Advertisement

فقه العبادات على المذهب الشافعي 002


دفن الميت:
(2/1)

- هو فرض على الكفاية، كما قدمنا، لأن في تركه على وجه الأرض هتكاً لحرمته، وأذى للناس برائحته. ويتولاه الرجال لأنه يحتاج إلى بطش وقوة، وأولاهم بذلك أولاهم بالصلاة عليه، إلا المرأة فالأولى بدفنها زوجها، ثم أحد محارمها.
(2/2)

- الواجب في الدفن:
الواجب فيه أن يوضع الميت في القبر مستقبلا القبلة، ولا يجزئ وضعه على وجه الأرض، والبناء عليه إلا إذا تعذر الحفر.
أما إذا توفي في السفينة بعيداً عن الساحل، فيشد بين لوحين لئلا ينتفخ ويلقى في البحر بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه.
(2/3)

- شروط القبر:
أقل القبر حفرة تكتم رائحة الميت، وتحرسه من السباع (1) ، وأكمله حفرة بعمق قامة وبسطة، لما روي أن عمر رضي الله عنه أوصى أن يعمق قامة وبسطة (2) . ولحديث هشام بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يوم أحد: "احفروا وأعمقوا وأحسنوا" وفي رواية "وأوسعوا" (3) .
(2/4)

- ما يسن في الدفن:
-1- أن يكون الدفن في المقبرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى بالبقيع، ولأنه يكثر الدعاء له ممن يزوره، ويجوز الدفن في البيت لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها.
-2- يستحب أن يجمع الأقارب في موضع واحد، لما روى المطلب رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك عند رأس عثمان بن مظعون صخرة وقال: "أتعلم قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي " (4) .
-3- أن يكون في غير الليل. وفي غير وقت حرمة الصلاة، إلا أنه يجوز الدفن في هذين الوقتين من غير كراهة. ودليل عدم كراهته في الليل حديث ابن عباس رضى الله عنهما " أن رسول
صلى الله عليه وسلم مر بقبر قد دفن ليلاً فقال: "متى دفن هذا؟ " قالوا: البارحة. قال: "أفلا آذنتموني؟ " قالوا: دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك. فقام، فصففنا خلفه، قال ابن عباس: وأنا فيهم، فصلى عليه " (5) .
-4 - أن يكون الدافنون رجالا، لأن المرأة أضعف، ولئلا ينكشف بدنها حين الدفن، وأن يكونوا وتراً، فإن حصلت الكفاية بواحد وإلا ثلاثة، وإلا فخمسة، إن أمكن، واحتيج إليه.
-5- يسن الدفن باللحد إذا كانت الأرض صلبة، وفي الشق إذا كانت رخوة، لئلا ينهار عليه اللحد. روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: "ألحدوا لي لحداً، وانصبوا على اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم" (6) .
والشق هو ما يحفر في قعر القبر كالنهر، وتوضع بلاطة فوقه، واللحد هو حفرة في الجدار القبلي للقبر من الأسفل، بقدر حجم الميت. فبعد أن يحفر القبر ويعمق بقدر قامة وبسطة يحفر
في جانبه اللحد. ثم يسد اللحد بعد وضع الميت بلبنة، ثم ينهال عليه التراب إلى أن يملأ القامة والبسطة.
-6- أن يستر القبر عند الدفن بثوب، سواء كان المدفون رجلاً أو امرأة، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جلل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر سعد بثوبه" (7) .
-7- أن يوضع رأس الميت عند رجل القبر، ثم يسل فيه سلا، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سُلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل رأسه " (8) . ولأن ذلك أسهل.
-8- أن يفضى بخده إلى الأرض، ويكره أن يجعل له وسادة، أو صندوق، ولو أوصى بذلك، إلا إذا احتيج إليه لنداوة الأرض، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "إذا أنزلتموني في اللحد فأفضوا بخدي إلى الأرض" (9) ، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً" (10) .
-9- يسن أن يسند وجه الميت ورجلاه عند الدفن إلى جدار القبر، وظهره بنحو لبنة أو حجر لئلا ينكب على وجهه. وأن يوضع على شقه الأيمن، قياساً على النائم، وعلى المصلى مضطجعاً، وقد تقدم قوله صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب رضي الله عنه: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن".
-10- ويسن أن يقول عند إضجاع الميت: "بسم الله، على ملة رسول الله ". قال الشافعي رضي الله عنه، ثم يقول: "اللهم أسلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته وإخوانه، وفارق من كان يحب قربه، وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنب، وإن عفوت فأهل العفو أنت، غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر حسنته، واغفر سيئته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له برحمتك الأمن من عذابه، واكفه كل هول دون الجنة، اللهم اخلفه في تركته في الغابرين، وارفعه في عليين، وعد عليه برحمتك يا أرحم الراحمين" (11) وله أن يدعو بغيره إن شاء.
-11- ويسن لكل من على القبر أن يحثو عليه ثلاث حثيات تراب بيديه جميعاً، روى عامر ابن ربيعة عن أبيه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم حين دفن عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فصلى عليه، وكبر عليه أربعا وحثا بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم على القبر" (12) .
-12- ويسن ألا يزاد على التراب الذي أخرج من القبر، فإن زادوا قليلا فلا بأس به. ويشخص القبر من الأرض قدر شبر، لما روى القاسم بن محمد قال: "دخلت على عائشة فقلت: يا أمَّه اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء " (13) .
-13- كما يسن أن يسطح القبر، ويوضع عليه الحصى، ويرش عليه بالماء لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في قبر ابنه إبراهيم. ولأنه إذا لم يرش زال أثره فلا يعرف.
-14- يسن أن يقف جماعة بعد دفنه يدعون للميت، ويستغفرون له، ويقرؤون عنده شيئاً من القرآن، وختمه أفضل، ويسألون الله له التثبيت، لما روى عثمان رضي الله عنه قال: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت، ووقف عليه قال: "استغفروا لميتكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" (14) .
كما يسن تلقينه، لما روى سعيد بن عبد الله الأودي قال: "شهدت أبا أمامة رضي الله عنه وهو في النزع فقال: إذا أنا مت فاصنعوا في كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "إذا مات أحد من إخوانكم، فسويتم التراب على قبره، فليقم أحد على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعداً، ثم يقول يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشدنا رحمك الله، ولكن لا تشعرون. فليقل؟ اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقران إماماً" (15) .
-15- يسن وضع الجريد الأخضر والريحان على القبر لأنه يستغفر للميت ما دام رطباً. ودليله الحديث المتقدم في المعذبين في القبر، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع الجريد على القبرين وقال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا". ولا يجوز أخذه قبل أن ييبس من غير واضعه.
__________
(1) لذا كان الدفن في القبور الني يطمرونها بالتراب من غير حجارة، كما في بعض الأرياف، حراماً، لأنها لا تمنع من السبع.
(2) المجموع ج 5 /ص 248، ومعنى قامة وبسطة: أن يعمق قدرهما من رجل معتدلهما، بأن يقوم فيه باسطاً يديه مرفوعتين.
(3) النسائي ج 4/ص ا 8.
(4) أبو داود ج 3/كتاب الجنائز باب 63/ 320.
(5) البخاري ج ا /كتاب الجنائز باب 54 /1258، وآذنتموني: أعلمتموني.
(6) مسلم ج 2/كتاب الجنائز باب 29/90.
(7) البيهقي ج 4/ص 54.
(8) البيهقي ج 4/ص 54.
(9 و 10) المجموع ج 5 /ص 254.
(11) المجموع ج 5 /ص 256.
(12) البيهقي ج 3/ص 410، وقال إسناده ضعيف إلا أن له شاهداً.
(13) أبو داود ج 3/كتاب الجنائز باب 72/3220.
(14) البيهقي ج 4/ص 56.
(15) رواه الطبراني، مجمع الزوائد ج 3/ص 45.
(2/5)

- ما يكره في الدفن:
يكره أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، لما روى جابر رضي الله عنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ " (1) ، ولأن ذلك من الزينة.
__________
(1) الترمذي ج 3/كتاب الجنائز باب 58/1052.
(2/6)

- ما يحرم في الدفن:
- لا يجوز أن يدفن ميت في موضع ميت، إلا أن يعلم أنه قد بلى، ولم يبق منه شيء، ويرجع فيه إلى أهل الخبرة بتلك الأرض، كما لا يجوز أن يدفن اثنان في قبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن في كل قبر إلا واحداً، فإن دعت الضرورة إلى ذلك جاز، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع الاثنين
من قتلى أحد في ثوب واحد، روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد" (1) .
وإن دعت الضرورة أن يدفن مع امرأة رجل جعل بينهما حائل من التراب، وجعل الرجل أمامها اعتباراً بحال الحياة، وإن كان لها ابناً.
- كذلك لا يجوز أن يدفن كافر في مقبرة المسلمين، ولا مسلم في مقبرة الكفار.
- كما لا يجوز نبش القبر قبل البلى.
__________
(1) البخاري ج ا/كتاب الجنائز باب 72/1280.
(2/7)

زيارة القبور:
(2/8)

- تسن زيارة القبور للرجال، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه ... وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) " (1) .
وتكره للنساء تنزيها لقلة صبرهن، والدليل على عدم حرمتها عليهن ما روي عن أنس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة تبكي، عند قبر، فقال: (اتقي الله واصبري) " (2) فلم ينهها عن الزيارة. لكن إن كان في خروجهن إلى القبور فتنة فتحرم عليهن الزيارة، وعليه حمل حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج" (3) ، ويستثنى من ذلك قبر الرسول صلى الله عليه وسلم فتندب لهن زيارته، وكذا قبور سائر الأنبياء والأولياء.
ويندب أن يقول الزائر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم قوله إذا خرجوا إلى المقابر، فيما رواه بُرَيْدة رضي الله عنه: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية) (4) . وله أن يزيد: اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. كما يندب له أن يقرأ ما تيسر من القرآن، كسورة يس، ويدعو له ولجميع أهل المقبرة، يتصدق على روحه، ويسن أن يقترب من قبر المزور بقدر ما كان يدنو من صاحبه لو كان حياً وزاره، وأن يسلم عليه من قبل رأسه.
ويكره تقبيل القبر واستلامه، وتقبيل التابوت واستلامه، لأن ذلك عادة النصارى وفيه تعظيم للقبر، وقد صح النهي عن تعظيم القبور.
ويكره الجلوس على القبر، ووطؤه إلا لضرورة والاتكاء عليه، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده، خير له من أن يجلس على قبر" (5) .
كما يكره المبيت في المقبرة، لما فيها من الوحشة.
__________
(1) مسلم ج 2/كتاب الجنائز باب 36/108.
(2) البخاري ج 1/كتاب الجنائز باب 23/1223.
(3) أبو داود ج 3/كتاب الجنائز باب 82/3236.
(4) مسلم ج 2/كتاب الجنائز باب 35/104.
(5) مسلم ج 2/كتاب الجنائز باب 33/96.
(2/9)

التعزية:
(2/10)

- التعزية لغة: التصبير لمن أصيب بمن يعز عليه.
حكمها: هي سنة، لما روى أسامة بن زيد رضي الله عنه كما قال: "أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه أن ابناً لي قبض فائتنا، فأرسل يقرئ السلام ويقول: (إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر، ولتحتسب) " (1) .
ويستحب أن يعزي جميع أقارب الميت، أهله الكبار والصغار، الرجال والنساء، إلا أن تكون المرأة شابة فلا يعزيها إلا محارمها، وتعزية الصلحاء، والضعفاء عن احتمال المصيبة، والصبيان، آكد.
صيغتها: يستحب أن يعزي بتعزية الخضر عليه السلام أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أن يقول: "إن في الله سبحانه وتعالى عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك ودركاً من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب" (2) .
ويستحب أن يجمع بين الدعاء للميت والمعزى به، والمشهور تقديم الدعاء للمعزى فيقول: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميتك.
فإن عزى مسلماً بكافر قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك.
وإن عزى كافراً بمسلم قال: أحسن الله عزاك، وغفر لميتك.
وإن عزى كافراً بكافر قال: أخلف الله عليك، ولا نقص عددك (3) .
وقتها: من حين الموت إلى حين الدفن، وبعد الدفن بثلاثة أيام. وتكره بعدها إلا إذا كان المعزي أو المعزى غائباً، فلم يحضر إلا بعد ثلاثة أيام، فإنه يعزيه، وعلة كراهتها بعد ثلاثة أيام أن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يجدد له الحزن. وهى بعد الدفن أفضل منها قبله، لانشغال الأهل قبل الدفن بتجهيز ميتهم، ولأن وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر.
أما الجلوس للتعزية، بأن يجتمع أهل الميت فيقصدهم من أراد التعزية فمكروه، وينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق في كراهة الجلوس لها بين الرجال والنساء. قال الشافعي رحمه الله: وأكره المآتم وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء (4) .
__________
(1) البخاري ج 1/كتاب الجنائز باب 32/1224.
(2) المجموع ج 5 /ص 273.
(3) المجموع ج 5 /ص 273.
(4) المجموع ج 5 /ص 276.
(2/11)

البكاء على الميت:
(2/12)

- هو جائز، من غير ندب ولا نياحة (1) ، روي عن عبد الله بن عمر رصي الله عنهما قال: "اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: (قد قضى؟) . قالوا: لا يا رسول الله، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى القوم بكاء النبي صلى الله عليه وسلم بكوا، فقال: (ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم، وإن الميت بعذب ببكاء أهله عليه) " (2) . وهو جائز قبل الموت وبعده.
ولا يجوز لطم الخدود، ولا شق الجيوب، ولا رفع الصوت بإفراط، وما إلى ذلك من خمش الوجه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل، لما روى عبد الله بن مسعود رض الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية (3) . هذا إذا كان مختاراً، فإن كان مغلوبا لم يؤاخذ به لأنه غير مكلف.
__________
(1) الندب: تعديد محاسن الميت مع البكاء، كقولهم: واجبلاه، واسنداه، واكريماه. والنياحة: رفع الصوت بالندب.
(2) البخاري ج ا/كتاب الجنائز باب 43/1243، وقوله: الميت يعذب ببكاء أهله عليه: يقصد بذلك البكاء مع النوح ورفع الصوت، وتعداد أوصافه، هذا إذا أوصى بذلك أو كان يرضى به.
(3) البخاري ج ا/كتاب الجنائز باب 34/1232.
(2/13)

فصل في اللباس
(2/14)

- يحرم لبس الحرير للذكر البالغ، إلا لضرورة، وكذا يحرم استعماله، لحديث حذيفة رضي الله عنه قال: "نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه" (1) .
ونوعا الحرير: القز (2) والإبريسم (3) في الحرمة سواء، وكذا نوعا قماشه: الديباج (4) والسندس (5) . أما الحرير الصناعي فلا يحرم لبسه ولا استعماله.
والعلة في التحريم ما ذكره الإمام الغزالي رضي الله عنه قال: في الحرير خنوثة (6) لا تليق بشهامة الرجال.
ويستثنى من الحرمة ما ركب من حرير وغيره إن استويا في الوزن، وكذا التطريز والترقيع بالحرير الخالص، والحشو، والخياطة به، ما لم يبلغ كل من ذلك وزن الثوب، أما التطريف (7) بالحرير فالعبرة فيه بعادة أمثاله. روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المُصْمَت (8) من الحرير، فأما العلم من الحرير، وسدى الثوب، فلا بأس به" (9) .
كذلك يحرم على الرجل استعمال الحرير الخالص، كالجلوس عليه، والاستناد عليه من غير حائل بينهما، وكذا يحرم الجلوس تحته (10) .
ويستثنى من تحريم الاستعمال للرجال كيس المصحف، وعلاقته، وخيط السبحة، وخيط المفتاح، وما يوضع منه على قبور الأنبياء والأولياء، إن خلا عن النقد. ويجوز ستر الكعبة به.
ويجوز استعماله للضرورة، كفجاءة الحرب، أو لحر أو برد مهلكين، إذا لم يجد غيره، وكدفع جرب أو حكة، أو ستر عورة، إن لم يجد غيره من دواء أو لباس، فمتى وجد حرم الاستعمال، لحديث أنس رضي الله عنه قال: "رخص النبي صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما" (11) .
والتحريم يقتصر على الذكر البالغ العاقل، أما إن كان صبياً أو مجنوناً فلا يحرم.
أما النساء فيحل لهن لبس الحرير واستعماله، لما روى علي رضى الله عنه قال: "إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال: (إن هذين حرام على ذكور أمتي) " (12) .
ويحرم على الرجال لبس المزعفر (13) واستعماله. أما المنقط بالزعفران فلا يحرم، لحديث أنس رضي الله عنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل" (14) .
ويكره للرجال لبس المعصفر كله أو بعضه، واستعماله كذلك، إلا المنقط أو المقلم فلا يكره، لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال: (إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها) " (15) .
ولا يحرم، ولا يكره الأحمر والأصفر والأخضر والأسود والمخطط.
ويحرم التختم بالذهب للرجل، لحديث علي رضي الله عنه قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التحتم بالذهب" (16) . أما الفضة فيجوز التختم بها، بل يسن، ما لم يسرف فيه عرفاً، والأفضل جعله في اليد اليمنى، ولبسه في الخنصر، لحديث روي عن ابن عمر رضي الله عنهما، وفيه " ... ثم اتخذ - رسول الله صلى الله عليه وسلم - خاتماً من فضة، فاتخذ الناس خواتيم الفضة، فلبس الخاتم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، حتى وقع من عثمان في بئر أريس" (17) .
__________
(1) البخاري ج 5/كتاب اللباس باب 26/5499.
(2) القز: هو ما قطعته الدودة وحرجت منه حية.
(3) الإبريسم: ما ماتت الدودة فيه، وحل عنها بعد الموت، ويسمى بالحرير المسكي.
(4) الديباج: ما غلظ من ثياب الحرير.
(5) السندس: ما رق منها.
(6) الخنوثة: النعومة والليونة.
(7) وهو "السجاف ".
(8) المصمت: ما كان من حرير كله، لا يخالطه قطن أو غيره.
(6) أبو داود ج 4/كتاب اللباس باب 12/4055.
(0 ا) كناموسية الحرير.
(11) البخاري ج 5/كتاب اللباس باب 28/5501.
(12) أبو داود ج 4/كتاب اللباس باب 14/4057.
(13) المزعفر: المصبوغ بالزعفران كله أو بعضه.
(14) البخاري ج 5 /كتاب اللباس باب 32/5508.
(15) مسلم ج 3/كتاب اللباس والزينة باب 4/27.
(16) مسلم ج 3/كتاب اللباس والزينة باب 4/31.
(17) البخاري ج 5 /كتاب اللباس باب 45/5528، وبئر أريس في حديقة بالقرب من مسجد قباء.
(2/15)

كتاب الصوم
(2/16)

التعريف به:
(2/17)

- الصوم لغة: الإمساك مطلقا، بدليل قوله تعالى: {إني نذرت للرحمن صوماً فلن اكلم اليوم إنسيا} (1) .
وشرعا: الإمساك عن المفطر، بنية مخصوصة، طيلة نهار (2) ، قابل للصوم (3) .
__________
(1) مريم: 26.
(2) من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ويحب على الأحوط إمساك جزء من الليل بعد الغروب ليتحقق استكمال النهار. وكذا قال الفقهاء بضرورة الاحتياط بالإمساك عن الطعام وغيره من المفطرات قبل طلوع الفجر لقاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(3) لأن ثمة أياما يحرم فيها الصوم، سيلي ذكرها.
(2/18)

أقسام الصوم
(2/19)

أولا - الصوم المفروض، وهو نوعان:
-1- فرض أصالة: وهو صوم شهر رمضان، وصوم القضاء عنه.
-2- فرض عرضا: وهو الصوم المنذور، وصوم الكفارات، والصوم الذي يقوم مقام دماء الحج.
ثانيا- الصوم المسنون: بعضه ثبت بدليل خاص، كالتسعة الأولى من ذي الحجة، وبعضه طلب بأدلة الترغيب بالصوم دون تعيين.
ثالثا- الصوم المكروه.
رابعا- الصوم المحرم.
(2/20)

القسم الأول: الصوم المفروض (صوم رمضان) (1)
(2/21)

دليل صوم رمضان:
(2/22)

- من الكتاب قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القران هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (2) .
ومن السنة: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما كما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (3) .
وإجماع الأمة.
ويكفر جاحد وجوب صوم رمضان، إلا إن كان قريب العهد بالإسلام، أو نشأ بعيدا عن العلماء. ومن تركه غير جاحد وجوبه، من غير عذر، حبس ومنع من الطعام والشراب نهارا لتحصل له صورة الصوم.
__________
(1) سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب، أي يحرقها ويذهبها، أو لمصادفة مشروعيته وقت الرمضاء، أي شدة الحر.
(2) البقرة: 185.
(3) البخاري ج 1/كتاب الإيمان باب 1/8.
(2/23)

ثبوت شهر رمضان:
(2/24)

- يجب صوم رمضان بأحد أمور أربعة:
-1- يجب - بصورة عامة - لاستكمال شعبان ثلاثين يوماً.
-2- يجب في من رأى هلال رمضان، ولو كان فاسقأ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا رأيتموه (1) فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم (2) عليكم فاقدروا له) (3) ، وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) (4)
-3- يجب بحق من أخبر برؤية الهلال من قبل من يثق به، أو من قبل من يعتقد صدقه، ولو كان امرأة، أو صبيا عاقلا، أو فاسقا، وإن لم يقبل الحاكم شهادته، فإن صام ثم بان أنه من رمضان أجزأه لأنه نوى الصوم بظن وصادفه، فأشبه البينة.
-4- يجب بحق من لم يره بإخبار عدل عند الحاكم، وتثبت رؤيته عند الحاكم بشهادة عدل واحد حر ذكر مكلف، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: "تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصامه، وأمر الناس بصومه" (5) ولأنه إيجاب عبادة فقبل من واحد احتياطا للفرض.
وأما هلال بقية الأشهر فلا بد لإثباته من عدلين، فلا يقبل في هلال الفطر - هلال شوال - إلا شاهدان، لأنه إسقاط فرض فاعتبر فيه العدد احتياطا للفرض، فمن رأى هلال شوال وحده لزمه الفطر، ويفطر سرا لئلا يتعرض للتهمة في دينه.
وإذا رئي ببلد لزم من وافق مطلعهم مطلعه (6) ، والدليل على عدم وجوب الصوم إن اختلفت المطالع ما روى كريب "أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. فقال أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: أولا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم" (7) . ولو شك في اتفاق المطالع لم يلزم الصوم الذين لم يروا، لأن الأصل عدم الوجوب، ولأن الصوم إنما يجب بالرؤية للحديث، ولم تثبت الرؤية في حق هؤلاء لعدم ثبوت قربهم من بلد الرؤية.
وإذا رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة، سواء رأوه قبل الزوال أو بعده، لما روى أبو وائل قال: "جاءنا كتاب عمر - رضي الله عنه - ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى تمسوا إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية" (8) .
ولو سافر من بلد إلى آخر، ووجدهم مفطرين أو صائمين لزمته موافقتهم، سواء في أول الشهر أو في آخره.
وإذا اشتبه رمضان على أسير أو حبيس وجب عليه الاجتهاد ثم الصوم، فإن استمر الإشكال عليه ولم يعلم أنه صادف رمضان أم لا فصومه مجزئ، وكذلك إن وافق صومه رمضان، أو وافق صومه ما بعد رمضان. أما إن صادف صومه ما قبل رمضان فينظر: إن أدرك رمضان بعد بيان الحال لزمه صومه بلا خلاف لتمكنه منه في وقته، وإن لم يبن الحال إلا بعد مضى رمضان وجب القضاء. أما إن صام بغير اجتهاد ووافق رمضان، لم يجزئ بلا خلاف.
__________
(1) المراد رؤية بعضكم.
(2) غم عليكم: أي حال بينكم وبينه غيم.
(3) البخاري ج 2/كتاب الصوم باب 5/1801.
(4) البخاري ج 2/كتاب الصوم باب 11/1810.
(5) أبو داود ج 2/كتاب الصوم باب 14/2342.
(6) يقصد بذلك كون البلدين على خط طول واحد، فإذا رئي بأحدهما لزم الصوم البلد الآخر ولو لم يروه.
(7) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 5/28.
(8) البيهقي ج 4/ص 213. وخانقين: بلدة في العراق قريبة من بغداد.
(2/25)

شروط وجوب صوم رمضان:
(2/26)

-1- الإسلام: فلا يجب على الكافر الأصل وجوب مطالبة، ويجب على المرتد وجوب مطالبة، بأن نقول له: ارجع إلى الإسلام ثم صم، ولا يصح منه في ردته، لكن بعد عودته للإسلام يجب عليه قضاء ما فاته فترة الردة، بخلاف الكافر الأصلي إذا أسلم، فليس عليه أن يقضي ما فاته خلال فترة كفره، لأنه لم يكن واجبا عليه آنذاك وجوب مطالبة، ولحديث رواه عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله) (1) .
-2- العقل: فلا يجب الصوم على المجنون، ولا المغمى عليه، ولا السكران سواء كان متعديا بجنونه أو إغمائه أو سكره أم لا، لما روى على بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم (2) عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (3) . ويجب القضاء في حالة التعدي بالجنون والسكر، أما في حالة الإغماء فيجب القضاء ولو لم يكن متعديا، لقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (4) والإغماء مرضن، ويخالف الجنون فإنه نقص، وكل من زال عقله بمرض أو بشرب دواء شربه لحاجة، أو بعذر آخر، لزمه قضاء الصوم.
-3- البلوغ: فلا يجب الصوم على الصبي المميز، لكن صومه صحيح، ويؤمر به لسبع إن أطاقه، ويضرب على تركه لعشر، قياسا على الصلاة.
-4- الإطاقة: ويقصد بذلك القدرة على الصوم بلا مشقة.
__________
(1) مسلم ج ا/كتاب الإيمان باب 54/192.
(2) معنى رفع القلم: امتناع التكليف لا أنه رفع بعد وضعه.
(3) أبو داود ج 4/كتاب الحدود باب 16/4406.
(4) البقرة: 184.
(2/27)

شروط صحة الصوم (1) :
(2/28)

- أولا: النية: لما روى عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (إنما الأعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى) (2) ولأنه عبادة محضة، فلم يصح من غير نية، كالصلاة.
وتجب النية لكل يوم، لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة فلو نوى من أول ليلة في رمضان صوم جميعه لم يجزئ إلا عن أول يوم، لكن يسن له ذلك ليصح صوم النهار الذي نسيها فيه على مذهب الإمام مالك (3) ، كما يسن له أن ينوي أول النهار الذي نسيها فيه ليصح صومه على مذهب الإمام أبو حنيفة (4) ، هذا إن نوى عندئذ تقليده، فإذا لم ينو التقليد كان متلبسا بعبادة فاسدة وهذا حرام. وإن نسى النية في ليلة من الليالي، ولم يقلد المذاهب الأخرى، وجب عليه قضاء ذلك اليوم.
محل النية: محل النية القلب، وتكون بأن يستحضر حقيقة الصوم التي هي الإمساك عن المفطر جميع النهار، بقلبه، ولا تكفي النية باللسان دون القلب، لكن يندب النطق بها ليساعد اللسان القلب.
ولو نوى الصوم وهو في الصلاة، أو في حالة الجماع، أو في أثناء الأكل، صحت نيته. ويشترط في نية صوم الفرض أمران:
-1- التبييت: فلا بد من إيقاع النية ليلا، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته حفصة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له) (5) . ويصح التبييت في أي جزء من الليل، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أما إن قارنت النية الفجر فلا يصح صومه وعليه القضاء. ولا يضر الأكل والشرب والجماع بعد النية، وكذا الجنون والسكر والإغماء والنوم.
وإذا شك قبل الغروب هل وقعت نيته قبل الفجر أم بعده لم يصح للتردد بالنية، أما لو شك هل طلع الفجر أم لا بعد أن كان ناويا فيصح ذلك، وأما لو شك بعد الغروب هل نوى أم لا، ولم يتذكر فلا يؤثر لمشقة إعادة الصوم (6) .
ولو عقب النية بقوله: إن شاء الله بقلبه أو بلسانه، فإن قصد التبرك، أو وقوع الصوم وبقاء الحياة إلى تمامه بمشيئة الله تعالى، لم يضره، وإن قصد تعليقه والشك لم يصح صومه، ومثله ما لو قال: أصوم غدا إن شاء فلان، أو إن نشطت، لم يصح صومه لعدم الجزم.
-2- التعيين: فلا يصح الصيام دون تعيين نوع الفرض، هل هو كفارة (7) أو نذر (8) أو أداء أو قضاء عن رمضان، لقوله صلى الله عليه وسلم (وإنما لامرئ ما نوى) فهذا ظاهر في اشتراط التعيين.
وإذا كان على المرء قضاء اليوم الأول من رمضان، فصام ونوى قضاء اليوم الثاني، فلا يجزئ، وكذا لو كان عليه قضاء يوم من رمضان سنة، فنوى قضاءه من صوم أخرى غلطا لا يجزئه، وإن كان لو أطلق نيته عن واجبه في الموضعين أجزأه.
وينبغي أن تكون النية جازمة، فلو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد إن كان من رمضان وإلا فهو مفطر أو متطوع، فكان منه، لم يجزئه صوم ذلك اليوم عن رمضان إلا إذا ظن كونه منه، حين نوى، وذلك بقول من يثق به، لأن غلبة الظن هنا كاليقين، كما في أوقات الصلوات فتصح النية المبنية عليه.
وأقل النية في صوم رمضان: نويت صوم رمضان، أو نويت الصوم عن رمضان، فلا تجب نية الغد، ولا أداء، ولا إضافة لله تعالى، ولا تعيين السنة.
وأكملها: نويت صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة إيمانا واحتسابا لله تعالى.
أما نية صوم النفل فلا يشترط فيها التبييت (9) بل تجزئه النية قبل الزوال، بشرط انتفاء المفطرات قبلها، لما ورد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: "دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء؟) فقلنا: لا. قال: (فإني إذن صائم) . ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حَيْس (10) . فقال: (أرينيه فلقد أصبحت صائما، فأكل) " (11) .
وكذا لا يجب التعيين، فتصح نية النفل بقصد القلب ما معناه: نويت صوم غد لله تعالى.
إلا أن يكون صوما مرتبا كصوم عرفة وعاشوراء وأيام البيض، وستة من شوال، وغيرها، فيشترط في صومها التعيين لتحصيل ثوابها المعين، أما الصوم فصحيح وإن لم يعين.
__________
(1) مطلقاً؛ سواء كان الصوم مفروضا أو مسنونا.
(2) مسلم ج 3/كتاب الإمارة باب 45/155.
(3) عند الإمام مالك تكفي نية صوم جميع الشهر في أول ليلة منه.
(4) يصح صوم رمضان عنده بنيته إلى قبل الزوال كل يوم.
(5) النسائي ج 4/ص 196.
(6) بخلاف الصلاة، فعليه الإعادة إذا شك بعد السلام بالنية.
(7) دون تعيين الكفارة عن يمين أو ظهار.
(8) دون تعيين نوع النذر: تبرر أو لجاج.
(9) أما في صوم الصبي رمضان، فيجب تبيت النية رغم أن صومه يقع نفلا.
(10) الحيس: هو طعام يتخذ من تمر وسمن وغيرهما.
(11) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 32/170.
(2/29)

- ثانيا - الإمساك عن الجماع عمداً (1) وإن لم ينزل، والإمساك عن الاستمناء: أما الجاهل المعذور بجهله، والمكره، فالجماع غير مفطر في حقهما، وكذا الجماع ناسيا للصوم، فهو كالأكل ناسيا لا يفطر، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أكل أو شرب ناسيا فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله) (2) فالنص هنا على الأكل والشرب، ويقاس عليه الجماع وسائر المفطرات.
ويفطر بخروج المني من مباشرة، ولو لم يجامع، لذلك حرمت المباشرة إن حركت شهوة لخوف الإنزال، أما الإنزال بلا مباشرة فلا يفطر.
__________
(1) العمد: هو فعل الشيء مختاراً مع علمه بالتحريم.
(2) الترمذي ج 3/كتاب الصوم باب 26/721.
(2/30)

- ثالثا - الإمساك عن الاستقاءة (1) : والاستقاءة مفطرة ولو تيقن عدم رجوع شيء إلى جوفه، ولا يضر تقيؤه بغير اختيار مهما كثر بشرط ألا يبلع منه شيئا، فإذا ابتلع شيئا باختياره أفطر وعليه القضاء، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض) (2) .
أما إن كان ناسيا أنه صائم، واستقاء، فلا يفطر، وكذا لو كان جاهلا معذورا في جهله، أو كان مكرها فلا يفطر.
__________
(1) الاستقاءة: التقيؤ عمدا.
(2) الترمذي ج 3/كتاب الصوم باب 25/720.
(2/31)

