Advertisement

شرح الرحبية للحازمي


الكتاب: شرح الرحبية
المؤلف: أبو عبد الله، أحمد بن عمر بن مساعد الحازمي
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي

[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 23 درسا]
ـ[شرح الرحبية]ـ
المؤلف: أحمد بن عمر الحازمي
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشيخ الحازمي

[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 23 درسا]
(/)

عناصر الدرس
* نبذة عن المصنف ونظمه.
* شروحات النظم.
* شرح المقدمة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.

نشرعُ الليلة في متنٍ يتعلقُ بعلمٍ هو من أجلِّ العلومِ وأشرفها، قد وردت بعضُ الأحاديث منها الصحيح ومنها الضعيف في بيان فضلِهِ، من ذلك ما قد اشتهر عند الفرضيين قولِهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تعلَّموا الفرائض وعلِّموه فإنه نصف العلمِ وهو ينْسى، وهو أوّلُ علمٍ يُنتزعُ من أمَّتي». هذا الحديث رواه ابن ماجه أولاً وابن المبارك والحاكم في المستدرك، ورواه عن أبي هريرة البيهقي في سننِهِ وقال: انفرد به حفص بن عمر وليس بالقوي. هذا ضعيف وبعضهم يقويه يجعله من قبيل الحسن وخاصةً أن الله عز وجل قد تولى قسم المواريث بنفسه في ثلاثِ آيات من سورة النساء وهي قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] الآية. وقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12] الاية. وقوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} [النساء: 176]. هذه الآيات الثلاث جمعت كُلَّ الفرائض، جمعت أصول هذا الفن إن كان بقي شيءٌ من الحساب كما سيأتي بيانه إلا أنه هذا الأصل فيها.
ومما اشتهر عند أهلِ العِلْم في الابتداء بهذا الفنّ ((الرحبية)) المسمى بـ ((الرحبية)) نسبةً إلى مؤلِّفِها وإن كان اسمها ((بُغية الباحث)) بِغية أو بُغية يجوز فيه الوجهان وهي لمحمد بن علي بن محمد بن حسن الرحبيّ لذلك قيل ((الرحبية)) واشتهرت بهذا الاسم، أبو عبد الله المعروف بابن المتفننة، عالمٌ بالفرائض شافعي من أهل رحبة مالك بن طوق مولدًا ووفاةً، وهو صاحب هذه الأُرجُوزة المسماة بُغية الباحث المشهورة بـ ((الرحبية)) نسبةً إلى مؤلفها، كالآجرومية مثلاً وهذه الألفية لابن مالك ونحو ذلك.
وُلِدَ سنة سبعٍ وتسعين وأربعمائة، وتوفي سنة سبعٍ وسبعين وخمسمائة كما نص عليه أكثير من واحدٍ ممن ترجم له.
قلنا هذه ((الرحبية)) تسمى ((بُغية الباحث)) يقالُ: بَغيتُهُ أبْغِيهِ بُغاءً وبُغًا وبُغيةَ بضم الثلاث الأوائل، وبِغية بالكسرِ طلبته، إذًا البُغية والبِغية المرادُ بها الطِلبَة طِلبةُ الباحث، يعني: ما يطلُبه الباحث، باحث عن أيِّ شيء؟ عن عِلمِ المواريث عِلمِ الفرائض يبحثُ عنه فيجد ماذا؟ بغيتَهُ في هذا الكتاب المسمى بـ ((الرحبية))، وبِغية بالكسر طَلَبْتَهُ والبغية كرَضِيّة ما ابتُغيَ، فالبُغيةِ بالكسر والضمِّ وبَحَثَ عنه كَمَنَعَ بَحَثَ فَعَلَ كمنع لأن باحث اسم فاعل، اسمُ فاعل من أي شيء كضَرَبَ على وزنِ فَعَلَ بَحَثَ مَنَعَ، إذًا مثلُهُ فيكون اسم الفاعل على زنةِ فاعِل باحِث، واسْتَبْحَثَ وابْتَحَثْتُ وتَبَحّثْتُ بمعنى فَتَّشَ، إذًا هذه بُغيةٌ لمن فتش علن عِلمِ المواريث، وهذه أرجوزة منسوبةً إلى الرّجَزْ هو بحرٌ من بحورِ الشعر وزنُهُ: مُستَفعلُنْ ستُّ مرات يعني:
مُسْتَفْعِلُن مُسْتَفْعِلُن مُسْتَفْعِلُن، هذا الشطر الأول
مُسْتَفْعِلُن مُسْتَفْعِلُن مُسْتَفْعِلُن، هذا الشطر الثاني
(1/1)

وليس كل رجز يكون على هذا، لا، قد يكون مُتَعِلُنْ مثلاً، لكن الأصل فيه مستفعِلُن، واختار المصنف هنا النظم على النثر لأنه أسهل في الحفظ كما مرَّ معنا مرِارًا أن المتون العلمية التأصيلية تكون على ضربين:
- منها ما هو نظم.
- ومنها ما هو نثر.
ومن حيثُ الإحكام في الألفاظ النثرُ أجود، من حيث ضبط الألفاظ وضبط الحدود النثر أجود، ولكنَّ النثر هنا بالتجربة عن أهل العلم سابقاً ولاحقاً لا يكادُ يبقى في الذهن يعني حفظه صعب من حيث الإقدام ومن حيثُ استمرار الحفظ في الذهن، حينئذٍ صعُبَ أولاً ابتداء وانتهاءً، فلما كان الأمر كذلك عدل أهل العلم عموماً في جميع الفنون إلى النظم عدلوا إلى النظم خاصةً هذا الذي يسمى حمار الشعراء.
والنظم هو كلامٌ موزون مقفَّى مقصودٌ فإن لم يكن مقصودًا حينئذٍ لا يسمى نظماً، ولو جاء كلامٌ على وزن مستفعلن مستفعلن مستفعلن، ولا يقال: مشطور الرجز، لا بُدَّ أن يكون مقصودًا «إنما الأعمال بالنيات». فإن لم يكن كذلك فحينئذٍ لا يُسمى نظمًا، وبعض الحمقى حاول أن يأتي ببعض الآيات على بعض الأوزان {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] فجاء بها على بعض الأوزان، إما البحر الطويل أو البسيط فقال قد جاء في القرآن مؤيد لما سبق. قلنا: الموافقة هنا لا تدل على أنه شعر أو على أنه نظم لأنه لا بد، فرقٌ عند العرب بين الشعر وبين النثر، ولذلك هذا أمرٌ أطبق عليه العقلاء الأوائل الذين نزل في شأنهم الشعر فضلاً عن يأتي متأخر ثم يذكر أن في القرآن ما هو وزنٍ من أوزان البحور الست عشر المشهورة.
عدد أبيات ((الرحبية)) مائةٌ وخمسةٌ وسبعون بيتًا، وقيل ستٌّ وسبعون كما سيأتي في موضعه.
مِن أشهر مَن شرح ((الرحبية)) ولا نستوفي كل ما كتب في الفرائض لأن منها ما منثور ومنها ما هو منظوم كما ذكرنا، والنظم أسهل ولذلك اشتهر هذا النظم لسهولته، وهو أسهل من ((البرهانية)) وإن كان ... ((البرهانية)) أجمع يعني أكثر مسائل، وكثرة المسائل قد لا ترجح أن يكون النظم هو المعتمد وإنما لا بد من شيئين:
أولاً: سهولة النظم لأن المراد ما هو؟ لو أردنا الصعوبة نبحث أو نحفظ من المنثور لا المنظوم، هذا إذا أردنا الصعوبة، وإذا أردنا السهولة حينئذٍ لا بد أن ننظر في طبيعة النظم من حيثُ التراكيب ومن حيث المعنى المفهوم من إطلاق اللفظ نفسه.
((الرحبية)) إذا قورنت بـ ((البرهانية)) حينئذٍ هي أوضح، وإن كانت تلك أوسع من حيث المسائل، ثمَّ مرجِحْ أو مرجِّحْ آخر أن يكون ((الرحبية)) هو محل البحث شهرتها وإذا اشتهر النظم واشتهر المتن حينئذٍ كثرت الحواشي والشروحات والمختصرات على ذلك المتن، حينئذٍ إذا وُجِدَ متن أكثر مسائل من متنٍ إلا أن الشروح والحواشي والخدمة ليست متوفرة قليلة صار ماذا؟ صار ذاك الذي هو أقل مسائل مرجحًا على ما كثرت مسائله من هذه الجهة، وهذا مهم جداً أن يراعي الطالب الحفظ
أولاً: ما اشتهر عند العلماء.
وثانياً: ما كُتِبَ عليه.
(1/2)

والرحبية لا شك أنه أكثر خدمة من غيره، ويكفيه أنه قد كتب عليه الشِّنْشَوري ((الفوائد الشِّنْشُوريّة)) هكذا ضبطه صاحب التحقيق هناك في شرح المنظومة ((الرحبية)) للعلامة الْفَرَضِيّ عبد الله بن محمد الشِّنْشَوْرِيّ كسر الشين الأولى وفتح الثانية هكذا ضبطه الباجوري أو الْبَيْجُورِي في حاشيته على هذا الكتاب وهو أوسع حاشيةً على الشِّنْشَوريّ.
خطيب الجامع الأزهر توفي سنة تسعٍ وتسعين بعد المائة التاسعة هذا أسهل شرحٍ يعتمد وهو الذي سيكون فيه الاختبار إن شاء الله تعالى الشِّنْشَوريّ، إن أمكن إحضاره هو أولى، وعليه حاشية لإبراهيم البيجوري تسمى ... ((التحفة الخيرية على الفوائد الشِّنْشُورية)) الشِّنْشَوْرِيّة الشِّنْشُورِيَّة، وشرح ((الرحبية)) كذلك محمد بن محمد سبط المارديني توفي سنة سبع بعد المائة التاسعة، كذلك عليه حاشية لا بأس بها لمحمد بن عمر البقري الشافعي، والنووي كذلك له شرحٌ مخطوط النووي صاحب ((شرح مسلم))، و ((المجموع)) له شرح على هذه المنظومة، وكذلك شرحٌ للشيخ ابن باز رحمه الله تعالى مفرغٌ من الأشرطة، وكذلك الحاشية النفيسة على هذا النظم لابن قاسم رحمه الله تعالى، ابن قاسم رحمه الله تعالى يمتاز بجودة التحشية على المتون، له حاشية على ((السفّارينية)) جيدة، وله حاشية على كتاب ((التوحيد)) من أنفس ما كتب كما ذكرناه البارحة، وله حاشية جيدة ممتازة جدًّا [في] على الرحبية نفسها، فمن لم يجد للشِّنْشَوْرِيّ فليرجع إلى حاشية ابن قاسم، كذلك سبط المارديني لا بأس به لكن حاشية بن قاسم أجودُ منه.
إذاً عرفنا الآن الأصل في الدراسة سيكون على متن ((الرحبية)) وسبب الاختيار وتقديمه على ((البرهانية)) وإن كانت ((البرهانية)) أكثر مسائل من ((الرحبية)) فلا يشكل على الطالب كما ذكرنا بالأمس، ما اشتهر هو الذي يُعتمد، وما لم يشتهر حينئذٍ لو كان فيه نوع فائدة زيادةً على المشهور حينئذٍ نرجع إلى الأصل، وما دار عند العلماء من تدريسه والتحشية عليه هو الأولى بالاعتماد، ثم إذا أراد التوسعة حينئذٍ يرجع إلى المطوّلات، [فيأخذ] الشِّنْشَوْرِي له ((الفتح القريب)) شرح كتاب ((الترتيب)) متوسع جداً فقه مقارن في الفرائض.
(1/3)

كذلك الألفية في المذهب الحنبلي بل هي فقه مقارن كذلك فيرجع إليها، أما البداية يعتمد ((الرحبية)) ونكتفي بما يذكره هنا الشِّنْشَوْرِي، ولا نذكر خلافًا كما ذكرناه بالأمس لصعوبة الفن، الفن فيه نوع صعوبة، وكون المتن شافعيًّا صاحبه شافعيّ لا يقدح في التفقه على المذهب الحنبلي، لأننا معاشر الحنابلة نسير على ما خطَّه أولئك الأئمة في هذه البلاد في كونه الذي يُدرّسْ تفقهًا ليس تعصبًا تفقهًا أن نسير على المذهب الحنبلي، هذا الأولى في كل بلدٍ اشتهر فيه مذهبٌ فالأرجح لذلك الطالب أن يدرس ما اشتهر عنده في تلك البلاد، فمن اشتهر عندهم الشافعي حينئذٍ يدرس الفقه الشافعي وكل ما يتعلق بالشافعي، ومن اشتهر عندهم المذهب الحنفي كذلك، والمذهب المالكي كذلك هذا أولى للاعتماد، ولذلك الشوكاني لما كتب رسالته في أدب الطلب ونحو ذلك قال: أذكُرُ ما اشتهر في بلدنا اليمن صنعاء. وكلِّ طالب علمٍ يتجه إلى ما اشتهر عنده، وإنما تذكر تلك الكتب والمصنفات بناءً على أنها مما يُقْرَأُ ولا يلزم أنه إذا قرئ كتاب عندنا هنا أن يقرأ هناك، ولا العكس، حينئذٍ كونه شافعيًّا مع كوننا حنابلة هاه تفقهًا لا تعصبًا لا بأس بهذا # .. 12.10، نقول: نحن الحنابلة تفقهًا لا تعصبًا، كيف العمل؟
نقول: أولاً فقه المواريث في الجملة أكثر مسائله الأصول مجمعٌ عليها، والفوارق بين المذاهب الأربعة إنما هو شيء يسير، ولذلك يمكن أن يستدرك على ما ذكره الناظم هنا من كونه على المذهب الشافعي نقول: مذهب الحنابلة كذا ونكتفي بهذا، فما كان مرجحًا عند الحنابلة نبدأ به مما لم يذكره المصنف، ولذلك لم يذكر باب الرَّدْ، ولم يذكر توريث [الأرحام] ذوي الأرحام لأنه ليس عندهم توريث لذوي الأرحام، لكن نحن سنزيده، وكذلك باب الرَّد سنذكره إن شاء الله تعالى لأنه هو المرجح، إذًا كونه شافعيًّا نقول: لا يقدح فيما اتجهنا إليه من تدريس المذهب الحنبلي.
نبدأ مما ذكره المصنف وهو ابتداءه بالبسملة، فقال رحمه الله تعالى: ... (بسم الله الرحمن الرحيم). وذكرنا مرارًا وتكرارًا أن الابتداء بالبسملة أكثر ما يُستدل له بأنه اقتداء بالكتاب العزيز.
ثانيًا: عملاً بالسنة القولية فيما اشتهر من حديث فهو ضعيف «كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر». أي: ناقص البركة، أو أقطع، أو أجذم. وهذه الروايات كلها ضعيفة، وأجمع أهل العلم المصنفين كما نص على ذلك ابن حجر أنهم إذا أرادوا أن يستفتحوا الكتب والرسائل والمصنفات إنما تُبْدَأ بالبسملة، ومفردات البسملة قد شرحناها مرارًا وتكرارًا فنكتفي بما ذكر.
أول ما نستفْتِحُ المقالا ... بِذِكْرِ حَمْدِ ربِّنا تعالا

(أول ما نستفْتِحُ المقالا) الألف هذه تسمى ألف الإطلاق، إطلاق الصوت، (بِذِكْرِ حَمْدِ ربِّنا تعالا) تكتب بالألف لمطابقة المقالا، وإن كان الأصل أنها تعالى تكتب بياء هذا الأصل لكن هنا من أجل موافقة نهاية الشطر الأول تكتب كذلك.
أوّلُ: هنا بمعنى الأسبق، يأتي أول كذا بمعنى أسبق، يعني الذي يسبق في الذكرِ هو ذكرُ الله تعالى هذا لا ينافي في كما نص بعضهم على أنه لم يفتتح بالبسملة لأنه إذا قال:
(1/4)

أول ما نستفْتِحُ المقالا ... بِذِكْرِ حَمْدِ ربِّنا تعالا

فالحمد لله) إذًا ابتدأ بماذا؟ بالحمدلة، إذًا هذا قد يشير أو قد يُفهم أنه لم يذكر البسملة نقول: لا الابتداء نوعان:
- ابتداء نسبيّ إضافي.
- ابتداء حقيقة.
والابتداء بالبسملة ابتداء حقيقي، والابتداء بالحمدلة ابتداء نسبي إضافي يعني بالنسبة إلى ما بعده فلا تعارض.
أوّلُ برفع أول على ابتداء، مرفوع على الابتداء ونحن سنجري على الطريقة المعهودة لا بد من فك العبارة، تسهيل والاختصار يكون في طرح المسائل أما حلُّ النظم هذا فرض عين لا بد منه، ما يحتاج إلى إعراب أعربناه، وما احتاج إلى لغة بينّاه وما احتاج إلى تصريف ذكرناه، وما لا يحتاج نسير معه.
أوّلُ: يرفع أول على الابتداء مبتدأُه قوله: (بِذِكْرِ) خبر بذكر هذا خبر بناءً على أن الباء زائدة أو للتصوير، إذًا أول مبتدأ، أين خبره؟ (بِذِكْرِ)، والباء هذه إما أنها زائدة ولا إشكال فيها [إما أنها زائدة وإما أنها للتصوير والمعنى أولُ استفتاحنا القول ذكرُ حمدِ ربنا] أولُ استفتاحنا القول ذكر جاء الخبر هذا المراد، أولُ ذكر، استفتاحنا على أن ما هذه مصدرية، والقول هذا مفعولٌ به، ذكرُ حمدِ ربنا أو مصوّرٌ هذا الخبر، مصوّرٌ بذكر حمدِ ربنا ويصح قراءته محفوظ بالرفع أوَّلَ بالنصب والعامل حينئذٍ يكون محذوفًا ننطقُ أول استفتاحنا، فيكون ظرفًا منصوبًا على الظرفية، ويصح قراءته أول بالنصب على أنه ظرف لمحذوف يتعلق به قوله: بذكر، والتقدير ننطق (أول) استفتاحنا (بِذِكْرِ) .. إلى آخر البيت.
(أول ما)، (ما) هذه اسم موصول بمعنى الذي، أول الذي نستفتح، والأولى أن تكون (ما) هنا مصدرية، أوّل استفتاح وإذا كانت مصدرية حينئذٍ تؤول مع ما بعدها بمصدرٍ هذا هو الظاهر إنها مصدرية، (أول ما نستفْتِحُ) نستفتح السين هنا والتاء زائدتان المراد نفتتح، أي نبتدأ، وإما أن يقال نستفتح، ولم يقل نبتدأ مباشرة، قالوا من باب التفاؤل، لأنه قال نستفتح فيه الفتح، إذًا سيأتيك الفتح في الفهم ففيه تفاؤل فيه نوع تفاؤل.
أول ما نستفْتِحُ المقالا ... بِذِكْرِ حَمْدِ ربِّنا .....

هل بدأ الناظم هنا بالحمد أو هو إخبار بأنه سيبدأ بالحمد؟
الثاني: إذًا هل ثناءٌ أو لا؟ هذا محتمل، يحتمل أنه ثناء، ويحتمل أنه ليس بثناء، هل الإخبار عن تقديم الحمد على غيره الإخبار مجرد الإخبار بكون رتبه التقديم هل هو ثناءٌ أم لا؟ إذا اعتبرناه ثناء حينئذٍ حصل الحمدُ بالأول البيت الأول، وإن لم نعتبره كذلك فحينئذٍ حصل الثناء بالثاني، والظاهر أن هذا إخبار من المصنف بأنه يذكر الحمدَ بعد، ثم حقق ما وعد به بقوله: (فالحمد لله). ويحتمل أن المصنف قد قصد بذلك إنشاء حمدٍ لأنه اعترافٌ بأن الحمد رتبته التقديم وهذا يتضمن الثناء، إذاً استفتح بالبيت الأول حمدًا وأكَّدَ ذلك تصريحًا لا تلويحًا بالبيت الثاني بقوله: (فالحمد لله).
(1/5)

(ما نستفتح) قلنا: استفتاحنا، (أول ما نستفتح) أول استفتاحنا، فما مصدرية لا موصول اسمي بل موصول حرفي، وقال: (نستفتح). ولم يقل استفتح هنا بالنون، لماذا؟ للدلالة على العظمة لأن النون هذه في الأصل إما للمعظِّم نفسه وإما لمن معه غيره نأكل نشرب إما لوحدك وأنت تأكل تقول: نأكل، نشرب. وإما أنك تعظِّم تأكل أكل الثلاث والأربع حينئذٍ صار فيه نوع تعظيم، نكتب ونحو ذلك فيه نوع تعظيم، وإنما أتى بالنون الدالة على العظمة لإظهار تعظيم الله له حيث أهله بالحمد تحدثًا بالنعمة على وجهٍ لأن الأصل في الحمد أنه ذكر لله عز وجل والأصل في الذاكر أن يذكر ربه وحد أو معه غيره؟ الأول فلا يحتاج إلى النون، لأن النون تدل على الجمعية، هذا لأصل فيها، واعتبار التعظيم هذا فرع فهو مجاز حينئذٍ لا عدول للمجاز مع إمكان الحقيقة، لكن هنا لا يمكن القول بالحقيقة لأنه شخصٌ واحدٌ وهو الذي نظم حينئذٍ يتعين أن يكون المراد به شخصٌ واحدٌ، إذاً لماذا أتى بالنون وهي لمن معه غيره نقول: من باب التعظيم.
(نستفتح) قلنا: السين والتاء زائدتان للتأكيد والمبالغة، لا للطلب كما في قوله: {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة:89] {يَسْتَفْتِحُونَ} السين هنا زائدة والتاء كذلك زائدة ليس فيه طلب، أي يطلبون الفتح، أي النصر عليهم.
(أول ما نستفتح) أي: نبتدئ، أي: بدءًا إضافيًّا كما ذكرناه سابقًا، فلا تنافي حينئذٍ بينه وبين الابتداء بالبسملة، وقد أنكر بعضهم أن يكون الناظم هنا بدأ بالبسملة والصواب ما ذكرناه أنه لا تنافي قوله: (أول ما نستفتح). يعني: نبتدئُ، يعني: ابتداءً إضافيًّا نسبيًّا، وأما الابتداءً بالبسملة فهو ابتداءٌ حقيقي وعرفنا فيما سبق الفرق بينهما.
(أول ما نستفتح المقالا)، (المقالا) إش إعرابه؟ مفعولٌ به لنستفتح، نستفتح نحن الفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره نحنُ.
(1/6)

و (المقالا) هذا مصدر ميمي مقالا بألفي الإطلاق، يعني: طلاق الصوت، عتابا .. إلى آخره. أي القول، والمراد به القول لأنه مصدرٌ ميمي مقال مَفْعَلْ مَقْوَلْ هذا الأصل، أي: القول وهو اللفظُ الموضوعِ لمعنٍ خلافًا لمن أطلقه على المهمل هذا قولٌ، والصواب ما ذكرناه سابقًا أن القول خاص بالموضوع، وأما اللفظ فيعم الموضوع والمهمل، ويطلق على الرأي والاعتقاد مجازًا، والقولُ والمقالُ والمقالةُ مصادرُ لقالَ يقولُ، وأصلُ قَالَ قَوَلَ تحركت الواو وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفٌ، ويقالُ لما فشى من القول قالةً وقالاً وقيلاً، ويقال: أقْوَلتَنِي ما لم أقُلْ، وقوّلتني نسبته إليَّ، ورجلٌ مِقْوَلٌ ومقوالٌ وقوّالٌ كثيرُ القولِ ثرثار يعني، (أول ما نستفتحُ المقالا ** بذكرِ) عرفنا بذكر أنه خبر بناءً على أنّ الباء زائدة أو للتصوير حينئذٍ التقدير أول استفتاحنا القولَ ذِكْرُ أسقِطَ الباء، وإذا جعلناها للتصوير يكون الخبر هكذا أول استفتاحنا القولَ مصورٌ بذكر تأتي بكلمة مصوّر، مصوّر هي الخبر وليست بذكرِ إذا جعلنا الباء هنا للتصوير، بذكرِ هذا مضاف وحمدِ مضاف إليه، وحمدِ مضاف وربِّنا مضاف إليه، إذاً ثلاث كلمات متوالية بالإضافة وليس هذا بقادحٍ كما هو مرجَّح عند البيانيين، تتابُعِ الإضافة ليس بقادحٍ في بلاغةِ الكلام، وقد تأتي أربع أو خمس أو أكثر وهي كلُّها مضافة بعضها مضاف إلى بعض، وبعضهم جعل الأفصح أنه ثمَّ مضاف ومضاف إليه فحسب، وأما المضاف إليه فلا يضاف إلى ما يعده والصوابُ ما ذكرناه.
(بذكر حمدِ ربنا)، (ربِّنا) ربُّ من أسمائه تعالى ولا يُقالُ لغيرِه إلا مضافاً، ربُّ الدارِ أليس كذلك؟ نقول: هذا مضاف يجوز أن يُطلق على المخلوق؟ نعم أما الربُّ فهو اسمٌ من أسمائه جلّ وعلا.
(ربُّنا) المرادِ به المالك والسيِّد والمصلح والْمُرَبِّي، وإذا أطلق دخل فيه معنى الألوهية حينئذٍ يُفسرُ الرب بماذا؟ بالمعبود، توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية إذا افترقا اجتمعا وإذا اجتمعا افترقا، {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} يعني معبودُنا الله، إذاً يفسر الربُّ ليس بالمالك لأن {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [الأحقاف: 13] هل هذا يكفي؟ استقامة على ماذا؟ على أنه لا خالق إلا الله ولا مالك إلا الله ولا رازق إلا الله؟ ليس هذا المراد، وإنما لا يستغاث إلا بالله، ولا يتوجه بسائر العبادات إلا لله عز وجل، هذا هو المراد حينئذٍ دخل في معنى الرب معنى المعبود {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ} يعني معبودنا الله.
إذًا (بذكر حمدِ ربِّنا)، (حمد ربِّنا) أي مالِكِنا ومعبودِنا. (تعالا) بمعنى تعاظم وارتفع، يرسمُ بالألِفِ لمناسبة قوله المقال خطًّا هكذا ذكره غيرُ واحد، يعني: تكتبها في البيت هنا خلاف ما كتبه هنا المحقق تكتب كالمقالا ألف منصوبة واقفة يعني، ولا تكتب على صورة الياء، وإن كان أصلحها الياء، ما كان أصله يكتب بصورة الياء تعاليت، إذاًَ أصله ألف هذه أصلها منقلبه عن ياء، أليس كذلك تعالى تعاليت، إذًا قُلبت الألف ياءً رجوعًا إلى الأصل، لكن لمناسبة المقالا تكتبُ بالألف.
(1/7)

(أول ما نستفتح المقالا ** بذِكرِ) ذِكرِ بكسر الذال لغةً كُلِّ مذكورٍ.
وشرعاً: قولٌ سيق للثناءِ أو الدعاء، وقد يُسْتَعْمل شرعًا لكل قول يثاب قائله عليه.
إذًا ذكر في البيت الأول أنه سيقدمُ ذكرَ حمدِ ربنا تعالى، يعني: سيحمد الله تعالى، وهل في البيت الأول حمدٌ أو لا؟ نقول: نعم فيه حمدِ لكنه من جهة تضمين أو التلويح لا التصريح، لماذا؟ لأنه أخبر أن رتبة الحمد مقدمةٌ على كلِّ شيء وهذا ثناء، إذا قلت بأن الله سبحانه وتعالى مقدمٌ حمده على حمدِ من سواه أنت أثنيت على الله عز وجل بأن جعلت حمده وثناؤه مقدمٌ على كل شيء، هذه شهادة وإخبار إذًا هو في نفسه ثناء، إذًا فيه ثناءُ حينئذٍ حَمِدَ أولاً ضمنًا، ثم نطق بما وعد به وصرح فقال:
فالحمدُ للهِ على ما أَنْعَمَا ... حَمْدًا بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى

الفاء هذه تُسمى فاء الفصيحة فعيِلهَ من أفصح إذا أبان وأظهر، وهي الواقعة في جواب شرط مقدر، والتقدير حينئذٍ إذا أردت بيان الحمد الموعود بالاستفتاح به في البيت السابق (فالحمدُ للهِ) إذا أردت بيان الحمدِ الموعودِ به في البيت السابق، (فالحمدُ للهِ) إذا وفَّى بما وعَدَ به سابقًا (فالحمدُ)، الحمدُ أي الثناء على المحمودِ سبحانه مع حبه وتعظيمه، يذكرنه له تعريفات في اللغة وفي الاصطلاح وأكثرها فيه مطعن، لكن أحسن ما يقال الحمدُ هو الثناء على المحمودِ سبحانه مع حبه وتعظيمه وإجلاله، ابن القيم وابن تيمية رحمهم الله تعالى يقول: هو ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله. حينئذٍ يشمل ماذا؟ يشمل الثناء في مقابل الصفات الذاتية، والثناء في مقابل الصفات الفعلية، لأن الحمد يكون في مقابل النعمة وغيرها، فيحمدُ الله - عز وجل - على اتصافه بصفةِ الكبرياء والعظمة هذه ليست صفة متعدية، ويحمدُ الربُّ جلّ وعلا على رحمته بالخلق وهذه صفةٌ متعدية، رحيمٌ بالمؤمنين رحيم حينئذٍ هذه الصفة متعدية على إحسانه على خَلْقِهِ ورَزْقِهِ، وهذه كلها صفات متعدية أفعال له جل وعلا، فيحمد على هذا ولا إشكال، ليس محل خلاف وإنما محل الخلاف هو النقد في الحدَّ المشهور أن الثناء يكون بسبب النعمة من حيثُ كونُهُ منعمًا على الحامد، هكذا قال هذا، وفيه نظر لأن الحمدَ أعم فيُحمَدُ من حيثُ كونُهُ منعمًا ومن حيثُ متصفًا بصفاتِ الجلال والكمال فهو أعم، فإذا قلت: ذكر محاسن المحمود. محاسن هذا يشمل النوعين، إذًا هذا التعريف أجود ذكر محاسن المحمود، أو الثناء على المحمود سبحانه مع حبه وتعظيمه وإجلاله، لأنك قد تذكر ثناء وأنت تكرهُهُ هذا في شأن المخلوق، هل كل من أثنيت عليه وبينت له محاسنَهُ تُكنُّ له المحبة؟ لا، وإلا أين المداهنة وأين النفاق، قد تُثني على شخص وأنت تكرهُهُ ولا تحبه،، أما الحمدُ في حقِّ الخالق فلا يكون حمدًا إلى مع المحبة والتعظيم والإجلال، لأنه عبادة والثناء محلُّهُ يكون في مقابلة نعمةٍ وغيرها فهو أعم من الشكر سببًا، الشكر لا يكون إلا في مقابلة النعمة، شكرتُ الله على إنعامه هذا خاص ولا إشكال فيه، وأما حمدتُ ربي هذا يكون على النوعين.
(1/8)

إذًا سببُ الحمدِ أعم من سبب الشكرِ، وهذه تأتيك آيات {أَنِ اشْكُرْ لِي} يعني لا بد أن تعرف ما معنى الشكر تقرأ الفاتحة سبعة عشر مرّة {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] ويش الحمد هذا؟ إذا ما تعرف مشكلة، أليس كذلك؟ فالحمدُ يكونُ في مقابلة نعمة وغيرها، فهو أعمّ من الشكر سببًا لأنه يُحمد على كل شيء جل وعلا، على كل شيء يحمد، يُثْنَى عليه لأن الثناء يكون باللسان، حينئذٍ يُثْنَى على الرب جلّ وعلا لذاته وصفاته وأحكامه الشرعية والقدرية، لذاته وهذه التي قلنا: محل نزاع مع أصحاب التصنيف، لذاته وصفاته يشمل النوعين متعدية والقاصرة، وأحكامه الشرعية والقدرية، والحمدُ أخص متعلقًا من الشكر، لأن الشكر لا يكون إلا في مقابلة نعمة فهو أخص، والشكر أعمُّ مُتَعَلِّقًا، أي: موردًا لأنه يكون باللسان واليد والقلب.
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا

أليس كذلك؟ يدي ولساني والضمير المحجبا، إذًا محل الشكر الأركان كلها القلب واللسان والجوارح، ومحل الحمد بماذا يكون، مورده بأي شيء؟ يكون باللسان فقط. وهذا على القول قول جمهور أهل العلم أن ثَمَّ فرقًا بين الحمد والشكر، وبعضهم يرى أنهما مترادفان وهذا ضعيف، وأظنه اختاره ابن جرير الطبري لكنه ضعيف، والأصح أنه فرق بينهما. (فالحمدُ للهِ) أل هذه للاستغراق وعليه الجمهور جمهور أهل العلم، أو للجنس وعليه الزمخشري، أو للعهد وعليه ابن النحاس والأشهر الأول أنها للاستغراق، وأما قول الزمخشري أنها للجنس وقول ابن النحاس أنها للعهد هذا فيه كلام.
(فالحمدُ للهِ) اللام هذه للاختصاص، إذًا الحمد يكون لله عز وجل وهو الثناء أو الوصف بالجميل - كما قال المصنف هنا أو الشارح - ثابتٌ لله، وكلٌّ من صفاته تعالى جميل وهو وصفٌ لله تعالى بجميع صفاته، (على ما أَنْعَمَا)، (على) هذه تعليلية، الحمد لله لماذا؟ لإنعامه {وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] (1)، أليس كذلك؟ يعني: لهدايته إياكم، حينئذٍ تكون على للتعليل بمنزلة اللام، على تعليلية، وما مصدرية، يعني مثل أن مصدرية، وهي محل خلاف هل هي حرف أم اسم؟ والصواب أنها حرف، وما مصدرية فهو موصولٌ حرفي لا موصولٌ اسمي، ما هنا بعضهم قال أنها موصولٌ اسمي، وقدر حينئذٍ العائد، لأنه لا بد عائد (ما أنعم به) وهذا فيه إشكال سيأتي، والأصح أن ما هنا تكون مصدرية فحسب، ولا يجوز أن تكون اسمية لأنك إذا جعلتها اسمية لا بد من عائد، أين العائد؟ لا بد من ضمير (على ما أَنْعَمَا) أنعما به يعود على ما، إذاَ حُذِفَ العائد، ما هو شرط حذفِ العائد؟ إذا دخل عليه حرفُ جرّ وكان هو عينَ الحرف الذي دخل على الاسم الموصول، وهنا على ما، على الذي دخلت على ما ثم قال: (بِهِ). حذف الضمير، لا يجوز حذف الضمير مع اختلاف الحرف بل لو اتحدا لفظًا واختلفا معنىً لا يجوز.
كذا الذي جُرَّ بما الموصولَ جَرّ ... كمُرَّ بالذي مررتُ فهو برْ
__________
(1) أظن الشيخ عنى هذا الجزء من الآية.
(1/9)

حينئذٍ لا يصح أن يكون ما موصولية اسمية، قال به بعض المعاصرين ولم ينتبه لهذا والصواب ما ذكرناه، وما مصدرية فهو موصولٌ حرفي لا موصولٌ اسمي وإلا لاحتاج لعائدٍ محذوف مجرور بغير ما جُرّ به الموصول، والتقدير على ما أنعما به، وهذا ما يصح، فالموصول مجرورٌ بعلى، على ما، جُرّ بعلى، والعائد مجرور بالباء ولا يجوز حذفه حينئذٍ إلا شذوذًا، هذا شاذ وهذا مانعٌ لفظي، هذا يعتبرُ مانعٌ لفظي من جعل ما هنا موصولاً اسميًّا، وهناك مانعٌ معنوي أيضًا لكن هذا يمكن أن يُنَازَعْ فيه لكن الأول أشهر، وهناك مانعٌ معنوي من جعل ما هنا موصولاً اسميًّا وهو أنه لو كانت ما موصولاً اسميًّا كان المحمودْ عليه الْمُنعَمَ به، (على ما أَنْعَمَا) على الذي أنعم به، الذي أنعم، الذي اسم موصول وأنعم به صلة الموصول والموصول مع صلته في قوة المشتق، يعني على الْمُنْعَم به، والْمُنْعَم به أثرُ الإنعام، والإنعام وصفٌ لله عز وجل، والْمُنْعَم به أثرُهُ وأيهما أقوى؟ أن نُثني على صفةٍ بواسطةٍ أو بدون واسطة؟ بدون واسطة، فإذا قلت الحمد لله على إنعامه على الصفة التي أتصف بها، وهي صفةٌ قائمة به، أليس كذلك؟ أو الحمد لله على الْمُنْعَم به يعني على النعم المخلوقات، فحينئذٍ تستلزم ماذا؟ تستلزم مُنْعِمًا، إذًا أنعَمَ ومُنْعِمْ الثاني يستلزم الأول، وإذا نظرت إلى الأول وأثنيت عليه حينئذٍ أثنيت عليه مباشرةً، وهذا صار مقدمًا.
إذًا مانع معنوي وهو أنك لو جعلت ما اسمًا موصولاً حينئذٍ تعلق الثناء بالمخلوق، وهو النعم وهذه نقول هي أثرُ الإنعام والحمدُ في الأصل نقول: الثناء على الربِّ جلّ وعلا ويكون بذكر صفاته هو جلّ وعلا، الصفات القائمة به حينئذٍ تثني على تلك الصفات، وأما على الآثار فليس الأمر كذلك، وإن كان يستلزم الثناء على الآثار الثناء على أصل الصفة، هذا لا إشكال فيه، وأيهما أبلغ؟ الأول، وهذا مانع لكنه مانع ترجيح يعني لا يمنع، لو قيل به ما في بأس. لكن الأول المانع اللفظي هذا واضحٌ بيِّن.
وهناك مانعٌ معنويٌ أيضًا وهو أنه لو كانت ما موصولاً اسميًّا كان المحمود عليه الْمُنْعَمَ به الذي هو أثرُ الإنعام مع أنَّ الحمد على الإنعام أبلغ وأولى من الحمدِ على الأثر، لأن الأول يعني الحمد على الإنعام حمدٌ على فعل الله من غير واسطة مباشرة صفة الله عز وجل وهي قائمةٌ به، والثاني الْمُنْعَم به حمدٌ عليه بواسطة هذا الأثر، ولاشك أن الحمد مباشرةً بدون واسط أبلغ وأولى وأرجح مما كان بواسطة لكنه ليس بمانع من أصله لا بأس باعتباره، لكنّ الأول هو المرجح.
(1/10)

(فالحمدُ للهِ على ما أَنْعَمَا) والألف هذه للإطلاق، بعضهم قال: ... (فالحمدُ للهِ على ما أَنْعَمَا) على إنعامه أو نِعَمِهِ، هذا اختار أيّ القولين؟ رجح القولين يجوز هذا ويجوز هذا، لكن خفي عليه به أنه لا يجوز حذفه إلا مع اتحاد اللفظ، الحرف الذي دخل على الموصول، وهو على هنا، لو قال عليه حينئذٍ لا بأس به مع شرط أن يكون المعنى متّحد، أما إذا كان المعنى مختلف فلا، على إنعامه أو نعمه هكذا قال بعضهم وقلنا: فيه نظر. والحمد على الأول قال أمكن لأنه وصفٌ قائمٌ به تعالى، والثاني أثرٌ ناشئٌ عن الأول، فالحمدُ على الأول بلا واسطة، وعلى الثاني بواسطة. (على ما أَنْعَمَا)، (أَنْعَمَا) الألف قلنا للإطلاق النِّعمة بكسر النون وسكونِ العين الإحسان، نِعْمَة يقال نُعْمة ونَعْمة، نِعمة: الإحسان ونُعمة بالضم: الْمَسَرّة، ونَعْمَة بالفتح: الْمُتْعَةُ من العيش اللّيِّن، نِعْمَة نَعْمة نُعْمة فرقٌ بينهم، نِعمة بالكسر بكسر النون وسكون العين بمعنى الإحسان، والنُّعمة بالضم المسرّة، والنَّعمَة بالفتح [بفتحِ النون وسكون العين] المراد به العيش أو المتعةُ من العيش اللين:
فالحمدُ للهِ على ما أَنْعَمَا ... حَمْدًا بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى
(1/11)

حمدًا منصوبٌ على أي شيء؟ منصوبٌ على أنه مفعولٌ مطلق، والعاملُ فيه ما هو؟ الحمدُ لله حمداً [ها] فيه إشكال أو لا؟ هذا مرّ معنا (الحمدُ لله حمدًا لا ينفد) ما هو الإشكال؟ مصدر يعمل في مصدر لا بأس به، عجبتُ من ضربك زيدًا ضربًا شديدًا، بمثله؟ مثله، الشاهد [ها] من شروط إعمال المصدر لا يكون محلًّى بأل، قلنا: له شروط ثمانية منها ألا يكون محلًّى بأل، يعني ألا تدخل عليه أل وهنا حمد مصدر هذا دخلت عليه أل فالأصل أنه لا ينصب، لأنه إنما نصب المصدر لشبهه بالفعل، وهذا ذكرناه فيه خلاف، والمشهور هذا أنه إنما ينصب لكونه أشبه الفعل، ومعلومٌ أنه ما أشبه الشيء لا يُعطى حكمه وهو الإعمال إلا إذا ابتعد عن وصف الاسمية، وهنا المصدر لما أشبه الفعل عمل متى؟ إذا جرِّد عن أل، وأما إذا دخلت عليه أل حينئذٍ [ها] بَعُدَ شبهُهُ عن الفعل فالأصل فيه أنه لا يعمل، وعلى القول بأنه يجوز ولا يشترط لا إشكال، ولكن الأصح، نقدر له محذوفًا، إذًا حمدًا منصوبٌ والعامل فيه لفظ الحمد السابق، إن قلنا إن أل لا تمنع من إعمال المصدر، أو العامل فيه محذوف، والتقدير أحمدُ حمدًا وهذا ظاهرٌ على أنه مبيِّنٌ للنوع، إذا عرفنا أنه مصدر منصوبًا على المصدرية معلومٌ أن المنصوب على المصدرية ثلاثة أنواع: توكيد أو نوعًا أو عددًا، وهنا توكيد مؤكِّد مبيِّن للنوع، [ها ها] يجوز فيه الوجهان، لكن إذا جعلناهُ منصوب بفعلٍ محذوف على كونه مبيِّنًا للنوع لا إشكال، لأن المبين للنوع يجوز حذفُ عامله لا إشكال فيه، أليس كذلك؟ وأما إذا كان توكيدًا مؤكِّدًا هذا ابن مالك يمنع ذلك، لا يجيز أن يحذف عامل المصدر إذا كان مؤكِّدًا، أليس كذلك؟ [ها] أو العامل فيه محذوف والتقدير أحمدُ حمدًا وهذا ظاهرٌ على أنه مبيِّنٌ للنوع، وعلى الأول أنه مؤكِّد إن قلنا بجواز حذف عامل المؤكِّد [ها] خلافًا لابن مالك جاز وإلا فلا، إذا كان على قولنا بأنه لا يصح إعمال أل ولا بد من تقدير عامل فحينئذٍ يتعين أن نجعل الجملة هنا (بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى) صفة فلا بد من ملاحظة الصفة مع الموصوف ليكون مبيّنًا للنوع فلا يجوز أن يكون مؤكِّدًا لأن العامل هنا محذوف، وإذا كَان كان محذوفًا لا يمكن أن يكون مؤكدًا على رأي ابن مالك السابق الذي ذكرناه، وهو مؤكِّد متى؟ إن لوحظ مجرّدَ الموصوف وقُطِعَ النّظرُ عن الصفة وهي الجملةُ التي بعدهُ، يعني: حمدًا ولم تلتفت إلى ما بعده، حينئذٍ صار مؤكِّدًا إن نظرت إلى الصفةِ مع الموصوف حينئذٍ صار ماذا؟ صار مبيّنًا للنوع، فإن لوحظ الموصوف والصفة كان نوعيًّا أيضًا مع كونه مؤكِّدًا ولا إشكال في ذلك.
(1/12)

(حَمْدًا بِهِ) الضمير هنا يعود على الحمدِ، (يَجْلُو) هذا مبني للفاعل، جلا يجلو بمعنى يُذهِبْ، والفاعلُ هنا ضمير مستتر يعود على [ها، تحركوا] من الذي يذهب عن القلب العمى؟ الله، فالحمد لله حمدًا به يجلو الله، يعني: يُذهِبُ اللهُ بِهِ بذلك الحمد عنِ القلب عماهُ، حينئذٍ يجلو الضمير هنا يعود إلى من؟ إلى الله عز وجل، ويجلو بمعنى يُذهِبُ و (عَنِ القَلْبِ) جار ومجرور متعلّق بقوله: (يَجْلُو). و (العَمَى) مفعولٌ به ليجلو، يجلو العمى يذهبُ العمى عن القلبِ، فإذا جُعِلَتْ أل هنا نائبةً عن الضمير المحذوف حينئذٍ يُقدَّر عماه. (بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى) عرفنا أن الباء هنا جار ومجرور متعلق بقوله: (يَجْلُو)، والباء هنا سببية، يعني: بسببه بسبب الحمد بسبب ذلك يجلو الله العمى عن القلب، فالضمير في به يعود على الحمد، والضمير في يجلو يعودُ على الله جل في علاه، والمراد بالقلب هنا اللطيفةُ الربانية لأنها هي التي تنجلي بالمعارف، والمراد بالعمى هنا الجهل، يجلو العمى يعني يذهبُ الجهل ومحل العلم هو القلبُ، أي حمدًا يذهبُ الله به عن القلب عماهُ، والقلب معلوم والعمى مقصور يعني ليس ممدودًا يكتبُ بالياء، والمرادُ بالعمى فقدُ البصرِ هذا واضح عدم البصر، وإطلاقه على عمى البصيرة وهو الجهل إطلاق مجازي، يعني إطلاق العمى الأصل فيه العمى فقد البصر هذا الأصلُ فيه، والعلمُ للقلبِ كالبصرِ للعين هكذا قال ابن القيم، ولذلك سمي بصيرًا من البصر فعيلاً مؤخوذٌ من البصر، لماذا؟ {أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف: 108]، يعني: على علمٍ، قال بن القيم: البصيرةُ للقلب كالبصرِ للعين، فكما أن الإنسان يُبصر الطريق بعينه - الطريق الحسيّ - فكذلك يبصر بقلبه [ها] يعني بالعلم الطريق إلى الآخرة، والفرقان بين الحق والباطل يكون بالقلب، هذا هو الأصل. إذًا إطلاق العمى على الجهل مجازًا، وهو ما يسمى بالاستعارة التصريحية تقريرها أنه شبه الجهل بمعنى العمى يعني فقد البصر بجامع التحيُّرِ وعدمِ الاهتداء بالمقصودِ بسببِ كلٍّ منهما، وأستُعِيرَ لفظ المشبه به وهو العمى للمشبه على طريق الاستعارة المصرَّحة ... (حَمْدًا بِهِ يَجْلُو عَنِ القَلْبِ العَمَى) سمي الجهل بالعمى لأن الجاهل لكونه متحيرًا يُشبه الأعمى، وأما عمى البصرِ فليس بضارٍّ في الدين. قال الله سبحانه: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]. نَصّ على أن القلب في الصدر، وهذا واضح {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} قال قتادة: البصرُ الظاهر بُلغَةٌ ومنفعة، وبصرُ القلبِ هو البصرُ النافع. هذا واضح وهذا لا يكونُ إلا بعلم الشريعة الكتاب والسنة. إذاَ حَمِدَ أولاً وذكر حقّ الربِّ جل وعلا، ثم انتقل إلى حقِّ المخلوق.
وأفضلُ الخلقِ على الإطلاق ... نَبِيُّنا فمل عن الشقاقِ

إذًا لما حَمِدَ اللهَ تعالى شرع في ذكر الصلاةِ والسلامِ على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقال:
ثمَّ الصّلاةُ بعدُ والسلامُ ... على نبيٍّ دينُهُ الإسلاَمُ
(1/13)

(ثمَّ) هذه تفيد الترتيب الذكري، يعني: بعد ذكرِ ما يستحقه الربُّ جلّ وعلا وهو الخالق من الثناء المطلق والحمد المطلق، حينئذٍ ننتقلُ إلى المخلوق وأفضلُ المخلوقات على الإطلاق هو محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، وهو الواسطة بين الربِّ جل وعلا والعباد، بمعنى أنه هو الموصل الشرع إلى العباد، الأنبياء والرسل لا بأس أن يقال بأنهم واسطة بين الخالق والمخلوق لا إشكال فيه وهذا من حيث ماذا؟
من حيثُ كون النبي أو الرسول مبلغًا عن الرب جلّ وعلا، أما كونه واسطة يصرف له شيءٌ من العبادات هذا باطل.
(1/14)

(ثمَّ) للترتيب الذكري والاختياري الصلاةُ بعدُ يعني بعد الحمدِ، الصلاةُ بعدُ، بعدُ هذا مبني على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه، و (الصّلاةُ) الصلاة اسم مصدر صلَّى وليست مصدرًا، اسم مصدر وليست مصدرًا لأن صَلّى تصليةً هذا المصدر، وأما الصلاة هذه ليست بمصدر، كذلك السلام سلّمَ تسليمًا، وأما السلام فهذا ليس بمصدر، إذًا كلٌّ من الصلاةِ والسلام اسما مصدرٍ وليسا بمصدرين، هذا واضحٌ بيِّن. والصلاةُ في اللغة: الدعاء {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أي ادعُ لهم، والصلاة المطلوبةُ من اللهِ قيل هي الرحمة، وقيل الرحمةُ المقرونة بالتعظيم، وقيل: المغفرة، وقيل: الكرامة، وقيل: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى. هذا رواهُ البخاري معلقًا عن أبي العالية، ورجحه ابن القيم رحمه الله تعالى وخطّأ ما اشتهر عند أرباب التصنيف، وهو ما قاله الأزهري: الصلاة من الله رحمتُهُ، ومن الآدميين الدعاء الثناء، ومن الملائكة الاستغفار. وهذا لا بأس به يجمع بين هذا وذاك. (والسلامُ) السلام قلنا عرفنا أنه اسم مصدر قيل: المراد به التحية السلام، السلامُ عليكم. وقيل: المراد به السلامةُ من النقائِص والعيوب، وقيل اسمُ الله السلام ولا بأس بها كُلِّها. (ثمّ الصّلاةُ بعدُ)، يعني: بعد حمدِ الربِّ جلَّ وعلا، وبعد ما تقدم من البسملةِ والحمدِ (والسلامُ ** على نبيٍّ)، (على نبيٍّ) جار ومجرور متعلق بمحذوفٍ خبر، ولا يصح أن يكون من باب التنازع لأن السلام والصلاة اسما مصدر، والتنازع لا يكون إلا في فعلين. إذًا السلام والصلاة هنا الصلاة مبتدأ والسلام معطوفٌ عليه، وبعدُ هذا في محل نصب بالمحذوف، و (على نبيٍّ) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، تقديره كائنان على نبيٍّ. ثم الصلاة بعدُ والسلامِ كائنان على نبيٍّ فهو متعلق بمحذوف خبر عنهما، وليس من باب التنازع لأنه لا يجري في المصادر ولا في أسماء المصادر، (على نبيٍّ) لم يقل على رسولٍ مع كونِ الرسول أخص وأشرف لِمَ؟ قالوا: امتثالاً وإتباعًا للآية {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] ما قال على الرسول، إذًا نقول كما قال الله تعالى، ويكون الاختيار موافقًا وتأسيًّا بلفظ الكتاب، وإنما قال على نبي زلم يقل على رسول إتباعًا لقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ}، والنبي إنسان أُوحيَ إليه بشرعٍ وإن لم يؤمر بتبليغه على المشهور، فإن أُمر بذلك فرسولٌ أيضًا، فالنبي أعمّ من الرسول، فكلُّ رسول نبي ولا عكس هذا المشهور عند الجمهور، وسبق بعض التنكيت عليه، وقيل هما بمعنى واحد وهو معنى الرسول.
(1/15)

(على نبيٍّ) نبي نبيئُ نبي، إما بالهمز وإما بترك الهمز، بالهمز مأخوذ من النبأ وهو الخبر، حينئذٍ نبي يكون فعيل، وفعيل يأتي بمعنى فاعل ويأتي بمعنى مُفعِلْ وكلاهما مرادانِ هنا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مُخبِر ومُخبَر، مُخبِرٌ عنِ الله ومُخبَرٌ عن الله بواسطة جبرائيل عليه السلام، وبلا همزٍ هو الأكثر في النطق لا في التأصيل حينئذٍ يكون مأخوذٌ من النَّبوَةِ وهي الرفعة لأن النبي مرفوع الرتبة على الخلق، فهو مشتق من نبى ينبو إذا علا وارتفع، فياؤه بدلٌ من الواو، نبي الياء الأولى بدلٌ من الواو، ونبي كذلك لا بأس أن يكون ولو بدون همز أن يكون من النبأ، يعني نبيٌّ يحتمل القولين أن يكون من المهموز ومن غير المهموز، من غير المهموز وهو واضح من النَّبْوَة، وأما من المهموز نقول هذا في لغة العرب أنه يجوز إسقاطُ الهمز تخفيفًا، فلا بأس أن يقال نبي ويكون مأخوذًا من النبأ، لا تعارض ولذلك كونه الأكثر لا يلزم منه أن يكون من النبوة لا بل هو محتملٌ للوجهين. (على نبيٍّ دينُهُ الإسلامُ) إيش إعراب ... (دينُهُ الإسلامُ) [ها صفة؟ عجلِّ] (دينُهُ الإسلامُ) الإسلام مبتدأ، ودينه خبر، الإسلا مدينه لكن هذا ما يصح لأن دينُهُ هذا معرفة أم نكرة؟ معرفة لا تتردد، والإسلام؟ معرفة، إذًا كل منهما معرفة، وأيهما أعرف؟ المضاف إلى الضمير أو المحلَّى بأل؟ نحن لا نتعامل مع معنى هنا، النحاةُ ينظرون إلى اللفظ أيهما أعرف؟ [لا إله إلا الله] المضاف إلى الضمير أو المحلّى بأل؟ المضاف إلى الضمير، أيهما أولى بجعله مبتدأ بل قد يتعين، المضاف إلى الضمير لأنه أعرف، إذًا دينه مبتدأ، الإسلام خبر، فالجملة مؤلفة هنا من مبتدأ وخبر، وأما الإسلامُ دينُهُ فهذا يصح عند بعضهم، لكن الصواب لا، لأن المبتدأ الأصلُ فيه أن يكون معرفةً، والخبر أن يكون نكرةً، إذا كانا معرفتين فالأعرف هو الذي يكون مبتدأ والخبر لو كان معرفةً إن كان الأصل فيه أن يكون نكرة إلا أنه لَمَّا كان أدنى مرتبة من المبتدأ في التعريف جُعِلَ خبرًا. إذًا (دينُهُ الإسلاَمُ) هو مواريث ولا إعراب؟ [ها ها] دينُهُ الإسلام إذًا الجملة مبتدأ وخبر، صفة لنبي (على نبيٍّ) نبي هذا نكرة، والجملُ بعد النكرات صفات، ثم الصفة قد تكون مخصِّصَة وقد لا تكون مخصِّصَةْ.
(1/16)

(دينُهُ الإسلامُ) قلنا: نبي هذا نكرة، والجملة بعده مبتدأ وخبر فهي في محلِّ جر صفة، ثم الصفة قد تكون مخصصة للاحتراز، وقد لا تكون كذلك، هنا الإسلام يحتمل أنه الإسلام الخاص الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويحتمل أنه الإسلام العام، على القولين متى تكون مخصِّصة ومتى لا تكون مخصصة؟ فَهِمْتُمْ دينه الإسلام، لأنه قال على نبيّ نحن ما ندري هل هو محمد - صلى الله عليه وسلم - أو غيره، لا تحدد قول نبي أن المراد به محمد - صلى الله عليه وسلم - قد يكون غيره حينئذٍ ... (دينهُ الإسلامُ) الإسلام هل المرادُ به الإسلام الخاص أو العام؟ إن كان المرادُ به الإسلام الخاص حينئذٍ دينهُ الإسلام تعين أن يكون به النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محمد، فيكون قوله: (محمّدٍ) في البيت الذي يليه بدل من قوله نبيٍّ يكون لبيان الواقع، يعني لم يحصل به الاحتراز، فإن قيل: دينُهُ الإسلامُ. الإسلامَ العام هل حصل بالصفة تخصيص؟ لا، إذًا محمدٍ حصل به التخصيص، واضحة؟ (دينُهُ الإسلامُ) هذه صفة وهي جملة في محل جرّ يحتمل أنها هي صفة مطلقة لا إشكال، لكن هل هي للاحتراز أم لا؟ هذا ينبني على تفسير معنى الإسلام، فإن كان المراد بالإسلام الإسلام الخاص، وهو الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ نبيٍّ دينُهُ الإسلام الخاص وليس عندنا إلا محمد - صلى الله عليه وسلم -. فقوله: (محمدٍ). بعد ذلك لبيان الواقع فحصل التخصيص. إذًا خرج بقوله: (دينُهُ الإسلامُ). الإسلام الخاص خرج به كل من عدا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وإذا قيل: (دينُهُ الإسلامُ) الإسلام العام (نبيٍّ دينُهُ الإسلامُ) كل نبي جاء بالإسلام، أليس كذلك؟ كل نبي جاء بالإسلام وهو القدر المشترك التوحيد حينئذٍ محمدٍ حصل به التخصيص فاحترز به عن غيره. (دينُهُ الإسلامُ) دين لغةً: ما يُدانُ به وينقادُ إليه، وشرعًا: ما شرعُهُ اللهُ من الأحكام والإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءةُ من الشركِ وأهله. هذا الإسلام، إذا أُطْلِقَ الإسلام دخل فيه الإيمان، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، واضحٌ هذا؟ إذًا (دينُهُ الإسلامُ) نقولُ: هذه صفةٌ مخصِّصَة. [نعم] هنا قال (دينُهُ الإسلام) مبتدأٌ وخبرٌ صفةٌ لنبيّ مخصِّصة إن قلنا: بأن الإسلام لا يطلق إلى على دين نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فقول الناظم بعد: (محمدٍ) بالجرِّ بيان للواقع.
(1/17)

وإن قلنا بأن الإسلام عام فليست الجملة صفة مخصصة، هي صفة لكنها ليست مخصصة، فقول الناظم بعد: (محمدٍ) مخصصٌ للنبي المذكور، ومعنى الجملة دينُهُ الإسلامُ أحكامه التي يتديَّنُ بها هي الأحكامُ المُعبَّرُ عنها بالإسلام، دين الأحكام التي يُتدين بها، وهي المعبر عنها بالإسلام، لأن الدين هو الأحكام والإسلام هو الأحكام، فكيف يكون دينُهُ الإسلام، حينئذٍ لا بد من صحة الإخبار أن يكون الثاني وهو الإسلام قد صح حمله على الأول، على التأويل الذي نذكره الآن، أحكامُهُ التي يُتديَّنُ بها هي الأحكام المعبر عنها بالإسلام، أو المعنى يكون طريقته التي أتى بها هي الانقيادُ والخضوع لإلوهيته تعالى، فالدين حينئذٍ على معنيين: إما بمعنى الأحكام المُتدَيَّنِ بها، والإسلام بمعنى الأحكام المنقاد لها، فرقُ بين الأحكام، أحكام يتدين بها يُعمَلُ بها وأحكامٌ ينقاد لها، فرقُ بين النوعين لأن الدين هو ما شرعه الله، والإسلام هو الأحكام، فهل يخبر الشيء عن نفسه؟ الجواب: لا، وإما بمعنى الطريقة هذا واضح دينه، يعني: طريقته التي أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلامُ، فصح الحملُ، وإما بمعنى الطريقة والإسلام بمعنى الانقياد والخضوع، وعلى هذه الحلين فالإخبارُ ظاهر يعني بين المبتدأ والخبر، وأما تفسير الدين بما شرعه الله كما ذهب إليه الشِّنْشَوْرِيّ هنا وغيره كثير، وأما على تفسير الدين بما شرعه الله من الأحكام والإسلام بالانقياد والخضوع فالحملُ غير ظاهر إلا بتقدير، لا بد من تقدير مضاف أضيف إليه الخبر، وهو أي التقدير دينُهُ متعلَّقُ الإسلام، فيظهر الإخبار بتقدير هذا المضاف لأن الإسلام بمعنى الانقياد والخضوع متعلِّق والأحكام متعلَّق، الدين الذي هو الخضوع متعلِّق، والأحكام متعلَّق وفرقٌ بين المتعلِّق والمتعلَّق. إذًا (على نبيٍّ دينُهُ الإسلام
محمدٍ) بالجرّ وش إعرابه؟
يدل كل من كل قوله: نبيٍّ، ولذلك جُرّ، هل يجوز وجهٌ آخر؟ ما هو؟ أن يكون خبر المبتدأ محذوف محمدٌ بالرفع أي هو محمد هل يجوز وجهُ ثالث؟ هل يجوز النصب؟ مفعول به لفعله محذوف أعني محمدًا، وهذا لا يصح إلى على لغة ربيعة، لأنه على تقدير الوقف محمدًا ولغة ربيعة لا يكتبون الألف.
وقِفْ على المنصوبِ منه بالألف ... كَمِثْلِ ما تكتُبُهُ لا يختلف
(1/18)

ضربتُ زيدًا تقف عليها بالألف لو وقفت على محمد هنا ليس به ألف، إذًا لا يجري على لغة جمهور العرب أن يكون محمد هنا منصوب، ولذلك الوجهان الأولان سائغات الجر والرفع، وأما النصب فليس بظاهر وإن كان حائزًا في غير هذا المحل، (محمّد) هو لبيان الواقع إن كانت الصفة يعني في السابق، قول دينُ الإسلامُ مخصصة، وللتخصيص إن كانت الصفة المذكورة غير مخصَّصة، إذًا محمد بدلٌ من النبي فيكون مجرورًا، ويجوزُ رفعه على أنه خبرٌ، خبر مبتدأ محذوف، وهو اسمٌ من أسماء نبينا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بل هو أشرف أسمائه عليه الصلاةُ والسلام، سُمِّيَ به لكثرة خصاله الحميدة، وعلمٌ مأخوذ من حُمِّدَ من اسم مفعول المضعّف حمّد محمِّد، مُحمِّد بالكسر هذا اسم فاعل، ومحمَّد بالفتح هذا اسم مفعول، وهو اسمه محمد إذًا حمِّد مضعف اسم المفعول منه محمَّد وهو منقولٌ منه. وهي كما نقل بن الهايم عن أبي بكر بن العربي والنووي رحمهما الله تعالى ألفُ اسمٍ هذه من شطحات الصوفية لا بد أن يجعلوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - عددًا من الأسماء، إمّا موازية لأسماء الربِّ جلَّ وعلا بعضهم يعدها مائة، وبعضهم جاوزها الألف، هذا كله أكثرها لا دليل عليه، وإنما أتوا بصفات بعضها لا يصح ثبوته من جهة النصوص، وبعضها اجتهاد، وبعضها فيه نوع كذب. واختار هذا الاسم دون غيره لوجوهٍ منها أن الله تعالى ذكره في القرآن العظيم في مساق الامتداح، ومنها أنه أشهر وأكثر استعمالاً في السنة للصحابة والتابعين فمن بعدهم، (محمّدٍ) محمدٌ خاتمُ رسل ربه، خاتمِ خاتمُ يجوز فيه الوجهان، خاتمُ بالرفع على أنه صفة لمحمد، محمد هذا علم حينئذٍ ما بعده صفة خاتَم خاتِم يجوز فيه الوجهان خاتِم خاتَم، المرادُ هنا الميم خاتمُ بالرفع لأن الصفة المرفوع مرفوع وذلك إذا كان محمد بالرفع، محمدٌ خاتمُ، محمدٍ خاتمِ يكون بالخفض، خاتمُ رسلِ ربِّه خاتم بفتح التاء اسمُ آلةٍ، أي: الذي خُتموا به.
(1/19)

خاتمُ رسل ربه أي الذي خُتموا به، فهو اسم آله، وبالكسرِ اسمُ فاعل أي الذي ختمهم، خاتمِ هو الذي ختم، اسم فاعل فهو منسوبٌ إليه الوصف، منسوب كضارب وقاتل ضارِب نسب إليه الوصف وهو الضرب، خاتِم أسند إليه الوصف وهو الختم، إذًا خاتِمُ وخاتَم يجوز فيه الوجهان إن كان بالفتح خاتَم فهو اسم آلة، وإن كان بالكسر فهو اسم فاعل، على الأول خاتَم اسم آلة، أي: الذي خُتِموا به، فنُظِرَ إليه من كونِهِ من جهة كونه آلة في الختمِ، كأنهم خُتِموا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لذلك شبه به، وبالكسر اسم فاعل أي الذي ختمهم (خاتمُ رُسلِ) رُسْلِ إسكانِ السين ضرورة للوزن، إسكان السين كلامي صحيح أو لا؟ ضرورة للوزن بإسكان السين، بعضهم يعبِّر هكذا، كُتْب كُتُبْ فُعُل كل ما كان على وزنِ فُعُل بضمتين ضم الفاءِ والعين هذا يجوز إسكانه، كُتُب تقول كُتْب بإسكان التاء، كذلك هنا رُسُل رُسْل يجوز فيه الوجهان لغةً، حينئذٍ إذا اضطُرّ الناظم أو الشاعر أن يأتي باللغة التي هي الإسكان لا نقول: ضرورة، لأنه إذا قيل ضرورة معناه أنه عجز نقص عيب، لم يتمكن من الإتيان باللغة الفصحى فعدل إلى الثاني، ولكن نحن نقول ابتداءً: رسْل بإسكان السين لغةٌ في رُسُل كما نقول: كتْبٌ لغةٌ في كُتُب. إذًا لا نقول بأنه لضرورة الوزن. (خاتمُ رسلِ ربِّه) بسِكون السين لغةٌ، أي آخِرُ رُسل ربه ومتمِّمٌ لهم، وهو نعتٌ لمحمدٍ، لا يقال إنه نكرة لأنه اسم فاعل وهو لا يتعرف بالإضافة، محمد قلنا هذا عَلَمْ معرفة وهو موصوف، وشرطُ الصفة الإتحاد تعريفًا وتنكيرًا، وخاتَم إذا قلنا خاتِم على أنه اسم فاعل هل يصح الوصفُ به لكونه أُضيف [ها]؟ اسمُ الفاعل لا يتعرف
وإن يشابِهِ مضافُ يفعلُ ... وصفًا فعن تنكيره لا يُعزلُ
(1/20)

وإن يشابِهِ مضافُ يفعلُ وصفًا خاتَم رُسْلِ، خاتِم رسْل، إذًا صار هنا اسم الفاعل مضاهي للفعل، إذًا عن تنكيره لا يعزل، ونحن نقول صفة لمحمد، وشرطُ الصفة أن تكون موافقة للموصوف تعريفًا وتنكيرًا، ما الجوابُ؟ نقول: الجواب: لا يقال إنه نكرة لأنه اسم فاعل وهو لا يتعرف بالإضافة، والمعرفة لا تنعت بالنكرة لأننا نقول: هو معرفة، خاتِم رُسْلِ ربِّه لأن رسل هذا نكرة أضيف إلى ربِّه فتعرَّفَ، إذًا رُسْلِ ربِّه معرفة فأضيف إليه خاتِمْ حينئذٍ نقول: تعرف به، لأنه وإن كان اسم فاعل لكنه بمعنى المضي، وهو حينئذٍ يتعرفُ بالإضافة، خاتِم الآن أو فيما سبق النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ أن بُعث وهو خاتم فهو وصفٌ لازمٌ له في حياته وبعد وفاته عليه الصلاةُ والسلام، حينئذٍ صار المعنى فيما مضى، ولا يشترط في الفعل الماضي أو دلالة الشيء على المضي أن يكون منقطعًا بل قد يكون مستمرًا، {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} كان فيما مضى وهو مستمرٌ إلى أبد الآبدين، حينئذٍ نقول: [كونه على وزن فاعل لا يدل على] (1) كونه بمعنى المضي لا يدل على الانقطاع، خاتَمُ خاتِمُ الوجهين رُسْل ربِّهِ، قال الشارح: وأنبيائِه. بمعنى أنه إذا كان خاتِم للرسل فأيهما أخص؟ الرسول أخص من النبي، حينئذٍ هل يلزم من ختم الرسالة ختمُ النبوة؟ قد يكون خاتِمًا للرسل وثَمَّ أنبياء، [أي نعم] قد يكون خاتِمًا للرسل وثَمَّ بعده أنبياء لكن لا من التقدير فنجعله من باب الاكتفاء، خاتمُ رسلِ ربِّه أي وأنبيائهِ لا بد من هذا ففي كلامه اكتفاءٌ على حدِّ قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]. والبرد حذف الثاني والبرد لدلالة ما سبق عليه، لأن السرابيل هذه لا تقي الحرّ فقط حتى البرد، الناس تلبيس الثياب اتقاءً للبرد كذلك للحرِّ. محمد خاتم رسل ربه وآله من بعده وصحبه.
نقف على هذا، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) سبق.
(1/21)

عناصر الدرس
* تكملة شرح مقدمة الناظم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
وقفنا عند قولِ الناظم رحمه الله تعالى:
مُحَمَّدٍ خَاتِمِ رُسْلِ رَبِّه ... # ... وَآلهِ مْنْ بَعْدِهِ وَصَحْبِهِ ... #

هذا تابعٌ لما سبق من قوله:
ثمَّ الصّلاةُ بعدُ والسلامُ ... على نبيٍّ دينُهُ الإسلامُ
محمَّدٍ .................. ... ..........................

