Advertisement

فقه العبادات على المذهب الشافعي 001


الكتاب: فقه العبادات على المذهب الشافعي
المؤلف: الحاجة درية العيطة
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
[مقدمات]
(1/1)

مقدمة هذه الطبعة [الخامسة]
(1/2)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد هذه هي الطبعة الخامسة من كتاب فقه العبادات على المذهب الشافعي بعد أن كتب الله له القبول فنفدت طبعاته السابقة جميعها دون أن يطرأ عليها تعديل أو تغيير رغم توق النفس للارتقاء بالعمل نحو الكمال ورغم دافع تحري المزيد من النفع بالكتاب لكن لم ييسر الأمر قبل الآن وأذن الله بذلك ويسره في هذه الطبعة فكان ثمة عودة ممحصة لمحتوى الكتاب شملت المادة الفقهية من جوانب متعددة وطريقة العرض والتصنيف في بعض المواضع والاستدلال من حيث شموله وتوثيقه والشروح اللغوية للغة الكتاب ولغة الأدلة وضبط بعض المفردات بالشكل حيث يقتضي الأمر ذلك وتلا التمحيص جهد بذل وأدى إلى خطوة نحو الأفضل في الجوانب المذكورة فمن حيث المادة الفقهية شمل التعديل تجاوز بعض المسائل نادرة الحدوث وعدل حكم كراهة التحريم حيث ورد إلى كراهة فحسب أو حرمة إذ لم يرد عن الشافعي أصلا تدرج في حكم الكراهة إنما جاء ذلك عن المتأخرين من فقهاء المذهب المجتهدين فرأيت الانحياز إلى أصل الحكم في المذهب كما شمل التعديل في المادة الفقهية تجاوز بعض ما ورد في هوامش الطبعة الأولى من النص على حكم العديد من المسائل في المذاهب الأخرى فاقتصرت في هذه الطبعة على تثبيت الحكم في تلك المذاهب في المواضع التي قد تلجئ إلى التقليد فحسب وفي كتاب الحج أضيفت مصورات ومخططات جدية مشروحة لتجلية مواضع وأعمال النسك إلى جانب المادة المقروءة لتكون معينا في إدراك حرة الحاج خلال أداء المناسك ويكون الكتاب دليلا ومرشدا لمن يريد أداء هذا النسك للمرة الأولى أما من حيث طريقة العرض والتصنيف فقد نال هذا الجانب قسطاً وفيراً من العناية والاهتمام في الطبعة الأولى فما كان من التعديل في هذا الجانب في هذه الطبعة سوى تعديلات طفيفة في مواضع محدودة بهدف خدمة الغرض من العنونة والتقسيم والتصنيف وهو الحصول على مزيد من الفائدة بأقصى ما يمكن من اليسر والسهولة وأما من حيث الاستدلال فقد أضيفت بعض الأدلة لمواضع كان ينقصها الاستدلال واضطررت للعودة لطبعات حديثة لتخريج الأحاديث الشريفة من مصادرها لعدم توفر الطبعة القديمة في الأسواق وكان ثمة عودة لتخريج الأحاديث الواردة جميعها من الطبعات الحديثة لتسنى للراغب العودة إليها إن أراد ثم رأيت اتباع طريقة جديدة في التخريح تمكن من أراد من العودة إليه في مصدره بيسر وسهولة رغم تغير الطبعات وأرقام الصفحات حيث ذكرت إلى جانب اسم المصدر رقم الجزء أولاً (ج 1، ج 2) يليه اسم الكتاب (كتاب الطهارة كتاب الصلاة ... ) ثم رقم الباب في الكتاب (باب 15 باب 30) وأخيرا رقم الحديث في الباب أو الكتاب حسب طريقة المؤلف في ترقيم الأحاديث أما في المصادر التي لم يعتمد فيها هذا التصنيف فقد اكتفيت بذكر رقم الجزء والصفحة فقط (ج 1 ص 25) بعد اسم المصدر أما من حيث الشروح اللغوية وضبط الكلمات الملتبسة بالشكل فقد تمت العودة للمعاجم المختصة وكتب شروح الحديث الشريف وكتاب النهاية في غريب الحديث وفي هذا الميدان أضيفت ثورة إلى الكتاب إلى جانب ما حوته الطبعة الأولى منها حيث حاولت في هذه الطبعة استقصاء كل ما غمض أو أشكل.
بعد هذا الجهد المتواضع أرى أن الكتاب أصبح بحلة أفضل وذا نفع أكبر. أسال الله أن يقبله عملا خالصا لوجهه وأن يحقق به المزيد من النفع لعباده وأسأل مسلماً انتفع به دعاء أخر في ظهر الغيب.
والحمد لله رب العالمين
- 26 رمضان 1409 هـ 1/5/ 1989
(1/3)

مقدمة الطبعة الأولى
(1/4)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأطيب الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد فهذا نتاج متواضع في فقه العبادات على المذهب الشافعي أضعه بين يدي الراغب في معرفة أحكام الفقه العملية الضرورية في أداء العبادات على الوجه الصحيح وقد قمت بجمع مادته مما تلقيته عن أستاذي في علم الفقه المرحوم الشيخ عبد الكريم الرفاعي كرم الله مثواه وجزاه عني كل خير ثم عدت إلى عدد من الكتب الفقهية في المذهب الشافعي فجمعت بين هذا وذاك مع الحرص على تجنب الخوض في المسائل النادر وقوعها والفروع المطولة التي قد يحتاجها المتخصص في علم الفقه دون الراغب في منهج عملي مبسط للتطبيق اليومي والذي قد تمله التفريعات فيرغب عن دراسة الفقه كلها من أجل ذلك لجأت إلى تبويب أبحاث الكتاب وتصنيفها بحيث يسهل على الدارس حفظها وتطبيقها بيسر فاستعنت بالترقيم وغيره من أساليب الكتب المدرسية وابتعدت عن الاستطرادات المملة ما أمكن إلى حيث دعت الحاجة وحرصا على دقة الأحكام الفقهية الواردة عدت فعرضت أبحاثه جميعا على الشيخ محي الدين الكردي حفظه الله فراجعها وعلق عليها شكر الله له كما حرصت على الاستدلال لمعظم الأحكام الواردة فيه بالقرآن الكريم والسنة المطهرة من مصادرها المعتمدة ابتداء بصحيحي البخاري ومسلم وانتهاء بكتب الدارقطني والبيهقي مع الإشارة إلى مصدر الدليل وأخيرا أقدم هذا الكتاب على استحياء ألا يكون قد قارب الكمال في الدقة والصحة ولكنه جهد المقل، الراغب في خدمة هذا الدين فأرجو المولى عز وجل أن يتقبل مني عملي وينفع به ويجزي عني عظيم الخير كل من أعانني على تأليف هذا الكتاب والله من وراء القصد
(1/5)

محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه
(1/6)

لمحة عن حياته
(1/7)

نسبه:
(1/8)

- هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف جدُّ جدِّ النبي صلى الله عليه وسلم وشافع هذا صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوه السائب الذي أسلم يوم بدر وأمه يمانية من الأزد وكانت من أذكى الخلق فطرة
(1/9)

مولده ونشأته:
(1/10)

- ولد عالمنا في غزة من أرض فلسطين سنة خمسين ومائة للهجرة (150) وهي سنة وفاة الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه وليست غزة موطن آبائه وإنما خرج أبوه إدريس إليها في حاجة فولد له محمد ابنه ومات هناك.
توفي والده وهو صغير لا يتجاوز العامين، فذهبت به أمه إلى مكة، وقد آثرت أن تهجر أهلها الأزد في اليمن وتحمل طفلها إلى مكة مخافة أن يضيع نسبه وحقه في بيت مال المسلمين من سهم ذوي القربى، وكانت هذه أول رحلة في حياة هذا الطفل التي كانت كلها رحلات.
نشأ الشافعي في مكة وعاش فيها مع علو وشرف نسبه عيشة اليتامى والفقراء والنشأة الفقيرة مع النسب الرفيع تجعل الناشئ يشب على خلق قويم ومسلك كريم فعلو النسب يجعله يتجه إلى معالي الأمور والفقر يجعله يشعر بأحاسيس الناس ودخائل مجتمعهم، وهو أمر ضروري لكل من يتصدى لعمل يتعلق بالمجتمع.
وقد بدت عليه علائم النبوغ والذكاء الشديدين منذ الصغر، حتى إن معلم الكتاب قبل دخوله فيه دون أجر، مقابل حلوله محله في تعليم الصبيان أثناء غيابه. وكان قوي الذاكرة، فقد قيل: إنه ما نسي شيئا حفظه أبدا.
(1/11)

طلبه للعلم ومنزلته العلمية:
(1/12)

- حفظ الشافعي القرآن وهو ابن سبع سنين، وجوده على مقرئ مكة الكبير إسماعيل بن قسطنطين، وأخذ تفسيره من علماء مكة الذين ورثوه عن ترجمان القرآن ومفسره عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ثم اتجه بعد حفظه القرآن لاستحفاظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أولع منذ حداثة سنه بالعربية، فرحل إلى البادية يطلب النحو الأدب والشعر واللغة، ولازم هُذيلا عشر سنوات يتعلم كلامها وفنون أدبها وكانت أفصح العرب فبرز ونبغ في اللغة العربية وهو غلام. قال الأصمعي - ومكانته في اللغة مكانته -: "صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس" وفي مكة كان يتردد على المسجد يسمع من العلماء بشغف شديد. وكان في ضيق العيش بحيث لا يجد ثمن الورق الذي يدون عليه، فكان يعمد إلى التقاط العظام والخزف والدفوف ونحوها ليكتب عليها، وكان يقول: "ما أفلح في العلم إلى من طلبه في القلة، ولقد كنت أطلب ثمن القراطيس فتعسر علي".
ولم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة من العمر حين صار أستاذه مسلم بن خالد الزنجي - إمام أهل مكة ومفتيها - يقول له: "أفت يا أبا عبد الله، فقد والله آن لك أن تفتي" وهكذا اجتمع له في مكة النبوغ في اللغة والفقه والتفسير. ولكن همته في طلب العلم لم تقف به عند هذا الحد، فقد جاهد في سبيله فكان كثير الترحال. وكان العلماء والفقهاء في ذلك العصر يشدون الرحال إلى المدينة ليروا عالمها المشهور مالك بن أنس رضي الله عنه، وكان مالك صاحب مجلس في الحرم النبوي، لم يطرق الخلفاء بابه، ويحسبون حسابه وطرقت أخبار الإمام مالك أسماع عالمنا الشافعي فاشتاق لرؤيته، وتلهف لسماع علمه، فحفظ كتابه الموطأ ورحل إلى يثرب، وهناك لم يستطع أن يظفر بالوصول إلى باب مالك إلا بعد لأي وجهد، ونظر إليه مالك، وكانت له فراسة، فقال له: "يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي فسيكون لك شأن من الشأن"، وفي رواية: "إن الله عز وجل ألقى على قلبك نورا فلا تطفئه بالمعاصي" ثم قال له: "إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء من يقرأ لك" قال الشافعي: "فقلت أنا قارئ فقرأت عليه الموطأ حفظا، والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكا وأردت أن أقطع، أعجبه حسن قراءتي وإعرابي، فيقول: يا فتى زد. حتى قرأته عليه في أيام يسيرة. وقال: إن يك أحد يفلح فهذا الغلام" وبعد أن قرأ على مالك موطأه، لزمه يتفقه عليه ويدارسه المسائل التي يفتي بها الإمام الجليل وتوطدت الصلة بينه وبين شيخه، فكان مالك يقول: "ما أتاني قرشي أفهم من هذا الفتى". وكان الشافعي يقول: "إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن علي من مالك". ولكن يبدو أم ملازمته لمالك رضي الله عنه لم تكن بمانعة له من السفر والاختبارت الشخصية، فكان يقوم بين وقت وآخر برحلات في البلاد الإسلامية، كما كان يذهب إلى مكة يزور أمه ويستنصح بنصائحها.
وبعد مضي عشر سنوات على إقامته في المدينة توفي الإمام مالك. وأحس الشافعي أنه نال من العلم أشطرا، فاتجهت نفسه إلى عمل من أعمال الدولة يتكسب به، بعد أن رهن داره، وعجزت أمه عن معونته، فتولى عملا بنجران من اليمن، وهناك طفق يتردد على حلقات العلم، ويأخذ عن كبار العلماء فيها، إلى أن وقع بينه وبين والي اليمن أثناء عمله شيء (بسبب ما أخذه عليه من الظلم) فوشى به الوالي إلى الخليفة هارون الرشيد، الذي أمر بإحضاره إلى بغداد، (وفي محنته تفصيل سيأتي) ولعل هذه المحنة التي نزلت به قد ساقها الله تعالى إليه ليصرف اهتمامه عن الولاية ونحوها، ويعود للاتجاه بكليته نحو العلم وخرج الشافعي رضي الله عنه من التهمة التي نسبت إليه ليطبق علمه وشهرته الآفاق، فقد أصبح محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة الذي آلت إليه رياسة الفقه في العراق أستاذاً للشافعي، تلقى عنه فقه أهل الرأي، ولما كان قد أخذ فقه أهل الحديث عن مالك الذي آلت إليه رياسة الفقه في المدينة فقد خرج من هذين المذهبين بمذهب يجمع بينهما، وهو مذهبه القديم المسمى بكتاب الحجة (رواه عنه العديد من العلماء، وكان الزعفراني أتقنهم له رواية وأحسنهم له ضبطاً) ثم قفل عائدا إلى مكة وفي جعبته علوم أهل الأرض في ذلك العصر بعد أن مضى عامان على إقامته في بغداد، وأخذ يلقي دروسه في الحرم المكي، والتقى به أكبر العلماء في موسم الحج، فكانوا يرون فيه عالما هو نسيج وحده، وفي هذه الأثناء التقى به أحمد بن حنبل، قال اسحق بن راهويه: "لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعال أريك رجلا لم تر عيناك مثله، فأراني الشافعي. قال: فتناظرنا في الحديث فلم أر أفقه منه، ثم تناظرنا في القرآن فلم أر اقرأ منه، ثم تناظرنا في اللغة وما رأت عيناي مثل قط" ومكث في مكة تسع سنوات كاملة - وهو الذي عهدناه صاحب سفر وترحال - ليصفوا له الجو لاستخراج قواعد الاستنباط بعيدا عن ضوضاء العراق وتناحر الآراء فيها، وألف كتاب الرسالة في علم أصول الفقه.
ثم ارتحل ثانية إلى بغداد، وقد سبقته شهرته إليها، وتحدث بذكره المحدثون والفقهاء، ولقب فيها بناصر الحديث، وأخذ ينشر آراءه الفقهية الأصولية ويجادل على أساسها. وعقد في الجامع الغربي في بغداد حلقات العلم والفقه، وأمه المتعلمون والعلماء، منهم الممتحن، ومنهم المستمع، ومنهم المتعد بمذهبه الساخر بهذا المتفقه الجديد على زعمه، فما يكادون يجلسون إليه ويستمعون له حتى يرجعوا عن قولهم ويتركوا ما كانوا فيه، ويتبعوه، وما زال الشافعي يصول ويجول، ويأتي كل يوم بجديد من فهم كلام الله، وفقه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حمل العلماء على الإقرار بعلمه وظهر أمره بين الناس، وانفكت حلقات المخالفين، حتى إن أحدهم قال: "قدم الشافعي بغداد وفي الجامع الغربي عشرون حلقة لأصحاب الرأي، فلما كان يوم الجمعة لم يثبت منها إلا ثلاث حلق أو أربع" وفي هذه القدمة، التي دامت عامين، أعلن رضي الله عنه كتبه وقد أنضجها الدراسة والمراجعة، ونشرها بين صحابته.
وتكررت رحلات الشافعي بين مكة وبغداد، وكانت خاتمة رحلاته إلى مصر التي كان الدافع إليها ميله للابتعاد عن مركز الخلافة والسياسة، وذلك بناء على دعوة والي مصر له وانتهى به المطاف هناك، وأملى مذهبه الجديد في كتابه " المبسوط" الذي اشتهر فيما بعد باسم كتاب الأمر وأعاد النظر في آرائه وكتبه ومؤلفاته، فجدد بعضها، ونسخ بكتابه المصري كتابه البغدادي، (المذهب الجديد هو المعتمد، وعليه العمل، إلا أن هناك مسائل معينة قد اختارها فقهاء المذهب من القديم، ورجحوا الإفتاء بها، وتركوا الجديد فيها، ولقد أحصاها بعضهم بأربع عشرة مسالة، وبعضهم باثنتين وعشرين مسالة، وهي منثورة في كتب المذهب) وقال رضي الله عنه: "لا أجعل في حل من روى عني كتابي البغدادي"
وكان الناس في مصر على مذهب الإمام مالك فقدموا الشافعي واستمعوا إليه وافتتنوا به. وقصده كثيرون من الشام واليمن والعراق وسائر الأقطار للتفقه عليه.
وهكذا توالت الشهادات بمكانة الشافعي من العلم في عصره، وأجمع شيوخه وقرناؤه وتلاميذه على أنه كان علما بين العلماء لا يجارى، ولئن تجاوزنا هذه الشهادات لنجدن شهادة أقوم دليلا هي ما تركه من آثار من أقوال مأثورة أو فتاوى منثورة، أو رسائل كتبها، أو كتب أملاها، (الكتب التي تركها الشافعي قسمان:
-1) قسم يذكره المؤرخون منسوباً للشافعي، مثل كتاب الأم والمرجح أنه دونه بنفسه، وكتاب الرسالة
-2) قسم يذكرونه منسوباً إلى أصحابه على أنه تلخيص لكتبه، مثل مختصر البويطي ومختصر المزني وللشافعي رضي الله عنه في القسم الأول المعنى والصياغة، وله في الثاني المعنى فقط. وقد ذكر الرواة طريقة تأليفه للكتاب، فبعضه يكتبه بنفسه، وبعضه كان يمليه، وينسخ عنه تلاميذه ما يكتب ويقرؤونه عليه) ففي كل ذلك دليل على مقدار علمه ومواهبه، فقد كان أكبر من أديب وأكثر من فقيه.
وكان مجلسه للعلم جامعا للنظر في عدد من العلوم، قال الربيع بن سليمان: "كان الشافعي رحمه الله يجلس في حلقته إذا صلى الصبح فيجيئه أهل القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا، وجاء أهل الحديث فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا ارتفعت الشمس قاموا، فاستوت الحلقة للمذاكرة والنظر فإذا ارتفع الضحى تفرقوا، وجاء أهل العربية والعروض والنحو والشعر، فلا يزالون إلى قرب انتصاف النهار"
لقد بوركت نبوءة نصلى الله عليه وسلم في الشافعي حين قال: (اللهم اهد قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما) (الجامع الصغير ج 1 /صلى الله عليه وسلم 56 عن أبي هريرة رضي الله عنه، حديث حسن للخطيب وابن عساكر في التاريخ)
(1/13)

العوامل التي هيأته للنبوغ العلمي:
(1/14)

1 - مواهبه وصفاته:
(1/15)

- لقد آتى الله الشافعي حظا من المواهب يجعله في الذروة الأولى من قادة الفكر وزعماء آراء:
فقد كان قويا في كل قواه العقلية، مما جعل تلميذه بشر المريسي يقول: "مع الشافعي نصف عقل أهل الدنيا" وكان حاضر البديهة، عميق الفكرة، بعيد المدى في الفهم، فكانت دراسته طلبا للكليات والنظريات العامة.
_وكان قوي البيان واضح التعبير، أوتي مع فصاحة لسانه وبلاغة بيانه صوتا عميق التأثير يعبر بنبراته، وقد سماه ابن راهويه: خطيب العلماء.
-وكان نافذ البصيرة في نفوس الناس، قوي الفراسة، كشيخه مالك، في معرفة أحوال الرجال وما تطيقه نفوسهم، وكان هذا سببا في أن التف حوله أكبر عدد من الصحاب والتلاميذ وكان صافي النفس من أدران الدنيا وشوائبها، لذلك كان مخلصا في طلب الحق والمعرفة، يطلب العلم لله، ويتجه في طلبه إلى الطريق المستقيم، فإذا اصطدم إخلاصه مع ما يألفه الناس من آراء أعلن آراءه في جرأة وقوة وقد بلغ من زهده في جاه العلم وإخلاصه لطلب الحق أنه كان يقول: "وددت أن الناس تعلموا هذا العلم، لم ينسب إلي شيء منه فأوجر عليه ولا يحمدوني" وما كان يغضب في جدال، ولا يستطيل بحدة لسان في نزلا، لأنه يبغي الحق في جدله، يقول رضي الله عنه: "ما ناظرت أحدا قط على الغلبة، وددت إذا ناظرت أحدا أن يظهر الحق على يديه" ولقد أكسبه الإخلاص ذكاء قلب، ونبل غرض، وتباعداً عن الدنايا.
وكان شديد التشبث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الربيع: سمعت الشافعي يقول: "ما من أحد إلا وتغيب عنه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتغرب، فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي" وجعل يردد هذا الكلام
(1/16)

2- شيوخه:
(1/17)

- تلقى الشافعي الفقه والحديث على شيوخ تباعدت أمكنهم، وتخالفت مناهجهم، فجمع فقه أكثر المذاهب التي كانت في عصره، (وقد روى عن كثير من المشايخ، أشهرهم تسعة عشر: خمسة مكية، وستة مدنية، وأربعة يمانية، وأربعة عراقية) وتلقى فقه مالك عليه، وتلقى فقه الأوزاعي عن صاحبه عمر بن أبي سلمة من أهل اليمن، وتلقى فقه الليث بن سعد فقيه مصر عن صاحبه يحيى بن حسان، ثم تلقى فقه أبي حنيفة عن محمد بن الحسن فقيه العراق، وبذلك يكون قد برع في مدرسة الحديث في المدينة، ومدرسة الرأي في العراق. وكان ثمة مدرسة ثالثة تعنى بتفسير القرآن، وهي مدرسة مكة التي اتخذها ابن عباس رضي الله عنهما مقاما له، وقد جعل الشافعي ابن عباس مثله الكامل، وترسم خطاه، وسار في مثل سبيله. وانساغ كل ذلك العلم الكثير في نفس الشافعي، فكان منه ذلك المزيج الفقهي المحكم، الذي تلاقت فيه كل النزعات منسجمة متعادلة، متآلفة النغم، وتولدت منه تلك المعاني الكلية، فقدمها للناس في بيان رائع وقول محكم.
(1/18)

3- دراساته الخاصة وتجاربه:
(1/19)

- كان رضي الله عنه مع اتصاله بشيوخه في مكة والمدينة محباً للرحلة، ولا شك أن الأسفار تفتق الذهن وترهف الحس فوق ما تعطيه للفقيه من مادة وخبرة. وكان يتصل خلال رحلاته بالشيوخ، ويدارس العلماء، ويأخذ منهم ويعطيهم، ولم يقتصر على فقهاء الجماعة الذين دخلوا في طاعة الخلفاء، بل درس آراء غيرهم، فكان يطلب العلم أنى وجده، لا يهمه الوعاء الذي حمله إليه، بل يهمه ما في الوعاء
(1/20)

4- عصره:
(1/21)

- ولد الشافعي في العصر العباسي وعاش فيه، وكانت الفترة التي استغرقت حياة الشافعي من ذلك العصر هي فترة استقرار الأمر لهذه الدولة، وتمكين سلطانها، وازدهار الحياة الإسلامية فيها وقد امتاز ذلك العصر بميزات كان لها الأثر الأكبر في إحياء العلوم ونهضة الفكر الإسلامي، حتى أنه يعتبر من أزهى العصور الإسلامية فكراً وعلماً. ففيه التقت الحضارات القديمة كلها وامتزجت تحت ظل الدين الجديد، ونشطت حركة الترجمة، وتولهاها الخلفاء العباسيون بالتنمية والتشجيع. وهو عصر الخصب العقلي المستقل المنتج، فهؤلاء المحدثون يشمرون عن ساعد الجد لتمييز الصحيح في المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه الفرق المختلفة، كل فرقة تجرد سيف الحجة لتشق الطريق لآرائها، والشافعي يخالطها جميعا، ويناقش أصحابها، ويقبس من علمائها ما يراه صالحا. وهؤلاء العلماء من فقهاء ومحدثين ينتقلون في البلاد طلبا للعمل، فيلتقي بهم الشافعي، وخصوصا في البيت الحرام كان مؤتمراً علمياً ثم ها هم أولاء فقهاء الرأي وفقهاء الحديث يلتقون في مكان واحد ويتناظرون طلبا للحقيقة، فيأخذ كل مما عند الآخر. ثم هذا الفقه يجمع في الكتب فيرى الفقيه آراء غيره مدونة مبسوطة فيقرؤها ويدرساها وينقدها ويقبل ما يراه أقرب للكتاب والسنة.
وهكذا جاء الشافعي في وسط هذا اللجب العلمي القوي، وأخذ من تلك الثروة العلمية العظيمة، وبقوة مواهبه ودراساته وحسن اتجاهاته خرج على الناس بآرائه ومذهبه
(1/22)

لمحة عن عبادته وأخلاقه:
(1/23)

- كان رضي الله عنه كثير العبادة، فكان يقسم الليل إلى ثلاثة أقسام: ثلث للعلم، وثلث للنوم، وثلث للعبادة. وكان يقف بين يدي ربه فيصلي ويقرأ، وعيناه تفيضان بدمع غزير خشية التقصير. وقد كان رضي الله عنه يرى نفسه - لشدة تواضعه - من أهل المعاصي، وفي ذلك يقول:
أحب الصالحين ولست منهم * لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من بضاعته المعاصي * وإن كنا جميعا في البضاعة
يقول هذا وهو الذي يصفونه بأنه " لم تعرف له صبوة"
وقد اختص الله تعالى عالمنا بالعناية، فكان له صوت عميق التأثير، يخرج من قلب منير زادته العبادة المتواصلة، والمحبة الشديدة نورا وتأثيراً وسحراً وكان مولعاً بالقرآن وصحبته، فكان يختم في كل نهار وليلة ختمة، وفي رمضان كان يختم كل نهار ختمة وكل ليلة ختمة. وكان إذا قرأ القرآن بكى وأبكى سامعيه، روى أحد معاصريه: "كنا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي نقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى تتساقط الناس بين يديه، ويكثر عجيجهم بالبكاء، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة وكان رضي الله عنه مستقيما على الشرع إلى أقصى الحدود وكان كريما ذا مروءة وخلق رفيع، شأنه شأن آل البيت، سخياً يقبل على الفقراء ويعطي عطاء من لا يخاف عيلة، وفي هذا تروى الأعاجيب عنه. ومن أقواله: "للمروءة أربعة أركان: حسن الخلق، والسخاء، والتواضع، والنسك". ومما تميز به شدة حيائه وخجله، حتى نقل عنه أنه كان يحمر وجهه حياء إذا سئل ما ليس عنده.
(1/24)

محنته:
(1/25)

- اتهم الشافعي رضي الله عنه بالتشيع، وحيكت له المؤامرات في قصر الخليفة هارون الرشيد حتى بعث في طلبه، وسيق، وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، في أقياده مع تسعة من العلويين إلى الرشيد، وهناك ضربت رقاب العلوية التسعة أمام الشافعي واحدا بعد آخر، حتى جاء دوره، وكان محمد بن الحسن القاضي عند هارون الرشيد حاضرا، واستطاع الشافعي بذكائه وسرعة خاطره أن يستميل إليه قلب الخليفة وعقله وأن يقنعه ببراءته، وأسلمه الخليفة للقاضي محمد ابن الحسن، وكان العلم رحما بين أهله، ودافع عنه القاضي وساهم في خلاصه، وقال فيه:
"وله من العلم محل كبير، وليس الذي رفع عليه من شأنه"
وبرئت ساحة المتهم، وأمر له الرشيد بعطاء قدره خمسون ألفا، أخذها الشافعي والثالث كلها من بين يديه عطايا على باب الرشيد
(1/26)

مرضه ووفاته:
(1/27)

- كان رضي الله عنه كثير الأوجاع والأسقام، وكان يشكو البواسير خاصة، ولقد بلغت منه في أواخر أيامه مبلغا عظيما، فكان ربما ركب فسال الدم من عقبيه، وكان لا يرح الطست تحته وفيه لبدة محشوة، يقطر فيه دمه. وما لقي أحد من السقم مثل ما لقي، ولكن هذا لم يكن ليصرفه عن الدروس والأبحاث والمطالعات وليس هذا غريبا على مثله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال عندما سئل عن أشد الناس بلاء: (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل) (الترمذي ج 4 / كتاب الزهد باب 56 م 2398) ولما كان في مرضه الأخير دخل عليه تلميذه المزني فقال له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلا وللإخوان مفارقا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله عز وجل وارداً، ولا والله ما أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنئها، أم إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت رجائي نحو عفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته * بعفوك ربي كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل * تجود وتعفو منة وتكرما
وفي آخر ليلة من رجب سنة أربع ومائتين للهجرة انتقلت روحه الطاهرة إلى ربها، عن أربع وخمسين سنة.
وفي عصر اليوم التالي خرجت مئات الألوف تنقل الشافعي إلى مثواه الأخير في القرافة بمصر وذهل الناس بوفاة لشافعي، وخيمت الكآبة على وجوه العلماء، وهيضت أجنحة تلاميذه وطويت صفحة مشرقة من صفحات تاريخنا الرائع، وغاب نجم من النجوم التي سطعت في سماء البشرية، فأضاءت المشرق والمغرب.
رحم الله الشافعي، ورضي عنه، وأكرم مثواه. فقد كان كما قال عنه أحمد بن حنبل رضي الله عنه: كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فانظر هل لهذين من خلف، أو عنهما من عوض"
(1/28)

أشهر تلاميذه:
(1/29)

- خلف الشافعي من تلاميذه أركانا في العلم، يرعون علمه، وينشرونه، وينافحون عنه. من هؤلاء:
في مكة - أبو بكر الحميدي؛ وكان فقيها محدثا، ثقة، حافظا
وفي العراق - أبو علي الحسن الصباح الزعفراني؛ ولم يكن بين تلاميذ الشافعي أفصح منه لسانا، ولا ابصر منه باللغة العربية، وكان الزعفراني راوي كتب الشافعي في العراق
وأبو علي الحسين بن علي الكرابيسي؛ وكان عالماً مصنفاً متقناً
وأبو ثور الكلبي
وأبو عبد الرحمن أحمد بن محمد بن يحيى الأشعري البصري؛ وكان يوصف بالشافعي وهو أول من خلفه في العراق.
وممن أخذ عن الشافعي، وإن لم يعرف بالتبعية له في مذهبه:
الإمام أحمد بن حنبل، أحد الأئمة الأربعة، وقد قال فيه الشافعي: "خرجت من بغداد، وما خلقت فيها أفقه ولا أورع ولا أزهد ولا أعلم من أحمد" وأيضا اسحق بن راهويه
في مصر - حرملة بن يحيى؛ وكان جليلا نبيل القدر، وروى عن الشافعي من الكتب ما لم يروه الربيع
أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي: وقد استخلفه الشافعي في حلقته وآثره على محمد ابن عبد الله بن الحكم، مع عظيم محبته لابن الحكم، ولكنه قدم الحق على الأخوة والمحبة كشأنه رحمه الله دائما. قال: "ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى، وليس أحد من أصحابي أعلم منه"
كان البويطي عالما، فقيها، زاهدا. توفى في سجنه في محنة القول بخلق القرآن.
أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني: كان فقيها عالماً عابداً عارفاً بوجوه الجدل، حسن البيان. قال عنه الشافعي، وهو في سن الحداثة: "لو ناظر المزني الشيطان لقطعه"، كما قال فيه: "المزني ناصر مذهبي" له في مذهب الشافعي كتب كثير منه: المختصر، والمختصر الصغير..
الربيع بن سليمان المرادي المؤذن - راوية كتب الشافعي وخادمه -: صحب الشافعي طويلا، وأخذ عنه كثيرا وخدمه واشتهر بصحبته، وهو آخر من روى بمصر عنه، وكان يروي بصدق وإتقان، فكانت الرجال تشد إليه لطلب كتب الشافعي
(1/30)

المراجع:
(1/31)

-1- أبو زهرة، محمد: الشافعي، حياته وعصره - آراؤه وفقهه. دار الفكر العربي - الطبعة الثانية
-2- البوهي، محمد لبيب: الإمام الشافعي
-3- الدقر عبد الغني: الإمام الشافعي، فقيه السنة الأكبر دار القلم: دمشق - بيروت الطبعة الأولى 1972 م
(1/32)

[كتاب فقه العبادات]
(1/33)

بعض ما ورد في فضل الفقه
(1/34)

- {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [سورة التوبة - 122] .
(من يرد الله به خير يفقه في الدين ويلهمه رشده) "متفق عليه".
" من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن نظر في اللغة رق طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه"
(1/35)

تعريف الفقه والغرض منه
(1/36)

- تعريفه
هو لغة: الفهم
وفي اصطلاح الفقهاء: العم بالأحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلتها التفصيلية
(1/37)

- الغرض منه:
معرفة علاقة الإنسان بربه - فقه العبادات - ثم علاقته بالمخلوقات - فقه المعاملات - على وجه صحيح فمن ترك هذا العلم عرض نفسه للوقوع في الخطأ في أعماله، فإن سلمت له ناحية، لن تسلم له بقية النواحي.
(1/38)

- تعريف بالأحكام التكليفية
- لا بد من تعريف موجز بالأحكام التكليفية المختلفة، والتي سيرد ذكرها مرارا، قبل أن نتعرض لها خلال أبحاث الكتاب
والحكم التكليفي بالتعريف: هو خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاءً (الاقتضاء: هو الطلب، والطلب إما أن يكون طلب فعل أو طلب ترك) أو تخييراً (التخيير: هو تخيير المكلف بالخطاب بين الفعل والترك)
والأحكام التكليفية عند الشافعي رضي الله تعالى عنه هي:
-1- الفرض: وهو مرادف للركن والواجب (لم يفرق الشافعي بين الواجب والفرض إلا في الحج متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم) وهو ما يطلب فعله طلبا جازما ويثاب عليه، ويحرم تركه ويعاقب عليه، مثل الصلوات الخمس
-2- المندوب أو السنة أو المستحب: وهو ما يطلب فعله طلبا غير جازم ويثاب عليه، ولا يحرم تركه ويعاقب عليه، كالاستياك والتسبيحات في الصلاة
-3- الحرام: وهو ما يطلب تركه طلبا جازما ويثاب عليه، ويحرم فعله ويعاقب عليه من ذلك مثلاً الزنى وشرب الخمر
-4- المكروه: وهو ما يطلب تركه طلبا غير جازم ويثاب عليه، ولا يحرم فعله ولا يعاقب عليه، كأكل الثوم والبصل قبل المجيء إلى المسجد أو حضور الجماعات
وقد قسم بعض الشافعية المكروه إلى قسمين بحسب الدليل في النهي، فإن كان النهي غير الجازم مخصوصاً بأمر معين فهو مكروه، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) (مسلم ج 1 / كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 11/ 70) ومثل النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، فإنها خلقت للشياطين، وإن كان النهي غير الجازم غير مخصوص بأمر معين فيكون فعله خلاف الأولى، كالنهي عن ترك المندوبات، وإفطار المسافر في رمضان
-5- المباح: وهو التخيير بين الفعل والترك، ولا يثاب على فعله ولا على تركه
(1/39)

كتاب الطهارة
(1/40)

الباب الأول [الطهارة]
(1/41)

التعريف بالطهارة
(1/42)

- الطهارة بفتح الطاء في اللغة مصدر بمعنى النظافة
وأما في اصطلاح الفقهاء فهي رفع حدث أو إزالة نجس، أو ما في معناهما على صورتهما وقولنا في معناهما على صورتهما أردنا به التيمم والأغسال المسنونة كالجمعة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الحدث والنجس، أو مسح الأذن والمضمضة ونحو ذلك من نوافل الطهارة، وطهارة المعذورين (1) فهذه كلها طهارات لكنها لا ترفع حدثا ولا تزيل نجساً. وهي شرط لصحة الصلاة وجواز استعمال الآنية والأطعمة وغير ذلك، فالشارع اشترط لصحة صلاة الشخص أن يكون بدنه موصوفا بالطهارة، ولصحة الصلاة في المكان أن يكون المكان موصوفا بالطهارة، ولصحة الصلاة بالثوب أن يكون موصوفا بالطهارة، واشترط لحل أكل الطعام أن يكون موصوفا بالطهارة وهكذا ...
__________
(1) المعذور: كسلس البول والمستحاضة
(1/43)

- دليلها:
- قوله تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} (1) وحديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الطهور شطر الإيمان) (2) وعن ابن عباس رضي الله عنهما: قال" مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين، فقال: (أما إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر (3) من بوله) قال: فدعا بعسيب (4) رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً، ثم قال: (لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا) (5)
__________
(1) البقرة 222
(2) مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 1/1
(3) وفي رواية: كان لا يَسْتَنْزِهُ، والمعنى واحد، وهو أنه لا يتوقى عن بوله
(4) العُسَيْب: جريدة من النخل مستقيمة دقيقة يكشط خوصها والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف
(5) مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 34 / 111
(1/44)

- أقسامها:
الطهارة بحسب التعريف قسمان:
طهارة حسية: وهي الطهارة من الخبث (1) واعتبارية: وهي الطهارة من الحدث وذلك لأن الشارع أوجب على المصلي أن يكون بدنه وثوبه طاهرين من الخبث وأوجب عليه أن يكون بدنه طاهراً من الحدث، فجعل الطهارة من هذين الأمرين واجبة.
فأما الخبث فهو العين المستقذرة شرعا كالدم والبول ونحوهما مما سيأتي بيانه في بحث النجاسات والطهارة من الخبث تقسم إلى قسمين: أصلية وفرعية وعارضة فأما الأصلية فهي القائمة بالأشياء بأصل خلقتها كالماء والتراب والحديد والمعدن وغيرها، لأن الأصل في الأشياء طهارتها ما لم تثبت نجاستها بدليل وأما الطهارة العارضة فهي النظافة من النجاسة التي أصابت هذه الأعيان وسميت عارضة لأنها تعرض بسبب المطهرات المزيلات لحكم الخبث من ماء وتراب وغيرهما مما سيأتي بيانه في بحث إزالة النجاسة
وأما الحدث فهو صفة اعتبارية أيضاً، وصف الشارع بدن الإنسان كله حال الجنابة، (2) أو بعض أعضاء البدن حال وجود ناقض من نواقض الوضوء من ريح أو بول أو نحوهما، ويقال للأول: حدث أكبر، والطهارة منه تكون بالغسل، ويتبعه الحيض والنفاس، فإن الشارع اعتبرهما صفة قائمة بجميع البدن تمنع من الصلاة وغيرهما مما يمنعه الحدث الأكبر قبل الغسل. ويقال للثاني: حدث أصغر، والطهارة منه تكون بالوضوء، وينوب عن الغسل والوضوء التيمم عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله.
__________
(1) الخبث: النجس
(2) الجنابة لغة: البعد، وشرعا تطلق على من أنزل المني أو جامع، وسمي جنباً لأنه يجتنب الصلاة والمسجد والقراءة ويتباعد عنها
(1/45)

المياه
(1/46)

- المياه التي ترفع الحدث، وتزيل النجس سبعة، وهي بعبارة موجزة: كل ما نزل من السماء أو نبع من الأرض. وتفصيلها كما يلي:
-1- المطر: لقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} (الفرقان: 48) وقوله عز من قائل: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} (الأنفال 11)
-2- ماء البحر: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 52 / 69)
-3- ماء النهر
-4- ماء البئر
-5- ماء العين
-6- ماء الثلج
-7- ماء البرد. ودليلها جميعا الإجماع على كون ما نزل من السماء أو نبع من الأرض طهوراً
(1/47)

- أقسام المياه
(1/48)

أولا - ماء طاهر مطهر:
(1/49)

- وهو وحده الذي يرفع الحدث ويزيل النجس، ودليل هذا الحصر في الحدث قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} (المائدة: 6) فأوجب التيمم على من لم يجد الماء، فدل على أنه لا يجوز الوضوء بغيره، وفي النجس ما صح من أمره صلى الله عليه وسلم بغسله. ويقسم إلى:
-1- ماء طاهر مطهر غير مكروه الاستعمال: وهو الماء المطلق، (وسمي المطلق مطلقاً لأنه إذا أطلق الماء انصرف إليه) أي العاري عن كل قيد بغير اسمه ولا يسلب الماء طهوريته، فيصبح طاهرا غير مطهر، إلا إذا خالطه من الطاهرات ما يغيره في طعمه أو لونه أو ريحه تغيرا فاحشاً
-2- ماء طاهر مطهر مكروه الاستعمال:
(1) الماء الشديد السخونة، وتزول كراهته بالتبريد
(2) الماء الشديد البرودة وتزول كراهته بالتسخين. وعلة الكراهة في كل منهما عدم القدرة على إسباغ الطهارة بواسطتهما
(3) الماء المشمس، في قطر حار، في إناء منطبع (أي مصنوع من معدن قابل للصفح والطرق غير النقدين، الذهب والفضة، كالحديد والرصاص والنحاس) وعلة الكراهة فيه طبية
قال الشافعي رضي الله عنه: لا أكره المشمس إلا أن يكره من جهة الطب، وأسند الكراهة في ذلك إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه كان يكره الاغتسال بالماء المشمس، ويقول إنه يورث البرص، (قال النووي في المجموع: الحديث ضعيف لأنه من رواية إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وقد اتفقوا على تضعيفه إلا أن الشافعي وثقه) وضابط المشمس أن تخرج على الماء زهومة، وهي ناتجة عن تفاعل الماء مع معدن الإناء تحت أشعة الشمس، لذا فإن كراهته مقتصرة على استعماله للبدن، أما إذا استعمل لتطهير الثياب فليس فيه كراهة، وتزول الكراهة بالتبريد لتفكك الزهومة. أما في بلادنا فالماء المشمس غير مكروه، لأن بلادنا معتدلة الحرارة
(4) مياه الآبار التي لعن أصحابها، إلا لضرورة، لما روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر (أرض ثمود) في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء (البخاري ج 3 / كتاب الأنبياء باب 19 / 3198)
(1/50)

ثانياً - ماء طاهر غير مطهر
(1/51)

- وهو الطاهر بنفسه، غير المطهر لغيره، أي الذي لا يرفع حدثا ولا يزيل نجساً. وهو ضربان:
-1- الماء القليل (الماء القليل هو ما نقص عن قلتين، والقلتان سعة عشرة تنكات وثلث تنكة أو ربما نصفها، كل منها سعة عشرين ليتراً تقريباً، أو هما على وجه الدقة حجم مكعب طول حرفه 58 سم أي 195112 سم 3 أو 195، 112 دسم 3 "ليتر") المستعمل: وهو المستعمل في طهارة حدث - والمراد بها الوضوء والغسل - أو المستعمل في طهارة نجس.
(1) أما المستعمل في طهارة الحدث، فإن استعمل في فرض الطهارة فهو طاهر غير مطهر حتى لو كان المتطهر به صبياً. أما أنه طاهر فلحديث جابر رضي الله عنه قال: "مرضت مرضاً فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، وأبو بكر، وهما ماشيان، فوجداني أغمي علي، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صب وضوءه علي فأفقت" (البخاري ج 5 / كتاب المرضى باب 5/ 5327) ولأنه ماء طاهر لاقى محلا طاهرا، وأما أنه غير مطهر فلأنه أزال مانعاً أما إن استعمل في نفل الطهارة كتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة، وغسل الجمعة، وسائر الأغسال المسنونة، وماء المضمضة والاستنشاق، فلا يعتبر مستعملا وتصح الطهارة به، لأنه لم يرفع به حدث ولا نجس.
ومن الماء المستعمل ما غمس فيه يده أثناء فرض الوضوء أو الغسل بعد نيتهما، قبل نية الاغتراف، (ومحل نية الاغتراف في الوضوء عند إرادة غسل فرض اليدين، وفي الغسل عند إرادة غمس اليدين في الماء أول مرة بعد نية فرض الغسل، لأن غسل الجسم كله فرض بلا ترتيب بخلاف الوضوء، أما إذا اغترف الماء ثم صبه على كفيه بنية رفع الحدث الأكبر عنهما فلا حاجة إلى نية الاغتراف بعد نية رفع الحدث الأكبر عن الجسم) ومنه كذلك المنفصل في فرض الوضوء ومنه كذلك المنفصل في فرض الوضوء أو الغسل عن الجسم. وثمة فرق بين الوضوء والغسل، ففي الوضوء إذا جرى الماء من عضو إلى آخر صار بانفصاله عن الأول مستعملاً فلا يرفع الحدث عن الثاني سواء في ذلك اليدان وغيرهما، أما في الغسل فلا يصير الماء مستعملاً حتى ينفصل عن البدن كله لأنه كله عضو واحد
(2) وأما الماء القليل المستعمل في إزالة النجس، ويسمى غسالة النجاسة فقد وقع الإجماع على أن حكمه حكم المحل بعد الغسل، إن كان نجساً بعد فنجس، وإلا فطاهر بشروط:
أولها - أن ينفصل بعد غسل الشيء المتنجس ولم يتغير أحد أوصافه بالخبث
وثانيهما - ألا تزيد زنة الماء المنفصل عن المحل المتنجس بعد إسقاط ما يتشربه المغسول من الماء، وإسقاط ما يتحلل من الأوساخ في الماء عادة
وثالثهما - أن يكون الماء واردا على الشيء المتنجس، فإن كان موروداً، بأن غمس الثوب المتنجس فيه فينجس، وهذا الفرق بين الوارد والمورود قاعدة أخذها الشافعية من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 26 / 87، في رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه)
وبناء على ما تقدم فإن غسالة ولوغ الكلب، إذا انفصلت متغيرة بالنجاسة فهي نجسة قطعاً وإن انفصلت غير متغيرة كان غير الأخيرة - أي السابعة - فنجسة، وإن كانت الأخيرة فطاهرة تبعاً للمحل الذي انفصلت عنه
وإذا جمع الماء المستعمل حتى صار قلتين زال حكم الاستعمال.
-2- الماء المتغير بما خالطه من الطاهرات غير المجاورة له: إذا خالط الماء إحدى الطاهرات فتغير بها طعمه أو لونه أو ريحه تغيراً فاحشاً، حتى لا يعرف إلا بهذا المخالط، كماء الصابون وماء الورد وماء العصير، سلبت طهوريته، وأصبح طاهراً غير مطهر,
ولو وقع في الماء الطهور ما يمكن حفظ الماء منه، وكان موافقاً له في صفاته من طعم ولون وريح، كالماء المستعمل، وماء الورد الذي فقد صفاته مع الزمن، فالمقياس في معرفة سلب الطهورية تقديري في هذه الحال، فنقدر في الذهن حالة ما لو وقع في الماء - بدلا من المشابه له في صفاته - مخالف له بأوسط الصفات، (المخالف للماء بأوسط الصفات: في الطعم عصير الرمان، وفي اللون عصير العنب، وفي الرائحة اللاذن - وهو نوع من العلك - أما المخالف للماء بأعلى الصفات: ففي الطعم الخل، وفي اللون الحبر، وفي الرائحة المسك) فإذا رأينا أنه يغير إحدى صفاته تغيراً فاحشاً حكمنا على الماء بأنه سلبت طهوريته وإلا فلا. فالتغير التقديري إذن كالتغير الحسي.
أما المتغير الذي لم يعلم سبب تغيره فهو باق على طهوريته، لأنه يجوز أن يكون تغير بطول المكث.
وإذا كوثر الماء المتغير - كالمتغير بزعفران مثلاً أو نحوه - فزال تغيره فهو طهور، وهناك طاهرات لا تسلب الماء طهوريته إذا اختلطت به، قليلا كان الماء أو كثيراً، ولو غيرته تغيراً فاحشاً بلونه أو ريحه أو طعمه، لأنه لا يمكن حفظ الماء منها، أو لأنها تنعقد منه، أو توفقه في الطهورية. وهي:
(1) التراب وإن طرح، لأنه يوفق الماء في التطهير، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه حذيفة رضي الله عنه: (وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً) (مسلم ج 1 / كتاب المساجد ومواضع الصلاة / 4)
(2) الطحلب
(3) ما في قعره من أملاح ومعادن
(4) المجاور، كعود أو دهن أو زيد، ولو غير ريحه أو طعمه أو لونه، لأن الدهن أو الزبد ولو وجد في الماء إلا أنه لا يختلط به بل يبقى طافياً، لذا سمي مجاوراً
ومثل العود: شجرة في الماء خشبها له طعم، فيبقى الماء طاهراً مطهراً ولو تغير ريحه أو لونه أو طعمه
أما إذا تغير الماء بمجاور يتحلل كالعرقسوس أو الشاي، بحيث يسلب اسم الماء بقيد لازم، فإنه يفقد طهوريته، أي قدرته على التطهير
(5) الملح المائي مهما كثر، ولو طرح عمداً، لأنه ينعقد من الماء. أما الملح الصخري فيسلب الماء طهوريته.
(6) ورق الشجر
يضاف إلى ذلك تغير الماء بالمكث، فهذا لا يسلبه طهوريته
واستدل الفقهاء لكل ما تقدم بقوله صلى الله عليه وسلم في حديثه المتقدم في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)
قال الإمام النووي رحمه الله: "استدلوا منه على أن الماء المتغير بما يتعذر صونه عنه طهور. وقال: هذا الحكم مجمع عليه (المجموع ج 1 / ص 129، ج 1 / ص 150)
(1/52)

ثالثاً - الماء المتنجس:
(1/53)

- وهو نوعان
-1- ماء قليل حلت به نجاسة مطلقاً سواء كانت النجاسة مجاورة أو مخالطة، فإنه ينجس بمجرد ملاقاتها، تغير بها الماء أم لا. وسواء أكانت غير معفو عنها، أو معفواً عنها في الصلاة فقط. والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه ابن عمر رضي الله عنهما: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 50/ 67) فما كان أقل ينجس (أما غير الماء من المائعات وغيرها من الرطبات فينجس بمجرد ملاقاة النجاسة سواء بلغ قلتين أم لا وسواء تغير أم لا)
ويستثنى من النجاسات التي تصيب الماء القليل وتنجسه ما يلي:
(1) ما لا يدركه الطرف كالرذاذ البسيط
(2) ميته لا دم لها سائل (كالذباب والنحل والنمل والبق والخنفساء والبعوض والصراصير) إن سقطت في الماء من نفسها، أو بسبب الريح، أو كانت ناشئة فيه (كالدود الناشئ في الماء، ويقاس على ذلك دود الفاكهة والخل والجبن، فيعفى عنه) ولم تغير لونه أو طعمه أو ريحه، فإذا طرحت ولو بفعل صبي أو بهيمة، أو كثرت حتى غيرت الماء فإنه ينجس سواء كان الماء قليلاً أو كثيراً لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء) (البخاري ج 3 / كتاب بدء الخلق باب 17 / 3142)
أما الحيوان نفسه فنجس لأنه من جملة الميتات، وإنما لا ينجس الماء أو ما نشأت فيه الميتة لتعذر الاحتراز منه، وهذا الحكم - حكم طهارة ما سقطت فيه ميتة لا دم لها سائل إلا إذا غيرته - ينسحب على جميع المائعات والأطعمة، للحديث، وعموم البلوى، وعسر الاحتراز
(3) فم هرة تنجس، ثم غابت واحتمل ولوغها في ماء كثير أو قليل جار. أما الهرة نفسها فليست بنجسة. لحديث كبشة بنت كعب قالت: "إن أبا قتادة دخل عليها، ثم ذكرت كلمة معناه: فسكبت له وضوءاً فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخير؟ فقالت: نعم. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات (النسائي ج 1 / ص 55)
(4) صبي تنجس ثم غاب واحتملت طهارته
(5) القليل من دخان النجاسة، مثل الجلة (زبل البقر)
(6) القليل من غبار السرجين. (زبل الغنم) ولا ينجس غبار السرجين الأعضاء الرطبة
(7) بخار النجاسة، وهو لا ينجس إلا إذا ترك أثراً كلون أو طعم أو ريح
-2- ماء كثير (الماء الكثير هو ما بلغ قلتين فأكثر، وقد تقدم بيان سعة القلتين بالليترات) حلت به نجاسة مخالطة فغيرت أحد أوصافه الثلاثة:
ودليله الإجماع فإذا لم يتغير منه شيئا فهو على طهوريته، وقوله صلى الله عليه وسلم - عندما سئل عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع -: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 50 / 68 في حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما) محمول على هذا.
(1/54)

الشك في نجاسة الماء والتحري فيه: (الشك عند الفقهاء هو التردد بين وجود الشيء وعدمه. سواء كان الطرفان في التردد سواء أكان أحدهما راجحاً أما عند الأصوليين فهو ما استوى فيه الطرفان، وإلا فالراجح ظن، والمرجوح وهم. ومعنى التحري الاجتهاد، وطلب الصواب، والتفتيش عن المقصود)
(1/55)

- إذا تيقن طهارة الماء، وشك في نجاسته توضأ به، لأن الأصل بقاؤه على الطهارة، وإن تيقن نجاسته وشك في طهارته لم يتوضأ به لأن الأصل بقاؤه على النجاسة، وإن لم يتيقن طهارته ولا نجاسته توضأ به لأن الأصل طهارته. والأصل بقاؤه على النجاسة، وإن لم يتيقن طهارة ته ولا نجاسته توضأ به لأن الأصل طهارته والأصل في هذا الباب (باب العمل على الأصل وعدم تأثير الشك، في المياه، والأحداث، والثياب، والطلاق، والإعتاق، وغير ذلك) ما روى عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 4/ 137) ولو اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس (ومثل لو اشتبه عليه طعامان طاهر ونجس فإنه يتحرى فيهما، لأن أصلهما على الإباحة، فهما كالماءين) يجتهد ويتطهر بما ظن طهارته بعلامة كتغير لون أو ريح، أو أثر كلب أقرب إلى أحدهما، وفي هذه الحال تستحب إراقة الآخر قبل استعمال الطاهر، حتى لا يتغير اجتهاده بعد ذلك، ولئلا يغلط فيستعمل النجس، أو يشتبه عليه ثانياً ولو توضأ من أحد الماءين من غير اجتهاد، فبان أن الذي توضأ به طاهر، لم يصح وضوؤه لأنه لم يجتهد (وكذلك كل أمر من العبادات يفعله في حال الشك من غير اجتهاد لا يجزيه، وإن وافق الصواب) فإن كان من اشتبه عليهما الماءان اثنين، فأدى اجتهاد أحدهما إلى طهارة أحدهما واجتهاد الآخر إلى طهارة الآخر، توضأ كل واحد منهما بما أداه إليه اجتهاده، ولم يأتم أحدهما بالآخر. لأنه يعتقد أن صلاة إمامه باطلة وإذا أخبره ثقة بنجاسة ماء أو ثوب أو طعام أو غيره فإن بين سبب النجاسة، وكان ذلك السبب يقتضي النجاسة، حكم بنجاسته، لأن خبره مقبول (وهذا من باب الخبر لا من باب الشهادة، فيقبل من هذا المرأة والأعمى والعبد، دون الكافر والفاسق والمجنون والصبي) ولا يجتهد هو لأن الخير مقدم على الاجتهاد. وإن لم يبين السبب وكان فقيها موافقاً في المذهب وجب قبول خبره
(1/56)

ملحقات [الأواني، السواك، ... ]
(1/57)

1- استعمال أواني الذهب والفضة:
(1/58)

- أولا - يحرم استعمال أواني الذهب والفضة إلا لضرورة، لما روى مجاهد عن ابن أبي ليلى قال: خرجنا مع حذيفة رضي الله عنه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبسوا الحرير والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) (الأواني جمع الجمع، والجمع آنية، والمفرد إناء)
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم) (مسلم ج 3 / كتاب اللباس والزينة باب 1 / 2 والجرجرة: صوت وقوع الماء في الجوف عند الكرع المتواتر)
ثانياً - يحرم اتخاذ (الاتخاذ الاقتناء) أواني الذهب والفضة، لأن ما لا يجوز استعماله لا يجوز اتخاذه كذلك يحرم استعمال قلم أو ساعة ذهبية إلا بقصد الزينة.
ثالثاً - يحرم ما ضبب (المضبب هو ما أصابه شق ونحوه فيوضع عليه صفيحة تضمنه وتحفظه، أو يربط الشق بخيط من الفضة، فهذه الصفيحة أو ذلك الخيط هو الضبة، وتوسع الفقهاء في إطلاق الضبة على ما كان للزينة بلا شق ونحوه) بالذهب قتل الضبة أو كثرت، لحديث أم سلمة رضي الله عنها المتقدم، وقد قاس الفقهاء باقي الاستعمالات على الشرب والأكل. وقد ورد النص بالتضبيب بالفضة فيبقى الذهب على التحريم.
أما التضبيب باليسير من الفضة لغير الزينة فلا يحرم، لحديث عاصم الأحول قال: "رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة. قال: وهو قدح جيد عريض، من نضار. قال: قال أنس: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا" (البخاري ج 5 / كتاب الأشربة باب 29 / 5315، وسلسله: أي شد الشق بخيط فضة فصارت صورته صورة سلسلة. والنضار: خشب معروف، وقيل من خشب أحمر) والضبة إن كانت كبيرة وبقصد الزينة تحرم، وإن كانت كبيرة للحاجة كرهت، أو كانت صغيرة للزينة فكذلك تكره. والرجوع في القلة والكثرة في كل ما تقدم إلى العرف، ومتى شك في الكثرة فالأصل الإباحة
رابعاً - لا يحرم المموه (المطلي) بالذهب أو الفضة إذا لم يحصل منه شيء بالعرض على النار.
حكم الأواني المتخذة من الأحجار النفيسة
- يباح استعمالها، واتخاذها لعدم ورود النص فيه، لكن الأظهر أنه يكره لما فيه من الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء.
حكم أواني الكفار وثيابهم:
- يكره استعمال أواني الكفار وثيابهم (وكذلك من لا يبالي من المسلمين مثل مدمني الخمر) سواء في ذلك أهل الكتاب وغيرهم لما روي أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: "قلت يا نبي الله إنا بأرض قوم من أهل الكتاب أفنأكل في آنيتهم؟ ... قال: (أما ما ذكرت من أهل الكتاب، فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها) " (البخاري ج 5 / كتاب الذبائح والصيد باب 4 / 5161) ولأنهم لا يجتنبون النجاسة فكره. ولا يحرم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أدخلهم المسجد، واستعمل آنيتهم، وأكل طعامهم. وأما قوله تعالى: {إنما المشركون نجس} (التوبة) فالمراد نجس الدين والاعتقاد، لا الأبدان والأواني
(1/59)

2- مستحبات [السواك، ... ] :
(1/60)

- السواك: التعريف به:
- لغة: السواك بكسر السين يطلق على الفعل وهو الاستياك، وعلى العود الذي يستاك به وهو المسواك أيضاً، يقال: ساك فاه أي دلكه. فإن قيل استاك لم يذكر الفم.
- وشرعا: استعمال عود أو نحوه، أو أي شيء خشن، في دلك الأسنان وما حواليها ويستحب أن يكون بيابس ندي بالماء، والأراك أولى لما روى أبو خيرة الصباحي رضي الله عنه قال: "كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزودنا الأراك نستاك به" (رواه الطبراني في الكبير: مجمع الزوائد ج 2 م ص 100) ، ثم النخل، ثم الرمان. قال المتولي: "يستحب أن يكون عوداً رائحة طيبة"
كيفية الاستياك:
- يؤخذ العود المندى باليد اليمنى، ويبدأ بالجانب الأيمن من الفم، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله" (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 30 م 166، وترجيل الشعر هو تسريحه) وبذلك عرضاً في ظاهر الأسنان وباطنها، ويمر السواك على أطراف أسنانه، وكراسي أضراسه، ويمره على سقف حلقه إمراراً خفيفاً
وينوي بالسواك أداء سنة، لقوله تعالى: وما آتاك الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر 7)
(1/61)

- حكمه [السواك]
- (1) سنة مؤكدة: للوضوء والصلاة، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) (مسلم ج 1 كتاب الطهارة باب 15 / 42)
وعند القيام من النوم ليلاً أو نهاراً، لحديث حذيفة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص (الشوص: دلك الأسنان عرضاً بالسواك) فاه بالسواك (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 15 / 46))
وعند تغير رائحة الفم من السكوت، أو من ترك الأكل، أو من أكل ذي ريح مثل الثوم والبصل.
(2) مستحب: لقراءة القرآن، والذكر، وعند اصفرار الأسنان، لحديث ثمام بن العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مالي أراكم تأتوني قلحاً، استاكوا) (مسند الإمام أحمد ج 1 / ص 214، والقلح: صفرة ووسخ يركبان الأسنان) وعند إرادة النوم، وعند دخول البيت، لما روت عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 15 / 44) وعند دخول المسجد.
(3) مكروه: للصائم بعد الزوال، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفس محمد بيده لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) (البخاري ج 2 / كتاب الصوم باب 9 / 1805) وأطيبيته هنا تدل على طلب بقائه، ولأنه أثر عبادة مشهود له بالطيب فكرهت إزالته، كدم الشهداء.
(1/62)

- فوائد السواك
- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مطهرة للفم، مرضاة للرب) (البخاري ج 2 / كتاب الصوم باب 27 أي إن السواك ينظف الفم وينقيه، فيقبل العبد على مناجاة ربه برائحة زكية، فيرضى عنه ويقبل منه عبادته، ويكثر له الأجر والمثوبة) وروى أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت بالسواك حتى ظننت - أو حسبت - أن سينزل فيه قرآن) (مسند الإمام أحمد ج 1 ص 237)
(1/63)

- مستحبات أخرى
- الادّهان غباً (الغب: أن يدهن يوماً ثم يترك آخر ثم يدهن) بزيت الزيتون أو غيره من الدهون الملينة للبشرة
-الاكتحال وتراً
- قص الشارب حتى تبدو حمرة الشفة، ويكره استئصاله، قال النووي: "المختار أن يقص الشارب حتى يبدو طرف الشفة، ولا يحفه من أصله"
- تقليم الأظافر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة" (رواه الطبراني في الأوسط، مجمع الزوائد ج 2 / ص 170) ويستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين فيبدأ بمسبحة يده اليمنى، ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام، ثم يعود إلى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم بنصرها إلى آخره. ثم يعود إلى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر اليسرى
- إزالة شعر الإبط. قال النووي: "الأفضل فيه النتف إن قوي عليه"، ويحصل أيضاً بالحلق والنورة (النورة مادة كانت تستعمل في إزالة الشعر) ويستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن لحديث التيامن
- حلق العانة، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 16 / 51) ويسن دفن ما يزال من شعر وظفر ودم
- تسريح اللحية، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان له شعر فليكرمه) (أبو داود ج 4 / كتاب الترجل باب 3 / 4163)
- ترجيل الشعر ودهنه غباً، للحديث المتقدم
- تخضيب الشيب بحمرة أو صفرة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) (البخاري ج 3 / كتاب الأنبياء باب 51/ 3275)
أما التخضيب بالسواد فهو حرام، سواء فيه الرجال والنساء، لحديث جابر رضي الله عنه قال: "أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة (الثغام: نبات أبيض الزهر والثمر، والواحدة ثغامة) بياضاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد) " (مسلم ج 3 / كتاب اللباس والزينة باب 24 / 79) أما للجهاد فإنه يجوز التخضيب بالسواد بل يطلب من الرجل المجاهد لإرهاب العدو، قياساً على عدم إنكاره صلى الله عليه وسلم فعل أبي دجانة رضي الله عنه في غزوة أحد لما تناول السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بحقه وراح يتبختر بين الصفوف، قال له صلى الله عليه وسلم: (إن هذه مشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع) (مجمع الزوائد ج 6 / ص 109)
- ويسن للمتزوجة من النساء تخضيب يديها ورجليها بالحناء للأحاديث المشهورة فيه أما الرجل فيحرم عليه التخضيب بالحناء لما فيه من التشبه بالنساء، وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال ". (البخاري ج 5 / كتاب اللباس باب 59 / 5546) يحرم عليه ذلك إلا لحاجة التداوي، وكذلك يكره للخلية من الزوج، ولو لم يرها أجنبي، لأن في ذلك غرراً، إلا لحاجة كالتداوي أو دفع الحرارة.
ويجمع أكثر المستحبات السابقة ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار وغسل البراجم (البراجم عقد الأصابع) ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص (ورد في لسان العرب انتفاض، وانتقاص، وانتفاص، وكلها بمعنى الاستنجاء) الماء) قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 16 / 56)
(1/64)

3- مكروهات:
(1/65)

- يكره القزع، وهو حلق الرأس مكان منه دون آخر، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع" (البخاري ج 5 / كتاب اللباس باب 70 / 5577)
أما حلقه كله فقال الغزالي لا بأس به لمن أراد التنظيف، ولا بأس به بتركه لمن أراد دهنه وترجيله. ودليله على جواز حلقه كله حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبياً قد حلق بعض شعره وترك بعضه فنهاهم عن ذلك وقال: (احلقوه كله أو اتركوه كله) " (أبو داود ج 4 كتاب الترجل باب 14 / 4195) ويندب للرجل ذلك بعد نسك الحج أو العمرة، وللمولود في يومه السابع، وهو واجب في حالة النذر
- يكره نتف اللحية واستئصالها عند السادة الشافعية، أما عند الإمام الشافعي فيحرم استئصالها لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اُحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) (مسلم ج 1 كتاب الطهارة باب 16 / 52) وعنه أيضاً قال: قال صلى الله عليه وسلم (خالفوا المشركين، احفوا الشوارب وأوفوا اللحى) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 16 / 54) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس) (مسلم ج 1 كتاب الطهارة باب 16 / 55)
أما المرأة فإذا نبت لها لحية أو شارب أو عنفقة (الشعر تحت الشفة السفلى) جاز لها أن تزيله، وقد يقاس عليه شعر يديها ورجليها لأن الأصل عدم وجوده، ولأن إزالته لا تؤدي إلى غرر
- يكره نتف الشيب، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام) قال عن سفيان: (إلا كانت له نوراً يوم القيامة) وقال في حديث يحيى: (إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئته) (أبو داود ج 4 / كتاب الترجل باب 17 / 4202) .
(1/66)

الباب الثاني: قضاء الحاجة
(1/67)

آداب قضاء الحاجة
(1/68)

- تتضح هذه الآداب من خلال الأحكام المتعلقة بقضاء الحاجة والتي نبينها فيما يلي:
-1- يستحب أن ينحي عنه ما عليه ذكر الله، ولو في حجاب، ما لم يكن موضوعاً في مادة تمنع نفوذ الرائحة إليه، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه" (الترمذي ج 4 / كتاب اللباس باب 16 / 1746) وفي الصحيحين أن نقش خاتمه صلى الله عليه وسلم كان: محمد رسول الله" (انظر البخاري ج 5/ كتاب اللباس باب 52/ 5539)
-2- يندب لبس النعلين
-3- يندب ستر الرأس، للرجال والنساء، لأن محل قضاء الحاجة مأوى الشياطين ودليل الأدبين السابقين ما روى البيهقي عن حبيب بن صالح قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء لبس حذاءه وغطى رأسه" (البيهقي ج 1 / ص 96، والحديث مرسل، وكذلك كثير من الأحاديث التي استدللنا بها في بحثي قضاء الحاجة والاستنجاء أحاديث ضعيفة، إلا أن المعروف عند الفقهاء أن الحديث الضعيف يستدل به في فضائل الأعمال، كما هي الحال في أكثر بنود البحثين)
-4- يندب أن يهيئ ما يستنجي به قبل جلوسه. لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 21/ 40)
-5- يندب أن يستتر إن لم يكن ثم من يحرم عليه النظر إلى عورته وإلا وجب، جاعلاً الساتر وراء ظهره، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ... من أتى من الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره ... ) . (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 19/ 35)
على أن يكون طول الساتر ثلثي ذراع فأكثر بذراع الآدمي، وألا يعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع، ولا فرق في الساتر بين الجدار والوهدة وكثيب الرمل، ولو أرخى ذيل ثوبه في قبالة القبلة حصل به الستر.
وإن كان في الصحراء أبعد، لما روى يعلى بن مرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد" (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهارة باب 22/ 333)
-6- يندب تقديم الرجل اليسرى على اليمنى عند الدخول، وتقديم اليمنى على اليسرى عند الخروج، وكذا يفعل في الصحراء إذا بلغ موضع جلوسه، قال صاحب المهذب: "لأن اليسار للأذى واليمنى لما سواه"
-7- يندب أن يقول عند الدخول: "بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث (الخبث: مفرده خبيث، وهو ذكر الشياطين) والخبائث (الخبائث مفردها خبيثة، وهي أنثى الشياطين) "، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا: بسم الله) (رواه الطبراني في الأوسط، مجمع الزوائد ج 1/ ص 205) وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) " (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 9/ 142)
وأن يقول عند الخروج: "غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" لحديث عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال: (غفرانك) " (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهارة باب 10/ 300) ، ولما روى أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) " (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهارة باب 10/ 301) وله أن يزيد: "اللهم طهر قلبي من النفاق وحصن فرجي من الفواحش"
-8- يندب ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض" (الترمذي ج 1 / كتاب الطهارة باب 10/ 14) كما يندب أن يسبل ثوبه إذا فرغ قبل انتصابه.
-9- يندب أن يبعد بين رجليه اتقاء البول، لحديث المعذبين في القبر المتقدم، وفيه: (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول) (البخاري ج 1 كتاب الجنائز باب 87/ 1312، وقد تقدم الحديث برواية مسلم) وأن يعتمد على قدمه اليسرى في القرفصاء وينصب اليمنى، لحديث سراقة بن جعشم رضي الله عنه قال: "علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدنا الخلاء أن يعتمد اليسرى وينصب اليمنى" (البيهقي ج 1/ ص 96)
-10- يجب على الذكر أن يستبرئ من البول، إذا غلب على الظن بالمحل شيئا منه، وذلك بالتنحنح، أو بالصبر لحظات، أو يمشي خطوات، على ألا يصل إلى حد الوسوسة، ودليله ما ورد في حدث المعذبين في القبر برواية النسائي، وفيها (كان أحدهما لا يستبرئ من بوله) (النسائي ج 4 / ص 106)
ولا حاجة لهذا عند الأنثى لكن يجب عليها الاستبراء من الودي (الودي ماء أبيض كدر ثخين لا رائحة له، يعقب البول وقد يسبقه وقد يخرج عند حمل شيء ثقيل) الذي يعقب البول بخروجه
-11- يكره استقبال الريح بالبول لئلا يعود الرذاذ عليه فيتنجس، ويستحب أن يستدبرها.
-12- يكره البول أو الغائط في جحر (الجحر: كل شيء يحتقره الهوام والسباع لأنفسها) لحديث عبد الله بن سَرجِس رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر" قال: "قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: كان يقال إنها مساكن الجن" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 16/ 29) ولأنه ربما خرج عليه ما يلسعه أو يرد عليه البول
-13- يكره قضاء الحاجة في الطريق، لحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا الملاعن (الملاعن: جمع ملعنة، وهي سبب وقوع اللعن) الثلاث: البراز في الموارد (الموارد: المجاري والطرق إلى الماء) وقارعة الطريق، والظل" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 14/ 26)
-14- يكره البول في متحدث الناس (متحدث الناس: مكان تحدثهم) لما فيه من أذى لهم
-15- يكره قضاء الحاجة تحت شجرة مثمرة يؤكل ثمرها، صيانة للثمر الساقط من التلويث، سواء كان ذلك في وقت الثمر أو في غيره، والغائط أخف كراهة من البول في موضع كهذا، لأنه يرى بالعين فيجتنب ما أصابه أو يطهر
-16- يكره البول في مكان صلب، لما ورد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: "إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأراد أن يبول، فأتى دمثاً (الدمث بفتح الدال، والميم مفتوحة أو مكسورة: الأرض السهلة الرخوة، والرمل غير المتلبد) في أصل جدار فبال، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد (يرتاد: يختار) لبوله موضعاً" (أبو داود ج 1/ كتاب الطهارة باب 2/ 3)
-17- حكم البول والغائط في الماء:
- الراكد: يكره البول فيه، قليلاً كان أو كثيراً، لحديث جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى أن يبال في الماء الراكد" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 28/ 49)
- الجاري: إن كان قليلاً يحرم البول فيه لأن ذلك ينجسه ويتلفه على نفسه وعلى غيره لجريانه، وإن كان كثيراً فلا يحرم، لكن الأولى اجتنابه.
والنهي عن التغوط قرب الماء واضح، داخل في عموم النهي عن البول في الموارد
- المسبل: يحرم ما لم يستبحر (يستبحر: أي يكثر حتى يصبح كالبحر) الماء، كما يحرم في الماء المملوك للغير
-18 - لاستقبال القبلة واستدبارها ثلاثة أحكام:
- يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء، وفي الفلاة، بدون ساتر أو بساتر لم يستوف الشروط، لحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره شرقوا أو غربوا) (البخاري ج 1/ كتاب الوضوء باب 11/ 144)
وعن أبو هريرة رضي الله عنه قال: "قال صلى الله عليه وسلم "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب (الاستطابة: الاستنجاء) بيمينه" وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروث والرمة" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب/ 4/8)
- خلاف الأولى: أن يستقبل القبلة أو يستدبرها إذا وجد الساتر
- لا حرمة ولا كراهة ولا خلاف الأولى في استقبال القبلة واستدبارها في الأماكن المعدة لذلك، لكن الأدب أن يتوقاها، ويهيئ مجلسه مائلاً عنها إذا أمكن بلا مشقة
-19- يكره التكلم إلا لضرورة، فلو عطس مثلاً حمد الله في نفسه، ولو سُلِّم عليه كره له رد السلام، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما " أن رجلاً سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فلم يرد عليه" (الترمذي ج 1 أبواب الطهارة باب 67/90) وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط، كاشفين عن عورتهما، يتحدثان، فإن الله عز وجل يمقت على ذلك) (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 7/ 15)
-2- يكره البول قائماً، إلا لعذر، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً" (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 8/ 12) أما ما روى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: " ... فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى، فأتى سباطة (السباطة: ملقى التراب والقمامة) خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال ... " (مسلم ج 1 /كتاب الطهارة باب 22/ 74) فقال الخطابي: "قد يكون ذلك لعلة بصلبه صلى الله عليه وسلم أو بمأبضيه (المأبض: كمسجد، باطن الركبة من الآدمي، والجمع مآبض كمساجد) ، أو لأنه لا يجد مكاناً يصلح للقعود، أو لبيان الجواز"
-21- يكره طول القعود، روي عن لقمان عليه السلام أنه قال: "طول القعود على الحاجة تَتَّجِع منه الكبد، ويأخذ منه الباسور، فاقعد هويناً واخرج" (المجموع ج 2 / ص 98)
-22- يكره النظر إلى السماء أو إلى فرجه، أو إلى ما يخرج منه، إلا لضرورة، كما يكره أن يعبث بيده.
-32- يكره الاستنجاء بالماء في موضع قضاء الحاجة، لئلا يعود إليه الماء النجس، لحديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه، ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه) (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 15/ 27) أما في الأماكن المتخذة لذلك كالمراحيض فلا بأس فيه، لأنه لا يترشش عليه.
-24- يحرم البول في المسجد، ولو في إناء، لأن البول مستقبح فينزه المسجد منه
-25- يحرم البول على القبر، لاختلاط ترابه بأجزاء الميت، ويكره بقربه
-26- يحرم أن يبول على ما منع الاستنجاء به لحرمته، كالعم وسائر المطعومات، وغيرها مما سيرد بيانه.
(1/69)