- رابعا - الإمساك عن وصول عين إلى ما يسمى جوفا هن منفذ مفتوح:
فأما العين: فيدخل فيها دخان اللفائف (1) والتنباك (2) ، فيفطران الصائم لأن لهما أثرا يشاهد في باطن العود، وكذلك ابتلاع ما لا يؤكل في العادة، كقطع النقد، والتراب، والحصاة، والحشيش، والحديد، والخيط.
ويستثنى من العين المفطرة الريح والطعم، ولو وجد ذاك الطعم في الفم.
كما يستثنى وصول ذباب أو بعوض أو غبار طريق، أو غربلة دقيق إلى الجوف لعسر التحرز منه، وكدا لو خرجت مقعدة المبسور فأعادها فلا يضر لعذره، وكذا لو بقي طعام بين أسنانه فجرى به ريقه حتى دخل جوفه من غير قصد لم يضر إن عجز عن تمييزه ومجه، أما النخامة فإذا خرجت إلى مخرج الخاء ثم ابتلعها فإنه يفطر. وكذا لا يضر وصول الريق الخالص الطاهر من معدنه (3) إلى جوفه، بخلاف غير الخالص وغير الطاهر، كالمختلط بدم فإنه يفطر، إلا أنه يعفى عنه بحق من ابتلي بنزف اللثة، وبخلاف الخارج من غير معدنه، كما لو جمعه على شفتيه ثم بلعه، فهذا يضر، أما إذا خرج على لسانه ثم ابتلعه فلا يفطر. وكذا لو سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق شريطة عدم المبالغة فيهما، أو سبق ماء غسل مطلوب - ولو مندوبا كغسل الجمعة - إلى الجوف فلا يضر لتولده من مأمور به، أما إذا سبق الماء إلى الجوف نتيجة المبالغة فإنه يفطر لأن المبالغة منهي عنها في الصوم، لما روى لقيط بن صبرة رضي الله عنه قال: "قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال: (أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) " (4) . وكذا ماء الغسلة الرابعة في الوضوء، وإن لم يبالغ فإنه مفطر إن سبق إلى الجوف، أما إذا سبق الماء إلى الجوف نتيجة المبالغة في غسل النجاسة (5) فلا يفطر لأن إزالة النجاسة واجبة، وأما ماء الغسل غير المطلوب كغسل التبرد والنظافة فسبقه إلى الجوف مفطر، وأما الماء الذي يضعه الصائم على فمه للتبرد أو لدفع عطش فلا يضر سبقه لشدة الحاجة إليه، وكذا الأكل والشرب ناسيا للصوم لا يفطر لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) (6) .
ولا يضر الأكل والشرب مكرها، بل يبقى الصيام صحيحا، بخلاف ما لو فعل ذلك جاهلا كونه مفطرا فإنه يفطر، إلا إذا كان الجاهل معذورا، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (7) .
وإن تبين للصائم يقينا طلوع الفجر وهو لم يزل يأكل وجب عليه إعادة صوم ذاك اليوم، ولو طلع الفجر وفي فمه طعام فليلفظه، فإن فعل صح صومه، وإن ابتلعه أفطر، فلو لفظه في الحال فسبق منه شيء إلى جوفه بغير اختياره فلا يفطر.
وأما الجوف: فيشمل جوف الإنسان كله؛ فلو أدخلت المرأة إصبعها في فرجها أثناء الاستنجاء أو الغسل، ولو بقصد النظافة، ولو بمقدار رأس الإصبع فإنها تفطر. ومثله حك الأذن من داخلها بشيء صلب، أما بالإصبع فلا يفطر ما لم تصل إلى الصماخ. والقطرة في الأذن والأنف تفطر، أما في العين فلا، ولو وجد طعمها في حلقه، لأن العين ليس بمنفذ مفتوح. وكذا الحقنة والتحميلة فإنهما تفطران سواء كانتا في قبل أو دبر. أما لو أدخلت في الفرج قطعة قطن عليها دواء، أثناء الإفطار، بحيث تتجاوز ما يظهر أثناء قضاء الحاجة، فإذا بقيت إلى ما بعد الفجر فلا تفطر، ومثله موانع الحمل الآلية، لا تضر بالصوم ما وضعت في الإفطار.
وأما المنفذ المفتوح: فإما أن يكون مفتوحا أصالة مثل الأذن والفم والأنف والشرج، أو مفتوحاً بواسطة جرح مثل المأمومة (8) ، لذا لا يضر وصول الكحل من العين، أو الدهن أو ماء الغسل من تشرب مسام البشرة، وكذا الحقن العضلية والوريدية لا تفطر بكل أنواعها، ولو كانت للتغذية.
__________
(1) السجائر.
(2) النرجيلة [أي التبغ الذي يوضع فيها. دار الحديث] .
(3) الغدة التي تفرزه.
(4) الترمذي ج 3/كتاب الصوم باب 69/788.
(5) كإزالة الدم من الفم أو الأنف.
(6) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 33/171.
(7) ابن ماجة ج 1/كتاب الطلاق باب 16/2045.
(8) المأمومة: جراحة في الرأس بحيث تبلغ أم الدماغ.
(2/32)

- خامسا - الإسلام: ويقصد بذلك الإسلام الحالي، فلا يصح صوم المرتد الذي كان مسلما، لأن شرط العمل النية، وشرط النية الإسلام.
(2/33)

- سادسا - النقاء من الحيض والنفاس: فلا يصح الصوم من الحائض والنفساء، بل يحرم عليهما بالإجماع. وإذا نقيت من الحيض أو النفاس قبل الفجر صح صومها ولو لم تغتسل طيلة النهار حتى أذان المغرب، وكذا من احتلم أثناء النهار، أو أصبح جنبا، يصح صومه ولو لم يغتسل، روت عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام، ثم يصومه" (1) . أما إذا نقيت من الحيض أو النفاس بعد الفجر ولو بقليل لم يصح صوم ذاك النهار إلا أنه يسن لها الإمساك عن المفطرات تتمة اليوم، وعليها القضاء.
وأما لو حاضت بعد أذان المغرب ولو بقليل فيصح صوم يومها وليس عليها إعادته.
__________
(1) البخاري ج 2/كتاب الصوم باب 25/1830.
(2/34)

- سابعا - العقل جميع النهار: فلو طرأ الجنون، ولو لحظة، أثناء النهار ما صح صوم ذاك اليوم، بخلاف الإغماء والسكر، فإن صومه صحيح ما لم يستغرقا النهار جميعه، فإن أفاق ولو لحظة من النهار صح صومه. أما النوم فلا يضر ولو استغرق جميع النهار، ما نوى قبل نومه.
(2/35)

- ثامنا - صلاحية الوقت للصوم: فلا يصح صوم الأيام التي حرم الصوم فيها، والتي سيأتي تفصيلها في قسم الصوم المحرم.
(2/36)

حالات الإفطار في رمضان
(2/37)

حكم الفطر في كل من حالتي المرض والسفر:
(2/38)

-1- في المرض: يجوز الفطر بشكل عام، وإذا كان المرض مطبقا جاز له ترك النية، وأما إن كان يحم وقتا دون وقت، فإن كان محموما وقت الشروع جاز له ترك النية وإلا فعليه أن ينوي، فإن عاد المرض واحتاج إلى الإفطار أفطر.
ويختلف حكم الإفطار في المرض باختلاف شدة المرض:
(1) إن تحقق أن الصوم يؤدي إلى ضرر يبيح التيمم (1) ، أو إلى هلاك، فيحرم عليه الصوم ويجب الإفطار، فإذا استمر صائما حتى مات مات عاصيا لمخالفة قول الله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (2) وقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} (3) ".
(2) إن خاف أو توهم من الصوم ضررا يبيح التيمم، كره له الصوم وجاز له الفطر.
(3) وإن كان مريضا مرضا خفيفا بحيث لا تحصل له بالصوم مشقة تبيح التيمم، كمصاب بصداع أو ألم سن أو أذن ... لم يجز له الفطر ويجب الصوم ما لم يخف الزيادة. ولمن غلب عليه الجوع والعطش بحكم مهنته كالحصادين، والعمال في الطريق ... حكم المريض صوما وفطرا.
-2- في السفر: يجوز الفطر للمسافر سفر قصير مباح قبل الفجر، سواء خاف مشقة شديدة أم لم يخف.
وسفر القصر: هو السفر المبيح لقصر الصلاة، وهو ما كان لمسافة واحد وثمانين كيلو مترا فما فوق، ولا عبرة لوسيلة النقل ...
والمباح: ما لم يكن لمعصية أو بمعصية.
وقولنا قبل الفجر، يخرج به ما لو طرأ السفر على الصوم، فلا يجوز الفطر، بخلاف المريض. والأدلة على جواز الفطر في الحالة المذكورة: قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} (4) . وما روت عائشة رضي الله عنها "أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم أأصوم في السفر؟ فقال: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر) " (5) . وعن أنس رضي الله عنه قال: "كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" (6) .
ولو نوى الصيام في الليل ثم سافر، ولا يعلم هل سافر قبل الفجر أو بعده فليس له الفطر لأنه يشك في مبيح الفطر، ولا يباح له بالشك.
والجواز بالإفطار في هذه الحالات طيلة مدة غيابه إن كانت مدة مكوثه في البلدة التي سافر إليها ثلاثة أيام أو أقل، أما إن كانت مدة إقامته أربعة أيام أو أكثر عدا يومي الدخول والخروج فيعتبر مقيما، وعليه أن يصوم من أول يوم وصل فيه إلى بلد المقصد. أما إن كان يديم السفر كالسائق فلا يباح له الفطر لأنه يؤدي إلى إسقاط الوجوب كلية.
وبصورة عامة: الصوم في السفر أفضل من الفطر إن لم يتضرر به، لأن فيه تعجيلا لبراءة الذمة، وعدم إخلاء الوقت من العبادة. أما إذا تضرر به فالفطر أفضل، بدليل ما رواه جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحاما، ورجلا قد ظلل عليه. فقال: (ما هذا؟) قالوا: صائم. فقال: (ليس من البر الصوم في السفر) " (7) . وإن غلب على ظنه تلف نفس أو عضو أو منفعة بسبب الصوم حرم عليه. ويقول الغزالي: ولو لم يتضرر من الصوم في الحال، لكن يخشى منه الضرر في المستقبل فالفطر أفضل.
وإذا زال سبب جواز الفطر، بالشفاء أو الإقامة أثناء النهار، ولم يكن الشخص مبيتا نية الصوم، فيسن له الإمساك، أما إذا كان مبيتا النية فيجب عليه الاستمرار بالصوم.
وفيما يلي تفصيل حالات الفطر في رمضان، مع حكم كل منها وما يجب على المفطر من قضاء وفدية:
__________
(1) يقصد بذلك خوفه أن يؤدي الصوم إلى مرض أو ازدياد مرض أو بقائه، أو ذهاب منفعة عضو.
(2) البقرة: 195.
(3) النساء: 29.
(4) البقرة: 184.
(5) البخاري ج 2/كتاب الصوم باب 33/1841.
(6) البخاري ج 2/كتاب الصوم باب 36/1845.
(7) البخاري ج 2/كتاب الصوم باب 35/1844.
(2/39)

أولا - حالة وجوب الفطر مع وجوب القضاء:
(2/40)

- وهي حالة الحائض والنفساء، والدليل على ذلك ما ورد عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة " (1) ، فوجب القضاء على الحائض بالخبر، وقيس علها النفساء، لأنها في معناها. فإن طهرتا في أثناء النهار استحب لهما أن تمسكا بقية النهار، ولا يجب، كالصبي إذا بلغ والمجنون إذا أفاق.
__________
(1) مسلم ج ا/كتاب الحيض باب 35//1844.
(2/41)

ثانياً - الإفطار الجائز والموجب للقضاء والفدية (1) :
(2/42)

-1- الحامل والمرضع (2) إن خافتا على الولد فقط فأفطرتا.
-2- من أفطر لإنقاذ حيوان أو إنسان مشرف على الهلاك، خوفا عليه فقط.
-3- من أخر القضاء إلى رمضان آخر من غير عذر (3) . وتتكرر الفدية بتكرر السنين، وإذا مات الشخص بعد أن أتى عليه رمضان آخر ولم يقض ما عليه من رمضان السابق، بدون عذر، فيجب على الوارث أن يخرج فديتين، فدية عن قضاء اليوم، وفدية عن تأخير قضائه، فإذا صام عنه تسقط فدية القضاء وتبقى فدية التأخير.
__________
(1) سيرد بيان ماهية الفدية بعد سرد حالات الإفطار وما يجب فيها.
(2) ولو كانت مستأجرة.
(3) خرج بذلك ما لو استمر مريضا أو مسافرا حتى أتى رمضان آخر، أو من أخر القضاء لنسيان، أو جهل حرمة التأخير، ولو لم يكن معذورا بجهله.
(2/43)

ثالثاً - الإفطار الموجب للفدية دون القضاء:
(2/44)

-1- الشيخ الهرم (1) ، والمريض مرضا لا يرجى برؤه، إن عجز كل منهما عن الصوم، بحيث لو صام لحقته مشقة لا تحتمل عادة، أو مرض يبيح التيمم، لقول ابن عباس رضي الله عنهما، في شرح قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ... } " هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا" (2) . وروى البيهقي: "أن أنسا رضي الله عنه ضعف عاما قبل موته، فأفطر، وأمر أهله أن يطعموا مكان كل يوم مسكينا" (3) .
فهؤلاء يفطرون، ويخرجون فدية عن كل يوم أفطروا فيه، ولا يجوز إخراجها قبل رمضان، وإنما تخرج بعد دخول ليلة ذلك اليوم.
أما إن أصبح الهرم أو المريض قادرا على الصوم فلا يجب عليه قضاء ما أفطره. لكن يجب عليه الصوم منذ أن أصبح قادرا عليه.
-2- من مات وعليه صوم فائت من رمضان أو غيره ففي حكمه تفصيل:
(1) إن فاته الصيام لعذر، ولم يتمكن من القضاء لاستمرار العذر، كأن مرض واستمر المرض إلى أن مات، فلا إثم عليه فيما فات، وليس على الوارث الفدية.
(2) إن فاته الصيام لعذر، إلا أنه تمكن من القضاء، ولكن مات قبل أن يقض، أو فاته الصيام بلا عذر ولم يتمكن من القضاء، أو فاته الصيام بلا عذر وتمكن من القضاء، ففي هذه الحالات الثلاث يجب على الوارث إخراج فدية عن كل يوم صيام فائت، عن الميت، من تركته، وتنتقل الفدية من ذمة الميت إلى ذمة الوارث، فإن لم تكن للميت تركة جاز للولي، بل وللأجنبي أيضا، ولو من غير إذن، إخراج الفدية عن الميت من ماله الخاص، لأنه من قبيل وفاء الدين عن غيره، وهو صحيح. فإن لم يف أحد عنه فتبقى الفدية معلقة بذمة الميت، فإن شاء الله غفرها وعفا عنه برحمته.
أما مسألة الصوم عن الميت لقضاء دينه، ففي الأقوى من مذهبي الشافعي رضي الله عنه هنا أنه يسن أن يصوم عن الميت قريبه أو من أذن له الوارث أو الميت، بأجرة أو بدون أجرة، لحديث عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: (أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها؟) قالت: نعم. قال: (فصومي عن أمك) " (4) . ولأنه عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز أن يقضى عنه بعد الموت، كالحج.
__________
(1) من بلغ الثمانين أو السبعين، أو أقل، فالهرم يختلف باختلاف الأشخاص.
(2) البخاري ج 4/كتاب التفسير/البقرة باب 27/4235.
(3) البيهقي ج 4/ص 271.
(4) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 27/156.
(2/45)

رابعاً - الإفطار الموجب للقضاء دون الفدية:
(2/46)

-1- قضاء على التراخي:
(1) المريض مرضاً يرجى برؤه.
(2) المسافر سفرا طويلا.
(3) الحامل والمرضع إن خافتا على أنفسهما فقط، أو على أنفسهما والولد.
(4) فن أفطر خوفا على نفسه، لإنقاذ حيوان مشرف على الهلاك، أو أفطر خوفا على نفسه وعلى الحيوان أو الإنسان الذي أنقذه.
(5) من أخر القضاء إلى رمضان آخر بسبب استمرار العذر.
وقد تقدم أن الحائض والنفساء يجب عليهما كما الفطر مع وجوب القضاء، والقضاء بحقهما على التراخي أيضا.
ويستحب أن يقضى ما عليه متتابعا، لما روى أبو هريرة رض الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه) (1) .
-2- قضاء على الفور:
(1) المتعدي بفطره.
(2) المرتد إذا أسلم.
(3) المجنون والسكران والمغمى عليه المتعدون بذلك.
(4) من ترك تبييت النية عمدا أو سهوا، ولم يقلد.
(5) من أصبح يوم الشك (2) مفطرا ثم ثبت أنه من رمضان.
__________
(1) البيهقي ج 4/ص 259.
(2) يوم الشك: هو يرم الثلاثين من شعبان إن غمت ليلته، وشك الناس هل هو من شعبان أو من رمضان.
(2/47)

خامسا - الإفطار غير الموجب للقضاء ولا الفدية:
(2/48)

- الصبي إذا بلغ، والمجنون غير المتعدى بجنونه إذا أفاق (1) ، والكافر الأصلي إذا أسلم، لأن هؤلاء ليسوا مكلفين أصلا، لأن كلا منهم فاقد لشرط من شرائط الوجوب، فالأول البلوغ، والثاني العقل، والثالث الإسلام، على أنه يسن لهم جميعا الإمساك حال زوال المانع، ولا يجب، فإن لم يمسكوا استحب لهم ألا يأكلوا بحضور من لا يعرف أحوالهم، لكيلا يعرضوا أنفسهم للتهمة في دينهم، ومثلهم في هذا الحائض والنفساء إذا طهرتا في النهار.
__________
(1) أما المرتد إذا جن فعليه القضاء، إذا عاد إلى الإسلام وعاد إليه المقل، لأنه لا يستفيد من الرخص.
(2/49)

سادسا - الإفطار المحرم الموجب للقضاء والكفارة (1) الكبرى:
(2/50)

- وهو إفطار من وطئ في الفرج، في نهار رمضان، عامدا مختارا، وهو مكلف بالصوم عالم بالتحريم، وكان قد نوى من الليل. وهو آثم بهذا الوطء لأجل الصوم.
ولا تجب الكفارة على الموطوء ذكرا كان الموطوء أو أنثى، ولو كان الموطوء متسبباً بالوطء أو مطاوعا. ولا تجب على الواطئ ناسيا للصوم، أو مكرها أو جاهلا للتحريم معذورا بجهله، كأن كان قريب عهد بالإسلام أو ناشئاً بعيدا عن العلماء، أما إن كان جاهلا وجوب الكفارة فقط فتبقى واجبة عليه. ولا بحب كذلك على من كان مفطرا في رمضان لعذر كمرض أو سفر وجامع في النهار، ولا على من أفطر عمدا بالأكل والشرب ثم وطئ، لأن جماعه كان وهو مفطر. ماهية الكفارة الكبرى:
هي عتق رقبة مؤمنة، سواء كانت ذكراً أو أنثى، سليمة من العيوب المخلة بالعمل أو الكسب. فإن لم يجد، إما لفقدانها، أو لعدم الاستطاعة على دفع ثمنها، فعليه صيام شهرين متتابعين، فضلا عن قضاء اليوم الذي وجبت الكفارة لفطره، فلو أفطر يوما ولو بعذر، كسفر أو مرض، انقطع التتابع، ووجب الاستئناف، ولو كان الإفطار في اليوم الأخير من الشهرين. أما إذا لم يستطع الصيام أو التتابع، فإطعام ستين مسكينا، ممن لا تلزمه نفقتهم، ولا يجزئ عن ذلك أن يطبخ ويدعو ستين مسكينا على غداء أو عشاء، وإنما يجب التمليك، أي تمليك كل واحد منهم مداً (2) من غالب قوت البلد، ولا يصح أن يعطي مسكينا واحدا ستين مدا في يوم واحد، لكن يصح إعطاء المسكين نفسه ستين مدا ستين يوما، في كل يوم مد. فإن عجز عن الكفارة بأنواعها الثلاثة استقرت في ذمته، لأنها بسبب منه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت يا رسول الله. قال: (وما أهلكك؟) قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: (هل تجد ما تعتق رقبة؟) قال: لا. قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟) قال: لا. قال: (فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟) قال: لا. قال: ثم جلس. فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق (3) فيه تمر، فقال: (تصدق بهذا) . قال: أفقر منا؟ فما بين لابتيها (4) أهل بيت أحوج إليه منا. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: (اذهب فأطعمه أهلك) " (5) .
وإن توفي وجب على وارثه أن يخرجها من تركته، وإن لم يكن له تركة جاز للولي أن يتحملها عنه بالصيام أو بماله الخاص، وإلا بقيت في ذمته، فإن شاء الله غفرها وعفا عنه، وإلا حوسب عليها. وإن صام عنه ستون رجلا في يوم واحد صح ذلك.
تكرار الكفارة الكبرى: الكفارة واجبة على الإفطار بالجماع، عن كل يوم من أيام رمضان، ولو تعددت الوطأات أو تعددت الموطوءات في اليوم الواحد، فالكفارة متعلقة بعدد الأيام، لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة.
سقوطها: تسقط الكفارة الكبرى بطروء الموت أو الجنون في نفس النهار الذي أبطل صومه، لانقطاع التكليف عنه، ذلك إن لم يكن متعديا بهما، ولا تسقط بطروء المرض أو السفر أو الإعسار.
__________
(1) سميت كفارة من الكفر: وهو الستر، سميت كذلك لأنها تستر الذنب وتذهبه، هذا في الأصل، ثم استعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة أو انتهاك، وإن لم يكن فيه إثم، كالقاتل خطأ وغيره.
(2) المد: إناء مكعب طول حرفه 2,9 سم، ويعادل وزن ملئه حنطة ثلاث أوقيات تقريبا [أي ست مائة غرام. دار الحديث] .
(3) العرق: القُفّة، وعاء معروف.
(4) لابتى المدينة: حرّتيها، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود.
(5) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 14/81.
(2/51)

الفدية (الكفارة الصغرى) :
(2/52)

- وهى إطعام مد من غالب قوت البلد إلى مسكين، عن كل يوم، ولا يجوز إخراج القيمة (1) ، ولا يجوز إخراجها قبل رمضان، وإنما تخرج بعد دخول ليلة الصيام. وتجب على كل من ذكر في حالات الإفطار السابق ذكرها، الموجبة للفدية دون القضاء، أو للفدية مع القضاء.
__________
(1) أما عند الحنفية فمقدارها نصف صاع بر أو صاع تمر أو زبيب، ويجوز إخراج القيمة. فالشافعي إن أراد أن يخرج القيمة قلد الحنفية، وأخرج قيمة نصف الصاع لا قيمة المد. والصاع في عصر الإمام أبي حنيفة يساوي 4 كغ تقريبا. فنصف الصاع يساوي 2 كغ تقريبا.
(2/53)

القسم الثاني: الصوم المسنون
(2/54)

- دليله: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا) (1) .
__________
(1) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 31/167.
(2/55)

- أقسامه:
-1- ما يتكرر بتكرر السنين:
(1) صوم يوم عرفة لغير الحاج والمسافر، لحديث عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) (1) . أما الحاج، فإذا وصل إلى عرفة ليلا سن له صومه، وإلا سن له فطره.
والأحوط صوم الثامن من ذي الحجة.
(2) صوم عشر ذي الحجة، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر) ، فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) " (2) .
(3) صوم عاشوراء وتاسوعاء: وهما التاسع والعاشر من شهر محرم، لحديث رواه أبو قتادة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) (3) . وروى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) (4) . والأحوط صوم عاشوراء وصوم يوم قبله ويوم بعده.
(4) صوم ست من شوال، لحديث عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر) (5) . والأفضل صومها متصلة بيوم العيد، متتابعة، ولكن تحصل السنة بصومها غير متصلة به ولا متتابعة.
(5) صوم الأشهر الحرم، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب. وكذلك صوم شعبان، وأفضلها صوم محرم، ثم باقي الأشهر الحرم، ثم شعبان، لحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) (6) . إلا أنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه ما صام شهرا كاملا عدا رمضان إلا شهر شعبان، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه لما قال: "قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع الأعمال فيه إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) " (7) .
-2- ما يتكرر بتكرر الشهور، وهي الأيام البيض (8) ، عن أيما ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة) (9) . والأيام السود (10) .
-3- ما يتكرر بتكرر الأسابيع:
(1) صوم يومي الاثنين والخميس، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم الاثنين والخميس" (11) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم" (12) .
-2 - صوم يوم لا يجد فيه ما يأكله، لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم: ( ... فإني إذن صائم) .
-3 - أفضل الصيام صوم يوم وإفطار يوم، لقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (صم يوماً وأفطر يوماً فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام) (13) .
أما صوم الدهر فيسن لمن لم يخف ضرراً أو فوت حق.
ويجوز لمن صام متنفلاً أن يفطر، ويسن له القضاء، على أنه يستحب له الإتمام وعدم الخروج لا لعذر، لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} (14) . وخروجاً من خلاف العلماء.
__________
(1) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 36/196.
(2) الترمذي ج 3/كتاب الصوم باب 52/757.
(3) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 36/196.
(4) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 20/134.
(5) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 39/204.
(6) مسلم ج 2/كتاب الصيام باب 38/202.
(7) النسائي ج 4/ص 201.
(8) الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر قمري، وسميت كذلك لاستضاءة السماء فيها بنور القمر.
(9) الترمذي ج 3/كتاب الصوم باب 54/761.
(10) وهى الثامن والعشرون والتاسع والعشرون والثلاثون من كل شهر قمري.
(11) الترمذي ج 3/ كتاب الصوم باب 44/745.
(12) الترمذي ج 3/ كتاب الصوم باب 44/747.
(13) البخاري ج 2/كتاب الصوم باب 55/1875.
(14) محمد: 33.
(2/56)

القسم الثالث: الصوم المكروه
(2/57)

- 1 - يكره إفراد يوم الجمعة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوماً قبله أو بعده " (1) .
(2/58)

2 - وكذا إفراد يوم السبت أو الأحد، لحديث عبد الله بن بُسر عن أخته رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم " (2) . ولأن اليهود تعظم يوم السبت، والنصارى تعظم يوم الأحد.
فإن لم يفرد ذلك، ووصله بما قبله أو بعده فلا كراهة، وكذا إن وجد سبب من عادة أو نذر.
-3 - ويكره صيام الدهر إن خاف ضرراً أو فوات حق.
-4 - ويكره التطوع بصيام يوم وعليه قضاء فرض.
-5 - ويكره صوم المريض والمسافر والحامل والمرضع والشيخ الكبير، في رمضان وغيره، إذا خافوا مشقة شديدة.
-6 - ويكره صوم يوم الشك (3) ، لقول عمار بن يا سر رضي الله عنهما: "من صام اليوم الذي يشك فيه الناس فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم (4) ، " أما إذا وافق ذلك عادة له في تطوعه، أو من كان عليه صوم نذر أو قضاء، أو كفارة، فلا يكره بحقه.
-7 - وكذا يكره صوم النصف الأخير من شعبان، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا " (5) ، إلا لورد أو نذر أو قضاء أو كفارة فلا كراهة، وكذا من وصل ما بعد النصف بما قبله ولو بيوم، كأن يصوم يوم النصف، ويستمر صائماً إلى ما بعده، فهذا تجوز له المتابعة. وأما إذا وصل بما قبله ثن أفطر فيكره له الصوم ثانية بلا سبب.
__________
(1) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 62/ 1884.
(2) الترمذي ج 3/ كتاب الصوم باب 43/ 744.
(3) قال الأسنوي: "وهو المعروف المنصوص الذي عليه الأكثرون، والمعتمد في المذهب تحريمه، كما في الروضة والمنهاج والمجموع ". وكذلك الحال بالنسبة لصوم النصف الأخير من شعبان.
(4) الترمذي ج 3/ كتاب الصوم باب 3/ 686.
(5) الترمذي ج 3/كتاب الصوم باب 38/ 738.
(2/59)

القسم الرابع: الصَّوْم المحرَّم
(2/60)

- وهو صوم يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الفطر والنحر " (1) . وصوم أيام التشريق (2) وهي اليوم الثاني والثالث والرابع من أيام عيد الأضحى، لحديث نُبَيْشة الهُذَلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله " (3) فإن صام لم يصح صومه.
ويحرم على المرأة صوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه " (4) . ولأن حق الزوج فرض، فلا يجوز تركه بنفل، فإن صامت فالصوم صحيح، وهي آثمة. وأما صومها التطوع في غيبة زوجها عن بلدها فجائز، لمفهوم الحديث، ولزوال معنى النهي.
__________
(1) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 65/1890.
(2) سميت كذلك لأن الحجاج يشرّقون فيها لحوم الأضاحي والهدايا، أي ينشرونها ويقددونها، وهي الأيام المعدودات التي ذكرها الله سبحانه.
(3) مسلم ج 2/ كتاب الصيام باب 23/ 144.
(4) البخاري ج 5/ كتاب النكاح باب 84/ 4896.
(2/61)

ما يستحب في الصيام:
(2/62)

- 1 - تعجيل الفطر إن تحقق غروب الشمس، لحديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" (1) .
-2 - أن يكون الفطر على رطبات، وإلا فتمرات، وإلا فماء، وتحصل السنة برطبة واحدة، وبالاثنتين، والأكمل بثلاث، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لن تكن رطبات فتميرات، فإن لم تكن تميرات حسا حسوات من ماء " (2) .
-3 - أن يقول عقب الفطر" " اللهّم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليم توكلت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله، يا واسع المغفرة اغفر لي، الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت، اللهم وفقنا للصيام، وبلغنا فيه القيام، وأعنا عليه والناس نيام، وأدخلنا الجنة بسلام " ذلك لأن الصائم دعاؤه مستجاب، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد " (3) .
-4 - السحور: لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "تسحروا فإن في السحور بركة " (4) ، ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل" (5) . ويحصل السحور بقليل الأكل والشرب، ويخل وقته من نصف الليل، فالأكل قبله ليس بسحور، فلا تحصل به السنة، ويسن تأخيره وتقريبه من الفجر ما يسع قراءة خمسين آية، لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: "تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية " (6) هذا ما لم يقع في الشك، لقول حسان بن أبي سنان: "ما رأيت شيئاً أهون من الورع، دع ما يريبك إلا ما لا يريبك " (7) . ومن تسحر ثم شك في بقاء الليل فصومه صحيح، لأن الأصل بقاؤه.
-5 - يسن الغسل من الحدث الأكبر ليلاً، ليكون على طهارة من أول صومه.
-6 - يسن الإكثار من تلاوة القرآن ومدارسته (8) .
-7 - التوسعة على العيال، والإحسان إلى الأرحام والجيران.
-8 - الإكثار من الصدقة، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان " (9) . وبصورة عامة يسن فيه الإكثار من أعمال الخير، لأن أجر العمل فيه مضاعف.
-9 - دعوة الصائمين وتفطيرهم، ولو لم يكونوا فقراء، وأن يأكل معهم، ولو لم يكن صائماً، لأم الصائم مغفور له، فلعل الله عز وجل يغفر لمجالسيه، روى زيد بن خالد الجُهَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً " (10) . فإن لم يقدر على عشائه فطره ولو على تمرة أو شربة ماء أو لبن.
-10 - يسن الاعتكاف في رمضان، لاسيما في العشر الأخير منه، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره " (11) . وفي هذا العشر ليلة القدر، وهي من خصوصيات هذه الأمة، باقية إلى يوم القيامة، فيها يفرق كل أمر حكيم، ويستحب أن يطلبها، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (12) ، وليالي الوتر من العشر الأخيرة أرجاها، وبخاصة الوتر الحادي والعشرون والوتر الثالث والعشرون، ويقول إن وافقها ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " (13) ، ويندب لمن رآها إخفاؤها، والعمل في ليلها خير من العمل في نهارها في ألف شهر، وإن كان يندب أن يجتهد في يومها وليلتها.
وأعلى مراتب إحياؤها، أن يحيي الليل كله، بكل أنواع العبادة، وأوسطها أن يحيي معظم الليل وأدناها أن يصلي العشاء في جماعة، ويعزم على صلاة الصبح في جماعة. ولا يختص فضلها بمن اطلع عليها، بل يحصل لمن أحياها وإن لم يطلع عليها، وهي أفضل ليالي السنة بعد ليلة المولد النبوي الشريف، تليها ليلة الإسراء، ثم ليلة عرفة، ثم ليلة الجمعة، ثم ليلة النصف من شعبان.
__________
(1) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 44/ 1856.
(2) الترمذي ج 3/ كتاب الصوم باب 10/ 696.
(3) ابن ماجه ج 1/ كتاب الصيام باب 48/ 1753.
(4) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 20/ 1823.
(5) ابن ماجه ج 1/ كتاب الصيام باب 22/ 1693.
(6) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 19/ 1821.
(7) البخاري ج 2/ كتاب البيوع باب 3.
(8) المدارسة: أن يقرأ أحد شخصين على الآخر ما قرأه الأول، هكذا كانت مدارسة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام.
(9) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 7/ 1803.
(10) الترمذي ج 3/ كتاب الصوم باب 82/ 807.
(11) مسلم ج 2/كتاب الاعتكاف باب 3/ 8.
(12) البخاري ج 2/ كتاب صلاة التراويح باب 2/ 1910.
(13) الترمذي ج 5/ كتاب الدعوات باب 85/ 3513.
(2/63)

ما يكره للصائم:
(2/64)

- 1 - فاحش القول، فينبغي للصائم أن يصون لسانه عن الكذب، والغيبة، والنميمة، ونحو ذلك، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (1) ولما روى أبو هريرة رضي الله عنه أيضاً قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ... وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم " (2) .
-2 - النظر إلى ما يحل التمتع به، كالأزهار من ورد ونرجس وريحان ونحو ذلك، وكذا الشم لأنواع الطيب، لتنكسر في نفسه شِرّة الهوى، ويقوى على التقوى، ولأن في ذلك من الترفه ما لا يناسب حكمة الصوم.
-3 - الحجامة، لأنها تضعفه، وربما أحوجته إلى الإفطار (3) .
-4 - ذوق الطعام إلا لحاجة (4) ، وذلك خشية وصوله إلى حلقه.
-5 - مضغ العلك الذي ليس له طعم (5) ، لأنه يجمع الريق ويورث العطش. أما إذا كان مما يتفتت ويبتلع شيء من أجزائه فهذا يحرم، ويفطر فاعله.
-6 - ترك القبلة أولى إن لم تحرك شهوة، وإلا حرمت، وضابط تحريك الشهوة إنزال المني، والأصل فيه ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه " (6) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه " أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب " (7) .
-7 - السواك بعد الزوال، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك " (8) . وكذلك المضمضة في غير وضوء بعد الزوال لشبهها بالسواك.
-8 - تأخير الفطر لمن قصده، لما روي عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر " (9) .
-9 - الاستحمام لغير حاجة (10) إن قدر أنه يحصل منه تأذٍ، وإلا فلا كراهة.
-10 - يحرم الوصال في الصوم (11) ، وهو من خواص النبي صلى الله عليه وسلم لما روى أبو هريرة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والوصال " مرتين. قيل: إنك تواصل. قال: "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" " (12) . فإن صام فصومه صحيح وهو آثم.
__________
(1) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 8/ 1804.
(2) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 9/ 1805. والرفث: الفحش من القول. والصخب: الخصام والصياح. والمراد بالنهي عن ذلك تأكيد حال الصوم، وإلا فغير الصائم منهي عن ذلك أيضاً.
(3) ويقاس عليها أخذ حقنة دم من الجسم للفحص الطبي إن لم تكن الحاجة ماسة.
(4) كالزوجة تخاف زوجها إن هي أساءت الطبخ.
(5) أما ذو الطعم فمبطل للصوم.
(6) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 23/ 1826، والإرب العضو والحاجة.
(7) أبو داود ج 2/ كتاب الصوم باب 35/ 2337.
(8) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 2/ 1795.
(9) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 44/ 1856.
(10) يراد بالحاجة غسل فرض أو سنة.
(11) وهو أن يستديم المرء جميع أوصاف الصائمين يومين أو أكثر.
(12) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 48/ 1865.
(2/65)

