير، ودوبويترن، ولافاليت، وسوشيه، ودافيد دانجيه، وبود، والمارشال لوففر، وماسينا، وبييسكو، والمارشال مورتييه، والمارشال ني، والمارشال لوبو، وراسين، وجوفر، وسانت هيلير، ورميدوف، وبرادييه، ودروجيه، واللان كاردك، والمشخِّصة دجازت، وبالزاك، وأوجين دولا كروا، وقبر العلَّامتين كروسي سيينللي وسيفل وقد ماتا شهيدين في سبيل المعارف، حينما صعدا في الجو بالقبة الطيارة إلى طبقة عالية جدًّا وحققا أمورًا كثيرةً مفيدةً، ثم سقطت بهما فلم تقم لهما بعدها قائمة، وقبر الكونتس داجو صاحبة التآليف المشهورة التي أخفت فيها اسمها حيث اتسمت بدانييل سترن، وغيرهم من المشاهير الذين يطول ذكرهم في هذه الورقات. وهنا أنبه القارئ إلى أن بعض الأكابر الذين ذكرت أسماءهم يوجدون مدفونين في جهات أخرى من باريس، أو في مدائن غيرها، ولكن الحكومة جعلت لهم قبورًا في هذه الجبانة إحياءً لذكرهم وتنشيطًا للاقتداء بهم، وليس في هذا شيء من الغرابة بالنسبة لعناية هذه البلاد بعظمائها.
بل الأغرب والأعجب أنني رأيت ضريحًا فخيمًا عليه تمثال رجل وامرأة بجانب بعضهما، وفوقهما قبة لطيفة على عُمُد رشيقة تحف بها أشجار صغيرة وأزهار نضيرة، وقرأت عليهما هذين الاسمين (هيلوييس وأبيلار)، وصار اسمهما علمًا على المحبة الزوجية الصادقة الحقيقية، وقد أُحضر هذان التمثالان إلى باريس وعُنيت الدولة بوضعهما في هذه المقبرة في مكان لطيف، وعلمت أنه متى اصطحب فتى بفتاة وتبادلا عهود المودة الحقة والألفة الصادقة وشرعا في عقد الزواج، يأتيان إلى هذا المكان في كثير من الأحيان في أوقات خلو المقبرة من الناس، ويضعان الأزهار والأكاليل على هذا الضريح تيمنًا بثبات الوداد وتفاؤلًا بتبادل الصداقة من الطرفين.
ولهذين الاسمين قصة أرى من الواجب ذكرها هنا لزيادة الإيضاح، بل لزيادة الاستغراب وذلك أن هذا الرجل من مشاهير الفلاسفة، واسمه ورد بهذه الاختلافات Abaalarz, Abailard, Abélard, Abeillard, Belardus, Abailardus, Abaulardus, Abaielardus, بل وBailart، وهو من كبار الفلاسفة اللاهوتيين التعليميين، وله مذهب مشهور في الفلسفة وابتكارات ومصنفات مفيدة في الموسيقى، وكان يعيش في منزل شَمَّاس له حفيدة من أشراف فرنسا بارعة في الجمال واسمها هيلوييس، فكلفه أن يتمم تعليمها ويؤدبها، فَكَلفَ بها أبيلار حتى لقد كتب في هذا المعنى يقول: «ما كان لنا سوى بيت واحد فما لبثنا أن صار لنا فؤاد واحد.» وبعد زمن قليل أحست الفتاة بالحبل، فكاشفت أستاذها (أو خليلها) بذلك فهرب بها ذات ليلة وأخفاها في شمال فرنسا عند أخته، فوضعت ولدًا سمته بطرس أسطرلاب، وحينئذ أراد الرجل أن يتزوَّج عشيقته، ولكنها رفضت قائلة بأن ذلك وخيم العواقب على محبوب قلبها، وقد كتبت له: (إن أصحاب المدارك ونوابغ الرجال لا يصح لهم أن يربكوا أنفسهم بالعائلة ومشاغلها.) وأيدت رأيها بنصوص من أقوال اللاهوتيين من اللاتينيين واليونان، ويقال إنها أجابته إلى طلبه في آخر الأمر بعد كثرة إلحاحه، ولما اطلع الشماس على هذا السر شرع في الاقتصاص من الفيلسوف، فأرشى خادمه ودخل عليه بالليل ومعه نفر من ذوي قرابته وصحابته، ثم أوثقوا كتاف أبيلار وجبُّوا خصاه، فألحَّ الفيلسوف اللاهوتي المخصي على خليلته أو زوجته بأن تترهب فأجابت، ثم لحق بها في الدير وأسس ديرًا للراهبات، وما زال يمارس التعليم والتدريس بما ينطبق تارة على أفكار اللاهوتيين، ويخالفهم أخرى، وهو يوالي وداده لصاحبته التي بقيت أصدق الناس على ولائه حتى فارق الحياة. وقد رأيت أيضًا عمودًا أقامته الحكومة كأنه قبر لكل من يموت غريقًا، فيعتبره أهل الميت قبرًا له؛ ولذلك تتراكم عليه الأكاليل في بعض المواسم بما يفوق العد والوصف.
واعلم أنه وافق وقوع مولد جميع القديسين أيام مُقامي بباريس، فاغتنمت هذه الفرصة وتوجهت لهذه المقبرة لكي أقابل ما أراه فيها بما هو جارٍ عندنا، وهذا اليوم يسمونه عيد الأموات، وقد نزل المطر رذاذًا طول النهار، ولكنه لم يمنع أهل باريس من التوجه إلى مقابر أهليهم وذويهم ووضع الأكاليل والأزهار عليها كما هي عادة الإفرنج. ولا أذكر شيئًا عن تزاحم الجماهير في هذه المقبرة التي زرتها حينئذ، وأكتفي بذكر العدد وقدره ?????، ومع ذلك فقد قال لي الثقات إن الازدحام كان أقل مما في الأعوام الماضية، وبلغ عدد الذين توجهوا إلى جميع الجبانات (بما فيها الأب لاشيز) ??????.
ولو فرضنا أن نصف هذا العدد كان حاملًا لباقات أزهار ثمنها في المتوسط فرنك واحد لَتحصَّل عندنا ????? جنيهًا إنكليزيًّا (منها نحو ???? لعمود الغرقى الذي ذكرته)، وهو أقل ما يمكن تقديره؛ لأن الفقير منهم يقتر على نفسه ويقتصد من مأكله ومشربه عند اقتراب هذا الموسم لكي يتمكن من شراء إكليل يهديه إلى فقيده العزيز المحبوب. فإن عادة إهداء الأكاليل متمكنة عندهم إلى درجة لا يتصوَّرها العقل، حتى إنه كثيرًا ما يتفق أن الرجل أو المرأة يموت جوعًا، وإذا طلب من أصحابه وأصدقائه شيئًا يستعين به على سد رَمقه أجابوه بالرفض، فإذا مات في عصر النهار أو في اليوم الثاني بادرت الجماعة التي ينتمي إليها (مصوِّرين حدادين نجارين طحانين أو أعلى أو أدنى من ذلك) بفتح قائمة اكتتاب تبلغ قيمتها مئات من الفرنكات، فيشترون بها رخامًا يضعونه على قبره وإكليلًا يحتفلون بإيداعه عقيب دفنه.
وأذكر بمناسبة الاحتفال بالأموات أن الفرنساوية أشد الأمم الذين رأيتهم اعتبارًا للميت، حتى إنه متى مر سرير الجنازة يبادر الرفيع قبل الوضيع برفع قبعته إجلالًا وإعظامًا مهما كانت درجة الذي فارق الحياة الدنيا، وهو شبيه بما بقي عند بعض المصريين المتمسكين بعاداتهم الشرقية الحميدة، فإنك تراهم عند مرور النعش أمامهم يقفون إجلالًا، ويَتَشَهَّدون ويقرءون شيئًا من القرآن الكريم مع بعض كلمات مؤثرة مأثورة، فيا حبذا هذه العادة، ويا حبذا الاحتفاظ بها!
وقرأت في الجرائد بمناسبة عيد الأموات أن جميع الفرنساوية الذين في برلين توجهوا بصحبة أعضاء جمعية محبة الإنسانية وموظفي سفارة الحكومة الجمهورية إلى قبر العساكر الفرنساوية الذين قتلوا في برلين أثناء حرب سنة ????، وأن وفدًا حضر من فرنسا إلى هذه العاصمة لهذه الغاية، وكذلك جرت جماعة الفرنساوية المتوطنين في بروكسل Bruxelles عاصمة بلجيكا على عادتهم، فتوجهوا في احتفال عظيم إلى الأثر المقام لإحياء ذكر الجنود الذين ماتوا في خدمة وطنهم، وكان السابق في هذه المظاهرة الملية القومية أعضاء غرفة التجارة، فإنهم وضعوا على الأثر إكليلًا جميلًا عليه هذه العبارة (من أعضاء غرفة التجارة ببروكسل إلى مواطنيهم، الذين ماتوا في سبيل الوطن، أول نوفمبر سنة ????)، ثم جاءت جمعية التعاون الفرنساوية ووضعت إكليلًا في غاية الإتقان مصنوعًا من الحديد المطروق، وعليه هذه الكلمات: (إلى الجنود الفرنساوية الذين ماتوا لأجل الوطن في سنة ???? وسنة ????، من جمعية التعاون الفرنساوية ببروكسل سنة ????)، ثم وقف الرئيس على سطح الأثر وألقى خطابًا لا بأس من تعريبه في هذا المقام وهو: أقيمت الآثار وشيدت الأنصاب في كل مكان سقطت فيه العساكر أثناء دفاعها عن الوطن في سنتي ?? و??، فسواء في ذلك المدائن الكبيرة والكفور الحقيرة.
وقد اختار النزلاء الفرنساويون منذ بضعة سنين هذا اليوم أول نوفمبر لتمجيد سيرة أولئك الشجعان، الذين أثخنتهم الجراح وفقدوا بعض الأطراف والأعضاء، فلاذوا بهذه الأرض أرض بلجيكا لقضاء ما بقي من أيامهم فيها.
ومن الأمور المستعذبة الموجبة للتسلية الباعثة على العزاء أنهم مع بعدهم عن مسقط رأسهم، وأرض أجدادهم قد صادفوا هنا عناية أخوية جديرة بالمدح والثناء. «إن بلجيكا أكرمت مثواهم وعاملتهم بالحسنى». فهذه العبارة الجميلة المنقوشة بحروف من الذهب على هذا القبر العام، الذي ضم بقاياهم يكون فيها ذكرى للأجيال الحاضرة والآتية بما اصطنعته بلجيكا من العمل الممدوح المحمود واليد المشكورة المبرورة.
ولنا الهناء نحن أعضاء جمعية التعاون الفرنساوية على مجيئنا إلى هذا المكان ننشر فيه على قبور هؤلاء العزاز تلك الراية المثلثة التي كانوا يسيرون تحت ظلها في ميادين القتال: «فلتحي بلجيكا وتحي فرنسا». انتهى.
وقد أصغى جميع الحاضرين إلى هذا المقال بغاية الرعاية والإجلال، وعندما أتم الرئيس كلامه أبدوا كلهم علائم الإقرار والاستحسان.
(?) بعض الأعمدة والبوابات والفساقي وبرج إيفل

إن الأعمدة الأثرية في باريس هي ثلاثة، أولها وأقلها أهمية عمود سواسون، وهو الأثر الوحيد الذي بقي من القصر المعروف بهذا الاسم، وارتفاعه ?? مترًا، ويقال إنه كان مرصدًا لمنُجِّم الملكة كاترينة دومدسيس، كان يراقب فيه حركات الأفلاك واقتران الكواكب ليتمكن من إخبارها بالكائنات قبل كينونتها، وفي داخله سلم يوصل إلى قمته وفي أعلاه مزولة شمسية.
والثاني هو عمود فاندوم في الميدان الجميل البهيج المعروف بهذا الاسم، وهو مسبوك من برونز ???? مدفع اغتنمتها الجيوش الفرنساوية في الوقائع الحربية، وتمت إقامته في سنة ????، وارتفاعه ?? مترًا و?? سنتميترًا، وقطره ? أمتار، وفي منتهاه تمثال نابليون متشحًا بملابس إمبراطور روماني، وعلى هذا العمود نقوش وكتابات تخلد انتصارات الفرنساوية في أوائل هذا القرن.
والعمود الثالث هو المعروف بعمود يوليو، وهو في وسط ميدان الباستيل (Bestille)، أقيم تخليدًا لذكر الحرية في نفس المكان الذي كانت فيه قلعة الباستيل معدن الجور والحيف والاستبداد، وعليه بحروف من الذهب أسماء الذين استماتوا في إعلاء كلمة الحرية، ونشر رايتها على ديار فرنسا في سنة ????، وفي سنة ????، وفي أسفله مقابر أولئك الأبطال محطًّا للإعجاب والإجلال. ومن صعد إلى قمة هذا العمود الذي يبلغ ارتفاعه ?? مترًا رأى باريس كلها تحت أقدامه وأمتع ناظريه بمرأى جميل معجب، وفوق هذا العمود تمثال من البرونز المذهب يمثل ملاك الحرية، وفي يده مصباح يرسل النور منه إلى جميع أطراف العالم. وبمناسبة العمدان نذكر المسلة المصرية المعروفة بمسلة كيلوبطرة التي هي أجمل حلية في أجمل ميدان في أجمل مدينة، قد أهداها المخلد الذكر محيي مصر المغفور له أفندينا الكبير الحاج محمد علي باشا إلى فرنسا، فوضعتها في ميدان الكونكورد (الائتلاف)، الذي تحف به تماثيل كثيرة تمثل مدائن فرنسا التي خدمت الوطن برجالها وأعمالها. وهذه المسلة من حجر واحد من الصوَّان الوردي، وعليها كثير من النقوش البربائية، وطولها ?? مترًا و?? سنتميترًا، ووزنها ?????? كيلوجرام، وفي أسفلها ترى نقوشًا بالذهب تمثل كيفية إقامتها ورفعها بمقتضى علم الأثقال، وكان ذلك في سنة ???? على يد المهندس الماهر الموسيو لبا.
أما البوابات والأقواس فهي كثيرة؛ نذكر منها باب (St. Denis) القديس دنيس (وهو الذي بعد أن قُطعت رأسه في أيام الاضطهاد رفعها من الأرض بين يديه وهو مضرج بالدماء)، وهو أثر جميل قد توالت عليه العمارة والترميم، وكانت إقامته في سنة ???? تمجيدًا لذكر لويس الرابع عشر وتذكارًا لفتوحاته في بلاد الألمان. وكذلك باب القديس مارتين (St. Martaine) على مقربة من الباب السابق؛ تذكارًا لفتح إقليم فراتش كونتي وهزيمة الألمان على يد لويس الرابع عشر، وفيه نقوش بارزة متقنة. وقوس الكوكب (éétoile) وهو أكبر بوابات الفوز والانتصار الموجودة في باريس، فإن مجموع ارتفاعه ?? مترًا و?? سنتميترًا، وعرضه ????? مترًا، وأوَّل من ابتدأ في تشييده هو نابليون في سنة ????؛ لأجل تخليد فتوحات الجيوش الفرنساوية وإحياء مآثرها، ولكنه لم يتم إلا في عهد الملك لويس فيلب. وبلغت نفقاته ??????? من الفرنكات (قريبًا من ?????? جنيهًا)، وهو كله مغشى بنقوش في الحجر مناسبة لمقتضى الحال وحول أركانه الأربعة تماثيل ضخمة تصور هيئة السفر والمقاومة والفوز وعقد الصلح، وفي بعض أعاليه رسوم بعضها يصور واقعة أبي قير أخرى تمثل استيلاء الفرنساوية على الإسكندرية، وقد تَقصَّدهُ ثوار الكرمون في سنة ????، فوجهوا قنابلهم نحوه ووالوا إطلاق المدافع عليه ثلاثة أسابيع متوالية، كان عدد المقذوفات التي أصابته في كل يوم بالمتوسط ??، فيكون مجموع ما أصابه من القلل ???? بالتمام، ولكن القوم أعادوا ترميمه وإصلاحه بعد أن انطفأت نار هذه الثورة الشنيعة.
وفي يوم ?? مايو سنة ???? عرضت الدولة الفرنساوية تحت هذا القوس التابوت المحتوي على جسد الطيب الذكر فيكتور هوجو باحتفال جليل استمر ?? ساعة.
وقد صَعَدتُ إلى أعلى هذا القوس، فاستغرق ذلك من وقتي ? دقائق ورأيت من فوقه منظرًا بهيجًا جدًّا؛ إذ إنني كنت في ميدان يصب فيه ?? دربًا سلطانيًّا محتوية على صفين من الأشجار، وخلفها المباني الفخيمة أو البساتين البديعة.
وقد سبق لي كلام وجيز على قوس فخار الكاروسل، فلا موجب لإعادته في هذا المقام وإنما أستعيضه بذكر برج القديس جاك، فإنه في وسط حديقة أنيقة في مركز ميدان الشاتليه (Cholelet). وهو من أظرف الآثار القديمة الباقية في باريس، وفي أسفله جملة عِمدان في وسطها تمثال العلاَّمة المحقق باسكال، وفي قمته تمثال القديس المذكور. وارتفاع هذا البرج ?? مترًا، وفيه بعض آلات فلكية خاصة بعلوم الآثار العلوية، وفيه غرفة يحضر إليها التلامذة لتعلم الرصد وما يتعلق به، وقد تناقل القوم أن العلامة باسكال جدد فيه تجاربه المتعلقة بمعرفة مقادير ضغط الهواء على البارومتر.
وأما الفساقي فهي كثيرة في باريس؛ منها: فسقية كوفييه العالم بالتاريخ الطبيعي صاحب الاكتشافات الكثيرة، ومخترع علم الكائنات الحفرية، وفوق هذه الفسقية تمثال من الحجر للتاريخ الطبيعي، ثم فسقية الشاتليه في مكان سجن كان هناك قديمًا، وهي في وسط الميدان المعروف بهذا الاسم الآن وعليها تماثيل للأمانة والقوَّة والقانون والتيقظ، ويندفع الماء إلى حوضها من أفواه أسفنكسات (أبو الهول)، وفوق الفسقية تمثال الانتصار وفي يده إكليل الفخار، ثم فسقية جرينل وفيها تمثال باريس، وهي جالسة في سفينة وتحت قدميها نهرا السين والمارن، وحولها تماثيل الفصول الأربعة والسفينتان اللتان هما شعار لها، ثم فسقية الأبرياء تحيط بها حديقة زهرية، وهي من أجمل الآثار التي يقصدها الزوَّار وعليها نقوش تمثل جنيَّات الماء في غاية الإبداع، وقد كانت أوَّلًا في سوق الفواكه، ثم نقلوها إلى محلها الآن حجرًا حجرًا، ثم فسقية لوفوا، وهي بناء أنيق أمام المكتبة الأهلية، وتحتوي على تماثيل متقنة تمثل الأنهار الأربعة التي في فرنسا تحمل الحوض العلوي الذي ينحدر منه الماء في الفسقية.
ثم فسقية موليير من الرخام الناصع، أقيمت بواسطة اكتتاب أهلي، وفي أعلاها تمثال هذا الشاعر المجيد وعلى يمينه ويساره تمثال الكوميديا الجدية والكوميديا الهزلية، ومعنى الكوميديا التشخيص المضحك. وهذه الفسقية أقيمت أمام البيت الذي مات فيه الرجل، وفسقية الرصدخانة، وهي عبارة عن حوض فيه ثمانية أفراس بحرية، وكلها من البرونز، وفي وسطها تمثال أقسام الدنيا الأربعة تعلوه كرة أرضية، ثم فسقية القديس جرجس وفيها تمثال الإيمان والرجاء والإحسان في المرمر، ثم فسقية سان سولبيس (St. Sulpice) في وسط الميدان الكائن أمام الكنيسة المعروفة بهذا الاسم، وحول هذه الفسقية تماثيل بوسوييه وفنلون وماسيلون وفليشييه، وهم من أكبر وعاظ الكنيسة وأشهر كتاب الفرنساوية، ثم فسقية الانتصار مزدانة بتماثيل الإيمان والتيقظ والقانون والقوَّة وفوق الجميع تمثال الانتصار مموَّه بماء الذهب. وفي باريس فساقٍ أخرى مثل اللتين يزدان بهما ميدان الكونكورد (الائتلاف)، وإحداهما رمز للملاحة في النهر، والثانية للملاحة في البحر، ومثل اللتين في ميدان التياتر والفرنساوي وفسقية مدسيس ونوتردام والقديس ميشل (وقد كانت العمارة جارية فيها أثناء وجودي بباريس).
أما برج إيفل فقد طار خبره وعرف أمره وقدره، بحيث كان الواجب أن يهمل ذكره ولكنني أتحف القارئ بمعلومات جديدة، وأقص عليه شيئًا من التأثير الذي حصل لي أثناء ارتقائه في المصعد (Ascenseur)، والنزول على درج السلالم، ولا حاجة للإحاطة بأنه أعلى جميع الآثار التي شاهدها الإنسان في جميع الأزمان فوق سطح هذه الكرة الأرضية، وأنه يخترق كبد السحاب (من غير مجاز) بارتفاعه البالغ ??? متر، وطالما كان المطر يتهاطل على أسافله وحواليه من غير أن يصيب الذين قد ارتقوا إلى ذروته، بحيث إنه لو كان فيهم ممدوح لصح لشاعره أن يقول إنه علا حقيقة على السحاب مثل ذلك الذي قيل فيه إنه علا في الحياة وفي الممات وعدوا له ذلك من المعجزات. وفوق قمة هذا البرج قبة عليها فنار يبعث الضياء، فيبدد حجب الظلام بما يرسله من مختلف الألوان، بحسب ألواح الزجاج، ويمتد شعاع النور إلى مسافة قاصية وبعرض واسع، وأول ما رأيتُ الفنارَ وأنا فوق إحدى قناطر السين، رأيت مناشيره أشبه شيء بأجنحة طاحونة عظيمة يديرها الهواء بسرعة، وأما البرج فهو أشبه شيء بشمعدان هائل خصوصًا مع وجود النور في أعلاه، وهذا الشمعدان مرتكز على أربع قوائم مسافة الانفراج بين كل قائمة والثانية عند القاعدة ??? متر.
وكنت أثناء إقامتي بباريس أتربَّص في كل مصباح فرصة الصعود إلى هذا البرج الفريد؛ لأتمتع بما حوله من المناظر الرائقة، ولكن توالي احتجاب الشمس في أغلب الأيام كان يحول دون هذا المرام، حتى خشيت تعذُّر الحصول على هذه الأمنية لاقتراب ميعاد إقفاله، ولكن الله يَسَّر لي يومًا طلعت فيه الشمس ببهجتها، وأرسلت صافي أشعتها فبادرت إليه مسرعًا وأنا لا أصدِّق نفسي من شدة الفرح، وكنت كلما صعدت في طبقة أرى المدينة تنضم إلى بعضها، وتتقارب أبعادها وتتصاغر مسافاتها وتتلاقى أطرافها، فتبدو بكمال جمالها فرجة للناظرين، وبينها نهر السين كقناة طويلة يتصور الإنسان أنه يكفيه أقل وثوب للانتقال من أحد شطيها إلى الآخر، وعليها القناطر العديدة أشبه بخطوط كثيرة مستطيلة كأنها شريط رفيع من البناء، أو سلك رقيق من الحديد، وكانت برك الماء كدموع من مآقي المشتاق، وبعض بني الإنسان أشبه بالأزهار أو بتلك العرائس الصغيرة التي يتلاعب بها الصبايا والبعض الآخر كأنهم من قوم يأجوج ومأجوج، أو من أولئك الأقزام العائشين في أواسط أفريقية. وكانت باريس بازدحامها كقرية النمل أو خلية النحل.
وكنت كلما ارتقيت ازدادت أمامي بهجة الرياض الأنيقة والقصور الرشيقة المجاورة للبرج، مثل قصر التروكادير (Trocadero) وحديقة الشان دومارس (Champs de Mars) وفسقيته البديعة، وقبة القصر المركزي وفوقها تمثال الشهرة، ثم قبة رواق الآلات وقبة الأنفاليد والبانتيون، ثم تياترو الأوبرا وقصر الصناعة وعمود فاندوم وبرج كنيسة نوتردام، وفي أثناء ذلك كنت أسمع اعتراك الرياح في الصبا والجنوب، وتضارب تياراتها في القبول والدبور، فتحدث لها قرقعة كأشد ما يكون من تلاطم الأمواج في البحر العجاج، وبينما أنا غارق في هذه الأحوال نبهني بعض الذين صعدوا إلى صحيفة يكتب عليها الزائر اسمه، أو أي عبارة تخطر بباله، فأخذت القلم ورقَّمت ما أَمْلَتْ به عليَّ القريحة: لله درك يا إيفل! لقد برعت فيما أبدعت، ونبغت بما اخترعت، فعلوت بعقلك على سائر أبناء عصرك، كما ارتفع برجك إلى عنان السماء فائقًا جميع الآثار الشماء مفصحًا بكل لسان عن فضل الأمة الفرنساوية في ميدان العرفان. ثم نزلت متمهلًا متأملًا وقد كبر الرجل في عيني أكثر مما كنت تصورته، خصوصًا بعد أن علمت أن الموسيو إيفل إذا جلس على كرسيه أمام مكتبته يكون ضغطه على الأرض أكثر من ضغط هذا البرج الهائل، وذلك أن قوة الضغط التي تحدث على الأرض إذا جلس على الكرسي (هو أو أي إنسان آخر) تكون باعتبار ثلاثة أو أربعة كيلوجرامات بالأقل عن كل سنتميتر مربع بخلاف البرج، فإن تأثيره على الأرض هو باعتبار كيلوجرامين اثنين فقط مع أنَّ ثقل البوية التي على جدرانه قد قدرها العلماء بنحو ?? طونولاطة، وقرروا أن مجموع وزنه (من غير البوية) يعادل ? ملايين كيلوجرام، وقالوا إن الهواء الموجود في قصر الآلات يزن ربع هذا المقدار مع لطافته. فيا للعجب العجاب من غرائب الإحصاء والحساب!
ومما يجمل بنا ذكره في هذا المقام أنهم استخدموا هذا البرج لأمور كثيرة؛ مثل الأكل والشرب والتصوير والبيع، ونحو ذلك، وأنهم وضعوا فيه منذ سنة ???? مانومترًا زئبقيًّا لقياس تمدد البخار، هو أكبر وأجسم ما ظهر في الوجود إلى هذا الزمان، وقد أعدوا في الصيف الماضي تياترو في إحدى طبقات هذا البرج، وكانوا يشخصون فيه رواية عنوانها (باريس في الهواء)، ومن المعلوم أن رجال الإفرنج يرفعون قبعاتهم أثناء التشخيص، ولكنه اتفق في بعض المرات وجود رجل لم يتبع هذه السنة، بل أبقى عُمارته على رأسه، فتذمر الحاضرون واعتبروا ذلك إهانةً منه وخروجًا عن حد الأدب، ثم طالبوه برفع القبعة فأبى، فجاء إليه مدير التياترو وأظهر له وجوب الامتثال، فما ازداد الرجل إلا عنادًا وإصرارًا بحيث لم يكن للمدير من واسطة سوى استدعاء رجال الشرطة وإخراج الرجل بالقوة، ولكنه تدبَّر وتمهَّل، ثم ذهب بجانب رئيس الموسيقى فهمس في أذنه بكلمة واحدة أجابه عليها صاحبه بعلامات الامتثال، ثم رفع عصاه فلحنت جوقة الموسيقى السلام الروسي، فكان الرجل أول من وقف ورفع قبعته إجلالًا وتعظيمًا ثم قال: (إن هذا خبث منك وكيد عظيم. إنني أخشى تيار الهواء في مثل هذا المكان وأفضِّل الانصراف على هذا الاضطرار.) ثم خرج وشكر الناس حِذْق المدير وفطانته في صرف هذا الحادث الذي أوجب لَغَطًا كثيرًا واضطرابًا شديدًا؛ وذلك لأن التقرب في هذه الأيام شديد وثيق فيما بين فرنسا وروسيا، ومتى سمع أحد الفرنساويين النشيد الروسي الوطني قابله بالإجلال في الحال، وكذلك الروس يكشفون الرءوس عندما يسمعون النشيد الفرنساوي، حتى إن رجلًا من محرري الجرائد في بطرسبرج واسمه برتوف حضر إلى باريس أثناء إقامتي بها ساعيًا على أقدامه ليس إلَّا في كل هذه المسافة التي يبلغ طولها ???? كيلومتر فقط، وكان يمشي في اليوم الواحد ?? أو ?? كيلومترًا، وقد استغرقت هذه النزهة منه نحو ? شهور ونصف، ولما حلَّ بباريس كان آلاف كثيرة من الناس في انتظاره، فحياهم وحيوه ورحبوا به كثيرًّا وأطنبت الجرائد بمدحه.
وقد ظهرت في هذه الأيام الأخيرة جريدة اسمها (برج إيفل).
(?) بستان النباتات

كان تأسيس هذا البستان في سنة ???? وافتتاحه للجمهور في عام ????، وهو ينقسم إلى أربعة أقسام: أوَّلها البستان، وثانيها مَرْبَى الحيوانات، وثالثها متحف التاريخ الطبيعي، ورابعها الأنبار (العنابر) الزجاجية المعدَّة لتربية نباتات البلاد الحارة. ومما يليق ذكره أن الإنسان إذا دخل من أكبر أبواب هذا البستان يرى أمامه ممشيين من الصفصاف غرسهما العلامة بوفون المشهور. وفي منتهي البستان توجد الدار التي مات فيها الرجل المذكور في يوم ?? أبريل سنة ????، وفي هذا البستان مدرسة لشجيرات الزخرفة، ومدرستان لأشجار الفاكهة إحداهما مخصصة للفاكهة ذات النواة، وأما الثانية فلأشجار الفاكهة ذات البزر، وفيها ???? نوع من أشجار الكمثرى، وهناك مجموعة أشجار مثمرة تحت الدرس والمطالعة، ومدرسة لعلم النبات تحتوي على أكثر من ????? نوع من النبات.
وأما مَرْبى الحيوانات ففيه ?? مقصورة عليها أبواب من قضبان الحديد تسرح فيها الحيوانات الضارية والوحوش الكاسرة والطيور الجارحة، كالأسد والفهد والببر والفُرانق والنمر والدب والنسر والعقاب والرخ والكندور وغير ذلك، وفيها أصناف لا تحصى من الحيوانات المعروفة في بلادنا، والمجهولة لنا مثل الأيائل والوعول والأروية وتيوس الجبل والأثوار والأبقار والأغنام والماعز والجاموس ذي السنام والكنجورو والذئاب والضباع والحلاليف، وبنات آوى والعقبان والنسور وغير ذلك مما لا تمكن الإحاطة به مع تعدد أصناف النوع الواحد، وهناك قطعة مستديرة مغشاة بأسلاك الحديد تسمى قصر القردة فيه منها أجناس كثيرة بين كبيرة وصغيرة.
وأمام هذا القصر مستدير كبير ترى فيه الأفيال وأفراس البحر والكركدن وأصناف الهجين، وهناك تمر قناة من الماء تسبح فيها خلائق كثيرة من الطيور المائية، وبالقرب منها ترى حيوانات بحرية تسمى آساد الماء وبجانبها أبراج لأنواع كثيرة من الطيور ومرابٍ لأطيار الصيد المرغوبة مثل الصقور والبواشق والشواهين وغير ذلك، وهناك أصناف من الأيائل الخنزيرية التي توجد في بلاد الهند، وبالقرب من هذا المكان مربى أطيار الدج والقطا والحجل والفواخت والوُرق والورشان والشفاتن والطياهيج وغيرها، والطيور المغردة وأنواع الببغاء والطواويس.
وقد رأيت في كشك الزواحف أصنافًا كثيرة من الثعابين السامة وغير السامة، وعددًا عظيمًا من السلاحف والورل والضفادع والعلاجيم وأصناف التمساح التي اشتهر بها نيلنا السعيد، وحرم من رؤيتها المصريون فلا بد لهم من المجيء إلى باريس لرؤية هذا الحيوان المشهور حيًّا يرزق لا معلقًا على بعض البيوت لفائدة لم أقف عليها مع كثرة السؤال عنها،? وفي هذا الكشك أيضًا أصناف كثيرة من أسماك المياه العذبة. ولا بد لنا من ذكر كلمتين أيضًا على رواق تطبيق التشريح وعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، فإنه يحتوي على ????? تجهيز وأكثر من ????? نموذج يختص أكثرها بدرس السلائل البشرية القديمة والحالية و???? جمجمة و??? هيكل عظمي وجملة قطع تتعلق بالإنسان الحفري (الذي وجد في الكائنات الحفرية).
وفي الدور الأول من هذا الرواق مجموعة وافرة من هياكل جميع الحيوانات، وغرف كثيرة مخصصة لدرس التشريح الإنساني، وفيها صور جميع الأجناس بحيث يتمكن الباحث من مقابلتها ببعضها، وهناك مجموعة كاملة من رءوس مصنوعة من الجبس يمكن لأهل علم الفراسة أن يطبقوا معارفهم عليها، أو يزيدوا في معلوماتهم بواسطتها، وخصوصًا أن القوم اعتنوا بتمثيل رءوس بعض المشاهير في ارتكاب الجرائم واقتراف الجنايات. وأمام باب هذا الرواق حُوت هائل طوله أربعة عشر مترًا (من الصنف المعروف بالهائشة) وهيكل عظمي وجماجم من أفراد هذا النوع. وسمعت أنه يوجد متحف لما قبل الطوفان غير أني لم يتيسر لي رؤيته مع كوني توجهت إلى هذا البستان ثلاث مرات في ثلاثة أيام، ولكن اتساعه وكثرة ما فيه من الغرائب حالا بيني وبين رؤيته بجميع أجزائه وتفاصيله. وقد رأيت هناك شيوخ البحر تسبح في برك من الماء ولها صيحة مزعجة، ورأيت أشجارًا لا تفارقها الخضرة على الدوام ولا حاجة لذكر العناية الزائدة التي تلاقيها نباتات البلاد الحارة في عنابر هذا البستان، فإنها فوق الوصف ولكن القوم لم يتمكنوا إلى الآن من تربية النخل المثمر، وإن كانوا توصلوا إلى حفظ كثير من أصناف النخيل الخاصة ببلاد الهند وأواسط أفريقيا.
وأما متحف التاريخ الطبيعي فيحتوي على شيء جسيم وعدد عظيم من الحيوانات الثديية الكبيرة وهياكل الحيتان (الهوائش) والآساد والأنمار والدباب والقرود والزواحف والطيور والأسماك والحيوانات الرخوة والحشرات، كل ذلك بهندام ونظام لا يمكنني أن أصوره للقارئ بأي حال، فإن وصف ما في هذا المتحف يستغرق مجلدات كثيرة وحياة علماء عديدين قد وقف كل واحد منهم نفسه على درس فرع صغير من فروع هذه الفنون.
وهناك أيضًا رواق كبير فيه مجموعات مشتبكة من الأحجار الضالة والنيازك والشهب الساقطة من السماء، ومجموعة فيها أنواع الطبقات التي تتركب منها قشرة الكرة الأرضية وصخور ومعادن وأحجار كريمة، ثم رواق النباتات وفيه تماثيل الفطر والكمأة (بنات الرعد) بالجبس ومجموعة من الفواكه الجافة والفواكه اللحمية، والأزهار محفوظة في الكؤل، ومن النباتات ????? نوع وأكثر من ?????? عينة وكثير من أصناف النباتات الخضرية.
(??) المدارس والمحلات الخيرية والإعانات

