Advertisement

قواعد الفقه002

http://www.shamela.ws تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة

الكتاب: قواعد الفقه
المؤلف: محمد عميم الإحسان المجددي البركتي
الناشر: الصدف ببلشرز - كراتشي
الطبعة: الأولى، 1407 - 1986
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] يتقبله بِقبُول حسن وَأَن يَجعله مُفِيدا للطالبين وَأَرْجُو كل نَاظر فِيهِ أَن لَا ينسوني عَن صَالح الدُّعَاء ويصفحوا أَن عثروا على نقص أَو وَهن أَو خطاء وأشكر الله تبَارك وَتَعَالَى وأحمده على مَا أولى على من الآئه وأفاض من نعمائه وَصلى وَأسلم على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين معلم الْكتاب وَالْحكمَة نَبِي الرَّحْمَة وَكَاشف الْغُمَّة وعَلى آله وَصَحبه الَّذين هم هداة الْأمة وَالْحَمْد لله أَولا وآخرا
دكة باكستان الشرقية وَأَنا الْفَقِير الى الله عبد ربه الولى السَّيِّد مُحَمَّد عميم الأحسان المجددي البركتي الشهير بالمفتى 12 ربيع الأول عَفا الله تَعَالَى عَنهُ سنه 1380 قَالَ الشَّاعِر الصدوق مساور الْوراق يمدح الإِمَام الْأَعْظَم أَبَا حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
إِذا مَا النَّاس يَوْمًا قايسونا
بابدة من الْفتيا طريفه ... اتيناهم بمقياس صَحِيح
تلاد من طراز أبي حنيفَة ... إِذا سمع الْفَقِيه بهَا وعاها
وأثبتها بحبر فِي صحيفَة
قَالَ الإِمَام الْحجَّة الزَّاهِد أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث عبد الله بن الْمُبَارك رَضِي الله عَنهُ
لقد زَان الْبِلَاد وَمن عَلَيْهَا
إِمَام الْمُسلمين أَبُو حنيفَة ... بآثار وَفقه فِي حَدِيث
كأيات الزبُور على الصَّحِيفَة ... فَمَا فِي المشرقين لَهُ نَظِير
وَلَا بالمغربين وَلَا بكوفة
قَوَاعِد الْفِقْه الْمُفْتِي السَّيِّد مُحَمَّد عميم الْإِحْسَان المجددي البركتي
(1/559)

الرسَالَة الْخَامِسَة فِي رسم الْمُفْتى وآدب الْإِفْتَاء وَمَا يتَعَلَّق بالمفتى والمستفتي
(1/561)

2 - بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد لله الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق والصلوة وَالسَّلَام على من أَمر بتبليغ مَا أنزل اليه من ربه سيدنَا مُحَمَّد سيد الْمُرْسلين وَخَاتم النَّبِيين صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى اله وَأَصْحَابه وَسلم فَهُوَ أول من قَامَ بِهَذَا المنصب الشريف فَكَانَ يُفْتى بوحيه تَعَالَى فَكَانَت فَتَاوَاهُ صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ واله وَسلم جَوَامِع الْأَحْكَام ثمَّ قَامَ بالفتوى عِصَابَة الْإِسْلَام الصَّحَابَة رضى الله عَنْهُم وَالَّذين حفظت عَنْهُم الْفَتْوَى مائَة ونيف وَثَلَاثُونَ نفسا بَين رجل وَامْرَأَة وانتهت علومهم إِلَى السِّتَّة على وَعبد الله وَعمر وَزيد بن ثَابت وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي بن كَعْب وانتهت عُلُوم هَؤُلَاءِ السِّتَّة إِلَى عَليّ أبن مَسْعُود رَضِي الله عَنْهُم فأنتشر الدّين وَالْفِقْه فِي الْأمة خُصُوصا عَن أَصْحَاب أبن مَسْعُود وعَلى من المفاتي بِالْكُوفَةِ كعلقمة بن قيس النَّخعِيّ وَالْأسود بن يزِيد وَعَمْرو بن شرحيبل ومسروق بن الأجدع وأقرانهم ثمَّ بعدهمْ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فَقِيه أهل الْكُوفَة وَأَمْثَاله ثمَّ بعدهمْ حَمَّاد ابْن أبي سُلَيْمَان وأشباهه ثمَّ بعدهمْ أَبُو حنيفَة وَمن حذا حذوه ثمَّ بعد هم أَصْحَاب أبي حنيفَة رَضِي الله عَنهُ كَأبي يُوسُف القَاضِي وَمُحَمّد الشَّيْبَانِيّ وَغَيرهمَا رَضِي الله عَنْهُم وَهَذِه سلسلة الذَّهَب من أَئِمَّة الدّين فِي الْقُرُون الْمَشْهُود لَهَا بِالْخَيرِ وَقد الْتزم بمذهبهم أَزِيد من شطر أهل الْإِسْلَام قَالَ عبد ربه الولى السَّيِّد مُحَمَّد عميم الْإِحْسَان بن السَّيِّد عبد المنان المجددي البركتي الشهير بالمفتى وَقد وصل إِلَيْنَا علومهم رضى الله تَعَالَى عَنْهُم ونفعنا بعلومهم وحشرنا فِي زمرتهم باتصال السَّنَد عَن أكَابِر الدّين من الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء باني أخذت الْفِقْه
(1/562)

عَن شَيخنَا الْفَقِيه الْمُحدث مَوْلَانَا مشتاق أَحْمد الكانفوري وصحبت كم سِنِين مستفيدا بِعُلُومِهِ وَهُوَ عَن أَبِيه شيخ الزَّمن مَوْلَانَا أَحْمد حسن الْمُفْتِي لطف الله عَن الْمُفْتى عنايت أَحْمد عَن مَوْلَانَا بزرك على والشاه مُحَمَّد أسحق عَن الشاه عبد الْعَزِيز عَن أَبِيه مُسْند الْوَقْت الشاه ولي الله الْمُحدث وتلميذه الشَّيْخ الْفَقِيه نور الله البدهانوى والشاه ولى الله قَرَأَ على وَالِده الشاه عبد الرَّحِيم عَن مرزا مُحَمَّد زاهد عَن مرزا فَاضل عَن ملا يُوسُف الكوهج عَن مرزا جَان عَن الْمُحَقق جلال الدّين الدواني عَن وَالِده سعد الدّين اِسْعَدْ عَن السَّيِّد السَّنَد الشريف الْجِرْجَانِيّ وَالسَّيِّد السَّنَد قَرَأَ الْفِقْه والفنون الشَّرْعِيَّة على أكمل الدّين البابرتى صَاحب الْغَايَة عَن قوام الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الكاكى عَن حسام الدّين السغناقي عَن حَافظ الدّين الْكَبِير البُخَارِيّ عَن شمس الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن عبد الستار الْكرْدِي عَن صَاحب الْهِدَايَة عَليّ بن أبي بكر عَن أَحْمد بن عمر النَّسَفِيّ عَن أَبِيه عَن أبي الْيُسْر مُحَمَّد الْبَزْدَوِيّ عَن أبي يَعْقُوب يُوسُف السياري عَن أبي اسحق النوقدي عَن أبي الْقَاسِم الصفار عَن نصر بن يحيى عَن مُحَمَّد ابْن سَمَّاعَة عَن الإِمَام أبي يُوسُف عَن الإِمَام أبي حنيفَة ح وَصَاحب الْهِدَايَة أَيْضا أَخذ الْفِقْه عَن فَخر الْإِسْلَام البزودي عَن شمس الْأَئِمَّة الْحلْوانِي عَن القَاضِي أبي عَليّ النَّسَفِيّ عَن الإِمَام أبي بكر مُحَمَّد بن الْفضل البُخَارِيّ عَن الإِمَام أبي بكر مُحَمَّد عبد الله السبذموني عَن الإِمَام عبد الله أبي حَفْص الصَّغِير البُخَارِيّ عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ عَن الإِمَام أبي حنيفَة رح عَن حَمَّاد عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ عَن عَلْقَمَة عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه وَسلم عَن جبرئيل عَن الله تَعَالَى جلّ وَعلا فَالْحَمْد لله
(1/563)