الاعتكاف
(2/66)

- التعريف به:
هو لغة: اللبث، والحبس، والملازمة، والإقامة على الشيء، براً كان أو إثماً، قال تعالى: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} (1) .
وشرعاً: إقامة شخص مخصوص في مسجد، على صفة مخصوصة.
دليله:
قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} (2) .
وما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان " (3) .
وإجماع المسلمين.
__________
(1) الأنبياء: 52.
(2) البقرة: 187.
(3) مسلم ج 2/ كتاب الاعتكاف باب 1/3.
(2/67)

- حكمه:
-1 - سنة مؤكدة لكل أحد، ذكراً كان أو أنثى، في أي وقت من ليل أو نهار، في رمضان أو في غيره، وهو في العشر الأواخر من رمضان أفضل منه في غيره لأجل طلب ليلة القدر، على ما تقدم.
-2 - واجب في النذر.
-3 - مكروه لذوات الهيئة من النساء إن أردن الاعتكاف في المساجد، ولو أذن الزوج، خشية الفتنة.
-4 - حرام على امرأة لم يأذن لها زوجها.
(2/68)

- أركانه:
-1 - النية: لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنية) . ولأنه عبادة محضة فلم يصح من غير نية كالصوم والصلاة.
ومحلها القلب، ولا يشترط لفظها باللسان. وتجب نية الفرضية في الاعتكاف المنذور، بأن يقول المعتكف: نويت الاعتكاف المفروض، أو فرض الاعتكاف، ويجزئ عن ذلك قوله: نويت الاعتكاف المنذور. أما في الاعتكاف المندوب فيكفي أن يقول: نويت الاعتكاف، أو سنة الاعتكاف.
-2 - اللبث في المسجد حقيقة أو حكماً (1) بمقدار فوق طمأنينة الصلاة؛ فيصح الاعتكاف دقائق معدودات.
-3 - أن يكون في المسجد، ذكراً كان المعتكف أو أنثى، فلا يصح الاعتكاف في غيره. لكن اجتهد بعض الفقهاء، وقالوا بصحة اعتكاف المرأة في بيتها إذا أعدت فيه مكاناً لصلاتها، وقالت هذا مسجدي، ونويت الاعتكاف فيه.
والاعتكاف في الجامع (2) أفضل منه في المسجد. إلا أنه يوجب فيه على من نذر الاعتكاف مدة متتابعة فيها يوم الجمعة، وهو ممن تلزمه الجمعة، ولم يشترط حين نذر أن يخرج من الاعتكاف لها، فعندئذ يجب عليه الاعتكاف في الجامع دون المسجد لكي يتمكن من أداء فريضة الجمعة، ولو خرج لأجلها بطل التتابع وعليه إعادة الاعتكاف.
ومن عين في نذره مسجداً فإنه لا يتعين، ويكفيه أن يعتكف في أي مسجد غيره، إلا المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، إذا عين أحدها تعين، ويقوم بعضها مقام بعض على حسب الترتيب في الفضل، فلو نذر الاعتكاف في المسجد الأقصى فإنه يصح اعتكافه فيه، أو في المسجد النبوي الشريف، أو في المسجد الحرام لمزيد فضلهما عليه. كما لو نذر في المسجد النبوي الشريف، فإنه يصح فيه وفي المسجد الحرام.
أما لو عكسنا الترتيب فإنه لا يصح، ويتعين عليه ما عينه، فلو نذر في المسجد الحرام تعين ولا يصح في المسجد النبوي الشريف ولا الأقصى، وكذلك لو عين في المسجد النبوي الشريف فلا يصح في المسجد الأقصى، لحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه " (3) .
__________
(1) ويشمل ذلك التردد في جهات المسجد، أما المرور فيه، بأن يدخل من باب ويخرج من باب فلا يحصل به اعتكاف.
(2) الجامع: هو المسجد الذي تقام فيه صلاة الجمعة.
(3) ابن ماجه ج 1/ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب 195/ 1406.
(2/69)

- أما شروط المعتكف فثلاثة:
-1 - الإسلام: ابتداء ودواماً، فلا يصح اعتكاف من كافر، لأنه من فروع الإيمان، ومن ارتد وهو معتكف بطل اعتكافه.
-2 - العقل - التمييز - ولا يشترط البلوغ، فيصح اعتكاف الصبي دون المجنون، لأنه ليس من أهل العبادة كالكافر.
-3 - الطهارة من الحدث الأكبر، حيضاً أو نِفاساً أو جنابة، لأن مكث الحائض والنفساء والجنب في المسجد معصية، ولو طرأ الحيض أو الجنابة أثناء الاعتكاف، وجب على المعتكف الخروج من المسجد فوراً.
(2/70)

- متى يجب تحديد نية الاعتكاف ومتى لا تجب:
-1 - إذا كان الاعتكاف غير محدد بمدة، وخرج من المسجد دون العزم على العودة، انقطع الاعتكاف، وعليه تجديد النية إن أراد اعتكافاً ثانياً. أما إن وجد العزم على العودة، وخرج لعذر، فلا حاجة إلى تجديد للنية.
-2 - أما إذا كان محدداً بمدة مطلقة، دون نية التتابع، فإن خرج لقضاء الحاجة، فلا يلزمه تجديد النية عند العودة، أما إن خرج لغير ذلك ثم عاد فعليه تجديد النية.
-3 - إن حدد الاعتكاف بمدة شرط فيها التتابع، فإن كان الخروج لعذر لم يجدد النية عند العودة.
(2/71)

- والأعذار التي لا تقطع التتابع هي:
-1 - الخروج من المسجد لأكل، أو شرب إن لم يتوفر في المسجد، أو لبول أو غائط، أو لغسل جنابة، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً " (1) . لكن لا تجوز له الإقامة بعد فراغه من قضاء حاجته، لعدم الحاجة إلى ذلك.
-2 - الخروج من المسجد إلى المنارة المنفصلة عنه للأذان، إن كان المعتكف مؤذناً راتباً ألف الناس صوته، وألف هو صعود المنارة، وإلا بطل اعتكافه.
-3 - خروج المعتكف لإقامة حد ثبت عليه بغير إقراره.
-4 - خروج المرأة لأجل عدة ليست بسببها.
-5 - الخروج لأداء شهادة تعين عليه تحملها وأداؤها.
(6) الخروج من المسجد لمرض شق عليه معه لبث فيه، كأن يحتاج إلى من يخدمه، أو طبيب يعالجه، أو خشي تلويث المسجد إن كان مصاباً بإسهال أو إقياء. أما المرض الخفيف كصداع أو حمى خفيفة فلا يعتبر عذراً للخروج من المسجد.
(7) الخروج من المسجد لحيض، إذا كانت مدة الاعتكاف لا تخلو غالباً، بأن كانت تزيد على خمسة عشر يوماً.
(8) الخروج من المسجد لإغماء، وإذا لبث المغمى عليه في المسجد حسبت له مدة إغمائه من الاعتكاف، بخلاف الجنون، فلا تحسب مدته من الاعتكاف لفقدان أهلية العبادة.
(9) خروجه مكرهاً بغير حق، أو ناسياً، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (2) .
وكل عذر ليس قاطعاً للتتابع، يجب العود عند الفراغ منه بلا تجديد للنية، ولو أخر انقطع التتابع، وتعذر البناء، ووجب عليه الاستئناف بنية جديدة.
ويجب قضاء الأوقات المصروفة إلى غير قضاء الحاجة دون المصروفة له وللذهاب إليه والمجيء منه.
__________
(1) البخاري ج 2/ كتاب الاعتكاف باب 3/ 1925.
(2) ابن ماجه ج 1/ كتاب الطلاق باب 16/ 2045.
(2/72)

- ما يبطل الاعتكاف:
-1- الجماع مختاراً، ذاكراً للاعتكاف، عاملاً بالتحريم، ويبطل الجماع سواء كان في المسجد أو غيره، لقوله تعالى: {ولا تباشرونهن وأنتم عاكفون في المساجد} (1) .
-2 - مباشرة المعتكف بشهوة. أما غير المصحوبة بها فلا تبطل.
-3 - الردة، والسكر إن وجد التعدي به، وكذلك الجنون والإغماء إن وجد التعدي بهما، والجنابة إن لم يبادر إلى التطهر، أما إن بادر فلا يبطل اعتكافه.
-4 - الحيض والنفاس إذا كانت مدة الاعتكاف تخلو عنهما غالباً.
-5 - تعمد الخروج من المسجد لغير عذر، لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم، وفيه: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً "، ولأن الاعتكاف هو اللبث في المسجد، فإذا خرج فقد فعل ما ينافيه بلا عذر، فبطل، كالأكل في الصوم.
-6 - عدم العودة إلى المسجد، مع التمكن منها، إذا خرج لعذر ثم زال ذلك العذر.
ومعنى البطلان أن زمن ذلك لا يحسب من الاعتكاف، فإذا زال جدد النية، وبنى على ما مضى إن كان مقيداً بمدة من غير تتابع، أما إن كان مقيداً بمدة وتتابع أبطله، وخرج منه، ووجب الاستئناف. وإن كان مطلقاً، فمعنى البطلان أنه انقطع استمراره ودوامه، ولا بناء ولا تجديد نية، وما مضى داخل في الحساب، وحصل به الاعتكاف.
ولا يضر بالاعتكاف التطيب ولا الاغتسال ولا قص الشارب ولا الترجل، ولا لبس ما يلبسه في غير الاعتكاف ولا الزواج والتزويج. وللمعتكف أن يأكل ويشرب ويكتب، ولا يكره الإكثار من كتابة العلم وتعليمه وقراءة القرآن، لأن كل ذلك طاعة، وله كذلك البيع والشراء والحديث المباح، فإن أكثر كره لأن المسجد منزه عن أن يتخذ موضعاً للبيع والشراء.
__________
(1) البقرة: 187.
(2/73)

كتاب الزكاة
(2/74)

الباب الأول [معنى الزكاة، حكمها ودليلها، محل الزكاة، شرط وجوب الزكاة]
(2/75)

معنى الزكاة، حكمها ودليلها
(2/76)

- لغة: النماء والبركة والزيادة وكثرة الخير والصلاح. يقال. زكا الزرع إذا نما، وزكت النفقة إذا بوركت فيها، وفلان زاكٍ وزكي إذا كان كثير الخير.
وتطلق على الطهارة، لقوله تعالى: {قد أفلح من زكاها} (1) بمعنى طهرها من الأدناس.
وتطلق على المدح، لقوله تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم} (2) بمعنى تمدحوها.
وشرعاً: اسم لمال مخصوص (3) ، يؤخذ من مال مخصوص (4) ، على وجه مخصوص (5) ، يصرف لطائفة مخصوصة.
وسميت بذلك لأن المال ينمو ببركة إخراجها، ولأنها تطهر مخرجها من الإثم، وتبين زيادته في الخير.
__________
(1) الشمس: 9.
(2) النجم: 32.
(3) نسبة ومقدار معين.
(4) النصاب.
(5) ضمن شروط.
(2/77)

- حكمها ودليلها:
الزكاة من أركان الإسلام، وفرض من فروضه.
ودليلها من الكتاب قوله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (1) ، وقوله عز من قائل: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} (2) .
ومن السنة حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُني الإسلام على خمس ... وإيتاء الزكاة ... " (3) .
وقد أجمعت الأمة على أنها ركن من أركان الإسلام. فالإيمان بها واجب، والجاحد بها كافر، والممتنع عن أدائها يُقاتل، كما فعل الصديق رضي الله عنه؛ قال فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال" (4) .
__________
(1) التوبة: 103.
(2) البقرة: 110.
(3) البخاري ج/1 كتاب الإيمان باب 1/8.
(4) البخاري ج/2 كتاب الزكاة باب 1/1335.
(2/78)

محل الزكاة:
(2/79)

- تجب الزكاة في أربعة أشياء:
-1 - النَّعم: من إبل وبقر وغنم.
-2 - الزروع والثمار: وتختص بالأقوات فقط، وهي من الزروع القمح والشعير والأرز ... ومن الثمار الزبيب والتمر فقط، بخلاف الدراق والمشمش لأنها ليست غذاء كاملاً، ولا تصلح للادخار.
-3 - النقد من ذهب وفضة.
-4 - عروض التجارة.
(2/80)

شروط وجوب الزكاة:
(2/81)

-1 - الإسلام: لقول الصديق رضي الله عنه في كتاب له إلى أنس رضي الله عنه لما وجهه إلى البحرين: "هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله" (1) .
ولا تجب على كافر أصلي: أما المرتد فماله موقوف (2) ، فإذا عاد إلى الإسلام وجبت عليه، عن فترة الدرة، وإلا فلا، وإن كان أخرجها في حال الردة أجزأته.
-2 - الحرية: فلا زكاة على رقيق ولا مكاتب (3) ، أما المُبَعَّض (4) فتجب عليه الزكاة فيما ملكه ببعضه الحر، إن بلغ نصاباً.
-3 - النصاب: وهو اسم لقدر معلوم مما تجب فيه الزكاة، فلا زكاة دونه، ويختلف باختلاف الأموال التي تجب فيها الزكاة.
-4 - تعيين المالك: فلا تجب الزكاة في مالٍ وقف لجنين، سواء انفصل حياً أو ميتاً، ولا على الورثة عن المدة السابقة لولادته، وإنما يبدأ الحول (5) منذ الولادة لعدم تيقن ملكية المال قبلها.
ومثله غلة القرية، وثمار البساتين، الموقوفة على المساجد والمدارس أو على الفقراء والمساكين، وصناديق الجمعيات، إذ ليس لها مالك معين.
-5 - الملك التام: فتجب الزكاة في مال المحجوز عليه كالصبي والمجنون واليتيم، والمخاطب بالإخراج منه وليه، لما رُوي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: "كانت عائشة تليني وأخاً لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة (6) ، فإن، لم يفعل وجب عليهم بعد البلوغ أو الإفاقة إخراج زكاة ما مضى لأن الحق متوجه إلى أموالهم. وللولي احتياطاً أن يحسب الزكاة حتى يكمل المحجور عليه فيخبره بذلك ولا يخرجها بنفسه.
ولا يمنع دين وجوب الزكاة، ولو كان المكلف محجوراً بالدَّيْن. وإذا اجتمعت الزكاة والدين على حيّ، وكانت الزكاة بالعين (7) ، قدمت على الدين مطلقاً سواء كان محجوراً عليه بالدين أم لا (8) أما إذا لم تكن متعلقة بالعين (9) ، وكان محجوراً عليه بالدين، فيقدم الدين عليها، وأما إن كان محجوراً عليه بسبب غير الدين كسفه أو جنون، فالزكاة مقدمة.
وإذا اجتمعت الزكاة أو الحج أو الكفارة مع دين آدمي في تركة، قدم كل منها على الدين، تقديماً لدين الله تعالى، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ... فدين الله أحق أن يقضى" (10) .
وتجب الزكاة في المال المغصوب والمحجور والضال والغائب والمملوك بعقد قبل قبضه (11) ، وفي الدين اللازم (12) ، لأن كل ذلك مملوك ملكاً تاماً، ولكن لا يجب الإخراج من ذلك بالفعل إلا عند التمكن من أخذه؛ فيخرج الزكاة عن الأحوال الماضية بعد أخذه، ولو تلف المال قبل التمكن منه سقطت الزكاة (13) .
__________
(1) البخاري ج/2 كتاب الزكاة باب 37/1386.
(2) لأن المرتد تستولي الدولة على أمواله كاملة.
(3) المكاتب: عبد اشترى نفسه من سيده بأقساط.
(4) تقدم تعريف المُبَعَّض.
(5) الحول المعتبر في الزكاة عامة هو الحول القمري لا الشمسي، والسنة القمرية ثلاثمائة وخمسون يوماً.
(6) الموطأ ج/1 كتاب الزكاة باب 6/13.
(7) كزكاة النعم.
(8) فإذا كان محجوراً عليه بالدين تحسب الزكاة أولاً، ثم يحجر على المال لحساب الدائنين.
(9) كزكاة النقد.
(10) البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 41/1852.
(11) كأن اشترى عروض تجارة بنية التجارة، إلا أنه لم يستلمها، وحال عليها الحول وهي في يد البائع، فعلى المشتري زكاتها.
(12) أما إذا كان الدين غير لازم، كمال المكاتب، فلا زكاة على السيد فيه، لأنه ضعيف، وقد يسقطه العبد متى شاء وكذلك إن كان الدين ماشية فلا زكاة فيه لا على المدين ولا على الدائن، كما لو أقرض الشخص أربعين شاة مثلاً، وحال عليها الحول وهي في ذمة المقترض، فليس على صاحبها زكاة، لأن إسامة المالك شرط في وجوب زكاة النعم.
(13) وعند الإمام مالك رضي الله عنه لا زكاة في الدين وإن أقام سنين حتى يقبضه فيزكيه عندئذ لسنة واحدة إن كان من عرض أو ثمن مبيع. وذهب أبو يوسف والشافعي قديماً رضي الله عنهما إلى أنه لا زكاة في الدين حتى يقبضه ويستأنف به الحول، هذا، ولا يعمل بقول الشافعي القديم هنا.
(2/82)

الباب الثاني: زكاة النَّعَم
(2/83)

- النَّعَم هي: الإبل، والبقر ويشمل الجاموس، والغنم بنوعيه المعز والضأن.
(2/84)

أولاً - الإبل:
(2/85)

- نصاب الإبل: أول نصاب الإبل ذكورها وإناثها، خمس، فليس فيما دونها زكاة.
زكاة الإبل: إذا كان ما يملكه من الإبل خمساً إلى العشرين، فزكاته عن كل خمس شاة (1) جذعة (2) ، إما جذعة ضأن لها سنة ودخلت في الثانية، أو أجذعت وإن لم تبلغ سنة، أو جذع ضأن كذلك، وإما ثنية معز لها سنتان ودخلت في الثالثة، أو ثني كذلك. فإذا بلغ الملك خمساً وعشرين من الإبل فزكاته ناقة بنت مخاض (3) لها سنة، فإن لم يجد بنت مخاض فابنُ لبون (4) له سنتان، أو حِقّ (5) . وإذا بلغ الملك ستاً وثلاثين من الإبل فزكاته بنت لبون لها سنتان. وإذا بلغ ستاً وأربعين فزكاته حِقّة (6) ، ويجزئ عنها بنتا لبون. فإذا بلغ الملك إحدى وستين من الإبل فزكاته جذعة لها أربع سنوات وطعنت في الخامسة، ويجزئ عنها بنتا لبون، أو حقتان، لأنهما تجزئان عما زاد فإجزاؤهما عما دونه أولى. فإذا بلغ ستاً وسبعين فزكاته بنتا لبون، وإذا بلغ إحدى وتسعين ففيه حقتان، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين تغير الواجب، فيكون في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ففي مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وفي مائة وثلاثين بنتا لبون وحقة، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون، وهكذا ... والأصل في ذلك كله كتاب سيدنا أبي بكر إلى أنس رضي الله عنهما لما أرسله إلى البحرين لأخذ الزكاة، ونصه: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على المسلمين ... في أربع وعشرين من الإبل فما دونها، من الغنم من كل خمس شاة. فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففي مل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة ... " (7) .
وإذا فقد المالك ما يجب عليه صعد درجة أو درجتين، وأخذ الفرق من آخذ الزكاة شاتين أو عشرين درهماً فضة (8) عن كل درجة، أو نزل درجة أو درجتين وأعطى الفرق عن كل درجة شاتين أو عشرين درهماً فضة، ويشترط في ذلك موافقة الدافع، ولا يصح الصعود ولا النزول درجتين ما أمكن الصعود أو النزول درجة واحدة.
__________
(1) الحكمة من وجوب الشاة على كل خمس من الإبل، مع الظاهر إيجاب بعير، كون البعير زكاة خمس وعشرين من الإبل، فإذا كان لدى المالك خمس فقط من الإبل فعليه خُمْس بعير، وهذا يضر بالمالك وبآخذ الزكاة لاضطرارهما إلى المشاركة، فجعلت الزكاة بالشاة تخفيفاً على الفريقين.
(2) سميت جذعة لأنها أجذعت مقدم أسنانها أي أسقطتها.
(3) سميت بنت مخاض لأن لها من العمر سنة، فآن لأمها أن تكون مخاضاً، أي حاملاً.
(4) سمي ابن لبون لأنه أصبحت أمه تحمل اللبن بعد ولادته ثانية.
(5، 6) الحقِّ من الإبل: الطاعن في الرابعة، للذكر وللأنثى، سمي بذلك لاستحقاقه أن يُحمل عليه وينتفع به، ولأنه استحق أن يطرق الأنثى، وكذلك الأنثى استحقت أن يطرقها الجمل.
(7) البخاري ج 2/ كتاب الزكاة باب 37/ 1386.
(8) الدرهم يساوي 2,97 غرام من الفضة.
(2/86)

ثانياً - البقر:
(2/87)

- نصاب البقر: أول نصاب البقر ثلاثون، ذكوره وإناثه سواء، فلا يجب فيما دونها شيء.
زكاة البقر: إذا بلغ الملك ثلاثين من البقر فزكاته تبيع (1) له سنة ودخل في الثانية، وتجزئ الأنثى، وهي أولى. فإذا بلغ الأربعين فزكاته مسنّة (2) لها سنتان ودخلت في الثالثة، ويجزئ عنها تبيعان. ودليل ذلك ما روي عن معاذ رضي الله عنه، قال: "بعثني النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى اليمن فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة " (3) .
ويستمر النصاب حتى تبلغ ستين فما فوق، ففي كل ثلاثين عندئذ تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
__________
(1) صغير الذكر من البقر، أي العجل، وسمي تبيع لأنه في السنة الأولى يتبع أمه في المرعى.
(2) الأنثى من البقر، وسميت بذلك لتكامل أسنانها.
(3) الترمذي ج 3/ كتاب الزكاة باب 5/ 623.
(2/88)

ثالثاً - الغنم:
(2/89)

- نصاب الغنم: أول نصاب الغنم أربعون، الضأن والمعز في ذلك سواء.
زكاة الغنم: إذا بلغ الملك أربعين من الغنم فزكاته شاة جذعة لها سنة، من الضأن، أو ثنية (1) ، من المعز. وإذا كانت الغنم ضأناً ومعزاً أجزأت واحدة من أحد النوعين، تقدر قيمتها بنسبة ما عنده من النوعين، فإذا كانت غنمه عشرين من الضأن وعشرين من المعز دفع من أي النوعين واحدة، تساوي قيمتها نصفاً من هذا ونصفاً من هذا. فإذا بلغ الملك مائة وإحدى وعشرين ففيه شاتان، ويستمر النصاب حنى تبلغ الغنم مائتين وواحدة، ففيها ثلاث شياه، فإذا بلغ الملك أربعمائة من الغنم فما فوق أُخذ عن كل مائة شاة، ودليل ذلك ما ورد في كتاب سيدنا أبي بكر إلى أنس بن مالك رضي الله عنهما، لما وجهه إلى البحرين: " ... وفي صدقة الغنم، في سائمتها، إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة، شاة، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين، شاتان، فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها" (2) .
__________
(1) عمرها سنتان.
(2) البخاري ج 2/ كتاب الزكاة باب 37/ 1386.
(2/90)

زكاة الشريكين:
(2/91)

- زكاتهما كزكاة الشخص الواحد سواء أكان الخليط غنماً أو بقراً أم إبلاً، فمثلاً لو كانا يملكان ثمانين شاة فعليهما معاً شاة واحدة، كالمنفرد، بينما يكون على كل منهما شاة لو انتفت الشركة وكان لكل منهما أربعون شاة، ولو كانا يملكان مثلاً ستين شاة، الثلث لأحدهما والثلثان للآخر، فعليهما شاة، على الأول ثمن ثلثها وعلى الآخر ثمن الثلثين، بينما تنتفي الزكاة عن الأول بانتفاء الشركة لأنه لا يملك النصاب.
هذا ولا يزكيان زكاة الواحد إلا بشروط:
-1 - أن يكون الخليط نصاباً، فإذا كان أقل فلا زكاة عليهما.
-2 - أن يكون المُراح (1) واحداً.
-3 - أن يكون المسرح (2) واحداً.
-4 - أن يكون المرعى واحداً، وألا تختص ماشية كل شريك براع.
-5 - أن يكون المشرب واحداً، كعين أو نهر أو غيرهما.
-6 - مرور حول ابتداء من الشركة. فلو ملك كل منهما أربعين شاة في شهر المحرم مثلاً، ثم اشتركا في أول شهر بيع، فلا شركة في الحول الأول، فإذا جاء المحرم وجب على كل منهما شاة، ثم يزكيان زكاة الشركة في الأحوال المقبلة.
-7 - أن يكون كل منهما أهلاً للزكاة (3) .
__________
(1) مأوى الإبل والبقر والغنم ليلاً.
(2) هو الموضع الذي تجتمع فيه الماشية ثم تساق إلى المرعى.
(3) وهو الذي توفرت فيه الشروط العامة لوجوب الزكاة.
(2/92)

الشروط التي يجب توفرها فيما يزكَّى بها من النعم:
(2/93)

- لا يجوز إخراج المعيب من النعم إلا إذا كانت كل نعمه معيبة، وكذلك المراض، ولا يجوز أخذ الذكر إلا إذا كانت كلها ذكوراً، لأن الذكر من النعم أدنى قيمة من الأنثى، ولا أخذ الصغير إلا إذا كانت كلها صغاراً..... وهكذا. وبالمقابل لا يجوز أخذ الخيار إلا إذا كانت نعمه كلها خياراً، أو وافق المالك على إعطاء الخيار، كالحامل مثلاً.
(2/94)

شروط وجوب زكاة النعم:
(2/95)

- بالإضافة إلى الشروط العامة لوجوب الزكاة يشترط ما يلي:
-1 - تمام الحول: فإذا نقص الحول ولو لحظة فلا زكاة فيها، أما النتاج (1) فيتبع الأمهات في الحول، فمثلاً إذا كانت النعم في أثناء الحول نصاباً ثم أنتجت، وكان النتاج من حيث عدده يقتضي الزكاة، كأن أصبح عدد الشياه مائة وإحدى وعشرين شاة، ولو قبل تمام الحول بلحظة، وجبت الزكاة على العدد بكامله.
-2 - أن تكون النعم سائمة: وهي المرعية في كلأ مباح، أو كلأ مملوك والقيمة يسيرة لا يعد مثلها كلفة، وأن يكون سومها من قبل المالك أو نائبه، فلو أسامها غير المالك، كغاصب مثلاً، أو ورثها ولم يعلم بها، فلا زكاة فيها، لفقد إسامة المالك، واختصت السائمة بالزكاة دون المعلوفة لتوفر مؤنتها بالرعي في كلأ مباح. أما إذا علفت الماشية معظم الحول أو كله، فلا تجب فيها الزكاة لكلفة العلف، ولو علفت نصف الحول أو أقل، قدراً ل تعيش بدونه الماشية، أو تعيش متضررة، فلا تجب الزكاة، أما لو علفها المالك قدراً تعيش بدونه بلا ضرر بيّن، ولم يقصد بذلك قطع السوم، وجبت زكاتها، والماشية تصبر على العلف يوماً أو يومين لا ثلاثة.
-3 - ألا تكون عاملة في حرث أو نضحٍ ونحوه، لأن هذه ليست معدة للنماء وإنما للعمل، كجمال السفر وبقر الحرث ...
__________
(1) اسم لما تضع البهائم.
(2/96)

الباب الثالث: زكاة الزرُوع والثِّمَار
(2/97)

- ثبتت فرضيتها على ما تقدم من الدليل العام بدليل خاص من الكتاب، قال تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} (1) .
وتختص زكاة النباتات بالأقوات، وهي من الثمار: الرطب والعنب، ومن الزروع: الحنطة والشعير والأرز والعدس، وسائر ما يقتات به مما هو صالح للادخار، مثل الذرة والحمص والفول واللوبياء والجُلبان. أما ما ورد عن أبي موسى الأشعري ومعاذ رضي الله عنهما أن النبي (صلى الله عليه وسلم) بعثهما إلى اليمن فأمرهما أن يعلما الناس أمر دينهم وقال: "لا تأخذ الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر " (2) فذلك بالنسبة لما كان موجوداً عندهم، والحصر فيه لا يقاوم العموم ولا القياس.
__________
(1) الأنعام: 141.
(2) رواه الطبراني في الكبير، مجمع الزوائد ج 3/ ص 75.
(2/98)

شروط وجوب زكاة الزروع والثمار:
(2/99)

- بالإضافة إلى الشروط العامة لوجوب الزكاة يشترط ما يلي:
-1 - أن تكون الزروع والثمار مما يستنبته الآدميون، أما ما نبت بنفسه، أو بحمل ماء أو الهواء، فلا زكاة فيه.
-2 - أن تكون قوتاً (1) ، مدخراً (2) ، وخرج بذلك ما لا يصلح للاقتيات والادخار، مثل الخوخ والرمان والتين واللوز والجوز والتفاح والمشمش، وكذا ما يقتات به في الجدب اضطراراً مثل حب الحنظل والغاسول (3) والكمون والحبة السوداء والشمر والفلفل وبزر الكتان ...
-3 - بدو الصلاح: ويكون في الزروع باشتداد الحب، لأنه حينئذ طعام، وهو قبل ذلك بقل، وفي الثمار بحلول طعم الحلو أو التلون (4) ، وفي غير المتلون لينه وتمويهه (5) ، كالعنب الأبيض مثلاً. وبدو صلاح بعضه وإن قل كبدو صلاحه كله.
-4 - أن تكون نصاباً من جنس واحد، فلا يضم جنس إلى آخر، كأن نضم القمح إلى الشعير، بخلاف الأنواع، فإنها يضم بعضها إلى بعض، ويخرج من كل نوع بقسطه، فإن عسر إخراج قسط كل نوع، لكثرة الأنواع، أخرج الوسط. ولا يضم تمر عام إلى عام آخر، وكذا الزروع (6) ، أما تمر العام الواحد فيضم بعضه إلى بعض، وكذا زروع العام الواحد، ولو اختلفت صفاته لاختلاف أنواعه وبلاده.
__________
(1) وهو ما يتقوت به، وتقوم البنية بتعاطيه.
(2) وهو الصالح للادخار، بحيث لا يفسد إذا ادخر.
(3) وهو الإشنان.
(4) أن يأخذ الثمر في حمرة أو سواد أو صفرة.
(5) الصفاء وجريان الماء فيه.
(6) إنما يجوز إخراج الزكاة من حبوب العام الماضي أو ثمره عن حبوب العام الحالي أو ثمره إذا كان الجنس واحداً.
(2/100)

نصاب الزروع والثمار:
(2/101)

- نصابها خمسة أوسق (1) ، ودليله ما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة " (2) . ويعتبر ذلك بالكيل تمراً أو زبيباً، وإلا فرطباً وعنباً؛ بأن يقدر الرطب من قبل الخارص (3) ، ثم يحسب ما يستخرج منه جافاً. ومعنى ذلك أن النصاب يجب أن يكون خمسة أوسق بالتمر والزبيب، وكذلك بالحب المصفى من التبن.
__________
(1) الوسق يساوي ستين صاعاً، والصاع مكيال مكعب طول حرفه 14,6 سم، وقدرت خمسة أوسق بما يعادلها من الأقوات وزناً فوجد أنها تعادل تقريباً 715 كيلو غراماً، على قول الرافعي رحمه الله.
(2) البخاري ج 2 /كتاب الزكاة باب 41/ 1390.
(3) الخرص حزر ما على الشجر من الرطب تمراً ومن العنب زبيباً.
(2/102)

متى تجب إخراج زكاة الزروع والثمار:
(2/103)

- يجب إخراج الزكاة فعلاً بعد التصفية، لكن يسن خرص كل ثمر تجب فيه الزكاة إذا بدا صلاحه، فيطوف الخارص بكل شجرة، ويقدر ثمرها رطباً ثم يابساً، مفرقاً بين الأنواع المختلفة، ثم يقول للمالك: ضمنتك حق المستحقين كذا تمراً أو كذا زبيباً. فيضمن المالك الواجب في ذمته، ويرضى بالضمان، ثم يتصرف في جميع ثمره كيف شاء. ويشترط أن يكون الخارص ذكراً، مسلماً (1) ، حراً، عدلاً، خبيراً، ويصح أن يكون المالك هو الخارص نفسه، إن توفرت فيه الشروط المذكورة. والدليل على الخرص حديث عتاب بن أُسيد رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال في زكاة الكروم: "إنها تخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيباً، كما تؤدى زكاة النخل تمراً " (2) .
والحكمة من الخرص معرفة القدر الذي وجبت فيه الزكاة، والتوسيع على المالك، إذ يتناول بعد الخرص من زرعه ما يشاء، وحفظ حق الفقراء من الزكاة.
__________
(1) اشترط الإسلام في الخارص لأن الكافر لا يؤتمن على شرع الله، فقد يتهاون.
(2) الترمذي ج 3/ كتاب الزكاة باب 17/ 644.
(2/104)

مقدار زكاة الزروع والثمار:
(2/105)