قلنا: (محمَّدٍ) هذا بالجرِّ بدل أو عطف بيان من قوله: (نبيٍّ). (خاتَمِ رسْلِ ربهِ) كذلك يعتبرُ صفة لمحمدٍ، (وآله) وقفنا على قوله: (وآله). يعني: ثُمَّ الصّلاةُ بعدُ والسلامُ على نبيٍّ وعلى آله، والضمير يعودُ على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، والآل المراد به في مقام الدعاء أتباعُهُ على دينِهْ، فيشمل حينئذٍ كُل من كان مؤمنًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - سواءً كان من أقاربه أو لا، وهذا من حيث الدعاء، وأمَّا في مُقام الزكاة فله شأنٌ آخر، وهنا حيثُ الصلاة على الآل نقول: أتباعُهُ على دينه. (من بعدِهِ) هذا حال وثَنَّى بالصلاةِ والسلام على الآل للنص قدّم حق النبي على الله عليه وآله وسلم ثمَّ بعد ذلك ما جاء فيه النص حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد: «اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد». فدل على أنّ الآل يصلى عليهم بالتبع، وجاء فيه النص، (وآله من بعده) هذا جار ومجرور، متعلق بمحذوف حال، أي حال كونِ آله من بعده في الصلاة والسلام، لأنه لا يمكن أن يقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ ما كانت لهما الخيرة ولا الشرف إلا بمتابعتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك سبق أن النبي قيل أنه مأخوذٌ من النّبْوَة يعني الرفعة فهو نبي فعيل رافعٌ لمن اتبعَهُ، كذلك هو مرفوعٌ عليه الصلاةُ والسلام بالوحي رُفِعَ بالوحي على غيره من الخلق، وهو رافعٌ لمن اتبعهُ لكونه مؤمنًا حينئذٍ يترتبُ عليه الثواب المقدم للمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة.
(وآله من بعده وصحبه) أي من بعده كذلك، فحذف من الثاني لدلالة الأول عليه، (وآله من بعده وصحبه) كذلك من بعده، وثلَّث بالصحب هنا الصلاة والسلام وإن لم يرد فيه نص إلا أنه من باب القياس، قال أهلُ العلم: الصحابة لشرفهم في نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لحملهم للشريعة الغراء وكُلّ من بعدَهم فهم عالةً عليهم في فهم الشريعة وفي نقل الشريعة، حينئذٍ كان موجبًا للصلاة والسلام عليهم، فهو مجردُ قياس، ولكن لا يصلي عليهم على جهة الاستقلال وإنما على جهة التبع، يقال: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد وصحبه. ولا يقال: اللهم صلِّ على صحب محمد. هكذا ابتداءً، وهذا أمرٌ عام يعني هل يقال فيما لم يرد فيه النص، ورد النص في جهة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وورد النص في جهة الآل، طيِّب ما عدا النبي عليه الصلاة والسلام وعدا الآل هل يصلى عليهم؟
(2/1)

الصحيح من أقوال أهل العلم أنه يصلى عليهم تبعًا لا استقلالاً، ثمَّ هل يُصْلَى عليهم ابتداءً دون أن يكون تبعًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - والآل؟ الجواب: نعم، لكن لا على جهة الشعار، يعني لا يكون شعارًا فيقال: اللهم صلِّ على أبي بكرٍ وسلِّم، اللهم صلِّ وسلِّم على عمر مثلاً، فلا بأس به، اللهم صلِّ وسلِّم على الإمام أحمد، لكن لا يكون شعارًا له بحيثُ كلما ذُكر هذا الاسم الإمام أحمد مثلاً ذُكرت معه الصلاة كما يقوله البعض عليٌّ عليه السلام، وهذا جُعل شعارًا عليه وهذا ممنوع، أما كونه يقعُ فترة في وقتٍ دون وقت، ومرةً دون مرة هذا لا بأس به، وأما أن يُجْعَل شعارًا له دون غيره من الصحابة فهذا يعتبرُ ممنوع.
إذًا (وآله من بعده وصحبه) أي من بعده ففيه حذفُ من الثاني لدلالةِ الأول عليه، إذًا صلى في هذا البيت على نوعين في الشطر الثاني وهم الآل والصحب، (آله) قلنا المراد به أَتْبَاعُهُ على دينه في مقام الدعاء، وكل مؤمن فهو داخلٌ في هذا النص، وأما في مقام منع الزكاة فهو خاص ببني هاشم وعبد المطلب عند الجمهور، عند جمهور أهل العلم خاصٌ ببني هاشم وعبدِ المطلب و (من بعده) أي تبعًا له، (من بعده) قلنا: هذا حال جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، (وصحبه) أي أصحابه، صحب اسم جمعٍ لصاحب، أصحابه اسم جمعٍ لصاحب وليس جمعًا، لأن صاحب فاعل لا يجمع على فَعْل، فهو اسم جمعٍ لصاحبٍ بمعنى الصحابي.
والمرادُ بالصحابي: من اجتمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنًا به ومات على ذلك، وزاد ابن حجر: ولو تخللت ردته في الأصح. يعني في القول الأصحّ، فكل من أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتمع به وهو مؤمنٌ به بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا بغيره من الأنبياء، ومات على ذلك على الإيمان حينئذٍ نقول: هو صحابي. سواءٌ طالت لقياه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - يعني طال اجتماعهُ أو لا، سمع منه أو لا، هذه خصوصية للنبي - صلى الله عليه وسلم - لشرفه ومكانته كُلُّ من رآه ولو من بُعدٍ ثبت له حقُّ الصحبة، وأما غيره فلا، إذِ الصحبة مأخوذةٌ في لسان العرب من الملازمة يعني لا يكون صاحبٌ لك إلا إذا لازمته، فلولاك شخصٌ من على بُعد فهل هو صاحبٌ لك؟ لا، ليس بصاحبٍ لماذا؟ لأنه لابد أن يكون ثمّ ملازمة لك، وهذا خاصٌ بالصحابة الذي ذكرنا الأمر في شأنهم.
وقيل: من طالت صحبته له وكثرت مجالسته له والأخذ عنه وقيل غير ذلك، في تفسير الصحابي خلاف بين أهل العلم خاصةً أهل الحديث لأنه ينبني عليه مسائل من جهة الحديث المتصل وعدمه لكن ما ذكرناه هو المشهور.
حدُّ الصحابي مسلمًا لاقى الرسول ... وإن بلا روايةٍ عنه وقُول

هذا المرجح عند أهل الحديث ولما حَمِدَ الله تعالى وصلى على نبيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
قال:
ونسأل الله لنا الإعانَةْ ... فيما تَوَخَّيْنَا مِنَ الإبانَةْ

(ونسألُ) السؤال هو الطلب، أي: نطلبُ من الله تعالى الإعانة يعني العون القوة على ما نأتيه، وهذا كما ذكرناه سابقًا من قول ابن مالك:
(2/2)

واستعينُ الله في ألفية. إذًا لا بُدّ من تحقيق معنى الاستعانة في العلم في التعليم، وفي التعلُّم في التعليم ونحو ذلك لكن هنا قال: (نسألُ). أتى بالنون الدالة على العظمة، والأصل في السؤال أن يكون بخضوع وذُلّ لا يكون فيه شيءٌ من العظمة، أتى بالنون نون العظمة إمّا من باب التحدث بالنعمة لأنه فيه إشارة أراد أن يصنف، وهذا لا يمكن أن يصل إلى هذا المقام إلا بعد أن يكون له قدم راسخةٌ في العلم، ففيه اعترافٌ بنعمة ولا شك في ذلك لأنه أراد يُبَيِّن مذهب زيد الإمام زيد بن ثابت في شأنِ الفرائض وهذا أراد به تصنيفًا تأليفًا، وهذا لا يكون إلا لمن له قدمٌ راسخة في العلم في نفس العلم، حينئذٍ هذه نعمة وأراد أن يُبَيِّن في ابتداء الأمر أنه ممن أوتي علمًا في هذا الفن بحيث تأهل أن يصنف فيه، حيثُ صار أهلاً بأن يصنف فيه، إذًا أتى بنون العظمة إما من باب التحدث بالنعمة، أو أراد بها نفسه وغيره من المجتهدين في بيان ما ذهب إليه الإمام زيدُ بن ثابت في الفرائض، يعني يحتملُ أنه أراد نفسه، حينئذٍ تكون النون على بابها، إذا قيل: نقول هذا واحدٌ متكلم، وإذا قيل: نضرب هذا يحتمل أنه هو ومعه غيره، وهنا
ونسأل الله لنا الإعانَةْ ... فيما تَوَخَّيْنَا مِنَ الإبانَةْ

هذا يحتمل أنه نزّل المجتهدين مُنَزَّلَةَ المتكلِّمِ الواحد فكأنه سأل لنفسه ولغيره، إذًا هذان مأخذان في مجيئِهِ بالنون، والسؤال هو طلبُ (ونسأل الله لنا) نحنُ (الإعانة) مصدر أعان يعين إعانة، فهو من باب الإكرام، أعان أصلهُ أعْوَنَ أَفْعَلَ، حينئذٍ نُقِلت حركت الواو إلى ما قبلها فنقول: تحركت الواو بحسب الأصل وانفتح ما قبلها بحسب [الآن] .... # 9.45 فقلبت الواو وألفًا، حينئذٍ المصدر يكون على وزنِ الإفعال، وتبقى الألف كما هي منقلبة وجي بألف المصدر فالتقى ألفان وحذفت إحدى الألِفَين والمرجح أنها ألف الأصلية التي هي عينُ الكلمة، لأن الألف التي جِئت أو جِئ بها للمصدرية جئ بها لمعنى، حينئذٍ كان بقاؤها أولى من حذف هذه الألف ودعوى أنّ الذي حُذف هو الألف المصدرية وإبقاء عين الكلمة لكونها أصلية نقول: هذا يفوّتُ معنى المصدرية. مثل ما قيل: تَلَظَّى تَتَلَظَّى فالشأن في كالشأن في هذه الألف (ونسأل الله لنا الإعانة)، أي: نسأل الله لنا إعطاء الإعانة الذي هو القوّة العون والقوة، وبين الإعانة والإبانة، إعانة إبانة، إبَانة إعانة ما الفرق بينهما؟
(2/3)

نونٌ وتاء خاتمة. الفرقُ بينهما في العين والباء فقط إعا إبا، نة عانة الفرق بينهما في العين والباء، هذا يسمى بين الإعانة والإبانة جناسٌ أو جناسًا لاحقًا، يسمى الجناس اللاحق وضابطه أن تختلف الكلمتان في حرفين متباعدي المخرج، تختلف الكلمتان في حرفي متباعدي المخرج وهما العين والباء، با، أع أبّ، هذا حلقي وهذا شفوي، أبّ شفتين، أَعْ هذا من أقصى الحلق، حينئذٍ نقول هو حلقي حينئذٍ نقول: بين الحرفين تباعدٌ في المخرج مع استواء بقية الحروف إعانة إبانة يسمّىَ جناسًا لاحقًا، وأصلُ إعانة وإبانة إعوان وإبيان وتصريفهما واحد إلا أن الأول واوي إعوان، والثاني يائي وهو إبيان. إذًا لأنه مأخوذٌ من بان يبين، وذاك من عان يعونُ من العونِ لأن المصدر واوي، وهذا مما يدلُ على أن الألف المنقلبة في إعان أصلية لأنها منقلبة عن واو، والأصل أن تكون الألف المنقلبة في فعلٍ ثلاثي عانَ أعانَ أو رباعي زِيدَ فيه أوله حينئذٍ الأصلُ في هذه الألف أن تكون منقلبة عن أصلٍ سواءً كان هذا الأصل واوًا أو كان ياءً، و (نسأل الله لنا الإعانة) يعني الإقدار على الذي نطلبه وتيسيره (فيما توخينا) في هنا بمعنى على، لأن الإعانة والعون والاستعانة كما سبق بالأمس أنه يتعدَّى بماذا؟ يتعدَّى بعلى {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4]، {وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18]، إذًا العون وهذه المادة ومشتقاتها تتعدّى بعلى، حينئذٍ القول هنا كما قلنا هنا (واستعين الله في ألفية) يعني أستعين الله على نظم ألفية، هنا (فيما) يعني ونسأل الله لنا الإعانة فيما على الذي ففي بمعنى على، و (ما) هنا موصولة بمعنى الذي (وتوخّينا) بتشديد الخاء هذا الجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، توخّينا والضمير العائد محذوف توخيناه يعني قصدناه أو اجتهدنا في تحصيله، (وتوخّينا) أي تحرينا وقصدنا، وهنا جُمع بين المعنيين، والتوخي قد يطلق ويُرادُ به التحري والاجتهاد، وقد يطلق ويراد له القصد، يطلق ويراد به التحري والاجتهاد، ويطلق ويراد به القصد، وهل المراد هنا بالمعنيين أو المراد به التحري والاجتهاد؟
الظاهر الأول أنه مرادٌ به التحري والاجتهاد، وليس المرادُ به القصد فحسب إلا إذا عُمِّمَ ما أراد به القولين كما ذهب الشارح إليه، ويُقالُ فلانٌ يتوخى الحقَّ ويتأخّاه أي يقصده ويتحراه، ويقال تأخيت الشيء تحريته، جاء بمعنى القصد، وجاء بمعنى التحري، التحري طلب الأحرى، وكثيرًا ما يستعمله الفقهاء بمعنى الاجتهاد، والألفاظ الثلاثة متقاربة التي هي التحري والقصد والاجتهاد هذه كلها متقاربة.
(2/4)

قال الشيخ زكريا رحمه الله تعالى: الاجتهادُ والتحري والتأخي بذلُ المجهودِ في طلبِ المقصود. إذًا إذا لم يبذل مجهود لا يقالُ أنه توخى، ولذلك يقال: اجتهد. وهذا يذكره الأصوليون اجتهد في حمل الصخرة، زلا يقال: اجتهد في حمل نواة، صحيح؟ اجتهد في حمل الصخرة لأنه بذل مجهود تعب وشقِّ عليه، أما النواة هذه لا يقال فيها اجتهد، وإنما يقال: حَمَلَ النواة، إذًا يقال: اجتهد. في حمل الصخرة ولا يقال: اجتهد. في حمل نواةِ وذكر أبو عبيد أن التآخي لا يكون إلا في الخير. ولعل هذا سببٌ في تخصيص الناظم التوخي بالذكرِ هنا دون التحري، وقيل: التوخي هنا الاجتهادُ لا القصدُ فقط، يعني إما أن يعمَّمَ بمعنى القصدِ والاجتهاد، أو يقال الاجتهادُ فقط، أما أن يجعل بمعنى القصد فليس الأمر كذلك، فإن التوخي بمعنى الاجتهاد لا يقال إلا في الأمرِ المهم الجليل من الخير بخلاف التوخي بمعنى القصد فإنه يقال لِمَا هو أعمُّ من ذلك، إذا التوخي بمعنى القصد عام يقالُ في الأمرِ المهم الجلل وفيم هو دونه، وأما التوخي بمعنى الاجتهاد فهو خاصٌ بالأمرِ الجلل كما ذكرناه، اجتهد في حمل الصخرة ولا يقال اجتهد في حمل النواة.
إذًا قوله: (فيما توخينا) أي على الذي توخيناهُ، جئنا بعلى مكان في للدلالة على أن في هنا ليست على بابها وإنما هي بمعنى على، والذي دلنا على ذلك أنّ في متعلق بقوله الإعانة، يعني معمولٌ له، والإعانة مادةٌ من العون لأنه مصدر، حينئذٍ هذا في استعمال كلام العرب والنظر فيه إنما يتعدّى بعلى ولا يتعدى بفي، حينئذٍ لا بدّ من القول بتضمين الحرف معنى حرفٍ آخر، ففي بمعنى على لأن الإعانة تتعدى بعلى، و (ما) اسم موصول بمعنى الذي والعائدُ محذوف. (فيما توخينا من الإبانة) الإبانة، يقال في تصريفه ما قيل في الإعانة يعني مصدر أبان يُبِينُ إبانةً أَكْرَمَ يُكْرِمُ إِكْرَامًا، مثل أَقَامَ يُقِيمُ إِقَامَةً، والخلافُ مذكور في كتب الصرف، والإبانة المرادُ به هنا الإظهار لأنه مأخوذُ من بأن يبين إذا أظهر الشيء وكشفهُ وبين حقيقته، يقال فيه: إبانة. وهذا واضحٌ بيِّن إذِ الذي أراد أن يصنف فيه وهو علمُ الفرائض هذا يحتاج إلى كشف ويحتاج إلى إظهار ويحتاج إلى إبانة (من الإبانة) هذا متعلق بمحذوف بيانٌ لِمَا فيما الذي يصدق على ماذا؟ ما الذي توخّاهُ واجتهد فيه وقصد بيانه ما هو؟
(الإبانة). ما الذي توخاهُ؟ نقول: هو الإبانة حينئذٍ تكون مِنْ هذه بيانية والمبين هو
(2/5)

(ما) الاسم الموصول الذي دخل عليه الحرف في، لماذا؟ لكون الاسم الموصول مبهم، وإذا كان مبهمًا حينئذٍ لا بد من مفسرٍ يزيل ويكشفُ هذا الإبهام. وقوله (من الإبانة) متعلق بمحذوف بيانٌ لما الموصولة لأنه من المبهمات. إذًا قوله من (الإبانة) بيان لما توخيناه (عن مذهب الإمام) جار ومجرور متعلق بقوله: (الإبانة)، هذا يسمى تضمين عندهم وهو عيب، الأصل في البيت أن يكون مستقلاً بفائدة ولا يتعلق ما بعده بما قبله، وما قبله لا يتعلق بما بعده، كُل بيت ينتظم فائدة أو ينتظم مسألة مستقلة هذا الأصلُ فيه، فإذا جعله مرتبطًا بما بعده وحينئذٍ يسمى تضمينًا، وهذا تساهل فيه المتأخرون وخاصةً في الأراجيز، لأنهم قصدوا منها القائدة ولم يقصدوا منها أن يكون منضبطين على قواعد العروضيين وأهل القوافي من أجل حصول الفائدة التامة التي تترتب على هذا النظم. إذًا (عن مذهب) جار ومجرور متعلق بقوله: (الإبانة). وتعلق به لكونه مصدرًا، والمصدر يعتبرُ من العوامل، (عن مذهب) مذهب على وزن مَفْعَل، ومفعل كما هو معلوم يصلح أن يكون مصدرًا ميميًّا، ويصلح أن يكون اسم زمان، ويصلحُ أن يكون اسم مكان، هذه الثلاثة. والمراد هنا الأول وهو كونه مصدرًا ميميًّا، فحينئذٍ يفسرُ بالذهاب، يعني ما ذهب إليه زيدٌ الفرائض رضي الله تعالى عنه، ولكن المرادُ به المذهبُ هنا ليس المعنى اللغوي يعني الأرجح من هذه المحاميل الثلاثة التي هي المصدر الميمي واسم الزمان واسم المكان أن يكون بمعنى المصدر، ثم المراد به المذهب الاصطلاحي، وهو: ما قاله المجتهدُ بدليلٍ ومات قائلاً به. يسمى هذا مذهبًا له، بشرط أن يكون قاله بدليل، يعني بنظر في الأدلة، وأما إذا قاله تبعًا لغيره يعني مقلدًا فلا يقال فيه أنه مذهبٌ له، لأنه مقلِّد وإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ لا ينسب إليه القول، المقلِّد لا يُنسبُ إليه قول كما يقال: الساكت لا ينسب إليه قول. المقلد كذلك لأنه تابعٌ لغيره مأخوذٌ من القلادة، كأنما جُرَّ بـ ... .
(عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ) إذًا مذهب مَفْعَل يَصْلُح للمصدر والمكان والزمان، بمعنى الذهاب المرادُ به المرور، أو محل الذهاب، أو زمان الذهاب، وبعضهم يحملها على المعاني الثلاثة هذا من حيثُ اللغة، وأما في الاصطلاح: فهو ما قاله المجتهدُ بدليلٍ ومات قائلاً به.
(2/6)

بهذا شرط فإن قاله بدليل ثم رجح إلى قولٍ آخر، قاله بدليلٍ ومات على الثاني فالأول لا يعتبرُ مذهبًا له، وهذا ما يعبرُ عنه المذهب الشخصي بخلاف ما سلكه أرباب المذاهب الأربعة، فإنهم لا يعتبرون هذا لأنه هو الذي ينبغي أن يكون أصلاً أنه ما ثبت أن الإمام رجع عن هذا القول وقال بقولٍ آخر بدليل ومات قائلاً بالقول الثاني وجب أن يكون القول الثاني هو المذهب له، والأول لا ينسب إليه، هذا الأصل، حينئذٍ إذا نُظِرَ في هذا التعليل وهذه الكيفية لتحقيق معنى المذهب حينئذٍ لا يُنسب لأبي حنيفة مثلاً أبو مالك أو الشافعي أو أحمد قولاً قد ثبت أنه رجع عنه، وهذا المراد به المذهب الشخصي، وأما المذهب الاصطلاحي هو أشبه ما يكون شيء تعلق به المتأخرون من أجل تنظيم المذهب السابق الذي يعتبر مذهبًا شخصيًّا للإمام نفسه، يعني ينظر في القولين ومن أن يقال بأنه رجع إلى القول الثاني أو لا، مجرد حكاية قولين أو ثلاثة أو أربعة عن الإمام، ينظرون فيها بالقواعد التي أخذوها من طريقة ومنهج الإمام نفسه، حينئذٍ قد يرجحون المذهب الذي قد ثبت أنه رجع عنه ويجعلونه مذهبًا يُفتى به، ولذلك نسمية مذهب اصطلاحيًّا لا شخصيًّا، وفرق بين النوعين، إذا يحل أن نقول الإمام أحمد يقول كذا وهو قد رجع عنه، تكذب عليه أنت، لكن إذا قيل المراد به المذهب الاصطلاحي فلا إشكال، إذًا (عَنْ مَذْهَبِ) المذهب المرادُ به ما قاله المجتهد بدليل ومات قائلاً به. قاله قول، مجتهد لا بد أن يكون من أهل الاجتهاد والنظر، أما العامي ونحوه لا، بدليل فإن قاله لا بدليل لا يدخلُ معنا، ومات قائلاً به، هذا احتراز إذا هذه كلها قيود. (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ) مذهب مضاف الإمام مضاف إليه [نعم] (الإمام) نقول: يجمع على أئمة، (مَذْهَبِ) مضاف و (الإِمَامِ) مضاف إليه، و (الإمام) يجمع على أئمة، ويقال أيِمة بالتخفيف، والأصل أئمة بتحقيق الهمزتين، وعلى إمام يعني له جمعان، إمامٌ وهو مفرد وإمامٌ وهو جمع، وإمامٌ مفرد وأئمة هذا جمع ولا إشكال في النوعين، ويستعمل مفردًا وجمعًا ومنه {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} فإمام يراد به المفرد ويراد به الجمع، وحينئذٍ القرينة والسياق هي التي تعين المراد وهل المراد هنا الجمع أو المفرد؟ المفرد لأنه أراد أن يبين مذهب زيد الْفَرَضِي، (عن مذهب الإمام) الإمام فِعَالْ بمعنى مفعول، والمرادُ به هنا المؤتمُّ به والمقتدى به، ولذلك صَلُحَ أن يكون إمامًا لأنه لا يُطلق لفظُ الإمام إلا لمن كان أهلاً للاقتداء كان أهلاً للاهتداء.
فالإمام أي الذي يقتدى به، وقيل المقدم على غيره، والقدوة والمؤتمُّ به كلها معانٍ متقاربة والمعنى واضحٌ بيِّن.
(2/7)

(زيدِ الْفَرَضِي) عن مذهب الإمام زيد، زيدِ بلا تنوين الأصل زيدٍ على أنه بدل من إمام أو عطف بيان، لكن للوزن حذف التنوين إذًا هنا ممنوع من الصرفِ لماذا؟ للوزن، أما هو في نفسه فليس ممنوعًا من الصرفِ، ليس فهي علّة من العلل التي توجب المنع من الصرف، إنما حذف تنوينه ومنعه من الصرف الذي هو التنوين من أجل الوزن (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ زيدِ) المراد به زيد بن ثابت بن الضحاك بن سعد بن خارجة الصحابي أنصاري خزرجي من بني النجار يُكنى أبا سعيد، وقيل أبا عبد الرحمن، وقيل أبا خارجة، هذه يكثر الخلاف في كنية شخصٍ ولعله من السبب الذي يَكْثُر فيه الخلاف أنه لا بأس أن يُعَدِّدَ الشخص كنيته يُكنى بالابن الكبير ويكنى بالابن الصغير، أو يُكنى وليس عنده ولد على الصحيح أنه يجوز، وإذا تعددت الكُنى حينئذٍ كلٌ حكى ما سمعه، ولا بأس أو تتغير تتبدل في وقتٍ يكون أبا كذا ووقتٍ آخر يكون على كنية أخرى، ولذلك يحصل خلاف طويل عريض يكنى بكذا ويكنى بكذا، قد يكون ثمَّ خلافٌ في النقل بعضه يصح وبعض لا يصح هذا لا إشكال واضحٌ بين حيثُ السند، وأما إذا قويت كلها في نسبة فلان مثلاً إلى كنيةٍ معينة، وثبت النقل كذلك بكنيةٍ أخرى لا بأس أن يقال يكنى بكذا ويكنى وبكذا، ولا نجعلها قولين خلاف ولا بد من الترجيح، نقول: لا، يكنى بهذا ويكنى بهذا، لأنه لا بأس أن تتعدد الكُنى.
قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهو ابن خمس عشرة سنة، وتوفي بالمدينة سنة خمس وأربعين قاله الترمذي، وقيل غيرُ ذلك، ومناقبه شهيرة وفضائله كثيرة. روي أن ابن عمر - رضي الله عنه - قال يوم مات زيد: اليوم مات عالمُ المدينة. اليوم زيد بن ثابت مات عالمُ المدينة، وهذا فيه نوعُ تزكيةٌ له وليس فيه حصرُ العلمِ فيه، هو تزكيه له بأنه عالم المدينة لكن هذا وصفٌ وليس فيه حصر، صحيح؟ ليس فيه حصر، فمثل هذه الألفاظ حينئذٍ تحمل على ما أريد من معنى يناسب تلك الحال، عندما مات وفُقِدْ قد تطلق بعض العبارات كأنه لا يوجد عالم إلا هو، وقد لا يكون الأمر كذلك، حينئذٍ تفسر أو تحمل هذه الألفاظ قوله مات عالمُ المدينة أنه لا يلزم منه أن يكون هذا الوصف منحصرًا فيه، بل غيرُ عالم الصحابة وهو كذلك عالم المدينة. وخطب عمرُ - رضي الله عنه - بالجابيةُ فقال: من يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، وهذا واضحٌ بيِّنِ أنه كانت له مزية عناية بالفرائض، وهذا لا يلزم منه التخصص، وإنما يفسر بما سبق أنه عالم بالقرآن، وعالم بمواقع القرآن، وأسباب النزول، والفقه والحلال والحرام وعالم بالفرائض، إلا أنه اعتنى بالفرائض أكثر من غيره وهذا لا إشكال فيه، وكذلك الحديث الذي يستدل به «أفرضكم زيد». كما سيأتي «وأعلم بالحلال معاذ» .. إلى آخره.
أولاً: الحديث ضعيف.
(2/8)

ثانيًا: إن صحَّ فالوصف الخاص الذي ذكر في النص دليلٌ على أنه قد اعتنى بما ذكر به ولا يلزم منه أن يُنفى عنه غيره إذا قيل: «أفرضكم زيد». معناه ماذا؟ أكثركم علمًا بالفرائض زيد لشدة العناية بها، ولا يلزم من ذلك أن يكون زيد ليس بفقيه وليس بمفسر ... إلى آخره. قال مسروق: دخلتُ المدينة فوجدت فيها من الراسخين في العلم زيد بن ثابت. من الراسخين ليس هو وحده، إنما هو من الراسخين زيد بن ثابت - رضي الله عنه -. وقال الشعبي: علم زيد بن ثابت بخصلتين: بالقرآن والفرائض - رضي الله عنه -.
إذًا توفي سنة خمس وأربعين وله سبعٌ وخمسون سنة.
(عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ زَيدِ الْفَرَضِي)، إيش إعراب الفَرَضِي؟ نعت لزيد.
(2/9)

(الْفَرَضِي) قال الشارخ: بفتح الفاء والراء العالم بالفرائض، يقال له: فَارِضٌ على وزن فَاعِل وفَرِيض على وزن فَعِيل كعَالِم وعَلِيم، (الْفَرَضِي) هذا اسم، إذًا ليس هو بنسبة محضة وإنما فيه معنى العلمية هذا مرادهم، ولذلك قال الشارح: العالم بالفرائض نُسِبَ إلى هذا الفن أو هذا العلم الشرعي لكونه قد عَلِمَ أُصولَهُ وفروعهُ، حينئذٍ يقال له فَارِض كعَالِم، والعالِم من هو؟ من اتصف بصفة العلم، وعَلِيم كذلك فَعِيل صفة مشبهة لمن اتصف بصفة العلم، إذاَ كلٌ منهما فَرَضِي وفَارِض وفَرِيض يدل على ذاتٍ متصفة بهذه الصفة وهي العلم بالفرائض، وفِرَاض وفرْضِ بسكون الراء أيضًا وأجاز بن الهائم رحمه الله تعالى أن يقال فَرَائِضِي هذا محل النزاع، وبعضهم يُخَطِّئ هذه النسبة لماذا؟ لأن فَرَائِض جُمع فَرِيضَة، ومعلومٌ أن النسبة إنما تكون للمفرد لا للجمع، فحينئذٍ تقول: فَرَضِي لأن فَرِيضَة فَعِيلَة حينئذٍ تحذف الياء والتاء كتاءِ مكة وتحذف الياء من فَعِلية فيبقى ماذا معك؟ الفاء والراء والضاد، فتقول: فَرَضِيِّ فَعَِليٌّ كحنيفة تقول فيه حَنَفِيٌّ، صَحِيفَة صَحَفِيٌّ، تقول: صُحُفي جمع؟ لا، إنما صُحُف هذا جمع صحيفة إذا أردت النسبة أن زيد من الناس علمه عن طريق الصحف حينئذٍ تقول صَحَفِي فَعِيلَة، ولا تَقْل صُحُفِي، ومثله ما شاع الآن، يقل مطارٌ دُوَلي خَطَأٌ هذا، إنما هو دُوَلْ جمع دُوَل دَوَلةَ حينئذٍ يقال: مطارٌ دَوْلِيٌّ وليس دُوَلِيّ، نقول: هذا خطأ. إذًا فرائض نقول: هذا جمع فَرِيضة فالنسبة حينئذٍ تكون للمفرد لا للجمع إلا في حالة واحدة، إذا صار الْجَمْعُ كالعلم كالأنصاريّ أَنْصَار هذا جَمع، وقد نُسِبَ إليه فقيل أَنْصَارِيّ، لماذا؟ لأن الأنصار جُعل علمًا، أو استعمل استعمال العلم على فئةٍ وطائفةٍ معينة، حينئذٍ الْفَرَائِض لَمَّا كانت تُسْتَعْمَل استعمال العلم بهذا المعنى صح أن يقال: فَرَائِضِيّ ولذلك صوّبه الشارح، والأكثر على خلاف ما ذكرناه، لأن فَرَائِض جمع وفَرِيضَة هي الأصل فحينئذٍ يُنْسَبُ إليها فيقال: فَرَضِيُّ. والْفَرَائِض قال جلال المحلي: جمع فريضة بمعنى مَفْرُوضَة فَعِيلَة بمعنى اسم المفعول، أي مقدَّرة لِمَا فيها من السهام المقدَّرة، وسيأتي أن فيها بعض التعصب فغُلِّبَت على غيرها، أي فغلبت على التعصيب وجُعلت لقبًا لهذا العلم. إذًا قوله: (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ زيد الْفَرَضِي). الْفَرَضِيّ هذا نعت لزيد، وهو نسب لواحد الْفَرَائِض وهو فريضة بوزن فَعِيلَة، وهو اسم للعلم بالْفَرَائِض أو للعالِم بالفرائض، إذ ذاك (إِذْ كَانَ ذَاكَ) من أهم ..
(2/10)

إذْ تعليلية، لِماذا أراد الإبانة عن مذهب الإمام زيد الفرضي على جهة الخصوص؟ إذ ذاك، إذ تعليل وهو حينئذٍ يكون منصوبًا على الظرفية متعلق بمحذوف، (إِذْ كَانَ ذَاكَ) ما هو المشارُ إليه؟ إما الإبانة وإما التَّوخِّي، حينئذٍ إذْ تعليلٌ إما لقوله: (فيما توخينا)، وإما لقوله: (مِنَ الإِبَانَهْ)، (ونسأل الله لنا الإعانة ** فيما توخينا)، (إذ كان ذاك)، أي التَّوخِّي من الإبانة، إذ كان ذاك من الإبانة حينئذٍ إما أن يعود اسم الإشارة إلى التَّوخِّي، وإما أن يعود إلى الإبانة، وإن أعيد إليهما معًا فلا إشكال، لكن لا بد من التأويل، ذا هذا مفرد مذكر، فإذا أُعِيد إلى التَّوخِّي وهو القصد أو الاجتهاد لا إشكال، إذا كان ذاك أي التَّوخِّي فلا إشكال، أما إذا أعيد وكان مرجعه الإبانة وقع إشكال، إذ كان ذاك الإبانة، لا بد أن يقول: تلك. حينئذٍ لا بُدَّ من تأويل الإبانة بالمذكور، إذ كان ذاك المذكور من الإبانة، فأعاد اسم الإشارة إلى الإبانة بتأويل، أعاد اسم الإشارة ذاك، ذا، إلى الإبانة بتأويل بالمذكر وهو المذكور، وهذا دائمًا اللفظ المذكور يأتي عند النحاة، أشبه ما يكون بالخيط الذي يُستمسك به، بدل من أن يغلَّط كيف عاد وكذا .. إلى آخره أوّلُهُ بالمذكور، قد يكون هو ما استحضر شيء من هذا، وقد يكون يريدُ ماذا؟ التعليل للتَّوخِّي لا للإبانة، لكن الشُرَّاح هكذا لا بد أن يشرح هكذا. (إِذْ كَانَ ذَاكَ) أي المذكور من الإبانة والتَّوخِّي (مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ)، (الْغَرَضِ) المراد به القصد، وأصلُ الغرض ما يرمي إليه الرماة، هذا الأصل الْغَرَض تضع الطائر هناك هذا لا يجوز لكن مثلاً، فتصيبهُ، تقول: هذا يُسَمَّى غَرَضًا، فلما كان قاصدًا لطريقة زِيْدٍ سُمِّيَ غَرَضًا قَاصِدًا كأنه نصب طريقة زيد وصوّب إليها فأرادها، فحينئذٍ سُمِّيَ غرضًا للمشابهة. قوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ). ... (إِذْ) للتعليل و (ذَاكَ) أي: المذكور؛ لأن الإبانة مؤنثة. فيحتاج إلى اسم الإشارة المؤنث فلا بد من التأويل. قوله: (مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ) أي من أهم القصد، إِنْ فُسِّرَ اسم الإشارة بالتوخي، أو أهم المقصود إن فُسِّرَ اسم الإشارة بالمذكور من الإبانة فإنها مقصودة، التوخي القصد لا إشكال فيه، الغرض القصد إذا كان التوخي لأنه ذكره بالمصدر، وأما الإبانة فهي مصدر لكن الإبانة هنا مبيَّن أو المراد به المعنى المصدري الأول، حينئذٍ لا بد أن يكون المراد من أهم الغرض أي من أهم المقصود بالتأليف وهو الإبانة، حينئذٍ الإبانة حاصلةٌ وهي أثرٌ للتأليف، هذا هو الأصل فيها، حينئذٍ صارت مقصودة وليست قصدًا، القصد إنما يكون في التوخي، وأما الإبانة فهي مقصودة بالتأليف، أَلَّفَ وصَنَّفَ ونَظَمَ من أجل أن يُبَيِّنَ، فالبيان حاصلٌ بتأليفه، حينئذٍ لا بد أن يفسر الغرض بمعنى المقصود. (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ) أهم (الْغَرَضِ). [ثم قال] قول الشارح هنا قال: (إذ كان ذاك) أي المذكور من الإبانة أو توخيها من أهم الغرض لمن يريد التصنيف في علم الفرائض فهو تعليلٌ لما ذُكر، إما التوخي وإما الإبانة.
(2/11)

قال العلامة سبط المارديني هذا له شرح على ((الرحبية)) وعليه حاشية كذلك: أي ونسأل الله تعالى لنا الإعانة فيما قصدنا من الإظهار والكشف عن مذهب الإمام زيد - رضي الله عنه -، لأن هذا من أهم القصد، فإنه لا يُخَيِّبُ من قصده. قال تعالى ... {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32] .. الآية. قال بعض العلماء: لَمْ يَأْمُر بالمسألة إلا لِيُعْطِي. انتهى. وقال الإمام تاج الدين بن عطاء الله - هذا له مصنّف في التصوّف - متى وفقك للطلب فاعلم أنه يُريدُ أن يُعطيك، متى وفقك للطلب يعني السؤال فاعلم أنه يريد أن يعطيك.
علمًا بأنَّ العِلْمَ خيرُ ما سُعي ... فيه وأولى ماَلهُ العَبْدُ دُعِيْ

(علمًا) إعرابه منصوبٌ على ماذا؟ مفعول لأجله، ولذلك قال الشارح: منصوب على أنه مفعولٌ لأجله. واستشكله البعض هذا المشهور في إعراب هذا البيت أنه مفعولٌ لأجله، واستشكله البعض لأن الشرط فيه أن يتحد مع عامله فاعلاً، يعني المفعول الفعل والفاعل [ها] الفاعل لفاعل الفعل العامل، والفاعل للمصدر، واحد، فالعلم هنا نقول: مفعولٌ لأجله، ما العاملُ فيه؟ هذا يحتمل، هذا يحتمل ولذلك قدره هنا وهو علةٌ لقوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ). أو علة لقوله: (تَوَخَّيْنَا). إما هذا، وإما ذاك، توخينا واضح، فاعلُ التَّوَخِّي القصد هو المصنف، وعلمًا لأجل العلم هذا كذلك حاصلٌ بفعل المصنف، اتّحدا، فاعل علم وفاعل التوخي واحد اتحدا، أما (عِلْمًا) كونه علةً لقوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ). هذا منفصلٌ لا بد من التأويل، واستشكله البعض بأن الشرط في أن يتحد مع عاملة فاعلاً، فالفاعل يكون واحدًا للمصدر وللعامل، وهنا ليس كذلك فإن مرفوع كان اسم إشارة (إِذْ كَانَ ذَاكَ) هذا مرفوع كان، وفاعلُ العلمِ المصنف وهذا على جعل (عِلْمًا) علة لقوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ). إذًا انفكت الجهة، وإذا كان كذلك لا يصلح أن يكون علمًا مفعولاً لأجله وعلةً لقوله: (إِذْ كَانَ ذَاكَ). وإنما يُحمل على الثاني، وأما على جعله علةً لتوخَّيْنَا فلا إشكال لأن فاعل التوخي والعلم واحد وهو المصنف. وأُجيب عن الأول بالتأويل (إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ أَهَمِّ الْغَرَضِ) عندي (عِلْمًا) إذًا اتحدا، واضح؟ اتحدا، فثَمَّ تقدير في الأول من أجل أن يُجعل قولُه (إِذْ كَانَ ذَاكَ)، (ذَاكَ) هذا مرفوعٌ بكان، وليس العامل فيه هو عامل أو ما اتصف به المصنف، لأن الإشارة هنا لما سبق الإبانة أو التوخي، حينئذٍ انفكت الجهة، فكَوْن إذ كان ذاك عاملاً في (عِلْمًا) على أنه مفعولٌ لأجله فيه نظر لعدم اتحاد الفاعل، حينئذٍ لا بد من تقدير في الأول من أجل أن يتحد عامل الأول مع عامل الثاني في الفاعل، فقيل: إذ كان ذاك الغرض عندي (عِلْمًا) فاتحدا، هكذا قيل، وقيل: الاتحاد في الفعل موجود معنًى، فكأنه قال أعُدُّه من أهم الغرض عندي علمًا .. إلى آخره، قدَّره في الأول، لأن المراد (إذ كان ذاك من أهم الغرض) عندي.
على كلٍّ (عِلْمًا) مفعول لأجله، والأحسن جعله من التوخي لعدم الاحتياج إلى التقدير.
(2/12)

(علمًا بأن العلم)، (بأن العلم) جار ومجرور متعلق بقوله: (عِلْمًا) لأنه مصدر، (علمًا بأن العلم) أي علم، [ها] الفرائض أو العلم الشرعي؟ العلم الشرعي، مراده العلم الشرعي عام، سواء كان علم التفسير، أو علم الحديث أو علم الفقه، لأنه أراد أن يثني على العلم على جهة العموم، ثم يخصص فقال: وأن هذا العلم مخصوصٌ بما قد شاع. إذًا ذكر العلم أولاً على الجهة العموم، ثم خصَّ علم الفرائض على جهة الخصوص (عِلْمًا بَأَنَّ الْعِلْمَ) والعلم هو فسره الشارح وهذا بعيد أن يفسر العلم هنا بحكم الذهن الجازم المطابق للواقع، هذا للعلم من حيثُ هو إذا كان مقابلاً للظن والشك ونحو ذلك، وأما العلم المرادُ به هنا العلم الشرعي علم الكتاب والسنة (علمًا بأن العلم) فأل حينئذٍ تكون للعهد الذهني، إذ الذي خيرُ ما سعي له العبدُ ودعى العبدُ غيره للسعي في طلب العلم هو العلم الشرعي العلم، إذ العلم إذا أُطلق وأثني عليه من جهة الإطلاق انصرف إلى العلم الشرعي.
(عِلْمًا بَأَنَّ الْعِلْمَ خَيْرُ مَا سُعِيْ) ولذلك قال هنا والألف واللامُ فيه للاستغراق أو العهد الشرعي، وهذه أو مرة تمر علينا هذا اللفظ العهد الشرعي، أليس كذلك؟ العلم أل للعهد الذهني، ما هو المعهود؟ العلم الشرعي حينئذٍ قد يكون المعهود إمّا ثابتًا من جهة الحس، وإما ثابتًا من جهة العقل، وإما ثابتًا من جهة الشرع، وهذا يعتبر مثال للشرع. أو العهد الشرعي وهو علم التفسير والحديث الفقه، ويلحق ذلك ما كان آلةً له، فالعلم كما قال الناظم هنا (خيرُ ما سُعي ** فيه) خيرُ هذا خبر أنَّ، بأن العلم أن العلم، هذا اسمُ أنَّ، خبرها خيرُ، يعني أفضل، و (خَيْر) هذه أفعلْ تفضيل، فالخيرية ثابتةٌ للعلم الشرعي بإطلاق ليست من وجه دون وجه كما هو الشأن في العلوم الأخرى، العلوم الاصطناعية الدنيوية، حتى علوم الآلة هذه فيها خيرية من جهة دون جهة، كل ما أعان على فهم الكتاب والسنة فهو الذي يعتبر علمًا شرعيًّا، سواءً كان مقصودًا لذاته أو كان مقصودًا لغيره، فما زاد عن ذلك من العلم المقصود لغيره حينئذٍ لا تكون الخيرةُ ثابتة فيه بإطلاق، واضحٌ؟ إذًا (خيرُ ما سُعي) هنا أطلق الناظم الخيرية فدل على أنه المراد به العلم الشرعي، وما يخدمه يعني من علوم الآلة، (خيرُ) هذا خبر وهو مضاف و (ما) اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه، و (سعي) هذا مبني لِمَا لم يسمَّ فاعله، و (فيه) جار ومجرور متعلق بمحذوف، إيش إعراب (فيه)؟ (سُعِي) [نعم] يعتبر نائبُ فاعل والضمير في (فيه) عائدٌ على (ما)، وجملة (سُعي ** فيه) لا محل لها من الإعراب صلة الموصول. إذًا العلمُ خيرٌ وأفضلُ ما سعى فيه العبدُ، يعنى طرق الطريق من أجل الوصول إلى هذا العمل، فكل سَعْيٍ موصل للعلم فهو خيرٌ لأنه موصل لأصل وثبت فيه الخيرية المطلقة، [فالوسائل لها أحكام المقاصد].
(2/13)

(وَأَوْلَى مَا لَهُ الْعَبْدُ دُعِيْ)، وأولى هذا معطوف على (خَيْرُ)، فالمراد به الأحق والأجدر أولى الأحق والأجدر ما له الذي له لهذا العلم العبدُ أي الشخص فليس مراد العبدُ مقابل الحرّ المراد به الشخص، (دُعي) هذا مغير الصيغة مبني لِمَا لم يُسَمَّ فاعله، وبين (دُعي) و (سُعي) هذا جناس يسمى ماذا؟ يسمى جناسًا.
قال هنا: فالعلمُ من خير ما سُعي فيه ومن أولى ما له العبدُ دُعي
قال اللهُ تعالى: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]. وقال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]. هنا أطلق العلم وأثنى على أصحابه فدل على أنه يُثْنَى عليه مطلقًا بدون تخصيص وبدون تقييد، ولا يصرفُ هذا العلم من حيثُ الإطلاقِ إلا على علم الكتاب والسنة فحسب، وما عداه فلا، وإنما يكون له حكم المقاصد، يعني العلوم الدنيوية الحساب والطب والهندسة ونحوها هذه ليست محمودة لذاتها، وإنما هي مباحة في الأصل فإن أُريد بها بنية صاحبها خدمة الإسلام مثلاً وكفّ المسلمين بالنظرِ إلى غيرهم ونحو ذلك أُثيب على هذه النية، وأمّا العلم نفسه فلا ينقلبُ شرعيًّا يبقى كما هو كما ذكرناه في شأن ماذا؟ في شأن المباح. المباح لا ينقلبُ مستحبًا نفسُهُ، وإنما بنيته نقول: حينئذٍ لما نوى بنومه التقوى على الطاعة وعلى قيام الليل مثلاً يُثابُ على هذه النية، وإما النوم نفسه لا يكون عبادة، لأن العبادات توقيفية لا بد من دليل، أين الدليل في إثبات كون النوم أو الأكل أو الشرب أو نحو ذلك أنه عبادة في نفسه. نقول: لا، هو يبقى على ما هو مباح. وإنما أحتسب نومَي وقومَي وأكلتي وشربتي، نقول: هذه كلها المراد بها الثواب على النية. هكذا يفسر كلام الأصوليين أن المراد بأن المباح يبقى على كونه مباحًا ولا ينقلبُ المباح فيصيرُ طاعةً، النومُ مباح في الأصل ولا ينقلبُ عبادةً، وإنما العبادة في كونه يستعين به وحينئذٍ الاستعانة والنية تكون محلها القلب.
والأحاديث في فضائل العلم كثيرة شهيرة منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ أتاهُ الله مالاً فسلطهُ على هلكتِهِ في الخير، ورجلٌ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها للناس». والحكمة المراد بها هنا السنة، وهو العلم الشرعي على جهة العموم. رواه البخاري من حديث ابن مسعود.
ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة». انظر «من سلك»، «من» شرطية وهي عامة، وهذا يدخل في حتى العوام وليس الحكم خاصًّا بطلاب العلم، لا، هذه الفضائل التي وردت في شأن العلم كُلّ من سأل أو كل من بذل أو سلك فهي عامة، حينئذٍ كلُّ شخصٍ وُجدَ منه شيء من هذا الوصف الذي رُتِّبَ عليه هذا الثواب حينئذٍ استحق هذا الثواب بحدِّهِ، حينئذٍ الثواب يتبعض كما أن ما توقف عليه الثواب يتبعض، العلم يتبعض، أليس كذلك؟ العلم يتبعض أو لا؟
لا إله إلا الله، يتبعض أو لا؟ يتجزأ أو لا؟
(2/14)

يتجزأ [نعم] تتعلم الفرائض، وتتعلم الفقه، وتتعلم التفسير، هذه متبعضة، تتعلم الفرائض المسألة الأولى الحقوق المتعلقة بالتركة هذه مسألة تضبطها من أصلها، وتجهل الحساب، وتجهل الحجب والتعصيب، لا بأس، تعلم هذه وتجهل هذه، إذًا هذا معنى التبعيض، حينئذٍ يتبعض، فكلما وُجد جزءٌ أو بعضًا منه ترتب عليه الثواب، إذًا «من سلك طريقًا يلتمس»، «طريقًا». هنا نكرة في سياق الشرط فيعُمْ، أدنى وأقل ما يُسمى طريقاً ولو سؤال بالهاتف نقول: دخل في النص، أليس كذلك؟ دخل في النص، لو ترفع سماعة تسأل مسألة حكم شرعي نقول: هذا يعتبرُ من طلب العلم {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] حينئذٍ اسألوا عمّا لا تعلموا، قد لا تعلم مسألة واحدة وأُمرتَ بالسؤال، فهو داخلٌ في هذا النص، إذًا طريقًا نقول: هذا نكرة في سياق الشرط فيعُم أدنى ما يُسمى طريقًا، والطرق مختلفة، والطرق والمناهج في طلب العلم مختلفة. «من سلك طريقًا يلتمسُ فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة». قال: ... «يلتمسُ فيه علمًا». علمًا هنا نكرة في سياق الإثبات، لأنها ليست داخلة على قول «سلك طريقًا». الذي هو فعلُ الشرط، وإنما قال: «يلتمسُ فيه علمًا» يعني يطلبُ فيه علمًا، أدنى ما يسمى علم أدنى، فهي نكرة في سياق الإثبات «سهّلَ» هذا الجواب «سهل الله له طريقًا إلى الجنة». رواه الترمذي وحسنه عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وقال الشافعي في ((بيان فضل العلم)): طلب العلم أفضلُ من صلاة النافلة. انتبه طلب العلم أفضلُ من صلاة النافلة، وليس بعد الفريضة أفضل من طلب العلم. هذا عند التعارض، هذه تفهمُ عند الطلاب بفهمٍ سقيم، هذه العبارات نقول: تفهمها على ما قاله الإمام الشافعي، يعني هو يقولُ شيء وهو يعملُ به، فتنظر في سيرته كيف هو مع قيامه وقرآنه وصيامه ودعوته وتعلُّمِهِ وتعليمه، تفهم هذه العبارة، وأما أن تقف مع هذه العبارة ليس بعد الفريضة أفضل من العلم، ثم لا وتر [ها ها] ولا صلاة ولا قراءة قرآن بحُجّة ماذا؟ أن العلم أفضل من غيره، نقول: لا، ليس الأمر كذلك، إذ لو كان طالب العلم لا يقف إلا على الفرائض لماذا يتعلم؟ لماذا يتعلم ويحفظ السنن ويعرف المكروهات؟ لا، هذا مثل العوام، اعمل الفرائض واجتنب المحرومات والكبائر، وما بيْنَ بينْ حينئذٍ تكون كغيرك في تلك المسائل.
(2/15)

إذًا طلبُ العلم أفضلُ من صلاةِ النافلة إذا تعارضا، وأما الأصل لا، تعمل بكل سنة كُلّ سنة تعلمها قوليه أو فعلية أو تركية فالأصل - وخاصة طالب العلم فالأصل أن يكون سبّاقًا في تطبيقها - ثم إذا حصل تعارض بين المذاكرة بين الحفظ بين حضور الدرس مع بعض النوافل حينئذٍ لا بأس أن يقال: بأن هذا واجب فرض كفاية، وهذا نفل، ولا يمكن جمع بينهما فيقدم الفرض على النفل، هذا المراد، وليس المراد وأن يكون من سنن طالب العلم أن يهجر السنن ويهجر المستحبات ويفعل المكروهات بحجة ماذا؟ هذه العبارات، وليس بعد الفريضة أفضلُ من طلب العلم ولا شك في ذلك. وكفى بالعلم شرفًا أن كُل أحدٍ يدعيه وكفى بالجهل قبحًا أن كل أحدٍ ينكره. كُلّ واحد يظن أنه عالم، وإذا قيل له: يا جاهل. غضب مع كونه جاهلاً، فكل من انتسب إلى العلم ولو بالدعوى والكذب فَرِحَ وارتفع ونفح صدره، وإذا قيل له يا جاهل فهو محلّه [ها ها] حينئذٍ غضب (علمًا بأن العلم خيرُ ما سُعي) أي أفضل الأمرُ الذي سعى الإنسانُ فيه.
........ ما سُعي ... فيه وأوْلَى ماله العبدُ دُعي

أي ومن أولى الأمر الذي طُلِبَ العبدُ له، يعني أمر العبد بتحصيله وهو العلم الشرعي، ولا يخفى التجنيس بين (سُعي) و (دُعي).
وأنَّ هَذا العِلْمَ مخصوصٌ بما ... قَدْ شاعَ فِيهِ عِندَ كُلِّ العُلَمَا
بأنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُفقَدُ ... في الأرضِ حَتَّى لا يَكَادُ يُوجدُ

(وأنَّ) هذا معطوفٌ على ما سبق، (علمًا بأن العلم) وعلمًا بأن هذا العلم فهو معطوفٌ على ما سبق، فهو تعليلٌ للسابق، أن هذا العِلمَ هذا العلم الْمُحلَّى بأل إذا وقع بعد هذا وهو اسم إشارة حينئذٍ فسرت أل بالعهد الحضوري، أي العلم الحاضر الذي سيؤلفُ فيه وهو الفرائض، حينئذٍ قوله: (وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ) المرادُ به علمُ الفرائض علمُ المواريث، والذي خصّهُ وقوعه بعد هذا، وهذا اسمُ إشارة لأنها تدل على الشيء الحسي هذا الأصلُ فيها أن يكون المشار إليه محسوسًا، وإذا كان كذلك فما بعده لا بد أن يكون حاضرًا، لا يشيرُ إلى شيء غائب وإنما يشير إلى شيء حاضر، ولذلك تفسر أل بعده بماذا؟ بالعهد الحضوري. (وأن هذا العمل مخصوصٌ)، ... (هذا) هذا اسم أنّ، والعلم بدل أو عطف بيان أو نعت، (مخصوصٌ) هذا خبر، (مخصوصٌ) يعتبر خبرًا عنه، يُقال اختص فلانٌ بكذا، انفرد والشيء اصطفاهُ واختاره، (وأن هذا العلم) قلنا: علم الفرائض مخصوصٌ يعني انفرد، (بِأَنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُفْقَدُ).
(2/16)

وقوله: (بما ** قَدْ شَاعَ فِيْهِ عِنْدَ كُلِّ الْعُلَمَا). هذه يبدُل ما بعدها منها حينئذٍ يفسر ما قبله بما بعده (وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مَخْصُوْصٌ بِمَا)، يعني بالذي جار ومجرور متعلق بقوله: (مَخْصُوْصٌ). (قد) هذه للتحقيق. (شاع) أي: فشا واشتهر، (فيه) أي في هذا العلم وهو علم الفرائض، (عند) هذا متعلق بـ (شاع)، وهو مضاف وكل مضاف إليه، وكُل مضاف و (الْعُلَمَا) بالقصر للوزن مضافٌ إليه، بما قد شاع واشتهر وفشا فيه في ذلك العلم (عِنْدَ كُلِّ الْعُلَمَا) جميع العلما، (بأنه أوّلُ علمٍ يفقدُ ** في الأرضِ) يعني من الأرض، أول علمٍ يُفقد هو علم الفرائض، وردت آثار في ذلك، ولذلك قال: (بأنه). هذا متعلق بقوله: (مَخْصُوْصٌ)، (وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مَخْصُوْصٌ) ويصح أن يكون بدلاً من قوله: (بما ** قد شاع). ما هو الذي قد شاع؟ [ها]؟ (بأنه أول علمٍ يفقدُ)، لأن قوله: (بما ** قد شاع فيه عند كل العلما). نقول: كأن # 58.18 .. عن مذهب الإمام من هو؟ زيدٍ هنا، (بما ** قد شاع فيه عند كل العلما) ما هو؟ (بأنه أوّلُ علمٍ يفقدُ) حينئذٍ الجار والمجرور قد يبدلُ من الجار والمجرور، فيحتمل أن قوله: (بأنه). جار ومجرور بدلٌ من قوله: (بما قد شاع). (بأنه) أي علم الفرائض (أَوَّلُ) وأسبق علمٍ من علوم الشريعة (يفقدُ) أي يذهبُ ويزولُ، يقال فقد الشيء فقدًا فِقْدانًا ضاع منه والمال ونحوه عَدِمَهُ، والثاني مرادٌ. (في الأرض) في بمعنى من، من الأرض، لأن في الأرض دلت على الظرفية {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 11]، يعني: على الأرض وليس المراد سيروا في الأرض يعني في داخل الأرض، وإنما سيروا على الأرض (في الأرض) أي من الأرض (حَتَّى لاَ يَكَادُ يُوْجَدُ) أي يُفقد في الأرض لفقدِ العلماء به، لا بانتزاعِهِ منهم لحديث: «إن الله لا ينتزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال ولكن بموت العلماء».
هنا قال الشارح: وعلمًا بأن هذا العلم هو علم الفرائض مخصوص بما قد شاع فيه عند كل الماء بأنه أول علمٍ يفقدُ في الأرض بالكلية، يعني قد يبقى منه شيء فلا يعارض ما ورد من الآثار، وإنما شاع عند العلماء أنه أول علمٍ يفقد لِمَا رواه ابن ماجه وابن المبارك والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: «تعلموا الفرائض وعلموه، فإنه نصفُ العلمِ، وهو يُنسى وهو أول علمٍ ينتزع من أمتي». رواه البيهقي في سننه، وقال: انفرد به حفص بن عمر وليس بقوي. حديث مضعّف عند أهل الحديث.
ولَمَّا كان علم الفرائض من يشتغلُ به قليل لتوقفه على علم الحساب وتشعب مسائله وارتباط بعضها ببعض كما في مسائل الجد والإخوة وغيره كان عرضة للنسيان، هذا عام في كل فن، فلأجل هذا حثّ - صلى الله عليه وسلم - على تعلُّمِهِ وتعليمه. ولَمّا كان علم الفرائض من يشتغلُ به قليل لتوقفه على علم الحساب وتشعُّب مسائله وارتباط بعضها ببعض كما في مسائل الجد والإخوة وغيره كان عرضةً للنسيان، فلأجل هذا حثَّ - صلى الله عليه وسلم - على تعلمه وتعليمه. قد يكون لأمرٍ ما - الله أعلمُ بحال هذا إن صحّ الحديث -. وأما قوله: فإنه نصف العلم فاختلف في معناه على أوجه أقربها أو المشهور أن للإنسان حالين:
(2/17)

- إما حيّ
- وإما ميت.
إما في حال حياة، وإما في حال موت، وهذا يتعلق بك متى؟ بعد موتك، إذًا هو نصف العلم. علم الشرع كله إما أن يتعلق بحياة الإنسان، وإما أن يتعلق بموته، هذا العلم متعلق بموت الإنسان لا بحال حياته، أقربها أن الإنسان حالتين حالة موت وحالة حياة، وفي الفرائض معظم الأحكام المتعلقة بالموت. وقال ابن عيينة لأنه يبتلى بها الناسُ كلهم. وقيل غير ذلك مما أضربنا عنه خوف الإطالة.
وقد ورد في علم الفرائض أيضًا من الأحاديث والآثار مما يدل على فضله وشرفه أشياء كثيرة فراجعها في المطولات.
إذًا (وَأَنَّ هَذَا الْعِلْمَ مَخْصُوْصٌ)، قلنا: هذا العلم أي العلم الحاضر الآن، وقيل: أل هنا للعهد الذهني لقوله: (عَنْ مَذْهَبِ الإِمَامِ زَيْدِ الْفَرَضِيْ). إذًا كنَّى هناك عن الفرائض بذكر زيد، لأنه زيد كلما ذُكر ذكرت الفرائض بناءً على ما ذُكر، حينئذٍ تكون أل للعهد الذهني لأنه ذكر الفرائض مكنيًّا عنها بزيد بن ثابت، وكونها للعهد الحضوري أولى.
(2/18)

وقوله: (مخصوصٌ بما ** قد شاع). أي مخصوصٌ بالذي قد فشا واشتهر فيه عنه جميع العلماء، وقوله: (بأنه أول علمٍ يفقدُ). هذا بدلٌ من قوله: (بما ** قد شاع فيه). وهذا أولى، ويجوز أن يكون متعلقًا بمخصوص. وقوله: (يفقدْ ** في الأرض). أي: من الأرض بفقد العلماء به لا بانتزاعه من صدور العلماء. وقوله: (حتى لا يكادُ). حتى للغاية إن لوحظ فيها التدريج، يعني بأن يفقد شيئًا فشيئًا، وهذا شأن العلوم، شأن العلوم إذا فُقِدَت لا تفقدُ دَفْعَةً واحدة فإنما تفقدُ شيئًا فشيئًا، ولذلك نص بعضهم على أن العلم قد جاء العموم ليس الفرائض فحسب أنه يُنتزع بموت العلماء، إنما يُبدأ فيه في انتزاع الطرائق المؤدية إلى العلم، وهذا شأنه واقعٌ وحاصل، لأن العلم إدراكه وكونه من العلماء له طريقة، إذا حصل خلطٌ في هذه الطريقة الموصلة إلى العلم لأن الطريقة واحدة متحدة عند أهل العلم لم تصل إلا من هذا الطريق، فإذا حصل خلطٌ في الطريق حينئذٍ أدَّى إلى عدم وجود علماء، وإذا لم يكن كذلك فحينئذٍ ذهب شيءٌ من العلم لأنَّ من يطلب العلم قد يطلب العلم ويطلب، ويطلب ويظن أنه على طلب صحيح وليس الأمرُ كذلك، إذًا أول ما يؤتى شأنه من جهة قبض العلم هو ذهاب الطرائق المشهورة عند أهل العلم، وهذه إذا تأملت الآن موجودة وراسخة. إذًا (حتى لا يكادُ) حتى للغاية إن لوحظ التدريج بأن يفقد شيئًا فشيئًا، وتفريعية إن لوحظ الفقد دفعة واحدة، وهذا لا يكون، والأولى حمله على السابق، (لاَ يَكَادُ يُوْجَدُ)، كاد هل هي كسائر الأفعال نفيها نفي وإثباتها إثبات، أم أنها بالعكس نفيها إثبات وإثباتها نفي، هذا محل نزاع بين النحاة، وعليه نقول: قيل: كاد كغيرها فنفيها نفيٌ وإثباتها إثبات، فإذا قلت: كاد زيدٌ أن يقوم، كاد أي قَرُبَ زيدٌ أن يقوم حينئذٍ هنا فيه إثبات وفيه نفي، القيام منفي، والقرب هذا مثبت، لأن كاد هنا لم يسبقها حرف نفي، مثل قام، قام زيدٌ هنا فيه إثبات القيام، لو قلت: ما قام زيدٌ فيه نفيٌ للقيام، كاد مثلها (لا يكادُ)، (يكادُ) إذًا نفيها نفي وإثباتها إثبات، هذا قولٌ لبعض أهل العلم، والمشهور خلافه، فإذا قلت: كاد زيدٌ أن يقوم فالمعنى قَرُبَ زيدٌ من القيام.
(2/19)

فالقَربُ من القيام ثابت لأن كاد فعلٌ ولم يدخل عليها نافي، حينئذٍ كاد أي قرُبَ من الفعل والقَرب موجود والفعل الذي هو القيام غير موجود، وهذا واضحٌ بيّن، فالقُرب من القيام ثابتٌ، لكن القيام نفسه غير ثابت، وإذا قلت بالنفي لا يكادُ زيدٌ يقوم حينئذٍ نفيت القُرب مع نفي القيام من بابٍ أولى، نفيت القُرب لا يكاد لا يقرب إذًا المنفي ليس بثابت كالأول، لا يكاد زيدٌ يقوم فالمعنى لا يقرب زيدٌ من القيام، فالقُرب من القيام منفيٌ وكذا القيامُ بالأولى ولذلك كان قوله تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40]. أبلغ من أن يقال لم يَرَهَا {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} هذا نفيٌ للقربان للقُرب، وأما لم يرها هذا نفيٌ مباشر وذاك أولى، وهذا كقوله أيضًا: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} [الإسراء: 32]. فإنه نهى عن القربان، أليس كذلك؟ فهو دليلٌ على أن الزنا من باب أولى وأحرى، أليس كذلك؟ إذا حرّمَ الوسيلة الموصلة إلى الزنا فتحريم الزنا من أولى وأحرى هذا واضح. وقوله: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى}. أبلغ من قوله لا تزنوا مثلاً، لأن ذاك نص في نفي الفعل والنهي عنه وهذا نص فيه، وفيه زيادة وهو النهي عند قربانه وهذا دليلٌ على أنه محرمٌ من باب أولى، والمشهور عن النحاة أن إثباتها نفيٌ ونفيها إثبات على عكس غيرها، وكلام المصنف حينئذٍ يحملُ على أي القولين ... (حتى لا يكادُ يوجدُ) على أي القولين؟
على الأول. فنفيٌ للقُرب من الوجود. لو قيل: لا يكادُ نفيُ كاد إثبات هذا مخالفٌ للنصوص، أليس كذلك؟ لأن نفيها إثبات، وجاء أنه ينتزع ويُنْسى حينئذٍ كيف يقال لا يكادُ يوجد ونفي كان إثبات، حينئذٍ يكون موجودًا في الأرض على عكس ما ورد في الآثار، وليس هذا مراد الناظم حينئذٍ يحمل قوله: (لا يكادُ يوجدُ). على القول الذي ذكره البيجوري وغيره بأن كاد كسائر الأفعال نفيها نفي وإثباتها إثبات، وأما لو حملناه على المشهور عند النحاة حينئذٍ صار فيه مضاد لِمَا اشتهر من أن علم الفرائض لا يوجد بمعنى أنه يُنْتَزَع ويُنسى من الأرض. وكلام المصنف على القول الأول لأنه يقتضي على القول الثاني أنه يوجد، لأن كاد للنفي وقد دخل عليها النفي، ونفي النفي إثبات، وهذا فيه معارضةٌ لما سبق.
بأنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُفقَدُ ... في الأرضِ حَتَّى لا يَكَادُ يُوجدُ

فقوله: لا يكادُ يوجدُ، أي يقربُ من عدم الوجود، لأن كان من أفعال المقاربة، وظواهر الأحاديث أنه يفقد حقيقةً، وهذا القول بناءً على أن لا النافية داخلةٌ على يكاد.
ثمَّ قول آخر من توجيه قول الناظم هو أن (لا) هنا ليست داخلة على كاد، وإنما دخلت على يوجد (حَتَّى لاَ يَكَادُ يُوْجَدُ) حتى يكاد بدون لا، لا يوجدُ حينئذٍ لا هنا مسلطة على ماذا؟ على كاد أو على خبرها؟ على الخبر، ولا إشكال لئلا يقع معارضة بين هذا النص مع ما اشتهر.
إذًا أفادنا المصنف بأن علم الفرائض قد خُصَّ بالأمر الذي شاع عند أهل العلم بناءً على الحديث الذي ذكرناه - وفيه ضعف - لأنه أول وأسبق علمٍ في الأرض يُفْقَدُ يعني يفقد من الأرض حتى لا يكاد يوجد، لا يقرب وجوده البتة، وهذا نفيٌ له حقيقة.
وأنّ زيدًا خُصَّ لا مَحَالَةْ ... بما حباهُ خاتَمُ الرسالةْ
(2/20)

(وأن زيدًا) هذا معطوفٌ على قوله: (أَنَّ هَذَا الْعِلْمَ) كلٌّ معطوف على ما سبق (وأن زيدًا) يعني الإمام المذكور زيدًا الفرضي.
(وأن زيدًا خصّ)، (خصّ) أي خصه الله تعالى وميزه عن بقية الصحابة (بما حباه) يعني: بالذي حباهُ، (حباهُ) يعني أعطاهُ، (خاتمُ الرسالة) وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتمُ الرسالة، والنبوة من قوله: (في فضله منبها ** أفرضكم زيدٌ). إذًا خُص بقوله: (أفرضُكُم زيدٌ). فأثبت له أنه أعلم الصحابة بعلم الفرائض والمواريث، ولكن هذا ذكرنا أنه إذا صح الأثر وإلا فيه ضعفٌ. (وأن زيدًا خُصَّ) من بين الصحابة - رضي الله عنهم - (بما) جار ومجرور متعلق بقوله: (خُصَّ) وهي اسم موصول بمعنى الذي، والباء هنا داخلة على [الموصول] كما هو الكثير في شأن مثل هذه التراكيب، (حباهُ) أعطاهُ والضمير هنا يعود على ما الاسم الموصول والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول، (خَاتمُ الرِّسَالَهْ) هذا فاعل، وخاتمُ الرسالة مضاف ومضاف إليه، وفيه اكتفاء أي والنبوة (خاتمُ الرسالة) والنبوة لماذا؟ لأنه كما سبق النبوة أعمّ من الرسالة، فإذا ختم الرسالة لا يلزم منه ختمُ النبوة، وإذا ختم النبوة حينئذٍ يلزم منه ختم الرسالة، إذ نفيُ الأعم يستلزم نفي الأخص، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، حينئذٍ لا بد من قولنا بأن ثمَّ اكتفاءً في كلام الناظم. (خاتمُ الرسالة) والنبوة، (خاتم الرسالة) أي ذويها وهم المرسلون، والنبوة أي ذويها وهم الأنبياء، وفي الكلام مضاف محذوف.
(2/21)