رأيت كثيرًا من المدارس ووقفت على بعض أساليب التعليم، وأحطت بوسائل التقديم، وأرى الآن وجوب الاكتفاء بالكلام على مدرسة النظامات السياسية ومدرسة العميان، ومدرسة الخُرس عسى أن يكون لشرحي فائدة في بلادي.
أما مدرسة النظامات السياسية (Ecole des chartes)، فيتلقى الطلبة فيها كثيرًا من الفنون، أخصها علم أصول اللغة الرومانية واشتقاقاتها وعلم الكتب وتنظيم خزائنها وعلم السياسة وتاريخ النظامات السياسية والترتيبات الإدارية والقضائية في ديار فرنسا، ثم عيون التاريخ الفرنساوي وفن تنظيم أوراق المحفوظات، وتاريخ القانون المدني والكنائسي في القرون الوسطى وعلم الآثار (الأركيولوجيا) في القرون الوسطى. وتفتح قاعات الدروس للطلبة من الساعة التاسعة الإفرنكية صباحًا إلى الساعة الرابعة أو الخامسة بعد الظهر بحسب اختلاف الفصول، ولا يتجاوز عددهم في السنة الواحدة ?? تلميذًا، وينبغي أن يكونوا من الفرنساويين الحائزين شهادة البكالوريا في العلوم البالغين من العمر ?? سنة كاملة بالأقل، ويلزم امتحانهم في الترجمة من وإلى اللغة اللاتينية من غير استعانة بأي معجم أو قاموس، وفي تاريخ فرنسا وجغرافيتها قبل أول القرن التاسع عشر، ومن يكون منهم عارفًا بالألمانية أو الإنجليزية أو الإسبانية أو الطليانية يكون له فضل السبق على غيره عند تساوي الدرجات، وقد ترتب على إحداث هذه المدرسة فوائد جمة أؤجل تفصيلها إلى الرحلة إن شاء الله.
أما مدرسة العُميان فنظرًا لفوائدها الجمة خصوصًا في قطرنا المصري يجب عليَّ أن أتوسع في القول عليها قليلًا مدخرًا الإشباع إلى الرحلة.
يوجد في فرنسا ????? أعمى لهم من المدارس الخاصة بهم نحو ?? مدرسة، وأهم هذه المدارس وأكملها مدرسة شبان العميان الأهلية Ecole Nationale des Jeunesavergles الكائنة في باريس بدرب الأنفاليد، وقد كان تأسيسها على يد الفرنساوي فالنتين هاوي في سنة ????، وهي أول مدرسة ظهرت في الوجود من هذا القبيل، وربما كانت أفضل من كافة المدارس المماثلة لها وأحسنها نظامًا وترتيبًا، وفيها الآن ??? غلامًا و?? فتاة، ومدة التدريس عشر سنوات تكون بين سن ?? و?? سنة، ويتلقون فيها علومًا عقلية وفنونًا حرفية. فأما التعليم العقلي فهو ابتدائي وعالٍ، وقاعدة القراءة والكتابة فيها جارية على الأسلوب الذي ابتدعه الأعمى الفرنساوي براي في سنة ????، وهو عبارة عن رسم الحروف بنقط بارزة لا تزيد عن ستة عن أي حرف.
وأما التعليم الحرفي فيشمل الغزل والخراطة وعمل الكراسي وأشغال الإبرة والنسيج والموسيقى والألحان (وهذان الفنان قد بلغا الدرجة القصوى والمكانة العظمى، حتى لقد فاق تلميذان وتلميذة من المتخرجين بهذه المدرسة في امتحانات عمومية على كثيرين من المتمتعين بنور الباصرة).
ومساحة الأرض التي تشغلها هذه المدرسة هي ????? متر، منها ???? مشغولة بالمباني وفي فنائها تمثالُ مؤسسها وهو يحاول تعليم الأعمى، وللفتيات قسم منعزل تمام الانعزال عن قسم الفتيان، وللأساتذة غرف لسكناهم بالمدرسة فيها كل ما يحتاجون إليه، وهناك سقيفة كبيرة يتنزه التلاميذة تحتها، ويتفرغون للعب والرياضات أثناء اشتداد الأهوية ونزول المطر وتغير حالة الجو. أما نظام التهوئة وتدبير التدفئة ففي غاية من الكمال والموافقة في الغرف والفصول والمكاتب والورش والمآكل والعنابر (الأنبار)، وفيها بيعة صغيرة للطقوس الدينية، وحمامات فيها ?? قسمًا، وفي كل قسم منها جهازات الدوش (صب الماء رشاشًا لإنعاش كافة الجسد)، بحيث يستحم كل تلميذ وتلميذة مرة واحدة في كل خمسة عشر يومًا بالأقل.
وفي المدرسة ورش للتعمير والتصليح والترميم خاصة بالآلات الموسيقية التي يستعملها التلامذة؛ ولذلك غايتان، أولاهما الاقتصاد، فلا تتكلف المدرسة نفقة ذلك في الخارج، والثانية تمرين التلامذة على إصلاح آلاتهم بأنفسهم وإضافة ما ينقصها وتعرُّف مواقع الخلل فيها حينما يسقط مسمار أو ينقطع وتر، وفي المدرسة مطبعة خاصة بها يطبع فيها التلامذة كتبًا كثيرة في فنون الآداب والموسيقى مما يحتاج إليه العميان.
وقد رأيت أيضًا مكتبة فيها ??? مجلدًا بالنقط البارزة و???? من الكتب المطبوعة بالكيفية الاعتيادية، وهناك واعظ يقوم بإلقاء الدروس الدينية، وأما التلامذة الذين لا يدينون بالمذهب الكاثوليكي، بل بمذهب آخر معتبر في الحكومة، فتعليمهم يكون بحسب ديانتهم بعد الاتفاق على ذلك بين المدرسة وبين أهاليهم. وشئون الصحة منوطة بطبيب وحكيم أسنان موظفَيْن في المدرسة (وعند الاحتياج يستشار حكماء آخرون)، وطبيب عيون وجراح، ولا يقبل التلامذة إلا فيما بين السنة العاشرة والثالثة عشرة، وقد خرج منها كثير من النابغين الذين أعلوا قدرها وشرفوا ذكرها بما اكتسبوه من حسن الأحدُوثة، وما قاموا به من الخِدَم الجليلة.
فمنهم براي الذي أشرنا إليه قبلًا، ورودنباخ الذي كان أمينًا لإحدى مدائن البلجيكا، ونائبًا عن الأمة في مجلس النواب البلجيكي من سنة ???? إلى يوم وفاته في سنة ????، وبنجون الذي كان مدرسًا للعلوم الرياضية في مدرسة أنجي الشهيرة، وحائزًا لوسام اللجيون دونور من درجة شفالييه، ثم فوكو ذلك الميكانيكي البارع الذي اخترع جهازات كثيرة؛ لتسهيل المكاتبة بين العُميان والمبصرين، وجوتييه وروسل ولوبل وهم من أساتذة المدرسة قد صنفوا تلاحين موسيقية دينية وعمومية لها عند العارفين قيمة عظيمة، وغير هؤلاء عدد عظيم يضيق عن سرده المقام، ويوجد في فرنسا الآن أكثر من ??? أعمى ينالون ربحًا واسعًا ورزقًا حلالًا طيبًا من صناعة البيانو، بل إن بعضهم يديرون مخازن بيع آلات البيانو أو اصطناعها.
وقد تأسست شركة مهمة لاستخدامهم ومعاونتهم والاهتمام بكل ما يتعلق بهم حسًّا ومعنًى وبسط لواء حمايتها ورعايتها عليهم في جميع الأحوال، وفي طول حياتهم ولا تطلب منهم في نظير ذلك سوى السير المحمود والإقبال على العمل بقدر ما تسمح لهم به حالتهم، وبلغت إيراداتها في آخر ديسمبر سنة ????، ????? من الفرنكات (نحو ???? جنيهًا ونصف تقريبًا) ومصروفاتها ????? من الفرنكات (نحو ??? جنيهًا وربع تقريبًا)، والباقي في صندوقها ????? من الفرنكات (أي: قريبًا من ??? جنيهًا وربع)، وأما رأس مالها فهو عبارة عن ?????? من الفرنكات، وقد اتسع نطاقها وكثر عدد المشتركين فيها بالأقساط والتبرعات، حتى بلغ عددها ??? شخصًا منهم ?? من أكابر سيدات فرنسا، جُعلت الجمعية تحت حمايتهن و??? من السيدات و??? من العذارى و??? من التلامذة الموجودين فيها لتلقي الدرس منهم ?? فتاة.
وقد تأسست جمعية أخرى باسم فالنتين هاوي، غايتها تعليم العُميان الذين يعلمون وتشغيل العميان الذين لا يعلمون، ولها ثلاث جرائد خاصة بالعُميان الأولى (فالنتين هاواي)، وهي مجلة عمومية تبحث في جميع المسائل المتعلقة بالعميان، والثانية (لويس براي)، وهي جريدة تطبع بالحروف البارزة لكي يقرأها العميان، والثالثة (مجلة براي) مثل التي قبلها وتظهر في كل يوم أحد مشحونة بالمسائل الأدبية والعلمية والموسيقية، ولهذه الجمعية قاعة للخطابة يتباحثون فيها كل ما يهم العُميان، وتتبعها أيضًا مكتبة متنقلة تُعير العميان الكتب المطبوعة بالحروف البارزة؛ ليقرءوها في بيوتهم ويستفيدوا منها في أوقات فراغهم، ومن ملحقاتها المتحف، وقد تكلمت عليه بما فيه الكفاية والله ولي المحسنين.
أما مدرسة الخُرس فلا يدخلها غير الذكور، ومدة التعليم ثماني سنوات، فيتعلمون فيها زيادة عن المعارف الابتدائية أحد الفنون الآتية، وهي طبع الحجر (مع الكتابة والنقش على الحجر) ونقش الخشب وطبع الحروف والنجارة، واصطناع الأحذية وفن البساتين، وأما التعليم الديني فيقال عنه فيها كما قيل في مدرسة العميان. والغذاء مرتب بكيفية توافق الصم والخرس، ولهم حمامات بجهازات إيدروليكية وحوض للسباحة ومروج واسعة وصحون فسيحة، يلعبون فيها الجمباز ويتعودون على الرياضات الجسدية. وخلاصة القول أن المدرسة تُعنى عناية كُلية بتقوية أبدانهم وأمزجتهم، وفيها طبيب ومساعدان له وحكيم عيون وجراح عارف بفن الأسنان، ومستشفى يقوم بالخدمة فيه ممرضات حائزات للدبلومة.
وقد شاهدت التعليم حينما يجيء الطفل فيها أول سنة، ويترقى شيئًا فشيئًا بكيفية تدهش العقول، فإنهم منعوا استعمال الإشارات بالأصابع مرة واحدة، ولا يتجاسر أحد من الأساتذة أو التلامذة على إبداء أية إشارة ظاهرة أو خفية، وكل التعليم جارٍ فيها (وفي جميع مدارس أوروبا وأمريكا كما علمته) بواسطة النطق بالأصوات؛ ولذلك يجتهدون في تعليم الأخرس مخارج الحروف بغاية الدقة ونهاية الاعتناء، وقد تكلمت مع بعض الخرس فكانوا يجيبونني بالجواب المناسب، غير أنني في أول الأمر رفعت صوتي كثيرًا، فلم يفهمني الأخرس مطلقًا مع أنني رأيته يفهم ناظر المدرسة كأسرع ما يمكن بالنسبة لحالته، فتنكرت الأمر، وحينئذ دعاني الناظر لأن أخفض صوتي؛ (لأنني مهما بالغت في رفعه فلن يسمعني أبدًا)، وأن أكلمه وجهًا لوجه حتى ينظر حركات شفتي ولساني، فعلمت بما رسم وأجابني الأخرس على الوجه المرغوب، ثم إنني أمليت على جملة من التلامذة عبارة فرنساوية، فكتبوها بالضبط إلا واحد منهم أخطأ في حرف واحد؛ لتشابه المخارج ثم كتبوا اسمي واسم بلدي على التختة ولم يهملوا إلا حرف H المقابل للحاء في لفظة «أحمد» لعدم إمكان النطق به في الفرنساوية. وأما الفنون الحرفية والصنائع اليدوية وحرث الأرض وغرسها، ففي درجة من التقدم يغبطهم عليها أكثر الناطقين بالضاد وبغير الضاد، وفي المدرسة متحف جليل يحتوي على جميع الطرق التي تؤدي لتعليم الأخرس، ورسوم ونقوش وتصاوير كثيرة من صنع الخرس، وقد كان لبعضها فوقان عند العارفين على ما صنعه كثير من الناطقين، ويقال إن هذا المتحف لا نظير له في البلاد الأخرى فإن الأب دولوبي (وهو أول من عني بتعليمهم) له أكثر من ??? قطعة تراه فيها مصورًا في جميع أحواله، وهناك عدد عظيم من التحف المتنوعة التي برع في إحداثها كثير من الصم البكم الذين نبغوا في جميع أنحاء العالم.
ومما ينبغي ذكره بوجه الإيجاز أن هذا المتحف يحتوي على رسوم الأماكن، التي استقرت بها هذه المدرسة قديمًا وحديثًا، ومناظر تصور هيئة أهم مدارس الخرس في فرنسا وفي الخارج، وصور الأب سيكار ومعلمي الخرس من الفرنساويين والأجانب، وكثير من أعاظم العالم الذين لهم دخل في تاريخ تعليم الخرس من مؤسسي المدارس ونظارها والمحسنين ومشاهير الكُتاب ورجال الحكومات وأهل السياسة، ثم أعمال الخرس في جميع العصور وعند جميع الأمم من مصورين ونقاشين ونحاتين ورسامين وطباعين وفوتوغرافيين ومهندسين، ثم صور كثير من مشاهير أرباب الفنون الخرس، ثم ميداليات ومسكوكات وكتابات بخط اليد وأشياء نادرة وغير ذلك مما يتعلق بهذه الطائفة.
وقد تألفت جمعية لتعضيد الخرس، ووافق أنها أثناء إقامتي في باريس أولمتْ وليمة فاخرة احتفالًا بحلول السنة المتممة للمائة وثمانين من يوم ميلاد الأب دولوبي. نعم، إني لم أحضر هذه الحفلة الغريبة الشائقة، ولكني لا أرى بأسًا من إفادة القارئ بما عَلمته عنها من الجرائد، وذلك أن المدعوين كانوا كثيرين، وكانت الحفلة تحت رياسة الموسيو كوشفر وهو من المهندسين الذين تخرجوا بهذه المدرسة، وبعد انقضاء الطعام وقف حضرة الرئيس يخطب في القوم … ببلاغة باهرة مستعينًا بالإيماء والإشارة، فإنه ألمَّ أحسن إلمام بذكر حياة الأب دولوبي، وسرد مآثره التي أفاضت الخيرات على جزء عظيم من بني الإنسان، ثم شكر الجمهورية الفرنساوية على مساعدتها في تحسين حال أمثاله، ثم ختم مقاله بإهداء ميدالية إلى أحد النقاشين البارعين من الخرس، وقدمها له باسم وزير التجارة والصناعة. ثم تلاه كثير من الخطباء الخرس، وكانوا كلهم يفيدون الحاضرين بإشارات ظاهرة مفهومة.
أما أماكن البر والإحسان واصطناع المعروف وإغاثة الملهوف، فهي أكثر من أن تعد ولها شئون كثيرة وفائدة عظمى؛ فمنها ما تساعد الأمهات لتمكنهن من إرضاع أطفالهن، أو فقراء المعتوهين الناقهين بعد خروجهم من البيمارستانات، أو تلتقط اليتامى إناثًا أو ذكور أو تتكفل بتعليمهم وتربيتهم في طريق الشرق والاستقامة، أو تعاون فقراء الإلزاسيين واللورانيين الذين تركوا وطنهم وآثروا الفقر مع بقاء الجنسية الفرنساوية لهم على الدخول تحت أحكام ألمانيا، أو تضم الأمهات الفقيرات، أو تضيف النساء والرجال الذين لا مأوى لهم بالليل، أو تتكفل بالفقراء من الرجال أو النساء إلى أن يجدوا لهم خدمة يتعيشون منها، أو بالنساء الحُبالى فقط أو الطاعنين في السن دون سواهم، أو لوصف الأدوية أو لتقديم الدواء، أو للوالدات بعد الولادة وهُنَّ في دور النقاهة، أو للفتيات بعد مرضهن، أو لتقديم الأشغال للخيَّاطات اللاتي ليس لهن خدمة، أو للتكفل بالأبناء حين اشتغال والديهم عنهم بسبب كسب القوت، أو لتطبيب الأطفال على العموم أو المصابين بداء مخصوص مثل الخنازيري والكَلَب أو الأدواء العضالة وغيرها، أو لاستخدام العذارى في مخازن التجارة، أو لاستخدام الفَعَلة والعَمَلة من الجنسين والكتَّاب والحسَّاب وغيرهما، أو لتعليم الزراعة، أو لتبني الأولاد ووضعهم في مرابي الأيتام، أو لاستخدام اليتامي والأولاد الذين تركهم أهلهم، أو لمساعدة العائلات، أو لتعليم الأطفال الفقراء حرفة الصياغة والجواهر والساعات، وغير ذلك من الفنون الحرفية.
ومنها للأغراب الأمريكانيين أو الإنجليز أو النمساويين أو المجريين أو الطليانيين أو البوبونيين (اللاهيين) أو السويسريين أو البلجيكيين أو جميع الأمم، أو لتقديم الخبز أو لتقديم صنف من الطعام أو لفقراء المرضى، أو لتعضيد التكايا، أو لقبول المعلمات اللاتي ليس لهن وظيفة يتعيَّشن منها، أو لفقراء الإسرائيليين، أو لتقديم الجهازات اللازمة لمن تقطع بعض أعضائهم، أو للولادة أو لتسهيل الزواج بحسب قواعد الدين، وإجراء المساعي اللازمة بين الطرفين، أو لتسهيل الزواج بالطريقة المدنية من غير توسط القسيس، وتقديم كل ما يلزم من الصكوك والأوراق مجانًا، والتكفل بإثبات نسب الأولاد وجعلهم شرعيين، أو لحماية الجنود البرية والبحرية الذين أحرزوا نشانات في وقائع التونكين، أو لمساعدة جرحى الجنود (وهذه الجمعية مركبة من النساء)، أو للذين كانوا في سلك الجندية وحازوا وسامات اللجيون دونور، أو الذين سبقت لهم الخدمة في الجيش.
ومنها لمساعدة عائلات وأرامل ضباط البرية والبحرية أو عمال الحكومة الذين تشابه وظائفهم وظائف الضباط، أو لترتيب معاشات للعسكرية، أو لحماية الذين يتطوعون في الخدمة العسكرية، أو لتخديم الشبان الذين يتخرجون ببعض المدارس، أو لإقراض عائلات العَمَلة المبالغ اللازمة (من غير فائدة) لاستخلاص الأشياء التي وضعوها في بنك الرهونات، ثم جاء الأجل ولم يتيسر لهم المال المطلوب، أو لدفع إيجار مساكن الفقراء، أو لإعادة الفقراء والمرضى إلى أوطانهم، أو لمساعدة المحتاجين من المشتغلين بحرفة سباق الخيول، أو لبذل الإعانة اللازمة في الحال، أو لمساعدة الذين يروحون شهداء تأدية الواجب.
(وقد أرسلت هذه الجمعية في شهر أكتوبر الماضي ??? فرنك لشيخ إحدى البلاد ليوصلها لأرملة رئيس المحطة وقد دهسه الوابور، بينما كان يجتهد في إنقاذ امرأة ارتبكت على الشريط وقد أتى الوابور، و??? فرنك لعائلة رجل مستخدم بالدخولية دهسته العربات، بينما كان يمانع تهريب بعض الأصناف، و??? فرنك لرجل من بوليس باريس أصابته جراح بليغة، بينما كان يحاول توقيف خيول حرونة وقد وردت لها في الشهر المذكور وصية من زوجة أحد القضاة بمبلغ ????? فرنك، ووصية أخرى قدرها خمسون ألف فرنك من أحد النقاشين، وثالثة من إحدى العذارى وقدرها ???? فرنك).
وهناك أيضًا جمعيات لا تدخل تحت حصر، فإني عددت الجمعيات التي وقفت على أسمائها وعنواناتها وبيان أعمالها، فإذا هي ??? جمعية بعضها له فرعان وخمسة وعشرة بل خمسة وعشرون، وبعضها خاص بطائفة من الناس أو بدين مخصوص أو بجنسية واحدة أو بسن معين أو ببني الإنسان على العموم.
وفضلًا عن ذلك فإن الاكتتابات تراها في كل جرائدهم لأقل حادثة، مثال ذلك: أنني رأيت إعلانات من دار أمانة القسم الأول من باريس تدعو فيه أهل الخير لمد يد المساعدة إليها؛ لتعاون الفقراء على احتمال البرد وشدائده وتقول فيه إنها أنفقت في السنة الماضية الإعانات التي جمعتها من أرباب اليسار وقدرها ?????? فرنك، وأنت تعلم أن باريس تحتوي على ?? قسمًا، ولا بد أنها كلها سارية على هذا المنوال.
ومثال ذلك: أنه لما أضرب العمال في مناجم الفحم الحجري بكارمو Carmaux عن العمل فتحت جريدة الإنترانسيجان اكتتابًا اشترك فيه كثير من الناس، وكنت أرى في أعمدتها أن فلانًا وفلانًا وفلانًا من الفَعَلة في كذا تبرعوا بمبلغ فرنك واحد، ولكنني ما كنت أستخف بذلك مثل أولئك الذين يحتقرون صغائر الأشياء، ولا يعلمون أنها أُس الاجتماع ومنبع العمران، ودليلي على ذلك أن الإنترانسيجان جمع من هذا الاكتتاب مبلغًا يزيد على ????? فرنك ثم إن المجلس البلدي في باريس أرسل لهؤلاء العَمَلة مبلغ ????? فرنك صفقة واحدة، وقد تواردت عليهم الإعانات من جميع الجهات ومن جميع الطوائف. ولا بد أن القارئ وقف في الجرائد السياسية على تفاصيل هذه الحادثة الهائلة التي اضطربت لها أساطين السياسة في فرنسا، وشغلت العالم بأسره؛ فلذلك لا أرى وجهًا للخوض فيها فضلًا عن أن شرحها يحتاج لوقت طويل. ومثال ذلك أيضًا: الإعانات التي بادر أهل فرنسا على اختلاف طبقاتهم ومشاربهم بإرسالها إلى الجرحى من جنودهم في غزوة داهو ماي، فمن ذلك ما قرأته حينئذ في الجرائد أن المحفل الماسوني (إلزاس ولورين) قد أرسل لهم ??? فرنك على يد وكيل وزارة المستعمرات، وأرسلت لهم جمعية نساء فرنسا وللجنود التي في التونكين ?? صندوقًا فيها أصناف كثيرة من المأكولات والملبوسات وغير ذلك، واقتدت بها طوائف كثيرة في هذا السعي الحميد، ولكن جريدة الفيجارو فاقت الجميع، فإنها كتبت في يوم ? نوفمبر تستحث أهل البر، وخصوصًا كبراء التجار على المساعدة في اكتتاب لجنود داهو ماي، وقالت إنها تفتحه في ثاني يوم وتقفله في اليوم الثالث، وأن ذلك يستوجب التعجيل، ولم يرد اليوم الثالث وهو ? نوفمبر حتى كتبت تقول: «لقد أجيب نداؤنا بأكثر من جميع آمالنا، فقد اجتمع في مكتب الفيجارو وفي أقل من يومين ????? زجاجة من نبيذ بوردو والشامبانيا والمياه المعدنية و???? علبة من المربيات وأصناف المأكولات المحفوظة و???? قطعة من مربعات الشكولاتة و????? سجارة إفرنكية و???? سجارة مصرية وأكثر من ????? صنف من الأصناف المتنوعة مثل شراب الروم والشارتروز، ومثل التابيوكا وغير ذلك مما سبق لنا سرده في العدد الماضي، وكان مبلغ النقود التي وردت لنا ????? فرنك ونصفًا (???? جنيهًا تقريبًا في يومين اثنين خلاف الأصناف الأخرى)، وقد أقفلنا باب الاكتتاب.» ثم أوردت بيان الأصناف وأسماء المتبرعين، ولا فائدة في إحاطة القراء بذلك، فإن هذا الإقبال يُغني عن الشرح والبيان، ومثل ذلك فليتنافس المتنافسون.
ومثل ذلك: اهتمامهم بعائلات الذين ماتوا في حادثة انفجار الديناميت في شارع بونزانفان أثناء إقامتي في باريس، فكان رئيس الجمهورية أول من اهتم بشأنها، وقد أرسل مندوبًا من قِبَله ذهب إلى منزل كل واحدة من الأرامل وأعطاها إعانات من جيب رئيس الجمهورية الخصوصي، وأعلمها بأنه مشارك لها في أحزانها، ثم توجه الموسيو لوبي رئيس الوزراء حينئذ فزار كل واحدة منهن في مسكنها، وقدم لها مساعداته شخصيًّا ووعدهن بأن الحكومة تتكفل بالأرامل وتتعهَّد بتربية اليتامى، ثم جاء محافظ المدينة ووزع عليهن ???? فرنك، ثم تعهدهن مرة ثانيةً وقَدَّم لهن ما ورد إليه برسمهن من لجنة مصانع الحديد في فرنسا، ولجنة مناجم الفحم الحجري، وقدم لهن أيضًا مبالغ جمعت في إحدى الولائم، وقد علمت أن مقدار ما أرسلته لجنة مناجم الفحم ???? فرنك ووردت المساعدات من جميع أنحاء فرنسا بما يضيق عنه المقام، ثم تقرر ترتيب معاش لعائلات المصابين الذين كانوا في خدمة الحكومة يكون نصفه من ميزانية الحكومة والنصف الآخر من ميزانية مدينة باريس، وكان فيهم رجل من خُدامى القومبانية (التي قصد أصحاب الديناميت تدميرها)؛ فلذلك تقرر صرف المعاش لأرملته وأولاده باحتساب النصف على الحكومة والنصف الآخر على القومبانية المذكورة، وهي قومبانية معادن الفحم الحجري في كارمو.
وخلاصة القول أن تفننهم في وسائل الإعانة وإقبالهم عليها أمر يستغرق شرحه مجلدات ضافية الذيول، يدل على ذلك ما قدَّره أهل المعرفة من أن مبلغ الإعانات التي يبذلها أفراد الناس في باريس على حدتهم يزيد على ?? مليونًا من الفرنكات في كل سنة (انظر جريدة الطان عدد ????? من هذه السنة).
ومع كل هذا الاجتهاد فلا يزال بعض الناس يموتون فيها جوعًا، وإن كانت النسبة أقل بكثير مما في لوندرة، فقد رأيت في العدد ???? من جريدة الغولوا جملة طويلة على الفاقة والخلو من العمل في باريس أقتطف منها بعض شذرات جديرة بالاعتبار.
قالت: إنه بحسب البيانات الرسمية والاستعلامات المؤكدة التي استحصلت عليها يتضح أن عدد العَمَلَة الذين منعتهم شدة الشتاء، ووقوف حركة الأشغال من كسب القوت يقرب من خمسين ألفًا، وإن طلبات الإعانة قد تواردت على مكاتب الإحسان العام بمقادير جسيمة أزيد من المعتاد، وإن هذه المكاتب تمد ساعد المساعدة لنحو ?? أو ?? ألفًا من المحتاجين، أو أنها تقوم بمعالجة نحو ?? ألف مريض و?? ألف والدة في منازلهم، وأن عدد الملهوفين بحسب التعديل المتوسط سيزيد في هذا العام زيادة تذكر.
أما الملاجئ الليلية التي يلوذ بها الفقراء عديمو السكن فقد بلغ عدد الوارد على أحدها في كل يوم بالمتوسط ??? رجل مع أنه لا يسع إلا ???، وكان عدد النساء أكثر بكثير مما قدِّر لهن، فإن الوارد منهن في اليوم الواحد بالمتوسط نحو ??، مع أنه لا يسع إلا ??، وإن استمر الشتاء على شدته وكلبه كما هو المنظور يزداد عددهن أكثر من ذلك، وقد بلغ عدد النساء والأطفال الذين لجئوا إليه في العام الماضي ???? مضوا به ???? ليلة، وفي جملتهن الخدامات والمعلمات والأبكار والأرامل وأمثالهن وغير ذلك. والمقرر في هذا الملجأ إعطاء الرجال كِسرة من الخبز في الليل وورقة للخباز لأخذ رغيف وقليل من المرق بالنهار، وأما النساء فلهن الخبز والمرق في نفس الملجأ. نعم، إن هذه الكسرة وهذا القليل من المرق أمر زهيد جدًّا لا يعتد به، ولكنه في الجملة تصل قيمته ?? ألف فرنك، هذا فضلًا عن كون بعض معامل الصناعة في باريس تعهد بتقديم ???? كيلو من الخبز في كل شتاء إلى هذا الملجأ احتسابًا لوجه الله تعالى ومعاونة له على أعماله الخيرية، وهذا الملجأ يوزع على أضيافه في كل عام من ?? إلى ?? ألف كسوة وقميص وجوراب وصدار وفستان وحذاء وغير ذلك، وإني لا أرى بعد ذلك كله حاجة للشرح والبيان، بل أحمد الله على حالة بلادنا وأهلها.
(??) التياترات والملاهي والمنتزهات

أصبح التشخيص في باريس من الكماليات الحاجية التي لا غنى لأهلها عنها، حتى إن الرجل ليقتصد من مصرفه الضروري لتمضية الليلة في أحد التياترات، وكثيرًا ما تتكبد بعض العائلات نفقة باهظة جدًّا لقصر إحدى المقصورات بواسطة الاشتراك (وخصوصًا مقصورات الأوبرا) ليقال عنها إن لها مكانًا معينًا في هذا التياترو أو في ذلك المسرح؛ ولذلك لا يندر أن يحل موسم افتتاح التياترات الكبيرة وليس فيها محل خالٍ للإيجار، والأعظم من ذلك أن الأوبرا يؤجر أماكنه بالستة شهور، بل بالسنة الكاملة، ويخيل لي أن أغلب نساء هذه العائلات، إنما يحضُرن هذه الملاهي لعرض ملابسهن وإبداعهن في زخرفتها وزركشتها، ولاستجلاب العيون والعوينات نحوهن، لا لقصد سماع الأغاني والألحان أو شهود التشخيص والتمثيل، إذ إنهن يكن غالبًا في أثناء ذلك مشتغلات بإصلاح الفستان وهندمة دوائره ومستديراته، وتعديل الصدار وتنميق الوشاح والمخايلة بالمراوح ذات الألوان التي تأخذ بالأبصار، وتراهن عندما يستقر بهن المجلس يبتدئن بعد هذه الهندمات الضرورية لهن باستعمال النظارات المقربة المكبرة المجسِّمة لمراقبة بعضهن بعضًا، واستيقاف رائد الطرف نحو التي تجلت في جلباب الظرف وفاقت بحسب الشكل، وبرعت بجمال المنظر، ثم يرسلن اللحاظ الفاترة في بعض الفترات لرؤية الرجال وهم يرمقونهن على الدوام، حتى إذا جاءت ساعة التشخيص التفت هؤلاء إليه، وأقبل أولئك على شئونهن الأولى من إصلاح الملابس، والإتقان في التبرج والإغراب في البهرجة مع توالي النظر في المرايا أو المسامرة مع بعضهن ومبادلة أفكارهن فيما يتعلق بهن.
تلك يا صاح حالة التياترات على العموم والأوبرا على الخصوص، وصفتها كما رأيتها مقتديًا بعمرو بن العاص ذلك الصحابي الجليل، الذي مع قرب عهده بالبداوة لم يتحاشَ من قول الحق في رسالته المشهورة التي بعث بها إلى إمام المسلمين وأمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب — رضي الله عنهما وأرضاهما — حيث قال في عَرَض وصفه لمصر وأهلها: (ونساؤها طرب) ولم يؤاخذه الخليفة الراشد المشهور بالصرامة والجد والصلابة في الحق إلى آخر حد.
وقد اقتديت أيضًا بطارق بن زياد فاتح الأندلس، فإنه قد وصف نساءها حينما خطب في قومه يحرضهم على قتال رذريق ملك الأندلس، وأطنب في ذكر محاسنهن وجمالهن وغير ذلك مما تراه في خطبته التي أوردها صاحب «نفح الطيب» وجميع مؤرخي الأندلس، وقد تُرجمت إلى أغلب اللغات الإفرنجية.
وقد نحوت أيضًا نحو ذلك الرُّحَلَة المشهور بابن جبير، فإنه وصف نساء الإفرنج في صقلية وصَفًا مدققًا كما يعلمه من له اطلاع على كتابه المطبوع المتداول؛ وذلك لأن وظيفة السائح تقرير الحقائق كما هي وذكر الوقائع كما حصلت.
وفي أول ليلة توجهت إلى الأوبرا، ورأيت مقصورات الطرف في مقاصيرهن كأنهن كواكب السماء قد انتشرت أو أزهار البهاء قد انتثرت، حدثتني النفس بأن أصعد بعد تشخيص الفصل الأول إلى بهو الاستراحة البهيج لا لأسترق السمع، ولكن لأسترق البصر، فرأيتهن كلهن يصدق عليهن قول كَعب بن زهير في قصيدته التي مدح بها رسول الله ?:
هَيفاء مُقبلة عَجزاء مُدبرةلا يشتكي قِصر منها ولا طُول ومعلوم أن خاتم الأنبياء الذي بعث لتتميم مكارم الأخلاق أُعجب بهذه القصيدة إعجابًا لا مزيد عليه، ولم يَعب على قائلها وجود مثل هذا البيت فيها، بل نظر إلى مجموعها وما اشتملت عليه من الحِكم الباهرات، حتى إنه لم يكتفِ بحقن دم الشاعر بعد أن كان أهدره، بل خَلَع عليه بردته الشريفة، ولا عجب إذا حق للغريب المتلصص في هذه الحال أن ينشد قول من قال:
وإنك إن أرسلت طرفك رائدًالِقلبك يومًا أتعبتك المناظررأيت الذي لا كُله أنت قَادِرٌعليه ولا عن بعضه أنت صابر والذي جرأني على الإتيان بهذا الوصف القليل هو ما جَريت عليه من الإحاطة ببعض أحوال باريس وأن لكل مقام مقالًا، فإن من أراد أن يُلم بشيء على التياترات في هذه البلاد لا يجوز له أن يَضِرب صفحًا عن ذكر النساء فيها؛ لأنهن حياتها وروحها ولولاهن لما كان لها ذكر ولا قامت لها قائمة، بل إن الرجل ليعتبر نفسه من أسعد السعداء إذا أصبح ورأى في الجرائد أن زوجته أو أخته أو ابنته، أو من تُنسب إليه هي التي كانت محط الأنظار، ومحل الإعجاب والاستحسان، فهذه هي عاداتهم وهذه هي أخلاقهم يشاركهم فيها عامة الأوروباويين تقريبًا (I’Opere) لم أرَ مندوحة عن الإلماع إليها. أما التياترات في حد نفسها، فأهمها الأوبرا، وقد كان الاحتفال بافتتاحه في ?? يناير سنة ???? بعد أن استمرت العمارة فيه مدة ?? سنة وبلغت نفقاته ?? مليونًا من الفرنكات، وبهو المتفرجين يسع ???? شخص، أما ما فيه من المباني الجسيمة الفاخرة والرسوم الباهية الباهرة والصور الجليلة الجميلة والتماثيل المتُقنة المحكمة والنقوش المزخرفة والسلالم والقباب والثريات، وغير ذلك من الأمتعة الغالية العالية، فذلك بمقدار مبلغ النفقات وفي ذلك ما يغني عن الإفاضة.
ويجيء بعده التياترو الفرنساوي أو الكوميدية الفرنساوية (Comédie Le Francaise)، وقد كان تشييده في سنة ????، ويحتوي على كثير من آثار الفنون المستظرفة ويعتبره الفرنساوية فخرًا قائمًا لهم، وإن الروايات التي تشخص به مسبوكة في أحسن قالب وأكمل ذوق، ولكن الرواية التي شهدتها لا تشهد بذلك وإن كان مؤلفها من أكبر أكابرهم، وهو ابن ألكساندر دوماس ومن أعضاء الأكاديمية الفرنساوية، فإنها عبارة عن امرأة تحققت خيانة زوجها لها فاستعملت كل الوسائل في إرجاعه عن جهله، ولم تنجح فاضطرت ذات ليلة لاقتفاء أثره في الباللو ثم في المواخير وقلدته في جميع أعماله، ثم أخبرته بذلك بتفصيل وتدقيق أثبتت له حضورها في المكان الذي كان فيه متخذةً لها صاحبًا حيثما اتفق من الشبان، إلى غير ذلك مما لا يساعدني القلم على كتابته، وإن كانت في آخر الأمر أثبتت براعتها بقولها عن الشاب المذكور: (لقد كذب)؛ فإنها طلبت من زوجها أن يستعلم منه بطريقة خفية، فأخبره بما يؤكد الظن والريبة. وإنني أدع الآن تفصيل أفكاري في هذا الموضوع إلى الرحلة، وإنما أقول إن أغلب الروايات التي تشخص في فرنسا، بل وفي أوروبا، يكاد يكون الغرض منها تعليم النساء الحِيل والمكايد، مع أنهن بنات بجدتها! وسأقيم البراهين على ذلك بتلخيص بعض الروايات التي يزدحم عليها القوم، ولا ازدحام على القِصاع. وكذلك أقول عن جميع التياترات التي زرتها ما عدا الأوبرا في قليل من الأحيان وتياترو الشاتليه غالبًا، فإنه مخصص للقطع التاريخية، ومما يستحق الذكر في هذا التياترو الأخير أن عدد الراقصات فيه يبلغ ??? عدا المشخصات والمشخصين.
واعلم أنه يوجد في بعض التياترات نظارات موضوعة في ظهور الكراسي بكيفية ميكانيكية لطيفة، بحيث إن غطاءها ينفتح بمجرد وضع نصف فرنك في فتحة فيها، وبعد تمام التشخيص يعيدها المتفرج لمكانها.
ومن أغرب ما يتعلق بالتياترات تلك الآلة الكهربائية المسماة بالتياترو فون (أي سماعة التياترو)، وبيان ذلك أن لأغلب الجرائد المهمة قاعات فسيحة يسمونها قاعة التلغراف، ولكنها أشبه شيء بمعرض للصور والرسوم وبعض المصنوعات الدقية اللطيفة وغير ذلك من مستظرف الآلات ومستحدث البدع، فتوجهت إلى كثير منها ورأيت فيها شيئًا شبيهًا بالتلفون، وفيه فوهة مخصوصة يضع الإنسان فيها نصف فرنك أو فرنكًا بحسب المدة التي يريدها، ثم يضع السماعات على أذنيه، فيسمع التشخيص بغاية الوضاحة كأنه حاضر في أحسن محل بالتياترو، ويسمع الغناء بصوت صريح، ويقف على جميع الأقوال التي يتبادلها المشخصون أثناء التمثيل مما قد لا يسمعه إذا كان جالسًا في الصف الخامس من المتفرجين، ولكن هذه الآلة لا تُمكِّن المستمع بها من سماع التصفيق أو الموسيقى أو غير ذلك مما لا يتعلق بالتشخيص مباشرة؛ لأنها مدبرة بحيث تنقل كل صوت يقع في نفس المسرح الذي يقف عليه المشخصون دون سواه، وقد حضرت بهذه الكيفية قطعًا كثيرة من بعض الروايات التي أعرفها، إذ كنت كل ليلة أتوجه إلى قاعة التلغرافات في جريدة غير قاعة جريدة الأمس.
أما قهاوي المغاني وأماكن الرقص وما يشابهها مما يدخل في هذا الموضوع، فهي أكثر من أن يتصورها الإنسان، وكلها في كل ليلة تكون غاصة بالجماهير المجمهرة والعوالم المتقاطرة.
أما المنتزهات والمسابقات على الخيول والعربات والأقدام والعجيلات المفردة والثنائية والثلاثية (السيكلت والبيسكل والتريسكل) وقبقاب الزحلقة على الثلج الطبيعي والصناعي والسباحة والملاحة والصيد والقنص والرماية، ومرائي العالم (صندوق الدنيا أو البانوراما)، فقد تفننوا وتنمقوا فيها إلى درجة قاصية، حتى إن جرائدهم تخصص لذلك كله أعمدة طويلة في كل يوم، بل إن لكل نوع منها جريدة أو أكثر خاصة به ومنتدى (كلوب) يجمع أهله، وكثيرًا ما تكون مسابقاتهم على الأقدام أو العجيلات المفردة من مدينة إلى مدينة أخرى بعيدتين عن بعضهما بمسافات كبيرة، وقد يشاركهم كثير من النساء في هذه المسابقات، ويفزن في غالب الأحوال بقصب السبق في هذه المضامير المتنوعة المتعددة.
ومن شدة غرامهم بالزحلقة على الثلج أحدثوا في الصيف الماضي قبل رجوعي إلى باريس بقليل مكانًا سموه «القطب الشمالي»، وأحضروا له من آلات التبريد والتثليج (مثل الآلات المعروفة في مصر المعدة لاصطناع الثلج) ما فيه الكفاية لتجميد الماء، وإيجاد الثلج الصناعي بكمية وافرة وحجم سميك يُمكن المولعين بهذا النوع من الرياضة من قضاء مآربهم في غير فصل الشتاء. وقد نال هذا المحل إقبالًا عظيمًا جدًّا مع ارتفاع أثمان الدخول وتأجير القبقاب وتناول المشروبات وغير ذلك، وهذا أكبر دليل على أن القوم لم يقدروا على كتمان اشتياقهم لهذه المسابقة إلى أن يحل أوانها، حتى إنني لم أرَ بُدًّا من زيارته في بعض الليالي حُبًّا للاستطلاع والوقوف على حركته وكيفية إدارته.
فتوجَّهت أولًا إلى الحمام التركي (وهو على طرز الحمامات العمومية في مصر لا يفترق عنها إلا بفرط نظافته ووجود المرشات الباردة وبرك السباحة وكمال المعدات)، وقد رأيت في جملة المكبِّسين الإفرنج الذين به رجلًا من الإسكندريين اسمه حسن قد فارق ديار مصر مع عائلة أمريكانية منذ ?? سنة، ثم انفصل من هذه العائلة واستقر في باريس يكسب قوته بكده وسعيه.
وبعد الحمام انتقلت إلى القطب الشمالي، فإذا هو مكان فسيح جدًّا فيه صور ورسوم تصور هيئة القطب الشمالي وثلوجه ونباتاته وسُحبه وكواكبه وغير ذلك، ورأيت الآلات وكيفية إدارتها، ووقفت على سير هذه المصلحة المستجدة بالتفصيل، وعرفت أسرارها مما سأخلده بالبيان الشافي في الرحلة إن شاء الله، وقد هزني الشوق إلى مجاراتهم ووطء الثلج بتلك الأقدام المصرية التي لم يُتح لها قط فرصة مثل هذه في وادي النيل السعيد، فاتخذت أستاذًا يسندني، وكنت أُحس بالبرد في أقدامي والخجل في نفسي من رؤية الغِلمان والفتيان والبنات والعذارى يتسابقون كالريح الهبوب، ويرقصون على هذه المرآة الصقيلة رقصًا موزونًا مع نغمات الموسيقى وإيقاعاتها، ومنهم من كان يرسم دوائر كبيرة ثم صغيرة فأصغر، وهكذا حتى يصل إلى نقطة المركز، ومنهم من … كان يقع على قطبه الجنوبي … في هذا القطب الشمالي … وأنا في خلال ذلك أنقل رِجلًا بعد أن أتحقق من ثبات الأخرى مع التوثق من استنادي على أستاذي، كأنني طفل قد ابتدأ في التخطي أو فيل جسيم يسير بكل تؤدة على حافة هاوية عميقة أو على شفا جرف هار، وفي أثناء ذلك أخبرني الأستاذ بأن جماعة من الإفرنج عزموا على إيجاد محل نظير القطب الشمالي في مصر القاهرة بدلًا من المكان المصفح بالقار والأسفلت المعروف باسم (كيروسكيتنج رنك)، فقلت في نفسي: لقد صدق من قال إن هؤلاء القوم لا يمتنع عليهم شيء من مستصعبات الطبيعة (لأن عقلهم في كفهم).
(??) التماثيل والميادين والزهريات المربعة (الإسكوير) والأرصفة والقناطر

تجلت مدينة باريس مثل أكثر المدائن الأوروباوية بتماثيل كثيرة لأعظم رجالها، ولا أذكر الآن ما في داخل القصور والنظارات والمصالح العمومية الأميرية وديار البلدية والمتاحف، وغرف الجمعيات العلمية والصناعية والتجارية وغير ذلك من دور العامة والخاصة، وإنما أذكر ما رأيته في بعض الشوارع والميادين.
فمن ذلك: تمثال الجمهورية وتحت أقدامها غضنفر يحمي كأس الانتخابات العمومية، وعلى قاعدة التمثال رسوم بارزة تمثل أهم أعمال الجمهورية الأولى والثانية والثالثة في فرنسا، وتماثيل الحرية والمساواة والإخاء، وارتفاع هذا الأثر ?? مترًا، ثم تمثال الملك هنري الرابع، وتاريخه مشهور خصوصًا في تودده للأمة وتقربه من الأهالي، حتى إنه حينما كان غائبًا عن باريس وتمرد عليه أهلها ورفعوا لواء العصيان لبعض أمور دينية رجع إليهم وحاصرهم وضيَّق عليهم الحصار، ولما عَلم بشدة الضنك الذي صاروا إليه أخذ يرسل إليهم الخبز من فوق الأسوار مع استمراره على الحصار، وكان يقول: إنني لا أريد أن أتملكهم بالجوع فذلك مما تأباه الشهامة والفروسية.? ثم تمثال الجمهورية أمام قصر جمعية المعارف، وتمثال الفتاة جان دارك المشهورة بإخراج الإنكليز من فرنسا، وتمثال لويس الرابع عشر ملك فرنسا المشهور، وتمثالين لفولتير، وتمثال لكلود برنار، وآخر لدانتي الشاعر الطلياني المُخلد الذكر، ولويس بلان الكاتب الطائر الصيت خصوصًا بتواريخه على ثورات فرنسا، وشارلمان الملك، وديدرو من أكبر فلاسفتهم ورأس المؤلفين للموسوعات الفرنساوية، وبيرانجية صاحب التلاحين والأغاني التي يكاد يحفظها كل فرد منهم، وألكساندر دوماس صاحب الروايات العديدة المترجم بعضها إلى اللغة العربية، وجان جاك روسو ذلك الفيلسوف العظيم الذي كان له يد طولى في تثقيف عقول الأمة وتنوير الأذهان، وشاكسبير شاعر الإنكليز وفيلسوفهم صاحب رواية كيلوبطرة ملكة مصر، وقد بلغ فيها نهاية الإجادة، ولامرتين ذلك الشاعر المُفلِق والكاتب المجيد، وكثيرًا ما كتب على المشرق ومصر والدولة العلية خصوصًا كتابات تسحر العقول وتخلب الألباب، وقد تولى رياسة الجمهورية، وتمثال دانتون المشهور الذي حَرك ساكن الوطنية في قلوب قومه بخطبه الرنانة ومقالاته المأثورة، ومن أهم كلماته قوله: (لكي نقهر عدو الوطن يلزمُنا الإقدام ثم الإقدام وعلى الدوام الإقدام.) وهي بلغتهم في نهايات الفصاحة مع بساطة الشكل كالسهل الممتنع عندنا. وتمثال الأب دولوبي (ذي الحسام)، وهو أول من عني بتعليم الخرس، وقد سبق لنا ذكره، ثم تمثال الرياضي المحقق والطبيعي المدقق العلامة باسكال، وقد أشرنا إليه فيما سبق.
وهناك تماثيل كثيرة لعظمائهم يضيق عن سردها المقام، والذي يستحق التخصيص الآن هو تمثال رجل كان جاويشًا في غزوة التونكين، واسمه الجاويش بوبيللو، وليس في فرنسا كلها تمثال لصف ضابط سواه، وسبب عناية القوم به لهذه الدرجة واكتتابهم في جميع أطراف فرنسا لجمع المال اللازم لتشييد هذا الأثر أن الجنود الفرنساوية حاصرهم أهل التونكين في غابة كثيفة، وأوشكوا على إبادتهم عن آخرهم لولا وجود هذا الرجل؛ فإنه تعرض لهم وفدى قومه بنفسه؛ إذ شاغل التونكينيين بثبات جاش وجراءة حتى تيسر لقومه وجود مخرج من هذه الورطة، وقد قُتل الرجل في هذه الواقعة بعد أن أبلى في أعدائه بلاءً حسنًا.
وبهذه المناسبة أذكر ما رأيته في تورينو والشيء بالشيء يذكر؛ رأيت في أحسن ميادينها تمثال رجل من أفراد العساكر (نفَر) لم يحرز أدنى رتبة، فتعجبت من هذه الحفاوة به واستفهمت عن السبب؟! فقيل لي: إنه أنقذ المدينة بأسرها من أعدائها وفدى بلاده بنفسه، وذلك أنه لما كانت الحرب بين النمساويين والطليانيين اتفق أن أهل أوستريا فازوا على أهل تورينو وألزموا جنودهم الفرار واحتلوا قلعتهم، فلكي ينتقم هذا الجندي من أعدائه ويأخذ بثأر وطنه اختبأ في مخزن البارود (الجَبَخَانة) ثم أولع فيه النار فطارت القلعة بمن فيها، وهلك هو وجميع الجنود النمساويين، وقد كانوا اعتقلوا بها، وكان الرجل أول من مات ولكنه أنقذ حياة بني وطنه أجمعين.
أما الميادين في باريس فكلها في غاية الجمال ونهاية النظافة تحفُّ بها المباني الخطيرة والقصور الجسيمة ويبلغ عددها نحو الستين، ولكني بالمقابلة وحفظ النسبة أقول: إن الميادين العمومية في فلورانسة أكثر منها في باريس، وقد رأيت أيضًا كثيرًا من الزهريات المربعة (واسمها بالإفرنجية سكوير لفظ إنكليزي؛ لأنها من خصوصيات المدائن الإنكليزية)، ولها في مصر نظائر مثل التي في رحبة عابدين والعتبة الخضراء وميدان الأوبرا وغير ذلك، وكلها مزدانة بالتماثيل والفساقي والأزهار والشجيرات الغريبة والأعشاب النضيرة، وهي مَحط العناية التامة من ديوان البلدية؛ لأنها تساعد مثل الميادين على إصلاح الهواء، وترويح النفوس، وعددها ?? زهرية.
أما الأرصفة والقناطر التي على نهر السين فهي من أهم المنتزهات، وجميع الأرصفة مبنية بحجر الدستور، ولها برازيق ودرابزونات عليها كثير من صناديق الخشب هي مخازن لبائعي الكتب القديمة، ومتسوقي كتب (اللُّقطة)، ولقد استغرقت مني هذه الأرصفة ساعات طويلة في أغلب أيامي، واشتريت منها كتبًا كثيرة بأثمان زهيدة. وعدد الأرصفة ??، وأغلبها عليه أشجار ظليلة، وأما القناطر فعدتها ?? ومنها ما هو مبني بالحجر، ومنها ما هو مُركب من الحديد، وعلى بعضها تماثيل فوق سطحها أو على أساطينها. ومن المعلوم أن نهر السين يخترق باريس كهيئة قوس يبلغ طوله ????? متر إلا قليلًا، فتكون المسافة المتوسطة بين كل قنطرة والثانية نحو ??? مترًا تقريبًا، وأحسن وقت لرؤية هذه القناطر هو الليل؛ إذ تكون مضاءة هي والأرصفة بالمصابيح المختلفة الألوان، وترسل النور على صفحات النهر فتكون كذهب الأصيل على لجين الماء.
(??) المطبعة الأهلية وبنك فرنسا وبنك الرهونات