أولاً - ما سقي بماء السماء، أو بواسطة السَّيْح (1) ، أو بالقنوات المحفورة من الأنهار، وكذلك ما شرب بعروقه لرقبه من الماء، فزكاته العشر، وذلك لخفة مؤنته.
ثانياً - ما سقي بدولاب، يديره حيوان أو آدمي، أو الماء نفسه كالناعورة، أو بنضح، وهو نقل الماء من محله إلى الزرع بواسطة حيوان، أو من قبل الآدمي، أو بواسطة آلة، أو بماء اشتراه، فزكاته نصف العشر، وذلك لارتفاع مؤنته. ودليل ذلك ما ورد عن سالم بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرياً (2) العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر " (3) .
ثالثاً - فيما سقي بماء السماء والدولاب مثلاً، سواء، ثلاثة أرباع العشر، لأن النصف الأول فيه نصف العشر، والثاني فيه نصف نصف العشر، فالزكاة هي مجموعهما.
تعقيب: إذا ضمَّن مالك الأرض ثمارها بعد بدو الصلاح والخرص، وقعت الزكاة على المالك لا الضامن، لأن الأول هو الذي زرع الأرض.
__________
(1) وهو الماء الجاري على الأرض بسبب سيل، أو ما انصب من نهر أو عين.
(2) ما سقي بماء السيل.
(3) البخاري ج 2/ كتاب الزكاة باب 54/ 1412.
(2/106)

الباب الرابع: زكاة النقد
(2/107)

- يشمل النقد الذهب والفضة، سواء كانا مضروبين أو غير مضروبين، سبائك أم نقوداً.
(2/108)

دليلها:
(2/109)

- الأصل في زكاة النقد قبل الإجماع، قوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} (1) فالكنز هو الذي لم تؤد زكاته، أما الذي أديت زكاته فلا يسمى كنزاً.
أما ما عدا الذهب والفضة من بقية المعادن والجواهر الثمينة فمهما بلغت قيمتها لا زكاة فيها، لأنه لم يرد فيها نص.
__________
(1) التوبة: 34.
(2/110)

نصاب الذهب وزكاته:
(2/111)

- نصاب الذهب عشرون مثقالاً (1) خالصة، صافية من الشوائب، والمثقال يساوي أربعة وعشرين قيراطاً، وهو يعادل عشر ليرات إنكليزية وثلث الليرة، أو إحدى عشرة ليرة عثمانية رشادية، أو ثلاث عشرة ليرة عثمانية غازية.
ودليه: عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دارهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك" (2) .
وزكاة الذهب ربع العشر، وما زاد على النصاب فبحسبانه، وذلك في كل حول (3) ، سواء كان الذهب نقداً أم سبيكة.
__________
(1) المثقال: صنجة صغيرة استعملت في وزن النقد، وهي تعادل 4,25 غرام من الذهب الخالص، حسب ما ورد في كتاب الإيضاح والتبيان في معرفة المكيال والميزان لابن الرفعة، بتحقيق محمد إسماعيل الخاروف، وهو يساوي وزن الدينار الذهبي.
(2) أبو داود ج 3/ كتاب الزكاة باب 1573.
(3) وهذا خلاف زكاة الزروع والثمار، فلا تؤخذ إلا مرة واحدة ولو بقيت الزروع سنين، لأنها معرضة للفساد.
(2/112)

نصاب الفضة وزكاتها:
(2/113)

- نصاب الفضة مائتا درهم (1) ، وما زاد فبحسبانه، وفيها ربع العشر، ودليلها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس فيما دون خمس أواق (2) من الورق (3) صدقة (4) ". وحديث علي رضي الله عنه المتقدم.
ولا يكمل أحد النقدين بالآخر ليبلغ النصاب، وذلك لاختلاف الجنس، لكن يكمل نوع بنوع آخر من جنس واحد، ويؤخذ من كل نوع بالقسط إن سهل، وإلا أخذ من الوسط.
ولا زكاة في المغشوش (5) من الذهب أو الفضة حتى يبلغ خالصه نصاباً، وعندها يخرج الواجب إما خالصاً، وإما مغشوشاً خالصه بقدر الواجب.
__________
(1) الدرهم: قطعة نقد فضية ثابتة المقدار في الشريعة، ويزن 2. 97 غرام من الفضة، حس ما ورد في المرجع السابق.
(2) الأوقية تساوي أربعين درهماً.
(3) هو الفضة. وزكاة العملة الورقية تعتبر على أساس تغطيتها، فإن كانت تغطيتها ذهباً يؤخذ نصاب الذهب، وإذا كانت فضة يؤخذ نصاب الفضة.
(4) مسلم ج 2/ كتاب الزكاة حديث 6.
(5) وهو المخلوط بمعدن أردأ منه.
(2/114)

زكاة الحلي:
(2/115)

- لا يجب في الحلي المباحة زكاة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "لا زكاة في الحلي (1) ، ولأنها معدة للزينة، وهي استعمال مباح. أما إن ورثها ولم يعلم بها حتى مضى الحول فتجب زكاتها، وكذا لو انكسرت وقصد كنزها فتجب زكاتها، لأنه لا يقصد بإمساكها الاستعمال المباح، بخلاف ما لو قصد إصلاحها، فلا زكاة فيها وإن بقيت أحوالاً.
والحلي المباحة هي ما أحل للمرأة لبسه، فقد أحل لبس جميع أنواع الذهب والفضة، كالسوار والخلخال والخاتم (2) ، وكذا لبس ما ينسج بهما من الثياب، ما لم تسرف، وكذا ما أحل للرجل لبسه، وهو خاتم فضة، بحسب عادة أمثاله، ويحل له تحلية بعض آلات الحرب بالفضة، كالسيف والرمح، ولكن يحرم الإسراف في ذلك. أما الحلي المحرمة،
كسوار وخلخال للرجل فتجب الزكاة فيها، وكذلك الأواني الذهبية والفضية، وما يعلق للنساء والصغار من النقدين في القلائد والبراقع فتجب الزكاة فيه، ويعتبر في الأواني المحرمة وزنها لا قيمتها، أما الحلي فتعتبر قيمتها لا وزنها (3) ، فإذا كان الحلي مما يمكن تجزئته، فيخرج جزء بمقدار ربع العشر، ولا يجب كسر الحلي لإعطاء الزكاة منها، وكذا الآنية، بل تخرج الزكاة من ذهب غيرهما.
__________
(1) الدارقطني ج 2/ ص 109.
(2) ليس على هذه الحلي زكاة إلا إذا تجاوز مقدارها العرف.
(3) لن صنعة الحلي ولها قيمة. وللفقير حق فيها، أما صنعة الأواني المحرمة فحرام ويجب إتلافها، لذا لا عبرة لقيمة صنعها.
(2/116)

زكاة المعدن المستخرج من المناجم:
(2/117)

- تجب الزكاة فيما استخرج من مناجم الذهب والفضة من فلزات وقت حصولها بيده إن كانت نصاباً، أما أداء الزكاة فيجب بعد التنقية والتصفية. هذا إذا كان المستخرج من أهل وجوب الزكاة وهو المسلم الحر، أما الكافر فلا يجوز أخذ الزكاة منه، بل يجب أصلاً أن يمنعه الحاكم من استخراج المعدن وأخذه من البلاد الإسلامية.
(2/118)

زكاة الركاز:
(2/119)

- الركاز هو دفين الجاهلية، بشرط أن يكون نقداً، وأن يكون نصاباً، أما إن كان دفين إسلام، كأن وجد عليه شيء من القرآن، أو اسم ملك من ملوك الإسلام فيجب رده إلى مالكه إن علم، لأنه مال مسلم، ومال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه، وإن لم يعلم مالكه فهو لقطة، وإن وجده في أرض موات (1) أو في مِلك أحياه (2) فإنه يملكه وعليه أن يخرج خمسه فوراً. ولا يشترط في زكاته الحول. ودليل الركاز حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ... وفي الركاز الخمس" (3)
__________
(1) الأرض التي لا ملك لها.
(2) وهو ما أخذ من أرض لا مالك لها، فوضع يده عليه وبناه.
(3) البخاري ج 2/ كتاب الزكاة باب 65/1428.
(2/120)

شروط وجوب زكاة النقد:
(2/121)

-يشترط في زكاة النقد، بالإضافة إلى الشروط العامة لوجوب الزكاة:
الحول: فلو زال ملكه أثناء الحول عن النصاب أو بعضه، ببيع أو غيره، انقطع الحول، ولو عاد بشراء أو غيره استؤنف الحول لانقطاعه بزوال ملكه، فعودة ملك جديد، ومن ذلك ما لو باع نقداً بنقد - أي ذهباً بفضة أو العكس - بشروطه، فيستأنف الحول كلما بادل (1) .
ويستثنى من اشتراط الحول المناجم والركاز، فالزكاة فيها واجبة حال وجودها، كما قدمنا.
تعقيبات:
-1 - إذا بلغ النقد نصاباً، ثم ازداد أثناء الحول، تبعت الزيادة النصاب في الحول، ودفعت الزكاة عن الجميع في نهايته.
-2 - تجب الزكاة في الأقساط المدفوعة للجمعيات السكنية متى بلغت نصاباً، وحال عليها الحول، إلى أن يوجد العقار، ويتم التخصص به، وتعرف قيمته النهائية، حيث تعتبر الأقساط منذئذ سداد دين، وهي قبل ذلك أموال مدخرة.
__________
(1) إن فعل هذا فراراً من الزكاة، أعفي منها، وهذا الفعل مكروه عند الشافعية، حرام في رأي الحنابلة.
(2/122)

الباب الخامس: زكاة التِّجارة
(2/123)

تعريف:
(2/124)

- التجارة لغة: التقليب في المال.
وشرعاً: التقليب في المال المملوك بمعاوضة، لغرض الربح، مع نية التجارة عند كل تصرف.
(2/125)

زكاة التجارة:
(2/126)

- تجب الزكاة في عروض (1) التجارة، والدليل على ذلك ما روي عن سَمُرَة بن جُنْدَب رضي الله عنه قال: "أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعد للبيع (2) ". وذلك بأن تقوم (3) عروض التجارة آخر الحول بما اشتريت به من النقد (4) ، فإذا بلغت القيمة نصاباً أخرجت الزكاة، وإلا فلا، وتخرج الزكاة من القيمة لا من العين (5) ، فإذا كان تاجر بناء مثلاً يقوم ما عنده من بيوت في آخر الحول، ويخرج الزكاة عن قيمتها، ولا عبرة للمباع والمشترى خلال الحول (6) ، ويبدأ حول العروض بنية التجارة والمماكسة (7) معاً، فلو نوى فقط ولم يماكس، أو ماكس ولم ينوها، لم يبدأ الحول، ولا عبرة لقيمة العروض في أول الحول مهما بلغت، وإنما العبرة للقيمة آخر الحول، وإن ردت العروض إلى النقد الذي اشتريت به أثناء الحول، وكان هذا النقد نصاباً فأكثر، لم ينقطع الحول، أما إذا كان النقد الذي ردت إليه أقل من النصاب انقطع الحول، فإذا اشترى به عرضاً آخر بنية التجارة بدأ حول جديد. والتقويم لا يكون إلا بالنقد الذي اشتريت به العروض؛ فإذا اشتراها بذهب قومها بالذهب، أو بفضة قومها بفضة، وإن اشتراها بهما معاً قدر ما قابل الذهب وما قابل الفضة، ولا يضم أحدهما إلى الآخر، فلو لم تبلغ نصاباً بما اشتريت به فلا زكاة عليها، ولو بلغت نصاباً في غير هذا النقد. وإن تملكها بعوض كعرض أو نكاح أو صلح عن دم قومت بغالب نقد هذا البد.
أما مقدار زكاة التجارة فهو ربع العشر، ودليله ما ذكر زُرَيْقُ بن حيان - وكان زريق على جواز مصر في زمن الوليد بن عبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز - "أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه أن انظر مر بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم، مما يريدون من التجارات، من كل أربعين ديناراً ديناراً، فما نقص فبحساب ذلك، حتى يبلغ عشرين ديناراً فإن نقصت ثُلُثَ دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئاً" (8) .
__________
(1) هي المال المتجر به، غير النقد، وسواء كان منقولاً أم عقاراً أم حيواناً.
(2) أبو داود ج 2/ كتاب الزكاة باب 2/1562.
(3) أي تقدر قيمتها.
(4) والمعتبر عند التقويم هو سعر المبيع في السوق وقت الإخراج، لا سعر الشراء.
(5) كل أنواع الزكاة، بصورة عامة، عند الشافعي، عينية، إلا زكاة التجارة فهي من القيمة.
(6) أما العقارات المستعملة للسكن، أو المؤجرة من قبل المالك على سبيل المنفعة بإيجارها فليس عليها زكاة مهما كثرت.
(7) المماكسة: أول مفاوضة على البيع، ولو لم يتم البيع.
(8) الموطأ ج 1/ كتاب الزكاة باب 9/20.
(2/127)

اجتماع زكاة عين مع زكاة تجارة:
(2/128)

- وذلك إذا كان عرض التجارة مما تجب الزكاة في عينه، كالنعم مثلاً، فلا تجب فيه زكاتان، بل تخرج زكاة ما كمل نصابه دون زكاة الآخر، فإذا كان يملك مثلاً في آخر العام ثلاثين شاة، ففي هذه الحال لم تكمل زكاة العين، فإذا قومها بالنقد الذي اشتريت به، وبلغ النصاب، أخرج زكاة التجارة، وهي ربع عشر قيمة الشياه، وإذا اجتمعت الزكاتان معاً قدمت زكاة العين على زكاة التجارة، إلا أنه تجب بالإضافة إلى زكاة العين زكاة صوفها ولبنها.
(2/129)

شروط وجوب زكاة التجارة:
(2/130)

-1 - أن تبلغ قيمة العروض في نهاية الحول نصاباً بالنقد الذي اشتريت به.
-2 - نية التجارة عند كل تصرف، ولو في مجلس العقد، لتتميز عن القِنية. فإذا قطع نية التجارة، كأن يقصد القنية، أثناء الحول، انقطع الحول.
-3 - اقتران النية بالتملك.
-4 - أن يكون التمليك بمعاوضة، كشراء، أو جعل العروض مهراً في نكاح، أو عوضاً في الخلع، أو صلحاً عن دم، فلا زكاة فيما ملك بغير عوض، كهبة وإرث (1) ووصية، لانتفاء المعاوضة.
-5 - ألا تُنَضَّ (2) عروض التجارة بالنقد الذي اشتريت به، ناقصاً عن النصاب، أثناء الحول، وإلا انقطع الحول.
تعقيبات:
أولاً - زكاة المعامل: ليس على الآلات المستعملة في المعمل زكاة (3) ، وإنما الزكاة على ما هو معروض، سواء أكان بضاعة أو مواد أولية قابلة للبيع. مثال ذلك: في معمل للنسيج تفرض الزكاة على الغزل غير المنسوج، وعلى النسيج، دون الآلات.
ثانياً - زكاة الأسهم في الشركات: نظراً لأن الأسهم تشمل آلات وبضاعة، فإن تقدير زكاتها يحتاج إلى تحديد مقدار كل منهما. ولصعوبة هذا وعسره كان الأحوط أن تدفع الزكاة عن ثمن الأسهم، وتقدر بالنسبة للقيمة السوقية في نهاية العام.
ثالثاً - زكاة تجارة العقارات: إذا اشترى المرء عقاراً بقصد التجارة، ودفع ثمنه على أقساط، ثم عرضه للبيع، ولم يتم بيعه، فتخرج الزكاة عن كامل قيمة العقار في نهاية الحول، ويبدأ الحول من اليوم الذي جرت فيه أول مماكسة عليه، ولو لم يتم البيع، على ما قدمنا.
__________
(1) كأن ترك لورثته عروض تجارة، فلا تجب عليهم زكاتها حتى يتصرفوا فيها بنية التجارة.
(2) النضّ: هو تبديل العروض بالنقد الذي اشتريت به.
(3) ومثلها كل ما يستعمل من أشياء: سيارة، باص، أثاث منزل، ثياب بدن ... الخ. ومثلها أيضاً كتب العلم، حتى لو كانت ملكاً لغير متعلم.
(2/131)

الباب السادس: زكاة الفطر
(2/132)

الغرض منها، حكمها، شروط وجوبها:
(2/133)

- الغرض منها:
جبر الخلل الواقع في الصوم، كما يجبر سجود السهو الخلل الواقع في الصلاة، ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين" (1) .
(2/134)

- حكمها:
هي فرض، بدليل حديث ابن عمر رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على كل عبد ذكر أو أنثى، من المسلمين" (2) . وفي حديث آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر على الصغير والكبير والحر والمملوك" (3) .
__________
(1) أبو داود ج 2/ كتاب الزكاة باب 17/1609.
(2) البخاري ج 2/ كتاب صدقة الفطر باب 2/1433.
(3) البخاري ج 2/ كتاب صدقة الفطر باب 9/1441.
(2/135)

- شروط وجوبها:
-1 - الإسلام: فلا فطرة على الكافر الأصلي. أما المرتد ففطرته موقوفة، إن عاد إلى الإسلام وجبت عليه، وإلا فلا، وكذلك فطرة من على المرتد مؤنته. أما قريب الكافر المسلم فعلى الكافر فطرته كما عليه نفقته.
-2 - إدراك جزء من رمضان وجزء من شوال (1) : فمن مات بعد غروب شمس ليلة العيد وجب إخراج زكاة الفطر عنه بخلاف من مات قبل الغروب. ومن ولد له ولد قبل غروب شمس ليلة العيد وجبت عليه فطرته، بخلاف من ولد بعد الغروب.
-3 - وجود الفضل عن مؤنته ومؤنة عياله في يوم العيد وليلته: وتشمل المؤنة القوت والمسكن وخادماً يحتاج إليه، وثوباً وقميصاً وسراويل وعمامة تليق به، وما يحتاج إليه من زيادة لبرد أو تجميل، وغير ذلك مما يليق به وبممونه أيضاً. ولا يلزم ببيع ما هيأه للعيد من كعك وسمك ونقل (2) وغير ذلك.
ولا يشترط لزكاة الفطر أن تكون فاضلة عن دينه.
ومن أعسر وقت وجوبها فلا زكاة عليه ولو أيسر بعده. وإذا كان الزوج معسراً فلا فطرة عليه ولا على زوجته ولو كانت موسرة.
__________
(1) أي إدراك غروب شمس ليلة العيد.
(2) يقصد به اللوز والجوز والزبيب والتمر.
(2/136)

على من تجب زكاة الفطر:
(2/137)

-تجب الزكاة على الشخص عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته من المسلمين (1) ، إذ المعروف في قواعد الفقه أن: كل من تلزمه نفقته من المسلمين تلزمه فطرته. ويستثنى من هذه القاعدة الابن، فلا يلزم بفطرة زوجة أبيه حال إعسار الأب، وإن وجبت نفقتها عليه لإعسار الأب، لأن النفقة واجبة على الأب مع إعساره فيتحملها عنه ابنه، بخلاف الفطرة، فليست واجبة عليه مع إعساره فلا يتحملها عنه ابنه.
ولا يلزم الأب بفطرة ابنه الراشد، أو فطرة الأجنبي، حتى لا يجوز إخراجهما عنهما إلا بإذنهما.
__________
(1) فالشرط في المخَرج عنه أن يكون مسلماً ولو كان المخرج كافراً.
(2/138)

مقدار زكاة الفطر:
(2/139)

- يجب أن يكون المخرج صاعاً من غالب قوت بلده إن كان عن نفسه، ومن غالب قوت بلد المخرج إن كان عن غيره، ويكون غالب قوت البلد قمحاً أو شعيراً أو ذرة، ولا يجوز إخراجها من قوت أدنى من المعتاد إنما يجزئ القوت الأعلى (1) ، ولو لم يكن غالباً، عن القوت الأدنى. وترتيب الأقوات من الأعلى إلى الأدنى كما يلي: البُر، السلت (2) ، الشعير، الذرة، الأرز، الحمص، العدس، الفول، التمر، الزبيب، اللبن، الجبن، والمعتبر في غالب قوت البلد غالي قوت السنة لا غالب قوت وقت الإخراج.
وإذا لم يملك الشخص قدراً يكفي عن جميع من تجب عليه نفقته أخرج عن نفسه ثم عن زوجته، ثم ولده الصغير، ثم أصوله الذكور، ثم أصوله الإناث. ومن لم يوسر بصاع بل ببعضه لزمه ذلك البعض محافظة على الواجب، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (3) ، ولمتا هو معروف في قواعد الفقه من أن: "الميسور لا يسقط بالمعسور" فإن لم يستطع إلا نصف صاع أو ربعه أخرجه (4) .
__________
(1) والاعتبار في الأعلى والأدنى بزيادة الاقتيات.
(2) نوع من حبوب اليمن.
(3) البخاري ج 6/ كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب 3/6858.
(4) ويجوز عند السادة الحنفية إخراج قيمة الصاع نقداً، وهذا أنفع للفقير، لذا بإمكاننا تقليده.
(2/140)

وقتها:
(2/141)

- يجوز إخراجها في أول رمضان (1) ، ويسن إخراجها قبل صلاة العيد للاتباع، ولكف المحتاجين عن السؤال يوم العيد، ويكره تأخيرها إلى آخر يوم العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد بلا عذر (2) ، ولا تسقط.
__________
(1) بشرط كون آخذها مستحقاً وقت وجوبها ووقت دفعها، وبشرط وجود آخذها في بلد المزكي وقت الوجوب.
(2) والعذر هو غياب ماله أو غياب المستحقين في ذلك الوقت.
(2/142)

الباب السابع: أداءُ الزّكاة
(2/143)

دافع الزكاة:
(2/144)

- تدفع الزكاة من قبل مالك المال عن نفسه، أو يدفعها عنه وكليه (1) ، أو يقوم إمام المسلمين أو نائبه بتوزيعها بعد جمعها من دافعي الزكاة، وإن طلبها الإمام، ولو جائراً، عن مال ظاهر، كالماشية، والزروع والثمار، والمعدن، فيجب أداؤها له، لكن ليس للإمام طلبها عن مال باطن، وهو النقد والركاز، وألحقوا بذلك زكاة الفطر.
وتجب النية في أدائها من قبل المالك، أو من قبل الإمام بإذن المزكي، وتكون النية بأن يقصد معنى قوله: هذه زكاتي، أو فرض صدقة مالي. وإن كان للمالك دين على شخص فقال له: جعلت ما عليك من زكاتي، أو قال في نفسه: جعلت هذا الدين زكاة مالي، فإن ذلك لا يجزئه. وإن طلب المدين (2) من الدائن (3) أن يعطيه زكاة ماله على أن يدفعها له عن الدين، ففعل، أجزأه ذلك (4) . وإن كانت للشخص وديعة وردها إليه من ودعت عنده، فأعطاه إياها عن الزكاة أجزأه ذلك أيضاً.
ويسن للشخص دفعها عن طيب نفس.
تعقيب:
لا يمكن للزوجة أن تخرج زكاة زوجها، التي لا يقوم بإخراجها، من مالها الذي أخذته منه، لأنه لا بد من نية صاحب المال أو موكله، كذلك الحال بالنسبة للابنة عن أبيها، أو الأخت عن أخيها. ولا تستطيع إخراجها من ماله المودع عندها كأمانة، ما لم يأذن لها بذلك. والدليل ما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام خطيباً، فقال في خطبته: (لا يجوز لامرأة عَطِيَّة إلا بإذن زوجها) (5) .
أما إن كانت موكلة على هذا المال، وأمنت حدوث فتنة حين يعلم بإخراجها الزكاة من ماله فلها أن تخرجها، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أطعمت المرأة من بيت زوجها، غير مفسدة، لها أجرها، وله مثله، وللخازن مثل ذلك، له بما اكتسبت، ولها بما أنفقت) (6) .
__________
(1) وإعطاؤها من قبل المالك نفسه أفضل من توزيعها عن طريق الوكيل.
(2) المستقرض.
(3) المقرض.
(4) الزكاة صحيحة إلا أن الشرط باطل، فالمدين حر بالزكاة التي أخذها، إما أن يدفعها عن الدين أو يتصرف فيها بما يشاء.
(5) النسائي ج 5/ ص 65.
(6) البخاري ج 2/ كتاب الزكاة باب 25/1372.
(2/145)

وقت تأديتها:
(2/146)

- يجوز تعجيل الزكاة في أثناء الحول، قبل تمامه، بشرط أن يبقى المالك أهلاً للوجوب إلى آخر الحول، وأن يكون القابض آخر الحول مستحقاً، وإلا لم تجزئه زكاته (1) .
ويحرم على المالك نقل الزكاة من محل وجوبها (2) إلى مسافة القصر فأكثر، مع وجود المستحقين فيه، ولو كان ذلك بغية إعطائها لقريب، لكن يستطيع الاحتفاظ بها إلى حضور ذاك القريب إلى بلده. أما الإمام فلا يحرم عليه نقلها.
__________
(1) وهنا تسترد إن علم القابض أنها زكاة معجلة، وإلا كان على المخرج أن يزكي عنها.
(2) هو محل إقامته إن كانت زكاة ذمة - نقد -، أو محل وجود المال إن كانت زكاة عين.
(2/147)

لمن تعطى الزكاة:
(2/148)

- يجب صرف الزكاة إلى الموجودين من الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل} (1) وإنما للحصر، فلا تصرف إلى غير ما ذكر، وهذا مجمع عليه، ولكن اختلف في استيعابهم، فعند السادة الشافعية يجب دفعها للأصناف الثمانية، إلا العامل فيجوز أن يكون واحداً إن حصلت الكفاية به، لكن في هذا عسر، لذا اختار بعض الشافعية جواز صرفها لواحد، ولا بأس بتقليده في زماننا هذا، وقال بعضهم: لو كان الشافعي حياً لأفتى به (2) .
شرح الأصناف الثمانية:
-1 - الفقير: هو من لا مال له أصلاً، ولا كسب من حلال، أو له مال أو كسب دون أن يكفيه أيّ من ذلك، بأن كان أقل من نصف الكفاية، وتعتبر الكفاية بالنسبة للعمر الغالب، وهو اثنان وستون سنة (3) . وإذا كان الشخص ذو الصفات السابقة يملك نصاباً فأكثر، فإنه يعطي زكاته، مع كونه هو أهلاً لأخذ زكاة غيره.
ويعتبر من حاجياته المطعم والمسكن والملبس وغيرها مما لا بد منه له ولمن عليه نفقته، ومما يليق بحاله من غير سرف ولا تقتير، وكذا الحاجيات التي أصبحت اليوم من الضروريات كالبرادة والغسالة وآلات طهي الطعام الحديثة، أما المذياع والتلفاز فليسا من الضروريات.
-2 - المسكين: هو من له مال أو كسب، أو كلاهما معاً، مما يكفيه بمقدار خمسين إلى تسعين في المائة من حاجياته. وهكذا يكون المسكين أحسن حالاً من الفقير.
ويمنع الفقرَ والمسكنة كفايةُ الشخص بنفقة قريب أو زوج لانتفاء الحاجة عندئذ.
ولا يمنع الفقر أو المسكنة امتلاك الشخص لمسكن أو خادم، كذا الثياب ولو للتجميل، وكتب يحتاج إليها، ومال غائب عنه هو منه على بعد مرحلتين أو أكثر، أو مال مؤجل، وهنا يعطى الزكاة إن لم يجد من يقرضه ما يكفيه إلى أن يصل ماله أو يحل الأجل. وكذا لا يمنع من وصف المرأة بالفقر والمسكنة أنها تملك حلياً تتزين بها بحسب العرف.
ويعطى الفقير والمسكين من الزكاة، مقدار ما يخرجه من الحاجة إلى الكفاية على الدوام، كأن يعطى ثمن آلة ليشتغل عليها، إن كان قادراً على الكسب، إما إن كان عاجزاً عن الكسب فيعطى بمقدار ما يسد حاجته خلال سنة على أرجح الأقوال.
-3 - العامل: ويشمل كل من استعمله الإمام لجباية الزكاة من جامع الزكاة والكاتب (4) والقاسم (5) والحاشر (6) ، دون القاضي أو الوالي، ويجب أن يكون فقيهاً في الزكاة عالماً بأحكامها. وتُعطى الزكاة ولو كان غنياً على سبيل الأجرة، فيعطى بقدر أجر مثله، وذلك إذا لم تكن له أجرة مقدرة من قبل الإمام.
-4 - المؤلفة قلوبهم: وهم أربعة أقسام، كلهم مسلمون (7) :
- 1 - ضعيف الإيمان الذي أسلم حديثاً، فيعطى منها ليقوى إيمانه.
- 2 - من أسلم وله شرف في قومه ويتوقع بإعطائه من الزكاة إسلام غيره من الكفار، فيعطى ولو كان قوي الإيمان.
- 3 - مسلم قوي الإيمان يتوقع بإعطائه أن يكفينا شر من وراءه من الكفار.
- 4 - مسلم يكفينا شر مانعي الزكاة.
-5 - الرقاب: هم المكاتبون (8) مكاتبة صحيحة، فيعطون ما يعينهم على العتق إن لم يكن معهم ما يفي بنجومهم (9) . أما مكاتبو المزكي فلا يعطون من زكاته لعود الفائدة إليه من كون المعطى ملكه.
-6 - الغارم (10) : وأقسامه ثلاثة:
-1- مدين لتسكين فتنة بين طائفتين، في قتيل لم يظهر قاتله، فيقضى دينه من سهم الغارمين، سواء كان غنياً أو فقيراً (11) .
وكذلك لو استدان لمصلحة عامة كبناء جامع.
-2- من استدان في مصلحة نفسه أو عياله (12) ، وصرف ذلك في مباح أو في معصية ثم تاب (13) .
-3- من عليه دين بسبب ضمان لغيره، وكان معسراً هو والمضمون، إذا كان الضمان بإذنه، أما إن تبرع هو بالضمان دون إذن المضمون فيعطى متى أعسر هو ولو أيسر المضمون.
ويعطى الغارم من الزكاة ما يسد دينه.
-7 - في سبيل الله: هم الغزاة الذكور المتطوعون بالجهاد، وليس لهم نصيب من المخصصات للغزاة في الدولة، فيعطون من الزكاة ولو كانوا أغنياء، إعانة لهم على الغزو، ويجب على كل منهم أن يرد ما أخذه إن لم يغر، وكذلك ما فضل بعد الغزو.
-8 - ابن السبيل: هو من ينشئ سفراً من بلد الزكاة، أو يكون مجتازاً لها، فهذا يعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده أو ماله بشرط كونه محتاجاً عندئذ، وبشرط ألا يكون عاصياً بسفره، فلو سافر لمعصية لم يعط، وكذا الهائم في سفره دون هدف، فإنه لا يعطى أيضاً.
__________
(1) التوبة: 60.
(2) وعند السادة الحنفية يجوز دفعها لصنف واحد ولفرد واحد، وعند مالك وابن حنبل رضي الله عنهما يجوز دفعها إلى ثلاثة فقراء أو ثلاثة مساكين.
(3) يقوم بتوزيع المال، إن لم يتجر به، على العمر الغالب، فإن لم يسد نصف حاجياته، كأن يحتاج في اليوم إلى عشر ليرات ووجد بتوزيع ماله على غالب العمر أنه يصيبه أربع أي أقل من النصف فيعتبر عندئذ فقيراً.
(4) الذي يكتب مقدار ما أعطاه أرباب الأموال.
(5) الذي يقسم أموال الزكاة على المستحقين.
(6) الذي يجمع المستحقين.
(7) أما مؤلفة الكفار، وهم من يرجى إسلامهم أو يخاف شرهم، فلا يعطون من الزكاة.
(8) المكاتب: عبد اشترى نفسه من سيده بأقساط.
(9) أقساطهم.
(10) تطلق كلمة الغارم على المدين، والغريم على الدائن والمدين.
(11) لكن لا يعطى الغارم إلا عند بقاء الدين عليه.
(12) حتى لو استدان بفائدة.
(13) أما إن يتب فلا يعطى من سهم الغارمين.
(2/149)

من لا يجوز دفع الزكاة إليهم
(2/150)

وخمسة لا يجوز دفع الزكاة إليهم:
-1- الغني بمال أو كسب.
-2- العبد غير المكاتب، لأن العبد غني بسيده (1) .
-3- بنو هاشم وبنو المطلب ومواليهم، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث رضي الله عنه: (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) (2) ، ولما رواه ابن عباس رضي الله عنهما من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابني عمه: (لا يحل لكما أهل البيت من الصدقات شيء، ولا غسالة أيدي الناس، إن لكم في خمس الخمس لما يكفيكم) (3) . ولا تجوز لمواليهم لأنهم منهم، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مولى القوم من أنفسهم) (4) .
ولكن يجوز لهم أخذ صدقة التطوع، فالممنوع عليهم صدقة الواجب فقط.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فيمتنع عليه كل من الصدقة الواجبة والمندوبة، لأنها لا تليق بمقامه الشريف.
-4- الكافر: لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، حين بعثه إلى اليمن: (فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) " (5) أي فقراء المسلمين، فلا حق للكافر فيها (6) .
-5- من تلزم المزكي نفقته؛ فلا يدفع زكاته إليه باسم الفقراء والمساكين، لكن يجوز دفعها إليه باسم الغزاة أو الغارمين أو العاملين أو المؤلفة قلوبهم.
ويجوز إعطاء زكاة الأب إلى الابن البالغ إذا كان فقيراً أو مسكيناً، لأنه غير ملزم بالنفقة عليه، أما إذا كان عاجزاً عن الكسب فلا يجوز أن يعطى زكاة أبيه، لأن الأب عندئذ ملزم بالنفقة عليه وعلى أولاده، فيكون غنياً بأبيه.
أما الابنة، فإن أباها ملزم بالنفقة عليها ما دامت في حجره، وليس لها عمل يكفيها، فإن تزوجت، أو صار لها عمل يليق بها، لم يعد ملزماً بنفقتها. وعلى هذا يمكنه أن يعطي زكاته لزوجها إن كان فقيراً أو مسكيناً. ويمكن أن يوكلها بدفعها إن كانت ثقة.
ويجوز للزوجة أن تعطي زوجها زكاة مالها إن كان فقيراً أو مسكيناً، ولو أنفق ذلك عليها. أما إعطاؤه الزكاة من أجل التوسعة فلا يصح. ودليل صحة إعطائها الزكاة له حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "أن زينب امرأة مسعود جاءت تستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: يا رسول الله هذه زينب. فقال: (أي الزيانب؟) فقيل: امرأة ابن مسعود. قال: (نعم، ائذنوا لها) . فأذن لها. قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) " (7) .
ويجوز إعطاء الزكاة لامرأة مريضة لتصرفه على مرضها، حتى ولو كان لها زوج ميسور، إلا أنه لا يصرف عليها.
ويصح إعطاء الأخت زكاتها لأخيها الشاب الذي له مورد يكفيه، إذا كان لا يستطيع الزواج لعدم توفر المهر له، حتى ولو لم يتزوج فوراً بعد تمليكه المال.
كما يصح إعطاء الزكاة لامرأة تقوم بتربية طفل أو طفلة، لتنفقها عليه، حتى لو كان الطفل أخاً لها أو أختاً وليس لهما أصل غني تجب عليه نفقتهما، ومثل ذلك اللقيط الذي لا مال له، حتى لو لم تكن المرأة المربية فقيرة.
__________
(1) ولا ينطبق هذا على الخادم.
(2) مسلم ج 2/ كتاب الزكاة باب 51/168.
(3) رواه الطبراني في الكبير، مجمع الزوائد ج 3/ص 91.
(4) البخاري ج 6/ كتاب الفرائض باب 23/6380، والمولى: هو الرقيق المعتق.
(5) البخاري ج 2/ كتاب الزكاة باب 62/1425.
(6) كذلك الحال بالنسبة للكتابي، ولكن يجوز إعطاؤهما من صدقة التطوع.
(7) البخاري ج 2/ كتاب الزكاة 43/1393.
(2/151)