قوله: (لا محالة). قال ابن الأثير رحمه الله في النهاية: أي لا حَيْلَة - حَيْلة على وزن فَعْلَة فَيْلَة فَعْلَة فالياء هنا أصلية حَيْلَة فعلة بفتح الحاء - لا حيلة ويجوز أن يكونَ محالةً من الحول والقوة، يعني حيلة ومحالة مشتق من الحول، والمراد بالحول القوة، فقوله من الحول والقوة ليس المراد أنه مشتق منهما، لا، كيف يشتق من الحول ومن القوة، وهو فيه الحاء والياء واللام والتاء، فالمادة موجودة في الحول، لكن القوة هذا العطف عطف تفسير على ما سبق، فالحول يفسر بالقوة، لا حول ولا قوة إلا بالله. إذًا لا حيلة ويجوز أن يكون محالةً من الحول والقوة، يعني مأخوذٌ من الحول، والمعنى على هذا أن تخصيص زيد بما ذكر لا حيلة له فيه ولا قدرة عليه، يعني هبة عطية من الله عز وجل محضة ليست لكسبه ولا من فعله ولا برضاه، وإنما الله عز وجل جعله هكذا (لا محالة) يعني لا حيلة له فيه لا قوة، حينئذٍ هذا الذي جاءه العلم من عند الله عز وجل عطية ليس من كسبه ولا باختياره. أو وهذا لخلاف تفسير الحيلة أو الحركة يعني لا حركة له فيه، (لا محالة) لا حركة له فيه، وهو موافقٌ لما سبق يعني لم يتحرك ويتسبب من أجل أن يصل إلى إتقان هذا الفن. والمحالة كما قال هنا: (لا محالة). وزنها مَفْعَلَة على وزن مفعلة، منهما من الحيلة والحول فيقال: مَحِيلَة ومَحُولَة، الأول يائي والثاني واوي، وأكثر ما تستعمل بمعنى اليقين يعني كلمة لا محالة هكذا مركبة بمعنى اليقين، فقوله: (وأن زيدًا خص) يقينًا (بما حباهُ) أو بمعنى الحقيقة (وأن زيدًا خص لا محالة)، يعني حقيقة بما حباهُ، أو بمعنى لا بُد، لا بُد يعني لا فرار ولا مناص (وَأَنَّ زَيْدَاً خُصَّ لاَ مَحَالَه) لا فرارَ ولا مناص عما خصه الله عز وجل (بما حباه خاتمُ الرسالة) والميمُ زائدة فيكونُ المعنى كما قال الشارح هنا: (وأن زيدًا خص). حقيقة أو يقينًا أو لا بُدّ وهذا التنويع ماذا؟ تنويع للخلاف بتفسير قوله: لا محالة. إذًا هي مشتقة من الحول وأصلها ذا حيلة، وخاتم الرسالة والنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. (من قوله) هذا بيان لما حباهُ، ما هو الذي حباهُ؟ يعني الذي أعطاهُ؟ [ها] ما الذي أعطاه هذه تزكية شهادة (أفرضكم زيد) هذه مثل الشهادة الآن [ها] أفرضكم زيد مبتدأ وخبر، والجملة محكية من قوله: (أفرضكم زيد). هذا مقول القول في محل نصب لأنه معمول لقوله، من قوله عليه الصلاة والسلام وهذا يعود على خاتم الرسالة هنا في فضله يعني في بيان فضله، وهو زيد بن ثابت (مُنَبِّهَا) هذا حال من الضمير المضاف إليه فضل وهو مصدر، (فَضْلِهِ مُنَبِّهَا) حال من الضمير، وشرطه موجود وهو كون المضاف مما يجوز عمله وهو مصدر هنا إلا إذا اقتضى المضاف عملاً، وهذا مما يقتضي المضاف العمل فيما بعده، حينئذٍ فضله نقول الضمير هنا في محل نصب.
(2/22)

(مُنَبِّهَ) التنبيه لغة الإيقاظ يقال: نبهته بمعنى أيقظته (أفرضكم زيدٌ) أي أعلمكم بالفرائض والخطاب للصحابة فلمن بعدهم من بابٍ أولى، أفرضكم زيدٌ، وناهيك بها، حسبك بها هذه الشهادة، ناهيك بها، ناهيك مبتدأ وخبر، يعني: ناهيك بها مرتبة ومنقبةً، يحتمل أن ناهيك مبتدأ والضمير خبر، زيدت فيه الباء ناهيك بها، والمعنى الذي نهاك عن أن تطلب غيره في بيان فضل زيدٍ هذه الشهادة، لا تطلب غير زيد من الصحابة في كونك تتبعه في فن الفرائض، لماذا؟ لأن هذه الشهادة من النبي - صلى الله عليه وسلم - نهتك عن أن تطلب هذا الطلب، أو بالعكس والمعنى هذه الشهادة تنهاك عن أن تطلب غيرها، ويحتمل أن الضمير فاعل الوصف على حدِّ فائزِ أُولو الرشد
ناهي هذا اسم فاعل، (ناهيك بها) والضمير يحتمل أنه فاعل، والباء هذه زائدة. إذًا (ناهيك) مبتدأ والها فاعل وهذا جائزٌ على غرر ما ذهب إليه ابن مالك:
فائزٌ أولو الرشد
وتكون الباء زائدة في الفاعل. إذًا (من قوله) هذا متعلق بقوله: (حباه). أو بيان، بيان لقوله: (بما حباه). وحباه معناهُ أعطاهُ، والحبوة العطية الشيء المعطى، والحِباء أو الحَبَاء نفس الفعل العطاء، ولذلك يقال: حبا فلان وحبوةً أعطاه، والْحِباء ما يحبو به الرجل صاحبه ويكرمه به، والحبوةُ العطية. قوله هنا: (مُنَبِّهَا) على فضله وشرفه (أفرضكم زيدٌ) وذكر ابن الصلاح أن الترمذي والنسائي وابن ماجه رووه بإسنادٍ جيد، وقال: هو حديثٌ حسن. الحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وحسنه ابن الصلاح وضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية. (أفرضكم زيدٌ) هذا الحديث ذكر فيه مجموعة من الصحابة وميَّز بعض الصحابة ببعض العلوم، لكن الشيخ الإسلام بن تيمية ضعفه كما ذكرناه. وروى الترمذي في جامعه بإسناد صحيح عن أنس - رضي الله عنه - بلفظ: «أعلمُ أمتي بالفرائض زيدُ بن ثابت». وإنما قال ذلك - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن الهائم نقلاً عن الماوردي رحمه الله تعالى قال: للعلماء في ذلك خمسة أوجه وعدّها إلى أن قال: الخامس أنه قال ذلك لأنه كان أصحهم حسابًا وأسرعهم جوابًا. يعني علم الفرائض مبني على الحساب والضعيف في الحساب ضعيف في الفرائض، الذي لا يعرف الضرب والقسمة إلى آخره هذا ضعيف في الفرائض، حينئذٍ لما كان زيد بن ثابت أسرعهم في معرفة الحساب صار أعلمهم بهذا الفن، وهذا حقٌ يعني من كان كذلك حينئذٍ يكون فقيهًا في الفرائض. ثم قال الماوردي: من أجل هذه لم يأخذ الشافعي رضي الله عنه إلا بقوله رضي الله عنه.
والله أعلم وصلَّى لله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(2/23)

عناصر الدرس
* تتمة شرح المقدمة.
* المبادئ العشرة.
* الحقوق المتعلقة بالتركة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
وقفنا عند قول الناظم رحمة الله تعالى:
وأنّ زيدًا خُصَّ لا مَحَالةْ ... بما حَبَاهُ خاتَمُ الرِّسَالَةْ
مِنْ قَوْلِهِ في فَضْلِهِ منَبِّهَا ... أَفْرَضُكُمْ زيدٌ وناهِيْكَ بِهَا

أراد بهذين البيتين يُبين أن زيد بن ثابت الصحابي الجليل هو أولى بالإتباع من غيره من الصحابة حيثُ إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أعطاهُ تزكية وشهادة حيث قال عليه الصلاةُ والسلام: «أفرضكم زيد». فأعلمكم بالفرائض والمواريث هو زيد، لكن كما ذكرنا الحديث فيه نظر فيه ضعف، ثم لو ثبت حينئذٍ يكون الْمَرَدّ إلى الدليل فما قاله زيد يُنظرُ في دليلِهِ فإن وافق الدليل فحينئذٍ أُخِذَ به، وإن خالف حينئذٍ قد يكون القولَ مع غيرِه، لذلك حصل نزاع في بعض المسائل الفرضية، زيد وابن عباس وعلي بن أبي طالب وغيرهم، حينئذٍ الخلاف إذا وقع بين الصحابة مطلقًا في الفرائض وفي غيرها حينئذٍ يكون المردُّ إلى الدليل، ولا يصِيرُ قولُ واحدٍ منهم حجةً على آخر، وكذلك لا يصِيرُ حجةً على من بعده، لأن الخلاف في حجيّة قول الصحابي إنما هي إذا لم يكن له مخالف، حينئذٍ إذا وُجِدَ المخالف رجعنا إلى الدليل، وهذا عِلْمٌ شرعي كما ذكرنا فيما سبق قد قسّم الله عز وجل المواريث حينئذٍ فما كان ظاهرًا في القرآن هو معمولُ به، وإن وُجِدَ سنة مبيّنة، أو موضحة، أو مُقَيِّدة، أو زائدة على ما ورد في القرآن حينئذٍ أُخِذَ بها، وما وُجِدَ إجماعُه من الصحابة فهو المعمولُ به، وما وُجِدَ الخلاف فحينئذٍ تجري عليه قاعدة الخلاف وهو النظر في أدلة أقوالهم، فمن وافق الدليل أُخِذَ بِهِ ومن لم يوافق الدليل حينئذٍ يُتركُ قوله، وهذه قاعدة عامة.
(3/1)

فزيدُ بن ثابت إن صحّ أنه أفرض الصحابة حينئذٍ يكون النظرُ فيه كالنظر في غيره من الصحابة وخاصةً إذا اختلفوا، (مِنْ قَوْلِهِ)، يعني: النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتم الرسالة، (في فَضْلِهِ) في بيان فضله على غيره من الصحابة، (مُنَبِّهَا)، يعني: موقظًا أيقظ بهذا القول أذهان العلماء بأن يتجهوا إلى هذا الذي زكاهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين في شهادته أنه أولى بالإتباع، (أَفْرَضكُمْ زَيْدٌ) أفرضكم بفتح الضاد هذا مقولُ القول، (مِنْ قَوْلِهِ) (أَفْرَضكُمْ زَيْدٌ) أي أعلمكم في الفرائض زيد بن ثابت الخزرجي كما مرّ معنا في ترجمته (وَنَاهِيْكَ بِهَا)، يعني حسبُك بهذه الشهادة مرتبة ومنقبة لزيدٍ، وهذا لا شك إذا بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أعلمُ الصحابة بالفرائض حينئذٍ هو الأولى بالإتباع، لكن كما ذكرنا هذا الحديث رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وحسنه ابن الصلاح وضعفه شيخُ الإسلام ابن تيمية، ابن صلاح حسنهُ، ابن الصلاح يُغلقُ باب الاجتهاد في الحكم على الحديث بالصحة أو عدمها، وينقل العلماء عنه التحسين، وهذا محل النزاع بينهم، ما مراده إذا قيل حسنه، ثم قال تحسينه لأنه مقلّدٌ في هذا الباب، حسنه ابن الصلاح، يعني: نقل تحسينهُ، وقيل: لا، المراد أنه أغلق باب الاجتهاد في التصحيح أما في التحسين فلا. هذان قولان في تخريج ما يقالُ فيه حسَّنه ابن الصلاح، لأنه لا يرى أن الاجتهاد أو أهل عصره أهلٌ لـ أو أهلاً للنظر في الأسانيد ونحو ذلك فيحكمون على الحديث بكونه صحيحًا، أو ضعيفًا، أو حسنًا، وإذا نقل عنهم حينئذٍ كيف؟ هو حكم بأنهم ليسوا أهلاً وهو من ذلك العصر، حينئذٍ على نفسه من باب أولى، فكيف يحسنُ الحديث؟ قالوا: نَقَلَ تحسينهُ عن غيرِهِ، وأُجيب أيضًا بجواب آخر أنه مَنَعَ التصحيح، وأما التحسين فهذا محل اجتهاد، والصواب في المسألتين تصحيح وتحسين أنه الباب مفتوح ما زال، ما زال البابُ مفتوحًا لمن كان أهلاً للنظر في الأسانيد والصحة والحُسْن والضعف ونحوِ ذلك، إذًا حسنه ابن الصلاح وضعفه شيخُ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو ضعيف كذلك، ولو صح حينئذٍ لا يكون أفرضكم زيد بكونه حجةً على غيره، يعني: يُحمل على هذا (أَفْرَضُكُمْ)، يعني: أعلمكم وأكثركم اهتمامًا بهذا الفن، وليس لازم أن يكون حجةً على المخالف، حينئذٍ يكون المرد إلى النص وخاصةً إذا وقع النزاع بين الصحابة.
(وَنَاهِيْكَ بِهَا) قلنا: ناهيك بها، ناهيكَ ناهي هذا اسم فاعل من النهي ناهيك بها يحتمل أن ناهيك مبتدأ والضمير بها ها الضمير هنا خبر زِيدَتْ فيه الياء، الباء زائدة تُزاد في الخبر، ولكنها ليست قياسية هنا ليست قياسية، وإنما تزاد في خبر ماذا؟ خبر ما النافية وما ألحق بها، وأما في حال الإثبات فليس بقياس، والمعنى الذي نهاك عن أن تطلب غيرهُ في بيان فضل زيد هذه الشهادة، أو بالعكس، والمعنى: هذه الشهادة تنهاك أن تطلب غيرها، ويحتمل أن الضمير فاعل الوصفِ، الوصف ما هو الوصف؟ ناهي، على حدِّ قول ابن مالك:
فائزٌ أولو الرشد
(3/2)

وتكون الباء زائدة في الفاعل ناهيك بها وفسرها هنا الشارح بقوله: أي بهذه الشهادة من سيد البشر خاتم الرسل - صلى الله عليه وسلم -، أي: حسبك بها، حسبُ بمعنى كافي، حسبُ فيها كلام طويل ذكرناه في شرح الألفية لكن المراد هنا بمعنى كافي، كافيك حسبك بها، أي: كافيتُك هذه الشهادة، فالباء زائدة كذلك حسبُك بها، ويحتمل أن حسب هنا بمعنى الكفاية والباء متعلقة بمحذوف والمعنى كفايتُهُ حاصلةٌ بها، لأنها غايةٌ تنهاك عن أن تطلب غيرها فهي تكفيك.
فَكَانَ أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي ... لاسيِّمَا وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي

(فَكَانَ) الفاء للسببية، إذًا إذا علمنا أن أفرضَكم زيد حينئذٍ [نعم نعم] (منبهًا ** أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ) بالنصب (منبهًا) النبي - صلى الله عليه وسلم - (أفرضَكم زيد) فيكون بالنصب على أنه مفعول به لـ (منبهًا) وإذا أُريدَ الحكاية أفرضُكم يجوزُ فيه الوجهان، (فَكَانَ أولَى) الفاء هذه سببية، يعني: فتسبب عمّا سبق من كونِ زيد أفرضَ الصحابة وأعلمهم بالمواريث والفرائض، حينئذٍ لا شك أنه إذا كان كذلك هو أولى بالإتّباع لمن أراد أن يقلِّد ولمن أراد أن يتبع حتى في الاستدلال، التقليد في الاستدلال حينئذٍ الصحابي الجليل زيد بن ثابت أولى، (فَكَانَ)، أي: فتسبب على هذه الشهادة كون زيدٍ أحقَّ من غيره بما ذكره المصنف وهو قولُهُ: (بإتَّبَاعِ التَّابِعِي). أي: بأن يتبعهُ من أراد أن يتبع واحدًا من الصحابة مثلاً، فإذا أردت أن تَتَّبِعَ شخصًا واحدًا من الصحابة فزيدٌ أولى، لماذا؟ لوجودِ هذه الشهادة والمنقبة والمرتبة من النبي - صلى الله عليه وسلم - بكون زيدٍ أفرضَ الصحابة وأعلمهم بعلمِ المواريث، (فَكَانَ أولَى) فكان هو، الضمير هنا اسم كان يعود على زيد، فكان زيد بن ثابت أولى، هذا خبْر، خبرُ كانَ، أوْلى من غيرِهِ حذف متعلق، من غيره من الصحابة فضلاً عن غيره، الذي أراد أن يقلّد شخصًا فزيدٌ أفضل وأولى من غيره من الصحابة فضلاً عن غيرهم فبدلاً من أن تقلد أبا حنيفة أو مالكًا، أو الشافعي، أو أحمد، فزيدٌ هذا أولى لاشك، لأن هؤلاء أئمة ولا شك ولكنهم لم ينالوا منقبةً كزيد من جهة كونه صحابيًّا أولى أولاً، ومن جهة وجود هذه التزكية وهذه الشهادة من النبي - صلى الله عليه وسلم -، (فَكَانَ أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي).
(3/3)

(التَّابِعِي) من هو التابعي؟ هو من اجتمع بالصحابي وأخذ عنه، (أولَى بإتَّبَاعِ)، يعني: بمتابعة، (التَّابِعِي)، (التَّابِعِي) من هو؟ إما أن نجعله التابعي الخاص المصطلح عليه عند أرباب الحديث المصطلح بأنه من اجتمع بالصحابي وأخذ عنه، وإما أن نجعل أل هنا للجنس حينئذٍ تَعُمُّ كل من أراد أن يتبع شخصًا فيكون زيد أولى بالإتباع، واضح هذا؟ (فَكَانَ أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي) التابعي وتقليد المقلَّد، حينئذٍ من أراد أن يقلّد إمّا أن يقلّد صحابيًّا أو غيره، قال لك: الأولى أن تقلّد زيد بن ثابت، وهل أنت من التابعي؟ نعم لأنك أردت أن تتبع غيرك فيصدق عليك أن تابعيٌّ، إذًا خلاصة قوله: (بإتَّبَاعِ التَّابِعِي). (التَّابِعِي) إما أن يراد به المصطلح الخاص عند أهل الحديث، وهو: من أدرك الصحابي وأخذ عنه، أو اجتمع بالصحابي وأخذ عنه، وإما أن يراد به جنس التابعي، فيشمل التابعي بالمعنى الخاص وغيره، لأن المراتب هكذا صحابيٌ، ثم تابعي، ثم تابع التابعي، ثم أتباع أتبَاع الأتباع وهلمَّ جرّا.
(فَكَانَ أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي) قال بعضهم: ما لم يكن الدليل على خلافه. هذا واضح بيِّن، وهم من يريدوا أنهم يقلّدوا خاصة الأئمة الكبار أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، هؤلاء عندهم المتابعة بالدليل، وليست المتابعة بالمعنى الأخص عند المتأخرين التي هي أخذُ القول دون نظرٍ في دليل، لا التقليد عند المتأخرين ليس هو كسابِقِهِ.
أولاً: كان يؤخذ القول تحريم تحليل، يرث لا يرث ... إلى آخره مع النظر في دليله، وهذا هو الإتباع، وأما النظر والأخذ بالقول فحسب، يعني: بالحكم دون النظر في الدليل هذا يسمى ماذا؟ يسمى تقليدًا، والأصل في التقليد التحريم، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يقلّد غيره في أخذ الأحكام الشرعية إلا لضرورةٍ، وكونه ليس أهلاً للنظر في الأدلة الشرعية يعتبرُ ضرورةً، لأن العوام حكمهم، العوام ما حكمهم؟ التقليد، حكمهم يجبُ أن يقلد، ويحرم عليه أن ينظر في الكتاب والسنة الأدلة مباشرةً، كيف نقول: يحرم التقليد؟ ثم نقول: يحرم عليه النظر في الكتاب والسنة والاستنباط؟ نقول: نعم، النظر في الكتاب والسنة واجبٌ بشرطه كالدخول في الصلاة، صلاة الظهر واجبة بشرطها وهو الطهارة مثلاً وسائر الشروط، كذلك النظر في الأدلة الكتاب والسنة جائز واجبٌ لكنه بشرطه وهو تحصيل الأهلية أن يكون أهلاً للنظر بأن يستجمع شرائط النظر في الكتاب والسنة، ليست المسألة هكذا عقلية ينظُر يفتح القرآن ويستنبط ما شاء، لا، لا بد أن يكون أهلاً للنظر بأن يكون عنده من لسان العرب ما يكفيه ومعرفة الخلاف والإجماعات ونحو ذلك مما يذكرُ في الأبواب المتأخرة في أصول الفقه، حينئذٍ نقول: (أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي). فالأئمة الأربعة كونهم إذا قلّدوا غيرهم من الصحابة مرادهم به الإتباع، يعني: الأخذُ بالقول مع النظر في الدليل، وقوله: (لاسيما وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي). الشافعي ليس مقلدًا لزيد بن ثابت، وإنما هو ناظرٌ في أقواله معتمدًا أدلتَهُ، يعني: يكون ثَمَّ نظران.
نظرٌ في القول كونه حكم بالتوريث أو لا.
ونظر آخر فيما أعتمد عليه زيد.
(3/4)

أي لا تحفظ أقواله هكذا تكون مُرسَلَة مطلقة دون اعتمادٍ على دليل لا، لا بد أن يكون له دليل وإلا يعتبرُ حُجةً إلا إذا أعتضد بشيءٍ آخر وهو كونه لم يخالفه صحابي آخر، حينئذٍ يكون الترجيح إذا اعتبرناه إجماعًا سكوتيًّا يكون الترجيح لا بالنظر إلى قولِ زيد فحسب، وإنما لكون ماذا؟ لكون عدمِ وجودِ مخالفٍ له، حينئذٍ الحجة لا تكون بذاتِ القول، وإنما لشيء مركب.
أولاً: وجود قوله.
وثانيًا: عدمُ المخالف بالنظر إلى هذين الشيئين المركب حينئذٍ حكمنا بحجية هذا القول.
فالقول الذي أثر عن زيد لا يعتبر حجةً في نفسه إلا إذا صاحبه عدم وجود مخالف من الصحابة، وهذا يسمى بالإجماع السكوتي، وهو محل خلافٍ عند الأصوليين هل هو حجة أو لا؟ هل هو قطعي أو ظني؟ إلى آخرِ ما يذكرُ هناك، (فَكَانَ) زيد بن ثابت، (أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي) ما لم يكن الدليل على خلافه لا نطلق هكذا القاعدة (فَكَانَ أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي) مطلقًا ولو وُجِدَ دليل يخالفُ زيد؟ لا، ليس هذا المراد.
قال في الشرح هنا: لماذا الأولوية؟ علّلها بأمرين هذه الأحاديث لوجودِ هذا النظر، قال: أقواهما هذه الأحاديث الواردة في فضل زيد «أفرضكم زيد». وإذا قلنا بأنها ضعيفة انتهينا سقط هذا المرجّح، وهذا المقوي.
(3/5)

ثانيًا: أنه ما تكلم أحدٌ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفرائض إلا وقد وجد له قولٌ في بعض المسائل قد هجره الناس بالاتِّفاق إلا زيد، فإنه لم يقل قولاً مهجورًا بالاتّفاق، وذلك يقتضي الترجيح كما قال القفّار رحمه الله، وذلك لا يقتضي الترجيح، بل الصواب أنه لا يقتضي الترجيح، كونُهُ لم يهجر قوله مطلقًا أو [ما من مسألة إلا] ما من رجلٍ تكلم من الصحابة في الفرائض إلا وقد هُجِرَت بعضُ أقواله إلا زيد، هل هذا مُرجّح؟ نقول: لا ليس مرجّح. لماذا؟ لأن الترجيح إنما يكون بالنظر في الكتاب والسنة وما اعتمد عليه قوله، وكونه قد هُجِرَ بعض أقول الصحابة ممن تكلموا في الفرائض ولم يهجر قولٌ لزيد لا يدلُّ على الترجيح، لماذا؟ لأنه حينئذٍ يكون الترجيح بغير مرجح صحيح فليس كل باب التراجيح الذي يذكر في الأصول يكون معتمدًا لا، لا بد من أن يكون الترجيح قد دل على اعتماد هذه الطريقة إما نص وإما استنباط من كتابٍ أو سنة، على كلٍّ هذين الأمرين الذين ذكرهما الشارح لا يلتفت إليهما، والقاعدة ما ذكرناه سابقًا أن زيدًا كغيره، وإن كان ثبت إن صحّ هذا الحديث حينئذٍ يكون أكثرهم اهتمامًا بعلم الفرائض، ولا شك أنه إذا اهتم شخص بعلمٍ ما حينئذٍ يكون قد فهم أصوله وفروعه ومتمِّماتَهُ فيكون قوله أقرب لا لذاته وإنما لكونه أقرب للفن، وكلما كان الطالب أو من يتكلم في الفن أقرب إلى الفن كان أكثر صوابًا، فالذي يمارس الفقه صباح مساء لا شك أنه أكثر من الذي لا يمارسه، والذي يمارس التصحيح والتضعيف أكثر حينئذٍ يكون أقرب إلى الصواب من غيره وهلمّ جرّا، إذًا لا لذات الشخص، وإنما لكونه قد تلبس بالفن أكثر من غيره وهذا الذي يُعنى عند المتأخرين وأهل العلم بالتخصص لأن قوله في فنِّه حينئذٍ يكون أقوى، لا لذاته وإنما لكثرة اتصاله بالفن، ولذلك قال ابن حجر: إذا تكلم الرجل في غير فنِّه أتى بالعجائب. يعني: إذا تكلّم في شيء ليس من أهله، يعني: ليس موطِّنًا نفسه على الفن أتى بالعجائب، الله المستعان.
(3/6)

(لاسيما وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي)، (لاسيما وَقَدْ نَحَاهُ) هذا تأكيد، يعني: كأنه زادك مرجَّحًا آخر، هُنا جاءت المذهبية، يعني: النصوص السابقة تؤكد أن زيد هو أولى بالإتباع، ثم مرجِّح ثالث على ما ذكره الشارح وهو كونُ الشافعي وأنت شافعيُّ المذهب قد نحا مذهب زيد، حينئذٍ تتبَّعُهُ لكونك متبعًا للشافعي، (لاسيما وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي) (لاسيما) كلمةٌ تستعمل لترجيح ما بعدها على ما قبلها، وهل هي من أدوات الاستثناء أو لا؟ عند الكوفيين نعم من أدوات الاستثناء، والصواب أنها ليست من أدوات الاستثناء وهو مذهب سيبويه وجمهور البصريين أنها ليست من أدوات الاستثناء وهذا هو الصحيح، بل هي مضادة للاستثناء فإن الذي بعدها داخلٌ فيما دخل فيه ما قبلها (فَكَانَ أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي) من ضمنهم الشافعي، أليس كذلك؟ دخل الشافعي في هذه أو لا؟ دخل (لاسيما وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي) تنصيصٌ بما دخل، تأكيد، ليس فيه الاستثناء، الاستثناء فيه إخراج، يعني: ما بعده ما بعد الأداة ليس داخلاً فيما قبله، جاء القومُ إلا زيدًا، زيدًا ليس من القوم هنا (فَكَانَ أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي) دخل فيهم الشافعي (لاسيما وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي)، إذًا ترجيح لما بعدها عما قبلها، فيزيد حثًّا على متابعة زيد لكون الشافعي قد اختار مذهب زيد دون غيره من الصحابة، فإن الذي بعدها داخلٌ فيما دخل فيه ما قبلها ومشهودٌ له بأنه أحق بذلك من غيره، (لاسيما) يعني لا مثل هذه الشهادة، (لاسيما) بنصب سيَّ (لاسيما) بنصب سيّ، بلا النافية للجنس لأنه مضاف، لأنه مضافٌ ونكرة، فلا نافية للجنس، وسيَّ اسمها وما موصولة مضافٌ لها (لاسيما) سيَّ هذا نكرة وهو مضاف، مضاف نكرة، وما اسم موصول بمعنى الذي مثل: لا صَاحِبَ دَارٍ، لا صَاحِبَ عِلْمٍ مَمْقُوتٌ. ما حكمُ صاحب هنا؟ ما حكمه من حيثُ الإعراب؟
.
ما حكمه من حيث الإعراب؟ هذا نوعه، منصوب، الحكمُ من حيث الإعراب النصب (لاسيما)، إذًا سيَّ هذا منصوب، وهو نكرة منادى مضاف، وما اسم موصولٌ بمعنى الذي مضافٌ إليه، أو ما زائدة، ما تعتبر زائدة، أي: لا مثل لهذه الشهادة، فتكون تأكيدًا لها، أي: للشهادة، تكون تأكيدًا للشهادة، (لاسيما) قال: (وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي). (وَقَدْ نَحَاهُ) الواو هنا واو الحال، (وَقَدْ) للتحقيق، و (نَحَاهُ الشافِعِي) جملة فعلية، نحا فعلٌ ماضي، و (الشافِعِي) فاعل، والهاء الضمير هنا متصل مبني على الضم في محل نصب مفعول به.
لاسيما زيدٌ، لاسيما زيدٍ، لاسيما رجلاً، يأتي بعدها اسمٌ مفرد وهنا جاء بعدها جملة، (لاسيما) ما جاء بعدها مفرد، جاء بعدها ماذا؟ جملة، وهل يصح أولا يصح؟ الصحيح صحة وقوع الجملةِ بعد سيَّما هذا هو الصحيح، وهذا ورادٌ في لسان العرب، الصحيح وقوع الجملة بعدها كما ذكره الناظم هنا (لاسيما وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي) والمعنى هنا خصوصًا، أي: أَخُص زيدًا الأولوية الإتباع خصوصًا، (لاسيما وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي) والمعنى هنا خصوصًا، أي: أخص زيدًا بأولوية الإتباع خصوصًا، والحالُ والشأنُ أنه قد نحاهُ الشافعي، فثَمَّ خصوصيتان لزيد:
خصه بما سبق من النصوص.
(3/7)

وخصَّه بزيادةٍ أخرى، وهي كون الشافعي الإمام المعروف قد نحاهُ.
يعني: مال إلى مذهبه، فصاحب الحال محذوف، [وإذا وقع بعدها] هذا إذا وقع بعد جملة، وإذا وقع بعدها اسمٌ مفرد لا سيما زيدٌ، لاسيما زيدٍ، لاسيَّما رجلاً، تأخُذَها؟ لا سيَّما زيدٍ إذا وقع بعدها اسمٌ جاز فيه الجرُّ بإضافة سيّ إليه فتكون ما زائدة، فتكون فاصلة بين المضاف والمضاف إليه، لاسيما زيدٍ، مثل: لا غلامَ زيدٍ، ففصلت ما الزائدة بين المضاف والمضاف إليه، لاسيَّ ما زيدٍ لاسيَّ زيدٍ هذا الأصل، لاسيّ زيدٍ، زيدت ما ففصلت بين المضاف والمضاف إليه، لاسيما زيدٍ، فتكون ما حينئذٍ مزيدة، ويجوز فيه الرفع، لاسيما زيدٌ هو زيدٌ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، لاسيما زيدٌ خبر لمبتدأ محذوف والجملة صلة لما، إن كانت موصولة أو صفة؟ إن كانت نكرة أحسنت، لاسيما زيدٌ لاسيّما هو زيد، حينئذٍ ما هذه إما أن تكون موصولة فتحتاج إلى جملة الصلة، وجملة الصلة هي المبتدأ مع الخبر لاسيما هو زيدٌ، ويحتمل أنها نكرة، وإذا كانت نكرة الجُمَلْ بعد النكرات صفات لاسيما زيدٌ، طيب على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف والجملة صلةٌ لما على جعلها موصولة أو صفة لها على جعلها نكرة موصولة، وجاز فيه أيضًا إن كان نكرةً النصبُ على التمييز وما كافّة لاسيما رجلاً، أما لاسيّما زيدًا لا، إما جرّ وإما رفع، وأما إذا كان ما بعدها نكرة جاز فيه النصبُ على التمييز، وأما زيدًا لا يصح لأنه معرفة والتمييزُ لا يكونُ إلا نكرة، وما حينئذٍ تكون كافّة، وعلى كُلِّ الأحوال الثلاثة الخفض، والرفع، والنصب، فلا نافية للجنس وسيَّ اسمها منصوبٌ بفتحة ظاهرة على الوجهين الأولين الخفض والرفع، ومبنيٌ على الفتح في محل نصب على الوجه الأخير لاسيما رجلاً، لماذا؟ هنا مبني لاسيما رجلاً، لاسيما زيدٍ زيدٌ منصوب فتحة ظاهرة، لأنه مضاف ومضاف إليه، فالفتحة ظاهرة واضح بيّن لاسيّما زيدٌ، سيّما نقول: سيّ هنا فتحة ظاهرة منصوبة بفتحة ظاهرة، لاسيما زيدٌ فتحة ظاهرة كذلك، أما لاسيما رجلاً مثل قولك: لا رجل في الدارِ. لأن ما هذه كافّة، كفّت الأول عن إضافته للثاني، فنُصِبَ ما بعده، إذًا لا علاقة بسيَّ ورجل فصار ماذا؟ صار مفردًا، مثل لا رجلَ، ولا رجل هذا يكون الفتحة هذه نصب ظاهر أو محلي؟ [أنتم، ما أنتم معي] إلا رجلَ في الدارِ، رجُلَ اسمُ لا مبنيٌّ على الفتح في محل نصب، مثلها لاسيما رجلاً، مثلها لاسيما رجلاً سيَّ اسم لا مبنيٌ على الفتح في محل نصب، لماذا؟ لكونه نكرة، فالحالُ واحدٌ، لأنه غيرُ مضاف والخبر في الكُلِّ محذوف في هذه الثلاثة الأحوال محذوف، والتقدير على الوجه الأول لاسيَّ، أي: لا مثلَ، سيَّ بمعنى مثل، لا مثلَ زيدٍ، أو رجل موجودٌ، وعلى الثاني لاسيّ الذي، أو شيء هو زيد، أو رجلٌ موجودٌ، وعلى الثالث لاسيما رجلاً موجودٌ، (لاسيما وَقَدْ نَحَاهُ) (نَحَاهُ)، أي: مال إليه قصده، (نَحَاهُ) هل الضمير يعود على زيد أو مذهب زيد؟ يحتمل، إذا قلت: على زيد.
(3/8)

لا بد من التقدير، يعني: على مذهب زيد، نحا مذهب زيد، لأنه هو ما اختار زيد ذات زيد، وإنما اختار ماذا؟ أقواله، والأقوال هي المعبّر عنها بالمذهب، إذًا (وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي)، أي: نحا وقصد ومال إلى مذهب زيد، (وَقَدْ نَحَاهُ) قصد مذهبه تقيدونه بعد النظر هكذا الشافعية لئلا يقول مقلِّد بعد النظر، وهو كذلك الشافعي رحمة الله تعالى ما يأخذ الأقوال هكذا، وإنما يُنْظرُ فيها بعد النظر في الدليل، (وَقَدْ نَحَاهُ)، يعني: قصد مذهبهُ بعد النظر، أو زيدًا على تقدير مضاف، ... (نَحَاهُ)، يعني: نحا مذهب زيد، على تقدير مضاف، أي: مذهب زيد، (الشافِعِي)، يعني: الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافعي ابن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف اجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ابن قصي الشافعي القرشي المُطلبي والحجازي المكي رضي الله تعالى عنه يلتقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في عبدِ مناف.
ومناقبه شهيرة وفضائله كثيرة وصنف الأئمة في مناقبه قديمًا وحديثًا.
ولد رحمه الله تعالى سنة خمسين ومائة، خمسين ومائة، مائة وخمسين في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة رحمة الله تعالى، مائة وخمسين هذا يموت وهذا يولد، والذي عليه الجمهور أنه وُلد بغزة، قيل: بعسقلان، قيل: باليمن، قيل: بالخيف بمنى، ثم حُمِلَ إلى مكة وهو ابن سنتين وتوفي بمصر ليلة الجمعة بعد الغروب آخر يومٍ من رجب سنة أربعٍ ومائتين وهو ابن أربعٍ وخمسين سنة، هذا الإمام الشافعي قد اختار مذهب زيد دون غيره من المذهب، (فَكَانَ أولَى بإتَّبَاعِ التَّابِعِي ** لاسيما) لا مثل هذه الشهادة السابقة ليس لها مثل، (وَقَدْ نَحَاهُ الشافِعِي) (نَحَاهُ)، أي: قصد مذهبه الإمام الشافعي، وهو أولى بالإتباع كما هو ظاهرُ كلامه.
يقول الشارح: ومعنى كون الشافعي رحمه الله نحا مذهب زيد أنه قصده ومال إليه موافقةً له في الاجتهاد، هذا الظنّ به رحمه الله تعالى، لأنه يرى أن القياس كالميتة، فمن باب أولى القياس دليلٌ شرعي، هو أعلى حُجِّيَةً ومرتبة من قولِ زيد، لأن قول زيد قول صحابي وهو مختلفٌ في حجيته، وأما القياس فهو مجمعٌ على حجيته لا إشكال فيه، ويقول في القياس أنه كالميتة، يعني: لا يُلجأ ويلتجأ إليه إلا عند الضرورة كما أن الميتة الأصل فيها التحريم لأنها نجسة ولا يُلجأُ إليها إلا عند الضرورة وهي المخمصة كذلك القياس، حينئذٍ من باب أولى أن الشافعي الإمام المعروف صاحب كتاب ((الرسالة)) وأول من صنف في أصول الفقه أنه لا يقلد صحابيًّا البتة، وإنما يُنظرُ في قوله مع دليله، فإن وافق الدليل أُخذَ به وإلا تُركْ.
فَهَاكَ فِيهِ القَوْلَ عَنْ إيجَازِ ... مُبَرَّأً عن وصْمَةِ الألغَازِ
(3/9)

(فَهَاكَ) الفاء فاء الفصيحة، يعني: أفصحت عن جواب شرطٍ محذوف، أي: إذا أردت بيان مذهب زيد، (فَهَاكَ فِيهِ القَوْلَ) هاك ها هَا لوحدها اسمُ فعل أمر، بمعنى خذ، (فَهَاكَ) أصول الفقه لفظ اللقب، هاك أي: خُذ، (فَهَاكَ) اسمُ فعل أمر، والكاف حرفُ خطاب، ثَمَّ خلاف هل الكاف داخلة في مسمى الفعل أو لا؟ لكن التحقيق والصواب أنها ليست داخلةً في مسمى الفعل، والتحقيق أن اسم الفعل ها فقط، وأما الكاف فهي حرف خطاب مفتوحة مع المذكر هاكَ، ومكسورة مع المؤنث هاكِ، وتثنى وتجمع هَاكُمَا هَاكُمْ، هَاكُمَا هذا للمثنى، هَاكُمْ هذا للجمع، وقد تبدل الكاف همزة ومنه: {هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19]، {هَاؤُمُ} هاؤمْ ؤمْ الهمزة هذه منقلبه عن الكاف، أصلها هَاكُم اقرءوا كتابيه، خذوا اقرءوا كتابيه، {هَاؤُمُ} نقول: الهمزة هذه مبدلة عن الكاف، وهي لغة ثابتة صحيحة وقد جاءت في القرآن، (فَهَاكَ) خذ، (فِيهِ) ضمير إما أنه يعود على علم الفرائض، وإما أنه يعود على مذهب زيد، وإما على مذهب الإمام الشافعي، لأنه أراد أن يؤلف هذه المنظومة على سنن أقوال الشافعي رحمه الله تعالى، فيحتمل هذا ويحتمل ذاك (فَهَاكَ فِيهِ)، أي: في فن الفرائض لأنه أراد أن يؤلف هذا النظم فيه، (فَهَاكَ فِيهِ)، أي: في مذهب الإمام الشافعي، لأن المصنف الناظم شافعي أراد أن يصنف على مذهب إمامه، (فَهَاكَ فِيهِ) في مذهب زيد، لكن هذا الثالث ليس بظاهر، لأن المصنف متأخر، ومذهب زيد ليس قائمًا بنفسه حتى يحتاجُ إلى تصنيف، فإما أن يعادُ الضمير على علم الفرائض، أو على مذهب الإمام الشافعي، لأنه هو المعتبر، المذاهب أربعة وما عداها فهي مندثرة، مذهب الإمام أحمد، أو أبو حنيفة رحمه الله تعالى، مذهب الإمام مالك، مذهب الإمام الشافعي، مذهب إمام أحمد. أربعة مذاهب مخدومة أقوال أصحابها محفوظة ومقررة بأدلتها، وما عداه فهو ماذا؟ فهو مدثور يعني: صار نسيًّا منسيًّا، وهذا الذي أراده ابن رجب إن صحت الرسالة إليه في إتباع المذاهب الأربعة، ابن رجب لاشك أنه من أهل الحديث لا يرى وجوب التقليد، يرى أنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، فإذا مرَّ بك قول قال الزهري وقال الليث وقال ... إلى آخره، هذه قد يحتج بها البعض ويكون احتجاجه فيه نظر، لماذا؟ وهذا أشار إليه ابن رجب رحمه الله تعالى في تلك الرسالة، وإن كان بعضهم يشكك في صحة نسبته إليه، لكن الذي أرادهُ ليس هو عدمُ جواز الخروج عن المذاهب الأربعة لذات المذاهب، ولو وُجِدَ مذهب خامس أو سادس محفوظ مخدوم بالأقوال ما أراد هذا ابن رجب أبدًا، إنما أراد ماذا؟ يقول أقوال الزهري وأقوال الليث وأقوال غيره هذه مبتورة ونُقِلَ التحريم عن الزهري، طيب الزهر يحتج بماذا؟ هل يمكن أن يأتي شخص يقول: الراجح قول الزهري؟ إذا ما نُقِل تخريج لهذا القول حينئذٍ صار هذا القول ملغي، نحنُ لا ننظرُ إلى أقوال أشخاص نحن نريدُ ماذا؟ الوصول إلى حكم شرعي، والحكم الشرعي يكون الأساس فيه والمتكأ والمعتمد هو الكتاب والسنة، فينطلق الفقيه من النظر في الكتاب والسنة، فإذا قيل: وقال به الزهري و .. و .. و ..
(3/10)

إلى آخره، أو ذهب إلى التحريم، أو للكراهة، أو للوجوب لا بد من نقل مع قول الزهري دليله لننظر فيه هل يُسلّمُ له أو لا؟ يحتمل أنه قال بالوجوب اعتمد على حديث ضعيف فسقط القول، ويحتمل أنه قال بالوجوب ولم يلتفت أو لم يصل إليه القرينة الصارفة التي تصرف الوجوب إلى الندب، أو قال بالتحريم وعندنا قرينة صارفة للكراهة، أو قال بالكراهة وليس ثَمَّ قرينة واضحة بينة تصرفهُ إلى الكراهة بل هو على التحريم، فإذا نقل قول لواحد من الأئمة غير الأربعة الذين خُدِمت أقوالهم وبين وجه الاستدلال بالكتاب والسنة من حيث هذه الأقوال حينئذٍ لا يعتمد ولا يعتبر مذهب، فلا يقال مذهب الزهري كذا أو كذا إلى آخره، لا بد من نظر في الدليل، وعليه نقول: لا ينبغي الخروج عن المذاهب الأربعة. هذا تقييد كلام ابن رجب، لا ينبغي الخروج عن المذاهب الأربعة، لأن هذه الأقوال حُفِظَتْ، محفوظة ونُظِرَ في مدى استناد هذه الأقوال إلى الأدلة، بل وحفظت الأصول التي استنبطوا بها الأحكام الشرعية لهؤلاء الأئمة الأربعة، وأما من عداهم فلا، نحن ليس عندنا مثلاً أقوال الزهري محفوظة من حيث التأصيل، أصول الإمام أحمد، أصول الإمام الشافعي محفوظة نعرف ما الذي متى يقول بالوجوب متى لا يقول، الإمام أحمد ترتيب الأدلة عنده كلها محفوظة هذه، أما الزهري والليث وغيره نقول: هذه ليست محفوظة، وعليه لا يخرج إليها مع ترك المذاهب الأربعة، هذا مراد ابن رجب رحمه الله تعالى وله حظ من النظر، يعني: إذا وُجِدَ قول محفوظ لغير الأئمة الأربعة ولم يُنقل معه دليله ووجه الاستدلال أو .. أو .. إلى آخره مما يعتمده الفقيه لا يلتفت إلى هذه القول، لأن أقوال مجردة هكذا هذا ممكن يفرحُ به المقلَّدة، وأما من أراد الدليل فلا، التحريم حرام واجب إلى آخره نقول: لا، ولذلك إذا مرت معك مثل هذه الأشياء في الموسوعات الفقهية لا تشوش عليك، خاصةً إذا لم ينقل عن صحابي يقول بهذا القول، لأنه لو وُجِدَ قول صحابيٌ ممكن وصحَّ ممكن نحن نجتهد في ماذا؟ في بيان ما استند إليه الصحابي، وهذا كثير موجود حتى عند الأئمة الأربعة، ينقل قول ثم قد لا يُبيَّن مدى استناد هذا القول إلى نصٍّ من كتابٍ أو سنة، بفهمنا لطريقة الإمام نستطيع أن نجعل لهذا القول دليلاً شرعيًّا، وهذا لا إشكال فيه، لأن الأئمة لهم طرق ليست الأمور عندهم فوضى هكذا يرجح صباح مساء ويختلف إلى آخره، ليست الترجيح أو الترجيحات عندهم بالعشوائية، لا لهم منهج ولهم طريق، حينئذٍ يمكن أن تستدل لقولٍ لم ينقل دليله عن الإمام أحمد ببيان طريقته التي اعتمدها في التفقه، وهذا واضح بين ولا إشكال فيه ولا يعترض على هذا.
(3/11)

(فَهَاكَ فِيهِ القَوْلَ) (القَوْلَ)، أي: خذ القول، (فَهَاكَ فِيهِ القَوْلَ) (فِيهِ) هذا جار ومجرور صفةً للقول بعده، فهاك القول فيه، جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة للقول بعده، والتقدير فخذ القول الكائن فيه، أي: في مذهب زيد مثلاً، ويكون من ظرفية الدال في المدلول، هذا محتمل أن يكون الجار والمجرور صفة، وإذا أعربته حال حينئذٍ لا إشكال فيه، لأن النكرة إذا تقدمت صفتها صارت حالاً، وهذا لو تأخر عُرِبَ حالاً القول فيه، (فَهَاكَ فِيهِ القَوْلَ)، فهاك القول فيه، فيه جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، أليس كذلك؟ كائنًا فيه على كلٍّ، (فَهَاكَ فِيهِ) الأظهر تعلقه بمحذوف صفة من قوله: بعد #38.53. هكذا قال البيجوري، والتقدير فخذ القول الكائن فيه، أي: في مذهب زيد، ويكون من ظرفية الدال في المدلول، (فَهَاكَ فِيهِ القَوْلَ)، (القَوْلَ) هذا مفعول به لاسم الفعل فعل الأمر لأنه ينصب يعمل عمل الفعل، وإن لم يكن فعلاً (فَهَاكَ فِيهِ القَوْلَ عَنْ إيجَازِ)، يعني: بإيجاز، (عَنْ) هنا بمعنى الباء، أي: خذ القول ملتبسًا، ولك أن تجعل (عَنْ) بمعنى مع، أو الباء تجعل الباء بمعنى الملابسة أو بمعنى المصاحبة، فعن هنا بمعنى الباء، ثم تفسر الباء بمعنى الملابسة، أو بمعنى المصاحبة، أي: خُذِ القول ملتبسًا، أو مصاحبًا للإيجاز، وإنما قال بعن ولم يأتِ بالباء للوزن، ويجوز جعل عن على بابها، يعني: تكون للمجاوزة، أي: حالة كونه ناشئًا عن إيجاز (فَهَاكَ فِيهِ القَوْلَ عَنْ إيجَازِ) حالة كونه ناشئًا عن إيجاز، والإيجاز هذا إِفْعَال مصدر أَوْجَزَ يُوجِزُ إِيجَازًا، والمرادُ به الاختصار على المشهور، الكلام الموجز والكلام المختصر بمعنى واحد، وبعضهم يفرق بينهما والمشهور الأول (عَنْ إيجَازِ)، أي: اختصار، والمختصر ما قل لفظُهُ وكثُر معناه، يعني: شيءٌ قليل اللفظ، لكنه من حيث المعنى كثير، وهذا شأن المختصرات وهو أراد أن يختصر في هذا النظم مذهب الإمام الشافعي، أو علم الفرائض، حينئذٍ لا بد أن يأتي به على ألفاظٍ قليلة لكنها من حيث المعنى فهي كثرة، ما قل لفظهُ وكثر معناهُ.
(مُبَرَّأً عن وصْمَةِ الألغَازِ) (مُبَرَّأً) هذا اسم مفعول، (مُبَرَّأً)، أي: منزهًا، {فَبَرَّأَهُ اللَّهُ} [الأحزاب: 69]، أي: نزَّهَهُ، فالتبرئة بمعنى التنزيه، (مُبَرَّأً) هذا حال، حال كون القول المذكور (مُبَرَّأً) منزهًا (عن وصْمَةِ الألغَازِ) (وصْمَةِ الألغَازِ) (وصْمَةِ)
(3/12)

واحدٌ الوصم، والوصمُ اسم جنس جمعي، بمعنى العيب فهو مبرأ منزه (عن وصْمَةِ) عيب (الألغَازِ)، يعني: المراد به أنه واضح جدًّا وهو كذلك، الرحبية من المتون الواضحة جدًّا التي لا تحتاج إلى شرح (الألغَازِ) جمع لُغْز بضم اللام وسكون الغين، لُغْز أَلْغَاز أَفْعَال، أو فتحها لُغَز، أو ضمها لُغُز، فيها ثلاثة أوجُه مع ضم اللام لُغْز، لُغَز، لُغُز، ثلاثة أوجه، أو بفتح اللام مع سكونِ العين أو فتحها لَغْزْ، لَغَزْ، لَغْز بفتح اللام وإسكان الغين، أو لَغَز، هذا المشهور وزاد بعضهم بعض اللغات، والمراد باللُّغز لُغَز رطَب وهو الكلام المُعَمَّى الذي قد يفهم منه خلافُ ما قُصد به، وهذا يعتبرُ عيبًا في الكلام نقص، إذا كان الإنسان يتكلم فيفهم منه شيءٌ غير ما أراده، نقول: هذا عيبٌ في الكلام إلا إذا كل خلل من الذي يفهم، الكلم واضح وثَمَّ خلل عنده هذا راجع إليه، ليس كلما فُهِمَ شيء من متكلم خلاف ما أراد معناه الخلل فيه، لا قد يكون في نفس الذي فهم، إذًا اللُّغْز هذا شيءٌ قد يكون وصفًا للكلام يخرجه عن كونه واضحًا بينًا، فيفهم منه خلاف المراد، يقال: أَلْغَزَ في كلامه عمَّى وشبه فيه، عمّى على غيره تعمية وشبه فيه.
فَهَاكَ فِيهِ القَوْلَ عَنْ إيجَازِ ... مُبَرَّأً عن وصْمَةِ الألغَازِ

وصمةٍ هي الألغاز، والإضافة حينئذٍ تكون بيانية وصمة هي الألغاز فالإضافة للبيان، وهنا (وصْمَةِ الألغَازِ) أقل الجمع ثلاثة، إذًا ليس منزهًا عن لغز ولغزين، بل هو منزهٌ عن (وصْمَةِ الألغَازِ) كثير جمع، أَلْغَاز أَفْعَال، وأقل الجمع ثلاثة، نقول: أل هنا للجنس، فتصدق حينئذٍ بالواحد، ... (عن وصْمَةِ الألغَازِ) ولو كان لغزًا واحدًا، ومعنى البيت وخذ القول في علم الفرائض على مذهب زيدٍ جمع بينهما بن ثابت رضي الله تعالى عنه قولاً مختصرًا واضحًا كثير المعنى منزهًا عن عيب الخفاء، إذًا هذا ما يتعلق بـ أواخر بيتٍ بمقدمة الناظم رحمه الله تعالى، وهذا ما يسمى بمقدمة الكتاب، وهي أن يذكر المصنف ما الذي أراده في هذا الكتاب فيأتي بالحمدلة والبسملة والشهادتين والصلاة والسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يبين ماذا أراد، في أي شيء يؤلف، وينظم، ويكتب، ويشرح، ونحو ذلك، فإن كانت له مصطلحات خاصة بَيَّنَهَا في المقدمة، وإن لم يكن فحينئذٍ لا إشكال.
وبقي علينا مقدمة العلم التي هي: الحد، والموضوع، والحكم، والاستمداد، ونحو ذلك.
مبادئ كل فنٍّ عشرة ... الحدُّ والموضوعُ ثم الثمرة
وفضلُهُ ونسبة والواضع ... والاسم الاستمدادُ حكمُ الشارع
مسائلٌ والبعضُ بالبعضِ اكتفى ... ومن درى الجميع حاز الشرفا

ما هو علمُ المواريث؟ العلم الذي أراد أن ينظم فيه المصنف هو علمُ المواريث، لذلك يسمى علم المواريث، ويسمى علم الفرائض، وهو: العلمُ بقسمة المواريث، هكذا عرّفه في الزاد، العلمُ بقسمة المواريث، وقيل: هو فقه المواريث، والفقه والعلم متقاربان، والمواريث جمع ميراث، وهو: المال المخلّف عن ميَّتٍ، فكلُّ ما خلّفه الميِّت يسمى ميراثًا، وشرعًا يسمى بمعنى التركة، شرعًا بمعنى التركة، فيطلق عليه أنه ميراث، ويطلق عليه أنه تَرِكةَ.
(3/13)

فقه المواريث قلنا: مواريث جمعُ ميراثُ، والمراد به المال المخلّف عن ميّت شرعًا بمعنى التركة، ويقال له: التراث. تراث وأصل التاء فيه واو، أصل التاء منقلبة عن واو هنا مثل التقوى، والميراث مصدر وَرِثَ الشيء وِراثةً وَمِيرَاثًا وَإِرْثًا، ميراث إذًا هو مصدر، وَرِثَ الشيء وِراثةً وَمِيرَاثًا وَإِرْثًا، والإرثُ هو المال المخلّف عن الميّت، فالميراث والإرث بمعنى واحد، إذًا فقهُ المواريث، أو العلمُ بقسمة المواريث، فقه المواريث، المواريث عرفنا أنه المراد به المال الذي يخلّفهُ الميِّت، فحينئذٍ أيهما أولى معلّق بعلم الفرائض، هل هو فقه المال الذي خلّفه الميت أو العلم بقسمة المال الذي خلّفهُ الميِّت؟ الثاني، والثاني أولى بالاعتبار، فيقالُ: علمُ الفرائض، أو علمُ المواريث هو: العلمُ، والعلم المراد به مُطلق الإدراك، ولكن المرادُ به هنا التصديق، لأنّ التصديق والتصوّر داخلان في مفهوم العلم، والمراد به هنا التصديقات، العلمُ بقسمة المواريث، وهل علم الحساب داخلٌ فيها أو لا؟ علم الحساب هل هو داخل في مفهوم الفرائض والمواريث أو لا؟ من حيث كونُهُ علمًا لاشك أنه داخل، لأنك إذا قلت: العلم بقسمة المواريث، للأم الثلث، وللبنتين الثلثين، والجدة السدس، إذا ما يعرف إيش معنى السدس ولا يفرق بينه وبين الثمن، كيف حينئذٍ يفهم المواريث؟ كيف يفهم؟ ما يمكن، إذًا لا يمكن استيعاب هذا العلم إلا بمعرفة الحساب، والمراد بالحساب هنا ليست المتراجحات مُثلث قُطرب .. إلى آخره، نقول: لا، المراد به ما يحتاجه الْفَرَضِي من الضرب والجمع والطرح ونحو ذلك والقسمة كذلك داخلةٌ في مفهوم ما ذُكر، إذًا العلمُ بقسمة المواريث وعلمُ الحساب [الموصِلِ أو] الموصِلُ وعلم الحساب الموصِلُ إلى قسمتها بين مستحقيها، لأن هذه القسمة موقوفة على علم الحساب، لا يمكن أن تقسم قسمة صحيحة معتبره شرعًا إلا إذا عرفت أن تمييز بين الضرب والطرح، وأما إذا كنت تخلط بين هذا وذاك، نقول: حينئذٍ لا يمكن أن توصل الحقوق إلى أصحابها، هذا مُحال، إذًا العلمُ بقسمة المواريث وعلمُ الحساب الموصلُ إلى قسمتها بين مستحقيها، أو علم الحساب الموصل لمعرفة ما يخص كل ذي حقٍّ من التركة والمراد به إيصالُ الحق إلى أصحابه.
موضوع علم الفرائض: التركات، التركة الذي هو المال الذي خلّفه الميِّت، في أي شيء يبحث علم الفرائض؟ هل نبحث عن الحساب؟ لا، قد قال بعضهم لإدخال الحساب في الموضوع كما أدخل في الحد، وليس الأمرُ كذلك، فرقٌ بين فقه الفن نفسه وبين فقه موضوع الفن، فإذا أردنا أن نعرف ما الذي يبحث عنه الفرضي؟ يبحث في المال الذي خلّفه الميّت التركة فقط، هل تعلَّق بها حق الورثة أو لا؟ حينئذٍ نظره في هذه المسألة يكون من هذه الجهة، وأما الحسابُ والطرح ونحو ذلك فهذا لا دخل له في موضوع الفرائض، وموضوعه التركات لا العدد خلافًا لمن زعم ذلك.
وثمرتُهُ: إيصال الحقوق إلى أصحابها.
(3/14)

والواضع: هو الله عز وجل، ليس كسائر العلوم إنما هي مردّها إلى الربّ جل وعلا، هو الذي قسّم المواريث وبين من هم أصحاب الأنصبة، وبين نصيب كل شخص الثمن، والسدس، والربع، هذه ليست محل اجتهاد ولا يدخلها القياس البتة، وإنما أصحابها مخصصون ومبينون ومُحدَّدُون من سابع سماء، نقول: إذًا الواضع هو الله عز وجل، وثلاث آيات في القرآن في سورة النساء جمعت هذه الأحكام.
استمداده: الكتاب والسنة والإجماع
، لا قياس هنا، لا قياس، ولذلك سيأتي أن باب الجد والإخوة أنهم لا يرثون الصحيح لا يُنَزَّل مُنَزَّلة الأب.
حكمه: فرض كفاية، إذا علمه البعض سقط عن الباقين، فهو من فروض الكفاية، وليس فرض عين إلا إذا لم يوجد في البلد من يقسم المواريث بين أصحابها حينئذٍ تعين على الكل، فلا بد من نَصْبِ إمام أو قاضي يقسم بين الناس على قدر ما يحتاجونه، فإن كانوا يحتاجون إلى اثنين حينئذٍ لزمهم الاثنان، إن كانوا يحتاجون إلى عشرة لزمهم العشرة، إن كانوا لا يحتاجون إلا واحد بلد صغير واحد يكفيهم، ما يموت كل ساعة شخص يحتاج إلى .. قد يكون هذا لكن التركة قد لا تكون موجودة، فحينئذٍ نحتاج إلى واحد إذا لم تكن ثَمَّ حاجة.
الاسم: علم المواريث، وعلم الفرائض، الفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة، أي: مقدرة فهي نصيب مقدر شرعًا لمستحقه، وسيأتي الكلام في التعصيب أنه فرضٌ حكمًا.
مسائلهُ: ما يُبحثُ في الفنِّ من قسمة التركات ونحوها، في كل باب سيذكر التقسيم ونحو ذلك.
فضلُهُ: كما سبق ما ورد فيه من الآيات، وكون هذا العلم قد تبنى الله عز وجل قسمته من سابع سماء.
(3/15)

هذا ما يسمى بمقدمة العلم، ثَمَّ مسألة كذلك تذكر وهي تُقدم عند أصحاب الفرائض وممن كتب في هذا الفن ما يذكرونه من أركان أَركان الإرث، وشروط الإرث، وأسباب الإرث، وموانع الإرث، يذكرون قبلها الحقوق المتعلقة بالتركة، لأنه ثَمَّ حقوق غير الإرث الذي هو الميراث الذي يوزع بين أصحابه بين الورثة ثَمَّ حقوق قد لا يبقى لهم شيء إذا قلنا: الميراث هو المال الذي خلّفه الميت، مات هلك هالك وترك خمسين ألفًا، مباشرة هذه توزع على الابن والزوجة وكذا؟ لا، قبل ذلك هل عليه حقوق ديون لله عز وجل أو ديون للخلق حينئذٍ تستوفى ولو لم يبقَ شيء ثم بعد ذلك يُنظر في حال الورثة إن بقي لهم شيء أعطيناهُم، وإن استوفت هذه الحقوق جميع الخمسين نقول: ما بقي شيء. إذًا هل كل مالٍ يُخَلِّفُهُ الميت يكون إرثًا توزع؟ لا، ثَمَّ حقوق لا بد من معرفتها، وهذه مجمعٌ عليها خمسة حقوق، لكن ثَمّ خلاف في ترتيب الأول والثاني فقط عند الحنابلة والأئمة الثلاث، إذًا الحقوق المتعلقة بعين التركة وترتيبها، التَّرِكة بفتح التاء وكسر الراء تَرِ، تَرِكة بفتح التاء وكسر الراء مصدر بمعنى الْمَفْعُول، أي: متروكة، تركة فهي متروكة، متروكة نعم تركها ومشى نقول: هذه تركة لأنه مال بقي بعد الميت مالٌ خلفهُ الميت، والمال هنا كالمال الذي يصح أن يقع عليه العقد، يعني: قد يكون منفعة، وقد يكون عينًا، المال نفسه الحكم واحد قد يكون ماذا؟ قد يكون عينًا وقد يكون منفعةً، إذًا مصدر بمعنى المفعول، أي: متروكة وهي ما يخلفه الميت من مالٍ - هذا واضع عين - ترك مال نقود، أو ترك عمارة عقار، أو ترك أرضًا، هذا واضح بيِّن، أو ديةٍ تؤخذُ من قاتلِهِ لدخولها في ملكه تقديرًا، هلَكَ هالِك مات بفعل فاعل حينئذٍ رُتبت الدية هو مات والدية متى وجدت؟ بسبب موته، إذًا استحقها بسبب موته، هل هي تركة أو لا؟ نقول: تركة. خلفه الميت أو لا؟ نعم خلفه الميت فهو داخلٌ، إذًا الدية هذه داخلةٌ في مفهوم التركة، أو دية تؤخذ من قاتله لدخولها في ملكه تقديرًا، يعني: كأنه قد استلمها وهو حي ثم بعد ذلك خلّفها، وهذا لا خلاف بين أهل العلم أن الدية تعتبر داخلةً في ملك الميت وأنها تركة، حينئذٍ لو لم يكن عنده إلا هذه الدية يُنظر فيها من هذه النظر هل عنده ديون أو لا؟ أو حقٍّ كخيار وشفعةٍ وقِصاصٍ وحدِّ قذفٍ أو اختصاصٍ كالسرجي، هذه يأتي شرحها في باب البيع، الخيار هل يورث أو لا؟ خيار المجلس، خيار العيب .. إلى آخره، المراد هنا أن التركة ليست خاصة بشيء اسمه مال من نقدٍ أو غيره، بل يشمل ما هو دية ويشمل ما هو حقٌ كخيارٍ وشفعةٍ وقصاص مطالبة بقصاص مثلاً مطالبة بالشفعة هذه كله تورث وفيها خلاف بين أهل العلم، هل هذه تورث أو لا؟ فإذا كان للميت تركة فأكثر ما يتعلقُ بها حقوقٌ خمسة مرتبة على النحو التالي.
(3/16)

الأول عند الحنابلة: مُؤَن التجهيز، تجهيز الميت إذا مات يحتاج إلى مُغَسِّل، وقد لا يوجد مغسل متبرع إلا بمال، يحتاج إلى شراء كفن، يحتاج إلى حَفْرِ قبر، قد لا يوجد متبرع لا بد بمال، قد يحتاج إلى حَمَّال يحمله سيارة نقل يحملونه من المسجد إلى المقبرة، قد لا يكون هذا موجودًا على جهة التبرع والاحتساب، حينئذٍ أول ما يُخرج من التركة مُؤَنُ التجهيز، فكل ما يتعلق بتجهيزه فهو مقدم على غيره عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، الأول عند الحنابلة مُؤَنُ التجهيز من كفن، وأجرة مغسل، وحَمَّال، وحفر قبرٍ، ونحوه بمعروفٍ لمثله، يعني: بما يستحقه، فإذا كان ثَمَّ عرف بين الناس بأن من حفر القبر له مثلاً خمسون لا يأتي يُعطى مائة مثلاً لا يُتبرع له، لماذا؟ لكون هذا المال قد تعلقت به عِدَّتُ حقوق، فحق مُؤنُ التجهيز يعطى لمن أراد المال بمعروفٍ لمثله، يعني: بما تعارف عليه الناس، فإذا تعارف الناس أنه يحمله بالسيارة بعشرين ريال مثلاً ما يعطيه خمسين فإن أعطاه وزاده ثلاثين يضمنها من أعطاه يردها إلى التركة، لماذا؟ لكون ثَمَّ حقوقًا أخر تعلقت بهذا، كما يقدم المفلس بنفقته على غرمائه، ولباسُ المفلِسِ مقدمٌ على قضاء ديونه كذلك كفن الميت، يعني: من باب الاجتهاد، هذا من باب الاجتهاد، المفلس شخص عليه ديون فشكوه الناس إلى قاضي حينئذٍ ديونه كثيرة وعنده مائة ريال هذه المائة يا دوب تعشيه وتغديه وتفطره، هل نقول: أعطِ الناس هذه المائة قضاء الدين أو ما زاد على المائة؟ ما زاد، لأنه ماذا؟ نفقته هذه مقدمة على ديون غرمائه، فكما قُدِّمَ الحيُّ في ذلك فهو ميت من باب أولى وأحرى، فكما قُدم المفلس في كونه يحتاج إلى نفقة وهذه النفقة مقدمة على الديون التي تعلقت بماله حينئذٍ لو كان ميتًا الأمر كذلك، ولباس المفلس مقدم على قضاء ديونه، فكذلك كفن الميت، ولأن سترته واجبة في الحياة فكذلك بعد الموت، إذًا هذه حجةُ الإمام أحمد رحمه الله تعالى وهو المرجح في المذهب عند الحنابلة أن مُؤنُ التجهيز مقدمة على غيرها من الحقوق.
مسألة: وإن لم يخلِّف الميت تركة، ما عنده تركة حينئذٍ هذه الأمور مُؤن التجهيز كيف تكون كيف شأنها؟ إذا لم يكن عنده تركه لم يُخلف ولا فَلْسًا وهذه الكفن، والحفر .. إلى آخره بمال ماذا نصنع؟ فمؤنة تجهيزه على من تلزمه نفقتُه في حال حياته، لأن ذلك يلزمه في حال حياته فكذلك بعد الموت، فمن تلزمه نفقته في حال الحياة هو الذي يتوجب عليه مؤن التجهيز فإن لم يكن له من تلزمه نفقته حينئذٍ مؤنة تجهيزه على بيت المال إن كان الميت مسلمًا، بيت المال، يعني: على جهة الدولة مثلاً الحكومة هي التي تتولى مؤن التجهيز، متى؟ إن كان مسلمًا، فإن لم يكن بيت مال ما عندنا بيت مال لا يوجد، فإن لم يكن بيت مال أو وُجد ولكن تعذر الأخذ منه فمؤنة تجهيزه على من علم بحاله من المسلمين.
(3/17)

إذًا الأول مؤن التجهيز عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى فهي مقدمة على غيرها من الحقوق، هذا إن وجدت عنده تركة، فإن لم توجد حينئذٍ نقول: على من تلزمه نفقته في حال الحياة، إن لم يوجد حينئذٍ على بيت مال المسلمين إن كان مسلمًا، فإن لم يوجد بيت مال أو تعذر الأخذ منه حينئذٍ يجب على من عَلِم بحاله الذي يعلم بحاله من المسلمين هو الذي يجب عليه، يعني: من عَرَف أن زيدًا مات حينئذٍ وجب عليهم كلهم أن يتبرعوا بحقوق أو مؤن التجهيز.
الثاني: الحقوق المتعلقة بعين التركة: كالدين الذي به رهن، والأرش المتعلق برقبة العبد الجاني ونحوهما، الحقوق المتعلقة بعين التركة بذات التركة، وهذا مقدم كبيت مثلاً تعلق به الرهن رهنه جعل هذا البيت رهنًا، نقول: حينئذٍ هذا الدين المرسل تعلق بعين التركة بذاتها ليس بالذمة، بالذمة بأن يكون متعلقًا في رقبته بأي مال لم يتعين المال، وأما إذا جعل هذه الأرض مثلاً أو هذه العمارة رهنًا حينئذٍ نقول: تعلق بعين العمارة، بعين الأرض هذا يسمى ماذا؟ يسمى دينًا متعلقًا بعين التركة بذاتها هي التركة نفسها، لو رهن رجل عمارةً ثم مات وليس عنده إلا هذه العمارة حينئذٍ نقول: هذه العمارة قد تعلق بها حق بعينها بذاتها، نقول: هذا ماذا؟ دينٌ متعلق بعين التركة، ففرق بين الدين المتعلق بالذمة، ودين متعلق بعين التركة، يعني: التركة نفسها هي دين، هذا مقدم عند الأئمة الثلاثة على مؤن التجهيز، وعند الإمام أحمد متأخر، وهذا له حظ من النظر مذهب الأئمة الثلاثة له حظ من النظر، وإنما قدمت على ما بعدها لقوة تعلقها بالتركة حيث كانت متعلقة بعينها، وعند الأئمة الثلاثة تقدم هذه الحقوق المتعلقة بالتركة على مُؤن التجهيز، وهذا له حظ من النظر كما ذكرنا، لأن تعلقها بعين المال سابقٌ، أي: تعلقه بعين المال قبل أن يصير تركة، لأنه رهن الأرض، أو رهن العمارة مثلاً، ثم مات، ثم وجبت مُؤن التجهيز أيهما أسبق؟ الأول، لأن الرهن وهو حي، ومُؤن التجهيز وهو ميت، وأيهما أسبق؟ الحياة ولا شك أنه أسبق، إذًا لما تعلقت هذه الديون بعين التركة وهي أسبق كانت متقدمة من حيث الاستيفاء، وهذا تعليل واضح بين، ولذلك في الأول مُؤن التجهيز مقدمة ليس فيه إلا نظر واجتهاد لو كان ثَمَّ نص لا إشكال فيه، وإما هذا فحينئذٍ نقول: الأولى تقديمه على ما سبق. لأن تعلقه بعين المال سابقٌ، أي: تعلقه بعين المال قبل أن يصير تركة، والأصل أن كل حق يقدم في الحياة يقدم في الوفاة، الأصل الذي ينبغي اعتباره أن كل حق يقدم في الحياة يقدم في الوفاة، وعلى هذا فيقوم بمؤن التجهيز من تلزمه نفقة الميت إن وجد وإلا ففي بيت المال، يعني: إذا قيل بأن هذه التركة قد ذهبت لتعلق الدين بعين التركة راحت طيب مُؤن التجهيز على من؟ على من تلزمه نفقته قد يموت الابن حينئذٍ الأب يجب عليه النفقة فعلى الأب مُؤن التجهيز إن لم يوجد حينئذٍ بيت المال إن كان ثَمَّ بيتُ مال، إن لم يوجد بيت مال؟ على من علم بحاله من علم بحاله، على هذا الترتيب عند أهل العلم.
(3/18)