الاستنجاء والاستجمار
(1/70)

التعريف به:
(1/71)

- هو لغة: طلب قطع الأذى، مأخوذة من نجوت الشجرة وأنجبتها إذا قطعتها، كأنه يقطع الأذى، ويسمى الاستطابة لأنه يطيب النفس بإزالة الخبث، ويسمى الاستجمار، مأخوذ النبي الجمار وهي الحصى الصغار، وبين الثلاثة فروق، فالاستنجاء والاستطابة يكونان بالماء والحجر، والاستجمار لا يكون إلا بالحجر
وشرعاً: إزالة الخارج من السبيلين عن مخرجه
(1/72)

حكمه:
(1/73)

- واجب من خروج الغائط والبول لحديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) (الدارقطني ج 1 / ص 128) ولحديث أبو هريرة رضي الله عنه المتقدم: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد ... وكان يأمر بثلاثة أحجار) ولأنها نجاسة لا تلحق المشقة في إزالتها غالباً، فلا تصح الصلاة معها كسائر النجاسات.
وهو واجب كذلك من كل نجس خارج من أحد السبيلين، ولو نادراً كدم وودي ومذي، فلو خرجت منه حصاة أو دودة لا رطوبة معهما فالأصح أنه لا يجب الاستنجاء.
ويكون الاستنجاء بالماء، أو بالحجر، أو بجامد طاهر قالع عين النجاسة، غير مبتل وغير محترم. فيخرج بذلك غير الماء من الموائع، والفحم الهش، والتراب غير المتحجر، والقصب الأملس، ومطعوم الآدميين، أما الماء فمع أنه من مطعوم الآدمي إلا أنه يجوز الاستنجاء به لأنه متوفر بكثرة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استنجى به، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله" (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 15/ 19) كذلك يخرج مطعوم الجن، كالعظم وإن أحرق، لحديث سلمان رضي الله عنه قال: "لقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة لغائط أو بول. أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 17/ 57، والرجيع: الروث)
ومن المحترم كتب العلم الشرعي، وما ينتفع به، وما كتب عليه اسم معظم، وجزء المسجد، وجزء الآدمي، ولو كانا منفصلين.
ويسن الجمع بين الحجر وماء، فتستعمل الأحجار أولاً ثم الماء.
ويصح الاستجمار بجامد متنجس إذا استعمل الماء بعده
أما إذا اقتصر على أحدهما فيفضل الماء على غيره، لأنه يزيل عين النجاسة وأثرها، أما الحجر فلا يزيل إلا عينها. وإذا قدم الماء أولاً فلا تستعمل الأحجار بعده لعدم الفائدة. ولا فرق في جواز الاقتصار على الأحجار بين وجود الماء وعدمه، ولا بين الحاضر والمسافر، ولا بين الصحيح والمريض.
(1/74)

شروط صحة الاستجمار بالحجر
(1/75)

- 1- ألا يجف الخارج النجس
-2- ألا ينتقل النجس عن محل خروجه
-3- ألا يطرأ عليه نجس آخر أجنبي
-4- ألا يجاوز الصفحة (الصفحة ما ينضم من الأَلْيَيْن عند القيام) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 17/ 57، والرجيع: الروث) في الغائط والحشفة (الحشفة: ما فوق الختان) مع الاتصال بالمخرج، فإن كانت امرأة اشترط في صحة مسحها بالحجر ونحوه ألا يجاوز الخارج ما يظهر عند قعودها إن كانت بكراً وألا يصل إلى ما بعد ذلك من الداخل إن كانت ثيباً ولكن الغالب انتشار النجس عند بتول المرأة، لذا لا يصح استجمارها بعده ولا بد لها من استعمال الماء أما الغائط وحده فيكفي معه الاستجمار بشروطه
-5- ألا يصيبه ماء
-6- أن يكون بثلاث مسحات، ولو حصل النقاء بواحدة، كل مسحة بحجر، أو بحرف من حروف حجر ذي ثلاثة حروف مثلاً، لحديث سلمان رضي اله عنه المتقدم وفيه النهي عن أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، والأول أفضل لورود النص فيه. فإن لم ينق زاد على ذلك فإن انتفى أحد هذه الشروط تعين الماء
(1/76)

- سنن الاستنجاء
-1- الإيتار، إذا أراد الزيادة على ثلاث مسحات لأنه لم يكتف بها، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر) (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 24 159) ولأن الإيتار سنة في كل شيء
-2- استيعاب المحل بالحجر
-3- الاستنجاء باليسار، لحديث أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنج بيمينه، ولا يتنفس في الإناء) (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 19 / 153) ولحديث (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد، وحديث سلمان رضي الله عنه المتقدمين
فيستحب ألا يستعين بيمينه في شيء من أمر الاستنجاء إلا لعذر
-4- الاعتماد على الوسطى في الدبر إن استنجى بالماء لأنه أمكن
-5- تقديم غسل القبل على الدبر لم يستنجي بالماء، وأما من استجمر بالأحجار فيندب له تقديم الدبر على القبل.
-6- دلك اليد بالأرض أو التراب ثم غسلها بعده، ويقاس عليه تنظيف اليد بالصابون، لحديث ميمونة رضي الله عنها قالت: "وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءاً لجنابة فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثاً ثم غسل فرجهن ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثاً" (البخاري ج 1 / كتاب الغسل باب 16 / 270)
-7- نضح الفرج والإزار، أي رشهما بحفنة من الماء منعاً للوسواس، لحديث أبي داود عن الحكم بن سفيان قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بال يتوضأ وينتضح" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 64 / 166)
(1/77)

الباب الثالث [الوضوء]
(1/78)

التعريف به
(1/79)

- الوضوء لغة: من الوضاءة وهي النظافة والنضارة
وشرعاً: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة، مفتتحاً بنية، أما الوضوء فالماء الذي يتوضأ به
دليل مشروعيته:
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} (المائدة 6)
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما: "إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقبل صلاة بغير طهور) " (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 2)
حكم الوضوء
-1- الوضوء فرض:
(1) للصلاة، سواك كانت فرضاً أو نفلاً ولسجودي التلاوة والشكر
(2) لمس المصحف، لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} (الواقعة 79)
(3) للطواف، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة) (الترمذي ج 3 / كتاب الحج باب 112/ 960)
-2- الوضوء مستحب:
(1) بعد الفصد (شق العرق وإخراج الدم بالإبرة) لحديث تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الوضوء من كل دم سائل) (الدارقطني ج 1 / ص 157)
(2) بعد الحجامة (مص العضو بالقارورة بعد تشطيب موضع الحاجة) لحديث تميم رضي الله عنه المتقدم
(3) بعد الرعاف، لحديث تميم رضي الله عنه أيضاً، ولما روى سلمان رضي اله عنه قال: "رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد سال من أنفي دم فقال: (أحدث وضوءاً) " قال المحاملي: "أي أحدث لما حدث وضوءاً" (الدارقطني ج 1 / ص 156) وللخروج من خلاف العلماء الذين أوجبوا الوضوء من الحجامة والفصد والرعف والقيء
(4) بعد القيء لحديث أبي الدرداء رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر فتوضأْ" (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 64/ 87) وأما الدليل على أن الوضوء لا ينتقض بخروج شيء من غير السبيلين كدم الفصد والحجامة والقيء والرعاف، قل ذلك أو كثر حديث جابر رضي الله عنه أن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حرسا المسلمين ليلة في غزوة ذات الرقاع، فقام أحدهما يصلي، فجاء رجل من الكفار فرماه بسهم، فوضعه فيه، فنزعه، ثم رماه بآخر ثم بثالث، ثم ركع وسجد ودماؤه تجري (انظر أبو داود ج 1 /كتاب الطهارة باب 79/ 224) فلو نقض خروج الدم لما جاز الركوع والسجود وإتمام الصلاة وعلم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم ينكره. فحمل الشافعية الأحاديث التي نصت على الوضوء من ذلك على الاستحباب
(5) عند إرادة النوم، لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قال: اللهم أسلمت وجهي إليك وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به) (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 75/ 244
(6) بعد النوم قاعداً ممكناً من مقعدته من الأرض (ويكون ذلك بإلصاق الأليين بالأرض، وعليه لا يكون التمكين إلا بالجلسة المعروفة بالتربع) قال الشافعي والأصحاب: "يستحب للنائم ممكناً أن يتوضأ لاحتمال خروج حدث" وللخروج من خلاف العلماء.
(7) بعد القهقهة في الصلاة، للخروج من خلاف العلماء، والدليل على عدم وجوبه ما روى البخاري عن جابر رضي الله عنه " إذا ضحك في الصلاة، أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء" (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 33)
(8) بعد أكل ما مسته النار، روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضأوا مما مست النار) (مسلم ج 1 كتاب الحيض باب 23/ 90) والدليل على أنه غير واجب حديث جابر رضي الله عنه قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما غيرت النار" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 75/192)
(9) بعد أكل لحم الجزور (ما يجزر من النوق) لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ) قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل" (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 25/ 97)
(10) بعد لمس أحد الجنسين شعر الأخر أو سنه أو ظفره، قال النووي: "قال الشافعي في الأم، والأصحاب: يستحب أن يتوضأ من لمس الشعر والسن والظفر" (المجموع ج 2 / ص 28)
(11) عند الشك بالحدث)
(12) عقب الذنوب والخطايا، كالشتم والكلام القبيح والغيبة والكذب والغرض منه تكفير الخطايا، فعن أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه، مع الماء، أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 11/ 32) وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب" (المجموع ج 2 / ص 66)
(13) عقب الغضب، لحديث عطية السعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) (أبو داود ج 5 / كتاب الأدب باب 4/4784)
(14) عند قراءة القرآن من الذاكرة، لأن قراءته مناجاة لله عز وجل، على أن قراءة المحدث ليست مكروهة لحديث علي رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على كل حال ليس الجنابة" (النسائي ج 1 / ص 144)
(15) عند دراسة الحديث، لأن الحديث مناجاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
(16) عند المطالعة في كتب العلم المتعلقة بالحديث أو القرآن، تعظيماُ واحتراماً لكتب العلم الشرعي، حتى إن كتب اللغة والنحو تعظم لأنها وضعت لفهم كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار تعظيمها تعظيماً لكتاب الله وسنة رسول الله
(17) عند الذكر، لما روي عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: "أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال: (إني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر) " (أبو داود ج 1 كتاب الطهارة باب 8 / 17)
(18) للجلوس في المسجد والمرور فيه، لأنه يكره لداخل المسجد أن يجلس فيه حتى يصلي ركعتين.
(19) لزيارة القبور، إذ لا يشترط لها الطهارة من الحدثين
(20) من حمل الميت، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسله الغسل، ومن حمله الوضوء) (الترمذي ج 3 / كتاب الجنائز باب 17/ 933)
(12) يندب تجديد الوضوء عند كل صلاة، وهو أن يكون على وضوء ثم يتوضأ من غير أن يحدث، هذا إن صلى بالوضوء الأول فرضاً، وإلا فلا، لما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر" (الترمذي ج 1 /أبواب الطهارة باب 44/58)
(22) يندب الوضوء لجنب يريد أكلا أو شرباً أو نوماً أو جماعاً آخر، لحديث عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه للصلاة" (مسلم ج 1 كتاب الحيض باب 6/22) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءاً) (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 6/27) بخلاف الحائض والنفساء، لأن حدثهما مستمر، ولا تصح الطهارة منهما، إلا أن تنقيا فيندب لهما الوضوء عندئذ كالجنب، بالنسبة للأكل والشرب والنوم فقط ريثما تغتسلا
(1/80)

شروط صحة الطهارة (بالوضوء أو الغسل) (1)
__________
(1) الشرط في اللغة العلامة، ومنه أشراط الساعة أي علاماتها، وهو فيها أيضاً تعليق أمر بأمر في المستقبل، وهو شرعاً ما تتوقف صحة العبادة عليه، وليس بجزء منها، وهو متقدم على العبادة ويجب استمراره فيها. وإذا وازنا بين الركن والشرط وجدنا أنه لا بد منهما كليهما لأداء العبادة، فلا تصح عبادة نقص أحد أركانها أو شروطها إلا أن الركن هو جزء من العبادة أما الشرط فأمر خارج عنها، كما قدمنا، وهو لا يستوجب تنفيذ العبادة، أما العبادة فتستوجب توفر الشرط.
(1/81)

-1- أهلية النية، ونعني بها:
(1) الإسلام، فلا يخاطب كافر بفروع الشريعة حتى لو تزوج المسلم بغير المسلمة لم يجز له أن يقربها ما لم تتطهر من الحيض فتغتسل، وينوي زوجها عنها بغسلها هذا نية الوطء، أما نيتها هي - إن نوت - فغير مقبولة لأنها كافرة، والنية لا تقبل إلا من مسلم.
(2) التمييز: إذ لا خطاب بدون العقل، فالصغير غير المميز والمجنون ليسا أهلاً للخطاب. أما الصبي المميز فنيته صحيحة وطهارته كاملة، فلو تطهر ثم بلغ بالسن (2) جاز له أن يصلي بهذه الطهارة، وسن التمييز منوط بالفعل، بأن يأكل وحده باستقامة، وأن يعرف كيف يتطهر وحده كذلك، وإن لم يبلغ السابعة، وإذا لم يستقم له ذلك فلا يحكم بتمييزه وإن زاد على السابعة، ولكن الغالب أن يكون التمييز في السنة السابعة من العمر.
-2- النقاء من الحيض والنفاس.
-3- ألا يكون على العضو حائل له جرم يمنع وصول الماء إلى البشرة، كالشمع والهان ونحوهما، وذلك لبقاء جرميته، أما دسومة الزيت، وما شابه، فلا تمنع ولو فرقت الماء، لأنه لا جرم لها على البشرة
-4- ألا يعتقد المتطهر بقرض أنه سنة، أما إذا اعتقد بسنة أنها فرض فذلك لا يضر
-5- العلم بفرضية الوضوء والغسل
-6 - إزالة النجاسة العينية.
-7 - ألا يكون على العضو ما يغير الماء كالحبر، إلا أن يكون بقعة صغيرة لا تغيره، فلا يضر
-8 - ألا يعلق المتطهر نيته، كأن يقول مثلاً: نويت الوضوء ما لم يأت أخي
-9 - أن يجري الماء على العضو، فلو استعمل البرد أو الثلج في الوضوء، قبل إذابتهما، فإن كانا يسيلان على العضو لشدة الحر، وحرارة الجسم، ورخاوة الثلج صح الوضوء لحصول جريان الماء على العضو، وإلا فلا، لكن يصح مسح الممسوح، وهو الرأس والخف والجبيرة.
-10 - دخول الوقت والموالاة (يقصد هنا الموالاة بين الاستنجاء والتحفظ، حيث احتيج إليه، وكذلك الموالاة بينهما وبين الوضوء، أي إنجاز هذه الأفعال متتابعة ليس بينها ما يعد فاصلاً في العرف) لدائم الحدث
-11- أن يكون الماء المستعمل طهوراً أي طاهراً مطهراً
__________
(2) البلوغ يكون بالاحتلام للذكر وبالحيض للأنثى، أو بالسن لكليهما إن لم يحصل لهما شيء م ذلك، وسن البلوغ بالنسبة للذكر هي الخامسة عشرة، بالنسبة للأنثى السن التي بلغت فيها قريباتها من جهة الرحم - أختها خالتها، ابنة خالتها ... -
(1/82)

فرائض الوضوء
(1/83)

أولاً النية
(1/84)

- وهي لغة: القصد وعزم القلب، تقول العرب: نواك الله بحفظه أي قصدك به
وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله
وحكمها: الوجوب ومحلها القلب ما دام معناها القصد، حتى لو جرى على اللسان خلاف ما نوى في قلبه لم يعتبر، فلو نوى بلسانه التبرد، ونوى بقلبه رفع الحدث أو بالعكس فالاعتبار بما في القلب. والمقصود بها تمييز العبادة عن العادة
- الأدلة على فرضية النية:
-1- قوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (البينة: 5) ولما كان الوضوء عبادة فقد وجب فيه الإخلاص لله تعالى، الذي هو عمل القلب وهو النية
وقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ... } يقتضي أن الوضوء مأمور به للصلاة وهذا معنى النية.
وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى ... ) (مسلم ج 3 / كتاب الإمارة باب 45/155) أي أن الأعمال لا تكون شرعية يتعلق بها ثواب وعقاب إلا بالنية والوضوء عمر من الأعمال المشروعة فتجب فيه النية، فإذا لم ينو الوضوء لم يتحصل له.
-2- أن الوضوء عبادة مشتملة على أركان فتجب فيه النية كما تجب في الصلاة
- زمنها: عند غسل أول جزء من الوجه، فإذا نسي المتوضئ النية، أو أتى بها بعد غسل الوجه، لم تصح، ومثله لو نوى عند التسمية أو غسل الكفين ثم غابت نيته قبل غسل شيء من الوجه، لم يصح وضوءه. والأكمل أن ينوي مرتين، مرة عند ابتداء الوضوء يقول فيها: نويت سنن الوضوء، ومرة عند غسل الوجه يقول فيها: نويت فرائض الوضوء
- صيغتها: ينوي رفع الحدث (أي رفع حكم الحدث) أو الطهارة للصلاة، أو الطهارة من الحدث، أو فرض الوضوء، أو أداء فرض الوضوء، ولا يجزئه أن ينوي الطهارة المطلقة، لأن الطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس فلم تصح بنية مطلقة (قال النووي: هذا المشهور مقطوع به عند الجمهور - يعني جمهور الشافعية - وفي المسألة وجه أن يجزيه نية الطهارة مطلقاً وهو قوي، لأن نية الطهارة في أعضاء الوضوء على الترتيب المخصوص لا تكون عن نجس) فإن نوى بطهارته رفع الحدث والتبرد والتنظيف، أو نوى رفع الحدث ورفع نجاسة حكمية كانت على عضو من أعضاءه صح وضوءه لأنه نوى رفع الحدث وضم إليه ما لا ينافيه (ويصح هذا في الغسل أيضاً) بخلاف ما لو نوى نية صحيحة ثم غير النية في بعض الأعضاء، بأن نوى بغسل الرجل التبرد ولم يحضر نية الوضوء، فإنه لم يصح غسل الرجلين، أما إن حضرته نية الوضوء مع نية التبرد فوضوءه صحيح. ولو فرق النية على أعضاء الوضوء، فنوى عند غسل الوجه رفع الحدث عن الوجه، وعند غسل اليدين رفع الحدث عنهما، وعند الرأس والرجلين كذلك صح وضوءه، ولو غلط في نية الوضوء رفع حدث النوم، وكان حدثه غيره صح بالاتفاق، وإن تعمد لم يصح (وكذا في الجنابة)
أما دائم الحدث (كالمصاب بسلس البول المستمر، أو غازات مستمرة، أو نزيف..... بحيث يستمر حدثهم بلا انقطاع طيلة فترة ما بين الوقتين، حتى لا يطهر فترة تسع الوضوء والصلاة) ففي صيغة نيته تفصيل:
-1- لأداء فرض الصلاة: يجب أن يقصد معنى قوله: نويت فرض الوضوء لاستباحة فرض الصلاة، ولا يصح أن يصلي بوضوئه هذا أكثر من فرض واحد (ولو كان الفرض قضاء) ويصح إتباعه بالسنة وبالنوافل، فإذا لم يعين في النية أنه يتوضأ للفرض وقعت نيته على صلاة النفل دون الفرض.
-2- لأداء النفل: يجب أن يقصد معنى قول: نويت فرض الوضوء لاستباحة الصلاة.
(1/85)

[ثانياً- غسل الوجه]
(1/86)

- ثانياً- غسل الوجه: ودليل الفرضية قوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} والسنن المتظاهرة، والإجماع، وحد الوجه من مبتدأ تسطيح الجبهة من الأعلى إلى منتهى ما يقبل من الذقن ومنتهى اللحيين طولاً، وما بين شحمتي الأذنين عرضاً وهذا يشمل ما يظهر من حمرة الشفة والحاجبين والشارب والغمم (الشعر النابت على الجبهة) والهذب والعذار (الشعر المحاذي للأذنين) والبياض بين الأذن والعذار، والعنفقة (الشعر النابت تحت الشفة السفلى، وقد تقدم بيانه) فإن خف بحيث ترى البشرة من خلاله غسل ظاهره وباطنه شعراً وبشراً وإن كثف غسل ظاهره فقط، لحديث عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أنه توضأ ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى فعسل بهما وجهه ... ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ" (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 7 / 140) قال النووي: "وبغرفة واحدة لا يصل الماء إلى ما تحت الشعر مع كثافة اللحية"، والمعروف الصحيح أن لحيته الكريمة كانت كثيفة، فقد روى جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية" (مسلم ج 4 كتاب الفضائل باب 29 / 109) ويستحب تخليل اللحية بالأصابع من الأسفل، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وقال: (هكذا أمرني ربي عز وجل) " (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 56/ 145)
أما لحية المرأة والخنثى فيجب غسلها خفت أو كثفت
ويجب على المتوضئ غسل جزء من الرأس والرقبة وما تحت الذقن مع الوجه، لأنه لا يمكن استيعاب الوجه إلا بذلك
(1/87)

[ثالثاً: غسل اليدين مع المرفقين]
(1/88)

- ثالثاً: غسل اليدين مع المرفقين: (يقال مرفق ومرفق: وهو مجتمع العظمتين المتداخلتين، عظم العضد وعظم الذراع.) ويتضمن ذلك ما على اليدين من إصبع زائد أو شعر كثيف أو جلد متقلع من الذراع متدل منها.
ودليل وجوب غسل المرافق مع الأيدي قوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} (قال بعض أهل اللغة: إلى بمعنى مع، وقال غيرهم هي للغاية، والمعروف أن الحديد يدخل إن كان التحديد شاملاً للحد والمحدود، ويكون المراد من التحديد إخراج ما وراء الحد مع بقاء الحد داخلاً) وحديث نعيم بن عبد الله المُجْمِر قال: "رأيت أبو هريرة رضي الله عنه يتوضأ، فغسل وجهه فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 12/ 34) وفعله صلى الله عليه وسلم بيان للوضوء المأمور به، ولم ينقل تركه ذلك
(1/89)

[رابعاً- مسح بعض الرأس]
(1/90)

- رابعاً- مسح بعض الرأس: لقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم}
والمسح إمرار اليد المبتلة على العضو، والرأس ما اشتمل على منابت الشعر المعتاد، وهذا يشمل الناصية (مقدم الرأس) والنزعتين (النزعتان: الموضعان المحيطان بالناصية من جانبي الجبين، اللذان ينحسر شعر الرأس عنهما في بعض الناس، والمفرد نزعة) والقذال (مؤخر الرأس) والفودين (الفودان: جانبا الرأس) والواجب من المسح تحقيق ما يقع عليه اسم مسح فأيما فعل حقق اسم المسح فقد وفى بالفريضة لأن الباء في {برؤوسكم} للتبعيض في رأي الشافعية، والتبعيض يتحقق بشعرات من الرأس بل ببعض شعرة، أو بغسل الرأس، أو إلقاء قطرات من الماء عليه، أو وضع اليد المبتلة على الرأس أجزأه ذلك، لأن الجميع يسمى رأساً، وسواء مسح الشعر من منابته، أو ما استرسل منه عن منابته أجزأه ذلك، ما لم يكن الممسوح خارجاً عن محل الفرض ولو تقديراً بأن كان الشعر مجعداً أو معقوصاً، وكان بحيث لو مد موضع المسح لخرج عن محل الفرض، ففي هذه الحال لا يجزئ المسح، ويجب أن يكون المسح بماء جديد غير ماء اليدين.
(1/91)

خامساً - غسل الرجلين
(1/92)

- خامساً - غسل الرجلين مع الكعوب والشقوق (الكعبان: هما العظمتان الناتئتان على جانبي الساق، بين الساق والقدم) لحديث محمد بن زياد قال: سمعته وكان يمر بنا والناس يتوضؤون من المطهرة، قال: "اسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم صلى الله عليه وسلم قال: (ويل للأعقاب من النار) " (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 28/ 163) والدليل على دخول الكعبين في غسل الرجلين حديث أبو هريرة رضي الله عنه المتقدم: "ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق"
والواجب فيما فرض غسله أو مسحه، فإن اقتصر عليها وأسبغ أجزأه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة مرة" (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 21/156)
(1/93)

[سادساً- الترتيب]
(1/94)

- سادساً- الترتيب: وهو البداء بالوجه مقروناً بالنية، ثم اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين والدليل على فرضية الترتيب حديث جابر رضي الله عنه في صفة حجه صلى الله عليه وسلم وفيه (..... نبدأ بما بدأ الله به) (الترمذي ج 3 كتاب الحج باب 38/862) كما أن الأحاديث الصحيحة في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم تدل على أنه قد التزم الترتيب الوارد في آية الوضوء. ودليله من العقل أن الله تعالى فرض ممسوحاً بين مغسولات، ولا يفرق عند العرب بين المتجانسات إلا لعلة، والعلة هنا لزوم الترتيب، ثم إن الوضوء عبادة مشتملة على أركان مختلفة كالصلاة، لذا وجب الترتيب فيه. وبناء عليه، لو نسي المتوضئ في أثناء الوضوء غسل عضو من أعضاءه لزمه غسل ما بعده لكي يصل الترتيب، وكذلك بفعل الشاك يبني على اليقين، فيغسل ما شك فيه وما بعده (أما لو شك بعد فراغه من الوضوء فلا شيء عليه، لأن الشك بعد الفراغ من العبادة لا يؤثر، إلا الشك في النية فإنه يؤثر إذ لا تنعقد العبادة وعليه الإعادة) فإن ترك الترتيب عامداً أو ناسياً لم يصح وضوؤه.
(1/95)

[سابعاً- الموالاة واستصحاب النية لدائم الحدث]
(1/96)

- سابعاً- الموالاة واستصحاب النية لدائم الحدث: والموالاة هي إنجاز أفعال الوضوء متتابعة ليس بينها ما يعد فاصلا في العرف. واستصحاب النية وهو استحضار نية الوضوء في قلبه خلال وضوءه كله
كما تجب على دائم الحدث الموالاة بين الوضوء والصلاة، فإذا فصل بين الوضوء والصلاة لمصلحة الصلاة (كستر العورة) ولو سنة (كانتظار صلاة الجماعة أو التعطر) لم يضر ذلك وإلا لم يجز الفصل
أما في حق السليم فالموالاة سمنة، وكذلك استصحاب النية، لحديث مالك عن نافع: "أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بال في السوق ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم دعي لجنازة ليصلي عليها حين دخل المسجد، فمسح على خفيه ثم صلى عليها" (الموطأ ج 1 كتاب الطهارة باب 8/43) وابن عمر رصي الله عنه فعله بحضرة حاضري الجنازة، ولم ينكر عليه.
(1/97)

[ما يجزئ عن الوضوء]
(1/98)

- ما يجزئ عن الوضوء:
(1/99)

1- إذا غطس المكلف في ماء بنية الوضوء أو الغسل صح ذلك، ولو استغرق مكثه فيه دقيقة واحدة فقط. إذا يقدر حصول الترتيب في لحظات بسيطة
(1/100)

2- غسل الفرض - أي الغسل من جنابة أو حيض أو نفاس أو ولادة - يجزئ عن الوضوء، ولو لم يسبق الغسل بوضوء، بشرط ألا يكون أثناء غسله مس الفرج أو حلقة الدبر، أو خرج شيء من أحد السبيلين، والسبيل إلى ذلك أن يرفع الحدث الأكبر عن السوأتين قبل الغسل بنيته، وإن أتى بسنة الوضوء قبل الغسل فيرفع الحدث الأكبر عن السوأتين قبل الوضوء. أما غسل السنة، مثل غسل الجمعة والعيدين، فلا يجزئ عن الوضوء، إذا لا تجزئ سنة عن فرض، أما الفرض فيجزئ عن السنة
(1/101)

[سنن الوضوء]
(1/102)

- سنن الوضوء (السنة طريقة مسلوكة في الدين، وهي قسمان: ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما واظب عليه الصحابة)
-1- السواك: لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء) 0 البخاري ج 2 / كتاب الصوم باب 27)
-2- وضع الإناء عن اليمين إذا كان واسعاً لكي يغترف باليمين، ووضعه على اليسار إذا كان صغيراً لكي يصب باليسار على اليمين، فإن استعان بغيره استحب للصاب أن يقف على يساره لأنه أمكن وأعون وأحسن في الأدب
-3- استقبال القبلة: لأن الوضوء وإن كان وسيلة إلا أنه عبادة. ويسن له تخير مكان لا يرجع رشاش الماء إليه فيه.
-4- التلفظ بالنية، واستصحابها، بمعنى استحضارها في القلب خلال الوضوء كله.
-5- التسمية: لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 48/ 101)
زمنها: تقرن التسمية بنية سنن الوضوء مع أول غسل الكفين، فإن ترك التسمية في أوله ولو عمداً أتى بها قبل فراغه، فيقول باسم الله على أوله وآخره (وذلك كما في الأكل والشرب) حتى لا يخلو الوضوء من اسم الله عز وجل، فإذا لم يسم حتى فرغ من الوضوء، لم يسم لفوات محلها.
-6- غسل الكفين في ابتداء الوضوء، لأنهما آلة التطهير فيبدأ بتطهيرهما أولاً، ولحديث ابن أوس بن أبي أوس عن جده قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استوكف ثلاثاً" (النسائي ج 1 / ص 64، واستوكف: أي استقطر الماء وصبه على يديه ثلاث مرات وبالغ حتى وكف منهما أي قطر منهما)
وتتأكد هذه السنة عند الاستيقاظ من النوم، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 26/ 87) قال الشافعي: "وأحب لكل من استيقظ من نومه، قائلة كانت أو غيرها ألا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها، فإن أدخل يده قبل أن يغسلها كرهت ذلك له، ولم يفسد ذلك الماء إذا لم يكن على يده نجاسة (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 19) وبناء عليه إذا شك في نجاستهما كره له غمسهما في الماء القليل، أو بأي مائع آخر قبل غسلهما، سواء كان قائماً من نوم أم لا، وإذا تيقن طهرهما فغسلهما له سنة، وأما إذا تيقن نجاستهما فيجب عليه غسلهما قبل غمسهما في الماء
-7- المضمضة والاستنشاق، لحديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال: "قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله رضي الله عنه فدعا بإناء فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف (الكف تذكر وتؤنث) واحدة ففعل ذلك ثلاثاً" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 7/18)
وتتم السنة بأن تكون المضمضة أولاً ثم الاستنشاق، وبإدخال الماء إلى الفم، سواء أداره فيه ومجه أم لا، فإن أراد الأكمل مجه، ويكون الاستنشاق بإدخال الماء إلا الأنف سواء جذبه بنفسه إلى خياشيمه ونثره أم لا. فإن أراده الأكمل نثره، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من توضأ فليستنثر) (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 24/159) والأفضل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة وذلك ثلاث مرات بثلاث غرفات، لحديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه المتقدم وتسن المبالغة فيهما لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه أنه قال: "فقلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء فقال: (أسبغ الوضوء، وخلل الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) " (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 55/ 142) ويسن أن يغترف الماء للمضمضة والاستنشاق باليمنى وأن يستنثر باليسرى، لحديث علي رضي الله عنه في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم " فأدخل يده اليمنى في الإناء فملأ فمه فتمضمض واستنشق واستنثر بيده اليسرى، ففعل ذلك ثلاثاً" (البيهقي ج 1 ص 48)
-8- البداءة بأعلى الوجه، والبداءه بالأصابع من اليد والرجل، فإن صب له غيره بدأ بالمرفق والكعب
-9- تعاهد الماقين (الماق هو المؤق وجمعه آماق ومآق: وهو مجرى الدمع من العين أو هو مقدمها أو مؤخرها) من كل عين، وغيرهما من غضون الوجه، بزيادة ما، لحديث أبي أمامة رضي الله عنه، وذكر وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح المأقين" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 50 / 134) أما غسل داخل العين فليس بمسنون، لأنه لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه يؤدي إلى الضرر
-10 - إطالة الغرة (بياض في الجبهة) والتحجيل (بياض في قوائم الفرس كلها) وتكون إطالة الغرة بأن يغسل فوق الوجه جزءاً من الرأس وجزءاً من العنق، أما إطالة التحجيل فيغسل ما فوق المرفقين في اليدين، وما فوق الكعبين في الرجلين، ودليل السنية حديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته (أطلق أحد القرينين - إطالة الغرة - مع إرادة الآخر - إطالة التحجيل - وهو معروف في اللغة، ومنه قوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر} أي والبر)
وعن أبي حازم قال: "كنت خلف أبو هريرة رضي الله عنه وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه. فقلت له يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال يا بني فُروخ أنتم ههنا، لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء، سمعت خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث بلغ الوضوء) " (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 13: 40)
-11- تخليل أصابع اليدين بالتشبيك، مبتدئاً برؤوسها، لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه المتقدم ( ... وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً)
-12- تحريك الخاتم: فعن رافع رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرك خاتمه" (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهارة باب 54/449)
-13- التيامن: لما روت عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترحله (الترجل: الامتشاط) وطهوره، وفي شأنه كله" (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 30 / 166)
-14- دلك العضو، لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فجعل يقول: (هكذا يدلك) " (مسند الإمام أحمد ج 4 / ص 49) وخروجاً من خلاف العلماء (هو عند مالك رضي الله عنه فرض)
-15- مسح جميع الرأس: وذلك بأن يضع يديه على مقدم رأسه، ويلصق إحدى سبابتيه بالأخرى، وإبهامه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ، وإن كان له شعر ينقلب، ويعتبر الذهاب والرد مسحة واحدة، وإن لم يكن له شعر ينقلب أو كان له شعر ينفش فلا يردهما، وذلك لحديث يحيى المازني: "أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بماء.؟ ... ثم مسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه....." (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 37/ 183) فإذا لم يرد نزع ما على رأسه مسح جزءاً من الرأس ثم تمم المسح بالكيفية السابقة على الساتر ثلاثاً. لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "توضأ النبي صلى الله عليه وسلم ومسح على الخفين والعمامة" (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 75/100)
-16 - مسح الأذنين بعد مسح الرأس، ظاهرهما وباطنهما (ظاهرهما مما يلي الرأس وباطنهما مما يلي الوجه) بماء جديد غير ماء الرأس (أما لو بل أصابعه ومسح ببعضها رأسه وببعضها أذنيه ففعله صحيح) لحديث عمرو بن شعيب في صفة الوضوء، وفيه: "ثم مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 51/ 135 والحديث بتمامه سيرد في فقرة التثليث)
ويكون مسح الأذنين بعد مسح الرأس، ولو قدمه عليه لم يحصل له مسح الأذنين لأنه فعله قبل وقته.
-17 - تخليل أصابع الرجلين من الأسفل إلى الأعلى، وذلك بخنصر اليد اليسرى، مبتدئاً بخنصر الرجل اليمنى منتهياً بخنصر الرجل اليسرى لما حدّث المستورد بن شداد رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره" (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهاة باب 54/ 446) والتخليل سنة إن كانت أصابع الرجلين منفرجة، فإن كانت ملتفة، لا يصل إليها الماء إلا بالتخليل وجب التخليل.
ويستحب عند غسل الرجل البدء بالأصابع، والاجتهاد في ذلك العقب، لا سيما في الشتاء، فإن الماء يتجافى عنها.
-18 - تثليث كل من الغسل والمسح والتخليل، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: (هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم) " (أبو داود ج 1 كتاب الطهارة باب 51/ 135) وعن شفيق بن سلمة قال: "رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً ومسح رأسه ثلاثاً ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا" (أبو داود ج 1/ كتاب الطهارة باب 50/110)
-19 - التتابع (هو سنة للسليم، فقد قدمنا أنه واجب في حق دائم الحديث) أي عدم ترك فاصل زمني ين غسل الأعضاء، فقد صح عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 67/175) وخروجاً من خلاف العلماء الذين أبطلوا الوضوء بالتفريق الزمني الكبير بين الأعضاء (وضابط الكثير والقليل أنه إذا مضى بين الوضوءين زمن يجف فيه العضو المغسول على اعتدال الزمان وحال اشخص فهو تفريق كثير وإلا فقليل)
-20- أن يقول عقيب الوضوء غير متأخر عن الفراغ، وهو مستقبل القبلة: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله"، ودليله حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه وفيه قول عمر رضي الله عنه قال - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل منه أيها شاء) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 6/17) وزاد الترمذي (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 41/ 55) وله أن يزيد (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) (رواه الطبراني، من رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، مجمع الزوائد ج 1 ص 239)
ولا بأس بالدعاء أثناء غسل الأعضاء (1)
__________
(1) [لأن الدعاء مرغّب فيه شرعا، مطلوب بالقرآن، غير مقيد بوقت دون آخر عدا الأوقات التي يكره فيها الذكر أصلا كوقت قضاء الحاجة والجماع، ولأن الدعاء هنا لا يُفَوّت سنّة ولا يقوم محلها بل يساعد على الذكر المطلوب في قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا} (السجدة: 41) . دار الحديث.]
(1/103)

[ما يسن تركه في الوضوء]
(1/104)

- ما يسن تركه في الوضوء (خلاف الأولى) :
-1 - الاستعانة بمن يصب عليه الماء ليتوضأ، بغير عذر، لأنه ترفه لا يليق بالمتعبد، فغن فعله جاز، لأنه صح أن أسامة رضي الله عنه وغيره صبوا على النبي صلى الله عليه وسلم الماء فتوضأ (انظر البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 34/179-180) وأما الاستعانة بغيره في إحضار الماء فلا بأس بها
-2- النفض: أي نفض اليدين من الماء بعد الوضوء لأنه كالتبرُّؤ من العبادة
-3 - التنشيف بمنديل، إلا لعذر كحر أو برد أو خوف نجاسة، لما روت ميمونة رضي الله عنها في باب صفة غسل الجنابة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بمنديل فلم يمسه" (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 9/38) ولأنه أثر عبادة فكان تركه أولى
-4- نقصان ماء الوضوء عن المد، لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع (الصاع أربعة أمداد، والمد إناء مكعب طول حرفه 9,2 سم)
-5 - الكلام، إلا لمصلحة، لأنه يشغل عن الدعاء، إلا رد السلام لأنه واجب، وترك الكلام سنة، فالواجب أقوى من السنة، على أنه ينبغي للداخل على المتوضئ ألا يسلم عليه حتى ينتهي من وضوئه، لئلا يضطره إلى الكلام
-6 - لطم الوجه بالماء
(1/105)

[مكروهات الوضوء]
(1/106)

- مكروهات الوضوء:
-1 - الإسراف في الصب، ولو كان يتوضأ من بحر، لقوله تعالى {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} (الأنعام: 141) ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: (ما هذا السرف؟) فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهر جار) " (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهارة باب 48/425)
-2- تخليل اللحية للمحرم خشية أن يسقط شعر منها.
-3 - الزيادة في الغسل والمسح على ثلاث. لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب المتقدم: (فمن زاد على هذا - التثليث- أو نقص فقد أساء وظلم)
-4 - الاستعانة بمن يغسل أعضاءه إلا لعذر، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يكل طهوره لأحد.
-5- ترك التيامن.
-6- مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق، لقوله صلى الله عليه وسلم (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وقد تقدم
-7 - الوضوء في موضع متنجس، خوف أن يصيبه شيء من النجس، أو يصيبه الوسواس.
(1/107)

المسح على الخفين:
(1/108)

التعريف بالمسح:
(1/109)

- هو لغة: إمرار اليد على الشيء
وشرعاً: أن يصيب البلل خفاً مخصوصاً في زمن معين، والخف المخصوص ما تحققت فيه شروط آت بيانها.
(1/110)

حكمه
(1/111)

- الأصل فيه الجواز، في الوضوء فقط، وهو رخصة في السفر والحضر، وهو وإن كان جائزا فغسل الرجل أفضل منه، بشرط ألا يترك المسح شكاً في جوازه. ودليل تفضيل غسل الرجل، أنه الذي واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم في معظم الأوقات، ولأن غسل الرجل هو الأصل فكان أفضل
(1/112)

أدلة جواز المسح على الخفين:
(1/113)

- عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: "كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه، فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) فمسح عليهما" (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 48/ 203)
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 24/ 85)
وعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن (قال الخطابي في "لكن" هي موضوعة للاستدراك، ليعلم أن الرخصة إنما جاءت من هذا النوع من الأحداث دون الجنابة. الترمذي ج 1 ص 160) من غائط وبول ونوم" (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 71/96)
ثم إن الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة في نزعه فجاز المسح عليه كالجبائر
وقد دل حديث صفوان رضي الله عنه على أن المسح جائز في الحدث الأصغر، ولا يصح في الجنابة، ولا في سائر الأغسال، لأن غسل الجنابة يندر فلا تدعو الحاجة فيه إلى المسح على الخف
(1/114)

شروط المسح على الخفين:
(1/115)

- 1- لبسهما على طهارة كاملة من الحدثين لحديث أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة، إذا تطهر ولبس خفيه، أن يمسح عليهما" (الدارقطني ج 1 / ص 194) فلو لبسهما قبل غسل رجليه وغسلهما فيهما لم يجز المسح إلا أن ينزعهما عن القدم ثم يدخلهما، ولو أدخل إحدى رجليه بعد غسلها، وقبل غسل الأخرى ثم أدخل الأخرى بعد غسلها، لم يجز المسح حتى ينزع الأولى ثم يدخلها، وهذا معنى قولنا: "على طهارة كاملة" وكذلك لو ابتدأ اللبس بعد غسلهما ثم أحدث قبل وصولهما القدم لم يجز المسح، على هذا لو تيمم المحدث ولبس الخف، ثم وجد الماء، لم يجز له المسح على الخف لأن التيمم طهارة ضرورة فإذا زالت الضرورة بطلت من أصلها فيصير كما لو لبس الخف على حدث (وإذا تيمم المسافر لجنابة ثم أحدث حدثاً أصغر، ووجد ما كافياً لأضاء الوضوء يلزمه خلع الخفين وغسل الرجلين) ولو دميت رجله في الخف فوجب غسلها لا يجزيه المسح على الخف بدلاً من غسلها.
-2- أن يكونا طاهرين، لأن الخف يقوم مقام الرجل، والرجل لا تطهر من الحدث ما نزل نجاستها، فكيف يمسح على بدلها وهو نجس العين
-3- أن يكونا قويين تمكن متابعة المشي فيهما والتردد للحاجة، سواء كانا من الجلود، أو الخرق المطبقة، أو الخشب، أو غير ذلك. وسواء كان لهما نعل من جلد أم لا. وقد ذكروا ضابط التردد فقالوا هو بمقدار تردد المسافر في حاجاته عند الحط والترحال، من تردده للاحتطاب والاحتشاش، فإن كان مقيماً فبمقدار تردده لحاجاته في يوم وليلة، وإن كان مسافراً فبمقدار تردده لحاجاته ثلاثة أيام، والمقصود بالسفر هنا السفر الطويل الذي تقصر فيه الصلاة، وهو ما كان لمسافة مرحلتين فأكثر (والمرحلة تساوي بالكيلو مترات ما يقارب واحداً وأربعين كيلوا متراً) وليست العبرة بوسيلة السفر، إنما العبرة بالمسافة بين البلدين، أما ما كان أقل من ذلك فيعتبر سفراً قصيراً، والسفر القصير حكمه حكم الإقامة.
-4- أن يكونا ساترين للمحل المفروض غسله في الوضوء من الجوانب، لا من الأعلى، فلو كان يرى القدم من الفوهة فلا ضير، لأنه لا يشترط تماسك الفوهة في الخف
-5 - أن يكونا مانعين لنفوذ الماء من غير مواضع الخرز (مكان الخياطة) والشق (السحاب) فإذا نفذ الماء منهما فلا ضرر، أما المخرق، فإن كان الخرق فوق الكعب لم يضر، وإن كان في محل الفرض لم يجز المسح، سواء أمكنت متابعة المشي فيه أم لا
-6 - أن ينزعه بعد يوم وليلة إن كان مقيماً، وبعد ثلاثة أيام بلياليها إن كان مسافراً، لحديث علي رضي الله عنه المتقدم، ولأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر من ذلك فلم تجز الزيادة عليه، فإن كان سفره لمعصية كقطع الطريق ونحوه لم يجز له أن يمسح أكثر من يوم وليلة، لأن هذا جائز بالسفر (وكذلك لا يستبيح من سفره لمعصية شيئاً من رخص السفر، كالقصر والجمع، والفطر، والمسح ثلاثاً، والتنفل على الراحلة، وترك الجمعة، وأكل الميتة، إلا التيمم إذا عدم الماء)
فإذا توفرت هذه الشروط جاز له أن يصلي في مدة المسح ما شاء من الصلوات فرائض الوقت والقضاء والنذر والتطوع.
(1/116)

متى تبدأ المدة:
(1/117)

- تبدأ المدة من انتهاء أول حدث بعد لبسهما على طهارة، لا من وقت لبسهما، لأنها عبادة مؤقتة فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها كالصلاة، فلو لبسهما ولم يحدث بعد لبسهما لم تحسب المدة مهما طالت، أما لو أحدث ولم يمسح حتى انقضت المدة فيجب استئناف لبسهما على طهارة، أي أن العبرة في حساب الزمن بوقت انتهاء أول حدث يحدثه بعد لبسهما على طهارة. وإذا توضأ قبل انقضاء مدة المسح على الخفين ومحس عليهما، ثم انتهت مدة المسح عليهما مع سلامة الوضوء الذي تم بوجودهما، فإنه ينزعهما ويغسل القدمين، دون إعادة كامل الوضوء، ولن يضر غسل القدمين وحدهما بالترتيب في الوضوء، لأن القدمين آخر ما يغسل فيه.
وإذا مسح وهو في الحضر ثم سافر فالمدة أن يتم مسح مقيم، إذا العبرة هنا للمسح لا للحدث، فلو كان حضراً وأحدث ولم يمسح ثم سافر فيمسح مسح مسافر، أما لو مسح قبل أن يسافر فيتم مسح مقيم، كما قدمنا. وإذا مسح المسافر ثم أقام (ويسمى مقيماً إذا أقام في البلدة التي سافر إليها أربعة أيام كاملة مع نية مسبقة في هذه الإقامة. أما إن لم يعرف مسبقاً كم سيبقى في هذه البلدة التي سافر إليها فيعتبر مسافراً مدة 18 يوماً) فيتم مسح مقيم فإذا كان مسح مدة يومين فيجزئ ذلك عن مسح المقيم ويجب عليه نزع الخف عند الإقامة، أما إذا لم يكن أتم الأربع والعشرين ساعة فله إتمامها.
وإذا شك هل مسح في الحضر أو السفر بنى الأمر على أنه مسح في الحضر، لأن الأصل غسل الرجل، والمسح رخصة بشرط فإذا لم يتيقن شرط الرخصة رجع إلى أصل الفرض وهو الغسل.
وإن شك هل أحدث في وقت الظهر أو في وقت العصر، بنى الأمر على أنه أحدث في وقت الظهر لأن الأصل غسل الرجل، فلا يجوز المسح إلا فيما تيقنه.
(1/118)

ما يبطل المسح على الخفين:
(1/119)

- 1- خلعهما: فإذا خلع أحدهما أو تخرق بطل المسح، لانتفاء شرط الساتر وشرط عدم نفوذ الماء.
-2- انقضاء المدة
-3 - طروء ما يوجب الغسل، كجنابة ونحوها.
(1/120)

محل المسح
(1/121)

- 1 - الفرض: يكفي ما يسمى مسحاً من أعلى الخف
-2 - والسنة: مسح أعلاه وأسفله، روي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال " وضأت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح على أعلى الخف وأسفله" (البيهقي ج 1 / ص 290)
ولا يجوز الاقتصار على الأسفل، لما ذكره النووي قال: "ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الأعلى، ولم يثبت عنه الاقتصار على الأسفل" فهذا دليل على فرضية الأول وسنية الثاني
(1/122)

المقدار الممسوح:
(1/123)

- 1 - المفروض: أقل شيء من ظاهره - أعلاه - فيكفي مسمى مسح، كمسح فرض الرأس في الوضوء
-2- أما المسنون فمسح أعلاه وأسفله وعقبه، خطوطاً، مرة واحدة، يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف، واليمنى على أطراف أصابعه، ثم يمر الكفين معاً مفرجاً أصابعهما: اليمنى إلى جهة الساق واليسرى إلى رؤوس الأصابع
(1/124)

المسح على الجوارب:
(1/125)

- أكثر العلماء على أنه لا يجوز، وهو عند الشافعية جائز بشرطين:
-1- أن يكون الجوربان صفيقين، يمنعان نفوذ الماء إلى القدم لو صب عليهما، وفي هذا يقول الشافعي: "إنما الخف ما لم يشف" (أي ما لم يرق)
-2- أن يكونا منعلين
وذهب بعض الشافعية إلى أنه لا يشترط أن يكونا صفيقين إذا كان بالإمكان متابعة المشي عليهما
(1/126)

[نواقض الوضوء]
(1/127)

- نواقض الوضوء (النواقض في الأجسام هي ما يبطل تأليفها، وفي المعاني ما يخرجها عن إفادة المقصود منها، والوضوء أمر معنوي يقصد منه استباحة الصلاة ونحوها من القربات والعبادات فناقضه هو ما يجعله غير صالح لإفادة تلك العبادات والقيام بها)
-1- خروج شيء من أحد السبيلين، والشيء الذي يخرج من أحد السبيلين قد يكون عيناً أو ريحاً طاهراً أو نجساً، جافاً أو رطباً معتاداً أو غير معتاد، سواء كان قليلاً أو كثيراً مثل أن يكون بولاً أو غائطاً أو دم باسور أو مذياً (المذي ماء أبيض رقيق يخرج عند الشهوة من غير دفق، ولا يعقبه فتور، وربما لا يشعر بخروجه) أو ودياً (الودي ماء أبيض كدر ثخين لا رائحة له، يعقب البول وقد يسبقه، وقد يخرج عند حمل شيء ثقيل) وأدلة الانتقاض بكل خارج من السبيلين صحيحة ظاهرة:
فأما الغائط والبول فبِنَص الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط ... فلم تجدوا ماء فتيمموا} (النساء: 43، والغائط: المكان المنخفض حيث يقضي الإنسان حاجته، فأطلق الغائط وأراد ملزومه وهو الأمر المحوج إلى ذاك المكان أي البول والغائط)
وأما الريح فلحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ) قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط" (البخاري ج 1 كتاب الوضوء باب 2/135) وغيره من الأحاديث، وهي عامة تتناول الريح من قبلي الرجل والمرأة ودبريهما.
وأما المذي فلما روى علي رضي الله عنه قال: "كنت رجلاً مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال: _ (فيه الوضوء) " (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 33/ 176)
وأما الودي فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "الودي الذي يكون بعد البول فيه الوضوء" (البيهقي ج 1 / ص 115) وأما ما يندر خروجه (كالدودة والحصاة) فلأنه خارج من السبيل فينقض كالريح والغائط، ولأنه إذا وجب الوضوء بالمعتاد، والذي تعم به البلوى فغيره أولى. وإن انسد المخرج المعتاد وانفتح دون المعدة مخرج انتقض الوضوء بالخارج منه، وإن انفتح فوق المعدة لم ينتقض.
أما الداخل من أحد السبيلين - كالتحميلة والقطنة والمسبار وغير ذلك- فلا ينقض الوضوء حين يخرج، فلو أدخلت الإصبع مع التحميلة مثلاً ثم خرجت انتقض الوضوء لخروج الإصبع لا لدخول التحميلة، ولو كان على الإصبع حائل.
-2- النوم غير ممكن من مقعدته من الأرض ونحوها يقيناً، على أي هيئة كان، لحديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وكاء (ما تستر به القربة ونحوها بمعنى الرباط) السه (السه من أسماء الدبر) العينان، فمن نام فليتوضأ (أبو داود ج 1 كتاب الطهارة باب 80/203) وليس النوم عينه حدثاً، لكن من نام استرخت عضلاته، فإن كان غير ممكن مقعدته خرج الريح منه غالباً، لوا ينقض الوضوء بالنوم الخفيف (ضابطه سماع الكلام دون تمييز، أما إن سقط من يده ما يحمله - كالمسبحة - لم يكن نوماً خفيفاً إذ استخرت به العضلات) الذي هو أقرب إلى مجرد النعاس، ولا بالنوم قاعداً ممكناً من مقعدته من الأرض (لا يكون التمكين المعتبر إلا بالجلسة المعروفة بالتربع، أما جلسات الصلاة بأنواعها المعروفة فليس فيها تمكين، لذا من نام ف جلوس الافتراش أو الإقعاء المسنون - وهو أن يفرش رجليه ويضع ألييه على قدميه - أو التورك انتقض وضوؤه) لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون " أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 80/200)
-3- زوال العقل بجنون أو غيره كسكر أو إغماء. لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين في مرضه، فيما روت عائشة أنه أغمي عليه ثلاث مرات ثم اغتسل. حمل القاضي عياض الغسل هنا على الوضوء من حيث أن الإغماء ينقض الوضوء) فقوله تخفق رؤوسهم دليل على نومهم قعوداً.
ولأنه إذا انتقض وضوؤه بالنوم فلأن ينتقض بهذه الأسباب أولى (قاله صاحب المهذب)
-4- التقاء بشرتي الرجل والمرأة بلا حائل بينهما وهو ناقض لوضوء اللامس والملموس، لقوله تعالى: {أو لامستم النساء) (النساء 43) وروى مالك في موطئه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: "قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة فمن قبل امرأته أو حسها بيده فعليه الوضوء" (الموطأ ج 1 / كتاب الطهارة باب 16/64)
والمرأة هنا تعني الزوجة، أو أية امرأة من غير محارمه إذا بلغت حداً يشتهى، ولا فرق بين أن يكون الرجل سليما وبين أن يكون خصياً (مَن سُلَّتْ خُصْيَتَاه أي قُطِعَت) أو عِنِّيْنَاً (العنين بوزن سِكِّين: من لا يأتي النساء عجزاً) أو ممسوحاً (ممسوح: إذا سُلِتَتْ [سُلَّتْ؟؟] مذاكيره) بشرط أن يبلغ حداً يشتهى وإن لم يكن بالغاً. وينقض الوضوء بالالتقاء ولو كان أحدهما مكرهاً، وعمداً وقع الالتقاء أم سهواً، وبشهوة أو بدونها، ولو كان أحدهما ميتاً أما الميت في هذه الحالة فلا ينقض وضوؤه. ولا ينقض لمس عضو منفصل عن الجسم، سواء كان هذا العضو لامساً أو ملموساً ولا ينقض لمس صغيرة أو صغير لا يشتهى، كما لا ينقض لمس الشعر أو السن أو الظفر من كل أحد، ولا لمس المحارم بالنسب والرضاع والمصاهرة
ولو ازدحم رجل ونساء فوقعت يده على بشرة لا يعلم أهي بشرة امرأة أم رجل لم ينتقض، وكذا لو شك هل لمس محرماً أو أجنبية، أو هل لمس شعراً أو بشرة لم ينتقض لأن الأصل بقاء الطهارة
-5- مس قبل الآدمي أو حلقة دبره ببطن الكف وبطن الأصابع، لحديث بُسْرَة بنت صفوان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ) (الترمذي ج 1 أبواب الطهارة باب 61/ 82)
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) (البيهقي ج 1 ص 132) قال الشوكاني: "قد عرفت أن الفرج يعم القبل والدبر" (نيل الأوطار ج 1 ص 250)
وينتقض وضوء الماس ذكراً أو أنثى - كما مر في الحديث - من نفسه أو غيره، كبيراً كان أو صغيراً، ولو ابن يوم عمداً أو سهواً، وسواء كان الممسوس حياً أو ميتاً، وكذلك ينقض الوضوء مس محل الجب (مكان قط الذكر) ومس الذكر المقطوع، إلا ما قطع منه بالختان فمسه لا ينقض الوضوء، كمالا ينقضه مس فرج البهيمة، ولا المس بظاهر الكف وبرؤوس الأصابع وجوانبها، ولا المس بغير الكف من الأعضاء، إنما ينقض إذا كان المس ببطن الكف أو ببطون الأصابع (والضابط في معرفة بطن الكف والأصابع أن تضع إحدى الراحتين على الأخرى مع ضم الأصابع بعضها إلى بعض فما استتر منها فهو بطن الكف) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه وضوء الصلاة) (البيهقي ج 1 ص 133) قال الشافعي: "والإفضاء باليد لا يكون إلا ببطنها" أما الممسوس فلا ينتقض وضوؤه.
والشاك في الطهارة أو الحدث يبين على اليقين، سواء حصل ذلك في الصلاة أو في غيرها، لأن اليقين لا يزال بالشك، فعن سعيد وعباد بن تميم عن عمه: "شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أن يجد الشيء في الصلاة، قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً) " (مسلم ج 1 كتاب الحيض باب 26/98، ومعنى يجد ريحاً أن يعلم ويتحقق خروجه وليس المراد شمه) ومن القواعد المتكررة في الفقه أنا إذا تيقنا وجود شيء أو عدمه ثم شككنا في تغيره وزواله عما كان عليه استصحبنا حكم اليقين وطرحنا حكم الشك إلا في مسائل قليلة معروفة في نجاسة الماء، فلو تيقن أنه متوضئ ثم شك هل انتقض وضوؤه، فلا يتوضأ لأن الأصل أنه متوضئ، أما لو تيقن الحدث ثم شك هل توضأ بعده أم لا فليتوضأ لأن الأصل الحدث
ولو توضأ احتياطاً - عند الشك بالحديث- ثم بان أنه كان محدثاً لم يجزئه ذلك الوضوء لأنه توضأ متردداً في النية، إذ ليس هو جازماً بالحدث، والتردد مانع من الصحة في غير الضرورة (قولنا في غير الضرورة احتراز ممن نسي صلاة من الخمس، فإنه يصلي الخمس وهو متردد في النية، لكن يعفى عن تردده، لأن مضطر إلى ذلك)
(1/128)

ما يحرم بالحدث الأصغر:
(1/129)

- 1 - الصلاة وكل ما جانسها من سجود شكر أو تلاوة أو سهو، لحديث ابن عمر رضي الله عنه: أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا تقبل صلاة بغير طهور) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 2) فإن صلى محدثاً لم يصح ذلك منه، وكان مرتكباً معصية عظيمة، إلا أن يفعله جاهلاً أو ناسياً أو مكرهاً ولا يكفر بذلك إلا أن يستحله.
-2- الطواف، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير) (الترمذي ج 3 / كتاب الحج باب 112/960)
-3- حمل المصحف ومس ورقه وحواشيه وجلده، ولو بخرقة أو أي حائل كان، كمسكه في ثوبه، أو علاقته، أو صندوقه، وكذا اللوح الذي كتب عليه شيء منه، وما كتب لدرس القرآن، لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون) (الواقعة 79) سواء حمله في كمه أو على رأسه.
ولا يحرم بالحدث الأصغر حمل المصحف في أمتعة بقصد حمل الأمتعة لا بقصد حمله، ولا حمله في حال الخوف عليه من الغرق أو النجاسة، أو وقوعه بيد كافر، بل يجب ذلك، كما لا يحرم تقليب ورقه بعود، أو كتابته، ما لم يمس المكتوب، كما لا يحرم حمل تفسير المصحف إذا كان أكثر منه، ولا حمل كتاب فقه أو حديث فيهما آيات من القرآن، أو دراهم نقشت عليها آيات كريمة
أما الصبي المميز فلا يحرم عليه حمله ومسه للدراسة إن كان محدثاً، وأما الحروز (التعاويذ التي فيها قرآن) فيجوز تعليقها على الحائض والمحدث، ويجوز له أن يدخل الخلاء بها إذا جعلت في كن كقصبة حديد أو جلد يخرز عليه أو شمع، لأنه لم يرد فيه نهي.
أما حمل الأشرطة التي سجل عليها القرآن - الكاسيت- فلا يحرم لأنها لا تعتبر مصحفاً.
(1/130)

الباب الرابع: الغسل
(1/131)

التعريف بالغسل
(1/132)

- لغة: سيلان الماء على الشيء مطلقاً
شرعاً سيلان الماء على البدن جميعه بنية مخصوصة.
(1/133)

موجبات الغسل:
(1/134)

- هي الأسباب التي توجب الغسل، وتسمّى حدثاً اكبر، وهي ستة ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء، وثلاثة يختص بها النساء
(1/135)

1- موجبات الغسل التي يشترك فيها الرجال والنساء:
-1- الجماع، ولو في حال الإكراه أو النوم أو النسيان، ولو بدون إنزال، سواء كان في القبل أو الدبر، وسواء وجد حائل كثيف أم لا (أما الحقنة في القبل أو التحميلة، أو دخول إصبع الطبيب وآلة الفحص أثناء الفحص الطبي النسائي، كل ذلك لا يستوجب الغسل ما لم ينزل المني بسببه. وكذلك فإن الاستمناء أي العادة السرية والسحاق لا يستوجبان الغسل إلا أن ينزل بسببهما، بخلاف اللواط فيستوجب الغسل عليهما ولو من غير إنزال. على أن الثلاثة المذكورة الاستمناء والسحاق واللواط - حرام وفيهما من الضرر الجسمي والعقلي الذي قرره الأطباء ما يجعل تركها فرضاً شرعياً وفعلها حراماً وقد عقد الشيخ محمد الحامد في كتابه "ردود على أباطيل" بحثاً في الاستمناء، فليرجع إليه من أراد التفصيل) روي عن أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع (قيل هي يداها ورجلاها، وقيل رجلاها وفخذاها، وهو كناية عن الجماع) ثم جهدها (كناية عن معالجة الإيلاج) فقد وجب عليه الغسل) وفي رواية (وإن لم ينزل) في رواية لعائشة رضي الله عنها (ومسَّ الختانُ الختانَ) (مسلم ج 1 كتاب الحيض باب 22/87 و 78)
-2- إنزال المَنِيِّ (المنيُّ مشدد، وسمي كذلك لأنه يمنى أي يصب، وسُمِّيَت مِنَى لما يراق فيها من الدماء، ويقال أمنى ومنى بالتخفيف والتشديد) ، مهما يكن سببه، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما الماء من الماء) (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 21/ 81، والماء الأولى يقصد بها الماء المعروف، والثانية المني)
ويمكن تمييز مني الرجل إما بتدفقه، بدليل قوله تعالى: {خلق من ماء دافق} (الطارق: 6) وهي أعم وأثبت صفة له، أو باللذة التي تصحب خروجه، أو الفتور الذي يعقب خروجه، أو ريحه المميز، فله رائحة كرائحة طلع النخل، قريبة من ريح العجين إذا كان رطباً، وريح بياض البيض إذا كان جافاً وقد يفقد بعض صفاته هذه، بأن يرق ويصفر لمرض، أو يخرج بغير شهوة ولا لذة كما في بعض الحالات المرضية، أو يحمر لكثرة الجماع.
أما مني المرأة فقد جزم بعض الفقهاء بأنه لا يعرف إلا بالتلذذ أو الريح أو فتور الشهوة عقيب خروجه
ولا فرق في وجوب الغسل بخروج المني بين خروجه بجماع أو احتلام، أو استمناء أو نظر، أو بغير سبب، وسواء خرج بشهوة أو بدونها، وسواء تلذذ بخروجه أم لا، وسواء خرج كثيراً أو قليلاً، ولو بعض قطرات، وسواء خرج في النوم أو اليقظة، من الرجل أو المرأة، لحديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: "" جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، إذا رأت الماء) (يفهم من الحديث أن الاحتلام بلا إنزال لا يوجب الغسل) فقالت أم سلمة: يا رسول الله وتحتلم المرأة؟ فقال: (تربت يداك فبم يشبهها ولدها) " مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 7/32) وسواء خرج من العاقل أو المجنون، وسواء خرج من طريقه المعتاد، أومن غيره، كما في بعض الحالات المرضية (كما في حالات النواسير الإحليلية المستقيمية)
ولو استفاق فرأى المني في ثوبه، أو فراش لا ينام فيه غيره، أو ينام معه فيه من لم يبلغ سن الإنزال، ولم يتذكر أنه محتلم، وجب عليه الغسل، أما لو رأى منياً في فراش ينام فيه هو وغيره ممن يمكن أن يمني فلا غسل على أحد منهما لأنه لم يعرف صاحبه، لكن لا يجوز أن يصلي أحدهما خل الآخر حتى يغتسلا، والمستحب لكل واحد منهما أن يغتسل
ولو أمنى فاغتسل، ثم خرج منه مني على القرب بعد غسله لزمه الغسل ثانياً
ولو شك في كون الخارج منياً أو لا فله اختيار أيهما شاء ويعمل بمقتضاه، وله الرجوع عما اختاره إلى الآخر، والاحتياط مراعاتهما معاً
-3- الموت: وهو مفارقة الروح الجسد، ووجوب الغسل بحق الميت المسلم فقط، وغسله فرض كفاية على كافة المسلمين، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رجلاً كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فوقصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر) " (البخاري ج 2 / كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 32/1753 والوقص: كسر العنق، والسدر: شجر النبق، الواحدة سدرة) أما الشهيد فلا يغسل لحديث جابر رضي الله عنه في قتلى أحد، " أنه صلى الله عليه وسلم أمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم" (البخاري ج 1 كتاب الجنائز باب 74/1282) وأما الكافر فلا يجب غسله لكن يجوز (سيرد غسل الميت مفصلاً في بحث الجنائز من كتاب الصلاة)
-2- موجبات الغسل الخاصة بالنساء:
-1- الحيض: لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن} (البقرة 222)
ولحديث عائشة أنها قالت: "قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني لا أطره فقال صلى الله عليه وسلم (فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي) " (البخاري ج 1 كتاب الحيض باب 8/300)
-2 - النفاس: وهو الدم الخارج عقب الولادة جاء في نيل الأوطار: "وقع الإجماع من العلماء أن النفاس كالحيض في جميع ما يحل ويحرم ويكره وندب"، قال الشافعي: "وتغتسل الحائض إذا طهرت، والنفساء إذا انقطع دمها"
-3- الولادة: ولو علقة (العلقة هي ما تصير إليه البيضة الملقحة بعد مرور أربعين يوماً على الإلقاح) أو مضغة (هي ما تصير إليه العلقة بعد أربعين يوماً من تشكلها، أي بعد الإلقاح بثمانين يوماً) أو قيصرية، إن لم تنفس، أما إن نفست فغسل النفاس يجزئها.
(1/136)

الأغسال المسنونة:
(1/137)

- 1- غسل الجمعة لكل من حضرها (سيأتي تفصيل غسل الجمعة في بحث صلاة الجمعة، من كتاب الصلاة) - سواء الرجل أو المرأة، ومن تجب عليه ومن لا تجب - ولا يستحب لغيره، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) (مسلم ج 2 / كتاب الجمعة /1)
-2- غسل العيدين، هو سنة لكل أحد، لأنه للزينة، بخلاف غسل الجمعة فإنه لقطع الرائحة، فلا يسن إلا لحاضرها، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى" (ابن ماجة ج 1/ كتاب إقامة الصلاة باب 19/1315)
-3- غسل الاستسقاء
-4- غسل الخسوف والكسوف
-5- الغسل من غسل الميت، لحديث أبي هريرة رضي اله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتاً فليغتسل) (ابن ماجة ج 1 / كتاب الجنائز باب 8/1463) ويسن هذا الغسل سواء كان الغاسل طاهراً أو حائضاً
-6 - الكافر إذا أسلم، لما روي عن قيس بن عاصم رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 131/355) قال صاحب المهذب" ولا يجب ذلك، لأنه أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل" (المجموع ج 2/ص 163)
هذا إذا لم يعرض له في كفره ما يوجب الغسل، وإلا وجب، ولا عبرة بالغسل في الكفر
-7- المجنون والمغمى عليه إذا أفاقا، اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم وفيه" أنه صلى الله عليه وسلم أغمي عليه ثم أفاق فاغتسل ليصلي، ثم أغمي عليه ثم أفاق فاغتسل".
وقال الشافعي في الأم "وقد قيل ما جن إنسان إلا أنزل، فإن كان هكذا اغتسل المجنون للإنزال، وإن شك فيه أحببت له الاغتسال احتياطاً ولم أوجب ذلك عليه حتى يستيقن الإنزال" (المجموع ج 2/ص 23)
-8- لمن أراد حضور مجمع الناس
-9- المستحاضة إذا انقطع دمها وشفيت
-10- وفي الحج يسن الغسل فيما يلي:
(1) عند الإحرام، فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل" (الترمذي ج 3 / كتاب الحج باب 16/830)
(2) لدخول مكة، فقد روي عن نافع " أن عمر رضي الله عنهما كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل، ثم يخل مكة نهاراً، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله" (مسلم ج 2 / كتاب الحج باب 38 /227، وذو طوى: موضع معروف قرب مكة)
(3) للوقوف بعرفة، فقد روي عن الفاكه بن سعد رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الجمعة ويوم عرفة ويوم الفطر ويوم النحر" (مسند الإمام أحمد ج 4/ص
-78)
(4) للمبيت بمزدلفة
(5) لرمي الجمار الثلاث
(6) للطواف
(7) لدخول المدينة
وآكد هذه الأغسال جميعاً غسل الجمعة، ثم الغسل من غسل الميت
(1/138)

فرائض الغسل:
(1/139)

- أمران فقط: النية، وإيصال الماء إلى البشرة والشعر
-1- النية: هي نية رفع الجنابة، أو فرض الغسل، الو رفع الحدث الأكبر، وهذه الأخيرة أفضلها. ولا تصح النية بقصدنا ما معناه: نويت الطهارة أو الغسل، لأنه قد يكون مندوباً أو عادة، ولا يقع عن الفرض.
ومحلها القلب كما تقدم في الوضوء، ووقتها عند أول إفاضة الماء على جزء من بدنه، فإذا غسل شيئاً من بدنه قبل النية وجبت عليه إعادته بعدها، ولو نوى غسل جزء فقط وجبت عليه إعادة النية بالنسبة لبقية الجسم، كما لو نوى غسل الفرج قبل أن يبدأ بغسل الجسم
-2- إيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة: لحديث أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 78/106، والإنقاء التطهير) ولا فرق بين شعر الرأس وغيره، ولا بين الخفيف والكثيف، ويجب نقض الشعر المضفور والملبد إن لم يصل الماء إلى باطنه إلا بالنقض، حتى لو ترك شعرة من رأسه أو غيره لم يصبها الماء لم يصح غسله، عن أم سلمة رضي اله عنها قالت: "قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: (لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات (يقال حثيت وحثوت، والحثية: الحفنة) ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) " (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 12/ 58) قال النووي في المجموع: "حملوا حديث أمس سلمة على أنه أي شعرها كان يصل الماء إليه بغير نقض لأنه غير كثيف"
أما البشرة فيجب إيصال الماء إلى جميع أجزائها، فيتعهد الغضون، وداخل السرة، وتجاعيد الأذن وما ظهر من صماخها، والإبطين، والعُكَن (العكن والأعكان: جمع عكنة وهي الطيّ الذي في البطن من السمن) وما بين الأليين، وأصابع الرجلين، وحمرة الشفة، وغير ذلك مما له حكم الظاهر.
ولو انشق جلده بجراحة وانفتح فمها، وانقطع دمها، وأمكن إيصال الماء إلى باطنها الذي يشاهد، بلا ضرر، وجب إيصاله في الغسل 2 والوضوء، لأنه صار لها حكم الظاهر.
وغسل المرأة من الجنابة كغسل الرجل، فإن كانت بكراً لم يلزمها إيصال الماء إلى داخل فرجها، وإن كانت ثيباً وجب إيصاله إلى ما يظهر في حال قعودها لقضاء الحاجة لأنه صار في حكم الظاهر.
(1/140)

سنن الغسل:
(1/141)