لا يمكن زيارة هذه المطبعة إلا في يوم الخميس الساعة ? بعد الظهر بالضبط بعد الاستحصال على تذكرة خصوصية من المدير. وإذا حضر الزائر بعد الميقات المحدد لا يجوز له الدخول. وقد طفتها ورأيت أعمالها الجسيمة وعمالها العديدين الذين يزيدون على ???? ذكورًا وإناثًا، يقومون بكافة ما تستلزمه صناعات الكُتب من سبك الحروف إلى تجليد الكتاب ونَقش الفوتوغرافية والرسوم على الأحجار، وفي المطبعة ??? نوعًا من الحروف منها ??? خاصة باللغات الأجنبية وبواسطتها يتيسر لها طبع كتب بثمانية وخمسين لسانًا شرقيًّا، وقد ظهر فيها من الكتب والرسائل العربية أصلًا وترجمة ما يكاد يكون مجهولًا في بلادنا، وفي فنائها تمثال لجوتنبرج مخترع الطبع.
أما بنك فرنسا فيكاد يضارع مثيله في إنجلترا، ولقراطيسه ثقة عامة في جميع أنحاء المسكونة، وقد تزيد قيمتها في بلاد كثيرة من أوروبا وأمريكا. ومن أهم ما يستوقف الأنظار به بهو الذهب، وهو عبارة عن قاعة طويلة مزخرفة بنقوش مذهَّبة وأخشاب مصنوعة بإتقان وإجادة، وقد كانت بالقصر الذي هو فيه الآن أيام كان سكنًا لبعض أفراد العائلة الملوكية، فأبقاها البنك على حالها، بل أجرى فيها ترميمات تزيد نفقتها عن المليونين من الفرنكات، وهي معدة لاجتماع المساهمين في بعض أيام من السنة فقط.
أما بنك الرهونات فتعريب اسمه الفرنساوي هو (جبل التقوى)، وله فروع ونظائر في جميع أقطار الأرض، وفي اسمه العربي دلالة كافية على ما يتعاطاه من الأعمال، وفي كل سنة يباشر جردًا عموميًّا على الأمتعة والجواهر والسندات والقراطيس المالية والمرهونة فيه منذ سنوات عديدة، وفي هذه السنة حصلت هذه العملية المهمة. ومن جملة الغرائب التي تدونت في قائمة الجرد ستارة مضى عليها فيه اثنتان وعشرون سنة، وصاحبها يجدد الرهن في كل سنة، وهذا الأمر ليس في شيء من الغرابة، بجانب مطرية مرهونة فيه منذ سنة ???? على مبلغ ? فرنكات، وقد أربت فوائد هذا المبلغ على ثلاثين فرنكًا! فتأمل.
(??) الأسواق والمطاعم ومعارض الصناعة والزراعة ونحو ذلك

أسواق المؤنة المركزية في هذه المدينة تشغل مسطحًا من الأرض قدره ????? متر مربعًا، وقد كان وضع أول حجر منها في سنة ????، وهي عبارة عن كشكات من الحديد ليس إلا، يعلوها سطح من التوتيا وتحتها سراديب فيها مخازن وسكة حديدية ستتصل عما قليل بسكة حزام العاصمة، وفي كل كشك ??? دكانًا، وعدد الكشكات الموجودة الآن ??، وقد قدروا نفقات هذا العمل الجسيم بستين مليون من الفرنكات، واستخدموا الكهرباء في إضاءتها بالليل منذ سنة ????. ويوجد في جميع أقسام باريس أسواق مؤنة ثانوية منظمة على نسق الأسواق المركزية، وأحسن وقت لزيارتها ورؤية حركتها هو وقت التمون؛ أي في بَكرة النهار قبل طلوع الشمس. وأضف إلى ذلك أسواق الأزهار وهي تزيد على الخمسة، وأسواق الأطيار، وسوق الكلاب، وسوق الجلود، وسوق الخيول، وسوق العلف، وسوق البهائم (وله اتصال بالمذابح)، وسوق التميل (الهيكل) وهو في يد قومبانية ومسطحه ????? أمتار، وفيه ??? دكانًا تباع فيها جميع الأصناف.
أما المطاعم المعروفة باللوكاندات فهي كثيرة جدًّا، ومنها ما يكون الأكل فيه بثمن محدود أو بحسب قيمة كل صنف على حدته، ومنها ما قد تبلغ الغدوة والعَشوة فيه ثلاثين وأربعين وخمسين ومائة فرنك، ومنها ما لا تتجاوز الأكلة فيه ثلاثة فرنكات أو اثنين، بل أقل من ذلك. وأغلبها مزخرفة مضاءة بالكهرباء، وفي كثير منها خلايات منعزلة خصوصية، ومنها ما هو مخصص لِصنف واحد من المأكولات، وبعضها يكون مفتوحًا طول الليل وغير ذلك، وأغلب القهاوي ومشارب الجعَّة (البيراريات) والخمارات تقدم الزاد لمن أراد.
والذي ينبغي ذكره بنوع التخصيص في هذا الباب وهو مطاعم دوفال، فقد بلغني أن هذا الرجل كان قصابًا (جزارًا) ثم كانت تتأخر عنده اللحوم، فيبيعها بأبخس الأثمان أو لا يجد لتصريفها من سبيل، فخطر على باله أن يتخذ مطعمًا يشوي فيه هذه اللحوم ويبيعها بثمن بخس للآكلين، فشرع في العمل وأقبل عليه الدهر فتوسع في هذا الموضوع حتى صارت مطاعمه مقصودة من العامة والخاصة يتقاطر عليها الأكابر والأصاغر، وذلك لبخس الأثمان وزيادة العناية وجودة المأكولات مع زخرفة الأماكن وإضاءتها بالكهرباء، وإدارة هذه المطاعم الآن في يد قومبانية من المساهمين، وقد بلغ عددها في أول يناير سنة ???? ??، خلاف فندقين كبيرين وخلاف المخازن العمومية ومعمل الفطير والمغسل ومخازن الأنبذة، وعددها أربعة منها واحد في بوردو (Bardeaux)، وخلاف دكاكين الجزارة في ثلاثة شوارع، وإذا توجه الإنسان إلى مطعم من هذه المطاعم في وقت الظهر أو بعد المغرب رأى منظرًا غريبًا؛ إذ يرى كتائب الخادمين مسرعين مهرولين وجيوش الآكلين متشدقين ماضغين بَالِعِين مع المواظبة على الشراب الحلال والحرام والداخلين أكثر من الخارجين، ويكون المكان بهذه الخلائق المتموجة أشبه بأحد شوارع لوندرة. وعلى ذكر لوندرة أقول: إنني أتعجب كل العجب من عدم مجيء هذه الفكرة لرجل من أبناء بريطانيا العظمى، فإنها أشبه بما صنعه كوك وهويتلي وغيرهما، والأغرب من ذلك أنه لم يقم الآن رجل من الإنكليز بعمل يضارع هذه المطاعم في «موسوعات الدنيا»، بل قد نسجت قومبانية باريسية أخرى على منوال دوفال وأنشأت أربعة مطاعم وفندقًا بقهوة ومطعم في أهم شوارع باريس ودروبها، وهي وإن كانت في درجة من الرفاهية وحسن الحال، لكنها لا تضاهي نجاح مطاعم دوفال، والعادة في هذا النوع من المطاعم أن يعطي للإنسان عند دخوله قائمة مطبوعة فيها الأثمان فقط، ومتى طلب صنفًا أشَّر الخادم أمام الثمن المقرر له حتى إذا فرغ الآكل توجه بهذه القائمة إلى أمين الصندوق ونقده المطلوب، ثم ردها عند الخروج للعامل الذي أعطاها له عند الدخول.
أما معارض الصناعة فلها فيما أرى غايتان؛ أولاهما تنشيط الصُناع وحثهم على التفنن والاختراع، وثانيتهما تعريف الأهالي بما ينجم عن ذلك من الفائدة والاقتصاد، والحصول على أمور قد تطلبها النفس من غير أن يقدر اللسان على التعبير عنها لعدم سابقة العلم بها؛ ولذلك أنشأت مدينة باريس كشكًا على حافة نهر السين يُعرف باسمها، وتأتي الجمعيات الحرفية والطوائف الصناعية لعرض مصنوعاتها فيه، والمباراة لحيازة شهادات الشرف ووسامات الافتخار من أعضاء مجلس المحلفين الخبيرين المعينين لكل نوع.
واتفق أنه في أثناء وجودي بباريس كان الدور لمتعاطي صناعة لحم الخنزير، فتوجهت إلى الكشك حُبًّا للاستطلاع، ورأيت فيها الموسيقى العسكرية تصدح بألحانها المطربة وأعمال الصُنَّاع معروضة على النظار بتأنق وتجمل، بحيث كانت تستوجب إعجاب القوم وتستدعي شهيتهم فينظرون إليها نظرًا متواليًا، ويبلعون ريقهم ثم يقصدون الحانات فيتعاطون المشروبات، فكأنهم حينما أطربتهم نغمات الموسيقى تصوروا أنهم أكلوا من هذا الصنف المستطاب لهم، ورأوا من الواجب إتمام القصف بمعاقرة بنت الكرم. وسأتكلم فيما بعد على هذا المعرض بتفصيل يُشفي الغليل.
ثم جاء الدور للطحانين، فافتُتح مؤتمرهم باحتفال عظيم كان رئيسه وزير التجارة، ومعه كثير من كبار الموظفين في نظارته ورئيس جمعية الطحانين بفرنسا، ثم معرض جمعية المشتغلين بتربية الأزهار، ثم معرض دولي للأطيار، ثم غير ذلك من المعارض التي لا يسعني سردها الآن، وكلها تتجدد في كل عام زيادة في التفنن والإغراب، وكل واحد من هذه المعارض يبتدئ باحتفالات باهرة وينتهي بولائم فاخرة.
(??) ضواحي باريس

لا تخلو عاصمة من ضواحٍ يقصدها أهل الثروة وطالبو النزهة لترويح النفس من ضوضاء المدائن الكبيرة، ولكني لم أزر من ضواحي باريس سوى فنسن (Vincent) وفرساي (Versaille). فأما مدينة فنسن (وسكانها ?????) فما تستحق الذكر لولا الغابة الجميلة التي بها والقلعة المهمة المنيعة المعروفة باسمها، وقد زرت هذه القلعة بتصريح خصوصي، ورأيت غرف التعذيب وآلات العذاب والمكان الشاهق الذي هرب منه الدوك دوبرفور، وقناة السين التي كانت ترمى بها جثة المُعذب بعد أن يسقى كأس الحمام، وغرفة سُجن بها أحد القساوسة ? سنوات، وأخرى اعتُقل فيها أحد الكرادلة ? شهور، ولكن ذلك كله أصبح أثرًا بعد عين، وصار كأداة ملغاة لا عمل لها، حتى إنهم سَدوا فوهة البئر الموصل لقناة السين، وقد يبلغ غلظ الحائط في أعالي هذه القلعة ثلاثة أمتار، ورأيت خزائن السلاح ولكنها لبست شيئًا مذكورًا بجانب ما رأيته في برج لوندرة وحصن دوفر من أعمال إنجلترا، وأما الغابة ومنتزهاتها وبحيراتها وجزائرها وخلاويها، فسأتكلم عليها في الرحلة مع الإلماع بشيء إلى غابة بولونيا والبوت شومون وغير ذلك. أما قصر فرساي فقد كان مقر ملوك فرنسا، وهو في منتهى الجلالة والفخامة، بحيث لا يكاد يعادله شيء مما رأيته، وقد حوى صور جميع ملوك فرنسا ومشاهيرها على الجدران والرخام والقماش وغير ذلك، بغاية الإبداع ونهاية الإتقان، ومن أراد أن يقف على تاريخ فرنسا في سويعات قليلة فما عليه إلا أن ينظر الرسوم التي ازدانت بها غُرَفه، فإنه يرى فيها جميع وقائعها وأعمالها وكل ما يتعلق بتواريخها. ومما استوقف أنظاري بنوع خصوصي صورة الشيخ السادات والسيد البكري والشيخ الشرقاوي، وغيرهم من أكابر مصر أيام دخلها بونابرت، وقد رأيت أسرَّة ملوك فرنسا وأثاثاتهم وأمتعتهم الخاصة بشئونهم الداخلية، ورسومًا تمثل الحروب الصليبية وحروب أفريقية والقِرم وإيطاليا وغير ذلك مما لا يدخل تحت حصر، وأحفظ لنفسي حق الكَلام عليه وعلى الروض الأنيق والفساقي البديعة، وعربات الملوك التي بقصر آخر بجواره يعرف ? (التريانون)، وغير ذلك مما يضيق عنه نطاق هذه الأوراق.
(??) أهل باريس

أُفٍّ لَكِ يا باريس وأَلف أُفٍّ! فقد أعياني فيك الوصف، واضطرتني كثرة ما فيك من المآثر والمفاخر وتعدد المشاهد والمعاهد للإطالة في المقالة بما ربما يوجب الملالة والكلالة، مع أني لم أغترف للقارئ إلا قطرة من بَحرك ولم أروِّحه إلا بنفحة من زهرك، ولا يزال مجال الكتابة واسعًا أمامي فسيحًا لجولان أقلامي، ولكنني لا أرى مندوحة عن إقفاله الآن لافتتاحه بعد القفول إلى الأوطان، وأختم هذه الرسالة بذكر كلمات عن أَهلك وأخلاقهم وحركتهم ونشاطهم وأفكارهم وآرائهم، فقد آن لي أن أقدمهم إلى بني مصر بناءً على ما حُققته بالاختبار، وعرفته بعد بعض المعاشرة، حتى إنني لا أرى وصفًا يصدق عليهم أكثر مما قاله أحد ولاة قرطبة في أيام الإسلام بعد أن تخلى عن إدارتها، فإنه وصف أهلها بالقيام على الملوك والتشنيع على الولاة وقلة الرضا بأمورهم «كالجمل إن خَفَّفت عنه الحمل صَاح وإن أثقلته به صَاح، فلا يدري أين رضاه!» وفي ذلك دليل على أن أفراد الإنسان مهما كانت بلادهم قاصية وعاداتهم متباينة وطبائعهم متخالفة، وأقاليمهم متنوعة ومعتقداتهم متباعدة، فلا تزال في أفكارهم وحدة تجمعهم وفي نفوسهم حاجات مشتركة بينهم.
وأهل باريس أكثر من رأيتهم من الأمم نظرًا في الفَرق الحاصل بين أفراد الهيئة الاجتماعية، فإنهم يرون الوضيعين كثيرين والرفيعين قليلين والواصلين إلى ذروة النعيم عددهم أقل من القليل، فيقولون: لِمَ هذا الاختلاف ونحن كلنا متساوون وأبناء نوع واحد تجمعنا راية الجمهورية، وقد كُتبت عليها هذه الكلمات (حرية – مساواة – إخاء)؟
ولما انتشر التعليم فيما بينهم ونفذت أشعته بين لفيف المتناولين الحِرف الدنيئة منهم تَصور هؤلاء الأفراد أنهم يعرفون أكثر مما يعلمون، وصَاروا لا يقيسون أنفسهم بمن هو أعلم منهم، بل ينظرون إلى من هم أحط في الدرجة، فداخلهم الإعجاب بنفوسهم، حتى خَيَّلت لهم الخُيلاء أنهم أهل للكلام في كل موضوع، وأن لهم الحق في الحَل والعقد في جميع المسائل على اختلاف طبقاتها، وأخذوا يجاهرون باللوم والتأنيب ويقولون إنهم لو كانت الأمور بأيديهم لكانت مساعيهم أحمد عاقبة وأعمالهم أتم فائدة؛ ولذلك تشعَّبت أفكارهم وكثرت مقالاتهم في حل المسألة الاجتماعية وترتيب نظام الجمعية البشرية على أسلوب يفي بجمع الحاجات، فيقول فريق منهم: (إننا لا نطلب شيئًا ما من أحد ما، ولا حاجة لنا بكائن من كان، فلماذا لا يتركنا الغير نعيش ممتعين بالحرية راتعين في بحبوحة الاستقلال؟ أليس من المستغربات إلزامنا بدفع الضرائب والغرامات من المال الذي جمعناه بكَدِّنا وسَعْينا بحجة القيام بنفقات يسمونها عمومية وهي لا تهمنا ولا تعنينا؟ أليس إن ما نكسبه بعرق جبيننا ملك حلال لنا، فلماذا يضطرنا الغير لبذله في إغناء الغير؟)
ويقوم فريق آخر يعضده ويقول: (ليت شعري هل كُتب علينا التعب والنصب لأجل أن نحمل ثمرة أتعابنا إلى مأمور التحصيل لإغناء المميزين وهم عدد قليل؟! لعمري إنه لا حاجة لنا في أن يتحلى رئيس الشرطة وصاحب العَسس بأشرطة من القصب والذهب، أو أن يكون لحضرة المدير عربات تجرها الجياد الصافنات.)
فيقوم فريق آخر ويقول: (إنني أُكثر الندب على المال، فإنه لا مِراء أن رئيس الشرطة وصاحب العسس لا يمكنهما أن يتفرغا للزراعة والصناعة، بينما هما آخذان في تعقب اللصوص وقطع دابر قطاع الطريق؛ ولذلك فإنه ينبغي لنا أن نكسوهم، ومن رأيي أن شرائط القصب والذهب ليست من الزيادات والنوافل؛ لأنها تُحدث الهيبة، ولا ألوم المدير على اتخاذ الخيول، فإنه يجب عليه قطع المسافات الطويلة لتفقد أحوال مديريته، ولكن الذي لا يمكنني أن أتحمله أو أرضى به هو أن القوم يفدون علينا في كل عام، وينتزعون منا زهرة الشبان ليدخلوهم في سلك الأجناد والأعوان … الله الله! أليس من أشنع الأمور وأبشع الأعمال سوق أولئك الفتيان إلى سوق المذبحة الذي يسمونه بالحرب، فلماذا نحارب ولماذا نضارب؟ أليس إن الأولى أن نلبث في ديارنا بسلام وأمان منقطعين لحرث الأرض وحمل المحصول إلى السوق ومعاملة كافة الناس بالتي هي أحسن؟)
فيقوم فريق آخر ويقول: (نِعمت هذه الأفكار! ويا حبذا هذا الرأي لو كانت الناس كُلهم عُقلاء وقائمين برفع منار العدل فيما بينهم! قولوا الحق، أفلو اعتدى جاركم على قيراط من أرضكم أما تقوم القيامة؟ لعمري إنكم تُشرِعون الأسنة وتشهرون السيف البتار، وتفضي بكم الحال إلى إهراق الدماء. ألا نعمت الحِرفة حِرفة الجندي يذود عن حِياض وطنه، ويحمي أهل بلده، فإن ذلك من أوجب الواجبات؛ إذ من المنازعات ما لا يُجدي فيها المكالمة، بل الملاكمة، ومنها ما لا ينجح فيها المدافع إلا إذا صاح بأفواه المدافع).
ثم تتشعب أفكار كل فريق ويستحسن بعضهم ما يقبحه الآخر، ويأتي هذا ببعض التعديل وذاك بشيء من التبديل.
ولهم مثل ذلك فيما يتعلق بالنواب عن البلاد، فيقول بعضهم: (إنني لا أرى الفائدة التي تعود علينا من اختبار رجل يذهب إلى مجلس النواب؛ لينوب عنا وليشتغل بمصالح البلاد، وذلك لوجوه أقلها أننا نجري في هذا الانتخاب كالعميان الذين لا يهتدون إلى الطريق، فإن القوم يقولون لنا هذا الرجل يصلح وذلك الرجل لا يصلح، ونحن نجهل حقيقة الاثنين في أغلب الأحوال، وكل منهما يشنف أسماعنا بما يخرجه من وطابه من مستعذب المقال، ويعدُنا بأنه يوصلنا إلى تمام السعادة، ولكن أين منا الماهر الذي يقدر على تمييز البواطن من الظواهر، وتعرُّف الخبيث من الطيب؟ فإني إذا توجهت إلى السوق أقدر على تمييز الحبوب الجيدة والأثمار الصالحة، ولكنني أقول الحق إنني في اختيار النائب لا أعرف ماذا أنا صانع، ولا أقدر أن أحكم عليه مثل حكمي على غيره من الأشياء التي لي بها تمام الخبرة، فإن حضرة شيخ البلد «أمين المدينة» يوزع علينا قوائم الانتخاب ويقول لنا إن فلانًا هو الحائز لكافة الأوصاف اللازمة وينبغي انتخابه، فمن رأيي أن ينفرد أمناء المدن بعملية الانتخاب لأن رأيهم هو الغالب، وحينئذ يتم هذا الأمر في وقت قصير وفي اختصار الزمن فائدة عظيمة).
فيقول فريق آخر: (متى عجز الإنسان لأي سبب من الأسباب عن مباشرة شئونه بنفسه، فالواجب عليه أن ينيط واحدًا غيره يختاره لها، فإذا لم يكن عنده من المعلومات ما يكفي لهذا الانتخاب، يجب عليه الاسترشاد برأي حكيم ناصح يثق بقوله ويعول على رأيه، وحينئذ يكون له يد في إدارة أحوال بلاده ويداخله السرور بأن له كلمة معدودة وصوتًا معتبرًا.) فيقول فريق آخر: (كل ذلك حسن، ولكني أرى أن أمور البلاد وإدارة شئونها تصلح كثيرًّا إذا كانت في يد رجل واحد يحكمها بحسب ما أوتي من الحكمة، فإنه متى كان الحاكم واحدًا كانت مصلحته الشخصية أكبر قاضٍ عليه في إدارة الأمة على أكمل منوال حتى يتقرب منها ويتحبب إليها، ومن المقرر الذي لا يختلف فيه اثنان غرق السفينة التي فيها ريسان، وقد رأيت في بعض الأيام عربة يجرها ستة من الأفراس ارتبكت في طريق كثر رحله ووعثه فتقدم لإنقاذها كثير من الناس، فكان بعضهم يدفع العربة ذات اليمين، وآخر ذات اليسار وبعضهم يشدها من الخلف، بينما نفر يجرونها من الأمام، ويجيء جماعة فيفوقون السياط على الخيول وهي لا تزداد إلا حَرنًا وتعاصيًا، وفي أثناء ذلك تزداد العربة غوصًا في الوحل وارتطامًا، ولما رأى سائق العربة هذه الحالة أبعد جميع هؤلاء الناصحين الغير ناصحين، ووصف خيوله بجانب بعضها ثم استوى على كرسيه، وهمهم على الخيل من غير أن يرفع عليها سوطه، فعرفت صوته وجمعت قواها ثم نهضت بحملها الثقيل نهضة واحدة استخلصت العربة من الأوحال، وسارت تركض بها في أحسن حال فهكذا تكون إدارة الأعمال.)
فيقوم فريق آخر ويقول: (إنما أفلح سائق العربة لمهارته وحسن إدارته ومعرفته بمهنته؛ ولأن خيوله كانت قادرة على جر حملها وإلا فلو كان فوق طاقتها لما قدرت أن تقوم به أبدًا، ولكن الرجل لو كان غير كفء لوظيفته لا شك أنه كان يعتبر نفسه سعيدًا من وجود ناصحين له صادقين في خدمته يعاونونه على الخروج من مثل هذه الورطة بسلام، بل ربما كان يشكر العناية الصمدانية إذا كانت تقبض له في مثل هذه الحال رجلًا أقدر منه على قيادة العربة وخيولها، حتى يُلقى إليه بالزمام ويتعلم منه كيف تكون الإدارة في المسالك الحرجة والمواقف الوعرة، ولو كانت خيله لا قِبَل لها بجر العربة فهل كان يرفض نصيحة العقلاء الذين يشيرون عليه بتخفيف الحمل أو تمهيد الطريق أمام العجلات وإزالة ما يعترضها من الأحجار والموانع الأخرى؟ فلذلك لا ينبغي الاستخفاف بالمشورة، فإن من انفرد برأيه زل ومن استغنى بعقله ضل، وما خاب من استخار ولا ندم من استشار.)
هذا مثال من ألف مثال مما رأيته من حركة الأفكار، ولا أود الإطالة بشرح أفكار القوم في المسألة الاجتماعية، وهيجانهم إلى درجة لا يتصورها العقل، وسأشرح ذلك في الرحلة بالتفصيل وأُطلع قومي على غرائب هؤلاء الأقوام. والله المستعان.
هوامش

(?) يعرف الآن باسم ميدان النجمة – شارل دي جول Plece de èetoilè-Charles de Gaule.(?) قال في القاموس في مادة (د ش ن) ما نصه: «الدشن يعنون به الثوب الجديد لم يلبس والدار الجديدة لم تسكن.» وجاء اللسان بعبارة أوضح وهي: «الداشن معرب من الدشن، وهو كلام عراقي وليس من كلام أهل البادية، كأنهم يعنون به الثوب الجديد لم يلبس أو الدار الجديدة لم تسكن ولا استعملت.» ا.?. وعندي التدشين أقرب الألفاظ العربية وأولاها لترجمة Inauguration التي شاعت ترجمتها بلفظة «افتتاح» أو «احتفال»؛ لأن معناها الابتداء للمرة الأولى في عرض أثر من الآثار أو عمارة أو محل مهما كان نوعه على الأنظار، مثل تمثال أو ترعة أو خط حديدي أو عمود أو مدرسة أو غير ذلك، وإباحته لاستعمال العامة، وفي ذلك قرب تام للدار الجديدة لم تسكن ولا استعملت. وقد يستعمل المسيحيون لفظة «تكريس» فيما يتعلق بالكنائس والمعابد وما أشبهها وهي مقلوبة من كلمة إفرنكية Sacre؛ أي تقديس، وربما كان لها أصل في اللغة العربية، قال في القاموس: «والتكريس تأسيس البناء.» وقال في اللسان: «وتكرس أس البناء صلب واشتد … اجعل لهذا الحائط كرسيًّا؛ أي اجعل له ما يعمده ويمسكه … وكل ما جمع بعضه فوق بعض فقد كرس وتكرس».(?) الفيلسوف والمفكر المعروف إرنست رينان Ernest Renon.(?) ربما كان ذلك من باب التيمن بحصول الخصب والبركة، كما هو الشأن في نهر النيل بالنسبة لقُطر مصر السعيد، فإن التمساح أخص حيوانات النيل المبارك؛ لأنه امتاز به على سائر الأنهار تقريبًا وبه يرمز إليه عند أرباب الصنائع والفنون من القدماء والمحدثين. وربما كانت هذه العادة بقية آثار الجاهلية المصرية والفراعنة الأولين، فإن هذا الحيوان كان من أقدس المعبودات في قسم كبير من وادي النيل.(?) الأبلغ من ذلك في الشهامة والكرامة والمروءة والإنسانية ما سبق إليه العرب أهل النخوة والنجدة قبل هذا الملك الفرنساوي بسنين وقرون، فقد روى ثقات المؤرخين عن قبيلتَي الأوس والخزرج (الأنصار فيما بعد)، وهم أعز الناس أنفسًا وأشرفهم هممًا لم يؤدوا إتاوة قط إلى أحد من الملوك، أنَّ تُبعًا الأكبر المعروف بأبي كَرب كاتبهم يستدعيهم إلى طاعته، ويتوعدهم إن لم يفعلوا أن يغزوهم، فكتبوا إليه:العبد تبعكم يريد قتالناومكانه بالمنزل المتذللإنا أناس لا ينام بأرضناعض الرسول ببظر أم المرسلفغزاهم أبو كرب فكانوا يحاربونه بالنهار ويقرونه بالليل. فقال أبو كرب: ما رأيت قومًا أكرم من هؤلاء يحاربوننا بالنهار ويُخرجون لنا العشاء بالليل، ارتحلوا عنهم. (انظر صحيفة ?? من الجزء الثاني من العقد الفريد لابن عبد ربه طبعه بولاق سنة ????). وأبلغ من هذا وذاك ما وقع من رجل وحده لكتيبة تحاربه؛ فقد جاء في الأنباء الصادقة أن تُبعًا الأخير، وهو أبو كرب بن حسان بن أسعد الحميري، خرج من اليمن يريد المشرق كما كانت التبابعة تفعل، فمر بالمدينة وخلف بها ابنًا له، ثم ذهب إلى الشام فالعراق، وهناك بلغه قتل ابنه غيلة بالمدينة، فكرَّ راجعًا وقد أقسم بخراب المدينة وقطع نخلها واستئصال أهلها وسبي الذرية، ثم أرسل إلى أشراف المدينة وفيهم أُحيحة بن الجلاح (والأحيحة في اللغة الغيظ وخرازة الغم، والجُلاح السيل الجراف)، فلما تقابل الجماعة مع الملك لم يفطن أحد منهم لمقاصده السيئة نحوهم سوى أحيحة، فذهب وتحصن في حصن له وأرسل الملك بالليل فقتل القوم كلهم وجرد كتيبة من خيلة لطلبه فحاصروه ثلاثًا، فكان يقاتلهم فيرميهم بالنبل والحجارة نهارًا ويرميهم بالتمر ليلًا، فلما مضت الثلاث رجعوا إلى تبع فقالوا له: تبعثنا إلى رجل يقاتلنا بالنهار ويضيفنا بالليل! فتركه وأمرهم أن يحرقوا نخله. (انظر حديث الرجل في صحيفة ??? من الجزء الثالث عشر من كتاب الأغاني المطبوعة في بولاق سنة ????، وفي صحيفة ?? من الجزء الثاني من خزانة الأدب للبغدادي المطبوعة في بولاق سنة ????).
الرسالة السادسة عشرة


وهي الأخيرة من الرسائل المؤتمرية وداع باريس وذكر الأندلس والبرتغال بوجه الإجمال.
من غرناطة في يوم الاثنين المبارك (? رجب الفرد سنة ?????/??? يناير سنة ??).
***