الثالث من الحقوق المتعلقة بعين التركية بالتركة بالتركة: الديون المرسلة، يعني: الدين المرسل، يعني: المطلق لزيدٍ عندي مالٌ، لم يعين، فرقٌ بين هذا وبين الثاني السابق، الأول دين متعلق بذات التركة، وهذا الثالث دينٌ متعلق بذمة الميت له عندي مائة ألف لم أعينها نقول: هذا يخرج من مجموع التركة، وأما ذاك الذي هو رهن لا تعلق بشيء معين ففرقٌ بينهما، الثالث الديون المرسلة وهي المطلقة التي لم تتعلق بعين التركة وإنما تعلقت بذمة الميت، ويتعلق بالتركة كلها الدين هذا يتعلق بمجموع التركة كلها ولا يقال بشيء دون شيء سواءٌ كانت لله هذه الديون المرسلة لله عز وجل كالزكاة رجلٌ مات وعليه زكاة، حينئذٍ نقول: يجب إخراج الزكاة من التركة، هل هي معنية من مالٍ معين؟ لا من مجموع لو كان موزع ماله راجحي أهلي .. إلى آخره نقول: من المجموع نخرج خمسين ألف مثلاً زكاة، فهذا دينٌ لله عز وجل تعلق بذمة الميت، والكفارة كذلك لو كان عليه كفارة عتق رقبة وسعرها عشرة آلاف وجب إخراجها من التركة من مطلق التركة، وكذلك الحج الواجب، أو كان لآدمي كان الدين لآدمي كالقرض والأجرة رجل اقترض فمات حينئذٍ نقول: يجب إخراج القرض الدين استيفاء الدين من مجموع التركة لا بذاته شيء معين، كذلك الأجرة وثمن المبيع ونحو ذلك، فإن زادت الديون على التركة ولم تفِ بدين الله ودين الآدمي هنا اختلف أهل العلم، قيل: حق الله عز وجل أو حق الآدمي مقدم على حق الله تعالى، لأن حق الله مبني على المسامحة العفو والمغفرة، وأما حق الآدمي لا ففيه مشاحة مطالبة فيه قضاء سيطالب إذًا لن يتنازل فهذا الأصل فيه، حينئذٍ قالوا: حق الآدمي مقدم على حق الله عز وجل. هذا المشهور عند بعض الفقهاء، والمذهب عندنا عند الحنابلة المحاصَّة أن يخرج لكل شخصٍ بقدر بنسبة بقدر ماله الذي تعلق بذمة الميت، وهذا سيأتي بحثه في المناسخات هناك، فالمذهب يتحاصون على نسبة ديونهم كما يتحاصون في مال المفلس في الحياة سواء كانت الديون لله أم لآدمي وسواء كان سابقًا أم لاحقًا، يعني: لا بد أن يجمع بين الأمرين، فيخرج بينهما بالنسبة، فالذي له مائة قد لا يخرج له إلا الثلاثون، والذي له مائتان قد يخرج له مائة وهو النصف، وهذا ما يسمى بالمحاصة ويأتي فيها كلام طويل، وإنما قُدِّمَ الدين على الوصية، الدين مقدم على الوصية هنا سواء كان الدين متعلق بعين التركة أو كان الدين مرسلاً، ثم يأتيك الثالث أو الرابع ما هو؟ الوصية، قُدِّمت الدين أو قُدِّم الدين بنوعيه على الوصية، لماذا؟ لما روى أحمد والترمذي وابن ماجه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إنكم تقرئون {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11] وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدين قبل الوصية. والآية فيها، الآية قُدِّمَت فيها الوصية على الدين، وإذا أردنا نحن أن نعمل نقدم الدين على الوصية، هل هذا مخالف؟ لا، ليس بمخالف، ولذلك قال عليّ: إنكم تقرئون {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (يُوصَى) {يُوصِي} وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدين قبل الوصية.
(3/19)

فالدين يخرج سواء كان لله أو لآدمي وسواء كان مطلقًا أو متعلقًا بعين التركة مقدم على الوصية، وهذا الحديث في إسناده مقال ولكن يعضده المعنى والإجماع، فأما المعنى فلأن الدين واجب على الميت والتبرع الوصية، هذا أمرٌ مستحب وأيهما أولى بالتقديم؟ الواجب مقدم على المستحب، فأما المعنى فلأن الدين واجبٌ على الميت والوصية تبرع منه والواجب مقدم على التبرع، وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على تقديم الدين على الوصية، فإن قيل في الآية قدمت الوصية على الدين ما الحكمة؟ ما العلة لا بد من حكمة، قيل: الجواب الحكمة في ذلك أن الدين واجبٌ والوصية تبرع، والتبرع في الغالب أنه يتساهل به، يتساهلون الناس في هذه الوصايا، والتبرع قد يتساهلُ فيه الورثة فلا يقومون بأدائه بخلاف الواجب، وأيضًا فالدين له من يطالب به بخلاف الوصية (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) الدين سيأتي من يطالب، أما الوصية ما يدري قد لا يدري أنه أوصي له بكذا مثلاً، حينئذٍ قدم الرب جل وعلا الوصية على الدين للاهتمام بها وعدم التساهل فيها، وإن كان الدين من حيث الاستيفاء فهو المقدم على الوصية، هذا الحكمة في تقديم الوصية على الدين في النص القرآني الذي ذكرناه، وأما الإجماع نعم الإجماع سبق هذا ذكرناه.
(3/20)

الرابع من حقوق المتعلقة بالتركة [وهو الخامس نعم] الرابع من الحقوق الخمسة: الوصية بالثلث فأقل لأجنبي لغير وارث، الوصية بالثلث فأقل لأجنبي لغير وارث، لا بد من استيفاء هذا، بالثلث لا بزيادة، فأقل أقل من الثلث كالربع، لأجنبي لغير وارث، فإن تَخلف شرط من هذه الشروط بأن كان أكثر من الثلث أو كانت لوارث حينئذٍ الأصل فيه عدم الإجزاء عدم الصحة، ولا يجوز وهو محرم إلا إذا رضي الورثة، فأما الوصية للوارث فحرام غير صحيحة مطلقًا قليلةً كانت أو كثيرة، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى حيث إن الله عز وجل قسم الفرائض وبين الأنصبة ثم قال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ} [النساء: 13]. ... إلى قوله: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14]. فالوصيةُ لوارثٍ من تعدي حدود الله {وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ}، وهذا من تعدي حدود الله تعالى لأنها تتضمن ماذا؟ تتضمن زيادة بعض الورثة عما قسمه الله له وحدده له، الله أعطاه الثلث وأنت تزيده نقول: هذا فيه تعدّي لا شك في ذلك، وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث». «فلا وصية». لا هذه نافية، رواه الخمسة إلا النسائي والعمل عليه عند أهل العلم بالإجماع، لكن إن أجاز الورثة المرشدون الوصية لأحد من الورثة نفذت الوصية، حينئذٍ صارت معلقة بماذا؟ بإذن الورثة لأن الحق لهم المال سيأتي إليهم وهم أصحابه، حينئذٍ إن أذنوا وهم المرشدون الكبار العقلاء جاز لأن الحق لهم فإذا رضوا بإسقاطه سقط، ولحديث ابن عباس قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تجوز وصية لوارثٍ إلا أن يشاء الورثة». رواه الدارقطني وبعضهم يضعفه، وأما الوصية لغير وارث فإنها تجوز وتصح بالثلث فأقل ولا تصح بما زاد عليه، لأن الثلث كثير، كما جاء في حديث سعد «الثلث والثلث كثير». فيدخل ما زاد عليه بالمضارة إذا أعطاه النصف حينئذٍ ضار الناس أصحاب الورثة أصحاب الأنصبة تدخل عليهم المضرة فينقص فيدخل ما زاد عليه بالمضارة ولحديث ابن عباس أنه قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الثلث والثلث كثير». متفق عليه. فإن أجاز الورثة المرشدون الوصية بما زاد على الثلث صح ذلك لأن الحق لهم وسقط بإجازتهم لأن الحق متعلقٌ بعين التركة، واختلف العلماء متى تعتبر الإجازة؟ هل هو قبل الوفاة أم بعده؟ متى يجيز الورثة صحة الوصية؟ هل هو قبل الوفاة أم بعده؟ واختلف العلماء متى تعتبر إجازة الورثة وصية للوارث أو بما زاد على الثلث؟ مشهور المذهب عند الحنابلة أنها لا تعتبر إلا بعد الموت، فإن وجدت الإجازة في مرض الموت أو قبله حينئذٍ لهم الرجوع بعد الموت، فلو أوصى لشخص ما بزيادة على الثلث، أو أوصى لوارث وأجاز الورثة حينئذٍ نقول: هذه الإجازة غير معتبرة.
(3/21)

لماذا؟ لأنه قد يدخلها نوع الحياء والخجل، أليس كذلك؟ فالاحتمال موجود، حينئذٍ يكون الرضا عن الزيادة عن الثلث أو الوصية لوارث يكون مدخولاً لأن ثَمَّ أحوال عند الناس من خجل ونحو ذلك وحياء، أو خوف لطروء مشاكل فقد يجيزون ثم بعد الموت يرجعون، نقول: رجوعهم صحيح، رجوعهم بعد وفاة من أوصى يعتبر صحيحًا. المشهور عندنا أنها لا تعتبر إلا بعد الموت، وأما الإجازة قبل موت المورِّث فلا تصح ولهم الرجوع ولو أجازوا لهم أن يرجعوا بعد وفاة الميت نقول: نحن وافقنا على أنك تعطي أو على أن يأخذ زيد من الناس وهو وارث معنا ونحن الآن رجعنا. لهم الرجوع، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن الإجازة إن كانت في مرض موت المورِّث صحت وليس لهم الرجوع، وإن كانت في غير مرض موته لم تصح ولهم الرجوع، يعني التفصيل إن كانت الوصية لوارث في مرض الموت وأجازوا صحت، فإن رجعوا بعد الوفاة لم يصح، لماذا؟ لأن الاحتمال السابق غير موجود في مرض الموت.
الخامس من الحقوق: الإرث لقوله تعالى بعد قسمة المواريث: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 13]، فالإرث هذا بعد يُنظر أولاً في مُؤَنِ التجهيز، وفي الحقوق أو الديون المتعلقة بعين التركة، ثم الديون المرسلة المطلقة، ثم في الوصية، إن بقي شيء حينئذٍ يوزع بين الورثة هذا النصف، وإن ما بقي ليس لهم شيء، والله أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(3/22)

عناصر الدرس
* أركان الإرث وشروطه.
* باب أسباب الميراث.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
فقد سبق الحديث عن مقدمة الناظم رحمه الله تعالى، وهي مقدمة الكتاب، ثم ذكرنا مقدمة علم الفرائض وهي المبادئ العشر، ثم أخذنا مسألة لا بد من تقديمها، وهي أنه يتعلق بتركة الميت خمسة حقوق مرتبة، عرفنا معنى التركة في الاصطلاح والشرع، وترتيب الأول والثاني بينهما خلاف بين أهل العلم، والمذهب عند الحنابلة أن:
الأول: هو مُؤن التجهيز.
ثم الثاني: الحقوق المتعلقة بعين التركة سواءٌ كانت حقًّا لله تعالى أو لآدمي، وعند الثلاثة تقديم الحق المتعلق بعين التركة على من حيث الدليل.
والثالث: الديون المرسلة المطلقة في الذمة فهي الْمؤنة مؤخرة عن مُؤن التجهيز.
والرابع: الوصية في الثلث فما دونه لأجنبي وقد ذكرنا الخلاف فيما يتعلق بمتى يكون التراضي عن الزيادة فيما زاد على الثلث.
الخامس: وهو المقصود بالذات في هذا الفن وهو علم الفرائض الإرث، الإرث وهو المقصود بدراسة هذا الفن، وأما الأول والثاني والثالث والرابع هذه من قبيل الفتوى ويفتى فيها ولا يشترط فيها القضاء، وأما الخامس وهو الإرث فلا بد منه قضاء ونحوه، ولذلك اشتهر عند أهل العلم أن الفرائض ليست من قبيل الفتوى فلا يستفتى شخص في هذه المسائل إنما هي من قبيل القضاء.
الإرث له: أركان، وله شروط، وله أسباب، وله موانع. هذه أربعة مباحث.
الأول: في أركان الإرث.
والثاني: في شروط الإرث.
والثالث: في أسباب الإرث.
والرابع: في موانع الإرث.
الناظم رحمه الله تعالى بوّب للثالث والرابع، يعني: قال (بَابٌ). أو ... (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث)، أي: وموانعه، لأنه ذكر أربعة أبيات البيتين الأولين في أسباب الميراث، والبيتين الثالث والرابع في موانع الإرث، أسباب الإرث وموانع الإرث، وأما الأركان والشروط فهذه لم يذكرها وقد ذكرها غيره فلا بد من ذكرها، إذًا الإرث له أركان، أَركان جمع ركنٍ وركنُ الشيء في اللغة جانبه الأقوى جانب الشيء الأقوى الذي يعتمد عليه يسمى ركنًا، وهذا يشترط فيه أن يكون داخلاً في جزء الماهية، وإن كان تعريفهم أنه جانب الشيء الأقوى لا يشترط فيه بالظاهر أنه يكون داخلٌ فيه الماهية، ولكن الذي يعنى به في الاصطلاح أنه جزءُ الماهية.
والركن جزء الذات، جزء الذات، يعني: جزء الماهية الداخل فيها بحيث تنتفي الحقيقة والماهية لانتفاء هذا الجزء سواء كان هذا الجزء حسيًّا أو كان معنويًّا، يعني: قد يكون الركن شيئًا مدركًا بالحس، وقد يكون الركن شيئًا معنويًّا، إذًا الركن في اللغة جانب الشيء الأقوى الذي يُعتمدُ عليه.
واصطلاحًا: المراد به الاصطلاح العرفي، يعني: الذي اصطلح عليه العلماء، وهذا قد يكون متحدًا في كثير من الفنون وقد يكون ثَمَّ افتراق بين الركن والشرط مثلاً أو السبب في بعض الفنون دون بعضها، يعني: قد تتداخل وقد تتفارق، والثاني هو الأشهر.
اصطلاحًا: الركن ما كان جزءًا من الشيء ولا يوجد ذلك الشيء إلا به.
والركن جزء الذات
(4/1)

هذا يكفي، إذا قيل بأن الركن هو جزء الماهية، علمنا الماهية المراد بها الذات، فهو داخلٌ فيها وليس بسابق عنها، ما كان جزءًا من الشيء ولا يوجد ذلك الشيء إلا به سواء كان هذا في باب المحسوسات أو في باب المعقولات، يسمى ركنًا إذا كان حسًّا ويسمى ركنًا إذا كان معقولاً.
والإرث له أركان ثلاثة لا يتحقق الإرث إلا بها.
ووارثٌ مورّثٌ مَوْرُوثُ ... أركانُهُ ما دونها تَوْرِيثُ

ووارثُ موّرث مَوْرُوث هذه أركان ثلاثة لا يتحقق الإرث إلا بوجودها.
الركن الأول: المورِّث، وهو: الميت، الذي مات إذا عندنا تركة لا بد من أن تكون هذه التركة خلف، يعني: خَلَفَت الميت تركها وذهب إذا لم يكن ثَمَّ ميْتٌ أو ميّت حينئذٍ لا إرث، فينتفي الإرث بانتفاء الركن وهو المورث، إذا لم يكن عندنا مورّث وهو ميت حينئذٍ لا إرث، الأول المورث وهو الميت أو الملحق بالأموات حكمًا، يعني: قد لا يدرك حقيقةً أنه ميت لأن الموت كما سيأتي إما بالمعاينة وإما بالاستفاضة وإما بشهادة عدلين، هذه ثلاثة قد لا يكون إلا واحدة منها ويمثلون لذلك لمن حُكِمَ له بالموت حكمًا، يعني: لا حقيقةً، المفقود رجل ذهب فُقد وبقي عشر سنين بُحث عنه ولم يوجد خسة عشر سنة عشرين ثلاثين حينئذٍ يُحْكَمُ أو يَحْكُمُ القاضي بكونه قد مات فيفسخ العقد زوجته فَتُطَلَّق وتُزَوَّج وكذلك التركة حينئذٍ توزع على الورثة، نقول: هذا لم يثبت عندنا حسًّا ولا استفاضة ولا بشهادة عدلين أنه قد مات، ولكن ألحق بالأموات حكمًا، يعني: حكم القاضي لكونه قد مات، وإذا كان كذلك حينئذٍ تترتب عليه الأحكام التي تترتب على من مات حقيقةً، هذا يسمى ماذا؟ يسمى الملحق بالأموات حكمًا، وعكسه بالعكس، إذًا الأول هو المورث وهو الميت أو الملحق بالأموات حكمًا، يعني: ميت حقيقةً أو حكمًا، وهو من انتقلت التركة منه.
(4/2)

الركن الثاني: وارث، لا بد من وارث، مات هلك هالك وترك تركةًَ وليس ثَمَّ وارث، أين الانتقال؟ ليس عندنا انتقال، ليس عندنا قسمة مواريث، ليس عندنا فرائض، لماذا؟ لعدم وجود الوارث، إذًا الوارث ركن من أركان الإرث لا يحكم بانتقال المال من الأصل إلى الفرع من المورِّث إلى الوارث إلا عند وجود الوارث، فإذا انتفى حينئذٍ نقول: انتفى ركن من أركان الإرث فانتفى الإرث. الثاني وارث وهو الحي بعد المورِّث، أما لو مات قبله هذا لا يكون وارثًا، لو مات قبله لا يكون وارثًا، لأنه قد يكون وارثًا ويحكم عليه بكونه وارثًا، أي: ممن لو مات الميت لورثه، فالابن مثلاً مع أبيه، الابن وارث أو لا؟ وارث، لكنه لو مات قبل أبيه ثم مات أبوه يرثه أو لا؟ لا يرثه، لماذا؟ لكون الوارث قد مات قبل مورّثه، والشرط هنا أن يبقى الوارث بعد مورثه ولو بلحظة ولو بثانية، إذًا الثاني وارثٌ وهو الحي بعد المورث، مقصودهم بعد المورث أنه يحكم عليه في حال الحياة بأنه وارث، أي: ممن حكم الله عز وجل بأن هذا الشخص يرثُ هذا، يعني: له وصف الوراثة، لكن لا بد أن يكون حيًّا بعد الميت، فإن مات قبله ولو كان وارثًا من حيثُ الشرع من حيث جواز أن يكون وارثًا لكن هذا بشرط أن يموت المورث قبل الوارث، أو الملحق بالأحياء، عكس الأول ملحق بالأحياء، يعني: الأصل أنه قد مات، وهذا سيأتي في الشروط أنه قد يحكم للجنين بأنه ملحق بالأحياء، وهذا المراد به الجنين قبل نفخ الروح، فإذا هلك هالك مات ميت وزوجه حامل في الشهر الأول أو الثاني حينئذٍ نحكم لهذا الجنين بكونه وارثًا، وعندنا الشرط أن يكون الوارث حيًّا، يعني: ذا حياةٍ صاحب حياة، وإنما يكون كذلك متى؟ إذا نفخت فيه الروح، وأما قبل الروح فلا يوصف بكونه حيًّا، لكن هنا يعطى حكم الحي فيورَّث، إذًا مرادهم بالوارث الملحق بالأموات حكمًا الجنين قبل نفخ الروح فيه، وسيأتي في الشروط، إذًا الثاني وارثٌ وهو الحي بعد المورث أو الملحق بالأحياء، وهو من انتقلت التركة إليه، مورِّث انتقلت التركة منه إلى الوارث، والوارث هو من انتقلت التركة إليه، هو صاحب المال بعد موت الأول.
الركن الثالث: حقٌّ موروث، وهو التركة وإلا لو وُجد مورث ووارث ولا مال ماذا يصنع؟ لا شيء يتحسر، ليس عنده شيء، لماذا؟ انتفى هنا التوريث لانتفاء التركة، فإذا لم يكن ثَمَّ تركة حينئذٍ فات ركن، وإذا فات ركن نقول ماذا؟ زال الركن جزء الذات، زالت الذات من أصلها، وهو التوريث، إذًا هذه ثلاثة أركان.
ووارثٌ مورّثٌ مَوْرُوثُ ... أركانُهُ ما دونها تَوْرِيثُ

حينئذٍ نحكم على الإرث بأنه قد حصل وانتقل المال من الأول إلى الفرع بوجود هذه الأركان الثلاثة، فإن انتفى واحد منها حينئذٍ بطل الإرث.
المبحث الثاني في شروط الإرث:
(4/3)

شروط جمع شرط، والشرط في اللغة: العلامة، ومنه أشراط الساعة، أي: علامات الساعة، {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18] على نزاع هل هو شَرَطُ أم شَرْط على خلافٍ بينهم، لكن هذا هو المشهور عند الأصوليين وغيرهم إذا ذكروا الشروط قالوا: جمع شرطٍ. أشراط الساعة، يعني: علامات، حينئذٍ يكون الشرط في اللغة هو: العلامة، ومنه سمي الشُّرْطِي شُرْطِي لأنه له علامة تدل عليه، يَلْبَسُ لِبْسًا معينًا فإذا رأيته عرفت أنه شرطي، من أين؟ من لباسه، فلباسه علامة وإلا لو مشى هكذا بين الناس بشماغ وثوب ما تعرف أنه شرطي، لكن بلبس معين نقول: صار هذا اللبس علامة لكونه شُرْطِيًّا.
وأما في الاصطلاح: فهو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم لذاته.
هذا على المشهور عند الأصوليين وإلا ثَمَّ تعريفٌ آخر، ما يلزمُ، ما، يعني: وصفٌ أو شيءٌ يلزم من عدمه من عدم ذلك الوصف العدم، لأن هذه الشروط والأسباب إنما هي أوصاف، رتب الشرع عليها أحكام عند وجودها، ولذلك سبق معنا أن الحكم نوعان: حكم تكليفي، وحكم وضعي. هو حكم شرعي لكنه على قسمين: حكم تكليفي، وحكم شرعي.
الحكم التكليفي هو، ما هو؟ الواجب، والمندوب، والمباح، والمحرم، والمكروه.
والحكم واجب ومندوب وما ... أبيح والمكروه مع ما حرُما
(4/4)

وأما الحكم الوضعي فهو: الأسباب، والشروط، والموانع، والصحة، والفساد، والأداء، والقضاء، والإعادة. كلُّ هذه أحكام وضعية، فَرِّقْ بين النوعين، لأن الحكم الشرعي التكليفي مطالب به المكلف، يعني: إيجاده، وأما الحكم الوضعي في الجملة لا يطالبُ به المكلف، إذًا ما يلزم من عدم ذلك الوصف أو الشيء العدمُ، ولا يلزم من وجوده وجود إذا عُدم انعدم المشروط، فإذا قلنا الطهارة مثلاً شرط في صحة الصلاة، يلزم من عدم الطهارة عدم الصلاة، لماذا؟ لأن انتفاء الشرط هنا وهو الطهارة مُؤْذِنٌ بانتفاء المشروط فيه وهو الصلاة، هذا معنى أن الشرع رتب هذا على ذاك، رتب هذا الثاني وهو الانتفاء المشروط فيه لانتفاء الشرط، ولذلك ذكرنا فيما سبق أنه لا يحكم بالشرطية إلا بدليلٍ أخص من مطلق الوجوب، فليس كل نص دل على الوجوب نستدل به على الشرطية إلا من جهة أخرى فيها نزاع، وهي: أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، وقد ذكرنا أن مما يحكم بكونه شرطًا إذا نهى الشرع عنه، فإذا نهى حينئذٍ نقول: النهي يقتضي فساد المنهي عنه، وإذا كان كذلك حينئذٍ كل شيء نهى عنه الشرع ففعله يكون باطلاً، هذا الأصل، فالبيع المنهي عنه باطل، والصلاة المنهي عنها باطلة، فإذا صلى في وقت النهي نقول: هذه الصلاة قد وقعت في زمنٍ قد نهى الشرع عن إيقاع الصلاة فيه، فإذا أوقعها في ذات أو بين أثناء الوقت المنهي عنه حكمنا على الصلاة بكونها باطلة، لماذا؟ لأن النهي القاعدة العامة النهي يقتضي فساد المنهي عنه، إذًا نحكم بكون الصلاة قد انتفت لانتفاء الطهارة، ما الذي ربط بن هذا وذاك؟ هذه أوصاف عدم صحة الصلاة لعدم وجود الشرط، وصف فليس أمر تدركه بالحس، حينئذٍ نقول: هذا هو الحكم الوضعي، وضع هذا علامة على هذا، يعني: عدمُ وجود الطهارة، هذا وصف، دليل على عدم صحة الصلاة، فرتب هذا على ذاك، إذًا ما يلزم من عدمه العدم، العدم يعني: عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده من وجود الشرط هذا الوصف أو الشيء وجود ولا عدم، يعني: قد يوجد الشرط ولا يوجد المشروط، وهذا لا لذات الشرط وإنما لأمر آخر لأمر ليس راجعًا لذات الشرط، فقد يتوضأ فإذا صلى الظهر نقول: صلاتك لا تنعقد. لماذا؟ هو قد أتى بالشرط، أما قلنا انتفاء الصلاة لانتفاء الطهارة؟ هنا وجدت، وجدت الطهارة ولم توجد الصلاة، لماذا؟ لا لذات انتفاء الشرط وهو الطهارة، وإنما لانتفاء شرط آخر وهو عدم دخول الوقت، إذًا ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، هذا يرجع إلى الوصفين وهو الوجود والعدم، لأنه [قد يُعدم لعدم، نعم] قد يُعدم المشروط لعدم الشرط لا لذاته، وإنما لوصف آخر، وقد يلزم من وجوده وجود لا لذاته وإنما لوصف آخر، فقيد لذاته يرجع إلى الوصفين.
الشروط ثلاثة عند الفرضيين معلومة بالاستقراء والتتبع، وهي في الجملة مجمع عليها، كما أن الأركان السابقة كذلك معلومةٌ بالاستقراء والتتبع وهي مجمعٌ عليها في الجملة.
(4/5)

الشرط الأول: موت المورِّث، يعني: تحقق موت المورث، قلنا: المورث هذا ركن، إذًا ما الذي زاد هنا؟ العلم تحقق كونه ميتًا نقول: هذا ركن، وقد يكون العلم به على جهة اليقين، أو الظن، أو الشك، العلم به، الإدراك يعني، قد يكون على جهة اليقين علم تحقق، وقد يكون على جهة الظن، وقد يكون على جهة الشك، أيُّ هذه الأحوال الثلاثة المعتبر؟ الأول والثاني، لا بد أن نتحقق أن المورِّثُ قد مات، لأنه صاحب المال، والأصل هو الحياة، الأصل أنه حي، واليقين لا يزول بالشك، فلا بد من شيء يحدث في النفس يسبب حكمًا بكون هذا المورِّث قد مات، وأما مجرد الظن فهذا لا يكفي في الحكم بانتقال التركة منه إلى مورثه إلى الوارث، إذًا تحقق موت المورث أو إلحاقه بالأموات، وهذا سيأتي، لأن ملكه باقٍ مُلْك مِلْك باقٍ ما دام حيًّا، فإن انتهت حياته انتهت ملكيته، فيدُهُ على المال لا زالت ما دام أنه حيٌّ حينئذٍ يده لا زالت، يعني: ملكيته لا زالت على ماله، ولا يُحكم بانتقال المال إلى غيره على جهة الفرائض الإرث إلا بتحقق موته أو إلحاقه بالأموات، إذًا موت المورِّث أو إلحاقه، ونقول: كما قلنا سابقًا حقيقةً، أو حكمًا، تحقق موت المورث حقيقةً، وهذا تأكيد للتحقق، أو حكمًا، يعني: إلحاقه بالأموات، والحكم أو التحقق هنا الحكمي المراد به المفقود، يعني: رجلٌ فُقِد ولا يعلم له أثر، حينئذٍ نظر الفقهاء قالوا: هذا إما أنه قد يكون ذهب إلى جهة يغلب عليها السلامة، أو الثاني، وعليه يترتب ماذا؟ يترتب في زمن الإمهال، متى يحكم عليه بكونه مفقودًا فيلحق بالأموات؟ نظر بعضهم إلى الأرض التي ذهب إليها، إن كان يغلب عليه السلامة كمن ذهب للتجارة مثلاً حينئذٍ بعضهم وضع له سبعين سنة وبعدها يحكم عليه بالموت، وبعضهم زاده وقال: تسعين سنة. وهذا قول عند الحنابلة، وبعضهم قال: لا، يُنظر إلى العرف. يعني: الغالب، «أعمار أمتي بين الستين والسبعين».
(4/6)

وبعضهم أحاله إلى نظر القاضي، على كلٍّ خلاف، والمذهب الثاني أن يكون قد ذهب إلى أرضٍ لا يغلب عليها السلامة، حينئذٍ لا شك أن الزمن الذي يوضع للحكم بكونه مفقودًا أقل من الأول، كأن يكون قد ذهب للجهاد في سبيل الله مثلاً ومضت السنة والسنتان والثلاث هل ننتظر سبعين سنة أو تسعين سنة؟ لا، الأمر ليس كالأول، إذًا موت المورث حقيقة أو حكمًا أو إلحاقه بالأموات حكمًا كالمفقود إذا انقضت فيه مدة الانتظار، واختلفوا في مدة الانتظار على ما ذكرناه سابقًا وحكم القاضي بموته، ما هو أنت، ليس كل أحد وإنما القاضي، القاضي هو الذي يحكم بكون هذا مفقودًا وألحقه بالأموات، لأنه يترتب عليه أحكام شرعية فسخ النكاح تتزوج زوجته، حينئذٍ ينتقل ماله إلى ورثته، وحكم القاضي بموته، أو تقديرًا، وهذا فارق به بعضهم بأن ثَمَّ إلحاق بالأموات إما على جهة الحكم، وإما على جهة التقدير والنتيجة واحدة، فإنما جعلوا الحكم خاصًا بالمفقود، والتقدير خاص بالجنين، والنتيجة واحدة لا فرق بينهما، أو تقديرًا وذلك كالجنين الذي ينفصل من أمه ميتًا بسبب جناية عليها تُوجب الغرة، أي: نقدر أن الجنين كان حيًّا في بطن أمه ثم مات بسبب الجناية عليه، لأن العبرة بخروجه، يعني: متى نحكم على الجنين بأنه وارث؟ لا بد أن نتحقق وهو الشرط التالي لا بد من أن نتحقق أن الوارث كان حيًّا بعد موت مورثه، ومتى يكون إذا خرج من بطن أمه حيًّا حياةً مستقرة، لا بد أن يخرج من بطن أمه وهو حي، ولو بقي ثواني ثم مات حينئذٍ تحققنا من حياته، وأما إذا خرج ميتًا فالأصل أنه لا يرث ليست العبرة في الأصل ليست العبرة بحاله إذا كان في بطن أمه، وإنما بكونه موجودًا في الخارج، لأن الأحكام الدنيوية تكون في الخارج، فإذا خرج من بطن أمه إما أن يخرج ميتًا وإما أن يخرج حيًّا ثم يموت مباشرة، وإن بقي فلا إشكال فيه الحالة الثالثة، إن خرج ميتًا فالأصل فيه أنه لا يرث، لكن هنا قُدِّرَ [أنه نزل حيًّا ثم مات] أنه كان حيًّا في بطن أمه ثم خرج حيًّا هذا الأصل فيه، وإلا لا يحكم عليه، وهذه مسألة خاصة فيما إذا ما جنا جانٍ من ذكرٍ أو أنثى على بطن حاملٍ ثم أسقطت مباشرة أو بعده مع تألمها حكمنا بكون هذه الجناية ألحقت هذا الجنين بالحي ولكنها ليست حياة حقيقية، وإنما من جهة التقدير، إذًا التقديري إلحاق الميت بالحي نقول: هذا من جهة ماذا؟ من جهة التقدير، أو تقديرًا وذلك كالجنين الذي ينفصل من أمه ميتًا، يعني: خرج من بطن أمه ميتًا، بسبب جناية عليها توجب الغرة، أي: نقدر أن الجنين كان حيًّا في بطن أمه ثم مات بسبب الجناية ثم خرج ميتًا، وهذا في السابق كانوا لا يدرون الذي في بطن الأم هذا هو حي أو لا، ولذلك نقول: نقدر أنه كان حيًّا في بطن أمه، ثم ضربت الأم على بطنها فخرج هذا الجنين، في القديم ما كانوا يعرفون، ليس هناك، الطب فيه تطور أنهم يكشفون بأن هذا الجنين حي أو لا، فيحكم عليه أنه كان حيًّا في بطن أمه لعدم العلم الذي وُجد الآن، حينئذٍ إذا ضُربت بطن أمه فخرج ميتًا قدرنا أنه كان حيًّا، لأنه هو الأصل مع كوننا نجهل هل هو بالفعل حي أو ميت؟ لأنه قد يكون ميتًا في الأصل، لكن نقدر أنه كان حيًّا في بطن أمه لأنه
(4/7)

الأصل ثم ضُربت ثم خرج الجنين ميتًا، إذًا الأصل ما هو؟ الحياة، فلذلك يُوَرَّث، نقدر أن الجنين كان حيًّا في بطن أمه ثم مات بسبب الجناية ثم خرج ميتًا، والغرة عندهم هي عبدٌ أو أمةٌ تقدر بخمس من الإبل يأخذها ورثة الجنين سواءٌ كانت هذه الجناية عمدًا أو خطأً ذكرًا كان أو أنثى ألقت الحنين في الحال أو بقيت متألمةً حتى سقط، لكن لو علمنا بالوسائل المتطورة الآن أنه ميت قبل الضرب أنه قد مات ثم ضرب الجنين فسقط ميتًا هل يأخذ الحكم أو لا؟ الجواب: لا، إنما هذا يختص فيما إذا جُهِلَ قبل أن تضرب، فإذا ضربت حينئذٍ قلنا: الأصل هو الحياة، فإذا خرج ميتًا ألحقناه بالأحياء. إذًا الشرط الأول موت المورث حقيقةً أو حكمًا كالمفقود أو الجنين، فالحكم يكون في الأمرين.
الشرط الثاني: تحقق حياة الوارث بعد موت المورث، أو إلحاقه بالأحياء، هذه الشروط متمة للأركان، تحقق حياة الوارث بعد موت المورث أو إلحاقه بالأحياء، لماذا؟ لأننا سَنُمَلِّكُهُ هو سَيَمْتَلِك هذا المال، والملك إنما هو من صفات الأحياء أو الأموات؟ الأحياء، إذًا انتقلت الملكية من الميت لفوات الشرط وهو الحياة فلا بد أن ينتقل إلى حي، فالشرط الأول حينئذٍ يكون وصفًا للمورِّث، والشرط الثاني يكون وصفًا للوارث بأن يتحقق حياته، تحقق حياة الوارث بعد موت المورث أو إلحاقه بالأحياء، لأن التمليك يُشترط له الحياة، قالوا: ولو لحظةً. يعني: لو خرج هذا يقصدون به الجنين إذا خرج من بطن أمه حينئذٍ كما ذكرناه إما أن يخرج حيًّا أو ميتًا، الميت على التفصيل السابق، حيًّا هل يشترط في كونه وارثًا أن تستمر حياته أو يكفي أنه يخرج صارخًا أو أنه يخرج حيًّا حياةً مستقرة، ثم إذا مات بعد ذلك حينئذٍ نقول: خرج حيًّا فثبت له الإرث فهو وارث، لماذا؟ لكونه قد خرج من بطن أمه وهو حي، إذًا حياة الوارث بعده ولو لحظة حقيقةً أو حكمًا، هذا الشرط الثاني.
الثالث: تحقق أو العلم بالجهة المقتضية للإرث، يعني: العلم بالسبب المقتضي للإرث، هذا لا بد، ما العلاقة بين الوارث والمورث؟ هل كل أحدٍ يرث أحدًا؟ لا.
(أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ) ثم قال: (وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ). لا بد من تحقق واحد من هذه الأسباب الثلاثة، فإن انتفى النكاح والولاء والنسب حينئذٍ انتفى الإرث، لأنه لا علاقة بين الوارث والمورث لا بد من علاقة، المال هكذا لا ينتقل إلى أي أحد وإلا كل شخص ورث الآخرين، وإنما ثَمَّ سببٌ وارتباط وعلاقة بين المورث والوارث، وهذه محصورة في ثلاثة وهي متفق عليها وثَمَّ أربعة أسباب مختلف فيها، وهذه الثلاثة هي المذهب وما عداها منفيٌ عند الحنابلة.
(4/8)

العلم بالسبب المقتضي للإرث، وهذا الشرط مَن الذي يحققه؟ يعني: من الذي يعتني به؟ الذي يحكم بانتقال المال من المورث إلى الوارث، وهذا مَن؟ القاضي، إذًا هذا شرط يتعين على القاضي، أما الوارث هذا يراه هو أمامه لا يحتاج، أو بعلم يخبر عنه، وأما المورث فهذا يثبت عنده بالشهادة أنه قد مات، وأما هذه الجهة والسببية والارتباط بين المورث والوارث فهذه ينظر فيها في أدلة الشرع، أما المورث والوارث هذا أمرٌ حسي يدرك بالحس، وأما كون هذا وارثًا من هذا، هذا يحتاج إلى دليل شرعي، إذًا هذا الشرط يرجع إلى القاضي أو الحاكم، لأنه هو الذي يحكم بانتقال هذا المال من مالكٍ إلى مالكٍ، فلا بد من معرفة ثلاثة أمور، القاضي لا بد أن يعرف ثلاثة أمور.
الأول: ما هو السبب الذي يدلي به هذا الوارث إلى مورثه؟ ما هو السبب؟ ما العلاقة؟ هذه امرأة ماتت وأنت جئت تدعي الإرث إيش علاقتك بها؟ زوجها؟ أخوها؟ لا بد أن يعرف، إما نكاح، وإما ولاء، وإما نسب، إذًا ما هو السبب من أسباب الإرث الذي يدلي به هذا الوارث إلى مورثه؟ فقد يكون من الأسباب المختلف فيها والحاكم والقاضي لا يراه، يعني: بيت المال مثلاً، أو الملتقط، أو من أسلم على يديه، هذه فيها خلاف بين أهل العلم، هل هي من أسباب الإرث أو لا؟ قد يرى القاضي أن الملتَقِط يرث، وقد لا يرى قاضي آخر أنه يرث، حينئذٍ لا بد من تعيين الأسباب الصحيحة التي يترتب عليها الإرث والأسباب التي لا يترتب عليها الإرث، وهذا يختلف من قاضٍ إلى قاضٍ، يعني: ثَمَّ خلاف بين أهل العلم قد يرى هذا القاضي ما نفاه الآخرون.
الثاني: إذا كان السبب القرابة مثلاً فما نوعها؟ تختلف القرابة، هل كل قريب ونسب؟ هل كل ذي نسب يرث؟ الجواب: لا، قد يقول: أنا قريب له، وجد عندي النسب أنا من الأرحام، هل كل ذي رحمٍ يرث؟ الجواب: لا، لا بد أن يعرف ما نوعها لاختلاف أنواعها ويختلف الحكم باختلافها، ثم الدرجة التي تجمع الوارث مع الْمُوَرِّث لئلا يكون محجوبًا لمن هو أقرب منه إلى الميت، يأتي يدَّعِي وهذا ابنُ الابِن يقول: أنا أرث من هذا. وأبوه موجود الابن حينئذٍ نقول: لا، أنت وإن كنت ذا نسب، يعني: من قرابة الميت إلا أنك لا ترث لأنك محجوب بمن هو أعلى منك رتبة.
ثالثًا: معرفة انتفاء الموانع التي تمنع من الميراث، قد يكون زوجًا ووجد فيه السبب، لكنه قاتل، قتل زوجته عندها ملايين واستعجل فقتل حينئذٍ نقول: هو زوجٌ والأصل فيه أنه يرث، لكنه قام به مانعٌ وهو القتل، (رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ)، إذًا العلم بالسبب المقتضي للإرث، هذا لا بد منه ولا بد أن يعرفه القاضي، هذه ثلاثة أمور ترجع إلى القضاء. إذًا هذه ثلاثة شروط.
الأول: موت المورث حقيقةً أو إلحاقه بالأموات حكمًا أو تقديرًا.
ثانيًا: حياة الوارث بعد المورث ولو لحظةً حقيقةً أو حكمًا.
ثالثًا: العلم بالسبب المقتضي للإرث.
(4/9)

أدلة هذه الشروط: موت المورث لقوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176]. الهلاك بمعنى الموت وهذا جاء بعضهم في باب الفرائض يقول: هلك هالكٌ. يعني: كأنه نزلت به عقوبة هلك نزلت به عقوبة هلك، الله عز وجل يقول: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ}. يعني: مات، فالهلاك بمعنى الموت، فإطلاق ذلك في المسائل التي يُوردها الفرضيون لا إشكال فيه لا اعتراض، هلك هالك هذا هو أهلكم، نقول: لا، هذا واردٌ في النص، إذًا موت المورث لقوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}. {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} لا بد أن يوجد أولاً فعل الشرط ثم يترتب عليه جواب الشرط، إذًا وجه الاستدلال هنا أنه أطلق الهلاك على المورث ورتب عليه جواب الشرط، {إِنِ} هذه شرطية، تربط بين الجواب وفعل الشرط، وسبق معنا قاعدة أنه العلاقة بين فعل الشرط وجواب الشرط، قد يكون المراد إيقاع جواب الشرط قبل إيقاع فعل الشرط، فقد يكون بعده وقد يكون معه ثلاثة أحوال، هنا المراد به إيقاع جواب الشرط بعد وجود فعل الشرط، وقد يكون بالعكس لقرينة السياق وقد يكون معه، {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} ثم قال: {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}. إذًا متى يكون لها نصف ما ترك؟ إن هلك فإن لم يهلك؟ ليس لها شيء، واضح وجه الاستدلال؟ أنه رتب ثبوت النصف للأخت هنا بعد وقوع فعل الشرط وهو الهلاك، فإن لم يكن بمفهوم الشرط عكسي مخالفة حينئذٍ ليس لها النصف ولا دونه، والهلاك هو الموت، وتركه لماله إنما يكون بعد انتقال من الدنيا إلى الآخرة، ويحصل تحقق الموت بثلاثة أمور، متى نحكم على المورث بأن قد مات؟
المعاينة، تراه في النزع، ينزع أمامك معاينة تراه بعينك.
الثاني: الاستفاضة، الشهرة يعني، يشتهر.
الثالث: شهادة عدلين.
(4/10)

وأما الموت حكمًا، فذلك في المفقود إذا مضت المدة التي تحدد للبحث عنه فإنه يحكم بموته، ما لدليل؟ قالوا: تنزيلاً للظن منزلة اليقين عند تعذره. يعني: ما طلب فيه اليقين قد لا نستطيع، ويتعذر علينا أن نصل إلى اليقين، هذا الأصل، فَنُنَزِّل الظن الذي هو قريب من اليقين منزلة اليقين، وهذا كثير في مسائل الفقه، إذًا تنزيل للظن منزلة اليقين عند تعذره، وهذه قاعدة فقهية مشهورة عند أهل العلم، ولفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، إذًا للقاعدة وإفتاء الصحابة بذلك، إذًا متى أو لماذا نحكم بكون المورث قد مات حكمًا؟ للقاعدة وفعل الصحابة، وإلا لم يوجد نص، وأما اشتراط حياة الوارث بعد موت مورثه فلقوله: {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ}. لها اللام هذه ملكية، وهل يملك الميت؟ الجواب: لا، إذًا يدل على أنها حياة، واللام هنا للتمليك وهو لا يكون إلا للحي، ويحصل تحقق حياته بما يحصل به تحقق موت مورثه، يعني: معاينة، والاستفاضة، وشهادة عدليين، يعني: يحصل تحقق حياته حياة الوارث، معاينة تراه أمامك يمشي يتكلم، هذه معاينة، أو استفاض قد يسافر عشرين سنة لكن تعلم أنه باقي على حياته، أو إذا كان يكتب، أو يدرس، أو يعلم ترى كتبه ونحو ذلك، أو شهادة عدلين إذا احتيج حينئذٍ يشهد بأنه لا زال حيًّا، وأما حياة الوارث حكمًا فمرادهم به الحمل يرث من مورثه وإن لم ينفخ فيه الروح بشرط خروجه حيًّا حياةً مستقرة، يعني: ولو كان نطفة، إذا ثبت وجود الحمل بعد موت المورث ولو بلحظة، ولو نطفة حكمنا عليه بكونه وارثًا، كيف وهو لم تنفخ فيه الروح؟ قالوا: هذا تنزيلاً له منزلة الحي. وأما اشتراط العلم بالسبب والشرط الثالث، لماذا اشترطناه؟ ما الدليل عليه؟ هذا واضح لأن الشرع رتب أوصاف وأحكام على أشياء متى ما وجدت وتحققت هذه الأوصاف التي هي: الأسباب، والشروط ... إلى آخره هذا الحكم عام لا يختص بالشروط، حينئذٍ نقول: متى ما وجدت ترتب عليه الحكم وإلا فلا، كما نحكم بصحة الصلاة، متى نحكم بصحة الصلاة؟ إذا وجدت الشروط والأركان والواجبات وانتفت الموانع حكمنا على الصلاة بكونها صحيحة، من الذي رتب هذا على ذاك؟ الشرع، كيف رتب هذا على ذاك؟ بأن حكمنا على هذا القول والفعل بأنه شرط، أو ركن، أو واجب، أو أن هذا مانعٌ من كذا، فإذا انتفت الموانع ووجدت الشروط والأركان حكمنا بالصحة، نحكم بالفساد متى؟ إذا انتفت الشروط أو بعضها أو انتفت الأركان أو بعضها إلا ما جاء استثناؤه كالقيام مثلاً والعجز ونحو ذلك هذا له حكمه الخاص، وأما اشتراط العلم بالسبب المقتضي للإرث فلأن الإرث مرتب على أوصاف، فإذا لم توجد هذه الأوصاف لم يحكم بثبوت ما رتب عليها من الأحكام، فلا يحكم بالشيء إلا بعد وجود أسبابه وشروطه وانتفاء موانعه، هذه ثلاثة شروط يكاد أن يكون متفق عليها وليس فيها خلاف بين أهل العلم.
ثم قال رحمه الله:
(بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث)
(4/11)

أي: هذا بابُ، التبويب هذا هل هو من المصنف أو لا؟ المشهور عند الشراح ونحوهم أنه ليس من فعل المصنف، يعني: لم يبوب لم يترجم هو وإنما ذكر الأبيات سردًا هكذا (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث)، أي: هذا بابُ، بابُ هذا خبر لمبتدأ محذوف، وباب مضاف وأسباب مضاف إليه على حذف المضاف، أي: بابُ بيان أسباب الميراث، أي: وموانعه، هذا فيه اكتفاء لأنه اعترض عليه، أنت ما دام أنك تبرعت وبوبت بوِّب كما ذكر الناظم، فهو قد ذكر أربعة أبيات: بيتين في الأسباب، وبيتين في الموانع. بوّب للأسباب وترك الموانع، هذا قصور، قالوا: هذا قصور. واعتُرِض على الترجمة بأن فيها قصورًا فأجيب بأن فيه حذف الواو مع ما عطف فيكون فيه اكتفاء، أي: وموانعه، {تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، والبرد مثله فلا إشكال، فلذلك لا يخطَّأ النحوي البتة، (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث)، أي: وموانعه، له أصل في الشرع.
البابُ لغة: المدخلُ إلى الشيء.
واصطلاحًا: اسم لجملة مختصة من العلم تحته أصولٌ ومسائل غالبًا، هذا على المشهور، أو اسمٌ لألفاظ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة، والثاني أشهر اسم لألفاظ مخصوصة دالة على معاني مخصوصة، بَاب أصله بَوَب تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، يجمع على أبواب وأبوبة وبيبان، في اللغة المدخل، مَدْخَل مَفْعَل، والمفعل يأتي اسم مصدر ميمي، واسم مكان، واسم زمان، المراد به هنا اسم المكان، ليس المراد به الدخول نفسه وليس المراد به زمن الدخول، وإنما المراد به المكان الباب هذا المراد به الباب، حينئذٍ المدخل إلى الشيء إذا كان المدخل مَفْعَل مرادًا به اسم المكان حينئذٍ لا بد أن يكون قوله المدخل إلى الشيء متعلقًا بمحذوف، أي: المدخل الموصل إلى الشيء، وبعضهم قال: فرجةٌ في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج وعكسه. وهذا الثاني أشهر، واصطلاحًا اسم لجملة مختصة من العلم تحته فصول ومسائل غالبًا، ومضى معنى كثير تفسير معنى الفصل والمسائل ونحوها.
(بَابُ أَسْبَابِ) (أَسْبَابِ) جمع سبب، (أَسْبَابِ) أَفْعَال جمع سَبَب على وزن فَعَلْ وفَعَلْ يجمع على أفعال، وهو جمع قلة أو كثرة؟ قلة، أَفْعَال، أَفْعَال أَحْمَامْ، إذًا هو جمع قلة، وهو كذلك هنا لا إشكال لا اعتراض، لأن الأسباب هنا التي ذكرها المصنف المتفق عليها، وهي ثلاثة فقط، وأقل الجمع ثلاثة، فلا إشكال فيه، والسبب في اللغة ما يتوصل به إلى غيره حسًّا كان أو معنىً، ما شيءٌ، أو معنىً، أو وصف، وإذا قلت: شيء. فالشيء يصدق على المعنى وعلى الحس، وإذا قلت: معنى. حينئذٍ اختص بالمعاني دون الحسيات، وعليه نقول: ما هنا ما يتوصل به إلى غيره ما يعني شيء، والشيء يصدق على الشيء الحسي كالحبل، وعلى الشيء المعنوي كالعلم، العلم سببٌ موصلٌ إلى الخير، وهذا لاشك فيه، فحينئذٍ يشمل النوعين ما يتوصل به إلى غيره حسًّا كالحبل ومنه قوله: {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج: 15]. أو معنًى ومنه علم فإنه سبب للخير، ومنه {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف: 84] على قولٍ، واصطلاحًا: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عده العدم لذاته.
(4/12)

هذه التعاريف للشرط والمانع والسبب، هي المشهورة لسهولتها، وإلا عند التحقيق فثَمَّ تعاريف أخرى قد تكون أولى، ولذلك عرفه الآمدي بأنه كل وصف ظاهرٍ منضبطٍ معرف لحكم شرعي.
السبب قد يكون شرعيًّا وقد يكون حسيًّا وقد يكون عاديًّا، والمراد هنا بالأسباب (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) الأسباب العقلية، أو الطَّبَعِيَّة العادية، أو الشرعية؟ الشرعية، حينئذٍ يختص الحكم بالسبب الشرعي وعليه ينطبق تعريف الآمدي، ما يلزم من وجوده الوجود، ما وصف معنى شيء يلزم من وجوده الوجود، وهذا يفارق السبب الشرط، فالشرط لا تلازم بينهما، قد يوجد الشرط ولا يوجد المشروط، وأما السبب فلا، إذا وُجدا السبب لزم منه ترتب المسبب عليه، أليس كذلك؟ ولذلك قال: ما يلزم من وجوده. من وجوده هذا الوصف الذي حكمنا عليه بأنه سببٌ وجود المسبب كالزوال بالنسبة لصلاة الظهر، والنكاح بالنسبة لترتب الإرث والتوريث، ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم، يعني: ومن عدم هذا الوصف الذي أطلقنا عليه أنه سبب عدمُ المسبب، فلا يوجد المسبب عند انتفاء السبب، لذاته هذا راجعٌ للنوعين: الوجود، والعدم. لأنه قد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، إما الوجود مانع، أو لفقد شرطه، كالزوجية مثلاً فإنها سبب للإرث بين الزوجين، الزوجية سبب وهي: نكاحٌ، عقد الزوجية الصحيح، الزوج يرثُ الزوجة، والزوجة ترث الزوج إذا مات واحدُ منهما قبل الآخر ورث الثاني إن كان عنده شيء، فإنها سبب للإرث بين الزوجين، فيلزم من وجودها وجود الإرث، ويلزم من عدمها عدم الإرث، إذًا هذان شِقَّان يلزم من وجوده وجود، والشق الثاني من عدمه العدم، والثالث هذا بعضهم يرى أنه يحذف ولا يذكر، لأنه إذا انتفى السبب لقيام مانع، أو فقد شرط حينئذٍ لم ينتفِ لذات السبب، والكلام هنا إنما لذات الشيء لا لشيءٍ طرأ على السبب، وخرج الشرط، فقوله: ما يلزم من وجوده الوجود. خرج به المانع، إذ يلزم من وجوده العدم كالقتل مثلاً إذا وجد لزم منه عدم الإرث، الرق، اختلاف الدين، هذه موانع يلزم من وجودها العدم، يعني: عدم الإرث، وخرج الشرط إذ لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، فقوله: لذاته. راجع للوجود والعدم، وذلك القرابة مثلاً فإنها سبب من أسباب الإرث، فإن قام بها مانع من قتل ونحوه، القرابة موجود سبب يترتب عليه المسبب وهو الإرث، لكن قد يكون هذا القريب قاتلاً، حينئذٍ وجد السبب ولم يترتب عليه المسبب، لماذا؟ هل هو لذات السبب أو الشيء آخر طارئ؟ الثاني وهو كونه قد قام به مانعٌ من تأثير السبب في ترتب المسبب عليه، فإنها سبب من أسباب الإرث فإن قام بها مانعٌ من قتل ونحوه منع من الإرث، فالإرث نظرًا لذات القرابة والمانع منه لا لذات القرابة وإنما هو لأمرٍ طارئ، إذًا قد يقترن بالسبب مانعٌ أو فقد شرط كالقتل مثلاً مع القرابة، أو عدم تحقق حياة الوارث بعد موت المورث حينئذٍ نقول: وجد السبب وهو القرابة وانتقى المسبب. لماذا؟ إما لقيام مانع وهو القتل مثلاً، أو لعدم تحقق حياة موت المورث وهو شرط، فإذا لم نتحقق حينئذٍ نقول: هذا السبب لا يترتب عليه المسبب.
(4/13)

حينئذٍ لم يلزم من وجوده الوجود، لكن لا لذات السبب بل لأمر خارج وهو وجود المانع، أو فقد الشرط، وقد يوجد المسبب وهو الإرث عند عدم السبب، يعني: قد يرث وينتفي النكاح، ممكن؟ ممكن لوجود سبب آخر، إذًا لا لذات السبب نفسه وهو النكاح، وقد يوجد المُسَبَّب وهو الإرث عند عدم السبب كما لو فقدت القرابة وخالفها النكاح، أو الولاء، فإنه لم يلزم من عدم السبب عدم الإرث، لكن هذا لا لذات عدم السبب المذكور وهو القرابة بل لكونه خلفه سبب آخر، إذًا باب بيان أسباب، عرفنا السبب في اللغة والاصطلاح.
(الْمِيْرَاث) الكلمة الثالثة (الْمِيْرَاث) مِيرَاث مِوْرَاث هذا أصلها مِوْ، الياء هذه منقلبة عن الواو، كما تقول: مِيزَان مِيُوزَان مِيقَات مِيُوقَات أصله من الوقت أين الواو؟ مِيقَات مكاني، أو زماني، مأخوذ من الوقت أين الواو؟ لو قال لك قائل: أين الواو؟ تقول: ابحث عنها! الواو هي الياء انقلبت ياء، لماذا؟ لسكونها وانكسار ما قبلها، الأصل مِوْقَات مِوْزَان من الوزن، كذلك مِوْرَاث مِيرَاث أصله مِوْراث من وَرِثَ الواو أصلية، أين الواو؟ تقول: انقلبت ياء على القاعدة، إذا سكنت الواو وانكسر ما قبلها وجب قلب الواو ياءً، الميراث له إطلاقان عند الفرضيين وهو في لسان العرب كذلك يطلق بالمعنى المصدري، ويطلق بالمعنى الاسمي، بالمعنى المصدري والمعنى الاسمي، يطلق إطلاقًا مصدريًّا بمعنى الإرث، وهو المقصود بالترجمة هنا أسباب الإرث، عرفنا الإرث هو الحق الخامس الذي تعلق به التركة.
(4/14)

والإرث لغة: البقاء وانتقال الشيء من قومٍ إلى قومٍ آخرين، البقاء بالمد كالوارث بمعنى الباقي، لأنه باقٍ بعد موت المورث، ومنه اسمه تعالى الوارث، ومعناه الباقي بعد فناء خلقه، ويطلق بمعنى انتقال الشيء من قومٍ إلى قوم آخرين، يسمى إرثًا، وهل يصلح أن يكون المعنيان مرادين هنا البقاء والانتقال يصلح؟ الإرث الشيء الباقي، يعني: هو تصرف في ماله، تصرف أخذ وأخذ وبقي شيء فتركه، هذا باقٍ أو لا؟ كما يرد لك الباقي، حينئذٍ نقول: هذه التركة باقي، باقي ماذا؟ باقي عن الشيئ الذي تصرف فيه، إذًا البقاء صادق عليه، وكذلك الانتقال وهو واضح، انتقال الشيء من قومٍ إلى قومٍ آخرين، يعني: من المورث إلى الوارث، من الأصل إلى الفرع، والانتقال إما حقيقة كانتقال المال، أو معنًى كانتقال العلم، العلم ينتقل أو لا؟ «العلماء ورثة الأنبياء». انتقل العلم أو لا؟ انتقل العلم، إذًا العلم ينتقل لكنه انتقال معنوي، أو حكمًا كانتقال المال إلى الحمل، الحمل يرث، أليس كذلك؟ يرث، انتقل إليه المال حكمًا لا حقيقة لأنه لم يمتلك حقيقةً، وإنما الولي هو الذي يأخذ عنه، وهو مصدر وَرِثَ الشَّيْءَ وِرَاثَةً وَمِيرَاثًا وَإِرْثًا، له ثلاثة مصادر مِيرَاث هذا مصدر، مصدرُ ماذا؟ فِعْله وَرِثَ على وزن فَعِلَ وَرِثَ الشَّيْء الشّيء هذا مفعول به فهو متعدي، وِرَاثَةً وَمِيرَاثًا وَإِرْثًا هذه ثلاثة مصادر، الأول والثاني مزيدان، والثالث مجرد، مثل ماذا هذا؟ كَتَبَ يَكْتُبُ كِتَابَةً وَكِتَابًا وَكَتْبًا ثلاثة مصادر اثنان مزيدان وواحد مجرد، هنا كذلك وِرَاثة الألف والتاء زائدان، وَمِوْرَاثًا الميم هذه زائدة والألف زائدة بعد الراء، وأما إِرْث هذه مجرد، وأين الواو؟ نقول: من وَرِثَ. الواو قلبت همزة نعم، إذًا إرث هذه اشتملت على الحروف الأصلية، إرث أين الواو؟ فهو مصدر وَرِثَ تقول: هذه الهمزة بدل عن الأصل، وما كان بدلاً عن الأصل حكم بأصالته، مثل قال وباع، الألف هذا أصلية أو لا؟ أصلية، لأنها بدلٌ عن أصل، بَاعَ بَيَعَ قَالَ قَوَلَ، إذًا هذه بدلٌ عن واو وبدلٌ عن ياء فلها حكم الأصل، كذلك هنا وأصله الواو، يعني: الإرث فقلبت همزة، والإطلاق الثاني بمعنى اسم المفعول مِيرَاث بمعنى الموروث، حينئذٍ إذا كان بمعنى الموروث تقول: مفعول هذا، فصار المصدر هنا بمعنى اسم المفعول لأن الميراث هذا لمصدر، ويطلق إطلاقًا غير مصدري بل بمعنى اسم المفعول فيكون معناه الموروث والتراث أصله التُّرَاث أصله وِرَاث مثل تُجَاه وِجَاه قلبت الوات تاءً تَقْوى وَقْوَى مثله، وهو لغة: الأصل والبقية، ومنه سمي مال الميت إِرْثًا لأنه أصله كان للغير وهو بقية من سلف لمن خلف، إذًا بقية فيه بمعنى البقاء، الإرث بمعنى البقاء والانتقال، وهنا بمعنى البقية فلا إشكال، فالمعنى يكون مطردًا، ومنه خبر مسلم: «اثبتوا على مشاعركم فإنكم على إرث أبيكم .. »، يعني: موروث، بمعنى موروث، أي: أصله وبقيته منه، وشرعًا، يعني: الموروث حقٌّ قابلٌ للتجزي يثبت لمستحق بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(4/15)

عناصر الدرس
* أسباب الميراث.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) أي: هذا باب بيان أسباب، أي وموانعه كما ذكرناه سابقًا بأن هذه التراجم الظاهر أن المصنف والناظم لم يضعها، وإنما وُضعت له تبويبًا ترجمةً لما ذكره، لأنه متجزئة بنفسها هي متجزئة بنفسها، ذكر بيتين في أسباب الميراث، ثم بيتين في موانع الميراث، هذا جزءٌ وهذا نوع، وهذا كذلك نوعٌ آخر، (أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) عرفنا هذه ثلاث كلمات، وباب له معنى لغوي ومعنى اصطلاحي، و (أَسْبَابِ) كذلك جمع سبب وله معنى لغوي وهو ما يُتوصل به إلى غيره حسًّا كان أو معنى، وله معنى اصطلاحي عند أرباب الأصول وهو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدمُ لذاته، وعرَّفه الآمدي: كل وصف ظاهر منضبط معرف لحكم شرعي. وهذا الثاني تعريف الآمدي هذا مرجحٌ عند صاحب جمع الجوامع لأنه مختص بالسبب الشرعي، وأما المشهور الذي ذكره صاحب الشرح هنا: ما يلزم وجوده ومن عدمه العدم لذاته، هذا عام يشمل العقلي ويشمل الشرعي ويشمل كذلك العادي.
الأسباب ثلاثة: سببٌ عقلي، وسببٌ شرعي، وسبب عادي.
والمراد هنا بالأسباب (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) يعني السبب الذي رتبه الشارع ليس عندنا سبب عقلي، فالإرث لا يكون إلا بجهة الشرع، لا من جهة الشرع فعلم الفرائض ابتداءً وانتهاءً وضعه الله عز وجل، وليس للبشر فيه مدخلٌ إلا في مسائل جاءت الأدلة من حيث الاختلاف والترجيح والتقديم والتأخير ونحو ذلك. إذًا المراد بالسبب هنا السبب الشرعي.
(أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) هذه الكلمة الثالثة، وقلنا: الميراث له إطلاقان: ميراث هذا مصدر أصلهما ميوْراث مثل ميقات ميوْقات وميزان، لأنه مأخوذ من الوزن ميوْزان سكنت الواو وكسر ما قبلها، وقيل: ميقات، ميراث وأصلها مِوْراث سكنت الواو وانكسر ما قبلها والقاعدة أنها إذا سكنت الواو وانكسر ما قبلها وجب قلب الواو ياءً فقيل ميراث وميزان وميقات.
والميراث له إطلاقان:
إطلاقٌ مصدري.
وإطلاقْ اسمي.
(5/1)

والمصدري يطلق بمعنى الإرث وهو المقصود هنا (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) أي باب أسباب الإرث، إرث والميراث هنا مصدر، والإرث كذلك مصدر، وعلى هذا المعنى ميراث بمعنى الإرث يعرّف في اللغة بالبقاء وانتقال الشيء من قوم إلى قوم آخرين، وسبق شرح هذا الحدّ، وكذلك يطلق بمعنى اسمي، وإذا كان كذلك حينئذٍ يصير مصدرًا بمعنى اسم المفعول، والمصادر بمعنى اسم الفاعل وبمعنى اسم المفعول هذا استعمال شرعي كان بعضهم يدَّعِي أنه مجاز لكنه لكثرته قد لا يقال بأنه مجاز، ويُطلق بمعنى الموروث فهو من إطلاق المصدر إرادة اسم المفعول، ويعرف في اللغة بأنه الأصل والبقية، ولذلك جاء في خبر مسلم "" اثبتوا على مشاعركم إنكم على إرث أبيكم إبراهيم ". أي أصله وبقيته منه، حينئذٍ يكون الإرث هنا أو الموروث [بمعنى البقاء] بمعنى البقية، وشرعًا - وهو الذي وقفنا عنده - بأنه يعرّف: حقُّ قابل للتجزي يثبت للمستحق بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها. هذا تعريف الميراث بمعنى الموروث، حقٌ إذًا شيء ثابتٌ يوصف بكونه حقًّا، والحق ضده الباطل، وهنا الأحقية جاءت من جهة الشرع الذي حكم بهذا هو الشرع، ولذلك ثبت أنه حق، والإرث كما هو معلوم تمليك قهري ليس اختياريًّا، فقد تمتلك الشيء باختيارك تذهب وتشتري .. إلى آخره، وأما الإرث فلا، لأنه يكون بموت صاحبه حينئذٍ ينتقل مباشرة قهرًا ولو لم يرض. إذًا هو حق جاء من جهة الشرع، وحق كلمة حق لا تختص بالمال، وإنما تتناول المال وغيره كالقصاص مثلاً، وهذا يورث والشفعة كذلك تورث، والخيار خيار العيب وخيار الشرط، هذه على خلاف بين الفقهاء تُورَث أم لا؟ إذًا الحق لا يختص بالمال، بل يشمل المال وغيره. إذًا قوله: حق جنس يتناول المال وغيره، كالخيار والشفعة والقصاص، قابلٍ للتجزي يعني أن يفرز ويقسم، لأن بعض الحقوق قد تنتقل لكنها لا تقبل التجزيء، والولاية في النكاح تنتقل لكنها ليست قابلة للتجزيء، إما العمّ وإما الابن .. إلى آخر، ولا يقول: هذا وذاك يشتركان في ولاية النكاح، بل هي شيء واحد ولا تقبل التجزي. إذًا قابل للتجزي خرج الولاء والولاية على النكاح إذْ ينتقلان بالموت لمن له حق في العصوبة ولو بعيدًا، وكذلك لا يقبل الفرز والقسمة، لمستحق يثبت لمستحق.
(5/2)

قال في شرح الترتيب: وخرج بقوله: يثبتُ لمستحقه أو مستحق ما إذا أغتاب شخصًا وتعذر استحلاله لموته، فلا يكفي استحلالُ وارثه بل يستغفر الله له، إذا اغتاب شخصًا حينئذٍ ثبت الحق لذلك الذي اغتيب، إذا مات في حال الحياة الأصل على قول أنه لا بد من استحلاله، وإن كان هذا ليس بلازم، والصواب أنه يستغفر له ويذكره في المجلس الذي ذكره بسوء بألقاب حسنة، يعني يمدحه في ذلك المجلس الذي اغتابه فيه، هذا هو الأصل، ولا يُلزم بالذهاب والاستحلال لأنه يترتب عليه مفاسد عظيمة، حينئذٍ فيه نوع مشقة، وعلى هذا القول أنه لابد من الاستحلال إذًا صار صاحب حق، كيف يستحل بعد الموت؟ هل ينتقل الحق إلى الورثة؟ الجواب: لا، لا ينتقل الحق إلى الورثة، صاحب الحق الذي اغتيب هو الذي يُسْتَحَل، هو الذي يُطلب منه الاستحلال إذا مات حينئذٍ لا نذهب إلى الورثة ونقول: استغفروا لنا أو سامحونا ونحو ذلك، لماذا؟ لكون صاحب الحق مات، وانقطع الحق بموته، إذًا لو ادَّعَى الورثة أنهم أصحاب حق في ذلك، نقول: هذا لا يَثْبُتُ لمستحق لا يثبت لمدعيه. بعد موت من كان له ذلك، يعني خرج به الحقوق الثابتة بالشراء ونحوه، فإنها تكون ماذا؟ فإنها حقوق ثابتة لصاحبها لكن قبل الموت، فالشراء والبيع وما يترتب عليهما هذا حق ثابت لكنه في حال الحياة لا بعد الموت، لقرابة بينهما خرجت الوصية على القول بأنها تملك بالموت لأنها لا يشترط فيها أن تكون لقريب، فقد تكون لأجنبي، وأما الإرث لا يكون لأجنبي البتة وإنما يكون لقرابة ونحوها، أو نحوها نحو القرابة ما هو؟ النكاح والولاء يعني لأسباب أسباب الميراث أو نحوها المراد به أسباب الميراث البقية عن القرابة، والقرابة تمثل النسب ونحوها تمثل الولاء والنكاح، هذا المراد بالميراث بمعنى الموروث حق قابل للتجزي يثبت لمستحقٍ بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها.
قال المصنف الناظم رحمه الله تعالى:
أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ ... كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَةْ
وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ

(أَسْبَابُ) هذا مبتدأ جمع سبب، وعرفنا السبب في اللغة والاصطلاح، والمراد به السبب الشرعي، خرج به السبب العادي، والسبب العقلي فلا مدخل له في هذا العلم لأنه علم شرعي، فليس للعقل فيه مجال وليس للطبيعة أو العادة له مجال.
(أَسْبَابُ مِيْرَاثِ) ميراث عرفنا أنه مصدر، ويطلق المصدر ويراد به الإرث المعنى المصدري، يطلق ويراد به الشيء الموروث، وأي المعنيين المراد هنا؟
الأول، ولذلك قلنا المراد بقوله: (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ). أسباب الإرث، يعني متى يثبتُ الإرث لزيد؟ هل إذا مات الشخص وترك تركة كل واحد يدعي أنه يرثه أم ثَمَّ ضوابط؟
(5/3)

