Advertisement

الرحلة السرية للعقيد الروسي عبد العزيز دولتشين إلى الحجاز سنة 1898 ـ 1899







حياة الرحالة
العقيد الروسي عبد العزيز دولتشين
ولد عبد العزيز دولتشين في 24 حزيران (يونيو) 1861 في عائلة ضابط في الجيش الروسي. وكانت هذه العائلة التترية المحترمة تتمتع بتأثير كبير بين أبناء قوميتها ؛ وقد شغل والد المؤلف مناصب هامة في إدارة مناطق الاورال الجنوبية في روسيا. إن انتماء الوالد إلى فئة النبلاء ومهنته العسكرية لم يؤثرا في روح التقوى الإسلامية السائدة في العائلة. بعد التخرج من مدرسة الامبراطور بافل العسكرية المتميزة في بطرسبورغ ، خدم عبد العزيز دولتشين خمس سنوات في قلعة دينابورغ غير بعيد عن دفينسك ، وتعلم في سنوات 1887 ـ 1890 في صفوف اللغات الشرقية لأجل الضباط لدى الدائرة الآسيوية في وزارة الخارجية (1). وهذه الصفوف أعطت الجيش الروسي والديبلوماسية والعلم سلسلة من المستشرقين الممارسين اللامعين.
__________________
(1) راجع قائمة الخدمة لحد أيلول (سبتمبر) 1890 للعقيد دولتشين الذي كان يتعلم في سنوات 1887 ـ 1890 في صفوف اللغات الشرقية لدى دائرة آسيا بوزارة الخارجية (أرشيف الدولة التاريخي العسكري المركزي. المجموعة 400 ، الملزمة 21 ، الملف 1609 ، ص 262 ـ 266 ؛ المجموعة 401 ، الملزمة 4 ، الملف 29 ، الجزآن 1 و 2 ، سنة 1888 ؛ الملف 29 ، سنة 1889).

وأمام الضابط المسلم الشاب الذي امتلك في نهاية التعليم ناصية اللغات العربية والتركية والفارسية والانجليزية والفرنسية ، ناهيك عن لغته القومية واللغة الروسية ، انفتحت آفاق رائعة أمامه للترقي في الميدان العسكري والديبلوماسي الروسي. ولكن دولتشين ، بحكم طبعه ، لم يسع وراء الوظائف العالية. فإن هذا الضابط الهادئ ، المتوازن ، الرصين ، العملي ، وحتى المتحذلق نوعا ما ، الذي لا يتميز بالغرور راح بهدوء من بطرسبورغ إلى وظيفة غير كبيرة في أعماق آسيا الوسطى ، في ناحية قره قلعة ، غير البعيدة عن عشق آباد. وأثناء إقامته هناك سبع سنوات ، تفهّم جيدا القضايا التي تشغل بال الناس القاطنين في الأراضي الخاضعة لادارته ، وامتلك ناصية اللهجات المحلية ، ودرس اخلاق السكان المحليين وطبائعهم وعاداتهم وفولكلورهم. وبحكم عمله ، تقابل غير مرة مع رئيس مقاطعة ما وراء قزوين أ. ن. كوروباتكين الذي سرعان ما صار وزيرا للحربية. وقدّر كوروباتكين كفاءة النقيب المسلم. وهناك جملة من الوقائع توحي بانه نشأت بينهما علاقات صداقة ؛ وعندما وردت مسألة ضرورة ترشيح ضابط في الجيش الروسي لأداء فريضة الحج وتفهم ما إذا كانت هذه الممارسة تشكل خطرا على مصالح روسيا العسكرية والسياسية في الشرق ، تذكره كوروباتكين.
حالف الترشيح أقصى التوفيق. فبما أن دولتشين كان مسلما ، فقد اعتبر إمكانية إداء فريضة الحج كمنحة من القدر ، ومهمة المأمورية كفرصة لمساعدة الآلاف من اخوانه في الإيمان ، من المسلمين من رعايا روسيا ، مساعدة فعلية من إداء فريضة الحج ، الأمر الرئيسي على الأغلب في الحياة الروحية لكثيرين منهم ، وادائها في ظروف وشروط لائقة بالبشر. ومع ذلك ظل من رعايا الامبراطورية الاوفياء كليّا ، ظل مخلصا لقسم الضابط. وعن حق وصواب اعتبر تلبية الحقوق المشروعة لأبناء دينه في اداء فريضة الحج انعكاسا لعناية الدولة برعاياها ، الأمر الذي يوطد الدولة نفسها في آخر المطاف.

تجدر الإشارة إلى أن دولتشين لم يكن يعرف حاجات المسلمين البسطاء القاطنين في أراضي روسيا وحسب. فإن مضمون يومياته يدل على انه كان يعرف أيضا عددا من الشخصيات الإسلامية العائشة في روسيا. ومن معارفه ، الشخصية المحافظة نوعا ما ، حميد الله آخون ، الذي كان يتمتع بجزيل الاحترام بين المسلمين القاطنين في بطرسبورغ ؛ وعطا لله بايازيدوف ، المذكور سابقا ، مؤلف جملة من المطبوعات تشكل بمجملها بيانا فريدا لمسلمي روسيا الذين يشاطرون الأفكار الإصلاحية. ويذكر دولتشين بين معارفه القريبين كبار أصحاب مصانع النسيج التتر من عائلتي اكتشورين ودبردييف ، الذين تبرعوا بمبالغ كبيرة لتلبية الحاجات الدينية ولعبوا دورا ملحوظا في حياة روسيا السياسية ؛ والدكتور دالغات الذي خدم في سنة 1899 لدى القنصلية الروسية في جدّة ، والذي صار فيما بعد شخصية إسلامية هامة تقدمية الاتجاه ، واشترك في مؤتمر مسلمي روسيا الذي انعقد في بطرسبورغ في حزيران (يونيو) 1914.
في هيئة الأركان العامة للجيش الروسي التي مضى دولتشين إلى مكة بتكليف منها ، كان يوجد تقليد علمي جدي. فقد كانت دراسة بلدان الشرق الأدنى تحظى باهتمام كبير. إن ازدهار النشاط العلمي المتعلق بقيام الضباط الروس بوصف مختلف مناطق الامبراطورية العثمانية كان يرتبط باسم الشخصية العسكرية ورجل الدولة البارز الليبيرالي الاتجاه ن. ن. أوبروتشيف (1830 ـ 1904) الذي عيّن في سنة 1881 رئيسا لهيئة الاركان العامة. وبمبادرته شرعت اللجنة العسكرية العلمية لدى هيئة الاركان العامة بإصدار «مجموعات المواد الجغرافية والطوبوغرافية والاحصائية عن آسيا». ونحو بداية الحرب العالمية الأولى صدرت 87 من هذه المجموعات 8 منها (4 ، 11 ، 19 ، 20 ، 49 ، 62 ، 66 ، 84) مكرسة للشرق الأدنى (1).
__________________
(1) لمزيد من التفصيل راجع ب. م. دانتسيغ. دراسة الشرق الأدنى في روسيا.
موسكو ، 1968 ، 149 ـ 151.

وإذا كانت «يوميات» دولتشين تدل على مبلغ عمق الانطباع الذي تركته في شعوره الديني مراسم الحج (1) ، فإن «تقريره» يبيّن إلى أي حد تفهم بدقة واهتمام القضايا المطروحة أمامه.
وقد استفاد دولتشين في عمله من مصادر متنوعة باللغات العربية والتركية والاوروبية ، فضلا عن ملاحظاته ومراقباته الشخصية. وعلاوة على المعلومات المفصلة عن الحج عموما ، بما في ذلك ترجمة آيات من القرآن تتحدث عن الحج إلى مكة ، ووصف المراسم والشعائر بالتفصيل ، حلل دولتشين بدقة وعناية القضايا المتعلقة بحج المسلمين من رعايا روسيا وكذلك بالحجاج من الدول الأخرى ، وتناول الوضع الصحي الوبائي في الحجاز ، وساق قائمة الإجراءات الصحية ، الضرورية برأيه ، وأعطى وصفا مفصلا عن مكة والمدينة وسبل الحجاج. إن باب «معلومات أولية عن الحجاز» ينطوي على معلومات في غاية التنوع من وصف النباتات والحيوانات إلى مواد تتعلق بالميزانية والتقسيم الأداري. وتضمن «التقرير» معلومات طريفة ومفيدة ذات طابع عسكري وسياسي واثنوغرافي وتاريخي واقتصادي تتعلق بالجزيرة العربية والحج في أواخر القرن التاسع عشر. كذلك عكس «التقرير» جملة من القضايا التي اثارت الاضطراب بين المسلمين من رعايا روسيا. ومن هذه القضايا ، الدعاية لنزوح المسلمين من روسيا إلى البلدان الإسلامية. وبتأثير هذه الدعاية نزح ، مثلا ، من القرم إلى تركيا ، مئات الناس.
بعد العودة ، أعد دولتشين خلال بضعة أشهر «التقرير» للطبع ؛ وفي
__________________
(1) لم يكن دولتشين أول ضابط مسلم في الجيش الروسي يزور مكة. ففي سنة 1845 ، قام بفرضية الحج عباس قولي آغا باقي خانوف (الاسم الأدبي المستعار ـ قدسي) المؤرخ والفيلسوف والشاعر الاذربيجاني البارز (1794 ـ 1846 ، العقيد في الجيش الروسي. في الطريق من مكة إلى المدينة ، مات بسبب الكوليرا ودفن في وادي فاطمة.

سنة 1899 ، بحث إمكانية مأمورية جديدة إلى القسطنطينية لأجل مواصلة دراسة المسائل المتعلقة بحج المسلمين من رعايا روسيا (1). ولكن مهمة أخرى كانت بإنتظاره. فقد ارسلوه من جديد إلى آسيا الوسطى ، وهذه المرة للاطلاع على نشاط المحاكم الشعبية. فإن ادراج منطقة ما وراء قزوين ، وأقليم تركستان ، وكازاخستان في قوام الامبراطورية قد تطلب كذلك ادماج النظام القضائي القائم في هذه الإنحاء في النظام القضائي لعامة روسيا. وقد تبدت نواقص النظام القضائي المحلي ، مثلا ، في سياق البحث عن أسباب انتفاضة انديجان وتحليل عواقب تطبيق لائحة سنة 1886 بصدد إدارة أقليم تركستان. وقد عهد إلى دولتشين ، الخبير البارع في شؤون هذا الاقليم ، بتفهم مجمل هذه القضايا في مطرحها. وهذه المرة أيضا أدى المهمة بنحو باهر ، الأمر الذي يدل عليه «تقرير النقيب دولتشين عن المأمورية إلى اقليم تركستان ومناطق السهوب للاطلاع على نشاط المحاكم الشعبية» (سانت بطرسبورغ ، سنة 1901) ؛ وهذا التقرير لا يزال إلى الآن على جانب من الأهمية بوصفه مصدرا تاريخيّا فريدا (2).
بعد العودة من آسيا الوسطى ، كلفوا دولتشين بوظيفة نقيب تحت
__________________
(1) راجع أرشيف الدولة التاريخي المركزي. المجموعة 1298 ، الملزمة ، I الملف 2286 ، ص 167 ـ 167 (الظهر).
(2) راجع كذلك أرشيف المستشرقين في فرع لنينغراد لمعهد الاستشراق لدى أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي. المجموعة 70 ، الملزمةI ، الملف 3. يتضمن الملف دفترين بمواد عن المأمورية ومنشورات للمؤلف في القضية ، ونصّا مطبوعا «للتقرير» ـ ملاحظات خطية كثيرة. وثائق تتعلق بالنظام القضائي في آسيا الوسطى. راجع كذلك في الملفات 11 ، 12 ، 18 ، 19 ، 21 ، 23 ، 25 ، 18. عن مأمورية دولتشين هذه راجع أرشيف الدولة التاريخي العسكري المركزي. المجموعة 400 ، الملزمة ، I الملف 2087 ـ 2090.



تصرف رئيس هيئة الاركان العامة ، مع استمراره في دراسة قضايا تركستان. وتدل مواد أرشيف المستشرقين في فرع لينينغراد لمعهد الاستشراق لدى اكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي (المجموعة رقم 70) على سعة اهتماماته. فإن هذه المجموعة تحتوي تسجيلات مؤلفات فولكلورية (الملف رقم 49) ووثائق تتعلق بخدمة المسلمين في الجيش الروسي (الملف رقم 7) وبالخدمة الدينية والممارسة الإدارية في المناطق الإسلامية (الملفات رقم 6 ، 8 ، 9 ، 10 ، 13 ، 14 ، 16 ، 20 ، 29) ومشاريع الري في تركستان (الملف رقم 40). وهناك عدد كبير من الترجمات ومن المقتطفات من الكتب ، ومن ملاحظات المؤلف الشخصية ، وكلها تتعلق بتاريخ الإسلام والعالم العربي الإسلامي والشعوب الإسلامية القاطنة ضمن حدود روسيا (الملفات رقم 33 ـ 39 ، 41 ـ 43). ويحلل دولتشين أعمالا تتحدث عن الإسلام (الملف رقم 47). أما بأي احترام كانت الطائفة الإسلامية في روسيا تعامله ، فتدل عليه الرسالة التذكارية المقدمة له في يوم بلوغه الأربعين من العمر (الملف رقم 79). وهذه الرسالة ننشرها في هذا الكتاب على سبيل التبيان.
وفي حياة دولتشين مرحلة خاصة ترتبط ببناء جامع بطرسبرج حيث كان رئيسا للجنة بنائه. وقد جرى ارساء أساس الجامع في 3 شباط (فبراير) 1910. إن بناية الجامع التي لا تزال اليوم من أبرز آثار الهندسة المعمارية في لينينغراد كانت محسوبة لأجل 3000 من المصلّين. وقد أخذ دولتشين على عاتقه قسما كبيرا من العمل على تنظيم البناء وجمع الأموال من أجله ؛ وكان قد صار في هذه الأثناء عقيدا. (راجع الملف رقم 61 ـ 64). وإلى هذه الحقبة من الزمن ترقي الصورة التي يبدو فيها دولتشين مع خان خوى سيّد اسفنديار والتي التقطها المصور الشهير من بطرسبوغ كارل بولّا على حاجز كاتدرائية بطرس وبولس في بطرسبورغ. وبموجب فرمان من القيصر نيقولاي الثاني ، كان دولتشين قد كوفئ

بوسام ستانيسلاف (الملف رقم 80) ، كما أن أمير بخارى منحه وسام النجمة الذهبية من الدرجة الثالثة.
في سنة 1916 ، صار دولتشين برتبة لواء أمين سر هيئة الأركان العامة ، وترأس العمل المتعلق بجمع الوثائق التي تهيئها هذه الدائرة البالغة الأهمية في بنية الجيش الروسي. ولكن ، بعد سنة ، في أيار (مايو) 1917 ، حل محل الفريق ماناكين في منصب رئيس القسم الآسيوي في هيئة الأركان العامة (1). وقد بقي في هذا المنصب بعد ثورة اكتوبر ، وعلى الأقل حتى 4 آذار (مارس) 1918 (2).
بعد ثورة اكتوبر (تشرين الأول) 1917 ، تعاون دولتشين بهمة ونشاط مع حكومة العمال والفلاحين ، إذ رأى في العديد من تصريحات ممثلي السلطة الجديدة إمكانية تحسين حياة المسلمين في تركستان. واهتم كثيرا بمسائل الري في تركستان ، وساعد في شراء المطبوعات الضرورية (الملف رقم 56 ، 58) ، وقام بدور الخبير ، وعكف على دراسة وحل المسائل المتعلقة بإصدار كتب التعليم باللغات المحلية (الملف رقم 55) ، ووضع خطة من الإجراءات لمكافحة الملاريا في تركستان ، وعمد إلى وضع موجز تاريخي عن القوات المسلحة البشكيرية (الملف رقم 46). وتدل الوثائق على أن دولتشين كان في أواخر سنة 1919 يشرف على هيئة أركان القسم الشرقي الخاص لدى أكاديمية الأركان العامة (الملف رقم 54).
ومن المؤسف انه لم يتسنّ لنا أن نعثر على مواد تتعلق بمصير العقيد عبد العزيز دولتشين لاحقا.
__________________
(1) راجع أرشيف الدولة التاريخي العسكري المركزي. المجموعة 400 ، الملزمة ، I الملف 4149 ، ص 84.
(2) راجع المرجع ذاته ، الملف 4149 ، ص 77 ـ 82.

تمهيد
إن أوصاف المدينتين المقدستين في الجزيرة العربية ، مكة المكرّمة والمدينة المنورة ، تشغل ، لأسباب مفهومة ، مكانا كبيرا في المؤلفات التي وصلت إلينا من أدب التاريخ والجغرافية عند العرب وسائر الشعوب الإسلامية. فإن مؤلفات جغرافية شهيرة عديدة ، ومنها «سفر نامة» تأليف ناصر خسرو (394 ـ حوالي 481 هجرية / 1003 ـ 1088) قد ظهرت بمثابة أوصاف للحج إلى مكة. كما ظهر نوع خاص من المؤلفات مكرس لفضائل المدينتين المقدستين. وفي هذا الصدد لفت العلماء الأوروبيون من زمان بعيد الإنتباه إلى الامكانية الفريدة التي توفرها المصادر من هذا النوع لبعث تاريخ مكة المكرّمة وجغرافيتها التاريخية. فمن سنة 1857 إلى سنة 1861 أصدر فرديناند فوستنفلد سلسلة من أربعة مجلدات اسمها «أخبار مدينة مكة» (1) ، وختمها بمؤلف النهروالي (توفي سنة 990 ه‍ / 1582 م). ويحتوي كتاب أوغست رالي «المسيحيون في مكة ...» (2)
__________________
(1)F. Wustenfel. Die Chroniken der Stadt Mekka ـ ـ ـ I ـ IV. Lpz. 7581 ـ 1681.
(2) A. Ralli. Christians at Mecca ـ ـ ـ Illustrated. L., 9091 حيح أن المؤلف يفس المصادر بشكل اعتباطي ، ولكن كتابه يعطي مع ذلك تصورا واضحا عن طبع وحجم المواد المتوفرة ، ويحتوي معلومات هامة.

عرضا لانطباعات رحالة أوروبيين زاروا هذه المدينة بدءا من سنة 1503 (لودوفيكو بارتيما) وانتهاء بسنة 1894 (جرفه ـ كورتيليمون). إن المواد التي استرعت انتباه صاحبي هذين الكتابين ترتبط في المقام الأول بمكة والمدينة مباشرة ، ولكنها تتسم بأهمية خارقة على صعيد دراسة الحج بالذات ، ودوره التاريخي الثقافي والاجتماعي السياسي في المجتمع الإسلامي. إن دراسة مختلف المصادر من هذا النوع بمجملها ، ومنها مثلا الوصف الشعري للحج بلغة «الحميادو» من وضع مؤلف مغربي مجهول في القرنين السادس عشر والسابع عشر (1) تتيح لنا أن نرى في الحج شكلا للوحدة في الإيمان التي توحّد ملايين المسلمين على اختلاف بلدانهم وتقاليدهم القومية والثقافية. وباعتبار الحج عنصرا محوريّا ، تتيح لنا هذه الدراسة أن نرى تاريخ الشعوب الإسلامية في وحدته. وإن المؤلف يود لو يعتبر هذا البحث قسطا في بناء صرح جليل لهذا التاريخ.
وهذا الكتاب الذي نضعه بين أيدي القراء يرتكز على وثائق ومواد فريدة وعسيرة المنال من الارشيفات والمكتبات السوفييتية : أرشيف المستشرقين ومكتبة فرع لينينغراد لمعهد الاستشراق لدى أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي ، أرشيف الدولة العسكري التاريخي المركزي (موسكو) ، أرشيف الدولة التاريخي المركزي (لينينغراد) ، مجموعات المخطوطات والوثائق لدى أكاديمية العلوم في جمهورية أوزبكستان الاشتراكية السوفييتية (طشقند) ، أرشيف الدولة المركزي للأسطول البحري الحربي (لينينغراد) ، أرشيف سياسة روسيا الخارجية ، أرشيفات مكتبات أخرى في (لينينغراد) ، أرشيف سياسة روسيا الخارجية ، أرشيفات مكتبات أخرى في لينينغراد وموسكو وتبيليسي.
__________________
(1)» LA Coplas del Alhichonte de Puey Monzon «راجع أي. يو. كراتشكوفسكي.
المطبوعات الجغرافية العربية. المؤلفات ، المجلد 4 ، ص 457 ـ 458.

يعود مكان الصدارة في هذا الكتاب إلى المواد المتعلقة برحلة العقيد في الجيش الروسي ، عبد العزيز دولتشين إلى مكة والمدينة سنة 1898. ولكي يحصل القارئ على تصور عن كل طيف الآراء والتقييمات المتواجدة في روسيا على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين بصدد الحج ، جمعنا في الملاحق سلسلة من المواد ، في عدادها انطباعات عن الحج ، أصدرها حجاج بسطاء من منطقة الفولغا والاورال الجنوبي وتركستان تبرز أولوياتهم وإهتماماتهم وتعطي تصورات عن العقائد الشعبية العديدة بصدد الحج ؛ نظرة إلى الحج من كاتب تقدمي إجتماعي إسلامي ومن معاون في القنصلية الروسية في جدّة مفعم بالروح الأوروبية ؛ رأى كاتب إجتماعي مفعم بالشوفينية وروح الدولة الكبرى في حج المسلمين من رعايا دولة روسيا ، وأخيرا ، وثيقة رسمية لوزارة الداخلية في إمبراطورية روسيا تتعلق بتنظيم حج المسلمين.
يعرب المؤلف عن خالص الامتنان لنوريه بكياشيفا على العون الكبير الذي قدمته في مجال دراسة الوثائق ، وكذلك للدكتور عبد الجبار عبد الوحيدوف والدكتور حميد الله حكمت اللايف على العون في إعداد المخطوطات من مجموعة اكاديمية العلوم في جمهورية أوزبكستان الاشتراكية السوفييتية لأجل النشر.
* * *
إن القرار غير العادي نوعا ما بإرسال الضابط في الجيش الروسي ، المسلم من حيث الأصل والتربية ، العقيد دولتشين ، قد اتخذ في وضع تعاظم فيه كثيرا دور العامل الإسلامي في سياسة روسيا الداخلية والخارجية. وقبل أن نشرع في عرض المواد التي في منالنا والمتعلقة بحياة دولتشين ونشاطه ، نحاول أن نرسم إطار السياسة الخارجية والداخلية الذي اتخذ فيه هذا القرار ، وخصائص العلاقات بين الطوائف

والعلاقات بين المسلمين في روسيا على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين ، والقضايا الناشئة لمناسبة حج المسلمين من رعايا روسيا.
النصف الثاني من القرن التاسع عشر هو مرحلة تعاظم نفوذ روسيا في الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى بسرعة وحدة. وقد شهد عام 1898 ضم أقليم تركستان إلى روسيا. فقد التحق بقوام الامبراطورية الروسية ـ علاوة على الشعوب الإسلامية التي كانت تعيش فيها من قبل ـ الملايين والملايين من المسلمين ممن حافظوا على بنية علاقاتهم في إطار العالم الإسلامي. ومع خانة (إمارة) بخاري وخانة (إمارة) خوي ، بلغ عدد الرعايا المسلمين في الإمبراطورية 16 مليون نسمة. ومن حيث الجوهر لم يبد السكان المحليون مقاومة بوجه القوات المسلحة الروسية. وفي غضون 35 سنة (1847 ـ 1879) من العمليات الحربية التي جرت هنا ، خسرت روسيا ، بموجب المعطيات الرسمية ، زهاء 400 قتيل (1). إن تخفيض ضريبة الأرض إلى النصف ، وإعفاء السكان من الخدمة العسكرية ، وتوظيفات الرأسمال الكبيرة ، ومستوى احترام الإدارة الروسية لعادات السكان المحليون وتقاليدهم الدينية ، ومنافع التجارة المحلية من اتساع الإتصالات مع روسيا ـ كل هذا خفف كثيرا في عيون السكان المحليين من عواقب توسع القيصرية الاستعماري. وبموجب استنتاجات لجنة التفتيش برئاسة المستشار السري غيرس (سنة 1882) ، بدأ في سنة 1886 تطبيق لائحة إدارة أقليم تركستان. وقد نصت هذه اللائحة على مساواة حقوق السكان المحليين بالحقوق التي كان يتمتع بها السكان الروس ضمن حدود الامبراطورية ، وعلى تطبيق نظام قضائي مستقل ، وتخفيض عدد موظفي الإدارة في الأقضية ؛ وأخيرا على تطبيق
__________________
(1) راجع ف. ب. سالكوف. إنتفاضة انديجان سنة 1898. قازان ، سنة 1901 ، ص 95. الملاحظة رقم 1.

«مبدأ الانتخاب» عوضا عن تعيين مدراء النواحي. وكان يبدو أن التهدئة قد تحققت في المنطقة. ولكن نشبت فتنة انديجان في 18 أيار (مايو) 1898 ؛ وفي سياقها ذبح 20 جنديّا روسيّا وجرح 22 جنديّا ، وقطع رأس مستوطن روسي. قامت هذه الفتنة تحت شعار الجهاد ، وترأسها الزعيم الصوفي المحلي ايشان محمد علي صابر أوغلي ، الذي الذي قام قبل ذاك بقليل بالحج إلى مكة الذي استقبل ، كما بيّن التحقيق ، رسلا من اسطمبول. وفي عداد المشتركين في الفتنة كان خمسة من مدراء النواحي ، وقضاة انتخبهم السكان المحليون. وفي سياق المحاكمة ، ذكر محمد علي صابر أوغلي في عداد دوافعه فساد الأخلاق ، والانحراف عن مقتضيات الشريعة ، والغاء الزكاة وقوانين الأوقاف ، وأخيرا ، منع الحج. وبالفعل وضعت الخزينة يدها على الأراضي المسماة بأوقاف السواد («قره وقوف») التي اعتبرت وثائق ملكيتها غير شرعية ؛ ومرارا منعت السلطات الحج بسبب وباء الكوليرا ووباء الطاعون.
إن تحليل هذه الأحداث ، وكذلك الاضطرابات التي وقعت قبل ذاك في سنة 1872 (في منطقة نهر قره سو) وفي سنة 1892 في طشقند ، قد بيّن الدور الكبير الذي لعبه ذوو المكانات الدينية (الايشانات) في تنظيمها. ولم تستطع السلطات أو لم تشأ أن ترى في هذه الاضطرابات بداية لحركة واسعة معادية للاستعمار تجلت بعد بضعة أعوام فقط في الكثير من التمرد والانتفاضات التي شملت عددا من المراكز الهامة في تركستان.
في أواخر القرن التاسع عشر ، اشتد الصراع بين الدول الاستعمارية على السيطرة في منطقة الخليج العربي وحوض البحر الأحمر (1). أدّى هذا
__________________
(1) من بين أعمال المؤلفين السوفييتيين ، راجع ، مثلا ، غ. بونداريفسكي. طريق بغداد وتسر الامبريالية الالمانية إلى الشرق الأدنى. طشقند ، سنة 1955 ؛ بونداريفسكي أيضا : السياسة الإنجليزية والعلاقات الدولية في الخليج العربي. موسكو. سنة ـ

الصراع ، وعلى الأخص بصدد بناء سكة حديد بغداد ، انجذبت روسيا أيضا. وظهرت في الخليج العربي السفن الحربية والتجارية الروسية (1). وقد حاولت الأطراف المتصارعة هنا الإستفادة في مصلحتها من بأس روسيا ونفوذها. ومن الأدلة الطريفة على محاولات الديبلوماسية الالمانية من هذا النوع رسائل ادوارد غلازر الاختصاصي في تاريخ جنوب الجزيرة العربية وثقافتها ، وعميل المخابرات الالمانية الكبير كما يتضح من هذه الرسائل التي أرسلها في خريف 1898 إلى وزير الخارجية في روسيا ميخائيل مورافيوف. وهدف هذه الرسائل ومحورها الرغبة في إستثارة تدخل روسيا في شؤون الجزيرة العربية إلى جانب تركيا ، الأمر الذي كان من شأنه أن يؤدي في آخر المطاف إلى تقارب فرنسي روسي الماني ذي وجهة معادية للانجليز. وفي المانيا كانوا يخشون خارق الخشية من أن توافق روسيا على اقتراح بتقسيم الإمبراطورية العثمانية إلى مناطق نفوذ من إحالة جميع الأراضي العربية إلى إنجلترا. هذه المقترحات تقدم بها في كانون الثاني (يناير) سنة 1898 رئيس وزراء بريطانيا العظمى سولسبيري. وقد كان من شأن تطبيقها أن يؤدي إلى انهيار سياسة القيصر الالماني «البغدادية» كلها. وقد حسب سولسبيري ، إذ تقدم بإقتراحاته ، أن تحول المانيا دون تعزيز مواقع روسيا في الشرق الأوسط تعزيزا جوهريّا وأن تعود الأراضي العربية إلى إنجلترا. ولكن الديبلوماسية
__________________
ـ 1968 ؛ أ. س. سيلين. توسع المانيا في الشرق الأدنى في أواخر القرن التاسع عشر. موسكو ، سنة 1971 ؛ ل. غ. ايستياغين. التسر الالماني إلى إيران والمواجهة الروسية الالمانية عشية الحرب العالمية الأولى. موسكو ، 1979 ؛ يو. أ. بويق. الشرق الأدنى في سياسة فرنسا الخارجية (1898 ـ 1914). لمحات في تاريخ نضال فرنسا الديبلوماسي من أجل الشرق الأدنى. كييف ، سنة 1964.
(1) راجع أ. ريزفان. السفن الروسية في الخليج العربي (1899 ـ 1903). مواد أرشف الدولة المركزي للاسطول البحري الحربي. موسكو ، سنة 1990 (باللغة العربية).

الروسية درست وتفهمت فحوى مقترحات غلازر ، فرفضت تطبيقها (1) ، كما رفضت الموافقة على مقترحات سولسبيري. ومن جراء ذلك ، قامت في الصحافة الإنجليزية وبخاصة في الصحافة الإنجلو ـ هندية حملة واسعة ضد روسيا في خريف سنة 1898 وفي ربيع سنة 1899 ؛ وقد اتهمت الحكومة الروسية بالإعداد لاحتلال سلطنة تاجورا ، وبارسال العملاء إلى الجزيرة العربية ومنطقة الخليج (2).
وفي روسيا تفاقم الحذر من سياسة المانيا في الشرق الأدنى. وقد قدروا في روسيا كل عمق نفاق «السياسة الإسلامية» التي كان ينتهجها القيصر الإلماني غليوم الثاني الذي أرسل إلى القيصر الروسي نيقولاي الثاني رسالة بتاريخ 20 تشرين الأول (اكتوبر) 1898 كتبها أثناء إقامته في القسطنطينية : «تذكر أننا أنت وأنا قد اتفقنا في بيترهوف على ألّا ننسى أبدا أن من الممكن أن يصبح المسلمون ورقة كبيرة للغاية في لعبتنا إذا ما وجدنا أنفسنا فجأة ، أنت وأنا ، في حالة حرب مع دولة معروفة تدس أنفها في كل مكان» (3). وقد فهموا في بطرسبورغ أن محاولة المانيا لاستغلال الأمزجة الإسلامية ضد إنجلترا موجهة أيضا ضد روسيا التي يعيش فيها الملايين والملايين من المسلمين. وإلى هذا أشار ، مثلا ، نشر الترجمة الروسية في سنة 1902 في برلين لكتاب الكاتب الإجتماعي الإسلامي التوحيدي مير علي من الهند «حياة وتعاليم محمد أو روح الإسلام» ؛ وفيما
__________________
(1) أرشيف سياسة روسيا الخارجية. المجموعة السياسية. الملف رقم 991. ص 111 ـ 115. تتضمن رسائل أ. غلازر مواد فريدة في تاريخ الانتفاضات ضد الاتراك في اليمن في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ، وبخاصة انتفاضة سنة 1898. لمزيد من التفصيل عن هذه المواد راجع بونداريفسكي. الامبريالية الالمانية ، 4 ـ 10.
(2) راجع ، مثلا ،» Times of India «بتاريخ 8 ـ 10 ـ 1898 ، 18 ـ 2 ـ 1899 ، 29 ـ 4 ـ 1899. راجع كذلك بونداريفسكي. الإمبريالية الالمانية ، 10.
(3) مراسلات غليوم الثاني مع نيقولاي الثاني. موسكو ـ بتروغراد ، 1923 ، 30.

بعد ، في عشية الحرب العالمية الأولى وفي سياقها ، صدرت في برلين نداءات إلى مسلمي آسيا الوسطى تدعوهم إلى الجهاد.
وبما أن روسيا كانت ترى في الخليفة التركي عدوّا حربيّا دائما ، فقد كانت تنتهج بالطبع حيال الإسلام سياسة حذرة قوامها تأمين حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية لأجل السكان المسلمين ، والاعتماد على رجال الدين المسلمين ذوي التفكير التقليدي ، وتحويل الائمة والمفاتي من حيث الجوهر إلى موظفين حكوميين ، وكذلك الموقف السلبي من أغلبية حركات التجديد في الإسلام ، والنضال ضد الدعاية الإسلامية التوحيدية والدعاية التركية التوحيدية.
في سنة 1787 ، صدر في بطرسبورغ نص القرآن بأمر من الامبراطورة ايكاتيرينا الثانية. وهذا النص أعده الملّا عثمان إبراهيم وزوّده بالتعليقات. وقد اعيد طبع النص مرارا عديدة في بطرسبورغ ثم في قازان. وقد صدرت إحدى الطبعات على حساب الخزينة وخصيصا «لأجل التوزيع على الشعب القرغيزي القيساقي». وبموجب فرمان بتاريخ 15 كانون الأول (ديسمبر) 1800 ألغيت القيود على إصدار المطبوعات الدينية الإسلامية في روسيا ؛ وفي سنة 1802 ، افتتحت في قازان أول مطبعة إسلامية. وفي سنة 1829 صادق الامبراطور نيقولاي الأول على نموذج تصميم وواجهة لأجل بناء مساجد كان ينبغي تخصيص امكنة لائقة لها في المقامات السكنية الإسلامية. وفي سنة 1833 صدر فرمان يطالب جميع مسلمي روسيا بالتقيد الدقيق بمقتضيات دينهم وعقائده وبمعاقبة المخالفين معاقبة صارمة. ومن السهل مواصلة تعداد الوقائع من هذا النوع ؛ ولكن هذه المتطلبات لم تكن تمنع الدعم الرسمي لرسالة الكنيسة الأرثوذكسية في حقل التبشير والدعوة إلى اعتناق الدين المسيحي شرط عدم جواز أعمال العنف والتطرف التي كان من شأنها أن تؤدي موضوعيّا إلى الاخلال بالاستقرار في الامبراطورية الروسية.

أدت سياسة روسيا حيال الإسلام إلى تعاظم التعاطف معها في صفوف الشعوب الإسلامية. وإننا نجد دليلا طريفا على ذلك في «تقرير» دولتشين الذي أورد قول المدرّس السيّد علي ظاهر المشهور في الحجاز : «إيماننا صحيح ؛ ولا ريب في هذا ؛ ولكن لا وجود للعدالة في الدول الإسلامية ؛ يجب البحث عن العدالة عند الروس» (1). وفي هذا كان اخصام روسيا يستشفون خطرا على مصالحهم. وفي سنة 1873 اتهمت الجريدة الإنجليزية» Pall ـ Mall Gazette «روسيا بدعم الهيئات الدينية الإسلامية إذ رأت فيه مكائد ضد إنجلترا (2). وفي سنتي 1873 و 1874 غالبا ما كان الشاه الإيراني نصر الدين يردد «إن الروس أخطر من الإنجليز لأن المسلمين يكرهونهم أقل مما يكرهون الإنجليز» (3).
على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين تبدت بكل وضوح في أوساط المسلمين من رعايا روسيا أيضا التغيرات في وعي الشعوب الإسلامية الديني ، ونشوء الاتجاهات المتصلة بتعاليم المهدي والبعث الإسلامي وتطور الميول الإصلاحية في الفكر الديني والفكر الاجتماعي السياسي. وفي عداد الوقائع من هذا النوع يسترعي الانتباه ظهور «فوج فايسوف الرباني» في سنة 1862 ، الذي أسسه بهاء الدين فايسوف (1804 ـ 1893) والذي دام حتى سنة 1918 ، عندما قتل ابن مؤسس
__________________
(1) راجع أدناه «التقرير» ، ص 64.
(2) مقال الجريدة الإنجليزية هذا كان صدى لمقالة «الملالى المتجولون» («بيرجيفي فيدوموستي». سانت بطرسبورغ ، العدد 312 بتاريخ 21 ـ 11 ـ 1873). ردت الجريدة الروسية على حملات» Pall ـ Mall «بمقالتين : «تطلعات بريطانيا إلى الجزيرة العربية والاتهام الجديد ضد روسيا» (العدد 319 بتاريخ 28 ـ 11 ـ 1873) و «اتهام روسيا بحماية الإسلام» (العدد 339 بتاريخ 18 ـ 12 ـ 1873).
(3) راجع
B. G. Martin. German ـ Persian Diplomatic Relations. 3781 ـ 2191. Monton, 9591, 72.



الحركة عنان الدين فايسوف الذي واصل قضية والده. إن ايديولوجية هذه الحركة التي كانت تحظى دوريّا بواسع الانتشار بين السكان المسلمين في منطقة الفولغا كانت ترتبط سواء بتقاليد الطريقة «النقشبندية» أم بأفكار البعث. وقد طالب زعماء هذه الحركة في مؤلفاتهم وفي ممارستهم (1) سواء بالخضوع التام لأحكام القرآن ، أم بالامتناع المطلق عن الاتصال مع سلطات الدولة ومع ممثلي الإسلام التقليدي. وقد احيل الفايسوفيون إلى المحاكمة بسبب الامتناع عن إداء الخدمة العسكرية ، كما إن مؤسس الحركة توفي أثناء سجنه في مستشفى الأمراض النفسية في دائة قازان. ورغبة في نيل الدعم من جانب الرأي العام الروسي تراسل ابنه وتلاقي مع ليون تولستوي (2).
إن انتشار الأمزجة المهدية التي كتب عنها دولتشين قد مس كذلك أراضي الامبراطورية الروسية. فقد كتبت جريدة «سانكت ـ بيتر بورغسكيه فيدوموستي» (العدد 64 لسنة 1883) في رسالة «من القفقاس» إن مسلمي القفقاس يتحدثون دائما عن قرب مجيء المهدي وأن أنباء
__________________
(1) بهاء الدين فايسوفز طريقي خوجاغون (طريق الحجاج). قازان ، 1874. عنان الدين فايسوف. جواهري حكمتي درويشون. (أثمن أقوال الدراويش الحكيمة). قازان ، 1907. ورقة القسم المقدسة. إصدار جمعية مسلمي فوج فايسوف الرباني. قازان ، 1908. المعرفة المقدسة وتصريح عضو فوج فايسوف الرباني. قازان ، 1908.
(2) أ. ف. مولوستفوفا. فوج فايسوف الرباني. عالم الإسلام. م l ,2191.941 ؛ ي. كوبلوف. الكونت ل. ن. تولستوي والإسلام. بصدد مراسلات ل. ن. تولستوي مع تتر قازان. قازان ، 1904 ؛ Choodja Muchammed Cajan Waisow. Les» Weisowens «ET Lean Tolstoy. ـ Annuaire tartar. Vilao, 2391, I, 512 ـ 122 راجع كذلك ن. ف. كابانوف. معطيات جديدة عن الشيعة الفايسوفيين. قازان ، 1909 (ملزمة منفردة من مجلة «برافوسلافني سوبسيدنيك» لسنة 1909) ؛ عبد الله كيلديشوق. عنان فايسوفني توزاغي (فخ عنان فايسوف). قازان ، 1908.

الجرائد عن المهدي السوداني «صبّت النار في لهيب التوقعات الشعبية ، وأن المسلمين تتبعوا بانتباه وتوتر الأحداث التي تتطابق مع تعاليم الكتب الإسلامية». ويستفاد من أقوال ن. ب. أوسترووموف الذي استشهد بأحاديثه مع المسلمين أن الحجاج المسلمين من رعايا روسيا الذاهبين إلى مكة والمدينة كانوا يحاولون أن يروا في الطريق المهدي الذي كان قد بدأ العمل في السودان وأن ينحنوا أمامه ...» (1). وفي سنة 1888 ، جاء إلى مدينة أوفا البشكيريان تشوفاشوف وعبدالوف ، وصرح الأول إنه «النبي المهدي» وأعلن الثاني إنه «رسول النبي». وقال الاثنان أنهما جاءا إلى أوفا ليخاطبا المفتي والعالم الإسلامي كله. وقد اعتبروا الإثنين مجنونين (2).
ومن جراء اليقظة القومية والثقافية للشعوب الإسلامية القاطنة في روسيا ظهرت في أوساط المثقفين القوميين جماعة من الكتاب الإجتماعيين والسياسيين ممن كتبوا من مواقع إصلاحية. وأبرزهم كان رئيس تحرير الجريدة الروسية التترية «بيريفودتشيك» / «الترجمان» (مدينة بختشي سراي) إسماعيل بك غاسبرينسكي (1851 ـ 1914) الذي كان غالبا ما يتحادث مع ليون تولستوي أثناء إستراحته في غاسبرا ، وإمام سانكت بكرسبورغ عطا لله بايازيدوف (توفي سنة 1911) ، والكتاب الإجتماعيون والسياسيون أحمد بك اغايف ، ودولت قيلدييف ، وسليم غيري سلطانوف (3). وقد عرضوا في مقالاتهم وكراريسهم أفكارا قريبة
__________________
(1) ن. ب. اوسترووموف. السالة المسيحية. قازان ، 1894 ، 159.
(2) المرجع ذاته ، 159 ـ 162 ؛ جريدة «أورنبورغسكي ليستوك» («ورقة أورنبورغ»). أورنبورغ ، العدد 42 بتاريخ 15 ـ 10 ـ 1889.
(3) راجع ، مثلا ، أي. غاسبرينسكي. الإسلام الروسي (مقتطفات من الأعداد 43 ـ 47 من «توريدا» لسنة 1881 مع إضافات). سيمفيروبول ، 1881. غاسبرينسكي أيضا : ـ

جدّا من أفكار كبار المصلحين المسلمين من أمثال سيّد أحمد خان (1817 ـ 1898) ، وجمال الدين الأفغاني (1839 ـ 1909) ، ومحمد عبده (1834 ـ 1905). إن انتقاد الموقف الذي وقفه أرنست رينان في محاضراته في جامعة السوربون (1) لم يظهر في مقالة الأفغاني المنشورة في» Journal des debats «وحسب ، بل ظهر كذلك في كراس بايازيدوف «موقف الإسلام من العلم وغير المسلمين» (سانكت بطرسبورغ ، 1887). وكانت قضية إصلاح التعليم (2) من عداد القضايا الرئيسية التي تناولها الجدال بين المسلمين التقدميين («الجديداتين») والمسلمين
__________________
ـ الاتفاقية الروسية الشرقية. أفكار ، ملاحظات ، تمنيات. بختشي سراي ، 1896 ؛ بايازيدوف. الإسلام والتقدم. سانت بطرسبورغ ، 1868 ؛ أحمد بك اغايف. المرأة بموجب الإسلام وفي الإسلام. تفليس ، 1901 ؛ دولت ـ كيلدييف. محمد كنبيا. سانت بطرسبورغ ، 1881 ؛ سليم غيري سلطانوف. منطقة المسلمين المقدسة في الجزيرة العربية. موسكو ، 1916. راجع كذلك ن. اشمارين. لمحة في نشاط تتر قازان المحمديين الأدبي في سنوات 1880 ـ 1895. بتحرير أ. ي. كريمسكي. موسكو ، 1901. راجع كذلك : A. Battal ـ Taymas Musa Garulla Bigi. Kiisilgi, fikir, hauati ve eserlery. ـ Kazanli Turk Meshirlarindan. II, Istanbul, 8591. ونشرت مواد طريفة عن نشاط غاسبرينسكي كذلك في مجموعة» Tataes of the Crimea : their struggle for survival. Original studies ftom North America, unocial and ocial documents from Czarist and Soviet sources. E. Allworth, ed. Durham, 8891.
(1) هذه المحاضرة نشرت في روسيا بالترجمة الروسية : ارنست رينان. الإسلام والعلم. خطاب القي في إجتماع «الرابطة العلمية الفرنسية» (التي أسسها ليفيريه عام 1861) في 29 آدار (مارس) في مدرّج السوربون الكبير. سانت بطرسبورغ ، 1883.
(2) راجع فايز خانوف ، اصلاح مدارس. قازان ، 1866 ؛ (عبد الرؤوف فترات). فترات البخاري. جدال مدرّس بخارى مع أوروبي في الهند وفي مدارس المنهاجية الجديدة («النتيجة الحقيقية لتبادل الأفكار». الطبعة الأولى طبعت في المطبعة الإسلامية في اسطمبول). نقلها عن الفارسية العقيد ياغيللو. لا يجوز النشر. طشقند ، 1911.

المحافظين («القديماتيين»). وقد تعاون المسلمون التقدميون مع الأحزاب المعارضة ، ورحبوا فيما بعد بأحداث سنة 1917. وبالمقابل استثار نشاطهم حذر السلطات الرسمية وارتيابها ، وانتقاد وغضب الشوفينيين المفعمين بروح الدولة الكبرى. وقد كتب أحدهم ، وهو ن. أي. ايلمينسكي (1842 ـ 1891) : «المتعصب بدون التعليم الروسي واللغة الروسية أفضل نسبيّا من التتري المتمدن على الطريقة الروسية ، والاريستقراطي اسوأ من هذا الأخير وذو التحصيل الجامعي اسوأ أيضا» (1). وقد وافقه في الرأي ف. تشيريفانسكي ، عضو «المداولة الخاصة في شؤون الإيمان» ، ومؤلف عدد من البحوث كان بهاؤها بمثابة تحذير من «خطر فادح» مزعوم يتهدد بلدان أوروبا من جانب العالم الإسلامي (2). ولكن الآراء من هذا النوع لقيت الرد والصدّ سواء في الصحافة الديموقراطية الروسية أم في بحوث المستشرقين الروس الحقيقيين (3).
ومن قلق الأوساط الحاكمة بصدد الوضع في المناطق الإسلامية من الامبراطورية الروسية ، نبعت ضرورة جمع المعلومات الموضوعية بشأن مجموعة القضايا المتعلقة بدور الإسلام في الحياة الإجتماعية والسياسية للسكان المسلمين في روسيا ، بما فيها قضية حج المسلمين من رعايا روسيا. وبناء على أمر من محافظ تركستان س. م. دوخوفسكي ،
__________________
(1) ن. أي. ايلمينسكي. رسائل. قازان ، 1895 ، 174 ـ 175.
(2) راجع ، مثلا ، ف. تشيريفانسكي. عالم الإسلام ويقظته. المجلد 1 ـ 2. سانت بطرسبورغ ، 1901 ؛ تشيريفانسكي أيضا : ملاحظة بصدد شؤون إيمان السنة. سانت بطرسبورغ ، 1906.
(3) راجع. مثلا ، أ. كريمسكي. الإسلام ومستقبله. موسكو ، 1899 ؛ ف. ف. بارتولد. الفكرة التيوقراطية والسلطة الدنيوية في الدولة الإسلامية. سانت بطرسبورغ ، 1903.

انشئت في سنة 1898 لجنة خاصة لدراسة أحوال ونشاط رجال الدين المسلمين في أقليم تركستان. وقد نشر التقرير عن نشاط هذه اللجنة في سلسلة «مواد في الإسلام» التي شرعت تصدرها في عام 1898 هيئة أركان الدوائر العسكرية التركستانية. وفي هذه السلسلة وردت أيضا مقالة عن الحج بقلم الملازم ياروفرافسكي (1).
وتدريجيّا أخذت قضية الحج إلى مكة تكتسب المزيد والمزيد من الأهمية ؛ وفي المقام الأول اعتبروا الحج سبيلا لتسرب أفكار الجامعة الإسلامية إلى روسيا. وفي ذلك الوقت كانوا يقيّمون الحج ، لا في روسيا وحسب ، بل أيضا في الدول الأوروبية الاخرى ، كظاهرة دينية سياسية قبل كل شيء ، علما بأنهم كانوا غالبا ما يربطون الاضطرابات في المستعمرات الإسلامية السكان بأمر من مكة (2). ففي 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1878 (كانت تدور رحى الحرب الروسية التركية 1877 ـ 1878) أفاد مراسل وكالة رويتر من القسطنطينية أن «رئيس لجنة «الهلال الأحمر» راح إلى مكة بذريعة مراقبة تطبيق التدابير الصحية نظرا لاقتراب عيد الأضحى. أما هدف سفرته الحقيقي ، فكان يتلخص في تبادل الآراء مع الحجاج من الهند وافغانستان وآسيا الوسطى الذين كان من المتوقع
__________________
(1) لمحة موجزة عن الوضع الراهن ونشاط رجال الدين المسلمين وشتى ضروب الدوائر والمؤسسات التعليمية الدينية للسكان المحليين في مقاطعة سمرقند مع بعض الإشارات إلى ماضيها التاريخي. ـ مواد في الإسلام. النشرة الأولى. طشقند ، 1898 ؛ ياروف ـ رافسكي. الحج إلى مكة والمدينة. ـ مواد في الإسلام. النشرة الخامسة. طشقند ، 1899.
(2) م. ميروبييف. الأهمية الدينية والسياسية للحج أو لسفر المحمديين المشكور إلى مكة لأجل الاحتفال بالعيد الديني. قازان ، سنة 1877 ، 237. راجع كذلك فينّر. بصدد حج المسلمين إلى مكة الكشوف التركمانية ، طشقند ، العدد 29 ، سنة 1895.



أن يصلوا إلى مكة بأعداد كبيرة في الشهر المقبل وفي التأثير فيهم بروح ملائمة للسياسة الانجليزية ومعادية لروسيا («غولوس» ، سانكت بطرسبورغ ، سنة 78 ، العدد 289). ودون تقييم موضوعية هذا الخبر ، تجدر الإشارة إلى انه يدل على الأقل على رأى الصحفي من وكالة رويتر بصدد احتمال تأثير الحج العسكري السياسي.
إن مؤلفات المؤرخين والجغرافيين المسلمين القروسطيين تبيّن أن ممارسة الحج الثابتة قد قامت على امتداد قرون عديدة عند السكان المسلمين في الأراضي التي دخلت فيما بعد في قوام روسيا. فإن إبن بطوطة ، مثلا ، يرى أن اسم مدينة استراخان نفسه يرتبط بإعفاء هذه المدينة من الضرائب لأن حاجّا تقيّا كان يعيش في هذه الإنحاء (1). وقد لعب الحج دورا كبيرا جدّا في انتشار الممارسة الدينية والعادات القائمة في سائر مناطق العالم الإسلامي إلى هذه الأراضي. ومن الأمثلة على ذلك ، نشاط شيخ الطريقة النقشبندية زين الله رسولييف (1833 ـ 1917) (2). ولا ريب في أن الحج كان أيضا قناة بالغة الشأن لإيصال مخطوطات مؤلفات هامة جدّا للشخصيات الإسلامية الكبيرة إلى الأراضي الداخلة في قوام الامبراطورية الروسية ، الأمر الذي كان ييسر فعلا تبادل الأفكار والنظريات في العالم الإسلامي. وكان الحجاج يتمتعون بين مواطنيهم بعمق الإحترام. ومن الأمثلة على ذلك ، وصف لقاء فريق من الحجاج في مدن آسيا الوسطى من وضع أ. فامبيري. اللقاء في غموشتيبه : «انتشر نبأ وصولنا في كل مكان : النساء والأولاد وحتى الكلاب تدفقوا في حيرة غريبة من الخيام لكي يلقوا نظرة إلى الحجاج المقتربين ، وينالوا بلمسهم ، جزءا من الأفضال والمكافآت الناجمة عن
__________________
(1) ف. ف. بارتولد. المؤلفات. موسكو ، 1965 ، المجلد 3 ، ص 336.
(2) ف. ف. بارتولد ـ الشيخ زين الله رسولييف. 1833 ـ. 1917 رثاء. ـ العالم الإسلامي. بتروغراد ، 1917. النشرةI ,37 ـ 74.

الأمر الرباني عن الحج ... غريب! الشبان والشيوخ ، دون تمييز في الجنس أو اللقب ، الجميع رغبوا في لمس الحجاج الذين نزل عليهم غبار المدينة أو مكة المقدسة. احكموا على دهشتي حين اندفعت نساء رائعات الجمال وحتى فتيات إلى معانقتي! لقد تملكنا التعب والعذاب من جراء مظاهر الاحترام هذه». ثم جاء : «أما في بوابة خوى ، فقد استقبلنا بضعة اتقياء من سكان خوى وقدموا لنا الفواكه المجففة والخبز. من زمان بعيد لم يتوافد إلى خوى مثل هذه الكثرة من الحجاج. كان الجميع ينظرون إلينا بدهشة ؛ ومن جميع الجوانب كانت تصل إلى مسامعنا هتافات : «أهلا وسهلا! آه ، أنت صقري! أنت أسدي!». وقد تأثرت بالغ التأثر حين اندفع الناس يبوسون يدي وقدمي ـ أجل! ـ والشراريب المتدلية من حزامي». وحين غادر الحجاج خوي ، «تراكض كثيرون من السكان وراءنا حوالي نصف ميل : كانت مشاعر التقوى تثير الدموع من عيونهم ؛ وقد سمعنا هتافاتهم اليائسة : «من يعرف متى تسعد خوى مرة أخرى من إيواء مثل هذا العدد من الرجال الاتقياء ضمن جدرانها» (1).
نحو أواخر القرن التاسع عشر ، تكونت ثلاثة طرق رئيسية لحج الحجاج من رعايا روسيا (2).
1 ـ في منطقة ما وراء القفقاس (أرمينيا وأذربيجان وجورجيا) والقسم الشمالي من إيران عبر كرمنشاه ومدينة خانقين الواقعة قرب الحدود مع تركيا ، في اتجاه بغداد ، نحو كربلاء والنجف ، ثم عبر رمال الجزيرة العربية إلى مكة والمدينة.
2 ـ عبر سمرقند وبخاري ومزارى شريف وكابول وبيشاوار في أفغانستان ومن ثم إلى بومباي (الهند) ، ومنها بحرا إلى جدّة وينبع.
__________________
(1) أ. فامبيري. رحلة في ربوع آسيا الوسطى. سانت بطرسبورغ ، 1865 ؛ 25 ، 65 ، 77.
(2) ياروف ـ رافسكي. الحج ، 16. دولتشين. تقرير. 90 ، 120.

3 ـ عبر أوديسا وسيباستوبول (لأجل المناطق الداخلية في روسيا وسيبيريا) وعبر باطوم لأجل سكان آسيا الوسطى ومنطقة ماوراء قزوين ، عبر القسطنطينية والسويس وجدّة وينبع. كذلك شرعوا يستغلون السكة الحديدية الجديدة عبر فيينا والقسطنطينية.
كتب ياروف ـ رافسكي أن «الطريق الأول بين الطرق المذكورة ينطلق عليه على الأغلب المنتمون إلى الشيعة من مسلمي منطقة ماوراء القفقاس ومنطقة ماوراء قزوين الذين يعطون من بيئتهم ، على ما يبدو ، العدد الأكبر من الحجاج ، أي نحو 12 ـ 15 ألف شخص. وليس من النافل الإشارة إلى أن حج مسلمي ماوراء القفقاس قد استقر برسوخ بفضل من يسمونهم «بالجاويشية» الذين يقومون حصرا بتكوين وتوديع قوافل الحجاج لقاء أجر معين. إن «الجاويشية» يتمتعون بكبير التأثير بين السكان ويشبهون في الطريق ربان السفينة بحكم العادة ؛ بعض منهم أحيانا من السكان المحليين وبعض آخر من الأتراك والعرب القادمين الذين يتسربون بلا عائق إلى أراضي الامبراطورية الروسية ؛ وكل سنة يجوبون في الوقت المناسب في قرى الاقليم ، ويدعون بجميع الوسائل إلى الحج ، ثم يعينون أماكن تجمع الحجاج ، ويقودونهم أخيرا عبر الحدود ، بدون أية مصاعب على ما يبدو ، دفعات كل دفعة من 70 فارسا وأكثر غير مزودين عادة بأية جوازات سفر. ثم يتجمع الحجاج الذين يقودهم الجاويشية ، بعد عبور الحدود الإيرانية ، لأجل مواصلة السير بصورة مشتركة ، إلى نقطة من النقاط المختارة سلفا تبعا لامكنة اقامتهم ؛ وهذه النقاط هي عادة :
1 ـ تبريز ـ لأجل سكان الأقسام الجنوبية من محافظة يريفان ومحافظة ايليزابتبول.
2 ـ أردبيل ـ لأجل سكان القسم الجنوبي من محافظة باكو.



3 ـ خوى ـ لأجل سكان القسم الغربي من محافظة يريفان ومنطقة قرص.
4 ـ 5 ـ انزلي وبلفروش ـ لأجل الذاهبين بحرا من مدينة باكو الأقسام الشمالية من محافظة باكو ومن منطقة داغستان (مدينتي بتروفسك ودربند).
وتبعا لنقاط التجمع المذكورة ، تنقسم جميع الطرق التي يسلكها الحجاج في إيران إلى خمس فئات :
1 ـ تبريز ـ بيناب ـ «صاين قلعة» ـ كرمنشاه.
2 ـ خوى ـ تبريز ـ كرمنشاه.
3 ـ أردبيل ـ زنجان ـ همدان ـ كرمنشاه.
4 ـ أنزلي ـ رشت ـ زنجان ـ كرمنشاه.
5 ـ بلفروش ـ طهران ـ قم ـ كرمنشاه.
ومن كرمنشاه التي تتسم بالتالي بأهمية خاصة بوصفها عقدة تقاطع جميع الطرق البالغة الشأن من حدود الامبراطورية الروسية إلى الجزيرة العربية الخاضعة لتركيا ، يمضي الحجاج في طريق واحد عبر ماهيدشت ، وغورون آباد ، وقريند ، وسريبول ، وكافي شيرين إلى مدينة خانقين الحدودية ، ثم عبر شهرابان وبعقوبة إلى بغداد أو إلى مدينة الكاظمية الواقعة بالقرب من بغداد ؛ ومن هناك يتفرقون إلى كربلاء والنجف وغيرهما من الأماكن.
في الاتجاه الثاني ، عبر سمرقند وبخاري إلى افغانستان ، مع قطع الطريق من بيشاوار إلى بومباي بالسكة الحديدية ، يمضي كل سنة من مناطق آسيا الوسطى 4 ـ 7 آلاف من الحجاج. وهؤلاء يفضلون هذا الاتجاه رغم كل طول الطريق وغلائه وصعوبته ، وذلك أساسا ، بسبب السهولة المتوفرة لهم لتحاشي جميع المتطلبات المتعلقة بجوازات

السفر ، ثم لأنه الطريق الذي تكوّن على امتداد القرون والذي تقع عليه ، فيما تقع ، مدينة مزار شريف حيث مقام الإمام علي (صهر النبي محمد) الذي يملك ، كما يقول المسلمون ، قوة عجيبة لشفاء العميان والخرس. ومن مزاري شريف يمضي الحجاج عبر طش كورغان ، وغي باغ ، وشاريقار ، وكابول ، وغزني ، وقندهار وكته ، ثم بالسكة الحديدية إلى مرفأ كاراتشي ومنه بالباخرة إلى بومباي ؛ ويمضي الآخرون عبر جلال آباد إلى بيشاوار ، ومنها بالسكة الحديدية إلى بومباي.
وأخيرا الطريق الثالث ، وهو الأسهل والأقصر ، ينطلق من مرافىء البحر الأسود إلى القسطنطينية والسويس ، ويستفيد منه جميع التتر وسنّيو القفقاس والقرغيز القاطنون في غرب المنطقة من رعايا الامبراطورية الروسية ؛ وجميعهم يقدمون كل سنة بين الفين وثلاثة آلاف حاج ؛ وبينهم يتواجد في الوقت الخالي من الاوبئة ، نظرا للمراقبة الشديدة هنا ، عدد من حملة جوازات السفر ؛ أما في السنوات غير الملائمة (حين تمنع الحكومة الحج) ، فإنه يتبين أن الأغلبية الساحقة منهم مزودة بأوراق تركية وفارسية وبخارية قديمة يحصلون عليها لقاء ثمن باهظ في باطوم واوديسا» (1).
ولتبيان ما كان يتوقع الحجاج في طرقهم إلى مكة ، نورد في «ملاحق» هذا الكتاب ملاحظات سفر لحجاج قاموا برحلاتهم في مسيرات مختلفة.
تشير جميع مصادرنا إلى أن الحجاج من رعايا روسيا كانوا يفضلون ، كما من قبل ، استعمال جوازات السفر التركية والفارسية والبخارية القديمة ، وحتى جوازات السفر الصينية. ومرد ذلك إلى التعقيدات البيروقراطية التي كانت ترافق الحصول على جوازات السفر في روسيا ، وإلى المنع الدوري (مثلا ، في سنوات 1892 ـ 1895 ،
__________________
(1) ياروف ـ رافسكي. الحج ، 16 ـ 17 ، 18 ـ 19.

ومنذ النصف الثاني من سنة 1896 إلى سنة 1900) من إعطاء جوازات السفر للحجاج نظرا لخطر الأوبئة في الشرق. إن غياب الوثائق الرسمية لم يقلل عدد الحجاج من رعايا روسيا ، ولكنه جعلهم رهنا بشتى ضروب الانذال الذين كانوا يأخذون منهم مبالغ ضخمة من النقود لقاء جوازات السفر. وإن الرسم الكاريكاتوري الذي أخذناه من مجلة المسلمين التقدميين «الملّا نصر الدين» الصادرة في تفليس يسخر من جشع «الشطار» الذين يبتزون الأرباح من طموح آلاف الحجاج غير المجربين وسعيهم المشكور إلى زيارة مكة المكرّمة والمدينة المنورة. وقد كتب ياروف ـ رافسكي : «يتشكى جميع الحجاج على الخصوص من ابتزاز الأموال الرهيب في عموم افغانستان. فعن حق دخول الأراضي الافغانية ، وعن الحصان ، وعن الأشياء ، وغير ذلك ، مثلا ، كانوا يتقاضون في مزاري شريف من كل حاج روبية وأكثر ، وفي وزير آباد روبيتين ، وفي باميان وقاضي آباد وطوشزار روبية ، وفي شاريقار 9 روبيات ، وفي كابول 2 / 1 5 روبيات ، وفي جلال آباد روبية ، الخ .. وفضلا عن هذه الأتاوى ، لم يكن من النادر أن يصبح الحجاج ضحايا الكذب والخداع والابتزاز في بومباي من جانب من كانا يقولان عن نفسيهما أنهما وكيلا حجاج بخاري ، سليمان خوجا (وهو من مواليد انديجان) ويوسف علي (من مرغلان). ويقول الحجاج أن سليمان خوجا الذي أرسل منذ عشر سنوات إلى بومباي مع أوراق من أمير افغانستان بصفة دليل ووكيل لأجل الحجاج يبتز من كل منهم بضعة روبيات عن المسكن ، وعن أركابهم على متن باخرة ، وخلافه ، ناهيك بانه يجبرهم بالقوة على شراء الطحين والرز والقمح من بائع يعرفه ومنه وحده مؤكدا لهم أنهم سيبيعون كل ما اشتروه بربح في جدّة. صحيح أن نقل بضعة أكياس من الطحين والرز من بومباي بالباخرة مجاني ، ولكن ثمن هذا الطحين أو الرز أو القمح في جدّة مثل ثمنه في بومباي وأحيانا أرخص.

وفي باطوم أيضا حيث يعيش الفارسي خوجا علي يتعرض حجاجنا لابتزاز الأموال وعمليات التعسف لأنهم لا يحملون جوازات سفر ؛ فإن خوجا علي لا يفعل غير أن يبيع من حجاجنا ، بواسطة يولداش وكولداش من بخاري ، تذاكر هوية فارسية قديمة وأوراقا بخارية قديمة. وتعتبر القسطنطينية النقطة التالية بعد باطوم من حيث ابتزاز الأموال وغير ذلك من عمليات التعسف. ففيها يتعرض حجاجنا ، حتى وأن كانوا يحملون جوازات سفر ، من قبل مختلف الادلة ، لاساليب متنوعة ، منها أخذ جوازات السفر منهم لأجل إجراء معاملة الفيزا في القنصلية العامة الامبراطورية ولأجل تسليمهم بموجبها تذاكر تركية. وبعد أن يتقاضى الادلة النقود عن هذا وذاك ، يعطون الحجاج التذاكر عند سفرهم بالذات ، ويعيدون لهم جوازات السفر بدون فيزا القنصلية. وبما أن كلفة جواز السفر الروسي مع فيزا القنصلية تبلغ 12 روبلا و 60 كوبيكا ، فإن هذا قد أدى إلى خسارة تكبدتها الخزينة تتراوح بين 200 و 300 ألف روبل كل سنة (1).
أما فيما يتعلق بعدد الحجاج ، فإن المصادر تعطي الأرقام التالية :
عدد الحجاج الإجمالي :
سنة 1807 ـ 83000
سنة 1854 ـ 50000
سنة 1856 ـ 12000
سنة 1858 ـ 160000
سنة 1814 ـ 70000
سنة 1855 ـ 8000
سنة 1857 ـ 14000
سنة 1865 ـ 90000 (2)
__________________
(1) المرجع ذاته ، 20.
(2) ميروبييف. أهمية الحج الدينية والسياسية ، 100 (مع الاستشهاد بمعطيات علي باي وبورغهارت وبورتون وج. دوفال).

سنة 1884 ـ 46280 (1)
سنة 1891 ـ 44900
سنة 1893 ـ 86489
سنة 1888 ـ 100000 (2)
سنة 1892 ـ 53962
وبالاعتماد على تقارير القنصل الروسي في جدّة ليفيتسكي ، يسوق الملازم ياروف ـ رافسكي المعطيات التالية (3).
ثم كتب ياروف ـ رافسكي : «مع الانتقال إلى عرض التقرير عن الحجاج المسلمين من رعايا روسيا وبخاري بوجه الحصر ، يلفت القنصل في جدّة الإنتباه إلى «المطوّفين» أو «الأدلة» الذين مضوا في سنة 1894 إلى بخاري وتركستان لأجل دعوة مسلمينا إلى الحج. فمن مكة ، مثلا ، راح دليلان من أبناء مكة هما سعيد حسن كوتشوك ، ابن سعيد حمود ، وعبد الله كوتشوك ، ابن خوجا ـ سريمساك ، ومن المدينة سيد محمد (وهو من مواليد بخارى) ، ابن معصوم خوجا.
__________________
(1) ياروف ـ رافسكي. الحج ، 3 (مع الاستشهاد بتقارير القنصل الروسي في جدّة ليفيتسكي وكشوف قسم جدّة للجنة الصحية التركية).
(2) دولتشين. تقرير ، 126.
(3) ياروف ـ رافسكي. الحج ، 4 ـ 5.





قائمة
الادلة والوكلاء (بموجب تقرير القنصل في جدّة)
عن سنة (1893)
الرقم الادلة في مكة الوكلاء في جدة لأجلي أي حجاج من مواليد مكة 1 علي محمود شكري محمد غيريتلي من انديجان 2 على بيرينجي محمد غيريتلي من اوش 3 الشيخ محمد أصغر الشيخ حسين من خوي 4 أ ـ سيد أحمد مؤذن من مواليد طرابلس الشركس أحمد غورياني من مواليد جدة ب ـ خليل دوبي محمد صالح بانغاش 5 سليمان مداح الشيخ حسين من طرابلس عباس عبد الرفاشين حميد بحري الجدي تتر القوم من ذرية بني (من مكة) من ذرية سناني من مكة محمد صالح بانغاش 6 إبراهيم سلسيلة محمد صالح بانغاش إبراهيم ميره لا وكيل من داغستان 7 من ذرية اشجي من مكة خوجا موسى من قشقار من قوقند 8 من ذرية علي سروجي عبد الرسول من القرغيز من مكة مواليد اليمن وتتر قازان 9 سيد عبد القدير أصله محمد دهاقيني من من نامانغان داغستاني مواليد جدة 10 سيد محمد كوتشك محمد جان من بخارى من بخارى من مواليد خوجند سمرقند وخوجا موسى من طشقند قشقار مرغلان خوجند تركستان
جميع أدلة الحجاج ينقسمون إلى فئتين : «المطوّفين» أو الأدلة ووكلائهم ، وعلى رأسهم شيخ مع وكيله. والشيخ ، مثله مثل الأدلة ، يعين بفرمان خطي من شريف مكة ، بينما الوكلاء يختارهم الأدلة.
ومع تقديم قائمة بالأدلة والوكلاء لأجل رعايا روسيا وبخارى ، يفيد القنصل أن حسن غونغ (وهو من مواليد مكة) يعتبر شيخ جميع الأدلة في جدة ، وأن علي أخضر (وهو أيضا من مواليد مكة) وكيله. وفي المدينة لا وجود لشيخ الأدلة.
إن بعض الأدلة ، ومنهم مثلا المشار إليهم في هذه القائمة بالرقم 3 و 9 و 10 ، كانوا ، بعد سنة أو سنتين ، يمضون بأنفسهم إلى روسيا وبخارى لأجل جمع الحجاج. وكان آخرون ، ومنهم مثلا ، الوكيل المشار إليه بالرقم 8 ، يرسلون من طرفهم شخصين أو ثلاثة سواء لأجل بيع الماء من بئر زمزم والمسابح والتمر وغير ذلك أم لأجل الدعوة إلى الحج.
وبما أن مسلمي آسيا الوسطى من رعايا روسيا ، وكذلك التتر والافغان والقشقار وقسم من الفرس كانوا معروفين في جدّة عموما بأنهم بخاريين ، فمن المستحيل تعيين العدد الحقيقي من الحجاج من رعايا روسيا ورعايا بخارى.
في سنة 1891 بلغ مجمل الحجاج من رعايا روسيا وبخارى القادمين إلى مكة عبر افغانستان والهند زهاء 1269 شخصا وعبر القسطنطينية 784 شخصا. وفي سنة 1892 وصل إلى الحج عبر الطريق الأول 3043 شخصا وعبر الطريق الثاني 804 أشخاص. وفي سنة 1893 وصل إلى الحج عبر بومباي 4328 شخصا ، وعبر السويس 1808 أشخاص ؛ وفي سنة 1894 ، بلغ عدد الحجاج من بلادنا 3349 شخصا منهم 2931 جاؤوا عبر الهند و 418 عبر السويس.


الرقم
1
2 الادلة في المدينة
محمد علي (من بخارى)
سيد شافي (من المدينة المنورة) الوكلاء في ينبع
لا
وكلاء لأي حجاج
من بخارى
القرغيز والتتر ومن أصل 3349 شخصا لم يستجوبوا في القنصلية الامبراطورية في جدة سوى النصف أي 1795 شخصا تبين أن بينهم من :
انديجان 456 تركستان 4 قوقند 242 خوجند 2 مرغلان 352 بخارى 179 نامانغان 204 داغستان 20 أوش 68 الشركس 30 سمرقند 27 الذين صرحوا التتر 46 بأنهم من رعايا طشقند 80 روسيا فقط 85 وإذا أمعن المرء في هذه القائمة ، لا يصعب عليه أن يلاحظ أن منطقة فرغانة التي اكتسبت شهرة سيئة بالانتفاضة في شهر أيار (مايو) 1898 تعطي ثلاثة أرباع مجمل عدد الحجاج عندنا في أقليم تركستان.
ومن حيث نوع الاشغال يشكل الزراع بالطبع العنصر المهيمن ـ فإن عددهم 1250 شخصا.
ومن حيث العمر ينقسمون جميعهم كما يلي :
من 20 إلى 30 سنة 294
31 ـ 40 359
51 ـ 60 443
61 ـ 70 227

71 ـ 80 68
81 ـ 90 11
العمر غير الواضح 393
المجموع 1795
جميع هذه الأرقام بعيدة عن الواقع لأن تعيين عدد المسلمين من رعايا روسيا الذين يمضون إلى الحج كل سنة ، وتعيينهم بدقة كافية من مجمل عدد الحجاج المذكور آنفا ، يبدو ، في الظروف الراهنة ، مستحيلا تماما لأنهم ، بأغلبيتهم الساحقة ، يمضون بدون أية جوازات سفر. ويستفاد من المعطيات المتوافرة عند القنصلين في بغداد وجدة أن عدد الحجاج السنيين والشيعيين من رعايا روسيا لا يقل تقريبا بالأجمال عن 18 ـ 25 ألف شخص (1).
من المقطع المذكور يتبين أن صاحب المقالة يربط مباشرة انتفاضة انديجان بعدد سكان منطقة فرفانة الذين قاموا بالحج. وللمقارنة نسوق هنا جدولا من «تقرير» دولتشين (2).
عدد الحجاج في سنة 1898 يبلغ :
من روسيا : القرغيز 250
التتر 100
سكان ماوراء القفقاس 100
من تركستان الصينية 20
الفرس 8000
الأتراك 10000
__________________
(1) المرجع ذاته ، 5 ـ 9.
(2) دولتشين. تقرير ، 126.

السوريون 4500
المصريون 5245
البدو المصريون 1500
من سكان : طرابلس 600
تونس 200
الجزائر 200
فاس ـ المغرب 300
الهند 1000
ساحل افريقيا
الغربي 20
سكان مكة وضواحيها حتى 40000
سكان الجزيرة العربية.
المدينة 3500
اليمن 4000
عمان 300
عدن 200
نجد وغيرها 4000
الافغان 20
الماليزيون 15000
الحاصل حوالي 100000

ومن تقرير القنصل الروسي في جدة براندت ينجم أن متوسط عدد الحجاج من رعايا روسيا 8 ـ 10 آلاف شخص في السنة ، علما بأنه في سنة 1901 أعطى الرقم 6000 وفي سنة 1902 الرقم 16000 وفي سنة 1903 الرقم 4741 (1).
إن أداء فريضة الحج ، كما سبق أن قلنا ، كان محفوفا في ذلك الوقت بخطر نقل أوبئة الطاعون والتيفوس والكوليرا المشؤومة العواقب إلى داخل الامبراطورية الروسية ، علما بأن هذه الأوبئة كانت تزهق ملايين الأرواح في الشرق الأوسط وفي آسيا الوسطى. وآنذاك مثلا نسبوا نشوب وباء الطاعون في محافظة استراخان إلى الحج. وفي كانون الثاني (يناير) 1897 ، انشئت لدى وزارة الداخلية لجنة خاصة لمكافحة عدوى الطاعون برئاسة الأمير أ. ب. اولدنبورغسكي. وكان من صلاحية هذه اللجنة البت في مسألة تنظيم حج المسلمين من رعايا روسيا. كان أعضاء اللجنة يدرسون التقارير عن الحج من السفارة الروسية في القسطنطينية والقنصليات في جدة ومشهد وبغداد (2). وإلى جدة أرسل في مأموريات كل من الأطباء سوكولوف ودالغات وتولانوف وتاكايف ؛ وهؤلاء أرسلوا بدورهم التقارير إلى اللجنة (3).
__________________
(1) أرشيف الدولة المركزي للاسطول البحري الحربي. المجموعة 417. الملزمة. الملف 2757. ظهر ص 7.
(2) راجع ، مثلا ، أرشيف الدلو التاريخي الحربي. المجموعة 1298 ، الملزمة. الملف 2892 ، ص 96 وظهرها ؛ المصدر نفسه ، الملف 2883 ، ص 100 ـ 101.
(3) راجع أرشيف الدولة التاريخي المركزي. المجموعة 1298 ، الملزمة ، الملمف 2886. تقرير تولاتوف (المرجع ذاته ص 8 ـ 16) والتقارير الشهرية عن عدد الوفيات في جدّة (من سنة 1898 إلى سنة 1900) المزودة في غالب الأحيان بمعطيات عن عمر المتوفين ومهنهم وإنتمائهم القومي وعن أسباب وفاتهم تتسم بقدر كبير من الأهمية والفائدة. راجع أرشيف الدولة التاريخي المركزي. المجموعة ـ

ولكن لأجل تقييم الحج من جميع جوانبه السياسية والدينية (وبخاصة بالارتباط مع الأحداث في انديجان) والطبية الوبائية ، كان ينبغي الحصول على معلومات شاملة وصادقة من مصدرها الأول. وفي هذا الصدد بالذات ، كما تبين مواد أرشيف الدولة العسكري التاريخي المركزي (1) ، نشأت فكرة إرسال ضابط مسلم من الجيش الروسي إلى مكة. وقد وقع الاختيار على عبد العزيز دولتشين ، الذي قدّره وزير الحربية نفسه أ. ن. كوروباتكين رفيع التقدير. وفيما بعد سنتحدث عن شخصية دولتشين ونتائج نشاطه الأساسية. أما هنا ، فتجدر الإشارة إلى أن تقريره المطبوع في المطبعة العسكرية لهيئة الاركان العامة مع الختم «سري» احتوى كمية كبيرة من المعلومات الموضوعية والمختارة اختيارا موفقا لأجل اتخاذ مجموعة من القرارات الصحيحة بصدد القضايا المتعلقة بحج المسلمين من رعايا روسيا. وقد حاول دولتشين أن يستبعد المخاوف القائمة ويبدد الأوهام بصدد الحج ، وأوصى في حال غياب خطر وبائي فعلي ، لا بالتخلي عن جميع الموانع وحسب ، بل أيضا بتسهيل السبيل من روسيا إلى مكة أمام الحجاج.
إن الصيغة الأولى للوثيقة التي اعدتها في هذه المسألة وزارة الداخلية تقيدت أجمالا بهذا الاتجاه. وقد اعتبر الحج ظاهرة دينية محضة ، وظاهرة هامة بالنسبة للسلطات في المقام الأول من حيث
__________________
ـ 1298 ، الملزمة ، الملف 2883 و 2886. كان الأطباء الروس في جدّة يستعملون أحدث الأدوية. ففي جدّة مثلا حالف النجاح استعمال اللقاح الحديث المضاد الطاعون ، الذي ابتكره معهد الطب الاختباري في بطرسبورغ. (راجع أرشيف الدولة التاريخي المركزي. المجموعة 1298 ، الملزمة ، الملف 2883 ، ص 290 ـ الظهر).
(1) راجع أرشيف الدولة التاريخي العسكري المركزي. المجموعة 400 ، الملزمة ، الملف 2239 ، ص 1 ـ 72 (الظهر).

عواقبها على الصعيد الصحي الوبائي. وورد اقتارح بتقليل الرسوم على جواز السفر لأجل مجموعات الحجاج الذاهبين بغير السكة الحديدية بحيث يحصلون على الأغذية بأسعار رخيصة ، والمساكن للمنام والراحة ، والاسعاف الطبي. وكان من المرتأى أيضا اقرار سعر مهاود لتذاكر السكة الحديدية من أجل الحجاج وتنظيم إيصالهم إلى جدّة بواسطة سفن الشكة الروسية للملاحة والتجارة (1). وقد أدى بحث هذه الوثيقة من قبل السلطات في الوزارات والمحافظات المعنية (2) إلى ظهور عدد من الصيغ فيها بصدد «التعصب الإسلامي» وبصدد تأثير الحج ، غير المرغوب فيه برأي السلطات ، في الوضع السياسي والإجتماعي في المناطق الإسلامية من الامبراطورية. وفي هذا المجال على الأخص انعكس في الوثيقة المعنية موقف عدد من محافظي المناطق الإسلامية وشهادة الخبير ، عضو المداولة الخاصة في شؤون الدين المذكور آنفا ، ف. تشيريفانسكي ؛ وهذه الشهادة نسوقها كليّا بوصفها ملحقا لهذه المطبوعة. وقد استثار الاقتراح بصدد سفر وعودة جميع الحجاج عبر مرافئ البحر الأسود واسطمبول مجادلات كبيرة. فإن هذا الإجراء الذي يسهل الرقابة ضد الأوبئة كان يتناقض مع محاولات معارضة دعاية الجامعة الإسلامية التي كانت عاصمة الامبراطورية العثمانية مركزها. وتم شطب الاقتراح بصدد الاسعار المهاودة لتذاكر السكة الحديدية من أجل الحجاج. ولكن حتى
__________________
(1) راجع أرشيف الدولة التاريخي المركزي. المجموعة 1298 ، الملزمة ، الملف 2892 ، ص 63 ؛ أرشيف الدولة المركزي للاسطول البحري الحربي. المجموعة 417 ، الملزمة ، الملف 2757.
(2) راجع ، مثلا ، أرشيف الدولة التاريخي المركزي. المجموعة 1298 ، الملزمة الملف 2892 ، ص 96 ـ 96 (الظهر) و 99 ـ 99 (الظهر) وكذلك وثيقة وزارة الداخلية «بصدد المصادقة على مشروع «القواعد الموقتة المتعلقة بحج المسلمين»» المنشورة كملحق لهذا الكتاب.

بعد كل هذا ، تبين «القواعد الموقتة بشأن حج المسلمين» والوثيقة المرافقة لها الصادرة عن وزارة الداخلية أن حج المسلمين وحج المسيحيين الارثوذكسيين إلى القدس قد وضعا من حيث الجوهر في شروط متساوية. وإن تطبيق هاتين الوثيقتين سهل كثيرا حج المسلمين من روسيا ، مما أدى إلى ازدياد عدد الحجاج المسلمين إلى 16 ألف شخص في سنة 1902.
إن الاهتمام بحج المسلمين باعتباره ظاهرة إجتماعية وسياسية ودينية قد استمر في صفوف الجمهور القارئ الروسي. وأكبر عدد من المطبوعات في هذا الموضوع قد ظهر بالطبع في المجلات والجرائد الروسية الصادرة في تركستان. ففي سنة 1910 نشرت مجلة «آسيا الوسطى» الصادرة في طشقند ترجمة وصف مكة من الكتب المعروف الذي وضعه سنوك خورغونيه ؛ وفي طشقند أيضا صدرت في سنة 1913 الترجمة الروسية لكتاب أ. راللي «مكة في أوصاف الاوروبيين» (الأصل ـ «المسيحيون في مكة ...»). صحيح أن ميل ازدياد الحجاج من رعايا روسيا قد أخلت به الأوبئة وتعرجات السياسة الداخلية والخارجية (1) ، ولكنه استمر ، على ما يبدو ، حتى الحرب العالمية الأولى والثورة في روسيا.
وختاما بضع كلمات عن حج المسلمين في عهد السلطة السوفييتية. قبل أغلاق حدود الاتحاد السوفييتي الجنوبية بصورة تامة في أوائل
__________________
(1) راجع ، مثلا ، أرشيف الدولة التاريخي المركزي. المجموعة 1284 ، الملزمة 188 ، الملف 351 «بصدد إقرار رقابة حكومية صارمة في روسيا على تجارة الكتب باللغة التترية واللغة العربية وغيرهما من اللغات الشرقية» (سنة 1901) ؛ المرجع ذاته ، الملف 160 «حول منع عملاء المؤسسات الملاحية الأجنبية من بيع التذاكر من الحجج المسلمين لأجل السفر من روسيا إلى الحجاز» (آب ـ اغسطس 1914).

الثلاثينيات استمر الحج من مناطق آسيا الوسطى وما وراء القفقاس ، وإن يكن قد قل على الدوام من حيث العدد. وقد جعلت سياسة ستالين المعادية للدين من المستحيل عمليّا على أغلبية السكان المسلمين ، لا الحج وحسب ، بل أيضا أداء الشعائر الدينية اليومية والاسبوعية. وقامت دعاية جادة ضد الدين (1).
في سنوات الحرب العالمية الثانية ، حين تطلبت المحن الشاقة توطيد قوى المجتمع بأسره لأجل صد العدوان وحين حاول النظام الستاليني أن يكتسب مسحة أكثر حضارة في عيون المجتمع العالمي ، طرأ تغير على السياسة الرسمية حيال الدين. فقد فتح من جديد قسم من الجوامع والكنائس المسيحية والبيع اليهودية ؛ وفي أوائل 1945 استؤنف حج المسلمين من الاتحاد السوفييتي. والفريق الأول من الحجاج ترأسه المفتي ايشان باباخان. ومذ ذاك يقوم بالحج كل سنة 20 ـ 25 شخصا. والفرق تشكلها مباشرة الادارات الدينية وتتألف أساسا من الائمة الخطباء ونشطاء الجوامع. وفي السنوات ال 45 المنصرمة ، قام بالحج 850 ـ 900 شخص ، الأمر الذي لا يتطابق أبدا مع مجمل عدد المسلمين في أراضي الاتحاد السوفييتي (2).
أدت سياسة البيرويسترويكا (التغيير ، إعادة البناء) إلى انعتاق الحياة الدينية في الاتحاد السوفييتي. تبني وتفتتح الجوامع الجديدة والمراكز التعليمية الإسلامية (مثلا في باكو واوفا). ونظرا لتسهيل قواعد الخروج
__________________
(1) راجع مثلا ل. كليموفيتش. قربان بيرم. عيد الأضحى وحج المسلمين إلى مكة.
موسكو ، سنة 1933.
(2) العمل الوحيد من حيث الجوهر عن الحج من الاتحاد السوفييتي في الآونة الأخيرة ـ إنما هو القصة الساخرة الوصيفة بقلم فضل الدين محمدييف «سفرة إلى العالم الآخر أو قصة عن الحج المبرور» (موسكو ، سنة 1969). المؤلف ـ طبيب رافق في الستينيات إلى مكة فريقا من الحجاج من الاتحاد السوفييتي.

والدخول بصورة مبدئية ، تتكشف إمكانيات جديدة لنمو عدد الحجاج المسلمين من الاتحاد السوفييتي نموّا كبيرا جدّا ، وقد كان الطابع غير العادي للعلاقات الديبلوماسية بين الاتحاد السوفييتي والمملكة العربية السعودية واستحالة تحويل الروبل السوفييتي إلى العملات الأجنبية بمثابة عقبة خطيرة في هذا المجال. وقد أدى تطبيق سعر خاص للروبل بالنسبة للعملات الصعبة القابلة للتحويل في سنة 1989 إلى ازدياد كلفة حج المسلمين السوفييتيين من 3500 روبل إلى 16 ألف روبل (وهذا مبلغ يوازي زهاء خمسة مداخيل سنوية متوسطة).
رغم ذلك وصل في عام 1990 إلى جدة 1525 حاجّا من خمس مدن سوفييتية (طشقند وقازان وباكو ومينير النيى فودى وموسكو) وذلك بطائرات ارسلتها خصيصا شركة «ايروفلوت» السوفييتية. وقد ساعدت السلطات السوفييتية الحجاج في قضية شراء الأشياء الضرورية للسفرة والهدايا التذكارية. وبمساعدة السلطات الرسمية تم تذليل العديد من الصعوبات الناشئة في تنظيم الحج.
إن فرح المسلمين السوفييتيين بسبب الحج الأول الحر حقّا قد عكرته فاجعة هلاك العديد من أخوانهم في الدين في النفق قرب مكة المكرّمة. صحيح انه لم يلحق أي أذى بالمسلمين السوفييتيين ، إلا أن الحجاج وأخوانهم في الوطن قد تلقوا نبأ الكارثة وكأنهم فاجعتهم هم أنفسهم.
لا ريب في أن عدد الحجاج من الاتحاد السوفييتي سيزداد من سنة إلى أخرى ؛ بيد أن التغير النوعي لن يحدث ، أغلب الظن ، إلا بعد حل مسألة تحويل الروبل إلى عملة صعبة ، وفي هذه الحال سيكون عدد الحجاج متناسبا مع عدد المسلمين في البلاد. ومن شأن البرامج الموجودة اليوم للتعاون بين الهيئات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي والمنظمات الإسلامية العالمية أن تسهم بقسطها في حل القضايا القائمة.
* * *

يوميات الرحلة
إلى مكة المكرّمة


يوميات الرحلة
إلى مكة المكرّمة
في 26 شباط (فبراير) ، سافرت إلى استخاباد (1) بناء على برقية من المحافظ ؛ وبعد عودتي في 28 شباط ، شرعت أهيئ الشؤون والكتب لأجل التسليم. وفي 3 آذار (مارس) جاء الملازم الأول بوبلافسكي ليحل محلي ، ـ وهو رجل لا يفهم البتة اللغة المحلية ؛ وسيكون حاله صعبا وعلى الأخص في البداية. وفي 5 آذار انهيت عملي ، وفي 6 منه ودعت عائلتي وزملائي في الخدمة ورحت إلى قيزيل أرواط. وصلت قبل انطلاق القطار بنحو ساعتين. توقفت عند براور. نقلوا الامتعة إلى المحطة الحديدية على عربة يجرها يحمور. ركبت القطار وفي الطريق أخذت أحدق بكآبة في جبال كابت داغ حيث كنت أعرف كل مضيق وكل قمة ؛ وودعت بالفكر الآوولات (القرى) الواقعة بمحاذاة السكة. كنت أحب أبناء السهوب المتوحشين هؤلاء (2) ، وهم أيضا كانوا دائما يعربون لي عن مودتهم. هل
__________________
(*) هكذا يسمون عشق آباد قبل ثورة أكتوبر 1917. المحرر.
(1) المادة المنشورة للمرة الأولى ترد في المجموعة رقم 70 (الملف رقم 1 في أرشيف المستشرقين بفرع لينينغراد لمعهد الاستشراق لدى اكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي ، «يوميات») أ. دولتشين ـ وهي عبارة عن دفترين (170* 210) لكل منها غلاف أسود من الجلد الاصطناعي. قسم من الصفحات في الدفترين مقصوص ـ

أراهم من جديد! من قازاندجيك انبأت سلفا فيسكوفنيكوف بوصولي إلى كراسنوفودسك. كل ذلك اليوم وجميع الأيام السابقة بعد وصول البرقية ، شعرت بأقصى الأرهاق والضيق النفسي ، وفقدت الشهية ، وتملكني الأرق. أهذا احساس مسبق أم مجرد أسف على مفارقة الأولاد لزمن طويل؟
في الساعة السابعة صباحا من 7 آذار وصلنا إلى كراسنوفودسك. وفي القطار تقابلت مع الملازم في قوات القوزاق فولكوداف الذي كان في طريقه إلى منشوريا ؛ وبناء على نصيحته قررت أن اسافر في رحلة مباشرة على باخرة للشركة الشرقية لكي أكسب يوما واحدا. في المحطة الحديدية قابلت شيشكيفيتش. رحب مع فولكوداف إلى الرصيف. في مقر الشركة عرفنا أن السفينة «ميريديان» ستنطلق في الساعة 12 ظهرا. بقي فولكوداف ليأمر بنقل الأمتعة ، ورحت أنا إلى آل شيشكيفيتش حيث قابلت مع مدفعيين قوزاقيين اثنين آخرين. تناولنا الفطور بمرح وفي بداية الساعة
__________________
ـ من الكعب. على الغلافين أوراق ملصوق مكتوبة عليها كلمات من قواميس باللغات الأجنبية. النص مكتوب بالحبر الأسود ، ما عدا الصفحات الأخيرة حيث استعمل الحبر الأزرق .. في الدفتر رقم واحد ، يشغل النص الصفحة كلها ؛ في الدفتر رقم 2 يشكل 60 ميليمترا مربع الهوامش التي أشير فيها إلى تواريخ الكتابة .. وهذا ما يفسر اختلاف كبر النص المطبوع بكل صفحة في القسمين الأول والثاني من «اليوميات». إن صعوبة نشر هذه المواد تتلخص في كون دولتشين قد كتب اليوميات إنطلاقا من انه سيكون قارئها الوحيد. النص مكتوب بخط سريع ، ويتضمن تلخيصات ، ومختصرات من اختراعه بالذات ، لا يمكن تفسيرها في بعض الأحوال ، مثلها مثل بعض الكلمات. في بعض المقاطع ، ترك المؤلف في النص فراغات كان يخطط إملاءها بعد الحصول على معلومات إضافية أو بعد التحقق من صحة المعلومات المتوفرة ، الأمر الذي يتعلق في المقام الأول بالأسماء الجغرافية. وحين تستحيل قراءة كلمى بمفردها بعد هلالين مربعين مع عدة نقاط وضعنا العلامة* ؛ وإذا استحالت قراءة بضع كلمات وضعنا العلامة* * ؛ وأخيرا إذا ورد في النص فراغ ، وضعنا العلامة* * *.

الثانية عشرة رحت مع شيشكيفيتش على عربة إلى الرصيف ووعدت مدام شيشكيفيتش بالذهاب مع الضيوف لتوديعنا. في الطريق تقابلنا مع شرطي ؛ وهذا الشرطي قال لي أن الباخرة ستنطلق الآن وأنهم ينتظرونني وحدي. حين اقتربت من الرصيف سمعت الصفارة الثالثة. بفضل تلطيف الربان ، وأساسا بفضل جهود فولكوداف انتظروني ساعة ونصف ساعة. وقد تبين أن العميل أمر بانطلاق السفينة في الساعة 10 عوضا عن الساعة. 12 وأرسل فولكوداف رجلا يفتش عني في كل مكان ، وأرسل مرارا الرسل إلى رئيس القضاة الذي كنت أنوي الذهاب إليه ، ولكني لم أذهب لأنه كان في اسخاباد. ما أحلى أن يكون للمرء مثل هؤلاء الرفاق.
خرجنا من كراسنوفودسك في الساعة الحادية عشرة والنصف. الربان ومعاوناه شبان ولطيفون جدّا. الثلاثة جميعهم روس. «ميريديان» باخرة مروحية شاحنة ، في مؤخرتها عدد قليل من المقصورات لأجل الركاب. الباخرة نظيفة وجديدة. عند الرحيل قال الربان انه من المحتمل أن تهب ريح مقابلة قوية لأن البارومتر يسقط بشدة. ورحت أنام. كان البحر هادئا نسبيّا. استيقظت في الساعة الثالثة ليلا بسبب تموج قوى وضجة غير عادية. كانت تهب ريح غريبة قوية ، وكانت الباخرة تغطس بشدة ؛ وعندما ارتفعت مؤخرتها ، احدثت المراوح ضجة منفرة جدّا. كنت متمددا ؛ وكلما كنت أقوم بأقل محاولة للوقوف كان يتملكني الدوخان والغثيان. وكان فولكوداف بالذات يعتني بجميع الذين يعانون من التموج. حاول فولكوداف بالحاح اقناعي بأكل المزيد ؛ السيدات من المقصورة المجاورة نقلوا بعضهن إلى المتن ، ونقلوا بعضهن الآخر إلى مقصورة أخرى ؛ وحمل إلىّ قشرة من الخبز الأسود ونصحني بأكلها مع الماء ، وقال أن هذه وسيلة تركية مجربة ، وجاءني أيضا بأقراص النعناع.
في 8 آذار (مارس) استمر التموج طوال اليوم كله ، وواصلت التمدد ، وواصل فولكوداف العناية بالجميع.

في 9 آذار استيقظت مع فولكوداف (فقد أنزلنا في مقصورة واحدة) في الساعة الرابعة صباحا ؛ كان التموج ضعيفا. وفجأة توقفت الباخرة ، فظننا أن الربان يستدل بمنارة بتروفسك ولكن تبين أننا قد دخلنا المرفأ ونقف إلى حاجز الأمواج. سررت جدّا لنهاية الطريق البحري. في نحو الساعة الثامنة رحت مع فولكوداف إلى المدينة. كان البرد هنا منفرا جدّا (15 درجة مئوية تحت الصفر بسلّم ريومور). وعندما رحت كان اللوز قد ازهر في قره قلعة ، أما هنا فكادت أذني تتجمدان من البرد. رحت إلى مركز البرق وأرسلت برقية إلى أخي في فيتبسك طلبت فيها منه أن يذهب إلى بطرسبورغ كما أرسلت برقية ثانية إلى أمي عن مغادرتي وثالثة إلى قره قلعة عن الوصول إلى بتروفسك (1).
في الساعة الثالثة بعد الظهر تقريبا سافرت في قطار للركاب إلى بسلان.
في 10 آذار (مارس) ، حوالي الساعة الواحدة ليلا ، انتقلت إلى القطار الذاهب من فلاديقفقاس إلى روستوف ؛ ونظرا للزحمة انتقلت إلى مقعد من الفئة الأولى دافعا بقية ثمن التذكرة حتى بطرسبورغ. بقي رفيقي الدائم فولكوداف في مينيرالني فودي ، وواصلت أنا السفر بصحبة 4 عقداء ـ آمر الفوج الثاني من الفرقة 28 ، آمر ت. ب. 20 (2) ، آمر الفوج القوزاقي غ. م. (3) ، ومهندس متقاعد. إنهم أناس ودودون جدّا ولبقو المعاملة ، ولا يتبجحون بمناصبهم.
في الثاني عشر من آذار ، وصلت في الساعة الرابعة بعد الظهر إلى
__________________
(1) بتروفسك بورت ـ مدينة (1857 ـ 1922). مرفأ على بحر قزوين. حاليا ـ محج قلعة ، عاصمة جمهورية داغستان.
(2) 20 ت. ب. ـ اللواء التركستاني (الكتيبة التركستانية؟).
(3) غ. م. ـ مختصر غير مفهوم.