الباب الثامن: صدقة التطوع
(2/152)

حكمها:
(2/153)

- سنة، وتصبح سنة مؤكدة بالماء والمنيحة (1) ، في البلدان الشحيحة.
ويستحب التصدق بما فضل عن حاجة الشخص إن لم يشق عليه الصبر على الضيق، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، وكن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له) حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في الفضل (2) ".
ويكره للمرء أن يسترد صدقته ممن تصدق عليه بنحو شراء (3) .
ويحرم التصدق بما يحتاجه الشخص لنفقته أو نفقة من عليه نفقته، في يومه وليلته، أو بما يحتاج إليه لدين لا يرجو له وفاء من مال غير الذي يريد التصدق به.
ويحرم السؤال على الغني بمال أو كسب، لحديث سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم) . فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: (قدر ما يغديه ويعيشه) " (4) .
__________
(1) العنزة الحلوب يمنحها الجار لجاره لينتفع بلبنها، ما دام فيها لبن.
(2) أبو داود ج 2/ كتاب الزكاة باب 32/1663.
(3) كأن يتصدق بمقدار من القمح، ثم يطلب ممن تصدق عليه أن يبيعه القمح الذي أعطاه إياه.
(4) أبو داود ج 2/ كتاب الزكاة باب 23/1629.
(2/154)

دليلها:
(2/155)

- قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} (1) .
والحديث الذي رواه عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة (2) ".
ويسن للمتصدق ما يلي:
-1 - أن يتصدق بما يحبه، لقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (3)
-2 - أن يتصدق عن طيب نفس وبشر.
-3 - أن يكثر من الصدقة في الأزمنة الفاضلة (4) ، وفي الأمكنة الفاضلة (5) .
-4 - أن يكثر من الصدقة عند الأمور المهمة، كالغزو والكسوف (6) والمرض، لما روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها) (7) ، ولحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) (8) .
ويحرم المن بالصدقة، ويبطل ثوابها، لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كالذي ينفق ماله رئاء الناس ... } (9) .
__________
(1) الزلزلة: 7.
(2) البخاري ج 2/ كتاب الزكاة باب 9/1351.
(3) آل عمران: 92.
(4) شهر رمضان ويوم الجمعة وزمن الحج.
(5) وهي على سبيل الحصر والتدرج: مكة، المدينة، بيت المقدس.
(6) لأن الكسوف يذكر بيوم القيامة.
(7) رواه الطبراني في الأوسط، مجمع الزوائد ج 3/ ص 110.
(8) رواه الطبراني في الأوسط، مجمع الزوائد ج 3/ ص 115.
(9) البقرة: 264.
(2/156)

لمن تعطى الصدقة على سبيل التدرج:
(2/157)

- إلى الزوج، ثم القريب الأقرب (1) ، ثم القريب الأبعد (2) ، ثم محارم الإِرضاع، ثم محارم المصاهرة (3) ، ثم الولاء (4) ، ثم الجار.
وتجوز الصدقة على العدو، وأهل الخير المحتاجين (5) .
__________
(1) الرحم الذي لا يجوز الزواج منه.
(2) الرحم الذي يجوز الزواج منه.
(3) أهل الزوج وأهل الزوجة.
(4) الرقيق المُعَتق.
(5) الأغنياء عندما يفتقرون.
(2/158)

كتاب الحج
(2/159)

الباب الأول: معنى الحج والعمرة وشروطهما والاستنابة
(2/160)

معنى الحج، حكمه، دليل فرضيته
(2/161)

- معنى الحج
لغة: القصد إلى معظم.
شرعاً: قصد البيت الحرام لأعمال النسك.
(2/162)

- حكمه:
هو ركن من أركان الإسلام، وفرض عين على كل مستطيع، يكفر جاحده إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ في بادية بعيداً عن العلماء، وهو عباده بدنية ومالية.
(2/163)

- دليل فرضيته:
القرآن والسنة والإجماع:
فمن القرآن قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} (1)
ومن السنة حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان) (2) .
ولا يجب الحج بأصل الشرع إلا مرة واحدة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا) ، فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم) " (3) . ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد أن فرض الحج إلا مرة واحدة، وهي حجة الوداع.
وقد انعقد الإجماع منذ عهد الصحابة إلى يومنا هذا على أن الحج فريضة محكمة على كل مستطيع، في العمر مرة واحدة
__________
(1) آل عمران: 97.
(2) البخاري ج 1/كتاب الإيمان باب 1/8.
(3) مسلم ج 2/كتاب الحج باب 73/412.
(2/164)

معنى العمرة، حكمها
(2/165)

- معنى العمرة
لغة: الزيارة.
شرعاً: زيارة البيت الحرام للنسك.
(2/166)

- حكمها:
هي فرض عين على كل مستطيع، ودليل فرضيتها قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله.} (1) . وما روته عائشة رضي الله عنها، قالت: "قلت يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: (نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة) " (2) .
وهي فرض لمرة واحدة، لحديث جابر أن سراقة بن جعشم رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن العمرة، فقال: "يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: (دخلت العمرة في الحج -مرتين-، لا بل لأبد الأبد) " (3) .
ووجوب الحج والعمرة على التراخي، ما لم يخش المرض، بدليل قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} (4) ، وهذا القول مطلق عن تعيين الوقت، ولا يجوز تقييد النص إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. إلا أنه إن أخر بعد التمكن،
ومات قبل أداء فريضة الحج، مات عاصياً، ووجب قضاؤها من تركته.
__________
(1) البقرة 196.
(2) ابن ماجة ج 2/ كتاب المناسك باب 8/2901.
(3) مسلم ج 2/كتاب الحج باب 19/147.
(4) آل عمران: 97.
(2/167)

شروط الحج والعمرة:
(2/168)

أولاً- شروط للصحة مطلقاً:
(2/169)

- وهي الإسلام فقط، فلا يصح الحج أو العمرة من كافر أصلي أو مرتد، لعدم أهليته للعبادة. ويصح إحرام الولي أو مأذونه عن الصبي المسلم غير المميز ومباشرته الأعمال عنه، بدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن امرأة رفعت صبياً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولك أجر) " (1) .
__________
(1) مسلم ج 2/كتاب الحج 72/410.
(2/170)

ثانياً - شروط صحة المباشر بالنفس:
(2/171)

- الإسلام والتمييز، فيصح من الصبي والعبد، ويثاب كل منهما عليه، لكن لا يجزئهما عن حجة الإسلام، ويحرم المميز بإذن وليه، ويباشر الأعمال بنفسه، ويجوز للولي أن يحرم عنه، بأن يقول: نويت الإحرام عن فلان بكذا، أو جعلته محرماً بكذا. وبعد أن يصير محرماً يمنعه وليه عن جميع محرمات الإحرام، ويحضره مواضع النسك كلها وجوباً في الواجب، وندباً في المندوب.
(2/172)

ثالثاً - شروط وقوعه عن حجة الإسلام:
(2/173)

- الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية.
(2/174)

رابعاً - شروط الوجوب:
(2/175)

1- الإسلام: فلا يجب الحج ولا العمرة على الكافر الأصلي، ولا أثر لاستطاعته في حال الكفر، ولا يستقر الحج في ذمته بها، بل يعتبر حاله بعد الإسلام، فإن استطاع لزمه، وإلا فلا، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه عمرو بن العاص رضي الله عنه: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله) (1) .
أما المرتد فيجب عليه وجوب مطالبة، بأن يقال له: أسلم ثم حج، فإن كان مستطيعاً قبل ردته أو أثناء ردته ثم أسلم فأعسر، استقر في ذمته بتلك الاستطاعة، وإن مات بعد إسلامه ولم يحج حُجَّ عنه من تركته، أما إن مات مرتداً فلا يحج عنه.
(2/176)

2- العقل: فلا يجب الحج على المجنون، ودليله ما روي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل) (2) .
(2/177)

3- البلوغ: فلا يجب على الصبي، لكنه يثاب على حجه بثواب نفل. فإن بلغ الصبي أثناء القيام بأعمال الحج أو العمرة، وقبل الوقوف بعرفة، أو في أثنائه، أجزأه النسك، ويعيد السعي إن كان قد سعى بعد طواف القدوم.
(2/178)

4- الحرية: فلا يجب على الرقيق ولو مبعضاً، لأن العبد المملوك مستغرق في خدمة سيده، ولأن الاستطاعة شرط، وهي لا تتحقق إلا بملك الزاد والراحلة، والعبد لا يملك شيئاً.
(2/179)

5- الاستطاعة: لقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} ، والمراد منها استطاعة التكليف بهذه الفريضة.
والاستطاعة نوعان: استطاعة بنفسه، واستطاعه بغيره:
أولاً - استطاعة المباشرة بالنفس: وشروطها خمسة للرجل والمرأة سواء، وشرطان خاصان بالمرأة دون الرجل.
أما الخمسة العامة فهي:
-1 - وجود الزاد وقدر النفقة ذهاباً وإياباً، فإذا لم يجد الزاد وحج معولاً على السؤال كره له ذلك، وذهب الشافعي إلى أنه يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة ممن لا منة له على المباح له، كالوالد إذا بذل الزاد والراحلة لولده. كما يشترط وجود أوعية الزاد إن احتاج إليها لحمل الزاد من بلده، أما الشخص القريب من مكة فقد لا يحتاج إلى ذلك. ويشترط وجود الماء والزاد في المواضع المعتاد حمله منها بثمن المثل، فلو لم يجد الماء أصلاً، أو وجده بأكثر من ثمن المثل لم يجب عليه الحج، وكذلك وجود علف الدابة التي يركبها، في كل مرحلة (3) .
-2 - وجود آلة الركوب التي تليق، في حق المرأة والخنثى مطلقاً، أما في حق الرجل فيشترط ذلك إن طال سفره؛ أي إن كان بينه وبين مكة مرحلتان فأكثر، ولو كان قادراً على المشي. أما إن كان سفره أقل من مرحلتين، وهو قادر على المشي فلا تشترط آلة الركوب من راحلة وغيرها. ودليل ما سبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر السبيل في الآية {من استطاع إليه سبيلاً} باستطاعة الزاد والراحلة، روي عن أنس رضي الله عنه قال: "قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال: (الزاد والراحلة) " (4) .
ويشترط في كل ما سبق من زاد وأوعية وراحلة، أن يكون فاضلاً عن دَيْنه، سواء كان الدين لآدمي أو لحق الله تعالى، كالزكاة والكفارات. كما يشترط أن يكون فاضلاً عن مؤنة من عليه مؤنتهم، كزوجة وفرعه وأصله، مدة ذهابه ورجوعه وإقامته في الحجاز، لحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) (5) . وأن يكون فاضلاً عن مسكنه اللائق به، وعن عبد يليق به ويحتاج إليه في خدمته.
-3 - توفر الأمن في الطريق وقت خروج الناس للحج، بأن يكون خالياً من نحو سبع وعدو، فإن لم يأمن على نفسه أو ماله لم يجب عليه الحج.
-4 - صحة البدن: فلا حج على المريض والمزمن والمقعد، والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بنفسه، ولو وجدت فيهم سائر شروط الحج الأخرى. وإن كان أعمى لم يجب عليه إلا أن يكون معه قائد، لأن الأعمى من غير قائد كالزمن، ومع القائد كالبصير.
-5 - إمكان السير، وتوفر الوقت اللازم، بحيث يدرك الحج، فإن لم يبق من الوقت ما يتمكن فيه من السير لأداء الحج لم يلزمه.
أما الشرطان الخاصان بالمرأة فهما:
-1 - أن يخرج معها زوجها، أو محرم لها، أو نسوة ثقات، اثنتان فأكثر، تأمن معهما على نفسها، لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن.
أما إذا كان الحج نفلاً فلا بد من زوج أو محرم، وإن لم يكن كل منهما ثقة، إنما الشرط أن يكون ذا غيرة عليها.
وليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج، فرضاً كان أو غيره، ولو منعها منه لم يجز لها الخروج له، وإذا أخرت الفرض لمنعه، وماتت، قضي من تركتها، ولا تعتبر عاصية، ما لم تتمكن من الحج قبل النكاح.
-2 - ألا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة مدة إمكان السير للحج، لقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} (6) .
ثانياً -الاستطاعة بغيره: وتكون بأحد أمرين: بماله أو بمن يطيعه.
-1 - فمن لا يقدر على الحج بنفسه لزمانة أو كبر، أو مرض لا يرجى زواله، بأن أقعده ذلك، وله مال يدفعه إلى من يحج عنه، فيجب عليه فرض الحج، لأنه يقدر على أداء الحج بغيره.
-2 - ومن لا يقدر على الحج بنفسه، وليس له مال، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره، فإذا كان الولد مستطيعاً، وجب على الأب الحج، ويلومه أمر الابن بأدائه عنه، وإن لم يكن للولد مال فلا يلزمه. لما روي عن أبي رَزِيْن العُقيلي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: (حج عن أبيك واعتمر) " (7) .
__________
(1) مسلم ج 1/كتاب الإيمان باب 54/192.
(2) الترمذي ج 4/ كتاب الحدود باب 1/1422.
(3) أو وقود ما يقوم مقام الراحلة في أيامنا.
(4) المستدرك ج 1/ص 442.
(5) أبو داود ج 2/كتاب الزكاة باب 45/1692.
(6) الطلاق: 1.
(7) ابن ماجة ج 2/ كتاب المناسك باب 10/2906.
(2/180)

- تعقيبات:
-1- من كان له مسكن واسع يفضل عن حاجته، بحيث لو باع الجزء الفاضل عن حاجته لوفّى ثمنه للحج، فيجب عليه الحج.
-2-من ملك بضاعة لتجارته، يلزمه صرف مال تجارته لنفقة الحج، ولو لم يبق رأسمال للتجارة، وهناك قول عند الشافعية أنه لا يلزمه والأول أقوى.
-3- من ملك نفقة الحج وأراد أن يتزوج فله حالان:
أن يكون في حال اعتدال بالنسبة للشهوة، فهذا يلزمه الحج، ويستقر في ذمته، لكن له صرف المال إلى النكاح، ويبقى الحج في ذمته.
أن يكون في حال توقان نفس وخوف من الزنى، فهذا يكون الزواج في حقه مقدماً على الحج اتفاقاً.
(2/181)

الاستنابة بالحج:
(2/182)

- حكمها: تجب على الورثة عن الميت من تركته، قبل توزيعها ولو بدون وصية، إذا كان المتوفى في حال حياته قد توفرت فيه شروط وجوب الحج إلا أنه لم يحج، وهذه الحجة تسقط الفريضة عن الميت، فإن لم يفعلوا ورثوا مالاً حراماً، وبقيت فريضة الحج عنه معلقة بذمتهم، ولو لم يوص بها المتوفى. وإن لم يكن له تركة سن لوليه أو لوارثه أن يحج عنه من ماله الخاص، كما يجوز للأجنبي أن يحج عنه (1) ، قياساً على قضاء الدين، لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: "إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال صلى الله عليه وسلم: (نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) " (2) .
أما الاستنابة في حجة النفل ففيها قولان: الأول أنها لا تصح إلا إذا أوصى بها المتوفى وإلا فلا، والثاني أنها تصح ولو لم يوصِ بها وهو المعتمد.
وتجب الاستنابة على من عجز عن الحج بنفسه، لكبر سن أو مرض مزمن لا يرجى برؤه، إن قدر عليه بماله أو بمن يطيعه، على ما تقدم. أما إن كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر فيلزمه الحج بنفسه، ولا تصح الاستنابة، ما لم ينته لحالة لا يقدر معها على الحركة.
شروط المستناب: أن يكون أهلاً للحج، مسلماً، بالغاً، عاقلاً، حراً، ثقة، حج حجة الإسلام عن نفسه، ودليل ذلك ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول لبيك عن شبرمة. قال: (من شبرمة؟) قال: أخ لي، أو قريب لي. قال: (حججت عن نفسك؟) قال: لا. قال: (حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) " (3) .
أما نية المستناب فتكون بأن يقصد معنى قوله: نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به لله تعالى.
ويشترط في المستناب إن كان مستأجرً أن يدخل بالحج إفراداً (4) ما لم يسمح المستأجِر للمستأجَر أن يحج بأي شكل كان. أما إذا كان المستناب متبرعاً فيصح له أن يؤدي الحج أو العمرة بأي وجه كان لكن الإفراد أفضل لأنه وجه الكمال. ويسن ذكر اسم المستناب عنه عند القيام بأركان النسك، أما عند القيام بالنافلة -كطواف النافلة - فيجب ذكر اسم المستناب عنه.
أما المكان الذي يجب أن يحرم فيه المستناب عن الميت، فهو ميقات بلد الميت.
__________
(1) ولو بدون إذن المتوفى أو إذن وليه.
(2) البخاري ج 2/ كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 33/1754.
(3) أبو داود ج 2/ كتاب المناسك باب 26/1811.
(4) وهو أحد أوجه تأدية الحج والعمرة وأفضلها عند الشافعية، وهناك التمتع والقران أيضاً، وسيأتي بيانها في أوجه تأدية الحج والعمرة.
(2/183)

الباب الثاني: أَركَان الحجّ والعُمْرة (1)
(2/184)

أرْكَان الحجّ:
(2/185)

الركن الأول - الإحرام:
(2/186)

- هو قصد الدخول في الحج أو العمرة أو كليهما. والمراد به هنا الدخول في حرمات مخصوصة، هي حرمات الشروع في الحج أو العمرة، ولا يتحقق الإحرام إلا بالنية، لرواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى) (2) .
والنية هي قصد القلب الدخول بالحج أو العمرة، أو بهما معاً، ولا بد من التعيين؛ فإن أطلق بأن نوى الإحرام ولم يعين، فإن كان في أشهر الحج (3) صرفه لما شاء من النسكين - حج أو عمرة - أو كليهما إن لم يفت وقت الحج، فإن فات صرفه للعمرة، وإن كان في غير أشهر الحج انعقد عمرة، ويكون الصرف بالنية لا باللفظ، ولا يجزئه العمل قبل النية، فلو طاف أو سعى قبلها لم يعتد به. ويستحب التلفظ بالنية بقوله: نويت الحج أو العمرة، وأحرمت به لله تعالى. وإن كان نائباً عن غيره قال: نويت الحج أو العمرة عن فلان وأحرمت به لله تعالى.
ويصح الإحرام بإحرام غيره، وذلك بأن يقصد المحرم الاقتداء بشخص من أهل العلم والفضل، فيحرم بما أحرم به، لحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: (أحججت؟) فقلت: نعم. فقال (بم أهللت؟) قال: قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (فقد أحسنت) " (4)
حكم الإحرام لدخول مكة:
من حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته، ثم أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر، كزيارة أو تجارة أو رسالة، أو كان مكياً مسافراً، فأراد دخولها عائداً من سفره، استحب له الإحرام بعمرة، أو بحج إن كان في أيامه، ويكره الدخول بغير إحرام، لأن تحية الحرم تكون بذلك. وإن كان دخوله لقتال، أو خوفاً من ظالم، ولا يمكنه أن يظهر لأداء النسك فله أن يدخل بغير إحرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام، لأنه كان لا يأمن أن يقاتل ويمنع. أما من يتكرر دخوله، كالحطاب والحشاش والصياد والسقاء وحامل البريد، فيدخلها بغير إحرام، لما ورد في صحيح البخاري: "وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكره للحطابين وغيرهم" (5)
__________
(1) نقتصر في هذا الباب على ذكر الواجب في كل ركن، ونرجئ الحديث عن سنن كل ركن إلى الباب الرابع الذي خصص لبحث سنن الحج والعمرة
(2) مسلم ج 3/ كتاب الإمارة باب 45/155.
(3) أشهر الحج هي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة.
(4) مسلم ج 2/كتاب الحج باب 22/154 وبم أهللت: أي بم أحرمت.
(5) البخاري ج 2/ كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 29.
(2/187)

الركن الثاني -الوقوف بعرفة:
(2/188)

- دليل فرضيته:
قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً} وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) (1) تفسيراً للأمر القرآني بالحج، والمجمل إذا فسر يلتحق به التفسير، ويصير للتفسير حكم الأصل.
- مكان الوقوف:
عرفة كلها موقف، فيصح أداء الركن في أي موضع منها، إلا بطن وادي عُرْنة، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقفت ههنا، وعرفة كلها موقف) (2) . وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أيضاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عرفة موقف، وارتفعوا عن بطن عرفة) (3) .
وحد عرفة: من الجبل المشرف على وادي عُرْنة إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي منطقة البساتين المعروفة قديماً ببساتين بني عامر. ومسجد نَمِرَة ليس من عرفة.
والواجب في الوقوف أن يحضر المحرم بأرض عرفة. ويصح وقوفه حتى لو وقف على غصن شجرة فيها، أو على دابة، ولكن لا يصح بهوائها - كأن يكون في طائرة فوق أرض عرفة -، وليس المقصد خصوص الوقوف، بل مطلق الحضور، ولو كان نائماً أو ماراً في طلب آبق، أو هارباً، وإن لم يعرف كون الموضع عرفة، بشرط وجود نية الحج.
- زمن الوقوف:
يبدأ وقت الوقوف من زوال الشمس يوم عرفة - وهو التاسع من ذي الحجة -، ويستمر إلى طلوع الفجر الثاني يوم النحر، بدليل حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه صلى الله عليه وسلم أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له" (4) ، وهو القائل صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) (5) ، وحديث عبد الرحمن بن يَعْمَر الدَّيلي رضي الله عنه المتقدم: (من جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه) .
ويتحقق الفرض ببقائه لحظة في أرض عرفة خلال الوقت المذكور.
ولو وقف الحجاج في اليوم العاشر من ذي الحجة ظناً منهم أنه اليوم التاسع، بأن غم عليهم هلال ذي الحجة، أجزأهم وقوفهم هذا، بخلاف ما لو وقفوا في اليوم الثامن أو الحادي عشر خطأ فلا يجزئهم الوقوف.
ولا يشترط للوقوف الطهارة من الحدثين، فيصح من المحدث والجنب والحائض والنفساء، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (6)
__________
(1) ابن ماجة ج 2/ كتاب المناسك باب 57/3015 من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي رضي الله عنه، وليلة جمع: هي ليلة مزدلفة، لأنه يجمع فيها بين المغرب والعشاء، أو لاجتماع الحجاج فيها.
(2) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 20/149، ويقصد بقوله ههنا: عند الصخرات حيث الجبل المسمى بجبل الرحمة.
(3) ابن ماجة ج 2/ كتاب المناسك باب 55/3012.
(4) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147، والقصواء: هو لقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(5) البيهقي ج 5/ ص 125.
(6) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 80/1567.
(2/189)

الركن الثالث -الطواف:
(2/190)

- بعد أن يفيض الحاج من عرفة، ويبيت بمزدلفة، يأتي منى يوم العيد فيرمي وينحر ويحلق، ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة فيطوف بالبيت (1) ، وهذا الطواف يسمى طواف الزيارة، لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، وإنما يبيت في منى، ويسمى أيضاً طواف الإفاضة، لأنه يفعله عند إفاضته من منى إلى مكة. وهو فرض في الحج، لذلك يسمى أيضاً طواف الفرض أو طواف الركن.
- دليل فرضيته:
قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} (2) .
وحديث عن عائشة رضي الله عنها "أن صفية بنت حيي رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (أحابستنا هي؟) قالوا: إنها قد أفاضت. قال (فلا إذاً) " (3) .
- وقته:
يدخل وقته من نصف ليلة النحر، بدليل حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت" (4) .
ولا آخر لوقته، ولكن الأفضل فعله يوم النحر ويكره تأخيره عنه، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة.
- واجباته:
-1- ستر العورة: وهي العورة الواردة في بحث الصلاة. والدليل ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه "أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمّره عليها رسول الله قبل حجة الوداع، يوم النحر، في رهط، يؤذن في الناس ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان" (5) .
-2- الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، والطهارة من النجاسة في الثوب والبدن والمكان الذي يطؤه. ويعفى عما يشق الاحتراز منه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه) (6) . وإذا زال الستر أو انتقض الوضوء أثناء الطواف جدد ستره أو وضوءه، وبنى على ما طافه سابقاً، وإن تعمد ذلك وطال الفصل، بخلاف الصلاة، إذ يحتمل في الطواف ما لا يحتمل فيها ككثير الكلام. لكن يسن للمرء استئناف الطواف في هذه الحال.
-3- جعل البيت عن يساره ماراً تلقاء وجهه، فلو استقبله أو استدبره، أو جعله عن يمينه لم يصح طوافه.
-4- الابتداء من الحجر الأسود في كل شوط، فلو بدأ من غيره لم يحتسب له ما طافه قبله.
-5-كون الطواف سبع طوفات من الحجر الأسود للحجر الأسود، فإن ترك شيئاً من السبع وإن قل لا يجزئ، والدليل ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً ثم صلى خلف المقام ركعتين" (7) . ولا ينجز شيء منه بالدم ولا بغيره. ولو شك في العدد لزمه الأخذ بالأقل أثناء الطواف، أما إذا شك بعد الانتهاء فلا شيء عليه.
-6- كون الطواف داخل المسجد وإن وسع، ما لم يخرج عن الحرم، ويجوز في هواء المسجد وعلى سطحه، ولو مرتفعاً عن البيت، ولا بأس بالحائل بين الطائف والبيت.
-7- أن يكون الطائف خارجاً بجميع بدنه عن جميع البيت. ويعتبر الشاذروان (8) من البيت، وكذا حجر سيدنا إسماعيل، وهو الحطيم لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الجَدْر -هو الحجر أو الحطيم -أمن البيت هو؟ قال: (نعم) " (9) .
والدليل على وجوب كون الطائف خارجاً بجميع بدنه عن جميع البيت، قوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} . فيكون المرء طائفاً به إذا لم يكن جزء منه فيه، وإلا فهو طائف فيه. ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف خارجه، وقد قال: (خذوا عني مناسككم) .
لذا من دخل جزء من بدنه في هواء الشاذروان أو الحجر، أو مس جدار الحجر أو جدار البيت أثناء سيره، لم يصح طوافه، فيعيد الشوط الذي حصل فيه شيء من ذلك.
وإذا أراد أن يستلم الركن اليماني أو الحجر الأسود أثناء طوافه، فيجب عليه أن يقف ويثبت قدميه ثم يستلم، بحيث لا يمشي أية خطوة وهو لامس للحجر أو الركن أو الجدار، وإلا فعليه إعادة الشوط.
-8- عدم صرف الطواف لغيره، كطلب غريم، فإذا انصرف انقطع، أما اقتران نية الطواف بنية أخرى كالتفتيش عن شخص تائه عنه، فلا مانع منه.
وإذا كان الطواف نفلاً فتجب فيه النية، أما في الطواف الواجب فالنية سنة، لأن نية الحج أو العمرة تشمل الطواف.
__________
(1) الأفعال المشروعة يوم النحر أربعة: 1-الرمي 2- الذبح 3-الحلق 4-طواف الإفاضة. والسنة ترتيبها كذلك.
(2) الحج: 29.
(3) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 144/1670.
(4) أبو داود ج 2/ كتاب المناسك باب 66/1942.
(5) البخاري ج 2/كتاب الحج باب 66/1543.
(6) الترمذي ج 3/ كتاب الحج باب 112/960.
(7) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 68/1544.
(8) الشاذروان: وهو بناء مسنم، قدر ثلثي ذراع، خارج عن عرض جدران الكعبة.
(9) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 41/1507.
(2/191)

الركن الرابع -السعي بين الصفا والمروة:
(2/192)

- تعريفه:
أصل السعي الإسراع، والمراد به هنا مطلق المشي. وأصل الصفا الحجارة الملس، ومفردها صفاة، كحصى وحصاة، والمراد بالصفا هنا: طرف من جبل أبي قبُيَسْ، وسمي كذلك لأن سيدنا آدم اقتبس منه النار. والمروة حجر أبيض براق، والمراد به هنا طرف من جبل قينقاع. وهذان الجبلان الصغيران يوجدان على مقربة من البيت العتيق، والمسافة بينهما 420 متراً تقريباً.
والسعي بين الصفا والمروة مأخوذ من طواف هاجر أم إسماعيل عليه السلام في طلب الماء، كما في صحيح البخاري في حديث طويل عن ابن عباس رضي الله عنهما.
- دليله:
قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} (1) . وماروت حبيبة بنت أبي تَجْزئة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يسعى: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي) (2) .
- واجباته:
-1 - وقوع السعي بعد طواف صحيح، سواء كان بعد طواف الإفاضة، أو بعد طواف القدوم لحاج لم يقف بعرفة، أما إذا تخلل الوقوف بعرفة بين طواف القدوم والسعي، فقد امتنع السعي إلا بعد طواف الإفاضة. ولو سعى الحاج عقيب طواف القدوم لم تستحب إعادته بعد طواف الإفاضة.
-2 - أن يبدأ الساعي بالصفا، لحديث جابر رضي الله عنه قال: "لما دنا النبي صلى الله عليه وسلم من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به) فبدأ بالصفا " (3) .
فلو عكس لم تحسب المرة الأولى، ويشترط في المرة الثانية أن يبدأ بالمروة، وفي الثالثة بالصفا، وهكذا ...
(2/193)

3- أن يكون عدد مرات السعي سبعاً، فلو ترك من السبع شيئاً لم يصح، ويحسب ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعودة مرة أخرى. ويشترط أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة. فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه. ويجب على الماشي أن يلصق رجله بالجبل في الابتداء والانتهاء بحيث لا يبقى بينهما فرجة، هذا إذا لم يصعد على الصفا والمروة، فإن صعد فهو الأكمل، لأن الصعود سنة مؤكدة.
-4 -كونه في المسعى المعروف الآن، فلا يجزئ مع الخروج عنه
-5 - عدم الصارف: فلو سعى بقصد طلب غريم له لم يصح. وما يفعله العوام من المسابقة في السعي يضر إذا لم يقصد معها السعي.
ولا يشترط للسعي الطهارة من الحدثين، لأن المسعى ليس من المسجد، ولا سائر شروط صحة الصلاة.
__________
(1) البقرة: 158.
(2) مسند الإمام أحمد ج 6/ص 422.
(3) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147.
(2/194)

الركن الخامس - الحلق أو التقصير:
(2/195)

- تعريفه:
هو استئصال الشعر بالموسى، والتقصير هو قطع الشعر من غير استئصال.
- دليله:
قوله تعالى: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلِّقين رؤوسكم ومقصرين} (1) . والحلق للرجل أفضل، فإن نذره أصبح واجباً.
- شروطه:
أن لا يقل الحلق أو التقصير عن إزالة ثلاث شعرات، أو بعضها، بأية طريقة كانت، ولو لم يكن في رأسه غيرهن، وسواء كانت هذه الشعرات مسترسلة أو متفرقة. فإن لم يكن في رأسه إلا شعرة واحدة لزمه حلقها. ولا يقوم شعر الوجه -الشارب واللحية -مقام شعر الرأس.
أن يكون بعد رمي جمرة العقبة، أو بعد طواف الإفاضة.
- وقته:
يدخل وقت الحلق أو التقصير بنصف ليلة النحر.
__________
(1) الفتح: 27.
(2/196)

أركان العمرة:
(2/197)

-1- الإحرام مع النية.
-2- الطواف.
-3- السعي.
-4 - الحلق أو التقصير.
(2/198)

الباب الثالث: واجبَات الحجّ والعُمرَة
(2/199)

وَاجبَات الحَجّ (1) :
(2/200)

- أولاً -الإحرام من الميقات:
(2/201)