ثَمَّ ضوابط، والسبب حينئذٍ في اللغة قلنا ما هو؟ ما يوصل للشيء، ما يُتَوصل به إلى غيره. ما هو السبب الذي يتوصل به إلى الإرث؟ لا بد من شيء يكون معينًا من جهة الشرع وليس هكذا يكون من جهة العقل أو العادة. إذًا (أَسْبَابُ) نقول: هذا مبتدأ وهو مضاف وميراث مصدر بمعنى الإرث، وهو مصدر بمعنى مصدرًا آخر، والإرث حينئذٍ يعرف بما ذكرناه سابقًا أنه في اللغة البقاء وانتقال الشيء من قومٍ إلى قومٍ آخرين، والانتقال قد يكون معنىً وقد يكون حسًّا. (مِيْرَاثِ الْوَرَى) كذلك ميراث مضاف و (الْوَرَى) مضاف إليه، والمراد بـ (الْوَرَى) هنا الآدميين، لأن بحثنا في ماذا؟ في ما يقسمه الآدميون، وأما هل يشمل وإن كان (الْوَرَى) يقصد به الخلق هذا الأصل فيدخل فيه الملائكة والجن، وهل هو مراد أم لا؟ الجواب: لا، وبعضهم يرى أن الجن يدخلون هنا، نعم الجن مكلفون بما كُلِّفَ به الإنس، لكن هل هو جهة التفصيل بما كلف به الإنس أم لا؟ الله أعلم، النبي - صلى الله عليه وسلم - بُعِثَ إلى الجن كما بعث إلى الإنس، وجاء بشريعة للإنس وهل هي عينها شريعة الجن؟ نقول: الله أعلم، لا ندري. حينئذٍ لو هلك هالك الجن وترك ولدين [ها ها] 11.36 كيف نقسم؟ نقول: الله أعلم، إذًا قوله: (الْوَرَى). المراد به الآدميين، أما غير الآدميين فلا توارث بينهم كالملائكة والدواب هكذا قال البيجوري لعدم تكليفهم، أما الملائكة لعدم تكليفهم فيه نظر، وأما لجن فهم كالآدميين، وإن كان الورى في الأصل يطلق بمعنى الخلق يعني المخلوقين، فهو مصدر مراد به اسم المفعول وهنا عام أريد به الخاص، والمراد به الآدميون. قال: والجن. نقول: الجن فيه نظر. لأنه ثبت في القرآن أنه المخاطب به هو الإنس حينئذٍ إدخال الجن يحتاج إلى نص خاص. إذًا (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى)، (الْوَرَى) بمعنى الخلق ويشمل الملائكة والدواب والجن، لكن المراد به هنا الآدميون على جهة الخصوص، فهو من إطلاق العام وإرادة الخاص. (ثَلاَثَةْ) هذا خبر المبتدأ (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ) مبتدأ وخبر، ثلاثة يعني معدودة بثلاثة، وهل هذا حصرٌ في الثلاثة أم لا؟ نقول: الأسباب على نوعين أسبابٌ مجمعٌ عليها وهي ثلاثة، وأسبابٌ مختلفٌ فيها وهي أربعة، حينئذٍ مراد المصنف هنا الأسباب المجمع عليها الأسباب المتفق عليها. (كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَةْ)، (كُلٌّ) أي كل سبب، سبق معنا البارحة أن كلّ لفظٌ قد يحذفُ هو ملازم للإضافة، قد يحذف المضاف إليه لفظًا لا معنى، حينئذٍ وجب تقديره {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13] ... الآية {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} [النمل 87]، إذًا كلٌّ التنوين هذا تنوين عوضٍ عن كلمة، وهو المضاف إليه. هنا الشارح قال: كل من الأسباب الثلاثة.
(5/4)

ما قدر المضاف، كلٌّ من الأسباب، نقول: لا، كلُّ سببٍ من الأسباب الثلاثة (يُفِيْدُ رَبَّهُ) يعني صاحبه (يُفِيْدُ) يقال: فادت لفلان فائدة فَيْدًا حصلت، فادت لفلان فائدة فيدًا يعني مصدر حصلت، وأفاد فلان علمًا أو مالاً أكتسبه، والفائدة من حيث هي ما يستفاد من علم أو عمل أو مال أو غيره كالجاه مثلاً، ويعتبر فائدة، الفائدة لفظٌ عام جنس يدخل تحته أنواع من ما يكتسب، (كُلٌّ يُفِيْدُ) أي كل واحدٍ أو كل سبب من الأسباب الثلاثة يفيدُ يعني يحصلُ لصاحبه المتصف به الوراثة، والوراثة هنا مصدر كما سبق أن ورث الشيء وراثة وميراثًا وإرثًا مصادر، فالميراث في قوله: (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ) مصدر، وكذلك (يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَةْ) كذلك مصدر ويراد به الإرث، يراد به ما يراد المصدر الأول (كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ)، (رَبَّهُ) الضمير هنا يعود على السبب، يعني رب السبب، ومراده به المتصف به، من اتصف بالنكاح عقد الزوجية الصحيح الزوج أو الزوجة، من اتصف بالولاء، من اتصف بالنسب، فالمراد بالرب وإن كان الأصل فيه بمعنى الصاحب إلا أن صاحب الشيء قد لا يتصف بالشيء، صاحب الدار تكون الدار صفة له، لا تكون الدار حالّةً فيه هو قائمٌ بالدار، لا، لا يكون كذلك، وإنما كنى هنا عن المتصف بالشيء بلفظ الرب، وإن كان الأصل في الرب بمعنى الصاحب، إذًا كلٌّ كل سبب من هذه الأسباب الثلاثة المتفق عليها يفيد ويحصل ربه يعني رب السبب المتصف بالسبب الوراثة يعني الإرث، حينئذٍ لا إرث إلا بواحدٍ من هذه الأسباب الثلاثة، إما نكاح، وإما ولاء، وإما نسب، (كُلٌّ يُفِيْدُ) قال الشارح هنا: كلٌ من الأسباب الثلاثة يفيدُ ربه أي صاحبه، والمراد المتصف به. الوراثة أي الإرث كالزوجين مثلاً الزوجين، لأن كل واحد يرث من الآخر ما لم يمنع منه مانع، زوج يرث من زوجته، والزوجة ترثُ من زوجها، لماذا ورث الزوج من زوجته؟ لقيام واتصاف هذا الزوج بسبب من أسباب الإرث وهو الزوجية نكاح، لماذا ترث الزوجة زوجها؟ لقيامها واتصافها بسبب من أسباب الإرث الشرعي وهو النكاح، لأن كل واحد يرث من الآخر ما لم يمنع مانع كالقتل ونحوه، وكذا الإرث بالقرابة، أما الولاء فالعتيق لا يرث من المعتق، يعني: السيد لو مات وترك عبدًا هل يرثه العبد؟ لا، لا يرثه، لو مات العبد وترك سيدًا هل يرثُهُ؟ نعم، يرثه بالولاء، إذًا ليس من الجانبين بخلاف النكاح والقرابة، قد يكون القرابة من الجانبين، تارة يكون من الجانبين وتارة يكون من جانب واحد، والنكاح يكون من جانبين، وأما الولاء لا يكون إلا من جانب واحد، فعليه كلّ في كلامه المرادُ بها الكل المجموع لا الجميع، يعني لا يصدق بكل واحد من هذه الأسباب أن يرث به الطرفان، كل منهما يرث للآخر، وإنما هذا يكون في بعضها في الجملة وهو النكاح والنسب، وأما الولاء فلا يرث إلى من طرف واحد.
(5/5)

قال الناظم: (وَهْيَ نِكَاحٌ)، (وَهْيَ) هذا مبتدأ، الواو عاطفة لما سبق، هي مبتدأ، وهي صادقة على الثلاثة الأسباب حينئذٍ صار معناها جمعًا، وهو ثلاثة، (نِكَاحٌ) وما عُطِفَ عليه خبر المبتدأ، (وَوَلاَءٌ) معطوف على نكاح والمعطوف على المرفوع مرفوع، ورفعه ضمة ظاهر على آخره، (وَنَسَبْ) معطوف على نكاح والمعطوف على المرفوع مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها سكون الضرب أو الوقف.
إذًا هي نكاح وولاء ونسب، وهي معلومة من جهة الاستقراء والتتبع، وهذه الأسباب الثلاثة متفق عليها، وما عداه فهو مختلف فيه، والصحيح أنها لا تُعَدّ أسبابًا، لا بيت المال، ولا الالتقاط ولا غيره كما سيأتي في موضعه.
(وَهْيَ نِكَاحٌ)، (وَهْيَ) أي الأسباب الثلاثة (نِكَاحٌ). قال الشارح: أولها (نِكَاحٌ). كأنه جعل نكاح خبرًا لمبتدأٍ محذوف، لامتناع أن يُخْبِرَ بـ (نِكَاحٌ) عن المبتدأ لعدم التطابق، لأنه يشترط في المبتدأ والخبر التطابق إفرادًا وتثنية وجمعًا، من حيثُ اللفظ ومن حيثُ المعنى هذا الأصل فيه، وهي هذا جمع من حيث المعنى، تصدق على الثلاثة الأسباب، نكاح واحد شيء واحد فكيف يُخْبِر عن المبتدأ بمفرد وهو جمع؟ هي ثلاثة نكاح مفرد واحد، فكيف يخبر عن المبتدأ وهو ثلاثة بشيء واحد، هل يصح أن يقال الزيدون - يصدق على ثلاثة، أقل الجمع ثلاثة - الزيدون قائمٌ يصح؟ لا يصح، هذا مثله هي نكاح مثله، لكن نقول: هي من حيث المعنى جمع، ولكن الخبر هنا رُوعِيَ فيه العطفُ قبل الحملِ، قبل الإخبار يعني، أو لك مخرج آخر كما صنعه الشارح هنا، أولوها نكاح، جعل نكاح فصله جعله خبرًا لمبتدأ محذوف، ثم المبتدأ المحذوف مع خبره الجملة في محل رفع خبر المبتدأ الملفوظ به وهو (وَهْيَ). هي أولها نكاح، ولا إشكال فيه، ولكن عدم التقدير في مثل هذا أولى، لأنه لا يتعلق به معنى لأن الكلام هنا من جهة الصناعة فحسب، هل ثَمَّ معنى يختلف؟ أولهما نكاحُ، وهي نكاح، لا يختلف، وإنما يُرَاعَى فيه القواعد فحسب، القواعد التي هي قواعد صناعية استنباطية، يعني لا علاقة له بالمعنى، والقاعدة التي ذكرناها البارحة - وهذا استدراك - القاعدة التي ذكرناها البارحة [أن التقدير ينظر فيه بحسب السياق وكذا إذا نُظِرَ إلى المعنى]، وأما إذا كان الكلام في القواعد النحوية فحينئذٍ نقول: عدم التقدير أولى من التقدير، ولا إشكال فيه.
(5/6)

وأما إذا ارتبط به معنى من المعاني فحينئذٍ نرجع إلى علم البيان، علم البيان فهو الحاكم في مثل هذه المواضع، وذلك نقول مثلاً: يحذف الخبر لكذا وكذا وكذَا، النحاة في الأصل ما يبحثون في هذه، وإنما يبحثون في حذف الخبر جائز واجب فحسب، ثُمَّ ما هي النكات التي يحذف لأجلها الخبر سواءً كان جوازًا أو على جهة الإيجاب، هذا مبحث البيانيين. إذًا وهي نكاحٌ هذا هو الأول. (نِكَاحٌ) النكاح في اللغة هو الضم والجمع يقال: تناكحت الأشجار إذا انضم بعضها إلى بعض التفت بعضها حول بعض، يقال: تناكحت الأشجار إذا اتصلت بعضها ببعض، واضحٌ هذا، وأما في الشرع فهو عقد الزوجية الصحيح، يُزاد عليه من باب التأكيد والإيضاح وإن لم يحصل وطءٌ ولا خَلْوَة، هذا من باب التأكيد لأننا في مثل هذه الحدود الأصل فيها ألا يراعى طرائق المنطقيين، يعني الجنس والفصل .. إلى آخره، وإنما يذكر ما يوضح المقصود فحسب. إذًا عقد العقد لا يكون إلا بإيجاب وقبول لأن النكاح عقد والبيع عقد فما يقال هناك يقال هنا، إلا أن الحنابلة فرقوا بينهما من حيث اللفظ، قالوا: البيع يحصل بكل لفظ سواء كان الإيجاب أو القبول، وأما النكاح فلا، لا بد أن يأتي بلفظ نكحتُ زوجتُ .. ونحو ذلك مما يدل على اللفظ، لأنه في الشرع لم يرد إلا كذلك سواءٌ كان في الكتاب أو في السنة. إذًا إيجاب وقبول، زوجتك ابنتي قبلت «ثلاثٌ جدهن جد وهزلهن جد». حينئذٍ نقول: زوجتُك ابنتي قبلتُ، حصل النكاح، لو قال بعتك ابنتي بثلاثين ألف مقدمًا وثلاثين مؤخرًا هذا فيه معنى النكاح يحصل؟ على المذهب لا يحصل، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى طرد الباب لم يفرق بين البيع والنكاح، قال: يحصل النكاح بكل ما يحصل به عرفًا، فما تعارف عليه الناس فلو قال: بعتك وهبتك أعطيتك ابنتي بثلاثين ألفًا - هذا المهر عندنا - حينئذٍ نقول: هذا نكاح وحصل، أما على المذهب فلا. إذًا عقدٌ فيه معنى الإيجاب والقبول على التفصيل الذي ذكرناه، خرج بالعقد وطء الشبهة والزنا، وطء الشبهة ليس بعقد، لماذا ليس بعقد؟ لأنه عقدٌ فاسد، وإذا كان كذلك فإذا فسد العقد رجعنا إلى أصله فيُفسخ من أصله فحينئذٍ يكون الإيجاب والقبول لا على محله شرعًا، وعقد وطء الشبهة هذا كما إذا عقد على امرأة يظنها أجنبية فبانت أخته بالرضاعة، فحينئذٍ هذا يُسمى وطء شبهة، ولا يسمى نكاحًا ويلحق به الأبناء وكذا ونحو ذلك للمصلحة العامة، عقد الزوجية، وأما الزنا فهذا واضحٌ بين، عقد الزوجية الصحيح هذه صفة للعقد، خرج به ما يقابل الصحيح وهو الفاسد، وهل يرث بالعقد عقد الزوجية الفاسد أو لا؟ نقول: العقد الفاسد نوعان:
- عقد فاسد مجمعٌ على فساده، كنكاح خامسةٍ فلو تزوج خامسة وعنده أربعة في ذمته الخامسة هذه عقدها فاسد، يعتبر زنى وليس وطء شبهة، لماذا؟ لحرمة الخامسة مع وجود الأربعة في ذمته، هذا العقد فاسدٌ بالإجماع، لو عقد عقدًا فاسدًا ثم مات هل ترثه زوجته؟ الجوابُ: لا. [وأما العقدُ].
(5/7)

- النوع الثاني: عقدٌ فاسدٌ مختلفٌ فيه، كالنكاح بلا ولي، هذا جوَّزه بعض وأنكره بعض، عندنا في المذهب عقد فاسد باطل ما يصح، لماذا؟ لفوات ركن من أركان النكاح وهو الولي، عند أبي حنيفة يجوز على تفصيل عنده الثيب والبكر ونحو ذلك، حينئذٍ نقول: هذا العقد مختلفٌ فيه فاسدٌ عندنا، صحيح عند غيرنا، إن تحاكموا إلى قاضٍ يرى هذا الرأي لا إشكال أنه سيصحح الإرث، إن تحاكموا عندنا هذا محل خلاف هل يورثُ به أم لا؟ لكن الظاهر أنه لا يورثُ به. عقد الزوجية الصحيح قال: وإن لم يحصل وطء ولا خلوة، النكاح والزوجية تثبت بمجرد العقد، إيجاب قبول حصل العقد وهو زوجة له وهو زوجٌ لها، لو مات أحدهما عن الآخر في تلك اللحظة بعد الإيجاب والقبول ولو لم يرها حينئذٍ نقول: حصل الإرث، لماذا حصل الإرث؟ لوجود عقد الزوجية الصحيح، لأنه لا يشترط الخلوة بها، إذ لو اشترطنا الخلوة حينئذٍ لا يصح عقد الزوجية إلا مع وجود الخلوة وهذا باطل، ولا يشترط الوطء إذ لو اشترطنا الوطء حينئذٍ لا يصح عقد الزوجية إلا مع وطءٍ، فإذا تزوج ولم يقع ليس بعقد زوجية، وهذا باطل، فلذلك نقول: هو عام. ولذلك جاءت النصوص عامة قال تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12]. أزواجكم أزواج، هنا بمجرد العقد فدخل في قوله: {أَزْوَاجُكُمْ} الزوجة {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} الزوجات يعني، أزواجكم هذا عام دخل فيه الزوجة التي خلا بها، والزوجة التي لم يخلو بها، والزوجة التي لم يطأها، والزوجة التي وطئها أربعة أنواع، لأنه قد يعقد ويطأ، يعقد ويخلو ولا يطأ، يعقد ولا يخلو، يعقد ويخلو ولا يطأ، هذه أربعة أقسام، قل ما شئت قدم وأخر، إذًا {أَزْوَاجُكُمْ} نقول: هذا عام، وجه العموم أن الرب جل وعلا أطلق الأزواج هنا أزواج جمع أضيفِ إلى الكاف فيهم يعمّ، يعمّ ماذا؟ يعم كل من صدق عليه أنه قد حصل منه إيجابٌ وقبول، بقطع النظر عن الخلو أو الوطء، فهو عام، وهو عقد الزوجية الصحيح خرج الفاسد، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة، ويورث به من الجانبين، يرث الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها بمجرد العقد لعموم قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ}. لكم، اللام هنا للتمليك فيملك، ولا يملك إلا بسبب صحيح {وَلَكُمْ} اللام هذه للْمِلْك تفيد التمليك، وهل وقد سبق أن هذه الأسباب ندرسها لماذا؟ لنستفيد المواضع التي رتب عليها الشرع انتقال الملكية القهرية من الميت إلى ورثته، هل كل من ادَّعَى أنه وارث يرث؟ الجواب: لا، وإنما بينه الشرع. تكفل الشارع ببيان من الذي يرث عن ذلك الميت، وذكر منهم الأزواج، وجاء اللفظ عامًا حينئذٍ يعمّ، فيرث به الزوج من زوجته والزوجة من زوجها بمجرد العقد لعموم قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12]. عرفتم وجه العموم، وكذلك قوله: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: 12]. والمرأة تكون زوجة لمجرد العقد، ولا تكون زوجةً إلا بعقد صحيح، وأما العقد الفاسد سواء كان متفقًا على فساده أو مختلفًا في فساده، والصحيح أنه لا ترثُ به.
(5/8)

فلو تحاكم شخصان أو ادَّعَى من ادعى الوراثة بنكاح فاسد عندنا - معاشر الحنابلة - لا نورّثه، لو وقع نكاح بغير ولي نقول: هذا النكاح باطلٌ عندنا، لو تحاكموا إلى حنفي حينئذٍ هو وشأنه (إلا بعقدٍ صحيح).
روى الخمسة من حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود أنه قضى في امرأة تُوفِّي عنها زوجها ولم يكن دخل بها أنّ لها الميراث. ابن مسعود أُورد عليه قضية امرأة عقد عليها زوجها ولم يخلو بها، يعني انتفى الوطء ما خلا بها، ما في وطء، حينئذٍ ورَّثها ابن مسعود، لماذا؟ لأنها زوجة، ولماذا هي زوجة؟ لأن الزواج والعقد عقد النكاح يثبت بمجرد العقد وقد وقع، وأما الخلوة والوطء فليس بشرطين في صحة النكاح ولا التوريث. أنه قضى في امرأة تُوفِّيَ عنها زوجها ولم يكن دخل بها أنّ لها الميراث، فشهد معقل بن سنان الأشجعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في بَرْوع بنت واشق بمثل ما قضى به. وصححه الترمذي يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أفتى بذلك، حينئذٍ وافقت فتوى ابن مسعود فتوى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ويمتد التوارث بين الزوجين إلى حصول البينونة بينهما بطلاق أو فسخ، لأن هذا السبب ليس كسبب القرابة، القرَابة النسب سبب أصل في الوجود، هكذا يولد وهو ابن متصف بهذا الوصف وذاك أبٌ قريبٌ لهذا الابن الهالك الميت كونه أبًا له. طيب هل وُجِدَ ولم يكن أبًا؟ لا يمكن ما يتصور هذا. إذًا بخروج الابن صار أبًا، لا يمكن أن يوجد الابن ولا يكون الذي أتى به أبًا له. إذًا هذا الوصف معه في أصل وجوده بخلاف النكاح، النكَاح طارئًا يتزوج عشرين، خمس وعشرين مائة إلى آخر، حينئذٍ نقول: هذا الوصف يعتبر طارئًا، ولذلك يثبت التوارث في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة لأن الرجعية لا تبين إلى بانقضاء عدتها، إذا عرفنا أن النكاح سبب للتوارث ويرثُ به طرفان، الزوج يرث الزوجة والعكس، طيب ما ضد النكاح بعد وقوعه وحصوله؟ الطلاق.
الطّلاق على نوعين:
- طلاق رجعي.
- طلاقٌ بائن. والفسح داخلٌ في البائن حكمه واحد.
الطلاق الرجعي إذا حصل وكانت المرأة في عدتها فحينئذٍ هي زوجة، وإذا كانت زوجة حينئذٍ تبقى على أصلها، وهذا محل إجماع إذا لم تنقض عدتها فهي زوجة، وإذا كانت كذلك إذا مات زوجها وهي في العدة ترثه بإجماع المسلمين، الأئمة الأربعة على ذلك.
وأما الطلاق البائن هذا فيه تفصيل، والطلاق الرجعي معروف أنه يُوقع طلقةً واحدة في طهرٍ لم يجامعها فيه، وعدتها ثلاثة قروء، إذا انقضت الثلاثة حينئذٍ صارت بائنة بينونة صغرى، وإذا لم تتنقض حينئذٍ هي زوجة، على التفصيل المذكور عند الفقهاء.
(5/9)

إذًا النكاح هو عقد الزوجية الصحيح، فإذا حل هذا العقد إما أنه يُحلَّهُ كاملاً وهو الطلاق البائن، أو يحله حلاً ناقصًا وهو الطلاق الرجعي، الطلاق البائن إذا وقع حينئذٍ انتفى الإرث في الجملة لأنه إذا عدم السبب عدم المسبب هذا الأصل فيه، لا يوجد المسبب وهو الإرث عن عدم السبب وهو النكاح، وهنا قد حل النكاح، العقد عقدٌ إيجابٌ وقبول له حلٌّ من جهة الشرع، حينئذٍ إذا حله حلاً كاملاً فهو الطلاق البائن أو الفسخ، حينئذٍ انقطع السبب، وأما إذا كان الحل حل العقد غير كامل وهو الطلاق الرجعي، فإن التوارث بينهما باقٍ بكل حال ما دام في العدة.
إذًا على هذا نقول: المطلقات ثلاثة أنواع في الجملة، المراد هنا ما يخدمنا في باب الميراث:
- المطلقة الرجعية سواء طلقت في حال صحة المطلق أو مرضه، هذه ترث بالإجماع.
- النوع الثاني: المطلقة البائن بينونة كبرى في حال صحة المطلق.
- النوع الثالث: المطلقة البائن حال مرض موت المطلق. يعني المرض المخوف الذي يظن فيه الموت.
أما النوع الأول وهي الرجعية هذه ترث وفاقًا يعني بإجماع الأئمة الأربعة بل هو جماع المسلمين لا خلاف فيه، إذا مات مطلقها وهي في العدة لأنها زوجة.
وأما النوع الثاني وهي البائن في حال صحة المطلق. فلا ترث بالإجماع صحيح يعني قبل وفاته طلقها خلافًا بائنًا بينونة كبرى لا ترث بالإجماع، لأنه أوقع الطلاق في حال غير متهمٍ فيه، وهو حال الصحة. متى يكون متهمًا؟ إذا كانت في مرضٍ ونحوه، فلا ترث إجماعًا لانقطاع الزوجية من غير تهمة تلحق المُطلِّقَ بذلك.
وأما النوع الثالث وهو البائن في حال مرض الموت يعني مرض موت المطلق هذا يقال فيه أن المرض على نوعين:
- مرض مَخُوف.
- ومرض غير مخوف. مرض غير مخوف ملحق بحال الصحة، وأما المرض المخوف فهو الذي فيه خلاف بين أهل العلم.
إذًا النوع الثالث: البائن في حال مرض موت المطلق، وهذه نوعان:
المطلقة البائن في مرض الموت وهو غير متهم بقصد حرمانها من الميراث، هذه لا ترثه، وليس فيها خلاف بين أهل العلم، يعني طلقها طلاقًا بائنًا وهو في مرض الموت ولم تأت قرينة تدل على أنه إنما قصد بطلاقها حرمانها من الإرث، هذا طلاق واقع أو لا؟
واقع، ولا إشكال فيه، وإنما الكلام في الإرث وعدمه هل ترث؟ الجواب: لا، لماذا لا ترث؟ لانتفاء التهمة.
(5/10)

والمطلق البائن في مرض المخوف وهو متهم بقصد حرمانها من الميراث فيها خلاف بين الأئمة الأربعة، يعني طلَّق زوجته في مرض الموت يعني خلاص حس بالموت قال: ما أبغاها تأخذ شيء. يحرمها فطلقها طلاقًا بائنًا، حينئذٍ وقع النزاع بين أهل العلم، لماذا؟ لأنه قصد بهذا الطلاق حرمانها من الإرث، فلما انتفت هذه التهمة في النوع السابق قالوا: لا ترث وفاقًا. فهذه فيها خلافٌ بين أهل العلم، والمذهب عند الحنابلة، قد ذكرنا أننا نذكر مذهب الحنابلة فحسب، ومذهب الحنابلة أنها ترث سواء تُوفِّيَ في العدة أو بعدها، ترثُ مطلقًا ولو خرجت عدتها هذا مذهب الحنابلة، لماذا؟ معاملةً له بنقيض قصده، ولذلك لو طلقها وماتت هي قبله ما يرثها، لماذا؟ لأنها بانت منه، يعني هذا الأمر منه جعله على نصفين صنف نعتبره ونصف نلغيه، نلغيه باعتبارها هي فطلاقه مردود وترث منه، وهو إذا ماتت قبلها بعد طلاقها لا يرث منها لأنها بانت منه. ومذهبنا أنها ترث سواءٌ تُوفي في العدة أو بعدها ما لم تتزوج بآخر أو ترتد، لأنها إذا تزوجت بآخر امتنع أن ترث من زوجين، الزوج الأول والزوج الثاني، المرأة ليس لها زوجان زوجٌ واحد إما هذا وإما ذاك، فحينئذٍ إذا تزوجت خرجت من عهدة الأول بالكلية فلا ترثه البتة، كذلك إذا ارتدت وُجد مانع وهو اختلاف الدين، لأن سبب توريثها فراره من ميراثها، وهذا المعنى لا يزول بانقضاء العدة معاملة له بنقيض قصده، وأما هو فلا يرثها لو ماتت بسبب البينونة منه، إذًا النظر يكون في الإرث وعدمه لا في الطلاق، وأما البينونة فهي واقعة، وأما الإرث فهي ترث منه سواءٌ تُوفي عنها في عدتها أم لا، معاملة له بنقيض قصده. حينئذٍ نقول: إذا طلقها في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها فترثه على المذهب ما لم تتزوج أو ترتد، فإن ارتدت أو تزوجت سقط إرثها سواءٌ عادت إلى الإسلام أو لا، وسواءٌ فارقها الزوج الثاني أم لا مطلقًا، وقد تكون التهمة من الزوجة، التهمة من الزوج واضحة، لو طلبت منه أن يطلقها طلاقًا رجعيًا فطلقها طلاقً بائنًا، قالوا: هذه قرينة تدل على أنه قصد حرمانها أو غير ذلك مما تكون من ما يختلف باختلاف الأشخاص، وأما التهمة من الزوجة قد هي التي تُتَّهم بأنها أرادت ألا يرثها زوجها، مثلوا لها بصورة خيالية قد توجد الله أعلم: كأن تفعل الزوجة في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحًا، يعني ترتكب شيء يفسخ النكاح ماذا تفعل؟ ترضعه فإذا أرضعته صارت أمه انفسخ النكاح.
(5/11)

إذًا ليست عندنا علاقة، النكاح انفسخ، كأن تفعل الزوجة في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها من زوجها متهمة بقصد حرمانه مثل أن يُعقدُ عليها لطفل صغير لو قيل أنه إذا أرضعت الكبير صح الرضاع لا إشكال فيه، لكن على المرجح والله أعلم أنه لا يصح إلا في زمن محدود، حينئذٍ يمثل بالصبي الصغير، زوجوها بصبي صغير وعندها ملايين، قالت: هذا يرثني ترضعه، فسخ النكاح [ها ها] مثل أن يعقد عليها لطفل فترضعه رضاعًا تثبت به الأمومة فالنكاح ينفسخ، ويرث منها لو ماتت ولا ترثه، يرث هو منها لأنها زوجته، ولا ترث منه لأنه ليس بزوج لها، كل ذلك مراعاةً للمصالح العامة التي تكون بين الناس، هذا قد يقع عند الناس لكن الأصل إذا جاء النص الدليل الشرعي هو محكَّم، وما عداه الاجتهادات هذه تختلف من مذهب إلى مذهب آخر، (وَهْيَ نِكَاحٌ) إذًا النكاح المراد به عقد الزوجية الصحيح، وإن لم يحصل وطء ولا خلوة ويورثُ به من الجانبين، الزوجة ترث الزوج، والزوج يرث الزوجة.
(وَوَلاَءٌ) وولاءٌ وثانيها ولاءٌ يعني النوع أو السبب الثاني من أسباب الميراث المتفق عليها بين العلماء الولاء، وَلاء بفتح الواو ممدود ولاء بالهمزة يعني، والمراد ولاء العَتاقة بفتح العين أي العتق بمعنى العتق، ولاءٌ سببه العَتاقة بالإضافة السبب إلى المسبب، ولاءٌ سببه العَتاقة احترز به عن ولاء الموالاة والمحالفة الذي كانت في الجاهلية، وهذا مختلفٌ فيه هل يرث به أو لا، (هدمي هدمُك دمي دمُك إرثي ترثني وأرثك) كان في الجاهلية هكذا، يأتي بأي شخص صاحبه ويأتون بهذه المحالفة والموالاة ثم يرثه و .. إلى آخره، هذه هدمها الإسلام، وهل يرث بها أو لا؟ محل خلاف والصحيح أنه لا يرث بها.
إذًا قوله: (وَوَلاَءٌ). أطلق الولاء فهذا يحتمل أنه ولاء المختلف فيه، والولاء المتفق عليه، لكن بسياق ما أراده المصنف أنه حكاية للأسباب المتفق عليها جعلناه قرينة. إذًا قوله: (وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ). أي: ولاءُ العَتاقة، ولا يشمل الولاء المختلف فيه، لو قال قائل نعمم وهو أولى، نقول: لا، عدم التعميم هو مراد الناظم رحمه الله تعالى، لأنه قال: (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ). حدد ثلاثة، فحينئذٍ الثلاثة هذه هي المتفق عليها نجعلها قرينة لتقيد قوله: ولاء بأنه المراد به ولاء العَتاقة. ولاءٌ قلنا: المراد به ولاء العَتاقة، أي ولاء سببه العتاَقة، والعَتاقة بمعنى العتق، والولاء في اللغة هو السلطة والنصرة، ويُطلق على القرابة يسمى ولاء، قال الجوهري: يقال بينهما ولاءٌ أي قرابة.
(5/12)

وأما في اصطلاح أهل الشرع الفقهاء فهو عصوبة سببها نعمة العتق على رقيق، عُصُوبة فُعُولة سببها، سببُ هذه العصوبة نعمة العتق على رقيق، عندنا مُنْعِم ومُنْعَمٌ عليه، الْمُنْعِم هو السيِّد، والْمَنْعَم عليه هو العبد والرقيق. الولاء هنا هو وصف للسيد متى؟ إذا أعتَق حينئذٍ بعتقه لذلك العبد صار هذا العتق سببًا في ماذا؟ في ثبوت الإرث بينهما، ولذلك قال: عُصُوبة. والعصوبة المراد بها ارتباط بين الْمُعْتِق والعَتِيق. المعتِق بكسر التاء السيد، والعتيق فَعِيل بمعنى مَعْتُوق وهو العبد. فإذا قيل: المعتق، فالمراد به السيد، وإذا قيل العتيق فالمراد به العبد، إذًا عُصُوبةٌ يقال تعصب القوم عليهم تجمعوا فثَمَّ ارتباطٌ واجتماع بين المعتق والعتيق، كالارتباط بين الوالد وولده، عُصوبة بين الوالد وولده، وهذه العصوبة بين الوالد وولده كذلك سببها نعمة، وهي كون الوالد سببًا في وجود الولد هذا من العدم إلى الوجود، كذلك السيد سبب في وجود العتيق لأنه قبل إعتاقه كان كالمعدوم، لا يملك، لا يرث، لا يورث، لا يهب، لا يكتسب .. إلى آخره، فليس له تصرف البتة. حينئذٍ هو شبه المعدوم، فلما أعتقه صار حرًّا، فيرث، ويورث، ويكتسب، ويهب ويُوهب .. إلى آخره، حينئذٍ وجدت أو وُجِدَ سبب الإنعام من المعتِق على عتيقه، هنا قال: كالارتباط بين الوالد وولده، سبب تلك العصوبة إنعام المعتِق على رقيقه بالإعتاق، وهو حلّ الملكية فيه سواء كان عتقًا مُنًجَّزًا أو معلقًا، منجزًا الآن أنت حرّ، معلقًا إذا جاء شهر رمضان فأنت حرّ هذا معلّق، تطوعًا أو واجبًا كفارة ونحوها، والتطوع واضح، فجميع وجوه العتق يثبت بها الولاء. إذًا عصوبةٌ سببها سبب هذه العصوبة [نعمة المعتِق نعم] نعمة العتق على رقيقه، سُمِّي ذلك ولاءً قالوا: لانتساب العتيق إلى معتقه كانتساب الولد لوالده. لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الولاءُ لمن أعتق». هذا ليس لبيان كون الولاء سببًا من أسباب الميراث، وإنما لقوله سببها نعمة العتق، ولذلك قال هنا في الحديث: «إنما الولاء لمن أعتق». أي لا لغيره، لأن إنما هذه تفيدُ الحصر، إثبات الحكم في المذكور ونفيه عمّن عداه، فالولاء يكون لمن أعتق، ومن أعتق صلة وموصوله، والصلة والموصول في قوة المشتق، وهنا علق الحكم على المشتق، حينئذٍ يدور الحكم من علته وجودًا وعدمًا. إذًا هذا الاستدلال هنا من المصنف مرادٌ به التأكيد على قوله: سببها نعمة المعتق. ووجه الاستدلال كذا قال البيجوري: أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعلِّيَّةِ ما منه الاشتقاق، القاعدة، والموصولُ وصلته في قوة المشتق، أين الموصول؟ لمن أعتق، يعني للذي أعتق، الموصول مع صلة في قوة المشتق، يعني يمكنك أن تُزيل من أعتق وتضع في مكانه مشتق اسم فاعل اسم مفعول ..
(5/13)

إلى آخره، كأنه قال للمعتق تعليق الحكم للمشتق يؤذن بعلِّيَّةِ ما منه الاشتقاق والموصول وصلته في المشتق، فكأنه قيل الولاء للمعتق لأجل إعتاقه، مثل {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] لسرقتهما {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النور: 2] لزناهما، إذًا لتعليل هذا أُخِذَ من ماذا؟ من كون الحكم رُتِّب على مشتق، فيدور الحكم مع علته وجودًا وعدمًا، أي لأجل إعتاقه، فعلم من ذلك أن الإعتاق هو سبب الولاء «إنما الولاء لمن أعتق». هذا حديث متفقٌ عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، وهذا الولاء يرث به المعتِق دون العتيق، يعني يرثُ به من جانب واحد، واختص به المعتق خاصةً دون العتيق لأن الإنعام من جهته فقط، فاختص الإرثُ به لأنه هو المنعم، قلنا: عندنا مُنْعِم ومُنْعَمٌ عليه، المنعَمُ عليه لم يقدم شيئًا، وإنما الذي قدّم هو الذي أنعم، فاختص الولاء به، ويرثُ به المعتق خاصةً لأن الإنعام من جهته فقط، فاختص الإرثُ به. والشارح يقول من حيث كونه معتِقًا، وهذا التقييد لا وجه له، يعني وجوه وعدمه سواء احترازًا هو أراد أن يحترز به من العتيق إذا ورث من صورةٍ، صورة يقول: لو اشترى ذمي إذًا ليس المسلم، ذمي اشترى عبدًا، ثم أعتق هذا العبد، ثم هذا السيد الذمي التحق بدار الحرب فاستُرِق حينئذٍ إذا اشتراه عتيقه فاعتقه يرث أو لا؟ يرث، يرث من ماذا؟ يرث من سيده قبل أن يذهب إلى دار الحرب، طيب يرث من أي جهة من جهة كونه عتيقًا أو من جهة كونه معتِقًا؟ الثاني إذًا لا داعي إلى هذا القيد.
إذًا يرث به المعتِق وعصبته المتعصبون بأنفسهم إذا لم يوجد عتيق سيد أعتق عبدًا، ثم مات السيد وعنده ابن مات العبد وله مال؟ يرثه سيده الذي أطلقه وأعتقه لكنه مات حينئذٍ ينتقل الإرث أو سبب الإرث الولاء من الأصل وهو السيد إلى العصبة، لكن يشترط في العصبة هنا أن يكونوا عصبةً بالنفس، سيأتي معنا أن العصبة أنواع:
عصبة بالنفس.
وعصبة بالغير.
وعصبة مع الغير.
الذي يرث بسبب الولاء السيد، فإن فُقِدَ العتيق الْمُعْتِق فإن فقد حينئذٍ عصبتهُ المتعصبون بأنفسهم، وهذا سيأتي بحثه في باب التعصيب، كابن المعتق ابنه لو مات المعتق العبد من يرثه؟ ابنه أو أبوه أبو المعتق أو جدّه واحد منهم المتعصبون بأنفسهم، لا المتعصبون بالغير كبنات المعتِق مع بنيه فإنهن عصبات بالغير، وكذلك يحترز به عن أخوات المعتِق مع بناته فإنهن عصباتٌ مع الغير فلا إرث لهن بالولاء.
إذًا الذي يرث بالولاء هو المعتِق الذي عتق باشر العتق العِتَاق ثم إذا لم يكون فعصبته المتعصبون بأنفسهم لا بالغير ولا مع الغير، وهذا تفهمونه بما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(5/14)

قال - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء لحمةٌ كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب». هذا دليلُ اعتبار الولاء سبب من أسباب الميراث وليس الأول، الأول الحديث دل على ماذا «إنما الولاء لمن أعتق». من الذي يوصف بالولاء ولا العتاقة؟ الذي أعتق هذا لا يدل على أنه يرث، لا يدل على أنه يورث به، ليس سببًا، ولكن الدليل الذي يدل على أن الولاء من أسباب الميراث هو النص هذا الذي ذكره الشارح: «الولاء» أي الولاء؟ ولاء العتاقة يثبت لمن؟ لمن أعتق أو عصبته المتعصبون بأنفسهم، «لحمة كلحمة النسب». شَبَّهَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولاء العتاق بالنسب، والنسب يورث به وهو مُشَبَّهٌ به فكذلك الْمُشَبّه يورث به، واضح؟ لُحمه لَحمه بالوجهين بالضم والفتح يجوز فيها الوجهان، «الولاء لحمةٌ» أي عُلْقَةٌ وارتباط كعُلْقَةِ وارتباط النسب، فيثْبُتُ للمُشَبّه ما ثبت للمُشَبَّهِ به، المشبّه هنا الولاء، والمشبّه به النسب، يثبت للمشبه ما ثبت للمشتبه به وهو الإرث، فيثبت للمشبه ما ثبت للمشبه به وقد ثبت للمشبه به الإرث فيثبت للمشبه، لكن المشبه هنا لا يُعْطَى حكم المشبه به من كل وجه لأن النسب يورث به من الطرفين، وأما الولاء فيورث به من طرفٍ واحدٍ، فلا يقال التشبيه يقتضي أنه يورث به من الجانبين كما في النسب، مع أنه لا يُورث به إلا من جانب واحد، وهذا محل إجماع بين أهل العلم. «كلحمة النسب» لا يُباع أو لا يُوهبُ، لا يباع يعني لا يجوز بيعه، ولا يُوهب يعني لا يجوز هبته أعطاه هبه. رواه الشافعي رحمه الله تعالى من حديث .. ، صححه بن حبان والحاكم، وفي الحديث اختلاف، لكن محل إجماع المسألة محل إجماع في الجملة.
إذًا السبب الثاني الذي يورث به هو الولاء، والمراد به ولاء العتاقة، ويورث به من جانب واحد وهو أن المعتِق هو الذي يَرِثُ العتيق من غير عكس، العتِيق لا يرث الْمُعْتِق إلا إذا أعتقه على المثال الذي ذكرناه فيرث حينئذٍ من حيث كونه معتِقًا، وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم.
(وَنَسَبْ) هذا هو الثالث، والنسب المراد به: القرابة، القرابة بين الوارِث والمورِّث، لا بد من سبب يربط بينهما، ما يُتوصل به إلى غيره، لا نصل إلى الإرث إلا من طريق شرعي: إما نكاح، وإما ولاء، وإما نسب.
(5/15)

والنسب أي القرابة والمراد بها الرحم، وعُرِّفَتْ عند أرباب الفرائض بأنها الاتصال بين إنسَانَيْنِ بولادة قريبة أو بعيدة، اتصال بين إنسَانَيْنِ تثنية إنسان، بولادة يعني بجمعهما بطن، إما قريبة وإما بعيدة، قريبة كالابن مع الأب وأمه، بعيدة كالجد أو جد الجد ونحو ذلك، فيجمعهما أصلٌ واحد وإن بُعدَ. إذًا اتصال أي ارتباط واجتماع بين إنسانين سواء كان ذكرًا وأنثى، أو أنثى وأنثى، أو ذكر وذكر بولادة يعني بسبب ولادة قريبة أو بعيدة، ولذلك قال بعضهم: الرحم إنما سُمِّيَتْ رحم لاشتقاقها من الرحم، يعني كل منهما يخرج من رحم واحد، فهو الأصل، لقوله تعالى: {وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75]. والرحم لفظ يشمل كل من بينك وبينه قرابة قربت أو بعدت، كانت من جهة الأب أو من جهة الأم، وهي مؤنثة الرحم مؤنثة، والمراد بها: الأبوة، والبنوة، والإدلاء بأحدهما، فيرث بها الأقارب، يعني يورث بها من الجانبين تارة، ويورث بها من أحد الجانبين أخرى، يعني الأصل فيها ألا تقتصر على أحد الجانبين دون الآخر، هذا هو الأصل فيها، فالأب يرث من ابنه، والابن كذلك يرث من أبيه، البنت ترث من أمها، والأم ترث من ابنتها، .. وهكذا.
قال هنا: وهم الأصول والفروع والحواشي، يقسم الفرضيون القرابة إلى ثلاثة أنواع:
- الأصول جمع أصل.
- والفروع جمع فرع.
- والحواشي جمع حاشية.
ما المراد بكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة ومن الذي يرث منهم؟
إذ ليس كل أصلٍ يرث، وليس كل فرع يرث، وليس كل حاشية ترث.
أصول، وفروع، وحواشي.
فالأصول من لهم ولادة على الشخص كالأم والأب وإن عَلَو، الجد له ولادة على الشخص، كذلك جَدّ الْجَدّ، والْجَدّة وجَدَّة الْجَدّة .. وهلم جرا، وإن علو، والوارث منهم ليس كل أصل يرث إذ هما قسمان وارثٌ ورحمٌ، الذي يرث هو من؟
كل ذكرٍ ليس بينه وبين الميت أنثى، هذا ضابطه، كل ذكرٍ ليس بينه وبين الميت أنثى، يعني أب، أبُ الأب، أبُ أبي الأب، هذا متصل كلهم ذكور إلى الميت، هَلَكَ هَالِك ولد وترك أبًا، هذا متصل، ترك أبا أبٍ ترك أبا أبٍ أَبٍ نقول: هذا متصل بمحض الذكور وليس بينهما أنثى، كالأب وأبيه وإن علا بمحض الذكور.
فإن كان بينه وبين الميت أنثى فهو من ذوي الأرحام كأبي الأم، أبو الأم هل يرث في الابن؟ نقول: هذا من ذوي الأرحام ليس له لا تعصيب ولا فرع.
إذًا النوع الأول من الوارثين من الأصول: كل ذكرٍ ليس بينه وبين الميت أنثى، فإن وقعت الأنثى بينه وبين الميت فهو من ذوي الأرحام، والمذهب يورثهم على تفصيل يأتي في محله. الثاني ممن يرث من الأصول - الأول باعتبار الذكر - وأما الأنثى كل أنثى ليس بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى، هذه ضوابط - سيأتي باب الوارثين من الرجال وباب الوارثين من النساء على التفصيل وهي واضحة بينة - لكن من حيث الضوابط العامة التي لا تُشْكِل على الشخص يحفظ هذه القواعد، كل أنثى ليس بينها وبين الميت ذكرٌ قبله أنثى، فإن وجد قبله أنثى فحينئذٍ لا يرث.
(5/16)

إذًا الذي يرث وهو من النوع الثاني من الأصول: كل أنثى بينها وبين الميت ذكرٌ قبله أنثى، كالأم وأمها، أم الأم، وأم الأب، وأم الجد، وإن عَلَوْنَ بمحض الإناث، فإن كان بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى فهي من ذوي الأرحام كأم أبي الأم، إذًا وقع بينهما ماذا؟ ذكرٌ قبله أثنى، لأنها مدليةً بمن هو من ذوي الأرحام، وبعضهم يضبطها إذا أدلت بوارثٍ ترثُ، وإذا أدلت بذوي رحمٍ لا ترث. يعني الضابط في هذا النوع الثاني إذا أدلت بوارث ترث، وأما إذا أدلت بغير وارث ذوي أرحام فإنها لا ترث، لكن هذا الضابط فيه شيء من النظر، ولذلك اختلفوا في الجدة المدلية بذكر وارث فوق الأب كأم الجدّ وأبيه وإن عَلَت. هذا سيأتي بحثه في باب الجدات والصحيح أنها ترث.
والفروع إذًا الأصول من هم؟ من لهم ولادة على الشخص، وهذا إما أن يكون ذكرًا، وإما أن يكون أثنى، وسيأتي التفضيل في بابه من الذي يرث من الذكور، من الذي يرث من الإناث.
وأما الفروع وهم كل من للشخص عليهم ولادة، كالأولاد وأولادهم وإن نزلوا، ذاك باعتبار الأصل كأصله، وهذا فرع، والوارث منهم كل من ليس بينه وبين الميت أنثى كالأولاد وأولاد الأبناء، فأما من بينه وبين الميت أثنى كأولاء البنات فمن ذوي الأرحام، ولد البنت هذا من ذوي الأرحام.
وأما الحواشي فهم فروع الأصول كالأخوة والأعمام وأبنائهم وإن نزلوا، والوارث منهم ثلاثة أنواع:
الأول: الأخوات مطلقًا، فأما غير هن من إناث الحواشي فمن ذوي الأرحام كالعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت العم .. ونحوهم. هؤلاء من يعتبرن من ذوي الأرحام. إذًا الأخوات مطلقًا.
الثاني: الإخوة من الأم دون فروعهم، الإخوة من الأم وهم لأصحاب فروع، كما سيأتي.
الثالث: كل ذكرٍ أدلى بذكرٍ، كالأخوة والأعمام لغير أم، وأبنائهم، فأما المدلي بأنثى كالخال والعم لأم وابن الأخت .. ونحوهم فمن ذوي الأرحام، والمذهب يورث ذوي الأرحام لكن بعد عدم وجود صاحب فرض أو تعصيب.
إذًا وثالثها: (نَسَبْ) أي قرابة وهم الأصول والفروع والحواشي على التفصيل الذي ذكرناه من حيث القواعد، وأما من حيث الأسماء والأوصاف الخاصة فسيعقد المصنف بابين، بابًا للوارثين من الرجال وهم عشرة في الجملة وخسة عشر عند التفصيل، والوارثات من النساء سبعُ كذلك جملة وعشرة عند التفضيل، وسيأتي في محله.
وثالثها: (نَسَبْ). وإذًا نسب يورث به من الجانبين تارة كالابن مع أبيه، والأخ مع أخيه، ومن أحد الجانبين أخرى كالجدة أم الأم مع ابن ابنتها، وأخّر هنا المصنف قال: (وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ). أي هذه الثلاث أقوى من حيث الارتباط؟
لا شك أنه النسب، ويكفي فيه أنه سابق يعني قبل النكاح، يعني النكاح طارئ، وكذلك الولاء طارئٌ وأما القرابة فهذه سابقةٌ، وأخّر النسب وإن كانت أقوى الأسباب لأنها من أصل الوجود كالأب والابن بخلاف النكاح والولاء فإنها يطرآن، وأيضًا هي لا تزول، القرابة لا تزول، والنكاح قد يزول، وأيضًا يورث بها بالفرض والتعصيب القرابة يورث بها بنوعي الإرث فرض والتعصيب، والنكاح يورث بالفرض فقط لا تعصيب فيه، والولاء يورث به بالتعصيب فقط ولا فرض فيه. إذًا ما جمع النوعين أقوى مما كان فرضًا فقط، أو كان تعصيبًا فقط.
(5/17)

وأيضًا يحجب نكاح نقصانًا، والولاء حرمانًا، وهما لا يحجبانه. يفهم بما سيأتي في باب الحجب، بهذه الأمور الثلاثة النسب أقوى من النكاح والولاء، وأخره المصنف هنا لماذا؟ لأجل النظم فحسب، لأجل استقامة النظم. قال الشارح: ولطول الكلام عليها، لأن أكثر الأحكام الآتية فيها - يحتمل هذا - يحتمل أنها أكثر الأحكام الآتية من التبويبات خاصة بالقرابة، أو أن أكثر من يكون من أصحابها هم القرابة.
(مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ) ليس سببٌ بعدهن بعد هذه الثلاثة، (مَا) هنا بمعنى نافية بمعنى ليس، وسببٌ اسمها، وبعدهن هذا متعلق بمحذوف خبر مقدم، (مَا بَعْدَهُنَّ) أي بعد هذه الأسباب الثلاثة المتفق عليها للمواريث جمع ميراث بمعنى الإرث سببٌ أي متفقٌ عليه، ويحتمل (مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ) صحيح، فحينئذٍ يكون الناظم هنا قد رجح في الأسباب الأربعة المختلف فيها ليست بأسباب، لكن هذا قد لا يقال به لأن المصنف شافعي، والشافعية عندهم شرطٌ وعندهم سببٌ رابعٌ وهو بيت المال إن انتظم، حينئذٍ يكون مما يَحْصُلُ به التوارث، (مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ) يعني للإرث (سَبَبْ) أي متفقٌ عليه، وإلا هناك سبب رابع مختلفٌ فيه وهو جهة الإسلام، يعني جهةٌ هي الإسلام، فيرث به بيت المال إن كان منظمًا عندهم عن الشافعية، وأما عند الحنابلة لا، لا يرث به البتة وهو الصحيح، وإن كان ثم أسباب كذلك مختلفٌ فيها وهي الالتقاط، والمعاهدة، والولاء، ومن أسلم على يده هذه ثلاثة مع بيت المال أربعة هذه كلها مختلفٌ فيها، والصحيح في المذهب وترجيحًا أنه لا يورث بها البتة، وإنما الأسباب المتفق عليها هي هذه الثلاثة النكاح والولاء ولاء العتاقة والنسب، (مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ) متفقٌ عليه، ولا على جهة الترجيح، حينئذٍ لا إرث لا ببيت المال ولا بالالتقاط، ولا بمن أسلم على يديه، ولا بالمعاهدة والولاء هذه كلها أسبابٌ ضعيفة، والراجح فيها انه لا يورث بها. وإن ذكر شيخ الإسلام في بعضها أنه يصح بها الإرث، لكنه منازعٌ من جهة الدليل.
ثم شرع في ما يتعلق بالموانع وهي مرتبطة بهذا الباب، والله أعلم.
وصلَّى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
(5/18)

عناصر الدرس
* موانع الإرث.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قد وقفنا عند قول الناظم رحمه الله تعالى: (وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ).
وسبق تبويب العام، (بَابُ أَسْبَابِ الْمِيْرَاث) وقلنا: باب بيان أسباب الميراث وكذلك الموانع يعني بوّب لشيءُ واحدٍ وذكر شيئين، وهذا يكون من باب الاكتفاء يعني ذكر شيئًا في الترجمة وسكت عن الثاني، (أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ) يعني مجمعٌ عليها كلٌّ أو كلّ واحدٍ من هذه الأسباب الثلاثة يفيد صاحبه المتصف به الوراثة، يعني الإرث
وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ

يعني ليس بعد هذه الثلاثة سببٌ مجمعٌ عليه، وكل ما قيل من الأسباب الأخرى وهي وصلت إلى أربعة بيت المال والالتقاط والمعاهدة والولاء، ومن أسلم على يديه هذه أربعة والصواب أنها لا تكون سببًا للميراث، يعني لا يكون واحدٌ من هذه الأربعة موجبًا أو مستوجبًا لاتصاف صحابه بالإرث.
ثم ننتقل إلى بيان الموانع، الموانع جمع مانع مأخوذٌ من المنع اسم الفاعل وهو في اللغة الحائل بين الشيئين، ومنه قولهم: هذا مانع بين كذا وكذا، أي حائلٌ بينهما. وأما في الاصطلاح: فله تعريفٌ مشهور، وله تعريفٌ غيرُ مشهور، وغيرُ المشهور هو الأضبط وهو ما عرفه الآمدي رحمه الله تعالى بقوله: الوصف الوجودي المنضبط المعرّف نقيض الحكم.
الوصف الوجودي، وصف وجودي يعني ليس عدميًا، منضبط لأن الوصف نوعان:
- وصف يصلح أن يكون ضابطًا.
- ووصفٌ منتشر لا ينضبط به الشيء.
ولذلك في البيع هناك قلنا من شروط البيع: أن يكون مبيعٌ معلوم برؤية أو بصفة، وهذه الصفة يشترط فيها أن تكون منضبطة. إذًا الوصف من حيثُ هو في كل موضح قد يكون منضبطًا يعني يحصل به اتصاف الشيء تعينهُ بهذه الصفة، وقد لا يكون كذلك، هنا الوصف الوجودي لا العدمي المنضبط الْمُعَرِّفُ نقيض الحكم، كالرِّقّ فإنه وصف وجودي منضبط معرّف نقيض الحكم، معرف نقيض الحكم الذي هو: الإرث، ونقيضه عدم الإرث، معرف نقيض الحكم، نقيض الحكم ما هو؟
عدم الإرث، والحكم هو معرف نقيض المحكم الذي هو الإرث، نقيضه عدم الإرث.
وأما الحدّ المشهور هو ما عرفه الشارح بقوله: ما يلزمُ من وجوده العدم، ولا يلزمُ من عدمه وجودٌ ولا عدمٌ لذاته.
(ما) يعني وصفٌ يلزمُ من وجود هذا الوصف العدم، يعني عدم الحكم كالرق المثال المذكور يلزم من وجود الرق عدم الإرث، ولا يلزم من عدمه عدم الرق وجودٌ ولا عدمٌ، يعني قد لا يكون رقيقًا ولا يرث، إما لانتفاء شرط أو لانتفاء سبب.
(6/1)

(ما يلزم من وجوده العدم) ما يلزم من وجوده يعني وجود الرق عدم الإرث، ولا يلزم من عدمه وجود الإرث لاحتمال ألا يكون رقيقًا ولا يرث لفقد شرطٍ، ولا يلزم من عدمه أيضًا عدمُ إرث، لاحتمال ألا يكون رقيقًا، ويرث لوجود الشرط فالمانع إنما يؤثر بطرف واحد يعني من حيث الوجود فحسب، أما عدم المانع فلا تأثير له بخلاف السبب، السبب يؤثر وجودًا وعدمًا، يؤثر بطرفيه، وأما المانع فيؤثر بطرف واحد وهو الوجود، إن وجد عدم الحكم إن لم يوجدْ لا، لا يكون مطّردًا، المانع إنما يؤثر بطرف الوجود بخلاف السبب، فإنه يؤثر بالطرفين الوجود والعدم، بخلاف الشرط فإنما يؤثر بطرف العدم لا الوجود.
إذًا عندنا ثلاثة أشياء: سببٌ، وشرطٌ، ومانعٌ.
كلٌ منهما ملاحظٌ من حيث الوجود والعدم، لكن هل التأثير في هذه الثلاثة الأشياء مطلقًا وجودًا وعدمًا؟
نقول: تفصيل السبب يؤثر وجودًا وعدمًا، وجوده يؤثر وعدمه كذلك يؤثر، وأما المانع فيؤثر من حيث الوجود ولا يؤثر من حيث العدم، والشرط يؤثر من حيث العدم ولا يؤثر من حيث الوجود. يوجد الوضوء ولا يلزم منه وجود الصلاة. إذًا ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجودٌ ولا عدمٌ لذاته. وقوله: لذاته. فيه كلام طويل يحتاج إلى وقفة لكن لها مقدمات.
وموانع الإرث ذكر المصنف منها ثلاثة وهي المجمعُ عليها، وأما المختلف فيه وهذا عَدَلَ عنه لأن هذا مختصر ويكاد أن يكون ذكر ما اتفق عليه أهل العلم، وهذا شأن المختصرات كما ذكرناه مرارًا، كـ ((الورقات))، و ((الآجرومية)) ونحوها تذكر الأمور التي اتفق عليها بين أهل ذلك الفن.
قال الناظم:
وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ ... وَاحِدَةٌ مِنْ عِلَلٍ ثَلاَثِ
رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ ... فَافْهَمْ فَلَيْسَ الشَّكُّ كَالْيَقِيْنِ
(6/2)

(وَيَمْنَعُ) إذًا الكلامُ في المانع لأنه قال يمنع، ويمنع هذا فعل مضارع، والفعل المضارع والوصف الذي هو المانع الذي سبق حدّه لأن الموانع قلنا: جمع مانع، مأخوذ ماذا؟ من المنع، ويمنع كذلك مأخوذ من المنع، إذًا كل منهما المضارع والوصف مشتق من المصدر وهو المنع فالدلالة واحدة، لا يشترط أن يصرَّح بالمانع اسم فاعل، إنما يمنع الشخص أطلق الشخص هنا وأراد به الذي قام به سبب الإرث، لأن المنع إذا قيل بأن هذا الشيء يمنع من كذا يُشترط في الممنوع أو من قام به المانع أن يكون قد قام به سبب الإرث ووجد الشرط، فهذا الشخص المعين هو الذي يصح أن يقال مُنِعَ من كذا، مُنع من الإرث، أما إذا لم يقم به سبب الإرث نكاح ولا نسب لا يتصف بكونه مانعًا، لو وُجد مثلاً شخص بعيدًا عن الميت قتله لا نقول هذا قاتلٌ وقد قام به القتلُ وهو مانعٌ من الإرث، نقول: لا هو أصلاً لو لم يقتل ما ورث، أليس كذلك؟ لو كان أجنبيًّا منفكًا عنه لم يُوجد فيه لا نكاح ولا ولاء ولا نسب، فإذا قتل حينئذٍ نقول: لا يرث من المقتول لا لكونه قاتل قام به سبب أم قام به المانع، وإنما لكونه لم يوجد فيه سبب الإرث، فحينئذٍ يكون المنعُ على جهةٍ معينة على شخص معين ليس مطلق الشخص، وإنما الشخص الذي هو أهلٌ بأن يرث، بأن يكون وجد فيه واحدٌ من الأسباب الثلاثة، حينئذٍ إذا اتصف بشيء من هذه الموانع الثلاثة نقول: مانع الإرث. وأما إذا لم يكن قد قام به سبب من أسباب الإرث ولو وجد فيه واحد من هذه الموانع الرق والقتل واختلاف الدين، لا نقول: بأنه مانع، لأن حديثنا عن شخص معين يرث أو لا يرث، هذا المرادُ هنا. إذًا (وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ) أطلق الشخص وأرد به شخصٌ معين وهو الذي قام به سبب الإرث، ويمكن أن نجعل (أل) هنا للعهد الذهني والذي يوقف على ذلك هو الموقّف. تحتمل هذا، (وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ) يعني الشخص الذي قام به سبب الإرث حينئذٍ المراد بالمانع هنا: ما يجامع السبب والشرط، ولذلك يقدم الكلام على الأسباب والشروط، ثم تذكر الموانع، هكذا جرى أهل الفرائض، يتكلمون عن الأسباب، ثم عن الشروط، ثم الموانع. لماذا أخروا المانع؟
ليكون الترتيب مقصودًا بأن يكون قد قام بالشخص أسباب الإرث، أو سبب من أسباب الإرث وتحقق الشرط، حينئذٍ إذًا اتصف بواحدٍ من هذه الأوصاف الثلاث نقول: أنت ممنوع، لولا هذا المانع لكنت وارثًا، إذًا المراد بالمانع هنا: ما يجامع السبب والشرط. يعني يتحقق السبب فيه في هذا الشخص المعين وكذلك يتحقق الشرط، فحينئذٍ إذا اتصف بواحد من هذه الموانع الثلاث قلنا: وُجد السبب وتحقق الشرط ولم يؤثر السبب ولم يؤثر الشرط لا لذات كلٍّ منهما، وإنما لقيام مانع من تأثير كلٍّ منهما. إذًا ... (يَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ) من الإرث، ميراث سبق أنه مِوْراث هذا الأصل، وهو مصدر أطلق وأريد به المعنى المصدري.
قوله: (الشَّخْصَ) بالنصب على أنه مفعول مقدم، وقوله: (وَاحِدَةٌ) نعت وصفة لموصوف محذوف علةٌ واحدةٌ.
وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ ... وَاحِدَةٌ ...............
(6/3)

(وَاحِدَةٌ) فاعل، الإعراب الاصطلاحي نقول: فاعل، لكن عند الفحص والتحقيق نقول: صفة لموصوف محذوف، والمحذوف في الأصل ذاك هو الفاعل، مثل أن تقول: رأيت صالحًا. ليس رجلاً صالحًا، يعني: رأيت صالحًا، صالحًا ليس مفعولاً به لأن صالح هذا وصف في الأصل، فحينئذٍ تقول: صالح هذا نعت لمنعوت محذوف تقديره رأت رجلاً صالحًا. وهكذا، هذا هو الأصل، هذا عند الفحص وإلا فالنحاة يمشون على الظاهر، يقولون: مفعول به .. إلى آخره (وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ) من الإرث ... (وَاحِدَةٌ) يعني علّة واحدةٌ (مِنْ عِلَلٍ ثَلاَثِ) من ثلاث علل، وعلل جمع علة وهي في اللغة: المرض. العلة المرض، رجل عليل يعني مريض، وتطلق على كل حدث شاغل. تسمى علة.
واصطلاحًا يعني في هذا المحل، علل المانع من الصرف لها معنى خاص عند النحاة، العلل هناك عند الصرفيين لها معنًى خاص. هنا العلة في هذا المقام: ما يُورِثُ في الشخص الحرمان من الإرث بعد تحقق سببه. (ما) اسم موصول بمعنى الذي يصدق على وصف لأن التي سيذكرها كلها أوصاف، لذلك تعريف الآمدي للمانع بأنه وصف، الرق وصف، اختلاف الدين وصف، القتل وصف، كل منها وصف. إذًا ما وصفٌ يورث في الشخص الحرمان من الإرث بعد تحقق السبب، ولا يكون مانعًا إلا بعد وجود السبب، وأما إذا لم يكن خرج من مصطلح الفرضيين.
(وَاحِدَةٌ مِنْ عِلَلٍ ثَلاَثِ) يعني من ثلاث علل، (رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) وهذه مجمعٌ عليها، وثَمَّ ثلاثة مختلفٌ فيها والصحيح أنها لا تمنع، وأما الردة فهي داخلة في قوله: (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) كما سيأتي. (رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) أولها:
(رِقٌّ) هذا خبر لمبتدإٍ محذوف لأنه رفعه، لو قال: رقٍّ. لجعلناه بدلاً مفصل من مجمل (عِلَلٍ ثَلاَثِ) لكن لما رُفع جعلناه خبرًا لمبتدأٍ محذوف أولها (رِقٌّ).
(وَقَتْلٌ) هذا عطف جملة على جملة، وثانيها قتلٌ خبر لمبتدأٍ محذوف وليس معطوفًا على رق.
(وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) كذلك عطف جملة على جملة، يعني وثالثها، ثالث الموانع اختلاف دين، هذا لأنه رفع، ويجوز الخفظ على البدلية، فيكون بدل مفصل من مجمل.
.................. ... ........... مِنْ عِلَلٍ ثَلاَثِ
رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ ... ..........................