موسكو حيث كنت أحسب أن أجد في محطة نيقولايفسك برقية أخي من فيتبسك. ولكن بسبت تسرعي للحصول على هذه البرقية ، نقلت في البدء أمتعتي إلى محطة بطرسبورغ ، ورحت إلى المدينة لشراء بعض الحاجيات. بدا لي غريبا جدّا ركوب العربات الزحافة التي لم ارها منذ 7 سنوات : بالكاد تجلس على الأرض ، من جميع الجهات تلوح رؤوس الخيل. وهذا ، بسبب انعدام العادة ، منظر مخيف نوعا ما. عدت إلى المحطة الحديدية إلى أصحابي [......] * * في الساعة السادسة والنصف ، ورحت اسأل عن البرقية ؛ وتبين لما فيه دهشتي أن البرقية ليست من فيتبسك بل من موسكو ؛ وقد اتضح لي فيما بعد أن أخي تلقى برقيتي حين كان ينوي الذهاب إلى عيادة في موسكو لمعالجة أخت زوجته التي ظهرت على وجهها أكزيما.
وكان من المؤسف جدّا أني لم اسأل قبل ذاك عن البرقية. في الساعة الثامنة مساء رحت بالقطار السريع إلى بطرسبورغ.
في 13 آذار ، الساعة 8 والدقيقة 50 صباحا وصلت إلى بطرسبورغ وودعت رفاق الطريق اللطفاء واتجهت إلى زاوية جادة نفسكي وشارع كازافانايا لأفتش عن غرفة صغيرة. وفي اليوم ذاته لبست معطفي العسكريورحت اقدم نفسي لرئيس هيئة الأركان العامة وأعرف متى يستقبلني مدير الوزارة. كان اليوم غير موفق ، لم احرز شيئا ، وارجأت الزيارة إلى الغد.
في 14 آذار رحت في الساعة الحادية عشرة والنصف إلى رئيس هيئة الأركان العامة. استقبلني البواب بالقول أن المراجعات قد انتهت. رحت إلى غرفة الاستقبال العامة وأنا موطد العزم على احراز شيء ما. تلقيت ردّا قاطعا من جانب عقيد مكلف بهذا الأمر ، فانتظرت ذهاب هذا العقيد الغاضب ، وخاطبت جنرالا وأوضحت له أني أريد أن اقدم نفسي اليوم حتما لرئيس هيئة الأركان العامة. أصغى الجنرال بكبير الإنتباه وقادني

رأسا إلى الجنرال ساخاروف (1). وهذا الأخير أعجبني خارق الأعجاب بمنظره البسيط واللطيف (في الصورة يبدو سمينا بشكل منفر) ؛ وعرفت منه أن الجنرال كوروباتكين (2) يستقبل اليوم في الساعة الثالثة ، ولكنه سيتأخر ، أغلب الظن ، لأنه سيكون في مجلس الدولة. نحو الساعة الثالثة رحت إلى ديوان وزارة الحربية. جمهرة من الزوار أغلبهم من النساء ، ميدان غني للمراقبة ـ فما أكثر ما تراه هنا من نماذج! وبما أن الجنرال كوروباتكين قد حزر بانه سيتأخر لاستقبال الزوار ، فقد استقبل جنرال مترهل أصحاب الطلبات. والشيوخ من هذا الطراز ظهروا دفعة واحدة من مكان ما بكثرة كثيرة. أغلب الظن انه كانت هناك جلسة في المجلس. بقي من الراغبين في انتظار وصول كوروباتكين 6 أشخاص. وأخيرا ، حوالي الساعة الخامسة ، رنّ جرس ، فتحرك الجميع ، وصعد الكسي نيقولايفيتش [كوروباتكين] وراح إلى مكتبه وخرج منه في الحال نحونا في غرفة الاستقبال. لم آره منذ كانون الأول (ديسمبر) 1897 ؛ كان اشحب بقليل من ذي قبل ، ولا غرابة نظرا لعمله الجهيد. في البدء اقترب من زائرتين ملحافتين بشكل لا يطاق ، ثم اقترب مني ؛ وسأل متى وصلت أنا ؛ وقال انه لا وقت عنده الآن وطلب أن آتي غدا في الساعة الثانية عشرة إلا ربعا إلى شقته. إن جميع ذوي الرتب العالية الذين نظروا إلىّ بتعال قبل وصول الجنرال قد تغيروا كليّا عند ذهابي ، لما فيه دهشتي ؛ فقد رأوا كيف استقبلني الكسي نيقولايفيتش ، ولذا مشيت ببعض الاعتزاز أمام صفهم. في أسفل سألتني إحدى الزائرتين المذكورتين آنفا والبواب عما إذا حالف التوفيق مهمتي ؛ اجبت أني لم آت طالبا. في المساء رحت إلى السيرك. يجب اعتبار اليوم موفقا. ولكن ما عسى أن يقول الكسي نيقولايفيتش غدا؟
__________________
(1) ساخاروف ف. ف. (مواليد عام 1848) ـ منذ سنة 1898 رئيس الأركان العامة.
(2) كوروباتكين أ. ن. (1848 ـ 1925). في سنوات 1890 ـ 1898 ـ رئيس مقاطعة قزوين. منذ سنة 1898 وزير الحربية.

في 15 آذار ، نحو الساعة الثانية عشرة ، جئت إلى الجنرال في شقته ، على رصيف غاغارين ؛ دعاني مباشرة إلى فطور عائلي تحادثنا خلاله عن رحلتي المقبلة. نظرات الكسي نيقولايفيتش خارقة الطرافة. كان لطيفا ومحتفيا جدّا ؛ وقال لي عند خروجي انه يأمل في أن يراني مرة أخرى عند رحيلي وطلب أن آتي إليه مساء بعد الساعة الثامنة ، حين يكون عادة حرّا. ومن الجنرال رحت إلى الكسي غيورغييفيتش غوليكوف ، وتقابلنا كالأخوة ؛ وقد سررت جدّا لأنه شفي من المرض الخطير الذي أصيب به. ينصح الأطباء بالانتقال إلى الجنوب. تناولت الغداء ، كما في الماضي البعيد ، عند ميلبريت ، ورحت مساء إلى الصالة الكبرى في الكونسرفاتوار لحضور عرض قدمته فرقة خاصة من أوبيرا موسكو ؛ كانوا يعرضون أوبيرا «فاوست» ، ولكن العرض كان ضعيفا جدّا ، زلذا لم يحدث في نفسي لا لحن زيبيل ولا لحن ميفيستوفل المشهور ذلك الانطباع الذي استحوذ علىّ عند مشاهدتي الأوبيرا في مسرح ماريينسكي.
في 16 آذار رحت صباحا لتدبير بعض الأمور. كنت في جزيرة فاسيلييفسكي ، واضطررت إلى الذهاب في شارع كاديتسايا لينا. كم وكم من الذكريات بعثتها هذه الأنحاء في نفسي! فهنا أمضيت أفضل سني حياتي : أولا سنتين في مدرسة الامبراطور بافل التي أتذكرها دائما ، على نقيض الجمناز ، بارتياح خاص ؛ وهنا كان العمل وكان النوم الآمن ، والرفاق الطيبون. ولكم استغرقنا آنذاك في هواية المسرح والمطالعة! بعد خمس سنوات ، تأتي لي من جديد أن أعيش في هذه الانحاء بالذات بسعادة ، وأن يكن في أجواء مغايرة تماما. وقد حظي المدعو [ي.] بقسط كبير من السعادة.
حين عدت إلى منزلي نحو الثالثة ، علمت بوصول أخي ، ولكني لن أجده : فقد انتظرني زمنا طويلا ثم راح يتنزه. بعد فترة من الوقت عاد أخي. عاد عليّ اللقاء بمتعة كبيرة إذ أننا لم نتقابل منذ أكثر من سبع

سنوات. ولك ذلك النهار ، والمساء ، والليل مرت في الأحاديث. إلّا أني غبت لوقت قصير لإذ رحت إلى دالغات وكوروباتكين لتوديعهما. ودعني الكسي نيقولايفيتش كأخ ، وطلب أن أكتب له ، وعانقني للوداع.
في اليوم التالي ، في السابع عشر ، استغرقت طوال الصباح كله في أموري وتدبير شؤوني المالية. وعند العودة إلى المنزل ، قدمت لأخي 300 روبل وطلبت منه أن يقبلها كتسديد لتلك المبالغ العديدة التي غالبا ما كان يقرضني اياها بينما كان غالبا ما يحتاج هو نفسه إلى النقود. رفض أخي قطعا. آنذاك طلبت منه أن يرسل المبلغ إلى أمنا إذا كان هو لا يرغب في أخذه. فوافق على هذا الطلب ، وقبل النقود. في المساء رحنا إلى السيرك ، ولكن السيرك لم يوفر المتعة لا لي ولا له ، كما يخيل إليّ.
في 18 آذار رحت صباحا مع أخي إلى حميد الله آخون أثناء الحديث ، وقد آخذ احتياطيّا من بعض الألبسة. وطلب مني آخون أثناء الحديث ، وقد عرف اني مسافر إلى مصر ، أن اقترح على الفقهاء المصريين ، المعروفين بمستواهم العلمي الرفيع ، حل مسألتين خارقتي الأهمية بنظره ، هما التاليتان ، فقد قرأ في كتاب «حوار البياع» (لربما أخطأت في الاسم) أن من يلبس قبعة ، لا بحكم الضرورة ، بل لمجرد أن يشبه الكفار ، إنما هو كافر ، وأن الذين يحزمون الخصر بحزام رقيق دقيق ويعلقون الصلبان (الأوسمة) في كل مناسبة هم بلا ريب كافرون. وطلب آخون أن استوضح هذه المسألة. وهذا واسع الدلالة. ومن الأسئلة علمت انه يوجد في أوديسا آخون (إبراهيم) يحكي عنه الجميع بصورة سلبية جدّا ، ويتهمونه «بسلخ جلود» الذاهبين إلى الحج.
أنقضت بقية الوقت على معاملات جواز السفر. عرجت لفترة وجيزة على بايازيدوف ، والتقيت هناك باراغانسكي ؛ يبدو أنهما فتحا مطبعة بالشراكة. وقد أعطى هو أيضا تقديرا سيئا عن إبراهيم ، آخون أوديسا.

في ذلك اليوم سافرت في الساعة 8 مساء مع أخي في قطار سريع لسكة تسارسكويه سيلو : هو حتى دفينسك (1) ، وأنا بدون مناقلة إلى أوديسا.
ركبنا في مقصورة من الدرجة الأولى ، ونمنا الليل بصورة مريحة ، رغم أني نمت قليلا جدّا. وهذا يحدث لي منذ سفري إلى اسخاباد ؛ المهم الّا افقد أعصابي نهائيّا!
في 19 آذار وصلنا في الساعة 7 صباحا إلى محطة بطرسبورغ في دفينسك ؛ نزلنا أنا وأخي من القطار واحتسينا الشاي ثم تفارقنا. وعند ما رأيت المحطة الحديدية التي سبق أن عرفتها جيدا أثناء خدمتي مدة خمس سنوات في اللواء الثاني في دينابورغ (2) ، وعندما رأيت من نافذة عربة القطار المدينة والقلعة ، تدفقت في خاطري طائفة من الذكريات ؛ وبجهد وصعوبة قمعت انفعالي الداخلي. حوالي الساعة الرابعة كنا في فيلنو (3). ـ وهي أيضا مكان أتذكره. وهنا تقابلت مع بانسوبوف فأعطاني بطاقة لقريبه الذي يملك «تكية» في مكة المكرّمة. في هذه السنة سافرت من بطرسبورغ إلى الحج 5 عائلات تترية من مدينة قاسموف. وكذلك أعطى بانسوبوف تقييما سيئا عن إبراهيم آخرن ، وأوصى ، عند الاقتضاء ، بحسن خلفا (المعلم ـ لقب مشرف تتري ـ أ. ر.). بعد فيلنو ، قلما رأيت الثلج ، ولكن الضباب الشديد كان منتشرا على الدوام وظل منتشرا حتى رحيلي من أوديسا. ومعي سافر من بطرسبورغ في مقصورة واحدة حتى
__________________
(1) دفينسك ـ مدينة على نهر داوغافا. أسميت بهذا الأسم من سنة 1893 إلى سنة 1917. حاليا ، داوغافبيلس (جمهورية لاتفيا).
(2) دينابورغ ـ قلعة في دفينسك (داوغافبيلس) ، من نقاط الاستحكام على الحدود الغربية لروسيا.
(3) فيلنو ـ حتى سنة 1939 اسم مدينة فيلنوس ، حاليا عاصمة جمهورية ليتوانيا.

محطة رازدلنايا شيخ ، ملاك اقطاعي من بيسارابيا (1) ؛ وتبين انه محادث بشوش وودود جدّا.
في 20 من آذار ، سرنا طوال الوقت كله ، ووصلنا في هذه الأجواء إلى أوديسا في الساعة 8 مساء. في الطريق من المحطة الحديدية إلى الفندق [...] * ، اقتنعت حقّا بنظافة المدينة ، وانارتها الجيدة ، وجودة حال الطرق. الغرف في الفندق فاحشة الغلاء. غرفة صغيرة في جناح في الحوش ـ روبل واحد و 50 كوبيكا ؛ ناهيك عن 15 كوبيكا للنور و 20 كوبيكا للسماور ، وغير ذلك.
21 آذار. رحت أولا إلى إبراهيم آخون. يبدو محتالا قديما ومحنكا. وليس من الصعب على امثاله أن «يسلخوا جلود» البشكير السذج والقرغيز الذين لم يغادروا يوما ديارهم. ومنه عرفت أن [تيمور] اكتشورين وزوجته وابنيه وبناته الثلاث و [عب ..] دبردييف راحوا إلى مكة. هذا النبأ كان معزيا لي. أنا أعرف من زمان الشيخ وابنه يعقوب. بناء على توجيه آخرن وجدت حسن خلفا وكلفته ببضع مهام. اشتريت لباسا مدنيا ، ولبسته ، ووضعت اللباس الرسمي جانبا لأرسله إلى أخي. بسبب انعدام عادة ارتداء اللباس المدني ، يبدو الحال مزعجا جدّا : فقد اشتريت قبعة (رخوة) وبياضا. ومن جراء الضباب الكثيف لم ار أو يكاد المدينة ولم أكوّن تصورا كاملا عنها.
في 22 آذار انتقلت في الساعة 8 صباحا إلى باخرة تابعة للشركة الروسية (2) ، متجهة رأسا إلى الاسكندرية. ولحسن الحظ كانت الباخرة من أكبر (7800 طن) وأجدد بواخر الشركة. اسم الباخرة «الامبراطور نيقولاي الثاني». انزلوني في مقصورة منفردة من الدرجة الأولى. زينة
__________________
(1) بيسارابيا ـ منطقة تاريخية بين نهري الدنيستر وبروت.
(2) شركة الملاحة والتجارة في روسيا.

المقصورات وغير ذلك من الغرف فاخرة. ثمن التذكرة 98 روبلا. جاء إلى وداعي حسن خلفا ثم آخون. في الساعة العاشرة تماما ، ابتعدت الباخرة عن الرصيف وخرجت من المرفأ ببالغ البطء ، واتجهت صور البوسفور. كان التموج ضعيفا. في الحادية عشرة ، دعونا إلى الفطور. اشتد اضطراب الموج ، لذا راحت السيدة الوحيدة الجالسة معنا بعد تناول الصحن الأول بالذات. الفطور وفير جدّا ـ يتألف من 3 صحون عدا المتبلات والنقل. نحو نهاية الفطور كان تمايل الباخرة من مقدمتها إلى مؤخرتها قد ازداد ؛ بصعوبة بقيت جالسا إلى النهاية ؛ ثم رحت إلى مقصورتي وتمددت. تملكني غثيان قوي. مرة أو مرتين ظننت أني سأتقيأ ، ولكن انتهى كل شيء بخير وسلام. لم أستطع بالطبع أن انهض لتناول الغداء ؛ وفي المساء شربت الشاي وأنا متمدد. أخذت الباخرة تهتز نوعا ما ؛ يبدو أن التموج خفيف. حوالي الساعة 10 مساء اغفيت.
23 آذار. استيقظت في الساعة 3 صباحا. لم أشعر بإضطراب الموج. القيت نظرة عبر الكوة. التموج كبير. خرجت إلى المتن. الريح قوية ، لا يمكن الوقوف. اضطراب الموج ، رغم هذا ، ضعيف جدّا. حوالي الساعة الثانية ، دخلنا البوسفور. ضفتاه وعرضه تذكر جدّا بالفولغا قرب نيجنى (1). الضفتان عاليتان القدر نفسه ، تليتان ، مزروعتان ، مكسوتان بالشجيرات وبأشجار نادرة من السرو. وغالبا ما نرى بقعا رملية صفراء. الضفتان ، على العموم ، جميلتان جدّا. تقع العين على ثكنات حجرية دفاعية مهملة. على بعد نحو 7 فرستات (2) عن المدخل ، انشئت
__________________
(1) نيجنى نوفغورود (من سنة 1932 إلى سنة 1990 مدينة غوركي) ـ مدينة عند انصباب نهر اوكا في نهر الفولغا. حاليا مركز مقاطعة نيجني نوفغورود في جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفييتية.
(*) الفرستا ـ 1060 مترا. المعرب.

على الضفتين بطاريات زهاء 300 ساجين (1). في المزاغل تبدو مدافع من عيارات كبيرة ، قرابة 11 بوصة. الاستحكامات متعددة الطوابق ، وتقع في أماكن مختلفة ، ولذا يمكن اطلاق نيران متقاطعة. على متراس خندق كان جنود في طرابيش حمراء وأشرطة حمراء على السروايل. قرب أحد الحصون توقفت الباخرة وانزلت زورقا مضى عليه إلى الضفة معاون الربان وعدد من البحارة لكي يأخذوا رخصة بالعبور لاحقا. بعد عودة الزورق ، واصلت الباخرة سيرها. ومن هنا إلى القسطنطينية تحتفظ الضفتان بالطابع نفسه الذي تتميز به الضفة اليمنى من نهر الفولغا قرب نيجتى أو قازان ؛ وهما مكسوتان كليّا بالمباني والمنشآت. الصف الأدنى من المباني ينتصب قرب الماء بالذات ؛ ولكثير من المنشآت والابنية بوابات لأجل عبور الزوارق إلى داخلها. وبين البنايات بنايات جميلة جدّا من حيث الهندسة المعمارية. وبما أني تعودت رؤية هذه الصفوف المتواصلة من البنايات ، لم الاحظ كيف اقتربنا من القسطنطينية ؛ وقد وصلنا إليها حوالي الساعة الرابعة نهارا. الانطباع الأول ـ كثرة من أصحاب القوارب في طرابيش حمراء ولغط رهيب. وما أن انزلوا السلالم حتى تدفق جمع غفير في الطرابيش إلى المتن : من ضباط في البوليس التركي وعلى صدورهم كتابة «قانون» ، وأدلة ، وسواقي زوارق ، ووسطاء لمختف الفنادق. (توقفت الباخرة عند مدخل «القرن الذهبي» علة بعد نصف فرستا من الساحل). كان المنظر جميلا إلى حد أنني قررت عدم النزول إلى الضفة اليوم ، ومشاهدة الجمهور والمدينة من البوسفور.
تقف الباخرة قرب مدخل البوسفور ؛ إلى يميننا بيره (القسم الأوروبي) وإلى يسارنا اسطنبول (القسم التركي) ، وإلى ورائنا سكوتوري. عرض البوسفور مقابل القسطنطينية فرستا ونصف أو
__________________
(* *) الساجين ـ متر و 13 سنتمترا. المعرب.

فرستان. ومنظر بيره هو أيضا يذكر جزئيّا بمنظر نيجنى من نهر الفولغا ، ولكن للمباني طابعا مغايرا تماما ؛ فهي عبارة عن بنايات عالية جدّا ومنتصبة في خطوط متوازية ضيقة ذات نتوءات وشرفات مختلفة (ومثل هذه المباني رأيت في اللوحات عن المدن الإيطالية القديمة). إن اسطنبول عبارة عن كثرة من منشآت أصلية بين أشجار السرو ، وفوقها تهيمن القبة الهائلة لجامع آياصوفيا ؛ وهي على العموم خارقة الروعة والجمال والاصالة.
حول الباخرة تغلي الحياة غليانا ؛ فإن كثرة من البواخر والزوارق تنقل الجمهور إلى سكوتوري وعبر البوسفور. وحول باخرتنا ، يصطف أصحاب الزوارق مثل الحوذيين. ومن الباخرة يفرغون الطحين في 4 مراكب دفعة واحدة.
اتفقت مع رفيقي في الباخرة على الذهاب غدا معا إلى الصفة ، وعدت إلى مقصورتي ونمت.
24 آذار. في الساعة 7 صباحا ، اعتزمنا أنا ورفيقي الذهاب إلى المدينة ، علما بأننا اتفقنا على الاستغناء عن الدليل ؛ وهذه المهمة أخذها رفيقي على عاتقه. أما أنا ، فقد تعهدت بأن أقوم بدور المترجم. لم ينزلوا سوى السلم الأولى من الفئة الثالثة ، وكان له درابزون من جانب واحد فقط ؛ أسرع رفيقي نزولا بجرأة وقفز إلى زورق. أما أنا ، فقد خفت وعدت القهقرى لأن درجات السلم رطبة ومزعجة جدّا ؛ وبعيدا في الأسفل ، تضطرب هوة البحر ناهيك عن السلم المتأرجح. رأى البحار المناوب عجزي فساعدني على الخروج والنزول في الزورق. وصلنا إلى الضفة وإذا بنا في الجمرك ، فتفحصوا جوازي سفرنا ، الأمر الذي استغرق نصف دقيقة من الوقت. خرجنا من الجمرك وإذا بنا في شارع بيره الساحلي.
لقد قرأت الكثير من أوصاف القسطنطينية ؛ وجميع الرحالة يصفونها



بأنها مدينة جميلة جدّا من البحر ولكنها قذرة وغير جذابة في الداخل ؛ ويكتبون عن الامتيازات التي تتمتع بها كلاب الشوارع ، وغير ذلك وهلم جرا. ونحن المسلمين من اتباع روسيا ، لا نصدق بطيبة خاطر كل ما يمس الجوانب الرديئة في هذه الأوصاف ، ونحن مستعدون لكي ننسب هذا إلى نفور المسيحيين من الاتراك ، والخ ..
أول ما أذهلني في شوارع القسطنطينية ، إنما هو وفرة الزبالة ووفرة نوع خاص من الكلاب التي تتصرف على الأرصفة كما في بيوتها. وغالبا ما تقع العين على بيوت خشبية متعددة الطوابق. فماذا يحدث هنا إذا ما نشب حريق في شارع بمثل هذا العرض التافه؟ إن ضيق الشوارع يمكن تفسيره ، ولكن كيف يجوز فيها مثل هذا القدر من الزبالة ، مثل هذا القدر من الوحل ، مثل حال الطرق هذا ، مثل هذه الهندسة المعمارية المنفرة؟ إن أي رئيس للبوليس في اية مدينة في روسيا يستحوذ عليه الرعب من مثل هذه الأوضاع.
صعدت مع رفيقي إلى الشارع الرئيسي في بيره ، وسرنا في هذا الشارع ، ونزلنا إلى جسر يوصل بين بيره واستنبول (ما افظع أرضية هذا الجسر الخشبية!) ، واستأجرنا قرب الجسر حصانين للركوب بمبلغ مجيديتين ورحنا عبر اسطنبول كلها إلى مقبرة أيوب الواقعة عاليا في الجبل في ناحية القرن الذهبي. المنظر من هذا المرتفع عجيب : في أسفل ، القرن الذهبي مع كثرة من السفن ؛ في البعيد ، بيره وغالاتا ؛ مقابر في كل مكان ؛ ادغال أشجار السرو والسفوح الخضراء المرحة المكسوة بأولى زهور الربيع. منظر عجيب ، فلا يرغب المرء في الرحيل. بعد أن نزلنا من الجبل سيرا على الأقدام ، امتطينا الحصانين ورحنا أولا بمحاذاة السور البيزنطي القديم (وهو انشاء حجري وطيد جدّا مع خندق ملبس بالحجر هو أيضا) ، واجتزنا الشارع البازاري في اسطنبول ونزلنا قرب السوق المسقوفة ؛ وبعد مشاهدتها رحنا إلى آياصوفيا. لقاء مشاهدة هذا

الجامع ، أخذوا منا ، لما فيه دهشة رفيقي الذي كان غير مرة في هذه الانحاء ، مجيدية واحدة فقط. من الخارج يبدو جامع آيا صوفيا غير جميل ؛ وزجاج نوافذه مدمر ؛ والمبنى مصبوغ باللون الأصفر بصورة سيئة. في الداخل ، مبنى رائع ، جليل ، مهيب ، فيه رواق مذهل من الأعمدة وقبة بديعة. على الجدران ، دروع عليها كتابات ، الأمر الذي يتنافى مع روح الصرح العامة. في الجامع تطير الحمائم ، وتوسخ بالطبع. الانطباع عميق. بعد مشاهدة الفوارات الجميلة الواقعة قرب الجامع والتركية الصنع (وغالبا ما تقع العين على الفوارات في الشوارع) ، عدنا عبر الجسر نفسه إلى بيره وتخلينا عن الحصانين. بعد تناول الغداء والتنزه كثيرا في الشوارع عدنا إلى الباخرة.
في شوارع القسطنطينية ، تقع العين على عدد كبير من العسكريين ، من جنود وضباط ؛ وفي كل مكان تسير دوريات ، وفي كل مكان ، تنتصب المخافر. الجنود طويلو القامة جدّا ، ولكن بدون الهيئة اللازمة ، وفي معاطف سوداء نمساوية ، وغالبا ما تكون البستهم قذرة. ولكنهم ، على ما يبدو ، يحفظون السلاح بصورة جيدة جدّا. رأيت فصيلة من الخيالة ـ الأحصنة جيدة ؛ رأيت تدريب مفرزة ـ جميع الأساليب والحركات يؤدونها بنحو ممتاز وباجتهاد.
في القسطنطينية ، يلاحظ الزائر في الحال الأهمال والاستهتار والقذارة في كل مكان. مثلا. ترامويات الخيل سيئة ، الأحصنة سيئة كذلك ؛ تنطلق أحصنة التراموي بخبب في شارع منتعش جدّا. وقد تدهس شخصا ما ، بينما الحوذي منصرف في هذه الأثناء ، وقد تخلى عن الأزمّة والكابح ، إلى لف سيجارة ليدخنها. هذه هي انطباعاتي المرتكزة بالطبع على مراقبات عابرة فقط.
يجب أن أضيف أيضا انه لا يوجد في القسطنطينية نظام نقدي

معين ، وأن عملات جميع البلدان قيد التداول ، وانه لا يوجد بريد معين ، وأن لكل دولة بريدها.
25 آذار. منذ الصباح ، نظرا لرحيل الباخرة ، أخذ أصحاب الزوارق يتدافعون بزوارقهم ؛ وبدأ قبول بريد جميع الدول ووصول الركاب. وأخيرا في الساعة 10 ، رفعت الباخرة مراسيها وانطلقت إلى بحر مرمره. من بعيد تمتعنا من جديد بمشاهدة القسطنطينية والجزر. البحر هادئ تماما. رأيت على المتن الرأسي مسلمين يقومون بالاويله (صلاة الظهر باللغة التترية ـ أ. ر.). بعد نهاية الصلاة ، اقتربت من جماعة منهم وعرفت أنهم من سكان قشغر ، وأنهم ذاهبون إلى مكة. سافروا في الثاني من شعبان ، وعبروا مضايق تيريك داوان في 11 يوما. في كراسنوفودسك وجههم المدعو عبيد الله إلى سيباستوبول. وقد تشكوا من أن المدعو صدرا والمدعو غيراي قا ابتزا الأموال منهم هناك لقاء تأمين الفيزا لجوازات سفرهم ، إذ أخذا من كل منهم 13 روبلا. أنوي التعرف عليهما بنحو أقرب حين تسنح الفرصة.
في الساعة 10 مساء عبرنا الدردنيل ـ عرض هذا المضيق يتراوح بين فرستا ونصف فرستا و 3 فرستات. ضفافه عالية. البحر هادئ تماما. الطقس بارد دائما.
26 آذار. في الساعة 4 صباحا وصلنا إلى أزمير. الضواحي جبلية جدّا ؛ الذرى تذكر بجبالنا كوبت داغ. على مسافة 7 ـ 8 فرستات من أزمير ، توجد في مكان ضيق بطارية عصرية المنظر. المدينة من البحر جميلة جدّا ؛ في الجبل المجاور ، تظهر انقاض سور قلعة تشبه كثيرا «قلاعنا» ، ولكنها حجرية. المرفأ مجهز جيدا وفيه سد للامواج. ما أن توقفت الباخرة ، حتى انقض في الحال سرب كبير من أصحاب الزوارق كانوا ، على ما يبدو يكبحونهم حتى تلك اللحظة ، وإذا ازدحام غير عادي ، وهرج ومرج شديدان. لم أذهب إلى المدينة ، واكتفيت بمشاهدتها من

الباخرة. في الساعة الرابعة اقلعنا واتجهنا إلى بيريوس في اليونان. الطريق تقع دائما بين جزر عالية ، متناثرة بصورة كثيفة جدّا في البحر (أرخبيل). في أزمير (اركبوا؟) في مقصورات الدرجة الأولى نحو 20 شخصا ؛ أنهم سياح انجليز والمان ذاهبون إلى آثينا ؛ بينهم عجوزان أو ثلاث عجائز طاعنات جدّا في السن ؛ فماذا يدفعهن إلى التسكع في الدنيا وتحمل كل مصاعب السفر؟ وكما في القسطنطينية ، تقترب السفن الأجنبية في أزمير من الساحل بالذات ، ولكن سفننا الروسية وحدها تتوقف على بعد نصف فرستا من الساحل ، ـ وهذا منغص كبير للركاب وللشحن والتفريغ. اليوم تحادثت طويلا مع الحجاج من قشغر. أخذوا تذاكر السفر من سيباستوبول إلى القسطنطينية ، وأعطوهم التذاكر من القسطنطينية إلى جدة رأسا. سألت الربان عن كيفية نقلهم لاحقا. يبدو أن الشركة الروسية للملاحة والتجارة قد اتفقت مع السكك الحديدية المصرية ومع شركة ملاحة عربية. يستقبل (عملاء؟) خاصون الحجاج في الاسكندرية ويركبونهم في السكة الحديدية ؛ وفي السويس ينقلونهم من جديد إلى باخرة.
اليوم تحادثت طويلا مع الحجاج من قشغر ، وعلى رأسهم الحاج أمين الذي يسافر للمرة الثالثة إلى مكة والذي يذهب هذه المرة لكي يبقى هناك على سبيل الإقامة الدائمة. عددهم جميعا 13 شخصا ، أكثرهم شيوخ. قال هذا الحاج أن نحو الفي شخص يذهبون سنويّا من قشغر (اقليم) إلى مكة حين لا تقيم روسيا العوائق. وفضلا عنهم يذهب عدد غير كبير نسبيّا من الصينيين المسلمين (الدونغان).
يسلك الحجاج الطرق التالية :
1 ـ الطريق الأغلي ، ولكن الطريق الأسرع والأنسب ـ تيريك ـ داوان إلى أوش وسمرقند (هؤلاء الحجاج قطعوا الطريق بين أوش وسمرقند على أحصنة البريد وفي السكة الحديدية إلى كراسنوفودسك ، ثم إلى باكو وباطوم والقسطنطينية) ، والخ ..

2 ـ في الاتجاه ذاته إلى سمرقند ، ومنها عبر كابول إلى بيشاوار على ظهور الخيل ، وم بيشاوار إلى بومياي في السكة الحديدية ، ومن ثم إلى جدّة على بواخر إنجليزية.
3 و 4 ـ يذهبون كذلك إلى كابول دون دخول أراضي روسيا ، عبر قونجوت (الطريق 3) وباداخشا (الطريق 4) (ليست باداخشان) (1).
السفر في الطرق الثلاثة الأخيرة لا يكلف غالبا ، وما لا يزيد على 100 روبل ، ولكنها تحفل بمصاعب كبيرة وتتطلب وقتا كثيرا ؛ والذاهبون في هذا الاتجاه يمضون عادة على خيولهم بالذات حتى بيشاوار حيث يبيعونهت بربح ؛ وعادة يشتريها الأمير المعظّم في كابول لأجل خيالته. وفي البلدان التي تقع على طريق الحج ويقطنها المسلمون يلقى الحجاج من السكان الدعم المادي. والبواخر الإنجليزية أكثر تكيفا لحاجات المسلمين ؛ فهناك مقصورة خاصة يستطيعون فيها أن يهيئوا بأنفسهم طعامهم ، الأمر الذي لا يتوفر في بواخر الشركة الروسية ؛ وهذا ما اقتنعت به شخصيّا حين سألت رؤساء الباخرة عن هذا بطلب من الحجاج.
27 آذار. حوالي الساعة 9 صباحا ، وصلنا إلى بيره (بيرايوس). دخلت الباخرة مكلأ مغلقا. ازدحام أصحاب الزوارق وخلافهم من الناس أكبر مما في القسطنطينية وأزمير. برفقة 3 ركاب نزلت إلى الساحل ، وأخذنا نحن الأربعة عربة ، ورحنا نشاهد أنقاض الاكروبول. بيره بلدة مغبرة جدّا ولكنها نظيفة ؛ الطريق إلى الاكروبول طريق حسن جدّا ينطلق بموازاة خط للتراموي البخاري. على جانبي الطريق حقول متواصلة ؛ سنابل الشعير أخذت تظهر وتتنامى. في كل مكان تقع العين على أشجار الزيتون. غالبا ما نرى آلات لرفع الماء ، عاملة بالأحصنة أو بالبغال ؛ يبدو أن كل شيء يتطلب السقاية. المحلة تحيط بها جبال بلا حياة من
__________________
(1) كتابة غير مفهومة. في التقرير على ص 120 ، أشير إلى باداخشان.

طراز جبالنا فيما وراء قزوين. إذا كانت اليونان كلها هكذا ، فليست البتة بلادا زراعية.
أنقاض الاكروبول على صخرة عالية تتألف من عدد من أروقة الأعمدة المرمرية شبه المنهارة والمدمرة. الأعمدة خفيفة جدّا بالفعل ؛ وخطوط الهندسة المعمارية خارقة الأناقة رغم أنها مستقيمة ، ولكن كل هذا لم يثر في نفسي كبير الأعجاب والتهليل ؛ فإن آثار سمرقند ، مثلا ، تعجبني أكثر ؛ في أسفل الصخر ، آثار مسرحين ـ مدرجين. المكان لأجل الاكروبول اختير برائع التوفيق ؛ إذا نظرنا من أسفل ، فلا بدّ أن يظهر كل هذا بشكل جميل جدّا على خلفية لازورد السماء.
من الاكروبول يلوح منظر عجيب على الضواحي قرب السفح : (من الشمال) تقع آثينا التي تبدو جميع مبانيها وشوارعها كأنما على راحة الكف ، في الجنوب ، على بعد 10 ـ 20 فرستا ، تظهر بيره ؛ ثم تنبسط مياه الخليج الزرقاء. تبدو آثينا مدينة أنيقة ، مرتبة ، نظيفة.
عدنا نحو الساعة الواحدة إلى الباخرة ؛ وقد تفضل ربان السفينة وارجأ الفطور إلى الساعة الواحدة (عادة في الساعة الحادية عشرة).
أقلعنا في الساعة الثانية نهارا ، وانطلقنا من جديد بين الجزر. البحر هادئ تماما. السماء صافية. الآن يتعين اجتياز أكبر مرحلة ؛ في الليل تدخل الباخرة أحد مرافئ جزيرة كريت ، أغلب الظن ، لكي تتلقى البريد ، نظرا للمضاعفات المحلية (1).
28 آذار. في الصباح ، عبر المنام ، سمعت كيف رموا المرساة وكيف اقلعنا من جديد بعد قليل ؛ أغلب الظن أننا كنا في كريت. قمت
__________________
(1) المقصود هنا إنتفاضة كرين (1896 ـ 1897) تحت شعار «الإنضمام إلى اليونان».أدت إلى نشوب الحرب اليونانية التركية سنة 1897. اسفرت هذه الحرب عن حصول كريت على الحكم الذاتي الإداري في ظل سيادة السلكان (سنة 1898).

كالعادة في الساعة السادسة صباحا. البحر هادئ تماما. نمضي بمحاذاة ساحل كريت الشمالي. الجزيرة ، أو ، من الأفضل القول ، السواحل التي سرنا بمحاذاتها ـ من الجهة الشمالية والشرقية ـ جبلية جدّا ؛ الجبال تشبه جبال كوبت داغ ؛ وهناك قمم كثيرة لا تزال مكسوة بالثلج ؛ ارتفاعها ، كما قال الربان ، حوالي 8000 ارشين (1) ؛ الثلج يبقى حتى حزيران (يونيو).
من جديد تحادثت زمنا طويلا مع الحجاج من قشغر ، علما بأني تعلمت مراسم الحج على يد الحاج أمين. يتبين من أقوال هؤلاء الحجاج أن الطريق من قشغر إلى أوش يستغرق عادة 10 أيام ، بينما قضوا هم بسبب الفصل غير المناسب من السنة 17 يوما. وإذا مضى الحجاج على خيولهم بالذات من قشغر إلى سمرقند إلى بلخ 10 أيام ؛ ، وإلى كابول (من بلخ) 15 يوما ، وحتى بيشاوار 15 يوما آخر. في السكة الحديدية إلى بومباي ـ 6 أيام. أما في الباخرة ، فقد قضى الحاج أمين شهرين بكاملهما ، لأنه اضطر إلى البقاء في المحجر الصحي في كمران. ومن الحجاج عرفت أيضا انهم ينزلون في مكة في فنادق خاصة (تكيات) ، متجمعين حسب القوميات ؛ فهناك تكيات قشغرية ، وقرغيزية ، وكازاخية ، والخ ..
اليوم ، البحر هادئ تماما طوال الوقت. رفاقي هم : خوروشيفيتش ـ الصحفي المشهور في إحدى جرائد أوديسا ، تجوب كثيرا جدّا ، وكدس خبرة ؛ كان كذلك في سالخالين ؛ لا يزال شابّا ؛ وهو محادث مستطاب جدّا ؛ انه ذاهب إلى فلسطين حيث سيبقى شهرا ، ومن هناك يسافر عبر إيطاليا التي يحبها خارق الحب إلى إسبانيا ويبقى فيها للصيف. ستظهر مقالاته عن ساخالين في طبعة منفردة في سانت بطرسبورغ.
__________________
(*) الأرشين يساوي 71 سنتمترا. المعرب.

وكان هناك ملاك عقاري بولوني من محافظة بودوليا يقوم كل سنة برحلة في البحر إلى الاسكندرية وهو يفكر في الذهاب هذه المرة إلى دمشق وبعلبك. وقد تجوبت معه في القسطنطينية ؛ وكان هناك جنرال في مصلحة السكك الحديدية لا يضيع عيئته الجنرالية ، رغم انه أخذ يغير ملابسه تدريجيّا ويلبس البسة مدنية. الباقون ركبوا فيما بعد ، وجميعهم حجاج. في الوقت الحاضر يوجد 12 روسيا و 10 أجانب. مقصورات الدرجة الثالثة كلها مليئة بالحجاج الروس الذاهبين إلى القدس.
28 آذار. اليوم ، كما قال الربان ، إذا ناسب الطقس فلا بد أن نصل إلى الإسكندرية في نحة الساعة الرابعة بعد الظهر ؛ وبالفعل لا يزال الطقس بديعا ؛ الحرارة تزداد ، الشمس تدفئ كما في منطقتنا فيما وراء قزوين. ها أنا لليوم الثاني أشعر بأني غير سليم تماما ، وذلك ، أغلب الظن ، من وفرة المآكل على مائدة الباخرة ؛ فيما بعد ، كما أعتقد ، لن يدللني الطريق بهذا.
في السنة الماضية ، في مثل هذا الوقت ، كنت اتجوب في جبال قطاعي ، واعكف باجتهاد على الإحصاء ، ولم يخطر البتة في بالي أني بعد سنة سأكون بعيدا جدّا عن الأنحاء التي تعودت عليها جيدا في هذه السنوات السبع لما فيه دهشتي.
حوالي الساعة الثالثة اقتربنا من الإسكندرية. منظر المدينة من البحر عملي. كثرة السفن [....] * الأخرى ، و [....] * * الأنيقة. اقترب منا موظف من المرفأ ، وركض على السلم إلى أعلى بقدر من المهارة والخفة بحيث ينبغي الظن انه ليس من أهل البلد بل إنجليزي. رسونا رأسا إلى الرصيف (وهذا للمرة الأولى بعد أوديسا). على الرصيف كثرة من العرب في قمصان بيضاء طويلة جدّا. ما أن مدوا الجسور حتى تدفقت كثرة من الحمالين (لشيالين باللجهة المحلية).
كنت قد تعرفت في الباخرة على قرغيزي من جوار أورنبورغ ؛ كان

لا يزال شابّا ؛ وكان يعيش على الدوام في مكة ؛ والآن يعود إلى هناك بعد أن أقام في مسقط رأسه ؛ وفي مكة عنده زوجة وحماة. هذا القرغيزي الذي يعرف أهلي أعجبني كثيرا إلى حد أني قررت أن أجعله معاونا موقتا لي. اسمه الحاج سلطان.
يبدو انه توجد في الإسكندرية أيضا عصابة من نهابي الحجاج ؛ ومنذ بادئ بدء وقعت في مخالب صاحبنا الحاج مصطفى ، المولود في كريت. ودعت رباننا اللطيف ، وفارقت آخر شيء روسي ـ السفينة. وحين دبر الحاج سلطان شؤون الحجاج من قشغار مع حوذيين للنقل ، ورحت معه إلى الجمرك ؛ وهناك أخذوا جواز سفري ، وفتشوا الحقيبة ، وفتشوني أنا أيضا بخشونة ، واطلقوا سراحي قائلين أني سأتلقى جواز السفر غدا من قنصلنا. قال الحاج مصطفى شيئا ما عن إمكان الحصول على جواز السفر في وقت أسرع ، اليوم بالذات إذا أعطيت بخشيشا ، ولكني رفضت. رحنا إلى المدينة ؛ المنظر أوروبي تماما ، الأرصفة بديعة ، من البلاط ؛ عمارات متعددة الطوابق ، بينها جامع غني فخم ، واتماما [لكل شيء ، تمثال؟] محمد علي في الساحة. أخذني الحاج مصطفى إلى فندق سيء يخص حسن كريدلي ؛ الغرفة سيئة ولكن المفروشات على الطريقة الأوروبية. 8 قروش في اليوم. رحت أشاهد المدينة. كثيرون من المتنزهين (اليوم يوم الجمعة) ، في البسة على أحدث موضة ، أذهلتني المقاهي الشاسعة من طاولاتها الصغيرة في الشارع ، وفيها يلعبون في النرد وجزئيّا في الورق بكل حمية. بعد أن شبعت من المشاهدة عدت إلى غرفتي في الفندق. في المساء رحت اتسكع من جديد. لباس النساء المحليات غريب ؛ فهن ملفوفات بكليتهن بالأسود ؛ على الجبهة خشبة صغيرة لدعم الحجاب. تسترعي الإنتباه وفرة مرضى العيون والعميان. الجنود المحليون (العرب) يحافظن على النظام ـ البستهم حسنة مع [.....]*على الكم ؛ جميعهم سود العيون حليقو

الذقون ، في قمصان ذات قبات ناصعة البياض. واضح أن الهيئة جيدة. رأيت أيضا جنودا إنجليز ـ في معاطف حمراء وقبعات صغيرة ، وعصي في الأيدي ، منظر مفرط في الاباء.
في كل مكان نسمع النطق العربي والصيحات باللغة العربية. نمت في الساعة العاشرة ، بعد أن تعبت جدّا من المشي الطويل.
30 آذار. في الصباح رحنا إلى القنصلية الروسية لأخذ التذكرة. لم يكن القنصل موجودا ؛ كان السكرتير ، وكان لا يعرف اللغة الروسية اطلاقا. المفروشات حقيرة ، ولكن صورة الامبراطور الكسندر الثالث الرخيصة تستلفت النظر. بعد قليل جاء القنصل ؛ وهو رجل لطيف جدّا من الظاهر. حين علم أني بحاجة إلى جواز سفري ، أرسل معي قواسا إلى الجمرك. عدت إليه مع جواز السفر وسألته بخصوص التعليمات عن العمل لاحقا. وأوضح لي القنصل انه ، نظرا لمنع المسلمين من رعايا روسيا عن الحج ، كتب إلى المحافظ المحلي بسحب جوازات السفر من جميع المحمديين من رعايا روسيا ، وإرسالها إليه لكي لا يسلمهم إياها بعد ذلك ولكي يعيدها إلى روسيا. وهذا تدبير ساذج جدّا! إذن ، يعيد إليّ جواز سفري لأنه لم يرد فيه ذكر مكة! الحمد لله.
ثم ، بموجب تعليمات الحاج مصطفى أيضا ، أخذت تذكرة إلى جدّة في وكالة شركة المانية ؛ أخذوا مني عن تذكرة الدرجة الأولى إلى السويس في السكة الحديدية وعن التذكرة في الباخرة 10 جنيهات استرلينية أي 94 روبلا و 70 كوبيكا ، بدون الطعام!
حوالي الساعة الرابعة انطلقنا بالسكة الحديدية من الإسكندرية. دبرت للحاج سلطان مكانا في الدرجة الثانية. نسيت أن أذكر أني اشتريت في الإسكندرية ردائين طويلين ب 3 جنيهات استرلينية ، وطربوشا وشالا حريريّا لأجل العمامة ، وحذاء لأجل الاحرام وقطعتين من القماش الأبيض للغرض نفسه ، وزنّارا لأجل النقود.

قبل حلول الظلام سرنا طوال الوقت في أرض محروثة جيدا جدّا : في كل مكان ، أشجار البلح ؛ لا وجود لأية قطعة صغيرة فارغة. مزروعات ممتازة من الشعير الذي نضج والقمح بسبيل النضوج ؛ السواقي والمضخات لأجل رفع الماء من السواقي. المنظر يشبه نوعا ما ضواحي سمرقند ، ولكن الأشجار أقل بكثير. تقع العين على قرى ، تشبه كثيرا القرى الكردية أو النهورية ـ البيوت الطينية نفسها ، والتراكم نفسه ، والذر نفسه. شكل الإنشاءات السكنية مقبب. كما ذكرتني بالنهوريين أدوات حراثة الأرض ـ الزوج نفسه من الجواميس مقرون إلى محراث شبيه بالمحراث التركماني. كذلك يظهر تأثير الأزمنة الحديثة ـ تقع العين على لوكوموبيل صغير لأجل آلات رفع الماء (القوى العادية ـ الجواميس) ، البنايات في القرى ذات نوافذ وأعلى. أساليب تسييل الماء رائعة ـ بالخراطيم إلى أسفل. في جميع القنوات الكبيرة ، كثرة من الزوارق الشارعية. وعدد السكك الحديدية يكفي. أكبر المرافئ ، وعددها خمسة ، ـ الإسكندرية ، روزيتا ، دمياط ، بور سعيد ، السويس ـ تربطها السكة الحديدية بالقاهرة. يبدو السكان هنا فقراء.
السكة الحديدية ذاتها تختلف كثيرا عن سككنا. العربات متعبة جدّا ، أبوابها جانبية ؛ الدرجة الأولى اسوأ من درجتنا الثانية ؛ يقلع القطار دون أي صفير أو جرس ؛ العوارض تشبك بدبوس كأسين مقلوبتين من الحديد الصب موصولتين فيما بينهما. البساطة[.......]* (1) غير مفهومة بالنسبة لنا ولا تصدق : لا حراس على الخطوط ؛ للقاطرة مصباح بسيط واحد فقط لا ينير السكة اطلاقا ؛ كذلك لا وجود لمصابيح الإشارة وللأسهم ؛ لا وجود للمكابح في العربات ؛ هيئة الخدمة تتألف بكاملها من شخص واحد لا يظهر إلا مرة واحدة لكي يأخذ التذكرة (وهذا حسن أحيانا) ؛ ولا يعلنون اسم المحطة ووقت التوقف. خلاصة القول أن
__________________
(1) هنا في المخطوطة رسم كأسين من الحديد الصب وعارضة.

الراكب متروك كليّا لشأنه. إذا كنت نائما أثناء المناقلة ، إذا تأخرت عن القطار ، فلا تلم إلا نفسك. في الليل ، انتقلنا في إحدى المحطات إلى قطار ذاهب من القاهرة إلى السويس. وأخيرا وصلنا إلى السويس في الساعة الخامسة صباحا. في جميع المحطات ، باعة كثيرون يعرضون الماء (يصيحون : مي ، اكوا) والفواكه والبيض ، وخلافها.
31 آذار. السويس ، مدينة صغيرة تقع على نحو 4 فرستات من المرفأ الموصول بالمدينة بسكة حديدية. البيوت متعددة الطوابق. الشوارع كبيرة وعريضة ومستقيمة ، بضعة متاجر جيدة. بازار محلي ، وخلاف ذلك كما يجب.
نزلنا عند الحاج علي ، من مواليد بخارى. الغرفة كما في الإسكندرية. هنا تلاقيت مع عبد الله دبردييف. اللقاء مستطاب جدّا لي! للبواخر عادة التصرف تصرفا غريبا خبيثا : في الإسكندرية أكد لنا العميل أن الباخرة «ماغنت» ستقلع عند الظهر يوم الخميس (أول نيسان ـ ابريل) ؛ أما العميل المحلي ، في السويس ، فقد قال أنها ستقلع يوم السبت. نصح دبروييف بتغيير التذكرة بأخرى من شركة «الخديوية» التي ستقلع باخرتها يوم الجمعة ؛ وافقت ، وأعطيت التذكرة لتغييرها. بسبب الملل ، تجوبت في المدينة كلها ، ورغبت في بلوغ الهدف المنشود بأسرع وقت! المهم ألّا يخدعونا يوم الجمعة أيضا! اليوم مساء قررت السفر إلى بور سعيد لادبر شؤوني المالية وأعود يوم الجمعة. يبدو أن شركات ـ الخديوية ، والمانية وتركية ـ تهتم بالتحقق من الحجاج. كثيرون ينتظرون الباخرة. رأيت بضعة أشخاص من الفرس والقفقاسيين. اليوم ، كما يقولون ، أقلعت باخرة واحدة من الشركة الخديوية وعلى متنها نائب الخديوي وحاشيته المؤلفة من 50 شخصا.
أول نيسان (ابريل). اليوم في الساعة 10 صباحا ، تلقيت أمتعة الحاج سلطان وسافرت بالسكة الحديدية إلى بور سعيد. ضواحي

السويس ، التي لم أرها عندما جئت إلى هنا ، لأننا عبرناها ليلا ، صحراء لا تفرح البتة ، تشبه نوعا ما ضواحي المحطة الواقعة بين جبل وكراسنوفودسك ، ولكن بدون اية نباتات تقريبا [...] *. بين الفينة والفينة تظهر القناة (قناة السويس). في الساعة الواحدة نهارا وصلت إلى الإسماعيلية وعرفت برعب انه يتعين الانتظار 3 ساعات في هذه المحطة. بين الإسماعيلية وبور سعيد تخص السكة الحديدية شركة قناة السويس ؛ وهي سكة ضيقة الخط ، ذات عربات صغيرة جيدة ومريحة ، ومحطات غارقة في الخضرة ولها واجهات تطل على القناة ، ومؤخرات تطل علة السكة الحديدية.
انتقلت إلى محطة سكة السويس وركبت عربة غير كبيرة. وفورا شعرت بأن حالي اشهل ؛ ففي كل مكان فرنسيون لطفاء ولغة أعرفها. من لا يعرف العربية أو الإنجليزية ينزعج في مصر وعلى الأخص عندما يرى في جميع الأماكن الرئيسية بريطانيين متغطرسين متعجرفين. تمر السكة قليلا في الإسماعيلية وتطل على القناة ، وتمضي طوال الوقت كله بموازاتها على بعد 50 ساجينا (1). وللقناة العرض نفسه تقريبا. الضفاف ملبسة بمعظمها بالحجر. في كل مكان علامات ، سواء على الماء أن على اليابسة ؛ غالبا ما تقع العين على آلات ضخمة جدّا لاغتراق الطين ؛ الطين المنتزع من القاع يوضع في عربات صغيرة وينقل من هنا ، وذلك ، أغلب الظن ، لتحاشي زيادة الأعباء على الصفاف. من الإسماعيلية إلى القنطرة ، ينطلق ماء الشرب بموازاة الضفة في انبوبين من الحديد الصب قطر الواحد منهما حوالي 6 بوصات ؛ وإلى القنطرة تصل ساقية كبيرة وتنطلق طوال الوقت كله حتى بور سعيد بالذات بين السكة الحديدية والقناة ؛ تقع العين على حبسات تمرر الماء إلى الجانب الآخر من السكة الحديدية.
__________________
(*) الساجين يساوي 13 ، 1 متر. المعرب.

مستةى الماء في الساقية أعلى بكثير من مستوى الماء في القناة. لا أعرف كيف يتجنبون الرشح. على الساقية ادغال القصب. رأينا سفنا كثيرة ، بخارية وشراعية ، سائرة في القناة.
العربات الحديدية مقسومة إلى مقصورات صغيرة ، كل منها لأربعة أشخاص. كانت من نصيبي رفقة طريفة : عربي لا يعرف غير اللغة العربية ، إنجليزيان ، لا يعرفان هما أيضا غير لغتهما ، وأنا. نادرا ما كان الإنجليزيان يتحادثان ؛ كنا نسافر ونلزم الصمت. وصلت إلى بور سعيد في الساعة السابعة مساء ، ونقلني الحوذي إلى فندق الشركة الخديوية ؛ صاحبه يوناني لا يعرف غير اللغة اليونانية ، فكان لا بد من التفاهم بالإيماءات والحركات أكثر مما بالكلام ، أكلت في المطعم المجاور ورحت أنام في غرفتي بالفندق.
2 نيسان (ابريل). منذ الصباح أخذت افتش في المتاجر عن سرير متنقل ولكني لم أجد ، وهذا مفهوم ؛ فمن ذا الذي يحتاج هنا إلى سرير من هذا الطراز. تجوبت في المدينة كلها ، ورحت إلى الحي العربي ، وتسكعت على رصيف المرفأ ، وشاهدت المدينة المينائية مع جميع خصائصها. البيوت عالية ، حجرية ؛ الشوارع مستقيمة ؛ في وسطها طريق مزفتة لأجل العربات ؛ المقاهي كبيرة. للقسم العربي الطابع ذاته ، ولكنه أكثر تواضعا ؛ النوافذ مغلقة في كل مكان بشعيريات خشبية كثيفة. المدينة قذرة نوعا ما. في وسط المدينة ، جنينة صغيرة فيها تمثال نصفي لدى ليسبس. من الرصيف إلى المقبرة العربية ، يعمل تراموي تجره الأحصنة ، فاستفدت منه. وهنا أيضا بساطة مدهشة : الحوذي وقاطع التذاكر فتيّان في الثامنة عشر أو التاسعة عشرة من العمر. دائما يقفز إلى العربة شبان عرب ويطلبون نقلهم. الطلب حيث لا وجود لقامة المراقب الإنجليزي الرهيبة يلبي بطيبة خاطر ومجانا.
في آخر الرحلة ، نزلت ورحت اتسكع ؛ وفجأة لحق بي قاطع

التذاكر وطلب بخشيشا ؛ سألته : لما ذا؟ ارتبك ـ وقفل راجعا. يا للبساطة القروية المدهشة! نحو الساعة التاسعة ، رحت إلى مكتب «كريدي ليونه» وانجزت شؤوني المالية. وحتى ذاك تأتي لي أن اتسكع أيضا في المدينة لكي اقضي الوقت حتى الساعة الثالثة والربع ، وقت اقلاع القطار. في طريق العودة ، وصلت الإسماعيلية في الساعة 7 مساء ، وعرفت برعب أن القطار لن يقلع إلى السويس إلا في الساعة الواحد ليلا. حاولت أن أنزل في غرفة لأجل الركاب ، ولكن إنجليزية رهيبة قالت لي بلغة رهيبة أن هذا لا يجوز ، فكان لا بدّ من التسكع من جديد بدون هدف ، خائفا على نقودي في جيوبي. الإسماعيلية محلة نظيفة ، كلها بساتين وجنائن ؛ لم أر أحدا من أهل البلد. في كل مكان حول البلدة صحراء رملية. وفي آخر المطاف عثرت قرب المحطة الحديدية على رفقة طريفة من الحجاج الذاهبين إلى مكة ـ 36 شخصا بالاجمال ـ أقاموا بشكل مخيم بانتظار القطار. الشيوخ يجلسون بمهابة على المخدات ؛ الشبان ينفخون النار بجتهاد تحت سماوارات غير كبيرة ، ويهتمون بالنارجيلات. اقتربت ، تحادثت. في البدء سألوا عن موعد اقلاع سفينة الشركة الخديوية إلى جدّة ، افرحتهم إذ قلت لهم : غدا ، مع انه خطرت في بالي فكرة : المهم أن لا تخيب الباخرة غدا أملي وأملهم. يتبين من اقوال الحجاج أنهم من أماكن مختلفة : بغداد ، بلاد العجم ، وهناك حاج من خراسان (مشهد) : يتحادثون فيما بينهم بالتركية وبالفارسية ـ وأكثر بالفارسية. الحاج من مشهد أمضى في الطريق 6 أشهر ، الباقون حوالي 4 أشهر. راحوا إلى القدس على ظهور الخيل ، ثم إلى يافا بالسكة الحديدية. من يافا أخذوا تذاكر من الشركة المصرية الخديوية إلى جدّة. نزلوا في بور سعيد ، والآن يمضون إلى السويس. وصلوا بنفس القطار الذي وصلت به أنا. طريقهم عبر القدس ، كما ستفاد من اقولهم ، الطريق الرئيسي بالنسبة للحجاج الفرس ؛ كذلك يمضون عبر أزمير. وبعض يذهب برّا عبر

سوريا ؛ هذه السنة جاء عدد كبير جدّا من الفرس. يفكرون في العودة برّا عبر سوريا (عن طريق المدينة المنورة) بالانضمام إلى قافلة سلطان.
3 نيسان (ابريل). وصلت اليوم في الساعة الخامسة صباحا إلى السويس ؛ واهتممت صباحا بأموري ؛ ومنذ الساعة 12 امضيت النهار كله مع عبد الله دبردييف ؛ مع عبد الله يذهب رشيد قاضي ، ملّا (إمام) محافظة توبولسك ، وهو رجل واسع الإطلاع ومحنك جدّا. ناقشنا مسألة الحج إلى مكة ومسألة ضرورة تنظيم الحج. الجميع يعتقدون : إذا مدت الحكومة يد المساعدة ، فإن المسلمين (الروس) سيجمعون النقود بالاشتراك ؛ وهم يرون من الضروري تأسيس «خانات للقوافل» في كل من أوديسا وسيباستوبول والقسطنطينية ، وعلى رأسها راع محترم. والجميع يدركون ما يتعرض له الحجاج في السفن من ظروف رهيبة منافية للاصول الصحية. وقد وافقوا على مناقشة هذه المسائل بمزيد من التفصيل بعد وصولنا إلى الهدف.
سألت الحاج سلطان عن الاضطرابات في مكة سنة 1812 وعن الهجوم على القناصل. عرفت ما يلي. انشأت الحكومة التركية في مكة مستشفى فيه غرفة للتعقيم. إلا أن البدو ، أصحاب الجمال ، الذين يستأجر منهم الحجاج الجمال لأجل الذهاب إلى عرفات وجدّة وغيرهما استاؤوا من احتمال اخضاع امتعتهم للتعقيم ؛ وخوفا من انتقاص مداخيلهم هاجموا المستشفى بأعداد كبيرة ودمروا المبنى. طلب الأطباء العون من الوالي ، فرفض تقديم العون قبل وصول الأوامر من القسطنطينية. في اليوم نفسه عرف البدو أن القناصل يمضون من جدّة إلى البساتين المجاورة ، فاتجهوا إليها ، وانفصل عن جمعهم 4 أشخاص ، وهؤلاء دخلوا غرفة القناصل واطلقوا على كل قنصل طلقة من الفرد. لقى القنصل الإنجليزي مصرعه في الحال ، وأصيب الآخرون بجراح متفاوتة الخطورة ، وأصيب القنصل الروسي في خده.

في سنة 1892 ، كما يروي الحاج سلطان ، تطابق وباء الكوليرا مع موسم الحج وكان رهيبا. كان الموتى متمددين مجموعات كبيرة متراصة ، ولم يتسنّ الوقت لدفنهم. بدأت الوفيات بأعداد كبيرة في عرفات ، وبلغت اوجها في منى. وفي تلك السنة كان تدفق الحجاج كبيرا جدّا.
في جدّة ، كما يعتقد رشيد القاضي ، لم ينشب وباء الطاعون ، بل نشب مرض هندي ما محلي غير معد.
أمضى القاضي 26 يوما في المحجر الصحي في الطور ، ما 4 أشخاص فقط من أصل8000.
في المساء رحت اتنزه مع عبد الله دبردييف ، ودخلنا Hotel Europe (فندق أوروبا) حيث كان ينزل ضباط بحري تركي من معرف عبد الله. وتبين أن الضابط إنسان لطيف جدّا وانه يعرف اللغة الروسية جيدا وتعلم في سانت بطرسبورغ ، وذاهب إلى مكة.
واليوم رحت أصلي الجمعة في الجامع. حجاجنا تذهلهم جدّا لا مبالاة المسلمين المحليين. فأثناء صلاة الجمعة يبقى قسم كبير من الجمهور في الدكاكين وفي المقاهي. وفي الجامع يسود الهوان والتشوش. يبدو أن المصلين ينتمون إلى شيع مختلفة ـ أبو حنيفة ، الشافعي ، المالكي ـ ولا وجود للرزانة وللمهابة الاحتفالية الصارمة ، الملازمة لجوامع روسيا.
غدا تقلع باخرة الشركة الخديوية «الرحمانية» ، وعليها يسافر دبردييف القاضي وشركاهما. باخرتنا «Magnet» ، كما يقولون ، تقلع بعد غد ، وهذا يعني البقاء أسبوعا بكامله في مصر بلا هدف.
4 نيسان (ابريل). في الساعة 7 صباحا رحت إلى الميناء لأودع دبردييف. تقع الميناء على بعد 5 فرستات تقريبا من المدينة. انشئت

جزيرة اصطناعية مرفقة ببضعة مكلآت محجوزة بحواجز أمواج. الطريق بالسكة الحديدية تستغرق 15 دقيقة. تبين لي أن «الرحمانية» باخرة متوسطة الحجم ومرتّبة جيدا. الحجاج المسافرون على هذه الباخرة لا يحصى لهم عدد ، وأغلبهم من السوريين والفرس. بعد أن شاهدت «الرحمانية» من الرصيف فقط ، رحت أشاهد» Magnet «التي سأسافر عليها. مشاهدة الباخرة افسدت نهاري كله ؛ فلمار من قبل سفينة احقر واقذر ، واقل جاذبية. على الرصيف ، القذر والنتن إلى أقصى حد ، عدد كبير جدّا من الحجاج الذين ينتظرون اقلاع الباخرة ؛ وقد حل قسم منهم في خيام حقيقية وقسم آخر في خيام مرتجلة. جميعهم عرب وفرس. كيف اتسعت» Magnet «الصغيرة لهم جميعا؟ عدت إلى المدينة وعكفت على العمل قبل أن يأتي درويش أفندي ويعرقلني. سبق أن تعرفت عليه في الباخرة «الامبراطور نيقولاي الثاني». إنه بنظري تركي صرف نموذجي ـ عديم الحركة ، يحب الهدوء ، متدين جدّا ، قليل التطور ، ودود. ولد في سمسون ويقول إنه حاكم هذه المدينة. قوله موضع شك!
5 نيسان (ابريل). اليوم رحت منذ الصباح إلى الرصيف مع الحاج سلطان ودرويش أفندي ، أمام الباخرة جمع غفير جدّا ينتظر في الشمس اللافحة ، السماح بركوب الباخرة التي يحرس رجال الدرك المصريون الصارمون جدّا الجسر إليها. حاولت الاقتراب من الجسر ، لم يسمحوا. أخيرا بعد نصف ساعة تقريبا ، أمر المسؤولون بتمريري وحدي أنا. سررت جدّا حين وجدت نفسي في الظل. تبين أن المسؤولين هم باشا مصري منظره صارم جدّا ، وضابط مصري شاب منظره لطيف وناعم جدّا ، وعميل شركة الملاحة هذه ، وكائن آخر في كربوش تبين ، من الاسئلة ، انه اخو نائب قنصلنا (في السويس) وكاتبه في الوقت نفسه. وعداهم ، كان بين المسؤولين صاحب الفندق لايواء الحجاج المدعو الحاج علي. طلبوا مني جواز السفر ، تهيج اخو نائب القنصل ، قال شيئا

ما. أوضح الحاج علي انه يجب التأشير على جواز السفر عند قنصلنا ، ولهذا الغرض أخذوا مني مجيديتين. تم التأشير بسرعة تثير الشكوك ؛ فيعد ربع ساعة أعادوا لي جواز السفر وعليه التأشيرة وتوقيع نائب القنصل ، في حين أن مقر القنصلية في المدينة!
سمحوا بصعود الركاب إلى الباخرة فبدأ شيء رهيب. الباخرة ترسو على بعد نحو 5 ساجينات عن الرصيف ويوصله بها لوحان ضيقان ؛ الجمع يدفع بقوة من الخلف ؛ يمررون الركاب واحدا واحدا ؛ فحص جواز السفر يستغرق بعض الوقت. في الجمع أولاد ونساء. الجنود يصدّون الجمع بالقوة مستعملين العصي ، رغم اني لاحظت أنهم كانوا حريصين جدّا على الأولاد والنساء. الركاب الذين يصعدون إلى الباخرة يعمدون إلى تدبير أمورهم بأسرع وقت ، فارشين الحصر واللباد.
» Magnet «باخرة صغيرة عتيقة جدّا ، وقذرة جدّا. درجتها الأولى إنما هي مسخرة ، وبدون مبالغة أقول أنها ليست أفضل من الدرجة الثالثة في السفينة «الامبراطور نيقولاي الثاني». ولكن يوجد بياض حقير للفراش. الدرجة الأولى في مؤخرة الباخرة ، الدرجة الثانية في مقدمتها ، ولكن الشيطان وحده يعرف ما هذا. والواقع أنهم أخذوا مني لقاء الدرجة الأولى بدون طعام 94 روبلا و 70 كوبيكا. فما ارهب هذا الاستثمار الوقح!
استمر المشهد الفظيع ، مشهد صعود الركاب إلى الباخرة ، ثلاثة ساعات ونصف الساعة. خرجت إلى المتن قبل اقلاع الباخرة ، فتملكني الرعب من ملء الباخرة ؛ حسبي القول انهم حشروا الركاب على جوار العنابر والمتن ، وعلى مقصورات الدرجة الأولى والثانية وعلى سلوقية الربان وفي جميع الممرات ، وكذلك في الزوارق ، ـ وفيها استقر العرب والفرس البارعون في التسلق. ولم يتسن لي أن أذهب إلى الحاج سلطان في الدرجة الثانية إلا بمصاعب لا تصدق ، وبمضايقة الناس باستمرار.

هذا الموقف من الناس ، وبخاصة من ركاب المقصورات ، لم يتسنّ لي يوما أن أرى نظيرا له! هذا مرعب ، هذا مثير للغضب! إذا كان كل شيء يتحقق على هذا النحو ، فلا بدّ من الدهشة إذا لم تنشب شتى الأوبئة بين الحجاج. صاننا الرب من البلايا! في كل مكان ينصبون السماورات ويشعلون النار تحتها ، ويدخنون ، ويطبخون ، والخ ، ؛ الإنارة بالكاز.
تحادثت مع مختلف الحجاج ؛ الفرس يفضلون الطريق عبر القدس لكي تتسنى لهم زيارة كربلاء وبغداد والقدس. وكثيرون يمضون عبر بندر وبوشير (بوشهر). من خراسان نحو 50 شخصا.
9 نيسان (ابريل). حوالي الساعة 11 صباحا وصلنا إلى جدّة ورسونا في وسط الخليج بين مدينة جدّة ومحلة الرأس الأسود ؛ في كل مكان شعاب ، صخور بحرية. جدّة مدينة جميلة من البعيد. بعد فترة وجيزة جاء من جهة المدينة زورق وفيه تركي يرتدي معطفا ، وحافي القدمين ؛ وقد تبين انه عضو في لجنة الحجر الصحي ؛ سرعان ما عاد واعدا بإرسال الزوارق لنقل الركاب إلى الشاطئ ؛ رفعوا على الصارية راية تشير إلى استدعاء الزوارق. ذلك اليوم امضيناه كله عبثا في الرسو ، مع انه كان من الممكن الاستراحة من العاصفة التي عانيناها.
10 نيسان (ابريل). منذ الصباح ظهر من جانب الرأس الأسود اسطول من الزوارق المنطلقة بالأشرعة. الطقس مناسب. اقتربت الزوارق. بدأ الهرج والمرج العادي. ظهر عضو لجنة الحجر الصحي الذي جاء أمس. في آخر المطاف ، جاء دورنا. اقترب زورقان ، أحدهما نزل فيه الركاب ، والثاني وضعوا فيه امتعتهم. زورق الأمتعة رفع الشراع وجر زورق الركاب صوب الرأس الأسود. كان بين الركاب عدد كبير جدّا من النساء من المغرب. أخذن يغنين أغنية رخيمة جدّا ، رنانة جدّا ، حركت نياط قلبي إلى حد أني بكيت. كل شيء ـ الطقس ، والبحر ، والمحلة المحيطة ـ اثار حالة من الاجلال. كانت الزوارق تتلوى طوال

الوقت بين الصخور البحرية مصطدمة في بعض الأماكن في القاع بالصخور التحتمائية. استمر الانتقال زهاء ساعتين. واخيرا ، على الشاطىء ، رأينا بضع عشرات من الخيام ، وعددا كبيرا من الشقادف والجمال والحمير ، ورصيفين حقيرين مصنوعين من الواح خشبية ومظللة من فوق بحصائر. لم تقترب الزوارق من الشاطىء ، بل توقفت. وطلبوا من كل منا أن يدفع نصف مجيدية لأجل المحجر الصحي. رفض بعض الركاب الدفع ؛ أما أنا ، فقد دفعت تجنبا للانتظار المضني تحت أشعة الشمس الحارقة ؛ ونقلونا إلى الرصيف ، وهنا طلبوا مرة أخرى نصف مجيدية لأجل المحجر الصحي ، ثم أخذوا منا جوازات السفر وأجبرونا على دفع النقود أيضا ، وأطلقوا سراحنا. شغلنا خيمة من خيام المحجر الصحي. القيظ لا يطاق. كتمة الهواء يستحيل تحملها. الخيام موزعة بغير انتظار ، بصورة ضيقة جدّا ، محاطة بحواجز ، استقرت فيما وراءها سرية وخفر في خيام أيضا. لا يسمحون بالخروج من المكان المحجوز. ثم تبين أنهم لن يرسلونا إلى أبعد إلا غدا صباحا برقية خفر. الانتظار الممل. اليوم ساء حالي جدّا. ألم في البطن ، وعطش لا يروى ؛ لا أستطيع اطفاءه بشيء ؛ حاولت احتساء الشاي ، والقهوة والليموناضة (الفاترة) ، ولكن عبثا. الماء يستجلبونه من جدّة في شخاتير ؛ طعمه مالح. تعذبت كثيرا. في هذه الأثناء تعرفت على متصرف تركي (؟) من اليمن ، ذاهب هو أيضا إلى مكة. رجل مطلع ولطيف جدّا. احتاج رفيقي المريض [...] * تلطف جدّا وأرسل إلى المحجر الصحي ؛ أما هنا ، فلا وجود لأي طبيب. بين الخيام بازار ؛ كثيرون يذبحون لأنفسهم الخرفان بين الخيام. التربة رمل بحري. لقضاء الحاجة يذهبون إلى شاطئ البحر. بفضل الرمل ، لا يتلوث الشاطئ.
هنا يعيش القنصل الفارسي. خيمته فخمة ، مفروشة بمفروشات جيدة ، ومنارة مساء إنارة ممتازة ، تقع الخيمة خارج الحاجز وتثير انطباعا

قويّا ؛ في خيمة أخرى يعيش معاونه ؛ وقد انتقل إلى هنا مؤخرا من ينبع. جميع المثقفين من الحجاج الفارسيين يتجمعون عند القنصل ؛ القنصل يقدم لهم القرى ببالغ اللطف. توعكت تماما. أخاف أن لا أستطيع غدا السفر. جدّة يحميها الحجر الصحي ، رغم أني رأيت كثرة من تجار المسابح والشالات وغير ذلك ، وقد جاؤوا من جدّة لبيع بضائعهم. الماء أيضا من جدّة. وإلى جدّة يرسلون أيضا الناس لنقل البرقيات. وقع سوء تفاهم بصدد الماء المجلوب. بعد انفاق الماء ، راح شختور إلى جدّة لجلب الماء. حل المساء ، ولكن الماء لم يصل. الحجاج جميعهم مع الاوعية ينتظرون على الرصيف. الساعة 9 مساء ، طلبوا الذهاب إلى المتصرف لطلب المساعدة منه. رحت. أوضح المتصرف أن الشختور تأخر بسبب انقطاع الريح ، وانه سيأتي حتما بعد ساعة. ولكن الشختور لم يأت نحو منتصف الليل ، ولم يأت في صباح اليوم التالي ، في وقت ارتحال الحجاج.
11 نيسان (ابريل). لم انم طوال الليل كله. آلام رهيبة في بطني. بجهد كبير نهضت ووصلت إلى الحمار المهيأ لي. استعجلنا أنا ودرويش أفندي للسفر بأسرع وقت طالما كان الطقس باردا نوعا ما ، وركبنا حمارين واتجهنا اثر طابور من الحجاج ظاهر في البعيد. ضاع الحاج سلطان. أعتقد انه سيلحق بنا ؛ كان معه مسدسي والماء. لحقنا بالطابور ، وهو من المغاربة ؛ هؤلاء لا يعرفون كلمة من لغتنا. نمضي صامتين وراءهم. ندهش لكونهم جميعهم يسيرون بلا طرق ؛ نبدأ نخشى على مصيرنا. معي حقيبة فيها كل رأسمالي ؛ وليس معي أي سلاح. أعرف أن الطريق خطر جدّا. والمرافقون الله وحده يعلم من هم. أخذ الأفندي يبكي. بعد السير طويلا في الجبال ، نطل على طريق متساو ، مسطح ، ولكنه طريق غير كبير ، لأنه لا وجود للتلغراف. أفكر في الوصول إلى أول مقهى ؛ والمقاهي ، كما يقول الحاج سلطان ، تسعة ؛ وهناك ننتظر الحاج سلطان ، ولكن لم نجد أي مقهى. نصادف جماعات من البدو

المسلحين من الرأس إلى أخمص القدمين. فجأة يطلق المرافقون النار في الهواء ؛ مع جميعهم تقريبا بنادق رش [...] *. نسير منذ 5 سنوات ؛ أنا ملتف بثوب الاحرام ، مكشوف الرأس ؛ أخذ عطش رهيب يعذبني. جف فماي كله. لا أستطيع تحريك لساني. أطلب من الأفندي الليمون الحامض أو أقراص النعناع. يخاف أن يتوقف لكي يسحب هذه الأشياء فيتأخر. الطريق يستمر بين صخور جرداء ؛ أحيانا تقع العين على ادغال عالية من الشوك. ابدأ أفكر في المجازفة والتوقف في مكان ما تحت دغل ؛ احزر أن الطريق الكبير إلى شمالنا. في عيني تتلاعب حلقات ضاربة إلى الأحمر. أخيرا اقنع الأفندي بإعطائي ليمونة ؛ وحين راح ليجلبها تنحيت جانبا قليلا ، وإذا بي أرى غير بعيد إلى الشمال بناية بيضاء. اسأل. يقولون : هذا مركز حراسة. اعد رفقتي بمجيدية إذا أخذوني إلى هناك. الجميع يستديرون. يحمل لي الأفندي ليمونة ؛ أبلعها في الحال وانتعش. بعد ربع ساعة نصل إلى البناية ـ مركز يحرس طريق مكة. يسرع شيخ حاملا بندقية. وحين يعرف فحوى الأمر ، يدعوني بلطف إلى الجلوس في الظل ، ويضع سماور على النار ، ويقدم على العموم آيات الضيافة الاخوية حقّا.
ننتقل إلى داخل البناية المشيدة بصورة عقلانية جدّا بحيث تتسع لأجل 8 أشخاص. الجنود والشيوخ جميعهم اتراك ، شبان لطفاء. نقضي هنا ساعتين مستطابتين مع احتساء الشاي. الماء يستجلبونه من بئر على بعد 3 فرستات. طعمه مالح نوعا ما. يروون أنهم شاهدوا بأم عيونهم في الأيام الأخيرة قرب المخفر كيف نهب البدو الحجاج. يبدو أن هؤلاء الرحل يزرعون الرعب في قلوب الجميع. أخيرا وصل الحاج سلطان ؛ وبالحاح الساقة الذين لم يوافقوا البتة على الانتظار هنا حتى هبوط القيظ ، مضينا إلى أبعد. الآن كنا في الطريق التلغرافي الكبير الواقع طوال الوقت بين الجبال ، ولكنه متساو ومريح جدّا.

بمحاذاة الطريق ، ينطلق التلغراف المركب جيدا جدّا على أعمدة حديدية. الطريق مناسب تماما للحركة على العجلات. حتى المحطة التالية ـ البحيرة ـ اضطررنا إلى السير في أقصى القيظ. كل 3 ـ 4 فرستات تقع بنايات مخفرية. في البحرة مقر أركان الطابور. وصلت إلى البحرة بالكاد حيّا ، وقلت في نفسي انه لن يتسنى لي مواصلة السير. تبين أن المقهى كوخ رديء من القصب يأوي إليه الناس وحميرهم. الماء مالح نوعا ما. تقابلت مع بضعة ضباط أتراك ؛ أنهم أناس ودودون بسطاء. الجميع حاولوا انعاشي وتعزيتي. من جديد الح الساقة علي الانطلاق بأسرع وقت ، ولكن الضباط هدأوهم ببالغ السرعة. هنا سمعت بين الناس شتى الاشاعات والمخاوف عن هجوم البدو : اليوم سلبوا أحد الحجاج 5 ليرات ، وقتلوا آخر وأخذوا 40 ليرة. في حضوري جاء جندي وأبلغ الضباط أن رفيقه الذي راح معه من جدّة إلى مكة قتلوه بالحجارة. نشب جدال بين الضباط بصدد من يرسلونه وراء القتيل. نحو الساعة 5 مساء ، انهضوني مع ذلك وأجبروني على مواصلة السفر حتى حدّة. المسافة 7 ـ 8 فرستات. بفضل البرودة قطعنا هذه المسافة بصورة سهلة جدّا. من البعيد تبدو على حدّة مظاهر البشاشة الكبيرة بدغلها من أشجار النخيل. تبين أن الماء (من الآبار) جيد. هنا استرحت ونمت للمرة الأولى نوما هادئا نوعا ما. رجليّ احمرتا بشدلة بسبب القيظ. [السفر ...] *.
كان هناك بضعة أشخاص ذاهبين من جدّة إلى مكة.
12 نيسان (ابريل). انطلقنا اليوم في الساعة 5 صباحا وفي الساعة 9 اقتربنا بسلامة من مكة التي تغدو الجبال في جوارها أعلى واشد انحدارا. الوصول مفاجئ تماما. المدينة لم تظهر إلا حين دخلناها تماما. الإنطباع الأول ـ بيوت حجرية عالية ، حركة شديدة جدّا في الشوارع. بعد فترة وجيزة وصلنا إلى تكية قزغيزية ، ونزلنا فيها موقتا في ضيافة الحاج سلطان. منذ اللحظات الأولى بالذات ، تواجد أناس كثيرون

جاؤوا لزيارة الحاج سلطان ؛ فضاق المكان كثيرا. تضخمت رجلاي كثيرا ، وخزبتا. أمشي بجهد كبير. نزول الدرج عذاب. في المساء ، بعد الدعاء قمت بالطواف ثم بالسعي. الإنطباع من الطواف عميق وعجيب جدّا وهو من الانطباعات التي تندر معاناتها في الحياة. بعد العودة إلى التكية ، خلعت ثوب الاحرام ولبست ثيابا عربية محلية ـ قمصنا طويلا جدّا من الشاش ، وسترة ، وعباءة حريرية.
13 نيسان (ابريل). أمضيت اليوم كله متمددا. وجاءني حارث ، ابن أحمد عبدو وعرض أن يخدمني طوال اقامتي هنا وفي المدينة. الشقة التي اعدّها غالية جدّا ـ 60 روبلا في أسبوعين. قررت أن أنتظر.
14 نيسان (ابريل). جاء يزورني تلميذي القديم يعقوب اكتشورين ، الذي كان آنذاك صبيّا والذي صار الآن شابّا راشدا. جاء جميع أفراد عائلته عبر ينبع إلى المدينة في الشقادف. رحت مع يعقوب إلى محل إقامتهم ؛ فقد استأجروا شقة في مدرسة دينية تطل نوافذها على كعبة الله وتخص الحاج شريف. تتألف الشقة من 3 طوابق ويبلغ بدل إيجارها 20 ليرة (8 روبلات ، 60؟؟ 20). اخو يعقوب ، الذي رأيته منذ 8 سنوات صبيّا تستحيل معرفته لأنه كبر وترجل. الشيخ لا يزال كما كان. ملاك كبير من الخدم والشاكيرديين (تلامذة المدرسة ـ كلمة تركية. ـ المؤلف) والأدلة ، وخلافهم. بالإجمال 50 شخصا.
15 نيسان (ابريل). اليوم صباحا انتقلت فجأة إلى شقة جديدة استأجرتها من ابن دليلنا صالح ، صحيح أن الشقة بسيطة ، ولكنها رحبة ، ومنفردة تماما. في التكية مللت جدّا من الضيق والازدحام.
كنت عند اكتشورين وعرفت ، فيما عرفت ، أنهم اعتقلوا قرب بئر زمزم كافرا. سألت كثيرين عما سيفعلونه به ؛ أجاب الجميع بالإجماع انهم لن يفعلوا به شيئا ، وانهم سيرسلونه إلى القنصل في جدّة. كنت اتصور تعصبا أكبر.

16 نيسان (ابريل). أمضيت اليوم قرب النافذة مراقبا مواكب مختلفة. في البدء راح الشريف والوالي إلى المحامل ، ثم عادا بمهابة واحتفال. خفر الشريف يتألف جزئيّا من مشاة ، وجزئيّا من جنود على الجمال ، وفرقة موسيقية طريفة ؛ ثم جرى خروج المحمل الفلسطيني والمحمل المصري ؛ للأول فصيل كبير من الفرسان على [...] * ، و 3 مدافع جبلية. الجماعة كلها خارقة السطوع والأصالة ؛ أعجبتني على الأخص أغنيات العرب ومسيرتهم مع الرقص والحجل. موكب أهل المدينة على الهجائن والحمير أصيل هو أيضا. المحمل إنما هو هودج من الديباج على جمل واحد. المحمل الفلسطيني ـ حضرة عائشة ؛ المحمل المصري ـ حضرة فاطمة.
17 نيسان (ابريل). قبلت دعوة يعقوب اكتشورين اللطيفة وانضممت إليه للذهاب إلى عرفات. الشيخ والسيدات راحوا في الشقادف. أما نحن ، فقد رحنا ركوبا. المسافة إلى عرفات زهاء 20 فرستا ؛ في الطريق تمضي سلسلة متواصلة من الجمال ومن حجاجنا. الطريق تنطلق طوال الوقت كله في مضيق تارة يزداد ضيقا وطورا يتسع. مررنا بمنى والمزدلفة ووصلنا إلى عرفات نحو الساعة 8 مساء. وعرفات جبل غير عال يتألف من كتل صخرية هائلة ؛ في أعلاه موشور أبيض غير كبير ؛ عند قدم الجبل مخيم شاسع من خيام الحجاج. التربة رملية. بصعوبة وجدنا في هذه الفوضى خيمتنا. المساء بارد جدّا (20 درجة من ميزان ريومور) مع نسيم مستطاب ؛ قرب خيمة بيت خلاء خاص بها ، مقام بشكل خيمة هو أيضا. من بعيد تبدو مقامات المحامل المنورة ، والألعاب النارية. غير بعيد ، بازار شاسع ، موقت ، يحتوي أشياء وأشياء ، وعلى الأكثر الخرفان والبطيخ. الماء من مك [.....] * * من النوافذ. اسمع صيحات [.....] * * معد ، كما عرفت ، لأجل قرغيزيينا ومحضر من بقايا المصارين في مكة. كثيرون يذبحون الأغنام قرب خيامهم.

18 نيسان (ابريل). اليوم يصعد جميع الحجاج ، ما عدا الحنفيين ، إلى جبل عرفات لأجل السجود ؛ الجبل كله مكسو بالناس. وهناك أدراج حجرية. أما نحن ، فيتعين علينا أن نبقى طوال الوقت كله في أسفل. كثيرون يستحمون. ولهذا الغرض انشئت أحواض حجرية غير عميقة تمر بها المياه السائلة إلى مكة. الحر اليوم شديد جدّا. في الخيام ترتفع الحرارة إلى 35 درجة ريومور ، في الشمس إلى 50 درجة. في نحو الساعة الثالثة ، بعد الغداء ، بدأ الإمام من أعلى الجبل تلاوة الخطبة وهو على ظهر جمل ؛ الجبل كله مغطى بالحجاج. التلاوة ذاتها غير مسموعة بالطبع. وأظن أن حتى الواقفين على سفوح الجبل لا يسمعونها هم أيضا. وحين يتلو الخطيب لبّيك الله هم لبّيك ، يردد الجمهور على الجبل بصوت مدو ملوحا بالمناديل ، وبموجب هذه العلامة يردد جميع الباقين. عند الاقتراب من الجبل بالذات ، يستحيل عبور البازار بسبب الرائحة الكريهة. وقرب الخيام أيضا رائحة كريهة. قبيل مغيب الشمس ، يبدأ الجميع يرتبون أمتعتهم ويستعدون للعودة لكي ينطلقوا في النهاية إلى المزدلفة. تنتهي الخطبة قبل صلاة الختام. المكان واسع ، ولكن تحرك مثل هذا الجمع من الناس والجمال في آن واحد يسفر بالطبع عن الهرج والمرج. من عرفات إلى المزدلفة نحو 7 فرستات ؛ الطريق تمر في مضيق عرضه نحو 200 ساجن ، جانباه جبال صخرية جرداء. هذه النقطة عبارة عن صف طويل من مناضد التجار والمقاهي. وهنا ينبغي أن يقضي الحجاج الليل. والتربة هنا أيضا رملية ، ولكن لا قذر ولا زبالة هنا بفضل إقامة الجمهور غير الطويل. غدا يتعين اجتياز نحو 7 فرستات في اتجاه مكة إلى منى.
19 نيسان (ابريل). في الصباح الباكر وصلت إلى منى. وهي مقام سكني يتألف من شارع واحد طويل جدّا وبيوت حجرية متعددة الطوابق ، تعيش بضعة أيام فقط في السنة : عند تحرك الحجاج إلى عرفات وبخاصة

لدى عودتهم حين يبقون هنا أكثر من يومين ؛ وفي بقية أوقات السنة لا يعيش أحد هنا. عرض المضيق هنا زهاء 400 ساجين بالمتوسط ؛ في كل مكان ، صخور عارية ؛ التربة من رمل ضخم. اكتشورين أجّر بيتا منفردا بكامله بمبلغ 20 ليرة ؛ عادة ينزل الجميع في خيام منصوبة في الشوارع وفي أماكن مطوقة خصيصا باسيجة حجرية وتخص الأدلة. تعتبر منى نقطة حارة جدّا ، وهذا صحيح ، رغم أن الحرارة في الغرف لا ترتفع إلى أكثر من 30 درجة ريومور ، ولكن كتمة الهواء في الصباح (وقد نمنا على الشرفة) لا تطاق. في البدء قدمنا الأضاحي ؛ وفي الحال تخاطف المغاربة الخرفان ال 12 كلها. المحلة التي يذبحون فيها الأغنام تقع قرب منى بالذات ؛ وهناك حفروا عددا من الحفر عرض الواحدة منها 3 ساجينات وعمقها ارشينان. يذبحون على حافة الحفرة. يقولون أنهم يطمرون الزاما جميع الأغنام المذبوحة بعد الظهر. وعموما يوجد اشراف ولكن بدون مراقبة دائمة.
20 نيسان (ابريل). يوم الأثنين. في هذا اليوم بقي الحجاج في منى لرمي الأحجار في 3 أماكن مسيجة. الأحجار المرمية سابقا تختفي ؛ أغلب الظن أن الأمطار تفرقها وتجرفها. الأحجار ـ رملية هشة. رحنا إلى مكان تقديم الأضاحي الذي ذكرته التوراة. قذارة مدهشة في ازقة منى ؛ كثرة من بقايا الحيوانات ؛ رائحة رهيبة. بيوت الخلاء مراحيض مكشوفة صغيرة ، بدون حفر. نصلي ونركع أمام حجر مفلوق. الوضع الصحي الرهيب في المحلة يخنق الرغبة في الصلاة. في المساء رحت مع يعقوب لمشاهدة الألعاب النارية وللاستماع إلى الموسيقى. كانت الصواريخ جيدة جدّا. أطلقوها في 3 أماكن ـ قرب مقامي القافلة الشامية والقافلة المصرية وقرب موقف الوالي. وصواريخ المكانين الأولين كانت ناجحة جدّا. الموسيقى ـ اوركسترا عسكرية جيدة جدّا ، رغم أنها صغيرة القوام. موسيقى الشريف المحلية أصلية. الوالي

والشريف تجوبا اليوم ركوبا في الشارع الرئيسي برفقة خفر أصيل. في المساء ، يرفعون فوق مبنى 20 ـ 40 ؛ عدد الأطباء اثنان ، مرسلان من القسطنطينية ، الطبيب الثالث يعمل عند الوالي شخصيّا. وهنا عثمان أفندي أيضا ، ولكن كفرد من الأفراد. عدنا في ساعة متأخرة. الجو مرهق إلى أقضى حد ؛ لربما يلعب الخيال (سبق الرأي) دوره في هذا. الماء هنا وفي المزدلفة وعرفات يأخذونه من الآبار والمجارير ؛ وهذا معمول به في كل مكان. في الصباح طفنا مرة أخرى لرمي الحجارة ثم عدنا إلى مكة. رحت رأسا إلى محل إقامتي ؛ ونحو المساء قمت بالطواف. مساء رحت إلى اكتشورين. بين الحجاج انفعال فرح ملحوظ ؛ الجميع يرسلون إلى الوطن برقيات عن العودة بأمان وسلام من عرفات. الحجاج يذهبون إلى عرفات مفعمين بخوف عظيم ، ولذا كان فرحهم بعد العودة مفهوما. عدد الموتى في كل وقت الذهاب إلى عرفات والعودة منه 30 فقط. يقولون أن هذه السنة موفقة جدّا. في منى غالبا جدّا ما ينشب وباء الكوليرا ؛ وفي السنة الموفقة مات كثيرون ، وبخاصة عدد كبير من القرغيز ، الأمر الذي يجب تفسيره بالزحار ، والقيظ الرهيب ، والأكل غير المعتدل ، والشرب الأقل اعتدالا أيضا ، والبنية البدينة ، وانعدام العادة طبعا. يقول عبد القادر سعيد أن الحرارة في الخيام بلغت منذ بضع سنوات 48 درجة ريومور. كان القرغيز المساكين لا يعرفون ما يفعلون. راح الجميع للقيام بالعمرة ؛ من هم أكثر يسرا يكلفون الغير بالقيام بذلك لقاء أجر. بالنيابة عني راح حارث.
الحاج الذي لم يذهب بعد إلى المدينة المنورة يتحدث عن العودة رأسا إلى الوطن. يتطرقون إلى أخطار الطريق من عمليات السلب والنهب. الجميع يخيفهم المحجر الصحي في الطور. يروون عن الفظائع في السنة الماضية في الطور : الإقامة الرهيبة ، الأحوال المناخية المرهقة ، الغلاء الفاحش ؛ انتزعوا من الحجاج مؤنهم ؛ وهذه المؤن

بالذات باعوها منهم فيما بعد. ابقوهم 27 يوما لأن التفريغ استغرق 12 يوما ؛ وهذه المدة ليست في الحساب.
24 نيسان (ابريل). يوم الجمعة. زرت مع رشيد القاضي عمارة ضخمة قيد البناء عند مدخل المدينة. تبين أنها مأوى لأجل الحجاج المعدمين. تبنى كلها على حساب الحكومة التركية. العمارة [...](1) من طابقين ، حجرية ، رائعة التخطيط. غرف مشرقة ، رحبة ، عالية ، رواق مريح ، لا وجود لقطعة خشبية واحدة. يبدو أنهم امعنوا الفكر سلفا في كل شيء ، النوافذ مجهزة بحصائر ، في الوسط فناء. كل شي وطيد وجيد جدّا ، عقلاني وجميل. كثرة من الهواء والنور. [...] *. تركي ، سقانا فيما بعد القهوة دون أن يذكر الجاويش الفاره وسمح بطرح الأسئلة ببالغ اللطف [...] *. مثل هذه العمارة لا يرفض أغنى الحجاج النزول فيها.
بعد العودة ، دخلنا مستشفى المدينة. من وقف والدة السلطان عبد المجيد. عدد الأمكنة 30 ـ 40 أسرّة نظيفة نسبيّا. عدد المرضى 25 ، مصابون على الأغلب بأبى الركب. للمستشفى صيدلية ، وجنينة. المرضى من شتى القوميات. الراغبون في الحصول على الأدوية كثيرون. المكان لأجل المستشفى مفرط في الانتعاش والحركة ، قرب السوق. ثم رحت مع عثمان أفندي إلى سوق العبيد. حوش مفتوح صغير. هناك 60 ـ 80 فتاة ، زنجيات على الأغلب ؛ وهناك أيضا حبشيات ، وإمرأة مع طفل ، بعض [...] * ، زهاء 20 صبيّا ، حليقي الرؤوس ، محضّرين للبيع ، جالسون فئات فئات على دواوين. استقبلنا هناك عربي همّام.
البضاعة يأتون بها من السودان والحبشة. يسرقون ، ينقلون إلى
__________________
(1) هنا رسم كبير في المخطوطة.

الساحل ؛ يشحنون خفية عن الإنجليز على «سمابك» ؛ وعلى هذا الساحل يبيعونها من التجار ، وهؤلاء ينقلونها إلى مكة وغير ذلك من المراكز. ثمن الفتاة الجيدة 40 ليرة. ثمن الصبيان يتراوح بين 15 و 20 و 30 ليرة. الحبشيات يأخذونهن على الأكثر كزوجات ، الزنجيات كعاملات. يتفحصون الفتاة عارية مثل الماشية. الإنطباع من ذلك في غاية الأرهاق. الشريعة لا تسمح بهذه التجارة. استحوذت علىّ وعلى رفاقي كآبة شديدة.
25 نيسان (ابريل). يوم السبت. قضيت اليوم كله في بحث مسألة السفر إلى المدينة المنورة. الطريق ، كما يروون ، في منتهى الخطر ، رفض معظم رفاق الطريق السفر.
القافلة الشامية محروسة ، لربما آمن ، ولكن ، أثناء السير ، تهتز الجمال كثيرا ، والشقادف غير مريحة ؛ قوافل مكة خطرة جدّا. بنصيحة رشيد القاضي قررنا السفر على هجائن ، أنا وأحمد يرزين ركوبا. أخذ أدلة عمر إبراهيم من المدينة المنورة على أنفسهم تدبير كل أمور السفر. عند يرزين آنيته ؛ وعد أن يعطينا أياها في الخيمة. وقت السفر أسبوع. المسافة 400 ـ 450 فرستا.
26 نيسان (ابريل). يوم الأحد. الماليزيون أو «جاوة» كما يسمونهم هنا يؤلفون ثلث أو ربع السكان الدائمين في مكة. عندهم 3 ـ 4 آلاف تلميذ. يتميزون بالميل إلى الوئام ؛ مسالمون جدّا ، مجتهدون ؛ يتعاطون التجارة ؛ بدأوا يمارسون الدور الأول بين السكان المحليين. يواسطة مواطني مراد أفندي ، تعرفت على ممثلين اثنين للماليزيين.
جميعهم من اتباع الشافعي. جاؤوا إلى مكة منذ 20 سنة ، ولكن عددهم يتزايد سنة بعد سنة ؛ في هذه السنة بلغ عدد الحجاج منهم زهاء 15 ألفا. عادة يتوافد 30 ـ 40 ألف حاج. وهم إذ يعتزمون الحج إلى مكة أو الذهاب منها إلى المدينة المنورة ، يختارون مدبّرا خصوصيّا ملزما

باستئجار الجمال وتوفير المؤن ، وغير ذلك. وهم يشكلون على الدوام قوافل خاصة ، ولا يختلطون مع قوميات أخرى. وهم شعب مهذب جدّا ، وهادئ ومحب للمعرفة. يقولون أنهم يتمتعون في وطنهم بالحرية الدينية التامة. من جزر السوند الماليزية يأتي إلى مكة على الأغلب الخشب والبضائع المستعمرية. في مكة زهاء 20 معلما ماليزيّا بينهم 3 يمارسون خصيصا الترجمة من اللغة العربية إلى الماليزية. القطع النقدية الفضية المتداولة سواء هنا في مكة أم في المدينة المنورة وكذلك بين الرحل ، هي جميعها تقريبا «البورون» الماليزي ، الذي توازي قيمته 11 غروما أو 88 كوبيكا. اليوم ودعنا آل اكتشورين ثم قمت مع حارث برحلة إلى جبل قوايس. تظهر منه مكة كلها تقريبا ، الواقعة في فج ضيق والمطوقة بوثوق بصخور قاتمة اللون. منظر الضواحي خارق الصرامة. أعلى نقطتين تشغلهما ثكنات. الحرم الشريف في قاع هذا المضيق. ركعنا للمكان الذي حدثت فيه معجزة للقمر ، ونزلنا من جانبه الآخر ، وركعنا للمكان ولادة النبي ، المحول إلى جامع بارد نوعا ما ، ثم عدنا. مررنا على يرزين ؛ كان مشغولا بالتوضيب. البيت يلاصق الحرم الشريف ؛ في أسفله رائحة عفنة رهيبة ؛ التكية مهملة ؛ المشرف عليها (محمد) يقبع في السجن في تهمة معللة جدّا بسرقة النقود من يرزين. عن الأشخاص الذين عهدوا إليهم بالتكية ، ـ فيما عدا اثنين هما مراد ونجم الدين أفندي ـ يروون أشياء فظيعة ـ منها أن أموال الحجاج الموتى تعود إليهم ، وأنهم ينتظرون الأوبئة وخلافها بفارغ الصبر. يجمعون من النزلاء النقود للتصليح ، ولكن لا يجري أي تصليح ، ويؤجرون الغرف ويضعون النقود في جيوبهم. محمد (المذكور أعلاه) ، مثلا يقبع في السجن للمرة الثالثة. توجد هنا بالأجمال 9 تكيات ، أفضلها تكية دبيربييف ، كل تكية تتسع ل 10 ـ 15 شخصا.
27 نيسان (ابريل). انقضى اليوم كله في الاستعدادات للرحيل إلى

المدينة المنورة. لا بدّ من الأسف الكبير لأني لم آخذ أي احتياطي من المأكولات ؛ المحفوظات من المأكولات السائلة قيمة بخاصة هنا. احتجنا إلى 12 جملا وحصان واحد. وهكذا ننطلق مع نفر من أهل المدينة المنورة عائدين من الحج على جمال خفيفة تسمى بالهجائن. فالهجين حيوان لطيف جدّا ، وديع ، جميل ، محب للنظافة ، خال من الرائحة المنفرة الملازمة للجمال.
وأخيرا في الساعة 10 مساء انطلقنا إلى نقطة التجمع على بعد نحو 6 فرستات من مكة. هنا اجتمع الركبان ؛ الأول ، الكبير ، انتخب داغستانيا شيخا له ؛ الثاني ، ركبنا ، انتخب عباس خيارى. حوالي الساعة الواحدة ليلا ، بدأ الركب الأول يتحرك ، وحوالي الساعة الثانية ليلا ، بدأنا نحن نتحرك.
28 نيسان (ابريل). يوم الثلاثاء. منذ هذا اليوم تبدأ حقّا حياة السفر بدون نوم تقريبا ، بدون المعيشة المألوفة ، في القيظ الرهيب. أثناء السير ، تقيد الركبان بالنظام التالي. كنا ننطلق حوالي الساعة 12 ـ الساعة الواحدة ليلا ، ولهذا كان ينبغي النهوض قبل ساعة ، علما بانه لم يكن يتسنى الوقت لاحتساء الشاي ؛ كنا نسير حتى الساعة 6 ـ 7 صباحا ، ونتوقف للاستراحة. أثناء التوقف كان ينبغي الأسراع في النوم ، لأن هذا يغدو مستحيلا مع حلول القيظ. ثم كنا ننطلق حوالي الساعة 12 ـ الساعة 2 بعد الظهر ، ونسير بلا انقطاع حتى الساعة 7 ـ 9 مساء ، حين كنا نتوقف للاستراحة ؛ وهكذا حتى المدينة المنورة بالذات ، دون أية وقفة في النهار ودون أية انحرافات. الركب الأول كان ينطلق قبل الثاني بساعتين. كان الركب يتألف من راكبين على الهجائن ، (القسم الأكبر) على الحمير ، وعشرة أحصنة و 3 [....] *. أثناء السير ، كان يسير في المقدمة فريق على الحمير والأحصنة ، وفي الوراء فريق على الهجائن. في النهار كان الركب يستطيل ، ولكن عند حلول العتمة كان يتجمع

ويتراص ويسير باحتراس. وعند الانطلاق ، كان الجميع يصلون بصوت واحد طالبين من الله سلامة السفر وسلامة الشيخ ؛ وعند الاقتراب من الموقف ، كانوا يغنون بصوت واحد أغنية مشجعة ومتناسقة جدّا. كانت سرعة السير متكيفة لسرعة الهجائن التي تسير عادة بخطوات واسعة ، وبوسعها أن تسير خببا بطيئا ، الأمر الذي كنا نستغله لفترة قصيرة في الصباح ونحو المساء. الجميع يتذمرون من عدم هطول المطر في الشتاء الماضي وبالتالي من نحول الجمال ؛ ومن جراء ذلك ، تعين تطويل مدة السفر من 4 ـ 5 أيام إلى 7 ـ 8 أيام. كانوا يطعمون الجمال الأعشاب المجففة ولا يسقونها إلا نهارا على حدة في المواقف.
28 نيسان (ابريل). حوالي الساعة 7 وصلنا إلى نبع يقع في مجرى مضيق وادي فاطمة العريض. النبع تتساقط مياهه في طاحونة غير كبيرة وتروي بستانا من البلح. التربة ، سواء في الطريق أم هنا ، من الرمل الخشن ؛ في كل مكان صخور قاتمة غير عالية. الطريق مريح ، صالح لأجل العربات حتى رابغ بالذات. الوقود متوفر في كل مكان من الطريق بصورة أشجار صغيرة ، شائكة ، قرنية ، مسماة بالشوك وبصورة ضرب من ephedr «ايفردر» مسماة «العشّر» (1) وتأكلها الجمال. هناك ضرب من عشب مجفف قاس تتلفقفه الجمال أثناء السير. في مراكز التوقف يبيعون الأعشاب المجففة الجاهزة في حزم. في الساعة الثانية نهارا ، استأنفنا السير. الطقس حار جدّا. ولكن بعد الساعة الثالثة ، أخذت الحرارة تهبط بشكل ملحوظ. ومع حلول الظلام سرنا باحتراس خاص ، موزعين رجالنا على جانبي الطريق. التنادي دائم بين الركبين. وأخيرا في الساعة 9 مساء توقفنا لمبيت الليل ، ومعنا الماء. كان الهار مضنيا جدّا.
29 نيسان (ابريل). انطلقنا في الساعة الثانية ليلا. وصلنا إلى
__________________
(1) الأسماء المهملة عند دولتشين ترد هنا حسب النص المطبوع «للتقرير».