أدب الْمُفْتِي
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
اللَّهُمَّ وَلَك الْحَمد وَالْمجد صل وَسلم على سيدنَا مُحَمَّد شَارِع أَحْكَام الْإِسْلَام ناهج الْحَلَال وَالْحرَام وعَلى آله وَصَحبه الْكِرَام وَبعد فَيَقُول عبد ربه الْوَلِيّ السَّيِّد مُحَمَّد عميم الْإِحْسَان بن السَّيِّد عبد المنان المجددي البركتي الْحَنَفِيّ الْمُفْتِي بِجَامِع بكلكته سَابِقًا وَرَئِيس الأساتذة بِالْمَدْرَسَةِ الْعَالِيَة بدكة حَالا هَذَا مُخْتَصر فِي بَيَان آدَاب الْإِفْتَاء جمعتها من كتب عُلَمَائِنَا وفقهائنا رَحِمهم الله تَعَالَى لينفع من تصدى للإفتاء بِاللِّسَانِ والبنان وسميته أدب الْمُفْتِي وَالله تَعَالَى المسؤول مِنْهُ الْقبُول بِحرْمَة سيدنَا ومولانا مُحَمَّد الرَّسُول صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه وَأَتْبَاعه أَجْمَعِينَ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
علم الْفَتَاوَى علم تروي وَتبين فِيهِ الْأَحْكَام الصادرة عَن الْفُقَهَاء فِي الوقائع الْجُزْئِيَّة ليسهل الْأَمر على القاسرين من بعدهمْ وَهُوَ من فروع علم الْفِقْه وَالسَّلَف لم يجوزوا والإجتراء على تقلد الْفتيا بل كَانُوا يعدون السُّكُوت وَالِاسْتِمَاع أفضل من الْكَلَام وَلم يكن أحد مِنْهُم إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ الحَدِيث والفتيا فَالسنة أَن لَا يتقلد من طوع قلب وَطيب نفس إِلَّا أَن يُقَلّد وَلَا يسْتَعْمل من لَهُ الْأَمر من يطْلب فَإِن من طلبه وكل إِلَى نَفسه وعَلى ولي الْأَمر أَن يبْحَث عَمَّن يصلح للْفَتْوَى وَيمْنَع من لَا يصلح فَمن كَانَ أَهلا لَهُ وقلد لَا يكره لَهُ الْإِفْتَاء فَإِن الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم كَانُوا يفتون فِي الْحَوَادِث
(1/564)

وَهَكَذَا توارث الْمُسلمُونَ وَقَالَ تَعَالَى {فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ} وَأما إِذا لم يُوجد أفضل مِنْهُ وأكره عَلَيْهِ فيفترض عَلَيْهِ فعلى الْمُفْتِي أَن لَا يُفْتِي إِلَّا فِيمَا يَقع من الْمُهِمَّات الدِّينِيَّة دون الغوامض وَإِن سُئِلَ عَمَّا يشك فِيهِ يَقُول لَا أَدْرِي حَتَّى يُرَاجع الْكتب وَالْعُلَمَاء ويشاورهم وَنظر أحسن أقاويلهم ثمَّ يُفْتِي بِمَا رَآهُ صَوَابا لَا بِغَيْرِهِ وَكَانَ عمر رَضِي الله عَنهُ رُبمَا يجمع أهل بدر كلهم فِي وَاقعَة وَيَنْبَغِي أَن لَا يطْلب بالفتيا سيادة وَلَا رياسة وَلَا إقبال النَّاس عَلَيْهِ وَلَا سبي قُلُوبهم لجلب النَّفْع مِنْهُم وَكسب الجاه عَنْهُم بل يَنْوِي حسبَة للثَّواب من الله عز وَجل وابتغاء لمرضاته وإعلاء لكلمته ونصرة لدينِهِ وَأَدَاء للأمانة عِنْدهم إِلَى من يعقبهم من إخْوَان الدّين فَإِن ذَلِك فرض عَلَيْهِ ويعظم أَمر الْإِفْتَاء فقد كَانَ الإِمَام أَبُو يُوسُف إِذا استفتى فِي مَسْأَلَة اسْتَوَى وارتدى وتعمم ثمَّ أفتى تَعْظِيمًا للإفتاء وَأما شَرَائِط الْفَتْوَى فَقَالَ الإِمَام مُحَمَّد رح إِذا كَانَ صَوَابه أَكثر من خطأه يحل لَهُ أَن يُفْتِي بِرَأْيهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُف رح لَا يحل لَهُ أَن يُفْتِي حَتَّى يعرف أَحْكَام الْكتاب وَالسّنة والناسخ والمنسوخ وأقاويل الْعلمَاء والمتشابه ووجوه الْأَحْكَام وَقَالَ الْأَمَام أَبُو حنيفَة رح لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي بقولنَا مَا لم يعلم من أَيْن قُلْنَا وَقَالَ الْفَقِيه أَبُو اللَّيْث رح لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يُفْتِي إِلَّا أَن يعرف أقاويل الْعلمَاء وَيعلم من أَيْن قَالُوا وَيعرف معاملات النَّاس فَإِن عرف أقاويل الْعلمَاء لم يعرف مذاهبهم فَإِن سُئِلَ عَن مَسْأَلَة يعلم أَن الْعلمَاء الَّذين تنتحل مذاهبهم قد اتَّفقُوا عَلَيْهَا فَلَا بَأْس بِأَن يَقُول هَذَا جَائِز وَهَذَا لَا يجوز وَيكون قَوْله على سَبِيل الْحِكَايَة وَإِن كَانَت مَسْأَلَة قد اخْتلفُوا فِيهَا فَلَا بَأْس بِأَن يَقُول هَذَا جَائِز فِي قَول فلَان وَلَا يجوز فِي قَول فلَان وَلَا يجوز لَهُ أَن يخْتَار قولا فيجيب بقول بَعضهم مَا لم يعرف حجَّته قَالَ أَبُو بكر
(1/565)

وَأَن حفظ جَمِيع كتب أَصْحَابنَا فَلَا بُد أَن يتلمذ للْفَتْوَى حَتَّى يَهْتَدِي إِلَيْهِ فَيجب أَن يكون الْمُفْتى هُوَ الماهر الَّذِي أَخذ الْعلم عَن أَهله وَصَارَت لَهُ ملكة نفسانية ويميز الصَّحِيح من غَيره وَيعلم الْمسَائِل وَمَا يتَعَلَّق بهَا على الْوَجْه الْمُعْتَمد فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُفْتى النَّاس وَيصْلح أَن يكون وَاسِطَة بَينهم وَبَين الله أما غَيره إِذا تسور هَذَا المُصَنّف يلْزم التعزيز البليغ والزجر الشَّديد وَالْفَاسِق لَا يصلح مفتيا على الْأَصَح وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمُفْتى عدلا موثوقا بِهِ فِي عفافه وعقله وصلاحه وفهمه عَالما بِالْكتاب وَالسّنة والأثار ووجوه الْفِقْه اجْتِهَاد الرَّأْي الا أَن يُفْتى بشئ قد سَمعه أَو علمه من كتاب فَإِنَّهُ يجوز وَأَن لم يكن عَالما بِمَا ذكرنَا من الْأَدِلَّة لِأَنَّهُ حاك بِمَا سمع وَعلم من غَيره فَهُوَ بِمَنْزِلَة الرَّاوِي فِي بَاب الحَدِيث فَيشْتَرط الْعقل والضبط وَالْعَدَالَة والفهم وَلَا اخْتِلَاف فِي اشْتِرَاط الْإِسْلَام وَشرط بَعضهم تيقظه نعم لَا يشْتَرط أَن يكون حرا وَلَا ذكرا وَلَا ناطقا فَيصح إِفْتَاء الْأَخْرَس حَيْثُ فهمت إِشَارَته بل النَّاطِق أَن قيل لَهُ أَيجوزُ هَذَا فحرك رَأسه أَي نعم جَازَ أَن يعْمل بإشارته وينبغى أَن يكون منزها عَن خوارم الْمُرُوءَة فَقِيه النَّفس سليم الذِّهْن حسن التَّصَرُّف وَفِي اشْتِرَاط الْحساب لتصحيح مسَائِله وَجْهَان وَيشْتَرط أَن يحفظ مَذْهَب إِمَامه وَيعرف قَوَاعِده وأساليبه وَلَيْسَ للأصولي الماهر وَكَذَا الباحث فِي الْخلاف من الْأَئِمَّة وفحول المناظرين أَن يُفْتى فِي الْفُرُوع وَيجوز للشاب الْفَتْوَى إِذا كَانَ حَافِظًا للروايات وَاقِفًا على الدرايات محافظا على الطَّاعَات مجانبا عَن الشَّهَوَات والشبهات و
(1/566)

