Advertisement

الرحلة الى مصر والسودان والحبشه أوليا جلبي - جزء 1



الإهداء
إلى الصديق البحرينى
الدكتور سمير فخرو
أحد الأعمدة الأساسى
فى النهضة العربية المعاصرة
محمد حرب

الفصل الثالث والخمسين
فى بيان مواكب مشايخ منبع الأسرار
وقطب الأبرار القطب العلوى السيد أحمد البدوى
لأننا كنا فى بداية السنة القبطية وبقى على قطع النيل ستون يوم ، وفى اليوم الذى تسقط فيه أول نقطة فى النيل يكون هذا متوافقا مع ميلاد عالم الفقراء السيد أحمد البدوى ، ويقوم أتباعه من الفقراء بالتجول فى الأسواق يعلنون عن قدوم مولد السيد البدوى (بالدفوف والطبول) ويقرأون القصائد ويوحدون وبعد ذلك يتبقى على قطع النيل خمسة وخمسين يوما ، ويتم إخبار كافة مشايخ ودراويش مصر فى ثلاثة أيام وثلاث ليال بميلاد مشهور الآفاق القطب على الإطلاق السيد أحمد البدوى ، ويتجول فى بداية الشهر المذكور ما يقرب من خمسة عشر ألف أو عشرين ألف من فقراء ومشايخ مصر بآلاف الرايات والسناجق فى الأسواق وهم يطبلون على الدفوف والنقارات والطبول وينفخون فى الصور وحينئذ ينشغل سبعمائة شيخ بالتوحيد ، حيث يسير موكب عظيم من الفقراء والمشايخ فى جماعات وصفوف إلى قصر الباشا الوالى وهم يرددون «يا رزاق» وعندما يصلوا إلى قصر الباشا يقوموا بالتهليل ، ويظل المنكرون لذلك فى حيرة وتعجب من هذا المشهد.
بعد ذلك يخرج كافة المشايخ لمقابلة جان بولاد زاده حسين باشا أمين الديوان العالى ، يرجونه استصدار فرمان ببدء مولد أحمد البدوى ، وبعد الدعاء والثناء ، يصدر الفرمان لخليفة البدوى بأن يقوم هو وكافة المشايخ بالتوجه بالسفن مع كافة الفقراء من بولاق فى موكب عظيم ، حيث يتجهون إلى الغربية ويخطر حاكم الغربية حسن بك وحاكم المنوفية ميرزا كاشف بأن يقوم الجنود بحراسة كافة المشايخ والفقراء الحاضرين فى الموكب لمولد السيد أحمد البدوى وينبه عليهم بأن تكون جنودهم فى حراسة خيام هؤلاء القادمين للمولد ، وإذا ما صادف أحد الجنود أى مشقة من أشقياء العربان يحمل نبوت أو عصا أو سلاح فيقوم الجنود على الفور بقتله ، ويحرر الأمر الشريف ويعطى للمشايخ ويقوم كبار المشايخ بالدعاء بالخير للباشا الوالى ، ويقوم الباشا الوالى بإعطائهم خمسين سفينة

يركبها الفقراء الذاهبين لحضور مولد السيد أحمد البدوى ، ويأخذون من المحتسب خمسين قنطارا من البقسماط والبصل والجبن الحلوم ، ويقوم الباشا الوالى بالإحسان على قبر أحمد البدوى بقطعتين من القماش الأخضر وكيلتين من العود وسجادة من الإبريشم ، وشمعتان من شمع العسل تزن الواحدة خمسين أوقية ، وخمسون عملة ذهبية لختم القرآن الكريم خمسين مرة.
وبناءا على قانون التشريفات يقوم الوالى بتوديع كافة المشايخ وينزل إلى ميدان القصر ويقوم شيخ الجلادين بقراءة المولد أمام جميع أهل الديوان فى ميدان القصر ، ثم بعد ذلك يذهب كافة العاشقين الصادقين مع جملة الفقراء المجازيب من المدينة وهم يقولون «حى» «هو» ، ثم يسير الخليفة (خليفة البدوى) فوق الجواد محييا عن يمينه وشماله ، ويكون شيخ المشايخ الشيخ مصطفى الروملى خليفة حضرة الشيخ مرزوق الكفافى قائدا لكافة المشايخ ، ويعبر الموكب حيث ينادى الدلالون أن مولد البدوى يوم كذا القادم ، وينزل موكب الشيخ الخليفة عند تكية الشيخ مرزوق الكفافى ، وهنا يذهب كل العاشقين إلى ديارهم ، وبهذا تعلن بداية مولد الشيخ البدوى ، وبعد ذلك بعشرين يوم.
أوصاف موكب مولد الشيخ إبراهيم الدسوقى
هذا أيضا موكب عظيم ، حيث يسير عدة آلاف من الفقراء والمشايخ على دقات الطبول ، ويرفعون الرايات ، حفاة الأقدام عراة الرأس يقولون : «يا رزاق» ويعبر موكبهم بالذكر والتهليل وهم فى خشوع وخضوع متأدبين بآداب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولا يوجد فيهم ملاميون أو مجاذيب ، حيث أن تلك الطريقة هى الطريقة البرهانية الطريقة السلطانية ، ويكون هذا الموكب على نفس نسق الموكب السابق ، حيث يذهبون إلى قصر الباشا الوالى ويستأذنون منه ، ويعبر موكبهم وهم يوحدون ، وليس لهذا الموكب عطايا مثل الموكب السابق ولكن وزير مصر يقوم على سبيل المرحمة بتقديم قطعتين من القماش الأخضر وأوقية من عود البخور ، هبة من وزير مصر حيث أن قانون التشريفات فى مصر ليس به منح أو عطايا لهذا الموكب ، وشيخ هذا الموكب هو الشيخ شرف الدين ويسير بموكب عظيم ، ثم يسير المشايخ إلى منازلهم ويذهب كل شخص إلى داره ، وبعد

تلك المواكب الخاصة بالموالد تكون كل ليلة فى مصر مولدا للنبى وبذلك يكون ثلاثمائة وخمسة وستون مولد نبى ، ومن تلك الليالى ليلة الإسراء وليلة القدر وليلة العيد الأكبر ، وتكون كل تلك الموالد بفرمانات من الوزير ، حيث يصل عدد تلك الفرمانات إلى اثنى عشر ، وينادى الدلالون بها. من تلك الليالى ليلة مولد أحمد البدوى وليلة مولد إبراهيم الدسوقى وليلة موكب أمير الحج وليلة السابع من شهر صفر وليلة مولد الجانبولادية عند باب النصر ، وقد تحرر هذا فى مواكب الحج ، وهذا أيضا يكون بفرمان من الوزير ، ورابع تلك الموالد.
أوصاف مولد حضرة الشيخ البكرى
فى ليلة الإثنين الموافق الثانى عشر من شهر ربيع الأول تزين مآذن مصر بمائة ألف قنديل لعدة مرات ، حتى أن المدينة تصبح مضيئة تماما ، ويقام فى تلك الليلة على جانب بركة الأزبكية مولد الشيخ البكرى ، حيث تقام الموائد قبلها باثنى عشر يوما وليلة لجملة أعيان مصر ، وتكون تلك الموائد لكل طبقة من الأعيان على حدة ، فليلة للأئمة والخطباء وليلة للعلماء والصلحاء ، وليلة للمشايخ الشرفاء وليلة لأعيان الأشراف ، وليلة لنقيب الأشراف وليلة مشايخ المذاهب الأربعة وليلة للمدرسين وليلة للقضاة وليلة لقاضى مصر ، وليلة لوزير مصر ، وفى حالة ما إذا كان لا يقوى على السير يأتون هم إليه محبة منهم ، لا سيما وأنها تكية عظيمة ، وليلة لكافة الأمراء المحمديين ، وينسحب الشيخ أبا بكر ويأتى بالإحسان والهدايا الكثيرة الوافرة ويأخذ منها الخاص والعام ، ولا تبقى مياه فى بركة الأزبكية ، حيث يمكث كافة المشايخ والأعيان فى الخيام فى مساحة ألف فدان فى الصحراء الشاسعة ، ويجتمع فقراء مائة وأربعين طريقة وينشغلوا بالذكر والتوحيد كما يؤسس سوقا فى جهة منها ، وتباع الأطعمة والمشروبات ، وتكون أسواقا كثيرة.
ويقوم أصحاب المنازل الواقعة على الجوانب الأربعة لبركة الأزبكية بإنارة مائة ألف قنديل عدة مرات ، وتطلق الأعيرة والألعاب النارية والفشنك وتقرع الطبول وتعزف الموسيقى ، بما تعجز الألسنة عن وصفه ، كما تزين التكايا بالقناديل وتموج كل النواحى بالبشر وكأنها البحر ، ويأخذ بنى آدم الذوق والصفا من هذا المشهد ، وفى تلك الأثناء

يستعد الشيخ لقراءة المولد النبوى فى حضور العلماء والصلحاء والمشايخ على ضفاف حوض القاضى الأعظم ، ثم يقوم بتلاوة التواشيح الدينية بنغمة حزينة ، ويقرأ كافة الحضور المولد النبوى ، ويقوم سبعون أو ثمانون خادم يرتدون البناطيل الحمراء بإشعال أعواد العنبر الخام ، وتتعطر رءوس العاشقين من رائحة المسك والعنبر ، ويوزع عليهم سكر النبات والمشاريب ذات المسك والمعطرة فى أوانى مزينة ، ويقرأ المولد الشريف ثلاث مرات ويحسن على الموشحين والقارئين بالهدايا فى الصباح ، ثم يتوجه كل شخص إلى وجهته ، والحاصل أن اللسان يعجز عن وصفه ، وفى تلك الليلة أيضا يكون مولد :
مولد تكية الشيخ إبراهيم الكلشنى
يقام هذا المولد ليلة الثانى عشر من شهر ربيع الأول ومن الصوفية من يذهبون إلى مولد سيدى الشيخ البكرى ويمضى البعض الآخر إلى مولد سيدى إبراهيم الكلشنى وهناك من يذهب إلى مولد البكرى ، ثم يأتى إلى مولد إبراهيم الكلشنى.
إلا أن مولد الكلشنى هذا ليس مولدا للفلاحين ولا العوام من الناس بل هو لخواص الخواص ، ويحضره جميع الأتراك وطوائف الجند وأرباب المعرفة والمتصوفة والظرفاء والشعراء. ولا يحضره الغرباء ولا الجهال.
وبعد العشاء يبسطون السجاجيد الحريرية الخضراء النفيسة فى الحرم المجلو والمصقول أمام الضريح المنير والمعطر لسيدى الشيخ العزيز ، ويأتى الصوفية زرافات زرافات وبعد أن يؤدى جمع حاشد من الناس صلاة العشاء يشكل جميع المتصوفة حلقة طبق المراسم الكلشنيّة وتتلى سورة «الملك» ، ويتلو جميع الصوفية الأوراد والأذكار فى صوت واحد وبقلب واحد وبينما ينشغل عشرون بالذكر فى جانب وعشرون آخرون فى جانب آخر يقع بعض الصوفية فى حال الوجد فينهضون ويبدأون فيما يعرف بالسماع ، ويدور جميع المتصوفة حول أنفسهم ، وتصدر عن الذاكرين أشعار وأنغام شتى مختلفة المقامات الموسيقية ، وهى كثيرة يصعب حصرها ، وتختلط اثنتا عشرة حلقة من حلقات المتصوفة بعضها ببعض متصادمين وقد امتلأت قلوبهم بصفاء المحبة فيقعون فى حال الجذب كما

يقعون فى حال الوله وهم فى دورانهم ، ويتغنون بالمنظومات الدينية فى صوت حزين والتى تسمى الواحدة منها «إلهى» ويداوم الذاكرون على ترديد كلمة «اللهم» فى ارتفاع وانخفاض من سمعها وكان مكدودا مهموما كاسف البال ـ دب فيه دبيب الحيوية والتفاؤل ، والله أعلم.
وجملة القول أنه على هذا النحو ينشد اثنى عشر فصلا من التوحيد السلطانى فى اثنى عشر مقاما ليست لواحدة من الطرق الصوفية المائة وأربعين ، وربما كانت للطريقة المطاوعية أو الطريقة البرهانية.
وبعد هذه الفصول يخرج «جلبى أفندى» من خلوته فيحيه جميع الصوفية ويتقدمون لتقبيل يده ، فلا يأذن بذلك إلا لمن بايعه وتشرب تعاليمه ، وأصبح موضع سره ومن أهل طريقته ؛ ولذا يقبل كف يده اليمنى.
و «جلبى افندى» هذا لا يغادر حجرته قط ولا يختلط بأحد من عوام الناس. إلا أنه يخرج مرة واحدة فى العام هى ليلة المولد. وهو يمتنع دوما عن الكلام صوام النهار قوام الليل دائما فى طاعة وعبادة منقطع لتلاوة القرآن الكريم.
ولكى يتعيش يشتغل بالخطاطة فهو جميل الخط ، إنه يخط بعض الرسائل يرسلها إلى بعض المتصوفة تبركا على سبيل الهدية.
وسبب خروجه يوم المولد هو أن بعض المتصوفة يبايعونه ويدخلون فى طريقته وبعضهم ممن لديه الاستعداد للإقامة فى التكية طيلة أربعين أو خمسين سنة يتلقون على يده كيف يصبحون أصحاب سجادة فى بلد آخر. كما أن بعض المتصوفة يشرفون بلقائه مرة فى العام ويظفرون منه بخير الدعاء.
يجلس المتصوفة على السجادة الموجودة على يمنة المحراب فى سكون وخشوع وبعد أن يفرغوا من التوحيد والذكر يصعد المنبر عالم فاضل لتلاوة الأوراد ويردد الموشحات فى صوت واحد ، ثم يبدأ ذلك الشيخ الفاضل فى قراءة «مولد سليمان جلبى» (1) فى صوت رخيم فى اثنى عشر مقاما ، ويحيون الليلة حتى مطلع الفجر وهم على تلك الحال.

وعند ما تحل لحظة ولادة النبى وتذكر مولد خير الأنام ينهض المتصوفة جميعا إعظاما وإجلالا وينشدون هذه الأبيات فى صوت حزين :
ألم يكشف جمالك الدّجى يا رسول الله
    ألم يبلغ كلام حبيبك ذروة العلى
  ثم يبدأ خدام المتصوفة الكلشنيين فى توزيع أنواع الحلوى على الحضور من الأعيان والأشراف ، وبعضهم يوزع لفائف النّقل والأشربة المعطرة ، وفى أثر ذلك توزع فناجين القهوة والشاى واللبن والفالوذج والسحلب هنا وهناك.
وبعد ذلك ينثر الصوفية ماء الورد وما أشبه على الحضور ، ويحرقون العنبر والعود فى المباخر فينتشى الصوفية من شذاها.
وبذلك نكون قد انتهينا من ذكر مولد آخر ، ويذهب من يذهب ويبقى من يبقى ، ويبدأ الصوفية فى تلاوة التوحيد ثانية وبعد الفراغ من تلاوته يتلون العشر الشريف : «بسم الله الرحمن الرحيم» (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً) [الزمر : 73].
وبعد الدعاء يتوجه بعض الصوفية لزيارة سيدى الشيخ العزيز فى داره ثم يذهبون إلى منازلهم.
وجملة القول أنها تكية طريقة طاهرة يعجز اللسان عن امتداحها والسلام.
وفى ليالى هذا الشهر يزين فاعلوا الخير المنارات بالعمائم والمناديل والأقمشة لقراءة المولد ، ويعلم من ذلك أن ثمة مولد سوف يتلى تلك الليلة فى ذلك الجامع فيحتشد الناس جميعا فيه. وفى تلك الليلة توصل الحبال من دار إلى دار فى الحارة وتعلق فيها القناديل ، كما تزين المقاهى والحوانيت بالقناديل كذلك. وهذا ما لا وجود له إلا فى القاهرة.
__________________
(1) منظومة تركية هى الأشهر عند الترك فى مدح الرسول محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، تعرف ب «وسيلة النجاة» وقد نقلها نظما وشرحها وعلق عليها الأستاذ الدكتور حسين مجيب المصرى ، ونشرت بالقاهرة 1981.

ومن الحق قولنا أن مصر نادرة الزمان.
ومن الناس من يتلو الموالد فى المنارات وأيا كان عدد من يتلون المولد فإنهم يأخذون العمائم الحريرية الموجودة فى المنارات. وثمة منارات تتسع الواحدة منها لأكثر من أربعين رجلا ، لأن كلا منها بنى طبقة فوق طبقة كأنها البرج وكل طبقة منها تتسع لخمسين رجلا.
ويردد أكثر من أربعين من البدو المولد حتى مطلع الفجر للحصول على صرة وتبلغ أصواتهم عنان السماء.
أوصاف مولد سيدى أحمد الرفاعى
إنه برهانى الطريقة ، يقام هذا المولد فى ليلة الجمعة الأولى من شهر رجب ، والتكية الرفاعية تكية عظيمة عند جامع السلطان حسن فى حارة «صانعى الرماح» ، وقد سبق وصفها ضمن حديثنا عن التكايا فى القاهرة.
وهذا المولد ليس مزدحما إلى حد ما ، ويحضره حشد من أهل التقوى والصلاح من ذوى الكرامات. يا له من ملتقى لخواص الخواص.
أوصاف مولد سيدى عمر بن الفارض
تكية عظيمة فى سفح جبل الجوشى الواقع جنوب القاهرة ، يقام فيها المولد مرة فى العام يحضره مائتا ألف من الناس.
وتجتمع كلمة علماء مصر على أنه فى ذلك اليوم تحضر روح النبى (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) لأنه وقت إقامة هذا المولد يعم الضياء ، ويخطف البرق فى داخل الجامع ، وهذا ما لا حدوث له فى جامع آخر.
وما أن يصل متكبر أو متجبر إلى هذا المولد حتى يتعلق قلبه بهذه التكية. ويتوافد على هذه التكية جميع المتصوفة والمساكين والغرباء وفى ليلة المولد تلك تتجلى كرامات بعض المتصوفة.
كرامات الشيخ محمد اللبنانى
بينما كنت أجلس مع إمام الدفتردار أحمد باشا داخل محفل المؤذن نهض الشيخ

محمد اللبنانى وهو من أصحاب الكرامات واتجه بالخطاب إلى إمام الباشا وسط حشد من الناس قائلا : «يا إمام الوزير إنزل بالعجل إلى مصر ، روح إلى الروم بالسلامة» ثم انزوى هذا الدرويش أسفل العمود الذى اعتكف تحته منذ سبع وأربعين سنة وكل من سمع هذا من قوله قال : انزل يا إمام انزل.
فمنهم من ظن أن الإمام سيموت ، ومنهم من ظن أن المحفل الذى يجلس فيه سوف ينهار.
فخاف الإمام ونزل أما أنا فلم أحرك ساكنا قط ولبثت فى مكانى رابط الجأش.
وفى اليوم السابع خلع أحمد باشا الدفتردار وإمامه وعمت الثورة القاهرة. ولعل هذا كانت نبوءة الشيخ اللبنانى.
أى أن تكية عمر بن الفارض تلك بها العديد من أصحاب الكرامات ممن لا سبيل إلى امتداحهم أو وصفهم. وهذه التكية زاوية اعتكاف أهل الحال ممن يتحدثون بالتخاطر ويصلون إلى هذه المرتبة بالرياضات والمجاهدات. إنهم صوامون يفطرون مرة فى الأسبوع وهم أناس أطهار أبرار.
وأثناء مقامى فى القاهرة (فى كل يوم جمعة عقب الصلاة رأيتهم يقيمون شعائرهم) ويحتشد آلاف من الناس وكنت فى ذلك اليوم بالذات ألتقى بهذه الطائفة الخاصة وكم شاهدت لبعضهم من كرامات. وطيلة إقامتى فى القاهرة لم أتخلف عنهم قط فى يوم جمعة ، لأنى كنت أكتسب من ذلك صفاء الروح وأقف على مختلف أسرار أحوالهم.
وفى يوم الجمعة فى تلك التكية تنشد القصيدة «التائية» لعمر بن الفارض ، وعندئذ يغيب المتصوفة فى نشوة الوجد ويضربون الأعمدة برءوسهم فلا يصيبهم من ذلك أذى بإذن الله. ويتبارى العديد من أصحاب الصوت الرخيم فى تلاوة العشر الشريف وقصائد مدح الرسول (صلى‌الله‌عليه‌وسلم).
إنها تكية يستجاب فيها الدعاء والمولد المقام فيها مولد يحضره جميع المتصوفة.

مولد أبى السعود الجارحى
ثمة بلدة تقع بين مصر العتيقة ومصر الحديثة يقام فيها المولد فى يوم الأربعاء من كل أسبوع إلا أنه يزدان بمئات الآلاف من القناديل ، وتهتز السماء والأرض من دوى التوحيد طيلة ثلاثة أيام بلياليها حتى مطلع الفجر.
ولأن هذه البلدة تبعد عن جنوب القاهرة بثلاثة آلاف خطوة يمضى إليها مائتا ألف على ظهور الحمر ، فيمتلء ذلك الوادى بالحمر ويتزاحم الناس فيه وكأنهم فى موسم الحج. ولأن سيدى الشيخ أبى السعود الجارحى قريب عهد بهم فهم يذكرون عنه الكرامات ويحتفون احتفاء لا مزيد عليه بمولده.
لقد عاش الشيخ أبو السعود فى عهد السلطان سليم وهو القائل : «تعال يا سليم اجلس على تخت مصر».
مناقب الشيخ الفانى
وثمة من عمر وشرف بصحبة الشيخ أبى السعود الجارحى واتفق أن أتوا به إلى مجلس جان بولاد زاده حسين باشا وقبل الباشا يده الشريفة ، ونال منه خير الدعاء إنه الشيخ الفانى (بير فانى) ، وهو ليس من أهل القاهرة بل هو من المنوفية ، وبما أنها تمتاز بجو لطيف فقد عمر طويلا ، ولقد ظفر بدعاء سيدى الشيخ أبى السعود فنبتت أسنانه اللبنية فى فمه وكف بصره ، وصارت عيناه وكأنها قديد ، وكان يبكى كالأطفال قائلا : إننى جائع منذ ساعة.
ها هو من يعمر ببركة دعاء سيدى الشيخ أبى السعود له. ولله الحمد أنى شرفت بتقبيل يد هذا الشيخ الهرم الذى شرف برؤية صباحة وجه الشيخ أبى السعود الجارحى وبلغ السبعين بعد المائة من سنيه ، وظفرت منه بخير الدعاء.
ولأن الشيخ أبى السعود أحد أقطاب الصوفية العظام يقام له مولد عظيم.

مولد الإمام الشافعى. رحمة الله عليه
يمضى آلاف الناس لزيارته كل ليلة سبت ويختمون القرآن الكريم مئات المرات حتى مطلع الفجر شريطة أن يقوم بذلك شيوخ المذهب الشافعى. وهناك من لم ينقطعوا عن حضور هذا المولد منذ أكثر من أربعين سنة وهم كثرة.
وفى كل عام تقام سوق عظيمة ثلاثة أيام بلياليها فتصبح بليدة الإمام الشافعى بحرا زاخرا من البشر. وكم من أناس دفنوا تحت الضريح العالى ممن استشهدوا فى شدة الزحام ولا حاجة لنا للإسهاب فى هذا الباب.
وليعلم إخوان الصفا أنه ليلة إقامة المولد فى أيامنا تلك يختم القرآن الكريم أربعمائة وثلاث وعشرون مرة لأنه فى تلك الليالى يجتمع الآلاف من حفاظ القرآن الكريم ويقال إنه فى إحدى السنوات على عهد إبراهيم باشا ختم القرآن سبعمائة وأربعين مرة ، كما يقال إن أرواح جميع الأقطاب والأولياء تحضر فى تلك الليلة داخل الجامع لذا وقبل بدء المولد بخمسة أيام أو أكثر يستأجر أشراف القاهرة وأعيانها المنازل فى بليدة الإمام الشافعى بخمسة أو عشرة قروش ، ويأتون بأهلهم وعيالهم وأطعمتهم وأشربتهم ويمرحون وينعمون. ويأتى التجار بمئات من خيامهم لبيع الأطعمة والأشربة وبذلك تقام سوق عظيمة. تزين مئات الخيام من خيام الزوار بالقناديل كما تزين جميع المنارات وأسطح المنازل بمئات الآلاف من القناديل فتبدو المدينة فى كامل زينتها. وبذلك ينتهى حديثنا عن مولد الإمام الشافعى.
وقبل أن ينفض جمع المجتمعين ينطلقون إلى مولد سيدى أبى الليث على مقربة من الإمام الشافعى.
مولد تكية سيدى الشيخ أبى الليث
وهو يشبه مولد الإمام الشافعى إلى حد بعيد ، يحضره المؤلفون والمصنفون ومعهم آثار عبقريتهم ويلتقى فيه شيوخ الإسلام على المذاهب الثلاثة وتعرض جميع المؤلفات والرسائل على أهل العلم والفضلاء لقراءتها ، وإذا رأوا مؤلفا قيما ختموه ووقعوا على صفحات الكتاب مجيزين بذلك تلاوته وتداوله.

ويضعون هذه المؤلفات ليلة أو أكثر فى الصندوق الذى يعلو ضريح سيدى «أبى الليث» واتفق أكثر من مرة أن أخرجت تلك المؤلفات من موضعها فى الصندوق ولو حظ أن بعض مواضع فيها قد شطب وبعض مواضعها الأخرى صوّب ، كما وجدت رسالة فى العقائد لأحد المؤلفين محترقة داخل الصندوق ووجدت النسخة الأخرى منها فى الصباح ـ محترقة ـ وقد حدث ذلك فى عهد أبى النور محمد باشا. فأبو الليث إمام همام يحتشد فى تكيته العلماء والصلحاء والحفاظ يختمون القرآن الكريم آلاف المرات طيلة ثلاثة أيام بلياليها حتى مطلع الفجر. وهكذا تكون موالد أعاظم العلماء. وهذا ما يعجز عنه الوصف.
بعد ذلك يمضى المتصوفة إلى الشيخ عقبة.
مولد سيدى الشيخ عقبة الجهينى ـ رحمة الله عليه ـ
لحق بهذه التكية الخراب على نحو ما أسلفنا ذكره ، لذا تعذر إقامة مولده لفترة ، وفى عام 1063 رأى خاصكى محمد باشا المشهور بأبى النور محمد باشا الشيخ عقبة فى منامه ؛ فجدد هذه التكية وبنى بها جامعا شامخا وسبيلا وساقيتين ومطبخا ومهبطا للنور فوق ضريح الشيخ ، وأنفق على بناء ذلك مائتى كيس مصرى ، وجعل لها أوقافا عظيمة ، وأوقف على إقامة مولده ألف قرش فى كل عام ، وعين لها ناظرا من فرقة الإنكشارية.
وهذا المولد مولد سلطانى كغيره من الموالد السالف ذكرها يقام فتطيب به روح سيدى الشيخ عقبة الجهينى العامرى. ولكثرة ما لهذه التكية من أطعمة وأشربة ترد إليها من أوقافها توزع على العلماء والصلحاء والمتصوفة.
وفى سفح جبل الجوشى :
مولد الشيخ شاهين (قدس‌سره العزيز)
موضع نزه يستحق المشاهدة يقام فيه كذلك المولد يوما وليلة ، ولأنها تكية واقعة على ربوة قائمة فهى ضيقة ، لذا فهى ليست كثيرة الزحام إلا أن المولد الذى يقام فيها مولد عجب.

مولد الشيخ الجوشى
تكية عالية قائمة على قمة جبل المقطم ، تبدو مدينة القاهرة من هذا الجبل تحت القدم ، تضرب الخيام على قمة هذا الجبل يوما وليلة لإقامة مولد عظيم ، وقد شيد هذا الجامع وأوقف عليه أمير الجيوش أبو النجم بدر الجمالى وزير المستنصر بالله العباسى وسمى الجبل الجوشى نسبة إليه أما اسمه فهو «جبل المقطم».
مولد أثر قدم النبى
إنها تكية واسعة بها جامع كبير وقبة عالية أسفلها أثر قدم النبى ، وكل هذه الأبنية من إنشاء إبراهيم باشا الدفتردار. وقد سبق لنا أن وصفناها. ويقام فيها كذلك مولد عظيم يدوم يوما وليلة وفيه تتعالى الأصوات بالدعاء لصاحب الخيرات ـ إبراهيم باشا الدفتردار.
مولد الشيخ السادات
يقام هذا المولد فى التكية التى دفن فيها أجداده العظام فى الموضع الذى يسمى ( ) (1) فى القرافة الكبرى وذلك فى منتصف شهر شعبان ، وتقام الخيام والسرادقات فيها ثلاثة أيام بلياليها ، ويتوافد عليها البكوات من مريديه ، ويزينون منارة الجامع وجدران التكية وأبوابها ، وجميع الخيام بمئات الآلاف من القناديل ، ويأتى جمع غفير من الناس وتوزع الأطعمة على الغادى والرائح. إنه مولد عظيم وهو واحد كألف ، يحتشد فيه مئات الآلاف من الرجال والنساء والكبار والصغار ، وذلك فى صحراء مترامية الأطراف ، ويمضون هنا وهناك للزيارة ، ذلك أن ثمة أضرحة لكثير من الصحابة الكرام والأولياء فى تلك النواحى.
كما دفن فى هذه الجهات من أبناء الأنبياء «بنيامين ابن سيدنا يعقوب عليه‌السلام» و «افرايم» بن يوسف الصديق الذى ولد فى مدينة الفيوم. وغيرهم الكثير. وسوف توصف هذه المزارات فى حينه.
__________________
(1) بياض فى الأصل.

ذكر مناقب الشيخ السادات (أبو التخصيص)
وسيدى الشيخ السادات أبو التخصيص شيخ رفيع المنزلة ، لذا لا يتخلف أحد من العلماء والصلحاء والأعيان والأشراف عن زيارته قط ، فهم منجذبون إليه إلا أنهم عند ما يحضر إلى تكية أجداده ليلة المولد يأتى وفى معيته ألف أو وألفين من المشايخ الكرام ويستوى الشيخ أبو التخصيص على سرير خلافته وقد أصبح الضريح نورا على نور من مئات الآلاف من القناديل وشمع الكافور ، وعندما يتلو ألفان من المشايخ أوراد السادات فى صوت واحد يغيب المرء فى نشوة الوجد ، وينصرف عن الدنيا وما فيها ، ويغمر النور وجهه وقلبه ، وفى تلك اللحظة يسأل الشيخ عن اسم أو من قبل يديه فيكنيه بكنية ويلف عمامة الرضا ـ التى يبلغ طولها أكثر من ذراعين ـ حول عنقه وبذلك يمنحه الإجازة ويعتبره فى عداد المتصوفة.
وفى كل مولد يقام يلف الشيخ عمامة الرضا حول عنق أكثر من ثلاثة آلاف رجل ويخلع على كل واحد منهم لقبا. يا لها من حكمة عجيبة. وليس لأحد أن يتنازل عن كنيته التى منحها الشيخ له ، وفى عهد خلافته لم يخلع لقبا واحدا على شخصين وهذا سر إلهى عجيب وكان يخلع هذه الألقاب على مريده بإلهام ربانى ، وقد منحنى كنية هى «أبو الصفا» وببركة نفسه المبارك أنعم بالصفاء والطمأنينة ، وقد لف حول عنقى شالا كشميريا ومنح بعض الأشراف كذلك الشال اللاهورى والشال الكيلانى ودعا لنا بكل خير.
وكان الشيخ إذا ما رأى شخصا كناه بكنية منذ عشرة أعوام ناداه بكنيته قائلا :
يا أبا الوفا أو يا أبا العال. فما أقوى حافظته التى لها مرتبة القداسة ، وكان إذا خلع عمامة الرضا على شخص وجاء إليه هذا الشخص ثانية خلع عليه أخرى وهذا بذل عظيم للمال كذلك.
وجملة القول أنه لا يمكن الوقوف على حقيقة أمر هذا الشيخ بأى حال من الأحوال.
وفى كل عام يمضى كل من هؤلاء السادات بثلاثمائة من الجمال وأكثر من خمسمائة خادم إلى الكعبة الشريفة ويتصدقون بجزيل الأموال ويعودون بسلام.

إنها طائفة مؤدبة وعظيمة الثراء وليس فى طبعها التباهى ، إلا أنهم يقيمون مولدا عظيما مرة فى العام يشرف بحضوره كثير من المريدين والأحباب.
مولد الشيخ البكرى
فى يوم الخماسين من شهر يوليو يقام مولد عظيم فى تكية أجداد الشيخ البكرى الواقعة أسفل ضريح الإمام الشافعى. ويواكب هذا المولد مولد الشيخ السادات وتوزع فيه الصدقات ويغنى جميع أهل القاهرة عن السؤال وتضرب فيها كذلك الخيام والسرادقات وتقام الأسواق ويضاء الجامع ومنائره وقاعاته بمئات الآلآف من القناديل مما يجعل الليل نهارا ، ويحيون المولد حتى مطلع الفجر ويتلى مرات ثلاثا. إنه مولد عظيم.
مولد أم القياس
سبق أن أشرنا أثناء الحديث عن أوصاف أم القياس إلى أنه عندما تقوم كتيبة من الإنكشارية بتطهير حوض أم القياس تعم البهجة سبعة أيام وسبع ليال ، وفى الليلة الثامنة يمضى العسكر وفى ليلة الجمعة يقام مولد عظيم وفى الصباح ينتهى رئيس الجاويشية من إقامة المآدب.
المولد الثانى لأم القياس
بعد ذلك فى ليلة سقوط النقطة إلى النيل (ليلة وفاء النيل) يقام المولد الثانى لأم القياس ، ويحضره جميع أشراف وعلماء وصلحاء القاهرة ويقيم وكيل مصروفات الباشا السماط ثلاث مرات من صلب مال الباشا احتفالا بالمولد الشريف ، وينتظر جميع العلماء زيادة ماء النيل. وتعهد مهمة إقامة هذا المولد إلى رئيس التراجمة إلا أن نفقاته من صلب مال الباشا.
مولد المحمودية
يقام هذا المولد فى جامع المحمودية وهو على مقربة من السلطان حسن.
وبالقرب منه :
مولد أمير أخورية
يقام فى جامع أمير أخورية.

مولد السادات
ثمة مولد آخر لشيوخ السادات ويقام هذا المولد داخل الأزهر.
مولد السلطان قايتباى
يقام هذا المولد خارج القاهرة وهو كذلك مولد عظيم وتوزع من مبرته الأطعمة على الفقراء والمحتاجين والمقتدرين كذلك ، ويقام هذا المولد مرة فى العام ويحتشد فيه خلق كثير.
مولد إبراهيم الكلشنى
يقام فى تكية الكلشنية فى بولاق وسوف نذكرها فى حينها.
مولد الشيخ الطشطوشى
وهو مولد آخر لأتباع الطريقة البكرية ، وهو كذلك مولد عظيم بالقرب من السلطان الشعراوى.
مولد الشيخ الشعراوى
إنه كذلك مولد عظيم لجميع العلماء الكبار. وجامعه ضيق ، لذا لا يتسع لخلق كثير إلا أنه فى هذا المولد تغمر الجامع روحانية عجيبة.
مولد الشيخ الحنفى
وفيه كذلك يحتشد خلق كثير
مولد الشيخ الخلوتى
بالقرب من قنطرة السنقور ، إنه كذلك مولد المشايخ إلا أنه ليس عظيم الزحام كغيره من الموالد.
مولد النبى المقام فى تكية سيدنا الحسين
قبل سبعين عاما عطلت إقامة هذا المولد بإيعاز وإغواء من المنكرين ، بعد ذلك فى عام 1089 ذهب جميع الأشراف إلى مجلس عبد الرحمن باشا وبسطوا إليه الرجاء بإقامة المولد الشريف فى المشهد الحسينى فى هذه السنة المباركة. فوقع ذلك موقع القبول لديه وأصدر أوامره إلى الصوباشى والمحتسب وقاضى العسكر فى صورة مرسوم وجاء فيه :

(لتضاء القناديل فى جميع المنائر ليلة عاشوراء (أى الليلة الثانية عشرة من شهر المحرم ولتزين جميع الأسواق والحوانيت ليل نهار بالقناديل كذلك) وأمر الدلالين أن ينادوا بذلك ولإقامة المولد داخل المشهد الحسينى قدم عبد الرحمن باشا ستة آلاف پاره وعمامة خضراء وأوقية من العود وقنطارا من شمع الكافور.
وإلى الآن يقام هذا المولد من أوقاف عبد الرحمن باشا وجميع الأشراف وأهل القاهرة يدعون له بالخير.
قاعدة حسنيات القاهرة
بحلول اليوم الحادى عشر من شهر محرم ليلة مولد الإمام الحسين يجتمع عدة آلاف من يهود القاهرة ، كل ثلاثة فى مكان وفى أيديهم زنابيل ، وأثناء بيعهم ما فيها من عطور وبخور يصيح الثلاثة فى صوت واحد وتبلغ صيحاتهم عنان السماء وتتردد داخل الأسواق والحوانيت. وهذه عادة قديمة ، ويعطر بخورهم وعطورهم القاهرة حتى الثانى عشر من شهر محرم. إنها ظاهرة ذات مغزى.
وعلاوة على هذه الموالد يقيم أصحاب الخيرات عدة آلاف من الموالد فى بيوتهم ومساجدهم وزواياهم. وإقامة المولد الشريف فى جميع البلاد فى شهر ربيع الأول ولكن فى القاهرة يقام آلاف الموالد فى جميع شهور السنة ويحتشد فيها كثرة من الناس.
وفى بعض الأحياء يقام فى الليلة الواحدة أكثر من خمسة موالد. ويبذل أهل القاهرة المال الجزيل لفرط محبتهم للنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لذا أصبح لهم ذائع الصيت بإقامة المولد الشريف.
وبعض الموالد سالفة الذكر يقام بمرسوم من الباشا وبعضها الآخر يقام حسب مراسم الشيوخ ولقد عرفت مئات الموالد غير التى تحدثت عنها ولكن تعذر على الحديث عنها كلها ، لذا اكتفيت بما ذكرت منها. وحضرت معظم الموالد الشريفة المقامة خارج القرى والقصبات والتى تقام طبقا لمرسوم الباشا وسوف نذكر كل منها على قدر طاقتى فى موضعه.

الفصل الرابع والخمسون
الأماكن النزهة التى يرتادها أهل القاهرة العام منها والخاص ـ بلدة البساتين :
بلدة عامرة تقع جنوب القاهرة على بعد ساعتين ، وهى تحت إدارة نقباء الأشراف وبها حديقة قريبة من ساحل النيل كأنها الجنة. يتوسط هذه الحديقة قصر شامخ كأنه قصر الخورنق ، وفى وسط هذا القصر حوض لطيف. إنه موضع نزه جميل به عدة قاعات علوية ومطبخ وسواق. إنه موضع تنشرح الصدور لرؤيته.
ـ متنزّه قدم النبى :
من خيرات إبراهيم باشا الدفتردار ، وهو أثر جد عظيم ينتشر به القصور والقاعات ، وبه مطبخ وتكية عظيمة الاتساع وزوايا وسواق. وهذا كله من إنشاء إبراهيم باشا وقد ذكرنا تواريخ كل هذا سلفا.
ـ مخازن يوسف (أنبار يوسف):
مكان عجيب غريب
ـ متنزه أم القياس :
سبق وصفه.
ـ متنزه الروضة :
فى جزيرة أم القياس كذلك ، وهى حديقة انتقلت ملكيتها من يد حاكم إلى حاكم آخر وبداخلها حوض عظيم ويتوسط هذه الجزيرة قصر جميل شامخ يعبر إليه على جسر وبه قاعات متصلة جديرة بالمشاهدة.
ـ مصاد جبل الهرمين :
يسميه الناس «جبل الأهرام» ويسميه عوامهم «جبال فرعون» ، أما فى اللغة القبطية فتسمى هذه الأهرام «أهرام برابى» وجاء فى تاريخ «ابن جلال» أن أول من بنى هذه الأهرام «برابى بن درمشيل بن مخويل بن خنوخ بن قاين» ولذا تسمى «بأهرام برابى» وتقع هذه الأهرام فى الجانب الغربى من النيل وهى جبلان كبيران وجبل صغير ، وعلى مقربة منها يصاد الغزال والثور الوحشى والذئب والأرانب وما أشبه.
وسوف نبين فيما بعد من بنى هذا الطلسم ولأى سبب بناه.

ـ مراعى أمير آخور :
تقع فى منطقة الجيزة عند حدود امبابة. إنها واد ذو زرع ترعى فيه خيول أهالى القاهرة ووزيرها. إنها موضع مخضوضر ينشرح له صدر من يراه. ولكن ما فيها من زرع من غرس الإنسان. فبذور العشب المسمى «بالبرسيم» إذا بذرت فى ليلة نمت فى صبيحة اليوم التالى فبلغت فى الطول إصبعين وفى اليوم الثالث يمكن للدواب أن ترعاها وجميع خيول القاهرة ترعى هذا العشب والذى يعرف فى بلاد الترك ب «يونجه» ، وتضرب طائفة الجند وأمير آخور خيامهم فى هذه البقعة لرعى خيولهم ثلاثة أشهر بتمامها ، وهناك ينعمون كذلك بالراحة والمتعة.
إنه سهل فيه مروج ورياض وأمير آخور الباشا حاكم مطلق عليه بتفويض من الباشا ومهمته تتبع اللصوص والضرب على أيديهم وإعمال السيف فيهم.
ولأن هذه المنطقة تدخل فى حدود أولاد خبير يأتى منهم كل ليلة ألف من فرسان البدو ـ بخيولهم لحراسة جياد الباشا وغيرها من جياد طائفة الجند.
ويتعين على الأمير آخور أن يقيم للباشا سماطا عظيما ، وأن يهدى إليه ثلاثة أكياس وثلاثة من الطواشية وثلاثة جياد أحدها ذا سرج مرصع بالجواهر ، فيخلع الباشا عليه خلعة من فرو السمور. كما يقدم الأمير آخور جوادا إلى كل من كتخدا الباشا والخزينة دار ويوزع الهدايا كذلك على سائر رجال الباشا. ولأن عوائد وضرائب أمير آخور القاهرة والكتخدا معا ينص القانون على تعيين «أمير أمراء» الشام من بين أمراء آخور القاهرة.
ويتحصل لأمير آخور مائتا كيس من بيع العشب بالإضافة إلى دخل آخر من مصادر أخرى يقدر بمائتى كيس كذلك.
ويهدى الباشا ألفا من الجياد فى العام يلزم بأن يمنح الأمير آخور قماشا من صوف على كل جواد من هذه الجياد الألفين.
وقياسا على ذلك فإنه بقدر ما تكون الأموال المتحصلة لأمير آخور وبقدر ما يكون شخصا ذا وقار فإنه يتقاسم الربح مع الكتخدا.

متنزه قصر أبى العين الظاهر بيبرس
تكية بكتاشية على ضفة النيل وهى متنزه طيب النسيم وقد سبق أن وصفناها ضمن وصفنا للتكايا إلا أنه عندما شيد إبراهيم باشا قصرا شامخا فى أحد أركان هذه الحديقة أرخت له بهذا البيت :
يا أوليا نظمت هذا التاريخ وقلت داعيا
    ليبق هذا القصر عاليا
  سنة 1082
ويتصل بهذا القصر قصر آخر شيده عبد الرحمن باشا وأرخ له زكى خليل أفندى فقال:
قال تاريخه زكى الداعى بالبركات
    هذا القصر ما يسمى بقصر الجنات
  سنة 1088
وقال آخر :
قال فى تاريخ هذا القصر العظيم
    يا له من قصر فريد تنشرح له الصدور فى الصميم
  سنة 1088
وعلى ضفة النيل أربعون موضعا لأشجار الجميز فى ظلالها مصاطب وكل منها موضع ظليل يشرح الصدور.
ـ متنزه طوب آتان (أى مطلق المدفع) وحديقة العجم ، وحديقة الفرنجة ، وحديقة رمضان بك فى طريق بولاق ، وحديقة محمد چلبى صاحب العيار ، وحديقة حسن بك.
وإضافة إلى تلك الحدائق سالفة الذكر هناك 170 حديقة أخرى مفتوحة للعوام والخواص وكأن كلا منها حديقة إرم ذات العماد.
ـ متنزه «جميز العبد» :
على ضفتى الطرف الشمالى للخليج الذى يخترق مدينة القاهرة بقعة مكسوة بأشجار الجميز ، يتسع ظل كل منها لألف كبش. وكل منها موضع ينشرح له الصدر وكل من

هذه الأشجار تمد أغصانها على النيل وظلالها لا يجعل لقيظ الشمس أى تأثير وظلال هذه الأشجار ملتقى لإخوان الصفاء والأحبة ذوى الوفاء ، يجتمعون فيه للراحة والاستجمام.
ـ متنزه قصر السبتية ببولاق :
متنزه به كثير من القاعات والظلات والحجرات الخاصة بالباشاوات وبعض الأعيان وإذا ما قدم الباشاوات من الأستانة إلى القاهرة بحرا أو أقيم موكب أم القياس احتفالا بقطع النيل فإن هذه المواكب كانت تخرج من قصر السبتية هذا.
وفى أحد أطراف سقف هذا القصر تاريخ السلطان ( ) (1) مشيده وهو : (إنه من بناء المعز الكريم العالى السيد محمد البدرى بن أبى البقا ولد المعز المرحوم سيد يحيى الجيعانى سنة 687).
ـ حديقة رضوان بك :
تسمى بحديقة الرضوانية وهى حديقة كجنة رضوان ، وليس لها من نظير فى مصر.
متنزه التورنجية :
يقع هذا المتنزه خارج قنطرة الليمون على ضفة خليج الشيخ البكرى.
ـ متنزه الطوبخانه :
إنها زاوية لا وجود لمثلها فى القاهرة ولا فى المدائن بناها وزير السلطان قايتباى عند خروج سيده إلى الحج وعودته. ولهذه الزاوية قبة منقوشة تناطح الجوزاء وترتفع عن الأرض بمقدار اثنتى عشرة درجة من الحجر وأبواب هذه القبة وجدرانها من الرخام الطبيعى والأحجار الصماقية الملونة وأحجار اليشم والحرقانى واليرقانى وأحجار أخرى. وكأنها الأحجار التى فى قبة الصخرة بالقدس.
والخط الكوفى الذى بداخلها وأعمال النحت والزخرفة الرائعة على الرخام والتى لا يخلو منها موضع فى القبة يعجز عنها مانى وحسان وبهزاد وارزنك.
ومن الحق قولنا إن ثمة أساتذة عظام عاشوا فيما مضى من الأيام الخوالى.
__________________
(1) بياض فى الأصل.

وعلى يسرة هذه القبة العالية مرعى وكأنه الجنة وعلى يمنتها قاعات ودور للضيافة.
توزع الأطعمة على الغادى والرائح.
جملة القول أنها موضع نزه تنشرح له الصدور.
ـ متنزه البشبكية :
إنها ساحة للفروسية والرماية بالسهام ، وفيها عدة قاعات ومطابخ وأحواض.
وفى الجانب الجنوبى منها فى الجبال على بعد ساعة.
ـ مصاد عين موسى :
إنها العين الواقعة فى جبل بجاميم والتى كانت موضع عبادة موسى ـ عليه‌السلام ـ إلا أن ماءها أميل إلى الملوحة وليس ماء عذبا كماء النيل. ويزور البدو هذا الموضع قاطبة. كما يأتى إليه بعض جند مصر بأسلحتهم وخيولهم لصيد الغزلان واللصوص من البدو.
ـ متنزه عين شمس :
ذكر آنفا وكان يتصل بمدينة عين شمس مدينة تسمى «الفرما» وكان لها قلاعا مبنية باللبن من ثلاثة طوابق ، تمتد إلى البئر التى حفرها المسيح ـ عليه‌السلام ـ فى المطرية. ولقد تخربت هذه المدينة بأكملها ولم يبق منها إلا مسلة من الحجر.
وعن سبب خراب هذه المدينة يحدثنا مؤرخو العرب فيقولون : إنه عندما قدم سيدنا يعقوب ـ عليه‌السلام ـ للقاء ابنه يوسف الصديق نزل ضيفا فى عين شمس ومدينة الفرما على سبعين من أشرافها الأثرياء لم يكرم وفادته أحد منهم ، لذا دعا يعقوب الله على هذه المدينة فلحق بها الخراب.
وفى النهاية التقى سيدنا يعقوب بيوسف الصديق فى مدينة الفيوم بعد فراق دام ستة عشر عاما فارتد إليه بصره. وأوصى يوسف أن ينقل جثمانه بعد وفاته ليدفن فى جبل حبرون بجبل الخليل.
ـ متنزه قصر الغورية :
شيده السلطان الغورى وهو يبعد عن النيل. ووقت الفيضان يصبح هذا القصر وسط الماء. وأسفل هذا القصر قاعة عظيمة وفيه عدة غرف ولكن ليست له آثار أخرى.

ولكن على مقربة من هذا القصر حدائق كحدائق الجنة بها قبة عالية ذات زخارف مثل قبة الطوبخانه إلا أنها لجامع ، إلا أنها تشبه قبة الطوبخانة تمام الشبه.
ـ متنزه ومزار «بئر المطرية» :
إنه مكان تعبد المسيح ـ عليه‌السلام ـ فى حدائق فى الجانب الشمالى من القاهرة على بعد ساعتين منها. وعند ما كانت مصر فى حوزة اليونان كان فى هذه البقعة الكثير من الأبنية العظيمة. ولم يبق منها الآن إلا قاعة وزاوية. وفيها حوض من نزل فيه وكان به علة تم له الشفاء منها.
وجاء فى التواريخ وتواريخ اليونان أنه عندما هاجرت السيدة مريم مع ابنها المسيح عيسى من مدينة نابلس هبطت هذا المكان فطاب لها مستقرا ومقاما.
ويزعم النصارى أن المسيح عيسى وأمه السيدة مريم هما اللذان حفرا هذه البئر ليغتسلا وأنهما أقاما هذا الحوض. وهذا القول صحيح لا يتجافى عن الصواب ، إذ إن جميع آبار القاهرة ماؤها أميل إلى الملوحة إلا أن ماء هذه البئر عذب بفضل معجزة المسيح ـ عليه‌السلام ـ.
وتسحب الثيران الماء العذب من هذ البئر بالدواليب لرى الحدائق المحيطة به من كل جانب. وكانت أشجار البلسم والبلسان (1) تملأ هذه الحدائق وكانت هذه الأشجار من غرس يد المسيح ـ عليه‌السلام ـ ، ولم يكن لها من وجود فى بلد آخر. وكانت يستخرج منها الزيوت ويحتفظ بها الملوك فى خزائنهم تبركا.
وإذا ما تسمم أحد وتناول من هذا الزيت مقدار قيراط نجى من الموت. وإذا لدغت أحد عقرب أو أفعى أو حية ودهن موضع اللدغ بزيت البلسان هذا أو لعقه نجى كذلك من الموت المحقق. وإذا دهن بهذا الزيت موضع ألم سكن هذا الألم.
__________________
(1) البلسم : جنس شجر من القرنيات الفراشية ، يسيل من فروعها وسوقها إذا جرحت عصارة راتنجيّة ، تستعمل فى الطب.
والبلسان : شجر له زهر أبيض صغير كهيئة العناقيد يستخرج من بعض أنواعه عطر.

وهذا الزيت معروف لدى النصارى فى القرى ، وإذا لم يتناول منه النصرانى أو لم يدهن به جسمه لا يعد نصرانيا حقا. ويأتى النصارى من كل فج عميق إلى المطرية لزيارة هذه البئر والاغتسال فى حوضها ، وهم يقطفون أوراق شجرة مريم ويقدمها البعض إلى البعض هدية فى مختلف الولايات ، كما يحتفظون بهذه الأوراق بين صفحات الكتب.
إلا أنى لم أشاهد بها أشجار البلسم والبلسان تلك فسألت سدنتها فأجابونى بقولهم إنها جفت وتيبست منذ أن دخلت مصر فى حوزة العثمانيين.
ولكن أشجار البلسان منتشرة على طرق الكعبة الآن ويستخرج منها الأهالى زيوتها ويبيعونها فى جرار للحجيج.
ـ فوائد ماء بئر المطرية :
عند ما يفيض النيل وتجرى مياهه خضراء اللون ، ثم يحمر ماؤه عندئذ يمتنع الباشاوات والذواقة عن شرب ماء النيل. وسبب ذلك أن الماء الأخضر الذى ركد فى الترع والخلجان منذ العام الماضى يظهر فيه السم الزعاف وعندما يأتى فيضان النيل يدفع هذه المياه من الخلجان فتمر من القاهرة.
والتى إذا ما شرب أحد منها ابتلى بالمرض ، لذا يمتنع الباشاوات والأعيان من شرب ماء النيل هذا طيلة شهر ، ويشربون من بئر المطرية ذات الماء الزلال. إنها بقعة طيبة النسيم.
ـ متنزه البئر المعظمة :
حفرها موسى ـ عليه‌السلام ـ ، وإن كان بعض الأطباء يصفون ماء بئر المطرية بعذوبته وفوائده إلا أننى لم أشرب منها.
ـ متنزه بركة الحج :
بقعة يقيم فيها حجيج مصر ثلاثة أيام وثلاث ليال عند خروجهم للحج يتزودون منها بمئات الآلاف من القرب المملوءة بمياه النيل. إنها خيرات عظيمة عجيبة ، فقد شقوا بركة الحج هذه من النيل فكأنها بحيرة عظيمة. وهى تبعد عن القاهرة بمقدار أربع ساعات. وبعض وزراء مصر وأعيانها يسافرون عبر هذا الطريق ومنه يعودون إليها.

ـ متنزه قلعة سبيل علام :
يتناوب عليها أحد أمراء مصر فى خمسمائة من جنوده مرة فى الشهر لحراسة المترددين عليها. إنها مصاد وميدان للرماية وميدان للتحطيب ، أما للبدو فهى مكان للسطو على الناس. وقد جردوا من يسمى «پير يار ولى» من ملابسه وجعلوه مثل بهلوان تكية (كولشنجيلر) أى تكية المضحكين.
إلا أنه سهل طيب النسيم وشهرته فى القاهرة باسم «سهل سبيل علام» ،
فبينما كان السلطان سليم فى طريقه إلى القاهرة دارت رحى الحرب السادسة بينه وبين السلطان طومانباى فى سهل سبيل علام هذا. وقد استشهد فى هذه المعركة سنان باشا الطواشى الصدر الأعظم ، كما استشهد سبعة آلاف من جند العثمانيين وثلاثة وعشرون ألفا من جند المصريين.
والآن ما يسمونه مقابر الشهداء فى سبيل علام مزار يزوره عوام الناس وخواصهم وثمة غرف وقاعات عدة وسواق فى قلعة سبيل علام يسكنها من يتولى الحراسة عليها من أمراء الجند. وفى جانبها الشمالى حدائق ومروج. وبها كذلك جامع ذو قبة ومنارة تركية الطراز وسبيل ومصاطب. والجامع بنى بتمامه من الحجر ويصعد إليه بسلم من ست درجات.
وعلى يسرة محاربه تاريخ مكتوب بخط جلى هو :
أقام هذا الجامع الشريف
وهو مثل كتاب كارنامى كله حسنات
مير أكرم حسن بك
رفعه الله رافع الدرجات
وهذا التاريخ لهذا الجامع المنور
جامع الحسنات باهر النور
سنة 1063
إنه جامع مزين يشتمل على ستة أعمدة ولكن لا حرم له.

ـ متنزه العادلية :
واد يقع بين القاهرة وسبيل علام ، يبعد ساعتين عن القاهرة ، كان فى الزمان الخالى مستقرا لقبائل «العادلية» ، أقام به طومانباى جوسقا كان يعقد فيه الديوان لإقامة العدل والميزان بين الناس ، لذا سمى هذا الوادى ب «العادلية».
إنها بقعة طيبة النسيم تنشرح بها الصدور. إذا ما زارها عليل وجد الشفاء.
سبق الحديث فى عدة مواضع عن المعارك التى دارت رحاها بين السلطان طومانباى والسلطان سليم والتى على أثرها قبض سليم على طومانباى وصلبه على باب زويلة فوضع بذلك حدا للفتن والاضطرابات فى مصر. ثم أنزل سليم طومانباى من المشنقة وصلى عليه صلاة الجنازة وأمر بدفنه فى ضريحه بالعادلية.
ولما كان طومانباى سلطانا من أهل التقوى والصلاح ، حافظا لكلام الله لم يصادر السلطان سليم أوقافه بل زين ضريحه بالأنوار وكان يزوره فى كل مرة يأتى فيها إلى العادلية.
وطومانباى مدفون فى تابوت من الرخام تحت قبة عالية ترتفع إلى عنان السماء وعلى الجوانب الأربعة لتابوته الرخامى نقشت آية الكرسى وتاريخ هو :
(تحريرا فى سنة ستة وتسعمائة).
وبوفاة طومانباى دالت دولة الشراكسة. ولقد كان سلطانا صاحب خيرات له الكثير من المؤسسات الخيرية ، فالخان والزاوية والتكية والمبرة والسبيلان والساقية والمطبخ والغرف والقاعات المتعددة الخاصة بالباشاوات والقصور والأبهاء التى تشبه القلاع وما حولها من دور للضيافة كلها من خيراته رحمة الله عليه.
وهناك العديد من المتنزهات فى مختلف أنحاء القاهرة ، إلا أن ما ذكرته هو ما زرته وشاهدته بعينى ، لا ما سمعت عنه واجترأت على وصفه والله المستعان. إلا أن ألطف وأجمل هذه المتنزهات كان تكية «أثر قدم النبى».

الفصل الخامس والخمسون
فى أغرب غرائب مصر وطلاسمها وعجائبها وحرف أهلها
سوف أتحدث عن لون بشرة شعب مصر ، أم الدنيا ، وحرفه بقدر وقوفى على حقيقة أمرها.
ومصر التى تحدثت عنها آنفا على وجه التفصيل هى «مصر القديمة» أى مدينة «الفسطاط» التى كانت عامرة فى الزمان الخالى. ومصر الحديثة ليست أحد أحيائها.
فقد أرخ علماء العالم بقولهم : إن حدود مصر تمتد من رشيد ودمياط والإسكندرية إلى إبريم وقلعة الصاى فى مسافة غاية فى عمرانها تقطع فى ثلاثة أشهر على ضفاف النيل حتى إن الرسائل كانت تسلم من يد إلى يد فتصل من رشيد إلى أسوان وأسنا والمنيا والصعيد العالى. فكانت مصر العتيقة مدينة مستبحرة العمران تتقارب قصورها العالية على ضفتى النيل بحيث يستطيع الديك أن ينتقل من سقف إلى سقف ويصل من مدينة بولاق ومصر العتيقة إلى مدينة «مقدونية» وهى موضع أثر قدم النبى صلى الّله عليه وسلم.
وكان أحد فروع نهر النيل يمتد من شمال مدينة القاهرة إلى عين شمس بمسيرة ست ساعات مستبحرة العمران على ضفتى النيل ، كما أن أحد فروعه كان يبلغ مرحلتين من القاهرة حتى الفيوم وما بين ذلك حدائق وبساتين ولا يخلو موضع فيها من زرع. وهذا مما يجعله فى النظر أحسن وأجود الأقاليم ، كما أنه أكثر الأقاليم خيرات وأكثرها قرى.
وفى جوف هذه الأراضى من أرض مصر كنوز عظيمة ودفائن جسيمة. يقول مؤرخ العالم الشيخ المقريزى : إنه لا يخلو ذراع من أرض مصر من كنز قديم.
وفى أيامنا تلك يعثر على أكثر من كنزين فى كل عام. وهذا ما يبين إلى أى حد بعيد كانت ضفة النيل معمورة.
وقد نزلت فى شأن مصر آيات قرآنية على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، يقول عز من قائل : (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ) (26) [الدخان : 25 ـ 26] ، وقد فسر المفسرون هذه الآية بقولهم أن المقصود منها أرض مصر ونهر النيل.

وقد دعا موسى ـ عليه‌السلام ـ على مصر وشعبها بسبب ظلم فرعون وسوء ما صنع فتبدلت من عمرانها بخراب ومن بساتينها بتراب. وفى ذلك يقول عز من قائل : (وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) (137) [الأعراف : 137].
وعلاوة على خراب مصر بعد عهد فرعون يقول الحكماء : إن مصر وإن كانت قد تخريب سبع مرات فلا شك فى أنها عمرت كذلك سبع مرات.
أما محيى الدين بن عربى فيقول فى كتابه «الفتوحات المكية» :
«إن مصر بعد عام 1100 سوف تعمر إلى حد أن ذراعا من أرضها فى منطقة صحراوية أو منطقة تعلوها القمامة سوف يباع بألف دينار من ذهب ، وسيأتى إليها «ابن كعب» من سلاطين آل عثمان فتطيب له مستقرا ومقاما ويتخذها حاضرة لملكه ، وسيدور الفلك بما يحدث بها من أثر فيشيد شعبها المدن فى الصحراء حتى حدود مكة والمدينة ويجعلونها مروجا وحدائقا ، وسيظهر بها أنهار كأن مياهها ماء الحياة فتصبح كل أكنافها رياضا وغابات وتظهر فيها الضوارى. وسيجرى بحر السويس من مدينة (بلبيس) ويصب فى البحر الأبيض ، وسيفتح طريق بين غزة وقبرص تسير فيه القوافل ، وسيجرى بعض الملوك ذوى الهمم ماء النيل إلى جبل الجوشى فى مصر ، وسيتفجر الماء الحار فى ثلاث آبار فى القاهرة».
هذا ما ذكره ابن عربى فى كتابه «اللهم يسر يا ميسر».
ـ عجيبة :
والواقع أن ذوى السن من أهل القاهرة يقولون : إننا منذ سبعين عاما لم نكن نعرف فى مصر الحدائق ولم نشاهد إلا حديقة قايتباى فى «قره ميدان» وأشجار النبق والجميز هنا وهناك خارج القاهرة. ولم نعرف غيرهما فاكهة ، والآن ينمو فى مصر عشرون نوعا منها ويهطل المطر فى العام وكأن قطراته الجوز وقد لا يهطل قط.
ولم نعرف فى مصر أحد يلبس الفرو فكان لبسه عيبا إلا للبكوات. ولم يكن يحل موسم الشتاء. أما الآن فيشتد برد الشتاء ويغزر المطر فصرنا نرتدى الفرو ليقينا شدة البرد.

وفى عهد كتخدا إبراهيم باشا اتفق أن نزل الثلج فى الصباح على مجرى العادة فجعل الأرض بيضاء وفى تلك الأوقات كذلك كان البرد ينزل وكانت الحبة منه تزن أكثر من ثلاثين درهما وعندما كان أبناء العرب يرون الثلج يسأل بعضهم البعض قائلا : إش هذا؟
وكان بعضهم يقول : «إن القطن نزل من السماء» ، أما الترك فكانوا يحمدون الله ويأكلونه. وعندما كان العرب يمسكون الثلج بأيديهم كان يحرقها كأنه النار فكانوا يقولون : «هذا مثل القطن ولكن ناره قوية».
وعندما كانوا يشاهدون البرد يقولون : «وقع من السماء بيض الدجاج».
وحمدا لله فقد اعتدل جو مصر يوما بعد يوم ومضت شدة الحر وهطل غيث الرحمة مما غمر مصر بالخير فما وجد مثلها على وجه الأرض. وأصبحت «أم الدنيا» كأنها العروس فى زينتها ، وبدأ المفتونون بها الاحتيال لصيدها.
أصل تسمية مصر «بأم الدنيا»
تضم مصر ما فى أنحاء الدنيا من جميع المخلوقات والملل الاثنتين والسبعين ، واللغات المائة والأربعين ، والله يبسط الرزق لهذا القدر من المخلوقات كرامة لمصر ولذلك تسمى بأم الدنيا.
وإذا ما ذهبت إلى أى مدينة فى مصر ونظرت فيها نظرة تأمل فلن تجد أحدا يتجاوز الآخر من شدة الزحام ، وفى الطريق العام لا يمكن أن تسمع إلا عبارات مثل : «ظهرك وجنبك ، ووشّك ويمينك ، ويسارك» ولا يمكنك المرور بسهولة من داخل الأسواق من شدة ازدحامها بالخيول والبغال والجمال والحمير والسائقين.
وأهل مصر جميعا من الفلاحين الكادحين ، لذا يعلمون مثل «فرهاد» مما يعود بالنفع على مصر. ويسمونها أم الدنيا لأنها تطعم هذه الدواب والمخلوقات كافة وتطعم الدنيا بأسرها وكأنها أمها وتصدر كل سلعها إلى جميع أرجاء الدنيا.
وإذا ما قحطت الدنيا بأسرها والعياذ بالله فإن مصر تطعمها كأنها أم.

أما إذا قحطت مصر ـ حفظها الله ـ فإن جميع بلدان الدنيا تعجز عن إطعامها ، ففى مصر أكثر مما فى الدنيا بأسرها من دواب ومخلوقات ، كما أن أهلها كذلك لا يقعون تحت حصر. ومن ظلم وعسف جندها أصبح أهلها كقوم فرعون ، ولأنهم بالغوا فى إظهار اسم «يا قهار» فقد حقر أهلها وذلوا واستحوذ جند السلطان على كل خيراتها وبقى الفلاح ذليلا.
وفى شأن مصر وشعبها قال «كعب الأحبار» ـ رضى الله عنه ـ مصراعا على لسان مصر هو : «خلق الله الغنى بمصر فقال الذل أنا معك».
والواقع أن الضعاف والفقراء والأذلاء من أهل مصر كثرة كاثرة ، حتى إنه فى عام ( ) (1) على عهد عبد الرحمن باشا على الرغم من كثرة الغلال لسوء تصرف الحكومة احتكرها الأغنياء فقحطت مصر قحطا عظيما لدرجة أن بعض الفقراء أكلوا الميتة ، والبعض كان له قميص واحد يشترك فى لبسه مع زوجته ، فكانت تلبسه نهارا ويلبسه هو ليلا.
وكانوا يعيشون على عشرين حبة من الفول فى اليوم. إلى هذا الحد كان الفقر وكانت كثرة الفقراء. لأنه عندما تحصل الخزائن من الرعايا والبرايا وهى إحدى وثمانون خزانة كان مئات الآلاف من الناس يفلسون ويخلو وفاضهم. وهذه الخزائن المذكورة كانت تحصل بعد خمسة وسبعين يوما من الحصاد. وباستثناء الماغر والأوز والحطب كانت ضريبة الجمرك تحصل على كل ما يطير فى السماء وما يدب على الأرض وما يسبح فى الماء وكل الأشياء «مقاطعة» حتى إن الفقراء المعدمين ممن هم فى أمس الحاجة إلى الفلس الأحمر يؤدون الضرائب للحكومة وهم مقاطعة.
ـ عجيبة أخرى :
ومن عجب أن بعض الفلاحين كانوا يسوقون أسرابا من الأوز فى شوارع القاهرة لبيعها وفى هذا الزحام كان الناس يدهمون بأقدامهم أسراب الأوز هذه فيجعلونها وكأنها رمال ، ولكن لم تكن تفرض عليها ضريبة ، وما عدا ذلك كانت تفرض عليه الضرائب والعشر السلطانى.
__________________
(1) بياض فى الأصل.

ـ إحدى العجائب المضحكة ممن تحصل منهم الضرائب :
وكثير من الفلاحين يقيمون لهم أكواخا على ضفة الخلجان ويسكنونها ، وإذا ما أراد أحد أن يشترى أوزة أو بطة كان يمضى إلى سكان هذه الأكواخ وإذا ما قالوا لأحدهم يا حاج أعطنا أوزة أو بطة. كان العربى يلبس القرعة التى بجانبه على رأسه ويمسك فى يده أربعين باعا من خيط الكتان ويقفز فى الماء ويبقى من يطلب البطة على الشاطئ ويسبح العربى فى الماء ويقترب من الأوز والبط ويندس بينهم ويربط أقدامهم بالخيط الكتانى الذى فى يده فلا تشعر به هذه الطيور لأن ما يطفو بجانبها قرعة والعربى يراقب الطيور من ثقب القرعة ويقيد أرجلها ثم يخرج إلى الشاطئ ويسلم طرف الخيط إلى من يطلب الأوزة فيقبض هذا الشخص على الخيط بيده ولا يجعله ينفلت منه ويجذبه رويدا رويدا حتى تقترب الطيور من الشاطئ ، وعندئذ تدرك الطيور المسكينة ما وقع لها ، فترفرف بأجنحتها. وتأخذ منها ما تريد من الطيور السمينة وتدفع پاره واحدة ثمنا لكل أوزة منها وتطلق النحيل منها.
وهذا العربى المذكور يلتزم بهذه الطيور ويؤدى ما عليه من ضرائب ، وإذا ما صاد هذه الطيور غيره غرم. وكل ما يهرب من هذه الطيور المطلوقة يعود حتما إلى هؤلاء الفلاحين وكأنهم سحروا من قبل هؤلاء الفلاحين. وكم لهم من حيل وألاعيب شيطانية.
ـ من عجائب الغرائب :
وعجيبة أخرى من عجائب الزمان هى أنهم يدفنون عشرة آلاف بيضة فى روث الخيل وبعد عشرين يوما يخرج منها عشرة آلاف فرخ تبدأ فى السير فيحار لذلك عقل الإنسان وهذا أمر غريب عجيب. إلا أن هذا العمل لا يقتدر على القيام به كل أحد ، فهناك قرية تسمى «برمة» وهى إحدى قرى سليمان بك أحد قادة الجند فى مصر فى قضاء «أبيار» بها من توارثوا هذه الحرفة أبا عن جد وتفريخ الأفراخ فى روث الخيل عمل اختصوا به دون غيرهم.

ومن يريد أن يفرخ الأفراخ بهذه الطريقة اصطحب منهم رجلا يذهب معه حيثما أراد وهناك يشرع فى بناء فرن خاص بتفريح البيض ، وهذا الفرن فرن كبير يشبه فرن الخبز ، تعلوه قبة وأسفله فراغ ، وداخله مقسم إلى خانات ، تفرش الواحدة منها بطبقة من الروث الناعم غير المحترق بسمك إصبعين ثم يضع فى كل خانة خمسين بيضة وينظر فى كل بيضة خلال نور الشمس ، فإن كانت البيضة طازجة وضعها فى الفرن ، أما إذا كانت فاسدة استبعدها ، إذ إنها تنفجر من حرارة الروث وتفسد بقية البيض فلا تخرج منه أفراخ. لذا يضع البيض الطازج وهو يعرف أى بيضة تفرخ ديكا وأيها تفرخ دجاجة ، ثم يغطى هذا البيض كذلك بطبقة من الروث بسمك إصبعين ويضرم تحته نارا هادئة خفيفة تكفى لحرق الروث ولا تحرق الحطب وتدوم الحال على ذلك ثلاثة أيام وفى اليوم الرابع يتجرد الرجل من ثيابه ويدخل الفرن وهو يقوق كالدجاجة ويقلب البيض بأكمله وفى يده قفاز من ريش الدجاج وبه يقلب الخمسين بيضة التى فى كل خانة ويضع بينهما ريش الدجاج ويحرق أنواعا من البخور يبخر بها البيض ، ثم يخرج ويغلق فوهة الفرن.
ولم يطلع أحد على هذا العمل ، إلا أننى بقيت فى هذه البلدة اثنين وعشرين يوما واطلعت على ذلك بعينى رأسى. وفى خلال العشرين يوما دخل الرجل القائم بتفريخ البيض الفرن ثلاث مرات وقلب جميع البيض.
وقبل أن تتم الأيام العشرون بدأت الأفراخ فى الخروج من البيض كأنها الجند وأخذت تنبش الروث الموجود داخل الفرن وفى التو أخرجها الرجل من الفرن ، إذ إن فى الروث بيض لم يفرخ بعد ولكيلا يفسدونه أخرج الأفراخ التى خرجت لتوها من البيض.
وتسير الدجاجات التى ـ احتضنت بيضها حتى أفرخ ، وخرج منه صغارها ـ وراء الأفراخ التى خرجت من البيض بالطريقة المذكورة أعلاه.
ولحكمة لا يعلمها إلا الله فإن لحم هذا الدجاج الذى خرج من الروث ليس له من لذة الطعم ما للذة لحم الدجاج الذى حضن بيضة الدجاج. وهى ثقيلة اللحم والشحم

والحدأة عدو لدود للأفراخ ولهذا يقوم الصبيان على حراستها وإلا اختطفتها الحدأة جميعا فى يوم واحد. وليس فى مصر طائر فى سمائها يؤذى إلا الحدأة.
ـ بيع الدجاج بالكيلة فى مصر :
وتعبأ هذه الأفراخ فى الكيلة وتباع الكيلة منها بخمس أو عشر پارات. ولله الحمد فقد شاهدت الدجاج وهو يباع ويشترى بالكيلة فى مصر. والكثرة الكاثرة من الدجاج الذى يباع بالكلية حكومى ، حيث يعهد (الكلارجى باشى) أى القائم على مخازن الطعام الخاصة بقصر الباشا ـ على أحد الأغوات بتفريخ عدة آلاف من الأفراخ ويذبح منها خمسمائة دجاجة يوميا فى مطبخ الباشا لتقديمها إلى أتباعه وحاشيته.
ومن لا يرى هذا القدر من الأفراخ التى أفرخت لا يعرف إلى أى حد كانت براعة هؤلاء الفلاحين فى مصر ، وهذا فى الواقع ما لا يدركه عقل. يا له من سر عجيب.
مما ينهض دليلا قاطعا على أن الله يخلق ما يشاء بقدرته ويحكم ما يريد بعزته.
ـ أمارة على إعجاز الخلق :
فى المنطقة المسماة «بسبيل علام» أنواع من الحجارة الملونة ، ولحجر سبيل علام ذائع الشهرة فى مدينة القاهرة ، وفى تلك الصحراء أنواع من أحجار الياقوت والماس التى يصل ثمن الحجر منها مائة قرش وخمسمائة قرش. كما تكثر بها الأحجار التى تسمى بعين السمك وعين الهر والتى يباع الواحد منها بخمسة أو عشرة قروش.
وفى بعض الأوقات التى تشتد فيها الرياح فتتشتت الرمال فتتكشف عما لا يحصى كثرة من هذه الأحجار.
ويقوم الحكاكون بحك هذه الأحجار الخام ويصقلونها ويشكلونها فتباع بباهظ الأثمان بعد أن كانت بلا قيمة. ويعثر على أحجار أثمن من الماس ومن ياقوت «بدخشان» (1).
ومؤرخو مصر وعلماءها يزعمون أن «شداد بن عاد» بانى إرم ذات العماد هو مشيد سبيل علام ، وهذا ما اجتمعت عليه كلمتهم.
والواقع أنه فى سبيل علام هذه أسس لأبنية عظيمة هنا وهناك. وعند ما خلع إبراهيم
__________________
(1) بدخشان : ويقال بذخشان الآن فى أفغانستان ، وهى بلاد خصيبة مشهورة منذ القدم بأحجارها الكريمة لا سيما معدن الياقوت واللازورد. انظر : بلدان الخلافة الشرقية تأليف لسترنج ص 480 وما قبلها.

باشا مكث فى صحراء سبيل علام سبعة وسبعين يوما. وكان خدامه يجمعون الأحجار من سبيل علام لكى يلعبوا لعبة «المنقلة» ، وكان بعضهم يقدم ما يعثر عليه من أحجار إلى الحكاكين ليصنعوا منها فصوصا لخواتمهم ، حتى أصبح جميع الخدام ـ يلبسون الخاتم فى أصابعهم.
إلى هذا الحد كانت توجد أحجار كريمة ثمينة فى صحراء سبيل علام.
ـ تأثير أحد الأحجار العجيبة :
وفى سبيل علام هذه حجر ثمين أصفر اللون ، يأتى أطباء الفرنجة على الدوام فى هذا القيظ للبحث عنه. ومن خواص هذا الحجر أنه :
إذا أمسك أحد هذا الحجر بكلتا يديه شعر بالغثيان وقاء ما فى بطنه وطالما لم يطرح هذا الحجر من يديه لا ينقطع عنه الشعور بالغثيان. إلا أنه يخلصه من جميع ما فى جوفه من أخلاط مثل الصفراء والسوداء ولا يبقى فى معدته شىء وبذلك تنظف.
ـ من خواص أحد هذه الأحجار :
ثمة حجر ملون مثل الخرز يوجد فى المناطق الفضاء من سبيل علام ، وهذا الحجر إذا ما ربطته المرأة فى خصرها وقت الجماع لم تحمل من أى شخص ، ولذا يكثر هذا الحجر لدى بغايا «باب اللوق» فى القاهرة. حتى إن والدتى حينما ولدتنى تمزق فرجها بسبب كبر رأسى وخروج هذا الرأس بصعوبة ، لذا كانت تستعمل هذا الحجر الموجود فى سبيل علام خوفا من أن تحمل ثانية فكانت تعلقه فى خصرها أثناء الجماع مع والدى. وهذا الحجر غير المبارك كان لدى والدى.
ـ أرض مصر التى تثير العبرة
كان البدو فى مصر يأكلون الفئران وهذه حقيقة. ولكن أى نوع من الفئران كانوا يأكلون سنوضح :
فى مصر نوع من الفئران يسمى «فأرة الغيط». إنها مخلوق منظره يثير الضحك ، تخرج هذه الفئران من جحورها عندما يغمر فيضان النيل أرض مصر كلها وعندئذ تخرج جميع النساء والغلمان إلى الصحارى لصيد الفئران على الشواطئ التى غمرها ماء

الفيضان ويملئون بها الغرائر ويذبحونها فى منازلهم ويتناولون لحمها ويبيعون جلودها ، وهى غاية فى سمنها. وذيلها قصير ونوع منها ذيله طويل ، وشفتها العلوية مشقوقة مثل شفة الأرنب. إنها فأرة غبراء ، زنة الواحدة منها مائة درهم ، ومنها ما يزن رطلا.
وهذا الحيوان يتكاثر فى الأرض بأمر الله ولا يربيه أحد. حتى إنه يكوم أرضه أكواما أكواما ، فيعرف الصيادون من ذلك أن ثمة فأر بها فيحفرون جحره ويخرجون ما به من فئران ويأكلونها.
ولحكمة لا يعلمها إلا الله فإن بعض هذه الفئران فئران إلى وسطهم أما ما تحت وسطهم لا يفترق عن التراب ، بل هو تراب مخلوط بالدم. وهناك فئران على هيئة تراب تنفخ فيها الروح فيما بعد وتصبح لحما ، أما إذا أخرجت قبل ذلك من جحورها وتعرضت للهواء نفقت ، إذ إنها لم تكتمل نموا.
سألت عنها العرب ، فقالوا : إنها تتولد من الماء فى أربعين يوما.
وسألت قائلا : هل تتزاوج هذه الفئران؟ فقالوا : نعم إنها تتزاوج ، إلا أنها لا تلد وذلك بأمر الله.
ثم سألتهم عن نفعها ، فقالوا : إن لحمها سريع الهضم ومن أكله سمن ، وهو جد مقو للباه.
وتلك حكمة عجيبة كذلك ، بيد أن طائفة المعتزلة من ضعافى العقول ينكرون هذا من خلق الله ، ولكنى رأيت ذلك بعينى رأسى وقد دفعت خمس پارات ثم عشر للعربان الّذين يخرجون هذه الفئران من جحورها ، فرأيت أن نصفها ذو روح والنصف الآخر من تراب وبعضها مما نصفها دم ونصفها تراب ليس لها روح. وهذا من عجيب صنع الله. أوليس هذا عبرة لمن يعتبر من بنى الإنسان؟ ، وحسبنا قوله عز من قائل (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ...) [المؤمنون : 14].
دليلا قاطعا على ذلك. ومن لم يسلم بآراء ومعتقدات المعتزلة ويقر آراء أهل الشريعة يقرأ قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة : 20].
ويقصر عن القول.

ذكر آصرة القربى بين الإنسان والنخل وشجر الجوز الهندى الأسود
فى كل عام فى قرى مصر يضعون سعفة من نخلة ذكر فى قلب النخلة الأنثى وذلك لإتمام عملية التلقيح بين النخلتين. وفى هذا العام تثمر النخلة الأنثى أكثر من خمسة عشر عرجونا (1).
وإذا لم يصنعوا ذلك لا تثمر النخلة الأنثى.
والنخلة الأنثى تحيض مرة فى الشهر وهى كالإنسان لها قلب فإذا ما قطعته جفت ، أما إذا قطعت سعفها نمى غيره وازدادت النخلة طولا.
ويسمون قلب النخلة «قلب البلح» وهو شىء لذيذ الطعم مقو للباه ، ويستعمله الرجال فى مصر الذين عجزوا عن الباه ، إنه فى لون الجبن وطعم اللبن ، وتوجد هذه المادة بين ألياف السعف فى رأس النخلة.
ويقولون إن ثمة قربى بين الإنسان وهذه النخلة ، فعندما خلق البارى آدم عليه‌السلام من قبضة من تراب خلق مما تبقى من التراب النخل وشجر الجوز الأسود الهندى وشجر الوقواق ، وما تبقى من التراب خلق منه «يبروح الصنم» أى عبد السلام وهو عشب له شعر ولحية كالإنسان ، ومنه الذكر والأنثى ، فهو عشب له صفات بنى الإنسان. ويقولون إن هذا العشب خلق كذلك من التراب ، «يفعل الله ما يشاء».
ـ أكلة الثعابين الحية :
ومن عجب أن فى مصر قوما يأكلون الثعابين وهى حية ، وإذا ما ظهر ثعبان فى منزل أحد جاءوا بأحد من أكلة الثعابين هؤلاء ونفخ فى مزماره ، فتتجمع حوله جميع الثعابين فيصارعها ويقبض عليها كلها ، ويضعها فى مخلاته ويمضى بها ، وبذلك تكون النجاة من هذه الثعابين.
ويقترب هؤلاء من أحد الأشخاص ودون أن يدرى هذا الشخص يخرجون من جيبه وحصنه العقارب والأفاعى وقد يخرجون من جنب أحد الأشخاص التفاح والخوخ والعنب فى غير موسم هذه الفاكهة. وفى بعض الأحايين يخرجون من حضن بعض
__________________
(1) العرجون : العذق. وهو من النخلة كالعنقود من العنب. والجمع عراجين. المعجم الوجيز ص 412.

الناس نارا أو ماء ، كما يطلبون على أحد أن يظهر لهم عمامته وعند ما يرفع هذا الشخص العمامة عن رأسه يتدفق الماء من عمامته أو يخرج منها عقرب أو أفعى ، فيطرح الرجل عمامته أرضا ويولى مدبرا حاسر الرأس بلا عمامة.
وكان إبراهيم باشا رحمه‌الله تروق له مثل هذه الدعابات ، إلا أنها فى الحقيقة مهارة تصل إلى درجة الإعجاز.
ـ جماع فلاحى مصر للتماسيح :
سلف الحديث عن جماع فلاحى مصر فى أسوان للتماسيح فى حديثنا عن المخلوقات التى تعيش فى النيل.
ـ شجرة الجميز العجيبة :
شجرة الجميز فى مصر شجرة ضخمة لا وجود لشجرة أضخم منها وهى تشبه شجرة «الدلب» فى بلاد الترك. وتمتاز شجرة الجميز بضخامتها وظلها الظليل ونسيمه العليل.
وأثمارها وطلاسمها على النحو التالى :
إذا ما ظهرت هذه الشجرة فى بستان أحد ، اتفق صاحب الحديقة هذا مع بعض الأشخاص ويحمل فأسا ويدخل حديقته ويستلق شجرة الجميز ويضربها مئات الضربات بفأسه وإذا ما تجرحت الشجرة يأتى الأشخاص الذين اتفق معهم ، ويقولون له لماذا أقدمت على قطع شجرة حية غضة مثل هذه. فيقول الرجل : إنها ملكى وإن أقطعها وهى بداخل حديقتى وهى لا تؤتى أكلا والمرج لا ينبت فى ظلها ويجب علىّ أن أحرقها.
فيقول الرجال تحت الشجرة : أتقطع شجرة فى هذا الجمال ، ما أجمل غصونها وأوراقها ، ويبسطون إليه الرجاء ألا يقطعها حتى تؤتى ثمارها وعندئذ يجرى ما يشبه الدم من الثقوب التى أوجدها الرجل فيها بفأسه ، فيكرر الرجال الرجاء إليه ويقسمون له أنهم يضمنون أن تثمر هذه الشجرة سبع مرات فى العام ويأخذون الفأس من يده ويطرحونه جانبا ويحيطون جميعا بالشجرة ويحتضنوها ويحضر أناس آخرون ليشهدوا على ذلك. ومن بعد تخرج هذه الشجرة الثمار من تلك الثقوب التى أحدثها الفأس فيها سبع مرات أو أكثر فى العام.

وثمار الجميز تشبه التين ، ولكنها تختلف عنه بعدم وجود جلد داخلها فداخلها فارغ ، وتزن الثمرة منه عشرين أو ثلاثين درهما. إنه فاكهة لذيذة الطعم ، سهلة الهضم ، ومنها الأحمر والأصفر والأبيض.
ومن عجب أن أغلب الثمار تنمو على غصون رقاق ، ولكن ثمار الجميز تنمو فى جذع فى غلظ ثلاثة رجال ضخام. والجميز يثمر بهذه الطريقة بحيث لا يخلو موضع فى جذعه من الثمار. إنها شجرة موفورة المحصول.
ـ فوائد ثمار الجميز :
وفى الطب يعد الجميز ذو طبيعة معتدلة ، فإذا ما تناولت ثلاث ثمرات من ثماره وشربت عليها الماء قوى نظرك. وإذا ما أصيب أحد بالإسهال وعصر أوراقه الخضر وشرب عصيرها ، زال عنه الإسهال ، وكم لقشور جذعها الخضر من خواص ، والأطباء يعرفون من خواصه الطبيعية أكثر مما ذكرنا.
إنها شجرة تستحق المشاهدة.
خاصية أرض مصر
فى مصر يدفنون قرن الماعز فى الأرض ويروونه وبعد عدة أيام تنبت منها غصون خضر.
صناعة النشادر
تصنع النّشادر فى مصر من فضلات الإنسان ، وله مصانع عجيبة سبق وصفها فيما تقدم.
عملية إنضاج العنب
عندما يكون العنب حصرما يشعل فلاحو مصر الكبريت ويبخرون به هذا الحصرم فينضج قبل أوانه بشهر. وهذه حيلة شيطانية عجيبة.

عملية إنضاج الشمام والبطيخ
يسمى الفلاحون زبل الحمام «برأس المال» وكانوا يضعونه فى جذور البطيخ والشمام فتنضج قبل الأوان بشهر وتمتلء ماء.
ـ ميزات أحد الحيوانات العجيبة ـ
ثمة حيوان صغير يشبه ابن عرس يعيش فى مناطق زراعة قصب السكر فى مصر ، منظره يبعث على الضحك. حتى إنه يربى فى بعض المنازل ، وهو حيوان أليف يكثر فى حدائق الفيوم. والمكان الذى يعيش فيه هذا الحيوان لا تقربه الأفعى ولا الحية وتهرب من رائحته. فهذه الرائحة التى تصدر عن هذا الحيوان تهلك الأفاعى ، إلا أنها تفيد الإنسان. يا لها من حكمة عجيبة.
ذكر معدن الذهب
على بعد ساعتين من القاهرة وفى الجهة القبلية لها خلف جبل الجيوشى تقع جبال عين موسى والتى تسمى «بجبل بجاميم» ، وبها تكوينات جيرية حمراء اللون وإذا ما أحرق هذا الخام استخرج منه الذهب. إلا أنه لندرة الحطب فإن نفقات عملية استخراج الذهب تكون باهظة فلا يتحصل للقائمين بهذا العمل أى ربح.
وفى خلافة الحاكم بأمر الله استخرج الذهب طيلة سبع سنين ، ثم سدت هذه المناجم وآثارها لا زالت موجودة إلى يومنا هذا.
وتوجد مناجم الفضة فى جبل جالوت غرب القاهرة ، وتوجد كذلك مناجم للذهب فى شرق مصر فى جبل المقطم المعروف بجبل الجوشى. وتوجد مناجم «الزمرد» فى ولاية الصعيد ، ويوجد معدن النطرون فى أرض البحيرة ، ويوجد ملح البارود فى كل قراها ، كما يستخرج الملح من جميع بحيراتها.
مدينة عين شمس
كانت مدينة عظيمة فى شمال القاهرة بالقرب من المطرية ، تبعد ساعتين عن القاهرة وهى الآن منطقة خربة ، وكانت هذه المدينة حاضرة البلاد فى الزمان الخالى ولا تزال بعض آثار أبنيتها العظيمة ماثلة للعيان إلى يومنا هذا. وفيها «مسلة» سامقة كالتى فى «آت ميدانى» أى ميدان الفروسية فى اسطنبول. يبلغ طول هذه المسلة مائة ذراع ، وعلى

جوانبها الأربعة نقوش باللغة القبطية ، وفى ذروتها صورة فارس يمتطى جوادا وعلى رأسه العمامة المجوزة وفى ذلك إشارة إلى مقدم السلطان سليم إلى مصر.
وعلى الجوانب الأربعة لهذه المسلة نقوش وزخارف كنظيرتها الموجودة فى ميدان الفروسية باسطنبول.
وفى مدينة عين شمس هذه كثير من الطلاسم المعقدة والتى لا وجود لها فى أى بلد آخر ، ولم تفك رموز هذه الطلاسم إلى يومنا هذا ، وكل من بذلوا الجهد الجهيد لفك رموزها والوقوف على أسرارها دفنوا فيها.
وفى مجمل حديث مؤرخى مصر عن مدينة عين شمس امتدحوا قصرا كان بها فقالوا :
إن لهذا القصر مائة وثمانون نافذة وكانت الشمس إذا ما دخلته من إحدى نوافذه تجعل داخله منيرا ولذلك سموه «قصر عين شمس».
وفى رواية أخرى أن ثمة ملكة كانت تسمى «عين شمس» هى التى أقامت هذا القصر.
وعلى هذا القصر كانت تكمل الشمس مائة وثمانين منزلا وعندما تأتى إلى منزلها الأول تعود. وآثار أبنية هذا القصر ظاهرة إلى الآن ، وكان بها كذلك قلعة عظيمة لا تزال أسس جدرانها مائلة إلى يومنا هذا.
جبال الأهرام وهى من عجائب الغرائب
تقع جبال الأهرام فى قصبة الجيزة على بعد ساعتين من الساحل الغربى للنيل.
وهى ثلاثة جبال ، لا وجود لبناء أقدم منها على وجه الأرض ، ولا وجود لما هو أعلى منها فكأنها «جبال قاف».
إنها جبال غاية فى عظم أبنيتها ، وكل هرم منها صنم ، ويسمى الهرم الأول «جبل بلبهث» ، ويسمى الأوسط «جبل مهلوية» ، أما الأخير فيسمى «بجبل أبى الهول» وكم من آلاف الروايات والأقوال وردت فى شأن هذه الجبال التى هى من صنع بنى الإنسان ، فبعض المؤرخين يذهب إلى أن مشيدها هو «عاد بن شداد» ، والبعض الآخر يذهب إلى أن الملك «سوريد» هو الذى أقامها بإيعاز من الكهنة لتكون مقبرة له. وبعد الانتهاء من

بناء هذه الأهرام الثلاثة ملأها بكنوزه وخرائنه ، كما نقل إليها جميع كتب تعاليم سيدنا إدريس ، وجميع الأسلحة ووكل بها إلى بعض من يصنعون الطلاسم ، وغطاها بالحرير ، كما شيد كذلك مدينة عظيمة على شاطئ النيل ليسكنها سدنة هذه الأهرام.
وفى فصل الربيع من كل عام يأتى الناس من كل فج عيمق ويطوفون حول الأهرام كطواف المسلمين حول الكعبة.
أما ابن جلال فيقول : إن هذه الأهرام كانت تسمى فى اللغة القبطية «برابى» لأن أول من بناها هو «برابى بن درمشيل بن مخويل بن خنوخ بن قاين» لذلك سميت باسمه.
ومن الناس من يقول : إن ثمة ملكة كانت تسمى «دلوكه» كانت تحكم قبل فرعون وهى التى بنت الأهرام ، ولأن هذه الملكة كانت من الفراعنة سميت هذه الأهرام «جبال فرعون» ، ومع مرور الأزمان جاء ملوك من نسل هذه الملكة رمموا هذه الأهرام باعتبارها أبنية شيدتها جدتهم. ونفهم من ذلك أنه ربما تكون هذه الأهرام من بناء هذه الملكة المسماة «دلوكة».
والبعض يقول إنها من بناء «تدوره جادو» ودفن كهنة أشمون وأتريب وصاى مع تواريخهم داخل هذه الأهرام.
أما على ضوء ما ورد فى تاريخ «الشهابى» فإن أول من بنى هذه الأهرام هو الملك سوريد بن شهلوق بن شرباق بن توميدون بن تدرسان بن هوصال.
وثمة باب مطل على الناحية الشمالية للهرم الواقع فى الجهة الشمالية وبداخل هذا الباب وعلى الأحجار فى الناحية اليمنى نقوش باللغة العبرية جاء فيها :
(أنا بانى الأهرام وقد أتممت بناءها فى ستة أعوام ، أيستطيع من يجيئون من بعدى هدمها فى ستمائة عام والهدم أيسر من البناء. وقد غطيتها بالديباج ، أيستطيع الملوك من بعدى أن يكسوها بالحصير).

وعند ما هبط الخليفة المأمون مصر قادما من بغداد عقد عزمه على أن يكشف عن كنز الأهرام وبذل الهمة طيلة سبعة أشهر ، فكوم حولها الحطب وأضرم فيه النار وسكب عليها الخل وضربها بأحجار المنجنيق الضخمة فهدم قدر عشرين ذراعا منها فعثر على جرة مرصعة بالزمرد بها ألف دينار من ذهب ، وكل دينار يزن أوقية ، كما عثر على حجر يضم نقوشا جاء فيها :
«يا من تتوق نفسك إلى فتح هذا القبر للكشف عما به من دفائن ، مهما بذلت من جهد جهيد وأنفقت من مالك الكثير لتحصل على المال الجزيل ومهما ازددت طمعا فسوف ترحل عن تلك الدنيا الفانية».
وحينما شاهد جند المأمون هذا الكلام (أصيبوا بخيبة الأمل) ، إذ إنهم بعد أن كابدوا شتى صنوف العناء طيلة سبعة أشهر فى هذه الصحراء المترامية الأطراف وأنفقوا من المال ما أنفقوا لم يعثروا إلا على ألف دينار من ذهب.
سبق أن أشرنا إلى باب فى الناحية الشمالية بداخله حجر كتب عليه :
«أيستطيع ملوك الأجيال التى تأتى من بعدى أن يكسوا الأهرام بالحصير» فخالها المأمون رموزا وأمر بها فكسوا نصفها بالحصير المصرى وعندئذ عصفت ريح صرصر عاتية أذرت برجاله وحصيرهم فى الهواء ، فوقع الجزع والهلع فى القلوب.
ونزولا على سداد رأى «حسين بن سهيل» وزير المأمون نفضوا أيديهم من هذا العمل ومضوا إلى حال سبيلهم.
وإلى الآن تبدو المواضع التى انهدمت فى عهد الخليفة المأمون. وعندما شرع يوسف صلاح الدين يجدد بناء قلعة القاهرة نزع الأحجار من جبال الأهرام وشيد بها قلعة مصر الداخلية والقلعة القبلية. وجاء من الحجارة التى نزعها من جبال الأهرام ومواضع الحجارة التى انتزعها ظاهرة للعيان إلى يومنا هذا.
ذكرت أن بانى الأهرام هو الملك «سوريد» وهو القائل «لقد بنيت هذه الأهرام فى ستة أعوام فهل يستطيع من يجىء بعدى من الملوك هدمها فى ستمائة عام» وإنى أفند زعمه فأقول إننى لو لغمت هذه الأهرام بمائة قنطار من البارود الأسود وستة صناديق من

لغم قلعة قاندية فسوف تنسفها جميعا وتجعلها رأسا على عقب وفى تلك الساعة لن يبقى لها من قرار على وجه الأرض.
لكن فى الواقع إننى ما رأيت على وجه الأرض أبنية عظيمة مثلها ، ولله الحمد إنه فى عهد إبراهيم باشا بينما كنا نرعى خيولنا بجوار الأهرام لبثنا أكثر من خمسة أيام للراحة والاستحمام ثم مضينا إلى هناك عدة مرات للفرجة فبلغ منى العجب مبلغه وفى إحدى المرات اتفق أن كان معنا خمسة وأربعون رجلا من رجال الأمير أخور (أى بك الأصطبل) وبهلول أغا وغيرهم وأحضرنا معنا المشاعل والقناديل وقمنا بإزالة ما على الباب الشرقى للهرم الأكبر من رمال تراكمت وعندما دخلناه متعوذين باسم الله نظرت فى البوصلة والساعة ومشينا فى داخله سبعة أقدام ناحية الجنوب فى ممر واسع يعلوه عقود حجرية ترتفع عشرين ذراعا وكان اتساع الممر عشرة أذرع.
وعلى جانبيه عدة كهوف وقاعات وقباب من الحجر مزدانة بنقوش ذهبية وكأنها خرجت لتوها من يد «بهزاد» ، وكانت كل حجرة تغص بعظام وجماجم الآدميين وكل جمجمة منها تتسع لمائة كيلة من القمح ، وكم كان هناك من جماجم مختلفة الأحجام بين كبيرة وصغيرة لا يعلم عددها إلى الله.
وثمة عظمة رفيعة مكسوة بالجلد وهى بمقياس شبرى سبعون شبرا وغير ذلك عظام كثيرة وفى أحد هذه الكهوف العظيمة دفنت كثير من الجثث المحنطة وعدة مئات من الطيور المحنطة بطول سبعين قدما أو أكثر تنبعث منها رائحة كريهة قاتلة كرائحة زبل الغراب وجميعها معلقة من مناقيرها على الصخور. واصطدمت قناديل بعض الرجال بها فاحترقت أجنحتها وريشها فأصاب بعضها وجوهنا ، وفى تلك اللحظة تقهقر بعض رفاقنا بقناديلهم خوفا من أن ينالهم أذى ، ولكنى بقيت مع الخمسة والثلاثين رجلا وسرنا ساعة بكاملها ناحية القبلى بالاستعانة بالبوصلة فوصلنا إلى قاعات ـ غاية فى الفخامة والزخرف ، وفى كل منها جثث محنطة لآدميين منها الراقد ومنها الجالس وأطول هذه الجثث لأناس من رجال يوم القيامة وإلى جانب هذه الجثث حصير بال وليف النخيل المغطى بالرمال وتقدمنا من ذلك الموضع ما يقرب من خمسين قدما فى

ارتفاع وانخفاض فوجدنا حوضا كبيرا ممتلئا بالماء الصافى وعلى الجوانب الأربعة لهذا الحوض جلست طيور مخيفة تخلع القلوب ببشاعتها تشبه العقبان والأوز وعندما رأتنا بسطت أجنحتها فسمعنا ما يشبه الرعد وكأنما سالت أدمغتنا من آذاننا وعرت الخفافيش ملابسنا وقال حملة المشاعل : إن المشاعل على وشك الإنطفاء وجملة القول أننا عندما شاهدنا أجنحة العقبان خلعت قلوبنا من الهول والفزع وما استطعنا أن نحرك أقدامنا بخطوة واتفقنا على العودة فهبت ريح عقيم من جانب هذه الطيور لها إيذاء ريح الشتاء قارصة البرد ، وقلنا كيف يكون مصيرنا إذا ما انطفأت مصابيحنا ومشاعلنا ، ولدى خروجنا إذا بنا نرى أن لكل خفاش من تلك الخفافيش فراشة فى حجم الحمامة كانت أجنحتها تصطدم بمشاعلنا ووجوهنا.
وعلى أية حال خرجنا ولدى عودتنا التقينا برفاقنا الذين فروا من قبل وجعلوا يهزأون بنا ويضحكون من وجوهنا الملطخة. ويعلم الله أننا خرجنا سالمين وقد بلغ بنا الجهد مبلغه وأنهكنا التعب والإعياء ، إلا أننا شاهدنا أشياء عجبا ولا يعلم أحد ما وراء هذا الحوض إلا الله. وهكذا شاهدنا الهرم الأكبر فما رأينا خزانة ولا كنزا وإنما رأينا جثثا محنطة دفينة.
إلا أن هذا الهرم طلسم ما فى ذلك شك أو ريب لأننا بهتنا عندما بلغنا هذا الحوض المذكور وعندما خرجنا من الهرم كان قد بلغ منا الإعياء مبلغه ولما تنسمنا الهواء دبت الروح فينا ـ لا يسر الله لنا دخوله ثانية ـ ، بعد ذلك تناولنا الفطور وشربنا القهوة فى خيامنا وطوفنا حول الأهرام الثلاثة.
ويبلغ كل هرم من الهرمين مائتى قدم طولا وعرضا وعلى هذا الحساب يكون محيط كل واحد منها ثمانمائة قدم وبعض الأحجار فى قمته يصل حجمها إلى مائتى باع.
وفى الجانب الشمالى من الهرم الأكبر الباب الذى دخلنا منه ، أما أبواب الأهرام الأخرى فغير ظاهرة. إلا أن هرم أبى الهول غاية فى صغر حجمه إلا أن كلا من الهرمين الآخرين يناطح الفلك. إنها جبال مخروطية الرأس وقد تسلقت الهرم الذى دخلته إلى قمته فكانت ميدانا يتسع لإقامة خيمة ذات عشرة خزائن. وفى بعض الثقوب

الموجودة فى الأحجار عثرت على أوكار الشواهين والصقور والحمام والحدأة ، وبدت القاهرة كلها تحتى. إنها جبال عالية إلى هذا الحد البعيد.
وحول هذه الأهرام العديد من الأبنية المطلسمة مبنية بالحجر الأسود وإذا ما ذكرت أوصافها لمسّت الحاجة إلى كتابة مجلد بتمامه.
تتمة الحديث عن الأهرام
عند ما ذهب المبعوث الذى أرسله المقوقس إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم شرف بالدخول فى الإسلام وهذا المبعوث هو «ذو النون المصرى» الذى ولد فى شرق إخميم بالصعيد العالى وكان فريد دهره فى فصاحته وإبانته ، وبعد أن فتحت مصر دخل ذو النون هذا الأهرام بإذن من عمرو بن العاص وقرأ ما بداخلها من نقوش عجيبة وترجمها إلى اللغة العربية وهذه النقوش هى :
احذر العبيد المعتقين
    والأحداث والجند المتعبدين
  والنبط المستعربين ونص آخر جاء فيه :
يقدر المقدور
    والقضاء يضحك
  أما الهرم الأصغر الذى بناه «قليمون الحكيم» قبل الطوفان ففيه بيت مكتوب هو :
تدبر بالنجوم ولست تدرى
    ورب النجم يفعل ما يريد
  ذكر عجائب الأشكال الطلسمية لأبى الهول
والذى يسمى فى العبرية «بلميب»
رأس كبير من حجر أبيض فى حجم قبة الحمام ، يقع كذلك فى الناحية الشرقية من الهرم الأصغر. ولا وجود لمعالم أخرى لجسم التمثال بخلاف الرأس والجزء الذى خلف الرقبة. فهذا التمثال عبارة عن رأس ليس إلا ، ولهذه الرأس وجه متجه نحو الشرق وحاجب وعين وأسنان وأذن وشفتان وعنق. وهى تتسع لمجلس مائة رجل.

وقد صنع هذا التمثال أحد عباقرة السلف ، وقد صنع بضربات فأسه هذا الرأس وكأن له روحا وكان هذا الرأس يبتسم ، وأظهر الصانع ذوائب هذا الرأس وكأنه عمل السحر المعجز واستعرض مهارته وبراعته فى ذلك.
وفى الزمان الخالى كان هذا الرأس يتجاذب أطراف الحديث مع الغادى والرائح ، فقد كان طلسما. فكان يستنبط الأسرار والغيبيات فيتنبأ بمن سوف يعتلى عرش مصر ووقوع القحط والغلاء وتفشى الطاعون وسقوط المطر واحتباسه ومقدار فيضان النيل وعدم فيضانه وما يحدث وما لا يحدث وكل الغيبيات الخمس.
وعندما ترامت إلى سيدنا موسى الأخبار عن مكاشفة أبى الهول للأسرار الغيبية جاء إليه ـ عليه‌السلام ـ وبعد حوار طويل قال سيدنا موسى عليه‌السلام لأبى الهول :
إنك قادر على نطق كل الكلام ، فأمن بحق رسول الله ، فقال أبو الهول :
إننى لا أومن إلا بإدريس ـ عليه‌السلام ـ وعندئذ دخل موسى غضب لا مزيد عليه فانهال عليه ضربا بعصا فى يده محطما أنفه وفاه ، وقال له : اسكت يا ملعون. ومضى وإلى الآن منذ عهد سيدنا موسى لم يتكلم أبو الهول ، كما أن أنفه وفمه محطمان من ضربات عصاه.
إنه أثر عجيب من صنع الإنسان ، وفى رواية أخرى أنه من صنع السحرة.
لكن الناس يقولون : إن امرأة سرق منها مال كثير ، فسألت هذه المرأة أبا الهول قائلة : من سرق مالى؟ فقال : إن فلانا هو الذى سرقه ، فانطلقت المرأة فى الحال إلى القاضى وكبس بيت الرجل ؛ فوجدوا أموالها غير منقوصة ، فمضى الرجل السارق إلى أبى الهول وصعد رأسه وتغوط عليها ، فبطل أثر الطلسم منذ ذلك الحين وسكت عن الكلام.
إلا أن رواية موسى ـ عليه‌السلام ـ صحيحة ، إذ كان من أولى العزم وبمعجزة ضرباته أصابه البكم والصمم. وأبو الهول الآن رأس يأتى الناس لمشاهدتها.
وعلى مقربة من رأس أبى الهول موضع آخر يستحق المشاهدة. إنه باب دير قد سد بالرمال والغثاء ، ولكن فى العقد الذى يعلو يمنة بابه العديد من النقوش المحفورة على

الرخام. وعلى الرغم من براعتى فى قراءة شتى الخطوط إلا أننى لم أر خطا يشبه هذا فكان من المحال قراءة حرف من حروفها.
طلسم أبى الهول
جاء فى تاريخ ابن جلال أنه عام 781 كان هناك من يسمى «محمد الصوفى» يسكن خانقاه الصلاحية وكان شخصا متعصبا إلى حد جد بعيد ، زاد فى تحطيم أنف وفم أبى الهول مدعيا أنه صنم وقد فعل ذلك دون مراجعة القاضى والاستئذان منه واتفق أن عصفت ريح شديدة فى هذا اليوم فغمرت مزارع الجيزة بالرمال واستحال زراعة الغلال والبرسيم ، فمضى أهل الجيزة بمحمد الصوفى هذا إلى القاضى ، وصاحوا قائلين : إنه غمر مدينتنا بالرمال ، وعندما استجوب محمد الصوفى قال : لقد نهيت عن المنكر.
وما أن سمع الأهالى ذلك منه حتى مزقوه كل ممزق ودفنوه إلى جوار أبى الهول.
وإلى يومنا هذا من أتى لمشاهدة أبى الهول رجم قبر هذا الصوفى الضال.
نعم الله على مصر
لا وجود للجراد قط فى أرض مصر ، وإذا ما جاءها من بلد آخر هلك ، حتى إنه فى عهده (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) أصاب الجراد مكة والمدينة ، وأخطر الصحابة النبى (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) بما أصابهم ورغبوا إليه بأن يدفع عنهم شرّ هذا الجراد ، فبسط صلى‌الله‌عليه‌وسلم يده ودعا الله قائلا : اللهم ادفع هذا الجراد إلى كنانتك مصر. فقال الصحابة (رضوان الله عليهم) : يا رسول الله إن خيرات مكة والمدينة تأتى من مصر ، فإذا بلغ الجراد مصر وأتى على محاصيلها وقع القحط والغلاء. فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن مصر فى حمى الله فإذا ما نظر إليها أحد بعين الازدراء والتحقير وظلمها وعاث فيها فسادا هلك.
وهذا واقع لا مراء فيه ، فإلى الآن لا وجود للجراد فى مصر لأنه إذا بلغها هلك وللجامع الأزهر طلاسم تمنع دخول الحمام والذباب والأفاعى والحيات وغيرها من الهوام ، ومفعول تلك الطلاسم مستمر إلى الآن.

ـ طلسم آخر (السفينة الحجرية):
ثمة قلعة عتيقة تقع داخل قلعة الكبش بمدينة القاهرة ، بالقرب منها زاوية السلطان «جاولى» وأسفل سلم هذه التكية حوض من الرخام الأخضر قطعة واحدة وهو مستطيل الشكل يشبه السفينة. وفى الزمان الخالى كان يركب هذه السفينة الحجرية أربعة أشخاص يعبرون فيها النيل ذهابا وإيابا ، وإذا ما ركب فيها خمسة غرقت وقد جعل لها الكهنة القدماء طلاسما على هذا الأساس ، وقد عرف الناس طبيعة هذه السفينة فكانوا يخافون ركوب أكثر من أربعة فيها ، وكان من يركبونها يمضون فى سرعة البرق الخاطف.
وإلى عهد «كافور الإخشيدى» كانت تلك السفينة تغدو وتروح فى النيل فى طرفة العين. وذات يوم عندما علم كافور الإخشيدى أن هذه السفينة من الحجر والحجر من طبيعته أن يرسب فى الماء فصاح قائلا : كيف إذن لسفينة من الحجر أن تغدو وتروح منذ مئات السنين فى النيل وهى تحمل أربعة رجال ما السر فى ذلك يا ترى؟
فأمر رجاله بشد السفينة من النيل إلى اليابسة فشاهد طلسما أسفل هذه السفينة وكان عبارة عن سطر باللغة العبرية وصورة سمكة وصورة شعير ولا شىء سوى هذا فاستدعى جميع علماء مصر فما استطاعوا فك رموز هذا الخط. ثم أعادوا السفينة الحجرية إلى شاطئ النيل وركب فيها أربعة أشخاص ودفعوا بها فى النيل فغرقت بمن بها. وربما تكون غرقت بسبب بطلان تأثير طلسمها عند ما أخرجوها إلى اليابسة أو أن يكون أحد قد تعلق نظره بها فحسدها.
وهذه السفينة الحجرية المذكورة موجودة إلى الآن أسفل سلم زاوية السلطان الجاولى وهى حوض مملوء بالماء الزلال ليل نهار وتشرب منه دواب الغادى والرائح ، ومع ذلك يظل ممتلئا ، ولا يعلم من أين يأتى ماؤه. ولوقوع هذا الحوش على الطريق الرئيسى لبولاق فهو يسترعى نظر المارة. وعلى الجوانب الأربعة لهذا القارب كتب ترتيب ديوان سيدنا سليمان ـ عليه‌السلام ـ وكتب أسماء كل ذى روح من إنس وجن وحيوان وطير وكأن هذا الخط خط بهزاد وشاه قولى. إنه ديوان يستحق المشاهدة يخلب لب من

يشاهده ، ويتسع لعقد مائة ديوان فى آن واحد. وحكم الإنس والجن والوحش والطير لم يدم لسليمان. تلك هى الدنيا التى لا تدع شيئا إلا ما سوى إلا ما سوى الله. اللهم يسر.
من خواص أحجار مصر
ثمة حجر لامع يضرب لونه إلى الحمرة يوجد فى الجبل الأخضر بمصر ، إذا ما وضع هذا الحجر فى أفران الخبز أكسب الخبز حمرة وعجل بنضجه. إلا أننى لم أشاهد ذلك ولكن نقلت ذلك عن بدو البهيجة وحنادى عندما ذهبت لتسجيل أسماء حجاج المغرب بتكليف من إبراهيم باشا فى حوش عيسى ، كما قالوا إنه يوجد كذلك لدينا فى «عز الدين».
طلاسم أم القياس
على الجوانب الأربعة لحوض أم القياس خط غريب عجيب بتأثيره ما إن يحل شهر «توت» القبطى إلا وتسقط النقطة فى بداية هذا الشهر ويفيض النيل.
ـ طلسم آخر :
أقام سيدى الشيخ البطرانى هيكل تمساح فى حوض أم القياس ورسم على صدر هذا التمثال طلسما ، ومنذئذ لا تمر التماسيح من أم القياس ، وإذا ما مر تمساح مع فيضان النيل انقلب على ظهره ونفق. وفى تلك الأماكن يبتلع التمساح من خوفه الحجارة فيثقل إلى أن يمضى فيضان النيل وتصفو مياهه ويهبط التمساح إلى قاع النيل ويعيش على الطين طيلة ثلاثة أشهر ثم يعود من أم القياس وينجو بذلك من الطلسم.
من تنبؤات المنجمين
ثمة دير عظيم عند باب القصر بمدينة القاهرة ، وهو الآن مدرسة ، وصنع كهنة السلف فى هذا الدير وجها من النحاس عليه نقاب مذهب ، ونبى آخر الزمان يكون صاحب هذا الوجه وسيكون لأمته ملك مصر يقيمون فيها العدل ، ومن سيفتحها من الرجال بعده صلى‌الله‌عليه‌وسلم عام 18 هو عمرو بن العاص وزير الفاروق عمر بن الخطاب هذا ما ورد ذكره على الرخام الأبيض لصورة شخص ذى خرقة صفراء فوق جمل أبيض وعلى صورة سيدنا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم كتب على الرخام الأبيض آية من الإنجيل باللغة اليونانية معناها هو :

أن هذا الرجل من أبناء آزر وهو نبى واسمه محمد يملك الدنيا والآخرة.
ولكن عندما حاصر عمرو بن العاص مصر طمس النصارى صورة سيدنا عمر المنقوشة على الرخام.
طلاسم القلعة الداخلية
فى قاعة ديوان قلاوون بالقلعة الداخلية ثمانية وأربعون عمودا ينتهى كل منها بطلسم عظيم وقد سبق ذكر ذلك فى مجمل حديثنا عن أوصاف القلعة الداخلية.
وفى مصر مئات الآلاف من العجائب والغرائب رأيت منها مئات تخلب لب من يشاهدها والله أعلم.
ذكر ما فى مصر من أطعمة وأشربة ونباتات
وثمار لا وجود لها فى بلاد الترك
فى مصر سبعة عشر نوعا من التمر لا وجود لها فى بغداد ولا البصرة ولا الإحساء فهى لا وجود لها إلا فى مصر وحدها وهى غاية فى لذة الطعم.
النوع الأول : وهو التمر الأبيض ومنه ثلاثة أنواع ، منها نوع مستطيل يشبه تمر بغداد ذى النواة وهو كالسكر وهو كذلك رطب يذوب فى حنك الإنسان.
النوع الثانى : وهو أقصر منه ونواته فى حجم حبة القمح وهو كذلك رطب مثل ثمار المشمش.
والنوع الثالث : أبيض عادى تنبعث منه رائحة المسك.
إلا أن هذه الأنواع الثلاثة من التمر تجف من شدة الحر ، ولا تحتمل النقل من بلد إلى آخر لأنها طازجة رطبة ، تباع رطبة طازجة ولكن لا تباع على النطاق الأوسع.
وهناك «التمر الأصفر» وهو كذلك له أنواع وهو غاية فى لذة طعمه وهو لا يجف طالما كان نظيفا ويباع طازجا.
وهناك كذلك «التمر الأحمر» وله أنواع خمسة منها نوع بلدى وهو تمر نظيف لطيف يرتوى بماء النيل فى مدينة القاهرة ومنه ما يسمى السلوانى والمدنى والحموى والشامى والبستانى والرطب منه غاية فى اللذة وهو مقو. وعلاوة على هذه الأنواع هناك نوع

بنفسجى اللون ينضج فوق نخيله فيصبح مثل «المصطكا» وهو غاية فى اللذة.
و «التمر الأسود» ثلاثة أنواع ، منها نوع جاف ثماره كالحصى ، يضعونه فى جلود الإبل ليحمل إلى القاهرة وغيرها من البلاد ، ولو ترك فى موضع خمس سنوات لما فسد ولا تستطيع الفأرة أن تأكله. وفى البلاد الأخرى ينقع فى الماء ويؤكل فهو غاية فى اليبوسة.
وهناك نوع من التمر هو «التمر الصعيدى» ومنه نحو عشرة أنواع. كما أن التمر الأسوانى لذيذ الطعم. وفى مناطق أسوان والشلال هناك «تمر العاص» ونخلاته تنمو من نواة واحدة حتى تناطح السحاب ، وتمر العاص هذا ينفرق عذقا عذقا ، وأوراقه مفلطحة وثمرته تزن سبعين درهما أو مائة وهى فى حجم قبضة اليد ، ونواته مفرغة يضعون فيها الفلفل ، وثماره ليست لذيذة الطعم يأكلها الفلاحون ، ويملأون زنابيلهم بتمر «الطين» ويحملونها من ولاية إلى ولاية.
وهناك «التمر القدرى» وهو نوع من التمر يشبه التمر «العقيق اليمنى» وهذا النوع صغير الحجم ، لذيذ الطعم إل أبعد حد ، ويصدر بكميات ضخمة فى زنابيل إلى اسطنبول وسلانيك وغيرها من البلاد.
ونوع آخر من التمر يسمى «التمر البرلسى» وهو تمر أحمر اللون كبير الحجم مستدير الشكل لا يقبل الناس على أكله ، وهو رطب يضعونه فى الجرار ويصنع منه «الكامخ» فيصبح غاية فى لذة الطعم ، ويفصلون حامضه عن طازجه ويصنعون منه الخل.
والخل يصنع كذلك من جميع التمور إلا أن الخل المصنوع من هذا النوع غاية فى الجودة.
كامخ البصل
ورائحة كامخ البصل فى مصر تكاد تقضى على الإنسان ، إلا أنه يفيد الفلاحين كثيرا فهو طارد للبلغم.