اسفان في الساعة 6 صباحا. القرية تتألف من اخصاص من القصب ؛ من أجل العابرين توجد سقائف خاصة مبينة من الأغصان والعشب الجاف. قبل القرية ، مزروعات شاسعة من الذرة الصفراء والقرع. الماء في بئرين [....] * جيد جدّا.
استأنفنا السير إلى أبعد في الساعة الواحدة نهارا ، الفرستات الأربعة ، الأولى من الطريق صعبة جدّا ؛ بين الحجارة والجبال تقع ساحات شاسعة منظفة من الحصى والحجارة لأجل المزروعات البعلية. وصلنا إلى خليص في الساعة 7 مساءز توقفنا بعيدا عن القرية والماء معنا.
30 نيسان (ابريل). يوم الخميس. انطلقنا في الساعة الواحدة ليلا. الطريق في الفرستات ال 10 الأولى صعبة من جراء الرمل ، ثم تصبح متساوية ، صلبة ؛ نشعر بقرب البحر. الريح باردة نوعا ما ؛ من بعيد نرى الأشرعة. وصلنا إلى قضيمة في الساعة 7 صباحا. الماء مالح نوعا ما. هناك مزروعات من القرع. تجدر الإشارة إلى أن البطيخ والشمام في الجزيرة العربية ينموان طوال السنة كلها ؛ ولكن نادرا جدّا ما يكونان من نوع جيد ؛ الأحجام في المعتاد صغيرة وبلا طعم.
انطلقنا في الساعة الثانية نهارا ، وتوقفنا بدون ماء في الساعة الثامنة مساء. الطريق بعد قضيمة ب 10 ـ 15 فرستا ، حتى رابع بديعة : متساوية ، صلبة (رمل بحري كبير متراص) ، بدون غبار.
أول أيار (مايو). يوم الجمعة. انطلقنا في الساعة 12 صباحا. وهكذا قطعنا نصف الطريق دون مصاعب شديدة ، ودون معاناة القيظ الشديد ، ودون التعرض لخطر جسيم ، وهذا يعني أننا قطعنا نصف الطريق. وكيف سيكون النصف الثاني؟ إن رابغ ضرب من مركز قضاء. الأبنية نسخة عن بيوت النهوريين عندنا. هناك قلعة فيها حامية تركية وبازار وبساتين شاسعة من البلح. الماء في البئر مالح نوعا ما ؛ يشربون

ماء المطر من صهريج ؛ يبيعون الكثير من الأسماك والصدف. شاطئ البحر منبسط ، متساو؛ الجبال على بعد 7 ـ 10 فرستات. هنا تنقسم الطرق. انسبها ، «السلطانية» ، تنطلق على شاطئ البحر عبر مستور ؛ أما فرق وغاير فتنفصلان عنها إلى اليمين. قرر قادتنا اختيار غاير باعتبارها الطريق الأقصر. عادة يتحاشون هذا الاتجاه بسبب منغصات المعبر عبر غاير. في هذا الطريق وقعت الهجرة منذ 1315 سنة ، ولذا تزداد أهميتها.
إنطلقنا في الساعة الثانية نهارا. سرنا في اتجاه الجبال نحو ساعتين ، دخلنا الجبال. الطريق حجري مع ارتفاعات وانحدارات كثيرة وغير كبيرة. في الساعة 7 ، ارتفاع حجري مزعج جدّا وانحدار صغير شعشعت عند قدمه أنوار الركب الأول. وقفة بدون ماء.
2 أيار (مايو). يوم السبت. إنطلقنا في الساعة الواحدة ليلا ، وسرعان ما دخلنا فجا مشجرا (بالمفهوم المحلي) غير عريض وصلنا فيه ، صعدا على الدوام ، حتى غاير تقريبا. الطريق مريح ؛ الرمل نادر. الأشجار كثيرة. حوالي الساعة 7 صباحا وصلنا إلى الآبار. الماء ليس عذبا تماما. في نحو الساعة 10 صار القيظ لا يطاق ؛ عبت ريح حارقة لم أعرف من قبل نظيرا لها. لففت وجهي بالعباءة ، فشعرت ببعض اليسر (بدون كتمة الهواء). حديد السرير في الخيمة توهج. إنطلقنا في الساعة الواحدة نهارا. السير نحو المساء أسهل على كل حال من التمدد في الخيمة. أنا وأحمد سبقنا ركبنا وسرنا في طليعة الركب الأول وسرعان ما وصلنا في الساعة الخامسة والنصف [إلى آبار مبارك](1). وجدنا هنا بستانا من أشجار البلح والماء السائل. جلسنا قرب النبع بفرح انتظار الشاي حين تصل الجمال. كانت خيبة أملنا مرة جدّا حين تبين لنا أن
__________________
(1) في المخطوطة فراغ جرى إملاءه بموجب النص المطبوع «للتقرير».

الماء غير لذيذ إلى حد أن الشاي فقد مذاقه. ونظرا لحالة الماء هذه قررنا مواصلة السر بعد راحة قصيرة.
إنطلقنا في الساعة 11 مساء. انهكني الحصان المتهيج ، ناهيك بأن سلسلة الشكيمة انقطعت ، فأخذ الحصان يندفع ، ويرفس ، ويعض ، ولا يتيح الاقتراب من أحد. أخيرا ، تقدمنا كيفما اتفق ؛ ركبنا من الحمير والأحصنة على بعد 500 خطوة تقريبا أما الهجائن. وفجأة ، حوالي الساعة الثانية ليلا ، حين أخذ النعاس يسيطر بقوة ، دوت على التوالي بضع طلقات في الركب الخلفي. قلت في نفسي : أخيرا وقع تبادل النار. توقفت ، سحبت المسدس ، أردت أن أعرف ما سيحصل. ولكن شيئا لم يحصل ، اقتربت الهجائن التي انطلقت من موقفها الطلقات ، وعلمنا انه تراءى لأحد الحجاج أن بدويّا يقتطع من اجربته أشياء ، فصاح ، فاطلقوا انذارا ، وركضوا إلى الحاج المذنب ، ولكن وجدوا كل شيء في محله. يبدو أن أسلوب السرقة هذا يمارس هنا على نطاق واسع. يتمدد البدوي على الرمل ؛ وحين يقترب الجمل منه ، يقفز (الجمال المحلية لا تعرف الخوف اطلاقا) ، ويستغل واقع أن راكب الجمل لا يرى ما يجري تحت الجمل بسبب الاجربة ، فيبتر الاجربة ويسحب الأشياء.
تبدد النوم ، وتمدد الركب وواصل السير على انشاد الحادي. ودائما كنت أنظر بحسد إلى أصحاب الحمير. يؤجر كل منهم حمارين أو ثلاثة ، ويمضي هو نفسه في المؤخرة على حمار احتياطي ؛ وهم دائما مرحون ، ودائما يضحكون ، جالسين بصورة جانبية على حميرهم ، لابسين على الرأس عمامة جميلة ، وعلى الجسم قميصا أزرق طويلا مزنرا وحسب. وطوال الطريق كله يثرثرون مع رفاقهم بلا كلل ، وغالبا ما يدخنون سيجدارة واحدة معا لكل 5 ـ 6 أشخاص. كل منهم شاب ممشوق القامة ، رشيق القوام. كثيرون منهم مسلحون بالمسدسات. هذه المرحلة كان مضنية : النهار القائظ السابق ، الماء الرديء ، ليل الأرق ، ـ

كل هذا فعل فعله. توعكت بشدة ؛ شرب الماء غير المغلي محفوف بالمخاطر. فمي جاف بشكل رهيب.
3 أيار (مايو). يوم الأحد. في الساعة السادسة صباحا ، وصلنا إلى بئر وتوقفنا للاستراحة. توقف الركب الأول قرب بئر أخرى على بعد نحو 10 فرستات. الماء عذب تقريبا. نحن في املاك القبيلة الأشد لصوصية وشقاوة بين القبائل العربية ـ قبيلةLehaba. ومستور كذلك من أرضها. جاء متوسلوها وباعتها. عيونهم منفرة جدّا. أخذ صبيانهم يركضون بيننا وينشلون ما يستطيعون. وقد اختطفوا من فقير سائر معنا مظلة ؛ فتش عنها المسكين طويلا إلى أن وجدها. أحدث في نفسي إنطباعا مرهقا بائع باع أشياء حاج ما من الأكيد انه مقتول ؛ في عداد هذه الأشياء ، كان ثوب الأحرام ومسدس وساعة فضية ، وبندقية والبسة كان في جيوبها أوراق أيضا. سئل البائع عما إذا كان قتل الحاج ، فاكتفى بالضحك. لم يعمد أحد إلى شراء هذه الأشياء.
إنطلقنا في الساعة 12 نهارا ؛ وقرب بئر [رصفة] * * * (1) حيث توقف الركب الأول ، سقينا الخيل وحشدنا الركب كله ، وواصلنا السير باحتراس خاص ، وكانت لنا طليعة ومؤخرة ، ودوريات على الجانبين ؛ وكان شيخنا على حصانه حاضرا في كل مكان ، متسلحا ببندقية جاهزة ، وهكذا اجتزنا نحو 5 ـ 6 فرستات. بعد أن قطعنا معبرا غير عال عرفنا أن أرض قبيلة لحابه قد انتهت وانتهى خطر السرقة والسلب. وعرفت أنا أن أبناء القبيلة قتلوا في السنة الماضية في هذا المعبر اثنين من المدينة المنورة ، عندما كان هذان في طريقهما إلى مكة ، ومذ ذاك يوجد دم بين أهل المدينة المنورة وأبناء القبيلة وتحاشى أهل المدينة المنورة تكرار قصة السنة الماضية.
__________________
(1) في المخطوطة فراغ جرى إملاءه بموجب النص المطبوع «للتقرير».

نحو الساعة السابعة مساء ، رأينا نيران الركب الأول ، ولكن تبين أن رجالنا الذين كانوا في الطليعة قد مضوا إلى أبعد ، وتعين علينا أن نمضي ساعة ونصف ساعة أيضا إلى أن توقفنا قرب الماء ، في جوار مرتفع.
4 أيار (مايو). يوم الأثنين. إنطلقنا في الساعة الثانية ليلا. بدأ مرتفع حجري معتدل في قاع المضيق ؛ بعد ساعة ونصف ساعة تقريبا ، ازداد المرتفع وعورة وصعوبة ، وازدادت الحجارة حجما. الجميع ترجلوا ، وهكذا مشينا ساعة ونصف ساعة ، إلى أن بلغنا المعبر. المرتفع ليس صعبا على العموم ؛ وإذا قامت أعمال ما ، فإنه يصبح صالحا للعربات أيضا. في أعلى ، ساحات افقية كثيرة منظفة من الحجارة ، وخزانات لأجل جمع مياه المطر ؛ النزول معتدل جدّا ، بالكاد نلحظ فجا في القاع ، واسعا ، غير عميق ، مكسوا [باشواك] * * * (1) كبيرة. بعد النزول نحو 7 فرستات ، توقفنا للاستراحة وأرسلنا لجلب ماء المطر.
رأيت كيف يطعم العرب خرفانهم. تمشي إمرأة حاملة عصا طويلة ، وراءها نحو 30 خروفا ، تسقط السنفات من الأشجار ، فتندفع الخرفان إلى التعامها. الشكوى عامة من غياب المطر في هذه السنة.
تبرعنا أنا ويرزين بليرة واحدة لشراء الخرفان من أجل الشيخ الفقراء.
في الساعة الثانية نهارا ، استأنفنا السير ؛ الطريق تمر باستمرار في مضيق عريض فيه خمائل. سبقنا أنا ويرزين ركبنا وانضممنا إلى الركب الأول ؛ وحين حل الظلام تماما ، ارتفعت إشارة إنذار قوى إلى الأمام ، ولم أستطع أن أعرف ما إذا كان هذا هجوما أم إنذارا كاذبا. توقفنا في الساعة الثامنة والنصف مساء.
5 أيار (مايو) ـ يوم الثلاثاء. إنطلقنا في الساعة 12 ليلا. كان من
__________________
(1) في المخطوطة فراغ جرى إملاءه بموجب النص المطبوع «للتقرير».

الصعب جدّا التحرك في الظلام. في الساعة 8 صباحا ، وصلنا إلى بساتين متاخمة للمدينة المنورة. بصورة أصيلة [.....] * جدّا ، يستحصلون على الماء. ما استخرجه البدوي تسنى للحجاج القادمين ومواشيهم أن يشربوه. ظل الأعرابي يعمل بدون تذمر. حوالي الساعة 9 صباحا ، توقفنا في جامع بير علي. في هذا اليوم لا يدخل الحجاج من أهل المدينة المنورة إلى مدينتهم ؛ يتوقفون على بعد نحو 4 فرستات عنها ، حيث يستقبلونهم بالنقل ، ويقضون الليل مع أقاربهم في الخيام ؛ ولكننا نحن تعبنا كثيرا جدّا من الطريق ، واستأذنا ، وأكلنا نحو الساعة 4 ووصلنا إلى المدينة المنورة في الساعة 6 مساء ، ونزلنا في بيت عمر الدليل. المدينة تقع وسط سهل عريض ؛ بساتين البلح تنطلق بشكل شعاعي ؛ السعل تتخلله التلال ؛ المدينة مطوقة بسور حجري متين مع بوابات محمية. في أحد أبراج الزاوية توجد بطاريات مدفعية ، وفي السهل توجد هنا وهناك نقاط حراسة ترابط فيها عساكر تركية.
دخلنا من البوابة المصرية. في البدء شارع عريض تنيره المصابيح ، ثم بوابة أخرى أمامها بازار ومقهى شاسع. بعد عبور البوابة ـ شوارع ضيقة مبلطة بصفائح حجرية مرصوفة ، ودكاكين مرتبة ؛ في أحد الأزقة الجانبية كان بيت عمر. وأخيرا نحن في البيت.
أعدوا عشاء وفيرا استغرقنا بعده في النوم.
6 أيار (مايو). يوم الأربعاء. في الصباح الباكر استأجرنا حميرا ورحنا نستقبل رفاقنا. كان الركب قد دخل البوابة الأولى حين انضممنا إليه ، وسرنا مع الأغاني وطلقات النار ؛ والصبيان الذين جاؤوا إلى مكة للمرى الأولى كانوا راكبين ظهور المواشي ، وفي البسة فاخرة. رحنا رأسا إلى باب السلام حيث تفرق الركب.
رغم قصر المدة ، تسنى لي أن اعتاد على الركب ، وأن أعرف الكثيرين شخصيّا ، بدءا من الشيخ ، وأن اقدر تماما بساطة موقفهم منا

نحن الرحالة الغرباء بالنسبة لهم ؛ في الأماكن الخطرة تمتعنا جميعا بعناية خاصة ، وكل هذا كان يجري ببالغ اللطف والتهذيب ؛ وفي المدينة المنورة ، غالبا ما كنت اتلاقى في الشوارع مع رفاق قدماء في الطريق ، واحييهم وأرحب بهم بفرح كبير.
اليوم ركعنا أمام قبر النبي ؛ الحرم الشريف هنا مبنى حسب أحدث منجزات علم الهندسة ، ويحدث انطباعا عميقا. الأضرحة محاطة بشعيرية حديدية كثيفة ؛ والمدافن نفسها مغطاة بديباج غال. في وسط جنينة الحضرة صغيرة ، وبقربها بئر فاطمة. الشحاذون الذين يتسللون أثناء الصلاة ويفسدون المزاج يثيرون الملل الرهيب. المدينة تطوق الحرم الشريف لصقا. لأجل النساء مكان خاص مسيج.
7 أيار (مايو). زارنا كثيرون من مواطنينا ؛ وعددهم مع طالبي العلم هنا حوالي 100 شخص. بعض منهم شيوخ جاؤوا يموتون هنا ؛ وآخرون هاجروا إلى هنا لظروف معيشية مختلفة ، قسم منهم يتعلم ، قسم آخر يتاجر. من المؤسف جدّا انه يصعب على أولادهم أن يتأقلموا هنا ؛ كثيرون يموتون.
اليوم تناولنا الغداء عند مواطننا من محافظة بنزا ، عريف. البيت مفروش بنظافة ؛ الطعام قومي. من المؤسف أيضا أن مواطنينا يشكلون معسكرين ويتعادون بلا هوادة.
8 أيار (مايو). يوم الجمعة. اليوم شاهدت مع رشيد أفندي مدرسة قازان الدينية المبنية حديثا وزرنا [.......] * التعليمي. للمدرسة حوش صغير جدّا ، حجراته في طابقين ؛ أعتقد أن الجو فيها حار جدّا. المسجد غير كبير ؛ هناك بيوت لأجل الشيخ ، والمدرّس ، والإمام ، والناظر ، وخلافهم ـ وهي بيوت الأوقاف ؛ والدخل منها ينبغي انفاقه في صالح المدرسة الدينية ؛ وهناك مكتبة غير كبيرة. كل شيء يبدو جديدا ، ونظيفا جدّا. مواطني متأدبون ومجاملون جدّا معي.

أثناء صلاة الجمعة ، تستلفت الخطبة الإنتباه. الخطيب يخاطب المصلين ، يتصرف بكل طلاقة ويلقي موعظة. أنها خطبة حقا!
اليوم ، قبيل المساء ، زرنا مدرسة دينية معروفة ، واسعة الشعبية بين مواطنينا. السيد علي ناظر المدرسة. وهو رجل كهل ، ذو وجه ذكي وطرائق كطرائق المثقفين. كان خارق اللطف ، وتذكر وطننا بكلمات طيبة ؛ فقد زاره منذ أربع سنوات ، واستقبلوه هناك بكل إحترام وإجلال.
9 أيار (مايو). يوم السبت. اليوم الأول من شهر محرّم. اليوم صباحا رحنا نركع أمام مختلف النصب في مسجد القية. هنا يوجد المكان الذي توقف فيه جمل النبي لدى وصوله للمرة الأولى إلى المدينة المنورة ، المكان الذي رأى منه مكة ، غير ذلك.
جاء ملّا نعمان وجلب مؤلفه.
مساء زرنا مواطننا ، الطبيب في مستشفى الأوقاف المحلي ، عطا لله أفندي. إنه من أهل قازان ، هاجر صبيا ، وتخرج من مدرسة طبية تركية. عمره الآن حوالي 50 سنة. يتسع المستشفى ل 15 (حتى 30) شخصا ، وهو وقف من والدة السلطان عبد المجيد. وعد بعرضه عليّ. وفضلا عن ذلك يوجد هنا ما يسمى بمحجر صحي يعمل فيه على الدوام طبيب واحد. المحجر الصحي يمكن أن يتحول مؤقتا إلى مستشفى يفتح أبوابه إذا نشب وباء. ومع الطبيب يوجد صيدلي مناوب.
منذ الصباح رحنا اليوم نحو 5 فرستات إلى قبر حمزة ؛ وهو من أنصار النبي ، وقد لقي مصرعه في هذا المكان حين شن المكيون الكفار هجوما. هنا بقينا إلى المساء في ضيافة عمر الذي هو هنا في قوام الركب القديم منذ أمس. عدنا في ساعة متأخرة.
11 أيار (مايو). نهارا تناولنا الغداء عند السيد علي. الغداء فاخر ، من مآكلنا القومية. رب البيت لا يجلس معنا ؛ وهذا من قواعد الآداب

العربية. يرافقنا إلى البوابة. البيت الذي يشغله ، كما يقولون ، من خيرة البيوت ؛ هنا تغدينا في حجرة السرداب ؛ الجو هنا بارد جدّا بالفعل. في كل مكان نظافة خارقة. يبني بالتبرعات مدرسة دينية قرب الحرم الشريف بالذات.
قبيل المساء زرنا المقبرة المحلية «جنّة الباقي». هنا رفات عثمان وكثيرين من أنصار النبي الآخرين. المقبرة غير كبيرة ، زهاء 4 ديسياتينات (1) ، يدفنون في القبور القديمة.
بعد صلاة الختام زرنا مواطننا صالح بيغايف ؛ وهو رجل لطيف جدّا ، أسطى في جميع المهن. يصلح الساعات وماكنات الخياطة ، ـ وهي كثيرة جدّا هنا ـ يصنع الصابون ، غير ذلك. يعيش في بيت يخصه. ليساعده الرب!
12 أيار (مايو). يوم الثلاثاء. في الصباح زرنا على بعد 6 ـ 7 فرستات مسجد القبلتين ومسجدا آخر بنيا حيث كانت خيام النبي والائمة.
رحنا لتناول الغداء بدعوة من عز الدين أفندي. عاش زمنا طويلا في ستيرليتامك. والآن يشرف هنا على تكيات الأوقاف. وعلى العموم توجد هنا 6 أو 7 تكيات تترية للأوقاف ؛ وجميع التكيات التي رأيتها صغيرة جدّا.
13 أيار (مايو). اليوم تستحيل معرفة المدينة. في الشوارع جموع كبيرة من الناس. على الأغلب من المصريين ومن العرب الأفارقة ؛ وجموع من التجار الجدد في الحرم الشريف. الضيق. أمس مساء وصلت 3 قوافل من مكة. الساحة أمام [.....] * البوابة مليئة بالشقادف والجمال. القوافل سارت مدة 14 يوما. وصلت بسلامة. يقولون أن 15
__________________
(*) الديسياتين ـ 092 ، 1 هكتار. المعرب.

قرغيزيا وصلوا ، بينهم 3 مرضى. قبيل المساء زرنا قبر والد النبي وبضعة جوامع قديمة.
عند العودة ، رأينا سرابا من الجراد تطير في الجو في اتجاهات مختلفة وبأعداد هائلة. عرفت أن العرب يأكلون الجراد ويعتبرونه مأكلا لذيذا. في المدينة المنورة عدد كبير جدّا من القادمين من مختلف القوميات ، وبخاصة من السرت (1) ؛ ويقولون أن هؤلاء زحزحوا جزئيّا العبيد كخدم.
14 أيار (مايو). يوم الخميس. اليوم صباحا جاء رشيد أفندي. تحدثت معه زمنا طويلا عن العرب. حسب مراقباته خلال سنوات عديدة ، يندثر العرب ، ويفسر ذلك جزئيّا بالسيادة التركية. يرى التجديد في نزوح البدو إلى المدن. سلطة الشريف دينية ، روحية ، وجزئيّا الوساطة بين القبائل.
رحنا معا إلى مكتبة شيخ الإسلام التابعة للأوقاف. تشغل المكتبة عمارة ممتازة لمدرسة جيدة ، سجاجيد غالية ؛ مناضد مريحة. فرش رخوة لأجل الجلوس. في أعلى العمارة شقة لأجل المدير. يوضح الكاتالوج بصورة جيدة جدّا. على العموم يوجد حوالي 7000 مجدل. وهناك نسخ نادرة جدّا ، بينها تفسير كشاف. الدخول حر ومجاني للجميع. ومن هنا عرّجنا على مكتبة مدرسة محمود الدينية. الوضع نفسه. الكاتالوج حسب النظام القديم ، ولكن سرعان ما وجد المدير الكتاب الضروري لنا. تطل نوافذ المكتبة على الحرم الشريف.
__________________
(1) السرت. القسم المتحضر من الاوزبكيين من قديم الزمان. قبل سنة 1917 ، كان القسم المترحل على الأغلب من الاوزبكيين والكازاخيين يضيف الاسم العرقي «السرت» إلى الاوزبكيين المتحضرين وأحيانا إلى الطاجيكيين من سكان السهول. في عدد من الانحاء (طشقند ، فرغانة ، خوارزم) ـ التسمية الذاتية للاوزبكيين المتحضرين.

زرت مدرسة الشفاء الدينية التابعة للأوقاف والتي تبرع ببنائها اتراك من القسطنطينية ؛ التلامذة يتقاضون مجيدية واحدة في الشهر ومؤونة بالمبلغ نفسه تقريبا. هناك بالإجمال 12 غرفة ؛ في الوسط جنينة ؛ طابق واحد.
عدد جميع تلامذتنا في المدارس الدينية التي لا تخصنا حوالي 20 ، والعدد نفسه في مدرسة قازان الدينية ، حيث يوجد متسع لاربعين تلميذا. جميع الحموديين ـ الحميديين يتقاضى الواحد منهم ليرة واحدة في الشهر. منزل ضياء الذي زرته في الشفاء ماثث بشكل مريح ومناسب جدّا ، ونظيف وأنيق. قبيل المساء ، رحت مع حارث إلى مقهى فيما وراء البوابة الأولى حيث تلاقيت مع بعض من مواطنينا. الساحة ملأى بالجمال والشقاديف. في كل مكان يتحرك الباعة ذهابا وإيابا بسرعة ، صائحين بأسعار البضائع التي يريدون بيعها. وعلمت أنهم يصيحون بأعلى سعر من بيع الأسعار التي يعرضها أحد ما. الشاري يزيد ، البائع يمضي إلى أبعد ؛ وإذا لم يعرض أحد سعرا أعلى ، فإنه يبيع من الشاري الأول. وهذا اشبه بمزاد علني. رووا لي قصة محزنة مع الإشارة إلى أحد البيوت الكبيرة. صاحبه السيد قتله البدو بالسيف عندما كان في البستان بجوار المدينة ؛ بقيت ابنته الوحيدة ، وأعلنت أنها ستتزوج ممن ينتقم لها لدم والدها. تواجد فتى شجاع ، وقتل أحد المذنبين وتزوج من الفتاة ، ولكنه سرعان ما جن ومات لخوفه الدائم من الانتقام. أثناء صلاة الختام بحثت مع يرزين مسألة الرحيل. قررنا أن ننتظر القافلة الثانية. المصريون ينطلقون غدا مساء. نحو الساعة 9 مساء رحت مع عبد الملك إلى اجتماع دراويش الرفاعي ، ولكن موسيقاهم التي لا تطاق والتي تتألف من دفوف كبيرة أجبرتنا على الفرار في الساعة العاشرة والنصف. عرضوا علينا جامعهم والأدوات التي يضربون بها أنفسهم. يقولون أن هذا يجري صباحا. إبراهيم أفندي ، معاون الشيخ ، الشيخ في القسطنطينية موقتا.

بعد صلاة الختام جاءني بضعة شكيرديين وعلى رأسهم عز الدين أفندي. دار حديث شيق جدّا عن واجب الهجرة. عز الدين أفندي نصير عاقل ورزين جدّا لهذه الفكرة ؛ قال انه راجع لحل هذه المسألة مفتيا مشهورا فأعرب هذا عن رأيه وأصدر فتوى سلبية المآل [......] * * بشكل قسري عندها. لم يجد عز الدين أفندي أي أمر سيء في عمليات مسلمينا في الحرب ضد مسلمين آخرين. مسألة طريفة جدّا (1).
15 أيار (مايو). منذ بضعة أيام نعتزم أنا ورشيد أفندي زيارة التكية المصرية حيث يوزعون الطعام مجانا على الحجاج الفقراء. واليوم أيضا لم نصل إذ علقنا في مدرسة قازان الدينية عند رشيد الشكيردي. ومن جديد اقتنع بانه لا بدّ من أن يكون الجو حارا للغاية في الحجيرات. غرفة رشيد مفروشة بغنى نسبي : كثرة من الكتب ، مفروشات لا بأس بها. تحدثت مع ظريف حلفا عن النسبة الكبيرة من الوفيات بين أولاد مهاجرينا ، وتبين أن التلقيح ضد الجدري غير وارد ، في حين يموت من هذا المرض كثيرون. حكوا بمزيد من التفصيل عن إيقاف قافلة في السنة الماضية ، مؤلفة من 35 جملا ، في غضون 45 يوما ، من قبل البدو في جوار مستور. وعن القول المأثور ـ من جهة دينغيز ، من جهة أخرى دونغوز (2) ، لأن البدو يصطادون و [.....] * لقاء 5 ليرات.
16 أيار (مايو). يوم السبت. اليوم روى عبد الرشيد أفندي تفاصيل
__________________
(1) هذه المسألة كانت موضع نقاش واسع في الصحافة الإسلامية في روسيا ، وبخاصة قبل الحرب العالمية الأولى وفي بدايتها. راجع س. ت. الكين. «رسالة إلى جريدة «كازانسكي تلغراف» بتاريخ 22 تشرين الأول (اكتوبر) 1914 ، العدد 6417 ، ص 2 ؛ أصحاب الغاموكي. مقالة في جريدة «في عالم الإسلام» ، بتروغراد ، 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1911 ، العدد 29 ، ص 2 ؛ نداء مفتي اورنبورغ إلى المسلمين ـ جريدة «كوياش» ، قازان ، 27 تشرين الأول (اكتوبر) 1914 ، العدد 541 ، ص 1.
(2) من جهة ، البحر ، من جهة أخرى ، الخنزير.

عن الحجر الصحي في السنة الماضية في الطور. أنزلوا خلال 12 يوما ، ولكن هذه الأيام لم تدخل في حساب الأيام ال 15 من الحجر الصحي. الطعام الرديء ؛ المحلة مرعبة ؛ حريق الأمتعة بدون تعويض ؛ الألبسة القذرة عند تعقيم البسة الشخص المعني ؛ لا عقلانية الحجر الصحي التامة ؛ إمكانية التمرير.
أفادوا التفاصيل عن الهجوم على [........] * ؛ وقع فعلا ، ولكن انتهى بكامل السلامة بالنسبة للاتراك ؛ من البدو لقي واحد مصرعه. اليوم ، بعد الظهر ، اختفى المصريون ؛ فإن قافلتهم انطلقت ؛ وامتلأت المدينة المنورة بالسوريين. وصل [........] * مع القافلة. غدا يجب ادخال المحمل في الحرم الشريف.
بقدر ما اسمع من الأحاديث ، بقدر ما ازداد احتراما لعثمان باشا من أبناء المدينة. هذا الرجل الجدير والشخصية البارزة كان الجميع يحبونه ويحترمونه ويخافونه بالقدر نفسه. وقد رغبت شديد الرغبة في الأعراب له عن تقديري في القسطنطينية.
تتوارد عن الحجر الصحي معلومات في غاية التباين ـ معلومات جميعها ذات طابع أكثر مدعاة للهدوء ـ أقل من 24 ساعة بالاجمال. اليوم وصلت قافلة كبيرة جدّا من الشرق موسوقة بالحبوب والسمنة. سعر السمنة هبط حتى 5 روبلات للبود (1). أحيانا يبلغ سعره ثلاثة أضعاف. السمنة ، كما يقولون ، نقية جدّا ؛ لتنقيتها ، كما يقولون ، يضعون بضع حبات من البلح. بعد صلاة الختام رحنا نحتسي الشاي ونتحادث مع عز الدين وضياء.
وعدت ضياء باستعلام قضيته والكتابة بصددها. كلاهما لطيف. عموما يجب الأعتراف بسمات لطيفة مشتركة بين جميع التلامذة ـ
__________________
(*) البود ـ 38 ، 16 كليوغراما. المعرب.

المودة ، التهذيب ، البشاشة ، غياب التعصب الأعمى. يتحدثون عن تحريض الإنجليز اليمنيين ضد حكومتهم الشرعية ، يقولون أن الإنجليز يبيعون بأسعار بخسة جدّا بنادق سريعة الطلقات. هنا الجميع يكرهون أبناء البيون (إنجلترا) وأعتقد أن السبب هو مصر. وحالة المحمل البائسة ينسبونها أيضا إلى الإنجليز. يسترعي نمو المدينة الكبير في الآونة الأخيرة الإنتباه؛ الأمكنة يتسابقون على شرائها ؛ وهناك إنشاءات كثيرة بادئة ؛ البيوت غلا سعرها ؛ ينسبون هذا إلى تدفق الناس من بلدان أخرى ، ويعتبرونه (دليلا على) اقتراب نهاية الدنيا. وهناك حكاية طريفة عن أحد ائمة مكة ـ عن [...] * آخون دجان. هذا الرجل الفاضل سمع بظهور المهدي في السودان فطلق زوجته وراح إلى السودان ، رغم تقدمه في السن ، ليعرف ما إذا كان هو المهدي فعلا. عاد بعد 5 سنوات على اقتناع بأن الرجل ليس المهدي الحقيقي ، بل قديس. سمعت نكتة. في القسطنطينية ، أثناء صلاة الجمعة ، صاح أحدهم انه المهدي المنتظر ، فاعتقلوه وأوصلوه إلى القاضي ؛ سأله القاضي عما تعنيه صيحاته وكيف يتظاهر بأنه المهدي ، أجاب : أمكتوب في كتبكم انه سيظهر ، قبل المهدي الحقيقي ، بضعة مهديين كاذبين. «اجل ، ورد هذا في الكتاب». أنا أحد هؤلاء المهديين الكاذبين. ذلك كان الجواب.
17 أيار (مايو). يوم الأحد. اليوم وصلت أخيرا القافلة من مكة ، ووصل أيضا مواطنونا. بقيت القافلة في الطريق 16 يوما ووصلت في الطريق الفرعي. في وادي فاطمة دفنوا الحاج صابر من قازان ، ودفنوا 3 قرغيزيين ، وجميعهم غادروا مكة مرضى. وقعت قرابة عشر حالات نهب قام بها البدو ببث الذعر في نفوس الحجاج ؛ وفي إحدى الحالات جن أحد المنكودين. نقلوا إلى هنا قرغيزيا مصابا بمرض خطير جدّا ، فهل أبناء سهوبنا المساكين هؤلاء مصابون بالتيفوس؟! ولا داعي إلى التحدث عن كمية الأشياء الضائعة.

في شوارع المدينة ، وفي الحرم الشريف ضيق رهيب ؛ يستحيل المرور ، والغبار كثير جدّا. هناك نقلوا اليوم المحمل صباحا إلى الحرم الشريف ونصبوه بمصاحبة طلقات المدافع تحت صف الأعمدة.
اليوم زرنا مدرسة قورّا ـ باش الدينية ويسمونها قره باش. أردت أن أرى فخر الإسلام ، ولكننا لم نجده ، ثم رحت إلى صاحبنا ظريف من ستيرليتاماك. الغرفة رحبة نسبيّا ؛ للطعام يعتمدون مجيدية واحدة ، والمبلغ نفسه تقريبا للقمح. في طريق العودة رأيت أيضا فناء خاصا يكدسون فيه القمح المعد للتوزيع. كثيرون يفضلون الحصول عليه في ينبع ، لأن كلفة النقل على حساب الحاصل. في قره باش يعيش أيضا شيخ من ستيرليتاماك أواخر أيامه. البيت يتسع ل 25 شخصا ، وهو من طابقين.
وكما في جميع المدارس الدينية ، يأخذون النزلاء في المدارس المحلية ، لا من عداد الشبان التلامذة وحسب ، بل أيضا من عداد الشيوخ الذين يتوافدون إلى هنا لقضاء أواخر أيامهم. وهم يستفيدون أيضا من الإعانة المقررة. لأن هدف المدارس الدينية هو الصلاة في صالح واهب الوقف. الجميع ينتظرون باهتمام خارق الأنباء عن الحجر الصحي ، عن حالة الطرق في ينبع.
18 أيار (مايو). يوم الأثنين. مع قافلة البارحة ، وصل حوالي 60 قرغيزيا وحوالي 25 تتريا ، بينهم 4 من بطرسبورغ (بينهم سيدة). الجميع منهوكون للغاية ، بطون جميعهم [...] * ، بذعر يحكون عن الطريق. مسيرتنا كانت سهلة وآمنة جدّا وسريعة ورخيصة بالمقارنة مع مسيرتهم. دفع كل منهم لقاء الجمل مع البخشيش زهاء 8 ليرات. الجميع يتشكون من صفاقة سواقي الجمال ونحول الجمال في هذه السنة.
بعد الظهر ، تناولنا الغداء عند دليلنا عمر ؛ في المساء ، بعد صلاة الختام زرنا بيغايف ؛ حل عنده ضيفا مجاور شرف الدين [......] * * *

من مكة ؛ تقابلت مع المدعو مرزا ، وهو أيضا عبد الله ، الفار ؛ أضجرني بقصصه السخيفة ـ كيف كاد يحمل نائبا لاسقف أرثودكسي على أعتناق الإسلام ؛ والقسيس افتدى نفسه بالنقود ؛ وخلاف ذلك من السخافات. وجدت في البيت أحد مهاجرينا الشبان ، المدعو مصطفى. جاء إلى مكة مع والده وأمه وأخيه ؛ بعد فترة وجيزة حل وباء الكوليرا ، فقد اخاه ، انتقلوا إلى المدينة ؛ بسبب الفقر سافر الوالد إلى روسيا سعيا وراء البلدل ؛ بعد بضعة أيام ماتت الوالدة ؛ بقي الصبي وحده في مدينة غريبة ، دون أن يكون له أحد. بعد مجاعة طويلة ، ساعده أحد المواطنين. الآن يملك دكانا ، يطعم الوالد وزوجة الوالد ؛ تزوج. الوالد كان عريفا في فصيل تشيستوبول المحلي ، وكان أيضا مدير مزرعة. الآن يخدم ويقود مواطنيه الحجاج.
عاد الوالد والابن من مكة مع قافلة البارحة. النسبة الكبيرة من الإصابات بالإمراض بين القرغيز يعزوها مصطفى إلى مآكلهم غير العقلانية (المآكل المدهنة ، الكازي ، الكروت) والبخل الخارق أي حرمان النفس من الضروري.
يحكون عن عمليات النهب والسرقة التي يقوم بها البدو في رابغ في وضح النهار. تقدم قرغيزي بشكوى ضد سائق جمل من المسؤول في رابغ ، ولكن عبثا ؛ وأثناء التحقيق ، باع لص شهير من المسؤول الأشياء المسروقة بواحد من عشرين من ثمنها.
ما أروع ما يحبون الأبقار والمواعز المحلية المتواجدة بكثرة في الساحة بين [.....]* * *.
ما أن يخف [القيظ] حتى يتدفق جميع السكان الرجال إلى هنا ويقضون الوقت حتى ساعة متأخرة من المساء. وهنا يعرفون جميع الأخبار. أدلتنا قضوا هنا أياما بكاملها. يقدمون القهوة في فناجين صغيرة ، والشاي في كؤوس صغيرة (الشاي الأسود والشاي الأخضر

وكذلك النرجيلة حتما). يرشون الماء في كل مكان ، ولذا تسود البرودة. يروي قدماء السكان أن إحتساء الشاي لم ينتشر إلا في الآونة الأخيرة. وغالبا ما أخذت تقع العين عن العرب على السماورات الروسية وآنية الشاي الروسية التي يستعملونها على الأغلب لتزيين الرفوف في تجاويف الغرف. رأيت سماورات جيدة جدّا مطلية بالنيكل. روى أحدهم انه عندما كان يتعلم هنا منذ 18 سنة ، كانت السماورات معدودة ـ 6 سماورات ، وآنذاك ، كان الضيف العربي ، إذا عرضوا عليه كأسا من الشاي ، لا يشربها إلى النهاية ، ويؤكد أن بطنه انتفخ من الشاي ؛ أما الآن فيشربون الشاي على طريقتنا تماما ويحبون شاي موسكو. وحين تعرض الشاي ، غالبا ما يسألونك عن نوعه ، ويقبلون الدعوة بفرح حين يكون الشاي روسيا. عدا الشاي والآونية والكاز ، لم ار أي شيء روسي.
19 أيار (مايو). يوم الثلاثاء. السريان اليومي وقضاء الوقت دخلا نوعا ما في مجرى معين.
أعيش كما من قبل عند الدليل شاغلا غرفة غير كبيرة في الطابق الثاني ؛ الغرفة السفلي ـ الأنبوب يشغلها يرزين. هربت من هناك. هناك رائحة قوية من المرحاض. النافذة ـ الشرفة تطل على زقاق ضيق جدّا فيه حركة كبيرة ، ولذا يكون الغبار شديدا في النهار ، خصوصا وأن الزقاق مغلق قرب البيت بالذات وأن المدخل بصورة البوابة في أسفل فقط. الحرارة صباحا 22 ـ 23 درجة ريومور ؛ أقصى الحرارة 26 ـ 27 درجة ؛ وأكثر من ذلك لم ترتفع. حارث رفيقي وخادمي الدائم ؛ وقد تكشفت عنده موهبة كبيرة ؛ فهو يجيد تقليد كثيرين من الناس.
أثناء صلاة الفجر العامة (في الساعة الرابعة صباحا) في الحرم الشريف ، نقترف خطيئة النوم (لأن هذا أفضل وأبرد وقت). أوقظ حارث في الساعة الخامسة إلا ربعا أو في الساعة الخامسة ، ونتوضأ ونصلي. بعد الصلاة أغفو ساعة أيضا ، بينما يغلي حارث الحليب ويهيئ السماور.

في الساعة السادسة نشرب الشاي. (بصعوبة وجدنا الشاي الروسي واشترينا رطلين من أحد المواطنين). بعد الشاي أعمل عادة ، ويهتم حارث بالشؤون المنزلية. عند الظهر ، بعد الصلاة نلتهم الغداء الذي حضّره حارث والذي يتألف عادة من مأكل واحد ـ الحساء. بعد الغداء ، الراحة حتى الساعة الثالثة ، ثم الشاي ، وبعده نخرج من البيت لنجلس في المقهى. يتجمع 5 ـ 6 أشخاص من مواطنينا الذين نعرفهم ومن العرب ، ونشرب القهوة ، وأدفع ثمنها قرشا واحدا (8 كوبيكات) ويعطونني على سبيل الردة بضع قطع نقدية معدنية محلية.
لا أستطيع بعد أن اعتاد على شرب القهوة المحلية ؛ أتنازل عن فنجاني لشخص آخر ؛ الجمع المتنوع هو أكثر ما يهمني. فيه تقع العين على مسلمين من شتى أنحاء الدنيا ، وبينهم يتميز ، بلا ريب ، بأكبر قدر من الذكاء ، العرب «البديون» ، سواء من حيث مظهرهم والبستهم أم من حيث أدبهم ومجاملتهم.
البدو في قمصان مقلمة سوداء (عباءات) ، مدججون بالسلاح ؛ على رؤوسهم المناديل (العقالات) ؛ حفاة [....] * * * يمشون مشية خفيفة خاصة. جميعهم بلون ضارب إلى البني ، بلون الحجر المحلي ؛ وجوههم صغيرة ؛ عيونهم حية جدّا ؛ الجميع سمر ؛ الشعر قليل. كثيرون من الزنوج ممن كانوا أو لا يزالون عبيدا للبدو ، يرتدون البسة البدو. شيوخ البدو ، والملتزمون بتقديم الجمال لأجل الحج يجلسون بمهابة في المقاهي. اليوم يوجد أيضا عدد كبير من السوريين ـ وهم شعب طويل القامة في عباءات مقلمة ومناديل سوداء (عقالات) على الرأس ، ملفوفة في لفتين صوفيتين يوداوين ؛ وقسم منهم شقر. ومنهم يتألف خفر المحمل الشامي. الخفر من الفرسان. قرابة 500 رجل على الخيل. وهم حسنو السلاح والألبسة.
وهناك أيضا مصريون متأخرون (أي تأخروا على رفاقهم في الطريق)

مع نسائهم. وجميعهم خرق ، طويلو القامة ، نحيلون ، في شملات سوداء طويلة من قماش خفيف. على وجوه الرجال والنساء وفرة من الوشم.
وهناك ماليزيون سبق أن كتبت عنهم.
وهناك عدد كبير من الأتراك ، أغلبهم من أبناء الأناضول. وهم جميلون ، طويلو القامة ، ذوو البسة أنيقة ظريفة.
وهناك أيضا كثيرون من الفرس. وهم بمعظمهم يعودون من هنا عبر السهب إلى البصرة وكربلاء. ينقلهم بدو تلك الإنحاء ، الذين هم أيضا من الشيعة. يروون أنه توجد بين الفرس إمرأة فائقة الغنى يتبعها 400 جمل موسوق بشتى الأشياء بينها 75 جملا موسوقا بالفحم لأجل السماورات والنارجيلات. الفرس من الشيعة يشتركون في الصلاة العمومية في الحرم الشريف ، سائرين وراء الإمام ، ولكن يقولون أنهم غالبا ما يهينون القبرين المقدسين لخليفتينا الأولين أبي بكر وعمر ، تاركين قربهما الأقذار ، ويبصقون في ثغرات الأبواب. وإذا رأوهم في الجرم المشهود ضربوهم. وإليهم يوجهون تهمة تدنيس الحجر الأسود وركن اليمن. وعلى كل حال ، يشيح الشيعة بوجوههم أثناء الطواف عن هذه الأشياء التي يجلها السنيون. وعندهم أدلتهم وتكياتهم ونظامهم ، وخلاف ذلك.
لقرغيزيينا ، لسبب ما ، اتعس هيئة. الضيق الرهيب ، والأزدحام. والضجة ، والغوغاء ، واللغة المجهولة ، والحرارة غير المألوفة ـ كل هذا يفعل فعله فيهم بلا ريب بشكل مرهق. بدانتهم زالت ؛ منظرهم منقبض ، كئيب. وعدد أبناء الهند وجنوب افريقيا وزنجبار والسرت وافغانستان وقشغار قليل جدّا. لا تقع العين البتة على صنيين. نحو صلاة الختام نذهب إلى الحرم الشريف ، وبعد الصلاة نعود إلى البيت حيث يعمد حارث إلى تحضير سماورنا الضخم الذي يتسع لماء أربعة دلاء. يتجمع

لشرب الشاي بضعة أفراد فقط ، أغلبهم من التلامذة المحليين. وهم شعب لطيف جدّا ومرح. ثم نذهب جميعنا معا إلى الحرم الشريف لصلاة المساء ؛ ومن هناك يمضي الشكيرديون إلى بيوتهم لأن الباب يغلق عندهم في الساعة 9 مساء ، وليس من اللائق طرق الباب. يختل هذا النظام بسبب الدعوات الموجهة إلينا لتناول الغداء أو لإحتساء الشاي في مكان ما.
اليوم ، بعد صلاة الختام ، رحنا أنا ورشيد القاضي إلى بيت مثقف محلي. وهو البيت الثاني الذي يرضى بالظروف الصحية الخارجية حتى في كاتشا (عال ، ونظيف جدّا) ، يخلو من كل رائحة (في البيت الأول يعيش السيد علي تكير). ظهر سماور روسي صغير والشاي وكؤوس صغيرة. بصعوبة شربت كأسا. حكى رشيد القاضي بكآبة عن فشله في عقد الصلح بين معسكرين معتاديين من مواطنينا ؛ ثم أقام حفلة غداء مع تلاوة «المولود النبوي» ودعا الجانبين. ولكن الجانب الأقوى الذي قبض على زمام السلطة (عبد الستار) رفض أن يحضر الغداء إذا حضره الخصوم. هذا سيء جدّا. وهذه سمتنا القومية المزمنة.
المدينة وضواحيها يديرها ممثل خاص للحكومة التركية ، هو العامل ؛ وهذا المنصب يشغله الآن عثمان برتبة لا تقل عن رتبة جنرال ؛ وهو شركسي الأصل. غالبا ما أرى كيف يعود في الساعة الخامسة مساء برفقة خفره في عربة من مبنى الإدارة إلى شقته. وبين الشخصيات الكبيرة الأخرى تستلفت الإنتباه شخصية غازي باشا ، ابن شميل (1) ؛ ويقولون انه هنا بسبب النفي ؛ وهو حمو عامل المدينة ؛ ويقولون انه يتقاضى 120 ليرة
__________________
(1) شميل (1799 ـ 1871) ـ الإمام الثالث لداغستان وشاشان (1834 ـ 1859). قائد النضال التحريري الذي خاضه جبليو القفقاس ضد المستعمرين القيصريين تحت شعارات «المريدية». في 26 آب (اغسطس) 1859 اسرته العساكر الروسية. توفي في المدينة المنورة في طريقه إلى مكة المكرّمة.

كل شهر على سبيل المعاش ، وينفق الكثير على أعمال الخير. وهناك أيضا أخوه سازي باشا ، وهو شاب نسبيّا. في الظاهر لا يوجد أحد تعتمد عليه السلطة ، رغم أني رأيت مرة واحدة موظفا بوليسيّا يسير في الشارع. في الأيام الأخيرة ـ حرس عسكري موقت في الساحة. أعتاد الشعب على مراعاة النظام بنفسه ـ.
بين الأشخاص ذوي الألقاب شبه الدينية ، شيخ الحرم ، المشرف على الحرم المحلي ؛ وهو ضابط تركي سابق ، اشترك في الحرب الأخيرة ضد الروس ، وكان مع عثمان باشا في الأسر.
أمس ، بعد صلاة الختام زرنا أحد مواطنينا ، واسمه شريب. منذ 16 سنة غادر مسقط رأسه مدينة ترويتسك (محافظة أورنبورغ) ، بسبب تولعه في الأسفار ، وراح إلى تركستان ، وكان في الصين وافغانستان والهند. وذهب إلى مكة المكرّمة عبر بومباي ، ومنها إلى المدينة المنورة ، حيث استقر وتزوج من أرملة عجوز تركية استثار عشقها ، كما يقولون ، مازحا ، بأغانيه (يغني ببراعة) ، وأخذ بفضل هذا الزواج بيتا وعبدة ؛ والآن يعيش بيسر ، مشتغلا بلا كلل على آلة. زار مكة 6 مرات ، علما بأن وباء الكوليرا لم يكن منتشرا مرتين فقط. تذكر وقائع فظيعة. يتبين من مراقباته التي تؤكدها أفادات أشخاص آخرين أيضا ، أن كل شيء ينتهي بسلامة إذا كان الطقس في منى صحوا في أيام تجمع الحجاج هناك ، وأن المصائب تقع إذا تعتم الجو نوعا ما بسبب الغيوم وإذا أخذت السماء ترذ. ذات مرة ، نشب الكوليرا في القافلة التي كان ينطلق معها من هنا إلى المدينة المنورة ؛ وصلوا إلى مكة وسمحوا لهم بدخولها بدون عائق ، ولم يسمحوا للحجاج بدخول المدينة إلا للركوع أمام القبر المقدس ؛ وبعد يوم انطلقت القافلة في اتجاه ينبع. كانت نسبة الإصابات بالمرض رهيبة.
لم يستطع أن يتذكر السنوات جيدا. وهناك واقع غريب آخر من

ميدان آخر. هنا يوجد كثيرون من الخصيان المنفيين من قصر السلطان والعائشين هنا بمعاش يكون أحيانا ، كما يقولون ، كبيرا جدّا ، مثلا ، 30 ليرة. وتبين أن كثيرين منهم يتزوجون ؛ وظننت أنهم يفعلون ذلك لأجل الخدمات البيتية فقط. ولكن كلا ، فلهذا الغرض توجد عبدات ؛ أما الزوجات فلا يفعلن شيئا غير ارتداء وتغيير الملابس الفاخرة. ولم يحدث مرة ، كما يقولون ، أن تذمرت إمرأة تزوجت من مخصي من مصيرها ورغبت في الطلاق.
النساء ، كما سبق أن قلت ، يتمتعن هنا بقدر من الحرية أكبر بكثير مما عندنا ، نحن التتر ؛ وهن يشتركن في الصلاة في الجوامع ، ويتاجرن بحرية ، ويقمن بأمور أخرى ، ويتخطرن من زيارة ، وغير ذلك ، النقل الأول للضيفة القادمة هو النارجيلة التي يدخنها الجميع بلا استثناء ثم فنجان القهوة.
تحادثت مع عز الدين أفندي عن مهاجرينا المحليين. يستفاد من أقواله أن الذنب الرئيسي الذي اقترفه اتباع عبد الستار انما هو استملاك أموال المواطنين الذين يموتون هنا واهمال مشيئتهم الأخيرة. الأموال أمّا لا يعرضونها البتة على السلطات التركية ، وأما لا يعرضون غير قسم منها يطلبونه بالحاح من الورثة في صالحهم ؛ والوصايا لا تنفّذ ؛ وقد روى حارث أن تلميذا قرغيزيا قد أوصى قبل وفاته بما يملكه [...] * في صالح رفاقه الشكيرديين ولكن هؤلاء ، وكان بينهم آنذاك حارث ، لم يحصلوا على شيء. وبالروح نفسه يحكي كثيرون جدّا عن مسلك عبد الستار وناظره ، فلا بد من التصديق سواء شاء المرة أم أبى. ولكن هذا الرجل يحظى بمكانة كبيرة عندنا في روسيا. في السنة الأخيرة خاف أن يذهب بنفسه لجمع النقود فأرسل حسين الملّا وعبد الرحمن الشيخ وصدّيق الناظر.
21 أيار (مايو). يوم الخميس. اليوم ، مات عدد كبير جدّا من الناس. المدينة المنورة منفعلة لموت المدرّس المعروف عبد الندير الذي

توفي فجأة ؛ ومات قرغيزي بارز من مقاطعة سيميبالاتينسك ، كان نائبا في حفلة التتويج ، ومزينا بالأوسمة ، رجلا محترما وفاضلا. مرض في مكة ، نقلوه إلى هنا مريضا ؛ في الطريق التي استغرقت 16 يوما لم يأكل شيئا ؛ وأخيرا توفي هنا. ومن عداد الذين مرضوا في مكة ، توفي في الطريق فرغيزيان وتتري من قازان. كذلك دفنوا أربعة جنود.
هنا تقع العين على كثرة كثيرة من البنادق التي تشحن من مؤخرة السبطانة ، ومزلاجها يشبه مزلاج بنادقنا القصيرة من طراز بردان رقم 2 ؛ وهي من العيار نفسه تقريبا. يقولون أن الجيش اليوناني كان مسلحا بهذه البنادق.
جميع البدو مسلحون حصرا بأسلحة قديمة ؛ أما سكان المدن فعندهم أسلحة كثيرة من أنظمة محسنة ؛ وهذه الأسلحة يستعملونها أحيانا لأجل إجراءات القمع. يروون أن عبدة قتلت سيدتها منذ عشر سنوات تقريبا. فحكمت المحكمة التركية عليها بالأشغال الشاقة لمدة 15 سنة ؛ ولكن السكان طالبوا شاهري السلاح باعتدامها ؛ وكاد يحدث اصطدام بين العساكر والسكان ؛ واضطرت السلطات إلى التنازل ، وأعدموا المجرمة علنا ، أمام الملأ.
21 أيار (مايو). اليوم تدور جميع الأحاديث حول الرحيل ، ولكن القوافل لا ترتحل بعد ، بانتظار الأخبار من ينبع : أيسمح البدو للقوافل بالعبور أم يمنعونها عند عبور مضايق الجديدة؟ لتأمين الحجاج نوعا ما ، تأخذ السلطات التركية من كل قبيلة رهائن وتحتفظ بهم في السجن حتى لحظة معينة. اليوم ، في الصباح الباكر ، جاءت من مكة قافلة الماليزيين الذين يملأون الآن كل المدينة المقدسة غير الكبيرة والحرم الشريف. يتحدث مهاجرونا كثيرا عن أنعام الحكومة التركية على رئيسهم عبد الستار بمدالية لقاء تبرعه بعشرين ليرة في صالح الحكومة لمناسبة الحرب ضد اليونان.

اليوم قمت بصلاة الجمعة 3 مرات [.....] * * *.
مساء كنا عند تاجر محلي من مواطنينا ؛ رأيت هناك صدّيق ، ولي أمر مدرسة قازان الدينية ؛ انه يشغل أحد بيوت الأوقاف ؛ في الأيام الأخيرة كنت في جامع قازاني. أنهم يقلدون العرب في التجويد.
خادمي ورفيقي حارث مريض منذ البارحة ؛ يبدو انه مصاب بالحمى. حرارته عالية جدّا. يهذي. نعالجه بالكينا.
اليوم ارتحلت إلى مكة قافلت الهنود.
ما من أمة من الأمم تعرض باجتهاد غلائم الشعور الدينية مثل الفرس ؛ فهم ينوحون ، وينحبون ، ويبكون ، ويبوسون عتبات الباب ، ومقابض البوابة ، غير ذلك.
بفارغ الصبر ينتظر الجميع البريد من مكة ؛ وكان لا بد أن يصل يوم الأربعاء ولكنه لم يصل بعد. جميع رفاق الطريق ينتظرون جوابا من قنصلنا عن رسالتي بصدد الحجر الصحي الذي يخافونه خوفهم من النار ؛ فهو شر لا يبرره بالفعل أي مبرر ، وشر لا لزوم له ، ومزعج إلى أقصى حد ، ولا يعود بأي نفع.
22 أيار (مايو). يوم الجمعة. شيء ما عن تجارة المدينة المنورة. الضواحي لا تنتج شيئا تقريبا. كل شيء مستجلب.
القمح والشعير يستجلبونهما من جهة بغداد ومن مصر عبر ينبع ، والرز من البصرة والهند ومصر ، ومن [.....] ، عبر ينبع ، البضائع المستعمرية والصناعية ؛ والبقالة عبر ينبع. الخضراوات وبعض الأشياء الأخرى تنبت في الضواحي. البن والملح يستجلبونهما من اليمن. المادة الوحيدة للبيع هي البلح الذي يشتريه الحجاج ويرسلونه هديّة من هنا إلى مختلف الأفراد في روسيا والقسطنطينية. وهنا يوجد 13 نوعا من البلح وأفضل الجلابي. يجب اعتبار كمية البلح المباع زهاء 50 ألف بود.

السمنة من حليب الابقار يستجلبونها من جهة البصرة. لحم الغنم يستجلبونه من مخيمات البدو الرحل المجاورة. الكاز أميركي ومن باكو. يحدث أن تقطع القبائل البدوية العاصية الطريق إلى ينبع ، فيصبح الوضع في المدينة المنورة صعبا ، وترتفع كل الأسعار كثيرا. ويشرف المحاسب مباشرة على البازار وعلى النظام في ساحة البازار ؛ وتحت تصرفه دورية عسكرية. الخرداوات يشتريها تجار الجملة في القسطنطينية. التجارة المحلية تشتد مع وصول الحجاج وتهدأ بعد رحيلهم.
23 أيار (مايو). يوم السبت. اليوم أفادنا ادلّتنا أن رحيلنا إلى ينبع غدا ، أو بعد غد على الأكثر. استقبل جميع الحجاج الخبر بفرح كبير لأن الحياة هنا بالنسبة للكثيرين ممن اعتقادوا على الرحب والسعة مرهقة غاية الأرهاق. أدوا جميع الطقوس والمراسم ، فليقبلها الله ؛ والآن آن أوان العودة.
24 أيار (مايو). يوم الأحد. أرجئ رحيلنا إلى أجل غير مسمى ؛ تروج إشاعات مقلقة جدّا.
في الحديث مع مختلف الأفراد من غير العرب عن العرب ، عرفت بضع سمات طريفة من طبعهم. كل قادم يقدمون له القهوة في الحال ؛ والامتناع عن شرب هذه القهوة ، رفضها ، يعتبر إهانة مؤلمة خطيرة قد تعطي ذريعة لعداء لا نهاية له. مثلا. يأتي الوسطاء الشيوخ إلى ممثلي قبيلة ما ، ويطلبون أما تمرير القافلة وأما إعادة الأموال المنهوبة ، وما إلى ذلك ؛ يقدمون للقادمين القهوة ؛ هؤلاء لا يشربونها كأنما لم يروها ؛ القهوة تبرد ، ويستعيضون عنها مرارا بقهوة جديدة ، ساخنة ؛ الضيوف يشربون ؛ أخيرا يطلب المضيفون تذوق قهوتهم ؛ الضيوف يرفضون بحجة عدم تلبية مطلبهم ؛ عادة تنتهي المشكلة حبيا ، وفي النهاية يشربون القهوة ، عربون المصالحة.

أثناء السفر ، لاحظت كيف يهيئ البدو القهوة لأنفسهم. البن المحمّص يطحنونه في هاون زمنا طويلا جدّا ؛ ولا يدقون كيفما اتفق ، بل بإيقاع وانقطاعات مختلفة ؛ ثم يسكبون الماء الغالي على البن ، ويضعونه على النار ، ولكن لا يدعونه يغلي من جديد. وحين تصبح القهوة جاهزة ، يبدأ تقديمها لجميع الحاضرين بلا استثناء. القهوة يشربونها ساخنة جدّا ؛ ولهذا لا يسكبون في الفنجان أكثر من جرعتين أو ثلاث. القهوة من تحضير البدو مشروب ثقيل ومرّ جدّا يستحيل شربه بدون الاعتياد عليه.
25 أيار (مايو). يوم الأثنين. في الحديث مع ثابت ، سمعت منه قصة طريفة عن سفره للسنة الثالثة من ينبع إلى جدّة. بما أن موعد سفر الباخرة لم يكن متوقعا عما قريب ، فقد سافر مع قرابة 70 شخصا على متن زورق شراعي. (الزورق من هذا الطراز يسمونه «سمبك» ، وهو بلا متن وله شراع واحد. حمولته زهاء 3000 بود ، ويأخذ كذلك ركابا بأجر قدره بورون واحد (الريال ـ 88 كوبيكا) بين المدينتين المذكورتين. تنطلق الزوارق بمحاذاة الشاطئ ، وترسو ليلا على البر).
قرب رابغ اصطدم الزورق بصخرة تحت الماء وجنح كثيرا. رأى البدو من الشاطئ سوء أحوال السمبك ، فاقتربوا بأعداد كبيرة على زوارقهم الصغيرة ، ولكن شرعوا يساومون غير مستعجلين للانقاذ. طفق أحد الركاب ، وهو شيخ جليل ، مصري ، يحاول اقناع الرحل ينقلهم إلى الشاطئ معلنا أن كل ما معهم يصبح ملكا لهم ، شرط أن ينقذوا حياتهم. وافق البدو على نقلهم جميعا ، لا إلى الشاطئ حيث كانوا يخافون من أن يسلبهم أبناء قبيلتهم ، بل إلى جزيرة صغيرة ، وتركوهم فيها وعكفوا على أن يستخرجوا لأنفسهم من الماء أكياس القمح التي كانت في الزورق الذ غرق فور اقلاعه. دام هذا العمل طوال الليل كله. وأخيرا جاء البدو في الصباح إلى الجزيرة حيث الركاب المنقذين. وهنا من جديد ، أصغوا إلى وعود المصري المذكور ووافقوا على نقلهم جميعا إلى جدة بأجر قدره

مجيدية واحدة عن كل شخص. أركبوهم ، كل 3 أو 4 ، في زوارقهم الصغيرة ، وأوصلوهم بسرعة إلى المقصد ؛ واستبقوا لأنفسهم جميع أمتعة الركاب. يخيل إلىّ أن البدو هم في المقام الأول متوحشون ذوو ميول بربرية لا شك فيها ، وذوو مفاهيم فريدة بصدد حقوق الملكية ولكنهم يملكون قدرا معينا من حضور الضمير والوجدان ، ويتأثرون بالمثل الطيب. وهم على العموم متوحشون تعوزهم التربية.
26 أيار (مايو). يوم الثلاثاء. تقرر أن تأتي القافلة اليوم مساء وتبيت الليل قرب البوابة الأنبارية للمدينة. فكرت فيما إذا كنت أسافر الآن مع هذه القافلة الأخيرة أم أبقى ، وقررت أن أسافر. البقاء ، حين يكون الحج قد انتهى ، قلما يتسم بالأهمية والطرافة ؛ وإذا بقيت ، يتعين علىّ أن أبقى حتى كانون الأول (ديسمبر) أو كانون الثاني (يناير) ، لأنه لم يكن متوقعا وصول قافلة أخرى ، ولأنه لم يكن من الممكن أن تتسنى لي زيارة المراكز الهامة التي تمر بها حركة الحجاج. إذن ، لنذهب ، وان يكن يخوفونني كثيرا بالسفر إلى ينبع إذ يقولون أن البدو لا يمررون. أمرت حارث بالاستعداد للرحيل. وعلى كل حال قررت أن آخذ معي ، كمرافق ومدّبر في الطريق ، دليلنا اللطيف إبراهيم ، رغم أن هذا سيكلف مبلغا من النقود لا يستهان به. أراد إبراهيم أن يأخذ معه إبنه عبد الملك الذي يحظى بعطف الجميع لاستعداده لتقديم الخدمات ومرحه المتواصل. استعداداتنا تتألف من شراء زوج من الشقادف وسجادة لأجل التغطية من فوق ، والمؤن. وعد فخر الإسلام بأعداد الشقادف أي بتغطيتها بالقماش ، وما إلى ذلك. الشقادف والجمال لا يجيزون ادخالها إلى المدينة ، من جراء الضيق ، ولذا كانت نقطة الانطلاق ضاحية المناخة.
بعد الغداء زارنا كثيرون من مواطنينا بحجة تمني السفر الميمون ؛ ولكن الهدف الحقيقي كان الحصول على شيء ما ؛ القسم الباقي منهم رافقنا للهدف نفسه إلى المناخة. فكان لا بد من توزيع قد لا يستهان به

من النقود. وأخيرا ، حوالي الساعة 5 مساء ، دفعنا للدليل عمر اتعابه ، وحمّلنا الأمتعة على[...] ، وغادرنا البيت المضياف والأدّلة ، واتجهنا إلى المناخة. كانت الشقادف معدة ببالغ الاجتهاد. طرح فحر الإسلام في أعلى سجادة ، كما خاط جيوبا وأعشاشا لأجل جرار الماء. وحين انتهى التحميل ، اتجهت الجمال إلى البوابة الانبارية ، ورحنا وراءها برفقة جمع غفير من مواطنينا. خروج الجمال يجري باذن خطى من العامل.
ما إن خرجنا من المدينة حتى توقفنا لمبيت الليل ؛ وإلى هنا توافدت تدريجيا جميع القوافل.
27 أيار (مايو). يوم الأربعاء. اليوم ، في الساعة الخامسة والنصف صباحا انطلقنا في اتجاه ينبع. قافلتنا تتألف من قسمين برئاسة مقوّمين. مقوّمنا محيسن المشهور. القسم الثالث المؤلف من الحجاج الفرس لا ينطلق اليوم ، لأن مفاوضاتهم لم تنته بعد بصدد دفع فدية للبدو ؛ القافلتان الأوليان تتألفان بمعظمهما من المصريين والمغاربة والسوريين والاتراك ومسلمينا. الأقسام الثلاثة جميعها تتألف من 1500 جمل تقريبا يحمل ثلثاها الشقادف. للمرة الأولى تعين علىّ تسلق هذه الأداة البدائية لأجل الركوب. ركبنا أنا وحارث ، وانطلقت قافلتنا تدريجيا في 4 خطوط.
كان الوداع مع عمر وديا للغاية. في الصباح تسنى لرشيد القاضي أيضا أن يأتي لتوديعنا ؛ انه يفكر في الذهاب إلى جدّة بعد عيد المولد النبوي. يرى حارث أن مشية جملنا ناعمة ، رغم انه كان لي رأي مغاير تماما. وبما انه توجد قرب المدينة المنورة كثرة من المرتفعات والمنحدرات ، فإنه يتعين ، لأجل الاحتفاظ بالتوازن ، التحرك تارة إلى الأمام وطورا إلى الحلف. وفي آخر الأمر ، كنت استوي بنحو أو آخر ؛ وواقع انه أصبح من الممكن التمدد كان بحد ذاته فرجا كبيرا.
كان حداة جمالنا من البدو ؛ رشيد ، وهو أكثرهم همة ، واوفرهم نشاطا ومبادرة ، يتكلم قليلا بالتركية ؛ إبراهيم ، أو كما يسمونه إبرايم ،

يمشي دائما برأس مكشوف ؛ انه شخص متوان ، وكائن حقير جدّا ؛ وأخيرا ، الزنجي سعيد ، العبد السابق لمحيسن الذي اعتقه ، وزوّجه ؛ وتبناه ؛ وسعيد قصير القامة ولكنه قوي البنية ؛ وهو يسوق مفرزتنا. إن الاحتفاظ على الدوام بالتوازن في الشقدف ، وخاصة إذا كان أحد الراكبين اثقل من الآخر ، أم صعب جدّا ؛ ودائما كنت أسمع ، وبخاصة في البداية ، صيحة البدو «حاجي متاعك» أو «قدام» أو «وراء». بفضل الشقدف الجيد والوزن الواحد مع حارث ، لم يتسنّ لي أن أسمع هذه التعليمات.
على بعد نحو 6 فرستات من المدينة المنورة ، تدخل الطريق في مضيق عريض ذي جانبين منحدرين تدريجيّا ، نمضي فيه حتى الحمرا. والطريق على طول امتداده هذا ملائم لأجل التحرك ، متساو ومنبسط تماما ، وذو تربة رملية صلبة ، وكمية كافية من الماء والوقود. في هذا اليوم سرنا في أوج القيظ حتى ساعة متأخرة من المساء 2 / 1 8 ساعات ، وبالأجمال سرنا 14 ساعة ، وتوقفنا لمبيت الليل عند بئر درويش ، بينما سبقنا القسم الأمامي من القافلة شوطا وتوقف عند بئر الشهداء.
في الليل ، دفنا شيخا من مواطنينا! كان مريضا في المدينة المنورة ، ومريضا سافر. وعند الرحيل طلب عمر بالحاح من الشيخ أن يبقى قائلا له انه لن يتحمل مشقة الطريق ، ولكن المسكين كان يريد العودة إلى الوطن بأسرع وقت ، فلم يبق ، ومات في الشقدف بعد الرحيل بساعتين ؛ كذلك ماتت إمرأة من المغاربة. في القسم الأمامي كانت أيضا بضع وفيات.
28 أيار (مايو). يوم الخميس. اليوم قطعنا مرحلة غير كبيرة من الساعة 2 / 1 11 صباحا إلى الساعة 2 / 1 7 مساء ، بانتظار القافلة الفارسية لأن الطريق لاحقا محفوف بمخاطر كبيرة ؛ ومقوّمونا لا يتجرؤون على السير وحدهم.
مكان قضاء الليل عند بئر أخرى. من الصعب أن يتصور المرء مبلغ صعوبة الانطلاق والسير في أوج القيظ! في الليلة السابقة قتلوا في القسم

الأمامي ، بهدف السلب ، حاجين اثنين تخلفا لقضاء حاجة. لا نزال نسير في أراضي قبيلة مقوّمينا ، ولهذا لا نخشى الهجوم السافر.
قدم إبراهيم وابنه عبد الملك خدمات تفوق التقدير ، إذ يتخذان جميع التدابير لضمان سلامة سفرنا ناهيك عن شتى الإجراءات الإقتصادية. وبما أننا نصل في الليل إلى مكان المبيت ، فلا يسمحان لنا بالنزول قبل إنارة المحلة بالمشاعل إذ أن حوادث القتل والنهب تقع على الأغلب في هذا الهرج والمرج ؛ وإذا راح شخص ما إلى قضاء حاجته ، فإن الأب أو الابن يراقبانه من المرتفع الأقرب. وعنهما أحفظ أطيب الذكريات.

الرحلة إلى الحجاز


الفصل الأول
سري
الرحلة إلى الحجاز
الحدود
الحجاز التي تتجه إليه حركة حج المسلمين إنما هو جزء من الجزيرة العربية يمتد شريطا ضيقا بمحاذاة ساحل البحر الأحمر ويبلغ طوله زهاء 1500 فرستا ، ويتراوح عرضه بين 150 فرستا و 300 فرستا. الحجاز تجده في الشمال فلسطين ، وفي الشرق نجد ، وفي الجنوب اليمن وفي الغرب البحر الأحمر. وأسم «الحجاز» من فعل «حجز» ، أطلق ، حسب تفسير العرب ، نظرا لوجود هذه المنطقة بين نجد والبحر الأحمر. وبالنسبة لنا لا يتسم بأهمية غير القسم الجنوبي (3 / 1) من الحجاز حيث تقع مدينتا مكة المكرّمة والمدينة المنورة المقدستان بنظر المسلمين وحيث في زمن الحج تبلغ حركة الحجاج أوجها.
طوبو غرافية السطح
الحجاز بلد جبلي جدّا. سلاسل الجبال المؤلفة من كتل حجرية عارية ، وغير العالية نسبيّا (1000 ـ 3000 قدم) ، تمتد بموازاة ساحل البحر ، متشعبة بكثرة من الذيول الجبلية الفرعية ، النازلة إلى الغرب نحو البحر وإلى الشرق نحو سهل نجد. وأحيانا ، تتواجد بين الجبال ،

وبخاصة على مقربة من البحر ، صخور مميزة حادة الأطراف. وإلى الشرق من مكة ، تبلغ سلسلة الجبال المسماة هناك «السراة» ارتفاعها الأعلى ، ـ زهاء 6500 قدم في جبل القرى.
والجبال تتقطعها فجاج رملية خالية من الماء يسمون الواحد منها هنا «وادي» ، وأهمها تتجه نحو البحر. وفي قاع هذه الفجاج فقط توجد ينابيع الماء النادرة في الحجاز. فليس البتة في الحجاز لا نهر ولا حتى نهير. وماء الينابيع الذي يسيل هنا وهناك في قاع الوادي ينفقونه في الحال لري البساتين ومباقل الخضراوات. والسكان الرحل يستعملون في المعتاد الآبار والصهاريج التي تمتلئ بالماء السائل من الجبال أثناء الأمطار الغزيرة.
وأغنى الفجاج بالماء ومظاهر السيول (1) هي وادي فاطمة ، وادي الليمون ، السيل الكبير قرب مكة ، وادي الصفراء غربي المدينة المنورة.
إن منظر الحجاز هو على العموم واحد ـ كئيب وصارم ومرهق بقحله وانعدام الحياة فيه ؛ ففي كل مكان تلال حجرية ، عارية ، خالية من أي نبات ، صخور متراكمة بوثوق وبلا نظام ، مكسوة دائما بعتمة رمادية ما ، واودية ضيقة ذات جوانب معلقة تقريبا ؛ أما الخلفية العامة للوحة ، فرمل أصفر في كل مكان يشكل قاع الفجاج ويملأ الفجوات بين الصخور وغالبا ما يبدو بصورة انهيالات قرب ذري الجبال بالذات.
بين الجبال والبحر يمتد شريط ساحلي منخفض ، متساو ، عرضه 5 ـ 10 فرستات، اسمه «تهامة» ، وتتشكل تربته من رمل بحري مكثف جدّا. ومن جراء تسرب ماء البحر ، كانت مياه جميع الآبار في تهامة مالحة نوعا ما ؛ وسكان الساحل يستخدمون في المعتاد الصهاريج.
__________________
(*) كلمة «سيل» («سيول») ـ اسم محلي مستعمل ، مثلا ، في تركستان أيضا للإشارة إلى سيول ماء المطر العاصفة المتدفقة من الجبال. ملاحظة هيئة التحرير.

النباتات والحيوانات
الحجاز فقير جدّا بالنباتات من جراء القيظ الخارق ونقص الرطوبة. ومن عداد النباتات الخشبية رأيت في جميع الفجاج شجرة شائكة جدّا من نوع الطلح (الاقاصيا) أسمها «الشوك» ، وتبلغ مقاييس كبيرة وتشكل الصنف الوحيد من المحروقات. في أوائل نيسان (ابريل) ، في طريقي إلى مكة ، كانت هذه الشجرة لا تزال تحمل أوراقا ، ولكن في حزيران (يونيو) لم يبق على الغصون سوى قرون ناضجة قوسية الشكل. وهذه القرون تباع في البازارات لأجل علف الجمال وغيرها من المواشي ؛ والرحل يعلفون بها أيضا قطعانهم من الماعز والغنم ؛ ولهذا الغرض يسقط الراعي القرون بعصى طويلة ، وسرعان ما تتلقفها الماشية السائرة وراءه.
وبصورة اندر تقع العين على أصناف أخرى من النباتات ومنها أم غيلان والسنط. وأقرب إلى البحر تقع العين على مجموعات كبيرة من نبات يشبه الايندرا كثيرا ، ولكن مقاييسه كبيرة ويسمى العشّر.
في الشتاء ، حين تتساقط الأمطار تظهر أعشاب ما يتسنى للبدو أن يخزنوا منها كمية ما من الهشيم.
في ضواحي مكة ينمر بأعداد كبيرة السنا المكي ؛ وأوراقه معروفة في البيع باسم «الورق الاسكندري».
الحجاز الفقير بالنباتات فقير أيضا بالحيوانات. ومن عالم الحيوان ، رأيت شخصا ، بالشكل البري ، نوعا صغيرا من القرود ، والثعالب ، ورأيت من الطيور الحمام والغراب ، والقنابر الكبيرة والحدآن. يقولون انه توجد أيضا ذئاب وضباع وظباء ، ومن الطيور اللقلق والهدهد ، وغيرهما. حياة الحشرات لا تتكشف إلا في وقت ابرد من السنة : في أوائل نيسان (ابريل) ، ليلا ، على نور المصباح ، تطير من

كل حدب وصوب أعداد غير كبيرة من الفراشات والجعلان. فيما بعد لم أرى أية حشرة. يؤكدون أن حتى البراغيث ذاتها تختفي في الوقت الحار من السنة. ومما له دلالته انه يوجد في بعض جبال الحجاز ، رغم هذه الطبيعة الشحيحة ، نوع محلي من النحل الأصفر البري الصغير جدّا ؛ وعسل هذا النحل يقطفه البدو من الصخور ، ويظهر أحيانا للبيع في السوق في مكة والمدينة المنورة.
وفي الحجاز أصناف متنوعة كثيرة جدّا من الأفاعي والعقارب والعناكب السامة. وبين هذه العناكب يوجد في مضيق وادي فاطمة نوع يسمى «اللادغ» وتعتبر لدغته مميتة حتما.
خلافا لليابسة ، يتميز البحر الأحمر بتنوع وغنى خارقين في الحياة العضوية ؛ فعدا مختلف أنواع الأسماك ذات الصفات غير الرفيعة جدّا ، يعج بشتى النقاعيات وغيرها من العضويات الدنيا.
المناخ
مناخ الحجاز ، وبخاصة في قسمه الجنوبي الواقع تحت خط الاستواء ، هو بلا ريب من احرّ المناخات في الدنيا. الكتل الحجرية في الجبال المتلاصقة بوثوق ، التربة الرملية ، التي تتأجج بشدة تحت الشمس الاستوائية ، وغياب النباتات ـ كل هذا يجعل الحجاز احرّ من البلدان المجاورة ، ومنها اليمن ونجد. الحرارة على ساحل البحر أدننى نوعا ما ، لوكن التبخر الشديد ورطوبة الجو الخارقة يخلقان هنا جوا منافيا جدّا للصحة.
وبما أن زراعة بعض النباتات ، ومنها مثلا ، البطيخ والشمام ، تجري طوال السنة كلها ، ويحالفها النجاح حتى في احرّ أوقات السنة ، فإنه يخيل إلىّ أن مناخ الحجاز خارق الرطوبة في اقسامه الداخلية أيضا وانه من الصعب بالتالي على الناس غير المعتادين عله احتماله.

تقلبات الحرارة ، بقدر ما استطعت أن أراقب ، ليست كبيرة في سياق اليوم الواحد.
في الطريق من مكة المكرّمة إلى المدينة المنورة ، في النصف الأول من أيار (مايو) ، اسفرت المراقبات عن نتائج متنوعة ، تبعا لمحلة ؛ وكانت الحرارة بالمتوسط في الخيمة 35 درجة ريومور فوق الصفر كحد أقصى و 28 درجة فوق الصفر كحد أدنى.
وتسنى لي أن أراقب أعلى درجات الحرارة في أوائل تموز (يوليو) بين المدينة المنورة وينبع ، قرب بير السيّد ، حيث أشار ميزان الحرارة إلى 44 درجة ريومور فوق الصفر في الظل ؛ ولكن لم يتسن وضع ميزان الحرارة في الشمس نظرا لقلة طول مقياس الحرارة.
إن ما هو رهيب بخاصة على الإنسان في الحجاز ليس الحرارة العالية ، بل الرياح الحارقة التي تهب في حزيران وتموز (يونيو ويوليو) في عموم الحجاز والتي تسمى هنا السأم. وهذه الرياح ليس لها اتجاه معين. والرياح التي اضطررت إلى معاناتها كانت تتجه من الجنوب الغربي ؛ وهي لا تتسم بطابع زوبعة ما ، ولكن وجودها يتبدى دائما بشعور مؤلم مرهق تحدثه في الجسم البشري. وحين كانت تهب السأم ، كانت نظاراتي تتأجج إلى حد انه كان يتعين عليّ نزعها ؛ والماء النازل عن غير قصد على الجسم يثير في حال التبخر الما روماتزميا قويا.
يعرف البدو كيف يمزون السأم الخالصة عن السأم المختلطة مع رياح أخرى ، وكيف يميزون الريح الضارة جدّا عن ريح أقل ضررا ، ويتنبأون ببداية الريح ؛ والاسم الرهيب «السأم» لا يطلقونه على جميع الرياح الحارة التي تهب في الأوقات الحارة من السنة.
هذه الظاهرة ليست رهيبة على الغرباء وحدهم ؛ فإن بدويينا سواقي الجمال قد عانوا هم أيضا من شعور القلق حين هبت السأم ، ودسوا في

مناخرهم وآذانهم الثوم ، وتدثروا بكل عناية. والأسلوب الأخير ، أي التدثر من الرأس بالذات هو الوسيلة الوحيدة ، كما اقتنعت ، للتخفيف بعض الشيء من العذاب حين تهب السأم. ويروون حوادث فتكت فيها السأم بعدد كبير من الناس ؛ وفي المرة الأخيرة ، في سنة 1895 ، أخذ الحجاج في المدينة المنورة يعتزمون الذهاب إلى مكة ، ونقلوا أمتعتهم إلى ضواحي المدينة ، وإذا سأم تهب ؛ وبعد بضع ساعات ، لمّوا عشرات الموتى في الشارع.
ويقول الأطباء أن نسبة الوفيات في مكة والمدينة المنورة تزداد كثيرا حين تهب السأم. ولكن العرب يعتقدون أن هذه الريح ضرورية لأجل نضج البلح.
وللحجاز فصلان في السنة : الشتاء البارد نسبيّا ، من منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) إلى منتصف شباط (فبراير) ، حين تتساقط الأمطار بين الفينة والفينة ويظهر العشب هنا وهناك ، والصيف الحار الذي يحل فورا محل الشتاء. إن الانتقال من البرد إلى القيظ يكون حادا جدّا في المدينة المنورة حيث الحرارة الصيفية أدنى نوعا ما مما في مكة ، نظرا لوقوعها أبعد إلى الشمال وفي أرض عالية ، ولكن في الشتاء ، كما يقولون ، يكون البرد أحيانا قارصا جدّا.
السكان (خارج المدن)
يتألف سكان الحجاز من مختلف قبائل البدو ، أو كما يسمونهم هناك ، «الأعراب» (العرب الذين يعيشون في المدن يسمونهم «بلدي») وهم ، حسب اسطورتهم ، اخلاف مباشرون لإسماعيل ، ابن إبراهيم. وبين البدو يوجد أيضا كثيرون من الزنوج والأحباش الذين صاروا بينهم بوصفهم عبيدا. وهؤلاء يشكلون طبقة دنيا خاصة ولا يختلطون مع السكان الأصليين.

مجمل عدد السكان في الحجاز يقدّر ب 700 ـ 800 ألف نسمة (حسب المعلومات الرسمية التركية 5 ملايين). ينقسم البدو إلى كثرة من القبائل التي يشرف على كل منها شيخها والتي تشغل كل منها منطقة معينة للترحل. وهناك قبائل غالبا جدّا ما تعادى فيما بينها ، وتهاجم بعضها بعضا ، ولها حسابات دائمة بصدد الدم.
البدو الرحل يربون الماشية ، ويتعاطون الزراعة أيضا إذا سمحت الظروف. أثناء أشهر الحج الأربعة أو الخمسة ، ينصرف كثيرون منهم بوجه الحصر إلى نقل الحجاج وأمتعتهم. وسكان السواحل ، بوصفهم بحارة ماهرين ، يمارسون النقل الساحلي على زوارقهم الشراعية التي لا متن لها ، والمسمى الواحد منها «سمبك» ، كما يمارسون صيد السمك ، واستخراج المرجان واللؤلؤ والصدف والمحار ، وما إلى ذلك من قاع البحر.
والبدو الذين تسنى لي مراقبتهم ، متوسطو القامة ، نحيلون خارق النحول ، وقسمات وجوههم متناسقة ، ولون جلدهم برونزي قاتم ، وقلما يختلف عن لون الحجارة التي يعيشون في وسطها ؛ وارجلهم خالية تماما من بطات السيقان ؛ مشيتهم رشقيقة أصيلة. ولكن أول ما يستلفت النظر عند رؤية البدو ، هو أنهم أقوياء بدنيّا ، وجلودون ولبقون جدّا.
ألبسة البدوي بسيطة جدّا ـ قميص حتى الركبة ، واسعة الكمين ؛ على الرأس دائما منديل قطني كبير مثبت بحزام خاص مسمى «عقال» ؛ وبهذا المنديل يغطي اذنيه ، وكذلك انفه في غالب الأحيان. فوق القميص يلقي عباءة صوفية سوداء عريضة بأشرطة بيضاء نادرة.
يحمل البدو دائما الأسلحة ـ في اليدين بندقية شطف (بقداحة) أو بندقية بفتيل أو رمح ؛ على الكتف أو على الظهر يتدلى سيف ذو حد واحد أو سيف ذو حدين ؛ على حزام جلدي فرد وخنجر ، ولوازم معدنية مختلفة لحفظ الباردو والرصاص.

ترتدي المرأة قيمصا أسود طويلا ، ومنديلا على الرأس من اللون نفسه. وتغطي وجهها أدنى من خط العينين بقطعة من القماش الأسود.
كل لباس الأولاد يتألف من حزام ذي هدب جلدي من نوع الهدب الذي يستعمله التركمان لحماية عيني الحصان من الذباب.
ومسكن البدو عبارة عن نموذج خفيف جدّا من خيمة من نفس القماش الأسود الذي يخيطون منه العباءة. مفروشات الخيام فقيرة جدّا ـ الآنية المنزلية الضرورية ، رحل الجمل ، جلود غنم مدبوغة ومصبوغة لأجل المفرش ، قربة لأجل الماء. وكل شيء يدل على أن متطلبات هؤلاء الرحل أقل بكثير من متطلبات القرغيز ، مثلا ، أو التركمان في بلادنا. والخيام تكون منصوبة مجموعات صغيرة جدّا.
المواد الغذائية الرئيسية هي منتوجات تربية المواشي والبلح ، وعند عرب السواحل السمك. الغذاء الأكثر استعمالا اللبن (الحليب الرائب) ؛ الطعام اللذيذ هو التمر مع السمنة ؛ يبدأ العرب أكل البلح عندما لا يزال أخضر تماما [...] «زحف» [؟] ؛ وحين يكتسب التمر لونا أصفر نوعا ما ، ـ «الرطب» ـ يظهر كذلك في الأسواق لأجل البيع.
وحيث توجد مزروعات الذرة الصفراء والدخن ، يصنعون منهما أرغفة مثل الأرغفة التركمانية. والقهوة المقدمة عند الأغنياء أو عند حضور الضيوف يعتبرها البدو مشروبا لذيذا. وأغلبية البدو تدخن التبغ ، ولهذا الغرض يستعملون غلايين طويلة الشبق.
والبدو ، بوصفهم رحلا ، يربون المواعز والأغنام والجمال.
المواعز يستعملونها على الأغلب لأجل الحليب واللحم ، وثمن الواحد منها بنقودنا زهاء روبلين. ويربون الأغنام لأجل الحليب واللحم ، وثمن الواحد منها بنقودنا زهاء 4 روبلات. لحم الأغنام والمواعز المحلية جاسئ جدّا وغير لذيذ. الجمال نوعان. نوع اثقل وأقوى مستعمل لنقل

الأثقال ـ «الأبل» ـ ثمن الواحد منها بنقودنا زهاء 60 روبلا ، وجمال حفيفة ، دقيقة القوائم ، صغيرة الرأس ، صوفها أكثر أشراقا ـ «الهجان» ؛ وهي مستعملة حصرا لأجل الركوب ، وثمن الواحد منها زهاء 100 روبل. علاوة على الصفات المشتركة الملازمة للجمال يتميز هذا النوع وذاك بالوداعة الرائعة وغياب الرائحة الكريهة الملازمة لهذه المواشي. عدد الجمال عند البدو المترحلين بين مكة والمدينة المنورة يقدّر تقريبا ب 15000 رأس.
وهم ، كزراع ، يزرعون في موسم الأمطار ، في مرحلة الشتاء من السنة ، نوعا خاصا من الدخن ؛ ولهذا الغرض ينظفون من الحجارة رقعا غير كبيرة من الأرض ويقيمون أسوارا ساندة لحفظ الماء ؛ وحيث يمكن الري يزرعون على الأغلب البطيخ والذرة الصفراء ـ «الذرّة» ـ والخضراوات (البصل ، البندورة ، والفول وما إلى ذلك) ؛ وفي مثل هذه المحال ، يزرعون كذلك في المعتاد البساتين المؤلفة بصورة رئيسية من أشجار النخيل ؛ وتقع العين أيضا على أشجار الليمون التي تعطي ثمارا حلوة صغيرة جدّا ، وعلى شجيرات البلسان التي يصنعون من عصيرها صبغ الحنّاء وشجرة «الفلسنك» التي تعطي بلسما قيّما جدّا بالنسبة للحجاج.
بدو الحجاز مسلمون سنيون جميعهم ، ولكن يوجد بين الرحل في الطرف الشرقي وهّابيون وكذلك بعض المتشيعين ، ومنهم ، مثلا ، الزيديون ، والإسماعيليون ؛ وأكثر المذاهب السنّية انتشارا هو المذهب الشافعي ، ثم الحنفي ؛ وكثيرون من البدو ينتمون إلى مختلف مدارس النساك وبخاصة إلى التيار «الرفاعي».
لا يتميز العرب الرحل البتة بالتدين الشديد ؛ وهم يخلطون الدين بكثير من العادات والأساطير والأقوال المأثورة التي تتناقض تماما مع تعاليم الإسلام ونادرا ما تتوافق فيما بينها.

إن حب الحرية التي يتمتعون بها من سحيق الأزمنة والجهل المطبق يحملان البدو على اعتبار أنفسهم أسمى من جميع الأمم الأخرى ، وينظرون من أعلى حتى إلى إخوانهم المقيمين في المدن تحت الحكم التركي. وأعمال السلب والنهب والقتل ضد الغرباء ظاهرة عادية تماما ؛ وهم كل سنة يقتلون عشرات الحجاج لأجل النهب ؛ والحصول على الأموال بهذه الطريقة لا يعتبره أحد أمرا غير جائز. والكذب والقسم أمر عادي تماما. ومن جهة أخرى تحظى الضيافة التقليدية باحترام مقدس ؛ ولحماية الضيف يضحي المضيف بنفسه دون تردد ؛ والسماح بنهب أو بقتل الشخص الذي أخذه المضيف تحت حمايته عار لا يضاهيه عار ؛ الأمر الذي تنتقم له القبيلة كلها.
يجري إرسال مبالغ ضخمة من النقود في الحجاز بواسطة البدو ، نظرا لعدم وجود دائرة حكومية معنية ؛ ويقولون أن هذه الارساليات لا تضيع أبدا ولا يستملكها البدو أطلاقا.
وعند البدو حكماؤهم وأطباؤهم العرافون. وهم يلجأون إليهم في حال المرض. واوسع الوسائل انتشارا الفصد ، والمحاجم ، والكي بالحديد المحمى. وبعد الولادة على الفور ، تعمد القابلة إلى شق ثلاث شقوق بالسكين على صدغي الطفل وظهره وغير ذلك من أجزاء الجسم لتحاشي الأمراض المقبلة ؛ وآثار هذه الشقوق تبقى طوال العمر كله ؛ وفي جميع الأمراض تقريبا ، يلجأ العرب إلى فصد الدم أو يستعملون المحاجم لاستخراج الدم ؛ وهم يعتقدون أن هذا يلخص الإنسان من الدوخان والضعف الناجمين عن الحرارة العالية ؛ وحتى الجمال لا تتجنب هذه العمليات المكررة دوريا. والكي ، بوصفه وسيلة للصرف عن الألم ، يجري بأسلوب بربري تماما ، ويترك آثارا عميقة. في أحد المواقف أسرع من قرية مجاورة إلى سواق جمالنا ولداه ؛ أحدهما صبي في نحو الخامسة من العمر ، كان جرح كبير فاغرا قرب عينه بالذات ؛

وقد أوضح الوالد ، جوابا عن سؤالي ، أن إحدى عيني الصبي قد انغلقت ، وانه (أي الوالد) قام بعملية الكي بيده ، وأن حالة ولده أفضل الآن.
وعند البدو أساليب أصيلة جدّا لمعالجة عواقب السأم ؛ فالمريض يطعمونه السمنة ، ويدثّرونه بشدة وكثافة ، وطوال نحو ساعتين لا يدعونه يشرب ؛ وفي حالات أشد إرهاقا ، يحفرون حفرة بقامة الإنسان ، ويشعلون فيها موقدا ثم يجعلون الموقد يبرد نوعا ما ، ويضعون فيها المريض ويطمرونه تاركين رأسه فقط طليقا ، ويبقونه في هذه الحال أطول مدة ممكنة ، ثم يسحبونه ويدثّرونه ويدهنون جسده بالسمنة ، ولا يدعونه يشرب طوال نحو ثلاث ساعات.
وعلى العموم يشكل نمط حياة البدو خليطا من عادات بربرية تماما وبعض سمات الفروسية والنبل. وهذا الشعب لا يزال بدائيّا تماما ولم يتعرض البتة لتأثير الزمن.
صحيح أن كلا من القبائل تشغل أرضا معينة ، ولكن مناطق بعض القبائل لا تشكل رقعا واحدة متواصلة ، بل هي متوزعة في عموم الحجاز ؛ وبعض القبائل التي كانت تقطن من قبل في الحجاز استقرت في بلدان مجاورة. وفي الوقت الحاضر تقيم في الثلث الجنوبي من الحجاز القبائل التالية من البدو (راجع الجدول على ص 145).
التجارة والصناعة عند السكان الرحل
للتجارة والصناعة عند البدو ، سواء بسواء ، مقاييس تافهة للغاية وذات طابع محلي فقط. سكان السواحل يبيعون من التجار الكمية التافهة من اللآلئ والمرجان والصدف وعظم السلاحف وما إلى ذلك ، التي يستخرجونها من البحر. وأصحاب البساتين الواقعة على طرق الحج الكبيرة يتعاطون بيع الحنّاء وبلسم «الفلسنك» والتمر من الحجاج.

والتجارة الباقية كلها تتلخص في تزويد المدن بالمحروقات والخضراوات والمؤن وغير ذلك.
في الانحاء التي تتواجد فيها البساتين يجدلون ببالغ التفنن من أوراق النخيل الحصائر والمراوح والحبال ؛ وحيث تربية المواشي أكثر تطورا ، يصنعون أقمشة صوفية سميكة لأجل المعاطف والخيام والأكياس ، ويحيكون رحالا كبيرة مزدانة بكثرة من الشراريب لأجل الهواجن. وهناك حرفيون حاذقون يصنعون الأسلحة وشتى الحلي الفضية. ولجميع هذه الأشياء تصريف محلي حصرا.
الوضع السياسي في الحجاز
دخل الحجاز في قوام الامبراطورية العثمانية في عهد السلطان سليم ، عام 1517 ؛ وفي أواخر القرن الماضي وفي أوائل القرن الحالي ، كان الوهابيون من نجد يملكون ويحكمون هذا القطر ؛ وهم اتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي دعا في سنوات 1740 ـ 1750 في نجد إلى مذهب جديد في الإسلام يرتكز على القرآن الكريم وحده. وفي سنة 1799 احتل الوهابيون مكة ؛ وفي سنتي 1803 ـ 1804 استولوا على المدينة المنورة ولكن إبراهيم باشا المعروف طردهم وانزل بهم بضع هزائم بين سنتي 1810 و 1820 ؛ وفي سنة 1817 وصل إلى وسط نجد بالذات واستولى على عاصمتهم الدرعية.