الْعَالم كَبِير وَأَن كَانَ صَغِيرا وَالْجَاهِل صَغِير وَأَن كَانَ كَبِيرا وَيَنْبَغِي أَن يكون الْمُفْتى بَابه مَفْتُوحًا ومستفتيه غير مَرْدُود وَيسْتَعْمل الرِّفْق والحلم والتواضع وَلَا يكون جبارا عنيدا وَلَا فظا غليظا فَائِدَة الْمُفْتى عِنْد الْأُصُولِيِّينَ هُوَ الْمُجْتَهد وَتَكَلَّمُوا فِيهِ قَالَ بَعضهم من سُئِلَ عَن عشر مسَائِل مثلا فَيُصِيب فِي الثَّمَانِية ويخطئ فِي الْبَقِيَّة فَهُوَ مُجْتَهد وَقَالَ بَعضهم لابد للِاجْتِهَاد من حفظ الْمَبْسُوط وَمَعْرِفَة النَّاسِخ والمنسوخ والمحكم والمؤول وَالْعلم بعادات النَّاس وعرفهم وَالله أعلم وَأما من يحفظ أَقْوَال الْمُجْتَهدين فَلَيْسَ بمفت وفتواه لَيست حَقِيقِيَّة بل هُوَ نقل كَلَام وَالْإِطْلَاق عَلَيْهِ مجَاز وَلَكِن حل لَهُ الْإِفْتَاء أَن كَانَ صَوَابه أَكثر من خطائه وَأَن لم يكن من أهل الِاجْتِهَاد نعم لَا يُفْتى الأبطريق النَّقْل والحكاية فيحكى مَا يحفظ من اقوال الْفُقَهَاء وَطَرِيق من كتاب مَعْرُوف وتداولته الْأَيْدِي وَالثَّانِي هُوَ الْمُخْتَار فِي عصرنا قَالَ أَبُو بكر الرَّازِيّ (رح) فَأَما مَا يُوجد من كَلَام رجل ومذهبه فِي كتاب مَعْرُوف بِهِ وَقد تداولت النّسخ يجوز لمن نظر فِيهِ أَن يَقُول قَالَ فلَان كَذَا وَفُلَان كَذَا وَأَن لم يسمعهُ من أحد نَحْو كتب مُحَمَّد (رح) والموطأ لمَالِك (رح) وَنَحْو هما من الْكتب المصنفة فِي أَصْنَاف الْعلم لِأَن وجودهَا على هَذَا الْوَصْف بِمَنْزِلَة الْخَبَر الْمُتَوَاتر والمستفيض وَلَا يحْتَاج مثله إِلَى إِسْنَاد وَالله أعلم
(1/567)

فَائِدَة لابد للمفتى أَن يعلم حَال من يُفْتى بقوله وَلَا يَكْفِيهِ مَعْرفَته باسمه وَنسبه بل لابد من معرفَة دَرَجَته فِي الرِّوَايَة والدراية بِأَن يعرف أَنه من أَي طبقَة الْفُقَهَاء ليَكُون على بَصِيرَة فِي التَّمْيِيز بَين الْقَائِلين المتخالفين وعَلى قدرَة كَافِيَة فِي التَّرْجِيح بَين الْقَوْلَيْنِ المتعارضين فَليعلم أَنهم على سبع طَبَقَات الأولى طبقَة الْمُجْتَهدين فِي الشَّرْع كالأئمة الْأَرْبَعَة الإِمَام أبي حنيفَة النُّعْمَان (رح) الْمُتَوفَّى سنة (150) وَالْإِمَام مَالك (رح) الْمُتَوفَّى سنة (179) وَالْإِمَام الشَّافِعِي (رح) الْمُتَوفَّى سنة (204) وَالْإِمَام أَحْمد (رح) الْمُتَوفَّى سنة (241) رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم الثَّانِيَة طبقَة الْمُجْتَهدين فِي الْمَذْهَب كَالْإِمَامِ أبي يُوسُف الْمُتَوفَّى سنة (182) وَالْإِمَام مُحَمَّد بن الْحسن الْمُتَوفَّى سنة (189) وَالْإِمَام زفر الْمُتَوفَّى سنة (158) وَالْإِمَام حسن بن زِيَاد الْمُتَوفَّى سنة (204) وَالْإِمَام حَمَّاد بن الإِمَام الْأَعْظَم الْمُتَوفَّى سنة (176) وَبَقِيَّة أَصْحَاب أبي حنيفَة القادرين على اسْتِخْرَاج الْأَحْكَام من الْأَدِلَّة على مُقْتَضى الْقَوَاعِد الَّتِي قررها أستاذهم الإِمَام الْأَعْظَم فِي الْأَحْكَام وَأَن خالفوه فِي بعض أَحْكَام الْفُرُوع لَكِن يقلدونه فِي قَوَاعِد الْأُصُول غَالِبا وَبِه يمتازون عَن المعارضين فِي الْمَذْهَب كَالْإِمَامِ الشَّافِعِي وَغَيره الثَّالِثَة طبقَة الْمُجْتَهدين فِي الْمسَائِل الَّتِي لَا نَص فِيهَا عَن صَاحب الْمَذْهَب كالخصاف سنة (261) والطحاوى والمتوفى سنة (321) والكرخي الْمُتَوفَّى سنة (340) وشمس الْأَئِمَّة الحلوني الْمُتَوفَّى سنة (454) وشمس الْأَئِمَّة السَّرخسِيّ الْمُتَوفَّى سنة (490) وفخر الْإِسْلَام البردوى الْمُتَوفَّى سنة (484) وبرهان الدّين مَحْمُود بن الصَّدْر صَاحب الذَّخِيرَة وَالْمُحِيط وَالشَّيْخ طَاهِر بن أَحْمد صَاحب خُلَاصَة الْفَتَاوَى الْمُتَوفَّى سنة (542) وفخر الدّين قَاضِي خَان الْمُتَوفَّى سنة (592) وأبن الْهمام صَاحب التَّحْرِير وَفتح الْقَدِير الْمُتَوفَّى سنة (861) وأمثالهم فَإِنَّهُم
(1/568)

لَا يقدرُونَ على شئ من الْمُخَالفَة لَا فِي الْأُصُول وَلَا فِي الْفُرُوع لكِنهمْ يستنبطون الْأَحْكَام فِي الْمسَائِل الَّتِي لَا نَص فِيهَا على حسب الْأُصُول وَالْقَوَاعِد الرَّابِعَة طبقَة أَصْحَاب التَّخْرِيج من المقلدين كَأبي بكر الْجَصَّاص الرَّازِيّ الْمُتَوفَّى سنة (370) والجرجاني الْمُتَوفَّى سنة (398) والقدوري المتوفي سنة (428) والدبوسى المتوفي سنة (430) وإضرابهم فَإِنَّهُم لَا حاطتهم بالأصول وضبطهم للمأخذ يقدرُونَ على تَفْصِيل قَول مُجمل ذِي وَجْهَيْن وَحكم مُبْهَم مُحْتَمل لأمرين مَنْقُول عَن صَاحب الْمَذْهَب أَو وَاحِد من أَصْحَابه برأيهم ونظرهم فِي الْأُصُول والمقايسة على أَمْثَاله ونطائره من الْفُرُوع فَقَوْل صَاحب الْهِدَايَة كَذَا فِي تَخْرِيج الرَّازِيّ من هَذَا الْقَبِيل الْخَامِسَة طبقَة أَصْحَاب التَّرْجِيح من المقلدين كصاحب الْهِدَايَة برهَان الدّين المتوفي سنة (593) والاسبيجاني المتوفي سنة (535) وأبن كَمَال المتوفي سنة (940) والاوزجندي وَأبي السُّعُود وأمثالهم وشأنهم تَفْضِيل بعض الرِّوَايَات على بعض كَقَوْلِهِم هَذَا أولى وَهَذَا اصح رِوَايَة وَهَذَا أرْفق للنَّاس السَّادِسَة طبقَة المقلدين القادرين على التميز بَين الْأَقْوَى والضعيف وَالْمذهب وَالرِّوَايَة النادرة كأصاحب الْمُتُون الْأَرْبَعَة من الْمُتَأَخِّرين صَاحب الْكَنْز النَّسَفِيّ الْمُتَوفَّى سنة (710) وَصَاحب الْمُخْتَار مجد الدّين المتوفي سنة (683) وَصَاحب الْوِقَايَة تَاج الشَّرِيعَة المتوفي سنة (673) وَصَاحب الْمجمع مظفر الدّين المتوفي سنة (694) وأمثالهم وشأنهم أَن لَا ينقلوا الْأَقْوَال الْمَرْدُودَة وَالرِّوَايَات الضعيفة السَّابِعَة طبقَة المقلدين الَّذين لَا يقدرُونَ على مَا ذكر وَلَا يفرقون بَين الغث والثمين
(1/569)