قضت نواميس الكون الإنساني ونظامات الوجود العمراني بأن دوام الحال من المحال، وأنه لا بد من الفِراق مهما طال التلاق، وأن لكل اجتماع انقطاعًا ولكل اتصال انفصالًا، تلك سُنة الله في خلقه جيلًا فجيلًا، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.
أطلت المُقام في باريس على ما بعد الميقات الذي كنت ضربته لمبارحتها بأيام كثيرة، فإنني كنت كلما عزمت على السفر رأيت وجوب التأجيل لمناظرة بعض الآثار أو لشهود أنواع من الاحتفال أو غير ذلك مما يستوقف الراحل ويستغرق الأوقات ويحبس السائر عن عدوه ويُخرس الطائر المُفصح بشدوه، فكم فيها من مسارح تتضح بها الجوانح، ومحاسن يشغل بها عن وكره السائح، ومطارح تطرح ذكر الوطن من ذاكرة السائح، حتى اعتراني الكلال والملال من كثرة ما رأيت وما سمعت.
وصرت أترقب الفُرص لتيسر الخروج من هذه الدار كما دخلتها بسلام، فَيسَّر الله الأسباب وفتح الأبواب فودعتها في منتصف ليلة ?? إلى ?? نوفمبر سنة ??، ورحلت عن هذه الأرجاء المتألقة والروح بها وبمن فيها متعلقة، ثم سار القطار ينهب الأرض نَهبًا ويقطع الفيافي فدفدًا فدفدًا، ومر على كثير من مدائن فرنسا العامرة: مثل تور (Tours)، وهي مشهورة باعتدال اللسان الفرنسوي وصفاء اللغة، حتى إن أكثر الطالبين لا بد لهم من الإقامة فيها شهورًا طويلة لترسخ فيهم ملكته التي لا تشوبها أدنى شائبة، ومثل أنجوليم (Angouleme) المذكورة في كتب العرب باسم أنقلزم، ومثل بوردو (Bordeaux) المشهورة بخمورها شهرة تغني عن وصفها، وقد سماها العرب بحسب التسمية اللاتينية برديل وبرادال (وبالذال المعجمة في كلتا اللفظتين). وكان بودي أن أقف بكل من هذه المدائن الثلاث بضعة أيام، ولكن وقتي لم يكن يسمح لي بإنالة نفسي هذه الأماني، ولم أصل إلى تخوم إسبانيا? إلا بعد أن أمضيت في القطار مدة أربع وعشرين ساعة لم تكتحل فيها عيني بأثمد الكرى، حتى أجهدني السير وأضناني السرى، ولكنني تجددتْ فيَّ القوى حينما شممت عبير الأندلس واستنشقت نفحاته وتمتعت بالنظر إلى صافي سمائه، وقد ترصعت بالدراري كما هو الشأن في بلادي وأرض مهادي، بخلاف ما كنت قد اعتدت عليه في إنجلترا وباريز من كدورة الجو وقتمة السماء وتوالي الغيوم وتعاقب الأمطار، فصرت أُسامر بدر الظلام وأُطارح الكواكب الحديث، وأشكو إليها ما لاقيته في غربتي، وأطيل النظر إليها حتى لقد كان: يُخيل لي أنْ سُمِّرَ الشهبُ في الدجىوشُدَّت بأهدابي إليهن أجفاني وحينئذ شطحت مع تيار الأفكار، ولكنني ما لبثت أن انقبض صدري وعلتني الكآبة وتولاني الانزعاج، إذ أحاطت بي جيوش من اللوعة والأسف والحسرة واللهف؛ لأنني تفكرت ما ناله الإسلام من العز والاقتدار في هاتيك الديار، أيام كانت تخفق فوق الأندلس أعلامه وتجول فيه أقوامه ناشرة ألوية الفَخَار والحضارة رافعة رايات المجد والكرامة، أيام كانت المآذن قائمة على أعاليه وروابيه تشق أكباد السحاب، ويرتفع منها صوت المؤذن إلى عنان السماء، فتخشع القلوب وتعنو الوجوه لذكر الحي القيوم، أيام كانت المساجد عامرةً بجماعات الموحدين القانتين وربوع العِلم زاهرة زاهية بالدارسين والمدرسين، أيام كان التمدن العربي باسطًا بسَاطَهُ من أطرافه إلى أطرافه إلى أطرافه، والمروءة والشهامة ساريتين في جسمانه، أيام كانت خلافة المغرب تفوق مناظرتها في المشرق بما احتاطت به من أسباب البَذَخ والعظمة والعرفان، حتى كانت ملوك أوروبا تتزلف إلى الخلفاء، وتلتمس رعايتهم وحمايتهم، أيام نَبَغ العلماء والمخترعون والمكتشفون الذين أفادوا العالم بأجمعه، ورفعوا كلمة السلام وجاءوا بأقوم برهان على أن الدين الحنيف يساعد بكلياته وجزئياته على البحث في أسرار الطبيعة، وأنه يحض على اقتناء ثمرات المعارف بجميع أنواعها ومطالبها.? وقد اشتد بي الوَجد والَوَله حتى عَدَمت التعبير وغاب عقلي، وما أبصرت نفسي إلا ولساني يندفع بترديد بعض أبيات من القصيدة المشهورة التي نظمها أبو البقاء الرُّندي في رثاء الأندلس، وترجمت نثرًا ونظمًا إلى اللغة الألمانية والفرنساوية والإسبانية وغيرها، وكنت أكثر من ذكرى هذه الأبيات بحسب ورودها على لساني، وإني أوردها الآن بنصها:?لكل شيء إذا ما تمَّ نقصانُفلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسانُهي الأمور كما شَاهَدتُها دولٌمَن سَرَّه زمن ساءته أزمانُوهذه الدار لا تُبقي على أحدٍولا يدوم على حال لها شَانُيُمزق الدهر حتمًا كُل سابغةٍإذا نبت مُشرفيات وخرصانُوينتضي كل سيف للفناء ولوكان ابن ذي يزن والغمد غمدانأين الملوك ذوو التيجان من يمنوأين منهم أكاليل وتيجانوأين ما شاده? شداد في إرموأين ما ساسهُ في الفرسِ ساسانوأين ما حازه قارون من ذهبوأين عاد وشداد وقحطانأتى على الكل أمر لا مرد لهحتى قضوا فكأن القوم ما كانواوصار ما كان من ملك ومن ملككما حكى عن خيال الطيف وسناندار الزمان على دارا وقاتلهوأمَّ كسرى فما آواه إيوانكأنما الصعب لم يسهل له سببيومًا ولا مَلك الدنيا سُليمانفجائع الدهر أنواعٌ منوعةوللزمان مسرات وأحزانوللحوادث سُلوان يسهلهاوما لِما حل بالإسلام سُلواندَهَى الجزيرة أمر لا عزاء لههوى له أحد وانهد ثُهلانأصابها العين في الإسلام فارتزأت?حتى خلت منه أقطار وبُلدانفاسأل بلنسيةَ ما شأن مرسيةوأين شاطبة أم أين جيانوأين قُرطبة دار العلوم فكممن عالم قد سما فيها له شانوأين حمص وما تحويه من نُزهونهرها العذب فياض وملآنقواعد كن أركان البلاد فماعسى البقاء إذا لم تبق أركانتبكي الحنيفية البيضاء من أسفٍكما بكى لفراق الإلف هيمانعلى ديار من الإسلام خاليةقد أقفرت ولها? بالكفر عمرانحيث المساجد قد صارت كنائس مافيهن إلا نواقيس وصلبانحتى المحاريب تبكي وهي جامدةحتى المنابر ترثى وهي عيدانيا غافلًا وله في الدهر موعظةإن كنت في سِنَة فالدهر يقظانوماشيًا مرحًا يُلهيه موطنهأبعد حمص لعز? المرء أوطانتلك المصيبة أنست ما تقدمهاوما لها مع طول الدهر نسيانيا راكبين عِتاقَ الخيل ضَامرةكأنها في مجال السبق? عقبانوحاملين سيوف الهند مرهفةكأنها في ظلام? النقع نيرانوراتعين وراء البحر في دعةٍلهم بأوطانهم عز وسلطانأعندكم نبأ من أهل أندلسفقد سرى بحديث القوم ركبانكم يستغيث بنو المستضعفين وهمأسرى وقتلى فما يهتز إنسانماذا التقاطع في الإسلام بينكم وأنتم يا عباد الله إخوانألا نفوس أبيَّات لها هممأما على الخير أنصار وأعوانيا من لذلة قوم بعد عزهمأحال حالهم جور وطغيانبالأمس كانوا ملوكًا في منازلهمواليوم هم في بلاد الكفر عِبدانفلو تراهم حَيارى لا دليل لهمعليهم من ثياب الذل ألوانولو رأيت بكاهم حين?? بيعهملَهَالك الأمر واستهوتك أحزانيَا رب أمٍّ وطفل حِيل?? بينهماكما تفرق أرواح وأبدان … … … … … … … … … … … … … … … …لمثل هذا يذوب القلب من كمدإن كان في القلب إسلام وإيمان وصرت أردد هذه الأبيات وغيرها حتى وصلت مدينة إيرون Irun أول تخوم إسبانيا من الشمال، فنزلت بها وقد انتصف الليل، وما صدقت الوصول إلى الفندق حتى اضطجعت على الفراش طلبًا للراحة الضرورية، ولبثت به على خلاف عادتي إلى أن قرب الظهر. ولم أستيقظ إلا على جَلَبة الأطفال وصياحهم في لعبهم ولهوهم بترنيمات تكاد تنطبق على هذين البيتين. شرِّد النوم عن جفونك وانظرحكمة تُوقظ النفوس النِّيامافحرام على امرئ لم يشاهدحكمة الله أن يذوق المناما فقمت فزعًا مرعوبًا وأنا أقول: «أين هذه الحكمة ولماذا ورد هذا البيت على خاطري، مع أن القصائد التي من بحره كثيرة؟» ثم تذكرت أن السبب في ذلك ما كنت فيه بالأمس، فهرعت إلى الخروج لأنظر البلد وما فيه وما حواليه، فرأيت المباني والنوافذ والأسطحة تشبه ما عهدته طول عمري في مصر، وكذلك الحارات والزقائق وغيرها.
وقد كنت وأنا في باريس درست نحو اللغة الإسبانية للاستعانة على مخاطبة القوم ومبادلة أفكاري معهم مباشرة، ولكنني لما حضرت إيرون وتكلمت مع أصحاب الفندق وخصوصًا مع الدليل تَحقق لي أن درس النحو شيء ومعرفة اللسان شيء آخر، وحينئذ زال ما كنت أجده من الغرابة من كون بعض الناس يقضون سنين طويلة مديدة في درس النحو بجميع فروعه، ثم هم لا يعرفون من العربية سوى هذه الآلة.
وأقول الحق إنني لما رأيت اضطراري لمخاطبة القوم ساعة بالإيطالية وتارة بالفرنساوية، وغالبًا باللغة الإشارية التي يفهمها جميع أصناف بني آدم، تراخت عزيمتي وثبطت همتي وهممت بالرجوع من حيث أتيت، وخصوصًا لِمَا كان يقوم بفكري من أن أهل الأندلس الآن أشد أهل الأرض تَعَصبًا على المسلمين وكراهةً للعرب وجفوة للغريب، مع ما هم فيه من الهَرَج الدائم على حكومتهم مما كنت قرأته حديثًا في التلغرافات وأنا في باريس، فضلًا عما رأيته في كُتب السياحات من التشنيع عليهم وتخويف الغريب من الدخول إلى ديارهم، ولما كان حب البقاء طبيعة في الإنسان، وكانت الحياة غالية خصوصًا عند وشك الوقوع في الخطر مع اشتداد الحنين، بل الوله بالرجوع إلى الوطن بعد طول الغيبة، كادت هذه الأفكار وأضرابها تفوز على ما عندي من الشوق لرؤية هذه البلاد الجميلة، وتَعَهد بقايا العرب فيها، فتذكرت حينئذ المثل السائر (من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب)، وأنشدت على نفسي لإحياء مائت قوتي قول الشاعر:
إن كنت تطلب عِزًّا فادَّرع تعبًاأو فَارض بالذل واخترْ راحةَ البدنِ فتجددت في عوامل القوى، وانبعثت في جسماني روح النشاط، وتذكرت أني أكون أول من زار جميع الأندلس من المسلمين والمصريين خصوصًا من أبناء هذا الجيل، وكتب ما رآه فيها وقارن بين حالتيها، وفي ذلك فخر عظيم.
ومن يجد الطريق إلى المعاليفلا يذر المطي بلا سِنام ولذلك توكلت على الله وقمت من إيرون إلى فنترابيا (Fontarabia) إلى سان سيبستيان (San Sebastian) إلى بنبلونة (Pamplona)، وتسمى في قليل من كتابات العرب بمفلونة، وقد حكمها المسلمون اثنتي عشرة سنة فقط، وهي أنظف مدينة رأيتها وجميع شوارعها وحاراتها وأزقتها تضاء بالنور الكهربائي. ثم قمت إلى سرقسطة Zoragoza (Saragosse)، وقد نزلنا بها نبغي المقام ثلاثة فطابت لنا حتى أقمنا بها عشرًا، فإنني ألفيت بها من كرم أهلها وحسن مجاملتهم وكريم توددهم ما كاد ينسيني الإخوان، واطلعت فيها على كتب عربية نادرة جدًّا وتعلمت فيها الكلام الإسباني. ثم إن جمعية العلوم الشرعية والأدبية Academia Juridico Iiteraria عينتني عضوًا افتخاريًّا بها، واحتفلت بي احتفالًا فائقًا، وعقدت جلسة مخصوصة لاستقبالي بغاية التكريم والترحيب، فخجلت أن أدخل بينهم خالي اليدين لا أقدم لهم موضوعًا في هذه الحفلة المهمة، وألهمني الله أن أكتب لهم خطبة باللغة الفرنساوية على مدينتهم في أيام العرب، فاستعنت ببعض الكتب القليلة التي وجدتها عند المشتغلين بالعربية من أساتذتها وببعض ما عن بالخاطر، وقدمت لهم خطبة في ?? صحيفة من الورق الكبير المعروف بالفولسكاب المستعمل في الدواوين، وقد راقت لديهم حتى طنطنت الجرائد بها، وذكرت هذا الاحتفال بألفاظ التبجيل والإجلال.?? وترجم كثير منها خطبتي إلى اللغة الإسبانية على ما علمته بعد قيامي من سرقسطة، وأن الجمعية شرعت في طبعها في مجموعتها، وقد أتحفني أكثر المؤلفين والعلماء بكتب كثيرة من تأليفهم. وخلاصة القول أن هذا اليوم كان من أسعد أوقاتي، وإني أحمد الله على هذا التوفيق الذي مكنني من تشريف اسم بلادي، وقد أجابوا على خطبتي بالإسبانية والفرنساوية والعربية والطليانية. والسبب في ذلك أنه اتفق في بعض الأيام انعقاد جلسة الجمعية الشهرية، فدعاني حضرة رئيسها الافتخاري وهو العلامة بابلو خيل D. Pablo GIL مقدم الأساتذة في المدرسة العالية للفلسفة والآداب لأن أزورها، فتوجهت بصحبته وأجلسني عن يمينه. وبعد أن تمت أعمال الجمعية قدمني إليها، ثم دعاني لأن أخطب عليهم بشيء مما يفتح الله به عليَّ، وإذ لم يكن لي سابقة علم بهذا الأمر وقفت فيهم وحييتهم بالعربية ليهدأ روعي وأستجمع أفكاري، ثم خاطبتهم بالفرنسوية بكلام طويل، ولما جلست طلبوا مني أن أتكلم بالطليانية ففعلت، وحينئذ قام الرئيس الأصيل وطلب من الجمعية تعييني عضوًا افتخاريًّا بها، فأجابت بالإجماع، ثم عينوا جلسة غير اعتيادية لاستقبالي، وحينئذ أشار عليَّ الرئيس الافتخاري بأن أشكر الجمعية باللغة الإسبانية فامتثلت مع قلة البضاعة، وكنت حينما لا أجد اللفظ المطلوب أضع مكانه كلمة طليانية أو فرنسوية، ولو شئت ترجمة ما ذكرته الجرائد عن هذا الاحتفال لاستغرق رسالة أكبر من هذه الرسالة. فأما الخطبة التي أجاب بها بالإسبانية الأستاذ المتضلع العلامة خوليان ريبيرا D. Julian Ribera، فكانت كلها دررًا وغررًا تشهد بمزيد اطلاعه على العلاقات العلمية الأدبية التي كانت بين المشارقة، وخصوصًا المصريين، وبين أهل الأندلس، وسأورد ترجمتها في فرصة أخرى، ويحق لي أن أورد هنا الخطبة العربية التي ألقاها أثناء الاحتفال أحد أعضاء الجمعية، وهو الدون سان بيو D. San Pio الذي تلقيت عليه اللغة الإسبانية، وها هي بنصها الفائق: بالنيابة عن جميع إخواني سلام عليكم يا أيها العلَّامة المصري أحمد زكي أفندي … بودي أن ألقي الآن خطبة ولكني مثل أيوب قد ازدحمت عليَّ الأفكار، وقد دعاني إخواني أن أقول شيئًا بلغتك الفصحى فأقتصر على إيراد بعض جمل من الكتاب المقدس: يخرجك الرب إلى مصر في سفن، واذكر ما لاقيته في هذه المدينة، والقادر الكافي يبارك لك في السفر والإقامة … والسلام.
وقد اطلعت في مكتبة الدون بابلو خيل المذكور على كتب عربية كثيرة، وأغلبها باللغة التي يسمونها ألخميادو (Aljamiado)؛ وذلك لأن العرب لما انقرضت دولتهم بالأندلس وبقي بعضهم فيها حافظوا على دينهم مع شدة الاضطهاد، ولكنهم نسوا أو ألزموا بإهمال اللغة العربية، وصارت اللغة القشتالية؛ أي الإسبانية، ملكة متوارثة فيهم، فكتبوا علومهم بها لكن بحروف عربية، وقد رأيت في سرقسطة ومدريد عددًا عظيمًا من هذه الكتب في أنواع العلوم النقلية والعقلية، ورأيت كثيرًا من المصاحف الشريفة مكتوبة بهذه اللغة ترجمها إلى الإسبانية بقايا الأعراب المسلمين، وهذه اللغة تعرف ? (الألخميادو)، ووجه هذه التسمية أن العرب يسمون كل ما ليس بعربي أعجميًّا، وجرى على منوالهم الأندلسيون، فكانوا يسمون اللغة القشتالية؛ أي الإسبانية باسم (الأعجمية)، ثم انتقلت هذه اللفظة إلى اللغة الإسبانية بغير حرف العين لعدم وجود ما يقابله في اللغات الإفرنكية، فصارت الكلمة مقابل هذا الصوت (ألاجاميا)، ولما كان أهل إسبانيا يقلبون أغلب الجيمات خاءات — كما سنبينه — قالوا: (ألاخاميا) أو (ألَخَميا)، ورسموها بحروفهم هكذا بعد أن سكنوا حركة اللام (Aljamia)، وعلامة النسبة عندهم توضع في آخر الكلمة؛ فلذلك قالوا: (Aljamiado)؛ أي «الأعجمي». وإليك الشواهد على قلبهم الجيم خاء؛ فإنهم يقولون في الحجام «الفاخمي»، وفي علم الجبر «الخبرا»، وفي الجص «الخيذ»، وفي الجب بمعنى الصهريج والجابية «الخيبي»، وفي الحاجة بمعنى أمتعة البيت «الهاخا»، وفي الجعبة «الخابا»، وفي الجفنة «الخفنا»، وفي الجرس «الخزذ»، وفي البرتقال «نارنخا» من قول العرب: نارنج، وفي محل سجن النصارى عن عرب الأندلس «ساخينا» من قول العرب: سجن، وفي الترنجة «ترنخا»، وفي الجوهر «الخوفر»، وفي الجبة «الخوبا»، وفي المنجنيق «المنخنيكي»، وللجيفة «خيفا»، وتاريخ الهجرة «هخيرا»، ولخنزير الجبل أو الحلوف «خبلي» من قول العرب: جبلي.
هذه بعض ألفاظ علقتها أثناء تلقي اللغة، حتى إنني لاحظت دوران هذا الحرف في غالب كلماتهم الإفرنجية التي يكون فيها شين أو جيم أو سين، بحيث لو سمعهم رجل من أهل المزاح لاستمنح من القارئ السماح وقال إن لغة القوم تدور على حرف الخاء!
ولقد سمعتهم في بعض الأحيان يقولون: الخثيرا (Aljecira)، فسألت عن ذلك فأعلموني بأنها الجزيرة الخضراء، وحينئذ تشوفت لأن أعرف كيف يسمون بلاد الجزائر، فإن الفرنسوية يقولون ألجيري (Algérie) والطليانية ألجريا (Algeria)، ولكنني حمدت الله حينما رأيتهم قد قلبوا فيها وضع الحروف، فجعلوا الراء مكان اللام وقالوا: أرخليا (Argelia) ولم يقولوا غير ذلك … وقد لاحظت بعض ألفاظ تنافي هذه القاعدة فيقولون: الخزانة «الأثينا» بمعنى الخزانة المنقورة في حائط البيت، وفي الخروع «تشرفا»، وفي طير الخطاف «فانكسا»، وفي المسجد «مسكينا»، ومنها قول الفرنساوية: موسكي (Mosquée)، وفي المخراز «المفريز» بياء ممالة، وفي المخذة «الموهادا» وفي تصغيرها «الموهاديدا»، وفي النخاع «الموكاتي» من قول العرب: المخ، وفي الخبازي «الهبازي»، وفي البطيخة «البوديجا والبوديكا وباديها وباديا»، وفي الخرشوف «الكتشوفا والكرتشوفا»، وفي البخور «البافور»، وفي الخروب «الجروبا»، وفي الخزامى «الهوثيما»، وفي المخزن «المائن»، وهو اللفظ الشائع ويقولون فيه أيضًا: «المجاثن والمارثن ومجاثن» (ومنها انتقلت إلى كافة اللغات الإفرنكية بهذه الصورة، ثم إن أهل مصر نقلوها عنهم وتناسوا أصلها فقالوا: «مغازة» للمخزن الكبير). والسخرة بمعنى العونة «أذوفرا»، والزرنيخ «أذرنيقي» بياءين ممالتين، والرخ في لعب الشطرنج «روكي»، وفي الشيخ «كسيكي» بياءين ممالتين، وفي الخزأى الحرير «التشز»، وفي الخياط «الفيات». هذه بعض ما لاحظته وسألم في الرحلة بشيء كثير من قواعد التحريف عندهم، فهلا من المستغرب بعد ذلك أنهم يقولون إن كلام العرب كله يشبه هذه الأصوات «خبط خبط خبط»! وقد زرت جميع آثار سَرقُسطة العربية وغير العربية، وصعدت إلى قمة البرج المائل الذي يشبه برج كنيسة بيشة وهو من صنع الأعراب المرتدين، وقد شرع القوم في تقويض دعائمه خوفًا من سقوطه، ثم خرجت منها شاكرًا أفضال أهلها مرددًا ثنائي عليهم وعلى أخلاقهم الزكية.
وزرت قسطجون (Castejon) وميرندا (Miranda) ثم برغش (Burgos) وكنائسها المشهورة، وقدر رأيت في إحداها لواء في غاية الإبداع والجمال أخذه الإسبانيون من العرب في واقعة العقاب، التي سأذكر عنها شيئًا يسيرًا في هذه الرحلة، ثم زرت آبلة Avila ثم مدريد Madrid (وتسمى في كتب العرب القديمة مجريط)،?? وقد رأيت جميع ما فيها من المتاحف والمعارض، ولاقيت علماءها وكبراءها ووزراءها، واجتمعت بصاحب العطوفة طرخان بك سفير الدولة العَلية الذي كان واليًا على جملة ولايات مهمة من قبل مولانا الخليفة الأعظم أدام الله نصره ورفع كلمته. وقد رأيت منه رجلًا عالمًا بالسياسة والقوانين والنظامات، وفيه من الوطنية وحب الإسلام ما لم أجده في غيره إلى الآن، ويسرني أن أقول إن له مقامًا كبيرًا في كبراء إسبانيا والأسرة المالكة بأسرها، وله تمام الاطلاع على اللغة التركية والفارسية واليونانية والفرنساوية الإسبانية، وله إلمام عظيم بالألمانية والأرمنية وبعض العربية. وإنني أتمنى من صميم فؤادي أن يكون جميع نُواب الدولة العلية أيدها الله في جميع الممالك الأوروبية على شاكلته، فإنما تعلو الدول بنوابها وتعرف قيمتها بمندوبيها. وقد أكثرت في مدريد من زيارة المعرض الأوروبي الإسباني الذي أقيم احتفالًا بمهرجان كرستوف كولمب؛ وذلك لأنني رأيت فيه كثيرًا من الآثار العربية الأندلسية التي تبعث في النفس فخارًا وفي القلب أحزانًا، ورأيت لواءً عربيًّا يشبه لواء برغش تمام المشابهة وبجانبه لواء آخر مما أخذه الإسبانيون من العرب، وقد رأيت في القسم المخصص للطوبجية المدافع التي سبق إلى اختراعها أهل غرناطة لصد عدوها عنهم، ورأيت غير ذلك مما لا يمكن الإحاطة به الآن.
وكنت أكثر من زيارة التياترات في كل ليلة لإتقان اللغة؛ ولأنها في مدريد مدرسة حقيقية لأخلاق القوم وعاداتهم، حتى إنني أثناء التشخيص كنت أتصور نفسي في بعض الشوارع أو في إحدى القرى، ثم زرت طليطلة Toléde?? فإذا هي مدينة عربية محضة لم يعتورها إلى الآن أدنى تغيير، ولا أتذكر أن مدينة في مصر حفظت هذا الشكل العربي المعهود، كما بقي فيها إلى الآن مع توالي الأزمان وتبدل الأحوال، فلا تزال شوارعها وأزقتها حجوج؛ أي متعرجة ملتوية ملتفة صاعدة نازلة حتى يخالها الإنسان أشبه شيء بتلك الحشرة المعروفة بأم أربعة وأربعين، وقد رأيت فيها من آثار العرب ما ينطق بفضلهم ويُخرس كل متعصب عليهم. ثم رجعت إلى مدريد وتفرجت فيها ثلاث مرات على مقاتلة الأثوار المعروفة عند الفرنساوية باسم Course Combat Taureaux des Taureaux وعند الإسبان باسم Corrida de Ios Toros، وقد عرفت جميع تفاصيلها وقوانينها، وشَهدت غرام الإسبانيين رجالًا ونساء بها إلى الدرجة التي لا يكاد يتصورها العقل، بحيث إن المقاتلين يُعتبرون من أهم رجالهم ومن أحب الناس إلى الأمة التي تجل ذكرهم إلى حد يحسدهم عليه سراوات القوم وأماثل الأماجد، وإني أؤخر شرح ذلك إلى فرصة أخرى لما يستوجبه من زيارة البيان مع ما فيه من الطلاوة والمباحث الرائقة، وإنما أقول الآن إن عرب الأندلس كانوا مولعين بهذا القتال أيضًا، وكانوا يضارعون الإسبانيين وربما كانوا يفوقونهم. وبعد أن أطلت الإقامة في مدريد ركبت القطار الإكسبريس الدولي متوجهًا إلى بلاد البرتغال (Portugal)،?? وزرت عاصمتها المعروفة بلسبون Lisbonne (Lisboa)?? وقد بدأت بزيارة حضرة قنصل جنرال الدولة العلية وويس قنصلها [أي نائب القنصل]، ورأيت آثارها العربية وغير العربية، وفي ثاني يوم من وصولي وردت لي تذاكر من الجمعية الجغرافية الملوكية بالتحية والسلام، وبوضع مكتبتها ومتاحفها ومعروضاتها وغرفة السلاح والنشان والبليارد وغير ذلك تحت تصرفي، فزرتهم وشكرتهم، واستفدت كثيرًا من لقائهم. وقد زرت المكتبة الأهلية ومدرسة المهندسخانة ومعرض التاريخ الطبيعي، وكل ما قدرت عليه، ورأيت من أهلها حفاوة تخلد لهم الثناء على صفحات الفؤاد، ثم زرت مدينة شنتره Cintra ورأيت حصون العرب على قمم الجبال وبجانب بعضها مسجد باقية آثاره للآن، وعلى مقربة منه قبر دفن فيه القوم عظامًا وجدوها ولم يعلموا أنها للمسلمين أو للنصارى فوضعوا على رخام القبر صورة الصليب وصورة الهلال، ثم رجعت إلى لشبونة وزرت فيها القسم الذي كانت تسكنه العرب، وكان يعرف عندهم باسم الحمة «بتشديد الميم»، ويسميه البرتغاليون الآن من باب التحريف «الفاما». وقد تشرفت بمقابلة جلالة الملك فأكرم وفادتي وأحسن لقائي، ولبثت مع جلالته مدة طويلة ثم خرجت شاكرًا جليل رعايته. وهذه المدينة لها موقع من أجمل مواقع الدنيا يشبه أو يفوق موقع جنوة ونابولي، ويقرب من القسطنطينية على ما سمعت ومنظرها يشبه المدائن الشرقية.
ومما يحسن ذكره من باب الفكاهة أنني خرجت ذات يوم في بكرة النهار لأتفرج على حركة المدينة في مبدئها، فمن جملة ما رأيت فيها كثيرًا من النساء يسارعن في حركاتهن وهن حفاة الأقدام وعلى وسطهن حزام كبير بارز بروزًا شديدًا عن بقية الجسم، بخلاف سائر الإفرنجيات، فإنهن يبذلن غاية جهدهن في تنحيل الخصر وترفيعه، ومما أمتاز به هؤلاء النساء في البرتغال أنهن يضعن في أعناقهن قيطانًا يتدلى إلى حد ثنيات البطن، وينتهي بصليب كبير من النحاس، وفوق رءوسهن قطعة من القماش ملتفة على بعضها مثل الحواية، ويحملن عليها شيئًا شبيهًا بطست نحاسي مفرطح جدرانه مرتفعة قليلًا، ورأيت إحداهن تصيح بكلام لا أفهمه، فتشوفت لأستوقفها وأعرف ما معها فسألت الدليل ذلك، ولكنها لما نظرت إلى حالتنا وهيئتنا وتوسمت أننا ممن لا يشتري مما معها فهمَّت بمغادرتنا، فأظهرت لها قطعة من الورق قيمتها نحو قرش صاغ، فوقفت وأخذتها، ثم فرجتني على ما في الطست وإذا به الفول المدمس، ففرحت به كثيرًا ووطنت نفسي على أكلة مصرية في بلاد أوروبا، ثم استفهمت عن الاسم فإذا هو (Fava Rica)؛ أي الفول الغني، ولما رجعت الفندق أوصيت صاحبه أن يستحضر لي في صباح اليوم الثاني مقدارًا من هذا الفول الغني وقد كان، غير أني أردت أن تكون الأكلة مصرية محضة، وعلى الأسلوب المتبع عند عموم المصريين، فلبثت في غرفة النوم وأقفلتها إقفالًا محكمًا بعد أن استحضرت البصل حتى لا أكون مثل بني إسرائيل، حينما خرجوا من مصر ولم يجدوا البصل في التيه فتأسَّفوا عليه وتلهفوا، ثم إني تمتعت بهذا الفطور والحق يقال أكثر من جميع أيام سياحتي في أوروبا. ثم قمت من الإشبونة إلى مدينة كويمبرا Coimbra المعروفة في كتب العرب باسم قلمرية، وهي الآن دار العلم ومحط المعارف في بلاد البرتغال، وقد رأيت مدارسها الجامعة ومتاحفها وبستان النبات البديع فيها. وبعد أن طفت على معظم آثارها قمت إلى مدينة بورتو (Porto)، واسمها في كتب العرب برتغال وبها يسمى هذا القطر برتغال، كما نقول نحن الآن: طرابلس وحاضرتها طرابلس، وتونس وحاضرتها تونس، وكما نقول: بني سويف وبندرها بني سويف، والفيوم وبندرها الفيوم، والمنيا وبندرها المنيا، وهكذا في سيوط وقنا، وكما كان الشأن في القليوبية وجرجا والمنوفية قبل أن ينتقل مركز المديرية إلى بَنها وسوهاج (المعروفة عند العرب بسوهاي) وشبين الكوم، وسأورد في الرحلة نصوصًا عربية معتبرة تكاد تكون مجهولة للدلالة على صحة هذا الاسم (برتغال). رأيت في مدينة البرتغال هذه آثارًا كثيرة ولكن العرب لم يخلِّفوا فيها شيئًا يذكر؛ لأنهم كانوا يجيئونها فاتحين ثم يجوزونها إلى غيرها من البلاد، ولم ترسخ فيها قدمهم، غير أني رأيت دار البورصة فيها، وهي من الفخامة والجلالة بمكان، قد تآلف التجار على إنشائها على الطراز العربي، ونقشوا أكبر بهو فيها بحسب الأسلوب العربي وزينوه بالزخارف، وكتبوا في ضمن رسومها البديعة أشعارًا عربية سأوردها في الرحلة، وفي جميع الطرازات هذه العبارة: «عز لالانا السلطانة مريم ?»، يريدون عز لمولاتنا السلطانة مريم الثانية.
وقد عن لي وأنا في هذه المدينة أن أُمتع نفسي بأكلة ثانية من الفول الغني، فأوصيت صاحب الفندق أن يستحضر لي جانبًا من هذا الطعام اللذيذ حتى أتغذى به في وقت الظهر، وأوصيته أيضًا باستحضار الزبد والبصل فنظر إليَّ نظر المستغرب وقال: كيف يمكن الغداء بالفول الغني والبصل والزبد! فقاطعته وقلت له: هذه إرادتي وما عليك إلا الإجابة. فامتثل غير قادر على إخفاء زيادة الاستغراب. ثم توجهت لزيارة الآثار وغير ذلك حتى جاء وقت الظهر، فأسرعت إلى الفندق وأنا أتلذذ مُقدَّمًا بأكلة الفول الغني التي أعددت نفسي لها في هذا اليوم السعيد، حتى إنني لم أتناول شيئًا من الزاد في الصباح، وقد صعدت في الحال إلى غرفة نومي فوجدت صينية عليها شيء كثير من … من … من الخروب فدققت الجرس بعنف وشدة لكثرة ما اعتراني من الغيظ والحنق، فحضر الخادم فقلت له: ما هذا الذي فعلت أيديكم؟ فقال: إنما أجبنا أمرك وأحضرنا الفول الغني. فكررت الاستفهام فقال لي: هذا هو الفول الغني بعينه فنزلت لصاحب الفندق وباحثته في هذا الموضوع وأعلمته بمقصودي الذي رأيته بكل انشراح في مدينة الإشبونة، فأدرك السر وقال لي: يا سيدي أهل بورتو يسمون الخروب فولًا غنيًّا، ولا يعرفون ذاك الصنف الموجود في إشبونة، بل إنهم يتهكمون على الإشبونيين لكونهم يسمون الفول المصنوع بهذه الكيفية فولًا، ولما كان في الخروب ميزة على الفول دعوه بالفول الغني ولهم الحق،?? وهذا ما دعاني للاستغراب حينما طلبت مني في الصباح أن أحضر لك غداءك من الفول الغني مع الزبد والبصل. فانشرحت من هذا الشرح مع أنني انقبضت للحرمان من أكلتي المصرية والاضطرار للأكل على المائدة العمومية بالطريقة الإفرنكية، ولكن هي السياحة يرى فيها الإنسان ما يسوء وما يَسُر. ثم خرجت منها قاصدًا شلمنقة Salamanca?? من بلاد إسبانيا، ولم أتعرض لتعلم اللغة البرتغالية خوفًا من الاختلاط، ولكني لاحظت كثرة تردد الفاء والشين والراء فيها، فمثال الفاء الخروب يسمونه الفروب، والبحيرة يسمونها البفيرة، والصهريج يسمونه زفريش، ويسمون نوعًا من الأغطية والفراء يعرف عند العرب بالحنبل بقولهم: «الفامار»، وهذه الكلمة الحديثة الآن مأخوذة من الكلمة البرتغالية المهجورة المحرفة عن العربية مباشرة، وهي «ألفمبر»، ويسمون الخس «ألفس»، والهدية «الفدية»، والحرمل وهو السذاب البري «الفرما»، وفي الحلاوة «الفلووا»، ويقولون في الحمة: «الفاما»، والخياط يسمونه «الفيات»، وأمثال ذلك كثيرة لا أطيل بها الآن. وأما الشين فإن معظم السينات التي في اللغات الإفرنجية يقلبونها شينًا، ولعل ذلك هو السبب في أن العرب نطقوا بأسماء البلدان التي فيها سين بالشين، والأمثلة كثيرة يعرفها من له أقل اطلاع على جغرافية هذه البلاد في كتب العرب. وأما الراء فهي كثيرة جدًّا خصوصًا مع الشين حتى تكاد لغتهم بسببها تشبه اللغة النمساوية، ولكن الخاء معدومة بالكلية.
وهنا أذكر أمرًا غريبًا، وهو أنني لما كنت في سَرقُسطة توجهت في صباح يوم وصولي إلى أجمل دكان للمزين فيها، وبعد أن حلقت ذقني وأصلحت شعر رأسي وضمخته بأنواع الخَلُوق المستعملة عندهم، سألت الرجل عن الأجرة؟ فقال لي ? ريالات، فبهت في قلبي، وأسفت على مجيئي إليه، ولكني تجلدت وأظهرت (مثل الكثير من الناس) تعارف الجاهل بعكس أهل البديع الذين يظهرون تجاهل العارف. ثم قلت: وهو كذلك، ودفعت إليه ورقة قيمتها ?? فرنكًا فرد لي ?? فرنكًا وربعًا، فعلمت بكل سرور أن الريال عند أهل إسبانيا يساوي جزءًا من عشرين منه عند أهل بلادنا، بل هو أقل من القرش الصاغ بقليل، ولكنني حينما جئت إلى بلاد البرتغال ونزلت في لشبونة اكتريت عربة أوصلتني إلى الفندق، ولما نزلت منها سألت ترجمان الفندق عن الأجرة فقال لي ??? ريال. فقلت في نفسي: هذه هي الطامة الكبرى، وكيف أتظاهر الآن بتعارف الجاهل وليس معي ورقة تساوي هذه الثروة الجسيمة، ومع ذلك تجلدت وصبرت على مضض الأيام، واتقيت الله لعله يسهل لي سبيل الخلاص من هذه الورطة. فقلت له بصوت أبح: «وهو كذلك خذ النقود من صاحب الفندق.»
وصعدت إلى غرفتي أضرب أخماسًا لأسداس. ولما أصبح الصباح كان أول شيء طلبته هو الحساب، فجاءني بعشرات الآلاف. فقلت وأنا خائف واجم: وكم يساوي هذا كله من الفرنكات؟ فقيل لي إن الفرنك مائتا ريال، فكدت أخر لله ساجدًا وصرفت الغلام لأتضرع بالشكر منفردًا. وقد قاسيت كثيرًا من اشتداد الأزمة المالية على هذه البلاد، حتى إنني كنت أصرف الفرنك الصحيح المعتبر بمائتي ريال وبمائة وتسعين وبمائة وثمانين وبمائة وسبعين بل بمائة وستين في قلمرية، وعرفت حينئذ أن هؤلاء القوم يلزمهم عدد كبير لقيمة قليلة.
ولما توالت هذه الخسائر المالية استخرت الله في الرجوع إلى الأندلس، ووصلت شَلَمنقة ورأيت آثارها ومدارسها، فإنها في إسبانيا مثل قلمرية في البرتغال وأكسفورد وكمبريج في إنجلترا، ورجعت منها إلى مدريد فأصابتني النزلة الوافدة واشتدت عليَّ وطأتها حتى كدت أيأس من الحياة لولا مداركة كثير من أصحابي وأصدقائي وعناية الأطباء بشأني.
وقد كان صاحب السعادة طرخان بك طلب من البطانة الملوكية تشرفي بمقابلة جلال الملكة وأجيب السؤل، ولكن المرض كاد يحول بيني وبين هذا الشرف الأسنى غير أن الله — سبحانه وتعالى — رأف بي فخفف النازلة عني، وبذلك تيسر لي مقابلة جلالة الملكة فلاطفتني وتعطفت عليَّ كثيرًا وتكلمت معي في أشتات العلوم والأدبيات حتى بهرتني من كثرة اطلاعها، ودار الحديث مليًّا على اللغة العربية وآثار العرب بإسبانيا وبغيرها، واستطالت المقابلة مدة تنيف على العشرين دقيقة وكان معي حضرة السيد المفضال والأمير الكريم طرخان بك، وسأذكر في الرحلة ما دار بيننا من الحديث، ثم خرجت من بين يديها شاكرًا أفاضلها على هذه المقابلة الجليلة. وقد أخبرني كثير من أهل البطانة وخصوصًا صاحب العطوفة طرخان بك، بأنها أكثر من المعتاد بكثير، فشكرت الله ثم لبثت بمدريد ريثما تعافيت قليلًا من النزلة الوافدة التي ضربت فيها أطنابها الآن وفتكت بالأهالي فتكًا ذريعًا فمات بها كثير من الشيوخ، وزاد عدد الوفيات بها وبغيرها من الأمراض في مدريد حتى بلغ ستًّا وستين وفاة يوميًّا، وكان معدل عددها قبلًا إحدى وأربعين في اليوم.
ولأجل ذلك أمرني الأطباء بالتوجه إلى بعض البلاد الحارة في جنوب الأندلس، والعبور منها مباشرة إلى مصر متى ظهرت آثار الصحة وعاودتني العافية.
فقمت على إشبيلية (Sevilla) التي كانت تسمى أيضًا بحمص، وزرت جميع آثارها ودار اللقطاء فيها وكنائسها، وصعدت إلى قمة المنارة الإسلامية الفخيمة البديعة التي كانت بجانب أحد المساجد، وكانت مستعملة عند العرب لرصد الأفلاك فأصبحت الآن مقرًّا للناقوس، وزرت القصر Alcazar الذي أنشأه الإسلاميون فأنساني كل ما رأيته من العمائر الجميلة والآثار الجليلة التي رأيتها في أعظم مدائن أوروبا، وقد وقفت فيه متلهفًا وكنت كذلك الشاعر الذي قال: قُلتُ يومًا لِدَار قوم تفانوا:أين سكانك العزاز علينا؟فأجابت هُنا أقاموا قليلًاثم ساروا ولست أعلم أينا ومن غريب ما في إشبيلية أن جميع دورها وقصورها لها في وسطها فناء في غاية الإتقان مغروس بزاهر الأشجار، ومحفوظ بفائق العمدان وفوقه رواق مثل ما هو معروف في الإسكندرية باسم الحضير، وعليه عمدان وحنايا وقواصر مثل التي في الفناء، ولقد تحسنت صحتي باعتلال هوائها حتى صدَّقت من أنشأ مشببًا بها:
هواؤها في جميع الدهر مُعتدلطيبًا وإن حَل فصل غير معتدلما إن يبالي الذي يحتل ساحتهابالسعد أن لا تحل الشمس بالحمل ولا غرو فقد اشتهرت باعتدال الهواء وحسن المباني، وهي واقعة على النهر الشهير المعروف بالوادي الكبير، يصعد المدُّ فيه ميلًا ثم ينحسر، ولذلك قال شاعرهم:
شَقَّ النسيم عليه جيب قميصهفانساب من شَطيه يَطلب ثارهفتضاحكت وُرق الحمام بدَوحهاهَزًّا فضم من الحياء إزاره ولقد صدَّقت حينما حللت فيها قول بعض واصفيها:
إن شَرَفَها غابة بلا أسدونهرها نيل بلا تمساح وهذا الشرف المذكور هو إقليم من أعمالها كائن على تَل عالٍ من التراب الأحمر ومسافته ?? ميلًا في مثلها يمشي بها السائر في ظل التين والزيتون. واعلم أن الإسبانيين والإفرنج يرسمون اسم هذه البقعة هكذا Axarafe وAljarafe وهو الآن في الجغرافيا الجديدة لتلك الأقطار عبارة عن البلاد التي في قسم سان لوكار لامايور؛ أي سان لوكار الكبير San Lucar la Mayor وبعض القرى التابعة لمدينة إشبيلية. ثم خرجت من هذه المدينة الجميلة قاصدًا غرناطة Granada (Grenade) وأنا أردد قول الشاعر فيها: ذَكرتك يا حمص ذكرى هوًىأمات الحَسود وتعنيتهكأنك والشمس عند الغروب عروس من الحسن منحوتهغدا النهر عقدك والطود تاجــك والشمس أعلاه ياقوته وصرت أثناء الطريق أمر على بلاد وقرى كثيرة تذكرني ما عهدته في بلاد المشرق، وخصوصًا المنارات التي كانت قائمة بجانب الجوامع، فصارت مجاورة للصوامع ومآذن المساجد التي أصبحت نواقيس للمعابد، وصرت أتذكر مجد العرب وعظم دولتهم حتى قدمت إلى غرناطة المعروفة قليلًا باسم إغرناطة، ويسميها العرب دمشق من باب التشبيه، واسمها معرب عن الإسبانية ومعناه الرمانة.
وصلت هذه المدينة إلى ما لم تكد تصل إليه مدينة ما، فإنها حينما استولى الإفرنج على معظم بلاد الأندلس انتقلت إليها بقايا المسلمين، فصارت المصر المقصود والمعقل الذي تنضوي إليه العساكر والجنود حتى بلغ عدد فرسانها وحدها ???? ورجالها ????? من غير ضواحيها وأعمالها، فقد كانت جيوشها تبلغ بهم ?????? يخرجون للقتال من أهل غرناطة والبُشرَّات Alpujarrat (Alpuxarat) ووادي آش Guadix، وقد رأيت أن أختم رسائلي المؤتمرية في هذه المدينة التي كانت آخر ملاذ للمسلمين. وصلتها بالليل ونزلت في فندق واشنطون وهو على ما علمت فيما بعد من أهل التحقيق والمعرفة قائم (يا للأسف) على نفس مكان المقبرة الملوكية، التي كانت ملوك المغرب تدفن بها ويسميها ابن الخطيب «التربة».
وبعد أن تناولت شيئًا من الزاد عَجَّلت بالاضطجاع، وحينئذ ذهب عني الرقاد لهجوم الأفكار وتَذكُّر ما وقع بتلك الأعصار، والتفكر في أحوال الدنيا وتقلبها بأهلها حتى أثقلني السهر وبرَّح بي التعب، فأغمضت الجفون وما استيقظت إلا على تجاوب الأطيار فوق أغصان الأشجار كأنها تقول لي:
تَنَبَّه فقد شَق البهار مغلسًاكمائمه عن نوره الخضل الندىمداهُنَّ تِبر في أنامل فِضَّةعلى أذرع مخروطة من زَبَرجد فقمت ونظرت إلى الرياض وغابات الأشجار وتَدفق المياه، فقلت: لله دَر الشاعر في وصف مثل هذه المناظر:
رياضُ تعشقها سُندستَوَشَّت معاطفها بالزَّهرمدامعها فوق خدي ربالها نظرة فَتَنَت من نَظروكل مكان بها جَنةوكل طريق إليها سقر ولكني تذكرت قول الوزير ابن عبدون الأندلسي، ولا غرو فإن أقوال الوزراء وزراء الأقوال:
يا نفحة الزهر من سراك وافانيخلوص رياك في أنفاس آذاروالأرض في حلل قد كاد يحرقهاتوقد النور لولا ماؤها الجاريوالطير في ورق الأشجار شاديةكأنهن قيان خلف أستار ثم طفت بالحمراء Alhambra?? وقصرها ومساجدها وساحاتها وأطلالها ورسومها وبقاياها التي تذهب بالجنان وتأتي بالجنون، فوقفت باهتًا حائرًا فاقدًا اللب والرشاد من هذا الإتقان الذي لم يكن يخطر على قلبي مع ما سمعته عنها من الأوصاف وما شاهدته من غرائب المباني في غير هذه الدار، حتى لقد اشتد بي الهيام وكنت: أمر على الديار ديار قوميأقبل ذا الجدار وذا الجداراوما حُب الديار أهاج وَجديولكن حُب من سكن الديارا ثم خرجت منها وأنا أخاطبها بقول الشاعر:
وَقفت بالحمراء مستعبرًامعتبرًا أندب أشتاتافقلت: يا حمرا ألا فارجعيقالت: وهل يرجع من ماتافلم أزل أبكي وأبكي بهاهيهات يُغني الدمع هيهاتاكأنما آثار من قَد مَضىنَوادِب يَندبن أمواتا وعند الباب قدموا لي دفتر الزيارات، فكتبت هذه العبارة التي أملاها الخاطر، واليد مرتعشة، والفؤاد واجف، والعين باكية: أحقًّا هذه الحمرا أحقًّا أنني فيها!
لله هذه القصور وهذه الدور! ولله قوم خلدوا فخرهم على مدى العصور! هذي آثارهم الباقية تنطق بعظمتهم الفائقة، وتنبه الغفلان إلى بقاء الملك الديان، وأن كل من عليها فان، وتذكِّر بني الإنسان بوجوب التعاون على البر والإحسان، والتباعد عن التخاذل فهو الخسران، ويرحم الله عبدًا رأى فتذكر ونظر فاعتبر.
أحمد زكي
مندوب الحكومة المصرية
في مؤتمر المستشرقين التاسع بلوندرة
يوم الثلاث ? رجب الفرد سنة ????
?? يناير سنة ????
ثم انتقلت من الحَمراء وزرت أسوار المدينة وأبراجها وبعض مناراتها وكثيرًا من قصور ملوكها، ويعلم الله أنني ما رأيت في طول سياحاتي شيئًا أدق وأتقن وأجمل وأكمل مما رأيته في هذه المدينة، حتى لقد رأيت أن المَقرِّي لم يقرب من الحقيقة حينما مدح غرناطة أثناء وصفه للأندلس بقوله:
هي جَنة الدنيا التيقد أذكرت دار المقامهلا سيما غرناطة الــغراء رائقة الوسامهبروائها وبمائهاوهوائها النافي الوخامهورياضها المهتزة الـأعطاف من شدو الحمامهوبمرجها?? النضر الذيقد زين الله ارتسامهوقصورها الزهر التييأبى لها الحسن انقسامه ولقد كانت غرناطة لا يعدلها في داخلها وخارجها بلد من البلدان، ولا يضاهيها في اتساع عمارتها وطيب قرارتها وطن من الأوطان، ولا يأتي على حصر أوصاف جمالها وأصناف جلالها قلم البيان، وكانت في آخر الأمر قاعدة بلاد الأندلس وعروس مدنها، ويقول كُتاب العرب: إن خارجها لا نظير له في الدنيا وهو مسيرة ?? ميلًا يخترقه نهر شنيل (Jenil) Xenil المشهور وسواه من الأنهار الكثيرة والبساتين والجنات والرياضات والقصور والكروم محدقة بها من كل جهة، ومن عجيب مواضعها عين الدمع، وهو جبل فيه الرياضات والبساتين لا مثيل له بسواها، ويعرف عند المؤلفين الإسبانيين بهذا الاسم Aindamar محرفًا عن اللفظ العربي. وما زلت أتردد بين هاتيك الديار وأجوب تلك المعاهد، وأنا أرى في كل حجر وفي كل جدار آية ناطقة بعظمة هذه الأمة ومجدها، وقد جَرَّني ذلك إلى ذكر بعض أمور مما يدل على بلوغ أهل الأندلس أرقى ذروة من ذرى النعيم وتأنقهم وترفههم للدرجة التي ليس بعدها مطلب أو غاية.
فمن ذلك أن اعتماد — وهي زوجة المعتمد وأم أولاده المعروفة بالرميكية — رأت ذات يوم بإشبيلية نساء البادية يبعن اللبن وهن رافعات عن سوقهن يخضن الوحل والطين، فقالت له: أشتهي أن أفعل أنا وجواريَّ مثل هؤلاء النساء! فأمر المعتمد بالعنبر والمسك والكافور وماء الورد وصيَّر الجميع طينًا في القصر، وجعل لها قِربًا وحبالًا من إبريسم، وخرجت هي وجواريها تخوض في ذلك الطين الثمين وأنالت النفس مناها، ثم اتفق بعد خلعه أنه حصلت بينهما منافرة كما يحصل عادة بين الأزواج فقالت له: والله ما رأيت منك خيرًا. فقال لها: ولا يوم الطين! تذكيرًا بهذا اليوم الذي أباد فيه من الأموال ما لا يعلم مقداره إلا الله، فاستحيت واعتذرت وسكتت.
وقد مدح بعض الشعراء يعقوب أمير المؤمنين بالأندلس بقصيدة فيها ?? بيتًا، فأعطاه على كل بيت ألف دينار.
وكان بعض ملوكهم إذا جاءته رسل من أعدائه يأمر في الحال باصطناع برك وحولها آساد وأشجار وأزهار كلها من الفضة الخالصة والذهب النضار، ترهيبًا لهم وإيقاعًا للرعب في قلوبهم من غير أن يشافههم بكلمة واحدة فينال من ملوكهم كل ما يرتضيه.
وقد كان عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس كثير الميل إلى النساء، ووَلَع بجارية له اسمها طَروب، وكَلَف بها كَلَفًا شديدًا، واتفق أنها غَضت الطرف عنه ذات يوم وقابلته بالصد والإعراض واقتصرت في مقصورتها، فأرسل يترضاها وهي لا تزداد إلا إصرارًا على الجفاء، حتى أرسل الخصيان يغصبونها على الخروج، فغلقت الأبواب في وجوههم، فذهبوا إلى الخليفة يستأذنونه في اقتلاع الباب، فأمرهم بأن يسدوه ببدر من الدنانير يرصونها عليه رَصًّا، ثم جاء بعد ذلك يترضاها بنفسه ويعتذر إليها، ففتحت الباب وانهالت عليها الأموال، فقال لها: كل هذا المال لك دون سواك، ثم أعطاها حلية قيمتها مائة ألف دينار. فقيل له: إن مثل هذا لا ينبغي أن يخرج من خزانة الملك، فقال: إن لابسه أنفس منه خطرًا وأرفع قدرًا وأكرم جوهرًا وأشرف عنصرًا. وفيها يقول:
إذا ما بَدَت لي شمس النهار طالعةً ذَكرتني طروبًا ومن ذلك أن محمد بن عامر المنصور وزير الأندلس المشهور صنع قصرًا من فضة صافية، وأهداه للسيدة صبح البشكنشية أم الخليفة هشام، وحمله على رءوس الرجال فجلب حبها بذلك، وقامت بأمره عند سيدها الخليفة الحكم، حتى قال الخليفة لبعض خواصه: إن هذا الفتى سلب عقول حرمنا بما يتحفهن به.
ومن ذلك أن الحكم ثالث خلفاء الأندلس كان له خاصةً ألفا فرس مرتبطة على شاطئ النهر بقبلي قصره تجمعها داران.
والأعجب من ذلك ما رواه المؤرخون من أن الخليفة عبد الرحمن الناصر المشهور أراد الفصد ذات يوم، فجلس في البهو الكبير المشرف بأعلى مدينة الزهراء، واستدعى الطبيب لذلك وأخذ الطبيب الآلة وحَبس يد الناصر، فبينما هو كذلك إذ أطل زرزور فصعد على إناء ذهب بالمجلس وأنشد:
أيها الفاصد رفقًابأمير المؤمنيناإنما تَفصد عِرقًافيه محيا العالمينا وجعل يكرر ذلك بعد المرة، فاستظرف أمير المؤمنين ذلك غاية الاستظراف وسُرَّ به غاية السرور، وسأل عمن اهتدى إلى ذلك وعلم الزرزور، فذكر له أن السيدة الكبرى مرجانة أم ولده، وولي عهد الحكم المستنصر بالله صنعت ذلك وأعدته لمثل هذا اليوم، فوهب لها ما ينيف على ?? ألف دينار.
وأمثال هذه الوقائع أكثر من أن تذكر. وأقول: إن أول تبليط حصل بالمدائن كان في قُرطبة، وكذلك الإنارة العمومية بالليل قبل أن يَعرف ذلك أحد من أهل الأرض قاطبة، فقد كان السائر يمشي فيها وفي أرباضها على ضوء السرج المتصلة مسافة ?? أميال.
وأما رسوخ قدمهم في العلم والعرفان فأمر يشهد به العدو والصديق، ولا أذكر منهم الآن سوى أبي القاسم بن فِرناس، فإنه أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة، وأول من فَك كتاب العروض للخليل، وأول من فك الموسيقى، وقد صنع في بيته هيئة السماء وخيَّل للناظر فيها النجوم والغيوم والرعود والبروق، وصنع الآلة المعروفة بالمنقالة ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال، وقد احتال في الطيران فكسا نفسه بالريش واتخذ جناحين، وطار في الجو مسافة بعيدة ولكنه لم يحسن الاحتيال في السقوط فتأذَّى؛ إذ غفل عن اتخاذ الذنب، ولم يتنبه إلى أن الطائر إنما يقع على زِمِكاه.
ولقد كانت ملوك الإفرنج جميعًا تستخدم الأطباء من العرب واليهود الأندلسيين، وكانت الصنائع والفروسية والأبهة في عهدهم في مزيد، وكان عندهم مواضع شتى للفرج واللهو، أما علم المساحة والفلك والكيمياء والطب فلم يكن إلا في قُرطبة دون غيرها من سائر المدن، حتى إن شانجه ملك ليون الملقب بالسمين اضطر إلى أن يسافر إليها ليأخذ الطب عن رجل كان مشهورًا في عصره، فلما استدعى به الملك أجابه مع الرسول قائلًا: إن كان للملك حاجة إليَّ فليقدم عليَّ. ومثل ذلك الزيج الذي اشتهر به ألفونس العاشر ملك قشتيلية، وصار له به فخر على ملوك أوروبا، إنما حرره له علماء العرب كما يشهد بذلك علماء الإفرنج أنفسهم.
ومما ينبغي ذكره في هذا المقام أن القوم ما وصلوا إلى هذه الدرجة إلا بالعلم والعرفان، وما أجدر شباننا المصريين الأذكياء المتعلمين أن يقتدوا بأهل الأندلس في ذاك الزمان، فإنهم كانوا جميعًا أحرص الناس على التمييز، حتى إن الجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجهد أن يتميز بصنعة ويربأ أن يُرى فارغًا عالة على الناس. وكانوا يقرءون جميع العلوم في المساجد بالأجرة؛ لأنهم كانوا يتعلمون لأجل أن يُعلموا الخلائق وينوروا الأذهان لا لكي يأخذوا جاريًا أو معلومًا؛ ولذلك كان العالم منهم بارعًا؛ لأنه يطلب ذلك العلم بباعث من نفسه يحمله على ترك الشغل الذي يستفيد منه، ويُنفق من عنده حتى يتعلم، ومثلهم الآن معظم علماء أوروبا.
ومما ينبغي إضافته للعلم مراعاتهم للشرع الشريف، حتى لقد كان للدولة الأموية في أيام عِز الأندلس هيبةً وتمكين ناموس من قلوب العالم، فكان في ذلك ضخامة لدولتهم ورسوخ لأقدامهم. وقد ذكر ابن حيان وقائع كثيرة يُستدل منها على توجُّه الحُكم على خليفتهم أو على ابنه أو على أحد حاشيته المختص به، وأنهم كانوا في نهاية من الانقياد للحق لهم أو عليهم، وبذلك انضبطت لهم الأمور وكبرت الهمم وترتبت الأحوال وتوطدت القواعد، ولما خرقوا هذا الناموس تهتك أمرهم، واضمحل شأنهم وفشلوا وذهبت ريحهم، حتى قال شاعرهم:
مما يُزهدني في أرض أندلستلقيب معتضد فيها ومعتمدألقابُ مملكة في غير موضعهاكالهِر يحكي انتفاخًا صورة الأسد وما زالوا على هذا الاضمحلال وهذا الانحطاط حتى تقلبت الدول، وكان الخرق لا يزداد إلا اتساعًا، وصَدق عليهم قول الشاعر:
فبينا نَسوس الناس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سُوقة نتنصَّف فوقع الاختلاف بعد ذلك الائتلاف وأعيا العلاج حكماء الرجال، وعصفت عليهم ريح العدو والحرب سجال، حتى لقد تمكن منهم بالتفريق وإلقاء العداوة بينهم وبين بعضهم بقبيح المنافسة ومرذول الطمع، وآل أمرهم إلى أن استقل العمال، وأقام كل واحد منهم نفسه ملكًا في بلد واحد، وصاروا يطمعون في بعضهم ويستجيشون بالإسبانيين وبطاغيتهم ويسلمونه حصون المسلمين تَشفيًا لبعض غاياتهم، حتى إن بعض ملوك الطوائف واسمه المأمون — قَبحه الله وأخزاه — بعث إلى ملك قشتالة المعروفة أيضًا باسم قشتيلية (Castilla) يستنصره على الموحدين، ويسأله أن يبعث له جيشًا من الروم يجوز به إلى العَدوة — أي مراكش — لقتال يحيى ومن معه من الموحدين، فقال له ملك قشتيلية: «لا أعطيك جيشًا إلا على شريطة أن تعطيني ?? حصون مما يلي بلادي كما أختارها لنفسي، وإذا مَن الله عليك ودَخَلت مدينة مراكش تبني للنصارى الذين يسيرون معك كنيسة في وسطها يُظهرون بها دينهم، ويضربون فيها نواقيسهم أوقات صلواتهم، وإن أسلم أحد من الروم لا يُقبل إسلامه ويُرد إلى إخوانه فيحكمون فيه بحكمهم، ومن تَنَصر من المسلمين فليس لأحد عليه من سبيل.» فأسعفه النَذل الجبان في جميع ما طلب من غير تَبَصر في العواقب. ويشبه ذلك أيضًا ما جرى في واقعة العُقاب،?? وذلك أن محمد الناصر — المشئوم على المسلمين وجزيرة الأندلس بالخصوص — جَمَع جموعًا اشتملت على نحو ?????? مقاتل، وداخله الإعجاب والغرور بكثرة من معه من الرجال، فصافَّ الإفرنج فكانت الدائرة عليه وعلى المسلمين، فإن الإفرنج دهموهم وهم على غفلة وغير أهبة وخلا بسبب هذه الواقعة أكثر المغرب، واستولى الإفرنج على معظم الأندلس، إذ لم ينجُ من الستمائة ألف غير عدد يسير جدًّا لا يقارب الألف، وكانت هذه الواقعة هي الطامة الكبرى على الأندلس بل والمغرب، وما ذلك إلا لسوء التدبير؛ فإن الناصر ووزيره استخفا برجال الأندلس العارفين بقتال الإفرنج وشَنَقا بعضهم، وظنَّا أن كثرة الأجناد تغني عن دُربة القُواد، ففسدت النيات وتفرقت الكلمة وتخاذل المسلمون، حتى إن جماعات المُوحدين لم يسلوا سيفًا، ولم يشرعوا رُمحًا ولا أخذوا في شيء من أسباب الدفاع ولا أهبة القتال، بل انهزموا لأول حملة الإفرنج عليهم قاصدين لذلك والعدو يبلي فيهم ويقتل فيهم قتلًا ذريعًا، وهم (يا للنذالة يا للنذالة) معرضون عنه، بل عن الدفاع عن أنفسهم، ويقول المؤرخون: إن الناصر ثبت في ذلك ثباتًا لم يُر لملك قبله. ولم يزل حالهم على هذا الاختلاف حتى حينما تضعضع أمرهم، وضيَّق عليهم العدو أشد الضيق، وأحدق بغرناطة من كل مكان، ومع ذلك لم تنقطع شأفة الشقاق، حتى كان في هذه المملكة الصغيرة ثلاثة ملوك?? أحدهم في غرناطة نفسها، والثاني في أحد ضواحيها المعروف بربض البيازين،?? والثالث في عملها القريب منها، وهو مدينة وادي آش المعروفة أيضًا بوادياش وبوادي الآشات. وكانوا قد أحسوا بهذا الخطر إحساسًا لا مزيد عليه، حتى?? إنهم استبدلوا الأقوال التي كانت تستعمل عادة في ضرب السكة بآيات وعبارات توافق مقتضى الحال، وقد رأيتها منقوشة على الدراهم والدنانير المحفوظة في متحف مدريد، وعند الماجد الفاضل الدون أنطونيو فيفس D. Antonio Vives?? وهو من علماء أهلها المشتغلين بالعربية، وبفن النقود، وذلك مثل: «قُل اللهم مالك الملك تُؤتي المُلك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتُعز من تشاء وتُذل مَن تشاء بيدك الخير ولا غالب إلا الله». ومثل: «غرناطة حاطها الله» «غرناطة حرسها الله» «ومالقة حاطها الله». «ألمرية حرسها الله»، ومثل: «بحمراء غرناطة. نَصرٌ من الله وفتح قريب»، ومثل: «العاقبة للمتقين»، ومثل: «وما النصر إلا من عند الله»، ومثل: «وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم صدق الله العظيم»، ومثل: «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تُفلحون»، ومثل: «الأمير فلان أعانه الله ونصره» أو «أيده الله ونصره». وجميع هذه العبارات لم تكن مستعملة في نقودهم قبل الأيام الأخيرة التي أعقبها انقراض دولتهم، وما زالوا على هذه الفتن حتى انمحى أثرهم من الجزيرة، ولقي من بقي فيها من أنواع الاضطهاد والهوان ما سأفصله في الرحلة إن شاء الله. ومما ينبغي ذكره في هذا المقام أنهم قد شهد لهم الأعداء قبل الأصدقاء بأنهم لما تم لهم في ظرف أربعة عشر شهرًا فتح إسبانيا كلها ما عدا مغارات وصخور أسُتوريش (Les Asturies) Asturias لم يتجاوزوا الحدود ولم يشطوا في الطلبات كما فعلته جميع الأمم الفاتحة، بل أبقوا للمغلوبين أموالهم وشرائعهم وديانتهم مكتفين بضرب الجِزية وبَشَرف السيادة والسيطرة،?? بل إنه لم يجل قط بخواطرهم إلزام أهل الجزيرة بالدخول في دين الإسلام، ولكن لما سَقَطَت غرناطة اشتدت وطأة المحكمة المعروفة بمحكمة التحري القسيسي (Inquisition) [محاكم التفتيش]، فكان لها من القسوة مع التنظيم في ارتكاب الفظائع ما يخجل له كل من في قلبه ذرة من المروءة والإنسانية. وهذه المحاكم قد أمر الباباوات بإنشائها لخدمة الدين ظاهرًا والسياسة باطنًا، ولكن الإسبانيين أضافوا عليها أعمالًا بربرية وحشية تقشعر لهولها الجلود، وتجمد منها الدماء في الشرايين؛ فمن ذلك: إحراق الملايين من الكتب النفيسة وإبادة الآلاف المؤلَّفة من النفوس البريرة البريئة بأنواع العذاب والإحراق والإغراق، وغير ذلك مما لا يكاد يخطر على بال، وعندما سقطت غرناطة أراد الكردينال شمينيس Xéminés أن يتنصَّر جميع المسلمين الذين فيها مع مخالفة ذلك للمعاهدة الصريحة التي عقدت مع أهل غرناطة وقت التسليم. ولما كانت عملية التنصير تستوجب زمانًا طويلًا أراد الكردينال أن يصل إليها بغاية ما يمكن من السرعة، كما تم فتح غرناطة في وقت قريب، فأرسل قساوسته يعظونهم ويضطهدونهم كما يشهد بذلك نفس مؤرخيهم، وما زالوا بهم حتى أخضعوهم واضطروهم للتعميد فدخل بهذه المثابة خمسون ألف نفس في دين لا يعتقدونه ولا يقولون به، ويا ليتهم أبقوهم على ذلك بل جاء الكردينال تركماده Torquemada وزين لإيزابلا أنهم يُظهرون خلاف ما يبطنون، وأنه يسوغ حينئذٍ مصادرتهم في أموالهم وإعدامهم الحياة، وقد كان. ولقد صدق على العرب ما قاله أحد ملوك فرنسا (وهو شارل مارتل)، حينما فزع إليه أكابر دولته لما رأوا امتداد فتوحاتهم وسرعة توغلهم في البلاد، فإنه قال لهم ما معناه: «الرأي عندي أن لا تعترضوهم في خرجتهم هذه، فإنهم كالسيل يحمل من يصادره وهم في إقبال أمرهم، ولهم نيات تُغني عن كثرة العدد وقلوب تُغني عن حصانة الدروع، أمهلوهم حتى تمتلئ أيديهم من الغنائم ويتخذوا المساكن ويتنافسوا في الرياسة، ويستعين بعضهم على بعض، فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر.»
فكان كذلك بالفتن التي استدامت بين البربر والعرب وبين العرب وبعضهم، وصار بعض المسلمين يستعين ويستجيش على بعض بمن يجاورهم من الأعداء، وانقلب الموضوع وتبدَّلت الأحوال. فقد أجلى المسلمون في أول الأمر جميع أهل الجزيرة، وأقصوهم إلى آخر حدودها شمالًا، حتى لم يبقَ منهم إلا ??? رجل مع ملك يسميه العرب بلاي Pelayo ويسميه الإسبانيون بلايو ويسميه الإفرنج بلاج Pélage، فالتجأ هذا العدد القليل بمكان يعرف عند العرب بالصخرة، ويعرف عند الإفرنج الآن باسم جبل كوفادونجا Covadonga، ولم يزل المسلمون يلحون عليهم بالقتال حتى مات أصحابه جوعًا، وبقي في ?? رجلًا و?? نسوة ولا طعام لهم إلا العسل يشتارونه من خروق بالصخرة، فيتقوتون به حتى أعيا المسلمين أمرهم واحتقروهم وقالوا: «ثلاثون عِلجًا ما عسى أن يجيء منهم.» وما علموا أن الائتلاف والاتحاد من جهة القشتاليين، والتغابن والتخاذل من جهة أبنائهم وأعقابهم جعل لهؤلاء «الثلاثين عِلجًا» من القوة والكثرة ما لا خفاء به، حتى قهروا العرب وأجلوهم بالمرة وأذاقوهم أنواع الذل والهوان مما هو مسطور في كتب التواريخ، وسألم ببعضه في الرحلة إن شاء الله. واعلم أن إخراج العرب من إسبانيا أضر بهذه المملكة وبأهلها ضررًا بليغًا لم يحصل له نظير في مملكة من ممالك العالم على الإطلاق، فإنها كانت في أيام العرب عامرة زاهرة بالغة من الحضارة والجلالة ما هو مشهور معلوم، وكان عدد سكانها في أزمانهم ?? مليونًا فأصبحت الآن مع الرجوع إلى العمار، وانتظام الأحوال بعض الانتظام ولَم الشعث ورم الرَّث ورقع الخرق ورتق الفتق لا تحتوي على أكثر من ?? مليونًا من النفوس؛ فلذلك ترى أغلب أراضيها خالية وأكثر مزارعها خاوية ومصادر الثروة فيها مهملة وأصول الاسترزاق مُعطَّلة. ولا أريد الإطالة بذكر الأسباب، وإنما أقتصر على إيراد شيء قليل يدل على ما يضطرني حجم هذه الرسائل وموضوعها للإجمال والإقلال في المقال.
وذلك أن الملك فيليب الثاني وحده طرد ممن بقي من المسلمين ما بين ??? ألف و??? ألف نفس، وكانوا كلهم لا يشتغلون بغير الزراعة والتجارة والصناعة، لا يعرفون استعمال السلاح بأي حال من الأحوال، وكانوا مفيدين نافعين لانهماكهم في الشغل والعمل في بلاد اشتهر أهلوها بالبطالة والكسل، وكان القوم يضطرونهم للتظاهر بالنصرانية، ويكثرون مع ذلك من تعذيبهم واضطهادهم ومصادرتهم وتجشيمهم أنواع الأهوال التي لا تخطر على البال، حتى إنهم لما بلغ الضيم بهم منتهاه نزعوا إلى الثروة وشَق عصا الطاعة فاسترسلوا لداعي الفتنة، ولكن أي فتنة وهم قوم لا يدرون شيئًا من الطعن والضرب؛ ولذلك لم يكن على الدولة سوى إرسال نفر قليلين من جنودها لإخماد هذه الشبه ثورة الضعيفة التي لا تذكر إخمادًا تم في أقل من لمح البصر.
ولقد رَقت لبلواهم حينئذ دولة فرنسا، حيث رأتهم أناسًا مستضعفين لا ناصر لهم ولا معين سوى انكبابهم على إتقان الصنائع وإخصاب الأراضي؛ ولذلك راسلهم ملك فرنسا هنري الرابع (وقد أشرنا إليه أثناء كلامنا على التماثيل والأنصاب في باريس)، ووعدهم بالإمداد والإنجاد وأنه يجعلهم تحت حمايته حتى لا ينالهم ضير ولا أذى، ولكن الدهر كان لهم بالمرصاد وشؤم الطالع ونحس البخت من ورائهم أينما وجهوا وجوههم لا يرون إلا نكدًا وبؤسًا، ولا يلقون إلا انتقامًا وتعسًا، فقد قُضي عليهم أن لا يخلصوا من ورطة إلا وقعوا في شر منها، وأن لا يسلكوا سبيلًا للنجاة إلا انقلب عليهم سبيلًا للهلاك.
ولله في خلقه تدبير سبحانه، قَسم الحظوظ فلا عتاب ولا ملامه، وذلك أنهم لما تَلهفوا بقدر ما تلهفوا ثم استنشقوا روح الأمل القليل بمساعدة هذا الملك الجليل، لم يلبثوا أن انقلبت أمانيهم خسرانًا عليهم ووبالًا، فإن أحد الكُتاب في نظارة الخارجية بفرنسا خان الملك، وأذاع هذا السر وأعلم ملك إسبانيا بما عزمت عليه فرنسا، فكان ذلك سببًا للتعجيل في تفريقهم والإسراع بتمزيقهم والمبادرة لطردهم (وهم بقية بقايا البقايا بالأندلس)، غير أنهم كانوا شديدي التعلق بالبقاء بالأندلس للتمتع به واستنشاق نسيمه فعرضوا على الملك أن يدفعوا له مليونين من الدنانير ثمنًا لإبقائهم في أرض مهادهم، فلم يرضَ فيليب بذلك على الإطلاق، ولكنهم لشدة تعلقهم ببلادهم أنفوا من الخروج مؤثرين الذل فيها على العز في غيرها، فالتجأ نحو ?? ألفًا منهم إلى الجبال ولم يكن لديهم من وسائل الدفاع سوى الحجارة والمقلاع وهي من الوسائل التي لا تفيد شيئًا؛ ولذلك ما لبثوا أن اضطروا للتسليم ثم صار نقلهم خارج المملكة، ففقد فيليب بذلك أفضل رعاياه وأكثرهم حِذقًا ومهارة.
وقد لجأ أغلب من نجا بحياته من هؤلاء الأندلسيين المطرودين إلى أفريقية وطنهم الأول، وأدخلوا بها من الصنائع والفنون ما جعل صحاريها جنانًا وبواديها نعيمًا. وشَخَص بعضهم إلى أرض فرنسا في عهد ماري دومدسيس، ثم بارحها الذين لم يرضوا بتغيير دينهم إلى أرض تونس، وأما الباقون فتنصَّروا واستقروا بإقليم بروفنسه (Provence) ولانجدوك (Langdoc)، بل ذهب بعضهم إلى باريس واستوطن بها وكانوا معروفين متميزين عن بقية القوم، ولكنهم مع توالي الزمن امتزجوا بالأمة امتزاجًا تامًّا فاستفادت فرنسا من حيث خسرت إسبانيا. وهذه سُنة الله في خلقه؛ تتداخل الأمم في بعضها بالاضطهاد وبالفتوحات، وقد قرر العلامة فولتير هذا الموضوع. ولقد أبقى العرب في إسبانيا آثارًا مادية كثيرة لا يزال بعضها باقيًا إلى يومنا هذا، كما أنهم خلدوا فيها كثيرًا من النظامات والقوانين والسياسات والتراتيب والأحكام مما يراه الإنسان في هذه البلاد حتى اليوم، كما أنهم كان لهم مُؤثر كبير في الأخلاق والآداب، حتى لقد رأيت في أخلاق أهل إسبانيا أخلاق العرب وشهامتهم وكرامتهم، فقد لقيت فيهم حسن الوفاء وحميد الطباع والتحبُّب إلى الغريب والفرح بإفادته وإعانته، سواء كانوا يعرفونه أو لا يعرفونه، وذلك ما يجعلني أفضلهم جهارًا وأشهد على رءوس الأشهاد بأن أخلاقهم أدمث وألطف وأشرف من جميع الأمم التي طُفت ديارها في هذه الرحلة المستطيلة، وسأشرح ذلك بالتفصيل عند الفرصة إعطاءً لكل ذي حق حقه وتقريرًا للوقائع كما هي، حتى إنني وجدت فيهم من الطباع النبيلة ما قد نسيه أهل البلاد العربية، وإنني إذا تَعصبت لأمة من الإفرنج فإنما يكون ذلك لأهل إسبانيا حيَّاهم الله وبياهم، فقد آنست فيهم وفي بلادهم — خصوصًا أيام كنت أجهل لغتهم وليس لي من صديق فيهم وقبل وصولي إلى مدريد — ما يجعل لساني يتلو آيات شكرهم في كل نادٍ، ويفصح بمفاخرهم وآثارهم في كل وادٍ على توالي الآماد، وأكرر قول الأندلسي على جميع البلاد:
تلك الجزيرةُ لَست أنسَى حُسْنهابتعاقُب الأحيان والأزمانكمالة الرسالة الأندلسية