الجبن القديم
يضعون الجبن فى الملح ويظل فى الجرة خمسة أشهر أو أكثر وعندما تفتح هذه الجرة تنبعث منها رائحة إذا ما شمها تركى تعلق بأذيال الفرار فهى رائحة تكاد تكون قائلة. أما العرب فيحضرون جرار الجبن القديم ويقطعون الخبز ويضعونه فى ماء الجبن وفيه الديدان وكأنها «خشاف» ويضعون فيه الديدان المسلوقة ويأكلونه ويدعو بعضهم بعض إلى هذا الطعام.
الليمون (ترياق السموم)
إنه ليمون صغير مستدير أصفر ، إلا أنه مملوء بالماء الصافى ، وتباع المائة ليمونة منه بپاره واحدة ، إلا أنه ترياق للسم وينقذ حياة المسموم.
الليمون الحامض
وهو كذلك موفور فى مصر ، ويأتى على مصر أحد العاملين فى مصنع الحلوى بالأستانة لعصر كميات من هذا الليمون وصنع مئات الزجاجات من الشراب الممسك للسلطان.
وهناك «النارنج» إلا أنه حامض ، والليمون الحلو كثير ، وهناك التين والرمان وسبعة أنواع من العنب والخوخ والمشمش ، ولا وجود للمشمش «اللوزى» وهناك البرقوق والزيتون إلا أنهما قليلان ، وتأتى الكمثرى والسفرجل بكميات ضخمة من الفيوم. وتأتى السفن من طور سيناء إلى السويس محملة بالتفاح والكمثرى والسفرجل وتحملها الجمال إلى القاهرة لأن التفاح فيها قليل ، أما الموز فموفور ، أما الجميز فهو وفير جدا ولا تنمو ثمرته على الأغصان وإنما على الجذع الضخم ، إنها شجرة عجيبة ، لها ثمرة تشبه ثمرة التين ، والأبيض والأصفر والأحمر منها غاية فى لذة الطعم ، وإن كانت تبدو فى هيئتها كأنها ثمرة تين إلا أن داخلها مفرغ ولا بذرة فيها. وتنمو المائتان والثلاثمائة من شجرة فى موضع واحد ، ويباع محصول مائة شجرة بپارة واحدة. وهو فى جنبه مشقة يصعد الناس شجرة بسلم قبل أن ينضج ويختنون كل ثمرة بسكين فتنضج الثمرة لذيذة الطعم وإذا لم تختن الثمرة فهى لن تكون لذيذة. إنها ثمرة لها رائحة المسك ، سهلة الهضم ومقوية.

ولكى لا يأكل العصفور هذه الثمار يحيطون الجذوع المثمرة بشبكة صيد فتأمن من الطيور ، وظل هذه الشجرة بقعة طيبة النسيم لا تنفذ إليها حرارة الشمس ومن استراح فى ظلها شعر بالنشاط وكأنه لم ينم.
فاكهة النبق
فى حجم ولذة ثمرة ال «الج» فى تركيا ، إلا أن الثانية داخلها ست بذور فى حين أن فى النبق بذرة واحدة ، وهى تنمو فى موسم الشتاء وثمرة فى حجم ثمرة الجوز ، ومنها الأحمر والأصفر والوردى ، وهى شجرة مرتفعة تعمر طويلا وفى تكية «منصور الأنصارى» بمصر القديمة شجرة نبق سامقة عمرت ألف عام وتؤتى أكلها فى كل وقت نواة النبق كنواة الكرز ولذلك يسمون كرزنا النبق وطبيعته قابضة.
فاكهة ( ) (1)
إنها فاكهة عجيبة فى لذة تمر طرابيزون فى بلاد الترك ولكنها لزجة فى فم الإنسان كأنها الغراء ، إلا أنه لذيذ مقو وأشجاره سامقة.
الخيار شنبه
أشجارها تشبه شجر الجوز وأوراقها كذلك تشبه أوراقه ، وله أزهار صفراء.
ثمارها طويلة كالسوط يبلغ طولها ذراعا أو ذراعين ، وهى تشبه الثعبان فى طولها وفى أول نموها تكون خضراء وعند نضجها يسود لونها وبداخلها عقد من العسل الأسود.
يضيفها الأطباء إلى المعاجين ، فهى ملينة ، كما يصنع منها المربى وبعض الأدوية الجيدة. وعند ما تكون الثمرة ما زالت زهرة صفراء يصنعون منها الخميرة والمربى. إنها فاكهة مفضلة لدى العوام من الناس وخواصهم. إلا أن كل أشجارها تحتكرها الحكومة وأصحابها لا يستطيعون قطف ثمرة من ثمارها فهى أمانة عندهم للحكومة وتدفع لأصحابها أقجة واحدة على السبعة عشر حملا منها ، وثمارها تحت تصرف الحكومة ، وتصدرها لملوك الأستانة ، وتحصى ثمارها ثمرة ثمرة وهى ما زالت فوق أشجارها ويقيد ذلك فى دفاتر حتى إذا ما نقصت منها ثمرة غرّم صاحب البستان.
__________________
(1) بياض فى الأصل.

شجرة السرو
وهو فى مصر كثير ، كما توجد شجرة «دلب الفسدق» وهى موجودة فى حديقة «نقيب الأشراف» ، وشجرة «الصنوبر» وهى كذلك موجودة فى حديقة نقيب الأشراف ولا وجود لسواها.
شجرة الجوز
شجرة فى حقل نذير أغا فى عمق قلعة الكبش ولا وجود لسواها ولكنها تكثر فى مدينة الفيوم.
شجرة السبحة
قريبة الشبه من شجرة الجوز إلا أن أوراقها صغيرة ، تنمو على غصونها التى تشبه السبحة. وتثقب ثمارها عندما تنضج وتصنع منها السبح ، ومن يشاهدها يعجب لإبداع الخالق قائلا : سبحان الله الذى خلق هذه الشجرة المستديرة التى تصنع منها السبح لذكر اسمه.
شجرة السنط
أشجار سامقة فى غلظ رجلين ، أوراقها كأوراق شجرة الكرز إلا أنها لا تؤتى ثمارا. تصنع السفن من خشبها وتحرق وقودا ، ولا رماد لها ، وجمارها حمر. إنها شجرة صلبة ، تستخدم أوراقها لعلاج الإسهال ، فتدق فى الهاون وتخلط بالعسل وإذا ما تناول شخص خمسة دراهم من هذا الخليط على الريق شفى من الإسهال.
وأخشابها غاية فى الصلابة حيث تصنع منها سفن تعمر مائة عام فى البحار. وبعض الأبنية العتيقة التى مضى على بنائها ألف عام أو أكثر أسسها من هذا الخشب. ومن ثم لا وجود لأشجار فى صلابة السنط والبقس ، ومن الناس من يسميها «أشجار العالم الجديد» ، إلا أن جو مصر يغير لونها.
شجرة الساج
ليست شجرة كبيرة ، أوراقها كأوراق شجرة الكرز وهى دائمة الخضرة ، تكثر على ضفاف النيل وهو شجر يقبل أهل مصر على زراعته ، إلا أنه لا يؤتى ثمارا.

شجرة الحناء
شجرة فى حجم شجرة البرقوق التى فى بلاد الترك ، ولها نوع خاص من النّور زكىّ الرائحة ، ويقدمها البستانيون هدية إلى الأعيان ، ولكن ليس لها ثمار ، إلا أن رائحتها تهب الروح. وهى ليست الحناء التى تستعملها النساء.
شجرة الحناء (حناء يد وقدم النساء)
تكثر فى مدينتى بلبيس والقرين ، إنها أشجار قصار ، ترتوى على الدوام بماء السواقى ويجمعها النساء والأطفال فى موسم حصادها يقطفون أوراقها وتطحنها الطواحين وتصنع منها الحناء فتصبح فى لون الياقوت الأحمر. وكنت أسرّ عند ما أشاهدها فى كعب العجائز من نسائنا.
شجرة الصفصاف
وهى كثيرة ، وأوراقها مفيدة لمرضى اليرقان ، فتسحق أوراقها فى هواوين خشبية لاستخلاص مائها ، وإذا شرب مريض منه كأسا فى ليلة مقمرة شفى من اليرقان فى الصباح.
شجر الحور
يوجد فى البساتين هنا وهناك.
وشجر «العلك الأسود» منتشر هنا وهناك كذلك.
شجر التوت
وثماره منها الأبيض والبنفسجى والأسود الحامض ، إلا أن أشجار التوت المحيطة بقصر ذى الفقار بك أمير الحج على ضفة بركة الفيل لا نظير لها فى الدنيا ، بأسرها وجذعها فى غلظ أربعة أشخاص وأغصانها تظل ما حول القصر وتحت جميع أغصانها أكثر من أربعين عمودا وظلالها كأنها قاعة ديوان عظيمة. وعلى مصطبة تلك الحديقة مكان يتسع لتناول ألفين طعامهم. وثمارها لذيذة الطعم كأنها اللؤلؤ ، وهى غزيرة العصير.
ومجمل القول أنه لا وجود لمثل ثمار هذه الحديقة فى الدنيا.

شجر الآس
إنه كثير إلا أنه لا يثمر كآس حلب.
شجر (اتله)
أوراقها كأوراق شجرة السرو إلا أن خشبها ليس مثقوبا كخشب السرو ، كما أنها كذلك لا تثمر ، ويستخدم خشبها فى أعمال البناء ، كما تستخدم حطبا.
شجر التمر الهندى
ينتشر هنا وهناك فى الحدائق ، وهو يثمر.
شجر الجميز
ذكر آنفا.
شجرة السيسبان
إنه نوع من الأشجار الصغيرة التى لا تعمر طويلا ، يزرع حول حقول قصب السكر ، ولنّورته رائحة إذا ما شمها الفأر أو ابن عرس لم يدخل حقل القصب ليأكله ، ويضاف فحم هذه الشجرة إلى البارود.
وكم من أشجار أخرى توجد فى مصر إلا أن الكلام بذكرها يطول ، لذا اكتفينا بذكر ما سلف من أشجار.
* * *

الفصل السابع والخمسين
ذكر النباتات المأكولة فى أرض مصر
ـ الموز :
شجر عجيب ، إذا قلت إنه شجر فليس بشجر ، لكن طوله كطول الشجر ، يطول فى كل عام بمقدار قامة شخصين ، وجذعه فى غلظ الرجل ، وداخله مملوء بالماء ، وهو يطرد ماء الاستسقاء على نحو ما قيل عنه. وأوراقه فى حجم اللحف والبسط وتشبه الأعلام الخضر وبين أوراقه إلى ذروته عناقيد الموز ، وفى كل عنقود ما يقرب من مائتى ثمرة منضدة بعضها فوق بعض وعندما ينضج يصبح وكأنه قطعة من الماس وعندئذ يقطف للأكل ويكون الموز أخضر فى بداية نموه. وعلى الرغم من أنه قريب الشبه من الباذنجان إلا أن ليس به بذور ، بل إن ثمرته ممتلئة بالمعجون وهو مقو ، وقشرته تسلخ من أعلى ، وإذا ما أكل مع السكر كان أكثر لذة فى طعمه. وإذا ما تناول منه الإنسان خمس ثمرات أصبح فى غنى عن أكل اللحم وهو مشبع سهل الهضم ، وثمرته غنية بمنافعها فهى تقوى البدن وتزيد من المنى وتقوى الإبصار.
ويقال إنها خلقت كرامة لسيدنا أويس (1) رضى الله عنه فعندما استشهد السّنّة الشريفة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى غزوة أحد ، وتناهى إلى سمع أويس ذلك الخبر قام بخلع أسنانه الاثنين والثلاثين محبة فى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو يقول : أهذه السّنّة التى استشهدت أم تلك وعندما طرح أسنانه على الأرض نبتت هذه الأسنان موزا بقدرة الله تعالى وانتشر الموز من اليمن إلى سائر البلدان الأخرى.
__________________
(1) هو أويس القرنى خير التابعين كان برّا بأمه ، مؤثرا للعزلة وخمول الذكر يستخفى من الناس حتى لا يعرفوا حاله مع الله وكان ـ رحمه‌الله ـ مجاب الدعوة ، أمر النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ عمر ـ رضى الله عنه ـ إذا لقيه أن يستغفر له ، فلما لقيه عمر فى خلافته ذكر له ما كان من قوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم فاستغفر له. والخبر فى صحيح مسلم ، كتاب الفضائل (101) باب من فضائل أويس القرنى رضى الله عنه. والحكاية الواردة هنا عن أويس وإن لم تكن مستبعدة فى حق من يأخذه الحزن لفقد عزيز ؛ فقد حلقت الخنساء شعرها حزنا وكمدا على أخيها ، فما بالنا والأمر متعلق بالحبيب صلى‌الله‌عليه‌وسلم إلا أن هذا قد يكون من قبيل كلام القصاص ؛ فإنه لم يلق النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو فى عداد التابعين ولم يدرك أحدا.

هذا ما رواه علماء اليمن وأجمعوا عليه.
إلا أن شجرة الموز تنبت من الأرض كقصب السكر وتثمر مرة واحدة ثم تقطع ، هكذا خلقت. وتكثر أشجار الموز فى بيروت ، تحتكرها الحكومة ولها ناظر خاص ، كما أنه يكثر فى دمياط والقاهرة.
ـ الخيار :
يزرع بكثرة ولكن تمس الحاجة إلى استيراد بذوره من الشام كل عام ، لأن بذور الخيار التى نمت فى مصر السنة الماضية أثمرت عجورا ، ولذلك تستورد بذور الخيار من الشام فى كل عام.
ـ العجّور :
يشبه الخيار كذلك ولكن ثمرته عوجاء.
ـ القثاء :
وهى كذلك أحد أنواع الخيار ، وهى مرطبة ، وقد ورد ذكرها فى القرآن الكريم.
ـ البطيخ الأصفر :
أى الشمام ، هناك سبعة أنواع منه فى مصر وهو يزرع ويحصد ثلاث مرات فى العام ، وهناك الشمام الأخضر والذى كان فى بدايته يسمونه «دوميرى» ، وهو مستدير ولذيذ الطعم وثمة نوع آخر يسمى «الشلابة» يزرع فى أراضى الخانكة وهو لذيذ الطعم غاية فى امتلائه بالماء.
ـ البطيخ :
يزرع بكثرة فى جميع المدن ، إلا أنه صغير الحجم ، ولكن بطيخ البرلس كبير وقشرته رقيقة وداخله نسيج أحمر ياقوتى ممتلئ بالماء.
ـ البطيخ الأزرق :
وهو كذلك أحد أنواع البطيخ ، إلا أنه فارغ الداخل ويطرحونه فى البرية فى بلاد الترك غير أنه يباع بدينار ذهبى فى بعض أحياء مصر ، إذ إن جو مصر يجعله يهب الحياة فإذا ما أصابت إنسان حمى محرقة وشرب فنجانين من ماء هذا البطيخ الأزرق أصبح

جسمه كأنه قطعة من ثلج ، يا لها من حكمة عجيبة. وفى تذكرة داود ذكر لفوائده التى يعجز الوصف عنها ، ولا وجود لهذا البطيخ إلا فى مصر.
ـ البطيخ (عبد اللاوى):
وما يعرف بعبد اللاوى يشبه الشمام فى طعمه. إنه شىء عجيب عندما يستدير ينقسم رأسه إلى جزئين أو ثلاثة ويصبح كل جزء منها كأنه ثعبان أرقط ، وفيه بذور تشبه بذور الشمام ، إلا أن طعمه يميل إلى الحموضة قليلا وطبيعته مرطبة وهو مدر للبول وبما أن له هيئة الثعبان يأكله الإنسان متكرها.
وقد جاء فى كتب الطب إنه خلق بفضل معجزة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم والسبب هو :
حكاية
يحكى أن كفار قريش ذهلوا عند ظهور النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فبالغوا فى مهانته إلا أنهم عجزوا عن الانتقام منه ، فلجأوا إلى الحيلة والمكيدة فأحضروا صندوقا فيه عقارب «كاشان» من بلاد الفرس وهى عقارب تنفذ إبرتها فى الحجر ، والعقرب الكاشانى فى أيامنا تلك له واسع الشهرة فى شتى أنحاء الدنيا.
ثم أحضر ملاعين قريش هذا الصندوق وبعض الهدايا إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى تلدغه العقارب عند فتحه للصندوق. فقال صلى‌الله‌عليه‌وسلم : ما هداياكم تلك. فقالوا : يا محمد إن هدايانا نوع من الشمام ظهر حديثا لا علم لنا باسمه.
فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : سموه «عبد اللاوى» فقد كان صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحب الشمام كثيرا ، وهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بفتح الصندوق أمام رهط قريش ذاكرا اسم الله تعالى فأصبحت العقارب الموجودة فى الصندوق «عبد اللاوى» فأكل منها صلى‌الله‌عليه‌وسلم قائلا : بسم الله ووزع منها على صحابته ورأى كفار قريش هذا فآمن منهم سبعون فى التو ، أما بقيتهم فقالوا : يا محمد إنك لساحر. ومضوا وبقوا على ضلالتهم. (وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) [الإسراء : 97].
وتلك هى معجزة «عبد اللاوى» وهذا هو السبب فى أنه على هيئة الأفعى والعقرب. ولا وجود له إلا فى مصر.

ـ العجور الأخضر :
وهو كذلك مثل عبد اللاوى إلا أنه أخضر وأشكاله معوجة مثله كذلك ، وفيه بذور ، وطبيعته مرطبة ، وطعمه لا يشبهه طعام آخر. يسمى فى بلاد الترك «القرع المصرى» ويسمى فى مصر «القرع التركى». إنه قرع مستدير ينتشر بين فقرائنا ، ومنه قرع الماء والقرع الأفرنجى وقرع الألواح وهى كثيرة.
ـ حب اللذيذ (1) :
ينمو على ضفاف النيل وهو يشبه الحمص ويميل لونه إلى الصفرة وهو بقل لذيذ ومقو.
ـ قصب السكر :
يزرع بكميات ضخمة فى جميع القرى وهو محصول عظيم.
ـ القلقاس :
نبات أسود يشبه فجل بروسه يأكله الفقراء وطعمه لذيذ مثل «أبى فروة» (2).
ـ القنابيط :
يشبه الكرنب ، لكن له أزهار صفر.
ـ التين الأفرنجى (الشوكى):
أشجاره خضراء والواحدة منها طول رجلين وهى تشبه الكف يلتصق بعضها ببعضها وأوراقها سميكة كالكف وعلى أطراف أوراقها الخضر تنمو عشرات من ثمار التين ومنه الأصفر والأحمر وتكون مغطاة بالأشواك. ويستخدم دواء كالتين ، إلا أن طعمه لا يشبه طعم الفاكهة وهو مقو للغاية.
ـ لوز النبى :
شجر قصير كشجر السمر وفى كل شجرة لوزتان أو ثلاث ، وهو يشبه اللوز فى طعمه. وقد خلق هذا النبات كرامة للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم عندما قدم إلى الشام للتجارة ، وهو يكثر فى أرض مصر. إنه مقو ولذيذ.
__________________
(1) يقال له حب العزيز.
(2) أى الكستناء.

ـ الملوخية :
عشب أخضر يشبه النعناع ، يطهى كالسبانخ ، يسميها بعض الظرفاء «ملوكية» لشدة حبهم لها أى أنها طعام الملوك. إنها سريعة الهضم مقوية وهى طعام الزنوج وهى مفيدة للطواشية.
ـ البامية :
نبات فى حجم رصاصة البندقية ، وجلد ثمرتها شائك ولكن إذا طبخت زالت أشواكها. عندما تطهى مع اللحم ويضاف إليها عصير الليمون كانت طعاما عظيم الفائدة. وبداخل ثمرتها بذور تشبه بذور العدس ، والبعض يطبخها بالثوم والماست ، إنها طعام عجيب لذيذ.
ـ الثوم :
نبات ضار وسم زعاف ، لذا لا يقبل عليه الناس والكل يستخدم الثوم التركى ولا وجود لشىء أرخص من البصل والملح.
ـ الكتان :
يزرع بكثرة ، إلا أن أجود أنواعه التى تزرع فى الفيوم والنهارية ، وتباع الكرة من خيطه بخمس عشرة پاره. إلا أن قماشه لا يتحمل ، ويلبس قميص الكتان شهرين فقط.
ـ النيلة :
عشب لونه بين الزرقة والخضرة ، عندما يكتمل نموه يطهى فى أوان كبيرة ، ثم يدق بالمطارق الخشبية فينضح ماؤه فيؤخذ ماؤه ثم يوضع على النار حتى يغلى وترسب زبدته فى قاع الإناء ثم يحول إلى أقراص ويباع لبائعى الأصباغ. وتباع الأوقية منه بأربعة قروش ، ويقال إن هذا العشب لا وجود له فى بلاد الهند.
ـ البرسيم :
عشب ينبت فى اليوم التالى من زراعته بمقدار شبر ، وهو مرعى جميع المواشى ولولاه لما كان فى مصر مرعى.

ـ القصب الريحانى :
قصب طويل ، رقيق فيه عقد ، يصنع منه غليون التبغ.
ـ الحصير المصرى :
وهو من شتى الألوان ، ويصنع منه حصير الفيوم والبحيرة وتباع الواحدة بأربعين قرشا أو أكثر ، وهذا الحصير لا وجود له إلا فى مصر وحدها دون غيرها من البلاد ، وبعض الصناع المهرة يصنعون حصيرا وكأنه سحر معجز.
ـ الترمس :
نبات مستدير مفلطح يشبه الفول ، ينقع فى الماء المملح ويؤكل ، والبعض يطبخه والبعض يطحنه ويصنع منه دقيقا يمسحون يديهم به بعد الفراغ من تناول الطعام ويغسلونها بالماء فهو يزبل الزهمة من اليد. وتستعمله جميع عائلات مصر بديلا عن الصابون فى غسل أيديهم بعد الطعام فهو ذو رائحة زكية. وبعض السمان يدخلون إلى الحمام ويمسحون جسمهم كله بهذا الترمس فيزيل ما علق بأجسامهم من أوساخ ويجعل أجسامهم ناعمة وكأنها الفالوذج ، ولذا فإن جميع حسان مصر يمسحن أجسامهن به فى الحمام إلا أنه ليس من أدوات الاغتسال.
ـ الغاسول :
أحد أنواع الصابون وهو نبات ينمو على ضفاف ترعة «الناصرية» المؤدية إلى الإسكندرية ، يكوم هذا النبات تلالا تلالا فى مكان واحد وتضرم فيه النار فيتحصل من ذلك رماد يصنع منه الزجاج بمشيئة الله.
وقد لا يحرق فى النار ويسحق فى هواوين ، ثم يخلط بالطين ويشكل على هيئة أقراص تغسل بها الملابس فتبدو لها رغوة كالصابون تنظف الملابس وتجعلها ناصعة البياض ، إلا أنه لا يصلح لغسيل العمائم والقمصان الرقيقة.
والسر العجيب أنه عشب يحرق فى النار فيصير زجاجا ويخلط العشب بالتراب فيصبح صابونا. إنه ما يعرف «بالغاسول» يفعل الله ما يشاء.

ـ الحلبة :
حبة مثل حبة العدس ، توضع فى صرر من البز وتنقع فى الماء فتنمو كأنها شعر العرب وتصبح بيض الأفنان يأكلها الصبيان ، كما يصنعون منها حساء. وطعمها لذيذ للغاية.
وفى مصر القمح والشعير والفول والحمص والعدس والقطن والأرز والسمسم أكثر منه فى البلاد الأخرى وأرز مصر ألذ من أرز الهند ، وروان ونيلان وحبته أكبر ، ويقال إن أرز المنزلة وفراسكور لا نظير لمثله على وجه الأرض وليس فيه حصى ، وأجود أنواع الأرز فى مصر هو الأرز السلطانى الأبيض.
ـ النطرون :
شىء يشبه الملح ، لندرة الحطب فى مصر يضعون هذا النطرون إلى الطعام فينضج اللحم وغيره فى طرفة العين ، إلا أن أعيان مصر لا يقبلونه ، وعلى الرغم من أنه ينضج الطعام بسرعة إلا أنه يسبب تورم الخصية لمن يستعمله فيمشى يتبختر وكأنه صاحب الدولة ، ولذا فأغلب أهل مصر مصابون بتورم الخصية ويسميهم الظرفاء أصحاب الدولة ، وأثناء الكلام إذا قلت لأحد المصريين «بخ بخ يا صاحب الدولة» دخله شديد الغضب لأن ذلك يعنى ـ بأسلوب مهذب ـ أنه متورم الخصية.
ثمة ثلاثة أديرة للقبط تقع على صخور قائمة فى الجانب الغربى من كشوفية طرّانة بالبحيرة ، أمام تلك الأديرة الثلاثة بحيرة عظيمة يأتى كل النطرون منها محملا على الجمال ، وهو الآن تحتكره الحكومة. وقد بقى هذا النطرون من أموال قارون على وجه الأرض. والنطرون شىء عجيب ، وإذا سقط الفرس أو البغل أو أى شىء آخر فيه ابتلعه النطرون ، ولا وجود له إلا فى مصر دون غيرها من البلاد ، ويصدر منها إلى جميع أنحاء العالم ، ويستخدم فى بلاد الترك فى مصانع الزجاجات فهو يصهر الزجاج فيجعله كالماء.
وفى مصر تلد الشاة ثلاث مرات فى العام ، ولا تقل الخضروات فيها قط فى صيف أو شتاء.

ذكر الأشربة المصرية
ـ السوبيا :
أى بوزة الأرز التى سبق وصفها فيما تقدم.
ـ المازة :
بوزة تصنع من القمح إلا أنها مشروب لعين مسكر للغاية.
ـ البربريس :
شراب يصنع من الزبيب الأسود يضاف إليه السكر والتوابل.
وعرق التمر وماء العسل ليسا كمثلهما فى بلاد الترك ، وهما مسكران للغاية لعنهما الله.
ـ خمر البانجو :
ينقع الحشيش مع العسل التركى ويتخمر ليلة ويصفى فى الصباح بمنخل فيصبح خمرا خضراء اللون من شربها لم يميز رأسه من قدمه.
ـ ماء الأسرار :
خليط من الحشيش مع حلوى خليل الرحمن ، ينقع فى ماء الورد يومين فيصبح براقا ويخرج منه غثاؤه ويباع فى كؤوس فى ميدان الروملى ، ومن شرب منه كأسا أفشى ما فى طويته من أسرار.
ـ عصير العرقسوس :
تستورد جذوره من بلاد الترك وتسحق فى هواوين وتنقع فى الماء ليلة ثم تصفى فى مخلاة خيل جديدة فتقطر قطرات حمراء صافية تشرب. إنه مشروب غير مسكر.
وقد ذكر داود فى تذكرته سبعين فائدة له ومن أعظم فوائده أنه يطهر المثانة ويدر البول ، كما أنه طارد للبلغم ، فالبلغم فى جسم أهل مصر كثير كماء النيل ، كما أنه خافض لدرجة حرارة الجسم ويقول داود فى تذكرته كذلك : إنه لولا شرب المصريين

للعرقسوس لأصابهم الجذام من شدة الحر ، فالمصريون جميعا يشربون العرقسوس فى الغدو والآصال.
فى الواقع أنه مشروب عظيم الفائدة حقا.
ـ عصير التمر هندى :
إنه كذلك مشروب لا وجود له إلا بمصر لا وجود له فى غيرها ، وهو غير مسكر إلا أنه منشط للكبد ومدر للصفراء وطعمه يميل إلى الحموضة.
والأشربة فى مصر كثيرة ، أما ما ذكرناه منها فهو مبلغ علمنا بأنواعها.
* * *

الفصل الثامن والخمسون
ذكر ما لا وجود له فى مصر من حرف وأطعمة ونباتات وغلال
إن عدد المصابين بالرمد فى مصر ما لا يعلمه إلا الله فى حين أنه لا وجود لكحال ماهر فيها ، وجيادها كثيرة فى حين أن لا وجود فيها لبيطار ، ومرضاها كثير فى حين أنه لا وجود لطبيب يعالجهم ، وكثير منهم تورمت خصيته حتى تمزقت ولا يجد له جراحا ، ورجالها كثير فى حين أنه لا وجود لحاكم يحكمها ، وما أكثر المعاندين فيها فى حين أنه لا وجود لمن يتفوه بكلمة طيبة ، وجندها كثرة فى حين أنه ليس لهم ضابط ويتملقون جندهم ، وما أكثر القائمين على جباية الضرائب فى حين أنه لا وجود لمحاسب ذى ضمير. وهذه العبارات أصبحت أمثالا تضرب فى مصر وهى تدور على ألسنة الناس.
ـ ما لا وجود له فى مصر من مأكولات وحبوب :
ومما لا وجود له فى مصر من المأكولات والحبوب هو الدوسر والمعلس واللازوط والجلبان والعليق والزعفران والبندق والفستق والكرز ، والكرز الحامض والبشملة والفاكهة الجافة والفراولة والقرانيا والمشمش والقسطل.
ـ ما لا وجود له فى مصر من أشجار :
ولا وجود فى مصر لشجرة واحدة من أشجار الأرغون والدلب والحور وشجر الشذا والغضا والبقس والقرانيا والعرعر والزيزفون البرى والسندر والأرز وشجر الملح والبلوط واللبلاب والبندق والصفصاف ، وتمس حاجة مصر إلى ما يأتى من بلاد الترك من أخشاب البناء فى السفن. ولقلة الحطب فى مصر يباع الحمل منه الذى يزن ثمانين أوقية بأكثر من عشرين پاره ، وفى بعض أحياء مصر تباع الأوقية بپارة فى دكاكين العطارين وكأنها توتيا. ويستورد التجار الحطب من تركيا ولا يدفعون عليه المكوس. ولذلك فإن جميع أعيان مصر وأثريائها يحرقون روث الماشية وجميع أهلها يحتاجون إلى البراز.

بيان ما لا وجود له فى مصر من معادن :
فالحديد والنحاس والرصاص والقصدير والفضة والزئبق لا وجود لها فى مصر.
ـ أما المعادن الموجودة بها فهى :
الذهب ويوجد فى جبل «بجاميم» بعيون موسى ، إلا أنه قليل الفائدة ، والزمرد وهو متوفر فى ولاية الصعيد العالى ويقوم باستخراجه «على بك الجرجوى» ، والذهب الخالص فى أرض النوبة. وعلى ضوء ما أورده العلماء والمؤرخون إن ثمة سبعمائة منجم للذهب فى ولايات الجبل الأخضر وأوجله وجزيرة مصر ، والكثرة المطلقة من هذه المناجم توجد فى ولاية الزنوج بين أناس من الناس كالبهائم ، وفى ولاية «ماى بورنو» يبادلون حمل بغل من الذهب بمثله من حمل الخرز. وقياسا على ذلك إن الذهب لديهم شىء لا يرغب فيه.
ويوجد فى مصر كذلك الجبس ، وقد أسلفنا ذكرا لكثير من المعادن ، بيد أنه فى مصر آلاف من المعادن التى لم تكتشف بعد.
ـ أنواع الأزهار فى مصر :
إن أول حديقة أنشأت فى مصر للتى فى جزيرة الروضة قبالة مصر العتيقة ثم أنشأت بعد ذلك الحدائق العامرة حتى أنشأت حديقة «طوب اتان» أى مطلق المدفع ، وهى حديقة كأنها جنة إرم ذات العماد ثم توالى إنشاء كثير من الحدائق وفيها الآن تكثر الورود والرياحين والبلابل ، ويستخلص ماء الورد من وردها وهو ذكى الرائحة.
وأزهار القرنفل والبنفسج والياسمين الفل والريحان والريحان المكى والريحان اليمنى والريحان الحنائى والصدف والنرجس والخيرى والنمام والحناء والزنبق والسنبل وزهرة قرن الغزال والمسك التركى والورد الأبيض كلها أزهار حديثة عهد بزراعتها فى مصر.
والشقائق والزرين (زهر أصفر طيب الرائحة) أكثر الزهور انتشارا فى مصر.
وما نعلمه فهو تلك الزهور فكل من أراد أن يزرع نوعا من الزهور زرعه ، إلا أن أهل مصر ينقصهم الذوق والنظافة فهم لا يهتمون قط بهذه الأزهار. وهم لا يزرعون أرض النيل أزهارا بل يزرعونها بما يعرف بعشب الروح وهو القمح الذى ورد فى شأنه

آيات كريمة ، وهم الآن يزرعونه مما يعود بالرخاء على مصر.
بدع حكام مصر
إذا ما توفى يهودى فى القاهرة يصطحب جميع اليهود بعض جند الصوباشى ويحملون آلاف المشاعل ويحمل جند الصوباشى كامل أسلحتهم ومع دخول الليل يمضى أهل اليهودى المتوفى بجثمانه لدفنه فى مقابر اليهود بالقرب من البساتين وينفقون فى ذلك ثلاثمائة قرش.
ودفن اليهود نهارا ممنوع منعا باتا ، ولليهود عذاب أليم اللهم زده.
وهناك العديد من جبانات النصارى منها جبانة بالقرب من مصر العتيقة ، وتشييع جنائزهم فى أى وقت.
* * *

الفصل التاسع والخمسون
ذكر اعتدال جو مصر وبدع ومحاسن شعبها قدر المستطاع
إن ماء أم الدنيا مصر وهى شوق الملوك من ماء النيل ، وليس بها نهر آخر ، وقد أسهبنا فى وصفه وإحصاء محامده فيما سبق. وجوها معتدل لطيف إلى حد جدّ بعيد ، فلا يصاب أهل مصر بالحمى. سيما وقد ذكرنا آنفا أن جو القلعة الداخلية يشرح الصدور ، وتنتشر بها الحدائق والرياض والأحواض والشادروانات ، ويتردد فيها تغريد البلابل مما يبهج النفوس وهذا ما لا وجود له فى القلعة العليا. إلا أن جوها طيب فإذا ما مرض جنوب المدينة صعدوا به إلى القلعة العليا (أو إلى أعلى القلعة).
والقلعة العليا مصحة للمدينة ، والأبنية فى الجهة القبلية للمدينة متلاصقة ، لذا فطرقها ضيقة مظلمة ولذلك فعلى سطح كل بيت «عبّار هوائى» لإنفاذ الهواء إلى داخل البيت ومنافذ الهواء هذه من اختراع ابن سينا على ما يقال. وقد صنع ابن سينا هذه المنافذ بعلم السميا وكان يبيع كلا منهما بدينار من ذهب على قدر استطاعة كل أحد ، وكان كل منهم يضع هذا العبار فوق سطح بيته ليدخل منه الهواء فيتنسمه أهالى القاهرة.
ولهذا السبب فإن جو الجهة القبلية للمدينة غير متقلب فى اليوم الواحد تهب عشر رياح.
ـ ريح (تياب):
ولكن ريح (تياب) تهب من جهة ( ) (1) وتسمى ( ) (2) فى بلاد الترك.
إنها فى مصر راحة للأرواح ، وهذه الرياح لا تبرد جرار وقلل الماء فى مصر.
ـ ريح المليس :
وتسمى فى بلاد الترك «لودس» وهى وإن كانت حارة التأثير إلا أنها تجعل الماء كأنه قطعة من ثلج.
ـ ريح «مزكب» :
وهى رياح مثيرة للرمال والأتربة ، تملأ القاهرة غبارا وترفع ثياب جميع الناس ، ومن شدتها تأتى بجميع سفن الحجاج من جدة إلى مصر مما يعود بالخير على البلاد.
__________________
(1 ، 2) بياض فى الأصل.

والجهات الخارجية للقاهرة طيبة النسيم ، وإذا ما هبت رياح «بويراز» ورياح «لودوس» خمسة أشهر جاءت السفن من بلاد الترك مما يعود بالرخاء على مصر.
كما أن الرياح التى تسمى «بويراز» تأتى بالحجاج من السويس ، وتحمل الحجيج إلى جدة وينبع مما يعود بالنفع والخير على مكة والمدينة. وإذا ما هبت الريح المعروفة بلودوس خمسة اشهر وهى أشهر الشتاء جاءت سفن الحجاج والتوابل من جدة وينبع إلى السويس مما يعود بالخير والرخاء على مصر ، وتمضى هذه الرياح ثانية بالسفن إلى بلاد الترك. ولهاتين الريحين عظيم الفائدة لمصر وشعبها.
وفى وسط القاهرة يطيب الجو ، كما أن أجواء جبل المقطم أى الجوشى ومصيف قايتباى وسهل العادلية وسبيل علام والمطرية وبركة الحاج غاية فى اعتدالها.
أما الجهات القبلية للمدينة فتوجد البرك وعلى حوافها صور سلاطين وملوك السلف ، وجوها كذلك يشرح الصدر. ولكن داخل المدينة وكالات وربوع وهى منازل من خمسة طوابق أو أكثر ، وفى أيام هبوب «رياح الخماسين» والعياذ بالله فإن لون وجوه الفلاحين ، من ألم البقّ والبراغيث والقمل والبعوض والذباب والرائحة الكريهة ، تصبح وكأنها وجوه أناس مصابين بالصرع ، والسبب فى ذلك هو أنه لا وجود فى مصر لقنوات الصرف ، بل آبار وفى أيام هبوب الخماسين على الخصوص تكسح المراحيض وهذه القنوات فتفوح الروائح الكريهة والعفنة ، إلا أنهم يخبرون أهالى الأحياء بذلك ليهرب الأشخاص ذوو الحساسية بأطفالهم ممن هم فى سن خمسة أو ستة أشهر إلى حى قايتباى أو داخل القلعة أو غير ذلك من القرى.
وبسبب هذه الروائح الكريهة فى تلك الأحياء ينتفخ أعلى مخ الطفل وينفتح فيه ثقب يخرج منه مخ الطفل وقد أحمض كالبوزة فيموت الطفل.
وجملة القول أن رياح الخماسين تلك ضارة للغاية ، وسميت هذه الرياح بهذا الاسم لأن الله ابتلى بها بنى إسرائيل بخمس مصائب فى خمسة أسابيع.
وبعد أن تفشى الطاعون وعم القحط وانتشرت الأفاعى والعقبان طيلة خمسين يوما ثم دفع هذا البلاء بفضل دعاء موسى ـ عليه‌السلام ـ. وعندما تحين الأسابيع الخمسة تلك يسارع أهل مصر إلى توزيع الصدقات ، فى حين أن الدنيا تنهدم فوق رءوس

المسنين وتستولى عليهم الكآبة ، أما الباشاوات فيسرون سرورا لا مزيد عليه إذ إن بعض القرى تصبح محلولة فتكون من نصيبهم.
وفى جو الخماسين السىء لا يلامس ذوو الحساسية نساءهم ، ففى تلك الأيام تضعف أجسامهم وتقل قوة نطفتهم. أما إذا عيل صبرهم ولامسوهن ولدت لهم أطفالا عمى مجذومين وذوى نمو غير مكتمل وعرج.
وهذه الأيام المنحوسة فى مصر توافق أيام الربيع فى بلاد الترك ، بيد أنها فى مصر أيام الجحيم. ولا يهب نسيم الصبا فى العريش نحو القاهرة ولا يهب منها كذلك ريح سام.
وإذا ما هبط مصر شخص من بلد آخر طابت له مستقرا ومقاما وتعود على جوها وصح جسمه ، فبركة دعاء يوسف الصديق ـ عليه‌السلام ـ يصبح الغريب موفور العافية عظيم الثراء إلا أنه لحكمة لا يعلمها إلا المولى ـ سبحانه وتعالى ـ فإن أعين أبناء الغرباء الذين يتوافدون على مصر تصاب بالرمد وكأنها عين ابن العبد وهذا ما يتحتم حدوثه. يا لها من حكمة عجيبة. وبأمر الله عندما يولد أطفالهم يولدون ضعاف البصر.
والكثرة الكاثرة من أهل مصر يضعون ملح النطرون فى طعامهم ، لذا يصابون بتورم الخصية وهنا تبدو نساؤهم وكأنها حوامل. وتتورم أرجل فلاحيهم كأنها القرب.
يحكى علماء مصر أنه عندما أرسل يزيد رأس الإمام الحسين ـ رضى الله عنه ـ إلى دمشق ، ثم أرسله إلى عامله على مصر والذى كان يدين له بالولاء ، فوضعه فى جامع السلطان حسن بميدان الروملى ، وجعل اليزيديون ـ الذين كانوا ينتشرون فى مصر آنئذ ـ يركلون الرأس الشريف بأرجلهم ، وكان كل من ركل رأس الحسين برجله تورمت وأصيبت وكأنها القربة ومن مصر الآن من ذوى الأرجل المتورمة كالقربة من سلالة هؤلاء اليزيديين.
وهذا ما رواه علماء مصر.

ـ تفشى مرض الجذام بين المصريين :
وفضلا عن تورم أرجل هؤلاء تورمت وجوههم وأجسامهم ، وأغلب فقرائهم وغيرهم مصابون «بالجذام» فى وجوههم وعيونهم وأجسامهم. ويسمى هذا المرض فى بلاد الترك «بالجرب الأفرنجى» وهو مرض متفش فى مصر ولا يسبب أى حرج لمن يصاب به ، ويخالط فلاحو مصر المصابين به ممن تآكلت أطرافهم قائلين لهم : أهذا جذام. حتى إنهم يتناولون معهم طعامهم ولا يخافون قط من هذا المرض لأنه أكثر الأمراض انتشارا فى مصر إذ إنه لا وجود فيها لمستعمرات لهؤلاء المجذومين على حين أنها توجد فى سائر البلدان الأخرى حتى لا يقيمون فى داخل المدينة. ويتصدق أهالى الولايات بأموال زكاتهم على هؤلاء المرضى وذلك امتثالا لقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ) التوبة : 60 ، أما فى مصر فلا يجدون من يتصدق عليهم بحبة قمح.
ـ سبب تفشى الجذام فى مصر :
والسبب فى انتشار الجذام فى مصر هو إباحة الدعارة فيها ، فبغاياهم يسرن فى الطرقات أسرابا أسرابا.
والمصريون قوم سمر البشرة ، متوسطو الطول ، أما فلاحو القرى فمنهم أشخاص ضخام الجثة وكأنهم دابة الأرض. ولسانهم عربى إلا أن كلامهم ليس فى بلاغة فلاحى مكة والمدينة وبغداد ودمشق ، ولأنهم قوم فرعون الجبابرة فهم يحرفون الكلام فبدلا من أن يقول أحدهم للآخر «تعال اقعد» يقول «تعقعد» وذلك من قبيل تخفيف الكلام ، وهم يسمون الخبز «رغيفا» و «شيلواقا» ويسمون الماء «موى» ، ويقولون «دى» بدلا من هذا. ولهم غير ذلك من ألفاظ مهملة محرفة.
ومن فصيح أشعارهم هذه الأبيات :
ياسين ياسين يا غزال ياسين
    أنت الورد وأنت النسرين
  بالله قل من هجرانك وارحم أنا
    الغريب المسكين
  يا روحى يا قلبى يا بعدى
    يا قمرا يحيى لعندنا المحبوبين
  إلا أنهم على المذهب الشافعى القويم.

أسماء فلاحى مصر
ولفلاحى مصر أسماء منها : جاد الله ، حيا الله ، عبد الخالق ، عبد الصمد ، عبد الغفور ، حمى الله ، هاشم ، طه ، ياسين ، مرزوق ، حمد الله ، حمد ، شرابى ، طاهر ، عبد الحى.
وهذه الأسماء المذكورة أسماء العوام ، أما أسماء الخواص فسوف نذكرها فى حينها.
ـ طوائف أهل القاهرة :
وينقسم أهل القاهرة إلى طوائف منهم طائفة «التجار» وهم قوم ثراة ، والكثرة الكاثرة من أهلها من الحضر ، وهم يعيشون فى رغد وسعة ، ومنهم طائفة «الحرفيين» وهؤلاء يعيشون فى كفاف. وطائفة منهم هى «الترك» يشكلون طائفة الجند وأغلبهم من مماليك من الأبخاز والجراكسة والجورجيين والروس وزنوج العرب وهم جند أتراك غاية فى بهاء ثيابهم واكتمال أسلحتهم.
وطبقا لما جاء فى قانون السلطان سليم لم يكن يسمح بتجنيد «مستوى القدم» من فلاحى مصر.
ويرتدى كل ثيابا قدر ما يستطيع ويلبسون الصوف الحورانى والسراويل الحمر ، أما الحرفيون إذا ما ارتدى أحدهم هذه الثياب وقع تحت طائلة العقاب. والصناع يرتدون فاخر الثياب وأنواع الحرير إلا أنهم لا يرتدون السراويل وصيفا وشتاء يتجولون عراة السيقان وكم من مئات الآلاف من فلاحى مصر يمشون عراة.
وجميع أهل القاهرة لا يلبسون السراويل ، أما علماؤها فيلبسون العباءة.
ذكر نساء مصر
وجميع نساء القاهرة لا يلبسون السراويل ، أما النساء التركيات هن اللاتى يلبسنها ويلبسن على شعورهن قلانس مخيطة بالذهب والفضة وعليها ريشات ، ويلبسن الأطواق والقرطة والخلخال والمعاضد والمناطق المرصعة ، ويلبسن القباء الحريرى المزركش وفوقه قباء من قماش مموج أبيض وإزار أسود. ونساء الأعيان يلبسن القلانس التى تسمى «سلامية» وفى أقدامهن الخفاف الصفر والنعال المزركشة الخفيفة ويركبن

حمرهن ويتجولن فى الطرقات فينضح منهن شذا المسك والعنبر فى الأسواق السلطانية.
وفى كل بلاد الدنيا ثمة حسان لا نظير لهن فى حسنهن وجمالهن ، ومن عجب أنه ليس بين نساء القاهرة حسان ، وبعض الأثرياء يتزوجون من بنات قبائل بهجة وحنادى والحضرى ، ومنهم من يستقدم العذارى الحسان من بنات الترك والتى تساوى الواحدة منهن خزانة مصرية ، فهن حسناوات فاتنات ينطبق عليهن قوله تعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين : 4 ، كما أن الغلمان الصباح يأتون من خارج مصر ، أما ما فيها منهم فهم لا يعمرون طويلا. وإذا ولدت إحدى الجميلات فى مصر رمدت ـ عينها ، وللحضر بنات رشيقات القوام كأنهن أمهاتنا.
أسماء نساء مصر
اسماؤهن : مريم ، حواء ، عذراء ، صفاء ، ورقاء ، وردة ، امهان ، كلثوم ، رابعة ، رقية ، زينب ، ستيتة ، زليخا ، زالحة ، صالحة ، دمرية ، عجيبة ، شناس ، طاهرة ، وسامعة ، ماهية ، وأسماء أخرى مستطرفة وحسبنا هذا القدر.
وللجوارى الحبشيات أسماء تثير العجب منها : خسيسة ، قسيسة ، نفيسة ، فتنة ، أشمينة ، شمسية ، شمونة ، ريحانة ، هدية ، وردية ، حمراء ، قمراء ، عمبرية ، جميلة ، وأسماء كثيرة من هذا القبيل إذا ذكرناها ألقى علينا اللوم.
أما خارج القاهرة فى القرى والبليدات فثمة حسان صعيديات وبدويات لهن عيون الظباء ووجوه منيرة يقصر اللسان عن وصف جمالهن.
ـ طقوس ومراسم زواج الفلاحين فى مصر ـ
للفلاحين تقاليد مرعية توارثوها عن أسلافهم ، فإذا ما شاء واحد منهم أن يزوج ابنته مسلما فهذه الزيجة تتم وفق أصول وطقوس مرعية.
اتفق أن كانت هناك ليلة زفاف فاجتمع ما يقرب من ألفى شخص من أهل العروسين وأقاربهم وعقب وليمة عظيمة طعموا فيها الملوخية والقلقاس والجبن خرج فتى من أحد جوانب الساحة وعلى رأسه شال الإنكشارية وفى وسطه منطقة وفى إحدى يديه سكين

وفى يده الأخرى فأس وأخذ يصيح ويضرب الحاضرين فجرح كثير منهم وحطم بعض ما لديهم وكان هذا الشاب وكأنه ثمل وكان إذا ما تكلم أو أقدم على عمل شىء يقوم بعض الحضور ويقبلونه ويجلسونه فى ركن ، ولعله كان ابنا لأحد المجرمين ، ثم قام ثانية وصاح قائلا: «أين سيدنا» وبحث عمن يتزوج ليقتله فتقدم إليه من يتقدمون بالرجاء وقالوا له : «ما فى بالى يا عينى».
وقبله من فى المجلس وأغمدوا سكاكينهم ومضى.
وعندما ذهبت العروس الجميلة تلك لتلتقى بزوجها جلست فى ركن بين مظاهر الأبهة وأقبلت بعض صديقاتها قائلات : «الحمد لله فقد جاء معشوقك» لقد غضب وبحث عنك فلم يجدك ، ولا بد أنه قد بسط لسانه بالسوء وعندئذ وقفت العروس هى الأخرى وقالت : عجبا إن معشوقى إذا ما أراد أن يقتلنى فأى ذنب كان منى ، قال إنه سيقدم عشرة أكياس صداقا واطلع الحضور على ما أنفق منذ شهر أو أكثر من دفتر فى يده. وكل منهم كان يتباهى بما قدم إلى ابنته من صداق.
وأمسك من يريد الزواج بسكين معقوف ومشى غاضبا بين جموع الحاضرين وقال إنه أنفق مالا كثيرا وإذا ما وجد من يحبها فسوف يقتلها ، ثم ظهرت العروس من أحد أطراف تلك الساحة ففر طالب الزواج هذا واختفى فى ركن ولم يعد له من أثر وجاءت العروس فى زى آخر وقد لبست ثوبا أحمر فخرج بعض الناس لاستقبالها وقالت العروس :
إن بينى وبين فلان عداء وشاء أن يقتلنى وقد قدم إليه أبى وأمى هذا القدر من أكياس الجوهر والأوانى الذهبية وعرضت ذلك على جميع الحضور فعرفوا من ذلك أن فلانا قدم كل ذلك لهذه العذراء ، وكانت الفتاة إذا ما سكتت لقنها أقاربها ، ثم أخرجت العروس سكينها ومضت وجاء من يريد الزواج فى ثوب آخر وزعم أنه قدم مالا جما لوالديها وعمتها وخالتها وهدايا أخرى كثيرة ، ثم جاءت العروس فى سروالها الأحمر والخنجر معلق فى خصرها وكأنها جندى فأمسكت الخنجر وبحثت عنه ثم جلست فى خيلاء وتكلمت كلاما تقدم فيه النصح ومضت ، ثم قدم طالب الزواج وفى إحدى يديه

عصا وفى الأخرى سبحة وهز رأسه ووحد الله كثيرا ثم مضى وحاصل الكلام أنه فى تلك الليلة الطويلة حتى مطلع الفجر غير العروسان ثيابهما عشر مرات ومضيا وقدما واشتجر بينهما الخلاف غير مرة وفى النهاية انحنت العروس على ركبة من تريده زوجا وتبادلا القبلات ثم رفعت مئات المشاعل وقرعت الطبول كما أضيئت القناديل فى تلك الساحة وغمرت البهجة الجميع وارتفعت الأصوات من كل جانب بإنشاد القصائد والتغنى بالمواويل وفى هذه الأثناء ظهرت المشاكل من جهة أخرى. مضت العروس على صهوة جواد مرصع السرج وهى فى قباء من السمور وهى فى كامل زينتها وفوق رأسها تاج فرعونى عليه ثلاث ريشات متفرعة وهى مكشوفة الوجه وهى تلوح بالسلام إلى من اصطفوا على جانبيها ووقف الفلاحون جميعا وردوا عليها‌السلام وعلى جانبى العروس اصطف مئات من النساء والصبيان يحملون الشموع ويصيحون قائلين : «الله ينصر السلطان» ومضوا بالعروس وفى يديها منديل وعلى رأسها التاج الفرعونى ويقف جميع الفلاحين إذا ما لوحت العروس لهم بمنديلها.
وصف تاج العروس الفرعونى
قلنسوة من جلد الجمل المدبوغ فى حجم القدر وكل زاوية من زواياه الثمانية مخيطة بالذهب وفى سالف الزمان كان بين زواياه مرصعا بالدر والآن مواضع هذا الدر ظاهرة ، وداخله مكسو بمخمل صفيق وهو وردى اللون وحتى قمته حجر سيلانى فى حجم التفاحة وأطرافه مزدانة بالعقيق والحجر اليمنى ، إنه تاج عجيب.
نزلت العروس عن جوادها فى تلك الساحة ونادت من يطلب الزواج منها قائلة : أين من يطلب صاحبة المقام العالى. فجاء وكر وفر أمامها فحملت العروس الخنجر المعقوف وأمسكت بلحيته وجذبتها إلى أسفل وعند ما همت بذبحه جاء من أصلح ذات بينهما وأصلحوا بينهما مع الاتفاق أن يبنى الزوج لها بيتا أو ينشىء لها بستانا أو يبتاع لها عدة جوار أو يقدم لها عدة أكياس وشهد جميع الحضور على ذلك وعندما قرأت الفاتحة خطف الزوج زوجته من بين الحاضرين وفى التو خلع التاج عن رأسها فى حجرة ثم افتضها ، فسال الدم منها ، وأطلع دمها على والديها وقومها فعرضت العروس شكواها

ببعض كلمات وهذه فخر لوالديها على أن بنتهما ظلت عفيفة لم يلمسها أحد من قبل قط ، ففى العرب وخصوصا لدى فلاحى قبيلة الحضر يصعب وجود فتاة عذراء ، فعمر قلب والديها وأقاربها بالطمأنينة ورفعوا عن رأسها التاج الفرعونى ، كما أطلع أبوها وأمها هذا الدم على الحاضرين ودعوا الزوج إليهم وسألوه لماذا سفك كل هذا الدم فأنكر أن يكون فعل ذلك فقالت العروس : انظروا إلى ملابسه تجدونها ملطخة بدماء بكارتى ، وعندئذ نظر جميع الحضور فى ثياب الزوج فرأوا آثار الدماء عليها ، فتعلقت العروس بعضو زوجها وتعلق الأب والأم بوسط الزوج وطالبوه بأن يدفع دية ذلك الدم المسفوك ، ثم أصلح المصلحون بينهم وقدم الزوج هداياه إلى أبيها وأمها دية لهذا الدم المراق ، وعندما طالبا بالمزيد حضر والد الزوج وأمه وأقرباؤه واحتدم الخلاف بينهم ، وقالوا سلبتم ابننا كل ما يملك دون حق وشهد على ذلك الحاضرون وتدخل من أصلح ذات بينهم وقدمت الهدايا إلى والدى العروسين وأقربائهم ليلزما الصمت وتم الصلح بينهم وتراضوا جميعا وجلسوا فى مكان واحد وعمت البهجة والسرور نفوسهم حتى مطلع الفجر وأطلقوا البنادق وغنى المطربون وعزف العازفون بما أدخل البهجة حتى على روح فرعون الخبيثة وكان الحاضرون يتجاذبون أطراف الحديث عن الجماع.
هذه هى عادات الفلاحين الحضريين وطقوس الزواج عندهم.
إلا أنهم لا يسمحون بتزويج بناتهم من الغرباء ويحافظون على ذلك التاج الفرعونى.
أوصاف الاحتفال بختان البنات
يعتاد الفلاحون على الاحتفال بختان بناتهم ، فيقيمون حفلا بهيجا عند ختانهن وكأنه عرس عظيم ، وتركب آلاف النساء الحمر فى موكب عظيم ويمضون بالبنت إلى الحمام ثم يمضين بها ثانية إلى بيتها وفى تلك الليلة تحضر النساء الخافضات وعندما يقطعون بظر البنت يقام حفل وكأنه العرس.

وقد بقى هذا الختان من عهد سيدنا إبراهيم ـ عليه‌السلام ـ ، فعندما كان فى مكة أرسل إليه الملك طوطيس ملك مصر جارية وهى أمنا هاجر. فغارت منها أمنا سارة فقطعت الشحمة الزائدة فى فرج أمنا هاجر ، ولكن لحكمة لا يعلمها إلا الله أصبح جماعها لذيذا. ومنذ ذلك الزمان وعادة ختان البنات عند العرب وهى مأخوذة عن أمنا هاجر وقد ولد إسماعيل عليه‌السلام لهاجر.
وصف الاحتفال بختان الصبيان
إنها أجمل العادات فى مصر لأن الناس جميعا من فقراء وأغنياء إذا ما ختنوا أولادهم اتباعا لسنة المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعاون بعضهم بعضا فيجمعون عشرة أو خمسة عشر أو عشرين طفلا ليذهبوا بهم إلى الحمام فى جوقة موسيقية وقد حملوا عليهم الذهب والفضة وأركبوهم الخيل وعلى رءوسهم جميعا ريشات سلطانية يتقدمه جنائب عليها السروج المرصعة ويتقدمه كذلك مسنو الحى والأحياء المجاورة وقد حملوا السلاح وازّينوا ويمضون صفا صفا وهم يتبادلون الفكاهات ، كما يمضى بينهم من يحملون القناديل والأعلام ثم يركب الجراح جواده يتقدمه صندوق به جميع آلات الختان يحملها رجل على رأسه ويمضى مساعد الجراح وعليهم مناشف من الحرير سيرا على الأقدام ، وقد ركب الصبيان الذين سيختنون العجول والحمر والخيل ويستعرض المضحكون المضحكات ويطوفون الأسواق بهؤلاء الأطفال على هذا النحو على نغمات الموسيقى العسكرية والأغنياء والفقراء على تلك الحال. ويدوم هذا الاحتفال ثلاثة أيام بلياليها فى صخب وجلبة وتقام الولائم وفى كل ليلة فى مدينة القاهرة تعم البهجة فى مائة مكان وتقام الاحتفالات وتتلى الموالد ، وتزدان شوارع القاهرة وأزقتها بآلاف القناديل وتوزع الأطعمة وينادى المنادون من قبل الصوباشى طوال ثلاثة أيام بأن تظل المقاهى وما حولها من حوانيت الأطعمة والأشربة مفتوحة حتى مطلع الفجر ، ويستمر البيع والشراء.

وخيرا يفعل الناس علما بحديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو : «أعلنوا الزفاف ولو بالدفاف»(1).
فما فى مصر من هذه الأبهة لا وجود له فى ديار أخرى.
فضائل أهل القاهرة
إذا ما مرض أحد فى القاهرة قدم عليه جميع أهل الحى لزيارته وتقديم الهدايا إليه ، وإذا توفاه الله أخطروا أمين بيت المال وجهزوه وكفنوه ووقف جميع أهل الحى عند بابه وغسلوه وهم يسبحون ويوحدون ، ويضعونه فى النعش ويزينونه بماء الورد والريحان ويقوم جميع العلماء والصلحاء والمشايخ بالتوحيد والتسبيح ويدخلون نعشه فى الجامع الأزهر ويصلى عليه جمع غفير ثم يمضون به إلى القرافة أو إلى الموضع الذى يسمى «زاوية الجنازة» أى سبيل المؤمنين بميدان الروملى وهناك يصلون عليه ويذهبون به إلى مقابر الإمام الشافعى أو مقبرة من المقابر الاثنتى عشرة. وأفضل هذه المقابر مقابر أخى يوسف فى سفح جبل الجوشى أو مقبرة الشيخ عقبة. أما الفلاحون فيدفنون بالقرب من مصر العتيقة فى القرافة العتيقة. ولما كان فرعون صوباشيا أحاط هذه القرافة بسور وكان يحصل ضريبة على كل ميت يأتون به لدفنه فيها.
ويمضى الفلاحون فى جنائزهم رافعين الأعلام ، ويتبعهم نساؤهم وهن على الحمر وفى أيديهن مناديل يلوحن بها وقد كشفن عن وجوههن ونشرن شعورهن نائحات باكيات.
ونعوش هؤلاء الفلاحين مسنمة كنعوش النصارى يحملونها على سلالم متحركة إلا أنهم يمعنون فى تزيينها وبذلك يكرمون موتاهم ويقيمون عليهم صلاة الجنازة على الأصول الشرعية.
__________________
(1) أخرجه الترمذى فى كتاب النكاح ، باب ما جاء فى إعلان النكاح حديث رقم 1089 ، وابن ماجة فيه حديث (1895) ورواه البيهقى فى السنن الكبرى 7 / 290 عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ ولقطة : «أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغربال».

فضيلة أخرى لأهل القاهرة
ولأهل القاهرة عادة أخرى مستطرفة ففى ليلة جمعة يمضى مئات الآلاف من النساء والرجال إلى الاثنتى عشرة قرافة فتصبح وكأنها بحر من الناس وهناك من يختمون القرآن الكريم ويتلون سورة «يس» ، ويوزعون الصدقات على الفقراء.
وجميع الأضرحة مبنية بالحجر وتحتها مخازن يسمى الواحد منها «فسقية» ويسمى الواحد من هذه الأضرحة «بيت الحزن» ولها نوع خاص من الأبواب وهى موصدة بالتراب ، تفتح عند الدفن. وتتسع الفسقية الواحدة لدفن مائة أو مائتين إلا أن الجثث لا تغطى بالتراب وإنما توضع فى أكفانها بعضها يتعفن وبعضها يتيبس ثم يسدون الباب بالجصّ الخرسانى. ففى مصر كثير من لصوص المقابر الذين يسرقون الأكفان. حتى إنه فى عهد جان بولاد زاده حسين باشا وضع بعض لصوص المقابر على الخاذوق فى ميدان الروملى وخنقوا بالأكفان التى سرقوها وذلك لتطهير الدنيا من شرورهم.
وعلى كل قبر يحفرون تاريخا بماء الذهب يصففون قبابا مكشوفة وينثرون فوقها الحب ويضعون الماء للطيور. ويضعون كذلك على قمة كل قبر الآس والريحان وفى تلك الأيام تمضى النساء إلى القرافات دون إذن من أزواجهن ، كما أنه لا يحق لزوج أن يسأل زوجته إلى أين أنت ذاهبة ، إذ إن زواجهما انعقد شريطة ذلك.
وفى غير ذلك لا يستطيع زوج فى القاهرة أن يسأل امرأته أين كنت ، إذ إن عزيز مصر وقع تحت سطوة «زليخا» ومنذ ذلك الحين والرجال فى مصر مغلوبون على أمرهم تحت تسلط زوجاتهم. وهذا هو عرف مصر وما جرى فيها مجرى العادة.
وما من قوم يحبون موتاهم ويخلصون لهم إلى هذا الحد إلا فى مصر.
مصدر رزق فقراء القاهرة
يستطيع المصريون أن يفيدو من كل ما فى الوجود ويصنعونه للكسب منه.
ـ حرفة مستطرفة ـ
وفى ليلة مولد الإمام الحسين فى شهر المحرم بمدينة القاهرة يجتمع آلاف من يهود القاهرة كل ثلاثة منهم فى موضع وفى أيديهم زنابيل كبيرة يحرقون أنواعا من البخور ويبيعونها وأثناء ذلك يرفعون أصواتهم الرخيمة بالغناء ، وثمة نوع من البخور يبيعونه لا مثيل له. ويقال إن هذه العادة بقيت فى القاهرة منذ نقل رأس الحسين إلى مصر وعهد السيدة نفيسة.

ـ متسولو القاهرة :
ولكن المتسولين الذين لا عمل لهم فكثير فى القاهرة ، ففى القرافات المذكورة ليلة الجمعة وليلة الإثنين لا يسلم أحد من هؤلاء المتسولين الجبابرة. وبعضهم يقترب من أحد الأعيان وبعد أن يلقى السلام عليه يتملقه بمعسول الكلام إلى أن يصل معه إلى بابه.
وهنا وبأسلوب لا يخلو من القحة والوقاحة يقول له المتسول : «أعطنى يا سيدى نفقة أهل بيتى» ، أما إذا كان المار فقيرا فلا يسمح له الشحاذون بالسير فى السوق.
حادثة
اتفق لى ذات يوم أن أردت قضاء حاجتى فدخلت مرحاض جامع السلطان حسن وأغلقت على بابى ولا شعور لى بأحد وبينما كنت أقضى حاجتى فتح على الباب متسول ومد إلى يده قائلا : «أعطنى صدقتى يا سيدى» وعلى الرغم من أننى لم أكن قد تطهرت بعد سارعت إلى إعطائه فقال لى المتسول : «زادك الله نجاسة» وانصرف ؛ بعد ذلك تطهرت وخرجت وتوضأت وصليت فى جامع السلطان حسن ثم التقيت بصديق حميم وقصصت عليه ما وقع لى. فقال لى ذلك الصديق : بالله أمجنون أنت؟ أصلحك الله ، أيلطخ أحد يده بالنجاسة هكذا فقلت له : إذا ما فتح أحد باب المرحاض هكذا وعورتك مكشوفة فذلك أمر الله ، أكان يطلب نقودا؟ فقال هذا الصديق : أكان هذا الرجل أصفر اللحية ، متوسط القامة ، مسطح الجبهة ، مستدير الوجه ، تترى السحنة يشع من وجهه النور؟. قلت : نعم ، إنه تترى السحنة أصفر اللحية. فقال لى أيها الظالم إنه قطب من أقطاب صوفية القاهرة وقد ظهر لك فى بيت الخلاء ليختبرك فلما نظرت إليه نظرة ازدراء واحتقار ومسحت يدك بالنجاسة ، ولذلك دعا الله عليك بأن يزيدك نجاسة. ولما قال لى هذا شرد عقلى وطاش صوابى وبعد مرور شهرين على تلك الواقعة أصبت بمرض «الزحار» وتحققت دعوته على بقوله : «زادك الله نجاسة». ولكنى ولله الحمد تصدقت فشفانى الله من هذا المرض.
فكم من فقراء مصر من المغمورين من لهم عظيم المنزلة عند الله.


لا تحسبن أن كل غابة خالية
    فربما استتر نمر فيها
  وصف الملاميين
فى القاهرة آلاف من حاسرى الرءوس من المجاذيب ، منهم من يأخذ النقود ومنهم من لا يأخذ ، ومنهم من يأخذ الخبز ومن لا يأخذ ، ومنهم من لا يتكلم البتة ويمضى صامتا ولكن إذا تلا القرآن الكريم أذاب أكباد من سمعه ، وبعضهم يأخذ الكسوة وكل منهم له أطوار وحركات خاصة ، وبعضهم يعتم بعمامة من الصوف وكأنها وعاء الماء المغربى التى لا يستطيع شاب أن يحملها فهى عمائم تزن الواحدة منها ثمانين أو تسعين أو مائة أوقية. ومنهم من يتخذ عمامة من ليف النخيل وهى كذلك فى حجم قبة الحمام إلا أنها خفيفة الوزن ويسمون من يلبسها «أبا الليف» ، ومنهم من يتجول عاريا تماما كمن ولدته أمه.
وهؤلاء الدراويش لا يحصون كثرة كما أن الفقراء والمجاذيب والملاميون كثير لا يقعون تحت حصر ، وهم إذا ما دخلوا الحمام تستروا بالمناشف وإذا ما خرجوا مشوا عراة بين الناس. وثمة حديث قدسى ورد فى شأن هؤلاء يقول عز من قائل : «أوليائى تحت قبابى لا يعرفهم غيرى». أى إنه لا يجوز التعرض لهم ، لأنهم اختاروا الفقر والفاقة ولا علم لأحد بحالهم إلا الله ، ويقول صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «الفقر فخرى». لذا فهم يرددون قولهم :
تالله إننا لنفخر بالفقر
    لذلك نمضى فى هيئة الفقراء
  إلا أن معدميهم كثير لا حبّة لهم ولا جبّة.
المجاذيب الإلهيون
ومن أعظم هؤلاء الشيخ «إسماعيل الصنافيرى» فى حى ( ) (1) على طريق بولاق ، وكم من كرامات له أظهرها. اتفق ذات مرة أن ذهبنا أنا وصهر أحمد باشا
__________________
(1) بياض فى الأصل.

الدفتردار وأحمد أغا المهردار والجاشنكير الرئيس وبعض الإخوان والأصدقاء واشترينا عدة أوقيات من الرمان لتقديمها هدية له وكان يسكن فى إحدى وكالات الحمر ، ولما قدمناه عليه وجدناه يفترش التراب وعلى ظهره خرقة بيضاء تغطى أكمامه أما ما تحت عورته فكان عاريا. ومن بجانبه من الدراويش دعونا لنجلس بجانب الشيخ فجلسنا دون أن نقرأ عليه‌السلام وكل منا جذب انتباهه خاص الخاص من شأنه ووضعنا الرمان أمامه فتناول منها رمانة وهو راقد فى مكانه ، ثم قدم إلى كل منا رمانة كما قدم إلى دراويشه ، ولكن ما أتينا به كان تسع رمانات فى حين أنه وزع منها ثمانى عشرة رمانة. ثم أعطى كلا منا قطعة من حجر ، كما أعطانا حجرا كبيرا وقال لنا : «أعطوا هذا الحجر للباشا وليعطيه إلى جنده وليرحل من مصر إلى بلاد الترك ، وليأت من بغداد وليأت من بغداد» ولم يقل غير ذلك ولا دعا ولا أثنى ، فنهضنا ومضينا إلى قصر الباشا ، وقدمنا إليه الحجر المذكور وأخبرناه بما قاله الشيخ الصنافيرى. فقال الباشا : سبحان الله. وضع الحجر بجانب كتبه ، وفى اليوم التاسع عمّت الثورة والتمرد ، وأسقط الجند أحمد باشا وقدم عبد الرحمن باشا من بغداد ، وأصبح واليا على مصر. ولعل قول الشيخ «ليأت من بغداد ليأت من بغداد» إشارة إلى مجىء عبد الرحمن باشا من بغداد. والله سبحانه وتعالى أعلم. فهذا ما وقع.
* * *

الفصل الستون
العلماء المستجابة دعوتهم فى مصر وشيوخها
وفضلاء الدهر فيها وأئمتها وخطباؤها
ـ الشيخ على الشمرلسى :
قطب علماء وصلحاء ومشايخ القاهرة وشيخ شيوخها وأعقلهم. إنه أهل ورع وأهل حال وهو من بليدة فى مصر تسمى «شمرلس». إلا أنه ولد أكمه (1) بأمر الله ، ولكنه كان يلقى دروسه فى الجامع الأزهر فى أربعة مواضع وكان له اثنا عشر ألفا من التلاميذ وكان فريد دهره فى علمه ، كما كان يدرس مرتين فى داره وهو من العلماء العظام المتبحرين الذين تحل على يديهم المعضلات. وهو ولى من أولياء الله ما فى ذلك شك ، وقد اطلع على مسائل الشرع فى الكتب الأمهات وكان يشير إلى المسألة من المسائل ويعين موضعها فى الصحيفة والسطر. وأحمد الله أنى شرفت بصحبته فهو فريد دهره فى فضائله وكراماته.
ومن كراماته أنه :
إذا سلم عليه أحد مرة واحدة فى عمره وأراد التعرف عليه كان يسأله عن اسمه وقريته واسم أبيه ، حتى إذا ما قدم هذا الرجل عليه بعد خمس أو عشر سنوات وسلم عليه رد عليه قائلا : وعليك السلام يا ابن فلان. ومن باب أولى إذا ما سلم عليه أحد من تلامذته رد عليه‌السلام قائلا : وعليك السلام يا ابن فلان. فهو يعرف أسماء تلامذته أجمعين.
ـ الشيخ أحمد العجمى :
كان فريد دهره فى علم الحديث ، إلا أنه ليس ضريرا ، وجاء على لسانه أنه كان يحفظ سبعين ألف حديث مما فى الكتب الأمهات القيمة مثل البخارى ومسلم ، فقد كان أعجوبة دهره فى قوة حافظته.
__________________
(1) الأكمه : الأعمى. كمه من باب تعب كمها : عمى.

ـ شيخ الإسلام بولوى مصطفى افندى :
كان شيخ الإسلام فى الدولة العثمانية ، وطلب الصدر الأعظم كوپرلى منه استصدار فتوى بقتل دلى حسين باشا لفشله فى فتح قلعة «قندة» فى جزيرة كريت فقال بولوى افندى : أأفتى يا سيدى الوزير بقتل دلى حسين باشا؟ ولو كنت أنت قائدا ضعيف الشأن مثله ومضيت إلى جزيرة كريت ووفقت إلى فتحها وثبت تقصير حسين باشا حينئذ لا أستطيع كذلك أن أفتى بقتله ، لأن الفتح والنصر من عند الله.
فقال الوزير كوپرلى : أنت لم تقطع برأى وقلت الله أعلم ، إنك صاحب سجادة الآن.
فقال بولوى أفندى : حبذا أن أعزل نفسى من التصدر للفتوى وخرج من مجلس كوپرلى فأرسل بعض الأشخاص فى أثره إلا أنه لم يعد ، ولم يصدّق بعدها على فتوى قط. وعند ما أسندت الفتيا إلى «أسيرى محمد أفندى» أصدر فى التو فتوى بقتل دلى حسين باشا فسجنوه فى قلعة «يدى قلة» وقتلوه فيها. ونفى بولوى أفندى إلى مصر وأسند إليه قضاء الجيزة ليعيش منه ، وقد أذاع علم الفقه فى القاهرة وأصبح جميع علماء القاهرة من زمرة الفقهاء. وكأنما كانت داره مدرسة وكان حاتمى الكرم يقدم الطعام مرتين لجميع تلامذته ، كما كان صالحا صاحب وقار.
ـ الشيخ عبد القادر افندى :
من بغداد وهو تقى ورع متضلع من شتى العلوم والفنون ، بينما كان كتخدا إبراهيم باشا واليا على مصر قرأ عليه بين شواغله الكثيرة صحيح مسلم والبخارى وتفسير ابن جرير الطبرى. وكان فى زمانه بحر المعارف بل النعمان الثانى ، وله أشعار بالفارسية والتركية تخلص فيها ب «قادرى».
ـ الشيخ عبد القادر المغربى :
وإن لم يكن واعظ منبر إلا أنه حينما كان يعظ تلاميذه فى الأزهر كان جميع تلامذته يفيدون كثيرا مما يقول ، إذ كان لكلامه عميق أثر فى النفوس.

ـ الشيخ أحمد المرحومى :
وهو من محلة المرحوم فى المنوفية ، وهو من تلاميذ أستاذنا الشيخ «على الشمرلسى»، بيد أنه سلك طريق التصوف وكان له العلم اللدنى ، أطال الله فى عمره.
ـ الشيخ يحيى المغربى :
كان يناظر «وانى (1) افندى» فى مجلس السلطان محمد الرابع (2) وأفحمه فى علم الحديث وعلم التفسير ، وكان يتقاضى من خزانة مصر مائة أقچة يوميا منحة من السلطان وكان يلقى دروسا عامة فى الأزهر ، وكان صاحب دعابة.
ـ الشيخ السادات أبو التخصيص :
سبق ذكره عند الكلام على مولده الشريف. لم يكن عالما ولا فاضلا ، إلا أنه كان عاملا وثريا ، عرف بصلاحه وتقواه واشتهر بكرمه.
ـ الشيخ السادات على أفندى :
هو الأخر الأكبر للشيخ أبى التخصيص.
ـ الشيخ محمد البكرى :
من النسل الطاهر لأبى بكر الصديق ـ رضى الله عنه ـ ، إنه مرشد كامل ، عامل فاضل للسجادة البكرية. وكان صاحب حال فى علم الأسماء ، وكان كريما زاده الله كرما.
ـ ابن الشيخ چلبى أبى المواهب :
كان زاهدا عابدا وهو الابن الأكبر للشيخ العزيز.
ـ الشيخ جلبى زين العابدين :
أصغر أبناء الشيخ العزيز إلا أنه كان ألمعىّ الذهن معروفا بالدعابة والظرف ، وأهل القاهرة جميعا يحبونه.
__________________
(1) عالم عرف عنه تصلبه فى التعصب على أهل الأديان الأخرى وعلى المتصوفة. وهو غير وانى المعروف المولوى الفقيه الذى نقل صحاح الجوهرى إلى التركية. معجم الدولة العثمانية ص 154.
(2) السلطان العثمانى ، حكم أربعين عاما ، وكانت وفاته سنة 1692.

ـ الشيخ سيد برهان الدين :
وهو من قصبة فى لواء حميد ببلاد الترك ، يسكن القاهرة منذ ثمانين عاما ، وهو نقيب الأشراف ، وعلاوة على أنه يوزع الصدقات والأطعمة على الغادى والرائح كان يوزع على الدوام خرقة على كل ضيف وكل فقير. إنه شيخ عظيم حاتمى الكرم.
ـ الشيخ سيد إبراهيم چلبى أفندى :
وهو ابن سيد على ابن الشيخ على الصفوتى بن سيد حسن ابن سيدى الشيخ إبراهيم الكلشنى. وحسبه هذا شرفا فى نسبه وحسبه ، ومن رأى وجهه الشريف مرة أحبه وتعلق به تعلقا شديدا وتلقى عنه تعاليم التصوف وأصبح من دراويش الكلشنية ، لأن وجهه الشريف منور كمذهبه. إلا أنه كان على الدوام معتزلا ، وهو صالح كالصالحين من السلف. وكان على الدوام قابعا فى ركن العزلة ، يخرج مرة فى العام ويمضى إلى تكيته ويخرج إلى المولد ، وهو لا يغادر داره قط ولا يختلط بأحد من الناس والنفوس تنجذب إليه.
ـ الشيخ محمد كيسودار :
كان من قبل على الطريقة القادرية وكان يعرف بصاچلى محمد افندى (أى محمد افندى ذو الغدائر) ، وفى ليلة مولد الكلشنى عندما نظر إليه لم يتحمل جاذبيته فتطايرت غدائرة وخرج عن الطريقة القادرية ودخل الطريقة الكلشنية وزوّجه الكلشنى من كريمته فأصبح صهرا له.
إنه درويش (إباحى المشرب) له التبحر فى شتى العلوم ، له أشعار كثيرة بالعربية والتركية ، كما كان وفير المؤلفات ومليح الخط ، حسن العشرة لين الجانب ، لبقا فى الحوار ، كما كان أهل كرم وسخاء ، يحج بيت الله الحرام مرة كل ثلاثة أعوام ، وغالبا ما كان يمضى إلى مكة سيرا على قدمه.
ـ الشيخ على الخراشى :
من بلدة تسمى «خراش» نسب إليها ، أما اسمه الحقيقى فهو ( ) (1) ، وهو محدث ومفسر مرموق المنزلة بين المحدثين والمفسرين ، وهو يحفظ عن ظهر قلب صحيح
__________________
(1) بياض فى الأصل.

مسلم وصحيح البخارى والقاموس للأخترى والصحاح للجوهرى ، وفصوص الحكم لمحيى الدين بن عربى ، وعلاوة على ذلك كان يدرس شتى العلوم فى الأزهر وله تلاميذ يربون على الألف. وكان واسع المحفوظ ، وهو شيخ القراء فى الجامع الأزهر.
وتلاميذه الذين يربون على الألف يقرأون القرآن الكريم بالقراءات المختلفة. إلا أنه حينما كان يلقى دروسه يكون منفعلا كالشرارة فياضا ، وكل من يلقى السمع إلى دروسه تنقش فى ذهنه ، كما ينقش فى الحجر ، ولا تمس حاجته إلى أن يسمع الدرس ثانية.
ـ الشيخ العياشى :
تتلمذ للشيخ على الشمرلسى ، وكان يلقى الدرس العام فى جامع السلطان المؤيد ، وكان صاحب فصاحة وإبانة ، كما كان كريما بكلامه ، تقيا ورعا. ولأنه كان يتكلم اللغة التركية انعقدت أواصر الصلة بينه وبين العلماء العثمانيين مما أثار عليه حسد الحاسدين ، إلا أنه كان حليما صبورا هادئ الطبع.
ـ الشيخ ( ) (1) العبارى :
أهل تقوى وورع ، عالم عامل فاضل ، اعتكف فى عقر داره بزاوية ( ) (2) بالقرب من سوق الصليبة (3) ، وقد تنبأ بإسقاط أحمد باشا. وهو لا نظير له فى مصر.
ـ الشيخ أحمد الأسكندرانى :
وهو من أكمل الكمل فى مصر ، رخيم الصوت وليس بد من وجوده عند إقامة مولد النبى فى شهر صفر ، فهو عندما ينشد الآلاف من القصائد فى مدح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم وتائية عمر بن الفارض بصوت مرتفع جهورى يدخل الصوفية فى نشوة الوجد كأنما أصابهم الصرع. إن فى أنفاسه شيئا عجيبا يوقع من يلقى السمع إليه فى الوله والحيرة. لقد نال الفيض من الشيخ «على العريانى» وهو صالح من صلحاء الأمة ويزور بيت الله الحرام مرة كل عامين أو ثلاثة ، وقد ذهب ذات مرة فى قافلة من عشرة أو خمسة عشر جملا ، وبعد الطواف مضى إلى قبر المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المدينة المنورة ، وبينما كان يقف قبالة المقصورة الشريفة صاح بأعلى صوته قائلا : الغوث يا ملاذ العاجزين ، وكنت حاضرا
__________________
(1 ، 2) بياض فى الأصل.
(3) أحد أحياء القاهرة ولا يزال قائما إلى الآن بقسم الخليفة.

آنذاك فدخلتنى الدهشة والوله والحيرة. وفى طريق عودتنا إلى مصر كنت معه رفيق الطريق وكان معنا أمير الحج أوزبك بك فكنا نطيب نفسا بالاستماع إليه وهو ينشد القصائد فى مدح النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان إذا ما تسلل السأم إلى نفوس الناس من مشقة الطريق كان سرعان ما يزول حينما يستمعون إلى قصائد الشيخ الأسكندرانى فى مدح خير الأنام صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فكان كل منهم يدعو له بالخير ويقبل يده. إنه عالم نحرير.
ـ الشيخ بكرى زاده أفندى :
إنه سليل أسرة عريقة ، فهو من نسل أبى بكر الصديق رضى الله عنه. كان راسخ القدم فى علم القصائد والمدائح النبوية ، حتى إنه نظم قصيدة فى مدح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كانت تتلى فى ليالى رمضان بين صلاة التراويح بدلا من التسبيح. وكان من أعاظم العلماء والفضلاء ذوى الاحترام.
ـ نقيب الأشراف السيد محمد أفندى ابن السيد برهان الدين افندى :
وهو ابن المرحوم برهان الدين افندى نقيب الأشراف ، إنه عالم فاضل من تلاميذ المدرسة السليمانية (1) ، وكان مليح الخط ، انتقل والده برهان الدين من دار الفناء إلى دار البقاء وهو فى المائة وأربعين من سنيه. وعندما آلت إليه أملاك أبيه على ضفاف بركة الفيل وجدت الحجج والوصايا لدى الشيخ ، وفى ذلك الوقت كان جان بولاد زاده واليا على مصر ، وطعن فى صحة هذه الوثائق وأسند مدارسهم وقضاء تكيتهم إلى شخص آخر ، واضطر الشيخ إلى التنازل عن ملكيته لبلدتى البساتين والفرزدق ؛ لأن الاحتفاظ بهما يكلفه ضرائب باهظة لا قبل له بسدادها ، ونزلت به كثير من الشدائد وفى النهاية عندما عزل جان بولاد زاده حسين باشا طالب الشيخ باسترداد حقه ؛ فاسترد منه الكثير ، وتم الصلح بينه وبين جان بولاد زاده ومضى الشيخ إلى قلعة الإسكندرية ليتوجه منها إلى الأستانة فوصل إليها وفى معيته الجند المصريين الذين كلفوا بفتح «قمانچه» بعد أن عادوا سالمين مظفرين فأصيب بالحمى المحرقة التى أحرقت جسده الرقيق ولم يطفئ نار حرقة هذه الحمى ماء أربعين نبعا فانطوى دفتر عمره واحترق. وانحنت ظهور مريديه حزنا عليه ، ودفن فى ضريح الأمير البخارى خارج باب أدرنه (2).
__________________
(1) المدرسة السليمانية : نسبة إلى السلطان سليمان القانونى ، ومقرها إستانبول.
(2) باب أدرنه : أحد أبواب مدينة إستانبول القديمة.

ـ الطبيب بيلونى زاده :
كان يدرس لطلبة مستشفى قلاوون كتاب «قانون الشفاء» و «تذكرة داود» يومين فى الأسبوع ، وكأنه فيثاغورث علم الطب ، وكان من أهل التقوى والكرم ، من مضى إلى داره وشرف بلقائه جسّ نبضه وأعطاه الأدوية والمعاجين من الأطعمة والأشربة كان طبيبا له البراعة فى الطب ، ندر نظيره فى مصر.
ـ الشيخ ( ) (2) خطيب الجامع الأزهر :
إنه رجل أهل تقوى وعبادة.
ـ الشيخ شاهين خطيب جامع الدهيشة :
شيخ من أهل التقوى والورع ، ولوعظه عميق الأثر فى النفوس.
وهناك الشيخ «سيد أحمد جزى» : خادم المحكمة.
و «سيد تاج الدين» : خادم المحكمة كذلك.
و «إسحق زاده» قاضى العسكر وهو من علماء الترك الذين تضلعوا من شتى العلوم.
و «خصم عبد الباقى أفندى» : قاضى العسكر وهو كاتب وصاحب سلوك من فضلاء الدهر بلغ من تقواه أنه لم يصل صلاة فى غير وقتها قط طوال حياته.
وقاضى العسكر «كبيرى زاده» : وهو رجل ديّن واسع العلم بأحكام الشرع الشريف.
و «تذكرجى أفندى» قاضى العسكر : وهو واسع المعرفة بالتواريخ وهو نحوىّ إمام ، وعلى علم بتحصيل المال.
«عشاقى زاده» قاضى العسكر : وهو من السادات الكرام ، نزيه ، لا يخشى فى الحق لومة لائم ولا يحيد قيد أنملة عن جادة الشرع الحنيف ، كان قاضيا رابط الجأش ثابت القدم.
«حفظى أفندى» ، قاضى العسكر وكان حافظا لكلام الله وشاعرا واسع العلم بشتى العلوم الدينية.
__________________
(1) باب أدرنه : أحد أبواب مدينة إستانبول القديمة.
(2) بياض فى الأصل.

وبين هؤلاء الذين أسلفنا ذكرهم آلاف ممن كانت لهم قدم راسخة فى شتى العلوم والفنون.
وإذا ما حاولنا أن نعرف بشىء من كرامات وفضائل هؤلاء العلماء لاقتضى ذلك منا تأليف مجلد قائم بذاته ، لذا عرضنا لذلك على وجه الإجمال وبقدر ما أتيح لنا من سياحاتنا فى تلك البلاد فالمعذرة متسعة لنا فى هذا الخصوص. ولكن لا شك فى أن لكبار المشايخ كرامات وقدرة على مكاشفة الغيبيات.
ـ كرامات صبيان الغربية ـ
حينما كان كتخدا إبراهيم باشا واليا على مصر نبّه على جميع معلمى الكتاتيب بالدعاء من أجل حملة «قمانچة» وكانوا يجتمعون مرتين فى الأسبوع فى الجامع الأزهر للدعاء ، وبعد ذلك ـ بناء على أمر الوزير ـ بدأوا يدعون الله فى جوامع السلاطين ولما طالت مدة فتح «قمانجسه» وتأخرت وصول بشائر الفتح دب دبيب اليأس فى نفوس الناس فتقاعسوا عن الذهاب إلى المساجد للدعاء.
واتفق ذات يوم أن كان إبراهيم باشا يتجاذب أطراف الحديث مع إسحاق زاده قاضى العسكر فى مصر فقال له الباشا : إن معلمى المدارس الابتدائية طوع أمرك فنبه عليهم بأن يداوموا على الدعاء للفتح. فقال قاضى العسكر : لا بأس فلنذهب إلى المحكمة ولنستدع جميع معلمى المدارس ولنضرب كلا منهم أربعين أو خمسين عصا على ركبتهم ، إذ إنه لا وجود للفلكة فى البلاد العربية ، ولأن جميع الفلاحين لا يلبسون سراويل فإنهم إذا ما ضربوا على أرجلهم انكشفت عورتهم ، لذلك يضرب الفلاحون على ركبهم وإليتهم بعصا من شجر الشوحط (1). فضرب المعلمون الفقراء ضربا مبرحا على إليتهم وركبهم وعادوا إلى مدارسهم وهم يئنون من شدة الألم فجعل هؤلاء يضربون الصبيان بعصا الشوحط على نفس الموضع الحساس من أجسامهم فجزع الصبيان من الألم وبعد العصر خلدوا إلى الراحة فتملأ بعض الصبيان فى موضع وأثناء لعبهم تنامى إلى علمهم أن ضربهم إنما كان بإيعاز من الباشا وقاضى العسكر فجعلوا يدعون الله عليهما ، فقال بعض المنصفين منهم : إن الباشا يتصدق علينا فلا ينبغى أن ندعو الله
__________________
(1) الشوحط والنّبع والشّريان شجرة واحدة ، ومنه تصنع القسىّ والسهام. لسان العرب (شحط).

عليه ، أما القاضى فهو رجل خسيس لئيم ، كما أنه ضرب معلمينا ضربا مبرحا ولذلك ضربونا ، فتعالوا نصلى صلاة الجنازة على قاضى العسكر. وجاءوا بخرق جعلوها على هيئة الجثة ووضعوها على محفة من الخشب ولما رأى مئات الآباء ذلك من أبنائهم منهم من ابتسم ومنهم من ضحك حتى استغرب ومنهم من قال لا إله إلا الله ، وبينما كانوا يمرون بالأسواق السلطانية سألهم أهل السوق قائلين :
«اش هذا يا صبيان» فقالوا : إنها جثة قاضى العسكر. فأغلظ لهم القول بعض الأهالى ، والبعض الآخر لم يكترث. وعلى هذا النحو اجتمع جميع الصبيان خارج المدينة فى موضع فوق الرمال وصلوا صلاة الجنازة على تلك الخرقة ودفنوها إلى جانب الإمام الشافعى.
ومن ناحية أخرى اشتكى قاضى العسكر ألما فى قلبه وأسلم الروح فى صبيحة اليوم التالى ، وبينما كانوا يدفنونه إلى جانب الإمام الشافعى فى نفس الموضع الذى دفن فيه الصبيان خرقتهم ظهرت قطع منها من الأرض فدفنوها ثانية والقاضى عسكر فى ذات الموضع.
سر آخر عجيب
والصبيان الاثنى عشر الذين جعلوا تلك الخرقة على هيئة قاضى العسكر وصلوا عليها صلاة الجنازة وحملوها كانوا نجباء وهم الآن ومنذ ذلك اليوم بكم ، كما أصبحوا عراة مجاذيب يهيمون على وجوههم فى صحارى مصر وأراضيها الخربة. إنه لسر إلهى عجيب.
وقد أخذ إبراهيم باشا الخوف مما وقع وأدرك أنه هو السبب فى ضرب هؤلاء الصبيان فتصدق على جميع معلمى وصبيان المدارس حتى أصبح شحاذهم غنيا يعيش فى سعة ورغد.
الفصل الحادى والستون
ذكر أولياء نعمتى من البكوات والأعيان سليلى الأسر العريقة
منهم أمير الحج (اوزبك بك أبو الشوارب) وهو رب أسرة عظيمة وله من الجند خمسمائة. إنه بك.

و (نووه لى بك) وهو رجل شجاع ثرى.
و (قنصوه بك) وهو ابن أحد جند مصر ، وهو من أهل التقوى والعلم.
و (على بك الملقب) إنه رجل محبوب ، طيب المعشر.
و (رمضان بك) الذى تولى قيادة الجند فى حملة «قندة» وحارب النصارى حربا شعواء بالقرب من «خانيه» ووقع فى الأسر.
(قاسم بك) أى قاسم باشا زاده بشيكطاشلى ، وهو واسع الشهرة فى البطولة والشجاعة ، وله خمسمائة من الجند الشجعان المدججين بالسلاح.
و (عبد الله بك) تولى منصب الدفتردار مرتين ، وهو ذو علم ، وهو بوسنوى الأصل. (ذو الفقار بك) كان من الأبخاز ، تولى حكم جرجا فأعاد الأمن والأمان إلى الصعيد.
و (دولاور بك) كان كذلك من الأبخاز ، تولى حكم جرجا فى عهد إبراهيم باشا ، وكان رجلا معروفا بكرمه وسخائه وتقواه.
و (عوض بك) بما أنه تولى رئاسة خزانة «خاصكى محمد باشا» أصبح بك وهو جورجى الأصل.
(جان بولاد زاده) الذى كانت له قيادة الجيش فى «قمانجسه».
و (سليمان بك البوسنوى) تولى هو الآخر قيادة الجند فى قمانجسه.
و (حسين بك الدفتردار) وهو من الأناضول ، إنه رجل طيب المعشر.
و (قيطاس بك) إنه رجل سديد الراى حسن التدبير ، شركسى الأصل.
و (يوسف بك) أمير الحج ، وهو شركسى الأصل كذلك.
و (بقلاجى محمد بك) إنه رجل بصير بالأمور وهو بوسنوى الأصل ، شجاع بطل.
و (بيقلى محمد بك) بوسنوى الأصل ولكنه ليس كثير الأتباع.
و (جندى محمد بك) تربى فى قصر السلطان ، وسجن فى جزيرة «الم» لدخوله فى زمرة المتمردين.
و (كور عمر بك) أى عمر بك الأعمى وهو جورجى الأصل تربى فى قصر السلطان ، وفقئت عينه وهو يلعب الجريد ، أسندت إليه بكوية القاهرة فى عهد محمد الرابع.

ومن البكوات الجدد (إبراهيم بك) وهو كردى الأصل ، بينما كان يشغل منصب كتخدا فرقة العزب أسند إليه جان بولاد زاده حسين باشا جدّة فعمرها.
(موسى بك) وهو من أبناء جند مصر ، عندما كان يشغل منصب كتخدا لقاسم بك منحه عبد الرحمن باشا إيالة جرجا بتوصية من أحمد باشا الدفتردار فعمرها.
و (محمد بك الحبشى) وهو جورجى الأصل ، بينما كان يشغل منصب كتخدا فرقة الإنكشارية ، لم يقبله الجند فمنحه عبد الرحمن باشا حكم أحد الألوية ، وظل فى منصبه طويلا ولم تكن له الحنكة فى الحرب ، وتقاعد فى المدينة المنورة ، وعاد إلى بلاده.
و (چنار مصطفى بك) حينما كان كتخدا الجند الإنكشارية تحالف مع المتمردين لإسقاط أحمد باشا. وفى عهد عبد الرحمن باشا ثار جميع مسنّى الإنكشارية ، وقالوا : إننا لا نريد فى طائفتنا رجلا يمالئ المتمردين ويعينهم ؛ فتجاوز عبد الرحمن باشا عن أخطائه وما بدر منه وأسند إليه بكوبة اللواء وأصبح أميرا على جدة ، وكان أرمنىّ الأصل يبيع الخفاف فى مدينة «إزمير» (1) إلا أنه شرف باعتناق الإسلام وأصبح من ثراة القوم.
و (حسين بك) لأنه تولى منصب كتخدا جاويشية عبد الرحمن باشا أسندت إليه بكوبة المنصورة ، إنه من الأناضول وهو صاحب فصاحة وإبانة وكرم حاتمى.
وولى نعمتى (قوجه مصطفى أغا رئيس الإنكشارية) وهو من قسطمونى (2) ، إنه تقى صالح.
(مظلوم على أغا) قدم من الأستانة بفرمان السلطان وتولى رياسة الإنكشارية مدى حياته ، (قونداقجى مصطفى كتخدا وذو الفقار كتخدا وحسن كتخدا وحبشلى كتخدا ومحرم كتخدا وكنعان كتخدا وقاريغدى على جاووش وسليم جاووش وكمجى جاووش وجلبى جاووش وبكر جاووش وحسين جاووش وشريف جاووش الذى شنقه عبد الرحمن باشا ، وسليم أفندى وبكر أفندى ودلى حسين أفندى ورجب افندى وقره
__________________
(1 ، 2) موضع بالأناضول.

قبوجى زاده عبد الله افندى وأبوه قره قبوجى أغا و (عبد الرحمن أفندى الروزنامجى ، وإبراهيم أفندى كاتب الأيتام ، عمر أفندى كاتب الأرزاق ، وحسين جاووش زاده جلبى أفندى كاتب الجاويشية ، وأحمد چلبى افندى دلال القرية ، حسن أغا رئيس فرقة العزب ، وشعبان أغا رئيس فرقة المتفرقة ويوسف أغا الترجمان الرئيس ، وأحمد أغا كتخدا العزب وسيد حنفى الجاويش النقيب ، وقوجه حسين جاووش ومرزا كاشف ، ومسعود أغا وعبد الرحمن أغا وقوجه خليل نديم السلطان مراد وداود أغا شيخ الحرم ومحمد أغا ترجمان العجم ولا لا ياقوت) هؤلاء الأغوات سالفو الذكر كانوا من رجال وزراء سلاطين آل عثمان وكم من آلاف سواهم ، إلا أنهم أولياء نعمنا.
وبك الشراكسة سليمان بك وعبد الرحمن باشا ، وسليمان بك ابن الخزينةدار على أغا وأخوه كوجوك شاهين أغا وبيوك مصطفى افندى كاتب الإنكشارية ، وسليمان الجورجى كاتب الإنكشارية كذلك وسليم كتخدا وإسماعيل الكاشف وحموه قوجه حسن أغا ومحمد الكاشف كاشف البحيرة وقره على الكاشف وأحمد أغا كاشف الشرقية وجالق مصطفى أغا .. إلى آخره).
* * *

الفصل الثانى والستون
ذكر أقاليم مصر فى ضوء علم النجوم والهيئة
والاسطرلاب ومساحة البلاد وطول نهارها وطالعها
والمسافة بالميل بين السماء والأرض ومساحة العالم بالميل
تفكّر الحكماء القدامى فى آلاء الله وكتبوا عن أحوال العالم ، فقد قيل «تفكروا فى ألاء الله ولا تفكروا فى ذات الله» لذا تفكروا فى آلائه ـ سبحانه وتعالى ـ ووقفوا على جميع أسرار الكون بقوة العلم وطول العمر ؛ فقالوا : إن المسافة بين الأرض والسماء 356 ميلا وبناء على هذا الحساب فإن محيط الدنيا 20160 ميلا تقع فى البحر المحيط ، وتقع جزيرة مصر داخل هذه الدنيا. وطول قطر هذه الدنيا من الشمال إلى الجنوب 6400 ميل.
يقول ابن الوردى فى صحفه : إن بطليموس الحكيم قدّر محيط الأرض ب 20160 ميلا (أى 8000 فرسخ) ، والميل يساوى 3000 ذراع مكى والذراع المكى 3 أشبار ، وكل شبر 12 إصبعا وطول إصبع يساوى 5 حبات شعير ونحن نقدرها ب 7636 ميلا (أى 2545 فرسخا) وثلث ، والمساحة الكلية لسطح الأرض 132 ألف ألف ميل و 600 ألف و 288 فرسخا.
وهذه الأقوال المذكورة هى أقوال صحيحة لبقراط وسقراط وفليقوس وبطلميوس وهم الذين أحاطوا بعجائب العلوم وغرائبها ، وملكوا ناصية شتى العلوم والفنون وكتبوا ما كتبوا بقوة العلم دون أن يتجولوا فى الأرض من أقصاها إلى أقصاها ، ودون أن يكون علمهم عنها علم اليقين ، وقالوا : إن محيط العالم 20160 وكان ذلك بناء على أعمال عبقريتهم.
ولفظ «فتحتا» فتاريخ سنة 889 حينما ضرب السلطان بايزيد ولى (1) الحصار على قلعة «كرمان» قدم عليه راهبان التقيا به وب «قره شمس الدين السيواسى» وزفا إليه البشرى بأنها ستفتح فى يوم كذا وساعة كذا ودقيقة كذا. وهذان الراهبان أحدهما كان
__________________
(1) هو السلطان بايزيد الثانى العثمانى ، اشتهر بلقب ولى بسبب تصوفه.

يسمى «بادره» والآخر «بطريق قولون» ، وقولون هذا من أهل البرتغال أما بادره فمن أهل أسبانيا وقد عين لهما السلطان با يزيد خدما وشاء الله أن تفتح قلعة «كرمان» فى نفس اللحظة التى عينها هذان الراهبان وجاءت البشرى بتسلم مفاتيحها. هذا ما وقع فعلا. وتاريخ فتح هذه القلعة كان لفظ «فتحتا» ومن بعد كرم هذان الراهبان بما لا مزيد عليه من تكريم. ثم سئل هذان الراهبان كيف عرفا من سيفتح هذه القلعة فأجابا :
أنهما عرفا ذلك بفضل من علم الرهبان والعلماء النصارى ، وقالا : لنا أكثر من بشارة نزفها إلى مولانا السلطان. إن ابنك سليم والى طرابزون سوف يكون له ملك مصر ، كما سيكون له ملك مكة والمدينة ، وسيملك ابنه سليمان «التفاحة الحمراء» (1). وإن طالع الدولة العثمانية لطالع سعيد وستكون الدنيا بأسرها فى حوزتكم ، ولكن لنا بشارة أخرى عظيمة لسلطاننا كذلك وقال «قولون» أنت يا مولاى أعظم السلاطين كافة ، يسر الله لك الملك ، بينما كنت أطوف فى الآفاق منذ مائة وأربعين عاما وبادره هذا يطوف منذ مائة وخمسة عشر عاما وطيلة هذا العمر المديد طوفنا فى العالم سبع مرات. وعبرنا من خارج مضيق «سبتة» غربا سبعة آلاف ميل بفضل قوة العلم فاكتشفنا ما يسمى «العالم الجديد» : وفيه ما لا وجود له فى عالمنا هذا ، ففيه أنواع من الحيوانات والجبال والحدائق وأناس لا يعرفون الحشر ولا النشر ، والذهب فى كل أنهارهم والمعادن فى كل جبالهم وسهولهم مروج وجو بلادهم لطيف ، إنها أرض بكر لم تطأها قدم يسر الله فتحها لسلطاننا. تلك هى البشرى التى أزفها إليك يا مولاى السلطان.
فقال السلطان بايزيد : لا بد لنا من فتح مكة والمدينة وإحكام سيطرتنا على هذا العالم وليس من اللازم أن نتجاوز البحر إلى تلك البلاد البعيدة.
وعند ما قال السلطان هذا من كلامه ودعه الراهبان بتقبيل يده ثم انطلقا إلى البابا وأطلعاه على أوصاف الدنيا الجديدة فقدمت لهما أسبانيا اثنتى عشرة سفينة وبسطت سيطرتها على هذه الدنيا الجديدة ، ثم ملكتها انجلترا بعدها ، ثم آل ملكها إلى ملك هولندا وللدنيا الجديدة الآن اثنى عشر ملكا ومنذ تاريخ «فتحتا» (أى عام 889) إلى
__________________
(1) اسم كان يطلق على روما قديما.

يومنا هذا أقيمت ففيها 3060 قلعة ويتناحر الملوك فيها من أجل الاستيلاء على معادنها حتى إننى بعد أن فتحنا «أويوار» وصلت بلاد الألمان برفقة السفير «محمد قره باشا» فى طريقنا إلى إمبراطور النمسا وصلنا مدينة تسمى «لونجاط» على شاطئ البحر المحيط ، وكانت سفن الدنيا الجديدة ترسو على ذلك الشاطئ وفى كل منها ثلاثة آلاف رجل وكان بين من على ظهر هذه السفن أناس من الدنيا الجديدة قصار القامة يلبسون الريش فكلفت تراجمة النمسا بسؤالهم عن الدنيا الجديدة فما كان منهم إلا أنهم سبوا الراهبين «بادره» و «قولون» اللذين أفعما دنياهم الهادئة الآمنة بالطامعين فيها والذين يحاربونهم على الدوام لإبادتهم وقصف أعمارهم.
ومحصلة القول أن الراهبين بادره وقولون ، بفضل العلم وتطوافهما فى الدنيا ، بذلا الوسع فى الاطلاع على آلاف من كتب التاريخ وراجعا كتب الأطالس والهيئة وقضيا عمرهما فى السياحة والتطواف وكتبوا عما وقفا عليه من حقائق هيئة العالم.
ووصل هذان الراهبان إلى تلك البلاد التى لم يصل إليها كل من فليقوس وبطليموس فى الزمان القديم على شدة الحر والبرد وما يكتنفها من مهالك ومعاطب بعد أن ساحا فى الأرض مرات ومرات شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ، وذكرا أن مساحة العالم 87000 ميل كما ذكرا أنهما لم يبحرا فى شواطئ البحر الأبيض ولا البحر الأسود بل أبحرا حول هذا العالم الجديد عبر المحيط.
وقد رسم ملاحو العالم كافة خرائطهم فى ضوء ما كتبه الراهبان بادره وقولون ويبحرون فى البحار معتمدين كل الاعتماد على هذه الخرائط ، فقد اكتملت لهذين الراهبين آلاف التجارب ونجت السفن فى البحر المحيط بفضل ما كتباه ووصلا إلى جميع موانى الدنيا وحملا من أحجارها ومعادنها وكتبا عن اعتدال جو تلك الموانى كما كتبا عن جبالها وأحجارها وأجوائها ومنبع كل نهر فيها. اتفق جميع علماء الهيئة رأيا على أن مساحة الدنيا القديمة 87000 ميل على نحو ما قال بادره وقولون ، وكل ميل يساوى 4000 ذراع أسود ، والذراع يساوى 24 اصبعا ، وكل ميل يساوى 400 قدم ، والفرسخ يساوى 12 قدما (أى مسيرة ( ) (1) ساعة).
__________________
(1) بياض بالأصل.

وقد قسم حكماء السلف وجه الأرض إلى سبعة أقاليم بعلم الاسطرلاب :
ـ الإقليم الأول :
يقع كذلك فى جزيرة مصر ويمتد إلى منبع النيل عند جبل القمر.
والإقليم ـ بعلم الاسطرلاب ـ عبارة عن خط يمتد من الشرق إلى الغرب فتكون جميع المدن الواقعة على هذا الخط لها نفس الأرض ونفس طول النهار.
وثمة إقليم آخر يقع على حدود بلاد الحبشة جنوب جزيرة مصر وهذا الإقليم الآن فى حوزة البرتغاليين ويسمى فى علم الهيئة «مدار الجدى» ويطلقون على نهاية الإقليم الثانى اسم «خط الاستواء». هذا ما اصطلح عليه العلماء.
أما عرض الإقليم الأول ف 12 درجة و 40 دقيقة. ومن خط الاستواء جنوبا يتبقى جزء من العالم وهذا الإقليم بما أنه غير معمور لشدة الحر فيه لم يعده العلماء إقليما. لأن هذه الجهات هى البحر المحيط وبه بعض الجزر. وعند بطليموس أنه وراء خط الاستواء ب 16 درجة و 25 دقيقة بعض البلدان المعمورة بالقرب من ولاية الزنوج وأقاليم الحبشة ولكن فى الوقت الذى لا يطيق فيه الإنسان شدة حرها تكثر فيها الفيلة والقردة.
حتى إنه فى شهر يوليو من عام 83 عندما كنت فى سياحتى بفونجستان وحرها جد شديد تجاوزت خط الاستواء جنوبا قاطعا المنازل طاويا المراحل طيلة سبعة وعشرين يوما فارتفعت ربع دائرة فوجدت بالحساب أن طول النهار ( ) (1) ساعة و 16 درجة و 21 دقيقة.
أما وسط الإقليم الأول فمن المتفق عليه أن عرضه 16 درجة و 37 دقيقة ، وطول نهاره 13 ساعة.
ـ الإقليم الثانى :
يبدأ من خط عرض 20 درجة و 27 دقيقة وطول نهاره 13 ساعة و 15 دقيقة ، ووسط هذا الإقليم خط عرض 24 درجة و 40 دقيقة وطول نهاره 13 ساعة.
__________________
(1) بياض بالأصل.

ـ الإقليم الثالث :
يبدأ من خط عرض 27 درجة و 30 دقيقة وطول نهاره 13 ساعة و 35 دقيقة ، ووسطه من خط عرض 32 درجة و 37 دقيقة ، وطول نهاره 13 ساعة وربع.
ـ الإقليم الرابع :
يبدأ من الإسكندرية ورشيد ودمياط وجزيرة مصر تقع فى الأقاليم الثلاثة.
ولنوضح أوصاف الأقاليم الأخرى على هذا النحو التقريبى :
أما بداية الإقليم الرابع فمن خط عرض 30 درجة و 40 دقيقة ، وطول نهاره 13 ساعة ، ووسطه عند خط عرض 36 درجة و 22 دقيقة ، وطول نهاره 14 ساعة.
ـ الإقليم الخامس :
بدايته من خط عرض 38 درجة و 15 دقيقة ، وطول نهاره 15 ساعة ، ووسطه من خط عرض 14 درجة و 15 دقيقة وطول نهاره 15 ساعة ونصف.
ـ الإقليم السادس :
يبدأ من خط عرض 43 درجة و 22 دقيقة وطول نهاره 15 ساعة وربع ، ووسطه من خط عرض 45 درجة و 12 دقيقة وطول نهاره 16 ساعة ونصف.
ـ الإقليم السابع :
يبدأ من خط عرض 48 درجة و 29 دقيقة وطول نهاره 21 ساعة ووسطه عند خط عرض 48 درجة و 29 دقيقة وطول نهاره 12 ساعة وربع.
حتى إنه فى عام 1076 عندما خلع «محمد كراى خان» (1) وفرّ إلى داغستان رعيت حق الخبز والملح ومضيت إلى إقليم ملك «قره بوداق» (2) وشاهدت أنهار طرخوى وقوون واندرى وبلغت «دمير قابو» (3) ومن هناك ركبت السفينة ووصلت بسلام إلى قلعة الترك فى موسكو فى ثلاثة أيام بلياليها فى بحر الخزر ، ثم سلمنى بكوات الشراكسة فى «رهن» وقادة قلعة الترك فى موسكو أوراقا ، ثم توجهت إلى ملك موسكو فمضيت شمالا على ساحل بحر الخزر طوال ستة أيام فى ولاية «قازان» ومنها اتجهت
__________________
(1) أحد خانات القرم ، أى : حكامها.
(2) موضع فى آسيا الوسطى.
(3) الباب الحديد.