الْفَائِدَة فقهاؤنا رَحِمهم الله تَعَالَى قسموا الْمسَائِل أَيْضا على دَرَجَات ليختار الْمُفْتى عِنْد التَّعَارُض مَا هُوَ من الدرجَة الْعليا وَلَا يرجح الدُّنْيَا فَليعلم أَن مسَائِل مَذْهَبنَا على ثَلَاث طَبَقَات الأولى مسَائِل الْأُصُول وَهِي مسَائِل ظَاهر الرِّوَايَة الَّتِي هِيَ مروية عَن أصَاحب الْمَذْهَب وهم الإِمَام أَبُو حنيفَة وصاحباه أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رَحِمهم الله تَعَالَى وَيُقَال لَهُم الْعلمَاء الثَّلَاثَة وَكتب ظَاهر الرِّوَايَة كتب مُحَمَّد السِّتَّة الْمَبْسُوط وَالْجَامِع الصَّغِير وَالْكَبِير وَالسير الْكَبِير وَالصَّغِير والزيادات كلهَا تأليف مُحَمَّد بن الْحسن وَمن مسَائِل ظَاهر الرِّوَايَة كتاب الْكَافِي للْحَاكِم الشَّهِيد المتوفي سنة (344) وَهُوَ كتاب مُعْتَمد فِي نقل الْمَذْهَب وَشَرحه جمَاعَة مِنْهُم الإِمَام السَّرخسِيّ وَهُوَ الْمَشْهُور بمبسوط السَّرخسِيّ وطبع بِمصْر قَالَ الطرسوسي لَا يعْمل بِمَا يُخَالِفهُ وَلَا يركن الا إِلَيْهِ وَلَا يُفْتى الا بِهِ وَلَا يعول الا عَلَيْهِ وَمن كتب الْمَذْهَب أَيْضا الْمُنْتَقى للْحَاكِم الشَّهِيد والطبقة الثَّانِيَة هِيَ مسَائِل غير ظَاهر الرِّوَايَة الَّتِي رويت عَن الْأَئِمَّة فِي غير كتب الْأُصُول أما فِي كتب آخر لمُحَمد كالكيانيات جمعهَا لرجل يُسمى كيان والجرجانيات جمعهَا بجرجان والهارونيات جمعهَا لهارون والرقيات جمعهَا حِين كَانَ قَاضِيا بالرقة أَو فِي غير كتب مُحَمَّد كالمجرد لِلْحسنِ بن زِيَاد وَمِنْهَا كتب الأمالى وَمِنْهَا الرِّوَايَات المتفرقة كَرِوَايَة أبن سَمَّاعَة وغيرة من مسَائِل مُخَالفَة لِلْأُصُولِ فَإِنَّهَا تعد من النَّوَادِر يُقَال نَوَادِر أبن سَمَّاعَة ونوادر هِشَام ونوادر ابْن رستم وَغَيره والطبقة الثَّالِثَة الفتاوي وَتسَمى الْوَاقِعَات وَهِي مسَائِل أستنبطها الْمُتَأَخّرُونَ من أَصْحَاب أبي يُوسُف وَمُحَمّد وَأَصْحَاب أصحابهما وَنَحْوهم وهلم جرا فِي الْوَاقِعَات الَّتِي لم تُوجد فِيهَا رِوَايَة عَن الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وهم كَثِيرُونَ فَمن أصحابهما مثل عِصَام ابْن يُوسُف وأبن رستم و
(1/570)

مُحَمَّد بن سَمَّاعَة وَأبي حَفْص البُخَارِيّ وَمن بعدهمْ مثل مُحَمَّد بن سَلمَة وَمُحَمّد بن مقَاتل ونصير بن يحيى وَأبي النَّصْر ابْن سَلام وَقد يتَّفق لَهُم أَن يخالفوا أَصْحَاب الْمَذْهَب لدلائل وَأَسْبَاب ظَهرت لَهُم واول كتاب جمع فِي فتاواهم كتاب النَّوَازِل لأبي اللَّيْث ثمَّ جمع المشائخ بعده كتبا آخر كمجموع النَّوَازِل والواقعات للناطفى والصدر الشَّهِيد ثمَّ ذكر الْمُتَأَخّرُونَ هَذِه الْمسَائِل مختلطة كَمَا فِي فَتَاوَى قاضيخان وَالْخُلَاصَة وميز بَعضهم كَمَا فِي مُحِيط السَّرخسِيّ فَإِنَّهُ ذكر أَولا مسَائِل الْأُصُول ثمَّ النَّوَادِر ثمَّ الْفَتَاوَى وَقد تقسم بِوَجْه آخر وَهُوَ أَنَّهَا على أَرْبَعَة أَقسَام قسم تقرر فِي ظَاهر الْمَذْهَب وَحكمه أَنهم يقبلونه فِي كل حَال وَافَقت الْأُصُول أَو خَالَفت وَقسم هُوَ رِوَايَة شَاذَّة عَن أبي حنيفَة وصاحبيه وَحكمه أَنهم لَا يقبلونه إِلَّا إِذا وَافق الْأُصُول وَقسم هُوَ تخريخ الْمُتَأَخِّرين اتّفق عَلَيْهِ جُمْهُور الاصحاب وَحكمه انهم يفتون بِهِ على وَحكمه أَن يعرض الْمُفْتِي على الْأُصُول والنظائر من كَلَام السّلف فَإِن وجده مُوَافقا لَهَا أَخذ بِهِ وَإِلَّا تَركه
مَسْأَلَة الْحَادِثَة إِذا وَقعت وَلم يجد الْمُفْتِي جَوَابا وَلَا نظيرا فِي كتب أَصْحَابنَا يستنبط من غَيرهَا أما من الْكتاب أَو من السّنة أَو غَيرهمَا مِمَّا هُوَ الْأَقْوَى فالأقوى فالمفتي فِي الوقائع لَا بُد لَهُ من ضرب اجْتِهَاد
فَائِدَة يَنْبَغِي للمفتي أَن يجْتَهد فِي الرُّجُوع إِلَى الْكتب الْمُعْتَمد عَلَيْهَا وَلَا يعْتَمد على كل كتاب مَا لم يعلم حَال مُؤَلفه وجلالة قدره
(1/571)