اسم القبيلة عدد الانفس امكنة الترحل بنى هاشم 50 ألفا ضواحي مكة والمدينة المنورة وينبع النخلة وينبع البحر عنزى 350 ألفا القسم الأكبر على حدود فسلطين ؛ عشيرة تلوح بين مكة والمدينة المنورة جهينة 50 ألفا ضواحي ينبع النخلة وينبع البحر وإلى الشمال منهما على ساحل البحر حثبك ألفان ضواحي المدينة المنورة نحاوله 12 ألفا ضواحي المدينة المنورة. بستانيون على الأغلب حرب أو بني حرب 70 ألفا إلى الغرب والجنوب من المدينة المنورة مطير 40 ألفا ضواحي المدينة المنورة بني سليم ألفان على الطريق الشرقي ، بين مكة والمدينة المنورة عتيبة 20 ألفا ضواحي الطائف قريش ألفان في جوار مكة. فيما مضى قبيلة جبارة منها تحدر النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. من جراء الحروب المتواصلة في القرون الأولى من الإسلام ، تشتتوا هذيل 10 آلاف جبل القرى تقيف 25 ألفا ضواحي الطائف عدوان ألفان جنوبي الطائف أبي الحارث 3 آلاف شرقي الطائف بني لحيان 2 / 1 1 ألف بين مكة وجدة بني جحادله 10 آلاف وادي اللملم ، جنوبي لحيان عوف 5 آلاف بين المدينة المنورة ورابغ (1) __________________
(*) كتاب «جزيرة العرب».

إن سلطة الحكومة العثمانية لم ترتكز من قبل ولا ترتكز في الوقت الحاضر إلا على القوة المسلحة ، ولا تتبدى إلا في النقاط التي ترابط فيها القوات المسلحة. وهذا يعني أن الأتراك لا يملكون غير المدن وكذلك ، بنحو ما ، الطريق بين مكة وجدّة ، التي تحميها مخافر متعددة ، ولكن سلطتهم في هذه النقاط أيضا لا تحظى بالمكانة اللازمة ، الأمر الذي تبيّنه الأحداث التي وقعت مؤخرا ؛ فمنذ زهاء عشر سنوات قتلت عبدة في المدينة المنورة سيدتها ؛ وحكمت المحكمة التركية على القاتلة بالسجن ، ولكن سكان المدينة طالبوا بإعدامها فورا ، مهددين بالهجوم المسلح إذا لم يلّب طلبهم. تراجعت السلطات ، وتم إعدام القاتلة على الفور. وفي سنة 1895 جرى في مكة أمام عيون السلطات هدم بناية يكرهها السكان ومعدة للاستعمال كمحجر صحي.
في غضون أربعة قرون من امتلاك الحجاز لم يقم الاتراك اية صلات بينهم وبين السكان المحليين ولم يستطيعوا أن يهدئوهم ولم يكن لهم عليهم أي تأثير ثقافي. والعلاقات بي الطرفين لا تزال علاقات عداء وعدم ثقة ؛ فإن الاتراك يعتبرون البدو كلابا ؛ في حين أن البدو يعتبرون الاتراك كفارا غير مؤمنين. وجميع الاتراك الذين تسنى لي أن اتحدث معهم كانوا يضمرون خوفا وكرها خاصا حيال البدو ، وكانوا يحذرونني في كل حال انه يجب التخوف جدّا من هؤلاء البرابرة. وعندما رحلت الطوابير العثمانية المرابطة في مكة إلى اليمن ، قال الجنود بشماتة كبيرة أنهم يذهبون لضرب العرب.
كانت السلطات الادارية تتميز في أغلبية الأحوال بأعمال الابتزاز والاضطهاد ؛ أما أعمال العساكر ، فقد كانت على الدوام في منتهى الميوعة والتردد ، ولذا لا يكّن البدو حيالها ما يلزم من الخوف والاحترام. وبين حوادث السنة الجارية (1898) ، يمكن التنويه بالهجوم في شهر أيار (مايو) من قبل عدد غير كبير نسبيّا من البدو على قسم من

الرديف من 800 فرد كان في طريقه من المدينة المنورة إلى ينبع ، وبالهجوم في تموز (يوليو) على خفر قوى كان يرافق قافلة في الطريق بين مكة والطائف ، علما بأن ضابطين و 16 جنديّا لقوا مصرعهم. والأحداث من هذا النوع ، كما يقولون ، تحدث على الدوام ، ولا تثير دهشة أحد ، ولا تستتبع اية تحقيقات وعقوبات. ولكن ، في السنتين الأخيرتين ، كما يقول الجميع ، تفاقمت كثيرا أعمال النهب والسلب والاغتصاب من كل شاكلة وطراز ؛ ومرد ذلك ، كما يفسرون ، من جهة ، الوضع الاقتصادي الشاق الذي يعانيه الرحل من جراء إنعدام المطر ، ومن جهة أخرى ، عدم دفع السلطات المحلية لبعض من أشد القبائل إضطرابا وإزعاجا الإعانات المالية المتفق عليها. ولتأمين سلامة حركة القوافل في ربوع الحجاز لجأت الحكومة التركية من قبل إلى بسط الحماية المسلحة على الطرق الكبيرة في أخطر الإنحاء وإلى مرافقة القوافل بخفر قوى. ولكن منذ سنة 1864 لم يبق هذا الإجراء ساري المفعول إلا في طريق أشد إنتعاشا ، هو طريق مكة ـ جدّة ؛ وعلى العموم تم تطبيق نظام آخر عنيت به دفع إعانات مالية لبعض القبائل لكي تمرر القوافل بلا عائق في أراضيها.
في عهد بعض من الحكام الاتراك هدأ الحجاز نوعا ما وساده نظام نسبي ؛ وقد ترك عثمان باشا الذي حكم هذه الولاية من سنة 1881 إلى سنة 1887 ذكرى طيبة خاصة. فإن هذا الأداري المحترم قد ساق الماء إلى جدّة وبنى خطوط الاتصال البرقي بين هذا المرفأ ومكة ، وأشاع بعض النظام في شوارع مكة ، وحسّن الحالة الصحية في منى ، وما إلى ذلك. وفي عهده ، كما يروي سكان المدينة ، كان بوسع السكان أن يسافروا بجرأة بين مكة والمدينة المنورة على جملين أو ثلاثة دون أن يتجرأ أحد على مسهم. «كان البدوي على استعداد لذبح جمله الأخيرة في حال وصول عثمان باشا» ، «كان والدنا». هكذا يقول الرجل. ولكن هذا الرجل الذي كان يحترمه الجميع بالقدر نفسه والذي تميز بطبع صلب

وإستقامة رفيعة ، لم يتخذ أية تدابير قمعية لأجل بسط السكينة والهدوء بين البدو المشاغبين ؛ فقد كان يكتفي بأن يدفع لهم بدون أية مماطلة الإعانات المالية المتفق عليها ، وكان لا يتحيز لأي طرف ، وكان يلقي مسؤولية الأمن على شيوخ القبائل التي تشغل المنطقة المعنية.
إلا أن عثمان باشا الذي برهن أن البدو ليسوا شعبا رهيبا كما كان الاتراك يصورونهم دائما ، لم يستطع أن يتعايش مع شريف مكة ؛ وبعد دسائس عديدة ، اقيل من منصبه.
التقسيم الإداري
كان الحجاز في الأزمنة الأولى من احتلاله من قبل الاتراك تابعا لمصر على الصعيد الإداري ، وكان حاكمه المسمى بك جدّة ، يقيم في جدّة.
منذ سنة 1554 ، صار الحجاز تابعا لليمن ، وصار حاكمه يسمى البيلار ـ بك الحبشي وبك جدّة.
منذ سنة 1655 بدأ الوالي الحبشي يحكم الحجاز من سواكن.
في السنة التالية انتقل مقر حاكم الحجاز من جديد إلى جدّة ، وأخذ يتسمى حينا بوالي جدّة وحينا آخر ببك جدّة ، وفي الوقت نفسه بشيخ الحرم أي انه صار يشرف أيضا على المسجد الكبير في مكة حيث توجد الكعبة.
منذ سنة 1864 صارت مكة مركز الولاية الإداري الرئيسي ؛ وفي مكة يعيش حاكم هذا الإقليم ، وإلى الحجاز الذي هو أيضا شيخ الحرم (1).
وفي الوقت الحاضر ينقسم الحجاز على الصعيد الإداري إلى ثلاثة
__________________
(*) كتاب «الحجاز».

سناجق ـ سنجق مكة الذي يديره الوالي ؛ سنجق جدّة الذي يديره القائمقام ؛ سنجق المدينة الذي يديره العامل.
على رأس إدارة الولاية ، يوجد إلى جانب الوالي الذي يعينه السلطان العثماني ، الشريف الذي يخضع له جميع سكان الحجاز. في السنة الأولى من التاريخ الإسلامي ، عيّن النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم لأجل إدارة مكة شخصا مميزا بلقب «الأمير». وكان الأمراء يعيّنون أيضا في زمن الخلفاء الراشدين ؛ ومنذ القرن الخامس الهجري أخذوا يسمونهم بالشرفاء ؛ وهذه الوظيفة المتواجدة بلا انقطاع حتى الوقت الحاضر صارت إمتيازا وراثيا لقبيلة قريش. وللشريف مقر مكة. وعادة كان من النادر أن يتعايش الوالي والشريف بسلام ووئام نظرا لتشابك وتشوش وظائفهما وصلاحياتهما.
القوات المسلحة
تحتفظ الحكومة التركية لدعم سلطتها في الحجاز بالأعداد التالية من القوات المسلحة :
ـ في مكة المكرّمة
طابوران من الجنود النظامية (في الطابور 800 فرد)
3 طوابير من الضبطية الخيالة (الدرك)
1 طابور من الضبطية المشاة
ـ في المدينة المنورة
3 طوابير من الجنود النظامية
1 طابور من الضبطية الخيالة
1 طابور من الضبطية المشاة

ـ في الطائف
؟؟ طابور من الجنود النظامية
ـ في جدّة
؟؟ طابور من الجنود النظامية
ـ في رابغ
؟؟ طابور من الجنود النظامية
ـ في ينبع
؟؟ طابور من الجنود النظامية
وفضلا عن ذلك ، يرابط في النقاط المذكورة اعلاه فوج من مدفعية القلاع وفوج من المدفعية الجبلية. وفي منى رأيت بطارية ميدانية من أربعة مدافع. في البحر الأحمر توجد ست بواخر حربية (1).
القوات المسلحة المرابطة في الحجاز تدخل في قوام الفيلق السابع الذي تتواجد أركانه في اليمن (مدينة صنعاء).
إن مد الوحدات العسكرية المرابطة في الحجاز بالرجال يجري على الأغلب من الأناضول. ومدة الخدمة ، نظرا للظروف المناخية الخارقة المشقة ، سنة فقط ، رغم أن التسريح إلى الرديف (الاحتياطي) ، كما سمعت ، لا يجري في حينه ، ولذا يخدم كثيرون ثلاث سنوات.
سلك الضباط ، من الاتراك والأكراد على الأغلب ؛ ولم اتلاق إلا مع ضابط واحد من مواليد الجزيرة العربية. وبين الضباط من الرتب الدنيا ، عدد كبير جدّا من الشيوخ ترقوا من رتبة الجنود العاديين.
بندقية «مارتيني» تشكل سلاح الرجال. المدافع في البطاريات
__________________
(*) كتاب «الحجاز».

الجبلية نحاسية ، وتحشى من الخزنة ، وفي بطاريات الميدان ، فولاذية ؛ وفي القلاع مدافع قديمة من شتى الأنظمة والعيارات.
وقد أضيفت إلى تجهيز الرجال مناديل قطنية بيضاء سميكة ، مساحتها؟؟ أرشين (1) مربع يلفون بها رأس فوق الطربوش في القيظ.
طعام الجنود ، كما سمعت ، مرض ؛ وأقول بالمناسبة انه تظهر في بازارات مكة والمدينة المنورة أعداد كبيرة من أرغفة الجنود المخبوزة جيدا من طحين شبه أبيض ويشتريها الحجاج بطيبة خاطر. أثناء إقامتي ، وزعت القوات المسلحة كما يلي : في الرأس الأسود والبحرة ، حيث الطوابير ترابط موقتا حتى نهاية حركة الحجاج ، في خيام سيئة جدّا ؛ في مكة ، ترابط العساكر في ثكنات في قلعتين صغيرتين ؛ في رابغ ترابط في منشآت ضمن القلعة ؛ وفي المدينة المنورة ، ترابط في ثكنات حسنة المنظر ولكنها قذرة جدّا في الداخل كما رووا لي ؛ وأخيرا ، في ينبع ، تعيش في الخيام.
نسبة الأمراض ونسبة الوفيات بين الجنود ، كما يقول الجميع ، كبيرتان جدّا ؛ فإن المناخ غير المألوف يمارس تأثير فتاكا. ورأيت في مكة والمدينة المنورة وجدّة (في خارج المدينة) مستشفيات عسكرية لعلاج المرضى.
وقد سمعت من السكان المحليين شكاوى من السرقات الصغيرة التي يقترفها الجنود من الدكاكين ومن المحال التجارية الأخرى. وقد فسّر السكان ذلك قائلين : «لا يعطونهم ما ينبغي ولذا يسرقون».
والجنود لا يتحلون أبدا بهيئة عسكرية جيدة ، الأمر الذي يفسره ضباطهم الذين تسنى لي أن اتحدث معهم بقصر مدة الخدمة وبالمناخ الحار الذي لا يتيح تدربيهم كفاية.
__________________
(* *) الارشين ـ 71 سنتمترا. المترجم.

في الطريق من الرأس الأسود إلى مكة ، عرّجت على أحد المخافر الواقعة على هذه الطريق والحديثة البناء. يشغل المخفر برجا مستديرا واحدا فقط قطره وعلوه زهاء 8 ارشينات. المدخل يسده باب خشبي سميك ؛ في الجدران مزاغل ضيقة أي نوافذ يمكن استعمالها بشكل مريح ومناسب ، بالوقوف على الواح خشبية للنوم مبسوطة بمحاذاة الجدران. وداخل البرج يوجد مخرج إلى سطح منبسط ينتصب عليه جدار ارتفاعه نحو أرشينين ـ وله ثغرات لأجل إطلاق النار. وعلى السطح منصة وسقيفة لأجل الحارس.
هذا الإنشاء لأجل المخفر بدا لي عقلانيا جدّا نظرا للظروف المحلية.
كان في المخفر 8 جنود (عادة 10 ـ 12) بإمرة ضابط صف (جاويش). وتبين من حديث هذا الجاويش الذي يخدم هنا للسنة الثالثة أن نهب المارة يجري على الدوام ، وأحيانا حتى على مرأى من المخفر. ونظرا لقلة الرجال ليس دائما يستطيع المخفر أن يهب إلى النجدة. وأحيانا تجري عمليات الهجوم والنهب بدرجة من السرعة بحيث انه قبل أن يفلح رجال المخفر في تقديم المساعدة يكون الأشقياء قد تواروا في الجبال ؛ وليس للمخفر أية وسائل للملاحقة.
ميزانية الحجاز
من الواضح أن الحجاز من افقر الولايات العثمانية ، وإنه لا يتسم بجانب من الأهيمة إلّا لأن المدينتين المقدستين بنظر المسلمين ـ مكة المكرّمة والمدينة المنورة ـ تقعان فيه.
في الطبعة الأخيرة لحولية «الحجاز» لعام 1306 ه‍ ، تبلغ الواردات لسنة 1304 ه‍ في الولاية 815 ، 55 ، 1 قرشا ، منها :


رسم الإنتاج 250200 قرش رسم الوزن 30000 قرش من استثمارات صيد السمك 56000 قرش رسم الدخول 986629 قرش الزكاة 139045 قرش رسم النقل 39500 قرش رسم المرافئ 36300 قرش واردات مختلفة 22131 قرش النفقات في السنة ذاتها :
الشؤون الداخلية 5717422 قرشا المالية 4339751 قرشا العدلية 13916 قرشا التعليم العام 52768 قرشا التدابير الصحية 76700 قرشا البريد والبرق 21640 قرشا القوات المسلحة 6963450 قرشا الدرك 5557477 قرشا البواخر الحربية 765208 قرشا الحاصل 23508332 قرشا

الفصل الثاني
حركة الحج في الحجاز
خصائص ظروف المواصلات
نظرا لمخاطر الطرق في الحجاز ، تجري المواصلات هنا في ظروف خاصة. الطريق بين مكة وجدّة هي الطريق الوحيدة التي من الممكن عبورها في أي وقت من السنة وجماعات غيرة كبيرة ، وإن يكن ببعض الخطر ، ومرد ذلك إلى حمايتها ؛ أما الطرق الأخرى ، فإن حركة السير عليها لا تجري إلا بجماعات كبيرة وفي وقت معين من السنة وبتدابير احتراس خاصة.
القافلة والركب
لأجل النقل يستعملون في المعتاد بعيرا ـ أما بعيرا للنقل (جملا) ، وفي هذه الحالة يشدون إلى ظهره سلتين (قفتين) لهما ، لأجل التظليل ، ضرب من خصين ، ويسميان بالرحل ، وأما بعيرا خفيفا (هجينا) يشدون على ظهره سرجا فقط. وعدا الرحال يوجد أيضا ما يسمى «التختروان» ـ أي اكشاك معلقة بين عريشين طويلين. وتختروان يتطلب جملين للنقل غالبا ما يستبدلونهما نظرا لثقل هذه المنشأة الكبير ، ولذا يكلف النقل عليهما غالبا جدّا ، الأمر الذي لا يستطيعه سوى كبار الأغنياء.

ومن الجمال يؤلفون قوافل كبيرة نوعا ما بقيادة «المقوّمين» (قافلة باشي) ؛ أما الهجائن ، فيشكلون منها ركبا يقوده على طول الطريق كله شيخ ينتخبه المسافرون أنفسهم عند الإنطلاق.
ونظرا لمخاطر الطريق ، تسير القوافل عادة في النهار ، وتنطلق في الصباح الباكر وتتوقف تبعا لطول المرحلة. وتشكل جمال كل مقوّم مجموعة منفردة تصطف وفقا لعرض الطريق ، في ثلاثة أو أربعة خطوط متوازية. وتسير المجموعات بحيث لا تكون بعيدة بعضها عن بعض. والمقوّم نفسه يمضي عادة على ظهر هجين ؛ أما سواقو الجمال ، فإنهم يمضون دائما سيرا على الأقدام مهما كان الطريق طويلا ، لأن الرحال (الشقادف) التي تشغل مكانا كبيرا من حيث العرض غالبا ما تتصادم ، فلا يندر أن يتعرض الجالسون فيها لانقلابات غير مستطابة أبدا. وفي أوقات القيظ من السنة ينطلق الركب بحكم الضرورة ليلا ولك في الساعة الواحدة أو الثانية ، ويتوقف حوالي الساعة السابعة ، ثم ينهض حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر ويسير حتى الساعة 8 أو 9 مساء.
وكما في القوافل ، كذلك في الاركب لا يطلقون الجمال للرعي أثناء الوقفة ، بل يقعدونها في الحال ويقدمون لها العلف ، وذلك حوالي 15 رطلا فقط في اليوم الواحد لكل جمل موزعة على 3 مرات ؛ ويسقونها حسب الامكان مرتين في اليوم.
السير على الهجائن يجري بسرعة نسبية ـ 50 ـ 80 فرستا في اليوم ، ولكن السفر عليها متعب للغاية ، ولا يجري إلا بين مكة والمدينة المنورة ، ومن المدينة المنورة بإتجاه بغداد والبصرة ؛ أما سفر القوافل ، وإن يكن بطيئا جدّا ـ 3 ـ 2 / 1 3 فرستا في الساعة ، ناهيك بأن قطع المرحلة يدوم أحيانا 20 ـ 25 ساعة ، فهو على العكس أسهل إذ أن الشقادف تعتبر مكيفات مريحة نسبيّا يمكن أن تتوفر فيها الحماية من الشمس أو أن يتمدد فيها المرء تماما.

عادة تجري حركة القوافل والركب في غضون 4 ـ 5 أشهر من الحج وفي شهر رجب حين يقوم سكان مكة بالحج إلى المدينة المنورة ؛ أما في الوقت الباقي ، فيتوقف كل اتصال.
حين تنطلق قافلة من مكة أو من المدينة المنورة أو من ينبع ، فإن السلطات التركية تأخذ أحيانا من المقوّمين رهائن خاصة تبقى قد الاعتقال إلى أن يأتي نبأ عن وصول القافلة إلى مقصدها ، ثم يطلقون سراحهم بصرف النظر عما إذا كانت قد حدثت في الطريق حوادث نهب وسلب فريدة أم لا.
البدو وعمليات النهب والإعتداء
خطر السفر يتلخص أمّا في عمليات النهب الصغيرة التي يقوم بها البدو ، وأمّا في إعتدائهم السافر على القوافل ، وأما في المقاومة المسلحة التي تبديها بعض القبائل لمرور القافلة في أراضيها.
في الطريق بين مكة وجدّة ، حيث الحركة دائمة ، تشكلت من شتى الأوباش عصابات كاملة من قطاع الطرق تنهب وتسلب على الدوام رغم وجود المخافر ، أمّا في الطرق بين مكة والمدينة المنورة وينبع ، فإن هذا الشر يتطور أثناء حركة الحجاج ؛ فإن قبائل برمتها تتعاطى السلب والنهب ، دون أن تعتبر البتة ذلك جريمة ، وتبيع علنا وبكل حرية ما تحصل عليه من الأشياء بهذه الطريقة ، وأثناء إحدى الوقفات في الطريق بين مكة والمدينة المنورة ، ظهر بدوي من بطن لحابة وأخذ يتنقل على الركب كله عارضا بيع سلاح وحزام والبسة حج وغير ذلك ، وبدلة حاج قتله قبل ذاك ، الأمر الذي اعترف به بنفسه على المكشوف. ورفم السعر التافه الذي طلبه ، لم يعمد أحد من الركب إلى شراء المعروص. لقد أصبح نهب الحجاج حرفة مفيدة ؛ وكما كان التكنيون (1) يقولون في
__________________
(*) إحدى القبائل التركمانية الكبيرة. الناشر.

الأزمنة الغابرة لدائنيهم : ـ «أنتظر قليلا ، سأذهب إلى بلاد الفرس لأجل نهب المال وأدفع ديني» ، كذلك البدو يطمئنون دائنيهم قائلين : «أصبر حتى وصول الحجاج ، انهب أحدا منهم وادفع ديني».
إن البدو الذين يتعاطون النهب والسلب يتتبعون القافلة كما تتتبع الذئاب الجائعة القطيع ، متخفين نهارا في مكان ما في الجوار ، ملاحظين المسافرين المتخلفين ، وخارجين إلى القيام بعملهم عند هبوط الليل. وحين تتوقف القافلة في الظلام لأجل الراحة ، ويحدث في هذه الحال الهرج والمرج العادي ، يتسنى لهؤلاء الضواري أن يختلطوا مع أهل القافلة ويقطعوا الزنانير التي تحفظ فيها النقود عادة ، صاعقين مسبقا بضعة أشخاص بضربات على القفا بالهراوة ، الأمر الذي غالبا جدّا ما يسفر عن الموت. وعند ما تكون القافلة قد وقفت وهدأ الهرج والمرج ، واضيئت المحلة بالمشاعل ، يترصد هؤلاء الأشرار المسافرين الذين يتنحون لقضاء حاجتهم ويبتعدون بدون احتراس ، ونادرا ما يعودون. وفيما بعد ، حين تغفو القافلة ، يعمد هؤلاء البدو إلى السرقة ، متسللين خفية ، ويسلبون كل ما تقع عليه ايديهم. وهناك كثيرون يعتقدون ، وليس دون مبرر ، أن مقترفي أعمال النهب والسلب هم سواقو جمال القافلة بالذات الذين ، كما يقال ، يعرفون جيدا جدّا الأشرار ، ويعطونهم التعليمات بصدد من ينهبون وكيف ، وما إلى ذلك ؛ ولهذا يحاول المسافرون بجميع الوسائل أن يستميلوا سواقي الجمال في قافلتهم ، بإعطائهم يوميا البخشيش ، وبقايا الطعام ، وما شاكل.
والأتراك هم ، لسبب ما ، أكثر من يعانون من عمليات السلب والنهب هذه ؛ وفي هذه السنة ، بلغ عدد القتلى من الحجاج ، أثناء سير قافلة من الحجاج من المدينة المنورة إلى مكة المكرّمة زهاء 50 شخصا ، وبلغ في طريق العودة 10 أشخاص ، والقتلى جميعهم تقريبا من الأتراك. ومرد ذلك ، كما يفسرون ، إلى أن الأتراك المسلحين دائما يتنحون بلا

احتراس عن القافلة آملين في سلاحهم ، ويرفضون التكرم بالبخشيش على سواقي الجمال في قافلتهم ، ويحملون ، لما فيه إغراء البدو ، زنانير ضخمة جدّا ؛ ولكن كره العرب العام للأتراك يلعب هو أيضا ، أغلب الظن ، دورا معينا في هذا المجال.
في هذه السنة ، لم يتضرر سوى مسلم واحد من رعايا روسيا ؛ ففي الليل ضربوه بحجر أثناء الوقفة في جوار رابغ. ولكنه أصيب بخدش بسيط فقط ؛ وفي الليل نفسه سرقوا منه كيسا كان فيه كل ما يملكه. وقد عرفت بهذه الحادثة في الطريق من المدينة المنورة إلى ينبع ؛ صحيح أن المتضرر تقدم من القائمقام بشكوى عند وصوله إلى ينبع ، ولكن الشكوى لم تلق قبولا لأنها لم ترد في الوقت المناسب. وهذا الحاج أكمل الطريق الباقي بأموال مواطنيه. وعمليات نهب المسلمين من رعايا روسيا نادرة جدّا على العموم ، وذلك جزئيّا بفضل المقوّم العجوز محيسن الذي يقوم منذ أكثر من 40 سنة بنقل الحجاج الروس ويعرف كيف يردع بدويّيه ؛ ولربما أيضا بفضل سحر الأسم الروسي.
وهناك أمثلة على الإعتداءات السافرة على القوافل. وهذا ما يحدث عند ما يمرّ المقوّم عبر منطقة القبيلة المعادية له. وفي مثل هذه الأحوال تتلخص مهمة المقوّم ، أما في عقد الصلح أو في شق طريق له بالسلاح عبر الأرض المعادية. وفي شهر نيسان (ابريل) من السنة الجارية وقع في جوار رابغ إعتداء من هذا النوع على قافلة محيسن المذكور أعلاه ؛ وقد تسنى لرجاله المتفوقين عددا صد الاعتداء. ولم يسمع الحجاج غير صفير الرصاص ؛ وكان نصيبهم الخوف وحسب. وفي سنة 1895 ، وقع إعتداء مماثل ؛ ولكن بعد تبادل اطلاق النار زمنا طويلا ، تجمع المتعادون في حلقة وعقدوا الصلح.
وهناك ظاهرة أخطر ، هي حجز جميع القوافل بسبب عدم دفع الإعانة المالية التي وعدت بها الحكومة التركية لبعض القبائل المشاغبة

التي تشغل الطريق بين المدينة المنورة وينبع. إن البدو ، كما سبق أن أشرنا ، يعتبرون أنفسهم الأسياد الحقيقيين لمناطقهم ، ويعتقدون على هذا الأساس انه يحق لهم أن يجيزوا أو يمنعوا أن تمر في أراضيهم القوافل التي للسلطات مصلحة بهذا النحو أو ذاك في سلامتها. وفي هذه الحوال يرسلون لأجل التفاوض وسطاء من ممثلي القبائل المجاورة المحترمين ، ولكن ليس دائما يبلغ هؤلاء الهدف المنشود. وفي سنة 1897 ، أبقى بنو حرب الطريق بين ينبع والمدينة المنورة مغلقة طوال ثمانية أشهر ، فارتفعت أسعار جميع سلع الضرورة الأولية ـ الشاي ، السكر ، الطحين ، الكاز ، وخلافها ـ بضع مرات في المدينة المنورة.
ويعتبر العرب أنفسهم أن الشريف الحالي ووالي الحجاز الحالي مسؤولان عن الإساءات المذكورة أعلاه ، إذ انهما لا يعطيان البدو ما يحصلان عليه لأجلهم ولا يتخذان إجراءات أخرى أشد فعالية لوضع حد لنزواتهم.
المحملان السوري والمصري
نظرا لمخاطر الطريق ، يلجأون من سحيق الزمان إلى إرسال قوافل الحجاج كل سنة إلى مكة والمدينة المنورة لمناسبة زمن الحج ، بحيث تكون قوافل كبيرة جدّا ، ويحميها خفر قوي ، ويسير على رأسها محمل. وباسم المحمل كان يسمى من قبل البعير الذي كانت اسرة النبي (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) تقوم عليه بفريضة الحج من المدينة المنورة إلى مكة المكرّمة ؛ وفيما بعد ، أخذوا يطلقون هذا الأسم على خيام مزينة ببالغ الغنى محمولة باحتفال خاص على جمال معدة خصيصا لها.
أحد المحامل ـ المحمل السوري ـ ينطلق من دمشق ، حيث يتجمع قبيل إنطلاقه عدد كبير من الحجاج ، سواء من سوريا ذاتها أم من الأناضول وبلاد فارس المجاورتين. وتخصص لحماية القافلة فصيلة

خاصة تألفت في سنة 1898 من 550 شخصا من الخيالة بينهم 150 شخصا على الهجائن و 200 من الضبطية الخيالة ، بصحبة مدفعين جبليين ، وبرئاسة باشا خاص يعهد إليه بأن ينقل إلى مكة المكرّمة والمدينة المنورة ، عدا مختلف الأشياء لأجل الحرمين في هاتين المدينتين ، مبالغ مالية لكل نفقة الولاية السنوية. وعادة يقطع المحمل السوري الطريق إلى المدينة المنورة في غضون 27 ـ 30 يوما ، ومن المدينة إلى مكة في غضون 12 يوما ، وبعد إنتهاء المراسم ، يعود في الحال إلى دمشق بالطريق ذاته.
المحمل الآخر ـ المصري ـ ينطلق من القاهرة. قبل أن يحتل الإنجليز القطر المصري ، كان المحمل ينطلق في طريق البر عبر السويس والعقبة والوجه وينبع واربغ إلى مكة ويعود بالطريق ذاته ، معرجا على المدينة المنورة. أن الآن فينقلون المحمل المصري من السويس إلى جدّة بالباخرة ، ويعيدونه عبر المدينة المنورة إلى الوجه حيث تنتظره باخرة خاصة. ومع المحمل المصري ينقلون «الكسوة» المهيئة كل سنة في القاهرة ، وهي غطاء حريري أسود لأجل الكعبة. وفي سنة 1898 وصل المحمل المصري إلى جدّة ودون أية حماية لأن الإنجليز ، كما شاع ، لم يوافقوا على إعطاء العساكر ؛ ولذا خفرته فصيلة تركية في ربوع الحجاز.
في القرن العاشر الهجري كان ينطلق محمل آخر من مدينة حيس (1) في اليمن ، ولكنه توقف فيما بعد. قبل تطور الملاحة بالبواخر وشق قناة السويس كانت المحامل تتسم بأهمية هائلة بالنسبة للحج. فآنذاك كانت
__________________
(1) هنا ، وفي جميع المنشورات الأخرى الواردة في هذا الكتاب ، لا نعلق من وجهة نظر العلم الحديث على هذه أو تلك من آراء المؤلفين التاريخية. وهي بمجملها تعكس مستو الاطلاع على القضايا المتعلقة بتاريخ الإسلام والعالم العربي في روسيا وفي كثير من الأحوال في أوروبا إجمالا ، المر الذي يتسم بجد ذاته بجانب من الأهمية والفائدة.

دمشق والقاهرة تشكلان نقطتي التجمع الرئيسيتين بالنسبة لجميع الذاهبين إلى الحجاز من الشمال ومن الغرب ؛ ولكن إذا كان المحمل قد احتفظ في الوقت الحاضر ببعض الأهمية ، فهو المحمل السوري فقط؟
سبل الحجاج في الحجاز
إن السبل في الحجاز هي بوجه الحصر دروب لمطايا الحمل ؛ أما الحركة على العجلات ، حتى ولو توفرت المركبات ، فيحول دونها الرمل الواعس في بعض الإنحاء وأحيانا انهيالات الحجارة. والسبيل الوحيد الممكن لأجل حركة العجلات هو السبيل بين جدّة ومكة ومنها حتى عرفات ؛ وفي هذا الاتجاه ينطلق الشريف والوالي اللذان يملكان وحدهما المركبات في الحجاز ويسافران بالعربات المكشوفة.
تربة جميع الطرق رمل خشن جدّا ، مكثف في المعتاد ، ونادرا ما يكون وعسا جدّا. والطرق في كل مكان ، بجوار الجبال ، تتناثر فيها أحجار متفاوتة الكبر ؛ أما الضيقة والمعبر ، فتعترضها كسور من الصخور تصعّب الحركة كثيرا.
وعلى الأغلب يستعملون في الطريق ماء الآبار ؛ والآبار تختلف كثيرا من حيث العمق ـ 5 ساجينات إلى 15 ساجينا ؛ وهي اسطوانية الشكل ، وقطرها كبير 2 / 1 2 ـ 3 أرشينات ، وجميعها ملبسة جيدا بالحجارة ومزودة في غالب الأحيان بمزاريب من المادة نفسها لأجل السقاية. ويستقون الماء بقرب جلدية كبيرة يعلقونها بالحبال ، علما بأن عرض الآبار يتيح لبضعة أشخاص العمل في آن واحد. ونادرا ما تقع العين على ادوات من نوع البكرات الخشبية.
وبحكم العادة عند البدو ، يستطيع جميع المارة أن يستقوا الماء من الآبار بلا عائق ومجانا ؛ أما الماء من الصهاريج ، فلا يمكن الحصول عليه إلا بالشراء ، بدفع الثمن.

وقد تسنى لي شخصيا أن اسافر من الرأس الأسود (وتقع على ساحل البحر جنوبي جدّة على بعد زهاء 20 فرستا) إلى مكة ومنها إلى عرفات ثم من مكة في طريق غاير إلى المدينة ومنها إلى ينبع. أما الطرق الأخرى ، فكنت استفيد بصددها من المواصفات التي وضعها محمد صادق باشا الذي قاد مرارا المحمل المصري والذي عبر جميع الطرق الرئيسية في الحجاز.
الطريق من جدّة إلى مكة ومنها إلى عرفات
الطريق بين جدّة ومكة هو أكثر السبل انتعاشا وانسبها في الحجاز ؛ طوله زهاء 70 فرستا ؛ وتحرسه علة كل امتداده مخافر يضم كل منها 10 ـ 12 رجلا ، ويبعد الواحد منها عن الآخر 5 فرستات تقريبا. وفي النقاط التي يتوفر فيها الماء ، توجد سقائف من القصب ، وهي ضرب من خانات قهوة أي مقاه يمكن الحصول فيها على القهوة والشاي. وعلى طول الطريق حتى حدة غير مستطاب في كل مكان. وبمحاذاة الطريق ينطلق الخط التلغرافي الواصل حتى مكة على أعمدة جيدة من الحديد الصب ، ومنها عبر عرفات إلى مدينة الطائف على أعمدة خشبية.
من جدّة إلى البحرة ، تتجه الطريق شرقا ، وتتصاعد بصورة غير ملحوظة ، وتعبر قاعا منبسطا لواد عريض محاط بجبال غير عالية ، مغطاة هنا وهناك باجمات من الشعب القاسي والشجيرات الشائكة «الشوك» ؛ والتربة صلبة في كل مكان. وعلى بعد 6 فرستات تقريبا عن نقطة الانطلاق ، تقع أول قهوة في الرأس القائم ، وتقع «القهوة» التالية في رغامه ، على بعد 4 فرستات تقريبا ، ثم ، على البعد ذاته ، قهوة جراده ، ثم على بعدين متساوين ، زهاء 2 / 1 2 فرستا ، قهوة فرقاد وقهوة عوض ؛ وعلى بعد 6 فرستات تقريبا من عوض يدخل الطريق وادي فاطمة العريض وينعطف إلى الشمال الشرقي ، متواجدا دائما في وسط الوادي المذكور.



وعلى بعد 15 فرستا من عوض تقع بلدة البحرة العربية ، في وسط الطريق إلى مكة تقريبا ؛ وفيها مقر الطابور الذي يحرس الطريق. ويحتفظ الطريق بالاتجاه الشمالي الشرقي ، في وادي فاطمة ويصل على بعد 7 فرستات عن البحرة إلى حدّة ، ـ وهذه أول بلدة فيها بساتين. صحيح أن الماء عذب نسبيّا ، ولكنه يعج بحشرات ما. وعلى بعد 2 فرستا تقريبا عن هذه النقطة الأخيرة ، يمضي الطريق في الرمال ثم ينعطف من الوادي صوب الشرق ، ويحتفظ عموما بهذا الاتجاه حتى مكة بالذات ، ويتلوى بين الجبال ، متحاشيا المرتفعات والمنحدرات ؛ وبدءا من حدّة ، تتزايد الجبال علوا بصورة تدريجية ، وتتزايد الفجاج ضيقا ، ويصبح الماء أعذب. وعلى بعد 4 فرستات تقريبا عن جدّة ، تقع سالم ، ثم على بعد 9 فرستات ، تقع شميسي ؛ وبين هاتين النقطتين توجد علامة بصورة أعمدة مركبة من الحجارة تشير إلى حدود الحرم. ثم تأتي مقتله على بعد 4 فرستات ، ثم علة بعد 3 فرستات تأتي بستان ، وعنها تبعد مكة زهاء 5 فرستات ؛ في المرحلة الأخيرة يتميز قاع الفجاج ، الذي تمر به الطريق بتعرجات كبيرة لا يمهدها الماء ؛ ومرد ذلك إلى أن التربة صخور بصخور. وفي مثل هذه الأماكن ، نحت الناس في قديم الزمان على كل عرض المضيق درجات عريضة تصعّب التحرك على العجلات ولا تسهل التحرك على مطايا الحمل أيضا ؛ وعلى مثل هذه الدرجات تقع العين في كثير من الطرق في ضواحي مكة والمدينة المنورة.
المسافة بين جدّة ومكة تقطعها القوافل عادة في غضون يومين ، مع وقفة لمبيت الليل في البحرة أو في حدّة ؛ أما المسافرون على ظهور الحمير فإنه يتسنى لهم قطع المسافة في يوم واحد.
وبعد مكة ، تنطلق الطريق ، مع احتفاظها بالاتجاه السابق ، ولكن مع تميزها بارتفاع أكبر ، في قاع فج عميق وضيق ، هو وأدي المنى ؛ الجبال المحيطة ، التي تبلغ علوّا كبيرا ، تخلو من اية نباتات ، وتتألف

حصرا من كتل صخرية. وعلى بعد زهاء 7 فرستات من مكة ، يضيق الفج كثيرا (حتى 20 ـ 30 ساجينا) ، ثم يبدأ يتسع من جديد تدريجيا بشكل قنينة ؛ وفي هذا الموقع المحصور بين جبال عالية ، تقع بلدة منى المؤلفة من زهاء 200 بيت غير كبير ، لا يسكنها الناس إلا في غضون 3 أيام من السنة ، أثناء الحج.
ومن منى يتسع الفج ، ويقل ارتفاع الجبال ؛ ويستمر طابع المحلة هذا زهاء 6 فرستات حتى المزدلفة التي لا تتميز إلا بمسجد وحيد لا شأن له إلا في زمن الحج. وعلى بعد زهاء فرستا اثنين من النقطة الأخيرة ، يضيق الفج من جديد حتى 40 ـ 50 ساجينا ، وتمتد الطريق زهاء ثلاثة فرستات بين جدارين جبليين متوازيين وتخرج على وهدة رملية شاسعة ينتصب على طرفها الشمالي الشرقي جبل عرفات. والتربة على امتداد الطريق كله رميلة ، وتغدو واعسة بدءا من منى. ويستعملون الماء من مجرور مكة الذي يمتد في هذا الفج.
إن طريق الحج تنتهي فعلا عند عرفات ولكن الدرب الذي لا يجيز غير تحرك الحمير يستمر إلى أبعد ، حتى مدينة الطائف ، عابرا جبل القرى في محلة على علو 5820 قدما. وهذا الدرب هو في الصيف اقصر السبل وأكثرها إنتعاشا بين مكة والطائف.
السبل بين مكة والمدينة المنورة
بين مكة المكرّمة والمدينة المنورة توجد أربع طرق ، أحداها تتلوى حول جبال الحجاز من الشرق ، والأخرى من الغرب. واختيار هذه الطريق أو تلك عند الإنطلاق من مكة يجري عادة بإشارة من الشريف الذي يعرف العلاقات بين مختلف القبائل كما يعرف على العموم وضع الأمور بين البدو. وهناك طريق خامسة هي السبيل البحري ولكن نظرا

للمصاعب المذكورة أعلاه في المواصلات بين ينبع والمدينة ، لا يستفاد في السنوات الأخيرة من هذا الاتجاه مع انه أسهل.
فيما يلي أسوق أسماء النقاط التي تجد فيها القوافل المواقف في المعتاد ؛ ولكن لا بد من الإشارة إلى أن البدو الذين يملكون ما يكفي من القرب لأجل الماء ليس دائما يمضون في هذه المسيرة ، غالبا جدّا ما يأخذون احتياطيا من الماء ويتوقفون أيضا ، حسب الظروف ، في أماكن خالية تماما من الماء.
إن الطريق السلطاني هو بين الطرق الثلاثة انسبها وأسهلها.
جميع القوافل والركب التي تنطلق إلى المدينة المنورة تجتمع قرب جامع عمر الواقع على نحو خمسة فرستات إلى الشمال الغربي من مكة المكرّمة.
المرحلة الأولى حتى وادي فاطمة ؛ حوالي 25 فرستا من مكة. يتجه الطريق إلى الشمال الغربي بين كثبان الرمال التي تتخللها مرتفعات ومنحدرات طفيفة ، ويدخل قبل النقطة النهائية بزهاء فرستا اثنين إلى مضيق وادي فاطمة الواسع الذي يتواجد قرب طرفه الغربي نبع كبير ذو ماء عذب وبساتين بالأسم نفسه تتوقف القوافل قربها.
المرحلة الثانية ، حوالي 50 فرستا ، حتى آبار وبلدة اسفان وبئر الطفلة. التربة في هذه المرحلة رمل وعس في كثير من الأحيان ؛ والجبال الصخرية العالية التي تحيط بالطريق غالبا ما تفترق وتشكل سهولا رميلة عريضة. وهناك كثرة من الأشجار ، وأعشاب قاسية ، والسنا المكي. وقبل اسفان توجد مزروعات شاسعة من الذرة الصفراء والقرعيات. الماء في الآبار ممتاز ، ووفير. وفي القرية يمكن شراء البيض والحليب والخبز. وهناك أكواخ بناها السكان من الأغصان والعشب الجاف يؤجرونها من عابري السبيل لقاء مبلغ معين.

المرحلة الثالثة ، حوالي 35 فرستا ، حتى نبع خليص. الطريق في الفرستات الأربعة الأولى صعبة جدّا ، وتمر في شق ضيق جدّا تسده الحجارة مع تربة رملية وعسة. على السفوح المجاورة تظهر ساحات كبيرة من قطاعات مطهرة من الحجارة ومعدة لأجل الزرع والسقاية بماء السماء. ثم يتجه الطريق بين مجموعات متفرقة من الجبال. التربة في كل مكان رملية جدّا ؛ النباتات كثيرة. في خليص مزارع من النخيل والقرعيات.
المرحلة الرابعة ، حوالي 35 فرستا ، حتى بئر وبلدة قضيمة. الطريق من خليص تنحرف أبعد من الشمال ، وتتجه في الفرستات ال 10 الأولى في رمال وعسة. الجبال أقل ارتفاعا وأكثر تفرقا. ثم يخرج الدرب إلى شريط ساحلي مسطح ، متساو (تهامة) ، ويتجه بموازاة ساحل البحر ، بعيدا عنه زهاء 6 ـ 7 فرستات. التربة في تهامة مناسبة جدّا في كل مكان لأجل الحركة ـ رمل بحري مرصوص دون نتوءات ووهاد واوقاط وما إلى ذلك. غالبا ما تقع العين على شجيرات العشّر والأعشاب. قبل الوصول إلى البلدة ، تنبسط مزارع القرعيات على جانبي الطريق. الماء في الآبار مالح نوعا ما. وفي البلدة ، كما في اسفان توجد أكواخ لأجل عابري السبيل.
المرحلة الخامسة ، حوالي 60 فرستا ، حتى بلدة رابغ. تنطلق الطريق دائما على ساحل البحر ؛ وهي مستوية تماما ومناسبة جدّا لأجل الحركة. رابغ بلدة غير كبيرة تقع على بعد نحة فرستا اثنين من ساحل البحر. نظرا لموقعها في عقدة طريق بين مكة والمدينة المنورة ، ونظرا لوجود أكثر البدو ميلا للشغب والتمرد بين الرحل ، وأكثرهم تعديا وسلبا لقوافل الحجاج ، تعلق السلطات التركية عليها أهمية خاصة وتحتفظ هنا على الدوام بنصف طابور من القوات المسلحة المرابطة في قلعة خاصة. وفي هذه البلدة 369 نسمة و 116 بيتا مبنية من الطوب الأخضر. أثناء

تحرك قوافل الحجاج يفتحون هنا زهاء 60 دكانة تتاجر على الأغلب بالمؤونة. وفي البلدة سبع آبار ذات ماء مالح نوعا ما ؛ ولذا يستقون الماء عادة من الصهاريج المقامة خارج البلدة. القوافل التي تعبر رابغ تتوقف عادة في خارجها. من الجانب الشمالي والغربي تقع بلصق البلدة مزارع شاسعة من النخيل.
المرحلة السادسة ، حوالي 25 فرستا. حتى بئر مستوره. تنطلق الطريق باستمرار على شاطئ البحر ؛ وهي ملائمة جدّا لأجل الحركة. بين آبار مستوره بئر واحدة فقط يصلح ماؤها للشرب.
المرحلة السابعة ، حوالي 40 فرستا. حتى آبار بير الشيخ. تستمر الطريق على شاطئ البحر ، وتنعطف إلى الشمال قبل الوصول إلى الآبار المذكورة ، وتدخل الجبال. ماء الآبار عذب.
المرحلة الثامنة ، حوالي 45 فرستا. حتى بلدة الصفراء. تنعطف الطريق صوب الشمال الشرق وتستمر صعودا في مضيق وادي الصفراء. في هذه البلدة زهاء 500 نسمة ؛ وبفضل الينابيع توجد بساتين ومزارع ، وعلى الأغلب من النخيل ومن أشجار الليمون والحناء والفلسنك.
المرحلة التاسعة ، حتى آبار بير العباس ؛ حوالي 40 فرستا. تنطلق الطريق في الفج نفسه الذي يزداد ضيقا بعد الصفراء. على بعد زهاء 10 فرستات من نقطة البداية تقع بلدة شبيهة ببلدة الصفراء ؛ اسمها الحمراء وهي بلدة ذات بساتين وماء عذب. على البعد نفسه عن النقطة الأخيرة ، بلدة الجديدة ـ وهي عبارة عن مجموعة من البيوت من الطوب الأخضر ، ولها نبع ذو ماء غير لذيذ وغير صحي ، وبضع مزارع من النخيل. قرب هذه النقطة ، يضيق الفج كثيرا ، حتى 7 ساجينات في بعض الأماكن ، مع صخور عالية رأسية تقريبا ؛ واحد هذه الافاجيج يقع أدنى من البلدة بقليل ويسمى «بوغاز الجديدة» ، ويحظى بسمعة سيئة جدّا من جراء قيام رجال قبيلة بني حرب باعتراض طريق القوافل العابرة هنا.

والبلدات الثلاث المذكورة آنفا تسترعي الإنتباه بواقع انه يوجد بين أصحاب البساتين عدد كبير من الزنوج ، العبيد السابقين. وقرب بير العباس تشكل الجبال سهلا عريضا توجد في وسطه البئر ؛ وقرب البئر تنتصب قلعة مهملة كانت ترابط فيها فيما مضى حامية تركية لأجل حماية القوافل العابرة. وتوجد قلاع مماثلة في النقاط السابقة ـ الحمراء ـ الجديدة ، الصفراء. الماء في البئر جيد.
المرحلة العاشرة ، حوالي 40 فرستا ، حتى آبار الشهداء. على بعد نحو فرستا واحد من بير العباس تدخل الطريق من جديد في مضيق ، هو هنا أقل عمقا ، واعرض ؛ ثم تتصاعد بشكل ملحوظ وتمر قرب آبار بير الراحة العذبة الماء الواقعة تقريبا في منتصف هذه المرحلة ، وتصل إلى آبار الشهداء.
المرحلة الحادية عشرة ، حوالي 15 فرستا ، حتى آبار بير الشربوفي. تحتفظ المحلة بالطابع نفسه. الماء في الآبار عذب.
المرحلة الثانية عشرة ، حتى المدينة المنورة ؛ حوالي 50 فرستا. منذ منتصف الطريق يتوارى المضيق ، وتتلوى الطريق بين جبال غير عالية. قبل المدينة بنحو 10 فرستات ، تدخل الطريق من جديد في مضيق واسع تظهر لمحاذاته آبار في جوارها بساتين. ومجموعة من هذه الآبار تقع على بعد نحو 5 فرستات من المدينة المنورة وتسمى بيار العلي ، وتشكل مكانا لأجل جمع القوافل المنطلقة من المدينة المنورة إلى مكة أو إلى ينبع. النصف الثاني من الطريق المذكور أعلاه شحيح النبات ، باستثناء الساحل. ونادرا ما تقع العين على أشجار الشوك ، ومنها يقتطع سواقو الجمال العيدان لأجل الوقود أثناء الوقفات.
يبلغ الطريق السلطاني زهاء 460 فرستا ، وهو ملائم لأجل حركة القوافل لخلوه من المرتفعات والمنحدرات الشديدة ، ولوفرة الماء الجيد في الآبار ولكن غالبا ما يقع الاختيار على سبيل آخر اقصر ولكنه أصعب ،

هو الطريق الفرعي ، تخوفا من أن يمنع رجال قبيلة بني حرب من اجتياز الطريق السلطاني عبر بوغاز الجديدة.
إن الطريق الفرعي ينفصل عن الطريق السلطاني في رابغ ، متجها إلى اليمين صوب الشمال الشرقي ، ويدخل في الجبال على بعد نحو 15 فرستا ؛ ثم يتجه بمحاذاة مضيق خرشان ويتصاعد حتى آبار رضوان (ذات الماء العذب). طول هذه المرحلة السادسة ، إذا حسبنا بدءا من مكة ، حوالي 50 فرستا.
المرحلة الأولى ، حوالي 30 فرستا ، حتى بلدة أبو دباغ حيث يوجد نبع زمزارع من النخيل ؛ الطريق في هذه المرحلة ضيق جدّا بين الجبال ويجتاز افاجيج ضيقة.
المرحلة الثانية ، حوالي 25 فرستا حتى بلدة الريّان حيث يوجد نبع وبساتين. في هذه المرحلة توجد كثرة الينابيع تجاورها مزارع النخيل وبلدات صغيرة للبدو من قبيلة عوف.
المرحلة الثالثة ، حتى مضيق وادي الغدير العريض والخالي من الماء ؛ حوالي 25 فرستا ؛ من الريّان يزداد الانحراف بروزا. على بعد 15 فرستا تقريبا مرتفع ضيق وصعب في معبر ري الهيف ثم منحدر معتدل حتى الغدير.
المرحلة الرابعة ، حتى بئر الوايا ، حوال 35 فرستا. الطريق يتحاشى الجبال ، ينعطف بحدة صوب الشمال الغربي ، ثم يتجه شمالا بعد نحو 10 فرستات قرب بئر العظم ، حتى نهاية المرحلة.
المرحلة الخامسة ، حوالي 55 فرستا ؛ حتى المدينة المنورة. من الوايا يتجه الطريق إلى الشرق حتى نقطة بئر الماشي الواقعة وسط سهل عريض تنتصب فيه قلعة تركية كبيرة مهجورة توجد في جوارها بئر عذبة الماء. من هنا تنطلق الطريق بمحاذاة وقط عريض ، وتنعطف تدريجيا

صوب الشرق وتصل إلى آبار بيار العلي حيث يتحد الطريق الفرعي مع الطريق السلطاني.
طول الطريق الفرعي زهاء 425 فرستا ؛ والطريق غني بالماء في السفح الغربي من الجبال. بفضل كثرة القرى تتوفر كثرة من احتياطيات العلف. قبيلة عوف التي يمر هذا الطريق في أراضيها أكثر مسالمة من قبيلة بني حرب ، ولكن المرتفع من جهة رابغ حجري جدّا وعسير جدّا.
الطريق الثالث اقصر أيضا بعض الشيء ، ولكن نظرا للمعبر الصعب لا يصلح للحركة إلا على ظهور الهجائن الخفيفة ـ اسم هذا الطريق طريق الغاير ، وهو ينفصل عن الطريق السلطاني ، مثل الطريق الفرعي ، في رابغ.
المرحلة الأولى ، حوالي 45 فرستا ؛ حتى آبار مبيرك. على امتداد 8 فرستات تقريبا ، يتجه الطريق صوب الشمال الشرقي ويجتاز شريطا ساحليا ، مستويا ، ثم يدخل تلالا سفحية ، ويعبر أفاجيج صغيرة ، ويدخل واديا عريضا دون أن يصل إلى الآبار. في هذه المرحلة تتواجد نتوءات حجرية غير ملائمة للعبور. الماء عذب تقريبا.
المرحلة الثانية ، حوالي 45 فرستا ؛ حتى آبار الرصفة. الطريق يمر دائما في مضيق متصاعد ذي انحدار طفيف. الماء غير لذيذ اطلاقا.
المرحلة الثالثة ، حوالي 25 فرستا ؛ حتى اسافل جبال الغاير. الطريق يتجنب الفج إلى اليمين ، وينحرف إلى الشمال ويعبر بضعة نتوءات عالية ؛ وقبل زهاء خمسة فرستات من وصوله إلى الجبال ، ينحدر إلى سهل عريض رملي يتاخم الغاير ، ويمتد في هذا السهل ، وينعطف بمحاذاة الجبال صوب الشمال الغربي. لا ماء.
المرحلة الرابعة ، حوالي 70 فرستا ، حتى بئر الماشى. يبدأ صعود الجبال في الإتجاه الشمالي الشرقي بمحاذاة مضيق غير كبير ؛ طول

الصعود زهاء 10 فرستات ؛ الطريق في البدء ينحدر تدريجيا ، ثم ، في الفرستات الستة الأخيرة ، يشتد انحداره ، ويتلوى بين كتل كبيرة من الحجارة. الصعوبة الكبرى لا تشكلها المنحدرات الكبيرة (لا تربو على الخمس) ، بل تشكلها هذه الحجارة المتراكمة في بعض الأماكن بصورة حيود ، والتي تترك في أماكن أخرى ممرا ضيقا جدّا بحيث أن الجمل ينقل قوائمه بصعوبة. ولا يمكن الصعود إلا بالترجل ، سيرا على الأقدام. والمعبر نفسه بصورة نتوء يفترق من جانبيه فجان ؛ وفي المعبر ، آبار عميقة محفورة في الصخر لأجل تكديس ماء المطر. النزول في المضيق الواسع معتدل جدّا ؛ وهناك كثرة كثيرة من أجمات أشجار الشوك الكبيرة ، وكذلك كثرة من الساحات الأفقية المحّضرة بواسطة جدران داعمة والمعدة لأجل المزروعات. أثناء الوفقة ، تستعمل الركب ماء المطر من الخزانات القائمة على بعد نحو فرستا اثنين من الطريق. في بئر الماشي تلتقي طريق الغاير مع الطريق الفرعي.
المرحلة الخامسة ، حوالي 15 فرستا ، حتى المدينة المنورة. طول طريق الغاير زهاء 400 فرستا. والطريق ـ عدا الصعود الصعب في المعبر من جهة رابغ وبعض النتوءات الحجرية عند دخول الجبال ـ مناسب جدّا لأجل الحركة على كل امتداده الباقي. الجانب المطل على البحر غني باجمات الشوك ؛ أما الماء فقليل ، وسيء جدّا. وهذا اقصر طريق بين مكة والمدينة المنورة ، ويمكن اجتيازه بدون صعوبة خاصة على الهجائن في غضون خمسة أيام. يقولون انه يمكن في الحالات الاستثنائية قطع هذه المسافة علة الهجائن ذاتها في يومين. الغاير طريق تاريخي ؛ فعليها هاجر محمد (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) في سنة 622 من مكة إلى المدينة المنورة.
الطريق الرابع بين مكة والمدينة المنورة يدور حول الجبال من طرفها الشرقي ويمتد على الحدود بين الحجاز ونجد ؛ وهو يسمى الطريق الشرقي.

المرحلة الأولى ، حتى بلدة وادي الليمون ، حوالي 15 فرستا. الطريق يمتد بين جبال عالية في الاتجاه الشمالي الشرقي. ولهذا الوادي ، كما لوادي فاطمة ، ماء جار بفضله يتعاطى البدو المحليون زراعة الخضراوات والقرعيات ، مزودين مكة بالبطيخ والخضراوات.
المرحلة الثانية ، حوالي 30 فرستا ، حتى بئر المضيق ذات الماء المالح نوعا ما.
المرحلة الثالثة ، حوالي 50 فرستا ، حتى وادي البركة. على بعد زهاء 15 فرستا عن البئر السابقة ، عند الخروج من الجبال ، توجد حفرة يتجمع فيها ماء المطر ، اسمها الحفائر ومنها تأخذ القوافل احتياطيات الماء لأجل مواصلة الطريق ، لأنه لا وجود للماء في البركة.
المرحلة الرابعة ، حوالي 50 فرستا ، حتى بئر الحاضه الطريق ينعطف صوب الشمال بدءا من النقطة السابقة ؛ وبما أن الحاضه تقع في الجبال ، فإن الطريق ينعطف صوب الشمال الغربي ويصل إلى هذه الآبار ذات الماء العذب.
المرحلة الخامسة ، حوالي 60 فرستا ، حتى الآبار ذات الماء العذب في سفيان. يخرج الطريق من جديد إلى طرف الجبال ويتجه شمالا.
المرحلة السادسة ، حوالي 75 فرستا ، حتى آبار الحجرية.
المرحلة السابعة ، حوالي 30 فرستا ، حتى آبار غراده ؛ لماء هذه الآبار رائحة الكبريت ، ولكنه يتواجد في كل مكان على عمق غير كبير ـ مقدار ارشين أو ارشينين.
المرحلة الثامنة ، حوالي 60 فرستا ، حتى حفرة «حنك» أو «غدير» ، التي يتجمع فيها ماء المطر. في هذه المرحلة يتجه الطريق صوب الشمال الغربي.
المرحلة التاسعة ، حوالي 35 فرستا ، حتى المدينة المنورة. ينعطف

الطريق إلى الغرب ، ويدخل الجبال ، ويمضي فيها حتى المدينة المنورة بالذات.
الطريق الشرقي البالغ طوله زهاء 400 فرستا يمر في محلة أكثر خلّوا من الماء ، ولذا يستعملونه بصورة نادرة نسبيّا ، وذلك حين تكون الطرق الأخرى فادحة الخطورة بسبب إعتداءات البدو ، رغم انه توجد في هذا الطريق ، كما يقولون ، كثرة من الأعشاب لأجل الجمال ، ورغم أن الحر هنا في الصيف اخف.
الطريق بين المدينة المنورة وينبع
بين المدينة المنورة وينبع يوجد طريق كبير للقوافل يتطابق اتجاهه حتى بلدة الحمراء مع اتجاه الطريق السلطاني.
على بعد زهاء 3 فرستات عن الحمراء ، تخرج الطريق من مضيق وادي الصفراء وتنحرف إلى الشمال الغربي وتمضي في هذا الاتجاه حتى بئر السيّد ، وغالبا ما تقطع نتوءات حجرية غير عالية. من الحمراء إلى بئر السيد حوالي 35 فرستا ، الماء في الآبار جيّد.
من البئر المذكورة آنفا تمتد الطريق في الاتجاه ذاته وبابع المحلة ذاته زهاء 30 فرستا ، وتخرج على شريط ساحلي مستو ، ثم تتصل بالسبيل المنطلق بمحاذاة شاطئ البحر وتنعطف في الاتجاه الشمالي الغربي بموازاة الشاطئ ، وتصل على هذا النحو إلى ينبع بالذات. طول هذه المرحلة الأخيرة زهاء 75 فرستا.
طول الطريق من المدينة المنورة إلى ينبع زهاء 230 فرستا. والقوافل تقطعه عادة في خمسة أيام ؛ وكما سبق أن قلنا ، غالبا ما يقطع رجال قبيلة بني حرب هذا الطريق في افاجيج الجديدة ، ولهذا يفضل الحجاج في بعض السنين العودة من المدينة المنورة إلى مكة لكي يغادروا الحجاز عبر جدّة. وإن احتياطي الحبوب الذي ارسلته الحكومة المصرية



لأجل «التكية» في المدينة المنورة قد تم تفريغه في خريف هذه السنة (1898) في جدّة ، ومنها نقلوه على ظهور الجمال إلى المكان المقصود.
مسيرة المحمل السوري
88 وقفة على التوالي اسم مكان الوقفة عدد ساعات السير لأجل الجمال 0 دمشق ـ 1 الكسوة ساعة 1 2 الكتيبة ساعة 2 3 المضاربة ساعة 3 4 الرمة ساعة 5 5 المفرق ساعة 10 6 الزرقاء ساعة 13 7 البلقاء ساعة 16 8 الكسنا ساعة 14 9 الحسا ساعة 13 10 عنيزه ساعة 13 11 مصان ساعة 19 12 مدورة ساعة 18 13 عقبة ساعة 18 14 زياد الحج ساعة 8 15 قاع الصغير ساعة 13 16 آسي حرمه ساعة 12 17 الأخضر ساعة 18 18 معدم ساعة 14 19 دار الحمراء ساعة 16 20 مدائن صالح ساعة 18 21 بيار الغنم ساعة 10 22 بئر الزمرد ساعة 16 23 بئر الجديد ساعة 8 24 حضينه ساعة 18 25 فحل التين (ملالح) ساعة 18 26 بيار ناصيف (دايني) ساعة 10 27 المدينة المنورة ساعة 10 27 ساعة 334
مسيرة المحمل المصري
(من المدينة المنورة إلى الوجه)
0 المدينة المنورة ساعة 10 6 فقير ساعة 8 1 دايني ساعة 10 7 عقاله ساعة 13 2 ملالح ساعة 10 8 مطير ساعة 15 3 شجيوه ساعة 12 9 حوسيله ساعة 8 4 آبار الحلوه ساعة 10 10 أم حرز ساعة 15 5 حفاير ساعة 10 11 الوجه ساعة 9
الفصل الثالث
مكة المكرّمة والمدينة المنورة وغيرهما
من النقاط الآهلة في الحجاز وأهميتها
مكة المكرّمة
مكة أو بكة ، أو كما يسمونها عند المسلمين ، خارج الحجاز ، مكة المكرّمة ، تضم مقدسات الإسلام الرئيسية ؛ وهي الآن المركز الإداري والتجاري الرئيسي في الحجاز.
موقع المدينة
تقع المدينة على بعد 70 فرستا تقريبا شرقي جدّة ، في محلة تحفل كثيرا بالجبال الصخرية ، ضمن فج ضيق ، متشعبة في تفرعاته ، متصاعدة إلى السفوح المجاورة حيث يتيح انحدارها. ومكة غير مطوقة بسور مثل سائر مدن الحجاز ، ولكن تنتصب في مرتفعين مهيمنين قلعتان غير كبيرتين تشغلهما الحامية التركية.
البيوت
البيوت في مكة مبنية في المعتاد من ثلاثة طوابق ، مع انه توجد كذلك بيوت من 4 أو 5 طوابق. الهندسة المعمارية أصلية جدّا. جميع الجدران تحفل بصفوف من نوافذ ناتئة تسمى «مشربية». أما مادة البناء



فهي الحجر والآجر المحروق ، المرصوصان في الأغلب على الطين ؛ وكذلك الخشب ، المستورد على الأغلب من جزر الزوند ، والخشب الروسي (الألواح) المستورد من القسطنطينية. والبيوت مبنية الواحد بلصق الآخر ، دون فجوات ، سواء من حيث الواجهة أم من حيث الجانب الخلفي ، دون أن تترك أي فناء. الطابق الأسفل ليس معدا في المعتاد للسكن ، ويقوم جزئيّا مقام الفناء ويستعملونه لأجل إيداع الأشياء الضخمة ؛ والطوابق العليا تتشكل من شقات غير كبيرة ، كل شقة من غرفتين أو ثلاث ومعزولة تماما عن الشقات الأخرى ، ومزودة بالمرافق اللازمة. فوق السقف تنتصب الجدران نحو ثلاثة ارشينات مشكلة بالتالي طابقا مكشوفا آخر ، يستعملونه للراحة الليلية. ولأجل مجرى الهواء يتركون في هذه الجدران فتحات عديدة فيها شبكة من آجر محروق ملون بارز بسطوع على خلفية الجدران البيضاء ، والسلالم ، وكذلك الأرضية في بعض الأماكن مغطاة باسمنت خاص مجبول من الكلس والرماد والرمل ، ويتميز بقدر كبير من الصلابة. ومن هذه المادة يبنون في بعض البيوت خزانات لأجل المياه أيضا.
الخاصة الرئيسية التي تختص بها البيوت المكية الغنية إلى هذا الحد أو ذاك إنما هي المشروبيات المبنية على طول الجدار الواجهي. هذه النوافذ تقام في الأطراف الناتئة لعوارض الأرضية وتشكل بالتالي ضربا من شرفات مغلقة تبرز من وراء جدران المبنى مقدار ارشين ونصف أرشين تقريبا ، وتغلقها صفوف من حصائر صاعدة ونازلة. المشربيات يضعون في داخله دواوين واطئة ومخدات ؛ وبما انه ابرد مكان في الغرفة فإنه يشكل زاوية مفضلة. وفي بيوت أقل غنى ، يصنعون مشربيات صغيرة أو نوافذ بسيطة ؛ وفي مكة لا يعرفون زجاج النوافذ.

المباني العامة
بين المباني العامة ، عدا الحرم الشريف الذي سنحكي عنه في الفصل التالي ، يبرز مبنى السراي الكبير ، الوحيد الطابق ، أي مبنى إدارة الولاية ، بهندسته المعمارية الأوروبية الجميلة. وإلى جانبه ينتصب مبنى التكية المصرية الشاسع حيث يقدمون ، من مال الأوقاف الواصل سنويا من مصر ، وقدره 160912 قرشا (1) (حوالي 16 ألف روبل) ، أثناء الحج ، في كل صباح ، للحجاج المعدمين ، طعاما مؤلفا من رغيفين غير كبيرين ومن الحساء. وابعد قليلا ، توجد مؤسسة خيرية دينية مماثلة تمولها الأوقاف التركية. ولكن خير مبنى في مكة إنما هو ، بلا ريب ، المبنى الضخم من طابقين المنتصب عند المخرج ، والمكتمل بزينة ، والمعد ، كما أوضح لنا بانيه ، لأجل إيواء الحجاج الذين لا مأوى لهم ؛ وهذا المبنى مربع الشكل ، وفي داخله حوش ، وطول واجهته زهاء 70 ساجينا ؛ وهو بالفعل مبنى متين جدّا فيه قاعات عالية شاسعة ، وسلالم مريحة ، وحمامات ، وخلاف ذلك. ونظرا لموقعه في طرف المدينة وترتيب الغرف المطلة على رواق مشترك ، يمكن أن يقوم بدور مستشفى ممتاز. أما الحجاج الفقراء ، فهو بالنسبة لهم بذخ مفرط ؛ ونظرا للبعد عن الحرم حيث يتوفر لهم الغذاء والمبيت ، من المشكوك فيه أن يذهبوا إليه طوعا واخيارا. ويستفاد من أقوال الباني أن الحكومة التركية اعتمدت للبناء 45 ألف ليرة (حوالي 380000 روبل) ؛ ولكن نظرا للتأخير في تقديم التسليف ، يدوم البناء للسنة السادسة.
بين مجموعة البيوت الخاصة في مكة ، تةجد أيضا كثرة من بيوت الأوقاف تبرع بها الحجاج الأغنياء لاستعمالها بصفة مدارس دينية أو على الأرجح ، بصفة «تكيات» أي بصفة مساكن في ومن الحج للحجاج من
__________________
(*) كتاب «دليل الحج».

أبناء القومية التي ينتسب إليها المتبرع. وهكذا توجد تكيات هندية وماليزية وقشغرية وافغانية وقازانية وقرغيزية والخ ..
الشوارع
لا تتميز شوارع مكة ، لا بإستقامة التخطيط ولا بدقته. الشوارع الرئيسية على ما يكفي من العرض بوجه عام ، 6 ـ 8 ساجينات بالمتوسط. ولكن البيوت تتقدم تارة ، وتتأخر طورا عن الخط العام ولذلك يختلف عرض الشارع الواحد ذاته في مختلف الأماكن. وعدا هذا ، تنتصب في الشوارع أكشاك خشبية ملتصقة بالمباني ويحولونها في زمن الحج إلى دكاكين ؛ وأحيانا تحفل الشوارع بشقادف لا عدّ لها تابعة للقوافل القادمة ؛ كذلك يصف هنا التجار طاولاتهم ، ولذا تبدو الشوارع أضيق ، ونظرا لعدم وجود الأحواش والأفنية يرمون كل الزبالة والنفايات في الشارع رأسا. وللسبب ذاته ، يحتفظون هنا كل الدواجن ؛ وهنا أيضا يحلبون الأبقار والعنزات. والشوارع هنا ، كما في القسطنطينية ، هي مرتع أسراب كبيرة من الكلاب الشاردة. ولا وجود في مكة للشوارع المصوفة ؛ ولا وجود للرش ؛ وللإنارة ، يعلق السكان أنفسهم هنا وهناك مصابيح الكاز.
السكان
تحسب السلطات التركية أن عدد السكان يتراوح بين 110 و 120 ألف نسمة ، بينما يحسب السكان أنفسهم أن عددهم يتراوح بين 70 و 80 ألف نسمة ؛ وهذا الرقم الأخير يبدو لي أقرب إلى الحقيقة.
إن سكان المدينة الدائمين هم خليط مبرقش من أبناء جميع القوميات التي تدين بالإسلام ؛ وعدا السكان المحليين العرب الذين يؤلفون زهاء ثلاثة أخماس عدد السكان الإجمالي ، يوجد هنا عدد كبير من

الماليزيين الزنوج والأحباش والمصريين والهنود والعرب الأفارقة والأتراك وكذلك السرت والفرس والتتر والقرغيز وغيرهم. ومن بين العرب المحليين ، كما أوضحوا لي ، ينتمي قليلون إلى سكان البلد الأصليين ؛ فهم بمعظمهم قادمون من الخارج ، واستعربوا كليا مع مر الزمن ولذلك تتنوع قسمات وجوههم وبشرتهم من جميع التلاوين بدءا من الأبيض تماما كما عند الأوروبيين حتى الداكن البرونزي كما عند الأحباش. والشريف وأولاده وكثيرون من الأسياد الذين يعتبرون أنفسهم عربا يسيل في عروقهم دم عربي أصيل تماما إنما لون وجوههم أبيض نقي لا عيب فيه. ولا ريب في أن المحظيات من شعوب القفقاس يلعبن دورا كبيرا في هذا المجال.
أحدث عرب مكة في نفسي على العموم إنطباعا جيدا جدّا ؛ فهم أذكياء ، لطفاء جدّا في التعاشر والتخاطب ، متأدبون ومجاملون مع مسحة من بعض الاعتزاز ، مضيافون ، انيسون ، مع احتفاظهم دائما بشعور الكرامة الشخصية ؛ وهم منعّمون كبار ، يطيب لهم أن يرتدوا الثياب الفاخرة ، ويفرشوا بيوتهم بالمفروشات الجيدة ، ويأكلوا جيدا ، ويستقبلوا الضيوف ويحلوا ضيوفا في أحيان كثيرة.
تتألف البسة العرب من قميص تيلي طويل وضيق ، ذي طوق قائم يرتدون فوقه صدرة حريرية يزررونها بكثرة من الأزرار الصغيرة ؛ وفوق الصدرة يلبسون ما يشبه البشمت (العنترى) وعلى الرأس طاقية بيضاء مستدقة. وحين يغادرون البيت ، يشدون العنترى بزنار حريري ؛ وفوق الالبسة يرتدون رداء ضيقا أو «الجبّة» ، ويستعيضون عن الطاقية فوق الكلسات.
بلدلة الطبقة الفقيرة من نفس التفصيل ، ولكن بدون جبة وعنترى. يفرشون الغرف في البيوت بتخوت واطئة ومخدات لأجل الجلوس ؛ الأرضية يغطونها كليّا بالسجاجيد والحصائر؛ زينة الجدران

تتألف من آنية مختلفة ـ ، من البورسلين والمعدن ، والسماورات الروسية الجديدة الموضوعة في فجوات خاصة أو على رفوف ـ ومن مرايا معلقة عديدة ، ومن مختلف الأقوال المأثورة المكتوبة على ورق ملون ومركبة في اطر.
لوازم النوم يخفونها بعناية في غرف خاصة ، لأنهم يعتبرون عرضها تبذلا كبيرا.
والمطبخ هو في المعتاد عبارة عن غرفة من الغرف الأمامية يضعون فيها المناقل لتحضير الأطعمة ؛ وقد أذهلتني كثيرا وفرة الطعام الدهني ، المؤلف أبدا ودائما من الرز المحمّر مع اللحم والتوابل ومن المآكل اللحمية الثقيلة الأخرى ، علما بأن العرب يقبلون على هذا الطعام الدهني ، رغم المناخ الحار ، مرتين في اليوم ، ـ حوالي الظهر ، وفي المساء ، بعد غياب الشمس ؛ والماء ، المبرّ في اباريق وجرار مسامية موضوعة في مجاري الهواء في المشربيات هو المشروب العادي. وفي ساعات معينة من اليوم أو في حال مجئ الضيوف ، يقدمون القهوة المحضرة على الطريقة الشرقية. وفي الآونة الأخيرة ، بدأوا يستعملون الشاي (الأسود) كثيرا الذي يشربه العرب ، مثل الفرس ، ثقيلا جدّا وحلوا جدّا ، وبمقادير صغيرة جدّا. الجميع تقريبا يدخنون التبغ ، وعلى الأغلب بالنارجيلة.
النساء عند العرب ، كما عند الشعوب الإسلامية الأخرى ، يرتدين الحجاب ، ولكنهن يتمتعن بقدر من الحرية أكبر بكثير ، مثلا ، مما عند التتر. وهن يترددن على الجوامع على قدم المساواة مع الرجال ، ويشغلن فيها مكانا مخصصا لهن ، ويذهبن وحدهن إلى السوق لشراء الحاجيات ؛ وهناك نساء عديدات يتعاطين في الشوارع التجارة بالمفرق ، وغالبا ما تقع العين عليهن في المحكمة أمام القاضي ، حاملات الشكاوي أحيانا على أزواجهن.
الحياة الفكرية عند هذا الشعب القدير واللطيف لم تتقدم منذ ذلك

العهد المجيد الذي كان فيه العرب يسيرون في طليعة الحضارة ، وليس هذا وحسب ، بل على العكس تراجعت أيضا ؛ وتلك العلوم التي ابتدعوها وطوروها فيما مضى لفها النسيان تماما في الوقت الحاضر. بل أن التعليم الأولى البسيط ـ مجرد القراءة والكتابة ـ محصور ضمن حلقة ضيقة جدّا ؛ وأشراف مكة الذين يقومون بدور قادة الحجاج أثناء القيام بمراسم الحج لا يعرفون بأغلبيتهم الساحقة لا القراءة ولا الكتابة. وفي المدارس الدينية المحلية ، كما في جميع المدارس الدينية في أي مكان آخر ، يعلمون العلوم الرتيبة الدينية ذاتها بتفاصيلها الدقيقة جدّا وغير الضرورية ، مزدرين المواد الضرورية كالحساب والجغرافية مثلا. ولكن المدارس الدينية أيضا تحفل بالناس القادمين ، غير المحليين ، بينما المحليون استثناء فيها.
يرد إلى مكة عدد بسيط جدّا من الجرائد المصرية وعدد أقل من الجرائد التركية ؛ وفي الحال يصبح مضمونها معروفا في المدينة كلها ، نظرا لشدة تحرقها إلى الأنباء وبالغ اهتمامها بالحياة السياسية للشعوب الأخرى.
عرب مكة سنّيون جميعهم ، وأغلبهم من أنصار الشافعي ، ولا يتميزون كثيرا بالتقوى والتديّن. ويترددون على المساجد بحماسة وغيرة طالما الحجاج لم يعودوا إلى ديارهم. وإذ ذاك ، يبدأون يفضلون المقاهي وغير ذلك من الاجتماعات. وكثيرون منهم ينتسبون إلى مختلف شيع النساك ، وبخاصة إلى أنصار الرفاعي ؛ وما يجتذبهم إلى هذه الشيع ، بقدر ما استطعت أن ألاحظ ، ليس الشعور الديني بل احتمال الاشتراك ، أثناء حقبة السكون ، أي بعد رحيل الحجاج ، في مختلف المواكب والاجتماعات وما إلى ذلك. وبما أن سكان مكة الأصليين ليسوا مفركين في التدين والتقوى ، فهم كذلك براء من التعصب ؛ وأن دورا كبيرا في ذلك ، أيضا في تطورهم الفكري العام ، يعود ، كما يخيّل إليّ ،

إلى أسفار أغلبية سكان هذه المدينة إلى البلدان الأخرى ؛ فبعد رحيل الحجاج ، يقومون برحلات إلى جميع البلدان التي يعيش فيها المسلمون لكي ينالوا «البدل» أي التكليف بالقيام بفرائض الحج بالنيابة عن أحد ما لقاء مكافأة معينة ؛ وبما أنهم شعب محب للمعرفة والاستطلاع وحساس جدّا ، فإنهم يهتمون بكل شيء ويتفحصون كل شيء ، وأحاديثم عن الأمم الأخرى غالبا ما تكون صحيحة وصائبة ودقيقة جدّا.
يبقى أن أقول أن العرب حرفيون ممتازون في الشغل على الحجر وعلى الخشب ، ويملكون ذوقا رفيعا جدّا. ومباني الحرمين الشريفين في مكة المكرّمة والمدينة المنورة تتميز بعمل بارع جدّا. والمباني بالأسلوب الأوروبي مبنية جميعها بأيادي الاساطين العرب.
المرتبة الثانية من حيث العدد يشغلها في مكة الماليزيون أو «جاوة» كما يسمونهم هنا نقلا عن اسم جزيرة جاوة. وهم يبرزون جدّا بملامحهم المتميزة ، ولذا من الممكن معرفتهم من النظرة الأولى رغم أنهم بأغلبيتهم يرتدون الألبسة العربية. ويقدّرون عدد الماليزيين بخمس عدد السكان الإجمالي في مكة أي قرابة 14 ـ 16 ألف نسمة ؛ وقد علمت من الأحاديث أن «جاوة» شرعوا يتوافدون إلى مكة في السنوات العشرين الأخيرة على الأخص بعضهم بدافع الشعور الديني وبعضهم الآخر بدافع المصالح التجارية. ويبلغ عدد الماليزيين الشبنا الذين يتعلمون هنا قرابة الفين ؛ وهناك بضع عشرات من المعلمين الماليزيين يتعاطى ثلاثة منهم خصيصا ترجمة الكتب العربية إلى لغتهم. ويتصف الماليزيون بسمة مميزة ، هي الطبع الهادئ ، المسالم ، الذي دخل هنا في الحديث العادي ، إذ يقولون «طيب ومسالم مثل جاوة» ، وكذلك التضامن المذهل فيما بينهم ؛ فإن الجاوة المحليين يعيشون جميعهم مشاعيات كبيرة ، بإشراف مدبّر ـ سيّد مشترك واحد منتخب لكل الجالية. أبناء القوميات الأخرى ، وبخاصة العرب ، يعاملون الماليزيين ببعض التعالي.

والأتراك هم على الأغلب مستخدمون في مختلف المؤسسات الخيرية والتعليمية التي تتشكل بمعظمها من الأوقاف التركية ولا تقبل السكان المحليين.
أبناء القوميات الأخرى هم بوجه الحصر تجار أو نظار في تكيات قومياتهم ؛ ومن عداد المسلمين من رعايا روسيا الذين يعيشون دائما هنا ويشرفون على التكيات ثماني عائلات تترية ، وعائلتان من القرغيز وسبعة تلامذة في مدرسة دينية.
أشغال سكان مكة
يمكن وصف أشغال سكان مكة بايجاز بالغ ـ يعيشون على الحجاج وقبل الإسلام أيضا ، كانت مكة مركزا تجاريا لعموم الجزيرة العربية ، وكان زمن الحج في الوقت نفسه زمن السوق التجارية السنوية. وهذا الطابع بقي حتى الآن ؛ وأثناء تواقد الحجاج ، تتحول المدينة إلى بازار هائل ينتشر من أبواب الحرم بالذات في جميع الشوارع والأزقة.
علاوة على استيراد كمية كبيرة من المنتوجات المعيشية ، لتلبية حاجات جموع الحجاج البالغ عددها أكثر من مائة ألف ، يستجلبون إلى هنا كمية كبيرة من شتى البضائع من القسطنطينية ومصر والبلدان المجاورة في آسيا ، وذلك مع قوافل الحجاج أو البواخر إلى جدّة.
والقسطنطينية هي الوسيط الرئيسي في تجارة البضائع الأوروبية ؛ ومنها تحصل مكة على كل الاحتياطي من الأقمشة القطنية والصوفية والأحذية والخردوات والبقالة والطحين الروسي وكاز باكو وخلافها.
مصر تقدم على الأغلب المنتوجات المعيشية : الحنطة ، الفول ، الشعير ، الذرة الصفراء ، العدس ، الرز ، السكر ، زيت الزيتون ، وما إلى ذلك.



سوريا ترسل مع المحمل الدمشقي وبحرا ، عبر بيروت ، كمية كبيرة من البضائع الحريرية، والألبسة الحريرية الجاهزة ، والمناديل المطرزة بالحرير ، والفواكه المجففة ، والفالوذة.
بغداد والبصرة ترسلان مع قوافل الحجاج البضائع الحريرية والصوفية ، والرز ، والسمنة البقرية والسمنة الغنمية.
بلاد فارس ترسل السجاد والحصائر والعباءات وغير ذلك من البضائع الصوفية.
الهند ترسل البضائع المستعمرية ، والآنية من النحاس والبورسلين ، والمطبوعات والمرجان والمواد العلاجية والمواد العطرية ، وخلافها.
اليمن ترسل البن ، وعين الشمس ، والعقيق.
جزر السند ترسل الكندر.
في مكة ينتجون كمية تافهة جدّا من الأشياء التي يجري تصريفها بين الحجاج القادمين؛ والمقصود هنا المسابح المخروطة من الصدف وغير ذلك من المواد ، والخواتم من الزخارف الفضية المنتزعة كل سنة من الحرم ، كما يصنعون آنية من الصفيح لأجل نقل مياه زمزم ، وما إلى ذلك.
ثم أن سكان مكة يكسبون مبلغا كبيرا من النقود بتأجير الحجاج الغرف والشقات وقيامهم بدور المرشدين في حال إداء الفرائض والمراسم ، وتأجير الحمير التي تحظى دائما بطلب كبير نظرا لعدم وجود عربات الحوذيين ، وما إلى ذلك.
أثناء الحج ، لا يتعاطى السكان المحليون وحدهم التجارة ، بل يتعاطاها كذلك تجارة قادمون كثيرون. وهناك تجارة أكبر ، كما قالوا لي ، في ايدي الهنود ؛ ولم يتسنّ لي أن أعرف مقدار التبادل التجاري. من الممكن بصورة تقديرية جدّا تخمين المبلغ الذي يخلفه الحجاج سنويا في مكة بين 5 و 8 ملايين روبل.

أسعار السلع المعيشية أثناء تجمع الحجاج تتقلب كثيرا تبعا لحركة الاستيراد وعدد القادمين ، مثلا :

النظام النقدي
جميع العمليات التجارية في الحجاز تجري عدا ونقدا ؛ والليرة التركية الذهبية هي الوحدة النقدية الأساسية ، وتبلغ قيمتها حسب نقدنا 8 روبلات و 50 كوبيكا ؛ ولكن أقيم هنا لأجل الحسابات الصغيرة نظام نقدي معقد ومشوش إلى حد أن التجار والصرّافين أنفسهم يرتبكون ، ولا يستغنون عن القلم والورق عند إجراء الحسابات. فإن الليرة تتألف من 110 قروش كاملة ، ولكن يوجد أيضا إلى جانبها قرش ناقص تحتوي الليرة منه 149 قرشا. سعر الليرة يتغير باستمرار ، ويختلف باختلاف النقاط في الحجاز. وليس في كل مكان يقبلون النقود النحاسية التركية.
عدا النقود التركية ، يشمل التداول هنا النقود الذهبية والفضية ، لا من البلدان التي جاء منها الحجاج وحسب ، بل أيضا من دول لا وجود فيها لأي مسلم ، مثلا ، الين الياباني. وأوسع النقود استعمالا ، القرش الفضي الهولندي والقرش الفضي المكسيكي أو كما يسمونهما هنا «الريال» أو «البورون» ؛ وقيمة كل منهما هنا 10 ـ 11 قرشا كاملا تركيا.
لا يقبل البدو غير هذه النقود ، ويرفضون الذهب ، ولذا تحسب

بدلات إيجار الجمال ، وكذلك جميع الأثمان غير الكبيرة في البازار بالريالات بوجه الحصر.
كذلك توجد قيد التداول سنداتنا المالية التي تحظى هنا بالثقة الكبيرة والتقدير الرفيع ؛ فبمقابل مائة روبل من السندات المالية تقاضيت هنا زهاء 90 روبلا ذهبيا. وسعر العملات، كما سبق أن قلت ، يتقلب دائما. في سنة 1898 تواجدت الأرقام المتوسطة التالية :

تجارة الرقيق
يوجد في الحجاز نوع آخر من التجارة ، نادر في الوقت الحاضر ، وينتعش كثيرا أثناء تجمع الحجاج ، هو تجارة الرقيق (النخاسة).
الارقاء الذين يباعون في الحجاز ينتمون بوجه الحصر إلى قوميتين : الزنوج السود تماما من السودان الذين يعتبرونهم في الحجاز أفضل الكادحين ، والذين يشترونهم ، سواء منهم الرجال أم النساء ، لأجل العمل فقط ، ثم الأحباش ، وهم أقل سوادا ؛ ويشترون النساء منهم كمحظيات.
يستجلبون الارقاء من الساحل الافريقي للبحر الأحمر ؛ وهناك ، أغلب الظن ، نظام متكامل لإيصالهم إلى السوق الرئيسية في مكة. والارقاء الحاليون هم بمعظمهم أولاد مخطوفون يشتريهم في محالهم تجار محتكرون يجلبونهم إلى الساحل ثم ينقلونهم بحرا وخفية على سمابك إلى سواحل الجزيرة العربية ، حيث يشتريهم بسعر يتراوح للواحد منهم بين 5 و 15 ليرات تركية وهناك وسطاء يتعاطون نقلهم لاحقا.

لم أستطع الحصول على معلومات دقيقة نوعا ما عن مقادير هذه التجارة ، ولكن يقال أن عدد الارقاء المباعين في السنوات المؤاتية حين يحالف التوفيق أعمال السرقة ، ولا تعترض السلطات في مرفأ سواكن مجموعاتهم في الطريق ، يلغ زهاء 2000 شخص. سعر الفتاة الزنجية الراشدة حوالي 20 ليرة ، وسعر الفتاة الحبشية الراشدة 30 ـ 40 ليرة ؛ وسعر الكادح الجيد الزنجي او الحبشي 30 ـ 40 ليرة أيضا ؛ وسعر الأولاد ذكورا وإناثا 10 ـ 15 ليرة.
أما الشراة فهم ، على العموم ، سكان الجزيرة العربية ، وبخاصة سكان الحجاز ، سواء منهم السكان الأصليون أم القائمون هناك موقتا. وفي مكة والمدينة لا يوجد أي بيت ليس فيه عبد وعبدة يقومان بجميع الأعمال البيتية ، ومنها جلب الماء ، وتحضير الطعام ، وغسيل البياض ، والعناية بالأطفال ، وما إلى ذلك. وكذلك الرحل يعهدون إلى الارقاء بعمل أصعب. ومعاملة الارقاء حيث تسنى لي أن أراقبها ، طيبة ، إنسانية.
كذلك يشتري الحجاج العبيد لكي يعتقوهم ، لكي يعيدوا إليهم الحرية ، لأن إعتقاء العبد يعتبر ، بموجب تعاليم الإسلام ، من أكثر أنواع الإحسان ارضاء للرب. وفي جميع مدن الحجاز وفي جميع القبائل البدوية يوجد عدد كبير من الارقاء السابقين الذين اعتقهم أسيادهم أو أفتداهم الحجاج ؛ وبلدة خيبر الكبيرة الواقعة في جوار المدينة المنورة تتألف حصرا من الارقاء السابقين. والاعتاق ترافقه وثيقة خطية خاصة ينظمها القاضي المحلي ؛ وإذا كان الرقيق المعتق قاصرا ، فيوضع تحت وصاية شخص ما حتى بلوغه سن الرشد.
وعلى طرق القوافل يجري ، أغلب الظن ، توريد الأمات إلى البلدان المجاورة. وفيما يخص السبل البحرية ، تسنى لي أن أسمع أن هذه العملية نادرا ما يحالفها النجاح إذ أن السلطات الإنجليزية أو المصرية تنتزع الأمة بموجب تصريحها الأول. وبالفعل ، شاهدت في

الطور إمرأة مسافرة مع مغربي ؛ وإذا بها ، بعد انتهاء الحجر الصحي ، تعلن أن هذا المغربي اشتراها في مكة وانه يقودها الآن بالعنف ؛ ورغم جميع احتجاجات سيدها وزعمه انه قد تزوج منها ، انتزعوها منه.
يشغل سوق النخاسة في مكة حوشا مفتوحا غير كبير ، تطل عليه أبواب غرف يحبسون فيها المباعين لقضاء الليل. وعندما زرت هذا السوق ، كان هناك زهاء 80 شخصا معظمهم شابات حبشيات مع اثنين أو ثلاث منهن أطفال رضع ، وجميعهن مزيّنات ومصفوفات فرقا على دواوين طويلة ؛ وكان هناك مقعدان يجلس عليهما كادحون راشدون من الزنوج ، لابسون بعناية ومقصوصو الشعر ؛ والباقون كانوا أولادا من ذكور وإناث يلعبون بمرح وهناء في أماكنهم. أشرف على البيع تاجر عربي نشيط راح يمدح بصوت مدو مزايا بضاعته. اختار بعض الشراة من البدو النساء ، وتفحصوا عيونهن وافواههن ، واجبروهن على خلع ملابسهن. وقد تركت زيارة هذا السوق في نفسي إنطباعا كئيبا ومرهقا جدّا.
إن الشريعة ، كما هو معلوم ، لا تجيز الا استعباد أسرى الحرب ، ولذا ليس لهذا النوع من امتلاك العبيد الموجود في الحجاز ، أي مبرر على الاطلاق من جهة نظر الشريعة أيضا ؛ والذرائع التي يسوقها السكان المحليون للدفاع عن انفسهم. ، ومفادها أن الناس المباعين هم من ذرية عبيد سابقين ، وانهم يبيعونهم كعبيد ، وأن الشاري لا يعرف بأي طريقة تم الحصول على هؤلاء العبيد ـ إنما هي تناقض في منتهى الجلاء. ولكن الحجازيين أنفسهم يشكون ، على ما يبدو ، في شرعية حقوقهم ؛ وبما أنهم لا يملكون القوى والشجاعة للتخلي كليا عن هذا الكدح الرخيص ، فإنهم يعتقون بعد مرور عدد معين من السنين الارقاء الذين اشتروهم ، ويعقدون عقود الزواج من النساء تخوفا من الشرعية المعاشرة.
ذات مرة ، قامت الحكومة التركية بمحاولة لاغلاق سوق النخاسة ،



فصدر أثر ذلك ، في سنة 1855 ، فرمان سلطاني خاص ؛ ولكن هذا الفرمان استثار إنتفاضة في عموم الحجاز. وفي سنة 1858 قتلوا في جدّة جميع الأوروبيين الذين كانوا يعتبرونهم عن حق وصواب مسؤولين عن صدور القانون الجديد ، كما قتلوا القنصل الفرنسي في جدّة ؛ وفي السنة التالية ، 1859 ، ألغي الفرمان وبقي امتلاك العبيد قائما على أسسه السابقة.
الظروف الصحية في مكة. الماء
تستعمل مكة الماء من نوعية جيدة وبكمية كافية. ولا يحدث نقص في الماء حتى إذا كان تجمع الحجاج كبيرا.
والماء يساق من على بعد 70 فرستا ، من نبع عين [...] يقع على التلال السفحية من جبل القرى ، ثم يلتقي مجروره مع ساقية تنطلق من وادي النعمان ، فيطلق عليه اسم عين الزبيدة ، باسم زوجة خليفة بغداد الشهير هارون الرشيد التي سيق الماء للمرة الأولى في عام 827 بفضل أموالها حتى جبل عرفات ؛ وفي عام 1519 ، في عهد السلطان سليمان القانوني ، تم تمديد مجرور الماء حتى مكة ، ولكن الأمطار الوابلة كانت تفسده دائما ، ولذا كان يتعطل في غالب الأحيان. وللمرة الأخيرة جرى اصلاحه بأموال مجموعة من الحجاج وتبرع بها مختلف الناس في عهد والي الحجاز عثمان باشا ؛ وبهذا النحو لا يزال يؤدي وظيفته في الوقت الحاضر.
يتألف مجرور الماء من أنبوب واسع مركب من أحجار مشدودة بالكلس وممدود على القطاع الأكثر إنخفاضا في فج وادي منى ، بمحاذاة الطريق المنطلقة من مكة إلى الطائف ؛ وفي بعض الأماكن ، يمتد الانبوب بصورة غير عميقة جدّا بحيث تظهر قبته العليا ؛ ولكن متوسط العمق يتراوح بين ساجين وساجينين ؛ وفي بعض الأماكن انشأوا منافذ

هواء بصورة آبار مكشوفة مبلطة بالحجر ويستفاد منها في الوقت نفسه لاستخراج الماء. وعند جبل عرفات يمر الماء عبر بضعة أحواض مكشوفة طويلة مبنية لأجل استحمام الحجاج. ولاستعمال الماء عبر بضعة أحواض مكشوفة طويلة مبنية لأجل استحمام الحجاج. ولاستعمال الماء ضمن حدود المدينة ، انشئت أحواض خاصة بشكل حفر واسعة مبلطة بحجر منحوت يتراوح عمقها بين ساجين و 3 ساجينات ، ومزودة بسلالم حجرية عريضة وبأرضية مفروشة بالبلاط. يمر الماء عبر مزراب منحوت من الأرضية ؛ يستقون الماء من هذا المزراب ببواط مربعة الزوايا من الصفيح لأن أي شكل آخر للاناء لا يصلح نظرا لأن علو سيل الماء تافه. وعدا ذلك ، انشئت في أعلى الجدران بضع آبار ذات بكرات معدنية لأجل استقاء الماء بالدلاء ، دون النزول إلى أسفل ، إلى المزراب. عدد جميع نقاط استقاء الماء في مكة 40. يجري توزيع الماء على البيوت في قرب كبيرة ؛ وهذا العمل المرخق يقوم به الارقاء ، الحقيقيون أو المعتقون ، الذين يكسبون رزقهم بهذه الطريقة. وفي البيوت يحفظون الماء في قلل طينية خاصة تتسع كل منها لزهاء 10 دلاء.
حالة البيوت
البيوت في مكة نظيفة جدّا ؛ الجدران مبيّضة دائما من الداخل ومن الخارج ؛ الغرف والسلالم مكنّسة بعناية ؛ بيوت الخلاء الواقعة في السلالم أو في إحدى الغرف الأمامية لها دائما أرضية من الأسمنت ، وتتصف ببالغ النظافة ، ولكن بنيان ونظام تنظيف البلوعات رهيبان للغاية ؛ فقرب جميع البيوت توجد في الشارع خنادق ذات مقاييس متنوعة ، مفروشة بالحجر ومسدودة من فوق بأحكام ؛ وإلى الخندق يتجه الغائط من جميع بيوت الخلاء في البيت وإليه تنسكب أيضا عبر بيوت الخلاء ذاتها كل الغسالة ؛ ومرة في السنة ، وعادة بعد رحيل الحجاج ، يجري

تنظيفها ؛ ولهذا الغرض يستأجرون الزنوج ؛ وهؤلاء يحفرون سلفا على مقربة في الشارع حفرة جديدة ، وينقلون إليها كل مضمون البالوعات ثم يطمرونها ؛ وليس من المتبع استعمال الكلس أو وسائل معقّمة أخرى. في البيوت الخاصة ، لا يحس المرء في بيوت الخلاء برائحة شديدة ، ومرد ذلك على الأرجح ، إلى أن الناس لا يسكنون في الطوابق السفلى القربية من الحفر. ولكن بيوت الخلاء العامة تطلق رائحة كريهة رهيبة ، فلا يمكن المرور بقربها دون سد الانف.
حالة الشوارع والبازارات
الشوارع ، كما قيل أعلاه ، تشكل مكانا لرمي كل ضرب من الزبالة ونفايات المطابخ ؛ وفي الحال تنقض الكلاب المتشردة والمواعز على كل ما يصلح للأكل منها. مرة في اليوم يكنسون الشوارع الرئيسية ، ولكن الزبالة تتكوم في الأزقة طوال أشهر ، وتهترئ الحيوانات الميتة ، ويعتبر السكان كل هذا أمرا طبيعيا تماما ، ولا يرتكبون البتة من الرائحة الكريهة ؛ وفي هذه السنة بقي جمل ميت 6 أيام في أحد الشوارع الرئيسية ، قرب قصر الشريف ، ورفعوه ونقلوه حين جف كليا تقريبا.
ومفهوم أن تكون الشوارع مغبرة جدّا من جراء الحركة الكبيرة ومن جراء عدم رشها أبدا ، ولأنها غير مزفتة وغير مبلطة.
وعن البازارات ينبغي أن نقول الشيء نفسه ؛ فهي في كل مكان قذرة ، ومغبّرة جدّا.
المسلخ
يقوم المسلخ خارج المدينة ؛ وهو قذر جدّا ، كما كان يصح أن أتوقع. وطر البقايا يجري ببالغ الاهمال وبرمي شريحة طفيفة من التراب.