شمالا إلى صحراء «القبجاق» وولاية «الأطر» على ساحل بحر الخزر ، ثم تابعت السير شمالا حتى اجتزت صحراء «هيهات» فى واحد وعشرين يوما فبلغت ولاية «هشدك» وهى بلاد عظيمة على ضفاف نهر «أدل» وهى تتبع موسكو وسكانها 700 ألف من المسلمين لهم مساجدهم ومدارسهم ولكن ليس لجوامعهم مآذن وهم يؤدون الخراج لموسكو وقدره دينار ذهبى على كل شخص فى العام. وجبت بلادهم فى برد قارص طيلة سبعة أشهر وعبرت إلى الضفة الأخرى لنهر «أدل» فبلغت القلعة المسماة «يوانجسه» وطول النهار هناك إحدى وعشرون ساعة ونصف ساعة ، ولم يكن سكان هذه القلعة يؤدون صلاة العشاء وكنت مثلهم وفيها علماء فضلاء ، إلا أن لسانهم هو لسان موسكو وهم يتلون القرآن الكريم ويقرأون معانيه بالروسية وقد ترجموا كتاب «عماد الإسلام» إلى اللغة الروسية وترجم بعضهم جميع كتب الفرائض والفقه.
وجل الإقليم السابع يمتد فى مملكة موسكو وبلاد فغفور (1) وبولندا ودانصقة وقراقووجه وأسفج (2) تقع جميعها فى الإقليم السابع. بيد أنه لشدة البرد فى موسكو يقل العمران فيها وتشكل صحارى هيهات معظم مساحة موسكو ، كما أن تتار القلموق خرّبوا الكثير من المناطق العامرة وعاثوا فيها فسادا.
وبينما كنت أتجول فى المنطقة بين نهرى «أدل» و «جالق» اكتشفت أنها تقع عند خط عرض 36 درجة وطول نهارها 21 ساعة ونصف.
وعندما كنت أعد حساء الكرنب ظهرت الشمس فى وسط الفلك ولم يكن لحرارتها تأثير فيها والحاجة فى هذه المنطقة ماسة إلى ارتداء فروين فهى أماكن قارصة البرد.
ومسلمو الهشدك ونصارى الموثق غاية فى البلاهة ، ولا شجاعة لهم ، ولا وجود قط للحدائق والبساتين فى هذه البلاد ، ولكن الحيوانات والطيور والمراعى كثيرة فيها ، وأراضيها جد خصبة وقد تكلمت مع كثير من رحالة موسكو وقسيسيها وسألتهم عن بلادهم فقالوا :
__________________
(1) لعله يقصد الصين.
(2) أسفج : السويد.

نحن من سكان جزيرة تسمى «وقولون» فى البحر المتجمد فى نهاية الإقليم السابع ومياه بحرنا تتجمد ستة أشهر فى السنة ولا تطلع الشمس طيلة ستة أشهر فبلادنا مظلمة وليلنا ساعتان ونهارنا 22 ساعة.
فسألتهم عن المسافة بين بلادهم ونهر «أدل» فقالوا : لقد خرجنا من بلادنا منذ أربعة أشهر ووصلنا لتونا.
وهم بالفعل وصلوا لتوهم ومعهم من سن السمك وفرو السمور ووجوههم قد تمزقت من شدة البرد. ولموسكو وراء الإقليم السابع أرض معمورة كما هو الشأن وراء خط الاستواء.
وقد ذكر القرطبى فى كتابه «المسالك» أن :
الإقليم الأول : يمتد من سواحل بلاد الصين على وجه التقريب إلى داخل الحبشة حتى جزيرة «لوكة» ، وينتهى بجزيرة العرب واليمن وساحل المغرب وأشهر مدنه هى عمان وحضرموت وصنعاء اليمن.
ـ الإقليم الثانى :
يمتد من الجانب المذكور إلى بلاد اليمن والهند ثم يمتد إلى بحر الحسا والبصرة وتهامة وجزيرة العرب واليمامة وبحر هجرين والحجاز ومكة والطائف والمدينة والبحر الأحمر ثم إلى بلاد المغرب وبحر المغرب.
ـ الإقليم الثالث :
يمتد فى بلاد الصين والهند وقندهار وبلاد السند من الشمال ويمر من كابل وكرمان وجيرون وسجستان وسواحل قصره ثم يقطع مدينة اصطخر وسابور ومهربان وشيراز وسبقير ونور وأهواز والعراق وواسط والكوفة وبغداد وانبار وهيت ثم دمشق وحماة وحمص وسور عكا والرملة وساوه وطبرية وغزة وبيت المقدس وعسقلان والمدائن والقلزم سلمية ثم إلى أسافل أرض مصر ثم يمر بالفرما وتنيش ودمياط ورشيد والإسكندرية والفسطاط والفيوم وبلاد رقية ويجتاز أرض إفريقيا وينتهى عند بحر

المغرب. أما بلاد طرابلس وتونس والجزائر وطنجه وفاس والأندلس وقرطبة ومراكش تقع فى الإقليم الثالث.
ـ الإقليم الرابع :
يمر من بلاد السند وخراسان وسمرقند وبلخ وبخارى وهيران وأصفهان وسرخس وطوس وزابلستان ونيسابور ونهاوند وديلور وحلوان ونصيبين والموصل وخجند وقزغان وقالى وقلا والرقة وتبرجك ثم يمر بعد ذلك بدمشق فملاطيا وحلب وقيصرية وأنطاكيا وطرابلس الشام وطرسوس وأدنه وعمورية وسلفكه وجزيرة قبرص وجزيرة كريت وجزيرة كورسيكا وجزيرة مسنه والبرتغال.
وفى أقصى الغرب أسبانيا وجنوز وفرنسا تقع فى الإقليم الرابع. وعلى بعد 7000 ميل من سواحل فرنسا تقع الدنيا الجديدة إلا أن العلماء لا يعدونها إقليما.
ـ الإقليم الخامس :
يبدأ من بلاد يأجوج ويمر بالصين والختا والختن وبعض مدن بلاد خراسان ويمر بخرشنبه كما يمر بوسط الأناضول ومن قرمان إلى أداليا ومنها إلى البحر الأبيض ويمر برأس قلاوره والبندقية ودور دوشقة وينتهى ببحر الألمان وقبالتها الدنيا الجديدة على بعد 7000 ميل.
ـ الإقليم السادس :
يمر ببلاد ترجانه دون الوصول إلى بحر الخزر وطبرستان وينتهى ببحر المغرب ونهاية هذا الإقليم هو القسطنطينية وأواخر بلاد الإفرنج.
وقال حكماء السلف :
إن اسطنبول تقع فى الإقليم السادس. إلا أنها تقع فى أواخر الإقليم الخامس لأن القسطنطينية تقع عند خط عرض 40 درجة.
والحقيقة الظاهرة ظهور الشمس أن طول نهارها 15 ساعة.

ـ الإقليم السابع :
يمتد من الجانب الشرقى وينتهى فى الشمال عند سد «يأجوج» فى بلاد الترك والصقالبة وموسكو وهولندا ودوقانقيز والدنمارك وألمانيا ولونجاط ، وعلى بعد ( ) (1) ميل قبالتها تقع جزيرة الإنجليز ، كما تقع قبالتها الدنيا الجديدة على بعد 7000 ميل.
ـ ذكر الأقاليم السبعة على نحو آخر ـ
الإقليم الأول :
به 20 جبلا ، و 30 نهرا عظيما ، وسكانه سود البشرة أما أهل السودان فهم بيض البشرة وهذا الإقليم كذلك يمتد فى جزيرة مصر.
ـ الإقليم الثانى :
به 27 جبلا و 27 نهرا عظيما ، وسكان هذا الإقليم كذلك سمر البشرة وطائفة منهم دميمة وجوههم ، ويمتد هذا الإقليم كذلك بمصر على ضفاف النيل.
ـ الإقليم الثالث :
به 33 جبلا و 22 نهرا عظيما. وجميع الأنهار التى تجرى فى جزيرة مصر تنشعب عن النيل ويمر هذا الإقليم كذلك بجزيرة مصر وهى جزيرة متراحبة الأرجاء لها نصيب فى هذه الأقاليم الثلاثة ويحكمها سبعون ملكا ومساحتها 18000 ميل وينبع النيل من داخل هذه الجزيرة ويصب فى البحر الأبيض شمال مصر عند مينائى دمياط ورشيد ، ومن منبعه إلى مصبه مسيرة ثمانية أشهر ، ولا وجود لنهر يجرى مثل هذه المسافة الطويلة.
ـ الإقليم الرابع :
به 25 جبلا و 22 نهرا وجميع سكانه بيض البشرة.
الإقليم الخامس :
به 30 جبلا ، 15 نهرا عظيما وجميع سكانه بيض الوجوه.
__________________
(1) بياض فى الأصل.

الإقليم السادس :
به 11 جبلا و 40 نهرا ، أطول هذه الأنهار نهر «الطونة» ومساحة منبعه 110 مرحلة ، وينبع هذا النهر من ألمانيا ويصب فيه 700 نهر ، وله خمسة فروع تصب فى البحر الأسود منها فرع عند مضيق «كلى» وآخر عند مضيق «طولجه» وآخر عند مضيق «سلونه» وآخر عند سفح التلال الخمسة والأخير عند مضيق «قره خرمن».
وتبحر السفن الشراعية فى هذا النهر حتى بودابست وبراغ وألمانيا. إنه نهر عظيم وحمدا لله فقد تأتى لى أن أطوف خمس مرات على ضفافه من المنبع ببلاد الألمان حتى المصب فى البحر الأسود.
ـ الإقليم السابع :
به 10 من شوامخ الجبال أعظمها «جبال البرز» على مقربة من داغستان ولا وجود لجبل مرتفع كهذا فى الربع المسكون من العالم ، ولم يصعد إلى قمته مخلوق من البشر وفيها غيلان وضوار ويستوطن جوانبه الأربعة خمسة سلاطين. إنه جبل عظيم إلى هذا الحد البعيد. وبهذا الإقليم 40 نهرا منها على سبيل المثال نهر «قوبان» العظيم الذى ينبع من جبال البرز ويخترق داغستان وبلاد الشركس والجهة القبلية من صحراء «هيهات» فى بلاد الشركس ويصب فى البحر الأسود أسفل قلعة «تمر» فى الجزيرة المسماه «طمان» وكذلك عند مضيقى «خون» و «يلشكة» وتجرى فيه بوارج عملاقة.
وهناك فى هذا الإقليم كذلك نهر الترك الذى ينبع من الجبل نفسه ويخترق ولاية داغستان ويصب فى بحر الخزر أى بحر كيلان أسفل قلعة الترك بموسكو على مقربة من «دمير قبو» فى الشمال. إنه نهر ماؤه عذب فرات وسكان هذا الإقليم حمر البشرة ، شجعان.
والإقليم السابع به 10 جبال و 40 نهرا ، أطولها نهر «أدل» العظيم. إن ماءه ماء الحياة وعرضه 40 ميلا ويبلغ فى بعض الجهات 67 ميلا ، وعمقه 34 باعا وجميع سكان هذا الإقليم بيض البشرة.

وليعلم إخوان الصفاء أنى قضيت فى الترحال إحدى وأربعين سنة ورأيت بأم عينى أن أطول الأنهار هو نهر «إدل» يليه فى الطول نهر «جايق» ثم نهر الطونة ثم نهر شط العرب ثم نهر النيل المبارك فى مصر الذى يصبح كأنه البحر فى شهر يوليو من كل عام بيد أنه فى بقية أوقات السنة يكون فى حجم نهر «دياله» القريب من «بغداد» أما نهر «إدل» هذا هناك العديد من الترع تتفرع منه وتجرى بجانبه.
وفى ضوء علم الهيئة وطبقا لما دونه الرحالة وعلى حد قول العالم الجهبذ «بطليموس» إن على وجه الأرض 200 نهر عظيم و 44000 نبعا جاريا.
ويروى العوفى عن ابن عباس قوله : إن على وجه الأرض أنهارا تتفاوت طولا بعدد ما فى جسم الإنسان من شرايين ، ولو لم تجر هذه الأنهار على وجه الأرض لتمزقت الدنيا قطعا قطعا ، وما كان فى الإمكان أن يسكنها مخلوق. وهذا هو الحق فقد قال عز من قائل (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) الأنبياء : 30.
ويقول ابن إسحاق : على وجه الأرض 148 جبلا علاوة على مئات من الجبال الأخرى ولكن ما يعنينا منها شوامخها ، والتى قال الله فى شأنها فى كتابة العزيز (لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الشورى : 12 ومقاليد فى اللغة العربية بمعنى أقفال وإذا لم تتشابك الجبال وتحكم الأرض وكأنها الأقفال لما كان لوجه الأرض من قرار.
وصف الأقليم السبعة من منظور آخر
الإقليم الأول :
طوله من الشرق إلى الغرب 1250 فرسخا ، وعرضه 190 ويضم هذا الإقليم 1000 مدينة ، 50 منها من كبريات المدن تقع معظمها فى أقاليم الزنوج ومنها الحبشة واليمن وصنعاء وبحرانة وطغار وحرش وجزيرة سرنديب والهند وميناء الصين ومدينة فارس ومراكش فى المغرب والسودان والفونج وبورنو.
الإقليم الثانى :
يبلغ طوله من الشرق إلى الغرب 2400 فرسخ وعرضه 136 ، وبه 27 جبلا من شوامخ الجبال و 36 واديا ، و 2000 مدينة 50 منها مدن عظيمة ويمتد من خجند

والهند والسند ، والمنصورية والحيرة وكندة والجزائر ونجد ويثرب إلى الحجاز والبحر الأحمر وأرض البربر وأفريقيا وأرض مصر وأرض بغلبه (1).
ـ الإقليم الثالث :
طوله 2925 فرسخا وعرضه 90 فرسخا ، وبه 300 مدينة منها 200 من كبريات المدن ويبدأ من شمال الصين حيث موغان وقندهار ويضم كابل وزابلستان وسيستان وكرمان وفارس وسواحل بحر عمان والبصرة والإحساء واصطخر وشيراز ونيسابور والأهواز والعراق وبغداد والشام وفرحين والإسكندرية ومرقان وفرنسا وينتهى فى البكرية.
ـ الإقليم الرابع :
يبلغ طوله 2700 فرسخ وعرضه 102 فرسخ وفيه 25 جبلا ، و 32 واديا وعدد مدنه ( ) (2) مدينة ويمتد هذا الإقليم من التبت وخراسان وبلخ وبخارى ويضم ملتان وطبرستان والديلم وقزوين والرى وقم وكاشان وأصفهان وهمذان وحلوان وشهرزور والموصل ونصيبين وحلب وأنطاكية وطرسوس وعمورية وجزيرتى قبرص وكريت ومدينة البندقية وينتهى بألمانيا.
ـ الإقليم الخامس :
يبلغ فى الطول 2550 فرسخا وفى العرض 102 فرسخ ، ويضم 1040 مدينة ، 700 منها موانئ ، وفيه 25 جبلا و 33 واديا ، والمدن الواقعة فى جانبه الشرقى هى كوره وكانج وكاس وخوارزم والتبت وأرمينيا وبخارى وسمرقند وخجند وطشقند وكولقند ودقند وسنجاب وقرمان وانطاليا وفى الجانب الغربى من بحر الروم النمسا وبها مدن بودين واستورغون وسيدوار واستونلى بلغراد وپاپا وقومران وبانيق وسنمارتين وبشتهل وبراغ ولونجاط وأمستردام. وفى الجانب المقابل تقع جزيرة الإنجليز ووراءها بمسافة قدرها 7000 ميل تقع الدنيا الجديدة.
__________________
(1) لعلها : بعلبك.
(2) بياض بالأصل.

الإقليم السادس :
يمتد من الشرق إلى الغرب بمسافة طولها 2380 فرسخا وعرضه 90 فرسخا به 30 واديا و 1070 مدينة ، سبعمائة من هذه المدن مرافئ. ويمتد هذا الإقليم من سد «يأجوج ومأجوج» وشمال خراسان وجزء من خوارزم ونواحى أذربيجان وأرمنيا والأخلاط والرمية الكبرى وينتهى بالأندلس.
ـ الإقليم السابع :
يمتد من المشرق إلى المغرب بمسافة قدرها 2200 فرسخ وعرضه 140 فرسخا ، وفيه 1000 مدينة ، جلها كان يقع فى ولاية «فغفور» ، ويضم هذا الإقليم مدن قزاق ومغول وبوغول وموسكو وصحراء القبجاق والقرم وقزاق له ، وجه ، ودانسقه والسويد وهولندا. وفى الجانب المقابل تقع جزيرة الإنجليز وهى جزيرة عظيمة تمتد أراضيها فى الإقليمين السادس والسابع ، ومساحتها 8000 ميل وحاضرة ملوكها مدينة «لندن» وقد زارها والدى الدرويش «محمد ظللى» فى عهد السلطان أحمد أما أنا فما زرتها.
ولقد تأتى لى بلوغ مرفأ «لونجاط» العظيم الذى يقع قبالتها ولم يتيسر لى العبور إليها اللهم يسر بالخير.
أما جزيرة مصر فأكبر من جزيرة الإنكليز. إنها جزيرة متراحبة الأطراف تبلغ مساحتها 18000 ميل ، ولم يخلق الرحمن جزيرة مثلها على وجه الأرض ، وفيها خمسة عشر ملكا لهم سكة وخطبة وسبعون أميرا وبها 1070 مدينة ، 70 منها مرافئ عظيمة.
وتضم السودان دنقلاب وفاس ومراكش وقرطبة وطنجة والجزائر وتونس وطرابلس والإسكندرية ورشيد ودمياط والقاهرة المحروسة ، وجزيرة مصر هذه أعظم جزر الدنيا عمرانا عمرها الله.
ـ حاضرة ملك مصر :
وحاضرة مصر تقع وسط الإقليم الثالث عند خط عرض 27 وـ 3 دقيقة ، وطول نهارها 14 ساعة 13 درجة و 45 دقيقة وهى بلد حار.

ولأنها بنيت وقت طلوع المريخ فى برجه لا تنقطع فيها الفتن والحروب. إلا أن طالعها غاية فى قوتها والنصر حليفها على الدوام.
سر إلهى فى مصر
ثمة سر إلهى فى مصر هو إذا ما كانت هناك حادثة غير متوقعة على وجه الأرض شاع خبرها على ألسنة الناس فى مصر ، وبعد خمسة أيام أو أكثر تقع هذه الحادثة التى كثر فيها القيل والقال.
فعلى سبيل المثال سرت شائعة ذات يوم مؤداها أنه قدم تم فتح «قمانجسه» وبعد أربعين يوما جاء أحد أغوات الوزير عام 108 من قمانجسه حاملا بشرى النصر وتحقق ما قاله الناس فى هذا الشأن.
وفى شهر ( ) (1) من عام ( ) (2) شاع بين الناس أن الوزير قد مات وبعد اثنين وعشرين يوما ورد نعى الوزير الأعظم «كوپرلى أوغلو».
واتفق ذات يوم أن ظهر درويش من أهل الله وجعل يطوف صائحا : «وقع الباشا وقع الباشا» وبعد أسبوع أسقطوا أحمد باشا الدفتردار.
وهذا بفضل تأثير نجم ( ) (3) على مصر مما جعل كل حادثة تذكر قبل وقوعها بأربعين يوما على وجه الأرض ، وهذا أثر ذلك النجم كما أنه من تأثير من فى مصر من دراويش ومجاذيب وأمناء ونقباء موكلون بمصر.
وبين سكان القرافات الكبرى الاثنتى عشرة الواقعة فى جوانب القاهرة الأربعة دفن مئات الآلاف من كبار أولياء الله ، وكثير من أبناء الأنبياء ، وربما الأنبياء ومئات الآلاف ـ غيرهم من أعاظم المشايخ من صلحاء الأمة ، وبفضل من روحانياتهم فإن كل ما يقع على وجه الأرض يصبح حديث أهل مصر قبل وقوعه بأربعين يوما.
* * *
__________________
(1 ، 3) بياض فى الأصل.

الفصل الثالث والستون
الأضرحة المنورة لسلاطين السلف والعلماء والمشايخ والقضاة
وكبار أولياء الله والصحابة الكرام والأئمة المجتهدين فى قرافات مصر
فى الجانب الشرقى من مدينة القاهرة جبل يسمى «المقطم» لما كان هذا الجبل موضع تعبد سيدنا موسى وهارون والمسيح ـ عليهم‌السلام ـ فقد وردت فى شأنه أحاديث صحيحة عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد رغب أمته فى فتح مصر.
وبعد الفتح فى عهد عمرو بن العاص رضى الله عنه دفن 17000 صحابى جليل فى ظل هذا الجبل والآن يسمى العوام هذا الجبل «جبل الجوشى».
وعندما تبزغ الشمس فى الآفاق يمتد ظل هذا الجبل على مدينة الفسطاط أى مصر العتيقة على ضفة نهر النيل. وقد دفن فى ظل جبل المقطم هذا الكثير من أمة المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وسلم الذين وعدوا بالجنة وقد ورد عدد من الأحاديث الصحيحة فى هذا الصدد.
ـ سبب تسمية جبل المقطم بهذا الاسم :
ولفظ «المقطم» مأخوذ من «القطم» وهو القطع فسمى هذا الجبل بالمقطم لما كان منقطع الشجر والنباتات.
وجاء فى رواية أخرى أن أحد أبناء سيدنا نوح ـ عليه‌السلام ـ كان يسمى «المقطم» سكن هذا الجبل فسمى باسمه. إنه جبل تغمره الأنوار وكل كهف فيه مفعم بالنور بفضل أولياء الله.
ذكر أضرحة أولياء الله والمشايخ والصلحاء الكائنة
فى جبل المقطم والتى زرتها أثناء تطوافى فى مصر
فاتح مصر أبو عبد الله عمرو بن العاص بن هشام بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر رضى الله عنه وقد بشره صلى‌الله‌عليه‌وسلم بفتح مصر وقد توفى عام ( ) (1) بعد أن فتح مصر ودفن فى سفح جبل المقطم.
__________________
(1) بياض بالأصل ، وقد اختلف فى تاريخ وفاة سيدنا عمرو بن العاص ـ رضى الله عنه ـ والذى عليه المحققون أنه مات سنة ثلاث وأربعين. انظر : الإصابة (5 / 3).

ضريح «أبى نصرة الغفارى» من الصحابة الكرام ، تلقى الإجازة من سيدنا على ـ كرم الله وجهه ـ بين يدى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وهو أول من صنع الإكاف وتنتهى به سلالة صانعى الإكاف ، عمر أبو نصرة الغفارى هذا مائة وسبعين عاما وقد هبط مصر مع السيدة نفيسة رضوان الله عليها وتوفى فيها وقبره بجوار قبر عمرو بن العاص. إنه أحد صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولكن وقع الخلاف فى اسمه فهو عند البعض «حميل» ، وقال البعض الآخر إن اسمه «ارعره» إلا أنه اشتهر بأبى نصرة الغفارى رحمه‌الله.
ضريح عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدى (1) صاحب رسولاللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وإن زيارته لأمر عظيم.
سيدنا «يامن» ابن سيدنا يعقوب وأفرايم ابن سيدنا يوسف الذى ولد فى الفيوم وسيدنا صارم بن يهوذا ابن سيدنا يعقوب ـ عليه‌السلام ـ.
وجاء فى بعض التواريخ أن الصحف أنزلت عليه وأصبح نبيا.
وقبر أمنا هاجر ـ رضى الله عنها ـ وقبر الملك الريان وقبر الحسناء زليخا ، وقبر عزيز مصر ، كل هذه القبور تقع فى سفح جبل المقطم تحت قبة سيدنا ابن يامن ـ رضى الله عنه ـ ، ويزورها خواص الناس وعوامهم.
وقبر عبد الله بن سلامة السلمى وهو من صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ومزار مسجد سيدنا موسى ـ عليه‌السلام ـ على جبل المقطم وقد سكن هذا المكان سيدنا عيسى ـ عليه‌السلام ـ مع أمه السيدة مريم وهذا الموضع يزوره جميع النصارى كل عام. وقد رمم ابن طولون هذا المسجد وضريح ابن يامن أخى يوسف الصديق عليه‌السلام ، والآن كل هذه الأبنية تحمل تاريخ ابن طولون.
«تنور فرعون» فوق جبل المقطم تبدو آثاره للعيان إلى يومنا هذا ، وفى عهد القبط كانوا يزورونه ويعظمونه. وعلى مقربة منه وادى المستضعفين ووادى الملك ووادى الليلا ووادى الدجلة وهى وديان تقع جميعا فوق المقطم والمسافة بين هذه الوديان وعين
__________________
(1) الإصابة (4 / 50 ـ 51).

موسى مسيرة ست ساعات يتصيد فيها أهالى مصر الظباء والأرانب وهى أماكن نزهة.
«مزار مسجد سيدنا هارون» أخى موسى عليه‌السلام ، أنشأ هذه الزاوية فيما كان وزيرا لموسى ، وقد عمرها ملوك السلف ، وهى عامرة إلى يومنا هذا وتزار. وعلى عتبتها العالية تاريخها ونصه «أمر بإنشاء هذه الزاوية المباركة وزير ابن جعفر بن العراب».
«مسجد سيدنا الزبير ومسجد الصخرة» : زاوية عظيمة فى غار منحوت فى الصخر إلا أنها لا تحمل أى تاريخ.
مسجد الديلمى ، وهو زاوية عتيقة بنيت على الطراز القديم. مسجد الشريف الجرجانى. وكل هذه الزوايا زوايا معمورة فى سفح جبل الجوشى.
ومسجد «المعروف» وهو معجزة سيدنا موسى عليه‌السلام ، لا وجود لمسجد مثله بناه إنسان. إنه معجزة حقا وهو فى سفح جبل الجوشى وهو أحد زوايا القاهرة التى تحير الألباب.
ومسجد محمود وهو دار قديمة للعبادة ، ومسجد الولوه وهو يحمل تاريخ ترميمه عام (416) ، وقبر شقيق الراعى ، وقبر سيد الراعى ، وكانا أخوين من صحابة رسول الله الكرام وكانا يرعيان الغنم التى اغتنماها عند فتح مصر وبينما كانا يرعيان غنمهما وافاهما الأجل فى ليلة القدر ، وصلى عمرو بن العاص عليهما صلاة الجنازة ودفنا بجانب مسجد «الولوه» والآن فى كل عام فى ليلة القدر يغمر النور ضريحهما عليهما رحمة الله.
وعلى حد قول الشيخ القعقاعى إن مسجد ولوه ومسجد محمود مسجدان قديمان يستجاب فيهما دعوة الداعى وفيهما روحانية عجيبة ولا ينقطع عنهما المتصوفة وأهل التقوى والصلاح.
وقبر عبد الله بن الحارث الصحابى الجليل ، وكانت وفاته بعد أن بلغ المائتين من سنيه وقد دفن فى أطراف جبل المقطم ، وقبر عبد الله بن حذافة السهمى بجوار ضريح «هاجر الحبشية» وتوفى فى خلافة سيدنا عثمان رضى الله عنه. وقبر أمير الروم عبد الله بن

حذافة (مات فى زمان عمر بن الخطاب رضى الله عنه)
ـ ضريح الشيخ عقبة بن عامر الجهنى ـ رضى الله عنه ـ :
وكنيته «أبو حاملة» وعند البعض أنه «أبو سيد» وعند البعض «أبو عمر» وعند البعض الآخر «عامر» ، استشهد فى فتح مصر عام (58) وكان عالما بالفرائض ، فقيها ، شاعرا ، صاحب فصاحة وإبانة ، وما خطه بيده من كلام الله العزيز بأمر الخليفة عثمان ـ رضى الله عنه ـ مازال محفوظا بجامع عمرو بن العاص.
وقبره فى القرافة الكبرى فى ظل جبل المقطم ، وقد تخرب ضريحه على مر الأيام.
وفى عام 1066 رأى كل من أبى النور خاصكى محمد باشا سلاحدار السلطان محمد الرابع وواليه على مصر ، وإمامه نوح افندى فى المنام الشيخ عقبة يقول لهما : ارفعا عنى تراب المذلة هذا وعمرا قبرى عمر الله لكما الملك.
فهب محمد باشا وأمامه نوح افندى من نومهما وقص كل منهما على الآخر ما رآه فى منامه ، وشرعا يعمران فى التو ضريحه ، فأقاما على ضريحه جامعا عاليا وتكية ومبرة وسبيلا وساقية ومكتبا للصبيان وحوضا ومنازل لخدام هذا الجامع وخمسين غرفة للدراويش ، كما أحاطا كل ذلك بسور حجرى كأنه سور القلعة ؛ فأصبح ضريح الشيخ عقبة وكأنه سد متين وحصن حصين ، ويوزع منه الطعام على الغادى والرائح من السابلة.
كما خصصا له أوقافا كثيرة ، ولأن ثلثى هذه الأوقاف لأغا الإنكشارية فهى أوقاف عظيمة العمران. ولقد أنشأت قبة جميلة فوق ضريح الشيخ عقبة ، وكأنها قبة الفلك ، وهى قبة من حجر إلا أنها غير مكسوة بالرصاص ويهبط إليها بسلم من درجتين فى الجانب الأيمن من الجامع ، ويتوسط هذه القبة تابوت مغطى بالحرير الأخضر المزركش دفن بداخله الشيخ عقبة ، إنه ضريح مزين يعلوه شمعدانات من فضة وثريات من ذهب.
وفوق رأس الشيخ عقبة عمود من الرخام الأبيض كتب عليه بماء الذهب واللازورد ما نصه :
(هذا مقام العارف بالله تعالى الشيخ عقبة بن عامر الجهينى من أصحاب رسول

الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ رضى الله عنه ـ. جدد هذا المكان المبارك الوزير محمد باشا سلحدار السلطان محمد الرابع دام بقاه فى سنة ست وستين وألف).
وعلى جدران قبلة هذا الضريح المنور كتب بالخط الكوفى على حجر أبيض قوله تعالى: (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) التوبة : 18.
لكم هى خيرات عظيمة.
مشهد السيدة نفيسة رضى الله عنها :
دفنت فى حى منفصل بجنوب القاهرة ، إنها مبرة عظيمة وخير عميم ، ولها جامع وضريح يغمره النور دفن فيه سائر خلفاء بنى العباس رحمة الله عليهم أجمعين. وعلى عتبة القبة العالية لهذا الضريح كتب بخط جلى بالسليو واللازورد ما نصه :
(هذا مشهد الحسنية للسيدة نفيسة. بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت إنه حميد مجيد (وقوله عز من قائل) : (إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) الأحزاب : 33 (احتوى هذا المكان على جامع خطبة المسلمين ومشهد السيدة الحسنية البضعة النبوية ابنة السيد الحسن ابن آل زيد ابن السيد الحسن ابن الإمام أمير المؤمنين على بن أبى طالب صلوات الله عليهم أجمعين ، مولدها سنة خمسة وأربعون ومائة وقدمت مصر سنة ثلاثة وأربعين بعد المائة وقد انتقلت إلى رحمة الله تعالى فى شهر رمضان المعظم سنة ثمان وثلاثين ومائتين فى أيام مولانا السلطان الملك المنصور أبى النصر عبد العزيز أعز الله أنصاره).
وعلاوة على هذا التاريخ ثمة تاريخ آخر كتب بخط جلى باللازورد على ألواح مقاصير الجامع وهو :
(أمر بإنشاء هذا المكان المبارك مولانا المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز أعمر الله به بتاريخ شهر جمادى الأول سنة ست وثمانين ومائة).
والنزول إلى ضريحها الشريف من خلال سلم حجرى من ثلاث درجات ، وباب ضريحها باب عال مطلى بالذهب ومزين بالجوهر ، وتابوتها مغطى بغطاء من الحرير الأخضر المزركش ، وعندما يدخل الزوار المسلمون هذا الضريح يجدونها مدفونة فى

تابوت مربع ذى زخارف يتوسط الضريح ، وإذا ما وقعت عليه عين إنسان علت جسمه رعدة ، وما اجترأ على النظر إليه فهى العرق الطاهر من سلالة النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم.
وزوجها إسحاق بن جعفر الصادق وحول تابوتها مئات القطع من الأوانى والشمعدانات والمباخر والقناديل النفيسة المزدانة بكلمات الله ؛ بالإضافة إلى ما لا يدخل تحت حصر من الثريات مما يجعل قبرها وكأنه متحف الصين ، وهو مفروش بالبسط الحريرية النفيسة التى طالما كان يهديها ملوك السلف ووزراؤهم ووكلاؤهم تبركا ، ويتلو القراء الختم الشريف مرة فى كل وقت من الأوقات الخمس. وداخل الضريح يفغم عبير العود والعنبر وجل زوارها من النساء يقدمن لها النذور فى كل مرة يأتين فيها إلى الضريح.
كما دفن مع السيدة نفيسة ولدان من أبنائها هما القاسم والطيب ، ولقد قالت لهما وهى فى النزع الأخير : أتئتيان معى إلى الدار الآخرة؟ فقال الطفلان الصغيران : نعم يا أماه نأتى فقالت لهما : اذهبا وسلما أمانتكما وعندئذ فاضت روحهما وامتثلا إلى قوله تعالى (ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ) الفجر : 28 ، والناس يزورونها ليل نهار ولا ينقطعون عن زيارتها قط ، يقام مولدها مرة فى العام فى الليلة الثالثة من شهر ربيع الأول فيتوافد على ضريحها مئات الآلاف.
وثمة قبة أخرى على الجانب القبلى للضريح المنورة للسيدة نفيسة وهذه القبة هى مثوى لأبناء السيدة نفيسة الكرام وخلفاء السلف من بنى العباس وهم :
ـ سيد يحيى بن زيد بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم أجمعين :
يقول القعقاعى عنه : إنه أخو السيدة نفيسة ، وهو مدفون فى هذا الضريح ، وقد كتب بخط جلى على جوانب تابوت من الرخام : (قبر أشراف الحجاز سيد قاسم بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل واسمه إسماعيل الديباج بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ.
ـ قبر أبى محمد يحيى بن قاسم بن محمد العلى بن الحسن بن على بن أبى طالب :

قال الكندى : «قدم راس زيد بن على فى جمادى الآخر سنة اثنين وعشرين ومائتين».
ـ مشهد رأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على ـ كرم الله وجهه ـ :
دفن هذا الرأس تحت قبة عالية أمام محراب جامع «النبر» سنة خمس وأربعين ومائة ، ويزوره الخواص والعوام ويحمل هذا المشهد تاريخا وهو :
(أقام هذا البناء العلامة رضى الله عنه)
ـ مشهد رأس محمد بن أبى بكر رضى الله عنهما :
جاء فى رواية أن محمد الأكبر هذا ولى مصر فى خلافة عثمان بن عفان ـ رضى الله عنه ـ وبسبب ما كتبه «مروان الحمار» كاتب عثمان خلافا للأمر قتل محمد الأكبر فى مصر مما كان سببا فى مقتل عثمان رضى الله عنه. ومشهد محمد الأكبر هذا يقع فى رملة خارج الجانب الغربى للقاهرة وقد تخرب وعلى الرغم من أن الناس كافة يعلمونه إلا أنه لا يزار كثيرا ، والتاريخ المكتوب على بابه هو : (بناء علامة العصر).
ـ مشهد السلطان الإمام زين العابدين ابن الإمام الحسين بن على بن أبى طالب ـ رضى الله عنه ـ :
يقع هذا المشهد على مقربة من مشهد محمد الأكبر وهو بناء عظيم كأنه القلعة شيده المستكفى بالله من بنى العباس على رملة ، إنه بناء عظيم يضم غرفا للبوابين وحراس القبور ومشايخها. وفى غرة كل شهر يقام مولد عظيم فتغص أركان هذا الضريح بما يربو على الأربعين ألف من الناس. إنه قطب عظيم وهو مدفون فى قبر عال تناطح قبته الفلك. ويحيط بالضريح أعمدة من الرخام تحمل مبنى عظيما وإلى جانب الجهة القبلية للقبر الشريف زاوية ذات قبة عظيمة. وعلى أطراف الحرم مصاطب جانبية عليها أعمدة عالية من الرخام تحمل سقفا ذا زخارف. ويتوسط الحرم عدة نخلات وشجرة نبق عظيمة وعلى الجوانب الأربعة لباب الحرم حجر سماقى أخضر مصقول ، ومصراع الباب من قطعة واحدة من السماقى الأخضر لا وجود لمثله فى بلد آخر. إنه باب عال من قطعة واحدة وعتبته عالية وله شهرة واسعة لدى رحالة العالم.

وباب الضريح هذا يطل على الجهة الشمالية وعلى عتبته العالية ألواح تحمل تاريخا نصه :
(بسم الله الرحمن الرحيم هذا مشهد الإمام على بن زين العابدين ابن الإمام الحسن ابن الإمام على بن أبى طالب بن عبد المطلب ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ سنة إحدى وعشرين ومائة بعد الهجرة النبوية).
وهذا التاريخ كذلك منقوش بخط كوفى على الرخام الأبيض للتابوت الشريف.
ومن عجب أنى فى عام 1056 حينما وصلت إلى بغداد زرت ( ) (1) زين العابدين وهو كذلك ضريح عظيم ، وبعد ذلك فى عام 1082 بلغت البقيع بالمدينة المنورة بعد أداء مناسك الحج وزرت الإمام زين العابدين بجوار سيدنا العباس ـ رضى الله عنه ـ والضريح المدفون فيه جثمانه الشريف حير ألبابنا وتلا كل منا سورة «يس» على روحه الشريفة ، واستمد البركة من روحانيته تقبل الله دعاءنا آمين.
وفى مصر أم الدنيا آلاف من أرواح الأنبياء والأولياء وصحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ إلا أننى سوف أذكرهم حسب زيارتى لأضرحتهم :
ـ مزار يشكر ـ رضى الله عنه ـ :
كان من أهل التقوى والصلاح وهو مدفون فى حرم جامع أحمد بن طولون فى جبل يشكر ، وهو موضع عبادة ومزار عتيق.
ـ ضريح الشيخ العلامة الزاهد أبى محمد عبد الله بن وهب بن مسلم :
صاحب مالك بن أنس وضريحه يقع خارج باب الصفا فى الجهة اليمنى على بعد مائة قدم من الباب الجديد فى الجهة القبلية. إنه عالم عظيم من العلماء الأئمة أخذ العلم على مالك بن أنس وابن أبى ذؤيب وحيوة بن شريح والليث بن سعد ـ رضى الله عنهم أجمعين ـ.
__________________
(1) بياض بالأصل. لعله فى هذا الموضع توجد كلمة ضريح.

ـ ضريح القاضى بكار رضى الله عنه :
إنه ابن قتيبة بن أسد بن عبد الله بن بشير بن أبى بكر بن الحارث مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولى القضاء فى مصر وكان محدثا جليلا دفن فى ( ) (1).
ـ ضريح الشيخ جزعل :
وهو من العلماء المتبحرين.
ـ ضريح الشيخ آتى :
كان أهل تقوى وصلاح ، محبوبا بين الناس ، رحمة الله عليه.
ـ ضريح الخير بن نعيم بن مرة :
وكنيته أبو إسماعيل وكان من فضلاء المحدثين.
ـ ضريح فاطمة بنت عبد الحميد بن عمر بن حمزة :
توفيت رحمة الله عليها عام تسعة وسبعين ومائة.
ـ ضريح طباطبا أبى محمد عبد الله بن أحمد بن على بن الحسن بن إبراهيم بن الحسن بن على بن أبى طالب ـ رحمة الله عليه ـ ، بالقرب من السيدة نفيسة وعلى مقربة منه قبر فرج وهو عبد الشريف طباطبا وقد توفى قبل طباطبا.
ـ قبر الأربعين :
وعلى حجر تابوته كتب بخط جلى : (يحيى بن بكير هو صاحب الموطأ).
ـ قبر نفالة عبد الرحمن :
من أبناء سيدنا عثمان ـ رضى الله عنه ـ فقد تزوج عثمان من أم كلثوم ابنة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فولدت له نفالة هذا وهو مدفون بجانب السيدة نفيسة.
وقبر عبد الله بن رواحة وقبور أشراف مكة كلها فى ساحة جامع «الست» على مقربة من السيدة نفيسة.
__________________
(1) بياض بالأصل.

وقبر أبى الجيش على بن أحمد بن طولون ومولده سنة ثلاث وعشرين ومائتين واستشهد ـ رحمه‌الله ـ فى جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين ، وهو مدفون فى قبر عال فى رملة بجوار «محمد الأكبر» بن أبى بكر ـ رضى الله عنه ـ.
وقبور الشريف الجارودى والبكرى والمقرى ، وهؤلاء كانوا من الوعاظ ذوى الشأن فى موضع واحد. وعلى مقربة منهم قبر «صغير الكاتب» وهو مزار عظيم.
وقبر الشريفة فاطمة ابنة محمد بن عيسى بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب ـ كرم الله وجهه ـ ، وهو مزار لعوام الناس وخواصهم ولوقوعه على الطريق العام لا يخلو من الزوار قط ولا ينقطع النساء عن زيارته البتة.
والشيخ «الجامى» قدس‌سره مدفون فى قبة فى صحراء قايتباى ، والشيخ «أبو بكر الأدفوى» وهو من أجلة العلماء وشيوخ القراء ، وقبره على مقربة من مشهد الحسين ، والشيخ الفقيه «أبو القاسم عبد الرحمن ابن الشيخ أبى بكر الأدفوى» من العلماء المحدثين ، وكتب على قبره الشريف : (توفى الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن فى شهر ذى القعدة سنة سبع وعشرين وأربعمائة) وهو مدفون فى طرف قبر أبيه وقبرهما معروف لدى الناس بقبر الجولانيين.
والشيخ الإمام أبو إسحاق بن إبراهيم بن سعيد الجبال الحافظ ـ رحمه‌الله ـ مدفون فى سفح جبل المقطم ، والشيخ أبو الحسن بن الرفا المصلى مدفون مع أبنائه على مقربة من الجامع العتيق وقبره يزار.
والسيد محمد بن إبراهيم بن محمد ابن الإمام بكر بن زين العابدين ابن الإمام الحسين ، مدفون بالقرب من السيدة نفيسة.
وضريح السيدة «زينب بنت يحيى بن الحسن بن على بن أبى طالب» ضريح عال بالقرب من قنطرة السبوع على طريق مدينة بولاق غرب القاهرة ، والكثرة الكاثرة من زوارها نساء وعلى باب جامعها تاريخ مرقوم وهو تاريخ وفاتها ، إلا أنه كان شديد الارتفاع فتعذر على قراءته ولذلك لم أذكره.

أما المشهد المعروف «بالست آسيا» ابنة مزاحم بن الرضا بن سهسون بن خاقان وكيل ابن طولون أسفل قلعة صلاح الدين بالقاهرة وتزوره النساء وزيارتهن فى يوم الأربعاء حيث تجتمع فيه منهن حشود.
وبالقرب من مقام الست آسيا هذا قبر الشيخ أبى الحسن مالك بن سعد بن مالك الفاروقى قدس‌سره ، وقبر ميمونة العابدة أخت رابعة فى العبادة مدفونان فى ظل جبل المقطم ، وقبر أشهب صاحب مالك بن أنس بالقرب من السيدة «أمينة» ، وضريح هند بنت عبد الرحمن بن عوف والزهرى وهو ضريح عظيم يقع على طريق الإمام الشافعى وأكثر من يزوره النساء.
وقبر الشيخ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ـ الذى كان كاتب السلطان ـ على مقربة من بركة الحبش ، وكانت وفاته عام 214 ، وأبو عبد الله محمد بن عبد الحكم ابن أعين كان قاضى مصر وتوفى عام 268 ودفن فى سفح جبل الجوشى.
وضريح السيدة الزاهدة العابدة فاطمة بنت جعفر الصادق فى الجهة القبلية لقايتباى ، و «بشرك بن سعد الجوهرى» جد أولاد الجوهرى ومحمد بن إسماعيل المقرى المعروف بالحداد صاحب القراء والمحدثين مدفونان فى القرافة الكبرى.
وقبر الشيخ أبى بكر الدقاق أحمد بن المنصور فى سفح جبل المقطم.
وقبر القاضى عبد الوهاب بن على بن نصر البغدادى المالكى وقبر الإمام أبى عمرو عثمان بن سعيد صاحب الرواية ، تولى القضاء فى عهد عبد الحكم بن محمد الأنصارى و «توفى عام 197» وهذا ما كتب على تابوته فى القرافة الكبرى ـ ضريح كافور الإخشيدى المملوك الأسود الحبشى مولى الإخشيد فى القرافة الكبرى ، وقبر الوزير أبى الفضل جعفر الفرات وزير كافور الإخشيدى فى مصر وأبوه المقتدر بالله ، والشيخ أبو الحسن الوراق السالم من كل الشبهات بجوار قبر الإخشيدى.
وقبر الشيخ أبى الحسن على بن محمد بن سهيل الدينورى المتوفى عام 331 بالقرب من أبى الليث.

وقبر الشيخ الفقيه أبى عبد الله بن عبد الرحمن بن القاسم بن خالد رضى الله عنه المتوفى عام 191 بالقرب من القاضى بكار.
«قبر أبى بكر الإصطبلى قدس‌سره ، وصالح المبتلى المتوفى ام 540» ، ووزير مصر والشام «المتوفى عام 596» مدفون فى ضريح عظيم على مقربة من ابن يامن وهذا ما كتب على أطراف تابوته الرخامى المربع : (ولم يأت وزير عظيم مثله فى عهود ملوك وسلاطين السلف).
وقبر الفقيه مجلى أبو المعالى لم يأت مؤرخ مثله منذ عهد إدريس ـ عليه‌السلام ـ ، حتى إن «حمزة نامه» أحد المؤلفات التى جاد بها قلمه. وقبره الآن يزار ، وإذا ما نسى إنسان شيئا مضى إلى قبره وأكل ما أكل فى يومه سبع حبات من العنب الأسود طيلة أيامه كان له عقل أرسطو وأصبح أبا الكلام. وقد توفى عام 551 ودفن بالقرب من الإمام الشافعى مع سيدى محمد البوصيرى صاحب قصيدة «البردة».
وقبر جحا وكان من حمقى العرب مثل «نصر الدين خوجة» وهو مدفون مع أبى المعالى فى مكان واحد. والشيخ غنايم الشامى وقد ذكرت كراماته الباهرة فى طبقات الشعراوى ، وهو مدفون فى قرافة المجاورين.
وأحمد بن طولون المتوفى عام 271 مدفون فى مدينة الفسطاط وهى مصر القديمة إلى جانب عفان أبى سيدنا عثمان ـ رضى الله عنه ـ ، وعلى أطراف تابوته تواريخ مكتوبة بخطوط مختلفة. والدعاء مستجاب عند قبره.
ومشهد زوجة سيدنا أبى بكر الصديق ـ رضى الله عنه ـ أم محمد الأكبر بن أبى بكر. واسمها «أسماء بنت عميس الخثعمية». كان قد تزوجها جعفر بن أبى طالب المعروف بجعفر الطيار فولدت له عبد الله وعونا ومحمدا ، ثم تزوجها سيدنا أبو بكر الصديق بعد قتل جعفر الطيار فولدت له محمد بن أبى بكر ، ثم تزوجها بعده سيدنا على بن أبى طالب (رضى الله عنه).
وعندما تزوجت أسماء من سيدنا على صار محمد ابنا لزوجته. حتى إنه قد جاء فى أحد التواريخ أن محمد بن أبى بكر قاتل بجانب سيدنا على فى موقعة «صفين» أسفل قلعة «جعبر» على ضفة نهر الفرات.

ولما كان فى الجانب المقابل السيدة عائشة بنت الصديق وهى أخت محمد بن أبى بكر بذل كل وسعه فى إصلاح ذات البين ولكن عبثا ونشبت حرب ضروس.
ولا يخفى على إخوان الصفا وخلان الوفا أن الجوانب الأربعة لمصر القاهرة أى الفسطاط وهى مصر القديمة ، ومدينة بولاق وما يقرب من الإمام الشافعى ومصيف قايتباى فيها اثنتا عشرة قرافة دفن فى وادى سكونها مئات الألوف من أبناء الأنبياء ، وربما الأنبياء وكبار الأولياء والأئمة والصحابة الكرام وملوك السلف.
إلا أنه بتعاقب الأيام منذ هبوط آدم ـ عليه‌السلام ـ ومنذ طوفان نوح ـ عليه‌السلام ـ وهو آدم الثانى تعرضت أم الدنيا للعديد من الحوادث فأصبحت حينا عروسا فى شرخ شبابها وفى حين آخر أصبحت خرابا يبابا ، وكم من مقابر للأنبياء ومشاهد لأولياء انهدمت وانمحت آثارها.
إلا أنه منذ دخولها فى حوزة الإسلام أصبحت عروسا من جديد وعمرت. ولقد مسحت وجهى على أعتاب تلك الأضرحة وكنت أقرأ على أرواح أبناء الأنبياء وكبار الأولياء الطاهرة سورة يس أو الفاتحة على الأقل ، وقد وقعت الهيبة والخشوع فى نفسى عند زيارتها. وقد قرأت كلام الله العزيز الذى تمس إليه حاجة أرواح جميع الموتى واستمددت العون والروحانية منهم ، وما زرته من تلك الأضرحة أذكره قدس الله سرهم ونفعنا بسرهم.
وفى الساعة التى دخلت فيها مصر عائدا من الحج للمرة الأولى خرجت من قصر القاهرة وتقدمت جنوبا سيرا على الأقدام وسط المقابر ألفى قدم فى طريق رملى وفى منتصف قصبة واجهت :
مشهد شيخ الشيوخ ، الإمام الهمام ، العالم العلامة ، منهاج السالكين ومطلوب الطالبين الإمام الشافعى ـ رحمه‌الله ـ.
حملت الله أنى مسحت وجهى على عتبته ودخلت ضريحه وختمت القرآن الذى كنت قد نذرته ووهبت ثواب ذلك لروحه الشريفة ، وتصدقت على الفقراء وسألت الله القبول.

والإمام الشافعى ـ رضى الله عنه ـ مدفون فى قبر ترتفع قبته إلى عنان السماء وهى قبة حجرية زرقاء الداخل ، وداخلها مكسو بصنوف من الأحجار القيمة. وهى مزدانة من الداخل كذلك بالعديد من الثريات والقناديل النفيسة ، وقد كتب فيها بخطه كثير من الرحالة الصوفية ، وقد كتبت أنا على لوح مذهب الفاتحة. وهذه القبة مزينة إلى ذروتها بشتى التحف والبللور والزجاج الفاخر.
وفى الجهة القبلية من هذا الضريح محراب بديع الصنع مذهب ومزدان بالصدف وكأنه السحر الحلال ومفروش بالبسط الحريرية.
وهذه القبة المالية مكسوة بالرصاص. إلا أنه لا يشبه رصاصنا التركى الذى يبلغ طول اللوح منه ثلاثة أذرع. إنها رقائق من الرصاص يضرب لونها إلى الصفرة ، ويقال إن بها ذهبا. وعلم هذه القبة من النحاس الأخضر ، ويعلو هذا العلم قارب من النحاس الأخضر ويملأ خدام الضريح هذا القارب على الدوام بالقمح والشعير ، وتحط الطيور لالتقاط الحب وفى الجوانب الأربعة للقبة شبابيك من النحاس. وقد دفن خارج الضريح مئات الآلاف من العلماء والصلحاء والأئمة والخطباء ومشايخ السادات والوزراء والوكلاء وكبار الأعيان ، ولا يعرف عددهم إلا علام الغيوب.
وبما أنها مقبرة عظيمة من أولها إلى آخرها يوصى كل شخص بأن يدفن فيها وبنى له ضريحا هناك.
والإمام الشافعى مدفون فى تابوت فى الجهة الشمالية لنوافذ الضريح ، وهذا التابوت مغطى بحرير مزركش أخضر ، وأركانه الأربعة مزينة بكرات من الفضة الخالصة.
ويحيط بالتابوت سياج من خشب «الصبا» وذلك لمنع العوام من تقبيل تابوته وما يترتب على ذلك من تأذى روحه.
وعند قدم هذا التابوت وعند رأسه شمعدانات ذهبية فى طول قامة الإنسان ، وفى كل منها شمع كافورى. وزين التابوت بأعلام مختلفة الألوان ، وعند رأسه الشريف عمود اسطوانى الشكل من الرخام الأبيض ، طوله طول قامتى إنسان. كتب على هذا العمود بخط الثلث المذهب على خلفية لازوردية ما نصه :

(بسم الله الرحمن الرحيم). (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى). النجم : 39 ، 41 هذا قبر السيد الإمام أبى عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد زيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف جد النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ولد ـ رضى الله عنه ـ فى سنة خمسين ومائة وهى السنة التى مات فيها أبو حنيفة وتوفى سنة أربع ومائتين).
ومدة عمره أربع وخمسون سنة ، وكان فى كل يوم من أيام حياته يؤلف كتابا.
ولد فى مدينة غزة وظل فى رحم والدته أعواما ثلاثة. ولما انتقل النعمان بن ثابت وهو الإمام الأعظم من دار الفناء إلى دار البقاء لم يكن قد ولد الإمام الشافعى وظل فى رحم أمه ثلاثة أعوام وفى الساعة التى حضرت فيها الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان الوفاة ولد الإمام الشافعى. ولما بلغ السابعة تلقى العلم على يد الإمام محمد والإمام مالك ـ رضى الله عنهما ـ وجلس منهما مجلس التلميذ.
والآن عند قدمه الشريفة دفن اثنان من زملائه من تلامذة الإمام محمد ولهما روحانية عجيبة واسمهما الشيخ محمد والشيخ سيد عبد العزيز.
وفى الجهة الغربية من هذا الضريح كذلك دفن السلطان محمد الكردى مشيد هذا الضريح والإمام الشافعى كانت بينه وبين هارون الرشيد من بنى العباس صحبة وصدرت له الكثير من المؤلفات فى بغداد.
ووالدته السيدة شمسة ملكة مدفونة فى هذا الضريح كذلك. وعلى باب الضريح ثمانون خادما لإرشاد من يقدمون للزيارة. وعلى عقد عتبة الضريح العالية كتبت آية من آيات الذكر الحكيم من سورة الحجر على لوح من خشب الجوز الأسود وهى :
(بسم الله الرحمن الرحيم) (ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ* وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ...) إلى آخر الآيةالحجر : 46 ـ 47.
وخارج باب الضريح العالى أضرحة لا يعرف عددها إلا الله ـ تعالى ـ إلا أن الأضرحة التى زرتها هى ضريح الشيخ أبى الحسن البكرى وضريح شيخ الإسلام زكريا الأنصارى وضريح الشيخ نجم الدين حب الشالى العجمى ، وضريح الشيخ فرحان

الحسنى ، والشيخ إسماعيل المؤذن وهو زميل الشافعى ، والشيخ شيبان الراعى قدس‌سره العزيز.
وقد زرت أكثر من هؤلاء إلا أننى لم أذكرهم لعدم علمى بأسمائهم.
والإمام الشافعى حى مستقل يسكنه 2000 نسمة ، وبه 600 منزل متصل. ومن نافذة كل منزل تتدلى مئات الزنابيل الصغيرة. وإذا مر بعض الزوار حركت نساء المنزل وصبيانه تلك الزنابيل المدلاة طلبا للصدقة فيضع رجل الخير فى الزنابيل باره أو منقر أو رغيفا فتجذب هذه الزنابيل إلى المنزل ويرفع الدعاء للمتصدق. وتلك عادة معهودة.
وفى الطريق العام كذلك يتصدق على الفقراء والمعدمين.
وفى قصبة الإمام الشافعى جامع لأحد سلاطين السلف ومدرسة وحوض وساقية و 7 تكايا وعدة قاعات ومبرتان و 7 زوايا و 10 دكاكين. وهذه الخيرات والحسنات معظمها للسلطان محمد أكراد والملك الكامل.
وعلى مسافة ساعة فى آخر قرية البساتين على بركة الحبش المتفرعة من النيل أقام ساقية كأنها البرج تجلب الماء إلى حى الإمام الشافعى بأقواس كأنها قوس قزح فما أعظم ما صنع من خير.
وفى كل ليلة سبت يتوجه كل من فى مصر القاهرة من أهل التقوى والصلاح إلى الإمام الشافعى زرافات زرافات قارعين الدفوف ، ذاكرين اسم الله ـ تعالى ـ ، حاملين آلاف القناديل والفوانيس والمشاعل ، منشدين قصائد النفس والقصيدة التائية ونعت الإمام الشافعى وحتى مطلع الفجر يتقاطر على الإمام الشافعى خضم من البشر. ومنهم من لم يتخلفوا عن زيارة الإمام الشافعى منذ أكثر من سبعين عاما ، وهم أناس مستجابة دعواتهم. وفى داخل الضريح المفعم بالأنوار لكل منهم مقر معلوم ، يقيم فيه للعبادة وقراءة المولد الشريف. ويجتمع فى هذه الليلة عدة آلاف من العميان حافظى كلام الله ويقرءون الختم الشريف ستمائة مرة وربما ألف مرة. فما فى مصر من حافظى كلام الله لا وجود لمثلهم فى غيرها. وهذا ما يجرى مجرى العادة منذ قديم فى كل ليلة سبت وله الدوام إلى ما شاء الله.

وفى العام يقام مولد عظيم لمرة واحدة ويحتشد مئات الآلاف فى مقابر الإمام الشافعى ورملته ومبراته وتزدان جميع المنائر والقباب والكوات بالقناديل ويدوم احتشادهم يومين وليلتين.
وخارج نوافذ ضريح الإمام الشافعى المطلة على الناحية الغربية دفن الشيخ البكرى رضى الله عنه ، أجداده وسبعون من الأقطاب سوف نتحدث عنه فى موضعه ـ رحمة الله عليهم أجمعين ـ.
وعلى مسافة قدرها مائتا قدم جنوب ضريح الإمام الشافعى :
ضريح الشيخ الفقيه ، الإمام الزاهد ، سيدى الإمام الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبى الحارث ـ رضى الله عنه ـ.
كان شيخ إسلام الديار المصرية ومفتى الثقلين ، وهذا القطب العظيم مدفون كذلك فى ضريح ذى قبة شاهقة العلو فى القرافة الكبرى ، وهناك جامع ومدرسة وتكية وأسبلة ومبرة وزاوية وما يقرب من 200 منزل للفقراء وسكانها يطلبون الصدقة بالزنابيل.
وهناك كذلك أضرحة للعلماء ، وضريح الإمام الليث لا يبلغ مبلغ ضريح الإمام الشافعى فى اتساعه ورحابة أرجائه إذ إنه لا يتسع إلا لخمسمائة شخص. ويتوسطه تابوت مربع مغطى بالجوخ الأخضر وهو مدفون فيه. والضريح مزين ببعض القناديل والثريات وفيه يجتمع جميع فقهاء القاهرة وعلماؤها لتلاوة القرآن الكريم ولا يأتى غيرهم.
وعلى ضريحه تاريخ مسطور هو : (أمر بإنشاء هذا المرقد المبارك الشريف بفضل الله تعالى سيدنا ومولانا الدنيا والدين السلطان الملك قنصوه الغورى فى سنة عشرين وستمائة).
وعلى الجانب الأيسر من باب الضريح المعلى لوح من الرخام الأبيض طوله طول قامة إنسان كتبت عليه آية من آيات الذكر الحكيم هى : (بسم الله الرحمن الرحيم (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ) التوبة : 21 ، كما كتبت تحت هذه الآية سورة الإخلاص وأسفلها سطر تاريخ هو : (اثنان وسبعون وسبعمائة).

ولقد زرت هذا القطب وتلوت سورة «يس» ابتغاء مرضاة الله ووهبت مثوبتها روحه ورجوت منه الشفاعة وليتقبل الله.
وإلى جوار الإمام الليث قبر داود باشا وهو من وزراء السلطان سليمان ، وتاريخه عام 956 وفى الجانب الشرقى لهذا الضريح ، على بعد ألف قدم ، فى منتصف الطريق إلى جبل المقطم ، فوق أكمة عالية مرقد القطب الزاهد ، صاحب الكرامات ، غياث الواصلين ، مطلوب الطالبين الشيخ شاهين رضى الله عنه ، وكأنه شاهين قنع بصيده ، واستقر فى رأس جبل قاف ، وضريحه لا يخلو من الزائرين يصيد قلوبهم بالعشق ، وأضرحة كل المدفونين فى القرافة الكبرى تبدو وكأنها تحت منقار هذا الشاهين. إنه ضريح طيب النسيم ، وله جامع وتكية يسكنها المتصوفة ومبرة وسبيل وهو مدفون فى الجهة اليمنى من جامعه مع أولاده العظام وخلفائه الكرام وأكبر أبنائه الشيخ محمد العنقاء مدفون فى الجانب الأيمن ، أما أصغر أبنائه الشيخ عبد الله العقاب فمدفون فى الجانب الأيسر وألقاب خلفائهم كذلك مشتقة من أسماء الطيور ، إنهم متصوفة معتكفون فى ركن العزلة يسمون الطريقة الشاهينية. وجميع نفقاتهم من فضله فلا تجرى عليهم مرتبات من جهة ، وهم متوكلون على الله ، والله يبسط الرزق لهم وفى التنزيل العزيز : (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُها) هود : 6 ، وقد وردت هذه الآية الكريمة فى شأن المتوكلين عليه ـ سبحانه وتعالى ـ.
ضريح الشيخ إدريس بن العباس والد الإمام الشافعى ـ رحمه‌الله ـ :
إنه ضريح صغير فى مصر القاهرة بالقرب من بيت المولوية. وقد رأيت فى أحد التواريخ أن الشيخ إدريس بن العباس مدفون فى غزة لأن الإمام الشافعى ولد فيها ولما توفى والده ـ الشيخ إدريس ـ ارتحلت والدته إلى بغداد ثم إلى المدينة ، وهناك تلقى الشافعى العلم على يد الإمام محمد والإمام مالك. وقد أكد مؤرخو مصر بالتواتر أن وفاته كانت فى مصر ولقد زرته ـ رحمة الله عليه ـ.
وفى طريق القصر العينى داخل باب جمال الدين ضريح الشيخ عبد الله العراقى وهو ضريح صغير ، وبالقرب من درب الكنيسة ضريح الشيخ أبى بكر معرف القوم وهو مزار عظيم.

وفى الطريق بين جامع الخاتونية والسيدة نفيسة مشهد قبر الطويل وهو مقام لا قبة له ولا تكية ، وجوانبه الأربعة فى الطريق العام ، ولأنه قبر طويل يصل طوله إلى عشرين قدما سمى بالقبر الطويل ، وجاء فى إحدى الروايات أن أربعين من الصحابة الكرام مدفونون فيه لذلك سمى عند البعض بضريح الأربعين.
وعلى مقربة منه قبر الشيخ أبى بكر السليمانى ، وعلى مقربة منه مرقد الوزير سلطان ناصر الدين. أدرك هذا الوزير عهد السلطان سليم ، وكان عمره مائتا عام ، ودخل فى طاعته مع خيره بك ، وقد سعى السلطان سليم فى جنازته ودفن بالقرب من القبر الطويل.
مقام سيدنا موسى ـ عليه‌السلام ـ
داخل القاهرة ، على مقربة من باب الناصر بجوار جامع جمال الدين ، يقع هذا الضريح على الطريق العام ، ويهبط إليه بسلم من ست درجات ، إنه زاوية ذات ثلاث قباب ومحراب وضريح ، وهو موضع يستجاب فيه الدعاء.
وعلى مقربة من قنطرة الدكة شمال بركة الأوزبكية ضريح الشيخ حسن الشاذلى ، وهو صاحب «حزب البحر» وهو مدفون فى جامعه. ويقرأ «حزب البحر» لمعظم المصابين بالصرع طيلة أربعين يوما فيتم شفاؤهم بمشيئة الله. وشهرته طبقت الآفاق وتوفى عام 656 رحمه‌الله. وبالقرب منه قبر الشيخ ساكنية وهو مدفون كذلك فى جامعه.
ضريح الشيخ مرزوق كفافى
يقع بالقرب من قصر قاضى العسكر ، إنه قطب عظيم على الطريقة الأحمدية. التقى بالسلطان سليم عند فتح مصر ، وقد شاد جرجلى على بك جامعا وقبة فوق ضريحه ، ولأنه عاصر أبا السعود الجارحى وهما اللذان قالا للسلطان سليم «تعال إلى مصر».
إنه قطب عظيم له كثير الأتباع من المتصوفة ، وهم يسمون الطريقة الكفافية ، وينسبون إلى الطريقة الأحمدية. وضريحه يزوره الناس خواصهم وعوامهم. وقد دفن معه ثلاثة من خلفائه ، وفى الجوانب الأربعة لقبته عدة مئات من الحرب المذهبة والقلانس والطبول والأبواق والشارات.

وبالقرب من قنطرة الليمون ضريح الشيخ محمد العنانى ، وعلى مقربة من درب الجماميز قبر الشيخ صفى قدس‌سره. إنه قطب عظيم وأتباعه من المتصوفة لا يحصون كثرة ، ويوزع من قبره الأطعمة على الغادى والرائح ، وهو مدفون كذلك فى جامعه وفى حرم تكيته شجرة نبق عظيمة.
مزار الشيخ الشعراوى
يوجد بالقرب من باب الشعرية ، وهو من الأقطاب ، ومدفون فى جامعه ، ومناقبه لا تقع تحت حصر ، ومؤلفاته تربو على ألف مجلد ومنزلتها لا تسامى فى علم التصوف. وكتاباه «طبقات الشعراوى» و «ميزان الشعراوى» زينة الدنيا.
وضريحه يزوره العوام والخواص.
مزار السلطان أيبك التركمانى
يوجد فى حى الخلالين بالقرب من سوق الغنم ، وهو على الطريق العام ، ولا قبة له إلا أن ـ جوانبه الأربعة محاطة بجدران من الرخام الأبيض. وعلى الرخام كتابات بنمط من الخط الكوفى يعجز علماء فاس ومراكش عن قراءتها ، وهو خط بديع الزينة.
والسلطان أيبك هو زوج شجرة الدر التى أوقفت الكسوة السوداء الحريرية للكعبة ، وكان لها الملك فترة من الزمن ، وكانت ملكة عظيمة الشأن. واقتضت حكمة الله أن يكون الملك لأيبك على أثر تفشى الثورة. واتفق ذات يوم أن نقمت شجرة الدر على أيبك ، وبينما كان أيبك يغتسل فى الحمام انتهزت شجرة الدر هذه الفرصة فأمرت جواريها بأن يعملن السيف فيه فى غفلة منه وقد أثخنته الجراح فى عدة مواضع من جسمه ولما كانت شجرة الدر سفاحة تحب رؤية الدماء كانت تسترق النظر إليه وهو يضرب بالسيوف من ثقب زجاجى فى أعلى قبة الحمام ، بيد أن أيبك التركمانى كان شجاعا فجذب السيف من يد إحدى الجوارى وكان عارى الجسم تماما ، وما أن رأت شجرة الدر أيبك يثخن القتل فى جواريها وينجو بادرت بالفرار بكل ما أوتيت من قوة من فوق قبة الحمام فهوت بها لفرط بدانتها وسقطت أمام أيبك التركمانى مدرجة فى دمائها وسرعان ما قتلها أيبك وهو يصب عليها اللعنات. ومات أيبك كذلك متأثرا

بجراحه ، وهو مدفون فى هذا المكان ودفنت شجرة الدر مع من قتل أيبك من جواريها داخل الجامع الذى فى ذلك المكان.
إلا أن قبر شجرة الدر معمور وله كثير من الأوقاف ، فقد كانت شجرة الدر امرأة تتقلب فى أعطاف النعيم ، ولم يحظ أى سلطان من سلاطين السلف بكسوة الكعبة الشريفة بالحرير الأسود ، ولكن هذا تيسر لشجرة الدر ، وخصص فى كل عام مائة وسبعون كيسا من أوقافها للإنفاق على هذه الكسوة التى ترسل إلى مكة المكرمة. وهذه الكسوة ينسجها ثلاثمائة نساج من الحرير والذهب فى جوسق يوسف وهى جديرة بالمشاهدة.
ومزار القاضى ( ) (1) فى القرافة الصغرى ، وهو قطب عظيم.
قبر المستنصر بالله
أول من كان له الملك فى مصر من خلفاء بنى العباس. لقد استشهد آل عباس عن آخرهم على يد هولاكو التترى وأعمل السيف فى أهل بغداد جميعا وعندما سوى أبنية بغداد بالأرض هدما وجعلها خرابا يبابا كان المستنصر بالله فى بادية العرب فكتبت له النجاة ، ولما أفضت الخلافة فى مصر إلى الظاهر بيبرس دعا المستنصر بالله إلى مصر وفى عام 659 كانت الخطبة والسكة باسمه ، ثم رد مصر إلى الظاهر بيبرس وتوجه بيبرس إلى دمشق فى معية الخليفة المستنصر ، ومضى الخليفة منها إلى بغداد حاضرة أسلافه واستقل الظاهر بيبرس بمصر ودمشق وحلب ، إلا أن السكة والخطبة كانت باسم خلفاء بنى العباس. ولما بلغ المستنصر بغداد تنفس العباسيون الصعداء ، وقدم المتوكل على الله إلى مصر ، وهو الخليفة العباسى السابع عشر ، وسكن القصر الذى بنى للمستنصر فى قلعة الكبش ، فكانت الخطبة والسكه باسمه ، إلا أن مقاليد الحكم كانت فى يد الظاهر بيبرس ، ثم توفى المتوكل عام 666 وهو مدفون فى ضريح ذى قبة أمام قبة السيدة نفيسة.
__________________
(1) بياض بالأصل.

مشهد الحاكم بأمر الله
كان فى طور الطفولة فى البادية على عهد هولاكو ، وفر إلى مصر ، وظل فى قلعة الكبش فى مصر خليفة طوال إحدى وأربعين سنة واشتهر بالسفه فى سلوكه ، حتى إنه أنشأ مرصدا فوق الصخرة التى أمام قدم النبى ليجعل الليل نهارا والنهار ليلا فإذا خرج أحد فى وضح النهار من داره قتله ، فكان الناس ينامون نهارا على أن نهارهم ليل وإذا ما حل المساء ازدانت القاهرة بالمصابيح واشتغل الناس بالبيع والشراء وكأنه النهار.
ولقد أمهله الله إحدى وأربعين سنة على هذه الأحوال الغريبة والأطوار العجيبة وفى آخر الأمر قتلته أخته فى إحدى القرى ودفنوه إلى جوار السيدة نفيسة ، واستقر جثمانه هناك إلى يومنا هذا.
وقد أقام الحاكم بأمر الله الجامع الكبير الموجود فى باب الناصر ، وملأ الجامع الأزهر بروث الخيل ودعا الناس إلى جامعه وعين لكل منهم رغيفا وصحنا من الحساء ، إلا أنهم صدوا عن جامعه ، وتابعوا دروسهم وصلاتهم وسط الروث الذى كان موجود بالجامع الأزهر ، إلى أن أهلكه الله فطهروا الجامع الأزهر وهو إلى يومنا هذا يغص بطلبة العلم ، ولا يؤم جامع الحاكم الآن إلا قلة من الناس ، لأنه بنى ظلما ولا تطيب الصلاة لمن يصلون فيه.
قبر الحاكم بأمر الله أحمد بن المستكفى بالله سليمان
استوى على عرش الخلافة عام 12 وأدركته الوفاة فى عهد الملك الصالح ابن الملك الناصر بالطاعون عام 753 ودفن كذلك بجوار السيدة نفيسة.
مشهد المقتصد بالله بالقرب من السيدة نفيسة
مشهد المتوكل على الله محمد بن المقتصد بالله أبو بكر
تولى الخلافة عام 785. آلت الخلافة إلى سلطان برقوق الشركسى وطالب بالسلطنة لذا خلع المتوكل وحبسه فى قلعة الجبل ، وبعد ست سنوات أطلق سراحه وجعله خليفة.

وفى عام 797 كانت الخلافة لبايزيد فى بلاد الروم (الأناضول) فأرسل رسولا إلى المتوكل تبركا وتيمنا واستأذن منه فى تجديد البيعة ، وأرسل المتوكل كذلك إلى السلطان بايزيد يلدريم سجادة ومصحفا وجوادا وشاة ومرسوما. وعندما توثقت الصلة بين المتوكل وبايزيد يلدريم خان استقل الأخير ملكا ، وأغار كالصاعقة على بلاد الكفر ، وقرأت الخطبة باسمه فى سبعمائة مكان.
ومن ناحية أخرى دام حبس المتوكل على الله وعزله وعودته إلى الخلافة خمسا وأربعين سنة ، ثم توفى فى عهد السلطان فرج بن برقوق ودفن كذلك بجوار السيدة نفيسة ـ رحمها الله ـ.
والواثق بأمر الله عمر بن إبراهيم بن المستمسك بالله بن الحاكم بأمر الله دفن فى قبر عظيم بالقرب من السيدة نفيسة عام 788.
مشهد المقتصد بالله داود بن المتوكل على الله محمد
أتته الخلافة عام 32 ، حمل على دمشق مع السلطان جقماق وفتحها ، وعندما عاد إلى مصر منصورا مظفرا توفى المقتصد بالله عام 845 ، وسعى حقماق فى جنازته حاملا جثمانه على كتفيه حتى السيدة نفيسة وهو يبكى أحر بكاء ، ودفنوه فى ضريح الخلفاء أمام السيدة نفيسة لأن هذا الضريح كان المثوى المبارك لخلفاء بنى العباس العظام ، وفى ذلك المقام الشريف دفن مئات من ملوك السلف وآلاف من الأمراء أنمحت آثارهم فيه.
مشهد المستكفى بالله سليمان بن المتوكل على الله محمود
آلت إليه الخلافة بعد أخيه المقتصد ، ولم يمهله الموت إلا تسعة أشهر وسعى الملك الظاهر جقماق فى جنازته ودفن إلى جوار أخيه المقتصد بالله بالقرب من السيدة نفيسة.
مشهد المستنجد بالله يوسف بن المتوكل على الله محمد
دامت له الخلافة خمسة وعشرون عاما وتوفى عام 884 وسعى فى جنازته السلطان قايتباى ودفن كذلك فى السيدة نفيسة ، وعندما فتح السلطان محمد اسطنبول بلغه نعى

المستنجد بالله فأخذه شديد الأسى وأرسل برهان الدين المغولى خليفة آق شمس الدين ومعه سترا مزركشا من مال الغزو وبه ستر تابوته الشريف وهو مستور إلى يومنا هذا به. إنه ستر بديع الصنع منقطع الشبيه.
مشهد المتوكل على الله عبد العزيز بن يعقوب بن المتوكل على الله
آلت إليه الخلافة عام 884 ، وبقى فيها تسعة عشر عاما ، وفى عام 903 على عهد السلطان قايتباى توفى السلطان الناصر محمد (1) والمتوكل فى اليوم نفسه ودفنوا المتوكل بجوار السيدة نفيسة ، أما السلطان محمد فدفنوه فى مصر العتيقة.
إلا أن المتوكل هذا كان خليفة بلغ من الكبر عتيا حتى إنه أدرك عهد السلطان سليم فاتح مصر وطابت صحبته وانعقدت بينهما أواصر الألفة واصطحبه إلى اسطنبول ونزل المتوكل ضيفا على قصر بيرى باشا ، وقضى الله بأن يموت السلطان سليم ، فانعقدت بينه وبين سليمان مودة وألفة.
نمى إلى المتوكل نعى أبيه من مصر فأذن له سليمان بأن يكون خليفة فى مصر ، وقبل يده أمام الشيخ أبى السعود ، وعين بلاق مصطفى باشا قائد أسطول عظيم ، فقدم مع المتوكل من اسطنبول إلى الإسكندرية وألقت السفينة مرساتها بعد سبعة أيام فى الإسكندرية ودخل القاهرة بعد ذلك بيومين واستقبله داود باشا والى مصر ومضى به إلى قلعة الكبش فى موكب عظيم حيث عرش أسلافه واستوى المتوكل على سرير الخلافة ودامت خلافته ثلاثة وعشرين عاما وأدركته الوفاة عام 905 فى عهد داود باشا ودفن بجوار السيدة نفيسة.
وبوفاة المتوكل هذا انقرض من كانوا بمثابة خلفاء بنى العباس فى مصر ، وعددهم سبعة عشر خليفة ودامت خلافتهم ( ) (2) سنة.
إلا أن خلفاء مصر من بنى العباس كانوا فى منزلة شيخ الشيوخ وكانت الخطبة والسكة باسمهم إلا أن أزمة الحكم كانت فى يد سلاطين الجراكسة وكانوا يدبرون
__________________
(1) مات مقتولا فى 15 ربيع الأول سنة 904 ه‍ ، والله أعلم.
(2) بياض فى الأصل.

كل الأمور أما هؤلاء العباسيون فكان لهم القول دون العمل وكانوا يبايعونهم ولهم منزلة رفيعة.
ومشهد المستمسك بالله كذلك بالقرب من السيدة نفيسة
مراقد سلاطين مصر بداية من صلاح الدين يوسف بن شاد الكردى من آل أيوب سبعة سلاطين ، وفى عام 572 عندما كان صلاح الدين يوسف وزيرا لنور الدين الشهيد فى دمشق استقل بملك مصر ، وأوجس خيفة من نور الدين الشهيد فبنى قلعة مصر الداخلية والخارجية وأحاط القاهرة بسور يبلغ طوله تسعة وعشرين ألفا وثلاثمائة ذراع ، وأقام بالقرب من الإمام الشافعى مدرسة.
وفى عام 575 دارت رحى الحرب بينه وبين الصليبيين فى مرج العيون وألحق الهزيمة بالفرنجة. وفى عام 589 دفن بالقرب من جامعه فى القاهرة.
يقول البعض إنه دفن فى دمشق وهذا مجاف للحقيقة وتاريخه مطبوع فى ذاكرتى.
مشهد الملك الكامل
دفن بجوار دار الحديث بمدينة القاهرة ، وله كثير من المؤسسات الخيرية فى الإمام الشافعى.
مشهد الملك الأشرف خليل بن قلاوون
ضرب الحصار على عكا أربعة وأربعين يوما وانتزعها من يد الأسبان ، وبعد انتصاره قفل راجعا إلى مصر وكانت وفاته فيها ، وهو مدفون فى ضريح ذى قبة فى ساحة جامعه.
ومشهد الملك العزيز عثمان ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف فى سقف جامعه ، أما أخوه الملك الأفضل فكانت له الخلافة (الملك) قبل الملك العزيز إلا أنه خلع لخسته ودناءته ونفى إلى دمياط ، وفيها كانت وفاته ، وحملوا جثمانه إلى القاهرة حيث دفن إلى جوار أخيه الملك العزيز عثمان.

قبر الأشرف الأيوبى
سماه المصريون العبد الدمشقى ، ولأنه كان كسلا جهولا كثر من يناشبونه العداء من كل جهة ، وفى عهده تنازل عن القدس للأسبان والفرنجة صلحا. وفى عام 935 توفى فى دمشق وهو فى الستين من عمره وحمل جثمانه إلى مصر ليدفن فى جامعه.
مشهد الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد
أدركته الوفاة فى مدينة المنصورة وهو مدفون فى ساحة جامعه بالقاهرة. وقد أقام مدارس للمذاهب الأربعة فى «بين القصر» ، كما أقام قلعة جزيرة الروضة إلا أن فيضان النيل خربها ، إلا أن آثار أبراجها ما زالت ماثلة للعيان فى ناحية أم القياس فى الجهة المطلة على الجيزة.
مشهد الملك المعظم طوران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب
وطوران شاه هذا كان أميرا للجيش فى حصن كيفا عندما توفى والده نجم الدين أيوب فى مدينة المنصورة ، وكان طوران شاه فى حرب مع العجم. وطوران شاه ابن شجرة الدر زوجة نجم الدين أيوب ، وبعد أن توفى نجم الدين كتمت شجرة الدر خبر وفاته عن الناس بحسن تدبيرها وسداد رأيها ، وأبلغت نعيه ابنها الملك المعظم طورانشاه سرّا ، فقدم مصر على عجل وبلغ القاهرة فى أربعين يوما ، وعندئذ أميط اللثام عن وفاة والده وبايع جميع الأعيان الملك المعظم ، واستقل بملك مصر ، وعندئذ سرعان ما استولى الصليبيون على مدينة دمياط.
وفى عام 648 أباد طوران شاه الفرنجة عن آخرهم وفتح دمياط ثم عاد إلى القاهرة وشق مماليكه عصا الطاعة وقتلوه فى قصره.
دامت سلطنة طوران شاه سبعين يوما ودفن بجوار أبيه فى القاهرة ودالت به دولة الأيوبيين وأفضى الملك إلى أمه شجرة الدر ، ودام حكمها سبعين يوما كذلك ، ثم أفضت الخلافة إلى زوجها أيبك التركمانى وقد ذكرنا وقائعهما آنفا.
ثم آل ملك مصر إلى مماليك نجم الدين أيوب وعصره بداية عهد المماليك.

وفى الطريق بين دمشق ومكة المكرمة بركة الملك المعظم طوران شاه وهى من خيراته ولا نظير لها فى طريق عام. حقا إنه ملك خير معظم.
والملك أسد الدين شيركوه شاد الكردى دفن بجوار جامع الأشرفية فى مصيف قايتباى ، والسلطان المؤيد من عند الله مدفون فى ساحة جامعه بالباب الحديد.
وفى الباب الحديد الأضرحة الأربعون وهى أسفل جامع السلطان المؤيد ، إنها أضرحة عظيمة خلف الباب الحديدى ، وهى الآن مقام شريف لا يخلو من المتصوفة.
وعلى مقربة من جامع المؤيد ضريح الملك المظفر أبى السعادة خامس سلاطين الجراكسة وكان ملكا عادلا.
وفى القرافة المنحوتة ضريح الملك الطاهر أبى الفتح التترى ، وهو سادس سلاطين الجراكسة ووفاته كانت عام 824 ، وعلى عتبة ضريحه العالية تاريخ تعلوه عبارة : (فاتح حلب الشهباء) والملك العزيز ابن الملك الأشرف ، وكذلك الملك جمال الدين ، مدفونان إلى جوار الملك الأشرف فى جامع الأشرفية. والملك العزيز عماد الدولة بن صلاح الدين يوسف مدفون بجوار الإمام الشافعى. والملك معز الدين من مماليك آل أيوب مدفون فوق سد على طريق مصيف قايتباى وفاته كانت عام 365. وبانى الجامع الأزهر من صلب مال المعز لدين الله هذا ، وفى عام 361 خرج المعز لدين الله هذا من بلاد المغرب متعللا بالجامع الأزهر وانتزع مصر من يد الإخشيديين وقهر أناسا من شعبها ، ولأن أهل مصر القاهرة عتاة جبابرة أرضىّ المذهب سميت القاهرة المعزية.
وأزهر ماى بورنوى مدفون بالقرب من جامع الأزهر ، وأخو يوسف صلاح الدين الذى بنى قصور الوزراء هو الملك سيف الدين بن أبى بكر بن أيوب ، ولكن بما أنه كان عاشقا ولهان دخله الغضب ذات يوم وضرب تحت أذنه بقبضته فجرى الدم من أسفل أذنه ومات ، وهو مدفون بجوار عمر بن الفارض وقد انهدمت بعض جوانب ضريحه.

مشهد طومانباى والسلطان محمد ابن السلطان الغورى
إنه السلطان طومانباى الذى حارب السلطان سليم ، ولقد لقى السلطان الغورى حتفه فى حربه مع السلطان سليم ، فخلفه ابنه السلطان محمد وهو قاصر ، وما كانت له الحنكة والدراية بفنون الحرب ، ولذلك تمرد عليه الجند وخلعوه وأحلوا محله السلطان طومانباى.
وقد سبق لطومانباى أن حارب سليما فى اثنين وأربعين معركة إلا أن الهزيمة لحقت به فى النهاية وولى هاربا وقبض عليه فى جبال صعب بالفيوم بعون بعض عرب البحيرة وصلبه سليم على باب زويلة فانتهت الفتنة والفساد ولكن أدركت سليم الرحمة عليه فأمر بغسل جثمانه وشيعه حتى العادلية. وإلى جوار طومانباى دفن السلطان محمد بن الغورى ، وفى عام 922 كتب تاريخ وآية الكرسى على تابوته الرخامى.
مزار الشيخ ذى النون المصرى
دفن فى ضريح مستقل بالقرب من ضريح الشيخ عقبة الجهينى فى ظل جبل المقطم. ولد ذو النون المصرى فى شرق مدينة أخميم وكان قبطيا من خواص المقوقس ملك مصر ، وقد أوفده المقوقس مبعوثا من قبله ومعه جاريتان إحداهما السيدة مارية وهى أم إبراهيم ابن النبى (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) وبغلة وسيف.
وقد أهدى النبى (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) السيف والبغلة المسماه «دلدل» وهما هدية المقوقس إلى سيدنا على كرم الله وجهه ، والسيف الذى أهداه هو سيف المقوقس واسمه «ذو الفقار» ، وأهدى إحدى الجاريتين إلى الشاعر حسان بن ثابت وقد أنجبت له ولده الأكبر عبد الرحمن بن حسان.
وعند ما أوصل ذو النون هذه الهدايا إلى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم لم يقو على كبت محبته للنبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فأسلم من أعماق قلبه ودخل فى زمرة الصحابة الكرام وأصبح شيخا لمهرة الأطباء ، وبلغ مبلغ فيثاغورث التوحيدى فى علم الطب ، وكان عالما شاعرا ، وتلقى تعاليم التصوف على يد على بن أبى طالب ، وتضلع من العلم اللدنى ، وسلسلة الأطباء تنتهى إليه.
وفى عهد خلافة عمر نازعته نفسه إلى وطنه فمضى مع عمرو بن العاص واستشهد فى فتح مصر ، ودفن فى تراب مسقط رأسه فكل شىء يرجع إلى أصله.

ضريح الشيخ أبى السعود الجارحى
يقع خارج الجهة الجنوبية لمصر القاهرة على مسافة ألف وستمائة قدم منها ، وهى قصبة بها ما يقرب من ستمائة منزل وجامع وزاوية وتكية وسبيل. والشيخ الجارحى مدفون فى تابوت مغطى بالجوخ الأخضر ، وهو داخل ضريح ذى قبة عالية وسط هذه القصبة.
والشيخ أبو السعود الجارحى أحد من نادوا سليم قائلين «تعال يا سليم إلى مصر».
ويحتشد جمع غفير من الناس فى ضريحه كل عام للاحتفال بالمولد النبوى. إنه مزار يؤمه العوام والخواص والنساء. ومن يمسح عتبته بوجهه هم العارفون بالله.
مشهد رأس الإمام الحسين
ابن الإمام على بن أبى طالب. رضى الله عنهما.
بالقرب من خان الخليلى
ولد فى اللحظة التى استشهد فيها سيدنا حمزة ـ رضى الله عنه ـ فى غزوة أحد. ويقول بعض المؤرخين إنه ولد قبل الهجرة النبوية الشريفة وعاش ستة وخمسين عاما.
تنازل الحسين عن الخلافة ليزيد بن معاوية عن رضاء وطواعية ، ولأنه لم يبايع يزيدا وجه إليه قادته عبيد الله بن زياد وعمر بن سعد وغيرهم من دمشق ، ونشبت الحرب فى صحراء كربلاء مع مائة ألف بلاء واستشهد أميران من أبنائه وأربعه أخوة وأولاد أحد إخوته وخمسة من أبناء عمومته ، وعشرون ألفا من الصحابة الكرام فى يوم عاشوراء من سنة (61 ه‍) للهجرة وهم جياع عطاش ، ثم استشهد الإمام الحسين وحملوا رأسه الشريف إلى يزيد فى دمشق فابتهج لذلك كثيرا وأرسل الرأس إلى معاوية بن جريج فى مصر ، وقام هذا اللعين بالتمثيل به فى ميدان مصر القاهرة ، وكل من ركل هذا الراس الشريف بقدمه من جبابرة الفراعنة تورمت قدمه وأصبحت وكأنها القربة. والآن تورمت أقدام عدة آلاف فى مصر.
بعد ذلك قضى الله بأن تقطع إحدى النساء رأس أحد أبنائها ووضعته فى الميدان ، واحتفظت برأس الإمام الحسين حتى إذا عزل عامل يزيد على مصر وتولى مكانه عامل

مؤمن ورع من محبى أهل البيت فأمر تلك السيدة بإظهار رأس الحسين ، ودفنته فى مشهده الموجود الآن ، ثم أولاه ـ المقتدر بالله ومن جاء بعده من خلفاء بنى العباس اهتماما عظيما فأقام عليه بناء عظيما وقبة ودفن الرأس الشريف فى تابوت مكسو بالحرير المزركش وسط هذه القبة. ويزدان هذا الضريح بصنوف المباخر وأوعية ماء الورد والشمعدانات والقناديل ، وكأنه الجنة العالية والجامع السلطانى. وبما أن هذا المشهد فى حجم الكعبة الشريفة يلف حول أعمدته كسوة الكعبة الشريفة لقياسها.
إنه مشهد يزار ليل نهار. وفى سفح جبل المقطم المعروف بجبل الجوشى :
مزار سلطان العاشقين
سيدى الشيخ عمر بن الفارض الحموى المصرى
كنيته أبو حفص واسمه الشريف عمر ، من قبيلة بنى سعد. وله قصيدة بليغة تسمى «التائية» يعجز فحول الشعراء عن قرض مصراع مثل مصراع فيها. حتى إن محيى الدين بن عربى فى دمشق أرسل إلى عمر بن الفارض يستأذنه فى أن ينظم لها نظيرة. فقال عمر بن الفارض لمحيى الدين بن عربى إن كتابك المسمى «الفتوحات المكية» نظيرة لهذه «التائية». إنها قصيدة بليغة إلى حد جد بعيد ، وعندما ينشد المتصوفة بيتا أو بيتين منها كل يوم جمعة فى ضريحه يغيبون عن الوعى فى نشوة الوجد. إنه ضريح عظيم ، وتكية عظيمة ، ومبرة ، وفيه متصوفة وجميع أوقافه من أوقاف الملك الكامل ، لأن عمر بن الفارض توفى عام 632 فى أواخر عهد الملك الكامل.
وفى كل يوم جمعة يغصّ جامعه بالناس حتى إذا قدم أحد لم يجد له موضعا ، ومع ذلك يجد له مكانا بأمر الله ، وكرامة له ، ويجسو كل منهم على ركب بعضهم خواصهم وعوامهم ، ولا يستنكف أحد من ذلك وقد اجتمعت قلوبهم خواصا وعواما. يا لها من حكمة عجيبة. ولا وجود لمثل هذا الجو الروحى فى أى تكية أخرى ويقول جميع علماء مصر إن روح النبى (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) تحضر فى كل يوم جمعة فى هذه التكية ، كما تحضر أرواح سائر الأنبياء وهذا ما اصطلح عليه جميع مشايخ مصر. ـ رحمة الله عليه ـ.

مزار الشيخ الجوشى فوق جبل الجوشى
له جامع وتكية وعدة بيوت وهو مدفون فى ضريح صغير ذى قبة فى الجهة اليسرى من جامعه وهو ضريح جد بديع ، أعلى جبل المقطم وهو على مسيرة يوم من مصر القاهرة فيما يحيط بها من الصحارى. وتحت هذا الجبل كهوف تربو على الآلاف بها عدة آلاف من المتصوفة وصلحاء الأئمة ممن لم يهبطوا القاهرة قط. وهم أهل حال وأصحاب مجاهدات قوامون ليلا صوامون نهارا ، منهم :
الشيخ محمد الغمراوى الذى يجاهد نفسه ويفطر يوما فى الأسبوع ، فهو سلطان فى ركن عزلته ، وردى البشرة.
والشيخ على المغربى يسكن كذلك إحدى المغارات وهو نحيل ضئيل ، إلا أن زواره يقدمون له الطعام ، والهدايا ، ولا يصيبه منها إلا النذر اليسير ، وهو مع ذلك لم يشاهد متبولا ولا متغوطا ، وتفوح رائحة الزعفران من مغارته على الدوام ـ سلمه الله ـ.
وفى غار آخر كذلك الشيخ رجب شاه وانى الذى لم يخرج من غاره منذ ثمانية وأربعين عاما قضاها فى التنسك وتلاوة القرآن ، إنه زاهد زائع الصيت بتقواه ، فقد جاءه أحد الرهبان وتجرأ قائلا : «فلنعتكف أربعين يوما بلا طعام» ، وظلا فى الغار سبعة أيام بلياليها أراد الراهب بعدها أن يخرج من الغار لقضاء حاجة عرضت له فمنعه الشيخ رجب شاه وانى من الخروج من الغار ، وسد خدامه باب الغار ، فمكثا فى الغار. وفى اليوم الثامن عشر هلك الراهب من الجوع ، وأخرجوا جثمانه من الغار ، أما الشيخ رجب شاه فقد أكمل الأربعين يوما بلياليها دون أن يتناول حبة من قمح. كان الشيخ رجب حافظا للقرآن الكريم.
وبالقرب من ضريحه يوجد ضريح الشيخ معصوم البلغرادى وهو رجل عاقل من الشعراء البلغاء وله ملكة حسن الخط ، كان يتعيش منها على الكفاف ، كان مداوما على صيام داود ، كما يقيم كل من الشيخ محمد الفرسكورى والشيخ مردمى الطربزونى فى غار واحد ، معتكفين عن الناس ، ولا يعلم أحد من أين يحصلان على قوتهما ، سلمهما الله ، ونحمد الله أن شرفنا بمقابلتهم والحديث معهم ، ودعائهم لنا بالخير. وما عرفناه منهم من كلمات الأسرار لا يمكن البوح بها باللسان.

وهناك المئات من العارفين الذين يسكنون أركان تلك المغارات ونسأل البارى أن يرفع من قدرهم ، ولو أننا قمنا بتدوين ما دار بيننا وبين كل واحد منهم لصار كتابا مفصلا.
وأسفل هذه المغارات يقع غار الشيخ عبد الله المغاورى ، وهو غار عظيم موسوم بعموده الكبير الذى يشبه الجبل لو دخله شخص لتملكته الحيرة والدهشة من اتساعه ، إذ يتسع لعشرة آلاف رأس من الغنم ، وفى نهايتها ضريح عبد الله المغاورى وكان سلطانا له قدرة على التسخير ، فكان يذهب إلى الحج فى كل عام ويرى الآلام التى تتكبدها أمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فى الطريق من شدة الحر ، وكان له صاحب من الجن ، أمره عبد الله المغاورى بأن يخترق الجبال والكهوف الواقعة على الطريق بين مصر ومكة ويشقها لتخلص عباد الله من شدة الحر ، فشق الجنى أولا مغارة عبد الله المغاورى. حقيقة إن هذا الصنيع ليس من مقدور البشر ، ولم ييسر البارى ـ عزوجل ـ إتمام هذا العمل ، فقد توفى المرحوم الشيخ عبد الله المغاورى ودفن فى فناء هذا الغار ، كما أن أربعين من كبار أولياء الله مدفونين معه فى هذا الغار لكننا لا نعرف أسماءهم الشريفة ولهم مريدون ، ومكتوب على باب هذا الغار عبارة (أمر بإنشائه مولانا الملك المظفر الظاهر بيبرس) لكنها مكتوبة فى مكان شديد الارتفاع ، وفى أركان هذا الغار يقيم المريدون جماعات جماعات.
وعلى مقربة من هذا الضريح توجد أضرحة أخوة يوسف الصديق يامن وابنه إفرايم وصارير بن يهودا وعزيز مصر وزليخة والملك الريان.
وعلى مقربة منها مقام النبى موسى ـ عليه‌السلام ـ وهو مكان للعبادة ، وملحق بهذا المقام ضريح الشيخ عيسى أحد أبناء الشيخ عبد القادر الجيلانى ، وهو رفيع المقام يسكنه بعض مريدى الطريقة القادرية.
وبحافة جبل المقطم ـ أى فى نهاية القرافة الكبرى ـ يوجد مزار الشيخ السادات المغربى ، وهو تكية كبرى تضم جامعا وتكية وعمارة وغرفا للمريدين ، إنها تكية عامرة ، ومدفون فى مصر من أحفاد وأبناء الشيخ السادات أربعون شخصا يقام لهم احتفال مرة كل عام فى النصف من شعبان حيث يفد مائتا ألف شخص بالخيام الصغيرة والكبيرة

ويمكثون هناك اثنا عشر يوما بلياليها ، وفى الليل يضيئون مئات الآلاف من القناديل ويذكرون الله ، وقد توسط المكان الشيخ أبو التخصيص «صاحب السجادة» يقدم الخبز للزوار ويعطى لكل واحد منهم كنية أى لقب. ثم يضعون على صدره الشال الكشميرى أو عمامة الرضا البيضاء ، ويبايعونه لأن طريقتهم الطريقة الوفائية التى تنتهى برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، إنها تكية عظيمة قدّس سره.
وبالقرب من هذه التكية مزار أبو السعود العشائر وقد ضم ولاة مصر أوقاف تلك التكية إلى الأموال الأميرية ولهذا خلت من المريدين ، وبجوار جامع السلطان حسن يوجد ضريح الشيخ أحمد الرفاعى ، والشيخ وكل أبنائه مدفونون فى هذا الضريح ، إنها تكية عامرة مريدوها كثير ، وهم على الطريقة البرهانية ، وخلفاءهم يعتمّون بعمامة عباسية سوداء ، ويحملون راية بيضاء ، ولهم مولد عظيم يقام مرة واحدة فى السنة.
وبالقرب من سويقة الدلال يوجد جامع قطب الآفاق وشيخ الشيوخ على الإطلاق الشيخ شمس الدين الحنفى ، وهو سلطان عظيم مدفون فى قبة عالية بالجانب الأيمن من الجامع المذكور ، وهى تكية عامرة بالمشايخ والمتصوفة. وفى فناء الجامع شجرة سدر ، وفى يوم الأربعاء من كل أسبوع يأتى الآلاف لزيارتها ، قدّس سره العزيز.
وفى الناحية الأخرى من النيل المواجهة لمصر القديمة ، والجانب الغربى من قصبة الجيزة يوجد ضريح الصحابى الجليل أبو هريرة ـ رضى الله عنه ـ الذى روى الأحاديث الصحيحة عن النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، كان النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم يحبه حبّا شديدا وقد لقبه النبى بأبو هريرة لفرط حبه للقطط وقد قال النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : «حب الهرة من الإيمان» (1) ، وأبو هريرة من قبيلة دوس ، وعند ما كان خالد بن الوليد قائدا على غزوة الشام كان أبو هريرة قائدا على قبيلة دوس المذكورة فى تلك الغزوة ، وفتح القدس الشريف مع عمر بن الخطاب وعندما كان
__________________
(1) ذكره الصّغانى فى كتاب الموضوعات برقم (83) ص 47.
وقال الإمام على القارى فى كتاب «الموضوعات الكبرى» ص 182 ـ 183 بأن الحديث «موضوع كما قال الصغانى وغيره. وقد بسطت عليه بعض الكلام فى رسالة مستقلة لتحقيق المرام».
ووافقه أيضا فى الحكم على هذا الحديث بالوضع العجلونى فى كتاب : كشف الخفاء 1 / 415 ، والشيخ محمد الحوت البيروتى فى : أسنى المطالب ص 92.

يقاتل فى غزوة مصر مع عمرو بن العاص جرح فى خده وعبر إلى ناحية الجيزة واستشهد هناك ، وقد بنى عمرو بن العاص ضريحا له داخل بستان عامر بالنخيل والأشجار ، وفى تكيته الآلاف من القطط والهرر ، وفى مصر إذا ما ضاق أحد من هرته فإنه ينقلها إلى تكية أبو هريرة لذا لا يعلم عدد تلك القطط الموجودة هناك إلا الله ، وهو الذى يطعمهم.
ذكر أوصاف مولد أبو هريرة
يقام المولد فى تكية أبو هريرة مرة واحدة فى السنة فى شهر يوليو ، وحيث يصل كل الدعاة والصلحاء والأشراف بخيامهم وينصبونها فى الأماكن المعشوشبة من صحراء الجيزة ويذكرون الله ثلاثة أيام بلياليها ويشعلون مئات الآلاف من القناديل والفوانيس والمشاعل ، ويحضر الزوار بالخيام وتحمل مئات الآلاف من الزوارق والقوارب الزوار بخيامهم ، ويصبح الجمع عظيما وكأنه عيد خوارزم شاه. ولا يوجد تجمع كهذا فى أى مكان آخر فى شهر يوليو سوى فى هذا المكان ، هذا بالإضافة إلى وجود عين فى الجانب الشرقى لنافذة ضريح أبو هريرة تتدفق منها المياه الصافية ويطلقون عليها «عين الهرة» لصفائها كعين الهرة ، وقد نبعت تلك العين كرامة لأبى هريرة ، ويشرب منها مئات الآلاف من القطط الموجودة فى تكية أبو هريرة ويدفعون بها جوعهم وعطشهم بأمر الله ، ويعيشون عليها حيث لا غذاء لهم سواها ، وفى شهر يوليو تجرى المياه فى تلك العين حمراء اللون لأنه عندما جرح أبو هريرة فى غزوة مصر وسقط دمه على الأرض جرى الماء دما من تلك العين لمدة أربعين يوما إلى أن فاضت روحه صار الماء أبيض صافيا مرة أخرى ، وإلى الآن تجرى المياه فى هذه العين من شهر يوليو وحتى أيام المولد حمراء ، وإذا ما شربت النساء والحائضات منه ينقطع عنهن الحيض ، وفى أيام المولد تجرى المياه بيضاء بأمر الله ، حيث يجتمع السادة والمتصوفة وحملة المشاعل عند هذه العين ويدعون الله فتجرى المياه بيضاء عذبة. فيشرب شيخ تكية أبو هريرة أولا ثم يقوم بملئ الأباريق والجرار والأقداح ويقدم إلى وزير مصر وقاضيها ونقيب الأشراف ومشايخ الإسلام

الأربعة وسائر أمراء مصر وترسل هدايا لكل أعيان مصر ، حيث يشربون منه ، ومنهم من يشربها بنية الشفاء. كما يحسنون بها على المتصوفة والمريدين الذين يجلبونها إليهم ، وتشرب كل أمة محمد من هذا الماء ، وبالرغم من أنه يتم ملئ مئات الآلاف من الجرار والأباريق من مياه تلك العين إلا أنها لا تنقص قطرة واحدة ، وفى اليوم الثالث للمولد تصير مياه هذه العين كماء الورد ويرسل منها إلى الشام وحلب وبغداد والبصرة وإستانبول تبركا ، حيث يكون طعم المياه حينذاك مثل ماء زمزم وطبيعته مسهلة ، وهو دواء لسبعين داء مختلف ، من يشرب منه مرة لن يصيبه مرض حتى السنة المقبلة بل إنه لن يحتاج إلى طبيب ، ولكن يجب أن يشرب بنية خالصة ، فإنه عندئذ يدفع الدم الفاسد من الجسد والأخلاط الموجودة فى الجسم والرعشة والبرص والجذام ، وعادة ما تظل مياه العين المذكورة عذبة لونها أصفر براق حتى السنة التالية ، ثم تتحول إلى اللون الأحمر فى شهر يوليو وتظل على ذلك أربعين يوما بلياليها ، حتى يوم المولد حيث تنقطع المياه الحمراء فيه ، وتجرى المياه البراقة وكأنها ماء الورد ، وهى تجرى على هذا المنوال إلى ما شاء الله ، وفى هذا المولد الشريف يتم بيع ما يقرب من عشرة ملايين جرة وكوب وقصعة وذلك من أجل العين المذكورة ، ولا يعلم حسابها إلا الله ويباع فى هذا اليوم أيضا اللبن الرايب والسمن الجيزاوى ، ولوجود جبال الأهرامات فى تلك المنطقة يقوم خمسة أو عشرة أشخاص من زوار تكية أبو هريرة بالتجمع فى مكان ما ويذهبون لمشاهدة جبال فرعون إما سيرا وإما على ظهور الدواب.
عبرة
فى أيام مولد «أبو هريرة» وعلى مقربة من تكيته فى الجيزة تخرج من باطن الأرض مئات الآلاف من عظام الشهداء الذين استشهدوا معه وتتحرك تلك العظام ، ولكنى لم أر ذلك بعينى بل سمعته من رجال ثقات ، وعند ما كنت أعبر النيل بالمركب إلى ناحية مصر القديمة شاهدت الأهالى يحملون فى أيديهم بعض العظام وقالوا إنها أعضاء الشهداء ونأخذها إلى بيوتنا تبركا بها ، وهذه حكمة إلهية للعبرة والعظة.

وعندما سألت بعض الرجال وعلماء الأزهر عن ذلك قالوا إن العظام تكثر حقيقة فى هذا اليوم ولا يعرف أصحابها ، والبعض يقول عن تلك العظام أنها عظام القبط الذين تحاربوا مع الصحابة وقتلوا فى تلك الحرب ، ولأن قتلهم كان فى شهر يوليو فإن الأرض تلفظ عظامهم حتى أن بعض القبط يحملون تلك العظام إلى منازلهم ، لا يعلم الغيب إلا الله.
وبجانب الخليج فى مصر قبر الشيخ ( ) (1) الخلوتى وهو مدفون فى جامعه وله تكية ومشايخ ومريدين وعمارة ، وتطل نوافذ الجامع على مياه الخليج الجارية وبفناء الجامع شجرة سدر وحديقة بها أشجار ، وقد ذكرت أوصاف الجامع سابقا.
وبداخل السوق السلطانى على مقربة من باب النصر يقع قبر عين الغزالى قدّس سره ، وبداخل قصر رئيس الحسبة بالقلعة العلوية يوجد قبر الشيخ عبد الله الأنصارى وهو من الصحابة الكرام وهو مدفون فى تكيته.
ثم ضريح الشيخ ( ) (2) ويقع داخل زاوية وزير السلطان الظاهر بيبرس بقصر أغوات الباشا الوالى بالقلعة.
وعلى مقربة منه تقع تكية الشيخ عبد القادر الجيلانى ومدفون بها الشيخ محمد الأنصارى ، والشيخ أحمد المفتى ، والشيخ عبد الله اليمنى الزيلعى والثلاثة من الصحابة الكرام وبالتكية بعض أتباع الطريقة القادرية ، ويهب والى مصر لهذه التكية مع أوقافها أوقتين من اللحم وعشر قطع خبز ، كما يقدم الأغوات أيضا النذور لهذا الضريح.
وبفناء جامع سليمان باشا الخادم المجاور لغرف الانكشارية بالقلعة الداخلية يقع قبر الصحابى سارية الجبل ، وسارية من كبار الصحابة الكرام كان قد سار على رأس أربعين ألف جندى لولاية العجم فى خلافة عمر بن الخطاب ، وقد انهزم سارية على يد العجم فى قلعة نهاوند ، وبينما كان عمر بن الخطاب يخطب الجمعة فى المدينة المنورة رأى بعين الباطن أن القائد سارية انهزم فى بلاد العجم ، فنادى وهو على المنبر يا سارية الجبل (ثلاث مرات) ثم أكمل الخطبة ، فتبسم بعض الصحابة وتعجبوا مما فعل عمر لأنه ينادى
__________________
(1 ، 2) بياض فى الأصل.

على سارية وبينهما مسيرة ثلاثة أشهر ، أما بعضهم فقد ظن أن فى الأمر سرا لا يعلمه إلا الله ، ومن حكمة الله سمع سارية ومن معه نداء عمر عندما نادى عليهم يوم الجمعة فانسحبوا ناحية الجبل وقد جدد جند الإسلام نشاطهم خلف هذا الجبل وقاتلوا العجم وانتصروا عليهم ثم جاءوا إلى المدينة المنورة سالمين غانمين وأخبروا أهل مكة والمدينة بالصوت الذى سمعوه يوم الجمعة فطابقوا بين التاريخين فتطابقا فازداد الناس حبا لعمر ، وكان سارية ضمن الصحابة المرافقين لعمرو بن العاص فى فتح مصر وتوفى بها.
وبتكية الشيخ سارية الجبل سبعين من الصحابة الأنصار مدفونين معه منهم الشيخ داود والشيخ قاسم والشيخ يحيى والشيخ إسماعيل والشيخ ( ) (1).
وبجانب ضريح السيدة زليخة يقع ضريح أمنا آسيا امرأة فرعون وبالرغم من أنها كانت امرأة فرعون إلا أنها بأمر الله آمنت بموسى فقتلها فرعون وتوفيت بكرا ، وبعض المفسرين يقولون بأنها ماتت بكرا لأنها ستتزوج سيدنا موسى فى الجنة ، وقد بنى الملك طوطيس أحد ملوك القبط قبة على ضريحها وكتب عليه تاريخه باللغة القبطية ، وأكثر زوار هذا الضريح من النساء.
وبالقرب من قبر يامن أخو يوسف فى سفح جبل الجوشى يوجد ضريح عبد الله بن طاهر وهو من أكراد مدينة نصيبين ، كان وزيرا للخليفة المأمون عندما جاء من بغداد إلى مصر ، عندما أراد الخليفة المأمون أن ينقب فى جبال الأهرام عام 205 ه‍ ، لكى يستخرج الكنوز الموجودة بها ، سقط حجر من الهرم الأكبر على عبد الرحمن بن طاهر فقتله ودفن بجوار ابن يامان. وقد بنى الخليفة المأمون قبة عظيمة على قبره والعديد من التكايا. وكتب على العتبة العليا للضريح : «أمير المؤمنين مأمون الزمان بن هارون الرشيد سنة 205 ه‍».
__________________
(1) بياض فى الأصل.

وبقرية أبو صير الواقعة بالقرب من جبل الهرم الذى هدمه الخليفة المأمون يقع قبر الملك مروان الحمار (1) وهو أحد ملوك بنى أمية ، وأنهم بفعل الأعمال غير الشرعية وقد تحارب على ضفاف نهر الفرات وقتل كل جنوده أما هو فقد فر هاربا إلى الشام مقر حكمه ، ولم يستطع الاستقرار بالشام ففر هاربا إلى مصر وقد ظن أنه قد استقر فى مصر فى مأمن إلا أن أحد الجنود ويدعى عامر بن جرجابى قبض عليه وسلمه لعبد الله المازنى الذى قطع رأسه وعلقها على رأس طريق وقتل كل من كانوا معه وخرج موكب عظيم من مصر برأس مروان الحمار ومر الموكب برأسه من غزة والشام وحلب وعرفة (2) حتى وصلوا إلى ملاطية وهناك سلموا رأس مروان الحمار إلى الملك الناصر على طاهر ، وأقيمت الاحتفالات وذلك لأن الملك الناصر انتقم من خصمه وحمد الله على ذلك فقد انقطع نسل يزيد الأموى عند مروان الحمار وقد أرسل الرسائل لكل سلاطين الإسلام يذكرهم فيها أنه انتقم لدم الحسين ، والآن يرقد نعش مروان الحمار فى قرية أبو صير تعلوه قبة منخفضة ويقوم بزيارته الذاهبون لمشاهدة الأهرام ، وبعضهم يسبه ويقولون «مقام مذموم».
وبمصر القديمة يقع قبر الشيخ عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو من الصحابة الكرام رواة الحديث ، دفن فى منزله بناء على وصيته أثناء فتح مصر.
وبالقرب من قبر الإمام الشافعى والإمام الليث يقع ضريح الشيخ جلال الدين السيوطى قدّس سره العزيز ، وقد ولد جلال الدين السيوطى فى مدينة مزينة هى مجمع
__________________
(1) هو مروان (الثانى) بن محمد بن مروان بن الحكم كان يكنى أبا عبد الملك ، ولى أمور دولة بنى أمية سنة (127 ه‍) ، وهو آخر ملوكهم ، لقب بالحمار لا على سبيل السخرية أو الاستهزاء إنما على سبيل المجاز إشارة لقوة عضلاته وإعجابا بصلابته ، كما أن الحمار يمتاز بالصبر على الشدائد ، وقوة الاحتمال.
انظر خبره فى : مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامى لسيد أمير على ، ترجمة رياض رأفت ص 145 وما بعدها ط. دار الآفاق العربية القاهرة 1421 ه‍ / 2001 م ، والمعارف لابن قتيبة الدينورى بتحقيق ثروت عكاشة ط. 4 ـ دار المعارف ص 369 ، والجزء السادس والسابع من تاريخ الطبرى (فى مواضع متفرقة) ، وغيرها.
(2) هى : أورفه.