فَإِن وجد مَسْأَلَة فِي كتاب لم يُوجد لَهَا أثر فِي الْكتب الْمُعْتَمد عَلَيْهَا يَنْبَغِي أَن يتفصح ذَلِك فِيهَا فَإِن وجد فِيهَا وَإِلَّا لايجترىء على الْإِفْتَاء بهَا فَمن الْكتب الْمُعْتَبرَة الْمُعْتَمد عَلَيْهَا كتب ظَاهر الرِّوَايَة والنوادر والأمالي والرقيات والكيانيات والهارونيات والجرجانيات وَكتاب الْحجَج كلهَا لمُحَمد والأمالي والنوادر وَالْخَرَاج لأبي يُوسُف والمبسوط للسرخسي وَالْهِدَايَة والتجنيس والمزيد ومناسك الْحَج للمرغيناني وَالْمُحِيط للسرخسي والمبسوط للحلواني والبدائع الصَّنَائِع للكاساني الْمُتَوفَّى سنة 587 وَالْأَحْكَام لأبي بكر الرَّازِيّ وَشرح الطَّحَاوِيّ ومختصر الطَّحَاوِيّ وَشَرحه للجصاص والذخيرة لأبي بكر خُوَاهَر زَاده المتوفي سنة 473 وأدب القَاضِي وَكتاب الْوَقْف وَشرح الْوَاقِعَات للخصاف الْمُتَوفَّى سنة 261 وَشرح أدب القَاضِي للحسام الشَّهِيد الْمُتَوفَّى سنة 483 وعيون الْمسَائِل والواقعات والنوازل وخزانة الْأَكْمَل للفقيه أبي اللَّيْث الْمُتَوفَّى سنة 393 وخلاصة الْفَتَاوَى والواقعات للشَّيْخ طَاهِر وتتمة الْفَتَاوَى لأبي الْمَعَالِي وفتاوى قَاضِي خَان والفتاوى الْكُبْرَى للخاصي وفتاوى ظهير الدّين الْمُتَوفَّى سنة 619 والقنية للزاهدي المتوفي سنة 658 قيل لَا والبغية للقونوي المتوفي سنة 770 ومنية الْمُفْتِي للسجستاني والأجناس وَالرَّوْضَة للناطفي سنة 446 ومختصر الْقَدُورِيّ وَشَرحه الْجَوْهَرَة النيرة للحدادي والأسرار لأبي زيد وَالْمُخْتَار وَشَرحه الِاخْتِيَار لأبي الْفضل الْموصِلِي الْمُتَوفَّى سنة 683 والكنز الوافي وَشَرحه لأبي البركات النَّسَفِيّ الْمُتَوفَّى سنة 710 وتبيين الْحَقَائِق للزيلعي الْمُتَوفَّى سنة 743 وَمجمع الْبَحْرين لِأَبْنِ الساعاتي الْمُتَوفَّى سنة 694 ودرر الْبحار للرهاوي والوقاية لتاج الشَّرِيعَة ومختصره النقابة لصدر الشَّرِيعَة والشروح السَّبْعَة للجامع الصَّغِير لأبي اللَّيْث ولقاضي خَان وللحسامي وللبرهان وللصدر الشَّهِيد
(1/572)

وللعتابي وللتمرتاشي وَالْكَافِي والمنتقى للْحَاكِم الشَّهِيد الْمُتَوفَّى سنة 334 وَالْمَنَافِع لقاسم بن يُوسُف والملتقط شرح الزِّيَادَات ومواهب الرَّحْمَن وَشَرحه الْبُرْهَان لإِبْرَاهِيم الطرابلسي الْمُتَوفَّى سنة 922 والواقعات للصدر الشَّهِيد وغنية الْفُقَهَاء وعمدة الْمُفْتِي والتجريد وَالرَّوْضَة ومختار الْفَتَاوَى وفتاوى الرَّازِيّ والسراجية وَكتاب الْمَنْظُومَة فِي خلافيات لابي حَفْص النَّسَفِيّ ومختارات النَّوَازِل وَفتح الْقَدِير لِابْنِ الْهمام والكفاية للكرلاني وَنِهَايَة الْكِفَايَة لتاج الشَّرِيعَة والعناية للبابرتي والبناية للعيني وفتاوي الرستغفنى وفتاوي الاسبيجابي المتوفي سنة (535) وفتاوي حسام الدّين الرزاي المتوفي سنة (593) وفتاوي الْحلْوانِي وفتاوي الْكرْمَانِي المتوفي سنة (543) والفتاوي الْبَزَّازِيَّة للكردي المتوفي سنة (827) والتتارخانية للعلائي المتوفي سنة (686) والفتاوي الْهِنْدِيَّة ودرر الْبحار للقونوي المتوفي سنة (788) والدر الْمُخْتَار للحصكفي المتوفي سنة (1088) وحاشية الدّرّ للطحطاوي ورد الْمُحْتَار لِابْنِ عابدين وحاشيته التَّحْرِير الْمُخْتَار والدرر شرح الْغرَر لملا خسرو المتوفي سنة (885) والدر المتنقى وَمجمع الْأَنْهُر والأشباه والنظائر وَالْبَحْر الرائع وتنقيح الحامدية والفتاوي الْخَيْرِيَّة والإمداد ومختصرات مراقي الْفَلاح للشرنبلالي المتوفي سنة (1069) وَشرح الْوِقَايَة ونظم ابْن وهبان وَفتح بَاب الْعِنَايَة وعمدة الْحُكَّام وَنور الْإِيضَاح ومجلة الْأَحْكَام العدلية ومنية الْمُصَلِّي وغنية الْمُسْتَمْلِي والفتاوي الْعمادِيَّة وجامع الْفُصُولَيْنِ والسراجي والشريفي فِي الْفَرَائِض وَشرح الْمَنَاسِك للقارئ وَغير ذَلِك من الْكتب المبسوطة والموجزة والمتأخرون قد اعتمدوا على الْمُتُون الْأَرْبَعَة الْوِقَايَة والكنز وَالْمُخْتَار وَمجمع الْبَحْرين
(1/573)

وَقَالُوا الْعبْرَة لما فِيهَا عِنْد تعَارض مَا فِيهَا وَفِي غَيرهَا لما عرفُوا من جلالة قدر مؤلفيها والتزامهم إِيرَاد مسَائِل ظَاهر الرِّوَايَة والمسائل الَّتِي اعْتمد عَلَيْهَا المشائخ وَلَا يَنْبَغِي الْإِفْتَاء من الْكتب المختصرة كالنهر وَشرح الْكَنْز للعيني والدر الْمُخْتَار والأشباه وأشباهها وان كَانَت مُعْتَبرَة مَا لم يستعن بالحواشي والشروح اَوْ بعد نظر غائر وفكر دائر حَتَّى لَا يَقع فِي الْغَلَط وَكَذَا مَا عز وندر وجوده من الْكتب كَأَنَّهُ مَفْقُود لَكِن يخْتَلف هَذَا بِحَسب الْأَزْمَان والإعصار وَلَا يجوز الْإِفْتَاء على شرح الْكَنْز للملا مِسْكين وَشرح النقابة للقهستاني لعدم الإطلاع على حَال مؤلفيها وَكَذَا على الْقنية وَالْحَاوِي والسراج لنقل الْأَقْوَال الضعيفة إِلَّا إِذا علم الْمَنْقُول عَنهُ من الْكتب الْمُعْتَبرَة وَكَذَا لَا يعْتَمد على مُشْتَمل الْأَحْكَام وكنز الْعباد ومطالب الْمُؤمنِينَ وخزانة الرِّوَايَات وشرعة الْإِسْلَام وَقيل مُعْتَبر والفتاوى الصُّوفِيَّة والفتاوى الطوري وفتاوى إِبْرَاهِيم شاهي وفتاوى ابْن نجيم وَشرح الْكَنْز لأبي المكارم وخلاصة الكيداني وَالْحكم فِي هَذِه الْكتب الْغَيْر الْمُعْتَبرَة أَن لَا يُؤْخَذ مِنْهَا مَا كَانَ مُخَالفا لكتب الطَّبَقَة الْعليا ويتوقف فِي مَا وجد فِيهَا من الْمسَائِل وَلم يُوجد فِي غَيرهَا مَا لم يدْخل ذَلِك فِي أصل شَرْعِي وَالله اعْلَم
فَائِدَة كلمة عِنْد تدل على الْمَذْهَب وَعَن تسْتَعْمل فِي الرِّوَايَة وَقَالُوا عَامَّة فِيمَا فِيهِ اخْتِلَاف وَلَا يجْزم بالضعيف بِصِيغَة التمريض كقيل وَيُقَال إِلَّا بِقَرِينَة السِّيَاق أَو الْتِزَام قَائِله كمؤلف الملتقي وَالْكَرَاهَة إِذا أطلقت فَالْمُرَاد بهَا التَّحْرِيم وَقد يُرَاد بهَا التَّنْزِيه وَالسّنة إِذا أطلقت فَهِيَ الْمُؤَكّدَة وَقد يُرَاد بهَا الْمُسْتَحبّ كَعَكْسِهِ وَالْفَرْض
(1/574)