- 1- استقبال القبلة.
-2- التسمية مقرونة بالنية، من غير أن يقصد بها القرآن بل الذكر، فإذا نسيها يقول حين يكرها: باسم الله أوله وآخره.
ودليل سنيتها أن الغسل يشتمل على الوضوء ويجزئ عنه إن كان فرضاً، والتسمية في الوضوء سنة كما تقدم فكذلك هي في الغسل سنة
-3- استصحاب النية
-4- غسل الكفين، عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أنْ قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه" (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 9/35)
-5 - رفع الأذى عن الجسم كالمني والمخاط
-6- الوضوء كاملاً قبل الغسل، لما تقدم في صفة غسله صلى الله عليه وسلم
-7- تعهد مواضع الانعطاف
-8- تخليل أصول الشعر ثلاثاً بيده المبللّة، كما تقدم في صفة غسله صلى الله عليه وسلم
-9- الترتيب، فيستحب البداءة، في إفاضة الماء، بالرأس، ثم بأعالي البدن، وبالشق الأيمن ثم الأيسر من الجسم
-10- التكرار ثلاثاً، لأن ذلك إذا استحب في الوضوء ومبناه على التخفيف فهو في الغسل ألوى، فإن كان ينغمس في نهر انغمس ثلاث مرات.
-11- يتسحب الدلك (هو عند السادة المالكية شرط في صحة الغسل) في كل مرة، لحديث عائشة: "أن أسماء سالت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض فقال: (ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء) " (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 13/ 61) ودليل سنية الدلك وأنه ليس بواجب حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 92/ 124)
-12- ألا ينقص ماء الغسل عن صاع، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه المتقدم " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد" (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 10/51) فإن أسبغ بما دونه أجزأه، ودليله الإجماع مع حديث عائشة " أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد، أو قريباً من ذلك" (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 10 / 44، وفي الحديث دلالة على جواز اغتسال الرجل والمرأة في إناء واحد، بل صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه اغتسل بفضل غسل بعض أزواجه) ، قال الشافعي رضي الله عنه: "وقد يرفق بالقليل فيكفي، ويخر بالكثير فلا يكفي" (المجموع ج 2 ص 206)
-13- أن تتبع المرأة (سواء في ذلك ذات الزوج وغيرها، البكر والثيب، والمراد تتبع ما يبدو منها عند القرفصاء فقط، إلا الثيب فيسن لها إدخال الفرصة ما لم تكن صائمة) غير معتدة الوفاة، أثر الدم بفرصة مسك (قطعة من مسك توضع على قطعة قطن أو غيرها، تدخلها النفساء أو الحائض في الفرج بعد غسل المحل تطييباً له) فقد روت عائشة: "أن امرأة من الأنصار سألت النبي صلى الله عليه وسلم إن عسلها في المحيض، فأمرها كيف تغتسل قال: (خذي فرصة من مسك فتطهري بها) قالت كيف أتطهر؟ قال: (تطهري بها) قالت: كيف؟ قال: (سبحان الله، تطهري) ، فاجتذبتها إليها فقلت: تتبعي بها أثر الدم" (البخاري ج 1 / كتاب الحيض باب 13/308)
فإن لم تجد فطيب غيره، فإن لم تجد فالماء كاف، والعلة في ذلك أنه أقطع للأذى والروائح الكريهة، كما أن العلة في استثناء المعتدة أنها تكون حاداً، والحاد لا تتعطر ولا تتزين ولا تلبس ألواناً زاهية
-14- ألا يغتسل الرجل من المني قبل التبول، لأن البول يجر معه باقي المني إن وجد
-15 - دلك الكف اليسرى بمنظف بعد غسل الفرج، لحديث ميمونة رضي الله عنها المتقدم في بحث الاستنجاء
-16 - ترك الاستعانة والتنشيف، قياساً على الوضوء.
-17- أن يغتسل مستور العورة، ولو كان خالياً، لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: "قلت يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو مما ملكت يمينك) ... قلت: والرجل يكون خالياً؟ قال: (فالله أحق أن يستحيا منه) " (الترمذي ج 5/كتاب الأدب باب 22/ 2769)
-18- يسن بعد الفراغ من الغسل أن يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وحده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله"
بناء على ما تقد يمكننا أن نقدم صفة الغسل في صورته الكاملة، مراعين الكيفية الواردة عنه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، بالشكل التالي:
-1- يزيل النجاسة العينية.
-2- يرفع الأذى عن الجسم - كالطلاء والصابون والمني ونحو ذلك من الطاهرات-
-3- يغترف الماء ويغسل كفيه بنية سنن الغسل.
-4- يبول قبل الاستنجاء لعله يخرج باقي المني مع البول، وينوي رفع الحدث الأكبر عن السوأتين حرصاً على عدم سم السوأتين أثناء الغسل
-5 - يغسل كفّه التي استنجى بها بالصابون
-6- يتوضأ وضوءاً كاملاً
-7- يتناول الماء وينوي رفع الحدث الأكبر عن سائر الجسد مع التسمية. ويبدأ بإفاضته على الجسد كله بادئاً بالرأس، ثم الشق الأيمن ثم الأيسر مع الدلك
وبعد نية رفع الحدث الأكبر يجب عدم إعادة اليدين إلى الماء ما لم ينو الاغتراف (هذا إن كان الاغتراف باليد أما إذا كان بالمغرفة، دون أن تمس يده الماء، فلا حاجة لنية الاغتراف) وإلا أصبح الماء مستعملاً، أو يزيل حدث اليدين أولاً خارج الإناء، ثم ينوي رفع الحدث عن بقية الجسم، وعندئذ لا يحتاج إلى نية اغتراف عند غمس اليدين في الماء لتنوله. وهذا الغسل المفروض يجزئ عن الوضوء بشرط ألا يحدث ما ينقض الوضوء أثناءه (على أن المغتسل لو أحدث أثناء غسله لم يؤثر ذك في غسله بل يتمه ويجزيه، فإن أراد الصلاة لزمه الوضوء) لما روت عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتوضأ بعد الغسل" (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 79/107)
(1/142)

مكروهات الغسل:
(1/143)

- 1- الإسراف في الماء، لقوله تعالى: {إنه لا يحب المسرفين} (الأنعام 141)
ولما روي عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء) (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 45/96، ويعتدون في الدعاء: أي يتجاوزون حده، كأن يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها)
-2- الغسل في الماء الراكد الذي لا يجري، سواء في ذلك قليل الماء وكثيره، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) فقيل: كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال يتناوله تناولاً" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 29/97)
-3- الزيادة على الثلاث.
-4- ترك المضمضة والاستنشاق، خروجاً من خلاف من جعلهما من العلماء فرضاً
(1/144)

ما يحرم بالجنابة
(1/145)

- ما يحرم بالجنابة (الجنابة لغة: البعد، وشرعاً تطلق على من أنزل المني أو جامع، وسمي جنباً لأنه يجتنب الصلاة والمسجد والقراءة ويتباعد عنها)
-1- يحرم بالجنابة ما يحرم بالحدث الأصغر، وهو الصلاة والسجود للتلاوة أو الشكر وكذلك الطواف - فرضاً أو نفلاً - ومس أو حمل المصحف، أو مس خريطته أو علاقته، إن كان فيهما، لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} (الواقعة: 79)
-2- المكث في المسجد لمسلم جنب (أما الكافر الجنب فلا يحرم عليه لأنه لا يعتقد بحرمته، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم حبس بعض المشركين في المسجد، إنما لا يجوز له دخول المسجد أصلاً، ولو كان جنباً إلا بإذن مسلم بالغ، ولحاجة) ولو لحظة، إلا لضرورة، كمن احتمى بالمسجد وتعذر خروجه منه لخوفه على نفسه أو ماله، أما عبور المسجد ماراً به من غير مكث فلا يحرم، بل ولا يكره إنما هو خلاف الأولى إذا لم تكن حاجة لذلك
وتردد الجنب في المسجد كالمكث فيه، فهو جائز لضرورة أو لعذر قال تعالى {ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} (النساء 43) قال الشافعي: "قال بعض العلماء بالقرآن: معناها لا تقربوا مواضع الصلاة لأنه ليس في الصلاة عبور سبيل" (المجموع ج 2 ص 174)
-3- قراءة القرآن (أي التلفظ به بحيث يسمع نفسه، إن كان صحيح السمع، ولا شاغل للسمع) قليلها وكثيرها، حتى بعض آية، ما كانت بنية التلاوة لما روي عن علي رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ على كل حال ليس الجنابة" (النسائي ج 1 ص 144)
أما قراءة آيات الذكر في القرآن بنية الذكر فجائزة، كقوله عند المصيبة {إنا لله وإنا إليه راجعوهن} وعند ركوب الدابة {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} وإن قصد بها الذكر في حديثه ومواعظه فلا يحرم، ولا يحرم إذا أراد بشيء من القرآن كاملاً آخر كقوله لم يستأذنه في الدخول {ادخلوها بسلام آمنين} إلا أن يفعله على سبيل الخلاعة فيحرم.
(1/146)

الباب الخامس: التيمم
(1/147)

التعريف
(1/148)

- هو لغة: القصد، تقول العرب، تيممت فلاناً يممته وتأممته وأممته، أي قصدته، ومنه قوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} (البقرة: 267)
وشرعاً: إيصال تراب طهور إلى الوجه واليدين بدلاً عن وضوء أو غسل، أو غسل عضو، بشرائط مخصوصة
(1/149)

دليله
(1/150)

- الكتاب والسنة والإجماع
ودليل جوازه عن الحدث الأصغر قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً" (النساء: 43، المائدة 6 والطيب: الطاهر)
وعن الحدث الأكبر حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: "كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل معتزل لم يصل مع القوم. قال (ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) " (البخاري ج 1/ كتاب التيمم باب 5/337)
(1/151)

الحالات التي يباح فيها التيمم: هي ثلاث: فقد الماء، والمرض، والبرد
(1/152)

- أولاً - فقد الماء:
-1- أن تيقن فقد الماء، تيمم بلا طلب
-2- إن توهم وجود الماء أو ظنه أو شك فيه (تقدم قولنا أن الشك والتوهم والظن، في اصطلاح الفقهاء، سواء، أما في اصطلاح الأصوليين فالتوهم: هو تخيل حدوث الشيء باحتمال دون 50 والظن هو تخيل حدوث الشيء باحتمال أكثر من 50، وقد توجد قرينة دالة على ذلك. والشك: هو تخيل حدوث الشيء باحتمال 50) فتش في منزله وعند رفقته، وتردد قدر حد الغوث (حد الغوث: قدره بعضهم بغلوة سهم أي رمية سهم وتقدر ب 300 - 400 ذراع، وهذا يعادل 120 - 160 متراً أو مسيرة 1/3 ساعة، وسمي حد الغوث لكونه إذا استغاث رفقته لأمر نزل به أغاثوه مع ما هم عليه من التشاغل والتفاوض في الأقوال) فإن لم يجد تيمم
-3- إن تيقن وجود الماء: وجب طلبه في حد القرب (وهو يعادل 6000 خطوة أو نصف فرسخ أو مسيرة 3/4 الساعة) فإن كان الماء فوق هذا الحد تيمم وصلى، والأفضل تأخير الصلاة إن تيقن وصول الماء آخر الوقت
والطلب أن ينظر عن يمينه وشماله وأمامه ووراءه، فإن كان بين يديه حائل من جبل أو غيره صعده نظر حواليه، وإن كان معه رفيق سأله عن الماء.
فعلى فاقد الماء إذن أن يطلبه قبل التيمم ما لم يتيقن عدم وجوده، لقوله تعالى {فلم تجدوا ماء فتيمموا} ولا يقال " لم يجد" إلا بعد الطلب
شروط طلب الماء في حدي الغوث والقرب
(1) أن يأمن على نفس محترمة، والنفس المحترمة هي كل بني آدم إلا الشخص المحكوم عليه بالإعدام شرعاً (لامتناعه عن أداء ركن من أركان الإسلام، أو لارتكابه محرماً عقوبته القتل كالزنى محصناً أو قتل نفس ... ) والحربي، أما الكافر الذي تحت حمايتنا فهو نفس محترمة، وكذلك الكلب المرافق للحماية، والغنم والدواب..... كلها نفوس محترمة.
(2) أن يأمن ضياع المال
(3) أن يأمن الانقطاع عن الرفقة
(4) أن يأمن خروج الوقت
(5) ألا يطلب الماء إلا بعد دخول الوقت، لأنه إنما يطلب ليثبت شرط التيمم وهو عدم الماء، فلم يجز في وقت لا يجوز فيه التيمم
ويجب على فاقد الماء طلب هبة الماء، يقول هبني ماء للوضوء، ولكن لا يجوز له طلب هبة ثمن الماء حفاظاً على كرامته، ويجب طلب إعارة دلو الماء دون طلب هبة الثمن
كما يجب شراء الماء بثمن مثله إن لم يحتج إلى هذا الثمن لسداد دين مستغرق (الذي يستغرق ماله كله، أما الدين الذي يغطي جزءاً من المال فقط فلا يحول دون شراء الماء أو لمؤونة سفره، أو نفقة حيوان محترم
ويجب أن يكون الماء - في حال وجوده - زائداً عن حاجته وحاجة حيوان محترم للشرب ولو في المستقبل.
تعقيبات:
-1- لو وجد - بعد البحث - ماء لا يكفيه لكل أعضاء الوضوء أو الغسل وجب استعماله، ثم يتيمم للباقي، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قول: ( ... وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (البخاري ج 6 / كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب 2 / 6858) والميسور - عند الفقهاء - لا يسقط بالمعسور، فإن كانت الطهارة عن الحدث الأصغر طهر أولاً وجهه ثم يديه ... جرياً على الترتيب الواجب في الوضوء، أو كانت عن حدث أكبر ندب له الترتيب ندباً، فيبدأ بغسل أعالي بدنه، ثم الأدنى فالأدنى.
-2- لو كان محدثاً أو جنباً وعلى بدنه نجاسة، ومعه ماء لا يكفي إلا لأحدهما تعين عليه غسل النجاسة ثم يتيمم للحدث، لأنه لا بدل للتطهر من النجاسة، بخلاف الحدث، ومثله لو كان محرماً وعلى بدنه طيب ومعه ما يكفي أحدهما فقط، فيجب غسل الطيب ويتيمم للحدث، إن لم يمكن الوضوء به وجمعه لغسل الطيب فإن أمكن وجب فعله، ولو كان عليه نجاسة وطيب غسل النجاسة
-3- إذا اجتمع ميت ومحدث وجنب وحائض ومن على بدنه نجاسة، وهناك ما يكفي أحدهم فقط، فإن كان ملكاً لأحدهم فهو أجدر به، ولا يجوز له بذله لطهارة غيره (لأن الإيثار إنما شرع في حظوظ النفوس لا فيما يتعلق بالقرب والعبادات) وإذا كانوا فيه شركاء فهم فيه سواء، ولا يجوز لأحدهم كذلك أن يبذل نصيبه لطهارة غيره سواء كان يكفيه أم لا، فإن كان مباحاً فالذي صححه إمام الحرمين أنهم فيه شركاء قطعاً بينهم بالسوية
-4- ولو كان مع الميت ماء فخافت رفقته العطش شربوه ويمموه وأدوا ثمنه في ميراثه
(1/153)

- ثانياً - في المرض:
- يجوز للمكلف التيمم إذا خاف أن يؤدي استعمال الماء إذا ذهاب نفس (كأن يكون مصاباً بجرح بالغ، فإذا توضأ زاد قيحه فقتله) أو ذهاب منفعة عضو (كأن يحدث الماء شللاً في العضو) أو بطء شفاء، أو زيادة مرض (وهي كثرة الألم، وإن لم تطل مدته) أو حدوث شين فاحش قبيح في عضو ظاهر (ما يبدو عند المهنة، وهو الوجه واليدان) لقوله تعال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج) ولما روى جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه، ثم احتلم فسال أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده) " (أبو داود ج 1/ كتاب الطهارة 127/ 336) ويعتمد في كون المرض مرخصاً في التيمم، وأنه على الصفة المعتبرة، على معرفة نفسه إن كان عارفاً وإلا فله الاعتماد على قول طبيب واحد حاذق مسلم بالغ عدل ولو كان امرأة أو عبداً
(1/154)

- ثالثاً - في البرد:
إذا لم تنفعه تدفئة أعضائه بعد الوضوء، ولم يجد ما يسخن به الماء وخاف على منفعة عضو، أو حدوث شين من شدة البرد، جاز له التيمم. روى عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "احتلمت في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب؟) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً} فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً" (أبو داود ج 1/ كتاب الطهارة باب 126/ 334)
الحالات التي تعاد فيها الصلاة التي تيمم لها:
(1/155)

- تعاد الصلاة التي تطهر لها بالتيمم في الحالات التالية:
-1- إذا كان التيمم للبرد ثم وجد ما يسخن به الماء
-2- إذا تيمم لفقد الماء في الحضر ثم وجده، لحديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير) (الترمذي ج 1 أبواب الطهارة باب 92/124) ولأن عدم الماء في الحضر عذر نادر (احتراز عن المرض والسفر) غير متصل (احتراز المستحاضة. والعذر نوعان: عام ونادر، فالعام لا إعادة معه للمشقة كالمريض يصلي قاعداً أو مومياً أو بالتيمم خوفاً من استعمال الماء، ومثله في هذا المسافر. وأما النادر فقسمان دائم غالب كالاستحاضة، وهذا لا إعادة فيه للمشقة والضرورة، وغير دائم غالباً، وهو نوعان، نوع يأتي معه يبدل للخلل، ونوع لا يأتي، فمن الثاني فاقد الطهورين مثلاً، فهذا وأمثاله اجب عليهم الصلاة على حسب الحال ثم تجب الإعادة لندور هذه الأعذار. ومثال الأول من تيمم في الحضر لعدم الماء، أو لشدة البرد في السفر والحضر وغير ذلك مما تقدم تفصيله فهؤلاء وأمثالهم تجب عليهم الإعادة) فلم يسقط معه الفرض
-3- إذا تيمم العاصي بسفره، كعبد آبق، أو قاطع طريق، أو امرأة سافرت بدون إذن زوجها، لأن العاصي بسفره لا يستبيح من رخص السفر شيئاً إذا عدم الماء، وعليه أن يعيد ما صلاه متيمماً متى وجد الماء.
-4- إذا تيمم لفقد الماء في سفره، في مكان يوجد عادة فيه ماء في مثل ذاك الوقت من كل سنة، ولكن كان الماء مفقوداً حال وجوده بصورة استثنائية.
ففي حالات إعادة الصلاة المذكورة، إذا زال المانع ولم يزل هناك وقت لإعادة الفريضة التي أداها متطهراً لها بالتيمم، نوى الصلاة أداء، فإن فات وقتها نواها قضاء.
(1/156)

- التيمم عن عضو من الأعضاء:
- إذا كانت العلة المرخصة في التيمم مانعة من استعمال الماء في جميع أعضاء الطهارة تيمم عن الجميع، فإن منعت بعضاً دون بعض غسل الممكن وتيمم عن الباقي، ثم في هذه الصورة تفصيل:
-1- التيمم عن العضو الجريح الذي لا ساتر عليه: يجب غسل الصحيح بقدر الإمكان، ويتيمم للجرح. (أما إذا كان في بدنه حبات الجدري أو بثرات منتشرة، فإن لم يلحقه ضرر من غسل ما بينها وجب غسله، وإن لحقه ضرر لم يجب) فإن كان الحدث أكبر تيمم إما قبل الغسل أو بعده، لأن الجسم كله كالعضو الواحد في الغسل وليس هناك ترتيب. أما إن كان محدثاً حدثاً أصغر فلا ينتقل من عضو إلى آخر حتى يكمله غسلاً، وتيمماً عنه، لفرضية الترتيب، ولا فرق بين تقدم الغسل على التيمم أو العكس، وإن كانت الجراحة في عضوين وجب تيممان، وإن كانت في ثلاثة وجب ثلاثة أما اليدان أو الرجلان، فإن كانت فيهما كليهما جراحة لم يجب إلا تيمم واحد عنهما، لكن يستحب أن يعتبرهما عضوين فيتيمم عن كل واحدة بعد غسل الصحيح منها أو قبله، ولا يجب مسح الجرح بالماء أو التراب إن كان الجرح في غير أعضاء التيمم، ولو لم يضره، أما إن كان في أعضاء التيمم فيجب مسح الجرح بالتراب إ لم يكن في ذلك ضرر، أما إن تضرر بالمسح بالتراب كمن جدر وجهه، فله حكم فاقد الطهورين بالنسبة لوجهه (ومثله من كان في وجهه أو يديه، أو كل أولئك معاً، أكزيما أو شبهها، فإن له فيما يتضرر بالتراب من أعضائه حكم فاقد الطهورين، ويسقط عنه الفرض) ويأتي بالمقدور عليه من مسح اليدين، بناء على ما هو معروف في قواعد الفقه من أن المشقة تجلب التيسير، ويعيد الصلاة عند التمكن من استعمال أحد الطهورين. ولا تجب إعادة الصلاة في جميع أحوال التيمم عن العضو الجريح الذي لا ساتر عليه، لأنه مما تعم به البلوى ويكثر، كالمرض إلا في الحالة التي استثنينا أعلاه، وإن كان في جرحه دم كثي غير معفو عنه ويخشى ن غسله ضرراً، فتجب الصلاة لحمله النجاسة.
-2- المسح على الجبيرة:
التعريف: الجبيرة أخشاب أو قصب تسوى وتشد على موضع الكسر ليلتئم، وينزل منزلة الجبيرة في الحكم العصابة واللصوقات والمراهم (المقصود هنا: المراهم التي تشكل عند جفافها طبقة كتيمة عازلة) ونحوها.
ولا يجوز وضع الجبيرة على شيء من الصحيح، إلا القدر الذي لا يتمكن من ستر الكسر إلا به، ويجب أن يضعها على طهر، فإن خالف فيهما، ولمن يخف ضرراً وجب نزعها، ثم يلبسها على طهارة ويجعلها بقدر العلة تماماً، مع ما يلزم للاستمساك.
كيفية طهارة لابس الجبيرة: يجب نزع الجبيرة إن لم يخف من نزعها ضرراً، فإن خاف (والخوف المعتبر هو ما سبق بيانه في المرض المبيح للتيمم) فليفعل ثلاثة أمول: غسل الصحيح من باقي أعضائه، وكل ما يقدر عليه من أطراف الجبيرة، والتيمم عن ما تحت الجبيرة، وامسح على كال الساتر بالماء، لحديث جابر رضي الله عنه فيمن شج رأسه، وقد تقدم، وفيه: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده)
(1/157)

- الصلاة المؤداة وقت وضع الجبيرة متى تعاد ومتى لا تعاد:
أولاً - حالة كون الجبيرة في عضو من أعضاء الوضوء، أو الغسل، غير أعضاء التيمم:
-1- إن كانت الجبيرة بقدر العلة تماماً فليس عليه أن يعيد، سواء كانت موضوعة على طهارة من الحدثين أم لا
-2- إن كانت الجبيرة زائدة عن العلة بقد الاستمساك فقط، وكانت موضوعة على طهارة من الحدثين، فلا إعادة
(1/158)

3- إن وضعها على غير طهارة، وكانت زائدة عن العلة، ولو بقدر الاستمساك فتجب عليه الإعادة
-4- إن وضعها على طهارة، وكانت زائدة عن قدر الاستمساك، فعليه الإعادة
-5- إن لم يتعذر نزعها، ولم ينزعها، وجبت عليه إعادة الصلاة.
ثانياً - حالة كون الجبيرة في أعضاء التيمم: تجب إعادة الصلاة، سواء وضعت على طهارة أم لا، وسواء أخذت من الصحيح شيئاً أم لا.
(1/159)

[شروط التيمم]
(1/160)

- شروط التيمم:
- هي شروط صحة الطهارة بالوضوء والغسل، ويضاف إليها:
-1- أن يوجب العذر المبيح للتيمم، على التفصيل المتقدم
-2-أن يكون بتراب طهور، لحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) (مسلم ج 1/كتاب المساجد ومواضع الصلاة/ 4)
ولقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} فسر السادة الشافعية الصعيد الطيب بالتراب المنبت مستندين في ذلك إلى قوله تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} (الأعراف: 58) والصعيد هو الذي له غبار، فلا يصح التيمم عند الشافعية بغير التراب، ولا بتراب فيه نداوة، لأن الندي يلصق بالعضو ولا غبار له، ولا يصح بتراب استحجر إلا أن يدق ليصبح له غبار، ولا يصح بتراب مستعمل، لأن استعماله يسلبه الطهورية فيصبح طاهراً غير مطهر، والمستعمل هو ما بقي على العضو أو تناثر منه، ويصح التيمم بتراب مغصوب مع أنه حرام، وبتراب مقبرة لم تنبش، لأن المنبوشة ترابها نجس، لو شك ينبش التراب صح التيمم لأن الأصل في الأشياء طهارتها، ولا يصح التيمم بالتراب الذي خالطته النجاسة كثيراً كان أو قليلاً.
ويجوز أن يتيمم الجماعة من موضع واحد، كما جاز أن يتوضؤوا من إناء واحد، ويجوز أن يتيمم الواحد من تراب يسير يستصحبه معه في خرقة ونحوها مرات، كما يتوضأ من إناء مرات، ويجوز أن يتيمم من غبار تراب على مخدة أو ثوب أو حصير أو جدار أو أداة أو ظهر حيوان طاهر ونحوه، ودليله حديث أبي جهيم الأنصاري رضي الله عنه قال: "أقبل النبي صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه السلام" (البخاري ج 1/كتاب التيمم باب 2/330) ولأنه قصد الصعيد، فلا فرق بين أن يكون على الأرض أو على غيرها.
-3- ألا يخالط التراب دقيق أو جص يمنع مرور التراب على جميع العضو، وعليه فإنه يجوز التيمم برمل خالطه تراب له غبار
-4- أن يزيل النجاسة عن بدنه
-5- أن يقع التيمم بعد دخول الوقت (سواء وقت المكتوبة، أو النافلة المؤقتة، أو المنذورة المؤقتة) يقيناً أو ظناً، سواء كان التيمم عن كامل الطهارة أو عن طهارة عضو، لما عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وجعلت لي الأرض مساجد وطهوراً، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت) (مسند الإمام أحمد ج 2 / ص 222) والإدراك لا يكون إلا بعد دخول الوقت قطعاً، فإن تيمم قبل دخول الوقت، أو شك في دخوله، لم يصح التيمم وإن صادف الوقت، لأن التيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل دخول الوقت.
ويجوز للخطيب أن يتيمم للجمعة قبل الخطبة، لأن وقتها دخل بالزوال وتقدم الخطبة إنما هو شرط لصحة فعلها.
والوقت شامل لوقت العذر عند جمع الصلاة تقديماً أو تأخيراً، فيتيمم للعصر عقب الظهر إذا جمعها تقديماً، وكذلك العشاء مع المغرب، فإنه يتيمم للعشاء بعد صلاة المغرب.
ويدخل وقت صلاة الجنازة بانقضاء طهر الميت من غسل أو تيمم، لكن يكر التيمم لها قبل التكفين، ويدخل وقت صلاة الاستسقاء بإرادة فعلها وبالاجتماع لها إن صليت جماعة، ووقت صلاة الكسوف والخسوف بتغير الكواكب، ووقت صلاة النفل المطلق بإرادته في أي وقت، سوى أوقات الحرمة، ووقت صلاة تحية المسجد بدخوله، ووقت سجود الشكر بإرادته، ووقت سجود التلاوة بالانتهاء من قراءة الآية أو سماعها.
-6- أن يتيمم لكل فرض عين، وبهذا التيمم نفسه تصح صلاة النافلة، وهذا واضح من اشتراط دخول الوقت للتيمم. وأحسن ما يحتج به في هذا المجال قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا} (المائدة: 6) فهذه الآية توجب الوضوء والتيمم لكل صلاة، لأنه لا قيام إلى الصلاة قبل دخول الوقت، وقد خرج الوضوء بالإجماع والسنة لما روى بريدة رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه. فقال له عمر لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه. قال: (عمداً صنعته يا عمر) " (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 25/ 86) فيبقى التيمم بمقتضى الآية.
(1/161)

أركان التيمم
(1/162)

- 1- النقل: وهو تحويل التراب إلى العضو الذي يريد مسحه، مع قرن نقل التراب بالنية، أي قصد نقل التراب مع قصد التيمم، فلو تعرض لمهب الريح مكتفياً بما سفته على وجهه أو أحد أعضائه لم يجزئه، لكن إن نقله مثلاً، من على وجهه بقصد النقل، ثم مسح به وجهه مع النية صح، أو نقله من إحدى يديه فكذلك.
-2- النية: لا تكفي نية رفع حدث أصغر، أو أكبر، أو الطهارة عن أحدهما، لان التيمم لا يرفعه، ولو نوى فرض التيمم أو فرض الطهارة، أو التيمم المفروض، لم يكف، لأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يجعل مقصوداً، بخلاف الوضوء، ولهذا استحب تجدي الوضوء بخلاف التيمم. وتكون نية التيمم على أحد الصور التالية:
(1) نية التيمم لاستباحة فرض: مثل فرض الصلاة أو فرض الطواف أو خطبة الجمعة، فيقصد معنى قوله: "نويت التيمم لاستباحة فرض الصلاة، أو فرض الطواف" ففي هذه النية استباح فرضاً واحداً، كما يستبيح معه النفل قبل الفريضة وبعدها، في الوقت وبعده، لأن النفل تابع للفرض، فإذا صلحت طهارته للأصل فهي للتابع أصلح (وبناء عليه، لو نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة ولا يعرف عينها قضى خمس صلوات وكفاه لهن تيمم واحد، لأن المنسية واحدة، وما سواها ليس بفرض، وإذا صلى فريضة منفرداً بتيمم، ثم أدرك جماعة يصلونها، فأراد إعادتها بذلك التيمم بنى على أن الأولى هي الفرض منهما) كما يستبيح بالنية نفسها صلاة الجنازة (مع أنها فرض كفاية إلا أنها بمنزلة النفل) وسجدتي الشكر والتلاوة، ومس المصحف، والوطء بعد الحيض.
(2) نية التيمم لاستباحة نفل، بقصد معنى قوله: "نويت التيمم لاستباحة نفل الصلاة أو نفل الطواف" وبها يستبيح أكثر من نفل، والوطء بعد الحيض، ولا يستبيح فرضاً أبداً فإن نوى استباحة الصلاة ولم يقصد فرضاً ولا نفلاً وقعت على النفل.
(3) نية التيمم لسجدة الشكر أو التلاوة أو مس المصحف أو الوطء بعد الحيض، وبها لا يستبيح أي فرض أو أي نفل سوى هذه المرتبة.
(4) التيمم بنية الغسل: يقصد معنى قوله: "نويت التيمم عن فرائض الغسل لاستباحة فرض الصلاة" فيستبيح الصلاة والقراءة والمكث في المسجد، وغير ذلك مما يباح بالغسل.
ثم عندما يحدث حدثاً أصغر، بعد ذلك ينوي إحدى النيات الثلاث، التي تقدم ذكرها، حسب الحاجة.
وعلى كل حال، يجب اقتران النية بالنقل، واستدامتها حتى مسج شيء من الوجه على الأقل، فلو أحدث بعد نقل التراب، وقبل أن يبدأ بمسح وجهه، لم يمسح بذلك التراب، بل يجب نقل غيره.
-3- مسح الوجه واليدين مع المرفقين: لقوله: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} (المائدة: 6)
والدليل على أن قدر الواجب مسحه من اليدين إلى المرفقين ذكره الشافعي رضي الله عنه بعبارة معناها أن الله تعالى أوجب طهارة الأعضاء الأربعة بالوضوء في ألو الآية المذكورة، ثم أسقط منها عضوين في آخر الآية، فبقي العضوان في التيمم على ما ذكرنا في الوضوء، إذ لو اختلفا لبينهما، وقد أجمع المسلمون على أن الوجه مستوعب في التيمم كالوضوء فكذا اليدان.
ولا يجب إيصال التراب إلى منابت الشعر، بلا ولا يندب، ولو خفيفاً لما فيه من المشقة - بخلاف الماء - لكن يجب أن يتعهد منعطفات الوجه كجوانب الآماق واللحاظ والأنف ومقبله من الأسفل، لأن ذلك من بشرة الوجه، وهذا يغفل عنه الكثيرون، كما لا يجوز أن يغفل عن ظاهر الشفتين عند إطباقهما.
-4- استيفاء الضربتين (قال النووي: هذا هو المعروف من مذهب الشافعي، ونقل أن الرافعي صحح استحبابه دون وجوبه. والمجموع ج 2 /ص 254) ضربة لليدين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين) (الدارقطني ج 1 / ص 180)
-5- الترتيب بين المسحتين: فيقدم وجهه على يديه، كالوضوء، وسواء كان التيمم عن حدث أصغر أو حدث أكبر، لأنهما في التيمم عضوان، ودليل الترتيب الآية {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} والواو عند الشافعية للترتيب على ما رأينا في الوضوء، فلو ترك الترتيب لم يصح التيمم لليدين، أما بالنسبة للوجه فهو صحيح، لذلك يعيد مسح اليدين فقط
وأما أخذ التراب للوجه واليدين فلا يشترط فيه الترتيب، فلو ضرب بيديه دفعة على التراب، ومسح بيمينه وجهه، وبيساره يمينه جاز، لكن لا بد من ضربة ثانية ليمسح بها يسراه
(1/163)

[سنن التيمم]
(1/164)

- سنن التيمم:
-1 - التسمية: لأن التيمم طهارة عن حدث فاستحب ذكر اسم الله تعالى عليه كالوضوء
-2- تفريق الأصابع عند الضرب ليثير الغبار أكثر، فيكون أسهل وأمكن في تعميم الوجه بضربة واحدة
-3- تخفيف التراب، بأن ينفخه إذا كان كثيراً، بحيث يبقى قدر الحاجة، لحديث عبد الرحمن بن أَبْزَى وفيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه"
-4 - نزع الخاتم في المرة الأولى، أما في الثانية فيجب نزعه، لأنه يشترط إيصال الغبار إلى جميع بشرة اليد، فإن بقي شيء من هذا لم يمسه غبار، لم يصح تيممه.
-5- البداءة بمسح أعلى الوجه كالوضوء
-6 - تقديم اليمنى من اليدين على اليسرى لحديث التيامن المتقدم
-7 - مسح العضد تطويلاً للتحجيل، وخروجاً من خلاف من أوجبه، فعن عمار بن ياسر رضي الله عنهما أنه كان يحث "أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصعيد لصلاة الفجر فضربوا بأكفهم الصعيد، ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 123/ 318)
-8 - عدم الزيادة على الضربتين
-9 - الموالاة لغير دائم الحدث، أما دائم الحدث فالموالاة واجبة عليه
-10 - استقبال القبلة والشهادتان بعد الفراغ، كما سبق في الوضوء
كيفية التيمم بشكله الأكمل:
يضرب بيديه على التراب، مفرقاً أصابعه، ويمسح بهما وجهه، بادئاً من أعلاه، حتى ظاهر ما يسترسل من لحيته، والمقبل من أنفه على شفتيه، ثم يضرب ضربة أخرى، مفرقاً أصابعه، ويضع بطون أصابع يده اليسرى، سوى الإبهام، تحت أصابع يده اليمنى، بحيث لا يخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع (العظم الذي يلي الإبهام) قبض أطراف أصابعه، وجعلها على طرف الذراع، ثم يمرها إلى المرفق، يم يدير المرفق بحيث يصبح بطن الذراع متجهاً إلى الأسفل، ومن تحته بطن كفه اليسرى فيمره عليه، ويرفع إبهامه، فإذا بلغ الكوع أمر إبهام يده اليسرى على إبهام يده اليمنى، ثم يمسح يده اليسرى مثل ذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين على الأخرى، ويخلل أصابعهما، متعهداً البراجم، نازعاً الخاتم وجوباً
(1/165)

مبطلات التيمم:
(1/166)

- 1- كل ما يبطل الوضوء يبطل التيمم عن الحدث الأصغر، وإن كان متيمماً عن حدث أكبر، ثم أحدث حدثاً أصغر فيبطل التيمم عن الوضوء فقط، أما التيمم عن الغسل فلا يبطل إلا بحدث أكبر
-2- رؤية الماء الكافي، مع القدرة على استعماله، تبطل تيممه، سواء كان عن حدث أصغر أو عن حدث أكبر، وعليه أن يتوضأ أو يغتسل، لحديث أبي ذر رضي الله عنه المتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير)
ثم إن لرؤية الماء حالات:
(1) إن رأى الماء قبل الصلاة، بطل تيممه، ولا بد من الوضوء، ولو لم يبق وقت للصلاة أداء.
(2) إن رأى الماء أثناء الصلاة: لم يبطل تيممه إلا إن كان ممن تلزمه الإعادة، لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} (محمد: 33)
(3) إن رأى الماء بعد الصلاة، فصلاته صحيحة، وفي إعادته أو عدمها تفصيل تقدم.
-3- ومن مبطلات التيمم الردة، أعاذنا الله منها.
(1/167)

حالة فاقد الطهورين:
(1/168)

- إذا لم يجد المكلف ماء ولا تراباً، كأن كان في أرض ذات وحل ولم يجد ما يجففه به، أو حبس في موضع نجس، أو كان أسيراً مشدود الوثاق، أو ما أشبه ذلك، وجب عليه أن يصلي على حسب حاله، لأن الطهارة شرط من شروط صحة الصلاة فالعجز عنها لا يبيح ترك الصلاة، كستر العورة، وإزالة النجاسة، واستقبلا القبلة، لكن يصلي الفرض وحده بغير نفل (سواء كان راتباً أو موقوتاً أو مطلقاً) وليس أن يحمل مصحفاً ولا أن يمسه، ولا أن يمكث في المسجد، أو غير ذلك مما يحرم على الجنب، وذلك لعدم الضرورة. وإذا كان فاقد الطهورين جنباً اقتصر على قراءة الواجب في صلاته. (أي الفاتحة أو بدلها، ولا يقرأ السورة) وكذا لو نذر قراءة سورة في وقت معين، فإنه يقرؤها فيه ولو كان جنباً.
والخلاصة أن فاقد الطهورين يقتصر في أداء العبادات على الضروري فقط
وحكم الجنب فاقد الطهورين. ينسحب على الحائض والنفساء إن نقيتا من الحيض والنفاس، وعدمتا الطهورين
وتجب إعادة الصلاة المؤداة زمن فقد الطهورين. وفي زمن هذه الإعادة تفصيل:
-1- تجب الإعادة عندا يجد الماء مطلقاً.
-2- إذا وجد التراب فهناك حالات ثلاث:
(1) إذا وجد التراب قبل انتهاء أعاد الصلاة بالتيمم، وإن لم تسقط، وذلك ليؤديها في وقتها بأحد الطهورين.
(2) إذا وجد التراب بعد انتهاء الوقت، بمكان تسقط الصلاة فيه بالتيمم، أعاد الصلاة متيمماً، وليس عليه الإعادة ثانية حيث يجد الماء
(3) إذا وجد التراب بعد انتهاء الوقت، في محل لا تسقط الصلاة فيه بالتيمم - لأنه يغلب فيه وجود الماء - لا يعيدها لأن عليه إعادتها ثانية حين يجد الماء
(1/169)

الباب السادس: النجاسات
(1/170)

التعريف
(1/171)

- النجاسة لغة: ما يستقذر، ولو كان طاهراّ، مثل البصاق والمخاط والمني.
وشرعاً: كل مستقذر يمنع الصلاة
(1/172)

أنواع النجاسات:
(1/173)

- 1- النجاسات المغلظة: وهي الكلب والخنزير، وما تولد منهما، أو من أحدهما أي مع حيوان طاهر، لأن كل الحيوانات طاهرة ما عداهما، حتى لو كان كلب صيد فإنه نجس، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 27/ 91، وولغ أدخل لسانه في المائع وحركه، ولا يقال ولغ لسوى السباع)
ولقوله تعالى: {إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير، فإنه رجس} (الأنعام: 145، والرجس في اللغة النجس)
وكذا مني الكلب والخنزير، وما تولد منهما أو من أحدهما، أما مني الآدمي وسائر الحيوانات فطاهر (أما عند السادة الحنفية فالمني عامة نجس، لذلك يستحب غسله جمعاً بين النصوص، وخروجاً من خلاف العلماء) لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب قال: (إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة) " (الدارقطني ج 1 /ص 124 والإذخرة: واحدة الإذخر، وهي الحشيش طيب الريح) وعن علقمة والأسود: "أن رجلاً نزل بعائشة رضي الله عنها فأصبح يغسل ثوبه فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 32/105)
-2- النجاسة المخففة: هي بول الصبي دون السنتين، الذي لم يأكل الطعام
-3- النجاسات المتوسطة: وهي بقية النجاسات، ونبينها فيما يلي:
(1) كل مسكر مائع. من ذلك الخمرة ولو محترمة، والمحترمة هنا هي ما عصر من العنب بقصد الخل (يكون عصير العنب نجساً في فترة تخمره فقط، إلى أن يصبح خلاً فيطهر) أما غير المحترمة فهي ما عصر من العنب بقصد الخمر، ودليل نجاستها قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} (المائدة: 90) وما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل مسكر خمر، وكل خمر حرام) (مسلم ج 3 /كتاب الأشربة باب 7/74) ومنه النبيذ الذي يحصل عليه بنقع المواد السكرية كالتمر والشعير، ففي النقع يمر بمرحلة التخمر ويصبح نبيذاً فهذا نجس لأنه شراب فيه شدة مطربة، فكان نجساً كالخمر (أما ما لم يشتد، ولم يصر مسكراً، كالماء الذي وضع فيه حبات تمر أو زبيب أو مشمش أو عسل أو نحوها، فصار حلواً، فهذا ليس بنجس)
ومنه الكحول، فهو نجس لكونه مسكراً، إلا أنه إذا أضيف إلى الطيب لأجل إصلاحه (تمديده) دون أن يفسد، فيعفى عنه.
ويخرج بقولنا المائع، غير المائع، فهو ليس بنجس، مثل البنج، والحشيش، فليسا نجسين ولو كانا محلولين، لأن أصلهما غير مائع وإن كانا محرمين لتغييب العقل.
(2) الميتة كلها، ودليل نجاستها قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} (المائدة: 6) ويستثنى منها أربعة: الآدمي، لقوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} (الإسراء: 70) والمكرم لا يكون إلا طاهراً أما قوله تعالى: {إنما المشركون نجس} (التوبة 28) فالمراد منه نجس العقيدة، أما ميتتهم فطاهرة وكذلك السمك والجراد، لما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحلت لكم ميتتان ودَمَان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) (ابن ماجة ج 2 / كتاب الأطعمة باب 31/3314) والصيد إذا قتله الكلب أو السهم بشرطه (للصيد شروط ينظر فيها في الأبحاث المتعلقة بها) فهذه ميتات طاهر لحمها وجلدها.
والمأكول من ميتات البحر له حكم السمك من حيث طهارة ميتته، أما ما لا يؤكل كالضفدع فميتته نجسة.
أما جنين ما يؤكل لحمه، إذا ذبحت أمه وخرج ميتاً بعدئذ، فهو طاهر، لأن ذكاة أمه ذكاة له.
والعضو المنفصل من الحيوان الحي كميتته فالعضو المنفصل من الشاة في حال حياتها نجس، لما ورد عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة) (أبو داود ج 3/كتاب الصيد باب 3/2858) أما القطعة المنفصلة من السمك أو الجراد فطاهرة.
(3) شعر الميتة، سوى الآدمي، وشعر غير المأكول المنفصل عنه حال الحياة أو بعد الممات (وعليه ففرو غير مأكول اللحم لا تجوز الصلاة عليه ولا به، سواء جزء منه حال الحياة، أو بعد الذبح أو الممات ولا يطهر بدباغ الجلد) مثل شعر البغل والهرة، ويعفى عن قليله، أما المتصل بالحيوان الحي فيبقى تابعاً للحيوان، والحيوانات، سوى الكلب والخنزير، كلها طاهرة ما كانت حية، فأوبارها وشعورها طاهرة أيضاً ما دامت متصلة بها، أما الذي يؤكل لحمه فشعره وريشه وصوفه ووبره، كل أولئك طاهر، سواء جز من الحيوان حال الحياة، أو بقي عليه بعد الذبح، أما إن مات فهذه كلها نجسة، ودليل طهارة ما يتبع الحيوانات المأكولة اللحم، قوله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين} (النحل: 80)
(4) جلود الميتة كلها، باستثناء جلود الميتات الأربعة التي ذكرنا، وكذلك جلود ما لا يؤكل لحمه ولو ذبح، فهي نجسة، أما ما يؤكل لحمه، كالخروف إذا ذبح، فجلده طاهر
(5) ما لا يؤكل لحمه إذا ذبح
(6) لبن ما لا يؤكل لحمه، إلا الآدمي، أما لبن ما يؤكل لحمه فطاهر، لقوله تعالى: {لبناً خالصاً سائغاً للشاربين} (النحل: 66) إلا ما كان في ضرع الميتة فإنه ينجس بملاقاة النجاسة كاللبن في الإناء النجس.
(7) العظم والسن والقرن والظلف (الظلف: للبقر والشاة والظبي وشبهها بمنزلة القدم لنا) والظفر من غير المأكول، ومن ميتة المأكول. والعاج المتخذ من عظم الفيل نجس كنجاسة غيره من العظام، ولا يجوز استعماله من شيء رطب لأنه ينجسه، ويكره استعماله في الأشياء اليابسة، وعليه لو اتخذ المرء مشطاً من عظم الفيل فاستعمله في شعره أو لحيته، فإن وجدت رطوبة في أحد الجانبين تنجس شعره، وإلا فلا، لكن يكره، ولو توضأ من ماء قليل في إناء مضبب بالعاج لم يجز إن أصاب الماء تضبيبه.
(8) الدم المسفوح، بدليل قوله تعالى: {أو دماً مسفوحاً ... فإنه رجس} (الأنعام: 145) إلا اليسير عرفاً فيعفى عنه، والدم الخارج من بعض البثور يعتبر قليلاً، ولو بلغ قدر رأس الإصبع، وما علق على اللحم والعظم من الدم فهو نجس معفو عنه، ما لم يخالطه أجنبي، لذلك ينبغي عدم غسله، بل يكفي مسحه بخرقة غير مبتلة، فإن غسل وجب تكرار غسله حتى يزول أثر الدم من الغسالة
(9) القيح، لأنه يد مستحيل إلى فساد، وأما ماء القروح فإن كان له رائحة فهو نجس وإلا فطاهر.
(10) الأبوال (باستثناء بول الصبي دون السنتين، والذي لم يأكل الطعام، فقد تقدم أنه نجاسة مخففة) والغائط والأرواث، والمذي والودي، وكذلك كل مائع يخرج من أحد السبيلين، سوى المني، ورطوبة فرج المرأة الخارجة من أدنى الرحم، والعلقة والمضغة، فهذه كلها طاهرات.
أما الأبوال فثلاثة: بول الآدمي الكبير، وبول الحيوانات المأكولة، وبول الحيوانات غير المأكولة، وكلها نجسة:
أما الأول فلحديث المعذبين في القبر، وأما الثاني والثالثة، فلقوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} (الأعراف: 157) والعرب تستخبث هذا. وأما ما صح عنه صلى الله عليه وسلم في حدث أنس رضي الله عنه أنه أمر الذين اجتووا (اجتووا: أي أصابهم الجوى، وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول) في المدينة بشرب أبوال إبل الصدقة (انظر البخاري ج 5/ كتاب الطب باب 6/5362) فذاك كان للتداوي، ومعروف أنه جائز بجميع النجاسات سوى الخمر.
وأما الغائط فنجس كذلك بالإجماع، ولا فرق بين غائط الصغير والكبير، وكذلك الأرواث من كل حيوان، حتى السمك والجراد والذباب، وذرق الطيور، كلها نجسة، لحدث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: (هذا ركس) " ولأنه خارج من الدبر أحالته الطبيعة، فكان نجساً كالغائط.
قال النووي: "إذا عمت البلوى (أراد ذرق الطيور، كما في صحون المساجد) وتعذر الأحتراز منه، يعفى عنه، وتصح الصلاة".
وأما المذي والودي فنجسان بالإجماع، ولقوله لعلي رضي الله عنه، وقد سأله عن المذي: (رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة) (أبو داود / كتاب الطهارة باب 83/206) ولأنهما خارجان من سبيل الحدث.
(11) الماء المتغير لونه من فم النائم، إذا تحقق أنه من المعدة، أما إذا ابتلي به شخص فيعفى عنه فيحق نفسه، ويلتحق بدم البراغيث وسلس البول والاستحاضة مما يعفى عنه للمشقة. أما غير المتغير لونه أو ريحه فهو طاهر، وكذا الذي يخرج من الصدر أو الحلق أو الدماغ فليس بنجس، مثال ذلك النخامة والبلغم واللعاب، فإن اشتبه الأمر فلم يعرفه استحب غسله احتياطاً
(12) القيء، ولو كان من رضيع، ولو لم يتغير (أما عند السادة الحنفية فإذا لم يكن ملء الفم فليس بنجس، وعند المالكية إذا لم يتغير الحليب الخارج من فم الرضيع فليس بنجس، لذا في حال الضرورة نلجأ إلى التقليد، والخلاف قائم عند الشافعية بالنسبة لثياب أمه وثديها خاصة، والعفو موجود)
(13) الإنفحة (الإنفحة: شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع أصفر، فيعصر في صوفة فيغلظ كالجبن، فإذا أكل الجدي فهو كرش) إن أخذت من السخلة (السخلة: ولد الغنم من الضأن والمعز ساعة وضعه، ذكراً كان أو أنثى) بعد موتها، أو بعد ذبحها، وقد أكلت غير اللبن، أما إن أخذت من سخلة ذبحت قبل أن تأكل غير اللبن فطاهرة.
(14) دخان النجاسة إذا أحرقت
(1/174)

- تعقيب:
الأصل في الأشياء الطهارة، ولا يحكم بنجاسة شيء إلا بعد التحقيق، مثال ذلك أن يشاع عن دهن من دهون البدن مثلاً، أو مأكول يجتلب من بلاد الكفار، بأن فيه نجاسة كشحوم الخنزير وعظامه أو الكحول، فلا يحكم بنجاسة الدهن والمأكول ونحوهما إلا بعد التحقيق.
(1/175)

ما يطهر من النجاسات بالاستحالة:
(1/176)

- 1- الخمرة مع إنائها إذا أصبحت خلاص بنفسها طهرت، وكذا لو تخللت بنقلها من الشمس إلى الظل، ومن الظل إلى الشم، بشرط ألا يطرح بها شيء.
-2- جلود الميتة تطهر بالدباغة - إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما - ثم يجوز بعد الانتفاع بها في شتى أنواع الانتفاع، لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دبغ الإهاب (الإهاب: الجلد قبل أن يدبغ، وجمعه أهب أو أهب) فقد طهر) (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 27/105) وعنه أيضاً، قال: "تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟) فقالوا: إنها ميتة فقال: (إنما حرم أكلها) " (مسلم ج 1: كتاب الحيض باب 27/100)
ويحصل الدباغ بكل ما ينشف فضول الجلد وينظفها، ويستخرجها من باطن الجلد، وينظفه ويحفظه من أن يسرع إليه الفساد، والمرجع فيذلك إلى أهل الصنعة
-3- دم الظبية يطهر باستحالته مسكاً
(1/177)

التنجس بالنجاسة
(1/178)

- إذا اتصل النجس أو المتنجس بالطاهر، نظر، فإن كانا جافين فلا تؤثر النجاسة بالطاهر، بناء على القاعدة الفقهية: الجاف طاهر، بلا خلاف، وإن كان أحدهما أو كلاهما رطباً تنجس الطاهر بالآخر
(1/179)

تطهير ما تنجس بشيء من النجاسات:
(1/180)

- إن ما تصيبه النجاسة إما أن يكون ماء، أو مائعاً سوى الماء، أو جامداً
فالأول: وهو الماء، وهو إما أن يكون أقل من قلتين، أو قلتين فأكثر
فإذا كان الماء المتنجس أقل من قلتين فتطهيره يكون بتكثيره بماء حتى يبلغ القلتين بدون تغير في أي من أوصافه الثلاثة: الطعم واللون والريح، وسواء كان الماء المضاف طاهراً أو متنجساً أو مستعملاً، فإذا فرقت القلتان بعد فهما على طهوريتهما.
أما لو كوثر بمائع آخر غير الماء، متنجس أو طاهر، فبلغ القلتين، ولا تغيُّر فيه فالجميع متنجس.
وإذا كان الماء كثيراً، أي أكثر من قلتين، وتنجس بسبب تغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة، طهر إذا زال تغيره، ويزول التغير بأحد الأمور الثلاثة:
-1- بأن يزول بنفسه، فيذهب اللون أو الطعم أو الريح بطلوع الشمس، أو هبوب الريح، أو مرور الزمان.
-2- بأخذ بعضه، بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين فأكثر، فإن بقي دونهما لم يطهر بلا خلاف. ويتصور زوال التغير بأخذ بعضه، بأن يكون كثيراً يملأ الإناء، فلا تدخله الريح، فإذا نقص دخلته، وكذلك الشمس، فيطيب. ثم إذا زالت التغير، وحكمنا بطهارته، ثم تغير، فهو باق على طهارته، ولا يضر تغيره، لأنه ماء طاهر تغير بغير نجاسة لاقته، فكان طاهراً كالذي لم ينجس قط.
-3- إضافة ماء آخر إليه، سواء كان الماء المضاف طاهراً أو متنجساً أو قليلاً أو كثيراً، وسواء صب عليه الماء أو نبع عليه.
أما إذا زال التغير بساتر، كأن يلقى فيه مسك فتتغير ريحه، أو يخض الماء حتى يتعكر بكدورة التراب الذي في أسفله، فإنه لا يصبح طهوراً لأن الساتر لا يطهر.
والثاني: وهو المائع سوى الماء، كالزيت والخل، فلا يطهر أبداً، مهما كان كثيراً (أما عند الحنفية فيمكن تطهير المائع المتنجس بصب الماء عليه ورفعه عنه ثلاثاً، أو يوضع في إناء مثقوب ثم يصب عليه الماء فيطفو - إن كان زيتاً، أو سائلاً له خواص الزيت - يحرك ثم يفتح الثقب إلى أن يذهب الماء. وهو قول عند الشافعية أيضاً) ولو زالت عين النجاسة (لكن يجوز استعمال مثل هذه المائعات المتجسة في الصناعة، كما في صناعة الصابون، مع وجوب الاحتياط من نجاستها)
فإذا كان الزيت أو السمن أو غيره من الدهون جامداً، فلا يطهر بالغسل ولا بغيره، بل تلقى النجاسة وما اتصل بها ويستعمل الباقي، فإذن كانت النجاسة مخالطة للدهن، لم يطهر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه) (أبو داود ج 4/ كتاب الأطعمة باب 48/3842)
والثالث: وهو الجامد، فتطهيره يكون بحسب نوع النجاسة التي أصابته:
-1- تطهير ما تنجس بنجاسة مغلظة: إذا تنجس شيء بملاقاة كلب أو خنزير أو فروعهما أو بملاقاة أسآرهما (جمع سور، وهو ما بقي من الإناء بعد الأكل أو الشرب، ومراد الفقهاء بقولهم سؤر الحيوان طاهر أو نجس، لعابه ورطوبة فمه) فلا يطهر إلا بغسله سبع مرات مع مزج ماء إحداهن بالتراب، ولا يكفي الذر على المحل، ويندب أن يكون في الأولى أو الثانية، ولا يقوم مقام التراب الصابون ولا الإشنان ولا غيرهما، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم في سؤر الكلب: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) وفي رواية (إحداهن) ولا يجب الدلك بل يكفي إلقاؤه في الإناء وتحريكه. ولو ولغ الكب في إناء فيه طعام جامد ألقي ما أصابه وما حوله وبقي الباقي على طهارته (على غرار ما يفعل بالسمن الجامد تموت فيه الفأرة) . وأما الدليل على أن الخنزير كذلك يجب فيه سبع قطعاً مع التراب، فقد قال جمهور الشافعية: إن الخنزير أسوأ حالاً من الكلب، فهو باعتبار العدد أولى:
-2- تطهير ما تنجس بنجاسة مخففة: ينضح بالماء فيطهر، والنضح هو الرش بالماء حتى يعمه، من غير سيلان، لحديث أم قيس بنت محصن رضي الله عنها" أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن لها لم يأكل الطعام، فوضعته في حجره، فبال، قال عبيد الله: فلم يزد على أن نضح بالماء" (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 31/103)
ولحديث أبي السمح خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام) (النسائي ج 1 ص 158) وفي رواية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "مال يم يطعم" (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 137/377) 3- تطهير ما تنجس بنجاسة متوسطة: وهي تقسم إلى عينية وحكمية.
والنجاسة العينية: هي التي لها جرم أو لون أو ريح أو طعم، ولا يطهر ما تنجس بنجاسة عينية، إلا بزوال عين النجاسة، ولا يضر بقاء اللون أو الريح إذا عسر زوال أحدهما، وضابط العسر أن يغسل ثلاث مرات مع الفرك ثم يبقى أثر اللون أو أثر الريح، أما إذا بقيا معاً فلا يطهر، لكن يعفى عنهما إن تعذر زوالهما. وكذا إذا تعسر زوال الطعم، فلا تحصل الطهارة، لكن يعفى عنه، فيكون المحل نجساً معفواً عنه لا طاهراً. وضابط التعذر ألا يزول إلا بالقطع.
أما النجاسة الحكمية: فهي التي لا لون لها ولا طعم ولا ريح ولا حجم، كبول جف ولم تدرك له صفة ويطهر المحل منها بسيلان الماء عليه، ولو من غير فعل فاعل، كالمطر مثلاً فالمهم ورود الماء ولو قليلاً، أي صبه على النجاسة، والغسالة (هي الماء المتبقي بعد غسل النجاسة الحكمية عن الثوب ونحوه) القليلة طاهرة غير مطهرة إذا لم تتغير.
والغسل من سائر النجاسات - سوى المغلظة - مرة، ومعنى المرة أن تزول عين النجاسة ولو تعددت المرة، والسنة الثلاث، يعني ثانية وثالثة بعد تتميم الأولى بإزالة عينها. ولا يشترط العصر للطهارة.
تعقيب:
- عند غسل جزء من متنجس، يتعين علينا عند غسل باقيه إعادة غسل قسم من المغسول أولاً مما جاور هذا الباقي، وإلا بقي هذا القسم على نجاسته.
(1/181)

الباب السابع: الحيض والنفاس والاستحاضة
(1/182)

الحيض:
(1/183)

[التعريف]
(1/184)

- التعريف: هو لغة: السيلان، يقال: حاض الوادي، إذا سال ماؤه
واصطلاحاً: دم جبلة (غير مرضي) يخرج من أقصى رحم المرأة بعد بلوغها، في أوقات معتادة من غير سبب الولادة، لونه أسود محتدم (حار كأنه محترق، ضارب إلى سواد) لذاع (مؤلم موجع)
والأصل فيه قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض} (البقرة: 222) وما روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحيض: (إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم) (البخاري ج 1/ كتاب الحيض باب 1/290)
(1/185)

سن الحيض:
(1/186)

- أقل زمن تحيض فيه المرأة تسع سنوات قمرية (السنة القمرية 354 يوماً) فلو رأته قبل تمام التسع بزمن يضيق عن حيض وطهر فهو حيض، وإلا فهو دم فساد ينقض الوضوء، ولا تتعلق به أحكام الحيض. ولا حد لأكثر الحيض عند الشافعية، إذ يمكن أن تمكث المرأة فيه إلى حلول الموت، على أن الغالب انقطاع الحيض بعد اثنتين وستين سنة، خلاف ما عند باقي الأئمة.
(1/187)

مدة الحيض:
(1/188)

- اقل الحيض يوم وليلة على الاتصال المعتاد في الحيض (وبناء عليه فما تراه الآيسة من دم متفرق خلال الخمسة عشر يوماً، إن لم يبلغ مجموعه سيلان دم يوم وليلة يعتبر استحاضة، والآيسة: هي المرأة المسنة التي انقطع حيضها ويئست منه) أي لا يتخلله نقاء، وأكثره خمسة عشر يوماً مع لياليها، فإن زاد على ذلك فهي مستحاضة. أما غالب الحيض فهو ستة أو سبعة أيام بلياليها (هذه المعلومات في بحث الحيض والنفاس حصلها الشافعي بالاستقراء، فما لم يوجد له ضابط في الشرع ولا في اللغة رجع فيه إلى العرف العام) لما روته حنة بنت جحش رضي الله عنها - وكانت تستحاض فلا تطهر - في حديث لها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (إنما هو ركضة (أصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، كما تركض الدابة وتصاب بالرجل، أراد الإضرار بها والأذى، والمعنى أن الشيطان قد وجد بذلك طريقاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير كأنه ركضة بآلة من ركضاته) من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله (أي التزمي الحيض وأحكامه فيما أعلمك الله من عادة النساء) ثم اغتسلي، فإذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعاً وعشرين ليلة، أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها، وصومي وصلي فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كما تحيض النساء وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن) (الترمذي ج 1/ أبواب الطهارة باب 95/128)
(1/189)

مدة الطهر
(1/190)

- أقل الطهر بين حيضتين خمسة عشر يوما بلياليها، ولا حد لأكثره ولا حد لأكثره، فقد تمكث المرأة دهراً بلا حيض. أما مدة الطهر بين حيض ونفاس فليس لها حد، فلو انقطع نفاسها يوماً ثم رأت الدم، فإنه قد يكون دم حيض. أما غالب الطهر فيعتبر بغالب الحيض، فإن كان الحيض ستة أيام مثلاً كان الطهر أربعة وعشرين يوماً
وبناء على ما تقدم من أقل الحيض وأكثره: لو حاضت سبعة أيام مثلاً، ونقيت بعده اثني عشر يوماً، ثم رأت الدم في اليوم الثالث عشر بعد النقاء، فيعتبر هذا الدم دم استحاضة، لأن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، ويكون حكمها حكم المستحاضة في اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر اعتباراً من بدء النقاء، أما إن استمرت رؤية الدم لليوم السادس عشر وما بعده فيعتبر دم حيض عندئذ لأن المدة جاوزت أقل الطهر. ولو حاضت أربعة أيام مثلاً ثم نقيت بعدها ستة أيام، ثم رأت الدم ثانية فيعتبر هذا الدم دم حيض، لأن مجموع الأربعة والستة، عشرة وهي أقلمن أكثر الحيض، أي تعتبر الأيام الستة التي طهرت فيها من الحيض، ويبقى حكمها حكم الحائض لمدة خمسة أيام بعد ذلك، فإن جاوز الدم الثاني الخمسة أيام، تبين عندئذ أنها مستحاضة، لأن مجموع الأربعة والستة والخمسة، خمسة عشر يوماً وهي أكثر مدة الحيض، فما جاوزها يعتبر استحاضة، وسيرد بيان حالات الاستحاضة في حينه.
ويعتبر طهر غير المستحاضة منذ رؤيتها القصة البيضاء، لما روي " أن النساء كن يبعثن إلى عائشة بالدُّرْجَة فيها الكُرْسُف فيه الصفرة فتقولك لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة" (البخاري ج 1/ كتاب الحيض باب 19، والدرجة: سفط صغير تضع المرأة فيه طيبها وما أشبهه، والكرسف: القطن، والقصة: الجصة، والجص معروف، والمراد في الحديث حتى ترين الخرقة بيضاء كالقصة لانقطاع الصفرة والكدرة في نهاية الحيض وخروج الرطوبة البيضاء) أما الصفرة والكدرة فهما من الحيض ما كانتا أيام الحيض قبل رؤية القصة البيضاء، سواء كانت مبتدأة (المبتدأة: هي التي حاضت للمرة الأولى) أو معتادة خالف عادتها أو واقعها، فإذا رؤيتا بعدها لم تعتبر من الحيض لما روت أم عطية رضي الله عنها قالت: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً" (أبو داود ج 1/ كتاب الطهارة باب 119/307)
(1/191)

النفاس:
(1/192)

تعريفه:
(1/193)

- لغة: الولادة
واصطلاحاً: هو الدم الخارج عقب الولادة، وقبل مضي خمسة عشر يوماً، وإلا أي إذا لم يخرج الدم إلا بعد خمسة عشر يوماً من الولادة - فهو حيض لا نفاس. أما لو رأت الدم بعد عشرة أيام من الولادة مثلاً فتبلك العشرة من النفاس عداً لا حكماً، فتجب عليها فيها الصلاة ونحوها، أما ما صامته خلالها فتجب عليها إعادته، هذا إذا كانت مبتدأة (المبتدأة هنا: هي التي نفست للمرة الأولى) أما المعتادة فتترك الصلاة والصيام بعد الولادة مباشرة، وإن لم تر الدم، والعادة تثبت بمرة، ويرجع دوماً إلى آخر مرة في العادة
ومثل الولادة إلقاء العلقة أو المضغة، فالدم الخارج عقب ذلك نفاس (وعليه فإن الإسقاط الحاصل قبل مرور أربعين يوماً على الإلقاح لا يعتبر ولادة والدم الذي تراه بعده تجري عليه أحكام الحيض) أما الدم الذي يصاحب الولد أو يخرج قبله فليس بدم نفاس، إنما له حكم دم المستحاضة، فتصلي وتصوم قبل انفصال الولد ونحوه من العلقة والمضغة.
(1/194)

مدة النفاس:
(1/195)

- أقل النفاس لحظة. وغالب النفاس أربعون يوماً وأكثره ستون. وعليه لو نفست ثمانية وثلاثين يوماً وطهرت بعدها عشرة أيام مثلاً، ثم عادت فرأت الدم، فيمكن أن يكون هذا الدم حيضاً أو نفاساً بحسب صفاته، فإن كان حيضاً صح صيامها في فترة الطهر وليس عليها إعادة، وإن كان نفاساً فعليها إعادة ما صامت، لأن مجموع الثمانية والثلاثين إلى العشرة هو ثمانية وأربعون، وهو لا يجاوز ستين يوماً ولو نفست فعبر الدم الستين فحكمها حكم الحيض إذا عبر الخمسة عشر في الرد إلى التمييز والعادة والأقل والغالب، لأنه بمنزلة الحيض في أحكامه، فكذلك في الرد عند الإشكال.
(1/196)

ما يحرم بالحيض والنفاس:
(1/197)

- 1- تحرم على الحائض والنفساء الطهارة بنية رفع الحدث، أو نية العبادة كغسل الجمعة، أما الطهارة المسنونة للنظافة كالغسل للإحرام وغسل العيد ونحوه من الأغسال المشروعة التي لا تفتقر إلى طهارة فلا تحرم، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت في الحج: (افعلي كما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (البخاري ج 2/ كتاب الحج باب 80/1567)
-2- الصلاة فرضاً أو نفلاً، وصلاة الجنازة، وسجدة الشكر، والتلاوة، فإذا حرمت هذه الأمور بالحدث الأصغر فلأن تحرم بالحدث الأكبر أولى. روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: (أليس إذا حاضت - يعني المرأة _ لم تصل ولم تصم) (البخاري ج 1 / كتاب الحيض باب 6/298)
-3- الصوم فرضاً أو نفلاً، للحديث المتقدم
-4- قراءة القرآن أي التلفظ به بحيث تسمع نفسها إذا كانت معتدلة السمع لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 98/131) ولا مانع إذا أجرت القرآن على قلبها، أو نظرت في المصحف أو حركت لسانها وهمست همساً بحيث لا تسمع نفسها، فكل ذلك لا يحرم لأنه لا يسمى قراءة، وإشارة الأخرس حكمها حكم النطق إذا كان يفهمها كل أحد، وإلا فلا تحرم وتقع الحرمة كذلك إن قصدت القراءة ولو مع غيرها من النيات، أما إن قصدت الذكر أو أطلقت - أي لم تنو شيئاً - فلا حرمة لأنه لا يسمى قرآنا لوجود الصارف (أي الحيض أو النفاس) أما في حال عدم وجود الصارف فمجرد القراءة يسمى قرآنا ولو لم يقصد
والنطق ولو بحرف واحد بقصد التلاوة، مع وجود الصارف يحرم، لأنه شروع في معصية أما التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن فجائز
-5- مس المصحف (المصحف اسم المكتوب من كلام الله، والمراد به كل ما كتبه عليه كلام الله ولو عموداً، ولو لوحاً، أو نحو ذلك، وبهذا تخرج التميمة ما لم تسم مصحفاً، والتميمة عوذة تعلق على الإنسان دفعاً للحسد أو سائر الأذى، وقد يكون خرزة أو ما يماثلها من شَبَّةٍ وغيرها، وهذه لا فائدة منها، يحرم الاعتقاد بنفعها، وتعتبر مصحفاً إذا كان عليها آيات من القرآن فلا يجوز عندئذ حملها في الحيض والنفاس. وهذه التي كتب عليها شيء من القرآن لا مانع من أن يعلقها الطاهر عليه تبركاً، معتمداً على الله) بأي جزء من البدن لقوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} ولو كان المس بحائل، ومس ثوبه، وصندوقه، وكرسيه وهو عليه، وجلده المتصل به أو المنفصل عنه ما لم تنقطع نسبته إليه، كأن يجعل جلداً لكتاب آخر، ويحرم أيضا حمل المصحف ولو ضمن أمتعة إن قصد حمله هو فقط، أما إن قصد حمل المتاع، أو قصد حمله والمتاع فلا حرمة، كذلك لا حرمة في حمل تفسيره الذي مزجت فيه آياته بتفسيرها وكان التفسير أكثر منه أما التفاسير التي فصلت فيها الآيات الكريمة عن التفسير فلا يجوز مسها وحملها إلا على طهارة. أما إن خافت إحداهما (الحائض والنفساء) على المصحف من حريق أو نجاسة أو وقوع بيد كافر، فلها أن تحمله بل يجب
-6- يحرم اللبث في المسجد والتردد فيه لقوله صلى الله عليه وسلم فيما روته عنه عائشة رضي الله عنها (فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 93/232) أما العبور لأخذ شيء ألو للوصول إلى جانب آخر من الطريق، أو غير ذلك فجائز، لقوله تعالى: {إلا عابري سبيل} على أن تستوثق من نفسها، وتأمن التلويث، وإلا حرم. أما عبورها المسجد بلا حاجة فمكروه، ولو أمنت التلويث وصورة العبور أن يكون للمسجد بابان فتدخل من أحدهما تخرج من الآخر، وإلا كان تردداً وهو لا يجوز.
-7- الطواف لأنه بمنزلة الصلاة، إلا أن الله أحل فيه النطق بخير. وسواء كان الطواف فرضاً كطواف الإفاضة، أو واجباً كطواف الوداع، أو نفلاً كطواف القدوم، لما روت عائشة رضي الله عنها من قوله صلى الله عليه وسلم لها لما حاضت في الحج (فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) (البخاري ج 1 / كتاب الحيض باب 7/299) .
-8 - الوطء، ولو في الدبر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمداً) (الترمذي ج 1/ أبواب الطهارة باب 102/135) ويحرم ذلك قبل انقطاع الدم، ويكفر مستحله إن كان عامداً مختاراً عالماً بالتحريم وبالحيض، ذاكراً له، أما بعد انقطاع الدم، وقبل الغسل فحرام على كليهما ولكن لا يكفر مستحله، أما بعد الغسل فله أن يطأها في الحال من غير كراهة، إن لم تخف عودة الدم، وإلا استحب له تجنب الوطء احتياطاً. قال تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} (البقرة 222)
ويكفر مستحل الوطء في الزمن المجمع على الحيض فيه - أي الأيام العشرة الأوائل من الحيض - بخلاف غير المجمع عليه، وهو الزائد على العشرة، فلا يكفر مستحل الوطء فيه كل ذلك ما لم يخف الوقوع في الزنى، وإلا جاز له الوطء ولو لم ينقطع الدم، والمشهور في المذهب الشافعي أنه لا كفارة فيه، لكن يسن له التصدق بدينار إن كان الوطء فيه إقبال الدم، وبنصف دينار إن كان دماً أحمر فدينار وإن كان دماً أصفر فنصف دينار) (الترمذي ج 1 / أبواب الطهارة باب 103/137)
-9- يحرم الاستمتاع - التمتع والتلذذ - فيما بين السرة والركبة، بوطء أو غيره، لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} ، ولما روي عن حرام بن حكيم عن عمه " أنه سأل الرسول صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: (لك ما فوق الإزار) " ولأن الاستمتاع ولو بلا شهوة قد يدعو إلى الجماع، فمن يرعى حول الحمى يوشك أن يخالط الحمى، لذا حرم. فما سوى ما بين السرة والركبة مباشرتها فيه حلال بإجماع المسلمين، روي عن عائشة رضي الله عنها قالت" كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد الرسول أن يباشرها (المباشرة هنا: التقاء البشرتين على أي وجه كان) أمرها أن تتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يملك إربه" (البخاري ج 1 / كتاب الحيض باب 5/296)
وقيل لا يحرم إلا الوطء، وهذا ما رأى الإمام النووي أنه الأقوى، لما روى أنس رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 3/16) لكن المعتمد هو الحديث الأول.
-10 - يحرم الطلاق، لأن الطلاق والمرأة حائض أو نفساء يطيل عليها العدة، لأن مدة الحيض أو النفاس أثناء الطلاق لا تحسب من العدة، وهذا فيه ضرر.
وإذا نقيت الحائض أو النفساء، ارتفع من الأمور المحرمة - المتقدم ذكرها في الأحكام - قبل أن تغتسل: تحريم الصوم، والطهارة، والعبور بالمسجد، وارتفعت عن الزوج حرمة الطلاق، وذلك لانتفاء على التحريم في كل منها: وهي في الصوم اجتماع ضعفين الصوم والنزف، وفي الطلاق إطالة مدة العدة، وفي عبور المسجد خوف التلويث، فصارتا عن انقطاع الدم كالجنب ولا تحل الصلاة والطواف، وقراءة القرآن، وحمل المصحف حتى تغتسلا، لأن المنع منها للحدث، والحدث باق، وكذا لا يحل الاستمتاع بها حتى تغتسل، كما تقدم.
ويجب على الحائض والنفساء بعد النقاء قضاء الصوم دون الصلاة، للحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يصيبنا ذلك- تعني الحيض - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 15/69) والعلة في عدم قضاء الصلاة أنها تكثر فيشق قضاؤها، وقال بعضهم بحرمة قضاء الصلاة عن أيام الحيض والنفاس، وقال آخرون بكراهته، والأوجه عدم التحريم.
(1/198)

الاستحاضة
(1/199)

تعريفها
(1/200)

هي لغة السيلان.
وشرعاً: دم علة خارج فيغير وقت الحيض والنفاس. وكذا ما تراه الصغيرة دون التاسعة من العمر والآيسة (الآيسة هي المرأة المسنة التي انقطع حيضها ويئست منه، فإذا رأت دماً بعد ذلك اعتبر هذا الدم استحاضة) وعليه فكل ما زاد على أكثر مدة الحيض، أو نقص عن أقله، يعتبر استحاضة. فالمستحاضة إذن هي التي يجري دمها مستمراً في غير أوانه.
(1/201)

[أحكامها]
(1/202)