إذًا أحدها أو أولها:
(رِقٌّ) الرق له معنى لغوي وله معنى اصطلاحي شرعي. وهو في اللغة: العبودية، العبودية هو الرق، والرق هو العبودية، حينئذٍ له معنى في اللغة وهو الذي يطلق عليه بأنه عبدٌ. (رِقٌّ) إذًا الرق في اللغة العبودية، وهذه العبودية ليست العبودية التي تكون من شأن المخلوق والخالق، لا، إنما المراد بها وصف خاص.
(6/4)

وأما في الشرع: فالرق: عجز حكمي يقوم بالإنسان بسببِ الكفر، بسببٍ هو الكفر. عجز العجز ضد القدرة، والعجز قد يكون عجزًا حسيًّا، كأن يكون عاجزًا عن البصر لا يرى، أو عاجزًا عن المشي، أو عاجزًا عن الكلام، هذا عجزٌ حسيّ، وهو عدم للقدرة إما بالكلية أو بعضها، وقد لا يكون كذلك، لا من حيث البدن ومن حيث الحس قوي، لكن ثَمَّ عجز من حيث نفوذ تصرفاته، فنظر الشارع إلى شيء معنوي [لا] إلى شيء حسي، ولذلك قال: عجز حكمي، يعني شيء محكوم به هو عاجز. إذًا العجز ضد القدرة ولما العجز على نوعين حسي ومعنوي الذي هو الحكمي حينئذٍ احتجنا إلى إخراج الحسيّ، فقال: حكمي. يعني في حكم الشرع لا حسيّ إن للعبد قدرة على التصرف حسًّا لكن الشرع منعه منه وحكم بعدم نفوذه، يعني لا يملك أهم شيء في العبد أنه لا يملك المال، فإذا أكتسب ذهب واشتغل و .. إلى آخره وحصل مالاً الذي في يده هو عاجز عنه، لا يملكه، وكذلك لا يملك أن يشتري، ولا يملك أن يبيع، وإذا أُهْدِيَ إليه شيء ليس له مِلك، وإذا وُهِبَ شيئًا ليس له مِلك، وإذا أُعْطِيَ عطيةً ليس له مِلك. إذًا هنا هو عاجزٌ لكن هذا العجز يعتبر عجزًا حكميًا مصدر الشرع، هو الذي حكم بكون هذه التصرفات لا تَنْفُذ، حينئذٍ لو باع أو اشترى لا ينفذ في الجملة، وكذلك لو وُهِبَ إليه أو وَهب هو نقول: هذه كله تصرفات غير نافذة. إذًا عجزٌ حكمي يعني في حكم الشرع لا حسي، إذ للعبد قدرة على التصرف حسًّا، حِسًّا يعني يمشي ويذهب ويأتي لكن الشرع منعه منه وحكم بعدم نفوذه، يقوم بالإنسان، يقوم: يعني قيام الصفة بالموصوف ليس القيام الحسي يقوم يقف، لا، ليس هذا المراد، إنما المراد: أنه قيام الصفة في الموصوف كما أنك جالس الآن أنت جالس؟ نعم جالس. الصفة قامت بك، ما نراها لكن نرى الهيئة على ما أنت عليه. (يقوم بالإنسان) يقوم هذا العجز الحكمي بالإنسان أي يتصف به الإنسان ذكرًا كان أو أنثى.
هل هذا القيد لبيان الواقع أو للاحتراز؟
لماذا البيان الواقع؟
هل عندنا عبد رقيق وليس بإنسان؟
ليس عندنا، إذًا إذا لم يكن عندنا رقيق ليس بإنسان صار هذا الوصف أو هذا القيد لبيان الواقع لا للاحتراز، إذا قلت للاحتراز معناه أخرجنا البهيمة، نقول: لا، البهيمة لا تتصف بكونها رقيقًا. إذًا يقوم بالإنسان هذا لبيان الواقع ومحل هذا العجز، عجزٌ حكمي يقوم بالإنسان قيام الصفة بموصوفها، يقوم بسببِ الكفر، بسببٍ هو الكفر، بسبب الكفر يعني بسببٍ هو الكفر، الإضافة هذه بيانية، وضابطها أن يصح أن يخبر بالمضاف إليه عن المضاف، يعني يجعل المضاف مبتدأ ويجعل المضاف إليه خبرًا، بسبب هو الكفر، أي بسبب هو الكفر فالإضافة للبيان، فخرج بذلك العجز الحكمي الذي يقوم بالإنسان لا بسبب الكفر، صبي عاجز أو لا؟ سبق معنا في البيع لا بد أن يكون جائز التصرف، إذًا خرج به الصبي فهو عاجز الحكم فهو عجز حكمي، حينئذٍ هل هذا العجز الحكمي بسبب الكفر؟ لا، المجنون طلّق اشترى باع تزوج .. إلى آخره، هل تثبت تصرفاته؟ [إيش فيكم] تَنْفُذ أو لا؟
لا، إذًا هو عاجز حكمًا، هذا عجزٌ حكمي لكنه هل بسبب الكفر؟
(6/5)

لا، ليس بسبب الكفر. إذًا ليس هذا الوصف وهو العجز الحكمي بماذا؟ خاصًا بالرقيق، فخرج بذلك العجز الحكمي الذي يقوم بالإنسان لا بسبب الكفر، بل بسبب عدم حسن التصرف كما في الصبي والمجنون، الصبي والمجنون عجز كل واحد منهما وهذا العجز مصدره الشرع يعني هو الذي حكم، وهذا ليس بأمر حسيّ وليس بسبب الكفر. إذًا اختص هذا الحد بالرقيق.
إذًا المراد بالرق هنا عجز حكمي يقوم بالإنسان بسبب الكفر، هذا حدٌّ واضح بيّن.
عرفه بعضهم بأنه وصف يكون به الإنسان مملوكًا، يباع ويوهب ويتصرف فيه، ولا يتصرف تصرفًا مستقلاً، وهذا لا إشكال فيه، واضح بيّن. وصف لأن الرق وصف، بل هذه الموانع كلها أوصاف يكون به الإنسان مملوكًا،، هذا بيان للرقيق، بأن يكون مملوكًا يعني يباع ويشترى، كما تملك الساعة التي في يدك تبيعها وتشتري، كذلك هذا الإنسان يباعُ ويشترى، ويتصرف فيه تَهديه هدية لغيرك، أليس كذلك؟ تعطيه عطية ولا يتصرف تصرفًا مستقلاً، هو لا يتصرف تصرفًا مستقلاً يعني لو تصرف من عند نفسه دون إذن سيده نقول: هذا التصرف ليس معتبرًا، ولو إذن له سيدهُ نقول: هذا التصرف معتبرًا. إذًا تصرف المقيد وإذا كان كذلك حينئذٍ صار هذا الوصف قاصرًا.
(رِقٌّ) هذا هو المانع الأول، وهو مانع من الجانبين، فلا يرث الرقيق بجميع أنواعه، سواءٌ كان قِنًّا، أو مُدَبَّرًا، أو مُكَاتَبًا، أو مُعَلَّقًا عتقه بصفة، أو مُوصَا بعتقه أو أم ولدٍ، والْمُبَعَّض، هذا أنواع الرقيق.
العبد لا يخرج عن هذه الأنواع، كلها لا يرث إلا الْمُبَعَّض على المذهب كما سيأتي.
قِنًّا كان أو مُدَبّرًا، القِنْ: هو العبدُ المملوك بكليته، كُلُّهُ غير مجزأ غير مبعض، هو العبد المملوك بكليته وليس واحدًا ممن ذكر بعده، يعني ليس مكاتبًا ولا ما بعده.
والْمُدَبّر: مأخوذ من دُبر الشيء: هو الذي عُلِّق عتقه على موت سيِّده، يعني قال سيده: إن مت فأنت حر. إذًا لو عاش مائة سنة فهو عبد، إن مات سيده تحرّر العبد، هذا يسمى ماذا؟ يسمى مدبرًا. العبد الذي عُلِّقَ عتقه بموت سيده.
والْمُكَاتَب: هو الذي تعاقد مع سيده على أقساط من المال إذا أدّاها أصبح حرًا، يعني يشتري نفسه بأقساط، يقول له: كل شهر أعطيك مائة ريال. وحينئذٍ نهاية السنة يكون اشترى نفسه بألف ومائتين، هذا يسمى المكاتبة لأنه اشترى نفسه من سيده على أقساطٍ.
والْمُعَلّق عتقه بصفة: كما إذا قال سيدهُ: إن جاء شهر رمضان فأنت حر. هذا معلق على صفة ليس على الموت. إذًا إن عُلق على موته فهو المدبر، وإن علق على وصف ليس هو الموت سمي مُعَلَّقًا بصفة.
وأم الولد: هي المملوكة التي وطئها سيدها وأتت بولدٍ، فيمتنع عليه هبتها أو بيعها لأحد، فإذا مات سيدها صارت حرة، أم الولد إذا وطئها السيد حينئذٍ ولدت مدت بقائها هي رقيقة، إذا مات صارت حرة بموت سيدها.
والْمُبَعَّض: كاسمه، بعضه حرّ وبعضه رقيق، يعني اشترك شخصان في اشتريا عبد أنا وأنت اشتركنا في شراء عبد، أنا قلت - طبعًا لي النصف مثلاً - قلت: هذا العبد حرّ. إذًا أطلقت سراحه وأنت أبقيته، إذًا صار مجزءًا مبعضًا هو حرّ وعبدٌ، حرّ باعتبار نصيبي، وعبد باعتبار نصيبك أنت. هذا المبعض، هذا يرث على المذهب.
(6/6)

إذًا المبعض من كان بعضه حرًّا وبعضه الآخر مملوكًا مجزء، فالرق مانع بجميع أنواعه إلا المبعض على المذهب، فلا يرث الرقيق بجميع أنواعه لأنه لو ورث لكان لسيده وهو أجنبي من الميت، يعني لو ورث هذا الرقيق من أبيه مثلاً أين يذهب هذا المال؟ لسيده، إذًا كأن السيد هو الذي ورث ذلك الأب وهو أجنبي عنه، لم يوجد فيه سبب من أسباب الإرث، فلما كان في الحقيقة ونفس الأمر أن الملك هذا المال الذي حصله الرقيق بموت أبيه ينتقل إلى سيده مباشرة، لأن تصرفه غير نافذ ولا يملك، حينئذٍ كأنه قد ورث ذلك الأجنبي من ذلك الأب، ولذلك منع أهل العلم أن يكون الرقيق وارثًا لمورثه، حينئذٍ صار هذا الوصف مانعًا، لماذا؟ لئلا يرث الأجنبي بغير سبب من أسباب الإرث، لأنه لو ملكه لو ورث العبد لكان لسيده وهو أجنبي من الميت، ولا يورث هو لأنه لا ملك له، يعني لو مات عبدوا عنده ابن حرّ مثلاً هل يرث ذلك الابن أباه الرقيق؟
الجواب: لا، لماذا؟ للعلة السابقة لأنه لا يملك شيئًا، ولا يورث لأنه لا ملك له، لو ملّكه سيده، لو قال له سيده: هذا المال لك فلا يملكه في نفي الأمر، بل هو عائد إلى سيده، لكن المبعّض هذا في المذهب يَرِث ويُورَث ويحجب على حسب ما فيه من الحرية عند الحنابلة، وهو الصحيح، أنه يرث بقدر ما فيه من الحرية، ويُمنع بقدر ما فيه من الرق، فيعامل جزءه الحر بحكم الأحرار، وجزءه الرقيق بحكم الأرقاء، فيرث بقدر جزءه الحر ويورث عنه ما وَرثه بذلك الجزء، وهذا هو الذي يناسب الأصول السابقة.
إذًا الرقيق لا يرث ولا يورث إلا إذا كان مبعضًا وجزءه الحر حينئذٍ يرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من باع عبدًا له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع». هذا نص واضح بيّن بأن العبد لا يملك شيئًا «من باع عبدًا». من: شخص، باع عبدًا له، له مال: يعني في يده مال في يد العبد مال لمن يكون؟ قال: فماله للبائع: لسيده إلا أن يشترطه المبتاع، من؟ المشتري إذا اشترطه فحينئذٍ المسلمون على شروطهم وإلا الأصل أن يكون للسيد، ولأن السيد أحق بكسبه ومنافعه في حياته وكذا بعد مماته.
والرّق حق لله تعالى ابتداءً يثبت جزاءً على الكفر به، ولذلك لا يثبت على المسلم ابتداءً، الرق سببه الكفر كما ذكرناه سابقًا، فابتداءه يكون بسبب الكفر. إذًا هل يكون المسلم رقيقًا؟ الجواب: لا، ولذلك الفقهاء يذكرون مسألة ـ لو أغتصب حرّ فيبيع على أنه عبد لا تثبت له الأحكام التي ثبتت للرقيق، لأنه باعتبار الأصل لا يكون المسلم رقيقًا، لماذا؟ لأن سبب الرق محصور في شيء واحد وهو الكفر، جعله الله تعالى ابتداءً على الكافر عقوبة له وجزاء، ثم صار حقًا للسيد بقاءً بمعنى أن الشارع جعله مِلكًا بغير نظر إلى معنى الجزاء والعقوبة، لأنه إذا أسلم العبد بقي الرق كما هو، هل نقول الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، لَمَّا كان كفرًا حينئذٍ سُبِيَ صار رقيقًا، ثم إذا أسلم زال الوصف؟ نقولُ: لا، وهذا للشرع أن يفعل ما شاء، أن يجعل الحكم مقيدًا بسبب، ثم يزول السبب ويبقى الحكم مشرعًا، وهذا له نظائر كثيرة في مسائل شرعية، حتى أنه يبقى رقيقًا وإن أسلم، هذا هو المانع الأول.
(6/7)

(القتلُ)، (رِقٌّ وَقَتْلٌ)، يعني: وثانيها القتل، والقتل هذا خبر لمبتدأٍ محذوف تقديره وثانيها قتلٌ، والقتل هو إزهاق الروح مباشرةً أو تسببًا، إزهاق الروح مباشرة يقتله مباشرة أو تسببًا أن يتسبب في موته حينئذٍ يكون قاتلاً كأن يضربه مثلاً بجديدة على رأسه فيبقى شهرًا مريضًا ثم يموت، نقول: هذا قاتل. يعني ما قتله مباشرة، مباشرة يعني في وقته مات، ضربه فمات مباشرة هذا يسمى قتلاً مباشرةً، تسبب في قتله كأن يكون ضربه ضربةً قاتلة ولكنه بقي بعده أيام ثم مات، موته بسبب تلك الضربة فهو قاتلٌ له، ولا فرق بين أن يكون القتل عمدًا أو خطأً يعني يكون القتل مانعًا سواءٌ كان القتل عمدًا أو خطأً عمدًا واضح، ولو قتل أباه استعجل، منعه من الإرث واضح، لكن إذا أخطأ؟ أراد أن يرمي شيء فأصاب والده فمات يرث؟ لا يرث لماذا؟ لكونه قاتلاً له ولو كان خطأ تعميمًا لسدِّ الذريعة، لأنه إذا قيل بأن الخاطئ والمخطئ، القتل الخطأ لا يكون مانعًا من الإرث كل يدَّعِي أنه أخطأ، ففتح الباب، ولا شك أن سد الباب هذا مقصد من مقاصد الشريعة، إذًا تعميمًا لسد الذريعة ولئلا يدَعِي العامل أنه قتل خطأً، ولذلك منع. إذًا رقٌ وقتلٌ: قتل عرفنا معناه: إزهاق الروح مباشرة أو تسببًا.
أطلق القتل فعمّ العمد وشبه العمد عندنا الحنابلة والخطأ، لماذا؟
تعليمًا لسدّ الذريعة ولئلا يدَّعَي من قتل عمدًا أنه قد أخطأ وهو مانع للقاتل فقط، لا المقتول، يعني من قتل مورثه يمنع القاتل من الإرث، والمقتول هل يمنع من كونه وارثًا لقاتله لكونه قتل؟ الجواب: لا، لماذا؟
لأن هذا الوصف إنما تعلق بالفاعل وذاك مفعول لم يقتل، يعني إذا قتل ابنٌ أباه ضربه ضربةً وهذا لا يتأتى المثال في المباشرة، فلو قتله مباشرة انتهى طلعت روحه لكن لو قتله تسبب بضربه ضربةً قاتلة، ثم بقي الأب أيامًا ثم مات قبل موت الأب مات الابن، يمكن أو لا؟ يمكن ضرب أباه ثم بعده بيوم وبقي أبوه بعده بثلاثة أيام نقول: الأب يرث الابن وهو مقتول، والقاتل الابن لا يرث أباه البتة واضحٌ؟
إذًا القتل يكون مانع من جانب واحد فقط، وهو جانب القاتل، وأما المقتول يرث قاتله، فقط يرث قاتله كما قال الشارح هنا.
المذهب عندنا أنه ليس كل قتل يكون مانعًا، وإنما القتل الذي يترب عليه الضمان، لأن القتل نوعان:
- قتلٌ بحق.
- وقتلٌ بغير حق.
الأول لا يترتب عليه الضمان، والثاني يترتب عليه الضمان، هل كل هذين النوعين يكون مانعًا أو لا؟ محل خلاف طويل عريض بين الفقهاء، والصحيح التفصيل الذي عليه المذهب. وهو أن القتل إن كان بحق حينئذٍ لا يمنع، يعني لو كان القاتل قصاص يقص يضرب بالسيف لو قتل أبوه شخصًا فأقيم عليه الحد قتلاً، فكان عند ابنه فضربه ضربةً بالسيف لكونه قاتلاً عمدًا عدوانًا، حينئذٍ يصدق عليه الوصف أو لا؟
هل يصدق عليه أنه قاتل أو لا؟ نعم يصدق.
هل هذا القتل مانع له من إرث أبيه أو لا؟ محل خلاف، والصحيح أنه لا يمنع فيقتله حدًّا وإقامةً لحكم الله عز وجل ويرثه، ولا يكون هذا القتل مانعًا له من الإرث، لماذا؟
(6/8)

لأن هذا القتل لا يترتب عليه الضمان، هل نقول للذي يقص: ائتي بالكفارة أو بالدية أو القوت؟ لا، لماذا؟ لكون هذا القتل بحق، فكل قتل كان بحق ولا يترتب عليه الضمان لا يكون مانعًا من الإرث، دفع الصائل لو اعتدى شخص على شخص وكان يرثه فحينئذٍ إذا ضربه ضبةً فتسبب في موته نقول: يرثه، لكون هذا القتل بحق ولا يترتب عليه ضمان.
المذهب عندنا أي الحنابلة وهو الصحيح: أن القتل المانع من الإرث هو القتل بغير حق، وهو المضمون بقود أودية أو كفارة، كالعمد وشبه العمد والخطأ، وما جرى مجرى الخطأ كالقتل بالسبب، والقتل من الصبي والمجنون والنائم، هؤلاء تنزيلاً لأفعالهم منزّله العقلاء ودفعًا لسد الذريعة لئلا يُفتح الباب وهذا يسلّط ابنه وهذا يسلّط مجنونًا .. إلى آخره سدًّا لهذا الباب نزلت أفعال هؤلاء وإن كانوا في الأصل غير مكلفين منزلة العقلاء، حينئذٍ إذا قتل النائم فلا يرث، وإذا قتل المجنون لا يرث، وإذا قتل الصبي لا يرث، وأما القتل بحق وهو ما ليس بمضمون بشيء مما ذكر لا يمنع الميراث مطلقًا كالقتل قصاصًا أو حدًّا أو دفعًا عن نفسه، يعني لو فعل واحد يرث ممن أقيم عليه الحدّ قصاصًا، أو دفعًا لصائلٍ حينئذٍ لا يكون القتل مانعًا من الإرث. إذًا القتل المانع من الإرث هو الذي يترتب عليه الضمان من قَوَد وكفارة وديةٍ، وما لا يترتب عليه الضمان فلا يكون مانعًا من القتل، ولذلك قال هناك في الشرح: فالقتل المانع هو ما أوجب قصاصًا كالعمد المحض العدوان، أو دية كقتل الوالد ولده عمدًا عدوانًا فإنه يضمن بالدية، ولا كفارة لأنه عمدٌ، ولا قصاص فيه لحديث: «لا يقتل الوالد بالولد». لكنه يمنعه، أو كفارة كمن رمى مسلمًا بين الصفين يظنه كافرًا، إذا رمى مسلم بين الصفين في القتال يظن أنه كافر نقول: هذا يوجب الكفارة لأنه خطأ، يمنع أو لا يمنع؟ يمنع، لماذا قلنا يمنع؟ لأنه ترتب عليه الضمان.
وعند الشافعية الحكم عام وهذا غريب. عند الشافعية الحكم عام، كل قتلٍ ولو كان بحق يكون مانعًا من القتل، والأصل في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس للقاتل من الميراث شيء». هذا الحديث فيه كلام في سنده ضعف، لكن الإجماع هو العمدة يعني المسألة مجمعٌ على أصلها في حملة كون القاتل مانعًا، وأما الحديث ففيه كلام.
والمعنى فيه تهمة الاستعجال في بعض الصور، بعض الصور واضحة، وبعضها ليس فيها استعجال، استعجَال على ماذا؟
يريد المال أن ينتظر حتى يموت ويصل إلى ثمانين تسعين سنة، مباشرة وهو صغير يأتي به عليه من أجل أن يرثه، بعض الصور يظهر فيها تهمة الاستعجال، وبعضها لا قد تخفى، ولكن سدًّا للباب ألحق هذا بذاك.
(6/9)

قال هنا: ولا مدخل للمفتي بالقتل وإن كان على معين لأنه ليس بملزم بخلاف القاضي، وهذا بناء على مذهب الشافعية، (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) إذا عرفنا المانع الأول وهو الرق، والمانع الثاني وهو القتل، المانع الأول الرق قلنا: لا يتثنى منه إلا المبعض فقط جزءه الحر والثاني رق وأطلقه المصنف في الجملة مجمع عليه في كونه سببًا، لكن هل كل قتل؟ لا يستثنى منه ما كان بحق. إذًا رقٌّ إلا إذا كان جزء مبعض، فلا يكون ذلك الجزء مانع للمبعض أن يرث ويورث ببعضه الحر، يعني هو مجزأ جزأين، هل الرق يمنع تأثير الحرية الجزء الآخر؟ نقول: لا يمنع. قتلٌ نقيده بغير حق (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) يعني ثالثها اختلاف دين، اختلف الشيئان لم يتفقا (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) أي اختلاف الدين دين الوارث والميت، الوارث والمورث إذا لم يكونا على دين واحدٍ حينئذٍ يكون مانعًا، اختلاف الدين يكون مانعًا من الإرث، والكفر يسمى دينًا أو لا؟ قال: (وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) يعني بين الإسلام والكفر، ... «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر». هل الكفر يسمى دينًا؟ نعم {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا} [آل عمران: 85] يبتغ دينًا غير الإسلام، إذًا سمى الكفر ماذا؟ دين، {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ} [آل عمران: 19] معارض أو لا؟ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا} أطلق على غير الإسلام أنه دين، وقال في الآية الأخرى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ} يعني: الدين الحق الذي إذا أُطلق ينصرف إلى الإسلام وأما التسمية اليهودية مثلاً دين، والنصرانية دين، والعلمانية دين وغير ذلك نقول: هذا وارد في النص.
(اخْتِلاَفُ دِيْنِ) يعني بالإسلام والكفر، وهو أن يكون المورث على ملة والوارث على ملة أخرى، فلا توارث بينهما لانقطاع الصلة بينهما شرعًا، الصلة الحسيَّة موجودة، هذا أب وهذا ابن، موجودة، حسية أمر مدرك بالواقع حس الصلة موجودة، لكن لما كان اعتبار الدين هو أصل وهذه الصلة فرع، حينئذٍ الشرع لم يجعل لها محلاً، فلا توارث بينهما لانقطاع الصلة بينهما شرعًا، ولذلك قال لله تعالى لنوحٍ عن ابنه الكافر: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46]. هو من أهله وليس من أهله، من أهلك الصالحين المعتبرين الذين تكون لك صلة بهم، وأنه ليس من أهلك هذا على الذي ذكرناه.
(6/10)

إنه ليس من أهلك يعني من أهلك الصالحين وإن كان من أهله في نسب، لأنه ابنه وهذا أبوه من أين جاء، ينسب لأي شيء ينسب لأبيه، والدليل على ذلك خبر الصحيحين «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». لا يرث: هذه لا نافية وهي في معنى النهي، فلا يرث المسلمُ الكافر، المسلم هنا وارث والكافر مورِّث، ولا الكافرُ المسلمَ، الكافرُ وارث والمسلم مورِّث إذًا انقطعت الصلة كونه وارِثًا أو مورِّثًا كلٌ منهما لا يكون وارثًا ولا مورث للآخر، لماذا؟ لقيام المانع وهو اختلاف الدين، وهذا نصٌ واضحٌ وهو مجمعٌ عليه في الجملة، أما عدم إرث الكافر من المسلم فبالإجماع، لكن نقيد أطلقه المصنف المذهب عندنا أن الكافر إذا أسلم قبل قسم التركة يرث، يعني مات الأب وولده كافر نصراني أو يهودي على ظاهر النص لا يرث، قسمت التركة أو لا، لكن على المذهب ترغيبًا له في الإسلام وهو مما استثني كما سيأتي ترغيبًا له في الإسلام يُعطى شيئًا من التركة، فيورَّث مع كونه كافرًا والعبرة بوقت موت المورِّث، ولكن استثني هذا وليس فيه دليل كما سيأتي بل هو ضعيف.
إذًا عدم إرث الكافر من المسلم إذا دام على كفره حتى قسمت التركة بالإجماع، ليس كما ذكره الشارح هنا، متى يكون مجمعًا عليه؟ إذا قسمت التركة لا يرث والكافر المسلم، وأما عكسه وهو أن يرث المسلم الكافر فهذا عند الجمهور خلافًا لمعاذ ومعاوية ومن وافقهما كما سيأتي.
واستثنى الحنابلة من ذلك مسألتين - المذهب عندنا -:
الأولى: الإرث بالولاء، فلا يمنعه اختلاف الدين، بل يرث الْمُولى ممن له عليه ولاء وإن كان مخالفًا له في دينه لحديث «لا يرث المسلمُ النصراني إلا أن يكون عبدهُ أو أمته». يعني لا يشترط بين المعتق وعتيقه اتفاق الدين، [بل لو كان كل منهما مخالف، نعم] لو كان صاحب الولاء مسلمًا وعبده أو أمته ليس على ملته فالولاء جاري فلا يكون اختلاف الملة هنا مانعًا من الإرث، وهذا الحديث ضعيف والأصل البقاء على ظاهر النص السابق.
إذًا هذه مسألة استثناها الحنابلة وهي ضعيفة.
الثانية: إذا أسلم الكافر قبل قسمة التركة فيرث من قريبه المسلم ترغيبًا له في الإسلام، وهذا الاستثناء ضعيفة في المسألتين، والصحيح البقاء على ظاهر النص، وهو واضحٌ بيّن. «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». والحديث في الصحيحين وتلك الأحاديث المحتج بها فيها ضعف.
إذًا سواء أسلم الكافر قبل قسمة التركة أم لا، وسواء كان بالولاء أو لا، مطلقًا يعني لا توارث بين كافر ومسلم مطلقًا، واضحٌ هذا؟
(6/11)

(فَافْهَمْ فَلَيْسَ الشَّكُّ كَالْيَقِيْنِ) فافهم يعني لما كان التعبير بالفهم يقتضي سبق شيء يفهم قال: (فَافْهَمْ). هذه الفاء فيها معنى التفريع (افهم) ليس المراد به مطلقُ الإدراك، افهم أيها الطالب ما قلته لك أي اعلمه علمًا جازمًا بدليل قوله: (فَلَيْسَ الشَّكُّ). فليس الفاء هذه تعليل الأمر بالفهم، افهم لماذا؟ لأن المسائل لا بد أن تكون على يقين يعني غلبة ظن على يقين (فَلَيْسَ الشَّكُّ) وهو التردد بين حكمين لا مَزَيَّة لأحدهما على الآخر، وهذا عند الأصوليين، الأصوليون يعرفون الشك بما ذُكر: ترد لا بين حكمين لا مزية لأحدهما على الآخر استويا استواء الطرفين. هذا يُسمى شكًّا قائم، ليس بقائم، زيدٌ قائم، ليس بقائم أنت في شك متردد لم ترجح أحد الطرفين، هذا يسمى شكًّا وأما عند الفقهاء فهو مطلق التردد الشامل للظن والوهم، يعني الراجح أو الطرف المرجوح هذا عند من؟ عند الفقهاء، هل هو مطلق في كل أبواب الفقه؟ لا، في بعضها دون بعض، وهو الأنسب هنا لمقابلته باليقين، يعني فسره الشارح بالشك عند الأصوليين، والظاهر أنه يفسره بالشك عند الفقهاء لأنه قابله باليقين (فَلَيْسَ الشَّكُّ كَالْيَقِيْنِ) يعني مثل اليقين، فلما قابله باليقين علمنا أن الشك دخل فيه الظن، واليقين هو الحكم الجازم، يعني إدراك الجازم صاحبه.
هنا قال فائدة هل الكفرة ملة واحدة أم ملل؟
يعني عرفنا أن المسلم لا يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم، لكن لو تحاكم كفار إلى المسلمين، مسألة مفروضة فيما إذا اتجه نصراني أراد أن يرث من يهودي، أو يهودي يرث من نصراني فتحاكما إلى مسلمين.
هل نقول لا توارث بين أصحاب ملتين كما أن الكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكفر والحكم عام، أم نجعل هؤلاء بأنهم يتوارثون؟ وهذا مبني على أصل، وهو هل الكفر ملة واحدة أو ملتين؟
حكم توارث الكفار بعضهم من بعض؟
إن كانوا على دين واحد كالنصارى يعني الوارث والمورث كل منهما نصراني، أو الوارث والمورث كل منهما يهودي أو مجوسي ونحو ذلك، لا خلاف بين أهل العم أنهم يرثون من بعضهم، وهذا الحكم ليس لهم هم وإنما إذا تحاكموا عندنا، واضح؟ إذا تحاكموا إلى محكمة ويحكم فيها أهل الإسلام قاضي مسلم، حينئذٍ إذا ادَّعى مدَّعٍ وقام سبب الإرث وما يتعلق به، فكل من الوارث والمورث على ملة واحدة وهي النصرانية أو اليهودية التوارث معقود، التوارث حاصل. إذًا إن كانوا على دين واحد كالنصارى مثلاً فيرث بعضهم من بعض من غير خلاف، بدليل الحديث السابق «لا يرث المسلم الكافر». مفهومه أن المسلم يرث المسلم وهذا واضح، وأن الكافر يرث الكافر هذا بالمفهوم «لا يرث المسلم الكافر». مفهومه أن الكفار يرث بعضهم بعضًا.
كذلك حديث: «لا يتوارث أهل ملتين شتى». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
(6/12)

دل الحديث على أن هل الملة الواحدة يرث بعضهم بعضًا بالمفهوم كذلك، أهل الملتين شتى إذًا إذا كانوا أهل ملة واحدة حينئذٍ يرث بعضهم بعضًا، وملة يصدق على ملة الإسلام ويصدق على غيرها، وأما إذا اختلفت أديانهم كاليهودي مع النصارى مثلاً، فقد اختلف العلماء في توريثهم من بعض. إذًا إذا اتحدا دينهم الوارث والمورث ولو كانوا على كفرٍ يرث بعضهم بعضًا بلا خلاف، وإذا اختلفا كاليهودية مع النصرانية حينئذٍ وقع نزاع بن العلماء، وهذا الخلاف مبني على أصل مختلف فيه كذلك، وهو اختلف في الكفر، هل الكفر شيء واحد ملة واحدة أو ملل؟
هل هو ملة واحدة أو ملل؟ يعني أديان أم دين واحد؟
وهذا فيه خلاف بين أهل العلم، مذهب جمهور العلماء وهو رواية في المذهب عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى والأصح عند الشافعية ومذهب الحنفية أن الكفر بجميع نحله ملةُ واحدة، وعلى هذا القول هل يرث اليهودي من النصراني أو لا؟ يرث.
لأنها وإن اختلفا في النوع فالجنس واحد، الجنس واحد وهو الكفر، ولكن النوع يعني السبب الكفر، هذا مختلف بينهم حينئذٍ لما اتحدت الملة وهو الجنس جنس الكفر حينئذٍ ورث اليهودي من النصراني والعكس بالعكس، وعلى هذا القول يتوارث الكفار فيما بينهم دون نظر إلى اختلافهم في الملة لعموم النصوص، فلا يترك العموم إلا فيما استثناه الشرع لأنه قال «لا يرث المسلم الكافر» أل هنا للعموم فيدخل فيه ماذا؟
كل من كفر وإن اختلف سببه، مفهومه الكافر يرث من الكافر هذا مفهوم المخالفة، حينئذٍ يبقى هذا العموم على أصله وأن كل كافر يرث من كافر دون تفصيل بين اختلاف أديانهم، وعلى هذا لعموم النصوص فلا يترك العموم إلا فيما استثناء الشرع، ولقوله جل وعلا: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 73]. هذا عام في جميعه، وهذا قول وهو أن الكفر ملة واحدة فيتوارث الكفار فيما بينهم.
القول الثاني: أن الكفر مللٌ. وهذا مذهب الحنابلة - المذهب عندنا - فالنصارى ملة واليهود ملة وما عداهما ملة، إذًا لا يرث من كانت ملته اليهودية ممن كانت ملته النصرانية، لماذا؟ لاختلاف الدين للنص الذي سبق أنه ماذا؟ «لا يتوارث أهل ملتين»، واليهودية ملة والنصرانية ملة، إذًا لا توارث بينهما لحديث «لا يتوارث أهل ملتين شتى». والمخالف أصحاب القول الأول ماذا جعلوا أهل الملتين «لا يتوارث أهل ملتين شتى». جعلوا الإسلام ملة ومقابله كله ملة واحدة، وهذا هو الظاهر، والمخالف حمله على أن المراد بإحدى الملتين الإسلام وبالأخرى الكفر ليكون مساويًا لحديث: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». لأن مفهومه مفهوم المخالفة وهو عام أن الكافر يرث من الكفر دون تفصيل، أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمفهوم هذا النص أن الكافر يرث من الكافر، واليهودي كافر والنصراني كافر والمجوسي كافر إذًا كل منهما يرث من الآخر، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [الحج: 17]. جعلهم مللاً لا ملةً واحدة، لكن قد يقال بأنه قد ذكر الأسباب والكلام في الجنس، إذًا هل يرث الكفار بعضهم من بعض؟
(6/13)

قلنا على التفصيل السابق، المذهب عند الحنابلة أن الكفر مللٌ فلا توارث بين يهودي ولا نصراني، وظاهر النصوص والله أعلم أنه ملة واحدة، فيرث اليهودي النصراني والعكس، وكما ذكرت هذا يكون ماذا؟ يكون فيما إذا تحاكموا إلى أهل الإسلام.
هذه ثلاث موانع (رِقٌّ وَقَتْلٌ وَاخْتِلاَفُ دِيْنِ) مجمع عليها في الجملة، وأما من حيث التفصيل فبعضها فيه خلاف، زاد بعضهم الردة، والمرتد يعني هل يرث أو لا؟ هل الردة مانع أم لا؟ المرتد لغة الراجع، ومنه قوله تعالى: {وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21]. ولا ترتدوا يعني لا ترجعوا.
وشرعًا: هو من كفر بعد إسلامه.
حكمه: أنه لا يرث ولا يُورث، مرتد يعني لا يرث من مسلم ولا يورث، لاختلاف الدين.
اتفقت الأئمة الأربعة على أن المرتد لا يرث أحدًا إلا على ما استثناه الحنابلة في المسألة الأولى أنه لو أسلم قبل قسمة التركة يرث ترغيبًا له في الإسلام، هذا مستثنى، وما عداه فهو متفق عليه بين الأئمة الأربعة أن المرتد لا يرث أحدًا إلا عند الحنابلة لو أسلم قبل قسمة التركة فإنه يورَّث ترغيبًا له في الإسلام.
إذًا لا يرث ولا يُورث، وقلنا: الصواب أنه لا يستثنى، فحكمه حكم غيره من الكفار، وماله حينئذٍ يكون فيئًا لبيت مال المسلمين، ماله يكون ماذا؟ يكون فيئًا لبيت مال المسلمين، لأنه ليس بمسلم حتى يرثه المسلمون، ولا يقر على ارتاده حتى يرثه أهل الملة التي ارتد إليها، يعني لو تنصر مسلم حينئذٍ لا يرثه أهل الإسلام لاختلاف الملتين، طيب النصراني مع النصراني هل يرثه تنطبق عليه المسألة السابقة؟ نقول: لا، لماذا؟ لأنه لا يجوز إقراره، لا بد من قتله "" من بدل دينه فاقتلوه ". إذًا لكونه لا يُقَرّ على دينه فحينئذٍ لا يرث النصراني من هذا الذي تنصر.
إذًا الصواب أن الردة داخلة في اختلاف الدين، وذكرنا أن حكمه لا يرث ولا يُورث وماله فيء لبيت مال المسلمين لأنه ليس بمسلم حتى يرثه المسلمون، ليس بمسلم فانتفى أو وجد المانع، ولا يقر على ارتداده حتى يرثه أهل الملة التي ارتد إليها، وقد جعله بعضهم سببًا أو مانعًا مستقلاً والصواب أنه داخل فيما سبق.
إذًا هذه ثلاثة موانع وهي مجمعٌ عليها في الجملة.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (بَابٌ: الْوَارِثِينَ مِنَ الرِّجَال)
هذا شروعٌ فيما ذكرناه سابقًا في باب النسب أنه المراد به القرابة، وهل كل قريب يرث؟ قلنا: لا، ثَمَّ قواعد وأصول ذكرناها فيما سبق هذا تفصيلها في هذا الباب.
(بَابٌ: الْوَارِثِينَ مِنَ الرِّجَال) أي والنساء لأنه بوب بشيء واحد وذكر الوارثين من الرجال ومن النساء، وهذا الباب معقودًا لمن يرث إجماعًا لأن الورثة منهم من هو متفق على توريثه، ومنهم من هو مختلف في توريثه، وأظهر ما يكون الاختلاف في ذوي الأرحام هل يرثون أم لا؟ المذهب عند الحنابلة نعم يرثون، وسيأتي في آخر المنظومة، وأما من عداهم فبالجملة مجمع على توريثهم وهي الأصناف التي ذكر الناظم رحمه الله تعالى.
(6/14)

(بَابٌ: الْوَارِثِينَ مِنَ الرِّجَال) الوارثين فيه تغليب يعني تغليب الذكور على الإناث لأنه ترجم للوارثين من الرجال دون الإناث الوارثات من النساء، وهو قد ذكره مثل ما ذكر في السابق باب أسباب الإرث الميراث ولم يذكر الموانع مع كونه ذكر الموانع تحت الباب، وهنا كذلك. قال (بَابٌ: الْوَارِثِينَ مِنَ الرِّجَال) وذكر النساء ولم يذكر النساء في الترجمة، حينئذٍ نقول ذكر الرجال من باب التغليب للمذكر على المؤنث لشرفه أو يقال إنه من باب الاكتفاء، كأنه قال باب الوارثين من الرجال أي ومن النساء، فيكون ذكر بعضًا وترك بعضًا، وهذا له أصل ففيه اكتفاء، وفي بعض النسخ إفراد كلٍّ بترجمة باب الوارثين من الرجال، وفي بعض النسخ كذلك لما جاء إلى النساء والوارثات من النساء سبعُ كذلك ترجم خاصة بهنّ وعلى كلٍّ التراجم هذه ليست من ضيع الناظم رحمه الله تعالى، بل ترجمت له. (بَابٌ: الْوَارِثِينَ) باب الوارثين إجماعًا من الرجال احترازًا مما وقع الخلاف فيه لأنه لم يذكرهم والشافعية لا يورثون ذوي الأرحام، ولذلك لا يحتاج إلى ذكرهم. (بَابٌ: الْوَارِثِينَ) إجماعًا بالأسباب الثلاثة السابقة لأنه كما سبق قلنا: لا يمكن أن يتصف الشخص بكونه وارثًا إلا إذا تحقق السبب فيه يعني وجد السبب، فإن لم يكن السبب موجودًا أفلا يقال بأنه وارث أو ليس بوارث، هذا الباب يكون مبنيًا على معرفة أسباب الإرث وهي نكاح وولاءٌ ونسب، نسب قرابة إذًا لابد أن يكون قريبًا.
قال رحمه الله تعالى:
وَالْوَارِثُوْنَ من الرِّجَالِ عَشَرَهْ ... أَسْمَاؤُهُمْ مَعْرُوْفَةٌ مُشْتَهِرَةْ
(6/15)

الوارثون جمع وراث وهو مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه الواو نيابة عن إيش؟ عن الضمة لماذا؟ لأنه جمع مذكر سالم، والوارثون جمع وارث وهو إذا اتصف بكونه أهلاً لأن يرث وذلك لا يكون إلا بعد تحقق السبب المقتضي للإرث (وَالْوَارِثُوْنَ من) من قالوا: بسكون الميم للوزن، وفي بعض النسخ في بدل من (والوارثون في الرجال) قوله: (الرِّجَالِ). هذا له مفهوم أم لا؟ جمع رجل، وحقيقة الرجل الذكر البالغ من بني آدم، إذًا من دون الرجال لا يرث وليس الأمر كذلك لأن الصبي يرث بل الحمل يرث بل النطفة إذا تحقق وجودها قبل موت المورث قلنا: إذا وُجد يرث، أليس كذلك؟ والنطفة لا تسمى رجلاً والصبي لا يسمى رجلاً، حينئذٍ ما المراد بالرجال؟ المراد بالرجال هنا الذكور، الذكر حينئذٍ يعم الذكر حقيقةً والذكر حُكمًا فيما إذا كان حملاً أو نطفة، إذا والوارثون من الرجال المراد بالرجال هنا جمع رجل والمراد به الذكر، وحينئذٍ يتعين حمله على ما يقابل النساء من أجل تعميمه فيشمل الصبيان، لأن الرجل في الأصل في لسان العرب: الذكر البالغ، وكل من لم يكن بالغًا لا يطلق عليه بأنه رجل، وهل هذا وصف للاحتراز؟ نقول: لا، ليس المراد، لكنه لَمِّا قسم الورثة إلى ذكور وإناث عَبَّر بما يقابل الإناث بالرجال. إذًا قوله: (مِنَ الرِّجَالِ) المراد ما قابل النساء، وهم الذكور فيشمل الصبيان، وسيأتي قوله في آخر الباب: (فَجُمْلَةُ الذُّكُوْرِ هَؤُلاَء ِ) إذا أراد بالرجال هنا الذكور، زد عليها حقيقةً أو حكمًا ليشمل الحمل، لأنهم ما كانوا يدرون هذا الحمل ذكر أو أنثى فهو داخل فيه، فعبر المصنف بالرجال ثم أشار بتفسيره في آخر الأبيات كما عبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرجل ثم فسره بالذكر «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجلٍ ذكر». قال رجل ثم قال ذكر، أولاً خصّ ثم عمّ فسر المراد بالرجل (وَالْوَارِثُوْنَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَهْ) هذا خبر للمبتدأ، (عَشَرَهْ) إجمالاً باختصار لأن الطريق في عدِّ الورثة سواء كان من الرجال أو من الإناث إما على جهة الإجمال وهم عشرة، وإما على جهة التفصيل وهم خمس عشرة ذكرًا كما سيأتي بيانه (عَشَرَهْ ** أَسْمَاؤُهُمْ) أي أسماء هؤلاء الورثة من الرجال معروفة أي معلومة، (مُشْتَهِرَةْ) أي مشتِهرة أي مشهورة يعني معلومة عند الفرضيين وهي مشهورة، لماذا؟ لأنه مجمعٌ عليها، والشيء المجمع عليه يكون واضح بيِّن، فالأصل يعلمه العامي فضلاً عن الخواص، ولكن بعض المتواتر يكون خاصًا عند أهل العلم وبعضه يكون عامًا مشتركًا بين أهل العلم والعامة.
وَالْوَارِثُوْنَ من الرِّجَالِ عَشَرَهْ ... أَسْمَاؤُهُمْ مَعْرُوْفَةٌ ......

(مَعْرُوْفَةٌ) عبَّر بالمعرفة والمراد به العلم لأنه ذكر كليات، والمشهور عندهم عند أرباب الشروحات والحواشي أن ثَمَّ فرقًا بين العلم والمعرفة:
العلم: ما يتعلق بالكليات.
والمعرفة: ما تعلق بالجزئيات.
(6/16)

يعني إدراك الكليات يسمى علمًا، وإدراك الجزئيات يسمى معرفة، وهنا قال: (أَسْمَاؤُهُمْ) وهو سيأتي بقاعدة بضابط يقول: (وَالأَخُ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَا) إذًا هذا كلي وليس بجزئي، فحينئذٍ الأصل أن يعبر بالمعرفة، ولكن الشرح ذكر هنا قال: معروفة أي معلومة للدلالة على ترجيح القول الثاني وهو أن المعرفة والعلم مترادفان، وهذا هو الأصح أن المعرفة والعلم مترادفان وهذا في شأن المخلوق، وأما في شأن الخالق جل وعلا لا يطلق أنه يعرف أو عارف لعدم وجود النص، لأنه وصف له وإنما يعبر بالعلم كما جاء في عشرات إن لم تكن مئات الآيات بالتنصيص على أن الله تعالى يعلم وعليم ونحو ذلك، فلا يوصف الرب جل وعلا بالمعرفة، لماذا؟ لعدم الوجود لا لكونه يتعلق بالكليات والتفصيلات التي نذكرها في شأن المخلوق، لا، وإنما نقول: الوصف هذا توقيفي أوصاف الرب جل وعلا أو صفاته توقيفية كأسمائه، حينئذٍ لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، فلا نقول: عارف أو يعرف، أما «تعرَّف على الله في الرخاء يعرفك». هذا من باب المقابلة والمشاكلة، وهو نوع مجاز عند كثيرين.
(وَالْوَارِثُوْنَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَهْ ** أَسْمَاؤُهُمْ) هذه كليات (مَعْرُوْفَةٌ)، أي: معلومة لترادف المعرفة مع العلم (مُشْتَهِرَهْ).
(الاِبْنُ): هذا أولها أصله بَنَو كما هو مشهور، واوي اللام محذوفة وسكِّن أوله وجيء بهمزة وصل لتكون عوضًا عمَّا سقط وذلك لكثرة الاستعمال وجمعه أبناء كقلم وأقلام.
(الاِبْنُ) هذا ممن يرث للنص والإجماع، هؤلاء العشرة كلهم مجمع عليهم {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11] أولاد، ومنهم الولد، الولد لا يختص بالذكر وإن كان عرف الناس الآن يختص بالذكر، الولد يشمل الذكر والأنثى يعني يدخل تحته الذكر والأنثى.
(الاِبْنُ) هذا خاص بالذكر (البنت خاص بالأنثى) الولد مشترك ولذلك قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]. فدل على أن الولد يطلق ويشمل الذكر والأنثى، الابن والبنت. إذًا الابن من الورثة، وهو الأول من هذه الأصناف العشرة للنص والإجماع، أما النص {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} والإجماع واضح.
(6/17)

(وَابْنُ الاِبْنِ) هذا فيه وضع الظاهر موضع المضمر للوزن الأصل أن يقول الابن وابنه، (وَابْنُ الاِبْنِ) لكنه وضع الظاهر موضع المضمر، يعني الأصل أن يأتي بالضمير ولكنه لم يأت بالضمير من أجل الوزن، وقد يقال أنه من أجل الإيضاح، (وَابْنُ الاِبْنِ) دليل قياسًا على الابن أولاً قلنا: مجمع عليه لا إشكال فيه، ولقوله: {يَا بَنِي آدَمَ}. كل من كان ابنًا لآدم من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة فهو داخل في هذا اللفظ، أليس كذلك؟ وسماه ابنًا له. إذًا ابن الابن مهما نزل فهو راجع إلى الأصل، وقياسًا على الابن، وكذلك قال تعالى: {يَا بَنِي إِسْرائيلَ}. والإجماع (وَابْنُ الاِبْنِ مَهْمَا نَزَلا) يعني بدرجة أو درجات الابن، ابن الابن، ابن ابن الابن، ابن ابن ابن الابن .. إلى ما يشاء الله عز وجل هذا يعتبر من الورثة، ولذلك قال: بدرجة. على ما ذكره المصنف أو درجات ثنتين فأكثر، ابن ابن الابن .. وهلمّ جرّا (مَهْمَا نَزَلا) الألف هذه للإطلاق، أي في أي زمنٍ نزل ابن الابن فـ (مَهْمَا) ظرف زمان، أو أي زمن نزل ابن الابن فـ (مَهْمَا) نائبة عن المفعول المطلق، أو - وهو أرجح - مهما نزل ابن الابن فهو وارث، حينئذٍ تكون (مَهْمَا) شرطية، يحتمل أنها زمانية، ويحتمل أنها نائبة عن مفعول مطلق أيَّ، ويحتمل أنها شرطية وهو أظهر، وعليه يكون جواب الشرط محذوفًا (مَهْمَا نَزَلا) فهو وارث. إذًا المراد بالنزول هنا ضد العلو، والفقهاء كما نص البيجوري وغيره أنهم شبَّهوا عمود النسب بالشيء المدلي من علوٍ إلى سفلٍ، فأصل كل إنسان أعلى منه، فلذلك يقولون في الأصل: وإن علا، يعني وارتفع، الأب وأبو الأب أبو أبي الأب، وإن علا هذا أصل للإنسان، وفرعه يعني ابنه أسفل منه ولذلك يقولون في الفرع: وإن سفل، وإن نزل .. ونحو ذلك، فهو عكس الشجرة، الشّجرة أصلها أسفل وفروعها فوق، الإنسان لا العكس الأصل فوق وفروعه أسفل فهو عكس الشجرة وذلك لأن مرتبة الأصول أرفع من مرتبة الفروع في الشرف لا في الإرث، فتأدبوا مع الأصول بجعلهم في جهة العلو.
ثم قال: (وَالأَبُ وَالْجَدُّ لَهُ وَإِنْ عَلا). وهذا سيأتي بحثه، والله أعلم.
وصلَّى الله على نبينا محمد، [وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين].
(6/18)

عناصر الدرس
* الوارثون من الرجال.
* الوارثات من النساء.
* الفروض المقدرة وأقسام الورثة باعتبار الإرث.
* طرق عد الفروض.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
فوفقنا عند قول الناظم رحمه الله:
وَالْوَارِثُوْنَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَهْ ... أَسْمَاؤُهُمْ مَعْرُوْفَةٌ مُشْتَهِرَةْ
الاِبْنُ وَابْنُ الاِبْنِ مَهْمَا نَزَلا ... وَالأَبُ وَالْجَدُّ لَهُ وَإِنْ عَلا

هذا شروع من الناظم رحمه الله في تعداد من يرث من الرجال، وسيذكرُ بابًا أو أنه مندرجٌ في هذا الباب من يرث من النساء، والوارث من الرجال أو من النساء نوعان:
- وارث مجمع على توريثه.
- ووارث مختلف في توريثه.
والناظم اعتاد كما هو الشأن أن يذكر ما أجمع عليه العلماء كما ذكر في الأسباب:
أَسْبَابُ مِيْرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَهْ ... كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَهْ

هذا ما أجمع عليه أهل العلم، وكذلك ويمنع الشخص من الميراث واحدة من عللٍ ثلاث. هذا أجمع عليه أهل العلم.
وهنا: (وَالْوَارِثُوْنَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَهْ) على جهة الاختصار، وخمس عشرة على جهة التفصيل، وهل هذا فقط؟ لا، لأنه كما سيأتي أن الحنابلة يرون توريث ذوي الأرحام، وهذا مما اختلف فيه العلماء، وبعض المذاهب الثلاثة يخالفون والحنابلة يوّرثون ذوي الأرحام.
إذًا
وَالْوَارِثُوْنَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَهْ ... أَسْمَاؤُهُمْ ....................

وهذه كليات لأنه سيذكر بعض الأشياء ويندرج تحتها اثنان أو ثلاثة، كقوله: الأخ والأخ (وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ مِنْ أَبِيْهِ)، (وَالأَخُ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَا) هذه أسماء كلية ويندرج تحتها فردٌ أو فردان.
(مَعْرُوْفَةٌ مُشْتَهِرَةْ) يعني عند الفرضيين (الاِبْنُ) هذا الأصلُ الأول: الابنُ وهو مجمع عليه وكذلك جاء النص فيه {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} [النساء: 11] (وَابْنُ الاِبْنِ) هذا الثاني وأظهر في موضع الإضمار للوزن، والأصل أن يقول: الابنُ وابنهُ، يأتي بالضمير ولكن قال: (وَابْنُ الاِبْنِ). هو ابنه ابن السابق ولكنه أظهر في مقام الإضمار من أجل الوزن.
(وَابْنُ الاِبْنِ مَهْمَا نَزَلا) بدرجة أو درجات، (مَهْمَا نَزَلا) قلنا: مهما هذه إما أنها تكون زمانية ظرفية، وإما أنها مفعول مطلق، وإما أنها شرطية كلها جائز، والأظهر أنها شرطية، حينئذٍ لابد من تقديم جواب الشرط ... (مَهْمَا نَزَلا) فهو وارثٌ، بدرجة أو درجات وذكرنا أن الفرضيين قد جروا على تشبيه عمود النسب بشيء مُدْلِي من علوٍ إلى سفلٍ على ما ذكرناه سابقًا من كلام البيجوري وغيره، (مَهْمَا نَزَلا) يعني بدرجة أو اثنتين فأكثر، بمحض الذكور لا بد أن يكون نازلاً بمحض الذكور يعني لا يوجد بين هذين الذكرين أنثى، بمحض الذكور يعني الذكور المحضة الخُلَّص، ليس بينهم أنثى فخرج بذلك ابنُ بنت الابن ونحوه، من كل من في نسبه أو نسبته للميت أنثى ابنُ بنتِ الابن، ابنُ بنتِ الابن، نقول: هنا بينهما أنثى فحينئذٍ لا يكون وارثًا ولا يكون من أصحاب الإرث، (الاِبْنُ وَابْنُ الاِبْنِ مَهْمَا نَزَلا) هذا اثنان.
(7/1)

(وَالأَبُ) هذا الثالث الذي يرث وهو محل إجماع ولقوله تعالى: ... {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} [النساء: 11]. جاء النص وأجمع أهل العلم على أن الأب يرث، وهنا قدم الابن على الأب (الاِبْنُ وَابْنُ الاِبْنِ) ثم قال: الأب، قدم الابن على الأب، وإنما قدم ذكر الابن على الأب لقوته لقوّت الابن، الابنُ في باب المواريث أقوى من الأب، ولأن الابن فرع الميت والأب أصله، واتصال الفرع بأصله أظهر من اتصال الأصل بفرعه، يعني كون الابن وأبيه أيهما أكثر اتصالاً بالميت، هذا ابنهُ وهذا أبوه، هذا جزءٌ منه الابن جزء منه وهذا الميت جزءٌ من أبيه. أيهما أولى وأقرب؟ من حيث الجزئية لا شك أن الابن أقرب إلى الميت، لأنه جزء منه ولهذا حجب الابن الأب من التعصيب ورده إلى الفرض، سيأتي هذا في محلّه، إذًا قدَّم الابن على الأب هنا لقوته.
(وَالْجَدُّ لَهُ) هذا كذلك يرث بالنص والإجماع لم يرد في القرآن إلا أنه قد يقال بأنه ورد من حيث شمول الأب له، لفظ الأب يعني لتناول أو دخوله في لفظ الأب، وكذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء في السنة الصحيحة أنه أعطاه ورَّثه ورّث الجد، (وَالْجَدُّ لَهُ) الضمير هنا يحتمل أنه عائد على الميت المعلوم من السياق، ويحتمل أنه عائد على الأب، اختار الشارح هنا الشنشوري عوده على الأب لوجهين أحدهما: أن في فيه عود الضمير إلى مذكور في اللفظ، وأما إذا أعدناه على الميت وليس مذكورًا في اللفظ فإنما هو مفهوم من السياق، ولاشك أن المذكور الملفوظ به أولى بعود الضمير من ذاك الذي يُفهم من السياق، وهذا أمر واضح.
(7/2)

الثاني: أنه لو عاد للميت لم يخرج به الجد أب الأم، وهذا غير وارث بالإجماع (وَالْجَدُّ لَهُ) للميت جد الميت دخل فيه ماذا؟ أبو الأم هذا قد يسمى جدًّا ولكنه ليس بوارث بالإجماع، فحينئذٍ وقعنا في إشكال، لو عاد للميت لم يخرج به الجد أبو الأم إلا أن يقال الجد أبو الأم ليس جدًّا حقيقةً، وحينئذٍ أل في الجدّ تكون للعهد، فيخرج به الجد من الأم فلا يرث، إذا قيل بأنه لا يسمى جدًّا حقيقةً فحينئذٍ إذا أطلق لفظ الجد هنا إنما ينصرف إلى الجد الذي يكون من جهة الأب، فلا يدخل فيه الجد من جهة الأم. إذًا (وَالْجَدُّ لَهُ) الضمير هنا يحتمل أن يكون عائدًا على الأب، ويحتمل أنه عائد على الميت، لو أعدناه على الميت حينئذٍ يرد إشكال وهو دخول الجد من جهة الأم، ويمكن إخراجه بماذا؟ بأن يُجعل أل في العهد هنا للجد الحقيقي والجد لأم لا يسمى جدًّا حقيقيًّا فحينئذٍ خرج، لكن هذا يحتاج إلى تنصيص. والرابع: (وَالْجَدُّ لَهُ) فأعاده هنا الشارح على الأب لما ذكرناه سابقًا وجعل اللام في له بمعنى مِنه (الجد له) يعني منه على حذف المضاف يعني من جهة، والجد من جهة الأب (وَالْجَدُّ لَهُ) أي من جهة الأب حينئذٍ خرج الجد من جهة الأم، يعني المنتهي للميت من جهة الأم، فيشمل حينئذٍ أباها وأبا أبيها من جهة الأم أباها وأبا أبيها هذان نوعان خرجا بقوله (لَهُ، وَإِنْ عَلا) والأب والجد له يعني للأب الذي من جهته خرج به الجد من جهة الأم (وَإِنْ عَلا) بمحض الذكور (عَلا) الضمير يعود على ماذا هنا؟ على الجد (وَإِنْ عَلا) الجد بمحض الذكور هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف يكثر عند الْفَرَضِيِّين بمحض الذكور، يعني المحض الشيء الخالص أي الذكور المحض، يعني الخُلّص يعني الخالصين من وجود أنثى بين ذكرين، كأب أبِ أبْ وأبيه، وهكذا، وخرج بذلك كل جد أَدْلَى بأنثى وإن علا بمحض الذكور خرج بذلك كل جد أدلى بأنثى أي من جهة الأب كأبي أمّ الأب، أبوان بينهما أنثى حينئذٍ لا يكون وارثًا لأنه أدلى بأنثى، وإن ورثت يعني سواء ورثت تلك الأنثى أم لا، (وإن ورثت) يعني سواء أدلى هذا الجد بأنثى وراثة أم لا مطلقًا، لماذا؟ لوجود العلة أو انتفاء الشرط وهو إن يكون بمحض الذكور، فإن لم يكن كذلك حينئذٍ انتقى الشرط وسواء كان الواسطة الأنثى بين هذا الجد الذي سقط بوجود الأنثى سواءٌ كانت هذه الأنثى وارثة أم لا، فالحكم واحد، فالأولى يعني التي ترث نحو أبي أم الأب فإن الأنثى التي أدلت بها ترث، أمّ الأب ترث أو لا؟ أمّ الأب ترث، وهنا أدلى بها أبو أم الأب، حينئذٍ أدلى بجدة وارثة.
والثانية التي لا ترث كما في أبي أم أبي أم الأب سلسلة، هذه أدلت بذات رحم لأنها من ذوات الأرحام، أو هو أدلى بذات رحم فإن الأنثى التي أدلى بها، لا ترث لكونها أدلت بذكر بلا أنثيين أبو أم أبي أم الأب كم هذا؟ أب أم أبي أم الأب نقول: أدلت بذكر بين أنثيين عندنا أنثيان هنا وذكرٌ بينهما، حينئذٍ يكون من ذوي الأرحام (وَإِنْ عَلا) إذًا عرفنا قوله (وَإِنْ عَلا) يعني بمحض الذكور والضمير يعود على الجدّ، حينئذٍ ذكر في هذا البيت أربعة: الابن، وابن الابن، والأب، والجدّ، هذه أربعة من عشرة.
(7/3)

وَالأَخُ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَا ... قَدْ أَنْزَلَ اللهُ بِهِ الْقُرْآنَا

الخامس: الأخ، والأخ معلوم أخو أصله حذفت اللام اعتباطًا وهو خبر لمبتدأ محذوف، ولا يصح أن يجعل الأخ هنا مبتدأ وجملة (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ بِهِ الْقُرْآنَا) خبرًا لأنه تحصيل حاصل، لأن هذه المذكورات كلها من الأمور المجمع عليها والمنصوص عليها في القرآن، حينئذٍ إذا جعل خبرًا عنه عن الأخ صار من تحصيل حاصل، وإنما يجعل خبر لمبتدأ محذوف (وَالأَخُ) يعني والخامس الأخ (مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَا) الألف هذه للإطلاق، وقوله: (مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَا) هذا فيه تعميم فيه إطلاق لمعنى الأخ لأن الأخ يصدق على ماذا؟
على ثلاثة أنواع:
- أخ من جهة الأب فقط.
- أخ من جهة الأم فقط وهو الأخ لأم.
- الأخ من جهتين.
هذه ثلاثة أنواع ويسمى الأخ الشقيق. إذًا يشمل هذا اللفظ الأخ، الأخ لأب، والأخ لأم، والأخ الشقيق. إذًا ثلاثة تحت شخص واحد ولذلك قيل هذا لفظ الكلي (أَسْمَاؤُهُمْ مَعْرُوْفَةٌ مُشْتَهِرَةْ) أي: أسماء كلية، يُطلق ويدخل تحت بعضها أفراد (وَالأَخُ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ) جمع جهة وهي الجانب والناحية، ويقال: فعلت كذا على جهة كذا على نحوه وقصده (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ بِهِ الْقُرْآنَا) القرآنا النص والألف هذه للإطلاق (قَدْ) للتحقيق والجملة هنا ساقها مساق التعليل، يعني لماذا وُرّث؟ لأن الله تعالى قد أنزل فيه القرآن، به الباء هنا بمعنى في، أو تكون الباء للملابسة، و (الْقُرْآنَا) هذا مفعول به، والألف هذه للإطلاق.
إذًا الخامس الأخو على جهة التعميم، وأما إذا جيء على جهة التفصيل فيعد هنا هذا البيت بثلاثة، أخ لأب، وأخ لأم، وأخ شقيق، وسمي شقيقًا لمشاركته في شقي النسب فكأنه انشقا من شيء واحد. قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} [النساء: 12]. هذه أجمع أهل العمل على أن المراد بها الإخوة أو الأخ لأم بالإجماع جمعًا بينها وبين الآية الأخرى وهي قوله: {وَهُوَ يَرِثُهَا} [النساء: 176]. {وَهُوَ} أي الأخ لأبوين أو لأب، الأخ لأبوين الشقيق أو الأب لأنهم أجمعوا على أن هذه الآية فيهما، إذًا سيأتي تفصيل هذا في ذكر الآيات أن الأخ المراد في الآية الأولى {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} أخٌ يعني لأم ولذلك قُرِئ به في الشاذ، وأما الأخوين أو الأخ للأبوين أو الشقيق والأخ لأب فدل عله قوله: {وَهُوَ يَرِثُهَا}. هو الضمير يعود على الأخ لأبوين أو لأب، وهذا محل إجماع. إذًا (وَالأَخُ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَا) أي الوارث الخامس الأخ مطلقًا (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ) قد للتحقيق وساقة مساق التعليل (قَدْ أَنْزَلَ اللهُ بِهِ الْقُرْآنَا) فإن القرآن نزل بتوريثه مطلقًا وإن اختلف القدر الموروث باختلاف جهاتهم، يعني ليسوا على جهة واحدة من حيث الإرث، وإنما جاء القرآن بتوريثهم ثم ما مقدار توريثهم؟ هذا يختلف من محل إلى محل آخر.
وَابْنُ الأَخِ الْمُدْلِيْ إِلَيْهِ بِالأَبِ ... فَاسْمَعْ مَقَالاً لَيْسَ بِالْمُكَذَّبِ
(7/4)

(وَابْنُ الأَخِ) عرفنا الأخ وارث، وابنهُ [إذا أضمر في مقام أو] (1) أظهر في مقام الإضمار لأنه قال والأخ وابنهُ أي ابن الأخ ولكنه قيده هنا قال ... (الْمُدْلِيْ إِلَيْهِ بِالأَبِ) احترازًا من ابن الأخ لأم فإنه من ذوي الأرحام، وأما ابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب فهو من الورثة، وإن كان لا يرث بالفرض وإنما يرث بالتعصيب كما سيأتي.
إذًا السادس: (وَابْنُ الأَخِ الْمُدْلِيْ) وهذه صفة لابن أو للأخ؟ للأخ لأنه أراد الاحتراز من الأخ لأم، ابنهُ ليس بوارث، احترز به بقوله (الْمُدْلِيْ إِلَيْهِ بِالأَبِ) إليه الضمير يعود إلى الميت المعلوم من المقام، (وَابْنُ الأَخِ الْمُدْلِيْ) أدْلَ الدلوَ وبها أرسلها في البشر ليملأها، وفلان يعني أدلى بحجته أحضرها واحتج بها، وفلان برحمه توسل بها وتشفَّع. إذًا الْمُدْلِي هذا اسم فاعل من أدلى يُدلي فهو مُدلي، وأثبت الياء لوجود أل هنا أي المنتسب، إليه فهو مجرور متعلق بقوله المدلي لأنه اسم فاعل، بالأب هذا كذلك تعلق بقوله (الْمُدْلِيْ)، (بالأب) وحده وهو ابن الأخ للأب، أو مع الإدلاء بالأم أيضًا يعني من الجهتين، وهو ابن الأخ من الأبوين، يعني ابن الأخ الشقيق، وخرج بذلك المدلي بالأم وحدها وهو ابن الأخ من الأم فليس من الورثة وإنما هو من ذوي الأرحام، (وَابْنُ الأَخِ الْمُدْلِيْ إِلَيْهِ بِالأَبِ) إذًا ابن الأخ هذا صار اسمًا كليًّا لأنه دخل تحته اثنان، وهذا المراد بقوله (أَسْمَاؤُهُمْ مَعْرُوْفَةٌ مُشْتَهِرَةْ) أي من حيث كونها كليات، ولذلك قال هناك (الاِبْنُ وَابْنُ الاِبْنِ مَهْمَا نَزَلا) ابن الابن يدخل تحته ما لا ينحصر لأنه (مَهْمَا نَزَلا) يعني وإن (نَزَلا) إلى مائة يعني قد ينطوي تحت هذا اللقب ما لا ينحصر من الأفراد، ولذلك صار كليًّا، (فَاسْمَعْ) إذا عرفت ما ذكرته لك (فَاسْمَعْ) الفاء هذه الفصيحة (فَاسْمَعْ) سماع تدبر وتفهم وإذعان، (فَاسْمَعْ) سماع تدبر وهو تأمل للمعاني وتفهم إدراك للمعاني، وإذعان ورضً قلبي بها، يعني ليكن قلبك حاضرًا مع السماع {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37] يعني شهيد بقلبه، وأما السمع المجرد الذي لا يكون معه تدبر للمعاني حتى في العلم ليس في القرآن فحسب هذا فائدة قليلة، ... (فَاسْمَعْ مَقَالاً) هذا مصدر ميمي أي قولاً صادقًا (لَيْسَ) هذا المقال ... (بِالْمُكَذَّبِ)، (لَيْسَ بِالْمُكَذَّبِ) لماذا؟ لأنه مجمع عليه (لَيْسَ بِالْمُكَذَّبِ) يعني لا يدخله الكذب لا من حيث ذاته وإنما من حيث ما يعرض له، لأن القرآن مثلاً قلنا: خبر: وهو يحتل الصدقة والكذب لذاته، أما من حيث نسبته إلى الله عز وجل لا يحتمل إلا الصدق. كذلك الإجماع لا يحتمل إلا الصدق، كذلك الخبر المتواتر لا يحتمل إلا الصدق، (فَاسْمَعْ مَقَالاً لَيْسَ بِالْمُكَذَّبِ) لأنه مجمع عليهم، وأما قول الشارح لوروده في القرآن العظيم هذا فيه نظر لأن توريث ابن الأخ لم يرد في القرآن كما جاء في السنة «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رحلٍ ذكرٍ». هذا نص في توريث ابن الأخ.
__________
(1) سبق.
(7/5)

(وَالْعَمُّ وَابْنُ الْعَمِّ مِنْ أَبِيْهِ) والعم عمُّ من؟ عم الميت، هنا إذا أطلق حينئذٍ النسب ينصرف إلى الميت لأننا مع الأموات، نورّث من؟ نورث الأحياء لتركة الأموات، فالأصل وجود الميت كل من ذُكِرَ من الأقارب فالأصل أن يكون منسوبًا إلى الميت سواء نص عليه أم لا، ولذلك قالوا هنا في باب الفرائض: إذا أطلقت النسبة عمّ خال .. إلى آخره فهي إلى الميت، فإن أريد غيره صُرِّحَ به، هذا اصطلاح عُرفي عند الفرضيين إذا أطلقوا النسبة يعني كما قال هنا: العمّ، ما قال للميت، عم الميت، وإنما أطلق قال: العمّ وابن العمّ، ابن عم من؟ ابن عم الميت، إذًا أطلق النسبة وحينئذٍ لا تنصرف إلا إلى الميت، فإذا أريد غيره حينئذٍ لا بد من التصريح بذلك لأنه مخالف لما وُضِعَ عليه الفن من أصله. (وَالْعَمُّ) أي السابع للحديث السابق «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». التعصيب إنما يكون ماذا؟ يكون دليله هذا النص، كل من ورث بالتعصيب فهذا نصه، وأما العم فلا يرث بالفرض، وابن العم لا يرث بالفرض، وابن الأخ الشقيق الأخ لأب لا يرثان بالفرض، وإنما ورثهم بالتعصيب، ولم يرد في القرآن نص في ذلك، بل جاءت إشارة {يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11] هذا مع أصحاب الفروض، وأما التعصيب الخالص الذي لا يرث إلا بالتعصيب فهذا الظاهر لم يرد في القرآن، (وَالْعَمُّ) إذًا هذا السابع (وَابْنُ الْعَمِّ) وضع الظاهر وضع المضمر للوزن، وابنه يعني ابن العم قال: (مِنْ أَبِيْهِ) يعني من أبي الميت، الضمير يعود على الميت وهو معلوم من المقال من السياق (مِنْ أَبِيْهِ) وهذا راجع لهما معًا، والعم من أبيه، وابن العم من أبيه وحده أو مع أمه، لأن الأعمام ثلاثة:
- عم لأم.
- عم لأب.
- عم شقيق.
والذي يرث معنا هنا العم من الأب، سواءً كان من الأب وحده وهو العم لأبيه من أبيه أو من الجهتين وهو العم الشقيق، وأما الذي يكون من جهة أمه فهذا لا يكون من الورثة، يعني هنا، وإنما يرث من جهة كونه من ذوي الأرحام، (مِنْ أَبِيْهِ) أي الميت والمراد عم الميت أخو أبيه وهو شقيقه، وعمه أخو أبيه لأبيه، وابناهما، وخرج بذلك العم للأم وبنوهُ. إذًا قوله: (وَالْعَمُّ) من أبيه يشمل العم لأب والعم الشقيق وأما العم لأم فهذا من ذوي الأرحام لا من الورثة هنا، (وَابْنُ الْعَمِّ) كذلك يشمل ابن العم لأبيه وابن العم الشقيق، وأما ابن العم لأم فهذا لا يكون من الورثة، ولذا قال (مِنْ أَبِيْهِ) فهو قيد فيهما، وأخره لذلك، يعني لم يقل والعم من أبيه وابن العم لأنه لو أراد ذلك لو فعل ذلك لاحتاج إلى قيد أن يكرره مرة أخرى، وإنما جَمَعَ أولاً ثم قيَّد والقيد راجع لهما، إذًا والعم هذا السابع.
والثامن (وَابْنُ الْعَمِّ مِنْ أَبِيْهِ) أي أبي الميت.
(7/6)

(فَاشْكُرْ) الفاء للتفريع (فَاشْكُرْ) يعني تشكر من؟ قال (لِذِي الإِيجَازِ) أي لصاحب الإيجاز، من هو صاحب الإيجاز؟ هو المصنف نفسه، يعني أوجزت لك إيجازًا، ونبهتك تنبيهًا قد لا تجده في غير هذا الموضع بعبارة واضحة بينة فيحتاج حينئذٍ إلى الشكر، ويكون الشكر بالدعاء وبالذكر الجميل رحمه الله تعالى رحمه واسعة (لِذِي) يعني لصاحب، فذي هنا بمعنى صاحب.
من ذاك ذو إن صحبةً أبانا
(لِذِي الإِيجَازِ) ذي مضاف، الإيجاز مضاف إليه، وهو مصدر أوجز يوجز إيجازًا إيوجازًا، أوجز والمراد بالإيجاز الاختصار، (لِذِي الإِيجَازِ وَالتَّنْبِيْهِ) معطوف على قوله الإيجاز، يعني صاحب التنبيه والإيقاف فإنه ينبهك على هؤلاء الورثة بعبارة مختصرة واضحة بينة. إذًا ذكر في هذا البيت اثنين من حيث الجملة وأربعة من حيث التفصيل.
(وَالزَّوْجُ وَالْمُعْتِقُ ذُو الْوَلاَءِ) ذكر في هذا البيت اثنين: زوج وهذا مجمع عليه وهو التاسع الزوج معلوم وأجمع عليه أهل العلم وجاء النص فيه {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12] يعني زوجاتكم، ولكم أنتم هذا خطاب للزوج {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} أي زوجاتكم، والزوج.
والعاشر والأخير (الْمُعْتِقُ) عرفنا ما المراد بالْمُعْتِق «إنما الولاء لمن أعتق». (ذُو الْوَلاَءِ) أي صاحب الولاء (وَالْمُعْتِقُ ذُو الْوَلاَءِ) فرق بينهما، الْمُعْتِق في الأصل هو الذي باشر الْعتق السيد، ذو الولاء هذا ليس مختصًا بالمباشر، وإنما يكون من باشر ولعصبته المتعصبون بأنفسهم، ولذلك لَمَّا كان اللفظ موهمًا. قال (الْمُعْتِقُ) بأن يكون الوارث هو المعتق نفسه السيد، أما عصبته المتعصبون بأنفسهم لا يرثون حينئذٍ رفع هذا الوهم بقوله: (ذُو الْوَلاَءِ). يعني: صاحب الولاء، إذًا صاحب الولاء أعمّ من قوله (الْمُعْتِقُ)، وعليه يكون قوله: (الْمُعْتِقُ) ليس قيدًا، وإنما ذكره ابتداءً ثم وصفه بما ذكره بعده، إذًا (الْمُعْتِقُ) هذا هو العاشر، ولما كان المراد به المعتق حقيقةً وعصبته حكمًا، وصفه بقوله: (ذُو الْوَلاَءِ) يعني صاحب الولاء، من المعتق نفسه وهو الذي باشر وهو السيد، وعصبته المتعصبين بأنفسهم، فحينئذٍ قوله: (الْمُعْتِقُ) في النظم هذا ليس قيدًا، وقوله: (ذُو الْوَلاَءِ) دفع به ما يتوهم من أنه قاصر على من باشر العتق، وليس الأمر كذلك.
(7/7)

(فَجُمْلَةُ الذُّكُوْرِ هَؤُلاَءِ) الفاء هذه إما فصيحة، وإما عاطفة، يحتمل هذا ويحتمل ذاك، (فَجُمْلَةُ الذُّكُوْرِ) قالوا: جمل الشيء جملاً جمعه عن تفرّقٍ، ومثله أجمل الشيء، يعني يكون جَمَلَ وأَجْمَلَ مثل كَرُمَ وأَكْرَمَ، والجملة جماعة الشيء ويقال: أخذ الشيء جملةً وباعه جملة، يعني متجمعًا لا متفرقًا، كذلك الناس يقولون: بيع بالجملة، يعني مجتمع لا متفرق، ... (فَجُمْلَةُ الذُّكُوْرِ) الذكور هذا التخصيص لما سبق كما ذكرناه (بَابٌ: الْوَارِثُوْنَ مِنَ الرِّجَال) ما المراد بالرجل؟ البالغ؟ لا، وإنما المراد به الذكر، وهذا يعتبر تخصيصًا أو تقييدًا لِمَا سبق، فهو إيضاح. (فَجُمْلَةُ الذُّكُوْرِ هَؤُلاَءِ) المذكورين في كلامه هؤلاء المشار إليهم من قوله: (اَلاِبْنُ وَابْنُ الاِبْنِ) إلى قوله: (وَالْمُعْتِقُ ذُو الْوَلاَءِ) هذا المشار إليه بقوله: (هَؤُلاَءِ). أي: المذكورين في كلامه. وهم على سبيل الاختصار عشرة بمعنى أن بعضهم يندرج في بعض كقولك الأخ يندرج فيه ثلاثة، العم يندرج فيه اثنان، ابن العم يندرج تحته اثنان، وهي على سبيل للاختصار عشرة:
اثنان من أسفل النسب وهما الابن وابنهُ، واثنان من أعلى النسب الأب وأبوه جده، كم هذا؟ أربعة، وأربعة من الحواشي الأخ وابنه والعم وابنهُ على جهة الإجمال، واثنان أجنبيان وهما الزوج والمعتق. هذا حصر جيّد.
اثنان من أسفل النسب وهما الابن وابنهُ، واثنان من أعلى النسب وهما الأب وأبوه جده، أربعة، وأربعة من الحواشي الأخ وابنه، والعم وابنهُ أربعة وأربعة ثمان، واثنان أجنبيان هذه عشرة الزوج والمعتق.
إذا اجتمع كل الذكور كلهم اجتمعوا، هلك هالك واجتمع كل الذكور، ورث منهم ثلاثة: الابن والأبو والزوج. وتكون مسألتهم من ثنتي عشر، للأب السدس اثنان، وللزوج الربع ثلاثة، وللابن الباقي وهو سبعة. إذًا إذا اجتمع هؤلاء العشرة على جهة الإجمال ورث منهم ثلاثة: الابن والأب والزوج.
وأما بالبسط خمسة عشر بالبسط يعني دون اختصار بالتنصيص على كل فرد، يعني ترجع إلى ما ذكرناه سابقًا فتضيفه بدلاً من أن تقول الأخ وتسكت، تقول الأخ الشقيق والأخ لأب والأخ لامٌ، والعم لأبيه والعم الشقيق .. إلى آخره، تذكرها بالبسط فهي خمسة عشر: (الابن، وابنه وإن نزل، والأب، والجد أبوه وإن علا، والأخ الشقيق، والأخ للأب، والأخ للأم ذكر الإخوة على جهة التفصيل، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ للأب، وأسقط ابن الأخ لأم لأنه ليس بوارث، والعم الشقيق، والعم للأب، أما العم لأم فليس بوارث، وابن العم الشقيق، وابن العم للأب، والزوج، وذو الولاء، ومن عدا هؤلاء لا نقول بأنهم ليسوا بورثة وإنما فيهم خلاف، وهم ذوو الأرحام كل ما عدا هؤلاء فمن ذوي الأرحام، حينئذٍ هل يرثون أم لا؟ المسألة خلافية بين الأئمة، والحنابلة على توريثهم المذهب على توريثهم، كابن البنت، الابنُ، وابن الابن، إذًا ابن البنت ليس بوارث، وأبي الأم، وابن الأخ للأم، والعم للأم، وابنه، والخال ونحوهم هؤلاء كلهم من ذوي الأرحام، قد يرثون ولكن على تفصيل يأتي في محله.
ثم قال:
(7/8)

(وَالْوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ سَبْعُ) لما أنهى الكلام عن الذكور المجمع على إرثهم شرع بذكر النساء المجمع على إرثهن، وسواء قلنا: التبويب مذكور أو لا، باب الوارثين من الرجال أي ومن النساء، وبعضهم يرى أنه ثم ترجمة زائدة، (وَالْوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ سَبْعُ) على جهة الإجمال والاختصار، فالقول هنا كالقول هناك، إما أن يعد نقول: الوارثات نوعان أولاً:
- نوع مجمع على توريثهن.
- ونوع مختلف في توريثهن.
المجمع هو الذي ذكره المصنف إجمالاً هنا سبعة، والبسط وعدم الاختصار يصلن إلى العشرة، (وَالْوَارِثَاتُ) هذا مبتدأ، وقوله (سَبْعُ) خبر المبتدأ، (وَالْوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ)، (مِنَ النِّسَاءِ) هذا بيان للوارثات وليس بيان للاحتراز لأن الوارثات جمع مؤنث سالم فينصرف إلى النساء، هذا الأصل (وَالْوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ)، (مِنَ النِّسَاءِ) النساء اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمراد سبعٌ إجماعًا بالاختصار (لَمْ يُعْطِ أُنْثَى غَيْرَهُنَّ الشَّرْعُ) لم يعط الشرع أنثى غيرهن، لم يُعط الشرع هذا فاعل وأنثى مفعول به، وغيرهن صفة أو حال صفة لأنثى أو حال، (لَمْ يُعْطِ) يعط هذا مبني للفاعل، والشرع أي ذو الشرع على خذف المضاف، وهو على تقدير مضاف، أو أن الشرع بمعنى الشارع، الشرع يعني مصدر بمعنى اسم الفاعل، و (أُنْثَى) الأنثى خلاف الذكر من كل شيء جمعه إناث فهو معلوم، و (غَيْرَهُنَّ) صفة لأنثى أو حال منها حال من أثنى، وأنثى صاحب الحال هل يصح مجيء الحال من النكرة أنثى نكرة؟ نعم، هنا لكونه وضع في سياق النفي فحينئذٍ يعم لأن النكرة في سياق النفي تعم، وإذا عمت النكرة حينئذٍ صح مجيء الحال منها. إذًا سوّغ مجيء صاحب الحال هنا كونه نكرة في سياق النفي. قوله: (لَمْ يُعْطِ أُنْثَى غَيْرَهُنَّ الشَّرْعُ) قال الشارح: أي عطاءً مجمعًا عليه، لأن ثم عطاءً مختلفٌ فيه، هناك عطاء مختلفٌ فيه وهو النساء إذا كن من ذوات الأرحام، القول هنا كالقول هناك سواء كان ذو الأرحام ذكورًا أو إناثًا الخلاف واحد، من ورّث الذكور ورّث الإناث والعكس بالعكس، وليس بينهم فصل. إذًا قوله: (لَمْ يُعْطِ) يعني عطاءً مجمعًا عليه لا عطاءً مختلفًا فيه، فإن الشرع أعطى ذوات الأرحام، وهذا التقرير على المذهب كما ذكرنا سابقًا نحاول أن نجعل المتن حنبليًا، إذًا (لَمْ يُعْطِ) نُقَيِّدْهُ عطاءً مجمعًا عليه، وأما العطاء المختلف فيه فهذا لم يقصده المصنف هنا، وهو وارد عليه لكنه يعتذر له بأنه أراد أن يذكر المجمع الذي اتفق عليه أهل العلم، وأما المختلف فيه فهذا لم يتعرض له.
(بِنْتٌ) هذه الأولى الوارثات، (بِنْتٌ) بنت من؟ بنت الميت، هكذا إذا أطلق النسب النسبة انصرف إلى الميت لأن الموضوع هنا موضوع في التركات فلا بد أن يكون الحديث منصرفًا إلى الميت.
(7/9)

(بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ) هذه الثانية وكلاهما دل عليه قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11]. هذا نص دخل فيه البنت، بينت الميت وبنت الابن، ابن الميت، وحديث ابن مسعود الوارد في (بنت وبنت ابن وأخت) يعني أعطى كلاً من هؤلاء الثلاثة، إذًا ورّث البنت، وورث بنت الابن، فدل على أن ذلك وارد شرعًا وهو مجمع عليه. إذًا البنت بنت الميت ترث بالإجماع، وكذلك بنت الابن، بنت ابن وإن نزل أبوها بمحض الذكور، بنت ابن ابن ابن ابن .. إلى آخره بمحض الذكور، فإن وجد بينهما فاصل وهو أنثى حينئذٍ سقطت لا ترث، بنت ابن ابن بنت ابن وُجد أنثى بين ذكرين ما يصلح هذا، إذًا إن نزل أبوها بمحض الذكور احترازًا عن التي نزل أبوها لا بمحض الذكور كبنت ابن بنت الابن هذه لا ترث ليست من الوراثة.
الثالثة: أم، الأم {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} [النساء: 11] {أَبَوَاهُ} هذا يشمل الأب والأم، (وَأُمٌّ مُشْفِقَةْ) يعني لا بد أن تكون الأم التي ترث من ابنها (مُشْفِقَةْ) فإن لم تكن (مُشْفِقَةْ) فلا ترث، صحيح؟ لا بد أن تكون (مُشْفِقَةْ) تحن على ابنها، فإن لم تكن كذلك فلا ترث [إيش عندكم؟ صحيح؟] هو يقول: (مُشْفِقَةْ) ما هو من عندي (وَأُمٌّ مُشْفِقَةْ) إذًا الوصف هنا باعتبار الأصل يعني لبيان الحال والواقع والشأن، الأصل في الأم أنها (مُشْفِقَةْ)، إذًا (وَأُمٌّ مُشْفِقَةْ) ليس احترازًا عن أم ليست (مُشْفِقَةْ) وإن قال بعضهم: إنها للاحتراز على الأم القاتلة فإنها ليست (مُشْفِقَةْ)، الأم القاتلة ترث أو لا؟ لا ترث قام بها مانع، لكن هذا ليس مرادًا للناظم هنا، لأنه سبق هناك
وَيَمْنَعُ الشَّخْصَ مِنَ الْمِيْرَاثِ ... وَاحِدَةٌ مِنْ عِلَلٍ ثَلاَثِ
رِقٌّ وَقَتْلٌ ................ ... ...............................