- والميقات لغة: الحد. وشرعاً: زمن العبادة ومكانها.
وميقات الحج الزماني: شوال وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، آخرها طلوع فجر ليلة النحر. والدليل عليه قوله عز وجل: {الحج أشهر معلومات} (2) . والمراد به وقت إحرام الحج، لأي لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر. ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة، لأي الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة، فلا يمكن أداء حجة أخرى.
وإن أحرم بالحج في غير هذه الأشهر انعقد إحرامه عمرة، لأنها عبادة غير مؤقتة، وجميع السنة وقت للإحرام بها.
وأما الميقات المكاني للحج فيختلف باختلاف الجهة التي يأتي منها الحاج:
-1 - فالمقيم بمكة، مكياً كان أو غيره، يصلي ركعتين سنة الإحرام في المسجد الحرام، ثم يأتي داره فينوي الحج عند بابها وهو الأولى، وإلا ضمن بيته.
-2- ومن كان في غير مكة يحرم بالحج من أحد المواقيت التالي بيانها:
(1) ذو الحُلَيفة (آبار علي) : وهو ميقات المتوجه من المدينة، ويبعد 450 كم عن مكة، ويقع شمالها. وذو الحليفة ميقات أهل المدينة من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وحتى هذا الزمن، فلم يتغير ميقاتها، ولا يجوز لأهل المدينة، ولا لمن يمر عليهم من أهل الشام وغيرهم أن يحرموا بحج أو عمرة بعد مجاوزة هذا الميقات، كالإحرام من رابغ، ومن فعل ذلك لزمه دم.
(2) الجُحْفة: وهو ميقات الوارد من الشام ومصر والمغرب، تقع بين مكة والمدينة، وتبعد عن مكة 187 كم، وأبدلت الآن برابغ، لأن الجحفة أصبحت خراباً، وتبعد رابغ عن مكة 204 كم.
(3) يَلَمْلَم: وهو ميقات الوارد من تهامة اليمن، وهو جبل يقع جنوب مكة ويبعد عنها 94 كم.
(4) قَرْن: وهو ميقات الوارد من نجد الحجاز ونجد اليمن، ويقال له قرن المنازل، وهو جبل شرقي مكة، يطل على عرفات، ويبعد عن مكة 94 كم.
(5) ذات عِرْق: وهي ميقات الوارد من العراق، ومن الشرق بصورة عامة، وتبعد عن مكة 94 كم، وهي في الشمال الشرقي من مكة.
-3 - ومن سلك طريقاً لا ينتهي إلى ميقات أحرم من محاذاته براً أو بحراً، فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أبعدهما عن مكة، وإن لم يحاذِ ميقاتاً أحرم على بعد مرحلتين من مكة.
ومن كان مسكنة أقرب إلى مكة من مرحلتين، أو بين مكة والميقات، أحرم من مسكنه. ودليل تحديد المواقيت حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هَنَّ لأهلهن، ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة" (3) . وعن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق" (4) .
ومن جاوز ميقاتاً وهو غير مريد للنسك، ثم أراده، فميقاته موضعه، أو لو جاوز الميقات وهو مريد النسك ولكنه لم يحرم، لزمه العود إلى الميقات قبل تلبسه بنسك، ولو بعد إحرامه، فإن لم يعد، أو عاد بعد تلبسه بنسك لزمه دم، ولو فعل ذلك ناسياً أو جاهلاً.
والأفضل أن يحرم من أول الميقات ليقطع باقيه محرماً، إلا في ذي الحليفة، فالأفضل فيه أن يحرم من المسجد الذي أحرم منه الرسول صلى الله عليه وسلم هذا ويجوز للحاج أن يحرم من بلده، لكن الإحرام من الميقات أفضل.
__________
(1) لم يفرق الشافعي بين الركن والواجب في سائر العبادات باستثناء الحج، فقد فرق بينهما فيه استناداً لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم حيث فرق بينهما في الحج.
(2) البقرة: 197.
(3) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 12/1457.
(4) أبو داود ج 2/ كتاب المناسك باب 9/1739.
(2/202)

- ثانياً - المبيت بمزدلفة ليلة النحر:
(2/203)

- ويتحقق ذلك عند الشافعية بوجوده فيها ولو لحظة من النصف الثاني من ليلة النحر، ولا يجزئ وجوده في النصف الأول من الليل، ومن تركها قبل دخول النصف الثاني وجب عليه دم، ولو كان الترك كرهاً أو جهلاً (1) .
وفي أي موضع من المزدلفة بات أجزأه، بدليل ما روي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (نحرت ههنا، ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ههنا، وعرفة كلها موقف، ووقفت ههنا، وجَمْع - المزدلفة - كلها موقف) (2) .
__________
(1) لكن له أن يقلد المذهب المالكي، إذ يجزئ فيه البقاء في المزدلفة قدر الحط والترحال، سواء بالنصف الأول أو الثاني من ليلة النحر.
(2) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 20/149.
(2/204)

- ثالثاً- رمي جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات (1) :
(2/205)

- لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى، وقد قال (خذوا عني مناسككم) .
ويدخل وقته بنصف ليلة النحر، ويستمر إلى آخر أيام التشريق الثلاث، وله وقت أفضلية هو ما بين ارتفاع الشمس وزوالها، ووقت اختيار هو إلى آخر يوم النحر، ووقت جواز هو إلى آخر أيام التشريق الثلاثة، كما تقدم. فلو تركه حتى فات وقته صح حجه ولزمه دم.
ودليل دخول الوقت بنصف ليلة النحر حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت" (2) .
والدليل على جواز الرمي مساء يوم النحر ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رجلاً قال للرسول صلى الله عليه وسلم: رميت بعد ما أمسيت. قال: (لا حرج) " (3) .
__________
(1) السعي والرمي والطواف من العبادات التي لا يفهم معناها، وكلف الله بها العبد ليتم انقياده.
(2) أبو داود ج 2/ كتاب المناسك باب 66/1942.
(3) البخاري ج 3/ كتاب الحج باب 129/1648.
(2/206)

- رابعاً- رمي الجمرات الثلاث في أيام التشريق الثلاثة:
(2/207)

- ويكون الرمي بسبع حصيات لكل واحدة في كل يوم إن لم يتعجل في يومين ويسافر، وإلا سقط عنه رمي اليوم الثالث، لقوله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه} (1) .
وروى سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما "أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يُسْهِل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله" (2) .
وقته:
لا يصح الرمي إلا بعد الزوال، لكل يوم، فإذا رمى قبل الزوال لم يصح، لحديث جابر رضي الله عنه قال: "رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعدُ فإذا زالت الشمس " (3) .
ومن ترك رمياً من يوم النحر أو أيام التشريق تداركه في أيام التشريق أداء. ويجوز رمي ما فاته ليلاً أو نهاراً. ولا يصح الرمي بعد أيام التشريق بل يلزمه دم بترك ثلاث رميات - أي حصيات - فأكثر. ومن عجز عن الرمي بنفسه لعذر يُسقِط القيام في فرض الصلاة، أو أَيِسَ - ولو ظناً - من القدرة عليه، أناب من يرمي عنه وجوباً، ويشترط في النائب أن يكون مكلفاً، أو مميزاً وأذن له وليه، ولا يصح رميه عنه إلا بعد رميه عن نفسه الجمرات الثلاث (4) . فإن شفي المنيب بعد رمي النائب عنه لم تجب عليه إعادة الرمي بنفسه، لكن تستحب.
شروط صحة الرمي:
-1- أن يرمي كل جمرة بسبع حصيات يقيناً، واحدة بعد أخرى، فلو رمى حصاتين دفعة واحدة لم تعتبر إلا رمية واحدة.
-2 - أن يكون المرمي به حجراً، ولا يكفي غير الحجر، كالخزف مثلاً.
-3 - قصد المرمى وإصابته بالحجر يقيناً، فلو رمى في الهواء أو شك في إصابته لم تحسب الرمية، وضبط المرمى بثلاثة أذرع من جميع جوانبه، هذا في غير جمرة العقبة، أما هي فليس لها إلا جهة واحدة.
-4 - ترتيب الجمار الثلاث أثناء الرمي في أيام التشريق، فيبدأ بالصغرى التي تلي مسجد الخَيْف، ثم الوسطى ثم العقبة، والدليل حديث سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم. ولا تشترط المولاة عند رمي الجمرات، لكن تسن.
-5 - أن يكون الرمي باليد، لأنه هو الوارد.
ولا يشترط في الرمي النية.
__________
(1) البقرة: 203، ويسمى هذا بالنَّفْر الأول، ولصحته شروط:
-1 - أن يسير بعد زوال وقبل غروب شمس أيام التشريق. 2 - أن يكون قد بات ليلتين قبله، أو فاته مبيتهما لعذر، وإلا لم يسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ولا رمي يومها، حيث لم يمكن معذوراً. 3 - أن يكون بعد تمام رمي اليومين الأولين. 4 - أن تكون النية مقارنة له، بأن توجد قبل انفصاله من منى، أي يعود بعد رمي جمرة العقبة إلى منى ثم ينوي السفر.
(2) البخاري ج 2/كتاب الحج باب 139/1664. ويُسْهل: يقصد السهل من الأرض، وأراد أنه صار إلى بطن الوادي.
(3) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 53/314.
(4) أما عند السادة المالكية فيصح أن يرمي كل جمرة مرتين؛ أولاً عن نفسه ثم عن المستنيب لذا يمكننا التقليد.
(2/208)

- خامساً- المبيت في منى (1) معظم أيام التشريق الثلاثة:
(2/209)

- إن لم ينفر النفر الأول، وإلا سقط عنه مبيت الليلة الثالثة، كما يسقط عنه رمي يومها. ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وقد رخص صلى الله عليه وسلم للعباس رضي الله عنه في ترك المبيت لأجل السقاية (2) ، فدل ذلك على أنه لا يجوز لغيره تركه.
ويحسب الليل من المغرب إلى الفجر، ويتحقق المبيت بأكثر من نصف ساعاته، سواء أكان ذلك في أول الليل أوفي آخره، وذهب بعضهم إلى أن المبيت بمنى يتحقق بوجوده فيها في النصف الثاني من الليل. وإذا لم يبت الليالي الثلاث فعليه ذبيحة واحدة عنها كلها، وإذا أراد التعجيل بأن نفر قبل غروب شمس اليوم الثاني، من منى، فعليه بترك مبيت الليلتين، إن تركهما، دم، لأنه قد ترك المبيت جملة.
__________
(1) سمّيت منى لما يمنى - أي يراق - فيها من الدماء، وحدودها ما بين جمرة العقبة ووادي محسِّر، والجمرة والوادي ليسا من منى.
(2) رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ج 2/ كتاب الحج باب 132/1658.
(2/210)

- سادساً- طواف الوداع:
(2/211)

- يجب طواف الوداع على كل من أراد مفارقة مكة، ولو كان مكياً، والابتعاد عنها مسافة القصر، أو العودة إلى وطنه، وإن كان وطنه على مسافة من مكة أقل من مسافة القصر، ولو لم يكن حاجاً أو معتمراً، كما يجب على الحاج إن أراد الخروج إلى منى ومنها إلى وطنه. ودليله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينفرن أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت) " (1) . ويجبر تركه بدم، فإن عاد بعد فراقه، وقبل أن يقطع مسافة القصر، أو قبل وصوله إلى بلده إن كان قريباً، وطاف مودعاً، سقط عنه الدم، ولم يلزمه الإحرام لهذا الدخول والطواف. وإن مكث بعد الطواف أعاده، إلا إذا مكث لصلاة أقيمت، أو شغل سفر، كشراء زاد، ولم يطل زمن ذلك، أو شد حمولة أو شرب ماء زمزم أو انتظار رفقة أو إغماء، أو إكراه وإن طال زمنه، ولا وداع على من خرج لغير منزله بقصد الرجوع، وكان سفره قصيراً، ولا على محرم خرج إلى منى إلا أنه يسن.
أما الحائض والنفساء والمريض فلا وداع عليهم، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفِّف عن الحائض " (2) . لكن إن شفي المريض أو طهرت الحائض والنفساء قبل مفارقة بنيان مكة لزمهم الطواف.
__________
(1) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 67/379.
(2) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 143/1668.
(2/212)

- سابعاً - اجتناب محرمات الإحرام:
(2/213)

ومحرمات الإحرام بعضها من اللباس، وبعضها يتعلق ببدن المحرم، وبعضها محرمات من الصيد ... وفيما يلي بيان جميع هذه المحرمات بالتفصيل:
(2/214)

1 - المحرمات من اللباس: يختلف تحريم الملبس في حق الرجال عن تحريمه في حق النساء.
(2/215)

1- ما يحرم على الرجال:
آ- لبس المحيط ببدنه، أو بأي عضو منه، مثل القفازين، سواء كان مخيطاً كقميص وقَبَاء (1) أو منسوجاً كدرع أو كيس أو معقوداً كالطربوش، يحرم ذلك كله إذا لبسه لبساً معتاداً، كأن يضع عباءة على منكبيه دون أن يدخل يديه في كميها، فهذا حرام، لأنها تستمسك ولو لم يدخل كميه فيها، وتلزمه الفدية عندئذ، سواء طال الزمن أو قصر. أما إذا لم يكن اللبس على الهيئة المعتاده، كأن ألقى على نفسه عباءة أو ثوباً وهو مضطجع، وكان ذلك بحيث لو قعد لم تستمسك عليه، فلا حرمة فيه، ولا فدية عليه.
وخرج بذلك الإزار (2) والرداء (3) ، فلا يحرم لبسها وإن كان بهما خياطة، لأن مدار الحرمة على الإحاطة لا على الخياطة، فإذا جعل للإزار مثل الحجرة، وأدخل فيها التكة، وشده بها، أو شد إزاره بعقد أو خيط، أو شبكه بدبوس أو زر، فلا حرمة فيه، وليس عليه فدية. أما الرداء، وهو الذي يوضع على الأكتاف، فيحرم عقده أو تخليله بخلال أو بمسلة أو ربط طرفه بطرفه الآخر، وتجب الفدية إن فعل.
ب- يحرم عليه لبس الخف، ويجوز لبس نعل يشترط فيه ظهور جميع العقب ومعظم أصابع القدم، كالشاروخ والقبقاب. والأصل فيما ذكر كله الأخبار الصحيحة، كالذي روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلاً قال: "يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يلبس القُمُص ولا العمائم ولا السراويلات، ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحدُ لا يجد نعلين خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران أو أرس) " (4) ، وفي رواية أخرى عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضاً: ( ... ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين) (5) .
ج -يحرم ستر الرأس أو بعضه، بما يسمى ساتراً، سواء كان مخيطاً أو غيره، كالقلنسوة أو الخرقة أو الشال، بخلاف ما لا يعد ساتراً، كاستظلاله بمظلة، ولولا مست رأسه، أو وضع يده على رأسه، أو حمل قفة عليه، إن لم يقصد بها الستر، وإلا حرمت ووجبت الفدية، ويعد من الرأس البياض الذي وراء الأذن، ولا فرق بين شعر الرأس وبشرته. والأصل في ذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال في المحرم الذي خرّ من بغيره ميتاً: (ولا تخمروا رأسه، فإن يبعث يوم القيامة ملبياً (6) ، وخرج بالرأس الوجه، فلا تحرم تغطيته: وإن ستر رأسه لعذر من حر أو برد أو مداواة جاز، لكن تلزمه الفدية، لقوله تعالى: {وما جعل عليكم من الدين حرج} (7) ، وقياساً على الحلق بسبب الأذى.
__________
(1) القَبَاء: ثوب يلبس فوق القميص أو الثياب، ويشد وسطه بنطاق.
(2) الإزار: ثوب يحيط بالثوب الأسفل من البدن.
(3) الرداء: الثوب يستر الجزء الأول من الجسم فوق الإزار.
(4) البخاري ج 2/كتاب الحج باب 20/1468، والبرنس: هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به، وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة، كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من الِبرْس أي القطن. والورس: نبت أصفر يصبغ به.
(5) البخاري ج 2/كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 24/1741.
(6) البخاري ج 2/كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 32/1753.
(7) الحج: 78.
(2/216)

2- ما يحرم على النساء:
يحرم على المرأة ستر وجهها بما يعد ساتراً، أما ما لا يعد ساتراً، مثل وضع يدها على وجهها، فلا يحرم، وكذلك لا يجوز في النوم وضع الغطاء على وجهها وكفيها. ويجب عليها أن تستر من وجهها ما لا يتأتى ستر جميع الرأس إلا به. وإذا خشيت الفتنة وجب عليها ستر وجهها مع الفدية (1) ، وتستطيع أن تسبل على وجهها ثوباً متجافياً عنه بخشبة ونحوها، فإن وقع على الوجه بغير اختيارها ورفعته حالاً فلا فدية عليها، وإلا وجبت عليها الفدية، لما روت عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذَوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا كشفناه" (2) .
ويحرم عليها القناع، أي تغطية جزء من وجهها لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك في الحديث المتقدم: ( ... ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين ... ) ، ولا مانع من وضع النظارات الطبية، لأن القصد بها النظر وليس الستر، أما النظارة الشمسية فليس لها أن تضعها.
والخنثى تعامل معاملة المرأة، فيجب عليها ستر رأسها وكشف وجهها، ويجوز لها لبس المخيط، إلا أنه يسن عدم لبسه لاحتمال ذكورتها.
__________
(1) وتجب عليها الفدية عن كل مرة تستر فيها وجهها ثم ترفع، هذا عند الشافعية، أما عند السادة الحنفية، فلا تجب الفدية، وهي الذبح، إلا إذا سترت يوماً كاملاً، أما إذا لم يتم اليوم وهي ساترة فإنه يكفيها صدقة، لذلك الأولى لذوات الهيئات أن يقلدن مذهب الإمام أبي حنيفة.
(2) أبو داود ج 2/ كتاب المناسك باب 34/1833
(2/217)

2 - المحرمات المتعلقة بالبدن:
(2/218)

1- يحرم التطيب بنحو مسك أو كافور، في البدن أو الثوب، فإن استعمله وجبت عليه الفدية، وتتعين الحرمة بقصد الشخص استعمال الطيب، أما لو ألقت الريح عليها طيباً، أو أكره على استعماله، أو جهل تحريمه، أو نسي أنه محرم، فلا حرمة، ولا فدية عليه، لما رواه يعلى بن أمية رضي الله عنه "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالجِعْرانة، قد أهل بالعمرة، وهو مصفر لحيته ورأسه وعليه جبة، فقال: يا رسول الله إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى. فقال صلى الله عليه وسلم: (انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك) " (1) . أما إن علم تحريمه وجهل الفدية فتجب عليه، وكذلك يحرم أكل أو استعمال كل ما له رائحة عطرية مثل البهارات أو الهيل أو معجون الأسنان، أو الطلاءات المعطرة الملينة للبشرة، أو الصابون المطيب، ولا يجوز أن يكتحل بالطيب، ولا أن يستعط به (2) ولا يحتقن، أما لو دخل الطيب في مركب دواء فلا يحرم. ويجوز أن يجلس عند العطار، وفي موضع يبخر، لأن في ذلك المنع مشقة، وإن استحب أن يتوقى ذلك إلا أن يكون في موضع قربة، كالجلوس عند الكعبة، ولأن ذلك ليس بطيب مقصود.
__________
(1) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 1/9.
(2) أي يدخله في أنفه.
(2/219)

2- دهن شعر الرأس واللحية، ولو كان الدهن قليلاً أو غير مطيب، لما فيه من التزيين والتحسين للشعر، وذلك ينافي الشأن الذي يجب أن يكون عليه المحرم من الشعث والغبار افتقاراً وتذلاً لله تعالى، لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (الحاج الشَّعِث التَّفِل) " (1) .
وكذلك يحرم دهن الرأس المحلوق، لأن الشعر ينبت بعد ذلك مزيناً (2) . والمراد خصوص شعر الرأس واللحية، وألحق بشعر اللحية بقية شعر الوجه، كالحاجب والشارب والعنفقة والعذار. وخرج بذلك شعر بقية البدن، فدهنه غير محرم إن كان الدهن غير مطيب، أما المطيب فلا يجوز الادهان به.
__________
(1) رواه الطبراني، مجمع الزوائد ج 3/ص 218، والتَّفل: الذي ترك استعمال الطيب.
(2) بخلاف رأس الأقرع والأصلع وذقن الأمرد.
(2/220)

3- إزالة الشعر والظفر، لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم} (1) ، أي شعوركم. وتحرم إزالة الشعر عن سائر البدن، ولو شعرة واحدة أو جزءاً منها، وسواء كانت الإزالة بالحلق أو القص أو النتف أو الحرق، أو وسيلة أخرى، ولو فعل ناسياً أو جاهلاً وجبت الفدية وزالت الحرمة، أما إذا سقطت شعرة أو أكثر من نفسها فلا إثم عليه ولا فدية.
وكذا تحرم إزالة الأظافر ولو ظفراً واحداً أو جزءاً منه، بتقليم أو غيره، من يد أو رجل، إلا إذا انكسر بعض ظفر المحرم، فله إزالة الجزء المنكسر دون إزالة باقي الظفر، ولا فدية عليه في ذلك. وكذلك لو دخل الشعر إلى العين وتأذى به فله إزالته. وحرمة إزالة الظفر كتحريم إزالة الشعر، لأن الجامع بينهما الترفه.
ويكره الترجل وحك الشعر بالظفر، وحك أي ناحية من البدن، فإن ترجل وانتتفت ثلاث شعرات فأكثر لزمته الفدية، ولو كثر القمل في الرأس، أو كان به جراحة أحوجه أذاهما إلى الحلق، جاز له إزالته، وعليه فدية. ولا يكره غسل البدن والرأس لأن ذلك ليس للتزيين بل للنظافة، لكن الأولى تركه، وللمحرم الاحتجام والفصد ما لم يقطع بهما شعراً.
__________
(1) البقرة: 196.
(2/221)

3 - المحرمات من الصيد:
(2/222)

1- يحرم على المحرم الصيد البري الوحشي المأكول فقط، داخل الحرم أو خارجه، بدليل قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} (1) ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} (2) . وكذا تحرم الإعانة على صيده، كدفع آلة الصيد، أو آلة الصيد، أو الدلالة على موضعه، ويحرم وضع اليد عليه، بحيث يكون بتصرف المحرم، ولو بشراء أو وهبة، فيجب على مالكه إن أحرم أن يرسله لتزول ملكيته، ولا يعود إليه بعد التحلل إلا بتملك جديد، ومن أخذ بعد إرساله صار مالكاً له. وكذلك يحرم التعرض لجزئه، مثل ريشة أو بيضة أو فرخة، بل يحرم مطلق التعرض له، حتى إزعاجه وتنفيره من مكانه، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا ينَفّر صيدها) (3) . ويحرم صيد الحرم، البري الوحشي المأكول فقط،
على الحلال أيضاً (4) ، مطلقاً أبداً. - ينظر مصور منطقة الحرم -. أما الصيد البحري فلا يحرم لا في الحرم ولا في غيره، سواء كان الشخص محرماً أم حلالاً، بدليل قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً} (5) ، والمراد بالبحري ما لا يعيش إلا في البحر، أما ما يعيش في البر والبحر فصيده حرام كالبري. وكذا لا يحرم على المحرم ذبح الحيوان البري الأنسي، كالنعم والدجاج. وتقتل الفواسق الخمس، وكل ما يؤذي، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خمس من الدواب كلهن فاسق (6) ، يقتلن في الحرم - أي وفي الحل - الغراب (7) ، والحِدَأًة، والعقرب، والفأر، والكلب العقور) (8) ، وفي رواية عند مسلم ذكر الحية ولم يذكر العقرب (9) . ووقع عند أبي داود بزيارة (السبع العادي) (10) ، والحديث ليس على سبيل الحصر، وإنما ينطبق على كل حيوان مؤذٍ، كالناموس والصرصار وغيرهما.
__________
(1) المائدة: 96.
(2) المائدة: 95.
(3) البخاري ج 2/كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 20/1736.
(4) هو خير المحرم.
(5) المائدة: 96.
(6) أصل الفسوق الخروج عن الاستقامة، والجور، وإنما سميت هذه الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن. وقيل لخروجهن من الحرمة في الحل والحرم: أي لا حرمة لهن بحال.
(7) أي الغراب الأبقع، أما الغراب الأسود فإنه مأكول يحرم صيده.
(8) البخاري ج 2/ كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 18/1732، والكلب العقور هو كل سبع يعقر، أي يجرح ويقتل ويفترس كالنمر والذئب، وسماها كلباً لاشتراكها في السّبُعيَّة.
(9) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 9/67.
(10) أبو داود ج 2/ كتاب المناسك باب 40/1848.
(2/223)

2- يحرم على المحرم والحلال التعرض لشجر الحرم وعشبه، بقلع أو إتلاف، إلا الإذخر، والشوك وعلف البهائم والزرع وثمار الشجر، والمراد بالعشب كل نبات رطب شأنه أن ينبت من نفسه، وخرج بالرطب اليابس، فيجوز قطعه، وقطع الشجر اليابس، دون قلعها، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى حرم مكة، فلم تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلالها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعروف) . وقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر لصناعتنا وقبورنا. قال: (إلا الإذخر) " (1) . كما يحرم صيد المدينة وشجرها، لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المدينة حرم ما بين عيْر إلى ثور) (2) . وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لا بيتها، لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها) (3) .
__________
(1) البخاري ج 2/ كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 20/1736، والخلى: النبات الرطب الرقيق ما دام رطباً، واختلاؤه قطعه. ويعضد: يقطع. لصاغتنا: للصيّاغ حيث كانوا يستعملون الإذخر في صناعتهم كوقود.
(2) مسلم ج 2/ كتاب الحج 85/467، وعَيْر: جبل خارج المدينة على طريق جدة. وثور: جبل صغير إلى جانب جبل أحد، وهو غير ثور الذي فيه غار ثور خارج مكة المكرمة.
(3) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 85/458، ولابتا المدينة: حرتاها، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود. والعضاه: كل شجر فيه شوك واحدها عِضاهَة.
(2/224)

4 - النكاح ودواعيه:
(2/225)

-1- يحرم عقد النكاح إيجاباً لنفسه، أو قبولاً لغيره، بدليل الحديث الذي روي عن عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينكح المحرم ولا يُنْكَح ولا يخطب) (1) ولا فدية فيه لأنه لا ينعقد أصلاً، وسواء كان بوكالة أو ولاية فلا يصح، ولو كان الزوج حلالاً. وتجوز له الخطبة ولكن تكره للحديث المذكور أعلاه، ويؤخذ الحديث على أن قوله صلى الله عليه وسلم لا ينكح ولا يُنْكح للتحريم، ولا يخطب للكراهة. ولا مانع من هذا التفسير قياساً على ما ورد في الآية الكريمة: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده} (2) فالأكل مباح والإيتاء واجب.
ويجوز أن يراجع المحرم المحرمة والمحلة، سواء طلقها قبل الإحرام أو أثناءه، لأن المراجعة استدامة نكاح، لكن يكره.
-2- يحرم الجماع، لقوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (3) ، وتجب فيه الكفارة على الواطئ، لأنه إعانة له على المعصية، أما المجنون أو الجاهل بالتحريم فلا يحرم عليه.
-3- تحرم المباشرة بشهوة وإن لم ينزل، كالمعانقة والقبلة واللمس، والنظر، وتجب فيها الفدية، أما لو فعل ذلك مع وجود حائل، ففعله حرام، لكن لا تجب الفدية ما لم ينزل، وأما المباشرة بغير شهوة فلا تحرم.
-4- يحرم الاستنماء، سواء كان بحائل أم لا، لأنه حرام في غير الإحرام، ففي الإحرام أولى، ولا تجب فيه الفدية إلا إن أنزل.
-5- يحرم الكلام الفاضح في المسائل الجنسية.
__________
(1) مسلم ج 2/ كتاب النكاح، باب 5/41.
(2) الأنعام: 141.
(3) البقرة: 197، وفسر الرفث بأنه محركة للجماع وغيره مما يكون بين الرجل وامرأته من التقبيل والمغازلة ونحوهما مما يكون في حال الجماع.
(2/226)

5-الفسوق والجدال:
(2/227)

-[الفسوق والجدال] لقوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} (1) . والحاج أحوج ما يكون إلى حسن الخلق والتذرع بالصبر، فإنه يتعرض لكثير من المتاعب في السفر، وفي زحامات الجموع الغفيرة في المناسك، وكم من الحجاج من يضيع حجه لركوبه متى الحماقة في الغضب والسباب وما إلى ذلك، فليشهد الحاج أنه في حضرة مولاه، وليلاحظ ذلك دائماً، وليلتزم الأدب وقلة الكلام فيما لا ينفع مستحبة في كل حال، صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع في الكذب وفيما لا يحل، فإن من كثر كلامه كثر سقطه. روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) (2) . وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (3) . فهذا في حال الإحرام أشد طلباً وآكد، لأنه حال عبادة واستشعار لطاعة الله. فليشتغل المحرم بالتلبية وذكر الله تعالى وقراءة القرآن وتعليم الجاهل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
__________
(1) البقرة: 197، والفسوق: هو الخروج عن الطاعة. والجدال: هو أن يجادل رفيقه حتى يغضبه، والمنازعة والسباب.
(2) البخاري ج 5/ كتاب الرقاق باب 23/6110.
(3) ابن ماجة ج 2/ كتاب الفتن باب 12/3976.
(2/228)

شروط التحريم:
(2/229)

- إن محرمات الإحرام جميعها تحرم بالشروط التالية:
-1-العمد.
-2-العلم بالتحريم.
-3-الاختيار.
-4-التكليف.
فإن انتفى شرط من هذه الشروط فلا يحرم عليه شيء، أي لا يأثم إذا فعله.
أما بالنسبة للفدية فينظر: إذا فعل المحرم محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً معذوراً:
-1-فإن كان من باب الإتلاف المحض، كقتل الصيد أو قطع الشجر، أو أن شائبة الإتلاف أكثر من شائبة الاستمتاع، كالحلق، والتقليم، فالمذهب وجوب الفدية
-2-فإن كان من باب الاستماع المحض، كالتطييب واللبس ودهن الرأس واللحية، والقبلة، واللمس وسائر المباشرات بشهوة، فالمذهب عدم وجوب الفدية، وفي الجماع خلاف، والأصح أنه لا تجب الفدية ...
(2/230)

واجبات العمرة
(2/231)

- أولاً - الإحرام من الميقات:
(2/232)

- وميقات العمرة المكاني لمن كان في غير مكة، هو ميقات الحج نفسه، أما من كان مقيماً بمكة، مكياً أو غيره، فيحرم بالعمرة من أدنى الحل، أي خارج أرض الحرم ولو بخطوة، ليجمع بين الحل والحرم، أما في مكان الحج فيحصل الجمع بين الحل والحرم، أما في الحج فيحصل الجمع بين الحل والحرم بعرفة، لأن عرفة ليست بحرم. ودليل ذلك ما روي عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يردف عائشة ويعمرها من التنعيم" (1) . وأفضل بقاع الحل للإحرام بالعمرة لمن هو في مكة، سواء أكان من أهلها أو من الغرباء الجِعْرانة للاتباع، عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة ... " (2) ، ثم التنعيم، وهو أدنى الحل، ثم الحديبية، وهو بئر بين جدة ومكة، على بعد ستة فراسخ من مكة. أما ميقاتها الزماني فالسنة جميعها. ولكن قد يمتنع الإحرام بها لعارض، ككونه محرماً بالحج قبل تحلله، فلا تدخل عمرة على حج، ولا على عمرة. ولا تصح العمرة في أيام التشريق إلا لمن تعجل في يومين، ونفر إلى مكة النفر الأول، فهذا يجوز له أن يأتي بالعمرة سواء أكانت فرض الإسلام أم تطوعاً اعتباراً من غروب شمس اليوم الثاني من أيام التشريق، لكن الأولى أن ينتظر إلى غروب شمس آخر أيام التشريق، خروجاً من الخلاف، أما إذا ترك منى قبل الرمي والنفر الأول ليأتي بعمرة، فهذا لا تصح عمرته قطعاً.
__________
(1) البخاري ج 2/ كتاب العمرة باب 6/1692.
(2) أبو داود ج 2/ كتاب الحج باب 50/1884.
(2/233)

- ثانياً- اجتناب محرمات الإحرام.
(2/234)

[لا شيء في هذا الموضوع]
(2/235)

الباب الرابع: سنن الحج والعمرة
(2/236)

- أولاً - سنن الإحرام:
(2/237)

- يسن لمن يريد الإحرام ما يلي:
-1-الغسل: لما روى خارجه بن زيد بن ثابت عن أبيه "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإِهلاله واغتسل" (1) . وهو سنة لكل محرم، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى. كما يطلب من المرأة الحائض والنفساء حال الحيض والنفاس، فقد روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عميس رضي الله عنها لما ولدت: (اغتسلي واستثفري بثوب واحرمي) (2) . والحكمة من هذا الغسل النظافة، لأن المحرم يستعد لعبادة يجتمع لها الناس، فيسن له الغسل، كما يسن لصلاة الجمعة، وإن عجز عن الغسل تيمم (3) . ويستحب قبل الغسل أن يتنظف بقص الشارب وأخذ شعر الإبط والعانة والظفر، إلا في عشر ذي الحجة
لمريد التضحية.
-2- تطيب البدن: ودليله حديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" (4) . ولا بأس باستدامة أثره بعد الإحرام.
ولا يسن تطيب الثياب، لأنه إذا نزعها ثم أغتسل وأحرم، فإذا طرحها على بدنه وفيها الطيب، أثناء الإحرام، وجبت عليه الفدية.
-3- يسن للمرأة تخضيب اليدين إلى الكوعين (5) بالحناء، ومسح وجهها بشيء منه لإخفاء لون البشرة وتخفيف الفتنة.
-4- يسن للرجل لبس إزار ورداء ونعلين، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" (6) . ويسن أن يكون الإزار والرداء أبيضين لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) (7) . وأن يكونا جديدين، فإن لم يكونا جديدين فمغسولين.
-5- أن يصلي في غير وقت الحرمة ركعتين للإحرام، ثم يحرم بعدهما مستقبلاً القبلة عند ابتداء سيره، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين" (8) . وتجزئ المكتوبة عنها باتفاق أئمة المذاهب الأربعة، كتحية المسجد، ويسن أن يقرأ في الأولى سورة الكافرون وفي الثانية سورة الإخلاص.
-6- تسن التلبية: والأفضل عقب صلاة الإحرام بالحج أو العمرة، وإن لبى بعد الركوب جاز، لما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "أهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة" (9) . وورد أنه لبى عقب الصلاة، ولبى بعد الركوب، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الحج أفضل؟ قال: (العج والثلج) " (10) . وروي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من محرم يَضْحي لله يومَه يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه) (11) . ويرفع الرجل صوته بها إلا الأولى فيسرها ندباً، لما روى خلاد بن السائب بن خلاد عن أبيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية (12) . أما المرأة فتسمع نفسها فقط، ويكره لها الجهر. ويستحب أن يكثر في التلبية في كل صعود وهبوط، وفي أدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار، ويستمر بها إلى رمي جمرة العقبة، لما روي عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال: "أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع إلى منى فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة" (13) . وتستحب التلبية في مسجد الخَيْف بمنى، ومسجد إبراهيم بعرفات، لأنها مواضع نسك، وفي سائر المساجد كذلك. وصيغة التلبية ما ورد في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لبيك اللهم لبيك لبيكَ لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك) (14) . ولا بأس بزيادة قوله: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والرغباء إليك والعمل، ويكرر التلبية ثلاثاً، ثم يصلي عل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل الله تعلى الرضا والجنة، بأن يقول: اللهم إني أسألك رضاك والجنة"، ويستعيذ من النار بقوله: "اللهم إني أعوذ بك من سخطك ومن النار"، ثم يدعو بما أحب، للدنيا والآخرة. وإذا رأى المحرم شيئاً يعجبه أو يكرهه قال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة ". ويستحب ألا يتكلم أثناء التلبية بأمر أو نهي أو غيرهما، إلا أن يرد السلام على من سلم عليه.
ويستحب للمحرم دخول مكة قبل الوقوف بعرفة، من أعلاها، نهاراً، ماشياً، وإذا دخلها ورأى الكعبة قال ندباً: "اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفاً وتعظيماً وبراً. اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام". ويستحب أن يدخل الحرم من باب السلام، ثم يبدأ طواف القدوم، إلا لعذر.
__________
(1) الترمذي ج 3/ كتاب الحج باب 16/830.
(2) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147، والاستثفار: هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها.
(3) يقوم الوضوء مقام الغسل عند السادة الحنفية
(4) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 7/33.
(5) الكوع هو العظم الذي يلي إبهام اليد.
(6) مسند الإمام أحمد ج 2/ ص 34.
(7) الترمذي ج 3 / كتاب الجنائز باب 18/994.
(8) مسلم ج 2 / كتاب الحج باب 3/21.
(9) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 27/1477.
(10) الترمذي ج 3 / كتاب الحج باب 14/827، والعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: نحر البُدن - الإبل -.
(11) ابن ماجة ج 2/ كتاب المناسك باب 17/2925.
(12) الترمذي ج 3/ كتاب الحج باب 15/829.
(13) الترمذي ج 3/ كتاب الحج باب 78/918.
(14) البخاري ج 2 / كتاب الحج باب 25/1474.
(2/238)