وهي نبذة في امتزاج العرب بالعجم في إسبانيا، والاستشهاد على ذلك بالأسماء والألقاب.
اعلم أن كثيرًا من أشراف العائلات الإسبانية الأصلية، امتزجت بالعرب امتزاجًا كليًّا، ودخلت في دين الله القويم ولكنها لم تغير ألقابها الخاصة بها لما كان لها بالطبع من الجاه والحسب، وقد نبغ منها كثيرون.
مثال ذلك: ابن بونه، وهو اسم لكثير من أدباء الأندلس، وأصله الإسباني (Bono وBueno)، ومعناها الطيب والجيد — ولا تزال عائلات إسبانية كثيرة بهذا الاسم إلى الآن. ومثل: ابن بيبش (وهذا هو الاسم الذي دعاني لتحرير هذه الكمالة)، وهو اسم لجملة أدباء أندلسيين؛ منهم الغرناطي اللغوي الأديب أبو عبد الله محمد بن بيبش (Ibn Vivax) من شيوخ وزير الأندلس المشهور بابن الخطيب. وأصل اسم العائلة من كلمة إسبانية لاتينية (Vivas وVives) مشتقة من فعل معناه الحياة والعمر والمعيشة — وربما كان صاحبنا الدون أنطونيو فيفس المذكور بالمتن من نسل هذه العائلة، فإذا صح ذلك الظن تكون أصلها إسبانية، ثم استعربت ثم استسبنت (أي صارت إسبانية كما كانت)، ويكون الحكم كذلك في بقية العائلات المذكورة في هذه النبذة. ومثل: ابن بشكوال Ibn Paxcual وهو الشيخ العالم أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بَشكوال من مشاهير المؤرخين من أهل قُرطبة، وله كتب كثيرة جزيلة الفائدة؛ منها: كتاب «الصِّلة في تاريخ أئمة الأندلس وعلمائهم ومحدثيهم وفقهائهم وأدبائهم»، وهو حجة ثقة واسمه مشتق من Pascual من كلمة لاتينية Paschalis ومعناها المنتسب لعيد الفِصح، ولا يزال بإسبانيا وأوروبا عائلات كثيرة بهذا الاسم. ومثل: ابن الأقشتين، وهو لقب لكثير من الأندلسيين منهم الأديب محمد بن موسى بن هاشم، وهذا الاسم من كلمة إسبانية Agustin فرنساويتها Augustin ولاتينيتها Augustinus ومعناها العظيم الجليل. ومثل: ابن الباذش وابن البيذش Ibn-al-Pedex، وهي كلمة إسبانية لاتينية، نصَّ ابن الأبار على أن معناها القدمان؛ أي الرجلان Pedes، وهو لقب لأديب غرناطي توفي سنة ???. ومثل: ابن برال Borrel وBurriel، وهو أبو بكر من مشاهير أدباء الأندلس ولا يزال لقبًا لعائلات إسبانية كثيرة. ومثل: ابن بشتغير (Ibn Baxtagair) وهو من أدباء الأندلس واسمه أبو جعفر، ولقبه من كلمة لاتينية Bastagarius معناها الموكل بنقل أمتعة الدولة أو الكنيسة في الاحتفالات العمومية. ومثل: الرُّشاطي، وهو النسَّابة الأندلسي أبو محمد الرشاطي Arroxati، وهذا الاسم مشتق من كلمة إسبانية (روسيتا Roseta بمعنى الوُرَيْدة تصغير وردة). ومثل: ابن الرومية، وهو لقب لأحد مشاهير علماء النبات من أهل إشبيلية، وبما أن عادة العرب النسبة إلى الأب لا إلى الأم إلا في أحوال استثنائية قليلة جدًّا؛ فلذلك يخيل لي أنهم أبقوا له هذا اللقب دلالة على أصله، كما فعلوا بالنسبة لابن القُوطية أحد مشاهير كُتاب الأندلس، فإن العرب أطلقوا اسم القوطية La Goda بالإسبانية وLa Gothe بالفرنساوية على سارة Sara حفيدة الملك القوطي ويتيزا Witiza أو Vitiza المعروف عند العرب باسم غِيطشه، وربما كان الرجل من نسلها. ومثل: ابن غَرسِية وهو لقب لكثير من الأندلسيين، منهم الفقيه العلامة عبد الرحمن بن أحمد، وهذا اللقب إسباني محض، وكان في القديم يكتب هكذا Garsea وGarsia وGarseas وGarseanus، ولا زال لقبًا لعائلات إسبانية كثيرة. ومثل: ذو الوزارتين السَّرقسطي ابن غُنْدَشَلْب، وكان صاحب جاه عظيم ونفوذ كبير في دولة بني هود بمملكة الثغر الأعلى؛ أي مملكة سرقسطة، وله شعر جيد. وهذا الاسم إسباني محض Gonzalo وGonzalve وGonzalez إلخ، ولا يزال لقبًا لكثير من العائلات. ومثل: ابن فورتش، وهو لقب لبعض علماء الأندلس (ولاتينيته Fortis بمعنى قوي شديد). ولا يزال لقبًا لكثير من العائلات الإسبانية الآن. ومثل: ابن كُنبراط Comparath وهو من أهل بلنسية العارفين بالطب، وعنه أخذ القاضي أبو الوليد بن رُشد Averroés فيلسوف الأندلس المشهور. وهذا اللقب إسباني محض. ومثل: ابن ليون، لقبٌ لأبي عثمان العالم الأديب الناشئ بمدينة ألمرية Almeria، ولأبيه أبي جعفر من علماء الفلاحة المبرزين ومن شيوخ الوزير ابن الخطيب. وهذه الكلمة إسبانية محضة leon تجيء من اللاتينية، leonis بمعنى الأسد، ولا زالت لقبًا لكثير من العائلات الإسبانية الآن. ومثل: ابن سَلْبَطور، من مشاهير علماء الأندلس، وهذا اللقب مستعمل إلى اليوم. وهو بالإسبانية salvador، وبالطليانية Salvatore، وبالفرنساوية Sauveur، ومعناه المخلص والمنقذ والمنجي، وهو عَلَم في العادة عند النصارى على سيدنا عيسى عليه صلاة الله وسلامه. ومثل: ابن فِيره، لقبٌ للعالم الأندلسي المشهور صاحب الشاطبية، وقد نص ابن خلكان على أنه لقب إسباني معناه الحديد. واعلم أن الحديد يسمى عند أهل الفرنساويين Fer، وعند الطليانيين Ferro، وكان يسمى كذلك في القديم عند أهل إسبانيا مشتقين له من اللفظة اللاتينية، ولكنهم اليوم حرفوه فلا يقولون «فِيره Ferro» إذا أرادوا ذكر الحديد بل يقولون من باب التحريف «هييره Hierro». وهم لا ينطقون بحرف مقابل الهاء ولكنهم يقولون عن السكك الحديدية: Ferrocariles وCaminos de hierro، فترى أن كلمة «فيره» لا زالت باقية عندهم في بعض التراكيب. ومثل: ابن فورتون وابن مورجون لكثير من علماء الأندلس، وهما لقبان إسبانيان محضان لا يزالان مستعملين إلى اليوم Morejon وFortun. وقد اطلعت على أسماء كثيرة للأندلسيين، وليست من العربية في شيء على الإطلاق؛ مثل تومرت وأنجلينو وأشقيلولة ومردنيش وهمشك وكثير غيرها، ولكنني لم يتيسر لي إرجاعها إلى أصولها الإفرنكية وسأستوفي ذلك في فرصة أخرى إن شاء الله.
ومن الأمور التي يجب ذكرها تكملة لهذه الكمالة أن أهل الأندلس المسلمين تفردوا بزيادة الواو والنون في آخر ألقابهم، بخلاف المشارقة، كما تفرَّد بعض الأعجام بزيادة «ويه» في سيبويه ونفطويه وعمرويه وخالويه ومردويه ومزرويه وحيويه وشاهويه ودرستويه وراهويه ورزقويه ومادويه وقاذويه وشيرويه وكاكويه وحمويه ورحمويه إلخ، وكما تفرد الأرمن بزيادة «يان» و«آن» في آخر أسمائهم، وكما تفرد الروس بزيادة «أوف» و«إيف»، ولا حاجة لإيراد الأمثلة هنا فإنها مشهورة، سوى أني أقول إن بعض أهالي إيران والجركس وغيرهم من التابعين الآن لروسيا ملزمين بإضافة «أوف» على أسمائهم، وقد لاقيت في المؤتمر عالمًا فارسيًّا من هذا القبيل اسمه «أحمد أغايف بك؛ أي أحمد أغا بك».
واعلم أن نظير هذين الحرفين «الواو والنون» أي: on في اللغات الإفرنكية، وخصوصًا الإسبانية إذا وضعا في آخر كلمة إفرنجية أفاداها القوة والشدة والتفخيم. وكأني بالأندلسيين أرادوا هذا المعنى من باب التسامي على المشارقة. ومثال هذه الأسماء مضافة إلى لفظة ابن: بدرون. برون. بكرون. جبرون. جلفون. حبرون. حبنون. حضرون. حفصون. حكمون. حمدون. حنون. حيون. خلدون.?? خلفون. خيرون. دحون. رزقون. زرقون. زقنون. زكون. زيدون. سحبون. سعدون. سلبون. سلمون. سمحون. سمجون. سهلون. شبطون xabaton. ضيفون. عبدون. عبيدون (وفي هذا الاسم تصغير بالعربي وتكبير بالإفرنجي). عجلون. عسلون. عفيون. عمرون. عيسون. عيشون. غدرون. غلبون. فتحون. فحلون. فرحون. قلمون. قنون. لطفون. وهبون. يسعون. يشعون. يحيون. واعلم أن زيادة الواو والنون تعدت أيضًا إلى بعض أسماء النساء، نذكر لك اسم الشاعرة نزهون، وهي من أشعر نساء الأندلس، ومن أكثر المشتغلين بالنظم بديهة وإجادة، كانت تسكن بغرناطة ولها واقعة حال مع شاعر أعمى من المشارقة تدل على شدة بديهتها حينما طارحته الشعر في حضرة أحد الأمراء، ولولا ما فيها من بعض الإخلال بالأدب لذكرتها من باب التفاخر بها، ولكن ذلك لا يمنع الطالب من البحث عليها في كتاب «نفح الطيب» المطبوع في بولاق صحيفة ?? و?? و?? وأخبارها في صحيفة ???? و???? من الكتاب المذكور، وقد أورد الضبي شيئًا من أشعارها في كتاب «بُغية المُلتمس في تاريخ أهل الأندلس» في صحيفة ??? (نمرة ????) من النسخة المطبوعة في مدريد سنة ????.
ونذكر أيضًا اسم شاعرة أخرى مشهورة وهي سَعدونة، فقد أضيف إلى أمها علامة التأنيث.
والأغرب من ذلك أن بعضهم أضاف على اسمه حرفي الواو والسين، وهما علامة الانتهاء في اللغة اللاتينية Us ومثال ذلك: أحمدوس. أنسوس. عبدوس. عمروس. طحلوس. طملوس. فالوس. فرعوس. فرغلوس. قبتروس. قبيلس. ومنهم من يسمى حمديس، وهذان الحرفان الانتهائيان هما أيضًا من خصائص اللغة اللاتينية (Is) كما لا يخفى على العارف. واعلم أن هذه الأسماء التي ذكرناها هي أعلام لعلماء ترى تراجمهم في كتب ابن الأبار وابن الفَرضي والضبي وابن بشكوال و«نفح الطيب» وابن خلكان ودائرة المعارف و«آثار الأدهار»، ومجموعة القطع العربية التي انتخبها العلامتان الإسبانيان (Lerchundi y Simonet) لرتشندي وسيمونيت و«المعجم العربي الإسباني» الذي ألحقاه بكتابهما المذكور. واعلم — أيدك الله وأبقاك — أنه لما آل أمر بقاياهم بالأندلس إلى منتهاه من التلاشي والاضمحلال، وتناسوا اللغة العربية وأساليبها مرة واحدة أهملوا لفظة «ابن» واستبدلوها بعلامة الإضافة في اللغة القشتالية وهي «دو»، فكانوا يقولون: (فلان دو فلان) أي: (فلان من) أو (ابن فلان) ولقد نبهني بعض الفضلاء إلى أن الإفرنج قد يكونون استعملوا لفظة (ذو de) في إضافة الأسماء والألقاب الخاصة بعائلاتهم الشريفة نقلًا عن استعمال العرب اليمانيين، الذين يستعملون لفظة (ذو = صاحب) أمام أسمائهم. وإني وإن لم يتيسر لي استكمال البحث واستيفاء المراجعة لا أرى مانعًا من الظن بأن الإفرنج قد أخذوا ذلك عن أهل اليمن، خصوصًا وأن التبابعة والأقيال كانوا يوالون الغزو في جهات الشمال من آسيا وفي بلاد فارس والهند، ومن المحتمل أن كبار عائلات البلاد التي أخضعوها أو مروا بها قد تشبهوا بهم في التكنية بألقاب الشرف كما يحصل عادة من تقليد الأمم المستضعفة للأمم القوية العلية الشأن، ولا يجهل الباحثون الواقفون على ارتباط اللغات ببعضها أن بين اللغات الفارسية والهندية، وبين اللغات الأوروباوية ارتباطات ومشابهات كثيرة جدًّا فيما يتعلق بأصوال الألفاظ والتراكيب النحوية والأساليب الصرفية، وطرائق التعبير وغير ذلك من العلاقات والمناسبات التي لا تنكر. وإني أذكر لك الآن أسماء بعض ملوك اليمن الذين تصدرت ألقابهم بلفظة (ذو): ذو الأذعار – ذو أصبح – ذو الأعواد – ذو جدن – ذو جيشان – ذو رعين – ذو رياش – ذو سدد – ذو شدد – ذو الشناتر – ذو الصرح – ذو ظلم – ذو فائش – ذو القرنين – ذو إقلاع – ذو كرب – ذو كلاع – ذو مرثد – ذو المنار – ذو مهدم – ذو نفر – ذو نواس – ذو هجرس – ذو هرب – ذو يزن – ذو يمن.
وكذلك وردت أعلام جغرافية كثيرة في بلاد اليمن وغيرها مُصدَّرة بهذه الأداة (ذو)، ولعلي أستكمل البحث عن ذلك في فرصة أخرى.
ونرجع الكلام على ما يتعلق ببقايا الأندلسيين في هذا الموضوع فنقول: إنهم بعد أن تناسوا لفظة (ابن) وصاروا يقولون (فلان دو فلان) استبدلوا لفظة السيد بالكلمة المقابلة لها في اللغة القشتالية (الدون)،?? كما يفعل الآن بعض العوام من وضع كلمة موسيو الفرنساوية أمام الأعلام العربية في الكتابات والمخاطبات على ما هو مشاهد اليوم، ومثال ذلك عندهم الدون عيسى دو جابر الفقيه الأكبر والمفتي بجامع شقوبية (Ségovie) في سنة ???? إفرنكية، فإنه ألف كتابًا جليلًا في الفقه الإسلامي باللغة الأعجمية (الألخميادو) التي سبق لنا الإشارة إليها، وقد طبعتْ هذا الكتاب جمعية التاريخ الملوكية بمدريد في سنة ???? (في الجزء الخامس من مطبوعاتها)، وعندي نسخة منه تدل على غزارة فضله وواسع علمه. وقد بلغني من بعض العلماء أن بعض المراكشيين المتوطنين على الساحل يستعملون ذلك التلقيب اليوم. والأغرب من هذا وهذا ما بلغني في مدريد من بعض أهل السياحة والتحقيق أن الأعراب البدويين المتوطنين في صحاري مراكش — أي بعيدًا عن الساحل بمسافات شاسعة تمنع خيال الظن بوجود أي تأثير للاختلاط مع أهل إسبانيا الآن — لا يزالون يستعملون هذه الطريقة في التسمية: أي وضع كلمة «دو» في المكان الذي يضع فيه بقية العرب لفظة «ابن»، وهذا دليل على اتصال نسبتهم بالأندلسيين الذين أخرجوا من ديارهم. هذا وقد رأيت عند الدون بابلو خيل في سَرقسطة حُججًا شرعية وصُكُوك معاملات ووقَفيات مكتوبة باللغة الأعجمية (الخميادو)، وفيها «الدنيا عائشة»؛ أي السيدة عائشة والدون فلان وهكذا.
ثم أقول — من باب الاستطراد غير متعرض في هذا المقام إلى استكمال البحث، فإنني أريد توفيته في فرصة أخرى — إن الإسبانيين وقع منهم مثل ما وقع من العرب، فإن الناظر إلى أسمائهم لا يعسر عليه أن يتعرف فيها أعلامًا عربية قد يكون بعضها مأخوذًا بالوراثة وبعضًا عفوًا أو لمناسبة أخرى.
ومثال ذلك Codera وهو قديرة (ولا يزال الحاج قديرة والحاج قدور من أسماء أهل طرابلس وتونس والجزائر ومراكش)، ومثل Zaidyn زيدين، وAbad؛ أي: عباد، وAlvarez الفارس، وAlvarez del campo أي: فارس الميدان، وBaguer الباقر، وMoreira مريرة وSofi صوفي، وFerran فران، وAlmenara أي: المنارة، وAlcayde القائد، وAlcalde القاضي (ولا يزال هذا اللقب عندهم مرادفًا للمحافظ والمدير وحاكم البلد، كما كان يسمى عند العرب بالقاضي، إذ له اختصاصات كثيرة في الشرع الشريف، ويسمى عند الفرنساوية Alcade، وإن كان الإسبانيون أضافوا لامًا L من باب التحريف في قولهم: Alcalde، فإنما ذلك لإظهار تفخيم الضاد)، وRabadan رمضان (الباء حلت تحريفًا محل الميم العربية)، وNasarre نصار (والإسبانيون ينطقون بحرف S سينًا على الدوام مهما كان موقعه بين الحروف الأخرى)، وCalaf خلف، وMaymon ميمون، وAlvaro البر، وMeaza معازة، وAlfageme الحجام إلخ. وهذه الأعلام كلها لأناس موجودين في إسبانيا الآن، رأيت بعضها في كتب الدلالات وعرفت بعضهم بنفسي. ومن ينظر إلى أعلام الإسبانيين الآن يرى في آخر أكثرها هذين الحرفين، وهما على ما تأكدته علامة على البنوة، فكل اسم في آخره ذلك يكون معناه ابن فلان؛ مثل Fernando أي: فرنندو ثم Fernandez أي: ابن فرنندو، وهكذا في جميع الأسماء، ولم أر ما يشبه ذلك في بقية اللغات الإفرنجية التي اطلعت عليها، نعم إن كثيرًا من أسماء الإنكليز تنتهي بمرادف لفظة ابن وهي سن أو سون Son مثل سامويلسن وروبرتسن وجونسن، ونحو ذلك ولكنها لا تشعر بالدلالة على البنوة، وربما كان هذا المعنى مفهومًا منها في أول الأمر، ثم تنُوسي الآن مرة واحدة بخلاف ما هو في إسبانيا. وهذا ما يدعوني إلى الظن بأنه أثر باقٍ من آثار العرب الذين ينتسبون على الدوام إلى الأب مع لفظة ابن، والذي يُقوي ذلك الظن أن هذه الزيادة في آخر الأعلام الإسبانية تشبه تمام المشابهة لفظة «زاده» و«أوغلي» التي تضاف على أواخر الأعلام التركية، والله أعلم.
هوامش

(?) وقد ورد اسمها في كتب العرب إشبانيا، وفي كتاب مختصر الدول لأبي الفرج إسفانيا.(?) وما زلنا إلى الآن نقتبس أنوار الهدى من مؤلفاتهم القليلة التي استبقتها يد الصدفة، فنجت من التبديد والتمزيق، وسأشير إلى بعضها في الرحلة.(?) إن العلامة الفرنساوي جرنجره ديلا جرنج (Grangeret dela)، (Grange) طبع في باريس سنة ???? كتابًا سماه «نخب الأزهار في منتخب الأشعار، وأذكى الرياحيين من أسنى الدواوين» جمع فيه كثيرًا من مستجاد شعر المتنبي بشرح الواحدي له، وشعر ابن الفارض وشرحه والصفدي ومن فتوح الشام للواقدي ولجملة شعراء متعددين، ثم ترجم ذلك كله إلى الفرنساوية، وعلق عليه كثيرًا من الحواشي الأدبية والانتقادية، وأورد في جملتها قصيدة أبي البقاء هذه نقلًا عن نسخة من نفح الطيب في مكتبة باريس، وهي مترجمة بغاية الدقة والضبط، ولما كان الناقل أخطأ في نقل بعض الكلمات فترتب على ذلك أن ترجمة بعض الأبيات جاءت مختلة، فأحببت التنبيه على هذه الأبيات هنا لإكمال الفائدة.(?) نقلها العلامة لا جرانج المذكور هكذا (ساده شداد) بالسين المهملة وترجم بما معناه السيادة ولا معنى لذلك، إذ المقصود المباني والآثار التي أقامها شداد في إرم المشهورة بمبانيها الفاخرة.(?) أوردها العلامة المذكور (فامتحنت) وهي بالبناء المجهول والمعنى واحد.(?) … (وبها بالكفر إلخ) وهي غلط في الطبع.(?) وفي رواية أخرى (تغر المرء أوطان)، وإني أستحسن قوله: (لعز المرء)؛ أي الأندلسي؛ لأنه صار لا وطن له.(?) استبدل العلامة ديلا جرانج لفظة (السبق) بقوله (السيف) وترجم بهذا المعنى وهو غلط واضح.(?) وفي رواية أخرى (في مُثار النفع)، والمعنى صحيح لكن الظلام أنسب لظهور النيران فيه بوضوح أكثر.(??) أورد العلامة ديلا جرانج (عند بيعهم) وهو واحد غير أنه قدم هذا البيت على الذي قبله، وهو غلط يدل عليه سياق الكلام وانسجام المعاني.(??) أورد العلامة ديلا جرانج الشطر الأول من هذا البيت هكذا (يا رب أم وطفل جبل بينهما)، وترجم بما معناه (يا الله هل يلزم أن جبلًا يوضع بين الأم وأولادها وأن الأرواح تُفصل عن الأجساد)؛ وهو غلط مبين؛ لأنه تصور أن رب بضم الراء هي رب بفتحها، واللفظة الثانية من أسمائه تعالى، وأما الأولى بمعنى ربة، وربتما وربما من حروف الجر للتقليل في الشهور وللتكثير، وقيل: بل إنهما يستفادان من سياق الكلام. ثم إنه أخطأ في قراءة (حيل)، فوزع النقطتين على الحرفين، فرأى (جبل) وهي قراءة يترتب عليها هد بيت الشعر، وكان الرجل عارفًا ببحوره وأوزانه كما يستدل عليه من شرحه للقصائد التي في كتابه.(??) أرسلت في ذلك الوقت نسخًا من هذه الجرائد إلى العاصمة لبعض أصدقائي.(??) مجريط بفتح الميم كما ضبطه ياقوت في معجم البلدان، وقد عقد العلامة أحمد فارس المشهور فصلًا في كتاب «الجاسوس على القاموس»، أشار فيه إلى بعض انتقادات جغرافية على الفيروزأبادي بمناسبة ذكره لبعض بلدان الأندلس في قاموسه، ولكن وقع صاحب الجاسوس نفسه في وهم أرى من الواجب إصلاحه في هذا المقام، وبيان ذلك أن المجد ذكر بلدًا اسمه النبرة وقال إنه من عمل ماردة، فجاء صاحب الجاسوس (صحيفة ??) معقبًا لهذه العبارة بالتفسير قائلًا: (أي مدريد.) وأقول: إن ماردة Mérida بلد ومدريد بلد آخر، وماردة في الجنوب الغربي بقرب بطليموس Badajos على تخوم البرتغال ومدريد في الوسط. وماردة كانت بلدًا مشهورًا جدًّا في أيام العرب، ولا يزال فيه إلى الآن آثار جليلة تشهد بفخامته بخلاف مدريد، فإنها عند العرب مجريط وكانت في أيامهم عبارة عن حصن ليس إلا.(??) تسمى عند العرب مدينة الأملاك؛ أي الملوك، لكون اللاتينيين كانوا يسمونها بذلك أيضًا (Urbs Begia)، وكانت تسمى عند الرومانيين كذلك (Toletum) وبالتصغير (Toletula)، ومنه الاسم العربي طليطلة. وقد ورد اسمها في قليل من كتابات العرب توليطه مثل التسمية الإسبانية، ويقول مؤرخو العرب إن معنى توليطه بلسان قيصر «أنت فارح».(??) هذا هو اسمها في كتب العرب، لا بورتغال أو بورتكال أو بغير واو فيهما.(??) يذكرها العرب باسم لشبونة وإشبونة والإشبونة.(??) ليتنبه القارئ إلى أنه منهم فلذلك هو يصوب رأيهم.(??) هذا هو اسمها الحقيقي في كتب الجغرافية العربية القديمة وابن الأثير في حوادث سنة ??? في الجزء الخامس. وقد وهم صاحب دائرة المعارف حيث سماها سلمنقة بالسين المهملة، ثم خلط بينهما وبين بلد أخرى اسمها طلمنكة فقال إنه اسمها في بعض كتابات العرب، والصواب غير ذلك، فإن طلمنكة Talamanca بليدة في ولاية مدريد في وسط الأندلس كانت من أعمال طليطلة في أيام العرب، وأما شلمنقة فهي في الشمال من ولاية جليقية التي قد يسميها العرب غليسية Galicie.(??) وهي مدينة ثانية قائمة على قلة الجبل وأما غرناطة فهي في سفحه.(??) مرج غرناطة يعرف عند الإفرنج بهذا الاسم (La vega)، وهو كلمة إسبانية معناها المرج، ومن الغرائب أن الدون إيجيلاذ (Eguilaz) وهو من أعيان أهلها ومن نبهاء المشتغلين بالآداب والآثار العربية قد أطلعني على صورة إله مصري طولها ? سنتيمترات، ومنقوشة بالحروف الهيروغليفية، وأخبرني أن أحد الفلاحين قد عثر عليها في المرج أثناء الفلاحة وتقليب الأرض، فنبهته إلى وجوب الاعتناء بهذه المسألة وموالاة البحث لما وراء ذلك من الفوائد التاريخية التي لا تنكر، كما علمت أن القوم عثروا بمدينة برشلونة على آثار مصرية كثيرة.(??) جمع عقبة لكثرة العقبات التي بجانب مدينة طلوسه Tolosa في شمال إسبانيا، وتعرف هذه الواقعة عند الإفرنج بما هو ترجمتها Las Navas de Tolosa، وقد أشرت إلى الراية التي أخذها الإسبانيون منهم وهي في برغش.(??) فمن أكبر المصائب أن أبا عبد الله (المعروف عند الإفرنج باسم Boabdil، وهو الذي اضطر فيما بعد لتسليم غرناطة للإسبانيين) ثار على عمه أبي القاسم ملك غرناطة، فساعده على خلع الطاعة وشق عصا الجماعة الملك فردينند الكاثوليكي طمعًا في اشتداد الخصام واحتدام الفتنة؛ ليضعف كل من الأميرين المسلمين صاحبه ويبقى فتح غرناطة هينًا عليه، ثم توفي أبو القاسم فخلفه على سرير الملك أبو عبد الله المذكور فلم يلتفت فردينند إلى ما بينهما من سابق المؤالفة والمحالفة، بل استضعفه ورأى الغنيمة باردة فهجم عليه بجيوش قشتيلية وأراغون وبما جاءه من المدد الكثير من أوروبا، ومع ذلك لم يتمكن من فتح غرناطة إلا بعد ست سنوات، فإنه في آخر الأمر تمكن من حصارها ثمانية شهور، وساعده نزول الثلج وكلب الشتاء على قطع الطرق وتضييق الحصار، فجاءت الملكة إيزابلا لتحضر هذا الفتح بنفسها وتتمتع بالدخول إلى غرناطة. وقد تم التسليم بشروط وامتيازات تدل على أن المدينة كان في وسعها استمرار الدفاع، فإنه تقرر أن الفاتحين لا يمسون شيئًا من أموال المسلمين ولا شرائعهم ولا ديانتهم ولا حريتهم، وأن لا يتعرضوا لهم بأي وجه كان، بل إنهم يردون إليهم أسراهم من غير فدية. ومما يمدح عليه المسلمون وينبغي تسطيره في بطون التواريخ تخليدًا لمكارمهم أنهم اشترطوا أن يكون لليهود كل هذه الامتيازات أيضًا، وعلى هذه العهود خرج أبو عبد الله من غرناطة وسلم مفاتيحها لفردينند وإيزابلا. ويقول المؤرخون العصريون: إنه أذرف الدموع حينما رمى ببصره على هذه المدينة التي كانت في يد المسلمين منذ ??? عام تقريبًا، فاضطرته الأقدار لتركها عامرة آهلة تفوق كل مدينة سواها، وقد رأيت في بعض التواريخ الإفرنكية أنه حينما خنقته العبرة وأفحمه البكاء قالت له أمه بيتًا من الشعر معناه: انتحب مثل النساء على ملك لم تقدر على حفظه مثل الرجال. ولم أقف للآن على لفظ هذا الشعر بالعربية غير أن الشاعر الأديب محمود أفندي واصف قد نظمه في هذا البيت:ابك مثل النساء ملكًا مضاعًالم تحافظ عليه مثل الرجال(??) هذا المحل سمي كذلك لكونه كان سوقًا لأناس اتخذوا تربية الباز حرفة لهم، ويسمى عند الإفرنج Albaicin.(??) هذا الاستخراج مما ينبغي الالتفات إليه، وأقول إنه مما لم يتنبه إليه أحد من العلماء الباحثين على ما أعلم، وهذا من ضمن الفوائد التي تنتج من علم النقود والمسكوكات.(??) انظر النبذة التي وضعتها بخصوص أسماء الأعلام.(??) وكذلك السلطان محمد الثاني لما فتح القسطنطينية وبلاد الأغارقة (La Grèce) ترك أهلها يتمتعون بحياتهم بكل سلام وأمان، وأباح لهم ممارسة ديانتهم كأنه لم يطرأ عليهم شيء من الانقلاب وجرى على سننه الشريف خلفاؤه من بعده.(??) أذكر هنا من باب التفكهة أن أحد شعراء الأندلس، وهو أبو علي المالقي هجا العلامة ابن خلدون بهذين البيتين.يا شاعرًا يتسامىوجده خلدونلم يكف أنك خلحتى بأنك دونوهذا شبيه بالشاعر الذي ذم نفطويه، والقائل أبو عبد الله محمد بن زيد بن علي بن الحسن الواسطي المتكلم المشهور قال:من سره أن لا يرى فاسقًافليجتهد أن لا يرى نفطويهأحرقه الله بنصف اسمهوصير الباقي صراخًا عليه قال ابن خالويه: ليس في العلماء من اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سوى نفطويه، وهو بكسر النون وفتحها، والكسر أفصح لقب بذلك لدمامته تشبيهًا له بالنفط.(??) وهي مستعملة عند أهل إسبانيا في مقابلة موسيو عند الفرنساوية وسير عند الإنكليز وسنيور عند الطليانية، وهي مختصرة من كلمة لاتينية Dominus ومعناها الرب والمولى والسيد، وقد أطلق هذا اللقب في أول الأمر على سادات إسبانيا ثم على ملوكها ثم هو الآن لقب التعظيم فيها.
الخاتمة