المقبرتان
توجد في مكة مقبرتان غير كبيرتين ، تقعان على طرف المدينة. وبما أن المحلة لا تتيح توسيع المساحة التي تشغلها المقبرتان ، فإنهم يحفرون مدفنا فوق آخر ، ويستخرجون عظام المدفونين سابقا ويجمعونها في حفر ترابية مهيأة خصيصا تسمى الواحدة منها «مخزن». وإذا أخذنا بالحسبان النسبة الكبيرة على العموم من الوفيات بين الحجاج والأوبئة المتكررة ، فلا بد من الافتراض أن عدد المدفونين هنا يبلغ رقما ضخما جدّا. وإداء لمراسم الجنازة ، يحملون الموتى إلى الكعبة ، ثم ينقلونهم بعد مرور بضع دقائق إلى المقبرة حيث توجد بضع حفر جاهزة لأجل الدفن. عمق الحفرة حتى صدر الإنسان. ولا وجود البتة لنقل الموتى من خارج المدينة ، ولا حتى من أماكن قريبة مثل منى (6 ـ 7 فرستات).
الظروف المناخية في مكة
المناخ الحار في الحجاز تشتد وطأته في مكة من جراء انحصار المحلة بشدة بين الجبال ، وتزاحم البيةت ، وعدم إستقامة الشوارع ، والغبار الدائم ، رغم أن مناخ هذه المدينة يعتبر صحيا بالنسبة لمن اعتادوا عليه.
وحسب مراقباتي ، كان متوسط الحرارة في مكة (علوها 930 قدما فوق سطح البحر الأحمر) في نيسان (ابريل) وأوائل أيار (مايو) ، في غرفة من طابق متوسط محمي جيدا من الشمس 30 درجة ريومور فوق الصفر وكانت ترتفع نهارا إلى 32 ـ 33 درجة ، وتهبط قبيل الصباح إلى 27 ـ 28 درجة ؛ وفي تموز (يوليو) ، كما أفادني ، بلغت الحرارة في النهار هناك 37 درجة ريومور فوق الصفر.
ويستفاد من المعلومات الواردة في كتاب «الحجاز» أن متوسط الحرارة في مكة هو التالي : كانون الثاني (يناير) 18 درجة فوق الصفر ،

شباط (فبراير) 20 درجة ، آذار (مارس) 23 درجة ، نيسان (ابريل) 24 درجة ، أيار (مايو) 27 درجة ، حزيران (يونيو) 29 درجة ، تموز (يوليو) 29 درجة ، آب (اغسطس) 30 درجة ، أيلول (سبتمبر) 28 درجة ، تشرين الأول (اكتوبر) 25 درجة، تشرين الثاني (نوفمبر) 24 درجة ، كانون الأول (ديسمبر) 20 درجة.
ويستفاد من أحاديث الطبيب عثمان أفندي الذي تسنى لي أن أتحادث معه أحيانا كثيرة أن المرض الأكثر إنتشارا في زمن القيظ ، وبخاصة بين الحجاج القادمين من الشمال هو «أبو الركب» وهو ضرب من الانفلوانزا (أصلها أنف العنزة) وكذلك اختلال في أعضاء الجهاز الهضمي يتخذ أحيانا شكل الزحار (الدوسنطاريا) ؛ وسبب المرض الأخير الذي ذكره الطبيب قد اعاده جزئيّا إلى استهلاك الماء من بئر زمزم بدون اعتدال وإلى الطعام الثقيل الذي يستجلبه الحجاج معهم من أوطانهم ؛ وغالبا جدّا ما يحدث مرض الحصوة ؛ وفي الشتاء غالبا ما تصاب أعضاء التنفس.
المستشفى والصيدليات
لتوفير العلاج في المستشفى والمستوصفات لأجل الطبقة الفقيرة ، وتوزيع الأدوية مجانا ، يوجد مستشفى من 30 سريرا ، ويعمل فيه طبيبان وصيدلي واحد على حساب أموال الأوقاف التي تبرعت بها والدة السلطان عبد المجيد. يقع المستشفى في وسط المدينة في مبنى خاص به ؛ ومفروشاته جيدة نسبيّا ؛ فتحت تصرف المرضى اسرّة ملائمة ، ولوازم فراش نظيفة وطعام جيد ؛ ويلقون عناية جيدة. وحين زرت المستشفى كانت جميع الأماكن مشغولة. وكان المرضى يعانون بأغلبيتهم من أمراض التهاب المعدة. وقد قال الطبيب أن هذه المؤسسة العلاجية تستطيع في أقصى الضرورة أن تقبل حتى 60 مريضا.

وتوجد في المدينة صيدليتان خاصتان صغيرتان جدّا وفقيرتان وصيدلية حكومية واحدة؛ وهذه الصيدليات لا تملك غير الأدوية الأكثر استعمالا.
السلطات الادارية والقضائية في المدينة
المدينة يحكمها مباشرة الوالي والشريف ، ولا توجد البتة اية سلطات مدينية (بلدية) حقا. لأجل حل الخلافات والدعاوي ، يوجد ضرب من قاض مديني (بلدي) هو «المحتسب». وللنظر في القضايا الشرعية ، يرسلون كل سنة من القسطنطينية إلى مكة المكرّمة والمدينة المنورة قضاة خاصين ؛ وفضلا عن ذلك ، يوجد أربعة مفاتي ، أي مفتي واحد بكل من المذاهب السنّية. ولحفظ النظام في الشوارع لم ار سوى دورية عسكرية واحدة ، قرب الحرم. أما في الأماكن الأخرى ، فإن أمر المراقبة على النظام متروك للسكان أنفسهم ؛ والسكان يقومون بالفعل جزئيّا مقام رجال الشرطة ؛ ففي حال الشجار ، الأمر الذي غالبا ما يحدث بين صبيان الشوارع العرب ، يتراكض التجار من الدكاكين المجاورة أو يتراكض المارة ، ويفرقون فورا بين المتشاجرين ؛ وإذا ما تهاوى جمل في الشارع ، أو إذا ما حدثت سرقة ما ، ـ وهذه ظاهرة نادرة نسبيّا هنا رغم تقاطر الناس من كل شاكلة وطراز بأعداد كبيرة ـ يحرص الناس أنفسهم على أنهاض الجمل ، وعلى اعتقال السارق وإيصاله إلى السلطات. أما النظم التي تتطلب الرقابة الدائمة ، فلا وجود لها هنا ؛ مثلا. لا ضبط ولا تنظيم لحركة القوافل في الشوارع ؛ ومن جراء ذلك تتوقف الحركة ساعات وساعات ، وتمتلئ الشوارع بالجمال دون أن تترك مكانا حتى لسير المشاة.

البريد والبرق
توجد في مكة مؤسسة للبريد والبرق تحفل دائما بالعمل أثناء تجمع الحجاج. والبريد المحلي لا يقبل الطرود ولا الإرساليات النقدية ، ولا حتى الرسائل المسجلة ؛ وأثناء الحج يقتصر عمله كله في قبول وتسليم الرسائل البسيطة فقط. ونقل البريد على ظهور الحمير إلى جدّة في اتجاه ، وإلى الطائف في اتجاه آخر ، يقوم به أحد سكان المحليين. أما النقل إلى المدينة المنورة ، فيقوم به البدو على الهجائن. وغالبا ما سمعت الشكاوي من أن الرسائل البسيطة ، وبخاصة في زمن الحج ، تضيع بكثرة.
ومكة موصولة بخط برقي (تلغرافي) مع جدّ والطائف. وأثناء إقامة الحجاج في منى يفتتحون فيها محطة موقتة. وجدّة تعمل بكبل يمتد إلى سواكن ـ وهي بلدة مصرية على الساحل المقابل من البحر الأحمر. وختاما للكلام عن هذه المسألة ، يبقى أن اقول انه لا توجد في الحجاز مؤسسات للبريد والبرق إلا في النقاط الثلاث المذكورة أعلاه ـ مكة ، وجدّة ، والطائف. وفي المدينة المنورة لا يوجد سوى مركز بريدي يقبل الرسائل البسيطة والمسجلة فقط ، ويعمل بصورة غير منتظمة ؛ فإن الرسائل تصل من مكة تارة مرة في الأسبوع ، وطورا مرة في كل أسبوعين ؛ ولا وجود للاتصال المباشر مع ينبع حيث توجد أيضا مؤسسة بريدية. ونقل البريد في البحر الأحمر تقوم به شركة الملاحة الخديوية السابقة التي تدخل سفنها في الوقت الحاضر كل أسبوع إلى مرفأ جدّة ، ومرتين في الأسبوع إلى مرفأ ينبع. وفي غضون 3 ـ 4 أشهر في السنة ، حين يجري نقل الحجاج من ينبع إلى أوطانهم ، لا تدخل سفن البريد إلى هذا المرفأ اطلاقا نظرا لمضايقات الحجر الصحي.

مدينة الطائف
إن القيظ الذي لا يطاق صيفا في مكة يجبر سكانها على الذهاب إلى مدينة الطائف الواقعة على بعد 70 ـ 80 فرستا تقريبا إلى الشرق من مكة.
يقول العرب أن إبراهيم خاطب الله حين بنى الكعبة قائلا : «يا الله! بأمرك بنيت مذبحا وأسست مدينة ، فبماذا سيتغذى سكانها من الآن وصاعدا؟». آنذاك أرسل الله رئيس الملائكة جبرائيل إلى سوريا ودار دورة (قام بالطواف) حول قطعة كبيرة من الأرض وحملها إلى الطائف. ولذا ، كما يقول العرب ، كان المناخ في الطائف والنبات أيضا سوريين حقا. وبالفعل تختلف مدينة الطائف وضواحيها ، بفضل موقعها العالي (على ارتفاع 5150 قدما فوق سطح البحر) ، اختلافا شديدا عن سائر أنحاء الحجاز ، وتتميز بمناخ أكثر اعتدالا ، وبغياب رياح السموم ، وبوفرة الماء الجاري ، وبهطول الأمطار أحيانا كثيرة نسبيّا ؛ ولذا تتواجد تبعا للظروف المذكورة أعلاه ، نباتات مغايرة تماما ؛ منها الكروم وبساتين الموز والبرتقال والدراق والمشمش والرمان وغير ذلك. والطائف تزود مكة بخضراوات لا تنبت في أنحاء الحجاز الأخرى.
تقع مدينة الطائف في محلة مكشوفة ، على السفح الشرقي من جبل القرى ، وتحيط بها بساتين كثيرة يخص قسم منها سكان المدينة وقسم آخر بدو الضواحي. والطائف تشبه مكة من حيث الشوارع والبازارات ومعمارية البيوت. وحول الطائف تشبه مكة من ينتصب سور حجري له 3 بوابات يغلقونها ليلا. وعدد السكان الدائمين في الطائف ألف وخمسمئة.
المدينة المنورة
المدينة المنورة أو مدينة النبي محمد (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) هي المدينة الثانية من حيث الكبر في الحجاز من حيث الأهمية في العالم الإسلامي.

تقع المدينة على بعد حوالي 350 فرستا بخط مباشر إلى الشمال من انقاض مدينة يثرب القديمة ، وسط سهل عريض يحيطه جبل أحد من الشمال وجبل خيبر من الجنوب ويضيق السهل إلى الغرب وينفتح إلى الشرق. والمدينة مطوقة بسور حجري تنتصب أبراج في زواياه ، وقرب بواباته الأربع ؛ وقد بنى السور في عام 1535 وتم تجديده عند انتهاء حركة الوهابيين. والمدينة بالذات تشغل رقعة صغيرة جدّا من الأرض ، حوالي فرستا مربع واحد ؛ من الجهة الغربية تلتصق بها ضاحية «مناخة» التي نشأت في الآونة الحديثة والمسيجة بدورها بسياج يلتصق في أطرافه بسور المدينة المنورة.
الشوارع
إذا دخلنا عبر البوابة الغربية للضاحية المسماة «الانبارية» ، التي لا يجيزون إلا عبرها دخول وخروج القوافل والركب ، فأن العين تقع على شارع عريض ، مخطط باستقامة ، وتنتصب فيه أعمدة للمصابيح من كلا الجانبين وبيوت كبيرة. من الجانب الأيسر في هذا الشارع ، قرب البوابة بالذات ، يقوم المبنى الشاسع للتكية المصرية التي تتفق وظيفتها مع وظيفة التكية المماثلة في مكة ؛ من الجانب الأيمن ، مقابل التكية ، تقوم ثكنات كبيرة ، وبقربها مستشفى عسكري ، وإلى أبعد ، دار الحاكم المحلي ـ المحافظ. ينتهي الشارع بساحة شاسعة تتوقف فيها القوافل وتقوم فيها أسواق الحبوب والحطب والماشية. وضاحية مناخية تتصل بالمدينة عبر بوابتين ، أهمهما البوابة السورية التي تؤدي إلى شارع ضيق لا يربو عرضه على 4 ـ 5 ساجينات ، ولكنه أكثر شوارع المدينة المنورة انتعاشا وحركة ؛ وهو يعبر المدينة كلها وينتهي عبد بوابة الحرم. وهناك شارع رئيسي آخر ، أوسع بقليل وتقوم فيه أفضل البيوت في المدينة المنورة ؛ وهو يتجه شمالا ، بموازاة الشارع الأول ، وينتهي إلى بوابة أخرى من



الحرم. القسم الباقي من المدينة تتقطعه في اتجاهات مختلفة أزقة ضيقة موزعة بشكل شبكة مشوشة خارقة التشوش.
البيوت
الحجر هو مادة بناء البيوت هنا كما في مكة. كذلك يستعملون الحمم (السائل البركاني) المتجمدة التي تغطي كل السهل في جوار المدينة المنورة. ومعمارية البيوت كما في مكة ، ولكن يبنون أيضا في الطوابق السفلى غرفة خاصة بدون نوافذ مزودة بمدخنة عريضة متصاعدة إلى أعلى ، وتجوز جميع الطوابق العليا. هذه الغرفة المسماة «القاعة» هي غرفة الاستقبال عند أهل المدينة لأنها أبرد من غيرها. وفي الطوابق العليا يبنون مشربيات ؛ وعلى السطح يوجد مكان لأجل راحة الليل صيفا والتدفؤ في الشمس شتاء.
سكان المدينة وأشغالهم
بموجب المعطيات التركية الرسمية ، يبلغ عدد السكان الدائمين في المدينة المنورة 80000 نسمة ، ولكنه ، نظرا لأبعاد المدينة ، بالكاد يربو على نصفي هذا العدد. والسكان أنفسهم يعتبرون هم أيضا أن عددهم يبلغ زهاء 40000 نسمة.
يتألف السكان من عناصر متنوعة كما في مكة. وسكان الحجاز الأصليون هم هنا ، في المدينة المنورة ، أقل أيضا مما في مكة ؛ وجميع الأفراد الذين يقولون عن أنفسهم أنهم عرب ، فيما عدا استثناء طفيف ، غرباء تجنسوا من زمان بالجنسية الحجازية. ويتألف نصف السكان من قادمين من زمن غير بعيد ـ من أتراك وجزائريين وتونسيين ومصريين وسرتيين وتتر وغيرهم.
وقد بدا لي عرب المدينة المنورة ألطف من سكان مكة ؛ فهم

بشوشون جدّا ، مضيافون ، ودودون ، مستعدون دائما لمد يد العون عند الاقتضاء ، رفاق ممتازون في الطريق ؛ وسكان الحجاز الآخرون يفسرون على طريقتهم هذه السمات من طبع أهل المدينة المنورة قائلين أن بركة النبي لا تزال تشملهم لأنهم كرموه بعد الهجرة من مكة.
في عداد السكان القادمين يوجد بضع مئات من السرت ؛ وهم هنا على الأغلب فعلة عاديون ، غير ماهرين ، ينافسون الارقاء بنجاح. والأتراك والمصريون وغيرهم يلعبون هنا نفس الدور الذي يلعبونه في مكة.
وفي المدينة تعيش 31 عائلة من التتر من رعايا روسيا ، هاجرت إلى هنا في أزمان مختلفة ولأسباب مختلفة ، واحبت هذه المدينة وشكلت هنا جالية صغيرة في ضاحية مناخة. وهذه الجالية يرأسها عبد الستار ، الذي استقر هنا منذ 40 سنة والذي نزح من محافظة استراخان.
والتتر المحليون نزحوا بأغلبيتهم من روسيا بعد الاضطرابات التي نشبت بينهم في سنة 1892 ؛ وقسم منهم حرفيون وتعساء جاؤوا يبحثون عن السعادة ؛ وهناك بينهم أيضا تلامذة في المدارس الدينية المحلية تزوجوا واستقروا هنا للإقامة الدائمة. وأعضاء هذه الجالية يكسبون جميع موارد رزقهم من الحجاج من أبناء قوميتهم ؛ فهم يستقبلون القوافل القادمة من جهة ينبع ويحاولون أن ينزلوا الحجاج في بيوتهم ، ويقدمون لهم الطعام ويحاولون أن يستحصلوا على «بدل» ؛ وحين تعتزم القوافل مواصلة السير ، يتجمع جميع أعضاء الجالية لتوديع القوافل لكي يحصلوا من مواطنيهم على صدقة هي عادية في مثل هذه الأحوال ؛ وأن من يفلحون في الحصول على بدل ، يذهبون مع الحجاج لأجل إداء فرائض الحج في مكة ؛ ومن مكة يعودون مع حجاج آخرين ، وينزلونهم في البيوت ويودعونهم بموجب النظام نفسه. وعند إنتهاء الحد ، يذهب بعض من التتر المحليين إلى روسيا لزيارة اقربائهم ، والأهم ، لجمع الصدقات التي يقدمونها لهم بطيبة خاطر بوصفهم من سكان المدينة المقدسة ،

وللحصول على بدل إذا سنحت الفرصة. وقد رأيت بين المهاجرين المحليين واحدا فقط كان فيما مضى تاجرا ميسروا وفر إلى المدينة المنورة بسبب إدمان الخمر ، وهو الوحيد الذي لا يهتم بالحجاج ، ويكسب رزقه بعمله. ومنذ حوالي 29 سنة ، بدأ عبد الستار المذكور أعلاه يجمع في روسيا النقود لبناء مدرسة دينية ومسجد في المدينة المنورة. ولجمع التبرعات سافر أولا بنفسه ؛ وعندما منعوه من دخول روسيا ، شرع يرسل أقرب معاونيه مع الرسائل ؛ وعلى هذا النحو ، كما يقال ، تم جمع 50 ألف روبل تقريبا. وبهذا المبلغ بنوا مدرسة دينية مرفقة بأربعين منسكا ضيقا جدّا ينزلون فيها أيضا ، في زمن الحج ، بعضا من الحجاج ، كما بنوا مسجدا غير كبير وستة بيوت يعيش فيها جامعو النقود أنفسهم. وفي الوقت الحاضر يستمر جمع النقود وتشييد المباني.
وقد تسنى لي أن اسمع مرارا من أفراد مختلفين انه إذا توفي حاج توقف عند عبد الستار أو عند أنصاره الستة أو السبعة أو في المدرسة الدينية ، فإن أمواله ونقوده تختفي باوقح شكل ، بلا ذمة ولا ضمير ؛ كذلك يتصرفون بأموال التلامذة في المدرسة الدينية ، ويتخاطفون ويسرقون أمتعتهم ، ويستبدلون كتب الأوقاف بكتبهم ؛ وبعد ذاك فقط يعلمون السلطات بموت التلميذ.
إن عبد الستار وأقرب أعوانه ، سعيا منهم إلى نشر نفوذهم وزيادة عدد اتباعهم حولهم ، يحاولون بجميع الوسائل أن يوحوا لمواطنيهم العائشين في روسيا بأن «الهجرة» أي النزوح إلى دولة إسلامية هي من أهم واجبات كل مؤمن. وفي سنة 1897 وضع الشيخ عبد القادر الذي كان يتمتع بالشهرة في المدينة المنورة (المتوفي حاليا) ، بتكليف منهم ، كراسا خاصا يحتوي جميع آيات القرآن المتعلقة بتلك المرحلة من نضال النبي ضد الوثنيين المكيين التي طلب فيها من اتباعه النادرين آنذاك من عداد سكان مكة اللحاق به. وكان من المرتأى ، بعد طبع الكراس في

القاهرة ، ارسال 1000 نسخة إلى روسيا حيث كان من الممكن ، باعتبار أنها ترتكز على القرآن الكريم وحسب ، أن تستثير الاضطراب والغليان وسط قسم معين من السكان المسلمين. وحين غادرت القاهرة في شهر كانون الثاني (يناير) من السنة الجارية ، لم يكن الكراس قد طبع بعد ، نظرا لمرض الشخص الذي عهد إليه بطبعه.
ومع ذلك لا يتزايد عدد التتر في المدينة المنورة من جراء الظروف المناخية المرهقة ومن جراء النسبة الكبيرة من الوفيات. وإذا ماتت الزوجة ، راح الأرمل للتزوج من جديد إلى روسيا ؛ ومنها يحاول أن يجلب أيضا زوجات لأولاده الراشدين واخوته وغيرهم ، متجنبا بكل اجتهاد القران بالعربيات المحليات إذ يجد أنهن مفرطات في تطلباتهن ومتقلبات الهواء.
أشغال السكان في المدينة المنورة تشبه أشغال السكان التي رأيناها في مكة ـ جزئيّا التجارة ؛ وأساسا مختلف موارد الرزق من خدمة الحجاج.
البازارات في المدينة المنورة عبارة عن نسخة غير كبيرة عن بازار مكة ، وهي تتاجر بالبضائع ذاتها تماما ، ولكنها تبيع بأسعار أغلى بكثير ونادرا ما تطرأ عليها التقلبات ، نظرا لأن استجلاب البضائع أصعب ولأن العرض غير كبير. وبدرجة كبيرة جدّا ترتفع أسعار مواد الضرورة الأولية المستجلبة من ينبع ومنها مثلا الشاي والسكر. أما القمح والرز فإن المدينة المنورة تحصل عليهما جزئيّا بفضل القوافل القادمة من منطقة ما بين النهرين ؛ بينما ترد سمنة البقر والضأن والدهن من نجد. وفي سنة 1898 ، تشكي الناس بخاصة من غلاء أسعار المنتوجات المعيشية المحلية ، الناجم عن انقطاع المطر في الشتاء السابق والنقص العام في المعلف. وكانت أسعار سلع الضرورة الأولية بالمتوسط للرطل الواحد كما يلي :


الظروف الصحية في المدينة المنورة
الظروف الصحية في المدينة المنورة أفضل مما في مكة ، بفضل توفر بعض المرافق العامة ، والأهم بفضل عد تجمع الحجاج في آن واحد بأعداد كبيرة.
الماء
حصلت المدينة المنورة على الماء في سنة 1590 وذلك من آبار عين الزرقة الواقعة على بعد زهاء خمسة فرستات عن المدينة ، قرب جامع القبّة. ونظام توزيع مجارير الماء كما في مكة. الأنبوب الحجري يمتد على عمق زهاء ساجينين وله كثرة من منافذ الهواء ـ الآبار المرفوعة كثيرا تخوفا من ظاهرات السيول فوق سطخ الأرض. ولاستعمال الماء توجد أحواض مبلطة بالحجر ، ولكن الناس لا يستقون الماء من المزراب ، بل يمررونه بواسطة حنفيات نحاسية عبر خراطيم خاصة إلى القرب مباشرة. ونقل الماء وتوزيعه على البيوت وحفظه كما في مكة. وهذا الماء لا يستعملونه في المدينة المنورة إلا لأجل الشرب والطعام ؛ أما الحاجات الأخرى فتلبيها الآبار القائمة في كل بيت. والماء في المدينة المنورة جيد ، ولا نقص فيه.

حالة البيوت
تتصف البيوت ببالغ النظافة والترتيب ، ولكن بيوت الخلاء كما في مكة ؛ وفي بعض البيوت تفوح رائحة كريهة في الطوابق السفلى ، وبخاصة إذا كان عدد السكان كبيرا. وتنظيف البالوعات يجري على الأغلب مرة واحدة في السنة. وبعض أصحاب البيوت لا يقومون بهذه العملية إلا مرة واحدة كل سنتين أو ثلاث. ومحتوى البالوعة ينقلونه إلى خارج المدينة.
حالة الشوارع
المدينة نفسها تقع ضمن سور وفي رقعة أضيق مما في مكة ؛ والشارع الأفضل الذي ينطلق من باب الشام وتشغله كليا الدكاكين من جانبيه لا يبلغ عرضه أكثر من 4 ـ 5 ساجينات. والأزقة خارقة الضيق ، وعرض بعضها أرشينان ونصف أرشين فقط. وهناك عمارات تطل على الشارع الكسب مكان ، تاركة في أسفل ممرا غير عال ، الأمر الذي يعيق كثيرا ، بالطبع ، حركة الهواء. وترتيب البيوت في ضاحية مناخة أرحب بكثير رغم انه لا وجود هنا للأحواش ورغم أن المباني تلتصق بعضها ببعض على الشارع وفي العمق. والشوارع تشكل مكانا لرمي الزبالة والنفايات من كل شاكلة ، ويجري تكنيسها مرة واحدة في اليوم.
ولكن الشارعين الرئيسيين في المدينة المنورة مرصوفان بالبلاطات الحجرية ؛ ورش الشوارع يقوم به في كل مكان تقريبا أصحاب البيوت أنفسهم.
أما السبب الرئيسي لكون شوارع المدينة المنورة أنظف ، هو أن المدينة ذاتها لا تجيز دخول الجمال وسائر الحيوانات ، فتتوقف القوافل العابرة خارج المدينة أو في ساحة بمناخة ؛ وجميع الحمير والأحصنة التي تخص السكان يزربونها هي أيضا في هذه الضاحية.

المسلخ
يقع المسلخ خارج المدينة ، عرى مقربة من سورها ؛ وهو قذر جدّا.
المقبرة
للمدينة المنورة مقبرة صغيرة واحدة تقع وراء سور المدينة بالذات ، ويطوقها سور غير عال. أسلوب دفن الموتى هنا كما في مكة : يحفرون حفرا عميقة كفاية ، لا أقل من أرشين ونصف أرشين ، وفي المدافن القديمة نظرا لضيق المكان. كذلك لا وجود هنا لعادة جلب الموتى من غير أهل المدينة.
الظروف المناخية
تقع المدينة المنورة أبعد إلى الشمال وفي محلة مكشوفة ، ولذا تتمتع بحرارة أدنى بعض الشيء في فصل الصيف ؛ وفي الشتاء يكون البرد ، كما يقولون ، محسوسا جدّا. وحسب مراقباتي في شهري أيار (مايو) وحزيران (يونيو) ، كان متوسط الحرارة في اليوم في غرفة غير كبيرة ، ولكنها محمية جيدا من الشمس ، 27 درجة ريومور فوق الصفر ، ولكنها كانت ترتفع في النهار إلى 29 درجة وتهبط في الليل إلى 25 درجة. وفي الشتاء تهبط الحرارة في الغرفة ذاتها ، كما قالوا لي ، إلى 13 درجة فوق الصفر.
ولربما بسبب الفرق الكبير بين حرارة الصيف وحرارة الشتاء ، أو بسبب وفرة وقرب المياه الجوفية المتواجدة في كل مكان على عمق ساجينين أو ثلاثة ، أو بسبب إنشاء الآبار في البيوت بالذات ، تتخذ الملاريا في المدينة المنورة شكلا خطيرا جدّا ، فاتكة بكثيرين من المرضى. وعدا ذلك ، توجد ، وأن اندر مما في مكة ، أمراض مختلفة



لأعضاء جهاز الهضم. ونسبة الوفيات ، وبخاصة بين السكان الدخلاء ، كبيرة جدّا ؛ ويموت على الأخص عدد كبير من الأولاد. وعند التتر المقيمين هنا ، كما يقولون ، لا يعيش سوى عدد تافه من المواليد الجدد. كذلك نسبة الوفيات كبيرة بين العساكر.
المستشفى
لا صيدلية في المدينة المنورة ؛ ولكن المرضى يحصلون على الأدوية مجانا من المستشفى المبني على نفس الأسس كما في مكة ، بأموال الأوقاف التي كانت تتبرع بها والدة السلطان عبد المجيد ؛ وهذا المستشفى يشغل مبنى رحبا جدّا من ثلاثة طوابق عند بوابة الحرم بالذات ويملك ثلاثين سريرا دائما. ويعمل في المستشفى طبيب واحد وصيدلي واحد.
المدارس الدينية في المدينة المنورة
تسنى لي أن أطلع بمزيد من التفصيل على المدارس الدينية في المدينة المنورة ، حيث الدروس لا تتوقف حتى في زمن تجمع الحجاج. وكل ما اقوله هنا عن هذا النوع من المدارس يصح كذلك على المؤسسة التعليمية من هذا الطراز في مكة ، التي لا تختلف إلا من حيث قوام التلامذة ؛ ففي مكة يشكل الماليزيون الأغلبية ، وفي المدينة المنورة الأتراك والسوريون والتتر وغيرهم.
في المدينة المنورة 17 مدرسة دينية تضم قرابة 250 تلميذا. وجميع المدارس الدينية تشكل أوقافا تركية بوجه الحصر ، ويؤمن لها دخل معين يجري انفاقه على المعلمين وعلى منح التلامذة النقود لأجل الطعام. وأغنى المدارس الدينية مدرسة المحمودية حيث يتقاضى التلميذ ليرة تركية واحدة في الشهر ؛ وفي المدارس الباقية ينال التلميذ بالمتوسط

في كل شهر مجيديتين (حوالي 3 روبلات و 50 كوبيكا). أما العائشون في مدرسة قازان ، فيعيشون على حسابهم.
جميع مباني المدارس الدينية مبنية حسب طراز واحد ـ عمارة مربعة الزوايا من طابق أو من طابقين مع حوش في الوسط تطل عليه جميع أبواب غرف غير كبيرة ـ أي مناسك معد كل منها لايواء شخص واحد. وعدد هذه الغرف لا يربو عادة على 10 ـ 15 ؛ وعددها في المحمودية 26 ، وفي مدرسة قازان 40 ؛ وفي مدارس دينية أغنى تبلغ مساحة الغرفة حوالي 20 ارشينا مربعا ؛ وفي كل من الغرف توجد نافذة غير كبيرة ؛ أما في مدرسة قازان فإن مساحة الغرف 12 ارشينا ، والنوافذ موجودة في غرف الزوايا فقط. وفي المدارس الدينية جميعها تقريبا توجد مكتبات وغرفة أوسع هي صالة للمحاضرات. ولكل مدرسة دينية ناظرها ؛ وهو يعيّن وفقا لمشيئة صاحب الوقف ، كما انه يشرف على قبول وصرف التلامذة وإعطائهم النقود الواجبة ، والتقيد بالنظام ، وخلاف ذلك. وعدا الناظر ، ينبغي أن يكون ثمة معلم ، أي مدرّس يعيّن كذلك بإشارة من صاحب الوقف أو ورثته.
في عداد التلامذة يقبلون أبناء جميع القوميات ما عدا السكان المحليين ، ومن جميع الأعمار ، وفقا لعدد الغرف الفارغة ، دون السؤال عن المعارف التي يملكها طالب العالم. وعدد سني الإقامة في المدرسة غير محدد. وهناك من يعيشون فيها 20 سنة. ولا تتخذ اية تدابير للاجبار أو الحث أو التشجيع في الدراسة أو للتحقق من النجاحات. ولا يصرف التلامذة خلافا لإرادتهم إلا في حال اقترافهم أعمالا غير لائقة جدّا ، ـ وليس ثمة تقريبا مثال على ذلك ـ وكذلك في حال زواجهم. ونظرا لهذه النظم ، يعيش على الدوام في المدارس الدينية عدد عديد من شتى الأفراد الذين لا مأوى لهم والذين لا علاقة لهم البتة بشؤون الدراسة ، وذلك لمجرد الرغبة في الانتفاع من الشقة الجاهزة والنقود للعيش. وفي كل

مدرسة دينية تقع العين على بضعة شيوخ هرمين جاؤوا إلى المدينة المنورة لكي يقضوا هنا أواخر أيامهم لكي يدفنوهم على مقربة من قبر نبيّهم.
تبدأ الدروس في المدرسة فور صلاة الصبح ، مع طلوع الشمس ؛ وجميع التلامذة والعائشين في المدرسة ملزمون بالاستماع إلى محاضرة واحدة من مدرّسهم ، ثم يتصرفون بوقتهم كما يطيب لهم ، دون أية رقابة. وعادة ، يذهب الراغبون في تحصيل العلم إلى الحرم حيث يلقى ائمة المدينة المنورة ، الواسعو الشهرة ، الخطب في ساعات معينة من النهار ، وكل منهم في موضوعه ؛ ويتجمع حوله عدد كبير من المستمعين ، وحين يجد التلميذ انه يملك ما يكفي من المعارف في الموضوع المعني ، ينتقل إلى إمام آخر ، وهكذا دواليك.
ومن عداد مواضيع الدراسة ، باستثناء العلوم الدينية المدرّسة في جميع المدارس الإسلامية ، اشتهر ائمة المدينة المنورة بتفسير القرآن الكريم وبخاصة تفسير الأحاديث النبوية. وكثيرون من التلامذة يتوافدون إلى المدينة المنورة لسنة أو لسنتين خصيصا لتحصيل هذه العلوم من معلميها.
ولكن من يعيش في المدرسة الدينية مفروشاته ولوازم منزلية بسيطة ؛ وهو يعتم شخصيا بإعداد الطعام لنفسه. وحوالي الساعة 9 مساء تقفل المدرسة أبوابها ؛ وقبل ذاك يعود الجميع في المعتاد إلى غرفهم.
حين كنت في المدينة المنورة كان فيها 42 تلميذا تتريا من رعايا روسيا موزعين في مدارس دينية مختلفة ، ولكن أغلبيتهم كانت في مدرسة قازان لأنه يوجد هناك عدد كبير من الغرف الفارغة. وعدد هؤلاء الشبان ازداد كثيرا في السنوات الأخيرة بالانتقال إلى هنا من المدارس الدينية في القاهرة والقسطنطينية (في أواخر سنة 1897 بقي في القاهرة 7



أشخاص وفي القسطنطينية 15 شخصا من السفط (1) من رعايا روسيا) وذلك جزئيّا بدافع الرغبة في الاستماع إلى خطب ائمة المدينة المنورة ، وبصورة رئيسية ، بامكان العيش بصورة أقل حقارة وفقرا ، بفضل إمكانية جمع الصدقة والإحسان من الحجاج من أبناء الوطن والحصول أحيانا على ابدال مفيدة.
وقد اقتنعت بأن تلامذتنا هنا يتميزون بصورة إيجابية عن زملائهم في مدارس بخارى ؛ فلا يلحظ المرء فيهم ذلك التعصب الأعمى المتطرف وذلك الازدراء الجاهل لك ما لا يدخل في إطار الشريعة وبجميع من لا يسيرون بكل دقة في طريقها المرسوم ؛ ويتميز ارباء المدينة المنورة بافق أوسع بكثير ، ونظرات أصح ؛ ويعتمون بكل شيء. وقد بدا لي أن سبب ذلك ، بصورة رئيسية ، هو روح سكان المدينة المنورة الأصليين ، وهي روح مغايرة تماما ، اوفر حرية إلى ما لا قياس له ؛ وانه يجب أن ننسب جزئيّا هذا التأثير إلى السفرة الطويلة التي تحمل إلى الشبان الصحو وصفاء الذهن ؛ وجزئيّا إلى نفوذ العالم الديني السيّد على الزاهر الواسع الشعبية في الحجاز ؛ وهو رجل لا ريب في انه ذكي جدّا ورأى الكثير في دهره ، وذو وجهة ليبيرالية نادرة جدّا بين العلماء. وهذا العالم يلقى تفسيرات للأحاديث النبوية ؛ ومحاضراته في الحرم تجتذب دائما عددا كبيرا من الناس. إن التفسيرات التي يعطيها عن اقوال النبي تتميز عن تفسيرات العلماء الآخرين ؛ فهو يرى في كل شيء مغزى داخليا أوسع. وقد تسنى لي أن حضرت إحدى المحاضرات في تفسير الأحاديث المتعلقة بالهجرة (أي عن النزوح من دولة غير إسلامية إلى دولة إسلامية) ؛ وقد قال السيّد على أن واجب كل مسلم أن يحب الوطن الذي يعيش فيه ، وأن يحترم السلطة القائمة هناك ، أيا كانت العقائد هناك ، وانه
__________________
(1) سوفت ـ تلميذ المدرسة الدينية.

لا مبرر للنزوح لا في القرآن ولا في الأحاديث ، إذا كان الإيمان لا يتعرض للعنف. وهذا العالم المحترم هو من كبار أنصار روسيا ؛ وغالبا ما يحكي لزواره العديدين من الحجاج من جميع البلدان ، عن زيارته لموسكو حيث شاهد بالتفصيل جميع الطرائف ، ويمدح كثيرا نظمنا وأوضاعنا ؛ وهو يقول : «ايماننا صحيح ، ولا شك في هذا ، ولكن العدالة غائبة في الدول الإسلامية ؛ ويجب البحث عنها عند الروس».
المكتبات
عدا المكتبات غير الكبيرة الموجودة في كل مدرسة دينية توجد في المدينة المنورة مكتبتان عامتان غنيتان نسبيّا : مكتبة شيخ الإسلام ومكتبة المحمودية ، وفي كل منهما قرابة 6000 مجلد ، أغلبها كتب مخطوطة دينية المضمون ، وبينها نسخ نادرة جدّا. والمكتبات ، مثلها مثل المباني التي تقوم فيها ، تمولها الأوقاف ؛ ومن أموال الأوقاف يتقاضى قيمو المكتبات رواتبهم.
سلطات المدينة
إدارة المدينة يرأسها العامل ، أي حاكم سنجق المدينة المنورة ، وللبت في الدعاوي القضائية يوجد قاض تجري الاستعاضة عنه سنويا من القسطنطينية ، ومحتسب. وهناك مفتيان لأجل المذهب الحنفي والمذهب الشافعي. ولحفظ النظام تقام في زمن إقامة قوافل الحجاج دورية عسكرية خاصة في ساحة ضاحية مناخة. أما في الوقت الباقي فلا يظهر في الشوارع أي من حراس الأمن والنظام. وجميع بوابات المدينة يحرسها حراس ؛ وفي الليل يغلقونها ؛ ولا يسمحون بالخروج لقوافل الحجاج إلا نهارا وشرط أن يقدم البدو ترخيصا خطيّا من العامل.

البساتين في ضواحي المدينة المنورة
ضواحي المدينة عبارة عن سهل رملي عريض ، تتخلله الحجارة والسائل البركاني المتجمد ، ويكسوه السباخ. ولا وجود البتة للماء الجاري ، ولكن الشريحة المنطوية على الماء تمتد على عمق غير كبير جدّا ، على عمق ساجينين أو ثلاثة ، ومن جراء ذلك تكثر البساتين وأحواض الخضراوات في ضواحي المدينة المنورة ، وبخاصة في جانبها الشرقي ؛ وهي تخص البدو جزئيّا ، وجزئيّا الطبقة المسيورة من سكان المدينة. تتألف البساتين بوجه الحصر تقريبا من أشجار النخيل ؛ وتمر المدينة المنورة يعتبرونه ، من حيث وفرة السكر فيه ، أفضل تمر في العالم ، ويشكل المادة الوحيدة للتصدير من هذه المنطقة ؛ وإلى شراء التمر يتوافدون من أبعد أنجاء الحجاز ؛ كذلك يبيعونه في محله أو عبر مكة من الحجاج. وتبلغ الصادرات قرابة 50000 بود (1). وسعر خيرة الأصناف ، حين يشتريها الحجاج ، زهاء 10 كوبيكات للرطل الواحد. وهنا يحسبون انه يوجد أكثر من 70 نوعا من أشجار النخيل المختلفة من حيث صفات ثمارها. تعيش شجرة النخيل حوالي مائة سنة ، وتبلغ أقصى مردودها حين يتراوح عمرها بين 50 و 60 سنة ، ثم تبدأ تشيخ تدريجيا ؛ وحين تقل كمية الثمار كثيرا ، يقطعون الشجرة من جذعها ويستعيضون عنها بشجرة فتية. تعطي شجرة النخيل في موسم جيد وفي أفضل أوقاتها زهاء 300 رطل من التمر ؛ ويجنون بالمتوسط من كل شجرة زهاء 180 رطلا. ويعتبرون أن خيرة الأنواع هي : الجاليابي ، الحلوة ، البرني ، الحتلاية ، الجادي ، البيض ، اللبانه ، العجوة. السقاية تجري ببالغ الوفرة ؛ وأثناء نضوج الثمار تجري أحيانا كثيرة جدّا ـ مرة كل 5 أو 6 أيام ، بل أكثر من ذلك إذا توفرت الإمكانيات. يستخرجون الماء من
__________________
(*) البود : 380 ، 16 كيلوغراما. المترجم.

الآبار بقرب كبيرة خاصة وبمساعدة دواب الجر. فتحات الآبار واسعة جدّا ، قطر كل منها ساجين ونصف ساجين أو ساجينان ؛ من طرف ينتصب عمودان حجريان بينهما يضعون بكرات خشبية على درجتين. القربة المليئة بالماء يرفعونها بواسطة حبلين موصولين بطرفي القربة ، وممررين عبر البكرات الخشبية. حين ينبسط الطرف المفتوح من القربة على البكرة الدنيا ، يواصل الطرف المقابل الصعود ويجعل القربة في وضع عمودي ، فينسكب الماء كله منها. وعادة تعمل قربتان بصورة متوازية ، يرفعونهما بواسطة دابتين ، وعلى الأغلب بواسطة جمال فتية تدور إلى الوراء إلى الأمام في ساحة منحنية قرب البئر. بهذا الأسلوب يستخرجون بالمتوسط زهاء ليتر واحد في الثانية.
عدا أشجار النخيل يتعاطون في البساتين زراعة نوع صغير من أشجار الليمون الحامض ، والكروم والحنّاء والفلسنك وغير ذلك. والفسحات الحرة بين الأشجار يزرعونها بالفصفصة. ومن الخصراوات يزرعون ، فيما يزرعون ، البطاطا. وبعض من سكان المدينة المنورة ينقلون إلى البساتين لقضاء الصيف كله إذا توفرت لهم الأسباب لعدم التخوف من إعتداءات البدو. أما بالنسبة للآخرين ، فإن البساتين تشكل مكانا للنزهة ؛ فيأتون جماعات كبيرة ، ويختارون بستانا ما حرا ، علما بأن صاحبه لا يحول أبدا ، بحكم العادة ، دون دخول الغرباء إلى بستانه ، فيبقون لبضعة أيام ، مستفيدين كذلك من الثمار مجانا.
المدينة المنورة بوصفها منفى
المدينة المنورة ، مثلها جزئيّا مثل مكة والطائف ، تشكل في عهد السلطان العثماني الحالي منفى للأشخاص المستبعدين لأسباب سياسية ، وللنساء والخصيان المطرودين من الباب العالي. وبين الأشخاص من

الفئة الأولى ، يمكن ذكر غازي محمد باشا ، وهو من أبناء الإمام شميل المعروف.
ينبع. موقع المدينة والبيوت
مدينة ينبع أو ، كما يسمونها تمييزا لها عن ينبع أخرى واقعة على بعد 25 فرستا تقريبا في الجبال ، ينبع البحر ، هي أقرب مرفا إلى المدينة المنورة. تقع ينبع على بعد 200 فرستا تقريبا ، إذا حسبنا بالخط المباشر ، إلى الجنوب الغربي والغرب من المدينة المنورة ، وعلى بعد 190 فرستا تقريبا إلى الشمال من جدّة ؛ تنتصب ينبع على ساحل رملي مستو من البحر الأحمر ، ويحيط بها من جهة البر سور حجري ذو بوابتين. بيوت ينبع من الهندسة المعمارية المتواجدة في مكة ، ولكن مع فارق وحيد هو أن جميع الطوابق السفلى في ينبع مأهولة كذلك أن حطام الشعب المرجانية التي تقوم عليها المدينة تشكل مادة لأجل البناء أيضا. والبيوت متزاحمة في الجانب الجنوبي من المحلة المحاطة بالسور حيث يوجد شارع واحد وبازار وبضعة أزقة. أما في القسم الشمالي من المدينة فإن المباني موزعة على نطاق واسع ودون أي نظام ؛ وفي الطرف الشرقي تقوم بنايات غير سكنية يستعملونها لجمع الماء وحفظه.
السكان وأشغالهم
في ينبع يعيش 5000 نسمة من السكان الدائمين ؛ وهم أساسا من السكان المحليين ، الأصليين. وشغلهم في زمن الحج ، ممارسة التجارة ؛ أما في الوقت العادي ، فيتعاطون صيد السمك والملاحة الساحلية ، وما إلى ذلك. والتجار القادمون من مصر وجدّة والمدينة المنورة في زمن تدفق الحجاج هم تجار أكبر من تجار ينبع. سلع التجارة هي كالتي في المدن المذكورة ، ولكن بمقادير أقل بكثير. ومن سلع التصدير التمر

المستجلب إلى هنا من ينبع النخلة الصفراء والحمراء وكذلك الصدف على أنواعها والسلاحف ، وغير ذلك من المواد المستخرجة من البحر.
وهناك ملاحة أكثر إنتعاشا على السنابك ـ وهي زوارق شراعية غير كبيرة بلا متون يصنعونها في جدّة ـ تجري في اتجاه هذه المدينة. وأثناء إقامتي في ينبع كان يأتي إليها ويغادرها كل يوم بضعة سنابك ناقلة الركاب وتلك البضائع التي تفرغها البواخر في جدّة لأنها لا تعرج على ينبع. تمضي السنابك بمحاذاة الساحل ؛ ونظرا لمخاطر الملاحة بسبب الشعب التحتمائية ، تتوقف ليلا ويستغرق الطريق بين المينائين المذكورين يومين أو ثلاثة أيام إذا جرت «الرياح بما تشتهي السفن». كذلك ينطلق سكان ينبع إلى مرافى البحر الأحمر الأخرى بما فيها السويس والحديدة ضمنا. ويوجد في ينبع مكلأ صغير ولكنه محمي جيدا من جميع الرياح ؛ والمكلأ عميق إلى حد أن السفن ترسو على بضعة ساجينات فقط من الشاطئ. ولكن الدخول إلى المكلأ الذي تتخلله الشعب والذي لا يمكك إنارة ، غير ممكن إلا نهارا.
الظروف الصحية في ينبع
الظروف الصحية في ينبع اسوأ مما في جميع النقاط الأخرى في الحجاز. ينقصها الضروري جدّا في المناخ الحار أي الماء الجيد. وهنا يستعملون ماء المطر ؛ ولأجل جمعه يبني السكان ضمن حدود المدينة اقبية غير كبيرة من الحجر سعة الواحد منها 5 ـ 8 ساجينات مكعبة ، مع مبنى في أعلى القبو بشكل عنبر. في أحد جدران العنبر ، يتركون قرب سطح الأرض فتحة ينسكب منها في القبو ماء المطر السائل في الشوارع. وللعنبر باب يغلقونه بالقف. ولأخذ الماء يدخلون إلى العنبر ويستقون الماء بالدلو. خارج سور المدينة ، على بعد نصف فرستا تقريبا ، تقع

صهاريج عامة مقاييسها أكبر. وفضلا عن ذلك يستجلب البدو من خزاناتهم الماء على ظهور الجمال لبيعه.
منذ 4 سنوات هطل الوابل الأخير الذي ملأ جميع صهاريج ينبع وضواحيها ؛ ولذا كانت جميع الأقبية في المدينة أثناء إقامتي فيها فارغة من زمان. وبعد فترة وجيزة شرب الحجاج كل مضمون الصهاريج العامة أيضا. كما نفد احتياطي الماء عن البدو ، ولذا شرعوا بحكم الضرورة يستجلبون الماء من على بعد 25 فرستا من منابع ينبع النخلة ويبيعونه ب 60 كوبيكا للدلو الواحد. وكان ماء الصهاريج كثيفا ، وغير مستطاب الطعم ، وكان يباع بنحو 50 كوبيكا للدلو الواحد.
وبسبب رداءة الماء القصوى أغلب الظن لم ار أثناء إقامتي مدة أسبوع في ينبع إنسانا واحدا لم يتذمر من ألم في البطن ومن انحطاط القوى العام. وكان عدد الوفيا كبيرا. وكانوا كل يوم يدفنون 5 ـ 6 أشخاص من الحجاج البالغ عددهم حوالي 3000.
وفي المدينة يسود قذر فظيع وعلى الأقل في زمن تجمع الحجاج. ونظرا لقلة البيوت يعيش الحجاج في الأراضي الخالية والساحات على مقربة من البحر. وهنا بالذات يرمون كل النفايات. والأماكن المخيفة المعزولة إلةى هذا الحد أو ذاك والمضحل العريض تستعمل لقضاء الحاجة. والمضحل يغطيه الماء على عمق تافه أثناء المد ويتعرى أثناء الجزر فتفوح منه إذ ذاك رائحة كريهة رهيبة. ولم يتسنّ لي أن أرى في أي مكان وزمان مثل هذه الكثرة من الذباب كما في ينبع. وهنا لا يمكن السير في الشوارع ، ناهيك عن البازار القذر ، دون أن يكون في اليد شيء ما لطرد الذباب على الدوام ؛ وفي النهار يستحيل كليا الجلوس للأكل ؛ وفي البازار لا يمكن إيجاد أي شيء من المآكل لم يترك عليه الذباب آثاره.

الظروف المناخية
المناخ في ينبع ابرد قليلا مما في المدينة المنورة بفضل تأثير البحر والرياح الشمالية المتكررة ؛ ولكن التبخرات الخارقة الوفرة من البحر تخلق رطوبة غير مستطابة إطلاقا ؛ ففي الصباح ينهض المرء من الفراش كأنما مبلل بالماء ؛ وجميع الالبسة وسائر الأشياء لا تجف أبدا ؛ والتربة تترطب في الليل كما بعد مطر قوى. والريح من البحر ، وان تكن باردة نوعا ما ، لا تمارس فعلا منعشا وتحمل رائحة ما ثقيلة وكريهة ناجمة ، أغلب الظن ، عن نفسخ البقايا العضوية.
ومن جراء هذا المناخ الرطب غالبا جدّا ما تقع إصابات الحمى في ينبع.
الإسعاف الطبي
في ينبع حيث يتكدس أحيانا ، بانتظار القوافل أو البواخر ، زهاء عشرة آلاف حاج ؛ لا مستشفى ، ولا صيدلية ولا طبيب خاص لأجل الحجاج.
سلطات المدينة
تدخل ينبع في قوام سنجق المدينة المنورة ويديرها قائمقام خاص.
جدّة
جدّة أهم مرفأ على ساحل البحر الأحمر ؛ وعبره تمر حركة الحجاج الرئيسية ، سواء عند نزولهم على ساحل الجزيرة العربية أم في طريق العودة إلى الوطن. ولم أر شخصيا جدّة إلا من البعيد ، لأنها كانت مغلقة بسبب الحجر الصحي لدن ذهابي إلى مكة ؛ أما في الطريق العودة من

الحجاز ، فقد رحت عبر ميناء ينبع ، ولذا كانت المعلومات المساقة أدناه عبارة عن أجوبة عن اسئلة طرحتها على الناس.
تشبه جدّة مكة شبها كبيرا من حيث طابع عماراتها ومواقع الشوارع والبازارات والحالة الصحية.
يعتبرون أن عدد السكان يبلغ زهاء 20000 نسمة ، بينهم زهاء 50 أوروبيا. يتعاطى السكان على الأغلب التجارة ثم صيد السمك واستخراج اللآلئ والمرجانات من البحر ، والملاحة الساحلية ، وبناء السفن ، والقيام بوظائف المرشدين ، الخ ..
يعتبر مناخ جدّة سيئا جدّا ، غير صحي ، من جراء التبخرات الشديدة من البحر. ةالحمّى هي المرض السائد.
في الوقت الحاضر تستعمل جدّة مياه نبع مجرورة إلى المدينة من الجبال القربية ، ولكن المياه لا تتميز بطعم مستطاب.
مرفأ جدّة خطر جدّا على السفن بسبب كثرة الشعب التحتمائية ، ولذا لا تدخله البواخر وتخرج منه إلا نهارا ، وترسو على بعد 4 ـ 5 فرستات تقريبا من الشاطى ؛ وتجري الإتصالات معه بواسطة زوارق شراعية كبيرة.
على مقربة من جدّة يعرضون مدفن جدتنا الأولى ، حواء ؛ وإليه يمضي كثيرون من الحجاج للسجود والصلاة.

الفصل الرابع
عن الحج عموما
ما هو الحج
الحج هو زيارة مكة المكرّمة لأداء الفرائض التي تنص عليها الشريعة وادائها في وقت معين.
والحج مرة في العمر واجب من الواجبات الرئيسية الخمسة (الإيمان ـ التشهد ، الصلاة خمس مرات في اليوم ؛ الصوم ؛ الزكاة أي تخصيص قسم معين من الأموال في السنة في صالح الفقراء ؛ الحج) المترتبة على كل مسلم ذي أهلية ، سواء من الذكور أم من الأناث ، ولكن شرط كفاية المال لأجل السفر ولأجل تأمين العائلة حتى العودة ، وشرط أمن الطريق. والامتناع عن الحج في حال عدم توفر الشروط المذكورة ، تهدده الشريعة بعقوبات شديدة جدّا في الآخرة وتجعل المزدرين بهذا الواجب في مستوى الكفار ؛ أما الذين يقومون بالحج ، فإنها تعدهم ، على العكس ، بغفران جميع الخطايا المقترفة قبل ذاك. ومن لا يملك الإمكانية البدنية بهذه السفرة يسمح له بإرسال أشخاص آخرين بالنيابة عنه ويسمى هذا «البدل». يجري الحج لكي يؤدي المؤمن واجبا من أهم الواجبات من وجهة نظر الإسلام. وفريضة الحج الرئيسية يؤديها المؤمنون في مسجد مكة الكبير ، المسجد الحرام ، أو الحرم

الشريف كما يسمونه عادة الذي توجد فيه أكبر المقدسات الإسلامية ، الكعبة.
المسجد الكبير في مكة
حرم مكة الواقع في قاع الوادي وفي وسط المدينة تقريبا مبني بنفس التصميم الذي بنيت به جميع المساجد القديمة في دمشق والقاهرة ؛ وهو عبارة عن ساحة شاسعة مربعة مخططة ، محاطة من جميع الجهات برواق مسقوف ؛ ولكن هناك فرق واحد ، هو أن الوجه الموجه إلى مكة في المساجد العادية يكون اوسع ، ويقام فيه محراب ومنبر ؛ أما في الحرم ، فإن جميع الجهات متساوية من حيث العرض ، والمحراب تحل محله الكعبة ، والمنبر مقام في مكان مكشوف في وسط المسجد. الرواق الذي يحيط بالمسجد يتألف من أعمدة أغلبيتها منتصبة في ثلاثة صفوف ، وموصولة بعضها ببعض بالأقواس ومغطاة بقبب غير كبيرة مخروطية الشكل. أرضية الرواق مرصوفة بصائح حجرية ؛ أما القسم المكشوف منه ، فهو مغطى بالرمل فقط. في الزوايا الأربع ، وفوق الوجه الشمالي والوجه الشرقي ، تنتصب سبع مآزن مبنية في أزمان مختلفة وبأساليب هندسية معمارية مختلفة. للدخول إلى المسجد توجد أربعة أبواب كبيرة ـ من الواجهة الشرقية باب السلام ؛ ومن الواجهة الجنوبية باب الصفا ، من الواجهة الغربية باب إبراهيم ، ومن الواجهة الشمالية باب الزنده ؛ وعداها ، يوجد 18 مدخلا صغيرا. الرقعة التي يشغلها المسجد أدنى من سطح الشوارع المحيطة ، ولهذا يجب النزول بضع درجات مبنية تحت الأبواب لأجل الدخول إلى الحرم.
في وسط الحرم تقريبا ، تنتصب الكعبة ، أو كعبة الله ، أو بيت الله. ويستفاد م ن أقوال العرب أن الكعبة ـ ومعناها في اللغة العربية القديمة «المربّع» ـ قد بناها جدنا الأول آدم بصفة محراب لأجل

الصلاة ، ثم بناها النبي شيت ثم إبراهيم. ويستفاد من أساطير أخرى أن إبراهيم هو أو من بنى هذا المعبد. إن الكعبة التي كانت من قبل أيضا معبد العرب في مرحلتهم الوثنية ، أي الجاهلية ، قد أعيد بناؤها غير مرة ، وبقيت حتى أيامنا بالصورة التي جددها بها منذ 300 سنة السلطان العثماني مراد الرابع. والكعبة في الوقت الحاضر موشور سداسي عال (حوالى 7 ساجينات) ذو أوجه متوازية السطوح غير صحيح الشكل تماما ، مبنى من أحجار ضخمة منحوتة من الغرانيت ، وله بابان متواجدان على علو ساجين واحد تقريبا عن سطح الأرض.
في الزاوية الجنوبية من الكعبة ، من الخارج ، على علو أرشينين تقريبا عن سطح الأرض يوجد حجر يكرمه المسلمون تكريما خاصّا هو الحجر الأسود. ويقال أن رئيس الملائكة جبرائيل هو الذي حمل هذا الحجر إلى إبراهيم عند ما بنى الكعبة. في سنة 929 نقلوا الحجر الأسود إلى اليمن وفي سنة 951 أعادوه من جديد إلى مكة ؛ وفي سنة 1873 وضعوه في إطار فضي ضخم مستدير وثبتوه في الجدار في المكان المذكور أعلاه (1). القسم المنظر من الحجر يبلغ قطره نصف أرشين ، ولونه قاتم مع تلوين ضارب إلى الأحمر ، وعليه آثار شقوق ، ونقر في الوسط. سطح الحجر مملس جدّا من جراء لمسه من قبل الحجاج على مر القرون.
في الزاوية الغربية ، وعلى العلو ذاته ، يوجد حجر مثبت آخر يكرمه المسلمون هو أيضا ، ويسمى باسم هذه الزاوية ـ ركن اليمن.
جدران الكعبة مكسوة من الخارج على كل علوها بقماش أسود يسمى الكسوة أو كسوة السعادة. وللمرة الأولى أخذ أحد حكام اليمن ، أبو كرب أسعد ، يغطي جدران المعبد دليلا على الاجلال والتكريم
__________________
(*) كتاب «الحجاز».

الخاص. وفي عهد خليفة بغداد المشهور ، المأمون ، كانوا يغيّرون هذه الكسوة المصنوعة آنذاك من قماش فاتح اللون ثلاث مرات في السنة ؛ ولكن الملك المصري الصالح إسماعيل شرع في سنة 1349 يرسل الكسوة من قماش أسود ويغيرها مرة واحدة فقط في السنة ؛ وهذه العادة بقيت حتى الوقت الحاضر (1).
والكسوة عبارة عن قماش أسود حريري سميك جدّا مخيط من 8 قطع ومطوق ثلثها الأعلى بآيات من القرآن الكريم موشاة بالذهب. وهذا القماش يصنعونه كل سنة في مصر بمبلغ خاص من أموال الأوقاف قدره 4500 ليرة مصرية (حوالي 45000 روبل) ، ويرسلونه إلى مكة المكرّمة مع المحمل. وكل سنة يجري تغيير الكسوة في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة ؛ وتوضع الكسوة القديمة تحت تصرّف نظار الكعبة ، فيبيعها هؤلاء قطعا من الحجاج ؛ أما الكتابات بخيوط الذهب ، فتوضع تحت تصرف الشريف ؛ وفي السنوات التي يصادف فيها اليوم العاشر من شهر ذي الحجة يوم الجمعة ، يرسلون الكسوة إلى السلطان في القسطنطينية.
من بابي الكعبة ، يفتحون الباب الشرقي المزين بوفرة من الفضة ، في أيام معينة ، عشر مرات في السنة ؛ وإذ ذاك يسمحون بالدخول إلى داخل المعبد لجميع من يرغبون في الصلاة هناك. وداخل الكعبة عبارة عن قاعة بسيطة ، خالية من أي زخرف وزينة ، وجدرانها مكسوة بقماش حريري يرسله السلاطين الأتراك عند صعودهم إلى العرش.
من الوجه الشمالي ، يلتصق بمبنى الكعبة حاجز غير عال ، بشكل حدوة ، يطوق مكانا للصلاة يسمى الحطيم. والكعبة والحطيم مطوقان على بعد 7 ساجينات تقريبا بدرابزين اهليلجيّ الشكل ؛ وعبر هذه الفسحة المبلطة ببلاطات من المرمر يطوف الحجاج سبع مرات حول الحرم ،
__________________
(*) كتاب «الحجاز».



قائمين بفريضة الطواف. من الجهة الشرقية ، يوجد في الدرابزين المذكور باب الشيبة. وإذا دخل المرء عبر هذا الباب إلى مكان الطواف ، فإنه يجد إلى اليمين ، في خط الدرابزين ، مقام إبراهيم ـ وهو عبارة عن هيكل من مصبّع برونزي كثيف في داخله ، ضمن صندوق حديدي مكسو بقماش حريري مطرز بالذهب ، مرسل من مصر مع الكسوة ، حجر بقامة الإنسان ، كان سقالة لإبراهيم عند بناء الكعبة ، كما تقول الأسطورة ، وبمقدوره ، حسب رغبة الباني ، أن يزداد ويقل علوا. وإلى جانب مقام إبراهيم ، منبر من المرمر من صنع اليد يلقي الإمام من عليه الخطبة أثناء صلاة الظهر في أيام الجمعة.
إلى شمال الباب ، توجد تحت عمارة خاصة بئر زمزم المقدسة. فعندما ضل إسماعيل وامه هاجر متضورين من العطش وباحثين عن الماء ، كما تقول الأسطورة ، تفجر فجأة في المكان الذي توجد فيه البئر الآن ، نبع غزير رويا منه عطشهما. وفي سنة 762 ، وفي عد الخليفة أبي جعفر المنصور ، بنيت عمارة فوق البئر. وفي سنة 838 جفت البئر ؛ وبأمر من الخليفة المأمون جرى تعميقها فظهر الماء من جديد. وأخيرا في 1611 ، بنى حول فتحة البئر حاجز حجري عال ، لأنه تواجد متعصبون كانوا يرمون بأنفسهم هناك قصد الانتحار.
عمق البئر في الوقت الحاضر زهاء 50 أرشينا وقطرها أرشينان. يستقي الماء معا أربعة أشخاص خصوصيين ؛ يقفون على الحاجز ويعملون بدلاء جلدية موصولة بحبال طويلة ممررة عبر بكرات معدنية مثبتة في أعلى. لماء زمزم طعم مرّ نوعا ما ؛ وهو يؤثر في اناس كثيرين ، كمسهّل خفيف وهو ساخن جدّا عند استخراجه من البئر.
على خط الدرابزين ، من جانبه الخارجي ، توجد ، مقابل كل من واجهات الكعبة ، أربعة إنشاءات من طراز خفيف ، هي ضرب من تعاريش



يقف عليها ، أثناء الصلوات العامة ، مؤذنون من المذاهب السنية الأربعة ـ مذاهب الحنفيين ، والشافعيين ، والمالكيين ، والحنبليين.
من الجانب الشرقي من الحرم يمتد شارع المسعى ، وطوله نصف فرستا ، ويصل بطرفه الشمالي إلى جبل المروة وبطرفه الجنوبي إلى جبل الصفا ، وينتهي عن الجبلين ببضع درجات واسعة في أعلاها ساحة صغيرة. بين هذين الجبلين ، كما تقول الأسطورة ، فتشت هاجر ، وقد اضناها العطش ، عن الماء راكضة من جبل الصفا إلى جبل المروة ذهابا وإيابا. وعلى ذكرى هذا الحدث يقطع الحجاج هذه المسافة سبع مرات ؛ وهذا الفرض يسمى «السعي» والمكان الذي يؤدي فيه «المسعى». في المساء ينيرون الحرم وبعض أمكنة المسعى بعدد هائل من المصابيح ؛ وهذه عبارة عن أنصاف كرات زجاجية معلقة في سلسلة ؛ وفي قاعها يسكبون الزيت ويضعون عواما فيها فتيل.
وهكذا يشكل حرم مكة مكانا لأجل فريضة الحج ، ومسجدا جامعا يؤمونه لأجل الصلاة خمس مرات ؛ وهو ، فضلا عن ذلك ، قاعة شاسعة للمحاضرات لأجل جميع المدارس الدينية في مكة ، ومأوى شاسع لقضاء الليل ، يتوافد فيه مساء جميع الحجاج الذين لا مأوى لهم.
يعتبر وإلى الحجاز قيّما على الحرم. وهناك مجموعة كبيرة من الخصيان الذين يرتدون بدلات بيضاء خاصة ويقومون بدور الخدم.
شائر الحج الرئيسية ، ومنها الاحرام ، والطواف ، والسعي ، كانت قائمة ، كما هو معلوم ، عند العرب قبل محمد (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) أيضا. وقد أكد القرآن بعضا من عادات العبادة هذه. أما بعد محمد ، فقد تم على أساس القرآن كما على أساس أقوال النبي ومثاله الشخصي ، وضعت جملة من قواعد الحج التي يتقيد بها جميع الحجاج بكل دقة.

الآيات القرآنية
المتعلقة بالحج
فيما يلي جميع آيات القرآن المتعلقة بالحج ، كما وردت في تسلسل السور.
سورة البقرة. الآية 125 : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.)
الآية 127 : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.)
الآية 158 : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.)
الآية 196 : (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.)
الآية 197 : (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ.)
الآية 198 : (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ.)
الآية 199 : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.)

الآية 200 : (فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.)
الآية 203 : (وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.)
سورة آل عمران. الآية 96 : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ.)
الآية 97 : (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.)
سورة المائدة. الآية 1 : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ.)
الآية 2 : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.)
الآية 94 : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ.)
الآية 95 : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ.)
الآية 96 : (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ

عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.)
الآية 97 : (جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.)
الآية 98 : (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
سورة الحج. الآية 25 : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ.)
الآية 26 : (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
الآية 27 : (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّعَمِيقٍ.)
الآية 28 : (لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ.)
الآية 29 : (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ.)
سورة الصافات. الآية 100 : (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ.)
الآية 101 : (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ.)
الآية 102 : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.)
الآية 103 : (فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ.)
الآية 104 : (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ.)

الآية 105 : (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.)
الآية 106 : (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.)
الآية 107 : (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ.)
شعائر الحج
يجري الحج مرة في السنة من اليوم الثامن إلى اليوم الثاني عشر من الشهر الأخير من السنة القمرية ذي الحجة ؛ وإذا صادف اليوم العاشر من هذا الشهر يوم الجمعة ، فإن الحج يسمى «الحج الكبير» ، ويعتبر اصلح واقرب حج إلى الله ويجتذب عددا كبيرا جدّا من الحجاج.
إن أداء الحج يقتضي أداء ثلاث شعائر هي :
1 ـ على الحجاج الذين يعتزمون الحج أن يرتدوا لباسا خاصا ويتوجهوا بجميع أفكارهم إلى الله العي القدير.
2 ـ على الحجاج أن يقوموا بالطواف مرة واحدة.
3 ـ على الحجاج أن يبقوا عند جبل عرفات طوال اليوم التاسع من الشهر المذكور.
وإذا لم يتحقق شرط واحد من هذه الشروط الرئيسية الثلاثة ، فإن الحج يعتبر لاغيا ؛ ومن قام به لا يعفى من إداء هذه الفريضة.
وهناك أيضا شعائر أقل شأنا يؤديها جميع الحجاج الزاما وأن تكن لا تشكل أعمالا جوهرية. وسندرس جميع الشعائر معا حسب الترتيب الذي تتحقق به عادة ، وكما تأتي لي شخصيّا أن أقوم بها.
قبل 4 ـ 5 مراحل من مكة ، يخلع الحجاج جميع ملابسهم في النقاط المؤشرة خصيصا لأجل كل وجهة ، ويرتدون لباسا خاصا يسمى «الاحرام» ويتألف من قطعتين كاملتين (غير مخيطتين) من القماش الأبيض. من قطعة يتشكل ضرب من تنورة مثبتة على الخصر بزنار ؛

والقطعة الأخرى تغطي القسم الأعلى من الجسم (رداء). إن ارتداء الجميع بلا فرق لهذا اللباس الواحد ، المتماثل الذي يشبه الكفن قد تقرر ، كما يفسرون ، لتذكير الحجاج بيوم الحساب وبالمساواة بين جميع الناس أمام الله ؛ وعدا هاتين القطعتين من القماش لا يسمح إلا بلبس خفين مفتوحين في القدمين. أما النساء فيبقين في البستهن العادية. ومنذ ارتداء «ثوب الاحرام» ، يتعين على الحجاج الاستنكاف عن كل دنيوي ، والانصراف إلى الصلاة حصرا. وممنوع عليهم في هذا الوقت حلق الرأس وحلق الذقن وانتزاع الشعر من الجسم ، والصيد ، وذبح الحيوانات أيا كانت ، وخلاف ذلك. وعند الوصول إلى مكة ، يتجه الحجاج رأسا من الطريق إلى الحرم للقيام بالطواف الأول والسعي الأول. وهاتان الشعيرتان يؤديهما الحجاج عادة بقيادة من يسمون «بالمطوّقين» أو «الادلة» ـ وهذه وظيفة وراثية لفرد معين من كل قومية. وهؤلاء القادة يقومون على رأس حجاجهم بهاتين الشعيرتين ، رافعين بصوت مدو الاتهالات المقررة ، فيرددها الحجاج وراءهم.
تتلخص شعيرة الطواف في واقع أن الحجاج يدخلون إلى الحرم من باب السلام ويقتربون من الزاوية الجنوبية من الكعبة التي يتواجد فيها الحجر الأسود ؛ ومع تلاوة الابتهالات يبدأون الطواف حول الحرم شرط أن يكون دائما من جهة اليد اليسرى ، ويتوقفون كل مرة أمام الحجر الأسود ويقبلونه (علامة) ويسعون في المطافات السبعة إلى تقبيله بالشفتين ولو مرة واحدة ، ويمدون اليد مرة واحدة إلى لمس ركن اليمن. وبعد إنتهاء الطواف يؤدون صلاة وجيزة في مقام إبراهيم ، ويخرجون من الحرم عبر باب الصفا لأجل إداء الشعيرة الأخرى ، شعيرة السعي.
هذه الشعيرة تتلخص فيما يلي. في البدء يتجه الحجاج إلى جبل الصفا ، ويصعدون على درجاته ، ويذهبون ، مرددين الابتهالات المقررة ، إلى طرف الشارع المقابل نحو جبل المروة ، قاطعين قسما غير كبير من

الطريق المعلّم بعلامات خاصة ركضا ، ويستريحون عند جبل المروة ويرجعون إلى جبل الصفا ، وهكذا دواليك. والناس الضعفاء يؤدون الشعيرة الأخيرة على ظهور الاحصنة أو الحمير ؛ أما المرضى ، فيحملونهم على الحمالات سواء في الطواف أم في السعي. ويعد إداء هاتين الشعيرتين ، يحلق الحجاج قسما من شعر الرأس أو يقصونه ويرتدون ، عادة ، البستهم العادية (حج العمرة) ؛ أما الذين يؤدون الشعائر ميزيد من الدقة ، فيبقون في ثوب الأحرام حتى نهاية الحج.
وأولئك الحجاج الذين لبسوا ثيابهم العادية يرتدون من جديد ثوب الأحرام في اليوم الثامن من ذي الحجة ، ويقومون للمرة الثانية بالطواف ، ويمضون جميعهم إلى جبل عرفات.
تقول أسطورة عربية أن أبا البشر ، آدم ، تقابل مع حواء للمرة الأولى عند جبل عرفات بعد طردهما من الجنة وانهما عاشا في عرفات في الآونة الأولى ورزقا ولدهما الأول في عرفات. وعلى ذكرى هذا الحدث ، يبقى الحجاج عند هذا الجبل طوال اليوم التالي ، التاسع ، من شهر ذي الحجة. وتتلخص الشعيرة كلها بنظر الحنفيين في انه يتوجب عليهم في هذا اليوم أن يلجأوا إلى التوبة والصلاة في خيامهم. أما اتباع الائمة الثلاثة الآخرين ، فإنهم يغطون جميع سفوح الجبل قبل ثلاث ساعات تقريبا من غروب الشمس لكي يستمعوا إلى جملة من الابتهالات التي يتلوها قاضي مكة من على ظهر هجين على قمة الجبل. وعند غروب الشمس ينهي القاضي التلاوة بالقول أن خطايا جميع الذين تابوا حقا وصدقا قد شملها الغفران ؛ ويتجه الحجاج جميعهم إلى جمالهم لكي ينطلقوا في اتجاه مكة.
ويقضي الحجاج الليلة التاسع إلى العاشر من شهر ذي الحجة في المزدلفة ، وينطلقون منذ الصباح الباكر من اليوم العاشر إلى منى لكي يبقوا هنا حتى مساء اليوم الثاني عشر.

في منى ، عند سفح جبل عال ، يشيرون إلى المكان الذي أراد فيه إبراهيم ، عملا بمشيئة الله ، أن يضحي له بابنه الوحيد (واسمه إسماعيل ، كما يقول العلماء المسلمون) ، الذي جلب الملاك حملا عوضا عنه ، ويشيرون إلى الحجر الذي انشق عند ما رمى إبراهيم سكينة التي لم تطاوعه ؛ وعلى ذكرى هذه الأحداث ، يذبح الحجاج هنا الخرفان على سبيل تقديم الضحية ويصلون عند الحجر المذكور. ومع تقديم الأضاحي. يقص الحجاج أو يحلقون قسما آخر من شعر رؤوسهم ، ويخلعون ثياب الاحرام نهائيّا ويرتدون البستهم العادية.
وفي اليوم نفسه يتوجه بعض الحجاج إلى مكة ليقوموا بالطواف الثالث والسعي الثاني ، ولكن أغلبية الحجاج تؤجل هاتين الشعيرتين حتى العودة من منى.
في شارع منى توجد ثلاث نقاط معلّمة باعمدة حجرية بيضاء ومحاطة بحائط واطيء ، رمى منه إبراهيم ، كما تقول الأسطورة ، حجرا على الشيطان حين رآه. وعلى ذكرى هذا الحدث ، يرمي الحجاج أثناء تلاوة الابتهالات إلى الامكنة المذكورة عددا معينا من الحصي الصغيرة التي سبق أن جمعوها قرب المزدلفة.
ونحو مساء اليوم الثاني عشر ، يعود جميع الحجاج إلى مكة ويبدأون يستعدون للرحيل ؛ وقبل الرحيل يقومون بالطواف الأخير ، طواف الوداع. وبهذا تنتهي جميع شعائر الحج الذي يتوافد لأدائه مئات الآلاف من المسلمين من شتى ديارهم. ومن المدهش أن هذه الشعائر لا تنطوي على أي شيء خاص بالإسلام أو بمؤسسه ؛ فعي جميعها شعائر عبادة العرب القديمة ، من العصر الجاهلي ، وقد دخلت بكليتها في الدين الجديد.
وهناك شعيرة أخرى غير الزامية تؤدى في مكة في أي وقت كان من السنة ، وبصورة مستقلة تماما عن الحج ؛ وهذه الشعيرة يعهد الحجاج

الميسورون إلى هذا الحد أو ذاك إلى شخص ما من مواطنيهم الفقراء بالقيام بها بالنيابة عنهم وعن أقاربهم الغائبين لقاء مكافأة معينة ، واسم هذه الشعيرة «العمرة» ومفادها أن الحجاج يمضون على ظهور الحمير أو الأحصنة إلى خارج المدينة إلى مسجد «العمرة» الواقع على بعد خمسة فرستات تقريبا عن المدينة ، ويرتدون ثوب الاحرام ، ويؤدون هناك صلاة قصيرة ويعودون إلى الكعبة لكي يقوموا بالطواف ثم بالسعي.
زيارة الآثار
في ضواحي مكة
يزور كثيرون من الحجاج في مكة المقبرة التي دفنت فيها زوجة النبي ، خديجة الكبرى ، وبعض الصحابة الأوائل ، والبيت الذي ولد فيه النبي ، ويصعدون إلى جبل أبو قبيس الواقع ضمن حدود المدينة ، وإلى جبل النور الذي يقع على بعد ستة فرستات تقريبا إلى الشمال من جبل أبو قبيس ، والذي كان يعتزل فيه النبي لأجل الصلاة ، ويمضون إلى جبل يقع على زهاء عشرة فرستات إلى الجنوب من المدينة ، كان النبي يتخفى فيه من ملاحقات وثنيي مكة. والجبلان الأخيران لا يزورهما الحجاج ، نظرا لبعدهما ، إلا في الشتاء ، أي في وقت أبرد.
السجود أمام قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم
في المدينة المنورة
ولكن ضريح محمد (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) في المدينة المنورة هو أكبر آثار الإسلام في الحجاز. صحيح أن السجود أمامه ليس فريضة على المسلمين ولا يمت بصلة إلى الحج ، ولكن الحجاج القادمين إلى الحجاز يقومون به جميعهم تقريبا ، حسب الظروف ، قبل الحج وبعده.

والضريح موجود في المسجد الكبير بالمدينة المنورة المسمى كذلك ، على مثال مكة ، بالحرم الشريف.
المسجد الكبير
في المدينة المنورة
الحرم في المدينة المنورة الواقع في الطرف الشمالي الشرقي من المدينة والذي يشغل المكان الذي كان فيه فيما مضى بيت النبي ومسجده بني من جديد للمرة الأخيرة في عهد السلطان عبد المجيد الذي اعتمد لهذا الغرض 750 ألف ليرة تركية (أكثر من ستة ملايين روبل) ؛ وهو عبارة عن مسجد غير كبير ، من طراز المسجد في مكة ، ولكن هندسته المعمارية أضخم وأغنى ، وحوله صف أوسع من الأعمدة ، وبخاصة من الجانب المواجه لمكة ؛ وزينته الداخلية أغنى. وقد استعملوا الغرانيت المحلي الضارب إلى الأحمر ، الجميل جدّا بعد الزينة ، مادة لأجل البناء. من الحجر ذاته نحتوا الأعمدة أيضا. والأرضية تتألف من بلاطات مرمرية مستجلبة من مصر. وتتميز تزيينات الجدران الداخلية ببذخ بالغ إذ أنها مغطاة بفسيفساء غنية وكتابات أنيقة بالذهب من آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية. ومكان مسجد النبي السابق الذي يشغل وسط القسم الجنوبي من الرواق ، يتميز بتزيينات ذهبية خاصة على الأعمدة. وهنا يوجد المحراب والمنبر المتميزان بنقش دقيق رائع ، والمقامان في مكانيهما السابقين ، كما كان الحال في المسجد الأولى. وإلى جانب مكان المسجد القديم ، يوجد من جهته اليسرى إذا وقف المرء مواجها الجنوب ، مكان البيت السابق للنبي محمد ، المحاط بمصبّع برونزي عال ، كثيف ، مرفق بستائر حريرية ، والمكلل فوق الحرم بقبة خضراء عالية. وفي هذا السياج المسمى الحجرة الشريفة أو الروضة المطهرة

توجد قبور النبي محمد وخليفتيه الأولين أبو بكر وعمر ، المغطاة بغطاء حريري مشترك ، أخضر اللون مطرز بالأحجار الكريمة والخيوط الذهبية.
من الجانب الشمالي يلتصق بالحجرة الشريفة إنشاء آخر مماثل يوجد فيه قبر ابنة النبي فاطمة. وفي ساحة مكشوفة في وسط الحرم توجد روضة صغيرة وفيها بئر ، هما جنينة فاطمة وبئر فاطمة.
وللحرم خمس مآذن ، أربع في الشوارع وواحدة في الواجهة الشرقية. وللمدخل خمسة أبواب ، أكبرها ـ وعبره يدخل الحجاج ـ باب السلام ذو التلبيس الرائع الغنى.
في المساء ، ينيرون الحرم وجوانية الهجرة بمصابيح كالتي في مكة. وهناك أيضا شموع كبيرة مثل الشموع المستعملة في الكنائس ؛ وفضلا عن ذلك تتدلى في مختلف الأماكن ثريات بلورية تبرع بها الأغنياء.
ولإدارة الحرم ، المتواجد هنا أيضا في قبضة الأتراك ، يعينون شخصية محترمة بخاصة من عداد الجنرالات الأتراك المتقاعدين ؛ وتحت تصرفها ملاك كبير من الخدم المخصيين. أضف إلى ذلك أن بعض الأفراد ينالون ، من باب التكريم الخاص ، الحق في الاشتراك في تنظيف الحرم والهجرة.
والحجاج القادمون إلى المدينة المنورة يدخلون عبر باب السلام ؛ وحين يقتربون من مصبع الهجرة ، يتخذون وضعة الصلاة ويرددون بعد الدليل الصلوات العادية طالبين تدخل النبي في يوم القيامة. ثم يطوفون بالتتابع على مدافن أبي بكر وعمر وفاطمة ، وبهذا تنتهي الشعائر كلها.

زيارة الآثار الأخرى
في ضواحي المدينة المنورة
في الأيام التالية يقوم الحجاج برحلة على بعد خمسة فرستات تقريبا إلى الشمال من المدينة ، وذلك إلى سفح جبل أحد حيث يوجد قبر الشخصية المكرمة جدّا سيدنا الحمزة الذي كان من أوائل اتباع الإسلام وأشدهم غيرة وحماسة ، والذي قتل هما في معركة مع المكيين. ثم يزورون مسجد الكعبة الذي يقع على نفس البعد من المدينة ولكن من الجهة المقابلة ، والذي توقف فيه النبي عند وصوله إلى المدينة المنورة بعد الهجرة. ويقطع البعض مسافة أربعة فرستات تقريبا إلى الشرق للذهاب إلى مسجد القبلتين حيث يوجد محرابان ، أحدهما موجه إلى القدس ، كما صلّى محمد في البدء ، والثاني موجه إلى مكة التي كانت قبلته عندما كان يصلي فيما بعد. ويزور الحجاج مقبرة المدينة المنورة حيث دفن عثمان الثالث الخلفاء الراشدين ؛ وأخيرا ، يذهبون ضمن حدود المدينة إلى قبر عبد الله ، والد النبي ، وقبر وأحد من الأئمة السنيين الأربعة ، مالك.


الفصل الخامس
حج المسلمين الروس
عدد الحجاج المسلمين الروس سنة 1898
بسبب منع إعطاء جوازات السفر للحج ، وصل في هذه السنة إلى مكة عدد قليل جدّا من المسلمين الروس (من روسيا) ، 450 شخصا فقط ، أي زهاء عشر العدد الذي يتوافد ، كما يقول الادلة ، في السنوات الموفقة.
أصناف الحجاج
من حيث القوميات ، كان العدد المذكور يتألف من 250 قرغيزيا أغلبيتهم من مناطق سيبيريا ، وحوالي 100 شخص من سكان ما وراء القفقاس أغلبيتهم من محافظة يريفان ، وحوالي 100 تتري من مختلف محافظات روسيا الأوروبية ـ وبالضبط من بطرسبورغ 6 أشخاص ، من محافظة ريازان 21 شخصا ، من محافظة بنزا شخصان ، من محافظة قازان 16 شخصا ، من موسكو شخصان ، من محافظة نيجني نوفغورود 8 أشخاص ، من محافظة سيمبيرسك 14 شخصا ، من محافظة أوفا 12 شخصا ، من محافظة سامارا 7 أشخاص ، من محافظة اورنبورغ 9 أشخاص ، من محافظة استرا خان (عدا اورطة بوكييف (1) 7 أشخاص ، ثم
__________________
(1) الاورطة البوكية (الاورطة الداخلية) ـ خانة (إمارة) كازاخية تابعة لروسيا ؛ دامت ـ



شخص واحد من محافظة توبولسك. ولم يكن هناك حجاج من تركستان ومن مقاطعة ما وراء قزوين ومن القرم.
من حيث الأشغال والمراتب ـ جميع القرغيز بايات (1) محليون من الرحل ؛ ولم أر بينهم سوى اثنين من رجال الدين سافرا لقاء أجر لأداء فريضة الحج بالنيابة عن الآخرين («لبدل»). وسكان محافظة يريفان الذين تظاهروا بأنهم داغستانيون لكي يتخلصوا ، أغلب الظن ، من دفع رسوم خاصة تستوفي في الحجاز من أهل الشيعة كانوا جميعهم بلا إستثناء زراعا ميسورين ، القادمون الآخرون من سائر أنحاء ما وراء القفقاس كانوا على الأغلب تجارا أغنياء. وكان بين التتر 11 ملّا (من أئمة المساجد) ، سافر منهم 9 على سبيل «البدل» ؛ أما الباقون فقد كانوا جميعهم من مرتبة التجار الميسورين إلى هذا الحد أو ذاك.
من حيث العمر ـ كان جميع الحجاج ، باستثناء قلة تافهة ، من المتقدمين في السن ـ كانت أعمارهم تتراوح بين 50 ـ 60 سنة.
أما القادمون مع عائلاتهم ، فكانوا أربعة فقط من التتر ، وكان مع أحدهم خمسة أولاد ، أصغرهم سنا في الرابعة عشرة من العمر.
الأسباب الرئيسية التي تحمل على الحج
الأسباب الرئيسية التي تحمل على الحج كانت أساسا ، بقدر ما استطيع أن أكوّن فكرة عنها ، الرغبة في إداء فريضة من فرائض الدين الالزامية الرئيسية ، والإيمان في الخلاص من الخطايا ـ الأمر الذي يشكل بنظر المتدينين ، ولا سيما في سنوات الشيخوخة ، سببا هامّا جدّا
__________________
ـ من عام 1801 إلى عام 1876. اسميت باسم بوكي نور عليموف. كانت تقع بين الاورال ونهر الفولغا. دخلت في قوام محافظة استراخان.
(*) الباي يعني الغني.

يجبر على القيام بهذه السفرة الصعبة ، والمحفوفة بالمخاطر. ومن جهة أخرى ، يعود بلا ريب بعض الدور إلى الغرور ورغبة المرء في أن يكتسب في وسطه بعض الوزن والوقار المتعلقيم بلقب «الحاج» ، رغم أن هذا اللقب بين المسلمين في روسيا الداخلية لا بعد من أن يحظى الآن بذلك الاحترام الذي كان السفر يتطلب ما لا يقل عن سنتين ، حين كان لا يقدم على الحج غير عدد قليل جدّا ممن يحدوهم شعور ديني عميق ويملكون ما يكفي من الأموال ؛ وهذان العاملان نادرا ما يجتمعان عند مسلمينا. ومع تطور البواخر والسكك الحديدية أصبح من الممكن القيام بالسفرة كلها في غضون شهرين أو ثلاثة وبنفقات غير كبيرة ، فتكاثر الحجاج كثيرا جدّا ، وبينهم لا يندر أن يتواجد أفراد لا يتمتعون بسمعة طيبة.
وهدف أولئك الحجاج الذين يذهبون إلى الحج من باب «البدل» هو بالطبع كسب بعض المال.
وفي هذه السنة كان ثمة مثال آخر أيضا ؛ فإن تاجرا غنيّا قد أرسل ابنه بأمل تخلصه زيارة الأماكن المقدسة من الأدمان على المشروبات الروحية.
مقدار المبلغ الضروري لأجل الحج
الحد الأدنى من المبلغ الضروري للقيام بالحج فقط ، أي بدون زيارة المدينة المنورة ، هو في السنوات التي لا يقتضي فيها الحال الحجر الصحي 300 روبل. أما في حال الرغبة في زيارة قبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) ، فينبغي حوالي 500 روبل. وعلى العموم يأخذ حجاجنا من ذوي اليسر المتوسط حوالي 1000 روبل في الطريق. وإذا افترضنا انه ينبغي على الراغب في الحج أن يبقى في بيته مبلغا مماثلا لتأمين عائلته حتى عودته ، فإن فريضة الحج تكون الزامية من وجهة نظر الشريعة على جميع المسلمين الذين يستطيعون انفاق مبلغ الفي روبل. وعادة يأخذ «البديل» مبلغا يتراوح بين 500 و 1000 روبل.

الاستعدادات للسفر
يتخذ مسلمونا القرار بالسفر إلى مكة المكرّمة بصورة مستقلة أو بناء على نصيحة المّلا (إمام المسجد) قبل موعد الحج بسنة كاملة ؛ ومذ ذاك تبدأ الاستعدادات تدريجيا : يستعلمون عن الأشخاص الآخرين الذين يعتزمون الحج ، يؤلفون فرقا من أقرب الأشخاص من حيث مكان الإقامة أو من الأقارب ، يدبرون الشؤون البيتية ، يصفّون جميع الحسابات النقدية ، يكتبون الوصايا ، وما إلى ذلك. وجميع الحجاج على العموم ، والذاهبون من روسيا على الخصوص يأخذون معهم كمية كبيرة من شتى الأشياء لأنهم يستفيدون من نقل قسم منها مجانا في البواخر وفي السكك الحديدية المصرية. أما الأشياء الضرورية لهذه السفرة فهي في المقام الأول السماور ، وآنية الشاي والمطبخ ، والشاي الروسي الذي يصعب الحصول عليه في الخارج ، ومختلف المأكولات بما فيها بضعة أكياس مليئة بأرغفة مجففة من خبز الجودار ، يقدرها حجاجنا في الحجاز خاص التقدير ، وعنب الثعلب الأسود المجفف ، والفالوذة ، وما شاكلها : ولكن قرغيزيينا يأخذون المؤن معهم أكثر من الجميع ، بما في ذلك لحم الخيل المملح ، وأصناف السجق المدهن ، وجبنة الغنم المملحة الجافة (الكروت) ، والخ ..
وأخيرا ينطلق الحجاج عند نهاية رمضان بالذات ، أي قبل موعد الحج بشهرين ، ويودعهم بمهابة واحتفال جميع أقاربهم ومعارفهم إلى نقطة التجمع المعينة سلفا ، وعادة إلى أقرب مدينة أو إلى محطة كبيرة للسكة الحديدية.
في السنوات غير الموفقة ، يعرف الراغبون في الحج ، وعادة قبل فترة وجيزة من السفر ، بأمر الحكومة بعد إعطاء جوازات سفر للحج ، ويقرأون الرسائل السيارة التي تصدرها جمعيات المسلمين الدينية بنصائح الامتناع هذه السنة عن السفر إلى الحجاز.

وفي هذه الأحوال تؤجل الأغلبية السفر إلى سنة أوفق ، ولكن البعض لا يرى في هذا الأمر سوى التضييق على ممارسة الشعائر الدينية ، ولا يصدقون البتة في وجود الأوبئة ويسافرون ، وذلك استنادا إلى أنباء من أقاربهم في الحجاز الذي يعني الامتناع عن الحج بالنسبة لهم الحرمان من كل كسب في زمن الحج. وهناك أشخاص ، وبخاصة ممن أرجأوا في السنوات السابقة سفرهم ، يفترضون انه قد يقوم في السنوات القادمة منع أشد صرامة ، وانه لن يتسنى لهم أبدا القيام بالحج إذا ما انتظروا أزمانا ملائمة ، وانه لا مفر من القدر ، وما إلى ذلك ، فيقررون هم أيضا السفر.
الحصول على جوازات السفر
حجاج هذه السنة من منطقة ما وراء القفقاس أخذوا بمعظمهم جوازات السفر حسب أماكن إقامتهم ، والتتر في موسكو على الأغلب ؛ ستة أشخاص فقط منهم أخذوا جوازات السفر في بطرسبورغ ، واثنان في سيمبيرسك (1) وثلاثة في فرصوفيا (2) ؛ والقرغيز في موسكو واوديسا.
يحصلون على التأشيرات من القناصل الأتراك للسفر حتى القسطنطينية حيث الحجاج ملزمون بأخذ جوازات السفر التركية التي لا يصلح غيرها لمواصلة السفر ، ولذا يترك بعض من المسافرين إلى مكة جوزات السفر الوطنية في القسطنطينية ، ولا يعرضونها فيما بعد وفي أي حال من الأحوال في أي مكان تخوفا من المصاعب أثناء العودة إلى روسيا. وعلاوة على ذلك يستحصل البعض في الإسكندرية أو في السويس جوازات سفر مصرية لا يقبلون بدونها الركاب ، في حال العودة ، على بعض بواخر الشركة الخديوية التي لا تنقل غير سكان مصر.
__________________
(1) سيمبيرسك (منذ سنة 1924 اوليانوفسك) ـ مدينة على نهر الفولغا. حاليا مركز مقاطعة. مرفأ على خزان كويبيشف المائي.
(2) منذ سنة 1815 ، عاصمة المملكة البولونية في قوام روسيا.

يستغرق تحرك حجاجنا بالمتوسط 6 أشهر ـ في السنوات الأخيرة من شباط (فبراير) إلى آب (اغسطس) ؛ ولكن التحرك بدأ باكرا جدّا لسنة 1899 ؛ ففي كانون الأول (ديسمبر) تقابلت في مصر مع بعض مجموعات من المسافرين إلى الحجاز ممن غادروا ربوعهم باكرا ، قبل أن يصعب الحصول على جوازات السفر.
من الصعب الإشارة إلى إجراءات فعالة يمكن بها ، عند الاقتضاء ، الحؤول دون سفر مسلمينا إلى الحجاز. لربما إعطاء جوازات السفر حسب مكان الإقامة فقط ، أو لربما المطالبة الزاما بأن يقدم الراغبون في السفر شهادات من سلطاتهم البوليسية حتما بعدم وجود موانع للسفر إلى الخارج ، من شأنهما أن يخفضا عدد الراغبين في الحج ؛ ولربما يتعين كذلك تحذير جميع المسافرين إلى تركيا من المصاعب التي تترصدهم عند العودة إلى روسيا.
الخروج من حدود روسيا
الأبواب التي يخرج منها حجاجنا هي أوديسا وسيباستوبول بالنسبة لروسيا الداخلية وسيبيريا ، وباطوم بالنسبة للمسافرين من آسيا الوسطى واقليم ما وراء قزوين ، وفي هذه السنة ، كان هناك ثلاثة من رعايا روسيا أخذوا جوازات سفر في فرصوفيا وسافروا إلى القسطنطينية بالسكة الحديدية عبر فيينا.
في جميع الموانئ الواقعة سواء ضمن حدود روسيا أم في تركيا ومصر ، والتي تجري عبرها حركة الحج الرئيسية ، يوجد عملاء يستقبلون الحجاج ويعمدون إلى إنزالهم عادة في بيوتهم ، ويستحصلون لهم على الوثائق الضرورية ، ويقودونهم لإجراء مختلف الشروات ، ويستغلون باوقح نحو الناس غير المطلعين.



القسطنطينية بوصفها نقطة متوسطة هامة
تذاكر السفر لا تؤخذ في البدء إلا إلى القسطنطينية ، النقطة المرحلية الرئيسية بالنسبة لجميع المسافرين من روسيا. وفي القسطنطينية يبقى الحجاج أسبوعا تقريبا ويتزودون بجوازات السفر التركية. ويبادلون قسما من النقود بالنقود التركية لنفقات الطريق ، ويسترون مستلزمات الاحرام ، ويستعلمون عن البواخر الذاهبة إلى جدّة ، وما إلى ذلك.
السفر إلى جدّة
تقوم أربعة شركات للملاحة بنقل الحجاج لاحقا إلى جدّة أو إلى ينبع.
1 ـ الشركة الروسية للملاحة والتجارة التي تنقلهم إلى الإسكندرية فقط ، وتسلمهم إلى عميل شركة الملاحة ماغري ريني وشركاه فينقلهم بالسكة الحديدية إلى السويس لأجل نقلهم لاحقا على بواخر الشركة.
2 ـ الشركة الصغيرة ماغري ريني وشركاه التي لا تملك سوى باخرتين سيئتين ، وقديمتين جدّا تعملان بين مرافئ البحر الأحمر.
3 ـ البواخر الخديوية المصرية السابقة التي اشترتها الشركة الإنجليزية;Khedivial Mail Steamship and Graving Dock وهذه الشركة تملك 11 باخرة غير كبيرة يعمل بعض منها خصيصا على نقل الحجاج في زمن حركة الحج ، فتقوم برحلات مباشرة من القسطنطينية عبر قناة السويس إلى جدّة ذهابا وإيابا.
4 ـ البواخر الحكومية التركية ، وهي اسوأ البواخر واقذرها ، وتنقل الحجاج هي أيضا برحلات مباشرة معرّجة على أصغر المرافئ كافة في آسيا الصغرى وسوريا.