- ولا تمنع الاستحاضة من الصوم والصلاة والوطء وغيرها مما يمنع الحيض والنفاس، لأنها حدث دائم، فيجوز وطؤها في الزمن المحكوم بأنه طهر ولو كان الدم جاراً فعن عكرمة قال" كانت أم حبيبة تستحاض فكان زوجها يغشاها" (أبو داود ج 1/ كتاب الطهارة باب 120/309) بل وتباح لها الصلاة التي هي أعظم، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة أُستَحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة فقال: (لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي) " (مسلم ج 1 / كتاب الحيض باب 14/62) معنى ذلك أنها تَتَحَيَّضُ (أي تعد نفسها حائضاً) أمداً من الزمن فتفعل ما تفعل الحائض، تحل على نفسها ما تحل وتحرم ما تحرم وتبقى كذلك ما دامت ترى أنه دم حيض، ودم الحيض يتميز عن دم الاستحاضة بلونه وريحه، لما روي عن فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف فأمسك عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرف) (النسائي ج 1/ ص 185)
فإذا غلب على ظنها أنها طهرت اغتسلت وتوضأت بعد دخول الوقت من كل صلاة، تصلي بالوضوء الواحد فريضة واحدة، وما شاءت من النوافل لكن يلزمها الاحتياط في طهارتي الحدث والنجس، فتغسل فرجها ثم تحشوه بالقطن، إلا إذا أحرقها، أو كانت صائمة، أو لم يندفع الدم بذلك وحده، أو كانت بكراً فتعصب الفرج بخرقة تتلجم (تتلجم: تشد خرقة مكان الدم على هيئة اللجام) بها، فإن لم يكف ذلك جعلت ثوباً تحت اللجام مبالغة في الاحتياط من خروج الدم، ثم تتوضاً أو تتيم بعد دخول الوقت، وعقب العصب مباشرة، ومن غير إمهال، ثم تبادر إلى الصلاة بعد الوضوء من غير إمهال أيضاً تقليلاً للحدث، لحديث حمنة بنت جحش رضي الله عنها قالت: "قلت يا رسول الله إني أُسْتَحَاض حيضة كثيرة شديدة فما تأمرني فيها، قد منعتني الصيام والصلاة؟ قال: (أنعَتُ لك الكُرْسُفَ فإنه يذهب الدم) قالت هو أكثر من ذلك قال: (فتلجمي) قالت هو أكثر من ذلك. قال (فاتخذي ثوباُ) قالت هو أكثر من ذلك إنما أثُجُّ ثجاً ثم قال: إنما هي ركضة من الشيطان) على ما تقدم فإذا استوثقت على الصفة المذكورة، ثم خرج دمها بلا تفريط لم تبطل طهارتها ولا صلاتها.
ولو أخرت الصلاة لمصلحة الصلاة نفسها كستر العورة، وانتظار جماعة وعطر وزينة للصلاة لم يضر ذلك، لأنها لا تعد بذلك مقصرة، أما إن كان التأخير لغير مصلحة الصلاة فلا يجوز، وعليها إعادة الوضوء، ومع كل وضوء يجب تجديد غسل الفرج والحشو أو العصب إن زالت العصابة عن موضعها زوالاً له تأثير، أو ظهر الدم على جوانب العصابة (الأحكام المذكورة جارية لا شك إذا كان دمها يستمر وقت صلاة كاملة، بحيث لا تجد فيه المرأة انقطاعاً يتسع لقدر الوضوء والصلاة، فلو انقطع النزيف بمقدار ما تتمكن فيه من الوضوء والصلاة، لم تعتبر من دائمي الحديث، ويجب عليها عندئذ غسل النجاسة والوضوء وأداء الصلاة بطهارة كاملة)
فإن لم يتميز دم حيضها عن دم استحاضتها ردت إلى عادتها إن ذكرت وقتها وقدرها وإن نسيت كل شيء فهي المتحيرة، وبحث المتحيرة بحث طويل ومعقد يصعب إيجاز أحكامه في مثل هذا الكتاب، كما أن حالتها نادرة الوقوع، لذلك اكتفينا فيما يلي من الصفحات بإيجاز حالات المستحاضات التي يتكرر حدوثها (من أراد تفصيل أحكام المتحيرة فليرجع إلى كتاب المجموع أو روضة الطالبين للإمام النووي) :
(1/203)

[المستحاضات]
(1/204)

- نقول المستحاضات أربع:
(1/205)

[الأولى: المبتدأة المميزة]
(1/206)

الأولى: المبتدأة (المبتدأة هي التي ابتدأها الدم) المميزة (المميزة: هي التي ترى الدم على نوعين أو أنواع أحدها قوي) : ترد إلى التمييز، فتكون حائضاً في أيام الدم القوي، مستحاضة في أيام الدم الضعيف، وإنما يعمل بالتمييز بثلاثة شروط:
-1- ألا ينقص القوي عن يوم وليلة
-2- ألا يزيد على خمسة عشر يوماً
-3- ألا ينقص الضعيف عن خمسة عشر، ليمكن جعل القوي حيضاً والضعيف طهراً فإذا رأت الدم الأسود (قولهم الأسود والأحمر تمثيل، وإلا فالاعتبار بالقوي والضعيف كيف كان) يوماً وليلة أو أكثر، ثم اتصل به أحمر قبل الخمسة عشر وجب عليها أن تمسك في مدة الأحمر عما تمسك عنه الحائض لاحتمال أن ينقطع الأحمر قبل مجاوزة المجموع خمسة عشر، فيكون الجميع حيضاً فإن جاوز خمسة عشر عرفنا حينئذ أنها مستحاضة مميزة، فيكون حيضها الأسود، ويكون الأحمر طهراً، فعليها الغسل عقب الخمسة عشر، وتصلي وتصوم، وتقضي صلوات أيام الأحمر.
هذا حكم الشهر الأول، فأما الشهر الثاني وما بعده، فإذا انقلب الدم القوي ضعيفاً (المراد بانقلاب الدم القوي ضعيفاً، أن يتمحض ضعيفاً، أما لو بقيت خطوط من السواد، وظهرت خطوط من الحمرة فلا ينقطع حكم الحيض، وإنما ينقطع إذا لم يبق شيء من السواد) لزمها أن تغتسل عند انقلابه وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها، ولا ينتظر الخمسة عشر، لأن الاستحاضة علة مزمنة فالظاهر دوامها، فإن انقطع الضعيف في أحد الأدوار قبل الخمسة عشر يوماً تبينا أن الضعيف مع القوي في هذا الدور كان حيضاً فيلزمها قضاء الصوم والطواف أي الواجبات المؤديات أيام الحيض، وهذا لا خلاف فيه، فإن صار السواد ستة عشر فهي فاقدة للتمييز بالاتفاق فترد إلى يوم وليلة.
(1/207)

[الثانية: مبتدأة لا تمييز لها]
(1/208)

- الثانية: مبتدأة لا تمييز لها: بأن يكون جميع دمها بصفة واحدة، أو يكون قوياً وضعيفاً وفقد شرط من شروط التمييز فينظر فيها فإن لم تعرف وقت ابتداء الدم فحكمها حكم المتحيرة، وإن عرفته تحيضت يوماً وليلة، ويكون باقي الشهر طهراً، وهكذا يكون دورها أبداً ثلاثين.
وإذا رأت المبتدأة الدم في أول أمرها أمسكت عن الصوم والصلاة وغيرهما مما تمسك عنه الحائض، رجاء أن ينقطع لخمسة عشر يوماً فما دونها، فيكون كله حيضاً، فإذا استمر وجاوز الخمسة عشر علمنا أنها مستحاضة، فترد إلى يوم وليلة (هذا إذا لم تميز، كما هو معلوم) فإذا استمر بها الدم في الشهر الثاني وجب عليها الغسل عند انقضاء المرد، ولا تمسك إلى آخر الخمسة عشر لأنا علمنا في الشهر الأول أنها مستحاضة، فالظاهر أن حالها في هذا الشهر كحالها في الأول، وهكذا حكم الشهر الثالث وما بعده.
ومتى انقطع الدم في بعض الشهور لخمسة عشر فما دونها تبينا أن جميع الدم في ذلك الشهر حيض فيتدارك ما ينبغي تداركه من صوم وغيره، مما فعلته بعد المرد، وتبينا أن غسلها بعد المرد لم يصح لوقوعه في الحيض، ولا إثم عليها فيما فعلته بعد المرد من صوم وصلاة وغيرها لأنها معذورة. وتثبت الاستحاضة بمرة واحدة بلا خلاف أي إذا استحاضت في الشهر الأول اعتبرناها مستحاضة في الشهر الثاني إلا إذا ثبت غير ذلك.
(1/209)

[الثالثة: معتادة غير مميزة]
(1/210)

- الثالثة: معتادة غير مميزة: وهي التي كانت تحيض من كل شهر أياماً، ثم عبر الدم عادتها وعبر الخمسة عشر، ولا تمييز لها. فإن كانت لها عادة دون خمسة عشر فرأت الدم وجاوز عادتها عليها الإمساك عما تمسك عنه الحائض لاحتمال الانقطاع قبل مجاوزة خمسة عشر فيكون الجميع حيضاً، ولا خلاف في وجوب هذا الإمساك، ثم إن انقطع على خمسة عشر يوماً فما دونها فالجميع حيض، وإن جاوز خمسة عشر علمنا أنها مستحاضة فيجب عليها أن تغتسل، ثم ما دامت غير مميزة، ترد إلى عادتها فيكون حيضها أيام العادة في القدر والوقت، وما عدا ذلك فهو طهر تقضي الصلوات التي فاتتها فيها
ملاحظة: ترد إلى ما اعتادته من الحيض والطهر، ويكون هذا دورها، فإن كانت عادتها أن تحيض يوماً وليلة وتطهر خمسة عشر ثم يعود الحيض في السابع عشر فدورها ستة عشر يوماً، وإن كانت تحيض ستة أيام وتطهر أربعة وعشرين يوماً، فدورها ثلاثون يوماً ثم إن استمر بها الدم في الشهر الثاني، وجاوز العادة، اغتسلت عند مجاوزة العادة، لأنا علمنا في الشهر الأول أنها مستحاضة، فتغتسل في كل شهر عند مجاوزة العادة، فتصلي وتصوم، فإن انقطع دمها على خمسة عشر يوماً فما دونها، علمنا أنها ليست مستحاضة في هذا الشهر، وأن جميع ما رأته فيه حيض، وتبين أن كل ما أتت به في هذه الأيام من صوم أو صلاة، أو طواف أو اعتكاف، كان باطلاً لمصادفته الحيض، وتثبت العادة بمرة واحدة على الأصح، وإن كانت عادتها مختلفة - مرة خمسة ومرة سبعة أيام مثلاً- فترد إلى العادة المتقدمة على الاستحاضة.
(1/211)

[الرابعة: المعتادة الذاكرة المميزة]
(1/212)

- الرابعة: المعتادة الذاكرة المميزة: ترد إلى التمييز لا إلى عادتها، فمثلاً إن كانت تحيض كل شهر خمسة أيام، ثم رأت في شهر عشرة أيام دماً أسود ثم رأت دماً أحمر أو أصفر واتصل ردت إلى التمييز، وجعل حيضها أيام السواد
هذا إذا لم يتخلل بين الدم أقل الطهر، أما إذا تتخلل بينهما أقل الطهر، فإن رأت عشرين فصاعداً دماً ضعيفاً، ثم خمسة قوياً، ثم ضعيفاً، وعادتها القديمة خمسة، فقدر العادة من الضعيف حيض، والقوي حيض آخر، لأن بينهما طهراً كاملاً.
(1/213)

كتاب الصلاة
(1/214)

الباب الأول [تعريف، حكم، شروط، وأوقات الصلاة ... ]
(1/215)

التعريف بالصلاة:
(1/216)

- هي لغة: الدعاء، بدليل قوله تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} (التوبة: 103) أي ادع لهم. وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها عليه.
وشرعاً أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير المقترن بالنية، مختتمة بالتسليم بشرائط مخصوصة
والصلوات المكتوبة خمس لحديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للسائل عن الإسلام: (خمس صلوات في اليوم والليلة) فقال: هل علي غيرهن؟ قال: (لا، إلا أن تطوع) " (مسلم ج 1 / كتاب الإيمان باب 2/8)
(1/217)

حكم الصلوات الخمس المكتوبة:
(1/218)

- هن فرض، ودليل الفرضية قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} (النساء 103) أي فرضاً موقتاً بوقت. والحديث المتقدم أعلاه. وقد أجمعت الأمة على أنهن فرض عين، وعلى أنه لا فرض عين من الصلوات سواهن.
(1/219)

شروط الصلاة:
(1/220)

شروط وجوب الصلاة:
(1/221)

- 1- الإسلام: فلا تجب الصلاة على الكافر الأصلي، ولا يجب عليه قضاؤها إذا أسلم، لقوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلم} (الأنفال: 38) ولأن في إيجاب ذلك عليه تنفيراً فعفي عنه.
-2- البلوغ: فلا تجب الصلاة على الصبي والصبية لما روي على علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل) (أبو داود ج 4/ كتاب الحدود باب 16/4403) ولا يجب عليهما القضاء إذا بلغا لأن زمن الصغر يطول، فلو أوجبنا القضاء لشق فعفي عنهما، لكن يندب لهما قضاء ما فات زمن التمييز دون ما قبله.
وإذا بلغ الصبي بعد أداء الصلاة، وقبل خروج وقتها أجزأته صلاته، ولا تجب عليه الإعادة، لكن تستحب (بخلاف الحج فتجب عليه إعادته لأن وجوبه في العمر مرة، فاشترط وقوعه حال الكمال) ويجب على أصوب الصبي والصبية، وعلى المعلم والوصي والقيم والملتقط ومالك الرقيق أن يأمروهما - إذا بلغا سبع سنين وهما مميزان - بالصلاة وما تتوقف عليه من وضوء وطهارة (ويقاس على أمر الصبي بالصلاة والطهارة سائر الوظائف الدينية وتعريفه بتحريم الزنى وشبهه، والخمر، والغيبة، وما إلى ذلك) لقوله تعالى {وأمر أهلك بالصلاة} (طه 132) فإن لم يكونا مميزين لم يؤمرا لأنهما لا تصح من غير مميز
أما لو حصل التمييز قبل إتمام السبع فلا يجب الأمر. والحكمة من ذلك التمرين على العبادة ليعتادها فلا يتركاها إن شاء الله، ولا يقتصر الأمر على مجرد الصيغة، بل لا بد معه من التهديد كأن يقول: صل وإلا ضربتك.
ويضرب الصبي والصبية على ترك الصلاة ونحوها بعد تمام عشر سنين، ضرباً رفيقاً غير عنيف لأنه للتأديب لا للعقوبة، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر) (أبو داود ج 1 / كتاب الصلاة باب 26/495) وأمر الصبي بالصلاة وضربه عليها فرض كفاية على من تقدم ذكرهم (معنى فرض الكفاية: أنه إذا فعله من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثموا كلهم)
-3- العقل: فلا تجب على من زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض أو سكر لحديث علي رضي الله عنه المتقدم: (رفع القلم عن ثلاثة) فنص على المجنون، وقسنا عليه كل من زال عقله بسبب مباح، ولا قضاء على هؤلاء إذا أفاقوا، ولكن يستحب، هذا إذا لم يوجد منهم تعد، أما إذا وجد فقد وجب القضاء لأنه زال عقله بمحرم فلم يسقط عنه الفرض.
-4- سلامة حاستين البصر والسمع: فلا تجب على من خلق أعمى أصم ولو كان ناطقاً وكذا من طرأ له ذلك قبل التمييز، بخلاق ما لو طرأ ذلك بعد التمييز لأنه يعرف الواجبات حينئذ فإذا ردت إليه حواسه لم يجب عليه القضاء.
-5- بلوغ الدعوة: فلا تجب على من لم تبلغه كن نشأ في شاهق جبل أو في بادية بعيدة عن العلماء، وإذا بلغته لم يجب عليه قضاء ما فاته قبل بلوغها إياه
-6- النقاء من الحيض والنفاس: فلا تجب على حائض أو نفساء، ولا قضاء عليهما، ولا يندب، لكن يصح وينعقد نفلاً
حكم تارك الصلاة: تارك الصلاة إما أن يتركها جاحداً بها أو غير جاحد، فمن جحد وجوبها كفر وقتل بكفر (وحكم المقتول بكفر أنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين) سواء ترك فعلها في الصورة أم لا، وترتبت عليه أحكام المرتدين كلها، إذا كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ في شاهق جبل أو في بادية بعيدة عن العلماء. لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (مسلم ج 1 / كتاب الإيمان باب 35/134) وأما إذا أنكر شيئا لم يجمع على وجوبه كإنكار وجوب الوتر فلا يحكم عليه بالكفر.
وأما من ترك الصلاة غير جاحد بها فقسمان:
أحدهما: تركها لعذر كنوم ونسيان ونحوهما فعليه القضاء فقط ووقته موسع ولا إثم عليه.
والثاني: تركها تهاوناً وتكاسلاً فهذا آثم، ويجب قتله إذا أصر على ترك صلاة واحدة فيستتاب في الحال استحباباً، فإن لم يفعلها حتى خرج وقتها، حتى وقت العذر (كوقت العصر هو وقت للظهر، ووقت العشاء هو وقت للمغرب في حال الجمع فلا يقتل في ترك صلاة الظهر حتى تغرب الشمس، ولا في ترك المغرب حتى يطلع الفجر، ويقتل في ترك صلاة الفجر بطلوع الشمس) فيما لها عذر فيقام عليه الحد بضرب عنقه (والقتل منوط بالحاكم، لكن لو قتله إنسان أثم، ولا ضمان عليه) لكن لا يكفر فيغسل، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين
(1/222)

شروط صحة الصلاة
(1/223)

1- الإسلام: أي أن لا يكون مرتداً، أما المرتد فتجب عليه الصلاة في الحال، لكنها لا تصح منه حتى يعود إلى الإسلام، وإذا أسلم يلزمه أداء ما فاته أو ما صلاه في الردة، لأنه اعتقد بوجوبها، وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث
ولو ارتد ثم جن وجب عليه قضاء الصلاة التي فاتته زمن الجنون الواقع في فترة الردة لأن إسقاط الصلاة على المجنون رخصة (بالرخصة ينتقل المكلف من وجوب الفعل إلى جواز الترك) والمرتد ليس من أهل الرخص بخلاف الحائض أو النفساء فلو ارتدتها ثم حاضتا لم يجب عليهما قضاء الصلاة زمن الحيض إن عادتا إلى الإسلام لأنهما بالحيض والنفاس انتقلتا من وجوب الفعل إلى وجوب الترك لا جوازه.
(1/224)

2- التمييز: ليعرف كيفية الصلاة، يميز فرائضها عن سنتها، وكيفية الإتيان بالفرائض على وجهها الصحيح، لأن العلم بفرضية الصلاة ومعرفة أعمالها شرط لصحة الصلاة، فاشترط التمييز لأجله.
(1/225)

3- العلم بدخول الوقت: إما بنفسه، أو بإخبار ثقة عن علم مثل أذان المؤذن العارف في الصحو (يمتنع على المصلي الاجتهاد في هذه الحال. هذا في المؤذن العارف بأوقات الصلاة، المتعلم، أما المؤذنون في هذا الوقت فإنهم يعتمدون على الساعة، فلا نصلي بمجرد سماع الأذان بل نتربص حتى يغلب على الظن دخول الوقت، ونرجع في التوقيت على عدة ساعات فلا نعتمد ساعة واحة، ولا مؤذناً واحداً) أو ظن دخول الوقت بالاجتهاد، فإن عجز عن الاجتهاد قلد المجتهد، هذا في حق البصير، أما الأعمى فله أن يقلد المجتهد حتى مع القدرة على الاجتهاد.
فلو صلى بغير علم أو ظن أو تقليد لم تصح صلاته لفقدان شرط دخول الوقت أما إذا صلى مجتهداً بدخول الوقت ثم تبين له أن صلاته كانت قبل الوقت وقعت هذه الصلاة عن فائتة من جنسها إن كان عليه فائتة، وإلا وقعت نفلاً مطلقاً. والدليل قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً}
(1/226)

4- الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر بالوضوء والغسل أو بالتيمم عنهما، بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} (1، 2) المائدة: 6) وقوله تعالى {وإن كنتم جنباً فاطهروا} وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول) (مسلم ج 1 / كتاب الطهارة باب 2)
أما فاقد الطهورين - الماء والتراب- فتجب عليه الصلاة على حسب حاله مع وجوب الإعادة، وإذا كان يرجوا إيجاد أحدهما فيؤخر صلاته وينتظر إلا إذا ضاق الوقت، أما إن يئس من وجودهما فيصلي ولو من أول الوقت (سبق تفصيل صلاة فاقد الطهورين في كتاب الطهارة، باب التيمم)
(1/227)

5- طهارة الثوب والبدن والمكان من الخبث:
ودليل طهارة الثوب قوله تعالى: {وثيابك فطهر} (المدثر 4) وما روي عن أبو هريرة رضي الله عنه: أن خولة بنت يسار أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنه ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فكيف أصنع؟ قال: (إذا طهرت فاغسليه ثم صلي فيه) فقالت: في لم يخرج الدم؟ قال: (يكفيك غسل الدم ولا يضرك أثره) " (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 132/365)
ودليل طهارة البدن حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي") (البخاري ج 1/ كتاب الحيض باب 8/300) ولحديث المعذبين في القبر
ودليل طهارة المكان حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوه، وهريقوا على بوله سَجْلاً (السجل الدلو العظيمة فيها ماء قل أو كثر) من ماء أو ذنوباً (الذنوب: الدلو) من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) " (البخاري ج 1 / كتاب الوضوء باب 57/217)
وإذا صلى المرء وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة دون أن يعلمها، أو علمها ثم نسيها لم تصح صلاته، وعليه إعادة الصلاة إذا تذكر ذلك، ويعيد كل صلاة تيقن فعلها مع النجاسة.
ولو سلم من صلاته ثم رأى عليه نجاسة يجوز أنها كانت في الصلاة ويجوز أنها حدثت بعدها فصلاته صحيحة، وتستحب إعادتها.
ومن رأى في ثوب المصلي أو بدنه أو المكان الذي يصلي فيه نجساً يجهله وجب عليه إعلامه إذا علم أن ذلك مبطل للصلاة في مذهبه (أي مذهب المصلي)
ومن تنجس بعض بدنه أو ثوبه وجهل موضع النجاسة وجب عليه غسل جميعه دون أن يجتهد.
وإن كان على ثوبه نجاسة غير معفو عنها، ولم يجد ماء يغسلها به صلى عرياناً ولا يعيد لأن الصلاة مع العري يسقط بها الفرض ومع النجاسة لا يسقط، فإن اضطر إلى لبسه لحر أو برد أو غيرهما صلى فيه، وأعاد إذا قدر لأنه صلى بنجس نادر فلا يسقط معه الفرض.
ولو كان معه ثوب طرفه نجس وليسمعه ماء يغسله به، وأمكنه قطع موضع النجاسة، فإن كان ينقص بالقطع قدر أجرة ثوب يصلي فيه لو اكتراه لزمه قطعه، وإن كان أكثر فلا يلزمه، ويصلي عرياناً ويعيد.
وإذا كان على بدنه نجاسة غير معفو عنها ولم يجد ما يغسلها به صلى وأعاد لحرمة الوقت، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (البخاري ج 6 / كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب 2/6858)
وتجب طهارة الموضع الذي يلامسه في قيامه وقعوده وسجوده، ولو ظناً، سواء ما تحته، وما فوقه من سقف، وما بجنبيه من حائط وغيره، فإن فرش بساطاً طاهراً على مكان نجس وصلى عليه صحت صلاته، وإن لاقى بعض بدنه أو ثوبه النجاسة، في صلاته سواء على السقف أو الحائط أو غيره لم تصح صلاته إلا أن تكون النجاسة جافة وفارقها بسرعة فيعفى.
وإذا كان على البساط أو الحصير ونحوهما نجاسة فصلى على الموضع النجس لم تصح صلاته، وإن صلى على موضع طاهر منه صحت صلاته.
وإن كان عليه ثوب طاهر وطرفه موضوع على نجاسة، كالعمامة على رأسه وطرفها على أرض نجسة لم تجز صلاته، لأنه حامل لما هو متصل بنجاسة، وكذلك لو مسك المصلي طرف حبل مربوط في عنق كلب لم تصح صلاته، أما لو جعل طرف الحبل تحت قدمه فلا يكون محمولاً، وتصح الصلاة.
ومن النجاسة الوشم فيجب عليه نزعه إن أمن ضرراً يبيح التيمم، وإلا فلا، هذا إن كان فعله بعد التكليف، أما إن فعله قبل التكليف فلا يضر، ولا تجب إزالته.
ويعفى عن ذرق الطير في الأماكن لمشقة الاحتراز منه، ولكن بقيود ثلاثة:
(1) أن يشق الاحتراز منه بحيث لو كلف العدول عن المكان إلى غيره لشق عليه.
(2) ألا يتعمد الوقوف عليه.
(3) جفاف الذرق وأعضاء المصلي.
ويعفى عن محل الاستجمار ولو عرق، وعن طين الشارع الذي تيقنت نجاسته والذي يتعذر الاحتراز منه غالباً (إنما يكون العفو عن الطين إذا اختلطت النجاسة به ولم تظهر عينها، أما إن بقيت عينها ظاهرة فلا عفو مطلقاً، وأما إن لم تتحقق النجاسة فالعفو مطلق لأن الأصل الطهارة) كما يعفى عن النجاسة التي لا يدركها الطرف
ويعفى عن قليل وسخ البراغيث والقمل والبعوض والبق والذبابـ، وبول الخفاش، وسلس البول، ودم الاستحاضة، وما القروح والنَفَطات (النَفْطة والنِفطة والنَفِطة: البثرة، أو بثرة الحرق)
أما دم البثرات، والدماميل، والروح، والقيح، والصديد، وموضع الحجامة والفصد فحاصل المسائل فيها بالنظر إلى العفو وعدمه أنها ثلاثة أقسام:
(1) ما لا يعفى عنه مطلقاً - قليلاً كان أو كثيراً - وهو المغلظ - من نحو الكلب أو خنزير - وما تعدى بتضمخه (أي بتلطخه كما يفعل بعض العوام من تلطيخ أنفسهم بدماء الذبائح) ، وما اختلط بأجنبي غير ضروري (أي اختلاط النجاسة المعفو عنها بشيء آخر لا ضرورة له، ولو كان طاهراً، أما إذا اختلطت بأجنبي ضروري كماء الطهارة والشرب، فالعفو باقٍ)
(2) ما يعفى عن قليله دون كثيره والدم الأجنبي والقيح الأجنبي، سواء كان من نفسه، كأن انفصل منه ثم عاد إليه أو من غيره، إذا لم يكن من مغلظ، ولم يتعد بتضمخه.
(3) الدم والقيح غير الأجنبيين، كدم الدمامل والقروح والبثرات وموضع الفصد والحجامة بعد سده بنحو قطنة فيعفى عن كثيره كما يعفى عن قليله وإن انتشر بعرق، للحاجة، ما لم يكن بفعله، أو ينتقل عن محله الذي يغلب سيلانه إليه، وإلا عفي عن قليله، ويندرج تحت عبارة ما لم يكن بفعله ما يقع من وضع لصوق على الدمل ليكون سبباً في فتحه وإخراج ما فيه، فيعفى عن قليله وكثيره، أما ما يقع كثيراً من أن الإنسان قد يفتح الدمل بآلة قبل انتهاء المدة فيه مع صلابة المحل، ثم تنتهي مدته بعد فيخرج من المحل دم كثي ونحو قيح، فهذا لا يعفى عنه، على الأرجح، لأن خروجه مرتب على الفتح السابق، فكأنه خرج بفعله.
(1/228)

6- سترة العورة:
العورة لغة: مأخوذة من العور، وهو النقص والقبح والعيب، وسميت كذلك لقبح منظرها ولغض الأبصار عنها.
وشرعاً: ما يجب ستره، وتطلق على ما يحرم النظر إليه.
وستر العورة في الصلاة شرط لصحتها بالإجماع، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (ابن ماجة ج 1 / كتاب الطهارة باب 132/655، المراد من الحائض في الحديث البالغة) ولقوله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا} الأعراف: 28) قال مجاهد في تفسير هذه الآية" كان المشركون يطوفون بالبيت عراة" (تفسير ابن كثير ج 2/ص 208) وعن بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده قال: "قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك) قال: قلت يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض قال: (إن استطعت ألا يرينها أحد فلا يرينها قلت يا رسول الله إذا كان أحدنا خالياً؟ قال (الله أحق أن يستحيا منه من الناس) " (أبو داود ج 4/كتاب الحمام باب 3/4017) وفيما يلي بيان حد العورة في الصلاة:
أما عورة الرجل فما بين السرة والركبة، وهما ليستا منها، لحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرة من العورة) (الدارقطني ج 1/ ص 231)
ولكن لا بد من ستر جزء منهما ليتحقق ستر الجزء المجاور لهما من العورة، لأن ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب.
أما عورة المرأة في الصلاة فجميع بدنها عدا الوجه والكفين ظهراً وبطناً إلى الكوعين (الكوع: طرف الزند الذي يلي الإبهام) لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} (النور: 31) قال ابن عباس رضي الله عنهما: وجهها وكفيها والخاتم (تفسير ابن كثير ج 3/ص 283)
على أنه يجب ستر الوجه والكفين إذا خشيت الفتنة لدرء المفسدة، لكن ترفع الغطاء عن وجهها عند السجود لتلامس جبهتها الأرض.
ويجب أن يكون الستر من الأعلى والجوانب، فإذا كانت عورته ترى من طوقه أو كمه - أثناء ركوعه وسجوده - لسعته ضر ذلك، أما لو كانت عورته ترى من الأسفل فذلك لا يضر.
ويكون الستر بطاهر لا يصف لون البشرة، من ثوب صفيق أو جلد أو ورق (أما ظهور شكلها فلا يبطل الصلاة وإن كره، حتى لو ستر عورته بالطين جاز، فالسراويل الضيقة تحقق الستر إلا أنها مكروهة عند القدرة على استعمال العريضة، أما الحناء فإنها تمنع لون البشرة لكنها لا تحقق الستر، وكذلك مهلهل النسيج كالثياب والجوارب الشفافة. ويشترط في الساتر أن يشمل المستور، إما باللبس كالثوب والجلد ونحوهما، وإما بغيره كالتطيين
ويسن للمصلي أن يلبس أحسن ثيابه، لقوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} (الأعراف: 31)
ويسن للرجل أن يصلي في ثوبين قميص ورداء، أو قميص وإزار (الإزار: ثوب يحيط بالنصف الأسفل من البدن) أو قميص وسراويل لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان لأحدكما ثوبان فليصل فيهما فإن لم يكن له إلا ثوب واحد فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود) (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 82/635، واشتمال اليهود المنهي عنه هو أن يجلل بدنه بالثوب ويسبله من غير أن يُشيل - أي يرفع - طرفه) كما يسن له أن يصلي معتماً
ويسن للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: خمار تغطي به الرأس والعنق، ودرع يغطى به البدن والرجلين، وملحفة صفيقة تستر الثياب، تكشفها وتجافيها راكعة وساجدة لئلا تصفها الثياب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "تصلي المرأة في ثلاثة أثواب، درع وخمار وإزار" (البيهقي ج 2/ ص 235)
ولا تصح صلاة من انكشفت عورته، سواء اتسع المنكشف أم ضاف وكان أدنى جزء، وسواء في هذا الرجل والمرأة، وسواء المصلي في حضرة الناس والمصلي في الخلوة، وسواء صلاة النفل والفرض والجنازة والطواف وسجودا التلاوة والشكر.
ولو صلى في سترة ثم بعد الفراغ علم أنه كان فيها خرق تبين منه العورة وجبت إعادة الصلاة على المذهب، سواء كان علمه ثم نسيه، أم لم يكن يعلمه، فإن احتمل حدوث الخرق بعد الفراغ من الصلاة فلا إعادة عليه, وكذلك لو كشفت الريح الثوب عن شيء من عورة المصلي، رجلاً كان أو امرأة، فإن رده في الحال لم تبطل صلاته، وإن تأخر بطلت مهما ضاق المكشوف.
ولو وجد ما يستر به بعض العورة فقط لزمه التستر به، ولو اجتمع رجل وامرأة وهناك سترة تكفي لأحدهما قدمت المرأة
فإن عجز المكلف عن ساتر يستر به عورته وكان في الظلمة فيصلي عارياً، ولا يومئ بالركوع والسجود بل يتمهما، ولا إعادة، والعاجز عن الستر هو الذي لم يجد ما يستر به عورته أصلاً، أو وجده متنجساً ولم يستطع الحصول على ماء يطهره به، أو حبس في مكان نجس وليس معه إلا ثوب يفرشه على النجاسة ففي هذه الحالات يصلي عارياً ولا إعادة عليه، ولا يلزمه قبول هبة ثوب للمنة، لكن يجب عليه سؤال الإعارة ممن ظهر منه الرضا به لضعف المنة فإن لم يقبل العارية لم تصح صلاته لقدرته على الستر، ويحرم عليه أخذ ثوب غيره منه قهراً، فإن فعل أثم وصلاته صحيحة.
(1/229)

7- استقبال القبلة:
ودليله قوله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} (البقرة: 144، 149، والمراد هنا بالمسجد الحرام الكعبة نفسها، وبالشطر الجهة) ويقصد باستقبال القبلة استقبال عين الكعبة لمن كان قريباً منها، فمن كان يصلي في المسجد الحرام أو في البيوت القريبة من المسجد فهذا لا بد له من يقين الاستقبال.
أما من كان بعيداً غير قادر على المشاهدة ولو كان بمكة ففرضه أن يصيب باستقباله جهة الكعبة بالاجتهاد. وأما إن كان داخل الكعبة فلا بد له من أن يرى شاخصاً منها بقدر ثلثي ذراع فأكثر تقريباً، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه عندما دخل الكعبة صلى إلى الجهة المقابلة للباب أي إلى الجدار الواقع ما بين الركنين الشامي واليماني، وعن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم، فلما فتحوا كنت أول من ولج، فلقيت بلالاً، فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نعم، بين العمودين اليمانيين" (البخاري ج 2/كتاب الحج باب 50/ 1521)
وعلى البعيد عنها أن يتجه إليها عن علم، حتى الأعمى، إذا دخل المسجد فعليه أن يتعرف جهة القبلة بملامسته للمحراب، وإلا اعتمد خبر ثقة عن علم.
وإذا جهل المصلي جهة القبلة اجتهد بالدلائل مثل نجم القطب (نجم صغير يكاد ألا يرى، ثابت لا يتحرك في مجموعة بنات نعش الصغرى وهي سبعة أنجم تدور حول القطب) ويستدل بهذا النجم على القبلة في كل جهة بحسبها ففي الشام يجعله المصلي وراءه، وفي مصل يجعله خلف أذنه اليسرى، وفي العراق خلف أذنه اليمنى، وفي اليمن أمامه مما يلي جانبه الأيسر. ومن الدلائل أيضاً الشمس والقمر. فإن لم تتوفر في الشخص القدرة على الاجتهاد كأن كان أعمى البصر والبصيرة قلد مجتهداً وإن تحير وصلى بغير اجتهاد لحرمة الوقت لزمته الإعادة
ويجتهد لمعرفة القبلة في كل فرض.
وإذا تيقن المصلي خطأ اتجاهه وهو في الصلاة، أو بعدها، استأنفها (الاستئناف: الابتداء) أما إذا تغير اجتهاده بعد الصلاة فإنه يعمل باجتهاده الجديد في المستقبل ولا يقضي الفرض الذي صلاه على اجتهاده الأول، وإذا تغير اجتهاده وهو في الصلاة استدار وبنى على ما صلى.
ويجوز ترك استقبال القبلة في حالتين:
آ - في صلاة شدة الخوف، على تفصيل فيها سيأتي في موضعه، سواء كانت الصلاة فرضاً أم نفلاً، ولا إعادة عليه.
ب- في النافلة، في السفر المباح، على راحلة سائرة (ويدخل في حكم الراحلة السيارة والسفينة والطائرة وأي مركوب من المركوبات الحديثة إذا كانت ضيقة بحيث لم يستطع الإنسان استقبلا القبلة، وأما إن كانت واسعة واستطاع الاستقبال فلا يجوز تركه) والمراد بقولنا النافلة: الراتبة والمؤقتة، فيخرج به المنذورة فهي كالفريضة لا بد فيها من استقبال القبلة، وكذلك صلاة الجنازة، فهي فرض ولو على الكفاية، وصلى الصبي فهي فريضة ولو صورة، والمعادة من الفرائض، فلا بد في هذه الصلوات كلها من استقبلا القبلة (إذا أدركت المسافر الصلاة المفروضة في الطائرة أو الباخرة ولم يكن بالإمكان جمعها مع صلاة أخرى، كصلاة الفجر مصلاً، ولم يتمكن من استقبلا القبلة، ترك الاستقبال، وكذا أي ركن عجز عنه، ولا إعادة عليه أما في السيارة فلا بد من النزول والاستقبال)
ويخرج بقولنا السفر المباح ما لو كان عاصياً بسفره، كالمسافر للسرقة، أو لقطع الطريق أو كان هائماً (الذي خرج لا يدري إلى أين هو ذاهب) فلا يجوز له ترك الاستقبال.
كما يخرج بقولنا راحلة سائرة أن تكون الراحلة واقفة، فلا يجوز في هذه الحال ترك الاستقبال.
ودليل جواز الترك حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة" (البخاري ج 1/ كتاب تقصير الصلاة باب 9/1048)
ولا يشترط لراكب الدابة أن يضع جبهته على سرجها في السجود وإنما يكفي أن يومئ بركوعه وسجوده، ويكو سجوده أخفض من ركوعه (أما إذا كان المركوب واسعاً بحيث يمكنه إتمام الركوع والسجود فيتمهما) أما المسافر ماشياً فيستقبل القبلة في أربعة مواطن ويمشي في أربعة: يستقبلها في الإحرام والركوع، والسجود والجلسة بين السجدتين، ولا يكفي الإيماء بالركوع والسجود، وإنما يجب أن يتمهما، ويمشي في القيام والاعتدال والتشهد والسلام، وقبلته في أثناء ذلك هي مقصده.
(1/230)

مواقيت الصلاة:
(1/231)

- المواقيت جمع ميقات، والمراد به الوقت الذي عينه الله لأداء هذه العبادة، وهو القدر المحدد للفعل من الزمان.
والأصل في مواقيت الصلاة قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه ... } (سورة ق: 39)
فأراد بالأول الصبح، وبالثاني الظهر والعصر، وبالثالث المغرب والعشاء.
وقد جاء تحديد مواقيت الصلوات الخمس في أحاديث منها:
ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمني جبريل عليه السلام عند البيت مرتين، فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء (الفيء لا يكون إلا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال، أما الظل فيكون من أول النهار إلى آخره) مثل الشراك (أحد سيور النعل التي تكون على وجهها، وليس الشراك هنا للتحديد بل لأن الزوال لا يبين بأقل منه) ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم، وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض ثم التفت إلي جبريل فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين) (الترمذي ج 1/ أبواب الصلاة باب 113/149)
(1/232)

- صلاة الظهر:
بدأ الله تعالى بصلاة الظهر إذ قال عز من قائل: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} (الإسراء: 78) أي زوالها.
وسميت بصلاة الظهر إما لأنها أول صلاة ظهرت في الإسلام؛ فهي أول صلاة صلاها جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإما لأنها ظاهرة في وسط النهار.
وأول وقت الظهر: كما يتبين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما - هو زوال الشمس أي ميلها عن وسط السماء، ويعرف ذلك بتحول الظل إلى جهة المشرق بعد أن يتناهى قصره وقت استواء الشمس (الاستواء هو حال وجود الشمس وسط السماء عمودية على الأرض) وآخر وقت الظهر: إذا صار ظل كل شيء مثله، مضافاً إليه ظل الاستواء.
تقسيم أوقات الظهر من حيث المثوبة:
-1- وقت فضيلة: وهو أول الوقت بحيث يسع الاشتغال بأسباب الصلاة وما يطلب فيها ولأجلها من وضوء أو غسل أو ستر عورة وتجمل، وإزالة نجاسة، ويسع الصلاة فرضها ونفلها، مؤكداً أو غير مؤكد (وما ذكرنا هو وقت الفضيلة في الصلوات الخمس كلها) والمراد بالفضيلة الثواب الزائد على ما يحصل بفعلها بعد هذا الوقت. ودليل فضيلة هذا الوقت ما روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) " (البخاري ج 1/ كتاب مواقيت الصلاة باب 4/504)
-2- وقت اختيار: وهو يبدأ مع وقت الفضيلة إلى أن يبقى من الوقت ما يسع الصلاة.
-3- وقت جواز بلا كراهة: يبدأ أيضاً مع وقت الفضيلة إلى أن يبقى من الوقت ما يسع الصلاة.
-4- وقت حرمة:
وهو الوقت الذي يحرم تأخير الصلاة إليه، وهو آخر الوقت بحيث يبقى منه ما لا يسع الصلاة، فتأخيرها إلى هذا الوقت حرام، إلا أنها واجبة الأداء فيوقتها، ويحرم ترك أدائها فيه.
-5- وقت ضرورة: وهو آخر الوقت إذا زالت الموانع، والباقي من الوقت قدر التكبيرة فأكثر.
-6- وقت عذر: وهو وقت العصر لمن يجمع الظهر جمع تأخير.
-7- وقد زاد بعضهم وقت إدراك، وهو الوقت الذي طرأت الموانع بعده، بحيث مضى من الوقت مدة أقلها ما يسع الصلاة فقط للسليم، أو ما يسع الصلاة وطهرها إن كان دائم الحدث، ولم يصل، أي تحققت بذمته وعليه قضاؤها بعد زوال المانع.
(1/233)

- صلاة العصر:
سميت بذلك لمعاصرتها وقت الغروب، وهي الصلاة الوسطى، قال تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} (البقرة: 238)
وأول وقتها: عندما يصبح ظل الشيء مثله مضافاً إليه ظل الاستواء.
وآخره: غروب الشمس بجميع قرصها.
تقسيم أوقات العصر من حيث المثوبة:
-1- وقت فضيلة.
-2- وقت اختيار: ويبدأ مع وقت الفضيلة ويستمر إلى أن يصبح ظل الشيء مثليه بالإضافة إلى ظل الاستواء.
-3- وقت جواز بلا كراهة: يبدأ مع وقت الفضيلة وينتهي باصفرار الشمس.
-4- وقت جواز مع الكراهة: يبدأ من اصفرار الشمس إلى أن يبقى من الوقت ما يسع الصلاة. ودليل الكراهة حديث أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 34/195)
-5- وقت حرمة: وهو آخر الوقت بحيث يبقى منه ما لا يسع الصلاة
-6- وقت عذر: وهو وقت الظهر لمن يجمعها جمع تقديم مع الظهر
-7- وقت ضرورة: وهو وقت زوال المانع بحيث يبقى من الوقت ما يسع تكبيرة فأكثر فتجب هي والظهر إن فاتته كذلك (لأن وقت العصر هو وقت للظهر، ووقت العشاء وقت للمغرب في حق أهل العذر، فلو طهرت من الحيض أو النفاس قبل أن يخرج وقت العصر، ولو بقدر يتسع لتكبيرة فأكثر لزمتها هي وما قبلها، فإن لم يتسع الوقت لأداء فرض الوقت صلته قضاء ولا إثم في التأخير، ويقال على الحائض والنفساء في هذه المسألة المجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ)
-8- وقت إدراك
(1/234)

- صلاة المغرب: سميت بذلك لأنها تؤدي وقت الغروب - غروب الشمس بجميع قرصها، ولا يضر بقاء شعاع بعده - لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم أن جبريل عليه السلام صلى المغرب حين غابت الشمس وأفطر الصائم. ولها وقت واحد، وهو مقدار ما يسع التطهير وستر العورة والأذان والإقامة وصلاة خمس ركعات. هذا في الجديد من مذهب الشافعي، لأن جبريل عليه السلام أم النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب في هذا الوقت. لكن المعتمد هنا هو المذهب القديم الموافق لأئمة المذاهب الثلاثة؛ وهو أن وقت المغرب يمتد إلى أن يغيب الشفق الأحمر، يؤيد ذلك أحاديث كثيرة منها: حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ... ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) (مسلم ج 1 / كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 31/173) وفي رواية: (ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق) (مسلم ج 1 / كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 31/174) ، وفي رواية: (ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 31/172، وثور الشفق: ثورانه وانتشاره)
تقسيم أوقت المغرب من حيث المثوبة:
-1- وقت فضيلة.
-2- وقت اختيار
-3- وقت جواز بلا كراهة، وهذه كلها تدخل معاً من الغروب، وتنتهي معاً عندما يمر من الوقت ما يسع الصلاة والاشتغال بأسبابها.
-4- وقت جواز مع الكراهة: يبدأ من انتهاء الأوقات الثلاثة السابقة، ويمتد إلى أن يبقى من الوقت ما يسعها.
-5- وقت حرمة.
-6- وقت عذر: وهو وقت العشاء إذا جمعت معه.
-7- وقت ضرورة.
-8- وقت إدراك.
(1/235)

- صلاة العشاء: العشاء هو اسم لأول الظلام.
وأول وقتها: عقب غيبوبة الشفق الأحمر لحديث ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما المتقدم وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق) والثور هو الثوران، وهذه صفة الأحمر.
وآخره: طلوع الفجر الصادق.
تقسيم أوقات العشاء من حيث المثوبة:
-1- وقت فضيلة
-2- وقت اختيار يمتد إلى ثلث الليل
-3- وقت جواز بلا كراهة: يمتد إلى الفجر الكاذب
-4- وقت جواز مع الكراهة: من الفجر الكاذب إلى أن يبقى من الوقت ما يسعها
-5- وقت حرمة
-6- وقت ضرورة
-7- وقت عذر: وهو وقت المغرب إذا جمعت معه
-8 - وقت إدراك
ويكره النوم قبلها، والحدث بعدها إلا في خير أو حاجة لما روى أبو برزة رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها" (البخاري ج 1/ كتاب مواقيت الصلاة باب 22/543) ولئلا يتأخر عن نومه فتفوته صلاة الليل، أو صلاة الفجر عن وقتها أو عن أوله.
(1/236)

- صلاة الصبح أو الفجر:
الفجر: سمي بذلك من الانفجار، لأنه وقت انفجار الضوء.
والفجر فجران: الفجر الكاذب، وهو الفجر الممتد من الأفق صاعداً إلى الأعلى وسط السماء مستطيلاً بشكل خط وسط السماء يشبه ذنب السرحان (أي الذئب) وتعقبه ظلمة وحقيقته نجوم مجتمعة تظهر قبل الفجر الصادق، أو ما يسمى بالمجرة، ولا يتعلق بالفجر الكاذب حكم في صلاة أو صيام.
والفجر الثاني هو الفجر الصادق، سمي كذلك لدلالته على وجود النهار، ويكون نوره مستطيراً منتشراً عرضاَ في الأفق، والأحكام كلها متعلقة بهذا الفجر.
ومما يستدل به للفجرين من الحديث: ما روى سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن الفجر المستطير في الأفق) (الترمذي ج 3/ كتاب الصوم باب 15/706)
والصبح لغة: أول النهار لاشتماله على بياض وحمرة.
وأول وقت الصبح: عقب طلوع الفجر الثاني.
وآخره: طلوع الشمس، ولو حاجبها، أما طلوع الشعاع فلا يعتبر، لما روى عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) (مسلم ج 1 كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 31/ 173)
ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) (البخاري ج 1/ كتاب مواقيت الصلاة باب 27/544)
وطلوعها كطلوع بعضها بخلاف الغروب.
تقسيم أوقات الصبح من حيث المثوبة:
-1- وقت فضيلة.
-2- وقت اختيار: يستمر إلى الإسفار (ظهور ضوء الصبح) 3- وقت جواز بلا كراهة: يستمر إلى ظهور الحمرة قبل الشمس.
-4- وقت جواز مع الكراهة: يستمر إلى قرب طلوع الشمس بحيث يبقى من الوقت ما يسع الصلاة.
-5- وقت حرمة: عندما يبقى من الوقت ما لا يسعها.
فضلاً عن وقتي الضرورة والإدراك.
(1/237)

متى تجب الصلاة:
(1/238)

- تجب الصلاة في أول الوقت وجوباً موسعاً مستقراً بإمكان فعلها، لقوله تعالى: {أم الصلاة لدلوك الشمس} (الإسراء: 78) فهذا الأمر بإقامة الصلاة تناوله أول الوقت فاقتضى الوجوب فيه ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: (صل الصلاة لوقتها) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 41/238) أي لأول وقتها. لكن هذا الوجوب موسع، مستقر بإمكان فعلها، ومعنى الوجوب الموسع أنه يجوز تأخيرها حتى يبقى من الوقت ما يسعها لأنها تجوز في عموم الأوقات فكان كل وقت لجوازها وقتاً لوجوبها.
فإن دخل وقتها كان المكلف بين أمرين: الصلاة أو العزم عليها وجوباً، فإن لم يصل ولم يعزم أثم، ولو عزم ولم يفعل، ومات مع اتساع الوقت لا يموت عاصياً لأنه مأذون له بالتأخير، ولها وقت محدود (بخلاف الحج، إذ لو أخره مع الاستطاعة ثم مات يموت عاصياً، لأن وقت الحج العمر)
على أن لأدائها في أول الوقت فضلاً عظيماً لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) " (البخاري ج 1/ كتاب مواقيت الصلاة باب 4/504)
وإذا كان أمام المصلي من الوقت ما يسع الواجبات والسنن حين البدء بالصلاة جاز له تطويل القراءة، وإن خرج الوقت قبل أن يتم الصلاة. روى أنس رضي الله عنه " أن أبا بكر رضي الله عنه صلى بالناس الصبح فقرأ بسورة البقرة. فقال له عمر: كادت الشمس أن تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين" (البيهقي ج 2/ ص 389)
ومع ذلك فالأولى ترك التطويل بحيث يخرج الوقت، وفي الحالة السابقة إن أدرك ركعة (تنتهي الركعة بالجلوس بعد السجدة الثانية) في الوقت وقعت الصلاة أداء وإلا فقضاء لا إثم فيه.
وإن شرع في الصلاة والباقي من الوقت ما يسع الواجبات فقط، فالأفضل أن يأتي بالسنن، أي يقصر القراءة، ويأتي بكل من الواجبات والسنن، وإن شرع فيها والباقي من الوقت لا يسع الواجبات فيجب عليه عندئذ الاقتصار على الفرائض.
ومن أدرك ركعة في الوقت فالكل أداء مع الإثم، أو دونها فقضاء مع الإثم للتأخير، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) (البخاري ج 1 / كتاب مواقيت الصلاة باب 28/555)
واختصت الركعة بذلك لاشتمالها على معظم أفعال الصلاة، إذ معظم الباقي تكرار لها. ولا عذر في تأخير الصلاة بحيث يخرج وقتها إلا لنائم أو ناس أو مؤخراً عمداً من أجل الجمع في السفر، لحديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس في النوم تفريط إنما التفريط فيمن لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى حين ينتبه لها) (النسائي ج 1/ص 294)
ويستحب إيقاظ النائم للصلاة لا سيما إن ضاق وقتها لقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 51/268)
(1/239)

حالات يسن فيها تأخير الصلاة استثناء من وفضيلة أول الوقت:
(1/240)

-1- يسن التأخير عن أول الوقت للإبراد (الإبراد: انكسار الوهج والحر) بالظهر (دون الجمعة) في شدة الحر بالبلد الحار، لمن يمضي إلى جماعة بعيدة، وليس في طريقه كنٌّ (الكِنُّ: وقاء كل شيء وستره) يظله، لما روى أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) (البخاري ج 1 / كتاب مواقيت الصلاة باب 9/514)
-2- لمن تيقن الستر آخر الوقت.
-3- لمن تيقن الجماعة آخر الوقت أو ظنها، ولم يفحش التأخير.
-4- في يوم غيم حتى يتيقن الوقت، إلا أن يخاف الفوات.
-5- لمن يدافع الحدث.
-6- لمن حضره طعام وتاق إليه، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 16/67)
-7- للمتيمم الذي تيقن وجود الماء في آخر الوقت.
-8- للمريض الذي لا يقدر على القيام أول الوقت، ويعلم قدرته عليه آخره بالعادة
(1/241)

دلائل دخول الوقت
(1/242)

- من جهل الوقت أخذ بخبر ثقة يخبر عن علم، أو أذان مؤذن عارف، أو صياح ديك مجرب، فإن لم يجد اجتهد بقراءة (مثال ذلك علمه بأنه يستطيع أن يقرأ جزء من القرآن أو جزأين في الوقت بين المغرب والعشاء، فيستطيع عندئذ تحديد الوقت بشكل تقريبي بقدر ما يقرأ من القرآن) أو بحرفة (كأن يعلم القوت الذي يستغرقه إنجاز عمر يقوم به) أو نحو ذلك من كل ما يغلب على ظنه به أن الوقت قد دخل، كورد اعتاد أن يؤديه خلال فترة يعرف مقدارها، ويجوز الاجتهاد لمن لو صبر تيقن، بل حتى للقادر على اليقين حالاً بنحو الخروج من بيت مظلم لرؤية الشمس لأن في الخروج لرؤيتها نوعاً من المشقة، ويتخير الأعمى بين اجتهاده وتقليد اجتهاد ثقة.
فإن تيقن بعد ذلك أن صلاته كانت قبل الوقت قضاها.
(1/243)

قضاء الفائتة ووقته:
(1/244)

- من وجبت عليه الصلاة فلم يصلي حتى فات وقتها لزمه قضاؤها، لحديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها) (مسلم ج 1 / كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 55/316) ، ثم:
-1- إذا كانت الفائتة لعذر (نوم أو نسيان) كان قضاؤها على التراخي، لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: "كنا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم، وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل ووقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس ... حتى استيقظ بصوته النبي صلى الله عليه وسلم فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: (لا ضير أو لا يضير، ارتحلوا) فارتحل، فسار غير بعيد ثم نزل فدعا بالوضوء فتوضأ ونودي بالصلاة فصلى بالناس" (البخاري ج 1/ كتاب التيمم باب 5/337)
فول كانت على الفور لما أخرها صلى الله عليه وسلم حتى خرج من الوادي، ويستحب قضاؤها على الفور قبل الحاضرة ولو فاتت الجماعة ما لم يخف فوات الحاضرة.
-2- إذا كانت الفائتة بغير عذر، كأن أخرها تكاسلاً وتشاغلاً حتى فات وقتها فيجب في هذه الحال القضاء الفوري وقبل الحاضرة لأنه مفرط في التأخير، وأن يستغرق كل وقته في القضاء، في حال كثرة الفوائت، إلا وقت أكله ونومه وكسبه، ويصلي الحاضرة عندما يبقى من الوقت ما يسعها.
ولا تجوز صلاة النافلة ما لم تقض الفوائت، ويندب ترتيب الفوائت بحيث يبدأ بالصبح، وينتهي بالعشاء إذا كان عليه فوائت متعددة، والسبب في التشديد على قضاء الفائتة قبل الحاضرة وقبل النوافل أن الإثم يزداد بازدياد الزمن المار على الفائتة من وقت فواتها.
وإن نسي صلاة ولم يعرف عينها لزمه أن يصلي خمس صلوات.
وتجوز صلاة الفائتة في الأوقات المحرمة التالي بيانها إلا إن تعمد ذلك فلا يجوز.
(1/245)

الأوقات التي يحرم فيها الصلاة النافلة
(1/246)

- خمسة أوقات تحرم فيها صلاة النافلة التي لا سبب لها، أو لها سبب متأخر (سيرد تقسيم الصلاة من حيث السبب في نهاية هذا البال) ولا تنعقد، أما التي لها سبب متقدم أو مقارن فلا تكره، وكذا الصلاة في الحرم (جميع أرض الحرم الذي حده رسول الله صلى الله عليه وسلم من جميع الجهات إلى مكة المكرمة ويدخل في ذلك منى ومزدلفة إلى قبيل عرفة وهو معلوم بعلائم موجودة) تجوز في أي وقت سواء كان لها سبب أم لا لما رواه جُبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار) (النسائي ج 1 ص 284) وهذه الأوقات منها وقتان يتعلقان بالفعل وثلاثة تتعلق بالزمن، فالأوقات المحرمة حرمة متعلقة بالفعل هي:
-1- بعد صلاة الصبح، ويستمر إلى أن تطلع الشمس، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بعد الصبح حتى ترتفع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس) (البخاري ج 1/ كتاب مواقيت الصلاة باب 30/561)
-2- بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولو صلاها مجموعة مع الظهر جمع تقديم للحديث السابق.
وأما الأوقات المحرمة حرمة متعلقة بالزمن فهي:
-1- عند طلوع الشمس: وتبدأ الحرمة من بدء طلوع الشمس إلى أن تتكامل وترتفع في السماء قدر رمح (سبعة أذرع من ذراع الآدمي. لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع، وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب) (البخاري ج 1/ كتاب مواقيت الصلاة باب 29/558)
-2- عند استواء الشمس، وتستمر الحرمة حتى تزول الشمس من وسط السماء إلى جهة المغرب، ويستثنى من ذلك يوم الجمعة فلا تحرم الصلاة فيه وقت الاستواء سواء كان حاضراً الجمعة أم لا، لما روي عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: (إن جهنم تُسجّر إلا يوم الجمعة) " (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 223/1083)
-3- عند الغروب: تبدأ الحرمة باصفرار الشمس (وإن لم يصل العصر بعد) حتى تكامل غروبها بدليل حديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم: (وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب)
وروى مسلم عن عقبة بن عامر الجُهَني رضي الله عنه قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حتى تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة (عندما يقف البعير من شدة حر الأرض وذلك عند الاستواء) حتى تميل الشمس، وحين تضيف (تضيف: أصلها تتضيف، حذفت إحدى التائين للتخفيف والمعنى تميل) الشمس للغروب حتى تغرب" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 51/293)
كما تحرم الصلاة إذا صعد الخطيب المنبر، ولا تنعقد، ولو فرضا؛ وذلك على الرجال غير المعذورين عن حضور الجمعة سواء أكانوا في المسجد أم خارجه، بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) (البخاري ج 1/ كتاب الجمعة باب 34/892) إلا سنة تحية المسجد إذا لم يخش فوات تكبيرة صلاة الجمعة، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "جاء سُلَيك الغَطَفاني يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال له: (يا سُلَيك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما) (خففهما) ثم قال: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) " (مسلم ج 2/ كتاب الجمعة باب 14/59) وهناك وقت يكره فيه النفل، وهو بعد طلوع الفجر إلا ركعتين خفيفتين لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر) (رواه الطبراني نفي الأوسط، مجمع الزوائد ج 2/ص 218) ولما ذكره عبد الله بن عمر عن أخته حفصة رضي الله عنهم أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين" (النسائي ج 1/ص 283) والحكمة مما سبق ترك الوقت الكافي لتطويل قراءة الفرض لأنها مشهودة قال تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً} (الإسراء: 78)
وتقسم صلاة النافلة من حيث السبب إلى:
-1- النافلة ذات السبب المتقدم وتضم:
آ- قضاء النافلة الفائتة، وسبها الوقت الماضي، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين وقال: (إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 54/ 297 من رواية أم سلمة رضي الله عنها) ولما روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) (البخاري ج 1/ كتاب مواقيت الصلاة باب 36/572) ينبني عليه أنه لو ذكرها ولو في وقت محرم فعليه أن يصليها.
ب- سنة الوضوء
ج- ركعتا القدوم من السفر
د- سنة تحية المسجد
هـ- سجدة التلاوة
و سجدة الشكر
-2- النافلة ذات السب المقارن: يقصد بذلك مقارنة السبب للصلاة، كما في صلاة الكسوف حيث يستمر الكسوف والمصلي يصلي، وقد يقارن السبب وقت الحرمة كالكسوف الحاصل في وقت الحرمة.
-3- النافلة ذات السبب المتأخر: وهي ركعتا الإحرام، وركعتا الاستخارة، وركعتا سنة السفر، فإن أسبابها متأخرة وهي الإحرام والاستخارة والسفر، وهذه تحرم في الأوقات المحرمة كالصلاة التي لا سبب لها.
(1/247)

الباب الثاني: الأذان والإقامة
(1/248)

معنى الأذان، معنى الإقامة
(1/249)

- تعريف الأذان
لغة: الإعلام. بدليل قوله تعالى: {وأذان من الله ورسوله} (التوبة: 3) أي إعلام من الله ورسوله. وقوله تعالى: {وأذن في الناس بالحج} (الحج: 27) أي أعلمهم.
شرعاً: ذكر مخصوص يعلم به دخول وقت الصلاة المفروضة.
وكلمات الأذان جامعة لعقيدة الإيمان، فأولها إثبات لذات الله تعالى، وما تستحقه من الكمال، ثم الشهادة بالوحدانية له تعالى، وبالرسالة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم الدعاء إلى الصلاة، ثم الدعاء إلى الفلاح (الفلاح: الفوز والظفر) بمعنى أن الإقبال على الصلاة سبب الفلاح.
(1/250)

- تعريف الإقامة:
لغة: مصدر أقام.
شرعاً: ذكر مخصوص لاستنهاض الحاضرين للصلاة.
(1/251)

دليلهما:
(1/252)

- قوله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة ... } (المائدة: 58) وحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (إذا حضت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) (البخاري ج 1/ كتاب الأذان باب 17/602)
(1/253)

سبب مشروعيتهما وصيغة كل منهما:
(1/254)

- أما سبب المشروعية وما يقال في كل منهما فمنفصل فيما رواه عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه قال: "لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. قال: فقال تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك) فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، فسمع ذلك عمر - رضي الله عنه - وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم (فلله الحمد) " (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 28/499)
(1/255)

حكم الأذان والإقامة:
(1/256)

- هما سنتان مؤكدتان على الكفاية لأداء الفرائض عند جمهور العلماء، بحيث يظهر الشعار، ولا تحصل السنة بالأذان ما لم ينتشر في جميع البلد، حتى إذا كانت كبيرة أذن في كل جانب. وتسن لجماعة النساء والمنفردة منهن والخنثى والإقامة دون الأذان؛ لأن الأذان يرفع فيه الصوت، وقد يؤدي رفع صوت الأنثى إلى فتنة. أما الإقامة فلا تستلزم رفع الصوت إلا بقدر ما تسمع المرأة نفسها، أو جماعة المصليات المقتديات بها، فإذا رفعت صوتها أكثر من ذل كره، وإن خشيت الفتنة بسماع صوتها حرم.
والأذان والإقامة مشروعان للصلوات الخمس المكتوبة دون ما سواهن. أما الصلوات النافلة التي تطلب فيها الجماعة مثل صلاة العيدين والتراويح والوتر في رمضان والاستسقاء فينادي فيها: الصلاة جامعة. وفي صلاة الجنازة إذا احتيج للمناداة يقال: الصلاة على من حضر من أموات المسلمين ويسن الأذان والإقامة للرجل ولو منفرداً، ولو سمع الأذان، وللحاضرة والفائتة، فإذا جمعت الفوائت، أو جمعت الحاضرة جمع تقديم أو تأخير كفى أذان واحد للأولى، أما الإقامة فتسن لكل فرض صلاة ولو كانت الفرائض من نوع واحد، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إن المشركين شغلوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء" (الترمذي ج 1/كتاب الصلاة باب 132/179)
(1/257)

شروط الأذان والإقامة:
(1/258)

1- دخول الوقت: فلا يصح الأذان قبل دخوله لأنه يراد للإعلام بالوقت فلا يجوز قبله، باستثناء أذان الصبح فيجوز من نصف الليل لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم) (البخاري ج 1/كتاب الأذان 11/592) . ولأن الصبح يدخل وقتها والناس نيام، وفيهم الجنب والمحدث، فاحتيج إلى تقديم الأذان ليتأهب للصلاة.
أما الإقامة فلا بد فيها من إرادة الدخول في الصلاة إضافة لدخول الوقت.
(1/259)

2- أن يكونا بالعربية إن كان هناك من يحسنها واستثني أذان الأعجمي لنفسه بالعجمية إن جهل العربية حتى يتعلمها.
(1/260)

3- الموالاة والترتيب: فلا يعتد بالأذن غير المتوالي إلا إن قصر الفصل، ولا بغير المرتب لأنه إذا نكسه لا يعلم السامع أن ذلك أذان.
(1/261)

4- يجب أن يسمع نفسه إن كان منفرداً، أو يسمع بعض الجماعة إن كان في جماعة، فإن أسر بالأذان لم يعتد به.
(1/262)

شروط المؤذن:
(1/263)

1- الإسلام والعقل: فلا يصح أذان الكافر أو المرتد أو المجنون لأنهم ليسوا من أهل العبادات.
(1/264)

2- التمييز
(1/265)

3- الذكورة، إلا في جماعة نسوة، فإذا أذنت امرأة للرجال لم يعتد بأذانها لأنه لا تصح إمامتها للرجال فلا يصح تأذينها لهم
(1/266)

4- أن يكون عارفاً بالمواقيت، إن كان مولى (موكلاً به بشكل دائم) ومرتباً للأذان.
(1/267)

ما يسن في الأذان والإقامة:
(1/268)

- 1- أن يكون المؤذن حراً بالغاً لحدث ابن عباس رضي الله عنهما المرفوع (ليؤذن لكم خياركم) (ابن ماجة ج 1/كتاب الأذان باب 5/726)
-2- أن يكون المؤذن صيتاً (الصيت: شديد الصوت ورفيعه) لأن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أب محذورة لصوته (البيهقي ج 1 ص 393 عن عبد الله بن محيريز رضي الله عنه) ولأنه أبلغ في الإعلام وأن يكون حسن الصوت لأنه أبعث على الإجابة بدليل الحديث المتقدم (فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك) ويستحب في الأذان إن كان يؤذن للجماعة أن يرفع صوته ما أمكنه بحيث لا يلحقه ضرر لما روى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني عن أبيه أن أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال له: "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم" (البخاري ج 1/ كتاب الأذان باب 5/584)
-3- أن يكون عالماً بأوقات الصلاة، عدلاً، صالحاً لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم قراؤكم) (ابن ماجة ج 1/كتاب الأذان باب 5/726) ولأنه أمين على المواقيت، ولأنه يؤذن على موضع عالٍ، فإن لم يكن أميناً لم يؤمن أن ينظر إلى العورات
-4- أن يكون المؤذن متطوعاً، لحديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: "قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي. فقال: (أنت إمامهم واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) " (النسائي ج 2/ص 32، والأمر هنا محمول على الندب)
-5- أن يكون على طهارة، لأن الأذن ذكر، وهو متصل بالصلاة فيستحب أن يكون على طهارة، ولحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤذن إلا متوضئ) (الترمذي ج 1/ كتاب الصلاة باب 147/200)
-6- أن يكون قرب المسجد على موضع عال لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال:
" كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنان: بلال وابن أم مكتوم الأعمى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) قال: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا" (مسلم ج 1/كتاب الصوم باب 8/38) ولأنه أبلغ في الإعلام.
-7- أن يؤذن قائماً لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بلال قم فناد بالصلاة) (مسلم
ج 1 كتاب الصلاة باب 1/1)
-8- أن يكون متوجهاً إلى القبلة، فإذا بلغ الحيعلتين التفت عن يمينه فقال: "حي على الصلاة حي على الصلاة" ثم عن يساره فقال: "حي على الفلاح، حي على الفلاح" من غير أن يحول صدره عن القبلة ولا قدميه عن مكانهما لحديث أبي جحيفة رضي الله عنه: "رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتبع فاه هنا وهنا وإصبعاه في أذنيه" (الترمذي ج 1 / كتاب الصلاة باب 144/197)
أما إن كان في منارة فله أن يستدير فيها إن لم يتم الإعلام بتحويل الوجه مع ثبات قدميه.
-9- أن يجعل إصبعيه في أذنيه في الأذان دون الإقامة لحديث أبي جحيفة رضي الله عنه المتقدم، ولأنه أرفع لصوته.
-10- أن يجمع كل تكبيرتين بنفس لأنه خفيف، وأن يفتح الراء في الأولى ويسكنها في الثانية - الله أكبر الله أكبر - أما باقي الأذان فيفرد كل جملة بصوت، وفي الإقامة يجمع كل جملتين بصوت.
-11- أن يترسل (والترسل هو الترتيل والتمهل في القراءة بسكتة لطيفة بين كل جملتين منه، إلا في التكبير الأول فإن السكتة تكون بعد التكبيرتين) في الأذان، ويدرج (إدراج الإقامة معناه أن يصل بعضها ببعض بلا ترسل) والإقامة لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال رضي الله عنه: (يا بلال إذا أذنت فترسل في أذانك، وإذا أقمت فاحدر (حدر: أسرع) واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر (كناية عن قاضي الحاجة) إذا دخل لقضاء حاجته، ولا تقوموا حتى تروني) (الترمذي ج 1/ كتاب الصلاة باب 143/195، وقد ضعفه، هذا وقد قال صاحب سبل السلام بعد أن أورد روايات عدة لهذا الحديث، قال: ... وكلها واهية إلا أن يقويها المعنى الذي شرع له الأذان، فإنه نداء لغير الحاضرين ليحضروا للصلاة، فلا بد من تقدير وقت يتسع للذاهب للصلاة وحضورها، وإلا ضاعت فائدة النداء، السبل ج 1/ ص 197)
-12- الترجيع في الأذان: وهو إسرار كلمتي الشهادة قبل الجهر بهما بحيث يسمع من في المسجد أو من في قربه عرفاً، ثم يجهر.
-13- التثويب في أذاني الصبح، أداء صلاها أم قضاء، أي يقول بعد الحيعلتين: "الصلاة خير من النوم" روى النسائي عن أبي محذورة رضي الله عنه قال: "كنت أؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أقول في أذان الفجر الأول: حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله" (النسائي ج 2/ص 14)
-14- أن يقول المؤذن في الليلة المطيرة أو ذات الريح أو الظلمة، بعد الأذان أو الحيعلتين: ألا صلوا في الرحال (الرحال: جمع رحل وهو مركب للبعير أو المسكن) لما روى نافع قال: "أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان ثم قال: صلوا في رحالكم. فأخرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذناً يؤذن ثم يقول إثره: ألا صلوا في الرحال، في الليلة الباردة أو المطيرة في السفر" (البخاري ج 1 / كتاب الأذان 18/606. وضجنان: جبل بناحية تهامة، على بريد من مكة)
-15- ترك المشي أثناء الأذان، وترك الكلام - حتى رد السلام وتشميت العاطس- إلى أن يفرغ. فلو عطس حمد الله بقلبه ثم بنى.
-16- أن يقعد بين الأذن والإقامة ينتظر الجماعة، لأنه إذا وصلهما فات الناس الجماعة فلم يحصل المقصود بالأذان
-17- ألا يكتفي أهل المساجد المتقاربة بعضهم بأذان بعض، بل يؤذن في كل مسجد واحد.
-18- أن تكون الإقامة في غير موضع الأذان لما في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه المتقدم بعد أن ذكر الأذان: "ثم استأخر غير بعيد ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر ... ".
وأن تكون بصوت أخفض مما في الأذان، ويسن الالتفات في الحيعلتين.
(1/269)

ما يسن قوله لسامع الأذان ولمستمعه وللمؤذن والمقيم:
(1/270)

- ما يسن قوله لسامع (السامع: من سمع عرضاً من غير قصد) الأذان ولمستمعه (المستمع: من تقصد السماع) وللمؤذن والمقيم:
-1- يسن للسامع أو المستمع أن يقول مثل ما يقول المؤذن أو المقيم، إلا في الحيعلتين فيقول: عقب كل منهما: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" لما روي عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قال المؤذن الله أكبر الله أكر فقال أحدكم الله أكبر الله أكبر، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح، قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال الله أكبر الله أكبر قال الله أكبر الله أكبر ثم قال لا إله إلا الله قال لا إله إلا الله، من قلبه، دخل الجنة) (مسلم ج 1/كتاب الصلاة باب 7/12)
وعقب التثويب يقول: صدقت وبررت، وعقب كلمة الإقامة: أقامها الله وأدامها، لما روي عن أبي أمامة رضي الله عنه أو عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "أن بلالاً أخذ في الإقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أقامها الله وأدامها) " (أبو داود ج 1 / كتاب الصلاة باب 37/528) ويستحب أن يقطع السامع قراءة القرآن لإجابة المؤذن، وكذلك كل قراءة أخرى أو علم أو ذكر، لأن الذكر وغيره لا يفوت، والأذان يفوت، إلا المصلي، فلا يجيب حتى يفرغ من صلاته. وكذلك يستحب للسامع المجامع، أو الذي يقضي حاجة، الإجابة بعد الفراغ، ما لم يطل الفصل.
ومن سمع مؤذناً بعد مؤذن استحب له أن يتبع الأول، ولا يستحب تكرار المتابعة.
-2- ويسن للسامع والمستمع، وللمؤذن والمقيم أن يصلوا ويسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الأذان والإقامة. وأن يسألوا الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة بعد الصلاة عليه، ويكون هذا بعد الأذان، دون الإقامة، لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً. ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 7/11) وروى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قال حين يسمع النداء: الله رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة) (البخاري ج 1/ كتاب الأذان باب 8/589)
-3- ويسن أيضاً، لهم جميعاً، الدعاء بين الأذان والإقامة، لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة) (الترمذي ج 1 / كتاب الصلاة باب 158/212) ويسن لهم الدعاء عند أذان المغرب لما روي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول عند أذان المغرب: (اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهار، وأصوات دعاتك، فاغفر لي) " (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 39/530)
(1/271)

ما يكره في الأذان:
(1/272)

- 1- التمطيط والبغي (البغي: رفع الصوت، ومجاوزة الحد محاكاة لكلام الجبابرة والمتكبرين والمتفيقهين، وقيل: هو التطريب)
-2- الكلام اليسير.
-3- أو يؤذن قاعداً أو راكباً، إلا المسافر الراكب.
-4- أن يكون المؤذن فاسقاً.
-5- أن يكون المؤذن صبياً (والصبي من كان بين التمييز والبلوغ) لأن فيه تغريراً فإنه يخاف غلطه
-6- أن يكون المؤذن جنباً أو محدثاً، أما إن كان أحدث أثناء الأذان فيتمه، ولو قطعه وتطهر ثم عاد بنى على أذانه إن قصر الفصل، والأحب الاستئناف.
-7- أن يكون المؤذن أعمى لأنه ربما غلط في الوقت، فإن كان معه بصير لم يكره؛ لأن ابن أم مكتوم رضي الله عنه كان يؤذن مع بلال رضي الله عنه
ويكره لمن سمع الأذان لخروجه من المسجد بعد الأذان، قبل أن يصلي، إلا لعذر.
(1/273)

الباب الثالث: صفة الصلاة
(1/274)

الفصل الأول: أركان الصلاة
(1/275)

- فرائض الصلاة ثلاث عشرة، خمس منها قولية، وثمان فعلية.
فالخمس القولية هي: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والتشهد الأخير، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعده،، والتسليمة الأولى.
وأما الثماني الفعلية فهي: النية، والقيام في الفرض للقادر عليه، والركوع، والاعتدال من الركوع، والسجود الأول والثاني، والجلوس بين السجدتين، والجلوس الأخير والترتيب.
(1/276)

الأول - النية:
(1/277)