الفقهاء والمفسرين تسمى أسيوط تقع على شاطئ النيل فى صعيد مصر العالى ، وللإمام السيوطى مؤلفات تبلغ 700 مجلد ، وهو عالم ومؤرخ ومؤلفاته مشهورة فى الآفاق ، وضريحه الآن مزار للعام والخاص.
وعلى مقربة من جامع ابن طولون الواقع فى قلعة الكبش التى يطلقون عليها «جبل يشكر» يوجد ضريحان داخل جامع السلطان الجولى مدفون بهما السلطان الجولى وأقاربه ، وفى قبتى الضريحين نوافذ تطل على بركة الفيل ، والحوائط الداخلية لهاتين القبتين مغطاة بالمرمر المصقول ، المموج ، وقد كتب على عتبته العليا تاريخ بنائه والآية الكريمة : (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) [الرحمن : 26 ـ 27] وعلى أطراف الأضرحة المرمرية نقش بتاريخ «سنة ثلاثة وسبع مائة» على المرمر بخطوط قديمة.
وبالقرافة الكبرى يوجد قبر الشيخ سيد حسين الأخلاطى ، وهو سلطان عظيم ، وعندما خلت سجادته جاء ابن قاضى سماونة أحد علماء السلطان يلدريم با يزيد ، من بلاد العجم إلى مصر ، على زمن السلطان فرج بن برقوق ، ليصبح خليفة للشيخ سيد حسين الأخلاطى بإذن من السلطان يلدريم با يزيد ، وكان يتقاضى راتبا يوميا يقدر بثلاثمائة قطعة من العملة المصرية ، وابن سماونة هو الشيخ بدر الدين بن محمد بن إسرائيل بن عبد العزيز ، وقد ذاع صيته بن علماء ومشايخ مصر فى ذلك الوقت ، فقد ألف كتاب جامع الفصولين وكتاب عقود الجواهر ، وهما من الكتب المعتبرة القيمة بين العلماء والطلاب ، وقد توفى ابن سماونة فى مصر ودفن فيها وقبره مستور بجوار ضريح أبى الليث بالقرافة الكبرى ، وقبره الآن مزار للعام والخاص.
وبجواره قبر إبراهيم الكلشنى الصارجانى ، وهو من شعراء السلطان محمد خان أبو الفتح ، فقد توفى أثناء قدومه من الحج.
وبجوار قبر عمر بن الفارض يوجد ضريح المنلا عتيقى.
وعلى مقربة من سويقة السباعين يقع ضريح الشيخ حمودة ، وهو مدفون فى قبة صغيرة.

وضريح الشيخ يوسف العجمى ، وهو على مقربة من الجامع الأزهر.
وقبر الشيخ تاج الدين المتصل بسوق الغنم بالقرب من تكية السلطان دك كيز ، والشيخ تاج الدين من المشايخ العظام وله آلاف الكرامات.
وعلى مقربة من منزل الشيخ البكرى يقع ضريح أولاد عنان قدّس سرهم جميعا ، وفى ناحية قنطرة السبوع خارج الباب الجديد ضريح الشيخ أبو البشر ـ رحمة الله عليه ـ ، وضريح الشيخ إبراهيم اللقانى ، وهما أفضل علماء مصر وقد درسا لعدة سنوات فى الأزهر ، وتوفيا فى مصر بعد العودة من الحج عام 1003 ه‍ والشيخ بدر الدين القرافى والشيخ صالح البلقينى من أقارب الشيخ إبراهيم اللقانى ، وهما مدفونان معه ، وهما من كبار مشايخ مصر وضريحهما مزار.
وعلى يمين تكية الإمام الشافعى نجد تكية ابن الشيخ محمد البكرى وهو من نسل أبو بكر الصديق ، وقد انتقل هذا الشيخ إلى دار البقاء فى شهر صفر من عام 1097 ه‍ عندما كان ( ) (1) باشا واليا على مصر ، ودفن بجوار أجداده العظام وقد حضر جنازته مئات الآلاف من البشر ، وقد خلفه على سجادته الشيخ أبو المواهب من أولاد مهترى ، وقد جدد كل المتصوفة البيعة له ، ـ عمره الله ـ وأصبح ناظرا على كل أوقاف الشيخ زين العابدين كوجك جلبى ، وله تكية عظيمة حفظه الله. ويحتفل فى نصف شعبان بمولد أجداده العظام.
وبالقرب من تلك التكايا وبجوار الإمام الشافعى يوجد ضريح الغازى كرتباى ، والغازى كرتباى هو أحد الجنود الشراكسة الشجعان الذين أقسم أن يقتل السلطان سليم خان أثناء قتاله مع السلطان طومان باى فى صحراء العادلية ، وخاض بجواده بين جند آل عثمان الذين كانوا كموج البحر ، فصادف سنان باشا الخادم الوزير الأعظم وكان فى ذلك اليوم وشاء الله أنه كان يرتدى نفس لباس السلطان سليم ويمتطى جوادا مثل جواده ، فضلا عن أنه كان قريب الشبه بسليم ، فقام كرتباى بقتله فاجتمع عليه الجند
__________________
(1) بياض فى الأصل.

وقتلوه. ونحمد الله أن كرتباى لم يقتل السلطان سليم ، حقيقة كان كرتباى شجاعا محاربا رحمة الله عليه ويأتى كل شراكسة مصر لزيارة ضريحه.
وبالقرب من باب الحديد بوسط مصر يقع ضريح الشيخ إبراهيم الكلشنى وقد وصفنا تكيته ، وتاريخ وفاته (مات قطب الزمان إبراهيم) سنة 930 ه‍. درس علم التصوف والتوحيد على الشيخ أبى السعود فى زمن السلطان سليمان ، ولما جاء مصر بنى تلك التكية بكل أمواله وهو مدفون بها ، وقد أخذ الشيخ إبراهيم عن عمر الروشنى وأخذ عمر عن يحيى الشروانى ، وهو سلطان عظيم وقطب الآفاق الذى ملك العلم اللدنى والعلوم الأخرى.
ودفن بضريحه أيضا ابن أحمد الخيالى المتوفى عام 977 ه‍.
وبجانبه الشيخ ابن على الصفوتى المتوفى عام 1005 ه‍.
وبجانبه ابن الشيخ حسن أفندى الذى توفى فى 1012 ه‍.
وقد خلفه فى الطريقة صهره محمد جلبى ، المتوفى عام 1014 ه‍.
ويوجد أيضا ضريح الشيخ القرمانى وهو من خلفاء الشيخ الكلشنى حينذاك وقبره ليس معلوما.
بعده قبر الشيخ صاحب السجادة الشيخ محيى الدين الأدرنوى وقد بايع الشيخ على صفوتى فى مصر وصاهره ، ودفن فى التكية الكلشنية ، كان غارقا فى العشق الإلهى ، وكان أثناء التوحيد والذكر يردد أشعار العشق ، فيثمل العاشقين.
ويقع قبر الشيخ البغدادى خارج مصر القديمة من ناحية الشرق ، وهو وسط الرمال ، ومغطى بقبة عالية ، وبالقرب من كنيسة يطلقون عليها دير سنودة ، كان المقوقس قد طلب من عمرو بن العاص حين فتحه لمصر ألا يهدمها ، ويقولون لو دخل تلك الكنيسة أى كائن حى غير البشر والطيور يموت فى الحال ، وإذا ما دخلها العربان الذين يعانون من الآلام برءوسهم يتخلصون من آلامهم ، إنه دير عجيب مطلسم.

وعلى مسافة خمسمائة خطوة من هذا الدير على الطريق العام يقع قبر الشيخ حويدى ومؤلفاته لا تعد ولا تحصى ، وله زاوية ومئذنة وقبتين. ويداوم أهل مصر على زيارته ، وكراماته مذكورة فى كتاب طبقات الشعراوى قدّس سره.
ثم قبر المولى على بن غانم المقدّسى بالقرافة الكبرى ، وهو من فضلاء الدهر الواصلين إلى القطبية ، فكان غواصا فى بحر العلم اللدنى.
ثم قبر المولى بدر جلبى الواقع بجوار عمر بن الفارض وقد توفى وهو قاض على مصر ، وقبره مزار يزار.
ثم قبر المولى معروف أفندى وهو من طربزون ، وهو مدفون مع علماء الروم بجوار عمر بن الفارض.
ثم قبر الشيخ الفاضل أمير التيره وى فى قرافة مصر الكبرى ، وكانت وفاته فى عام 987 ه‍ ، كان أمير التيره وى مصنفا ومؤلفا وخطاطا ، ترك 42 مجلد بخط يده وتوقيعه وكلها موقعة بإمضائه ، وهذه المؤلفات النفيسة موقوفة فى الجامع الأزهر وجامع المؤيد.
ثم قبر الشيخ سنان أفندى وهو من أكراد صوران العلماء ، لم يقبل صدقة أو نذرا أو طعاما من أحد ، قام بتعمير وترميم مسجد محلة الكردى فى مصر وعاش ودفن بها ، وقد كان للشيخ الكردى مكانة بين مشايخ مصر ، حيث كانوا يزورونه ويحتفلون بمولده مرة كل عام ، ويجتمع بمولده أناس كثير.
ثم قبر المولى عبد الله أفندى بن محمود ، توفى أثناء توليه قضاء مصر ، ومدفنه بجوار الشيخ شاهين.
وبالقرب من جامع المرزبانية قبر الشيخ محمد بن محمد الشهير ب «آلتى بارمق» افندى (أى الأصابع الستة) رحمة الله عليه ، وهو إسكوبى ويعرف ب «جقرقجى زاده» حتى إنه أثناء قدوم هذا العبد الحقير (1) من البوسنة مع ملك أحمد باشا مر بإسكوب ومكث يومان فى منزل آلتى بارمق افندى ، وتحدثنا مع أقاربه وكانوا من أصحاب المعارف ، ونحمد الله أن يسر لنا زيارتهم فى مصر أيضا.
__________________
(1) يعنى المؤلف بالعبد الحقير نفسه ، تواضعا منه كعادة من يتكلم عن نفسه من أهل العلم والفضل.

وللشيخ محمد بن محمد مؤلفات كثيرة منها سيرة النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهى سيرة ممدوحة بين السير ، لقد كان شيخا عزيزا وبحرا للمعانى وهو النعمان الثانى ومدفنه أمام قبلة جامعه حيث توفى عام 1033 ه‍ ، كان العزيز المذكور بحرا فى مختلف العلوم ، عذب البيان ، طلق اللسان.
ثم ضريح المولى ظهير الدين الأردبيلى ، الذى جاء من تبريز إلى بلاد الروم فى عصر سليم الأول ، وقابله السلطان ، ثم ذهب إلى مصر قاصدا حج بيت الله الحرام ، وقد قتل مع أحمد باشا الخائن فى مكان واحد ، كان المولى ظهير الدين الأردبيلى له باع فى العلوم وله مائة مجلد من المؤلفات ، وهذه هى الدنيا يموت الإنسان ويبقى اسمه ، إنه الموت الذى يتساوى فيه الجميع السيد والفقير ولم ينجو أحد منه وليس له دواء.
إن أضرحة ومزارات الأولياء والعلماء والصلحاء فى القاهرة لا تعد ولا تحصى ، ولكننا حررنا هنا ما ذهبنا إليه فقط.
ثم قبر المولى حسين باشا زاده افندى وابنه صاحب الحظ السعيد «كوزلجة رستم باشا» وزير «بودين» ، توفى حسين باشا زاده وهو قاض على مصر ، وقبره بجوار الإمام الشافعى ، ومكتوب على العتبة العليا للضريح : «هذا مقام حسين افندى فى دار السلام سنة 1023 ه‍» ، كان المذكور من أرباب العلم والمعرفة محبوبا من الجميع ، وكان يجزل العطاء فى منزله.
ثم قبر المولى محمد أهلى افندى أخو عبد الرحمن افندى طبيب زاده ، كان صاحب فيض فى كل العلوم تولى منصب قضاء مصر ، ومدفنه فى ساحة جامع مسيح باشا ويزوره الذاهبون إلى الإمام الشافعى ، وثمة شخص آخر باسم أهلى جلبى ولكنه مدفون فى رودس.
ثم قبر المولى عبد الباقى الشهير بطورسون زاده افندى ، توفى وهو قاض عل مصر ، وقبره فى القرافة الكبرى على الطريق ، وعلى مشهد قبره تاريخ وفاته.

ثم قبر المولى مصطفى بن محمد بن سليمان ، وفد من مكة إلى مصر بعد آلام كثيرة وهو مدفون بجوار الإمام أبو الليث ، قدّس سره العزيز.
ثم قبر الشيخ أبو بكر الكفوى الذي كان مصاحبا للشيخ شاهين بمصر ، حيث اتجه إلى طريق الحق ، وهو مدفون بجوار الشيخ شاهين ، كان شيخا زاهدا عابدا متورعا اشتهر بالكرامات.
ثم قبر مولانا الفاضل رضاى محمد جلبى ، مخدوم المرحوم بيرى افندى قاضى قونيه دار الملك ، وتاريخ ميلاد رضاى جلبى 1001 ه‍ هو لفظ (رضا) لذا تخلص برضاى ، تولى قضاء مصر ثم توفى ، ورضاى جلبى حسيب نسيب ، وأديب كامل ومؤلف ومصنف وشاعر وماهر له نصيب من كل الفنون ، حافظ لقاموس النجوم والكواكب ، كما كان متصوفا خلوقا ، ومدفنه فى ساحة مشهد الإمام الحسين وقبره من الحجر. ويقوم الروم بزيارته وهم يقولون عنه إنه قبر فاضل.
ثم قبر مولانا جمالى زاده وهو من علماء الروم كان خادما لشيخ الإسلام على جمالى ، كما كان صاحب السجادة فى الأناضول ومصر والعديد من الأماكن الأخرى ، وتولى متصرفية الشرقية والغربية بمصر ، ولكنه استقر فى القاهرة مصداقا لقوله ـ تعالى ـ : (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ) [النور : 35] وهو مدفون بجوار الإمام أبو الليث ، رحمة الله عليه سنة 968 ه‍.
* * *

فى بيان كرامات المرحوم والمغفور له
السلطان أعلم العلماء وأفضل الفضلاء
شيخ الشيوخ الشيخ على الشمرلسى
عندما دخل الحقير صاحب التقصير قليل البضاعة مصر فى عام 1083 ه‍ شرع فى زيارة الأولياء والأنبياء واجتهد فى مقابلة العلماء والمشايخ الكبار وقد تشرفت بمقابلة الشيخ الشمرلسى فى الجامع الأزهر تبركا وتيمنا به ، فقبلت يده وكان لى نصيب من دعواته لى بالخير ، وبدأت فى قراءة كتابه (قوهستان) ، كان الشيخ الشمرلسى أعمى منذ ولادته ، ولكن الفصاحة والبلاغة وطلاقة اللسان التى يمتلكها لم تكن حتى عند أفصح الشعراء محمد البوصيرى ، وقد خدم الحقير الشيخ ، حيث تتلمذت على يديه ثلاث سنوات ، ولحكمة الخالق لزم الشيخ الشمرلسى الفراش فى السنة التى كان فيها عبد الرحمن باشا واليا على مصر ، ظل الشيخ لمدة شهرين طريح الفراش وكان كل تلاميذه يذهبون إلى بيته فى تلك الفترة ، الكل يقبل يديه ويبدأ فى قراءة الدرس عليه ، وسبحان الله كانت الدروس حينئذ أكثر من الأوقات الأخرى ، فقد كانت كل أعضاء الشيخ نحيفة ضعيفة وكأنه قد وهبها كلها فى سبيل العلم ، وكانت له قوة قدسية فكان يرى بمنظار قلبه ، وكان الشيخ موصوفا بالذكاء الحاد والفراسة والفطنة التى لا حد لها ، من يراه لا يقول أنه ولد أعمى ، حتى أن صهره القاضى منصور الذى كان متزوجا بابنة الشيخ ، وهى سيدة حافظة مثل رابعة العدوية ، نقل إلى الحاضرين بالمجلس ما سمعه من زوجته ابنة الشيخ الشمرلسى أنها كانت تسمع والدها فى الليالى المباركة وهو يقرأ العلم فى حضور النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ويقول بلسان فصيح صريح : نعم يا رسول الله ويقول صحيح يا شفيع المذنبين ، وفى أحد الأيام وبعد انتهاء الدرس كنا فى حضور الشيخ ، فقال فى أى يوم سيخرج حجاج المسلمين إلى بركة الحج.
فأجاب صهره : لقد صدر الفرمان بخروجهم إلى البركة يوم الخميس الموافق 18 شوّال المعظم.

فقال الشيخ : يا قاضى منصور كم يوما بقى على ذلك اليوم؟
فأجاب الشيخ : ( ) (1) خطيب جامع القيسونية : بقى يومان فقط يا سلطاننا.
فنهض الشيخ من الفراش بعد أن كان طريحه لمدة شهرين ووقف على قدميه وأخذ يتحرك ويدور بلطف فى البيت مثل طاووس حدائق الجنة ، وكأنه فى سماع خانه جلال الدين الرومى (2) ، فتحير كل الحاضرين من ذلك ، وتحيرت أنا أيضا لما شاهدت ، وقد تصبب الشيخ عرفا بعد السماع ، وقال لنا : أيها الأبناء لقد عادت لى الحياة وشفيت لأنكم بشرتمونى بخبر خروج الحجاج إلى البركة ، وبذلك وجدت الدنيا والآخرة ، ودعا لنا جميعا بأن يغفر الله لنا وأن يمنحنا طول العمر ، وابتهج بعض الحاضرين من ذلك قائلين الحمد لله لقد شفى الشيخ ، وبعضهم انخرط فى البكاء ، إلا أن الشيخ تحدث إلينا مرة أخرى وقال : أيها الأبناء لى رجاء عندكم ، فى اليوم الذى سيخرج فيه أول موكب للحجاج أخرجونى ولا تحرمونى من رؤية موكب الحجاج فهذه الأيام هى أيام الحج الأكبر ، ضعونى فى صندوق يحمله أربع حيوانات ثم سيروا بى من الجامع الأزهر
__________________
(1) بياض فى الأصل.
(2) هو جلال الدين الرومى المولود فى بلخ عام 1207 م. كان أبوه بهاء الدين ولد من العلماء الأجلاء ، صحبه جلال الدين فى رحلة الحج ، وأثناء عودته مرّ بدمشق ، واستقر به المقام فى قونيه وبها توفى أبوه عام 1223 م.
وقد أخذ جلال الدين الرومى التصوف عن الشيخ شمس التبريزى ، وأسس طبقته الصوفية المعروفة بالمولوية ، وقد بين طبقته هذه فى كتاب منظوم له بالفارسية يسمى (المثنوى). وتحلق حوله المريدون وانتشرت طريقته فى الأناضول ، وكان دراويش المولوية موضع توقير رجال الدولة العثمانية حتى جرت العادة بأن يتولى رئيسهم تتويج السلطان العثمانى فى مسجد بايزيد.
وكان من عادة المولوية أنهم بعد صلاة الجمعة يقابلون شيخهم ويجتمعون فيما يعرف ب «سماع خانه» أى : بيت السماع فيمارسون أذكارهم على أنغام المعارف وهم يرقصون بكيفية خاصة بهم وفى رأيهم أن السماع وما يصحبه من رقص إنما يرقق القلوب ، ويسمو بالنفوس ، ويثير الخوف عند التائبين ، ويلهب قلوب المشتاقين.
انظر : معجم الدولة العثمانية : للدكتور حسين مجيب المصرى ص 142 ـ 143 (بتصرف) ط. أولى: الدار الثقافية ، القاهرة 2004.

وليكن معكم تلاميذى الأحباء وكل العاشقين المشتاقين من المجاورين وطلاب رواق العراق وضعونى بالقرب من قرافة المجاورين فإنها طريق الأهالى وكل المسلمين المدفونين بها ، وبهذا أشاهد موكب الحجاج كل عام وليكن ترابهم غبارا لى ، وهذه هى وصيتى لكم لا تحرمونى من موكب الحجاج ، فقال كل التلاميذ على الرأس والعين يا سلطاننا ، وقد فرح كل الصادقين من كلام الشيخ ، ثم قال الشيخ مرة أخرى أيها الأبناء لتخبروا على بك من أمراء مصر والشيخ المتبولى خادم ضريح إبراهيم العراقى بأن يكونوا معى أثناء مشاهدة الموكب ، وذهب أحد التلاميذ إلى الاثنين ورجع إلى الشيخ الشمرلسى وقال له إن الاثنين مرضى وفى النزع الأخير ، ويقولون أنهما لن يستطيعا الحضور لمشاهدة الموكب ، فرد الشيخ قائلا سيبرأون ويعافون بعد يومين بمشيئة الله وسيأتون معنا لمشاهدة الموكب ، ولى رجاء آخر عندكم يا أبنائى أن تقرأوا ختمة شريفة أربعين مرة فى الجامع الأزهر وتهبوا ثوابها للمرحوم عبد الفتاح ، وأن تقوموا بطبخ الحلوى يوم الجمعة وتقدموها للفقراء ، فقد كان الشيخ عبد الفتاح من أقارب أستاذنا الشيخ الشعراوى وقد استولى على نظارة ميراث السيدة زهرة ابنة الشيخ الشعراوى فدعوت عليه ، فقطع أربا أمام باب العزب فى واقعة خلع الدفتردار أحمد باشا.
ثم جلس الشيخ على الفراش واتكأ على الوسادة ، وبدأ تلاميذه يتحدثون عن هذا الشأن ، وقد ظهرت له كرامة ، ولحكمة الله فاضت روح الشيخ إلى بارئها فى نفس الوقت الذى تأهب فيه كل جنود مصر للخروج لموكب الحج فى اليوم الثامن عشر من شهر شوال ، فصلوا عليه فى الجامع الأزهر كما صلى عليه جميع مشايخ مصر فى الجوامع ، وبهذا تحققت وصية الشيخ فقد صلى عليه مئات الآلاف من الجنود ومثلهم من العوام والخواص والفقراء وكانت الجنازة تموج كالبحر ، وقد حمل النعش فى صندوق على أربعة حيوانات كما أوصى بذلك وقام مئات الآلاف من العلماء بالذكر والتوحيد ، وحمل الشيخ مع موكل الحجاج إلى قرافة المجاورين ، وهناك انتهت رحلته واستقر بدار

القرار ، وروحه فى أعلى عليين فقد انتقل من دار الفناء إلى دار البقاء رحمة الله عليه تاريخ ( ) (1) الفاتحة لروحه ، ولحكمة الله توفى خل من الشيخ المدبوسى خادم ضريح إبراهيم العراقى وعلى بك تحقيقا لكرامة الشيخ الشمرسى.
وفى محلة ( ) (2) على باب لسلوق يقع ضريح الشيخ إسماعيل الصنافيرى وهو من المتصوفة الكرام ، لم يكن متكلفا ، بل خان عارى الرأس ، لا يتكلم مع أحد وسكنه عند ما يرى المحبين إليه يتحدث معهم ببعض الكلمات مبتسما ، خانت خل خلمة من خلامه رمزا ، وقام القاضى جلال الدين ببناء زاوية وقبر الشيخ الصنافيرى فى حياته وفى عام 1089 ه‍ عند ما كان عبد الرحمن باشا واليا على مصر أشار الشيخ الصنافيرى ببعض الكلمات الرمزية قائلا : سنموت فى هذا الشهر» ، وقد كانت تلك العبارة إشارة لتاريخ غزوة آل عثمان على موسكو ، والقبر الآن مزار يزار.
* * *
__________________
(1) موضع سطر خال.
(2) بياض فى الاصل.

الفصل الرابع والستون
فى بيان أسماء المحلات الموجودة على الطريق الرئيسى
للسلاطين وكل الأعيان فى مصر
بمصر طريق عام كبير يبدأ من أدنى المدينة ويصل حتى القلعة الداخلية لمصر ( )(1)وتوجد طرق أخرى فى الأسواق السلطانية والمحلات تبلغ ( ) (2) ألف طريق عام ، ويطلقون على الطريق الذى يبدأ من باب السيدة نفيسة وحتى باب النصر درب السلطان ، ويطلقون اسم درب السلطان أيضا على الطريق من سوق الحدادين وسوق أمير الحاجب وسوق الخيام وباب الحديد وحتى باب النصر ، وينقسم الطريق عند بين القصرين إلى طريقين الأول ويتجه إلى باب الفتوح ويطلقون عليه درب الحاكم بأمر الله ، والثانى ويبدأ من درب باب الشعرية ويتجه حتى خارج المدينة ويطلقون عليه درب الطاهرية ، ويطلقون على الطريق الذى يبدأ من سوق الطيور وحتى الداخل درب العباسية ، وسمى بهذا الاسم لأن كل خلفاء العباسيين الذين ملكوا مصر كانوا يسكنون فيه ، ويطلقون على الطريق الذى يبدأ من درب باب الحديد وحتى باب سلامة قنطرة السبوع وبالقرب منه فى الناحية المواجهة للخليج يوجد درب سويقة الدلال وعلى مقربة منها يوجد درب قنطرة السنقور وسوق محلة عابدين ودرب باب الدباغين ودرب الشواريب ودرب الأوزبكية ودرب قنطرة الليمون ودرب الرطل ودرب باب اللوق ودرب الخراطين ودرب بين القصرين ودرب قاضى العسكر ودرب خان الخليلى ودرب خرطة الجمالية وخرطة الصاغة أى سوق الفضة ودرب الفحامين ودرب الغورى ودرب البندقانى وباب الذحوقة وسوق الشوائين وباب زويلة وخرطة الوالى ، وللعبور من هذه الأماكن ينبغى أن يسلك المرء طريقا مدته ساعة يطلقون عليه الآن طريق خرطة الوالى ويقع عليه سوق قرب السقائين والطلومبات والزجاج ، ومن سوق الخياطين أى سوق صناع الخيام وسوق الخضار وخرطة الخليفة وسوق الطليون وسوق المغاربة وسوق الحنا وسوق قبر الطويل وسوق أمير الآخور وخرطة السقائين وخرطة النصارى وخرطة الموسكى وسوق الروملى والدرب الأحمر الواقع بقصر الباشا وحتى جامع الأزهر بطول ثلاثة آلاف وخمسمائة خطوة.
__________________
(1 ، 2) بياض فى الأصل.

أوصاف بقية الطريق الرئيسى لمصر القاهرة
وطوله ألفان ومائة خطوة
وهو الطريق الذى يمر من أمام حمام السباهية بالقرب من مسكن الحقير (1) فى القلعة الداخلية بمصر ، والذى يمر أيضا من أمام قصر عوض بك ومن أمام باب مسعود أغا ، حتى قصر برهان افندى النقيب ألفين ومائة خطوة ، وطول الطريق من أمام جامع «آلتى بارمق» الذى يدنو من قصرنا وكذا من أمام قصر مسعود أغا وحتى قصر النقيب ألفين وثلاثمائة خطوة ، وهذا يعنى أن هذا الطريق أزيد من الطريق الأول بمائتى خطوة والطريق من ميدان الروملى الواقع عند باب العزب أسفل قصرنا وكذا من قنطرة السبوع عند الباب الجديد وحتى منزل قيطاس بك الدفتردار ثلاثة آلاف خطوة بالتمام.
وبهذه الطرق آلاف الحوانيت والأسواق السلطانية ، ولو قمنا بذكرها كلها سنكتب مجلدا آخر.
أما الطريق العام المذكور فهو أشهر الطرق فى مصر وهو مزدحم ، ولا شك فى أن لذكره فائدة كبيرة لذا ذكرناه ، أما غير المشهور منها قد عزفنا عن ذكره تجنبا للإطالة والملل واكتفينا بذلك.
* * *
__________________
(1) يعنى المؤلف نفسه.

الفصل الخامس والستون
فى بيان ذهابنا إلى مولد أحمد البدوى عام 1083 ه‍
وزيارتنا دمياط ورشيد والإسكندرية وغيرها
من الطرق والقصبات والمنازل والأضرحة
لقد شاهدت بما تيسر لى جميع الأضرحة الموجودة بمصر القاهرة ، وقمنا بزيارة ضريح المشهور فى الآفاق والقطب على الإطلاق حضرة أبو اليتامى السلطان السيد أحمد البدوى ، وصلنا إلى السيد أحمد البدوى نطلب منه المدد فى اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الآخر عام 1083 ه‍.
خرج موكب مولد أحمد البدوى فى جمع غفير من المشايخ والمتصوفة وهم يذكرون الله واتجهوا إلى صاحب الدولة ، وقد ذهب الحقير على الفور إلى ميدان سراى الباشا وانزويت فى زاوية واشتغلت بالمشاهدة ، كان متصوفة ومريدو البدوى ـ والعظمة لله ـ ما يزيد على عشرة آلاف شخص يسيرون بالطبول والدفوف ويحملون الأعلام والرايات وبعضهم يحمل آلات الحرب والبعض الآخر يحمل فى يديه النبوت وفى خصورهم التنورة يذكرون الله ، ويحملون مئات الآلاف من الرايات والأعلام ، فأصبحت القاهرة فى ذلك اليوم مثل الحديقة المثمرة ، سار الموكب حتى ميدان القصر وعندما قال الخليفة الأول للمريدين اذكروا الله وكان ذلك فى حضور الباشا ، ردد المريدون كلمة التوحيد ، ورفعوا الرايات المطلية بالذهب على رءوسهم ودقت الطبول والدفوف ونفخ فى النفير ، وانشغل ما يقرب من ثلاثة آلاف وسبعمائة شيخ وما يقرب من عشرة آلاف مريد حاسرى الرأس بالتوحيد والذكر وأطلق المجازيب الصيحات ودقت الطبول ، حتى أن ميدان القصر أصبح كساحة الذكر ، وأقسم برب الكعبة أن صدى أصوات المريدين وهم يرددون الله الله كانت تصل إلى عنان السماء حتى أن الملائكة فى السماء كانت تغبطهم على ذلك ، وبعد الذكر قام نقيب المريدين بحمد الله والثناء عليه ثم صلى على النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وأثنى على الكتخدا إبراهيم باشا ، ثم تقدم الجميع بعد ذلك إلى الباشا أفواجا ، ثم قام أبو الخير

إبراهيم باشا بمقتضى قانون البدو وفرمان السلطان قايتباى بتحرير رسائل إلى حسن أغا كاشف الغربية وعلى أغا كاشف منوف ورؤساء البلوكات السبعة وبقية الأغوات بأن يتأهبوا بكامل أسلحتهم للمولد الشريف ، ويوصيهم بالحفاظ على ميدان المولد دون تقصير ، ويوصيهم بمنع انتشار الخمر وأماكن شرب البوظة وخيام البغايا ومنع أشقياء العربان والأشرار من الخروج إلى ميدان المولد.
وزيادة على المنحة التى يمنحها الباشا للمشايخ يقوم الباشا بإهداء ضريح البدوى قطعتين فن القماش الأخضر وبطمانين عود بخور وخمسين فثقالا فن عنبر وسجادة حرير وأخرى إبريشم واثنان فن شمع العسل ، ويعطى لكل رجل فائة بطمان فن الشمع ، ويسلم الباشا ذلك كله إلى فصطفى الروفى خليفة البدوى فيقوم كل المشايخ بتقبيل يد الشيخ ويدعون له بالخير ، ثم يبدأون فى التوحيد السلطانى فرة أخرى.
ويتعجب المفرطون من ذلك أشد العجب ، وبعد الانتهاء من الذكر والدعاء للباشا يحملون كل الأشياء التى منحها الباشا لهم ، ويقف رئيس الجلادين بعد ذلك فى ميدان القصر وينادى بصوت مرتفع مولد البدوى فى منتصف جماد الآخر ، ويذهب كل المشايخ والشباب والمريدون إلى خلواتهم فى صفوف وترتيب كأنهم أمواج ، وقد تحركت عواطفى لكى أشارك فى هذا المولد ، ولكنى سألت نفسى بأى طريق سأقوم بتلك الزيارة الواجبة ، وبعد المغرب جاءنى أحد الجنود الداخليين وقال لى تفضل يا سيدى إن الباشا صاحب الدولة يريدك ، وعلى الفور ذهب الحقير إلى إبراهيم باشا وكان الحديث عن مولد السيد أحمد البدوى ، وقد رأى الحقير أن هذه فرصة عظيمة اغتنمتها فقلت : يا سلطانى هلا أذنتم لنا بالمشاركة فى الدعاء بمولد البدوى ، فوافق الباشا على مطلبى ، وأصدر فرمانا بخروج على كتخدا معنا ، وأتى الكتخدا وأحسن على الحقير بمائة سكة (1) ، وقد نزلت ضيفا بمنزل إبراهيم أغا فى بولاق لمدة ثلاثة أيام بلياليها ، وتجمع فى بولاق فى تلك الليلة آلاف العاشقين الموحدين ، زينوا صفحة النيل المبارك بمئات الآلاف من القناديل
__________________
(1) السّكة : العملة المضروبة.

والمصابيح ، وانشغلوا بالذكر حتى الصباح ، وفى صباح اليوم التالى أقام نقيب الأشراف وليمة عظيمة فى تكية إبراهيم الكلشنى فى بولاق ، حضرها كل علماء وصلحاء ومشايخ مصر ، خاصة قاضى العسكر ، ومشايخ المذاهب الأربعة ، وتناولوا الطعام واشتغلوا بذكر الله ، وتصير تكية الكلشنى فى تلك الليلة مثل النور ، وقد ذكرنا ذلك من قبل عند وصف الموالد ، وبعد ذلك ينفض الجمع.
وفى صباح اليوم التالى يركب جميع مريدى البدوى وسائر مريدى الطرق الأخرى والبحارة فى اثنى عشر مركبا تسمى مراكب العقبة ، تتسع كل مركب منها لألفى رجل إنها مراكب تشبه القروانة ، الواحدة منها أربعة طوابق الطابق الأسفل عبارة عن المخزن وبه الطعام والشراب وسائر المهمات واللوازم ، والطابق الذى يعلوه خاص بالنساء ، ثم الطابق الخاص بمشايخ المريدين ، والطابق الذى يعلوه للفلاحين ومساعدى الربان والزوّار ، لقد شيد المركب طابقا فوق طابق ومقصورة فوق مقصورة ، ويستغرق كل فرد فى وجده وشوقه ، وهذه المراكب المذكورة من أوقاف السيد أحمد البدوى وتحصّل كل مصاريفها من وقف السيد أحمد البدوى ، وتزين صوارى تلك المراكب بالرايات والأعلام كما يقف المشايخ على جوانبها الأربعة يحملون آلاف القناديل والرايات ، وبخلاف تلك المراكب المسماة العقبة ، يستأجر آلاف الزوار والمشايخ حوالى مائتى قطعة من الزوارق والقوارب والسفن الصغيرة ، حيث يزينون صفحة نهر النيل ، وفى وقت الضحى يتحرك الموكب من مدينة بولاق باثنتى عشرة سفينة كبيرة تسمى «عقبة» وما يقرب من ستمائة أو سبعمائة مركب صغير تحمل جميعها حوالى أربعين ألف أو خمسين ألف شخص ، ثم يطلق الجنود الموجودون طلقة من البنادق وطلقة من المدافع ، ثم تدق طبول خليفة البدوى ، ويردد كل المريدين كلمة التوحيد ، وتسير المراكب مع اتجاه النيل ، وينفخ فى النفير.
وعندما يصل المريدون إلى المكان المواجه لإمبابه يقرأون الفاتحة ، ويعقدون النية على الذهاب إلى البدوى ، وفى هذه الأماكن بخلاف السفن استشعر الحقير الذوق والصفا مع

ثمانية مشايخ فتارة مع الشيخ مصطفى الرومى وتارة مع الشيخ عثمان الكلناسى والشيخ الإمبابى والشيخ أحمد القليوبى.
وشاهدت القصبات والبلدان والمعمورة التى تشبه الجنان على ضفتى النيل المبارك ، ودوّنّا أوصافها فمنها :
قصبة شبرا الواقعة على ساحل النيل في مكان قريب من مصر القاهرة بثمانية أميال وهى قصبة عامرة آهلة بها ألف منزل وسبعة جوامع وأسواق وحمام ، وتزينها بساتين النخيل ، ويديرها رئيس فرقة من طائفة إنكشارية مصر ، وتشتهر شبرا بالبطيخ والشمام والذاهب أو الآتى منها يشترى البطيخ ، يحصل منها ألفى قرش سنويا ، وهى مركز الإنكشارية ، ولها ملتزم.
ثم تقدمنا مسيرة عشرة أميال فبلغنا جزيرة بطن البقر ، وهى عبارة عن رأس فى وسط النيل المبارك يتفرع عندها النيل إلى ذراعين ، فقد قام سيف بن ذى اليزن بشق هذين الذراعين بعد عصر نوح ـ عليه‌السلام ـ ، الذراع الأيسر منه يتجه ناحية الغرب ، إلى بندر رشيد وطوله ( ) (1) ميل أما الذراع الثانى وهو الأيمن فيتجه شمالا إلى بندر دمياط وطوله ( ) (2) ميل ، وبين هذين الذراعين جزيرة عظيمة عبارة عن كشوفيتين ؛ الأولى كشوفية الغربية والثانية كشوفية المنوفية ، وهذه الجزيرة مزينة بآلاف القرى العامرة ، بوسطها مقر كشوفية الغربية وعلى أرضها قصبة طنطا المدفون بها السيد أحمد البدوى ، وهذه الرأس المسماة بطن البقر تقع فى أرض المنوفية وكل مراعيها أميرية ، حيث يقوم رئيس فرقة الجبه جيه (3) بمصر بتجفيف الفروع والأخشاب الموجودة بتلك المراعى وتحويلها إلى فحم حيث يضعونه فى مصر على البارود الأسود ، فتزداد قوة البارود ، وقد سرنا من هذا المكان بالسفن فى ذراع النيل المتجه إلى دمياط ، وعبرنا قنطرة الملك الطاهر الواقعة يمين أرض قليوب ، وهى جسر عظيم به ألوان قوس قزح يعبره الذاهبون من مصر إلى قليوب وإلى المنصورة ودمياط ، إنه صراط عظيم لم نشاهد مثله ،
__________________
(1 ، 2) بياض فى الأصل.
(3) سلاح الذخيرة.

ثم مررنا بقرية مصر خيم الواقعة على ضفاف النيل ، والشيخ عبد الله مصر خيم مدفون بها فى ضريح مغطى بقبة صغيرة بيضاء ، وقد توقفت كل المراكب أمام هذا الضريح ودقت الطبول وذكرو الله ، ثم أبحرت المراكب مرة أخرى ، وهذا المكان هو الحدود بين الغربية والمنوفية ، وتلاطم النيل في هذا الموضع شىء ظاهر ، وقد تحطمت بعض المراكب من شدة تيار المياه ، وعبرنا ذلك المكان والكل يسأل الله أن نعبر طريقنا بسلام ، ويصل ماء النيل إلى قمة اندفاعه ، وفى وقت الغروب ترسو كل السفن على جانب النيل ، حيث يكونوا فى مأمن من الإبحار ليلا ، وفى ذلك المكان قرية تسمى قرية العفريت ، وهى قرية كبيرة تقع فى أراضى الغربية بها مائتى منزل وجامع ، ويشتغل معظم الأهالى هناك بصناعة الأكواب ، وبها قصر مشهور مثل حدائق إرم ، قام ملوك مصر السلف بصرف خزينة على هذا القصر من خزائن مصر ، وفى وقت قريب سكن هذا القصر شخص يدعى فضلى أغا ، وفى أحد الليالى رأى فضلى أغا شخصا عظيم الجثة يهجم على القصر ، فظن فضلى أغا أنه لص فجمع الحراس وتسلحوا ونادى فيهم أن يهجموا على اللصوص وعندما أطلقوا النار وضربوا بالسيوف ، أصيب أحد اللصوص ولكنه لم يمت ، أما حراس فضلى أغا فقد أصيب بعضهم بالصرع وأصيب البعض الآخر باعوجاج فى يده وفمه وأنفه ، وبالرغم من ذلك ظل فضلى أغا وحراسه يحاربون بشجاعة لمدة ساعة ، ثم فروا هاربين من القصر ، ثم سد أهالى القرية باب القصر بالطوب وظل على حاله حتى الآن ، ولا يستطيع أحد أن يدخله ، حتى عندما وصلنا هناك سألنا أهل القرية عن هذا القصر فقالوا : «إنهم فى بعض الليالى يرون قناديل تضىء فوق سطحه ، ويسمعون صوت دق الطبول ، وفى صباح تلك الليالى يجدوا على حوائط القصر منسوجات بيضاء وسوداء لا هى من صوف الإبل ولا هى من صوف الأغنام ، إنها منسوجات لا مثيل لها فى الدنيا ، إنه بلاء مسلط على قريتنا ، ولكن لا ضرر منه على أولادنا وأهلنا».
أما فضلى أغا وجميع حراسه فإنهم يعيشون الآن بصحة جيدة ، ولا يعرف أحد مقدار أمواله التى تركها فى القصر عند ما فر هاربا ، فقد زادت الضعف وهذا ما نقله

أهل القرية لنا ، ويخرج كل الزوار من المراكب وينزلون على شاطئها ويطهون الطعام ، وقد أخذ الشيخ مصطفى الرومى عشرة نعاج وطبخها وقدمها للجوعى والمساكين مصداقا لقوله ـ تعالى ـ : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) [الإنسان : 8] فمما لا شك فيه أن هذا الجمع الكبير من الناس به المساكين والأيتام والفقراء حيث يتناولون الطعام جميعا ، وبعد الطعام والحمد والثناء يبدأ الذكر ، وفى وقت العشاء تسكن الرياح ويطلق الشيخ مصطفى طلقة مدفع من سفينته فيسير الموكب وتشعل آلاف القناديل في المراكب وتطلق السفن قذائف المدفعية والبنادق الفشنك.
وقد مررنا فى تلك الليلة ببلدان وقرى عامرة بالحدائق والبساتين وكأنها حدائق إرم ، وتزينت صفحة النيل المبارك بالسفن ، ويتولى الملاحون توجيه السفن يمينا ويسارا حتى يتمكنوا من اجتياز هذا المكان بسلام ، بينما الراكبون يذكرون ويرددون يا مولا يا فتاح ، وعندما يقول الشيخ مصطفى خليفة البدوى اذكروا الله يا إخوان ، يرد كل العاشقين والمشتاقين بكلمة التوحيد لا إله إلا الله ويبدأ المريدون فى التهليل فيصبح وجه النيل المبارك كله ذكرا لله ، ويغمر ماء النيل فى النور ويدهش كل الموحدون ويصيحون وقد غابوا عن الوعى من شدة الوجد ، وعندما يستمع أهالى القرى الواقعة على ضفاف النيل ، وتسير السفن على هذا النحو حتى صلاة الفجر وعند صلاة الصبح ترسو كل السفن على جانب النيل.
منزل قصبة التفاحية وهى قصبة عامرة تقع فى أراضى الغربية بها ثلاثمائة منزل وحدائق وبساتين نخيل وجامعين ذوى مئذنة رشيقة موزونة وما يقرب من أربعين أو خمسين حانوتا وحمام ، ولهذه القصبة ملتزم ، بالجهة الجنوبية لها ضريح السيد داود العرب وهو مجاور لجامع باسمه ، وللسيد داود العرب مولد كل عام يجتمع فيه أناس كثيرون ، إنه شيخ عظيم فى منزلة السيد البدوى وله مناقب فى طبقات الشعراوى ، ولو دخل قاتل أو لص أو مدين تكيته لا يستطيع الحاكم أن يقبض عليه ، وذلك لأن المتهم الذى يدخل التكية لو ثبت فى حقه أنه مذنب فإنه يتوب بمجرد دخوله التكية ، كما أن الدائن إذا دخل التكية يؤدى ما عليه ، إنه سلطان عظيم قدّس سره العزيز ، ويقوم كل

الزوار بزيارة تكية الشيخ داود العرب ثم يركبون السفن مرة أخرى ويبحرون مقدار ثلاثين ميلا حتى يصلوا إلى قرية مبهوم وقرية شبراتين وهما قريتان عامرتان بهما ثلاثمائة منزل وبساتين نخيل وجامع ، تقع هاتان القريتان فى أراضى الغربية ، ويمر الزوار من عليهما ويبحرون مقدار عشرة أميال.
أوصاف قصبة زفتى وتعنى فى اللغة العربية ( ) (1) وترسو كل السفن على جانب النيل المبارك فى الجهة الشمالية لهذه المدينة ويخرج منها كل الزوار وينصبون آلاف الخيام على ضفاف النيل حيث يبيتون بها يومين ويأتى الجمالون والبغّالون وأصحاب الحمير من كل القرى لتأجير الدواب لتحميل أمتعة وأغراض الزوار ، والمسافة بين زفتى والسيد أحمد البدوى خمس ساعات تقريبا.
أوصاف مدينة زفتى
مدينة زفتى عبارة عن قضاء شريف يحصل مائة وخمسين أقچة ، تقع على ضفاف النيل تحت حكم حاكم الغربية ويتبعها سبعون قرية عامرة ، يحصل لقاضيها سبعة أكياس من الأموال المصرية ، وكل قرى زفتى إلتزام لعباس أغا الذى كان أغا للبنات قبل ذلك ، ومدينة زفتى مدينة عامرة ، بها خمسمائة منزل للفلاحين كما يوجد بها بساتين للنخيل وغلالها مشهورة وقمحها جيد وبها ثلاثة جوامع ؛ الأول منها الجامع الكبير عند الميناء ويبلغ طوله مائة خطوة وعرضه مائة خطوة أيضا ، له مئذنة ذات ثلاثة طوابق وثلاثة أبواب ، وبفنائه شجرة سدر ، ويوجد جامع آخر بالقرب من الميناء وهو جامع صغير له مئذنة واحدة ذات طابق واحد ، ويوجد جامع ثالث صغير بنائه حديث ، وبخلاف تلك الجوامع توجد سبعة زوايا بالمدينة ولا يوجد بالمدينة مدرسة أو حمام ، وبها خمسة وعشرين حانوتا وستة مقاه وبها الجاموس والأبقار البلدية ، ولعدم وجود حمام بالمدينة يذهب الأهالى إلى حمام عباس أغا بواسطة القوارب ، وفى الناحية المقابلة لزفتى
__________________
(1) بياض فى الأصل.

فى أراضى المنصورة تقع مدينة ميت غمر ، وتعنى فى اللغة العربية ( ) (1) وهى قضاء مائة وخمسين أقچة تقع تحت حكم حاكم المنصورة يتبعها ( ) (2) قرية ، يحصل منها سنويا ستة أكياس والتزام هذه المدينة للأمير أبو السيف أحمد بك وهو من أمراء مصر ، وتشتهر ميت غمر بسكرها ويكثر بها الرّمان والتمر ، وبساتينها ونخيلها ممدوحان ، والمدينة تقع فى صحراء واسعة على ساحل النيل بها أربعة آلاف منزل معظمها مغطى بالطوب الجيرى ، وتشتهر المدينة بأعيانها وعلمائها وأشرافها ، فقد اشتهر العلماء الغمراويون فى كل أقاليم مصر ، فيها المئات من المصنفين والعلماء والمؤلفين وبالمدينة تسع نواح تتبعها ، وبها خمسة وأربعون محرابا منها تسعة جوامع جامعة فقط ، أما الباقين فهى مساجد صغيرة ، وهى على التفصيل ؛ الجامع الكبير ويقع فى السوق وهو من بناء حماد بن بقر ويتسع لجماعة كبيرة ، يبلغ طوله مائة خطوة وعرضه ثمانين قدما ، وبه مئذنة رشيقة ذات ثلاث شرفات عند باب الجامع ، يبلغ طول تلك المئذنة مائتين وخمسين قدما تقريبا وفى أعلاها مكان للراية كما تعلوها قبة صغيرة تشبه الكوب ، يعلو ذلك كله راية خضراء وحاصل القول أنها مئذنة غاية فى براعة البناء لا يمكن التعبير عنها ، ومحراب المسجد ومنبره على الطراز القديم ، وحول فناء المسجد وبداخله ستة وثلاثين عامودا من المرمر الملون ، وللجامع ثلاثة أبواب لكل منها سلم يبلغ خمسة أقدام لأسفل ينزل من خلالها إلى المسجد ، ودائما ما يكثر العلماء فى هذا المسجد يدرسون ويتباحثون فى المسائل العلمية ، كما يتواجد به أشخاص من أتقياء الأمة ، أما الجامع الموجود عند رأس الميناء فهو جامع جديد ويتسع لأناس كثيرون ، وبالقرب من المحكمة الجامع المعلق ، وقد أسموه المعلق لأنه يصعد إليه بسلم حجرى يبلغ ارتفاعه ثلاثة عشر قدما ويدنو من الجامع حوانيت وميضئة للوضوء وحوض شافعى ، إنه جامع غاية فى الجمال ، وجامع آخر لم نعلم اسمه ، أما المحاريب الباقية فهى مساجد صغيرة لا تعد جوامع ، وبالمدينة سبعة مدارس ، واثنا عشر مكتبا للصبيان ، وأسبلة فى سبعة أماكن بالمدينة وسبع وكالات تجارية وستمائة حانوت ، ولا يوجد بها سوق مبنى بالطوب ، إلا أن تلك الحوانيت المذكورة بها كل شىء ، وتنتشر المقاهى بها
__________________
(1 ، 2) بياض فى الأصل.

على ضفاف النيل ، وكان القرآن يتلى فى كل دكاكين الحرفيين ، فيوجد هناك حملة القرآن ، وبها أيضا ما يزيد على ثلاثة آلاف مفسر ومحدث إنها مقر العلماء التى تلى الأزهر الشريف إنها ميت غمر ، وبها رجال عظام يقولون عليهم علماء الغمراوى ، والحمد لله أن ذهبنا إلى هذا العالم وهو يشرح تفسير ابن جرير ودعا لنا بالخير. ويشتهر أهالى ميت غمر بالذكاء ، وهى بلد هواءه لطيف وماءه عذب ، وعشاقها مشهورون فى الآفاق ، حتى أنه فى بعض البلدان عندما يريد أحدهم مدح محبوبته يصف عينها بأنها عين حوران وعين الغمراوى ، والعجب أن أهل مصر لا يضعون كحلا فى أعينهم لذا تجد أعينهم جميعا مشوشة ، أما عين الغمراوى فهى ممدوحة بين الناس ، وخلاصة القول إنها مدينة كثيرة الغلال.
فى بيان الأضرحة الموجودة بميت غمر
ضريح الشيخ عبد الله وهو مدفون فى قبة عالية فى المكان المقابل للمحكمة ، ووسط بساتين النخيل الواقعة فى الجانب الشرقى خارج المدينة توجد أضرحة كلّ من الشيخ محمد المنصورى والشيخ عز الدين الواعظ والشيخ شجاع الدين الشنلوانى والشيخ سيد خلف والشيخ سيد محمد القصرى والشيخ يونس الأحمدى والشيخ محيى الدين والشيخ إسماعيل والسادات الأربعين والشيخ محمد الهندى والشيخ أحمد الزنفلى ـ رحمة الله عليهم أجمعين ـ.
كما دخلنا حمام المدينة ويعدّ حمام ميت غمر من الحمامات السبعة المشهورة فى مصر ، بناءه ومياهه وهواه فى غاية اللطف ، أدينا صلاة الجمعة فى الجامع الكبير ، وكان لنا نصيب من دعوات أهل الحال ، وركبنا المراكب مرة أخرى ومررنا بقصبة زفتى من الناحية المواجهة لميت غمر ، وتوجهنا صوب ناحية الغرب مع مجموعة من الخيالة العرب وخمسة من الجنود ومررنا بعشرين قرية عامرة بحدائق النخيل والبساتين ودخلنا قرية شرسنة ومكثنا هناك فترة حيث تناولنا الطعام ، إنها قرية عامرة بها مائتى منزل معظم أهلها من السادات الكرام ، أجدادهم حضرة الشيخ أبو العز والشيخ على المدنى والشيخ

رمضان الواحدى وكلهم راقدون فى أضرحتهم إلى يوم الدين ، تقع هذه القرية فى أراضى منوف ، بها جامع وتكية ودار للضيافة كثيرة الخيرات وهى التزام ليوسف أغا أغا الانكشارية من أغوات الكتخدا إبراهيم باشا. ويحصل منها سنويا ستة أكياس.
وفى الساعة الثالثة وصلنا مدينة العرش القديم المدينة العظيمة منوف ، وكلمة منوف كلمة قبطية تعنى العدد ثلاثين ، فقد بنيت عدة قرى بعد طوفان نوح منها قرية الجودى الواقعة تحت سفح جبل الغورى بالقرب من الموصل ، كما تم بناء مدينت بلبيس والعريش ومن بعدهم مدينة منوف فى أرض ساحان ، وتقع المدينة فى صحراء تبعد ساعتين عن شرق النيل وساعتين عن غربه ، ويقول المفسرون أن منوف مدينة القدماء ، وهى المدينة المقصودة فى الآية الكريمة : (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها) [القصص : 15] ويذكر المؤرخ المقريزى فى خططه ما نقله عن تواريخ القبط والتواريخ التى كانت موجودة أيام الخليفة المأمون وهى التواريخ الخاصة بإدريس عليه‌السلام ووجدها المأمون فى جبل الأهرام ، أن فرعون موسى خرج من ديار الموصل فى أرض بابل وسكن فى مدينة منوف وترعرع بها ، ثم أصبح حاجبا على مصر ثم حاكما عليها ، واتخذ منها عاصمة له ، وعمّرها أكثر مما كانت عليه.
وبداية عمران هذه المدينة كانت فى عهد بيظر بن حام بن نوح ، فقد استأذن بيظر من جده نوح ـ عليه‌السلام ـ بعد الطوفان وجاء إلى جبال الأهرام المواجهة لمصر القديمة ، وكان معه حماه الحكيم قليمون ، فلم يجد بيظر وقليمون أى أثر للأبنية التى كانت عامرة قبل الطوفان إلا جبال الأهرام ، وقد رأى بيظر وقليمون أن هذا المكان لا يصلح أن يكون سكنا لهما ، وسارا حتى بلغا الموضع الذى به منوف الآن ، وبدأ فى بناء المدينة ، وبيظر بن حام بن نوح هو النبى الذى وطأت قدمه مصر بعد الطوفان ، وكان معه تسعة وعشرين شخصا أى أنهم كانوا ثلاثين شخصا وهذا سبب تسمية المدينة منوف ، ومن يقول أن أصل كلمة منوف من ماف فهو غلط ، وعمّر بيظر بعد ذلك مائة عام ، وقد أنشأ بمدينة منوف الآثار الكثيرة ويعد بيظر بن حام هو أول حاكم على مصر فى التاريخ ، وأول بناء له هو مدينة منوف هذه ، واستخرج الكنوز الكثيرة من باطن الأرض

بناء على تعاليم حماه الكاهن قليمون ، وبنى سبعمائة مدينة محصنة بالأسوار ، وبيظر هو أول من شق الخلجان والأذرع من نهر النيل على أرض مصر بحساب الهندسة ، وقد توفى بيظر والحكيم قليمون بعد السنة السادسة بعد ثمانمائة وألف بعد الطوفان ودفنا فى الهرم الواقع فى الجهة الغربية لهضبة الأهرام ، وهما أيضا أول من دفنا فى مصر بعد الطوفان ، وأصبح ابنه مصرايم حاكما مكان أبيه وهو الذى قام ببناء مصر القديمة لذا سموها مصر على اسمه ، واتخذ مصرايم مدينة منوف عاصمة له مثل والده وعمرها أكثر مما كانت.
بعد ذلك تولى عرش مصر دلوكه بنت زيباك ، وكانت منوف فى عهدها عامرة للغاية حيث بنت قلعة لم يبنى مثلها فى ذلك الوقت ، كان لهذه القلعة سبعون بابا ، وقد صفّحت كل الآثار بالرصاص والحديد والنحاس ، وأصبحت دلوكه هذه ملكة على مصر بعد أن ظلت زوجة لفرعون عشرين عاما ، واتخذت من مدينة منوف عاصمة لها ، وقد تزينت المدينة فى عهدها إلى أقصى درجة حتى أن كل الأسطح والأسقف كانت مغطاة بالفضة الخالصة ، وكل زجاجها من النجف والزجاج والبللور ، وبعد استشهاد يحيى ـ عليه‌السلام ـ أى قبل ميلاد الإسكندر بمائة وعشرين عاما خرج بخت النصر (1) من مدينة الموصل ، وضرب مدن الشام والقدس ومصر ومدينة منوف عاصمة مصر وحوّلها إلى تراب ، وأحرق بنى إسرائيل وبذلك انتقم بخت النصر لدم يحيى ـ عليه‌السلام ـ نظم :
خرّب بخت النصر مصر
    فلم يبق بها إيوان أو قصر
  وبأرض جزيرة الغربية كشوفية أخرى هى كشوفية منوف ، التزامها مائة وسبعون كيسا ، كان حاكمها ميرزا الكاشف يشتهر بالشجاعة والصلاح حيث كان حاكما على منوف وخمسمائة ناحية تابعة بها ، وتحت إمرته ألف جندى من جنود الفرقة السابعة من جند مصر ، كانوا يحصّلون الأموال الأميرية له ويقدمون كل عام مائة كيس من العملات المصرية ، وهى أعلى حكومة ، كما يتحصل لكل الملتزمين مائة حمل من العملات
__________________
(1) هو بختنصر ، والخبر فى المعارف لابن قتيبة 46 ـ 47 وغيره.

العثمانية ، ويتحصل لكل مشايخ الفلاحين وأصحاب البلاد ألف حمل من المال ، وهذا مدون فى سجلات الأحوال اليومية.
ومنوف قضاء شريف به ثلاثمائة وعشرين قرية عامرة ، يحصّل من كل قرية منها للقاضى عشرة أكياس سنويا ، ويبقى للملتزم طرقجى زاده سبعة أكياس من كل قرية ، ولأن منوف كانت مدينة العرش الفرعونى فإن فلاحيها كانوا عصاة وملاعين وبلا حياء ودائما ما يجمعون بعضهم لمحاربة الكاشف وقد هزمهم الكاشف وقتل بعضهم وحبس البعض الآخر.
عجيبة وغريبة
لقد ذكرنا أن أهالى منوف قوما معاندين ملاعين ، ولو أصدر الكاشف حكمه بقتل أحد أشخاصها يتجمع أهالى هذا الشخص المحكوم عليه بالقتل ويذهبون للكاشف ويلتمسون منه الرجاء بعدم قتل هذا المجرم وإنهم سوف يدفعون الدية ، وقد عرف عنهم أنهم منهم اللص والنشال وقاطع الطريق وصاحب اللموم أى الذى يشعل الفتنة بين الجند ، وهؤلاء جميعا ينبغى قتالهم.
وبمدينة منوف جند تحت إمرة الكاشف وأسماءهم تختلف عن أسماء الروم فمنهم الأمير أوزبك والأمير تيمور طاش وتمرس وقنصوه وغورى ولاجين وقرصفاى وبولاد وكرتباى وشاهين وسيتال وجابة بذرى وجابة الدى وجابة وردى وأسد وسيفى وجانبولاط ، ويسير هؤلاء الجنود دائما وفى خصورهم السلاح ، كما أن لهم منازل عامرة ولم يتبقى بالمدينة من آثار الأوائل إلا سبعة عشر محلة وأربعين جامعا.
من تلك الجوامع الجامع الكبير وهو جامع فسيح به أربعون عامودا تحمل السقف ، وله مئذنة ، وثلاثة أبواب ، وبفنائه شجرتى نخيل ارتفاعهما كبير وحجمهما كبير أيضا ، ولا يوجد مثلهما فى إيالة مصر كلها ، وقد قيل أن هاتين النخلتين مزروعتان من أيام الملكة دلوكه وأنها كانت تعقد الديوان عندهما.
وبالسوق جامع الصوين وبه ثمانية عشر عامودا تحمل السقف المزين بالنقوش ، وأسفل الجامع حوانيت ، ولوجود الجامع فى السوق فإن جماعته كثيرة ، وللجامع مئذنة

بديعة البناء. ثم جامع الشيخ موسى وهو جامع لطيف ، وبخلاف تلك الجوامع توجد المساجد الصغيرة ، كما يوجد بالمدينة أربعين مكتب للصبيان وثلاثة مدارس وسبعة وكالات وأربعمائة حانوت وبالرغم من عدم وجود سوق للقماش إلا أن كل وكالة من الوكالات السبع المذكورة بها حانوت لبيع الأقمشة ، كما يوجد حمامان قديمان أحدهما من أيام فرعون ، والحقيقة لا يوجد بناء يشبهه منذ خمسمائة أو ستمائة سنة ، وبالمدينة أربعون سبيل مياه ، وعند رأس الزاوية فى مواجهة جامع الصوين داخل السوق يوجد سبيل مياه ، ماءه هو ماء الحياة ، وبالرغم من أنى شاهدت كل هذا العمران بمدينة منوف ، إلا أن أطلالها وأخنانها القديمة كثيرة ، وهذا دليل على قدم المدينة ، فالأخنان الموجودة فى الجهات الأربعة من المدينة لا توجد فى أى مكان آخر فى مصر سوى فى هذا المكان ، حتى أن قصر فرعون غاص فى الرمال ، ويقوم الأهالى بإلقاء القاذورات فى مكانه ، وتراكمت تلك القاذورات فوق بعضها البعض حتى صارت كالجبل ، وعندما يفيض النيل تأتى المراكب لمدينة منوف ويشترون البضائع والأمتعة.
يتميز طقس المدينة بأنه طقس لطيف ، رغم أنها كانت مدينة الفراعنة ، إلا أنه يوجد بها أشخاص من صلحاء الأمة.
مزار منوف
لأن مدينة منوف مدينة مذمومة ، لم يستوطنها أحد من كبار الأولياء ، إلا بعض المشايخ وذلك للنص القرآنى : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر : 16] ، وهم : مقام الأربعين ، ومقام الشيخ ليمان البجوى ، ومقام الشيخ دالكون ، وهو قبة صغيرة بالسوق ، وهو سلطان عظيم ، يقام له مولد كل عام ويقال إن كل أرواح الأولياء تأتى يوم مولد هذا الشيخ للزيارة ، بل إن الأهالى شهدوا على أن يوم مولد هذا الشيخ يجدون دخانا أخضر ينبعث من الضريح وينتشر فى كل طرقات المدينة وتنتشر الرائحة الطيبة فى كل الطرقات ، ويقال إنهم لم يشاهدوا شخصا رأى العين بل يسمعون صوت طرق نعال داخل الدخان ، رحمة الله عليه ، وقد قام الحقير بزيارته فأحسن عليه الكاشف بجواد كحيلانى.

وخرجنا من منوف مع عشرين خيالا من العزب وسرنا فى اتجاه الشمال خمس ساعات حتى وصلنا بلدة طوخ النصارى وكل سكانها من القبط ، وقد كانت مدينة عظيمة قديما ولا تزال آثارها ظاهرة للعيان ، ولم يتبقى من منازلها إلا ثمانمائة منزل فقط وثلاث أديرة ، ولهذه البلدة مكانة عند كل القبط ، فهى مسقط رأس الملك القبطى الملك طوطيس وهو مدفون فى أحد الأديرة هناك ، وهذا الملك طوطيس هو الذى أهدى سيدنا إبراهيم أمنا هاجر والدة سيدنا إسماعيل ، وقد ولد فى تلك المدينة الملك المقوقس الذى كان يحكم مصر أيام فتح عمرو بن العاص ، ولهذا فإن كل القبط يعظمونها ، ويزورونها مرة كل عام ، والملك المقوقس هو الذى أرسل مع ذى النون المصرى البغلة والسيف وفتاتين من القبط إلى سيدنا محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أهدى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم فتاة منهما إلى حسان بن ثابت وأنجب منها حسان ابنه عبد الرحمن ، أما الثانية وهى مارية فقد أخذها النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم لنفسه وأنجبت له ابنه إبراهيم ، وأهدى السيف والبغلة إلى على بن أبى طالب وهذا السيف هو ذو الفقار ، وقد نظم العجم فى هذا السيف :
لا فتى إلا علىّ ، ولا سيف إلا ذو الفقار
أما البغلة فهى دلدل. وبقرية طوخ النصارى مكان منخفض به آثار حوافرها ، لأنها مشت فيه ، لذا فإن كل القبط يأتون لزيارة هذه القرية ، ملتزمها هو على افندى الروزنامجى فى إستانبول ويحصل سنويا سبعة أكياس ، وقد سرنا فى تلك القرية ، ثم هرولنا فى المسير حتى نتمكن من الوصول إلى مولد أحمد البدوى قبل المولد بيوم ، واجتزنا القرى العامرة فى خمس ساعات.
أوصاف قصبة طنطا
مرقد أبو اليتامى السلطان العلوى
وقطب الأقطاب السيد أحمد البدوى قدّس سره
مدينة طنطا مدينة مباركة مدفون بها السيد أحمد البدوى ، تقع فى مكان مرتفع بالصحراء فى أراضى الغربية ، ملتزموها ثلاثة وهم مكلفون بجمع المحاصيل ، ويحصّلون منها سنويا عشرة أكياس ويقدمونها للجانب الميرى ، وتعد المدينة بمثابة مركز

كاشف الغربية وهى مدينة آهلة بها ألف وخمسمائة منزل بدون حدائق أو بساتين ، ويتبعها ستة محلات وبها ثمانية جوامع هى جامع السلطان قايتباى وهو جامع عظيم مثل القلعة من جوامع السلاطين السابقة ، وبه ضريح السيد أحمد البدوى ، لذا يعج الجامع بالناس ليل نهار ، يبلغ طول فنائه مائة وعشرون خطوة وعرضه مائة خطوة ، والمحراب والمنبر على الطراز القديم ، وبالجامع وفنائه ستون عامودا من المرمر أربعة وعشرون منها داخل الجامع والباقون فى الفناء ، على تلك الأعمدة قبوات عظيمة يعلوها السقف المزين بالنقوش والسطح مغطى بالجير وللجامع مئذنتين الأولى فى الناحية اليمنى وبها ثلاث شرفات ، ويبلغ ارتفاعها مائتى قدم ، وبهذا تكون تلك المئذنة أعلى من مئذنة جامع السلطان حسن فى القاهرة إنها مئذنة بديعة الصنع.
ويقع ضريح البدوى على مقربة من تلك المئذنة ، أما المئذنة الواقعة فى الناحية اليسرى فهى مئذنة قديمة مثل البرج بها شرفتين ترتفع لخمسين قدما ، بين كل قدم وآخر مقدار ذراع وهى منخفضة عن الأخرى ، ولا توجد رايات فوق تلك المآذن ، ولكن تعلوهما قبتين صغيرتين مثل القلنسوة البكتاشية.
أسفل هذه المئذنة المنخفضة صهريج كبير لسبيل مياه ، يملأ هذا الصهريج خمسة عشر راوية (قربة) ، ويكفى ماؤه كل الزوار ، وبالقرب منه صنابير مياه مظللة بقبة مثل قبة القصر ، مغطاة بالكلس ، إنه خيرات عظيمة ، وعلى مقربة منه حوض مياه يطلق عليه حوض الشافعى وهو حوض عظيم مثل البركة ، تحيط به المراحيض من جوانبه الأربعة ، أما أعلى الحوض فتوجد غرف للطلاب والمريدين ولهذا الجامع أربعة أبواب اثنان منها جانبيان الأول للميضأة والثانى باب صغير عند حائط القبلة والباب الثالث باب القبلة وهو الباب الرئيسى وتعلوه لوحة مرمرية بيضاء كتب عليها (جدد هذا الباب المعظم الإمام المعظم مالك المماليك السلطان أبو النصر قنصوه الغورى خلد الله خلافته فى تاريخ ذى الحجة الحرام من إحدى وعشرين وسبعمائة) ولكن الجامع من بناء السلطان قايتباى ، وقد اطلع الحقير ذات مرة على أوقاف الجامع ، ولكل باب من الأبواب الثلاثة للمسجد سلم حجرى يرتفع ثلاثة أقدام.

أوصاف ضريح أحمد البدوى
يتصل ضريح البدوى بالباب الأيمن للجامع ، وتوجد قبة عظيمة مطلية بالكلس الأبيض الذى يشبه اللؤلؤة ذات أعلام خضراء بين القباب الجانبية الواقعة فى الناحية اليمنى للجامع إنها قبة تكية القطب الربانى أحمد البدوى ، بوسط هذه التكية ضريح البدوى وهو عبارة عن صندوق من خشب السرو مغطى بقماش من أستار الكعبة المرصعة بالنجوم المذهبة داخل سياج خشبى على شكل مصبعات ، وعلى كل زاوية من زوايا الصندوق كرة من الفضة الخالصة ، وفى وسطه عمامة خضراء أرسلها والى مصر أبو الخير الكتخدا إبراهيم باشا لتكون علامة على موضع رأسه المباركة.
وذهب الموكب الذى يضم مشايخ الطرق وخلفاء البدوى وعشرين ألف مريد على دق الطبول والتوحيد لإيصال القماش الشريف للضريح ، وقام خليفة البدوى بلف القماش على هيئة العمامة عند رأس البدوى وسط التكبير ، كما قاموا بلف الضريح بالقماش المنقوش والمشغول بالذهب والفضة ، والأقمشة المزينة المطرزة بالذهب والفضة فى ضريح البدوى كثيرة ، ولا يستطيع أى شخص من الخدم أو غيرهم أن يمد يده ليأخذ واحدة منها ، وقد عمد الكثيرون إلى هذا ولكن أيديهم شلّت عن الحركة ووضعت الهدايا التى جلبها الوالى وفرشت السجادة وأشعل بخور العنبر فامتلأت القبة بالرائحة الطيبة ، وعلى شبكة الضريح توجد معلقات كثيرة قيمة كل واحدة منها تساوى خراج الروم ، كما توجد تحف وأشياء ثمينة حول الضريح من جهاته الأربعة مثل الشمعدانات الفضية والذهبية التى يبلغ طول الواحد منها مثل طول الرجل ، وشمعدانات نحاسية وأوانى فضية وذهبية ومباخر فضية وذهبية وأكواب فضية ، والضريح من الداخل مزين بالخطوط الجميلة وهى من خطوط ياقوت المستعصمى والشيخ قره حصارى ، وبالجوانب الأربعة توجد مئات الشموع الكبيرة ، التى تزن الواحدة منها ثلاثة أو أربع قناطير ، وكلها من هدايا ملوك الكفار وذلك لأنهم يعتقدون فى البدوى أيضا ، ويفرج عن الأسر من الزنزانات وتقطع سلاسلهم ويمنحون الحرية ، ويرسل سلاطين البلدان الإسلامية فى الأقاليم السبعة الهدايا والتحف إلى البدوى تبركا ، منها الجواهر والقناديل المرصعة والأكواب والأباريق الفضية ، وكل هذه التحف

والأشياء الثمينة معلقة على زوايا الضريح ، وبخلاف هذه الأشياء توجد أيضا آلاف من الأشياء الملونة المعلقة على الحوائط التى زينت بالخطوط الجميلة لكبار الخطاطين ، حتى أن الحقير كتب آية : (وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ) [هود : 88] على لوحة خشبية بالخط الجلى ووضعتها بجوار المحراب.
وفى الناحية الموجود بها رأس البدوى يوجد حجر أسود عليه آثار قدم النبىصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، لا يقع بصندوق الضريح بل خارجه ، ويقوم الزوار بمسح وجوههم فيه ، ويقولون الشفاعة يا رسول الله ، وبالجوانب الأربعة للضريح نوافذ ذات سياج نحاسى تطل على الطريق العام ، والمحراب صغير ، بناءه غاية فى الجمال ، مرصع بالأحجار الكريمة التى تشبه الصدف ، وزينت القبة بالزجاج ، وبالتكية دواليب محفوظ بها كتاب الله والأوانى مرصعة بالجواهر ، وسجلات للأوقاف ، ويطل باب التكية على فناء الجامع إلى ناحية الشرق وضلفتى الباب مزينتان بالحلقات والنقوش الفضية ، وكلها من آثار أصحاب الخير وإطار الباب من على الجوانب الأربعة مزين بقطع القيشانى المنقوش ، وعلى الإطار العلوى له لوحة مرمرية دائرية مذهبة منقوش عليها بالخط الجلى :
(أمر بإنشاء هذا المقام المبارك مولانا السلطان قايتباى عز نصره).
ومن يصلّ ركعتين فى محراب هذا الضريح يحفظ من كل بلاء الدهر ، ولا يستطيع أى خصيم أن يخاصمه أو يعاديه ، ولا يرى الفقر وإذا ما التجأ صاحب دين أو لص أو صاحب دم بهذا الضريح فإن الحاكم لا يستطيع أن يتعرض له طالما أنه بداخل الضريح أما إذا بقى هذا الشخص بالداخل أربعين يوم وليلة بلا طعام أو شراب فإنه سيموت بالطبع ، وإذا كان الملتجئ إلى الضريح يلوذ به وهو مظلوم فإنه سيجد الخلاص بإذن الله ، حتى أنه قد تداين أحد الكاشفين من المال الميرى ، وفر هذا الكاشف من جراء هذا الدين والتجأ إلى تكية السيد البدوى واعتكف بها ، وقد أرسل الباشا أحد الأغوات مرتين للقبض عليه ولكنهم لم يستطيعوا ، وفى أحد الأيام أرسل الباشا أحد الأغوات المتفرقة ويدعى على أغا وكان رجلا متجبرا ، فأتى على أغا إلى ضريح البدوى وشتم الشيخ سلامة والشيخ أحمد وأخرج الفرمان وضرب به وجوههم وقال : لتخرجا الكاشف من

الضريح وإلا سوف أقبض عليكما وأرسلكما للباشا ، فرد المشايخ : نحن؟ حاشا لله لن نستطيع إخراجه ، ها هى المفاتيح أمامك خذها وافتح الباب واقبض عليه إن استطعت ، فقال على أغا : أنتما اللذان ستفتحان الباب وتسلمانى الكاشف وإلا سأقوم بكسر الباب وإخراجه ، وقد نصح الحقير على أغا بعدم كسر الباب قائلا له : خذ المفاتيح وأخرج أنت الكاشف ، وبعد ساعة كاملة من العناء لم يستطع على أغا أن يفتح الباب ، فغضب وأمر خدامه بأن يخلعوا الباب وأخرجوا الكاشف من الداخل ، فقال كل من فى المجلس حسبى الله وتحيروا لهذا الصنيع ، حتى أنا تحيرت جدا ، أما الشيخ سلامة فقال : اصبروا قليلا وذهب إلى بيته ، وركب الأغا المذكور وخدامه الخيول وذهبوا وعندما خرجوا من المدينة وهم بقرية طوخ النصارى أخذ على أغا يتأوه من شدة الألم ومات وذهب به خدامه إلى مدينة طنطا وهو ميت ودفن هناك ، وقد أخبر الحقير الباشا بهذه الحادثة فعفى الباشا عن الكاشف ، وتصدق بعشرة آلاف قطعة من المال على المريدين الموجودين بالتكية.
وتوجد حجرة خارج الناحية اليسرى للتكية ، بها صندوق خشبى محفوظ به خرقة البدوى وعمامته الخضراء يحفظها بعض المريدين ، ويقام لهذه الحجرة احتفال مرة فى العام ، تكون يوم الجمعة الأخير المتمم لمولد البدوى ، حيث يقوم الشيخ عبد العال وهو ابن الشيخ البدوى بارتداء الخرقة والعمامة فى حضور المشايخ وآلاف المريدين وتدق الطبول والنفير والدفوف والنقارات ويخرج موكب عظيم به مئات الآلاف من الرايات ويكون كل جنود كاشف الغربية وكاشف المنوفية فى هذا الموكب ويدخل الشيخ عبد العال مدينة طنطا مع الموكب ممتطيا جواده ويتجول بالمدينة ، ثم يصلى الجمعة فى جامع الشيخ المدبولى بالمدينة ثم يذهب الشيخ مع الموكب إلى التكية حيث يحفظ الخرقة والعمامة ف الغرفة ثم يتفرق كل الزوار حيث يذهب كلّ إلى بلده.
أوصاف الخرقة الشريفة والشال
الخرقة من القماش الأحمر ولكنها ممزقة إلى قطع صغيرة ، أما الدستار فهو شال من صوف الإبل وقد تمزق بمرور الزمن وتم ترقيعه حتى لا يبلى ، ولا يستطيع أى أحد أن

يرتديه سوى أبناء المشايخ ، والخرقة تفوح منها رائحة للعنبر الخام ، توضع الخرقة بعد نهاية المولد فى مكانها وسط تكبير العاشقين المشتاقين ثم يذهبون.
عاش السيد أحمد البدوى فى عهد ( ) (1) مدة عمره ( ) (2) سنة ووفاته سنة ( ) (3) قدّس سره العزيز ، والحمد لله أنه قد تسنى للحقير زيارته وصلى عنده الصلوات الخمسة وقد ختم الحقير القرآن ثلاث مرات فى خمسة عشر يوما بلياليها ووهب ثوابها للبدوى والحمد لله على ذلك.
أوصاف ضريح الشيخ عبد العال
يقع ضريح الشيخ عبد العال بجانب باب القبلة الرئيسى للجامع بمحاذاة ضريح السيد البدوى ، ولا يوجد أحد بالضريح غيره ، ويرقد الشيخ عبد العال تحت صندوق من خشب السرو مغطى بالمخمل الأحمر ، وعلى الصندوق سياج خشبى مصبع الشكل ، والضريح من الداخل غير مزين بدرجة كبيرة.
ظل الشيخ عبد العال خليفة للبدوى أربعين سنة فى حياته وأربعين سنة بعد مماته ، وكان صاحب سجادة ، وله ما يقرب من مائة وسبعين ألف مريد ، عاش مائة وعشرين سنة ، وهو الذى عمّر مدينة طنطا ، حيث كانت له قوة خارقة ، قدّس سره العزيز ، وهو من مريدى الشيخ أحمد البدوى ولم يكن له نصيب من العلم الظاهر بل كان له نصيب من علوم الباطن وارتحل عن الدنيا إلى الآخرة مجردا نظيفا ، وكان فى حياته بمثابة ابن البدوى ، حيث فوض له البدوى كل الأمور ، وأبناءه هم أصحاب السجادة الآن وكل الأوقاف تحت حكمهم ، إلا أن نظارتها منذ عهد السلطان قايتباى فى عهدة ولاة مصر وعند ما يحل واليا جديدا يقوم باستدعاء هؤلاء المشايخ ويحاسبهم عن تلك الأوقاف ، حقا إنها أوقاف عظيمة بها أموال كثيرة حيث تأتيها النذور والصدقات من كل خلفاء ديار المسلمين وغير المسلمين ، ويطل باب ضريح الشيخ عبد العال على فناء الجامع أو على قبلته ، على عتبته العليا لوحة مربعة كتب عليها بالخط الأبيض آية : (نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) [الصف : 13] وبجوار الضريح مرقد خمسة من أبناء الشيخ عبد العال لم نعلم أسماءهم ، قدّس سره العزيز.
__________________
(1 ، 3) بياض فى الأصل.

فى بيان أولياء الله المدفونين بمدينة طنطا
وهم على طريقة البدوى
أولا : بيان الموجودين خارج المدينة :
الشيخ نور الدين والشيخ عبد المجيد شمس الدين والشيخ حسن والشيخ عبد الكريم.
ثانيا : بيان الموجودين داخل المدينة :
الشيخ سالم والشيخ عبد العزيز والشيخ سعد والشيخ السيد على البربرى والشيخ ركيل والشيخ السيد عبد الحق والشيخ السيد ذو النون والشيخ السيد عبد الله.
وبخلاف هؤلاء توجد العديد من الأضرحة التى قمنا بزيارتها ولكنها لمشايخ غير معروفين ، ولكل شيخ منهم ضريح ، رحمة الله عليهم أجمعين.
وبمدينة طنطا أيضا جامع الشيخ إبراهيم المدبولى ، وقد كان هذا الجامع قديما الجامع القديم بالمدينة ، وقد تعبد فيه البدوى فترة طويلة ومقامه به الآن متهدم ، وأحمد الله أننى قد أبلغت جانبولاط حسين باشا بذلك ، فصرح لى بأن أقوم بمراجعة أوقاف هذا المحل ، وقد تم ترميم الجامع من المال الفائض من أموال الأوقاف ، وارتدى خليفة البدوى الخرقة الشريفة والشال الخاص بالبدوى وأدى صلاة الجمعة الأخيرة فى مقام البدوى الموجود به ، إنه جامع قديم تتوسط فنائه شجرة سدر كبيرة ، وقد بنى هذا الجامع على أربعين عامودا ولا توجد به زينات كثيرة ، ومحرابه ومنبره على الطراز القديم ، وللجامع بابان جانبيان ، وباب لمقام البدوى ومئذنة منخفضة ، وتنتهى الزيارات فى هذا المكان ، وبذلك نكون قد انتهينا من أوصاف الجامعين أيضا.
وبخلاف ذلك يوجد ضريح بين تلك الأضرحة وبه حكمة عجيبة ، حيث تمتلئ أرضيته بالرمال ، وفى أيام مولد البدوى تتحرك تلك الرمال ويخرج منها عظام بشرية ، ويأتى آلاف الأهالى لرؤيتها حتى أن بعض الرجال يأخذون من تلك العظام ، بعد ذلك تهب رياح قوية تتحرك على أثرها الرمال مرة أخرى فتختفى العظام تحتها ، ويقول البعض إن هذه العظام هى عظام مريدى أحمد البدوى ، ويقولون إنها تخرج أيام المولد

وتتحرك والبعض الآخر يقول إن تلك العظام هى عظام الأشخاص الذين كانوا منكرين للبدوى ومنكرين لكرامته ومنكرين للذكر والتوحيد بالدف والطبل ، فدعا علهم البدوى قائلا بأن لا يرقد لهم جسد فى التراب وبالتالى تلفظهم الأرض فى كل عام ، والله أعلم ، وقد شاهد الحقير بنفسه هذه العظام فى أيام المولد.
وبميدان الملعب زاوية كبيرة مثل الجامع لا توجد لها مئذنة ولكنها زاوية عامرة للغاية ، ولا يوجد بالمدينة مسجد يضاهيها ، والزاوية من خيرات المرحوم على بك الجرجاوى حتى أنها تعرف باسم مصطبة على بك ، وأمام محراب الزاوية يوجد بركس عظيم قطره دائر ما دار ثلاثمائة خطوة به أحواض لسقى الحيوانات ، يشرب منها معظم الحيوانات كما يشرب منها كل الزوار ويجددون منها وضوءهم إنها خيرات عظيمة ، وبذلك يكون بالمدينة أربعين محرابا بهذه الزاوية ، منها اثنان فقط جوامع جامعة تقام بهما خطبة الجمعة ، وقد ذكرناها آنفا ، وما عدا هذين الجامعين زوايا ، وبمدينة طنطا حمام صغير ومدرستين إحداهما مدرسة السيد البدوى وبها طلاب كثيرون بها ما يزيد على ألف شخص أعمى من حفظة كتاب الله يختمون القرآن كل سبع أو ثمانى ساعات ، وبجامع البدوى عمارة تقدم الطعام مرتين فى اليوم للمريدين والفقراء وعابرى السبيل ، حيث تقدم القمح مع حساء العدس وقطعة خبز وأئمة ومشايخ وخطباء الجامع ثمانمائة شخص يأخذون جرايتهم ورواتبهم من أوقاف البدوى كما يتم طهو ثلاثة أرادب قمح وأردب عدس وتذبح بقرة وخمس نعاج يوميا فى عمارة البدوى وتقدم للفقراء والمريدين والزوار خلال أيام المولد ، وفى الأيام العادية يطهى المقدار الكافى فقط ويقدم كله للفقراء والمريدين.
وبالمدينة سبعة مكاتب للصبيان وثلاثة أسبلة ، وماء سبيل البدوى مثل ماء الحياة ، وكل الحوانيت بالمدينة ثلاثمائة حانوت ولكن فى أيام المولد تزيد على آلاف حانوت لكثرة الخيام الصغيرة والكبيرة التى تنصب فى المدينة ، ولا يوجد بالمدينة محلات أقمشة ، إلا أن بها سبع وكالات بها بضائع لتجار يفدون من اليمن والهند والسند والعجم والروم والعرب ، والبضائع فى تلك الوكالات تباع بلا قيمة لا سيما وأن بها كل البضائع ،

وبالمدينة سبع مقاه تعج بكثير من المداحين والمطربين والقواسين ، ومدينة طنطا ليست وقفا للسيد أحمد البدوى بل هى التزام لملتزمين ، أما وقف البدوى فهو عبارة عن حصص من بعض القرى والبلدان الواقعة شمال طنطا مثل قرية قحافة وكفر النور وبها أفدنة وأرزاق بلا حساب ، كما أنه لو توفى شخص ولم يكن له ولد فإن كل ثروته تؤول إلى وقف البدوى.
مناقب البدوى
عندما كان جان بولاط حسين باشا واليا على مصر عام 1083 ه‍ كانت هناك طائفة تسمى أبناء العوار أشقياء قاطعون للطريق يقوم كل خمسمائة أو ستمائة خيال ملعون منهم بالنصب والسلب للقرى والقصبات المجاورة لطنطا ، وذات يوم هجموا على قرية من أوقاف البدوى وهى قرية قحافة وأخذوا منها الإبل والبقر والغنم وقد علم حسين باشا بذلك وتأثر كثيرا ، وعلى الفور أخرج تجريدة مكونة من ألف رجل من الفرقة السابعة وعين عليهم قوجه مصطفى أغا من أمراء الشراكسة ، هجم قوجه مصطفى باشا بقواته فجأة ليلا على ابن العوار وتحاربت الطائفتان ولم يجد ابن العوار مجالا فتحول كرّه إلى فرّ ، والتجأ إلى تكية أحمد البدوى وقال أغثنا يا بدوى وتعقبهم الجند وحاصروا قصبة أحمد البدوى وتحصن ابن العوار فى التكية يوما وليلة وكأنه متحصن فى قلعة ، وكان يصعد إلى مئذنة المسجد ويطلق النيران على الجند ، وكان اللصوص الموجودون معه ينادون من داخل التكية على الجند «يا بدوى يا بدوى» فى تهكم وقد هجم أفراد التجريدة من كل نواحى القصبة بشجاعة فائقة ، وفى تلك الأثناء فتحت أبواب الجامع والتكية وخرج العلماء والمجاورون وقالوا لقد اختفى الأشقياء وكانت كل أمتعتهم وخيولهم موجودة ، أما الأشقياء فقد اختفوا وهم عارون فقال الجند ربما تكون تلك حيلة من الأشقياء ودخل الجند المدينة ، واغتنموا كل أمتعة اللصوص وثلاثمائة جواد وثلاثمائة سيف ورمح ونبوت بخلاف الملابس.

وفى تلك الأثناء دخل رجل بيت الخلاء ليقضى حاجته وفيما هو بمفرده فى بيت الخلاء سمع صوت صدى أقدام تأتى من مجارى المرحاض ، وقف الرجل ونظر فإذا بالأشرار المفسدين قد نزلوا إلى مجارى المراحيض فربط الرجل سرواله وهرول إلى القائد وأخبره فقام القائد بسد فتحة المجارى التى تخرج خارج المدينة ببناء خرسانى وأمر بدفع المياه الموجودة فى الحوض الشافعى إلى المجارى وجعل البقر يدور فى السواقى فامتلأت المجارى بالقاذورات وخشى الملاعين أن يغرقوا فى مياه النجاسة ، وعلى الفور أظهر كل شخص منهم رأسه من فتحات المراحيض وعندما خرج الملاعين لم يكن هناك إمكانية للقبض عليهم والإمساك بهم لأنهم كانوا ملوثين بالنجاسة ، وتم قتلهم بالسيوف والبلط والنبابيت وهم كالخنازير الملوثين وقتل منهم ثلاثمائة وخمسة أشخاص ثم نظفت الجثث من الروث والنجس وقطعت رءوسهم عن أجسامهم وأرسلت رءوسهم جميعا إلى ديوان مصر فابتهج الوالى وأنعم على هؤلاء الجند وبذلك طهرت تكية البدوى من هؤلاء الأشرار ، وهكذا غرق كل الأشقياء الذين نهبوا قرية قحافة من أوقاف السيد البدوى فى الماء النجس بالمهانة وسحبت رءوسهم وكان هذا من تصرف أحمد البدوى قدّس سره العزيز.
وبقرية قحافة التى نهبها هؤلاء الأشقياء خليفة للبدوى وهو من أصحاب الكشف والكرامات وله فى كل ديار الإسلام أربعة آلاف خليفة ومئات الألوف من المريدين ، وكل مكاسبهم وأرزاقهم من أوقاف البدوى ، كما يحصل الفقراء العرب والروم والعجم الأموال من هذا الوقف ، حيث يأتون مرة واحدة فى المكان الذى يكون فيه المولد ، ويضعون تلك الأشياء التى جمعوها أمام الخليفة ، وفى الليلة الأخيرة من المولد يصبح مائتين أو ثلاثمائة خليفة من خلفاء البدوى أصحاب سجادة ، ويصل هؤلاء الخلفاء إلى ديارهم معززين مكرمين على دقات الطبول والصيحات والدفوف ، ويخرج كل أهالى هذه الديار إلى استقبالهم بالتعظيم والتكريم وفى حالة عدم وجود تكية للبدوى فى تلك الديار الذاهب إليها الخلفاء ويبنى بها تكية على الفور ، حيث يسكن بها هذا الخليفة هذا بالإضافة إلى أنها تطيب خواطرهم كما أنها بركات البدوى.

أوصاف مولد السيد أحمد البدوى بصحراء طنطا
يوجد وادى بين قصبة طنطا ومحلة مرحوم يبعد عن المدينة بمقدار ثلاثة آلاف خطوة وقديما كان كل التجار وأهل الحرف يذهبون إلى هذا الوادى قبل قطع النيل بعشرين يوما ، وعندما كانوا يصلون إلى منتصف طريق محلة مرحوم ينصبون الخيام على جانبى الطريق وتنصب أيضا آلاف الحوانيت والمقاهى ، ثم يأتى جميع المشايخ البدوية وينصبون خيامهم بجوار تلك الأسواق الواقعة فى الناحية الشمالية للمدينة ، حيث يقوم اثنا عشر خليفة من خلفاء البدوى بنصب خيامهم فى هذا الميدان ، ويأتى كل المريدين وينصبون خيامهم على الترتيب المفصل الموجود عند البدوية ، يكون الشيخ مصطفى الرومى فى المقدمة وهو من طريقة مرزوق كفافى والبدوية تنتهى عنده ، ثم يليه الشيخ الإمبابى ، ثم الشيخ الكالناسى ثم الشيخ الشناوى ويمكث مع عشرة آلاف مريد من مريديه ، ثم الشيخ أحمد القليوبى ثم الشيخ عثمان ثم الشيخ الغمراوى وخلاصة القول أن كل الخلفاء يمكثون فى أماكنهم ، وكل المشايخ الذين يأتون بعد ذلك ينصبون خيامهم فى المكان الذى يجدوه خاليا ، وخلف هؤلاء المشايخ يرابط ألف جندى مسلح من جنود كاشف المنوفية ، يقومون بحماية الأسواق والمشايخ فيتجول كل الجنود ليلا وإذا ما وجدوا أى لص أو قاتل قتلوه على الفور.
ثم بعد ذلك يبدأ مريدو اليمن والهند والحبش والعجم فى المجىء أفواجا وكأنهم البحر ، ويمكثون فى خيامهم فى هذا الوادى المعشوشب بخيامهم وسناجقهم وراياتهم ، وبعد ذلك اعتبارا من اليوم السادس يأتى كاشف الغربية بفرمان والى مصر مع ألفين من جنود مصر وألف خيال عربى وخمسمائة صبى من حملة النبوت والقواسين على دقات الطبول ، رافعين الرايات ، ويستعد كاشف المنوفية بجنوده أيضا لملاقاة كاشف الغربية وتعزف الأقواس ، ولا يوجد لكاشف الغربية خمس طبقات من الموسيقى العسكرية مثل كاشف الغربية ، وذلك لأن كاشف الغربية نال رتبة الباشاوية وبمقتضى قانون الظاهر بيبرس يتصدر كاشف الغربية كل الكاشفين ما عدا والى جرجا وذلك لأن مرتبة والى جرجا أعلى منه ، ثم يتوقف كاشف المنوفية للسلام على كاشف الغربية ويمر الموكبان بين

خضم كبير من الناس كأنهم البحر ، ويمكث الجميع فى خيامهم ، وقد مكث الحقير أيضا مع رفقته مع الموكب وسلم الحقير فرمانات الوزير إبراهيم باشا للكاشف حيث قرئت فى الديوان وجاء فيها ما يلى : «إلى حسن أغا كاشف الغربية لتكن على بصيرة ويقظة حتى انتهاء مولد السيد أحمد البدوى الموجود بإيالتكم ولتحفظوا كل الزوار والتجار ، ولتمنعوا أشقياء العربان من المجىء بالخيول إلى ميدان الملعب وأن تمنعوا أى شغب يقومون به» ، فقال الكاشف سمعنا وأطعنا.
كما قدمت رسائل كتخدا الباشا وقرأت على الملأ وجاء فيها أن يقوم الكاشف بالإحسان على أولياء جلبى بخيل مزين وكيس من النقود المصرية ، وقد أحسن الكاشف على الحقير بجواد فضى السرج مذهب الركاب وكيس من المال وخمسة آلاف عملة حالية كما أمر الكاشف بفرش خيمة لنا بجانب خيمته أقمت فيها ثلاثة أيام بلياليها ، كما نزلت ضيفا بمنزل خليفة البدوى لمدة عشر ليال ، وبعد أن جاء الكاشفان إلى ميدان المولد ومكثا فيه واستتب الأمن هناك ، قام كل التجار والزوار بإخراج أمتعتهم وبضاعتهم ليعرضوها وحينئذ يتم البيع والشراء بشكل لا يمكن التعبير عنه ، ويزين الجميع خيامه بآلاف القناديل والسناجق والأعلام بشكل لا يمكن وصفه ، وقد كان بهذا الميدان الذى يقام فيه المولد صفّة للبدوى يتعبد فيها خارج المدينة فى مكان لا يعرفه أحد يطلق الأهالى عليها مقام السيد البدوى وهى مكان للتعبد وبها صارى اتفاعه ثمانون ذراعا به خيوط يعلق بها القناديل التى يبلغ عددها أربعين ألف قنديل فتصبح الصفة وكأنها خيمة عظيمة ذات صار مثل خيام الوزراء ، وفى بلاد العرب يقولون على تلك القناديل إشارة ، وللصفة أربعون خادما يشعلون كل ليلة عشرة قناطير من زيت السمسم ، وقد وقف لها صاحب الخيرات فى خمسة عشر يوما بلياليها عشرين ألف پاره ، ويضاء الميدان كله بآلاف القناديل الصغيرة والكبيرة ، وعندما ذهب المشايخ لحضرة إبراهيم باشا للحصول منه على الإذن بإقامة المولد وذلك فى السنة التى كنا فيها هناك ، قال لهم الوزير : أيها المشايخ الكرام لتكونوا على بصيرة فى هذه السنة ولتكن الأفراح والاحتفالات أكثر من العام الماضى ، إنه مولد النبى ، إنها شعائر الإسلام فقال كل المشايخ على الرأس والعين

يا وزير ، وعندما شاع هذا الخبر على أفواه الناس اجتمع أناس كثيرون من أعيان وأشراف مصر والشام وحلب والعرب والعجم للاحتفال بمولد البدوى ، وكانت هناك ثلاثة آلاف وسبعمائة خيمة وأوطاق بخلاف الخيام الصغيرة المصنوعة من الكليم وهى الخيام الخاصة بالعربان ، وقد قام أصحاب الخير بوضع أسبلة المياه على رأس كل الطرقات لأن المياه فى هذا الميدان قليلة ، ولم تكن الأسبلة تكفى هذا الكم الهائل من البشر الذى يقدر عددهم بمئات الآلاف والنيل المبارك يبعد عن هذا المكان بمقدار ساعة عند محلة مرحوم ، ويحيط جند الكاشفين بهذا الكم الهائل من البشر ليلا ونهارا يقومون بحراستهم ، أما أعيان مصر فحرسهم خدامهم ، وذلك لأن اللصوص وأبناء الحرام يكثرون فى هذا الجمع ويكون موجودا فى هذا الميدان كل يوم عشرة أو خمسة عشر ألف من العربان العرايا برماحهم ويكونون مثل الغابة.
فصل فى بيان اللاعبين وأصحاب المهارات فى مولد البدوى
يقوم مئات العارفين من الطريقة البدوية والطريقة السعدية بمسك قطع الحديد التى احمرت من شدة النيران بأيديهم ، ويلعقونها بألسنتهم لتسكين نار الشوق التى عندهم ، ولإظهار معرفتهم ، وبعضهم يأكل قطع النار التى احمرت مثل العقيق الأحمر ، والحاصل أنه يجتمع فى ميدان البدوى سبعة وسبعين فرقة من أصحاب الألعاب كلاعبى النار ولاعبى الحبل ولاعبى اليد ولاعبى خيال الظل ، ولاعبى الخزف ، ولاعبى السحر ، ولاعبى القمار ، ولاعبى الحمار ، ولاعبى الطيور ، ولاعبى الديك ، ولاعبى الطاس ، ولاعبى القرد ، ولاعبى الكلب ، ولاعبى القدح ، ولاعبى الكبش ، ولاعبى المرآة ، ولاعبى الثعبان ، ولاعبى العين ، ولو دونّا كل ما يقوم به كل لاعب سنكتب كتابا مفصلا ، ويكثر اللصوص والنشالين ، ويجب على كل من يكون هناك أن ينتبه ويكون على يقظة دائما ، فمشهور عن اللصوص أنهم يسرقون الكحل من العين ، أما لصوص مصر فعندهم من المهارة ما يجعلهم يستطيعون سرقة العين ويبقى الكحل مكانه.

ومن العجائب التى رأيناها هناك : أن الثعابين الموجودة مع لاعبى الثعبان كبيرة وضخمة للغاية ، تخيف الإنسان ، والعجب أن لكل ثعبان منها اسم إذا ما قام صاحبه بالنداء عليه ، فإنه يأتيه ، وإذا نادى على ثعبان ما باسمه وأخطأ ثعبان آخر وأتى بدلا منه ، يعاقبه صاحبه ، وقد أتى أحد الدراويش البدويين فى الميدان وأخرج ثعبانا كبيرا من جعبته ، وعندما كان يناديه باسمه يتحرك ، كأنه يفهم الكلام ، وعندما يشير إليه بالرقص يرقص ، وبينما كان هذا الدرويش يقوم بملاعبة الثعبان أمام الناس ، جاء أحد مريدى البدوى ، ونظر إلى الثعبان وقبض عليه بيده ، ووضعه فى فمه وأكله ، وعندما رأى الدرويش صاحب الثعبان هذا الأمر ، أخذ يصيح ويقول أيها المسلمون ، هل يجوز ذلك؟ لقد علّمت ثعبانى هذا طوال عشر سنوات كاملة حتى أصبح يفهم كل شىء ، وأتعيّش منه أنا وأبنائى ، فهو يغنينا عن السؤال ، واحتكم الاثنان إلى القاضى ، فقال الدرويش صاحب الثعبان ، يا مولانا لقد ظللت أعلم ثعبانى هذا عشر سنوات ، أتعيّش منه أنا وأبنائى ، ثم جاء هذا الرجل وأكله ، فما ذا أنا فاعل؟
فقال القاضى للرجل : لماذا أكلت الثعبان؟ فقال : يا مولاى وجدته ثعبانا سمينا لطيفا ، وكنت جائعا.
فقال القاضى للدرويش : كم تريد ثمنا لثعبانك؟
فقال الرجل : أريد عملة ذهبية.
فدفع الرجل العملة الذهبية ، وسار وهو يمسح فمه.
عجيبة أخرى
كان يوجد أيضا أحد الدراويش التابعين للبدوى يرتدى جبة صوف ، يلعب بالديك فى هذا الميدان. كان هذا الديك ذا عرف أحمر على رأسه ودائما كان الديك يجلس على رأس هذا البدوى. وإذا ما جاء شخص وأعطى للديك پارة يقوم الديك بضرب جناحيه ويصيح ، ولكن لم أستمع إلى صياحه. ثم يقول له يا فرخ وحد الله فيقول الديك بضرب جناحيه ثلاث مرات ويقول بصوت عال لا إله إلا الله محمد رسول الله. والله أعلم.

كان يقول لا إله بأجزاء الحروف ثم يقوم الديك بالرقص على الأرض ثم يستقر مرة أخرى على رأس البدوى ، شىء عجيب وغريب. لذا يقولون على هذا البدوى أنه من أصحاب الكرامات ويجمع هذا الديك يوميا فى هذا التجمع ما يقرب من ألف پاره.
وغير ذلك توجد العديد والعديد من العجائب والعبر. منها :
عبرة أخرى
هى : أحد العارفين بالسحر المقبول وقد شاهدناه ومعه شخص يدعى نصر الدين الطنجاوى من بلاد المغرب ، قام هذا الشيخ بدعوى الأعيان والكبار الموجودين بالخيام لمشاهدته فى الميدان ، واجتمع أناس كثيرون فكانوا فوق بعضهم البعض من كثرتهم. ثم قام هذا الشخص بوضع يده على صدره ثم قام بدق عصا فى الأرض وأخرج من جعبته عدة أشياء مستديرة تشبه الكرة وكانت حمراء وأخذ يلعب بها ، ثم أخرج ثلاث كرات أخرى مختلفة من جعبته وظل يلقيها بيده ويمسكها وأظهر مهارة وغرابة فى لعبه.
ثم قام بدحرجة هذه الأشياء الدائرة أمام الحضور فمنهم من يمسكها ومنهم من ينظر إليها ومنهم من يلقيها بقدمه ثم تجول الساحر فى الميدان وأخذ الكرة فى يده وأخذ يلقيها فى الهواء ويمسكها وكان قد ظهر من حافة الكرة حبل فقام الساحر بإعطاء طرف الحبل إلى أحد المشاهدين وقال له شد الحبل وكلما كان الرجل يشد الحبل يخرج معه حتى تجمع على الأرض أحبال كثيرة ، والغريب هنا أنه كيف يخرج هذا الحبل من كرة فى حجم رأس إنسان ، إن الحبل الذى كان يخرج منها كان بمقدار حمل بعير. ثم قام الساحر بربط طرف الحبل فى العصى التى ثبتها فى الأرض وقذف الكرة لأعلى فظلت الكرة معلقة فى الهواء وطرف من هذا الحبل مربوط فى العصى والطرف الآخر فى الكرة المعلقة ثم قام الساحر بلصق يده على الحبل وصاح قائلا إنزلى أيتها الكرة الحمراء فلم تنزل الكرة ، كرر ذلك ولم تنزل الكرة فنادى على بعض الرجال الشجعان وخدامه وقال لهم شدوا الحبل حتى تنزل ، وحاولوا جاهدين ولكن الكرة لم تنزل ، فقام الرجل بمسك الحبل وسحبه رويدا رويدا ولم تنزل ، فتعجب كل الموجودين وتحدث الساحر إلى الكرة بكلمات غير مفهومة وقال للحاضرين يا أمة محمد إن الكرة تقول لكم «لقد أظهرت

لكم الكثير ، فلو قام كل واحد منكم بمنح الساحر پاره سوف أنزل وسأريكم الكثير والكثير إننا نتمنى من كل واحد منكم عملة واحدة فقام كل الأعيان الكبار بمنح الساحر الأموال حتى جمع عشرة آلاف پارة فقام الساحر بلصق يده على الحبل وهزه وقال أيتها الكرة لقد حصل المراد ليبارك الله فيما أعطانا والآن أنزلى.
ولكن الكرة لم تنزل أيضا فقال الساحر يا مسلمين إن الكرة لا تنزل لترجوها كلكم فصاح الصغير والكبير إنزلى إنزلى. وعلى الفور اتجهت الكرة يمينا ويسارا ثم نزلت على الأرض. فقام الساحر بوضع الكرة والخيط الحرير الرقيق فى جعبته بعد أن أظهر معارف كثيرة. يحتار العقل لكل منها. ولكنى قد أستطيع تفسير هذا بعقلى القاصر على أن تلك الكرة تكون مملوءة من الداخل بالندى وعندما يرى الندى الحرارة يتبخر فى الهواء ويقوم الساحر بإلقاء الكرة في الهواء عندما يكون الحر شديد ، وبعد هذا الوقت من الكلام وتحصيل المال يكون الندى الموجود بالكرة قد تبخر فتنزل الكرة ، ولم يحط عقلى بغير هذا وقد قبل عقلى هذا ، وعندما كنت فى مدينة ( ) (1) الألمانية بعد فتح قلعة لميفار عام 1073 ه‍ لعب الساحر بالكرة وأظهر فيها براعة كبرى ، كما أظهر هذا الساحر أيضا معرفته فى ميدان البدوى ، ولو أننا حررنا كل ما شاهدناه لجاء فى كتاب كبير.
تتزين كل أركان طنطا فى ذلك اليوم بالألعاب التى تتأرجح فى الهواء ، ويركبها الصغير والكبير وذلك لأن يوم مولد البدوى يوم عيد. فهو بمثابة الليالى المباركة ، كما يوجد فى أركان الميدان خيام العاشقين الصادقين يذكرون الله على دقات الطبول والدفوف والنقارات وبذلك تكون الاحتفالات فى كل ركن من أركان المدينة وتطهى آلاف القدور من الطعام اللذيذ يأكل منه كل الزوار ، ولحكمة الله أنه لو قام شخص بجلب الخمر إلى المولد فإنها تتحول إلى خل بسر السيد البدوى. ولكن توجد المشروبات اللذيذة مثل العرقسوس والتمر هندى والدبس. وفى تلك الأثناء يقوم كل مشايخ الطرق والمريدون بالدق على الطبول والدفوف ويرفعون الأعلام والرايات ويصيحون بذكر الله فيقوم كل المريدين بالذكر وهم يدورون ويسيرون على هذا المنوال
__________________
(1) بياض فى الأصل.

حتى يصلوا إلى ضريح أحمد البدوى يذهبون أفواجا أفواجا. وتكون الطرق مزدحمة جدا حتى أن بعض النساء والصبايا يقعون تحت الأقدام ويموتون وأظن أن هذا الزحام لا يوجد بنفس الدرجة فى زيارة مكة والمدينة وأثناء الطواف. ويستمر هذا الزحام لمدة عشرة أيام بلياليها عند زيارة البدوى ويكون جمعا عظيما كيوم الحشر فتتلاصق الأكتاف فيه وتصبح مدينة طنطا عبارة عن حلقة ذكر ما بين كلمة هو والحى القيوم وذكر الله ويصل صدى ذكر الله إلى عنان السماء.
ويقوم الأثرياء من الأعيان الكبار بفرش خيامهم بالسجاد والأبريشم والقطيفة والأطلس والقماش الهندى ويفرشون أيضا الأرائك والمقاعد المزينة ؛ كما يزينون تلك الخيام بالبساط والأسلحة والأوانى القيمة. ويضعون الأعلام والرايات أمام الخيام. ويشعلون آلاف القناديل والمصابيح ويتسامر أهل تلك الخيام ليلا ونهارا ، ويدعون للسلطان بدوام دولته.
يزين كل المشايخ أيضا خيامهم بمئات الآلاف من القناديل والأعلام والرايات ويقيمون فيها مشتغلين بالعبادة والذكر. والحاصل أن كل مرغوب موجود فى مولد البدوى. أما العارفون بالله فيفضلون الانزواء عن هذه الكثرة يأنسون بالوحدة بعيدا عن أى عالم آخر حيث ينظرون إلى الدنيا بعين الإمعان ويجلون قلوبهم ويتطلعون إلى المتعة الدائمة فالدنيا فانية : (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللهِ باقٍ) [النحل : 96] ففى نفس الوقت الذى يكون فيه أهل الظاهر نائمون فى غفلتهم يكون أهل الباطن من العارفين بالله مشتغلون بالتوحيد والتمجيد والذكر فى منتصف الليل ويتلى المولد الشريف فى آلاف الأماكن ويقوم الذاكرون الشاكرون ذوى الصوت العذب بمدح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فيملأ صدى أصواتهم المكان ، فيثمل الرجال من شدة الشوق. ولأن آلاف القناديل والمشاعل تضاء فى تلك الصحارى تجعل الليل هناك نهارا وتكون بمثابة العلامة فى الصحراء. وينشغل كل شخص بشىء فى تلك الليالى : (نظم)
عند ما يتجلى الخلاق إلى عالم الأزل
    يتسلى كل شخص بحاله
  فتطلق آلاف الطلقات النارية فى السماء على أشكال وصور كثيرة فتجعل ليل مدينة

طنطا نهارا. ويبدأ إطلاق تلك الأعيرة لمدة ثلاثة أيام بلياليها. حيث ينفق كل واحد منهم ألفى قرش على تلك الأعيرة وتحترق خيام كثيرة من جرائها وتعد تلك الأعيرة من القوانين القديمة ، فقد حدث أن أتى السلطان قايتباى إلى مولد البدوى وأنفق أموالا كثيرة وأقيمت الاحتفالات الكثيرة لذلك.
وخلاصة الكلام أن الحقير سياح العالم أوليا ساح فى الأرض واحدا وأربعين سنة تجول فى أراضى ثمان عشرة سلطنة ولم يتيسر له مشاهدة هذا إلا فى مصر. وقد شاهد احتفالات كثيرة منها احتفالات قطع النيل المبارك بمصر واحتفالات الجيش الهمايونى فى إستانبول واحتفالات الباشا القبطان فى سراى بورنو والاحتفالات عند فتح القلاع ومولد الأمراء وعودة السلطان من الغزو. واحتفالات شهر رجب وشعبان احتفالات مصنع الورق فى إستانبول واحتفالات الفيضان واحتفالات أق بابا واحتفالات مصنع البارود فى إيالة بودين واحتفالات قونيه واحتفالات ملاطية ومسيرة مدينة البصان فى بودستان واحتفالات حدائق صوادق بكفة واحتفالات بندر حسن بالقرب من العراق واحتفالات كيلانى ببلاد العجم واحتفالات مشهد الإمام علىّ ويوم عاشوراء فى تبريز والتجمع فى يوم قتل الحسين واحتفالات سليمان بك فى بغداد ، يسر الله للحقير رؤية كل تلك الاحتفالات والتجمعات ولكنها كلها بمثابة الجزء من احتفال البدوى بل إنها لا تساوى احتفال يوم أو ليلة من احتفال البدوى.
ويأتى عباد الله من بلاد العرب والعجم والهند والسند تاركين أموالهم وأبناءهم قائلين : يا بدوى ويشدون الرحال إليه وينفقون كثيرا من الأموال ويأتون إلى البدوى ويمسحون وجوههم بتكيته ويحتفلون به ولو قام شخص وجهه بتكية البدوى بنية خالصة لله فإنه يشفى من كل الأمراض والآلام واضطراب الأبدان بإذن الله ويكون ذلك بمثابة الحفظ له من كل الأمراض. وهذا مجرب والتجمع الكبير الذى يفوق تجمع البدوى هو اجتماع الحجاج فى منى بعد نزولهم من عرفات ، حيث يكون عددهم سبعين ألفا بخلاف الدواب والحيوانات ، إنه تجمع كبير لا يضاهى ، وثمة فائدة فى تلك التجمعات الكبرى لا توجد فيما سواها زوال الحجاب فيما بين الله والعبد ، فيتوب العبد توبة

نصوحا لله فيعود كما ولدته أمه. والحديث الشريف دليل على ذلك : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (1) أى أن كل من يستأنس بربه فى هذا التجمع فى مكة والمدينة أو حتى عند البدوى فيجد ربه ويسأله التوبة يتوب عليه.
وقد قيل أن القطب الغوث يحضر كل عام فى مولد البدوى وقد شوهد عدة مرات.
وفى اليوم الثامن من مولد البدوى ينادى المنادون بين كل الزوار بأن مولد الشيخ محمد بن زين يوم الجمعة فى مدينة النهارية. وعندما يسمع الزوار هذا النداء يقوم بعض الزوار والتجار بفك خيامهم ويرحلون إلى مدينة النهارية. وفى تلك الأيام يتم بيع ألف حمل جمل من الحمص فى سوق المولد كما يباع آلاف القناطير من الحلوى وهذا ليس مبالغة وذلك لأنه قد جرت العادة أن يأخذ كل الزوار الحمص لديارهم من مولد السيد البدوى تبرّكا ، والحمص لذيذ للغاية وليس خاص ببلد معينة.
وفى اليوم التالى وهو يوم الجمعة يقوم الكاشفون والجند بالتجمع عند خيمة الكاشف وتقام لهم مائدة عظيمة يتناولون منها جميعا ويمنح كل جندى من الجنود الچورباجيه الموجودون فى محافظة الغربية جوادا أو ناقة وذلك لأن كل شخص منهم خدم ستة أشهر كاملة ثم يعودون إلى بلدانهم. ثم بعد ذلك تقام مائدة كاشف المنوفية ، ويمنح كل جندى من الچورباجيه أيضا جوادا وناقة وحجة شرعية بأدائهم الخدمة ثم يعودون إلى ديارهم. بعد ذلك يذهب كاشف الغربية والمنوفية مع جنودهم إلى ضريح البدوى ، ويفتحون حجرة الخرقة ويقوم الكاشفان بإلباس خرقة وعمامة البدوى لخليفته ويسيرون به فى موكب عظيم من داخل المدينة إلى جامع المدبولى ويؤدون صلاة الجمعة هناك وعندما يهم الخليفة بالرجوع إلى الضريح يخرج كل الزوار لاستقباله ورؤيته. ويسير الخليفة بينهم حتى يصل إلى الضريح ويعيد الخرقة والعمامة مكانها. ويتسلم الحجة الشرعية التى تفيد أدائهما الخدمة أيضا ، ويقومان بزيارة الوداع ويتجهان إلى مصر ، وبذلك يكون قد انتهى مولد البدوى ، وفى هذا إعلان مولد البدوى ومن ثم تنتهى
__________________
(1) رواه الطبرانى بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث ابن مسعود ـ رضى الله عنه ـ.
انظر : مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمى 10 / 200.