- ثانياً - سنن الوقوف بعرفة:
(2/239)

-1 - الطهارة من الحدثين.
-2 - الاغتسال: لأنه أكمل، ولأنها قربة يجتمع لها الناس في موضع واحد فشرع لها الغسل كصلاة الجمعة والعيدين.
-3 - الجمع بين الليل والنهار: يسن للحاج أن يبقى في عرفة من بعد الزوال إلى الغروب، لما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال: (هذه عرفة، وهذا هو الموقف، وعرفة كلها موقف) ، ثم أفاض حين غربت الشمس" (1) . فلو فارقها قبل الغروب ولم يعد لها سن له دم لفوات الجمع، ولا تتحقق سنة الجمع بين الليل والنهار بالوقوف إلا في يوم عرفة بالذات، أما لو أتى الحاج إليها ليلة التاسع من ذي الحجة وبات فيها، ثم غادرها بعد زوال الشمس وقبل غروبها في اليوم التاسع، لم يحقق الجمع.
-4 - الإِكثار من الدعاء، لحديث طلحة بن عبيد الله بن كَرِيْز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له) (2) ، ولحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أكثر دعائي ودعاء الأنباء قبلي بعرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر وفتنة القبر. اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح ومن شر بوائق الدهر) (3) . ويستحب أن ترفع الأيدي. ويستحب الإِكثار من التهليل والتكبير والتلبية والتسبيح والتلاوة، بقلب حاضر خاشع كل الخشوع لله تعالى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وإكثار البكاء، واستقبال القبلة لأن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة (4) . ولما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لكل شيء سيداً وإن سيد المجالس قبُالة القبلة) (5) .
-5 - يسن البروز للشمس إلا لعذر، كأن يتضرر منها، أو ينقص اجتهاده بالدعاء والأذكار، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه استظل بعرفات، وإنما صح عنه أنه استظل بثوب وهو يرمي الجمرة، روى يحيى بن الحصين عن أم الحصين رضي الله عنها قالت: "حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلال، وأحدهما آخذ بخطاة ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة " (6) .
-6 - الوقوف عند الصخرات الكبار المفروشة في أسفل جبل الرحمة، لما ورد في رواية جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند الصخرات، وجعل بطن ناقته إلى الصخرات (7) . أما النساء فحاشية الموقف أولى لهن.
-7 - الوقوف راكباً، لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه وقف راكباً (8) .
-8 - أن يكون مفطراً، سواء أطاق الصوم أم لا، لأن الفطر أعون له على الدعاء، وقد يكون ورد في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف مفطراً (9) .
-9 - يسن لإِمام الحج أن يخطب خطبتين في عرفات يعلم فيهما الناس المناسك.
-10 - يسن للحاج المسافر جمع صلاة الظهر والعصر جمع تقديم بعرفة، ويسن الإِسرار بهما لا الجهر، وجمع المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة. وسبب الجمع هنا هو السفر لا النسك (10) ، لذا تسقط هذه السنة عمن أقام في مكة أربعة أيام فأكثر عدا يومي الدخول والخروج.
وإذا وافق يوم عرفة يوم الجمعة، لم يصلوا الجمعة، لأن من شروطها دار الإِقامة، ولم يصلي النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة بعرفات مع أن يوم عرفة الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه وسلم كان يوم جمعة.
__________
(1) الترمذي ج 3/ كتاب الحج باب 54/885.
(2) الموطأ ج 1/ كتاب الحج باب 81/246.
(3) البيهقي ج 5/ ص 117، والبائقة: البلية تنزل بالقوم.
(4) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147.
(5) رواه الطبراني، مجمع الزوائد ج 8/ ص 59.
(6) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 51/312.
(7) انظر مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147.
(8) انظر البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 87/1578.
(9) انظر البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 84/1578.
(10) أما عند السادة الحنفية فالجمع من مناسك الحج المسنونة.
(2/240)

- ثالثاً - سنن الطواف:
(2/241)

-1 - تسن النية في طواف النسك، ويقول: اللهم إني أريد طواف بيتك الحرام فيسره لي وتقبله مني، نويت سبعة أشواط طواف الحج أو طواف العمرة.
-2 - أن يستقبل البيت أول طوافه، فيقف مستقبل الحجر الأسود، بأن يجعل منكبه الأيمن عند طرف الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني وينوي الطواف، ثم يمر مستقبلاً، محاذياً ببدنه الحجر الأسود، إلى أن يصير طرف الحجر الذي إلى جهة باب الكعبة محاذياً منكبه الأيسر، ثم ينفتل جاعلاً البيت عن يساره، متوجهاً إلى جهة الباب، وهذه السنة لا يمكن تطبيقها إلا حال فراغ المطاف، أما في الازدحام فلا يمكن.
-3 - أن يستلم الحجر الأسود بيده في ابتداء الطواف، وذلك بأن يضع كفيه عليه ثم يسجد عليه واضعاً جبهته عليه وفمه بين كفيه ويقبله، ويستحب أن يكرر السجود ثلاثاً فإن عجز عن الثلاث فعلى ما أمكن. ويسن استلامه في بداية كل طوفة، وبعد صلاة ركعتي الطواف أيضاً، إذا تمكن. وإن لم يتمكن من الاستلام، اقتصر على الإشارة بيده أو بعصا، عن بعد، ثم يقبل ما أشار به إليه. كما يسن استلام الركن اليماني دون تقبيله، ولا يسن استلام الركنين الشامي والعراقي ولا تقبيلهما، ودليله ما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: "قبل عمر بن الخطاب الحجر، ثم قال أمَ والله لقد علمت أنك حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" (1) . وأخرج أبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة، قال وكان عبد الله بن عمر يفعله" (2) . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أيضاً، قال: "ما تركت استلام هذين الركنين، اليماني والحجر، مذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما" (3) .
ويسن أن يقول عند استلام الحجر الأسود في كل طوفة، وخاصة في الأولى: "بسم الله والله أكبر ولله الحمد، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم".
ولا يسن للنساء استلام ولا تقبيل إلا عند خلو المطاف، في الليل أو غيره.
-4 - أن يطوف ماشياً، إلا لعذر من مرض أو نحوه، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: "شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي. فقال: (طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) " (4) . وقالوا بجواز الطواف راكباً بلا عذر، لحديث جابر رضي الله عنه قال: "طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الحَجَر بِمحْجَنِه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غَشُوه" (5) . وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن" (6) .
-5 - يسن الرمل (7) للرجل في الطوفات الثلاث إذا أعقب الطواف سعي مطلوب، ويسن المشي الهِينْة في الأربع الأخيرة، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غداً قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحِجْر، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرموا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلدهم، هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا" (8) . ولما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحَجر ثلاثاً ومشى أربعاً" (9) . ويسن أن يقول أثناء الرمل: "اللهم اجعله حجاً مبروراً - أو عمرة مبرورة - وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور " ويقول في الأربعة الباقية: "رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار".
-6 - يسن الاضطباع للرجل والصبي، في طواف يسن فيه الرمل، فقط، وذلك بأن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن وطرفيه تحت عاتقه الأيسر، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا البيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم اليسرى" (10) . والاضطباع يعم جميع الطوفات بينما يقتصر في الرمل على الثلاث الأول منها. ولا يسن الاضطجاع في ركعتي الطواف لكراهته في الطواف.
أما المرأة لفلا ترمل ولا تضطبع.
-7 - الاقتراب من البيت للرجل، لأنه أيسر في الاستلام والتقبيل أما إن أدى الاقتراب إلى تأذيه أو تأذي غيره فالبعد أولى.
-8 - يسن عدم الكلام إلا في خير، كتعلم جاهل ونحوه. لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من طاف بالبيت سبعاً، ولا يتكلم إلا بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، محيت عنه عشر سيئات وكتبت له عشر حسنات، ورفع له عشرة درجات) (11) .
ويكره في الطواف الأكل والشرب ووضع اليد في فيه بلا حاجة، وأن يشبك بين أصابعه أو يفرقعها، وليكن طوافه بحضور قلب ولزوم أدب.
-9 - أن يقول (12) قبالة باب الكعبة: "اللهم البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار" مشيراً بهذا إلى مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.
وعند الركن العراقي: "اللهم إني أعوز بك من الشك والشرك والشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد".
وتحت الميزاب: "اللهم أظلني في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، واسقني بكأس سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شربة هنيئة مريئة لا أظمأ بعدها أبداً يا ذا الجلال والإكرام".
وبين الركنين الشامي واليماني: "اللهم اجعله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وعملاً مقبولاً وتجارة لن تبور، يا عزيز، يا غفور".
وبين الركنين اليمانيين: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
ويسن الإكثار من الدعاء، ورفع الأيدي في كل طوافة، وخاصة عند رؤية الكعبة، ومأثور الدعاء أفضل، فالقراءة، فغير المأثور، ويسن الإسرار بذلك.
-10 - الموالاة بين الطوفات، وإن عضت له حاجة لا بد منها قطع الطواف، فإذا فرغ بنى على ما مضى، لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يطوف بالبيت، فلما أقيمت الصلاة صلى مع الأمام ثم بنى على طوافه (13) . وإن أحدث في الطواف توضأ وبنى، وإذا حضرت جنازة وهو في الطواف فالأولى إتمام الطواف.
-11 - أن يصلي بعد كل طواف، فرضاً كان أو واجباً أو نفلاً ركعتين، يقرأ في الأولى: سورة الكافرون، وفي الثانية سورة الإخلاص، ويجهر بهما إن فعلهما ليلاً أو بعد الفجر وقبل طلوع الشمس، ويسر فيما عدا ذلك. والأفضل أن يصليهما خلف مقام سيدنا إبراهيم، وإلا ففي حجر سيدنا إسماعيل، وإلا في أي مكان من المسجد، وإلا في حرم مكة، وإلا حيث شاء ومتى شاء، ولا تفوتان إلا بموته، وتجزئ عنها الفريضة أو نافلة أخرى. ويسن أن يدعو بعدهما بدعاء آدم عليه السلام: "اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فأقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنبي، اللهم إني أسألك إيماناُ يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتب لي، ورضني بما قسمت لي".
وإذا فرغ من الصلاة يستحب أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا للسعي.
__________
(1) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 41/248.
(2) أبو داود ج 2/ كتاب المناسك باب 48/1876.
(3) مسلم ج 2/كتاب الحج باب 40/245.
(4) البخاري ج 2/كتاب الحج باب 63/1540.
(5) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 42/254، والمحجن: عود معقوف الرأس يكون مع الراكب يحرك به راحلته. وغشوه: أي ازدحموا عليه وكثروا.
(6) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 57/1530.
(7) وهو الإسراع في المشي مع مقاربة الخطى، دون الوثوب والعدو.
(8) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 39/240، والجَلَد: الصلابة.
(9) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 39/233.
(10) أبو داود ج 2/كتاب المناسك باب 50/1884.
(11) ابن ماجة ج 2/ كتاب المناسك باب 32/2957.
(12) أكثر أدعية الحج المأثورة لم يصح عن النبي صلى الله غليه وسلم، وإنما أحبها السلف الصالح، ورويت عن كثير من العلماء والصالحين، فيستحب أن يُدعا بها.
(13) انظر فتح الباري ج 2/ كتاب الحج باب 68/ص 484.
(2/242)

- رابعاً - سنن السعي:
(2/243)

-1 - الطهارة من الحدث والنجس، وستر العورة،، ولكن لو سعى محدثاً أو محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو نفساء، أو عليه نجاسة، أو مكشوف العورة صح سعيه بلا خلاف، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها وقد حاضت: (افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (1) .
-2 - الاضطباع فيه للرجل.
-3 - أن يرقى الساعي على كل من الصفا والمروة قدر قامة، ثم يقف بعد الرقي مستقبلاً القبلة، لأنه صلى الله عليه وسلم رقى على كل منها حتى رأى البيت. فقد روى جابر رضي الله عنه في حديث صفة حجه صلى الله عليه وسلم قال: "ثم خرج من الباب إلى الصفا والمروة من شعائر الله، أبدأ بما بدأ الله به) ، فبدأ بالصفا، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره وقال: (لا إله ألا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) . ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة " (2) .
-4 - أن يسعى ماشياً، ويجوز راكباً، لما روي عن جابر رضي الله عنه قال: "طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبالصفا والمروة ليراه الناس، وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه" (3) .
-5 - المشي أول السعي وأخره، ويعدو الحاج بينهما، فهو يبدأ بالمشي من الصفا على هينة، حتى يبقى بينه وبين الميل الأخضر المعلق بركن المسجد على يساره ستة أذرع فيعدو حتى يتوسط بين الميلين الأخضرين المعلق أحدهما بركن المسجد والآخر بركن العباس، فيمشي حتى ينتهي إلى المروة (4) . لما روى جابر رضي الله عنه قال: " ... ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صَعِدتا مشى حتى أتى المروة كما فعل على الصفا " (5) .
-6 - الذكر أثناءه: ومنه قوله عند الهرولة بين الميلين الأخضرين "رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الأعز الأكرم، اللهم اجعله حجاً مبروراً - أو عمرة مبرورة - وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور".
والدعاء ثلاثاً بعد كل مرة، فيقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله ألا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، ونصر الأحزاب وحده، لا إ له إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " ثم يدعو بما أحب.
-7 - الموالاة بين مرات السعي - وبينه وبين الطواف - فإن أقيمت الصلاة قطعه وصلى ثم عاد وبنى على ما سعى. ويكره للساعي أن يقف أثناء سعيه لحديث أو غيره.
-8 - يستحب للساعي أن يخرج من باب الصفا بعد الانتهاء من سعيه.
-9 - يستحب للمرأة أن تسعى بالليل لأنه أستر وأسلم لها ولغيرها من الفتنة.
__________
(1) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 80/1567.
(2) مسلم ج 2/كتاب الحج باب 19/147.
(3) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 42/255.
(4) والآن ما بقي أميال، ولكن يوجد معالم لذلك، والمسافة ما بين الميلين حوالي سبعون متراً.
(5) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147.
(2/244)

- خامساً - سنن الحلق:
(2/245)

-1- تأخيره لما بعد الذبح - أضحية، هدي، ... - فيرمي جمرة العقبة، ثم يذبح، ثم يحلق، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى بمنزله ونحر، ثم قال للحلاق: (خُذْ) وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس" (1) .
-2 - أن يفعله الحاج بمنى، لحديث أنس رضي الله عنه المتقدم، ولأنها موضع تحلله، والمعتمر بالمروة، لأنها مكان تحلله.
-3 - استقبال القبلة أثناءه.
-4 - الابتداء باليمين لحديث أنس رضي الله عنه المتقدم.
-5 - استيعاب الرأس بالحلق للرجل لحديث ابن عمر رضي الله عنهما "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم ارحم المحلقين) قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: (اللهم ارحم المحلقين) . قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: (والمقصرين) " (2) . ويستثنى من أفضلية الحلق للرجل ما لو اعتمر قبل الحج في وقت لو حلق فيه لم يسود رأسه من الشعر في يوم النحر، من الشعر في يوم النحر، فالتقصير حينئذ أفضل.
وأما المرأة فلها التقصير لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ليس على النساء الحلق، إنما التقصير) (3) . ويكره لها الحلق.
-6 - يسن لمن لا شعر له برأسه إمرار الموسى عليه.
-7 - أن يأخذ شيئاً من شعر اللحية والشارب بدليل "أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا حلق في حج أو عمرة أخذ من لحيته وشاربه" (4) .
-8 - أن يكبر عند فراغه من الحلق.
-9 - دفن الشعر المزال.
__________
(1) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 56/232.
(2) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 126/1640.
(3) أبو داود ج 2/كتاب المناسك باب 79/1985.
(4) الموطأ ج 1/ كتاب الحج باب 61/187.
(2/246)

- سادساً - سنن المبيت بمزدلفة ليلة النحر:
(2/247)

-1 - يستحب أن يغتسل في المزدلفة.
-2 - يسن للمسافر فقط أن يجمع بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة.
-3 - يستحب أن يأخذ من المزدلفة حصى رمي جمرة العقبة، لما ورد عن الفضل بن عباس رضي الله عنهما قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة يوم النحر: (هات فالقط لي حصى) ، فلقطت له حصيات مثل حصى الحَذْف، فوضعتهن في يده، فقال: (بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) " (1) .
-4 - يسن لغير النساء والضعفاء أن يمكثوا حتى يصلوا الصبح أول دخول الوقت، ثم يسيروا وشعارهم التلبية مع التكبير، فإذا وصلوا المشعر الحرام (2) وقفوا عليه أو بجانبه، مشتغلين بالدعاء والاستغفار إلى الإِسفار، ثم يذهبون إلى منى. لما روى جابر رضي الله عنه في حديث صفة حجه صلى الله عليه وسلم: " ... أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحدة وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله صلى الله علبيه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة" (3) . وبنفس الحديث من تتمة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس".
-5 - يستحب إذا دفع من المزدلفة أن يمشي بسكينة وهدوء، لما ورد في حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول حين دفع من عرفة: (أيها الناس السكينة السكينة) (4) وما روى أسامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يسير العَنَق - الهدوء - فإذا وجد فجوة نص" (5) ويسن الخروج من المزدلفة إلى منى من وادي محسر، والإسراع فيه، والسلوك في الطريق الوسطى، لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "أتى بطن محسر، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى" (6) .
__________
(1) البيهقي ج 5/ص 127 وحصى الخَذْفِ: الحصى التي يخذِف بها الإنسان أي يرمي.
(2) وهو جبل في آخر المزدلفة يقال له قُزَح.
(3) مسلم: ج 2 /كتاب الحج باب 19/147.
(4) مسلم: ج 2/كتاب الحج باب 19/147
(5) البخاري ج 2/كتاب الحج باب 91/1583، ونص: أسرع.
(6) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147.
(2/248)

- سابعاً- ما يسن عند الرمي:
(2/249)

-1 - الاغتسال كل يوم للرمي.
-2 - أن يكون الحجر المرمي به قدر حصى الخَذْفِ (1) ، ويكره بالحصى الكبار، ولو أنه يجزئه.
-3 - غسل الحصى إن شك طهارتها.
-4 - الدنو من المرمى.
-5 - استقبال القبلة أثناء الرمي، إلا في جمرة العقبة يوم النحر، فيستقبل الجمرة، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه.
-6 - قطع التلبية والاشتغال بالتكبير، والإكثارِ منه.
-7 - أن يقول مع كل حصاة عند الرمي، رافعاً يديه: بسم الله والله أكبر، صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين وكره الكافرون ". فقد قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله) (2) .
-8 - أن يرمي جمرة العقبة من أسفلها من بطن الوادي، لما روى سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة " (3) .
__________
(1) قدر البندقة.
(2) أبو داود ج 1 / كتاب المناسك باب 51/1888.
(3) أبو داود ج 2/كتاب المناسك باب 78/1966.
(2/250)

- ثامناً- سنن الحج والعمرة غير المتعلقة بالأركان أو الواجبات:
(2/251)

-1 - طواف القدوم لمن دخل مكة قارناً أو مفرداً، إن لم يكن معذوراً، أما المتمتع فلا طواف قدوم له، وإنما عليه المبادرة بطواف العمرة.
-2 - شرب ماء زمزم، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم " أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: (اعملوا، فإنكم على عمل صالح) " (1) . وسن أن يستقبل القبلة أثناء شربه، وأن يقول: "اللهم إنه بلغني عن نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أن (ماء زمزم لما شرب له) (2) . وأنا أشربه لكذا، اللهم فافعل" ويسن الدخول إلى البئر والنظر فيها، والنزع منها بالدلو، ونضح وجهه ورأسه وصدره بمائها، والتزود منها عند سفره.
-3 - أربع خطب يلقيها إمام الحج أو نائبه، كأمير الحج: إحداهما يوم السابع من ذي الحجة، وهي خطبة مفردة، بعد صلاة الظهر بالمسجد الحرام، فيفتتحها بالتكبير إن كان غير محرم، وبالتلبية إن كان محرماً، والأفضل أن يكون الخطيب محرماً، ويأمر الناس أن يغدوا من الغد إلى منى، وذلك أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قبل التروية خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم " (3) .
والخطبة الثانية يوم عرفة بنمرة (4) ، قبل صلاة الظهر، وهي خطبتان، الأولى قبل الأذان، والثانية مع شروع المؤذن به، لما حدث جابر رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم عرفة وقال: " (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ... ) إلى آخر خطبته، قال: ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام العصر، ولم يصل بينهما شيئاََ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف " (5) .
والخطبة الثالثة يوم النحر بمنى، وهي واحدة بعد الظهر، فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " خطب الناس يوم النحر، فقال: ... " وذكر تمام الحديث (6) .
والخطبة الرابعة يوم النفر الأول بمنى، وهي الواحدة بعد الظهر، لحديث ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر، قالا: "رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته" (7) .
وينبغي للخطيب أن يعلم الناس في كل الخطب المذكورة ما يكون بعد كل خطبة من أعمال الحج.
-4 - المبيت بمنى ليلة عرفة، وإنما كان سنة لأن المقصود منه الاستراحة، بخلاف المبيت ليال التشريق، فإنه واجب كما تقدم.
-5 - التلبية عند التحول من حال إلى آخر، كركوب أو صعود أو هبوط، أو إقبال ليل أو نهار، وأولاها عند الإحرام، ويرفع الرجل صوته بها، أما المرأة والخنثى فلا ترفعان الصوت بها بحضور الأجانب. ومن لا يحسن التلبية بالعربية يأتي بها بغيرها، وتجوز الترجمة. ولا تسن التلبية في الطواف ولا في السعي، ويسن قطعها عند ابتداء الرمي لجمرة العقبة، والتكبير بدلاً عنها مع كل حصاة يرميها.
-6 - يسن ترتيب أفعال الحج في ليلة العيد ويومه على الشكل التالي: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، إن كان يريده أو كان عليه، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة. فإن قدم الطواف على الجميع، أو الذبح على الجميع، أو الحلق على الذبح، جاز بلا خلاف، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: (لا حرج) " (8) .
-7 - أن يكثر من الصلاة والطواف والاعتكاف في المسجد الحرام كما دخل.
-8 - دخول الكعبة، والصلاة فيها ولو نفلاً، وأقل ما ينبغي أن يصلي فيها ركعتين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول ولج، فلقيت بلا لاً فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين " (9) .
-9 - أن يصلي إذا فرغ من طواف الوداع ركعتي الطواف خلف المقام، ثم يقف عند الملتزم (10) . فيدعو ويقول: "اللهم إن البيت بيتك، والعبد عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك حتى سيرتني في بلادك، وبلغتني بنعمتك، حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضاً، وإلا فمُنّ الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، ويبعد عنه مزاري، هذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم اصحبني العافية في بدني، والعصمة في ديني، وأحسن من قلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني". ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخرج من أسفل مكة، مغادراً إلى بلده، حتى يكون آخر عهده بالبيت.
-10 - زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه وسلم: (من زار قبري وجبت له شفاعتي) (11) . وتسن الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام) (12) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى) (13) .
__________
(1) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 74/1554.
(2) رواه البيهقي عن جابر رضي الله عنه ج 5/ص 148.
(3) البيهقي ج 5/ص 111، ويوم التروية هو الثامن من ذي الحجة.
(4) نمرة: موضع معروف بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات.
(5) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147.
(6) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 131/1652.
(7) أبو داود ج 2/ كتاب المناسك باب 71/1952.
(8) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 57/334.
(9) البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 50/1521.
(10) وسمي بذلك لأنهم يلزمونه للدعاء وهو ما بين الركن والباب.
(11) الدارقطني ج 2/ص 278.
(12) مسلم ج 2 / كتاب الحج باب 94/506.
(13) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 95/511.
(2/252)

- آداب الزيارة:
فإذا توجه الزائر إلى المدينة فليكثر من الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم في طريقه ويستحب أن يغتسل قبل دخوله، ويلبس أنظف ثيابه، ويستحضر في قلبه شرف المدينة، وأنها أفضل الأرض بعد مكة. فإذا وصل باب مسجده فليقل الذكر المستحب في دخول كل مسجد؛ لما روي عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يقول: (بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك) ، وإذا خرج قال (بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك) (1) ، وليقدم رجله اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج، فإذا دخل فليقصد الروضة وهي ما بين القبر والمنبر، فيصلي تحية المسجد بجنب المنبر لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي) (2) ، ثم يأتي القبر الكريم فيستدبر القبلة، ويستقبل جدار القبر الشريف، ويقف قبالة الشباك المتوسط للمقام، وبعيداً عنه قدر أربعة أذرع، غاضَّ الطرف في مقام الهيبة والإجلال، فارغ القلب من علائق الدنيا، مستحضراً في قلبه منزلة من هو بحضرته، ثم يسلم، ولا يرفع صوته، ويقول: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا حبيب الله، أشهد أنك رسول الله حقاً، بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمة، وجلوت الظلمة، ونطقت بالحكمة، وجاهدت في سبيل الله حق جهاده، جزاك الله عنا أفضل الجزاء". ثم يتأخر جهة يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه قائلاً: "السلام عليك يا أبا بكر يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جزاك الله عن أمة محمد خيراً". ثم يتأخر قدر ذراع جهة يمينه فيسلم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه قائلاً مثل ما سبق لأبي بكر رضي الله عنه، ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقرأ سورة يس ويقرأ عند قدميه: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} (3) ، ثم يعود إلى موقفه قبالة الوجه ويتوسل به صلى الله عليه وسلم إلى ربه.
ويستحب له مدة إقامته بالمدينة أن يصلي الصلوات كلها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستحب أن يخرج كل يوم إلى البقيع، وخاصة الجمعة، ويقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لنا ولهم ". فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم- كلما كانت ليلتها منه - يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) " (4) .
ويستحب أن يزور قبور الشهداء بأحد، وأفضله يوم الخميس، ويبدأ بحمزة رضي الله عنه.
ويستحب استحباباً مؤكداً أن يأتي مسجد قباء، وفي يوم السبت آكد، لما روى عبد الله ابن دينار " أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يأتي قباء كل يوم سبت، وكان يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه كل سبت " (5) ، ناوياً التقرب بزيارته، والصلاة فيه، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً فيصلي فيه ركعتين " (6)
ويستحب أن يزور المشاهد التي بالمدينة، وهي نحو ثلاثين موضعاً، يعرفها أهل المدينة، فيقصد ما قدر عليه منها. وكذلك يأتي الآبار التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ منها أو يغتسل، وهي سبعة آبار فيشرب منها ويتوضأ، وينبغي له مدة إقامته في المدينة أن يلاحظ بقلبه جلالتها، وأنها البلدة التي اختارها الله تعالى لتنزيل وحيه، ولهجرة نبيه صلى الله عليه وسلم ومدفنه، ويستحضر تردده فيها ومشيه في بقاعها، وتردد جبريل، عليه السلام، عليه. ويستحب أن يصوم بالمدينة ما أمكن ويتصدق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أذكركم الله في أهل بيتي) (7) .
فإذا أراد الزائر السفر ودع المسجد بركعتين، وأتى القبر الشريف، وألقى السلام كما تقدم.
__________
(1) ابن ماجة ج 1/ كتاب المساجد والجماعات باب 13/771.
(2) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 92/502.
(3) التوبة: 128.
(4) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 35 /102. والبقيع: مدفن أهل المدينة، وسمي بقيع الغرقد لغرقد كان فيه، وهو نوع من الشجر.
(5) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 97/520.
(6) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 97/516.
(7) مسند الإمام أحمد ج 4/ ص 267.
(2/253)

الباب الخامس [التحلل، مفسدات الحج والعمرة، أوجه تأدية الحج والعمرة، الموانع، الفوات، الدماء، الأضحية]
(2/254)

الفصل الأول: التَّحَلّل
(2/255)

التحلل من الحج:
(2/256)

للحج تحللان، يحصل الأول بفعل اثنين من أفعال ثلاثة، وهي: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة (1) ، والثاني يحصل بفعل الثالث منها.
ويحل بالتحلل الأول كل محرمات الإحرام، إلا النكاح وعقده، والمباشرة بشهوة، والوطء. ويجل بالتحلل الثاني ما تبقى منها، وهي كل ما يتعلق بالعلاقة بالنساء. والدليل ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إذا رميتم الحمرة فقد حللتم من كل شيء كان عليكم حراما إلا النساء، حتى تطوفوا بالبيت" (2) ودخل وقت الأفعال الثلاثة بمنتصف ليلة النحر، وينتهي وقت رمي جمرة العقبة بانتهاء أيام التشريق، كباقي الرمي أما وقت الحلق وطواف الإفاضة فلا ينتهي بانتهائها.
ولو لم يرم جمرة العقبة حتى خرجت أيام التشريق، فقد فات الرمي، ولزمه بفواته الدم، ويتوقف تحلله على الإتيان ببدل الرمي لأنه قائم مقامه.
__________
(1) هذا إذا كان سعى عقب طواف القدوم، أما إذا لم يكن قد سعى فيقف التحلل عندها على الطواف والسعي.
(2) البيهقي ج 5/ص 136.
(2/257)

التحلل من العمرة:
(2/258)

- ليس للعمرة إلا تحلل واحد، ويكون بعد انتهاء أفعالها كلها، والحكمة من ذلك أن الحج يطول زمنه، وتكثر أعماله، بخلاف العمرة، فجعل له تحللان، لتحل بعض محرماته في وقت وبعضها في وقت آخر.
-4 - المبيت بمنى ليلة عرفة، وإنما كان سنة لأن المقصود منه الاستراحة، بخلاف المبيت ليال التشريق، فإنه واجب كما تقدم.
-5 - التلبية عند التحول من حال إلى آخر، كركوب أو صعود أو هبوط، أو إقبال ليل أو نهار، وأولاها عند الإحرام، ويرفع الرجل صوته بها، أما المرأة والخنثى فلا ترفعان الصوت بها بحضور الأجانب. ومن لا يحسن التلبية بالعربية يأتي بها بغيرها، وتجوز الترجمة. ولا تسن التلبية في الطواف ولا في السعي، ويسن قطعها عند ابتداء الرمي لجمرة العقبة، والتكبير بدلاً عنها مع كل حصاة يرميها.
-6 - يسن ترتيب أفعال الحج في ليلة العيد ويومه على الشكل التالي: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، إن كان يريده أو كان عليه، ثم الحلق، ثم طواف الإفاضة. فإن قدم الطواف على الجميع، أو الذبح على الجميع، أو الحلق على الذبح، جاز بلا خلاف، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح، والحلق، والرمي، والتقديم، والتأخير، فقال: (لا حرج) " (8) .
-7 - أن يكثر من الصلاة والطواف والاعتكاف في المسجد الحرام كما دخل.
(2/259)

الفصل الثاني: ما يفسد الحج والعمرة وما يبطلهما
(2/260)

- ما يفسد الحج والعمرة:
لا يفسد الحج والعمرة إلا الوطء في الفرج، ولو بغير إنزال، من مميز عالم عامد مختار (1) ، إذا وقعت في العمرة قبل فراغ أعمالها إن كانت مفردة، أوفي الحج قبل التحلل الأول، ويفسد الحج والعمرة معاً في حال القران، إذا وقع الوطء قبل التحلل الأول، ذلك لأن العمرة هنا تابعة للحج، فإذا فسد الحج فسدت وإذا صلح صلحت.
فشروط الإفساد إذاً، هي:
-1 - أن يكون الوطء في الفرج، أما المباشرة في الفرج فلا تفسد، والدليل على ذلك قوله تعالى {فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ... } (2) ، أي لا ترفثوا، والرفث هو الجماع.
-2 - التمييز: فلا يفسد الحج أو العمرة الوطء من قبل غير المميز، أو المجنون.
-3 - القصد: فلا يفسدان من قبل الناسي.
-4 - العلم بالتحريم والإفساد: فلا يفسدان من قبل الجاهل المعزوز.
-5 - الاختيار: فلا يفسدان من قبل المكره.
-6 - أن يكون الوطء قبل الفراغ من أعمال العمرة، أو قبل التحلل الأول، سواء كان قبل الوقوف بعرفة أو بعده (3) ، فإذا وقع بعد التحلل الأول فهو حرام، ولكنه لا يفسد الحج، وعليه دم.
ما يترتب على من أفسد حجه أو عمرته:
(2/261)