- تعريفها:
- هي قصد الشيء مقترناً بفعله، فإن تراخى سمي عزماً. ومحلها القلب، ويسن لفظها باللسان.
دليل فرضيتها:
ما روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى) (مسلم ج 3/ كتاب الإمارة باب 45/155) ولأن الصلاة قربة محضة طريقها الأفعال فلم تصح بغير نية. وأجمع العلماء على أن الصلاة لا تصح إلا بالنية فمن تركها عمداً أو سهواً لم يكن داخلاً في الصلاة.
شروطها:
آ- في الصلاة المفروضة (سواء كانت إحدى الخمس المكتوبة، أو كانت فرض كفاية كصلاة الجنازة أو الصلاة الفائتة أو المعادة أو المنذورة.)
-1- قصد فعل الصلاة.
-2- تعيينها لتتميز عن غيرها.
-3- نية الفرضية، فإذا أطلق دون أن ينوي الفرضية وقعت الصلاة نفلاً. ولا تجب نية الفرضية في صلاة الصبي لأن صلاة الصبي نافلة كلها.
ومن المستحبات زيادة قولنا لله تعالى، ونية استقبلا القبلة، وذكر عدد الركعات، فإذا أخطأ بذكر عدد الركعات كأن قال في الظهر ثلاثاً أو خمساً لم تنعقد الصلاة لتقصيره، أما إن جهل الوقت فقال أداء أو قضاء صلاته. وفي القضاء يكفي التعيين - ظهر، عصر ... - دون ذكر السنة والشهر واليوم الذي فاتته فيه الصلاة.
ب- في الصلاة النافلة (بكل أنواعها، سواء كانت ذات سبب، أو ذات وقت كالعيدين أو الضحى أو الأوابين، أو راتبة أي تابعة للفرائض، ويستثنى من ذلك النفل المطلق) 1- قصد فعل الصلاة.
-2- تعيينها: راتبة، أو ذات وقت، أو ذات سبب، وفي الراتبة يجب تعيين القبلية والبعدية، وفي الصلاة ذات السبب التي تتداخل مع الصلوات الأخرى، وهي سنة تحية المسجد وسنة الوضوء، لا يشترط التعيين وإنما يسن (فيقول مثلاً: نويت أن أصلي ركعتين سنة العصر مع سنة تحية المسجد) إذا تداخلت، أما إذا صليت مستقلة فلا بد من التعيين.
ج- في النفل المطلق: تكفي نية فعل الصلاة.
(1/278)

الثاني - تكبيرة الإحرام:
(1/279)

- وسميت بتكبيرة الإحرام لأنها تحرم ما كان محللاً قبلها كالأكل والشرب.
دليل فرضيتها:
قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 7/33) ففي الحديث قرن صلى الله عليه وسلم التكبير بالقراءة فدل على أنه مثلها في الركنية ومن تركها عامداً أو ناسياً لم يكن داخلاً في الصلاة.
لفظها:
-2- وتكون بلفظ الله أكبر على التعيين، لحديث علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (أبو داود ج 1 / كتاب الطهارة باب 31/61) ولما ورد في حديث المسيء صلاته (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 39/760. وحديث المسيء صلاته هذا حديث هام لما اشتمل عليه من أحكام كثيرة في شأن الصلاة، نسجله هنا بتمامه لأنه سيتكرر الاستشهاد به في كثير من أركان الصلاة. رواه الشيخان، وهو بلفظ البخاري كما يلي: عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي عليه السلام فقال: (ارجع فصل فإنك لم تصل) فصلى ثم جاء فسلم على النبي فقال: (ارجع فصل فإنك لم تصل) ثلاثاً فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني. قال: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) "
شروط صحتها:
-1- أن تكون بالعربية للقادر عليها، وإلا قالها بأية لغة شاء، فإذا اتسع الوقت لزمه أن يتعلم، فإن لم يتعلم، وكبر بلسانه بطلت صلاته لأنه ترك اللفظ مع القدرة عليه.
-2- أن تكون بلفظ (الله أكبر) لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل به في الصلاة، وهو القائل في الحديث الذي رواه مالك بن الحويرث رضي الله عنه: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (البخاري ج 1/ كتاب الأذان باب 18/605) فلا تصح بغير لفظ الجلالة كأن يقول: (الرحمن أكبر)
-3- تقديم الجلالة على أكبر، فلا يصح أن يقول (أكبر الله)
-4- عدم مد همزة الجلالة
-5- عدم مد باء الأكبر.
-6- عدم تشديد الباء.
-7- عدم زيادة واو بين الجلالة وأكبر
-8- عدم الفصل بين الكلمتين بوقفة طويلة. أما التخلل اليسير فلا يضر، ولا يضر الفصل بينهما بأل التعريف، أو بوصف الله تعالى، بشرط ألا نزيد على وصفين، والأفضل عدم وجود الفاصل أصلاً
-9- أن يسمع نفسه جميع حروفها سواء كان إماماً أو منفرداً.
-10- إيقاعها حال استقبال القبلة، وتأخيرها عن تكبيرة الإمام إذا كان المصلي في جماعة.
-11- أن يكبر للإحرام قائماً في الفرض، فإن وقع منه حرف في غير القيام لمن ينعقد فرضاً وإنما انعقد نفلاً، وكذا المسبوق الذي يدرك الإمام راكعاً يجب أن تكون تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه. أما إذا كان لا يستطيع القيام وصلى الفرض قاعداً فيكبر قاعداً أيضاً.
-12- أن تقترن النية بابتداء التكبير، وتستحضر إلى انقضائه.
(1/280)

الثالث - القيام:
(1/281)

- وهو متعين في المفروضة مكتوبة كانت أو منذورة، وسواء كانت المكتوبة أداء أو قضاء أو معادة أو جنازة، ويشترط فيه الانتصاب، والمعتبر في هذا الانتصاب، نصب فقار الظهر، فليس للقادر أن يقف مائلاً إلى أحد جانبيه، زائلاً عن سنن القيام، ولا أن يقف منحنياً في حد الراكعين حتى لو لم يبلغ انحناؤه حد أقل الركوع بل كان إليه أقرب فصلاته باطلة. أما الرقبة فحنيها قليلاً بمقدار ما ينظر إلى مكان سجوده مستحب، ولعله يكره أن يزيد على ذلك أو هو خلاف الأولى والواجب من القيام قدر قراءة الفاتحة. والدليل على ركنية القيام قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} (البقرة: 238) وما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: "كانت بي بواسير، فسأتل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) " (البخاري ج 1/ كتاب تقصير الصلاة باب 19/1066) الحديث يدل على أن القيام واجب حين القدرة عليه، فإن عجز عن القيام لمرض مثلاً أو خوف الغرق، أو السقوط من الدوار في السفينة أو غيرها، صلى قاعداً ولا إعادة عليه، وكذا لو اضطر إلى القعود لحالة مرضية كالمصاب بسلس البول بحيث لو قام سال بوله، وإذا قعد لم يسل صلى من قعود ولا إعادة عليه، وكذا في حال الخوف على المسلمين، فلو جلس الغزاة في مكمن وصلوا قعوداً خوفاً من قصد العدو لهم لم تجب عليهم الإعادة. ويكون القعود كيف شاء لأن حديث عمران رضي الله عنه المتقدم أطلق القعود عن كل صفة ولكن يكره أن يقعد ماداً رجليه إلا لمرض، فإن عجز عن القعود اضطجع على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، وإلا فعلى شقه الأيسر، فإن عجز عن الاضطجاع صلى مستلقياً رافعاً رأسه بوسادة أو نحوها ليستقبل القبلة بوجهه وبمقدم بدنه، ويومئ برأسه لركوعه وسجوده، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه وجوباً. فإن عجز عن ذلك أتى بما عليه ولو بإيماء الحاجبين، فإن عجز أجرى أفعال الصلاة والقرآن على قلبه وجوباً في الواجب (من أفعال الصلاة والقرآن) وندباً في المندوب.
ولا تسقط الصلاة عنه ما دام يعقل، لأنه مخاطب بالصلاة لوجود العقل والإدراك فيؤدي ما في وسعه أداؤه لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (البخاري ج 6 / كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب 2/6858)
ولا يشترط الاستقلال في القيام، فلو قام مستنداً إلى جدار أو إنسان أو اعتمد على عصا بلا حاجة بحيث لو رفع السِنادُ سقط صحت صلاته مع الكراهة لأنه يسمى قائماً
ولو توقف القيام على معين ثم إذا وقف لا يتأذى بالقيام فإنه يجب عليه الاستعانة بالمعين ولو بأجرة فاضلة عن مؤنته ومؤنة من تلزمه نفقته يومه وليلته، هذا إن احتاج إلى المعين في ابتداء كل ركعة فقط، أما لو احتاجه في الدوام فلا يجب ويصلي من قعود، بخلاف العكازة فإنها تجب وإن احتاجها في الدوام أيضاً، وذلك للمشقة في المعين وعدم المشقة في العكازة ولو تمكن المريض من القيام في جميع الصلاة منفرداً بلا مشقة، ولم يمكنه ذلك مع الجماعة إلا بالقعود في بعضها ففي هذه الحال يفضل الانفراد، لكن تصح مع الجماعة وإن قعد في بعضها
فأما العاجز كمن تقوس ظهره لِزَمَانَةٍ (الزمانة: العاهة) أو كبر حتى صار في حد الراكعين فيلزمه القيام، فإذا أراد الركوع زاد في الانحناء ما قدر عليه.
ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلة بظهره مثلاً لزمه القيام، ويأتي بالركوع والسجود بحسب الطاقة، فيحني صلبه قدر الإمكان، فإن لم يطق حنى رقبته ورأسه فإذا احتاج فيه إلى شيء يعتمد عليه أو ليميل إلى جنبه لزمه ذلك. فإن لم يطق الانحناء أصلاً أومأ إليهما، ولو أمكنه القيام والاضطجاع دون القعود يأتي ببدل القعود قائماً.
أما النافلة فيصح فعلها قاعداً أو مضطجعاً مع القدرة على القيام لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت، فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة" (البخاري ج 1/ كتاب القبلة باب 4/391) ولأن مبنى النوافل على التيسير، لكن القاعد له نصف أجر القائم، المضطجع له نصف أجر القاعد لما روي عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: (من صلى قائماً فهو أفضل، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد) " (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 274/371) قال سفيان الثوري: هذا للصحيح ولمن ليس له عذر - يعني في النوافل - فأما من كان له عذر من مرض أو غيره فصلى جالساً فله مثل أجر القائم (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 274)
أما الاستلقاء في الصلاة النافلة مع القدرة على غيره فمبطل لها.
(1/282)

الرابع- قراءة الفاتحة
(1/283)

- قراءة الفاتحة: حفظاً أو تلقيناً أو نظراً في المصحف، لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (البخاري ج 1 / كتاب صفة الصلاة باب 13/723) وتجب في كل ركعة، سواء كان المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً، وسواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، فريضة أو نافلة لما روى أبو قتادة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، ويسمعنا الآية أحياناً، ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 34/155) وفي قراءة المأموم لما روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: (إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم) قال: قلنا يا رسول الله إي والله، قال: (فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) " (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 232/311) أما المسبوق بجميعها أو ببعضها فيتحملها عنه إمامه كلاً أو بعضاً
شروطها:
-1- أن يسمع نفسه إن كان صحيح السمع ولا شاغل للسمع. ولا يشترط في هذه الحال حقيقة الإسماع
-2- أن يرتب القراءة، بأن يقرأ آياتها على نظمها المعروف.
-3- الموالاة، بأن يصل كلماتها بعضها ببعض من غير فاصل إلا بقدر نفس، فإن تخللها الذكر قطعها، إذا ذكر يتعلق بمصلحة الصلاة كتأمين المأمون أثناء قراءته للفاتحة على تأمين إمامه، أو ذكر قاله سهواً، أو سجدة التلاوة م الإمام، فذلك كله لا يقطع الموالاة. أما السكوت فإن قصد به القطع فيقطع الموالاة، ويبطل الصلاة طال أم قصر، وأما إن كان سهواً أو لعذر فلا يقطعها.
-4- أن يراعي حروفها وتضعيفاتها الأربعة عشر.
-5- ألا يلحن لحناً بغير المعنى (أما اللحن الذي لا يخل بالمعنى كفتح دال نعبد وصاد صراط مثلاً فلا يبطل الصلاة عامداً فعله أم غير عامد، لكنه مكروه إن لم يتعمده، حرام إن تعمده) كأن يضم تاء أنعمت، أو يكسر كاف إياك.
-6- ألا يبدل لفظاً بلفظ، أو حرفاً بحرف، كأن يدل الضاد بالظاء في (الضالين) أو الدال بالتاء في (الدين)
-7- أن يقرأ كل آياتها، ومنها البسملة، لما روت أم سلمة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم فعدها آية" (البيهقي ج 2/ص 44) ، ولأن الصحابة أثبتوها فيما جمعوا من القرآن فدل على أنها آية منها.
-8- أن يقرأها بالعربية ولا يترجم عنها، بخلاف الذكر فتجوز الترجمة عنه.
-9- إيقاع الفاتحة كلها في القيام أو بدله.
ومن لم يحفظ الفاتحة يقرأ بدلها سبع آيات متواليات أو متفرقات من القرآن، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً، فإن عجز عن القرآن أتى بذكر بدلاً عنها، على ألا ينقص البدل عن عدد حروفها ذكراً كان أو قرآناً. فإن لم يقدر على شيء من ذلك وقف صامتاً قدر الفاتحة.
وعلى الأخرس أن يحرك لسانه بقصد القراءة بقدر ما يحركه الناطق، لأن القراءة تتضمن النطق وتحريك اللسان فسقط ما عجز عنه ووجب ما قدر عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)
(1/284)

الخامس- الركوع:
(1/285)

- تعريفه: هو لغة: الانحناء، وقيل: معناه الخضوع.
وشرعاً: أن ينحني بغير انخناس (الانخناس هنا هو: أن يخفض عجزه، ويرفع رأسه، ويقدم صدره) قدر بلوغ راحتيه ركبتيه
دليل فرضيته: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} (الحج 77) وحديث المسيء صلاته وقوله صلى الله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) (البخاري ج 1/ كتاب الأذان باب 18/605) وإجماع الأمة.
أقله: يكون الركوع (وأكمله، وأكمل سائر أركان الصلاة ما اشتمل على السنن الآتي بيانها في بحث سنن الصلاة) للقائم القادر على الركوع، معتدل الخلقة، سليم اليدين والركبتين، بأن ينحني بغير انخناس قدر وصور راحتيه إلى ركبتيه لو أراد وضعهما عليهما، لأنه لا يسمى بما دونه راكعاً. روى زيد بن وهب قال: "رأى حذيفة رجلاً لا يتم الركوع والسجود، قال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمداً صلى الله عليه وسلم" (البخاري ج 1 / كتاب صفة الصلاة باب 37/758) فإن لم يقدر على هذا الركوع انحنى مقدوره، وأومأ بطرفه.
ولو ركع، ولم يضع يديه على ركبتيه ورفع ثم شك هل انحنى قدراً تصل به راحتاه إلى ركبتيه أم لا؟ لزمه إعادة الركوع لأن الأصل عدمه.
وأما ركوع من صلى قاعداً فانحناء تحاذي فيه جبهته ما أمام ركبتيه، وأكمله أن تحاذي فيه جبهته موضع سجوده من غير مماسته، وإلا كان سجوداً لا ركوعاً
شروطه:
-1- الطمأنينة بحيث تستقر أعضاؤه، لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)
-2- ألا يقصد به غيره، فلو هوى بقصد سجود التلاوة فلما وصل إلى حد الراكعين عنَّ له الركوع لم يكف بل يجب عليه القيام ليركع، أما إن كان تابعاً لإمامه فيجزئه، فلو قرا الإمام آية سجدة مثلاً فهوى فظن المأموم أن إمامه هوى لسجود التلاوة فهوى معه وإذا بإمامه لم يسجد بل هوى للركوع، تبعه وأجزأه هذا عن الركوع.
-3- أن يكون من قيام، فلو سقط من قيامه بعد فراغ القراءة فارتفع من الأرض إلى حد الراكعين لم يجزئه بل عليه أن ينتصب قائماً ثم يركع.
(1/286)

السادس- الاعتدال بعد الركوع:
(1/287)

- تعريفه: هو لغة المساواة والاستقامة.
وشرعاً: أن يعود المصلي إلى ما كان عليه قبل ركوعه من قيام أو قعود، وخرج بذلك الاضطجاع لأن مصلي النفل المضطجع مع القدرة يجلس للركوع ثم يعتدل بعوده إلى الجلوس الذي ركع منه، أما لو صلى مضطجعاً مع العجز، وركع بانحناء في حال الاضطجاع، فيعتدل بعوده له لأنه لا يقدر على القعود.
دليل فرضيته: قوله صلى الله عليه وسلم للمُسِيئِ صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)
شروطه:
-1- ألا يقصد به غيره، فلو اعتدل خوفاً من شيء لم يجزئه ذلك.
-2- الاطمئنان فيه بأن تستقر أعضاؤه على ما كانت عليه قبل ركوعه بحيث ينفصل ارتفاعه للاعتدال عن هويه للسجود، ولو سجد ثم شك هل تم اعتداله أم لا اعتدل واطمأن وجوباً ثم سجد.
-3- ألا يطيل الاعتدال، فلو أطاله زيادة على الدعاء الوارد فيه بقدر الفاتحة بطلت صلاته لأن الاعتدال ركن قصير فلا يطول إلا في محل طلب فيه التطويل، كما في الاعتدال الأخير من الصلوات التي شرع فيه القنوت.
(1/288)

السابع- السجود مرتين:
(1/289)

- تعريفه: السجود لغة: الخضوع والتذلل.
وشرعاً: مباشرة بعض جبهة المصلي لما يصلي عليه.
دليل فرضيته: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا} (الحج 77) وحديث المسيء صلاته.
أقله: مباشرة بعض جبهة المصلي موضع سجوده من الأرض.
شروطه:
-1- الطمأنينة فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)
-2- أن ينال موضع سجوده ثقل رأسه، ولا يكفي في وضع الجبهة الإمساس، بل ينبغي أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه حتى تستقر جبهته، وحتى لو كان تحتها قطن لانكبس بعضه في بعض، لحديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ... ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ... " (أبو داود / كتاب الصلاة باب 117/734)
-3- ألا يقصد به غيره، فلو سقط على وجهه من الاعتدال وجبت العودة إليه ثم السجود لانتفاء الهوي في السقوط، بخلاف ما لو هوى للسجود وفي هويه له سقط على جنبه فعليه أن ينقلب إلى السجود بنيته، وليس له في هذه الحال أن يعود إلى الاعتدال، فإن فعل عامداً عالماً بطلت صلاته لأنه زاد فعلاً في الصلاة عمداً.
-4- أن يرفع أسافله على أعاليه، فإن صلى في سفينة مثلاً ولم يتمكن من ذلك لميلانها، صلى حسب حاله ولزمته الإعادة لأنه عذر نادر، بخلاف ما لو كانت به علة لا يمكن معها السجود على الصورة التي ذكرنا فلا يعيد.
-5- كشف الجبهة، وعدم السجود على شيء يتحرك بحركته، فلو سجد وعلى جبهته حائل يعمها لم يصح سجوده، أما إن سجد على متصل به كذيل ثوبه وكمه وطرف عمامته، فإن كان يتحرك بحركته في قيام أو قعود لم يصح، وإن كان طويلاً جداً بحيثلا يتحرك بحركته جاز وإن سجد على عصابة جرح أو نحوه وشقت عليه إزالتها، ولم يكن تحتها نجاسة غير معفو عنها، وكان متطهراً بالماء لم تلزمه الإعادة، ولا يضر سجوده على شعر نبت على جبهته لأنه مثل بشرتها.
-6- وضع جزء من ركبتيه، وباطن كفيه وباطن أصابع قدميه، مع الجبهة على الأرض. ودليله ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة - وأشار بيده على أنفه - واليدين والركبتين، وأطراف القدمين، ولا نكفت (لانكفت: لا نضم ولا نجمع، والمعنى نهينا عن جمع الثوب باليدين عند الركوع والسجود، وعن جمع الشعر منعاً من الاسترسال وتفصيل ذلك في بحث مكروهات الصلاة) الثياب والشعر) (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 50/779)
-7- ألا يرفع رأسه بعد السجود، فلو سجد على شيء خشن يؤذي جبهته فإن زحزحها من غير رفع لم يضر، وكذا إن رفعها ثم أعادها دون اطمئنان، فإن اطمأن ضر ذلك لزيادة سجود، ولو رفع جبهته من غير عذر وأعادها ضر ذلك مطلقاً.
(1/290)

الثامن - الجلوس بين السجدتين:
(1/291)

- وهو فرض في كل صلاة وكل ركعة، سواء صلى قائماً أو مضطجعاً، لأنه إذا صلى مضطجعاً في النفل وهو قادر على القيام فعليه أن يجلس ليسجد، ثم يجلس بين السجدتين ثم يسجد
دليل فرضيته: - قوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً) وما رواه حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: "إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا" قال:
" فكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه ... وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل قد نسي" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 38/195)
أقله: سكون أعضائه المتحركة في حال الجلوس.
شروطه:
-1- الاطمئنان فيه لحديث المسيء صلاته، وحديث أنشر رضي الله عنه.
-2- ألا يقصد به غيره، فلو رفع رأسه فزعاً من شيء لم يكف، ويجب عليه أن يعود إلى السجود ثم يجلس.
-3- ألا يطيله طولاً فاحشاً، فإن فعل بطلت صلاته لأنه ركن قصير.
(1/292)

التاسع - القعود بعد السجدتين الأخيرتين من كل صلاة.
(1/293)

العاشر- التشهد في القعود الأخير:
(1/294)

- دليل فرضيته: حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله هو السلام، فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب / 64/797. والتحيات: جمع تحية، وهي ما يحيا به من قول أو فعل، والقصد الثناء على الله لأنه مستحق لجميع التحيات. والصلوات: قبل الخمس وقيل مطلق الصلاة والطيبات: الأعمال الصالحة. السلام عليك: أي السلامة من النقائص والآفات. وبركاته: أي خيراته، والبركة هي الخير الإلهي. والسلام علينا: هي للحاضرين من إمام ومأمومين وملائكة وإنس وجن، أو لجميع الأمة. وعبا الله الصالحين: القائمين بحقوق الله وحقوق عباده. وأشهد أن لا إله إلا الله: أقر بأنه لا معبود بحق ممكن إلا الله.)
أقله: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
شروطه
-1- أن يسمع نفسه.
-2- الموالاة، فإن تخلله غيره لم يعتد به، ولا تضر زيادة ياء النداء قبل أيها النبي
-3- قراءته قاعداً إلا لعذر.
-4- أن يكون بالعربية عند القدرة عليها.
-5- مراعاة الحروف والكلمات والتضعيفات.
(1/295)

الحادي عشر - الصلاة على النبي بعد التشهد الأخير قاعداً:
(1/296)

- دليل فرضيتها: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً} (الأحزاب: 56) وحديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس سعد ابن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنكم حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم) " (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 17/65 ومعناه يا الله أنزل الرحمة المقرونة بالتعظيم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله. والحميد: المحمود. والمجيد: الماجد، من كمل شرفاً وكرماً)
وأقلها (وأكملها ما ورد في دليل الفرضية، وسيرد في سنن الصلاة) اللهم صلى على محمد أو على النبي، أو على الرسول.
(1/297)

الثاني عشر - السلام:
(1/298)

- ويجب إيقاعه في حال القعود الأخير.
دليل فرضيته: خبر مسلم المتقدم: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) فقرن التسليم بفرضية التكبير.
أقله: السلام عليكم، مرة واحدة، دون أن يلتفت يمنة أو يسرة، بل يجعلها تلقاء وجهه محافظة على العدل بين الملكين.
شروطه:
-1- أن يقول مستقبلاً القبلة بصدره، فلو تحول به عن القبلة ضر، بخلاف الالتفات بالوجه فإنه مسنون.
-2- أن يسمع نفسه.
-3- أن يكون بالعربية إن قدر عليها وإلا ترجم عنها.
-4- التعريف بالألف واللام في السلام (بخلاف التشهد فيجزئ فيه إسقاطهما) ولا بد من كاف الخطاب وميم الجمع في عليكم.
-5- موالاة الكلمتين، فلو فصل بينهما بكلام، أو سكت سكوتاً طويلاً أو قصيراً بنية القطع ضر ويجزئ قولنا: عليكم السلام، لأنه لا يشترط ترتيب الكلمتين، ولأن هذا سلام أيضاً، وإذا بدأ بكلمة السلام فلا بد من تحقيق الهمزة وإظهارها هكذا: ألسّلام عليكم، ولا يجزئ نطقها بإهمال الهمزة.
(1/299)

الثالث عشر - الترتيب:
(1/300)

- ويقصد به تقديم القيام على الركوع، والركوع والرفع منه على السجود، والسجود على القعود الأخير، وتقديم التشهد على الصلاة على النبي، وتقديمها على السلام.
آ- فلو قدم ركنا فعلياً على مثله، أو على قولي عامداً عالماً، كأن سجد قبل الركوع، أو ركع قبل قراءة الفاتحة بطلت صلاته.
ب- وإن قدم ركناً فعلياً على مثله أو على قولي سهواً لم تبطل صلاته، لكن عليه أن يأتي به فوراً إن تذكره قبل أن يبلغ مثله. أما إن بلغ مثله فهذا المثل يقوم مقام المنسي، ثم يتدارك الباقي من صلاته (يأتي تفصيل هذه الحالات في فصل سجود السهو؛ أسبابه) ج- أما لو قدم ركناً - عدا السلام - على مثله أو على فعلي عامداً عالماً، كان قدم الصلاة على النبي على التشهد، أو قدم التشهد على السجود، فلا تبطل صلاته ولكن لا يعتد بالمقدم بل يعيده في محله.
د- وإن قدم ركناً قولياً هو السلام على محله عامداً بطلت صلاته.
(1/301)

الفصل الثاني: سنن الصلاة
(1/302)

- تقسم السنن إلى قسمين:
آ- أبعاض: تجبر بسجود السهو إن تركت، وسميت كذلك لقربها من الفرض.
ب- هيئات: لا تحتاج إلى سجود السهو إن تركت.
(1/303)

آ- الأبعاض:
(1/304)

- وهي أربعة:
-1- التشهد الأول والجلوس له.
-2- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، والقعود لها، ولا تندب الصلاة على الآل بعدها بل تكره فيه
-3- الصلاة على الآل في التشهد الأخير.
-4- القنوت والقيام له بعد الاعتدال من الركوع الثاني من فرض الصبح، لما روى أنس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت شهراً يدعو عليهم ثم تركه (عليهم أي على الكفار الذين قتلوا أصحابه القراء ببئر معونة، وقوله ثم تركه أي: ثم ترك الدعاء على أولئك الكفار ولعنتهم فقط، لا أنه تكر جميع القنوت، أو ترك القنوت في غير الصبح. المجموع ج 3/ ص 485) فأما في الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا" (البيهقي ج 2/ص 201) وفي الوتر في النصف الثاني من شهر رمضان لما رواه الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: اللهم هدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 341/464) وزاد البيهقي بعد قوله" ولا يذل من واليت": ولا يعز من عاديت" (البيهقي ج 2/ص 209) وزاد النسائي: "وصلى الله على النبي محمد" (النسائي ج 3 ص 248) قال النووي: "ولو زاد عليهن: فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك، بعد قوله: تباركت ربنا وتعاليت، فلا بأس به" (المجموع ج 3/ص 477)
وإن كان القانت إماماً أتى بلفظ الجمع، ولم يخص نفسه بالدعاء.
وما ذكر هو قنوت النبي صلى الله عليه وسلم، ويسن جمعه إلى قنوت عمر رضي الله عنه، ولكن يبدأ بقنوت النبي صلى الله عليه وسلم وقنوت عمر رضي الله عنه هو: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك، ونؤمن بك ونتوب إليك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم" (انظر البيهقي ج 2/ص 211، ونحفد نسرع)
ولا تتعين هذه الكلمات للقنوت، وإنما يحصل بكل دعاء وثناء، وآية فيها دعاء، كآخر سورة البقرة، ثم يصلي على النبي. لكن الكلمات السابقة أفضل.
ما يندب في القنوت:
(1) رفع اليدين لما روى البيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه بسند صحيح في قصة قتل القراء: "ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم، يعني على الذين قتلوهم" (البيهقي ج 2/ص 211) ولا يسن مسح الوجه أو الصدر عقب القنوت. قال البيهقي: "أما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة (البيهقي ج 2/ص 212)
(2) أن يجهر به إن كان إماماً لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) ، يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فيقول: (اللهم أنج الوليد بن الوليد) " (البخاري ج 1/كتاب صفة الصلاة باب 44/771) فلولا جهر لما سمعه الراوي، ولما قدر المؤتمون على التأمين - على ما سيأتي بيانه في حديث أبي داود التالي في قنوته صلى الله عليه وسلم -
ويؤمن المأموم على دعاء الإمام لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ط قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح، في دبر كل صلات إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الآخرة يدعو على أحياء من بني سليم، على رعل وذكوان وعصية، ويؤمن من خلفه" (أبو داود ج 2/كتاب الصلاة باب 345/1443) ويشاركه في الثناء سراً مثلما يقول إمامه في قوله: إنك تقضي ولا يقضى عليك ... لأنه ثناء وذكر لا يليق فيه التأمين. أما إن لم يسمعه لبعد عنه، أو لصمم في أذنيه فيَقْنُتُ لنفسه.
أما المنفرد فيسر به في الصلاة السرية ويجهر به في الجهرية.
(3) الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخره.
(1/305)

ب- الهيئات، وهن:
(1/306)

1- التلفظ بالنية قبل التكبير.
(1/307)

2- رفع اليدين - وكفاه مكشوفتان متوجهتان إلى القبلة، مفرجتا الأصابع - حذو المنكبين (قبالتهما) بأن تحاذي أطراف الأصابع أعلى الأذنين، وإبهاماه شحمتيهما وكفاه منكبيه (اختلف العلماء في الحكمة من رفع اليدين: فالشافعي رضي الله عنه يراه إعظاماً لجلال الله تعالى، واتباعاً لسنة رسوله، ورجاء لثواب الله. وقال التميمي الشافعي: من الناس من قال: رفع اليدين تعبد لا يعقل معناه. ومنهم من قال: هو إشارة إلى طرح ما سواه تعالى والإقبال بكليته على صلاته. ومنهم من قال: هو استسلام وانقياد كالأسير إذا استسلم. ومنهم من قال: يرفع ليراه من لا يسمع التكبير فيعلم أنه دخل في الصلاة فيقتدي به)
ويكون الرفع في أربعة مواضع:
(1) مع تكبيرة الإحرام، فيبتدئ بابتداء التكبير وينتهي بانتهائه، فإن سبقت اليد أثبتها مرفوعة حتى يفرغ من التكبير، لأن الرفع للتكبير فكان معه
(2) عند الهوي للركوع، ويبتدئ بابتداء التكبير إلا أنه يمد التكبير بعد الرفع إلى أن يصل إلى الركوع، فالرفع والتكبير يبدأان معاً دون الانتهاء.
(3) الرفع عند الانتهاء من الركوع، مع قولنا: سمع الله لمن حمده.
(4) الرفع عند القيام من التشهد الأول. وكذا لو كان يصلي قاعداً فيرفع يديه عند ابتداء الركعة الثالثة.
ودليله: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 3/703)
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 118/744) ، وقوله إذا قام من السجدتين يعني به الركعتين، والمراد إذا قام من التشهد الأول، كذا فسره الترمذي وغيره)
(1/308)

3- التفريق بين القدمين في القيام وتوجيه أصابعهما إلى القبلة.
(1/309)

4- وضع اليمنى على اليسرى، وذلك بأن يقبض بيمينه كوع يساره وبعض ساعده ورسغه، وأن تكون أصابع اليمنى حول المفصل، ويكونا تحت صدره فوق سرته لحديث وائل ابن حجر رضي الله عنه " أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 15/54) وفي رواية أبي داود بإسناد صحيح عن عاصم ابن كليب قال فيه: "ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 116/727) ولأن وضع اليد على اليد أسلم له من العبث وأحسن في التواضع والتضرع والتذلل، فإن أرسلهما ولم يعبث لم يضر.
(1/310)

5- أن ينظر إلى موضع سجوده في قيامه وقعوده طلباً للخشوع، وغضاً للبصر عما يلهي، ولو كان عند الكعبة، أما في التشهد فينظر إلى مسبحته عند قوله إلا الله. وفي صلاة الخوف يندب أن ينظر إلى جهة عدوه لئلا يبغته.
(1/311)

6- قراءة دعاء التوجه: وهو مستحب في الفرض والنفل - كما يدل عليه حديث علي رضي الله عنه اللاحق - للمنفرد، وللإمام وللمأموم وإن شرع إمامه في الفاتحة، أو أمن لتأمين إمامه قبل شروعه فيه شروطه:
(1) أن يكون عقب تكبيرة الإحرام، قبل أن يشرع في التعوذ أو القراءة قبله، فإذا شرع بهما أو بأحدهما قبله، ولو سهواً، لم يعد إليه لفوات محله.
(2) أن يكون في غير صلاة الجنازة.
(3) ألا يخاف فوات وقت الأداء، فلو كان ما بقي لا يسع ركعة لم يسن الإتيان به، وأما لو بقي من الوقت ما يسعه ويسع ركعة فتسن قراءته.
(4) ألا يخاف المأموم فوت بعض الفاتحة، فإن خاف ذلك لم يسن له.
(5) أن يكون إدراكه للإمام في القيام لا في غيره، فلو أدركه في الاعتدال لم يقرأه، أما إن أدركه في التشهد وسلم الإمام أو قام قبل أن يجلس معه فتسن له قراءته.
صيغته: وردت في دعاء الافتتاح صيغ عدة أفضلها ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: (وجهت وجهي (أقبلت بذاتي وقصدت بعبادتي) للذي فطر (ابتدأ خلقها على غير مثال سابق) السموات والأرض حنيفاً (مائلاً عن الأديان الباطلة إلى الحق) وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي (عبادتي) ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك (هو مثنى، ومعناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة) وسعديك (مثنى كذلك ومعناه: مساعدة بعد مساعدة، ومتابعة لدينك الذي ارتضيته بعد متابعة) والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، (لا يتقرب به إليك، أو لا يصعد إليك وإنما يصعد إليك العمل الصالح) أنا بك وإليك، (توفيقي بك والتجائي إليك، أو أعتصم بك وألجأ إليك) تباركت (استحققت الثناء) وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 26/201)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هُنَيَّة قبل أن يقرأ. فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: (أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) " (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 27/147)
وقد يرد غير ما ذكر من دعاء الافتتاح مثل: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلاً" (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 27/150 في حديث ابن عمر رضي اله عنهما) أو " الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً" (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 27/149، وهذا الدعاء وسابقه ولاحقه من كلام الصحابة لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم) أو " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".
ويستحب الجمع بين كل ما ذكر للمنفرد، ولإمام قوم محصورين راضين بالتطويل.
(1/312)

7- التعوذ (التعوذ والاستعاذة بمعنى الاستجارة) ويسن سراً في كل ركعة قراءة. ودليله: قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} (النحل: 98) ويسر به ولو كانت الصلاة جهرية، ويفوت التعوذ بالقراءة ولو سهواً.
شروط التعوذ: هي شروط دعاء التوجه نفسها، لكن تخالفها في اثنين:
(1) يسن التعوذ في كل صلاة حتى الجنازة.
(2) يسن التعوذ للمأموم المسبوق بعد جلوسه مع إمامه، فلو قعد معه ثم قام بعد سلامه أو قيامه تعوذ للقراءة.
ومحله: بعد الفراغ من دعاء التوجه في الأولى، وقبل القراءة في كل ركعة.
ويحصل بكل لفظ يشتمل على التعوذ، والأفضل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
(1/313)

8- السكوت: تسن سكتة لطيفة بين التحريم والتوجه، وبين التوجه والتعوذ، وبين التعوذ والبسملة، وبين الفاتحة وآمين، وبين آمين والسورة، وبين السورة وتكبيرة الركوع، فهذه ست سكتات كلها تكون بقدر سبحان الله باستثناء السكتة التي بين آمين والسورة بالنسبة للإمام في الصلاة الجهرية، فإنه يطيلها بقدر قراءة المأموم للفاتحة، ويشتغل بالدعاء أو الذكر سراً أو بالقراءة، وهي أفضل، يبدؤها سراً ريثما ينتهي المأموم من فاتحته، ثم يجهر بها، روى الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه كان يسكت سكتتين: إذا استفتح، وإذا فرغ من القراءة كلها" وفي رواية: "وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع" وهاتان روايتا أبي داود (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 123/778 و 777) وفي رواية له وللترمذي " سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 123/779)
(1/314)

9- الجهر (وحد الجهر أن يسمع من يليه) في الصلاة الجهرية للمنفرد والإمام، أما المأموم فيستحب له الإسرار، ويكره له الجهر سواء سمع قراءة الإمام أم لا لئلا يشوش على الإمام وينازعه القراءة، ولأنه مأمور بالإنصات إلى الإمام، ودليل كراهة الجهر للمأموم حديث عمران بن حصين رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرا خلفه بسبح اسم ربك الأعلى فلما انصرف قال: (أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟) فقال رجل: أنا فقال: (قد ظننت أن بعضكم خالجنيها (خالجنيها: جاذبنيها ونازعنيها)) " (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 12/48) والمرأة والخنثى تجهران حيث لا يسمعهما أجنبي، وإلا أسرتا.
ويحرم الجهر في حضرة من يتأذى به، وقيل يكره.
ويندب في نوافل الليل المطلقة التوسط بين الجهر والإسرار بشرط ألا يشوش على نائم أو مصل آخر، أو مطالع في كتب العلم ...
موضع الجهر:
في الفرائض: صلاة الصبح، ودليله ما رواه البخاري، تحت باب الجهر بقراءة الفجر، أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ""طفت وراء الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويقرأ بالطور" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 23) وأوليا المغرب والعشاء؛ عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 17/731) وعن البراء رضي الله عنه" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 18/733) وركعتي الجمعة.
أما الفريضة المقضية فالجهر والإسرار فيها منوطان بوقت القضاء لا بوقت لزوم الأداء. فلو قضى السرية بالليل جهر، أو قضى الجهرية بالنهار أسر.
ولو أدرك ركعة من الصبح في وقتها، والأخرى خارجة جهر في الأولى وأسر في الثانية، إلا الإمام فيجهر فيها بالقنوت.
وفي النوافل: يجهر في صلاة العيدين، وفي صلاة الاستسقاء ولو نهاراً، وصلاة خسوف القمر، والتراويح، ووتر رمضان، وركعتي الطواف إن أتى بهما ليلاً أو وقت الصبح.
موضع الإسرار:
في سوى ما ذكر من الصلوات، كصلاة الظهر والعصر، وأخيرة المغرب، وأخيرتي العشاء، عن أبي معمر قال: قلت لخباب بن الأرت رضي الله عنه: "أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قال: قلت: بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 15/727) ويسر في السنن الراتبة مطلقاً حتى الليلة منها، وفي صلاة كسوف الشمس، ونوافل النهار مطلقاً.
ولو جهر في موضع الإسرار، أو أسر في موضع الجهر لم تبطل صلاته، ولا سجود سهو فيهلكنه مكروه إلا لعذر.
(1/315)

10- التأمين (وهو قول آمين، وآمين فعل أم بمعنى استحب، وقيل إنه اسم من أسمائه تعالى) بعد الفراغ من الفاتحة، ودليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 29/747) وموضع التأمين: بعد الفراغ من الفاتحة، أو أية آية فيها دعاء، سواء في الصلاة، أية صلاة، أو خارجها، لكنه في الصلاة أشد استحباباً.
من يسن له التأمين: يسن التأمين بصورة عامة للقارئ، أو السامع، وفي الصلاة للمنفرد، وللإمام والمأموم، يقولها مع إمامه لا يتقدم عليه فيها ولا يتأخر لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبو هريرة رضي الله عنه: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) ، فينبغي أن يقع تأمين الإمام والمأموم والملائكة دفعة واحدة (التأمين وحده الذي يستحب فيه مقارنة الإمام، والسبب في ذلك أن التأمين لا لتأمين الإمام بل لقراءته وقد فرغت قراءته.) فإذا أخر الإمام التأمين عن وقته المندوب فيه أو تركه أمن المأموم جهراً ليسمعه الإمام فيأتي به.
وإذا انتهى الإمام والمأموم من الفاتحة معاً كفى المأموم تأمين واحد مع تأمين الإمام لا قبله ولا بعده لما تقدم. ولو انتهى المأموم قبل الإمام أمن على قراءته ثم يؤمن مع إمامه، أو وقع العكس قطع فاتحته وأمن لقراءة إمامه، ثم يؤمن لقراءة نفسه إذا فرغ.
ويكون التأمين سراً في الصلاة السرية وجهراً في الصلاة الجهرية.
وإذا ترك المصلي التأمين حتى اشتغل بغيره فات، ولم يعد إليه.
(1/316)

11- قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة في الصبح والأوليين من سائر الصلوات لحديث أبي قتادة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الآية، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 25/743)
أما صلاة التطوع فيقرأ فيها السورة في جميع الركعات إن صلاها بتشهد واحد، وإلا لم يقرأها بعد التشهد الأول قياساً على ما بعد الأوليين من الفرائض.
أما المأموم فلا يقرأ بعد الفاتحة شيئاً إن كانت الصلاة جهرية، أما إن كانت سرية أو كان لا يسمع الإمام في صلاة جهرية، أو كان يسمعه ولا يفهم، فالقراءة له سنة في هذه الحال.
ومن فاتته السورة في الأوليين تداركها في باقي صلاته، فالمسبوق بالأوليين في صلاة رباعية يقرأ في الثالثة والرابعة من صلاة الإمام لأنهما أول صلاته، فإن لم يتمكن قرأ في أخيرتين سراً لئلا تخلوا صلاته من السورة بلا عذر
ولو قرأ المصلي السورة، ثم قرأ الفاتحة أجزأته الفاتحة ولا تحسب له السورة لأنه أتى بها في غير موضعها.
ولو قرأ الفاتحة مرتين لم تبطل صلاته، لكن لا تحسب له المرة الثانية عن السورة، لأن الفاتحة مشروعة في الصلاة فرضاً، والشيء الواحد لا يؤدي به فرض ونفل في محل واحد.
ومن المستحبات في القراءة ما يلي:
(1) الترتيل (الترتيل: وصل الحروف والكلمات على ضرب من التأني) والتدبر (التدبر: التبصر والتفكر) لقوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلاً} (المزمل: 4) وقوله تعالى أيضاً: {كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته} (ص: 29)
(2) قراءة السورة كاملة، وهو أفضل من بعض السورة الطويلة، ولو كان بقدر القصيرة الكاملة، لأنه قد يقف في غير موضع الوقف المستحب أو الواجب.
(3) تطويل قراءة الركعة الأولى عن الثانية لحديث أبي قتادة رضي الله عنه المتقدم، إلا حيث ورد النص على العكس؛ كما لو وجد زحمة في المسجد فيسن للإمام تطويل الثانية عن الأولى ليلحقه منتظر السجود (وهو المأموم الذي لم يجد موضعاً للسجود بسبب الزحام فينتظر حتى يرفع الإمام رأسه من السجود، ويتسع المكان لسجوده، وعندها يسجد ثم يلحق بالإمام)
(4) عدم تكرار السورة في الركعتين، إلا إذا كان لا يحفظ غيرها.
(5) يسن أن تكون القراءة على ترتيب المصحف وتواليه، فمثلاً لو قرأ في الركعة الأولى سورة الناس فالأولى أن يقرأ في الثانية أول البقرة.
(6) تسن قراءة سورة من قصار المفصل (سمي المفصل لكثرة الفصول فيه بين سوره، وقصار المفصل من سورة الضحى إلى آخر القرآن) في المغرب، وطوال المفصل (طوال المفصل من سورة الحجرات إلى سورة النبأ) في الصبح، وبقريب منه في الظهر، وذلك للمنفرد، ولإمام محصورين في مسجد غير مطروق، رضوا بالتطويل، وليس فيهم ذوات أزواج، ولا أجراء عين (أجير عين: هو أجير بنفسه خلال زمن محدد) إلا أن يأذن الزوج والمستأجر، فإن تخلف شرط من ذلك ندب الاقتصار، في كل الصلوات، على فصار المفصل، ويكره خلافه وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل (وأوساط المفصل من سورة النبأ إلى سورة الضحى) وذلك لحديث سليمان بن يسار عن أبو هريرة رضي الله عنه قال: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله من فلان. قال سليمان: كان يطيل الركعتين الأوليين من الظهر ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بوسط المفصل، ويقرأ في الصبح بطول المفصل" (النسائي ج 2/ص 167)
وفي فج الجمعة يسن أن يقرأ {ألم تنزيل} السجدة، و {هل أتى على الإنسان} لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان" (البخاري ج 1/ كتاب الجمعة باب 9/851) والحكمة من هذه السنة:
آ- أن وقت الصبح طويل وصلاته قصيرة فكان التطويل مناسباً.
ب- ووقت الظهر طويل وصلاته كذلك، وهو وقت نشاط فناسب فيه قراءة القريب من طول المفصل.
ج- ووقت العصر والعشاء طويل وفروضهما كذلك، وأوقاتهما ليست بأوقات نشاط، فلما تعارضا ناسبهما التوسط.
د- ووقت المغرب قصير فناسبه القصر.
هذا للمقيم، أما المسافر فيقرأ في صلواته جميعها بسورة الكافرون وسورة الإخلاص تخفيفاً عليه.
أما ترك السورة أصلاً فمكروه.
(7) سؤال الرحمة عند قراءة آية فيها ذكر الرحمة والاستعاذة عند آية فيها ذكر العذاب، والتسبيح عن آية فيها تسبيح والاستغفار عند آية فيها استغفار، والإجابة عن الأسئلة في الآيات الاستفهامية (كما لو قرأ: {أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى} فيجيب بلى قادر، وأنا على ذلك من الشاهدين) ويفعل ذلك الإمام والمأموم ويجهران بها في الصلاة الجهرية.
(1/317)

12- التكبير للانتقال، ومده إلى الركن الذي بعده لئلا يخلو جزء من صلاته من ذكر الله، ويكون المد بلام الجلالة، بخلاف تكبيرة الإحرام فندب الإسراع بها لئلا تزول النية.
ويجهر بالتكبيرات إن كان إماماً أو مبلغاً ليسمعه المأمومون، لما روي عن أبو هريرة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 35/756) ولا بد أن يستحضر (ومعنى يستحضر: أن يقصد ذكر الله أو أن يشرك بين قصد الذكر والتبليغ) بقلبه ذكر الله ولو مع التبليغ، أما لو قصد التبليغ أو الإسماع فقط فإن الصلاة تبطل، أما المنفرد والمأمومون - غير المبلغ- فيسرون بالتكبيرات، ويكره لهم الجهر بها. وأما المرأة فإن أمت النساء جهرت أيضاً إن لم يسمعها أجنبي.
(1/318)

13- ويسن في الركوع مد الظهر والعنق من غير أن يصوب رأسه أو يقنعه (لم يصوب رأسه: لم يبالغ في خفضه وتنكيسه، ولم يقنعه: لم يرفعه) لحديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود) (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 148/855) وحديث عائشة رضي الله عنها في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم، قالت: " ... وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوِّبه، ولكن بين ذلك" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 46/240، ويشخص رأسه: يرفعه.) كما يسن نصب الساقين والفخذين، وأخذ الركبتين باليدين وتفريق أصابعهما وتوجيهها إلى القبلة، لما روي عن سالم البراد قال: "أتينا عقبة بن عمر وأبا مسعود، فقلنا: حدثنا عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام بين أيدينا في المسجد فكبر، فلما ركع كبر ووضع راحتيه على ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، ثم جافى مرفقيه، ثم قال: هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل" (المستدرك ج 1/ ص 224) أما أقطع اليد فيفعل بالسليمة ما ذكر، ويرسل الثانية أما أقطع اليدين فيرسلهما، ومثله قصيرهما، ويجافي الرجل مرفقيه للحديث المتقدم أما المرأة فتضمهما إلى جنبيها لأنه أستر لها، وكذلك تفعل الخنثى، كما يجافي الرجل قدميه إحداهما عن الأخرى، وركبتيه كذلك بقدر شبر.
ويقول في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده. وتتحقق السنة بواحدة لكن الأفضل قولها ثلاثاً وذلك أدنى الكمال، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده، وذلك أدناه) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 194/261)
والزيادة على الثلاث أفضل للمنفرد، ولإمام محصورين رضوا بالتطويل على أن يختم عددها بوتر، ولا تزيد على إحدى عشرة مرة ويستحب أن يضيف على السُبْحَةِ "وبحمده" فيقول: سبحان ربي العظيم وبحمده.
والأفضل أن يقول بعد هذا التسبيح - قل أو كثر اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 26/201. من رواية علي رضي الله عنه في حديث التوجه وقد تقدم بعضه) وهذا أتم الكمال. وإن أراد الاقتصار على التسبيح أو الدعاء فالتسبيح أفضل.
وتكره القراءة في الركوع - وغيره من بقية الأركان غير القيام - لحديث علي رضي الله عنه قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد" (مسلم ج 1/كتاب الصلاة باب 41/210)
(1/319)

14- يسن إذا رفع رأسه للاعتدال أن يرفع يديه حال ارتفاعه قائلاً: سمع الله لمن حمده، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه المتقدم، يقولها الإمام والمأموم والمنفرد، يجهر بها الإمام والمبلغ ويسران بربنا لك الحمد، أما المأموم والمنفرد فيسران بهما.
فإذا استوى قائماً قال ما رواه ابن عباس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: (اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد) " (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 40/206) ويزيد المنفرد وإمام محصورين رضوا بالتطويل ما ورد في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذات الجد منك الجد" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 40/205 والجَدَُ بالفتح: الحظ والغنى، والمعنى: لا ينفع ذا المال والحظ والغنى غناه من عقابك، وإنما ينفعه ويمنعه من عقابك العمل الصالح)
(1/320)

15- ويسن في السجود وضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، مكشوفة، على الأرض لما روى وائل بن حجر رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 199/268) قال الخطابي: "وهو - يعني وضع الركبتين قبل اليدين - أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل ورأي العين" (المجموع ج 3/ ص 394) ويسن للرجل في السجود مجافاة مرفقيه عن جنبيه، ورفعهما عن الأرض، والاعتماد على الكفين، لحديث عبد الله بن مالك بن بُحَيْنة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 46/774) ولحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) (البخاري ج 1 / كتاب صفة الصلاة باب 57/788) والاعتماد على الكفين، ومجافاة بطنه عن فخذيه، لحديث أبي حُمَيد رضي الله عنه في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه" إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 117/735) ويجافي بين قدميه، وبين ركبتيه بقدر شبر. أما المرأة فتضم بعضها إلى بعض لأن ذلك أستر لها، وترفع مفرقيها، وتعتمد على راحتيها كالرجل. ويسن ضم أصابع اليدين ونشرها واستقبال القبلة بها. لحديث وائل بن حجر رضي الله عنه في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم وفيه: "وإذا سجد ضم أصابعه" (البيهقي ج 2/ص 112) ولحديث البيهقي بإسناده عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد فوضع يديه بالأرض استقبل بكفيه وأصابعه القبلة" (البيهقي ج 2/ص 113) ويجعل كفيه حذو منكبيه ورأسه بينهما، لحديث أبي حميد رضي الله عنه في رواية البيهقي في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم وفيه" سجد ... ووضع كفيه حذو منكبيه" (البيهقي ج 2/ص 112) وينصب القدمين- ويسن للجل كشفهما وإبرازهما من ثوبه - ويوجه أصابعهما للقبلة، ويعتمد على بطونهما، لحديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه - من رواية البخاري - وفيه: "فإذا سجد ... واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 61/794)
ويسن أن يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ويفضل أن يقول ذلك ثلاثاً. ويزيد المنفرد وإمام محصورين رضوا بالتطويل (اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين) (هو تتمة حديث علي رضي الله عنه المتقدم، أخرجه مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين باب 26/201) وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده: (سبوح قدوس، رب الملائكة والروح) (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 42، 223، وسبوح قدوس: صفتان لله تعالى أي مسبح ومقدس، ومعناه مبرأ من كل نقص، ومن الشريك، ومن كل ما لا يليق بالإلهية. الروح جبريل عليه السلام.) ويسن اجتهاد المنفرد بالدعاء في سجوده رجاء الإجابة، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء) (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 42/215)
(1/321)

16- يسن في الجلوس بين السجدتين:
(1) الافتراش: وهو أن يجلس المصلي على عقب رجله اليسرى بحيث يلي ظهرها الأرض، وينصب رجله اليمنى، ويضع أطراف أصابعه منها على الأرض، ويوجه أصابعها نحو القبلة، وكذا في سائر الجلوس (عدا الجلوس للتشهد الأخير فإنه يطلب فيه التورك) كجلوس المصلي قاعداً للقراءة، وجلوسه للاستراحة، والجلوس للتشهد الأول، وجلوس المسبوق في حال تورك إمامه، وجلوس الساهي (الساهي: من طلب منه سجود السهو وأراد فعله، فإنه يفترش في التشهد الأخير، ثم يسجد للسهو، ثم يتورك ليسلم)
والدليل على الافتراش حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه في وصف صلاته صلى الله عليه وسلم: "فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 61/794)
(2) أن يضع المصلي يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه، وينشر أصابعهما مضمومة موجهة إلى القبلة، ويقول ما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: (اللهم اغفر لي، وارحمني واجبرني واهدني وارزقني) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 211/284)
(1/322)

17- تسن جلسة خفيفة للاستراحة عقب السجدتين في كل ركعة يعقبها قيام (وهي السجدة الثانية في الركعة التي لا يعقبها تشهد) ولو لم يجلسها الإمام فيجلسها المأموم لأنها بسيطة، ولا تعتبر مخالفة للإمام ويستثنى من ذلك سجدة التلاوة في الصلاة فلا يستحب لها جلسة استراحة، والدليل عليها حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث المسيئ صلاته: (اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً) (البخاري ج 5/ كتاب الاستئذان باب 18/5897) ولا يكبر لها بل يرفع رأسه من السجود الثاني مكبراً ويمده إلى أن يستوي قائماً، ويخفف الجلسة وذلك حتى لا يخلو جزء من الصلاة عن ذكر.
(1/323)

18- الاعتماد بيديه على الأرض عند القيام، وبجعل راحتيه وبطون أصابعها على الأرض لحديث أيوب السَّختياني عن أبي قلابة قال: "جاءنا مالك بن الحويرث فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة، لكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قال أيوب: فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا - يعني عمرو بن سلمة - قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 59/790) ولأن ذلك أبلغ في الخشوع والتواضع وأعون للمصلي، وأحرى ألا ينقلب.
(1/324)

19- ويسن في التشهد الأخير:
(1) التورك، وهو أن يخرج رجله اليسرى على حالتها في الافتراش من جهة يمينه، ويلصق وركه الأيسر بالأرض، ويبقي القدم اليمنى على بطون الأصابع، وذلك للإتباع، إلا من كان عليه سجود سهو فيفترش.
والحكمة من التورك التمييز بين التشهدين ليعلم المسبوق حال الإمام في الجلسة الأخيرة، ودليله ما ورد في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه من رواية البخاري: " ... وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مقعدته"
(2) أن يضع يديه على فخذيه - في الجلوس للتشهدين - منعاً للعبث؛ يبسط أصابع اليسرى منهما جهة القبلة مضمومة، محاذياً برؤوسها طرف ركبتيه، ويضع اليمنى على طرف الركبة اليمنى مقبوضة الأصابع إلا المسبحة فيرسلها جهة القبلة، ويضع الإبهام تحتها، ويرفعها إذا بلغ الهمزة الثانية من قوله: لا إله إلا الله بلا تحريك.
وأكمل التشهد ما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: (التحيات المباركات، والصلوات الطيبات، لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) (مسلم ج 1/كتاب الصلاة باب 16/60، المباركات: الناميات، وقد تقدم شرح باقي الألفاظ في فصل أركان الصلاة)
وأكمل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة فيقول: "اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد" (قد تقدم الشرح في أركان الصلاة)
ولا بأس بزيادة كلمة سيدنا قبل ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم، والدعاء بما شاء. ومن الأدعية الواردة بين التشهد والتسليم:
ما روت أم سلمة رضي الله عنها: "أنه كان أكثر دعائه صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (الترمذي ج 5/ كتاب الدعوات باب 90/3522) وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "علمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: قال: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أن الغفور الرحيم) " (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 65/799)
وأفضل الأدعية ما روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 65/798، والمغرم: الدين) ومنه: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 26/201، من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه) .
ويكره الجهر بالتشهد وبالصلاة على النبي والدعاء والتسبيح.
(1/325)

20- ويسن في السلام أن يقول: ورحمة الله، بعد السلام عليكم، وأن يأتي بتسليمة ثانية، وفي كل منهما يبتدئ من جهة القبلة، وينتهي مع انتهاء الالتفات إلى اليمين في الأولى وإلى اليسار في الثانية بحيث ترى صفحة خده في كل مرة، ويفصل بينهما بسكتة لطيفة. وينوي السلام على من التفت هو إليه من ملائكة، ومؤمني الإنس والجن، وينوي أيضاً الرد على من سلم عليه من إمام ومأموم.
كما يستحب أن يدرج لفظة السلام ولا يمدها، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "حذف (قال ابن المبارك عناه: لا يمده مداً، المجموع ج 3 ص 463) السلام سنة" (أبو داود ج 1 كتاب الصلاة باب 192/1004)
(1/326)

21- ومن سنن الصلاة الخشوع، وهو حضور القلب، وسكون الجوارح، وأن يتدبر القراءة والأذكار. لقوله تعالى: {قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} (المؤمنون: 2) ولحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة) (مسلم ج 1/ كتاب الطهارة باب 6/17) ويندب الاستغفار والذكر عقب الصلاة، ودليله ما ورد عن ثوبان رضي الله عنه موله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام) " (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 26/135) ويسر به، أما الإمام الذي يريد تعليم الحاضرين فيجهر به ويقبل على المأمومين عاجلاً يساره إلى المحراب.
ويندب رفع اليدين بالدعاء ثم مسح الوجه بهما.
ومن الأدعية المأثورة ما رواه البخاري من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) (البخاري ج 1 / كتاب صفة الصلاة باب 71/808) ومنها: اللهم إني أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، وسلامة من كل إثم) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 348/479) ومنها (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 361/1522) وعن سعد رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ منهن - أي من الأشياء المذكورة في هذه الكلمات - دبر الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر) " (البخاري ج 3/ كتاب الجهاد باب 25/2667)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قلنا لأبي سعيد هل حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كان يقوله بعدما سلم؟ قال: نعم، كان يقول: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) " (رواه الطبراني، مجمع الزوائد ج 2/ص 147)
ويندب حمد الله في أول الدعاء، والصلاة على النبي في أوله وآخره، لما روى الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً قال: "إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك صلى الله عليه وسلم" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 352/486) ويستحب للمصلي منفرداً أو مأموماً أن يطيل الذكر بعد الصلاة، ويكثر الدعاء بعد المكتوبة رجاء الإجابة.
أما الإمام فيندب له الانصراف عقب سلامه إذا لم يكن ثمة نساء لحديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت" كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم" (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 73/812) وذلك باستثناء ما بعد الصبح وبعد العصر، فإن الجلوس أفضل في هذين الوقتين إلى طلوع الشمس وغروبها، لما روي عن أنس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تامة تامة تامة) " (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 412/586)
ويمكث المأموم حتى يقوم الإمام، وينصرف جهة حاجته، وإلا ففي جهة يمينه.
ويندب الفصل بين السنة والفرض بذكر أو انتقال، وهو أفضل.
كما يسن للمرء أن يصلي إلى سترة يدنو منها، من جدار أو سارية أو شاخص ينصبه، لحديث سَهْل بن أبي حَثْمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته) (النسائي ج 2/ ص 62)
ويستحب ألا يقل طول السترة عن ثلثي ذراع (الذراع المقصود هو الذراع الهاشمي، وهو من المرفق إلى رؤوس الأصابع مبسوطة) أما عرضها فلا ضابط فيه، بل يكفي الغليظ والدقيق لحديث أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجزئ من السترة مثل مؤخرة الرحل ولو بدقة شعرة) (المستدرك ج 1/ص 252، ومؤخرة الرحل هي الخشبة التي يستند إليها الراكب من رحل البعير، والرحل للبعير كالسرج للفرس) ومؤخرة الرحل هي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، كما يستحب ألا تزيد المسافة بين المصلي والجدار أو الشاخص على ثلاثة أذرع لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة فصلى وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع (انظر البخاري ج 2 كتاب الحج باب 51/1522)
فإن لم يجد بسط طاهراً يصلي عليه، أو خط خطاً وفقاً للمسافة المذكورة، روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطاً، ثم لا يضره ما مر أمامه) (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 103/689)
ويجوز له الاستتار بالدابة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَعرِض راحلته وهو يصلي إليها" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 47/247، ويعرض راحلته أي يجعلها معترضة بينه وبين القبلة)
ويحرم المرور بين المصلي السترة، حتى يحرم المرور بين المصلي والخط، ويستحب للمصلي دفع من أراد الاجتياز بين يديه والسترة لحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان) (البخاري ج 1 / كتاب سترة المصلي باب 10/487) وعن أبي جُهَيم الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه (أي ماذا عليه من الإثم) لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه) قال أبو النضر: "لا أدري قال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة" (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 48/261) لكن لا تبطل صلاته بمرور من مر وما مر على الإطلاق (والأحاديث الواردة في قطع المرأة، والدابة والكلب، للصلاة بعضها ضعيف، وصحيحها محمول على قطع الخشوع لا الصلاة نفسها، لصحة الأحاديث المعارضة.)
أما المرور بين يدي المصلي لسد فرجة في الصف المتقدم (صفوف المصلين كل صف ستر لما بعده، فلا يجوز أن يمر بين الصفين إلا في الحالة التي ذكرنا) فلا شيء فيه، ومثله المرور من بعد الشاخص، لما في حديث أبو هريرة رضي الله عنه المتقدم (ثم لا يضره ما مر أمامه) وكذلك المرور بين يدي المصلي إذا صلى في قارعة الطريق غير متخذ سترة.
(1/327)

الفصل الثالث: مكروهات الصلاة
(1/328)

-1- ترك شيء من سنن الصلاة.
-2- الالتفات بالوجه من غير حاجة، ولا بأس بلمح العين دون الالتفات. عن عائشة رضي الله عنها: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) ". (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 11/718، والاختلاس الأخذ بسرعة، على غفلة.)
فإن كان لحاجة لم يكره لحديث سهل بن الحنظلية رضي الله عنه قال: "ثُوِّب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشِّعب" قال أبو داود: "وكان أرسلا فارساً إلى الشِّعب من الليل يحرس" (أبو داود ج 1 / كتاب الصلاة باب 168/916)
-3- رفع البصر إلى السماء، ولو في دعاء القنوت لحديث أنس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم) فاشتد قوله في ذلك حتى قال: (لينتهن عن ذلك أو لتُخْطَفَنَّ أبصارهم) " (البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 10/717)
-4- أن يصلي الرجل شاداً شعره إلى مؤخرة الرأس، لحديث أبي رافع قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل وهو عاقص شعره" (ابن ماجة ج 1 / كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب 67/1042) أو أن يصلي رافعاً ثوبه من قبل أو دبر لحديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ولا أكفَّ ثوباً ولا شعراَ) (مسلم ج 1 / كتاب الصلاة باب 44/228)
وهذا خاص بالرجل دون المرأة، والحكمة في ذلك أن الشعر يسجد معه إذا سجد، وفيه امتهانله في العبادة، أما المرأة فشعرها عورة فإذا نقضته ربما استرسل وتعذر ستره فتبطل صلاتها فضلاً عما في نقضه للصلاة من مشقة عليها.
-5- التثاؤب، وهو مكروه في الصلاة وفي غيها فليرده ما استطاع، ويستحب وضع يده فيه سواء كان في الصلاة أم لا لحديث أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (التثاؤب من الشيطان فإذا تثائب أحدكم فليكظم ما استطاع) (مسلم ج 4/كتاب الزهد والرقائق باب 9/56)
-6- تسوية الحصى والتراب حيث يسجد، إلا لعذر، عن مُعيقيب رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد، قال: (إن كنت فاعلاً فواحدة) " (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 12/49) ولأنه ينافي التواضع والخشوع.
كما يكره مسح الجبهة في الصلاة، وقبل الانصراف مما يعلف بها من غبار ونحوه لمنافاته التواضع والخشوع كذلك.
-7- يكره القيام على إحدى رجليه بلا عذر، أو تقديمها على الأخرى، أو لصقها بها.
-8- تكره الصلاة حاقناً (الحاقن محتبس البول) أو حاقباً (الحاقب محتبس الغائط) أو حازقاً (الحازق محتبس الريح) بل يحرم إن ضرته المدافعة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) " (مسم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 16/67)
وينبغي أن يزيل هذا العارض ثم يشرع في الصلاة، ولو فاتته الجماعة، إلا إذا خاف فوت الوقت فيصلي مع العارض محافظة على حرمة الوقت.
-9- تكره الصلاة وهو تائق إلى الطعام إن وسع الوقت وكان الطعام حاضراً أو قريب الحضور حفاظاً على الخشوع في الصلاة، ودليله حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم العَشاء على العِشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 16/64)
-10 يكره أن يضع يده - اليمنى أو اليسرى- على خاصرته، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "نُهي عن الخصر في الصلاة" (البخاري ج 1/ كتاب العمل في الصلاة باب 17/1161) ولأن فيه كبراً أو سوء أدب، أو تشبهاً بفعل اليهود.
-11- أن يخفض رأسه في ركوعه
-12- الاستناد إلى ما يسقط بسقوطه إلا لعذر
-13- الزيادة في جلسة الاستراحة على الجلوس بين السجدتين.
-14- إطالة التشهد الأول، والدعاء فيه.
-15- مقارنة الإمام في أفعال الصلاة لحديث البراء رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يحنو أحد منا ظهره حتى نراه قد سجد" (مسلم ج 1 / كتاب الصلاة باب 39/200)
-16- تكره الصلاة محاذياً للنجاسة، ولو لم يتصل بها، كالصلاة في المزبلة والمجزرة، والمقبرة ولو غير منبوشة لحديث ابن عمر رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 258/346) أما المقبرة المنبوشة فلا تصح الصلاة فيها لأن ترابها نجس، إلا أن يفرش ثوباً طاهراً يصلي عليه فتصح مع الكراهة.
-17- تكره الصلاة في الكنيسة، وفي البيعة، وفي الحمام، وعلى سطح الكعبة، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم.
-18- تكره الصلاة في كل حال يشوش على المصلي، كالصلاة في طريق يمر الناس فيه، وفي مأوى الإبل، وفي بطن الوادي مع توقع السيل، وإلى جدار عليه نقوش، أو بثوب فيه صور أو أعلام تلهيه، لما روت عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فقال: (شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية) " (البخاري ج 1 / كتاب صفة الصلاة باب 11/719، الخميصة: كساء ذو أعلام والأنبجانية: كساء غليظ لا علم له)
-19- يكره التلثم (التلثم: تغطية الفم والأنف) للرجل لما ورد عن أبو هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغطي الرجل فاه في الصلاة (ابن ماجة ج 1/ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب 42/966) والتنقب (التنقب: تغطية الفم والأنف بما زاد عن خمار المرأة، وهو غطاء رأسها) للمرأة، إلا إذا خشيت رؤية الأجنبي لها والفتنة فترخي الخمار على وجهها أثناء القيام والركوع، وترفعه عند السجود لتلامس جبهتها الأرض.
-20- تكره الصلاة عند غلبة النوم لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 31/222)
-21- يكره أن يبصق المصلي أمامه أو عن يمينه إذا كان في غير المسجد، ومطلقاً إذا كان في المسجد، إلا على شيء كمنديل، للنهي عنه في الصحيح. وهذه الكراهة ثابتة لغير المصلي أيضاً. عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها) (البخاري ج 1/ كتاب المساجد باب 5/405) وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مسجدنا هذا وفي يده عُرْجُون ابن طاب (العرجون: أصل العِذقِ الذي يَعوجُّ ويقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابساً. وابن طاب: ضرب من الرطب) ، فنظر فرأى نخامة فأقبل عليها فحتها بالعرجون ثم قال (أيكم يحب أن يعرض الله عنه بوجهه؟) ثم قال: (إن أحدكم إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه فلا يبصقن قبل وجهه ولا عن يمينه وليبزق عن يساره تحت رجله اليسرى. فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا، ووضعه على فيه ثم دلكه) " (أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 22/485)
-22- تفقيع الأصابع وتشبيكها في الصلاة، لأنه ينافي الخشوع
(1/329)

الفصل الرابع: مبطلات الصلاة
(1/330)