مسئولية الكاشفين فى الحماية والحراسة ، وتكون حينئذ فى يد المسلّمين والقائم مقام لذا يبدأ لصوص العربان فى أعمال السرقة.
بعد ذلك يبدأ بقية الزوار فى حل خيامهم الكبيرة والصغيرة وتوضع الأحمال على مئات الآلاف من الجياد والبغال والإبل والحمير ، وحينئذ تكون ضجة كبيرة فى صحراء طنطا فالكل يهم بالرحيل ولا يبقى فرد واحد من الزوار هناك ولأن الحاكم قد أذن للكاشفين بالذهاب من هناك فإن الزوار والتجار يخشون على أنفسهم من تسلط العربان ، إنه يوم عظيم الدهشة من شدة الاضطراب التى تعترى المكان فى ذلك اليوم ويرحل الجميع من هذا الوادى ولا يبقى به أحد ويتجه هذا الجمع الغفير إلى أماكن متفرقة ، كما يرحل خلفاء البدوى إلى مدينة طنطا لأنهم سيقومون بإحياء ليلة السبت فى تكية البدوى حيث يكون المولد الشريف ويقولون أن أرواح كل الأولياء تحضر معهم حينذاك. ويقوم كل المشايخ والمريدين بتلاوة ما يزيد على ألف ختمة شريفة ، وفى اليوم التالى يقوم المشايخ والمريدون بزيارة الوداع. ثم يعتزمون العودة إلى منازلهم ثم يقوم كل مشايخ التكية وخدامها وخادم الضريح بغسل التكية والضريح بماء الورد ويقومون بتنظيف كل أحجار الفناء ويفرشونه بالسجاد الإبريشم. وفى اليوم التالى يقوم الأهالى بفتح ترعة خليج القرنين الموجودة على أراضى منوف ، فيسير ماء النيل المبارك بعظمة الله إلى تلك الأراضى التى كان بها المولد فتغرقها المياه تماما لدرجة تجعل أى شخص لا يستطيع وضع قدمه فيها.
لقد شاهد الحقير آلاف العجائب والغرائب فى مدينة طنطا وقمنا بتوديع الشيخ سلامة والشيخ أحمد خليفة البدوى والشيخ جلبى وكل الأئمة والخطباء والأحباء ، وختمنا ختمة شريفة فى تكية البدوى وطلبنا المدد من روحه وزرنا زيارة الوداع وقبلنا عتبته وعقدنا النية على المسير لمدينة النهارية.
أولا خرجنا من مدينة طنطا وسرنا إلى ناحية الشمال لمسافة أربعة آلاف وخمسمائة خطوة فى مكان فسيح حتى وصلنا محلة مرحوم. وسبب تسميتها بهذا الاسم ما يلى :

بعد دخول هولاكو بغداد وتدميرها هرب أحد أمراء العباسيين إلى مصر واستقبله السلطان ( ) (1) من سلاطين مصر وأنعم عليه بتلك المحلة وكانت مدينة كبيرة عامرة. وشاءت حكمة الله أن يموت هذا الأمير ودفن بفناء جامعه هناك ووصل خبر وفاته إلى سلطان مصر. وفى اليوم الثالث من وفاته كان الأهالى يؤدون صلاة الجمعة فسمعوا فزعا وجزعا يأتى من قبر الأمير فذهبوا إلى القبر ليستطلعوا الأمر فإذا بالأمير يصرخ بالداخل وعلى الفور فتحوا القبر فوجدوا الأمير حيّا ووجدوا حيوانا ينهش فى كتفه والدماء تسيل منه فقاموا بإخراجه وذهبوا به إلى قصره وعاش بعدها سبع سنوات ثم توفى فنقلوا نعشه إلى مصر وتم دفنه بجوار السيدة نفيسة. ومكتوب على الضريح السلطان المرحوم عز الدين بالله. وقد قام المنجمون بتبشير الأمير وهو فى حياته بأنه سوف يموت ويحيى لمدة سبع سنوات سيكون فيها خليفة. وقد أطلقوا على المحلة اسم محلة المرحوم. ومحلة المرحوم قصبة جميلة تتبع منوف بجزيرة الغربية وهى عاصمة كاشف منوف نظرا لوقوعها فى وسطها ويقيم بها الجند بصفة مستمرة. أما مدينة منوف نفسها فهى العاصمة القديمة ، وأحيانا يقيم الجند بمنوف. ومحلة المرحوم قضاء شريف عبارة عن مائة وخمسين أقچة ويتبعها سبعون قرية. والمكان الذى يقام فيه مولد البدوى يتبع محلة المرحوم. وفى أيام مولد البدوى يذهب حاكم محلة المرحوم وقاضيها إلى هناك ويثرفون على المولد. ويتحصل من ذلك محاصيل كثيرة. ومحلة المرحوم مدينة مزينة بحدائق النخيل والبساتين تقع وسط صحراء فسيحة تبعد عن النيل ساعتين ولكن بحدائقها خليج متفرع من النيل يمر من أمام مدينة النهارية ، توجد المياه بصفة مستمرة فى هذا الخليج صيفا وشتاء. وتبحر به المراكب وينتهى هذا الخليج عند محلة المرحوم وعند فيضان النيل تزيد فيه المياه فيصب فى فرع دمياط. وبمحلة مرحوم ألفا منزل مغطاة بالكلس وخمس محلات وأربعين محرابا اثنان منهما جوامع جامعة : الأول وهو جامع الخليفة المرحوم ويطلقون عليه جامع بغداد أو جامع المدرسة وهو مرتفع عن الأرض بمقدار ست درجات سلمية حجرية وللجامع بابان ومئذنة رشيقة لها ثلاث طوابق والجامع بدون فناء أو أعمدة ، ولأنه جامع صغير لا توجد زخارف أو
__________________
(1) بياض فى الأصل.

زينات إلا تلك الزينات البنفسجية المذهبة على أركانه. والجامع الثانى موجود بالسوق وهو الجامع الكبير ويتسع لأعداد كبيرة من المصلين يبلغ طوله وعرضه مائة وعشرين قدما للطول وأخرى للعرض وبه قبوات تستقر على ثمانية وثلاثين عمودا من المرمر. وسقفه بسيط ولا توجد به أى نقوش. ومنبره من الخشب وعلى الحائط الموجود فى الناحية اليسرى للمحراب يوجد هذا النظم لأحمد الخطيب الشافعى :
(سبع إن ترم تحريرا عن قدره فاسأل به خبيرا)
وهذان الجامعان هما جوامع الخطبة فى المدينة فقط والباقى زوايا. وبالمدينة سبع وكالات وثمان مكاتب للصبيان وحمام صغير ببدروم سراى الكاشف. وقد كان هذا الحمام قديما حمام قصر الأمير البغدادى ولكنه حاليا حمام قصر الكاشف وبه نقوش مذهبة غاية فى الجمال ، من صنع نقاش أعجمى. وبالمدينة مائتا حانوت وهى حوانيت على جانبى الطريق الرئيسى الذاهب من قصر الكاشف حتى الجامع الكبير ، ويبلغ طول هذا الطريق ألف خطوة. والمياه كلها من الآبار ولكن لقربها من النيل يقوم بعض الأشخاص بجلب المياه من النيل إليها على الإبل وتوجد سبل فى سبعة أماكن من المدينة. وأهلها محبوبون. وطقسها لطيف. وكل أجداد الأهالى بها من بغداد وبعض كتب تاريخ تسجلها على أنها محلة بغداد ومنوف ، وبالمدينة حجر غريب ضخم يقع خلف سراى الكاشف ويقف هذا الحجر فى وسط حوض عظيم ، ولا تستطيع مائتا جاموسة سحبه إنه حجر طاحونة دائرية ، يوجد بوسطه ثقب كانت هذه الطاحونة قديما هى مصنع السكر الخاص بالأمير المرحوم. وطواحين السكر حاليا لا تدار بالحجر بل تدار بعجلات الوابور وكلما تدور العجلة يسيل شربات السكر من فم الوابور ويأخذون هذا السكر ويغلونه ويحولونه إلى سكر بعمل كثير يحتاج إلى تفصيل.
مزار محلة المرحوم
أولا ضريح الشيخ عبد الوهاب الجوهرى خليفة البدوى. وهو مدفون فى ضريح عال يقع خارج المدينة فى جهتها الشرقية. وضريحه مرتفع عن الأرض بمقدار ست درجات سلميه حجرية ، وهو تكية به روحانية. بجانبه زاوية ، وكراماته مسجلة بالتفصيل فى مناقب الشعراوى ، ولا داعى هنا لذكرها. وعلى مقربة منه يوجد ضريح الشيخ عبد

الله الواسطى وهو من بغداد. وعلى مقربة من مصطبة الجريد الواقعة أمام قصر الكاشف يوجد ضريح مدفون به شيخان هما الشيخ على العجمى والشيخ منصور الأندلسى وهذان الشيخان هما اللذان بشّرا الأمير بأنه سيموت ثم يحيى بعد سبعة أيام ثم يعيش سبع سنوات ، وقد قام الأمير ببناء ضريح لهما ، وقد تهدم الضريح ، ولم يبق منه حاليا إلا بعض أطلاله فقط ، وهو مزار للعام والخاص ، قدّست أرواحهم.
وفى الجهة الجنوبية المقابلة لضريح الشيخ عبد الوهاب الجوهرى يوجد ضريح أبيض مدفون به السيد عثمان الصيادى ، وبالمدينة قبر الإخوة الثلاثة ، وهم الشيخ علامة والشيخ ديان والشيخ عمر ولكل منهم ضريح بالقرب من بعضهم البعض ، والمشهور عن تلك المحلة أن اللصوص لا يدخلونها ، فأبوابها دائما مفتوحة ، والعجيب فى ذلك أنه لو تجرأ لص على المرور من أمام تلك الأضرحة ، فإن قدميه لا تتحرك ، ويقع ضريح الشيخ السيد محمد العجمى بزاوية أبو حمزة بالسوق ، وفد هذا الشيخ مع ابنه من بلاد العجم ، وله مناقب كثيرة مدونة فى مناقب الأولياء ، وبالمدينة أيضا ضريح الشيخ سيدى يوسف وهو من طائفة الجند ، وبالسوق ضريح الشيخ السيد عبد الرحمن ، وبالقرب من الجامع الكبير يقع ضريح الشيخ السيد عبد الرحمن السويدى ، وهو سلطان عظيم وفد مع ابنه أيضا من كردستان من بلدة سويد ، وقرأنا الفاتحة لكل شيخ منهم ، وطلبنا المدد من أرواحهم الطاهرة ، بعد ذلك حصلنا على البراءة من ميرزا أغا كاشف منوف ، ومنحنا خمسة آلاف عملة ذهبية ، وخمسة خيالين ، ثم سرنا شمالا من تلك المحلة لمسافة ثلاث آلاف خطوة ، فبلغنا قصبة الأبيار ، وسبب تسميتها بهذا الاسم ، أن تلك المنطقة كانت فى عهد الملكة دلوكة بلا ماء ، فقامت الملكة بحفر آلاف من آبار المياه ، لذا سميت بمحلة الأبيار ، ثم قامت الملكة بتسيير خليج من النيل إلى تلك المحلة ، وهى مدينة عامرة ، تقع فى أراضى منوف ، ولها ملتزم ، وقضاء شريف مائة وخمسين أقچة ، ولها مائة وخمسين قرية تتبعها ، يتحصل منها عشرة أكياس مصرية ، وتقع تلك المحلة على ضفاف ترعة النيل ، وبها الحدائق والبساتين ، وقد أهملت بمرور الأيام ، ولكن عندما كان الحقير هناك فى عام 1083 ه‍ كان العمران فى أربعين أو خمسين ناحية ، عمّرها الله ، وبها تسع محلات ، وأربعون محرابا ، ثلاثة منها جوامع جامعة ، والباقى مساجد صغيرة ، تلك الجوامع هى : الجامع الكبير ويقع بالقرافة الكبرى على مقربة من

النيل ، فى الجهة الشرقية للمدينة ، وجماعته قليلة ، وهو جامع كبير طوله وعرضه مائتى خطوة للطول والعرض ، وبه ستون عمودا تستقر عليها القبوات التى تحمل السقف ، وسقف الجامع مطلى بالكلس ، وللجامع ثلاثة أبواب ، ومئذنة ذات ثلاثة طوابق ، وعلى يمين المنبر توجد لوحة بيضاء مرمرية مكتوب عليها (رسم أيام السلطان الملك الأشرف خلد الله ملكه) ، وعلى يسار المنبر لوحة مرمرية أيضا مكتوب عليها (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، هذا الجامع إنشاء الفقير إلى الله تعالى وإلى رحمته وغفرانه أبو الحسن بن على بن أحمد الحسينى الحافظ جدد هذا الجامع المبارك العمارت فى شهر شعبان المبارك المكرم سنة تسعين وتسعمائة) وعلى يسار المحراب كتبت عدة آيات من سورة الفتح بالخط الجلى على لوحة مرمرية أيضا. خلاصة القول أنه جامع يجاب فيه الدعاء.
وبالمدينة جامع صغير آخر بدون فناء هو جامع الشيخ أحمد البجم ، وله مئذنة ذات ثلاثة طوابق ، لا يوجد مثلها فى المدينة ، وقد كتب على منبره ما يلى : (جدد هذا المنبر المبارك قطب الأقطاب أحمد البجم فى ذى القعدة سنة 1032) ، وبالسوق جامع يسمى جامع الزاوية ، كان هذا الجامع قديما عبارة عن زاوية ، وقد حولوه إلى جامع نظرا لكثرة جماعته ، وما عدا تلك الجوامع الثلاثة فمساجد ، وبالمدينة مدرستين ، وثلاث تكايا ؛ هى تكية الشيخ أحمد البجم ، وهو مدفون بفنائها ، وبها غرف للمريدين ، ولها أوقاف عظيمة ، والشيخ أحمد البجم من صلحاء الأمة وفد من بغداد إلى هذه المحلة ، وبالمدينة ثلاثة أسبلة ، وحمام معطل ، ومائتى حانوت والطرق الرئيسية لتلك المدينة مرسومة على هيئة لوحة الشطرنج ، وهى طرق ضيقة ، ولوقوع المدينة على ضفاف ترعة النيل فإن طقسها لطيف ، وتشتهر المدينة بشجر الجميز ، وزيت البزر ، حيث توجد أشجار الجميز على ضفاف النيل ، ترعى تحت كل شجرة منها ألف نعجة ، ومن الأشياء المشهورة بالمدينة أيضا الكتان والليمون والأترجّ ، ويقيم أصحاب تلك المدينة على الچورباجى وطويل الچورباجى ونقيب الأشراف الموائد للفقراء ، زادهم الله تعالى.
فى بيان أضرحة تلك المدينة

أولا الواقعة داخل المدينة ؛ ضريح الشيخ أحمد البجم وهو مدفون داخل جامعه ، وهو سلطان عظيم ، ظهرت له كرامات كثيرة ، وعندما كان الشيخ السيد على بك واليا على مصر ، رأى كرامات كثيرة لأحمد البجم ، فترك العرش والإمارة واستلم الطبل والطوغ من أحمد البجم وأصبح خليفة للمشيخة من بعده ، وأنشأ هذا الجامع بالمال الحلال الزلال ، وهو مدفون بجوار حضرة أحمد البجم ، كان عاشقا لله عظيما.
وقبر الشيخان رضوان وسيدى يوسف وهما من مماليك السيد على بك ، أصبحوا مشايخ بعد تحريرهم من الرق ، وقد ظهرت لهم كرامات كثيرة وكانوا أئمة للطريق وأضرحتهم بالقرب من قبر أحمد البجم ، وبالجامع الكبير أضرحة كلا من الشيخ السيد أحمد العريان والشيخ السيد أبو الفتوح والشيخ على برجانى والشيخ السيد خليفة والشيخ السيد أحمد الحسينى رحمة الله عليهم أجمعين ، وقد تجولنا فى تلك المدينة ، ثم ودعنا كل الأحباء ، وسرنا فى صحراء مستوية حتى وصلنا إلى المدينة القديمة مدينة نهاريّة.
أوصاف مدينة نهّارية
كانت لمصر ملكة تدعى دلوكه ، حكمت مصر قبل عشرين عاما من فرعون موسى ، أسست دلوكة هذه المدينة لروح والدها الملك زيباك ووقفتها له ، وأسمتها مدينة زيباك ، بعد ذلك تم فتح القدس الشريف فى خلافة عمر ، وجاء عشرون ألفا من الصحابة الكرام إلى مدينة زيباك وحاصروها عشرين يوما ، ولكنهم هزموا بأمر الله وقتل منهم سبعة آلاف شخص ، بعد ذلك أرسل عمر بن الخطاب عمرو بن العاص لفتح مصر والإسكندرية وزيباك ، وقدم عمرو بن العاص مع ثمانية آلاف جندى لفتح زيباك ، وحاصر الجند المدينة وبعد سبعة أيام فتحها جند الإسلام ، وقتلوا عشرين ألفا من الكفار انتقاما لروح الشهداء الذين قتلوا قبل ذلك ، ولأن الدماء كانت تجرى مثل النهر أطلق على المدينة اسم نهاريّة.

وفى رواية أخرى : أن يوم فتحها كان يوافق يوم النحر بعيد الأضحى فأطلقوا عليها نحراريّة ، ونهاريّة ينطق غلط من لفظ نحرارية.
وفى رواية ثالثة : أن الحاكم بأمر الله أحد خلفاء بنى العباس تجول بمدن مصر كلها حتى وصل إلى مدينة زيباك ، وأصدر فرمانا بأن يكون الليل نهارا والنهار ليلا ، وأنه لو خرج شخص من داره بالنهار سوف يشق بطنه ، وامتثل كل أهل مصر لذلك امتثالا لمعنى حديث شريف مفاده : «وجوب طاعة ولى الأمر أو من ينوب عنه من الأمراء ولو كان عبدا حبشيا مجدعا» (1) فكان الأهالى لا يخرجون من منازلهم بالنهار ، وعندما يحل المساء يكون بمثابة الصباح لهم ، يخرج الجميع ويوقدون الفوانيس والقناديل ويبيعون ويشترون على أضوائها ، وظل هذا الحال عدة أيام فى مدينة زيباك ، لهذا أطلق عليها نهاريّة ، وهى كشوفية فى أراضى المنوفية تتبع كاشف منوف ، وتخرج سنويا أربعين كيسا من المال وقضاءها مائة وخمسون أقچه وبها ( ) (2) قرية يخرج منها سنويا ثلاثة أكياس ، كان قضاءها ذا درجة عالية بين القضاء ، حيث كانت مدينة عظيمة فى صحراء مستوية على ضفاف إحدى الترع التى انفصلت عن النيل المبارك ، وتوجد حاليا آثار لآلاف المبانى التى كانت موجودة بها ، إلا أن المدينة هجرت بمرور الأيام حتى هجرها كل الأهالى وانتقلوا إلى مدينة الأبيار ، لذا عمرت مدينة الأبيار ولحق الخراب بمدينة النهارية منذ خمسين عاما تقريبا ، وانهارت مدارسها وجوامعها وحدائقها ، ولم يتبقى بالمدينة سوى سبعمائة منزل أسقفها مغطاة بالتراب ، وتبدو المدينة وكأنها كبيرة إلا
__________________
(1) أخرجه مسلم من طرق عن أبى ذر ـ رضى الله عنه ـ أحدها فى كتاب الصلاة ، باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار ، حديث رقم (1440). وباقى طرقه فى كتاب المغازى حديث رقم (4673 ـ 4675) ، باب وجود طاعة الأمراء فى غير معصية ولفظه : «أوصانى خليلى (يعنى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم) أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا حبشيّا مجدع الأطراف». ورواه من حديث أم الحصين حديث (4676 ـ 4680).
انظر : صحيح مسلم بشرح النووى (6 / 261 ـ 263) ط. دار الغد العربى.
(2) بياض فى الأصل.

أنها خربة ، وبها أطلال كثيرة ، ويوجد بها حاليا تسعة محلات وأربعون محرابا منها ثلاثة عشر مسجدا جامعا العديد منها معطل ، فقد تعطلت بسبب ضمها للأوقاف الأميرية على يد الكاشفين ، وسنذكر الآن الجوامع العامرة بها ، أولا : الجامع الكبير فى الجهة الشرقية للمدينة ويبلغ طوله مائة خطوة وعرضه سبعين خطوة وبناحية المحراب اثنان وثلاثون عمودا مرمريا وحول الصحن اثنان وخمسون عمودا تحمل السقف ، وهو سقف خال من الزينة ، وسطح الجامع مغطى بالكلس ، وبفنائه شجرتان من شجر السدر ، وبوسط الفناء سبيل مياه ، وفى الزاوية اليمنى للفناء المئذنة وهى من أربعة طوابق ، وللجامع سبعة أبواب ، ويتم النزول إلى الجامع من الباب الموجود فى الناحية اليمنى بواسطة سلم حجرى من سبع درجات ، أما بقية الأبواب الأخرى فسلمها خمس درجات فقط ، ومنبر الجامع من الخشب القديم ، وعلى الحائط الموجود يسار المحراب لوحة مربعة مرمرية مكتوب عليها بالخط الجلى : (أمر ببناء هذا الجامع الشريف أبا بكر بن عبد الله العساكر المنصورة أعز الله أنصاره سنة سبع وستمائة) وبين المنبر والمحراب لوحة مربعة عليها كتابات لم نستطع قراءتها ، ولكن عليها تاريخ سنة ثمانمائة وعلى الإطار العلوى للمنبر كتب ما يلى :
(أمر بتجديد هذا المنبر المبارك مولانا السلطان الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الصالحى فى شهر ذى القعدة سنة خمس وثمانين وستمائة).
وفى الناحية الشرقية للفناء ميقات شمسى على القبو فى غاية الجمال لا يستطيع أساتذة علم النجوم مثل بهرام وكوان وفيثاغورث وعلى قوشجى صنع ميقات مثله ، إنه ميقات مشهور فى ديار مصر كلها ، وهو مثل ربع الدائرة القطبية ، محرر به القطر والميل ، وقد كتب فوق هذا الميقات آية : (رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ) [الفرقان : 45] ، خلاصة الكلام إنه ميقات فى مرتبة السحر المبين ، إن هذا الجامع جامع أنور يجاب فيه الدعاء.
وبالقرب من هذا الجامع جامع السيد ناصر الدين أبو العمايم ، وجامع العجمى ويقع داخل السوق وهو جامع صغير وجامع الحنفى وهو جامع ذو مئذنة ، وجامع سيد أحمد

السواح على ضفاف النيل ومئذنته فى وسط الفناء ، وجامع الحاج منصور المغربى وهو جامع صغير ، وما عدا تلك الجوامع مساجد ، ولكن زاويتا الست رقية وبلال الحبشى فى غاية العمران ، وبالمدينة وكالتان وسبيلان وثلاثة مكاتب للصبيان ، وسبع مقاهى ومائتا دكان ، وتنتشر مئات الدكاكين فى أيام المولد ، وبالمدينة حمامان ولكنهما معطلان أيضا.
وكل الأعمدة الحجرية الموجودة بالجوامع والمساجد والوكالات وأحجار العتبات من الأحجار تشبه المسلة الموجودة فى «آت ميدانى» (1) فى إستانبول ، وكانت بالمدينة بعض العلامات الحجرية ، إلا أن الظاهر منها الآن أساسها فقط ، وعندما بنت الملكة دلوكة تلك المدينة قام الكهنة بعمل ثلاث مائة وست وستون طلسما بالمدينة ، وقام الملك سوريد ببناء جسر عظيم على النيل أمام مدينة زياك ، ولكنه هدم على يد بخت النصر وتظهر دعاماته عندما تنخفض المياه فى نهر النيل ، وهى عشرين دعامة قوية بين كل دعامة وأخرى خمسين ذراعا مكية (2) وقد تيسر للحقير رؤية تلك الدعامات ذات مرة ، وتعبر السفن الذاهبة إلى رشيد من تلك الدعامات بحيطة وحذر ، وهذه المدينة القديمة أبنية غريبة وعجيبة ، كما تظهر تصاوير عجيبة وغريبة على الأحجار المختلفة على الحوائط ، وطرقها على هيئة لوحة الشطرنج لأنها بنيت على علوم الحكماء فى الزمن القديم ، ولوقوع المدينة على نهر النيل فإن هواءها لطيف للغاية وبها قرى عامرة.
وحول المدينة سبعة آلاف فدان يتم زرعها ، ونظرا لهجرة الأهالى للمدينة فإن النسبة انخفضت حتى وصلت إلى ألفى فدان فقط يحصل منها خمسون كيسا مصريا وبقية الأراضى الأخرى خاوية ، ويقام المولد بالمدينة مرة كل عام ويكون عشرة أيام بلياليها ، يتجمع به رجال كثيرون ، يبيعون ويشترون ليلا نهارا ، حيث يعمّر كل ركن من أركان
__________________
(1) اسم ميدان أمام مسجد السلطان أحمد كان الرومان البيزنطيون يستخدمونه ميدانا لسباق الخيل ، عمره بعد خراب السلطان محمد الفاتح وأصبح ميدانا لسباق الخيل ومباريات أخرى ، وكان الإنكشارية يحتشدون فيه معلنين الثورة. وفى القرن التاسع سمّى ب «ميدان السلطان أحمد».
(2) الذراع المكى ـ ويقال الهاشمية ـ مقياس ، طولها 64 سنتيمترا.

المدينة فى تلك الأيام ، وتصطف الحوانيت على الطرقات ، وتشتهر النهارية بكتانها الذى يفوق كتان الفيوم ، لذا فالقماش هناك رقيق للغاية ، ولهم خبز أبيض خاص بهم وعندهم نوع من السمك يسمى شليه ، كما توجد مصانع النشادر على ضفاف النيل فى مدينة النهارية ، والنشادر التى تصنع هناك نظيفة خالية من الأوساخ والشوائب ، ومن العجائب الموجودة بتلك المدينة أيضا تلك الترعة التى قامت الملكة دلوكه بحفرها من أمام قرية الفرزدق وهى خاصة بنقباء الأشراف ، وهى ترعة شقت من النيل تمر من أمام قرية النهارية ، والعجيب فى تلك الترعة أنها حفرت بشكل يجعلها تجرى ناحية الجنوب بالرغم من أن النيل المبارك يجرى صوب الشمال حتى يصب فى البحر الأبيض عند رشيد ، وتمر تلك الترعة من مدينة النهارية ثم مدينة الأبيار ثم محلة المرحوم وتنتهى فى بلد شيب ، وإذا ما فاض النيل فإن المياه تزيد بها وتجرى نحو الجنوب حتى تصب فى نيل دمياط ، أما فى الأوقات العادية فتزيد المياه بها وتقل على حسب المد والجزر ، ويقولون هناك أن المياه موجودة بها بصفة مستمرة ولا تجف خمسة أو ستة أشهر مثل بقية الترع الأخرى وذلك لأن الملكة دلوكه دفنت طلسما أمام النهارية ، ويجرى النيل على عكس تياره من تأثير هذا الطلسم ، وهى على هذه الحال إلى ما شاء الله.
أوصاف مزار الأولياء بمدينة النهارية
أولا الموجودون وسط المدينة : ضريح الشيخ محمد بن زين وهو ضريح ذو قبة منخفضة فى أحد أركان فناء جامعه ، والضريح من الداخل لا توجد به زينات وزخارف كثيرة ، والجامع أيضا جامع صغير ، ولكن المصلين به كثير ، وبابه يطل على ناحية الشرق ، وله مئذنة بيضاء ذات طابق واحد ، وقبة الضريح مكسوة بالكلس الأبيض ، ولهذا الشيخ مناقب مشهورة عند العرب والعجم إحدى تلك المناقب ما يلى ؛ عندما أراد الشيخ محمد بن زين التوجه لأداء فريضة الحج ، قال بعض خلفائه : فى أى يوم ستخرج إلى الحج؟ وكم ناقة تحتاج يا مولانا؟ فقال لهم أنا يمكننى أن أحضر ناقة ، أما

أنتم فدبروا حالكم ، وفى الصباح جاء أعرابى بناقة بيضاء جميلة إلى الشيخ وأعطاها له وقام الشيخ بتوديع الحضور فى المجلس وبينما كان الشيخ منشغلا بالذكر بقوله يا حى يا قيوم يا قوى يا متين أخذته الناقة على ظهرها وهرولت به كريح الصبا حتى خرجت من المدينة ، فتعجب المريدون من هذه الحال وأسرعوا خلف الناقة يبحثون عنها ، وقد وجدوا الشيخ يؤدى صلاة الظهر والناقة باركة بجواره ، وبعد الصلاة أرسل كل أحبائه إلى المدينة أما هو فجلس يذكر الله مع سبعة من الرجال ، ثم ركب الناقة وعزم على المسير وعندما رأى كل الحجاج هذا تحيروا ، حقا إنه سلطان صاحب قوة خارقة.
وقد قطع هذا الشيخ المراحل وطوى المنازل حتى وصل المدينة المنورة فى أربعين يوما ، وسارت به الناقة إلى باب السلام ، فقام الشيخ بتقبيل ضريح حضرة صاحب الرسالة ومسح وجهه بالروضة المطهرة ، ثم قال الرجل وهو يقف أمام روضة النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم : (يا رسول الله لقد أحضرت لك جملا هدية وأتمنى أن تقبلها منى) وعلى الفور ظهر صدى من داخل القبر الشريف يقول : (يا محمد بن زين لقد قبلها الله أيضا وشفاعتى لك ، يا ابن زين إن ناقتك التى أحضرتها قد ماتت الآن لا تطعمها ولا تسقيها امتطيها واذهب إلى مكة وعرفات والمروة وبعد أربعين يوم سوف تذهب بك إلى النهارية لتدفنها هناك) ، وعندما استمع ابن زين لهذا الصدى من القبر الشريف حمد الله وقال لقد قبلت هديتى ، وعندما خرج وجد الدراويش الموجودين بجوار الصفة يصرخون ماتت الناقة ، فقال الشيخ محمد أيتها الناقة لقد سرت بى وأنت حية وسوف تسيرين بى وأنت ميتة بإذن الله ، فركب الناقة الميتة قائلا باسم الله وقال : (يا جمل قم بإذن الله) فنهض الجمل على قدميه وسار وهو ميت وذهب فى عشرة أيام إلى مكة وعرفات وأدى الشيخ الحج ، وقطع المنازل وطوى المراحل ، وفى اليوم الأربعين وصل إلى مدينة النهارية وهناك سكنت الناقة عن الحركة ، فقام الشيخ بتغسيلها بيده المباركة ودفنها ثم أنشئت بعد ذلك قبة عليها أطلق عليها قبة ناقة الله ويزورها كثير من الناس ، وقد شوهد ذلك كثير وشهد الذين ذهبوا إلى هناك بأنهم يسمعون ضجيج الإبل يخرج من القبر ، وفى تلك السنة توفى الشيخ ليحشر تحت لواء صاحب الرسالة قدّس سره العزيز.

وهذه المناقب قريبة العهد وأحمد الله أن الحقير تسنى له زيارة الضريح ومسح وجهه به وقرأ الختمة الشريفة هناك مرتين ووهب ثوابها لروح الشيخ ، وقد رجوت شفاعته.
وضريح الشيخ السيد حسن القصرى بالقرب من جامع عطية البيه ، وفى قبالته ضريح الشيخ حسين وهو فى زاوية صغيرة ، وفى ضريح صغير يبعد عن قبلة باب الجامع بمائة خطوة قبر الشيخ إبراهيم قرانجة وفى مقابلته ضريح الشيخ ناصر الدين أبو العمايم ، وهو مدفون بجانب جامعه الذى يشبه حدائق إرم ، والضريح مزار للعام والخاص ، وقد مدحت أوصافه فى طبقات الشعراوى ، قدّس سره ، وقبر الشيخ سيد على وحيش وهو مدفون فى ضريح صغير داخل جامع صغير يقع بالسوق.
ضريح الشيخ حسين العجمى ، وفد هذا الشيخ مع ابنه إلى محلة المرحوم من ديار العجم وهو سلطان عظيم ، وقبر الشيخ عثمان الحنفى بفناء جامعه على ضفاف النيل وهو ضريح صغير داخل الجامع ، وبالقرب منه ضريح الشيخ بلال الأنصارى وهو من الصحابة الكرام وهو ليس بلالا الحبشى ، فبلال الحبشى مدفون بالشام عند باب النعجة ، أما بلال الأنصارى فهو مدفون بزاوية صغيرة بمدينة النهارية ، ثم ضريح الست رقية ويقع فى زاويتها ، وأكثر زواره من النساء ، ثم ضريح الشيخ أحمد السواح وهو ضريح صغير فى الناحية اليسرى من جامعه.
ثانيا : أما الأضرحة الموجودة خارج المدينة فهى : ضريح الشيخ نصر الدين أبو العلا ، وهو شيخ كبير له مناقب فى طبقات الشعراوى وضريحه أبيض اللون يقع خارج المدينة فى ناحية القبلة وله جامع فخم مزين ، وبالناحية الشمالية للمدينة ضريح الأولياء السبعة ويطلقون عليه مزار الأولياء السبعة لأن سبعة من الأولياء مدفونون به ، وكلهم من نسل النبى يوسف ، وعلى ضفاف النيل ضريح صغير للشيخ يوسف العجمى.
وعلى ضفاف الترعة الموجودة بمدينة النهارية على مقربة من المقهى ضريح على رفيعى وهو ضريح صغير وقد شاء المولى القدير أنه أثناء زيارة الحقير لهذا الضريح تهدم

جزء منه ، وتم ترميمه على الفور بواسطة سبعة بنائين وعشرة عمال وعشرة قناطير من الجبس والكرج ، ثم تلى الحقير ختمة شريفة فى ثلاث ليال بالضريح ووهب ثوابها لروح الشيخ ليتقبل الله ، وبفناء الضريح شجرة سدر ، ويعتقد التجار المغاربة الذين يأتون للنهارية لشراء الكتان فى الشيخ لأقصى درجة ، ودائما ما يقومون بزيارته فلا يرون ضررا فى رحلتهم ، إنه سلطان عظيم.
ثم ضريح الشيخ عبد الله وهو ضريح صغير تحت شجرة سدر أمام باب وكالة الكاشف الواقعة على ضفاف النيل ، وبالقرب منه ضريح الشيخ محمد الحجازى وهو خال الشيخ أحمد البدوى ، سلطان عظيم من كبار الأولياء ، وبمدينة النهارية آلاف الأضرحة لكبار الأولياء ولكن ما ذكرناه هو ما ذهبنا إليه فقط.
وركبنا مع رفقائنا القارب ومررنا ببلدة قليبة المقابلة لمدينة النهارية وهى بلدة عامرة بها مائة منزل على ضفاف النيل ، وتقع تحت حكم عبد الرحمن أفندى أما قضاءها فثمانية أكياس ، وبها جامع كبير بزاوية من زوايا فنائه ضريح الشيخ عبد السلام قليبى وهو سلطان عظيم ، وهو عم الشيخ محيى الدين بن العربى المدفون بالصالحية بالشام الشريف ، أتى هذا الشيخ من المغرب ودفن فى هذه البلدة ؛ وقد قمنا بزيارته وقرأنا القرآن عنده ، وبالقرب من ضريح الشيخ السيد عبد الواحد ، ضريح صغير فى فناء الجامع الذى أنشأه الشيخ عبد الواحد من ماله الخاص ، ثم عدنا بالمركب إلى الناحية الأخرى من النهارية.
فى بيان مولد النهارية
يجتمع فى هذا المولد خلق كثير مثل مولد الشيخ أحمد البدوى ؛ إلا أنه لا يضاهى ذلك التجمع الموجود بمدينة طنطا ، ويوجد به كل العاشقين والصادقين ويجتمع التجار والزوار وأهل الصناعات والحرف فى هذا المولد بخيامهم الكبيرة والصغيرة ، وينصب التجار والصناع الخيام كحوانيت لهم ، ولا شك فى أن وجود تلك الحوانيت فى مدينة النهارية ينعشها ، وفى أيام هذا المولد تنشر أيضا مئات الخيام والحوانيت والمقاهى على ضفاف النيل تحت ظلال الأشجار حيث يبيعون ويشترون لمدة عشرة أيام بلياليها ، ولكون

هذا المولد على ضفاف النيل ، فإن كل زواره وتجاره يأتون بالمراكب ويشكلون جمعا غفيرا يعجز اللسان عن وصفه ، وفى اليوم العاشر اعتزم كاشف منوف العودة إلى مصر مع جنوده ودقت طبول العودة أما كل الزوار والتجار فقد عزموا على التوجه إلى مولد إبراهيم الدسوقى.
وقد ركب الحقير زورقا مع مجموعة من خدمه ، وسرنا أربعين ميلا فى ترعة النهارية وشاهدنا على جانبى الترعة مئات القرى العامرة ذات حدائق النخيل والورود ، ثم دخلنا نهر النيل الرئيسى من عند نهاية تلك الترعة عند بلدة الفرزدق ، وقد شقت الملكة دلوكه ترعة النهارية من هذا المكان وبذلك جلبت الملكة مياه النيل إلى النهارية.
تقع بلدة الفرزدق فى أراضى الغربية بها مائتا منزل وجامع ، وهى قرية نقيب أشراف مصر برهان الدين أفندى ، عبرنا بلدة الفرصدق وسرنا نحو ثلاثين ميلا فوصلنا إلى قصبة محلة صا ويطلقونا فى تلك النواحى محلة على القصبة ، ومحلة صا تقع فى أراضى البحيرة بها مائتا منزل وجامع جديد بمئذنة وزاوية وعشرة دكاكين ومقهى ، ودار للضيافة ويقيم الملتزم والأمين فى تلك الدار ويطلقون عليها المسافر خانه ، ويقوم كل الأهالى هناك بتقديم بعض محاصيلهم ليتناول منها الضيوف والمسافرون ، إنها خيرات عجيبة وقد أقام الحقير ليلة فى هذه الدار.
وفى الصباح ركبنا المراكب وسرنا نحو عشرين ميلا فوصلنا إلى محلة أبو على وتقع على النيل فى أراضى الغربية ملتزمها هو عمر الجوربجى وهى قصبة عامرة يحصل منها سبعة أكياس مصرية ، قضاءها مائة وخمسون أقچه ويتبعها خمسة وأربعون قرية آهلة يحصل لقاضيها كل سنة ثلاثة أكياس ، وهذه القصبة قصبة لطيفة وعامرة على ضفاف النيل تمتد من الشرق إلى الغرب ، وبها ثمانمائة منزل أسقفها مغطاة بالتراب وهى للفلاحين ، وبها تسعة محاريب من بينها جامعان ؛ الأول منهما يقع بالقرب من المحكمة الواقعة على ضفاف النيل وهو جامع قديم به أربعون عمودا من المرمر ، وبفنائه شجرة سدر كبيرة مرتفعة جدا تتدلى منها الأغصان ، أما الجامع الصغير الموجود بالسوق فتقام به جماعات كثيرة ، وما عدا تلك المحاريب فهى زوايا ، وبالمحلة خمسون حانوتا ودكان

وثلاثة أسبلة ومكتبان للصبيان ولا يوجد بها حمام ، وبها دار لملتزمها عمر الجوربجى وهى مثل القصر المنيف ، تمتلئ بالغرف والقاعات.
ومن هناك ركبنا الخيول وذهبنا إلى بلدة المجنون وهى بلدة عامرة على ضفاف النيل بها مائة منزل ، فى التزام مصطفى أغا أغا الانكشارية فى مصر ، عبرناها ثم اتجهنا ناحية الغرب فى أراضى الغربية ، فوصلنا إلى قصبة إبراهيم الدسوقى.
أوصاف قصبة إبراهيم الدسوقى
سميت هذه القصبة على اسم الشيخ إبراهيم الدسوقى لأنه كان يقيم بها ، وهى من أراضى الغربية وتبعد عن النيل بمقدار خمسمائة خطوة ، ملتزمها هو قيطاس أغا الشركسى وهى قصبة عامرة بها خمسمائة منزل وبها دار ضيافة ويحكمها شيخ العرب ، ويمتلك ألف جواد ويوجد مشايخ من أبناء الشيخ الدسوقى الآن فى تكية الدسوقى ، بها حدائق وبساتين كثيرة وستة جوامع وجامع من آثار السلطان قايتباى من سلاطين مصر يبلغ طول هذا الجامع من باب القبلة حتى المحراب مائة وعشرون خطوة ، وعرضه مائة وثلاثون خطوة وبالجامع خمسون عمودا مرمريا تحمل الكمرات التى تحمل السقف ، وهو سقف خال من الزينة ، المنبر ومحفل المؤذن من الخشب أيضا ، والمحراب قديم خال من الزينة ، نقش فوقه بالخط الجلى عبارة : (أمر بإنشاء هذا الجامع الشريف السلطان قايتباى عز نصره).
والغرفة الموجودة أمام المحراب مدفون بها كبار الأولياء ، ودائما ما يسطع منها النور ، وللجامع أربعة أبواب اثنان منهما يطلان على القبلة والآخران يطلان على ناحية الغرب واحد منها باب للعمارة والثانى باب الميضأة ، أما الباب الصغير المكشوف على حوض الشافعى فهو باب صغير ويدخل منه من يريدون تجديد الوضوء ، والمكان من منتصف الجامع وحتى المحراب مرتفع يصعد إليه من مكانين بواسطة سلالم حجرية ترتفع لستّ خطوات ، وعند الباب الموجود فى الناحية اليسرى من البابين المطلين على القبلة توجد مئذنة موزونة غاية فى الجمال صنعت بدقة ومهارة تجعلها لا يوجد مثلها فى مصر وبقية

الديار الأخرى ، ترتفع هذه المئذنة لمائة وخمسة أقدام وهى ثلاثة طوابق ، إنها مئذنة تثير العجب ، وأسفلها باب يتم الدخول منه إلى ضريح قطب الأقطاب الشيخ إبراهيم الدسوقى قدّس سره العزيز حيث يرقد فى هذا الضريح مستغرقا فى نور الله مرشد الناس السلطان العارف بالله الشيخ إبراهيم الدسوقى ، ولم تكن قبة الشيخ إبراهيم الدسوقى مزينة بنفس الزينة الموجودة فى ضريح السيد أحمد البدوى وتوجد بعض المعلقات فقط بالضريح من الداخل لم يكن بها تكلف.
على أية حال لم يكن لضريح إبراهيم الدسوقى هذا الحظ من الزينة ، وعلى الجوانب الأربعة للضريح مجموعة من القناديل ومئات الشموع والأعلام البرهانية ، أما أرضية الضريح فهى أرضية من المرمر ليست مفروشة ، ويطل باب الضريح على ناحية الشمال ويدخل منه الزوار إلى الضريح ويؤدون ركعتين بجوار المحراب ثم يذهبون ، وبوسط تلك القبة قفص خشبى بداخله صندوق الضريح وهو مغطى بالصوف الأخضر كما توجد عمامة خضراء عند رأسه فهو حسيب النسب من العرق الطاهر والسادات الكرام ، كان الشيخ إبراهيم الدسوقى معاصرا للبدوى وهم أبناء عمومة والبدوى كان من الدراويش الأميين ، أما إبراهيم الدسوقى فكان سلطانا مصنفا مؤلفا وله الآن مئات المجلدات والمؤلفات كلها كتب قيمة عن العلم اللدنى ، وله أشعار بليغة وفصيحة وهى أبيات فى التصوف تقرأ بين المتصوفة ، وله مئات الكرامات والمناقب المذكورة فى بعض مناقب الأولياء وطبقات الشعراوى ، لم يشتغل الدسوقى باللهو واللعب مع الصبيان فى زمن صباه فقد كان يقوم الليل ويصوم النهار وأصبح صاحب سجادة لآلاف المشايخ وأرشد آلاف الرجال ، ولا يستمع أى شخص تارك للصلاة أو شارب للخمر من أهل الهوى إلى أبيات الشيخ الدسوقى إلا ويتوب على الفور ويصبح من أهل السلوك ، وقبة ضريح الدسوقى مغطاة بالكلس الأبيض يعلوها علم كبير من النحاس الأخضر ، لو حدثت أى مصيبة كبرى أو مات أى سلطان فإن هذا العلم النحاس الأخضر يميل ناحية الشرق أو الغرب من ناحية القبلة وبذلك يعلم جميع طوائف العربان الموجودين هناك أنه

قد حدثت مصيبة بتلك الديار التى مال العلم ناحيتها لذا يقول طائفة العربان وهم يصيحون يا دسوقى يا مولى النحاس.
وفى اليوم الذى استشهد فيه السلطان إبراهيم فى الروم مال هذا العلم نحو الغرب ولا يستطيع أحد أن يضع يده على هذا العلم ، ودوران هذا العلم هكذا كرامة ، وتلك كرامة أخرى حدثت فى ضريح الدسوقى عندما كان الحقير يقوم بزيارة إبراهيم الدسوقى رأى رجلا يصيح داخل الضريح ، إنه رجل من حجاج الروم وضع ألف عملة ذهبية فى حافظته وذهب لزيارة إبراهيم الدسوقى وبينما هو فى هذا الخضم العجيب من البشر قام لص محترف بسرقة الألف عملة ذهبية منه فصاح الرجل يا دسوقى هل هذا يليق بك؟ لقد زرتك وقلت فى نفسى : (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) [آل عمران : 97] ، ولكن سرقت منى أموالى الذهبية التى أنوى الذهاب بها إلى الحج الشريف ، سرقت منى على أعتابك هل هذا يصح؟ والله سأشتكى منك لله ، وعلى الفور تجمع الناس عند باب الضريح حيث كان هناك رجل يرتدى عباءة سوداء وعيونه مكحلة ويمسك فى يده المسبحة ، كان الرجل قد أصابته نوبة صرع سقط فى الضريح لا يستطيع التحرك ولكن لسان حاله كان يشير على بنطاله ، حاول أحد خدام الضريح وأحد خدام الحقير إخراج جسد الرجل من الضريح ولكنهم لم يستطيعوا ذلك واستخرجوا من جيب بنطاله الألف قطعة ذهبية وردوها لصاحبها ، فصعد الرجل على الفور إلى حرم الجامع وأعطى لكل حافظ من الحفاظ العشرة عملة ذهبية وذلك ليقرأوا ختمة شريفة لروح إبراهيم الدسوقى ، كما تصدق بمائة عملة ذهبية على الفقراء الموجودين فى حرم الجامع ، أما اللص فقد قضى ليلته فى فناء الجامع وهو جريح فقام بعض المشايخ بقراءة حزب البحر وبعض التعازيم عليه حتى شفى إلا أن يديه كانتا فى حكم المشلولتين وذهب الرجل على ذلك ، وقد رأينا هذا الشخص فى الإسكندرية عندما ذهبنا إليها بعد ذلك فكانت يداه معوجتين.
خلاصة القول أن إبراهيم الدسوقى سلطان. وقد شاهد تلك الكرامة المارة الذكر مئات البشر عندما حدثت قدّس سره العزيز.

وفى الناحية اليمنى لهذا الضريح يوجد لوح من المرمر عليه أثر قدم النبىصلى‌الله‌عليه‌وسلم على أحد الحجارة ، ومكان قدم النبى وضع ماء الورد يقوم كل الزوار بالأخذ منه ويمسحون به وجوههم ثم يقبلون الحجر الموجود عليه أثر قدم النبى ويطلبون الشفاعة وعند رأس الشيخ إبراهيم الدسوقى نقشت عبارة : (أمر بتجديد هذه الشبكة المباركة بهرام أغا ابن شيخ محمد) بالخط الجلى على لوحة مرمرية ، وفى الناحية اليسرى لمحراب الضريح باب صغير يتم الدخول منه إلى حجرة صغيرة بها ضريح الشيخ سيد موسى بن الشيخ إبراهيم الدسوقى وليس بها أى زينة تذكر ، بالإضافة إلى قبتين صغيرتين فى فناء الجامع ، أما القبة الموجودة فى ناحية باب العمارة فمدفون بها بهرام أغا الذى قام بتعمير وترميم ضريح إبراهيم الدسوقى ، والصفة الخارجية والسطح والقبة الموجودة على يسار هذه القبة مدفون بها حفيد إبراهيم الدسوقى وهو الشيخ عبد الله أبو الطيور ابن الشيخ موسى كان هذا الشيخ خليفة للدسوقى بعد وفاته.
وأبواب هذه القباب الصغيرة كلها مكشوفة ناحية الشمال ، وبكل قبة منها نافذة أو نافذتان تطل على الحرم ، وبعمارة هذه التكية أوعية كبيرة للغاية يوضع فى كل واحدة منها أيام المولد ثلاثة أو أربع من الجاموس أو عشر نعاج ، ويطبخ فى أحد تلك الأوعية شوربة القمح كما يتم صنع عشرين ألف رغيف خبز وتقدم كل تلك الأطعمة للفقراء والمساكين ويقدم الطعام على هذا المنوال عشرة أيام بلياليها. أما فى الأوقات المعتادة فيتم طهى إناء واحد فقط من شوربة العدس والقمح وثلاثة آلاف رغيف وتقدم للفقراء والمساكين والطلاب ، وذلك لأن غرف الطلاب والمريدين وهى تزيد على مائة غرفة تصطف على الجهات الأربعة حول فناء الجامع بها أناس يشتغلون بالعلم والطاعة والذكر وناظر تلك الأوقاف هو السيد يحيى من أبناء إبراهيم الدسوقى وابنه الشيخ سيد شريف الدين ودائما ما يقوم بالإنفاق على المريدين والمساكين ومنازل المذكورين تقع فى فناء الجامع.
وبتلك القصبة خانان وعشرة حوانيت ولا يوجد بها حمام أو مدرسة ، وبها سبيل للمياه ، بفناء الجامع ، يشرب منه كل الزوار إنه ماء الحياة ، عبارة عن صهريج مثل البحر

لا ينقص قطرة ، والحوانيت المذكورة موقوفة على هذا السبيل وفى أيام المولد تنصب آلاف الحوانيت والدكاكين من الخوص والغاب والكليم والخيام فى مكان المولد وبطول ساحل النيل ولا يعلم عدد تلك الحوانيت سوى الله حيث يأتى تجار الأقمشة من الهند واليمن ويستمر البيع والشراء عشرة أيام بلياليها ، ويقدر هذا البيع والشراء بمئات الآلاف من القروش ، وبخلاف الحوانيت فإن الطريق الرئيسى قد زين من على جانبيه بالمقاهى وبائعى الخبز وهو ما يضفى الجمال على الطريق بأكمله ، وبكل مقهى من تلك المقاهى توجد الراقصات وأهل الغناء ومن يعزف الرباب ، كما تنتشر الأسواق فى فناء جامع إبراهيم الدسوقى وخارج الفناء وتباع فيها الأشياء القيمة.
وهذا المكان مكان جيد للبيع والشراء لأنه داخل المدينة ويزيد مولد إبراهيم الدسوقى على مولد البدوى بأنه يأتيه أناس كثيرون وذلك لوجود المدينة على ساحل النيل فيأتى الزوار فى ألفى مركب وسفينة وصندل وزورق من كل المناطق الواقعة على نهر النيل من الإسكندرية وحتى الصعيد وبذلك يجتمع أناس كثيرون فى مولد الدسوقى ويكون هذا الجمع كاليم ، وترسو تلك السفن والمراكب على شاطئ النيل وقد تزين كل مركب منها بأربعين أو خمسين أو مائة أو مائتى راية وعلم كما يوجد بها آلاف القناديل ، وبكل سفينة من السفن الجريم والعقبة الآلات والأسلحة ، ويتم تجهيز المقاعد للضيوف القادمين ، ويضاء كل ليلة مئات الآلاف من القناديل حتى وقت السحر وتطلق الأعيرة النارية والفشنك ، وتدق الطبول فى كل النواحى ، فتكون كل ليلة ونهار من تلك الأيام بمثابة عيد الأضحى.
كما يقوم أصحاب الخيام والحوانيت برش المياه أمام الخيام والحوانيت مما لا يسمح بوجود ذرة غبار واحدة ، ويطيب النسيم فيحيى العاشقين ، ويخرج العاشقون من المراكب والسفن وينتشرون على ضفاف النيل وينصبون خيامهم تحت أشجار النخيل ويطهون الأطعمة النفيسة ، ويعيشون على ذلك ليلا ونهارا ويصبح مجلسهم مثل مجلس حسين بيقارا بسبب المطربين والعازفين ففى كل ناحية وزاوية تجد جماعة تجلس مع

بعضها يتسامرون أحيانا ويذكرون تارة أخرى وبالرغم من ذلك يكون عدد الخيام فى مولد أحمد البدوى أكبر من عدد الخيام فى مولد إبراهيم الدسوقى ، وذلك لأن حوالى أربعين أو خمسين ألف من الفلاحين والملاحين يرقدون فى السفن والمراكب ، أما بالنسبة لعدد الرجال فمولد الدسوقى أكبر من حيث العدد والجمع به يكون مثل البحر ، حيث يختلط الكتف بالكتف من شدة الزحام وتأتى السفن من كل البلدان بالطعام والشراب ، وينصب مشايخ الطرق خيامهم فى أحد أطراف تلك المدينة على المراعى والأراضى الخضراء وينشغلون بالذكر فى كل ليلة حتى الصباح ، ويصل صدى ذكرهم إلى عنان السماء.
وفرقة أخرى تركب السفن ليلا وتصل حتى محلة أبو على ويطلقون الأعيرة النارية والفشنك وهم يهتفون باسم السلطان محمد خان ، ويدقون الطبول ويسيرون مع النيل ثم يأتون إلى مركزهم ويستقرون به ، أما طائفة العربان فإنهم يصفقون ويقولون : (الله ينصر السلطان) وتصبح خيامهم وأسواقهم بذلك أشبه بضجيج الهند كما يبقى فى كل سفينة ومركب ألفى رجل يقومون بالدعاء بالخير للسلطان وكل سفن المشايخ فى مولد الدسوقى مثل سفن المشايخ فى مولد البدوى أربع طبقات.
وفى اليوم الثامن من مولد الدسوقى وهو يوم الأربعاء ينادى الدلالون فى قصبة دمنهور بولاية البحيرة بالمولد الشريف فيذهب موكب عظيم به سبعمائة من المشايخ وعشرين ألف من الدراويش والمريدين بالكسوة الشريفة الخاصة بالشيخ الدسوقى ويضعونها على صندوق ضريحه وفى يوم الجمعة يخرج الموكب العظيم على دقات الطبول والتوحيد بوضع الكسوة على ضريح الشيخ إبراهيم الدسوقى ، ويكون بهذا الموكب سبعمائة من المشايخ وأربعين ألف مريد ودرويش من مريدى الطرق البرهانية والرفاعية والجيلانية ويقومون بتجديد الكسوة على الضريح ثم يدعون للسلطان وكل سلاطين آل عثمان ولأصحاب الخيرات بالخير.
وفى ذلك اليوم يؤدى كاشف الغربية خدمة أيضا ، حيث يذهب كل الزوار والتجار

إلى أوطانهم بعد انتهاء المولد ، وتفترق كل الجماعات عن بعضها البعض ويصبح ميدان دسوق وهو يضطرب بين ساعة وأخرى ولكن يبقى من هذا الجمع الغفير سبعمائة شيخ من الخلفاء ، وبعد رحيل كل الزوار وانتهاء الضوضاء وسكون المكان ، يذهب هؤلاء المشايخ ليلة السبت إلى جامع إبراهيم الدسوقى ويجتمع الصلحاء والمشايخ والدراويش فيكون المولد الشريف فى تلك الليلة المباركة ويحرقون العود والعنبر والبخور ، وينثرون ماء الورد فى تكية الدسوقى ، ويتناولون الأرز باللبن والسكر ويشربون المشروبات الممزوجة بالمسك ، وهذه العادة من كل حسنات سيد مصطفى أغا مندلى زاده فى رشيد ، ويقوم كل المريدين بإحياء تلك الليلة حتى الصباح فيختم مئات حفاظ القرآن الكريم ويجلسون جماعات جماعات يذكرون الله بذكر لا يخص أى طريقة ، وبهذا التجمع روحانية وأسرار شوق لا يشعر بها سوى العاشقين فقط ولو استمع أى جاحد أو صاحب قلب متحجر لهذا الذكر فإنه سيتوب على الفور ، إنه الطريق البرهانى وهو مشهور بين طرق أهل التوحيد.
ولا يستطيع أى مريد من أى طريق آخر القيام بهذا التوحيد الخاص بالطريق البرهانى ، ويتحمله فقط القادرى والمطاوعى ، وتعد تلك الليلة بمثابة ليلة الإسراء ، بعد ذلك وفى صباح اليوم التالى يقومون بزيارة الوداع ، ويستأذن كل المريدين من الخليفة وبذلك لا يبقى شخص واحد فى ميدان دسوق ، حيث يركب كل المشايخ المراكب ويذهبون إلى ديارهم ، وقد أدى الحقير زيارة الوداع هذه وختم القرآن وأهدى ثوابه لروح الدسوقى وطلب منه الشفاعة ليتقبل الله ، ثم قبلنا يد الشيخ شرف الدين وسرنا لمسافة ثلاثة أميال فى نهر النيل فوصلنا إلى بلد مرقاص وهى فى أراضى البحيرة على ساحل النيل وهى عبارة عن قرية عامرة بها مائة منزل وحدائق النخيل ، وينزل كل المشايخ فى تلك القرية حيث يحتفلون بمولد الشيخ أبو المجد بن الشيخ إبراهيم الدسوقى وهو مدفون فى ضريح عال يقع فى حديقة نخيل وورود بجوار الجامع الكبير الموجود بالقرية حيث يحتفلون به ليلة واحدة ، وللشيخ أبو المجد مئات المناقب والكرامات منها أنه أدى الحج ماشيا سبعين مرة.

توفى عام ( ) (1) أما الشيخ إبراهيم الدسوقى فقد ولد عام ( ) (2) ومدة عمره ( ) (3) وتوفى فى عهد ( ) (4) ، ويجتمع فى تكية الشيخ أبو المجد آلاف العاشقين الصادقين العارفين ويتسامرون يوما وليلة ، يقرأون فيها المولد ، وتتلى فى تلك الليلة مئات الختمات الشريفة ، ثم يركب الجميع المراكب ، ويذهبون إلى بلادهم وقد قام الحقير بتوديع الشيخ الشناوى والشيخ شرف الدين وحصل منهم على الدعوات بالخير وركب المركب وأبحر فى النيل حتى وصلنا إلى بلد الرحمانية المقابلة لمدينة إبراهيم الدسوقى وتقع بلدة الرحمانية فى أراضى البحيرة وهى فى التزام قيطاس أغا الشركسى وهى قرية عامرة بها خمسمائة منزل وستة حوانيت وثلاثة جوامع ومئذنة واحدة ومصنع سكر وستة مقاه ودار الضيافة بها عامرة للغاية وكأنها القصر العالى المنيف ، وتشتهر تلك القرية بمزارع قصب السكر ويتحصل للملتزم منها سنويا من محصول السكر والمحاصيل الأخرى عشرة أكياس ، وأحد الجوامع الثلاثة المذكورة من بناء السيد نفيس ويوجد أمام محراب الجامع أربعة أضرحة مدفون بها أربعة من أبناء الشيخ سيد نفيس وهم الابن الأكبر الشيخ سيد محمد يليه الشيخ سيد سليمان يليه الشيخ سيد محمود وكلهم من السادة الكرام وبخلاف تلك الأضرحة توجد أضرحة أخرى لكننا لا نعلم لمن كانت تلك الأضرحة وكلهم خلفاء للطريقة البرهانية ، والجامع جديد وعامر قبته مطلية بالكلس الأبيض وبه مئذنة وعلى منبره آية : (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة : 18] وقد قرأ الحقير فى هذا الجامع ختمة شريفة لروح كل واحد من المدفونين فى هذا الجامع ، ثم ذهبنا إلى قصر قيطاس أغا وركبنا الخيول الكحيلانية مع حضرة الشيخ الشناوى وسرنا على دقات الطبول والدفوف إلى مدينة دمنهور لحضور مولد الشيخ أبو الريش.
__________________
(4:1) بياض فى الأصل.

المنازل التى مررنا بها فى طريقنا إلى دمنهور
عبرنا غربا من بلدة الرحمانية حتى وصلنا إلى بلدة الداودية وهى قرية عامرة بها مائة منزل وجامع وبها ضريح الشيخ عطا الله السنهورى وهو بين الأشجار على الطريق العام وقد قرأنا الفاتحة لروحه ثم سرنا ناحية الغرب فى صحراء كبيرة فوصلنا إلى بلدة السنهورية وهى قرية تقع فى أراضى البحيرة فى وسط الصحراء بها ثلاثمائة وعشر منازل وجامع على هضبة مرتفعة ثم سرنا غربا فى الصحراء على ضفاف ترعة الملك الأشرف فوصلنا إلى دمنهور.
أوصاف المدينة القديمة دمنهور
يطلقون عليها خطأ دمنهور من كلمة دم نهور وسبب تسميتها بهذا الاسم أنه عندما فتح عمرو بن العاص مصر فى عهد عمر بن الخطاب وبعدها بسبع سنوات أرسل عمرو ثلاثة آلاف جندى للبحيرة لتأمين مسيرة الحجاج المغاربة فقام الملك قوطيس القبطى أخو الملك المقوقس بحصار البحيرة ودارت الحرب بينه وبين جند المسلمين لمدة سبعة أيام صارت الدماء فيها مثل الأنهار فأطلق عليها بعد الفتح دم نهور وأصبح يقال عليها خطأ دمنهور ، ولا توجد حكومة تملك إيالات كثيرة أكثر من دمنهور فى أقاليم مصر فتمتد حدودها حتى الجنوب إلى الصعيد وإلى طرابلس وإلى الجبل الأخضر وإلى الواحات ويلزم لها كاشفون ذوى جرأة وشجاعة يعملون على الضبط والربط لشتى صنوف الأهالى الموجودين فى تلك البقعة الواسعة.
ويحصل منها مائتى كيس وبها ثلاثمائة وستون قرية تابعة لها ولحاكمها خمسمائة جندى من الخيالة وخمسمائة مسلح بالبنادق وهذا أقل ما يكون بجانب حاكم إيالة دمنهور والسبب فى ذلك العربان العصاة الذين يأتون من الجبل الأخضر وهم قبائل الجندارى وهم يمتلكون عشرة آلاف جندى وقبائل بهجة ويمتلكون نفس العدد وقبائل البدو ولا يعلم عددهم إلا الله ، وقبائل أولاد رجعيم ابن سيدنا سليمان وبها ثمانية آلاف بدوى ، وقبائل بنى عون ، وعندهم سبعة آلاف جندى وقبائل بنى نخمة وعددهم

ثلاثة آلاف ، ويتصفون بالشجاعة ، وقبائل الضعفا وهم ثلاثة آلاف رجل يقيمون فى أراضى البحيرة والفيوم حيث يتنقلون من مكان إلى مكان وهم قوم مطيعون ، وقبائل أفراد وجوابى وربانسه وطرحونه طرفة وأولاد حسن ونداره وسمه لوس وطويلى وسعادى وجلاسى وبنى قمامطة وبنى هداهد وعربان محاريب وعربان زرق وأولاد بنى وفا وهؤلاء وفدوا من المغرب واستقروا هناك وعندهم من الجند خمسة آلاف ، وبخلاف هؤلاء يوجد مئات القبائل من العربان ولكن لاختلاطهم اكتفينا بذكر المذكورين فقط وهم عربان غرباء يحتاجون للغلال ، وإذا ما جاء موسم الحصاد ينهبون الغلال بالرماح فينهبون القرى ويغيرون عليها ويأخذون ما فيها مجانا ، ثم بعد ذلك يذهبون إلى الصحارى التى يقيمون بها ، لذا يجب أن يكون كاشف البحيرة حاكما ذا جرأة وشجاعة ومعه من الجند ما يكفيه ، ولمدينة البحيرة محافظ على ألف جندى من جنود البلوكات السبعة لجند مصر وقائد للإنكشارية ورئيس لجنود العزب ونقيب للأشراف ، ويوجد كاشف آخر تحت الكاشف الرئيسى للإيالة ، أولا كاشف روم بيه ويقيم فى مدينة حوش عيسى وكاشف طرانه وكاشف صيف درج وكاشف مجيلة وكاشف البحيرة المالحة ، وقد استطاع أشقياء طرابلس الغرب أن يغصبوا الذهب بالقوة لمدة ستة وعشرين سنة.
وكل كاشف من الكاشفين المذكورين له خمسمائة أو ستمائة جندى وله راية وكلهم يمنحون الخلعة من كاشف إيالة البحيرة وليس من ديوان مصر ، والحاصل أن كشوفية البحيرة عبارة عن حكومة لدى قضاء البحيرة ويحصل سنويا ثلاثة آلاف قرش ، حيث يوجد بقضاء البحيرة ثلاثمائة وست وستين قرية وستة نواح هى نواحى طرانه والرحمانية وحوش بنى عيسى وصيف درج وناحية المدينة ومعظم أهالى تلك النواحى عصاة غير مطيعين ، أما مدينة دمنهور فتقع على ضفاف ترعة الملك الأشرف فى وسط صحراء البحيرة على الناحية الشرقية لها وتبعد عن النيل بمقدار أربع ساعات وهى ناحية الرحمانية ، أما الناحية الشمالية فتقع على ضفاف بحيرة مالحة يطلقون عليها ترعة الناصرية تبعد نصف ساعة عن النيل وعلى مسافة عشر ساعات بعد عبور عدة قرى عامرة توجد مدينة الإسكندرية ، وطول مدينة دمنهور من الشرق إلى الغرب ثلاثة آلاف

خطوة وبها خمسة آلاف وخمسمائة منزل مسقوفة بأسقف بنيت من الطين ، كما توجد بها منازل للفقراء ، وعشرين محلة وسبع وسبعين مصلى بالتفصيل على ما يلى : جامع الأمير عامر بمحلة المنيل الواقعة بالجهة الشرقية لدمنهور وهو جامع كبير وقديم وتقام به جماعات كثيرة وهو جامع فسيح يبلغ بالخطوة المتوسطة مائة خطوة بالتمام طولا وعرضا ، وبه اثنان وثلاثون عمودا من المرمر تحمل السقف المنقوش أما سطح الجامع فهو مغطى بالكلس ، وللمسجد ثلاثة أبواب باب القبلة وينزل منه للجامع بواسطة أربع درجات سلمية والبابان الجانبيان أيضا لكل باب منهم سلم يبلغ أربع درجات سلمية وتوجد مئذنة مربعة ذات ثلاث طوابق تقع خارج الجامع وهى بعيدة عن باب القبلة ، وهى مئذنة مرتفعة بنيت بمهارة أظهر فيها صانعها مهارته وخبرته.
وبوسط فناء الجامع توجد شجرة سدر قديمة ولكنها تثمر نبقا عجيبا ، ومحراب الجامع على الطراز القديم أما المنبر فهو من الخشب المحفور وعليه لوحة خطية وعلى باب المنبر توجد لوحة منقوش عليها بالخط الجلى المحفور على الخشب عبارة :
(بسم الله الرحمن الرحيم إنشاء هذا المنبر المبارك والجنابى العالى الأمراء الكبير عامر بن المرحوم الرابى إسماعيل بن عامر غفر الله والديه والمسلمين وكان الفراغ من هذا المكان سنة اثنين وسبعمائة).
وعلى الحائط الأيمن لهذا المنبر توجد لوحة بطول الحائط من المرمر الأبيض نقش عليها بالخط الجلى عبارة :
(تعمر هذا الجامع سنة أربع وخمسين وثمانمائة).
وعلى مقربة من هذا الجامع يوجد جامع صغير ذو مئذنة من طابق واحد هو جامع أبو السعود ، وبالسوق جامع به عشرون عمودا من المرمر يطلقون عليه جامع التوبة وجامع العرب ، وهو جامع مزين من على حوائطه بالأحاديث النبوية المكتوبة على الحوائط بين المصابيح والمشاريق وله باب يطل على السوق ومئذنة موزونة ذات ثلاث طوابق ، وله باب أيضا على يسار المحراب وباب آخر للحرم أما محفل المؤذن فهو محفل فى غاية المهارة من حيث الصنع مرفوع على أربعة أعمدة مرمرية محيطة مقدار ذراع أى

أن العمود مثل الذراع لذا يخاف أى شخص يصعد إليه ومحراب الجامع قديم ، على جانبيه عمودان مرمريان فى غاية الجمال ، وبداخل المحراب نقش خطى بخط الثلث مكتوب على أرضية مرمرية وهو لآية قرآنية : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) [النور : 36].
وأمام قصر الكاشف جامع المرحوم وهو جامع عتيق ، وقد سمى بجامع المرحوم نظرا لأن كل صلوات الجنازة تؤدى فيه ، طوله وعرضه مائة خطوة ، بديع البناء للغاية ، وبه اثنين وثلاثين كمره تشبه الأعمدة تحمل السقف ، وليس بالجامع قبة ، وللجامع ثلاثة أبواب اثنان جانبيان وواحد للقبلة ، وبوسط فناء الجامع شجرتى نخيل وشجرة سدر ، تحت تلك الأشجار توجد صنابير على حجر أزرق يقوم أصحاب المذهب الحنفى بتجديد وضوئهم منها ، ولهذا الحجر قصة وهى أنه كان قديما قبرا لأحد ملوك القبط وعند ما استولى العربان عليه ألقوا التابوت خارجا واستخدموا مكانه كمرحاض (بيت خلاء) وعلى الجوانب الأربعة للحوض توجد نقوش خطية للكهنة القدامى وقد تجولت فى أقاليم مصر ثمانى سنوات ولم أر مثل تلك النقوش فى إسنا أو أسوان فهو حجر ملئ بالغرائب والعجائب ، ويقول بعض أصحاب الحرف أنهم يعجنون هذا الحجر ويستخدمونه فى بعض الخزف والصناعات ، ولا يوجد بهذا الجامع أى طلاءات بالكلس وليس له مئذنة.
وتوجد ثمانية أعمدة مرمرية على الجهة الجانبية على جانبى باب القبلة ، أعمدة فى غاية الجمال لا يشبهها أعمدة ، ولكن نظرا لتوقف أوقاف الجامع فقد بقى الجامع معطلا ، وعلى منبره نقوش محفورة على الخشب نقوش عربية ونجوم وقطع القيشانى وأفرع نباتية ، إنه منبر عجيب وغريب كاللوحة الفنية حتى أن بعض الرسامين سرقوا الصنعة منه ، وعلى باب هذا المنبر لوحة بها نقش خطى مكتوب بالخط المحفور كتب بها عبارة :
(بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين جدد هذا

الجامع المبارك العبد الحقير إلى الله تعالى الأمير الكبير الشريف عيسى بن الجناب العالى المرحوم المخدوم إسماعيل المرحوم الزينى أمير عامر عربان إقليم البحيرة أعز الله أنصاره ورحمه وكان الفراغ من ذلك فى شهر محرم الحرام سنة 63 وسبعمائة بعد الهجرة النبوية).
وعلى مسافة خمسين خطوة من الناحية الشمالية لهذا الجامع جامع السلطان قايتباى ومرقوم عليه أنه جامع سيدى شعبان وهو جامع أنور له روحانية به جماعات كثيرة وله مئذنة ذات طبقة واحدة وبالجامع عشرة أعمدة مرمرية تحمل السقف المزين وعلى باب منبره الخشبى نقش خطى بالخط البنفسجى المذهب عبارة :
(بسم الله الرحمن الرحيم أمر بإنشاء هذا المنبر المبارك فى أيام مولانا السلطان مالك الممالك الأشرف أبو النصر قايتباى أعز الله أنصاره فى شهر ذى الحجة الحرام سنة أربع وستين وثمانمائة بعد الهجرة).
وبالسوق جامع صغير هو جامع الشيخ أحمد الدواوى وبه مئذنة طويلة ذات ثلاث طوابق ، وعلى مسافة سبعمائة خطوة خارج مدينة دمنهور من الناحية الشرقية جامع صغير ذو مئذنة منخفضة هو جامع أبو الريش وبفنائه شجرة سدر كبيرة وبالجبانة التى تقع خارج المدينة جامع العباس وبه مزار خال ولكنه مزار للخاص والعام ويتم الآن بناء الجامع الجديد الذى أمر ببنائه أحمد أغا رئيس جنود العزب فى الميناء الواقع على ترعة الملك الأشرف وهو جامع صغير بنى بمهارة وإبداع ظاهرين وملحق به مئذنة مبهجة للقلوب اللهم يسر إتمامه بالخير.
وبمدينة دمنهور عشرة مآذن وهى العشر مساجد التى ذكرناها آنفا ، وباقى الجوامع الموجودة بالمدينة عبارة عن مساجد صغيرة ، وبالمدينة سبع تكايا وأربعين مكتبا للصبيان وأحد عشر سبيلا وفى بعض زوايا المدينة توجد قباب لأسبلة صغيرة ، وبالمدينة ثلاث مدارس وحمامان ، أحدهما يقع فى فناء جامع المولى وهو حمام قديم وبناءه وهواءه لطيف أما الحمام الموجود بالسوق فهو حمام منخفض وهو حمام الشيخ أبو السعود وهو حمام صغير وبالمدينة ستمائة وثمانون حانوتا وبها ثمان خانات وسبع مقاه وسبعة

وأربعون مغزلا لنسيج الأقمشة ومائتى حانوت لأعمال الطلاء وسبعة مصانع للطلاء أميرية.
هذا السوق السلطانى مغطى من أوله إلى آخره من أعلى والطريق العام بالمدينة واسع ، وكل منازلها سواء كانت للفقراء أو الأغنياء منازل عامرة ذات طابقين ، وكل مياهها من الآبار وبها نسبة ملوحة وهناك مياه خاصة يستخدمونها للشرب ويوجد بئر على طريق أبو الريش يشرب منه أعيان وكبار المدينة مياهه لذيذة وهى عبارة عن ماء البرد وطقس المدينة ليس مرغوبا فيه.
ولا يوجد بالمدينة حدائق أو بساتين إلا أن أشجار النخيل تحيط بجوانبها الأربعة وتأتى معظم فاكهة تلك المدينة من بلدة صف درج وبالمدينة نوع من العنب أجود من عنب الفيوم ، ولأن أرض تلك المدينة مالحة إلى حد ما فإن محصولها من القمح قليل ، ولون بشرة الأهالى هناك قمحية ، ويتزاوج عربان بهيجة وضارى من بعضهم البعض وتتزين معظم النساء والفتيات هناك بالوشم الأزرق على أيديهن وأذرعهن وأيضا بالكردان والخلخال (1) الفضى والذهبى وترتدى النساء الأثرياء هناك البرقع الأسود ويرتدين الأقمصة الحريرية ، ويرتدى الأعيان من الرجال الملابس الصوفية ، أما فقراءهم فيرتدون الفرجية (2) المصرية. والقماش فى دمنهور من أكثر الصناعات هناك شهرة خاصة الأزرق والأحمر الفاتح منه والكليم من أشهر صناعات القماش فى دمنهور فهم يصنعون كليما بطول أربعين أو خمسين ذراعا ويمكن أن تستعمل أربعين أو خمسين عاما ، كما تشتهر المدينة بالزيت الحار أى زيت بذر الكتان والخبز الأبيض والباذنجان الكبير التى تبلغ الواحدة منه مثل حجم رأس الإنسان والملح والحصير المتعدد الألوان ، كما يوجد ببحيرة المدينة أنواع مختلفة من الأسماك ، وبقرية صفد أنواع كثيرة من الثمار والعنب الجيد ، والحاصل أنها مدينة كبيرة ولكن لوجود اللصوص بها لا يستطيع
__________________
(1) الكردان : حلى تزين الصدر وتلبس فى الرقبة كالقلائد ، والخلخال : تلبسه النساء فوق الكعبين وكلاهما مشهور معروف.
(2) ثوب واسع من الصوف طويل الكمين.

الأهالى النوم فى راحة خشية اللصوص حيث يقوم الأهالى بحراسة المنازل ليلا بالتناوب وهم مسلحون.
حتى أنه عندما كان الحقير هناك هجم اللصوص على منزل رئيس جنود العزب ودارت معركة كبيرة وسقط سبعة من اللصوص وفر الباقون ولكن بعد أن سرقت ناقة من النوق الموجودة بالفناء الخارجى للقصر ، ويقوم مائتى غفير بحماية وحراسة المدينة كل ليلة حيث يحيطون بأطراف المدينة ، ويجمع لهم سنويا من الأهالى ألفى قرش ، والحاصل أنه لو كان هناك حاكم شديد وجرىء فإن هؤلاء اللصوص لن يستطيعوا دخول المدينة ، والسلام.
فى بيان الأولياء المدفونين داخل وخارج دمنهور
أولا : بلدة الشيخ أبو الريش وتقع شرق مدينة دمنهور على مسافة سبعمائة خطوة ، وبها مائتا منزل معظم ساكنوها من أبناء وأحفاد الشيخ أبو الريش وهم من السادات الكرام وبالبلدة جامع به منارة منخفضة ذات طبقة واحدة وبفنائه شجرة سدر كبيرة وفى فناء هذا الجامع دفن بعض أعيان وأشراف البلدة وأحد أبواب الفناء يطل على القبلة والآخر يطل على جهة الشرق والجامع ليس مزينا وكبيرا إلا أن جماعته كثيرة لأنه لا يخلو من الزوار فى معظم الأوقات وبالناحية اليمنى للجامع يوجد ضريح متصل به وهو ضريح مقبب قبته متصلة بسطح الجامع مدفون فى هذا الضريح الشيخ القطب والغوث الأعظم على الإطلاق مرشد الطريقة وعين الشريعة الشيخ عطاء الله أبو الريش وهو من سلالة آل عباس قدّس سره العزيز وهو مدفون فى هذا الضريح وجميع متعلقاته موجودة معه فى هذا الضريح أيضا حول الفسقية ، وقد وصل الحقير إلى هناك فى اليوم السادس من شهر جمادى الآخرة عام 1083 ه‍ وكان يوافق يوم مولد الشيخ أبو الريش حيث ذهبنا عند الشيخ الشناوى إلى منزل صاحب السجادة الشيخ شمس الدين الدمنهورى وهو من أبناء الشيخ أبو الريش وكان شيخا معمرا يبلغ عمره 136 سنة له وجه منير ، فقمنا بتقبيل يديه ونلنا من دعواته بالخير.

والشيخ شمس الدين من الزهاد عاش تلك الفترة كلها يحافظ على صيام داود ولم يتناول خلال المائة وستة وثلاثين سنة أى لحوم قط ولم يأكل خبز القمح بل كان يزرع الشعير فى فدان أرض كان يمتلكه ويحصده بيده ويطحنه بيده على مطحنة يدوية ويأكل منه ، كان من أهل الحال قضى عمره كله منزويا فى ركن من أركان الوحدة منشغلا بالتعبد والطاعة ، وكان الشيخ شمس الدين يمنح كل شخص يأتى إليه رغيف خبز من الشعير تبركا وتيمنا وكان الرغيف الواحد بعشرين درهما ، وعندما ذهب الحقير إليه أعطى له أربعة أرغفة فتناول الحقير واحدا والشيخ الشناوى ثلاثة لبقية الحاضرين بالمجلس لكل شخص واحد أو اثنين ، وقال الشيخ للحضور : يا إخوان إن لنا صلاة قضاء دين علينا لم نصلها منذ عهد طفولتنا ، إن شاء الله غدا وفى مولد جدنا الشيخ أبو الريش تأخذونى إلى المولد وليصلى معى ثلاثمائة شخص صلاة القضاء وهذه هى كل أموالى وهى حلال وهى ألف أقچة ولتكن عند الشيخ الشناوى لأنه رجل يعتمد عليه.
ثم قام الشيخ بتسليم ألف أقچة إلى الشيخ الشناوى وقال للحضور يا إخوان لتأتوا جميعا غدا صباحا ولنتجمع كلنا ثم نذهب إلى مولد جدنا ونحن نذكر الله ، فرد عليه كل الحضور بالمجلس : على الرأس والعين السمع والطاعة ، ثم ذهبوا إلى منازلهم ، وفى صباح اليوم التالى ذهب الحقير والشيخ الشناوى إلى منزل الشيخ شمس الدين ولكن الشيخ لم يخرج من الحرملك ، وأرسل لنا مع أهل البيت القهوة وخبز شعير وبينما كنا نتناول الخبز والقهوة سمعنا أصوات نحيب وعويل من الحرملك ، يا لهذا الفزع والجزع وقد خرج علينا الشيخ من الحرم بصعوبة بالغة وقد احمرت عيناه وكان العرق يتصبب منه ألقى علينا السلام فرددنا عليه‌السلام وقال : ليس هذا ما يدعو إلى الانفعال أو الحيرة فإنى لما دخلت الحمام واغتسلت قلت لهم إنى ذاهب إلى جدى ظنوا أننى سوف أتركهم وأرحل عن الدنيا إلى الآخرة لذا فزعوا وجزعوا ، أما نحن الآن فسوف نذهب إلبى جدنا ونحتفل بمولده وسوف نصلى مع كل الأحباب صلاة القضاء ثم ابتسم

الشيخ ، فقال الشيخ الشناوى : يا سلطاننا إن كل مريديكم وأحبائكم ينتظرون بالخارج بالدفوف والطبول ، كما ينتظر كاشف البحيرة مع جنوده بالسلاح ، فقال : لقد استعد الجميع ويجب علىّ أنا أيضا أن أستعد بالتقوى وأمر بدخول ثلاثمائة درويش إليه ينشغلوا بالتوحيد والذكر ، وكان للشيخ شمس الدين ناموسية فى أحد أركان المنزل دخل فيها وبدأ الذكر وبعد ساعة خرج الشيخ من الناموسية ، والله أعلم أن الشيخ قد وصل إلى توجر وهو بتلك الناموسية لأنه عندما قال حى سقطت خيوط الناموسية على رأسه وعلى الفور قام الشيخ الشناوى وخليفته يرفعها من عليه فوجدوا الشيخ قد أسلم الروح لربه امتثالا لقوله : (ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ) [الفجر : 28] ومن العجب أن الشيخ توفى وهو يبتسم وجبينه ووجنته كحمرة الورد ، فصاح كل المريدين وانتقل هذا الصياح إلى الحريم وتجدد المأتم لهم من جديد وأمر بتجهيز ثلاثة مواعين من الماء الساخن والكفن وماء الورد والبخور وجهزوا له كل الأشياء الخاصة بالموتى وقد خرج أهله وعياله وكريمته إلى الخارج ، وقام الشيخ الشناوى بإعطاء ألف أقچة التى كانت أمانة عنده من الشيخ شمس الدين إلى ثلاثمائة رجل على حسب الوصية لإسقاط صلاة القضاء عنه ، وقام الشيخ الشناوى بتغسيله وكان الحقير يصب الماء عليه وقد أطلق ابن الشيخ الشناوى البخور.
وتم تكفين الشيخ ووضع فى نعشه وسار مع جنازته ما يقرب من ألف شخص من الجنود وهم ينتحبون حتى وصلوا بالجنازة إلى جامع الشيخ أبو الريش وصلى عليه هناك قرابة الأربعين ألف أو الخمسين ألف جندى ووهبوا ثواب الصلاة لروحه ، ثم دفن الشيخ الشناوى الشيخ شمس الدين فى فسقية الشيخ أبو الريش ، وحتى الآن تفوح الرائحة العطرة من تلك الفسقية فتعطر رءوس العاشقين ولم يذهب كل الزوار إلى أى مكان فى ذلك اليوم بل ظلوا فى الجامع وفنائه وقد قرأوا الختمة الشريفة ثلاثمائة مرة ووهبوا ثوابها لروح شمس الدين كما قام الأهالى وأصحاب الخيرات بطهى الحلوى والفطائر ووزعوها على الزوار وأهل المولد على روح الشيخ شمس الدين ، والحمد لله أنه قد ظهرت تلك الكرامات ورآها الحقير وأنه تقابل مع الشيخ قبل وفاته وخدمه ، وإنما هذا

من فضل ربى ، وفى ذلك اليوم أيضا شرعت فى قراءة ختمة شريفة على روح الشيخ أبو الريش وانتهيت منها اليوم التالى بعد العصر وكان فى حضور كل الصادقين ووهبنا ثواب الختمة لروحه تقبل الله ، رحمة الله عليهم أجمعين.
ولا يوجد حصر ولا حد لمناقب الشيخ أبو الريش ، والروح المشتاقة لمعرفة تلك المناقب ترجع إلى طبقات الشعراوى وسترى إلى أى حد كان الشيخ أبو الريش سلطانا عظيما ، والشيخ أبو الريش والشيخ إبراهيم الدسوقى والشيخ أحمد الرفاعى من كبار سلاطين الطريق البرهانى ، كان الشيخ أبو الريش عاشقا لله مثل عمر بن الفارض لم يعمل للدنيا مقدار ذرة واحدة ، لذا فإن قبورهم ليست مزينة ويوجد بضريح الشيخ أبو الريش باب يطل على الناحية الشمالية.
وبفناء ضريح أبو الريش يوجد ضريح الشيخ عاصم بن الشيخ أبو الريش وله كرامات كثيرة فقد أصبح خليفة صاحب سجادة بعد وفاة جده وبايعه أربعون ألف رجل وكان الشيخ عاصم مرشدا للطريق ، والشيخ عاصم مثل جده قبره ليس مزيّنا دائما هو عبارة عن صندوق مغطى بقماش أخضر وباب هذا الضريح أيضا يطل ناحية الشمال.
وعلى مسافة ثلاثمائة خطوة فى الجانب الشمالى خارج ضريح أبو الريش يوجد ضريح الشيخ سيد عطية وهو أيضا سلطان عظيم على الطريقة البرهانية وهو مدفون فى ضريح عال ، حوائطه مثل حوائط القلعة ، وله كرامات كثيرة.
وتحت ظلال شجرة النخيل الموجودة بالسوق يوجد قبر الشيخ أبو هواث وهو ضريح صغير ولا توجد أى آثار أخرى بجانبه ، ولو قمنا بتحديد كل أضرحة الأولياء والصحابة الكرام كل على حدة سوف نكتب كتابا مطولا فيه.
ولكننا سنكتفى بذكر أضرحة الأولياء المشهورين وهم الذين قمنا بزيارتهم : أولا الشيخ محمد الأديب وهو سلطان كبير ، وبجامع الجبانة الموجودة بجوار ضريح الشيخ محمد الأديب يوجد ضريح الشيخ السيد أحمد أبو العباس الشاطر قدّس سره وهو مدفون فى ضريح مقبب ، وبجواره يوجد ضريح صغير للحاج محمد السيوفى وهو من الصحابة الكرام وهو رئيس صناع السيوف للرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبضريح متصل به يوجد

الشيخ على السقطى وهو خليفة الشيخ سرير السّقطى ، وبالقرب منه ضريح الشيخ على الطّنجى ، مسقط رأسه قلعة طنجة ويقال إنه أخبر الأهالى بطنجة أن كفار الأسبان سوف يستولون على القلعة ويقتلون كل من بها لذا جاء الشيخ إلى مصر. وبعد ذلك بعشرة أيام قام كفار أسبانيا بالهجوم على قلعة طنجة وقتلوا كل من بها.
وعلى مقربة منه يوجد ضريح الشيخ ناصر الدين الفاسى وقد أتى هذا الشيخ إلى قاهرة المعز من مدينة فاس بالمغرب ، واشترك فى فتح مصر ضد الإخشيديين ، ثم انتقل إلى دمنهور وتوفى بها وهو مدفون بجبانتها فى ضريح صغير.
ثم الشيخ الأمير محيى الدين بن السلطان ناصر الدين سلطان مصر ، ترك هذا الأمير العرش والملك وارتدى عباءة الفناء فى الله وقد عاش فى الجبل الأخضر حتى ألفته الطيور الجارحة والسباع وكل الوحوش الموجودة فى الجبل الأخضر ، حيث سكن فى وادى هامون ، بعد ذلك ثم أصبح قطبا وضريحه الآن مزار للخاص والعام ، وعلى مقربة منه ضريح الشيخ العجمى وبجانبه ضريح الشيخة السيدة أم الشيخ إسماعيل فى ضريح متصل بضريحها مدفون الشيخ خضر ، وبجوارهم ضريح الشيخ برهان الدين.
وكل الأولياء المذكورين فى أفنية الجوامع : أولا ضريح الشيخ محمد الأنصارى وهو من الصحابة الكرام وضريحه بجوار الباب الأيسر لجامع المنى وهو ضريح صغير ، وقد وفد هذا الصحابى سفيرا من سيدنا أبى بكر إلى ملوك القبط وتوفى بالمدينة ودفن فيها ويوجد تاريخ على مشهد القبر القديم.
وضريح الشيخ أبو السعود الدمنهورى ويقع داخل المدينة على يسار محراب جامع الشيخ الدمنهورى.
وضريح الشيخ مجاهد.
ثم ضريح الشيخ شعبان الواقع بالقرب من سوق الخشب وهو ضريح صغير فى الزاوية اليمنى لجامع الشيخ شعبان والجامع من آثار السلطان قايتباى ، ولأن الشيخ شعبان مدفون به سمى على اسمه ، إنه سلطان عظيم.

ثم ضريح الشيخ أحمد الداودى ويقع على يسار محراب جامع المحكمة بجوار سوق الخفاف إنه سلطان عظيم حتى لو كان هناك حق لشخص عند شخص آخر ولا توجد نية للوفاء بهذا الحق فيهب الاثنان إلى ضريح الشيخ داود ويحلف المدين وهو يطرق باب الضريح بيده بأنه ليس فى ذمته أى دين لهذا الشخص ، والحقيقة أنه لو كان هناك أى سارق أو مديون لا يستطيع أن يحلف اليمين ويضرب الباب بيده ، بل يعترف على الفور بجريمته ، ومشهور فى مدينة دمنهور أنه لو حلف شخص ما بالباطل وتجرأ على طرق الباب فإنه يهلك فى لحظتها ، وفى كل سنة يتم إحقاق الحق لآلاف الرجال فى هذا الضريح ، فيأتى آلاف الرجال من النواحى والقرى المجاورة لإظهار حقوقهم عند هذا الضريح إنه ضريح عظيم ،قدس‌سره.
ومزار جامع قرقلر وضريح الشيخ أبو شهبة بالمدينة وعلى مقربة منه ضريح الشيخ صاحب الأنوار الشيخ أبو يعقوب وهو على الطريقة البرهانية وخليفة للشيخ الدسوقى وأحمد الله أننى ذهبت إلى كل تلك الأضرحة ومسحت وجهى بها وقرأت الفاتحة أو حزب وختمة شريفة لكل واحد منهم ورجونا البركة منهم ، رحمة الله عليهم أجمعين ، وقد أتممنا زيارتها.
وفى اليوم الأول من شهر جمادى الآخرة عام 1083 ه‍ ذهبنا لمشاهدة مولد الشيخ أبو الريش ولو أننا كتبنا ما شاهدنا كله فلن يكفينا هنا مجلد آخر ، وهو مولد عظيم مثل مولد البدوى والدسوقى والشيخ محمد بن زين بالنهارية ، والمولد الأقل منه من حيث التجمع فى دمنهور هو مولد الشيخ شمس الدين ، ولا تقام فى هذا المولد احتفالات كبيرة مثل الموالد الأخرى نظرا لقرب المنطقة من الصحراء ولكن يفد إليه رجال لا يحصى عددهم من البلدان المختلفة من فاس ومراكش وطرابلس والجزائر وإدفو وإسنا وأسوان والسودان ، وتحضر قبائل بعلجة وسليمانى وحنارى إلى هذا المولد كما تقوم مئات القبائل الأخرى بجلب البضائع من البلدان المذكورة للبيع في هذا المولد ويمكثون فى صحراء دمنهور بخيامهم ، ويجتمع أناس كثيرون ويكونون كالبحر لا يعجز اللسان عن وصف تجمعهم ، وتباع هناك مئات الآلاف من أحمال الزيوت والنعاج

والماشية والحملان والصبيان السود وكل جنسية من تلك الأجناس المختلفة لها شكل ولون مختلف عن الآخر فقوم ماى بورنو عيونهم حمراء ، وأفنو عيونهم صفراء ولكن بشرتهم تميل إلى الحمرة ومعظم هؤلاء يحضرون تبر الذهب ويشترون قماش الأقمصة ، أما أقوام نجه نشكى فعيونهم بيضاء وبشرتهم سمراء جدا ، وكان يوجد فى خيامهم رجل كل جسده مغطى بالشعر وقد ذهب الجميع ليشاهدوه ، وقد تقدم الحقير وشاهد هذا الرجل ، وكانت أسنانه وأنفه مثل أسنان وأنف الكلب كان يبدو وكأنه كلب أصفر اللون ، عندما كنا نتكلم كان يبتسم ولم ير الحقير بنى آدم على تلك الهيئة ، فسألت عن أهله وهو يعرف لغتهم حيث كان يوجد رجال من الواحات ، فأجابوا قائلين وهم يقسمون على ذلك : أن هذا الرجل ابن أحد القرود ويقولون فى ذلك أن والدة هذا الرجل كانت تقوم بتكسير وتقطيع أشجار السندباد فى الجبل فخرج عليها قرد وجامعها وبعد عام ولد هذا الرجل بإذن الله وقد تحير الحقير جدا وقال آية : (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة : 109] وسأل الحقير أيضا مرة أخرى أيها القوم هل يكون هناك قرد بهذا الحجم فقالوا يوجد قرود فى حجم الحمار فينزلون إلى الطريق من على الجبل ويتعاركون معنا ، يفعل الله ما يشاء بقدرته ويحكم ما يريد بعزته ولكن كل هؤلاء القوم عرايا ولا توجد عليهم أى سترة سوى سترة بسيطة عند مكان العورة ، ولكنهم لو تحركوا تظهر عورتهم إنهم مثل الحيوانات ، ومنهم رجال لم يشربوا المياه طوال حياتهم ، وكلهم يشربون لبن الإبل ويأكلون خبز الذرة ، أما قبائل بهيجة وجنادى والضعفا فيأكلون الخبز الأبيض (القمح) يشتهرون بالجمال فعيونهم مكحلة وكلامهم حسن ولكنهم اللهم عافنا يذهبون إلى سوق البغايا ، وتنصب الأسواق فى هذا المولد ويتم البيع والشراء لمدة عشرة أيام بلياليها ثم يقوم الكاشف وكل جنده بالمسير على دقات الدفوف وبذلك يكون قد انتهى المولد ويحل كل الزوار والتجار الخيام ويقومون بزيارة أبو الريش زيارة الوداع ثم يذهب كل شخص إلى قصبته وقريته ، وقد قام الحقير أيضا بزيارة الوداع وأخذ من الكاشف عشرة رجال مسلحين وسرنا بهم إلى اتجاه الغرب لمدة خمس ساعات من دمنهور فى صحراء كبيرة فوصلنا إلى مدينة حوش عيسى القديمة ويطلقون على الحوش

( ) (1) لفظ حديث فى اللغة العربية ، كانت هذه المدينة قديما مدينة عظيمة ولكنها غرقت تحت بحر الإسكندرية فخربت قراها.
والمدينة حاليا ليست مدينة وفى أراضى البحيرة كاشف يطلقون عليه روم بيه ، يمنح الخلعة من كاشف البحيرة وعنده خمسمائة جندى من الخيالة وحكم هذا الكاشف يمتد حتى سبعين منزلا أى حتى خليج كبريت ويتحصل لكاشفها ثمانية عشر كيسا من الأموال المصرية ، وقضاء مائة وخمسين أقچة ولكن نظرا لعدم تحصيل أى شىء منها فى الوقت الحالى ألحقت بقضاء البحيرة ، ويتحصل منها سنويا ألف قرش ، تقع مدينة حوش عيسى فى وسط صحراء مستوية ، ففى عام 721 جاء أحد أمراء العربان ويدعى حوت عيسى إلى تلك المنطقة فأعجبه هواءها ومياهها فأسس تلك المدينة.
وكان هذا الأمير يمتلك عشرة آلاف ناقة ومئات الآلاف من الأغنام والجاموس والثيران ودائما ما كان يقوم بالاستيلاء على التبر الموجود بالمنطقة ، وكان يحج كل عام بألف ناقة وكان يبذل النعم على الحجاج ، ونظرا لهذا فقد عمرت مدينة حوش عيسى وأقبل الناس عليها نظرا لكثرة إنعام أميرها عليها ويمكن القول بأن أهل المدينة أصبحوا أثرياء ولم يبق بمنازلها أرض خراب ، فقد كانت تلك الأرض أرض الإبل والغنم.
وفى عصر ابن عيسى المذكور قام كفار أسبانيا بهدم طريق ترعة الإسكندرية فلم يصل النيل إلى الإسكندرية ، وبالتالى مات أهل المدينة من العطش وقد وجد الكفار فى هذا إعانة لهم على إسقاط المدينة تحت وطأتهم ؛ فحاصروها. ولكن مئات الآلاف من عربان حوش عيسى هبوا لنجدة الإسكندرية ووصل المدد إلى القلعة ، وألقوا فريقا من الكفار فى البحر ، أما الباقون فقد ركبوا سفنهم وفروا هاربين وفى أثناء إصلاح الترعة كان ابن عيسى يقدم لأهالى الإسكندرية كل يوم ثلاثة جمال محملة بالمياه وبذلك أنقذ أهالى الإسكندرية من هذا العطش والهلاك المحقق ، وبذلك ازدانت مدينة حوش عيسى بالعمران بمرور الأيام لقوة حاكمها الأمير عيسى ولكنها أهملت بعد ذلك نظرا لظلم الكاشفين وكيد العربان وجورهم على الأهالى ، وعندما زرنا هذا المكان كان بالمدينة ألفا
__________________
(1) بياض فى الأصل.

منزل بالطوب اللبن تقع بين أشجار النخيل وهى بيوت فلاحين ويسكن بها المغاربة ، كما يسكنها بعض من قبائل بهيجة وضارى والحضرى ، وقد كان يوجد بها قديما ألف وخمسمائة محراب للصلاة لم يبق منها الآن سوى أحد عشر محرابا فقط ولكن بوسط المدينة يوجد جامع ابن عيسى لا يوجد فى أقاليم مصر مثله لقد شيد على قدر كبير من المهارة والحرفة وتأسس هذا المسجد من الحجارة المنحوتة فى غاية الإبداع كأنها مصنوعة بأيدى أمهر صناع فى حرفة الحفر ، ولا يوجد جامع بخلاف هذا ، وللجامع مئذنة عالية من ثلاث طوابق ، وبالمدينة حمام هو حمام الأمير عيسى لا يوجد نظيره إلا حمام الأمير عثمان فى مدينة منفلوط ، وبها خمسون حانوتا ولكن كل شخص يقوم بالبيع والشراء فى منزله ، لذا فكل الحوانيت الموجودة بها ثلاثمائة وستون حانوتا وخلاصة الكلام أن معظم عمران مدينة حوش عيسى من خيرات الأمير ابن عيسى المذكور ، ولا توجد بمدينة حوش عيسى حدائق أو بساتين إلا أشجار النخيل ، وكل مياهها مياه آبار لذيذة الطعم لأن كل تلك الآبار بيضاء وتوجد ثلاثة آلاف منزل مبنية بالخوص والتراب والكليم والخيام بين غابات النخيل ، كل أهالى تلك المنازل مسلحين ولا يستطيع أشقياء قبائل بهيجة وضارى التغلب عليهم أبدا فهم قوم فى غاية الشجاعة ولا متلاكهم إبل وغنم بأعداد كبيرة فإنهم يشتغلون بمهنة نسيج الصوف والوبر ، والناحية الجنوبية والغربية لهذه المدينة لا يوجد بها عمران ولم تكن عامرة أساسا ، وامتداد تلك الأماكن حتى طرابلس وفاس ومراكش والمغرب صحراء ولكن بالجبل الأخضر توجد بعض الأراضى الموجود بها أشجار ، ومياهها وطقسها لطيف لا يمكن وصفه ، ويقيم بتلك المناطق آلاف من عربان القبائل.
مناقب المجاذيب
من المجاذيب المشهورين فى مدينة حوش عيسى الشيخ على البشبيشى والشيخة مباركة خاتون وهما شخصان لهما كرامات ويقال أنهم كانوا يشاهدون الشيخة مباركة فى الجزائر وتونس وأنه كلما يذهب الشيخ البشبيشى إلى أى مكان كانت تذهب

الشيخة مباركة إليه إن الخيل لا تستطيع أن تلحق بها بل أنها كانت تذهب مع الجند فى الحملات.
فى بيان مدينة العقاب
سرنا خمس أيام بلياليها غرب مدينة حوش عيسى مع تجريدة من جند قبيلتى بهيجة وحنادى فوصلنا إلى مدينة خاوية ، إنها مدينة تثير الدهشة والحيرة بها آثار كثيرة لأقبية وقباب لا يعلم عددها إلا الله إنها حقيقة مدينة العقاب فكلها بوم وغربان وفى شدة الشتاء يقيم بها المجاذيب والضعفاء والمغاربة ، وهذه المدينة من بناء الملك خربتا بناها بعد الطوفان ، ويقال إن معز الدين من ملوك الفاطميين قام بتخريب المغرب عام 347 ه‍ ويوجد بأطلالها حاليا آلاف الأشياء والأحجار الكريمة ، وتبتعد مدينة أو جليه التى يستخرج منها تبر الذهب بمقدار خمسة مراحل عن مدينة عقاب ، ولكن الحقير لم يصل إليها وذلك لأن عربان الحناوى انهزموا ودخلنا مصر مرة أخرى سالمين غانمين وقد شاهد الحقير هذه المدينة ورجع الحقير مع سبعة أو ثمانية من فصافة إلى دمنهور ، فى أربع ساعات ، وأقمنا فى قصر الكاشف وفى اليوم التالى اتجهنا صوب الشمال من مدينة دمنهور مع جنود الفرقة السابعة وكل أعيان المدينة وكاشف البحيرة محمد أغا فوصلنا إلى بلد جبل قاسم بك ، ومنها إلى بلدة بصطره وهى لمصطفى أغا الدمنهورى ومنها إلى بلد زرقون ، ومنها إلى بلد زاوية الغزال ، ومنها سرنا ساعتين فى قرى عامرة حتى وصلنا إلى بلد الناصرية ، وبها مائتان وخمسين منزلا وجامع ولها قرية عامرة من أوقاف السلطان الناصر ، ومكثنا فى هذا المكان مع كل الجنود ، وبدأ الجنود والرجال فى إصلاح ترعة الإسكندرية ، وقد ظل الجند وآلاف الرجال يعملون لمدة أسبوع كامل حتى تم إصلاح الترعة وبدأت مياه النيل تصل إلى مدينة الإسكندرية مرة أخرى ، وأقام الكاشف لذلك احتفالات عظيمة حيث ذبح أربعين شاة وخمسة من الإبل وذلك لأن وصول مياه النيل إلى الإسكندرية كان يعنى إحياء بندر مدينة الإسكندرية وبندر الإسكندرية يحصل سنويا ثلاثمائة كيس مصرى وإذا تعطل الجمرك فإنه يؤمر بقتل كاشف البحيرة لذا يؤمر كاشف البحيرة بتعمير تلك الترعة ، ويسجل لتلك النفقات أربعين كيسا مصريا سنويا ،

ويتم تسجيل ذلك فى محكمة قصبة فوّه ، وأول من حفر هذه الترعة الناصرية هو الملك القبطى فلبطر فى عهد إبراهيم عليه‌السلام وقد تعرض هذا الملك للسيدة سارة مرتين فشلّت يده وتاب واستغفر وآمن بسيدنا إبراهيم ، وهذه الترعة من إنشاء هذا الملك ، وقد شقت تلك الترعة من قرية دراور بأرض البحيرة بالقرب من قصبة فوه الموجودة على ضفاف النيل وتسير الترعة لمسافة منزلين ثم تصل إلى الإسكندرية وهو عمل شاق ليس فى مقدور البشر وتسير السفن فيها منذ ستة أشهر ، وبمرور الأيام تعطلت الترعة وردمت فقام السلطان الناصر بجرف ما ردم منها وسير فيها المياه من جديد ، لذا يطلقون عليها ترعة الناصرية. وعلى جانبى تلك الترعة يوجد بحر البحيرة ، ويجرى النيل المبارك من بينهما وفى بعض الأماكن يزيد تلاطم البحر فتفسد جسور تلك الترعة الأمر الذى يجعلها تحتاج إلى خلق كثيرة لترميمها وتعميرها ، عندما قام الملك «فلبطير» بإنشاء تلك الترعة فرشها كلها أولا عن آخر بالمرمر الخام ، ويظهر هذا المرمر حاليا فى بعض الأماكن. حقا إن همة الرجال تقلع الجبال ، ويوجد خليج يطلقون عليه خليج الإسكندرية ، لو لم يتم حفر هذا الخليج كل عام تقوم الأمواج المتلاطمة للبحيرات المرة الموجودة على جانبيه بقطع الجسور وبالتالى تغرق مئات القرى فى ولاية البحيرة ، لذا تتم محاسبة كاشف البحيرة عن تطهير هذا الخليج كل عام ، وبعد ترميم الترعة قام كاشف البحيرة بمنحنا عشرة آلاف پاره وبراءة نظير خدماتنا ، وأرفق معنا عشرة رجال مسلحين ، ومنحنا سفينة وجميع اللوازم ، وسرنا فى تلك الترعة قاصدين مدينة الإسكندرية. وحاصل القرى والمنازل التى مررنا بها حتى مدينة الإسكندرية ، بلد سنتاو وتقع على ضفاف تلك الترعة وبها مائتا منزل وجامع وهى قرى عامرة ، ويوجد بها ملتزم فى أراضى البحيرة ، وبهذا البلد ضريح الشيخ أبو بكر الشنتاوى وهو ضريح صغير فى فناء الجامع الموجود على ضفاف هذه الترعة ، وهو من كبار الأولياء المشهورين ، واستكملنا سيرنا فى الترعة فوصلنا إلى بلد برسيق ، وهى قرى عامرة بها مائة منزل وجامع وحدائق النخيل ومنها إلى بلد نخل وهى قرى عامرة بها مائتا منزل وبتلك الناحية توجد ترعة الأشرفية. وهى ترعة كبيرة انفصلت عن قرى الرحمانية

الموجودة على ضفاف نهر النيل ، وهى من خيرات السلطان الأشرف من سلاطين مصر لذا يطلق عليها الترعة الأشرفية وتروى تلك الترعة مئات القرى فى أراضى البحيرة وتمر بمدينة دمنهور ، عبرنا تلك الترعة وسرنا إلى الأمام وتختلط تلك الترعة بترعة الناصرية عند بلد أبو خضر وتسير الترعتان حتى تصلان إلى الإسكندرية ، وهما أيضا من الخيرات العظيمة.
وعلى مقربة من بلد أبو خضر توجد بلد القراوى وهى عامرة للغاية وبها جامع ومن هناك إلى بلد القافلة وهى عبارة عن قرى عامرة بها خمسمائة منزل وجامع وأسفل منها بلد وسوس. وبها أيضا جامع وثلاثمائة منزل وهى بلدة عامرة وأسفل منها بلد بركه وهى قرى عامرة تضم خمسمائة منزل وجامع. وبها ضريح يعد مزارا لم نعلم عنه شيئا ولكننا قرأنا الفاتحة لروحه وعبرنا تلك البلدة وسرنا مع مياه النيل حتى وصلنا إلى البلدة الكبيرة روهب وتقع فى أراضى البحيرة وبها ألف وسبعمائة منزل وجامع سلطانى ومساجد وخان وأسواق ومقهى ، ويقيم على ترعة الناصرية أمين للجمرك يعين من قبل أمين الخوردة وتكون مدة إقامته ستة أشهر وبعدها تجف الترعة وتظل أعمال الجمرك معطلة ستة أشهر أخرى وتأتى كل سنة ألف مركب وسفينة لشراء البضائع من قرية الرويهب.
أوصاف بضاعة بلدة الرويهب
إنها بضاعة من صنع الله القادر على كل شىء الذى لا نظير لصنعه والتى يبقى العقل حيرانا أمام صنعته عزوجل ، من ذلك نبات الغاسول الذى ينطق خطأ قاسول وهو نبات قصير أصفر اللون ينبت فى صحارى قرية الرويصب وهو نبات ذو مشرط مثل نبات أم غيلان ينبت فى شهر يوليو فيقوم الأهالى بالخروج إلى هذا الوادى ، لهذا النبات أوراق مثل مخالب الطيور الجارحة فيقومون بقطف الغاسول من تلك الأوراق ، ويستخدمونه فى الاغتسال كالصابون ويقوم الأهالى بصب هذا الغاسول فى أوانى ثم يقطعونه أجزاء صغيرة ، ويوجد تراب خاص بتلك القرية يقوم الأهالى بعجن هذا التراب ويقومون بوضع الغاسول فيه ويجعلونه كالخميرة ، ثم يصنعونه على أشكال دائرية ويتركونه فى الشمس حتى يجف ثم بعد ذلك يأتى التجار ويشترون منه آلاف من

أحمال الإبل ويؤخذ منه إلى إسنا وأسوان وبلاد العرب بالسفن حيث يستعمله معظم الأهالى فى الاغتسال فإذا ما وضع هذا الغاسول فى إناء وأضيف إليه الماء يصبح كالصابون لذا يطلقون عليه غاسول من لفظ الاغتسال.
وللغاسول خاصية أخرى كبرى بخلاف الاغتسال وهى تنظيف الثياب.
والميزة الثانية للغاسول هى : أنه يمكن حرقه وأخذ الرماد الذى يخرج منه ويتم بيعه أيضا حيث يقوم الأهالى بأخذ العشب إلى مكان مثل الجبل وينثرونه عليه ثم يحرقونه بالنار ويأخذون الرماد الذى ينتج منه ويجمعونه على بعضه البعض مثل الكرة ثم يقومون بنثره أكوام أكوام إما فى المخازن أو على الأرض ثم يأتى التجار ويشترون منه بالقنطار حيث يباع منه مئات الآلاف من القناطير ويذهبون به إلى كل ديار مصر حيث يقوم التجار بطحنه فى المطاحن ثم يشعلون النار عليه مع وضع مادة النطرون عليه ويصنعون منه الزجاج والقناديل والزجاجات ، وزجاج نبات الغاسول من أجود أنواع الزجاج من حيث الشفافية والجودة.
والميزة الثالثة للغاسول هى : استخدامه فى استخراج الذهب حيث يقوم التجار القادمون من بلاد الفرنجة بالذهاب إلى الرويصب ويشترون رماد نبات الغاسول ويذهبون به إلى بلادهم وعندما كان الحقير فى ألمانيا سأل مارجلين أمين دار سكّ الذهب بمدينة انكروس عن هذا الغبار فأجاب مارجلين : إنه غبار نبات يسمى الغاسول ينبت فى أراضى البحيرة من ديار مصر نحضره إلى هنا ونستخرج منه المياه الصافية ونستخرج منها الذهب ، بعد ذلك نصفيه ونحصل منه على مياه الذهب الخالصة ، حقا إنه غبار ثقيل مثل الذهب.
والميزة الرابعة للغاسول : إنك لو أطعمت تلك النباتات للأغنام فإن أسنانها تصبح مثل الذهب.
والميزة الخامسة : أن تجار الفرنجة يأتون إلى الإسكندرية عندما يكون هذا النبات أخضر ويشترونه ويرسلونه إلى بلاد الفرنجة حيث يبيعونه إلى الساعاتى وصانع الأشياء الثمينة حيث يقومون بغلى الأشياء التى يستخدمونها فى صناعاتهم فى الكوكورد (الكبريت) ونبات الغاسول يطلون به الذهب وتزين به الساعات والتحف التى تصنع من الذهب والفضة.

الميزة السادسة وهى : خاصية تخص قرية الرويصب الموجود بها الشيخ الشاذلى باليمن وقد سمع الشيخ سيد عيسى أن الله قد منح الشيخ الشاذلى باليمن نبات القهوة فدعا الشيخ سيد الله بأن يمنحه هو الآخر نباتا يدفع عنه الجوع ويقويه على العبادة وقد استجاب الله لدعائه حيث أنبت فى تلك الصحراء نبات الغاسول وملأ النبات كلّ الأراضى الصحراوية هناك وكانت رائحته تفوح فتعطر الرأس ، وقد عاش الشيخ عيسى بعد ذلك مائة سنة كان يعيش فيها على نبات الغاسول ، وكان قد عاش قبل ذلك مائة وخمس سنوات وبذلك يكون الشيخ قد عمّر مائتين وخمس سنوات ، وقد فتح الشيخ عيسى طرابلس الشام مع السلطان برقوق ثم عاد إلى الرويصب مسقط رأسه وتوفى بها وقد أنشأ السلطان برقوق على قبره ضريحا وتكية ويوجد الآن فى تكيته ما يزيد على مائتى مريد ، كلهم يتعيشون على نبات الغاسول حيث يقومون بتخفيفه وطحنه ثم يصنعون منه الخبز وقد تناول الحقير منه قطعة خبز تبركا ، إنه خبز لذيذ الطعم يمنع الجوع.
والميزة السابعة : وهى خاصة ببذور الغاسول إذا ما أكلت فإنها تمنع الرشح والدم كما أنها مفيدة لمرض الذخير ، ولكن خبزه أسمر وله طعم القصرة ، ولم يتناول الشيخ عيسى طوال مائة سنة غير هذا النبات وله العديد من الكرامات إنه سلطان عظيم ، كما يأكل أغلب أهالى هذه القرية هذا النبات حين الضرورة.
وحاصل الكلام أنه يتحصل لمصر جمرك كبير من هذا النبات ، ولا يوجد هذا النبات فى أى مكان على وجه الأرض سوى فى البحيرة ، وقد سرنا فى تلك المنطقة وشاهدنا فيها كل عجيب وغريب ، وسرنا مع الترعة فوصلنا إلى لوقون وبركة وهما قرى عامرة بهما مائة منزل وجامع ، ومنها إلى كربون ومنها إلى معلق ومنها إلى عكريش البستلقون البيضة وقد كانت هذه البلدة مدينة عظيمة فى عهد القبابطة وآثارهم باقية بها حاليا لا يمكن التعبير عنها باللسان ، خرجنا منها وسرنا مع الترعة فوصلنا إلى الجنان وقد سميت ببلد الجنان لكثرة وجود الحدائق والبساتين بها قديما ، وحاليا هى عبارة عن قرى عامرة بها ثلاثمائة منزل وحدائق النخيل تزينها ، وكل القرى التى ذكرت تقع فى أراضى البحيرة على ضفتى ترعة الناصرية لمسافة عشر ساعات.