وعلى جميع البواخر التي تقوم بنقل الحجاج ، يوجد أطباء تحت تصرفهم صيدليات صغيرة.
الأشخاص المسافرون في حجرة من الدرجة الأولى أو من الدرجة الثانية يتواجدون بمثابة استثناء نادر جدّا ؛ والحجاج العاديون يشغلون في المعتاد أماكن على المتون أو في العنابر دافعين لقاء السفر إلى ينبع أو إلى جدّة ليرتين تركيتين (حوالي 17 روبلا) بالفرد الواحد ، ولكن البواخر التركية تنقل كذلك مجانا جمهور الحجاج الفقراء ذهابا وإيابا.
تأخذ بواخر الشركات الثلاث الأخيرة عددا من الركاب كبيرا إلى حد أن تكتظ الباخرة كلها بهم حقا وفعلا ، غير تاركين أية ممرات على الإطلاق. وقد تأتي لي أن أسافر من السويس إلى جدّة على سفينة صغيرة لشركة ماغري ريني وشركاه ؛ كان عدد الركاب 850 شخصا فاحتشدوا فيها بضيق لا يوصف. وبسبب قلة الأماكن ، شغلوا كل متن الدرجة الأولى ونصف مركز الربان ، وحتى ملأوا زوارق الانقاذ. وكان اكشاك مركبة كيفما اتفق من الواح خشبية ومعلقة خارج المتن بمثابة مراحيض ؛ ولأجل الوصول إليها كان ينبغي التسلق فوق سياج عال ، الأمر الذي كان بالنسبة للكثيرين عملية صعبة ؛ وعشية الوصول إلى جدّة ، هبت في المساء عاصفة قوية ودامت الليل كله ؛ ومن الصعب أن يتصور المرء ما حدث آنذاك على هذه الباخرة المكتظة بالناس. ومن الأحاديث مع الطبيب علمت أنه تحدث بين الصغار أثناء الانتقال محتلف الأمراض الوبائية وأن ولدين ماتا في الرحلة السابقة من الدفتيريا (الخناق). ولا يجري التطهير الوقائي في الباخرة.
في طريق العودة سافرت من ينبع على باخرة أفضل تابعة للشركة الخديوية سابقا ، ولكن الضيق هنا أيضا لم يكن أقل رعبا ، بل كان أشد وأقسى من جراء القيظ الرهيب. وفي العنبر وفي الحجرات لم يكن ثمة

قطعا أي هواء للاستنشاق ، وكان الركاب هنا متمديين مرضى بأغلبيتهم بسبب القيظ وكتمة الهواء. وجعلت قيادة الباخرة من قسم الدرجة الأولى درجة خاصة ؛ لقاء مبلغ إضافي قدره ليرة ونصف ليرة ، انزلوا هنا ركاب الدرجة الثالثة ، وسرعان ما اكتظ القسم كله بالفرس. وأثناء الرحلة يطبخ جميع الحجاج لأنفسهم المآكل على مناقل يضعونها في كل مكان من العنبر ومنالمتن ، ويشعلون النار تحت السماورات في كل مكان ، ويشعلون النارجيلات ، وكل هذا لا يحسبون انه يشكل خطرا. يبقى أن أضيف انه غالبا ما تنشب في قلب هذا الجمع المتعدد القوميات خلافات ومجادلات بسبب الأماكن تنتهي أحيانا بالشجار ، علما بانه ليس بمقدور أفراد طاقم الباخرة أن يفعلوا شيئا بسبب قلة عددهم.
النزول في جدّة أو في ينبع
ينزل حجاجنا عادة في ينبع إذا سافروا في الوقت المناسب الباكر ، ومنها يتوجهون إلى المدينة المنورة ، ومنها إلى مكة المكرّمة. هذا الخط انسب في الوقت الحاضر إذ يجري الحج في شهر نيسان (ابريل) لأنه لا يتعين السفر بالقافلة في وقت حار جدّا. وإذا وصلوا بعد ذلك ، فإنهم ينطلقون رأسا إلى جدّة ؛ وقبل الوصول بقرابة 12 ساعة إلى المرفأ المذكور ، يخلع جميع الحجاج كل البستهم ويكشفون رؤوسهم ويلتفون بثياب الاحرام. أما الذين يمضون من المدينة المنورة فيقومون بذلك في رابغ. ولا ريب في أن هذا اللباس الخفيف وتعرية الرأس الذي يغطيه المسلمون على الدوام يضرّان كثيرا بصحة الحجاج الذين لم يتعودوا على المناخ الحار المحلي. ويحاول بعض منهم ، ممن هم أوفر تجربة ، أن يقللوا من تأثير ثوب الأحرام الضار ، فيطلقون الشعر الطويل في الوقت المناسب ، ويشترون هذا اللباس من قماش اسمك. وحين ينزل الحجاج في جدّة ، يتوزعون على الشقات بحيث يستأجر بضعة أشخاص غرفة

واحدة ، ثم ينطلقون مع القافلة الأولى إلى مكة. ولكن جدّة كانت مغلقة في السنة الجارية بسبب الحجر الصحي ، فانزلونا على بعد 20 فرستا تقريبا إلى الجنوب منها في محلة الرأس الأسود المحاطة ، مثل جدّة ، بسلاسل من الصخور قرب سطح الماء لا تسمح باقتراب البواخر من الشاطئ فترسو على بعد منه يتراوح بين 7 و 8 فرستات. وفي اليوم الثاني من وصولنا اقترب من الباخرة زهاء عشرين زورقا شراعيا كبيرا وأخذت تستقبل الركاب ؛ وبما انه حدث قبل ذاك بومن قصير حادث مؤسف ، كان زورق يأخذ الأمتعة والطاقم فقط ، بينما كان زورق آخر يأخذ الركاب ، وكان الزورق الأول يقطر الثاني. تقطع الزوارق المسافة إلى الشاطئ في أكثر من ساعة ، متموّرة على الدوام بين الصخور التحتمائية ، وناطحة إياها أحيانا كثيرة بقاعها.
الرأس الأسود
الرأس الأسود عبار عن شاطئ رملي منخفض مزود برصيف مبني كيفما اتفق تلتصق به شقيفتان مركبتان من الواح خشبية ؛ وأبعد قليلا نصبوا خياما لأجل الحجاج القادمين ، ويتواجد بازار صغير ، وكل هذا محاط بحواجز خشبية يسير بمحاذاتها حراس. وراء الحواجز اقيمت فساطيط بشكل نصف دائرة لأجل الطابور الواقف هنا لحراسة الحجاج ومرافقتهم. وإلى أبعد ، كان البدو مع جمالهم وشقادفهم وحميرهم ينظرون من يستأجرهم.
قبل الوصول إلى الشاطئ ببضع ساجينات ، توقفت الزوارق وأخذوا مسبقا من كل منا نصف مجيدية (حوالي 80 كوبيكا) في صالح المحجر الصحي ؛ وبعد ذاك فقط سمحوا لنا بالنزول إلى الرصيف. وهنا ، تحت السقيفتين ، يوجد صندوقان يأخذون بقرب أحدهما مرة أخرى في صالح المحجر الصحي نصف مجيدية من كل حاج ، ويتحققون بقرب الآخر من

الوثائق ، ومن ليس معهم جوازات سفر تركية يزودونهم بها ، ثم يتفحصون الأمتعة ، وأخيرا يسمحون بالخروج إلى الشاطئ.
وعشية النزول ، أخذنا أنا وكثيرون من الحجاج القادمين من الشمال نعاني من اختلال قوى في المعدة وبعطش معذّب ولا يرتوي وبضعف غير عادي لم أستطع أنا شخصيا أن أتخلص منه تماما طوال إقامتي في الحجاز.
في الرأس الأسود ، اصطدمت للمرة الأولى بالأنظمة التركية غير المعقولة إطلاقا ، بدءا من مسألة الماء. فإن ماء الشرب يستجلبونه إلى هنا من جدّة على زوارق شراعية لا تستطيع أن تبحر إلا نهارا بسبب من وفرة الصخور التحتمائية وإلا إذا هبت ريح مؤاتية إلى هذا الحد أو ذاك. والماء المستجلب يبقى في الزوارق ، وليس على الشاطئ أية خزانات أو أية احتياطيات. وفي يوم وصولنا نفذ كل احتياطي الماء حوالي الظهر ، وراحت الزوارق إلى المدينة لجلبه. وحوالي الساعة الرابعة نفد كل احتياطي الماء عند الحجاج ، فأخذوا ينتظرون عودة الزوارق متجمعين جمعا ضخما جدّا على الرصيف ، ولكنهم عبثا انتظروا حتى ساعة متأخرة من الليل وسافروا في اليوم التالي دون أن يحصلوا على الماء.
كذلك لم أفهم الواقع التالي ؛ ففي يوم وصول البواخر ، جاء بحرية من جدّة ، رغم الحجر الصحي ، باعة بالمفرق طفقوا يبيعون بين الحجاج شتى التوافه ؛ وكثيرون من التجار ممن كانت لهم هنا دكاكين كانوا يوصلون الاتصال مع المدينة بلا عائق ؛ وأخبرني سواقو الحمير أنهم ، في طريقهم من مكة ، عرجوا على جدّة ثم على البحرة وحدّة ؛ وقد رأيت شخصيا بضع جماعات من الجنود جاؤوا مباشرة ، كما قالوا ، من المدينة الموبوءة.
في الرأس الأسود ، كان القنصل الفارسي يعمل على الدوام في هذه السنة وكان فسطاطه الغنى الذي تنيره في المساء المشاعل من كل الجوانب يسترعي إنتباه جميع الحجاج.

الانتقال إلى مكة
قررنا أنا وثلاثة رفاق أن ننتقل إلى مكة على ظهور الحمير ، وأردنا أن ننطلق في اليوم نفسه قبيل المساء ، ولكن لم يسمحوا لنا ، قائلين انه ، نظرا لمخاطر الطريق ، سينطلق الجميع معا غدا بحراسة حفر خاص. وبالفعل رافق القافلة في اليوم التالي خفر قوي من الخيالة ولكن المسافرين على ظهور الحمير تفرقوا جماعات صغيرة ومضوا في طرق مختلفة ، كل جماعة على هواها.
قرب البحرة ، حيث تدخل الطريق وادي فاطمة العريض ، ينفصل إلى اليسار درب أقصر ؛ وكثيرون ممن راحوا في هذا الدرب تعرضوا ، كما تبين ، لهجوم البدو. في البدء رأينا جنديّا تركيّا راكضا صوبنا من جانب الدرب المذكور ، وملوحا بيديه ، وصائحا ، وأوضح لنا أن رفيقيه الاثنين الذاهبين معه في الحج من جدّة إلى مكة قد قتلوهما للتو بالاحجار. نقلناه إلى البحرة وهناك أغمي عليه. وبعدنا أخذت تصل جماعات الحجاج الأخرى الماضية على ظهور الحمير وتتشطء من أنهم سلبوا أحدهم 30 ليرة وسلبوا آخر 40 ليرة وهكذا دواليك ؛ وأخيرا ظهر جندي آخر كان ، كما تبين ، عازفا في الطابور المرابط في جدّة وابلغ الضباط الأتراك الجالسين هنا في المقهى أن البدو قتلوا رفيقه. وقابل الضباط الأتراك جميع هذه البيانات والشكاوي ، كما يقابلون ظاهرات عادية ، ببالغ اللامبالاة ، رغم أن كل هذا حدث على مقربة قريبة من البحرة ؛ تأسفوا على القتلى والمسلوبين ، وشتموا البدو ، وطفقوا يتجادلون بصدد من منهم يرسل جملا لأخذ الجنود القتلى.
إن كثيرين ممن يمضون على ظهور الحمير يصلون إلى مكة في يوم واحد لأن هذه الحيوانات تتميز هنا بالجلد الكبير والقامة الضخمة والمشية الجيدة ، ولكنا نحن قضينا الليل في حدّة بسبب مرضي ، ووصلنا

في اليوم التالي صباحا بدون أية مغامرات ؛ إلا أننا سمعنا على الدوام عن أعمال السلب والنهب تارة هنا وطورا هناك.
الوصول إلى مكة والإقامة
عند دخول المدينة يتلاقى حجاجنا مع مطوّفهم ، ولكن قلّة منهم يكون بمقدورها أن تمضي وراءهم في الحال إلى الحرم للقيام بالطواف والسعي ، كما تقتضي الشعائر ، والأغلبية تؤجل عادة إداء هذه الشعائر إلى بضعة أيام ، وذلك لأن المناخ المحلي يحمل الذين لم يألفوه على التراخي. وللمسلمين الروس في مكة ثلاثة مطوّفين : أحدهم لأجل القادمين من القفقاس ، والثاني لأجل القادمين من القرم ، والثالث لأجل جميع الباقين.
ولإقامة حجاجنا في مكة مجانا توجد ثماني تكيات ، اشتراها مسلمونا وقدموها هدية للأوقاف. وهذه التكيات هي في المعتاد بيوت غير كبيرة من الطراز المحلي يعيش فيها دائما ويشرف عليها بإشارة من الهادي أحد ما من مواطني روسيا ممن استقروا هنا. والغرف لإقامة الحجاج في هذه التكيات ليست بمعظمها على ما يكفي منالنظافة والترتيب ، رغم أن المشرفين على هذه البيوت يجمعون كل مرة من الحجاج النقود لأجل التصليح. وهناك قسم من الحجاج يستأجر على حسابه الشقات في البيوت الخاصة ؛ وفي هذه الحالة وتلك سواء بسواء ، يسكنون بخارق الضيق لمجرد أن يكون على الأرضية مكان للتمدد عليه. وعموما تجدر الإشارة إلى أن حجاجنا ، وحتى أولئك الذين يملكون مبالغ كبيرة من المال ، يتميزون في زمن السفر إلى الحجاز ببخل خارق ويحرمون أنفسهم أبسط وسائل الراحة والرفاهية.
الإقامة في مكة قبل الإنطلاق إلى عرفات
في الحال يتوافد إلى الحجاج القادمين حديثا مواطنوهم المحليون

(من مكة) أو القادمون من المدينة المنورة ليستعلموا ما إذا كانوا يكلفونهم بإداء الحج (البدل) أو العمرة أو ليحصلوا على الصدقة ؛ ويأتي «السقّاؤون» الملتزمون بجلب الماء من بئر زمزم إلى الحجاج طوال إقامتهم في مكة. وينقضي الوقت قبل الإنطلاق إلى عرفات في زيارة الحرم لأجل صلاة الصباح والمساء ، وفي السجود أمام مدافن مختلف الأولياء ، وفي الصعود إلى جبل أبو قبيس ، وفي التردد على البازار ، وفي شرب الماء المقدس المذكور أعلاه باجتهاد وحمية.
الإنطلاق إلى عرفات
الرحلة إلى عرفات أرهب مرحلة بالنسبة للحجاج في كل زمن الحج. والذكريات والأقاصيص عن أوبئة الكوليرا الرهيبة التي غالبا ما تنشب لدن إداء هذه الشعائر تثير في نفوس الحجاج رعبا خاصا ، شديدا. وجميع الأحاديث قبل الإنطلاق تدور بوجه الحصر حول عرفات ومنى ؛ وجميع الافتراضات يرافقها التحفظ : «إن شاء الله أعود سالما من عرفات» ؛ ويوصي الرفاق بعضهم بعضا بكيفية التصرف بالأموال المتواجدة في حال الوفاة ، وما إلى ذلك. وفي اليوم الثامن من ذي الحجة ، يبدو كل الطريق إلى عرفات ، البالغ 20 فرستا ، كتلة متحركة بلا انقطاع من حجاج مرتدين ثياب الأحرام البيضاء ، راكبين في الشقادف أو على الهجائن والحمير ، أو سائرين مشيا على الأقدام. وجميع العساكر المرابطة في مكة ، والمحملان مع الخفر ، والوالي ، والشريف ، وجميع سكان المدينة ، ما عدا النساء والأطفال ، ينزحون في هذه الأيام إلى عرفات بعضهم لإداء الشعائر ، والبعض الآخر بدافع المصالح التجارية. كذلك ينطلق الفريق الطبي المرسل في مأمورية لزمن الحج ، مع صيدليته ومع لوازم التطبيب والاستشفاء.

الإقامة في عرفات
موقف الحجاج عند عرفات عبارة عن سهل رملي عريض من الجانب الجنوبي لجبل عرفات ؛ وفي هذا السهل ينصبون مخيمهم الهائل الخارق الضيق ، والخالي من أي نظام. والحجاج بأغلبيتهم يجلبون معهم من مكة خياما يقيم فيها أكبر عدد ممكن منهم رغبة في التوفير. وبعض الحجاج يدبرون لأنفسهم بصورة اصطناعية ظلا بغرس بضع عصي في الأرض ومدّ قطعة من الخيش فوقها. والفئة المعدمة تأوي هنا قرب المسجد وتحتمي من الشمس تحت الصخور والشجيرات.
أثناء الإقامة في عرفات يأخذون الماء من مجرور المياه المكي ، وذلك بجلبه بواسطة آبار ـ منافذ للهواء مقامة هنا ، أو بأخذه من الأحواض المعدة لاستحمام الحجاج ؛ الماء الذاهب إلى مكة يمر عبر هذه الأحواض ، ونصبّ من جديد في المجرور العام ، ولكن السكان المحليين لا يخامرهم أي قلق أو شك من واقع أنهم سيشربون ماء استحم فيه بشر من كل شاكلة وطراز. وهم يقولون : «بموجب تعاليم الشريعة ، لا يتلوث هذا الماء ، وشربه مسموح حتى ولو كانت فيه جيفة».
عند أقدام الجبل يتشكل في الاخصاص بازار موقت يتاجرون فيه بالمؤونة حصرا ؛ وهنا بالذات يذبحون الأغنام لأجل البيع. وغير بعيد عن البازار ، يستقر البدو ويبيعون الأغنام والبطيخ والشمام والخضراوات الحطب والتبن ، وما إلى ذلك. وقرب كل خيمة يحجزون مربعا صغيرا ملفوفا بالخيش بحيث يقوم بدور المرحاض. وبين الخيام بالذات ، ترتع الجمال مع سواقيها ؛ وهنا بالذات تتراكم بقايا الأغنام التي يذبحها الحجاج لأنفسهم ؛ ولذا انتشرت قبيل مساء اليوم التالي (التاسع من ذي الحجة) من كل مكان رائحة نتنة قوية ؛ وقرب البازار لم يكن من الممكن إطلاقا المرور دون سد الأنف. ومن حسن الحظ أن الحجاج ملزمون بالبقاء هنا يوما واحدا فقط.

يشتهر عرفات كنقطة حارة جدّا في الحجاز. والمراقبات التي قمت بها في 19 نيسان (ابريل) قرب هذا الجبل (وعلوه 1050 قدما فوق سطح البحر) أعطيت النتائج التالية : الحرارة العليا في الخيمة 34 درجة ريومور فوق الصفر ؛ في الوقت نفسه تحت الشمس 46 درجة فوق الصفر ؛ الحرارة الدنيا ليلا 26 درجة فوق الصفر.
المزدلفة
عند غروب الشمس ، يتحرك مخيم الحجاج الهائل كله دفعة واحدة صوب المزدلفة حيث يكون قد اقيم قبل ذلك بقليل صف طويل من الاكشاك لبيع الماء والمؤونة. وفي اليوم التالي (العاشر من ذي الحجة) ينطلق الحجاج في الصباح الباكر إلى منى.
منى
تقع منى في فج عميق وضيق جدّا ، قاعه رملي ، وعلى جانبيه كتل حجرية عارية رأسية تقريبا ؛ وهي عبارة عن صف ممتد في قاع الفج من بيوت مبنية حسب طراز بيوت مكة ، ومسكونة في أيام الحج الثلاثة فقط. ولهذا المقام شارع رئيسي واحد يتشعب في الطرف العريض (الشرقي) من الفج ، وبضعة أزقة قصيرة تمتد بالعرض. وفي وسط المقام ينتصب مبنى غير كبير من طابقين يقوم فيه «الحجر الصحي» أثناء إقامة الحجاج في منى ، وهو عبارة عن لوازم المستشفى الموقت والأطباء المرسلين في مأمورية إلى هنا في زمن الحج.
يأخذون الماء ، كما في عرفات والمزدلفة ، من منافذ الهواء لمجرور مكة الذي يملأون من مائه أيضا الأحواض الضرورية جدّا ، كما قالوا لي ، في زمن تجمع الحجاج الكبير. وفي كثير من الأماكن ، اقيمت مراحيض عامة هي عبارة عن صف من معالف واطئة ، مركبة من الحجر ،

بدون حفر ، وبدون أبواب. وعند الطرف الشرقي من المقام يحفرون سلفا في مكان عريض من الفج عددا من الحفر ، مساحة الواحدة منها زهاء 4 أرشينات مربعة وعمقها أرشين ونصف أرشين. وهذه الحفر هي مكان لذبح وتقديم الأضاحي.
تقع متى على ارتفاع 970 قدما فوق سطح البحر ، وبما أنها مطوقة من جميع الجوانب بكتل حجرية ضخمة ، فإنها تتميز بحرارة خارقة العلو ؛ كما تتميز بانحباس الهواء بلا حركة. ومرد ذلك ، أغلب الظن ، إلى بنية الجبال الخاصة. ومن المراقبات التي أجريتها في غرفة محمية جيدا من الشمس ، استخلصت ما يلي : في 20 نيسان (ابريل) الحرارة العليا 32 درجة ريومور فوق الصفر ، الحرارة الدنيا 30 درجة فوق الصفر ؛ في 21 نيسان الحرارة العليا 33 ، الحرارة الدنيا 30 ؛ في 22 نيسان الحرارة العليا 33 ، الحرارة الدنيا 30.
قبيل الحج ، يسوقون إلى منى عددا هائلا من رؤوس الغنم والماعز ، وكذلك جزئيّا من الجمال لبيعها من الحجاج ولذا كانت أسعار هذه المواشي تبقى غير عالية جدّا نسبيّا رغم الطلب الكبير. ويبدو انه يوجد بين البدو من قديم الزمان اعتقاد مفاده أنهم إذا لم يرسلوا قطيعهم أو قسما منه لبيعه في منى في زمن تقديم الأضاحي ، فإن جميع مواشيهم تهلك حتما من شتى الأوبئة ؛ وهذا ما يفسر العرض الهائل وسوق المواشي من أبعد أنحاء الجزيرة العربية ، كما ، مثلا من الحدود مع فلسطين ، ومن ضواحي بغداد ، وما إلى ذلك.
وفي منى ، كما عند عرفات ، يقيم الحجاج في الخيام ناصبين في الطرف الشرقي من منى ، في الأماكن العريضة من الشوارع ؛ والبعض ينصب خيامه في أحواش خاصة محاطة بسور عال ومرفقة بأبواب سميكة ، هي عادة ملك المطوّفين. ونادرا جدّا ما ينزل حجاجنا (وفي هذه السنة اثنان فقط) في البيوت نظرا لبدل الإيجار الرفيع. والطبقة المعدمة

تقيم في المعتاد على جانبي الفج بين الصخور أو في الشوارع تحت الأسيجة.
بعد أن يستقر الحجاج بنحو أو آخر ، يمضون إلى الحفر المعدة لذبح المواشي المذكورة أعلاه ، ويشترون هناك الخرفان ، ويذبحونها على طرف حفرة ، ويتركونها هناك ؛ ولكن إذا كان الخروف المذبوح مدهنا إلى هذا الحد أو ذاك ، فيتوافد الحجاج المعدمون ، ويطلبون التصدق عليهم بالذبيحة ، ويقصون منها أفضل القطع لكي يعيئوا لأنفسهم ، كما علمت فيما بعد ، احتياطيا من اللحم المقدد. وحوالي الظهر ، يدفعون جميع الماشي المذبوحة مع جلودها إلى الحفر ويطمرونها بشريحة رقيقة من التراب. وفي المساء تتكرر هذه العملية بالنسبة للأضاحي الجديدة. وجميع الأعمال قرب الحفر يقوم بها الجنود.
كل حاج يضحي ببضعة خرفان أو مواعز ، منها واحد على نيّته ، والأخرى بتكليف من أقاربه ، ولراحة نفوس الموتى ، أو أيفاء بوعد ، وهكذا ذبح أحد مسلمينا في هذه السنة أكثر من 60 خروفا. ولكن كثيرون من الفقراء غير ملزمين بهذا الواجب. وإذا أخذنا العدد الأدنى فقط ، وحسبنا أن كل حاج يذبح بالمتوسط خروفا ونصف خروف فقط ، فإن عدد المواشي المذبوحة بهذه الطريقة بدون أي نفع يبلغ رقما هائلا ـ 150 ألفا ، نظرا لعدد الحجاج في هذه السنة وهو 100 ألف. وهذا الذبح يجري في جميع الأيام الثلاثة من إقامة الحجاج في منى ، الأمر الذي يشكل خطرا رهيبا يهدد بنشوء بؤرة للاوبئة نظرا للمناخ الحار ولغياب الشروط الصحية.
في اليوم التالي (اليوم الحادي عشر من ذي الحجة) ، طفت في منى وفي مخيم الحجاج فلاحظت أن الشارع الرئيسي في منى بقي غير قذر جدّا ، ولكن حين تنحيت جانبا ، بين الجبال والمباني ، ذهلت من حال هذه المحلة الرهيب. كانت التربة كلها مكسوة بالعظام مع بقايا اللحم

المسودّة والمتفسخة ؛ فأن الحجاج الذين اعدوا لأنفسهم اللحم المقدد ، قصّوا كيفما اتفق الأقسام اللينة ، ومرموا الباقي ليعترئ نظرا لوفرة اللحم. وكانت هناك بضع جيف منتفخة لخرفان بكاملها. وجميع الأماكن قرب الأسيجة كانت مغطاة بالبراز البشري ؛ وفي كل مكان ، نفايات مختلفة وزبالة رهيبة ؛ وفي كل مكان رائحة نتنة لا تطاق ، وبخاصة في جوار المراحيض العامة التي لم يطمروها بأي شيء. وقرب الحفر ، ما وراء منى ، آلاف من المواشي المذبوحة التي قد بدأت تتفسخ وتتعفن ؛ وقرب تلك الحفر التي قد امتلأت وطمروها ، تتناثر مختلف البقايا من الجيف. تلاقيت مع طبيب من الأطباء طاف راكبا في مكان ذبح الأضاحي وأمر بطمر الحفر. وقد أفادني أن احد الحجاج احيل إلى المحاكمة لأنه ذبح الخروف قرب خيمته ، رغم أن الكثيرين ، نظرا لنقص الرقابة هنا ، يذبحون خفية في أماكنهم لكي لا يمضوا بعيدا ولا يرتبكون البتة من الرائحة النتنة التي تنتشر فيما بعد ؛ وعلى العموم ، ينظر الحجاج بأغلبيتهم إلى هذا الطلب البسيط ـ ذبح الأضاحي في المكان المعين فقط ـ كما إلى تضييق نافل تماما ؛ ولو لا القسر ، لرجعوا فورا بلا ريب إلى النظم القديمة ولطفقوا يذبحون الخرفان ويتركونها تتفسخ كما من قبل بين الخيام. ونحو مساء ذلك اليوم ، زرت بضعة من الأحواش التي ذكرتها آنفا. والحجاج يفضلونها نوعا ما ، لأنهم يغلقون الأبواب في الليل ويجدون أنفسهم بالتالي في بعض الأمان من اللصوص الذين يتجمع عدد كبير جدّا منهم في منى أملا في الاتزاز السهل (وخاصة في حال نشوب الأوبئة ، حين يعكفون بكل حرية على السلب والنهب). ولكن ، نظرا للاسيجة والأبواب المغلقة ، ولشدة الضيق بين الخيام المنصوبة ، ولإنشاء المراحيض قربها بالذات ، ولوجود الجمال ، ينشأ هناك جو مرهق جدّا. ومن الأفضل بكثير نصب الخيام فيما وراء منى ، حيث المكان أرحب وأنظف إلى ما لا قياس له.

ونظرا للظروف الصحية السيئة المذكورة أعلاه تكون نسبة الإصابات بالأمراض والوفيات بين الحجاج عند عرفات وبخاصة في منى ، كما يقال ، أكبر بكثير مما في مكة. ولكن عدد الذين ماتوا طوال الرحلة كلها إلى عرفات بلغ في السنة الجارية حوالي 40 شخصا فقط.
العودة إلى مكة ورحيل الحجاج
بعد العودة إلى مكة يسرع الحجاج إلى أعلام أقاربهم في الوطن بسلامة نهاية الرحلة إلى عرفات ؛ وفي هذه الأيام يكون التلغراف ، رغم التعريفة العالية ـ خمسة فرنكات عن كل كلمة ـ غارقا في العمل ؛ ويستعد الحجاج للرحيل. وجميع الحجاج يحملون معهم إلى أوطانهم لأجل تقديم الهدايا كميات متفاوتة من ماء زمزم والتمر المحلى ، تبعا لأحوالهم المالية. يأخذون ماء زمزم في أوعية خاصة من الصفيح يبيعها سمكرية مكة من الحجاج الراحلين بعد أن يملأوها بأنفسهم ويلحموا رقابها ، والتمر يشترونه عادة في المدينة المنورة. وفضلا عن ذلك ، يشترون على سبيل الهدايا مسابح من صنع محلي أو من صنع القسطنطينية ، وسجادات صغيرة لأجل الصلاة ، وخواتم فضية مصنوعة من بقايا الزخارف المتغيرة كل سنة في مقام إبراهيم ، وخواتم فضية مرصعة بالصرد اليمني وقطعا من الكسوة ، والكندر وما إلى ذلك ويأخذ كل منهم أيضا معه ثوب الاحرام الذي التف به في زمن الحج ؛ ويأخذون أيضا لأنفسهم وبتكليف من معارفهم قطعا من الخيش مبللة بماء زمزم لأجل الأكفان. وجميع هذه الأشياء يدسونها في صناديق ويسلمونها لعملاء خصوصيين هم السماسرة ، لأجل إيصالها إلى القسطنطينية.
وأولئك من حجاجنا الذين سبق أن كانو في المدينة المنورة قبل الحج أو لم يحسبوا أن يزوروها ، بدأوا هذه السنة ، في اليوم الثاني أو الثالث بعد العودة من عرفات ، بالسفر قوافل صغيرة إلى جدّة ، حيث كان

الحجر الصحي قد رفع قبيل عودة الحجاج ، وحيث تجمعت 12 باخرة لنقل الحجاج إلى السويس وبيروت وأزمير والقسطنطينية.
وفي السنة الجارية كان عدد الحجاج الذين قرروا زيارة المدينة المنورة أيضا بعد الحج قليلا جدّا نظرا لمخاطر الطريق الكبيرة ؛ ولذا انطلقت من مكة إلى المدينة المنورة ، عدا المحملين السائرين معا في الطريق الشرقي ، قافلتان وركبان فقط. وجميع الحجاج المرضى ، مهما كانت صحتهم واهية ، لا يرغبون البتة في البقاء في مكة ، ويرحلون مع رفاقهم في الطريق. وهذا ما يفسر ، أغلب الظن ، واقع أنهم يدفنون دائما كثيرين من الناس في المواقف الأولى بعد مكة ، مثلا ، في حدة أو البحرة أو وادي فاطمة ...
الانتقال إلى المدينة المنورة
إنضممت إلى سكان المدينة المنورة العائدين ، ورحت مع أحد الركب في الطريق الغاير ، أما حجاجنا الباقون ، فقد انتقلوا مع القافلة في الطريق الفرعي. وقد وقعت في القوافل بضع حالات من عمليات السلب والقتل ذهب ضحيتها مسافرون ابتعدوا عن الموقف ، علما بأن واحدا فقط من رعايا روسيا ، كما ذكرنا آنفا ، قد تضرر. أما الركب ، فقد اجتازت السبيل بكامل السلامة. صحيح أن اشارات الانذار كانت تنطلق في الليالي وكانت تسمع طلقات الرصاص واننا توقفنا في الطريق ، ولكني لم أر خطرا حقيقيا.
الإقامة في المدينة المنورة
توجد في المدينة المنورة أيضا خمس تكيات لمسلمينا ، ولكنهم ، كما قيل اعلاه ، يفضلون النزول عند أقاربهم أو في مدرسة قازان الدينية ؛ وهذه السنة ظلت جميع التكيات فارغة. وعموما لا وجود في المدينة

المنورة لذلك الضيق في المساكن وفي المدينة كما في مكة ، وذلك لأن الحجاج يتوافدون إلى المدينة المنورة تدريجيا ويبقون عادة وقتا قصيرا جدّا ـ 3 ـ 5 أيام. وفي المدينة المنورة ، يوجد أيضا أدلة يقودون الحجاج حين يزور هؤلاء الحرم وضواحي المدينة ، كما أنهم يؤدون الصلاة بالنيابة عنهم.
الذهاب إلى ينبع
في السنة الجارية تأخر الذهاب من المدينة المنورة إلى ينبع بسبب الإضطرابات في قبيلة بني حرب ، وتأخر كثيرا جدّا ؛ ولم تنطلق القافلة الأولى إلا بعد مرور زهاء أربعة أسابيع على وصولها من مكة. ثم انتظروا زمنا طويلا الأنباء عن مصير هذه القافلة ، وسرت إشاعات مفادها أن البدو قد نهبوا القافلة كلها ، ونصحوا بالذهاب إلى جدّة ؛ ولكن بعد مرور زهاء أربعة أسابيع ، قرروا تسيير القافلة الثانية دون انتظار الأنباء من ينبع ، ومع أخذ الرهائن من المقوّمين. ومع هذه القافلة الثانية والأخيرة مضى جميع حجاجنا الباقين بمن فيهم أنا.
تم الانتقال إلى الجديدة بطلاقة لأننا سرنا في أرض مقوّمينا ؛ ولكن فيما بعد ، في المنطقة بني حرب ، سارت القافلة باحتراس بالغ ؛ بيد أننا وصلنا إلى ينبع بسلامة ودون تأخر ، إذا لم نأخذ بالحسبان 5 ـ 6 حالات من النهب والسلب ، وقطعنا هذا الطريق في سبعة أيام. عند الخروج من الجبال فقط ، وقع حادث اظهر كيف يتصرف في مثل هذه الأحوال البدو الذين يسوقون القافلة. كانت القافلة تسير في ثلاثة أقسام ـ في القسم الأمامي كان العرب الأفارقة (المغاربة) ؛ في الأوسط ، حجاج من شتى القوميات ، بمن فيها مسلمونا ؛ في القسم الخلفي ، الفرس. وفجأة سمعنا طلقات مترددة من جانب القسم الأمامي الذي لم يكن مرئيا فيما وراء الجبال. أخذ مقوّمنا سلاحه ، وركض إلى أمام القافلة ، وسرعان ما تجمع

حوله جميع سواقي الجمال الآخرين وفي ايديهم السلاح. وفي هذه الأثناء ظلت القافلة تواصل السير كما من قبل وفي مقدمتها جميع البدو. خلال ربع ساعة ، انعطف الطريق عدة مرات وبعد خروجه من الجبال ، أخذ ينزل إلى الشريط الساحلي المستوى (تهامة) ؛ وفي الحال تكشفت للأنظار كل المحلة المجاورة مع أبعاد البحر الزرقاء. وكانت مقدمة القافلة تبدو بوضوح ، وكانت الطلقات لا تزال تتعالى من هناك ؛ وقد تبين أن المغاربة أعربوا بذلك عن فرحهم لدن رؤية عنصرهم الطبيعي العزيز ، البحر.
أثناء هذا الانتقال من المدينة المنورة إلى ينبع ، اضطررت إلى معاناة عواقب ريح السأم التي كانت تهب بلا انقطاع تقريبا. وعند بئر السيّد أشار ميزان الحرارة في الظل إلى 44 درجة ريومور فوق الصفر ، وهي أعلى درجة من الحرارة رأيتها في الحجاز. المرحلة الأخيرة من هذه البئر إلى ينبع كانت أطول المراحل ؛ وقد سارت القافلة بلا توقف 20 ساعة بالضبط (1).
__________________
(1) «تركستانسكيي فيدوموستي» («أنباء تركستان») (1 ـ 6 ـ 1899) تعطي لوحة زاهية عن انطلاق الحجاج من استنبول : «كانون الثاني (يناير) 1899 كان قطيع كبير من الجمال ذات السنامين المزينة بأشرطة متعددة الألوان ، وشبارق غنية من الديباج ، وشتى الخشخيشات وعشرات البغال تحت شقادف جميلة ومظلات ذهبية التلاوين ، وأخيرا ، فصيل كبير من الحمير البيضاء الصغيرة المحملة بصناديق حديدية والمرفقة «بزيبقين» شرسين يقطنون في ولاية ايدين ، جميعها تسير في هذه الأيام في جميع الشوارع الرئيسية بعاصمة السلطان التركي.
إن السلطان التركي ملزم ، بموجب عادة قديمة ، بأن يرسل سنويا إلى مكة ، قبل 15 يوما من رمضان ، قافلة مع الهدايا ووكيله الذي يقوم بالنيابة عنه ، أي عن السلطان ، بالرحلة المقررة قانونا للسجود أمام مقدسات مكة المكرّمة والمدينة المنورة. ومنذ 150 سنة كان يتعين على السلاطين أن يمضوا شخصيا إلى الأماكن المقدسة ؛ أما الآن فإن واجب السلطان في هذه الحال يؤديه الوكيل ؛ وهو عين السلطان يقوم بدور ـ

الإقامة في ينبع
لقد سبق أن تحدثت عن الحالة الصحية الخارقة السوء في ينبع.
__________________
ـ الوكيل رئيس الفرع الديني بوزارة التعليم العام ، عريف أفندي.
أمضت القافلة يومين في دار شيخ الإسلام ؛ وفي أحاديث متواصلة ألقى كلمات النصح على المسافرين في سفرة بعيدة ، ثم اتجه إلى قصر يلدز أي إلى حيث كان يتجه ويتجمع غفير من الناس.
وتسنى للأجانب أن يروا مشهدا فريدا ، حيث تجمعوا في بتشيك داش الذي كان لا بد أن تمر فيه «القافلة المقدسة». في طليعة صف الجمال والبغال والحمير المزينة بتبرقش ، كان عريف أفندي راكبا على جمل أبيض ذي سنامين ، وكان يرتدي معطفا مطرزا بالذهب هو المعطف الرسمي للموظف التركي ، ماسكا في يديه الممدودتين إلى الأمام شهادة صلاحياته. وقد ركز كل انتباهه على هذه الورقة التي كان عريف أفندي ينظر إليها برقة وحنان كما إلى شيء مقدس ، وبالوداعة الملازمة للتعصب الإسلامي. إن مجموعة «الزيبقين» التي تسير في طليعة الموكب وفي مؤخرته تشكل الحرس الذي ينبفي أن يحرس القافلة من شيخ الإسلام إلى قصر السلطان يرقصون بلا انقطاع مسترعين الإنتباه العام بلباسهم الغريب. وبهذه الصورة تصل «القافلة المقدسة» إلى قصر يلدز حيث يستقبلها بمهابة واحتفال أصحاب المقامات الكبيرة الأتراك المتجمعون لهذا الغرض ويرحب بها السلطان نفسه الذي يظهر لهذا الغرض هذه المرة على الشرفة الكبيرة المطلة على حوش القصر.
بعد اداء الصلاة ما قبل السفر ، أمر عريف أفندي بتسرع بفتح الصناديق الحديدية وإرسال خمسة منها إلى مخدع السلطان. من الصعب أن نصف بأي ورع وضع أصحاب المقامات الكبيرة الأتراك حفنات من الذهب في الصناديق المفتوحة. وبالنظر إليهم ، لم يكن يجوز التنديد بالرعاع الجهال الذين باسوا آثار حوافر المواشي المنطلقة إلى مكة المكرّمة والمدينة المنورة.
وبعد فترة وجيزة أخذ الخصيان يتوافدون إلى عريف أفندي حاملين أكياسا حريرية تحتوي تبرعات سيدات حريم السلطان. ولك من هؤلاء الناسكات التعيسات أرسلت كيسا ، يحتوي ، عدا بضع قطع نقدية ذهبية ، عنوان المتبرعة التي كان يتعين على الوكيل أن يجلب لها من مكة الماء المقدس ، أو سلاكة خشبية ـ

وليس ثمة مكان في الحجاز يواجه فيه الحجاج مثل الظروف المرهقة القائمة في هذه المدينة. وعند عرفات ، أو في منى أو في جدّة ، يوجد على الأقل ماء جيد ضروري جدّا في مثل هذه الحرارة العالية ؛ أما هنا ، فإن الماء الذي يبلغ ثمن الدلو منه حوالي 50 كوبيكا لا يمكن شربه إلا في أقصى الأحوال. ولحم الغنم المحلي المباع هنا بسعر 15 كزبيكا للرطل الواحد يتميز بقساوة غير عادية وغياب الدهن. ومن جراء كل هذه الظروف ، عانى جميع الحجاج أثناء الإقامة في ينبع باختلال المعدة ؛ كان حسب المرء أن يقترب من شاطئ البحر حتى يقتنع بأن الجميع مصابون بالاسهال. وقد ازداد عدد الموتى بشكل ملحوظ ، وكل يوم كانوا يدفنون 5 ـ 6 أشخاص (كان عدد الحجاج زهاء 3000 شخص). ولسوء حظ
__________________
ـ للاسنان ، ومسابح رخيصة ، ولكن هاهم ياورو السلطان يطلون حاملين الصناديق المرسلة إلى مخدع السلطان. إن وضع الأمور المقلق في الجزيرة العربية ، ولا سيما في ولاية اليمن أجبر الباديشاه على عدم الضن بالذهب المعد على سبيل الهدية للشيوخ العرب الذين يرأسون مختلف القبائل العربية التي تخضع لسلطة شيوخها بوصفهم أخلافا لمحمد (صلى‌الله‌عليه‌وسلم). ولا جدوى من أحداث شجار بين الشيوخ العرب والباب العالي ، لأن الباب العالي يدرك جيدا جدّا عجزه من أجبار العرب على اجلاله واحترامه. إن الرشوات السخية المقدمة للشيوخ النافذين هي وحدها التي تحافظ اليوم على النظام الظاهري في الولايات العربية. وإذا غضب شيخ طماع بطبيعته ، فإن القبيلة بأسرها تصبح على استعداد من الإشارة الأولى لحمل السلاح وشد السروج على أحصنتهم ... ولكن لا يخامر الشك أحدا في أن الذهب لا يكفي الباب العالي مدة طويلة لأجل إرضاء الشيوخ العرب الذين يطالبون بالمزيد من الذهب بالحاح وجشع.
بعد أن أخذت القافلة المقدسة في قصر يلدز كل ما يمكن أخذه ، انطلقت بالاحتفال ذاته إلى القسم الإسلامي من المدينة «سكوتاري» حيث تبقى 15 يوما ، وتنتقل في هذه المدة من بيت إلى بيت لجمع التبرعات».
وإننا نترك لذمة المؤلف الأخطاء بصدد الوقائع ولهجة بعض من آرائه.

الحجاج غالبا ما يتعين عليهم أن ينتظروا طويلا في هذا المرفأ الرهيب اقلاع الباخرة أو انطلاق القافلة ؛ ففي هذه السنة بقي الذاهبون إلى المدينة المنورة ما لا يقل عن أسبوع ، وبقي الراحلون من الحجاز زهاء 8 أيام ؛ ومن وصلوا مع القافلة الأولى بقوا أكثر من شهر.
وحجاجنا يبيتون هنا أيضا كما في جدّة مستأجرين غرفة واحدة لعدة أشخاص ؛ أما حجاج القوميات الأخرى ، كالمصريين والمغاربة ، فإنهم يدبرون لأنفسهم ظلاما في الشارع وعلى الساحل المنخفض ويعيشون في وسط القذر الرهيب والرائحة النتنة الكريهة.
تصل البواخر إلى ينبع بعد أن تقوم في البدء برحلة لنقل الحجاج من جدّة ؛ ونظرا للحجر الصحي ، حملت الحجاج على انتظارها في هذه السنة زمنا طويلا جدّا. وأخيرا أخذت تقترب ، وفتح العملاء مكاتبهم ، وبدأت المفاوضات بصدد أسعار التذاكر. في البدء طلبوا عن الدرجة الثالثة إلى القسطنطينية 2 / 1 7 ليرات أي أكثر من 63 روبلا. ولكن بما أن عدد الراغبين في السفر بهذا السعر العالي كان قليلا جدّا ، فقد خفضوا سعر التذكرة بعد يومين حتى 6 ليرات (51 روبلا) ، وإذ ذاك فقط شرع الحجاج يشترون التذاكر. والباخرة التي سافرت على متنها كانت قد أخذت 700 راكب ؛ ولكن رغبة في زيادة عددهم ، ارجأوا الاقلاع من يوم إلى يوم ، إلى أن احتشد الركاب أخيرا ، وقد فرغ صبرهم ، في جمع ضخم أمام مقر القائمقام وطفقوا يعربون بأصوات مدوية عن احتجاجهم ، متشكين من نقص المؤن والماء ، وشرعوا يطالبون باقلاع الباخرة ؛ وسرى مفعول الاحتجاج ، وبدأت الباخرة تولّد البخار ، وتأخذ الركاب ، واقلعت في ذلك اليوم بالذات. وقد قالوا لي أن القائمقام والعميل وربان الباخرة يحصلون على مداخيل كبيرة بفضل هذه الطريقة لبيع التذاكر. وأولئك الحجاج الذين صبروا طويلا اشتروا التذاكر بالسعر العادي المطبق في السنوات التي يقوم فيها الحجر الصحي أي بخمس ليرات للتذكرة. وعدا

الركاب الذين يدفعون ثمن التذاكر ، تركّب السلطات المحلية على متن كل باخرة 20 ـ 30 شخصا من الحجاج المعدمين.
المحجر الصحي في الطور
أهتم الحجاج كثيرا ، عندما كانوا في المدينة المنورة ، وعند ما وصلوا إلى ينبع ، بمسألة هامة جدّا بالنسبة لهم ـ هي مسألة فرض الحجر الصحي في الطور ؛ وفي هذا الصدد انتشرت في المدينة شتى الإشاعات. قال البعض أن الحجر الصحي سيدوم 10 أيام ، وقال آخرون انه سيدوم 5 أيام فقط ؛ ولكن الأغلبية كانت على يقين بأن الحجر الصحي لن يفرض ولا يمكن فرضه ، لأن الحجاج ، كما كانوا يحاكمون ، لم يكونوا في جدّة حيث وقعت إصابات بمرض الطاعون ، بل نزلوا في الرأس الأسود ، وأنهم اقاموا بعد ذلك أكثر من شهر في مكة حيث لم يكن أي وباء ، وبقوا أسبوعين في الطريق بين مكة والمدينة المنورة ، واقاموا في المدينة المنورة أيضا مدة كبيرة على خير ما يرام ، ثم ساروا أسبوعا إلى ينبع حيث بقوا في انتظار الباخرة أسبوعا أيضا ؛ وطوال هذا الوقت كله لم تحدث أية حالة مشبوهة. فما الداعي الآن إلى الحجر الصحي؟ لقد تكونت عند الحجاج عن الحجر الصحي اسخف المفاهيم. يقولون بالاجماع : هدف الحجر الصحي ليس البتة المقتضيات الصحية بل رغبة الدول غير الإسلامية في تصعيب وصولهم إلى الحجاز واضعاف دينهم بذلك ؛ ولهذه الاهداف ابتدعوا الحجر الصحي حيث يميتون الحجاج التعساء بل وحاولوا أن يسمموهم. انزلوا 2000 شخص في الجزيرة (المقصود هنا ، أغلب الظن ، جزيرة كمران) فأخذ الطبيب الإنجليزي يعطيهم سما بذريعة انه دواء ، ولكن أحد الحجاج حزر ذلك فقتل الطبيب ؛ وآنذاك فقط ، وقد رأوا أن هذه المعاملة لا تخلو من الخطر ، أصعدوهم إلى متن الباخرة وواصلوا السفر. يقول كثيرون من الحجاج :

«البواخر الإنجليزية المنطلقة من الهند الموبوءة تمر بدون أي توقيف. بينما نحن المسافرين من أماكن سليمة يعرضوننا لمثل هذه العذابات. وحين يعاني الحجاز من الكوليرا أو من وباء آخر ما ، فليفرضوا الحجر الصحي. أما في السنوات الطيبة ، فهذا ظلم جلي».
وفي ينبع أيضا لم ترد معلومات دقيقة عن الحجر الصحي ؛ وبارتياب بالغ قابلوا تصريحات طاقم السفينة باننا سنتوقف 12 يوما في الطور ؛ وفي اليوم الثالث اقتربنا من هذه النقطة ونحن على كامل اليقين بأننا سنواصل السفر بعد وقفة قصيرة ، يقتنع فيها الأطباء أن كل شيء على ما يرام.
الطور بلدة صغيرة على الساحل الآسيوي من خليج السويس ، تتألف من عشرة بيوت حجرية من طابقين. على بعد زهاء فرستا اثنين إلى الجنوب ، تقع مجموعة من الخيام على ساحل البحر ، ومجموعات صغيرة من أشجار النخيل هنا وهناك. وهذا هو المحجر الصحي في الطور الذي يكرهه الحجاج بالغ الكره. الساحل واطئ ، الرمل وعس ، ويشكل بعيدا عن البحر جملة من كثبان مستطيلة ؛ في الافق ترتفع كتل حجرية معدومة الحياة من الجبال ؛ المنظر اشد كآبة مما في الحجاز.
اقتربت باخرتنا على بعد زهاء 200 ساجين من الشاطئ ورمت المرساة. وكانت ترسو هنا بضع سفن اقلعت من ينبع قبلنا وفرضوا عليها الحجر الصحي. بعد ساعة انطلق من الساحل زورق بخاري صغير ونقل إلينا طبيبين اختصاصيين في الحجر الصحي ؛ وهذان تفحصا أوراق الباخرة ، ثم عادا بعد فترة وجيزة إلى الساحل. وفي هذه الأثناء نشر أحد المازحين إشاعة مفادها أن الحجر الصحي لن يفرض ؛ وصدق الجميع هذه الإشاعة حقا وفعلا واعربوا بصورة مختلفة عن فرحهم العظيم. ولكن سرعان ما عاد الزورق قاطرا ثلاثة زوارق كبيرة ؛ وفي الحال بدأ انزال الركاب ونقل كل امتعتهم إلى الساحل ، الأمر الذي استغرق

يومين ، لأنه لا يتسنى في اليوم الواحد تعقيم أكثر من 300 ـ 400 شخص. وكل الأمتعة الثقيلة الموضوعة في العنبر انزلوها هي أيضا من الباخرة. وكثيرون من الركاب أبقوا حقائبهم اليدوية وغير ذلك من أشياء أوفر قيمة لأجل الحفظ عند المسؤول عن مطعم الباخرة ؛ وهذا الأخير اخفاها في مكان ما لقاء مكافأة.
ترسو الزوارق عند الرصيف الراسخ الأسس ؛ وعلى طول الرصيف مدوا القضبان الفولاذية لأجل سكة حديدية من طراز خفيف جدّا. وقبيل رسو الزوارق ، تصل عربتان حديديتان صغيرتان ، واحدة بصورة عربة مستشفى ، وعليها ينقلون المرضى إلى مستشفى الحجر الصحي ؛ والأخرى من طراز عربة الشحن لأجل نقل الأمتعة إلى مبنى التعقيم. وعلى أبعاد قصيرة يجر الناس العربتين وعلى مسافات أبعد ، يقرنون البغال ؛ وهناك أيضا قاطرة صغيرة.
على بعد زهاء 25 ساجينا من الرصيف ، توجد تخشيبتان مسقوفتان طويلتان لأجل غرف التعقيم ؛ وقربهما سقيفة ينتظر الحجاج تحتها دورهم. ولتغطية نفقات الحجر الصحي ، يأخذون من كل حاج 64 قرشا مصريا (زهاء 6 روبلات و 40 كوبيكا) ؛ أما المعدمون ، فيسمحون لهم بدخول المحجر الصحي مجانا ، ولكن بعد الإنتهاء من تعقيم الحجاج الذين دفعوا الرسم.
انتظرت دوري ودخلت إحدى التخشيبتين المذكورتين ، وإذا بي أرى نفسي في غرفة رحبة كفاية أرضيتها رطبة ومفروشة بالأسفلت ؛ على هذه الغرفة تطل أبواب ثلاث مقصورات بخارية تعقيمية ؛ وهنا أيضا تنتصب الخوابي والبراميل المليئة بشتى السوائل المعقّمة. أخذوا يفكرون صرر الأمتعة ويصنفونها. وكل أمتعتي المؤلفة من كيس للسفر فيه البياض ولوازم الفراش ، ومن سرير للسفر ، ومن صندوق فيه الآنية والمؤونة ، نقلوها إلى الحوش ؛ أما أمتعة خادمي ، فقد أدخلوها كلها في

مقصورة. ثم طلبوا منّا أن نتعرى تماما ونلبس بياض الحجر الصحي ، البعض لبسوا الكلاسين ، والبعض الآخر القمصان الطويلة. ونحن ، ركاب الدرجة الأولى الثلاثة ، حاولنا أن نحتج ، لعدم رغبتنا في إرتداء البسة قذرة ، الله يعلم عمّن نزعوها ، وطلبنا إعطاءنا البسة أنظف على الأقل ، ولكن طلبنا قوبل بالرفض القاطع ؛ فتعين علينا أن نتعرى ، ونربط كل بالستنا معا ، ونعطيها إلى المقصورات ، ونرتدي قمصانا كريهة ، نتنة. ولم يسمحوا لنا إلا بأن نبقى معنا محافظ الطريق التي تحتوي النقود والوثائق ، والمظلات والأحذية.
وحين بلغ عدد مرتدي هذا اللباس زهاء 10 أشخاص ، جاء الطبيب وفحصنا ، متلمسا الغدد اللوزانية ، وتحت الأبطين ، وفي المغبن (المنطقة الاربية). وأثناء فحص الطبيب ، حلعوا حذائي وبللوه ببالغ الاجتهاد في خابية تحتوي ، على الأرجح ، سائلا معقما ثم انتزعوا عند الخروج إلى الحوش المظلة من يدي وقطروا عليها من مرشة نحو 20 قطرة ، ولكن لا أكثر ، ثم دخلنا إلى التخشيبة ذاتها ، ولكن من طرف آخر ، متجنبين وسطها ، حيث تقوم المقصورات والمراجل. وقد اضطررت إلى انتظار البستي زمنا طويلا نسبيّا ورؤية مشاهد طريفة جدّا. ها هم يرمون من قسم التعقيم عبر باب واسع الصرر والرزم المطهرة من كل مسبب للأمراض ؛ هذه الصرر والرزم يتلقفها في الحال أصحابها الذين ينتظرونها ويفكونها ويبدأون تفحصها ـ جميع الطرابيش تحولت إلى قلبقات كريهة المنظر وتغيرت الوان الأشياء الخرى أو انصبغت باصباغ غريبة ؛ بعض الأصباغ في السجادات بهت لونها هي أيضا. ويجلس الفرس عليها مستغرقين في التأمل ؛ عند البعض تبين أن غلافات الأشياء قد احترقت ؛ ومن لم يسحب الأشياء الجلدية ولم يضعها جانبا بسبب جهله للأمر تلقى بالطبع مجرد مزق مدعوكة. ومن هم اوفر طيبة ولطفا يضحكون ، ولكن تتعالى على الأغلب التذمرات واللعنات. وحين امعنت النظر في الحجاج العارين من

مختلف القوميات ، ذهلت : يا للشعب النحيل والمنهوك القوى! هذه الرحلة إلى الحجاز ترهقهم جميعا! وما أن يتلقوا أمتعتهم حتى يرتدوا ثيابهم ، بينما يرمون بياض المحجر الصحي بحنق على الأرضية القذرة والرطبة ؛ ومن هذه الأرضية يأخذ الخدم هذا البياض وينقلونه لأجل الاستعمال لاحقا. ارتديت ثيابي من جديد وخرجت إلى الحوش ووجدت عند الباب كل امتعتي بدون أي أثر لأي تعقيم. ثم شرعوا ينقلون الأمتعة إلى ما وراء البوابة ، لكي ينقلوها إلى المخيم حيث يفرضون الحجر الصحي على الحجاج.
أقيم هذا المخيم على بعد زهاء 400 ساجين عن الساحل ، وهو عبارة عن صف واحد ، بموازاة ساحل البحر ، من أحواش مربعة صحيحة التخطيط (أقسام) مفصولة بعضها عن بعض بشبكة عالية من الأسلاك ، ولها بوابة واحدة تطل على الواجهة ؛ وقرب هذه البوابة يتواجد المخفر الذي يرسلون منه حراسا إلى جميع أنحاء المخيم. وداخل السياج ، خيام صغيرة واطئة تتسع الواحدة منها ل 5 ـ 10 أشخاص. وقرب البوابة توجد خيمة الطبيب ومعاونيه الأثنين ؛ وهنا بالذات يتواجد تحت السقيفة دكان وضرب من بوفيه ؛ وفي الخط الخلفي تقوم مراحيض منقولة مصنوعة من الواح خشبية. ومن يملكون خياما خاصة يفرزون لهم أيضا امكنة. يجب قول الحق ، فإن منظمي المحجر الصحي في الطور قد انشأوا هنا نظاما ظاهريا معينا ؛ ففي كل مكان مدوا الخطوط الحديدية ، وعليها ينقلون امتعة الحجاج ، ويستجلبون عليها الماء 3 ـ 4 مرات في اليوم ؛ ولهذا الغرض يستخدمون ثلاث عربات حديدية صغيرة على كل منها ثلاث براميل خشبية مزودة بحنفيات وخراطيم ، ينسكب الماء بواسطتها بصورة مناسبة ومريحة وسريعة جدّا في صهريجين حديديين موضوعين قرب البوابة. والماء نقي ، من نوعية مرضية ، ويستخرجونه من بئر بمحرك هوائي. وكل يوم يجمع الحراس بين الخيام والزبالة

وشتى النفايات ، ويراقبون بحيث لا يذهب الحجاج لقضاء حاجاتهم الطبيعية إلا إلى بيوت الخلاء التي يحافظون على نظافتها ويغسلونها على الدوام ، ويسكبون علها منقوع الكلس. وجميع الحجاج المعدمين يتلقون كل يوم على حساب الحكومة المصرية طعاما يتألف من رغيفي خبز صغيرين وزن كل منها زهاء رطل ، وحساء مطبوخ مرة باللحم ، ومرة أخرى بدون لحم. يبقى أن أضيف أن ساعي البريد يحضر كل يوم لأجل قبول الرسائل العادية والمضمونة وكذلك البرقيات ، وأن بواخر البريد التي تقوم برحلات بين موانئ البحر الأسود تأتي إلى هنا في زمن الحجر الصحي. ولكن الغلاء هنا رهيب ويشمل جميع المأكولات الضرورية ، وغالبا ما يستحيل كليا شراؤها. مثلا ، سعر نصف رطل لحم الضأن 30 كوبيكا ؛ رغيف الخبز من الطحين الأسود ، وزنه نصف رطل ، وهو دائما قاس وعتيق ، سعره 8 كوبيكات ؛ سعر الدجاجة 80 كوبيكا ، سعر البيضة 3 كوبيكات ، سعر الحطب (3 ارطال) 4 كوبيكات ، سعر الفحم الحجري 5 كوبيكات للرطل الواحد.
منذ الأيام الأولى بالذات ، تبين أن عددا كبيرا جدّا من الحجاج يعانون من الأسهال. أصعفهم أرسلوهم قسرا إلى المستشفى الذي يخافه الحجاج خوفهم من النار. وقد حاول بعض ممن مرضهم أقل وطأة أن يطلبوا النصيحة والدواء من الطبيب ، ولكن تبين ، لما فيه دهشة الجميع ، انه لا يجوز هنا إعطاء النصائح والأدوية. فإذا كنت مريضا ، فعليك أن تتعالج في المستشفى.
ولكن الخدم أنفسهم كانوا ينظرون إلى العزلة الصارمة جدّا بالنسبة للحجاج ، بدون أي تنازل في صالحهم نظرة مغايرة تماما وبذلك كانوا يستشيرون على الدوام دمدمة الخاضعين للحجر الصحي ؛ فإن الحراس كانوا يمضون بحرية لأداء شتى تكليفات الإدارة ؛ وصاحب الدكان كان هو أيضا يتعامل بدون أي عائق مع بقية العالم. وحين أخذ الفرس يبيعون

سجاداتهم ، افتتح بازار حقيقي قرب خيمة الطبيب ، وعكف الأطباء اليونانيون القادمون عادة من خارج المخيم على الشراء.
دام الحجر الصحي في الطور 12 يوما ؛ وطوال هذه المدة سادت بين الحجاج كآبة عميقة عامة وهبوط شديد في المعنويات ، الأمر الذي يمكن تفسيره بادراك الحرمان من الحرية وبالتخوف من إمكان استطالة هذا الاعتقال زمنا طويلا غير محدد فيما إذا ظهر مرض ما مشكوك فيه. أغلب الظن أن التغذية الرديئة جدّا كان لها هي أيضا دورها ، لأن النقود كادت تنتهي عند الكثيرين من الحجاج ، فكانوا يعيشون ببيع امتعتهم ، ناهيك بانه لم يكن ثمة شيء يمكن شراؤه بهذه النقود عدا لحم الضأن السيء النوعية أو أحيانا دجاجة هزيلة. كذلك لعبت دورا ، أغلب الظن ، المحلة الخارقة الكآبة ، والرياح الشمالية المتواصلة التي تهب هنا بقوة كبيرة جدّا ، قالبة الخيام ، والتي تخفف القيظ نوعا ما والحق يقال ، ولكن التي تغطي جميع الأشياء على الدوام بشريحة سميكة من الرمل.
قبل انتهاء مدة الحجر الصحي بيومين ، قام الطبيب بفحص عام ، جديد ، جاسا الغدد ، ووجد أن كل شيء على ما يرام. وقد توسل الحجاج من الله باصدق نحو أن يموت جميع الضعفاء والمرضى منهم ، إذا كان لا بدّ لهم من الموت ، في أي مكان ، فيما عدا هذا المكان ، فيما عدا هذا الحجر الصحي. وغالبا جدّا ما تذكروا أحاديث الحجاج السابقين ، ومفادها ما يلي : في زمن الوباء ، إذا مات حجاج في الأيام الأخيرة من الحجر الصحي ، كان رفاقهم يدفنونهم خفية في الخيام ؛ وكان الجميع موافقون تماما على انه هكذا ينبغي التصرف إذا توفي أحد ما فجأة ، لا سمح الله!
وأخيرا حل يوم الفرح بالنسبة للجميع ، يوم إنتهاء مدة الحجر الصحي ؛ ونقلوا الحجاج بالطريقة نفسها ولكن بسرعة بالغة إلى الباخرة التي تعرضت هي أيضا في هذه الأثناء للتعقيم العام.

وقد أفادني بعض من الحجاج ممن كانوا في الطور في السنة الماضية أيضا (سنة 1897) أن ظروف الحجر الصحي في السنة الجارية أخف إلى ما لا قياس له ؛ فآنذاك وصلت من ينبع دفعة واحدة 6 بواخر ؛ والبواخر التي وصلت بعد غيرها اضطرت إلى انتظار دورها لانزال الركاب اكثر من 10 أيام ؛ وهذه الأيام لم تدخل في حساب مدة الحجر الصحي (15 يوما). وهكذا ، امضى ركاب الباخرة «ماغنيت» في الطور 27 يوما. وأثناء التعقيم ، أصاب التلف عددا كبيرا جدّا من شتى الأشياء. مثلا ، قدّر أحد المسلمين من رعايا روسيا خسائره بمبلغ يربو على 500 روبل.
إن كل حجر صحي هو بالطبع عبارة عن مضايقة معينة ، أي التأخر مدة متفاوتة الطول في الطريق ، والنفقات الإضافية ، والحرمانات ، والانتقال مع جميع الأمتعة إلى الشاطئ والعودة معها إلى الباخرة ، وما إلى ذلك ؛ ولكن إذا تفحصنا نظام الحجر الصحي في الطور ، اتضح لنا جزئيّا لماذا ينظر الحجاج إليه باحتراس وحذر وخوف. ليس من الصعب اقناع الحجاج أن التعقيم ضروري لتحاشي نقل الوباء إلى وطنهم ، رغم أن لديهم اعتراضا جاهزا مفاده انه لم يكن ثمة أي وباء في النقاط التي زاروها في الحجاز. ولكن حين يرون أن بعض الأشياء يجري تعقيمها ببالغ الصرامة وأن أشياء أخرى مماثلة تمر بدون أي تعقيم أو تطهير ؛ وحين يرون كيف يجبرونهم على التعري تماما ويرسلون جميع الألبسة إلى مقصورة ، وكيف يسمحون بابقاء الأشياء الصغيرة ، وكيف لا يغسلون أجسام الحجاج بأي شيء ـ حينذاك يفقد الحجر الصحي بالطبع كل ثقة. إن التعري أمام الآخرين هو بحد ذاته عمل مرهق جدّا بالنسبة للمسلمين ؛ وارتداء البياض القذر ، يمكنه بالطبع أن ينقل إلى الناس الاصحاء عدوى شتى الأمراض الجلدية ؛ فبين الحجاج ، يوجد مصابون بالسفلس ؛ وقد يكون بينهم برص زاروا الأماكن المقدسة بحثا عن الشفاء ؛ وأخيرا يتسبب

التعقيم الزاما ببعض الخسارة لأصحاب الأشياء إذ يبهت لونها وتحترق غلافاتها ، الخ .. والعزلة نفسها ، القاسية جدّا بالنسبة للحجاج ، قلّما يتقيد بها الخدم. وكل هذا معا يقنع الحجاج بأن هدف الحجر الصحي ليس البتة المقتضيات الصحية ، بل مجرد التسبب لهم بالخسائر وتصعيب وصولهم إلى الحجاز.
ويستفاد من المعلومات الرسمية أن 21 سفينة مرت في هذه السنة عبر المحجر الصحي في الطور ، منها 19 باخرة ومركبان شراعيان ، وأنها نقلت بالاجمال 16952 حاجا. وبلغ عدد الذين ماتوا في الطور 195 شخصا وفي أبو زليم 8 أشخاص.
وفي السنة الجارية اعتمدت الحكومة المصرية أكثر من 30000 ليرة (حوالي 300000 روبل) لبناء تخشيبات خاصة في الطور. ولا ريب في أن الظروف لأجل المحجورين في المحجر الصحي ستتحسن كثيرا بعد بناء هذه التخشيبات.
بعد انتهاء الحجر الصحي في الطور تبقى البواخر التي تستقبل الحجاج من سكان مصر وغيرها من اقطار افريقيا الشمالية لأجل الفحص في جوار أبو زليم ؛ أما البواخر التي تحمل حجاجا من بلدان أبعد إلى الشمال ، فإنها تتجه للهدف ذاته إلى بيروت التي كان يتعين علينا أن نمضي إليها.
ومما له دلالته أن نسبة الوفيات بين ركاب الباخرة كان أكبر نسبة أثناء الانتقال من الطور إلى بيروت ، وأنهم كانوا في هذه الأيام الأربعة من السفر يرمون يوميا في البحر جثث ثلاثة أو أربعة أشخاص. ومرد ذلك ، أغلب الظن ، إلى الحرمانات السابقة ، والضنك الأقصى ، وكتمة الهواء التي لا تطاق والضيق في الباخرة ، ولربما أيضا إلى التموج القوي جدّا الذي رافق هذه المرحلة.

في السويس أخذت الباخرة طبيبين صحيين وأوصلتهما إلى بور سعيد ؛ ورافقتها في القناة سفية خافرة لتحاشي فرار الركاب ، الأمر الذي يصعب حدوثه فعلا.
المحجر الصحي في بيروت
في بيروت تتوقف الباخرة في مكلأ مفتوح ؛ والنزول صعب جدّا إذا هبت ريح شديدة نوعا ما. ولنقل الركاب ، يأتي أصحاب زوارق من المرفأ ويقومون بهذه العملية على زوارقهم الصغيرة جدّا.
يقع المحجر الصحي في بيروت في محلة جميلة ، بين البساتين ، على ساحل البحر بالذات ، على بعد زهاء فرستا اثنين إلى الشمال من المدينة ؛ وعن حق وصواب يعتبر الحجاج إقامتهم في هذا المحجر استراحة مستطابة. وعند دخول المحجر يجري التعقيم هنا أيضا ولكن بصورة سطحية جدّا ، وبصورة خفيفة بالنسبة للجميع. يوزعون الحجاج في تخشيبات مريحة جدّا ورحبة وجزئيّا في خيام منصوبة في ظلال الأشجار. الماء جيد جدّا وموجود في كل مكان. النسيم الذي يهب من البحر بارد نسبيّا ومستطاب على الدوام. أما المزية الرئيسية لمحجر بيروت الصحي ، فهي الدكانة الواسعة المزودة بجميع السلع والمآكل الضرورية ، والتي كل شيء فيها رخيص نسبيّا ومن نوعية جيدة. وهنا اشترى الحجاج للمرة الأولى لحم الضأن الجيد («كما عندنا في روسيا» ، قال حجاجنا) ، ووجدا شتى الخضراوات ، واكلوا الفواكه للمرة الأولى ، وشربوا الحليب الممتاز ، ورأوا الجليد. ولم يستطع قزغيزيونا إلا أن يشربوا حتى التخمة من اللبن البارد. وهنا انتعش الجميع ، ومرحوا ، وتحسنت صحتهم.
وللمحجر الصحي في بيروت مزية كبيرة أخرى ؛ فأن المرء لا يشعر



بانه محبوس ، معزول ، ولا يرى أي حرس ، وأي خفر ، والمجال إلى البحر مفتوح ؛ وبفضل ذلك يتنعم الجميع بالاستحمام الرائع في مياه البحر.
حوش المحجر الصحي نظيف كفاية ؛ بيوت الخلاء المبنية في أماكن مختلفة على شاطئ البحر ينظفونها ويعقمونها بعناية ؛ وجميع الدروب والتخشيبات التي يسكن فيها الحجاج تنار ليلا ؛ ولكن المرء يشعر هنا بالاهمال الكبير فيما يتعلق بالنظام الداخلي والمراقبة. المحجر الصحي يشرف عليه طبيب خاص يعيش فيه على الدوام. نفقات المحجر الصحي يغطيها رسم عن كل حاج قدره 5 ، 37 قرشا ؛ ولكن في هذه السنة على الأقل لم يدفع إلا من كان ضميرهم لا يطاوعهم في الامتناع عن الدفع ، لأنه لم يكن ثمة أية رقابة أو أي مطالبة بالوصل عند الخروج.
بين ركاب باخرتنا ، لم تحدث في بيروت أية وفاة ؛ كذلك لم تحدث اية إصابات باية أمراض. وعند الرحيل قال الحجاج : من الأفضل لو أن الحجر الصحي كان في بيروت فقط ، عوضا عن الطور ؛ وقالوا أنهم يوافقون على البقاء في محجر بيروت ولو بضعة أشهر.
عند إنقضاء الأيام الخمسة ، سمحوا للحجاج الذين أخذوا التذاكر حتى بيروت بالخروج من المحجر إلى المدينة ، أما المسافرون إلى القسطنطينية فقد نقلوهم إلى الباخرة. وفي حال التموج ، يجري ركوب الباخرة في مكلأ مغلق.
زيارة القدس ودمشق والقاهرة
يبقى بعض من حجاجنا في بيروت لكي يمضوا من هنا إلى القدس وإلى دمشق حيث مدفن يحيى (يوحنا) ، ويزورون كذلك القاهرة حيث مدفن رأس حفيد النبي محمد (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) ، الحسين وحيث مدفن أحد الأئمة

السنيين الأربعة ، الشافعي ، ولكن هذه الرحلات تتحقق على الأغلب قبل السفر إلى الجزيرة العربية ، لأن الحجاج بعد إنتهاء الحج يشتاقون بشدة إلى الوطن.
عودة الحجاج إلى روسيا
في طريق العودة يصل حجاجنا إلى القسطنطينية ؛ وهي النقطة الأخيرة التي يمكن شراء التذاكر للسفر إليها ، وهي كذلك مكان لأجل وقفة قد تطول أو تقصر. وإذا كان الحجاج العائدون من الحجاز لا يملكون الوثائق التي تتيح لهم حرية الدخول إلى روسيا ، فإنهم يأخذون أمتعتهم من السماسرة ويحاولون أن يصنفوها بحيث يكون من الأسهل تمريرها عبر الحدود ؛ مثلا ، يسكبون قسما من ماء زمزم في زجاجات ، ويتركون القسم الآخر لأجل الارسال فيما بعد إذا سنحت الفرصة ويستعلمون عن أسهل السبل للعودة ، وما إلى ذلك.
وقد عرفت عن حجاج سنة 1898 أن أكثرهم يسرا عادوا إلى روسيا بالسكة الحديدية ، عبر فيينا وفرصوفيا ، أما الآخرون فقد انتظروا طويلا في القسطنطينية ، واستأجروا بواخر خاصة نقلتهم إلى فيودوسيا.
والحجاج العائدون يستقبلهم أقاربهم ومعارفهم بمهابة واحتفال كما في حال توديعهم ، ويكونون في الأونة الأولى موضع انتباه وتقدير خاص في أوساطهم. ويتوافد جميع الأقارب المقيمين في المنطقة المعنية لرؤيتهم ؛ المطلوب من الحاج الجديد الحديث بالتفصيل عما رآه وسمعه أثناء هذه الرحلة الطويلة.
تأثير الحج في مسلمينا
أي تأثير يمارسه الحج في مسلمينا؟
بقدر ما استطعت أن اراقب في موطني وأثناء المأمورية الأخيرة ،

ينقسم حجاجنا إلى قسمين ، القسم الأول يتألف عادة من الشيوخ ، وهم أناس ذوو ثقافة ضعيفة جدّا ، ينظرون بلا مبالاة وبلا مشاركة إلى كل ما يحيط بهم ، ولا يبتغون غير الهدف النهائي من السفرة ، وينفذون على العمياء شعائر الحج بما فيها أقل التفاصيل ؛ وهم يرون حتى في عمليات النهب والسلب التي يقوم بها البدو سرا يستحيل فهمه ومكيدة من الشيطان للحيلولة دون إداء الشعائر المقدسة ، ويعتبرون جميع التدابير الصحية أمرا غير ضروري إطلاقا ، لأنه لا ملاذ على كل حال من القضاء والقدر ، وما إلى ذلك. وإذا سألهم أحد بعد العودة من الحج عما رأوه أثناء الرحلة ، فليس بمقدورهم أن يفيدوا شيئا غير بعض الحكايات والخرافات التي سمعوها في الطريق عن مختلف المعجزات. وبعد العودة إلى البيت ، يتحلون ببالغ التصوّف والتقوى ، هذا إذا لم يكونوا كذلك من قبل ، وغالبا ما يكرسون بقية العمر للصلاة بوجه الحصر ، ويتجنبون الشؤون والهموم الدنيوية.
أما الآخرون ، وعددهم يتزايد سنة بعد سنة ، فهم أناس أكثر تطورا ، وذوو اهتمامات متنوعة ، ويحللون ويفكرون ، ولهم معيار معين. ومنذ أوليالخطوات بالذات بعد الخروج من روسيا ، ينفسح أمامهم مجال غني وشيق لأجل المراقبة والمقارنة. في البدء تتملكهم خيبة أمل مرة في عاصمة الخلافة ـ أي في القسطنطينية التي يعتبرها مسلمونا ضربا من العجائب. فإن الشوارع الضيقة والقذرة ، والبيوت الرديئة ، وانعدام النظام ، كل هذا يحمل على المقارنة عن غير قصد مع اوديسا المجاورة التي ينطلق منها حجاجنا في أغلب الأحوال. ثم يتعرف حجاجنا على عمليات استحصال جوازات السفر وعلى النظم التركية وعلى الرشوة السائدة في كل مكان ، ويغادرون القسطنطينية بتصور مغاير تماما. وبعد ذلك يتسنى لهم أن يسمعوا ويروا حقارة البواخر التركية التي غالبا ما تحدث لها أحداث غريبة ، كنفاد احتياطي الفحم في وسط البحر ، أو

التوقف أسابيع عند مدخل قناة السويس بسبب عدم دفع النقود المتوجبة عن المرور ، ورفض تقديم الفحم لها في المرافئ ، والخ .. وفي الحجاز ينذهلون لكون البدو ، أبناء موطن النبي ، ينهبون في قلب الإسلام اخوانهم في الدين القادمين ببالغ الصعوبة لاداء الشعائر المقدسة التي ينص عليها دينهم الحنيف ؛ وتذهلهم كذلك جرأة عمليات النهب هذه ووقاحتها وغياب كل عقاب عليها ووقوعها في وضح النهار وبحضور الجنود الاتراك ؛ ويدهشون لما تبديه السلطات من لا مبالاة تامة ومن انعدام كل تعاطف واهتمام بمصائر الحجاج. ويعجبون بالغ العجب حين يرون من جانب سكان الحجاز الأصليين الذين اعتادوا في الوطن اعتبارهم قديسين أو يكاد ، موقفا طائشا من إداء شعائر الدين الأساسية وهيمنة المصالح النقدية بنظرهم على جميع المصالح والاهتمامات الأخرى. ويبدو لهم من الغريب جدّا انعدام النظام والنظافة في «أم القرى» وفي «مدينة النبي» بالذات ، ولا يطيب لهم البتة غياب السكون والإجلال في المساجد بالذات ، وقرب الكعبة المقدسة ، وعند قبر النبي (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) ؛ ويتسنى لهم أن يسمعوا عن ارتشاء الشريف ، وعن استئثاره بالاعلانات المالية المقررة لبعض قبائل البدو ؛ ومن جراء ذلك يضطر الحجاج التعساء إلى الدفع من جيوبهم وصحتهم.
لا يجوز ولا يمكن أن ننكر أن الحج يساهم في رفع الشعور الديني نوعا ما ؛ فإن قسما من الحجاج من الفئة الثانية يغيرون حياتهم الروحية كثيرا بعد عودتهم إلى الوطن ، ويحاولون التقيد بقواعد الدين بمزيد من الدقة ، ويؤمنون أنهم قد تخلصوا من الخطايا السابقة ، ويحادلون عدم تفويت مواعيد الصلاة والصيام في السمتقبل ، وتجنب الأشياء الممنوعة ، كالخمر مثلا ؛ والبعض يحرم نفسه حتى المتع البريئة كالمسرح أو السيرك. ولكن يمكن القول قطعا على العموم أن حجاجنا جميعهم تقريبا يعودون إلى الوطن بنظرات تغيرت كثيرا ، وأكثر نضوجا وتبصرا ،

وبموقف أوعى من وضع الأمور السياسي ؛ فإن تلك الصبغة التي كانوا بتصورون بها من قبل تركيا الإسلامية ورأسها الخليفة تزول تماما.
تبدو الإشارة إلى أن أغلبية حجاجنا يتصرفون بعد العودة ببالغ التمالك بين أبناء شعبهم فيما يتعلق بانتقاد ما رأوه لاعتبارهم انه من غير اللائق التنديد بالبلدان الإسلامية والأماكن المقدسة ، ولعدم رغبتهم في إثارة شتى الملامات ؛ وإذا ما تحدثوا ، ففي وسط الناس القريبين منهم فقط.
لقد اثارت اهتمامي بنحو خاص مسألة ما إذا كان للحج في الظرف الراهن شأن سياسي ما من حيث تقارب المسلمين من مختلف القوميات ؛ ولكن الحج في مكة ، باقتناعي الصادق ، وعلى الأقل في الظرف الراهن ونظرا لوضع الشعوب الإسلامية الحالي لا يؤدي إلى تقارب ، بل أن فكرة مثل هذا التقارب نفسها لا وجود لها. وفضلا عن الماليزيين وعن سكان الهند الغريبين تماما عن سائر الحجاج من حيث اللغة ومن حيث الأصل ، وعن سكان إيران المنعزلين بالخلاف الديني ، ينعزل الحجاج من جميع القوميات الأخرى بعضهم عن بعض بكل شدة ، ويعاملون بعضهم بعضا. إن أوضاع الحج نفسها ، أي الفريضة ذات الطابع الديني الصرف ، والقصيرة جدّا والمتسرعة جدّا ، والحافلة بالهرج والمرج ، والادراك العام لوجود الخطر مثل نشوب وباء للتو ـ كل هذا لا يساعد في ظهور هذه الفكرة ولا يدفع إلى القيام بالمظاهرات السياسية. وعند الجميع فكرة واحدة فقط ـ انجاز الشعائر بأسرع وقت ، والتفوق بأسرع وقت.
إن التجمع في مكة لا يزال يحتفظ بالنسبة لسكان الحجاز وحدهم دون غيرهم ببعض الأهمية السياسية الداخلية إلى جانب الأهمية الدينية والتجارية ؛ فهنا يجري التصالح بين مختلف القبائل المتعادية ، ويدفعون الفدية عن الدم ، والخ ...

تأثير حجاجنا في سكان الحجاز
تملكتني دهشة مستطابة جدّا لكون وطننا العزيز يتمتع بجاذبية خاصة أيضا بين سكان الحجاز البعيد. فهناك كذلك يتحدثون عن جبروت القيصر الروسي وعن النظام في روسيا ، والأهم ، عن العدالة في روسيا. وغالبا ما تسنى لي أن البي فضول السكان المحليين الذين يهتمون بالغ الاهتمام بالمعلومات عن عظمة الامبراطورية الروسية وعن مدنها ، وعن عدد سكانها وما إلى ذلك. بأي سبيل أمكن أن تنتشر شهرة روسيا وتصل حتى إلى هذا البلد البعيد؟ لا يمكن تفسير هذا الواقع إلا بأحاديث حجاجنا الدائمة المفعمة إعجابا واعتزازا بالوطن ، وبنقلهم شهرة روسيا إلى الحجاز وأن بصورة غير واعية أحيانا. فإن مسلمينا ، إذ يصلون إلى ربوع الجزيرة العربية الشحيحة والقائظة ، الخالية من أبسط أسباب الرفاه ومن أبسط المرافق ، والتي تتبدى فيها ببالغ السطوع افضليات الوطن البعيد في جميع الميادين يتحولون فجأة إلى مواطنين في منتهى الحماسة ويتغنون ويشيدون في كل مناسبة بطبيعة روسيا وثرواتها ونظمها ويرفعونها إلى السحب. وجميع النظم والأوضاع في الحجاز تستثير في الحال المقارنة. «روسيا لن تجيز النهب في أراضيها» ، «القرى هناك تتمتع بنظام أكبر وبقدر من المرافق وأسباب الرفاه أكثر مما تتمتع بها المدن هنا» ، «في الطرق التي يمر بها عشرات الآلاف من الحجاج ، كانت امتدت السكك الحديدية من زمان» ، «المجرمون عندنا في روسيا لا يتخلصون من العقاب مهما دفعوا من النقود». وطبيعة الحجاز الشحيحة التي لا تنتج أي شيء تقريبا تعطي حجاجنا موضوعا لاحاديث لا عد لها عن ثروات بلادنا ، عن وفرة ورخص المأكولات فيها ، الأمر الذي يستمع إليه بانتباه خاص البدو شبه الجياع. وإذا قال حجاجنا «كما عندنا في روسيا» ، اعتبر قولهم هذا من فائق المديح. وتأثير روسيا هذا أصبح ، على ما يبدو ، ملحوظا في الآونة الأخيرة. ويستفاد من الافيد في السنوات

الأخيرة فقط أن يقول الحاج عن نفسه انه من رعايا روسيا ، لأن هذا الإنتماء يوحي بقدر أكبر من الاحترام.
تأثير سائر الأمم الأوروبية
على نقيض روسيا ، لا يعطف سكان الحجاز كثيرا على إنجلترا ؛ فإن الإنجليز يشتهرون هنا بأنهم أمة من الصحيح أنها متفننة وبارعة ولكنها غدارة وقاسية. وفي جميع الأحاديث والقصص والحكايات التي يعيش بها شعب الحجاز ، يعود إلى الإنجليز دور الناس الأوفر دهاء ومكرا ، دور من لا يبتغون سوى نفعهم. ويعتبر أهل الحجاز بصورة قاطعة ومبرمة أن الإنجليز أيضا مسؤولون عن جميع الاضطرابات والفتن. الحركة في السودان ، الإنتفاضة في اليمن ، هجوم إيطاليا على الحبشة ، كل هذا ، برأيهم ، هو من صنع إنجلترا. وفي شهر كانون الأول (ديسمبر) 1898 تقابلت صدفة في القاهرة مع بضعة أشخاص من سكان مكة النافذين ، العائدين من القسطنطينية ، إلى حيث مضوا لشراء البضائع. حكيت لهم عن الأحداث التي وقعت في شهر أيار (مايو) عندنا في انديجان ، ورغبة في معرفة ما يقال عنها في القسطنطينية سألت ـ من أين أمكن أن ظهرت عند السرت مثل هذه الفكرة الطائشة ؛ فقرر سكان مكة الإجلاء في الحال أن هذه بلا ريب من مكائد الإنجليز. من الصعب أن أقول من أين ينتقل إلى الحجاز هذا النفور من الإنجليز ـ أغلب الظن ، من مصر ، حيث ، كما اقتنعت ، لا يحبونهم كثيرا ؛ ولربما من الهند.
عن هولندا لا يعرفون في الحجاز أي شيء تقريبا ، ومرد ذلك ، على الأرجح ، إلى أن رعاياها ، الماليزيين يعيشون في عزلة مفرطة. كذلك يتحدثون في الحجاز قليلا جدّا عن الفرنسيين.

الفصل السادس
الحجاج من الدول الأخرى
القشغريون
القشغريون وسائر المسلمين من تركستان الصينية يتوافد إلى الحجاز باعداد قليلة جدّا نظرا لبعد البلد ولمصاعب الطريق.
والقشغريون ، بقدر ما استطتعت أن أعرف ممن سافرت معهم ، يقومون بهذه الرحلة في واحد من الطرق الثلاثة التالية.
1 ـ الطريق الأغلى ولكن الانسب والأسهل والأسرع إنما هو الطريق عبر معبر ترك ـ داوان إلى أوش وسمرقند وكراسنوفودسك وباكو وباطوم القسطنطينية وإلى أبعد. وإذ تعطيهم السلطات الصينية جوازات السفر تطلب منهم بالأقوال أن يكون لديهم من المال ما يكفي للسفر ، الأمر الذي يشار إليه في الوثائق المعنية. وعند قنصلنا في قشغر يحصلون على التأشيرات اللازمة ؛ وهناك أيضا يقايضون جميع نقودهم بالأوراق النقدية والنقود الذهبية الروسية.
2 ـ وفي الطريق نفسه يمضون إلى سمرقند ومنها ركوبا عبر كابول إلى بيشاوار ، ثم بالسكة الحديدية إلى بومباي أو كاراتشي ، ثم على البواخر الإنجليزية إلى جدّة.

3 ـ أخيرا ، الطريق الثالث ، عبر كوندجوت أو باداخشان إلى كابول دون الدخول إلى روسيا.
السفر في الطريقتين الأخيرين لا يكلف غاليا جدّا ، ـ زهاء 100 روبل فقط ـ ولكنه محفوف بمصاعب كبيرة ويقتضي الكثير من الوقت ؛ إذ أنهم يمضون دائما على احصنتهم ؛ ويبيعونها بفائدة بعد الوصول إلى بيشاوار ؛ وفي أغلب الأحيان يبيعونها مسبقا في كابول لأجل الخيالة الافغانية. ويلقى الحجاج في البلدان التي يجتازونها الاستقبال الطيب والدعم المادي من جانب السكان المسلمين.
وفي هذه السنة كان عدد القشغريين 18 شخصا فقط. ولكن عدد الحجاج من هذا البلد ، كما يقولون ، يبلغ المائة في بعض السنوات.
وفضلا عن القشغريين كان هناك شخصان من تشيغوتشاك ، سافرا على الخيل مرحلة فمرحلة حتى مدينة أو مسك ومنها بالسكة الحديدية ، وثلاثة أشخاص من شعب الدونغان الذين لا يربو أبدا عدد الحجاج منهم ، كما قالوا لي ، على 5 ـ 6 أشخاص.
الفرس
يمضي سكان إيران إلى الحجاز في الطرق الرئيسية الأربعة التالية.
1 ـ اقدم الطرق ـ عبر بغداد أو البصرة إلى جبل الشمّر ومكة ؛ والعودة إلى المدن ذاتها عبر المدينة المنورة. هذا الطريق الصعب والخالي من الماء لا يزال يستعمله سكان إيران الجنوبية أو سكان الأقاليم الأخرى ، الراغبون في السجود أثناء الطريق أمام المقدسات الشيعية الرئيسية في كربلاء والنجف.
2 ـ الطريق الثاني ـ وهو أيضا طريق تاريخي وكان لا يزال منذ 50 ـ 60 سنة الطريق الوحيد بالنسبة لإيران الشمالية ـ يمر عبر دمشق ؛



وعلى هذا الطريق يمضي المحمل السوري الذي يحظى بحماية مسلحة ويرافقه دائما عدد كبير من الحجاج والتجار. وهذا الطريق ، كما قالوا لي ، أخذ ينتعش من جديد في الآونة الأخيرة بعد تأسيس المحجر الصحي في الطور وكمران ؛ وشرع كثيرون من الحجاج يفضلون السفر شهرا من المدينة المنورة إلى دمشق على البقاء 10 ـ 15 يوما في أحد المحجرين الصحيين المعنيين.
3 ـ يسافر قسم من الحجاج من الأقاليم الجنوبية من إيران بحرا عبر البصرة ، وبندر بوشير أو بندر عباس إلى جدّة.
4 ـ أخيرا الطريق الحديث والأكثر انتعاشا ؛ وهو يعبر حدود روسيا ؛ فإن سكان خراسان يمضون إلى إحدى محطات سكة حديد ما وراء قزوين ؛ ومن أقليم استراباد أو من أقليم مازندران ، يسافرون إلى باكو ومن طهران واذربيجان يسافرون بسكة حديد ما وراء القفقاس ، وفيما بعد يسافرون إلى القسطنطينية عبر باطوم.
صحيح أنهم يصبرون على الشيعيين ويسمحون لهم ، على قدم المساواة مع سائر الحجاج ، باداء جميع الشعائر التي يقتضيها الحج ، ولكن كره السنيين لهم ، أي كره جميع الحجاج الباقين يتجلى في كل حال. أما اساس هذه العداوة ، فهو ، عدا الأسباب التاريخية ، موقف الازدراء من جانب الفرس أنفسهم حيال بعض المقدسات التي يجلّها السنيون ؛ فأثناء قيامهم الطواف ، مثلا ، يشيحون بوجوههم عن الحجر الأسود ؛ وأحيانا يثبتون عليهم تدنيس المقدسات بصورة افدح ؛ فعند زيارة قبر النبي ، يعبرون بجلاء عن احتقارهم للخليفتين المدفونين هناك مع النبي ، الأمر الذي لا يندر أن يشبعوهم ضربا بسببه.
وليس ثمة امة من الأمم تعرب عن مشاعرها الدينية بنفس القدر من الوضوح الذي يعرف به الفرس عنها ، وتتميز بنفس القدر من الحمية والهياج الذي يتميز به الفرس اثناء إداء شعائر الحج ؛ فحول الكعبة ،

ينحبون بأصوات مدوية ، قارعين صدورهم بقبضاتهم ، ويبوسون عتبات الحرم ، ويلثمون البوابات ، وما إلى ذلك.
يشكل سكان إيران أكثر طبقات الحجاج يسرا ؛ وإذا كان على البواخر ركاب في الدرجة الأولى والدرجة الثانية ، فهم كلهم تقريبا من الفرس ؛ كما أن الفرس وحدهم يستعملون أغلى واسطة للتنقل في الحجاز وهي تختروان ؛ وخيرة البيوت في جدّة ومكة والمدينة المنورة وينبع يشغلها هؤلاء الحجاج الفرس ؛ والبيوت في منى يستأجرها على الأغلب الفرس وحدهم. وهم يجلبون معهم خياما جيدة ، وسجادات ؛ وعند كثيرين منهم خدم.
وتجدر الإشارة إلى أن البدو يستحصلون من الشيعيين ، لقاء حق المرور ، رسما معينا ؛ ففي هذه السنة ، مثلا ، أخذ رجال قبيلة بني حرب من كل منهم ليرة ونصف ليرة في الطريق من المدينة المنورة إلى ينبع.
وهذه السنة بلغ عدد الفرس الذين زاروا الحجاز ، بمن فيهم النساء والأطفال الذين يأخذوهم الكثيرون من الفرس معهم زهاء 8000 شخص.
الاتراك
يشكل الأتراك أكبر قسم من الحجاج الذين يتوافدون من الشمال. أما النقاط الرئيسية التي يركبون فيها البواخر المنطلقة إلى الحجاز ، هي القسطنطينية وأزمير ، ثم ادنة ومرسين ، وكذلك مرافئ صغيرة أخرى على سواحل البحر الأبيض المتوسط التي تدخل إليها البواخر التركية التي تنقل الحجاج. ونادرا ما يسافر الأتراك مع أفراد عائلاتهم ؛ وهم يشكلون اهدأ طبقة من الحجاج.
وقد ترسخت عند أهالي الأناضول عادة مفادها أن الذين ينوون

الحج يقضون شهر رمضان كله في مكة ، ولذا يسبقون جميع الحجاج ، إذ انهم يتوافدون قبل الموعد المقرر بأكثر من ثلاثة أشهر.
وفي هذه السنة بلغ عدد الترك زهاء 10000 شخص.
السوريون
عادة يسافر سكان سوريا وفلسطين عبر طرابلس وبيروت ويافا ، ونظرا لقيام المحاجر الصحية شرعوا في السنوات الأخيرة يفضلون ، لأجل طريق العودة ، سفرا أصعب وأطول مع المحمل.
وكل سنة يمضي كثيرون من دمشق الشام إلى الحجاز مع هذه القافلة بدافع المصالح التجارية حاملين إلى مكة والمدينة المنورة البضائع الحريرية والفواكه المجففة على الأغلب ، عائدين بالبن اليمني والتمر.
في سنة 1898 بلغ عدد الحجاج الشاميين قرابة 4500 شخص بينهم عدد كبير من النساء.
المصريون
يمضي سكان مصر إلى الحجاز بحرا عبر السويس ، مستعملين بواخر الشركة الخديوية ويسترون التذاكر ذهابا وإيابا.
في هذه السنة بلغ عددهم 5245 شخصا (المعطيات الرسمية للمحجر الصحي في الطور) ، ثلثهم أو ربعهم من النساء. في السنوات المناسبة ، كما يقال ، يكون عددهم ثلاثة أمثال.
يتميز هؤلاء الحجاج بالفقر المدقع وغياب فئات أوفر ثقافة واطلاعا بينهم ؛ وفي جميع مدن الحجاز يقيمون في خيام مرتجلة ، في أقذر الأحوال. وهم يقدمون أكبر عدد من الحجاج الذين يستفيدون من الطعام المجاني في مكة والمدينة المنورة والطور وأكبر عدد من الركاب المسافرين مجانا في البواخر.



ولأجل الحد من حج الطبقة المعدمة التي لا تشكل الحج البتة بالنسبة لها واجبا الزاميا والتي ليس الحج بالنسبة لها غير عبء نافل وخطر ، طبقت الحكومة المصرية في سنة 1898 النظام التالي : يتعين على الراغب في الحصول على جواز سفر للحج أن يعرض تذكرة سفر بالباخرة ذهابا وإيابا ، ويقدم كفيلين يؤكدان أن الحاج يملك ما يكفي من المال لإعالة نفسه في الطريق وفي الحجاز. ولسنة 1899 ، ظهر مشروع قانون يقضي بأن يقدم المسافرون إلى الحجاز ، علاوة على تذاكر السفر بالباخرة ، ليرة ونصف ليرة (زهاء 15 روبلا) ، منهما نصف ليرة يجب دفعه في صالح المحجر الصحي ، وليرة يجب صرفها على إعالة الحاج أثناء إقامته في المحاجر الصحية ، وذلك تحوطا لعد توفر المال لديه. وإذا توفر عنده المال ، يتعين إعادة المبلغ المذكور إليه.
عدا السكان الحضر ، يسافر من مصر أيضا البدو الذين يمضي معظمهم كما من قبل في القوافل عبر السويس وشبه جزيرة سيناء والعقبة ، ورابغ حتى مكة وإيابا عبر المدينة المنورة والوجه. وهذه السنة بلغ عدد هؤلاء الحجاج 2000 شخص.
المغاربة
جميع العرب القاطنين في القسم الشمالي من افريقيا ـ طرابلس ، تونس ، الجزائر ، فاس ـ المغرب ـ يسمونهم في الحجاز «بالمغاربة» أي «الغربيين» خلافا لبدو الجزيرة العربية ـ «الشرقيين».
يأتون بحرا إلى الإسكندرية ، ويعرجون على القاهرة ، ثم يواصلون السفر بالطريق البحري العادي عبر السويس ، ولكن يوجد بينهم أيضا بعض القبائل التي تفضل السفر برا عبر شبه جزيرة سيناء.
والبدو الافارقة المتعادون مع الشرقيين يحملون معهم ، لأجل

الدفاع عن النفس أثناء التنقل في ربوع الحجاز ، وفرة من الأسلحة المماثلة لأسلحة اعدائهم.
في السنوات الأخيرة شرع سكان الجزائر يسافرون إلى الحجاز باكرا جدّا ؛ ففي تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) ، كانت تقع العين في القاهرة على حجاج جزائريين ذاهبين إلى مكة. وقد فسروا لي السبب بالرغبة في السفر في الوقت المناسب تحوطا لمنع قد يصدر فيما بعد عن الحكومة الفرنسية.
في هذه السنة بلغ عدد الحجاج من طرابلس زهاء 600 ومن تونس 200 ومن الجزائر 200 ومن فاس ـ المغرب 300 شخص.
الافغان
عدد الحجاج من سكان افغانستان يكون عادة قليلا جدّا ؛ وفي هذه السنة بلغ عددهم زهاء. 20 طريقهم تمر عبر بيشاور ، وعبر كاراتشي أو بومباي ، رغم انه يوجد بينهم أفراد يشقون لأنفسهم طريقا عبر القارة متجنبين المحجر الصحي في كمران.
سكان الهند
في السنوات السابقة كان سكان الهند يشكلون قسما كبيرا من الحجاج ، ولكن عددهم انخفض كثيرا في الأونة الأخيرة من جراء وباء الطاعون في بومباي والحجر الصحي الشديد في كمران ؛ وفي هذه السنة وصلت باخرة واحدة حاملة هؤلاء الحجاج ، وقد بلغ عددهم زهاء ألف راكب. وبين سكان الهند يأتي عدد كبير من التجار مع بضائعهم. الطريق الذي ينطلقون عليه إلى الحجاز طريق بحري ، عبر بومباي أو كاراتشي إلى جدّة ولكن في السنوات الملائمة ، كما قالوا لي في دمشق ، كان قسم منهم ، أكثر من 1000 شخص ، ينزل في البصرة قصد زيارة مختلف

المقدسات خارج الجزيرة العربية ، ومن البصرة ينطلق في طريق دائري عبر بغداد إلى دمشق ، ويزور القدس ثم مصر ثم يسافر إلى الحجاز.
الماليزيون
في السنوات الأخيرة يشكل سكان جزر السند وشبه جزيرة ماليزيا الذين يسمونهم في الحجاز «جاوه» العنصر المهيمن بين الحجاج. وجميعهم يصلون بالطريق البحري فقط عبر جدّة.
يشكل الحجاج الماليزيون مجموعات منعزلة تماما ، متراصة بوثوق ، على رأسها آمرون منتخبون. وهؤلاء الامرون يشرفون على كل اقتصاد مجموعاتهم : يشترون تذاكر السفر ، يتزودون بالمؤونة على الباخرة أثناء السفر ، يستأجرون الجمال ، يجدون الغرف للاستئجار ، وما إلى ذلك ، وهم يمضون بقافلتهم من مكة إلى المدينة المنورة ، ويعودون منها على الجمال ذاتها. وغياب النساء والمعدمين بين هؤلاء الحجاج يستلفت النظر.
في هذه السنة بلغ عدد الماليزيين 15000 شخص ، أما في السنوات الملائمة ، فإن عددهم ، كما يقال ، يبلغ الضعف.
سكان الساحل الشرقي من افريقيا
من زنجبار ومدغشقر والترانسفال ، يكون عدد الحجاج صغيرا جدّا ، ونظرا لعدم وجود اتصال مباشر بالبواخر مع جدّة ، يمضي هؤلاء الحجاج أولا إلى السويس ومنها يسافرون إلى جدّة.
سكان الجزيرة العربية
الجزيرة العربية ذاتها تعطي هي أيضا عددا كبيرا من الحجاج ، ناهيك عن سكان مكة والمدينة المنورة والضواحي القريبة ، الذين

يشتركون بنحو أو آخر في أداء الشعائر. وقبيل الحج وصلت هذه السنة ثلاث قوافل كبيرة من اليمن (زهاء 4000 شخص) ، وقافلة من عدن (200 شخص) وقافلة من عمان (زهاء 300 شخص) وبضعة ركب وقافلة من نجد و [......] (حوالي 4000 شخص.
الحاصل
وهكذا يبلغ عدد الحجاج في سنة 1898 :
من روسيا القرغيز 250 شخصا التتر 100 شخص سكان ما وراء القفقاس 100 شخص من تركستان الصينية 20 شخصا الفرس 8000 شخص الأتراك 10000 شخص السوريون 4500 شخص المصريون 5245 شخص البدو المصريون 1500 شخص
سكان طرابلس 600 شخص تونس 200 شخص الجزائر 200 شخص فاس ـ المغرب 300 شخص

الهند 1000 شخص الساحل الشرقي من افريقيا 20 شخصا سكان مكة والضواحي زهاء 40000 شخص سكان الجزيرة العربية
المدينة المنورة 3500 شخص اليمن 4000 شخص عمان 300 شخص عدن 200 شخص نجد وغيرها 4000 شخص الأفغان 20 شخصا الماليزيون 15000 شخص حوالي 100000 شخص وإذا صدقنا الأقاصيص لا يقل عدد الحجاج في السنوات الملائمة عن 200000 شخص ، كما يبلغ عدد الحجاج في الحج الكبير 500000 شخص.
أما قلة عدد الحجاج في سنة 1898 فمردها ، عدا إجراءات الحجر الصحي ، إلى غياب العلف في المراعي لأجل الجمال ، الأمر الذي خفض كثيرا عدد الحجاج القادمين مع القوافل.
تجدر الإشارة إلى أن تقدير عدد الحجاج ، وأن بصورة تقريبية جدّا ، صعب ومعقد جدّا نظرا لغياب الإحصاءات الرسمية ، ونظرا للوقت

القصير الذي يقضونه معا في مكة وفي عرفات وفي منى ، ونظرا للازدحام والهرج والمرج هناك في أيام الحج. والأسلوب الوحيد الذي لجأت إليه إنما هو الاستعلام ، بعد إداء الشعائر ، من مطوّفي كل قومية ، إذ أنهم ، يعرفون عدد حجاجهم التقريبي ، على الأقل في السنوات التي لا يكون عددهم كبيرا جدّا. وإحصاءات المحجرين الصحيين في الطور وكمران لا تبيّن غير عدد العائدين بحرا.