-1- فقد شرط من شروط صحتها مع القدرة عليه، سواء دخل فيها بخلافه، أو دخل فيها وهو موجود ثم أخل به. وينضوي تحت هذا:
(1) ملاقاة النجاسة التي لا يعفى عنها.
(2) الحدث قبل التسليمة الأولى
(3) انكشاف العورة أو شيء منها.
(4) الانحراف عن القبلة (مر تفصيل هذه المبطلات الأربعة عند بحث شروط صحة الصلاة)
(5) الردة والعياذ بالله.
-2- قطع ركن عمداً: كأن يعتدل قبل تمام الركوع، أو يسجد عامداً قبل تمام الاعتدال، أو يجلس للتشهد عامداً قبل تمام السجدة الثانية.
-3- ترك ركن من الأركان، لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (ارجع فصل فإنك لم تصل) .
-4- تقديم ركن فعلي على محله عمداً، بخلاف الركن القولي فتقديمه على محله لا يبطل، ولكن لا يعتد بالمقدم بل يعيده في محله، ويستثنى من الركن القولي السلام فتقديمه عمداً يبطل الصلاة.
-5- تطويل الركن القصير (تقديم تحديد الطويل والقصير من الأركان) عمداً، وضابط التطويل أن يطول الاعتدال بقدر قراءة الفاتحة زيادة على الدعاء الوارد فيه، وأن يطول الجلوس بين السجدتين بقدر أقل التشهد زيادة على الذكر الوارد فيه، فإن كان دون ذلك فلا يبطل (أما الاعتدال فعلى أنه ركن قصير، إلا أن النووي يرى أن الأقوى جواز تطويله لورود النص، فقد روى مسلم عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: "صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سال، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: (سبحان ري العظيم) فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: (سمع الله لمن حمده) ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: (سبحان ربي الأعلى) فكان سجوده قريباً من قيامه" مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 27/203. قال النووي: "وفي التصريح بجواز إطالة الاعتدال بالذكر، والجواب عنه صعب على من منع الإطالة، فالأقوى جوازها بالذكر والله أعلم".)
-6- أن يطول زمن الشك (ويختلف الشك عن الوسواس الذي يصاب به بعض الناس) في النية وتكبيرة الإحرام حتى يمضي ركن قولي أو فعلي: فمن شك هل كبر للإحرام أم لا أو هل نوى أم لا؟ أو هل أتى ببعض شروط النية أم لا؟ وهو في الصلاة فينبغي له ألا يفعل شيئاً في حال الشك، فإن تذكر أنه أتى بكمال ذلك قبل أن يفعل شيئاً على الشك، وقصر الزمان، لم تبطل صلاته بلا خلاف، وإن طال بطلت لانقطاع نظمها، وإن تذكر بعد أن أتى مع الشك بركن فعلي أو قولي بطلت صلاته.
-7- العزم على قطع الصلاة؛ كأن يعزم في الركعة الأولى على قطعها في الثانية فتبطل في الحال، وكذا إذا شط في قطعها كأن يتردد هل يخرج منها أو يستمر، بطلت، ومثله أن يعلق قطعها بشيء، لأن النية شرط في جميع الصلاة، وقد قطع ذلك بما فعل فبطلت صلاته كالطهارة إذا قطعها بالحدث.
ولو دخل في الظهر مثلاً ثم نوى صرف النية إلى العصر بطل الظهر لأنه قطع نيته، ولم تصح العصر لأنه لم ينوه عند الإحرام.
ويحرم على المصلي إذا دخل في الصلاة المكتوبة قطعها إلا لضرورة؛ كإنقاذ حياة طفل، أو تجنب حصول ضرر شديد كنشوب حريق. ويجوز قطع النافلة إجابة لأحد الوالدين إن لم يعلم أنه في صلاة، وكان يشق عليه عدم الإجابة.
-8- تخلف المأموم عن إمامه أو تقدمه عليه بركنين فعليين عمداً لغير عذر.
-9- الكلام الكثير ولو مكرهاً. ودليله: قول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث يسار بن معاوية ابن الحكم السَّلمي ض: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 7/33)
وَحَدُّ الكلام الذي يبطل الصلاة موضح فيما يلي:
(1) أن يتكلم عمداً بحرفين من حروف الهجاء فأكثر، ولو لمصلحة الصلاة، ولو لم يفهما، أو حرف واحد مفهم لمعنى كما إذا قال: عِ أو قِ (أمران من وعى، ووقى)
أما إن تكلم عمداً بحرف غير مفهم فلا تبطل صلاته إلا إن قصد بنطقه إبطال صلاته، فتبطل عندئذ لأن فعله شروع في الإبطال.
(2) وتبطل الصلاة إذا بان منه حرف مفهم أو حرفان غير مفهومين، أثناء تنحنحه (التنحنح: تردد الصوت في الصدر) أو ضحكه أو أنينه أو بكائه - ولو خشية من الله تعالى-0 أو بنفخ من أنفه أو فمه أو بسعاله أو عطاسه أو تأوهه، إن كان قادراً على كتمه، أما إن لم يخرج شيئاً من الأحرف بكل ذلك فلا تبطل الصلاة.
وإن خرج منه صوت كالنهيق أو الصهيل أو صوت الطائر دون أن يظهر ذلك حرفاً لم تبطل الصلاة ما لم يقصد بذلك اللعب.
(3) إذا نطق بنظم القرآن بقصد التفهيم والإعلام لا بقصد التلاوة، كأن يأذن لرجل بالدخول فيقول له: {ادخلوها بسلام آمنين} بطلت صلاته/ وكذلك لو أطلق دون قصد تبطل صلاته لأنه أشبه كلام الآدميين. أما إن قصد التفهيم مع التلاوة فلا تبطل.
ويعذر بالكلام في الصلاة في حالات:
(1) أن يسبق لسانه إلى الكلام بغير قصد، أو يغلبه الضحك أو العطاس أو السعال ويظهر منه حرفان.
(2) أن يتكلم ناسياً، أو جاهلاً للتحريم بسبب قرب عهده بالإسلام، أو نشوئه في بادية بعيدة عن العلماء، على أن يكون الكلام يسيراً، وضابط اليسير ست كلمات عرفية فأقل، أما إذا تجاوز الست كلمات فإنه يقطع الصلاة.
(3) يعذر في التنحنح، ولو كثر إن تعذر عليه النطق بركن قولي من أركان الصلاة كقراءة الفاتحة.
كما لا تبطل الصلاة بما يلي من الكلام:
(1) الذكر والدعاء إلا أن يكون خطاباً لمخلوق، كرد السلام وتشميت العاطس وقوله: غفر الله لك، أو عافاك الله، أما إن قال ذلك جميعه بغير لفظ الخطاب، كما لو قال: وعليه السلام، أو يرحمه الله أو عافاه الله، فلا تبطل لأنه دعاء محض
(2) التلفظ بقربة كالعتق ونذر التبرر (إن لفظه دون أن يعلق أو يعقب على النذر، ودون مخاطبة أحد. ويقسم النذر إلى قسمين:
أولاً- نذر التبرر وهو نوعان آ- نذر تبرر منجز: وهو ما أوجب على نفسه فعله تقرباً إلى الله تعالى، ولا يكون إلا بطاعة غير واجبة، كأن يقول: لله علي صوم كذا، أو علي صوم كذا، دون ذكر لفظ الجلالة، وهذا لازم الأداء، ولا يبطل الصلاة إن لفظه أثناءها ب- التبرر المعلق: هو كنذر التبرر المنجز إلا أنه متعلق بمرغوب فيه، كأن يقول: لله علي صوم كذا شفي فلان، فإن تحقق النذر لزمه أداء ما التزم، وهذا لا يصح لفظه بالصلاة.
ثانياً- نذر اللجاج أو الخصومة أو الغضب: وهو ما تعرق بمرغوب عنه، كحث على فعل شيء، أو منعه منه أو تحقيق خبر، فإذا تحقق النذر فهو بالخيار إما أداء ما التزمه أو التكفير بكفارة يمين، ونذر اللجاج مكروه) مثل ذبح لله تعالى أو صوم أو صلاة لأنه مناجاة لله تعالى، ولا تبطل الصلاة لأنه لو انتظر حتى ينتهي منها قد تحدثه نفسه بالرجوع عن النذر.
كما لا تبطل الصلاة بالسكوت الطويل بلا عذر (في الأركان الطويلة بلا شك، / لأنه مر أن تطويل الركن القصير عمداً مبطل للصلاة)
ويسن لمن نابه شيء في الصلاة (كأن كلمه إنسان وهو في الصلاة فأراد إعلامه أن يصلي، أو سها الإمام فأراد أن يعلمه السهو) أن يسبح الله تعالى (بقصد الذكر مع الإعلام، أما إن قصد الإعلام وحده فتبطل صلاته) إن كان رجلاً، أما إن كانت امرأة فتصفق ببطن الكف على ظهر الكف الأيسر أو العكس (أما إن ضربت بطناً ببطن على وجه اللعب ولو قليلاً فتبطل صلاتها لمنافاته الخشوع إلا إن جهلت التحريم) ولو صفق وسبحت فقد خالفا السنة ولا تبطل صلاتهما. عن سهل بن سعد رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث نيابة أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في إمامة الناس: (من نابه شيء في صلاة فليسبح، فإنه إذا سبَّح التفت إليه، وإنما التصفيح للنساء) " (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 22/102 وفي نسخة أخرى التصفيق بدل التصفيح، وهما بمعنى واحد.)
-10- الزيادة على أفعال الصلاة:
(1) إن كان الفعل من جنس أفعال الصلاة، بأن زاد ركوعاً أو غيره من الأركان الفعلية (ولا تقاس زيادة الركن القولي، على زيادة الركن الفعلي، فتكرار قراءة الفاتحة لا يبطل الصلاة لأنه لا يغير نظمها، لأنه تكرار ذكر فهو كما لو قرأ السورة بعد الفاتحة مرتين. ويستثنى من ذلك السلام فزيادته عمداً تبطل)
آ- فإن كان عامداً بطلت صلاته قل العمل أو كثر لأنه متلاعب بالصلاة.
ب- وإن كان ناسياً لم تبطل قل العمل أو كثر، لحديث عبد الله رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: (وما ذاك؟) قال: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم" (البخاري ج 1/ كتاب أبواب السهو باب 2/1168) ولأنه لا يمكن الاحتراز منه.
(2) أما إن لم يكن العمل من جنس الصلاة، كالمشي والضرب وإصلاح الرداء والإشارة:
آ- فإن كان قليلاً لم تبطل صلاته عمداً فعله أو سهواً إلا إذا قصد به اللعب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي بدفع المارين بين يديه، على ما قدمنا، وأمر بقتل الأسودين، الحية والعقرب، في الصلاة (انظر أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 169/921) وحمل أمامة بن أبي العاض فكان إذا سجد وضعها فإذا قام رفعها (انظر مسلم ج 1 / كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 9/41) وقد جاوب بعضهم على حمله صلى الله عليه وسلم أمامة باحتمال طهارة ثيابها، أو أن ذلك من خصوصياته ث أما لو ركب طفل على ظهر مصل مع تحقق نجاسة ثيابه فإن صلاته تبطل، بخلافه مع يقين الطهارة فإن ذلك لا يضر) وسلم عليه الأنصار فرد عليهم في الصلاة باسطاً كفه جاعلاً بطنه أسفل وظهره إلى فوق (انظر أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 170/927)
ولأن المصلي لا يخلو من عمل قليل، فلم تبطل صلاته بذلك.
ب- وإن كان كثيراً - بأن مشى خطوات متتابعات، أو ضرب ضربات متواليات - بطلت صلاته عمداً فعله أو سهواً لأنه لا تدعو إليه الحاجة في الغالب.
وضابط الكثير يرجع فيه إلى العادة، فلا يضر ما يعده الناس قليلاً، كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة ووضعها، ولبس ثوب خفيف ومزعه، وحمل صغير ووضعه. قالوا: وعليه فالفَعَلات الثلاث كثير بلا خلاف، ولا يشترط أن تكون الأفعال الثلاثة من نوع واحد فمثلاً إذا حرك رأسه ويده ومشى اعتبر ذلك عملاً كثيراً يبطل الصلاة.
ومن العمل الكثير الوثبة الفاحشة المفردة، وكذا تحريك البدن كله أو معظمه، ولو من غير نقل قدميه، والضربة المفرطة.
وشروط إبطال الصلاة في العمل الكثير:
(1) التتابع عرفاً، كأن لا يطمئن بين الفعلين.
(2) أن يكون الفعل بعضو ثقيل، فإن كان بعضو خفيف، فلا يبطل الصلاة كتحرك أصابعه، كل أصبح بمفردها، من غير تحريك الكف (أما تحريك الأصابع جميعها بحيث يتحرك معها الكف كما هو الغالب، فإنه يضر مع التوالي) في سبحة أو حكة أو حل أو عقد أو تحريك لسانه، أو شفتيه من غير تحريك الحنك، أو تحريك حاجبيه أو أجفانه فكل هذه الحركات لا تبطل ولو كثرت متوالية، لكن يكره إن تعمده.
-11- الأكل والشرب:
(1) الأكل والشرب الكثيران يبطلان الصلاة، ولو كان الفاعل ناسياً، أو جاهلاً بإبطاله الصلاة بخلاف الصوم، فلا يبطل صومه بالأكل والشرك إن كان جاهلاً بشروط الصوم (لقرب عهده بالإسلام أو نشوئه بعيداً عن العلم والعلماء) أو كان ناسياً للصوم، ولو كثر، ولهذا التفريق بين الصوم والصلاة أسباب منها
آ- أن للصلاة هيئة مذكرة بخلاف الصوم
ب- أن الصلاة ذات أفعال منظومة، فكثير الأكل والشرب يقطع نظمها بخلاف الصوم فإنه كف وإمساك
(2) الأكل والشرب القليلان لا يبطلان الصلاة إن فعلهما ناسياً أو جاهلاً معذوراً أما العامد فتبطل صلاته قل الطعام أو كثر، حتى لو نزلت من رأسه نخامة فابتلعها عمداً بطلت صلاته، بخلاف ما لو لم يتمكن من إمساكها. ولا بأس بجري الريق بين الأسنان إلا إذا انفصل شيء من الطعام مع الريق فابتلعه المصلي، فإنه يبطل الصلاة.
وأما المكره ولو على قليل الأكل والشرب في الصلاة فتبطل صلاته لأن هذه الحالة نادرة الوقوع.
(1/331)

الباب الرابع [سجود السهو والتلاوة والشكر]
(1/332)

الفصل الأول: سجود السهو
(1/333)

- شرع سجود السهو جبراً للخلل الواقع في الصلاة فرضاً أو نفلاَ، وإرغاماً للشيطان.
دليل المشروعية
- حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فليلق الشك وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان. وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماماً لصلاته، وكانت السجدتان مرغمتي الشيطان) (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 197/1024)
(1/334)

- حكمه:
-1- هو سنة:
آ- للمنفرد.
ب- للإمام.
ج- للمأموم لسهو إمامه، إن لم يسجد إمامه.
د- للمأموم المسبوق؛ لسهو نفسه الواقع بعد انتهاء صلاة الإمام.
هـ- للمأموم لسهوه الواقع قبل الاقتداء بالإمام (وصورة ذلك أن يبدأ الصلاة منفرداً ويسهو في صلاته ثم يدخل في جماعة)
و للمأموم إن كان الإمام حنفياً وسجد للسهو بعد السلام، فلا يجب على المأموم أن يسجد مع الإمام للسهو لانقطاع القدوة بالسلام.
ز- يسن للمأموم المسبوق أن يعيده في آخر صلاة نفسه لأن الأول فعله متابعة للإمام ولم يكن موضع سجوده.
والدليل على أنه سنة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتقدم: (فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة والسجدتان)
-2- وهو واجب على المأموم إذا فعله إمامه قبل السلام، حتى ولو سلم بعد سلام إمامه، ساهياً عن سجود السهو لزمه أن يعود إليه إن قرب الفصل، وإلا أعاد صلاته كما لو ترك منها ركناً، لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) (مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 19/77، وسيرد الحديث تاماً في بحث صلاة الجماعة)
(1/335)

- كيفيته:
- هو سجدتان، وواجباته كواجبات سجود الصلاة، ومندوباته كمندوباته، وذكره كذكره، واللائق بالحال أن يقول فيه: سبحان من لا ينام ولا يسهو، أما إذا كان متعمداً سبب السهو فيسن له في سجود السهو الاستغفار.
ولا بد له من نية لا يتلفظ بها، فإذا سجد بدون نية، ـو تلفظ بها بطلت صلاته، أما المأموم فلا يحتاج إلى نية لتبعيته للإمام.
وإن اجتمع سهوان أو أكثر من نوع واحد أو أنواع كفاه للجميع سجدتان، ولا يجوز أكثر من سجدتين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين، وكلم ذا اليدين، واقتصر على سجدتين (سيرد الحديث تاماً بعد صفحات.) ولأنه لو لم يتداخل لسجد عقب السهو، فلما أخر إلى آخر صلاته دل على أنه إنما أخر ليجمع كل سهو في الصلاة، فإن سها في سجود السهو فسجد ثلاثاً لم يسجد لهذا السهو، أما لو شك هل سجد للسهو سجدة أو سجدتين فيسجد أخرى ولا يعيد السجود وإن تبين له أنهن صرن ثلاثاً، لأن سجود السهو لو لم يجبر كل سهو لم يؤخر.
(1/336)

- محله: - قبل السلام للأحاديث الصحيحة الكثيرة فيه، ومنها حديث عبد الله بن بُحَينة رضي الله عنه قال: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعض الصلوات ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته نظرنا تسليمه كبر فسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ثم سلم" (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 19/85، وسترد في البحث أحاديث أخرى تدل عليه)
ولأن فعله قبل السلام كان آخر الأمرين من فعله صلى الله عليه وسلم، والمتأخر ينسخ المتقدم، ولأنه يفعل لإصلاح الصلاة فكان قبل السلام، كما لو نسي سجدة من الصلاة.
ولا بد من كونه بعد التشهد وإتمام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن سجد قبل إتمامها بطلت صلاته، حتى لو كان مأموماً ولم يكمل تشهده وصلاته على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجب عليه التخلف لهما ثم يسجد وجوباً لتوجيه عليه بفعل الإمام
(1/337)

- فواته:
يفوت بمجرد سلام المصلي عامداً عالماً بالسهو وإن قصر الفصل، أما إن سلم المصلي ناسياً للسهو فيعود إليه إن لم يطل الفصل عرفاً، وإلا فات وقته، لأنه يؤتى به لتكميل الصلاة فلم يفعل بعد تطاول الفصل، فإذا عاد إليه - في حال السهو وقصر الفصل - اعتبر عائداً إلى حكم الصلاة فلو تكلم عامداً أو أحدث في السجود مثلاً بطلت صلاته.
(1/338)

- أسبابه:
- تنحصر أسبابه في ثلاثة أقسام (والتقسيم لتسهيل الدراسة فقط، إذ تتداخل الأقسام أحياناً)
القسم الأول: ترك مأمور به. والمأمور به أن يكون ركناً أو بعضاً أو هيئة:
-1- فالركن: إن ترك عمداً بطلت الصلاة، وقد تقدم. وإن ترك سهواً أتي به وسجد للسهو لاحتمال الزيادة.
-2- أما البعض: فيجبر بسجود السهو سواء تيقن الترك أو شك فيه.
-3- أما الهيئة: فلا تحتاج إلى سجود السهو لجبرها، سواء تركها عمداً أو سهواً، وسواء تيقن الترك أو شك فيه، بل لو سجد لتركها بطلت صلاته.
القسم الثاني: فعل منهي عنه؛ وذلك بأن يفعل سهواً شيئاً يبطل الصلاة عمده.
القسم الثالث: فعل شيء في الصلاة مع احتمال زيادته، أو مع التردد فيه وتفصيل ذلك كما يلي:
القسم الأول: ترك مأمور به:
-1- ترك ركن سهواً:
آ- إن تذكر المنفرد أو الإمام (سيأتي تفصيل حالة سهو المأموم بعد صفحات) ترك ركن من الأركان (عدا النية وتكبيرة الإحرام) قبل أن يأتي بمثله: أتى به وجوباً فوراً، ويسن له سجود السهو في آخر الصلاة من أجل الزيادة، ولم يعتدّ بما فعله بعد المتروك حتى يأتي بما تركه، ثم يأتي بما بعده لأن الترتيب واجب في أفعال الصلاة فلو تذكر وهو في الركعة الأخيرة وقبل السلام أنه ترك سهواً سجدة من هذه الركعة فإنه يأتي بها ويعيد تشهده لوقوعه قبل محله، ويسن أن يسجد للسهو، ولو ترك سجدة من الركعة الأولى وذكرها وهو قائم في الثانية، نظر، فإن لم يكن قد جلس عقيبها حتى قام، جلس ثم سجد، وفي آخر صلاته يسن أن يسجد للسهو لأنه زاد قياماً، وإن كان قد جلس عقيب السجدة الأولى ولو بنية الاستراحة، فإنه يخر ساجداً وتجزئه الجلسة لأنها وقعت في موضعها. وقيام جلسة الاستراحة مقام الجلسة الواجبة بين السجدتين لا يقاس عليه سجدة التلاوة، فمن سجد للتلاوة في الصلاة، وعليه سجدة من نفس الصلاة لم يجزئه عن المتروك، لأن سجود التلاوة عارض وليس من الصلاة، أما جلسة الاستراحة فمنها.
ب- إن تذكر ترك الركن بعد أن أتى بمثله فأكثر: يقيمه مقامه ويتمم الركعة ويلغي ما بينهما، ويتدارك الباقي من صلاته، ويسن أن يسجد للسهو لجبر الزيادة
أما إن كان المتروك ركعة ثم تذكرها وهو في الصلاة فيلزمه أن يأتي بها.
وإن علم ترك سجدتين فإن كانتا من الأخيرة سجدهما ثم تشهد، وإن كانتا من غيرها فإن علمهما من ركعة واحدة لزمته ركعة، وإن علمهما من ركعتين متواليتين كفاه ركعة، وإن علمهما من ركعتين غير متواليتين، أو أشكل الحال لزمه ركعتان.
ج- إن تذكر ترك ركن بعد السلام (عدا النية وتكبيرة الإحرام) إن كان تذكره بعد سلامه بزمن قريب، وكان المتروك من غير الركعة الأخيرة أتى بركعة تامة، وإن كان المتورك من الأخيرة أتى به ثم يتمم ما بعده، وفي كلتا الحالتين يسن أن يسجد للسهو لأنه سها بما يبطل عمده، وهو السلام قبل تمام الصلاة.
وإن كان المتروك ركعة أو ركعتين من صلاة ثلاثية أو رباعية دخل فوراً في الصلاة بتكبيرة الإحرام فقط دون نية ودون دعاء توجه، ويقرأ الفاتحة، ويأتي بما تذكر تركه، لأنه لم يزل بعد في الصلاة من وقت سلامه الأول، ويسن أن يسجد للسهو.
وإن تذكره بعد السلام بزمن بعيد، أو بعد ملاقاة النجس الرطب لزمه أن يستأنف الصلاة وضابط طول الفصل يرجع فيه إلى العرف وقيل يقدر القصير بالقدر الذي نقل عنه صلى الله عليه وسلم في قصة ذي اليدين في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه وهو: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين فقال أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ذلك لم يكن) فقال: قد كان بعض ذلك، يا رسول الله فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: (أصدق ذو اليدين) فقالوا: نعم يا رسول الله فأتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين. وهو جالس بعد التسلم" (مسلم ج 1 / كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 19/99) وحيث جاز البناء لقصر الفصل لا فرق بين أن يكون تكلم بعد السلام وخرج من المسجد واستدبر القبلة ونحو ذلك وبين أن لا يكون لحديث ذي اليدين.
د- أما النية وتكبيرة الإحرام، فإن علم تركهما أو إحداهما فعليه استئناف الصلاة سواء كان تذكره أثناء الصلاة أو بعدها، طال الزمن أو قصر.
هـ- إن كان المتروك هو السلام فإذا ذكره قبل طول الفصل سلم، ولا يسجد للسهو، وإلا استأنف الصلاة.
-2- الشك في ترك ركن (سواء كان الشك مستوي الطرفين، أو ظن أنه فعل الأكثر، ففي الحالين يلزمه الأخذ بالأقل، ويجب الباقي ولا مدخل للاجتهاد فيه)
آ- إن شك قبل السلام بترك ركن من الأركان - عدا النية وتكبيرة الإحرام - بنى على اليقين، فيصبح حكمه كمن تذكر ترك ركن، وقد مر بيانه. وعليه، إذا شك بترك الركن قبل أن يأتي بمثله أتى به وجوباً فوراً، ويسجد للسهو لاحتمال الزيادة، أما إن زال الشك قبل أن يحتمل الزيادة فلا يسجد للسهو.
كذلك لو كان المشكوك بتركه ركعة بأن شك وهو في الصلاة هل صلى ركعة أو ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً لزمه أن يأخذ بالأقل ويأتي بما بقي لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 19/88) ، وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو ثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثاً صلى أو أربعاً فليبن على ثلاث وليسجد سجدتين قبل أن يسلم) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 291/398)
ب- أما إن شك بعد السلام بترك ركن من الأركان - غير النية وتكبيرة الإحرام - فليس عليه شيء وإن قصر الفصل، لقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} (محمد: 33) ولأن الظاهر أنه أداها على التمام فلا يضره الشك الطارئ بعده، ولأنا لو اعتبرنا حكم الشك بعدها شق ذلك وضاق فلم يعتبر.
ج- أما إن كان الشك في النية أو تكبيرة الإحرام فتبطل صلاته وعليه استئنافها سواء كان شكه أثناء الصلاة أو بعد السلام بزمن قصير أو طويل، إلا أن يشك الإتيان بهما أو بأحدهما، ويتذكر سريعا قبل أن يأتي أو يشرع بركن فعلي أو قولي وهو شاك.
-3- تيقن ترك بعض من الأبعاض أو جزء من البعض سهواً أو عمداً:
يسن لمن ترك البعض عمداً أو سهواً أن يسجد للسهو في آخر صلاته والعامد أولى بالسجود لأنه مقصر.
وفي جواز العودة إلى البعض المتروك تفصيل:
آ- إن ترك البعض سهواً:
-1- إن تلبس بالفرض الذي يلي البعض المتروك حرم عليه العودة إلى البعض، وينبغي أن يتم صلاته، ويسن له سجود السهو، فإن عاد عامداً عالماً بالتحريم بطلت صلاته.
ومثال التلبس بالفرض أن يترك التشهد الأول حتى ينتصب قائماً، أو يترك القنوت حتى يسجد. وضابط التلبس بفرض القيام - في حال ترك التشهد - أن يصل إلى محل تجزئ فيه القراءة، ويقصد بذلك أن يتجاوز أقل الركوع بالصعود، وضابط التلبس بالسجود - في حال ترك القنوت - أن يضع أعضاء السجود كلها على الأرض مع التنكيس والتحامل وإن لم يطمئن.
-2- إن لم يصل إلى حد التلبس بالفرض جاز له العود إلى السنة المتروكة سهواً، ولا يسجد للسهو عندئذ مع الإتيان بها، إلا إذا وصل في حالة ترك التشهد الأول إلى وضع هو فيه إلى القيام أقرب منه إلى السجود، وفي حالة ترك القنوت بلغ أقل الركوع في هويه، فعندئذ يجوز له العود إلى السنة ويسن له سجود السهو في آخر الصلاة.
ب- إن ترك البعض عمداً.
لا تجوز العودة إليه إلا إذا كان في حالة ترك التشهد الأول أقرب إلى السجود منه إلى القيام، وفي حالة ترك القنوت لم يبلغ أقل الركوع في هويه، ولا يسجد للّسهو في هذه الحال؛ أي إن عاد للبعض، فإن لم يعد سن له سجود السهو.
-4- الشك في ترك بعض من الأبعاض:
يسن له سجود السهو في هذه الحال لأن الأصل عدم الفعل
القسم الثاني: ارتكاب منهي عنه:
إن تيقن أنه فعل سهواً شيئاً يبطل الصلاة عمده، كأن زاد ركوعاً أو سجوداً أو تكلم قليلاً، ناسياً، أو سلم في غير موضع السلام ناسياً، سن له سجود السهو في آخر صلاته، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سلم من اثنتين، وكلم ذا اليدين، وأتم صلاته، وسجد سجدتين. أما ما لا تبطل الصلاة بعمده، كالالتفات، والخطوة والاثنتين والضربة والاثنتين، والإقعاء في الجلوس (وهو أن يجلس المصلي على وركيه، وهما أصل فخذيه، ناصباً ركبتيه، بأن يلصق ألييه بموضع صلاته، وينصب فخذيه وساقيه كهيئة المستوفز) ووضع اليد على الفم والخاصرة، والنظر إلى ما يلهي، والفكر في الصلاة، والعبث باللحية، وغيره، فهذا وأمثاله لا يسجد لعمده ولا لسهوه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى أعلام الخميصة وقال: (ألهتني آنفاً عن صلاتي) (أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، البخاري ج 1/ كتاب الصلاة في الثياب باب 13/366) وتذكر في الصلاة تبراً كان عنده (أخرجه البخاري عن عقبة رضي الله عنه، البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 74/813) وحمل أمامة ووضعها (أخرجه مسلم عن أبي قتادة ض، مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 9/41 وقد تقدم) ولم يسجد لشيء من ذلك، ويستثنى مما لا يبطل عمده ولا سهوه القراءة في غير محل القراءة، أو التشهد في غير محله، أو الصلاة على النبي في غير محلها، فيسن له سجود سهو إن كان هذا النقل القولي إلى غير محله بنيته، سواء فعله عمداً أو سهواً.
ولا يسجد لارتكابه ما تبطل الصلاة بعمده وسهوه، كالعمل والكلام الكثير، بل ولا يجوز السجود لأنه ليس في صلاة.
القسم الثالث: زيادة ركن فعلي متحققاً أو متوهماً:
-1- فالمتحقق: أن يسهو فيزيد في صلاته ركعة أو ركوعاً أو سجوداً أو قياماً أو غير ذلك فيسجد للسهو.
-2- والمتوهم: أن يشك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً مثلاً، فيلزمه أن يأتي بركعة أخرى ثم يسجد للسهو، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتقدم، وللتردد بالركعة التي أتى بها، هل هي رابعة أم زائدة تقتضي السجود، ولو زال تردده قبل السلام، وقبل السجود، وعرف أن التي أتى بها رابعة، سن له السجود للتردد (ولا يعمل المصلي بقول غيره له صليت ثلاثاً أو صليت أربعاً، أو غيره، مهما بلغ عددهم، بل يجب عليه العمل بيقين نفسه في الزيادة والنقص) وضابط الشك وزواله أنه إذا كان ما فعله من وقت عروض الشك إلى زواله لا بد منه على كل احتمال لم يسجد للسهو، وإن كان زائداً على بعض الاحتمالات سجد. ومثاله ما لو شك في قيامه من الظهر في كون تلك الركعة ثالثة أو رابعة، فركع وسجد على هذا الشط، وهو عازم على القيام إلى ركعة أخرى أخذاً باليقين، ثم تذكر قبل القيام إلى الأخرى أنها ثالثة أو رابعة، فلا يسجد، لأن ما فعله على الشك لا بد منه على التقديرين، فإن لم يتذكر حتى قام، سجد للسهو وإن تيقن أن التي قام إليها رابعة، لأن احتمال الزيادة وكونها خامسة كان موجوداً حين قام.
(1/339)

- متى يسجد المأموم لسهو إمامه وسهو نفسه:
- يسجد المأموم لسهو إمامه، وإمام إمامه (يقع هذا فيما لو أحدث الإمام، وناب عنه أحد المأمومين، ثم جاء جل واقتدى به، وكان الإمام الأول ساهياً) أيضاً، وإن كان سهوهما قبل القدوة لتطرق الخلل إلى صلاته من صلاة إمامه.
فإن ترك المأموم موافقة إمامه في السجود عمداً بطلت صلاته ويستثنى من ذلك ما لو علم المأموم سبب سهو الإمام وتيقن غلطه في ظنه، بأن ظن الإمام ترك أحد الأبعاض وعلم المأموم أنه لم يتركه، فسجد فلا يوافقه المأموم.
ولو ترك الإمام السجود لسهو نفسه عامداً أو ساهياً، أو كان يعتقد تأخيره إلى ما بعد السلام، سن للمأموم أن يسجد في آخر صلاته، بعد سلام الإمام، ولو لم يسجد الإمام لسهوه إلى سجدة، سجد المأموم أخرى حملاً له على أنه نسيها.
ولا يسجد المأموم لسهو نفسه خلف إمامه، فالإمام يتحمل سهو المأموم ما كانت القدوة، لأن معاوية بن الحكم رضي الله عنه شمت العاطس في الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) (مسلم ج 1/ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 7/33) ولم يأمره بالسجود، فمثلاً، ولو ظن المأموم سلام إمامه فسلم، ثم بان خلافه أعاد السلام معه ولا سجود عليه لأنه سها في حال القدوة، أو ظن المسبوق سلام إمامه فقام لتدارك ما عليه، وكان ما عليه ركعة مثلاً فأتى بها وجلس، ثم علم أن الإمام لم يسلم بعد، وتبين أن ظنه كان خطأ، فهذه الركعة غير محسوبة له لأنه وقعت في غير موضعها، فيتداركها بعد سلام الإمام، ولا يسجد للسهو لبقاء حكم القدوة. أما لو حصل الأم نفسه لكن سلم الإمام وهو قائم فيلزمه العود إلى القعود ثم يقوم منه، ويسجد للسهو لأنه أتى بزيادة بعد سلام الإمام.
وإن تذكر المأموم ترك ركن غير النية أو تكبيرة الإحرام فيصلي ركعة بعد سلام إمامه ولا يسجد للسهو، بخلاف ما لو شك بترك ركن فإنه يأتي بركعة بعد سلام إمامه ويسجد للسهو لاحتمال الزيادة، وكذلك لو أدرك مسبوق الإمام راكعاً، وشك هل أدرك الركوع المجزئ وهو أن يطمئن مع الإمام في الركوع - لم تحسب له هذه الركعة، ويسجد للسهو، ولا يتحمل عنه الإمام لأنه بعد سلام الإمام شاك في عدد ركعاته.
أما إن كان سهو المأموم واقعاً قبل الاقتداء بالإمام، أو بعد سلام الإمام إن كان مسبوقاً، فهنا يسن له أن يسجد لسهو نفسه بعد سلام الإمام، ولا يتحمل الإمام عنه سهوه لانقطاع القدوة.
(1/340)

الفصل الثاني: سجود التلاوة
(1/341)

- دليله
- ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن، فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعاً لمكان جبهته" (مسلم ج 1 / كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 20/103)
(1/342)

- حكمه
-1- هو سنة للقارئ سواء كان في صلاة أم له، وللمستمع ولو تركه القارئ، وللسامع، وهو للأولين آكد منه للثالث.
-2- وهو واجب على المأموم إن سجد إمامه، ويجب عليه الترك إن ترك الإمام، وإلا بطلت صلاته في الحالتين، لأن سجود التلاوة سنة ومتابعة الإمام فرض، كما سيأتي في بحث صلاة الجماعة.
وإذا قرأ المصلي آية سجدة في الصلاة بقصد السجود فقط بطلت صلاته.
ولا يسجد لتلاوة آية السجدة إن كان التالي نائماً أو سكراناً أو ساهياً لأن هؤلاء جميعاً ليس لهم إرادة القراءة، أو كان جنباً لأن قراءته غير مشروعة، أو سمعها السامع من مسجلة أو مذياع، فإن ذلك صدى الصوت وليس حقيقة القراءة.
(1/343)

- شروطه:
- هي شروط صحة الصلاة التي تقدم بيانها
(1/344)

- وقته
- فور إنهاء آية السجدة، فإذا أخر بقدر ركعتين فات وقته ولا يقضى. ولو قرأها في الصلاة ولم يسجد سجد بعد سلامه إن قصر الفصل. ولو كان القارئ أو المستمع محدثاً حال القراءة أو السماع، فإن تطهر على قرب سجد، وإلا فات ولا قضاء.
(1/345)

- تكراره:
يتكرر السجود بتكرر القراءة ولو في مجلس واحد، أو ركعة واحدة، أما إذا تكررت آية السجدة نفسها، واتحد المجلس فيكفي السجود مرة.
(1/346)

- كيفيته:
- سجود التلاوة إما أن يكون خارج الصلاة وإما أن يكون أثناءها، وكيفيته تختلف بحسب ذلك:
-1- إن كان خارج الصلاة فأركانه أربعة، هي:
(1) النية: لأنه عبادة.
(2) تكبيرة إحرام قائماً أو قاعداً: لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه" (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 333/1413)
(3) سجدة: يشترط فيها ما اشترط لسجود الصلاة.
(4) التسليمة الأولى دون التشهد.
(1/347)

- وسننه:
(1) التلفظ بالنية.
(2) رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام.
(3) تكبيرة للهوي للسجود ولا يسن رفع يديه فيها
(4) أن يقول في سجوده: "اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وضع عني بها وزراً واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود عليه السلام"، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجَدْتُ، فسجَدَتِ الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع بها عني وزراً واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال ابن عباس فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 407/579)
وإن قال فيه ما يقول في سجود الصلاة أجزأه.
(5) تكبيرة للرفع من السجود.
(6) التسليمة الثانية.
-2- إما إن كان أثناء الصلاة، فينوي المنفرد والإمام وجوباً - في القلب دون اللسان- وينوي المأموم ندباً، وتجب عليه المتابعة، ولا يكبر الساجد سجود التلاوة للافتتاح لأنه محرم بالصلاة، لكن يستحب التكبير عند الهوي إلى السجود وعند الرفع منه، دون رفع اليدين، وإذا رفع رأسه من السجود قام، ولا يجلس للاستراحة، ولا يسلم، ويتوجب انتصابه قائماً، لأن الهوي إلى الركوع من القيام واجب، ويستحب له بعد انتصابه أن يقرأ شيئاً ثم يركع.
(1/348)

- ما يقوم مقام السجدة:
- يقوم مقامها أن يقول إذا سمعها سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يكرر ذلك أربع مرات، قدر على السجود أم لم يقدر، كأن لم يكن طاهراً من الحدثين مثلاً.
(1/349)

الفصل الثالث: سجود الشكر
(1/350)

- دليله:
- ما روى أبو بَكْرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا جاءه أمر سرور، أو بشر به خر ساجداً شاكراً لله" (أبو داود ج 3/ كتاب الجهاد باب 174/2774)
وما روى كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث توبته قال: "فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج" (البخاري ج 4/ كتاب المغازي باب 75/4156)
(1/351)

- حكمه:
يسن سجود الشكر عند هجوم نعمة، أو اندفاع نقمة، سواء خصته النعمة والنقمة أو عمت المسلمين. ولرؤية فاسق مجاهر بفسقه، فيسجد شاكراً لله على معافاته، ويظهر ذلك أمام الفاسق لعله يتوب، إلا أن يخاف من إظهاره مفسدة أو فتنة، ولرؤية المبتلى، فيسجد لله على معافاته سراً كيلا يتأذى المبتلى
وإن أخر السجود فات، ولا قضاء.
ويستحب سجود الشكر عند تلاوة سورة (ص) في غير الصلاة، لأنها سورة شكر، أما في الصلاة فلا يفعل، وإن سجدها في الصلاة عامداً عالماً بالتحريم بطلت صلاته.
(1/352)

- كيفيته:
- هو كسجود التلاوة خارج الصلاة من حيث الشروط والأركان والسنن.
(1/353)

الباب الخامس: الصلوات المسنونة
(1/354)

الفصل الأول: السنن الراتبة التابعة للفرائض: هي قسمان [مؤكدة وغير مؤكدة] :
(1/355)

أولاً- المؤكد:
(1/356)

-1- صلاة الوتر: عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل) (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 338/1422) وأقله واحدة للحديث، وأكثره إحدى عشرة ركعة، ولا تصح الزيادة عليها لما روت عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان قالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 17/125)
فإن أوتر بواحدة جاز، لكن الاقتصار على ركعة واحدة خلاف الأولى، والمداومة عليها مكروهة.
وأدنى الكمال ثلاث ركعات، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة {سبح اسم ربك الأعلى} وفي الثانية {قل يا أيها الكافرون} وفي الثالثة {قل هو الله أحد} والمعوذتين.
النية فيها: ينوي سنة الوتر إذا صلاها متصلة، أما إذا صلى كل ركعتين على حدة ثم ركعة مفردة فينوي قبل كل ركعتين أن يصلي من وتر الليلة، وعندما يصل إلى الأخيرة يقول: نويت الوتر.
وقتها: يدخل وقتها بفراغه من فريضة العشاء، ولو جمعت جمع تقديم مع المغرب (لكن إن أقام بأن وصلت به السفينة أو أي مركوب إلى وطنه بعد فعل العشاء وقبل فعل الوتر، امتنع عليه فعل الوتر حتى يدخل وقت العشاء) ولو قدمها على فريضة العشاء لم يجز. وينتهي بطلوع الفجر الصادق، ودليل ذلك ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كل الليل أوتر رص وانتهى وتره إلى السحر" (البخاري ج 1/ كتاب الوتر باب 2/951)
وأفضل الوقت آخر الليل، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) (البخاري ج 1/ كتاب الوتر باب 4/953) فإن كان له تهجد أوتر بعده، أما إن أوتر قبل التهجد فلا يعيده بعده وإن أعاده بعده فلا يصح لما رواه طَلْق بن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا وتران في ليلة) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 344/470)
وإن كان لا يتهجد استحب له أن يوتر بعد فريضة العشاء وسنتها في أول الليل، لما روي عن جابر رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 21/162)
كيفيتها: يجوز لمن أوتر بما زاد على ركعة أن يؤدي الصلاة على إحدى صور ثلاث، أفضلها الفصل، بأن يفرد الركعة الأخيرة بعد ركعتين أو أكثر، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة ويسمعناها" (مسند الإمام أحمد ج 2/ ص 76) وللنهي عن تشبيه الوتر بالمغرب. ويليها في الفضل الوصل بتشهد واحد في الأخيرة، وأدناها في الفضيلة الوصل بتشهدين فتكون كالمغرب.
-2- ركعتا سنة الفجر: روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 14/96)
ما يندب قراءته فيهما: يندب أن يقرا من سورة البقرة: {قولوا آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم ... } (البقرة: 136) إلى آخر الآية، ومن آل عمران: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ... مسلمون} (آل عمران: 64) لما روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما من فعله صلى الله عليه وسلم (انظر مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 14/100) أو يقرأ الانشراح والفيل أو الكافرون والإخلاص لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه من فعله صلى الله عليه وسلم (انظر مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 14/98)
ويندب بصورة عامة أن تكونا خفيفتين لما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول هل قرأ بأم الكتاب" (البخاري ج 1/ كتاب التطوع باب 4/1118)
كما يندب أن يفصل بينهما وبين الفرض باضطجاع على الشق الأيمن يتذكر فيه ضجعة القبر، أو بذكر الله، أو بدعاء غير دنيوي، أو بانتقال من المكان، لما روي عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة" (البخاري ج 1/ كتاب التهجد باب 23/1108)
-3- ركعتان قبل الظهر أو الجمعة: لما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين" (البخاري ج 1/ كتاب الجمعة باب 37/895)
والحديث هنا في صلاة ركعتين قبل الظهر، ولم يذكر فيه صلاة ركعتين قبل الجمعة، مع أن البخاري ترجم له بباب الصلاة بعد الجمعة وقبلها، فكأنه أراد إثباتها قياساً على الظهر، لأن الجمعة بدل الظهر. قال ابن المنير: "وكأنه - أراد البخاري - يقول: الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه" (فتح الباري ج 2/ كتاب الجمعة باب 39/ص 426)
-4- ركعتان بعد الظهر أو الجمعة: لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم.
-5- ركعتان بعد المغرب: لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم، ويسن فيهما قراءة الكافرون والإخلاص.
-6- ركعتان بعد العشاء: لحديث ابن عمر رضي الله عنهما المتقدم.
(1/357)

ثانياً- غير المؤكدة:
(1/358)

-1- ركعتان قبل الظهر وركعتان بعده زيادة على المؤكد: روي عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعاً قبل الظهر" (البخاري ج 1/ كتاب التطوع باب 10/1127) وروي عن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 317/428) ويمكن قياس سنة الجمعة على سنة الظهر فتصلي أربعاً قبلية وأربعاً بعدية، وروي عن أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) (مسلم ج 2/ كتاب الجمعة باب 18/67)
وله أن يجمع الأربع القبلية بإحرام واحد وسلام واحد، لكن الفصل أفضل، وله ذلك في البعدية، والفصل أولى كذلك، وله أن يجمع القبلية والبعدية بإحرام واحد بعد الفرض ويقول: نويت أن أصلي ثماني ركعات سنة الظهر القبلية والبعدية.
أما إذا صلى الظهر بعد الجمعة (يفعل ذلك احتياطاً في الأمصار التي تعددت فيها الجمعة لغير حاجة، ويسرد التفصيل في بحث صلاة الجمعة) فتقوم سنة الظهر القبلية مقام سنة الجمعة البعدية. ويندب قضاء القبلية والبعدية إذا خرج وقتهما الذي هو وقت الفرض (وبصورة عامة إذا فات نفل مؤقت ندب قضاؤه، وألحق بذلك التهجد. أما التي لها سبب فلا تقضي إن فاتت)
-2- أربع ركعات قبل العصر لحديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 318/430)
وله جمعها بإحرام وسلام، أو فصلها بإحرامين وسلامين.
-3- ركعتان قبل المغرب.
-4- ركعتان قبل العشاء
(1/359)

الفصل الثاني: الصلوات المسنونة غير التابعة للفرائض، هي قسمان [ما تُسَنُّ فيه الجماعة، وما لا تُسَنّ] :
(1/360)

أولاً - ما تُسَنُّ فيه الجماعة:
(1/361)

1- صلاة العيدين:
تعريف: العيد مشتق من العَوْد، وهو الرجوع والمعاودة. وسمي بذلك لتكرره في كل عام.
حكمها: هي سنة مؤكدة لمواظبة الرسول صلى الله عليه وسلم عليها ويكره تركها.
ويسن حضور جماعتها للمقيم والمسافر، والحر والعبد، والخنثى والمرأة، سوى الجميلة أو ذات الهيئة، أما العجائز والنساء اللائي لا يشتهين فيحضرن بشروط ثلاثة هي: إذن الزوج، وترك الطيب، وعدم لبس ثياب الزينة والشهرة لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات) (أبو داود ج 1/ كتاب صلاة باب 53/565، وتفلات: غير عطرات)
وقتها: ما بين طلوع الشمس وزوالها؛ ويكفي طلوع جزء من الشمس؛ لكن يندب تأخيرها إلى أن ترتفع الشمس قدر رمح، فهي بذلك مستثناة من أفضلية فعل العبادة في أول وقتها. وفعلها قبل ارتفاع الشمس خلاف الأولى.
كيفيتها: شرعت جماعة. وتصح فرادي، والجماعة مطلوبة فيها للحاج فينس له صلاتها منفرداً لاشتغاله بأعمال الحج. ويكره تعدد جماعتها بلا حاجة.
ولا يسن لها أذان ولا إقامة، لحديث جابر رضي الله عنه" صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة" (مسلم ج 2/ كتاب صلاة العيدين/7) بل ينادي لها: الصلاة جامعة، قياساً على صلاة الكسوف.
وهي ركعتان لقول عمر رضي الله عنه: "صلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان" (النسائي ج 3/ ص 183)
وصفتها المجزئة كصفة سائر الصلوات، وسننها كغيرها من الصلوات، وينوي بها صلاة العيد، وهذا أقلها.
وأكملها أن يحرم بالركعتين مع النية- ولا بد فيها من التعيين- أم يأتي بدعاء الافتتاح، ثم يكبر قبل التعوذ (ولا يفوت التكبير بالتعوذ لكن بالبدء بالقراءة) سبع تكبيرات سوى تكبيرتي الإحرام والركوع، ويجهر بالتكبير ولو كان مأموماً أو قاضياً لها، ويرفع يديه حذو منكبيه في الجميع، ويضع يمناه على يسراه تحت صدره بعد كل تكبيرة، ويسن جعل كل تكبيرة في نَفَس، ويفصل بين كل تكبيرتين بمقدار آية معتدلة، بأن يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر (وهي الباقيات الصالحات، وعل صيغتها اتفق أكثر أصحاب الشافعي) ويقولها سراً، ويكره تركها، ثم يتعوذ بعد التكبيرات، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يقرأ سورة ق أو الأعلى أو الكافرون جهراً، وفي الثانية يكبر خمساً عدا تكبيرتي القيام والهوي إلى الركوع ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة القمر إن قرأ في الأولى سورة ق (لحديث رواه أبو واقد الليثي، مسلم ج 2/كتاب صلاة العيدين باب 3/14) ، أو الغاشية إن قرأ في الأولى الأعلى (لحديث رواه النعمان بن بشير، مسلم ج 2/ كتاب الجمعة باب 16/62) أو الإخلاص إن قرأ في الأولى الكافرون. لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما) (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 251/1151)
ولو شك المصلي في عدد التكبيرات بنى على الأقل، أما المأموم فيتبع إمامه زاد أو نقص ولا يكبر المسبوق إلا ما أدرك.
على أن التكبيرات كلها ليست فرضاً ولا بعضاً، ولو نسيها وشرع في القراءة فاتت، حتى لو ذكرها وهو راكع فعاد إلى القيام ليكبرها عالماً بالتحريم، بطلت صلاته.
ثم يخطب الإمام بعدهما خطبتين لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما يصلون العيدين قبل الخطبة" (البخاري ج 1/ كتاب العيدين باب 8/920) ولما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم فيعظم ويوصيهم" (البخاري ج 1/ كتاب العيدين باب 6/913)
ولا بد أن تكون الخطبتان بعد الصلاة، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه المتقدم، فإن خطب قبل الصلاة بطلت الخطبة.
وهما كخطبتي الجمعة في الأركان لا في الشروط (انظر بحث صلاة الجمعة، الباب السابع من كتاب الصلاة) ويفتتح الأولى منها بتسع تكبيرات يسن جعلها متوالية، ويكبر قبل الثانية سبعاً ويندب للخطيب أن يجلس قبل الخطبة للاستراحة، جلسة قصيرة قدر أذان، ويستحب أن يعلمهم أحكام الفطرة في عيد الفطر وأحكام الأضحية في عيد الأضحى.
ومن دخل والإمام يخطب، فإن كان في الصحراء جلس ليستمع ما لم يخش فوات وقت العيد، وإلا صلى ركعتي العيد. وإن كانوا في المسجد صلاهما مع التحية.
ويستحب للناس استماع الخطبة، وليست الخطبة ولا استماعها شرطاً لصحة صلاة العيد، وإن كان تركها، أو التكلم فيها، أو الانصراف منها مكروهاً.
ولا خطبة لجماعة النساء، إلا أن يخطب لهن ذكر، أما لو قامت واحة منهن ووعظتهن فلا بأس.
ولا تجزئ صلاة العيد عن صلا الضحى، بل تسن صلاة الضحى سواء قبل صلاة العيد أو بعدها، لكن الأفضل أن تصلي قبل صلاة العيد تجنباً لخلاف العلماء.
سنن ليلتي العيدين ويوميهما:
(1) إحياء ليلتي العيدين بالعبادة، لما روي عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام ليلتي العيدين محتسباً لله لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) (ابن ماجة ج 1/ كتاب الصيام باب 68/1782، وهو ضعيف لكن يعمل به في فضائل الأعمال)
(2) الغسل، ويمتد وقته من منتصف ليلة العيد إلى آخر نهار يوم العيد، وأفضل وقت لفعله بعد طلوع الفجر. لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى" (ابن ماجة ج 1/ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب 169/1315) وإسناده ضعيف لكن يعضده ما روي عن نافع " أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى" (الموطأ ج 1/ كتاب العيدين باب 1/2) كما يعضده القياس على الجمعة.
(3) التنظيف والتطيب والتزين، ولبس أحسن الثياب منها بخاصة، يستوي في ذلك القاعد على والخارج، والكبير والصغير، والمصلي وغيره.
(4) الإفطار قبل الذهاب إلى صلاة عيد الفطر لتمييز عيد الفطر عما قبله، ويسن أن يكون الفطور تمرات، وأن يكون عددها وتراً. روي عن أنس: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وتراً" (البخاري ج 1/ كتاب العيدين باب 4/910)
ويسن الإمساك عن الفطور قبل صلاة عيد الأضحى إلى أن يرجع، ليأكل من أضحيته إذا ضحى، وهو الغالب، لذلك سن تأخير الفطور مطلقاً في الأضحى.
(5) البكور بالخروج إلى صلاة العيد لغير الإمام. أما الإمام فيحضر مع دخول الوقت لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شيء يبدأ به الصلاة (البخاري ج 1 / كتاب العيدين باب 6/913)
(6) الذهاب إلى الصلاة مشياً من طريق، والعودة منها من آخر، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون) (البخاري ج 1/ كتاب الجمعة باب 16/866) وهذا عام في كل صلاة تشرع فيها الجماعة ولحديث جابر رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق" (البخاري ج 1/ كتاب العيدين باب 24/943) (7) إقامة الصلاة في المسجد لأنه أشرف وأنظف، إلا إذا ضاق فتكره فيه، وتصلى في الصحراء عندئذ.
(8) تعجيل صلاة عيد النحر، وتأخير صلاة عيد الفطر لحديث أبي الحويرث " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم وهو بنجران (عجل الأضحى وأخر الفطر) (البيهقي ج 3/ ص 282) ولأنه يسن أن يخرج صدقة الفطر قبل الصلاة، على حين أن السنة أن يضحي بعد صلاة الإمام، على أنه يسن بصورة عامة تأخير الصلاة إلى ما بعد ارتفاع الشمس.
التكبير في العيدين:
- هو سنة، ودليل مشروعيته في عيد الفطر قوله تعالى: {ولتكملوا العدة، ولتكبروا الله على ما هداكم} (البقرة: 185) ودليل مشروعيته في عيد الأضحى قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} (البقرة: 203) قال البخاري: قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق (البخاري ج 1/ كتاب العيدين باب 11)
والتكبير نوعان: مرسل ومقيد.
(1) التكيير المرسل: هو التكبير غير المقيد بالصلاة. ووقته من غروب شمس ليلتي العيدين إلى دخول الإمام المسجد لصلاة العيد، فإن لم يصلّ مع الجماعة استمر تكبيره إلى إحرامه بصلاة العيد، فإن لم يصل استمر التكبير في حقه حتى الزوال.
ويندب هذا التكبير للذكر والأنثى، والحاضر والمسافر، والحر والعبد، إلا الحاج فإنه يلبي إلى أن يتحلل، لأن التلبية شعاره ما دام محرماً، ثم يكبر بعد تحلله، لما أخرجه البخاري في باب التكبير أيام منى، وإذا غدا إلى عرفة، قال: "وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه (الفُسطاط: بيت من شعر) ومجلسه وممشاه تلك الأيام جميعاً، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد" (البخاري ج 1/ كتاب العيدين باب 12)
ويتأكد التكبير عند تغير الأحوال، كالاجتماع والذهاب والإياب والركوب.
يصح التكبير في كل الأحوال والأمكنة؛ في المنازل والأسواق والشوارع كما دل عليه حديث البخاري المتقدم.
ويندب رفع الصوت بالتكبير، إلا المرأة فتخفض صوتها في حال وجود أجانب بحيث تسمع نفسها فقط.
والتكبير أفضل ما يشتغل به العبد في هذه الأوقات، حتى إنه أولى من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومن قراءة سورة الكهف إذا وافقت ليلة العيد ليلة الجمعة.
(2) التكبير المقيد: هو التكبير خلف الصلوات في عيد الأضحى فقط، فرضاً كانت الصلاة أو نفلاً أداء أو قضاء، ولا يشترط أن يكون التكبير عقب الصلاة مباشرة، ولا يفوت بطول الفصل عن الصلاة.
وهذا التكبير المقيد أفضل من التكبير المرسل لأنه تابع للصلاة.
وقته: ويبدأ وقته من صبح يوم عرفة إلى غروب شمس آخر أيام التشريق، وهذا لغير الحاج. أما الحاج فيكبر من ظهر يوم النحر، بعد أن يتحلل، إلى صبح آخر أيام التشريق.
والتكبير الواقع بين غروب شمس ليلة عيد الأضحى إلى صلاة العيد هو تكبير مرسل مقيد معاً.
صيغة التكبير: الله أكبر الله أكر الله أكبر، ثلاثاً نَسَقاً (نسقاً: على نظام واحد) وما زاد من ذكر الله فحسن، من ذلك لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد" قال الشافعي في الأم: "أحب أن تكون زيادته: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله" واحتجوا له بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله على الصفا، وقد رواه مسلم في صحيحه من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أخصر [بأخصر؟؟] من هذا اللفظ (مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147)
ويندب التكبير في غير العيدين في الأيام المعلومات (الأيام المعلومات: أيام العشر - عشر ذي الحجة - ذكره البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما ج 1/ كتاب العيدين باب 11) ذكر البخاري عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (البخاري ج 1/ كتاب العيدين باب 11)
(1/362)

2- صلاة الكسوف وصلاة الخسوف:
المعنى اللغوي لكل منهما: الكسوف هو الاستتار أو التغير إلى سواد، وتوصف به الشمس حين يستتر نورها وتسود بحيلولة جرم القمر بينها والأرض؛ ولذلك يحصل الكسوف غالباً عند تمام الشهور.
والخسوف: هو المحو أو النقصان أو الذل، ويوصف به القمر حين يظلم، وهذا الوصف أليق بالقمر لأنه جرم عاتم يضيء بمقابلته للشمس، فإذا حال جرم الأرض بين القمر والشمس منع وصول نور الشمس إلى القمر فيظلم، ولذلك يحصل الخسوف غالباً في أنصاف الشهور.
حكم الصلاتين ودليلهما: هما سنة مؤكدة لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث روته عنه عائشة رضي الله عنها: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد (بعد أن قال الناس إن الشمس كَسَفت لموت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم) ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا ... ) (البخاري ج 1/ كتاب الكسوف باب 2/997) ولقوله تعالى: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} (فصلت: 37) وتصح فرادى لكن يسن أن تصلى جماعة، وأن ينادى لها: الصلاة جامعة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "لما كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نودي: إن الصلاة جامعة" (البخاري ج 1/ كتاب الكسوف باب 3/998) ويجوز لمن صلاها وحده ثم أدركها مع الإمام أن يصليها معه ثانية كما يفعل في المكتوبة.
ويسن الاغتسال لها لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فسن لها الاغتسال كصلاة الجمعة
كيفيتها: صلاتا الخسوف والكسوف سواء في الكيفية.
وأقل إحداهما ركعتان عاديتان كسنة الظهر، لما ورد في حديث قَبيصة الهلالي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا رأيتم من ذلك شيئاً فصلوا كأحدث صلاة مكتوبة صليتموها) (النسائي ج 3/ ص 144)
ويجهر بهما في الخسوف ويسر في الكسوف لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما " ... فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة" (البخاري ج 1/ كتاب الكسوف باب 9/1004) وهو يدل على أنه لم يجهر، لأنه لو جهر لسمعه، ولما قدره بغيره" عن سَمُرة رضي الله عنه قال: "صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم في كسوف لا نسمع له صوتاً" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 397/562) ووردت أحاديث في الجهر منها حديث عائشة رضي الله عنها: "جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته" (البخاري ج 1/ كتاب الكسوف باب 19/1016) فيجمع بين الأدلة بأن الإسرار في كسوف الشمس لأنها صلاة نهار، والجهر في خسوف القمر لأنها صلاة ليل.
وأقل الكمال: ركعتان، في كل ركوعان وقيامان وسجدتان، ويطيل القراءة والركوع والسجود. ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فقام فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا) ثم قال: (يا أمة محمد والله ما من أحد أغْيَرَ من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) " (البخاري ج 1/ كتاب الكسوف باب 2/997)
أما صورتها المثلى فتفصيلها كالتالي:
(1) النية مع التعيين.
(2) دعاء الافتتاح
(3) التعوذ وقراءة الفاتحة.
(4) التعوذ وقراءة الفاتحة.
(4) قراءة سورة طويلة كالبقرة مثلاً في القيام الأول لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم.
(5) يركع ويسبح في ركوعه طويلاً قدر مائة آية من سورة البقرة.
(6) يعتدل ويقرأ، بعد الفاتحة، طويلاً، نحو آل عمران، كما ورد في سنن أبي داود (انظر أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 263/1187)
(7) يركع ثانية ويسبح، وأعلى الكمال أن يسبح بمقدار ثمانين آية من البقرة.
(8) يعتدل، ثم يسجد سجدتين، ويجعل تسبيح كل سجدة طويلاً بقدر كل من الركوعين المذكورين.
(9) في الركعة الثانية يقرأ بعد الفاتحة نحو النساء، ثم يركع فيسبح بقدر سبعين آية من سورة البقرة، ثم يعتدل ويقرأ بعد المائدة، ثم يركع ويسبح بقدر خمسين آية من سورة البقرة. ويسبح في السجودين مثل ذلك (وذكر النووي في المنهاج قريباً مما ذكرنا، فقال: الأكمل أن يقرأ في القيام الأول بعد الفاتحة البقرة، وفي الثاني كمائتي آية منها، وفي الثالث مائة وخمسين، والرابع مائة، تقريباً ويسبح في الركوع الأول قدر مائة من البقر، وفي الثاني ثمانين، وفي الثالث سبعين، والرابع خمسين، تقريباً، وذكر غير ذلك رحمه الله)
ويسن أن يخطب الإمام بعد صلاة الخسوف أو الكسوف لما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم. ويستحب أن يخطب خطبتين هما كخطبتي الجمعة في الأركان (انظر بحث صلاة الجمعة، الباب السابع، من كتاب الصلاة) لكن لا يشترط فيهما من شروط خطبتي الجمعة إلا أن يسمع الناس، وكونهما بالعربية، وكون الخطيب ذكراً.
وفي الخطبتين يحث الناس على التوبة، وفعل الخير من صوم وصلاة وصدقة وعتق، لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم. ولا ما روي عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعَتاقة (العَتاقة والإعتاق بمعنى واحد) في كسوف الشمس" (البخاري ج 1/ كتاب الكسوف باب 11/1006)
فواتها: تفوت صلاة الكسوف بأحد أمرين:
(1) بانجلاء قرض الشمس جميعه يقيناً لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فصلوا حتى تنجلي) (مسلم ج 2/ كتاب الكسوف باب 3/10) فلو انجلى بعضه وبقي لم تفت، وكذا لو شك بالانجلاء (كما في حال وجود سحاب كثيف) فتصلى. ولو حصل الانجلاء أثناء الصلاة أتمها.
(2) بغروب الشمس كاسفة، فليس له أن يشرع في الصلاة إذا حان الغروب، أما إذا كان في الصلاة وغربت الشمس وهي كاسفة فيتمها.
وتفوت صلاة خسوف القمر بانجلائه جميعه يقيناً، أو بطلوع الشمس، أما طلوع الفجر أو غروب القمر مخسوفاً فلا يُفوِّتُها.
وتسن صلاة ركعتين عند الفزع من الزلازل والصواعق ونحو ذلك من الآيات، لكن لا تسن بها الجماعة لأن هذه الآيات كانت أيام النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عنه أنه صلى منها جماعة غير الكسوف.
(1/363)

3- صلاة الاستسقاء:
الاستسقاء لغة: طلب السقيا.
وشرعاً: سؤال الله تعالى أن يسقي عباده عند حاجتهم.
والأصل في مشروعيته ما روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً دخل يوم الجمعة من باب كان وُجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: (اللهم اسقنا) - ثلاثاً - قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئاً، وما بيننا وبين سَلْع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل التُّرس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستاً، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يمسكها. قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال، والآجام والظراب والأودية ومنابت الشجر) قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس. قال شَرِيك: فسألت أنساً: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري"
(البخاري ج 1/ كتاب الاستسقاء باب 5/967. والقزعة: قطعة من السحاب رقيقة، والجمع قَزَع. وسَلْع معروف بالمدينة. ومثل الترس: أي مستديرة ولم ير أنها مثله في القدر. والآكام: الهضاب. والآجام: الأجمة: الشجر الكثير الملتف، والأجُم: الحصن. والظراب: جمع ظَرِب وهو ما نتأ من الحجارة وحدّ طرفه، أو الجبل المنبسط أو الصغير.)
أنواع الاستسقاء: والاستسقاء أنواع:
أدناها: الدعاء بلا صلاة، ولا خلف صلاة، فرادى ومجتمعين، في مسجد وغيره، وأحسنه ما كان من أهل الخير.
وأوسطها: الدعاء خلف صلاة الجمعة أو غيرها من الصلوات، وفي خطبة الجمعة، ونحو ذلك.
وأفضلها: الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين وتأهب لها قبل ذلك.
وحكم صلاة الاستسقاء هذه أنها سنة مؤكدة لتكرر الأحاديث الصحيحة فيها، من ذلك ما روى عبَّاد بن تميم عن عمه قال: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بالناس ليستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه، ورفع يديه فدعا واستسقى واستقبل القبلة" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 258/1161) وتجوز إعادتها أكثر من مرة حتى يسقوا.
ويكون التأهب لها بأن يخطب الإمام الناس قبل عدة أيام من الخروج للصلاة، فيعظهم ويذكرهم، ويأمرهم بالخروج من المظالم، والتوبة من المعاصي، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما طفف قوم الميزان إلا أخذهم الله بالسنين" (البيهقي ج 3/ ص 347، والتطفيف: البخس في الميزان والمكيال. والسنين: مفردها سنة وهي القحط والجدب) وبمصالحة المتشاحنين، والصدقة والإقبال على الطاعات، لأنه أرجى للإجابة، وبصيام ثلاثة أيام (وهذا الصيام يكون واجباً إذا أمر به الإمام) قبل موعد الخروج، ثم يخرج بهم في اليوم الرابع صائمين لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم) (ابن ماجة ج 1/ كتاب الصيام باب 48/1752)
ويستحب لمن يخرج للاستسقاء التنظف بغسل وسواك لأنها صلاة يسن لها الاجتماع والخطبة فشرع لها الغسل والتنظف، لكن يستحب ألا يتطيب، وألا يخرج في زينة، بل يخرج في ثياب بذلة، وهي ثياب المهنة، وأن يخرج متواضعاً، خاشعاً متذللاً، متضرعاً ما شياً، ولا يركب في شيء من طريق ذهابه إلا لعذر كمرض ونحوه. روى ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متبذلاً متواضعاً، متضرعاً" (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 395/558)
ويستحب إخراج البهائم وإيقافها بمعزل عن الناس لعل الله تعالى يرحمها لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول: (خرج نبي من الأنبياء يستسقي، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء، فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شان النملة) (المستدرك ج 1/ ص 325)
ويكره إخراج الكفار، وكراهة خروج الصبيان منهم أخف لأن كفرهم ليس عناداً بخلاف الكبار. فإن خرجوا (أي الكفار عامة) لا يمنعون، إلا أنه يكره اختلاطهم بالمسلمين.
والسنة أن تصلى في الصحراء بلا خلاف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في الصحراء ولأنه يحضرها غالب الناس والصبيان والحُيّض والبهائم وغيرهم، فالصحراء أوسع لهم وأرفق بهم.
ولا يؤذن للصلاة ولا يقام، بل يستحب أن يقال: الصلاة جامعة، كصلاة الكسوف، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا فدعا الله، وحول وجهه نحو القبلة رافعاً يديه" (البيهقي ج 3/ ص 347)
كيفية الصلاة: هي ركعتان كصلاة العيد من حيث الافتتاح والتعوذ والتكبير سبعاً زائدة في الأولى، وخمساً زائدة في الثانية، لما ورد عن طلحة قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: "سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلب رداءه فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه، وصلى ركعتين وكبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ سبح اسم ربك الأعلى، وقرأ في الثانية هل أتاك حديث الغاشية وكبر فيها خمس تكبيرات" (الدارقطني ج 2/ص 66) ويرفع يديه في كل مرة، ويجهر بالقراءة، والأفضل أن يقرأ في الركعتين ما يقرأ في العيد.
والسنة أن يخطب الإمام بعد الصلاة خطبتين، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ... " (البيهقي ج 3/ص 347) وخطبتا الاستسقاء كالخطبتين في العيدين في الأركان والسنن، لكن يستغفر الله في الخطبتين بدلاً عن التكبير، فيفتتح الأولى بالاستغفار تسع مرات، والثانية بالاستغفار سبعاً يقول: "أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه" ويختم كلامه بالاستغفار، ويكثر منه في الخطبة حتى يكون أكثر كلامه، كما يكثر من قوله تعالى: {استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهاراً} (نوح: 10-12)
والمستحب أن يدعو في الخطبة الأولى بما شاء من الأدعية، والأفضل أن يقول: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، مريئاً (مريئاً: حميد العاقبة) مريعاً (مريعاً ذا ريع وخصب) ، مجللاً، طبقاً (طبقاً: شاملاً، عاماً) سحاً (سحاً: صباً) دائماً. اللهم اسقينا الغيث ولا تجعلنا من القانتين. اللهم إن بالعباد والبلاد من اللأواء (اللأواء: الشدة) والجَهْد والضَنْك (الضنك: الضيق) ما لا نشكو إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع، وأدّر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع، والعري، واكشف عنا ما يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً".
ويستحب في الخطبة الثانية أن يستقبل القبلة ويحول رداءه فيجعل يمينه يساره، وينكسه، فيجعل أسفله أعلاه، ويفعل الناس فعله لما روى عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه" أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى المصلى يصلي، وأنه لما دعا أو أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه" (البخاري ج 1/ كتاب الاستسقاء باب 19/982) ، ويفعل ذلك- تحويل الرداء- تفاؤلاً بتغير الحال إلى الخصب والسعة) وفي رواية عند أبي داود: "وحول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن" (أبو داود ج 1/ كتاب الصلاة باب 258/1163)
كما يستحب فيها أن يدعو سراً ليجمع في الدعاء بين الجهر والإسرار ليكون أبلغ. وإذا أسر دعا الناس سراً، وإذا جهر أمنوا,. ويستحب أن يبالغوا جميعاً في الدعاء، ويرفعوا أيديهم فيه قال الشافعي: وليكن من دعائهم في هذه الحال: "اللهم أنت أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، وقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا، اللهم امنن علينا بمغفرة ما قارفنا، وإجابتك في سقيانا، وسعة رزقنا"
ويسن لكل من حضر أن يستشفع سراً بخالص عمله، وبأهل الصلاح، ولا سيما أقاربه عليه الصلاة والسلام.
ويسن أن يدعو عند نزول المطر بقوله: "اللهم اجعله صيِّباً، هنيئاً (ابن ماجة ج 2/ كتاب الدعاء باب 21/3890، والصيب هو ما سال من المطر) وسَيْباً نافعاً (ابن ماجة ج 2/ كتاب الدعاء باب 21/3889، وسَيْباً أي مطراً جارياً على وجه الأرض من كثرته) مطرنا بفضل الله (البخاري ج 1/ كتاب الاستسقاء باب 27/991) وله أن يدعو بما شاء.
ويقول عند التضرر بكثرة المطر: "اللهم حوالينا ولا علينا" لما ورد في حديث أنس رضي الله عنه المتقدم.
(1/364)

4- صلاة التراويح:
وهي عشرون ركعة بعشر تسليمات، في كل ليلة من رمضان، وينوي بكل ركعتين التراويح أو قيام رمضان. كما يدعو بدعاء التوجه في ركعتين. وإذا صلى أربعاً بتسليمة واحدة لم تصح.
ووقتها من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الصادق، مثل الوتر. ويندب تقديمها على الوتر وتسن قراءة جزء من القرآن فيها كل يوم، كما تسن الجماعة فيها وفي الوتر بعدها.
والدليل عليها وعلى سنية صلاتها جماعة ما روي عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف اللي - في رمضان - فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: (أما بعد، لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تُفْرض عليكم فتعجزا عنها) فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك" (البخاري ج 2/ كتاب صلاة التراويح باب 1/1908) وبقي الأمر على ما هو عليه في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافه عمر رضي الله عنهما، ثم جمع عمر رضي الله عنه الرجال لصلاتها وجعل أبي بن كعب رضي الله عنه إماماً عليهم (انظر البخاري ج 2/ كتاب صلاة التراويح باب 1/1906) وجمع النساء كذلك وجعل سليمان بن أبي حثمة إماماً لهن. وقال عثمان رضي الله عنه في خلافته: "نوّر الله قبر عمر كما نور مساجدنا"، مشيراً إلى فعله هذا.
والدليل على أنها عشرون ما روي عن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه قال: "كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في شهر رمضان، بعشرين ركعة، قال: وكانوا يقرؤون بالمئين، وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من شدة القيام" (البيهقي ج 2/ ص 496. والمئون: سور القرآن التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها)
(1/365)

ثانياً: ما لا تسن فيه الجماعة:
(1/366)

وهو كثير، منه:
(1/367)

1- صلاة الضحى: حكمها سنة مؤكدة، ودليها ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث لن أدعهن ما عشت: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتى أوتر" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 13/86)
ووقتها: من ارتفاع الشمس في السماء قد رمح، إلى الزوال، ووقتها المختار إذا مضى ربع النهار لحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 19/143، والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته من الشم أي حين تبرك الفصلان من شدة الحر في أخفافها. والفصال: هي الصغار من أولاد الإبل.)
وأقلها ركعتان، وأدنى الكمال أربع، وأفضلها ثمان. لثلاث روايات وردت في صحيح مسلم إحداها عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، ... ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 13/84. والسُّلامى: أصله عظام الأصابع وسائر الكف، ثم استعمل في جميع عظام البدن) والثانية عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى أربعاً، ويزيد ما شاء الله (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 13/79) والثالثة عن أم هانئ رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثماني ركعات" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 13/80)
ويسلم من كل ركعتين، لما روت أم هانئ رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح صلى سُبحة الضحى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين" 0 أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب/301/1290)
ويستبح فيها قراءة سورتي الكافرون والإخلاص، ثم سورتي الشمس والضحى.
(1/368)

2- صلاة الأوابين: والأوابون هم الراجعون إلى الله تعالى. عن أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بسوء عُدِلْن له بعبادة ثنتي عشرة سنة) (ابن ماجة ج 1/ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب 113/1167)
وتسمى كذلك صلاة الغفلة، وذلك لغفلة الناس عنها بعشاء أو نحوه، وأقلا ركعتان، وغالبها ست ركعات، وأكثرها عشرون.
(1/369)

3- ركعتا تحية المسجد: ودليلهما ما روي عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 11/70) ويجوز أن يصليها أكثر من ركعتين، لكن بتسليمة واحدة، ويكره أن يجلس من غير تحية المسجد الحرام فهي الطواف. وشرط التحية ألا تشغله عن الجماعة، بل ويكره له فعلها إذا وجد المكتوبة تقام، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 9/63) ويحصّله ثواب التحية في هذه الحال، لأنها تحصل بجمعها مع غيرها نافلة كانت أو فريضة (لكنها لا تحصل بصلاة الجنازة، ولا بسجدتي التلاوة والشكر) ولو لم ينو التحية.
ولا تسن التحية للخطيب إذا دخل للخطبة في غير المسجد الحرام، أما في المسجد الحرام فعليه التحية بالطواف.
ويكره دخول المسجد في وقت الحرمة بنية تحية المسجد.
فواتها: تفوت بالجلوس عامداً أو ناسياً إن طال الفصل ولا تقضى. أما إن جلس ناسياً أو جاهلاً، وقصر الفصل، فلا تفوت، لما روي عن جابر رضي الله عنه قال: "جاء سُلَيْكٌ الغَطَفاني يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقعد سليك قبل أن يصلي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أركعت ركعتين؟) قال: لا قال: (قم فاركعهما) " مسلم ج 2/ كتاب الجمعة باب 14/58)
(1/370)

4- ركعتا سنة الوضوء، ولو مجدداً، وتسن ركعتان أيضاً بعد الغسل، وبعد التيمم، حتى في أوقات النهي لأن هذه الصلاة ذات سبب متقدم وهو الوضوء. عن أبو هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال رضي الله عنه عند صلاة الفجر: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دَفَّ نعليك بين يدي الجنة) قال: ما عملت عملاً أرجى عندي: أني لم أتطهر طُهوراً في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي" (البخاري ج 1/ كتاب التهجد باب 17/1098. والدُّف: الحركة الخفيفة والسير اللين)
(1/371)

5- صلاة التسابيح: وهي أربع ركعات يسبح فيها ثلاثمائة مرة. ومن أجل هذا سميت كذلك.
أما كيفيتها فمبسوطة فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس ابن عبد المطلب رضي الله عنه: (يا عباس يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك، ألا أفعل بك عشر خصال إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته، عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمس عشر مرة، ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك فتقولها عشراً، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات. إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة) (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 303/1297)
قال التاج السبكي: "لا يسمع بعظيم فضلها ويتركها إلا متهاون في الدين"
(1/372)

6- ركعتا الإحرام: بحج أو عمرة، ويفعلهما قبله، ودليهما ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحُليفة ركعتين" (مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 3/12)
(1/373)

7- ركعتا الطواف: ووقتهما بعد الطواف، ودليلهما ما روي عن جابر رضي الله عنه قوله في حديث طويل في صفة حجه صلى الله عليه وسلم " ... ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ... } (مسلم ج 2/ كتاب الحج باب 19/147) فهذا إشارة إلى أن صلاته بعد الطواف امتثال لهذا الأمر. وقد كان صلى الله عليه وسلم يواظب عليهما.
(1/374)

8- صلاة الاستخارة: وهي سنة لمن أراد أمراً من الأمور، فيصلي ركعتين بنية الاستخارة ثم يدعو بما ورد في حديث جابر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: (إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به. قال: ويسمي حاجته) " (البخاري ج 1/ أبواب التطوع باب 1/1109)
ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة بسورة الكافرون وفي الثانية بسورة الإخلاص ثم ينهض بعد الاستخارة لما ينشرح له صدره فإن لم ينشرح صدره لشيء أعادها حتى ينشرح، وقيل يعيدها إلى سبع مرات، فإن لم يتبين له شيء سلك سبيل ذلك الأمر، فتيسيره علامة للخير فيه.
(1/375)

9- صلاة الحاجة:
عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كانت له إلى الله حاجة، أو إلى أحد من بين آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليثن على الله، وليصل على النبي ث ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضاَ إلا قضيتها يا أرحم الراحمين) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 348/849)
(1/376)

10- ركعتان عند السفر في بيته، لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج إلى البحرين في تجارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صل ركعتين) " (مجمع الزوائد ج 2/ص 283 رواه الطبراني في الكبير)
(1/377)

11- ركعتان عند القدوم من السفر، لما روي عن كعب بن مالك رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 12/74)
(1/378)