1- أن يتم النسك الفاسد، ولا يخرج من الإِحرام حتى يتمه، لقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} .
-2- عليه الإِعادة فوراً، ولو كان النسك نفلاً، لأن النفل صار فرضاً بالشروع فيه، أي صار إتمامه واجباً كالفرض. ويلزمه في الإِعادة أن يحرم من الميقات المكاني الذي أحرم منه في النسك الأول، أو من مكان أبعد منه، ولكن لا يلزمه أن يحرم في الوقت الذي أحرم فيه للنسك المفسَد نفسه.
-3- على الواطئ دون الموطوء ذبح بدنه، ودليله "أن رجلاً من جذام جامع امرأته وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: (اقضيا نسككما، واهديا هدياً، ثم ارجعا، حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرما وأتما نسككما واهديا) " (4) .
ويندب أن يفارق الموطوءة، في القضاء، في المكان الذي وطئها فيه، إن قضى وهي معه.
__________
(1) ويفسد حج الواطئ والموطوء.
(2) البقرة: 197.
(3) قال الحنفية: إذا كان الوطء قبل الوقوف بعرفة فسد الحج ولزمته شاة، وإن كان بعد الوقوف لم يفسد حجه ولزمه بدنة، ولا فرق بين الرجل والمرأة.
(4) البيهقي ج 5/ص 167.
(2/262)

- ما يبطل الحج والعمرة:
يبطل الحج والعمرة بالردة - والعياذ بالله - ولا يجوز المضي فيهما، لأنه يخرج منهما بالبطلان بخلاف الفساد.
(2/263)

الفصل الثالث: أوجُه تأديَةِ الحَجّ والعُمْرَة
(2/264)

- أوجه تأدية الحج والعمرة ثلاثة:
-1 - الإِفراد: وهو أن يقدم الحج على العمرة، وسمي بذلك لإِفراد كل منهما بإحرام وعمل.
-2 - التمتع: وهو أن يقدم العمرة على الحج، وسمي بذلك لتمتعه بمحظورات الإِحرام بين النسكين.
-3 - القران: وهو أن يحرم بهما معاً، أو بالعمرة ثم يدخل عيها الإحرام بالحج قبل شروعه في أعمالها، وسمي بذلك لقرنه بينهما. وهنا تكون أفعال الحج هي نفسها أفعال العمرة، طواف الإفاضة هو طوافها، وسعي الحج سعيها.
والدليل على جواز هذه الأوجه الثلاثة حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج" (1) .
وأفضل هذه الوجوه الإِفراد، لأنها صفة حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم التمتع، ثم القران.
ويكون الإِفراد بأن يحرم بالحج ويأتي بكل أعماله، ثم يتحلل منه، ثم يحرم ثانية بالعمرة، وذلك بأن يخرج من مكة إلى أدنى الحل ولو بخطوة، ويحرم من هناك، أما لو عكس بحيث أحرم أولاً بالعمرة، وبعد تمام فعلها وتحلله منها، أحرم بالحج من مكة، فهذا لا يسمى إفراداً بل تمتعاً. وفي التمتع يفوت الإحرام بالحج من ميقات بلده، لذا يجب عليه دم. كما يتمتع المتمتع بمحظورات الإِحرام فيما بين التحلل من العمرة ووقت الحج. أما في القران فيفوت الإِحرام بالعمرة من ميقاتها، لأن القارن يحرم بالحج والعمرة معاً من ميقات واحد، كما تفوت أعمال العمرة كلها، لذلك يجب عليه دم أيضاً. ووجوب الدم على المتمتع والقارن دليل على أفضلية الإِفراد على التمتع والقران، إذ أن الجبر بالدم دليل النقص.
ويشترط لتحقق الدم على المتمتع:
-1 - ألا يكون من أهل الحرم، ولا بينه وبين الحرم دون مسافة القصر، لقوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة، ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} (2) .
وكذلك من توطن في الحرم أو قريباً منه فحكمه حكم أهله في عدم الدم.
-2 - أن يكون قد أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أما إن أحرم بها في غير أشهره ثم حج فلا يلزمه دم.
-3 - أن يكون الحج والعمرة في سنة واحدة؛ أي الإِحرام بالعمرة ثم الحج.
-4 - ألا يرجع إلى ميقات. فلا دم على من اعتمر، ثم رجع إلى ميقات عمرته أو إلى مثل مسافته، أو إلى ميقات آخر، وإن كان دون مسافة ميقاته، سواء عاد محرماً، أو حلالاً وأحرم منه، بشرط أن يعود إلى الميقات قبل تلبسه بنسك، لأن المقتضي لإيجاب الدم هو ترك الميقات وهذا زال بعوده إليه.
أما تحقق الدم على القارن فله شرطان:
-1 - ألا يكون من أهل الحرم.
-2 - ألا يعود إلى الميقات بعد دخوله مكة وقبل التلبس بعمل من النسك، أي قبل أن يبدأ بخطوة من الطواف.
__________
(1) البخاري ج 2 / كتاب الحج باب 33/1487.
(2) البقرة: 196، والحاضر: القريب.
(2/265)

الفصل الرابع: مَوانع إتمام الحجّ بَعد الشروع فيه، وتحَلُّل المحُصَر
(2/266)

- موانع إتمام الحج:
-1 - الإحصار العام: وذلك بأن يمنع المحرم العمرة أو الحج من المضي من نسكه من جميع الطرق، إلا بقتال أو بذل مال، فله حينئذ أن يتحلل ولو اتسع الوقت واسعاً فالأفضل تأخير التحلل إن لم يكن هناك مشقة، فلعله يزول المنع ويتم. والدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه المشركون من عمرة الحديبية من دخول الحرم فتحلل الحديبية بعد الصلح (1) .
-2 - الإحصار الخاص: كأن يحبس ظلماً.
-3 - الزوجية: يسن للمرأة ألا تحرم بغير إذن زوجها، لأنه عندئذ يتعارض في حقها واجبان: الحج وطاعة زوجها، فيجوز لها الإِحرام ويندب لها الاستئذان. والدليل عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج: (ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها) (2) .
أما إذا كان الحج نفلاً فيحرم عليها الإحرام بدون استئذان، وللزوج تحليل زوجته ولو من الفريضة إن كانت أحرمت بغير إذنه، لأن حقه على الفور والنسك على التراخي، ويجب عليها التحلل إن أمرها، وله وطؤها إن لم تتحلل، والإثم عليها.
-4 - منع الأصل: ومثاله ولد أحرم بغير إذن أصله، ولو علا، فله تحليله أو منعه من النفل، بخلاف الفرض فليس له تحليله ولا منعه هذا إذا كان الولد غير مكي الأصل، أما إن كان مكياً فليس للأبوين منعه من فرض ولا نفل على السواء، لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "أن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال: (هل لك أحد باليمن؟) قال: أبواي. قال (أذنا لك؟) قال: لا. قال: (ارجع فاستأذنهما فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما) " (3) . وموضع الاستدلال أن الجهاد فرض كفاية بخلاف الحج فهو فرض عين. وللأبوين منع البنت من الحج خوفاً عليها، ولو أذن لها زوجها، إلا إذا ذهبت مع زوجها فليس لهما ذلك. ويسن للولد أن يستأذن والديه للنسك سواء كان فرضاً أم نفلاً.
-5 - الدين: فيحق لصاحب الدين الآني غير المؤجل منع غريمه الموسر من الخروج ليوفيه حقه، وليس له تحليله، بخلاف الدين المؤجل، أو غير المؤجل مع إعسار المدين، فليس لصاحب الدين منعه، إذ لا يلزمه أداؤه حينئذ.
-6 - الشرط: إذ أحرم وشرط التحلل لغرض صحيح، كمرض أو ضياع نفقة، جاز له التحلل، وثبت الشرط، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما " أن ضباعه بنت الزبير بن عبد المطلب رضي الله عنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فما تأمرني؟ قال: (أهلي بالحج واشترطي أن مًحِلِّي حيث تحبسني) " (4) فالشرط يقيد إباحة التحلل عند المرض، فإن لم يشترط لم يجز له التحلل حال المرض، ثم إن شرِط في التحلل أن يكون مع الهدي وجب الهدي، وإن لم يشترط فلا هدي عليه.
__________
(1) انظر البخاري ج 2/ كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 2/1714.
(2) الدارقطني ج 2/ص 223.
(3) أبو داود ج 3/ كتاب الجهاد باب 33/2530.
(4) مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 15/106.
(2/267)

- تحلل المحصر:
يتحلل المصر من الحج أو العمرة بذبح شاة تجزئ في الأضحية، أو ما يقوم مقامها، كسُبُع بدنة، أو سبع بقرة، ثم بالحلق، مع اقتران نية التحلل بكل منهما، بدليل ما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: "خرجنا مع النبي صلى الله عيه وسلم معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بُدْنَه وحلق رأسه" (1) ويشترط تأخير الحلق إلى ما بعد الذبح، لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محِلَّه} (2) . أما من عجز عن الذبح فيطعم بقيمة الشاة، فإن عجز صام بعدد الأمداد، يوماً عن كل مد، أو عن كسر المد، ويكون محل الإحصار هو محل الذبح، ولا يتعين للصوم محل. ويتوقف التحلل على الذبح أو الإطعام، لا على الصوم لطول مدته.
هذا، ولا قضاء على من أحصر إلا إذا كان نسكه فرضاً مستقراً (3) كحجة الإسلام، أو كان نذراً أو قضاء، فهذا يبقى بذمته، ولا يسقط عنه الإحصار، وعليه أن يؤديه متى زال الإحصار.
أما إن كان حجه غير مستقر في ذمته فتعتبر الاستطاعة جديدة بعد زوال الإحصار.
__________
(1) البخاري ج 2 / كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 4/1717.
(2) البقرة: 196.
(3) أي فيما بعد السنة الأولى من سني الإمكان.
(2/268)

الفصل الخامس: فوات الحجّ، وحكم ترك أحد الأركان، غير الوقوف، أو أحد الواجبات أو السنن
(2/269)

- يفوت الحج بفوات الوقوف بعرفة، سواء كان من فاته معذوراً أم لا، وإنما لا يأثم الأول، ويأثم الثاني. ويكون الفوات بطلوع فجر النحر قبل حضوره عرفة. ويترتب على من فاته الوقوف بعرفة:
-1 - أن يتحلل وجوباً بأعمال عمرة، بنية التحلل لا بنية العمرة، عند كل عمل منها، سواء في الطواف أو السعي أو الحلق، فإذا كان قد سعى بعد طواف القدوم أجزأه ذلك، وأما طواف القدوم فلا يجزئ عن طواف عمرة التحلل، كما لا تجزئه العمرة عن عمرة الإسلام لما روى الأسود قال: "سألت عمر رضي الله عنه عن رجل فاته الحج، قال: يهل بعمرة، وعليه الحج من قابل" (1) ، وفي رواية عن إدريس الأودي عنه: "فقال ويهرق دماً" (2) . ولا يجب الرمي والمبيت لأنهما من توابع الوقوف بعرفة
-2 - يجب عليه القضاء الفوري في العام المقبل، سواء كان النسك الذي فاته فرضاً أم نفلاً. أما إذا كان الفوات بسبب الإحصار فليس عليه قضاء كما تقدم. وإذا لم يتيسر له القضاء بقي في ذمته إلى أن يقضيه.
-3 - يجب عليه دم في حجة القضاء كدم التمتع.
هذا كله فيمن أحرم بالحج وحده وفاته، أما من أحرم بالعمرة فلا يتصور فواتها لأن جميع الزمان وقت لها، وأما من أحرم متمتعاً، وفرغ من العمرة، ثم أحرم بالحج ففاته فيلزمه قضاء الحج دون العمرة، ويسقط عنه دم التمتع لأن شرط التمتع وجود حجته في سنة عمرته المؤداة في أشهر الحج، وقد فات الحج. وأما من أحرم بالحج والعمرة قارناً ففاته الوقوف، فإن العمرة تفوت بفوات الحج، لأنها مندرجة فيه، ولأنه إحرام واحد فلا يتبعض، وعليه القضاء قارناً، ويلزمه ثلاثة دماء (3) ، فإن قضى مفرداً أجزأه ذلك ويسقط عنه الدم الثالث.
أما من فاته ركن من أركان الحج غير الوقوف، فلا يحل إحرامه حتى يأتي بالركن المتروك، ولا يجبر شيء من الأركان بالدم، بل لابد من فعله، ولا آخر لوقت هذه الأركان - الطواف والسعي والحلق -، ولا يختص الحلق بمنى والحرم، بل يجوز في الوطن وغيره. ولا فرق بين من فاته عمداً أو سهواً أو جهلاً، ومن تركه بعذر، كالحائض قبل طواف الإفاضة، فهذه لها الرحيل إن خافت التخلف عن القافلة، وهي من بلدة بعيدة، وإذا وصلت إلى محل يتعذر عليها الرجوع منه إلى مكة جاز لها أن تحلل كالمحصر بذبح، فإزالة الشعر، مع نية التحلل، ويبقى الطواف في ذمتها ولا يتقيد قضاؤه بوقت بل يصح في أي وقت من أوقات السنة، كما أنه لا يحتاج إلى إِحرام.
أما إن كانت من أهل مكة أو قريبة منها فعليها مصابرة الإِحرام حتى تأتي بالطواف، ولو طال الزمن، وتحرم عليها محرمات الإِحرام (4) .
وأما من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة، سواء وقع الترك عمداً أم سهواً أم جهلاً، أو فعل محرماً من محرمات الإِحرام، فيلزمه دم، أي يجبر بالدم، ولا يتوقف حجه أو عمرته عليه، والعامد يأثم وغيره لا يأثم.
ومن ترك سنة من سنن الحج أو العمرة فلا يلزمه بتركها شيء، ولا يتوقف حجه أو عمرته عليها، وقد يندب لتركها دم، كسنة الجمع بين الليل والنهار في الوقوف بعرفة
__________
(1) و (2) البيهقي ج 5/ص 175.
(3) دم الفوات، ودم القران الفائت، ودم ثالث للقران الذي أتى به في القضاء.
(4) للحائض أن تقلد مذهب الإمام أبي حنيفة، فتطوف أثناء الحيض، وتذبح بدنة.
(2/270)

الفصل السادس: الدّماء الواجبَة في الحجّ والعُمرَة (الفِدْية)
(2/271)

- إن الدماء الواجبة في المناسك سواء تعلقت بترك واجب أو ارتكاب منهي عنه، إذا أطلقناها أردنا شاة، فإن كان الواجب غيرها، كالبدنة في الجماع، نصصنا عليها، ولا يجزئ فيها جميعها إلا ما يجزئ في الأضحية، إلا في جزاء الصيد فيجب المثل، صغير في الصغير، وكبير في الكبير. وكل من لزمته شاة جاز له ذبح بقرة أو بدنة مكانها، إلا في جزاء الصيد، وإذا ذبح بدنة أو بقرة ونوى التصدق بسبعها عن الشاة الواجبة عليه، وأكل الباقي، جاز، وله أن ينحر البدنة عن سبع شياه لزمته، لو اشترك جماعة في ذبح بدنة أو بقرة، وأراد بعضهم الهدي وبعضهم الأضحية، وبعضهم اللحم جاز، ولا يجوز أن يشترك اثنان في شاتين، لإمكان الانفراد.
والدماء الواجبة أربعة أقسام:
(2/272)

أولاً - دم ترتيب وتقدير:
(2/273)

- فالترتيب بمعنى أنه يلزمه الذبح، ولا يجزئه العدول عنه إلى غيره إلا إذا عجز عنه. والتقدير بمعنى أن الشرع قدّر ما يعدل إليه في حال العجز، بما لا يزيد ولا ينقص، وهو شاة مجزئة في الأضحية، بأن تكون شاة مسنة أي جاوزت السنة من عمرها، أو جذعه ضأن أسقطت مقدم أسنانها بعد ستة أشهر، أو ثنية معز لها سنتان وبدأت بالثالثة، بشرط عدم العيب فيها، فإن لم يجدها أو وجدها بزيادة على ثمن مثلها، أو لم يكن معه ثمنها، أو كان محتاجاً إليه، أو كان ماله غائباً (1) ، فعندئذ يصوم عشرة أيام لقوله تعالى: { ... فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، واتقوا الله، واعلموا أن الله شديد العقاب} (2) .
ثلاثة في الحج: أي في حال الإِحرام في الحج، فلا يجوز تقديمها عليه إن كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج، بخلاف الدم فيجوز تقديمه على الحج بعد الانتهاء من العمرة، لأن الصوم عبادة بدنية لا يجوز تقديمها على أسبابها ولها هنا سببان: تقديم العمرة، الإِحرام بالحج، أما الدم فهو عبادة مالية، وهذه يجوز تقديمها على أسبابها. لذلك يجب صوم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر، فإن أخرها إلى ما بعده كان عاصياً، ويجب عليه قضاؤها فوراً بعد يوم النحر وأيام التشريق، ويندب فيها التتابع أداء كانت أم قضاء، وليس السفر عذراً فيها، لأنه يتعين وقوعها في الحج، ويندب أن تكون قبل عرفة، لأنه يسن للحاج فطر هذا اليوم، ويسن إيقاعها في السادس والسابع والثامن من ذي الحجة، حيث يحرم بالحج قبل اليوم السادس، ثم يصومها. هذا في فدية التمتع والقران، أما في فدية الفوات أو ترك واجب من الواجبات أو مخالفة النذر، فهو لا يتمكن من صيامها قبل النحر ولا يشترط وقوعها حال الإِحرام وإنما يفصل ما بينها وبين السبعة الأخر.
وسبعة إذا رجعتم: سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ووطنه، ويندب فيها التتابع، ولا يجوز صومها في الطريق ولو صامها أثناءه لم يعتد بها، وسواء رجع إلى أهله أو أراد الإقامة بمكة فعليه صومها، وإذا لم يصم ثلاثة في الحج لعذر أو بدونه، لزمه صوم العشرة، ثلاثة قضاء وسبعة أداء، ويفصل بينها بأربعة أيام هي نظيرة يوم النحر وأيام التشريق، فإن لم يفرق وصام العشرة متوالية حصلت الثلاثة ولم يعتد بالسبعة.
أسبابه:
تسعة وهي التمتع، والقران، وفوات الوقوف بعرفة، وترك الرمي لثلاث حصيات فأكثر، وترك المبيت بمنى كل ليالي التشريق (3) ، وترك المبيت بمزدلفة ليلة النحر، وترك الإِحرام من الميقات، ومخالفة النذر؛ كأن نذر المشي أو الركوب أو الإفراد، فخالف، وترك طواف الوداع.
__________
(1) ويقصد عدم وجود ذلك في الحرم، لو قدر عليه ببلده، لأن ذبح الدم يختص بالحرم.
(2) البقرة: 196.
(3) ويجب في ترك الحصاة أو الليلة مد، وفي الحصاتين أو الليلتين مدان. فإن لم يجد فيصوم يوم عن الليلة ويومين عن الليلتين.
(2/274)

ثانياً - دم تخيير وتقدير:
(2/275)

- ومعنى التخيير أنه يجوز العدول إلى غيره مع القدرة عليه، ومعنى التقدير أن الشرع جعل البدل المعدول إليه مقدراً بقدر لا يزيد عليه ولا ينقص. وسمي كذلك لأنه يخبر فيه بين ما يأتي، وهو مقدر بما لا يزيد ولا ينقص. وهو إما شاة مجزئة في الأضحية، تذبح في الحرم، وتصرف إلى فقرائه ومساكينه، أو صيام ثلاثة أيام حيث شاء، ولو متفرقة، أو التصدق بثلاثة أصواع (1) على ستة من مساكين الحرم أو فقرائه، لكل مسكين أو فقير نصف صاع مما يجزئ في الفطرة، قال تعالى: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} (2) .
أسبابه:
ثمانية: إزالة ثلاث شعرات فأكثر على التوالي، والقَلْم كذلك، واللبس، والادهان، والتطيب، ومقدمات الجماع، والوطء بعد الوطء المفسد، والوطء بين التحللين في الحج. ويتكرر الدم بتكرر السبب مع اختلاف الزمان والمكان، فإذا تعددت مقدمات الجماع مثلاً، وجبت فدية واحدة إن اتحد الزمان والمكان، وإلا تعددت.
ويجب في شعرة أو ظفر، مد أو صوم يوم، وفي شعرتين أو ظفرين، مدان أو صوم يومين، وتتحقق الفدية على الحلق سواء حلق جميع الرأس أو ثلاث شعرات، أو بعض كل منها، إن اتحد الزمان والمكان، فإن لم يتحدا، ففي كل واحدة مد، حتى لو أزال شعرة واحدة على ثلاث دفعات، فإن اتحد الزمان والمكان وجب مد واحد، وإن اختلف الزمان والمكان فثلاثة أمداد، وكذلك في الأظافر.
__________
(1) أصْوُع: جمع صاع.
(2) البقرة: 196.
(2/276)

ثالثاً - دم ترتيب وتعديل:
(2/277)

- بمعنى أن الشرع أمر فيه بالتقويم، والعدول إلى غيره بحسب القيمة، ولا ينتقل فيه إلى خَصْلة إلا إذا عجز عن التي قبلها.
أسبابه:
-1 - الإحصار: لقوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله، فإن أحصرتم (1) فما استيسر من الهدي} (2) ، فمن أحصر عن إتمام النسك تحلل بذبح شاة مجزئة في الأضحية حيث أحصر، ثم حلق، فإن عجز عن الشاة قومها بنقد واشترى به طعاماً يجزئ في الفطرة، وتصدق به حيث أحصر، فإن عجز عن ذلك صام عن كل مد يوماً حيث شاء، وله حينئذ أن يتحلل حالاً بإزالة الشعر مع نية التحلل، ولا يتوقف التحلل عن فراغ الصوم بخلاف الذبح والإطعام.
-2 - الوطء المفسد: من وطئ قبل التحللين عالماً مختاراً لزمته بدنة، فإن لم يجدها فبقرة، فإن لم يجدها فسبع شياه، فإن عجز عنها قومها لسعرها في مكة، واشترى بقيمتها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وفقرائه، ولو غرباء، ولا تقدير في الذي يدفع إلى كل منهم، ولا يجزئه التصدق بالدراهم، فإن عجز صام عن كل مد يوماً، وكسور المد يصام عن كل منها يوم، فإن وجد طعاماً، أو قدر على بعضه ولم يقدر على الباقي أخرج ما قدر عليه، وصام عما عجز عنه.
__________
(1) أحصرتم: أي وأردتم التحلل.
(2) البقرة: 196.
(2/278)

رابعاً - دم تخيير وتعديل:
(2/279)

- يخير فيه بين الذبح والتصدق بطعام والصيام، على التفصيل الآتي.
أسبابه:
-1 - إتلاف الصيد المحَّرم، وهو صيد المُحرِم للحيوان البري الوحشي المأكول، مطلقاً، وصيد الحلال لذلك في الحرم.
والمصيد على نوعين: إما أن يكون له مثل في النعم (1) ، وإما ألا يكون له مثل في النعم، ومنها ما نقل ما يجزئ فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة.
الدم الواجب بقتل صيد له مثل في النعم (2) أو لا مثيل له فيها لكن نقل فيه: يذبح مثله من النعم (3) ، ثم يتصدق به على المساكين، ولا يجزئه التصدق به حياً، ولا ذبحه ثم تركه، لعلمه أن الفقراء ستأخذ منه، وإنما يجب ذبحه وتوزيعه من قبله. والدليل على ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم، هدياً بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً، ليذوق وبال أمره، عفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه، والله عزيز ذو انتقام} (4) .
ففي النعامة بدنة، ولا يجزئ عنها بقرة أو سبع شياه، وفي البقر الوحشي وحمار الوحش بقرة، لا تجزئ عنها سبع شياه، وفي الغزال، وهو ولد الظبية، قبل أن يطلع قرناه، معز صغير، ففي الذكر جدي وفي الأنثى عَناق (5) ، وإن طلع قرناه سمي الذكر ظبياً، وفيه تيس، والأنثى ظبية، وفيها عنز لها سنة، وفي الأرنب عناق، وفي الضَّبُع كبش، في الثعلب شاة، وفي الحمامة شاة، وهذه الأخيرة لا مثل لها ولكن نقل جزاؤها هكذا ففي المثل (6) يخير بين ثلاثة: إما أن يذبح المثل ويتصدق به على فقراء ومساكين الحرم، أو يُقَوَّم المثل من قبل عد لين من أهل الحرم بقيمته في مكة يوم إخراجه، ويشتري بقيمته، أو يخرج من عنه بقيمته طعاماً ويتصدق به على فقراء الحرم ومساكينه القاطنين وغيرهم، أو يصوم عن كل مد يوماً، وعن جزء المد يوماً، في أي مكان كان، ولا يجوز التصدق بقيمة المثل دراهم.
ما يجب بقتل صيد لا مثل له، كالجراد والعصافير: يخرج بقيمة المصيد طعاماً وتعتبر قيمته من مكان الإتلاف لا في الحرم، وفي زمن الإتلاف لا زمن الإخراج، أو يصوم عن كل مد يوماً.
-2 - قطع الأشجار وقلع الحشيش في منطقة الحرم: ويخير فاعل ذلك بين الذبح أو التصدق بطعام أو الصيام، ففي الذبح إن قطع شجرة كبيرة ذبح بقرة لها سنة، وإن كانت الشجرة صغيرة تقرب في حجمها من سبع الكبيرة يذبح شاة أو يصدق بقيمة المذبوح طعاماً، أو يصوم بعدد الأمداد، ولا ذبح عليه.
__________
(1) أي يشبهه بالصورة أو الخلقة.
(2) والعبرة في المثل في الخلقة أو الصورة تقريباً لا تحقيقاً، فيلزم الكبير في الكبير، والصغير في الصغير، وفي الحامل حامل، وفي المريض مريض، وفي الصحيح صحيح.
(3) وإن كان الصيد مملوكاً لزمه دفع قيمته للمالك، إضافة إلى جزائه.
(4) المائدة: 95.
(5) عَناق: أنثى المعز دون السنة.
(6) مثلي: ماله مثل.
(2/280)

أمكنة ذبح الدماء الواجبة:
(2/281)

- تقسم الدماء الواجبة من حيث مكان الذبح إلى نوعين:
-1 - الدماء غير الواجب إرسالها إلى الحرم: وهي الواجبة بسبب الإحصار، ويجب ذبحها في مكان الإحصار وتوزيعها على أهل الحرم. كذلك الطعام يجب توزيعه على أهل مكان الإحصار كما يجوز إرساله إلى الحرم. أما الصيام فيصوم متى شاء وحيث شاء، لأنه لا فائدة لأهل مكان الإحصار من صيامه.
-2 - الدماء الواجب ذبحها في الحرم: وهي الواجبة بسبب ترك واجب من واجبات الحج، أو فعل محرم، فهذه يجب ذبحها في الحرم وتوزيع لحمها وأجزائها على مساكين الحرم وفقرائه، ولا يجزئه أن يوزعها على أقل من ثلاثة من الفقراء أو المساكين، ولو لغرباء، ولا يجوز له أكل شيء من اللحم، ولا نقله إلى غير الحرم، وإن لم يجد فقيراً أو مسكيناً، وأفضل بقعة من الحرم لذبح هدي المعتمر المروة من خارج المسجد لا من داخله، لأنها مكان تحلله، ولذبح هدي الحاج منى، لأنها موضع تحلله. ولا فرق بين الهدي الواجب وهدي النذر وهدي النفل، فكلها تختص بالحرم، ولا يجزئ أن يدفع إليهم حياً، بل لا بد من ذبحه وتوزيع لحمه. أما الصوم فيجوز له متى شاء وحيث شاء.
(2/282)

الأضْحِيَة
(2/283)

تعريفها، وقتها، حكمها
(2/284)

- تعريفها: الأضحية هي ما يذبح من النعم تقرباً إلى الله تعالى.
(2/285)

- وقتها:
من أول أيام عيد النحر، بعد صلاة العيد، إلى غروب شمس آخر أيام التشريق، لما روي عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة، فقال (من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة من لحم) (1)
ويكره الذبح في الليل عامة، وهو في الأضحية أشد كراهة، وإن ضحى قبل الوقت لم تصح، بلا خلاف، وإن كانت منذورة لزمه أن يضحي وإن فاته الوقت.
__________
(1) البخاري ج 1/كتاب العيدين باب 23/940.
(2/286)

- حكمها:
-1 - هي سنة مؤكدة في كل سنة، في حق الحج وغيره، وطلبها مقيد بكون الفاعل قادراً عليها، فلا تطلب من الفقير العاجز عنها. وهي سنة مؤكدة على الكفاية، فإن تعدد أصحاب البيت تجزئهم أضحية واحدة. ودليل سنيتها ما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين" (1) . وحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئاً (2) وقوله: (أراد) دليل على أنها سنة لا واجب.
-2 - واجبة: إذا نذرها، أو عينها، فقال مثلاً: هذه أضحية، أو جعلتها أضحية، إذ تصبح التضحية بها واجبة يوم النحر، فإذا ماتت التي عينها قبل وقت الذبح، سقطت عنه، ولا يكلف بذبح غيرها
__________
(1) البخاري ج 5/ كتاب الأضاحي باب 7/5233.
(2) مسلم ج 3/ كتاب الأضاحي باب 7/39.
(2/287)

دليلها:
(2/288)

- الأصل فيها الإجماع قوله تعالى: {فصل لربك وانحر} (1) أي صل صلاة العيد، وانحر النسك. وما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله عز وجل من هِراقة دمٍ، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله عز وجل بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطِيبُوا بها نفساً) (2) . وقال الشافعي رضي الله عنه: "لا أسمح لمن قدر عليها بتركها".
__________
(1) الكوثر: 2.
(2) ابن ماجة ج 2/كتاب الأضاحي باب 3/ 3126.
(2/289)

ما يجزئ في الأضحية:
(2/290)

- يجزئ فيها الإبل والبقر والغنم بنوعيه المعز والضأن، لقوله تعالى: {ليذكروا اسم الله على مار زقهم من بهيمة الأنعام} (1) . وأفضلها ذكر الجمل أو أنثاه، ويمكن استبدالها بسبع شياه وهي أفضل، ثم البقرة، ثم الضأن، ثم العنز. ويصح أن يشترك سبعة أشخاص في بدنة أو بقرة. وأفضل ألوانها البيضاء، ثم الصفراء، ثم الغبراء، وهي التي لا يصفو بياضها، ثم البلقاء، وهي التي يختلط فيها البياض بالسواد، ثم السوداء، ثم الحمراء، وقيل إن الاعتبار بتفاضل الألوان مسألة تعبدية، وقد يكون لحسن المنظر أو لطيب اللحم.
__________
(1) الحج: 34.
(2/291)

شروطها:
(2/292)

-1 - يشترط إن كانت من الإبل أن يكون عمرها خمس سنين كاملة، وإن كانت من البقر أو المعز أن يكون عمرها سنتين تامتين، أو من الضأن فسنة ودخلت بالثانية، أو أجذعت مقدم أسنانها، لأنها قد تسقط أسنانها بعد ستة أشهر وقبل بلوغها السنة. لما رواه جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يَعْسُرَ عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن) (1) .
-2 - ألا تكون جرباء، ولو قل ذلك، ولا شديد العرج، ولا عجفاء (2) ، ولا عمياء، ولا عوراء ولا مريضة مرضاً يفسد لحمها، ومعنى ذلك أنها يجب أن تكون سالمة من العيوب، أما قرونها فلا يضر كونها مكسورة، ولو ذهبت كلها. ودليل ذلك ما روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يجوز من الضحايا العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي) (3) .
-3 - سلامة الأضحية من العيوب التي تنقص مأكولاً منها، مثل قطع شيء من أذنها أو لسانها أو ضرعها أو أليتها، أو شيء ظاهر من فخدها، كما يجب ألا تذهب جميع أسنانها.
-4 - أن ينوي التضحية بها عند الذبح أو قبله.
-5 - أن يلتزم الوقت المحدد للذبح.
-6 - يجب التصديق بشيء من لحمها نيئاً، فيحرم عليه أكلها جميعها، لقوله تعالى في هدي التطوع، ومثله أضحية التطوع: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} (4) . ولا يصح إعطاء اللحم مطبوخاً ولا قديداً، ولا يصح أن يجعل طعاماً ويدعى إليه الفقير، لأن حقه في تملكه لا في أكله. ويفضل للمضحي أن يقتصر على أكل لقم من الكبد ويتصدق بالباقي، ويجوز له أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث الآخر ويهدي الثلث الباقي إلى الأغنياء (5) ، وفي هذه الحال يثاب على الأضحية كلاً وعلى التصدق بعضاً. وأقل التصدق قدر أوقيتين من اللحم، ولا يجوز في نحو الكبد أو الكرش. ولا يكره الادخار من لحمها. ويحرم نقلها من بلد الأضحية.
-7 - ألا يبيع شيئاً منها، فلا يجوز إعطاء الجزار جلدها أو شيئاً منها على سبيل الأجرة، ويمكنه أن يعطيه شيئاً منها أو جلدها، بالإِضافة إلى الأجرة، على سبيل الإهداء.
ويكره لمن يريد التضحية أن يزيل شيئاً من شعر الرأس وغيره، أو أن يزيل ظفراً، أو يقص شارباً، أو غير ذلك، في عشر ذي الحجة، حتى يضحي، ولا يكره له الاغتسال، وذلك لحديث أم سلمة رضي الله عنها المتقدم، وفي رواية من طريق أخرى عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره) (6) فإذا أزال شيئاً من ذلك كره له
والأفضل أن يذبح المضحي بنفسه إن أحسن الذبح، وإلا كره له ذلك لأن فيه عذاباً للأضحية، فيوكل من يحسنه، وجوباً، بقوله: وكلتك بذبح أضحيتي. وليحضر ذبحها ندباً، لما روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملته) (7) .
ويستحب أن يوجه الذبيحة إلى القبلة، ويبسمل ويكبر.
__________
(1) مسلم ج 2/ كتاب الأضاحي باب 2/13.
(2) العجفاء: المهزولة.
(3) النسائي ج 7/ص 215، ولا تنقى: التي لا نقي لها، أي لا مخ لها لضعفها وهزالها.
(4) الحج: 36، والقانع: السائل، والمعتر: المتعرض للسؤال.
(5) أما المنذورة فلا يجوز أن يأكل منها شيئاً، ولا أن يطعم منها الأغنياء
وإنما يجب التصدق بها كلها.
(6) مسلم ج 3/ كتاب الأضاحي باب 7/41.
(7) البيهقي ج 5/ص 239.
(2/293)