بعد أن زرت غرناطة وكتبت رسالتي الأندلسية التي لم يتيسر لي أن أورد فيها جزءًا من عشرين، مما وقفت عليه من أحوال الأندلس، وما رأيته فيه من آثار العرب وبقية أخلاقهم وغير ذلك مما قد يستغرق مجلدًا ضخمًا، قمت إلى قُرطبة? وشاهدت المعاهد والبقايا في هذه البلدة الشائقة، بل الجنة الرائقة التي يسقيها الوادي الكبير وتحفها أشجار الليمون والبرتقال والرمان، فينتشر أريجها ويضوع نفحها، فيتعطر هواؤها ويطيب المقام بها، ولم تصل مدينة إسلامية إلى ما وصلت إليه قُرطبة من كثرة المساجد، فإنها بلغت فيها ???? مسجد وأوصلها آخرون إلى ما يزيد عن ضعف ذلك. وأهم ما رأيته فيها هو المسجد الجامع الذي لا نظير له في العالم الإسلامي، وقد كان في مكانه كنيسة فاشترى المكان عبد الرحمن الداخل بمبلغ مائة ألف دينار، ثم صرف على بنائه وتشييده ثمانية آلاف، ولكن الملوك والخلفاء الذين أعقبوه لم يقتصروا على ذلك، بل رأوا من الضرورة توسيعه والزيادة فيه، وعدد هؤلاء الخلفاء ثمانية، وكان كل واحد ينفق بقدر سعته، ومنهم الحَكَم أنفق وحده أكثر من ??? ألف دينار وكلها من فَيء المسلمين الذي يخص بيت المال وحده (وهو عبارة عن خُمْس الغنائم كما هو معلوم).
ولما جاء المنصور بن أبي عامر وزير الأندلس المشهور، وعزم على زيادة المسجد ليكون مناسبًا لاتساع قرطبة وزيادة سكانها كان يحضر أرباب الدور التي يريد نقلهم عنها، فيقول للواحد منهم: «إن هذه الدار التي لك يا هذا أريد أن أبتاعها لجماعة المسلمين من مالهم وفَيئهم لأزيدها في جامعهم وموضع صلاتهم، فشطِّط واطلب مَا شئت.» فإذا ذكر له أقصى الثمن أمر أن يضاعف له وأن تُشتري بعد ذلك له دار عوضًا عنها، حتى أتى بامرأة لها دار بصحن الجامع فيها نخلة فقالت: «لا أقبل عَوَضًا إلا دارًا بنخلة.» فقال: «تبتاع لها دار بنخلة ولو ذهب فيها بيت المال.» فاشتريت لها دارًا بنخلة وبولغ في الثمن (وهو دليل على شدة عناية القوم بأشياء المشرق وكثرة حنينهم إلى النخل الخاص ببلادهم الأصيلة، ولعبد الرحمن الداخل ولغيره من الملوك قصائد جليلة في مخاطبة النخل)، وقد استمر المنصور في أعمال الزيادة بالجامع مدة سنتين ونصف، وكان يخدم فيه بنفسه كأحد العمال، وكان قصده الزيادة في الإتقان والوثاقة دون الزخرفة.
واعلم أن هذا المسجد أصبح الآن عبارة عن كنيسة كتدرائية جامعة، وقد بقيت معالمه الرئيسية على ما هي عليه، وأقسم بالله أنني أكثرت من البكاء المر حينما درت في صحونه وبين عمدانه ووقفت في محرابه، وتأملت ما فيه من غرائب الإتقان التي لا تخطر على بال مع الفخامة والضخامة، وهو متجلبب بجلبات من الجلالة يوجب المهابة التعبدية في نفس الزائر، ويجعله يشعر حقيقة بوجود خالق معبود قَسم الحظوظ وقَدر الأرزاق وأراد ما أراد.
ولا أتصور أن الخشوع الديني والخضوع التعبدي يحدث في نفس أيِّ إنسان في أيِّ معبد من المعابد التي أقامتها جميع الأمم على اختلاف نحلها ومقالاتها بكيفية أكثر وأظهر، وبانفعال أتم وأكمل مما رأيته في هذا الجامع الذي يحتوي على ???? عمودًا من مختلف الرخام والصوان، وكلها منقوشة التاج والقاعدة بكيفيات تخالف بعضها، وقد كانت قبته مستندة على ??? عمودًا من نفيس المرمر، وبلغ مسطحه ????? ذراعًا مربعًا، وأما المحراب فقد رأيته مصنوعًا من أحجار دقيقة مختلفة الألوان متركبة مع بعضها على نظام الفص والفسيفساء، بحيث تحدث منها أشكال متناهية في الجمال وآيات قرآنية وأحاديث نبوية، وإذا نظر لها الإنسان من ذات اليمين رأى ألوانًا وأضواءً وأشكالًا وتراكيب تخالف كل ما يراه لو وقف جهة الشمال، وكذلك الأمر فيما لو وقف في الوسط أو تقدم أو تأخر وهكذا. وخلاصة القول أنني أتصور هذه القِبلة مركبة من أحجار كريمة دقيقة مرصوفة بجانب بعضها بأكمل ذَوق وأحسن أسلوب.
ثم خرجتُ من قُرطبة منقبض الصدر مكلوم الفؤاد، ولم أرضَ برؤية شيء غير المسجد في عاصمة الأندلس العربية.
وقمت إلى مدريد ومنها إلى سرقسطة إلى برشلونة Barcelone إلى مارسيلية، فبقيت بها أيامًا شاهدت كل ما يجوز للغريب وعابر السبيل أن يراه فيها. وفي أول فبراير سنة ???? أمتنع الخبازون عن اصطناع الخبز لخلاف في التثمين وقع بينهم وبين البلدية، فكان لذلك منظر من أغرب المناظر، واستمر الحال ثلاثة أيام كان الناس يقتلون بعضهم فيها، ثم انحسمت النازلة على أحسن حال. ورأيت فيها آثارًا كثيرة وأعمالًا عظيمة منها القصر والبستان والمنتزه (البرادو) الذي لا نظير له في العالم، وكنيسة فاخرة على جبل عالٍ يصعد إليها بعربات تجرها قوة الغاز من أسفل إلى أعلى على قضبان حديدية، تكاد تكون رأسية عمودية بلصق الجبل، وهي تزيد في العظمة عما رأيته في تورينو، وركبت في عربات الأمنيبوس التي تجرها الكهرباء بأسلاك معلقة في الجو تتصل العربة بها، بواسطة سلك معدني فتندفع العربة إلى الأمام أو الخلف بقوة شديدة أو خفيفة أو تقف مرة واحدة بحسب إرادة السائق عند اللزوم.
وأقول الحق إن أول شيء عنيت به عند دخولي إليها أنني أكلت من طعامها المشهور وهو البويابيس Ia bouillabaisse، ورأيت كثيرًا من مصانعها ومعاملها، والذي يستحق الذكر منها الآن بغاية الإيجاز هو معمل أنشأه أحد الأطباء للمساعدة على إتمام خلق الجنين الذي يولد بعد ? أو ? أو ? أشهر؛ أي كل جنين يولد قبل الميعاد وتكون فيه الروح، ولكنه إذا تُرك مات في الحال، فترى الأجنة موضوعة في بواقيل زجاجية فيها الحرارة والغذاء مدبرين تدبيرًا عجيبًا بأنابيب تتصل إلى الجنين بدرجات معلومة. ولله في خلقه أسرار، تبارك الواحد القهار. ثم قمت إلى مدينة تولون، وهي أهم مينا حربية بحرية ببلاد فرنسا، وقد كان للمسلمين بها جامعٌ فخيم في أيام السلطان سليمان القانوني، فإن شرلكان ملك فرنسا استنجد بالسلطان العثماني، فأرسل له عمارة بحرية تحت قيادة الأميرال خير الدين باشا المعروف عند الإفرنج باسم Chéridin المشتهر عندهم أيضًا باسم Barbeousse؛ أي ذي الذقن الصهباء. وقد أقام الأميرال العثماني بالمدينة شتاءً كاملًا، وكان له الحكم المطلق فيها، وقد جعل أحد دورها الكبيرة مسجدًا جامعًا للمسلمين. ثم إني قمت إلى مدينة نيس (Nice) المعروفة عند العرب باسم نيقة، فإنهم قد احتلوها هي وشواطئ فرنسا الجنوبية زمنًا مديدًا، وهي من أجمل المدن وألطفها وأنظفها. وغاية ما أقوله عنها الآن أنني شاهدت فيها الاحتفال بالكرنفال (أي عيد المرافع) وهو أعظم احتفال يحصل في العالم كله من هذا القبيل، إذ تجيء إليها قطارات مخصوصة لحضور هذا اليوم المشهود من لوندرة وباريس وبرلين وويانة ورومة وغيرها من أمهات مدن أوروبا كلها، بل ويحضرها في هذه الفرصة كثير من أهل أمريكا، ويحتفل به الأهالي والبلدية احتفالًا يشمل أجزاء المدينة، ويدفع التجار رسمًا معينًا لمعاونة البلدية على تنظيم الاحتفال والأنوار بأغرب ما تتصوره العقول وأبهى ما ترتاح له النفوس، ومتى حلَّت أيام المرافع ارتفع سلطان العقل من آفاقها، وذهب موليًا الأدبار طالبًا النجاة بنفسه في غير هذه الديار، ثم يحتلها سلطان الجنون بجنوده فتسقط التكاليف وتمتنع الحيثيات ويبقى الناس كلهم كلهم كلهم في درجة واحدة فرحين مستبشرين ضاحكين ساخرين وهم متشحون بغرائب الملابس، ويتخذون لوجوههم ورءوسهم صورًا ما أنزل الله بها من سلطان، ويرقصون جميعهم في الشوارع مختلطين نساءً ورجالًا وعذارى وأطفالًا ويترامون بقصاصات الورق Confetti والأرز والفصولية وباقات الأزهار وغير ذلك مما لا تحيط به الأفكار، وهم يسيرون زرافات ووحدانًا مشاةً وركبانًا، ويتخذون عربات غريبة الشكل تضحك الثكلى، وتزيل طوعًا أو كرهًا تقطيب الوجه العبوس، ويصطنعون سفنًا تجرها الأفراس. والخلاصة أنهم يركبون من الرقاعة والخلاعة كل متن، ويذهبون فيهما كل مذهب، ومع ذلك ترى النظام سائدًا والأدب العمومي ضاربًا أطنابه في قواعده الكلية فقط، وهم في هذه الأيام لا يعرفون الزَّعل أو الكَدَر أو الغيظ أو الحنق أو المضايقة أو غير ذلك مما هو من مستوجبات الطبيعة البشرية، ولهم في ذلك نظامات ورسوم معلومة لكل يوم من أيام الاحتفال، ولا شك أن شرح ذلك بالبيان الذي يجيش في صدري يستوجب رسالة ضافية مطولة لا يسعها المقام الآن وليس الخبر كالعيان.
ثم قمت إلى مدينة موناكو ومنت كارلو (منت قارلُه في كتب الجغرافية العربية القديمة)، ورأيت جمال مناظرهما الطبيعية وصفاء البحر تحت أقدامهما وبهاء الجبال فوقهما، ونضرة الأشجار في جميع جهاتهما وغير ذلك من المنازه الطبيعية والصناعية التي تنبسط لها النفس وينشرح منها الخاطر. ومدينة منت كارلو مشهورة بالمنتدى الذي هو أكمل وأجمل منتديات العالم في لعب الميسر (القمار)، وقد زرته للوقوف على حقائقه وأحطت علمًا بقوانينه وإجراءاته.
ورأيت بها معرضًا عامًّا خَصَّصوا له محلًّا عظيم الاتساع؛ ليعرض فيه العارضون كل ما يريدونه من صناعة وتجارة وفنون وعلوم وزراعة وغير ذلك، وتعطى فيه لأحسن العارضين وسامات وشهادات على سبيل المكافأة. وما أحسن ما قالته إحدى الجرائد في هذا المعنى: «كان الأليق بهذه الإمارة أن تقيم معرضًا لفنون ألعاب القمار؛ لأنها احتكرتها ونبغت فيها، بل تفردت بها على غيرها من الممالك والبلدان.»
ثم خرجت منهما قاصدًا بلاد إيطاليا فمررت على جنوة فبيشة (لا أنساها) فرومة، وأقمت بها ثلاثة أيام، ورأيت فيها الاحتفال بالكرنفال، وشاهدت حرب الزهور Bataille des fleurs، ولكن احتفالها مع جسامته وفخامته لا يساوي جزءًا من عشرين مما رأيته في نيقة Nice، ثم ركبت البحر عن طريق برندزي ووصلت إلى الديار، وجدت الله على ما حصل من توفيقه لي وعنايته بي أكثر مما كانت تحوم حوله آمالي. •••

والناظر إلى هذه الرسائل يعلم أنني بارحت القاهرة في يوم ?? أغسطس سنة ????، ورجعت إليها في يوم ?? فبراير سنة ????، فتكون مدة رحلتي ستة شهور بالتمام، قد لاقيت فيها حر أوروبا وحمارته كأشد ما يكون، وقاسيت بردها وصبارته فوق ما يقدر عليه شرقي مثلي تَغَرب في أوروبا لأول مرة. ويرى أنني زرت مرتين ثنتين خمسة من عواصم أوروبا، وهي رومة وباريس ولوندرة ومدريد ولشبونة، منها مملكتان يحكمهما ملكان من الرجال وهما إيطاليا والبرتغال، ومنهما مملكتان أخريان تحكمهما ملكتان وهما إنجلترا والأندلس، والخامسة جمهورية فرنسا، وتقابلت بمسلمي ليفربول وتشرفت بلقاء ملك البرتغال وملكة الأندلس.
وإنني زرت أكثر من أربعين مدينة زيارة تدقيق وتحقيق، وتعلمت لغة أهل الأندلس الحالية حتى توصلت إلى الكتابة والخطابة بها على قدر الإمكان، وزرت مناجم الفحم وبلاد الأندلس بالتفصيل، وكتبت شيئًا يسيرًا مما عرفته عنهما ففتحت هذا الباب، وشاهدت ثلاث مدائن مخصصة لطلبة العلم فقط، وهي أكسفورد في إنجلترا وقلمرية في البرتغال وشلمنقة في إسبانيا، وحضرت عيد الميلاد في مدريد وعيد رأس السنة في لشبونة، وأكلت الفول المدمس بأوروبا ولم يحصل ذلك لغيري من المصريين، وحضرت جلسات مجلسي النواب والشيوخ في فرنسا، وشاهدت الاحتفال الرسمي بافتتاح مجلس نواب البرتغال، وحضور الملك والملكة وإلقاء الخطبة الملوكية، وشاهدت قتال الأثوار في إسبانيا، واعتصاب الخبازين وامتناعهم عن عمل الخبز مدة ثلاثة أيام في مارسيليا، والاحتفال بالكرنفال (المرافع) في نيقة Nice ورومة، وغير ذلك من الأمور الكثيرة المتعددة التي لم يتيسر حصولها مرة واحدة وفي رحلة لمصري قبلي. وإن ما ذكرته — وخصوصًا عن الأندلس في هذه الرسائل — هو قليل جدًّا في جانب ما أتوسل إلى القادر الكافي توالت نعماؤه أن يوفقني، ويعينني على تحريره وتدوينه في الرحلة الكبرى؛ لتكون هي وهذه الرسائل وسيلة لحث بني الأوطان على السياحة والإفادة والاستفادة، وعسى أن كل واحد يذهب في أوروبا من طريق غير الذي رسمته يكتب لنا عما يراه وعما تنبئه به إحساساته؛ ليتكون في لغتنا العربية مجموعة سياحات توقف القارئ على أحوال هاتيك البلاد التي أصبحت منبع التقدم ومقر العرفان.
والمأمول في وجه الله الكريم المنان أن يوفق أبناء الوطن إلى توفيته حقه من الخدمة في ظل فخر الأنام، وعماد الزمان وَلي عصر ومليك مصر مولانا الأكرم، وخديوينا المبجل عباس باشا حلمي الثاني أدامه الله كهفًا للمعالي، فهو الذي تَفَضَّل عليَّ بنظره العالي وإنعامه المتوالي، حتى كتبت هذه الرسائل وبثثتها في قومي قيامًا بما وجب له من فرائض الشكر على عبده.
أحمد زكي
هوامش

(?) يقول العرب إن معناها باللغة القوطية (القلوب المختلفة)، وقال بعضهم: (أجزوا سكنها).
ملخص الخطبة المؤتمرية


التي ألقيتها باللغة الفرنساوية في جلسة القسم السامي العام المنعقدة بمدرسة لوندرة الجامعة في يوم الخميس ? سبتمبر سنة ?? (وقد طبعت بالعربي والفرنساوي في الجرائد الرسمية المصرية ثم في كراسين على حدتهما بأمر دولتلو أفندم رياض باشا رئيس مجلس النظار وناظر المعارف العمومية) صورة المقدمة التي نشرتها الجريدة الرسمية (الوقائع المصرية) الصادرة ?? في مارس سنة ????.
حضرة أحمد زكي أفندي
في المؤتمر الدولي التاسع للعلوم الشرقية بلوندرة
كان اجتماع المؤتمر التاسع للعلوم الشرقية في مدينة لوندرة عاصمة الدولة الإنكليزية، وقد ندب له في مصر مبعوثون كبقية الدول الشرقية والغربية، وكان ممن اختارتهم حكومتنا المصرية لهذه المأمورية حضرة الفاضل الشهير أحمد أفندي زكي مترجم مجلس النظار؛ لِما له لديها من الأعمال العلمية النافعة، فتوجه إليه في أواسط أغسطس سنة ????، ومر قبل وصوله لوندرة على بعض الممالك الأوروباوية، وطاف كل مدن إيطاليا الشهيرة.
وفي أوائل سبتمبر من تلك السنة وصل إلى لوندرة، واشتغل فيها بإكمال ما أعده حضرته للعرض على المؤتمر من المؤلفات والمصنفات. وفي الخامس منه اجتمع المؤتمر، ثم انقسم إلى فروع للنظر فيما يعرضه العلماء من المباحث والعلوم، فكان حضرته في القسم المخصص للنظر في الساميات (نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام)، وقد انتخب للنيابة عن مصر في اللجنة الدولية العامة التي نيطت بالنظر في عقد المؤتمرات الآتية وتنظيمها، ووضع القوانين اللازمة لهذه الأغراض، وقد توالت الجلسات إلى الثاني عشر من ذلك الشهر، فاجتمع المؤتمر الاجتماع الخير فخطب جناب الرئيس خطبة انتهائية شكر فيها كل من لبوا الدعوة من الممالك، فكان لهم بين وفود المؤتمر علماء.
وفي هذه الحفلة الختامية ترجم حضرة أحمد أفندي زكي القصيدة التي ألقاها حضرة العلامة الفاضل الشيخ محمد راشد (زميله في هذه المأمورية) من اللغة العربية إلى اللغة الفرنساوية بطريقة تشبه ارتجال الشعر في السرعة والحضور حتى شخص له المجتمعون، وأكبروا ما عمله إذ لم يكن له عليها سابقة استحضار ولا اطلاع، ثم انفض الجمع بإعلان الرئيس بانقضاء جلسات المؤتمر وشكران جميع من حضروه.
أما ما لاقاه حضرته من كرم الوفادة والنظر إليه بعين الاعتبار، وتقدير عمله واجتهاده والتعرف إليه بما له من آثار الفضل قبل وصوله هو إليهم، فكان فوق ما عهد للنظائر والأنداد، حتى إن جناب اللورد نورثبروك الذي حضر إلى المؤتمر بالنيابة عن نجل جلالة الملكة الذي عقد المؤتمر تحت حمايته لما أولم وليمة الاجتماع الأول لهذا المؤتمر لم يَدعُ فيها من علماء الدول الشرقية سوى هذا المندوب المصري نائبًا عن مصر في تلك الوليمة التي أعدوها من الرسميات.
هذا ولما انفضت جلسات المؤتمر مكث حضرته في لوندرة أكثر من ثلاثين يومًا للبحث فيها ودرس أحوالها، ثم تنقل في كثير من مدن إنجلترا وبلاد الغال، ثم عاد إلى فرنسا وأقام بباريس أكثر من شهر درس فيه أحوال مدنيتها وعلومها وآثارها، كما ينبغي ثم تنقل في بعض مدنها الشهيرة، وخرج منها قاصدًا بلاد الأندلس (إسبانيا) فلبث بها مدة لاقى فيها أعاظمها وعلماءها وبعض وزرائها، ثم توجه إلى بلاد البرتغال ولاقى جلالة ملكها وزار بعض مدائنها وبعض حصون العرب الباقية على قلل الجبال إلى الآن، ثم رجع إلى البلاد الأندلسية؛ لأنها هي تقريبًا الغاية المقصودة من تلك الرحلة، وتشرَّف بمقابلة ملكة الأندلس مقابلة خصوصية، ولبث في الأندلس ونواحيه ومدنه العربية أسابيع قضاها كلها في البحث وإمعان النظر في نفائس الكتب والآثار الموجودة هناك.
ثم قدم إلى مصر في الرابع عشر من شهر فبراير الماضي سنة ????، معرجًا على مدائن النزهة التي في جنوب فرنسا وعلى رومية العظمى عاصمة إيطاليا. وفي يوم الأربعاء الماضي تشرف بمقابلة الجناب الخديوي المعظم مقابلة خصوصية في سراي عابدين العامرة، فنال من لدن جنابه العالي وافر الإقبال ومزيد الالتفات. وفي أثناء هذه المقابلة رفع حضرته إلى المقام الكريم ما أرسله بعض علماء إسبانيا معه من الكتب العربية المطبوعة هناك هدية للجناب الفخيم، وقدم مجموعة صور قصر الحمراء الشهير الذي هو أعظم أثر للعرب قائم في بلاد الغرب شاهد بما لهم من ضخامة الملك وعظيم العمران، فلم يوجد له نظير بين أولئك الأمم إلى الآن على ما برعوا فيه من الاختراع وتقدمهم في المدنية والعلوم. وفي آخر هذه المجموعة صورة يوم تسليم غرناطة من آخر ملوك العرب، وهو أبو عبد الله من بني نَصر إلى الملك فردينند وزوجته إيزابلا الملكة، وكذلك قدم للجناب الرفيع مُلخصًا عن أعماله التي قدمها لذلك المؤتمر في العلوم العربية، وبعضًا من كتبه التي ترجمها وطبعت أيام غيبته عن مصر، فتلقاها الجناب العالي كلها بوجه طلق وأظهر — حفظه الله — ما لا مزيد عليه من علامات الارتياح، وقد كان حضرته في أثناء عرض هذه الصور وتقديم تلك الهدايا يشرح حال الأندلس وما عثر عليه من آثار العرب وكتبهم ولغتهم وعلومهم وأخلاقهم بدقة أبحاثه هنالك وطول معاشرته لكبراء الباحثين من الإسبانيين، كل ذلك والجناب العالي مقبل عليه كل الإقبال مظهر له علامات السرور والامتنان.
وقد استدامت هذه المقابلة نحو نصف ساعة، وخرج بعدها من بين يديه الكريمتين منطلق اللسان بشكر ولي النعم الأكرم الذي أنعم عليه بهذه المأمورية العلمية الجليلة، وأتيح له بسببها الوصول إلى تلك الغاية الحميدة وأجلها علمه بحالة بلاد الأندلس أيام العرب وما آلت إليه بعد صيرورتها إلى الإسبانيين، فإنه قبل أن يسافر إلى ذلك المؤتمر عرض على الجانب العالي — حفظه الله — أن يذهب إلى إسبانيا وهو عائد إلى مصر؛ ليستفيد من البحث فيها ويدرس أحوالها القديمة والحديثة، ويقابل بين تمدنها في الحالتين، فأذن له جنابه الفخيم، فكان ذلك من أجل النعم التي تستوجب الدعاء بدوام مولانا وولي نعمتنا الجناب العالي — أدامه الله نصيرًا للعلوم وكهفًا للمجتهدين من أبناء الوطن.
وهذا ملخص ترجمة الخطبة المؤتمرية

سادتي:

براعة الاستهلال في هذا المقال حمد الله — سبحانه وتعالى — ثم شكر ولي النعم مولاي الخديو المعظم، فإنه — أقر الله بوجوده عين بلاده — قد تفضل واختارني للنيابة عن مصر في هذه الحفلة الجليلة العلمية.
وإني أعرب لكم في فاتحة الكلام عن مزيد سروري، ومنتهى إسعادي بدخولي في زمرة المشتغلين بالعلوم الشرقية الفضلاء، فقد اعترف الخاص والعام بأهمية أعمالهم واقتنع العالم كله بثمرات أتعابهم، وسار بذكرهم القاصي والداني وعضدهم الملوك والأمراء في كل زمان ومكان. أجل فقد جمعتْ هذه الحفلة فحول العلماء وجهابذة الفضلاء الذين توخوا البحث عن الحق الصراح، وإرسال أشعة التمدن الصادرة عن شمس المعارف الحقيقية لإضاءة كافة الآفاق.
وأنى لأشكر مسعاكم أيها السادة بالنيابة عن ذلك الشرق الذي لم يقدره القوم حق قدره حتى جاءت أعمالكم المبرورة، ومساعيكم المشكورة وزحزحت عنه ستار الاعتقادات الباطلة، وبددت الأقوال الساقطة بما سيكون من ورائه نشر لواء المعارف على جميع الأمم بالسواء.
ولا غرو أن كانت مجاهدتكم العقلية التي يفتخر بها بنو الإنسان سببًا متينًا في التعجيل بإزالة تلكم الحواجز، التي كانت تحول بين المشرق والمغرب، وقد أقامها بين التوأمين أرباب التعصب الأعمى من بعض الطوائف، حتى كان يخال أنها كثيفة ثابتة ليس في الإمكان دك معالمها وتقويض دعائمها.
وها هي مصر الآن تقاسمكم عن طيب نفس كنوز علمها، وذخائر عرفانها، وترى من سعادتها أن تعاوضها أوروبا بعرائس تقدُّمها ونفائس تمدُّنها.
وأنتم تعلمون أن قومكم كانوا يجهلون قدر ما عندنا ويحكمون علينا بما نحن برآء منه، حتى وقعت الألفة العلمية، فانكشف لكم ما انطوى عليه العالم الإسلامي من جليل الشعائر المنبعثة عن الطوية الخالصة، فأخلصتم لنا الود والصفاء كما أوليناكم الصدق والولاء.
ولقد أحرزت جمعيتكم هذه فخارًا من أول نشأتها، وكللت أعمالكم بالنجاح وظهرت فوائدها للعيان ولا ريب أنها ستفوز بتعميم شعائر الوئام على كافة الأقوام ونشر محامد الإخاء في سائر الأرجاء، وقد نمت والحمد لله هذه المبادئ، وأينعت أزهارها بين رجال المعارف على اختلاف الجنسيات وتنوع المشارب وأخذت في السريان بين الأمم وبعضها.
وإني وإن لم أكُ من فرسان هذا الميدان إلا أني أشد الناس غيرة، وأكبرهم حفاوة بهذا المجتمع وأعد نفسي من السعداء بانضمامي إليه، ودخولي في نوال غايته الجليلة التي هي تبادل الصلة العلمية بين المشرقيين والمغربين.
نحن أبناء مصر قد عرفنا جمعية المستشرقين من عهد غير بعيد، وما زلنا إلى الآن غير واقفين على أحوالها كما ينبغي؛ وذلك لأن المؤلفات الخاصة بها والكتب التي تطبعها بالألسنة الشرقية لم تنل في بلاد الشرق حظوة الاشتهار.
ولهذا فإني أتمنى أن تكون إحدى اجتماعات هذا المؤتمر المقبلة في إحدى مدائن المشرق؛ حتى يتيسر لعلمائنا أن يروا بأنفسهم مزايا هذه الأعمال، ويقدروا ما ينجم عنها من الفوائد لعموم بني الإنسان، فينضم إلى هذه العصابة التي هي طليعة الأفكار السامية والمقاصد النبيلة الفاخرة جم غفير من أهل التدقيق والتحقيق، فينال المستشرقون من موازرتهم ومعاونتهم فوائد تذكر فتشكر.
وإني أعترف لكم بأني لم أقف تمام الوقوف على أهمية جمعيتكم الزاهرة، إلا بعد أن ارتبطت بالإرسالية العلمية الفرنساوية بمصر القاهرة، فإنها فتحت أمامي الطريق وكانت فيها مكاشفتي بهذه المزايا المفيدة العديدة.
وغير خافٍ أن الشرق في هذا الزمان لا يخلو من رجال أفاضل، قد نبغوا في العلوم على اختلافها وضربوا من فنون العرفان بسهم وافر، وحلاهم الله بالذكاء الفطري والفطانة الطبيعية، ولكن بعضهم معتكفون محتجبون فيهم غير معروفين، ولهم من الدنيا حظ قليل، كما أن مؤلفاتهم وبنات أفكارهم منفردة عن بعضها مستورة في خبايا الزوايا، فليس في الإمكان أن تأتي بكل ما فيها من الثمرات وهي بالحالة التي هي عليها الآن.
ولما وقفت على الغاية الجليلة التي توخيتموها ما لبثت أن انجذبتْ إليكم عواطفي، وتوجهتْ نحوكم رغائبي، فكانت أعظم أمنية تخالج فؤادي هي أن يتسنى لي مشاركتكم في أعمالكم، وقد نلت — ولله الحمد — المُنى في هذا اليوم السعيد بمحض فيض المكارم العباسية، وعناية مولاي الأفخم عزيز الديار المصرية.
ولقد كان بودِّي أن أجيئكم بمواد تليق بهذا البناء الفخيم، الذي أخذتم على أنفسكم إقامته لنفع بني الإنسان، ولكن بضاعتي إلى الآن قليلة في جانب أعمالكم، ومع ذلك فما وفدتُ إليكم صفر اليدين خالي الوطاب.
نعم لقد كان يحق لكم أيها السادة الأماجد أن تنتظروا مني في هذا النادي المشهود تصنيفًا من الطبقة الأولى في الأهمية والخطارة، أو أن أتحفكم بطرفة فريدة نادرة أكون عثرت عليها أثناء البحث والمراجعة، ولكني لسوء حظي ليس معي إلا متاع قليل ولي في ذلك عذر أبديه لكم، وهو أن انتدابي لهذا المؤتمر لم يتقرر إلا في أوائل شهر يوليو الماضي، فلم يكن لي وسعة من الزمن للشروع في عمل كبير أو الاشتغال بأمر ذي بال، ولكني مع قصر الوقت قد بذلت ما في طاقتي واستخدمت هذا الزمن القليل بما لا يخيب ظنكم في هذا العاجز، ولا يذهب بانتظاركم أدراج الرياح، وإليكم الآن بيان الأعمال التي أتشرف بعرضها على المؤتمر وهي: أولًا: كتاب على المصحف الشريف سميته «مفتاح القرآن»، وخصصته لتسهيل مراجعة الآيات الكريمة ومعرفة مواقعها وأماكنها من غير أدنى تعب أو إمعان نظر أو إعمال روية وفكر. ولا يخفاكم أن هذا التصنيف ليس من المستحدثات المبتكرة في هذا الزمان، فقد تعرض لهذا الموضوع الشيخ محمد مراد النقشبندي وعبد الله باشا تكتهي أمير الحج والموسيو فلوجل الألماني، وقد جاءت مؤلفاتهم بفوائد عظيمة، ولكنها كلها لا تفي إلا ببعض الغرض المقصود؛ وذلك لأن الأسلوب الذي جروا عليه في تحرير تلك المؤلفات يستغرق وقتًا طويلًا في البحث والمراجعة.وهذا الكتاب المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه هو عِمادنا نحن معاشر المسلمين في جميع أعمالنا وإليه مرجعنا في كل أمورنا ومعاملاتنا، وهو دليلنا وإمامنا في طول حياتنا؛ ولذلك يحفظه بعضنا كله عن ظهر قلب ويقضون عمرهم في هذه الرياضة المقرونة بالتقوى والأجر ويُعرفون عندنا بالحفَّاظ، ولكثير منهم فضل لا ينكر وهم يقومون بخدم عظيمة لأمثالنا الذين لم يتيسر لهم مجاراتهم في إجهاد القوة الحافظة وإبلاغها إلى نهايتها، فنراجعهم ونستفهم منهم عن مواقع الآيات الكريمة في السور الشريفة بدلًا من أن نضيع الوقت الطويل في البحث والمراجعة على غير طائل في كثير من الأحيان، وهم يعرِّفوننا في الحال بمطلوبنا، ولكن الإنسان لا يتيسر له العثور على الحافظ دائمًا، بل كثيرًا ما يرتبك الحافظ وتتعسر عليه الإجابة بسبب التماثل الواقع بين كثير من الآيات الفرقانية.وكثيرًا ما يحتاج المستشرقون في أعمالهم وتصانيفهم إلى مراجعة الكتاب العزيز، فمن منكم لم يُضِع أوقاتًا ثمينة ولحظات نفيسة للعثور على الآية المطلوبة.وقد تكفل فلوجل في كتابه الذي سماه «نجوم الفُرقان في أطراف القرآن» ببيان عدد السور والآيات التي توجد فيها كل كلمة من كلام الله القديم، ولما كانت الكلمة الواحدة كثيرًا ما تتكرر في عدد عظيم من السور والآيات كان من اللازم على كل من يستخدم نجوم الفرقان أن يصرف وقتًا طويلًا، ويتجشم عناءً ثقيلًا في البحث والمراجعة.وفضلًا عن ذلك فقد التزم الرجل أن يرقم أعداد (نمر) السور والآيات بالحروف والإشارات الإفرنكية؛ فلذلك لا يتسنى مراجعة كتابه إلا لعدد زهيد من الباحثين الذين لهم شأن في هذه المواضيع، أعني الإفرنج المشتغلين باللغة العربية دون سواهم والقليل من أبناء المشرق الذين لهم إلمام بإحدى اللغات الإفرنكية، وهذا ما جعله قليل الانتشار في ديار مصر.أما الشيخ محمد مراد النقشبندي وعبد الله باشا أمير الحج، فقد اقتصرا في كتابيهما «ترتيب زيبا» (أي الترتيب الجميل) على بعض بيانات إجمالية بخصوص السور والآيات، ولو أدخلت الأساليب المستحدثة في هذين الكتابين وبوشر طبعهما بعناية خصوصية وإتقان زائد ربما جاءت مراجعتهما بكثير من الفوائد.وقد اطلعت في الكتبخانة الخديوية على نسخة من كتاب النَّقشبندي، وتحققت أن المراجعة فيه من أصعب الصعوبات، ومع ذلك فإن العلماء المسلمين لا يزالون يستخدمونه لعدم وجود ما هو أفضل منه وأوفى بالمراد وخصوصًا في بلاد الأتراك؛ لأنه في مصر يكاد يكون مجهولًا بالكلية.وقد رأيت في مكتبة حضرة الفاضل الأجل السيد محمد الهادي بيرم الكتاب المسمى «أنهار الجنان من منابيع آيات القرآن» الذي ألفه الوزير عبد الله باشا الشهير باسم (جته جي) في أواخر سنة ???? في عصر السلطان محمود الأول ابن السلطان مصطفى خان، قال فيه: «لما احتجت إلى وجدان آيات القرآن في أكثر الزمان سنح لخاطري الفاتر أن أجمع كتابًا مع قلة البضاعة، مشتملًا على جداول في بيان مواضع الآيات.» وقد رتبها على حروف الهجاء ثم أشار في الجداول إلى بيان مواقعها في الجزء والحزب والعشر، وعدد الآية في العشر واسم السورة. وقد وضع في أول الكتاب جدولًا فيه الأرقام النجومية وتفسيرها بالأرقام الهندية. والأرقام النجومية هي عبارة عن حروف هجائية بحسب حساب الجمل، وهي في الجدول من ? إلى ??، وفي آخر الكتاب هذه الجملة: «تم ترتيب زينا بعون الله العلي الأعلى. مؤلفه جته جي عبد الله باشا رحمة الله عليه وعلى ما (من) شاء. كتبه محمد بن إبراهيم البليانبولي في بلدة قسطنطينية في مدرسة قبوجي مراد باشا في ?ج سنة ????»، وفي أول صحيفة من الكتاب عبارة تفيد أن النسخة الأصلية محفوظة في كتبخانة مدرسة (لاله لي) بدار الخلافة العظمى.هذا وقد رأيت مصحفًا مطبوعًا على الحجر في مدينة طهران سنة ????، وفي آخره فهرست ببيان مواقع جميع الكلمات القرآنية في هذه النسخة، وهو على نسق «نجوم القرآن في أطراف الفرقان» الذي طبعه فلوجل الألماني، وقد نسجوا على منواله بالتمام وأشير إلى ذلك في المقدمة الموضوعة في آخر القرآن الكريم وفي أول الفهرست.وقد ألَّف العالم الحافظ الشيخ محمد بن شريف كتابًا في هذا الموضوع سماه «مصباح الآيات الجليلة الفرقانية ومفتاح التفاسير الجميلة القرآنية»، وخصصه لبيان أسماء السور والأجزاء وعدد الصحيفة الموجودة فيها الآية المبحوث عنها، ثم عدد الجزء وعدد الصحيفة في ثمانية تفاسير (الرازي والقنوي وابن تمجيد وشيخ زاده وروح البيان وأبي السعود والتبيان والمواكب)، ولهذا الكتاب مزايا خصوصية لا تنكر، ولكن لا حاجة للقول بأنه يستوجب على الباحث فيه أن يستعمل نفس النسخ القرآنية والتفاسير التي استخدمها المؤلف، وهو أمر متعسر بل متعذر؛ لأن المصحف الشريف قد طبع مئات ومئات من المرات في أشكال مختلفة (سواء كان مجموعًا في مجلد واحد أو منقسمًا إلى ثلاثين جزءًا)، وفضلًا عن ذلك فإن الذي يستعين في أبحاثه بكتاب ابن شريف يلزمه أن يراجع هذه الثلاثين جزءًا، وكل جزء منها تبتدئ صحائفه بعدد (?)، فإن هذا الحافظ يسرد الآية ثم يقول إنها في صحيفة كذا من جزء كذا من سورة كذا وتفسيرها في الصحيفة الفلانية من الجزء الفلاني من تفسير الرازي أو القنوي إلخ، وقد طبعت الأجزاء القرآنية والمصحف الكريم وهذه التفاسير مرات كثيرة بما يوجب — ولا شك — تغيير صحائفها،وحينئذٍ فالدلالة عليها لا تفيد إلا من كان عنده نفس الطبعات التي استعان بها المؤلف، وقد أشار إلى السنوات التي ظهرت فيها في فاتحة كتابه.ولقد كنت على الدوام متأثرًا من وجود هذه الصعوبات التي تعرض في طريق الباحث بواسطة أحد هذه الكتب، وكنت أفكر في طريقة تزول بها هذه العوائق حتى أسعدني حسن حظي بالعثور على نسخة من كتاب قديم بخط اليد لمؤلفه محمد علي الكربلائي تمت كتابتها في غرة شعبان سنة ???? هجرية، ورأيت فيها سد بعض الحاجات التي لم تتكفل بها الكتب الموجودة من هذا القبيل، فشمرت عن ساعد الجد في تنسيق مواد هذا الكتاب وتهذيبه وترتيبه على أسلوب حديث منتظم مرتبط ببعضه، وقد تيسر لي بحول الله إتمام ذلك العمل وفق المرام، ثم أضفت إليه بيانات كثيرة أرجو أن تتم بها فائدته، وتزيد في وضوحه وظهور ثمراته.قسم المؤلف كتابه إلى قسمين، رتب في الأول الآيات باعتبار أوائلها، وأبان مواقعها في الكتاب العزيز، وخصص الثاني لترتيب الآيات باعتبار أواخرها؛ أعني الحرف الأخير فالذي قبله فالذي قبله، وهكذا حتى تسهل بذلك المراجعة على من لم يتذكر من الآية إلا آخرها فقط، وأما الآيات المعروفة ? (متشابه القرآن) فقد أوردها في كلا القسمين من أولها إلى الموضع الذي يظهر فيه فرق بينها، وبحسب الكلمة الفارقة بين الآيتين المتشابهتين كان ترتيب أمثال هذه الآيات وراء بعضها. ثم إنه رمز بحروف الجُمل بالحبر الأحمر على عدد الجزء والحزب، ووضع بعدها هذه الحروف الثلاثة (أ – و – ر) بحبر أسود للدلالة على أن الآية في أول الحزب أو وسطه أو آخره، ثم رمز بإشارات مختزلة إلى أسماء السور القرآنية ووضع جدولًا بهذه الاختصارات، ولكن لم يرتبه على حسب حروف الهجاء، بل بحسب الترتيب المتبع في المصحف؛ ولذلك فمراجعة هذا الجدول تستوجب صعوبة زائدة، فضلًا عن أن كتابته جاءت متوالية وراء بعضها من غير فصل ولا فقرات بينها وأشباه ذلك من العلامات المميزة.وقد كنت حررت جدولًا بأسماء السور تسهل مراجعته للغاية، ثم عدلت عنه؛ لأنني آثرت وضع أسماء السور بأكملها حتى أريح الباحث من العناء في تفسير الاختصارات والرجوع إلى الجدول لتأويلها وبذلك يمتنع الاختلاط الذي ربما يحدث بسبب أن أسماء بعض السور تبتدئ بحرفين أو ثلاثة حروف هي واحدة في كل منها؛ ولأن أسماء بعض السور الأخرى تتركب من حرف واحد أو حرفين فقط.ولا شك أن هذا الكتاب هو أفضل بكثير من نظائره، ولكنه فضلًا عما وقع في النسخة التي بيدي من الأغلاط التي لا تعد ولا تحصى، لا يزال ينقصه أمور بيانية كثيرة لإتمام فائدته، فندبت نفسي لسد ما فيه من الخلل وإصلاح ما وقع به من الغلط (وسأودعه في المكتبة الخديوية ليطلع عليه من يريد)، وأظن أني وصلت بمعونة الله تعالى إلى الغرض المطلوب، وحينئذ فبعد أن كان يحتوي على بيان اسم السورة وعدد الجزء والحزب، وأن الآية في الأول أو الوسط أو الآخر أصبح الآن يشتمل على البيانات الآتية وهي:أولًا: عدد الجزء (والقرآن ينقسم إلى ثلاثين جزءًا).?ثانيًا: عدد الحزب (وكل جزء فيه أربعة أحزاب).ثالثًا: موقع الآية في أول الحزب أو وسطه أو آخره.رابعًا: اسم السورة.خامسًا: عدد السور (لأن أهل المشرق إنما يعرفون السور بأسمائها، ولكن أهل أوروبا لا يشيرون إلا لعدد ترتيبها).سادسًا:عدد ترتيب كل آية بحسب القرآن المطبوع في الآستانة العلية على نسخة الحافظ عثمان.سابعًا: عدد ترتيب الآيات بحسب الطبعات العربية والترجمات الإفرنكية التي ظهرت في أوروبا.ولي أمل وطيد بأن يجيء عملي هذا وافيًا بجميع الشرائط اللازمة لمراجعته بكل سهولة وفائدة في بلاد المشرق والمغرب، وأظن أنه يكون مفيدًا على الدوام حتى فيما يتعلق بالنسخ القرآنية الكثيرة الخالية من بيان أعداد الآيات، فإنه يشير بالضبط والتدقيق إلى موقع كل آية ببيان عدد الجزء والحزب واسم السورة، وبيان موضع الآية في أول الحزب أو وسطه أو آخره.وإذ لم يكن لي متسع كافٍ من الوقت لم أتمكن من تبييض هذا التصنيف الذي يستدعي زيادة التدقيق لما هو محفوظ به من الصعوبات، وإنما أقدم لكم الآن منه كرَّاسين على سبيل النموذج والمثال، ومتى عدت إلى وطني أتممته وأكملته، بحيث يتيسر طبعه في أقرب وقت بحوله تعالى (وقد تم إكماله كله بحمد الله).
ثانيًا: نسخة معدة للطبعة الثانية من رسالتي الموسومة ? «موسوعات العلوم العربية»، وهي تكاد تكون غير الأولى بالمرة، وقد خصصتها لهذا المؤتمر بعد أن حليتها ونقحتها وشحنتها بكثير من الإضافات المهمة التي لم يسبق ظهورها إلى الآن.ولا أذكر لكم على الطبعة الأولى من هذه الرسالة التي نفدت عن آخرها سوى الكتاب اللطيف الذي أتحفني به جناب العلامة المسيو باربيبه دومينار عقيب ظهور هذه الطبعة، وقد أعلمني فيه بأنه أوسع لها مقامًا كريمًا، وخصني بمزيد الثناء والتهاني على إتمام هذه البحث الدقيق، وسأنشر كتابه في هذا في ملحقات الطبعة الثانية إن شاء الله.
ثالثًا: معجم (قاموس) جمعت فيه الكلمات العربية المضعَّفة التي تكرر فيها المقطع الأول؛ مثل مرمر وبربر ورمرم وربرب وسمسم ومشمش إلخ. وإني بفضل الله أول من جمع باللغة العربية أكثر من ???? كلمة من هذا القبيل. وفائدة هذا الصنيع يعرفها المشتغلون برد اللغات إلى أصولها والباحثون عن كيفية ابتداء الإنسان بتقليد أصوات الطبيعة وحكايتها، والتدرج منها إلى غيرها من المعقولات والخياليات وغير ذلك، ولا أظن أنه يوجد تصنيف يماثله في اللغات الأوروبية؛ لأن مادتها في هذا الموضوع غير غزيرة.
رابعًا: معجم صغير ضمنته كل ما عثرت عليه من الكلمات الخاصة بالكلاب، وكان من نيتي أن ألحقه بالكتاب الذي أجمعه على هذا الصنف من الحيوان، ولكني رأيت أن الأصوب جعله رسالة قائمة بذاتها بعد أن عنيت بتهذيبها بقدر ما سمح لي به الوقت، وأضفت إليها قصيدة للسيوطي لم يسبق طبعها جمع فيها أسماء الكلب وسماها (التبرِّي من معرة المعري)؛ وذلك لأن أبا العلاء المعروف ? (مِلتُن الشرق) دخل ذات يوم عند أحد الكبراء فوطئ من غير إرادته قدم بعض الحاضرين، فتألم الرجل وقال: «من هذا الكلب؟» فأجابه المعري في الحال بهذه العبارة: «الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما.»
خامسًا: معجم خصصته لتحرير الأعلام الجغرافية، وردها إلى أصولها المعتبرة المعروفة عند أهلها، فإن نقلها من لغتها الأصلية والنطق بها بالعربية أو الفرنساوية أو أية لغة إفرنكية قد أوجب تطرق الفساد إليها، ووقوع التحريف فيها بما يوجب ارتكاب متن الشطط والتورط في الغلط أثناء ذكرها في التراجم. ومثل ذلك أن المدينة المعروفة عند العرب باسم المصيصة تعرف عند الإفرنج بلفظ موبسويوست، وإقليم ما وراء النهر يسمى ترانزوكسان، والجهة المعروفة برأس التين في بلاد تونس تسمى عند الإفرنج روكساتين وكانتين وكابتين، ونهر ملوية في مراكش يسمى مالويانا، ومدينة شمشاط تسمى أرزاموزات، ونهر دينبر يسمى في كتب العرب القديمة نهر أزُّو أو نهر طنابرس، وجبل الحَرَث (بفتح الحاء والراء) يسمى بالإفرنكية أرارات، وقد أخطأ المترجمون في نقله إلى العربية فقالوا: عراراط، أو نقلوه بلفظه مهملين الأصل المتعارف في كتب قومهم (وكثير من أمثال ذلك مما ذكرت نموذجًا منه في رسائلي المؤتمرية أثناء كلامي على برندزي ونابولي ورومة وفلورانسة وبيزة وتورينو وطرف الغار)، ومثل ذلك بلاد الإنكليز تعرف في كتب العرب القديمة بهذا الاسم (إنكلطيرة وإنكلاطيرة والإنكتير)، ولكنا الآن نتقرب كثيرًا من اللفظ الفرنساوي فنقول: إنجلترا ولوندرة لا إنجلند ولندن، ونقول: فلورانسة لا فيرنتزا.ولا أظن أحدًا من أهل المشرق والمغرب تفوته فائدة هذا التصنيف الذي غايته تصحيح كثير من الأغلاط، فطالما رأيت في كتب مترجمة في التاريخ والجغرافيا اسم قرطبة المعروفة عندنا وفي كتبنا منقولة بحسب نطق الإفرنج لها هكذا (كوردو) وهو اسم لا يعرفه العربي مطلقًا، ومثل ذلك مدينة الأُبَيِّض (تصغير أبيض) في بلاد السودان أخطأ المترجمون في نقلها إلى العربية بحسب النطق الفرنساوي فقالوا: العبيد، ووردت في خريطة رسمية محفوظة في الكتباخانة الخديوية (العبياد)، ومثل ذلك أني رأيت في بعض كتب الجغرافية التي كان التدريس بموجبها في المدارس الأميرية لفظة سوتا (للدلالة على مدينة ساحلية في مراكش) بدلًا من سبتة؛ لأن مؤلفي تلك الكتب راعوا اللفظ الفرنساوي وأهملوا العربي الأصلي وهو سبتة، وأقول هنا: إن هذا اللفظ منقول عن كلمة لاتينية (سبتا) معناها الحظيرة والسياج.ولا حاجة لبيان المزايا التي تترتب على وجود كتاب من هذا القبيل يكون سببًا في تحقيق الأعلام الجغرافية، والإرشاد إلى صحتها والتنبيه على حقيقتها والإشارة إلى الفساد الذي اعتورها، حتى لا يخلط المترجم بين الأسماء وبعضها، أو يدل على المسميات بأسماء غير معروفة بها وبذلك يمتنع وجود الخطأ في الأبحاث التاريخية والجغرافية. وإني أرجو أن أكون وصلت إلى الغاية المقصودة. وعلى كل حال فقد فتحت هذا الباب وهو حسبي.وهذا ولما علم صاحب السعادة سليمان باشا أباظه بأن الحكومة المصرية ندبتني للنيابة عنها في هذا المؤتمر، تكرم وقدم لي كل الكتب النفيسة التي بخط اليد المحفوظة في خزانته الثمينة، ولكن ضيق الوقت لم يسمح لي إلا باختيار بعض طرف لأتحف المؤتمر بنسخ منها بعد أن عنيت بتنقيحها وتهذيبها.
سادسًا وسابعًا: فأول ما انتقيته منها كتابان للمقريزي الشهير؛ أولهما اسمه «ضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري»، وهو يختص بإقطاع النبي ? بلدتين من الشام إلى تميم هذا قبل أن يفتح المسلمون هذه الديار، والثاني «تاريخ الغلاء الواقع بمصر» من أيام الفراعنة إلى زمان المؤلف. وقد جاء في صك الإقطاع لتميم ما نصه: (هذا ما أنطى رسول الله ? إلخ)، فهذه الكلمة (أنطى) مستعملة بدل أعطى بحسب لهجة اليمانيين أهل تميم، وقد رأيت في معجم أبي السرور الصِّديقي — الذي سأتكلم عنه — أنه يقال: نطشان بدل عطشان، ورأيت في كتب اللغة في ترجمة (ن ط ش) أنه يقال: فلان عطشان نطشان على سبيل المتابعة. وعلمت من الموثوق بهم أن بعض عرب البادية في بلاد الشام لا يزالون إلى الآن يستعملون أنطى بدلًا من أعطى، ولعلهم من اليمن، وربما كانوا من ذرية تميم صاحب الإقطاع فإنه انتقل إلى ورثته من بعده.وقد تكلم المقريزي على هذا الإقطاع وصحته ببراعة علمية وتحقيق دقيق، حتى إنه يوجب للقارئ الملال، ولكنه برهان جديد على فضل الرجل وواسع اطلاعه.ومن سوء الحظ أن النسخة الثانية التي تكلم فيها المقريزي على تواريخ القحط والغلاء ينقص منها الصفحات الأخيرة، ولكن هذا لا يذهب بشيء من الفوائد الجليلة التي تضمنتها. وأنا أظن أن هذه النسخة هي جزء من خططه المشهورة، فقد أشار في مقدمتها إلى أنه سيتكلم في القسم السابع منها على أسباب خراب مصر وانحطاطها، ثم لم يرد شيء من ذلك في الكتاب المطبوع في بولاق أو النسخ التي بخط اليد المحفوظة في مصر وأوروبا، وإذا صح هذا الظن كانت هذه الرسالة ذات فائدة عظيمة وقيمة خطيرة.
ثامنًا: ومما انتقيته من مكتبة أباظه باشا «معجم أبي السرور الصدِّيقي»، وهو يتضمن الكلمات العرفية الدارجة في مصر التي تنطبق على أصول اللغة العربية الفصحى، وقد اختصره من المعجم الذي ألفه الشيخ يوسف المغربي وسماه «رفع الإصر عن كلام أهل مصر»، وبلغني أنه يوجد منه نسخة عند بعضهم في مصر ونسخة أخرى بمكتبة ليدن.وقد عني صاحب المختصر بتجريد هذا الكتاب من الألفاظ اللغوية والشواهد والأشعار والاستطرادات والحكايات التي لا علاقة لها بالموضوع، وسماه «المقتضب فيما وافق لغة أهل مصر من لغات العرب»، ولما كان المستشرقون يهتمون بنوع خصوصي باللغة العربية الدارجة كنت واثقًا من أن نشر مثل هذا الكتاب يقابل ببعض القبول ويصيبه شيء من الترحاب؛ ولأجل ذلك أدخلت فيه بعض إصلاحات وتعديلات لإتمام الفائدة، فأبدلت الترتيب المتبع في «صحاح» الجوهري و«قاموس» الفيروزأبادي الذي يترتب عليه ارتباك المباحث وتعقيد المطالب بالأسلوب الهجائي الذي جنح إليه الزمخشري في «أساس البلاغة» والفيومي في «المصباح المنير»، وهو الأسلوب المتبع في جميع المعاجم الأوروباوية وسميته «ترتيب المقتضب فيما وافق لغة مصر من لغة العرب»، وفي هذا السفر مزايا كثيرة لمعرفة تاريخ علم اللغة العربية؛ لأنه يدلنا على أن اللغة العرفية كانت في الزمان القديم متقاربة من اللغة العربية الفصحى، وبه نعرف مقدار ابتعادنا عن هذه في كل يوم بكيفية محسوسة ظاهرة. ومما يزيد في الطين بلة ويوجب ازدياد هذا الابتعاد كثرة علاقاتنا مع أهل أوروبا، فإن اختلاطنا بهم ألزمنا بنقل جملة كلمات وتعبيرات ينبغي المبادرة بدرسها والنظر فيها، فإن كثيرًا منها له نظائر في العربية الصحيحة يجمل بل يلزم تفضيلها على غيرها واستعمالها، وما لم يكن له مقابل في العربية يمكن الاستغناء عنه بنحت ألفاظ جديدة بحسب قواعد اللغة وأصول القلب والإبدال، فإن ذلك أولى من استعمال ألفاظ وعبارات محرفة فاسدة أصبحت لا تنتسب إلى لغة من اللغات.وقد اجتهد صاحبي العالم الفاضل الأستاذ محمد راشد بكتابة رسالة عن الكلام الدارج الآن في مصر القاهرة، وشحنها بأحمال الزجل والمواويل والأغاني والأدوار والموشحات المستعملة عند العامة وبلسانهم، ولا شك أن المقارنة بين هذين الكتابين توقفكم على الحركة اللغوية الحاصلة في بلادنا.وإليكم الآن نسخًا من أربع رسائل انتقيتها أيضًا من مكتبة سعادة أباظة باشا وهي:
تاسعًا: معجم يحتوي على ??? اسمًا يعبر بها عن الأسد، استخرجها من «قاموس» الفيروزأبادي العلامة الشريف عبد الله بن محمد بن حسين المغربي، وقد نحا في ترتيبها نحو صاحب «القاموس»، ولكنني استبدلت هذا الترتيب بالأسلوب الهجائي السهل للأسباب التي شرحتها فيما قبل.
عاشرًا: معجم يحتوي على كلمات الأضداد؛ مثل: جبر وبسل وزحك وأسد وسجد إلخ، وقد طبع الموسيو هوسما «كتاب الأضداد» لابن الأنباري في مدينة ليدن، ولكن المعجم الذي أقدمه لكم الآن له قيمة خاصة به، وقد استخرجه الشريف عبد الله المذكور من القاموس أيضًا.
حادي عشر: معجم الكلمات اللغوية الفصيحة التي يصح استبدال السين فيها بالشين، ألَّفه العلامة الفيروزأبادي صاحب القاموس، وسماه «تحبير الموشين فيما يعبر فيه بالسين والشين»، وهذا الكتاب النادر لا ننكر قيمته وأهميته.
ثاني عشر: «القصيدة الفارقة بين الضاد والظاء» لناظمها الشيخ الإمام علي بن عبد الله المروزي، وقد كانت النسخة التي عثرت عليها سقيمة للغاية محرَّفة مشوهة فاجتهدت في إصلاحها وتهذيبها، حتى أصبحت واضحة الفوائد ظاهرة المزايا، ويمكن الانتفاع بمراجعتها، وسأضيف إليها جدولًا هجائيًّا عند طبعها لتتميم نفعها وتسهيل البحث فيها.
ثالث عشر: ثم إني أرجع الآن إلى المقريزي، وأذكر لكم أنه حَل لغزًا في (الماء)، وقد عثرت على تفسيره في نسختين بخط اليد في الكتبخانة الخديوية الأولى تمت كتابتها في رمضان سنة ???? (وهي محفوظة بنمرة ?? فنون متنوعة)، والثانية في رجب سنة ???? (وهي محفوظة بنمرة ??? مجاميع). وفي النسخة الأولى مقدمة موجزة قال المقريزي فيها إن أحد الكبراء أمره بحل هذا اللغز العسير، وأنه توصل إلى ذلك مع قلة بضاعته، وقال في آخر الحل إنه كتبه في بضع ساعات من يوم الثلاثاء ?? محرم سنة ??? من غير مراجعة أي كتاب ومن غير تعليق مُسودات. وهذه النسخة أجود بكثير من الأخرى، ولكنها خالية من متن اللغز مجموعًا على حدته كما في صدر النسخة الثانية. وقد تحكك المقريزي وتمحك في الحل حتى جاء جوابه غير مقرون بالإقناع والسداد، فحررت التفسير وضبطته بحسب هاتين النسختين. ولما كان الحل سقيمًا عقيمًا لم أرَ من فائدة في ترجمته (إلى الفرنساوية)، ولكنني حكمت بغير ذلك على نفس اللغز فترجمته لكم لإحاطتكم علمًا بمثال من غرابة ألغازنا العربية (والترجمة في القسم الفرنساوي).
رابع عشر: وأقدم لكم الآن أيها السادة نسخة من قصيدة تحتوي على الكلمات العربية التي اتفق لفظها واختلف معناها، نظمها العلامة الفاضل الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني المشهور بعلم الدين السخاوي، وهذه النسخة لم تكلفني أدنى عناء؛ لأن الأصل الذي نقلتها عنه كان بخط الأستاذ الكبير والعلامة الشهير عبد القادر بن عمر البغدادي، وهو كتبها بخطه وأصلحها معتمدًا على نسخة قديمة سقيمة قد مسخها النُّساخ، وأجحف بحقها الزمان، وقد أتم البغدادي نسخته في يوم السبت ? رجب سنة ???? من الهجرة، ولست في حاجة لإثبات فضل الرجل والإعلام بمقامه، فإنه فوق كل مديح يشهد له مصنفه الحافل المعروف «بخزانة الأدب» المحتوي على أربعة أجزاء، قد أودعها من طُرف العلوم وتُحف الفنون ما يجعل له المكانة الأولى بين أرباب المعارف،? وأقول إن عنايته بهذه القصيدة أصدق دليل على أهميتها. وقد اشتغل كثير من الشعراء بمسألة الكلمات المتفقة لَفظًا المختلفة معنى، ولكن الجمهور منهم اقتصر على كلمة واحدة، فإن الأزدى نظم قصيدة تكررت فيها كلمة (عجوز) ثنتين وستين مرة مع اختلاف المعاني، وقد شرحها أبو حيان وأضاف إليها ?? معنى جديدًا، ونظم ابن تمام السبكي قصيدة فيها ?? معنى (للمعين)، والحصكفي أورد في إحدى قصائده عشرة معان (للمهلال)، وقد أضيفت إليها معانٍ أخرى، وقد أورد ابن معصوم في كتابه «أنوار الربيع في أنواع البديع» هذه القصائد كلها، أما السبكي الذي نحن بصدد منظومته، فقد أورد فيها أكثر من ??? كلمة من هذا القبيل.
خامس عشر: وأتكلم الآن على وصف مجالس المعددات والندابات في مصر والمجموعة التي جمعت فيها أشعارهن ومراثيهن.? نعم إن هذا الموضوع محفوف بالهموم والأحزان، ولكن البحث فيه يكشف القناع لأرباب الاطلاع من علماء الأخلاق عن بعض أمور تهمهم معرفتها، وهذه العادات قد سبقني غيري إلى الإشارة إليها، غير أني لا أعلم أن أحدًا درسها كما ينبغي أو جمع المراثي التي أقدمها لكم الآن.ولست أول من قال: «لا يعرف صدق الإخاء في أيام الهناء والرخاء، بل عند وقوع المحن والبلاء»، ولكني قد أكون أول من يؤكد لكم بأن نساء العامة في مصر ربما كن المتفردات بالعمل بهذه الموعظة البالغة ومراعاتها بكل دقة، كأنما هي فرض من الفروض؛ وذلك لأنهن في كل خميس (وهو يوم تجدد الحِداد) يتجمعن زرافات زرافات ويسعين في بعض أزقة العاصمة ساكتات ساكنات كأنما على رءوسهن الطير حتى يصلن إلى دار صديقتهن التي طرق الموت بابها، واختطف واحدًا من أربابها، وكلهن يتدثرن بملابس سوداء، ويضعن على رءوسهن مناديل زرقاء، فإن ذلك هو اللبس الرسمي المقرر عندهن في مجالس الحداد.وقبل أن أتكلم على المعددات والندابات اللائي خصصت لهن هذا الفصل، أقول كلمة ثانية على العصبية التي يرتبط بها نساء العامة بالسليقة والغريزة، عندما تحل شدائد الحياة بإحداهن أو يقلب الدهر لها ظهر المجن.فليس من النادر أن يرى الإنسان أية امرأة تأخذ في الولولة عندما تمر جنازة في طريقها، وفي بعض الأحيان تقف أمام الدار التي فَجَع الموت أهليها، وهي لم يسبق لها الدخول فيها ولم تعرف أحدًا من ذويها، ولكنها لا تلتفت إلى ذلك بل تتساقط الدموع سراعًا من مآقيها ثم لا تلبث أن يتولاها الصياح والعويل؛ وذلك لأنها تتذكر بالمنظر الذي يتراءى أمامها أنها فقدت بعض أهلها فانجرح بفقده فؤادها جرحًا لا يندمل، بل إن الآلام القديمة التي كان يظن أن طول العهد محاها من ذكراها تتجدد في الحال؛ لأن الضعف من طبيعتها والجزع من جبلتها، فلا يمكنها أن تغالب نفسها وتكتم الحزن في صدرها، بل كثيرًا ما تدخل إلى الدار التي حصلت فيها الوفاة، وتشارك أهلها في أحزانهم ومصابهم.أما المعددات والندابات فليس لهن الآن من أثر في ربوع أوروبا، ولكنهن في مصر عبارة عن طائفة منتظمة ما زالت محافظة على كل ما لها من الحظوة والتأثير، والمرأة منهن في حياتها الاعتيادية وأعمالها الخصوصية تشابه غيرها من النساء على السواء، ولكنها متى تفرغت لوظيفتها دَبت فيها حياة أخرى، وظهرت في نشأة ثانية بمظهر جديد فتضطرب وتنفعل وتتحرك ذات اليمين وذات الشمال، كمن أصابه المس أو الصرع أو الخبال، حتى يخال للرائي أنها أشبه بأولئك الكاهنات في هياكل القدماء عندما تأخذهن الرعشة والرعدة بسبب حضور الهاتف الإلهي الذي جاء يوحي إليها أوامره، ويلقي عليها مقاصده، فإن صوت الندابة وهي في وسط عصابة من النساء قد هاجمتهن الأحزان وتولتهن الأشجان يزيد في غصتهن بما فيه من التقاطيع والتراجيع التي تذوب منها القلوب، وتنفطر لها الأكباد وتتشقق من هولها المرائر، بل إن كل كلمة من كلماتها ينقبض لها صدر الحاضرات وتوجب زيادة الكآبة في نفوسهن، فتأخذهن الصيحة بالرجفة وتهب عليهن أنفاس الندابة كأنها إعصار فيه نار تحترق منه الأفئدة، ثم إن الندابة تنقطع عن الرثاء في أويقات معينة، فيكون سكوتها موجبًا لزيادة الجزع بين الحاضرات ويعبرن عنه بدموع متناثرات وترديد صيحات متواليات.وكما أن العامة في ليالي الأفراح يلحون على المغني بأن يطربهم بدور مشهور أو لحن مأثور، فكذلك كل امرأة في مجالس الحداد تلتمس من الندابة أن تذكر رثاءً يختص بفقيدها العزيز فتجيبها إلى ذلك في الحال، ومتى أتمت الرثاء وجب على تلك التي طلبته أن تغالي في الصياح بصوت محزن صادر من فؤاد جريح، وأما الجماعة فيشاركنها لإسناد عويلها ومقاسمتها في حزنها.وتستمر هذه المجالس من الصباح إلى وقت الظهر في الأيام الثلاثة الأولى التي تعقب الوفاة، ثم تتكرر في كل خميس إلى انقضاء الأربعين (وهو ختام الحداد)، وفي خلالها يستريح النساء بعض برهات قصيرة يتفرغن فيها لشرب القهوة والدخان، ومتى حَل الظهر تفرقن شَذَر مَذَر وتبدَّد شملهن في كل أرجاء المدينة، فيذهبن بعد أن فعل التأثير بهن ما يوجب انحناء الضلوع وبحة الصوت وضعف العيون، ولكنهن ينصرفن مصاحبات للصمت والخشوع مقتنعات بأنهن قد قمن بأكبر الواجبات.ولا تظنُّن أيها السادة أني توخيت المبالغة في هذا الوصف لإحداث ما تعبرون عنه بالتأثير الأدبي، كلا فإن من أتيح أو يتاح له منكم حضور أحد هذه المجالس في مصر يقر ويعترف بأني ما وصلت قط إلى الحقيقة، ولا بد لي من أن أكون مقتدرًا على الإنشاء، وخصوصًا الأسلوب الوصفي ككتَّابكم المجيدين (مثل تيوفل جوتييه وأمبير) حتى أتوصل للتأثير على عقولكم وأفئدتكم، كما تفعله الحقيقة، وإني لأسارع فأخبركم بأن الاعتياد على الانفعال في المآتم بهذه الدرجة الزائدة، التي تقابل الصرع والخَبال ليست في شيء بالكلية من ديننا الحنيف، فإن النبي ? يأمرنا بأن نجعل الحزن في قلوبنا، وأن نمتثل لأحكام الله، والأحاديث في هذا الشأن كثيرة وليس هذا محل إيرادها.وأرى من الواجب عليَّ أن آتي الآن على ذكر ملحوظ دقيق عنَّ لي أثناء طبع هذه الخطبة فيما يتعلق بأصل هذه الاصطلاحات في المآتم، وما هي الطريق التي أوصلتها إلى الأمة المصرية حتى جعلتها متمسكة بها لهذا الحد الذي هو مناقض لأحكام الشرع الشريف والسنة النبوية الكريمة.فأما مسألة الجنازة وسير الكفارات والفقهاء والفقراء وأولاد الكتاتيب وجماهير المعزين أمام النعش، وجماعات النساء خلفه صائحات نائحات راخيات الشعور داعيات بالويل والثبور، فذلك كله مأخوذ عن قدماء المصريين مع بعض تعديل قليل، وكل من اطلع على ما أورده العلماء عن الفراعنة من هذا القبيل أخذه العجب من محافظة أهل وادي النيل على عاداتهم مع توالي القرون وتعاقب الدهور.وأما مسألة إقامة الأحزان مدة الثلاثة أيام التي تعقب الوفاة، واختتام الحِداد بحلول اليوم المتمم للأربعين، فإنني أحكم بأنها مأخوذة عن النصرانية؛ وذلك لأننا لا نرى لها أثرًا في البلاد الإسلامية المحضة، بل لا نجد في سيرة السَّلف الإسلامي أصلًا ما تستمد منه، فإن السنة جاءت بتعزية أهل الميت في يوم الوفاة على القبر بعد الدفن، ومن لم يتأتَّ له ذلك يذهب إلى بيت الميت لتعزية أهله وتسليتهم. فوجب القول بأنها خاصة بأهل مصر، وحيث إنها لم تكن في أخلاق الفراعنة ولا مألوفاتهم، وجب الجزم بأنها جاءت عن طريق النصرانية، وبيانه أن المسلمين لما افتتحوا مصر دخل في دينهم فريق من قبطها، وبقي هذا الفريق محافظًا على أكثر عاداته (ولا تزال آثارها باقية بيننا إلى اليوم).ومن جملة هذه العادات — ولا شك — عادة الحِداد مدة الثلاثة أيام ثم في اليوم المتمم للأربعين، فإن المسيحيين يعتقدون أن سيدنا عيسى — عليه السلام — قال لتلامذته قبل الصلب إنه سيقوم من القبر بعد ثلاثة أيام، فاستمروا يتربصون ظهوره في هذه المدة وهم في غاية الحزن والقلق حتى حصلت قيامته في أوائل اليوم الثالث، ورآه بعض النساء وأخبرن به بقية الذين آمنوا، وهم يعتقدون أيضًا أنه بقي بعد القيامة يظهر تارة ويختفي أخرى في أوقات غير معلومة وأيام ليست معينة، حتى حل اليوم المتمم للأربعين من يوم الصلب، فارتفع إلى السماء في أجَل المظاهر وأرفع الدرجات (انظر الإصحاحات الأخيرة من الأناجيل وأعمال الرسل). ولا يزال الأقباط إلى يومنا هذا يقيمون الحداد على موتاهم مدة الثلاثة أيام الأولى، وفي اليوم المتمم للأربعين وبعده يعتبر أن الميت فاز بالزُّلفى وحظي بإكرام المثوى كما حصل لسيدنا عيسى عليه السلام.أما مسألة إقامة الحداد في الأخمسة فلا أراها إلا إسلامية، إذ تستحب في ليلة الجمعة تلاوة القرآن الكريم، والتقرب من المولى بالأدعية والتوسلات والأذكار التي يقصد بها أن الميت ينال النجاة وحسن العقبى؛ ولأن الناس يتمكنون من السهر وتعزية بعضهم في هذه الليلة التي يصبحون بعدها وهم خلو من الأعمال منقطعون في الغالب للرياضة التعبدية، ولا بأس من التنبيه بهذه المناسبة أيضًا إلى أن المسيحيين يقولون إن الحواريين قد اجتمعوا في يوم خميس عقيب ظهور سيدنا عيسى — عليه السلام — من القبر، وتحدثوا في شأن دينهم الجديد وفيما ينبغي عليهم إجراؤه من حيث الثبات على معتقداتهم أو النكوص على أعقابهم، فتراءى لهم حينئذ سيدنا عيسى — عليه السلام — وأكد عليهم بوجوب المحافظة على ما جاء به ودعوة الخلائق إليه.وأقول هنا إن العادات التي أتيت على ذكرها هي الجارية في المدن الكبيرة، وأنها قد يحدث فيها خلافات وتنويعات في الأقاليم والأرياف، سواء كان عند المسلمين أو عند الأقباط.
سادس عشر: ولقد كان أشار عليَّ المسيو بوريان (Bouriant) رئيس الإرسالية العلمية الفرنساوية بمصر والمسيو كازنوفا (Casanova) أحد أعضائها بجمع نبذة على عادات المصريين في الاحتفال بزيادة النيل، وأن أورد فيها بعض أقوالهم في هذه الأزمنة الحديثة، كما صنع ذلك بعض علماء العاديات المصرية فيما يختص بأيام الفراعنة، فاجتهدت في جمع كثير من المواد وأضفت إليها بعض الاستعلامات الرسمية، ثم اتفق لي العثور على كتاب مطبوع اسمه «قطائف اللطائف»، وليس فيه اسم المؤلف، وقد تضمن كل ما كنت جمعته بل وزيادة، فرأيت أن الغير لسعده قد سبقني فيما كنت أظنه ملكًا لي خاصًّا بي، ولكني لما علمت أن هذا الكتاب قد قامت بتأليفه وترصيفه إحدى السيدات الشرقيات زال عني ما كنت أجده، وشمرت عن ساعد الجد في ترجمة القطعة الخاصة بتفاصيل جبر الخليج في مصر نقلًا عن الفاضلة مؤلفته، إجلالًا للروابط الأدبية والعلاقات التأليفية التي بين المشتغلين بالمباحث المفيدة (والترجمة في القسم الفرنساوي).هذا وإني أشكركم أيها السادة على تفضلكم بالالتفات والإصغاء إلى ما ألقيته عليكم، وأختم خطبتي بأن أتمنى للمستشرقين الفوز بالنجاح في جميع الأعمال، وأني قد أخذت على نفسي بأن أكون في بلادي من أول العاملين على تبيان حسناتهم وإظهار فضائلهم وكمالاتهم.
أحمد زكي
هوامش

(?) تقسيم الجزء في مصر إنما هو إلى حزبين بحسب البدعة الحسنة التي أحدثها الحجاج الثقفي، وأما الترك والعجم فيقسمونه إلى أربعة أحزاب، وقد اخترنا طريقتهم لما فيها من زيادة التسهيل في البحث والمراجعة؛ لكون مراجعة الآية في ربع الجزء أسهل منها في نصفه، وفي ذلك وفر في الزمن بمقدار النصف، وهو ما نسعى وندعو إليه.(?) وقد وضع العلامة الطلياني المتبحر في العلوم واللغات الشرقية السنيور أغناطيوس جويدي قاموسًا مفيدًا جدًّا ببيان أسماء الشعراء المنصوص عليهم في هذا الكتاب المفيد، وقد طبعه في رومة سنة ????.(?) الذي دعاني للاهتمام بهذا الموضوع ما رأيته من عناية أهل البحث والتدقيق من الإفرنج بكل ما له صلة بأحوال المشرق، ولما كان كثير منهم قد يقع في الخطأ من حيث لا يشعر ويجعل للأمور عللًا وأسبابًا يعزيها إلى الدين الإسلامي عن قصور فهم أو تتبادر إلى مخيلته بحسب ما يصورها له الوهم من غير أن يكون له من المعرفة والاطلاع ما يجعله قادرًا على تمييز الفكر الصحيح من القول السقيم، أحببت أن أستوفي في هذه النبذة كل ما وصل إليه علمي من بعض عادات قومي فضلًا عن الفائدة الأدبية الجليلة التي قد لا يتنبه لها الإنسان لأول وهلة، وهي المحافظة على الأشعار التي تنوح بها المعددات والندابات أثناء الرثاء، فإن في كثير منها معاني دقيقة وأنظارًا حكمية قد لا يجدها الباحث في المراثي الشهيرة التي يعمل الشعراء فيها فكرتهم، ويمضون الأقات النفيسة الطويلة في سبكها وحبكها بحسب ما تقتضيه صناعاتهم وممارستهم، بخلاف أقوال العامة، فإنها خصوصًا في مثل هذا الموضوع صادرة عن الضمير مباشرة، وليست إلا ترجمة لما يُكنه الفؤاد من عواطف الأشجان. ولما كانت هذه الأشعار غير مدونة في ديوان رأيت من الفائدة ضم أشتاتها مع عدم الادعاء بالإحاطة بها، وذلك أفضل من إهمالها؛ إذ لا يبعد أن يأتي يوم تزول فيه هذه العادات، وينمحي معها أثر هذه الأشعار الواجب حياطتها بالحفظ والتدوين.
بعض أقوال الأفاضل والجرائد


«صورة ما كتبه حضرة الفاضل اللوذعي الجليل محمد بك ذهني مفتش عموم المعارف ومراقبة المطبوعات والجرائد في ولاية أزمير إلى حضرة صديق الطرفين الأديب المهذب محمد أفندي كامل تيمور من تجار الإسكندرية.»
***

عزيزي كنت شائقًا إلى مطالعة كتاب «السفر إلى المؤتمر» تائقًا إلى اقتطاف يانع ثمراته من آنِ ما تكرمتم ووعدتم بإرساله، وها هو قد وافاني من بضعة أسابيع فتهافتُّ إذ ذاك لاستلامه من البريد تهافت الفراشة إلى نور السراج، ولم أصدق أنه بيدي إلا وأكببت على مطالعته إكبابًا لم يسبق له مثيل مدة حياتي، فأتممته في يوم واحد بحيث لم أشعر إلا وسواد الصفحات قد انقلب بياضًا في النهاية وأنا غير متنبه إلى ذلك، فألفيته كتابًا فريدًا في بابه قد فاز بقصب السبق في هذا المجال على ما وضع في هذا الباب مما عثرت عليه من المصنفات؛ وذلك لترتيب ما هو جامعه من الأبحاث والمواضع ترتيبًا تدريجيًّا، وللأسلوب الرائق الذي آثره حضرة المؤلف اللوذعي الأريب في التحرير والإفصاح عن أفكاره الفلسفية، ووصف ما شاهد وتأمل من المعالم الشاهقة والمباني الشامخة مع التنقيب الشديد والفحص الدقيق الذي تكبده لتحقيق ما وضعه العرب من الأسماء للبلدان الأوروبية في قديم الزمان، ثم الغيرة العظيمة التي أبداها حضرته للدفاع عن حقوق الإسلام التي مسها الافتراق الشنيع الضارب أطنابه بين أفواج المسلمين ناصحًا إياهم نصحًا منبئًا عن فؤاد سليم لإجماع كلمتهم وإعلاء شأنهم، واعظًا لهم العظة الحسنة لطرح مساوي الأخلاق واعتناق مكارمها.
فاستلذذت جدًّا من لطيف عباراته ورشيق إشاراته إلى حد لا يقدر على وصفه الكلام، ولا غُرو فإن حضرة المؤلف ممن اشتهروا في صناعة التحرير وسائر المعارف على حداثة السن، وبودِّي لو كان الكتاب أطول لكي أرتشف من حياضه زلال المعرفة استفادة، وقد أريت هذه الرسائل متفاخرًا إلى بعض شباننا المثرين من أهل الكسل والبطالة الذين يُذهِبون أوقاتهم سُدى في سبيل الملاعب والملاهي، راجيًا أن تكون الوسيلة العظمى لحثهم على التحلي بالمعارف والفضائل. ولعمري إن هذا المؤلف لقد أذكى في صميم الفؤاد نار الاشتياق لاقتناء ما وعد حضرته من الرحلة التي لا ريب في أنها تكون أكثر تفصيلًا منه، فيطفئ حينئذ بإسهابه نار التوقان ويبرد غليل الاشتياق، فمن الآن ألتمس من مكارمكم التي عودتموني بها أن تشتروه بل تخطفوه آن بروزه في ساحة المطبوعات، فترسلوه إلى الفقير على جناح السرعة، وغاية رجائي أن تسعفوني أيضًا بجميع آثار المؤلف التي صدرت إلى يومنا هذا.
قال الكاتب الفاضل والمنشئ المجيد البارع أمين أفندي شميل صاحب جريدة الحقوق الزهراء في العدد ?? الصادر في يوم السبت ?? أكتوبر سنة ?? ما نصه:الرحلة الزكية في المحاسن الأوروبية

هي ست عشرة رسالة حررها حضرة اللبيب الفاضل والكاتب النحرير أحمد بك زكي، مترجم مجلس النظار في سياحته بأوروبا وزيارته بالأخص مدينة لوندن الشهيرة مندوبًا من قِبل الحكومة المصرية لحضور المؤتمر المشرقي الدولي التاسع، فأودع فيها من بديع الأخبار وجميل الفوائد والآثار وذكر ما هي عليه تلك البلاد من التقدم والرفاهية والثروة وبركات المدنية والراحة في كل جهاتها ما يسحر المطالع ويستعظمه السامع، وقد جاءت شاهدة على ما لناظم نثرها وناثر نظمها من اتساع المطالعة ورفيع الميل إلى نشر الفوائد اللامعة بما سمعه ورآه وشعر به واستحسنه ونبَّه أفكاره إلى ما في تلك الأماكن من النادر والبديع والجليل والرفيع إذا قيس ببلادنا الشرقية ومعالمنا العظامية وُجد بينهما بعد شاسع وارتفاع واسع وقد أجاد حضرته في كل ما ذكره عن المدن التي زارها وتركت في قلبه حبًّا يكاد يقول معه:
تملك بعض حبك كل قلبيفإن تُرِدي الزيادة هاتِ قلبًا وقد يظن القارئ أنه أطنب في أوصافه وبالغ في تعظيمه، ولا نظنه إلا أوجز فأعجز؛ فإن في المدن التي زارها من نابولي إلى مدينة لوندرة عاصمة إنجلترا ما يقصر اللسان عن مدحه والقلم عن ترقيمه، فلا يقدر المطنب على الإيفاء ولا المطيل على الإيعاء، فإن ما جمعته تلك الديار من محاسن الوجود ووجود المحاسن لا يتصوره عقل من لا ينتقل إليها وينظر غرائبها وعجائبها وما إليها ممَّا وصلت إليه قدرة الإنسان.
وما قاله في لندن وباريس وإسبانيا حقائق تاريخية قديمة وحديثة لا يختلف فيها اثنان؛ ولذلك قد استحق هذا الكاتب البليغ شكران الرفيع والوضيع، وإني أتخذ هذه الفرصة لأنبه أفكار المصريين وغيرهم من سكان الممالك المحروسة العثمانية بأن ما نشاهده من غرائب الصنعة وبديع الاختراعات وجليل النظام في أوروبا لم يكن كله بفعل حكوماتها وعدل دولها، وإنما هو عن اجتهاد رجالها وهمم علمائها واتحاد قلوب أهاليها للوصول إلى قمة السعادة فجابوا الأقطار نحو خمسمائة سنة حتى وصلوا إلى ما هم عليه، فقد كانوا أقل منَّا درجة وقتئذٍ تتجاذبهم أنواع الغيرة والحسد، وتهوي بهم الأميال الاعتقادية إلى تجديد النزاع كلما سكن ونفد، والعمل على انحطاط التقدم كلما ظهر؛ حتى رأوا أن في ذلك تأخرًا وخرابًا فقللوا من اختلافهم ونبذوا عنهم تلك الأهواء المضرة ورفعوا أنظارهم إلى ما حولهم من التمدن الشرقي ونظروا قوة ملوكه وسلاطينه فأرادوا التشبه بهم وجعلوا بإزاء أعينهم مقاصد هي غير المقاصد الأولى ولم يعودوا ينظرون إلى ما خلفهم، وكانت أول بعثتهم إلى الأمام فلبثوا عليها إلى أن توصلوا إلى النقطة الحاضرة التي نحسدهم عليها وكانوا هم الدافعين حكوماتهم إلى تلك المراغب وتتميم تلك الرغائب.
ثم استطرد حضرة الكاتب الفاضل إلى نصيحة أهل الشرق وتنبيههم إلى وجوب التعاون والتناصر والاستنارة بنبراس الحرية الحقيقية، وهنأ نفسه وكل قارئ على ما لاح من مبادئ التقدم وتعميم التعليم ثم قال: ونختم كلامنا هذا بالامتنان لحضرة زكي بك على ما أتحفنا به من درر رحلته ورسائله المذكورة، نفعنا وجميع الأمة بعدالة أفكاره ونافع تآليفه.
وجاء في جريدة الآداب الزاهرة الصادرة بتاريخ ?? ربيع الثاني ما نصه:السفر إلى المؤتمر