إذًا القتل مانع، فكل من اتصف بالقتل خرج هناك فليس بداخل معنا، إذًا مشفقة ليس للاحتراز عن الأم القاتلة فإنها ليست مشفقة، لأنه تقدم في ذلك، وإنما ذكر مشفقة لبيان الشأن فترث الأم ولو كانت غير مشفقة، لأن الإرث ينصب على كونها أمًّا، وأمّا الأوصاف الأخرى هذه منفصلة منفكة، (وَأُمٌّ مُشْفِقَةْ) هذا الثالث لقوله تعالى {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} مشفقة من أشفق إذا خاف، مأخوذ من الشفقة على الشيء وخفت عليه والاسم منه الشفقة والأم من شأنها ذلك.
(وَزَوْجَةٌ) هذه الرابعة، زوجة بإثبات الهاء أو التاء، وهو الأولى هنا في الفرائض وإن كان الأفصح الترك، زوج زوجان هذا الأصل لي زوجٌ ذهبت
بزوجي ... إلى آخره هذا الأصل فيها، ولكن هنا من باب التمييز بين الزوج والزوجة لئلا تختلط الأمور فحينئذٍ استحسن اتصال التاء بالزوجة المرأة وهو الأولى في الفرائض للتمييز وإن كان الأفصح والأشهر تركها، كما في قوله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90]. ما قال زوجته قال: ... {زَوْجَهُ} أليس كذلك؟ زوجه مضاف ومضاف إليه أين التاء؟ ليس فيه تاء، {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} ولم يقل زوجته {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ} [الأعراف 19] ولم يقل زوجتك، فدل على أن الأفصح ترك التاء إلا في هذا المقام من باب التمييز بين الذكر والأنثى (وَزَوْجَةٌ) وهذا واضح.
(7/10)

(وَجَدَّةٌ) هذا الخامس، الخامسة جدة الميت، (وَجَدَّةٌ) الجدة منها ما هو متفق على توريثها، ومنها ما هو مختلف في توريثها، وعند الشافعية كل جدة ترث، كل جدة .. # 40.20، وعند الحنابلة فيه تفصيل.
الجدة إذا لم يكن بينها وبين الميت ذكر فهي من قبل الأم، هذا ضابط جيد، الجدة إذا لم يكن بينها وبين الميت ذكر فهي من قبل الأم فترث باتفاق، هذه الجدة لأم، وإن كان بينهما وبين الميت ذكر تفصيل، فإن كان هو الأب فهي جدة من قبل الأب فترث كذلك باتفاق، الجدة من جهة الأب ترث باتفاق، لأن الواسطة بينها وبين الميت الأب، وإذا كانت من قبل الأم فهي ترث باتفاق، وإن كان هو الجد ففيه خلاف هل ترث أو لا؟ والمذهب عندنا ترث، يعني أدلت الجدة بالجد كأم أبي الأب، هذه مختلف فيها، الحنابلة يرون أنها ترث، وعند المالكية لا ترث، وأما الجدة التي تدلي بذكر بين أنثيين ويعبر عنها بالجدة الْمُدْلِيَة بذكر غير وارث فهي من ذوي الأرحام باتفاق الأئمة الأربعة، هذه أربعة أنواع للجدات، ثنتان يرثن باتفاق، وهي الجدة من قبل الأم مباشرة، والتي من قبل الأب أن يكون فاصل بينها وبين الميت الأب فترث باتفاق في المسألتين، إن أدلت بالجد لا بالأب فيه نزاع المالكية لا ترث الحنابلة ترث، وكذلك الشافعية، وإن أدلت الجدة بذكر بين أنثيين وقع الفصل حينئذٍ لا ترث باتفاق.
بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ وَأُمٌّ مُشْفِقَةْ ... وَزَوْجَةٌ وَجَدَّةٌ .................

عرفنا المراد بالجدة، (وَمُعْتِقَهْ) المعتقة يعني الأنثى، السيد إذا كان ذكرًا فأعتقه عبده حينئذٍ صار معتقًا، وإذا كان الذي أعتق أنثى صارت معتقة، إذًا العتق قد يكون من جهة الذكر فيكون معتقًا، وقد يكون من جهة الأنثى فتكون معتقة، كل منهما يرث بالعتق، وأما في شأن الذكر فيرث هو المعتق، وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم، وأما المعتقة فليس فيه عصبة من جهة الإناث، وإنما هو من جهة الذكور ولذلك لم يقيده قال هناك: (الزَّوْجُ وَالْمُعْتِقُ ذُو الْوَلاَءِ) عمم فقلنا لم يرد ولم يقصد المعتق المباشر، هنا لا، المراد المباشر، لأنه ليس عندنا إناث يُعَصِّبْنَ بالولاء، وعندنا ذكور هناك يُعَصِّبُون بالولاء
وَلَيْسَ في النِّسَاءِ طُرَّاً عَصَبَهْ ... إِلاَّ الَّتِيْ مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ

كما سيأتي في باب التَّعْصِيب، إذًا قوله (ومعتقه ترث عتيقها، ولم يقل ذات الولاء [ومعتقه ذات الولاء] كما قال في: (وَالْمُعْتِقُ ذُو الْوَلاَءِ) للإشارة أنه لا عصبة للنساء في الولاء إلا المعتقة، لأن الإرث هنا ليس بالفرض، المعتق يرث بنوع التعصيب لا بالفرض، والمعتقة ترث بإرث التعصيب لا بالفرض.
(7/11)

ومعتقة إذًا المراد هنا المعتقة المباشرة، وليس عندنا ما ينوب عنها من الإناث لأنه لا يوجد ليس له وجود، ولذلك قال: والسادسة معتقة. قال: وكذا عصبتها المتعصبون بأنفسهم. وهذا كيف هذا يأتي، لا يأتي هنا، لأنه في مقام ذكر الوارثات من النساء، وأما عصبتها المتعصبون بأنفسهم هذا ليس واردًا هنا، لأن الناظم إنما يذكر الوارثات من النساء، إذًا: والسادسة المعتقة فقط. لأنه لا يوجد من يرث بالعتق بالولاء من الإناث، (وَلَيْسَ في النِّسَاءِ طُرًّا عَصَبَهْ)، (طُرًّا) يعني جميعًا.
وَلَيْسَ في النِّسَاءِ طُرَّاً عَصَبَهْ ... إِلاَّ الَّتِيْ مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ

كما سيأتي في محله.
(وَالأُخْتُ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَتْ)، (وَالأُخْتُ) هذا السابع والأخير، (وَالأُخْتُ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ) عرفنا جمع جهة أي نواحي، كانت أي هذه الأخت، وهذا فيه تعميم ليشمل الأخت من الأب، والأخت لأم، والأخت الشقيقة، فدخل ثلاثة أنواع تحت هذا الجنس. (فَهَذِهِ عِدَّتُهُنَّ) يعني تعداد الوارثات من النساء بانت في هذه وظهرت وانحصرت، قال: (وَالأُخْتُ مِنْ أَيِّ الْجِهَاتِ كَانَتْ) أي سواءٌ كانت شقيقة، أو لأب، أو الأم. (فَهَذِهِ عِدَّتُهُنَّ بَانَتْ) أي ظهرت بالاختصار، سبعة جنس بعضها يدخل تحتها أفراد، اثنتان من أعلى النسب، وهما: الأم، والجدة، واثنتان من أسفل النسب: وهما البنت، وبنت الابن. أربعة، وواحدة من الحاشية وهي الأخت مطلقًا، واثنتان أجنبيتان وهما: الزوجة، والمعتقة. فالزوجة أجنبية في الأصل يعني ليست من القرابة.
وإذا اجتمعت كل النساء ورث منهن خمسة: البنت، وبنت الابن، والأم، والزوجة، والأخت الشقيقة. وتكون مسألتهم من أربع وعشرين: للبنت النصف اثنا عشر، ولبنت الابن السدس أربعة، وللزوجة الثمن ثلاثة، وللأم السدس أربعة، والباقي واحد للأخت الشقيقة تعصيبًا الباقي تعصيبًا.
ثم قال رحمه الله: (بَابُ الْفُرُوْضِ الْمُقَدَّرَةِ) لَمَّا أنهى الكلام عن الورثة من الذكور والإناث شرع يُبَيّنُ ما يرث كل واحد منهم يعني هل يرث بالفرض أم يرث بالتعصيب لأننا نحتاج إلى بيان، من الذي يرث بالفرض؟ ثم نعرف كم فرضه؟ النصف الثمن .. إلى آخره، وما هي شروطه ... إلى آخره ما سيأتي. قال: (بَابُ الْفُرُوْضِ الْمُقَدَّرَةِ) أي هذا باب بيان الفروض المقدرة، هذا باب بيان على حذف المضاف الفروض المقدرة، نعت للفروض، وأعترض عليه بذكر المقدرة بعد الفرض، لأن الفرض لغة التقدير، كأنه قال باب المقدرة المقدرة، هذا فيه ركاكة، إذًا الفرض في اللغة التقدير فكأنه قال: باب المقدرة المقدرة، بالتكرار، وهذا في ركاكة. وأجيب بأنه المراد بالفروض الواجبة، وهو إما مقدرة أو لا، وإنما سميت الفروض مقدرة لأنها سهام لا تزيد ولا تنقص، هذا الربع لا يزيد ولا ينقص، هذا الثمن، النصف، الثلثان، الثلث .. إلى آخره، هذه كلها ليست من صنع البشر وإنما هو وضع إلهي فلا يزيد ولا ينقص، إلا بسبب العول أو الرد على القول به كما سيأتي في محله.
(7/12)

(بَابُ الْفُرُوْضِ الْمُقَدَّرَةِ) قال الشارح: أي المقدرة في كتاب الله، وهذا واضح بين، لكن إذا قيل بأنها المقدرة في كتاب الله حينئذٍ يرد عليه الثلث الذي ثبت بالاجتهاد، وهو ثلث الأم الباقي، فالثلث الباقي لها مرتب كما سيأتي، هذا ثبت بالاجتهاد حينئذٍ تصير سبعة لا ستة، لكن ما أراده المصنف هو ما ثبت في الكتاب، لماذا؟ لأنه قال: (فَالْفَرْضُ في نَصِّ الْكِتَابِ سِتَّةْ). إذًا المراد المقدرة هنا أين؟ في كتاب الله، حينئذٍ خرج ثلث الباقي الذي يكون للأم ومستحقيها سيذكر في هذا الباب من يستحق هذه الفروض، سواء في حق النصف، أو أربع، أو الثلث، أو الثلثين على ما سيأتي تقريره.
(الْفُرُوْضِ) جمع فرض، وهو في اللغة يقال لمعانٍ، يعني يطلق على معانٍ، أصلها يعني الكثير الغالب الحزُّ والقطع، كلها تدور هذه المعاني على هذا المعنى، الحزّ والقطع. الْحَزّ بفتح الحاء هو ابتداء القطع التدريجي، يعني أول ما يضع السكين مثلاً ويتدرج في القطع هذا يُسَمَّى حَزًّا. وقوله: القطع: أي ولو دفعة حينئذٍ يكون بينهما عموم وخصوص وجهي، القطع دفعة مرة واحدة، وأما الْحَزُّ فهو أول القطع إذا كان تدريجيًا، وأما في الاصطلاح وسبق أنه يطلق على التقدير معاني عديدة، وسبق شيء منها في ((شرح الأصول)) أو ((الورقات)).
(7/13)

وفي الاصطلاح النصيب المقدر شرعًا لوارث خاص. هذا هو الفرض في اصطلاح الْفَرَضِيِّين، النصيب أي الحظ من الشيء، فخرج به التعصيب المستغرق، لأنه قال: يهلك هالك عن ابن أخ شقيق مثلاً، فيرث كل المال، هذا يسمى تعصيبًا مستغرقًا، وقد يكون معه ماذا؟ معه صاحب فرض، فحينئذٍ يرث صاحب الفرض بالفرض فيكون الباقي للمعصِّب. حينئذٍ يكون التعصيب هنا ليس مستغرقًا كالبنت الشقيقة مثلاً أخت الشقيقة مع ابن الأخ الشقيق لها النصف، والباقي يكون لابن الأخ الشقيق، هنا اجتمع تعصيب وفرض، هل التعصيب هنا مستغرق؟ الجواب: لا، أما لو لم يبق إلا ابن الأخ الشقيق حينئذٍ يرث كل المال. فحينئذٍ التعصيب يكون مستغرقًا ويكون غير مستغرق، يكون مستغرقًا إذا لم يكن أصحاب فرض ولم يكن معه معصب كذلك، وأما إذا كان غير مستغرق وذلك فيما إذا شاركه غيره إما صاحب فرض وإما صاحب تعصيب. إذًا النصيب المراد به الحظ من الشيء فخرج التعصيب المستغرق، لأنه ليس بنصيب، أخذ كل المال هذا ليس حظًّا من شيء أخذ كل المال، إذًا استغرق فلا يعبر عنه لأنه نصيب، النصيب المقدر نعته بالمقدر، خرج به التعصيب غير المستغرق لعدم تقديره، فنقول: النصف لكذا، ثم الباقي ولا ننظر كم بقي لفلان، أو الثمن للزوجة والباقي لكذا، أو السدس للجدة والباقي كذا، حينئذٍ الباقي هذا نقول: تعصيب ليس مستغرقًا لكنه غير معلوم في الأصل، فخرج به التعصيب غير المستغرق لعدم تقديره، وخرج به أيضًا قوله: المقدر خرج به نفقة القريب، لأن المدار فيها على قدر الكفاية، قد يُقَدَّر من جهة الشرع، يعني يقال: يجب عليه أن يكفل قريبه لكنه لم يقدر من جهة الشرع، الربع النصف .. إلى آخره، شرعًا: أي من جهة الشرع أي الشارع فخرج به الوصية فإنها مقدرة جُعْلاً يعني بجعل الموصي لا بأصل الشرع، لأن الوصية نصيب مقدر، إذا أوصى بما دون الثلث أو بالثلث مثلاً، نقول: هذا نصيب مقدر. حينئذٍ هل هو إرث أم وصية؟ نقول: ننظر إلى الواضع الذي جعل هذا الثلث هو الموصي لا من جهة الشرع، وأما الفرض الذي معنا فهو من جهة الشرع {وَلَكُمْ نِصْفُ} [النساء: 12]، {فَلَهُنَّ الثُّمُنُ} .. إلى آخره. إذًا شرعًا هذا قيد لا بد منه يعني من جهة الشرع أي الشارع، فخرج به الوصية فإنها مقدرة جعلاً لا شرعًا فهي بجعل الموصي لا بأصل الشرع، لوارث نصيب مقدر شرعًا، العشر في الزكاة نصيب مقدر شرعًا أليس كذلك، مقادير الزكاة هل هي أنصبة مقدرة شرعًا أم لا؟ نعم، دخلت أو لا؟ دخلت، نحتاج إلى إخراجها. فقلنا: لوارث، لإخراج الزكاة لأن المقادير ومقدرة شرعًا لكنها ليست لوارث، وإنما لمن اتصف بصفات جاء الشرع بها {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء} [التوبة: 60] .. إلى آخره. إذًا لوارثٍ، هذا قيد لا بد منه لإخراج مقادير الزكاة، فإنها مقدرة شرعًا لغير وارث، لوارث خاص، خاص هل يكون ثَمَّ وارث عام؟ نعم، عموم المسلمين، لكنه ليس بفرض على القول بأن بيت المال يرث، هلك هالك ولم يترك لا من يرثه بالفرض ولا بالتعصيب ولا بذوي الأرحام، حينئذٍ يرجع المال إلى بيت المال. إذًا ورثه، بيت المال ينصرف إلى مصالح المسلمين.
(7/14)

إذًا الوارث في الحقيقة هم عموم المسلمين لكنه ليس بفرض، لوارث خاص. قال بعضهم: لبيان الواقع. وقال بعضهم: للاحتراز عن عموم المسلمين. وبعضهم قال بأن عموم المسلمين خرج بما خرج به التعصيب، وهو قوله: النصيب المقدر، النصيب المقدر خرج به نوعا التعصيب المستغرق وغير المستغرق، خرج به كذلك عموم المسلمين، وزاد بعضهم في الحدّ الذي لا يزاد إلا بالرد، يعني لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول. وهذا من باب الإيضاح ليس فيه داخلاً في الحدّ، ولذلك قيل الأولى إسقاطه من التعريف، ونجيب بأنه بيان وتوضيح للفرض لا من تمام التعريف.
إذًا (بَابُ الْفُرُوْضِ الْمُقَدَّرَةِ) عرفنا المراد به، وهذا يقابله باب خاص سيأتي وهو باب العصيب، ولذلك بدأ بالتقسيم العام، ثم يذكر الفروض المقدرة شرعًا.
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ هُمَا ... فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ عَلَى مَا قُسِمَا
(7/15)

قَسّم لك الإرث إما بالمعنى المصدري أو بالمعنى الاسمي كلاهما يصحان إلا أن الأول لا بد من التقدير في قوله: (فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ) على ما ذهب إليه الشارح. (وَاعْلَمْ) هذه كلمة للتنبيه يعني يؤتى بها للتنبيه للاعتناء بما بعدها، (وَاعْلَمْ بِأَنَّ) والعم أيها الناظر بهذا الكتاب هكذا قدره الشارح، ومراده أن المخاطب غير معين وسبق معنا مرارًا، المخاطب هنا غير معين كما في قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا} [سبأ: 51]. ترى الخطاب خرج لواحد لكن في الأصل المراد به العموم، هنا كذلك واعلم أنت لست التي تقرأ وإنما كل ناظر في هذا الكتاب، (وَاعْلَمْ بِأَنَّ) عدّاه بالباء إما أن يقال بأنه ضمنَّ (اعلم) معنى اجزم كما ذكره البيجوري، فعداه بالباء، أو أنها زائدة للوزن، والظاهر أن (اعلم) من العلم ومادة العلم يتعدّى بنفسه وبحرف الجر هذا الظاهر، {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] ألم يعلم أن الله يرى يتعدَّى بنفسه ويتعدى بالباء، أليس كذلك؟ {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} ... [البقرة: 255] تعدّى بنفسه، فلا نحتاج أن نقول بأن للتضمين وغيره. (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ) الإرث بمعنى الموروث حق قابل للتجزي كما سبق ... (نَوْعَانِ) بأن الإرث نوعان، الإرث اسم أنّ ونوعان خبر أن، لأن الوارث إما له سهم مقدر شرعًا فإرثه بالفرض أولى من التعصيب، يعني لماذا انحصر في نوعين؟ نقول: لأن الوارث إما أن يكون له نصيب مقدر شرعًا أو لا، سبق أنه قد يرث ودلّ النص على بعض من سبق ذكره أنه يرث ولم يذكر له فرض، حينئذٍ إذا لم يذكر له فرض لا بد أنه يرث بنوع آخر وهو التعصيب. إذًا القسمة ثنائية لا ثالث لهما، إما له سهم مقدر شرعًا فإرثهُ بالفرض أولى فالتعصيب (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ)، (هُمَا ** فَرْضٌ)، (هُمَا) مبتدأ، (فَرْضٌ) وها عطف عليه خبر المبتدأ، (هُمَا ** فَرْضٌ) أي النوعان (فَرْضٌ) أي إرث به، هكذا قال الشارح، وهذا أوّل لأن قوله: إرث هذا مصدر بالمعنى المصدري لا ينقسم الإرث إلى فرض وتعصيب، لأن الفرض والتعصيب هذا في شأن الموروث، حق قابل للتجزي هو الذي نقول: ربعه ونصفه ..
(7/16)

إلى آخره، وأما الإرث نفسه هذا لا يتجزأ وإنما هو شيء واحد، إما أن يقال بأن الإرث على بابه وهو مصدر، حينئذٍ نقول فرض أي إرث به بالفرض إرث بالفرض، فرق بينهما، وإن جعلنا الإرث بمعنى الموروث فحينئذٍ نقول: الموروث إما بالفرض وإما بالتعصيب وهذا أجود، يعني قوله: بأن الإرث مصدر أراد به اسم المفعول (فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ) يعني إرث بالفرض على ما ذكره الشارح هنا يعني على التأويل، وتعصيب أي إرث به (عَلَى مَا قُسِمَا) على بمعنى الباء، و (مَا) هنا مصدرية، وقسما فعل ماضي مغير الصيغة، والألف هذه للإطلاق على الذي قسم (عَلَى مَا قُسِمَا) يعني بهذا التقسيم أي حال كون التقسيم الذي ذكرناه على التقسيم الذي ذكره الْفَرَضِيُّون، (فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ عَلَى مَا قُسِمَا) عند الفرضيين هذا مرادهم، يعني هذا التقسيم هو المشهور وهو المعتمد عند الفرضيين، ليس بتقسيم من جهة النظم نفسه ليس باجتهاد، ولذلك أي حال كون التقسيم الذي ذكرناه على التقسيم الذي ذكره الفرضيون، أو على التقسيم الذي اعتبره الشارع، (عَلَى مَا قُسِمَا) أي بهذا التقسيم أي حال كونه متلبسًا بهذا التقسيم، ومراده ظاهر العبارة ماذا؟ إما فرض وإما تعصيبٌ ولا يجمع بينهما (نَوْعَانِ هُمَا ** فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ) تقابلا، إذًا والتقابل دائمًا يكون بشيء كلي يقابل شيئًا كليًّا هذا الأصل فيه، لا يقابل بالتداخل إلا بقرينه لأنه خلاف الأصل. إذًا التعصيب فقط أو الفرض فقط. إذًا لا يمكن أن يجمع بين الفرض والتعصيب وليس هذا بالمراد، إذًا قوله: (عَلَى مَا قُسِمَا) أي بهذا التقسيم حال كونه متلبسًا بهذا التقسيم. هنا قال: (فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ) قدّم الفرض على التعصيب لكون الإرث به أقوى، يعني جرى خلاف بين الفرضيين أي النوعين أقوى من الآخر، والخلاف لا يبني عليه ثمرة، يعني سواء قيل: التعصيب وهو قول مقدم أو أقوى من الفرض، أو بالعكس، نقول: هذا الخلاف لا ثمرة له، وهنا قدمه قد يقال بأنه أراد أن الفرض مقدم على التعصيب يكون الإرث به أقوى بدليل أن صاحبه لا يسقط أبدًا، صاحب الفرض لا يسقط كما سيأتي بخلاف صاحب التعصيب، إذا استغرق أصحابه فروض التركة سقط ليس له شيء، للنص: «ألحقوا الفرائض بأهلها». يعني أصحابها فيأخذ صاحب النصف الثلث .. إلى آخره إن بقي شيء فلأولى رجل ذكر، إن لم يبق؟ فحينئذٍ ليس له شيء. إذًا ما كان ليس بساقط مطلقًا هذا أقوى مما يسقط بدليل أن صاحب لا يسقط وإن استغرقت أصحاب الفروض التركة بخلاف العاصب فإنه يسقط حينئذٍ، وعكس بعضهم فجعل الإرث بالتعصيب أقوى بدليل حيازة المال إذا انفرد.
(7/17)

إذا انفرد! والكلام فيما إذا اجتمعا متى تظهر القوة؟ هل إذا انفرد لوحده أم إذا اجتمع مع غيره؟ إذا اجتمع مع غيره، حينئذٍ يقع التعارض متى نقدم هذا على ذاك؟ الذي يقدم هو القوي، وأما إذا لم يكن أصحاب فروض ولم يوجد إلا ابن أخ شقيق فورث لا نقول: هذا أقوى من صاحب الفرض، لأنه ما وجد حتى نقول أقوى منه، وإنما القوة تكون إذا وُجد، واضح هذا؟ وعَكَسَ بعضهم فجعل الإرث بالتعصيب أقوى بدليل حيازة المال إذا انفرد وبكونه ذكرًا بخلاف أصحاب الفروض فإن غالبهم إناث، الله عز وجل الذي قَسّم الفروض حينئذٍ لا اعتراض، والظاهر أن الإرث بالفرض أقوى من التعصيب.
إذًا هما نوعان هما فرض وتعصيب، إذًا لا يفهم من كلامه أنه لا إرث إلا بالفرض فقط، أو بالتعصيب فقط، بل قد يجمع بينهما، ومراده أنه لا يخلو منهما، وليس المراد ما هو ظاهر العبارة من أن الإرث إما بالفرض فقط أو بالتعصيب فقط، ويكون بهما معًا، لأن جملة الوارثين السابقين من الرجال والنساء المجمع على إرثهم خمسة وعشرون، وينقسمون باعتبار الإرث إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: قسم يرث بالفرض فقط. وهم سبعة: الأم، وولداها، يعني الأخ لأم والأخت لأم، الأم وولداها، والزوجان: الزوج والزوجة، والجدتان: الجدة لأم والجدة لأب هؤلاء يرثون بالفرض فقط.
القسم الثاني: يرث بالتعصيب فقط، ولا يكون له نصيب من جهة الفروض المقدرة شرعًا، وهم اثنا عشر - من الخمسة وعشرين - الابن، وابن الابن وإن نزل والأخ الشقيق، والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق، وابن الأخ لأب وإن نزلا، والعم الشقيق، والعم لأب وإن عليا، وابن العم الشقيق، وابن العم لأب وإن نزلا، والمعتق، والمعتقة. هؤلاء عصبة لا يرثون إلا بالتعصيب، لو وُجد أصحاب الفروض واستغرقوا التركة هؤلاء كلهم ليس لهم شيء البتة.
الثالث: قسم يرث بالعصيب تارة، وبالفرض تارة، يعني يجمع بين النوعين ويجمعون بينهما تارة أخرى يعني في مسألة واحدة يرث بالفرض ويرث كذلك بالتعصيب، فيجمع بينهما في مسألة واحدة، وهما: الأب والجد. إذًا الأب والجد أصحاب الفروض وقد يجمعون كذلك التعصيب، يعني قد يحصل لهم في مسألة الجمع بين الفرض والتعصيب معًا، وقد يرث بالتعصيب فقط، وقد يرث بالفرض فقط، فلهم ثلاثة أحوال:
الأب قد يرث بالفرض فقط في مسألة.
وقد يرث بالتعصيب فقط في مسألة أخرى.
وقد يجمع بينهما يرث بالطرف والتعصيب وذلك فضل الله.
رابعًا القسم الرابع: قسم يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب تارة، ولا يجمعون بينهما، يعني إما هذا، وإما هذا، لكنه من أصحاب الطرفين، يعني يرث بالفرض له فرض مقدر في الشرع، وكذلك يرث بالتعصيب، يعني هو وارث وارث، إما بالفرض، وإما بالعصيب وهم أربعة:
البنت فأكثر يعني بنتان ثلاث أربع.
وبنت الابن فأكثر وإن نزل أبوها.
والأخت الشقيقة فأكثر أختان ثلاثة الأربعة.
والأخت لأب فأكثر.
(7/18)

هذه أربعة أقسام باعتبار الإرث، منهم من يرث بالفرض فقط، ومنهم من يرث بالتعصيب فقط، ومنهم من يرث بالفرض تارة، وبالتعصيب تارة، وقد يجمعون بينهما في بعض المسائل، وهما الأب والجد لقوتهما، وقسم الرابع يرث بالفرض تارة، يعني في مسألة، ويرث في مسألة أخرى بالتعصيب لا بالفرض، لكن لا يجمعون بينهما في مسألة واحدة.
إذًا قوله: (فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ). ليس على ظاهره، بل القسمة رباعية، وأما الوارث الكلام في الإرث السابق، وأما الوارث فثلاثة أنواع:
- ذو فرض
- وعاصب
- وذو رحم. على المذهب، ذو رحم هذا عندنا في المذهب.
فَالْفَرْضُ في نَصِّ الْكِتَابِ سِتَّةْ ... لا فَرْضَ في الإِرْثِ سِوَاهَا الْبَتَّةْ

(فَالْفَرْضُ) الفاء فاء الفصيحة، والفرض سبق بيان معناه، والمراد هنا الفروض ليس فرضًا واحدًا لأنه قال: ستة، (فَالْفَرْضُ) إذًا أل هذه تكون للجنس الصادقة بالمتعدد، كأنه قال: فالفروض، فأل هنا للجنس الصادق بالمتعدد، (فَالْفَرْضُ) أو الفروض المذكورة (في نَصِّ الْكِتَابِ)، في نصِّ هو الكتاب هذا أولى، في نصٍّ هو الكتاب (في نَصِّ الْكِتَابِ) المراد بالكتاب هنا القرآن لأنه الأصل في بيان المواريث، (في نَصِّ الْكِتَابِ) فأل هنا للعهد، والمراد به القرآن العزيز (سِتَّةْ) هذا خبر المبتدأ، والسابع ما ثبت بالاجتهاد فلا يرد على المصنف، لأنه خصص مراده بالفروض المقدرة في القرآن، حينئذٍ بقي عليه فرض سابع وهو ما ثبت بالاجتهاد، وهو ثلث الباقي، وهذا للأم في الغرّاوين وللجد في بعض أحواله كما سيأتي في محله. (لا فَرْضَ في الإِرْثِ) لا نافية للجنس يعني ليس ثَمَّ فرض أصلاً، (لا فَرْضَ) في بمعنى من (الإِرْثِ) الموروث سواهما (سِوَاهَا) يعني سوى الستة (الْبَتَّةْ) يعني قطعًا، والبت هو القطع، والبتة هذا مختلف فيها هل همزتها همزة قطع كما قيل لأن أل فيه جعل جزء من الكلمة، وقيل همزة وصل والتاء فيه للوحدة كأنه قال أجزم بذلك الجزم الواحد الذي لا تردد فيه، إذًا البتة المراد به القطع، فهذا ثَمَّ شيء مقطوع به:
فَالْفَرْضُ في نَصِّ الْكِتَابِ سِتَّةْ ... لا فَرْضَ في الإِرْثِ سِوَاهَا الْبَتَّةْ
نِصْفٌ وَرُبْعٌ ثُمَّ نِصْفُ الرُّبْعِ ... وَالثُّلْثُ وَالسُّدْسُ بِنَصِّ الشَّرْعِ
وَالثُّلُثَانِ وَهُمَا التَّمَامُ ... ...............................

هذه كم؟ هذه ستة، والفرضيون لهم طرق في عدها:
بعضها يسمى طريق الترقي.
والثانية تسمى طريقة التدلي.
والثالثة تسمى طريقة التوسط بينهما.
فلأولى: طريقة التدلي وهي أن يُذكر أو الكسر أعلى، ثم ينزل إلى ما تحته يعني يبدأ من الأعلى، تدلي من فوق إلى أسفل وهكذا، كان تقول: الثلثان لأنه أكبر مقدار الثلثا، والنصف يعني نصف الثلثان وهو الثلث، ونصف كلٍّ، ونصف نصفه.
أو تقول الثلثان ونصفهما وربعهما والنصف ونصف وربعه. والناظم عبارته قريبة من ذلك إلا أنه أخر الثلثين لضيق النظم لأنه قال: (وَالثُّلُثَانِ وَهُمَا التَّمَامُ).
الطريقة الثانية: طريقة الترقي يعني من الأصغر إلى الأعلى، أن تذكر أولاً الكسر الأدق ثم ما فوقه وهكذا، كأن تقول: الثمن والسدس وضعفهما، أو تقول: الثمن وضعفه، وضعفه ضعفه، والسُّدس وضعفه، وضعف صعفه.
(7/19)

والثالثة طريقة التوسط: وهي أن تذكر أولاً كسر الوسط ثم تنزل درجةً وتصعد درجةً، كأن تقول: الربع، والثلث، ونصف كلٍّ، وضِعْفُ كلٍّ. أو تقول: الربع، ونصفه، وضعفه، وثلثه، ونصفه، وضعفه. والمقصود من هذه الطرق واحد وهو التفنن في العبارة. إذًا تعدها كيفما شئت.
(نِصْفٌ) هذا الأول، وهو أكبر الفروض، وفيه أربع لغات تثليث نونه نِصف نَصف نُصف ثلاثة، والرابعة نَصِيف كرغيف، نصِيف، وزاد البيجوري نُصّ بضم النون وتشديد الصاد، ونُصّ هذه طيبة، وهناك ذكر في المختار: رُزّ. بعض الناس يظن أنها لحن لغة العامة، أرُز رُزّ، هذا ثابتة في اللغة صحيحة. إذًا النصف فيها أربع لغات هي المشهورة تثليث نونها، والرابعة نصيف، وبدأ به لكونه أكبر كسر مفرد، وذكر في القرآن في ثلاثة مواضع {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء: 11] {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12]، {وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176] في ثلاثة مواضع.
(نِصْفٌ وَرُبْعٌ) فيه ثلاثة لغات ضم الباء وتسكنها ربُع ربْع والراء الثالث رَبِيع فَعِيل، وذكر في القرآن في موضعين {فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} [النساء: 12]، {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: 12] يعني ذكر في موضعيْنِ.
(ثُمَّ نِصْفُ الرُّبْعِ) نصف الربع كم؟ (نِصْفٌ وَرُبْعٌ ثُمَّ نِصْفُ الرُّبْعِ)؟ الثُّمن، هذا لا بد أن يكون محفوظًا وإلا ما تمشي. إذًا (نِصْفُ الرُّبْعِ) هو الثُّمن، وفيه ثلاثة لغات ضم الميم وسكونها وثمين ثُمْن ثُمُن ثَمِين ثلاث لغات، وذكر في القرآن في موضع واحد {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ} ... [النساء: 12].
(وَالثُّلْثُ) هكذا في عبارة الناظم بإسكان اللام، وفيه لغتان ضم اللام وسكونها، وذكر في القرآن في موضعين {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} ... [النساء: 11]، {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12] (وَالثُّلْثُ وَالسُّدْسُ) فيه لغتان ضم الدال وسكونها، ضم الدال سُدُس وسُدْس فيه لغتان، وورد في القرآن في ثلاثة مواضع {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 11] {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] هذا في سياق واحد، {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} ... [النساء: 12]. إذًا ورد في ثلاثة مواضع، (وَالسُّدْسُ بِنَصِّ الشَّرْعِ) أي حال كون ذلك متلبسًا بنص الشارع عليه، يعني جاء في القرآن.
(7/20)

(وَالثُّلُثَانِ) مبتدأ (وَهُمَا التَّمَامُ) مبتدأ وخبر والجملة خبر المبتدأ الأول، والثلثان فيه لغتان ضم اللام وسكونها ثُلُثان ثُلْثان، وذكر في القرآن في موضعين {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11] {فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} وهما أي الثلثان ثنى الضمير نظرًا للفظ الثلثين (التَّمَامُ) أي المتممان لما سبق. (فَاحْفَظْ) الفاء فاء الفصيحة (فَاحْفَظْ فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ) فاحفظ أيها الناظر في هذا الكتاب ما ذكرته لك وما لم أذكره من هذا العلم وغيره، فإن حذف المعمول يؤذن بالعموم، كأنه أراد أن يجعل هذا النص عامًا في جميع الفنون، (فَاحْفَظْ) يا طالب العلم (فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ)، ما تحفظ لن تكون ولا مأموم (فَاحْفَظْ فَكُلُّ) الفاء هذه للتعليل (فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ) كأنه قال: لأن كل حافظ إمام. أي مقدم على غيره خصوصًا إذا انضم إلى حفظه فهم المحفوظ، يعني ليس المراد الحفظ المجرد لا يكون طالب العلم ببغاء يردد ما يذكره أهل العم فقط، لا، لابد أن تحفظ مع الفهم، وأما حفظ دون فهم فهذا نسخة زائدة في المجتمع، ولذلك قيل: فهم سطرين خير من حفظ وقرين، ومناظرة اثنين خير من هذين. يعني لا بد أن يجمع بين الحفظ والفهم والمناظرة وهي المدارسة والمذاكرة، بل ربما يُدّعى أن الحفظ بغير فهم لا عبرة به، بل هو كذلك، الشارح يقول: بل ربما يُدّعى أن الحفظ بغير فهم لا عبرة به، بل هو كذلك ليس له عبرة البتة، فينبغي تقييد العلم بالكتاب. إذًا ذكر في هذا الموضع هذا الباب الفروض الستة المقدرة في الشرع.
ثم بعد ذلك سيسرد أصحاب الفروض المقدرة، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.
(7/21)

عناصر الدرس
* أصحاب النصف وشروطهم.
* أصحاب الربع وشروطهم.
* أصحاب الثمن.
* أصحاب الثلثين وشروطهم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
عندما ذكر الناظم رحمه الله تعالى الوارثين من الرجال والوارثات من النساء، ثم ذكر وعنون بـ (الْفُرُوْضِ الْمُقَدَّرَةِ في كِتَابِ اللهِ تَعَالَى) في الكتاب وهي ستة وقسم أولاً الإرث إلى نوعين: فرض وتعصيب. ثم ذكر أن الفرض في نص الكتاب ستة يعني فيما جاء في القرآن، وهذا لا ينافي أن يكون ثمَّ فرضًا ومجتهدًا فيه وهو الثلث الباقي كما سيأتي. شرع في بيان من يرثُ هذه الفروض المقدرة يعني سيذكر لنا هذه الفروض النصف وما بعده، ويذكر أصحاب كلّ منها، فالنصف له أصحاب، وكذلك الربع له أصحاب، والعلم بهذه مرده إلى الكتاب والسنة، لذلك هي مجمعٌ عليها، ولذلك الفن كله في الجملة مجمعٌ عليه، والخلاف إنما هو يسير.
(بابٌ) أو (بَابُ) من يرث النِّصْف)، يعني بالنص والإجماع وهم خمسة، ولا خلاف بين الفقهاء في كون هذه الخمسة قد حصر فيهم النصف، وذكر النصف كما سبق في القرآن في ثلاثة مواضع وأصحابه (خَمْسَةٍ) بالنص والإجماع، والنصف فيه لغات كما سبق ذكره.
قال الناظم:
وَالنِّصْفُ فَرْضُ خَمْسَةٍ أَفْرَادِ ... الزَّوْجُ وَالأُنْثَى مِنَ الأَوْلاَدِ
وَبِنْتُ الابْنِ عِنْدَ فَقْدِ الْبِنْتِ ... وَالأُخْتُ في مَذْهَبِ كُلِّ مُفْتِيْ
وَبَعْدَهَا الأُخْتُ الَّتِيْ مِنَ الأَبِ ... عِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ عَنْ مُعَصِّبِ

(بِنْتُ الابْنِ)، ثمّ قال: (عِنْدَ فَقْدِ الْبِنْتِ)، و (الأُخْتُ في مَذْهَبِ كُلِّ مُفْتِيْ)، (وَبَعْدَهَا الأُخْتُ الَّتِيْ مِنَ الأَبِ) فهذه خمس الزوج، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب خمسة بالنص والإجماع.
(8/1)

(وَالنِّصْفُ) في بعض النسخ (فالنصف) وهو أولى لأنه لما ذكر الفروض المقدرة في نص الكتاب وأراد تبيينها كأنه قال إذا عرفت تلك الفروض المقدرة وأردت معرفة أصحاب هذه الفروض فالنصف، فالنصف حينئذٍ يكون الجملة جوابًا لشرط مقدر، وظاهر الشرح أنها بالفاء لا بالواو، لأنه إذا كانت بالواو حينئذٍ صارت استقلالاً استئنافًا كلامًا جديدًا، فالأولى أن تكون (فالنصف) حينئذٍ تكون الفاء فاء الفصيحة، ولذلك قبل التبويب قال: إذا عرفت ذلك وأردت معرفة أصحاب هذه الفروض فالنصف، هذا الذي يستقيم مع الشرح، وأما بالواو فهذه لا تدل على ما ذكره الشرح. ثم اعلم أن هذه النسخة التي هي مطبوعة كأنها محققة فيها سقط كبير، فقد راجعت بعضها مع الطبعة الحجرية التي عليها حاشية البيجوري ففيها سقط أيضًا بعضها مخل، إذًا (فالنصف) هذا مبتدأ (فَرْضُ خَمْسَةٍ أَفْرَادِ) هذا الأصل، ولكن بالتنوين للوزن هنا قال (خَمْسَةٍ أَفْرَادِ) ويصح أن يكون خمسةٍ التنوين هنا عوضًا عن المضاف، فيكون أفراد هذا صفة لخمسة. إذًا هو بالتنوين قطعًا للوزن، ولا يصح أن يضاف لما بعده، (فالنصف) هذا مبتدأ و (فَرْضُ خَمْسَةٍ أَفْرَادِ) فرض هذا خبر المبتدأ، وهو مضاف، وخمسةٍ بالتنوين مضاف إليه، ثم خمسة مضاف وأفراد مضاف إليه، إذا جعلناه التنوين هنا للضرورة، يعني كان مضاف ومضاف إليه ثم نوّن المضاف من أجل ضرورة الوزن، ويحتمل أنها (فَرْضُ خَمْسَةٍ) على أصله، فأفراد هذا نعت لـ (خَمْسَةٍ)، يجوز هذا ويجوز ذاك (فَرْضُ) هذا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي مفروض، (وَالنِّصْفُ فَرْضُ خَمْسَةٍ) يعني مفروض لخمسة، موصوفة بأنها أفراد، (أَفْرَادِ) جمع فرد، والفرد ضد الزوج يعني واحدًا، يعني يكون الزوج واحدًا، والأنثى البنت واحدة كذلك، وبنت الابن تكون واحدة، والأخت الشقيقة واحدة، والأخت لأب واحدة، يعني يشترط انفراد كل واحدة من هذه الأصناف الخمسة، حينئذٍ صار هذا الشرط للاحتراز في بعضها دون بعض، لأن الزوج لا يكون إلا منفردًا، فيكون هذا الشرط في حقه لبيان الواقع، الزوج لا يتعدد إنما هو واحد، وأما البنت، وبنت الابن، وكذلك الأخت الشقيقة، والأخت لأب هذه تتعدد، قد تكون بنت وبنتين فأكثر، والأخت الشقيقة قد تكون أخوات، أختين أو أخوات فأكثر .. إلى آخره.
إذًا أفراد هذه صفة لخمسة، وهو أفعال جمع فرد، وهو ما يقابل الزوج، (وَالنِّصْفُ فَرْضُ خَمْسَةٍ أَفْرَادِ) أي كل واحد منهم منفرد، من كل واحد منهم من هذه الخمسة التي سيأتي ذكرها يُشترط فيه أن يكون منفردًا، وهذا إذا كان كذلك والزوج لا يكون إلا منفردًا حينئذٍ يكون هذا شرط لبيان الواقع في شأن الزوج، وأما في شأن الأربعة الأصناف الأخرى فهو للاحتراز، يعني بنت واحدة احترز به عن البنتين فأكثر، وبنت الابن واحدة احترز به عن بنت الابن إذا كانت ابنتين فأكثر، كذلك الأخت الشقيقة، والأخت لأب، وهذا القيد بالنسبة للزوج لبيان الواقع لأنه لا يكون إلا منفردًا.
الأول قال: (الزَّوْجُ) هذا من أصحاب النصف، ولكن الناظم هنا أطلقه وإن كان لا يرث النصف إلا بشرط، يعني لا يستحق النصف إلا بشرط، وهذا قالوا: إنما هو مأخوذ من قوله:
(8/2)

وَالرُّبْعُ فَرْضُ الزَّوْجِ إِنْ كَانَ مَعَهْ ... مِنْ وَلَدِ الزَّوْجَةِ مَنْ قَدْ مَنَعَهْ

حينئذٍ أُخذ الشرط هنا مما سيأتي، وهذا خلاف المعتاد، المعتاد أن يذكر الشرط أولاً وما سيأتي يحال على ما ذكر سابقًا، أما ألا يذكر أولاً ويحال على ما سيأتي هذا خلاف ما عليه أهل التصنيف وخاصة المتون. (الزَّوْجُ) هذا خبر لمبتدأ محذوف أحدهم أو أولهم الزوج كما قدره الشارح هنا، وإذا جُرّ حينئذٍ يكون بدلاً من خمسة أو من أفراد، يجوز هذا ويجوز ذاك، الزوج والأنثى من الأولاد وتعطف عليه ما سيأتي بالخفض، يعني:
وَبِنْتُ الابْنِ عِنْدَ فَقْدِ الْبِنْتِ ... وَالأُخْتُ في مَذْهَبِ كُلِّ مُفْتِيْ

يكون بالجر إذا جررت الزوج لكن رفعه هو الظاهر.
(الزَّوْجُ) ويستحقه بشرط واحد وهو عدم الفرع الوارث، يعني بشرط عدمي لا بشرط وجودي، وقد سبق معنا أن الشرط قد يكون عدميًّا وقد يكون وجوديًّا، وجود تحققه أن تكون شيئًا معدومًا، والعكس بالعكس ألا يكون شيئًا موجودًا، الذي هو الشرط العدميّ، وهنا عدم الفرع الوارث يعني الذي يكون فرعًا للزوجة، سواء كان منه هو أو من غيره كأن يكون تزوجت مطلقة وعندها فرع وارث، حينئذٍ لا يرث النصف لوجود الفرع الوارث. إذًا يستحق الزوج النصف بشرط عدمي وهو شرط واحدٌ وهو عدم الفرع، يعني فرع الزوجة الوارث. قال بعضهم: يشترط في هذا الفرع الوارث أن يكون مجمعًا على إرثه، فإن لم يكن مجمعًا على إرثه بأن كان ثمّ اختلاف بين الفقهاء حينئذٍ لا يكون مانعًا للزوج من النصف، ولذلك قال الشرح هنا: بالإجماع عند عدم الفرع الوارث بالإجماع وهذا بالإجماع متعلق بقوله: الوارث، بمعنى أنه يشترط في هذا الفرع الوارث ألا يكون وارثًا بالإجماع، فإن كان ووجد وورث لكن بمعنى الاختلاف فلا يكون مانعًا للزوج عن النصف، والمراد بالفرع الوارث هنا المجمع على إرثه، فخرج غير الوارث كابن الرقيق أو قاتل أو نحو ذلك، لوجود الوصف المانع فهو محجوب بالوصف، وكذلك خرج أولاد البنات مطلقًا ومن قام به مانع من الأولاد وأولاد البنين للخلاف في هل هذا يرث أو لا؟
(8/3)

حينئذٍ إذا وجد فرع وارث واختلف الفقهاء في توريثه أم لا، حينئذٍ لا يكون مانعًا للزوج عن النصف. إذًا (الزَّوْجُ) يرث النصف بشرط واحد عند عدم الفرع الوارث وهذا بالإجماع، ذكرًا كان أو أنثى وإن نزلا بمحض الذكور، يعني ابن ابن ابن .. إلى آخره كما ذكرناه سابقًا، والدليل على ذلك قوله جل وعلا: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12]. {وَلَكُمْ} اللام للتمليك هنا، لكم نصف ما ترك أزواجكم لكم هذا يحتمل الخطاب أنه للزوج ولغيره، لكن لما قال: {أَزْوَاجُكُمْ} علمنا أن المخاطب هو الزوج بالمقابل لأنه مضمر هنا ضمير {وَلَكُمْ} من؟ الابن، الأخ .. إلى آخره الأب، الأم، نقول: المراد به هنا الزوج، لماذا؟ لمقابلته لأزواجكم {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} لكم أنتم إذًا أيها الأزواج لماذا؟ لأن الذي يقابل الأزواج معنى الزوجات هو الزوج {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} هنا، ... {وَلَكُمْ} يعني لكل زوج لأنه ليس المراد به الجمع كما ذكرناه من أن الزوج لا يتعدد وإنما هو شيء واحد، وإنما هنا قابل الجمع بالجمع {وَلَكُمْ} هذا جمع {أَزْوَاجُكُمْ} هذا جمع، أزواجكم هذا واضح لماذا؟ لأنه قد يتعدد الزوجات قد يتعددن تكون زوجة أو ثنتين أو ثلاث إلى أربع، وأما الزوج فلا، أي ولكل زوج نصف ما تركته زوجته فهو من مقابلة الجمع بالجمع حينئذٍ تقتضي القسمة على الآحاد، يعني لكل زوجٍ نصف ما ترك أزواجه، متى؟ إذا كنّ واحدة أو كن متعددات متى؟ قال: {إِنْ}. هذا إن الشرطية {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ} أي للزوجات الواحدة أو المتعددة {وَلَدٌ} ولفظ الولد يشمل الذكر والأنثى في لسان العرب: الولد يشمل الذكر والأنثى، وإن خصه بعض العرف بالذكر، لكن في لسان العرب الولد يشمل الذكر والأنثى. إذًا هذا نص واضح بَيِّن وأجمع أهل العلم على مدلوله وهو أن الزوج يرث النصف بشرط أن لا يكون ثم فرع وارث. قال الشارح هنا: وإنما لم يذكر اشترط عدم الفرع في إرث الزوج النصف للعلم به من مفهوم ما سيأتي في إرثه الربع، وهذا فيه إحالة على ما سيأتي وهو خلل، وسواء كان هذا الولد فرع الوارث منه أو من غيره، يعني لا يُشترط أن يكون هو أباه، بل قد يكون هذا الولد من غيره، وهذا يتصور فيما إذا تزوج مطلقةً وعندها ولد ثم ماتت، حينئذٍ يرثها ولكنه لا يرثها بالنصف لوجود الفرع الوارث ون لم يكن منه.
(8/4)

إذًا الخلاصة: يرث الزوج من زوجته النصف إن لم لها فرعٌ وراث، والفرع الوارث هم الأولاد وأولاد الأبناء وإن نزلوا، فأما أولاد البنات فهم فروع غير وارثين فلا يحجبون من يحجبه الفرع الوارث وهذا فيه خلاف، يعني ابن البنت يرث أو لا يرث؟ سبق أنه من ذوي الأرحام أليس كذلك؟ سبق معنا أنه من ذوي الأرحام، إذًا يرث أو لا يرث فيه خلاف لأن توريث ذوي الأرحام مختلف فيه، وإن كان المذهب عند الحنابلة أنهم يرثون، حينئذٍ لو وجد ابن بنت هل يكون مانعًا للزوج عن النصف، نقول: لا، لماذا؟ لأن هذا الفرع ليس وارثًا بالإجماع وإنما هو وارث مع الخلاف. إذًا الفرع الوارث هم الأولاد وأولاد الأبناء وإن نزلوا بمحض الذكور، فأما أولاد البنات فهم فروع غير وارثين فلا يحجبون من يحجبه الفرع الوارث. قال بعضهم تفضيلاً في هذا الموضع قال: الزوج يرث النصف بشرط واحد وهو عدم الفرع الوارث المجمع على إرثه بأن لم يكن هناك فرع أصلاً هذا واضح، إذا لم يكن ثم فرع أصلاً أو كان هناك فرع غير وارث، أو كان هناك فرع وارث مختلف في إرثه كولد البنت، فلا يحرم الزوج من النصف إلى الربع إلا الفرع الوارث المجمع على إرثه.
إذًا ليس كل فرع وارث يكون حاجبًا للزوج عن النصف إلى الربع، لأنه دائر بين أمرين إما نصف وإما ربع، متى يأخذ النصف؟ عند عدم وجود الفرع الوارث، إذا وُجد الفرع الوارث لا يلزم نقله مطلقًا إلى الربع، بل لابد من النظر في هذا الفرع هل هو مجمع على إرثه أم لا؟ حينئذٍ إذا كان مجمع على إرثه صح النقل من الفرض بالنصف إلى الفرض الربع وإلا فلا، والأنثى من الأولاد (وَالأُنْثَى) هذا الثاني ممر يرث النصف قال: (مِنَ الأَوْلاَدِ) هذا بيان الواقع، لماذا؟ لأن الأولاد كما ذكرنا يشمل الأنثى وغيرها، والمراد الأنثى هنا البنت لأن الذي يرث النصف أو من أصحاب النصف هو البنت. قال الشارح: الواحدة. هذا تأكيد فقط لأنه قال: أفرادِ فيؤكد حينئذٍ كلما جاء صنف من هذه الأصناف الخمسة بأنه واحد تحقيق للشرط وإلا ليس للاحتراز، قد انتقده البيجوري لكنه انتقاد في غير محله، فالأنثى الواحدة من الأولاد يعني وهي البنت، المراد بالأنثى هنا البنت، [يعني بنت الابن هذه البنت نعم] البنت هذه ترث النصف ولكن بشرطين، لا تستحقه إلا بشرطين، الناظم هنا جرى على ذكر بعض الشروط وترك بعضًا، وهذا على خلاف المشتهر عند الفرضيين لأن لا يذكر صنف إلا ويذكر معه شروطه، لكن نذكره تتميمًا للفائدة.
إذًا البنت ترث النصف ولكن بشرطين:
الأول: عدم المعصب لها هو أخوها، لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]. يعني: إن وُجد أخوها حينئذٍ عصبها، عصبها بماذا؟ بأن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، وأما إذا لم يوجد أخوها حينئذٍ ترث النصف، إذًا يشترط في إرث البنت النصف عدم المعصب لها، من هو المعصب؟ الابن، يعني ألا يكون ابن.
(8/5)

هلك هالك عن بنت حينئذٍ إذا وُجد ابن عن بنت وابن لا ترث النصف، لماذا؟ لوجود المعصب وهو أخوها، حينئذٍ دخل في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}. حينئذٍ يرث التوارث يكون بالتعصيب لا بالفرض، يكون للذكر وهو الابن مثل حظ الأنثيين، إذًا يشترط في توريث البنت النصف ألا يوجد المعصب لها وهو أخوها، لأنه إذًا وجد حينئذٍ انتقل إلى الإرث بالتعصيب، ولا يفهم من الاشتراط هنا دائمًا إبطال الفرض، لا، وإنما قد ينتقل إلى فرض آخر أو ينتقل من إرث بالفرض إلى إرث بالتعصيب، وقد يكون ثمَّ مانع وهو ما سيأتي في باب الحجب إن شاء الله تعالى.
الشرط الثاني: عدم المشارك لها وهو أختها، أختها بنت، إذًا واحدة احترازًا من البنتين إن كانتا بنتين انتقلا إلى فرض ثانٍ وهو الثلثان. إذًا الشرط الثاني فيما تستحقه البنت للنصف عدم المشرك لها وهو أختها لأنها حينئذٍ تنتقل من النصف إلى المشاركة في الثلثين، لقوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} [النساء: 11]. يعني اثنتين وزيادة {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} [النساء: 11]، إذًا قوله: (وَالأُنْثَى مِنَ الأَوْلاَدِ). ليس على إطلاقه إنما هو عند انفراد المعصب، سيذكر هو في آخر الأبيات (عِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ عَنْ مُعَصِّبِ) وهذا عام فيما ذكره من الإناث، ولكن يذكر في هذا الموضع ويزاد الذي ذكرناه وهو عدم المشاركة.
قال هنا: (وَالأُنْثَى) أي الواحدة (مِنَ الأَوْلاَدِ) وهي البنت عند انفرادها عن معصبها، والمعصب هنا هو أخوها، فترث بالفرض بخلاف ما لو كانت مع معصبها فإنه يكون للذكر مثل حظ الأنثيين. وهذا دل عليه قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء: 11]. وإن كانت متروكة واحدة فلها النصف، مفهومه إن كانت أكثر من واحدة اثنتين حينئذٍ ليس لها النصف، وإنما تنتقل على الفرض الآخر وهذا يستدل به على رد مذهب ابن عباس إن صح عنه. ثم قال: (وَبِنْتُ الابْنِ). هذا الصنف الثالث الذي يرث النصف، (وَبِنْتُ الابْنِ) يعني الواحدة لأنه قال: (أفراد). إذًا بنت الابن يشترط في كونها وارثة للنصف أن تكون واحدة منفردة فإن شاركتها أختها، حينئذٍ صار الحكم مختلفًا (وَبِنْتُ الابْنِ) الواحدة وإن نزل أبوها بمحض الذكور نزل أبوها كيف؟ بنت ابن ابن ابن ابن ابن الابن مهما نزل بشرط ألا يكون في السلسلة أنثى لا بد أن يكون بمحض الذكور، يعني ذكور خُلّص ألا يكون بين ذكر وذكر أنثى، لأنه حينئذٍ ينتقل إلى الأرحام، وترث بنت الابن النصف وتستحقه بثلاثة شروط:
(8/6)

الأول: عدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منها، بنت الابن إذا وُجد أبوها حجبها، عدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منها، حينئذٍ إذا كانت هي بنت ابن ابن الابن، وعندنا بنت ابن فحينئذٍ الثانية لا ترث مع الأولى، لماذا؟ لوجود فرع وارث أعلى منها، سيأتي تمييز الدرجات في باب التعصيب، لأنه قد يشتركان في نسب ولكن أحدهما يكون أعلى درجة من الأخرى، فلا شك أن ابن الابن أعلى من ابن ابن الابن، وابن ابن الابن أعلى من ابن ابن ابن الابن أليس كذلك؟ اشتركا في النسب في السلسلة إلا أن أحدهما أرفع وأعلى درجة من الآخر، الأنزل الأقل واسطة يكون حاجبًا لما كان أبعد واسطة، حينئذٍ عدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منه.
ثانيًا: عدم المعصب وهو أخوها أو ابن عمها الذي في درجتها، ابن عمها الذي في درجتها هذا سيأتي بحثه في باب التعصيب، عدم المعصب وهو أخوها بنت الابن، ابن الابن أخوها حينئذٍ يعصبها كيف يعصبها؟ ينتقل من الفرض من الإرث بالفرض إلى الإرث بالتعصيب ليدخل في قوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}.
الشرط الثالث: عدم المشارك لها وهو أختها، وهذا معلوم من وقوله (أَفْرَادِ).
إذًا ذكر شرطين فيما يتعلق ببنت الابن، الأول أفراد، والثاني سيأتي التنصيص عليه (عِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ عَنْ مُعَصِّبِ) يعني الأخ المصعب لها الناقل لها عن الإرث بالفرض إلى الإرث بالتعصيب.
إذًا عدم المشارك وهو أختها أو بنت عمها التي في درجتها، وهذا سيأتي بسطه في باب التعصيب، والمراد هنا عدم المشاركة أن لا يشاركها، يعني إن وُجد معها من هو في مرتبتها ومنزلتها حينئذٍ انتقلا من الفرض بالنصف إلى الفرض بالثلثين، بنت الابن إن كن ثنتين فأكثر حينئذٍ صار فرضهما الثلثين لا النصف.
(وَبِنْتُ الابْنِ عِنْدَ فَقْدِ الْبِنْتِ) عدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منها، عند فقد البنت فأكثر، ليس الحكم خالصًا بالواحدة وإنما بالمتعدد كذلك، وأما عند وجود البنت فلها الثلث تكملةً للثلثين، عند وجود البنت حينئذٍ ترث السدس كما سيأتي في باب السدس يعني بنت ابن مع بنت حينئذٍ ترث بنت الابن السدس، أليس كذلك؟ ترث السدس نعم تكملة للثلثين، ولذلك اشترط هنا ماذا؟ عند فقط البنت، هذا الشرط عدميًّا، لماذا؟ لأنه إن وُجد حينئذٍ انتقل من الإرث بفرض إلى الإرث بفرض آخر صار حاجبًا، وأما عند وجود بنت فلها الثلث تكملة للثلثين، وعند وجود للأكثر من البنت فلا شيء لها ما لم تعُصَّب بابن ابن كما سيأتي في محله.
وَبِنْتُ الابْنِ عِنْدَ فَقْدِ الْبِنْتِ ... وَالأُخْتُ في مَذْهَبِ كُلِّ مُفْتِيْ

والأخت المراد بها الأخت الشقيقة لأنه قال: (وَبَعْدَهَا الأُخْتُ الَّتِيْ مِنَ الأَبِ) ماذا نفهم؟ أن هذه المراد بها الشقيقة هذا بالإجماع، (في مَذْهَبِ كُلِّ مُفْتِيْ) يعني في حكم كل من أفتى من أهل الملة والشريعة أن الأخت ترث النصف، والمراد به الأخت الشقيقة.
قلنا: الدليل على توريث بنت الابن قال: والثالث بنت الابن الواحدة عند فقد البنت فأكثر، وفقد الابن أيضًا وعند انفرادهن عن معصب لها، وهذا إجماعًا قياسًا على بنت الصلب.
(8/7)