أوصاف البلد القديم دار الكهنة والحصن الحصين
وسد الإسكندر المتين الخاتم المجوهر
قلعة الإسكندرية
مدينة عظيمة وقيمة وقد حرر آلاف المؤرخون أوصاف قلعة الإسكندرية التى تشبه سد يأجوج ، ولكن تواريخ القبابطة هى أوثق ما كتب فيها ، فقد منح الله العلم لإدريس بعد هبوط آدم إلى الأرض ، والقبط من ذلك الوقت وحتى يومنا هذا يحررون الوقائع والأحداث ، وبالرغم من أنهم كفار إلا أنهم لم يصدر عنهم أكاذيب أو إرهاصات فى كل الأزمنة لذا فإن كتب تاريخهم هى أوثق التواريخ التى يعتمد عليها ، وقد أتى الخليفة المأمون العباسى إلى مصر لشغفه بالتاريخ ، ونقب فى جبال الأهرام وأخرج منها آلاف القطع من كتاب إدريس وكتاب دانيال وترجمها إلى العربية ، كما قام بترجمة مئات التواريخ القبطية إلى اللغة العربية ، وتذكر معظم تلك التواريخ أن مدينة الإسكندرية هذه أول الأمر بنيت بعد الطوفان حيث كان سيدنا نوح يميل إلى بيظر بن حام من أبنائه فدعا له بالكثرة والملك فتقبل الله دعاء نوح وأنعم على بيظر بالذرية الكثيرة وملكه ملك مصر ، وقام ببناء مدينة الإسكندرية ، واتخذ مدينة منوف عاصمة له ، وكانت الإسكندرية فى تلك الأوقات تسمى رقودة ، والألمان حتى الآن يقولون على الإسكندرية رقودة أما فى اللغة اليونانية فيطلقون عليها الكساندره ويقولون على بيظر أبو القبابطة لأن معظم القبط من نسله ، فقد كان له ثلاثون ولدا أكبرهم مصرايم ، كان مصرايم هذا ملكا على مصر من العريش وحتى أسوان والسودان ، ثم توفى بيظر وهو أول من توفى فى مصر بعد الطوفان ودفنوه فى الهرم بجوار الملك هرمس وهو أيشا أول من دفن فى مصر بعد الطوفان وقد استقل مصرايم بملك مصر بعد وفاة والده وزاد من عمران مدينة الإسكندرية التى كانت من منشآت والده لحبه لطقسها ومائها وعندما أصبحت زلتاسنيث مأموم ملكة على مصر ، قدم العمالقة إلى مصر واستولوا عليها والعمالقة من أولاد حام بن نوح ولكنهم نسل بليد ، قاموا بتخريب مملكة القبط وعلى النقيض قاموا بتوسعة وإعمار مدينة الإسكندرية ، وهم الذين أنشأوا الأحجار الكبيرة فى الإسكندرية

نظرا لأنهم كانوا ضخام الجثة ، وقد خلفهم فى بناء الإسكندرية يعمر بن شداد وقد أنشأ يعمر المبانى بالأحجار القوية الكبيرة لذا يقولون بناء شدادى على المبانى القوية ، ثم بعد أن أتى جارود المؤتفكى وهو بعد عهد سليمان عليه‌السلام أنشأ أعمدة كثيرة فى كل طرقات الإسكندرية ولا تزال آثار تلك الأعمدة والمغارات ظاهرة للعيان ، وقد حكمت مصر بعد ذلك الملكة دلوكة بنت زيباك وكانت قبل فرعون موسى بعشرين عاما ، وقد اتخذت تلك الملكة منوف عاصمة لها ، وقد عمرت مدينة الإسكندرية أيضا لأنها كانت تنتقل إليها لتغير الجو ، وآثارها من على بعد مائة ميل فى البحر.
وطبقا لما ذكره المؤرخ العالم محمد بن إسحاق فإن الإسكندر الأكبر قام بتعمير مدينة الإسكندرية ووسع فيها وعمرها وزينها بالعلامات والطلاسم قبل ميلاد النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم بثمانمائة واثنين وثمانين سنة ، وقد أصبحت الإسكندرية فى عهده مدينة عظيمة لم ير مثلها على وجه الأرض ، ويتفق هذا الرأى مع رأى كل الأمم وأن الإسكندر الأكبر المذكور هو الإسكندر ذو القرنين ونسبه هو الإسكندر بن بنطى بن نعمان بن تارخ بن يافث بن نوح عليه‌السلام وعلى قول آخر هو الإسكندر بن داراب بن بهمن بن اسفنديار ، ويقال والله أعلم أن الخضر عليه‌السلام كان من جند الإسكندر حتى إنه ذهب معه ليأجوج ومأجوج ثم ذهب معه إلى الإسكندرية والمكان الذى التقى فيه الخضر مع سيدنا موسى هو مكان التقاء النيل المبارك بالبحر المتوسط بالقرب من الإسكندرية والآية الشريفة : (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) [الكهف : 78] خير دليل على المكان الذى افترق فيه الخضر عن موسى ، ويطلقون على المكان الذى افترق فيه موسى عن الخضر محلة مرج البحرين وهى مضيق بندر رشيد وهو مكان اختلاط النيل بالبحر ، والمسافة بين هذا المكان والإسكندرية برا اثنا عشر ساعة وبحرا ( ) (1) ميل ، أما الإسكندرية فكان ملك على اليونانيين وقد عمر ألف سنة وعلى قول ستمائة سنة وإنه حكم من القاف إلى القاف وأقام سد يأجوج ومأجوج ،
__________________
(1) بياض فى الأصل.

وقيل إنه نبى وهو ابن الملك مرزبا من أبناء يافث اسمه مرزبا ولقبه الإسكندر ، وعلى قول آخر أنه بنى الإسكندرية بعد أن قام بخت النصر بتخريب مدينة منوف بمائة وعشرين سنة وكان اسمه الإسكندر بن فيش المخزونى ، وقد سميت الإسكندرية على اسمه ونظرا لوجود أربعة أشخاص باسم الإسكندر فتوجد اختلافات كثيرة بسبب ذلك ، كما أن الأربعة عمروا الإسكندرية ومرقوم على أبراج الإسكندرية تاريخ تعمير كل واحد منهم ويقال أن الإسكندر توفى عام 881 قبل ميلاد النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو عائد من بناء سد يأجوج ومأجوج وكانت وفاته فى ديار العجم ، ونقل نعشه إلى الإسكندرية وهو الآن مدفون بدير مرقاب ، والتواريخ اليونانية أيضا من التواريخ المعتمدة ، وذلك لأنهم دائما ما يهتمون بأمور الدنيا ، وعلى قول اليونانيين أن الإسكندر هو بن الحكيم فيقلوس وقد ولد فى مدينة قوله بالقرب من سلانيك قبل هجرة النبى بثلاثمائة وخمس سنوات ، وأنه أصبح ملكا على الروم واستطاع أن يسخر لسلطانه الروم والعجم والعرب والهند والسند وقد استطاع أن يستولى أيضا على إيران بعد هزيمة شاه العجم دارا على يديه فى منطقة قره دره بالقرب من قلعة نصيبين المجاورة لبغداد ، وأمر الإسكندر بإسكان الشاه دارا وأهله وعياله فى سهول داراهيه بسنجق منتشه ، وقد توجه الإسكندر بعد ذلك بألفى سفينة إلى الإسكندرية واستطاع الإستيلاء عليها من يد الملك سوريد من ملوك القبابطة وسار إلى مصر واستولى عليها أيضا ، وخضع القبط لطائفة العربان الأشرار لسلطانه وكان العربان يميلون له عن القبط ، وقد أوقف الإسكندر مصر لدير ياصومنيه الموجود بالقسطنطينية ، فقد كان يتم جمع ستة عشر مليون قطعة ذهبية سنويا من مصر وذهب إلى الرهبان فى أيا صوفيا فى عهد عمر بن الخطاب كانت القدس وطرابلس وصيدا وبيروت وعكا والرملة وغزة وتيه ودمياط ورشيد والإسكندرية وكل مصر تحت قبضة كفار الروم الإفرنج ، بعد ذلك قام الملك الضال نقلديانوس أوتقيانوس بالقضاء على كل المسيحيين الموجودين فى مصر والشام وحلب وإنطاكية وخرب آلاف الكنائس وهذا الملك الضال الجبار هو آخر شخص من عباد الأصنام من قياصر الروم.

بعد ذلك أتى إلى الإسكندرية بالمال الذى غنمه من النصارى وقتله وزيره ويدعى جيلة وبذلك أصبحت الإسكندرية فى يديه ثم استولى على مصر وسار منها إلى بلاد العجم حيث تحارب مع شاه العجم شابور حربا عظيمة انهزم فيها شابور وانتقلت كل خزائنه وأمواله إلى تيقانوس الذى نقلها إلى الإسكندرية وعمرها ، استمر حكم تيقانوس عشرين عاما ، وقد رأى جزاء ما اقترفه من مظالم ، فقد تناثر لحمه وأسنانه بدون سبب ، ولما هلك تولى بعده ابنه دانيال ، وعند ما هلك هو الآخر تولى الملك قسطنطين الأكبر وشاء المولى القدير أن يعلو شأن دين الله فقد فتح النبى مكة سنة 8 هجرية وقد سير خالد بن الوليد فى عشرين ألف جندى من الصحابة الكرام إلى الشام إبان حكم القيصر حزقيل وبأمر الله استطاع أن يسخر الشام له ، وقد ذهبت البشرى إلى رسول الله فقام بإرسال عشرة آلاف جندى إليهم وساروا إلى القدس وكانت حينئذ فى يد الكفار والروم ، وعندما وصلت الجنود إلى الشام كان عمرو بن العاص فى القدس يشتغل بالتجارة ، وبينما كان عمرو يستريح تحت ظل شجرة ظهر ثعبان فجأة وكان ثعبانا ضخما وكان هناك رجل ينام بجانب عمرو هجم الثعبان عليه فقام عمرو فقتل الثعبان بفرع شجرة ، فقال له الرجل لماذا قتلت الثعبان؟ فقال عمرو : لقد كاد أن يقتلك وأنت نائم وعندما رأيته قتلته وأيقظتك من النوم ، فهمّ الرجل بتقبيل يد وقدم عمرو بن العاص ، وسأله الرجل : من أى البلاد أنت؟ فقال له : أنا مكّى أتيت للقدس للتجارة ، وجميع أوقاتى مع ناقتى الصغيرة ، فقال له الرجل : أنا أسكن فى الإسكندرية فى ديار مصر وقد أتيت للقدس للزيارة مع الخواجة شماس والحمد لله أنك أنقذتنى من شر هذا الثعبان سوف أمنحك أموالا وفيرة لذلك ، لتذهب معى إلى الإسكندرية وسوف أمنحك ألفين عملة ذهبية وخيام كبيرة وصغيرة وسوف تعود إلى بلادك من مصر.
وقد ذهب عمرو إلى الإسكندرية بعد عشرة أيام ونزل ضيفا عند الخواجة شماس ولم يخلف الخواجة وعده مع عمرو فقد منحه عدة لبدات فاخرة ، وشاهد عمرو المدينة مع الخواجة شماس وبينما كان يسير فى شوارع المدينة معه كان بعض الأهالى يلعبون لعبة

الكرة وقد جرت حكمة الخالق أن تسقط الكرة على رأس عمرو وتستقر عليه ، وقد تعجب كل الحاضرين من ذلك جدا ، فقد كان أهالى الإسكندرية يؤمنون بتقليد قديم عندهم وهو أنه أثناء لعب تلك اللعبة من تستقر على رأسه تلك الكرة يصبح ملكا على الإسكندرية ، فابتسم الأهالى وقالوا : هل يكون هذا العربى المكى ملكا على الإسكندرية ، وعلى الفور قام شماس بأخذ عمرو إلى منزله وبدأ يبحث عن طالع عمرو بعلم الإسطرلاب فوجد أن عمرو سيكون ملكا على مصر ، وفى النهاية أكرمه بأن أعطى له الأموال الكثيرة ومنحه عشرة من الإبل محملة بالمتاع وودعه إلى الحجاز ، وصل عمرو إلى مكة بعد أن قطع المنازل وطوى المراحل والتقى بأهله هناك وأعطى رسول الله الهدايا التى معه وأعلن إسلامه وقد ذهب عمرو إلى رسول الله وقد بشره الرسول بأنه سيكون أحد العمرين الذين سيفتحوا مصر والإسكندرية ، وأخذ عمرو يذكر للرسول والصحابة مدح مدينة الإسكندرية وجمال مائها وهوائها ، وقد ذكر الرسول فى عدة أحاديث له ترغيبا للصحابة فى فتح مصر والقدس والإسكندرية ، وقد قام الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم بإرسال الرسائل إلى المقوقس ملك مصر مع الصحابى أبو حاطب بن أبى بلتعة وذلك بعد غزوة الحديبية عام 6 ه‍ ، ودعا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم المقوقس إلى دين الإسلام ، ويقال إن المقوقس امتثل للدعوة وأعلن إسلامه ، وقد أرسل المقوقس رسالة إلى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم مع ذى النون المصرى وأرسل مع الرسالة البغلة دلدل ، والسيف ذو الفقار ، والجارية مارية ، وثلاث جوار من القبط ، وعندما ذهب ذو النون إلى مكة وشاهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم أعلن إسلامه وأصبح طبيب النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم.
فى بيان فتح قلعة الإسكندرية
بناء على قول المؤرخين أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قام بفتح القدس الشريف من يد الروم الكفار فى سنة 18 هجرية ، ثم قام بعد ذلك بإرسال أربعة آلاف وخمسمائة فارس وأربعة آلاف جندى مشاة بقيادة عمرو بن العاص لفتح مصر ، فقطع ذلك الجيش المنازل وطووا المراحل حتى وصلوا إلى المنطقة الواقعة بين رفح والعريش

فوصلهم هناك رسالة من عمر بن الخطاب يقول لهم فيها : «إذا كنتم قد دخلتم أرض مصر فسيروا على بركة الله وإن لم تكونوا قد وصلتم بعد فعودوا حتى تلاقوا الخوارج فى عمان» وعلى الفور قام عمرو بن العاص بسؤال الأهالى هل هذه المدينة ـ يقصد العريش ـ من أرض مصر ، فقالوا نعم ، فأرسل عمرو رسالة إلى ابن الخطاب يقول له فيها أنهم وصلوا أرض مصر وأنهم يعتزمون فتحها ، وقام عمرو بن العاص بفتح عدة قلاع ثم حاصر قلعة الإسكندرية واستمر الحصار تسعة أشهر كانت حربا عظيمة ، وعندما توفى الملك حزقيل فى عام 19 ه‍ وجد الكفار أنفسهم محاصرون فى القلعة من ناحية البحر فأرسلوا الرسائل إلى الروم يستنجدون بهم فى تلك اللحظة كان جنود الإسلام يدخلون القلعة من الأماكن التى تهدمت من أسوارها بفعل المنجنيق ، وتم فتح تلك القلعة الحصينة يوم الجمعة من شهر المحرم عام 20 ه‍ وكانت الغنائم تنقل بالإبل فقد كان نصيب كل جندى أربعين ألف عملة ذهبية أما الأسرى وسائر الغنائم الأخرى فلم يكن يعلم حسابها إلا الله ، وقد أرسل عمرو بن العاص الرسائل إلى عمر بن الخطاب بالمدينة يبشره بهذا الفتح العظيم ، فقام عمر بن الخطاب بإرسال عشرين ألف جندى إلى عمرو مددا له وقام عمرو بحصار مصر القديمة وقد ذكر ذلك بالتفصيل قبل ذلك.
فى بيان سبب دمار منارة الإسكندرية
دخلت الإسكندرية تحت حكم ملوك كثيرين ، ثم دخلت الحكم الإسلامى فى عهد عمر بن الخطاب وآلت من بعد الخلفاء الراشدين إلى الأمويين وكانت الإسكندرية فى عهدهم فى غاية العمران فقد أصبحت كل الأمم المسيحية فى ذلك الوقت ضعيفة لضعف ملوكهم وتكالبهم على الدنيا وحرصهم عليها ، لذا فتح الأمويون بلدانا كثيرة ، حتى أنهم أرسلوا الجيوش للقسطنطينية وأسبانيا وتسنى لهم فتح غالاطة فى استانبول ورومانيا وأسبانيا ، إلا أن آخر ملوك الكفار سلك طريق الحيلة ضد عبد الملك بن مروان فقد أرسل هذا الملك رسالة إلى الشام إلى عبد الملك مع سفير من سفرائه ، وبينما كان

عبد الملك يقرأ الرسالة أعلن هذا السفير إسلامه ورفع يده بالشهادة. وأصبح من المقبولين المحببين لدى عبد الملك وكان لا يترك عبد الملك أبدا ، وذات يوم قال هذا السفير لعبد الملك بن مروان إن مدينة الإسكندرية مدينة عظيمة وبها كنوز كثيرة لا يمكن وصفها فقد حكمها مئات السلاطين وأقام فيها آلاف الكهنة الذين كانوا يعلمون شتى علوم الكهانة ودفنوا الكنوز بالطلاسم ، فلو أنك اعتمدت علىّ بما أعلمه فسوف أستخرج تلك الكنوز وقد ذكر له أنه بتلك الكنوز الكثيرة يمكنه فتح البلدان ويصبح أعظم سلاطين الدنيا.
كان عبد الملك بن مروان طماعا للغاية ، كان لا يعلم أنه بهذا يسلم مدينة الإسكندرية ليد الكفار لأنه لم يكن يعرف شيئا فى فن الحيلة ، فقد اعتمد على إسلام هذا السفير الأسبانى وأعطاه ألف رجل ليذهب إلى الإسكندرية ، وعندما ذهب إلى هناك قام بهدم منارة الإسكندرية وأخذ مرآة الإسكندرية التى كانت طلسما عظيما من آثار الإسكندر موضوعة بالماء إذا ما دخلت أى سفينة من سفن الأعداء إلى ميناء الإسكندرية فإنها تحترق من تلك المرآة ، وأساس هذه المرآة لا يزال موجودا وظاهرا عند مضيق القليون الذى يطلقون عليه شاطئ القرد الصغير.
ولوقوع هذا الميناء فى مكان معاكس فإن أى سفينة تضل الطريق وتصل إليه تتدمر تماما ، ولو لزم الذهاب خلف القلعة يجب الاحتراس جدا ، بعد ذلك قام هذا اللعين باستخراج أربعين مليون عملة من المنار والخلاصة أنه خلال أربعين يوما استخرج مئات الكنوز المدفونة ، وملأ سفينته بتلك الخزائن وركب هو وجنوده وتركوا الإسكندرية خرابا وفروا هاربين إلى ديار أسبانيا.
وقد وصل هذا الخبر إلى عبد الملك بن مروان فى الشام ، فحزن حزنا شديدا وأخذ يلوم نفسه على ذلك ، وأصدر الفرمانات بترميم وتعمير الأماكن التى هدمت فى مدينة الإسكندرية وأنفق على ذلك الأموال الكثيرة ، وبالرغم مما فعله الأعداء جعل عبد الملك بن مروان مدينة الإسكندرية أحسن مما كانت.

ولكن مع الأسف لم يكن موجود بها آثار الإسكندر أو طلاسم دلوكة أو علامات سوريد أو كنوز مصرايم ولم يعد هناك أثر لمرآة الإسكندر ، واستمر الحال على ذلك ثلاث سنوات ، وفى السنة الرابعة تمكن هذا السفير اللعين من جمع كل الكفار وخرج من أسبانيا بثلاثمائة ألف جندى وسفن لا تحصى قاصدا مدينة الإسكندرية ونزلوا بها واستولوا على قلعة الإسكندرية وأقاموا بها سنة ونهبوا بقية الكنوز التى كانوا قد استولوا عليها قبل ذلك ، وملكوا بذلك أموالا لا تحصى ، وعندما تمكن من ذلك أمر بتحميل كل الكنوز والأموال على السفن بعد أن هدم كل الآثار العجيبة والطلاسم الغريبة الموجودة فى الإسكندرية وفر هاربا بالسفن إلى أسبانيا وقام بنهب كل الأماكن التى كانت فى طريقه إلى أسبانيا.
وقد عمرت أسبانيا بهذا المال ، ويطلقون على المدينة الكبيرة هناك المدينة الكبرى ويطلقون اسم قرطبه وطنجه على مدينتين تقعان فى المغرب ، وقد عمرت تلك المدن على أطلال مدينة الإسكندرية أى أن عمرانها كان على حساب خراب مدينة الإسكندرية ، أما الآن فتوجد بالإسكندرية آلاف العلامات والآثار الظاهرة التى تدعو للعبرة ، وعندما دخل عبد الملك بن مروان مدينة الإسكندرية هذه المرة أعلن أنها ستكون مدينة العرش لمدة سبع سنوات ، وأعلن أنه اعتزم الانتقام من الأعداء ، وفى غضون سنة جمع جنده وكانوا فى كثرة مثل البحر وسار بهم فى ألفى سفينة شراعية إلى أسبانيا وقام بفتح المدينة الكبرى بها وفتح مدينتى قرطبة وطنجة بالمغرب ومئات المدن الأخرى وغنم من الأموال الذهبية ثلاثة آلاف صندوق وبنى منها جامع بنى أمية فى مدينة الإسكندرية والشام الشريف وهو يشبه الجنة.
والطائفة المسلمة الموجودة بأسبانيا حاليا هم أبناء جنود عبد الملك ، كما فتح عبد الملك مدينة القسطنطينية بهؤلاء الجند وتصالح مع أهلها على أن يدفعوا خراجا سنويا يقدر بخمسمائة ألف قطعة ذهبية كل عام ، ودخل جند الإسلام مدينة الإسكندرية سالمين غانمين بعد أن انتقموا من الكفار الظالمين ، واستقر عبد الملك وسائر جند الإسلام سبع

سنوات كاملة بمدينة الإسكندرية ، وبعد أن آلت الإسكندرية إلى عدد من الملوك استولى عليها الكفار فى خلافة الظاهر بيبرس ، لكنه استخلصها منهم ، وكم من مرة وهبها الله لعدد من الملوك (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر : 16] فهذا يأخذها وذاك تؤخذ منه ، وذلك ينهزم ، والعقل قاصر وحائر أمام ما يجرى ، الله سبحانه وتعالى الفاعل المختار ، ولا يسأل عما يفعل ، هذا ما جرت عليه إرادته الأزلية تعالى شأنه وعم نواله ولا إله غيره :
كم من عمل التوى
    وكم من معوج استوى
  إنه العجب العجاب
    والبناء برهان ذلك
  فى عام 562 هجرى حينما كان المتقى خليفة للعباسيين تغلب عضد الدولة الفاطمى على قلعة الإسكندرية ، أما الخليفة المتقى فسيّر إليه جندا تحت إمرة أسد الدين شيركوه ، وأمّر ابن عم شيركوه وصلاح الدين يوسف بن أيوب على جيوش قصدت الإسكندرية ، فاحتشد جيش مصر والشام فى موضع واحد واستردوا الإسكندرية من يدى عضد الدولة صلحا فزفوا بذلك البشرى إلى نور الدين فى دمشق ، وأصبح صلاح الدين الأيوبى حاكم الإسكندرية ، وفى العام نفسه اتحد عضد الدولة مع الفرنجة وضرب الحصار على صلاح الدين فى الإسكندرية ، وشاور وزيره فى الصلح مع صلاح الدين على أن يدفع لصلاح الدين خمسين ألف دينار ذهبا ، فأعطى صلاح الدين الإسكندرية لعضد الدولة ، كما أعطى عضد الدولة الفرنجة الذين قدّموا إليه المدد نصف الإسكندرية ، وفى هذا العام تم استيلاء الفرنجة على مصر ، وإلى عام 563 ه‍ ظلت مصر فى حوزة الفرنجة.

واتّصل السلطان الغورى بالشاه إسماعيل الصفوى فأرسل إليه الغورى مددا قوامه اثنا عشر ألف جندى من المشاة ، وفى وادى (جلردر) (1) لاقى السلطان سليم بهذا العسكر فكانت الغلبة فى الوهلة الأولى لعسكر العجم. وبينما كانت الدائرة تدور على العثمانيين ، أطلق إياس باشا وهو قائد الانكشارية ثلاثمائة مدفع دفعة واحدة وأعمل العثمانيون السيف فى العجم.
وبعد أن حمى وطيس المعركة سبع ساعات تعلق الشاه إسماعيل بأذيال الفرار وفى معيته سبع رجال ونهب العثمانيون ما فى الخزينة من المال ، ووقعت تاجلى خاتون زوجة الشاه إسماعيل فى الأسر ، وقد قدموها أمانة إلى جعفر چلبى ، ولمّا رأى السلطان سليم الجند المصريين مجندلين فى سهل جلدر قال : (بسم الله النية على محاربة الغورى) ، وعاد منصورا مظفرا من جلدر. وانطلاقه إلى قيصرية ، بعث جندا تحت إمرة فرهاد باشا إلى علاء الدولة حاكم مرعش وهو من أولاد ذو القدر ، فواجهه فحشد علاء الدولة مائة رجل من التركمان واحتدمت المعركة بين الفريقين سبع ساعات ولحقت الهزيمة بعلاء الدولة ، وقدم الغنائم إلى السلطان سليم وقد تدحرجت أمام باب القصر كما تدحرج الكرات إذا ضربت بالصولجان فأرسلوا رءوس أبناء علاء الدولة وغيرهم إلى السلطان الغورى فى مصر مع رسالة جاء فيها : (نحن جند الإسلام نجاهد فى سبيل الله وقد رأينا وجوب القضاء المبرم على علاء الدولة حاكم مرعش الذى كان يقطع الطريق ويسلب وينهب ، ولقد عملنا بالآية الكريمة : (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [الأنعام : 45]. ولقد تخلص العباد من شرهم ، وأن معونتك للقزل باش (2) لا يليق بمسلم ، وعلى ذلك قامت الحجة فى المذاهب الأربعة ولدينا الفتوى وسوف ندخل مصر محاربين فى الربيع).
__________________
(1) وهو ما يعرف باسم چالديران.
(3) القزل باش : معناها أحمر الرأس. وهو اسم يطلقه السنيون عموما على الشيعة من العثمانيين فى الأناضول هم وطائفة من التركمان والبدو ، وكانوا يلبسون حمر القلانس وكانت عشائرهم على المذهب الشيعى. (بتصرف واختصار) معجم الدولة العثمانية ص 111.

وفى عام 921 من القسطنطينية البلد الطيب خرج الجيش العثمانى إلى اسكودار بعد طى المنازل والمراحل ، بلغ سهل مرج دابق على مقربة من حلب حيث حارب جالوت داود ـ عليه‌السلام ـ وانهزم جالوت ، ونزل قوله ـ تعالى ـ : (وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ) [البقرة : 251] ، ولحق السلطان سليم بثمانين ألف مقاتل بجيش الغورى الذى انهزم أمامه وفرّ الغورى إلى حلب ثم إلى دمشق وبعدها إلى مصر ، ودخل سليم ظافرا إلى دمشق ، وقضى الشتاء فيها ، وفى الربيع انطلق إلى مصر وعبر بجيشه وادى أمّ الحسن وغلب على مدينة بلبيس ، وفى كمين أعدّه الغورى وفى جبال عباس انقض الغورى على جيش سليم بغتة فى السحر ، ودارت المعركة إلى وقت غروب الشمس ، وأسفرت المعركة فى النهاية عن قتل رءوس عسكر الغورى ، ووجدت جثة الغورى بلا رأس على سجادة وقالوا إن الغورى زايل دار الغرور إلى دار بوار.
* خلاصة القول أن سليم قد بلغنا به غايته على وجه الإيجاز فيما يختص بفتح السلطان سليم لمصر ولقد تم له الفتح لمصر بعد أن خاض ستين معركة ، وعين خيره بك واليا لمصر وهو الذى استوزره الغورى من قبل ، كما عين كمال زاده باشا قاضيا للعسكر ، وأجرى فى النيل ألف سفينة وبهذه السفن بلغ مدينة رشيد وبعد ذلك ضرب الحصار على قلعة الإسكندرية برا وبحرا ، أما ما كان فى القلعة من جند الشراكسة فطلبوا الأمان وآثروا النجاة وقدموا مفاتيح القلعة إلى السلطان سليم ، وتم له هذا الفتح عام 923 ه‍ وجعل سليم مصر ولاية ذات إقليمين ومنح إقليما لقبطان بحريته حسام باشا ، وأمره بأن يحافظ على الموانى المصرية بأربعة سفن حربية وأمر أن تقدم كل قرية كيسين فى كل شهر فى الديوان ، وقد حكم القبطان حسام باشا مصر ، وفى ميناء الإسكندرية سفينتان حربيتان له ، وكان على كل سفينة ترسو فى ميناء الإسكندرية وأبو قير ، والإسكندرية القديمة أن تدفع دينارا ذهبيا وكان يتحصل من البلاد ثلاثون كيسا ، ولم يكن فى الأقاليم تيمار (1) ولا زعامات (2) ومن قبل وزير مصر رفيع المنزلة ،
__________________
(1) أرض زراعية كان سلاطين العثمانيين يمنحونها لمن يتعهدون بتقديم عدد من الفرسان للدولة عند قيام الحرب ، وذلك حسب ما تغل هذه الأرض.
(2) الزعامت : أرض زراعية كانت تقطعها الدولة للمحاربين ، هى أكبر من التيمار.

وكان يتولى أمانة الجمارك فى الميناء ، وكانت كل سفينة تدفع العشر الشرعى وكانت نتيجة المحاسبة مائة وخمسين كيسا ، وكان كيسان يوزعان على الأئمة والخطباء ، ولكن بعض الوزراء كانوا لا يدفعون هذا الجمرك ، وكان للجمرك حمالون من اليهود والروم والمسلمين وعددهم سبعون ، وكان هؤلاء ينالون مرتباتهم من دخل الجمارك.
وفى قلاع الإسكندرية الخمس ألف جندى ، وكانوا ينالون من الجمرك علوفة (1) قدرها أربعون كيسا وباقيتها للوالى وكانت سفن للفرنجة تأتى إلى الإسكندرية والمتحصل منها مائة كيس ، وكان نصيب العلماء فى العام خمسا وعشرين كيسا ، وكان على شاطئ البحر قلعة أبو حور وكان يتحصل لها من ميناء الإسكندرية ومن سفن الإسكندرية ثلاثمائة أو أربعمائة پاره (2) ، وكانت هذه السفن ترسو فى ميناء الإسكندرية ، وكانت تثير النزاع والخلاف على الدوام وسكن القلعة سنان باشا.
أوصاف قلعة أبو قير
ويقول العرب إن أبو قير بنيت على صخرة فى البحر ولذلك تسمى بهذا الاسم ، وفى إحدى الروايات أن أحد الأولياء هو أبو قير حمد الله مدفون فيها وسميت القلعة باسمه ، ولكن يتردد على ألسنة الناس أنها تسمى أبو حور ولا وجود لأثر للقلعة القديمة. إن لها ميناءا عظيما ، وكان الكفار يجعلون من هذا المرفأ كمينا لسفنهم وكانت سفن المسافرين الآتية من رودس تلجأ إلى هذا الميناء ، وآخر الأمر تحدث والى مصر الطواشى للسلطان سليمان ، فأمر السلطان بأن تنفق الأموال من الخزانة فجدد بها القلعة خادم سليمان باشا ، وسليمان باشا هذا هو من جعل ثلاثة قبور فى مصر على طراز جوامع استانبول وكان وزيرا مدبرا صنع ثلاث مائة سفينة حربية فى السويس وجعل فيها عشرين ألف جندى مع خيولهم ، وغادر السويس إلى بلاد الهند ، وحارب مدن أحمد اباد وديو اباد وميناء حيدراباد ، وانتزعها من يد البرتغاليين واستولى على كثير من
__________________
(1) راتب كانت تدفعه الدولة كل ثلاثة أشهر قمرية.
(2) پاره : بمعنى قطعة أو جزء فى اللغة الفارسية وهى أقل عملة عثمانية.

الغنائم ، وبعد سبعة أشهر وهب هذه الموانى إلى ملك الهند ، وأخذ من ملك الهند أموالا كثيرة ، وعادت السفن الحربية الإسلامية من الهند.
ومضى سليمان باشا إلى مكة المكرمة فأدى مناسك الحج ، ثم زار قبر النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المدينة ، وشاع أن سفينة غادرت من جدّة إلى ينبع وبعد ذلك بنى قلعة أبو قير وهى قلعة صغيرة محيط جدرانها الأربعة ستمائة خطوة وهى مستديرة الشكل ، ولها باب حديدى ، أمامها خندق عليه جسر وهذا الجسر يرفع فى كل ليلة ، وعلى باب القلعة كتب بالخط الجلىّ (أمر بإنشاء هذه القلعة المباركة فى أيام مولانا السلطان ابن السلطان سليمان خان ابن سليم خان ابن بايزيد خان ابن محمد خان ابن مراد خان).
وبعد إنشاء القلعة بعام ، أقيم فيها جامع صغير ، وله منارة غير مرتفعة كما أن فى القلعة مخزنا للأسلحة ومخازن للغلال وصهاريج للماء ، وفيها ثلاث مائة جندى وفى داخل القلعة خمسة دكاكين ، ولا وجود بداخلها لخان ولا حمام ، وقد دفن فى القلعة أحد خلفاء الشيخ عبد القادر الجيلانى وقد دفن فى غار ينزل إليه بسلم حجرى من عشر درجات ، واسمه أبو قير حمد الله ، ولذلك يسمون هذه القلعة قلعة أبو قير ، وفيها سبعون مدفعا ، وبذلك لا يستطيع الفرنجة دخول الميناء ، ويوقد مصباح فى داخل القلعة كل ليلة ، وبها فانوس عظيم ويبدو على بعد مائة ميل ، وخارج القلعة مائة بيت وعشرون دكانا ومقهيان وثلاثة طواحين تديرها الخيل ، ولكن لا وجود لحمام ، وخارجها ميناء عظيم يحوى ألف سفينة وهذا الميناء يأمن عصف الرياح ، وعلى بعد ميل من هذا الميناء جزيرة فى البحر وقد وصلتها بأمر إبراهيم باشا ، وعلى هذه الجزيرة قلعة لحراستها ، وقد بلغتها فى معية أهل رشيد وأهل الإسكندرية ، وقد اكتشفنا صخرة كبيرة فى البحر ، وبين قلعة أبو حور والنيل أرض واسعة ولا تستطيع سفن الفرنجة أن تقترب وهى ترى جند المسلمين عن بعد ، فكانت ترفع الأعلام البيض مستسلمة ، ولما أطلقت المدافع من القلعة على سفن الأعداء اشتعلت فيها النار وغرقت بمن فيها وأصبحت مظهرا للآية الشريفة فى السفينة خرقها : (قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها) [الكهف : 71]. وأحرقت السفن وغرق كل من عليها ، وانتقلوا إلى دار السعير.

واتفق أن أصيبت سفينة بمدفع فتخرقت السفينة وجعلت تميل يمنة ويسرة وأطلق بعض الألبان المدافع ففرح بذلك عمر أغا ورفع صوته قائلا الله الله ، وكان اليوم يوم عيد الأضحى ، وقال الناس لى إنى أنا كنت سبب هذا النصر ، وفى اليوم جاء رئيس الجند وقدم خلعة لحارس القلعة كما منح الخلعة لجنود المدفعية ومنح حارس القلعة عطاء جزيلا.
وجملة القول أن ميناء أبو حور ميناء عظيم ، وقلعة أبو حور تعد من الأقاليم التابعة للإسكندرية ويحكمها صاحب القلعة وهو يحاسب محاسبة صحيحة ، والإسكندرية ناحيته وهو نائب التسجيل.
ومن العجب :
أن فى هذه القلعة امرأة لها هيئة المجنونة وهى تبقى شهور الشتاء الست فى البحر وتضع رأسها على الشاطئ وكل جسدها فى الماء وبعض المواضع فتسيل منها الدماء ، وبينما كان أحدهم يبحث عن الأسرى فى الشاطئ وجدوا هذه المرأة فقدموا إليها قطعة من خبز لتدفع به جوعها ، ولكنها تخرج من البحر فى أيّام الصيف وتنام على الرمال الحارة وقد تفرق شعرها ، ومن يشاهدها يذهب عقله ، إنها بدينة مفرطة البدانة وقد دامت على هذه الحال ستين عاما ، ويقال إنها لا تكلم أحدا قط ، بل تظل صمّاء بكماء وقد دعت لى فلما وصلت إليها أخرجت لى من جبتها رغيفا أبيض وفى داخل هذا الرغيف عشر تمرات وثلاثة دنانير ذهبية فيا لها من امرأة عجيبة ، وسمح حاكم القلعة بعشرة من الجند حاملى البنادق وشاهدت الصيادين وهم يصيدون السمك على الشاطئ.
وفى الناحية القبلية للبحر ، حتى لا يغرق إقليم البحيرة ، أقام إبراهيم باشا سدا بين الإسكندرية ورشيد ، كما توجد مساكن للعرب ، وقد جزتها ولكن شاهدنا ثمانية من الفرسان العرب وجرت دماءهم وقدم أهل الإقليم ونائبه وحملوهم إلى القلعة حيث دفنوا ، أما من جرح بالرماح فحملوا أيضا إلى قلعة أبو حور ، ووصلت مع رفقائى إلى :

خان معديّة لشتوم
وركبنا فى سفينة وعبرنا إلى الجانب الآخر ، فوجدنا خانا عظيما ، وكان ثمة ضابط من قبل حاكم البحيرة يراقب السفن القادمة ويفتش القادمين والعائدين ، وكان يقيد اللصوص منهم ، وكان يتولى هذه المهمة خمسون أو ستون من الجند ، وهناك نزلنا ضيوفا فى خان من أوقاف محمد باشا فى رشيد وهو خان عظيم وليس بجوار هذا الخان صهريج من الماء العذب.
ويجبى الأغا من أصحاب الجمال والخيول والبغال والحمير ثلاثة أكياس يقدمها إلى كاشف إقليم البحيرة ولا تفضى هذه الطريق إلى الإسكندرية والسفينة هناك ملك لكاشف البحيرة وهو على الدوام يرممها ويعمرها. وثمة نهير إلى إقليم البحيرة حيث ينتهى ببحيرة وهى بحيرة تحيط بها أربعة قصور وماؤها مالح ، ولذلك سمى إقليم البحيرة بالبحيرة مائة وستين عاما تغرق البحيرة ثمانين قرية ، وفيها ألف قارب تصيد السمك ، وقد أقاموا سدّا متينا أمام الإسكندرية حتى لا تصل مياه هذه البحيرة إليها.
ويروى الإسكندرية الترعة الناصرية ، ومن الإسكندرية تمضى إلى هذه الترعة آلاف السفن ، واقتضت حكمة الله أن يقبض كاشف البحيرة على المجرمين العرب الذين أغاروا على مساكننا ، وفى الصباح وضعوا على الخازوق سبعة منهم ، ومضينا أربع ساعات فى أرض رملية حتى وصلنا شاطئ البحر كما تجولنا ساعة فى أرض ذات نخيل.
أوصاف إدكو
يقال لها فى العربية ( ) (1) ، وتقع فى ناحية ميناء رشيد ، تغل مائة أقچه (2) ، ومحصولها السنوى ثلاثة أكياس ، إنها على ضفة البحيرة فى مكان مرتفع ، تضم أربعة آلاف بيت ، سبعة عشر محلة ، وعشرين محرابا ، وستة جوامع إضافة إلى المساجد ، وبها ثلاث وكالات ، وثلاثمائة دكان ، ولكن لا سوق ولا حمام فيها ، وشوارعها غاية
__________________
(1) بياض فى الأصل.
(2) عملة كانت تستخدم فى الدولة العثمانية منذ أول نشأتها سكّت من الفضة.

فى الضيق تتسع لمرور اثنين بصعوبة بالغة وكل بيوتها تطل من الناحية القبلية على البحيرة إنها قصبة جميلة ضيقة ، وكل مياهها مياه آبار إلا أن بها بعض الملوحة ، وكل أهلها من وجوههم غاية فى الثقل ولون وجوه أهلها يميل للصفرة ، وليس بها جمال لنسائها ولا رجالها ، والفقراء فيها كثير ، وفى الجانب الجنوبى منها تغرق البيوت ، ولذلك غادر بعض أصحاب البيوت بيوتهم ، كما يغرق الناس آخر الأمر ، ومن الحق أن قوم البحر تتفاوت أحوالهم من يوم إلى آخر ، والطريق إلى رشيد طوله ساعتان وعرضه ساعة واحدة ، وثمة بساتين للنخيل ، ومنها نخلات طوال الواحدة منها بطول قامة الإنسان ، وكل نخلة تثمر مائة أقة من التمر الأبيض والأصفر والأحمر والأسود ، ولها تمر لذيذ مختلف الأنواع ، وهى بلد تكرم وفادة الغرباء ولكنهم يملكون جامعا أبيض جميلا ، وتبدو بها سبع منارات.
بيان من دفن فى أدكو من كبار الأولياء
فى غرب المدينة على شاطئ الخليج الشيخ سلامة ، وأخوه الشيخ صنع الله والشيخ عبد الرءوف والشيخ عبد الخالق وهم فى ضريح أبيض جميل ، وبالقرب منهم على شاطئ الخليج فى ضريح مرتفع الشيخ عبد الله المغربى ، وعلى شاطئ الخليج خمسة أضرحة بيضاء هى مرقد الشيخ سلامة ابن الشيخ مجيب الدين وفى هذه الأضرحة الخمسة دفن أبناءه وفى الناحية الشمالية دفن الشيخ خلف ، والشيخ محمد حميدى.
وفى الناحية الشرقية الشيخ سيد محمد چلبى وهو خليفة السلطان أحمد البدوى ، وفى الناحية الغربية الشيخ محمود چلبى ، والشيخ منصور ، وعلى مقربة من جامع كرد بك الشيخ سيد إبراهيم ، وجامع سيدى على الجبرتى ، وهو مدفون كذلك فى الجامع ، وفى ساحة الجامع الشرقى دفن الشيخ هارون نهاوى ، وقبره يزار وبعضهم يقرأ على روحه (يس) وبعضهم يقرأ (الفاتحة) ، وطلبنا المدد من روحهم الشريفة ـ رحمة الله عليهم أجمعين ـ ، وعبرنا أرضا ذات رمل إلى الشرق ، وبلغنا ساحل البحر

الأبيض ، وفى الرمال علامات تدل على طريق رشيد وتابعنا السير. ووصلنا إلى رشيد من إدكو فى أربع ساعات.
أوصاف ميناء رشيد
وسبب تسمية المدينة برشيد أنه بعد الطوفان ملك مصر بيظر بن حام وأخوه الأكبر سام وقد دعا نوح بالخير لحفيده ، وبعث به إلى مصر ، وكانت له فيها ذرية ، وأنجب فى مصر ذرية من ثلاثين ولدا ، ولذلك سمى بأبى الأقباط ، وانتشر كل ولد منهم فى مصر وبنا له مدينة وكان لولد منهم اسم رشيد وبما أنه بنا هذه المدينة ، لذلك سميت المدينة باسم رشيد ، إن النيل يصب فى البحر الأبيض عندها وهى مدينة عظيمة إنها عروس مصر ، ولها حكم الإقليم ، وقدره فى كل عام من ديوان مصر اثنا عشر كيسا ، ولرشيد قائم مقام يتولى إدارة شئونها ، وجميع السفن والحمالين تحت حكمه ، وهو يقدم إلى الوالى سنويا مائة وخمسين كيسا وراتبه عشرة قروش فى اليوم ، وتحت رياسته مائة وخمسون من خدم الجمرك ، وجميع القرى تخضع للالتزام ، وفى المدينة أكثر من ألفى سوق ، ولا وجود فيها لبيت خرب ، وجميع بيوتها ذات أسطح وهى من طابقين أو ثلاثة أو أربعة ، وكل بيوتها مخازن للأثاث. ويصعد إلى أبوابها بسلم من الحجر ، وفى الطابق الثانى أبواب ، وفى هذه المدينة خانات لنزول الضيوف ، وفى الطوابق العالية ، النوم ، وعدد بيوتها تسعة آلاف بيت وستمائة ، وهى للمسلمين ، وفيها أربعون محلة ومائتى محراب ، وسبع محلات لليهود ، ولكن لا وجود فيها لمحلات للفرنجة والأرمن والغجر ، إلا أن هؤلاء يغدون ويروحون للتجارة.
وثمة محلة للقبط واليهود ، وأعيان مصر يعتمدون عليهم ككتّاب لهم ، مما سبق ذكره نتبين أن البيوت فى رشيد اثنا عشر ألف بيت ، وفى هذه المدينة تؤدى صلاة الجمعة ، وفيها كثير من الجوامع ، وفى الميناء جامع كبير يسمى جامع زغلول محمد ، طوله مائة وسبعون خطوة ، وداخل هذا الجامع مائتان وستون عمودا من المرمر على رءوسها قباب ، وفى أطراف حرم هذا الجامع مائة وخمسون قبرا ، وفى داخل الجامع أربعة محاريب للمذاهب الأربعة ، وثلاثة محاريب كبيرة وواحد منها صغير ، كما أن له قبة ومنبر صغير

من خشب ، وشرفتان للمؤذن وله حرمان صغيران ، وفى وسط الحرم الأيمن سبيل ، وللجامع ستة أبواب وله منارتان وهما عاليتان ، ومن ثلاثة طوابق ، وفيه مقصورة دفن فيها محمد زغلول وأربعة من أوجه رجال الإفتاء ، إنه جامع واسع كان فى أول الأمر جامعا صغيرا ، وتاريخه مكتوب على أعلى بابه وهو :
(أمر بإنشاء هذا الجامع الجديد السيد محمود).
وجامع العطار يصعد إليه بسلم حجرى يتألف من خمس درجات ، وجامع (تق نهيمه) مبنى على ثمانية أعمدة من الرخام ، وهو صغير يتسع لمائتى مصلّ ، وله ثلاثة أبواب ومنارة ، ويصعد إليه بسلم حجرى يتألف من خمس درجات.
وجامع عبد الله يتسع لمائة مصلّ ، وهو غاية فى الصغر وله منارة قصيرة ، وجامع الخواجة وهو جامع مرتفع ، وله منارة وبما أنه على المرفأ يؤمه ناس كثيرون ، ويصعد إليه بسلم حجرى يتألف من عشرين درجة.
وجامع الأمير أحمد أغا جامع مرتفع جميل وهو على شاطئ النيل وطرفاه على الطريق العام ، ويصعد إليه من ناحيتين بسلم من الحجر ، ويقع على شاطئ النيل وبداخله عشرة أعمدة من الرخام ، وعلى باب قبلته :
(وعمر هذا الجامع الأمير أحمد أغا سنة اثنين وستين وألف).
وله منارة جميلة ومؤذن وإمام وخطيب ، ويزدحم بالمصلين ، وفى داخل الميناء جامع جمال الدين أغا ، وهو جامع مرتفع ويصعد إليه من جانبين بسلم حجرى وهو جامع مرتفع.
وثمة سبعة مخازن ودكاكين على الطريق العام ، وفى داخل الجامع اثنا عشر عمودا من الرخام عليها سقف مزخرف ، وله قبتان ، وعلى القبتين تاريخ هو :
(أن عين العلا على الفعال ، خاتم الجود من سما بالجمال. قلت تاريخ أنشا على الجمال جامع لمن اللطيف محكما بالجمالى سنة 1074).

وهذا الجامع ليس له حرم ولكنه يزدحم بالمصلين ليلا ونهارا ، وله منارة قصيرة ، وفى صفّته الداخلية قيشانى أرض المغرب فى بعض مواضع منها ، وهو لصاحب الخيرات أحمد باشا وهو أحد الأثرياء ، وقدم إلى رشيد من مسقط.
وجامع الزمين جامع تحتانى يزدحم بالمصلين له سقف منقوش مقام على أحد عشر عمودا ، وله ثلاث قباب ، ومنارته قصيرة وهو جامع صغير.
وجامع العراقى يصعد إليه بسلم يتألف من خمس درجات ، وبه عشرة أعمدة تحمل سقفا مزخرفا ، ومنبره من الخشب وله ثلاثة أبواب ، ومنارته قصيرة ولا حرم له والعراقى مدفون على يسار المحراب قدس‌سره.
وجامع نسى يقوم على ثمانية أعمدة ، وهو صغير ، وثمة مساجد أخرى ، وتبدو لها خمس وعشرون منارة.
ثمة سبعون من الخانات ومنها خان (قول قران) محمد باشا ، وهو يشبه القلعة ، ويتألف من طوابق ، وخان أحمد باشا ، وخان أيبك ، وخان قنا خان خواجه أحمد أغا ، وخان قاسم بك ، وخان مصطفى بك ، وخان إسحاق أفندى ، وخان سنان باشا ، وخان على جمال الدين ، وهى خانات مشهورة ويسكن كلا منها خمسين أو مائة أسرة ، كما أن لها بابا من حديد ، وبها سبع مدارس ، وسبعون مكتبا للصبيان ، وستة سبل وثلاثة آلاف وأربعون دكانا ، وسوقان ، لها بابان من حديد ، وفيها مائة دكان وكلها أبنية متينة ، وفيها تباع الألبسة والأقمشة الفاخرة وفيها سوق لبائعى الجواهر ، وسبعون مقهى ومائة طاحونة تديرها الخيل ، وأربعون طاحونة زيت ، وأربعون مصبغة وثلاثون مضربا للأرز وستة آلاف وستون مخزنا ، وسبعون حانة ، وتمتلئ كل منها بمدمنى الشراب وعشرة حانات للبوظة وخمسة حمامات وحمام الحاج نعمت الله نظيف طيب الهواء يأتى إليه ماء النيل بدولاب فيه ، وخدام هذا الحمام ثيابهم نظيفة والدلاكون فيه ثيابهم نظيفة ، وكذلك خدامهم ، ولكن هذا الحمام جديد ، ويقال إن الحمام القديم هو النافع وقد بنا السلطان سليم بها حماما ، وهو حمام عتيق ، وإذا وضع فى حوضه مصاب بالجذام شفى

بإذن الله بعد أربعين يوما ، وحمام البوستانجى حمام كبير ، أما حمام خواجه عبيدى وحمام قوبدان باشا فحمّامان للخواص والعوام ، وجو هذه المدينة يشبهه جو بلاد الروم ، وفيها يهطل المطر بغزارة ، وينزل الجليد والبرد لأن مدينة رشيد فى أول الإقليم الثالث ، ولذلك فيه من الفتيات والفتيان من العرب من يتصفون بالجمال ، ويتكسب أهل رشيد من التجارة ، ونصفهم من أهل الحرف ؛ ولذا فإن أهل هذه المدينة فى رغد من العيش ، ويقيم بعضهم للبعض الولائم فى كل ليلة ، ويقيمون المولد الشريف فى الليلة خمس أو عشر مرات وفى الأسبوع يقيمون حفلات العرس أربع أو خمس مرات ، ويباع خمسون رغيفا من الخبز الأبيض ببارة واحدة ، والرطل الإسكندرانى من اللحم ببارة ، كما يباع قنطار السكر بعشرة قروش ، ويباع أردب الشعير بمائة ، ويأتى إليها ألف سفينة فى العام ، وفى المدينة حدائق ذات بهجة وفيها تين وجميز وخوخ وليمون ونارنج ، وعلى ضفتى النيل حدائق وبساتين وكل ما أنعم الله به على الإنسان موجود فى هذه المدينة ، ويلبس أعيان المدينة فرو السمور والجوخ والثياب الفاخرة ، أما الطبقات المتوسطة من أهل المدينة ، وهم أهل حرف ، فيلبسون الثياب ذات الألوان. والأغنياء يلبسون حرير دمياط والفرسكور الملون ، والفقراء يلفون حولهم ثوب الإحرام وهم يعيشون فى كفاف ويكدحون ، وفى الجانب الغربى من هذه المدينة لهم بيوت صغيرة يقيمونها على الرمال ، وليس فيها بعوض ، أما نصف المدينة إلى شاطئ النيل ففيها بعوض يشرد النوم ، ولذلك ينام كل واحد منا فى كلّة (1) دفعا للبعوض ، وأهل هذه المدينة يأمنون الذباب ، وطول المدينة إلى تكية عبد القادر الجيلانى ألف وخمسمائة وعشرون خطوة ، وعلى ضفة النيل قصور شامخة وفى النيل مرافئ ينزلون فيها البضائع من السفن وجميع المنازل التى على ضفة النيل تطل نوافذها عليه ، وشوارعها واسعة نظيفة وهى ستمائة وعشرة ، أما أهلها
__________________
(1) الكلّة : ستر رقيق ذو ثقوب يرفع فوق السرير ليتوقى به من البعوض وغيره. انظر : المعجم الوجيز ، ص 540.

فهم يحبون ويكرمون الغرباء ولا يخرج النساء إلى الطريق إلا إذا اضطرتهن إلى ذلك ضرورة ملحة ، والناس يشعلون المصابيح ليلا ويزورون ذوى قرباهم ، وتجول النساء فى السوق يعد عيبا كبيرا ، وقد كتبت أوصاف هذه المدينة على حد علمى ، ولو خضت فى التفاصيل لاقتضى ذلك منى مجلدا فاكتفيت بما ذكرت.
قبور الأولياء داخل وخارج المدينة
فى وسط السوق السلطانى بالمدينة قبر الشيخ سيد على المحلاوى ، وقد تحدث عنه الشيخ الشعراوى فى كتابه (الطبقات) ، إنه مدفون فى موضع بالقرب من جامع الشيخ منصور ، وله ضريح عظيم ، وبجواره قبر الشيخ عبد الله الصانت وضريح الشيخ محمد البرى والشيخ أحمد طوقا وقبر الشيخ أحمد المغربى والشيخ سيد عثمان برهانى وقبر الشيخ سعيد سعد الله وقبر سيد محمد الشندويلى ، وفى رشيد القديمة على شاطئ النيل وفى الرمل قبر الشيخ سلطان بالقرب من جامع فى كوم أفراح ، وكل السفن التى تمر به يقرأ من بها له الفاتحة ، لأنه قطب عظيم ومناقبه لا تدخل تحت حصر ، وله تكية تزار وفى هذا الموضع كذلك دفن كبار الأولياء ، وثمة نحو مائة قبر لم يتيسر لنا معرفة أسماء من فيها ، وفى هذه الجهة مقبرة رشيد ولله أحمد أنى سألت عن هؤلاء الأقطاب فوجدتهم وقد مرغت وجهى على ضرائحهم وعرفتهم رحمة الله عليهم أجمعين ، وفى غرب رشيد حدائق ونخيل ، وتجولنا فيها ساعة وامتطينا خيولنا وكم من حديقة شاهدنا وفى بعض الحقول أكلنا ثمارا يانعة.
أوصاف قلعة رشيد
هى التى بناها الظاهر بيبرس خوفا من الفرنجة ، وتقع على شاطئ النيل ، وبعد بنائه لها بعام واحد وسّعها السلطان قايتباى ، وعلى بابها هذا التاريخ :
(بسم الله الرحمن الرحيم أمر بإنشاء هذا البرج المتين السلطان المالك الممالك الأشرف أبو النصر قايتباى عزّ نصره سنة ثمانمائة).

وفى داخل القلعة دار للمشرف عليها ومخزن للقمح وصهريج يستمد ماءه من النيل وجامع قايتباى وأربعون بيتا للجند ، ومحيطها مائة خطوة ، وكل الأبنية التى فى داخل القلعة أقامها قايتباى ، وأقام على باشا بناءا مربعا خارجها وهو قلعة من طابق واحد وهذا البناء بناء رصين ، وفى كل ركن من أركانه الأربعة برج وكل برج من هذه البروج قلعة حصينة ومحيطها أربعمائة خطوة ، وفى أرض كثيرة الوحول لا خندق فيها ، ولها باب من حديد يطل على الجنوب ، وعلى الباب تاريخ يأخذ منه أن بانى القلعة هو على باشا وزير الرى العادل ، وداخل القلعة ستون بيتا للجند ، وفى ركن داخل القلعة دفن حسين كوردى وفى القلعة سبعون مدفعا ، ومخزن أسلحتها عظيم ، ولها مشرف ، وفيها جنود ، ينالون مرتباتهم من الجمرك.
وثمة قلعة تجاه نهر النيل وهى قلعة أحمد باشا ، وهى فى موضع كثير الرمال ، وقد تخربت على مر الأيام ، وبعض آثارها ما زالت ماثلة للعيان ، ولها مشرف وجنود ، وبيوتها بين النخيل ، ولكن عشرين منها قد انهدم ، وبين النخيل بيت للمشرف فيها ، وعشرون بيت للفقراء. وكانت قلعة معمورة قديما ، وكانت مع قلعة رشيد الواقعة فى مدخل ميناء رشيد ، وضريح أحمد دده فى قبر أبيض بداخلها ، وقد شاهدت هذا الموضع كذلك ، والسفن تجرى منحدرة فى النيل.
أوصاف بوغاز رشيد
وهناك يلتقى النيل بالبحر الأبيض ، وهذا ما يسمونه موضع «مرج البحرين» ، أما إذا عصفت الريح فإن السفن لا تجرى ، وتبقى السفن فى البوغاز مدة شهرين أو ثلاثة ، وقد أصبح هذا البوغاز بحمد الله سدّا فى وجه الكفار وتحمل السفن حمولتها ، وإذا كانت حمولتها خفيفة خرجت من البوغاز وتدفع السفن الجمارك ، ثم تنشر قلوعها وتجرى ويقول من عليها توكلنا على الله ، وتدخل البحر ولو كان البوغاز هكذا على الدوام لخرب الكفار رشيد ، وإذا رأت سفينة مدينة رشيد فينبغى أن تستأذن فى الخروج من رئيس الميناء إنه ميناء صعب وكم من سفينة تغرق فى كل سنة.

ورئيس الميناء يتقاضى من كل سفينة أربعين أو خمسين قرشا ، وكما يقدم رئيس الميناء للوالى ألف قرش كشوفية ، وفى كل سنة يجرد ما لديه ورئيس الميناء من الرّبابنة ولا يعرف البوغاز شخص آخر سواه ، ففى موضع يكون الماء فيه ضحلا وفى آخر يكون الماء عميقا ، وأما فى وسط البوغاز فطريق عام يحدده القرع العائم ، وحينما يفيض النيل ويصبح كالبحر يدخل البحر الأبيض مائة ميل ، ويتلوّن ماء النيل بالحمرة ويعرف من فيها أن مدينة رشيد قريبة والدعاء مستجاب فى هذا البوغاز ، ويمضى بعض أهل الحال والسلوك فى قواربهم إلى هذا البوغاز ويتعبدون ، ولأن مرج البحرين ورد فى القرآن كما أن موسى ـ عليه‌السلام ـ فارق الخضر فى هذا الموضع قال : (قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) [الكهف : 78] ، وفى البوغاز جزيرة بها ضريح موسى ـ عليه‌السلام ـ والخضر ولذلك يأتى إليها كثير من الشيوخ لزيارتهما ، وفى هذا الموضع تلتقى الرياح ، وهذا الموضع يبعد عن النيل بمقدار خمسين ميلا ، وتعلم السفن فى النيل أن النيل يختلط بالبحر ، وإذا ذاق من فى السفن ماء النيل ليلا ووجدوا ماءه عذبا أدركوا أن البوغاز قريب ، فلا تقترب السفن من الشاطئ ، ولم أستطع عبور هذا البوغاز ، ثم ركبنا خيولنا وبلغنا الإسكندرية بعد فى عشر ساعات.
وخلاصة القول أنه بحمد الله بلغنا الموضع الذى يختلط فيه ماء النيل بماء البحر وزرنا ضرائح كبار الأولياء وصلينا ركعتين فى القارب ودعوت الله أن يمكننى من زيارة مصر بأسرها لأنها جنة المأوى كما جاء فى الحديث الصحيح (1).
وقلنا آمين يا معين بحق حرمة سيد المرسلين فعدت ثانية إلى ميناء رشيد وودعت جميع رفاقى خصوصا شيخ زاده عبد الرحمن أفندى والحاج نعمت الله ومندل زاده مصطفى أغا وسائر أرباب الطريقة وركبنا السفينة ، وحملنا فيها كل المأكول والمشروب
__________________
(1) حدّث نبى الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم أنه رأى أربعة أنهار تخرج من أصلها (يعنى سدرة المنتهى) نهران ظاهران ونهران باطنان ، أما النهران الباطنان فنهران فى الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات». انظر : صحيح مسلم بشرح النووى (1 / 918) والبخارى فى المناقب (3887).

وهى سفينة تغدو وتروح وهى محمّلة بالعزب والمدافع ، كما أن من فيها من المسافرين يحملون الأسلحة ، ولأن جزر النيل بها سفنا للصوص وهم يغيرون بغتة على السفن فيقتلون كل من فيها وينهبون أموالهم ، فلا بد من أخذ الحذر منهم ، فتوجهت إلى مصر فى سفينة مسلحة.
* * *

الفصل السادس والستون
أوصاف القصبات والقرى على ضفتى النيل
فى السفر من رشيد إلى أم الدنيا
مضينا فى النيل بريح طيبة تجاه كوم أفراح.
قرية عزبة المعدى
وبها مائة بيت وجامع دفن فيه الشيخ عثمان الطشطوشى ، وفى أرض رشيد.
بلدة (حدّية)
وبها جامعان وعدة دكاكين ولكن ليس فيها حمام ، ولا خان فيها ، وفى الجانب المواجه للنيل أرض ذات نخيل بها قبر صغير للشيخ جابر ، وبالقرب منها ترعة عظيمة وهى تجاه رشيد وفيها سفن تختلط بمياه بحيرة البرلس ومن هذه البحيرة تمضى السفن إلى قلعة برلس وسوف نتحدث عنها فى موضعها وفى :
محلة الأمير
جامعان وعدة دكاكين ولهما منارتان ، وثلاث مقاه عربية ، وعبرنا إليها ، وفى أرض الغربية :
قصبة شيرين برمبال
بها ألف بيت وأربعة جوامع وعشرون مسجدا ومقهى وخمسون دكانا وخانان وحمام ، وفيها الكتان والحرير الفاخر ، وجوّها غاية فى اللطف ، وتجاهها :
قصبة دييى
وفيها ثلاثمائة وستون بيتا وخان ومقهيان ولكن المقهيين غاية فى القذارة ، وهما للفلاحين وليس فيها حمام ، وفى إقليم البحيرة على شاطئ النيل :

قصبة أدفينه
وهى التزام ، ولها ألف بيت وهى مدينة معمورة ، ومنازلها عالية ومزينة ، وبها جامعان لهما منارتان جميلتان وخمسون دكانا وخانان وثلاث مقاه ، وليس فيها حمام ، وفى قبالتها فى إقليم الغربية :
محلة مطوبس
يتحصل منها فى العام ستة أكياس.
وثمة سبعون قرية ، إنها وقف مكة والمدينة ، وليست كشوفية ، وهى التزام الشيخ البكرى ، وبها ثلاثة آلاف بيت وخمسة جوامع وفى السوق جامع كبير يحمل سقفه اثنان وخمسون عمودا من الرخام وسقفه مزخرف وطوله مائتا خطوة وعرضه مائة وخمسون ، كما توجد بها سبعون زاوية ، وخمس منارات تظهر فى الأفق وحمام وسبع وكالات ، وسبل ومقاه ، ومائتا دكان وأربعون طاحونة للزيت وعشرون طاحونة تديرها الخيل ولا وجود لسوق ، وفيها قصر شامخ يسكنه الحاكم وأمامه قصر جميل على ضفة النيل ينزل به الضيوف والمجاورون ، ويجمعون ثروة طائلة إنها بقعة جميلة وعلى ضفة النيل زاوية مثل الجنة ولأرزها وسكرها ذائع الشهرة ، وهذه البقعة على مرتفع من الأرض فهى لطيفة الهواء ، وكل بيوتها تطل على النيل ، وبعدها :
محلة جمشيره
وهى التزام وبها مائتا بيت وجامع ، وعدة دكاكين ، ولكن ليس فيها حمام ، وقبالتها فى إقليم البحيرة :
محلة فزاده
وهى تتبع قصبة ديروط ، وبها مائتا بيت ، وبها كذلك جامع وعدة دكاكين ومقهى ، ولكن ليس فيها حمام ، والنيل فيها يجرى متعرجا.

أوصاف محلة ديروط
كان لفرعون فيها دير كبير لذلك سميت ديروت وهى تابعة لالتزام سنديون ، وبها ألف بيت وأربع منارات وأربعون زاوية وحمام ووكالة وأربعة مقاه ، وراقصات جميلات ، وخمسون دكانا وحقول غزيرة المحصول ، وقبالتها فى إقليم الغربية :
محلة سنديون
وهى قضاء يدر مائة وخمسين أقجه ويتحصل منها فى العام ثمانية أكياس ، وفى ناحيتها ثمانون قرية ويسكنها بنى حرام وبنى جزام ، وينشب القتال بينهما على الدوام ، وفى القرى ثلاثة آلاف بيت ، ولها كاشف صاحب خلعة ، ولها جامع ذو منارة جميلة وبها مائتا دكان ، وخان ، وليس فيها حمام وبعدها بميل فى إقليم البحيرة :
محلة عاطف
وهى التزام وبها ألف بيت ، وبها جامع وعشرون مسجدا وعدة أسواق صغيرة ، وليس بها حمام ، وبالقرب منها بلد داود ومن هذه البلد تجرى ترعة الناصرية إلى الإسكندرية.
أوصاف قصبة فوه
هى قضاء يغل مائة وخمسين أقجه وبها مائة قرية وخمس من القرى العامرة ، وهى كاشفيه يلبس كاشفها الخلعة من الغربية وبها أربعة آلاف بيت واثنا عشر جامعا ، وأربعون مسجدا وأحد عشر جامعا ذا منارة وحمامان وخمس وكالات وثمانية مكاتب للصبيان وستون دكانا وأربع مقاه.
إنها مدينة عامرة تزدحم بالسكان وتجاهها جزيرة صغيرة يحيط بها النيل من جوانبها الأربعة ، ويسمونها جزيرة الذهب ولأنها كثيرة المحاصيل سميت جزيرة الذهب ، وعسلها أبيض لذيذ وكأنها جزيرة تشبه الجنة وفى حدائق نخيلها جامع جميل ذو منارة

وعلى مقربة منه قرية بها أربعون بيت وبعد هذه الجزيرة على مسافة ميل فى إقليم الغربية :
محلة شرف
وتضم نحو ألف بيت وجامع ومقهى وقبالتها فى إقليم البحيرة :
محلة شرم بك
وبها نحو ألف بيت وجامعان ومقهيان وهى قصبة كثيرة المحاصيل ، وفى تجاهها فى إقليم الغربية :
محلة السالمية
وهى التزام وبها ألف بيت وجامع ذو منارة وعلى بعد ميل وفى إقليم الغربية :
محلة مالك
وبها خمسمائة بيت وهى التزام وبها دار للضيافة عبارة عن قصر عال يسكنها صاحب القرية وفى كل ليلة يكرم صاحب القرية أربعين أو خمسين ضيفا ، ويعلف خيولهم لأنها محلة يمر بها كثير من الناس ، وبها جامعان وأسواق صغيرة ، ولكن ليس فيها حمامات والشيخ محرم والشيخ كنعان والشيخ رمضان دفنوا فى قبور بيض بها ، وقد رسونا فيها بعشرين باره ونزلنا ضيوفا ليلة وفى الصباح تابعنا سيرنا ، وفى هذه المدينة وفى إقليم البحيرة :
محلة شموخذات
إنها قصبة صغيرة ملتزمها رشيدلى مندل زاده وبها ثلاثمائة بيت وجامع وبها قهوة وليس بها حمام ولا دكان ، وعلى بعد ثلاثة أميال وفى إقليم البحيرة كذلك :
محلة الرحمانية
وهى فى التزام قيطاس أغا ، وقد أوردنا أوصافها على التفصيل فيما كنا ذاهبين إلى البحيرة وتجاهها فى إقليم الغربية :

محلة إبراهيم الدسوقى
وقد أوردنا أوصافها سلفا وعلى بعد تسعة أميال منها فى إقليم الغربية :
بلدة مرقاص
وقد دفن فيها إبراهيم الدسوقى وقد وصفتها من قبل وعلى بعد ميلين فى إقليم الغربية محلة :
أبى على
وقد ذكرت من قبل وفى قبالتها فى إقليم البحيرة محلة :
دييى كبير
وهى التزام وبها ثلاثة آلاف بيت معمور وبها جامعان لكل منهما منارة ، وعشرون مسجدا وخان وعشرون دكانا ومقهيان.
وقد تجولت فى النيل ، وكنا ضد مهب الريح ، فأنزلوا جميع الملاحين جانبا ، وجذبوا السفن بالحبال فبذلوا فى ذلك جهدا عظيما ، وتجاه هذه المحلة :
محلة شبراخيت
وتحتوى على ألفى بيت وجامعان وعشرة مساجد ، ووكالة ، وعشرة دكاكين وثلاث مقاه ، وعلى قرابة ميل بإقليم البحيرة :
محلة شبرى ريش
وهى التزام ، وبلد معمور جملة دورها خمسمائة بيت ، وبها جامعان وسبع زوايا ، ووكالة وعدة دكاكين ، ولكن ليس فيها حمام ، وتجاهها فى إقليم الغربية :

محلة ميت جناح
وهى التزام ، وبها ألفا بيت وجامعان وعشرون مسجدا ، ولكن ليس بها دكاكين ولا حمام وتجاهها فى إقليم البحيرة :
محلة مجالجسه
وهى التزام ، وبها جامع واثنتا عشرة زاوية ووكالة ومقهى ، وألف ومائتا بيت ولكن ليس بها حمام ولا دكان ، وتجاهها فى إقليم الغربية :
محلة صالح
وهى التزام ، ويقال إن بها قبر علىّ ـ كرّم الله وجهه ـ وماؤها عذب وكان فى هذا البلد قديما قلعة عظيمة تسمى فى كتب التاريخ (ولاية صالح) ، وهى الآن مقبرة فى سجلات المحكمة ، وآثارها القديمة ماثلة للعيان ، وبها ألفا بيت معمور وجامعان وعشرون زاوية ومقهيان ووكالة ، وعلى بعد ميل منها وعلى ضفة النيل وفى إقليم البحيرة :
محلة كفر جديد
وهى التزام وبها مائتا بيت ليس إلا ، وجامع ومقهى ، وفى شمالها فى إقليم البحيرة :
محلة نكله
وهى التزام ، وبها ألفا بيت معمور جميل ، وثلاثة جوامع معمورة جميلة ، وعشرون من المساجد ، ووكالتان ، وقصر شامخ هو دار ضيافة ، ولا يقل عدد الضيوف فيه عن مائة ضيف فى كل ليلة كما أن فيها عشرون سوقا صغيرة كما أن بها مقهى ، ولكن ليس بها حمام ، وتجاهها فى كشوفية المنوفية :

محلة فرزدق
وتقع فى التزام نقيب الأشراف ، وبذلك سبق وصفها من قبل.
وفى شمالها على بعد ميل وعلى ضفة الترعة النهارية ولأنها فى إقليم المنوفية سبق لنا وصفها ، وهى على حدود إقليم الغربية ، وعلى بعد ميل شمالا وفى إقليم البحيرة :
محلة إشليمية
وهى فى التزام سفر أغا ، وبها خمس مائة بيت وجامع وست زوايا ومقهى وعدة دكاكين وحمامات ، وليس فيها وكالة ، وفى إقليم البحيرة على بعد ميل منها :
محلة الطاهرية
وبها جامع وسبع مائة بيت ، وهى قليلة العمران ، وعلى بعد ثلاثة أميال وتجاه الطاهرية وفى إقليم المنوفية :
محلة كفر زياد
وهى التزام وبها خمس مائة بيت جميل وجامع وخانان وعدة دكاكين ، وليس فيها حمام ، إنها مرفق السيد أحمد البدوى ، وعلى بعد ميل شمالا فى إقليم البحيرة :
محلة شابوز
وبها ألف بيت وهى التزام ، وبها جامع واحد ، وعلى بعد ميلين شمالا وفى إقليم البحيرة :
محلة سلمون
وهى التزام سفر أغا وبها مائة بيت وجامع وثلاثون مسجدا وخانان ومقهى ، وسبع أسواق ، وعلى بعد ميلين شمالا وفى إقليم المنوفية :

محلة كفر ناحه
وهى التزام سياوش أغا وبها مقهى وألف بيت وجامع وليس فيها حمّام ولا وكالة ولا دكاكين ، وعلى بعد ميلين من جهة الشمال وفى إقليم البحيرة :
محلة أبو أحمد
وهى التزام وبها خمسمائة وخمسون بيتا وجامع ومقهى وليس فيها حمامات ولا وكالات ، وعلى بعد خمس درجات شمالا منها فى إقليم البحيرة :
محلة بحيرة
وهى فى التزام ذو الفقار أغا وبها جامع ومقهى وأربعة دكاكين ، وقبالتها فى إقليم المنوفية على نهر النيل :
محلة زغيره
وبها جامع ومقهى ، وسبعمائة بيت ولا وجود لما سوى ذلك ، وعلى بعد ميل فى إقليم المنوفية :
محلة طنوب
وهى فى التزام رضوان أغا وبها ثلاثمائة بيت ، وجامع بلا منارة ، ووكالة ومقهى ، وعلى بعد ميلين شمالا وفى إقليم المنوفية :
محلة أمروز
وهى التزام مصطفى أفندى ، وبها خمسمائة بيت وجامع ومقهى ، وعلى بعد ميلين شمالا منها وفى إقليم البحيرة :

محلة طيرنه
وهى التزام ، وتروى من ترعة سلطان شرف التى تروى ولاية أبو جاموس ، وأولها فى هذه المحلة ، وبها خمسمائة بيت معمور ، وبها جامع ولا عمران فيها بعد ذلك. ومضينا شمالا ميلين ، وفى إقليم البحيرة على ضفة النيل وجدنا :
محلة علقمة أبو الجاوى
وليس فيها سوى جامع ، وبها ألفا بيت. وتجاهها ، وفى إقليم المنوفية :
محلة تمالية
وبها ثمانمائة بيت معمور ، وجامع ، ومقهى تجاوزناها بمسافة ميلين شمالا وفى إقليم المنوفية :
محلة جزى
وهى واقعة فى التزام محمد أغا ، وبها دار ضيافة عظيمة ، وعلى بابها مدافع وبها ألف بيت وجامع ومقهى وليس يوجد شىء سوى ذلك ويجرى النيل شرق هذه المحلة وهذه المدينة مرفأ ، وهى على مسيرة مرحلة (1) من منوف وقبالتها فى إقليم البحيرة على ضفة النيل :
محلة طرّانه
وصاحبها ذو خلعة وطبل وجند ، وبها قبور من الجص ، وليس فيها حدائق ، وبها جامع بلا منارة ومقهى ، وفى هذه الناحية قاضى البحيرة ولها ستون قرية تابعة لها.
بيان معادن النطرون الطبيعى
إن ما يسمونه النطرون هو محصول هذه الأرض ، وهو يخرج من صحراء هذه الأرض إنهم يحفرون الآبار ويتعمقون بمقدار باع أو باعين ، فيمتد عرقا عرقا فى
__________________
(1) المرحلة : المسافة التى يقطعها السائر ما بين المنزلين.

الأرض ، وجميع سكان هذه المحلة مأمورون بأداء هذا العمل ، فيستخرجون عدة قناطير من النطرون ، وأمام كوخ أمين النطرون يذرون النطرون كأنه ملح ، ويأتى من بلاد الفرنجة التجار لشراء النطرون ، فيشترون فى العام عدة آلاف من قناطير النطرون ، ويتحصل منها فى العام سبعين كيسا وهى التزام وأكثر علماء مصر يشغلون مناصب فى إدارات خاصة به لأنه مال جذل ، وفى جميع الدنيا يذيبونه ويجعلونه كالماء ويضعونه على الصخر فينمحى بإذن الله تلك هى خاصيته ، كما يوضع فى مصر غالبا فى الطعام مثل الملح ، وهو ينضج اللحم ولكنه من أكل منه تأذت عيناه وساءت نفسه وشحب وجهه وانتفخت بطنه كبطن الحامل ، وفى مصر يضعون ذرة منه فى طعامهم لأنه ذو قيمة كالوقود ، ولذلك فإن الطعام فى مصر يطهى سريعا ، أما أصحاب الأسر إذا طهوا به الطعام كالحطب طاب طعامهم.
وفى عصر الوالى قره مصطفى باشا ثار البكوات فنشبت الحرب واستشهد كثير من الجند وفى صحرائها دفن بالقرب منهم أتباعهم ـ رحمهم‌الله ـ وعلى بعد ميل شمالا وفى إقليم المنوفية :
محلة زاويه
بها سبعمائة بيت وجامع ومقهى ، وفى شمالها فى إقليم البحيرة :
محلة أبو فشانه
وبها جامع ذو مناره وألف بيت جميل ، وشمالها فى إقليم البحيرة سكن قبيلة بنى سلامة وبنى رجبان فى أرض رميلة وهؤلاء القوم على ضفة النيل ويغيرون على السفن ولا يحاربهم إلا من كانوا يحملون السلاح ، وهم شجعان ، وقد بلغنا هذه المحلة وسمعنا نساء العرب وهن يضربن بالدفوف على رأس الجيش ويرقصن ويعزفن على الرّباب ، وقيل لى إن فى إقليم البحيرة أرض رملية لا أمان فيها ، والعرب ينهبون السفن التى ترسو على هذه المنطقة ، لأنها أرض خالية موحشة ، والمجرمون يركبون السفن على

أنهم صيادون وهم يغيرون على السفن ، ولذلك يجب التحرز منهم. وقد تجاوزت هذه المنطقة سالما والحمد لله ، وشمال هذه المنطقة فى إقليم منوف :
محلة أشمون جريس
هى التزام كبير وبها جامعان وعشرون مسجدا ووكالتان ومقهيان وعشرون دكانا وليس فيها حمام ، وعلى بعد ميلين شمالا منها وفى إقليم المنوفية :
كفر جركس
وهى ليست محلة وبها ثلاثمائة بيت وجامع واحد ولا يوجد عمران بعد ذلك ، وسرنا أربعين ميلا فى مهب ريح الجنوب تجاه كفر جركس وفى إقليم البحيرة وعلى شاطئ النيل :
محلة قطه
والحق أن القطط فيها كثيرة وهى التزام ولم يبق من القرى والقصبات سواها فى إقليم البحيرة ، وعلى بعد ميل منها الجسر الأسود وهو جسر له خندق ، وشمالها فى حكم كاشفية الجيزة وعلى بعد أربعة أميال وفى إقليم الجيزة :
محلة أم دينار
وقد كشف السلطان يوسف صلاح الدين فيها عن كنز عظيم ، ولذلك سميت أم دينار ؛ وبهذا المال الذى استخرجه من هذا الكنز بنى قلعة عظيمة داخل القلعة كما تصدق بمال كثير فعمر مصر ، وبها جامع ومقهى وترعة عظيمة ، وهذه الترعة تمتلئ عند فيضان النيل فتروى هذه الولاية ، وتمر فيها سفن تحمل الغلال لأنها ترعة كبيرة ، وفى هذه الترعة معدية أميرية ، وبها يعبر أصحاب الحاجات من الجيزة إلى منوف ويؤدون الأجر وتجاهها فى إقليم المنوفية :

محلة شراوى ومحلة دراوى
وبالقرب منهما محلات تقع فى التزام نقيب الأشراف فى مصر برهان الدين أفندى ، وهى محلة معمورة لأنها قريبة من مصر وكثيرة المحاصيل فأهلها فى رغد من العيش وبها جامعان ولكننا لا نعرف عمائر أخرى سواها وفى حدود منوف على شاطئ النيل بليدات وقصبات تتمم هذه المحلة ، وعلى بعد ميل محلة تسمى :
بطن البقر
وهى فى نهاية جزيرة فى النيل ، ويجرى النيل حولها ، وهى جزيرة كبيرة وعظيمة ، والنيل يجرى بين إقليم الغربية وإقليم المنوفية ، وهى كشفيتان حكوميتان ، وبها ألف وستمائة بيت وقرى وقصبات ومدينة عظيمة تتمها هذه الجزيرة هى محلة بطن البقر والنيل ينعطف يمنة ليجرى إلى ولاية دمياط ، وينعطف يسرة ليجرى إلى ولاية رشيد ، وعلى ساحل النيل الأيسر محلات وقصبات مررنا بها ولكنها رياض ونخيل وبين رشيد وبطن البقر خمسمائة ميل ، وليس فى بطن البقر قرى ، إنها أرض خالية سبخة وفيها أشجار ذات أشواك ، وهى فى حكم جبه جى باشى ، وفى تل يحرق أخشاب هذه الأشجار وتوضع هذه الأخشاب على الفحم والبارود الأسود ، ولذلك فإن بارود مصر فى شدة بارود بغداد وانجلترا ، وفى بطن البقر أربعون ضريحا وهناك ، يستجاب الدعاء ، وفى الجانب الشرقى من بطن البقر فى الضفة المقابلة للنيل كشفية قليوب ، وفيها :
بلدة بيت البارود
وهى فى حكم جبه جى باشى وفيها يحفظون أخشاب أشجار الشوك والفحم ، وفى منطقة على بعد أربعة أميال فى إقليم القليوبية :
محلة شبرا
وقد ذكرنا أوصافها من قبل ، وفى الجهة المقابلة لها فى إقليم الجيزة :

محلة الوراق
وفيها جامع ولا نعرف بيوتها ، وعلى بعد أربعة أميال جنوبا وفى أرض الجيزة مدينة امبابة.
أوصاف مدينة امبابة وهى عاصمة كشوفية الجيزة
ولكاشف امبابة ثلاثمائة جندى ، وهو حاكمها ، وهو يحصّل مائة كيس وعشرة ، وبها قاضى الجيزة ونائبه ، وبها بيوت معمورة ، كما أن بها ثمان جوامع وستون مسجدا ومائة وثمانون دكانا ولكن ليس فيها سوق وبها سبع مقاه ، وسبل ومدارس وتكايا وتكيتها معمورة ، وفى محكمتها منح شيخ الإسلام مصطفى أفندى معاشا مائة وخمسين أقجه ، له ولنائبه الحكم فى هذه المحكمة العامرة ، وكل هذه الناحية قرى منها :
أوسيم
إنها بلدة كحديقة إرم ، ذات نخيل ، ولهذه البلدة حاكم من العرب اسمه شجاع الدين سليل قبيلة خبير وهو خبير العربان ، وله ثلاثمائة فارس ، وهم يتولون رعاية شئون الأمن فى تلك البلاد ، فإذا ما تعلق مجرم بأذيال الفرار جاءوا به مقيدا ، وجو هذه المدينة لطيف كما أن فتياتها وفتيانها يتميزون بروعة الحسن ، ويجتمع فيها كل يوم سبت ألف إنسان فى سوق عظيمة ، وأصحاب الحرف فيها كثير ، ويصنعون المآزر والأقمشة ذات الألوان والعمائم والمروط ، وفى كل عام يأتى إلى هذه المدينة من يزورون السيد البدوى ويجتمع فيها أربعون أو خمسون ألف إنسان فى ثلاثة ليال ، ويقيمون مولدا عظيما ، ولا يتعلق به الوصف ، كما يقيمون الخيام وحلقات الذكر ويزورون الشيخ الامبابى ، وهو مدفون فى جامع كبير على شاطئ النيل قدسنا الله بسره العزيز ، وحول ضريحه حديقة من نخيل ، وتكية فيها مريدون يسمى الواحد منهم الامبابى وينتهى نسبه إلى السيد أحمد البدوى ، وهؤلاء المريدون زهاد منقطعون عن الدنيا منزوون فى ركن القناعة يعيشون على الصدقات ، ولأن أهل الحرف فيها كثير ففضلا عما فى الأسواق

يعرضون كذلك ما يصنعون فى الدكاكين خارج المدينة فى الخلاء ، وسبعون دارا للصباغة أميرية ، واثنتا عشرة وكالة وحمام وعشرون مكتبا للصبيان وحدائق كثيرة ، وأهلها يكرمون الضيف ، ومقابل امبابه :
بولاق
وهى مرفأ مصر ، وقد وصلنا إليها من رشيد فى خمسة أيام ، وهى مدينة كثيرة المحاسن ، وركبنا خيولنا وجيادنا إلى القلعة الداخلية ومضينا مع نائب نيشلى على كتخدا ، وتجولنا فى أرجاء المدينة لقد زرنا رشيد ولكن بقى ميناء دمياط ، وفى الصباح سوف نمضى إلى البرلس وقلعتها وقلعة دمياط وقلعة تيمه ، وقد طوفنا فى هذه الأجزاء ، وفى اليوم التالى فى السحر زرنا جميع القلاع هنالك وصدر أمر من الكتخدا بأن يمنحنى الوالى خمسين دينارا من ذهب نفقة الرحلة ، فقبلت يده ، ودعيت له بالخير ، ومضيت وودعت الكتخدا ، ونلت منه أربعين دينارا من ذهب وقماش من الجوخ ، وفى هذا اليوم مضيت إلى مدينة بولاق ، وهيئت لنا حاجتنا من المأكولات والمشروبات مع خمسين فتى فى السفينة ، وركبنا السفينة مع هؤلاء الخدم ومضينا فى طريقنا.
* * *

الفصل السابع والستون
بيان ما شاهدنا من قرى ومدن وقصبات
فى طريقنا من مصر إلى قلاع دمياط والبرلس وتينه
خرجنا أول الأمر من بولاق ووصلنا بعد ثلاثة أيام فى طريقنا إلى رشيد ، فوجدنا قبالة محلة الأمير ترعة عظيمة وهى ترعة البرلس ، فوصلنا :
محلة عزبه
وفيها سبعون أو ثمانون بيت كما أن فيها قبرا عاليا دفن فيه الشيخ على الكومى ، فتجاوزناها وعلى ضفة الترعة :
عزبة الحج
وتتألف من مائة وخمسين قرية ، وبالقرب من جامعها مدفن الشيخ قشاشى ، فتجاوزناها وفى الترعة سحب السفينة ملاحون من الضفتين فصادفتنا قرى تجاوزناها ، وتقدمنا فى طريقنا وكان بحر البرلس على يمنتنا وسدّت الترعة عند هذه المحلة إلا أنها تجرى فى بقعة أخرى فيها منبت للأرز ، فخرجنا من السفينة وركبنا سفنا فى بحيرة البرلس ، وعدنا إلى السفينة ، وهذه الترعة تجرى عشرون ميلا إلى جانب بحيرة البرلس ، ودخلنا إلى البحيرة وهى عظيمة طولها خمسون ميلا وعرضها ثمانون ميلا إلا أنها بحر ضحل وفيها قارب للصيد ، وفى نهاية بحيرة البرلس قلعتها ومن البوغاز يدخل إلى بحر واسع ، وفى جنوبها فى إقليم الغربية البحر ليس شديد العمق ، إنهم قدروا عمقه بقامة إنسان ، وفيه علامات حتى لا تسير فيه السفن لأن فى البحر نخيل فتمر السفن بين هذا النخيل ، وفيه السمك أنواع مختلفة ، وبين بحيرة البرلس والبحر الأبيض رأس صغيرة ، ومضيت فى البحيرة تدفعنا ريح تهب من الشمال الغربى إلى الشرق.

أوصاف قلعة البرلس القديمة
وهى بحيرة تقع فى إقليم دمياط ، وتتبع إداريا لبك دمياط ، تؤدى سبعين كيسا وللقلعة حاكم وذلك طبقا لقانون السلطان سليم ، وحاكم آخر وهو قاض ، ويتحصل له فى العام خمسة أكياس وفى ناحية منها سبعون قرية ، وفى ناحية أخرى بلدة بلطيم ، وقد بنى اسكندر اليونان قلعة البرلس ، وفى العام الحادى والعشرين للهجرة ، وفى خلافة عمر بن الخطاب كان عمرو بن العاص قائد جيش يتألف من ثمانين ألف رجل ، وقد وجد فى الفتح صعوبة وشدة ، وبينما وقف عاجزا اقتضت حكمة الله أن يشرف بالإسلام هاموك أوغلى حاكم البرلس.
وبفضل منه تم الفتح للقلعة ، وعلى مر الأيام تخربت القلعة من تأثير تلاطم الأمواج بها وفى عام 923 ه‍ جدد بناءها السلطان سليم ، وهذه القلعة تحرس البحر إنها قلعة صغيرة مربعة ومحيطها خمسمائة خطوة ، وفى كل ركن من أركانها الأربعة قلعة خربة ، وبها باب حديدى يشرف على البحر وفى القلعة ثمانون جنديا ، وجامع بناه السلطان سليم ومنارته على باب القلعة وهى منارة صغيرة وتصل رمال البحر إلى القلعة الآن ، وهى تغرق من يوم إلى يوم ، وقد رأيت مواضع الهدم فى سورها وفيها أربعون مدفعا وعتادها قليل ورئيس طوبجية القلعة من اللاظ ، وفى جهاتها القبلية ثلاثمائة بيت وزاوية ، ومقهى ودكان خباز ، وليس فيها حمام ولا سوق ، إنها أرض رملية تغيب القدم فيها ولكن جوها لطيف إلى أبعد غاية ، والناس حولها ينعمون بتنسم النسيم العليل وبطيخ البرلس مشهور فى البلاد بجودته ، وفيه نوع يسمى البطيخ الماوى وهو ممتلئ فى جوفه بماء الورد ، وثمة نوع آخر من هذا البطيخ إذا شرب المريض ملئ فنجان منه تم الشفاء له من مرضه ، ومن يدمنون شرب الخمر يكرهونها وينصرفون عن شربها ، ويشربون من مائه ، ويخلطون ماء هذا البطيخ بملعقة من العسل ويشربونه شرابا لذة للشاربين ، ومن شرب قدحا من هذا الماء صاح قائلا آه يا برلس ، إنها خمر عجيبة وقد كتب داود الحكيم عن فوائد هذا البطيخ فى تذكرته ، كما أن سمك البرلس وتمره المخلل مشهور بالجودة إنه على شاطئ الجزيرة ، وفى الجانب الشرقى للقلعة وعلى بعد ثلاثمائة

قدم فى أرض ذات رمل ست آبار ماؤها عذب فرات ، وأهل البرلس قاطبة يحضرون ماء هذه الآبار ، وبالقرب من هذه الآبار ضريح الشيخ عيسى بن نجم بن إبراهيم الدسوقى ، إلا أن هذا الضريح غاص وسط الرمال وهو يزار ويرفع الزوار الرمال عن هذا الضريح ، ولكن لما آلت الولاية فى مصر إلى بولاد زاده أمر بنقل جثمانه جميع أهل رشيد ودمياط وسائر القرى والقصبات. وكانوا عدة آلاف كما جاء القاضى والأعيان والأشراف وتجمعوا وحملوا جثمانه وشاهد أولاده نقل جثمانه وسط ارتفاع الأصوات ب «لا إله إلا الله» ، وأطلق المريدون البخور مكبرين مهللين مما يذكر أن كفنه أبيض طاهر بعد مرور ستمائة وستة وثلاثون عاما عليه فى القبر فأخذ العجب مأخذه من الناس أجمعين ، وحمل تابوته إلى مرج مرتفع بالقرب من شاطئ البحيرة حيث دفنوه ، والآن بنى له ضريح عظيم وجامع وتكية ، وفضلا عن ذلك فإن للناس فيه عقيدة راسخة فلا يخلو صريحه ليل نهار من زوار ، كما يقام له مولد فى شهر شعبان من كل عام ويحتشد فيه مائة ألف إنسان ، ولله أحمد أن تيسرت لى زيارته ، وقرأت سورة يس على روحه رحمة الله عليه ، وقد نظمنا فيه شعرا ، بيد أن هذه الأشعار ضاعت بين أوراقى المتناثرة ، ومن أجل زيادة القلعة تسلمنا من صاحبها مائتا قرش وجوادا ومعنا أربعون من الرجال يحملون البنادق ، وحملنا مأكولاتنا ومشروباتنا ، ومضينا إلى ساحل الجانب الشرقى من بحيرة البرلس ، واجتزنا بأرض ذات نخيل وقرى معمورة.
أوصاف قصبة بلطيم
محلة تتألف من بيت معمور فى أرض رملية ، وهى التزام تتبع إقليم البرلس ، ويسمون صاحب البلدة الحاج بلبل ، وإنه رجل رفيع الشأن عامر القلب بالإيمان ، وفى ناحية البرلس ثلاثة جوامع ، وعلى ضفة البحيرة جامع كبير بناه السلطان منصور ، ويقال إنه مدفون فى ركن من حرم هذا الجامع ، ومساحة هذا الجامع مائة وخمسون خطوة وله منارة تحتانية ، وهو مبنى على خمسين عمودا ، وبها عشرة دكاكين ومقهى ، وليس فيها حمام ولا مدارس.

ضرائح قصبة بلطيم
فى جامع الشيخ أبى الفتح قبر دفن فيه هذا الشيخ ، وفى ركن من أركان حرم هذا الجامع قبر الشيخ فتح بن عبد العزيز ابن الشيخ عيسى بن نجم ، وقد سبق ذكر ذلك والشيخ عيسى وهو قطب عظيم له ما له من المناقب ، إنه صاحب كشف وكرامات وطريقته وهى الطريقة البرهانية ، وفى الجانب الشرقى لبلطيم وفى قبر صغير على ضفة البحيرة دفن الشيخ حسن الرفاعى ، وقد ظهرت له الكرامات ، وفى داخل المدينة على ربوة قبر الشيخ محمد العجمى وفى جانب البحيرة قبر الشيخ محمد البهلول ، وبالقرب منه قبر الشيخ علام الله ، وفى وسط المدينة قبر الشيخ أبو رواح الطويل قطب عظيم إلا أنه كان قصير القامة جدا ، وهو مدفون فى قبر صغير بالقرب من الشيخ محمد الخشوعى وقبره يزوره الخواص والعوام وجميع أهل البلد يتناقلون ذكر مناقبه إنه كان قطبا عظيما له منزلة السرى السقطى وإذا ما شرب المريض بذات الجنب ماء الورد بجانب قبره شفى هذا الشخص بإذن الله رحمة الله عليهم أجمعين ، وتجولنا نشاهد ما فى هذه المدينة ، وانعطفنا شرقا وبلغنا شاطئ البحيرة فى ثلاث ساعات ورأينا غابة من نخيل بين البحيرة وبين البحر الأبيض المتوسط ، واقتضت حكمة الله أن يكون لمصر تمر البرلس ، والنخلة من هذه النخلات سامقة تحمل عشرين عثكولا وتؤتى عشرين أقّة من التمر فهى محلة التمر بتمام المعنى.
واجتزنا حتى بلغنا شاطئ البحر الأبيض المتوسط ، واتجهنا فى إقليم الغربية فواجهنا صحراء مترامية الأطراف أشبه شىء بمتاهة ، وتسكنها فى الصيف قبيلة الحدية ، أما فى الشتاء فتسكن هذه القبيلة فى تلك الأرض ذات النخيل إنهم قوم لانت عريكتهم وحسنت طباعهم ولو لم يكونوا على هذه الصفة لما استطاع أحد أن يمر فى أرضهم ، ورأينا فى البحر سفينتين ، تتبادلان قذف المدافع وإطلاق البنادق فأغارت سفينة الكفار على الشاطئ ونزلوا منها ودخلوا على القرية ، ووصلت إليهم بخمسين فارس لمعونتهم وشددنا عليهم فتقهقروا وقد أمطرونا وابلا من الرصاص ، ولله الحمد أننا لم نصب بأذى فتنفس الصعداء كل من كانوا على شاطئ البحر ، وأقاموا المتاريس ، ولكن الكفار قذفوا

وأطلقوا علينا مدفعا فرّقنا ، وحاول الكفار أن يحرقوا السفينة إلا أنهم أخفقوا ، ثم قدم من الصحراء سبعمائة أو ثمانمائة لنهب السفينة ، فحملوا ما فى السفينة وانتشروا بما حملوا فى الجبال ودامت تلك الحال إلى وقت الغروب ، وبعد المغرب أنار الكفار القناديل فى سفنهم ، وأطلقوا المدافع حتى منتصف الليل ، كما أطلقوا بنادقهم ، وفى نصف الليل أحرق الكفار السفينة ، فحزن كل من فى المحلة لذلك حزنا شديدا ، وبعد ذلك تقهقرت صفوف المغيرين ، أما الجرحى من المغيرين فقطعت رءوسهم ووضعت ناحية ، وقد هلل المسلمون لذلك وكبروا ، ولكن الكفار أطلقوا النار على المسلمين فما أصيب منهم أحد وبعد مطلع الفجر اشتدت الرياح ، فبسط الكفار قلوع سفينتهم ونفخوا الأبواق ، وعادوا أدراجهم بعد ما خسروا خسائر فادحة وخشينا وأحجمنا عن السير مخافة أن نتعرض لنهب العربان فبحثنا عمن جاء لنا من دمياط بمدد ولو ثلاثمائة رجل وخمسة وسبعين قاربا صغيرا ، ولم تصب هذه القوارب بأى ثقب ولله الحمد وقد سر الناس جميعا بمقدم هذه القوارب ، وعبروا عن ذلك بإطلاق المدافع ، ومضوا إلى ميناء دمياط ، ومضينا إلى دمياط فى حمى من الجند ، وعبرنا نهر يمنى وهذا النهر يجرى إلى المحلة الكبرى ، إن نهر يمنى هذا نهر كبير مثل نهر النيل وهو يروى مئات المدن ، وفى هذه المحلة مصب النيل فى البحر الأبيض وتسير السفن فيه إلى حيث يخترق النيل بالقرب من سمنوط ونصف النيل يخلط ببحيرة البرلس بين البرلس ودمياط ، ثم يجرى فى الصحراء من هناك وبعد خمس ساعات وباتجاه دمياط بلدة تسمى :
السنانية
وهى تقع على شاطئ النيل ، وبها ثلاثمائة بيت معمور وثلاثة جوامع ومقهى ، وكان فيها قلعة على عهد الكفار ، وآثار ميادينها ظاهرة ، وهى من أوقاف سنان باشا ، وفيها أقام دلاور بك قصرا ، وجميع أهل دمياط يصطافون فيها.
وركبنا سفينة ، كما ركب الجند السفن وأطلقنا على أبراج الكفار بنادقنا وسررنا سرورا لا مزيد عليه ، وبلغنا الجمرك ، ودخلنا دمياط ، وكان اليوم عيد الأضحى ، وحررنا المحاضر وكتبت رسالة إلى والى مصر إبراهيم باشا.

أوصاف ميناء دمياط القديمة
أكثر المؤرخين الذين وصفوا هذه المدينة ، فى أصح الأقوال لهم ، أنه بعد طوفان نوح بنى هذه المدينة أحد أبناء أشمون بن مصرايم وكان اسمه دمياط ، ولذلك سميت هذه المدينة دمياط ، ومعنى دمياط بالسريانية قوة وقدرة ، أما فى التوراة فاسم دمياط أرلش ، وأما فى الزبور فاسمها الدردميه والبيطه وفراغه ، وفى الإنجيل اسمها الخضرة ، وفى العربية كذلك الدردميه ، وفى القبطية دمياط ، وبعد الهجرة بثلاثين عاما ، وبينما كان عمرو بن العاص واليا على مصر ، كان الأسود بن مقداد قائد ثلاثين ألف جندى ، فضرب الحصار على الملك هاموكى فى قلعة دمياط ، ودامت الحرب سبعة أشهر بتمامها ، إلا أن العرب يئسوا من فتح القلعة ، وكان للملك هاموكى ابن يسمى شيطا رأى النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم فى المنام ، فهب من نومه فى التو ، فنزل من القلعة فى جوف الليل ، ومضى إلى الأسود بن مقداد وأعلن إسلامه ، ودله على المواضع التى يمكن الدخول منها إلى القلعة ، فمضى إليها معسكر الإسلام ففتحت لهم القلعة بأمر الله ـ تعالى ـ ، ووضع الملك هاموكى فى الأسر ، واعتنق الإسلام أيضا ابن آخر يسمى كوريجل ، وغنم المسلمون كل ما فى القلعة من نفائس ، وأصبحت على الدوام مدينة جميلة طاهرة ، وأرسلوا من غنائمها إلى عمر بن الخطاب ثلاثمائة صندوق من المال ، وبينما كان نور الدين الشهيد خليفة قدم الكفار الأسبان إلى دمياط بألف سفينة واستولوا عليها وسيطروا عليها سبعة أشهر ثم أرسل نور الدين الشهيد وزيره يوسف صلاح الدين على مائة ألف من الجند إلى دمياط وفتح القلعة وأعدم أسرى الكفار جميعا ، ثم عاد إلى دمشق مظفرا يحمل ما يحمل من غنائم ، وفى عام 921 استولى الفرنجة على دمياط ، وكان الظاهر بيبرس خليفة على مصر ففتح القلعة ، وأعمل القتل فى الفرنجة ، ومن بعده فتحها السلطان سليم الأول ، إنها مدينة عظيمة من أقاليم مصر تقع فى الجانب الشرقى من النيل ، وهى الآن دار إسلام بيد إياس باشا ويعجز اللسان عن وصفها وهى سنجق لطيف فى إيالة مصر بمثابة الإقطاعية ، ويقدم حاكمها إلى ديوان مصر عشرة أكياس فى العام ، واثنى عشر كيسا من الغرامات ورسوم نقل البضائع والأسواق ، وفى مينائها

سفينتان حربيتان يسافر بهما رئيس القبطان باشا وقد ألحق هذا الإقليم مدة من الزمان بإقليم رشيد ، وحينما يغادرها القبطان باشا مسافرا يقوم مقامه فى حكمها مائة رجل ، كما أن جمركها يحكمه حاكم من طرف الوالى وله أجر يومى قدره عشرة قروش ، كما يأخذ من كل سفينة قادمة أو غادية قرش واحد ولكل سفينة عشرة قناطير من الحطب ويتحصل من جمركها فى العام مائتان أو مائتان وخمسون ، لأن هذا النخل يتعرض للزيادة والنقصان من عام إلى عام ، ولها حاكم شرعى يحصل على ثلاثمائة أقجه كراتب شهريا ، واتفق أن نال عشرين أو ثلاثين كيسا ، وقد قدمت خمسمائة أقجه صدقة فى عدة أحيان ، ويحكم المدينة نائبان الأول النائب الخارجى والثانى منوط به قضاء فارسكور ، وتحت حكم قاضى دمياط ست عشرة قرية لأن جوانبها الأربعة بحيرة ، أما قضاء فرسكور فحواليها قرى ، ويتحصل منها فى العام سبعة أكياس ولدمياط شيخ للإسلام على المذاهب الأربعة ونقيب للأشراف وقائد الانكشارية ، وعزب وأربعة فرق من الشوربجية ، وكثير من الأعيان والأشراف والعلماء والصلحاء والأئمة والخطباء والمشايخ والسادات والتجار ، وهم كثرة ، كما أن حفاظ القرآن لا يدخلون تحت حصر ولكن لا مكان لضرائح الجند بها. ويحرس هذه البقعة ثلاثمائة حارس فى كل ليلة إنها مدينة ذات مرفأ فيها الأمن وعلى شاطئ النيل فى الناحية القبلية هى جانب ريح الشمال إلى جامع المتبولى ألف ومائة خطوة وهو طول هذه المدينة وعرضها ثمانمائة خطوة ، وفى بعض الجوانب ستمائة خطوة ولا وجود لسور محيط بالقلعة من جهاتها الأربعة ، والحرس يحرسون فى كل ليلة وعلى شاطئ النيل قلعة صلاح الدين الأيوبى وفى طرفها رباط محاط بسور منخفض ، ومحيطه مائة خطوة ، وداخلها بيوت خربة وداخلها مخازن للغلال ، ومفتاحها فى يد صاحب القلعة وفى هذه المدينة حدائق وبيوت جميلة سطحها من الجص ولكن البيوت فى رشيد أجمل منها وبيوت دمياط مبنية بأحجار مختلفة الألوان ، وفيها إدارة شيخ البلد وأربعون محلة ومائة وخمسون محرابا ، وفى يوم الجمعة تتلى الخطبة ، وفيها كذلك مساجد ، وفيها جامع الفتحية وهو جامع كبير يستجاب فيه الدعاء ، وهذا الجامع كان فى الأصل كنيسة فى قديم الزمان ، وطوله تسعون خطوة

وعرضه أربعون خطوة ، وفيه اثنان وتسعون عمودا ، وستة منهم من حجر الصوماق وكأنها من العقيق اليمنى ، ولا شبيه لهذه الأعمدة فى البحر كل عمود منها يساوى خزانة مصر ، وعلى هذه الأعمدة سقف حديدى مزخرف ، وفى أطراف حرمه أربعة وستون عمودا وهى من الرخام الذى يشبه البللور ، وفى حرمه سبيل وصهريج ماؤه عذب فرات ، وماء المطر يجتمع فيه وفى الحرم كذلك شجرة نبق وهى دوحة عظيمة وللجامع أربعة أبواب تطل على الحرم اثنان منها يفضيان إلى القبلة والآخران مفتوحان على الجهة الغربية ، ومحرابه يقع فى ركن منه ، لأن هذا الجامع كان فى الأصل ديرا لليونان ولذلك يسمونه جامع الفتحية محرابه قديم الطراز ومنبره من الخشب وعلى باب منبره تاريخ هو آية شريفة هى : (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة : 18] ، أنشأ هذا الجامع الحاج شمس الدين بن محمد الطرابلسى المعروف فى شهر رجب الفرد سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ، وله منارة من ثلاث طبقات وهى منارة جميلة ، وعلى باب قبلته تاريخ تعميره سنة 1083 ، وقد عمّره داور بك.
وأمام المحكمة فى وسط سوق مزدحم جامع البدرية ، وطوله مائة وخمسون خطوة وعرضه خمس وخمسون خطوة ، وله سقف يحمله خمسون عمودا من الرخام ، وفى وسط حرمه نخلة سامقة ، وهى تساوى منارته فى الطول ومنارته من ثلاث طبقات وهى مزخرفة جميلة ، وهذا الجامع تحتانى وله أربعة أبواب بابان للقبلة وبابان جانبيان ، وفى حرمه حوض ذو صنبور وعليه لوحة مكتوب فيها ، وفى أطرافه صنابير كتب على باب منبره : (نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ) [الصف : 13].
وعلى شاطئ النيل بالقرب من سوق الغلال جامع البحر ، وطوله وعرضه مائة وثمانون خطوة ، ويعلوه على أربعة وثمانين عمودا سقف ملون مزخرف بألوان مختلفة ، وله سبعة أبواب ومنارة من ثلاث طبقات.
وفى سوق الأرز جامع كبير بناه خواجه أمين الدين المعينى ، وله قبة عالية ويصعد إليه بسلم حجرى من ثمان درجات ، ولا يخلو من المصلين ليل نهار وكأنه جامع السلطان برقوق فى العادلية فى مصر ، خال من الأعمدة وعلى جوانبه الأربعة قباب

تشبه طاق كسرى ووسط الجامع مكشوف ، مرصوف بالرخام وفى كل ركن من أركانه صفة عظيمة إنه جامع وسيع ومحرابه مزين بالأحجار الملونة ، ومنبره أيضا ، وجوامع دمياط فيها من جوامع الأقطاب أكثر مما فى رشيد ، كما أن فيها كثير من الزوايا.
ومن هذه الزوايا زاوية الأربعين فى السوق ، كما يوجد مسجد يسمى مسجد القبانى ، وقد بنى منذ فتح عمر لمصر ، وفى الجانب الأيمن حول هذه الزاوية دفن أربعون من الصحابة وإلى جانب صناديقهم خشب منجور كتب عليه بخط جلى هذا التاريخ : (برسم العبد الفقير إلى الله تعالى القاضى شهاب الدين سنة عشرين وثمانمائة).
وفى هذه المدينة سبع مدارس وإحدى عشرة تكية وثلاثمائة سبيل ومن هذه السبل سبيل رضوان چورباجى ، وهو فى الجمرك وقد بنى بالقيشانى ، وكواته من النحاس الأصفر ، ومشربته مقيدة بالسلاسل ، ومشاربه مجلوة ومذهبة ولما كان صاحب هذا السبيل على قيد الحياة كان فى يوم عاشوراء يتصدق على أرواح شهداء كربلاء بالعسل فى ثلاثة أيام وبالسكر فى ثلاثة أيام أخرى ، وقد أقيم على هذا السبيل مكتب للصبيان كأنه قصر عظيم وفيه ثلاثمائة صبى يتعلمون القراءة والكتابة ، وفى كل سنة يتسلمون راتبا ، وعلى كواته تاريخ هو (حبذا هذا السبيل الذى ماءه كماء الحياة الذى أقامه إسماعيل رضوان سنة 1086).
وفى داخل السبيل كتب تاريخ كذلك على القيشانى ، وجاء فيه (بارك الله فى هذا السبيل فثمة ثمانون غيره).
كما يوجد أربعة حمامات وهى التى أقامها رضوان الشورباجى فى السوق ، وثمة ثمانية عشر خانا أولها خان مصطفى شورباجى وخان الحرمين ، وخان مصطفى چلبى وخان الحويلية وخانان ل (بيرى چورباجى) ، خانان أيضا للأرناؤط. وخان بن راجح ، وخان عنبرى زاده وخانان لتكلى شورباجى ، وخان ذو الفقار كتخدا القديم ، وخان عباس وخان جعدى وخان بن فار المسمى صچان أوغلى ، وخان طيناويه ، وخان القفاصين ، وخان القاضى ، وعبد الرحمن باشا حينما كان متولى مصر بنى خانا على ضفة النيل كأنه القلعة بإذن من كورجى ذو الفقار كتخدا ، وقد جلبت جميع الأحجار

التى بنى منها هذا الخان من مصر ولا يوجد فى دمياط بناء من حجر ما عدا هذا الخان والجامع الكبير ، وله بابان وبه مائة حجرة ، كما يوجد اثنان وثلاثون مقهى فيها ، أما فى السوق فعدد المقاهى ست وهو خان كبير وفى حرمه حوض ذو نافورة ، وعلى جانبيه مقاه فيها عازفون ومداحون وراقصون وفى هذه المدينة مائتان وستون شارعا وكلها شوارع واسعة نظيفة ، وفى أطرافها أسواق سلطانية ، وبها ألفان من الدكاكين ، كما أن بها ثلاثمائة طاحونة تديرها الخيول ، كما يوجد بها طواحين للزيت ، كما يوجد ستمائة مصنع ، كما أن فيها محلة لليهود ومحلة للقبط وسبع محلات للكفار ، كما يروح الفرنجة والأرمن ويغدون ولا وجود فيها لسفراء الفرنجة كما أن بها سبع كنائس وأربعون حانة وستمائة بيت وبها مائة وأربعون مضربا للأرز لأن دمياط أرض الأرز ، أما الحبوب التى ترد من الصعيد غالية الثمن وبها ثلاثة آلاف مخزن وبها ثلاثة آلاف صياد يصيدون السمك من دمياط ويصدر السمك المملوح المكبوس والبطارخ من دمياط إلى بلاد الروم وإلى بلاد الفرنجة ، لأن هذه المدينة فيها أنواع كثيرة من السمك ، وفى إدارة شيخ هذه البلدة آلاف الموظفين وحمدا لله فليس فيها بيوت للدعارة كما هو الشأن فى باب اللوق ، كما أن النساء فى هذه المدينة لا يخرجن إلى السوق وعندهن أن الخروج للسوق عيب كبير ، وفى الليل توضع المصابيح فى المنازل ، والشرطة فى النهار قليلون وأكثر الناس فلاحون ، وهم كادحون قادرون على الكسب مقتدرون ، والأعيان يلبسون الجوخ والحرير ، والفقراء ومتوسطو الحال منهم يلبسون الثياب الملونة ، والنساء يضعن على رءوسهن قلانس من الذهب الأحمر والفضة كما أن النساء يضعن على وجوههن سود البراقع كما ينتعلن نعالا زرقا وإذا ما خرجت امرأة إلى الشارع نهارا قتلت كائنة من كانت ، ولكن يؤذن لهن فى السعى فى جنازة موتاهن من ذوى قرباهن.
إن أهل هذه المدينة أهل ذوق ، ويقام حفل زفاف مرة فى كل ليلة فيرتفع الضجيج وفى أطراف هذه المدينة الأربعة ستة وستون من البساتين وحدائق رضوان ، ونور الليمون والسفرجل كثيف بحيث أن أحدا لو مر من بينها لتنسم شذاها ، وفى كل حديقة حوض وشادروان وحقيقة الأمر أن حدائق رضوان شورباجى وذو الفقار كتخدا كأنها حديقة

إرم ، وجو هذه المدينة لطيف للغاية كما أن فتياتها وفتيانها غاية فى الحسن ، كما أن أهلها يحبون الغرباء ويكرمون وفادة الضيف ، وأهلها يتاجرون فى السمك والأرز والسكر وغير ذلك ، ويجرى إلى وسط المدينة خليج عظيم ينشعب من النيل وعلى جانبى المدينة قصور شامخة تطل على الخليج نوافذها ، كما أن بعض أصحاب هذه القصور يقفون فى النوافذ ويصيدون السمك كما أنهم يتصدقون على الفقراء كما أن الصبيان فيها يبتردون ويسبحون فى هذه الترعة ، ويتعانقون فى دعابة ، وفى هذا الجانب قصور جميلة شامخة متعددة الطبقات ، وأثناء فيضان النيل تتدفق مياهه إلى بعض هذه القصور ، وبعض المنازل فيها زوارق لمواجهة ذلك ويركبون فيها ليمضون بها إلى حيث يريدون ، وترسو هذه الزوارق عند السّفينة.
وفى الشمال من هذه المدينة على ربوة مقبرة وبرج مربع وهو برج مرتفع وفى زمان الكفار كانت جزيرة قبرص تبدو منه وإن كانت مشاهدة قبرص تمس الحاجة فيها إلى نظر جد حديد والأرز من أطيب المأكولات فى دمياط ، ويورد الأرز من دمياط إلى سلاطين آل عثمان ، وأرز المنزلة وفرسكور لا وجود لمثله فى العالم كما تشتهر دمياط بالسمك والبطارخ وإلى جانب ذلك الجميز والخبز الأبيض والحرير الملون والموز.
وفى بوغاز دمياط قلعة تشبه قلعة رشيد ..
أوصاف قلعة دمياط العتيقة
بناها السلطان سليم الأول حين فتح مصر ، وقد فتحها الأسود بن المقداد حينما فتح عمرو بن العاص مصر ، ولم يبق أثر لهذه القلعة ، وهى الآن مبنى متين تقع عند التقاء النيل بالبحر الأبيض ، ومحيطها خمسمائة خطوة ، وعلى جوانبها الأربعة بروج ، ولها باب يطل على الجنوب ، وفيها جامع السلطان سليم ، وفيها رئيس من المتفرقة ، وطبقا للقانون ، وفيها مخزن للأسلحة ومدافع وأربعون قذيفة ، وخارجها فى الجانب الأيمن مدفع ، ولا وجود لمثله والله أعلم. وهذا المدفع يقذف قذيفة تزن أربعون أوقية ، ولا خندق حول هذه القلعة لأن الأرض حولها منخفضة وهى قريبة من الشاطئ ، وسورها

منهدم فى كثير من المواضع ، وقد ركبنا قاربا ومضينا إلى حيث يلتقى النيل بالبحر ، وصليت ركعتين ورفعت إلى الله كف الدعاء ، ويقول علماء دمياط إن هذا الموضع هو الذى ذكر فى القرآن ب (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) (الرحمن 19) ، هو الذى التقى فيه موسى ـ عليه‌السلام ـ بالخضر ، ولكن ثمة جدال محتدم بين علماء رشيد فيما يتعلق بهذا الشأن ، ولكن جاء فى تفسير السيوطى أن مرج البحرين المراد بالبحر فيه البحر الأسود ، وبحر الخزر هو بحر كيلان ، وبعضهم يقول أنه بحر الأبواب ، وهو بحر ليس فيه مصب وهو ثلاثة أمثال البحر الأسود وهو بحر عظيم ، ومرج البحرين المراد بهذين البحرين : هما البحر الأبيض الذى هو بحر الروم الذى يختلط بالنيل ولذلك يسمى بوغاز دمياط مرج البحرين ، وبعضهم يذهب إلى أن بحرا كبيرا قد اختلط بنهر عظيم وهذا ما يسمى مرج البحرين ، أما لقاء الخضر بموسى ـ عليه‌السلام ـ فكان على شاطئ النيل ، وقد قدم الخضر فى سفينة ، وفى هذا الشأن وقع الخلاف بين علماء دمياط ورشيد ، أما قول علماء دمياط فهو القول الصحيح ، وركبت بعد ذلك مع حاكم القلعة قاربا وفى قبالة القلعة الشرقية القلعة الغربية.
أوصاف القلعة الغربية المقابلة للقلعة الشرقية
بناها فى عهد السلطان أحمد خان طواشى المتفرقة جعفر أغا حسبة لله ، أما قلعة عبد الصمد فهى المشهورة إنها قلعة صغيرة ، مستديرة ، على شاطئ النيل ، ومحيطها مائة خطوة وفيها برج متين ، وقد ضمت إليها من بعد قلعة طابيه وهى أيضا متينة الأركان وفيها خمسون مدفعا ، ولكن المدافع الكبيرة فى هذه القلعة ، وهى تطل على البوغاز ، ولها رئيسها وخمسون جنديا وعملهم هو صيد السمك والحمام والسّمان ، وتقع فى أرض رملية ولها باب على الجهة القبلية ، وفيها أربعون أو خمسون حجرة ، وليس فيها متزوج وكل من فيها من العزب ، وقد زرتها ووجدت أن عشرة من جنودها غير موجودين فسجلت أسماءهم وعرضتها على الباشا ومضيت إلى القلعة الشرقية من القلعة الغربية ودفعت أجرة انتقال عشرة قروش وركبت فى زورق إلى دمياط.