هو عنوان لذلك السِّفر الجليل الذي رقشه يراع حضرة الفاضل مثال الاجتهاد ودليل الساعين في طريق النهضة المصرية الحديثة (أحمد أفندي زكي) مترجم مجلس النظار والنائب عن الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين الدولي التاسع الذي انعقد بلوندرة السنة الماضية.
قد طالعنا هذا الكتاب الجليل فألفيناه مصداقًا لما امتاز به حضرة مؤلفه البارع من الكتابة بإرشاد العواطف وإلهام الانفعال النفساني الناشئ من رؤية المناظر الجديدة الشائقة وتوخي التحقيق والتدقيق في الأعلام الجغرافية والعلمية، وهو البحث الجليل الذي يدل على سعة اطلاع حضرة المؤلف وإحاطته بكتب المتقدمين من العرب، ولنورد هنا أمثلة من تلك التحقيقات تختص بأسماء البلدان التي لها أسماء معلومة في كتب المتقدمين، ثم عمدنا إلى تسميتها بما ينطبق على تمثيل اسمها عند سكانها الآن: فبلدة برندزي الشهيرة في إيطاليا بأنها ممر السفن التجارية التي تمخر البحر الأدريانيكي تسمى في كتب العرب أبرندس، ونابولي نابل ونابل الساحلية ونابل الكنان، وبيزة بيشة، وجنيفة جنبرة، وباريز بريس، وترافلجار الطرف الأغر إلخ، وأما الإحصائيات التي وردت في الكِتاب فهي في غاية الفائدة والنفع، وقد مهدت لحضرة المؤلف استنتاج الحقائق واستقصاء الأسرار الاجتماعية، ومن ذلك ما نقله عن تقويم ترويح النفوس، وبعد أن ترجم المؤلف انفعالاته من مناظر إيطاليا وفرنسا بما يخال معه القارئ أنه كان رفيقًا له في السفر وعطف في رسائل باريز إلى الكلام على النساء الباريزيات، شخص لنا لوندرة في مثال الضخامة والفخامة، وروى لنا عنها أمورًا تخلب عقل القارئ أهمها اجتماع الضدين وتوفر النقيضين فيها، وانتقل إلى الكلام على إسبانيا والبرتغال، ولم يهمل حضرة المؤلف وصف المناظر الطبيعية والأبنية الفخيمة والقصور والآثار الباذخة في كل جهة مر بها.
وحسن الأسلوب الذي اتبعه في كتابه هذا لا يسعنا معه إلا الإقرار بعجز هذا اليراع عن استقصاء فضائله وتقريظه هنا بما يمثل للقارئ جزءًا من أهميته ونفاسته، فليعذرنا حضرة صديقنا الفاضل في هذا القصور الذي نأمل منه أن يتخذه دليلًا على ما تملكنا من استحسان رسائله، لدرجة لم نتمكن معها إلا من تخريج عيب واحد في هذه الرسائل وهو أن لا عيب فيها.
جاء في جريدة الزراعة الغراء الصادرة في ?? نوفمبر سنة ???? ما نصه:السفر إلى المؤتمر

أهدانا حضرة صديقنا الأديب الفاضل والكاتب المدقق أحمد زكي أفندي مترجم مجلس النظار العالي، هذا الكتاب الذي وضعه بعد عودته من أوروبا، حيث كان مندوبًا مصريًّا لدى مؤتمر المشرقيات، وقد طالعناه مطالعة المنتقد الواضع لديه كفتي الاستحسان والاستهجان، تاركين جانبًا هوى القلب الخافق سرورًا لدى أثر هذا الصديق الفاضل، وقد جئنا الآن نظهر رأينا فيه:
مزايا الكتاب: يظهر لمن يطالع كتاب السفر إلى المؤتمر أن نية كاتبه الفاضل معقودة على إشراك مواطنيه في كل ما رأى من مشاهد التمدن الأوروبي ومظاهر الحضارة الغربية؛ لأنه يعلم أن القسم الأعظم منهم لم يردوا غير ماء النيل من مياه المعمورة. وقد أحسن كل الإحسان في عدم الوقوف عند حد الإخبار بما رأى وما سمع، بل قد وضع ما رآه وما سمعه على قوالب آرائه، وأجال فيها نظره الحديدي الذكاء فأمكنه أن يضع لدى مطالع كتابه مشهد العالم الأوروبي بعناصر تقدمه ومجالي رونقه وبهائه، والشهادة لله أن سفر صديقنا الزكي إلى المؤتمر كأنه معرض تشريحي للحضارة الأوروبية، أو هو رسم فوتوغرافي منقول عما ارتسم على مخيلة كاتبنا الزكي من مشاهد أوروبا ومرئياتها، ثم والكتاب فصيح العبارة لطيف الإشارة من أحسن ما كتب في باب السياحات، فهو إذا شبه بكتابات المسعودي وابن بطوطة في أسلوب كتابته، فما شابهاه في شيء من جهة الصلة بالحقيقة والفوائد الجمة، والبعد عن الأوهام. وقد علمنا من ترتيب الكتاب أن كاتبه كان إذا نزل في بلد وحل في مدينة يزور كل ما هو عظيم وذا شأن فيها، ويودعه مذكراته، إلا أنه كثيرًا ما يُرى في الكتاب أثر الاقتضاب والاختصار، كذلك كثير مما نعلم وجوب ذكره وليس مذكورًا، وكثير من أبحاثه مما يفيد تفصيله ليس مفصلًا، إلا أننا نجد عذرًا للكاتب في وقته القصير بجانب كثرة أشغاله واتساع جولاته وجسامة مهماته.
وكان بودنا لو نترك القلم مع هواه في الكلام على أثر من يهواه، ولكن المضمار قصير والخاطر حسير، لكنا لا نوقفه حتى نذكر للكاتب الزكي صفته الوطنية وغيرته الشرقية الظاهرتين في كل عبارة من عبارات الكتاب. وسنعود على مشاركته في الكلام على البحث الذي هو أول طارق لبابه، وهو المتعلق بلغة الأعراب وآثارهم في الأندلس.
جاء في جريدة الشرائع الغراء الصادرة في ?? ديسمبر سنة ????:القصير والمستدير الململم

هو عنوان كتاب مجموع الرسائل التي بعث بها حضرة إمام المترجمين، ونخبة الشبان المصريين، الكاتب الفاضل والأصولي المدقق أحمد أفندي زكي مترجم رياسة مجلس النظار حين كان ببلاد أوروبا، إذ عُهدت إليه رياسة الوفد المصري إلى مؤتمر المستشرقين بمدينة لوندرة، جمعه — حفظه الله — بعد عودته بالسلامة وطبعه على نفقته بالمطبعة الكبرى، فجاء كتابًا جليلًا يقوم بُرهانًا قاطعًا للشبان يتحدون به في مقام الفخر بأعمالهم، بل لِجامًا يرد جماح الذين يجحدون أن في السويداء رجالًا وفي الكنانة نبالًا، بل قدوة حسنة لمن يريد خدمة بلاده وسد أفواه حساده، وما عساني أن أقول في سِفر يصور لك حالة أوروبا أغلبها أكمل التصوير ماديها وأدبيها من الطبيعيات، كوصف البلاد والمدائن والجمال والآبار والبساتين والطرق والطقوس والأهوية والأطعمة والأشربة، ثم المصنوعات من قديمة وحديثة وجيدة ورديئة، فالآثار وأصحابها وتواريخ تأسيسها من عجيبها وغريبها وعظيمها وصغيرها، فالتجارة ورواجها وكسادها، والصناعة والإقبال عليها أو العدول عنها، والزراعة وأصنافها وهيآتها ومناظرها، فحال البلد العام غناها أو فقرها ووفرة حاصلاتها أو قلة موجوداتها، فطباع كل شعب حسنها ورديئها وإقبالهم على العمل أو إعراضهم عنه، ثم أفكارهم صحيحها وفاسدها، وأخلاقهم لينها وجافيها، وأميالهم خيرها وشرها، ثم غرائب ما عندهم على العموم من المعامل وتشغيلها والمحاجر وأصنافها على ما هو عليه، مع ذلك كله من دقة المعاني وجزالتها وعذوبة الألفاظ وسلاستها، ولا غرابة فقد كُتب بقلم بليغ عربي، وإحساس شرقي مصري، ودافع قوي وطني، فيا حبذا لو ينسج شباننا المصريون على منواله إذ في هذا فليتنافس المتنافسون، ولمثل هذا فليعمل العاملون. ولقد وعد حضرة الكاتب — أدامه الله خير قدوة للشبان — في كتابه هذا بطبع رحلته الكبرى، فما ظنك بها إذا كانت هذه حالة الصغرى! وإن غدًا لناظره قريب. أكثر الله في مصر من أمثاله، إنه سميع مجيب.
ولقد يسرُّنا أن نظارة المعارف العمومية قد اشتركت في … نسخة من السفر المذكور لتوزيعها على طلبة المدارس إفادة لهم، وتعويضًا لبعض ما أنفق حضرة المؤلف، وتشجيعها لغيره في الإقدام على مثل ذلك، فلا عدمنا من يسهرون على تقدم البلاد ونجاح شُبانها. آمين.
جاء في جريدة المقتطف الغراء الصادرة في أول أكتوبر سنة ???? ما نصه:السفر إلى المؤتمر

هو مجموع الرسائل التي كتبها حضرة البارع في ميادين المعارف أحمد أفندي زكي مترجم مجلس النظار في سياحته بأوروبا نائبًا عن الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين الدولي التاسع الذي عقد في العام الماضي، وقد أطال الكلام فيها على لندن وباريس ومدائن إسبانيا، فجاءت كتابًا كبيرًا في أربعمائة صفحة جامعة لأشتات الفوائد.?وفي رسالته عن إسبانيا والبرتوغال (أي البرتغال) فوائد كثيرة ونكات بديعة عن ذلك ما وقع له في طلب أجرة المركبة منه ستمائة ريال.? ويتلو ذلك نبذة بديعة في امتزاج العرب بالعجم في إسبانيا، وسنأتي على ذكرها في فرصة أخرى. وجملة القول أن هذه الرسائل شاهدة لحضرة مؤلفها بسعة الاطلاع ودقة البحث، وبأنه لقي من الحفاوة والإكرام ما يفتخر به شبان مصر.
Du Journal Offciel du 6 novembre 1893:Sous le titre: “Départ pour le Congrés”, Ahmed effendi zéki, chef du bureau de traduction a la présidence du Conseil des Ministres, vient de réunir en un volume publié en langue arabepar I’imprimerie nationale de Boulaq, ses impressions de voyage au cours de sa mission a Londres, Ou il avait été envoyé, I’annéé derniére, au Congrés des Orientalistes.Le lvre de Zéki effendi se distingue par unstyle élégant, mis au service d’un talent de description de bon aloi, et, par son intérét soutenu, qui assure a I’avance son succes de Iecture.De I’Egyptian Gazette du 14 novembre 1898:(La traduction francaise a paru dans la partie francaise du meme numero.)Under the title of Al Safar illa Al Motamar:(the journey to the Congres), Ahmed Zeki Bey, the head of the translating department at the president of the Council of Ministres, has published in Arabic an account of his recent travels in Europe, which is very interesting fromboth scientific and literary points of views. In an elegant and clear style, the author gives his impressions of his journey when he proceedad to London to represent the Egyptian Government at IX th Congress of Orientalists held in that city.The work abounds with ethnographical and literary notes and gives a very correct idea of the state of civilisation in several countries of Europe, of their industrial and commercial progress and of the manners and customs of their inhabitants. Specially worthy of attention are the author,s remarks respecting the beauties of paris, the grandeur of London, his visit to South Wales coal mines and the description of his journey through Spain and Potugal.We compliment Ahmed Bey Zeki on the able manner in which he has compiled his work which shows great originality of thought on his part and which, as a book written by an Egyptian for the benefit of his fellow countrymen, is one deserving of an extensive circulation among Egyptians.Du phare d’Alexandrie du 15 novembre 1893.Bibliographie: Les jeunes et vieux egyptiens qui n’ont pas eu l’occasion de contempler les merveilles de la civilisation européenne, feront bien de lire attentivement l’ouvrage qui a pour titre: Départ pour le Congrés.L’auteur, M. Ahmed Zéki effendi, dont les divers et nombreux travaux littéraires et scientifiques ont déjà obtenu tant de succés, a réuni dans un remarquable ouvrage en langue arabe, les impressions recueillies au cours de son recent voyage en Europe.Délégué par le Gouvernment égyptien au Congrés des Orientalistes a Londres, M. Ahmed Zeki, en homme intelligent, a su mettre a profit les courts instants dont il a pu disposer pendant son séjour en Europe. En lisant: Départ pour le Comgrés, on demeure étonné de la somme de travail fournie par l’auteur, pour recueillir tant de notes intéressantes, pour s’assimiler tant de détails de moeurs, tant d’observations d’un si haut intérêt.Les récits, tout vibrants d’émotion, concernant la grandeur de Londres, les magnificences de Paris, Ies curiosités artistiques et archéologiques du Portugal et surtout de l’Espagne où l’on rencontre tant de vestiges de la civilisation arabe, tout est pensé et dit avec un grand charme infini.M. Zéki sait communiquer son enthousiasme au lecteur.Dans son ouvrage, M. Zéki s’adresse plus spécialement aux ?gyptiens, ses compatriotes, et, à ce titre, le travil de l’auteur est non seulement une belle oeuvre, mais une bonne action.Nous recommandons vivdment la lecture de: Départ pour le congrés, à toute personne éprise d’art, de science et de littérature. On y rencontrera toutes les qualité, qui sont l’apanage des bons écrivains. قالت جريدة الهلال الأغر في العدد الصادر في ?? ديسمبر سنة ?? ما نصه:السفر إلى المؤتمر

هو كتاب يتضمن الرسائل التي جادت بها قريحة حضرة صديقنا الكاتب الألمعي رفعتلو أحمد أفندي زكي، رئيس قلم ترجمة مجلس النظار أثناء رحلته في بلاد أوروبا مندوبًا للنيابة عن الحكومة المصرية في مؤتمر المستشرقين الدولي التاسع الذي التأم في لندرة أواخر العام الغابر. وقد أدرع الوسع في وصف العواصم التي مر بها، وأقام فيها وصفًا دقيقًا لم يغادر فيه شاردة ولا واردة مما يهم المطالع معرفته عن أحوال تلك البلاد. ومن مزايا تلك الرسائل أنه كتبها بقلم مصري ينظر إلى الأشياء بعينَي مصري بحت ينفعل بانفعال المصريين ويكتب للمصريين. وأول مدينة نزل فيها ووصفها نابولي ثم رومة العظمى ففلورانسة فبيزة فجينوة فتورينو فمودان فباريس فلندرة وبعض مدائن الإنكليز، ثم بلاد الغال، ووصف بلاد الأندلس وآثار العرب فيها، وغير ذلك من الفوائد التي لا يعثر عليها إلا بالأسفار الشاقة والأبحاث الطويلة.
وقد أسهب الوصف بنوع خاص في مدينة باريس، فلم يغادر شيئًا لم يصفه وصفًا دقيقًا من أحوالها المدنية والسياسية والعلمية والتاريخية ومتاحفها ومعارضها، وأبنيتها وعوائد أهلها وأخلاقهم رجالًا ونساء حتى تمثلت المدينة لدينا تمثل العيان. وقد أجاد في الكلام عن الأندلس وتأثير التمدن العربي على الإسبان، وأورد كثيرًا من الأسماء العربية التي اختلطت بلغة هؤلاء الأقوام وردها إلى أصلها العربي لغويًّا وتاريخيًّا.
وبالجملة فإنه قد أشبع الكلام وأفاد فيه إفادة يستوجب عليها الثناء، ويليق من أجلها أن يكون قدوةً ومثالًا في الإقدام والاجتهاد ودقة البحث.
على أننا نستأذنه بعد أن وفيناه بعض الواجب من الثناء أن نذكر طوفًا مما رأينا فيه وجهًا للنقد إجابة لطلبه، ونحن على يقين أنه لا يستنكف من سماع ملاحظتنا؛ لعلمنا أنه ممن يحبون البحث عن الحقيقة ولا يستعظم الرجوع إلى الحق فنقول:
قد رأينا في وصف مدينة لندرة إيجازًا يكاد يبلغ حد الإخلال، على حين أننا كنا ننتظر الإفاضة في وصفها أكثر من سواها لما حوته من الآثار والمتاحف والعظمة، ولا سيما أنها مقر المؤتمر ومحط رحال حضرة الكاتب في رحلته هذه، فإنه لم يذكر متحفها الشهير المعروف بالمتحف البريطاني إلا بطريق العرض عند كلامه عن متاحف باريس، ولم يشبع الكلام فيه ولا ذَكَر شيئًا عن مسرحها (معرض الحيوان)، ولا منبتها (معرض النبات)، ولا غير ذلك مما يستغرق في وصفه المجلدات الضخمة، وخصوصًا المتحف البريطاني الذائع الصيت، فإنه من أعظم متاحف الدنيا إذا لم نقل أعظمها، وفيه آثار العالم على اختلاف الزمان والمكان.
وقد قال أثناء كلامه عن لندرة تحت عنوان «تبويذ الإنكليز»: «وأما جيش السلام فلا أتكلم عليه الآن، وإنما أقول إن جماعة من البوذيين الوثنيين جاءوا إلى لندرة بقصد تبويذ الإنكليز (إن صح التعبير؛ أي جعل الإنكليز كلهم على مذهب بوذة)، وبلغني أن لهم هيكلًا تقام فيه شعائرهم الدينية في خط ويت شبل المعمور بألوف من الخلائق، وعلمت أن أعمالهم سائرة في طريق التقدم، وأن بعضًا من رجال البوليس الإنكليزي قد دخلوا في زمرتهم.»
نقول: ولا نعلم بوجود هذا الجيش في لندرة ولا شيء مما نسبه إليه، ولعله أراد «جيش الخلاص» Salvation Army وليس جيش السلام، أما جيش الخلاص فهو بريء من تلك التهم؛ إذ لا علاقة له بالبوذيين ولا مذهبهم، وأما هو فعبارة عن جماعة من المسيحيين يدعون أنفسهم المبشرين المسيحيين Mission Christian، وهم أخلاط من بقايا عدة جمعيات مسيحية تألفوا سنة ???? لتبشير أسافل الناس، وقد نظموا أنفسهم على هيئة جيش له قائد (جنرال) وضباط وصف ضابطان وعساكر، وقائده أو رئيسه الآن الجنرال «بوث» أو «بوذ»، ولعل ذلك ما التبس على حضرة الكاتب بمذهب بوذة. وقد مر على هذا الجيش الآن زهاء ثلاثين سنة عاملًا على خطته، وله نفقات خصوصية من أوقاف محدودة، وقاسى مشقات عظيمة في سبيله، ولكنه كان يكتسب أموالًا طائلة يجمعها من أموال المحسنين تتجاوز مئات الألوف من الجنيهات، ولم يقتصر انتشاره في لندرة، بل تجاوزها إلى الضواحي والمستعمرات ومدن كثيرة من أوروبا، فإن منه فروعًا في كوبنهاجن وبرلين وهمبورج وغيرها، وفي جنوبي أفريقيا وأستراليا. ولا يزال الجنرال بوث قائمًا بأعمال هذا الجيش، عاملًا على نصرته إلى هذه الغاية، وقد شاهدنا من هذا الجيش أثناء زيارتنا عاصمة بلاد الإنكليز سنة ???? جماعات يطوفون الشوارع يعزفون بالموسيقى العسكرية، ورأيناهم يقفون على ملتقى الطرق، وفي المنتزهات العمومية يعظون الناس ويحثونهم على الصلاح، وربما كان بين وعَّاظهم من لا تليق به هذه المهنة، وسبب ذلك ما قدمناه من أن الجيش تألف لهداية السوقة وأسافل القوم، فانتظم في سلكه جماعة منهم فشوهوه، وأما مقامهم ففي خط «ويت شبل».
على أن ما ذكرناه لا يحط شيئًا قدر حضرة صديقنا الفاضل، ولا يقلل شيئًا من قيمة مؤلفه الجليل، ونحن نعلم أنه كتب ما كتبه في أضيق الأوقات وأقصر الفرص والعصمة لله وحده سبحانه وتعالى.
إيضاح الحقيقة عما ورد في النبذة المتقدمة

لما اطلعت على ما كتبه الهلال الأغر أرسلت إليه رسالة مطولة ألخصها هنا في كلمات وجيزة وسطور قليلة.
الاعتراض الأول: وهو الإيجاز في وصف لوندرة ينفيه الاطلاع على الكتاب ومقارنة الجزء المخصص فيها لها وحدها، وهو لا شك كثير جدًّا بالنسبة لغيرها من البلدان الكثيرة التي زرتها، وهذا لا ينافي أن هذا الوصف مهما طال ومهما كثر، فليس يستحق الذكر بجانب جسامتها، وإنني قد سبقت إلى الإشارة إلى ذلك في صحائف سابقة.? أما ما يتعلق بالمتحف البريطاني فإنني لم أذكره فقط بطريق العرض أثناء الكلام على متاحف باريس، بل قد ذكرته وأشرت إليه في رسالة لوندرة، ولما كان وصف هذا المتحف قد أسهب فيه حضرة العالم الفاضل أمين بك فكري في «إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا» ما رأيت وجوبًا لإعادة الكلام عليه، بل آثرت الدخول في مواضيع أخرى لم ترد في الغالب في كتاب حضرته، كما أنني إذا اضطررت للكلام على موضوع قد سبق له الخوض فيه أجتهد في شرح أمور جديدة وبيانات لم ترد في كتابه حتى يكون لمن قد قرأ كتابه الأنيق فائدة في تلاوة كتابي أيضًا. وكل من قابل بين الكتابين يعلم أن أحدهما لا يغني عن الآخر ولا بد من الحصول عليهما معًا. ومن رأيي أن القارئ العربي يكفيه أن يعلم عن المتحف البريطاني ما ورد في إرشاد الألباء، وأنه من الواجب أن يجد معلومات جديدة ومزايا أخرى في «السفر إلى المؤتمر»، وهو الأمر الذي دعوت إليه في خاتمة كتابي هذا لتكمل الفائدة.
أما الاعتراض الثاني: فهو مبني على كون صاحب الهلال الأغر ظن أنني جعلت أهل جيش السلام من البوذيين الوثنيين، وتصور أن الذي أوجب عندي (أنا) حصول الالتباس أن قائد جيش السلام يسمى (بوث)، ثم بنى على ذلك الشرح الذي علقه على عصابة هذا الجنرال وأحوالها بما فيه فوائد جمة كنت أدخر شرحها لرحلتي الكبرى، فجزاه الله خيرًا على هذا الاستعجال.
غير أني لم أقصد ما فهمه حضرته بالمرة، ولم يَدُر في خلدي شيء من التهم التي تصور أنني نسبتها لهم؛ لأن قولي: وأما جيش السلام فلا أتكلم عليه الآن وإنما أقول إن جماعة من البوذيين الوثنيين جاءوا إلى لوندرة بقصد تبويذ الإنكليز (إن صح التعبير؛ أي جعل الإنكليز كلهم على مذهب بوذة)، وبلغني أن لهم هيكلًا إلخ؛ وذلك لأنه لو تدبر كتاباتي في الرسائل لرأى أنني عندما تزدحم عليَّ المواضيع، وتتوارد المطالب أجنح إلى هذا الأسلوب من التعبير «وأما الأمر الفلاني فلا أذكر عنه شيئًا الآن. أو: فإني أؤخر شرحه لفرصة أخرى. أو ما أشبه ذلك من العبارات»، ثم أعقب هذه الجملة بقولي: «وإنما أتكلم على الأمر الفلاني» الذي يكون غير الأول، ولكنه يكون منطويًا تحته في باب واحد وله به تمام الارتباط، وشواهدي على ذلك كثيرة في الكتاب أكتفي بذكر واحد منها؛ لكون الإطالة لا طائل تحتها وهو: «أما نزهتنا في لوندرة فلا أتكلم عليها الآن، وإنما أذكر أني شفيت الغليل برؤية شبه مدينة البندقية في إحدى ضواحيها وهو محل متسع إلخ»، فقد أغلقت الكلام على النزهة في لوندرة وذكرت شيئًا عن النزهة في ضواحيها، وهذا له تمام المشابهة في كوني أغلقت الكلام عن جيش السلام، وتكلمت على تبويذ الإنكليز (بحسب مذهب الهنود)؛ لأن سياق الكلام كان على «أفكار الإنكليز واعتقاداتهم وآرائهم ومقالاتهم».
هذا وإن في قولي: «إن جماعة من البوذيين الوثنيين جاءوا إلى لوندرة إلخ» كفاية تامة للتعرف بمن أريد، وإنني لا أقصد أهل جيش السلام الذين هم من طوائف النصارى، كما هو اعتقادي الحقيقي الظاهر في عبارتي، وهنا أرى وجوب الرجوع إلى الأحق من حيث التسمية؛ لأن الترجمة التي قال بها صاحب الهلال الأغر «جيش الخلاص» هي في الحقيقة أفضل وأدل على المراد من ترجمتي لاسمهم بقولي: «جيش السلام»، لكن لفظة الخلاص هي خاصة بالاصطلاح المسيحي؛ فلذلك أعذر على كونها فاتتني مع كون الكثير من الكُتاب يذكرون «جيش السلام» ويريدون به كتيبة الجنرال بوث وأهل طريقته، وهذه الترجمة متداولة معروفة.
وقد أخبرني حضرته أنه قرأ العبارة هكذا: «وإنما أقول إنه جماعة من البوذيين»، فلما وضع هو الضمير في لفظة «إنه» توهم أني خلطت هذه الجماعة النصرانية بالطائفة البوذية، وليس الأمر كذلك فإنني ما قلت إلا «إن» في الطبعة الأولى والطبعة الثانية هذه.
هذا ما رأيت ذكره بالاختصار بيانًا للحقيقة التي أراني متفقًا مع حضرة الفاضل صاحب الهلال الأغر على تحريها وتفضيلها على عواطف الوداد وروابط الاجتهاد، وإني أشكره في هذا المقام على توخيه هذا الأسلوب المفيد في الانتقاد، فإنني لا أزال أجاهر بأني ممن يفتخر بمحبة الانتقاد، ويرى وجوبه على الدوام فيما يتعلق بكل كتاب يظهر في عالم المطبوعات؛ لأن «الحقيقة بنت البحث»، ويا حبذا الانتقاد الصادر عن طوية خالصة ونية صافية بمقتضى قواعد العلم ونواميسه المعتبرة، فإنه مما يوجب ارتقاء المعارف ورفع مقام الكتاب. أرشدنا الله جميعًا إلى السداد والصواب.
كانت براعة الاستهلال في هذا الكتاب الرسالة الفائقة التي كتبها تاج المنشئين وفخر الكاتبين الأستاذ الأجل الشيخ عبد الكريم سلمان، والحمد لله الذي وفق له براعة ختام من أحسن ما تستطيبه العقول وتنتهي إليه المطالب ويكمل به اختتام هذا الكتاب على أجل منوال، فقد جادت قريحة الذي لا يصح أن ينتهي الشعر إلا إلى بابه، ولا تقف مطايا العلم إلا عند رحابه حضرة الفاضل الجليل إسماعيل بك صبري وكيل محكمة الاستئناف الأهلية بهذه القصيدة الفائقة وهي:
اهجر النوم في طِلاب العَلاءوصِلِ الصبح دائبًا بالمساءوالتمس بالمسير في كل قطررتبة العارفين والحكماءإن غض الشباب فقَّهه التِّرحال شيخ في أعين العقلاءومُقام الحسام في الغمد يزريبألذ حاز متنه من جلاءفدع الغمد يبدُ للعين من فضــلك ما كان في زوايا الخفاءإن أمضى الرجال من كان سهمًانافذًا في حشاشة الغبراءواللبيب اللبيب من دار في الأرض لعلم يناله أو ثراءإنما الأرض والفضاء كتابفاقرءوه معاشر الأذكياءواقرنوا العلم بالسُّرى رب علملم تحزه قرائح العلماءوأطيلوا ما كان من قصر العيــش بحث الركاب في الأنحاءوطن المرء مهده وبقايا الــكون بيت له رفيع البناءومعيبٌ أن تصرف العمر في المهــد وتنسى البيت الوسيع الفناءهذه الفلك يستحث خطاهاهزج الريح في صحاري الماءكم أطالت مدى الرحيل ووالتــه فعادت بالخير والسراءوهلال السماء يزداد نورًاكلما خاض لجة الظلماءلو وني عزمه لما فاز بالقدح المعلى في القبة الزرقاءخلق المرء للتنقل في الأرض وللسعي لا لمحض الثواءفتحرك بحكم طبعك أو كنحجرًا في مجاهل البيداءحبذا رحلة تمثل تمثيــلًا مزايا الأسفار للقراءقد أجادت فيها براعة منشيــها اختيار الأخبار والأنباءفأجل في جمالها نظراتفهي بكر الآداب والإنشاءوتفهم حديثها ثم سافرليس من يسمع الحديث كرائيجدول إجمالي بيان الأعمال المقدمة للمؤتمر
كتب أصلية ألفتهاكتب قديمة صححتها ونقحتها(?) مفتاح القرآن(?) ضوء الساري لمعرفة خبر تميم الداري للمقريزي(?) النسخة المحررة للطبعة الثانية من موسوعات العلوم العربية(?) ذكر الغلاء الواقع بأرض مصر له(?) معجم الكلمات المضعفة(?) ترتيب المقتضب فيما وافق لغة مصر من لغات العرب (أصله للصديقي وقد غيرت ترتيبه)(?) معجم الكلمات الكلبية ويليه التبرِّي من معرة المعري(?) أسماء الأسد — مستخرجة من القاموس(?) معجم تحرير وضبط الأعلام الجغرافية بالعربي والفرنساوي(?) الأضدد — مستخرجة من القاموس(?) وصف مجالس الندابات ومجموعة فيها أكثر من ???? بيت من مراثيهن(?) تحبير الموشين فيما يعبر فيه بالسين والشين للفيروزأبادي(?) القصيدة الفارقة بين الضاد والظاء(?) حل لغز الماء للمقريزي (وترجمته بالفرنساوي)(?) قصيدة علم الدين السخاوي فيما اتفق لفظه واختلف معناه(??) الاحتفال بزيادة النيل وجبر الخليج (وترجمته إلى الفرنساوي)
هوامش

(?) ثم أورد بعض نقول من المقدمة.(?) ثم أورد القصة.(?) اعلم أن النقول والنصوص الموجودة في هذه الصحائف هي الواردة في الطبعة الأولى حرفًا بحرف.
استدراكات


(?) سهوت أن أذكر في حاشية (الرسالة الأولى) أن لفظة دار الصناعة كانت مستعملة أيضًا في الديار المصرية، فخشيت أن يتصور القارئ أن مصرنا لم يكن لها شأن كبير في ذلك، فاخترت نقل ما أورده المقريزي في صحيفة ??? من الجزء الثاني من خططه المشهورة المطبوعة في بولاق سنة ???? هجرية تحت عنوان (ذكر المواضع المعروفة بالصناعة).قال بعد أن عرَّف لفظ الصناعة من حيث اللغة: (وأما في العرف فالصناعة اسم لمكان قد أعد لإنشاء المراكب البحرية التي يقال لها: السفن، واحدتها سفينة، وهي بمصر على قسمين: نيلية وحربية، فالحربية هي التي تنشأ لغزو العدو، وتُشحن بالسلاح وآلات الحرب والمقاتِلة، فتمر من ثغر الإسكندرية وثغر دمياط وتنيس والفرما إلى جهاد أعداء الله من الروم والفرنج، وكانت هذه المراكب الحربية يقال لها الأسطول، ولا أحسب هذا اللفظ عربيًّا. وأما المراكب النيلية فإنها تنشأ لتمر في النيل صاعدة إلى أعلى الصعيد، ومنحدرة إلى أسفل الأرض لحمل الغلال وغيرها). ثم قال في صحيفة ??? ما نصه: (وأول ما أنشئ الأسطول بمصر في خلافة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم، عندما نزل الروم دمياط في يوم عرفة سنة ثمانٍ وثمانين ومائتين وأمير مصر يومئذ عنبسة بن إسحاق، فملكوها وقتلوا بها جمعًا كثيرًا من المسلمين، وسبوا النساء والأطفال، ومضوا إلى تنيس فأقاموا باشتومها فوق الاهتمام من ذلك الوقت بأمر الأسطول، وصار من أهم ما يُعمل بمصر، وأنشئت الشواني برسم الأسطول، وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة البر إلخ.) وقال في صحيفة ??? ما نصه: (قال ابن أبي طي في تاريخه عند ذكر وفاة المعز لدين الله، إنه أنشأ بها دار الصناعة التي بالمقس، وأنشا بها ستمائة مركب لم يُرَ مثلها في البحر على مينا. وقال المسبحي:? إن العزيز بالله بن المعز هو الذي بنى دار الصناعة التي بالمقس وعمل المراكب التي لم يُرَ مثلها فيما تقدم كبرًا ووثاقةً وحسنًا.) وقد ذكر المقريزي في صحيفة ??? و??? تفاصيل أخرى عند دار الصناعة بالجزيرة؛ أي جزيرة الروضة ودار صناعة مصر.
(?) قلت في (الرسالة الثامنة): إن بهاء الدين العاملي وصف النساء في الأرجوزة الشهيرة التي كتبها على رحلته في بلخ، وأوردها في أوائل الجزء الثاني من الكشكول، وحقيقة الرحلة أنها كانت في هراة والأرجوزة اسمها الفاخرة، وهي واردة في الجزء الأول صحيفة ?? و?? و?? من كشكوله المطبوع في بولاق سنة ????، وهذه هي الأبيات:نساؤها مثل الظباء النافرةذوات ألحاظ مراض ساحرةيسلُبن حِلم الناسك الأواهيسلِمن جسمه إلى الدواهيمن كل خُوذ عذبة الألفاظتقتل من تشاء بالألحاظأضيق من عيش اللبيب ثغرهاأضعف من حال الأديب خصرهافاتكة قد شهدت خداهابما بنا تفعله عيناهاترنو بطرف ناعس فتاكيفسد دين الزاهد النساكوالصدغ واو ليس واو العطفوالثدي رمان عزيز القطفوالجسم في رقته كالماءوالقلب مثل صخرة صماءولفظها وثغرها والردفسحر حلال أقحوان حقفوقدها ونهدها والخدغصن ورمان طريٍّ وردوالشعر والرضاب والأجفانصوارم مدامة ثعبانغيد حميدات خصالهنطوبى لمن نال وصالهن
(?) مسألة تساؤل الإنكليز بعضهم بعضًا عن الوجود والصلاة في الكنائس في يوم الأحد (الرسالة العاشرة)، تشابه تساؤل المصريين بعضهم بعضًا في شهر رمضان (أنت صايم والا فاطر؟) يريدون مفطرًا.
(?) يقول المغاربة في تعظيم السيدات: (لِلآ)، فربما كان ذلك أصلًا للعبارة المكتوبة في بورصة مدينة بورتو التي أوردتها في (الرسالة السادسة عشرة).وقد راجعت مذكراتي فرأيت أن العبارة المكتوبة على زجاج البورصة هي (عزلانا السلطانة مريم ?)، وإنني أورد هنا الأبيات التي رأيتها على طرازات الزجاج في دار البورصة المذكوره، وذلك بناءً على طلب أحد الأصدقاء الفضلاء وهي:سعد الرجاء وساعد الإقبالودنا الهنا وأجابت الآمالوأقول: إن أصل هذا البيت بحسب ما أورده السعد في مقدمة شرح التلخيص هي:سعد الزمان وساعد الإقبالودنا المنا وأجابت الآمالوهي أجود وأمتن في بابها.ثم إنه يوجد في شبابيك البورصة المذكورة وردات من الزجاج وفي وسطها هذه العبارة: «عز نصره».وبهذه المناسبة أورد هنا ما عندي من النصوص العربية المعتبرة، التي تدل على أن بورتو هي المعروفة عند العرب باسم برتغال، بالباء الموحدة والراء المهملة والتاء الفوقية والقاف يتلوها ألف ولام. والذي دعاني للتعجيل بإيراد هذه النصوص في هذا المقام مع أنني كنت وعدت في (الرسالة السادسة عشرة) بأنني سأوردها في الرحلة، أن بعض الأدباء قد طالبني بها، فلم أَرَ مندوحة عن تعجيل الجواب.قال في الجزء الثاني من البيان المغرب في أخبار المغرب للمراكشي، الذي طبعه العلامة المحقق دوزي في مدينة ليدن سنة ???? ما نصه بالحرف: «إلى أن خرج الحاجب المنصور أبو عامر بموضوع برتغال على نهر دويرة … وقد كان المنصور تقدم في إنشاء أسطول كبير في الموضع المعروف بقصر أبي دانس من ساحل غرب الأندلس، وجهزه برجال البحريين وصنوف المترجلين، وحمل الأقوات والأطعمة والعدد والأسلحة استظهارًا على نفوذ العزيمة.»وقال في الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس المطبوع في مدينة أوبسالا  سنة ???? ما نصه بالحرف الواحد: «وفي سنة أربع وخمسين ومائة فتح الأمير سير بن أبي بكر سنتريش وبطليموس وبرتغال والإشبونة وجميع بلاد الغرب.»وفي هذا أكبر كفاية وأوفى غاية والله محيط بالمخلصين من عباده.
(?) يقول مؤرخو الإفرنج: إن الذي بقي مع بلاي أو بلايه أو بلايو Pélage أو Pelayo ??? رجل فقط لا ???، كما ذكرته عن مؤرخي العرب، ولكن الطرفين متفقان على تمام القصة المذكورة في (الرسالة السادسة عشرة).
(?) قد قلت في (كمالة الرسالة الأندلسية) أثناء الكلام على «ابن القوطية» أحد مشاهير كتاب الأندلس: «إن العرب أطلقوا اسم القوطية La Goda بالإسبانية وLa Gothe بالفرنساوية على سارة Sara حفيدة الملك القوطي ويتيز Witiza أو Vitiza المعروف عند العرب باسم غيطشة، وربما كان الرجل من نسلها.»والحمد لله فقد تحقق هذا الظن، وصار الآن من اليقينيات، فإليك أيها المحب للأبحاث التاريخية ما أورده بهذا الخصوص العلامة ابن خلكان في ترجمة أبي بكر محمد بن القوطية قال:والقوطية، بضم القاف وسكون الواو وكسر الطاء المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها، وبعدها هاء ساكنة، هذه النسبة إلى قوط بن حام بن نوح — عليه السلام — نسب إليه جدة أبي بكر المذكور … وهي أم إبراهيم بن عيسى بن مزاحم جد أبي بكر المذكور، وهي ابنة وبة بن غيطشة، وكان من ملوك الأندلس، وكانت القوطية المذكورة وفدت على هشام بن عبد الملك متظلمة من عمها أرطباس المذكور، فتزوجها بالشام عيسى بن مزاحم المذكور، وهو من موالي عمر بن عبد العزيز الأموي — رضي الله عنه — وسافر معها إلى الأندلس، فكان ذلك سبب انتقال عيسى بن مزاحم إلى الأندلس وإنساله بها … وغلب اسمها على ذريتها وعرفوا بها إلى اليوم إلخ.
(?) قلت في (كمالة الرسالة الأندلسية): إني لم أتعرف الأصل الإفرنكي في جملة أعلام أندلسية منها أنجلينو ومردنيش، وأقول الآن: إن أنجلينو مأخوذة من أنجيل Angel بمعنى الملك بفتح اللام في اللغة الإسبانية، وهم يقولون بالتصغير: Angelino، وعنه أخذ اللفظ العربي، ولا يزال هذا الاسم مستعملًا في التسمية عند الإفرنج عمومًا، وأما مردنيش فإني أظن أنه مأخوذ عن Martin مرتين و مرتينيس ثم صارت مردنيش Martinis.
(?) بمناسبة ما ذكرته في (كمالة الرسالة الأندسلية) من أن بعض الأندلسيين أضافوا إلى أسمائهم الواو والسين والياء والسين، وأن ذلك شبيه باللاتينية التي تنتهي الأعلام وأغلب الأسماء فيها بهذه الأداة Us أو IS، أقول الآن: إنه يوجد في نفس اللغة العربية ألفاظ تدخل عليها الواو والسين والياء والسين لزيادة التأكيد مثل: قديم وقدموس، والقط والقطوس، والأس والأسيس، والبقس والبقسيس، والقس والقسيس، وإني أورد لك الآن جملة كلمات من هذا القبيل ترى معناها محفوظًا فيها بعد حذف الحرفين الأخيرين منها، فاحرص على ذلك وراجع كتب اللغة بكل عناية وتدقيق وهي: نقوس. جعسوس. جعموس. حرقوس. حربسيس. مربسيس. حمقوس. حندوس. دحموس. خربسيس. خلبوس. خلبيس. خلنبوس. دردبيس. درعوس. دعبوس. درهوس. دلعوس. دلعبيس، ضبوس. طرطبيس. طرموس. طغموس. طلهيس. طمروس. عبقوس. عتريس. عنتريس. مرمريس. عرنسيس. عسطوس. عيطموس. عفروس. كعموس. علطيس. علطوس. عطميس. عمروس. فرطوس. فلطوس. فجليس. قربوس. فرطبوس. عرقوس. قرعوس. قرنوس. قنطريس. هيجوس. هلبسيس. هلطوس.واعلم أن من تتبع كتب اللغة علم أن الكلمات التي في آخرها سين تدل في أغلب الغالب على القوة والشدة والصلابة.
(?) تكلمت في (ملخص ترجمة الخطبة المؤتمرية) على إقطاع تميم الداري، وأقول الآن: إني رأيت بعد ذلك في الكتبخانة الخديوية رسالة للسيوطي على هذا الإقطاع في مجموعة نمرة ??، ولكن شتان بين كتابة السيوطي والمقريزي في هذا الموضوع الدقيق.
(??) تكلمت في (ملخص ترجمة الخطبة المؤتمرية) على لغز الماء الذي أورد المقريزي حله، وأقول الآن: إني رأيت هذا اللغز تحت عنوان (لغز في ???) في صحيفتي ?? و?? من كتاب الكنز المدفون والفلك المشحون المطبوع في بولاق سنة ????، فليتنبه لذلك غواة الألغاز، وكذلك هو في الكشكول.
(??) فاتني أن أذكر أثناء الكلام على الكتب التي ترتبت فيها آيات القرآن الكريم، أن الحاج صالح ناظم بن محمد بن إسماعيل رتب كتابًا اسمه (ترتيب زيبا)، ورأيت نسخة منه مطبوعة على الحجر في القسطنطينية سنة ????، وفيه جدول يرمز به لاسم السورة، ثم جدول آخر للآيات مرتبة بحسب حروف الهجاء في أوائلها، ثم جدول ثالث لعدد الآية وهو كتاب مختصر مفيد.
هوامش

(?) اعلم أن حقيقة اسمه بالباء الموحدة بعد السين المهملة، وقد وردت غلطًا بالياء التحتية المثناة في جميع المواضع في طبع خطط المقريزي، فليحرر ذلك.