قد يُطلق على مَا لَا يَصح بِدُونِهِ وَإِن لم يكن ركنا وَقد يُطلق على مَا لَيْسَ بِفَرْض وَلَا شَرط والجائز قد يُطلق وَيُرَاد بِهِ مَا لم يمْتَنع شرعا فَيعم الْمُبَاح وَالْمَكْرُوه وَالْمَنْدُوب وَالْوَاجِب وَلَا بَأْس وَإِن كَانَ غَالب اسْتِعْمَاله فِيمَا تَركه أولى لكنه قد يسْتَعْمل فِي الْمَنْدُوب وَيَنْبَغِي يسْتَعْمل للنَّدْب وَقد يَجِيء للْوُجُوب وَلَا يَنْبَغِي لخلاف أولى وَقد يَجِيء للْحُرْمَة وكل ذَلِك بسياق الْكَلَام أَو بِالنَّصِّ فالمفتي يجب أَن يكون متيقظا ومجدا فِي فهم عِبَارَات الْفُقَهَاء وَلَا يُفْتِي إِلَّا بعد نظر وفكر فِي كَلَامهم كَيْلا يَقع فِي الْغَلَط ويتحمل أثقال النَّاس
مَسْأَلَة يجب إتباع مَا علم تَرْجِيحه عَن أَهله أَو مَا كَانَ ظَاهر وَلم يرجحوا خِلَافه فالمفتي إِذا استفتى فِي مَسْأَلَة إِن كَانَت الْمَسْأَلَة مروية عَن أَصْحَابنَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة لَا خلاف بَينهم يُفْتِي بقَوْلهمْ وَلَا يخالفهم بِرَأْيهِ وَإِن كَانَ مُجْتَهدا متقنا وَإِن كَانَت الْمَسْأَلَة المروية عَنْهُم مُخْتَلف فِيهَا فالفتوى مُطلقًا بقول الإِمَام الْأَعْظَم ثمَّ بقول أبي يُوسُف وَهُوَ المُرَاد بِالثَّانِي فِي عباراتهم ثمَّ بقول مُحَمَّد ثمَّ بقول زفر ثمَّ بقول الْحسن بن زِيَاد وَقيل أَن خَالف الإِمَام صَاحِبَاه فَالْخِيَار للمفتي الْمُجْتَهد وَقيل التَّرْجِيح بِقُوَّة الدَّلِيل وَقيل إِن كَانَ اخْتلَافهمْ اخْتِلَاف عصر وزمان فبقول صَاحِبيهِ وَالْأول أصح وَهَذَا فِيمَا لم يُوجد التَّرْجِيح من المرجحين فَإِذا وجد فَذَاك وَقد رجحوا قَول الإِمَام الزفر فِي سبع عشرَة مَسْأَلَة وَذَلِكَ فِي غير مَوضِع الضَّرُورَة أما فِي مَوضِع الضَّرُورَة فَيجوز الْعَمَل بالضعيف وَسَيَأْتِي وَإِن كَانَت الْمَسْأَلَة فِي غير ظَاهر الرِّوَايَة فَإِن كَانَت توَافق أصُول أَصْحَابنَا يعْمل بهَا وَإِن لم يُوجد لَهَا رِوَايَة عَن أَصْحَابنَا وَاتفقَ فِيهَا الْمُتَأَخّرُونَ على شَيْء يعْمل بِهِ وَإِن اخْتلفُوا فَالْقَوْل مَا قَالَ الطَّحَاوِيّ وَأَبُو حَفْص
(1/575)

الْكَبِير وَأَبُو اللَّيْث وَغَيرهم من أَصْحَاب التَّرْجِيح وَمن فَوْقهم فَإِن لم يُوجد فيجتهد ويفتي بِمَا هُوَ صَوَاب عِنْده وَإِن كَانَ الْمُفْتِي مُقَلدًا غير مُجْتَهد يَأْخُذ بقول من هُوَ أفقه النَّاس عِنْده ويضيف الْجَواب إِلَيْهِ وَإِن كَانَ أفقه النَّاس عِنْده فِي مصر آخر يرجع إِلَيْهِ بِالْكتاب وَلَا يجازف خوفًا من الإفتراء على الله تَعَالَى بِتَحْرِيم الْحَلَال وضده
مَسْأَلَة الْفَتْوَى على قَول الإِمَام أبي حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْعِبَادَات مُطلقًا مَا لم تصح رِوَايَة غَيره وَله رِوَايَة فِيهِ مثله
مَسْأَلَة الْفَتْوَى على قَول أبي يُوسُف فِيمَا يتَعَلَّق بِالْقضَاءِ وَالْفَتْوَى على قَول مُحَمَّد فِي مسَائِل ذَوي الْأَرْحَام
مَسْأَلَة إِذا كَانَ فِي مَسْأَلَة قِيَاس واستحسان يرجح الِاسْتِحْسَان إِلَّا فِي إِحْدَى عشرَة مَسْأَلَة ذكره ابْن نجيم وَذكر النَّسَفِيّ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين مَسْأَلَة مَسْأَلَة مَا خرج عَن ظَاهر الرِّوَايَة فَهُوَ مَرْجُوح وَلَا يجوز الحكم بالمرجوح فَلَا يُفْتِي بِمَا خرج عَن ظَاهر الرِّوَايَة وَكَذَا بِمَا رَجَعَ عَنهُ الْمُجْتَهد وَكَذَا بِبَعْض الْأَقْوَال المهجورة وَكَذَا بالرواية الشاذة إِلَّا أَن ينصوا مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى
مَسْأَلَة لَا يجوز الْعَمَل والإفتاء بالضعيف والمرجوح إِلَّا عَن ضَرُورَة فَلَو أفتى فِي مَوَاضِع الضَّرُورَة طلبا للتيسير كَانَ حسنا وَكَذَا يجوز الْإِفْتَاء وَالْعَمَل بالمرجوح للمجتهد فِي الْمَذْهَب إِذا رجح بِاجْتِهَادِهِ ذَلِك الضَّعِيف كَمَا اخْتَار ابْن الْهمام مسَائِل خَارِجَة عَن الْمَذْهَب وَقد نصوا أَنه لَا بَأْس بتقليد غير أَمَامه عِنْد الضَّرُورَة لَكِن الملفق بَاطِل بِالْإِجْمَاع وَلِهَذَا أفتوا بِبَعْض أَقْوَال الإِمَام مَالك رح ضَرُورَة كَمَا
(1/576)

فِي الْمَفْقُود وعَلى هَذَا إِذا حكم الْحَنَفِيّ بِمَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد رحمهمَا الله تَعَالَى لم يكن حَاكما بِخِلَاف مذْهبه
مَسْأَلَة لَا يَنْبَغِي أَن يعدل عَن الدِّرَايَة إِذا وافقها رِوَايَة كتعديل الْأَركان
مَسْأَلَة الْكفْر شَيْء عَظِيم لَا يُفْتِي بِكفْر مُسلم أمكن حمل كَلَامه على محمل حسن أَو كَانَ فِي كفره اخْتِلَاف وَلَو رِوَايَة ضَعِيفَة
مَسْأَلَة الْمُتُون مُتَقَدّمَة على الشُّرُوح عِنْد التَّعَارُض والشروح مُتَقَدّمَة على الفتاوي إِذا تَعَارَضَت
مَسْأَلَة أول الْأَقْوَال مُرَجّح فِي فتاوي قَاضِي خَان وَكَذَا فِي ملتقى الأبحر وَفِيمَا عداهما يرجح فِيهِ آخر أَقْوَال فالراجح هُوَ الأول أَو الاخر لَا الْأَوْسَط
مَسْأَلَة لَو ذكرُوا قَوْلَيْنِ وعللوا لأَحَدهمَا كَانَ تَرْجِيحا لَهُ على غير الْمُعَلل
مَسْأَلَة عَلَامَات للإفتاء هَذِه وَعَلِيهِ الْفَتْوَى وَبِه يُفْتِي وَبِه نَأْخُذ وَعَلِيهِ الِاعْتِمَاد وَعَلِيهِ الْعَمَل الْيَوْم وَعَلِيهِ عمل الْأمة وَهُوَ الصَّحِيح وَهُوَ الْأَصَح وَهُوَ الْأَظْهر وَهُوَ الْمُخْتَار فِي زَمَاننَا وفتوى مشائخنا وَهُوَ الْأَشْبَه وَهُوَ الْأَوْجه وَغَيرهَا وَبَعض هَذِه أَلْفَاظ آكِد من بعض فَلفظ الْفَتْوَى آكِد من الصَّحِيح وَالأَصَح وَالْأَشْبَه وَالْمُخْتَار وَبِه يُفْتِي آكِد من لفظ الْفَتْوَى عَلَيْهِ وَالأَصَح آكِد من الصَّحِيح والأحوط آكِد من الِاحْتِيَاط وَعند الْبَعْض الصَّحِيح آكِد من الْأَصَح فَعِنْدَ الْعَارِض يخْتَار الآكد لَا الْمَرْجُوح
(1/577)