بيان الأولياء الذين عرفناهم فى زيارتنا فى مقبرة دمياط
عندما بعث الملك هاموك ابنه الشيخ لفتح قلعة دمياط وأسلم على يد الشيخ شطا والأسود بن مقداد ، وبعد الفتح أمر الأسود بن مقداد الشيخ شطا بعشرة آلاف جندى وفتح قلعة شموم وقلعة البرلس وقلعة الدميره وفى العام نفسه حينما كان يفتح قلعة التينه أصيب بجرح وكلمة شطا شطا بمعنى قطعة قطعة ولذلك سمى الشيخ شطا ، جاء فى رواية أن شطا موضع فيه رمل كثير كثير ، وذلك لأنه دفن فى أرض ذات رمل وقد مات شهيد حرب ، وصعدت روحه الشريفة إلى بارئها ، وقد نقل جثمان الأسود بن مقداد إلى دمياط ، ودفن فى ضريح على شاطئ بحيرة دمياط على مسيرة نصف ساعة من الجانب الشرقى إلى دمياط ، ولأنه استشهد فى الخامس عشر من شهر شعبان يقيمون له مولدا فى هذا اليوم ، ويأتى الناس من دمياط والقرى والقصبات الأخرى أربعون أو خمسون ألف رجل ويقيمون فى الخيام ويمكثون ثلاثة أيام بلياليها يزورون ضريحه ، ويأتى كذلك قائم مقام دمياط وأعيانها لزيارة هذا الضريح ويمكثون فى الخيمة ويمد سماط عظيم لمن ينعمون بأطايب الطعام ثلاثة أيام بلياليها ، وينفق على ذلك من مال مصر ، ويحاسب الوالى على تلك النفقات ، وهذا قانون قديم ، وضريح الشيخ شطا مربع الشكل وكأنه قلعة ومحيطه ثلاثمائة خطوة.
ويسكن فى هذا الضريح إمام ومؤذن وحارس القبور ، وبجانب الضريح زاوية ، وفى حرمه صهريج ، وفى كل عام يحمل الماء من النيل على ظهور الجمال لملء هذا الصهريج بالماء وإذا ما فاض منه الماء أصيبت الجمال بالجرب وإنها لحكمة عجيبة.
وجملة القول أن ثمة ضريحا عظيما يزوره الناس خواصهم وعوامهم ، وقد دفن فيه الشيخ أبو المداين والشيخ درغام وفى جامع الشيخ متبولى دفن الشيخ متبولى والشيخ سيدى فاتح أبو العطا ، وبالقرب من جامع الفتحية ضريح ذى الجناحين ، وبالقرب من البوغاز ضريح بين الموجتين ، وبالقرب من المنظر بين الفرضين ، وفى حديقة فى شمال المدينة ضريح للشيخ جمال الدين المولوى وفيه سماع خانه من عدة غرف ومطبخ ،

وأرضها كأنها الجنة إنها تكية للقلندرية وفيها المريدون ، وجميع أهل دمياط يأتون إلى هذه التكية لينعموا بالأنس والبهجة ، وفى ركن من أركان هذه الحديقة قبر لأحد صلحاء خراسان وهو مستجاب الدعوة وصاحب سجاده وله آلاف العشاق ، وبالقرب منه الشيخ سيد فتح الأسمر ، وبجواره الشيخ سيد أحمد ابن الشيخ عبد السلام ، وهو مدفون فى ضريح عال وبالقرب من السيد فتح ضريح الميدان الأخضر ، وبالقرب منه مقام الشهدا ، وبالقرب من خرط القنطرة رائد طريق الناس الشيخ أبو العباس ، وهو قطب عظيم ، ومزار صاحب الأديان وهو دار ضيافة للغادين والرائحين ، وفى داخل التكية ويسمون كل متعلقاته بالأسود وفى زاويته جمع كبير ، ولا ند للشيخ چلبى ، إنه شيخ صالح عابد زاهد يلبس العمامة السوداء ، وجميع المريدين فيها يلبسون السواد ويرفعون العلم العباسى الأسود ، وبالقرب من الشريف عثمان الشربازى والشيخ عباس والشيخ حسن الطويل وفى جامعه قبر الشيخ على العباسى وبالقرب منه الشيخ سيد محمد النعمانى وبجواره الشيخ كرمانى وبالقرب منه الشيخ على السقا وفى شمال جامع المتبولى على شاطئ النيل تكية فى حديقة كأنها حديقة إرم ، وفى وسطها قبر دفن فيه الشيخ على منيبط ، وهو قطب عظيم من زاره خمس مرات شفى من مرضه بإذن الله ، وعلى شاطئ النيل حدائق كأنها الجنات فى داخلها قصور وأحواض ، وأشجار يجلس الأصدقاء فى ظلالها ، إنها موضع يزوره أهل دمياط ويتنزهون فيه وبالقرب من هذه الحديقة الشيخ عبد الرحمن زلطى ، وبالقرب من مسجد الفتح الشيخ منياوى وبجواره سيد أحمد شناوى ، وهو من أقطاب الطريقة البرهانية وبجواره ستى الوالدة التى استشهدت حين الفتح ، وهى من النساء الصالحات ، ويجتمع عندما حشد من النساء فى كل يوم سبت لزيارتها ، وبالقرب منها الشيخة ست شامية ، وبالقرب منها الشيخ سيد أصيل ، وبالجوار منه سيد عبد الله الشريف ، وفى سوق اللبن الشيخ خثعم ، وفى سوق السمك الشيخ شانه ، وبالقرب من حمام رضوان الچورباجى الشيخ الخيشى وفى حارة المنشى الشيخ عمرو أبو العباس ، وبالقرب منه الشيخ العصفراتى والخيشى وبالقرب منه الشيخ أبو عصيبة وفى غيطان الشعراء سيدى محب الدين يقام له مولد عظيم كل عام.

وفى بلدة المنيا دفن الشيخ إبراهيم أكبر المنياوى ، وقرية المنيا بها مائتا بيت وحدائق وبساتين ونخيل ، وفى شهر رجب من كل عام يقام له مولد عظيم ، وفيه يحتشد خلق كثير ، والمريدون من جميع الطرق يقولون لا إله إلا الله ويقومون بالذكر فى الحدائق ولا يمنعهم أصحاب الحدائق من ذلك ، وبالقرب من الشيخ إبراهيم الشيخ مظلوم ، وعلى الطريق العام حديقة فيها تكية صغيرة بها قبر صغير دفن فيه الشيخ مظلوم ، ويقام له مولد كذلك فى منتصف شهر رجب ، وبالقرب من جامع المتبولى الشيخ مسلمى ، وبالقرب من حارة البركة الشيخ أبو الطيب ، وبجواره الشيخ على الحداد ، وفى حارة سيد أبو الفتح الشيخ أبو يوسف ، وجواره سيدى سعيد ، وفى قرب القنطرة الشيخ أبو النصر ، وعلى مقربة من المرقب السبع بنات وضريح الأربعين وفى السوق فى مسجد العتبانى ، وفى حارة المرقب الشيخ سلطان وإلى جواره سيدى على لويفه وفى جوار المنشية قبر الشيخ أبو قريبه وبالقرب منه الشيخ حمام وعلى مقربة من خان الشيخ رضوان الشيخ عبد الغنى وبالقرب منه الشيخ شرباصى ، وبالقرب منه الشيخ مفتاح وهو مدفون فى ضريح عظيم يقام له مولد عظيم كل عام ، وبالقرب منه الشيخ خطاب وبالقرب منه قبر الشيخ زندان وبالقرب منه قبر الشيخ شربازى ، وبالقرب منه قبر الشيخ محمد العراقى وقبالة دمياط على شاطئ النيل سيدى الشيخ شديد ، وبالقرب منه سيدى عثمان الصياد ـ رحمة الله عليهم أجمعين ـ نفعنا الله ببركاتهم ، وثمة قبور صغيرة وكبيرة لغيرهم ذلك أن أهل دمياط محبون للأولياء ولا وجود فى رشيد لضرائح مثل ضرائحهم لأن هذه المدينة مدينة قديمة ، أما رشيد فأنشأت حديثا ، وقد غرق أهل رشيد القديمة فى كوم أفراح ولله أحمد أنى زرت ضرائح مائة ولى من أولياء الله فى دمياط وقرأت لكل ولى سورة يس وسورة الفاتحة واستمددت من أرواحهم العون لى ، ولكنى ذكرت هؤلاء الأقطاب فقط حتى لا يطول بى الكلام ، أما إذا شئت أن أعدد مناقب كل منهم لاستوجب ذلك منى مجلدا ضخما.
ثم أرسل لنا الباشا فرقة من من يحملون البنادق وعددهم خمسون ، ومضينا مع عشرين ملاحا نحمل طعامنا وشرابنا من دمياط ، ووصلنا إلى حدائق الجانب الشرقى ، وتجولنا بها فوق صهوات جيادنا نصف ساعة ، ومضينا ثم انطلقنا إلى بحيرة تينة.

أوصاف قلعة تينة
مر بنا أن الشيخ شطا فتح قلعة تينة واستشهد فيها ، إنها قرية مربعة الشكل فى كاشفية حاكم العريش. ومحيطها خمسمائة خطوة. ولها باب تجاه القبلة ، وبها أربعون بيت صغير ، وجامع للسلطان سليم ، وثلاثون مدفعا ومخزن للذخيرة ، ورئيسها من المتفرقة ، كما أن بها مائة جندى ، وليس لها حدائق على شاطئ البحر بل أرض رملية ، ولا أمان فيها من اللصوص ، اللهم عافنا ، وقلّ الماء والخبز اللذان كنا نحتاج إليهما للمضى إلى دمياط وبحيرة المنزلة بحيرة كبيرة يصل طرفها القبلى إلى العريش ، وطرفها الغربى بدمياط والتزامها فى العام عشرة أحمال من الأقجة ، وبها أسماك جميلة الألوان. وفى هذه الليلة نزلنا ضيوفا على رئيس القلعة ورأينا جماعة من الناس نحلت أجسامهم يقتاتون بسمك بلا خبز ، ودفعنا عشرة قروش لمشاهدة القلعة ومضينا إلى ضريح الشيخ شطا ، وركبنا السفينة ووصلنا إلى نهاية البحيرة بعد ساعة ، وأرسلنا من قبلنا واحدا إلى دمياط فأحضر الخيل لنا فشاهدنا على الجانبين الحدائق المزهرة ، ودخلنا دمياط ، وأرسلنا إلى بيوتنا فى استانبول كثيرا من الأرز والعدس والقول والحمص ، وودعنا خليل شورباجى زاده ومحمد چلبى وأمثالهم. ونلنا من الباشا ثلاثمائة قرش وعشرين ثوبا منقوشا من ثياب دمياط ومائة منشفه ، وحملنا طعامنا وأسلحتنا فى سفينة وتوكلنا على الله ومضينا إلى الكنانة.
* * *

الفصل الثامن والستون
وفى رحلتنا إلى مصر فى سفينتنا شاهدنا على ضفتى النيل الحدائق المبهجة وخرجنا أولا من دمياط ومضينا مسافة قدرها ستون ميلا ومقابل دمياط أرض خالية سبخة ، ولا وجود فيها لعمران ولكن فى طرف دمياط حدائق من قصب السكر ، وفى هذه الديار يسمونها القرى وبيوتها أكواخ ولا وجود فيها لبيوت فخمة ، لأن فى أرضهم ينبت الأرز ، وأرضهم أرض مستنقعات ولا تحتمل بناءا ثقيلا ، ولا تروى فيها أرض الأرز ولكن فيها القمح وليس فيها فول ولا حبوب لأنها أرض ذات ماء والأرز ينبت على الدوام فى الماء يا له من مشهد عجيب.
وفى هذه الأرض يفيض ماء النيل ولا ينقص وقد اجتزنا القرى التى فى أرض دمياط إلى فارسكور.
أوصاف منزل فرسكور فى مدينة فارس القديمة
إنه منزل بناه الملك فرسكور بن مصرايم ، وقد عمر ألف سنة وملك مائة بلد ، وكان له مائة ألف فارس جوادهم أبلق وألف فارس جوادهم أشهب ، وهى إقليم التزام دمياط وقضاء يدر مائة وخمسون أقجه إلا أن هذا المبلغ يمنح غالبا لقضاة دمياط وفى هذه الناحية قرى تزرع الأرز فيها كلها ، وعلى ضفة النيل مدينة تبعد عنه مائتى خطوة وتقع على ربوة وبها ألف بيت وسبعة عشر محرابا وست منارات وثلاثمائة دكان ، وثلاث مقاه وحمام ، ولكنها تخلو من السوق والعمارات والمبرات والسبل والمدارس ، ولكن فيها ثلاثة خانات عظيمة ، ويقام فيها سوق مرة كل أسبوع ، ويتكسب أهلها من حياكة الثياب المنقوشة ولكل منهم طرز ، وبها ثلاثمائة دكان تقدم المال إلى الملتزم إنها مقر لمن يصنعون الثياب المنقوشة وأرز وثياب فرسكور واسعة الشهرة.
وتينه التى زرناها تقع شرق البحيرة المذكورة ، وجوها لطيف وبها كثير من النخل والحدائق ، وبين دمياط والنيل مدينة جميلة وفى قبالتها :
كفر سليمان أغا
فى إقليم الغربية وبها جامع ذو منارة وثلاثمائة بيت وتجاهها فى إقليم الشرقية :

بلدة شرباز
وبها مائة بيت وجامع ومنارة وقرى معمورة ، وفيها قبر دفن فيه الشيخ شرباز ، وبهذه المحلة تتم حدود دمياط ، وهى تحت حكم حاكم الشرقية وقبالتها فى أرض الغربية :
بلدة ميت أبو غالب
وبها جامع ذو منارة ومائة وخمسون بيتا ومقهى ، وعند هذه المحلة يتعرج النيل تارة ذات اليمين وتارة ذات اليسار وقبالتها فى أرض الشرقية :
بلدة رأس الخليج
وهى التزام ، وبها ثلاثمائة بيت ، وبها جامعان ، ووكالتان ومقهى وستة دكاكين ، وقد دفن فيها الشيخ غزوان ، والشيخ حسن أبو تقى الدين ، والشيخ محمد عجمى وعلى بعد عشرين ميلا جنوبها وفى إقليم الشرقية :
بلدة ميت أبو عبد الله
ويسمون القرية ميت وهى التزام وبها مائة بيت وجامع ذو منارة ، وتجاهها فى أرض الغربية :
بلدة طهريه
وبها مائة وخمسون بيتا وجامع وقبالتها فى أرض الشرقية :
بوشاط
وعدد بيوتها مائتان ، وبها جامع ذو منارة. وفى المقابل منها فى أرض الغربية :
بلدة دنجى
وبها جامع وفى جانب المنصورة بلدة أبادان.
أوصاف محلة مشاق
إنها التزام الكتخدا القونداقجى مصطفى وبها ستمائة بيت وجامع ومقهى ووكالة ، وفيها أسواق صغيرة ، ولا وجود فيها لحمام ولا سبيل ، وتجاهها فى أرض الغربية :
مدينة المنصورة
وهى فى الجانب الشرقى ، وقد عبرنا إليها ، وتجاوزناها خمسين ميلا وبلغنا مدينة سرسه.

أوصاف محلة شربين
إنها محلة كبيرة فى إقليم الغربية وهى قضاء كبير يدر مائة وخمسين أقجه ويمنح قاضيها مرتبا ، وفيها أربعون قرية معمورة ، ويتحصل منها أربعة أكياس وبها ألف بيت وسبعة وبها سبعة محاريب كما أن بها جامعا كبيرا له منارة تتألف من ثلاثة طوابق ، وبها كذلك خمسون مسجدا ومدرسة وخمسون دكانا ، وأربعة مقاه يجتمع يوم الجمعة خلق كثير فى السوق وبجوارها :
كفر شربين
وبه مائة بيت وهو التزام ، وتجاهه فى النيل جزيرة صغيرة وفى الجهة المقابلة حدود كاشفية المنصورة ، وهى كاشفية معمورة قضاءها يسمى قضاء مشاق ، وقد سلف ذكر بلدة مشاق ، وتقع هذه البلدة فى سهل منحرف فى شربين اجتزنا هذه المحلة إلى شربين ، وقبالتها فى إقليم المنصورة :
بلدة بدرى
بها مائة بيت وجامع وهى التزام ، وتجاهها فى إقليم الغربية :
بلدة بترا
وبها ثلاثمائة بيت وجامع ومقهى وهى التزام وبعدها وفى جنوبها فى إقليم المنصورة محلة برمبال.
أوصاف محلة برمبال
إنها التزام ، وبها مائة بيت وقد سألنا شيخ البلدة عن مقدار ما تؤدى من مال للدولة فما عرف ، وبها عدة جوامع ومقاه ومساجد وخانات ودكاكين ، وإنها بلدة فى مهب الريح ولا أعرف حماما بها ، وفى تجاهها فى إقليم الغربية.
بلدة دياسط
وفيها دفن الشيخ دياسط ، وتجاهها فى إقليم الغربية :
بلدة الخيارية
وقد وجدت بها ثلاثمائة بيت وجامع ذو منارة جميلة وفى جانب الغربية :

بلدة تاش
وبها ثلاثمائة وخمسون بيتا وجامع ومقهى ، وفى شرقها ولاية دقهل.
أوصاف ولاية دقهل
مدينة المنصورة أول من بناها أحد أبناء نوح أبو القبابط بيطر بن حام الأخ الأكبر لسام ، وابن بيطر هذا يسمى دقهل ، ولذلك تسمى ولاية إقليم المنصورة باسم دقهل ، ومن بعد استطاب جوها من سلاطين مصر الصالح أيوب فزاد فى عمرانها فأصبحت كأنها روضة الجنات ، ثم قدم إليها الأسبان الملاعين بسفنهم فاستولوا عليها وأقاموا بها ثم أغار عليها الملك الصالح أيوب انطلق نحو غزة ، ثم رجع فاستعاد مدينة دمياط ، أول الأمر ، ثم استولى على مائتى سفينة للكفار ، وعسكر فى المنصورة معسكرا للكفار ، وطوال سبع ليال لم ينجو الكفار من الهلاك وهذا مسطور فى جميع التواريخ ، ولذلك سميت مدينة دقهل بالمنصورة ، وفى عام 932 غادر الملك الكامل ناصر الدين محمد بن أبى بكر بن أيوب مصر الكنانة واتخذ المنصورة حاضرة لملكه ، وعمرها ولم يبق الآن شىء مما شيده ، وفى هذا العصر أقام له قصرا على شاطئ النيل وبقى منه الآن قصر صغير أمام قصر كاشف المنصورة ، وقد وافاه الأجل فى المنصورة ، ونقل جثمانه إلى مصر ودفن فى جامعه ، وبعد ذلك بعام شب حريق فى المنصورة وأتت النار عليها بأكملها حتى صار المعمور منها كذرّة فى الشمس أو قطرة فى البحر ، والآن يعمرها الناس والمخلوقات.
الحمد لله وحده علم بما فى مدينة الصالح أيوب أى مدينة المنصورة من ولايات مصر المحروسة من المساجد والوكائل والمدرسة والحمامات والأسواق وضرائح الأولياء نفع الله تعالى المسلمين ببركاتهم فى الدنيا والآخرة آمين يا معين ، ولهذا ذكرنا ووصفنا مدينة المنصورة ، إنها كاشفية أخرى فى مصر لكن مع كونها حكومة كبيرة والعرب يغيرون عليها من وقت إلى آخر لذلك منحت لأمراء مصر ، وليس فى قراها زعامة ولا تيمار ولكن فيها سبعمائة وسبع وثمانون من القرى والقصبات والمدن ، وكلها التزام ، وهذه القرى المذكورة تقدم فى العام ثلاثمائة كيس إلى السلطان إنها قضاء شريف.
وفى هذا الإقليم :

قضاء ميت غمر
قدم مائة وخمسين أقجه ، وهى قضاء شريف ، وقد ضم هذا القضاء إلى المنصورة ، ومنها يتحصل حوالى عشرة أكياس ، وحاكم المنصورة يقدم المال الأميرى ، وهو ملتزم يقدم فى الصيف والشتاء أربعين كيسا ، ويفيض له عشرة أكياس ، وقد يقدم عشرين كيسا ولهذه البلدة أربعة يفتون على المذاهب الأربعة ولها نقيب أشراف وقائد للانكشارية وعزب ، ولكن الجند كثير ، وعلى شاطئ النيل حدائق كثيرة وورود وريحان ورياض وتسعمائة بيت جميل وقصور فخمة وهى مدينة جميلة ، ومن ظهر عليها على بعد ميل أظهر إعجابه بها ، وبها ثلاثمائة محراب وفيها جوامع للسلاطين والعظماء والأعيان وبين السوق السلطانية والمحكمة والجامع الكبير ، وهو جامع السلطان الصالح ، وطوله مائة وثمانون خطوة وكذلك عرضه ، وله سقف منقوش مقام على ثمانين عمودا من الرخام ، ومنارته من ثلاثة طوابق وله قبة ، وعلى بابه الأيمن كتب عليه (تعمير رجب شورباجى سنة 1081) ، إنه جامع عتيق ، وعلى شاطئ النيل جامع الصغير وجامع المحمودية وجامع آخر على شاطئ النيل أيضا طوله وعرضه مائة خطوة وعشرة ، وله بابان جانبيان وباب للقبلة ومنارة على الطرز الرومى وهى من طابق واحد ، وداخل الجامع خمسة عشر عمودا وليس له حرم ، أما على شاطئ النيل فله موضع فى جوانبه الأربعة صفف وهو موضع يستحق المشاهدة ، ويجتمع الناس تحت ما به من أشجار الجميز والصفصاف وبعضهم يصيد السمك من إحدى مواضعه ، وبعضهم يتوضأ وبعضهم يصلى ، وبه دار شفا ومقهى يشرب فيها القهوة اليمنية ، إنه مكان للراحة والمتعة وبعد الأذان والصلاة يثنون ويترحمون على محمود بانى هذا الجامع.
وعلى شاطئ النيل فى الطريق العام جامع يقال عنه «كاشف النيل» ، وهو مرتفع أبيض وهو وقف متين وكان غاية فى العمران فى حياة صاحب الدويرات ، وفى السوق جامع رضوانية ، وجامع الحيدرية وجامع أمير على الفرحانى وجامع ريحانية وجامع الخطاى وجامع السادة الكنانية يقع على شاطئ النيل ، بل فى جنوب المدينة وعلى شاطئ النيل والطريق العام جامع إدريس وجامع ابن قانصو ، وجامع جعفر أغا كان فى الأصل

زاوية ثم أعيد بناءها لتكون جامعا. وفى نهاية الناحية الشرقية للمدينة جامع مصطفى أغا الجديد ، وهذه الجوامع سالفة الذكر عامرة بالمصلين ، ولا نعرف جوامع أخرى.
الزوايا
أما الزوايا فمنها زاوية الشيخ الملباوى وزاوية منية الدولة وزاوية الأمير حسن وزاوية ابن جعفر ، وزاوية الغرابى ، وفى السوق زاوية المعلقى وزاوية ابن ياسين وزاوية الشيخ ابن عامر وزاوية مقدم فرهاد والزاوية الحمرا ، وقد صلينا فى تلك المساجد التى سبق لنا ذكرها ، ولا نعرف غيرها وعلى شاطئ النيل ست مدارس وسبعون مكتبا للصبيان ، وأربعون سبيلا وحمّامان ولا يوجد سواهما ، كما يوجد ثمانى عشرة وكالة أولا خان أمير دلاور وخان الأمير مصطفى وخان المحمودية وخان الكنانية وخان الأمير أحمد وخان عورت وخان مالكى وخان ابن ياسين وخان الشيخ عبد الوهاب وخان مسلمانى وخان القاضى أحمد وخان النيل وخان القفاصين وخان خشب وخان حطيبة وهذه الخانات وكالات معمورة ، ولا وجود لمبان أخرى واثنان وأربعون ربعا فيها غرف للمريدين والمتزوجين ، وثمة أربعون أو خمسون خانا يسمى كلّ واحد منها الربع ، وسبع معاصر أى طواحين زيت ، وخمسة وسبعون طاحونة تديرها الجياد ، وفيها من المقاهى أربعون مقهى ومائة وخمسون دكانا ولكن ليس فيها سوق قائمة بذاتها ، ولكن لكل شىء ، ويقام سوق عظيمة مرة فى كل أسبوع يحتشد فيها أربعون ألف أو خمسون ألف إنسان ، إنها سوق القمح وسوق السمك ، وسوق الخيل وسوق الغنم وسوق الفاكهة وسوق الثيران ، وهذه الأسواق توجد فى أماكن أخرى وعورت بازارى تقع على شاطئ النيل إنها سوق عجيبة ، وطرق هذه الأسواق غير نظيفة أما بقية طرق الأسواق فطرق واسعة نظيفة ، وتظلل جميع الأسواق نخلات ، فيتألف منها سقف عليها ، وبذلك تكون الأسواق طيبة الهواء عند اشتداد الحر وطول هذه المدينة على النيل ألف ومائة خطوة ، ولجمالها وجمال جوها يتميز فتيانها وفتياتها بالجمال ، وأهلها يكرمون وفادة الغرباء ، وفيها عظماء الأعيان ، فهم يبذلون القرى للمجاورين والمسافرين فأمام باب دلاور الكاشف يطعم الفقراء ليل نهار ، كما أن قوجه

مصطفى أغا يكرم المسافرين والمساكين ، وفى المدينة ما لا يدخل تحت حصر من العلماء والمريدين والصالحين.
بيان بزيارتنا لكبار الأولياء
هذه ضرائح الصالحين الشيخ شرف الدين أقصرى والشيخ الطميهى مدفونان فى زاوية الشيخ ريحان كما دفن الشيخ سيدى على الأسمر فى الجامع الكبير ، وثمة شيخ آخر سألت عنه فما وجدت جوابا ، وخارج المدينة فى جنوبها قبر عظيم للشيخ كنانية ، وقد دفن أربعون من الأولياء فى مكان واحد ، كانوا قديما من اللصوص ولكن الله هداهم وأصبحوا جميعا أولياء وعلى رأسهم قطب الأقطاب شيخ الطريقة الكنانية ، ويقام له مولد مرة فى كل عام ، ويجتمع فى مولده حوالى أربعون ألف إنسان ، وفى خيامهم يقام عشرة أيام وعشر ليال ، وقد أغار لصوص العرب على ميدان ملقه أثناء انعقاد مولده ، وقد نهبوا السوق واستشهد كثير من الناس ، وفى التو والحال ظهر فى المدينة أربعون على رءوسهم العمامات الخضر يركبون الخيول الشهب ويحملون الرماح ، فقتلوا هؤلاء اللصوص عن آخرهم ، ثم غابوا عن العيون.
هذه مناقب قريبة العهد لم يمض عليها سوى سبعين سنة ، ومنذ هذا الزمان لم يحضر أحد المولد ، هذا ما مر بسمعى هذا ما أمر (طورنا مصطفى بك) كاشف المنصورة واجتمع فى المنصورة حشد كبير من الناس ، وقد حضرت معهم ولله الحمد وقد دفن الشيخ عبد الجليل الملباوى فى ضريح عظيم ، وبالقرب من ضريح الشيخ الملباوى ضريح الشيخ زبيبه والشيخ الخوّاص وإلى جانب المحكمة السيدة آسيه والشيخ عريان والشيخ كليبانى ، ومداح رسول الله الشيخ سيدى محمد كميلى والشيخ منية الدولة وقد دفنا بجوار جامع إدريس كما دفن الشيخ طاهر والشيخ نصار والشيخ سند فى الجهة القبلية من المدينة بالقرب من جامع الأمير مصطفى ، والشيخ سعد والشيخ حسن دفنا فى جامع الخطائى ودفن بجوار قبر الشيخ بهلول الشيخ الموالى كيرلى محمود أفندى ، وهو من علماء الروم المشاهير فهؤلاء العلماء منهم من دفن فى ضريح ومنهم من دفن فى تكية ، وقد زرت ضرائحهم ومررت وجهى الأسود على ضرائحهم رحمة الله عليهم أجمعين ،

وقد تجولت فى هذه المدينة وشاهدت كل ما فيها وعقدت نيتى أن أزور مدينة المنزلة ، فركبت سفينة وانطلقنا إلى المنزلة.
وصف ما مررنا به من منازل فى طريقنا إلى المنزلة
رأينا ترعة عظيمة فى جنوب مدينة المنصورة وبالقرب من جامع مصطفى أغا ، ومضينا بالسفينة فى ترعة صلاح الدين ، وعلى جانبيها ست وسبعون قرية معمورة. ورأينا عزبة نزلنا عليها ضيوفا.
أوصاف مدينة المنزلة القديمة
نزلنا فى دار الملتزم وتجولنا فيها لمشاهدتها ، ويتفرع من هذه الترعة خليج على جانبيه بيوت معمورة ، على جانبى الترعة حدائق وبساتين ، وعبرها جسر من الخشب على الترعة وعلى ضفّتيها بساتين ، وكل حديقة مساحتها عشرة أو خمسة عشر فدانا ، وفى كل منها يطيب الليمون والتمر والرمان والتين ، ولكن لا وجود فيها للقمح ، والأرز الذى فى المنزلة لا نظير له فى العالم بأسره ، إنه أبيض ولذيذ ، والبحيرة على مسيرة ربع ساعة من شمال المدينة ، والترعة التى تروى هذه المدينة تصب فى هذه البحيرة ، وهى التزام تابع للمنصورة ، ويحكمها أى من قبل كاشف المنصورة حينا والباشا أغا حينا ويقدم الباشا فى كل عام كشوفية قدرها ست أكياس ، وهى قضاء يدر مائة وخمسين أقجه ولقاضيها فى كل عام خمسة أكياس ، وفى ناحية منها قرى للأرز ، ويحصل من جميع القرى ست وخمسون كيسا ، كما أن الصيادين يصيدون كل عام سبعة أحمال من السمك وبها ألف بيت وعشرة محلات وسبعون محرابا ، وفيها ثمان خطب وفيما عدا ذلك مساجد ، والجامع الكبير فيها يكثر فيه المصلون ، وكان معبدا قديما ، وقد أنشأ هذا الجامع وزير صلاح الدين يوسف ، وهو القعقاع التميمى ، عندما فتح هذه المدينة ، ولا تعرف جوامع أخرى بهذه المدينة ، وزاوية الشيخ إبراهيم السلمونى زاوية معمورة وفى هذه المدينة ثلاث منارات ، ومدرسة وستة مكاتب للصبيان وسبعة سبل وخمس وكالات ، ومائة دكان منها ثمانون مفتوحة وبقيتها موصدة ، ولا سوق فيها وبها ثمانية مقاه ، وسوق للعطارين فيها جميل ، وتقام سوق كل سبعة أيام وهى سوق الخيل والغنم

والجمال ، ولا وجود لسوق سواها لأنها ليست مدينة عظيمة ، وأهلها فقراء إنهم يأكلون السمك ويتكسبون بصيده ، وفيها سمك عجيب ، وفى الشتاء تأتى الوحوش والطيور إلى الحدائق فيتصيدها أهل هذه المدينة ، وتشتهر المدينة بالقمصان البيض ، وأهلها مشهورون بالجمال.
ضرائح المنزلة
دفن الشيخ محمد العقابى فى زاويته ، ودفن إبراهيم السلمونى فى زاويته وبالقرب من القرافة الكبرى قبر الشيخ طاهر ، وبالقرب منه دفن القعقاع الوزير ، وبالقرب من قبر الوزير القعقاع التميمى دفنت الست صالحة رحمة الله عليهم أجمعين ولها مناقب كثيرة كأنها رابعة العدوية ، والشيخ شهاب الدين الأنصارى من الصحابة الكرام ، وهو مدفون بالقرب من زاوية الخياطين ، وقبر الشيخ محمد الشامى بالقرب من سوق العطارين رحمة الله عليهم أجمعين ، وما أكثر مناقب الأولياء ، ولكننا نزلنا ضيوفا فى هذه المدينة مدة يوم وليلة.
ثم بعد ذلك ركبنا السفينة ، وعدنا إلى الترعة التى جئنا فيها وقد بذل الملاحون الجهد الجهيد فبلغنا مدينة المنصورة ، ثم ودعنا الأعيان فى تلك المدينة ، وركبنا السفينة وقبالة هذه المدينة :
مدينة طلخا
وبها ثلاثمائة بيت وعلى ضفة النيل جامع ذو منارة ، وفيها شيخ انهدمت مقبرته عند فيضان النيل فوضعوه فى تابوت على مرأى من الناس ، ومضينا إلى :
بلدة الشيخ رمضان
وبها مائة بيت وهى بلدة صغيرة وناحية المنصورة :
بلدة ميت خميس
وبها مائة بيت وجامع ، وتجاهها على حدود إقليم الغربية :

بلدة ميت الغرقا
وبها مائتا بيت وجامع ، وفى إقليم المنصورة :
بلدة ميت ويش
وبها ثلاثمائة بيت وجامع ، وفى إقليم الغربية :
بلدة ميت عساس
وإلى جانب إقليم المنصورة :
بلدة نوه سى
وكذلك فى حدود المنصورة :
بلدة ميت ثعبانيه
وفى جنوبها :
ميت المنية
وتجاهها فى إقليم الغربية :
مدينة لوط.
أوصاف مدينة لوط
إنها مدينة معمورة ، وهى مرفأ لسمنوط ، وهى على شاطئ النيل وتحوى ثلاثمائة بيت وهى قصبة جميلة والتزام ، وكانت فى قديم الزمان مدينة قديمة وفيها آثار لقوم جالوط ، وهى قضاء يدر مائة وخمسين أقجه ، ولقاضيها مرتب يقدم صدقة ، وهو نائب الحاكم ، وهذه المدينة تدرّ فى كل عام خمسة أكياس ، وقرى نواحيها تحوى اثنين وأربعين بيتا وفيها ستة محاريب وثلاث خطب وفى مرفأها جامع علوى به أربعة عشر عمودا عليها سقف ، وله ثلاثة أبواب ومنارة منهدمة ، وخان وحمام وستة مقاه وخمسون دكانا وسبعة سبل واثنا عشر مكتبا للصبيان وعلى ضفة النيل محكمة.
وصف ضرائحها
الشيخ إسماعيل العدوى وسيدى عبد الله الخلف وهما مدفونان فى مسجد الغدوى ، ثم امتطينا خيولنا فبلغنا ضريح :

بلدة أبو على
وهى التزام الأمير مصلى أغا ، وفيها نخيل وحدائق وثلاثمائة بيت وقرى معمورة ، تجاوزناها فبلغنا :
بلدة قيطاس أغا
وبها مائتا بيت وجامع إنها قرية عامرة ولكن يسكنها قبيلة بنى حرام وهم أشرار. وتجاوزناها إلى الشمال واجتزنا بقرى لا نعرف لها اسما ، كما عبرنا مرورا ببلاد على شاطئ الترعة ، وفى هذه البلاد كثير من البساتين ، وعلى مسيرة ساعة من سمنوط :
محلة الكبير
وهى العاصمة الثانية لإقليم الغربية ، وهى مدينة عظيمة ، واسمها باللسان القبطى زيحان لوقوعها فى إقليم الغربية الذى يقع غرب إقليم الشرقية سماها الروم الغربية ومحلة الكبير جزيرة تقع فى النيل بين إقليم الشرقية والبحيرة ، وهى كنانة الله ابتداء من مصر ، ثم المحلة ، ثم رشيد ، ثم دمياط ، ثم منية ومنفلوط وهذه مدن كثيرة ، ولكن هذه المحلة ليست معمورة فى يومنا هذا ، ولكن فى سبعين موضع من أرضها طلاسم ، وعلى حد قول المقريزى إنها من بناء مصرايم بعد طوفان نوح وبناء على علم النجوم استطاب هذه المدينة مصرايم لطيب هوائها ، وهذا ما حفزه على إنشائها ، ولقد استولى عليها كثير من الملوك على مر العصور ، وبينما كان الظاهر بيبرس كاشفا لهذه المدينة استطاب جوها ، وفى زمان ملكه جعل من هذه المدينة الحاضرة الثانية لملكه ، وكان يسكنها ، وتجرى إلى الآن ترعة إلى وسطها ، وبالقرب من قصر الكاشف عليها ثلاث قناطر ، وعند العشاء تعزف فرقة موسيقية عند هذه القناطر وذلك طبق القانون السلطانى للظاهر بيبرس ، وينال أفراد هذه الفرقة الموسيقية رواتبهم من الكاشف ، إن هذه الفرقة الموسيقية تعزف على الدوام لأن هذه المدينة هى حاضرة البلاد الثانية.
وأمراء مصر الذين فى درجة ميرميران وأتباعهم ألف وسبع فرق من المستحفظين وعليهم فى التزامهم أن يقدّموا مائتى كيس ، وديوان مصر يختم بها حسابه ، كما يحصّل مائتين وخمسين كيسا بعد المصاريف ، وحاكمها صاحب منصب عال وهو يرأس الأمراء

ما عدا أمير الحج والدفتر دار ، ويتقدم فى سيره الأمراء والكاشفين لأنه حاكم العاصمة الثانية للبلاد ، ويصبح بعد ذلك أمير الحجّ.
وفى إقليم الغربية ثلاثمائة وسبعون قرية معمورة وبها قاض شرعى ، ولا منصب فى مصر أعلى من منصبه ، وقد تصدق مرارا بمبلغ خمسمائة أقجه على رجال الدين ، وطبق القانون يجب أن يتصدق بأربعمائة وتسعة وتسعون أقجه ، وثمة محكمة فى كل من سمنوط ، وشربين وهذه المحاكم داخل هذه المدن وخارجها ، إنها مدينة كبيرة ، وفيها شيخ الإسلام على المذاهب الأربعة ونقيب الأشراف والأعيان والانكشارية والعزب والسردار والچاوش ، وليس فيها قبوقولو سردار ولا سباه كتخدا ، ولا آلاى بيكى ولا جرى باشى ولا أصحاب زعامت ، إن كل قراها تدر المال السلطانى ، إنها مدينة معمورة تجرى من تحتها الأنهار ، وهى فى منزلتها بعد مصر ، وبها قصور عالية كثيرة الطوابق ، وبها بيوت كبيرة وصغيرة قديمة الطراز مجصّصة ، وعلى ضفة الخليج قصور كبار الأعيان تطل نوافذها على الخليج.
وفيها بساتين وفيها سبعون محلة ، ومائة وأربعون محرابا ، سبعون منها تؤدى صلاة الجمعة فيها ، وبها جوامع للسلاطين والأولياء ، وبالقرب من مالك بك جامع بالى بك ، وهو جامع على ضفة النيل ، أربعة أعمدة له فى النيل ، وقد بنى على هذه الأعمدة ، وهو جامع علوى ويصعد إليه بسلم من اثنتى عشرة درجة ، وله ثلاثة أبواب أحدها فى جدار القبلة ، وهو يطل على الطريق المواجه لقصر البك ، وله باب ينفتح على حوض وليس فى داخل الجامع أعمدة ، وجوانب السقف مزخرفة ومذهبة ، وهذا الجامع العلوى ، تحته ستة دكاكين وله منارة تتألف من ثلاثة طوابق ، وقد كتب على باب منبره بالخط الجلى قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ .....) [الأحزاب : 56].
وبعده على ضفة النيل جامع (الصفا) وهو غاية فى الحسن ومنظره الجميل غاية فى الروعة ، وعلى ضفة النيل كذلك تجاه قصر البك جامع خواجه عطار وله سقف منقوش بشتى الألوان ويقوم على ثلاثة وثلاثين عمودا ، ومحرابه من الرخام ، ومنبره من الخشب المنقوش ، وله ثلاثة أبواب أحدها للقبلة وهو يطل على السوق وله بابان جانبيان يفضيان

إلى السوق وفى جانبه الأيسر منارة من ثلاثة طوابق وفى أعلاه تعتش الطيور وتفرخ بها ، وفى السوق بناء جديد هو جامع مراد الشورباجى وسقفه على ثمانية أعمدة من الرخام ، وقد دفن فى هذا الجامع من أولاد الصحابة مثل عبد الله بن الزبير ، ولهذا الغرض بنى الجامع ، ويعتقد أن من يزوره يحقق مراده ، وجامع الصمصات مقام على عشرة أعمدة وله منبر صغير من الرخام ، ولا وجود لمثله فى البلاد وله منارة عالية طولها مائة وسبع عشرة خطوة ، وكل خطوة تعادل ذراعا ، والصعود إليها عسير ، وقد صعدت هذه المنارة وأشرفت ببصرى على المدينة فرأيت مدينة إرم ذات العماد ، وقد بدت فيها أربعون منارة ، وفى سوق العطارين الجامع الكبير ، وقد بناه الشيخ أبو بكر طرنجى ووسعه من بعد الملك الظاهر ، وبذلك صار جامعا كبيرا وطوله وعرضه مائة خطوة ، ومنبر هذا الجامع ومحرابه من الطرز القديم ، وفى حرمه الكبير قبة وسبيل ، وفى داخل الجامع وخارجه مائة عمود رخامى عليها سقف منقوش ، وفى الركن الأيسر لحرمه منارتان كأنهما برجان ، وعلى باب منبره الخشبى كتب بالخط الكوفى (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ومقعد المؤذن على ستة قوائم رقيقة من الرخام ، وهو من الخشب يشبه المقصورة.
ولا وجود لجامع أكبر من هذا الجامع فى هذه البلدة ويقام مولد فى كل عام بها يجتمع فيه مائة ألف إنسان ، ومساحة الجامع طولا وعرضا مائة وثمانية وخمسون خطوة ، وله سقف على ثلاث وثمانين عمودا وصحن الجامع غير مسقوف ، والشيخ عبد الله مدفون فى ذلك الصحن الواسع ، وبما أنه مدفون داخل الجامع فليس ضريحا ، ولكنه فى تابوت وفى هذا المكان شجرة نبق وقد ورفت ظلالها على حرم الجامع وخارجه ، وهى تثمر أربع مرات فى العام الواحد منه فى حجم العين ، وفى المدينة كذلك جامع الوزير يجتمع فيه جمع غفير من المصلين ، وكذلك جامع ابن عباس الغمرى ، وطوله وعرضه مائة وخمسون خطوة ، ومنبره من خشب ، وعلى يسرة محرابه كتابة ، ويقول البعض إن هذه الكتابة من الزّبور وتحتها قوله تعالى : (إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ ....) [التوبة : 18] ، وسقفه ذو ألوان يقوم على سبعة وثلاثين عمودا وله ثلاثة أبواب ، ومنارة

من ثلاث طوابق ، صحنه بلا سقف ، وفى الجانب الأيسر من جدار محرابه دفن الشيخ عباس غمرى ، وجامع (تعبّرها) جامع صغير ، وجامع الشيخ إبراهيم سقفه مقام على سبعة أعمدة ، وهو جامع صغير مكشوف الصحن ، وقد دفن فى حرمه الشيخ إبراهيم وعلى مقربة من هذا الجامع جامع الشيخ ديار وهو جامع صغير منارته قصيرة ، وثمة جوامع كثيرة خلاف ما ذكرنا. ولقد رأينا كثيرا من الجوامع الجميلة ، كما أن الزوايا لا تقع تحت حصر وفى هذا البلد تسع مدارس وسبعة دور من دور الحديث ، وسبعون تكية ، لأن جميع أصحاب الطرق الصوفية فى هذه البلدة ، وجميع أهل هذا الإقليم من أهل السنة ، ومن التكايا تكية الشيخ عبد الرحمن المالكى ، وتكية عبد الله درغام وإحدى عشرة تكية من تكايا السيد البدوى ، والتكية البرهانية ، وتكية صفافى ، وتكية كميلى وهى تكايا معمورة ، ومنها تكايا توزع فيها الصدقات ويبذل أصحابها فيها الصدقات وهم على قيد الحياة ، وفيها مائة وعشرون مكتبا للصبيان ، وتوزع ثياب العيد على اليتامى ، وبها مائتا سبيل ، وبعض هذه المكاتب تقع فوق هذه السبل ، وهذا هو قانون مصر. وبها خمسة حمامات ، وبها صهاريج ، ويوجد حمام للنصارى ، لا يدخله المسلمون قط ، وحمام بالى بك حمام لطيف ، كما أن سبعة حمامات موصدة أما حمام الوفا فضريح ، وبناؤه جميل وجوه معتدل ، وحمامات القصور يزيد عددها على الألف ، ويخرج المريدون مع الفجر إلى الخليج يستحمون فيه ، وفيها سبعون خانا ، فى سبع عشرة منها يباع القمح والشعير والفول ، وفى هذه البلدة تباع جميع الغلال ، وبها ألفان وثلاثمائة وخمسة وأربعوون دكانا ، وجميع أسواقها مغطاة ، وكل السلع موجودة فى هذه البلدة. وبها ثمانية وأربعون مقهى وهذه المقاهى مفتوحة ليلا ونهارا وفيها المطربون والمداحون وفيها يجلس أهل العلم ليل نهار.
وفى هذه البلدة مائتا طاحونة زيت وثلاثمائة وثمانون طاحونة تديرها الخيل وبها عشرة مخابز وكل بيت فى البلدة مخبز معين لها. ولا حاجة بأهل هذه البيوت إلى الأسواق ، ولكن للغرباء والمسافرين عشرة مخابز وشوارع السوق السلطانية واسعة

نظيفة ، لأن النيل يجرى فى وسط هذه البلدة ومعظم قصورها وبيوتها الجميلة على ضفة الخليج ، وأعيان الإقليم يلقى بعضهم على بعض السلام من قصورهم ويصيدون السمك من الكوات ، ويسبح الفتيان فى النيل ، وكل بيوت هذه البلدة مبنية بالحجر ، ولها جدران وأبوابها ذات مصراعين ، وسطوحها مجصصة وليس فى المدينة أحجار بناء وإذا مست الحاجة إليها فى هذه البلدة حملتها إليهم من مصر السفن عند وقت فيضان النيل ، لأن النيل فى فيضانه يغمر أقاليم مصر كلها وتصبح أراضى مصر فى ماء الفيضان جزرا ، وثمة فرقة موسيقية تعزف فى دكان على الجسر ، ونوافذ هذه الدكاكين تطل على النيل ، ففى مصر ثلثمائة جسر بالقرب من سوق الغلال ، وثمة دكاكين أخرى تطل نوافذها على الترعة وفى هذه المحلة مرفأ تأتى إليه السفن والقوارب بالغلال وثمة جسر فى جنوب البلدة على ترعة الصابونية يسمى جسر جعفر أغا إنه جسر عظيم من الحجر ، وفى وسط صراطه كتب على لوحة مربعة من الرخام :
تأمل ترى ما شاده ألندن جعفر
    هو القاسمى مات إلى الخير يقصد
  لقنطرة فيها يقول مؤرخ
    ثناء له فخر وعز يؤيد
  سنة 1073.
ولاعتدال جو هذه البلدة اشتهرت نساؤها بروعة جمالهن. كما أن الجند يلبسون فيها ثيابا فاخرة. ويضع نساءها على رءوسهن قلانص من ذهب وفضة. كما يلبسن الحرير ويسرن. وتشتهر هذه المدينة بالخبز الأبيض والطحينة والجبن أما صنعهم للسجاجيد الحريرية لا نظير لها فى العالم. إلا ما يصنع فى أصفهان كما يصنع المناشف وأنواع من الأقمشة الحريرية وفى هذه البلدة محلة لليهود ومحلتان للأقباط وبها ألف بيت وسبع كنائس. وفى سجل شيخ البلد أن تعداد أهل هذه البلدة سبعة آلاف وهى تصدر القطن وهو من أهم حاصلاتها. إن ذكر ما لا قيمة له مملول. ولذلك اكتفينا بما ذكرنا. فخير الكلام ما قل ودل.

أوصاف ضرائح المحلة الكبرى
وقد ذكرنا من قبل كبار الأولياء الذين دفنوا فى الجوامع وعند باب المحلة عند نهاية الطرف الغربى للمحلة دفن الشيخ عبد المجيد الشامولى وضريحه تطل نوافذه على الطريق العام ، وقد كتب على عتبة بالخط الجلى : (أنشأه السيد بن الحسين سيدى عبد الوهاب وسيدى عبد المؤمن أخيه سيد عبد المنعم).
زيارة ضريح المولى عبد الباقى بن محمود بن عطاء الدين حمالى زاده
هو متولى مدينة مصر ، وكانت له هذه المحلة الكبرى ومات وهو مدفون عند رأس الجسر الذى على ترعة الصابونية فى ضريح على الطراز الرومى وقد كتب عليه تاريخ ؛ ولأنه على الطريق العام يزار ضريحه ، وكان فصيحا ناصع البيان لذلك وردت ترجمته فى تاريخ المقريزى ، وعلى مقربة منه على رأس الجسر ضريح الملا على بن سنان ، وفد من مدينة أسبارطه ، وكان من علماء السلطان أحمد وعلى ضريحه تاريخ هو فى سنة 1029 قدسنا الله بسره العزيز رحمة الله عليهم أجمعين ، وعلاوة على ذلك آلاف من الضرائح ، وقد مرغت وجهى على عتبته ، والضرائح التى زرتها فى هذه البلدة سبعة وأربعون وقد شرفت بزيارتها ولله أحمد أنى نلت من حسن أغا الكاشف عشرة قروش وجودا ، وبعض ما يصنع فى المحلة ، وودعت أحبتى وخلانى وبعد ساعتين ، بلغنا قصبة سمنوط ، وعبرنا النيل إلى إقليم الشرقية فبلغنا :
ميت أبو الحارث
وتجاهها فى إقليم الغربية :
ميت أبو صير
وفى المنصورة :
ميت بورو
وتجاهها بلدة بنيا ، وفى المنصورة كذلك بلدة المنظرة ، وفى الغربية بلدة ميت بدر وفى المنصورة أيضا ميت دمسيس ، وفى الغربية بلدة شوبران ، وفى المنصورة كذلك ميت أشنى.

أوصاف قصبة شنباط (1) الكبيرة
تقع فى إقليم الغربية ، وبها مائتا بيت وعدة جوامع ومساجد وأسواق صغيرة ومقاه ، وهى مدينة كثير رجالها ونساؤها ، وقد نزلت ضيفا على دار ضيافة فيها ذات ليلة ، وفى الصباح مضينا إلى المنصورة فبلغنا بلدة :
شرنجى
وقبالتها فى الغربية بلدة :
دهنور
وفى المنصورة مدينة ميت غمر العظيمة وقد أسلفت ذكرها ، وتجاهها فى إقليم الغربية قصبة :
زفته
والتى سلف ذكرها وفى جنوبها فى إقليم المنصورة بلدة :
معصره
وفى الغربية قبالتها فى بلدة :
مسيد
وبجوارها بلدة :
وصيد
وفى المنصورة بلدة :
ميت العز
وفى الغربية :
ميت الحارون
وفى المنصورة بلدة :
الصفين
وقبالتها فى الغربية بلدة :

تفهنى
وللشيخ داود العزب فيها ضريح عظيم ، والذى ظهرت له كرامات ومعجزات ذكرت فى الكتب وفى كتاب طبقات الشعرانى أنه قطب عظيم له منزلة عبد القادر الجيلانى ، وجنيد البغدادى وأحمد البدوى ، وإبراهيم الدسوقى. ومضينا إلى هند يمنه ، وفى إقليم المنصورة بلدة:
سندى
وقبالتها فى إقليم الغربية بلدة :
ميت برى
وفى المنصورة بلدة :
أشبون
وفى المنصورة كذلك :
كفر مويش
وقبالتها فى إقليم الغربية بلدة :
ملّلو
وفى المنصورة بلدة :
بنهى
وتجاهها فى الغربية بلدة بطاى وفى المنصورة بلدة رملى ، وتجاهها غربا :
كفر أبو الطواقى
وفى إقليم القليوبية :
ميت عطار
وهى بلدة عظيمة كأنها قصبة وفيها تجمع حدود أربعة سناجق وهى سنجق الغربية وسنجق المنصورة وسنجق المنوفية وسنجق القليوبية. والسناجق الأربعة تسمع آذان ميت عطار لأن حدود كل منها متقاربة ، وفى آخر إقليم الغربية بلدة :

سيدى خضر
وفى أول حدود المنوفية بلدة :
العطف
وآخر حدود الشرقية بلدة :
طحلة
وفى أول حدود إقليم القليوبية بلدة :
دجوى
وهى التزام أوزبك بك ، واقتضت حكمة الله أن تكون قرى الحدود هذه مجتمعة فى أرض واحدة ودخلنا الحد الأيمن لإقليم المنوفية ، ودخلنا الحد الأيمن لإقليم القليوبية ، وفى إقليم منوف بلدة :
ميت عفيف
وهى تجاهها بلدة دجوى.
وبلدة طنط
تتبع قليوب ، وتجاهها فى المنوفية :
بلدة برشمس
وفى إقليم القليوبية بلدة :
برشوم
وتجاهها فى المنوفية بلدة :
أبو شعرا
وتجاهها على ضفة النيل بقية القليوبية.
أوصاف قصبة القليوبية
وقد كتب عنها المؤرخ أبو المال كثيرا ، وجاء فى تواريخ القبط أن أول من بناها هامان وزير فرعون ، وقد تبقى فيها أساس قصره وبستان ، وباب من أبواب بستانه ، ويسمونه بئر هامان وماؤه عزب والسواقى تدور فى اثنى عشر موضعا فيها ، وهذه السواقى تروى ما فيها من مزارع قصب السكر ، ويزعم القبط أن فى مائها شفاء المريض ، وقليوب

كاشفية ، وقد سبق أن قلنا إن مائتى كيس تتحصل منها ، ويتبعها مائتان وثمانون قرية ويحصل من هذه القرى بعد المصروفات مائة كيس ، إنها قضاء يدر مائة وخمسين أقجه ، وكانت تغل مدة من الزمن عشرة أكياس ستة وسبعون من قراها ، ولقربها من مصر ليس لها من يتولون الإفتاء على المذاهب الأربعة كما تخلو من نقيب للأشراف ، ولكن فيها قائد للانكشارية والعزب ، وقديما كان يوجد فيها ألف حديقة ، والآن فيها ثلاثمائة بستان كما أن فيها ألفى بيت وأربعون محرابا ، وسبع خطب ، وبالقرب من السوق السلطانية جامع قديم ويتسع لآلاف المصلين ، وله سقف يقوم على أربعين عمودا ، ومنارة تتألف من ثلاث طوابق ، ولم نشاهد جامعا آخر ، وفيها عشرون مكتبا للصبيان وثمانية خانات وسبعة مقاه ، ومائتا دكان. وركبنا زورقنا الذى جرى بنا فى النيل ، وبعد سبعة أميال بلغنا بلدة شبرا التى سبق ذكرها ، وهى فى نهاية حدود إقليم القليوبية ، وبعدها حدود مصر وتجاهها فى إقليم المنوفية محلة تسمى بحر ، وبها تتم حدود المنوفية ، وآخر حدها :
بلدة السروى
وهى على بعد أربعمائة ميل من دمياط وعلى شاطئ النيل تقع مدن صغيرة معمورة وقد شاهدت معظم الجوامع المشهورة والكبيرة ، والزوايا والمدارس والوكالات المعمورة والمزينة والحدائق والترع واستمعت إلى ألحان البلابل الجميلة فى البساتين ، ووصفت مزارع النخيل والحدائق ، واكتفيت بذلك حتى لا يطول بنا الكلام وليس على نيل دمياط قرى مثل ما على نيل رشيد ، وعلى نيل رشيد توجد مدن كثيرة ولا وجود لعمران فى إقليم البحيرة وأكثره صحراء. ثم مضينا إلى محلة شبرا. وفى الشهر الثالث دخلنا مصر والتقيت مع الكتخدا إبراهيم باشا. وقدمت إليه ما استطعت تقديمه من هداياى فتقبلها منى. وتجولت وشاهدت الديار وتعرفت أحوال الرعايا والبرايا. وسألت ملتزمى الكاشف. ومضينا إلى صحراء البرلس وطعمنا. ونلنا من خضر بك خلعة حسنة وجوادا. والله عالم السر والخفيا ، وخضر بك وزير منير الضمير وسخى جواد وقد تشرفت بالتحدث معه فى الليل والنهار ، وقال ذات ليلة أثناء حديثى معه إنه تجول فى البلاد شبرا شبرا وسوف أبعث بك إلى حاكم جرجه فقال لى لا تنسى دعاءنا لك بالخير وأمر رفعت أفندى رئيس الديوان أن يكتب لحاكم جرجه أن أوليا جلبى صديق حميم وأخ كريم فإذا وصل إليك وأراد التجول فى البلاد فهىء له السبيل.

وأمام مدينة أسيوط غرقت سفينة أميرية تحمل ألف أردب من الغلال. وقد كتب أمرا بالتحقيق فى هذا وأصدرت الأوامر إلى جميع الكاشفين والملتزمين بذلك. وانتهزت هذه الفرصة وخرجت بعد أن قبلت يده. ورجوت إليه أن يكتب رسائل إلى حاكم الفونج. وسألت من رجال الديوان فى مصر. هل فى الإمكان أن أمضى. فقالوا نعم هذا فى الإمكان ولكن الحرّ كان شديدا والطريق غير آمنة. وقالوا إن هذه السّفرة صعبة شديدة ولكن سوف تمضى فى خير وأمان بمشيئة الله. وكتبت الرسالة لى فكانت أمرا إلى حاكم جرجة.
إن ملك الفونج كان راسخ العقيدة فى الشيخ البكرى ، والشيخ محمد ، ونلنا منه سبعة رسائل لننال بها الهدايا ، فنلنا جوادا وبساطا طاهرا ، وعشرة كؤوس وثلاثة قسى وكانت ترسل الهدايا ورسائل الصداقة من مصر إلى الجزائر وتونس وفاس ومراكش وبلاد البربر وبلاد الفونج والسودان وبلاد الحبشة واليمن ومكة والمدينة والبادية العربية وكذلك بلاد المغرب.
فقد وصل إلى سفير اليمن فرمان كما أعطى لى رسائل ورسائل مودة ، ومنذ عهد السلطان سليم الأول قدم مصر سبعون وزيرا ، لأن الحل والعقد كان فى يد الكتخدا لأنه كان وكيلا يحكم كل شىء برأيه السديد ، إلا أنه مع وفور عقله كان يتشاور مع من تقدمت بهم سنهم ليأنس برأيهم ، ويعمل به ، وكان يكرم كلا منهم حسب مرتبته ، وقد أعطانى أوراقا لأسلمها لحاكم جرجه وبلاد الفونج ، كما أعطانى مصاريف السفر وجوادا ، ووصلت إلى الباشا فى اليوم الثالث ، فأبلغت حاكم جرجة خبر غرق سفينة الغلال ، وبلغت أوامره للكاشفين وغيرهم ، ونلت من ملك الفونج رسالة وهدايا ، فنلت منه نقودا وجوادا وتخت شباب وقد أعطيت خدامه عشرة قروش ، ودعوت له بالخير وقبلت يده وقلت إلى الملتقى بمشيئة الله ، وقرأت الفاتحة ، وخرجت وودعت كل الأصدقاء والأحباب ومضينا متوكلين على الله.
* * *

الفصل التاسع والستون
ما أصدر والى مصر إبراهيم باشا وما كتب من رسائل
ألف وواحد وثمانون رسالة إلى حاكم الصعيد أوزبك بك
وإلى كاشف الواحات وكاشف ولاية أبريم وحاكم ولاية بربرستان
وملك بلاد الفونج وملك قاقان ، وما زرنا من قرى وقصبات
يسر الله لنا زيارتها
وإذا أراد الله شيئا يسّر أسبابه فركبنا خيولنا المطهّمة وبدأنا سياحتنا وتحركنا من مصر أم الدنيا ، وبعد أن قطعنا فى الصحراء ساعتين جنوبا بلغنا بلدة البساتين وكانت تابعة لالتزام نقيب الأشراف وفيها سبعمائة بيت ، وثمانية محاريب وثلاث خطب ، ووكالة وعشرون دكانا ، ويحيطها من جوانبها الأربعة البساتين ، ويقدم إليها الأعيان من مصر للنزهة ، إنها جميلة بها الورود والرياحين وفى وسطها قصر يوسف ، والمتنزهون ينعمون بالمتعة على حانة حوضها.
ومضينا إلى الجنوب مدة نصف ساعة وهناك على النيل مرفأ قديم وبعيد عنه جميع أهل الصعيد ، وثمة موظف للدولة يحصل رسوم الجمرك من شاطئ النيل ، فبلغنا :
قصبة موخنان
وتقع على مسيرة ربع ساعة من النيل فى الصحراء ، وبها حدائق وبساتين وهى تابعة لكاشفية الجيزة وبها خمسمائة بيت وجامع ومقهيان وعشرة دكاكين ، ولا يوجد فيها الحمّام إنها قصبة معمورة ، ويحكمها نائب الجيزة منذ عهد السلطان سليم تتبع هذه القصبة شيخ العرب خبير أوغلو وهى أرض ذات بساتين ونخيل : وقصر خبير أوغلو دار ضيافة ، ويطعم فيها الغادى والرائح ، ومن سلموا قايتباى وكرت باى مقيدين للسلطان سليم من هذا البلد ، وقد عبر أحد عشر ألف النيل ومضوا إلى السلطان سليم ، وظلوا فى خدمته ولذلك أعفوا من الضرائب ، وهم الآن مطيعون منقادون فلما أغار على مدن إقليم البحيرة ألف وأربعون ألفا من مجرمى عرب بهيجة والهنادى منهم أربعون ألفا للنهب والسلب ، ولما علم بذلك وزير مصر ألف جيشا من خمسة آلاف فارس وانطلقوا

إلى إقليم البحيرة ، وفى أول الأمر واجه كل جندى جنديا فمزق عرب خبير أغلو ، صفوف من واجهوهم ، كما أن جنود مصر ألحقوا الهزيمة بعرب الهنادى فتم القضاء على ستين ألفا منهم ، واختلطت جثثهم بالرمال وتدحرجت رءوسهم من ضربات السيوف ، وأصيبت منهم غنائم تفوق الحد والحصر ، كما أن رجال خبير أوغلوا غنموا ألفى جمل وجاءوا بها فى يوم وليلة من الصحراء ، وقدموها هدية إلى إبراهيم باشا فامتلأت مصر بالجمال ، ونال خبير أوغلو مكافأة له على ذلك خلعة آصف ، وهى رمز للمقاتل الباسل ، وقد أكرمه إبراهيم باشا وضيفه ذات ليلة ، وفى الصباح ، أرسل إلينا خمسين فارسا ، ومضينا سبع ساعات على النيل وبلغنا منزل :
قهوه خانه
وهو أرض واسعة فيها قلعة ذات باب كبير وفى نهاية بابها الكبير مقهى ، وهى موضع لاستراحة المسافرين ، وبها دكان ، إنها دار ضيافة فى الطريق إلى الفيوم وبنى سيف ولا عمران فيها ، ومضينا إلى الفيوم بعد سبع عشرة ساعة ، وهى أرض ذات رمل كثيرة الأفاعى والحشرات ، وليس بها أمان ، إنها حدود خبير أوغلو زاده ، وهى حد بلدة بنى سيف ، ويجتمع أهل القرى فيها كل أسبوع ، وهذه القهوة فى سوق عظيمة ، وقد اجتزت هذا الموضع ، وعلى شاطئ النيل فى الناحية القبلية أرض ذات نخيل وفيها قرى معمورة واجتزنا فى ست ساعات إلى :
منزل بلدة دلى حسين باشا
وتقع على شاطئ النيل على ربوة فى حدود بنى سيف ، وبها مائة بيت وجامع وساقية وآبار ، فاستقبلنا حسين باشا زاده نوح وضيفنا ليلة فنعمنا بالراحة ، وسرنا متجهين جنوبا نحو النيل ، واجتزنا كثيرا من القرى المعمورة على شاطئ النيل ، كما اجتزنا :
بلدة زاوية وبلدة قوما دير
وبعد سبع ساعات بلغنا :

بلدة ميمونة
وهى على حدود بلدة بنى سيف ، وفى التزام كاتب تذكرة الوزير الأعظم إسحاق أفندى ، وبها جامع وعدة أسواق وقصر عال هو دار ضيافة فاجتزتها نحو الجنوب واجتزنا قرى عامرة.
أوصاف مدينة سيف بن ذى يزن
ولذا سميت المدينة ببنى سيف ، وفى نواحيها تسكن قبيلة من عرب بنى سيف إنها كاشفية فى أرض مصر ، وهى الآن كشوفية ، ويتبع كاشفها خمسمائة فارس وخمسمائة جندى مصرى ، وبها مائة وأربعون قرية ، ويحصل من هذه القرى مائتا كيس وخمسة ، و ( ) (1) أردب من الغلال وتودع ديوان مصر ، وعين من قبل الباشا أغا للتحصيل ، ويوزع الباشا على كل أحد أردبين من القمح كما أن أغا يأتى من طرف الباشا للتحصيل سريعا وبها قاض شرعى يحصل منها على مائة كيس فى العام ، وتحت حكمه مائة وأربعون قرية ، وثمة انكشارية وقائد وعزب الشورباجى وشيخ الإسلام ونقيب وأعيان كبار ، تقع المدينة فى سهل فى أرض تبعد عن النيل بخمسمائة خطوة وهى ذات بيوت جدرانها مثل جدران القلاع تحيط بها من كل جانب ، وبها خمسة آلاف بيت ، وهى بيوت ذات طوابق وفيها قصر الكاشف وبه سبعون حجرة وحمام وديوان وميدان ، وبجوار بيت الشيخ على بيت الشيخ صالح وبالقرب من القصر قصور طاصلاق زاده أحمد أغا ، كما توجد بها قصور شامخة ، ولكن هذا ما عرفناه منها وشاهدناه ، وفيها محلات للمسلمين وغير المسلمين ، وفيها جوامع وزوايا ولكن ستة منها جوامع تؤدى فيها صلاة الجمعة ، وفى سوقها جامع قايتباى وجامع عز الدين لكل منهما حرم ومنارة ، وبالقرب من قصر طاصلاق زاده أحمد أغا جامع لم يكتمل بناؤه ولكنه بدون حرم وله منارة على الطراز الرومى وله سبعة أعمدة من الرخام ، وفوقها سقف لا نقوش فيه ، وكان بانيه فى كل يوم يبنى ملحقات تضاف إليه ، وللجامع أوقاف عظيمة وغير منارته رومية الطرز له خمس منارات أخرى عربية الطرز ، وتوجد مساجد علاوة على هذه
__________________
(1) بياض فى الأصل.

الجوامع ، وبها كذلك ثلاث مدارس وبها إلى جانب حجرات الدراسة جامع وبها أربعون مكتبا للصبيان وأربعون سبيلا وحمام ، ولا توجد أبنية بقدر تلك المذكورة ، ولجامع طاصلاق زاده أحمد أغا مبرّة ، وكان متولى الوقف ينفق عليها عشرين كيسا ، وقد قرأت الفاتحة له ، وبها عشر مقاه وعشرة بيوت للصباغة وعشر وكالات مشهورة وجملة ما فيها من الدكاكين خمسمائة دكان ، ولكن ليس فيها سوق خاصة ، وفيها من كل سلعة ، ويسكن هذه البلدة عشرون ألف شخص ، وجوّها معتدل وفتيانها وفتياتها يتميزون بالجمال لاعتدال جوها ، وبها كثيرون من العسكريين المدنيين ، وبها سوق كبيرة تقام كل يوم جمعة ، ومأكولاتها ومصوغاتها وغنمها مشهورة كما تصنع سجاجيد صلاة بديعة فيها ، وبها سجاجيد وبسط بديعة النقش ، كما تصنع بها مقاعد عجيبة ، وفيها حدائق الليمون والسفرجل والتمر ، وفى بساتينها الشمّام والبطيخ والخيار والعجور والقثاء والكرنب والقرنبيط والقلقاس.
بيان ضرائح الأولياء التى زرتها
ضريح شيخ الملة وقطب الدولة الشيخ على بطح ملت الذى كان من قبائل العرب التى فى وادى بطح بمكة ولذلك سمى بهذا الاسم ، ويزور ضريحه الرجال والنساء ، وبجانبه منبع الأسرار ومرجع الأبرار الشيخ صالح الطيار ، وإلى جانب الحمام من صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الشيخ عبد الله بن عمرو بن العاص الذى جرح فى البهنسية أثناء إغارة عمرو بن العاص عليها ، وعلى ضريحه تاريخ إلا أنه كتب بخط غير واضح ، لذلك لم أتمكن من ذكره ، وعلى مقربة منه ضريح حاضر أسرار الطريقة وناظر أنوار الحقيقة الشيخ محمد الأنورى ، وبجانب الوكالة البيضاء ضريح الشيخة الست حورية ، وبالقرب منها الشيخ على كبارى ، وقد زرت ضرائح هؤلاء الأقطاب جميعا ، ولكن ثمة كثير من الأولياء والأتقياء مدفون فى هذه المدينة قدس الله روحهم. وقد مكثت فى هذه البلدة ثلاثة أيام ثم تجاوزت عشرين قرية على شاطئ النيل جنوبا ، وبعد ست ساعات بلغت :

قصبة فشنه
وهى على حدود بنى سيف وفى التزامها.
أوصاف قصبة فشنه
وهى قضاء يدر مائة وخمسين أقجه ، ويتحصل منها فى العام أربعة أكياس ، ويتبعها ستون قرية ، وهى قصبة صغيرة وجميلة ، لكنها معمورة تقع على ربوة بعيدة عن النيل وفى جوانبها الأربعة سبعة أبواب خشبية كأنها أبواب القلعة ، وبها ثلاثة آلاف بيت ، وفى كل بيت منها برج للحمام ويحيط بها من جوانبها الأربعة نخيل ، وفيها سبع محلات وسبعة محاريب وثلاثة منها جوامع ، وفى السوق جامع كبير الأمير ، مقام على اثنتى عشرة زاوية عليها أعمدة تحمل سقفا وله قبة ومنارة قصيرة ، وبها أربعة خانات وسبعة مكاتب للصبيان وعشرون دكانا وسبعة سبل وسبع مقاه وليس فيها سوق ولا حمام ، وبها دار ضيافة فى أسفل الجامع ، وبها يصرف الطعام للغادى والرائح كما يصرف العير والجياد للمسافرين ، وتقام فى يوم الجمعة سوق عظيمة بها ، ويجتمع فيها خلق كثير وكل إنسان يبيع سلعة.
أوصاف ضرائح فشنة
ضريح الشيخ عبد الله قدوة الرجال ونقطة الكمال ابن الشيخ جلال ، وكما أن هناك قبر للشيخ جودى ، وبالقرب منها الشيخ الأمين سلطان الدنيا والدين ، وبالقرب منه ضريح الشيخ أبو العال صاحب طريق الكمال والمجاهد بلا جدال ، وبالقرب منه الشيخ رمضان قدس‌سره رحمة الله عليهم أجمعين ، ولو وصفت سياحتى فى هذه القرى والبلدان والقصبات والضرائح ، وبفصاحتى وبلاغتى لتألف منها مجلد ضخم ، ولكنى أصفها على وجه الإيجاز وهذا ما يسره الله لى ، اللهم يسر لى إتمام ما أنا كاتبه.
ثم غادرت فشنه واجتزت اثنتى عشرة بلدة معمورة ، وبلغت :
صفد أبو جرج
وهى أيضا قرية وبعد سبع ساعات ، مكثت فى :

بلدة قيس
لأن الجو كان شديد الحرارة ، وهى التزام يتبع بنى سيف بعيدة عن النيل ، وبها مائة بيت ، وبها آبار عذب ماؤها ، ونزلت ضيفا على شيخ البلد لأن دار الضيافة كانت خربة ، وفى شمال هذه البلدة ضريح الشيخ إبراهيم عبد الرحيم ، وله مناقب كثيرة ورد ذكرها فى كتاب الطبقات للشعراوى إنه قطب عظيم ، وبجانبه شجرة غريبة وعجيبة ، إنها شجرة لا نظير لمثلها ، ويأتى إليها الغادى والرائح من الزوار والتجار ويندهشون لرؤيتها.
وصف هذه الشجرة الغريبة العجيبة
إنها تبلغ فى الطول طول خمس قامات للإنسان ، وثلاث خطوات ، إنها دوحة عظيمة وجذعها يتألف من فصوص فى جوانبها الأربعة ، ولمن ينظرون إليها من الوسط يبدو لهم أوراقا وثمارا ، وإذا بخّروا مريضا بالصرع بأوراقها شفى من مرضه بمشيئة الله ، ولها ثمر حامضى الطعم ذات قشرة إذا أكل منها مرتين فى الشهر مصاب بالإسهال شفى بأمر الله ويأتيها أرباب الحاجات أول كل شهر ، إنها شجرة سنط تنبت فى وسط الحديقة ، وهى شجرة لا ثمر لها تنبت فى بلاد العرب ، وهى تشبه شجرة طوبا التى توجد فى الجنة ، وهى تمد غصونها ويجلس تحتها الصبيان والظلال التى تمدها تتسع لألف إنسان ، يا لها من حكمة عجيبة إنها منكسة ، وجذورها بارزة من الأرض ، ويقول الشيوخ الذين طعنوا فى السن إن آباءنا وأجدادنا رأوا هذه الشجرة على هذه الصفات إن غصونها اتجهت إلى أسفل إنها تستحق المشاهدة لأنها خلق عجيب إن الله على كل شىء قدير ، ويفعل الله ما يشاء بقدرته ويحكم ما يريد ولا يسئل عما يفعل ، ورأى بعض المتقدمين فى السن أنها من الكرامات للشيخ إبراهيم وقد أراد أهل البلدة أن يشاهدوا بها كرامات الشيخ إبراهيم فسجد فى الموضع الذى نبتت فيه الشجرة ، فخلقها الله توا بأمر الله تعالى وإنها لم تنبت ولكن هبطت من السماء ، وظلت معلقة فقدم جميع من أنكروا الإيمان ، كما جاء فى تواريخ السيوطى عنها ، وقد قرأت أنا فى تواريخ المقريزى أن فى جنوب مصر القاهرة بالصعيد العالى شجرة معلقة ولا وجود فى الأرض لمثلها ، وفى

عصر بنى إسرائيل عمرت هذه الشجرة ألف سنة وقد عبد الله فى ظلها سبعة أنبياء وأن سبعة من اليهود استشهدوا فى ظلها وحينما دفنوا هناك بأمر الله ظهرت هذه الشجرة ونزلت أغصانها من السماء إلى الأرض ، وقتلة اليهود أكلوا منها فهلكوا ، وصار ساق الشجرة فصوصا عند ما جاء النبى آه واه ، وقد دفن فى ظلها هذا النبى ، والآن يزورها الخواص والعوام لذلك فما كتب عنها صحيح ، لأن ما جاء فى الخطط يعتمد على مراجع صحيحة ولكنى شاهدت الشجرة فلم أجد فى ظلها دفينا من الأنبياء ، وإنما دفن الشيخ إبراهيم فى ظلها.
وتجولت سبع ساعات ، نحو الجنوب على شاطئ النيل ومررت بقرى كثيرة وبلغت :
بلدة سمنوط (1) بالصعيد
وهى تبعد عن النيل وبها ثلاثمائة بيت كما أنها التزام ، وحاكمها الأسبق كان كاشفا ، وبها تتم حدود المنيا وإلى جوار ضريحه شجرة نبق عظيمة ولها نبق لذيذ الطعم ، وفى قبالة سمنوط على شاطئ النيل دير قبطى شديد الارتفاع وكنيسة كأنها قلعة عظيمة وفرعون بانيها ويجتمع القبط لزيارتها ، والرهبان يجمعون المال لخزينة مصر ، وثمة صخرة يجرى النيل من تحتها والرهبان من أعلى هذه الصخرة يغترفون من ماء النيل ويملؤن الصهاريج ، ويضيفون المسافرين ، ويكرمونهم إكراما عظيما ، ويقدمون إلى الضيوف ثيابا ويقومون على خدمتهم حتى الصباح ، وقد شاهدت هذا كذلك ومضينا إلى سملوط فى الجهة الغربية ، وركبنا جيادنا ومررنا بقرى المنيا على شاطئ النيل وبعد ثمان ساعات بلغنا بلدة المنيا.
أوصاف مدينة المنيا
مدينة جرجا عاصمة الصعيد العالى ، وهى حكومة تابعة للوزير ، وقد أصبح اثنان من بكواتها أميرين للحج مرتين ، ويحصل منها سنويا مائتا كيس ( ) (2) ألف أردب من الغلال ويحرسها مائة جندى وسبع فرق من جند مصر ، ويفيض لها مائة كيس وثمة حاكم من قبل الوزير يكلف أغا فى تحصيل غلالها ، ويحصل لمعرفته ( ) (3) ألف
__________________
(1) يقال لها : سمالوط.
(2 ، 3) بياض فى الأصل.

أردب من الحنطة والشعير والفول ، ويقدم إلى الباشا ستة أكياس ، ويفيض له خمسة عشر كيسا ومركز الأغا أعلى رتبة ويأتى فى كل عام أغا ليستعجل تحصيل الغلال وينال على ذلك أجرا قدره كيس واحد على استعجاله للغلال ، وهو ملزم كذلك بتحصيل الغلال ، وبها قاضى يحصل على ثلاثمائة أقجه ، وشريف القضا يتقاضى عشرين أقجه ، وفى نواحيها مائتان وعشرون بيتا جميلا ، وفيها أربعة مفتين يفتون على المذاهب الأربعة ونقيب للأشراف وسبعة من القواد ، وليس فيها عبيد ولا قائد ولا كتخدا سباهية ولا زعامت فى قراها ولا تيمارات ولا سيد فيها ولا رئيس للجند ، أما طائفة الجند من المصريين فكثيرة ؛ لأنها مدينة مزدحمة بالسكان ، وعلى شاطئ النيل بيوت ذوات طوابق على ربوة يسكنها أسر كريمة وبها مائة وخمسون من الزوايا والمحاريب والجوامع ، جامع قديم لعمر بن الخطاب لأن عمرو فى خلافة عمر بن الخطاب فتحها بعد أن تغلب على القبط ، لما أقام عمرو هذا الجامع كان معبدا قديما ، إلا أنه كان فى عهد الفراعنة ديرا وهو واضح على سد عال على شاطئ النيل وطوله تسعون خطوة ، وعرضه ستون خطوة ، وبداخله اثنان وخمسون عمودا من الرخام ، وحرمه مكشوف ، وله ثلاثة أبواب ومنارة قصيرة وسقف منقوش ، وتطل جميع نوافذه على النيل ، ومحرابه منحرف نحو الركن ، وهو من الخشب المنجور ، ويزدحم فى الفجر بالمصلين لكنه مقر طلاب العلم ، وتلقى فيه الدروس العامة ، وفيه أربعون أو خمسون حلقة تلقى فيها شتى العلوم ، ويختم القرآن من مائة إلى مائتى مرة فى اليوم والليلة ، وثمة من حفظة القرآن من هم أكمهون ، وكأنما هذا الجامع هو جامع الأزهر فى مصر إنها مدينة طيبة الماء لها الشهرة عند العرب والعجم ، وفيها يستجاب الدعاء ، وبه مبرة أوقافها عظيمة وبه يضيّف العلماء والفقراء والمساكين عمر الله هذا الجامع إلى انقراض الدوران (1).
وعلى ربوة على شاطئ النيل كذلك جامع الظاهر بيبرس ، ويقوم على ستة وثلاثين عمودا من الرخام ، وفى سقفه نقوش مذهبة بديعة ، ومحرابه ومنبره من الطراز القديم ، ولكن جدرانه الأربعة من الحجر المكسو ، وكأن كل جدار مرآة ، ولا وجود لمثله فى
__________________
(1) يعنى : إلى قيام الساعة.

أرض مصر ، وكل الرحالة الذين يقدمون مصر يعجبون لأساس هذا الجامع لأنه كان فى الأصل صومعة قديمة ، وفيه نقوش بديعة من كل الأنواع ويعجز عن وصفه الواصفون ، وفى مصر كثير من الجوامع التى أقامها السلاطين ولا وجود لمثلها فى سائر أركان الأرض إلا أن جامع المنيا هذا يختلف عنها جميعا لأنه فى طرزه عجيب غريب منقطع النظير ، وعلى قبته كتب هذا التاريخ (بسم الله الرحمن الرحيم أمر بتجديد هذا المسجد المبارك مولانا السلطان الملك الظاهر بيبرس خلد ملكه سنة عشرين وستمائة) وله بابان ومنارة وكل كواته تطل على النيل ، ولكن لا وجود لما يشبه جامع عمرو.
ويقع شمال المدينة وفى السوق السلطانية جامع الشيخ مصرى ، وهو تحتانى والمصلون فيه كثير ، ويوجد كذلك جامعان لا علم لنا بهما فضلا عن الزوايا.
وثمة ثلاث تكايا وإحدى عشرة وكالة وثلاثمائة دكان وحمامان ، وعلى مقربة من جامع عمر بن الخطاب حمام منذ عهد فرعون بقى على ما هو عليه ، إنه حمام قديم عجيب ، وهو معلوم لدى العرب والعجم وإذا دخله مريض تم له بأمر الله الشفاء وإذا دخله مجزوم أربعون يوما ، فكأنما خرج من بطن أمه بيضة بيضاء حتى أن ابنة على بن أبى طالب العذراء قدمت مصر ودخلته فشفيت من مرضها ، وهذا الحمام من بناء الحكماء القدماء وحوضه ذو صنبور مرتفع بقدر قامة إنسان ويكون فيه الوقوف ويستحم واقفا وإن لم يكن من الجص ، وقد طلى بابه وجدرانه بالمسك والعنبر والزعفران ، وجدرانه مبنية من الجبس الخالص والعبير ينعم بتنسمه كل من يستحمون فيه ، وينبع من جدرانه ماء الورد والمسك والكافور يتنسمه المستحمون ، وجوه معتدل لطيف لقربه من النيل وماؤه من النيل ، وأرضيته مفروشة بالحجر الأبيض ، وفى زمننا لا يستطيع عامل ماهر فينا أن يضع حجرا مثله فى موضعه ، وغرفة الثياب فيه صغيرة وغاية فى الصغر ، أما الحمام الذى فى قصر أغا الغلال فحمام جديد إلا أن جوه ثقيل ، وثمة أكثر من مائة سبيل ، وستون مكتبا للصبيان ، ولا وجود لسوق فيها ، وجميع أسواقها مغطاة لدفع الرمال والغبار وشدة الحر عنها ، وفى الوسط قصور فيها قصر الكاشف ، وقصر أغا الغلال على ضفة النيل وهو قصر جميل ، وكل قصورها وما فيها من شرفات ونوافذ

تطل على النيل ، وهى قصور عالية يمتد منها البصر إلى الدنيا ، وفى الجانب الغربى من هذه المدينة ستمائة قرية معمورة ، وهى بلاد ذات بساتين كثيرة واسعة وجميلة لاعتدال جوها فأهلها يشتهرون بالجمال ، وفتيانها حمر الخدود ومردانها يلبسون الحرير المنقوش ، والجند فيها كثير ، ويلبس فتيانها ونساؤها على رءوسهن حمر القلانس ، ويربطون على خصورهن مناشف بيضاء ويضعون على وجوههن براقع من الشعر ويسمون الخبز المخبوز الأحمر بالرغيف وهو أحمر اللون كلون الوردة الحمراء ، ومناشفها مشهورة وما أكثر الحدائق فيها ، وتجاه النيل فى هذه المدينة آثار فرعونية كأنها أطلال قلعة.
وجاء فى بعض التواريخ أن الشيخ المصرى مدفون فى جامع المصرى ، ولم يتيسر لى أن أزور ضريح آخر سوى هذا الضريح فى هذه البلدة.
ومضيت من هناك وسرت على شاطئ النيل نحو الجنوب ، وبعد خمس ساعات بلغت :
مدينة أشمونين القديمة
وقد بناها أشمون بن بيطر أبى القبابط بن نوح ، وفيها آثار وأطلال مغمورة فى الرمال ، وإذا تعرضنا لوصفها لمسّت الحاجة إلى مجلد كامل ، وفى هذه البلدة ثلاثمائة بيت وجامعان وعدة دكاكين وهى تابعة لكشفية جرجا ، وهى قضاء يدر مائة وخمسين أقجه ، وفى نهايتها أربعون قرية ، وبها سوق تقام كل أسبوع هى قصبة صغيرة.
وتجاوزتها ، وبعد ثمان ساعات بلغت :
قصبة بداوى ، أى بلدة ملوى
وهى تتبع حكم جرجا ، وهى داخلة فى كشفية المنية وألحقت بها قضاء المنية ، ويتحصل من قضائها مائة وخمسون أقجه فى الأحايين وبها ستون قرية ويحصل غلالها أغا غلال المنيا ولها قائد من طائفة الانكشارية وعدد من الانكشارية والعزب أما نقيبها ففى المنيا وهى على شاطئ النيل على ربوة ، وهى بلدة جميلة لأن النيل ينحرف جنوبها وقد عصفت الريح بكثير من بيوتها فهدمت وتخربت ، فأقام أهلها بيوتا لهم فى أرض واسعة بالقرب منها منذ خمسين عاما ، وهى بيوت جميلة وقصور شامخة ، وهى أربعة آلاف وخمسمائة بيت ولا وجود فى الصعيد لمدينة جديدة جميلة مثلها ، وجميع بيوتها

لها أبواب وجدرانها حمر وسود وبيض وكتب على كل منها اسم صاحب البيت ، وتاريخ بنائه وفى هذه المحلة ست عشرة محلة وأربعون محرابا وخمس خطب ، وفى السوق جامع يوسف بك يصعد إليه بسلم من ست درجات ، وطوله وعرضه ستون خطوة وفى داخله ثلاثون عمودا من حجر أبيض تحمل سقفه ، ومحرابه ومنبره خاليان من النقوش ، وفى أطراف حرمه اثنان وعشرون عمودا ، وله ثلاثة أبواب ومنارة ولا وجود لمنارة أخرى فى تلك البلدة ، وفى البلدة جامعان آخران علاوة على زاوية كما أن فيها حماما وأربعمائة دكان على الطريق وصاحب هذا الجامع يوسف بك ، وهذا الجامع وقف ليوسف بك ، ومائة دكان تبرع بهما محمد بك حاكم جرجا ، وكل الدكاكين مغطاة سطوحها ، وشوارعها الرئيسية نظيفة يسقى به السقاءون ماء النيل وبها ثلاثة خانات وسبعة مكاتب للصبيان وسبع مقاه ، وستة سبل وبيوت للعسكر وخمسون طاحونة مائية تديرها الخيول ، وسبع طواحين للزيت ، ولم أر فيها مخابز ، إن جميع الأهالى فى هذه البلدة يخبزون خبزهم فى بيوتهم ، يسكنها سبعة عشر ألف شخص ، ولكنهم يحبون ويضيفون الغرباء ، وفى جوانب المدينة الأربعة أبواب كأنها أبواب القلاع ، وهى من الخشب ، وعليها مزاغل ، ومنها تطلق النار على المجرمين من العرب إذا أغاروا على المدينة ، وفى كل ليلة يسد الحراس هذه الأبواب ويسلمون المفاتيح التى تخص أبواب المدينة إلى شيخ البلدة ، إنها مدينة مستتب فيها الأمن وجوها معتدل ، وأهل ملاوى مشهورون بالجمال ، ومحصولاتها معروفة ومشهورة وصناعتها أعرقها السكر والسكر النبات ، ولا وجود لمثله فى أراضى مصر ، ولكنه يأتى من الشام ، وفى بساتينها عود قصب السكر يبلغ فى الطول ثلاث قامات إنسان وهو فى غلظ الذراع وكل أنبوبة فيه قدر شبر ، وهو لذيذ كثير الماء ، وقد قطعت أنبوبة منه وعصرتها فى كوب فكانت مثل ماء الورد فكانت شرابا يجدد الحياة وهو مفيد للجسم وقشره رقيق ، ومجمل القول أنه لا وجود فى أرض مصر لما فى ملاوى من سكر وقصب السكر ، وهذه البلدة واسعة الشهرة بذلك وفيها كذلك أشياء أخرى كثيرة ، ولكن السكر هو أفضل ما فيها ، ولكنى لم أزر ضرائح كبار الأولياء فيها وإن كنت قرأت لهم سورة

يس ، وتجاوزت مدينة ملاوى فى أرض ذات نخل ، وانطلقت جنوبا على شاطئ النيل ، وبعد ثلاث ساعات بلغت بلدة : دارود الشريف.
أوصاف قصبة دارود شريف
إنها تابعة لحكم جرجا تتألف من ثمانمائة بيت وهى بلدة صغيرة معمورة ، وناحية صنبو قضاء وغلالها مما أوقف فى مصر على الحرمين وهى فى التزام السادة الأشراف ، وفيها جامعان وست زوايا ومقهيان وثمانية دكاكين وقد حفر فيها يوسف الصديق وأمده جبريل بالمصابيح ترعة ، وذلك قبل أن تصبح هذه التى بالفيوم ترعة كانت جرفا وحوض يوسف وجميع ما فى مصر من ترع ومن خلجان تطهر فى كل عام بالجواميس والثيران ومائة ألف من الرجال ، وترعة دارود التى فى مدينة الفيوم لم تكن جرفا ولكنها شوهدت فى موضعها ، وهى تجرى نحو الغرب وتروى مئات القرى وتمر من مدينة بهنيسا كما تسقى بلدانا أخرى كثيرة ، ورأيت فى جانب الفيوم بحر يوسف ، وماؤه ملح إنه بحيرة عظيمة ، وسوف نكتب عنها فى موضعها ثم عبرنا بلدة ترعة دارود ، وتجولت ثلاث ساعات وبلغت قصبة صنبو.
أوصاف قصبة صنبو
إنها فى حكم جرجا ، وفى التزام السادات ، وفيها صوباشى تابع للوقف وبها مائة وخمسون قضاء ، وبها سبع وستون قرية ، ويتحصل لقاضيها ثلاثة أو أربعة أكياس فى العام ، ونصيب البلدة عشرون ألف أردب من القمح والغلال ، وتقع على ضفة النيل ، بها ألف بيت وثلاثة جوامع وسبعة دكاكين وليس بها حمام ، كما لا يوجد بها خان ولا حدائق إنها قصبة صغيرة ، ولكن بها دار ضيافة للغادى والرائح ، وفى قصر عظيم يقدم فيها للضيوف فطور وطعام مرتين فى اليوم ، وللمسافرين بيت للشعير فقمت منها صباحا ومضيت مدة أربع ساعات على شاطئ النيل شرقا ، ثم انعطفت على شاطئ النيل جنوبا أربع ساعات أخرى لأن النيل ينحرف فى هذا الموضع وكأنه رقبة البعير ، وهناك فى النيل جزر ذات غايات وتماسيح ولصوص يركبون القوارب ، وتجولت فى هذه المدينة ثمانى ساعات وبلغت مدينة منفلوط.

أوصاف بناى لوط أى مدينة منفلوط
وهى من بناء أبناء لوط بن أبى القبابط ، ومدينة منفلوط مسطورة فى دفترخانه جرجا والشائع خطأ على ألسنة العوام أن اسمها منفلوط وذلك سبب تسميتها بهذا الاسم وهى فى حكم جرجا باسم منفلوط ، وهى مدينة قديمة ذات حكومة عظيمة ، وقد منح وزير مصر حاكمها خلعة فاخرة ، حتى فى يومنا هذا مصاحب أحمد بك يقدم هذه الخلعة وبها سبعة فرق مصرية من جنود مصر يحافظون على الأمن فى سبعمائة وعشر من قراها ويحصل منها مائتا كيس من مال السلطان وعدة من الأرادب من الغلال ويتصدق بمائة كيس بعد المصاريف ، لأن من الواحات وبلاد الفونج والسودان يأتى النخاسون بمائة ألف جمل وآلاف الخصيان السود والبيض من السودان ، ويمنح كل أسير دينارا ذهبيا ويمنح كل جمل قرش واحد ، ويحصل من ذلك مال كثير ، إنها مدينة يمر بها ناس كثيرة وكان قبل الباشا يحصل غلالها أغا الغلال ، وكان يحكم البلاد ستة أشهر ، وكان يتقاضى من الكاشف كيسين فى العام وحصانين وعدد عشرة من الخصيان المماليك يوميتهم عشرة قروش ، وهؤلاء يحصلون الغلال ، ويأتى أغا كذلك يستعجل تحصيل الغلال وينال من الكاشف كيسا أجرا على مقدمه فيلح على تحصيل الغلال ، وعلى كل أردب يحصل يأخذ الباشا أغا بارتين ويورد للوالى سبعة أكياس ، ويبقى بعد ذلك فائض قدره سبعة أكياس إنها قضاء يدر ثلاثمائة كيس ، ومن ثلاثمائة قرية يحصل القاضى افندى عشرين كيسا ، وثمة قائد ونقيب وأعيان كبار ، وعلى بعد ألف خطوة غرب النيل وعلى ضفة ترعة عظيمة ثمانية آلاف وستمائة بيت وهى من طوابق وهى جميلة مزينة ، وفيها كثير من الفقراء المساكين وليس الأعيان بهذه الكثرة ، ولكن التجار كثير ، وفيها ثلاثون محلة وثمانية وثلاثون محرابا وثمانى خطب منها الجامع الفوقانى للسعيد الشهيد : محمد بك ويصعد إليه بسلم من عشرين درجة إنه جامع لم يتم بناءه ، ولكن المصلين فيه كثير وليس له مئذنة ولا حرم ، وتحت الجامع دكاكين ولكل سوق بابان ، وفى وكالة محمد بك جامعه وقد بنى على زاوية كانت من قبل وقد أقيم هذا الجامع فى وسط السوق المزدحمة ، ويصعد إليه بسلم من حجر ، وجامع عثمان بك جامع عتيق

كبير ، وطوله وعرضه خمسون خطوة وله سقف منقوش وله باب للقبلة وبابان فى ناحيته وله منارة وخطبة ويسمى الشيخ جمال الدين ويقولون إنه من أولياء الله ، وقد صام صوما داوديا وقد تلقيت منه الدعاء لى ، وفى وسط السوق الجامع اليتيم ، والجامع العتيق وجامع الكاشف محمد أغا ، وهو جامع معلق يصعد إليه بسلم حجرى من ثمان درجات ، ولذلك يسمونه الجامع المعلق إنه جامع صغير ، وليس به منبر ولا مدرسة ولكن زواياه كثيرة ، وله ستون سبيلا وسبعة وأربعون مكتبا للصبيان ، ودار للحديث وثمانية خانات ، وفى داخل السوق حمام إمام خان وفى السوق كذلك حمام ويوجد مثله فى ديار مصر ، وعلى نهر النيل فى دمياط حمام ، وهو جميل البناء إلى أبعد غاية وفى المدينة ألف دكان ، وكلها مغطاة ، وهذا خاص بديار العجم ولا وجود لسوق وإنما لخان تباع فيه السلع النادرة ، وثمة سوق للغلال وسوق للغنم وخارج المدينة أحد عشر سوقا ، وعلاوة عليها سوق للنساء ، وأسواق هذه البلد كلها تقع على ربوة ، لأنها مرتفعة من نظر منها إلى أسفل دار رأسه وقد كتب على معظم الأبواب وأعلاها الآية الكريمة : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران : 97]. وسألت ما أصل هذه النقوش فقيل لى بعد إيتاء الزكاة من يخرجون لأداء فريضة الحج ثم يعودون فينقش النقاشون على بابه هذه النقوش والآيات ، وكثير من هذه الأبواب يوضع عليها جلد التمساح خوفا من اللصوص ، وهذه الأبواب مثل أبواب القلعة عجيبة وغريبة ، وجو هذه المدينة جميل ويبدو الشبان بوسامتهم هنا وهناك وحدائقها وبساتينها لا تحصى كثرة وعندما يفيض ماء النيل وتجرى مياهه فى الترعة يجتمع على ضفتها جموع من الشباب للهو والمتعة فى العصر حتى مغيب الشمس ، ووجوه أهلها وردية اللون ، وهم يتاجرون فى الحرير والمناشف كما يباع على شاطئ النيل حرير القمصان وأشياء أخرى ويتعيشون من ذلك ، وفيها سبعون طاحونة زيت ومائة وعشرون طاحونة قمح وعشرون مقهى وحانة ، وبها محلة لليهود وأخرى للقبط وللمسيحيين واليهود ثلاثمائة بيت ، وللأرمن وللأوربيين بيوت فيها وهم يأكلون الخبز فيه الينسون ، والجبن القريش والزبد الأبيض والكعك وفطائر البوريك ، والعسل الأبيض المصفى والليمون والسفرجل والرمان والنبق وغير ذلك كثير ، ولكن ليس هناك جميز ولا موز وهم يكرمون الضيف.

بيان بالضرائح فيها
ضريح الشيخ محمد زعفران ، وهو إلى جوار الأسواق السلطانية ، وضريح الشيخ محمد أنفاس المغربى ، وهو بالقرب من المسجد ، وضريح الشيخ محمد القبيح وهو بالقرب من جامع اليتيم ، وبالقرب منه ضريح الشيخ عبد الكريم وفى الجانب الغربى ضريح الشيخ عباس وفى الجهة القبلية ضريح الشيخ سليمان سلمانى ، وبالقرب من قصر الكاشف مدفن الشيخ عثمان ، وفى وسط المدينة الشيخ أبو الحسن ، وعلاوة على ذلك توجد آلاف القبور وقد مرغت وجهى على هذه الضرائح وسألتهم البركات والعون ، قدسنا الله بسرهم العزيز ، ومن صلحاء الأمة أصحاب الكرامات الشيخ على سنارى ، والشيخ محمد المنفلوطى كما وجدت قبور للطرارين والعيارين والمضحكين ، ولكننا عرفنا الحافظين وأصحاب الكرامات ومن هؤلاء الذى حدد ميقات فتح القلعة بالساعة والدقيقة ، وقبل أن تفتح بثمانية وخمسين يوما ، وقد رؤى فى الطريق يبشر به وهو من المجاذيب ، وغادرت هذه المدينة بعد ثلاثة أيام ، ومضيت جنوبا ست ساعات حتى بلغت مدينة أسيوط القديمة.
أوصاف مدينة أسيوط القديمة
أسيوط فى اللسان القبطى اسم كاهن عمّر طويلا وكان له حظّ من جميع العلوم لأنه أدرك نبى الله إدريس ـ عليه‌السلام ـ وهذا الاسم فى أفواه العوام هو سيوط وفى الزمان الماضى كانت أسيوط قلعة قديمة ضرب عمرو عليها الحصار سبعة أشهر ثم فتحها فتحطمت أسوارها وبرجها ، وآثارها ظاهرة للعيان كأنها شمس الضحى وهى مدينة حول جهاتها الأربعة أرض منخفضة ، وهى كاشفية تتبع جرجا ، وفيها ثلاثمائة جندى وثلاثمائة جندى مصرى من أربع فرق ، ويتحصل من أربعمائة وعشرين قرية خمسة وثمانون كيسا وألف أردب من الغلال ، ويحاسب عليها فى ديوان مصر ولها موظفان لاستعجالها وتحصيلها ، وتجمع الغلال فى فترة تتراوح بين ستة وسبعة أشهر ، وترسل إلى مصر فى السفن ، كما أن الموظفين يحصل كل منهم على ثلاثة أكياس ، وما يفيض من ذلك لا يرسل إلى الباشا ، وهى قضاء يدرّ مائة وخمسين أقجه ، وحواليها مائة قرية

وخمسة ، ويحصل منها ثمانية أو تسعة أكياس ، وفيها مفتى على المذاهب الأربعة وشيخ إسلام ، وسبع طوائف للقواد والأعيان الكبار ، وهى مدينة قديمة تقع على بعد ألفى قدم من شاطئ النيل وعلى ربوة عالية فى حدائق ونخيل وفيها ستة وعشرون محرابا وتسعة جوامع يخطب لصلاة الجمعة فيها علاوة على المساجد ، ولها جامع جديد بناه مير يوسف بك وطوله وعرضه خمسون خطوة ، وفيه ستة وعشرون عمودا ، وعليه سقف غير منقوش ومنارته من ثلاثة طوابق ، وجامع أمية وهو جامع عتيق فى جانبه الأيسر باب ينزل منه بسلم من الحجر وطوله وعرضه ثمانون خطوة ، وفى داخل الجامع ثمانون عمودا من الرخام وفى حرمه أربع شجرات نبق وأربع نخلات ، ومنبره من الخشب المزين وعلى بابه كتب عليه بالخط الكوفى البسملة وآية الكرسى ، وصاحب الخيرات الخليفة عمر وقت الفتح.
وقد عمر عام خمسمائة ، وهو جامع عتيق ويقول البعض إن عمر لم يبنيه إن بانيه عمر من الخلفاء الفاطميين الذى كان له الملك على مصر عام خمسمائة ، والعهدة على الراوى ، وفى السوق جامع الحمصى وهو يقوم على ثمانى عشرة قاعدة من الرخام وله سقف منقوش وبابان جانبيان ومنارة جميلة من طابقين وجامع القاضى صدر الدين يقوم على اثنى عشر عمودا وهو جامع جديد مسقوف ، وله بابان ومنارة وليس له حرم ، وثمة زوايا إضافة إلى هذه الجوامع ، توجد كذلك تكية وست مدارس ، وسبعون سبيلا وأربعون مكتبا للصبيان ، ودار للقرآن وداران للحديث ، وستة وكالات وحمام وهو حمام جميل معتدل الجو كما يوجد ثلاثمائة وستون دكانا ، ولا وجود لمحال للقماش فيها والصاغة فيها كثير ، وفيها سبع عشرة مقهى ، وأربعون طاحونة وخمسمائة طاحونة تديرها الخيل ولا وجود لطواحين فى خارج المدينة لأن فى هذه المدينة خلقا كثيرا ، والقرى التى خارج المدينة فى حاجة إلى الطواحين ، وكل هذه الطواحين تيمارات وزعامات ، وفى سجلات شيخ البلد أن عدد سكان هذه المدينة مائة وستة وأربعون ألف شخص ، وشوارعها وأزقّتها مزدحمة بالناس ، وقديما كان بها قلعة ما زالت آثارها باقية ، وقبل مجىء العثمانيين إلى مصر ، كان حكام جرجا يحكمون هذا الإقليم مع وزيرهم

وفى هذا الزمان كان بها سبعة وعشرون ألف بيت وأربعة عشر حماما ، وقد رأيت زواياها ، وحماماتها القديمة ، وحول هذه المدينة رأيت سورا له أبواب كأبواب القلاع ، وكان لهذه الأبواب حراس ليلا ونهارا لأن حولها فى الجانب الغربى كان يسكن مجرمون من العرب وكان هؤلاء العربان يسكنون فى المغارات ، ولهم حظائر لخيولهم وكان فيها يسكن قوم لوط وفى هذه المدينة كهوف دفن فيها بعض الموتى ، وفى هذه المدينة محلة للقبط ولا وجود لأحد من أديان أخرى إن هؤلاء يغدون ويروحون للتجارة ليس إلا ، وتوجد فيها كنيستان ، وجو هذه المدينة معتدل وفيها فتيان وفتيات يتسمون بالجمال ، إنهم جميعا يكرمون الغرباء ويحبونهم وهم من أهل التقوى ، والدكاكين فى هذه المدينة تقع فى شارع واسع ، ولا وجود لدكاكين فى طريق إلا فى الطريق العام ، وفيها سوق سلطانية مغطاة لدفع شدة الحر ، ولها الشهرة بالحرير الأبيض والمناشف والبن والغلات ومعظم الحرفيين فيها نساجون ، ويأتى إليها كثير من أهل المغرب ، ويحملون معهم أحمالا من الحرير والكتان ، ويحملونها إلى بلاد المغرب معهم.
بيان الضرائح التى فى هذه المدينة
فى الناحية الجنوبية لهذه المدينة ، مقبرتان كبيرتان منهما ما يسمونها الجبانة الكبرى ويصنع أهل هذه المدينة لموتاهم توابيت من الجص الأبيض ، ويكتبون عليها التاريخ ، ويزرعون حولها الأشجار ويبيت كثير من الفقراء فى هذه الجبانة ليدفعوا عنها الحيوانات ، وعلى الطريق العام يوجد كثير من السبل ، وآلاف القبور للصحابة الكرام ، ويشهد أهل المدينة على أنه عند محاصرتها استشهد سبعمائة من الصحابة الكرام وأبنائهم ذوى الاحترام وقبورهم معلومة للجميع ، وإذا ما كتبنا فى هذا طال بنا الكلام ، إنها قبور عظيمة وهى لهم ، وفى داخل المدينة قبر الشيخ اسكندر ، وجانب الجسر قبر الشيخ محمد المجذوب وبجواره الشيخ رودى ، وهم من السادات الكرام رحمة الله عليهم أجمعين ، ثم غادرنا أسيوط مع رفقائنا وعبرنا الجسر السلطانى الواقع فى الجهة الجنوبية ، ومضينا فى الصحراء.

بلدة شطب
وهى على حد قضاء أسيوط ، وفيها ثلاثمائة بيت للمسلمين وقرى للأقباط ، إنها بلدة قديمة تقع على جبل أحمر ، وكان على قمة هذا الجبل فى ماضى الزمان قلعة وتبدو آثارها ، وإلى الجانب الشرقى من الجبل مغارات وأرض خربة إذا بلغها الإنسان اعتراه الخوف الشديد ، ويسمون تلك البلدة التى على رأس الجبل وادى طير.
أوصاف جبل الطير
ويسمونه كذلك جبل طيليمون ، إنه عجيب وغريب جدير بالمشاهدة إنه جبل عظيم يحار فيه الوصف ، ويأتى إليه أنواع من الطيور من الروم فى فصل الربيع ، ومكثنا على هذا الجبل ، ونزلنا ضيوفا على أهله ولكن ليس فيه طيور اللقلق والبجع ، وتحت الجبل أرض صحراوية ، وكانت الطيور تصيح طوال الليل إلى حد أنه يتأذى بأصواتها المستمعون إليها ، ويعرف ذلك أهل تلك المدينة ، وثمة مقبرة فوق هذا الجبل ، وفى كل قبر طيور مدفونة فى كفن ، وأكثرها طيور اللقلق المكفنة ، وتأتى جميع الطيور إلى هذه المقبرة وهى ترفع أصواتها بالنواح ، وتحوم حول هذه المقبرة وتزورها ، كما أنها تمكث فى هذا الجبل ، ومعظم هذه الطيور التى فى الأكفان تبدو من القبور وأجسامها لا تبلى فى أكفانها ، ولا يعرف أحد شيئا عن هذه الطيور المدفونة ، وقد حملت طائرين مكفنين حديثا إلى الكتخدا إبراهيم باشا فرآهما ، وعند الفجر ارتفع صوتهما بالصياح ، وكان صياحهما يثير الفزع ويتوهم من يسمعهما أن الوقت وقت السحر.
وفى هذا الجبل غار عظيم ، وتصيح الطيور عنده ، وبعد أن تصيح سبع صيحات تحوم حول الغار ثم تمكث فى هذا الغار كأنها تتشاور فيما بينها ، ثم يدخل طائر من كل جنس من الطيور هذا الغار ولا تخرج من هذا الغار المظلم بل تموت فيه وإذا لم تمت هذه الطيور فى الغار امتنعت بقية الطيور عن الطيران ، وإذا خرجت بعض الطيور من الغار فإنّ الطيور الأخرى تنقرها وتقتلها ، ويضعون غيرها فى الغار ، وبعد أن تطلع الشمس ، تغادر جميع الطيور هذا الجبل ، وتصعد صيحة حزينة وتدور حول قمة هذا الجبل حتى مغيب الشمس ، ثم تعبر النيل إلى بلاد الفونج ، وتخرج من جزيرة مصر

هذه وتمضى نحو البحر المحيط جنوبا ، وقد رآها البرتغاليون والهنود فى سفنهم ولا يعلم إلى أين تمضى بعد عبورها البحر المحيط ، ولا يخرج من جزيرة مصر طائر اللقلق ، ولكنها لا تفرخ على الساحل ، لأن بيضها ينضج فى الحر ، ولقد شهدت فى طريقى إلى مكة بيضة نعامة ذات مرة ، وقد ثقبتها وأفرغت ما فيها لإحضارها إلى بلاد الروم إلا أن هذا الفرخ الذى خرج من البيضة طار من شدة الحر وقد زرت مقبرة الطيور ذات الأكفان ، ومضيت إلى الغار المذكور ، وكان غارا عظيما ولم يكن ظلامه دامسا ، ولكن من جثث الطيور تصاعدت رائحة تفقد الإنسان وعيه ، ورأيت جميع أنواع الطيور فى هذا الغار ، وفى كل عام تأتى الطيور من جميع الأجناس إلى هذا الغار وتمضى هذه الطيور إلى أسوان والسودان وتعبر البحر المحيط ، وتعود إلى السواحل فى الربيع وتحوم حول هذا الجبل سبع مرات وهذه الطيور لا تنام ليلا بل تمضى وتتهافت على هذا الغار ، والله يعلم عدد هذه الطيور ، وفى كل عام تبدى منظرا عجيبا ويأتى أهل هذا الإقليم ، ويمضون إلى هذا الغار ويذبحون كل طائر وهم يصنعون فى ذلك مثلما كان عليه آباؤهم بحيث لا يبقى فى الغار طائر ، وهم يعلمون أن الطائر منها إذا وقع فتلك أمارة على القحط ، وكل إنسان يخزن متاعه على أن قحطا عظيما سوف يقع ، وإذا صلب طائر سهل صيده وإذا صلب طائران أخذوا بيضهما ، وإذا صلب ثلاثة طيور كانوا غنيمة ، وإذا اقتربت من النيل بمقدار ستة عشر ذراعا تحصل مال للدولة وإذا صلب أربعة طيور أثرى جميع الملتزمين ، وإذا صلب خمسة طيور أصبحت أفراد الرعية جميعها أمراء ، وإذا صلب ستة طيور ارتفع النيل ستة وعشرين ذراعا وكان فى كل سنبلة مائة حبة ، ويعجز الفلاحون عن حمل محصولاتهم من بيادرهم وهذا معتقد الفلاحين فى الصعيد ويعجز الرعايا والأمناء والكاشفون أيضا عن حمل محصولاتهم من البيادر ، وتلك حكمة عجيبة وطلاسم قديمة وسحر ، والحمد لله أننا رأينا هذا المنظر العجيب فى سياحتنا وتجاوزنا هذه المحلة وانطلقنا جنوبا وبعد ست ساعات بلغنا قصبة أبو تيج.
أوصاف قصبة أبو تيج
إنها كاشفية تابعة لحكم جرجا ، وبها مائتا قرية يتحصل منها سبعون كيسا وعشرون ألف أردب من الغلال ، ويحاسب عليها فى ديوان جرجا ، ويقيم أغا استعجال الغلال

فى جرجا ، وليس فيها عسكر ولا مفتى ولا نقيب ، وهى قضاء يغل مائة وخمسين أقجه ، وفى ناحيتها ثمانون قرية ، وهذه القرى تلحق بقاضيها ويتحصل منها على خمسة أكياس فى العام ، وبها ألف بيت وسبعة محاريب وثلاثة جوامع وستة مكاتب للصبيان وخمسون سوقا صغيرة إنها قصبة صغيرة اقتضت حكمة الله أن أنزل ضيفا على دار ضيافة كاشفها ، وفى الضفة المقابلة للنيل قبيلة أبى يحيى بها ستة آلاف فارس وجند يركبون الجمال وقد حاصروا دار الضيافة التى كنت بها ونشب القتال وبدأوا فى إطلاق رصاص بنادقهم وفى دار ضيافتنا هذه وقف عشرة من الجند التابعون لإبراهيم باشا وثلاثة وعشرون من جند الكاشف وسبعة جنود ممن معنا ووقفوا جميعا وراء ثقوب المزاغل وأطلق الرصاص عليهم فقتل ستة عشر من العرب وسبعة جياد وقدم فرسانهم إلى قصبتنا ، وكان معنا سبعون فارسا فخرجنا من دار الضيافة ووقعت مناوشات بين الطرفين وقد قتل من العرب ستة وعشرون كما قتل فى دار الضيافة اثنان وأربعون من العرب وقد تدحرجت رءوسهم ، وتعلق بقيتهم بأذيال الفرار وكثير منهم غرقوا فى النيل وغنمنا منهم سبعين جوادا وسبعة حجور (1) وأحد عشر هجينا ووقع فى الأسر ثلاثة عشر عربيا واستشهد منا سبعة من العرب ونفق جوادان وقتل جندى من جنود الباشا وثلاثة من رجال الكاشف وأمام دار الضيافة وضع اثنان من العرب على الخازوق ووضعت رأسهما على رمح وحشى جلدهما بالقش وبعث بهما فى موكب إلى جرجا ، وقد وهبنى الكاشف ثلاثة حجور وهجينا ، وقد مضيت مع الجند إلى جرجا فى الموكب وتجاوزناها إلى :
بلدة شيخ ابن عابد
وهو من المشايخ المطيعين للسلطان سليم ، وتسمى هذه القبيلة قبيلة الهوارة وخيول مصر فى هذه القبائل إنهم عشرة عشائر وقبائل ، ورجالها شجعان ولهم ثمانية آلاف جندى وأرضهم كثيرة المحاصيل ولهم خمسمائة بيت وجامع ودار ضيافة ، وللشيخ عابد بها قصر عظيم ، وثمة ضريح للشيخ ابن منجا وفى كل ليلة جمعة يزور الشيخ ابن عابد ضريح الشيخ ابن منجا ويقيم له المولد الشريف ، ويضيف الفقراء والمساكين ومنحتنى
__________________
(1) الحجر : أنثى الخيل ، والجمع : حجور وأحجار انظر : المعجم الوجيز ص 136.