12- صلاة التطوع: وهو النفل المطلق غير المقيد بوقت ولا سبب. ولا حصر له، ولا لعدد ركعات الواحدة منه، وله أن ينوي عدداً وله ألا ينويه بل يقتصر على نية الصلاة. فإذا شرع في تطوع ولم ينو عدداً فله أن يسلم من ركعة، وله أن يزيد فيجعلها ركعتين أو ثلاثاً أو عشراً أو ألفاً أو غير ذلك، وله أن ينقص عما أحرم به، بشرط تغير النية قبل الزيادة والنقص. ولو صلى عدداً لا يعلمه ثم سلم صح.
ثم إن تطوع بركعة فلا بد من التشهد عقبها، وإن زاد عليها ولو ألفاً، بإحرام واحد وسلام فله أن يقتصر على تشهد واحد في آخر الصلاة، وهذا لا بد منه على كل حال، أو أن يتشهد في الأخيرة وما قبلها فقط، أو يتشهد في كل ركعتين، أو في كل أربع أو ثلاث أو ست، أو غير ذلك. عن عائشة رضي الله عنها" (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها" (مسلم ج 1 / كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 17/123) وفي رواية عنها" ويصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليماً يُسمعُنا ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم ... " (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 18/139)
والأفضل أن يسلم في كل ركعتين، في نوفل الليل والنهار، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 302/1295)
والتطوع بالليل أفضل منه بالنهار، وأفضله التهجد (وأصل التهجد الصلاة في الليل بعد النوم) لقوله تعالى في وصف المؤمنين: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون} (الذاريات: 17) ولأنها تفعل في وقت غفلة الناس وتركهم الطاعات، ولأن الصلاة بعد النوم أشق.
وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث عليها، منها حديث أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) (الترمذي ج 2/ أبواب الصلاة باب 324/438)
ومنها ما روى جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسال الله خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة) (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 23/166) وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دَأب الصالحين، وهو قربة إلى ربكم، ومَكْفرَة للسيئات، ومنهاة للإثم) (الترمذي ج 5/ كتاب الدعوات باب 102/3549)
وصلاة الليل سنة مؤكدة، وأفضلها ما كان وسط الليل لمن قسم الليل أثلاثاً (وكل ما كان بعد العشاء فهو من الليل، ولو كان العشاء مجموعاً جمع تقديم) لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويصلي ثلثه، وينام سدسه) (ابن ماجة ج 1/ كتاب الصيام باب 31/1712 وإسناده ضعيف لكن يعمل به لأن في فضائل الأعمال) وتكون صلاة الليل إما نفلاً مطلقاً، أو وتراً أو قضاء، أو نذراً.
ما يسن للمتهجد:
-1- القيلولة: وهي النوم أو الراحة قبل الزوال، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل) (ابن ماجة ج 1/ كتاب الصيام باب 22/1693)
-2- ينبغي له أن ينوي عند نومه قيام الليل نية جازمة ليحوز ما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له م نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه عز وجل) (النسائي ج 3/ص 258)
-3- أن يمسح النوم عن وجهه عند اليقظة، وأن يتسوك وينظر في السماء، وأن يقرا الآيات التي في آخر آل عمران: {إن في خلق السموات والأرض ... } (آل عمران: 190) لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه بات- وهو صغير - عند ميمونة خالته، وفيه: "فنام - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- حتى انتصف الليل أو قريباً منه، فاستيقظ يمسح النوم عن وجهه ثم قرأ عشر آيات من آل عمران" (البخاري ج 1/ كتاب الوتر باب 1/947)
-4- يستحب أن يوقظ أهله وامرأته إذا استيقظ لقيام الليل، والمرأة كذلك، لحديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله امرأة قامت من الليل فصلة وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت فيوجهه الماء) (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 307/1308) كما يستحب ذلك لغيرهما أيضاً.
-5- أن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين" (مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 26/197)
-6- أما القراءة فله أن يجهر بها، وله أن يخفض، وله أن يتوسط، للأحاديث الواردة في ذلك كله، ومنها: حديث أبو هريرة رضي الله عنه قال: "كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل يرفع طَوْراً ويخفض طوراً" (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 315/1328) وحديث أبي قتادة رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه: (يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك) قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله قال: وقال لعمر رضي الله عنه: (مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك) قال فقال: يا رسول الله أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم (يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئاً) وقال لعمر: (اخفض من صوتك شيئاً) " (أبو داود ج 2/ كتاب الصلاة باب 315/1329)
-7- أن يكثر من الدعاء والاستغفار، لقوله تعالى {وبالأسحار هم يستغفرون} (الذاريات: 18)
-8- أن يترك الصلاة إذا نعس فيها ويرقد حتى يذهب عنه النوم لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه) (البخاري ج 1/ كتاب الوضوء باب 52/209)
ما يكره للمتهجد:
-1- ترك تهجد اعتاده، أو نقصه لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فترك قيام الليل) (البخاري ج 1/ كتاب التهجد باب 19/1101)
لذا يستحب ألا يعتاد من قيام الليل إلا قدراً يغلب على ظنه بقرائن حاله أنه يمكن الدوام عليه مدة حياته لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان عمله ديمة" (البخاري ج 2/ كتاب الصوم باب 63/1886. ديمة: أي دائماً)
-2- أن يقوم كل الليل دائماً، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) (في حديث رواه البخاري ج 5/ كتاب النكاح باب 1/4776 عن أنس رضي الله عنه) ولأنه يضر بالعين وسائر البدن، ولو استوفى في النهار ما فاته في الليل لضيع كثيراً من مصالح دينه ودنياه.
أما بعض الليالي فلا يكره إحياؤها كلها، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله" (البخاري ج 2/ كتاب صلاة التراويح باب 6/1920، وشد مئزره: قد يراد بهذا الجد في العبادة، كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي تشمرت له، وقد يراد به اعتزال النساء) .
(1/379)

الباب السادس: صلاة الجماعة
(1/380)

معنى الجماعة، فضل صلاة الجماعة، حكمها:
(1/381)

معنى الجماعة
(1/382)

- لغة: الطائفة.
شرعا: ربط صلاة المأموم بصلاة الإمام.
(1/383)

فضل صلاة الجماعة:
(1/384)

- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفَذِّ (1) بسبع وعشرين درجة) وفي رواية: (بخمس وعشرين درجة) (2) .
__________
(1) المنفرد.
(2) البخاري ج ا/كتاب الجماعة والإمامة باب 2/619.
(1/385)

حكمها:
(1/386)

- 1- هي فرض كفاية على الرجال الأحرار، المقيمين، ساتري العورة، غير المعذورين، في أداء المكتوبة. عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية (1)) . وقوله: (لا تقام فيهم الصلاة) دليل على أنها فرض كفاية، ولو كانت فرض عين لقال: لا يقيمون.
ويشترط ظهور شعار الإسلام في إقامتها بمحل في القرية الصغيرة، أو بمحال في القرية الكبيرة والمدينة، فلو أقاموها في البيوت، ولم يظهر الشعار لم يسقط فرض الكفاية عنهم، ولو امتنعوا عن إظهارها في الناس قوتلوا عليها.
-2- وهى سنة مؤكدة في التراويح، وفي وتر رمضان، والعيدين، والكسوفين، والاستسقاء.
-3- وهي سنة كذلك في المقضية التي يتفق الإمام والمأموم فيها، بأن يفوتهما فرض من جنس واحد، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس (2) ... وفيه: فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أي بلال) . فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ - بأبي أنت وأمي، يا رسول الله - بنفسك، قال: (اقتادوا) . فاقتادوا رواحلهم شيئاً، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بلالاً فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح، فلما قضى الصلاة قال: (من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها فإن الله قال: {أقم الصلاة لذكري} " (3)) .
-4- كما تسن للنساء غير المشتهيات إن أذن الزوج - وهو مستحب له إن أمن المفسدة عليهن وعلى غيرهن - على ألا يلبسن فاخر الثياب ولا يطّيبن إذا حضرنها في المسجد مع الرجال، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهن تفلات (4)) . وهى غير متأكدة في حقهن كتأكدها في حق الرجال، وجماعتهن في البيوت أفضل لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن (5)) .
والدليل على استحباب الجماعة لهن حديث أم ورقة رضي الله عنها "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها..... وأمرها أن تؤم أهل دارها" (6) . وما روت رَيْطَة الحنفية قالت: "أمتنا عائشة فقامت بيننا في الصلاة المكتوبة" (7) . وما روت حجيرة قالت: "أمتنا أم سلمة في صلاة العصر فقامت بيننا" (8) .
-5- وهي مكروهة للنساء ذوات الهيئات في المسجد، خوف الفتنة ويقاس جمالهن على الطيب بجامع تحريكهما لداع الشهوة عند الرجل. عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لو أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بنى إسرائيل" (9) .
-6- أما الجماعة في الرواتب والضحى ووتر غير رمضان فغير مسنونة، وكل نفل لا تسن فيه الجماعة فأداؤه في البيت أفضل لما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) (10) .
__________
(1) النسائي ج 2/ص 106، والقاصية: الشاة البعيدة عن الغنم، المنفردة عنها.
(2) نزل آخر الليل للنوم والاستراحة.
(3) مسلم ج ا/كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 55/309.
(4) أبو داود ج ا/كتاب الصلاة باب 53/565، وتفلات: تاركات الطيب.
(5) أبو داود ج ا/كتاب الصلاة باب 53/567.
(6) أبو داود ج ا/كتاب الصلاة باب 62/592.
(7)
و (8) الدارقطني ج ا /ص 404 - 405.
(9) البخاري ج ا/كتاب صفة الصلاة باب 79/831.
(10) البخاري ج ا/كتاب الجماعة والإمامة باب 52/698.
(1/387)

تحققها:
(1/388)

- تتحقق باثنين فأكثر لما روي عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي، فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا: (إذا حضرت الصلاة فأذنا ثم أقيما وليؤمكما أكبركما) (1) ".
وتحصل الفضيلة بصلاة الرجل في بيته، مع زوجته ونحوها، وسواء قل الجمع أو كثر، لكن يفضل الجمع الكثير، إلا في حالات سنذكرها، لما روى أبى بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى) (2) .
وتفضل الصلاة المكتوبة في المسجد عليها في البيت أو في غير المسجد، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضى فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة (3)) . ولأن المسجد أكثر جمعا. والصلاة في المساجد التي يكثر فيها الناس أفضل لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه المتقدم.
أما الحالات التي يفضل فيها الجمع القليل على الكثير فهي:
-1- إذا كان إمام الكثرة مبتدعا كمعتزلي، أو فاسقا، لما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا لا تؤمن امرأة رجلا، ولا يؤم أعرابي مهاجرا، ولا يؤم فاجر مؤمن (4)) . أو كان الإمام معتقدا ندب بعض الواجبات كحنفي إماما لشافعي.
-2- إذا كان إمام الجمع القليل يبادر إلى الصلاة في وقت الفضيلة، وغيره بخلافه.
-3- إذا كان إمام الجمع القليل ليس في أرضه شبهة، كثير الجمع بخلافه.
-4- إذا كان الذهاب إلى الجمع الكثير يعطل الجماعة في المسجد القريب.
أما إذا لم يجد إلا جماعة واحدة إمامها مبتدع أو نحوه فليصل خلفه لأن هذا أفضل من الانفراد، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا، وإن عمل الكبائر (5)) .
__________
(1) مسلم ج ا/كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 53/293.
(2) أبو داود ج ا/كتاب الصلاة باب 48/554.
(3) مسلم ج ا/كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 51/282.
(4) أبن ماجه ج 1/كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب 78/1081.
(5) أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 64/594.
(1/389)

إدراك فضيلة الجماعة:
(1/390)

- يدرك المأموم الجماعة ما لم يسلم الإمام التسليمة الأولى (1) ، أما إن أدركه وقد شرع فيها فتنعقد صلاة المأموم منفردا. ومعنى الإدراك أن يحصل له فضلها.
وتدرك فضيلة التحريم بالاشتغال به عقب تَحَرُّم الإمام، مع حضور تكبيرة الإمام، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا ... ) (2) فالفاء تدل على وجوب التعقيب، فإذا أبطأ، ولو لمصلحة الصلاة كالتطهر، ولم يحضر تكبيرة إحرام الإمام فاتته فضيلتها.
__________
(1) هذا في غير الجمعة، أما الجمعة فلا تدرك جماعتها ولا تثبت جمعة إلا بركعة كاملة، لأن الجماعة شرط لصحة صلاتها.
(2) مسلم ج 1/كتاب الصلاة باب 19/86.
(1/391)

شروط صحة الجماعة:
(1/392)

أولا - شروط يجب توفرها في الإمام لتصح القدوة به:
(1/393)

-1- أن تكون صلاة الإمام صحيحة في اعتقاد المأموم؛ فإن علم بطلان صلاة الإمام (1) قبل الصلاة امتنع عليه الاقتداء، أو أثناءها وجبت عليه نية المفارقة، فإن لم يفعل بطلت صلاته لأنه ربطها بصلاة باطلة، أما إذا لم يظهر له حال إمامه إلا بعد انتهاء الصلاة فصلاته صحيحة ولا تلزمه الإعادة، وهو مدرك فضل الجماعة لأن عمر رضى الله عنه صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا (2) . أما من علم بحال إمامه ثم نسي واقتدى، وتذكر بعد الفراغ فتجب عليه الإعادة إذ لا عذر بالنسيان. وكذلك إذا ظن كل من اثنين بطلان صلاة الآخر، كأن اختلف اجتهادهما في القبلة، أو طهارة الماء أو الثوب أو المكان، فعندئذ كل منهما كما يعتقد بطلان صلاة الآخر، فلا يصح اقتداء أحدهما بالآخر.
-2- أن تكون صلاة الإمام صحيحة في مذهب المأموم، فإذا كان الإمام حنفيا وعلم المأموم أن إمامه ترك فرضا في الوضوء وهو النية أو الترتيب مثلا فصلاة الإمام غير صحيحة في نظره فلا يصح الاقتداء به (3) .
-3- ألا تكون صلاة الإمام واجبة الإعادة، كمتيمم في محل يغلب فيه وجود الماء، أو متيمم لبرد، إذا كان المأموم متوضئا.
-4 - ألا يكون الإمام مقتديا بإمام آخر، ولا مشكوكا في اقتدائه بغيره، لأنه في هذه الحال تابع فلا يصح أن يكون متبوعا في الوقت نفسه، مثاله ما لو نوى الاقتداء بمأموم، أو اقتدى به وظنه إماما؛ بأن رأى رجلين يصليان وقد خالفا الوقوف المسنون، فوقف المأموم عن يسار الإمام، فاقتدى به وقد ظنه منفردا، فصلاته باطلة. أما إذا دخل فوجد مصليا فاقتدى به، وكان هذا المصلى مأموما مسبوقا انتهى إمامه قبله فتصح صلاته، ويدرك فضل الجماعة، علم ذلك أثناء الصلاة أم بعدها، أم لم يعلم.
-5- ألا يكون الإمام أميا، إلا إذا كان المقتدي مثله، والأمي هو الذي لا يحسن الفاتحة بكمالها، سواء كان لا يحفظها أو يحفظها كلها إلا حرفا، أو يخفف مشددا لرخاوة في لسانه، أو غير ذلك، وسواء كان ذلك لخرس أو غيره، وكذلك لا تصح الصلاة خلف الأرت (4) ، ولا خلف الألثغ (5) ، وتصح إمامتهما لأمثالهما إن اتفق الحرف المعجوز عنه (6) . أما إذا كان الإخلال في غير الفاتحة فتصح القدوة.
-6- ألا يكون الإمام أدنى من المأموم بالأنوثة والذكورة، فلا يصح اقتداء الرجل بامرأة أو بخنثى، ولا اقتداء الخنثى بامرأة، ولا اقتداء الخنثى بالخنثى (7) ، وتصح قدوة رجل برجل، وامرأة بخنثى، وامرأة بامرأة.
__________
(1) كأن كان محدثأ حدثا أصغر أو أكبر، أو كانت عليه نجاسة خفية، أو تعمد اللحن لحنا يغير المعنى في الفاتحة أو غيرها، أو سبق لسانه ولم يعد القراءة على الصواب في الفاتحة، أو أمكنه التعلم ولم يتعلم وعلم التحريم.....
(2) البيهقي ج 2/ص 400.
(3) نية الوضوء والترتيب فيه سنة عند الحنفية وفرض عند الشافعية، لذا يكون على الإمام أن يراعى ذلك ولا يهملهما في وضوئه.
(4) وهو من يدغم حرفا في حرف في غير موضع الإدغام.
(5) وهو من يبدل حرفا بحرف، كالراء بالغين، والشين والسين بالثاء، وغير ذلك.
(6) كأن عجز الألثغ والمؤتم به مثلا عن راء الصراط، فأبدلها أحدهما غينا والآخر لاما، فتصح قدوة أحدهما بالآخر، أما لو عجز أحدهما عن الراء والآخر عن السين فلا تصح إمامة أحدهما للآخر.
(7) لأنه لا يدرى أيهما الرجل وأيهما المرأة.
(1/394)

ثانيا - شروط تطلب من المأموم لتصح قدوته:
(1/395)

-1- ألا يتقدم على إمامه بعقبه في حال القيام، أو ألييه إن صلى قاعدا، أو بجنبه إن صلى مضطجعا، أو برأسه إن صلى مستلقيا، وإن تقدم بطلت صلاته، إلا في صلاة شدة الخوف، فإن الجماعة فيها صحيحة وإن تقدم المأموم على الإمام، بل هي أفضل من الانفراد، وكذا عند الكعبة، فلو استداروا حولها لم يضر كون أحدهم أقرب إلى الكعبة من الإمام، إذا كان في غير جهته.
أما إن ساوى المأموم إمامه فالصلاة صحيحة، إلا أن ذلك مكروه ومفوت لفضيلة الجماعة (1) ، كما لو قارنه في شيء من أقوال الصلاة وأفعالها التي يطلب فيها عدم المقارنة، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم ( ... فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد ... ) (2) فالفاء فيه دالة على التعقيب لا على المقارنة.
ويندب تأخر المأموم عن إمامه في الموقف بقدر ثلاثة أذرع فأقل، فإن زاد على ثلاثة أذرع فاتته فضيلة الجماعة، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخرا فقال لهم: (تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) ، (3) .
والسنة أن يقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، رجلا كان أو صبيا، ويستحب أن يتأخر قليلا عن مساواة الإمام، فإن خالف ووقف يساره أو خلفه استحب له أن يتحول إلى يمينه محترزا من أفعال تبطل الصلاة، فإن لم يتحول استحب للإمام أن يحوله، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نمت عند ميمونة - خالته - والنبي صلى الله عليه وسلم عندها تلك الليلة، فتوضأ ثم قام يصلى، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه" (4) . فإذا استقر على اليسار أو خلفه كره، وصحت صلاته.
فإذا حضر مأمومان تقدم الإمام واصطفا خلفه، سواء كانا رجلين أو صبيين، أو رجلا وصبيا، أو تأخرا هما عن الإمام وهو أفضل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى في بيت مليكة جدة أنس رضي الله عنه، صف أنس رضي الله عنه واليتيم وراءه، والعجوز من ورائهما (5) .
وإن حضر ذكران منذ البداية صفا خلفه، لما روى الترمذي عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدمنا أحدنا" (6) . وكذا المرأة أو النسوة تقف خلفه وخلف الرجال جميعا، عن أنس رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا" (7) .
والأفضل في حال اجتماع رجال وصبيان ونساء أن يقف الرجال خلفه، ثم الصبيان، إن لم يسبقوا إلى الصف الأول، ثم النساء. ويسن عدم وقوف الصبي خلف الإمام مباشرة وإن سبق إلى الصف بل تجب إزاحته، لحديث أبي مسعود رضي الله عنه "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليلنى منكم أولو الأحلام والنهي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) " (8) . ولأن الإمام قد يضطر إلى ترك الصلاة فيقدم من خلفه. إلا أن يكون الصبي أعلم القوم أو أقرأهم، فليس لأحد تنحينه عن محله الذي سبق إليه، بل هو أولى من الجاهل وإن كان أسن.
أما إمامة النساء الخلص فتقف وسطهن، لما تقدم من أن عائشة وأم سلمة رضى الله عنهما أمتا نساء فقامتا وسطهن.
وإذا وجد الداخل في الصف فرجة أو سعة دخلها، وله أن يخرق الصف المتأخر إذا لم يكن فيه فرجة وكانت في صف أمامه، لتقصيرهم بتركها، فإن لم يجد فرجة أو سعة كره له الوقوف منفردا عن الصف، واستحب له أن يجذب بنفسه واحدا من الصف، لكن بعد أن يحرم حتى لا يخرجه عن الصف لا إلى صف، ويسن للمجذوب الموافقة ليحصل لهذا فضيلة صف، وليخرج من خلاف من قال لا تصح صلاة منفرد خلف الصف. ويستأنس فيه أيضا بحديث مقاتل بن حيان مرفوعا قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن جاء رجل فلم يجد أحداً فليختلج إليه رجلا من الصف، فليقم معه، فما أعظم أجر المختلَج) (9) .
-2- أن يعلم انتقالات إمامه ليتمكن من متابعته، وذلك إما بمشاهدة الإمام أو بمشاهدة بعض صف، أو بسماع صوت الإمام، أو المبلغ، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت لنا حصيرة نبسطها بالنهار، ونحتجرها بالليل، فصلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فسمع المسلمون قراءته فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الثانية كثروا، فاطلع إليهم فقال: (اكلَفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا) " (10) .
-3- اجتماع المقتدي مع الإمام في مكان واحد. وفي ذلك تفصيل:
(1) إذا كانا معا في المسجد فتصح الجماعة وإن بعدت المسافة، وحالت بينهما أبنية نافذة إلى حيث الإمام، وإن ردت أبوابها أو أغلقت ما لم تسمر في الابتداء، لأن كل موضع. من المسجد موضع جماعة. أما إن كانت الأبنية غير نافذة بينهما فلا تصح القدوة وإن أمكنت رؤية الإمام، والمساجد المتلاصقة المتنافذة التي يؤدي بعضها إلى بعض (11) تعتبر كالمسجد الواحد.
ولا يضر كون أحدهما أعلى من الآخر، كأن كان أحدهما في سطح المسجد أو منارته والآخر في سردابه، ما علم صلاة الإمام ولم يتقدم عليه، لأنه كله مبني للصلاة، لكن يكره ارتفاع أحدهما عن الآخر إن أمكن وقوفهما على مستوى واحد، لما روى أبو داود عن هَمَّام "أن حذيفة أمّ الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه (12) ، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال؟ بلى، قد ذكرت حين مددتني" (13) . إلا إن كان ارتفاع أحدهما لحاجة، كاستتار النسوة، أو التبليغ، أو التعليم، فلا يكره لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه سهل بن سعد رضي الله عنه " ... ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليها - أي على أعواد المنبر - وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: (أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا، ولِتَعَلّموا صلاتي) " (14) .
وفي جميع الحالات يشترط لصحة الجماعة أن يكون بالإمكان المرور من عند المؤتم إلى عند الإمام، ولو بازورار وانعطاف، وأن يكون المأموم عالما بصلاة إمامه ليتمكن من متابعته، وألا يتقدم عليه. هذا من حيث الصحة، أما من حيث فضيلة الجماعة فإنها تفوت إن تأخر عن الإمام أو عن الصف اكثر من ثلاثة أذرع، وإن ساوى الإمام في المكان.
(2) إذا كانا معا خارج المسجد، في فناء أو بناء فيشترط لصحة الجماعة ألا يكون بين الإمام والمؤتم، أو بين كل صفين ممن ائتم بالإمام خلفه أو جانبه أكثر من ثلاثمائة ذراع تقريبا، ولا بأس بزيادة ثلاثة أذرع فأقل. وألا يكون بينهما حائل كالباب المردود ابتداء، أما الباب المفتوح فيصح اقتداء الواقف بحذائه أو خلفه.
(3) إن كان الإمام في المسجد والمقتدي خارجه تصح الجماعة بشرط ألا تزيد مسافة البعد ما بين آخر المسجد وأول مقتد يقف خارجه، أو بين كل صفين أو شخصين خارج المسجد، على ثلاثمائة ذراع تقريبا، ولا بأس بزيادة ثلاثة أذرع فأقل، بذراع الآدمي، ويعتبر صحن المسجد من المسجد. وألا يوجد حائل بينهما، بحيث يمكن الوصول إلى الإمام من غير ازورار ولا انعطاف. إلا أن فضيلة الجماعة تفوت إذا زادت المسافة بين كل صفين أو شخصين أو بين الإمام والمؤتم على ثلاثة أذرع.
-4- نية الاقتداء: وهي واجبة قبل الدخول في الصلاة، مقرونة بتكبيرة الإحرام، وسبب ذلك أن التبعية عمل يفترق عن الصلاة فهو بحاجة إلى نية، فإن لم ينو انعقدت صلاته فردية ولا تبطل، لكن لا تجوز له المتابعة، بخلاف ما لو كانت المتابعة شرطا من شروط صحة الصلاة مثل صلاة الجمعة فإن لم ينو المأموم الائتمام أو القدوة في هذه الحال بطلت صلاته ولم تنعقد أصلا. وإذا ترك نية الاقتداء والانفراد، وأحرم مطلقا انعقدت صلاته منفردا، فإن تابع الإمام في أفعاله من غير تجديد نية بطلت صلاته لأنه ارتبط بمن ليس بإمام له. وكذلك لو شك أثناء صلاته هل كان نوى الاقتداء لم تجز له المتابعة إلا أن ينوي الآن المتابعة، فإن تابع بلا نية جديدة بطلت صلاته لأنه ربطها بصلاة غيره دون رابط متيقن. أما إن وقع الشك بعد التسليم فلا شيء عليه وصلاته ماضية على الصحة.
وتكره نية الاقتداء أثناء الصلاة لمن أحرم منفردا، وتصح الجماعة إلا أنه لا يحصل على فضلها لأنه صير نفسه تابعا بعد أن كان مستقلا، وتجب عليه في هذه الحال متابعة الإمام فيما هو فيه، فلو كان في سجوده الأخير أو تشهده الأخير ونوى القدوة بإمام واقف بقى جالسا إلى أن يجلس الإمام.
ولو قطع الإمام الصلاة لسبب ما جاز له أن يستخلف مأموما. ولا يلزم المأمومين تجديد نية القدوة في هذه الحال.
أما نية الإمامة في حق الإمام فهي مستحبة قبل الدخول في الصلاة وأثناءها، فإن نواها قبل الدخول في الصلاة حصل على فضيلة الجماعة، أما إن نواها أثناء الصلاة فيحصل على فضل الجماعة من حين أن نوى، ولا يكره له ذلك لأنه لا يصير نفسه تابعا في هذه الحال، لكن لا تنعطف نيته على ما قبلها. وإن لم ينوها صحت صلاة الجماعة إلا أنه لم يحصل هو على فضلها وإن حصل ذلك لمن خلفه، إذ ليس للمرء إلا ما نوى. ذلك ما لم تحن الصلاة صلاة الجمعة، فإن كانت وجبت عليه نية الإمامة حين التحرم بها، فإن تركها ولو سهوا لم تصح جمعته، أما المؤتمون فإذا لم يعلموا بسهو إمامهم عن النية إلا بعد انتهاء الصلاة صحت جمعتهم، أما إن علموا ذلك قبل الصلاة أو أثناءها فصلاتهم باطلة.
-5- توافق نظم صلاتيهما في الأفعال الظاهرة، فلا يصح الاقتداء مع اختلافه كمكتوبة خلف كسوف أو العكس، أو مكتوبة خلف جنازة أو العكس، أو جنازة خلف كسوف أو العكس وذلك لتعذر المتابعة.
ولا يضر اختلاف نية المأموم عن نية الإمام، فيصح اقتداء المفترض بالمتنفل والعكس، لما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "كان معاذ يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلى بهم" (15) . ولما روي عن يزيد بن عامر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جئت إلى الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم، وإن كنت قد صليت، تكون لك نافلة وهذه مكتوبة) (16) .
كما يصح اقتداء المؤدي بالقاضي، ومصلى الرباعية بمصلى الثنائية أو الثلاثية والعكس، ولا تضر صلاة السرية خلف الجهرية أو العكس. والصلاة صحيحة في هذه الحالات كلها كما علم لكن تفوت بها فضيلة الجماعة.
-6- الموافقة في سنن تفحش المخالفة فيها: كسجدة التلاوة فتجب فيها الموافقة فعلا وتركا، وإلا بطلت الصلاة، وكسجود السهو، فتجب فيه الموافقة فعلا لا تركا، فإن فعله الإمام وجبت متابعته به، وإن تركه فلا تجب، ويسن للمأموم الإتيان به. والتشهد تجب فيه الموافقة تركا لا فعلا، فإن تركه الإمام وجب على المأموم تركه (17) ، وإن فعله الإمام جاز للمأموم تركه، والانتظار في القيام حتى يلحقه إمامه فيمضي معه، مع جواز العودة للمتابعة (18) ، بل يندب له العود للمتابعة ما لم يقم الإمام، وما لم يطل وقوفه قبل أن يهوي لمتابعة الإمام.
وأما القنوت فلا تجب فيه الموافقة لا تركا ولا فعلا، فإن فعله الإمام جاز للمأموم أن يتركه ويسجد عامدا، وإذا تركه الإمام سن للمأموم فعله إن لحقه في السجدة الأولى، وجاز له إن لحقه بالجلوس بين السجدتين، وامتنع عليه إن لم يلحقه إلا في السجدة الثانية، ما لم ينو المفارقة (19) .
أما السنن التي لا تفحش المخالفة فيها، كجلسة الاستراحة مثلا، فليست الموافقة فيها شرطا لصحة الجماعة.
-7- المتابعة: وهي أن يجري على أثر إمامه، بحيث يكون ابتداؤه لكل فعل متأخرا عن ابتداء الإمام، ومقدما على فراغه منه، وكذلك في الأقوال، إلا التأمين فإنه يستحب فيه مقارنته. ودليلها حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم ( ... فإذا كبر فكبروا) .
__________
(1) وكل مكروه في صلاة الجماعة مفوت لفضيلتها.
(2) مسلم ج 1/ كتاب الصلاة باب 19/86.
(3) مسلم ج ا/كتاب الصلاة باب 28/130.
(4) البخاري ج ا/كتاب الجماعة والإمامة باب 30/666.
(5) انظر أبو داود ج ا/كتاب الصلاة باب 71/612.
(6) الترمذي ج 2/أبواب الصلاة باب 172/233.
(7) مسلم ج ا/كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 48/269.
(8) مسلم ج 1/كتاب الصلاة باب 28/122.
(9) البيهقي ج 3/ص 105، والمختلَج: المجتذب، يقال: خلج يخلج: جذب.
(10) مسند الإمام أحمد ج 6/ص 241، ونحتجرها: نتخذها مثل الحجرة. والكلف بالشيء: الولع به، فاستعير للعمل، للالتزام والملابسة.
(11) كما في الأزهر والجرهرية.
(12) جبذه وجذبه بمعنى واحد.
(13) أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 67/597، ومددتنى: مددت قميصي وجذبته إليك.
(14) البخاري ج 1/كتاب الجمعة باب 24/875، وقوله لتعلّموا: أي لتتعلموا.
(15) البخاري ج 1/كتاب الجماعة والإمامة باب 37/679.
(16) الدارقطني ج 1/ص 276.
(17) وإن ترك الإمام والمأموم التشهد معا، وانتصبا، فلا يعود المأموم له ولو عاد الإمام، لأنه قد يكون فعله مخطئا فلا يوافقه في الخطأ، أو عامدا فتبطل صلاته، والأولى للمأموم في هذه الحال مفارقة إمامه، إلا أنه يجوز له انتظاره لاحتمال كون عود الإمام سهوا لا عمدا.
(18) هذا إذا كان المأموم عامدا بترك التشهد الأول مع الإمام، أما إن انتصب ساهيا فيجب عليه العود لمتابعة إمامه، فان لم يعد بطلت صلاته. وسبب هذا التفريق في الحكم بين العامد والساهي، أن العامد يعتد بفعله، وقد انتقل إلى واجب القيام، مع وحوب المتابعة عليه أيضا، فخير بين العود والاستمرار، أما الناسي فلا يعتد بفعله، ويكون قيامه كعدمه، لذا تجب عليه العودة للمتابعة.
(19) والسبب في التفرقة بين حكم التخلف للقنوت، وحكم التخلف للتشهد هو أنه في تخلفه للقنوت لا يحدث وقوفا لم يفعله إمامه، أما في تخلفه للتشهد فيحدث جلوسا لم يحدثه إمامه.
(1/396)

حكم صلاة الجماعة في حال عدم المتابعة:
(1/397)

(1) في الأفعال:
أ - المقارنة: إن قارن إمامه في فعل من أفعال الصلاة لم تبطل صلاته، لكن يكره، وتفوت فيه فضيلة الجماعة.
ب - السبق: إن سبقه بركن فعلي كامل عمدا حرم ذلك وصحت الجماعة، كأن يركع ويرفع رأسه والإمام لم يزل قائما.
وكذلك إن سبقه ولكن ليس بكامل الركن، بأن ركع قبل الإمام فلم يرفع حتى ركع الإمام، لم تبطل صلاته عمدا فعله أو سهوا، لأنه مخالفة يسيرة، لكن ذلك مكروه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار) (1) . ويسن له العود إلى القيام والركوع معه إن فعله عامدا، ولا يلزمه ذلك. وأما إن سها بالركوع قبله فيتخير بين العود والاستمرار فيما هو فيه، ولا تفوته فضيلة الجماعة في الحالين.
وإن سبقه بركنين فعليين ولو غير طويلين (2) بلا عذر بطلت صلاته لمنافاته للمتابعة المأمور بها. كأن هوى للسجود والإمام لم يزل قائما يقرأ.
أما إن سبقه بركنين لعذر فلا تبطل الصلاة، ولا تفوته فضيلة الجماعة.
والعذر في السبق: النسيان، أو الجهل بفقه المسائل الدقيقة.
ب - التخلف: إن تخلف بركن فعلي بلا عذر لم تبطل صلاته، لكن يكره. وإن تخلف بركنين فعليين بلا عذر بطلت صلاته لمنافاته المتابعة.
وأما إن كان التخلف لعذر فلا تبطل الصلاة، ولا تفوته فضيلة الجماعة، ويباح له أن يتخلف ليتم القراءة الواجبة عليه وهى الفاتحة فقط، ثم يسعى خلف إمامه على نظم صلاة نفسه، ما لم يسبقه الإمام بأكثر من ثلاثة أركان طويلة، فإن سبقه بأكثر من ذلك تبعه فيما هو فيه ثم يتدارك بعد سلام إمامه ما فاته كالمسبوق، أو ينوي المفارقة. أما إن شرع الإمام بالخامس وهو لم يزل يقرأ دون أن ينوي المفارقة فصلاته باطلة.
والأعذار في التخلف هي:
- بطء قراءة المأموم لضعف لسانه ونحوه، أو لوسوسة، والإمام معتدلها.
- إسراع الإمام في القراءة.
- اشتغال الموافق (3) بسنة، كدعاء الافتتاح، فيتخلف لإتمام قراءة الفاتحة إن لم يتمها.
- النسيان؛ فلو شك أو تذكر قبل ركوعه وبعد ركوع إمامه أنه لم يقرأ الفاتحة، أو شك في قراءتها فيتخلف لقراءتها. أما لو تذكر ترك الفاتحة أو شك فيه بعد ركوعه فلا يعود لقراءتها بل يتبع إمامه، ويأتي بركعة بعد تسليم الإمام.
__________
(1) البخاري ج 1/كتاب الجماعة والإمامة باب 25/659.
(2) الركن القصير هو الاعتدال من الركوع، والجلوس بين السجدتين، والطويل ما عداهما.
(3) الموافق: هو من أدرك مع الإمام قدر الفاتحة فأكثر.
(1/398)

(2) في الأقوال:
- إن قارن إحرام المأموم إحرام إمامه أو سبقه لم تنعقد صلاته، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر) (1) ولأنه علق صلاته بصلاة إمامه قبل أن تنعقد.
ومثل ذلك ما لو شك في مقارنته، أو ظن أنه تأخر فبانت مقارنته، فيشترط تأخر جميع تكبيرة المأموم على جميع تكبيرة الإمام.
- أما السلام فإن قارنه فيه كره له ذلك ولا تبطل صلاته.
- أما الفاتحة - في الصلاة السرية - أو التشهد، فإن فرغ منهما قبل شروع الإمام فلا يضر بل يجزيان، لأنه لا يظهر في ذلك مخالفة.
- أما المقارنة في الفاتحة في الصلاة الجهرية فتكره، وتفوت فضيلة الجماعة في هذا الركن.
ويسن للمسبوق (2) ألا يشتغل بسنة مثل دعاء الافتتاح أو التعوذ بل يبادر إلى قراءة الفاتحة مباشرة لأنها فرض فلا يشتغل عنها بنفل، إلا إن ظن أنه يدركها مع اشتغاله بالسنة، فإن اشتغل. بسنة تخلف وقرأ من الفاتحة بقدر السنة وجوبا لتقصيره بالتشاغل عن الواجب بسنة، فإذا فرغ مما عليه وأدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة، أما إن أدركه بالاعتدال فيوافقه ولا يركع وتفوته الركعة، فيأتي بركعة بعد انتهاء إمامه، وإن لم يفرغ مما عليه، وأراد الإمام الهوي للسجود تعينت نية المفارقة، أما إن هوى للسجود ولم ينو المأموم المفارقة فتبطل صلاته، وكذا لو هوى معه.
وإن لم يشتغل بسنة فيتبع إمامه وجوبا في الركوع، ويسقط عنه ما بقي عليه من الفاتحة وتحسب له الركعة، لأن متابعة الإمام آكد، فإن تخلف لإتمام قراءته حتى رفع الإمام من الركوع فاتته الركعة لأنه متخلف بلا عذر، ولا تبطل صلاته، فيتابع الإمام في الهوي إلى السجود، ويصير كأنه أدركه الآن، والركعة غير محسوبة له.
__________
(1) أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 69/603.
(2) المسبوق: هو من لم يدرك مع الإمام زمنا يسع قدر الفاتحة.
(1/399)

متى يدرك المأموم المسبوق الركعة مع الإمام:
(1/400)

- من أدرك الإمام راكعا واطمأن معه (1) قبل ارتفاعه أدرك الركعة، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه) (2) .
أما إن أدركه في ركوع زائد في سهو أو غيره، كأن كان في ركعة خامسة في الرباعية، أو في ركعة رابعة في الصلاة الثلاثية، أو في الركوع الثاني من صلاة الخسوف، فلا يعتبر مدركا للركعة.
وما يدركه المسبوق هو أول صلاته لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ... فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) (3) ، وما يتداركه بعد سلام الإمام آخر صلاته، فإذا كان في صلاة فيها قنوت فقنت مع الإمام أعاد القنوت في آخر صلاته، لأن ما فعله مع الإمام فعله للمتابعة، فإذا بلغ موضعه أعاده، ولو أدرك ركعة من المغرب قام بعد سلام الإمام ليصلي ركعة ثم يتشهد، تم ثالثة ويتشهد، ولو سبق بركعتين من الرباعية أو الثلاثية لم يجهر فيما أتم بعد فراغ الإمام، بخلاف السورة بعد الفاتحة، فإنه يقرؤها فيما أتم وإن كان ذلك آخر صلاته، لئلا تخلو صلاته منها.
__________
(1) الاطمئنان: سكون الأعضاء بقدر قوله سبحان الله.
(2) الدارقطني ج ا/ص 347.
(3) البخاري ج 1/كتاب الجمعة باب 16/866.
(1/401)

مسألة الاستخلاف:
(1/402)

- إذا خرج الإمام على الصلاة لسبب أو بلا سبب حاز له أن يستخلف، لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "لما تقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يُؤْذِنْه بالصلاة، فقال: (مروا أبا بكر أن يصلى بالناس) ... فقلت لحفصة قولي له: إن أبا بكر رجل أسِيْف (1) ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. قال: (إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس) . فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فقام يُهادى بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه، ذهب أبو بكر يتأخر، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى قاعدا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه" (2) .
ويشترط أن يكون الاستخلاف على قرب، فلو فعلوا في الانفراد ركنا امتنع الاستخلاف بعده. كما يشترط أن يكون الخليفة صالحا لإمامة هؤلاء المصلين. ثم إن كان المستخلف مأموما يصلى تلك الصلاة أو مثلها في عدد الركعات صح، سواء كان مسبوقا أم غيره وسواء اسُتخلف في الركعة الأولى أو غيرها، لأنه ملتزم لترتيب الإمام باقتدائه فلا يؤدي إلى المخالفة. فإن كان الخليفة مأموما مسبوقا لزمه مراعاة ترتيب الإمام، فيقعد موضع قعوده، ويقوم موضع قيامه، كما كان يفعل لو لم يخرج الإمام من الصلاة، فلو اقتدى المسبوق في ثانية الصبح ثم أحدث الإمام فيها فاستخلفه فيها قنت وقعد عقبها وتشهد ثم يقنت في الثانية لنفسه، ولو كان الإمام قد سها قبل اقتدائه أو بعده سجد في آخر صلاة الإمام وأعاد في آخر صلاة نفسه، وإذا تمت صلاة الإمام قام لتدارك ما عليه، والمأمومون بالخيار، إن شاؤوا فارقوا وسلموا، وتصح صلاتهم للضرورة، وإن شاؤوا صبروا جلوسا ليسلموا معه. هذا إذا عرف الخليفة المسبوق نظم صلاة الإمام وما بقي منها، فإن لم يعرف راقب المأمومين إذا أتم ركعة، فإن هموا بالقيام قام، وإلا قعد. وسهو الخليفة قبل الاستخلاف يحمله الإمام فلا يسجد له أحد، أما سهوه بعد الاستخلاف فيقتضي سجوده وسجودهم. وسهو القوم قبل حدث الإمام وبعد الاستخلاف محمول، وبينهما غير محمول فيسجد الساهي بعد سلام الخليفة.
ولو أحدث الإمام وانصرف ولم يستخلف، قدم القوم واحداً بالإشارة، ولو تقدم واحد بنفسه جاز.
وإن استخلف الإمام أجنبياً، فإن كان ذلك في الركعة الأولى أو الثالثة من رباعية جاز، لأنه لا يخالفهم في الترتيب. وإن استخلفه في الثانية أو الأخيرة لم يجز لأنه مأمور بالقيام، غير ملتزم لترتيب الإمام، وهم مأمورون بالقعود على ترتيب الإمام فيقع الاختلاف.
__________
(1) أسيف: رقيق القلب، من الأسف وهو شدة الحزن.
(2) البخاري ج 1/كتاب الجماعة والإمامة باب 39/681، ويهادى: أي يعتمد على الرجلين في مشيه من شدة الضعف.
(1/403)

أحق الناس بالإمامة:
(1/404)

- الوالي بمحل ولايته مقدم على الجميع، ثم الإمام الراتب، فالساكن بملك أو إعارة أو إجارة أو وقف أو وصية أو هبة أو نحوها، يتقدم ولو كان عنده عالم، لحديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ... ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته، إلا بإذنه) (1) .
وإذا اجتمع المعير والساكن فيقدم المعير على الساكن. ويجوز للأحق بالإمامة ممن سبق ذكرهم أن يتقدم أو يقدم غيره لها.
أما أحق الناس بالإمامة من حيث الصفات: فالأفقه ثم الأقرأ (2) ، فالأزهد، فالأورع، ثم الأقدم هجرة، ثم الأسبق إسلاما، ثم الأسن، ثم الأقرب نسباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقدم الهاشمي ثم المطلبي ثم بقية العرب، ويقدم ابن الصالح أو العالم على غيره، ثم الأحسن سيرة، فالأنظف ثوبا، فالأنظف بدنا، فالأطيب صنعة، فالأحسن صوتا، فالأحسن صورة، فالمتزوج، فإن استووا تقارعوا لعموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم) (3) .
والعدل أولى من الفاسق وإن كان الفاسق أفقه على أن الصلاة خلفه تصح.
وإذا بلغ الصبي حداً يعقل وهو من أهل الصلاة صحت إمامته في الجمعة وغيرها، لما روي عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه، أنه أمّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست أو سبع سنين (4) . على أن البالغ أولى من الصبي المميز، وإن كان الصبي لأفقه وأقرأ.
والمقيم أولى من المسافر، لأنه إذا تقدم المقيم أتموا صلاتهم كلهم فلا يختلفون، وإن تقدم المسافر اختلفوا. وولد الحلال أولى من ولد الزنى. والأعمى مثل البصير، لأن الأول لا يري ما يلهيه، والبصير يجتنب النجاسة.
والمقدم لصفة من صفاته لا يجوز له تقديم غيره.
__________
(1) مسلم ج 1/كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 53/290، والتكرمة: الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويخص به.
(2) الأقرأ: الأحفظ لكتاب الله.
(3) البيهقي ج 3/ص 90.
(4) انظر البخاري ج 4/كتاب المغازي باب 50/4051.
(1/405)

ما يندب في الجماعة:
(1/406)

- 1 - ألا يقوم المصلون إلا بعد فراغ الإقامة.
-2 - تسوية الصفوف، والأمر بذلك، ومن الإمام آكد، يقبل عليهم بوجهه ويأمرهم بإقامة الصفوف، لما روى أبو مسعود البدري رضي الله قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (استووا وتختلفوا فتختلف قلوبكم) (1) .
وأفضل الصفوف الأول فالأول للرجال، وكذلك للنساء إن لم يكن معهن رجال، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يسْتَهِموا عليه لاستهموا) (2) .
أما إن كانت الجماعة رجالاً ونساء فالأفضل أن تقف النساء خلف الرجال، وإذا وقفت المرأة بحذاء الرجل أو أمامه صحت صلاتهما لكن الأفضل أن تتأخر عنه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) (3) .
-3- التخفيف (4) ، إلا أن يرضى بتطويله جماعة محصورون لا يصلى وراءه غيرهم لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) (5) .
-4 - أن يجهر الإمام بالتكبير، ويقول: سمع الله لمن حمده، وبالسلام، ولو كانت الصلاة سرية. ويجب أن ينوي بجهره الذكر مع الإعلام، أما إذا قصد الإعلام فقط، أو أطلق فتبطل صلاته.
-5- انتظار الداخل في الركوع والتشهد الأخير، على ألا يطول الانتظار، وألا يميز الإمام بين الداخلين. ولا شك في أن هذا الانتظار يقيد جوازه بعدم الضرر بالمؤتمين، موافقة لأمره صلى الله عليه وسلم بالتخفيف في صلاة الجماعة.
-6 - تسن إعادة الفرض جماعة بنية الفرض، سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا في الأولى، لحديث جابر رضي الله عنه قال: "كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يأتي قومه فيصلى بهم" (6) . وتقع الأولى فرضا والثانية نافلة، لحديث يزيد بن الأسود العامري عن أبيه قال: "شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجته، فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف قال: فلما قضى صلاته وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه فقال: (علي بهما) ، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: (ما منعكما أن تصليا معنا؟) فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا. قال: (فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة) " (7) .
وإذا نواها قضاء وقعت قضاء، وإذا نواها إعادة ثم تذكر خللا في الأولى لم تصح الثانية، وعليه أن ينويها كما لو لم يصل الأولى.
__________
(1) مسلم ج 1/كتاب الصلاة باب 28/122.
(2) البخاري ج 1/كتاب الأذان باب 9/590.
(3) مسلم ج 1/كتاب الصلاة باب 28/132.
(4) بشرط فعل الهيئات والأبعاض.
(5) البخاري ج ا/كتاب الجماعة والإمامة باب 34/671.
(6) البخاري ج ا/كتاب الجماعة والإمامة باب 37/679.
(7) الترمذي ج ا/أبواب الصلاة باب 163/219.
(1/407)

ما يكره في الجماعة:
(1/408)

- 1 - يكره انتظار الداخل في غير الركوع والتشهد الأخير.
-2- يكره التطويل ليلحق به آخرون تكثر بهم الجماعة، أو ليلحقه رجل مشهور عادته الحضور أو نحو ذلك. لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف) .
-3- تكره إمامة الأقلف (1) ، والفاسق، والمبتدع الذي لا يكفر ببدعته، والكراهة للإمام، أما المؤتمون فتحصل لهم فضيلة الجماعة.
تعقيبات:
-1- يكره أن يصلي الرجل بقوم أكثرهم له كارهون، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا ... ) فذكر فيه: (رجل أم قوما وهم له كارهون) (2) .
-2- يكره أن يصلى الرجل بامرأة أجنبية لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) (3) . أما إن أم أجنبيات فيجوز.
-4- تصح إمامة القاعد المعذور للقائم لحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم: " ... فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلى عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلى قائما، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى قاعدا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه" (4) .
-4- تصح صلاة الطاهرة خلف المستحاضة غير المتحيرة، وصلاة السليم خلف سلس البول أو المذي، أو من به جرح سائل.
-5- إذا أُرْتِجَ (5) على الإمام ووقفت عليه القراءة استحب للمأموم تلقينه لحديث المسور رضي الله عنه قال: "شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة، فترك شيئا لم يقرأه، فقال له رجل: يا رسول الله تركت آية كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هلا أذكرتنيها) " (6) . وكذا إذا قرأ في موضع فسها وانتقل إلى غيره استحب تلقينه، أو سها عن ذكر فأهمله أو قال غيره استحب للمأموم أن يقوله جهرا ليسمعه فيقوله.
-6- إذا ترك الإمام فرضا، ولم يرجع إليه، لم تجز للمأموم متابعته في تركه، سواء تركه عمدا أو سهوا، لأنه إن تركه عمدا فقد بطلت صلاته، وإن تركه سهوا ففعله غير محسوب، فيفارقه ويتم منفردا، لكن يستحب للمأموم أن يسبح ليتذكر الإمام إن فعل ذلك ناسيا، وعلى الإمام أن يعمل بيقين نفسه لا بقول المأمومين.
ولو قام الإمام إلى ركعة خامسة في صلاة رباعية، فلا يتابعه المأموم إن علم ذلك، لأنه أتم صلاته يقينا. ولو كان المأموم مسبوقا بركعة، أو شاكا في فعل ركن كالفاتحة، فقام الإمام إلى الخامسة، لم تجز للمأموم متابعته فيها، إن علم أنها زائدة، لأنها غير محسوبة للإمام وهو غالط فيها.
__________
(1) هو الذي لم يختن.
(2) ابن ماجة ج 1/كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب 43/971.
(3) البخاري ج 5 /كتاب النكاح باب 110/4935.
(4) البخاري ج 1/كتاب الجماعة والإمامة باب 39/681.
(5) أرتج على القارئ: إذا لم يقدر على القراءة، كأنه أطبق عليه كما يرتج الباب.
(6) أبو داود ج 1 /كتاب الصلاة باب 163/907.
(1/409)

الباب السابع: صلاة الجمعة
(1/410)

-هي ركعتان، وتقام في وقت الظهر بدلا عنه، يوم الجمعة.
(1/411)

حكمها:
(1/412)

- هي فرض عين لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} (1) . فالأمر بالسعي يعني الوجوب، وما نهى عن البيع الذي هو مباح إلا لواجب. والمراد بذكر الله الصلاة، وقيل الخطبة.
وروت حفصة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رواح الجمعة واجب على كل محتلم) (2) .
وعن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره:
(لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) (3) . وعن أبي الجعد الضمري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونا بها طبع الله على قلبه) (4) .
__________
(1) الجمعة: 9.
(2) النسائي ج 3/ص 89.
(3) مسلم ج 2/كتاب الجمعة باب 12/40.
(4) الترمذي ج 2/أبواب الصلاة باب 359/500.
(1/413)

شروط وجوب الجمعة:
(1/414)

- 1 - الإسلام والبلوغ والعقل (1) . أما الصبي غير البالغ فتستحب له.
-2- الحرية الكاملة، يخرج بذلك المُبَعَّض (2) فلا تجب عليه، ولا على العبد، وإن استحب لسيديهما أن يأذنا لهما فيها، وحينئذ يستحب لهما حضورها، ولا يجب.
-3- الذكورة، فلا تجب على المرأة، لكن إن صلتها أجزأت عن الظهر كالرجال.
-4- الصحة، فلا تجب على المريض المرخص له بترك الجماعة، سواء فاتت الجمعة على أهل القرية بتخلفه، لنقصان العدد، أم لا، وذلك إن لم يحضر مكان إقامتها، لحديث طارق، ابن شهاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم، في جماعة، إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض) (3) .
والمرض المسقط للجمعة هو الذي يلحق صاحبه بذهابه إليها مشقة ظاهرة غير محتملة. فإن كان في مكان إقامتها ودخل وقتها، ولم يزد ضرره بانتظار فعلها، أو أقيمت الصلاة وهو حاضر فعندئذ تجب عليه، لأنه إنما لم تجب عليه للمشقة، وتد زالت بالحضور. ولا ينصرف بعد تحرمه إلا لأمر شديد جدا. أما قبل دخول وقتها فله أن ينصرف ولو أمن الضرر بعد دخول الوقت، على أنه إن تكلف المشقة وحضر كان أفضل.
-5- الإقامة، ويخرج بذلك المسافر سفرا مباحا، ولو قصيرا، لاشتغاله بأسباب السفر، فإن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج لزمته بلا خلاف. ويحرم على من تلزمه الجمعة السفر بعد فجر يومها، إلا إذا أمكنه فعلها في مقصده أو طريقه، أو كان يلحقه ضرر بتخلفه عن رفقته.
-6- تجب الجمعة على من بلغه نداء صيت (4) من طرف موضع الجمعة مع سكون الريح والصوت، وهو مستمع، لحديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة على كل من سمع النداء) (5) .
__________
(1) زوال العقل مسقط للجمعة إن كان بسب غير محرم، أما إن كان سبب محرم كالسكر ونحوه فليس بمسقط لها.
(2) المبغض هو الذي بعضه رقيق وبعضه حر بأحد أسباب التبعيض.
(3) أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 215/1067.
(4) مؤذن رفيع الصوت.
(5) أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 212/1056.
(1/415)

شروط صحة الجمعة:
(1/416)

- أولا - أن تقع الصلاة كلها مع الخطبة في وقت الظهر، لحديث أنس رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى الجمعة حين تميل الشمس" (1) . وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: "كنا نجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتبع الفيء" (2) . فلو خطب قبل دخول الوقت لم تصح، لأن الجمعة ردت إلى ركعتين بالخطبة، فإذا لم تجز الصلاة قبل الوقت لم تجز الخطبة.
وإذا ضاق وقت الصلاة، ورأى الإمام أنه إن خطب خطبتين خفيفتين، وصلى ركعتين لم يذهب الوقت لزمتهم الجمعة، وإن رأى أنه لا يمكنهم ذلك صلى الظهر.
ولو شكوا في خروج وقتها، فإن كانوا لم يدخلوا فيها لم يجز الدخول فيها، لأن شرطها الوقت ولم يتحققه، فلا يجوز الدخول مع الشك في الشرط.
وإن دخلوا فيها في وقتها ثم شكوا قبل السلام في خروج الوقت أتموها جمعة لأن الأصل بقاء الوقت وصحة الفرض ولا تبطل بالشك، وكذا إذا صلوا ثم شكوا بعد فراغها هل خرج وقتها فبل الفراغ منها فإنهم تجزئهم الجمعة لأن الأصل بقاء الوقت.
أما إذا شرعوا فيها في وقتها، ثم خرج الوقت قبل التسليمة الأولى فتفوت الجمعة وعليهم إتمامها ظهرا، ويسرون فيها من حينئذ، وتجزيهم، ولا يحتاج إلى نية الشر لأنهما صلاتا وقت واحد فجاز بناء أطولهما على أقصرهما، كالمسافر إذا نوى القصر ثم لزمه الإتمام بإقامة أو غيرها. ولو مد الإمام الركعة الأولى حتى تحقق أنه لم يبق ما يسع الثانية أتمها ظهراً بلا تجديد نية، وانقلب ما صلى ظهراً من حين تحققه ولو لم يخرج الوقت بعد.
ولا تقضى جمعة على صورتها بعد فوات وقت الظهر، ولو في يوم جمعة أخرى، ولكن من فاتته لزمته الظهر.
ثانيا - أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة، من خطة بلد أو قرية مبنية ولو بالخشب أو القصب، ولو لم تكن في المسجد، كأن تكون في فناء معدود من خطة البلد. فإذا صليت خارج البلد لم تصح بلا خلاف لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولم يصل هكذا. وإذا انهدمت البلد أو القرية وأقاموا لعمارتها، ولو في غير مظال وسقائف صحت جمعتهم فيها لأنها وطنهم، بخلاف ما لو نزلوا مكانا ليعمروه قرية فإن جمعتهم لا تصح فيه قبل البناء.
ولا تصح الجمعة في خيام الأعراب، وبيوتهم، وتجب عليهم الجمعة إن سموا النداء من محلها وإلا فلا، لأن الأعراب كانوا مقيمين حول المدينة المنورة ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها لكونهم لا يسمعون النداء.
وشرط البلد أو القرية أن يسكنها الأربعون الذين تجب عليهم الجمعة، بحيث لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا لحاجة.
ثالثا - ألا يسبقها أو يقارنها في تحرمها جمعة أخرى في محلها، أي في نفس البلد أو القرية لأن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين لم يقيموا سوى جمعة واحدة، والاقتصار على واحدة أظهر لشعار الاجتماع واتفاق الكلمة، إلا إذا عسر اجتماعهم بأن كبرت البلدة التي تقام فيها الجمعة وليس فيها مكان واحد يستوعب جماعتها بلا مشقة، مسجدا كان المكان أو غيره، فحينئذ يجوز تعددها بحسب الحاجة، أما إذا تعددت لغير حاجة، وعلمت السابقة منها فهي الصحيحة وما بعدها باطل يجب على أهلها أداء فريضة الظهر في الوقت، وأما إذا تقارنت في جميع الأمكنة فجميعها باطلة. والعبرة في السبق والمقارنة بالراء من تكبيرة إحرام الإمام. وإن علم السبق ولم يعرف السابق، أو علم السابق ثم نسى فتجب صلاة الظهر على الجميع لالتباس الصحيحة بالفاسدة. وإن علمت المقارنة، أو لم يعلم هل حصل سبق أو مقارنة أعيدت الجمعة مجتمعين إن اتسع الوقت لعدم وقوع جمعة مجزئة، ويفضل، احتياطا، وخروجا من مخالفة من منع التعدد ولو لحاجة، نقول، يفضل لمن صلى ببلد تعددت الجمعة فيه لحاجة أن بعيدها ظهرا (3) . ويصلى الظهر بعد الجمعة غير المجزئة جماعة.
رابعا - الجماعة: فلا تصح فرادى، ويشترط أن يكون العدد في جماعة الجمعة أربعين عند الإحرام بما فيهم الإمام، كلهم لا ممن تنعقد بهم الجمعة (4) .
ويشترط بقاء العدد كاملا من أول الخطبة إلى انقضاء الصلاة، فإن انفضوا في أثناء الخطبة لم يعتد بالركن المفعول في غيبتهم بلا خلاف، فإن عادوا قريبا عرفا وجبت إعادة الركن الذي لم يحضروه دون الاستئناف، وإن عادوا بعد فصل طويل عرفا (5) وجب الاستئناف لانتفاء الموالاة. ولو نقصوا في الصلاة بطلت لاشتراط اكتمال العدد فيها أربعين. وإن زاد العدد على الأربعين صح أن يكون الإمام فيها عبدا أو مسافرا أو صبيا مميزا.
خامسا - خطبتان قبل الصلاة، يجلس بينهما، لما روى جابر بن سمرة رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما) (6) . ولأن الخطبة إنما قصرت لأجل الخطبة فإذا لم يخطب رجع إلى الأصل.
- شروطهما:
-1- اكتمال العدد الذي تنعقد به الجمعة.
-2- كونهما في وقت الظهر، قبل الصلاة، فلو خطب الخطبتين أو بعضهما قبل الزوال ثم صلى بعدهما لم يصح، ولو صلى قبل الخطبتين لم يصح لأنهما شرط لصحة الصلاة، ومن شأن الشرط أن يقدم.
-3- طهارة الخطيب من الحدثين. فلو خطب جنبا لم يصح لأن القراءة في الخطبة واجبة، ولا تحسب قراءة الجنب. ولو لم يعلم حاضرو الجمعة جنابته ثم علموا بعد فراغها أجزأتهم. وإن أحدث أثناء الخطبة وجب الاستئناف، ولا يجوز البناء بنفسه، ولو تطهر عن قرب، لأنها عبادة واحدة فلا تصح أن تؤدى بطهارتين، فإن أناب حين أحدث فللنائب أن يبنى على ما فعله الأول، أما لو أحدث بين الخطبتين والصلاة وتطهر عن قرب صح ذلك ولا يضر.
-4- الطهارة من الخبث في الثوب والبدن والمكان، وكذا ما يحمله الإمام من سيف أو عكاز، والمنبر كذلك. فإن كانت النجاسة تحت قدميه أو يديه ضر مطلقا، ولو بان الإمام ذا نجاسة خفية بعد الخطبة لم يضر.
-5- كون الخطيب مستور العورة لأن الخطبتين بمنزلة ركعتين.
-6- القيام مع القدرة لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه المتقدم، فإن عجز استحب له أن يستخلف، فإن خطب قاعدا للعجز، أو مضطجعا إن عجز عن الجلوس، أو مستلقيا إن عجز عن الاضطجاع جاز بلا خلاف، كالصلاة، فإن بان أنه كان قادرا على القيام صحت صلاتهم إن تم العدد دونه، وإن نقص لم تصح، ولا تصح صلاته هو على التقديرين.
-7- إسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة (7) لقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في وصف خطبته صلى الله عليه وسلم: "وقد علا صوته ... " (8) ، فلا يجزئ الإسرار، ولا حضورهم بلا سماع لصمم أو بعد أو نوم.
-8- كونهما بالعربية، ومحل اشتراط العربية أن يكون في القوم عربي، وإلا أجزأت بالعجمية إلا الآية فلا بد فيها من العربية. ويجب أن يتعلم واحد من القوم العربية، فإن لم يتعلم واحد منهم أثموا جميعهم، ولا تصح جمعتهم مع القدرة على التعلم.
-9- الموالاة بين كلمات كل من الخطبتين، وبين الخطبتين، وبين الخطبة الثانية والصلاة. فلو فرق ولو لعذر كنوم أو إغماء بطلت.
-10- الجلوس بينهما جلوسا خفيفا بقدر الطمأنينة، لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه المتقدم، ويستحب أن يجعل بقدر سورة الإخلاص، وأن يقرأها فيه، فإن خطب قاعدا للعجز وجب أن يفصل بينهما بسكتة، ولا يجوز أن يضطجع.
- فروضهما:
- 1 - حمد الله تعالى ولو ضمن آية، كأن يقول: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} إذا قصد الذكر، أما إن قصد قراءة الآية، أو الآية والذكر، أو أطلق، أجزأت عن الآية ولم تجزئ عن حمد الله تعالى، قال جابر بن عبد الله رضى الله عنهما: "كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثنى عليه ثم يقول على إثر ذلك وقد علا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش، يقول صبحكم ومساكم، ويقول: (بعثت أنا والساعة كهاتين) ، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) ، ثم يقول: (أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دَيْناً أو ضياعأ فإلَىَّ وعَلَىَّ) " (9) .
-2- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتندب الصلاة على الآل والصحب. ويجب الترتيب بأن تكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد حمد الله.
-3- الوصية بالتقوى، لحديث جابر رضي الله عنه، ولأنها المقصود الأعظم من الخطبة، ولا يتعين لفظ الوصية بل يجزئ قول الإمام: أطيعوا الله، أو اتقوا الله. ولا يكفي الاقتصار فيها على التحذير من غرور الدنيا وزخارفها لأن ذلك قد يتواصى به منكرو الشرائع، بل لا بد من الحث على الطاعة والتحذير من المعصية.
-4- قراءة آية مفهمة (10) في إحداهما، والأفضل أن تكون في الأولى لتقابل الدعاء في الثانية فيكون في كل خطبة أربع فرائض، ويسن أن يقرأ سورة ق لما روي عن أم هشام بنت حارثة ابن النعمان رضي الله عنها قالت: " ... وما أخذت ق والقران المجيد إلا عن لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس" (11) .
فإن لم يحسن شيئا من القران أتى ببدل الآية ذكرا أو دعاء، فإن عجز وقف بقدرها.
-5- الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الثانية، فلو أتى به في الأولى لم يعتد به، وإذا خص الحاضرين فقط صح ذلك، لكن الأكمل أن يشمل في دعائه كل المؤمنين والمؤمنات. ولا يسن الدعاء للسلطان بعينه، بل إن ذلك مكروه عند الشافعي، ولا يجوز وصف السلطان بما ليس فيه، ويسن الدعاء لأئمة المسلمين وولاة الأمور بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل.
- سنن الخطبتين:
- أن تكونا على منبر للأحاديث الصحيحة الكثيرة فيه، من ذلك ما قال أنس رضي الله عنه: "خطب النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر" (12) . والسنة أن يكون المنبر ذا ثلاث درجات، فإن لم يكن فعلى مرتفع. وأن يسلم عند دخوله المسجد، وأن يقبل عليهم إذا صعد المنبر وانتهى إلى الدرجة التي تسمى بالمستراح، ثم يسلم عليهم ثانية لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم" (13) . ثم يجلس يستريح فيؤذن واحد منهم لحديث السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: "كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما" (14) .
ويسن أن تكون الخطبة فصيحة جزلة، قريبة من الفهم، متوسطة لا طويلة مملة ولا قصيرة مخلة لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كنت أصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات فكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً" (15) .
ويسن للخطيب أن يعتمد على نحو عصا بيسراه، وعلى المنبر بيمناه، ويكره التفاته في الخطبة، وأن يرفع يديه يشير بهما إلا إذا كانت له عادة، أو من أجل بث الحماسة في النفوس، لحديث عمارة بن رُؤيبة رضي الله عنه قال: "رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسَبِّحة" (16) . كما يسن له أن يبادر بالنزول عقب الانتهاء، ويكره دق درج المنبر.
ويسن أن يقرأ في الصلاة سورة الجمعة في الركعة الأولى وسورة المنافقون في الركعة الثانية، أو سورة الأعلى في الأولى والغاشية في الثانية، وتكون القراءة جهرا.
__________
(1) البخاري ج ا/كتاب الجمعة باب 14/862.
(2) مسلم ج 2/كتاب الجمعة باب 9/31.
(3) في بلدنا تتعدد الجمعة أكثر من الحاجة، لذا يجب على الجميع إعادة الظهر بعدها، وتقدر الحاجة بامتلاء المساجد كلها مع صحنها غير المسقوف، ولو شتاء.
(4) أي أن يكونوا كلهم رجالا، بالغين، عقلاء، أحرار، مستوطنين في بلد إقامة الجمعة.
(5) وضابطه مضي وقت يسع ركعتين خفيفتين.
(6) مسلم ج 2/كتاب الجمعة باب 10/35.
(7) ولا عبرة لسماع من لا تنعقد بهم الجمعة.
(8) سيأتي الحديث كاملا في فروض الخطبتين.
(9) مسلم ج 2/كتاب الجمعة باب 13/44.
(10) ذات معنى مقصود كالوعد والوعيد والوعظ، ولا يكفي بعض آية وإن طال.
(11) مسلم ج 2/كتاب الجمعة باب 13/52.
(12) البخاري ج 1/كتاب الجمعة باب 24.
(13) البيهقي ج 3/ص 205.
(14) البخاري ج 1/كتاب الجمعة باب 19/870.
(15) مسلم ج 2/كتاب الجمعة باب 13/42، والقصد من الأمر هو الوسط بين الطرفين.
(16) مسلم ج 2/كتاب الجمعة باب 13/53.
(1/417)

ما يسن عمله ليلة الجمعة ويومها:
(1/418)

- 1 - قراءة سورة الكهف، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) (1) .
-2 - الإكثار من الدعاء، لأن في يومها ساعة إجابة، عن أبي هريرة رضي الله عنه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه) ، وأشار بيده يقللها" (2) .
-3 - الإكثار من الصدقة وفعل الخير، ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لما روى أوس بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة ... فأكثروا علي من الصلاة فإن صلاتكم معروضة علي) (3) .
-4- الغسل لمن أراد المجيء إلى الجمعة، ذكراً كان أو أنثى، حرا أو عبدا، مقيما أو مسافرا، بخلاف من لم يرد حضورها فلا يسن له الغسل لقول ابن عمر رض الله عنهما: "إنما الغسل على من تجب عليه الجمعة" (4) . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لعثمان رضي الله عنه: "ألم تسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) " (5) . وبهذا يبدو الفرق بين غسل الجمعة وغسل العيدين، فالقصد من غسل الجمعة التنظف ودفع الأذى عن الناس، أما القصد من غسل العيد فالزينة وإظهار السرور، لذا لم يختص بمن يريد حضور صلاة العيد.
ووقت الغسل ما بين طلوع الفجر إلى أن يدخل في الصلاة، فإن اغتسل قبل طلوعه لم يجزئه لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم) (6) فعلقه على اليوم.
ويسن تأخيره إلى الرواح للمسجد، لأنه إنما يراد لقطع الروائح فإذا فعله عند الرواح كان أبلغ في المقصود. ويفوت وقته إذا أخر إلى بعد الصلاة لما ذكرنا من مقصوده، أما غسل العيد فتحصل به السنة ولو بعد الصلاة لأن القصد التزين ليوم العيد كما مر.
وإذا تعارض الغسل مع التبكير قدم الغسل عليه لأنه قد قيل بوجوبه في بعض المذاهب.
وإن عجز عن الغسل تيمم بنية الغسل فيقول: نويت التيمم بدلا عن غسل الجمعة، لأن المقصود من الغسل النظافة والعبادة، فإن فاتت النظافة بعدم الغسل بقيت العبادة بالتيمم، ولأن الشرع أقام التيمم مقام الغسل عند العجز.
-5 - أخذ الظفر إن طال، ونتف الإبط، وقص الشارب، وحلق العانة، ودليلها الندب العام إليها (7) .
-6 - الاستياك.
-7 - تنظيف الثياب، ولبس أحسن ما عنده منها، والأكمل البيض، فإن لم تكن كلها فأعلاها لحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البسوا من ثيابكم البياض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم) (8) .
أما الإمام فيسن له أن يزيد في الزينة وتحسين الهيئة للاتباع، ولأنه منظور إليه.
-8 - التطيب بأحسن ما وجد من الطيب (9) .
__________
(1) البيهقي ج 3/ص 429.
(2) البخاري ج 1/كتاب الجمعة باب 35/893.
(3) النسائي ج 3/ص 91.
(4) البخاري ج 1/كتاب الجمعة باب 11.
(5) مسلم ج 2/كتاب الجمعة/4.
(6) البخاري ج 1/كتاب الجمعة باب 2/839.
(7) وقد تقدم التفصيل فيها قي أبحاث الطهارة، تحت عنوان مستحبات أخرى.
(8) النسائي ج 4/ص 34.
(9) قال النووي: واعلم أن هذا المذكور من استحباب الغسل والطيب والتنظف بإزالة الشعور المذكورة والظفر والروائح الكريهة، ولبس أحسن ثيابه ليس مختصا بالجمعة بل هو مستحب لكل من أراد حضور مجمع من مجامع الناس: المجموع ج 4/ص 413.
(1/419)

ويسن لحاضر الجمعة:
(1/420)

- 1 - التبكير: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة (1) ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) (2) .
ويستحب أن يمشى إليها وعليه السكينة والوقار، غير راكب إلا لعذر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون عليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (3) .
إلا الإمام فيسن له التأخير لتهيئة الخطبة.
-2- ويستحب إن حضر قبل الخطبة أن يشتغل بذكر الله تعالى والتنفل، فإذا جلس الإمام حرم التنفل، ولا تنعقد الصلاة المتنفل بها ولو لم يشرع في الخطبة، ومثل ذلك في الحرمة وعدم الانعقاد الصلاة حال جلوس الخطيب بين الخطبتين، لما روي عن ثعلبة بن أبي مالك رضي الله عنه "أن قعود الإمام يقطع السبحة وأن كلامه يقطع الكلام" (4) .
ويستثنى من ذلك تحية المسجد للداخل بعد جلوس الخطيب على المنبر، فله فعلها، بل يسن، ويجب تخفيفها والاقتصار على ركعتين لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) (5) . هذا ما لم يكن الإمام في آخر الخطبة فلا يفعل لئلا يفوته أول الصلاة مع الإمام.
-3 - الدنو من الإمام لحديث أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل، وبكر وابتكر، ودنا واستمع وأنصت، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها) (6) .
-4 - الإنصات في الخطبة بترك الكلام والذكر للسامع مع الإصغاء، وبترك الكلام دون الذكر لغير السامع، لقوله تعالى: {وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا) (7) ، نزلت هذه الآية في الخطبة، وإنما سميت الخطبة قرآنا لاشتمالها عليه. ومعنى الآية محمول على الندب لا على تحريم الكلام، بدليل ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون ... " (8) . وعليه، يجب رد السلام، وإن كره ابتداؤه، ويسن تشميت العاطس، ورفع الصوت بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة الخطيب: {إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} (9) ، وكذا عند ذكر اسمه ولو من غير الخطيب. أما في سوى ذلك فالصمت مستحب لما ذكرنا من قوله تعالى، ولحديث أيي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا) (10) .
__________
(1) قرب بدنة: تصدق بها. والبدنة: الواحد من الإبل ذكرا كان أو أنثى.
(2) البخاري ج 1/كتاب الجمعة باب 4/841.
(3) البخاري ج 1/كتاب الجمعة باب 16/866.
(4) البيهقي ج 3/ص 193، والسبحة: النافلة.
(5) مسلم ج 2/كتاب الجمعة باب 14/59.
(6) الترمذي ج 2/أبواب الصلاة باب 356/496، وبكّر: أتى الصلاة في أول وقتها. وابتكر: أدرك أول الخطبة. وقيل معنى اللفظين واحد، وإنما كرر للمبالغة والتوكيد.
(7) الأعراف: 204.
(8) البخاري ج 1/كتاب الاستسقاء باب 20/983.
(9) الأحزاب: 56.
(10) مسلم ج 2/كتاب الجمعة باب 8/27.
(1/421)

ما يكره لحاضر الجمعة:
(1/422)

- 1 - تخطي الرقاب: لما روى عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: "كنت جالسا إلى جانبه يوم الجمعة. فقال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي، اجلس فقد آذيت) " (1) . إلا الإمام إذا لم يجد طريقا إلى المنبر أو المحراب إلا بالتخطي لم يكره، لأنه ضرورة، أو رجل صالح، يتبرك به، أو عظيم، ولو في الدنيا، يسر الناس بمروره، لزوال علة الكراهة التي هي التأذي.
ومن وجد فرجة لا يصلها إلا بالتخطي فله ذلك، وكذا إذا سبق الصبيان والعبيد، ثم حضر المكلفون بالجمعة، ولم يسمعوا الخطبة من حيث انتهى بهم المجلس أول مرة فلهم التخطي للسماع.
-2 - تشبيك الأصابع أثناء الخطبة لقوله صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه: (فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة) (2) ، ولحديث عن كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدا إلى المسجد، فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة) (3) .
-3 - الاحتباء (4) أثناء الخطبة، لما روى سهل بن معاذ عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب" (5) .
__________
(1) النسائي ج 3/ص 153.
(2) مسلم ج 1/كتاب المساجد باب 28/152.
(3) الترمذي ج 2/أبواب الصلاة باب 284/386.
(4) احتبى بالثوب: اشتمل به، جمع بين ظهره وساقيه بثوبه أو بيديه أو نحو ذلك.
(5) الترمذي ج 2/أبواب الصلاة باب 370/514.
(1/423)

إدراك الجمعة:
(1/424)

- من دخل والإمام في الصلاة أحرم بها مهما أدرك منها، فإن أدرك معه الركوع في الثانية بحيث اطمأن قبل رفع الإمام عن أقل الركوع فقد أدرك الجمعة.
وإن لم يدرك معه ركعة كاملة لم يدرك الجمعة فيتمها ظهرا.
ولو أدركه في الركوع، ثم شك هل سجد مع الإمام سجدة أو سجدتين، فإن كان ذلك قبل السلام سجد أخرى وأدرك الجمعة، وإن كان بعده سجد أخرى، وأتمها ظهرا، ولا تحصل الجمعة.
ولو أدرك ركعة مع الإمام ثم سلم الإمام، وأتى بركعته الأخرى، فلما جلس للتشهد شك هل سجد مع الإمام سجدة أم سجدتين لم يكن مدركا للجمعة، وتحصل له ركعة من الظهر ويأتي بثلاث ركعات.
(1/425)