الفصل السابع
الكوليرا في الحجاز
كان وباء الكوليرا ووباء الطاعون معروفين في الجزيرة العربية من سحيق الأزمنة. ومن بداية العهد الاسلامي حتى أيامنا وصل قول مشهور جدّا ينسب للنبي محمد (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) يبدو كأنه يقرر الحجر الصحي ، إذ قال أنه لا يجوز دخول بلد يتفشى فيه الطاعون وإذا كان المرء فيه فلا ينبغي أن يفر منه. وفي الوقت الحاضر ، يستعمل العرب كلمة «الطاعون» لتعريف هذا المرض ، وكلمة «الوباء» لتعريف الكوليرا ؛ ولكن هذين المرضين أو الوبائين اختلطا من قبل ، على ما يبدو ، إذ أننا نجد مثلا العبارة التالية : «قال الخليل : الطاعون هو الوباء» ، وما إلى ذلك.
في السنوات المائة الأخيرة لم يسمع أحد عن الطاعون في الحجاز ، فتوطد بين السكان الاعتقاد بأن الله تقبل صلواته نبيّه ومنع هذا المرض إلى الأبد من المساس بالمدينتين المقدستين مكة المكرّمة والمدينة المنورة ، ولكن أوبئة الكوليرا تنشب أحيانا كثيرة في وقت توافد الحجاج إلى الحج وذلك ، بالمتوسط ، مرة كل ثلاث سنوات ، فتسفر في بعض السنوات عن نتائج رهيبة إذ تفتك بأكثر من نصف الحجاج وتمتد إلى أماكن ترحل البدو المجاورة وإلى نقاط آهلة أخرى في الجزيرة العربية.

طابع أوبئة الكوليرا المحلية
يستفاد من أقوال جميع من تسنى لي أن أتحادث معهم أن هذا الوباء يبدأ أحيانا عند عرفات ، ولكن بشكل ضعيف ، ولذا لا يسترعي الانتباه ، ولكنه ينشب في أغلب الأحيان في منى ويبلغ هنا قوته القصوى. وقالوا لي أنه إذا سارت جميع الأموال على ما يرام عند الانطلاق إلى عرفات وحتى مساء اليوم الأول من الاقامة في منى ، فمن الممكن الأمل في أن الوباء لن ينشب هذه السنة. ويتبين من الآراء العامة أن هذا الوباء يتميز هنا بطابع الانفجار الرهيب ويتواصل بشدة مخيفة طوال 5 ـ 7 أيام ثم يهدأ كذلك بسرعة. وبقدر ما استطعت أن أعرف من الأحاديث مع السكان والأطباء المحليين ، لا يوجد وباء الكوليرا في الحجاز بصورة مرض دائم ؛ وفي أغلبية الأحوال يلاحظ أن الحجاج من الهند يجلبونه معهم ؛ وأحيانا ينشب بصورة مستقلة تماما ، على ما يبدو ، في منى أو عند عرفات ، أو لربمان ، حتى في مكة ؛ وإذا كان في مكة لا يسفر عن نسبة كبيرة جدّا من الوفيات ، فإن مراقبته أصعب هناك مما عند عرفات أو في منى حيث كل شيء ظاهر للعيان نظرا لتجمع الحجاج في الخيام.
نشبت أرهب الأوبئة من حيث قوتها في السنوات التي كان يقع فيها الحج الكبير ، الذي يجتذب ، كما سبق أن قلنا ، عددا كبيرا جدّا من الحجاج ، وفي السنوات التي يجري فيها الحج في فصل القيظ. كذلك سمعت من عدد كبير جدّا من الناس أن وباء الكوليرا ينشب عادة في السنوات التي تكون فيها الجبال التي تحيط بفج منى مكسوة بالعتمة ؛ وبقدر من تكون العتمة كثيفة ، بقدر ما يكون الوباء قويا. وهذه الظاهرة تنجم ، أغلب الظن ، عن حالة الجو الخاصة وعن غياب التيارات في الهواء : وعلى هذه الأساس تنبأوا عند وصولنا إلى منى بأن الحج سيجري هذه السنة بسلامة ؛ الأمر الذي تحقق فعلا.

الأوبئة المعروفة في القرن الحالي
أشهر أوبئة الكوليرا في القرن الحكالي هو الوباء الذي نشب سنة 1831 والذي جاء إلى الحجاز من الهند ؛ وآنذاك ، كما يقال ، مات ثلاثة أرباع جميع الحجاج وانتشر الوباء في عموم أوربا. والوباء التالي نشب في سنة 1834 ، ثم في سنة 1837 وسنة 1840 ؛ ثم عاث الكوليرا فسادا طوال خمس سنوات على التوالي ـ في سنوات 1846 ، 1847 ، 1848 ، 1849 ، 1850.
ولكن وباء سنة 1865 تميز بشدة خاصة ؛ وقد بدأ من الحجاج القادمين من الهند ودام في السنة التالية ، 1866.
إليكم ما رواه لي شيخ شاهد هذا الوباء الرهيب بأم عينيه : «كان الحج الكبير (يوم الجمعة ، 5 نيسان ـ أبريل) ، وقد توافد عدد خارق من الحجاج. الاقامة عند عرفات ، كما بدا ، جرت بسلامة ؛ انتقلوا إلى منى ، وهنا أيضا كان اليوم الأول هادئا. صحيح أن حجاجا ماتوا ، ولكن عدد الموتى كان قليلا. وآنذاك لم تكن قد ظهرت القاعدة القاضية بطمر الخرفان المذبوحة على سبيل التضحية. كان كل حاج يذبح ويرمى قرب خيمته ؛ وقرب الخيمة أيضا كانوا يرمون بقايا الأغنام المذبوحة لأجل الأكل. قبيل مساء اليوم الأول ، انتشرت من تعفن جيف الأغنام رائحة كريهة إلى حد أنه كان من المستحيل التنفس. في المساء ازداد في الحال عدد الموتى المنقولة جثثهم للدفن ؛ وفي الخيام المجاورة لنا وقعت أيضا حالات مرض وموت ، ولكن لم يخطر بعد في بالنا أن هذا وباء. في اليوم التالي ، ازداد عدد الموتى إلى حد أنه لم يكن يتسنى دفنهم ؛ وقبيل مساء ذلك اليوم ، ازداد عدد الموتى إلى حد أنه لم يكن يتسنى دفنهم ؛ وقبيل مساء ذلك اليوم ، كان شارع منى مكسوا بجثث الحجاج الذين ماتوا أثناء أداء شعيرة رمى الأحجار ؛ ولأداء هذه الشعير كان يتعين السير على الجثث حقا وفعلا. من أصل ثمانية أشخاص كانوا في خيمتنا ، بقي اثنان

فقط قيد الحياة. بقي الحجاج في منى بحكم العادة ثلاثة أيام ؛ وعندما وصلوا فيما بعد إلى مكة ، كان الوباء هناك أيضا على أشده. قمنا ببالغ السرعة بالطواف والسعي ، وانطلقنا في الطريق إلى جدة ، وكانت الطريق مزروعة بجثث الحجاج الموتى ؛ وفي جدة كان المرض قد سبقنا إليها. رحنا بالباخرة المنطلقة إلى السويس. آنذاك لم تكن المحاجر الصحية قائمة ؛ والباخرة التي كانت تكتظ بالركاب فرغت كثيرا في آخر الرحلة. في السويس لم يسمحوا لنا بالنزول إلى المدينة بل اركبونا في القطار وأرسلونا إلى الاسكندرية ؛ وهنا نقلونا بالطريقة نفسها إلى باخرة راسية في المكلأ. وأثناء مواصلة السفر ، ظلوا يرمون في البحر كل يوم بضع عشرات من الموتى ؛ ولكن المرض ، على ما يبدو ، أخذ يضعف ، وحدثت حالات نقاهة وشفاء. بعد زهاء 10 أيام من وصولنا إلى القسطنطينية بدأ الوباء في هذه المدينة أيضا».
إن وباء الكوليرا الذي نشب سنة 1865 وعمّ فيما بعد أوروبا بأسرها لفت الانتباه أخيرا إلى الحجاز ؛ وفي 13 شباك (فبراير) 1866 انعقد في القسطنطينية مؤتمر قرر فيما قرر وجوب طمر جيف الخرفان المذبوحة في مني في حفر.
وبين الأوبئة التي نشبت فيما بعد ، تميز وباء سنة 1883 ، بنسبة خارقة العلو من لاوفيات ، وذلك حين وقع الحج يوم الجمعة أيضا (12 تشرين الأول ـ أكتوبر).
جميع التواريخ المذكورة ألاه تحققت من صحتها في القاهرة بموجب المصادر الرسمية ؛ أما الاشارات اللاحقة إلى السنوات ، فإنها لا ترتكز إلى على أحاديث أشخاص مختلفين ، متناقضة أحيانا كثيرة ، رغم أن الماضي غير بعيد جدّا. ولكن سكان الحجاز يرون هذه البلايا مرارا وتكرارا إلى حد أنهم لا يتذكرون منها غير الرهيبة والجائحة. وحسب

هذه المصادر ، نشبت أوبئة غير شديدة جدّا في سنوات 1884 ، 1888 ، 1890 ، 1891 ، 1892.
وأخيرا وباء الكوليرا الأخير الذي تسبب هو أيضا بكثرة كثيرة من الضحايا وقع سنة 1893 (الحج الكبير. يوم الجمعة. 23 حزيران ـ يونيو). ويستفاد من أقوال شهود العيان أن هذا الوباء ، مثله مثل وباء سنة 1865 ، قد بدأ بصورة غير ملحوظة عند عرفات ، وتفجر في منى نحو مساء اليوم الأول من إقامة الحجاج هناك ، وانتقل بسرعة إلى مكة وجدة ، ولكن ، بفضل المحاجر الصحية ، لم يتجاوز حدود الحجاز.
في سنة 1895 نشب أيضا وباء ما يشبه ، حسب الأوصاف ، حمى التيفوئيد أو الزحار (الدوسنطاريا) ؛ بدأ هذا الوباء في قالة انطلقت من المدينة المنورة إلى مكة ، واستمر بدرجة ضعيفة عند عرفات ، ولكنه لم ينتشر فيما بعد ، وانتهى في منى ، كما يفترضون. ومن هذا الوباء الأخير عانى قرغيزيونا أشد من غيرهم. فمن أصل 60 قرغيزيا جاؤوا في تلك السنة من كوستاناي عاد 18 فقط ، كما يقول شاهد عيان.
وغالبا جدّا ما تسنى لي أن أسمع من السكان المحليين أن القرغيز يصابون في الحجاز بالكوليرا حتى حين لا وجود لأي أثر لهذا المرض في هذا البلد ، ويموت منه في منى وعند عرفات عدد كبير منهم. ولذا إذا عاد إلى الوطن عشر الحجاج القرغيز ، ترتب اعتبار هذا ظاهرة طيبة. أغلب الظن أنه يوجد أيضا مرض ما ترافقه آلام في المعدة ويصيب أقل مواظنينا من الرحل تمالكا واحتراسا في الأكل ، السمان وغير المعتادين للمناخ المحلي. وفي السنة الجارية ، الملائمة خارق الملاءمة ، كما يستفاد من أقوال الجميع ، تجاوزت نسبة الذين ماتوا في الحجاز من القرغيز ، بقدر ما استطعت أن احسب ، 12 بالمئة ، ومن سائر حجاجنا زهاء 8 بالمئة ؛ وتميز المرض بالآلام المتواصلة في المعدة المرفقة بدرجة عالية جدّا من الحرارة وبالهذيان.

الأسباب التي تساهم
في نشوب واشتداد الأوبئة في الحجاز
الحجاج الذين يتوافدون من أقطار بعيدة يشكلون بيئة مستعدة تماما لتقبل شتى الأمراض ـ فإن السفر المضني والطويل ، والأزدحام الخارق وكتمة الهواء الفائقة في البواخر ، والمآكل السيئة وغير الصالحة ، والمناخ الحار الرطب ، واللباس غير المألوف ، المفرط الخفة (ثوب الإحرام) ، كل هذا ينهك الجسم ويضعفه إلى أقصى حد. ومنذ الخطوات الأولى بالذات ، يصل الحجاج إلى جدّة أو إلى ينبع اللتين تتميزان بمناخ وخيم جدّا وبظروف صحية خارقة الرداءة ؛ وفي هذا الوضع ، يبقون ، بانتظار إنطلاق القافلة ، في جدّة يوما أو يومين ، وفي ينبع أسابيع أحيانا. ثم السفر المضني من جدّة إلى مكة أو السفر من ينبع عبر المدينة المنورة إلى مكة ، وهو سفر اشد إرهاقا. إن الظروف الصحية غير المرضية في مكة ، وشرب الماء من بئر زمزم بصورة فائقة الحد ، ثم الوضع الصحي الرديء بشكل لا يصدق عند عرفات ، وبخاصة في منى ، والطعام اللحمي الوفير لمناسبة العيد ، وسوء نوعية المشروبات المباعة في البازار ، والانقضاض على البطيخ والشمام وغيرهما من الثمار ـ كل هذا يجعل الحجاج أناسا شبه مرضى وذوي عضوية مستعدة لتقبل أي مرض كان.
إن اقدس المدن في الحجاز ـ المدينة المنورة ، وبخاصة مكة المكرّمة ، حيث يقيم الحجاج أطول ما يقيمون ، ليستا على الصعيد الصحي في الأوقات العادية اقذر من مدن الشرق الأخرى كالأحياء القديمة في دمشق أو القاهرة مثلا ، ولكن تجمع عدد ضخم جدّا من الناس والمواشي ، وضيق موقعي هاتين المدينتين ـ مكة والمدينة المنورة ـ والمناخ الحار ، كل هذا يخلق بيئة ملائمة جدّا لنشوب شتى الأوبئة.
من جراء التلوث الشديد ، يمكن أن يشكل عرفات بؤرة من بؤر

العدوى ، ولكن الشر الأكبر بالطبع يمكن في منى ، بسبب درجة الحرارة العالية جدّا ، وغياب الريح ، ومئات الآلاف من الجيف المتفسخة والمتعفنة التي تلوث الهواء ، وتلوث الماء بالتأكيد.
عدا الأسباب الواضحة جدّا لآلام اختلال أجهزة الهضم مثل اللحم الرديء ، والماء غير المغلي ، والبطيخ والشمام ، يوجد عدد كبير من الأسباب الأخرى. يقول البعض أن الخرفان الجائعة المساقة إلى مكة من أماكن بعيدة تأكل أوراق السنا المكي (الورق الاسكندري) الذي ينبت بوفر في ضواحي مكة ، ويفترضون أن الخواص المسهلة الملازمة لهذه النبتة تنتقل مع اللحم إلى الإنسان. لا أعرف مبلغ صحة هذه الفرضية ، ولكن الأغنام تأكل فعلا أوراق هذه النبتة.
إن الطبيب المصري صالح صبحي الذي زار الحجاز بتكليف من حكومته في سنة 1891 وسنة 1894 يرى سبب الأوبئة في منى. وأطباء مكة الذين تسنى لي أن أتحادث معهم في هذا الصدد ، وكذلك سكان مكة الأكثر ثقافة وإطلاعا ، يعتبرون هم أيضا أن الوباء عاقبة لتلوث الهواء من جيف الأغنام المتفسخة والمتعفنة في منى. أما سواد السكان والحجاج ، فهم يرون في الكوليرا عقابا من الله وحسب.
ماذا تمّ فعله حتى الآن
للتجهيز بالمرافق الصحية
1 ـ منذ سنة 1866 بدأ تطبيق قاعدة تفرض على الحجاج تقديم أضاحيهم في الأمكنة المعينة وحدها دون غيرها وطمر الجيف فيما بعد في حفر مهيبة سلفا. ولكن هذا التدابير ، وأن كان يبلغ هدفه من حيث الأساس ، لم يوضع البتة تقريبا موضع التنفيذ ؛ صحيح أن الحفر قد حفرت ، ولكن الحجاج كانوا يستغلون غياب المراقبة ويفضلون الذبح قرب خيامهم. يستفاد ، مثلا ، من أقوال محمد صادق باشا الذي زار

الحجاز في سنة 1880 أن الحجاج لم يرموا في الحفر المحفورة وراء المسجد غير بضعة خرفان ، بينما ملأت الجيف الباقية كل المدى بين الخيام ؛ بل أن خيمة الشريف وخيمة الوالي كانتا محاطتين أيضا بجيف متفسخة ومتعفنة ؛ ومنذ الساعة 12 من اليوم الأول من الإقامة في منى بدأت تنتشر رائحة كريهة رهيبة. وفي السنة الجارية ، كما سبق أن اشرت ، جرى الطمر بصورة سطحية جدّا وببالغ الإهمال.
2 ـ في زمن الحج يرسلون في مأمورية ثلاثة أطباء إلى مكة وطبيبا إلى المدينة المنورة ؛ وفي كل من هاتين المدينتين ، يوجد ما يسمى بالمحجر الصحي («الكرنتينة») ، وتوجد لوازم لأجل مستشفى متنقل يتسع لثلاثين سريرا يتعين فتحه في الخيام إذا ما نشب وباء. والمحجر الصحي المكي ينتقل مع الحجاج إلى عرفات ، ثم ينتقل معهم إلى منى حيث يوجد مبنى مكيف خصيصا من أجله. وفي هذين المكانين ، وكذلك في مكة ، يعطي المستشفى الادوية مجانا ويقدم الاسعاف الطبي الجوال للحجاج المرضى. ومن النافل القول أن المستشفى الذي يتسع لثلاثين شخصا يكون عاجزا تماما إذا ما نشب وباء جدي ، خطير بين مثل هذا العدد من الحجاج.
بوسع هذا المستشفى المتنقل أن يعود بمزيد من النفع في المدينة المنورة ، إذ انه لا يحدث تجمع كبير جدّا من الحجاج هناك ، وإذ انه يمكن ، بإغلاق البوابات ، عزل المدينة كليا عن العالم الخارجي.
عدا الأطباء الأربعة المذكورين سابقا ، يأتي أيضا ، في زمن الحج ، طبيبان مع المحملين السوري والمصري.
3 ـ في كل من مكة والمدينة المنورة يوجد مستشفى دائم لأجل الفقراء فيه 30 سريرا. وفي هذين المستشفيين يجري أيضا استقبال المرضى بطريقة المستوصف وإعطاء الأدوية مجانا. وفي السنة الجارية كان في مستشفى مكة طبيبان وفي مستشفى المدينة المنورة طبيب واحد.

4 ـ في جميع البواخر التي تقوم بنقل الحجاج يوجد أطباء يسعفون الركاب المرضى مجانا وتحت تصرفهم صيدليات صغيرة.
5 ـ ضمن حدود البحر الأحمر انشئت لأجل الحجاج يوجد محاجر صحية في جدّة وكمران والطور وأبو زليم.
6 ـ يبقى أن نشير أيضا إلى انه قامت محاولة لإنشاء مقصورة بخارية في جوار مكة لأجل تعقيم البسة وأمتعة الحجاج العائدين من منى. ولكن مبنى المقصورة الذي انتهى بناؤه للتو دمره البدو في سنة 1895 حين كان الحجاج عند عرفات ؛ ولذا لم يتسن لهم اختيار هذه الوسيلة. وحين يشاهد المرء آثار المبنى المدمر ، يعجب عفو الخاطر ويتساءل : بأي نحو كانوا يفترضون أن يتسنى لهم في هذه المقصورة الصغيرة أن يعقموا مثل هذه الجمهرة الضخمة من الحجاج العائدين معا ، دفعة واحدة ، إلى مكة. أغلب الظن انه كان تعين كبحهم بالقوة المسلحة في غضون بعضة أيام في منى وتعريضهم لجميع فظائع الإقامة في هذه المحلة المشؤومة. أضف إلى ذلك انه إذا ما نشب وباء ، فإن التعقيم ما كان ليبلغ الهدف لأن العدوى ، ناهيك عن الحجاج ، تنتقل إلى مكة مع الماء بكل سهولة ؛ وإذا ما هطلت أمطار غزيرة ، فإن السيول ستجرف جميع النفايات من منى إلى مكة.
ما هي التدابير الصحية الضرورية الأخرى
التدابير المذكورة أعلاه لا بعد بالطبع من أن تكون كافية لقيام نظام صحي مرض إلى هذا الحد أو ذاك في الحجاز. وهذه التدابير ، على ما يبدو ، قد وافقت الحكومة التركية على معظمها بأقصى التردد وعد الرغبة ، تحت الضغط الخارجي ، كما أنها موضع تنفيذ بقدر أقل من الرغبة والحرص ، وذلك لمجرد «رفع العتاب». وإذا لم تتخذ تدابير أشد

جذرية وحزما لأجل تنظيم أوضاع الحج الصحية ، فإن الحجاز سيشكل دائما خطرا على البلدان الأخرى.
وفي عداد هذه التدابير يجب ، برأيي ، أن ترد في المقام الأول التدابير التالية :
في منى :
1 ـ إقرار نظام لمنع التلوث من جيف الأغنام. وقد يكون حرق الجيف أسلوبا اصوب ، أكثر عقلانية ؛ وهذا الأسلوب يدعمه الدكتور صالح صبحي بشدة ، وتم تطبيقه جزئيّا في سنة 1896 ؛ ولكن توقف العمل به لسبب ما. وإذا بقي النظام السابق للطمر ، فمن الضروري نقل الحفر إلى أبعد عن المقام السكني وعن الماء ، وحفر حفر أعمق ، والطمر بمزيد من العناية ، واستعمال وسائل التعقيم.
2 ـ إنشاء خزانات لأجل الماء أكثر تجاوبا مع مقصدها من الأحواض المكشوفة المتواجدة حاليا ، وتأمين الأدوات لاستقاء الماء دون استعمال الدلاء.
ومن الممكن ، مثلا ، إنشاء خزانات لأجل احتياطيات الماء في مكان أعلى من منى زهاء فرستا اثنين أو ثلاثة ، ومد أنابيب من هناك إلى حنفيات لتوزيع الماء مركبة في أماكن مختلفة.
3 ـ إنشاء بيوت خلاء عامة أفضل على الصعيد الصحي وبأعداد أكبر ، وتعقيمها بدقة وعناية أحيانا كثيرة ومنع إقامة المراحيض الموقتة قرب الخيام.
4 ـ نصب خيام الحجاج بموجب خطة مرسومة سلفا وحسب نظام معين لا يحول دون تيارات الهواء ، ويسهل الرقابة على الخيام. ومنع نصب الخيام في الأحواش المغلقة وفي الشوارع.
5 ـ نقل السوق الذي يتاجر باللحوم إلى خارج المقام السكني.

6 ـ أبعاد جميع الجمال طوال مدة إقامة الحجاج في منى إلى مكان ما في الضواحي.
7 ـ بسط رقابة في منتهى الدقة والصرامة على النظافة سواء في الشوارع والأحواش أم بين الخيام ، وبخاصة على نوعية المأكولات والمشروبات المباعة في السوق.
8 ـ بما أن الحجاج الذين يقيمون في الخيام طوال أيام الإقامة الثلاثة في منى يعانون ، أشد ما يعانون ، من الحرارة العالية ، فإن إنشاء أكواخ ما أو سقائف ما تحميها جيدا من الشمس من شأنه أن يعود نفع أكيد.
9 ـ من المرغوب فيه توزيع الأطعمة الجاهزة على الحجاج المعدمين ومنعهم من تناول لحوم الأضاحي.
عند عرفات :
1 ـ من الضروري إغلاق الأحواض المبنية لأجل الاستحمام الذي لا تنص عليه أية شعائر دينية.
2 ـ من الضروري ، كما في منى ، توفير أدوات لاستقاء الماء من الحنفيات.
3 ـ يجب نقل سوق اللحوم بعيدا ، في منحى عن موقع مخيم الحجاج وإنشاء مسلخ.
4 ـ يجب إنشاء مراحيض عامة خشبية منقولة وتعقيمها بدقة وعناية ؛ ويجب في الوقت نفسه منع إقامة بيوت الخلاء قرب كل خيمة.
5 ـ بما أن المكان عند عرفات رحب كفاية ، فمن المرغوب فيه نصب مخيم الحجاج بمزيد من السعة ، حسب خطة مرسومة وحسب نظام معين.
6 ـ وأخيرا من الضروري أقصى الضرورة فرض رقابة عامة في

منتهى الدقة والصرامة على النظافة سواء بين خيام الحجاج أم ، بصورة خاصة ، في الأسواق ، وفرض الرقابة على المشروبات والأطعمة المباعة.
في مكة :
التدابير الضرورية في مكة هي التالية :
1 ـ تأمين حنفيات لتوزيع الماء ، وأن ، مثلا ، من النوع المستعمل في المدينة المنورة ، ومد أنابيب مخفية عوضا عن المزاريب المكشوفة.
2 ـ أسلوب نزح مواد برازية أكثر عقلانية من الأسلوب القائم حاليا ، تعقيم بيوت الخلاء أحيانا كثيرة وبدقة وعناية ، وبخاصة منها العامة.
3 ـ نظرا لا مكان تسرب الأقذار عبر التربة من البالوعات إلى الماء ، من الضروري ، على الأقل ، بناء البالوعات الواقعة حول المسجد الكبير أو قرب خط أنابيب الماء على أساس من الأسمنت ، الأمر الذي يستطيع الحجارون المحليون صنعه بنحو ممتاز من المادة المحلية بالذات.
4 ـ نقل أسواق اللحوم إلى أماكن أبعد عن الحرم.
5 ـ مراقبة التكيات ، وإقرار معدلات لعدد النازلين يتعين على نظار هذه المؤسسات عدم تجاوزها.
6 ـ رش بعض الشوارع الرئيسية ، وبخاصة حول الحرم وفي الأسواق حيث تقوم الحركة الاشد إنتعاشا.
7 ـ تبليط الأسواق والشوارع حول الحرم.
8 ـ المراقبة الصارمة والدائبة على النظافة في المدينة ، تكنيس الشوارع بانتظام ، رمي النفايات في عربات خاصة تطوف في المدينة عوضا عن رميها في الشوارع.
9 ـ جمال القوافل المتوافدة إلى مكة يجب أبعادها الزاما إلى خارج المدينة.

10 ـ نزع جميع المنشآت الخشبية التي تصعّب المرور في الشوارع الضيقة ، ومنع سد الشوارع بالرحال وما إلى ذلك.
11 ـ نقل المسلخ إلى مسافة أبعد خارج المدينة وتعقيم البقايا.
في المدينة المنورة :
بصدد التدابير الصحية الضرورية في المدينة المنورة ، يتعين تكرار ما قبل فيما يتعلق بمكة. بعض هذه التدابير تحققت في المدينة المنورة كحنفيات توزيع الماء مثلا ، والأرصفة ؛ بينما يتعين تنفيذ بعضها الآخر وأن لم يكن بنفس القدر من الألحاح والسرعة كما في مكة.
في ينبع :
ينبع : كما سبق أن قلنا ، من مدن الحجاز من حيث التجهيز بالمرافق ومن حيث الظروف المناخية الوخيمة ، وهنا ينقص شرط من أهم شروط الحياة ، وهو الماء الصالح للشرب إلى هذا الحد أو ذاك. ولهذا يجب في المقام الأول :
1 ـ تأمين التزويد بالماء. اقرب الينابيع التي تعطي الماء الجيد تقع على بعد 20 ـ 25 فرستا تقريبا إلى الشرق من ينبع في بلدة ينبع النخلة الواقعة في ارتفاع عن سطح البحر أعلى بكثير من ينبع الأولى. وفي حال انفاق مبلغ معين ، يمكن جر الماء بالأنابيب.
2 ـ تطبيق أسلوب احدث لنزح المواد البرازية مع نقل الزبالة إلى خارج المدينة.
3 ـ بما أن بيوت المدينة لا يمكنها أن تتسع لجميع الحجاج الذين يتجمعون هنا ، يتعين ، إذا ما رغب جميعهم في استئجار الغرف ، بناء سقائف أو شيء ما من هذا القبيل لأجلهم.
4 ـ تحاشيا لتلوث الشوارع ينبغي بناء مراحيض عامة.

5 ـ هنا ينبغي أكثر مما في سائر مدن الحجاز فرض الرقابة بمنتهى الدقة والعناية على النظافة في المدينة وفي البيوت الخاصة ، ولا سيما في السوق.
6 ـ أخيرا ، الحجاج محرومون أثناء إقامتهم في ينبع من كل أسعاف طبي ؛ والمرضى الخطيرون الذين لا يقبلونهم في البواخر لا بد من تركهم لرحمة القدر عند ما يرحل رفاقهم. ولهذا من الضروري أقصى الضرورة هنا طبيب لأجل الحجاج ، ومستشفى صغير ، يتسع على الأقل لخمسة عشر سريرا ، والاسعاف المستوصفي ، وتوزيع الأدوية.
في جدة :
مدينة جدّة ، المرفأ الرئيسي في الحجاز ، تعاني ، بمجب الأوصاف والأحاديث ، نفس الظروف الصحية السيئة التي تعاني منها ينبع ؛ ومن الضروري في جدة اتخاذ نفس التدابير كما في مكة.
في نقاط صعود الحجاج إلى البواخر :
على البواخر التي تنقل الحجاج ، يقبلون ، كما سبق أن أشرنا ، عددا من الركاب أكبر بكثير مما تتسع له الباخرة ومما يرد في وثائق الباخرة. وهذا الضيق الخارق ، والقيظ الدائم ، وبخاصة في غرف العنابر ، يضعفان إلى أقسى حد المسافري ، ويعرضانهم سلفا لخطر شتى الأمراض. اما بأي قدر تكتظ البواخر بالركاب ، فمن الممكن تكوين فكرة عن ذلك ، مثلا ، من الواقع التالي : على متن 19 باخرة نقلت هذه السنة الحجاج من الحجاز إلى الطور ، كان بموجب وثائق البواخر 14290 شخصا ؛ أما عند تعدادهم في المحجر الصحي ، فقد تبين أن عددهم 16910 أشخاص أي ما يزيد 2629 شخصا. يجب الظن أن هذا الفرق يبلغ أرقاما أكبر أيضا أثناء الرحلات إلى الحجاز. ولهذا من الضروري فرض رقابة اصرم على البواخر المعنية.

طبقة الحجاج المعدمة
هناك عامل آخر ييسر انتشار مختلف الأمراض الوبائية ويزيد من سوء الظروف الصحية في جميع النقاط الآهلة في الحجاز التي يجري فيها تجمع الحجاج ، هو النسبة الكبيرة من الحجاج المعدمين.
لقد سبق أن قلنا أن إداء فريضة الحج مرة واحدة في الحياة ليس ، بموجب الشريعة ، فرضا الزاميا إلا على أولئك المسلمين الذين يملكون ما يكفي من الأموال لأجل القيام بهذه السفرة لأجل تأمين عيالهم حتى عودتهم ؛ وهذه القاعدة تلقى تفسيرا واحدا عند جميع مذاهب السنيين الأربعة وعند الشيعيين. ولكن إلى جانب تفسير الشريعة ، قامت عند بعض الشعوب عادات تتطلب إداء هذه الفريضة من قبل جميع الأفراد ممن يملكون الكفاءة البدنية ، ولهذا يظهر في الحجاز عدد كبير من الحجاج تتلخص جميع أموالهم واحتياطياتهم لكل مدة هذه السفرة الطويلة في إناء لأجل الماء وقطعة من قماش ما لأجل توفير الظل في أماكن التوقف. وأمثال هؤلاء الحجاج ، كما قيل لي ، تعطي أكبر عدد منهم اليمن (قبيلة حضر موت) والهند وافريقيا الشمالية ؛ ومن قبل كانت مصر تعطي هذا العدد الكبير أيضا. وفضلا عن هؤلاء الأشخاص الذين يتوافدون إلى الحجاز تحقيقا للعادة المتبعة ، يتوافد في وقت الحج عدد كبير من شتى المتشردين والفقراء من أبناء جميع القوميات وجميع البلدان. وأكبر عدد من هؤلاء يأتي بالطبع من الأماكن القريبة ، ولكن يوجد بينهم أفراد من سكان آسيا الوسطى وقشغر وافغانستان والقفقاس وايران وتركيا وغيرها ، بل أني تقابلت مع شخص من روسيا يقيم في محافظة كوفنو (1). وجميعهم يأتون عادة سيرا على الأقدام ، وبعض منهم
__________________
(1) المركز ـ مدينة كوفنو. منذ سنة 1917 كاوناس ، مدينة في ليتوانيا.
مكتبة فرع لينينغراد لمعهد الاستشراق لدى اكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي ، ـ.

يتجوب عدة سنوات ؛ المتحدرون من آسيا الوسطى وقشغر يأتون عبر افغانستان وايران إلى بغداد أو دمشق حيث ينضمون إلى احدى قوافل الحجاج أو يمضون إلى القسطنطينية أو إلى أحد مرافئ آسيا الصغرى وسوريا لكي يركبوا هناك على البواخر التركية التي تحمل الحجاج ؛ وسكان الهند وافغانستان وايران يمضون عادة إلى بغداد أو البصرة ، وسكان افريقيا الشمالية يذهبون مع قوافل مواطنيهم الذين يسافرون برا عبر السويس والعقبة.
وجميع هؤلاء الحجاج المعدمين يعيشون في الطريق كله من جمع الحسنات بوجه الحصر ؛ وحين يصلون إلى مكة ، يقيمون عادة في الحرم أو مباشرة في الشوارع ، ويأكلون جزئيّا في التكيات ، وبصورة رئيسية من الحسنات من جديد ، ولذا تكون شوارع مكة على الدوام حافلة بهم طوال اليوم كله.
ومع سائر الحجاج ينطلقون إلى عرفات ويتوزعون هناك ، بعض تحت الجنبات ، وبعض تحت الصخور ، ثم يمضون إلى منى مدبرين أمورهم في هذه الأيام الثلاثة تحت صخور السفوح الجبلية المحيطة. وبعد حياة مديدة من الجوع ينقض هؤلاء الفقراء هنا بنهم على اللحم المجاني ويستغلون وفرته فلا يحاولون سد جوعهم بفيض وحسب ، بل يحضرون أيضا اللحم المجفف لأجل مواصلة السفر. وقد قال لي طبيب من الأطباء المحليين عاش طويلا في مكة وشهد كثرة من أوبئة الكوليرا في منى أن هذا الوباء يبدأ دائما ، حسب مراقباته ، من أمثال هؤلاء الحجاج الذين لا مأوى لهم ، رغم انه فسر السبب ، لا بالظروف التي يواجهونها ، بل بكونهم يرتدون البسة من قماش الأكياس التي ينقل بها
__________________
ـ XXVII (27) 12 / 34. النص الرسمي مع الختم «سري» نشر سنة 1899 في بطرسبورغ في مطبعة هيئة الأركان العامة

الرز من الهند ؛ ومع هذه الأكياس ، برأيه ، تنتقل مسببات الأمراض.
بعد الحج يمضي قسم من الحجاج المعدمين إلى جدة حيث تجبر السلطات المحلية ربان كل باخرة بقبول بضع عشرات من هؤلاء الفقراء مجانا. والبواخر التركية التي تنقل الحجاج في رحلة ثانية من الحجاز تكون على الأغلب مشغولة مجانا بأمثال هؤلاء الركاب. وقسم آخر من هؤلاء الحجاج ينضم إلى قافلة وينتقل معها إلى المدينة المنورة ؛ وهنا يقيمون ، عادة ، نهارا في الحرم ، وليلا في الشوارع المجاورة ، حين يغلق الحرم أبوابه. أما المصدر الرئيسي لطعامهم في المدينة المنورة فهو هنا أيضا الصدقة ، وجزئيّا التكية المصرية. وبقدر ما تنطلق قوافل الحجاج من المدينة المنورة ، يتفرق هؤلاء الحجاج المعدمون تدريجيّا في جميع الاتجاهات ؛ بعضهم يمضي مع المحمل السوري إلى دمشق ، وآخرون يمضون إلى بغداد أو البصرة ، وبعض ثالث إلى ينبع بأمل الحصول على مكان في باخرة. وفي المحاجر الصحية ، يتمتع الحجاج المعدمون بالمؤونة على حساب الحكومة.
يبدو أن كثيرين من هؤلاء الأفراد ، إذ يصلون سيرا على الأقدام أو ركوبا إلى مدينة ما ، يبقون فيها حتى الحج التالي ويعودون من جديد إلى الحجاز. فقد تسنى لي في بيروت ودمشق أن اقابل في أوقات مختلفة مع بضعة أفراد فقراء من إيرانيين وبخاريين وقشغريين عادوا من مكة. وسألتهم : كيف يعتزمون السفر إلى أوطانهم البعيدة ، فأجاب الجميع أنهم ينتظرون رمضان المقبل ، ويركبون باخرة تركية ويعودون إلى مكة حيث قد يوافق مواطن من مواطنيهم القادمين إلى الحج بنقلهم إلى الوطن.
هذه الطبقة المعدمة من الحجاج التي تواجه اسوأ الظروف الصحية هي بلا ريب عنصر غير مرغوب فيه إطلاقا. وليس من المتوقع أن تسنح الفرصة بمنعهم كليّا من الدخول إلى الحجاز. ولكن إذا حظيت وسائل المسافر المادية بمزيد من الاهتمام لدن منح جوازات السفر للحج ، وإذا

رفضت البواخر التركية نقل الحجاج مجانا إلى الحجاز ، وإذا منع المحمل السوري الفقراء من اللحاق به ، لقل كثيرا ، أغلب الظن ، عدد هذا الطراز من الحجاج.
التدابير التي ينصح بها الدكتور المختص
لتنظيم قضايا الحج ينصح الطبيب باتخاذ التدابير التالية :
1 ـ «مطالبة كل حاج بشهادة تفيد انه يملك ما يكفي من الأموال لأجل رحلته ولأجل إعالة نفسه». هذا التدبير يجري تطبيقه منذ حين في مصر ؛ فعند منح جواز السفر لأجل الحج ، كان المطلوب في سنة 1899 توفر تذكرة بالسفر ذهابا وإيابا على الباخرة وتقديم ضمانة قدرها 150 قرشا ، 50 قرشا منها في صالح المحجر الصحي ، و 100 قرش تنفق على أطعام الحاج إذا تبين انه صار خالي الوفاض. ولتقليل عدد الحجاج المعدمين ، من المرغوب فيه أن تطبق الحكومات الأخرى أيضا هذا التدبير. أما المسلمون الروس ، فإن المعدمين بينهم ظاهرة استثنائية ، نادرة جدّا. وإذا هوى أحد منهم إلى هذا الوضع من جراء حادثة مشؤومة ما ، فإن مواطنيه يساعدونه عادة.
2 ـ «بدون إذن خاص من السلطات المعنية على الأقل ، يمنع الحج على :
أ ـ الأولاد ممن لم يبلغوا العشرة من العمر.
ب ـ النساء في المرحلة الأخيرة من الحمل.
ج ـ العميان.
د ـ الشيوخ الهرمين.
ه ـ الأفراد الذين ليس لديهم إفادات بالتلقيح ضد الجدري في غضون السنوات الثلاثة الأخيرة».

وقد سبق أن ذكرنا انه من النادر جدّا أن يسافر الحجاج من روسيا مع عائلاتهم ؛ وإذا سافروا مع زوجاتهم ، فعادة يسافرون بدون الأولاد. ولكن يوجد بينهم كثيرون من الشيوخ ، علما بأن الشيوخ يموتون بمعظمهم أثناء هذه السفرة الصعبة.
3 ـ «تزويد الحجاج بتعليمات مطبوعة بصدد التدابير الصحية الرئيسية الضرورية أثناء السفر إلى الحجاز :
أ ـ أية مؤونة يصح أخذها.
ب ـ أية اساليب لتنقية الماء بواسطة المصافي.
ج ـ أية البسة مناسبة للمناخ.
د ـ أية اشياء ضرورية للسفر ، كالأغطية وما إلى ذلك.
ه ـ أية أدوية يجب أخذها تحوطا للأمراض المفاجئة».
4 ـ «من الضروري تواجد الصيدليات في مكة ومنى وينبع».
في مكة توجد صيدليات منذ حين ؛ في منى يجري توزيع الأدوية من الحجر الصحي.
5 ـ «الزام كل باخرة تنقل الحجاج بأن يكون على متنها طبيب مختص». الأطباء من هذا النوع يعملون منذ حين على جميع البواخر.
6 ـ «من الضروري في جدة وينبع نقل قذر البواليع إلى خارج المدينة ، عوضا عن طمرها في الشارع ، لأن الماء في الأحواض المجاورة يتلوث نظرا للتربة الرخوة».
7 ـ «وصل ينبع التي يمر عبرها عدد كبير من الحجاج ، بالتلغراف ، مع جدّة أو نقطة آهلة أخرى».
8 ـ «حرق جيف الأغنام في منى عوضا عن طمرها. أما إذا استحال تنفيذ هذا التدبير ، تعين على الحجاج الامتناع عن تقديم الأحاضي في

جميع الأيام الثلاثة من الإقامة في منى ، والأكتفاء بتقديمها في اليوم الأخير قبل الرحيل من منى ، الأمر الذي تسمح به الشريعة». التدبير الأخيرة ، إذا لم يستتبع التسرع البالغ والهرج والمرج وشتى ضروب الفوضى ، من شأنه أن يمارس تأثيرا خيرا في الوضع الصحي في منى. ولكن ، من جهة أخرى ، لا يستطيع الحجاج ، بموجب الشعيرة ، أن يخلعوا ثياب الأحرام إلا بعد تقديم الأضاحي. ولهذا سيتعين عليهم أن يبقوا خلال اليومين الأولين في هذا اللباس غير المريح ، الأمر الذي ينعكس بأقصى الضرر على صحة الأغلبية.
9 ـ «تجنبا للتماس بين الحجاج القادمين من الجنوب ، مثلا ، من الهند وجزر السند حيث الكوليرا يتواجد في شكل مرض مستوطن ، وبين سائر الحجاج القادمين من الأقطار السليمة ، يجب أقرار دور يجيز لسكان الهند وغيرها الدخول إلى الحجاز في سنة ، وللحجاج من البلدان الشمالية في سنة أخرى». هذا التدبير الهام من شأنه على كل حال أن يكون نافعا جدّا لأنه يقضي على خارق تجمع الحجاج فيمكة وعند عرفات وفي منى ، الأمر الذي يشكل على الصعيد الصحي إحدى سلبيات الحج الرئيسية.
10 ـ أخيرا. لأجل تسهيل حركة الحجاج في طريقهم الرئيسي ، يوصي صالح صبحي بوصل جدّة بمكة بالسكة الحديدية. ولكن ، أغلب الظن ، لن يرى الحجاز عم قريب السكة الحديدية في ربوعه.
هذه هي التدابير المرغوب ، برأيي ، في تطبيقها بأسرع وقت ممكن ؛ وهذه التدابير لا تتنافى ، لا مع مفاهيم الجموع ، ولا مع الشريعة ، ولا تتطلب نفقات كبيرة جدّا.
ولو كان الحجاز خاضعا لحكومة أخرى ، أشد همة ونشاطا من الحكومة العثمانية ، لحظى أغلب الظن ، بقدر معين من الرفاه واليسر ؛ ولتوفرت في النقاط الآهلة التي يتجمع فيها الحجاج ظروف صحية

أفضل ، ولجرى تعقيم الأغنام المذبوحة في منى بأسلوب من الأساليب الفعالة ، ولجري استعمال هذه الأموال الكبيرة المصروفة عبثا في مهب الريح لما فيه فائدة القضية ، ولتم مد السكك الحديدية في ربوع الحجاز ولجرى الحج كله ، باستعمال واسطة المواصلات هذه ، في غضون 7 ـ 10 أيام ، ولصار ظاهرة عادية ، ولفقد الحجاز سمعته الرهيبة كبؤرة للأمراض المعدية ؛ ولكن ، من جهة أخرى ، لو كانت هناك حكومة أشد همة ونشاطا ، لأستفادت ، بالتأكيد ، من تجمع الحجاج هذا في أغراضها السياسية أيضا.
لا ريب في انه لن يكون من الممكن في وضع الأمور القائم تطبيق هذه التدابير غير المعقدة من قبل السلطات التركية بالذات رغم جميع المطالب على الورق ؛ ولهذا قد يكون من الأصوب تعيين قناصل أو نواب قناصل الدول الغربية في مكة بالذات عوضا عن جدّة ، وتعيينهم من عداد المسلمين وتكليفهم بالإشراف على كل الجانب الصحي وانفاق المبالغ المعتمدة لهذا الغرض.
أما فيما يتعلق بالجانب المالي من المسألة ، فقد يكون من الممكن والعادل والصائب أجبار جميع الحجاج المسافرين إلى مكة على دفع مبلغ خاص من المال ، مثلا ، خمسة روبلات ، عند منحهم جوازات السفر ، ونظرا لمتوسط عدد الحجاج ـ 100 ألف شخص ، يبلغ الرسم المحصل بالأجمال زهاء نصف مليون روبل ، أي ما يكفي تماما لأجل تطبيق التدابير الصحية في غضون سنة بكاملها.
وعلى العموم أعتقد أن تنظيم قضايا الحج حاجة حيوية وملحة ، ولربما تجد حكومتنا من الضروري ، نظرا لوضعها السياسي بين الشعوب الإسلامية ، أن تأخذ زمام المبادرة في هذا المجال الهام.







الملاحق


الملّا ميرزا عليم
ابن دام الله ميرزا رحيم طشقندي
يصف طريق الحج
[الورقة 155 ـ أ] في السابع من شهر رجب 1305 (21 كانون الثاني ـ يناير 1888) انطلقنا في اتجاه المدينتين المقدستين ، مكة المكرّمة والمدينة المنورة. خرجنا من مدينة قوقند ووصلنا إلى محلة بش أريك ، ومنها إلى ناحية محرم. غادرنا هذه الناحية ، ودخلنا مدينة خوجند. وهنا زرنا الشيخ مصلح الدين ، ثم واصلنا السفر. توقفنا في ناحية بيقاباد ، وبعدها في ناحية جاما ، ثم توقفنا في دجيزاك. ثم واصلنا السفر وتوقفنا في ناحية يانغي كورغان ، أجتزنا هذه النقطة وتوقفنا في ناحية آك تبه. ثم واصلنا السفر حتى مدينة سمرقند المحمية من شتى الأحوال الطقسية [.....] ، وقضينا الليل فيها. هنا قمنا (الورقة ـ 155 ب) بالحج إلى شاه زنده وإلى (ضريح) صاحب العظمة الأمير تيمور ، وطلبنا العون من روحه ، ثم واصلنا السفر ، ووصلنا إلى ناحية الوديل. وهنا توقفنا للاستراحة ، ثم واصلنا السفر ، ووصلنا إلى كاتّا ـ كورغان وتوقفنا في ناحية تشاخار شنبه. ومن هنا انطلقنا ووصلنا إلى محلة أسمها كرنب ـ اتاباته ، ومن بعدها دخلنا إلى عاصمة الولاية ، مدينة بخارى. وهنا قمنا بالحج إلى ضريحي الولي بهاء الدين نقشبند ومير قولال ، وصلينا كذلك أمامهما. في جامع تك أب ، قمنا بصلاة الظهر ، ومن بعدها واصلنا السفر. [الورقة 156 ـ أ] وتوقفنا للاستراحة في ناحية قره

قول ، وصلنا إلى مدينة شاردجو حيث أمضينا الليل. ثم وصلنا بالقطار إلى مدينة مرو. دفعنا ثلاث روبلات بدلا للركوب. قبل ذاك كانت هاتان المدينتان تخصان يوسف بك وأحمد بك. ومن هنا واصلنا السفر بالقطار. في يوم واحد وصلنا بالقطار إلى عشق آباد ، وهنا قضينا الليل. هذه المنطقة القديمة كانت مدينة رستم دستان. ثم واصلنا السفر في القطار المذكور ، وفي غضون يوم واحد وصلنا إلى محلة اوزون آطا (كراسنوفودسك). دفعنا لقاء السفر بالقطار أحد عشر روبلا وعشرين كوبيكا. خرجنا من هناك ، وركبنا باخرة ؛ في غضون يوم وصلنا إلى مدينة باكو. وباكو هي بالفعل ، كما يقولون ، مدينة بلقيس. لقاء السفر بالباخرة دفعنا روبلين ونصف روبل. وليعرف القارئ انه كان لهذه الباخرة (الورقة 156 ـ ب) مروحتان وأن هيكلها كان من طابقين. طول الباخرة تسعون خطوة.
شعر :
النبي رأى الله ، وموسى سمعه ،
    وهل يمكن تسبيه المسموع بالمرأي.
  إن شاء الله ، يذهب كل امرئ في طريق الحج،
    ويؤكد كل هذا إذ يجربه بنفسه.
  خرجنا من مدينة باكو المذكورة ، وواصلنا السفر ؛ وفي غضون يوم واحد وصلنا إلى مدينة تفليس ، هذه المحلة كانت تخص السلطان ابن قور ، وكانت مدينته. ومن هنا واصلنا السفر ودخلنا مدينة باطوم. كانت هذه بالفعل مدينة أبي مسلم صاحب ل [.....] (أي أبو مسلم المنتصر). بدل السفر إلى هاتين المدينتين بلغ 18 روبلا. في الطريق عبرنا انفاقا جبلية كبيرة منورة. ثم واصلنا السفر بالباخرة. في غضون يوم واحد وصلنا بالباخرة إلى (الورقة 157 ـ أ) مدينة طرابزون ؛ وقد كانت

من مدن الاسكندر (المقدوني). حجم الباخرة المذكورة : الطول مائة وأربعون خطوة ، العرض ثلاثون خطوة ، الهيكل من ثلاثة طوابق.
وليعرف القارئ أن مرفأ استنبول تدخله (كل يوم) مائة باخرة ويغادره العدد نفسه من البواخر. ومن هنا واصلنا السفر بالباخرة ؛ وفي غضون يوم واحد وصلنا إلى مدينة سمسون. بعد يوم وصلنا بالباخرة إلى مدينة انبولا وأمضينا الليل فيها. بعد يوم دخلنا بالباخرة إلى استنبول المحمية وتوقفنا فيها. بدل الركوب إلى مدينة استنبول أثنا عشر روبلا.
في استنبول يوجد جسر. طوله ألف خطوة وعرضه يكفي لسير العربات بثلاثة صفوف. المدخول اليومي من هذا المكان يبلغ ستمئة قطعة نقدية ذهبية (الورقة 157 ـ ب). منكل عربة يأخذون ، كبدل المرور على الجسر ، تانغا واحدة ، ومن كل فارس تانغا ونصف تانغا ، ومن كل ماش كوبكين. كذلك رأينا جامع آجيا صوفيا الشهير. طول هذا الجامع مائة وأربعون خطوة ، عرضه مائة وعشرون خطوة ، قسمه الأعلى ـ بشكل قبة. من جانبي المحراب توجد شمعتان طول كل منهما قولاتشان (1) وسماكة كل منهما سبعة قاريشات(2) ، وهناك أعمدة من المرمر سماكة كل منها أحد عشر قاريشا ، وطوله خمسة قلاتشات. عدد الأعمدة الأجمالي في الجامع المذكور سبعون ؛ وفيه سبعون ثريا. وفي كل ثريا تشتعل سبعون شمعة.
حكينا عن استنبول بايجاز ، وإلا لما كفت 5 ـ 10 أوراق [الورقة 158 ـ أ] لأجل وصفها. ولهذا الوصف لم يتوفر الوقت.
خرجنا من استنبول ، وركبنا الباخرة [......] ، وبعد ثلاثة أيام
__________________
(1) قولاتش ـ مقياس طول تحدده المسافة بين طرفي الاصبعين الوسطيين لليدين الممدودتين.
(2) قاريش ـ مقياس طول تحدده المسافة بين طرفي الابهام والخنصر الممدودين.

كنا في الإسكندرية. ومن الإسكندرية انطلقنا بالقطار ، وبعد خمس ساعات وصلنا إلى القاهرة. دفعنا لقاء السفر بالقطار خمسة روبلات.
أيها الأعزاء ، أعلموا أننا قمنا بالحج إلى قبور بيبب زينب ، ابنة صاحب العظمة علي ، والإمام حسن والإمام الشافعي ، وشاهدنا بئر صاحب العظمة يوسف ، فليحل السلام عليه. طول البئر مائتان وخمسون خطوة. شاهدنا كذلك جامع [......] علي. طول السجادة فيه ثلاث وعشرون خطوة وعرضها ست عشرة خطوة. يقولون أن معلمي العمار بنوا هذا الجامع في غضون ستين سنة. إنطلقنا من القاهرة بالقطار. بعد عشر ساعات بلغنا السويس. دفعنا عن السفر ستة روبلات [الورقة 158 ـ ب]. الباخرة الراسية في السويس تتسع لألف راكب. خرجنا من السويس على متن الباخرة ، وبعد يومين وصلنا إلى رائق (؟) ، ودفعنا عن السفر سبعة وعشرين روبلا ، لبسنا لباس الحجاج ، بعد يوم دخلنا مدينة جدّة المقدسة. في مدينة جدّة المقدسة ، أمضينا ليلتين. قمنا بالحج إلى ضريح صاحبة العظمة امنا حواء. ثم ، بعد صلاة الظهر ، إنطلقنا على الجمال باتجاه مدينة مكة المكرّمة. في الطريق توقفنا في ناحية [....]. بعد الصلاة ، وقبل مغيب الشمس راكبنا الجمال من جديد ، ووصلنا قبل الفجر إلى مدينة مكة المكرّمة. بعد وصولنا ، توضأنا في الحال بموجب الشعيرة ، ودخلنا رواقا مكشوفا ، وهنا رأينا ساحة الحرم الشريف [الورقة 159 ـ أ]. قلنا ثلاث مرات : «الله أكبر». بعد هذا ، اقتربنا من مقام صاحب العظمة إبراهيم ، عليه‌السلام ، ورأينا هنا الكلمات : «ومن دخل كان أمينا» ؛ وفي الحال ركعنا ركعتين. تذكرنا الأصدقاء والأقارب وصلينا من أجلهم. بعد هذا شرعنا في الطواف حسب الشعائر حول المكان المقدس وطفنا حوله سبع مرات بكل تقوى ، وفي كل مرة كنا ننحني أمام الحجر الأسود. ثم صلينا وقوفا بين «الملتزم الشريف» وأبواب الحرم. وبعد الصلاة أمام الكعبة ، اقتربنا جميعا من

ضريح إبراهيم ، عليه‌السلام ، وركعنا هنا ركعتين. وبعد ذاك سعينا سبع مرات بين الصفا والمروى ، وقصصنا شعرنا ، وبعد العودة إلى حيث منا قد توقفنا ، [الورقة 159 ـ ب] خلعنا الاحرام ولبسنا البستنا. ثم نزلنا في بيوت جيدة وتمتعنا بضعة أيام ب [...] المستطاب ، وكل يوم كنا نأكل معا حتى التخم البطيخ والخندلاق (1) والخيار ونشرب العصائر ، ومن جراء ذلك ارتفعت حرارتنا ومرضنا مدة يومين تقريبا. ووزعنا الصدقات باسم الله ، وبعد ذلك شفي الجميع أي أن طبيعتنا صارت متناسبة مع طبيعة مكة العظيمة. وبعد هذا ، صلينا خمس مرات في المسجد. وكما من قبل قمنا خمس مرات بالطواف. تذكرنا جميع الرفاق ، وصلينا من أجلهم ، ثم رحنا باتداه المدينة المنورة. يا رب ، لتكن سفرتنا على خير وسلامة.
وهنا يصف بوابات كعبة الله والأماكن المقدسة.
__________________
(1) خندليق (هندلاق) ـ نوع سريع النضوج من الشمام مستدير الشكل.


وصف بوابات كعبة الله والأماكن المقدسة
حيث يمكن أن يقبل [الله] صلوات المؤمنين
بعد تمجيد الله وأنبيائه زمنا طويلا ، يرد : [الورقة 160 ـ ب] الحجر الأسود ، الكعبة ، مقام إبراهيم ، عليه‌السلام ، وبئر زمزم المقدسة ، في القسم الشرقي من كعبة الله ، أي الحرم الشريف. اضرحة الأنبياء المقدسين نوح عليه‌السلام ، وهود عليه‌السلام ، وشعيب عليه‌السلام ، وصالح عليه‌السلام ، تتواجد هنا. وهذه قصة الشيخ التقي حسن البصري. وهذا القسم يسمى ركيزة الحجر الأسود. الخاتم المقدس ، ماسورة تصريف الماء عليها رحمة الله ، [الورقة 161 ـ أ] مقام (اتباع) أبو حنيفة ، عليه رحم ـ الله ، حجر إسماعيل (.....) عليه‌السلام ، ضريح بيبي حجر ، عليها رضى الله ، تتواجد في القسم الشرقي من حرم الله ، وهذان القسمان يسميان بالركيزة العراقية. (مقام) المالكيين يقع في القسم الغربي من حرم الله ؛ وهنا تقع مدافن سبعين نبيا ؛ هذا القسم يسمى بالركيزة اليمني. لكعبة الله ـ حرم الله ، أربعة وأربعون بابا. باب السلام يتألف من ثلاثة أبواب ، باب علي يتألف من ثلاث أبواب ، باب البعلي يتألف من بابين ، باب [.....] يتألف من بابين ، باب الصفا يتألف من خمسة أبواب ، باب الشريف يتألف من بابين ، باب الجهاد يتألف من بابين ، باب التكية يتألف من بابين ، باب الأمهات يتألف من بابين ، باب الوداع يتألف من بابين ، باب إبراهيم يتألف [الورقة 161 ـ ب] من باب

واحد ، باب النقيب الأشرف يتألف من باب واحد ، باب العتيق يتألف من باب واحد ، باب الماسك يتألف من باب واحد ، باب البيطار يتألف من باب واحد ، باب [.....] يتألف من باب واحد ، باب زياد يتألف من ثلاثة أبواب ، باب القاضي يتألف من باب واحد ، باب مدرسة السليمانية يتألف من باب واحد ، باب الداودية يتألف من (ثلاثة) أبواب. الحاصل 44 بابا.
لبوابة المكان المقدس سبع مآذن. لكل مئذنة مؤذن واحد يؤذن بوقت كل من الصلوات الخمس. وليكن واضحا ومفهوما أننا سنحكي [أدناه] عن مكانين للحج في مكة المكرّمة. في جنة (الجنة المعلا) يوجد مدفن أم المؤمنين خديجة الكبرى ومدفن آمنة بنت وهب ، أم نبي الله ، ـ صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ ومدفن صاحب العظمة عبد الرحمن أبن أبو بكر ، ومدفن السيد عثمان المرغيناني ، ومدفن مالك الأجدر. جميع هذه المدافن هي محجات [الورقة 162 ـ أ]. يتلو الناس سورة وجيزة ويصلون ، وبخاصة من أجل المذكورين أعلاه والباقين الموجودين في جنة المعلا. المسجد (هنا هو ذلك) المكان الذي أصبح فيه شياطين الليل مسلمين بعد أن اتفقوا مع النبي ، ولهذا فإن جميع الأماكن من هذا النوع هي محجات.
في جبل أبو قبيس توجد علامة هي محج. المكان الذي أقيم فيه مؤقتا الحجر الأسود ، أثناء الطوفان العالمي في عهد صاحب العظمة نوح عليه‌السلام ، هو محج. بيت العجب هو أيضا محج. مكان ولادة النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ هو محج.
مكان ولادة صاحب العظمة علي والغرفة التي كان يصلي فيها (عادة) ؛ محراب خديجة العظيمة ؛ مضرب أبو بكر الصديق ، عليه رضى الله ؛ الحجر الحاكي أي حجر الذي كان شاهدا على عظمته (محمد) ؛ مكان ولادة صاحب العظمة الأمير حمزة ؛ [الورقة 162 ـ ب] المكان الذي كان يصلي فيه صاحب العظمة عمر (عادة) ؛ مدرسة صاحب العظمة

عثمان ابن عفان ؛ المكان الذي ولد فيه صاحب العظمة الأمام جعفر الصديق ومدفن مولانا محجوب ؛ ومدفن القحافة ؛ ومدفن مولانا تاج الإمام الرباني ؛ ومدفن السيد حسني ؛ مدفن تلامذة السيد عبد القادر الكيلاني واخوته الصغار ؛ مدرسة صاحب العظمة[.....]الأعظم رضى الله عنه ، جميع الأماكن المذكورة هي محجات.
بين بوابات مكة المكرّمة ، المسماة باسم الشيخ محمود ابن إبراهيم أدهم حيث يرتدي الحجاج ثياب الاحرام في حال الحج الصغير وبين مكة المكرّمة توجد مدافن أحد عشر ممن استشهدوا في الدهاد وبينهم عبد الله ابن عمر رضى الله عنه ، هذه المدافن هي أيضا محجات.
وليعرف القارئ أيضا امكنة الحج في منطقة منى. مسجد [....]. يقولون أن نبي الله كان هناك وقد الأضاحي. هنا كهف نزلت فيه آيات «والمرسلات». أثناء التضحية بصاحب العظمة إسماعيل عليه‌السلام [الورقة 163 ـ أ] أرسل الله العظيم لأجل التضحية خروفا (عوضا عنه). تكريما لقبول الضحية ، أدى الصلاة ، وركع ركعتين. ذلك المحراب الذي صلى قربه (إسماعيل) صار مكانا للعبادة.
ليعلم القارئ أيضا جبل الرحمة. إنه مكان توقف فيه النبي ، صلى‌الله‌عليه‌وسلم. على جبل الرحمة يوجد مكان القى فيه النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم الخطبة. ويتناقلون في إحدى الأساطير أن والدنا صاحب العظمة آدم ، عليه‌السلام ، وامنا حواء تعارفا هنا. على الجبل يوجد مبنى بديع يذهب إليه للعبادة المنتمون إلى مذهب الإمام الشافعي. أما نحن ، فلا توصينا الشريعة بذلك. وفي مدينة جدّة زرنا قبر صاحبة العظمة حواء. وفي جبل النور يوجد مكان نزلت فيه آيات سورة القرآن «سورة الشرح». وفي جبل النور يوجد كهف نزلت فيه آيات (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). وفي جبل النور يوجد كهف تخفي فيه صاحب العظمة [الورقة 163 ـ ب] نبي الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصاحب العظمة أبو بكر الصديق من الكفار. هذا الكهف هو محجة. بعد زيارة هذه الأماكن ،

أيها الأخوة الأعزاء ، انطلقنا صوب المدينة المنورة. الهدف الأساسي من زيارة المدينة المنورة يتلحص بالنسبة لنا في قرع جباهنا الخاطئة على الضريح المقدس لصاحب العظمة ، النبي محمد ، صلى‌الله‌عليه‌وسلم ...
نأمل في أن يسمح الله العظيم للنبي بعد إداء هذه الشعائر برعايتنا نحن الخطأة في يوم الحساب.
[الورقة 164 ـ أ] إن شاء الله ، سنحكي بإيجاز عن مواقف وأماكن العبادة التي رأيناها حيث كنا. أيها الأخوة الأعزاء ، على الطريق السلطاني المؤدي إلى المدينة المنورة ، توجد المواقف التالية : «وادي فاطمة» ، «محسنة» ، «اسفهان» ، «أخلاص» ، «كريمة» ، «رابغ» ، «مستورة» ، «حسالي» ، «صفراء» ، «بئر عباس» ، «بئر شريف». عن السفر إلى المدينة المنورة دفعنا عشرين روبلا. قبل مدخل المدينة المنورة ، توجد محجة ؛ أنها قبة صاحب العظمة الخضر ، عليه‌السلام. دخلنا المدينة المنورة ونزلنا في بيت حيث توضأنا حسب الأصول ، وذهبنا إلى نبي الله لأجل الصلاة والسجود (ومررنا) عبر بوابة باب السلام ، مرددين الآيات : «اللهم أنت السلام ومنك السلام واليك يرجع السلام ، تباركت ربنا وتعاليت يا ذا الجلال والاكرام». وقرب محراب النبي صلينا في ركعتين ، ثم رحنا إلى السجود أمام ضريح نبي الله ، ثم قمنا بالحج إلى أبو بكر الصديق ، رحمة الله عليه ، ثم كنا عند مدفن صاحب العظمة عمر ، رحمة الله عليه. ثم قمنا بالحج إلى المكان الذي نزلت فيه الملائكة. ثم قمنا بالحج إلى ضريح فاطمة الزهراء ، البريئة من كل خطيئة. بعد الحج إلى جنة الباقي ، سجدنا صوب جبل أحد. وقمنا بالحج إلى مدفن الأمير الحمزة وسائر الشهداء. ثم اقتربنا عن كثب من غرفة صغيرة قائمة تحت مئذنة وصلينا ووجوهنا إلى القبلة. ثم صلينا ووجوهنا صوب الضريح المقدس. ثم ابتعدنا منه أربع أو خمس خطوات وصلينا مرة أخرى ووجوهنا صوب الضريح. ثم صلينا ووجوهنا صوب ضريح صاحب

العظمة نبي الله ، صلى‌الله‌عليه‌وسلم وانهينا الصلاة ؛ وهكذا بعد كل صلاة قمنا بالسجود بالطريقة الموصوفة أعلاه. يوم الجمعة [الروقة 165 ـ أ] قمنا بالحج إلى مقبرة «جنة الباقي». القبة الأولى فيها هي قبة الولي عثمان ، عليه بركة الله ، وهي أول مكان للعبادة. القبة التالية ، قبة الولية حليمة السعدية. ثم توجد خارج المقبرة قبتان ، وهما أيضا مكانان للعبادة. الشهداء المدفونون في مقبرة جنة الباقي يعتبرون هم أيضا جديرين بالتقدير والإجلال. ومن الأماكن المقدسة يعتبرون أيضا : قبة الإمام مالك ، عليه بركة الله ، الذي كان مؤسس مذهب ؛ مقبرة خوجه محمد [...] ؛ قبة الولي عباس ، عليه بركة الله العلي ؛ (مقبرة) الائمة الاثني عشر ؛ قبة الولية عائشة ومدفن زوجات النبي ؛ (مقبرة) عم النبي القائمة بين بوابة المقبرة والمدينة أي أنها تقع قرب مدخل المدينة المنورة ؛ إلى اليسار ، على بعد خمس أو ست خطوات ؛ قبة إسماعيل ابن الإمام ابن الإمام جعفر الصادق ، عليه بركة الله ، وتقع في الغرب من باب الرحمة [الورقة 165 ـ ب] مدرسة [.....] ومدفن عبد الله أي والد نبي الله ؛ مدرسة في دار غوث الأعظم ، عليه بركة الله.
وأعلموا ، أيها الأخوة المؤمنون ، أن الحج إلى الأمير حمزة في جبل أحد وإلى المكان الذي انكسرت فيه سن النبي الكريم بسبب الإيمان يجري يوم الأربعاء. سجدنا أمام قبة ولينا الأمير الحمزة وجميع أولاده وأحفاده الموجودين هناك. وسجدنا أيضا أمام مدفن الولي [.....] والمستشهدين في سبيل الله الأحد. وبئر الولي عثمان ، بركة الله عليه ؛ والمدينتين المقدستين (القدس ومكة) ؛ ومسجد الأربعين ؛ كهف غاز الخزن ؛ مسجد القبة ومسجد [....]. جميع هذه الأماكن تقع في القسم الخلفي من مقبرة جنة الباقي. كما يجدنا أمام محراب نبي الله ، صلى‌الله‌عليه‌وسلم محراب فاطمة الزهراء ، والمنبر ؛ المكان الذي ركعت فيه ناقة نبي الله ، والواقع ما وراء مقبرة «جنة الباقي». مسجد علي ؛ والمسجد

الأخضر [الورقة 166 ـ أ] لعمر ، بركة الله عليه ؛ أشجار النخيل التي تملك موهبة الكلام ، والتي جاءت بلا أقدام وأدلت بشهاداتها. وتقول الأسطورة أن عثمان أسقط في بئر خاتم النبي ؛ وهذه البئر تسمى بئر الخاتم ؛ جميع الأماكن المذكورة آنفا هي أماكن للعبادة ، وكذلك مسجد جرت فيه صلاة الجمعة وهو أيضا مكان للعبادة.
وليعلم القارئ أيضا انه يوجد في المسجد ثلاثة محاريب. الأول منها محراب نبي الله. صلى‌الله‌عليه‌وسلم ؛ المحراب الثاني ، محراب السلطان سليم. المحراب الثالث ، محراب الولي عثمان ، بركة الله عليه. بوابات المسجد خمس ـ باب السلام ، باب الرحمة ، باب المجيد ، باب النساء ، باب جبرائيل. مآذن المسجد ثلاث ـ المئذنة المجيدة ، والمئذنة الرئيسية ، ومئذنة بلال. ثريات المسجد خمسمئة [الورقة 166 ـ ب] منها اثنتان بيضاوان ، اثنتان حمراوان. قياسها عشر شارقات تقريبا ، الله وحده يعلم. الباقية مختلفة المقاييس. قبب المسجد مائتان. عدد الأعمدة أربعمئة (1).
__________________
(*) المخطوطة رقم 5042 ـ 9372 / III مقتبسة من مجموعة المخطوطات والوثائق الشرقية لدى أكاديمية العلوم في جمهورية أوزبكستان الاشتراكية السوفييتية (راجع ص 54 ـ 55 ، المجلد 7 من كاتالوج المجموعة ، طشقند ، سنة 1964). النص مكتوب بخط عربي دقيق على ورق قوقند (15؟؟ 25 سنتمترا). تشكل المخطوطة قسما من مجلد كبير (الاوراق 154 ب ـ 159 ب) ، وهي ، نظرا للحاشية في الورقة 82 ب ، من خط المؤلف. النص باللغة الاوزبكية. يصدر للمرة الاولى.

منطقة المسلمين المقدسة في الجزيرة العربية
مقتطفات من ذكريات الحاج سليم غيري سلطانوف
النبذ التي أعرضها على القراء كتبتها بموجب تسجيلات وجيزة قمت بها أثناء السفر ، وبموجب ذكرياتي الشخصية.
المعلومات التاريخية والمرتبة زمنيا اقتبستها من مؤلفات مختلف العلماء المسلمين ، وكذلك من تاريخ الإسلام للمستعرب الألماني البروفسور موللر. فلأجل دراسة الشريعة ، أي علم الدين الإسلامي وقوانينه ، عشت زهاء سنتين في قرية صغيرة تقع في أعماق بشكيريا حيث توجد من قديم الزمان مدرسة دينية إسلامية شهيرة في أقليم أوفا. وهنا تعرّفت على ملّا بشكيري اسمه خير الله راح غير مرة إلى المنطقة المقدسة في الجزيرة العربية. وقد حكى لي الملّا خير الله الكثير عن أسفاره ، وهذه الأحاديث أثارت في نفسي الرغبة في زيارة أماكن المسلمين المقدسة.
في الصباح الباكر من الرابع من آذار (مارس) سنة 1893 ، انطلقنا نحن ستة مسلمين من محافظة أوفا ، بعد أن تمنى لنا جمع غفير من المودعين السلامة واغدق علينا النصائح ، من محطة أوفا الحديدية إلى مكة المكرّمة البعيدة لكي نؤدي هناك الفريضة الدينية ـ أي السجود والصلاة أمام المقدسات التي تشغل بينها الكعبة أو بيت الله المرتبة الأولى في عيون اتباع الإسلام.

بفضل وسائط المواصلات الحالية ، كنا بعد أسبوع في القسطنطينية. لن أصف القرن الذهبي والبوسفور وجمال وروعة ضواحيه العجيبة والمناظر من البحر إلى المدينة العالمية الجليلة. وقد ارجأت مشاهدة المدينة وطرائفها بصورة مفصلة إلى طريق العودة. والاحظ أن الحجاج في القسطنطينية يرون واجبهم الأول في زيارة ضريح أبي أيوب الأنصاري ، الشهير في تاريخ الإسلام ، ومن أخلص أصحاب النبي (صلى‌الله‌عليه‌وسلم) [...].
ثم يزور المسافرون المسلمون المساجد ـ مسجد آيا صوفيا ، مساجد السلاطين : سليمان ، محمود ، أحمد ، سليم ، بايزيد ، وغيرهم ، وأخيرا يتسنى لبعض الحجاج فقط مشاهدة المتاحف والقصور ، الأمر الذي قمنا به في طريق العودة بفضل تلطف ياور البلاط العقيد صادق بك [...].
في 29 آذار (مارس) كنا في بيروت حيث غادرنا باخرتنا «ناخيموف» لكي نسافر إلى دمشق. ومن بيروت إلى دمشق كان السفر يجري آنذاك في عربة كبيرة تجرها ستة بغال. أما الآن فقد بنيت هناك سكة حديدية. تعبر الطريق جبال لبنان ، بخط متعرج ، متلو ، أولا 50 فرستا نزولا من الجبال ، ثم الجبال ، ثم ، بعد معبر عبر الجبال ، 60 فرستا نزولا من الجبال ، ثم الفرستات ال 10 الباقية في وهدة ، على ضفة سيل مائي ، عابرة أياه غير مرة من ضفة إلى أخرى ...
أعظم طرائف دمشق جامع الأمويين القديم الباقي من حيث خطوطه الكبرى حتى أيامنا هذه. وهو يتميز بعظمته ومهابته الخارجية ، وروعة الزينات من الذهب والفيسفساء في الداخل ، وكبره الذي لا يصدق إذ يتسع ل 18 ألفا من المصلّين. وفوق الجامع تنتصب بضع منارات (1) رشيقة اسطوانية الشكل. وأحداها تعتبر الأهم ؛ عليها ، كما تقول
__________________
(*) المنارات في الكلام التركي جمع منارة ؛ وفي الشرق يمونها على الأغلب «مدينة» ـ

الأسطورة ، سينزل يسوع المسيح حين يحل زمن التنكيل بالمسيح الدجال أي حين يحل يوم القيامة أو يوم الحساب [...].
القصور والجنائن والبساتين ، والكثير من العمارات الفخمة ، والسوق البديعة ، ومخازن الأسلحة (1) ، والمقاهي ، زهاء 200 مسجد ـ كل هذه تشكل زينة المدينة القديمة. بيوت المالكين الخصوصيين الذين تسنى لي أن أزورهم لا تسترعي النظر بشيء من الخارج ، ولكنها في الداخل تتغندر بالزخارف وبالفسيفساء المتنوعة الألوان وبالبذخ حسب الذوق الشرقي.
جمال دمشق الرئيسي موقعها. فمن الثلوج الذائبة من الجبال اللبنانية تتشكل كثرة من السواقي التي تصب في واحدة وتشكل مسيلا اسمه بردى ، وعرضه 30 ساجينا تقريبا. يسيل نهر بردى في وسط المدينة ثم ينقسم إلى سواعد ، ويتشعب في عموم المدينة وبذلك يتيح إنشاء الأحواض والفوارات في كل مكان. وفي كل حوش تقريبا توجد فوارة ، وفي كل بستان حوض مائي تتلاعب فيه «اسماك ذهبية» ، وفي كل بيت ، وحتى في كل غرفة تقريبا توجد مجارير المياه.
التربة الخصبة ، ووفرة الماء والمناخ الحار تعطي نباتا سريع النمور ومتنوع الأصناف ، وزهورا وثمارا عجيبة إلى حد أن العرب يسمون دمشق عن حق وصواب «جنة الدنيا».
__________________
ـ والأصح «مئذنة» أي مكان الدعوة إلى الصلاة (مشتقة من فعل «آذن» و «اذّن» تأذينا بالصلاة أي أعلم بها ودعا إليها).
(*) السلاح الأبيض من فولاذ دمشق البديع واسع الانتشار في الشرق. السيوف الفولاذية ، الخناجر والسكاكين من الصنع الدمشقي القديم تسنى لي أن اراها في بولونيا أيضا. فقد جلبوها إلى هذا البلد بعد الحرب ضد الاتراك بجوار فيينا. النبلاء البولونيون يقدرونها رفيع التقدير ويسمونهاSzabla Damascenke (السيوف الدمشقية).

وفي دمشق تعرّفت على تتري من قازان يعيش ويشتغل هنا من زمان بعيد. وقد رحت معه إلى جبل واقع قرب المدينة يدلون منه على المكان الذي قتل فيه قايين اخاه هابيل. ثم زرنا قبر ولي مسلم يحكون عنه ما يلي.
منذ سنوات عديدة جدّا دفن إمام دمشقي شخصا غير معروف كان يعيش في دمشق. وحين طمروا الجثة بالتراب ، طرح الإمام على الحاضرين السؤال العادي : هل كان المتوفي طيبا. الجميع ذكروه بالخير وتمنوا له المملكة السماوية (الجنة) ، ولكن واحدا منهم قال عن المتوفي الكثير من السوء. في هذه الأثناء اطلت من القبر قدم بسرعة البرق. لم تكن للدهشة حدود بالطبع ، الجميع آمنوا بقداسة المتوفي ، وبنوا فوق رفاته ضريحا لائقا لا يزال يزوره إلى الآن كثيرون من المسلمين.
وانقضت سنوات عديدة. ذات مرة زار باشا تركي عجوز القبر ، وكان يشك ، نظرا للقدم المطلة ، في أن تبقى الجثة مئات السنين. حفروا القبر فتصاعد منه نور ساطع. رأى الباشا وجميع من معه بأم عيونهم جثة الرجل المقدس ، وندموا زمنا طويلا جدّا ، مرددين الصلوات الحارة. وبعد هذا ، لم يطمروا القبر من جديد بل غطوه بالقطن تاركين القدم في وضعها السابق. وأنا رأيتها بأم العين ، وعجبت كثيرا بالطبع ، بنما الفرنسي الواقف بقربي هز رأسه دليل الشك.
في أوائل نيسان (ابريل) عدنا من دمشق إلى بيروت ؛ وفي اليوم نفسه انطلقنا إلى يافا ومنها إلى القدس. من يافا إلى القدستوجد سكة حديدية هي ملك شركة فرنسية. السكة تمتد طوال الوقت كله تقريبا في الجبل والقسم الأخير منها في فج ضيق وعميق.
في القدس أمضينا أسبوعا بكامله ، وشاهدنا الأماكن المقدسة وصلينا في مسجد عمر وفي المسجد الأقصى.

المسجدان المتجاوران ينتصبان فوق ساحة عريضة ، مطوقة بحائط حجري ـ الحرم الشريف الواقع في قمة جبل [...] الممهدة والمبلطة بصفائح من المرمر والغرانيت ، والمحاطة بكثرة من الانشاءات العجيبة.
وبمسجد عمر المشيد في مكان هيكل سليمان ترتبط الأسطورة عن سفر النبي ليلا من مكة إلى القدس. وفي هذا المسجد يدلون أيضا إلى الصخرة التي تشكل كلّا واحدا مع الجبل الذي صعد منه محمد إلى السماء [...].
الأماكن المقدسة في القدس موصوفة مرارا وتكرارا ؛ وفي الأدب الروسي توجد عنها كتب عديدة مختلفة من حيث المستوى والمزايا ، ولذا اتحاشى تكرار المعروف. ولكن اكتفى بالقول أن الأماكن المقدسة تبدو حسب الوصف كأنما موزعة في مساحة كبيرة بينما هي في الواقع متقاربة بشدة.
لا يمكن ولا يجوز الصمت عن أن مقدسات المدينة العالمية يشوبها أقصى القذر. والمدينة نفسها تحدث بعد دمشق إنطباعا مرهقا سواء بمظهرها الوسخ أم بتجهم وبرود سكانها المتنوعي القوميات والأديان ؛ وبقدر ما نرى سكان دمشق مضيافين ولطفاء وخدمين بقدر ما نرى سكان القدس الحاليين ، بدءا من اليهود وإنتهاء بالروس أو ممن يتظاهرون بأنهم روس ، طماعين ، بخلاء ، ميالين إلى ابتزاز أكثر ما يمكن من المسافرين والحجاج ، وإلى خداعهم بنحو ما. وقد اعتاد السكان النظر إلى الحجاج نظرتهم إلى دجاجات تبيض بيضات ذهبية. ويستحوذ الحياء والغضب على القلب والروح حين يرى المرء كيف يسود الفساد إلى جانب المقدسات ، وإلى ما قيل يجب أن أضيف مناخ القدس الرديء ، غير الصحي ، وغياب الماء الجيد فيها.
من القدس قمنا برحلة إلى بيت لحم وإلى حبرون (الخليل) الواقعة على مسافة 7 ساعات ركوبا في طريق بديع. وفي بيت لحم رأينا كنيسة

المهد ، وفي الكنيسة معلف. والمعلف عبارة عن حجر محفور ومنحوت ، من الغرانيت على ما يبدو ، طوله زهاء أرشين واحد. وفي هذه الكنيسة يعرضون أيضا المكان الذي نمت فيه شجرة كانت تجلس تحتها العذراء مريم والطفل يسوع في يديها.
وفضلا عن الكثرة من مختلف المقدسات والطرائف المعمارية ، زرنا في حبرون هيكلا بديعا ترقد فيه ، كما تقول الأسطورة ، رفات بطاركة المقدس الأوائل ـ إبراهيم ، يعقوب ، يوسف ، وغيرهم. والقبور تقع في كهف مستواه أدنى من مستوى أرضية المسجد ، وإليه ينزلون على سلاسل بضعة مشاعل صغيرة مشتعلة.
قضينا الليل في حبرون وعدنا إلى القدس ثم إلى يافا ، ومنها إنطلقنا على متن الباخرة «اوديسا» التابعة لشركة روسية إلى بور سعيد.
وعند وصولنا إلى بور سعيد زرنا في الحال القنصل الروسي لكي نسأل عن البواخر الذاهبة إلى ينبع. وقد تبين أن قنصلنا السيد براون الماني ولا يعرف أية كلمة روسية. أعرب عن استعداده لخدمتنا ومساعدتنا المعلومات التي يملكها ؛ ولكن من جراء عدم فهم اللغة بصورة متبادلة وغياب المترجم في القنصلية ، جائت خدمات السيد براون مثل خدمة الدب بالذات أي جاءت بعكس القصد منها ؛ أي أنها لم تنفع بل أضرت. فمن توضيحاته نجم أن هناك باخرة وحيدة تقلع قبل مضي أسبوعين. وفي الوقت نفسه تطوع السيد براون لتزويدنا بالتذاكر ، توافقنا بطبيعة خاطر. ولكن تبين فيما بعد أن الباخرة الوحيدة التي ستقلع في 16 نيسان (ابريل) إلى ينبع ، تخص الشركة النمساوية «لويد» التي يقوم السيد براون بدور عميل لها ؛ وأن هناك بواخر تابعة لشركات أخرى وأننا لو سافرنا على متن أحداها لدفعنا أجرة أقل.
في 16 نيسان أقلعت الباخرة «اغلايا» من بور سعيد عبر قناة السويس ؛ وفي صباح اليوم التالي كنا في السويس ، ثم عبرنا البحر

الأحمر خلال يومين. وأثناء هذه الرحلة ، تقابلنا للمرة الأولى مع مؤشرات الدخول في المنطقة الاستوائية. كان ميزان الحرارة حسب معيار ريومور يشير إلى 27 درجة الظل. الأبخرة التي ترتفع من البحر تترسب ليلا بصورة ندى صمغي يثير إحساسا غير مستطاب إطلاقا ، ولاذعا نوعا ما ، حسب كل احتمال ، لأنه يثير طفحا أحمر سواء على الوجه أم على الأقسام المكشوفة من اليدين المعرضة لتأثيره. ولا يمكن في أي حال من الأحوال القول عن السفر في البحر الأحمر بأنه مستطاب ؛ فإن القيظ نهارا ، وكتمة الهواء ليلا يرافقان المسافرين طوال الوقت كله لأن الندى الذي ذكرته للتو لا يسمح بفتح أبواب ونوافذ ليلا. وسواحل البحر تعرض منظرا صحراويا تماما. وللماء لون محلول الزاج ؛ ولا تقع العين على الطيور ولا حتى على طيور النورس ، ولا نرى الأسماك التي تتلاعب عادة على سطح الماء في البحار الأخرى ؛ ولذا يبدو البحر الحمر نفسه في الطقس الهادئ عديم الحياة كليّا [...].
ينبع قلعة غير كبيرة. عدد سكانها خمسة آلاف. وهنا مقر القائمقام ، معاون عامل المدينة المنورة (الوالي). وفي القلعة حامية تركية من 500 جندي.
بأنتظار تشكيل القافلة أمضينا في ينبع خمسة أيام ، واشترينا كل ما يلزم لأجل مواصلة السفر الطويل إلى المدينة المنورة على «سفن الصحراء» [...].
حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر انطلقنا من بوابة القلعة في اتجاه المدينة المقدسة[...].
كانت الوقفات على العموم غير طويلة. كانت القافلة تسير نهارا وليلا. خطوة الجمل كبيرة نسبيّا ، ولكن رغم كل هذا تسير القافلة ببطء. سبب بطء الحركة امتداد القافلة الكبير. يكفي أن يقف جمل لسبب ما

حتى يتعين أن تقف كل السلسلة السائرة وراءه. في اليوم الواحد كنا نقطع بالاجمال 30 ـ 35 فرستا ، لا اكثر.
في 25 نيسان (ابريل) اقتربنا مساء مع غروب الشمس من المدينة المنورة ، أي من اقدم مراكز الإسلام. انتعشت القافلة. أشعل الجميع المصابيح والمشاعل وبدأ إطلاق النار من البنادق ، وانشد البعض أناشيد دينية ، وتلا آخرون غيبا آيات من القرآن الكريم ، وتنادوا بأصوات مدوية ، واطلقت النساء الهنديات والمصريات من الحلق ترانيم غريبة جدّا.
وعلى بعد 10 فرستات تقريبا من المدينة ، استقبلنا المسلمون المهاجرون الروس المقيمون هنا على الدوام. وفي الساعة الحادية عشرة كنا جالسين في صالون مواطننا اللطيف المضياف عبد الستار أفندي إلى سماور روسي يفح بمرح وإلى مآكل قومية متنوعة.
في صباح اليوم التالي صليت بدموع الفرح والحنان والرقة وبكل حرارة عند قبر محمد ، الذي كان في التاريخ العالمي كله الإنسان الوحيد الذي جمع في نفسه النبي والشاعر والحقوقي والمشترع والطبيب والخبير الصحي ومؤسس دين وامبراطورية ، وأضفى القوة والوحدة على جميع القبائل في الجزيرة العربية ومن خلالها على العديد من الشعوب الأخرى في آسيا وافريقيا وأوروبا ، ويتقيد بمذهبه وتعاليمه الآن أكثر من ثلث البشرية جمعاء [...].
عامل المدينة المنورة (1) عثمان باشا تحدر من روسيا ؛ فهو شركسي
__________________
(*) قبل هجرة النبي من مكة ، كان سكان يثرب يسمون مقامهم في أغلب الأحوال «بالمدينة» خلافا للضواحي. وأطلقوا على المدينة مع ضواحي اسم يثرب. وهذا الأسم الأخير تراجع مع مر الزمن. وأخذوا يسمون المدينة «بالمدينة» قاصدين «مدينة النبي».

القومية ، وقد غادر القفقاس طوعا واختيارا. حموه ، الأبن البكر للشخصية الشهيرة شميل ، غازي محمد ، الذي يعيش على الدوام في مدينة النبي ، يتمتع بالشعبية الواسعة ، والإنتباه والاحترام بين العرب. إن مسلما مثقفا ذكيا يشغل مكان الصدارة في رفقتنا الصغيرة زار مرارا شميل عثمان باشا. وهو يقول أن الحديث العام كان غالبا ما يعود إلى الذكريات عن روسيا ، الموطن السابق ، وهي ذكريات مفعمة بالعطف العميق.
تشغل المدينة رقعة غير كبيرة نسبيّا ، ومرد ذلك إلى أقصى تزاحم العمارات ؛ فإن البيت يلتصق بالبيت دون أية فسحة بينهما. لا أحواش. الشوارع ضيقة إلى حد انه لا يمكن في بعضها إلا بصعوبة أن يتلاقى ويتفارق حماران محملان.
ومن غير المريح أبدا بالنسبة لأبن الشمال غياب الزجاج في الغرف ، ولذا يطير الغبار إليها مباشرة من الشارع ؛ والغبار كثير لأن الحركة في الشوارع هائلة ومتواصلة في غضون أربعة أشهر ، بدءا من شهر رمضان (1) حين يتوافد إلى هنا الحجاج من شتى أقطار العالم الإسلامي.
__________________
(*) اسم الشهر الذي يصوم المسلمون في غضونه. الفرس والأتراك يلفظونه «رمظان». التقويم الإسلامي قمري. السنة تتألف من 12 دورة قمرية ، وبالتالي من 354 يوما أو من 355 يوما. في الحالة الأخيرة يضاف إلى الشهر يوم واحد آخر. الشهر في غضون 33 سنة ينتقل دائما عبر جميع أوقات السنة. أسماء الأشهر : محرم ، صفر ، ربيع الأول ، ربيع الثاني ، جمادى الأول ، جمادى الثاني ، رجب ، شعبان ، رمضان ، شوال ، ذو القعدة ، ذو الحجة. ومن يرغب في معرفة التقويم الإسلامي بمزيد من التفصيل يمكنه أن يراجع مقالة السيد تيرينتييف («بشير آسيا الوسطى. أيار ـ مايو 1896) وكتاب «التقويم الشمسي في العالم الإسلامي» لمؤلفه شاكر باشا ، ياور السلطان ، والسفير التركي سابقا لدى البلاط الروسي ، المفوض السامي الحالي للباب العالم لأجل تطبيق الإصلاحات في آسيا الصغرى. ترجمة محمد آغا شاهطاختينسكي (محمد بك) من التركية. موسكو. سنة 1897 ، 173 ص.

إن الموضوع الذي يجتذب إلى هنا مئات الآلاف من الحجاج إنما هو الجامع الذي يتواجد فيه قبر النبي محمد. قبره يقع في الجانب الجنوبي من الجامع. وفوقه يوجد مرتفع غير كبير مكسو بغطاء حريري مطرز بغني ووفرة ، ومحاط بشبكة من الحديد الصب المطلي بالذهب ، وعاليا فوق السطح تشع قبة (السعادة). وإلى جانب النبي دفن خليفتاه الأولان ـ ، الخليفة أبو بكر (1) والخليفة عمر ـ وإلى أبعد ، ابنة النبي ، زوجة الخليفة علي ، فاطمة [...].
أمضينا في المدينة المنورة خمسة أسابيع بانتظار قافلة دمشق لأننا لم نتجرأ على مواصلة السفر مع قافلة البدو نظرا لغياب التنظيم فيها ، ثم لأن قوافل البدو لا تراعي البتة أية قواعد صحية. والآبار التي تمر بها هذه القوافل في طريقها محاطة بكثرة من الأقذار والأوساخ ، وحتى جثث الذين يموتون في الطريق يطمرونها كيفما اتفق في مكان التوقف بالذات.
اغتنمت فرصة الإقامة المديدة في المدينة المنورة فتعلمت اللغة العربية لأني حسبت أن أبقى بضع سنوات في الجزيرة العربية رغم أني غيرت رأيي فيما بعد. اللغة العربية عسيرة المنال على الكثيرين ولكني كنت أعرفها نوعا ما على الصعيد النظري ، وهذا ما ساعدني في استيعاب الكلام الدارج بسرعة.
يكنّ العرب للكفار ، أي لغير المسلمين اشمء زازا غريزيا ، وفضلا عن ذلك ينظرون بعدم الرضى إلى جميع من لا يتكلمون بالعربية. وهم
__________________
(*) أبو بكر. من قديم الزمان وإلى الآن يعتزم العربي أكبر الاعتزاز بكونه أبا ، ولهذا يخاطبونه باسم ابنه دليلا على التقدير والاحترام. الخليفة أبو بكر ، الذي تسنم الخلافة من سة 632 إلى 634 ميلادية أي من سنة 11 إلى سنة 13 هجرية لقبه النبي «بالصّديق». أما عمر الذي نعته المؤرخون وكذلك العلماء المسلمون «بالفاروق» لعدالته ، فقد حكم من سنة 634 إلى 664. والخليفتان ، ولا سيما عمر ، عملا كثيرا على نشر الإسلام وتأسيس الامبراطورية الإسلامية.

يعتبرون لغتهم ، وليس بدون بعض المبررات أغلب الظن ، لغة فائقة الغنى ، قوية التعبير ، وأحسن لغات العالم وقعا على الاذن ، وأكثرها اناقة.
فضلا عن دراسة اللغة العربية بصورة عملية ، أخذت دروسا في «علم التجويد» الذي يتلخص في صحة نطق آيات القرآن الكريم ، لأن أهل المدينة المنورة يعتبرون خيرة قراء ومفسري الكتاب المقدس. وكثيرون منهم يعرفونه بكليته غيبا. تعلمت عند معلم ، من سلالة النبي ، اسمه علي أفندي زغيري. اخلاف النبي يسمونهم «بالأسياد» ولذا كانوا يسمون معلمي «بالشيخ السيد علي زغيري». ولكل سيد ، عدا ذلك ، لقب «الشريف» ؛ والاسياد يحملون في الحزام خنجرا أعوج دليلا على تميزهم.
وقد تبين أن السيد علي أفندي ، كما كان ينبغي التوقع نظرا لأصله الرفيع ، كان إنسانا متعلما ، محبّا للاطلاع ، ولطيفا جدّا. في سنة 1898 جاب في ربوع آسيا الوسطى وروسيا ، وزار مدينة أوفا حيث كان من حسن حظي أن ازوره. وقد عرفني في الحال ، وسرّ باللقاء على ما يبدو. أمضينا معا أمسيتين ، متحادثين عن روسيا وعن الجزيرة العربية ، ومتذكرين ، فيما تذكرنا ، المدينة المنورة ودروسنا. وغني عن البيان انه لقى من جانب المسلمين في كل مكان ، بوصفه ضيفا رفيع المقام ، ومبجلا ، ونادرا ، الاحترام اللائق والاستقبال المناسب [...].
في المدينة المنورة تسنى لي أن احضر محاكمة ، ولكن بصفة شاهد.
قبل سفرنا ببضع سنوات توفي في المدينة المنورة حاج ، بشكيري من انحائنا ، تاركا زوجة وأولادا. وبموجب القاعدة العامة السارية المفعول ، أخذوا أموال المتوفي ، حتى حضور ومطالبة ورثته الشرعيين إلى بيت المال أي إلى مؤسسة تشرف على أموال وتركات الموتى.