قبيلة الهوارة مهرا ومضيت إلى شاطئ النيل ثانية ، والنيل فى تلك الناحية واسع وفيه جزر ، وفى كل جزيرة غابة وهناك فى النيل تماسيح وأفراس النهر ، وإذا فاض النيل انشعب من النيل ترعة فى الرمل وهى ترعة عظيمة ، وفيها تجرى مياه النيل ، وبهذا الماء ترتوى آلاف القرى وفى هذه الترعة عمود عليه طلسم ضد التماسيح ولذلك تخاف التماسيح دخول هذه الترعة. فإذا دخلها تمساح نفق وانقلب على ظهره على وجه الماء ، وهناك التماسيح تأكل الجثث التى فى الطين وصغار الأحجار وتصعد من قاع النيل جثث التماسيح بين الجزر بعد أربعين يوما ويمضى أهل تلك القرى وأولادهم إلى شاطئ النيل وهم آمنون لا يخافون شيئا ، ويشربون من مائه ، ويمضى الرجال والنساء إلى ساحل النيل ، ويضربون ماء النيل بعصىّ غلاظ.
والتماسيح تخطف خيولهم وجمالهم وتصعد الجزر وتأكلها ، إنه حيوان لعين ويداه وقدماه ضعيفة وهو يبتلع الرجال والأطفال ، أما إذا دخل التمساح ترعة الرمل نفق فى التو من أثر الطلاسم التى فى الترعة ، والفلاحون يخلون جسمه من جلده ويصنعون من جلده قوارب يعبرون بها الترعة ومضينا سبع ساعات جنوبا وعلى بعد من النيل قصبة تمه.
أوصاف قصبة تمه (طما)
إنها التزام تابع لجرجا ، وبها خمسمائة بيت وجامعان ومقهى وبها سوق عظيمة ودار ضيافتها قصر كبير ، وفيها حدائق هنا وهناك وبها ساقية وزاوية ، وتجاوزناها إلى أرض ذات نخيل وبعد خمس ساعات بلغنا قصبة تحته (طهطا).
أوصاف قصبة تحته (طهطا)
بنيت فى عهد العباسيين إنها تابعة لجرجا ويتحصل منها ثلاثون كيسا وثلاثة آلاف أردب من الغلال وفيها من الجند ثلاثمائة. إنها كاشفية وليس فيها طوائف عسكرية ولا شيخ إسلام ولا نقيب أشراف ولا قواد ، وهى قضاء يدر مائة وخمسين أقجه ، وسبق أن تحصل من مائة وخمسين قرية فيها عشرة أكياس ، وأغا استعجال الغلال بها مقيم فى جرجا.
وهى تقع على ربوة بالقرب من شاطئ النيل ، وهى ليست قصبة كثيرة السكان أما

قديما فكانت معمورة وآثار مبانيها ظاهرة ، وفيها الآن ألفى بيت وعشرون محلة وسبعون محرابا وتسع خطب وتكيتان وحمام مظلم قذر ومائة سوق صغيرة وثلاث وكالات وثلاث مقاه ، وعشرون سبيلا ، وفيها ثلاث منارات ظاهرة إضافة إلى الزوايا التى ليس لها منارات ، وهذه البلدة ثقيل وخم جوها ، وأهلها فقراء ، وبالقرب من البلدة فى النيل جزر ، ويضلّ الإنسان فى شوارعها كما أن فيها كثير من التماسيح ، وبعض الفتيان يقتلون هذه التماسيح وينصبون جلودها على الأبواب دفعا للصوص ، وأكثر الأبواب فيها عليها جلود التماسيح ، وقد دفن فى أرضها أولياء.
الأولياء المدفونون فى أرض تلك البلدة
فى خارج المدينة قدوة الرجال ونقطة الكمال الشيخ أحمد الفرغل ولقد أظهر من كراماته الكثير ، إنه قطب عظيم ، كما زرت الضرائح التى فى المقبرة التى تجاوز ضريحه ومضيت فى البستان القريب منه ، وهو كثير النخيل ، وكان الجو شديد الحرارة.
أوصاف حكومة بلدة الجزيرة
إنها فى جرجا ولها ثلاثمائة تابع ، تغل مائتى كيس ، ويتحصل من قراها عشرون كيسا وعشرة آلاف أردب من الغلال ، وحسابها فى ديوان جرجا ، وهى قضاء يدر مائة وخمسين أقجه فى كل مدة ثلاثمائة كيس يحصلها وليس لها عسكر من سبع فرق ، ولا يوجد بها أغا للغلال ولا نقيب ولا مفتى إنها قصبة يسكنها الكاشف ، وليس فيها إلا جامع ومقهى ومبرة وسوق ولكن فيها كثير من الضرائح ، وأسماء أصحابها لا ترد على خاطرى ، ولقد قرأت لأرواحهم سورة يس ، ووهبت ثوابها لأرواحهم الطاهرة ، تقبلها الله تعالى ، ثم ركنت إلى الراحة ساعتين وبعد زوال الحر فى وقت الزوال قمنا ومضينا لمدة ثلاث ساعات وبلغنا سوهاج.
أوصاف قصبة سوهاج
إنها فى حكم جرجا ، ويتحصل منها خمسون كيسا وألف أردب من الغلال ، وتضم ثلاثمائة قرية ، وهى تمد جرجا بالغلال وأغا غلالها يقيم فى جرجا ، ولقراها الستين

قاض شرعى ، ويتحصل منها عشرة أكياس فى العام ، ولقربها من جرجا ليس لها عسكر من سبع فرق ولا مفتى ولا نقيب إنها قصبة جميلة قائمة على ربوة رملية بها بيوت ذات أسوار كأنها أسوار القلاع ، وبيوتها ألفان ومائة وستون بيتا من كبير وصغير وهى بيوت متعددة الطوابق وبها ست عشرة محلة ، وستة جوامع ، وخارج هذه البلدة من الناحية القبلية جامع السلطان أكراد وطوله وعرضه خمسون خطوة ، وبه اثنان وثلاثون عمودا وعلى يسرة هذا الجامع على بعد عشرة خطى منارة عالية جميلة ، وللجامع بابان جانبيان وباب للقبلة ، وبالقرب من قصر الكاشف جامع السلطان أيبك التركمانى ، وفيه سبعة أعمدة منقوشة تحمل سقفا منقوشا ومنارة منهدمة ، إنه جامع قديم ، وهى عجيبة الشكل ، ولم نشاهد جوامع أخرى ، وبها خمسون محرابا مع الزوايا وثلاث تكايا بدوية وسبعة علويّة وثمانية برهانية ، وفى سبع زوايا مدارس ، وبها عشرون سبيلا عذبة الماء واثنا عشر مكتبا للصبيان وست وكالات وستة خانات منها خان سليم الكاشف وخان كشك أوغلى ، كما أن فيها حمام ومائة دكان ولا وجود فيها لسوق للحرير ، وبيوتها بهذا القدر وهى قليلة العمران وليس بها قصور عظيمة ، والفقراء فيها كثير ، ومئات النخيل ، والحدائق فيها قليلة وإذا ما اشتدت بها الريح ثار الغبار ، وخبزها جيد كما أن شمامها طيب وبساتينها كثيرة وأرضها خصبة وإن الكيلة تغل خمسين كيلة من الغلال وفولها وفير.
بيان زيارتنا لقطبها العظيم
هو الفاضل العالم أبو القاسم ، وقبره يزوره الناس ليل نهار ، وخرجنا من هذه البلدة وعبرنا النيل ومضينا شرقا وغربا وجنوبا وشمالا ، وذلك لأن تخطى التّرع والخلجان كان مستحيلا ، لذلك اتجهنا فى الطريق يمينا وشمالا ، وتحملنا مشقة شديدة طوال سبع ساعات وبلغنا قصبة المنشية.
أوصاف قصبة المنشية
يحكمها كاشف وبها مائتا قرية ويتحصل منها ستون كيسا وأحد عشر أردبا من الغلال ، ولها من التوابع مائة ، وليس بها عسكر من فرق أربع ولا مفتى ولا نقيب

وأعيان أشراف وأغا الغلال يسكن جرجا ، وهى تضم سبعا وستين قرية ، وعلى بعد خمسمائة خطوة من النيل ألفا بيت وسبعة عشر محرابا وثلاثة خطب إنها قصبة جميلة ، وفى سوقها جامع السلطان محمد أكراد وطوله وعرضه أربعون خطوة ، وفى أركان حرمه الأربعة أعمدة وفى داخل الجامع اثنان وثلاثون عمودا تحمل سقفا مزخرفا وبه ثلاثة محاريب وعلى باب منبره الخشبى كتب تاريخ هو :
(أمر بإنشاء هذا المنبر المبارك محمد بن أبى بكر فى شهر رجب سنة أربع وثلاثين وسبعمائة)
هذا هو محمد أكراد الذى أقام على قبر الإمام الشافعى فى مصر قبّة وهو مدفون إلى جانب الإمام الشافعى ، وليس فى هذه البلدة جامع كبير سوى هذا الجامع علاوة على المساجد المعمورة فيها كما أن فيها حماما وخانين وسبعة أسبلة ، وثلاثة مكاتب للصبيان ومائتى دكان وسبعة مقاه ، وجمال جوها يشبه جو حدائق أرض الروم ، وأهلها يحبون الغرباء ويكرمونهم ، وغادرناها وانطلقنا جنوبا على ضفة النيل واجتزنا مزارع وبساتين الشمام ، وبعيدا عن النيل أرض ذات نخيل ، وقرى وحدائق وساقية ، وعبرنا زوايا بها أشجار وارفة.
أوصاف مدينة عظيمة هى عاصمة الصعيد القديمة وهى مدينة جرجا
اسمها مدينة دهليز حبش وبانيها هو طوطش بن أبى القبابطة بعد الطوفان وهى مدينة عامرة عظيمة ، ثم آل الحكم بعده إلى ابنه جرجيس وقد أنشأ مدينة جرجا وكأن شداد هو بانيها لقد كانت حديقة إرم ، ولذلك وقع الخطأ فى اسم هذه المدينة فقالوا جرجا والصواب أن يقال جرجيس وهى تغل ستة أحمال من المال للسلطان وهى ملحقة بالخدمة السلطانية مع مكة والمدينة وآستانة ، ومنها أمير الحاج ، وله منصب عظيم وكل قرى جرجا عامرة ولكن ألفا وخمسة وسبعين من قراها خاصة بغلال الدولة ، وهذه القرى تغل فى العام ثمانين ألف أردب من الغلال ، ولكن جرجا تدر مائة وستة وثلاثين ألف أردب من الغلال ، ويفيض لوالى مصر مائة وثمانون ألف أردب علاوة على ما يدخل تحت حكم جرجا ، أما من القرى التى فى الإقليم فيحصل منها مائة وأربعون باره

إنها بلدة وفيرة الغلال ، ويحصلها ضابط الحاكم وهى وقف ، ويجرى منها الرواتب على جامع الأزهر وغيره من السلاطين ، وأمير ميران جرجا يضع يده على هذه الأوقاف أما إذا ما ظلم ففى اليوم الثالث يعترض على ظلمه علماء مصر ليمنعوا الظلم ، وليس فى إقليم جرجا تيمارات ولا زعامات ، إنها قرى سلطانية وأوقاف ، ويبقى لحاكم جرجا بعد المصروفات ثلاثمائة كيس ولكن حاكم جرجا المغفور له على بك تحصل لنفسه على مئات الآلاف من القروش لنفسه فرضها على الأهالى ، وهذا صحيح لأننا نظرنا فى دفتر خانه جرجا وفى الإيرادات والمصروفات ، لأن فى إقليم جرجا سبعة وثلاثون كاشفا وفى إقليم جرجا واحد وثلاثون قضاء ، وبها ستة آلاف ومائة وسبعون قرية عامرة ، ولكن حسب حساب قرى الأوقاف ، ويأتى مشايخ العرب إلى ديوان جرجا مرة فى العام ويجددون بيعتهم لحاكم جرجا ، ويلبسون الخلع والثياب الحريرية ، ويحصلون المال السلطانى الخاص بالعسكر ، وينال شيوخ العرب هؤلاء من هذه القرى أحد عشر ألف رأس من الغنم ومائة ألف أردب من الشعير وخمسين ألف أردب من القمح وأربعين ألف أردب من البقلة ، كما يقدمون إلى الحاكم الهدايا.
وقد تجمع للحاكم عشرون ألف أردب من القمح وأربعون ألف أردب من الشعير وزعها على الجند ، أما ما تبقى من هذه الغلال فقد باعها ، وطبق قانون السلف يقدم خمسمائة جواد من إقليمه ، ويرسل كذلك من الهدايا ألف وخمسمائة جواد وسبعمائة أو ثمانمائة قافلة من الجمال ولتحصيل هذه الغلال يأتى فى كل عام خمسة آلاف حمار ، ولجرف الترع والخلجان يأتى ألفا ثور ، ومائتان من الخصيان وألف من المماليك غير السود كما ترد هدايا لا حصر لها ، ورؤساء القبائل وشيوخ العرب وشيوخ البلدان ، وجميع الكاشفين وبقية الأعيان يأخذون هذه الهدايا ، وفى كل عام يأتى مال وفير بلا حساب ، أما المصروفات فهى خارجة عن الحساب ويتسلم باشا مصر كل عام سبعين كيسا وأربعين من الخيل ومن هذه الخيول ما هو محلّى بالذهب وذهبى السلاسل وأربعين مملوكا أسود وعشرة من الأحباش وهؤلاء المماليك جميعا فى ثياب فاخرة ، ويأتى مع هؤلاء الهدايا من ماء الورد والمسك والعنبر والكافور وسن الفيل وجلد التمساح ، وآلة

الحرب ، هذا كله ما يأتى على الترتيب لهؤلاء الغلمان السود ولهم كذلك عشرون جارية من بلاد الفونج إنهم يأتون فقراء خالين الوفاض ولكنهم يثرون بتلك الهدايا ومائة جمل بلدى وألف أردب من القمح ، وألف أردب من عدس وألف أردب من قريك ، وألف أردب من شعير ، ويسلم هذا كله إلى باشا الغلال ، وألف رأس من الغنم ، وألف رأس من الحملان تصل إلى وكيل الخراج ، ولوكيل الباشا فى كل عام عشرون كيسا ، وعشرة خيول ، وعشرة من العرب ، وخمسة من الطواشى ، وخمسة جمال ، وكلها تحمل السكر والعدس والبنّ ، كما تصل هدايا لا حصر لها إلى افندى الديوان ووزير مصر وسبعة عشر قائدا ، والحكام باشى والمشعل باشى ، هؤلاء ينالون هدايا لا تدخل تحت حصر ، وفضلا عن هذه الهدايا يتسلمون العيدية ، كما تصرف رواتب وتعيينات إلى أصحاب المناصب ورجال الديوان والقواد وطوائف الجند المصريين فى جرجا ومن يتبعهم من جند الحراسة والأئمة والخطباء والمشايخ وتصل فى كل عام إليهم أربعة آلاف رأس من الغنم وعشرون ألف أردب من حنطة وأربعون ألف أردب من شعير ، وفى كل يوم لهم عشرون ألف رغيف ، يزن كل رغيف تسعة دراهم ، وألف قنطار من الزيت وسبعون قنطارا من العسل ومائتا حقيبة من البن ومائة سفينة خشبية ، وآلاف من أحمال الجمال وهذه القرى هى التى تقدم هذه التعيينات وينال الجندى ثلاثمائة كيس علوفة ، والجندى ينال مرتبا شهريا قدره مائة قرش وحامل البندقية خمسة قروش مرتبا شهريا ، ورئيس الفرقة يتقاضى ألفى قرش وخمسة جياد فى العام ، وعشرون من رؤساء الفرق ينالون ألف قرش وجوادين ، أما الأوده باشية فيصرف لهم خمسمائة قرش وجواد واحد ، كما يبذل العطاء للخدم وبناء على ذلك فإن نفقات وزير مصر ربما زاد عليها نفقات حاكم من الحكام ، وهذا مقيد فى دهليز جرجا ، وهو ديوان عظيم ، وكل ما فى مصر من أرباب الديوان قدرهم فى ديوان جرجا وفيه أصحاب المناصب ولكن جميع كتاب الديوان من القبط لأن لهم عقل أرسطو ، إنهم يشقون الشعرة دقة منهم ويحسبون أصغر الجزئيات فى الحساب فى قدرة ومهارة ، وخلاصة القول طبق قانون السلطان سليم فلحاكم جرجا هذه الكيفية فى تدبير الأمور ، ويكون الحساب قيراطا قيراطا ولكن هذا

المال الوفير يحصله الجند بالعنف ، لأن الإقليم الكبير قد يكون أهله متمردين ، والأموال التى فى ذمة العرب يحصلها منهم جيوش جرجا ، والجند يطلعون على شأن كل بيت من بيوت القرى ، وهم يحصلون منهم الغلال دون خوف منهم ، ولا خشية ولا اكتراث بهم فبين هؤلاء العرب فتيان شجعان أولو بأس شديد ويسمون هؤلاء العرب الصبيان ، وفى ديارهم مال كثير لأن بلادهم على حدود بلاد الفونج وعلى الجانب الشرقى من هذه البلاد يكون المسير على شاطئ النيل إلى بلاد الحبشة وعلى مسيرة شهرين جنوبا بلاد البربر إن آخر قلعة على حدود مصر على مسيرة ثلاثة أشهر فى الصحراء بلاد الفونج ، وثمة ولاية قرمانقه ومنها وعلى مسيرة شهر بلاد السودان ، وفى الجانب الغربى على مسيرة ثلاثة أشهر بلاد فاس ومرانكوش وهذه البلاد خاضعة لحكم جرجا وأرض ملاصقة لحدود المغرب وطرابلس ، والحاصل أن ولاية جرجا فى الإقليم الأول وله علاقة بالإقليم الثانى ، إنها واسعة متراخية الأرجاء وغلاتها وفيرة وأهلها محبوبون وخيراتها وبركاتها كثيرة ، ونهر النيل فى جرجا يجرى فى ترعها ماؤه عذب فرات ، إنها أرض ملكية ما يسميه الغرب دهليز الحبش ، ومعناه العرش الصغير لبلاد الحبشة ، والعرب يملكون هذه الأرض الصحراوية ، وقد حررنا هذا فى قضاء بنى سيف وسنحرر الباقى عند سياحتنا فى بلاد أخرى ، ولوزير جرجا أغا عالى المنصب ، وهو يأتى لتحصيل الغلال ، ويسكن قصرا شامخا فى جرجا ، وهو يلح فى طلب هذه الغلال ، ثم تخزن هذه الغلال بعد تحصيلها فى مخازن على شاطئ النيل ، ويأتى من مصر أغا المخزن ليحصلها فى ألف سفينة ، وفى مصر العتيقة توضع فى مخزن يسمى مخزن يوسف ، وأكوامها كأنها الجبال وينال منها جميع الجند جرايتهم وطوال ثلاثة أشهر ، ومخزن يوسف هذا سر إلهى وللأغا محصل الغلال حمام وجوادان والأغا ينال على كل أردب بارتين ويأخذ عشرين كيسا فى السنة ويسلم الباقى للباشا وهو خمسة أكياس ويمنح الكتخدا ويأخذ الكتخدا ثلاثمائة قرش ويأخذ الكتخدا من الباشا جوادا على كل ثلاثة جياد وخصيا على كل ثلاثة من الخصيان ، وهذا الأغا يأتى كذلك لاستعجال تحصيل الغلال ، ويأخذ على ذلك كيسا من المال وغلاما أسود ؛ وذلك لتحصيله للغلال ولا يأتى

جنود من استانبول إلى جرجا ولكن يأتى إليها من مصر الجند المعروفون بقبوقولو أى جند الباب وقائد الانكشارية وقائد العزب وجند من الخمس فرق لحراستها وتنظيمها ، ولا وجود فيها لقائد انكشارية استانبول ولا نائبه ، بل يرسلون جنديا غير مرضىّ عنه من استانبول إلى مصر وفيها شيخ الإسلام على المذاهب الأربعة ونقيب الأشراف ، ومحصولها فى العام عشرة أكياس ويتبعها مائة وثمانون قرية وفيها كثير من الأعيان والأشراف والتجار والملاحين والتجاريين.
وثمة مرفق يسمونه مرفق القصير خلف الجبال على أنه ميناء مكة والمدينة فى السفن ولذلك كان معظم أهل جرجا من التجار والفلاحين.
وبما أن جرجا تقع فى وسط الإقليم الثانى فأرضها على عشرين درجة وسبعة وعشرين دقيقة وطول نهارها ثلاث عشرة ساعة وخمس عشرة دقيقة ، وثمة أرض واسعة خالية بين جرجا وبين قلعة طولها ألف خطوة بعيدة عن غرب النيل وفى جوانبها الأربعة عشرون بابا من خشب ولا خندق لها وعلى كل باب حارس ويوصد كل باب ليلا ، وبها قصور مكسوة بالجص وحدائق وساقية وحوض وشاذروان وجدران القصور مزينة وبها عشرة آلاف وثمانية وسبعون بيتا بين كبير وصغير ، وبها تسع محلات وثلاثة وخمسون محرابا وأحد عشر جامعا تؤدى فيه صلاة الجمعة إضافة إلى جوامع السلاطين جامع الميرميران ، وفى السوق جامع طوله وعرضه ستون خطوة وهو يسمى جقور جامع ، وبه ثمانية عشر عمودا فى أطراف حرمه ، عليها سقف منقوش وليس له قبّة وعلى باب منبره وهو من الخشب كتبت الآية الكريمة : (إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ....) [الأحزاب : 56].
وفى السوق جامع السلطان ، وطوله وعرضه ستون خطوة ويصعد إليه بسلم من ثلاث درجات ، وبه خمسون عمودا منقوشا وسقفه منقوش ومزين ومذهب وله ثلاثة محاريب وثلاثة أبواب ويصعد إليه وينزل منه بثلاثة سلالم ، وتحته ستون دكانا ، وفى حرمه دكاكين للحرير والأقمشة وفى هذه المدينة تباع سلع قيّمة ، ومحلات بيع الأقمشة

لها أبواب متينة ، وتوصد فى كل ليلة وعلى يمين هذا الجامع منارة ذات ثلاثة طوابق ولا يستطيع أن يصعد المنارة كل أحد لأنّها منحرفة ولوجود هذا الجامع فى السوق ، والسوق مزدحمة فإذا انهارت ـ لا قدر الله ـ هذه المنارة هلك خلق كثير ، إن الذى بناها ماهر ، وحرم هذا الجامع مرصوف بالرخام وجدار القبلة من الرخام ومكسو بأحجار مختلفة جميلة ، ومنبره من خشب مزخرف.
وفى السوق أيضا جامع الأمير عثمان طوله وعرضه أربعون خطوة وليس له حرم ، وله بابان جانبيان.
وفى غرب قصر البك وفى ميدان واسع جامع الشهيد سعيد محمد بك وهو جامع فوقانى وله ثلاثة أبواب ويصعد إلى كل باب منها بسلم يتألف من عشرين درجة إنه جامع جميل ، إنه يشبه جامع رستم باشا فى استانبول وداخله مكسو بالقيشانى ومنقوش بنقوش مذهبة ، وفى جوانبه الأربعة نوافذ من بللور ، وله ثلاثة محاريب مزينة ومنبره ودكة مؤذنه من الخشب ، وفى داخله أعمدة رقيقة ، وفى الجانب الأيمن منه دهليز يفضى إلى دار ضيافة ، فيها يستريح البعض كما يشتغل البعض بالعبادة وبما أنه جامع علوى فليس له حرم وصحنه مكشوف وفى داخله ثلاثون عمودا منقوشا مصنوعة من شجر الدلب ، فهى ليست حجرية وعلى يمنة المحراب كتب على لوحة من القيشانى :
(إن هذه حجرة الانكشارى محمد أوده باشى والسلطان مراد الرابع وقد صنعه عام ألف وثلاثة وأربعون).
وفى السقف كتب بالخط الجلى آية :
(إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة : 18].
وكتبت أيضا أربعون آية تحيط بأركان الجامع الأربعة وعلى يسرة الجامع منارة جميلة وفى أسفله حوض وبه صنابير مذهبة وفى الجامع ستة مخازن ، يضع فيها التجار سلعهم ودهاليز الجامع الستة تفضى إلى الطريق العام ، وإن اللسان ليقصر عن وصف هذا الجامع ولا وجود فى مصر ولا فى الصعيد لمثله ، وهناك أيضا جامع اليوسفية وجامع

الفقراء وجامع الشيخ عبد السلام وجامع القائم مقام وحمد بك وجامع المقدم عبد الرحمن وهذه الجوامع قليلة الزينة إنها لا تعدو أن تكون على الطرز القديم وهذه الجوامع يؤمها كثير من المصلين وفى وسط المدينة ، جامع على بك الجرجى طوله وعرضه ، خمسة وأربعون خطوة ، وفى داخله ثلاثون عمودا من الرخام على يسرة المحراب المزخرف كتب على لوحة من الورق المقوى تاريخا هو :
(ولأن حاكم جرجا أسد الله أهل الكرم ( ) (1) زلفقار الأمير العالى صاحب الطبل والعلم ، وقال كاتبه أن هذا البناء تم فى عام ألف وستمائة).
ومنبره من خشب مزين ، وعلى الباب الأيمن للجامع كتب تاريخ بالخط الجلى هو سنة إحدى وستين وألف ، وعلى الجامع منارة من ثلاثة طوابق ، وفيه خمس منارات أخرى وإلى جانب الجوامع المذكورة مدارس وثلاثة دور لتحفيظ القرآن وداران للحديث وثمانية عشر مكتبا للصبيان وسبعة أسبلة وتسع تكايا وألف ومائتا ساقية وألفا بئر وحمامان وأحدهما للفلاحين ، وهو وبيل الجو ، وضيق ، وحمام غير ضيق ، وفى السوق حمام على بك الميرميران وهو حمام ينشرح له الصدر لما فيه من مناشف وطاساته المذهبة وكل ما فيه نظيف وأرضه مفروشة بالرخام وفى قبته زجاج وخدامه صباح الوجوه يخفون لخدمة كل أحد فيه ولهم نواظر وكأنها الخناجر ، وفى هذه المدينة عدة خانات وضيفان هذه الخانات من التجار والمسافرين ، وهى خان على بك وخان يازجى وخان موسى چاووش ، وخان ممى كتخدا وخان السكرى ، وفيها أكثر من عشرين ربعا وهذه الربوع مساكن للأسر وفى المدينة ثمانمائة وستون دكانا ولكن ليس فيها من يبيع الأقمشة بالجملة وفيها سلع هندية وعجمية ورومية وكل الدكاكين التى أمام قصر على بك الجرجى مزينة وفى سوق على بك طريق رئيسىّ على جانبيه مائة دكان مبنية بالحجارة ومسقوفة وفيها سراجون (2) ولا وجود لسراجين فى غيرها ، وللسوق بابان من حديد كأنهما بابا قلعة يغلقهما البوابون فى كل ليلة وليس فيها سوق للبز ولأن هذه السوق
__________________
(1) بياض بالأصل.
(2) صانعو السروج. واحده سرج ، وهو رحل الدابة. انظر : المعجم الوجيز ، ص 308.

واسعة ففى سقفها منافذ للهواء ، ويرش فيها الماء فى شدة القيظ وفيها استراحات ويستريح فيها الأعيان وهم يزجون الفراغ بلعب النرد والشطرنج ، وعلى بك وهو فاعل خير يسقى دواب الرائحين والغادين من التجار والزوار ولذلك أنشأ أربعين ساقية ، وهى تدور كما يدور الفلك. كما تروى هذه السواقى الرياض والبساتين ، وهذه السواقى تأتى بالماء من الآبار وإلى جانب هذه الآبار فى جوانب المدينة الأربعة ثلاثة آلاف بئر ، وفى جوانب المدينة الأربع حدائق وبساتين ، كأنها إرم ذات العماد.
وفى أرض جرجا كنوز ودفائن وخبايا كثيرة ، وفيها الخبز الأسمر الأقّة منه بباره واحدة ، والأردب من القمح بقرش واحد ، وأردب الشعير بعشر بارات وثمن الخروف بخمس بارات وفى رمضان بعشرين باره ، وغنم جرجا مشهورة وكل خروف يزن من أربعين إلى خمسين أقّة ، وثمن العجل مائة بارة ، وثمن الحصان مائتا باره وثمن الجمل ثلاثمائة بارة ، أما المماليك البيض والأوانى النحاسية فغالية الثمن ، أما فى تركيا فثمن العبد الحبشى بخمسة عشر قرشا أو خمسة وعشرون قرشا ، وكبار أعيان هذه المدينة وأرباب الديوان يلبسون فيها السمور والأقمشة الفاخرة والجوخ ، أما متوسطى الحال فيلبسون ثيابا قصارا مبطنة ، والفقراء يلبسون بز أسيوط ، وأهل هذه المدينة مسنون معمرون ، ومنهم من تجاوز مائة وسبعين عاما وهم فصحاء بلغاء ، كما أن شبابها يتميزون برجاحة العقل وفتيانها وفتياتها يتميزون بالجمال لاعتدال جوها ولهم لهجة خاصة بهم ، أما النساء يتميزن بصحة العقل ولهن أسنان كأنها الدر وغدائرهن منتشرات وكأن وجوههن بدر التمام ، وكل من شاهدهن تعلق قلبه بهن ، كما أنّهن رشيقات القوام وإن وجد كذلك عجائز دميمات وساحرات خبيثات يستوجبن القتل وهن يسحرن الغرباء ويؤذينهن بسحرهن ، وذلك أن السحر كان شائعا فى هذه الديار منذ عهد الفراعين.
منتجات ومصنوعات هذا الإقليم
يوجد بها الخبز الأبيض كالورد الأبيض وفطائر والكعك واللبن والقشدة ، وفريك القمح والسمن والعسل والتمر والليمون والسفرجل والعنب والرّمان والخوخ ، والتين

الأبيض فيها ليس له مثيل فى بلد آخر ولكن إذا ما حملوا التين الطازج فى سلة إلى خارج المدينة فقد لذة طعمه ، وهو سريع الهضم وهو مقو ، وتنتج ثلاث مرات فى العام ، وفيها الغنم والحملان كما أن دجاجها سمين كما تشتهر بخيولها وجمالها وسمكها ، ومن مصنوعاتها الوسائد المصنوعة من الجلد كما يصنع فيها الأبنوس وسن الفيل والشطرنج ووبر الجمال وصوف الغنم وسجاجيد الصلاة والسفن ، وفى جوانبها الأربعة مصاطب السوق تستحق المشاهدة وأمام قصر البك يحتشد جمع غفير من الرعاع والعرب وفى الديوان عديد من القاعات والحجرات وفى حديقة الديوان حوض ونافورات وسبل ، كما أن ثمة طيور تصدح بأنغام عذاب.
بيان من دفن فى تراب هذه البلدة من الأولياء
أولا بالقرب من جامع على بك وفى نهاية دهليز بابه الأيمن قبر صغير للشيخ المكى وهو من أهل الطريقة البكرية ، وحينما كان يحفر أساس هذا الجامع عثر على حجر مربع كتب عليه بالخط الكوفى :
(هذا قبر الشيخ محمد المكى سنة 1041 ، إن هذا العبد العاصى غادر تراب المذلة هذا وانتقل إلى أرض أخرى إنه مقامنا هو بيت الله ونحن نسكن بيت الله إلى أن تفنى هذه الدنيا).
وقد ظهر قبر هذا القطب أثناء بناء جامع على بك فنقل جثمانه من موضعه ودفن إلى جانب أساس الجامع ومنذ وفاته إلى بناء هذا الجامع ثمانمائة وتسعون عاما وما زال جثمانه غضّا وقد شهد على ذلك ألف وستون من الناس والكلّ يعرف كرامات هذا الولى ويقرأ عنها فى الكتب وهؤلاء المشاهدون كانوا يلتمسون منه البركات ، كما دفن هناك الشيخ المجذوب دهيش بن محمد ، وخارج البلدة الشيخ عثمان الصنافيرى وبالقرب منه ابن تميم الدارى ، والشيخ عبيد وقطب العالم الروحانى وحكمت المعدن الربانى الشيخ عبد السلام المقرى ، والعالم النصيح ذو اللسان الفصيح الشيخ صبيح ، والشيخ عباس ، والشيخ بياض ، وكذلك الشيخ عمر الحلوانى ، وفى جامع الفقراء الشيخ

منصور العالم ، وبجواره الشيخ حسن السعدى ومحمد أغا وفى الزاوية مقام الأربعين والشيخ عبد السلام وبجواره الشيخ عمر الحورانى وبجواره زاوية مقام الأربعين رحمة الله عليهم أجمعين.
ولله أحمد أنى قرأت الفاتحة لهم جميعا وطلبت البركة من أرواحهم الشريفة وقد قضيت عشرة أيام هناك فى بهجة وسرور وقد حملت فرمان إبراهيم باشا إلى حاكم جرجا وفيه ذكر لغرق سفينة الغلال وحملته إلى الديوان وبناء على شهادة الأهالى أخبرتهم بأن سفينة الغلال غرقت وأثناء أخذنا من ربان السفينة خمسمائة قرش ، وقدمنا للباشا خمسة أكياس ونلنا من حاكم جرجا أوزبك بك كيسا وقماشا من المخمل وجوادا وهجينين ، وفرو سمور كما نال كل خادم منا مائتى قرش ومعنا عشرين من حملة البنادق فودعنا أعيان البلاد جميعا وأرسلنا إلى الباشا جوادا وعشرة قروش.
بيان القرى والقصبات من جرجا إلى إسنا وأسوان والشلالات
وقد لقينا مشقة شديدة من شدة القيظ فى رحلتنا من جرجا إلى إسنا وأسوان والشلالات وأبريم وصاى وبربرستان وفونجستان ، وقد مررنا فى طريقنا على منازل وقرى وقصبات أولا فى شهر صفر من عام ألف واثنين وثمانين فى اليوم الأول من شهر صفر وفى معيتنا فرسان وعبيد اشتريناهم ومضينا لطياتنا وركبنا سفينة فى النيل ودخلنا ولاية شرقستان وفيها يسمون جرجا غربستان ، وإقليم شرقستان فى حكم أبى يحيى ، وله عشرة آلاف فارس يحملون الحراب وبلغنا مدينة :
أبو خالد
ونزلنا فيها ضيوفا ليلة ، وهى بلدة صغيرة بها مائة بيت ، ومضينا فيها إلى شيخها أبى يحيى وشرفنا بصحبته ، وهو من أبناء الشيخ خالد ، وإذا لم تضع امرأة حملها وغطت رأسها بسراويل الشيخ وضعت ، ويقول بعضهم إن هذه السراويل المذكورة ليس للشيخ إنها خاصة بخالد بن الوليد ، وقد آلت إلى الشيخ بالوراثة ـ والعهدة على الراوى ـ لأن هذه السراويل وما لها من خاصية معروفة مجربة أحضرت هذه السراويل من التكية فوجدتها سراويل حمراء ملفوفة ، ويقال لقوم الشيخ يحيى بنى خالد إنهم قوم فى نعمة

ورغد كما أنهم مطيعون منقادون ، وخيولهم عجيبة ، وفى الجهة الشمالية من إقليمهم مساحة واسعة من الأرض ، وفى الجهة القبلية السويس ، وعلى شاطئ بحرها قلعة ميناء القصير وفى الجنوب مدينة مشا والشمال قضاء أخميم ، وهى حدود صغيرة إلا أن قراها عامرة كثيرة المحاصيل فيقع هذا الإقليم بين بحر القلزم والنيل وهو إقليم واسع ومن الصباح اتجهنا إلى الشيخ يحيى بكيس كان قد أرسل معنا أمانة من أغا غلال جرجا إلى الشيخ يحيى ، ومضينا مسيرة خمس ساعات على شاطئ النيل فبلغنا :
بلدة حمادى
وهى على ضفة النيل وتحوى مائتى بيت وجامعا ، ويسكنها أولاد الشيخ حمادى وهو من ذوى قربا الشيخ يحيى ، وهم يسكنون هنالك كذلك وفيها ألف فارس وأبو يحيى من الهوارة واجتزناها وبلغنا :
بلدة مزادى
وبها ستون بيتا وليس بها جامع ومضينا على ضفة النيل سبع ساعات وبلغنا قصبة بلابش.
أوصاف قصبة بلابش
إنها فى حكم جرجا وكاشفية قوص ويتبعها مائة وسبعون قرية تدر أربعين كيسا من المال وألف أردب من الغلال ، وكلها عسكر وهى قضاء فوه ، ويأتيها مرة فى الأسبوع نائب يحكمها ، وبها جامع ودار ضيافة وستون بيتا ولا آثار لعمران سوى ذلك وهى كثيرة المحاصيل ، وهم يزرعون نباتا يشبه شجرة ذات سوق ويعلو حتى يبلغ قامة الإنسان وله نور أصفر مثل النرجس ، وله رائحة طيبة ، ويجمع فى الربيع ويصدر إلى فرنسا ليصنع منه الصبغة ، ويشترى التجار القنطار منه بمبلغ ستين قرشا ، ثم يكتمل نوره ويمتلئ بالبذور وتجمع هذه البذور ويباع الأردب من هذه البذور بثلاث قروش ويستخرجون منها فى مصر وغير مصر الزيت ، وزيت السمسم زيت لذيذ المذاق وله رائحة طيبة مثل الكافور والمسك والعنبر وإذا وضع فى القناديل انبثقت منه شعلة مضيئة.

وتجاوزنا هذه القرية ، وفى الجنوب على ضفة النيل رأينا جبلا على ساحله قرى عامرة وفى هذه القرى رأينا نوعا من الدوم ، وفى الطريق إلى الشمال رأينا بلدة تسمى بلد الدوم ، وفيها أخشاب ترتفع فى السماء معوجة وغير معوجة لكنها أشجار دوم ، ولكن هذا النوع من الدوم كل عذق منه يزن قنطارا أو قنطارين ، وكل دومة فيها تزن أربعين أو خمسين درهما ، وهو دوم أحمر اللون وحجمها فى حجم القبضة وهم يستأصلون من الدوم شوكها ويضعونها فى حق فيه الفلفل الهندى والتبغ فيصبح هذا الدوم لذيذ المذاق والفلاحون غالبا ما يأكلونه.
أوصاف قصبة فوه العليا
هى قصبة معمورة بعيدة عن النيل فيها ثلاثمائة بيت وهى تحت حكم جرجا ، وهى مع توابع قوص ، وبها مائتان من الجند المعروفين ، ب (سكسان) ويتبعها تسعون قرية تدر أربعين كيسا ويتحصل منها على ثمانمائة أردب من الغلال ، وليس فيها جند من الفرق الأربعة ولا قائد وبها دار ضيافة عظيمة ، وبها جامعان كبيران وسبع زوايا ومقهيان ، وليس فيها حمام ولا خان ولا سبيل ولا سوق ، ولكن فيها مكتبين للصبيان ، والكاشفون يقيمون بها فى خيام وحتى الخيام التى يقيم فيها الكاشفون تقام فى الرمال ، وفيها أعمدة قديمة منقوشة ، وعلى حد قول المقريزى كانت هذه آثار قصور يسكنها الفراعين فى الزمان الخالى ، أما فى يومنا الحاضر فليست سوى صحراء لا أثر فيها للعمران ولا وجود لروضة ولا بستان ، وكثير من أهلها مفاليس ، ووجوههم شاحبة أميل إلى الصفرة ، وجوها ثقيل وفيها ضريح الشيخ إبراهيم نورى ، وله قبر صغير إلى جانب جامع كبير ، وله مناقب مذكورة فى كتاب الطبقات للشعراوى وتجولنا بعد ذلك بين قرى وفيرة المحاصيل بالقرب من النيل حتى اقتربنا من السويس وبينهما مسيرة ثمان ساعات ونصف ، وكما عبرنا أكواخا من القصب يسكنها العرب وبعد سبع ساعات بلغنا قنا.
أوصاف مدينة قنا
مدينة قنا فتحها عمرو بن العاص وبعد عمرو وفى خلافة عثمان وحين كان محمد ابن أبى بكر واليا على مصر قدم قنا ، وجعلها عاصمة ثلاثة أعوام ، وقد أصبحت هذه المدينة بعمائرها مصر الثانية ، وأقيمت بها قلعة بالقرب من ميناء القصير فى تلك الفترة

ومنها كانت ترسل الغلال إلى جدة ، وهى ميناء مكة ، وينبع وهى ميناء المدينة المنورة ، ومنذ هذا العصر وأهل قنا يشتغلون بالتجارة ، وفيها تجار عظام وأكثرهم من أشراف مكة والمدينة ، ولأن قنا ميناء صغير فهى كاشفية تتبع قوص وهى التزام يدر مائة كيس ، ليس فيها جنود من الفرق الأربع ولكن فيها انكشارية وعزب من مصر.
ولهذه المدينة مفتى على المذاهب الأربعة ونقيب للأشراف لأنها مليئة بأشراف مكة وهى قضاء يدر مائة وخمسين أقجه ليس إلا ولتجارها مخازن على شاطئ النيل وتتكدس فى هذه المخازن شتى أنواع السلع لأنها ميناء مكة والمدينة والحبشة واليمن وعدن ، ويأتى الأشراف من الحجاج ويقضون فيها أربعة أو خمسة أيام ، وهم فيها يسيرون على الأقدام أو يركبون الحمر أو الجمال ، ومنها يصلون إلى ميناء القصير ، وكراء (1) الحمار خمسة قروش ، ويركبون منها السفن ليصلوا فى ليلة أو ليلتين إلى ميناء ينبع ، وبعد ذلك يبلغون مكة فى خمسة أو عشرة أيام بإذن الله ، ويكلفهم الحج دينارا واحدا وهناك يلتقى جموع غفيرة من الناس ، ولكن الطريق وعر عسر.
وفى جنوب قنا على ساحل النيل على مسيرة خمسمائة خطوة أرض رملية بها قصور شامخة ومسافة تبعد جنوبا عن النيل قدرها ثلاثة آلاف وستمائة خطوة وهى مدينة جميلة وجوانبها الأربعة لها أبواب ، وعليها حراس ، ويغلقونها ليل نهار وفيها عشرون جامعا ، وسبع منها خطبة علاوة على كثير من الزوايا وفيها الجامع الكبير يؤمّه كثير من المصلين ويسمونه كذلك جامع أمير المؤمنين لأن عمرو بن العاص حينما فتح هذه المدينة أقام هذا الجامع للخليفة عمر بن الخطاب ، وطوله وعرضه ستون خطوة ، وفى داخل الجامع خمسون عمودا من الرخام يحمل سقفا وفى وسط حرمه خمس نخلات نبتت من جذر واحد ، لقد زرع عمرو هذه النخلات بيده ومحرابه ليس خاليا من النقوش ومنبره من خشب وعلى منبره تاريخ هو :
(بسم الله الرحمن الرحيم ، أنشأ هذا المعمارات المباركة والجامع الأمير حسن أغا فى تاريخ السابع عشر محرم سنة 1079).
__________________
(1) كراء : أجرة.

وقد تخرب هذا الجامع على مر الأيام وقد أنفق حسن أغا وهو ملتزم مدينة قنا من صلب ماله عشرة آلاف قرش لتعميره وترميمه ولا وجود لجامع كبير فى تلك المدينة سوى هذا الجامع ، وبالمدينة سبع تكايا ومدرستان وعشرة مكاتب للصبيان وعديد من الوكالات وسبع مقاه ومائة وخمسون دكانا وحمام وسوق للغلال وميدان ، ويقام فى كل أسبوع فى هذه المدينة سوق يأتى إليها جمع غفير من الناس من سبعين قرية بجوارها فيبيعون ويشترون.
ولاعتدال جوها نساؤها سمراوات جميلات ولقربها من الحبشة فإنهن من نسل الجوارى الحبشيات ، وإنهن يتحلين بالأساور والخلاخيل كما يلبسن القمصان الحريرية ، ولهن عيون كعيون الظباء ، وهن يلففن قوامهن بالحرير الأسود ، وبعضهن خليعات يرقصن فى المقاهى وليس هذا عيبا عندهن ، أما السيدات العفيفات منهن فيختلفن عنهن وهن لا يغادرن من منازلهن إلا إلى المقابر فى يوم الجمعة ، والرجال يلبسون العباءة وتشتهر المدينة بكرومها وعنبها المسكى وعناقيده تتدلى من السقوف وعنب قنا ينضج قبل عنب مصر والفيوم بخمسين يوما ، وذلك أنه فى أرض رملية وجوها شديد الحرارة ، أما الخوخ فتزن الواحدة منه مائة درهم ، وفيها المشمش طيب وحمامها مشهور ويأتى التجار من مكة ويأخذون الحمام من التجار ويضعونه فى أقفاص ليأخذوه ، ويطيرونه وهو مقيد الجناحين فيطير ويبلغ فى مدة تتراوح بين ساعة إلى خمس ساعات ثم يعود مرة ثانية إلى قنا ويضرب به التجار للناس المثل فى من يمضى إلى حيث يريد فى طرفة عين ، ويقولون أأنت حمام قنا ، وفى قنا يطيب عبد اللاوى ، وهو نوع من الشمام وأكل لبه وبذره مدر للبول كما يطيب البطيخ والشمام والخيار والعجور فى هذا البلد.

بيان ما فى هذه المدينة من قبور الأولياء
فى الجهة القبلية من المدينة وفى الحدائق قبر الشيخ عبد الرحيم القناوى وهو الملقب بين الأولياء والصلحاء بشفيع الملّة وقد ذكرت مناقبه على التفصيل فى كتب تراجم الأولياء وطبقات الشعراوى وله باب يفضى إلى الجهة الغربية وعلى صندوقه الشريف زجاج رقيق وعليه سقف منقوش كما أن صندوقه مستور بستر أحمر وعلى عمود رخامى أمامه تاريخ مكتوب هو : بسم الله الرّحمن الرّحيم يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ...) إلى آخر هذه الآية الكريمة رقم 21 من سورة التوبة ، وبعدها (انتقل العبد الفقير إلى عفو ربه القدير الشيخ الإمام الحسينى ، النسيب علم الأعلام ، وبركة الإسلام وغياث الأنام ، قطب الدين عبد الرحيم الحسينى ، وتوفى يوم الجمعة بعد صلاة الصبح فى يوم ( ) (1) من شهر صفر سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة هجرية قدسنا الله بسره العزيز.
وعند قدمه المباركة الشيخ أبو الحسن وبجانبه الشيخ سيد محمد اسكندرانى وبجواره الشيخ عبد الله القريشى وفى ركنى الشيخ عبد الرحيم من خلفاء الغار الشيخ إبراهيم أبو الدنيا أما سبب تسميته بأبى الدنيا أن ابنا له عندما انتقل إلى رحمة الله ، ولم يكن معهم درهم واحد لتجهيزه وتكفينه فانشقت الأرض عن كنز عظيم ، وحمل الأهالى ما فى الكنز من مال طوال ثلاثة أيام ، فاستغنوا بهذا المال ولذلك لقبوه بأبى الدنيا وقد عمرت قنا بهذا المال المستخرج من ذلك الكنز وبجانب هذا الشيخ العظيم ابنه الشيخ على الصابرى ابن الشيخ إبراهيم أبو الدنيا ، وأبوه كذلك قطب عظيم ، ولم يضع يده على هذا المال ، إنه كان رجلا نزيها ، إنه من ذوى قرابة الشيخ الزبيرى وقد توفى أيام الفتح زمن الصحابة الكرام ، والشيخ عبد النبى والشيخ سيد محمد والشيخ محمد الحسينى والشيخ سيد يونس ، وفى المدينة الشيخ عمر النسيم إنه قطب عارف بالله وله مناقب لا تدخل تحت حصر وخلف جامع عمر فى الركن الأيسر يرقد فى قبر متصل بجوار الجامع الشيخ محمد الأساسى وقد اعتزل أربعين عاما فى ركن وكان يغادر هذا
__________________
(1) بياض فى الأصل.

الركن للتبول والتغوط ليس إلا ، وكان ينام ساعة واحدة ، ولم يشاهد ماشيا ، وقضى عمره أصم أبكم ، وقد شغلته الطاعة والعبادة عن كل شىء فى الدنيا وقد حكى البكوات الذين اختلطت بهم قالوا ، إنهم كانوا يزورونه كسيفى البال ولكن المسرّة كانت تدخل قلوبهم بزيارته وقد دفن فى هذه المدينة آلاف من الصحابة رحمة الله عليهم أجمعين ، وفى هذه المدينة يسمون العرب العبابدة ، وهم يشكلون قبيلة تسكن تلك المدينة ، إنهم قوم يعيشون فى نعيم وهم شجعان وعددهم ستة آلاف ، وهم على الدوام يحملون الغلال إلى ميناء القصير وهم يمضون فى أرض رملية حيث يقطعون مسافة فى الصحراء والجبال وتحت حرارة الشمس وفى القرى يتناولون الإفطار ، وتجاوزناها بعشر ساعات فبلغنا القصير.
أوصاف قلعة ميناء القصير
إنها على البحر الأحمر وهى بناء صغير وحصين ، ومحيطها خمسمائة خطوة ، وأول من بناها محمد بن أبى بكر ، وبعده الظاهر بيبرس والسلطان قايتباى وقد عمرها ، وهى قائمة على صخرة وليس لها خندق وبابها يتجه نحو الغرب ولها رئيس ومائتان من الجند وعتاد سبعة عشر مدفعا صغيرا وجامع وعشرون غرفة ومخزن للقمح وغرف للضيافة ، ولا وجود فيها لحمّام وليس فيها خان ولا سوق ، ولا أثر فيها لحديقة ، إنها أرض جزيرة ولها مرفأ عظيم ومرفأها يأمن الرياح جميعا ، وفى الجهة المقابلة ميناء ينبع ، والوصول منها إلى المدينة فى يومين وميناء مكة توجد على مسيرة ثلاثمائة وستين ميل ومن جدة إلى مكة ثمانية أو تسع ساعات ، وتأتى السفن من الحجار على الدوام إلى القصير ، وهذه السفن تبحث عن الغلال والعبابدة يبيعون الماء بالقطرة الواحدة وعندما قدمت هذه القلعة شكى لى أهلها من شدة الظمأ ، وبالقرب من القلعة دليل على وجود الماء ، ثم ركبنا جيادنا وقد بلغنا مكانا يسمى جيرك وحقيقة الأمر أنه مكان فيه ماء وعرضت شكوتهم على إبراهيم باشا وزير مصر وأوصلت أعيان القلعة إلى إبراهيم باشا فرصد عشرة أكياس ، ومع أغا موثوق به فأمر هذا الأغا المعتمد عليه بحفر بئر ، وأقام عنده مصطبة وقصرا فنبع منها ماء عذب ، ولله الحمد أن هذا تم بمسعى من هذا الرجل ،

وبذلك تخلص من الظمأ الغادون والرائحون والحجاج والمقيمون فى تلك القلعة والدال على الخير كفاعله ، وقد جاء فى أحد التواريخ ذكر قلعة القصير والبئر والقصر الذى فى جانبها وتاريخ بناء هذا القصر هو عام 1083.
ومضينا تسع ساعات فى طريق دلنا عليه العبابدة وصلينا الصبح على شاطئ النيل وتناولنا طعام الإفطار فى بلدة تسمى :
انبوطه
واسترحنا ثلاث ساعات ، وهى بلدة على بعد ثمانى ساعات من قنا بها خمسون بيتا ، واجتزنا على شاطئ النيل قرى بيوتها مبنية بالقصب وفى خيام العبابدة شربنا لبن النوق ، وبعد ثلاث ساعات بلغنا مدينة قوص.
أوصاف مدينة قوص القديمة
أقامها شداد بن عديم بن يود فى عهد شيرين قفطريم ، ومن أبناء قفط من يسمى قوص وهو الذى بنى المدينة لما آل إليه الملك ، وفى عام 1414 استبحر العمران فى مدينة قوص ، ففى هذا الزمان كان بالقرب من قوص مدينة خربة ومنها فر أهلها من خشية مرض الطاعون إلا أنهم لم ينجو من الطاعون وهلكوا مع أهل قوص ، ومنذ هذا العصر لم تعمر قوص ، ويقول بعض المؤرخين إن شداد بناها وكانت حديقة إرم ، وقد اختلف العلماء داخل مصر وخارجها فى بناء هذه المدينة. وعلى حد قول كعب الأحبار لم يجتمع العلماء على رأى فى من هو بانى قوص إنها مدينة طيبة الهواء يعجز الوصف من عظمتها إن جوها هو جوّ حلب أو جو معرّة النعمان ، وقبل فتح مصر استولى عليها الأسود بن مقداد من القبط ، وبعد الفتح بحثوا فى أرضها عن كنوز ووجدوا عمودا منهدما ، ولوجود العقارب بها فرّ العسكر وظلت المدينة خربة إلى أيام عبد الملك بن مروان من خلفاء بنى أمية ، وسبب خراب هذه المدينة طوال تلك الفترة هو كثرة العقارب ولكن العقارب لا تصيب أهل هذه المدينة بضرر ولقد شاهدت أنا هذا العمود المنهدم ، وقد رسم عليه صورة عقرب وقد كتب أسفل العمود سطور ، ويراه كل من يمضون فى

الطريق لأنه على الطريق العام ، وهذه المدينة فى حكم جرجا ولها كاشف له مائتا جندى ، كما تحوى ستين قرية ويتحصل منها أربعون كيسا وألف أردب من الغلال ولكن ليس بها مستحفظون ومفتى ولا نقيب أشراف وإنها قضاء به ستون قرية ويتحصل منها فى كل عام ثلاثة أكياس وهى مدينة تبعد عن النيل بمسافة بعيدة وبها ثمانمائة بيت واسع ولكن ليس فيها كثير من القصور ولا البيوت الجميلة ، وبها ستة محاريب وأربع خطب وبالقرب من السوق جامع بناه المستكفى بالله حين نفى فى هذه المدينة إنه جامع بالغ الغاية فى الكبر وطوله وعرضه مائة خطوة ، وبه سقف قديم يقوم على مائتى عمود ، كما أن بها جامعين آخرين لا علم لى بهما إضافة إلى الزوايا ، وبها وكالتان وخمس مقاه وستة مكاتب للصبيان وثلاثون سوقا صغيرة وعشرون سبيلا ولكن ليس فيها حمام ولا مدرسة وأغلب ما فى حدائقها نخيل الدوم ، ونتيجة لذلك فإنها ليست مدينة عامرة كما أن جوها ليس مقبولا ولذلك فأهلها صفر الوجوه.
بيان ضرائح هذه المدينة
لما آلت الخلافة فى مصر للمستكفى بالله سليمان بن الحاكم بأمر الله العباسى بنى بها جامعا كبيرا كما أن أتباعه من العباسيين سكنوا قلعة الكبش ، وكان الحل والعقد فى يد الظاهر بيبرس ، ولكن اسم المستكفى كان يضرب على العملة ويذكر اسمه فى الخطبة وقد وقع الصراع والنزاع بين ذوى قرباه كما وقع النفاق بينه وبين الظاهر بيبرس ، فنفى الظاهر بيبرس أهل المستكفى وأقاربه إلى تلك القلعة ، وأمر المستكفى جميع المغاربة والهنود الخبراء بالكشف عن كنوز ، فاستخرجوا مطلسمات مختلفة من عهد شداد بن عاد ولكن المستكفى توفى فى عام 703 ، فدفن فى قبر صغير ، ودامت خلافته تسعا وثلاثين سنة ، وعمره خمسون سنة وهذا مسطور على قبره ، وأخو الحاكم بأمر الله هو إبراهيم الواثق بالله وبجانبه محمد عطاء الله بن إبراهيم الواثق بالله ، قد نفاهما الملك الصالح إلى قوص وهما مدفونان بجانب قبر المستكفى بالله ، ولحكمة الله أنهما نفيا إلى قوص معا ، فقد نفاهما الملك الصالح بن الملك الناصر إلى قوص وهؤلاء هم آل عباس

المدفونون فى هذه المدينة ، وهذا ما قيل فى شأنهم وفى المقبرة التى بجانب ضرائحهم الشيخ ظاهر والشيخ كاظمى والشيخ نور الدين الشيرازى والشيخ علام الدين البصراوى وهؤلاء الأعيان كانوا من حاشية المستكفى الذين هاجروا معه من بغداد إلى مصر وبلغ مدينة قوص ، رحمة الله عليه ، وقد عبرنا على شاطئ النيل أراضى رملية وأراضى صخرية وأراضى خربة لمسيرة ست ساعات ، وبلغنا ولاية أشمون.
أوصاف ولاية أشمون (الأقصر)
إن بيطر بن حام بنى مدينة قديمة تسمى أقصرين بعد الطوفان وهو الأخ الأكبر لسام ويقال إن بيطر هذا أبو القبط ، ومن نسله ولد توأمان أحدهما أشمون ريف ، وآخر أشمون جاو وقد ولدا فى مكان واحد وأرسلهما بيطر أبوهما إلى إقليم مصر ، ولذلك سمى الإقليم أشمون وقد عمرت هذه المدينة ، وقد بنى الأخوان قصرين على شاطئ النيل ، وبعد بناء هذين القصرين سميت المدينة القصرين ، أى المدينة التى تحوى قصرين والكلام على هذه المدينة أولى به أن يكون وجيزا ، وهى تتبع كاشفية جرجا ، وبها مائتا جندى ويتحصل منها أربعون كيسا ، ولا يوجد بها مستحفظان ولا شورباجى ولا مفتى ولا نقيب أشراف ولا أعيان وقد كانت مدينة عظيمة على شاطئ النيل تحوى ألف ومائتى بيت ، وبها كثير من الأبنية العالية وكثير من القبور ، ولذلك تبقى منها أعمدة مطمورة فى الرمال ، وهذه الأعمدة بقايا لعمائر أقامها سلاطين مصر القدامى ، وفى جامع السليمانية أعمدة من هذه المدينة نقلها ربان الإسكندرية إلى جامع السليمانية فى استانبول وقد أنعم عليه بخلعة وألف دينار ، وقد نقلت هذه الأعمدة فى سفن فى البحر إلى استانبول ، وقد علمت أن أعمدة جىء بها إلى ميدان الوفاء وهذا ما سمعناه من والدنا رحمة الله عليه ، ولكن هذه المدينة ليست معمورة وبها عشرون محرابا وثلاث خطب ، وبها أسواق صغيرة وجامع فى وسط السوق فيه جمع غفير من الناس كما أن بها خانا وحماما والعديد من الزوايا المعمورة ومكتبا للصبيان وسبيلا ومقاهى ، وجوّها غاية فى اللطف وأما أهلها ففى غاية الفقر.

زيارة ضريح الشيخ أبى الحجاج
إنه مدفون فى مغارة بالقرب من جامعه ، وله كرامات كثيرة ، وإنه قطب عظيم وليست لمناقبه نهاية ، وهو الأخ الأصغر للشيخ عبد الرحيم القناوى الذى دفن فى مدينة قنا وله ملك خير الدنيا والآخرة ، وقد قرأت الفاتحة فى الضريح وقد وهبت ثوابها إلى روح الشيخ أبى الحجاج ، إنه قطب ذو مكانة وشهرة واسعة فى تلك المدينة ، وهو قريب الشيخ رمضان الفرغلى ، وهو كذلك قطب عظيم واسع الشهرة ، وغادرت هذه المدينة ، ومضيت جنوبا على شاطئ النيل فى أرض خالية وعلى مسيرة سبع ساعات شاهدت على ضفة النيل تماسيح وبلغت :
بلدة طوت
وهى بلدة معمورة تقع على أكمة فى ناحية من الأقصر وتضم مائة بيت ، تجاوزناها ومضينا وعلى يسرتنا النيل وقطعنا طريقا مدة ست ساعات وهو طريق فى وسط الصخور فبلغنا بلدة :
شحات
تتبع إقليم أقصرين وهى على شاطئ النيل ، وبها مائة بيت وجامع ، وهى بلدة عامرة ، ومضينا على شاطئ النيل مدة ست ساعات ، وبلغنا بلدة :
دير أم على
وبها كنيسة عظيمة ولذلك يسمونها الدير ، ورهبان هذه الكنيسة جميعا من القبط ويقولون إن هذا الدير بنى قبل ثلاثة آلاف سنة.
واتجهنا هذه المرة إلى الجانب الشرقى من النيل ، فبلغنا مرجا مخضوضرا وفيه قبر صغير للشيخ عبد الدايم وهو من أبناء الصحابة الكرام ـ رضوان الله عليهم ـ وقرأت الفاتحة لروحه ومضينا ست ساعات على شاطئ النيل ، ونزلنا ضيوفا على خيمة شيخ العرب لقبائل الحجيزة ، واسمه الشيخ ناصر الدولة وفى هذه الليلة تناولنا لحم الجمل وشربنا لبن الناقة وأكلنا حلوى التمر كما أعلفت خيولنا ورجال هذه القبيلة من الفرسان

البواسل ، وقمنا فى الفجر وعبرنا أراضى حجرية وبعد ست ساعات كان الوقت الغروب فبلغنا :
ديار عشاير رده
وهم كذلك شجعان وهم عيّارون وشجعان يمضون إلى بلاد الحبشة ومكثنا فى خيمة شيخهم أبو عصيب ، وتناولنا لحم الجمل وشربنا لبن الناقة ، وحمدنا الله ، وأعلفت خيولنا الذرة ، وقوم رده هؤلاء لا يدينون بالطاعة إلى والى الحبشة ولا كاشف إبريم فهم جبابرة فى الأرض ، ومضينا على شاطئ النيل واجتزنا مدنا خربة وقطعنا المروج فى ثمانى ساعات فبلغنا قوم :
عربان الشبيكة
وهم ستة آلاف مقاتل من العرب وهم شجعان ، وشيخهم يسمى شجاع الدين ، وعندهم كثير من الذرة ولحم الغنم وخبز الذرة ولا وجود للقمح عندهم ، ولأنهم قوم عصاة متمردون لا يدفعون مال الغلال الذى على ما يزرعون ، فقمنا من عندهم ومضينا عنهم وولينا وجهنا قبل الجنوب ومضينا على شاطئ النيل ، وهو يأتى فى هذه الجهة من بلاد الحبشة ، وفى هذه البقاع عرب عصاة وفقراء ليس لهم إيمان كأنهم الحيوان ، وليسوا يتبعون ملك الحبشة ولا إبريم ولا بلاد الفونج إنهم رعاع عراة وقدمنا إليهم بعض الهدايا فغادرناهم سالمين ، وبعد أربع ساعات وصلنا إلى جبل السلسلة.
أوصاف قلعة السلسلة
إنها جبال شامخة توقع من ينظر إليها فى الخشية ، وفى هذه الجبال مئات من المغارات ولا يعلم عددها إلا الله ، حفرها قوم عاد وثمود وكانوا يسكنونها ، وسخرت لهم صخور الصوان وكأنما طحنوها وبنوا بها قاعاتهم وحجراتهم وكل حجرة ترتفع أربعين أو خمسين ذراعا ، وفيها عجائب وغرائب كأنها حية ، وفيها تماثيل وتصاوير غريبة وفى كنهها تحار العقول ، وفيها صور تنظر إلى مشاهدها وهى باسمة كأنها تبتسم ، وخلاصة القول أن جبل السلسلة هذا عجيبة من عجايب الزمان ، وعلى سطح هذه الصخور حصن حصين ، كما توجد قلعة قبالة النيل هى قلعة أتفود.

قلعة أتفود
وأمامها يجرى النيل ، وفى زمان كانوا يجرون هاتين القلعتين إلى النيل بسلسلة ولذلك يسمون هاتين القلعتين قلعة السلسلة وبعدهما شلال بوغازى وشلال الولاية ، إنهم سبعة مضايق والنيل بعدهما يمتلئ بالجزر العامرة وليس فى هاتين القلعتين رئيس لهما ولا قواد ولا جنود ، ولكن يسكنها فوج من قبائل الجعفرية ، وقبالة هذه القلعة فى جزيرة قبر الشيخ كوم صياح.
زيارة قبر الشيخ كوم صياح
حينما يفيض النيل ويغمر هذه الجزيرة يصيح ، وهو يصيح موحدا بالله ولذلك يسمونها جزيرة الصياح.
وبلدة كليج
معمورة ويتبعها مائة قرية وجميع أهلها ملاحون ويسمونهم قبيلة بصلى وبها ثلاثة آلاف إنسان وقد أتوا من قوم الهوارة ، واستوطنوها ، وبعد ذلك مضينا خمس ساعات جنوبا على ضفة النيل إلى قلومبو
أوصاف قلعة قلومبو
إنها من بناء شداد بن عاد ، وهى قلعة كانت لملوك بعد ملوك ثم استولى عليها سيف بن ذى اليزن من القبط ثم اجتزنا صخور شلال بوغازى ويجرى النيل إلى صحراء نصف المغرب وفى مقابل جزيرة كريد يخلط ماؤه بماء البحر الأبيض وطريق جريانه خندق عظيم وفى عهد عثمان بن عفان استولى أبو عبيدة بن الجراح على هذه القلعة من القبط ، ولكن بعد أن استشهد عثمان استردها القبط ، وكل القلاع التى على النيل تحت حكم إبريم وفى قضاء أسوان ، وفى داخل القلعة ثلاثمائة بيت من حصير يسكنها بنو جعفر ، إنهم مسلمون ولكنهم على المذهب الجعفرى ، وإنهم يسكنون فى القلعة وفى الصحراء خارجها ، إنهم ستون ألف إنسان وهم قوم يعيشون فى رغد من العيش ، وفى الجانب الشمالى للقلعة ضاحية عظيمة ، ومضينا على النيل ثلاث ساعات ، ومررنا بأراضى صلبة كالحديد ، وفيها كل صخرة فى حجم الفيل وقد أصبحت سدا فى النيل ،

ويسمى العرب هذا السد بخيط العجوز ، وفى الجهة الشرقية للقلعة مغارات بها ألف تمساح مكفن وقد تراكمت هذه التماسيح بعضها على البعض وأكفانها من قشور الدوم ، ومن العجب أن البلى لم يصبها ، ولكن لا تنبعث رائحة خبيثة من رممها كسائر الحيوانات ، وهذا أمر عجب ، وهذه التماسيح يسمونها جبل التمساح ، وقد فتح ذو اليزن فى الصخر طريقا ، والسفن تمر فى هذا المضيق ، وهذه السفن سفن صغار وتمضى إلى أسوان ، ثم تحمل الجمال أحمال السفن ، وفى هذا المكان سبع مضايق وشلالات من بعيد تتدفق مياهها وتمر فى جبال شوامخ وبين صخور ، وثمة بوغاز والنيل ترتمى مياهه فى هوة فى طول المأذنة.
ومن عجب أن بعض السفن تطير فوق هذه الصخور ثم تجرى ويجرى النيل فى هذه المنطقة وبين ضفتين عليهما جبال كأنها الجودى ويتشعب النيل فى هذه المنطقة وبين كل شعبة وشعبة جزيرة والجزر المعمورة تقع فى الجانب المقابل ، وسوف نتحدث عن هذا فى موضعه بمشيئة الله.
ومن يمضون من قلومبو إلى الحبشة يبدأون السير من هذا الموضع وبعض وزراء الحبشة يقدمون إلى هذه القلعة ، ومنها يجمعون الجند ويحملون المؤن على الجمال ويقطعون الصحراء إلى الحبشة ، وليس لهم طريق سوى هذا الطريق ، وهذا الطريق طريق حجرى والطريق إلى إبريم على ضفة النيل ويمضى جنوبا وطريق إلى الحبشة فى الجهة الجنوبية ، وقد مضيت مع جماعة من قلعة قلومبو فى الطريق إلى إبريم وسرنا ثلاث ساعات حتى وصلنا :
مدينة صين باس
كانت مدينة عظيمة فى قديم الزمان ومضينا بين خرائبها يوما بتمامه وفيها غرائب وعجائب وأعمدة ومطلسمات ، وفيها ما فى (آت ميدانى) فى استانبول من أحجار مربعة وعليها علامات غريبة ، إنها كانت قديما مدينة قوم عاد ، وقد خرج من الحبشة أبرهة فى سبعين ألف فيل ومضى إلى هذه المدينة فخربها وأهلك أهلها ، وهى الآن مدينة خربة ليس فيها سوى البوم والأفاعى.

وعلى ضفة النيل مدينة بها مائتا بيت من الحصير وهى بلدة تشبه القرية وفيها جامع بلا مئذنة ، وبجانب هذا الجامع ضريح الشيخ رجابى ، وهو قطب عظيم ، وهذا الضريح فى غابة من أشجار الدوم وثمة ضرائح ثمانية وسبعين قطبا من الأولياء ، ولكن أجهدنا القيظ فلم نستطع زيارتها وإن كنا قرأنا سورة يس ومضينا لطيتنا ومضينا بين الصخور فى طريق ضيق من المرتفعات والمنخفضات ولقينا من سفرنا هذا نصبا حتى وصلنا أسوان.
أوصاف قلعة أسوان
يذهب المؤرخون المحققون إلى أن قلعة أسوان بناها عاد بن شداد بعد الطوفان لأنهم يسمونها دير عرياق وأنها دير عظيم ، والملك عرياق مدفون فى هذا الدير فى تابوت من النحاس وعلى الجوانب الأربعة لهذا التابوت كتابات بالعبرية ويسميه القبط عرياق بن عيوام ويقولون إن إدريس ـ عليه‌السلام ـ رفع إلى السماء فى عهد هذا الملك وفى زمان هذا الملك سجن هاروت وماروت فى بئر بمدينة بابل ، وخلف عرياق فى الملك ابنه ألوخيم وكذلك ألوخيم مدفون فى هذا الدير ، وخلف ألوخيم فى الملك ابنه خصيليم ، وهو أول من بنى المقياس فى النيل عند أسوان وآثاره باقية إلى اليوم.
ثم قدم مصر الخليفة المأمون العباسى من بغداد وبنى المقياس فى مصر وخرّب المقياس الذى فى أسوان حتى لا يكون هناك مقياس بناه أحد سواه ، وخصيليم هذا فرع النيل ترعا ، وفرش هذه الترع بالرخام وأمام مدينة أسوان هذه المنطقة من النيل أحجار فى حجم جثة الفيل ، وقد سوى هذه الصخور وصنع منها سدّا فى بلاد النوبة اثنتى عشرة قنطرة ، ولم تبق من هذه القناطر اليوم سوى واحدة ، وقد دمرتها الزلازل ، وأسسها ظاهرة فى النيل ، وظهر نوح فى عهد خصيليم هذا وقد ركب خصيليم هذا فى سفينة نوح عند الطوفان ، وقد عمّر ثمانمائة سنة ، ولذلك قال المؤرخون إن مدينة أسوان كانت قبل الطوفان لأن فيها آثار لخصيليم وأبيه ألوخيم وجده عرياق ، وهذا بالعبرية مسطور على الصخور ، ثم عمرها عاد ولكن خربها أبرهة بعد الطوفان وقد جاء ذلك على التفصيل فى كتب الخطط ومحمد بن إسحاق وتواريخ الشهابى رحمة الله عليهما ،

ولكنى أحقق هذا فى يقين فأقول ما مجمله أنها بقيت بعد زوال دول ودول وهى مدينة قديمة ، وقد فتحها عمرو بن العاص وهى التزام تابع لجرجا ، ويتحصل منها أربعون كيسا كما أنها كاشفية تابعة لكاشف قوص ويتبعها ستون قرية يتحصل منها ومن توابعها المائة والخمسين ستمائة أردب من الغلال ولكن ليس فيها جند مستحفظون من أربع فرق وهى قضاء يدر مائة وخمسون كيسا وريعها السنوى ثلاثمائة قرش ويبقى لكاشفها بعد المصروفات خمسة أكياس ، ولها قلعة عظيمة على ساحل النيل ، وهى سامقة مثمنة الشكل بناها شداد ومحيطها ثلاثة آلاف وستمائة خطوة ، ولها ثلاثة أبواب وفى داخلها حدائق وخمسمائة بيت صغير للفقراء ولرئيس هذه القلعة مائة وخمسون جنديا ، وفيها فرقة موسيقية ومخزن للأسلحة وعشرون مدفعا ، وهى الآن حد عظيم لأن حولها عرب عصاة ، وبها جامع وسبع زوايا وثلاث مقاه ، وستمائة بيت وليس فيها حمام ولا خان ولا مكتب للصبيان ولا سبيل ولا أسواق ولا دكاكين ولكن تقام فيها سوق عظيمة كل أسبوع ، ويجتمع فيها خلق كثير من جميع الأجناس يبيعون ويشترون ويوجد فيها ما ليس له من وجود ، وخارج القلعة ضاحية بها حدائق وبساتين وسبعمائة بيت وبعض هذه البيوت خربة ولكنها رممت وسكنت ، كما أن فيها جوامع وزوايا ولكن ليس فيها سوق وبها بعض المقاهى المصنوعة من الخشب والأكواخ والدكاكين ، وكانت بها فى ماضى الزمان على مسيرة ثلاث ساعات على ضفة النيل أبنية كأنها قصر الخورنق ، وأعمدة لا حصر لها وضرائح عالية وخان وحمام وسوق للبزّ وعمائر كتبت عليها طلاسم ، وكأن هذه الطلاسم قد كتبت منذ هنيهة ، وقد اعتشت فى هذه العمائر الغربان والحمام والغربان فيها تنعق ، وفى الشتاء تغادرها كل الطيور ، ويأتى العرب ويسكنون هذه الخرائب ، وجو أسوان لا بأس به ، وفيها الأسلحة لا تصدأ وتبقى مصقولة ووجوه أهلها وردية ولاعتدال جوّها كان الجمال فى فتياتها وفتيانها ، أما شراب البوزه فيها فيبعث القوة فى الروح وشراب البوزه هذا مرغوب طيب.

باب الأبواب
إنها جزيرة خربة فى بوغاز الشلالات بأسوان ، ويسمونها باب الأبواب وبما أن النيل يتشعب سبع شعب فثمة عدة جزر ، وفى كل من هذه الجزر يؤكد الكشفيون على وجود معادن جديدة ففيها النفط والقطران والكبريت والرصاص والكبريت المائى ، وفيها حمم ماؤها حار يستشفى به ، ولكن ليس فيها أثر للعمران ، وعند فيضان النيل تغرق هذه الجزائر جميعا ولا يبقى أثر لما فيها من معادن وحمم ، ولا يستطاع استخراج هذه المعادن منها ويفيض النيل وتخضوضر الأرض فى مصر ، وأهل الطب من أهل مصر لا يشربون من ماء النيل وإنما يحضرون الماء من بئر فى المطرية ويشربونه وإذا شرب الناس من النيل فى وقت الفيضان وهو أخضر تورمت أرجلهم مثل الطلومبة وارتعشت أجسامهم نعوذ بالله ، وأصل اخضرار ماء النيل واحمراره هو ما تجمع أمام تلك الجزر من النفط والكبريت والقطران ويتلون ماء النيل بألوان مختلفة ومنها تهلك الحشرات ولكنها تأتى ثانية ، وتختفى فى الترع وهذا هو سبب اخضرار ماء النيل وجنوب أسوان تسمى :
ولاية علوى
إنها ولاية واسعة تمتد حتى الحبشة ودمبستان ولاعتدال جوّ هذه الولاية يتصف فتياتها وفتيانها بالجمال فلهم عيون كعيون الغزلان ويتزوج أعيان أسوان من عذارى ولاية علوى ، ومن عذارى علوى من لم يبلغن المحيض ولكن يحملن وغالبا ما يمتن عند وضع حملهن ، والعهدة على رواية أهل أسوان ، ويذهب بعض المؤرخين إلى أن لقمان ـ عليه‌السلام ـ نبى وقيل إنه نبى أسمر اللون ، ولد فى أسوان ، كما أن ذا النون المصرى من أسوان وأصبح من صحابة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم كما أن النبى إدريس ـ عليه‌السلام ـ ولد فى هذه المدينة ، وقد زرت قبره وهو مدفون فى مغارة وقد مرغت وجهى الشاحب على أثر قدمه فى الأرض حين عرج فى السماء ، وكل أثر لقدمه يبلغ ثمانية أشبار طولا وعرض الأثر ثلاثة أشبار ، وكأن هذا الأثر حفرة كالصندوق ، وعند ما ينزل المطر فإن حفرة أثر قدمه تمتلئ بمطر الرحمة والوحوش والطيور تشرب منه ، وبجواره غار لقمان ومنه تفوح رائحة العقاقير ، وهى رائحة طيبة ولم تنقطع هذه الرائحة من ألف سنة ، فما من ريب

فى أنه نبىّ ، وذا النون المصرى من ذريته وكان طبيب النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وأجيال الأطباء تنتهى إليه ، وفى جنوب أسوان ولاية النوبة العظيمة ويسمونها باب النوبة.
ولاية النوبة
إنها أرض غنية ومعدن الزمرد فى جبالها ، وتستخرج المعادن والزمرد منها ولذلك أهلها أثرياء منعمون وقد أمر حاكم جرجا باستخراج الزمرد ، وأمر أن يصنع منه الكؤوس والأقداح وقبضات الخناجر ودبوس من قطعة واحدة ، ولكثرة ما استخرج من الزمرد أصبح على بك عريض الثراء واسع الدنيا ، وإن كان استخراج الزمرد يتكلف نفقات باهظة ، وفى أرض أسوان أربعون نوعا من المعادن ولكنهم لا يعرفون كيف يستخرجونها ، وجنوب النوبه أرض خربة ، وبالقرب من أسوان شاة تلد فى السنة ثلاث مرات ، وفى كل مرة تلد حملين وهذا بسبب لطافة الجو : (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة : 20].
عجيبة
وفى شمال أسوان شجرة منقطعة النظير وهى قائمة منذ عهد بنى إسرائيل وهى تثمر صيفا وشتاء ويسقط ورقها كل سبع سنوات ثم تورق من جديد ، وتسمى شجرة الخط ، وهى شجرة لها الشهرة فى بلاد أسنه وأسوان وسودان وفونجستان ونوبة ودوميية وعلوى وحبش ويحتضن جذعها عشرة رجال ولها أربعون فرع يحتضن كل شعبة منها خمسة رجال ، إنها دوحة عظيمة عالية ، يمكن أن تظلل أربعين ألفا من الغنم واتفق ذات مرة أن أحد الزنادقة استظل بها فسقطت عليه ورقة خضراء منها فأخذها الزنديق ، فأخذ العجب منه كل مأخذ من ذا الذى أنبت الورق على الشجرة فسقطت من الشجرة عليه ورقة أخرى بأمر الله ، وقد كتب على هذه الورقة من أنبت الورق على الشجر هو الذى شق السمع والبصر فى وجه البشر ، وفى التو نطق الزنديق بالشهادة ثم زفر زفرة وفاضت روحه وله قبر فى ظل هذه الشجرة ويسمى قبر الشيخ الزنديق ، ويزور الشجرة الخواص والعوام والآن أوراقها مخضوضرة ، وهى كذلك إلى ما شاء الله ، ولكن لا وجود لكتابة على أوراقها ، وهى فى الطريق من أسوان إلى النوبة فى مرج واسع الأرجاء وهى تبعد عن أسوان بربع ساعة.

وقدم السلطان قايتباى من مصر فأمر بترميم قبر الشيخ الزنديق وأنشأ صفة ومحرابا له وكتب على عتبته تاريخ هذا الترميم.
وفى أسوان يستخرج أربعون معدنا ، علاوة على الملح والنطرون وشمع العسل والصابون ، والصابون كلمة عربية ، وتطلق على ما يصنع من الأعشاب والنباتات ، ويوضع فى الأكياس ، وإذا غسل به الثياب أصبحت بيضاء ، إنهم يأكلون شمع العسل من شدة الحر ، وإن النحل يصنع العسل وإذا ما نزل غيث الرحمة تسد خلايا النحل ، وينمحى العسل بالمطر ويخرج شمع العسل ويجمع ليباع ، إنه أكثر بياضا من الكافور وله رائحة كرائحة العنبر ولهذا الشمع أربعون فائدة ، وإنه ينفع فى ألم الوسط والصداع والمغص ، وإذا تناوله أحد فإن شمع العسل يساعد فى هضم الطعام ، ويصلح المعدة ويخلص من غازاتها ، وهو مقو ويزيد فى قوة البصر ومن تناوله أربعين يوما لم يبق فى جسمه أخلاط ، ويتورد وجهه ، ويصح بدنه وشمع أسوان كثير فى سوق الفحامين فى مصر تلك هى خواصه.
ومن العجائب
أن عمودا يوجد على ربوة من الرمل فى شرق أسوان على مسيرة ربع ساعة شرقا ويرتفع مائة ذراع ، وعند قمته صورة إدريس ـ عليه‌السلام ـ ، وكأنما يجلس حبشى على قمته وكأنه حى ويبتسم وهو يرفع أصبع الشهادة كأنما يشير إلى السماء ، وقد ولد إدريس فى أسوان ، وبعث فيها ثم عرج به إلى السماء منها ، فدخل أمته الحزن وجعلوا يبكون ويتجولون فى ذهول وحيرة إن إبليس اللعين ظهر لهم فى صورة شيخ ، وإنهم يبكون وينتحبون لفراق إدريس وفى التو أمرهم الشيطان بأن يرسموا صورة إدريس ، وعلمهم أن يسجدوا وبذلك كفوا عن النواح والنحيب ومرة كل عام يأتى إلى هذا العمود جميع الخلائق ويسجدون عنده ، وإن إبليس الشيطان اللعين يمثل تلك الصورة ومن هذه الصورة كان يتنبّأ لهم عما فى الغيب وكانت هذه حالهم إلى أن ظهر النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم انتهى هذا الأمر ، والآن يسمونه رمال الصنم ، ويتجه القبط نحو الشرق ، ويركعون عند هذه الصورة.

ومن العجب
أنه إذا ما دفن أحد فى هذه الربوة من الرمال أصبحت عظامه حجرا بعد سبعة أيام ، وهذا من عجيب صنع الله يفعل الله ما يشاء بقدرته ويحكم ما يريد بعزته : (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) [الأعراف : 54]. وقلعة أسوان هذه على شاطئ النيل لها سور عظيم.
حائط العجوز الساحرة
كل حجر فى هذا الحائط حجمه من أربعين إلى خمسين ذراعا ، وكأنه سد الإسكندر ، إنه من قطعة واحدة ، وفى أسوان علاوة على هذا البناء فى خرائب أسوان آثار لعمائر يحار عقل من يشاهدها وعليها كلام النبى صلى‌الله‌عليه‌وسلم عن شهادة على ـ رضى الله عنه ، وكرم الله وجهه ـ كما أن كلاما لعلى فى الجفر.
وقد أخذت ذلك من مختصر كتاب مفتاح الجفر للشيخ العلامة كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة غفر الله له ، وقد ذكر على ـ رضى الله عنه ـ : (أن أشراط قيام الساعة عند اقتراب آخر الزمان أن أسوان سوف تتخرب بعد أن عمرت من قبل) وهذا كلام على ـ رضى الله عنه ـ ، ومن قوله أيضا : (إذا عمرت أسوان من قطر مصر فى آخر الزمان بالياء ثم العين يظهر بمصر الخصيان ، وتحكم النسوان ، وتفسد عليه السلطان ، وتكثر الغربان ، ويختل نظام صاحب الديوان ، وتقوى شوكة الجيم ، وذلك إذا حصل القران فى برج الهوا ، وبعثر ما فى القبور ، وحصّل ما فى الصدور ، وصار الآمر مأمور) وسبب هذه الإشارات ما نقل فى تاريخ ابن مهدويه أن عمرو بن العاص وهو عامل مصر عند فتوحها كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضى الله عنه ـ يبشره بفتح مصر وذكر له صفتها وعدة حصونها المشهورة ، وأن من جملة حصونها بالوجه الجنوبى قلعة تسمى أسوان على قرب نيلها حصينة مانعة رأينا وجه الصواب فى هدمها حتى تنقطع أطماع الكفار منها فهدمناها حجرا حجرا فلما بلغ الكتاب إلى أمير المؤمنين عمر ـ رضى الله عنه ـ فقرأه واستوفاه ثم قال حضرت علىّ ـ رضى الله عنه ـ نعم بذلك أخبرنى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وعندى خبر هذا وستعمر فى آخر الزمان عمارة حصينة على يد

ياء ونكّره ثم عين ، ولم يصرح باسم أحد غير أنه ـ رضى الله عنه ـ أشار إلى حرفين صديقين لا منافرة بينهما وهما الياء والعين فالياء حرف ترابى والعين حرف مائى ، ومن المعلوم أن الماء والتراب صديقان ، وهما أعظم آلات العمارة ، فإنه يفهم من قوله بالياء ثم العين أن مراده تعريف اسم من يتولى أمر عمارتها صدق على الرّضىّ السخىّ.
وفى أسوان كثير من رموز لكنوز ، لأن أسوان بلد من سبعة بلاد على وجه الأرض ، لقد شاهدت أسوان ولكنى لم أجد فيها وقتا لراحتى لأن فى أرضها مئات الآلاف من كبار الأولياء والشهداء والصحابة الكرام الذين قدموا من مصر مع الفتح ، ولهم قبور لا سبيل إلى حصرها لكثرتها ، وقد قرأت سورة يس لأرواحهم الشريفة ، وشاهدت فى جنوب أسوان على ضفة النيل سدود خيط العجوز ورأيت التماسيح فى جزر الشلالات ، وبعد أربع ساعات وصلنا إلى شلال المضيق.
أوصاف شلالات المضيق
إنه لشلال عظيم ، وهو مشهور لدى العرب والعجم والروم ، وقد سبق أن وصفناه ، وهذا الشلال به صخور يضرب لونها إلى الشّهبة. وفى هذه المحلة أعشاش الصقور والنسور والغربان ، وهناك جبل مهيب مخوف ، ويعبر التجار هذا المضيق ويذهبون إلى القرى ، والصخور فى هذا المضيق متقاربة ، وتلاطم مياه النيل يصم الآذان ، ورشاش ماء النيل يجعل الجو ممطرا ويصاب من على مقربة منه بالبلل ، وإذا حل الشتاء وغاض ماء النيل ظهرت أحجار كأنها قباب الحمامات ، ويدفع الماء الإنسان من صخرة إلى صخرة ويستطيع أن يعبر بين الضفتين ، وفى سالف الدّهر حينما كان هذا المضيق مسدودا ، كان النيل ينشعب إلى رافدين فيجرى فى ترعة إلى إقليم الحبشة وفى الأخرى إلى إقليم علوى واختلط ماؤه بماء البحر الأحمر بواسطة السواقى على الترعة التى تتجه إلى إقليم الحبشة وآثار ذلك اليوم باقية فى موضعها.
وبعد الطوفان أحاط سيف بن ذى يزن بعلم الهندسة وشتى العلوم والفنون ، وأنس برأى الكاهنين صفوايم ومحرايم ؛ فشق فى الجبال شقا ، أما سبب جريان النيل إلى مصر الآن فهو مردود إلى سيف بن ذى اليزن ، وكان جريان النيل إلى مصر سببا فى

عمرانها وخصوبة أرضها وأصبحت الحبشة والمغرب صحراء ، وقد اجتمع المؤرخون على القول بهذا ، وقد رأيت أثر جريان النيل فى سالف الدهر حفرا فى الأرض ، وكانت منطقة الشلال قديما معمورة فكان فى أسوان حدائق وجنات ألفافا ، وفيها كذلك أثر للعمائر.
وقد دعا موسى ـ عليه‌السلام ـ الله على الفراعنة والكهنة والسّحرة فى هذا المكان ومصداق ذلك قوله تعالى : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) [القصص : 88] ، فتخربت عليهم مائتا بيت.
وثمة جامعان عظيمان قديمان بها ، ولكنهما مع ذلك لا يخلوان من المصلين ، وليس لهما بهاء سائر الجوامع ، ومنهما جامع سيف بن ذى اليزن والآخر جامع عمر ـ رضى الله عنه ـ ولا وجود لسوق ولا خان ولا حمام ، وخرير النيل هناك من الشدة بحيث لا يمكن السّكنى إلى جانبه كما أن الواحد لا يسمع كلام الآخر ، ولكى يمكن لإنسان أن يكلم آخر كلاما يسمعه فينبغى أن يرفع صوته مثل الچاووش ، ويقال إن سبب هذه الجلبة هو أن للنيل رعدا ، وقد غادر السكان هذه المنطقة لأن رشاش النيل يهبط عليهم كأنه الرزاز ويصيب ثيابهم بالبلل.
أوصاف قلعة أبواب
بناها ذو اليزن إنها رباط حصين مستدير على المضيق فى الجانب الشرقى من النيل فى أسوان ، وفيها يسكن قبائل القرح وفيها خمسمائة بيت بعضها من الحصير وبها جامع قديم ، وليس للقلعة رئيس ولا جنود ، وقديما على الصخور التى أمام هذه القلعة كانت تحصى الرسوم من السفن الرائحة والغادية ، وتلك السفن كانت تقف أمام السلسلة التى بين القلعتين حتى تدفع الرسوم المستحقة عليها ، وغادرت قلعة أبواب وانطلقت جنوبا على ضفة النيل ، ومضيت فى طريق كثير الأحجار وسرت فيه ست ساعات ، حتى وصلنا :
قبائل كنوزين
نزلنا ضيوفا فيها على الشيخ على الواسطى ، أما أصل تسمية هذه القبائل بهذا الاسم

فهو أنهم عثروا على كنزين فى أراضى أسوان الخربة ، وقد قسموا الكنزين بالسويّة عليهم ، وجاءت قبيلة عربية من بعد على أثرهم وطلبت نصيبها إلا أنهم لم يعطوها من الكنزين شيئا ؛ فنشبت الحرب بينهم عبوسا شعواء ، إلا أن رجال القبيلة الذين طلبوا نصيبهم أعملت السيوف والرماح فيهم فسميت القبائل المنهزمة بقبائل القرح وسكنوا جزيرة الشلال وهم الآن على مذهب الإمام مالك ، ويدّعون أنهم من ذرية ابن ذى اليزن ولهم سبعة آلاف محارب ، وفى أول ليلة لنا هناك ضيّفونا وقدموا إلينا الذرة ولحم الإبل ولبن النوق فطعمنا وشربنا ، وهذه القبائل تمضى إلى الحبشة فى الربيع ، لأن منطقة الشلال جبلية متقاربة والزروع بها قليلة نادرة وهؤلاء القوم لديهم كثير من الأنعام فلذلك يمضون إلى الحبشة طلبا للمرعى ، ثم مضينا خمس ساعات وبلغنا قبيلة مهريّه.
قبيلة مهريّه
وحللنا ضيوفا على الشيخ حامد مهرى ، وبها ألف وخمسمائة فقير من سمر البشرة وثوبهم لا يعدو أن يكون ما يستر عورتهم ، وهم على مذهب المهريه وهم ينكرون الحشر والنشر ، ومضينا على ضفة النيل فى طرق ذات أحجار لا تتسع إلا لمرور رجل واحد وسرنا بينما يتبعنا الخدام ، وقطعنا هذه الطرق سيرا على الأقدام ، وقد شق هذا الطريق بن ذى اليزن ولا طريق سواه وبعد ساعتين بلغنا قبائل كلافيش.
قبائل كلافيش
ومعنى كلافيش : الشىء القليل ، وليس لهم خيام ، إنهم جميعا يسكنون الكهوف ، وقد دلنا شيخهم على غار فمضينا بخيولنا إليه وانصرفت عنا شدة القيظ ، إنه غار بارد النسيم ، وفى هذه المنطقة الصخرية ثلاثة آلاف من العرب المتمردين ، ولهم كثير من المعز وليس لديهم أنعام أخرى وطعامهم الذرة ولحم الجمل والتيش وهو كباب التماسيح والمعز ، وهم يجامعون أنثى التمساح ويقولون إنهم حين يجامعون أنثى التمساح يتحلب ريقهم وأنهم قوم جبابرة أشداء من أكل لحم التمساح ويستخرجون من مرارة التمساح حجرا ، وإذا أمسكوا بهذا الحجر استطاع الواحد منهم أن يجامع زوجته أربعين أو خمسين مرة ، وإذا كان هذا الحجر كذلك عند نسائهم فإنهن كذلك لا تهدأ شهوتهن ،

وهذه البقعة لا وجود للترع فيها ولذلك ليس لديهم إلا البرسيم والتمر ، وعندهم من نبات الذرة ما هو أحمر اللون وهم قوم صيادون يمضون إلى جبال الحبشة ، ليصطادوا الفيلة ، وليجمعوا سن الفيل ووحيد القرن ليأخذوا قرنه ليبيعوه ، ذلك ومضينا عنهم على ضفة النيل جنوبا وشاهدنا جبالا شامخة وصخورا ضخمة وبعد عشر ساعات بلغنا عشاير أبو حور.
عشاير أبو حور
إنهم قوم من العرب سود البشرة وزنوج وفقراء ولا يعرفون دينا ولا حشرا ولا نشرا ، وقد تجاوزنا هذه العشائر ، ومضينا خمس ساعات وبلغنا قبيلة سنيال.
قبيلة سنيال
لهذه القبيلة فى الصحراء متراخية الأرجاء أخبية وخيام ، وهم ألفا رجل من المسلمين ولأنهم من العرب فإن وجوه نسائهم مكشوفة ومكثنا فى خيمة شيخ العرب عبد المجيد وقدموا إلينا الأنفحة ، ثم ذبحوا لنا ثلاثة خراف ، وأكرمونا إكراما عظيما ، وأعلفوا خيولنا الذرة البيضاء ، ورأينا جنديا مصريا يلبس حمر السراويل فاطمأنت قلوبنا لعله كان جنديا من إبريم وقدم إلينا بعض رغفان فأكلناها لأن ما كان لدينا من خبز نفذ فأكلنا الزبد بالخبز فكأنما ردت علينا روحنا ، والنيل فى هذه المحلة ينقسم إلى مضايق ، ثم دخلنا فى إقليم إبريم فى طريق حجرى ومضينا فيه سبع ساعات جنوبا بين الصخور حتى وصلنا :
بلدة كوشتامينه
بها مائتا بيت من قصب ، وأهلها مطيعون منقادون ، وبها زاوية ومقهى وفيها قبيلة من عرب كنوز تسكن الخيام ، ومضينا جنوبا خمس ساعات فوصلنا :
بلدة كورت
وفيها ثمانية وسبعون بيتا من قصب وزاوية ، وليس بها مقاه ولا حانة للبوزه ، وبها أيضا قبيلة من عرب كنوز تسكن الخيام ، وهذا الموضع هو حد عرب كنوز وهم لا يمضون إلى إبريم لأن النيل فى هذه المحلة على ضفتيه مروج تزرع بها اللوبياء والبطيخ وبعد خمس ساعات بلغنا بلدة سبوع.

بلدة سبوع
نزلنا عن خيولنا لنشاهدها ، وسقنا الخيول إلى الصحراء وتجولنا ساعة فيها لنشاهدها وعلى ضفة النيل آثار فيلة من الصخر ، وأسود نحتت من الحجر إذا شاهدها الإنسان دخله الخوف الشديد ويظن أن هذه الأسود أسودا حيّة ، إنها تماثيل متقنة الصنع وعلى ضفة النيل كذلك جمال من الحجر الأسود وتنانين لها سبعة رءوس منها المنكس وبعضها ما ساخ فى الرمال إنها تنانين عجيبة وثمة أعاجيب أخرى ، ولكن ليس فى الإمكان ذكرها وربما تحارب موسى ـ عليه‌السلام ـ مع فرعون فى هذه المنطقة ، وقد صنع سحرته من سحرهم هذه العجائب ، وقد أوحى إلى موسى آية : (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) [الشعراء : 32] ، وألقى موسى عصاه المتعددة الرءوس فإذا هى حية تسعى فابتلعت الحية ما صنع السحرة والكهنة بسحرهم من أسود ونمور وتنانين ؛ فهزم فرعون وتعلق بأذيال الفرار ، ولعل ما رأينا من هذه التماثيل هى بقايا هذه الوحوش التى صنعها سحرة فرعون ، وهى التى أصبحت من بعد حجرا بأمر الله ؛ ويسمون هذه البقعة (سبوع) لوجود الأسود بها وفى العربية مائة وثمانون اسم للأسد منها (سبوع) وقد شاهدنا هذه البقعة وتجاوزناها ومضينا أربع ساعات جنوبا ، على شاطئ النيل واجتزنا الصحارى حتى وصلنا :
وادى العرب
اسم محلة واسعة ، وهى سهل ذو مروج ، ويجتمع جميع العرب فيه مرة كل عام ، وفيه يدوم البيع والشراء سبعة أيام وسبع ليال ، ولذلك يسمى وادى العرب ، وعبرنا أراضى خصبة فى الجنوب وبعد أربع ساعات بلغنا تخت أزرق جادو.
أوصاف مدينة تخت أزرق جادو
بناها فرعون أزرق جادو وبعده فتحها ذو النون ثم استولى عليها القبط ودامت فى حوزتهم مئات السنين ، ثم فتحها الأسود بن مقداد قائد عمرو بن العاص ، ثم استولى عليها أهل بربرستان وفونجستان ، وفى عهد السلطان سليمان كان والى مصر الطواشى سليمان باشا فاتح الهند واليمن وأخذ ميناء ديواباد الهندى من البرتغاليين والفرنجة

وقدمها إلى ملك الهند ، ومضى إلى الحبشة فى أسطول وجعل على رأسه أوزدمر باشا وأمره أن يفتح الحبشة ومنها عاد إلى مصر ، ومن مصر خرج أوزدمر باشا فى جيش كموج البحر ففتح هذه المدينة ، وقلعة إبريم ، واستولى عليها ملك الفونجستان ، وفى هذا العصر ظلت هذه المدينة فى حوزة آل عثمان ، وهى تابعة لحكم جرجا وكاشف إبريم الآن مقيم بها ، ولكنها كانت تحت حكومة أخرى عند فتحها تحكمها ، وكان فيها منذ أربعين عاما فى حكم جرجه ثلاثمائة جندى وخمسمائة جندى من الفرق السبع ويتبعها جميع القرى وهى التزام يدر مالا وغلالا ، وكان يقوم بجمع المال والغلال ويقدمه لجنود القلعة والمستحفظين.
وهى قضاء يتحصل منه مائة وخمسون أقجة ، وبها مفتى على المذاهب الأربعة ونقيب أشراف ، ولكن ليس بها أعيان ، وعلى شاطئ النيل ألف ومائة بيت صغير ، ولا وجود فيها لقصور وأعلى الأبنية بها بيت قائد الفرق السبع والچورباجى وشكرباره خاتون والمصاحب على أغا وبيوت للحراس هنا وهناك ، وبها عشرون محرابا تؤدى فيها صلاة الجمعة علاوة على الزوايا ، وليس فى هذه المدينة خان ولا حمام ولا سوق للبز ، ولكن فيها ست مكاتب للصبيان وسبعة سبل وخمسة عشر دكانا وثلاث مقاه وستة حانات للبوزه ، لأن جو هذه البلدة مناسب ففى شدة الحر تطرب البوزه الجسم كما تدفع الجوع والعطش لشرّابها ويصنعون فيها بوزة الذرة كأنها ماء الورد ويشرب البوزه الكبار والصغار ، ولكن أكثرهم ضيق النفس وهم سمر البشرة لأن الحر فيها شديد ، ومأكولات ومشروبات هذه المدينة البوزه والذرة وماء النيل وشراب البلح وما سوى ذلك من مأكولات ومشروبات فيأتى إليها من جرجه ، وكانت هذه المدينة مدينة عظيمة فى قديم الأيام ، ولذلك فإن بها آثارا تدل على عظمتها ، وداخل وخارج هذه المدينة كثير من الضرائح ، لأولياء مشهورين وقد زرنا ضريح الشيخ (هو) ولأن هذه المدينة تابعة لولاية أزرق جادو ، فنساؤها يشتغلن بالسحر ويسحرن الرجل حمارا ، وقد ابتلى بهذا كثير من الرجال ، وقد سحرن حتى أحد متفرقة الباشا فإذا هو بين الرجال فى المقاهى وحانات البوزه حمار ، وقد مكثت فى قصر الكاشف يومين ، ثم مضيت لمجىء كاشف أبريم ، ومضيت جنوبا على شاطئ النيل فسرت لمدة ساعتين وبلغت قلعة إبريم القديمة.

أوصاف قلعة أبريم القديمة
بناها المقوقس ملك القبط ، وقد حاصرها وفتحها عمرو بن العاص وكعب الأحبار وأبو عبيدة بن الجراح وجابر الأنصارى وأبو هريرة وسارية الجبل وأسود بن مقداد وأمثالهم من الصحابة الكرام ، إنها قلعة حصينة متينة وقد بناها شداد على ربوة مشرفة على النيل وهى صغيرة وحصينة وخماسية الشكل ومحيطها ثمانمائة خطوة ، ولها باب واحد مفتوح على الجهة الشرقية ، وفى داخلها ثمانون بيتا صغيرا وكبيرا ، وفى وسطها جامع قديم الطرز ذو منارة ، إنها لسليمان خان ، لأن فى عهد سليمان تم الاتفاق مع البربر والفونج على حيلة للاستيلاء على هذه القلعة ، ودخلت فى حوزته ومن بعد صار الطواشى سليمان باشا واليا على مصر ؛ فجعل أوزدمر باشا قائدا له ، ففتح القلعة قهرا فى عشرة أيام ، وقطع رءوس من فيها من البربر والفونج فأصبح لونهم أسود ، وفى هذه القلعة أقيم جامع سليمان خان ، وليس فيها سوق ولا حمّام ولا خان ، ولكن للقلعة رئيس ومائة جندى وفرقة موسيقية ورئيس القلعة طبق قانون سليمان لا بد أن يكون من طائفة المتفرقة ، ويأتى من مصر فى كل عام ثلاثمائة جندى كما يأتى إلى الكاشف ثلاثمائة مستحفظا ، وهم يحصلون على مال الدولة والغلال ولهم أقلام وأفراد ويأخذون علوفة قدرها أربعون كيسا سنويا من حاكم جرجه إنهم قوم شجعان ، إنهم يتحاربون ليل نهار كما يحاربون مجرمى فونجستان ، ومخزن الأسلحة فى القلعة مخزن عظيم ولهم أربعون مدفع وليس للقلعة خندق لأنها قائمة على أرض صخرية إن جوها لطيف ، ولكن فى جنوب هذه المحلة تحرق شدة الحر بيوتا للفقراء من القصب والحصير ، ولكن بحمد الله أن شدة الحر لا تؤثر على الإنسان ، ويجب التحرز من البرد فى وقت السحر ، وعلى الرغم من أن جميع الناس يأكلون من خبز الذرة إلا أنه فى هذه الديار ينفعهم كثيرا ، ويقيهم من مرض يصيبهم بالإسهال ثم الموت ، وليس فى هذه الديار طاعون ، وأكل خبز الذرة يشفى من الإسهال ، وأعيانهم يلبسون قميصا عليه شال أما متوسطو الحال فيلفون حول وسطهم مئزرا ، وعليه مئزر آخر ، أما الفقراء فيلفون حول وسطهم فوطة زرقاء ويمضون عراة أما نساؤهم فيأتزرن بإزار أبيض وأسود وعلى

رءوسهن خمار أسود وليس فى تلك الديار جميل ولا جميلة لأن بشرة أهلها شديدة السمرة والبعوض كثير إلى حد أنه يقلق راحة النوام ليلا ، ولذلك ينامون فى شال رقيق اللهم عافنا ، وإذا ما تجاوز أحد حدود ممتلكات الدولة العثمانية استوجب القتل أو نفى إلى إبريم ، وصيف هذه المدينة معتدل ولشدة القيظ ينفون إليها المجرمين.
وأبريم تقع فى نهاية حدود ممتلكات الدولة العثمانية ، وفى الجانب الشمالى من تلك الحدود قلعة أزاق ، أما فى الجهة الشرقية فنهاية حد تلك الممتلكات العراق أما فى الجهة الغربية فحدودها مدينة بلغراد.
وثمة قلعة تسمى :
قلعة جاوغه
ولكنها فى ولاية لطيفة جوها كأنها حديقة إرم فليس فى أبريم حدائق ولا خلائق ، ولكن فيها جبالا سودا ، وإن وجد فى هذه الولاية حدائق يكثر فيها الشمام والبطيخ ، وكل كيلة من الذرة فيها تنبت مائة وخمسين كيلة ، ولذلك لا يزرعون إلا الغلال ، إنهم يزرعون الذرة البيضاء وحيواناتهم تعتلف الذرة ، وهذه البلدة تقع فى نهاية الإقليم الأول ، إنه على حد قول بطليموس على عشرين درجة وسبع وعشرين دقيقة ويطول النهار فيه ثلاث عشرة ساعة وثلاثين دقيقة أما طول الإقليم الثانى من الشرق إلى الغرب على حد قول الجغرافيين فهو ألفان وأربعمائة فرسخ ، وعرضه مائة وستة وثلاثون فرسخا وفى هذا الإقليم سبعة جبال عظام ، وهى مقاليد الأرض كما أن فيه ست وثلاثين صحراء لا يسكنها إلا قلة من الناس ، وأرضها ممتلئة بالحشرات ، وفيها ألفا مدينة ، خمسون منها مدنا عظيمة ، وفى جانبها الشرقى أولا بلاد الهند والسند ومنصورة وهيزة وكندة وجزيرة العرب ، ونجد وتهامة ويثرب والحجاز وديار فلزمك ، وفى الجانب المقابل من بحر القلزم الحبشة وزيلع وسواكن وفى أرض بربرستان قلعة إبريم ومدينتها ومدينة دونقلا تخت بربره ، وبها تنتهى الأرض الأفريقية والمصرية والبقلية ومقابل المغرب كفار البرتغال وهم على شاطئ البحر المحيط ، وقد طوفت بكل هذه البلاد قدماء الحكماء طيلة عمرهم واستخدموا علم الإسطرلاب وعرفوا نعم الله وألفوا كتبهم وهى

أطلس ، ومينور ، وجوغرافية وباريه وقولونيه وكتبوا عن أشكال الدنيا وقد طوفت أنا كذلك فى البلاد والقرى التى فى الممالك المحروسة ووصفت قراها وقصباتها ومدنها العظيمة وجبالها وأنهارها ومنازلها شمالا وجنوبا ولم أذكر إلا ما تمس الحاجة لذكره ونقلت المقال إلى الحال ، وذكرت أوصافها وأشكالها ونسجت على منوال أستاذنا نقّاش حكمى زاده على بك ولم يتيسر لنا زيارة بلاد الفونجستان بعد فما استطعنا الوصف عنها وأقاليم إبريم هذه تميل سبع درجات عن جهة الشمال.
وقد مكثنا فى قصر الكاشف أياما ثلاثة ، وشاهدنا القلعة والمدينة ومن أجل السفر إلى فونجستان تزودنا بالزاد والنوق وخمسة عشر جوادا يحملون الشعير وسائر ما هو لازم للسفر ، وقد تبادل الكاشف ورئيس القلعة والقائد والأعيان رسائل المودة مع ملك فونجستان وأمراءها وفى هذه المحلة تجار فونجستان وكانوا فى رفقتنا ، وركبوا ثلاثمائة حمار ، ومن جند القلعة سايرنا كذلك سبعون جنديا يحملون البنادق ، وألحق بنا الكاشف أربعين رجلا ، وجملين وهجينا وفرسا ، وودعنا جميع أحبابنا فى إبريم ، وخرجنا من إبريم قاصدين فونجستان مشاة وركبانا ، وبعضنا يركب الجمال والبعض يركب الخيل والبعض الثالث يركب الحمير ، وكان معنا من إبريم ثمانمائة رجل يحملون السلاح.
* * *

الفصل الحادى والسبعون
بعد توديع ولاية إبريم توكلنا على الله فتوجهنا صوب فونجستان
بيان بمنازل وقلاع وبلاد وقصبات فونجستان
مضينا على شاطئ النيل فى أول الأمر ولكن النيل فى هذه المحلة يمضى متعرجا ، وبعد ثمانى ساعات بلغنا بلدة وادى حلفه ، وقد أقمنا خياما هناك مع ثمانمائة رجل ، وكنا ضيوفا تلك الليلة فى هذا الوادى إن وادى حلفه سهل معشوشب ، وعلى شاطئ النيل فى ظل شجرة جلست أنعم بالراحة ، وعلى ضفتى النيل فيها صخر أملس ، ومنها رأينا شلالات لا تمكن السفن من العبور ، ثم رأينا فى يوم آخر سفنا كبيرة وهى تجرى ، وغادرنا وادى حلفا هذا وعلى شاطئ النيل فى الشرق والغرب جبال وأدغال وأحراش مخوفة ، فطوينا مراحل فى أرض كثيرة الأشجار وكثيرة الوحوش ، وقضينا فى ذلك ثمانى عشرة ساعة ، ولم نشاهد الشمس ستة أيام ، لأننا كنا فى غابة أشجارها مثمرة وبها أشجار متقاربة من السنديان والسنط فهذه الأشجار حجبت عنا الشّمس ولكن ليس فيها أثر لأشجار بلاد الروم ، وفى اليوم السابع بلغنا قلعة صاى.
أوصاف قلعة صاى
هى آخر حدود ممالك آل عثمان ، وبناها أبرهة فى جزيرة واسعة بنهر النيل ، وقد توارثها ملوك بعد ملوك ، وقد فتحها عمرو بن العاص عام 22 ه‍ بقيادة الأسود بن مقداد ، ثم استولى عليها الفونج وفى عام 935 وف