أعذار الجمعة والجماعة:
(1/426)

- 1 - المطر إن بل ثوبه ولم يجد كنّاً، وشدة الريح بالليل، والبرد والوحل، والحر في الظهر لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال" (1) . وعن عبد الله بن حارث قال: "خطبنا ابن عباس في يوم ذي رَدْغ (2) فأمر المؤذن لما بلغ حي على الصلاة قال: قل الصلاة في الرحال. فنظر بعضهم إلى بعض فكأنهم أنكروا، فقال: كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير مني - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - إنها عزمة (3) وإني كرهت أن أحرجكم" (4) .
-2 - المرض الذي يشق معه الحضور. وتمريض من لا متعهد بتمريضه غيره، وإشراف قريب له أو شخص يأنس به على الموت لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما "أن سعيد بن زيد، وكان بدريا، مرض في يوم جمعة، فركب إليه بعد أن تعالى النهار واقتربت الجمعة، وترك الجمعة" (5) .
-3 - الخوف على نفسه من عدو، وعلى عرضه أو ماله، والخوف من انقطاع عن رفقة يريد السفر المشروع معهم. لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر) . قالوا: وما العذر؟ قال: (خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى) " (6) .
-4 - ملازمة غريمه إذا خرج إلى الجماعة، وهو معسر.
-5 - رجاء رفع عقوبة عنه.
-6 - مدافعة الحدث.
-7 - فقد ما يليق به لبسه.
-8 - غلبة النوم.
-9 - شدة الجوع والعطش، لحديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضى حاجته منه، وإن أقيمت الصلاة) (7) .
-10 - أكل منتن نيء إن لم يمكنه إزالة ريحه، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كل هذه البَقْلة، فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها) (8) يعني الثوم.
-11 - تجهيز ميت.
-12 - أن يحلف عليه غيره ألا يخرج خوفا عليه.
-13 - فقد الأعمى لمن يقوده، لحديث عِتبان بن مالك رضي الله عنه "أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنها تكون الظلمة، والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أين تحب أن أصلي؟) ، فأشار إلى مكان من البيت، فصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم" (9) .
فإن وجد متبرعاً لزمته، وكذلك لو وجده بأجرة المثل وهو واجدها.
وفائدة الأعذار سقوط الإثم في حال وجودها. فإن كانت أمنيته أن يحضرها لولا العذر كتب له فضلها لحديث أبي بردة قال: "سمعت أبا موسى مرارا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) " (10) .
وللمعذور في ترك الجمعة، المتوقع زوال عذره ووجوب الجمعة عليه، أن يصلى الظهر قبل الجمعة، لكن الأفضل تأخيرها إلى اليأس من الجمعة لاحتمال تمكنه منها، ويحصل اليأس برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية.
أما من لا يرجو زوال عذره فيستحب له تعجيل الظهر في أول الوقت محافظة على فضيلته أول الوقت.
وإذا صلى المعذور ثم زال عذره، وتمكن من الجمعة أجزأه ظهره ولا تلزمه الجمعة، لأن فرض المعذور الظهر، ثم هو مخير بين الظهر والجمعة؛ فإن صلى الظهر صحت وإن صلى الجمعة أجزأته عن الظهر.
ولا تصح صلاة الظهر من الرجال غير المعذورين حتى يحصل لهم اليأس من إدراك الجمعة، ويكون ذلك برفع الإمام رأسه من ركوع الثانية. أما النساء فصلاتهن صحيحة من أول الوقت لأنهن غير مكلفات بالجمعة أصلا.
__________
(1) البخاري ج 1/كتاب الجماعة والإمامة باب 12/635.
(2) الرَذْغ والرَدْغة: الماء والطين والوحل الشديد.
(3) العَزْمة: الجمعة.
(4) البخاري ج 1/كتاب الجماعة والإمامة باب 13/637.
(5) البخاري ج 4/كتاب المغازي باب 8/3769.
(6) أبو داود ج 1/كتاب الصلاة باب 47/551.
(7) البخاري ج 1/كتاب الجماعة والإمامة باب 14/642.
(8) مسلم ج 1/كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب 17/69.
(9) البخاري ج 1/كتاب الجماعة والإمامة باب 12/636.
(10) البخاري ج 3/كتاب الجهاد باب 132/2834.
(1/427)

الباب الثامن: صلاة المسافر (القصر والجمع)
(1/428)

الفصل الأول: قصر الصلاة
(1/429)

- القصر هو صلاة الظهر والعصر والعشاء، ركعتين ركعتين.
(1/430)

دليله:
(1/431)

- قوله تعالى: {وإذا ضربتم (1) في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} (2) . سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (إن خفتم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) (3) ، أي أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف.
وروى يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة" (4) .
__________
(1) ضريتم في الأرض: أي سافرتم، براً أو بحراً.
(2) النساء: 101.
(3) مسلم ج 1/كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 1/4.
(4) البخاري ج 1 أبواب تقصير الصلاة باب 1/1031.
(1/432)

الحكمة من القصر:
(1/433)

- التخفيف على المسافر لما يلحقه من المشقة. أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله) (1) .
__________
(1) البخاري ج 3/كتاب الجهاد باب 134/2839، ونهمته: حاجته.
(1/434)

حكم القصر:
(1/435)

-1- مباح: إذا كان السفر مرحلتين إلى دون الثلاث. لما روي عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة. قال مالك: وذلك أربعة بُرد (1) .
لكن الإتمام أفضل خروجا من خلاف أبي حنيفة وغيره ممن لا يبيحون القصر إلا إذا كان السفر ثلاث مراحل فأكثر. كما يستحب الإتمام لمن يديم السفر بأهله في البحر.
-2- سنة مؤكدة:
أ- إذا كان السفر ثلاث مراحل فأكثر، من 121 كم فأكثر. لما روي عن عائشة رضي الله عنها "أنها اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت يا رسول الله بأبي أنت وأمي، قصرتَ وأتممتُ، وأفطرتَ وصمتُ، قال. قال: (أحسنت يا عائشة) ، وما عاب عليّ" (2) .
ب- إذا وجد في نفسه كراهة القصر يقصر ليرغم نفسه على الحكم الشرعي.
-3- واجب مع الجمع: في حالة تأخير الظهر لوقت العصر بنية الجمع، وتأخير الصلاة إلى أن يبقى من الوقت ـ وقت العصر ـ ما يسع أربع ركعات فقط.
__________
(1) الموطأ ج 1/كتاب قصر الصلاة في السفر باب 3/15، والبرد: جمع بريد، والبريد أربعة فراسخ وقدروا المسافة بالكيلو مترات بعد التدقيق فبلغت ثمانين كيلو متراً ونصف الكليو متر، ومائة وأربعين متراً.
(2) النسائي ج 3/ص 122.
(1/436)

شروط جواز القصر:
(1/437)

أولا- التلبس بالسفر بمفارقة موضع الإقامة، فلا يكفي جرد العزم عليه، لقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} فعلق القصر على الضرب. ولا فرق في ذلك بين أن يكون وقت الصلاة قد دخل بدء سفره أو بعده ولا بين أن يكون قد مضى بعد دخول الوقت زمن يتمكن فيه من فعلها قبل سفره.
ويكون الجواز من ابتداء السفر، ويبدأ السفر منذ الخروج من السور في بلد أو قرية مسورة، أو ما يقوم مقام السور من لوحات توضع على حدود المدينة أو البلدة، وسواء كان داخل السور بساتين ومزارع أم لم يكن، وسواء كان خارج السور دور ومقابر متصلة به أم لا أو من مجاوزة العمران وإن تخلله خراب، والخراب المهجور أو المزروع أو الدارس ـ بحيث لم يبق للعمران فيه أثر ـ لا يعتبر من العمران ولا يشترط تجاوز البساتين والمزارع وإن اتصلت بالبلدة أو القرية التي سافر منها.
وإذا كان سفره بحرا يبدأ السفر من بدء ركوب السفينة.
وابتداؤه لساكن الخيام بمجاوزة الخيام كلها مجتمعة، ومرافقها (1) إذا كانت الخيام حلة واحدة. فإن كانت متفرقة فبمجاوزة ما يقرب من خيمته.
وينتهي السفر:
-1- ببلوغه مبدأ سفره من سور وغيره
-2- ببلوغ سور موضع، أو ما يقوم السور، إن نوى قبله الإقامة في هذا الموضع مطلقا، أو نوى إقامة أربعة أيام صحيحة سوى يومي الدخول والخروج، لحديث العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا) (2) ، فقد رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهاجر في إقامة الثلاثة بين أظهر الكفار، وكانت الإقامة عندهم محرمة، فالترخيص يدل على أنه بالثلاث لا يصير مقيما.
أما إذا لم ينو قبل ذلك فينتهي سفره بإقامته، أو بنزوله وترك سيره.
-3- وإذا وصل إلى موضع يقصد فيه حاجة يرجو فيه حاجة يرجو قضاءها في كل يوم فلا يتيسر له فيتأخر إلى ما بعده رجاء قضاءها، وهو لا يعلم أن قضاءها يتأخر أربعة أيام فله القصر والجمع أيضا (3) - ثمانية عشر يوما صحاحا، ثم بعد ذلك يمتنع القصر على كل حال.
-4- وينتهي السفر كذلك بنية الرجوع إلى الوطن، إن نوى ذلك قبل أن يقطع مرحلتين في طريق سفره، فعندها يمتنع عليه القصر من حين نيته، فلو أراد السفر من دمشق إلى درعا مثلا يحق له أن يقصر من أول الطريق، فإذا خطر بباله أثناء الطريق، وقبل أن يقطع مرحلتين، أن يعود إلى دمشق، فيعتبر سفره منتهيا بدأ من هذه اللحظة، وعليه ألا يقصر في طريق العودة لأن المسافة ليست مسافة قصر. أما إن سار أكثر من مرحلتين ثم نوى الرجوع فبل الوصول، فله أن يقصر بالرجوع أيضا، ولا ينتهي سفره بنية الرجوع.
__________
(1) كالملاعب ومعاطن الإبل ونحوها.
(2) مسلم ج 2/كتاب الحج باب 81/442.
(3) كما يستبيح كل رخص السفر الأخرى خلال هذه المدة.
(1/438)

- ثانياً- أن يعزم في الابتداء على قطع مسافة القصر، فلا يقصر طالب غريم - صاحب دين - ذهب يفتش عن مدينه ولا يعلم أين هو، ولا طالب آبق لا يعرف موضعه، كالأب الذي خرج يفتش عن ابنه العاق العاصي، ولا الهائم الذي لا يدري أين يتوجه وليس له قصد في موضع، ولا الأسير يسافر به آسروه، وكذا كل من سافر دون أن يعلم مقصده، فإذا قطع كل من هؤلاء مرحلتين في طريق سفره جاز له القصر منذئذ.
(1/439)

- ثالثا- أن يكون السفر طويلا - مرحلتين فأكثر -، ولا تحسب منها مسافة طريق الرجوع، فلو يقصد محلا على بعد مرحلة واحدة، ناوياً ألا يقيم فيه بل يرجع، لم يقصر ذهابا ولا إيابا، وإن حصلت له مشقة مرحلتين متواليتين.
(1/440)

- رابعا- ألا يكون السفر لمعصية، فمن كان سفره واجبا كالمسافر لقاء دين، أو مندوبا كالمسافر لصلة رحم، أو مباحا كالمسافر لتجارة، جاز له القصر، ولا يضر إن دخل في سفره مكروه، كسفر الشخص وحده، أو سفر اثنين لا ثالث معهما (1) ، فهؤلاء يجوز لهم القصر. وكذلك يجوز القصر للعاصي في سفره، كمن سافر لسبب مما تقدم لكنه في سفره عصى الله، أن شرب خمرا أو زنى. أما العاصي بالسفر، وهو الذي أنشأ سفره لمعصية، كأن سافر لقطع طريق، والعاصي بالسفر في السفر، فكلاهما ليس له أن يقصر في السفر. فإن تاب العاصي في السفر اعتبر أول سفره من حين توبته، فإن كان الباقي من السفر طويلا قصر، وإلا فلا. وإن تاب العاصي بالسفر في السفر رخص له القصر مطلقا وإن كان الباقي من سفر قصيرا. وعلى العكس، من خرج بنية سفر مباح ثن نقله إلى معصية فلا يترخص من حين أن نوى المعصية.
__________
(1) دليل الكراهة ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب) رواه أبو داود ج 3/كتاب الجهاد باب 86/260.
(1/441)

- خامسا- أن يكون مؤديا للصلاة الرباعية، أو قاضيا لفائتة سفر رباعية، لا فائته الحضر. ويقصر فائته السفر إن قضاها في السفر، ولو كان غير السفر الذي فاتته فيه، لكن بشرط أن يكو السفر الثاني طويلا أيضا. أما إن قضاها في الحضر، أو في السفر، قصير فيتمها. وأما فائتة الحضر فعليه أن يتمها ولو قضاها في السفر.
وأما الفائتة المشكوك فيها: أهي فائتة حضر أم سفر فتقضى تامة للاحتياط، سواء قضاها في الحضر أو السفر.
(1/442)

شروط صحة القصر:
(1/443)

1- أن ينوي القصر مع الإحرام، بأن يقول مثلا: نويت أن أصلي فرض الظهر مقصورا، فلو نواه بعد الإحرام لم ينفعه.
فلو نوى الإتمام أو أطلق أتم، ولو شك هل نوى القصر أو الإتمام وجب عليه الإتمام ولو تذكر على قرب نية القصر، لأنه مضى جزء من صلاته على حكم الإتمام. وإذا لم ينو القصر ثم فسدت صلاته لم يجز له قصرها بعدئذ، لأن الصلاة استقرت في ذمته تامة.
(1/444)

2- ألا يقتدي بمتم، فلو اقتدى به ولو بجزء من صلاته، كأن أدركه في التشهد الأخير لزمه الإتمام.
وألا يقتدي بمن سفره مشكوك فيه، فإن فعل لزمه الإتمام وإن تبين أنه مسافر قاصر. ولو اقتدى بمن ظنه أنه مسافرا فتبينت إقامته، بأن أخبره شخص بذلك، لزمه الإتمام. ولو اقتدى بمسافر ولكن شك بنيته في القصر فنوى هو القصر جاز له أن يقصر إن تبين أن الإمام قاصر، أما إن تبين أنه متم، أو لم تتبين حاله لزمه الإتمام، ولو علق نية القصر على نية الإمام، كأن قال: إن قصر قصرت وإلا أتممت صح التعليق وجاز له القصر إن قصر الإمام، ولزمه الإتمام إن أتم.
(1/445)

3- العلم بجواز القصر.
(1/446)

4- أن يدوم سفره من أول الصلاة إلى آخرها، فلو وصل قبل أن يفرغ من الصلاة لزمه الإتمام ولو كان ناوياً القصر، ويتم دون تجديد النية، صورة ذلك أن يكون أحرم على سفينة في السفر ثم اتصلت السفينة بموضع الإقامة، أو نوى الإقامة لزمه الإتمام.
(1/447)

الفصل الثاني: جمع الصَّلاة
(1/448)

حكمه ودليله:
(1/449)

- يجوز للمسافر سفرا طويلا مباحا، مبيحا للقصر، الجمع بين العصرين أو العشائين تقديما أو تأخيرا. والدليل على ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء" (1) .
والجمع هو ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى في وقت إحداهما، سواء كانتا تامتين أو مقصورتين، أو كانت إحداهما تامة، والأخرى مقصورة. عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر آخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما" (2) .
ثم لهذا الحكم تفصيل:
-1- حالات الجواز وشروطه:
(1) أن يكون مسافرا سفراً طويلا مباحا.
(2) أن يكون الجمع بين الظهر والعصر. وبين المغرب والعشاء فقط، فلا يجوز جمع الصبح إلى غيرها، ولا المغرب إلى العصر. ومثل الظهر الجمعة في جمع التقديم فقط، بشرط أن تغني عن الظهر، وإلا لم يصح الجمع معها جمع تقديم. وأما التأخير في الجمعة فلا يصح لأن شرطها أن تكون في وقت الظهر.
ورغم جواز الجمع إلا أن تركه أفضل مراعاة للخلاف فيه (3) ، ولأن الجمع يؤدي إلى إخلاء أحد الوقتين من العبادة.
-2- حالات يفضل فيها القصور والجمع:
(1) حالة الحاج المسافر في مزدلفة وعرفة، لما روى عبد الرحمن بن يزيد قال: "خرجنا مع عبد الله رضي الله عنه إلى مكة، ثم قدمنا جمعا (4) فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة، والعشاء بينهما، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول طلع الفجر، وقائل يقول لم يطلع الفجر. ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن هاتين الصلاتين حوِّلتا عن وقتهما في هذا المكان، المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعا حتى يُعتموا. وصلاة الفجر هذه الساعة) (5) ".
(2) لمن وجد في نفسه كراهة الجمع، أو الشك في جوازه.
(3) لمن إذا جمع صلى جماعة، أو خلا عن حدثه الدائم أو كشف عورته.
-3- حالة وجوبهما معا: الأصل في القصر والجمع الجواز، كما تقدمنا، وقد يجبا لعارض، وذلك إذا آخر صلاة الظهر ليجمعها مع العصر، وقد ضاق وقت العصر على الإتيان بهما تامين، فيجب عليه حينئذ القصر والجمع.
__________
(1) البخاري ج 1/أبواب تقصر الصلاة باب 13/1056.
(2) مسلم ج 1/كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 5/47.
(3) إذ لا يوجد جمع عند الحنفية إلا بمزدلفة وعرفة لاحتياج الحجاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم.
(4) جمع: مزدلفة.
(5) البخاري ج 2/كتاب الحج باب 98/1599، وقوله: والعشاء بينهما دليل على عدم اشتراط الموالاة في جمع التأخير، وقوله: صلاة الفجر هذه الساعة: يعني بغلس، بعد طلوع الفجر بقليل.
(1/450)

شروط جمع التقديم:
(1/451)

1- نية الجمع في الصلاة الأولى، بأن يقول مثلا: نويت أن أصلي فرض الظهر مجموعا مع العصر جمع تقديم. ويفضل أن تقرن نية الجمع بالتحريم في الأولى، ولا يجزئ تقديمها على التحريم، ويجوز أن يأتي بها أثناء الصلاة، حتى عند السلام، أما بعده فلا يصح.
(1/452)

2- البداءة بالأولى: لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع هكذا، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ولأن الأولى هي المتبوعة والثانية تابعة لها فقدمت الأولى على الثانية لتحقق التبعية. فإذا بدأ بالثانية قبل الأولى لم يصح الجمع إن كان عالما عامدا، وعليه أن يعيد الثانية بعد الأولى فورا إن أراد الجمع، فإن لم يرد أخر الثانية إلى وقتها ولا جمع.
أما إن وصل الثانية قبل الأولى ناسيا أو جاهلا فتقع قضاء إن كان عليه فائتة من نوعها، وإن لم يكن وقعت نفلا مطلقا.
(1/453)

3- الموالاة بين الأولى والثانية: لأنهما كالصلاة الواحدة فلا يجوز أن يفرق بينهما كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة واحدة. فلو تذكر بعدهما ترك ركن من الأولى أعادهما وجوبا لبطلان الأولى بترك ركن منها مع تعذر تداركه بطول الفصل، وبطلان الثانية لفقدان الترتيب. أما إن تذكر ترك ركن من الثانية ولم يطل الفصل تداركه وصحت الصلاتان، وإن طال الفصل بطلت الثانية فقط وأعادها في وقتها الأصلي لامتناع الجمع بفقد التوالي بتخلل الباطلة، وأما إن لم يعلم هل كان الترك من الأولى أم من الثانية فعليه إعادتهما وجوبا بلا جمع تقديم، بأن يصلي كل واحدة منهما بوقتها، أو يجمعهما جمع تأخير، وسبب ذلك أنه كان من الأولى بطلت الاثنتان وإن كان من الثانية بطلت الثانية وطال الفصل بالثانية الباطلة.
وكذا لا تصح صلاة النفل ولو راتبة بينهما، بل تصلى بعدهما، ولو فعل بطل الجمع، ولا ترتيب في الصلاة النافلة فبأيهما شاء بدأ. وكذا لا تصح الجنازة بينهما.
وإن طال الفصل بينهما ولو بعذر ـ كالنوم مثلاـ وجب تأخير الثانية إلى وقتها. ولو شك بطول الفصل بينهما ضر ذلك. أما الفصل اليسير فلا يضر، مثل تجديد الوضوء أو التيمم للصلاة الثانية أو طلب يسير الماء، أو زمن إقامة للصلاة الثانية، والمقياس في كل ذلك أن يكون وقته أقل مما يسع ركعتين خفيفتين جدا.
(1/454)

4- دوام السفر إلى عقد الثانية، أي إلى الإحرام بها، فلو أقام أثناءها الجمع لأنه ليس شرطا لإتمامها، أما إذا أقام قبل عقدها، أي قبل الإحرام بها فلا جمع لزوال سببه وهو السفر، ويتعين تأخير الثانية إلى وقتها، وأما الأولى فصحيحة لأنها في وقتها غير تابعة.
(1/455)

5- صحة الأولى يقينا، ولو مع لزوم الإعادة، فيجمع فاقد الطهورين، والمتيمم ولو بمحل يغلب فيه وجود الماء، ولا تجمع المتحيرة جمع تقديم لانتفاء صحة الأولى يقينا أو ظنا إذ يحتمل أنها واقعة في الحيض، وكذا لا يجمع مع الجمعة إن كانت لا تغني عن الظهر.
(1/456)

شروط جمع التأخير:
(1/457)

1- نيته قبل خروج وقت الأولى، ولو لم يبق من الوقت إلا بقدر ما يسع ركعة، وذلك ليتميز عن التأخير تعديا. فلو أخر النية إلى وقت لا تسع فيه ركعة فقد عصى، وصارت الأولى قضاء.
(1/458)

2- دوام السفر إلى تمام الأولى ـ لا عقدها فقط ـ فلو أقام قبل ذلك صارت الأولى قضاء.
ويسن في جمع التأخير والترتيب والموالاة، أي البداءة بالأولى فالثانية بعدها بلا فاصل، ولا تجب الموالاة لحديث عبد الرحمن بن يزيد المتقدم.
(1/459)

جمع التقديم في المطر:
(1/460)

- يجوز جمع التقديم في المطر للجماعة تأتي من مكان بعيد، ويتأذى أفرادها كلهم وكذا في حالة البرد والثلج إن ذابا حال نزولهما وبلا الثوب، ومثل ذلك الشَفَّان، وهو ريح باردة فيها نداوة، فإذا بل الثوب جاز الجمع. وخرج بذلك الحل والريح والظلمة والمرض والخوف وغير ذلك من الأعذار المبيحة لترك الجماعة، فلا يجوز الجمع بسببها لأنها قد كانت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينقل أنه جمع لأجلها، ولحديث المواقيت فلا تجوز مخالفته إلا بنص صريح أما جمع التأخير في المطر فلا يجوز. والدليل على جواز جمع التقديم في المطر ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف ولا سفر (1) ". قال مالك رضي الله عنه "أرى ذلك في المطر". بمثله قال الشافعي رضي الله عنه.
وأجاز بعض الشافعية جمع التقديم والتأخير بالمرض، كأن كان يُحمّ في الأولى فيؤخرها إلى وقت الثانية، أو كان يحم في وقت الثانية فيقدمها مع الأولى. على أن المشهور ما ذكرنا أن المرض والوحل والبرد والريح والظلمة لا تبيح الجمع للأسباب التي ذكرنا. واستدل المجيزون بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر" (2) . قال النووي في المجموع: "ووجه الدلالة منه أن هذا الجمع إما أن يكون بالمرض، وإما بغيره مما في معناه أو دونه، ولأن حاجة المريض والخائف آكد من الممطور".
__________
(1) مسلم ج 1/كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 6/49.
(2) مسلم ج 1/كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 6/54.
(1/461)

الباب التاسع. صلاة الخوف.
(1/462)

الحكمة من تشريعها، دليل مشروعيتها، حالات جوازها
(1/463)

- الحكمة من تشريعها:
لما كانت الصلاة أعظم أركان الإسلام، ولا تسقط عن المكلف ما دام حياً، وكان من العسير أداؤها في حالات الحرب ونحوها بكيفيتها المعروفة، فقد شرعت صلاة الخوف رحمة بالناس، ومحافظة على الصلاة على كل حال، وعلى أدائها جماعة.
(1/464)

- دليل مشروعيتها:
قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ... } (1) . وقوله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} (2)
__________
(1) النساء: 102.
(2) البقرة: 239.
(1/465)

- حالات جوازها:
تجوز في كل قتال ليس بحرام، سواء كان واجباً كقتال الكفار والبغاة وقطاع الطرق إذا قاتلهم الإمام، وكذا الصائل (1) على حريم الإنسان، أو على نفسه، أو مباحاً كقتال من قصد مال الإنسان أو مال غيره، وما أشبه ذلك. فلا تجوز في القتال المحرم بالإجماع، كقتال أهل العدل، وقتال أهل الأموال لأخذ أموالهم، وقتال القبائل عصبية ونحو ذلك، لأن ذلك رخصة وتخفيف فلا يجوز أن تتعلق بالمعاصي، ولأن فيه إعانة على المعصية وهذا لا يجوز.
__________
(1) صال: سطا وتطاول.
(1/466)

صورها: جاءت صلاة الخوف على ستة عشر نوعاً نختار منها أربعاً:
(1/467)

1 - صلاته صلى الله عليه وسلم بعُسْفان (1) :
وصورتها أن يكون العدو في جهة القبلة، ولا ساتر بين المسلمين وبينه يمنع من رؤيتهم له، وفيهم كثرة بحيث تستطيع كل فرقة مقاومة العدو، فيصف الإمام المقاتلين صفين أو أكثر بحسب المصلحة، ويحرم بهم جميعاً، ويقرأ ويركع ويعتدل بالجميع، ثم إذا سجد سجد معه نصف القوم، وبقي النصف الآخر قائماً في الاعتدال يحرس من سجد مع الإمام، فإذا قام الإمام للركعة الثانية سجد المتخلفون للحراسة وحدهم السجدتين وقاموا لمتابعة الإمام. حينئذ يتم الإمام قيام الثانية وركوعها واعتدالها بالجمع، فإذا سجد الإمام فيها سجد معه من حرس في الأولى، وحرس في الثانية من سجد في الأولى، فإذا جلس الإمام للتشهد أتم الحراس ركعتهم الثانية وأدركوه في التشهد، وحينئذ ينتظرهم ليتموا التشهد حسب ظنه، ويسلم بالجميع. هذا إذا كانت الصلاة ثنائية، فإذا كانت أكثر جرى المصلون في بقية الصلاة على حسب ما سبق. لما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصفنا صفين، صف خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه، والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعاً، ثم ركع وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر، وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعاً، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحور العدو، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم، وسلمنا جميعاً) (2) .
__________
(1) عُسْفان: قرية بينها وبين مكة أربعة برد.
(2) مسلم ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 57/307.
(1/468)

2 - صلاته صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع:
وهي أول صلاة صلاها في الخوف. وصورتها:
أن يكون العدو في غير جهة القبلة، أو في جهتها وبين المسلمين وبينه حائل بحيث لا يستطيع المسلمون مشاهدتهم أثناء الصلاة فيفرقهم الإمام فرقتين إذا كانت كل فرقة تقدر على مقاومة العدو، فتقف فرقة تجاه العدو وتحرس المسلمين، ويقف الإمام مع الفرقة الثانية في محل لا تبلغهم سهام العدو، فيصلي بهم ركعة، فإذا قام الإمام للثانية، فارق المقتدون بالنية حكماً وفعلاً (1) ، وأتموا صلاتهم وسلموا وذهبوا إلى وجه العدو للحراسة، وجاءت الفرقة الحارسة في الأولى واقتدت مع الإمام المنتظر لها في الثانية وهو يقرأ ويطيل القراءة في انتظارهم، فإذا جلس الإمام للتشهد فارقه المقتدون بلا نية فعلاً لا حكماً (2) ، وأتموا صلاتهم، وأدركوه في التشهد الذي ينتظرهم فيه فتشهدوا، ثم يسلم بهم، وذلك لتحوز الثانية فضيلة التحلل معه بالسلام كما حازت الأولى فضيلة التحرم معه، ويحوز الجميع على فضيلة الجماعة لعظم فضلها وعدم سماح الصحابة بتركها.
هذا إذا كانت الصلاة ثنائية، فإذا كانت ثلاثية صلى بالأولى ركعتين وأتمت صلاتها وحدها، وصلى بالثانية ركعة، وأتمت صلاتها وتشهدت وسلمت معه. وإن كانت رباعية صلى بكل فرقة ركعتين كما سبق، وإذا فرقهم أربع فرق وصلى بكل فرقة ركعة صح.
روى صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف (أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم) (3) .
__________
(1) أما حكماً فلأنه لا يحمل سهوهم ولا يلحقهم سهوه، ولا يسجدون لتلاوته ولا غير ذلك مما يلتزمه المأموم، إلا سهو الإمام في الركعة الأولى فيلحق الطائفتين، فتسجد له الطائفة الأولى إذا تمت صلاتها. أما فعلاً فلأنهم يصلون الركعة الثانية منفردين مستقلين بفعلها.
(2) فيلزمهم سهوه ويتحمل عنهم سهوهم.
(3) مسلم/ ج 1 كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 75/310.
(1/469)

3 - صلاته ببطن نخل (1) :
وصورتها أن يكون العدو في غير القبلة، وأن يكون في المسلمين كثرة، والعدو قليل، والأخرى بها جميع الصلاة، ويسلم، سواء كانت ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً، فإذا سلم ذهبوا إلى وجه العدو وجاء الآخرون فصلى بهم تلك الصلاة مرة ثانية، فتكون له نافلة ولهم فريضة.
وعن جابر رضي الله عنه أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، (فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعتين، ثم صلى بالطائفة أخرى ركعتين، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وصلى بكل طائفة ركعتين (2) .
وحمل السلاح في صلاة بطن نخل، وصلاة ذات الرقاع، وصلاة عسفان، مأمور به في قوله تعالى: {وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم} وقد حمل الأمر هنا على الندب. والسلاح يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها من أسلحة الأمس واليوم، فأما الترس والدرع ونحوها فليس بسلاح.
وهذا الندب إلى حمل السلام مشروط بأمور:
(1) طهارة السلاح، فلا يجوز حمل سلاح ملطخ بالدم، ولا الذي سقي سماً نجساً، ولا النبل المريش بريش ما لا يؤكل لحمه أو بريش ميتة.
(2) ألا يكون مانعاً من بعض أركان الصلاة كالخوذة التي تمنع مباشرة الجبهة، إلا إذا أمكن رفعها حال السجود.
(3) ألا يتأذى به أحد، كرمح في وسط الناس.
(4) أن يكون في ترك الحمل خطراً محتمل، فإن كان الخطر مقطوعاً به أو مظنوناً وجب حمله قطعاً، وحرم تركه، فإن تركه فالصلاة صحيحة وهو آثم، كالمصلي في أرض مغصوبة.
وليس يتعين الحمل، بل لو وضع السيف بين يديه بحيث تمتد اليد إليه بسهولة كان ذلك في معنى الحمل وله حكمه.
__________
(1) بطن نخل: من أرض غطفان -موضع من ارض نجد- هي وذات الرقاع [لعله: "وهي ذات الرقاع"؟؟]
(2) مسلم/ ج 1 كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 57/312.
(1/470)

4 - صلاة شدة الخوف:
وهذا النوع جاء به القرآن الكريم في قوله تعالى: {فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً} (1) . وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال: (فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً، قياماً على أقدامهم، أو ركباناً، مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها) قال نافع: (لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .
متى ولمن ترخص: إذا اشتد الخوف من قتال العدو، أو إذا التحم القتال المباح، واشتد الاختلاط بين القومين، بحيث يلتصق بعضهم ببعض فلا يتمكنون من ترك القتال، ولا يقدرون على النزول إن كانوا ركباناً، ولا على الانحراف إن كانوا مشاة. وفي حالة الهرب هرباً مباحاً من طريق أو سيل أو سبع أو صائل أو لص ونحو ذلك. أو المدين المعسر العاجز عن بينة الإعسار ولا يصدق غريمه، ولو ظفر به لحبسه، فإذا هرب منه فله أن يصليها، وكذلك يصليها من طلب لا ليقتل بل ليحبس أو يؤخذ منه شيء، لأنه خائف من ظلم فأشبه خوف العدو، ولو كان عليه قصاص ويرجو العفو إذا سكن غضب المستحق فله أن يهرب ويصلي صلاة شدة الخوف هارباً، لأنه يستحب للمستحق العفو فكأنه مساعد له على التواصل إليه إذا سكن غضبه، وحيث جوزنا له صلاة شدة الخوف بهذه الأسباب غير القتال فلا إعادة عليه.
ولو انهزم المسلمون من كفار، فإن كانوا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة، أو كان بإزائهم أكثر من مثليهم، فالهزيمة جائزة، فلهم صلاة شدة الخوف وإلا فلا، بل تحرم. ولو انهزم الكفار فتبعهم المسلمون، وكانوا بحيث لو أكملوا الصلاة على الأرض إلى القبلة فاتهم العدو، لم تجز صلاة شدة الخوف لأنهم ليسوا خائفين بل يطلبون، وإنما جوزت هذه الصلاة للخائف، فإن خافوا كميناً أو كر العدو فلهم صلاة شدة الخوف لوجود سببه.
كيفيتها: يصلي كل من القوم كيف أمكنه بشرط ضيق الوقت، بحيث لا يبقى منه إلا ما يسع الصلاة، وذلك إذا كان يرجو الأمن قبل خروج الوقت. أما إن لم يرجه فيصلي كيف أمكنه ولو في أول الوقت. وإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما للضرورة. روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (فإذا كان خوف أكثر من ذلك - أراد المذكور في الحديث المتقدم - فصل راكباً أو قائماً تومئ إيماءً) (3) . ويجعل السجود أخفض من الركوع ليحصل التمييز بينهما.
ويجوز اقتداء بعضهم ببعض مع الاختلاف في الجهة، ومع التقدم على الإمام، ومع عدم المشاهدة، لأن المعتبر في الاقتداء العلم بصلاة الإمام لا مشاهدته. ويصلي سواء كان راكباً أو راجلاً، مستقبلاً القبلة أو غير مستقبلها.
ويعذر بالأفعال أثناء صلاته إن كانت هذه الأفعال متعلقة بالقتال، كالضربات الكثيرة، وكان محتاجاً إليها، وإلا بطلت صلاته، أما الصياح فمبطل لصلاته، ولو احتاج إليه، وكذلك الكلام الكثير. ويجب عليه إلقاء السلاح إن تنجس بدم مثلاً، إلا إذا خاف من إلقائه ضرراً فيجب حمله مع القضاء.
وإذا أمن وهو في الصلاة، أو زال خوفه، أتم صلاته كما في الأمن ولا قضاء عليه. فإن كان يصلي راكباً فأمن وجب النزول مستقبلاً القبلة في الحال ويبني على صلاته، فإن استمر راكباً أو استدبر القبلة وهو نازل بطلت صلاته.
ولو صلى متمكناً على الأرض إلى القبلة فحدث خوف في أثناء الصلاة فركب، فإن كان مضطراً إلى الركوب لم تبطل صلاته ويبني، وإن لم يضطر بل كان قادراً على القتال وإتمام الصلاة راجلاً فركب احتياطاً بطلت صلاته ولزمه الاستئناف.
__________
(1) البقرة: 239.
(2) البخاري ج 4/ كتاب التفسير /البقرة باب 46/ 4261.
(3) مسلم ج 1/كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 57/306.
(1/471)

الباب العاشر: الجنائز.
(1/472)

- معناها:
الجنائز بفتح الجيم جمع جنازة، وهي بالفتح والكسر اسم للميت في النعش.
(1/473)

ذكر الموت وعيادة المريض وخدمته:
(1/474)

- لئن كان الموت أعظم المصائب، فإن الغفلة عنه أعظم، من أجل هذا سنت كثرة ذكره.
روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) (1) ، يعني الموت. كما يجب الاستعداد له بالتوبة لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بل الثرى ثم قال: (يا إخواني لمثل هذا فأعدوا) (2) ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) (3) .
والمريض بالاستعداد أولى.
ومن السنة عيادة المريض السليم، حتى الأرمد، لحديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: (عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجع كان بعيني) (4) . وحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، وإتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس) (5) .
كما تسن عيادة الجار المريض ولو كان كافراً.
ويسن تخفيف الزيارة، ويدعو له بالعافية إن طمع في حياته. ومن الأدعية المأثورة ما روت عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بعضهم، يمسحه بيمينه: (أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً) (6) .
فإن رأى حياته غير مرجوة رغبه بتوبة ووصية، ويستحب لأهل المريض ومن يخدمه الرفق به، واحتماله والصبر على ما يشق من أمره، وكذلك من قرب موته بسبب حد أو قصاص، ويستحب للأجنبي أن يوصيهم بذلك، لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه: (أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إنها زنت وهي حبلى، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم ولياً لها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحسن إليها، فإذا وضعت فجئ بها ... ) (7) .
ويستحب طلب الموت في بلد شريف، لما روي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه قال: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك) (8) .
ويستحب ألا يكره المريض على الدواء وغيره من الطعام.
ويستحب طلب الدعاء من المريض، لحديث عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك، فإن دعاءه كدعاء الملائكة) (9) .
ويستحب وعظ المريض بعد عافيته، وتذكيره الوفاء بما عاهد الله تعالى من التوبة وغيرها من ضروب الخير. وينبغي له هو المحافظة على ذلك، قال تعالى: {وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولا} (10) .
__________
(1) ابن ماجه ج 2/ كتاب الزهد باب 31/4258، وهاذم: قاطع، سمي كذلك لأنه يقطع لذات الدنيا قطعاً.
(2) ابن ماجه ج 2/ كتاب الزهد باب 19/4195، وشفير القبر حرفه.
(3) البخاري ج 5/ كتاب الرقاق باب 3/6053.
(4) أبو داود ج 3/ كتاب الجنائز باب 9/3102.
(5) البخاري ج 1/ كتاب الجنائز باب 2/1183.
(6) البخاري ج 5/ كتاب الطب باب 39/5418.
(7) أبو داود ج 4/ كتاب الحدود باب 25/4440.
(8) البخاري ج 2/ كتاب فضائل المدينة باب 11/1791.
(9) ابن ماجه ج 1/ كتاب الجنائز باب 1/1441.
(10) الإسراء: 34.
(1/475)

ما يسن للمريض:
(1/476)

- أن يحسن ظنه بالله تعالى بالمغفرة، وبقرب التوبة، لحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث: (لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله (1) . وتكره له الشكوى إلا لطبيب أو قريب أو صديق إن سألوه عن حاله أخبرهم بالشدة التي هو فيها لا على حالة الجزع. كما يكره له تمني الموت بلا خوف فتنة في الدين، عن أنس ابن مالك رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) (2)
ويسن له التداوي، لما روي أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء) (3) .
كما ينبغي له أن يحرص على تحسين خلقه، وأن يجتنب المخاصمة والمنازعة في أمور الدنيا، وأن يستحضر في ذهنه أن هذا آخر أوقاته في دار الأعمال فيختمها بخير، وأن يستحل زوجته وأولاده وسائر أهله، وغلمانه، وجيرانه، وأصدقائه، وكل من كانت بينه وبينه معاملة أو مصالحة أو تعلق، ويرضيهم، وأن يتعاهد نفسه بقراءة القرآن والذكر وحكايات الصالحين وأحوالهم عند الموت. وأن يحافظ على الصلوات وغيرها من وظائف الدين، وأن يوصي أهله بالصبر عليه، وبترك النوح عليه وكثرة البكاء، وما جرت عليه العادة من البدع فغي الجنائز، وبتعاهده بالدعاء له، لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أن حفصة بكت على عمر رضي الله عنه، فقال: مهلاً يا بنية، ألم تعلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) (4) .
__________
(1) أبو داود ج 3/ كتاب الجنائز باب 17/3113.
(2) البخاري ج 5/ كتاب المرضى باب 19/5347.
(3) البخاري ج 5/ كتاب الطب باب 1/5354.
(4) مسلم ج 2 /كتاب الجنائز باب 9 /16.
(1/477)

ما يسن عند الاحتضار:
(1/478)

- يسن إذا حضره الموت أن يضطجع على شقه الأيمن، ووجه إلى القبلة، فإن تعذر فعلى شقه الأيسر، ووجهه للقبلة، وإلا فعلى قفاه، ووجهه وأخمصاه إلى القبلة، ويرفع رأسه بشيء حتى يتوجه إلى القبلة، لما روي عن أبي قتادة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور رضي الله عنه، فقالوا: توفي، وأوصى بثلثه لك يا رسول الله، وأوصى أو يوجه إلى القبلة لما احتضر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده) ، ثم ذهب فصلى عليه وقال: (اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك، وقد فعلت) (1) .
ويسن أن يجلس أمامه أرفق محارمه به ليلقنه كلمات التوحيد، والأفضل أن يكون غير وارث كيلا يتهمه بالطمع في الإرث، فيخرج من تلقينه، فإن لم يحضره إلا الورثة لَقَّنَهُ أشفقهم عليه، يلقنه لا إله إلا الله، وذلك بأن يقولها أمامه ليذكره بها، لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقنوا موتاكم (2) لا إله إلا الله) (3) فإن نطقها المحتضر فلا يعيدها الجالس أمامه إلا إن نطق بها ثم تكلم فيعيدها له ليعود إلى قولها فتكون آخر كلامه من الدنيا، لما روى معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (4) ، ولا يلح عليه، ولا يقال له: قل لا إله إلا الله، لئلا يضجر فيقول كلاماً قبيحاً فيأثم.
__________
(1) البيهقي ج 3/ ص 384.
(2) موتاكم: أي من قرب موتهم، وهو من باب تسمية الشيء بما يصير إليه، ومنه قوله تعالى: {إني أراني أعصر خمراً} يوسف: 36.
(3) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 1/1.
(4) أبو داود ج 3/ كتاب الجنائز باب 20/3116.
(1/479)

ما يسن بعد الوفاة:
(1/480)

- فإذا مات تولى أرفقهم به إغماض عينيه لئلا يقبح منظره، ولأن البصر يتبع الروح فينظر أين تذهب، لما روت أم سلمة رضي الله عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه ثم قال: (إن الروح إذا قبض تبعه البصر ... ) (1) .
ويشد لحييه بعصابة عريضة، ثم يشد العصابة على رأسه حتى لا ينفتح فمه فيقبح منظره، وتدخل إليه الهوام، ويلين مفاصله بالتحريك، وبدهن إن احتيج إليه لأن ذلك يسهل غسله، ولئلا تبقى أعضاؤه جافية فلا يمكن تكفينه.
وينزع عنه ثيابه ويستره بثوب خفيف، ويجعله على سرير أو لوح حتى لا تصيبه نداوة الأرض فتغيره، ويضع على بطنه شيئاً ثقيلاً حتى لا ينتفخ، لما روى البيهقي، قال: (مات مولى لأنس بن مالك عند مغيب الشمس، فقال أنس رضي الله عنه، ضعوا على بطنه حديدة) (2) .
ثم يستقبل به القبلة، ويدعى له، ويبادر إلى تبرئة ذمته، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) (3) .
ويستحب إعلام أهله وأصدقائه بموته، للصلاة عليه، ولا يكون ذلك من النعي المكروه، كما يستحب لأقربائه وجيرانه أن يصلحوا طعاماً لأهله، لما روى عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: (لما جاء نعي جعفر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لأهل جعفر طعاماً فإنه قد جاءهم ما يشغلهم) (4) . ثم يبادر إلى تجهيزه، ثم إلى إنفاذ وصيته، لما روى علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً) (5) .
فإن مات فجأة وجب تركه حتى يتعين موته بظهور أمارات الموت فيه، من ميل أنف، وانخفاض صدغ، واسترخاء قدم. ولا عبرة برأي الطبيب إن لم تظهر هذه العلامات.
__________
(1) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 4/7.
(2) البيهقي ج 3/ص 385.
(3) الترمذي ج 3/ كتاب الجنائز باب 76/1078.
(4) الترمذي ج 3/ كتاب الجنائز باب 21/998.
(5) الترمذي ج 3/ كتاب الجنائز باب 73/1075، والأيم: من لا زوج لها بكراً أو ثيباً.
(1/481)

حق الميت على المكلفين:
(1/482)

- يجب على الناس في موتاهم، وجوباً كفائياً، تجهيز الموتى، بحسب أقسام الموتى السبعة الآتية:
- 1 - مسلم غير شهيد: يجب غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه، وإن كان سقطاً (1) ، إذا علمت حياته بالاستهلال (2) ، أو الاختلاج، أو التنفس، أو التحرك. فإن مات محرماً كان تكفينه غير كامل، فلا يغطى رأس المحرم، ولا يستر وجه المحرمة، لأن الإحرام لا يبطل بالموت، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما من قوله صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي سقط عن راحلته فوقصته: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تمسوه طيباً، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً) (3) .
- 2 - مسلم شهيد (4) :
يجب تكفينه ودفنه، والأولى تكفينه بثيابه الملطخة بالدم، فإن لم تكفه وجب إتمامها بما يستر جميع بدنه، ويجوز التكفين بغيرها. أما الثياب التي لا تلبس عادة إلا للحرب مثل الدرع والخف فيندب نزعها عنه كسائر الموتى، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم) (5) .
ويحرم غسله لإبقاء أثر الشهادة، وهو الدم، لما ورد أن رائحته يوم القيامة تكون كرائحة المسك، روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ... والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون الدم وريحه مسك) (6) .
لكن إن أصابه نجس آخر وجبت إزالته ولو أدى ذلك إلى إزالة دم الشهادة.
كما تحرم الصلاة عليه، ولا تصحـ أما خبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج وصلى على قتلى أحد صلاته على الميت ففي تفسيره قولان: أحدهما: أنه من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، والثاني: أن المراد بصلاته صلى الله عليه وسلم أنه دعا لهم كدعائه للميت، وقد تقدم أن الصلاة في اللغة الدعاء. يعضد هذا التفسير ما ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قتلى أحد: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بدفنهم في دمائهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا) (7) .
- 3 - سقط مسلم بعد التخلق، دون أن تظهر فيه بعد وضعه علائم الحياة: يجب غسله، وتكفينه، ودفنه، بلا صلاة عليه.
- 4 - سقط مسلم قبل التخلق: لا يجب فيه شيء، بل تحرم الصلاة عليه، ويسن ستره بخرقة ودفنه، ويجوز طرحه لقطة ونحوها.
- 5 - ذمي: يجب تكفينه ودفنه، وتحرم الصلاة عليه.
- 6 - الكافر: يجوز غسله ودفنه، وإتباع جنازته على الإطلاق، ولكن لا تجوز الصلاة عليه، ولا الدعاء له بالمغفرة، بل هما حرامان مطلقاً (8) بنص القرآن والإجماع.
ولو اختلط مسلم وكافر صلى عليهما، ويقول في دعائه: اللهم اغفر للمسلم منهما، أو يقول على كل واحد منهما: اللهم اغفر له إن كان مسلماً.
- 7 - الحربي والمرتد: يجوز لكل منهما الغسل فقط. ولا حرمة لهما، بل يجوز إغراء الكلاب بجيفتهما، أما إن تضرر الناس بروائحهما فيجب دفنهما.
وتكون أجرة التجهيز؛ كثمن الماء، وأجرة الغسل، وثمن الكفن، وما إلى ذلك، من تركة الميت، تخرج منها قبل وفاء الدين، وإخراج الوصايا، والإرث، ولكن بعد الرهن والزكاة المتعلقة بعين النصاب. أما الزوجة غير الناشزة، وخادمها، فتلزم مؤنة تجهيز كل منهما على الزوج الموسر ولو كانت غنية، ولو بما يرثه منها، وإلا فمن تركتها. فإن لم تكن للميت تركة فمؤنة تجهيزه على من تلزمه نفقته، ثم من موقوف على تجهيز الموتى، ثم من بيت المال، ثم على أغنياء المسلمين.
__________
(1) السقط: هو الجنين النازل قبل تمام أشهره.
(2) الاستهلال: رفع الصوت.
(3) البخاري ج 2/ كتاب الإحصار وجزاء الصيد باب 31/1752.
(4) والشهيد هو من مات في المعركة مع الكفار والمشركين لإعلاء كلمة الله، سواء قتله كافر، أو مسلم خطأ، أو عاد سلاحه إليه، أو سقط عن دابته، أو نحو ذلك. أما لو مات في قتال البغاة، أو مات في المعركة لا بسببها بل بمرض فليس بشهيد.
(5) ابن ماجه ج 1/ كتاب الجنائز باب 28/1515.
(6) مسلم ج 3/ كتاب الإمارة باب 28/103.
(7) ابن ماجه ج 1/ كتاب الجنائز باب 28/1514.
(8) ولو كان الكافر صغيراً غير مميز.
(1/483)

تغسيل الميت:
(1/484)

- أقل الغسل تعميم بدن الميت بالماء، مرة واحدة.
وأكمله: أن يغسل في خلوة لا يدخلها إلا الغاسل، ومن يعينه - إن احتاج -؛ ولولي الميت - وهو أقرب الورثة - أن يدخل وإن لم يغسل، وإن لم يعن. وأن يلبس الميت قميصاً رقيقاً لا يمنع وصول الماء، لما روت عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دون أيديهم) (1) . ولما روى البيهقي (أن علياً رضي الله عنه غسل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى النبي صلى الله عليه وسلم قميص وبيد علي رضي الله عنه خرقة يتبع بها تحت القميص) (2) . ولأن ذلك أستر له، فإن أمكن الغاسل أن يدخل يده في كمه الواسع اكتفى بذلك، وإن لم يمكن شقه من الجانبين، فإن لم يكن القميص واسعاً يمكن تقليبه فيه نزع عنه وطرح عليه مئزر يغطي ما بين سرته وركبتيه.
ويجعل على مرتفع كلوح، ويغسل بماء مالح بارد، لأن الماء العذب يسرع إليه البلاء، ولأن البارد يشد البدن، إلا لحاجة كبرد ووسخ، فيسخنه قليلاً. وأن يجلسه على المرتفع برفق، مائلاً قليلاً إلى ورائه، ويضع يمينه على كافه وإبهامه في نقرة قفاه لئلا يميل رأسه، ويسند ظهره بركبته اليمنى، ويمر يده اليسرى على بطنه بتحامل يسير، مع التكرار ليخرج ما في بطنه من فضلات. ثم يضجعه على قفاه، ويغسل سوأتيه بخرقة ملفوفة على يساره، ثم يلقيها، ويلف خرقة أخرى على يده بعد غسلها بماء وصابون، وينظف بها أسنانه ومنخريه، ثم يوضئه كالحي مع النية، ثم يغسل رأسه فلحييه بنحو سدر (3) أو صابون، ويسرح شعرهما - إن كان لهما شعر وتلبد - بمشط واسع الأسنان، برفق، ويرد شعرهما ندباً في الكفن أو القبر. ثم يبدأ بميامنه، لحديث أم عطية رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسل ابنته: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) (4) فيغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم يحرفه إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي قفاه، ثم يحرفه إلى شقه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك، مستعيناً في ذلك بنحو سدر، ثم يزيله بماء من فرق رأسه إلى قدمه. ثم يعممه كذلك بماء قراح (5) ، فيه قليل من الكافور، حتى لا يتغير الماء.
وهذه الغسلات كلها تعتبر غسلة واحدة، لأن العبرة في العدد للغسل بالماء القراح، ويسن الغسل ثانية وثالثة أو أكثر إن احتيج، على أن يوتر، لحديث أم عطية رضي الله عنها في رواية أخرى قالت: (دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته، فقال: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك، بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً) (6) .
ويندب ألا ينظر الغاسل من غير عورته إلا قدر الحاجة، كما يندب ألا يمسه، أما عورته فيحرم النظر إليها ومسها، فيلف على يده خرقة، أو يلبس قفازاً، ثم يغسل له فرجه وسائر بدنه، لحديث علي رضي الله عنه المتقدم. ويندب أن يغطي وجهه بخرقة تزال بعد الغسل.
وإذا كان الميت محرماً فلا يقرب منه الطيب، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم في المحرم الذي خر من بعيره ( ... ولا تمسوه طيباً) ومحل ذلك إذا توفي قبل التحلل الأول، أما إذا توفي بعد التحلل الأول فهو كغيره في طلب الطيب. ويستحب أن يبخر عند الميت من حين يموت حتى نهاية غسله، لأنه ربما ظهر منه شيء فيغلبه رائحة البخور.
ومن تعذر غسله لفقد الماء أو غيره، كما لو احترق بحيث لو غسل لهَرِئ يُمَّم.
__________
(1) أبو داود ج 3/ كتاب الجنائز باب 32/3141.
(2) البيهقي ج 3/ص 388.
(3) السدر: نبات كان يستعمل في التنظيف بدل الصابون في عصرنا.
(4) البخاري ج 1/ كتاب الجنائز باب 1197.
(5) خالص صاف.
(6) البخاري ج 1/ كتاب الجنائز باب 8/1195.
(1/485)

- ما يتعلق بالغاسل:
الأولى أن يغسل الرجال الرجل، وأن يغسل النساء امرأة. ويجوز للرجل غسل زوجته غير الرجعية (1) ، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول: وارأساه، فقال: (بل أنا يا عائشة وارأساه) . ثم قال: (ما ضرك لو مت قبلي، فقمت عليك فغسلتك وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك) (2) .
ويجوز للزوجة غير الرجعية غسل زوجها.
ولو مات مسلم وكان هناك رجل كافر وامرأة مسلمة، غسله الكافر، وصلت عليه المرأة المسلمة، وإن لم يحضر إلا أجنبي في الميتة، أو أجنبية في الميت، ييمهها الأجنبي أو تيممه الأجنبية من وراء حائل. بخلاف ما لو كان على بدن أحدهما نجاسة فالأوجه أن يزيلها الأجنبي أو الأجنبية لأن إزالة النجاسة لابد منها بخلاف الغسل.
وأولى الناس بغسل الرجل أولاهم بالصلاة عليه، وهم رجال العصبة من النسب (3) ، ثم الولاء (4) ، ثم الإمام أو نائبه، ثم ذوو الأرحام، وإن اتحدوا بالدرجة قدم للغسل الأفقه وقدم للصلاة الأسن.
وأولى الناس بغسل المرأة قريباتها، وأولاهن ذات المحرمية، وبعد القريبات ذات الولاء، فالأجنبية، فالزوج، فالرجال المحارم، وإلا يممت من قبل الأجنبي.
والصغير الذي لم يبلغ حد الشهوة يغسله الرجال والنساء، ومثله الخنثى الكبيرة عند فقد المحرم.
ويسن أن يكون الغاسل أميناً، لأنه إن رأى خيراً كاستنارة وجه، وطيب رائحة، سن ذكره، أو ضده، كسواد، وتغير رائحة، وانقلاب صورة، حرم ذكره، إلا لمصلحة. لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم (5) . وروى أبو رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من غسل ميتاً فكتم عليه غفر له أربعين مرة (6) . وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة (7) .
__________
(1) الزوجة الرجعية: هي المطلقة الطلقة الأولى أو الثانية خلال فترة عدتها.
(2) ابن ماجه ج 1/ كتاب الجنائز باب 9/1465.
(3) العصبات هم الأب ثم الجد ثم الابن ثم ابن الابن ثم الأخ ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم.
(4) من أعتقهم من العبيد.
(5) الترمذي ج 3/ كتاب الجنائز باب 34/1019.
(6) البيهقي ج 3/ ص 395.
(7) مسلم ج 4/ كتاب البر والصلة والآداب باب 21/72.
(1/486)

تكفين الميت:
(1/487)

- أقل الكفن ثوب يستر بدن الميت ويعمه، وهذا هو حق الميت المشوب بحق الله. أما حق الله فقط فثوب يستر العورة.
ويسن أن يكون كفن الرجل ثلاثة أثواب، إزار ولفافتين، ولا يكره أن يضاف عليها قميص وعمامة، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (لما توفي عبد الله بن أبي، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاه قميصه، وأمره أن يكفنه فيه، ثم قام يصلي عليه) (1) . فإن كان في الكفن قميص وعمامة جعل ذلك تحت الأثواب، لأن إظهاره زينة وليس الحال حال زينة، ولكن الأفضل والأكمل الاقتصار على الثلاثة فقط، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (2) ، ليس فيها قميص ولا عمامة) (3) .
أما المرأة فيسن لكفنها خمسة: إزار، ثم قميص، ثم خمار، ثم لفافتان، لما روت ليلى بنت قانف الثقفية رضي الله عنها قالت: (كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاتها، فكان أول ما أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر. قالت: ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس عند الباب معه كفنها يناولناها ثوباً ثوباً) (4) .
وتصبح اللفائف الثلاثة واجبة إن كان ثمن الكفن من مال الميت، ولم يكن محجوراً عليه بإفلاس، وليس عليه دين مستغرق، ولو كان في الورثة من هو محجور عليه بإفلاس، ولو لم تسمح الورثة إلا بثوب. إلا إذا كان الميت أوصى أن تكون واحدة، فعندئذ يسقط الثوبان الثاني والثالث تنفيذاً للوصية.
ويجب ثوب واحد يستر البدن، إلا رأس المحرم ووجه المحرمة، إذا كان ثمن الكفن من مال من عليه نفقته، أو من بيت المال، أو من الموقوف على تجهيز الموتى، أو من أغنياء المسلمين.
وإذا كان الميت محجوراً عليه بالإفلاس فالكفن الواجب عندئذ هو الذي يسمح به الغرماء بشرط ألا يقل عن ثوب يستر جميع البدن، أما إذا لم يسمحوا إلا بثوب واحد يستر العورة فقط فلا يجابون، وإن أنفقوا مع الورثة على جعل الكفن ثلاث لفائف جاز ذلك.
ويستحب تحسين الكفن لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كفن أحدكم أخاه فليُحَسِّن كفنه) (5) . والمراد بتحسينه بياضه، لما روى أبو المهلب سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البسوا من ثيابكم البياض فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم) (6) . فيكره أن يكون في الكفن شيء غير البياض، نحو عصفر فوق رأسه، أو أسفل قدميه. والمراد بتحسينه كذلك: نظافته وسوغه وكثافته، لا كونه ثميناً، لما روى علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تَغَالوا في الكفن فإنه يسلبه سلباً سريعاً) (7) .
ويستحب تبخير الكفن، إلا في حق المحرم والمحرمة، وصفة ذلك أن يجعل الكفن على عود وغيره ثم يبخر كما تبخر ثياب الحي، حتى تعبق بها رائحة الطيب.
ويجوز تكفين كل إنسان فيما يجوز لبسه له في الحياة، فيحرم تكفين الرجل بالحرير، ويجوز تكفين المرأة به وإن كره، لأن فيه سرفاً، ويشبه إضاعة المال، بخلاف اللبس في الحياة فإنه تجمل للزوج. والأفضل أن تكون أثواب التكفين قطنية.
ويسن أن يكون الكفن غسيلاً لا جديداً، لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "نظر أبو بكر رضي الله عنه إلى ثوب كان يمرض فيه، به ردع من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين، فكفنوني فيها، قلت: إن هذا خَلَق، قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمُهلة" (8) . ولأنه للصديد.
كما يسن أن تبسط أحسن اللفائف وأوسعها أولاً، ويذر عليها حنوط، ثم الثانية ثم الثالثة التي تلي الميت، ويذر على كل منهما حنوط وكافور، ثم يحمل الميت إلى الأكفان مستوراً، ويترك على الكفن مستلقياً على ظهره، ويؤخذ قطن فيجعل فيه الحنوط والكافور، ويجعل بعضه بين ألييه، ويشد عليه بخرقة كما يشد التُّبّان (9) ، وبعضه على منافذ البدن كالفم والمنخرين والعينين والأذنين، وعلى خُرَاج (10) نافذ إن كان، ليخفي ما يظهر من رائحته، ودفعاً للهوام عن هذه المنافذ، ويجعل بعضه كذلك على مواضع السجود، لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "الكافور يوضع على مواضع السجود" (11) ، ولأن هذه المواضع شرفت بالسجود فخصت بالطيب. ثم يلف عليه الثوب الذي يليه، فيضم منه شقه الأيسر على شقه الأيمن، ثم الأيمن على الأيسر، ثم يلف الثاني كذلك، ثم الثالث كذلك ثم تربط الأكفان - ما لم يكن محرماً - ثم تحل في القبر.
ويكره اتخاذ الكفن إلا من حل، أو من أثر صالح، وللوارث إبداله، فلا يجب عليه تكفينه فيه لأنه ينتقل إليه بالموت.
وتحرم كتابة شيء من القرآن على الكفن صيانة له عن صديد الموتى، وكذلك كل اسم معظم.
__________
(1) البخاري ج 4/ كتاب التفسير/ التوبة باب 161/4395
(2) سحولية: نسبة إلى مدينة في ناحية اليمن.
(3) البخاري: ج 1/ كتاب الجنائز باب 24/1214
(4) أبو داود: ج 3/ كتاب الجنائز باب 36/3157. والحقا: الإزار. والدرع: القميص. والملحفة: الملاءة التي تتغطى بها المرأة.
(5) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 15/49.
(6) النسائي: ج 4/ ص 34.
(7) أبو داود: ج 3/ كتاب الجنائز باب 35/3154
(8) البخاري: ج 1/ كتاب الجنائز باب 92/1321، وردع من زعفران: لطخ لم يعمه كله. والمهلة: دم الميت وصديده.
(9) التُّبّان: سراويل قصيرة صغيرة بلا تكة.
(10) الخراج: نضم الخاء وتخفيف الراء، وهو القرحة في الجسد.
(11) البيهقي: ج 3 / ص 405.
(1/488)

الصلاة على الميت:
(1/489)

- حكمها:
تجب الصلاة على الميت وجوباً كفائياً، كما قدمنا. ولو لم يوجد إلا بعض الميت، من رأس أو رجل، صلي عليه. ولا يسقط فرضها بصلاة النساء، ما وجد ذكراً ولو صبياً - إن كان مميزاً - فإن لم يصل أمرنه بالصلاة. أما في حال عدم وجود ذكران ولو صبية فيسقط الفرض بصلاة النساء فرادى، فإن صلين جماعة فلا بأس سواء كان الميت رجلاً أو امرأة.
(1/490)

- شروط صحتها:
تقديم غسل الميت أو تيممه - عند العجز عن الغسل - على الصلاة، ويصح تأخير تكفينه عنها مع الكراهة.
ويشترط فيها إضافة لما ذكر، ما يشترط في كل صلاة، من طهارة، وستر عورة، واستقبال القبلة.
(1/491)

- أركانها:
- 1 - النية، ويجب فيها ما يجب في نية سائر الفرائض؛ القصد والتعيين ونية الفرض، بأن يقصد معنى قوله: أصلي فرض كفاية صلاة الجنازة على هذا الميت، أو على من صلى عليه الإمام، ولا يجب تعيين الميت الحاضر. وتصح الصلاة ولو اختلفت نية الإمام عن نية المأموم، فلو نوى الإمام الصلاة على ميت حاضر أو غائب، ونوى المأموم على غيره صحت الصلاة.
- 2 - القيام للقادر.
- 3 - أربع تكبيرات بما فيها تكبيرة الإحرام، لما روي عن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أصحمة النجاشي فكبر أربعاً) (1) ، وروى حميد قال: (صلى بنا أنس رضي الله عنه فكبر ثلاثاً ثم سلم، فقيل له، فاستقبل القبلة ثم كبر الرابعة ثم سلم) (2) .
- 4 - قراءة الفاتحة، أو بدلها عند العجز عنها، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) (3) .
- 5 - الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية، لأنها صلاة، فوجب فيها الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كسائر الصلوات، ولا تجزئ بعد غير الثانية للإتباع، وأقلها: اللهم صل على محمد.
- 6 - تخصيص الميت بالدعاء، ولا يكفي الدعاء للمؤمنين والمؤمنات، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) (4) .
ويتعين كون الدعاء بعد التكبيرة الثالثة (5) ، وأقله ما يقع عليه اسم الدعاء.
ويكفي في الطفل الدعاء لوالديه، لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: ( ... والسقط يصلى عليه، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة) (6) .
- 7 - التسليمة الأولى، بحسب كيفيتها في سائر الصلوات. لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ثلاث خلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن، تركهن الناس: إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة ... ) (7) .
__________
(1) البخاري ج 1/ كتاب الجنائز باب 63/1269.
(2) البخاري ج 1/ كتاب الجنائز باب 63.
(3) البخاري ج 1/ كتاب صفة الصلاة باب 13/723، من رواية عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
(4) أبو داود ج 3/كتاب الجنائز باب 60/3199.
(5) والسبب في عدم تعيين محل الفاتحة، وتعيين محل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء للميت، كون القصد من الصلاة على الميت الشفاعة، وهي حاصلة بالدعاء له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لقبول الدعاء، من أجل ذلك تعين نمحل كل منهما، أما الفاتحة فلم يتعين محلها إشعاراً بأن القراءة دخيلة على الصلاة.
(6) أبو داود ج 3/ كتاب الجنائز باب 49/3180، قال أبو داود: وأحسب أن أهل زياد - أحد رجال السند - أخبروني أنه أي المغيرة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
(7) البيهقي ج 4/ص 43.
(1/492)

- سننها:
- 1 - أن تكون الصلاة في المسجد، لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد) (1) .
- 2 - أن تصلى جماعة، وبثلاثة صفوف فأكثر، لما روي مالك بن هبيرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب) (2) . وكلما كثر الجمع كان أفضل. لحديث ابن هبيرة رضي الله عنه المتقدم، ولحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة، كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه) (3) .
- 3 - أن يقف الإمام عند رأس الميت إن كان رجلاً، وعند عجيزته إن كان امرأة، وأن تكون معظم الجنازة عن يمين الإمام، لما روي عن غالب قال: (صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حيال رأسه، ثم جاؤوا بجنازة امرأة من قريش، فقالوا يا أبا حمزة (4) صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال له العلاء بن زياد: هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام على الجنازة مقامك منها، ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فلما فرغ قال: احفظوا (5) .
- 4 - رفع اليدين عند كل تكبيرة، حذو المنكبين، ثم يجمعهما عقب ذلك ويجعلهما تحت صدره، واضعاً اليمنى على اليسرى، كما في سائر الصلوات.
- 5 - إيقاع قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى.
- 6 - أن تكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بصيغة الإبراهيمية.
- 7 - أن يدعو، قبل دعائه للميت، بما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فقال: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده) (6) .
ويسن أن يكون الدعاء بما جاء في الأحاديث الشريفة، ومنها حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم - وصلى على جنازة - يقول: (اللهم اغفر له وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، وثقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله، وزجاً خيراً من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار) (7) .
وأكمله ما التقطه الشافعي رضي الله عنه من مجموع الأحاديث الواردة، ورتبه، واستحبه، وهو: (اللهم هذا عبدك وابن عبدك، خرج من روح الدنيا وسعتها، ومحبوبه وأحباؤه فيها، إلى ظلمة القبر، وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به منا، اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك، شفعاء له، اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه، ولَقِّهِ برحمتك رضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره، وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك الأمن من عذابك، حتى تبعثه إلى جنتك يا أرحم الراحمين) (8) .
ويسن في جنازة الطفل أن يدعو الدعاء الوارد عنه صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، والذي تقدم: (اللهم اغفر لحينا وميتنا ... ) . ثم يدعو لوالديه بالدعاء التالي: (اللهم اجعله فرطاً (9) لأبويه، وسلفاً (10) وذخراً، وعظة واعتباراً، وشفيعاً، وثقل به موازينهما (11) ، وأفرغ الصبر على قلوبهما، ولا تفتنهما بعده، ولا تحرمهما أجره (12) ، وذلك إن كان الوالدان حيين مسلمين.
- 8 - الدعاء بعد التكبيرة الرابعة، بقوله: (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله) (13) .
- 9 - التسليمة الثانية.
__________
(1) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 34/99.
(2) أبو داود ج 3/ كتاب الجنائز باب 43/3166، وأوجب: وجبت له الجنة.
(3) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 18/58.
(4) هذه كنية أنس رضي الله عنه.
(5) الترمذي ج 3/ كتاب الجنائز باب 45/1034.
(6) أبو داود ج 3/ كتاب الجنائز باب 60/3201.
(7) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 26/86.
(8) المجموع ج 5/ص 196.
(9) فرطاً: أي أجراً يتقدمهما، أو سابقاً مهيئاً لمصالحهما في الآخرة.
(10) سلفاً: ثمناً للأجر والثواب الذي يجازى على الصبر عليه.
(11) وثقل به موازينهما: أي بثواب الصبر على فقده، أو الرضا به.
(12) المجموع ج 5/ص 196.
(13) المجموع ج 5/ص 197.
(1/493)


- بناء على ما تقدم تكون الكيفية الفضلى للصلاة كالتالي:
- 1 - يقرن النية مع تكبيرة الإحرام.
- 2 - يقرأ الفاتحة سراً (21) بعد التكبيرة الأولى والتعوذ، دون دعاء الافتتاح، ويؤمن بعدها ندباً (22) .
- 3 - ثم يكبر الثانية ويصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم.
- 4 - ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت بعدها.
- 5 - ثم يكبر الرابعة ويدعو.
- 6 - يسلم بعد التكبيرة الرابعة.
تنبيهان خاصان بالمأموم:
الأول: إذا تخلف المأموم عن الإمام بتكبيرة إلى أن شرع في الثانية، بدون عذر، بطلت صلاته، لأن كل تكبيرة تقوم مقام ركعة. والتقدم كالتخلف.
الثاني: إذا أدرك المقتدي الإمام بعد غير التكبيرة الأولى مشى على ترتيب صلاة نفسه، ثم بعد سلام الإمام يأتي بما بقي عليه من التكبيرات وأذكارها.
__________
(21) وكذلك الدعاء وكل ما فيها، ولو كانت الصلاة ليلاً، إلا التكبيرات فيجهر بها.
(22) ولا تسن قراءة سورة بعد الفاتحة، لأن هذه الصلاة مبنية على التخفيف للإسراع بالجنازة.
(1/494)

- أولى الناس بالصلاة على الميت:
أولى الناس بالصلاة على الميت عصباته، ثم الولاء، ثم الإمام أو نائبه، ثم ذوو الأرحام لأن القصد من الصلاة الدعاء للميت، ودعاء هؤلاء على الترتيب الذي ذكرنا أرجى للإجابة.
(1/495)

- تعقيبات:
- 1 - تصح الصلاة على الغائب، لما صح أنه صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي بالمدينة يوم موته بالحبشة، عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أخاً لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه) يعني النجاشي (1) .
- 2 - تصح الصلاة على المدفون ممن كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم الموت، وحال بينه وبين الصلاة عليه حائل. لما روي عن ابن نمير قال: (انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه، وصفوا خلفه، وكبر أربعاً) (2) .
- 3 - تجوز الصلاة على الميت أكثر من مرة، كأن يصلي عليه وهو في المسجد، ويصلي عليه بعد الدفن، وكذا يجوز للنساء أن يصلين على الميت قبل صلاة الرجال عليه في المسجد لما روي عن عائشة رضي الله عنها (أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه، ففعلوا، فوقف به على حجرهن يصلين عليه) (3) .
__________
(1) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 22/67.
(2) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 23/68.
(3) مسلم ج 2/ كتاب الجنائز باب 34/ 100.
(1/496)

حمل الجنازة:
(1/497)

- هو فرض كفاية، وليس فيه دناءة، ولا سقوط مروءة، بل هو بر وطاعة وإكرام للميت، فعله الصحابة والصالحون. ويحمل الجنازة الرجال دون النساء، لما رُوي عن أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وضعت الجنازة، واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعه صعق (1) .
والأفضل أن يحمل الجنازة خمسة، ويحرم حملها على هيئة مزرية، كحمله في قفة وغراره، كما يحرم حملها على هيئة يخاف منها سقوطه، ويسن الإسراع بها لما روى أبو هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها، وإن يك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم" (2) .
__________
(1) البخاري ج 1/ كتاب الجنائز باب 49/1251.
(2) البخاري ج ا/ كتاب الجنائز باب 50 /1252.
(1/498)

اتباع الجنازة:
(1/499)

- يستحب اتباع الجنازة، وعدم الانصراف حتى يدفن، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى
تدفن فله قيراطان، قيل وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين" (1) .
ويسن المشي أمامها قريباً منها، على أنه يجوز له المشي حيث شاء قريباً منها، لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه المتقدم بعضه وفيه: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها، وعن يمينها، وعن يسارها، قريباً منها" (2) . وروى سالم عن أبيه رضي الله عنهما قال "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة" (3) ولأنه شفيع الميت، والشفيع يتقدم المشفوع.
ويكره اللغط فيها، واتباعها بنائحة أو نار، لما روي عن عمرو بن العاص رضى الله عنه أنه قال وهو في سياقة الموت (4) : " ... فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار ... " (5) .
كما يكره اتباع النساء للجنازة، لما روت أم عطية رضى الله عنها قالت: "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا " (6) .
ويكره الركوب في الذهاب معها إلا لعذر، فإن ركب في الانصراف لم يكن به بأس، لما روى جابر بن سمرة رضى الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم اتبع جنازة أبي الدحداح رضي الله عنه ماشياً ورجع على فرس" (7) .
ولا يكره للمسلم اتباع جنازة قريبه الكافر، لما روى عن علي رضي الله عنه قال: "قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: "اذهب فوار أباك " (8) . ويستحب لمن مرت به جنازة أن يقول: سبحان الله الذي لا يموت، أو سبحان الملك القدوس، وأن يدعو لها ويثني عليها إن كانت أهلا لذلك.
__________
(1) مسلم ج 2/كتاب الجنائز باب 17/52.
(2) أبو داود ج 3/كتاب الجنائز باب 49/ 3180.
(3) الترمذي ج 3/كتاب الجنائز باب 26/1007.
(4) أي حال حضور الموت.
(5) مسلم ج ا/كتاب الإيمان باب 54/192.
(6) البخاري ج ا/كتاب الجنائز باب 29/ 1219، ولم يعزم علينا: أي ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات.
(7) الترمذي ج 3/كتاب الجنائز باب 29/ 1014.
(8) أبو داود ج 3/ كتاب الجنائز باب 70/3214.
(1/500)