أعطت زوجة المرحوم أحد رفاقي وكالة للحصول على الأرث. طلبت المحكمة شاهدين بوسعهما أن يؤكدا صحة الوكالة. وكنت أنا أحد الشاهدين. استجوبونا بعد القسم. جرت المحاكمة في حجرة متواضعة ، علنا ، أمام الحضور ، وعند الفصل في الدعاوي يفصل فيها قضاة تعينهم الحكومة التركية. وعند الفصل في الدعاوي يسترشدون بلوائح خاصة تسمى «بالدساتير» ؛ وهذه تضعها المحكمة التركية على أساس أحكام الشريعة.
طريقة وضع الدستور الذي يتجاوب مع الحياة الواقعية هي التالية. توجد في القسطنطينية لجة خاصة من حقوقيين مسلمين يضعون ، كما أشرنا أعلاه ، على أساس أحكام الشريعة ، مشروع قانون في فرع معين من الحق ، عارضينه في شكل عقائدي. مشروع القانون الموضوع هنا يطبعونه ويرسلونه إلى المحافظات العامة والمحافظات في الامبراطورية حيث توجد لجان ثانوية. وهذه تدرس المشروع المرسل وتعيده مع اعتباراتها وآرائها. ولجنة العاصمة تدرس هذه الاعتبارات والآراء حول مشروعها وتضع نهائيا وثيقة تكتسب قوة القانون تصبح سارية المفعول ما أن يصادق عليها السلطان.
في أواخر أيار (مايو) وصلت إلى المدينة المنورة قافلة حكومية تركية يجري تجهيزها سنويا في دمشق وإرسالها عبر المدينة المنورة إلى مكة المكرّمة مع هدايا عادية لشريف مكة ورؤساء (شيوخ) البدو ، وهدايا الكعبة وللجوامع ، ومع النقود لإعالة الموظفين الأتراك.
هذه المرة كانت القافلة تتألف من ألفي جمل وسارت بقيادة عبد الرحمن باشا وبرفقة بضع مئات من الجنود المسلحين بالبنادق وراكبين على البغال. وكانت القافلة مزودة بمدفع ولذا كانت مضمونة تماما على صعيد السلامة والأمن دون هجوم البدو. وإلى هذه القافلة انضممنا نحن المسلمين الروس وعددنا 42 شخصا. ومعنا سافر مهاجر

روسي ، طبيب تعلم على نفسه ، وساعد كثيرا ومجانا أثناء السفر بنصائحه وأدويته.
في 30 أيار (مايو) مساء ، إنطلقت القافلة من البوابة الشرقية للمدينة المنورة في طريق لا تمضي عليه قوافل البدو لأن هذا الطريق أطول من الطريق العادي. قطعنا الطريق من المدينة المنورة إلى مكة المكرّمة في الشقادف ، ولكن توجد في قافلة دمشق تختروانات أيضا. التختروان إنما هو حمالة يركبون عليها لأجل ركوب المسافر كشكا غير كبير له نوافذ صغيرة جدّا يمكن فتحها. هذا الكشك يشدونه بين جملين سائرين الواحد تلو الآخر.
كانت القافلة تسير نهارا فقط ، منطلقة من الموقف بعد صلاة الفجر أي قبل طلوع الشمس بساعة ونصف ساعة تقريبا ؛ وكانت تتوقف لربع ساعة لأجل إداء صلاة الظهر ثم كانت تسير بلا توقف حتى صلاة المساء وإدائها قبل غياب الشمس وتتوقف لقضاء الليل. وقبل توقف القافلة ، يرسلون إلى الإمام لأجل الاستكشاف أفرادا من حرسها المرافق والخدم الذين ينصبون الخيام.
كان الوقت أثناء الوقفة ينقضي بما يكفي من المرح في تبادل الزيارات وإحتساء الشاي (كانت معنا سماورات روسية) وفي الأحاديث التي غالبا ما كانت تستطيل إلى ساعة متأخرة من الليل. وقد اجتزنا الطريق كله بهدوء وانشراح وبشاشة ، ولم يكن ثمة شيء ، على ما يبدو ، ينذر بويلات الوباء الذي كان ينتظرنا في مكة ...
ركوب الجمال لا يطاق البتة. يهتز الراكب وأي إهتزاز. ولدى كل خطوة من الجمل يتأرجح الراكب تارة إلى جانب وطورا إلى آخر ولذا يصاب كثيرون في الأيام الأولى بمرض دوخان البحر. وهذا الركوب أزعجني لفترة من الزمن إلى حد أني طلبت من سواق الجمل ، وهو عربي سوري ، أن يتنازل لي عن حصانه لمدة يوم واحد. وافق وأن لم يكن ببالغ

من طيبة الخاطر ، وحل محلي في الشقدف ، وأخذ يراقبني منه بين الفينة والفينة طالبا أن أمضي بمزيد من الهدوء والبطء ، رغم أني لم أكن أفكر البتة بحث حصان لا أعرفه ...
إن العرب يحبون ويقدّرون أحصنتهم إلى أقصى حد. ولا يمكن أن نجد عند أي شعب آخر مثل هذا التعلق بهذه الحيوانات الضرورية فائق الضرورة لأجل القبيلة ، المترحلة على الأغلب. وهذا التعلق ليس غريبا لا على الحكام ولا على الشعب البسيط ، ولا على النساء ولا على الأولاد. وكثيرون من الشعراء العرب تغنوا بالحصان. وهناك أدلة كثيرة على حب العرب وتعلقهم برفاقهم في الفرح ، في المجد والتعاسة ـ الأحصنة [...] ...
في اليوم الحادي عشر مساء اقتربت قافلتنا من مكة وتوقفت في محلة شهادة ؛ وسرعان ما جاء دليل المسلمين الروس محمد علي سروجي مع أحد معاونيه. والأدلة هم قادة الحجاج في زمن إداء شعائر الحج وفي زمن زيادة الأماكن المقدسة في المدينة وضواحيها. محمد علي سروجي عربي أصيل من مواليد مكة وسكانها الدائمين. آنذاك كان عمره أكثر من 60 سنة. وأنا لا أعرف ما إذا كان لا يزال الآن قيد الحياة. كان سروجي يتكلم بالتركية بطلاقة ، ولكن اللغة الروسية أيضا لم تكن غريبة عليه. فقد تعلم التكلم الروسية في سجن طشقند حين زجوا به فيه بسبب عدم وجود الوثائق اللازمة أثناء تجوبة في ربوع آسيا الوسطى. وفي السجن أمضى سنتين كاملتين إلى أن أنتهت المراسلات الدواوينية بشأنه ؛ وهذا واقع يدل على غلاظة وقساوة الأوضاع البيروقراطية.
والأدلة يعينهم شريف مكة ، وهذا اللقب ينتقل بالوراثة من الأب إلى الأبن [...].
[...] حين وصلنا إلى عرفات ، كان الوادي مغطى كليا بالخيام إذ تجمع هنا حوالي نصف مليون من الحجاج من مختلف القوميات : من

العرب المحليين ، والبدو ، والأفارقة من مصر والجزائر والمغرب ، والهنود ، وسكان جزيرتي سومطرة وجاوه ، وسكان بخارى ، والفرس الشيعيين ، وسكان بوسنيا ، ثم نحو الفين من المسلمين الروس ، وعدد أقل من الافغان ، وأخيرا نحو 10 صينيين. وللمناسبة أقول أن جميع القوميات تساوت هنا باللباس العام الذي يرتديه الحجاج ـ ثوب الأحرام.
إن الحادثة التالية قد تعطي فكرة عن كبر المخيم. راح أحد المسلمين الروس يتنزه في المخيم فأضاع مكان خيمته. وحين كان يسأل عن كيف يجد جماعته ، كانوا يسألونه من أي بلد جاء. وهذا لأنه بوسع المرء ، إذا عرف وطن السائل ، أن يخمن القافلة التي وصل معها والمكان الذي توقفت فيه. ولكن هذا الساذج لم يخطر في باله أن يجيب عن جميع الأسئلة انه «قازانلي أي قازاني» ، من قازان ، وكان يجيب انه «بوغولمي» ، دون أن يخطر في باله أن عدد قليلا جدّا من الناس ، لا في الجزيرة العربية وحسب ، بل أيضا في روسيا أغلب الظن ، سمعوا بوجود بلدة بوغولما الصغيرة في محافظة سامارا .. ولذا لم يستطع أن يتلقى جوابا من أحد على أسئلته ، وأمضى أكثر من نصف اليوم في البحث ؛ ونحو المساء فقط وصل بالصدفة إلى خيام مواطنيه.
طوال ليلة الحادي عشر إلى الثاني عشر من حزيران (يونيو) صدحت الموسيقى في مخيم الحجاج ، وشعت الألعاب النارية والصواريخ ودوت طلقات المدافع بين الفينة والفينة. كانت هناك ثلاثة مدافع. وأحد في قافلتنا ، والثاني في القافلة المصرية ، والثالث في القافلة المكية.
اليوم الثاني ، يوم عرفات ، بدأ بإلقاء موعظة دامت حتى الساعة الرابعة قريبا من بعد الظهر. وقد ألى الموعظة إمام معين خصيصا ، وصعد إلى الجبل على جمل أبيض وتوقف على بعد بضعة ساجينات من

العمود الحجري المنصوب على الجبل. لم أعرف مضمون الموعظة بسبب الضجة المحتمة في مثل هذا الحشد الجمّ من الناس ، وبسبب بعد الامام [...].
عند الظهر تكشفت بين الحجاج إصابات مرض. كان المرضى الأوائل من عداد اليمنيين ؛ وبعد بضع ساعات ، سرت في المخيم بسرعة البرق إشاعة عن حالات وفاة. تكدّر الجميع ، ولكن خضوع المسلمين لمشيئة الله كان له الغلبة. فلم يخالف النظام العادي للاحتفال بالعيد العظيم والنادر إلى أقصى حد بالنسبة للاغلبية الساحقة. وعدا ذلك ، لقي الجميع العزاء من الإيمان في أن من أمضى الليل في عرفات قد لقي الغفران عن جميع الخطايا التي اقترفها قبل ذاك.
قبل غياب الشمس بدأ جميع الحجاج ، باستثناء الشيعيين ، يتجمعون للرحيل ؛ وحين دوت طلقة المدفع أطلق جميع الحجاج ، وعددهم نصف مليون شخص ، هتافا مدويا بالتشيد ، وانطلقوا بلا نظام في طريق مكة إلى وادي منى.
كان الجمع في منتهى التنوع. مضى البعض سيرا على الأقدام ، ومضى بعض آخر على ظهور الحمير أو على ظهور الجمال ، ومضى بعض ثالث في شقادف بسيطة ، وبعض رابع في تختروانات مزينة بسخاء وغنى ؛ وبعض خامس على أحصنة بديعة وحتى في عربات مطلية بالذهب.
وعلى بعد قرابة عشرة فرستات عن عرفات ، توقف الجميع لبضع ساعات في وادي المزدلفة حيث تلاقى آدم مع حواء ، كما تقول الأسطورة ، بعد طردهما من الجنة ، وحيث قضيا الليلة الأولى. يقع الوادي بين الجبال. وهنا توجد بلدة صغيرة ، ويوجد مسجد محاط بحائط. بعد إداء صلاة المساء وصلاة الفجر ، واصلنا السير عند الفجر علما بأن كلا من الحجاج اختار لنفسه عددا معينا من الأحجار الصغيرة.

وعلى بعد بضعة فرستات من المزدلفة تقع بلدة منى الصغيرة جدّا في واد بالاسم نفسه. هذا الوادي يحفل بالذكريات ؛ والمؤرخون المسلمون يذكرونه غير مرة. هنا ، كما يقال ، كان قبر آدم ، وهنا قدم قايين وهابيل الأضاحي ، وهنا ولدت هاجر أبنها إسماعيل في أحد الكهوف ، وهنا أراد إبراهيم أن يضحي بابنه ، ولكن الشيطان المتجسد بصورة شيخ مسن حال دون ذلك ، ولذا أخد البطريرك إبراهيم يرجمه بالحجارة. وهنا أخيرا أغرى الشيطان نفسه إسماعيل على الانتحار ، وقطع الطريق ثلاث مرات أمام إبراهيم وإسماعيل حين عادا من عرفات إلى مكة بعد أداء فريضة الحج ، الأمر الذي كان لا بد من أن يجازي عليه ؛ فإن النبيين ـ الأب والأبن ـ أخذا يرجمانه بالحجارة. ثم ، كما تقول الأسطورة ، راح إسماعيل طوعا واختيارا إلى المكان الذي كان يجب أن يضحي به فيه ولكن الشيطان إغراه ثلاث مرات محاولا أن يصرفه عن إطاعة والده وعن عزمه على التضحية بنفسه. ومكان كل من لقاءات إسماعيل الثلاثة هذه مع الشيطان معلّم بعمود حجري يرميه الحجاج (في غضون الأيام الثلاثة من الإقامة في منى) بالاحجار المجلوبة من المزدلفة تذكيرا بأن إسماعيل رد على إغراء الشيطان برميه بالاحجار (1).
في وادي منى توقفت قافلة الحجاج بأسرها لمدة ثلاثة أيام ، ما عدا الشيعيين الذين بقوا في عرفات ، وكانت تلك أكبر وقفة. هبت «السموم» ارتفعت الحرارة من 27 درجة بمقياس ريومور إلى 35 درجة في الظل بسرعة بالغة.
الوادي ـ والأصح القول ـ الفج ضيق جدّا ، ولذا تلامست خيام الحجاج المنصوبة وتماست تقريبا إحداها بالأخرى. والصخور العارية
__________________
(*) يضرب الحجاج الشيطان كما يلي. يضع الحاج حجرا صغيرا على ظفر ابهام اليد اليسرى وينقفه بأصابع اليد اليمنى.

التي تطوق الوادي والتي تسخنها الشمس حولته حقا وفعلا إلى فرن هائل مشددة القيظ الذي لا يطاق وكتمة الهواء الخانقة فوق ما هما عليه من شدة. وازداد عدد المرضى وازداد عدد الموتى.
وكان اليوم التالي يوم تقديم الأضاحي (1).
صحيح أن تقديم الأضاحي هو بمثابة العمل الأخير في جميع أعياد الحج ، وصحيح انه كان ينبغي على القافلة أن تعود إلى مكة في اليوم الثالث ، عند غياب الشمس ، ولكن هذه المرة اجيزت مخالفة النظام العادي بسبب تزايد عدد الوفيات أكثر فأكثر ، ولذا عدنا إلى مكة بعد يوم من الموعد ، وذلك في 15 حزيران (يونيو).
لا بد من الإشارة إلى أن القيظ الذي لا يطاق في وادي منى كانت له جوانب طيبة أيضا. فإن التجمع الهائل من الناس والحيوانات في واد عميق ضيق وكثرة النفايات بعد الذبح كان لا بد لهما أن يتسببا ، في أوضاع أخرى ، بنتانة رهيبة ، الأمر الذي لم يحدث هنا ؛ فإن شمس الجزيرة العربية قد ادت واجبات الوقاية الصحية بشكل ممتاز ؛ إذ أن جميع النفايات قد جفت آنيا وفقدت القدرة على نشر النتانة والروائح الكريهة في الهواء ...
من مجموعة المسلمين الروس الذين جاؤوا مع قافلة دمشق ، وعددهم 42 ، وصل أربعة إلى مكة مرضى ، ومات ثلاثة منهم في اليوم نفسه متضورين في آلام رهيبة من التشنجات. ثم أخذت تتوارد معلومات عن الجديد والجديد من الإصابات والوفيات بين الحجاج من المسلمين الروس.
علاوة على الظروف المناخية ، يشكل خطرا كبيرا على القادمين إلى
__________________
(*) يضحى الحجاج بشتى الحيوانات ولكن على الأغلب بالغنم. علما بانه يجب أن يكون الحيوان خاليا من أية نواقص بدنية وسليما تماما.

مكة لحم الأغنام المحلية الذي هو لذيذ جدّا ، والحق يقال ، ولكنه يثير اختلالا شديدا في المعدة. ومرد ذلك ، كما يقولون ، إلى أن الأغنام تأكل ما يسمى العشب المكي (السنا المكي) أي الورقة الاسكندري. هذه النبتة ، كما هو معلوم ، تملك خاصية مسهّلة. وللحيلولة دون التأثير المضر للحم المحلي في الجسم ينصحون بتقطيعه قطعا صغيرة وقليه أو شويه ، قبل طبخه ، ثم باستعماله في الطعام. وإن الحساء من هذا اللحم والمآكل الأخرى منه لم تمارس بالفعل تاثيرا ضارا في المعدة في حال تناولها باعتدال.
تجلى المرض بالضعف العام ، والسهال ، والقيء ، والتشنج. وكان الموت يحل بعد ساعتين أو ثلاث. ولي كثرة من المبررات للقول أن هذا المرض هو الكوليرا الاسيوية الحقيقية(1).
أخذ القيظ يشتد يوما بعد يوم ؛ كذلك ازداد عدد الوفيات ، ولذا أسرع الجميع إلى مغادرة المدينة بخير وسلامة [...].
بعد العودة من منى إلى مكة اشترينا في اليوم التالي بعض الأشياء ثم اغتسلنا بعد الظهر بماء زمزم ، وقمنا بطواف الوداع ، وقبّلنا للمرة الأخيرة الحجر الأسود ، وعتبة بيت الله ، وكسوته ، وادينا الصلاة ، وخرجنا من المسجد ناظرين إلى بيت الله حتى توارى عن أنظارنا.
عند غياب الشمس انطلقت مع واحد من رفاقنا وبرفقة ثلاثة من العرب إلى جدّة لكي نركب الباخرة هناك ونسافر إلى وطننا روسيا. رحت راكبا على بغل ؛ وبما أننا قطعنا المسافة كلها بين المدينتين (70 فرستا) في الليل ، فاني لم أر شيئا عدا المسافرين في الاتجاه المعاكس ، المنطلقين مجموعات على الحمير بضجة وضوضاء بين الفينة والفينة.
__________________
(*) الكوليرا في الحجاز ظاهرة عادية تحل سنويّا.

في الصباح الباكر وصلنا إلى جدّة. تقع مدينة جدّة على ساحل البحر الأحمر ، وهي مرفأ لمدينة مكة ، كما أنها أكبر مركز تجاري في منطقة الحجاز كلها. والنشاط في المدينة كبير نسبيّا. وهنا توجد قنصليات الدول الأوروبية ، بما فيها القنصلية الروسية. شغل السكان الرئيسي صيد المرجان وعلى الأغلب المرجان الأسود.
وقرب المدينة يدلون على قبر جدة جميع الكائنات البشرية ، حواء ؛ طول القبر زهاء 60 ارشينا. في وسطه ينتصب مسجد يؤدي فيه الزوار الصلاة. وفي المقبرة نفسها ، دفن ، في عداد من دفنوا ، القنصل الروسي الأول في جدّة ، المستشار الحكومي الفعلي إبراهيموف (تتري من تركستان).
وقد توفي بصورة مأساوية في الطريق بين جدّة ومكة من الكوليرا في السنة الأولى بالذات من تعيينه ، سنة 1892. ويقال أن المرحوم كان قنصلا متحمسا وهماما يحرص على مصالح مواطنيه الحجاج ، المسلمين الروس.
كان القنصل الروسي الكسندر دمترييفيتش ليفيتسكي لطيفا إلى حد انه عرض بسرور النزول في شقته ، رغم أننا جئنا من محلة عصف فيها مرض لم تكن خواصه معيّنة بعد بدقة ، وسموه بالكوليرا في جدّة نظرا لعدد الوفيات الهائل.
اغتنمنا ضيافة القنصل الروسي ، واقمنا هنا ثلاثة أيام بانتظار رفاقنا الذين بقوا في مكة وبانتظار اقلاع أولى البواخر بالحجاج. وبين أولى البواخر التي أقلعت ، كانت الباخرة «عبد القدير» ؛ وقد ركبنا فيها مع الركاب الآخرين وأغلبهم من الترك والمسلمين الروس واهل البوسنيا. وفيها سافر أيضا الصينيون العائدون من مكة. وقد جاؤوا إلى مكة عبر الهند ؛ أما الآن فقد اختاروا طريقا آخر لكي يشاهدوا القسطنطينية ؛ ولكن هذا الفضول كلفهم غاليا بسبب الحجر الصحي. أقلعنا من جدّة في 21

حزيران (يوينو) وتوقفنا قرب جبال سيناء على بعد 12 ساعة في الطريق من مدينة السويس وبداية قناة السويس.
وقد تبين أن اختيار الباخرة «عبد القدير» لم يكن موفقا ؛ فقد صعد إلى متنها زهاء الفي راكب أي ما يوازي ضعفي ما يصح لها من حيث حجمها. ناهيك بانهم قبلوهم على متنها دون أي تميز ، سواء منهم الأصحاء أم المرضى الذين رفضت البواخر الأخرى قبولهم. وسرعان ما تكشفت عواقب ذلك ؛ فقد كان الضيق شديدا إلى حد أن ركاب الدرجة الثالثة كانوا ممددين حقا وفعلا مثل السمك في برميل ، بل أن كثيرين منهم حتى انولوهم في العنبر الذي نعته الركاب بجهنم نظرا للقيظ وكتمة الهواء اللذين لا يطاقان فيه. وبما انهم قبلوا على الباخرة ركابا مرضى ، فسرعان ما ظهرت الوفيات أثناء السفر من جدّة إلى سيناء رموا في البحر 25 جثة ببركاب الموتى.
وقرب سيناء وجدنا أربع بواخر موقوفة بسبب الحجر الصحي. وكانوا قد انزلوا ركابها إلى الساحل ووزعوهم في الخيام بحيث أن ركاب كل باخرة شكلوا جماعة منفردة ، معزولة تماما عن الجماعات الأخرى ، علما بأن حراسا مسلحين كانوا يحافظون على هذه العزلة. أما نحن ، فقد بقينا طوال وقت الحجر الصحي على الباخرة ، ولم نشعر نحن شخصيا بمنغصات هذا الحجر الصحي [...].
كان للمحجر الصحي مستشفى ولكن المرضى راحوا إليه بأقصى المضض والنزعاج لأن الأطباء والخدم فيه عرب لا يفهمون لغات المرضى. وأثناء الحجر الصحي كان اليهود يستجلبون من مصر المأكولات ويبيعونها باسعار رابحة جدّا بالنسبة لهم : سعر رطل اللحم 40 كوبيكا ، سعر الدجاجة روبل و 20 كوبيكا وأغلى ، بينما سعر رطل اللحم في السويس ، على بعد 12 ساعة في الطريق 10 كوبيكات فقط ، وبينما شتى أصناف الدواجن ـ الدجاج ، الأرانب ، الحمام ـ إلّا أن

الطعام كان مؤمنا للمعدمين ، والحق يقال ، على حساب الحكومة التركية.
اثر باخرتنا «عبد القدير» أخذت تتوافد بواخر أخرى وتتوقف كذلك للتقيد بالحجر الصحي. نحو اليوم الخامس عشر من التوقف قرب جبال سيناء ، تجمعت 25 باخرة. وفي هذه الأثناء ، سمحوا للبواخر التي وصلت قبل «عبد القدير» بالسفر ثم بدأت تقلع شيئا فشيئا البواخر التي وصلت بعدها ، ولكن اعتبروا أنها خضعت للحجر الصحي. ومحل البواخر التي اقلعت ، حلت بواخر جديدة ، ولذا وصلت أثناء توقفنا قرب جبال سيناء قرابة أربعين باخرة حاملة الحجاج العائدين من مكة.
وبالنسبة لنا نحن ركاب «عبد القدير» دام الحجر الصحي 33 يوما ؛ وفي 25 تموز (يوليو) فقط أعلن أن بوسع الباخرة أن تستأنف سفرها. نقلوا الركاب من الساحل بالزوارق إلى الباخرة. ولكن نقلوا معهم زهاء 60 مريضا بقوا من البواخر الأخرى. أكان هذا سوء استعمال للوظائف أم مجرد نقص في القيام بها؟ على كل حال كان من الغريب أن يبقونا في الحجر الصحي 33 يوما وأن ينتهي هذا الحجر الصحي بضم مرضى من بواخر أخرى إلينا من جديد. وبالطبع ، ما لبثت النتائج أن ظهرت ؛ فبعد يوم ، كانت على «عبد القدير» خمس جثث.
في 26 تموز (يوليو) مساء ، أقلعت «عبد القدير» ، وفي صباح اليوم التالي اقتربت من مدخل قناة السويس. وهنا صعد إلى الباخرة أعضاء اللجنة الصحية الدولية ، وفحصوا المرضى وتحققوا من عدد الركاب ، ثم دخلت الباخرة قناة السويس التي هي عبارة عن شريط مائي ضيق بين ضفتين رمليتين منخفضتين. والقناة ضيقة إلى حد انه لا يمكن لباخرتين أن تتلاقيا ، بل يجب أن تنتظر احداهما الأخرى في أمكنة معينة أوسع.
مضينا في القناة يوما بكامله بحراسة باخرة صغيرة وحرس مسلح

من على ضفتي القناة. وأثناء عبور القناة ، تلاقينا مع باخرة حربية فرنسية وباخرة حربية أخرى ، إنجليزية. وكان على متن الباخرة الأخيرة طلاب عسكرية في رحلة تدريبية.
في 28 تموز (يوليو) ، نقلوا جثث الركاب الموتى إلى الباخرة الصحية لأجل دفنها ، وذلك أثناء المرور بمحاذاة الإسماعيلية. وفي مساء اليوم ذاته تجاوزنا بور سعيد ودخلنا البحر الأبيض المتوسط ، المر الذي تجلى فورا سواء في تغير الهواء أم في منظر نبات السواحل الذي لم نره قبل ذاك ولو مرة واجدة طوال سفرنا على الباخرة «عبد القدير».
انعطفنا إلى الشرق وخلفنا إلى اليمين مدينة يافا ومدينة صيدا ؛ وفي 30 تموز (يوليو) مساء وصلنا إلى بيروت. في اليوم التالي جاء إلى الباخرة ترجمان من القنصلية العامة الروسية في بيروت وأعلمنا انه اعد لنا على الساحل مبنى نظيف يجب قضاء مدة الحجر الصحي فيه. أمضينا ذلك اليوم كله على الباخرة. وفي الصباح التالي (في أول آب ـ أغسطس) نقلونا إلى مخيم المحجر الصحي.
وفي بيروت كيفوا للحجر الصحي ثكنات قديمة تشغل مساحة كبيرة جدّا ، يحيط بها من ثلاثة جوانب سور حجري ، ومن الجانب الرابع البحر. وضمن هذه الرقعة ، توجد بضعة إنشاءات حجرية. في واحد منها مكيف بهذا القدر أو ذاك للسكن ، كان يعيش الدكتور العامل في المحجر الصحي. وهنا أيضا خصصوا غرفة لنا. وكل مساحة المخيم مقسمة في داخله بحواجز من الشعريات إلى ثلاثة أقسام لكي لا يتصل ويتعاشر ركاب باخرة مع ركاب البواخر الأخرى.
والمحجر الصحي مزود بوفرة من الماء النقي الممتاز ؛ وفي داخله تنتصب الأشجار. ومن حيث الظروف الطبيعية ، يمكن على العموم نعت المحجر الصحي في بيروت بانه مرض ، ولكن الترتيب والنظام كانا في منتهى القباحة. فقد انزلوا ركاب الباخرة «عبد القدير» وعددهم أكثر من

1300 شخص ، في أحد أقسام المحجر الصحي ، ولم يكن من الممكن بالطبع أن تتسع لهم جميعا الإنشاءات الحجرية المتواجدة في هذا القسم ، ناهيك بأن عدد الخيام كان قليلا ، ولذا تأتي لعدد كبير جدّا من الركاب أن يتحملوا الحجر الصحي في الهواء الطلق.
كان الطبيب واحدا لكل هذا الجمع من سكان المحجر الصحي وعددهم ألف وخمسمئة تقريبا ؛ وكان بدون معاونين وبدون ممرضين ، ناهيك بانه لم يكن يفهم أي لغة من لغات الشعوب التي كان أبناؤها من عداد ركاب «عبد القدير». كذلك الخدم الصحيون كانوا لا يعرفون اية لغة عدا اللغة العربية. وبوسع القارئ أن يتصور إلى أي حد مؤسف كان وضع أولئك الذين كان من سوء حظهم أن ينزلوا في مستشفى لا يمكنهم فيه حتى أن يطلبوا الماء من الخدم الذين لا يفهمون لغاتهم.
كان المستشفى على مقربة من الإنشاءات السكنية. كانوا يغسلون جثث الموتى كيفما اتفق قرب الأبواب بالذات تحت نوافذ الإنشاءات السكنية. وكانت المرحيض ، غير المنظفة أبدا على ما يبدو تنشر رائحة كريهة رهيبة. وكان التطهير يجري بصورى سيئة للغاية. وزيادة في الطين بلة ، لم يكن المستشفى مجهزا حتى بالأسرّة وكان المرضى ينامون مباشرة على الأرضية.
بفضل القنصل الروسي المرحوم ك. د. بياتكوفيتش وتدخله الحازم ، بعد أن أبلغناه عن أوضاع المحجر الصحي ، أخذت هذه الأوضاع تتغير نحو الأحسن. فقد زودوا المحجر الصحي بعدد كاف من الخيام ، واتخذوا التدابير لحفظ النظافة ولإزالة النتانة السائدة. ونقلوا المستشفى إلى عمارة واقعة بعيدا عن الإنشاءات السكنية والخيام. وظهرت الأسرّة ، ولذا لم يعد المرضى ينامون على الأرضية. ومن جراء ذلك قل عدد الوفيات في المستشفى. في الآونة الأولى بلغت الوفيات 100% ، ولذا أخذ سكان المحجر الصحي يسمون المستشفى ، لا

«كاستاخانة» بل «كاسابخانة» (1) ؛ وكل من كان يدخله كانوا يعبرونع على كل حال ميتا. وعندما أخذ بعض المرضى يشفون بعد تحسين الخدمة الصحية في المحجر الصحي ، تعجب الجميع من ذلك بوصفه ظاهرة غير عادية.
كذلك وقعت حوادث طريفة. كان معنا اثنان من تتر القرم. مرض أحدهما فوضعوه في المستشفى. وبما أن رفيقه كان على يقين بانه لا مخرج من المستشفى غير مخرج واحد هو الطريق إلى القبر ، وبما انه افترض أن رفيقه لم يعد بحاجة إلى أمواله ، فقد أقام ضربا من بيع بالمزاد العلني وباع كل امتعته ؛ ولكن المريض ، لما فيه دهشة رفيقه ، شفي بعد 13 يوما وخرج من المستشفى ووجد أن كل امتعته انتقلت إلى أناس آخرين ، وبقي بدون أي لباس تقريبا.
ويوما بعد يوم أخذ يتزايد عدد الذين يشفون ، ويقل عدد الذين يمرضون ، وأخيرا اعتبروا أن الحال الصحية العامة لركاب «عبد القدير» مرضية تماما ، فاطلقوا سراحنا من المحجر الصحي. وإجمالا بقينا في المحجر الصحي في بيروت 43 يوما. وعلى امتداد كل هذه الحقبة من الزمن كان المعدمون يحصلون على الطعام مجانا ، وأن يكن شحيحا جدّا : في اليوم رغيفان صغيران من عجين القمح وقطعة متناهية الصغر من الجبنة المالحة جدّا.
أقلعت الباخرة السيئة الحظ «عبد القدير» من بيروت في 15 أيلول (سبتمبر) ، وكان لا بد لها أن تخضع في اورله ، بجوار أزمير ، لحجر صحي آخر مدته يومان. وهنا انزلت قسما من ركابها ، قرابة خمسمئة شخص ، ثم تابعت سفرها. وفي الدردنيل جرى فحص الركاب ، الأمر الذي تسبب بوقفة غير طويلة. وأخيرا ، بعد كثرة من المحن ، وصلنا في
__________________
(*) كاستاخانة» تعني مستشفى. «كاسابخانة» تعني مسلخ.

20 أيلول إلى القسطنطينية. وهنا استقبلنا على متن الباخرة موظف السفارة ، السيد ياكوفليف ، ومعه نزلنا إلى الساحل.
زرنا في القسطنطينية أقاربنا المقيمين هنا من زمان بعيد واقمنا عندهم أسبوعا. وفي 27 أيلول اقلعنا إلى أوديسا وفي أول تشرين الأول (اكتوبر) نزلنا في أرض الوطن ؛ وبعد أسبوع كنت في اوفا ، في بيتي ، بين أهلي وأقاربي واصدقائي ومعارفي (1).
__________________
(*) مكتبة لينينغراد لمعهد الاستشراق لدى أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفييتي.84 B / 5533 النص باللغة الروسية أصدرته في سنة 1916 في موسكو الجمعية الامبراطورية لهواة العلوم الطبيعية والانتروبولوجيا والاتنوغرافيا.

مكة مدينة المسلمين المقدسة
مقتطفات من ذكريات الحاج عيشايف
الفصل الأول
مدينة جدّة
في سنة 1895 خدمت في مدينة جدّة الواقعة على ساحل البحر الأحمر ، في منطقة من الجزيرة العربية ، أسمها الحجاز. جدّة مدينة كبيرة نسبيّا ، والنقطة التجارية الرئيسية في الحجاز. في مكلّئها غالبا ما ترسو البواخر والسفن التي تقيم الإتصالات بين أوروبا وبين افريقيا الشرقية وايران الجنوبية والهند والشرق القصى. عبر جدّة تتحرك كذلك إلى مكة جماهير الحجاج المسلمين القادمين من مختلف البلدان على السفن والبواخر. وفي جدّة ينزلون ويسافرون برا إلى مكة التي يفصلها عن جدّة ما لا يزيد عن سبعين فرستا. ولحماية مصالح الحجاج توجد في جدّة قنصليات من الدول الأوروبية التي عندها رعايا مسلمون ؛ وفي عداد القنصليات القنصلية الروسية التي خدمت فيها [...].
على الصعيد الإداري والعسكري يدير جدّة معاون محافظ مكة ، القائمقام. وفي المدينة ترابط حامية تركية من 500 فرد وتوجد بضعة مدافع. ولسكن الجنود توجد ثكنتان ، أحداهما تقع على ساحل البحر ، قرب المكان الذي ينزل فيه الحجاج منالبواخر ، الأخرى قرب قبر حواء.

لا وجود في المدينة لطرائف خاصة ، ما عدا قبر حواء الواقع خارج المدينة ، وسط مقبرة كبيرة. لمدفن أم البشر أجمعين نحو 60 أرشينا بالطول ؛ في مقدمة القبر (أي في موضع الرأس في القبر) يوجد ضرب الآخر من صفيحة من المرمر عليها كتابات عربية ؛ وتنتصب نخلة. في الطرف الآخر من القبر تنمو شجيرات ما. فوق وسط المدفن يوجد بناءان تحت سقف واحد ، أحدهما يعتبرونه مسجدا ، وفي الثاني يوجد مدفن يتوافد إليه الحجاج ويلثمونه. قرب المدخل ، يوجد ، في الخارج ، خزان محفور في صخرة كبيرة يشبه الجرن الذي تشرب منه الخيول. وفي الخزان يصبون الماء ويعتبرونه زمزم حواء. وهنا يعيش عدد عديد من الشيوخ ، وعدد أكبر من النساء والأولاد الفقراء ؛ وهؤلاء يجمعون الحسنات من الحجاج الذين يتوافدون لأداء الشعائر الدينية.
مدفن حواء ، كما سبق أن قلنا ، تحيط به مقبرة دفن فيها ، مثلا ، القنصل الروسي الأول في جدّة المستشار الحكومي الفعلي شاهيمردان ميرياسوفيتش إبراهيموف الذي توفي من الكوليرا في العام الأول بالذات من تعيينه (عام 1892). وعلى مدفنه حجر عليه كتابة بالروسية والعربية نصبه القنصل الذي خلفه ، السيد ليفيتسكي.
وبما أن المرحوم إبراهيموف كان معروفا جدّا في تركستان وعموما في آسيا الوسط حيث خدم زمنا طويلا ، فاني أرى انه ليس من النافل أن اسوق معلومات جمعتها من بعض الأفراد عن وفاته ، خصوصا وأنها تصح عموما على وضع الحجاج في زمن الأوبئة من حيث عجزهم التام عن تدبير سبيل للاتصال بين جدّة ومكة ، ومن حيث نقص الاهتمام والعناية بهم من جانب العرب المحليين والحكومة التركية.
وبما أن إبراهيموف كان يعيش على مقربة من مكة ، فقد كان ملزما ، بوصفه مسلما ، أن يقوم في السنة الأولى بالذات بالحج إليها ، أي برحلة دينية لأجل السجود للمقدسات الإسلامية. ولسوء حظه نشب في

ذلك العام وباء الكوليرا شديد ، تأجج أواره بخاصة في مكة في «يوم عرفات» ـ أي في ذلك اليوم الذي يمضي فيه الحجاج ، بموجب نظام إداء شعائر الحج ، إلى وادي عرفات الواقع على بعد 20 فرستا من مكة. وخاف المسكين إبراهيموف خوفا شديدا وتوجه رأسا من عرفات إلى مكة بدون توقف. وهنا مرضت زوجة القنصل ، أما الكوليرا وأما من الأرهاق أثناء الحرك السريع من عرفات. ترك إبراهيموف زوجته في مكة ، ومضى إلى جدّة مع فارسين (خادمين) ومع أحد التركستانيين ومعهم مضى أيضا طبيب مصري. وعند الرحيل كانوا جميعا بخير الصحة والعافية ، ومضوا ركوبا مع قافلة. في المقهى الأول بالذات توقفوا للاستراحة. احتسوا القهوة والشاي واكلوا. وتابعوا السير ، وما كادوا يقطعون بضع مئات من الساجينات حتى أصيب إبراهيموف فجأة باختلال في المعدة ، إذ أصابه اسهال دموي قوي. انزله الخادمان عن السرج ووضعوه أرضا. بدأ الطبيب يدلكه وعرض عليه تناول دواء ، ولكن المريض رفض قطعا.
شعر إبراهيموف باقصى الضعف ، فامر بوضعه على تختروان أي على مسند خاص مصنوع من عارضتين ممددتين على بغلين أو على جملين. البون بين العارضتين يجدلونه بحبال مثلما يفعلون في اسرّة السرتيين. وعلى التختروان يمكن الجلوس والتمدد أثناء السير بصورة مريحة نوعا ما. وضعوا المريض وتابعوا السفر. بعد بعض الوقت ، أمر الطبيب أحد الخادمين بمعاينة المريض وجس جسده. قال الخادم أن جسد المريض قد برد. أسرع الطبيب إلى الأمام وقال انه سينتظر في المقهى التالي ولكن لن تقع عليه العين فيما بعد. فقد راح إلى جدّة تاركا المريض المحتضر في يد القضاء والقدر. مات إبراهيموف قبل الوصول إلى محطة حدة. نقلوا جثمانه إلى جدّة ، حيث دفنوه قرب مدفن حواء.
وعن سبب موت إبراهيموف تنتشر شائعة أخرى لن أرويها أنا لأني لا املك أية مستندات.

إن المرحوم إبراهيموف كان يؤدي واجباته القنصلية ، كما يقولون ، بغيرة حماسة ، وكان يصرّف الأمور بهمة وحزم ؛ ولذا يتذكره بالسوء حتى الآن شتى الادلة والوكلاء ، أي تركستانيونا الذين يأخذون في جدّة من الحجاج السذج ، السريعي التصديق ، النقود لأجل صيانتها وحفظها أثناء سفر الحجاج إلى مكة ؛ وكذلك على العموم جميع الانذال الذين لا يعيشون إلا من نهب الحجاج واستثمارهم بكل الوسائل. وقد حاول إبراهيموف ، بوصفه قنصلا روسيا ، أن يحمي مواطنيه من هذا الجراد الذي ينقض عليهم في الحجاز ، وكان على العموم يساعدهم بقدر الإمكان. تجدر الإشارة إلى أن السياسة الإسلامية في الحجاز تبدو في الظاهر بسيطة وساذجة جدّا ، ولكنها في الواقع معقدة وداهية جدّا. أما قنصليتنا في جدّة ، فهي مؤسسة حديثة جدّا ، وضمانتها ضعيفة جدّا ، الأمر الذي يتضح ، مثلا ، من هجوم العرب على قناصل الدول المسيحية في جدّة سنة 1895. وعلى القنصل الأوروبي أن يكون هنا محترسا خارق الاحتراس [...].
الفصل الثاني
من جدّة إلى محطة حدّة
[...] في 30 نيسان (ابريل) حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر ، انتظرتنا قافلتنا ماوراء البوابة المكية في جدّة ، قرب المقهى الأخير الواقع غير بعيد عن البوابة. رحت مع العائلة. وقد رافقنا إلى المقهى : مدير أعمال قنصلية امبراطورية روسيا في مدينة جدّة ، والسيد الفائق الطيبة غ.
ف. براندت والسكرتير ف. ف. نيكيتنيكوف ، وكذلك كثيرون من التركستانيين القاطنين في مدينة جدّة. قرب القافلة تقدم منى سواق الجمال والجندي التركي رئيس الخفر[...].
وبما أن القافلة لم تكن جاهزة للرحيل ، فقد رحنا إلى المقهى. كنا

جميعا مرتدين بدلات أوروبية صيفية خفيفة ؛ كان السيد براندت في سدارة روسية بيضاء ، والسيد نيكيتنيكوف في قبعة من القش ، وأنا في طربوش تركي. البدلة الأوروبية هنا ليست على العموم بالأمر النادر. ولا تبهر عيون السكان المحليين بالجدة والغرابة ، ولكن عمرة الرأس ، الطربوش ، هو العلامة المميزة المعترف بها عموما على التبعية التركية. صحيح أني كنت في عداد الأجانب ، ولكن كانوا يعرفونني هنا كمؤمن ، من أبناء الدين نفسه ؛ والأتراك لا يحترمون المسلمين الذين يرتدون على الرأس عمرة ما غير الطربوش. وحين كنت في القسطنطينية وكنت أذهب إلى القنصلية أو إلى السفارة لابسا القبعة ، رآني الأتراك الذين يتلاقون معي في الشارع واشاروا غير مرة إلى عدم لياقة عمرة رأسي ، الأمر الذي اضطررت إلى التقيد به مع ذلك نزولا على رغبة سفيرنا السيد نليدوف الذي نفر من الطربوش. وحين وصلت إلى الحجاز ، اضطررت تحاشيا لملامات الأتراك والعرب ، إلى لبس الطربوش ، رغم كل نفوري منه لأني كنت قد اعتدت على القبعة ، وهي عمرة رأس انسب وأسهل ، وبخاصة في الوقت الحار [...].
الفصل الثالث
محطة حدّة والوصول إلى مدينة مكة
في صباح الأول من أيار (مايو) وصلت قافلتنا نحو الساعة السابعة إلى محطة حدّة ، حيث توقفت للاستراحة ليوم بكامله.
هنا استقبلنا كبير الأدلة المكيين محمد علي سروجي مع تلامذته. وهنا الاحظ أن الأدلة هم قادة الحجاج أثناء قيامهم بالحج ، وعن الأدلة سأتحدث بمزيد من التفصيل فيما بعد. ـ جلب لنا محمد على من مكة الكثير من ماء نبع زمزم المقدس واعد غدا من بضعة مآكل واهدى الأولاد بيضات مصبوغة وشتى الحلويات. وقد تبين انه كان يعرف ، قبل

رحيلي من طشقند ، عن سفري للخدمة في جدّة ، ومن جدّة تلقى خبرا عن سفري إلى مكة ، فراح إلى لقائي ، واستقبلنا هنا بكل مودة وترحاب. وفي الغداء روى الكثير من الأخبار [...] وقد أعرب ، فيما أعرب ، عن استيائه من شريف مكة وكذلك من القنصل الروسي السابق في جدّة ، شاهيماردان إبراهيموف. ومحمد علي عربي أصيل ، عمره أكثر من 60 سنة ، ويعرف اللغة التركية ؛ وهو على العموم شيخ محترم جدّا وكثير الكلام. منذ نحو عشرين سنة كان في روسيا ؛ وهو الآن يعمل دليلا لجميع التتر والقرغيز من امبراطورية روسيا ، حاصلا منهم على دخل عن القيادة في اداء فرائض الحج أثناء زيارتهم لمكة. وهو يحظى بين التتر والقرغيز بكبير الاحترام ، ولا يعرف من يأتون هنا لأجل أداء فريضة الحج وحسب ، بل يعرف أيضا جميع التجار والأغنياء المعروفين من التتر ، وكذلك الايشانات والملّات القاطنين في المدن الروسية والسهوب القرغيزية. وعفو الخاطر دهشت لمعرفته الشاسعة هذه عن روسيا وتركستان. فانا ، المقيم في تركستان ، لا أعرف الكثيرين من التتر المحليين ، بينما هو يعرف الجميع. ولكن كان من السهل تفسير ذلك ، فيما بعد ، لكون محمد علي يملك مجلدات كبيرة بقوائم المسلمين الروس. وهو يتراسل مع كثيرين منهم وأحيانا يرسل مع الحجاج العائدين إلى روسيا تلامذته لأجل جمع التبرعات.
تقع محطة حدّة في وسط الطريق بين جدّة ومكة. وهي تتألف من بضع منشآت شاسعة مبنية من احجار غير منحوتة مشدودة بالاسمنت. الحوش مسيج بسياج من الحطب القشاش. وفي الحوش ، بمحاذاة السياج ، توجد كثرة من الأكواخ المصنوعة من المادة ذاتها. وفيها يتوقف عادة الحجاج متسترين من أشعة الشمس الحارقة. إلى يسار الحوش الرئيسي يوجد حوش آخر مماثل تماما ولكنه أصغر. وفي عداد المنشآت الأخرى توجد مشأة من غرفة واحدة مع قاعة انتظار ومع حوش

بقربها. وهي معدة لأجل الحجاج الأغنياء المسافرين مع عائلاتهم ، وهي تؤجر عادة لقاء مبلغ كبير من النقود ، وبخاصة إذا كان بين القادمين مع القافلة موظفون وأغنياء اتراك. وبما انه يتعين على القادمين إلى الحج أن يمكثوا في حدّة يوما بكامله فإن هؤلاء لا يضنون ، عادة ، بالنقود في الصيف ، في القظ الرهيب ، لأجل النزول في هذه المنشأة ، فينقذون بذلك حياتهم وصحتهم. القيظ الرهيب ، لأجل النزل في هذه المنشأة وفينقذون بذلك حياتهم وصحتهم. القيظ في هذه الصحراء العارية ، الخالية من الماء يكون أحيانا رهيبا حقا وفعلا مهددا الانسان غير المتعود بضربة شمس وعلى العمو مباختلال واستضعاف الجسم. في طريق العودة ، أخذ الموظفون الأتراك الذين وصلوا بعدنا يطالبون بالضجيج والصياح بهذه المنشأة الثمينة لأنفسهم ـ مع أنها خالية من المفروشات ، وعارية الجدران ، وقذرة كفاية ؛ ولكن سرعان ما هدئوا حين قالوا لهم أن موظفا قنصليا روسيا يشغلها. وحتى في الحجاز الموحش يحظى الاسم الروسي بالمكانة والاحترام ...
في حدّة يوجد مسجد يسمى بمسجد النبي. يقولون أن محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم كان هنا ، وانه من هنا انطلق إلى المدينة المنورة. والمسجد عبارة عن بناية حجرية كبيرة نسبيّا مرفقة بحوش غير كبير ، ولكنه مهمل جدّا. يبدو أن أحدا لا يصلي في هذا المسجد ، ولكن لم يخطر في بالي ذلك فرحت إليه لأصلي صلاة الظهر غير أنني وجدت هناك جنديّا من الحرس العسكري عنده ، كما تبين ، شقة في المسجد بالذات ، رغم أن لديه على مقربة مبنى خاصا به مرفقا بمصطبة وحوش. بيت الصلاة يستخدمونه بصورة غريبة جدّا ...
تقع حدّة في واد جبلي شاسع تبدو فيه أكواخ العرب الحقيرة في جوار المحطة. وغير بعيد من محطة حدّة ، يوجد دغل كبير من أشجار النخيل ووراءه يسيل نهر صغير ينبع من منابع جبلية. عرض النهر نحو

ثلاثة ارشينات فقط ، وعمقه زهاء نصف ارشين. مياهه تروي المحطة ، وحقل البرسيم ، ومزارع من القرع حقيرة المنظر ، ومزرعة قطن. وهو من الأنهر القليلة في الحجاز. ولكم طاب لي أن أرى في هذا البلد القائظ والصحراوي ، الخارق الجفاف ، نهرا ، وأن صغيرا ، نهرا حقيرا بالنسبة لي أنا الذي ترعرعت بين السيول الزرقاء والوبداء لنهر تشيرتشيك الذي يحتوي الذهب ، مع ضجته وهديره المستطاب على الاذن ، وجريانه وسط واد جميل ذي نباتات ساطعة وخضراء ... وحين وقفت على ضفة النهير الحجازي ، تذكرت عفو الخاطر مدينتي طشقند الغارقة في أخضر بساتينها الزمردي ، وقدّرت كل أهمية وفرة مياهها التي يقدمها تشيرتشيك الذي لا ينضب معينه ... ولكن خيل إلينا أننا فقدنا طشقند إلى الأبد ...
[...] وصلت قافلتنا إلى مكة في الثاني من أيار (مايو) عند طلوع الفجر. وعند دخول المدينة توقفت في ساحة كبيرة ؛ أما نحن ، فاننا لم نتوقف بل رحنا إلى شقتنا ؛ وقد قادونا إليها عبر المدينة كلها تقريبا. كان الجو لا يزال معتما ، وفي عتمة الفجر لم أستطع أن أرى شيئا بنحو جيد نوعا ما. كانوا يسوقون الجمال في شوارع ضيقة ومتعرجة. كانت تصعد تارة إلى جبل وطورا تنزل. على جانبي الطريق كانت تنتصب جدران وبيوت. في بعض الأماكن اصطدمنا بأناس نائمين في الشارع مباشرة. ولدن اقتراب جمالنا كان الناس شبه النيام يقفزون بذعر وينهضون على اقدامهم ويطلقون اللغط والضجيج والصياح ، ولكن الحراس السائرين ، شاهري البنادق على جانبي جمالنا كانوا سرعان ما يقطعون بنحو ما حبل الضجيج والصياح ، وكنا نواصل السير بهدوء حتى الكومة التالية من المشردين الذين اختاروا الشارع منامة لهم [...] وأخيرا توقفت الجمال قرب بيت من طابقين كان يعيش فيه أحد معارفنا التر ، المدعو عبد الرحمن سلطانوف الذي انتقل من طشقند إلى السكن في مكة. استقبلني قرب بوابة البيت. وكان معه الدليل محمد علي الذي استقبلنا في حدّة وسبقنا.

كل حاج يصل حديثا إلى مكة ملزم قبل كل شيء باداء الطواف أي السير سبع مرات حول الكعبة (بيت الله) وبين الصفا والمرو (1) ؛ وبعد ذاك يخلع ثوب الأحرام. ورغم خارق الأرهاق من السفر على «سفينة الصحراء» ، في موكب لا يشرف كثيرا العرب المشهورين بذكائهم وفطنتهم ، اضطرت إلى الخضوع للقواعد المقدسة لشعيرة الدخول ، واديتها في عتمة الصباح باشراف الدليل محمد علي. دام طوافي طويلا جدّا ، ولذا عدت إلى شقتي نحو الساعة السابعة صباحا. وجاءني حلاق وحلق شعر رأسي ، وبعد ذاك خلعت ثوب الاحرام. كانت زوجتي وأولادي لا يزالون نائمين. وكان سلطانوف وزوجته مشغولين باعداد الدسترخان أي المآكل من شتى الحلويات ، الأمر الذي يعرفه جميع التركستانيين جيدا.
كان الوقت يناهز الثامنة حين أخذ يظهر الواحد تلو الآخر الأدلة المكيون ، وموزعو مياه بئر زمزم المقدسة ، وخدم بيت الله ، والتتر أصحاب التكيات ، (وهي ضرب من خانات) ، والباخريون ، والسرتيون ، والقرغيز ، وسائر الحجاج من آسيا الوسطى. ثم أرسل جميع الأدلة الغداء من بيوتهم. فهناك توجد العادة التالية : كل دليل يرحب بأغنى حجاجه بغداء وفير نسبيّا يرسله إلى الشقة التي يشغلها القادم. بوصفي ممثلا عن الحجاج بين الأدلة حسب القبائل والقوميات. ولكني ، بوصفي ممثلا عن جميع قبائل المسلمين من رعايا روسيا ، تلقيت المآكل من جميع الأدلة الذين وزعوا فيما بينهم حجاجنا. ومقابل هذه المآكل كان
__________________
(*) الطواف. عند أداء شعيرة الدخول إلى مكة ، يجب قبل كل شيء القيام سبع مرات بالسير ، بالطواف ، حول الكعبة المسماة بيت الله ؛ وبعد ذلك يمضي الحاج إلى مكاني الصفا والمروه الواقعين في جوار الكعبة ويقوم بينهما بالسير سبع مرات مرددا طوال الوقت الصلوات المقررة ، بإشراف الدليل ؛ وإذا كان الحاج لا يعرف الصلوات ، فإنه يرددها اثر الدليل.

ينبغي بالطبع تقديم الهدايا فيما بعد. وفي هذا يتلخص بالضبط كل مغزى مجاملة ارسال الأطعمة إلى المسافر القادم. ولا اثر البتة للضيافة في كل هذا ، بل مجرد أمل في الحصول مقابل الطعام على ما يوازي سعر المآكل مثلين أو ثلاثة أمثال على الأقل. وصاحب البيت الذي نزلت فيه ، سلطانوف ، بوصفه رجلا محنكا وتاجرا ، كان يقيّم كل طعام بعناية ودقة ، مطبقا أسعار السوق المحلية ، وكان يحدد ثمن الغداء بمبلغ يتراوح بين مجيديتين وثلاث مجيديات. وبما أن العملة التركية ، المجيدية ، توازي بالعملة الروسية روبلا و 60 كوبيكا ، تعيّن علىّ أن أدفع مبالغ لا يستهان بها مع إضافة الفائدة ، لقاء مجاملة الأدلة وبشاشتهم وضيافتهم ، خصوصا وأنهم كانوا يرسلون إلىّ زهاء عشرة غداءات ، ومنها كنت احتاج مع عائلتي إلى غداء واحد فقط ، ولذا صرفت النافل كله على تضييف مواطني وغيرهم من الضيوف القادمين لزيارتي. وفي عداد الضيوف كان كبير الأدلة في مدينة مكة ، واسمه محمد علي. وفجأة أخذ يتكلم معي بالروسية لما فيه دهشتي. وقد تبين انه اعتقل حين تجوب في ربوع أقليم تركستان بدون جواز سفر وأمضى أكثر من سنتين في سجن مدينة طشقند بانتظار نتيجة المراسلات بشأنه ؛ وفي السجن تعلم اللغة الروسية. فيا للقاءات الغربية التي تحدث أحيانا! ..
كانت شقتي تقع في القسم الجنوبي الشرقي من المدينة ، وكانت واجهتها تطل على ساحة كبيرة نسبيّا. وبالمقابل ، في الجانب الآخر من الساحة ، كانت شقة والي مكة حسن حلمي باشا. ومن الجانب الأيسر كانت تقع ثكنات الجنود الاتراك ، ومن الجانب اليمن ، بعد بضعة بيوت ، كانت تقع صيدلية حكومية بقربها روضة صغيرة كان الضابط الأتراك والأفراد المدنيون يتنزهون عادة في الأمسيات. كانت شقة الوالي تلاصق الجبل من جانبها الخلفي ، وكان الجبل يعلو ، على الأقل ، زهاء 50 ساجنا فوق سطح هذا المبنى الثلاثي الطوابق. وعلى الجبل كانت تنتصب

قلعة ، وبقربها سجن المدينة الذي كانت على مدخله مدافع. وبقرب بيت الوالي ، كانت تقوم ، من الجهة الشمالية ، عمارة ضخمة من طابقين (تكية) ، شبه مدمرة ، كانت تنزل فيها أغلبية الحجاج القادمين من مختلف أنحاء آسيا الوسطى ؛ ومن الجهة اليمنى كانت تقوم مرابض عسكرية لأجل بغال الركوب التي يركبها هنا الخيالة الأتراك. وإلى أبعد كانت تنتصب عمارات عسكرية مختلفة ، ثم إلى أبعد أيضا ، على سفوح الجبال ، كانت تبدو خيام بيضاء يعيش فيها الجنود الأتراك الذين يؤلفون حامية مكة. وبما أننا أقمنا على هذا النحو بين العساكر التركية وعلى مقربة من شقة الوالي ، فقد كنا مؤمّنين إلى هذا الحد أو ذاك م حيث السلامة الشخصية ، الأمر الذي لا يشغل المرتبة الخيرة في مكة ؛ فعنا جمهرة من الناس الجياع جاءت عن جهل بالوضع بدون أي وسائل للعيش ، ولذا ليس من النافل أبدا اتخاذ تدابير الحيطة والاحتراس. وفي الساحة الواقعة مقابل شقتي ، كانت تتجمع دائما قبيل المساء جموع من الحجاج العرب والهنود من عداد الذين لا مأوى لهم. في الليل كانوا ينامون في الساحة المكشوفة متمددين على التربة مباشرة ، دون أي فراش. وبما أن هذه الساحة هي في مكة المكان الوحيد الذي يمكن فيها استنشاق الهواء النقي نسبيّا ، فقد كان كثيرون من الحجاج ممن لا مأوى لهم يتوافدون إليها نهارا أيضا ؛ كانوا يسكبون الماء على أنفسهم دون أن يخلعوا ثياب الاحرام. وكان من المؤسف حقا النظر إلى هؤلاء المساكين! كانوا يرتدون ملابس فقدت لونها بسبب الوسخ والعرق ، وبالكد تصل حتى الركاب. وكان كل ما يملكونه عبارة عن صرر صغيرة جدّا ، وأباريق صغيرة من الصفيح للشاي ، ومظلات مكسرة. كانوا سودا وصفرا بحكم الطبيعة ، قذرين بشكل لا يصدق ، جياعا ، منهوكي القوى إلى أقصى حد ؛ كانوا عبارة عن كائنات تشبه حقا الأسماك المدخنة [...] ومهما كان المرء يشفق عليهم ، كان لا بدّ له من أن يأخذ منهم

جانب الحذر والاحتراس ، لأن بمقدور الجوع أن يدفع الإنسان إلى اقتراف أي فعل وجرم [...].
الفصل الرابع
مدينة مكة
تقع مدينة مكة المكرّمة في واد ، وتحيط بها الجبال العالية من جميع الجهات. وهي مبنية على تربة رملية حجرية وتشغل مساحة قدرها ثلاثة فرستات مربعة تقريبا. بيوتها من طابقين إلى خمسة طوابق ، وجميعها تقريبا من أحجار جبلية بصورة قطع غير صحيحة الأضلاع ، غير منحوتة ، ومصفوفة ومرصوصة جدرانا بالاسمنت. السقوف وكذلك الأرضيات في الغرف هي أيضا من الأسمنت. والبيوت جميعها تقريبا مكيفة لأجل التأجير ، وحقيرة جدّا من حيث المنظر والترتيب ؛ والبيوت تسبه من حيث منظرها الخارجي ناهيك عن منظر الغرف الداخلي وعن أحوالها الصحية ، ضربا من قصور قديمة كبيرة متروكة بدو تصليح ، وبدون أية عناية على العموم. وواضح أن أصحابها ينظرون إليها كمصدر للدخل ؛ وبما أن تدفق الحجاج دوري ودائم ، وبما أن دخل أصحاب البيوت مضمون بالتالي ، فهي لا يهتمون لا بمنظر البيوت الخارجي ولا بالأسباب الداخلية للراحة والرفاه [...].
التجار في مكة هم على الأغلب من السوريين والفرس وسكان دمشق والمسلمين الهنود. والسوق يحفل بشتى بضاءع المصانع والمعامل الأوروبية ؛ وهناك أيضا كثرة من الآنية النحاسية الهندية الصنع. والخردوات هي على الأغلب من إنتاج المصانع الإنجليزية ، عنينا بها الخرز والاساور والخواتم والحلق والمطرازات والاشرطة والجوارب والقصب واللآلئ الاصطناعية والقناديل والسلطانيات والفناجين والكؤوس وغير ذلك من الآنية الزجاجية ، والآنية من البورسلين

والخزف ، وكذلك الآنية المعدنية والمطلية بالميناء. وهناك وفرة من الدهان والعطور والصابون وخلافه وكذلك من الأحذية من أحدث موضة ، فضلا عن الكثير من شتى الحلويات والمقبلات : مختلف المخللات ، والمربيات ، والسردين ، ومختلف السكاكر والحلويات ؛ ومختلف الأجهزة وآلات الخياطة وآلات صنع الثلج ، وخلافها. وجميع هذه البضائع ينقلونها إلى الحجاز ، بالطبع ، على السفن الأوروبية عبر مرفأ جدّة. الشرف والمجد للإنجليز على نشاطهم وهمتهم ، والأهم ، على مهارتهم في تعويد الشعوب شبه البربرية على منتوجاتهم! ومن بين منتوجات المصانع الروسية ، لا يقدّر السكان المحليون غير الاقفال التي يجلبها أحيانا بعض الحجاج ، وببضع العشرات فقط. وهذا كل ما يأتي إلى هنا من روسيا ...
ونظرا لطبيعة الأرض الصحراوية المحيطة بمدينة مكة ، ولنمط معيشة سكان البلد الترحلية ، يستجلبون إلى مكة جميع المنتوجات الحيوية من بلدان أخرى ومدن أخرى ؛ فإن الفواكه الطازجة ، مثلا ، والعنب ، والمشمش والدراق والعنبيات وخلافها يستجلبونها من الطائف ؛ والتمر من المدينة المنورة ؛ ومختلف الخضراوات والشمام والبطيخ وخلافها من محلة وادي فاطمة ؛ ومختلف الحبوب وكذلك البطاطا والملفوف جزئيّا من القاهرة ، وأغلها من بومباي. ولطحن الحبوب المستجلبة توجد في مكة مطاحن ، تصاميمها في منتهى البساطة ، وتحركها الحمير والغال. ولا وجود في المدينة بالذات ولا في ضواحيها لأية بساتين ومباقل وأحواض للخضراوات ولا اية مزروعات على العموم ، إذ أن كل هذا رهن قبل كل شيء بقلة الماء لأجل الري. وعدا هذا ، لا ينبت في البلد غير النخيل والنباتات البرية أي الأعشاب والشجيرات الشوكية [...].
وفي مكة توجد لأجل الحجاج الفقراء على اختلاف قومياتهم

مساكن مجانية تسمة «التكيات» ، وهي بصورة بيوت. وهذه التكيات بناها في أزمان مختلفة المسلمون الأغنياء والشعوب التي تدين بالإسلام وجعلوها وقفا على الحجاج. وهذه التكيات يشرف عليها أفراد خصوصيون. منظرها الخارجي والداخلي غير مرض إطلاقا ، مثله مثل أغلبية البيوت في المدينة على العموم. والأجانب ، سواء في مكة أم في عموم الحجاز ، لا يملكون الحق ، بموجب القانون ، في اقتناء الأموال غير المنقولة ؛ والكفار ، أي غير المسلمين ، لا يسمحون لهم لا بدخول مكة ولا بدخول المدينة المنورة [...] وهنا يملك العرب كل شيء ؛ ونظرا لبربريتهم وغياب المزاحمة ، قلما يحرصون على حسن بناء العمارات السكنية وصحة صيانتها ؛ أما الحكومة التركية ، فإنها ، بسبب الضعف واختلال المالية ، لا تتخذ أية تدابير ، لا لتوفير أسباب الراحة والوثار للحجاج ، ولا علة العموم لتحسين معيشة السكان المحليين. والاستثناء الوحيد هو المؤسسات الحكومية التالية : محطة البريد والبرق ، التي تستقبل وترسل الرسائل والبرقيات إلى شتى أقطار العالم ؛ ولا تقبل غير الرسائل البسيطة ، غير المضمونة ؛ والبريد في جدّة وسار مدن الحجاز ينقله مكارون خصوصيون على الحمير[...] ومن هذا تبين أن المواصلات البريدية لا تتميز بحسن التنظيم ولا بالسرعة [...] وهناك صيدليتان أحداهما حكومية ، والثانية خاصة. وهناك مستشفى نهبه العرب ... وهذا كل شيء.
ومن حيث تجهيز المدينة بالمرافق وتحسين معيشة السكان ، قلما تحقق هنا على العموم مثلها في ذلك مثل سائر المدن الآسيوية البحتة. وهنا لا وجود البتة للحوذيين ، ولا توجد عربات إلا عند والي مكة وشريف مكة. ولا وجود البتة للخيل. والسفر في المدينة يجري ركوبا علي الحمير ؛ والخيالة التركية ، كما سبق أن قلت ، تركب البغال. أما لماذا لا وجود للخيل هنا ، في أهم مدن البلاد التي تشتهر بخيلها ، فلم

أستطع أن أفهم السبب ، ولكن بوسعي أن اؤكد أن الحصان في مكة ظاهرة نادرة جدّا. كذلك لا وجود البتة للإنارة في الليالي في شوارع المدينة. وفي البيوت يلجأون إلى الإنارة بالكاز بواسطة القناديل الإنجليزية والكاز الأميركي.
يبلغ عدد السكان الدائمين في مكة زهاء ثلاثين ألف نسمة. والرياش في البيوت بسيطة جدّا على العموم. ولا وجود تقريبا للمفروشات في الغرف ؛ والعرب بمعظمهم يجلسون ويتمددون على الأرضية ، مثلهم مثل جميع الشعوب الشرقية. ولا يملكون البتة تقريبا اقتصادا منزليّا إذ يشترون من السوف جميع المؤن. ولهذا السبب توجد في المدينة كثرة كثيرة من المقاهي ودكاكين المأكولات والمخابز.
وفي مكة يعيش عدد كبير نسبيّا من مواطنينا من آسيا الوسطى. وهم يمارسون مختلف الحرف ولا يفكرون في العودة إلى الوطن.
وعلى العموم يعيش سكان المدينة بدون ملل كبير. ففي الأعياد ، وفي أثناء صيام رمضان ، وعيد الأضحى ، وغير ذلك من المناسبات ، تقام نزهات واحتفالات شعبية كبيرة مرفقة بالاراجيح ورقصات الرجال من سرادق خاصة. وأثناء الاحتفالات الشعبية تقام المقاهي ودكاكين واكشاك المأكولات وتباع شتى الخردوات وشتى النوافه واللعبات لأجل الأطفال ؛ خلاصة القول انه يقام بازار عيدي. وفي هذه النزهات والاحتفالات تتجمع على الأغلب النساء والاولاد في ألبسة مبرقشة ولامعة. وعلة الخصوص تنذهل العين غير المعتادة من ألبسة الأولاد الغريبة من الديباج والشاش. وهم مزينون من الرأس حتى القدمين بشتى العقود ، والنقود المعدنية الفضية ، ومختلف التفائه. وهذه ضرب من حفلات راقصة مقنعة للأولاد مقامة في الهواء الطلق ... صحيح أن النساء يحجبن وجوههن ، ولكنهن يتنزهن بكل حرية ، ويتنادين بأصوات مدوية في الجموع ، ويتحادثن ، ويضحكن. ووحدهن حصرا يركبن المراجيح.

وعادة يركبن عليها أزواجا ، ويغنين الأغاني ، ويقرعن الدفوف. ولا يمنعهن أحد من ذلك ، ولا يندد بهن أحد ، وليس هذا وحسب ، بل بالعكس ، فإن الرجال يقفون بوقار ورزانة إلى جانب ويستمعون إلى أغانيهن وقرعهن على الدفوف (وهنا لا توجد عادة أية موسيقى أخرى). وعفو الخاطر دهشت لهذه الحرية التي تتمتع بها النساء في مدينة مكة وعموما في الحجاز. وفي النزهات والاحتفالات الشعبية يتجمع أناس من عموم المدينة ؛ وفي عدادهم ضباط وموظفون وجنود. وكذلك يأتي بالطبع الحجاج الوافدون من شتى أنحاء الدنيا ، والتجار ؛ وأيضا القضاة والأئمة والرؤساءح وخلاصة القول ، ممثلو جميع طبقات مجتمع المدينة وممثلو جميع الأقوام والشعوب الإسلامية في الكرة الأرضية. وجموع الرجال تسلك وتتصرف ببالغ التواضع واللياقة كأنما لا ترحظ البتة النساء اللواتي يمرحن. وعادة يطلقون الصواريخ النارية في الأمسيات ، ويشعلون النيران البنغالية ، الرخصية جدّا. ثمن الوحدة من 5 إلى 10 كوبيكات. وأحيانا يصنعها العرب أنفسهم ؛ اما أكبر كمية منها ، فيستجلبها التجار الهنود من بومباي. وعلى العموم تكون الأمسيات أثناء النزهات الشعبية مرحة جدّا. تطقطق وتنفقع الصواريخ ، تشتعل النيران البنغالية المتنوعة الألوان ، الأخيرة ، حدّ السلطان التركي تماما من سلطة شرفاء مكة. فهم مجرد رؤساء دينيين ، ولا يملكون أية سلطة مدنية ، ويخضعون للمحافظ (الوالي) التركي ويعينهم السلطان التركي في الوظيفة بناء على توصية من الوالي.
في سنة 1895 كان عون الرفيق شريفا في مكة. وكان يناهز الستين من العمر ، وكان له مقر دائم في مدينة الطائف ـ الواقعة على بعد 70 فرستا تقريبا من مكة باتجاه الشرق ، وراء عرفات.
والشريف يرافقه عادة خفر تركي من 50 جنديّا برئاسة ضابطين يعتبران ياوري الشريف ويرتديان حمائل ذات أطراف معدنية مثل ياوري

والي مكة. ويقال أن الشريف يعيل خفره من الجنود والياورين من مداخيله غير القليلة. وعادة يلبي بدلة آسيوية طويلة الأطراف ، ولكن له لأجل المناسبات الاحتفالية زيا خاصا بصورة معظف رسمي يزور به ، مثلا ، الشخصيات الأجنبية الرفيعة المقام. وهو يحمل عبر كتفه شريطا من نوع شريط وسام القديس اندري في روسيا وكثرة من الأوسمة والنجوم المرصعة بأحجار الألماس واللآلئ.
وعادة يخرج الشريف من بيته في عربة تجرها البغال. ومما له دلالته انه حين يرغب في زيارة أحد ما ، يرسل سلفا إلى الأمام قبل وصوله ببعض دقائق بضعة جنود مسلحين مع صابط. وهؤلاء يقفون في الغرفة المعدة لأجل استقبال الشريف ، وحين يصل ، يقدمون له التحية : يقدمون السلاح ، ويقفون هكذا أمام الشريف ورب الدار طالما تستمر الزيارة. وليس من النادر في هذه الزيارات أن يحملوا مسبقا إلى البيت الذي يمضي إليه نارجيلته ، كما تفعل النساء ، الأمر الذي سبق أن تحدثنا عنه [...].
تعقد المحكمة جلساتها علنا. ونظام وشكل النظر في الدعاوي في غرف المحكمة بسيطان جدّا ، غير معقدين ، كما أن الوضع كله بسيط أيضا. كل شيء يجري ببالغ الهدوء وبكل لياقة. وعند النظر في القضايا والفصل فيها يسترشد القضاة بكتب الشريعة بل بأنظمة خاصة وضعتها الحكومة التركية على أساس أحكام الشريعة. وهذه الأنظمة تسمى «الدستور» ومكتوبة بشكل مواد منفردة ، مثل قوانينا الروسية ، أو على العموم مثل المجموعات الأوروبية من القوانين. ومواد «الدستور» تتغير وتتكامل وفقا لمقتضيات الحياة العملية وروح العصر ولا تشكل بالتالي أحكاما جامدة لا تتغير مثل الشريعة (1). والمدعي أو المدعي عليه ،
__________________
(*) أصول وضع الدستور هي التالية. توجد في القسطنطينية لجنة خاصة من الحقوقيين ـ

اللذان لا يرضيان على قرار القاضي الوحيد الواحد ، يملكان الحق في استئناف الدعوى إلى محكمة أعلى تسمى «حكومة» تقوم بوظيفتها لدى الوالي ، كما سبق أن قلنا.
والحجاز على العموم بلد لا يميل إلى التقاضي. ومما له دلالته أن مواطنينا من تركستان يشغلون اهتمام المحاكم أكثر من جميع السكان الآخرين. ومن الجلي أنهم يحملون إلى هذا البلد ولعهم بالمجادلات وحبهم الحار للتقاضي بدافع من أمور تافهة في أغلب الأحيان. وليس عبثا يقال إن العادة طبيعة ثانية.
[...] يمكن تقسيم جميع الحجاج إلى أربع فئات : الفعليين ، الاختصاصيين ، التجار ، المحتالين. الحجاج الفعليون أو الحقيقيون يذهبون إلى مكة بالدافع الديني فقط ، كما يذهب المسيحيون إلى القدس والبوذيون إلى التيبت ، إلى لهاسا ، وخلافهم. وهم مشغولون حصرا بأداء فريضة الحج فقط أي بأداء الشعائر والوجبات الدينية ؛ وبعد ذلك ، يعودون فورا إلى الوطن. وهؤلاء هم بالطبع خيرة الحجاج. الحجاج الاختصاصيون يقومون بالحج بالنيابة عن الآخرين ، الأمر الذي تجيزه الشريعة ؛ وبما أنهم أناس ذوو خبرة في هذا المجال فإنهم يقومون بدور الأدلة لأجل المبتدئين ؛ ويسمونهم «البدلاء» ، أي أنهم يقومون بالحج
__________________
ـ المسلمين. وعلى أساس أحكام الشريعة ، يضع هؤلاء محموعة الأحكام القانونية في فصل معين من الحقوق ، عارصينه في شكل عقائدي لا وجود له إطلاقا في كتب الشريعة. ومشروع القانون الموضوع هنا يطبعونه ويرسلونه إلى المحافظات والقائمقامات في تركيا حيث توجد لجان ثانوية ، اقليمية. وهذه تدرس المشروع المرسل لها وتعيده مع إعتراضاتها وملاحاظاتها. وتدرس لجنة العاصمة هذه الاعتراضات والملاحظات ومشروعها هي نفسها وتضع نهائيا قانونا يصبح ساري المفعول ما أن يصادق عليه السلطان. هيئة التحرير [...] (أي هيئة تحرير المجلة التي نشرت فيها هذه الذكريات. الناشر).

بالنيابة عن الآخرين ، بدلا عنهم ، وليس بدون مكافأة بالطبع. و «بدلاؤنا» يتنقلون على الدوام بين روسيا ومكة محولين الحج إلى ضرب من حرفة. وهذه الحرفة يتعاطاها على الأغلب الملّات والائمة وخلافهم ، أي رجال الدين المسلمون. وعلى العموم قلما يسافرون للحج من أجل أنفسهم بالذات ، بل يذهبون في أغلب الأحوال بدور البدلاء. وهذه الحرفة ـ البدالة ـ متطورة بخاصة بين تترنا رغم أنها بدأت في الآونة الأخيرة تتطور بين سكان السهب القرغيز أيضا. الباهرة ، منيرة الجموع المبرقشة ، المنتعشة ، الصاخبة ، وألبسة الأولاد الغريبة. وفي كل مكان يتعالى قرع الدفوف وتنداح أغاني النساء ... الضجة ، التبرقش ، الانتعاش. وكل شيء أصيل ، فريد إلى أقصى حد [...].
ولكن لا بدّ من الإشارة إلى أن اخلاق النساء في مكة لا تتميز بصرامة خاصة. ومفهوم للجميع بالطبع أن الحال لا يمكن أن يكون على نحو آخر في مدينة يتجمع فيها العديد من الرجال ممن لا نساء ولا عائلات لهم. هناك رأي شائع مفاده أن بوسع الحجاج هنا أن يتزوجوا لمدد مختلفة ، من بضعة أيام حتى بضعة أشهر ، ولكني لا أستطيع أن أؤكد هذا الرأي ؛ بيد انه معروف أن الطلب يستتبع في كل مكان العرض ... وفي المدينة عدد كبير من العبدات ؛ وفي جوار المدينة أوكار من أدنى واحقر المستويات ...
وفي معرض الكلام عن نساء مكة ، لا أستطيع امتناعا عن الإشارة عادة من عاداتهن الفريدة. جميعهن يدخنّ ؛ وإذا أردن الذهاب في زيارة ، فإنهن يرسلن سلفا نارجيلاتهن ؛ وحين يصلن ، يجلسن ، ويدخنّ ويثرثرن مع ربة البيت ، كما يجري في كل مكان وعند جميع الشعوب. وعموما يشغل تدخين النارجيلة في الحجاز دورا مماثلا تقريبا للدور الذي يشغله عندنا السماور واحتساء الشاي أي القرى وتمضية الوقت [...] ولهذا يستعمل الجميع هنا التبغ ، وغالبا ما لا يجده الراغب في الدكاكين.

[...] إن ضباط الحامية التركية المرابطة في مكة ، لا يتقيدون إطلاقا ، على ما يبدو ، بوحدة اللباس العسكري ولون قماشه. جميعهم يرتدون ما تقع عليه ايديهم ، جميعهم في ألبسة متنوعة الألوان ، رغم أنهم دائما يحملون السلاح : سيفا ذا حد واحد او ذا حدين من الطراز الإنجليزي في حمائل فضية وذهبية. وعلى الأكتاف يحملون كتافات من الجوخ مع نجيمات معدنية. والجنود يرتدون قمصانا بيضاء. كتافاتهم من الجوخ دون اية علائم. والانضباط والهيئة العسكرية غير ملحوظين بينهم.
وفي معرض الكلام عن الجنود الاتراك ، لا يسعني لزوم الصمت عن تمرداتهم غير النادرة ضد رؤسائهم. تنشب التمردات بصورة رئيسية لسببين : لعدم تقاضي الراتب في الموعد المعين ، ولعدم تسريح من خدموا المدة الشرعية ولابقائهم في الخدمة بصورة غير صحيحة. وأثناء الفتنة ، لا يندر أن يحتل الجنود بيت الله بقوة السلاح ، وأن ينهبوا سكان المدينة وضواحيها وينصرفوا إلى اقتراف شتى الموبقات. ولتهدئتهم ، يلجأون عادة إلى محاولات الاقناع ، المر الذي يشارك فيه ، عدا الضباط ، رجال الدين ، مؤثرين في شعور الجنود الديني. والجنود المرابطون هنا هم على العموم شعب مستهتر جدّا ، وذلك ، طبعا ، بذنب من رؤسائهم الذين لين دائما يتصرفون بصورة عادلة وقانونية.
في سنة 1890 ، تمردت حامية المدينة المنورة لأنهم لم يسرحوا الجنود من الخدمة بعد إنتهائها. رموا أسلحتهم وراحوا إلى حوش قبر النبي وعاشوا هناك أكثر من أسبوع إلى أن أفلح الرؤساء في اقناعهم وتهدئتهم. وفي هذا الأسبوع حولوا حوش قبر النبي إلى ثكنة ولم يسمحوا لأحد بالأقتراب والصلاة ؛ ونهبوا السوق ودكاكين المأكولات لتامين المؤونة لأنفسهم. وقد نشب تمرد مماثل تماما في مدينة جدّة سنة 1891. واحتل الجنود جامعا كبيرا في المدينة ونهبوا المأكولات أيضا في السوق.

وفي مكة توجد مطبعة حكومية لا تطبع غير الكتب الدينية الفحوي ، وكذلك صورا بمناظر مكة والمدينة المنورة وبيت الله وخلافها. والطبع كله يكلف رخيصا جدّا ؛ فلا يأخذون سوى ثمن الورق والقليل لقاء العمل. وعند بوابتي بيت الله الرئيسيتين توجد بازارات للكتب. والكتب والرسوم التي يشتريها الحجاج يوزعونها في شتى أقطار المعمورة. وعندنا ، في آسيا الوسطى ، نجد منها الكثير ، كما هو معلوم ، وذلك في الجوامع وفي منازل السكان[...].
الفصل الخامس (1)
شريف مكة. المحكمة.
الحجاج والأدلة
شريف مكة ، إنما هو الشخصية الدينية العليا في عموم العالم الإسلامي. ومن حيث أصله سليلا ووريثا مباشرا للنبي محمد (صلى‌الله‌عليه‌وسلم). وفي الأزمنة الغابرة لعب الشرفاء دور الأمراء أي دور الحكام المستقلين ، الأعلين. أما في الوقت الحاضر ، فإن هذا اللقب قد بقي لهم ولكنه لا يتسم بأية أهمية عملية. واللقب يكتب على الورق فقط. وفي السنوات العشرين.
الحجاج التجار يتعاطون على الأغلب التجارة ، وينقلون البضائع من مدينة إلى مدينة ويقيمون لمدة غير معينة حيث يرون فائدة لهم. ولا يهمهم البتة حقا وفعلا سواء وصلوا قبل زمن الحج أو تأخروا عنه. وبالنحو نفسه يعودون إلى ديارهم. وغالبا ما يتزوجون في الطريق ويبقون للإقامة في تلك المدن من الجزيرة العربية أو من تركيا على العموم حيث
__________________
(*) يحتوي الفصل الخامس وصفا لبيت الله نغفله هنا لأنه مماثل لما ورد في المواد الأخرى المنشورة في هذا الكتاب. الناشر.

وجدوا مأوى لأنفسهم. الحجاج المحتالون اختاروا لأنفسهم حرفة الابتزاز والنهب من السذج من اخوانهم في الإيمان وبخاصة ممن جاؤوا من مختلف الأماكن النائية ، الموحشة. وهم يستقبلون هؤلاء الحجاج ويرافقونهم في طريق سفرهم ، ويحرصون على سلامتهم ومصالحهم ، ويتظاهرون بأنهم أطيب الرفاق وأكثرهم مودة وحسن نية ، وبخاصة على متن البواخر. وهؤلاء المحتالون يدرسون طبع رفيق الطريق ويعرفون قدر أمواله ؛ وحين تسنح أول فرصة ينهبون الضحية الساذجة وغالبا ما يتركونها في يد القضاء والقدر بين أناس غرباء ، بعيدا عن الوطن. وهذه الحرفة تمارسها النساء أيضا [...].
في خاتمة هذا الحديث ، أرى من الضروري أن اتحفظ. فعن كل ما رأيته أحكي كشاهد عيان ، دون أن أضيف شيئا ، وحتى مقللا نوعا ما ، لكي لا أمسّ بنحو ما ، عن غير قصد ، المسلمين في مشاعرهم الدينية ، إذ أنهم ، بعد العودة من الحج ، يعتبرون عادة من واجبهم أن يرووا مختلف المعجزات [...] وأنا أحكي عما رأيته وسمعته ، متقيدا بأكبر قدر ممكن من الدقة (1).
__________________
(*) مكتبة اكاديمة العلوم في الاتحاد السوفييتي. 230. النص باللغة الروسية نشرته في طشقند مجلة «بشير آسيا الوسطى» الشهرية (1896 ، تشرين الثاني ـ نوفمبر ، ص 61 ـ 81 ؛ كانون الأول ـ ديسمبر ، ص 45 ـ 83).

الحج
(من وجهة نظر روسية)
ـ 1 ـ
يوجد في روسيا أكثر من 14 مليونا من المسلمين ، أي اكثر من 10% من عموم السكان.
على الصعيد الاقليمي يشغل المسلمون مناطق مشارف الأورال ومناطق مشارف القفقاس ، والسهوب القرغيزية ، والمناطق المضمومة إلى روسيا في القرن الماضي من آسيا الوسطى. وفي معرض الكلام عن توزع العنصر الإسلامي على الصعيد الاقليمي ، يجب إلا يغيب عن البال أن مسلمي آسيا الوسطى من رعايا روسيا هم على صلة وثيقة من القربى مع مسلمي بخاى وخوى شبه المستقلتين.
وفي سياق تعميم الظروف الاقليمية والاتنوغرافية لا بد أن نرى انه يتعين على الحكومة الروسية ، فيما يتعلق بالحج ، أن تأخذ بالحسبان أن فئة المسلمين تتالف من 20000000 شخص.
ـ 2 ـ
فيما يتعلق بالحج ينقسم جميع هؤلاء العشرين مليونا من المسلمين إلى جماعتين دينيتين رئيسيتين : إلى معتنقي مذهب السنّة ومعتنقي مذهب

الشيعة. من الناحية العددية ، يربو عدد السنيين في الممتلكات الروسية بصورة ساحقة على عدد الشيعيين.
يتجمع الشيعة فيما وراء القفقاس والسنيون الذين يشغلون مساحات شاسعة متواصلة في آسيا يظلون في روسيا الأوروبية منغرسين جزئيّا في وسط السكان الروس الذين يؤلفون هنا الأغلبية الساحقة ، ومستقرين جزئيّا في مناطق سلسلة جبال القفقاس. والقرم يستكمل مجموعة مسلمينا الجنوبيين.
ـ 3 ـ
كل مسلم ملزم بموجب تعاليم محمد باداء فريضة الحج ولو مرة واحدة في العمر ، بصرف النظر عن اية عقبات وحوائل. والقوى القاهرة وحدها هي التي تسمح للمسلم بالاستعاضة عن الحج شخصيا بتكليف شخص آخر للقيام به بالنيابة عنه ، أو بارسال التبرعات في صالح الأماكن المقدسة.
وهذه الفريضة يجب أداءها ـ بموجب مذهب السنيين ـ [ص 7] قرب الكعبة ، في مكة ، أي قرب حرم بني ، حسب أساطير الجزيرة العربية ، في مكان المعبد الأولي الذي بناه إبراهيم.
تتلخص شعائر العيد في الطواف حول الكعبة ، في السير ـ والأصح ، في السعي بين صخرة الصفا وصخرة المرو ، في السير من مكة إلى جبل عرفات وفي موسم رجم الشيطانم في وادي منى على ما يبدو. وهنا أيضا يقدمون الأضاحي فيذبحون عددا كبيرا من المواشي.
في معرض الكلام عن الحج ، يجدر التذكير بأن محمد منع الذي يقوم بالحج الكثير من الأمور العادية كحلق شعر الرأس أو الصيد مثلا ، ولكنه لا يسمح وحسب ، بل يبارك أيضا التجارة في زمن الحج وهذا «السعي وراء هبات الرب» محبب جدّا جدّا إلى قلب كل مسلم.

ـ 4 ـ
إن المسلمين السنيين في روسيا الأوروبية والقفقاس والقرم لا يواجهون المصاعب في الحج عبر القسطنطينية التي يمضون إليها عبر مرافئ البحر [ظهر ص 7] الأسود والتي ينطلقون منها بطريق القوافل إلى الجزيرة العربية. أما المسلمون الشيعيون ، فإنهم يمضون إلى اماكنهم المقدسة بطريق القوافل على الأغلب عبر الحدود الايرانية ، رغم أن المسلمين الشيعيين من مشارف قزوين قد يركبون البواخر ، أغلب الظن ، حتى انزلي ورشت.
أما أغلبية السنيين في روسيا الآسيوية وبخاصة في مناطق آسيا الوسطى ، وكذلك مجمل سكان بخارى وخوى ، فمن المشكوك فيه أن يكون من الممكن اجتذاب هذه المجموعة الهائلة بالتدابير الادارية أو غيرها من التدابير إلى مرافئ البحر الأسود. سيكون من الممكن بالطبع توجيه مسلمي آسيا الوسطى أيضا بالقوة عبر باطوم إلى القسطنطينية ، ولكن هذا التدبير سيكون ضارا مباشرة من جميع النواحي ، وضارا في المقام الأول بمصالح السياسة الروسية.
ـ 5 ـ
إن سفر المسلمين السنيين عبر القسطنطينية غير مرغوب فيه إطلاقا ، وإذا كان لا بدّ من احتماله ، فيقدر [ص 8] الضرورة المحتمة فقط ، وليس البتة في أي حال من الأحوال بوصفه امرا نافعا أو مرغوبا فيه.
إن الحج هو ظاهرة ذات طابع ديني سياسي. وبفضل الحج ينتعش المسلمون باستمرار. لا في عقائدهم وحسب ، بل أيضا في عدائهم لغير المؤمنين أي لعموم العالم الذي لا يعتنق تعاليم القرآن. وفي هذا المجال يأتي المسيحيون واليهود أعلى نوعا ما من الوثنيين ولكنهم مع

ذلك أعداء الله ، الله عدو لهم ، وهم أصدقاء الشيطان ، والحرب ضدهم عم يرضي الله الذي لا يقبل حتى صلوات المؤمنين من أجل خلاص الكفار.
إن من يؤدي فريضة الحج يبلغ بالتالي وضع القداسة ، وإذا ما حالفه الحظ وحمل إلى وطنه شعرة كانت في لحية النبي (لا يندر أن تكون ليفا من جوز الهند) ، فإن الحاج يلبس باعتزاز عمامته الخضراء ، ويرشد الشعب بالهام ، ويأخذ منه جزية لا بأس بها.
ولهذا لا يجوز البتة النظر إلى الحج من وجهة نظر واحدة ما ، مثلا ، من وجهة النظر الصحية ، بل يجب النظر إليه من وجهة مصلحة عموم الدولة ، التي تصغر حيالها وجهة النظر الصحية [ظهر ص 8] إلى أدنى حد. ولهذا ، إذا كان من المفيد من وجهة النظر الصحية توجيه كل جمهرة المسلمين إلى نقطتين أو ثلاث ، فليس منالمفيد إطلاقا في مصلحة السياسة تمرير هذه الجمهرة عبر بوابة استنبول.
إن القسطنطينية تنتظر بفارغ الصبر دافعي الجزية هؤلاء ، لا عند سفرهم إلى الجزيرة العربية وحسب ، بل أيضا عند العودة ، حين يستطيع العلماء أن يستميلوا ويحولوا عقول السنيين البسيطة حسب مقياسهم هم بالذات. إن القسطنطينية بالنسبة للحاج إنما هي أكاديمية إضافية لنزعة الجامعة الإسلامية. فإن الحاج الذي استماله علماء القسطنطينية إنما يعود إلى موطنه مسلما ولد من جديد ، تغير تماما. فهو يتحول من إنسان بسيط ، شريف ، وحتى من تاجر طيب إلى بروفسور ، أستاذ ، يدعو إلى أفكار متسامية إلى حد أن السنة الجمع تنعقد من سماعها ، وبما أن الجمع لا يفهم ما لا يفهم الواعظ أيضا ، فإنه ينظر عفو الخاطر إلى استنبول بوصفها مركز الإيمان الصحيح الذي سينتقل إليه عاجلا أم آجلا صولجان الملكية المطلقة العالمية.

ـ 6 ـ
إن توجيه جميع مسلمي آسيا الوسطى الراغبين في الحج ، بالتدابير الادارية أو حتى بالتأثير في الأمير والخان (1) ، [ص 9] إلى مرافئ البحر الأسود يقابله الاستياء في وسط اعتاد على طرق القوافل المنطلقة عبر افغانستان وبومباي. وفي هذه السبل يسعى الحجاج وراء «هبات الله» أي أنهم يتاجرون ، الأمر الذي لا يستطيعون القيام به في سبل السفر البخارية.
لا ريب في أن بمقدور التأثير الروسي أن يجبر الأمير والخان على اصدار الأوامر بتوجيه حج السكان الخاضعين لسلطتهما إلى حيث يشآن ، وأن إلى مرافئ البحر الأسود أيضا ، ولكن هل هذا ضروري لأجل سياستنا في آسيا الوسطى؟ كلا. يجب أن يبقى الأمير والخان في وسط السكان الخاضعين لسلطتهما مسلمين طيبين ، صادقي الإيمان ، لا يمسان العادات والأعراف الدينية من أي ناحية. وإذا كان بوسع الحاكم المسلم أن يقطع الرؤوس بلا حسيب ولا رقيب ، فإنه يمعن الفكر مرارا وتكرارا قبل أن يخالف القواعد الدينية والشعائر والمراسم الدينية.
قد لا تكون تذمر سكان بخارى أو سكان خوى هاما بحد ذاته ، ولكن نحن الروس تهمنا صداقة الشعوب الإسلامية الحدودية واخلاص حكامها سواء بسواء. [ظهر ص 9] وفضلا عن ذلك ، نرى أن ذلك القسم من السكان الذي يزدري شتى المخاطر حيال قداسة الحج يمكنه أن يزدري أيضا حتى الأوامر الصارمة للغاية ، بل ويقوم بالحج خفية عبر الممتلكات الآسيوية. وبحكم هذه الاعتبارات اعتقد انه من الأفضل الامتناع كليا عن أغلاق سبل القوافل من آسيا الوسطى ، والاكتفاء بانشاء مراكز حدودية لأجل إجراء فحص طبي للحجاج العائدين من الحج.
__________________
(*) المقصود أمير بخاى وخان هوى. المعرب.

ـ 7 ـ
ينبغي إلّا يلقى الحج أية حماية من جانب أصحاب السلطة ، ولهذا يبدو المشروع القائل بواجب المحافظين الاهتمام بتأمين المأكولات وبتسهيلات السفر أمرا غير مفهوم اطلاقا. وهل هناك شيء من هذا القبيل بالنسبة للحجاج المسيحيين؟ كلا ، على ما يبدو.
لنتذكر أن التنطيمات المضبوطة كفاية ليس دائما تتجاوب مع مصالح السياسة السائدة. فإن التنظيم المضبوط للشؤون الدينية الإسلامية في اورنبورغ وقازان قد اسفر عن اعتناق الملايين من السكان القرغيز للدين الإسلامي.
[ص 10] ولماذا هذا الجهد الجهيد لكي يصل المسلمون الحجاج إلى اكاديمية التعصب العمى بصورة مريحة جدّا؟ فإذا كان ذلك لأهداف محمودة ، مفعمة بالروح الإنسانية ، فمن الضروري بذلك القدر نفسه من الجهد او حتى قدرا أكبر من صالح الحجاج المسيحيين. أما إذا كانت هذه التدابير صحية بوجه الحصر ، فينبغي أن تكتفي بالتوصل إلى هدف واحد فقط هو أن لا يجلب الحجاج المسلمون معهم أمراضا معدية من الجزيرة العربية أو من بلاد ما بين النهرين.
إن نية التأكيد من سلامة صحة المسلمين عند اجتياز الحدود في الطريق إلى الأماكن المقدسة تتجاوز حتى حد المرغوب فيه من وجهة النظر الإسلامية. فإن المسلمين الذين يموتون في أثناء الحج يتطهرون بالتالي من كل ارضي ، من كل دنس. ولهذا لن يقابل المسلمون الحرص على معالجة المرضى (إذا لم يكونوا مصابين بأمراض معدية) بالتعاطف.
ـ 8 ـ
إن الأنظمة [ظهر ص 10] المضبوطة لا بعد من أن تبلغ دائما وعلى

العموم الأهداف المنشودة. أما التنظيم المصمم في القضية موضوع البحث ، فإنه بتمادي إلى حد أن العمد (الشيوخ) والجاويشية سيقتربون من وضع الموظف الحكوممي حتى مع الحق في المكافآت.
الجاويشية ضارون على العموم لأنهم «يدعون الحاح» إلى الأماكن المقدسة مبتزين من مهنتهك الكثير من المنافع. والجاويش المنتخب طوعا واختيارا يحظى بقسط من الاحترام من جانب جماعة الحجاج السائة ووراءه ، ولكن الجاويش المعيّن من فوق لن يحظى بهذا الأحترام. وإذا خطر في باله عند اجتياز الحدود أن يطبق أنظمة اوحوا له بها أو أمروه بتطبيقها ، فإن رفاقه الحجاج سيعلنونه بالكافر ويطردونه على الأرجح من بيئتهم. ويبقى للجاويش أو للعمدة (فيما وراء الحدود) أن يذعن لمتطلبات الجمهور ، وإذا كان في الجمهور حاج محنك فإنه لن يبقى للجاويش المعين غير أن يكون خادمه المطيع.
ودون الاستغراق في محاكمات شاسعة ومتعددة الجوانب بصدد هذه المسألة البالغة الشأن من الناحية السياسية كما هو عليها الحج ، أرى من الممكن الاكتفاء بالمبادئ التالية :
1 ـ الامتناع في كل حال من الأحوال عن اللجوء إلى التدابير غير العقلانية في توجيه الحجاج عبر مرافئ البحر الأسود والقسطنطينية.
2 ـ الامتناع عن اغلاق سبل القوافل القائمة في آسيا الوسطى من أجل الحج.
3 ـ إنشاء مراكز عبور على الخطوط الحدودية مع فرض رقابة صحية جدية على الحجاج العائدين.
4 ـ الامتناع عن اللجوء إلى أية تدابير حماية في صالح الحجاج المسلمين وبخاصة إلى تدابير تتفوق على تدابير العناية بالحجاج المسيحيين.

5 ـ ترك قضية تنظيم الحج للمسلمين مع منحهم الحق في تقديم المساعدة الطبية لمواطنيهم واقربائهم وأبناء قبائلهم (1).
__________________
(*) أرشيف الدولة التاريخي المركزي. المجموعة 1298. الفهرس. الأوراق 5 ـ 11. المخطوطة على ورق أبيض (22؟؟ 5 ، 27) ملحقة بأحدى صيغ «مشروع القواعد الموقتة بصدد حج المسلمين». تنشر للمرة الأولى.

فهرس المحتويات
حياة الرحالة العقيد الروسي عبد العزيز دولتشين 5
تمهيد 13
قائمة الحجاج المسلمين (ما عدا حجاج روسيا)
من 16 تموز (يوليو) 1890 إلى أول تموز 1894 م 38
قائمة السفن التي دخلت مرفأ جدة بالحجاج
من 16 تموز (يوليو) 1890 إلى أول تموز 1894 م 39
قائمة الادلة والوكلاء (بموجب تقرير القنصل في جدّة) عن سنة 1893 40
يوميات الرحلة إلى مكة المكرّمة 53
الفصل الأول : سري : تقرير دولتشين عن رحلته إلى الحجاز 133
الحدود 133
طوبوغرافية السطح 133
النباتات والحيوانات 135
المناخ 136
السكان (خارج المدن) 138
التجارة والصناعة عند السكان الرحل 143
الوضع السياسي في الحجاز 144
التقسيم الإداري 148
القوات المسلحة 149
ميزانية الحجاز 152

الفصل الثاني : أساليب وسبل حركة الحج في الحجاز 155
خصائص ظروف المواصلات 155
القافلة والركب 155
البدو وعمليات النهب والإعتداء 157
المحملان السوري والمصري 160
سبل الحجاج في الحجاز 162
الطريق من جدّة إلى مكة ومنها إلى عرفات 163
السبل بين مكة والمدينة المنورة 166
الطريق بين المدينة المنورة وينبع 175
مسيرة المحمل السوري 177
مسيرة المحمل المصري (من المدينة المنورة إلى الوجه) 178
الفصل الثالث : مكة المكرّمة والمدينة المنورة وغيرهما من النقاط الآهلة
في الحجاز وأهميتها من حيث الحج 179
مكة المكرّمة 179
موقع المدينة 179
البيوت 179
المباني العامة 182
الشوارع 183
السكان 183
أشغال سكان مكة 188
النظام النقدي 191
تجارة الرقيق 192
الظروف الصحية في مكة. الماء 196
حالة البيوت 197
حالة الشوارع والبازارات 198
المسلخ 198
المقبرتان 199

الظروف المناخية في مكة 199
المستشفى والصيدليات 200
السلطات الادارية والقضائية في المدينة 201
البريد والبرق 202
مدينة الطائف 203
المدينة المنورة 203
الشوارع 204
البيوت 206
سكان المدينة وأشغالهم 206
الظروف الصحية في المدينة المنورة 210
الماء 210
حالة البيوت 211
حالة الشوارع 211
المسلخ 212
المقبرة 212
الظروف المناخية 212
المستشفى 214
المدارس الدينية في المدينة المنورة 214
المكتبات 219
سلطات المدينة 219
البساتين في ضواحي المدينة المنورة 220
المدينة المنورة بوصفها منفى 221
ينبع. موقع المدينة والبيوت 222
السكان وأشغالهم 222
الظروف الصحية في ينبع 223
الظروف المناخية 225
سلطات المدينة 225
جدّة 225

الفصل الرابع : عن الحج عموما 227
ما هو الحج 227
المسجد الكبير في مكة 228
الآيات القرآنية المتعلقة بالحج 235
شعائر الحج 238
زيارة الآثار في ضواحي مكة 242
السجود أمام قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم في المدينة المنورة 242
المسجد الكبير في المدينة المنورة 243
زيارة الآثار الأخرى في ضواحي المدينة المنورة 244
الفصل الخامس : حج المسلمين الروس 247
عدد الحجاج المسلمين الروس سنة 1898 م 247
أصناف الحجاج 247
الأسباب الرئيسية التي تحمل على الحج 249
مقدار المبلغ الضروري لأجل الحج 250
الاستعدادات للسفر 251
الحصول على جوازات السفر 252
الخروج من حدود روسيا 253
القسطنطينية بوصفها نقطة متوسطة هامة 255
السفر إلى جدّة 255
النزول في جدّة أو في ينبع 257
الرأس الأسود 258
الانتقال إلى مكة 260
الوصول إلى مكة والإقامة 261
الإقامة في مكة قبل الإنطلاق إلى عرفات 261
الإنطلاق إلى عرفات 262
الإقامة في عرفات 263
المزدلفة 264

منى 264
العودة إلى مكة ورحيل الحجاج 268
الانتقال إلى المدينة المنورة 269
الإقامة في المدينة المنورة 269
الذهاب إلى ينبع 270
الإقامة في ينبع 272
المحجر الصحي في الطور 275
المحجر الصحي في بيروت 284
زيارة القدس ودمشق والقاهرة 286
عودة الحجاج إلى روسيا 287
تأثير الحج في مسلمينا 287
تأثير حجاجنا في سكان الحجاز 291
تأثير سائر الأمم الأوروبية 292
الفصل السادس : الحجاج من الدول الأخرى 293
القشغريون 293
الفرس 294
الاتراك 297
السوريون 298
المصريون 298
المغاربة 300
الافغان 301
سكان الهند 301
الماليزيون 302
سكان الساحل الشرقي من افريقيا 302
سكان الجزيرة العربية 302
الفصل السابع : الكوليرا في الحجاز 307
الأوبئة المعروفة في القرن الحالي 309

الأسباب التي تساهم في نشوب واشتداد الأوبئة في الحجاز 312
طبقة الحجاج المعدمة 321
الملاحق 331
الملّا ميرزا عليم ابن دام الله ميرزا رحيم طشقندي يصف طريق الحاج 333
وصف بوابات كعبة الله والأماكن المقدسة حيث يمكن
أن يقبل [الله] صلوات المؤمنين 339
منطقة المسلمين المقدسة في الجزيرة العربية
مقتطفات من ذكريات الحاج سليم غيري سلطانوف 345
مكة مدينة المسلمين المقدسة : مقتطفات من ذكريات الحاج عيشايف 371
الفصل الأول : مدينة جدّة 371
الفصل الثاني : من جدّة إلى محطة حدّة 374
الفصل الثالث : محطة حدّة والوصول إلى مدينة مكة 375
الفصل الرابع : مدينة مكة 382
الفصل الخامس : شريف مكة. المحكمة. الحجاج والأدلة 391
الحج (من وجهة نظر روسية) 393
1