مَسْأَلَة يُفْتِي بِمَا هُوَ أَنْفَع للوقوف فِيمَا اخْتلف الْعلمَاء فِي التَّصْحِيح
مَسْأَلَة التَّرْجِيح بِقُوَّة الدَّلِيل فَحَيْثُ وجد تصحيحان ورأي من كَانَ لَهُ أَهْلِيَّة النّظر فِي أَن دَلِيل أَحدهمَا أقوى فَالْعَمَل بِهِ أولى
مَسْأَلَة إِذا كَانَ أَحدهمَا أوفق لاهل الزَّمَان وتعارض التصحيحان فَمَا كَانَ أوفق لعرفهم أَو أسهل عَلَيْهِم فَهُوَ أولى باعتماد
مَسْأَلَة تَخْصِيص الشَّيْء بِالذكر لَا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداهُ فِي خطابات الشَّارِع أما فِي متفاهم النَّاس وعرفهم حَتَّى فِي أَقْوَال الصَّحَابَة الَّتِي تدْرك بِالرَّأْيِ وَفِي الْمُعَامَلَات والعقليات فَيدل عَلَيْهِ وَعَلِيهِ الْمُتَأَخّرُونَ وَهَذَا إِذا لم يُخَالف الصَّرِيح فَإِن الصَّرِيح مقدم على الْمَفْهُوم
مَسْأَلَة يَنْبَغِي لكل مفت أَن ينظر إِلَى عَادَة أهل بَلَده فِيمَا لَا يُخَالف الشَّرِيعَة فَإِن للْعُرْف اعْتِبَارا فِي الشَّرْع فللمفتي اتِّبَاع الْعرف الْحَادِث فِي الْأَلْفَاظ الْعُرْفِيَّة وَكَذَا فِي الْأَحْكَام الَّتِي بناها الْمُجْتَهد على مَا كَانَ زَمَانه وَتغَير عرفه إِلَى عرف آخر بعد ان يكون الْمُفْتِي مِمَّن لَهُ رَأْي وَنظر صَحِيح وَمَعْرِفَة بقواعد الشَّرْع وَإِن لم يكن مُجْتَهدا حَتَّى يُمَيّز بَين الْعرف الَّذِي يجوز بِنَاء الْأَحْكَام عَلَيْهِ وَبَين غَيره
مَسْأَلَة لكل أهل بلد اصْطِلَاح فِي اللَّفْظ فَلَا يجوز أَن يُفْتِي أهل بلد بِمَا يتَعَلَّق بِاللَّفْظِ من لَا يعرف اصطلاحهم فالمفتي لَا بُد لَهُ من ضرب من معرفَة أَحْوَال النَّاس واصطلاحاتهم
(1/578)

مَسْأَلَة الْمُفْتِي يُفْتِي بالديانة يَعْنِي أَنه يحكم على حسب إِظْهَار الْمُكَلف سَوَاء كَانَ مُوَافقا للظَّاهِر أَو مُخَالفا ويختار مَا هُوَ الْأَحْوَط فِي حَقه تنزها وتورعا ويفوض أمره إِلَى الله فَإِن كَانَ صَادِقا فِي إِظْهَاره يجازى على حسب إِظْهَاره وَإِن كَانَ كَاذِبًا لَا يَنْفَعهُ حكم الْمُفْتِي وَعِنْدِي عَفا الله عني إِذا علم الْمُفْتِي حَقِيقَة الْأَمر لَا يَنْبَغِي لَهُ أَن يكْتب للسَّائِل لِئَلَّا يكون معينا على الْبَاطِل وَأَن كتب لَا يكْتب على مَا يُعلمهُ بل على مَا فِي السُّؤَال إِلَّا أَن يَقُول إِن كَانَ كَذَا فَحكمه كَذَا وَأما القَاضِي فَيجب عَلَيْهِ الحكم بِظَاهِر حَال الْمُكَلف وَيلْزم بِمَا ثَبت عِنْده بِالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَة
مَسْأَلَة إِذا أَخطَأ الْمُفْتِي فِي جَوَابه رجح وَلَا يأنف وَلَا يصر على الْخَطَأ وَلَا يستكبر عَن قبُول الْحق وَإِن كَانَ مِمَّن دونه وَيجب الْإِعْلَام إِن ظهر خطأه بِيَقِين وَإِن وتحول رَأْيه إِلَى رَأْي آخر فِي الْمُجْتَهد فِيهِ فَلَا
مَسْأَلَة رَأْي الْمُفْتِي جَوَاب فَتْوَى وَفِي زَعمه أَنه خطأ لِأَن الْمَنْصُوص عَلَيْهِ عِنْده خِلَافه يعْذر فِي ترك الْجَواب ورده إِن كَانَ مُجْتَهدا فِيهِ وَإِن كَانَ مَنْصُوصا بِكِتَاب الله تَعَالَى فَلَا يعْذر إِذا علم أَنه يعْمل بِهِ
مَسْأَلَة إِذا استفتى مفتيين فِي حَادِثَة فَأفْتى أَحدهمَا بِالصِّحَّةِ وَالْآخر بِالْفَسَادِ أَو بِالْحلِّ وَالْآخر بِالْحُرْمَةِ يَأْخُذ الْعَاميّ بقول من أفتاه بِالْفَسَادِ فِي الْعِبَادَات وبالصحة فِي الْمُعَامَلَات وَهَذَا إِذا اسْتَويَا وَعَلِيهِ أَن يستفتي غَيرهمَا فِي بلدته وَإِن لم يجد يكْتب إِلَى بَلْدَة
(1/579)

أُخْرَى كَمَا كَانَت الصَّحَابَة والتابعون رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم يَفْعَلُونَهُ وَإِن لم يستويا فليأخذ بقول أفقهما وأورعهما وَإِن كَانَ المستفتي مُجْتَهدا يَأْخُذ بقول من ترجح عِنْده بِدَلِيل
مَسْأَلَة يحرم التساهل فِي الْفَتْوَى وإتباع الْحِيَل إِن فَسدتْ الْأَغْرَاض وسؤال من عرف بذلك وَيَنْبَغِي أَن لَا يُجيب مُتَعَنتًا فِي السُّؤَال وَلَا من يلقِي إِلَيْهِ من الأغلوطات والعويصات وَيحرم على الْمسَائِل إِلْقَاء ذَلِك على الْعلمَاء بل لَا يجب على الْمُفْتِي أَن يُجيب بِكُل مَا يسألونه فَإِن من الْمسَائِل مَا لَا يحل للسَّائِل أَن يسْأَل وَلَا للمجيب أَن يُجيب عَنْهَا وَعَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ أَن الَّذِي يُفْتِي بِكُل مَا يسألونه لمَجْنُون وَكَذَا لَا يجب الْإِفْتَاء فِيمَا لم يَقع وَلَا يَنْبَغِي أَن يحْتَاج إِلَى الْفَتْوَى إِذا لم يسْأَل عَنهُ وَيَنْبَغِي للمفتي أَن لَا يُنَازع أحدا وَلَا يخاصمه وَلَا يضيع أوقاته وَعَلِيهِ أَن يشْتَغل بمصالح نَفسه لَا بقهر عدوه
مَسْأَلَة يجب على الْمُفْتِي أَن يجْتَنب عَن الرُّخص لِلْأُمَرَاءِ وتخصيصهم بذلك من بَين الْعَوام مثل أَن يَقُول لعب الشطرنج حَلَال عِنْد الشَّافِعِي رح والمجاوزة عَن الْحُدُود فِي التعزيزات جَائِزَة عِنْد مَالك رح وَبيع لوقف إِذا خرب وتعطلت منفعَته وَلم يكن لَهُ مَا يعمر بِهِ جَائِز عِنْد أَحْمد رح وتتبع الرُّخص وَإِن كَانَ جَائِزا على ضعف لَكِن ذَلِك للضعفة بِسَبَب عدم الِاسْتِطَاعَة أما تَخْصِيص الْأُمَرَاء بذلك وَتَخْصِيص الْمُفْتِي من يَشَاء بذلك من غير اعْتِقَاده بِالصِّحَّةِ وَإِلَّا لأفتى على الْعُمُوم من غير تَخْصِيص بِالْبَعْضِ فَمن عَلَامَات الاستهانة بدين الله وَمَا هَذَا الْمُفْتِي إِلَّا ضال خارق لحجاب
(1/580)

الهيبة مسْقط لأبهة الشَّرْع مُفسد لنظام الدّين وكما لَا يرخص لأرباب الظُّلم فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة كَذَلِك لَا يغلظ عَلَيْهِم بِحَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى نفورهم عَن انقياد الشَّرْع وَالله الْمعِين
مَسْأَلَة على الْمُفْتِي أَن ينظر إِلَى خُصُوص الوقائع إِذا سُئِلَ عَنْهَا ويراعى فِي الرُّخص وَالتَّشْدِيد حَال السَّائِل يروي أَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ سُئِلَ هَل للْقَاتِل تَوْبَة فَقَالَ لَا وَسَأَلَ آخر فَقَالَ لَهُ تَوْبَة فَسئلَ ابْن عَبَّاس عَن ذَلِك فَقَالَ رَأَيْت فِي عَيْني الأول إِرَادَة الْقَتْل فمنعته وَأما الثَّانِي فقد جَاءَ مستكنا قد قتل فَلم أقنطه وَمن ثمَّ قَالَ الصميري من سَأَلَهُ سَائل إِن قتلت عَبدِي فَهَل عَليّ قصاص يَسعهُ أَن يَقُول إِن قتلته فقتلناك لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من قتل عَبده قَتَلْنَاهُ وَلِأَن الْقَتْل لَهُ معَان وَهَذَا إِذا لم يَتَرَتَّب عَليّ إِطْلَاقه مفْسدَة
مَسْأَلَة الْفَتْوَى والتعليم فرض كِفَايَة فَإِذا استفتى فِي حَادِثَة وَعلم أَنه لَا يُجيب غَيره يلْزمه الْجَواب أما إِذا علم أَنه يُجيب غَيره لَا يلْزمه
فَائِدَة كَانَ الإِمَام أَبُو حنيفَة رَحمَه الله تَعَالَى رُبمَا لَا يُجيب عَن مَسْأَلَة سنة وَقَالَ لِأَن يُخطئ الرجل عَن فهم خير من أَن يُصِيب بِغَيْر فهم كَذَا فِي نَوَازِل أبي اللَّيْث وَكَانَ المستفتي إِذا ألح على أبي نصر وَقَالَ جِئْت من مَكَان بعيد يَقُول ... فَلَا نَحن ناديناك من حَيْثُ جِئْنَا ... وَلَا نَحن عمينا عَلَيْك المذاهبا ...
مَسْأَلَة يجب على الْمُفْتِي بَيَان الحكم الشَّرْعِيّ للسَّائِل أما دفع الرقعة فَلَا يجب عَلَيْهِ وَلَا أَن يفهمهُ مَا يشق عَلَيْهِ ويحفظه مَا يصعب عَلَيْهِ وَكَذَا لَا يُؤَاخذ بِسوء حفظ السَّائِل وَقلة فهمه
(1/581)

مَسْأَلَة الْمُفْتِي يُفْتِي فِي الْمَسْجِد ويختار مَسْجِدا فِي وسط الْبَلَد أَو فِي دَاره بِإِذن عُمُوما
مَسْأَلَة يجوز للْإِمَام والمفتي والواعظ قبُول الْهَدِيَّة والدعوة الْخَاصَّة بِخِلَاف القَاضِي
مَسْأَلَة لَا يجوز للمفتي أَن يَأْخُذ الْأُجْرَة على بَيَان الحكم الشَّرْعِيّ أما على كِتَابَة الْجَواب فَيجوز الْأُجْرَة على قدر الْكِتَابَة وَالْأولَى أَن يتَبَرَّع بالفتوى وَلَا يَأْخُذ أجره عَمَّن يستفتي فَإِن جعل لَهُ أهل الْبَلَد رزقا جَازَ وَإِن اُسْتُؤْجِرَ جَازَ وَالْأولَى كَونهَا بِأُجْرَة مثل كتبه وعَلى الإِمَام وَولي الْأَمر أَن يفْرض للمدرس والمفتي كفايتهما
مَسْأَلَة من آدَاب الْفَتْوَى كَون الْمُفْتِي حَافِظًا للتَّرْتِيب وَالْعدْل بَين المستفتين وَلَا يمِيل إِلَى الْأَغْنِيَاء والأمراء بل يكْتب جَوَاب من سبق غَنِيا كَانَ أَو فَقِيرا حَتَّى يكون أبعد من الْميل وَمن الْأَدَب أَن لَا يَرْمِي بالكاغذ كَمَا اعتاده بعض النَّاس لِأَن فِيهِ اسْم الله فالتعظيم وَاجِب وَكَانَ بَعضهم لَا يَأْخُذ الرقعة من يَد امْرَأَة وَلَا صبي وَكَانَ لَهُ تلميذ يَأْخُذ مِنْهُم ويجمعها ويرفعها فيكتبها تَعْظِيمًا للْعلم وَالْأَحْسَن أَخذ الْمُفْتِي من كل وَاحِد تواضعا وَمن الْأَدَب أَن يَأْخُذ الورقة بِالْحُرْمَةِ وَيقْرَأ الْمَسْأَلَة بالبصيرة مرّة بعد أُخْرَى حَتَّى يَتَّضِح لَهُ السُّؤَال ثمَّ يُجيب وَلَا يُفْتِي بِشَيْء لم يفهمهُ وَقد صَحَّ عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من أفتى بغتيا من غير ثَبت فَإِنَّمَا أثمه على من أفتاه
مَسْأَلَة الْوَاجِب على الْمُفْتِي فِي هَذَا الزَّمَان الْمُبَالغَة فِي إِيضَاح الْجَواب لغَلَبَة الْجَهْل فَلَا يُجيب على الْإِطْلَاق والإرسال و
(1/582)

كَذَا يجْتَنب عَن الألغاز لَكِن ينظر ويتفكر فَإِن كَانَ من جنس مَا يفصل من جوابها فَلْيفْعَل وليجب حرفا حرفا
مَسْأَلَة فِي الْمسَائِل الدِّينِيَّة الَّتِي أجمع عَلَيْهَا أهل السّنة وَالْجَمَاعَة يَنْبَغِي أَن يكْتب وَالله الْمُوفق أَو بِاللَّه التَّوْفِيق أَو بِاللَّه الْعِصْمَة
مَسْأَلَة إِذا أجَاب الْمُفْتِي يَنْبَغِي أَن يكْتب عقب الْجَواب وَالله اعْلَم أَو نَحْو ذَلِك
قَالَ الْمُؤلف عَفا الله تَعَالَى جرائمه وَقبل حَسَنَاته هَذَا آخر الرسَالَة كنت أتممتها فِي يَوْم الْأَحَد السَّادِس عشر من شهر رَجَب سنة 1355 هـ حِين كنت مفتيا بِجَامِع ناخذا بكلكته وَالْحَمْد لله أَولا وآخرا وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَبَارك وَسلم
(1/583)