إذًا الدليل هو الإجماع، ومستند الإجماع القياس ولا إشكال فيه، يعني عندنا دليل وعندنا دليل الدليل، ما هو الدليل؟ الإجماع، ثم ما دليله؟ لا بد أن يكون مستند على دليل شرعي هو القياس. إذًا إجماعًا فترث النصف للإجماع، مما وجه الإجماع؟ قال: قياسًا على بنت الصلب، بنت الصلب المباشرة علة القياس هذا، لأن ولد الولد ولد الابن كالولد إرثًا، ولد الولد ابن الابن كالابن: ليس كذلك؟ ابن الابن كالابن، قال: إرثًا وحجبًا، الذكر كالذكر والأنثى كالأنثى، إذًا بنت الابن مثل البنت، أليس كذلك؟ مثله كما يقال ابن الابن كالابن كذلك بنت الابن كالابن فصار هذا القياس واضح بين، وأجمع أهل العمل عليه. ثم قال: (وَالأُخْتُ في مَذْهَبِ كُلِّ مُفْتِيْ). والأخت يعني الصنف الرابع الذي يرث النصف هو الأخت، يعني: الأخت الواحدة لأنه قال: (أفراد) الشقيقة لأنه قال بعدها: (الأُخْتُ الَّتِيْ مِنَ الأَبِ)، والأخت الشقيقة ترث النصف ولكن لا تستحقه إلا بأربعة شروط، هكذا التسلسل كلما جاء صنف زاد شرطًا على ما قبله، وتستحقه الأخت الشقيقة بأربعة شروط:
الأول: عدم المعصب وهو الأخ الشقيق، لأنه إن وُجد عَصَّبَهَا على أنها ترث بالتعصيب {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 176]. {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً} لو واحد وواحدة يعني ذكر وأنثى يصدق على أدنى شيء، الواحد والواحدة، حينئذٍ قال تعالى: {فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}. كما أنه قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}. كذلك في الإخوة هنا رجالاً أو نساءً للذكر مثل حظ الأنثيين.
أو للجد على أحد قولي العلماء كما سيأتي في باب الجدّ، فلا يفرض لها معه إلا في مسألة الأكدرية كما سيأتي، المراد هنا عدم المعصب وهو الأخ الشقيق، فلا ترث الأخت الشقيق النصف إلا عند عدم أخيها وهو الأخ الشقيق، إن وُجد انتقل إلى التوريث بالتعصيب.
الشرط الثاني: ما هو؟ (أفراد) دل عليه قول: (أفراد) عدم المشارِكة، يعني ألا تكون معه أخت أخرى، لأنها إن وجدت أخت أخرى شقيقة صارت الثنتين أو زيد فأكثر حينئذٍ انتقلت إلى الفرض بالثلثين، عدم المشارِك وهو الأخت الشقيقة لقوله: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ} [النساء: 176].
الثالث: عدم الأصل من الذكور الوارث لا من الإناث، هذا احترازًا، الوارث أخرج به غير الوارث، والمراد به عدم الأصل هنا من الذكور الوارث، المراد به الأب أبو الأب على القول الثاني للعلماء كما سبق ذكره في الجد هناك، والمراد به الأب وأبو الأب (وَالْجَدُّ لَهُ) كما سبق المراد به الجد أبو الأب، وإن علا بمحض الذكور، والوارث يخرج به الأصل غير الوارث هذا واضح لأنه يكون محجوبًا، وهو المحجوب بوصف فلا يحجبها لأن وجوده كعدمه، المحجوب يوصف هذا كالعدم، والمحجوب بشخص كالموجود، سيأتي هذا، لكن القاعدة هكذا المحجوب بوصف كالقاتل هذا كالعدم وجوده وعدمه سواء، لا يذكر أصلاً
،
(8/8)

والمحجوب بشخص كالابن ابن الابن محجوب بالابن مثلاً، حينئذٍ هذا محجوب بشخص لا بوصف، هذا وجوده وجود، لا نقول: وجوده كعدمه، بل هو معتبر، والوارث يخرج به الأصل غير الوارثُ وهو المحجوب بوصف فلا يحجبها لأن وجوده كعدمه، وخرج أبو الأب المدلي بأنثى لأنه غير وارث لأنه أدلى بأنثى كأبي أم الأب، فلا يحجبها لأنه من ذوي الأرحام.
إذًا المراد بقوله: عدم الأصل من الذكور الوارث. المراد به الأب وأبو الأب هكذا. - احفظها هكذا -.
الشرط الرابع: عدم الفرع الوارث وهو الابن وابن الابن وإن نزلا، عدم الفرع الوارث يعني للميت، فلا ترث الأخت الشقيقة النصف مع وجود فرع للميت، فرع وارث، فإن وُجد وليس وارثًا حينئذٍ لا يحجبها، إن عدم هو الشرط الذي يتحقق معنا هنا.
إذًا الشرط الرابع عدم الفرع الوارث وهو الابن وابن الابن وإن نزلا فلا تستحق معه شيئًا، والبنت وبنت الابن وإن نزل أبوها لأنها تكون حينئذٍ عصبةً مع الغير، وهذا سيأتي في التعصيب. إذًا خلاصة هذا الشرط: عدم الفرع الوارث. والدليل على ذلك قوله تعالى وهو مجمع عليه لكن سند الإجماع قوله تعالى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} [النساء: 176]. {وَلَهُ أُخْتٌ} هذا أطلق هنا لا يشمل الأم كما ذكرناه سابقًا، فالآية هذه مخصوصة بالإجماع بالأخت الشقيقة والأخت لأب، هذا محل إجماع بين أهل العلم، لأنهم أجمعوا على أن هذه الآية نزلت في الإخوة للأبوين والإخوة للأب دون الإخوة للأم، إذًا الأخت الشقيقة ترث النصف بالإجماع، وإنما ترثه بأربعة شروط على ما سبق ذكره.
(في مَذْهَبِ كُلِّ مُفْتِي) أي مجتهد (في مَذْهَبِ) أي حال كون هذا الحكم يعني في مذهب جار ومجرور متعلق بمحذوف حال (في مَذْهَبِ) أي حال كون هذا الحكم مندرجًا في الأحكام التي ذهب إليها كل مجتهد، فالمراد من المذهب الأحكام والمفتي هو المجتهد، ولذلك قال الشارح هنا: أي مجتهد. لأن ذلك مجمع عليه، وأصل المذهب مكان الذهاب، قد يعلق ما دام أنه مجمع أين وجه الاجتهاد، والمذهب مكان الذهاب، ثم أُطلق على ما ذهب إليه مجتهد وأصحابه من الأحكام في المسائل إطلاقًا مجازيًّا.
وَبَعْدَهَا الأُخْتُ الَّتِيْ مِنَ الأَبِ ... عِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ عَنْ مُعَصِّبِ
(8/9)

(وَبَعْدَهَا) أي بعد الأخت الشقيقة وفي بعض النسخ، وهكذا هذه الخامسة التي ترث النصف، وهكذا الأخت التي من الأب، وبعدها الأخت التي من الأب فرق بين النسختين وإذا قيل وهكذا ليس فيه فهم شرط، من بعدها الأخت التي من الأب، يعني يفهم منه أنها لا ترث النصف مع الشقيقة، وبعدها يعني بعد الأخت الشقيقة يأتي البعدية هنا عند عدم وجود الأولى وهي الأخت الشقيقة، فقد يفهم شرط من هذه النسخة وفيها زيادة فهي أولى. إذًا هذه النسخة تكون أولى من قوله وهكذا، وعلى النسخة الثانية وهكذا أي مثل الأخت الشقيقة الأخت التي من الأب في إرث النصف، مثل الأخت الشقيقة الأخت التي من الأب في إرث النصف، وعلى الثانية (وَبَعْدَهَا) يعني بعد أخت الشقيقة في إرثها النصف الأخت الواحدة التي من الأب، وتفيد أو يفيد قوله: بعدها اشتراط عدم الشقيقة لإرث الأخت التي من الأب للنصف. (الواحدة) كذلك تأكيد وتحقيق للشرط الذي ذكره سابقًا (فالنصف فرض خمسة أفراد) فإذا زاد الواحدة أو الواحد عند كل صنف حينئذٍ لا إشكال بل هو تحقيق للشرط.
(وَبَعْدَهَا الأُخْتُ) الأخت بعدها، (الأُخْتُ) هذا مبتدأ مؤخر، وبعدها هذا ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وكذلك هكذا جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
(الَّتِيْ) هذا صفة للأخت (الَّتِيْ مِنَ الأَبِ) وهذا احترازًا عن التي من الأم فقط فإنها لا ترث النصف كما سيأتي في محله، عند انفرادها عن معصب لها. وقول المصنف هنا والناظم (عِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ) هذا يعود على كل ما ذُكر، [وبنت] والزوج، والأنثى، الأنثى من الأولاد، وبنت الابن عند فقد البنت، والأخت، وبعدها الأخت، هذه الأربعة الأصناف قال: (عِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ) الضمير يعود على أنثى من الأولاد، وبنت الابن، والأخت، وبعدها الأخت التي من الأب عند انفراد هذه المذكورات عن معصب وهو إما الابن أو الأخ، والأخت التي من الأب ترث النصف في خمسة شروط:
الأربعة السابقة وتزيد عليه واحدة الخامسة.
والخامسة عدم الأخت الشقيقة والأخ الشقيق، بدليل الآية وللإجماع السابقين.
إذًا كل ما اشترط في إرث الأخت الشقيقة للنصف من عدم المعصب وهو الأخ الشقيق، وهنا الأخ الشقيق كذلك، وعدم المشارِك وهو الأخت الشقيقة، وعدم الأصل من الذكور والوارث، وعدم الفرع الوارث، وهو الابن وابن الابن وإن نزل. هذه الشروط الأربعة كذلك موجودة في الأخت من الأب، وزد عليها ألا توجد أخت شقيقة ولا أخ شقيق، عدم الأخت الشقيقة والأخ الشقيق بدليل الآية والإجماع السابقين.
(عِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ عَنْ مُعَصِّبِ) أي عند انفراد كل واحدة منهن عن معصب مما ذكر معه فيما سبق، إما الابن، أو ابن الابن، أو الأخ الشقيق، أو الأخ لأب، واضح هذا؟ حينئذٍ هذا الشرط يرجع إلى كل ما ذكره الناظم.
(8/10)

قال الشارح هنا: ثم اعلم أن الذي عُلم من كلام المصنف رحمه الله تعالى هو اشتراط فقد المعصب لكل واحدة من الأربعة، وأما ما ذكرته غير ذلك فإنما تركه كغيره من المصنفين اكتفاء بذكره فيما سيأتي، قد يذكر في بعض المحال، لكن الأولى هنا إن ذكر أنما يذكر في أول موضع ولا يذكر فيما بعد ثم بحال عليه، هذا غير، التصنيف إنما يكون إذا ذكر الشرط أو كان له محلان حينئذٍ المحل الأول هو لأنسب، فإن جاء له محله آخر حينئذٍ يقول: قد سبق، أما بالعكس هذه فيه إبهام.
اكتفاءً بذكره فيما سيأتي، ولو ذكروا جميع ما يحتاج إليه في جميع الفروض لأدى إلى التكرار والتطويل، فليذكر في محله والعلم إنما يتعلم من أجل التحصيل.
إذًا هذه خمسة أصناف كلها ترث النصف على ما ذُكر معها من شروط (فالنصف فرض خمسة أفراد) يعني أصناف:
(الزوج) هذا الأول.
والثاني (البنت) أشار إليها بقوله: (وَالأُنْثَى مِنَ الأَوْلاَدِ).
والثالث (بنت الابن) الواحدة وإن نزل أبوها عند فقد البنت فأكثر).
كذلك الأخت الرابع الأخت الشقيقة ثم الأخت من الأب.
الربعُ (بَابُ الرُّبُع) قال:
وَالرُّبْعُ فَرْضُ الزَّوْجِ إِنْ كَانَ مَعَهْ ... مِنْ وَلَدِ الزَّوْجَةِ مَنْ قَدْ مَنَعَهْ

الربع سبق فيه لغتان، وذكر في القرآن في موضعين وأصحابه صنفان فقط، يعني لا يرث الربع إلا الزوج والزوجة، ولكلٍ شرطه. (وَالرُّبْعُ) رُبُع لكن هنا يتعين التسكين للوزن، (وَالرُّبْعُ) مبتدأ (فَرْضُ الزَّوْجِ) خبره كأنه قال: والربع فرضُ اثنين أو صنفين، وهذا يعلم من السياق لأنه ذكر نوعين صنفين فقط، حينئذٍ تجعله خبرًا لما ذكر، وإن جعله على ظاهره هذا هو الظاهر.
(وَالرُّبْعُ فَرْضُ) الربع مبتدأ، والفرض خبر، وهو مضاف والزوج مضاف إليه، وفرض هنا وإن كان مضافًا إلا أنه مصدر بمعنى اسم المفعول، يعني مفروض للزوج، الربعُ مفروض للزوج لكن بشرط واحد وهو وجود الفرع الوارث سواء كان منه أو من غيره، ولذلك قال: (إِنْ كَانَ مَعَهْ ** مِنْ وَلَدِ الزَّوْجَةِ مَنْ قَدْ مَنَعَهْ).
(إِنْ كَانَ مَعَهْ) إن هذه شرطية، إذًا لها مفهوم، وكان هذه تامة بمعنى وجد، يعني إن وُجد من ولد الزوجة من قد منعه، إن كان من قد منع من ولد الزوجة معه. هذا التركيب (مَنْ قَدْ مَنَعَهْ) من هذا فاعل كان، يعني الذي قد منعه، منع الزوج، منع زوج من ماذا؟ من الإرث بالكلية أو من بعضه؟
من بعضه لأنه حجبه من النصف إلى الربع، يعني نصف النصف، انقصه وحجبه من النصف إلى نصف النصف، وهذا في نقصان، حجب بالنقصان. إذًا إن كان من قد منعه (مِنْ وَلَدِ الزَّوْجَةِ) من هذه بيانية، وهو بيان قدمه على الْمُبَيِّن، حينئذٍ بيان لمن قد منعه فهو بيان مقدم على المبيَّن، وكان هنا قلنا بمعنى وُجد فتفتقر إلى الفاعل ولا تحتاج إلى اسم ولا خبر، ومن هذه اسم موصول بمعنى الذي في محل رفع فاعل كان (مَنْ قَدْ مَنَعَهْ)، والفاعل ضد مستتر يعود على ولد الزوجة، والها ضمير متصل مبني على الضم المقدر منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الوقف أو [الضم] وهو يعود على الزوج.
(8/11)

إذًا يستحق الزوج فرض الربع بشرط واحد وهو وجود الفرع الوارث سواء كان منه أو من غيره، الفرع الوارث يعني ولد الزوجة سواء كان منه هو الزوج أو من غيره، فالتصور هنا يكون ماتت زوجة وتركت زوجها والزوج وارث وهي التي ماتت، حينئذٍ إن وُجد لها فرعٌ ولد أو بنت من هذا الزوج الذي هو معها أو من سابق حينئذٍ حجبه من النصف إلى الربع، إن لم يكن لها لا منه ولا من سابقه حينئذٍ يرث النصف على ما سبق، إذًا يتصور في ماذا؟ في زوجة هالكة ماتت يعني، حينئذٍ إذا تركت زوجًا يرثها ننظر إلى الزوجة، هل لها ابن أو لا، سواه كان من الزوج أو من غيره؟ وهذا متصور، فإن كان لها فرعًا وارثًا حينئذٍ منع الزوج من النصف إلى الربع، وإلا فيرث النصف.
وَالرُّبْعُ فَرْضُ الزَّوْجِ إِنْ كَانَ مَعَهْ ... مِنْ وَلَدِ الزَّوْجَةِ ...............

قلنا: (مِنْ وَلَدِ) من هذه جار ومجرور متعلق بمحذوف بيان لمن وهو مقدم على المبين (قَدْ مَنَعَهْ) أي إن وُجد مع الزوج الشخص الذي منعه عن النصف ورده إلى الربع وهو ولد الزوجة ذكرًا كان أو أنثى واحدًا أو متعددًا وقوله (مَنْ قَدْ مَنَعَهْ) ليس المراد أنه منعه عن الإرث بالكلية، وإنما منعه بعض حقه الأكبر وهو النصف، ورده إلى الربع لقوله تعالى: {فإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} [النساء: 12]. {فإِنْ كَانَ لَهُنَّ} للزوجات، للزوجة أو الزوجات، {وَلَدٌ} قلنا يشمل الذكر أو الأنثى، حينئذٍ يصدق على الواحد وعلى المتعدد لأنه نكرة في سياق الشرط فلا يشترط فيه التعدد {فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ} حينئذٍ ثبت له الربع، هذا الصنف الأول.
والصنف الثاني: وهو الزوجة فأكثر الزوجة الواحدة فثنتين فثلاث فأكثر إلى أربع، وتستحقه بشروط واحد وهو عدم الفرع الوارث، ولذلك قال:
وَهْوَ لِكُلِّ زَوْجَةٍ أَوْ أَكْثَرَا ... مَعْ عَدَمِ الأَوْلاَدِ فِيْمَا قُدِّرَا
(8/12)

(وَهْوَ) أي الربع لكل زوجة منفردة عند زوجها، (أَوْ أَكْثَرَا) الألف هذه للإطلاق، بأن تكون زوجتين فأكثر، حينئذٍ الواحدة إذا انفردت ترث الربع، ثنتين يرثن الربع، ثلاث يرثن الربع، أربع يرثن الربع، إذًا إذا كانت واحدة تفرد بالربع، وإذا كانت ثنتين اشتركن في الربع ليس لكل واحدة، لأن لو كانت أربع التركة كلها ذهبت، ربع ربع ربع ربع، صارت كاملة لم يبق شيئًا، وإنما يشتركن الأربع في الربع، فحينئذٍ كل واحدة تأخذ نصف الربع، وهو أي الربع لكل زوجة منفردة عند زوجها أو أكثرا الألف هذه للإطلاق، مع عدم الأولاد مع هذا الشرط، يعني هذا الحكم السابق وهو أن الزوجة منفردة أو الأكثر يرثن الربع هذا ثابت مع عدم الأولاد، يعني يُشترط في استحقاق الربع للزوجة أو أكثر فقد وعدم الفرع الوارث، الفرع الوارث ممن؟ فرع من؟ أي العكس الأول هناك تقول: فرع الزوجة لأن الزوج هو الذي سيأخذ المال هو الذي يكون حيًّا، فالفرع يكون للميت، وهنا اعكس فالزوجة تأخذ الربع حينئذٍ يُشترط عدم الفرع الوارث ليس لها وإنما للزوج سواء كان منها أو من غيرها، لأنه يحتمل أن يكون متزوج وعنده أولاد، ثم يأخذ الثانية فيموت قبل أن يولد لها، حينئذٍ الثانية ليس عندها ولد من زوجها، ولكن عنده ولد من غيرها فيكون حاجبًا لها، واضح؟ (مَعْ عَدَمِ الأَوْلاَدِ) يعني هذا ثابت مع عدم الأولاد فيما قدرا (فِيْمَا) في هذه سببية وما اسم موصول بمعنى الذي (قُدِّرَا) الألف للإطلاق، أي وإرث الزوجة الربع مع عدم الأولاد بسبب ما قُدِّرَ وبُيِّنَ في كتاب الله تعالى، وهذا إذا لوحظ المقدر الخاص في الآية {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ} [النساء: 12]، وأما بقطع النظر عن الآية وإنما المراد به المقدر في كتاب الله، حينئذٍ يكون قوله فيما قدر في كتاب الله يكون أطلق هنا ولا تكون في سببية، وأما بقطع النظر عن هذه الآية وإنما لوحظ المقدر فيه القرآن فحسب كان من ظرفية الخاص في العام، وهذا المتبادر من النظم يعني فيما قدر في كتاب الله، فيما فرض في كتاب الله تعالى.
هنا قال: (وَهْوَ) أي الربع لكل زوجة أو أكثر من زوجة إلى أربع من عدم الأولاد، الأَولاد قلنا: جمع ولد ن فحينئذٍ يشمل الذكور والإناث للميت من الزوجة أو من غيرها فيما قدر أي فرض في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ}. فإن كان لكم ولد فاختلف الحكم، حينئذٍ المفهوم هنا معتبر وله مكانته، مع عدم الأولاد إذًا المراد به عدم الفرع الوارث، والمراد بالفرع الوارث هو الولد، وولد الابن وإن نزلا.
قال الناظم:
وَذِكْرُ أَوْلاَدِ البَنِيْنَ يُعْتَمَدْ ... حَيْثُ اعْتَمَدْنَا الْقَوْلَ في ذِكْرِ الْوَلَدْ
(8/13)

هو قال ماذا؟ مع عدم الأولاد، طيب ولد الولد، هل هو حاجب أم لا؟ قال: (وَذِكْرُ أَوْلاَدِ البَنِيْنَ يُعْتَمَدْ) يعني: يعتبر، فقولنا: مع عدم الأولاد يشمل الأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا بمحض الذكور، فليس خاصًا بالولد فقط، وإنما ولد الولد هو بمنزلة الولد، وهل هو صادق عليه حقيقة أم مجازًا؟ هذا محل خلاف بين العلماء، ولذلك قال الشارح هنا: ولما كان الولد لا يشمل ولد الابن حقيقة، يعني إذا قيل: الابن كما سبق فيما سبق الابن وابن الابن، هل الابن يشمل ابن الابن حقيقة يدخل فيه؟
المشهور: لا.
وقيل: يدخل فيه لغة.
وقيل يدخل فيه مجازًا.
فيها ثلاثة أقوال، وعليه يبني على هذا الفهم قوله تعالى: {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ} [النساء: 12]. إن قلنا بأن ولد الولد لا يدخل حقيقة، حينئذٍ اختص الحكم في الآية بالولد فحسب، فنحتاج إلى قياس ولد الولد على الولد، إن قلنا بأنه داخل فيه حقيقة حينئذٍ النص دل على ماذا؟ {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ} وكذلك ولد الولد لأن اللفظ الولد في لسان العرب يطلق على الولد حقيقة وعلى ولده كذلك حقيقة، فيكون النص داخلاً فيه، إن كان يُطلق عليه مجازًا بأنه ولد حينئذٍ يأتي الخلاف عند الأصوليين هل اللفظ الواحد يجوز استعماله في حقيقته ومجازًا معًا، فمن جوَّزه قال: هذا النص دل على الولد وولد الولد، ومن منعه قال: هذا النص يدل على الولد فحسب فنحتاج إلى ولد الولد لإدخاله في النص.
إذًا المشهور أن ولد الولد لا يدخل في لفظ الولد، ولذلك قال هنا الشارح: ولما كان الولد لا يشمل ولد الولد حقيقة على المشهور صرح بأولاد الابن بقوله: (وَذِكْرُ أَوْلاَدِ البَنِيْنَ يُعْتَمَدْ). يعني في كونهم مانعين مع عدم الأولاد فيما قدّرا، مع عدم الأولاد وأولاد الأولاد، هذا خلاصة البيت الذي زاده مع عدم الأولاد فحسب وأولاد الأولاد، هل يشترط عدمهم من أجل توريث الزوجة والزوجات؟ نقول: نعم يشترط، فكأنه يرجع إلى ما سبق فتقول:
وَهْوَ لِكُلِّ زَوْجَةٍ أَوْ أَكْثَرَا ... مَعْ عَدَمِ الأَوْلاَدِ ...............

وأولادهم، فنص على أولادهم بهذا البيت، أتى ببيت كامل من أجل هذه اللفظة، (وَذِكْرُ أَوْلاَدِ البَنِيْنَ) ذكر مبتدأ وهو مضاف، وأولاد البنين مضاف إليه، يعتمد الجملة خبر، يعتمد يعني يعتبر، وليس المراد أنه يعتمد من خلاف لأن المسألة محل إجماع، حيث اعتمدنا القول (في ذِكْرِ الْوَلَدْ). لأننا ذكرنا فيما سبق (مَعْ عَدَمِ الأَوْلاَدِ) نفينا الأولاد، نقول: لأننا اعتمدنا القول في ذكر الولد ولم ننص على ولد الولد فلا يتوهم متوهم بأن ولد الولد لا يكون مانعًا، بل هو حكم أبيه، (حَيْثُ) هذه حيث للتعليل، (حَيْثُ اعْتَمَدْنَا) يعني اعتبرنا القول فيما سبق في ذكر الولد فقط دون ولده، والصواب أن الحكم عام، أي لأنَّا اعتبرنا القول الكائن في ذكر الولد، وظرفيه القول في الذكر من ظرفية العام في الخاص، والمراد ذلك الخاص.
(8/14)

قال الشارح هنا: (وَذِكْرُ أَوْلاَدِ البَنِيْنَ) الذكور والإناث يعتمد حيث اعتمدنا القول في ذكر الولد في حجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن لأن أولاد الابن كالأولاد. وهذا محل إجماع عند عدمهم إرثًا وحجبًا، ومحل إجماع، الذكر كالذكر، والأنثى كالأنثى قياسًا على الأولاد.
إذًا يعملون عمل آبائهم إرثًا وحجبًا، إما حجبًا بالكلية أو حجب نقصان.
إذًا الذي يرث الربع صنفان الزوج والزوجة، الزوج يرثه بشرط عدم الفرع الوارث، والزوجة كذلك ترثه مع عدم الفرع الوارث، والمراد بالفرع الوارث في المسألتين الولد وولد الابن وإن نزلا بمحض الذكور، وهذا محل وفاق وإجماع.
لكن بقي مسألة وهي إذا تركا خمسة أو خمس زوجات، هلك هالك عن خمسة زوجات لأن قوله (أَوْ أَكْثَرَا) الحد النهائي الشرعي أربعة، ترك خمسة هل يتصور أو لا؟ كيف؟
نعم صورها بعضهم بما ذكر أسلم عن خمس أو ست ثم مات مباشرة، الأصل أن يخير بين الخمس يبقي أربع ويسرح الخامسة، لكن مات مباشرة، هل نورث الخمس؟ نقول: يشتركن في الربع [ها] قرعة؟ [ها ها] أو ننظر الأولى هي التي تبقى والثانية ونعرف، أيهما أولى؟ الكل يرث؟
قيل: بإرثهن معًا الكل للضرورة، لكن هذا ضعيف، والصواب أنه يقال: إما بقرعة، وإما أن تعرف الأخيرة فحينئذٍ تترك هي التي لا تكون زوجة خامسة.
ومثله لو وقع خطأً، وهذا يقع حتى عند بعض الناس، تزوج خامسة وقد طلق الرابعة طلاقًا رجعيًّا ويعقد قبل خروج الزوجة من العدة، حينئذٍ وقع الثاني في عدة الرابعة وهي زوجة لأن طلاقها رجعي، هذا الخامسة العدد هذا باطل، حينئذٍ لو مات مباشرة يكون ترك خمس زوجات، يتصور أو لا؟ الصورة كيف؟ يكون عنده أربع زوجات، طلق واحدة طلاقًا رجعيًّا طلقة واحدة في طهر لما يجامعها فيه، حينئذٍ هي زوجة حتى تنتهي عدتها، ثلاثة قروء، طيب مَرّ أسبوع وتزوج ما يدري بعض الناس يجهل، حينئذٍ نقول: هذه الزوجة التي تزوجها هذه خامسة لأن التي طلقها مازالت زوجة، ولذلك يلغز عند الفقهاء هل للرجل عدة أم لا؟ هذه صورتها، نعم يعتد مع زوجته [ها ها] لا يتزوج حتى تنتهي وتنقضي عدة هذه المطلقة الرجعية.
فلا يجوز له أن يتزوج، فإن وقع حينئذٍ نكاح باطل لأنها خامسة.

ثم قال: (بَابُ الثُّمُن)
وذكر في القرآن مرة واحدة، وهو فرض صنف واحد هذه كلها ستحفظونها وتراجعونها إن شاء الله - اتركوا الأمور تمشي - وستكون عليها مسائل بعد ما ننتهي من السدس إن شاء الله لأنها مسائل متفق عليها وأصناف معدودة وشروطها واضحة بينة لكن التطبيق هو الذي يفضح هل فهمتم أم لا؟ تذاكرون حتى ننتهي من الأصناف من يرث السدس، ثم نأتي على مسائل تطبيقية.
إذًا الثمن ذكر في القرآن مرة واحدة، وهو فرض صنف واحد وهو الزوجة واحدة كانت أو أكثر إلى أربعة وتستحقه بشرط واحد وهو وجود الفرع الوارث، وهو الولد سواء كان منها أو من غيرها، وكذا ولد الابن وإن نزلا، الفرع الوارث المراد به الولد وولده وإن نزلا. إذًا يشترط في هذا الصنف وجود الفرع الوارث مقابل لما سبق، يُشترط في الصنف الثاني وهو الزوجة أن ترث الربع عدم الفرع الوارث، إن وُجد نقلها من الربع إلى الثمن، واضح؟ طيب.
(8/15)

وَالثُّمْنُ لِلزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَاتِ ... مَعَ الْبَنِيْنَ أَوْ مَعَ الْبَنَاتِ

(وَالثُّمْنُ) بسكون الميم للوزن والضرورة لا بد (لِلزَّوْجَةِ) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر، وتقدير الخبر هنا يعلم مما سبق، فرض الزوج، إذًا مفروض للزوجة حينئذٍ نقدر الخبر هنا خاصًا وهذا لا إشكال فيه لأن متعلق الجار والمجرور إذا كان خاصًا ودل عليه دليل جاز حذفه، وإما إذا لم يدل عليه دليل فلا يجوز حذفه، وهنا قد دل عليه دليل وهو ما سبق.
(وَالثُّمْنُ) مفروض للزوجة أي الواحدة (وَالزَّوْجَاتِ) إن كن متعددات ثنتين ثلاث إلى أربع وهو المنتهى فيشتركن فيه. قوله: (وَالزَّوْجَاتِ) المراد بالجمع هنا هل نقول: أقله ثلاث أو ما زاد على الواحدة؟
ما زاد على الواحدة، حينئذٍ لا يفهم من الجمع هنا المعنى اللغوي الذي يختلف فيه عند الأصوليين والنحاة، فالمراد بالجمع هنا ما فوق الواحدة، ولذلك قابل الزوجة بالزوجات (وَالثُّمْنُ لِلزَّوْجَةِ) الواحدة، (وَالزَّوْجَاتِ) اثنتين فأكثر، حينئذٍ يكون معنى الجمع هنا ما فوق الواحدة (مَعَ الْبَنِيْنَ أَوْ مَعَ الْبَنَاتِ) يعني مع وجود الفرع الوارث سواء كان هذا الفرع بنتًا أو كان ابنًا، فقوله مع البنين (أل) هذه للجنس، لأنه لا يشترط الجمع ولو بقينا على ظاهر اللفظ حينئذٍ لابد اثنين فأكثر، وإذا جرينا على لسان العرب لا بد من ثلاث فأكثر، والمراد وجود واحدة فقط فرع وارث، إما بنت واحدة، ومن باب أولى ثنتين فأكثر، أو ابن واحد ومن باب أولى ثنتين فأكثر. إذًا (أل) في قوله البنين والبنات للجنس، وأل الجنسية تبطل معنى الجمعية، فحينئذٍ يصدق بواحدٍ (مَعَ الْبَنِيْنَ أَوْ مَعَ الْبَنَاتِ) حينئذٍ أو هذه للتنويع وفيه معنى التعميم، يعني عمم معنى الفرع الوارث، فيشمل الذكور ويشمل الإناث، ويشمل الذكور إذا كان واحد فأكثر، ويشمل الإناث إذا كانت واحدة فأكثر، والدليل على ذلك قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} [النساء: 12]. والنص واضح وقد أجمع أهل العمل على ذلك. حينئذٍ نقول: الثمن هذا فرض صنف واحد وهو الذي ذكره المصنف هنا بقوله: الزوجة إن كانت واحدة، أو للزوجات إن كن اثنتين فأكثر، حينئذٍ إذا كن اثنتين فأكثر يشتركن في الثمن، لا نقول لكل واحدة الثمن، وإنما يشتركن في الثمن، فيوزع بينهن بالتساوي، مع البنين الواحد فأكثر، أو مع البنات الواحدة فأكثر الذي ذكرناه.
أَوْ مَعَ أَوْلاَدِ الْبَنِيْنَ فَاعْلَمِ ... وَلاَ تَظُنَّ الْجَمْعَ شَرْطًا فَافْهَمِ
(8/16)

(أَوْ) هذه للتنويع، (مَعَ أَوْلاَدِ الْبَنِيْنَ) كذلك أل هنا للجنس فتبطل معنى الجمعية، فيصدق بالواحد والواحدة فأكثر قياسًا على الأولاد. إذًا الفرع الوارث وجودًا وعدمًا يشمل المباشر وما نزل عنه، الولد وولد الولد، الابن وابن الابن .. وهكذا، حينئذٍ قوله: (أَوْ مَعَ أَوْلاَدِ الْبَنِيْنَ) هذا استدراك لقوله: أو (مَعَ الْبَنِيْنَ أَوْ مَعَ الْبَنَاتِ) لأنه يرد إذا كان مع البنين هذا الولد الصلب طيب وولد الولد هل يكون كذلك أو لا؟ نعم يكون كذلك، حينئذٍ يأخذ حكمه ولذلك نص عليه (أَوْ مَعَ أَوْلاَدِ الْبَنِيْنَ فَاعْلَمِ)، (فَاعْلَمِ) يعني فاعلم ذلك الحكم السابق يعني فافهمه (وَلاَ تَظُنَّ الْجَمْعَ شَرْطًا) لَمَّا علق الحكم هناك على الجمع مع البنين أو مع البنات أولاد البنين هل الجمع مراد أم لا؟ قال: لا، ليس بشرط، وإنما المراد به ما يصدق بالواحد (وَلاَ تَظُنَّ الْجَمْعَ شَرْطًا فَافْهَمِ)، (فَافْهَمِ)، (فَاعْلَمِ) كلاهما بمعنى واحد فـ (أل) الداخلة على الجمع جنسية فتبطل معنى الجمعية، والعلم والفهم بمعنًى عند بعضهم، والأول إذ كان علم ليس بمعنى الفهم يفسر بالإدراك المطلق، والفهم يفسر بالإدراك الخاص.
ثم قال: (بَابُ الثُّلُثَيْن)
هذا كما سبق ذكر في القرآن في موضعين، وأصحاب الثلثين أربعة أصناف، أصحاب النصف خمسة، وأصحاب الثلثين أربعة أصناف. قال رحمه الله:
وَالثُّلُثَانِ لِلْبَنَاتِ جَمْعَا ... مَا زَادَ عَنْ وَاحِدَةٍ فَسَمْعَا
وَهْوَ كَذَاكَ لِبَنَاتِ الاِبْنِ ... فَافْهَمْ مَقَالِيْ فَهْمَ صَافِي الذِّهْنِ

[[[[سؤال]]]
س: هذا يقول: .. # 59.53 من زوج آخر، هل يحجب الزوج النصف إلى الربع؟
ج: نقول: نعم، هذا داخل في، نعتبر الزوجة هي الميت، الفرع الوارث باعتبار الميت هو.
س: هذا يقول: الزوج يأخذ النصف شرطه لو كان عنده أربع زوجات وماتوا جميعًا [ها ها] في وقت واحد، هل يأخذ من كل زوجة النصف، أم يأخذ النصف باجتماع الزوجات الأربعة؟
ج: إيش رأيكم؟ كل واحدة نصف، اجعلهن كل واحدة مليون.]]] انتهت الأسئلة]]
إذًا قال هنا: (بَابُ الثُّلُثَيْن)
ذكر في القرآن في موضعين، وأصحاب الثلثين أربعة أصناف:
الصنف الأول أشار إليه بقوله: (لِلْبَنَاتِ). (وَالثُّلُثَانِ) بضم اللام للوزن، وإن كان لغة يجوز الإسكان، لكن هنا يتعين الضم (وَالثُّلُثَانِ لِلْبَنَاتِ)، (وَالثُّلُثَانِ) مبتدأ و (لِلْبَنَاتِ) جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر يقدر ماذا؟ مفروض (وَالثُّلُثَانِ) مفروض أو مفروضان؟ إن قصدت الثلثين من حيث هو قلت ماذا؟ مفروضان، وإن أردت لأنه مثنى ثلث وثلث ثلثان حينئذٍ لا بد من المطابقة، وإن أولته بالفرض فرض الثلثين مفروض، فيجوز هذا ويجوز ذاك باعتبار التأويل.
(8/17)

إذًا (وَالثُّلُثَانِ) مفروض مفروضان لا إشكال فيه، الأول يطابق، والثاني يكون باعتبار الفرض. مفروض للبنات ثنتان فأكثر وصرّح بذلك الناظم وقال: جمعًا أي حال كونهن جمعًا. فجمعًا منصوب من المجرور للبنات اللام حرف جر والبنات اسم مجرور باللام، حينئذٍ جاءت الحال هنا من الاسم المجرور، أي حال كونهن جمعًا، فهو حال من البنات (مَا زَادَ عَنْ وَاحِدَةٍ فَسَمْعَا) فسر الجمع لأن الجمع هنا يختلف، الجمع هنا في باب الفرائض يختلف. قال: (مَا زَادَ عَنْ وَاحِدَةٍ) فليس المراد بالجمع هنا ثلاثة فأكثر، وإنما المراد به ما زاد عن واحدة فيصدق بالثنتين، إذًا البنتان فأكثر لهن الثلثان، ولو قيل بأن المراد بالجمع حقيقته اللغوية حينئذٍ يصدق بماذا؟ بثلاثة فأكثر. إذًا والثلثان للبنات جمعًا (مَا زَادَ) ما اسم موصول بمعنى الذي بدل من البنات أو من جمعًا، يجوز هذا ويجوز ذاك، ويصح أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف أي والجمع ما زاد، وهذا جيّد لأنه أراد أن يفسر معنى الجمع، و (الْجَمْعَ) المراد به هنا ما زاد عن واحدة (فَسَمْعَا) أي فاسمع ما قلته لك سمعًا، فهو مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا. إذًا الصنف الأول الذي يرث الثلثين هو البنات ويستحق البنات الثلثين بشرطين:
الأول: أن يكنّ اثنتين فأكثر، وهذا قد نص عليه الناظم، لا أن يكن ثلاثة فأكثر كما روي عن ابن عباس لأنه قد أجمع العلماء على هذا، والمسألة فيها نزاع طويل عريض أخذوا عطا مع ابن عباس وغيره، هل المراد بالجمع فوق اثنتين ثلاثة فأكثر فالثنتان لهما النصف، أو نقول: ثنتان لهما الثلثان؟ هذ محل النزاع، ونحن قلنا: نذكر هنا المرجح فقط وإجماع أهل العلم، وقد حكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في الفتوى الجزء الواحد والثلاثين صفحة ثلاثمائة وخمسين، حكى الإجماع على أن البنتين يرثن الثلثين ولا يشترط في الجمع أن يكون ثلاثًا فأكثر. وإذا كان كذلك نقف على هذه المعلومة. إذًا الشرط الأول أن يكن اثنتين فأكثر لا ثلاثًا فأكثر، ولذلك نص الناظم على ذلك قال: (مَا زَادَ عَنْ وَاحِدَةٍ) يكون مرتقيًا عن واحدة.
والشرط الثاني لميراث البنتين الثلثين: عدم المعصّب. وهو ابن الميت بصلبه، فلو وُجد معصب حينئذٍ لم يرثن الثلثين، بل يرثن بالتعصيب فيكون معصبًا لهن، لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} إذًا الصنف الأول الذي يرث الثلثين البنات، والمراد بالبنات هنا جمعًا والمراد بالجمع ثنيتين فأكثر، ولا نقيده بالثلاثة كما روي عن ابن عباس.
(8/18)

قال الشارح: والثلثان فرض أربعة أصناف. ذكر المصنف الأول منهم بقوله: (لِلْبَنَاتِ جَمْعَا) والمراد اثنتين فأكثر، وقد صرح بذلك في قوله: (مَا زَادَ عَنْ وَاحِدَةٍ) اثنتين أو أكثر (فَسَمْعَا) سمع طاعة، أي: امتثال وإذعان أي قبول موافقة للإجماع إذًا خصص الجمع هنا بما زاد عن واحدة موافقة للإجماع، فالمسألة فيها إجماع، وما رُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن للبنتين النصف لمفهوم قوله تعالى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ}. [النساء: 11]. {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ}، إذًا ثلاث فأكثر {فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} لكن هذا المفهوم مفهوم ظرف وهو معارض لمفهوم شرط آخر، فهو منكر لم يصح عنه أولاً، وقيل: رجع إلى موافقة الجمهور. على كلٍّ هذا إما أنه لا يصح عن ابن عباس وهذا الذي ذكره الشارح هنا الشنشوري، أو أنه ثبت عنه أنه أعطى البنتين النصف وأعطى الثلاث فأكثر الثلثين، ثم رجع إلى موافقة الجمهور، الذي صح عنه موافقة الناس كما قال ابن عبد البر: ودليل الإجماع فيما زاد على الثنتين الآية المذكورة {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ} وفي البنتين القياس على الأختين، لأن النص واضح أنه مفهوم ظرف، وهذا من أحسن الأجوبة عن شبهة ابن عباس رضي الله عنهما السابق، انظر سماها شبهة ليست بدليل، لماذا؟ لأنها خالفت أمرًا قطعيًّا وهو إجماع، هذا إن صحت عنه. قوله: (فَسَمْعَا) منصوب على أنه مفعول مطلق وعامله محذوف وجوبًا لأنه بدل من اللفظ بفعله، يعني المصدر هنا عوضًا عن التلفظ بالفعل، والمحذوف عامله وجوبًا قسمان واقعٌ في الطلب وواقع في الخبر، وهذا سبق بيانه في موضعه لأنه قال: (فَسَمْعَا). الفاء هنا واقعة في ماذا؟ إما أنه واقع في الطلب فيكون التقدير فاسمع لمن يقول باستحقاق الثنتين فأكثر من البنات للثلثين، ويجوز أن يكون من قبيل المصدر الواقع في الخير فيكون المعنى سمعت ما ورد من القول باستحقاق الثنتين فأكثر للثلثين (فَسَمْعَا).
ثم ذكر الصنف الثاني بقوله:
وَهْوَ كَذَاكَ لِبَنَاتِ الاِبْنِ ... فَافْهَمْ مَقَالِيْ فَهْمَ صَافِي الذِّهْنِ

إذًا الصنف الثاني بنات الابن، اثنتان فأكثر لأنه ذكرهن ماذا؟ جمعًا (َهْوَ كَذَاكَ) أفرد الضمير هنا باعتبار كون الثلثين فرضًا ولم يقل وهما، أي: الثلثان قال: (وَهْوَ). أي: الثلثان، وأفرد الضمير هنا باعتبار كون الثلثين فرضًا (كَذَاكَ) أي مثل كونه للبنات ثابت ومفروض لبنات الابن اثنتان فأكثر وإن نزل أبوهما بمحض الذكور، وسواء كانتا أختين أو بنتي عم متحابِيَتَيْنِ قياسًا على بنتي الصلب، لأن بنت الابن كالبنت ويأخذن الثلثين بثلاثة شروط - هذ المهم - يأخذن الثلثين بثلاثة شروط:
الأول: عدم المعصب. إذا قيل: بنت الابن عدم المعصب من؟ ابن الابن من أخٍ لهن يعني أخوهم، أو ابن عم في درجتهن كما سيأتي في التعصيب.
الثاني: عدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منهن.
الشرط الثالث: أن يكن اثنتين فأكثر كما سبق.
إذًا هذه ثلاثة شروط.
الأول: عدم المعصب، وهو ابن الابن من أخ لهن، أو ابن عم في درجتهن.
(8/19)

الثاني: عدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منهن، من ابن صلب، أو ابن ابن، أو بنات صلب، أو بنات ابن واحدة فأكثر.
الثالث: أن يكن اثنتين فأكثر.
(فَافْهَمْ مَقَالِي) فافهم أيها المخاطب مقالي أي قولي مصدر ميمي (فَافْهَمْ مَقَالِي فَهْمَ صَافِي الذِّهْنِ) فهم هذا مفعول مطلق، وهو مضاف لما بعده حينئذٍ يكون نوعيًّا، أي: مثل فهم إنسان صافي الذهن، والفهم هنا إما أن يفسر بمعنى العلم، أو بمعنى إدراك الخاص (فَهْمَ صَافِي الذِّهْنِ)، أي: خالصة من كدرات الشكوك والأوهام، والذهن لغة الفطنة، والفطنة قوة للنفس معدة لاكتساب الآراء وهي مرادفة للذكاء وضدها البلادة. نقول: هذا فطين، وهذا بليد. والمراد هنا العقل، ويقال: ذَهُنَ بالضم ذهانة حفظ قلبهُ ما أودعهُ، فيكون الذهن حينئذٍ بمعنى الحفظ (فَافْهَمْ مَقَالِي فَهْمَ صَافِي الذِّهْنِ) إذًا النوع الثاني أو الصنف الثاني الذي يرث الثلثين (بنات الابن)، ويشترط فيهن أن يكن اثنتين فأكثر مع عدم المعصب ومع عدم الفرع الوارث الذي هو على منهن.
وَهْوَ لِلأُخْتَيْنِ فَمَا يَزِيْدُ ... قَضَى بِهِ الأَحْرَارُ وَالْعَبِيْدُ

الصنف الثالث كذلك الرابع، وهم الأختان الشقائق، والأختان لأب، أو الأخوات (وَهْوَ) إما بإسكان الهاء حينئذٍ يكون للأختين بوصل الهمزة، (وَهْوَ لِلأُخْتَيْنِ) وكذلك أفرد الضمير لما سبق وهو ولم يقل هما للأختين بوصل الهمزة (فَمَا يَزِيْدُ) يعني ما زاد عن الأختين، الأختين فأكثر وهذا المراد بالجمع، (قَضَى بِهِ) قضى بما ذكر الحكم السابق (الأَحْرَارُ) أفتى به (الْعَبِيْدُ)، (قَضَى بِهِ الأَحْرَارُ) جمع حرّ، أي: حكم به، (وَالْعَبِيْدُ) العبيد هذا من قبيل ماذا؟ علفتها تبنًا وماءً باردًا. إذا كان قضى بمعنى قضاء الاصطلاحي فالعبد لا يكون قاضيًا، ويجوز أن يكون العبد مفتيًا، حينئذٍ نقول: علفتها تبنًا وماءً باردًا. أي: أنلتها، أو سقيتها، ونقدر للعبيد أنه فاعل لفعل محذوف وأفتى به العبيد يكون ماذا؟ صالحًا لما ذُكر. والأخوات الشقائق يأخذن الثلثين لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}. ويأخذنه بأربعة شروط:
الأول: أن يكن اثنتين فأكثر للآية لأنه قال: {فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ}. إذًا لا بد أن يكن اثنتين وهذا المراد بالجمع في هذا الموضع. أن يكن اثنتين فأكثر للآية.
الشرط الثاني: عدم المعصب لهن. وهو الأخ الشقيق فأكثر، فلو أن هناك أخ شقيق واحدًا كان أو أكثر لم يرثن الثلثين إجماعًا. لقوله: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}. إذا وُجد الأخ الشقيق مع الأخت الشقيقة عصَّبها سواء كانت واحدة أو أكثر [نعم]. وكذا الجد على أحد قولي العلماء يعصبهن كالأخ الشقيق.
ثالثًا: عدم الفرع الوارث. وهم الأولاد، وأولاد الابن وإن نزلوا، والفرع الوارث هو المراد هناك في باب الثمن والنصف.
الرابع: عدم الأصل من الذكور الوارث، وهو الأب بالإجماع، والجد على القول الثاني. عدم الأصل من الذكور الوارث، هذه أربعة شروط تشترط للتوريث الأخوات الشقائق الثلثين.
(8/20)

(هَذَا إِذَا كُنَّ لأُمٍّ وَأَبِ) هذا استدراك لما سبق، تقييد لأنه قال: (وَهْوَ لِلاُخْتَيْنِ) ومعلوم أن أختين يطلق ويراد به الشقائق ويطلق ويراد به لأب أو لأم ثلاثة، الأم ليست بواردة هنا حينئذٍ قال: (هَذَا) الحكم السابق وهو توريث الأختين الثلثين (إِذَا كُنَّ) أي الأخوات (لأُمٍّ وَأَبِ) وهما الشقائق، (أَوْ لأَبٍ) هذا النوع الثاني (أَوْ لأَبٍ) فقط احترز به عن الأخوات لأم، والأخوات لأب يأخذن الثلثين بخمسة شروط الأربعة السابقة في الشقائق، والخامسة عدم الأشقاء والشقائق، يعني الأخت لأب لا ترث الثلثين مع وجود الأخت الشقيقة ولا الأخ الشقيق فلا بد من عدمهم.
عدم الأشقاء والشقائق وإن كان من الأشقاء ولو واحدًا ذكرًا كان أو أنثى لم ترث الأخوات لأب الثلثين، بل يحجبن بالذكر وكذا بالشقيقتين إلا إن كان معهن من يعصبهن، أما الأخت الشقيقة الواحدة فترث معها الأخت أو الأخوات لأب السدس تكملة الثلثين كما سيأتي في باب السدس.
إذًا هذان النوعان الصنفان الأخوات الشقائق، والأخوات لأب.
وَهْوَ لِلأُخْتَيْنِ فَمَا يَزِيْدُ ... قَضَى بِهِ الأَحْرَارُ وَالْعَبِيْدُ

قال الشارح: وذكر الصنفين الثالث والرابع بقوله: (وَهْوَ) أي الفرض المذكور وهو الثلثان للأختين الشقيقتين أو الأب لا لأم فقط كما صرح به، (فَمَا يَزِيْدُ) عن اثنتين كثلاث وأربع، وهكذا (قَضَى بِهِ) أي بما ذكرته، وهذا تفسيرًا للضمير (قَضَى بِهِ) ما هو هذا الحكم السابق من فرض الثلثين مطلقًا يعني عن التقييد بصنف مخصوص فيكون راجعًا للإطلاق يعني للأصناف الأربعة، أو للأختين فأكثر، وهذا هو المتبادر يعني (قَضَى بِهِ) أي بهذا الحكم وهو كون للثلثين فرضًا للأختين. (الأَحْرَارُ وَالْعَبِيْدُ) أي أفتوا به. فإن العبد لا يكون قاضيًا، يعني: أوَّل قضى بمعنى أفتى، ونؤله تأويلاً آخرًا على ما ذكرناه، قضى على أصله وهو الاصطلاحي به الأحرار، لأن القاضي يكون حرًّا، وأما العبد فلا يكون قاضيًا حينئذٍ نقدر للعبيد من باب علفتها تبنًا وسقيتها ماءً، ولما كان إطلاق الأختين شاملاً للأختين من الأم صرح بأن المراد الأخوات لأبوين أو لأب لا لأم بقوله: (هَذَا إِذَا كُنَّ لأُمٍّ وَأَبِ) أي ما ذكر من فرض الثلثين لأختين فأكثر، (إِذَا كُنَّ) أي الأخوات لأم وأب وهن الشقيقات أو لأب فقط لا لأم فقط (فَاحْكُمْ)، وفي بعض النسخ فاعمل بهذا الحكم المذكور وهو كون الثلثين لأختين الشقيقة أو لأب أو كونهما للأصناف الأربعة، فيكون ماذا؟ عامًا، فاعمل بهذا، أي الحكم المذكور من الأصناف كلها الأربعة، أو في الأخير (تُصِبِ). هذا مجزوم في جواب الأمر وكسرت باؤه لصحة النظم. أصله يصبْ بالسكون لكنه كسر لأجل النظم من الصواب (تُصِبِ) مأخوذ من الصواب وهو موافقة الواقع ضد الخطأ ومخالفة الواقع، من قولهم: صاب السهم. هذا بدون همزة صوبًا واويًا وصِيبًا أو صَيْبًا يائيًا، وأصاب بالهمز وقع بالرمية بمعنى مرمية وهي ما يُرمى من الحيوان أو غيره بالسهم، والسحاب الموضع، أي: أصاب السحاب الموضع أمطره.
هذه أربعة أصناف ترث الثلثين ثم قال: (بَابُ الثُّلُث).
والله أعلم.
(8/21)

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد [وعلى آله وصحبه أجمعين].
(8/22)

عناصر الدرس
* أصحاب الثلث وشروطهم.
* أصحاب السدس وشروطهم.

[س: هذا يسأل عن المسألة التي ذكرناها إذا مات عن خمس، لو أسلم عن خمس لماذا يرثن مع اختلاف الدين؟
ج: لا، المثال الذي يصور مع تمام الشروط، أصحاب الفرائض هكذا يقولون: لو أسلم عن خمس؟ حينئذٍ لا بد أن يطلق، يتصور مع ماذا؟ مع إسلامهن، أسلم الكل فحينئذٍ لا اعتراض.]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(بَابُ الثُّلُث)
وعرفنا اللغات الواردة في الثلث، وذكر في القرآن في موضعين يعني في محلين، وأصحابه صنفان:
- الأم.
- والإخوة لأم.
قال رحمه الله تعالى:
وَالثُّلْثُ فَرْضُ الأُمِّ حَيْثُ لاَ وَلَدْ ... وَلاَ مِنَ الإِخْوَةِ جَمْعٌ ذُوْ عَدَدْ
كَاثْنَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلاَثِ ... حُكْمُ الذُّكُوْرِ فِيْهِ كَالإِنَاثِ
وَلاَ ابْنُ ابْنٍ مَعَهَا أَوْ بِنْتُهُ ... فَفَرْضُهَا الثُّلْثُ كَمَا بَيَّنْتُهُ

إلى آخره ما ذكر.
(وَالثُّلْثُ) بسكون اللام للوزن، وإن كان يجوز فيه لغة أخرى وهي ضم اللام الثلُث والثلْث، لكن قد يتعين في بعض المواضع حينئذٍ يكون لغة، فالثلْث هنا لغة، وهي بإسكان اللام وهي متعينة من أجل الوزن، (وَالثُّلْثُ) فرض اثنين صنفين كما ذكرنا وهما: أم، والإخوة لأم. قال: (فَرْضُ الأُمِّ). (وَالثُّلْثُ) مبتدأ وقوله: (فَرْضُ الأُمِّ) مضاف ومضاف إليه خبر المبتدأ، و (فَرْضُ) هذا مصدر، حينئذٍ يؤول باسم المفعول، يعني مفروض الأم على تقدير معنى اللام يعني مفروض للأم. إذًا هذان أمران مقدران، أولاً المصدر هنا بمعنى اسم المفعول أي مفروض، ثم الإضافة هنا على معنى اللام فتقدر باللام، والثلث مفروض للأم، يعني الأم ومعلومٌ حقيقة الأم وهي معروفة فرضها الثلُث قال: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ). هذا شرط من شروطها (وَلاَ مِنَ الإِخْوَةِ جَمْعٌ ذُوْ عَدَدْ) تستحق الأم بثلاث شروط الناظم كما ذكرنا أنه قد يذكر بعض الشروط ويترك بعضًا، وقد لا يذكر شيئًا من الشروط، فلا بد من ذكرها، فالأم تستحق الثلث بثلاثة شروط:
الأول: عدم الفرع الوارث وهو الولد وولد الابن، الولد وولده لقوله: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11]. {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ}، يعني: أبوه وأمه، {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} اشترط ماذا؟ إن لم يكن له ولد. إذًا الشرط الأول عدم الفرع الوارث وهو الذي أشار إليه الناظم بقوله: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ).
الشرط الثاني: عدم الجمع من الإخوة، من الذكور فقط، أو من الإناث فقط، أو من الذكور والإناث. يعني ولو كانوا مختلفين، يعني قد يكون الإخوة جمع ذكورًا فقط، وقد يكونّ إناثًا فقط، وقد يكونوا مشترك بين الطرفين. إذًا الشرط الثاني: عدم الجمع من الإخوة، المراد بالجمع اثنان فأكثر، والجمع في هذا الفن يصدق باثنين فأكثر، وهو مجاز.
(9/1)

الشرط الثالث: ألا تكون المسألة إحدى العُمريتين، نسبة إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. إذًا بهذه الشروط الثلاثة ترث الأم الثلث كاملاً، فأما إن كانت من إحدى العُمريتين حينئذٍ ترث الثلث لكنه يعبر عنه بالثلث الباقي، وهو في حقيقته إما سدس وإما ربع كما سيأتي.
قوله: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ) حيث هنا تقييدية، وهي تفيد معنى الشرط، إذا الشرط قيد كما أن الصفة قيد. إذًا حيثُ تقول: حيث تأتي لمعانٍ قد تأتي للتعليل، وقد تأتي للإطلاق، وقد تأتي للتقييد ثلاث استعمالات لحيث، قد تأتي للإطلاق، وقد تأتي للتقييد، وقد تأتي للتعليل، وهنا للتقييد (وَالثُّلْثُ فَرْضُ الأُمِّ) لا مطلقًا بل بقيد (حَيْثُ لاَ وَلَدْ) يعني عدم الولد، بقيد عدم الولد، ولا هنا نافية للجنس (لاَ وَلَدْ) موجود، لا نافية للجنس وولد هذا اسم لا مبني على الفتح المقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الضرب أو الروي، وخبرها محذوف أي موجود. وهذا هو الغالب في باب اسم لا النافية للجنس أن يكون خبرها محذوفًا هذا هو الغالب.
(حَيْثُ لاَ وَلَدْ) وولد هنا يصدق بماذا؟ بالذكر والأنثى سواءُ كان واحدًا أو متعدّدًا، فرض الأم بشرطين عدميين، هكذا قال الشارح، ويُزاد عليه الشرط الثالث (حَيْثُ لاَ وَلَدْ) ذكرًا كان أو أنثى، لأنه كما سبق أن الولد يعم في لسان العرب الذكر والأنثى، فإذا أثبت حينئذٍ دخل فيه الذكر والأنثى، وإذا نُفي حينئذٍ نفي الذكر ولأنثى، وهل يدخل فيه ابنهُ؟
هذا قلنا: محل خلاف، وإن كان المشهور أنه يدخل فيه يناوله حقيقة، وبعضهم يرى أنه مجازًا، وبعضهم ينفي أنه يتناوله مطلقًا لا حقيقة ولا مجاز، فالأقوال ثلاثة، والمشهور عند الفرضيين أن الولد يدخل فيه ابنه، الابن يدخل فيه ابن الابن، وكذلك الولد. واحدًا كان أو متعدّدًا. إذًا عدم الفرع الوارث. قال الشارح: ولا ولد ابن كما سيذكره قريبًا سينصّ الناظم على ولد الابن قال: (وَلاَ ابْنُ ابْنٍ مَعَهَا أَوْ بِنْتُهُ). هذا تنصيص من باب التأكيد فقط وإلا هو داخل في قوله: (لاَ وَلَدْ). لو لم يأتِ بهذا البيت لعممنا قوله: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ). حينئذٍ يكون من باب التأكيد وهذا سبق معنا أنه قد ينص الناظم وينص الشارح أو صاحب المتن مطلقًا ينص على شيء دخل في سابقه بالمفهوم أو بالتضمن من باب التأكيد، وهذا كثير حتى في القرآن {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8] كل منهما داخل في مفهوم الآخر، فقد صرحت الآية الأولى بما دخل في مفهوم الثاني، وصرحت الآية الثانية بما دخل في مفهوم الأول. إذًا هذان منطوقان قد صرح في كل واحد منهما بمفهوم الآخر، يكون من باب التأكيد، وهذا لا إشكال فيه ليس بعيب، يعني ليس مخلاً بالفصاحة، فلا يقال فيه تكرار إلا إذا كان ثمَّ أمر واضح بيِّن دخوله حينئذٍ لا إشكال فيه يقال بأنه تكرار.
(وَالثُّلْثُ فَرْضُ الأُمِّ حَيْثُ) قلنا: تقييد (لاَ وَلَدْ) لا نافية للجنس وولد اسمها وخبرها محذوف أي موجود.
(9/2)

(وَلاَ مِنَ الإِخْوَةِ جَمْعٌ ذُوْ عَدَدْ) هذا الثاني يعني عدم الجمع من الإخوة مطلقًا من الذكور فقط، أو من الإناث فقط، أو منهما معًا. قوله: (وَلاَ مِنَ الإِخْوَةِ جَمْعٌ) ولا جمعٌ من الإخوة، الأصل ولا جمعَ، ولكن لما فصل بينهما بين لا واسمها، حينئذٍ بطل عملها، وهذا واضح بين {لَا فِيهَا غَوْلٌ} لا غول فهيا {لَا فِيهَا غَوْلٌ} [الصافات: 47] بطل عملها لماذا؟ لتقدم الجار والمجرور، هذا مثلها. ولا جمعَ اسم لا، من الإخوة لَمَّا فصل بينهما بطل عملها، إذًا أصل التركيب أي لا جمع من الإخوة موجود، وحتى على إبطالها الخبر محذوف، حتى على إبطالها بمعنى أنها لا يكون ما بعدها اسم لها حينئذٍ الخبر كذلك يكون محذوفًا، يعني لو قدرنا ولا جمعَ من الإخوة موجود، ولا من الإخوة جمعٌ، جمعٌ هذا مبتدأ أين خبره؟ موجودٌ (مِنَ الإِخْوَةِ) جار ومجرور متعلق بقوله: (جَمْعٌ). (وَلاَ مِنَ الإِخْوَةِ جَمْعٌ) أي لا جمع من الإخوة، (ذُوْ عَدَدْ) أي صاحب عدد، هذا من باب التكميل يعني يُعَدّ فيقال: اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، الإخوة وأن تصاعد قد يصل إلى العشرين مثلاً (ذُوْ عَدَدْ) أي صاحب عددٍ يعني صاحب عدد، فذو هنا بمعنى صاحب، صاحب عدد بحيث يدل عليه بالعدد، بأن يقال اثنان ثلاثة ... وهكذا. قال هنا: (وَلاَ مِنَ الإِخْوَةِ جَمْعٌ). اثنان أو أكثر هذا تعميم في الجمع، والجمع هنا المراد به أقل ما يصدق عليه وهو اثنان كما أشار إلى ذلك بقوله: (ذُو عَدَدْ). فإن العدد حقيقةً أقله اثنان، فلا يطلق العدد على الواحد إلا مجازًا من تسمية الجزء باسم كله لتركبُ العدد منه، وأما إطلاقه على الاثنين فصاعدا ًفهو حقيقة، فليس الجمع على حقيقته من أن أقله ثلاثة، كما هو المشهور عند الأصوليين والنحاة، أقل الجمع ثلاثة هذا هو المشهور، لكن هل هو أقل الجمع وهنا إشكال حتى في الشرح، مادة جمع تدل في اللغة على ضم الشيء إلى مثله مطلق الضمّ، الشيء إلى مثله جمعت بين هذا وذاك اثنين لا إشكال فيه، إذًا أقل ما يدل عليه هذا اللفظ جَمَعَ اثنان، حقيقةً أو مجازًا؟ حقيقة، وإنما كلام الأصوليين الذي يبحث فيه هو جمع المذكر السالم وجمع التكسير، مسلمون أقله كم؟ ثلاثة أو اثنان؟ هو الذي محل الخلاف، ولذلك بعدهم ذهب إلى أن لفظ جَمَعَ بالإجماع أقله اثنان، وليس الخلاف يشمل هذا اللفظ، وليس الخلاف شاملاً لهذا اللفظ حينئذٍ إذا قيل جمع من الإخوة اثنان فأكثر لغة، فلا نحتاج أن نقول: هذا من إطلاق الجمع وأراد به الاثنين .. إلى آخره، لماذا؟ لأنه في لسان العرب هو هكذا، وأما المسلمون وزيدون .. إلى آخره هذا الذي فيه نزاع، هل إذا قال: جاء الزيدون.
(9/3)

يصدق على الاثنين فأكثر، أو الثلاثة فأكثر؟ هذا محل نزاع، لو قال: لو لزيد علي دراهم ثم مات كم يُعطى؟ إن قلنا: أقل الجمع ثلاثة يعطى ثلاث، لأنه الأقل ليس عندنا قرينة تدل ليس ثم شيء آخر، إن قيل بأنه اثنان حينئذٍ يعطى درهمين، هذا محل الخلاف، أما لفظ جامع هذا أقله اثنان حقيقة، وليس الخلاف بين الأصوليين في هذا اللفظ، ولذلك قوله هنا: فإن العدد حقيقية أقله اثنان هذا لا إشكال فيه، فليس الجمع على حقيقته من أن أقله ثلاثة، هذا فيه نظر قول الشارح الشنشوري: فليس الجمع على حقيقته من أن أقله ثلاثة، هذا نظر.
مَثَّلَ الناظم لهذه الصور التي ذكرها أقله اثنان فأكثر لأنه قال: (مِنَ الإِخْوَةِ). وهذا ظاهره إخوة في الظاهر المتبادر أنه مذكر، وأراد أن ينفي ما قد يحتمل كما احتمله هنا الشارح، وأن يعمم في الإخوة يعمم ماذا؟ ليشمل الإناث فقال: (كَاثْنَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ). اللغة في اثنتان (أَوْ ثَلاَثِ ** حُكْمُ الذُّكُوْرِ فِيْهِ كَالإِنَاثِ)، (كَاثْنَيْنِ) يعني وذلك كاثنين جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، (وذلك كاثنين) وذلك جمع كاثنين. إذًا نص الناظم على أن مراده بالإخوة جمع من الإخوة المراد به اثنان، ولا شك أن قوله: (كَاثْنَيْنِ) يعني مذكرين وهذا واضح بين. (كَاثْنَيْنِ) أخوين ذكرين هذه صورة، (أَوْ) للتنويع (ثِنْتَيْنِ) قلنا: ثنتان لغة في اثنتان لغة تميم ثنتين، (أَوْ ثِنْتَيْنِ) يعني أختين اثنتين كذلك هذه صورة ثانية، وكذلك أخٌ وأختٌ كاثنين ذكرين، (ثِنْتَيْنِ) انثيَيْنِ، بقي ماذا؟ ذكرٌ وأنثى، أخٌ وأختٌ، هذه صورة، هذه ثلاث صور صارت الآن:
كاثنين صورة.
ثنتين صورة ثانية.
أخت وأخ هذه صورة ثالثة.
(9/4)

وبقي الخنثيان لأنه إذا قال: كاثنين الأصل ذكرين خالصين، ثنتين انثتين خالصتين، أخ وأخت خالصان هذا الأصل، وهناك ما هو فيه شائبة من هذا وذاك، ما يسمى بالخنثى، وهذا له باب مشكل عنند، الخنثى المشكل يسمونه عندهم فسيأتي باب في آخر النظم ما يتعلق بالخنثى المشكل، لأنه ذكر وأنثى جمع بين الوصفين، ولا يقال خنثى مشكل إلا إذا لم يتبين هل هو ذكر أو أنثى؟ لأنه قد يتبين له عضوان فيبول من أحدهما يتعين أنه ذكر أو أنثى، يحيض مثلاً يتعين أنه أنثى، إذا لم توجد قرينة هذا يسمى الخنثى المشكل، ما تدري هل هو ذكر أم أنثى؟ وهذا قديم أظنه الآن لا وجود له، هل هو موجود الآن؟ لا أظنه موجود لأنه تجرى له عمليات من صغره منذ أن يولد فيستريح ويريح، يستريح [ها ها] هو ويريح غيره، يسمّى عند القضاة مسألة في الخنثى المشكل، لكن ندرسها، بعضهم يقول: الفرائض الآن لا نحتاج دراستها، لماذا؟ كمبيوتر تضع المسألة وبرنامج ومجهز وانتهيت، ولا نحتاج إلى دراسة هذه الفرائض، ومن يقول بهذا: الأولى أنه يعزر. يعزره ولي الأمر لأنه هذا مصادمة للشرع، الأصل لأنه تفسير قرآن فإذا جئنا {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ} [النساء: 12] ماذا نفعل؟ ما نفسرها ما ندرسها، إذا درسناها درسنا الفرائض لأنه واضعها الله عز وجل كيف نصع نتركها تتجاوزها، نمحوها؟ الله المستعان، وهذه الآراء التي تكون في شأن العلم عجيبة الآن غريبة جدًّا تدل على أن ثَمَّ غربة في المنهجية، منهجية طلب العلم دخلتها الغربة، ولذلك العلم يرفع في آخر الزمان وقبل رفعه ترفع وسائله الموصلة إليه، وهذا واضح بيِّن الآن، رفع الوسائل الموصلة إلى العلم واضح أن المنهجية فيها غبش كبير جدًّا عند الطلاب وعند المدرسين أيضًا إلا من رحم الله، وقليلٌ ما هم، حينئذٍ نقول: واضح بيّن أنه وسائل أو من أشراط الساعة.
وكذلك أخٌ وأخت. إذًا وبقي الخنثيان، والخنثى والذكر، والخنثى والأنثى، هذه ثلاثة صور صارت كم كلها؟ ستة. إذًا إذا كان اثنين:
إما أن يكونا ذكرين.
وإما أن يكونا انثتين.
أو أخ ذكر وأنثى.
أو يكونا خنثيين.
أو أنثى وخنثى.
أو ذكر وخنثى.
والصور حينئذٍ تكون ستًّا (أَوْ ثَلاَثِ) يعني من الإخوة (أَوْ) هذه للتنويع، عطف على قوله كاثنين، (أَوْ ثَلاَثِ) يعني من الإخوة الذكور فقط، يعني يكون ثلاثة فقط هذه صورة أولى أو الإناث فقط، يعني ثلاث إناث فقط، هذه صورة ثانية، أو الذكور والإناث يعني يجمع هذا مع ذاك، وتحت هذا صورتان إذا اجتمع الذكور والإناث معًا تحته صورتان:
الأولى: ذكر وانثيان.
والثانية: أنثى وذكران.
إذا اجتمعوا كانوا ثلاثة، حينئذٍ تحته صورتان ذكر وانثيان، والصورة الثانية أنثى وذكران، أو الخناثى المنفردين خلّص، كلهم الإخوة الثلاثة خناثة خلّص، أو خناثة مع الذكور، وتحت ذلك صورتان:
الأولى: خنثى وذكران.
الثانية: ذكر وخنثيان.
أو خناثى مع الإناث، وتحت ذلك صورتان:
الأولى: خنثى وأنثيان.
الثانية: أنثى وخنثيان.
(9/5)

أو خناثا معهما، يعني مع الذكور والإناث، وهذه صورة وهي خنثى وذكر وأنثى، حينئذٍ تلخص تحت قول (أَوْ ثَلاَثِ) عشرة صور، عشر وست، ست عشرة صورة (كَاثْنَيْنِ أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلاَثِ) الفقهاء وأصحاب الفرائض مولعون بعدِّ الصور، قد تصل إلى مائة في بعضها، وقد تصل إلى مائة وخمسين، وبعضها إلى سبعمائة، لكن هذه ليست مفيدة، إنما الأصول هي التي يستفيد منها طالب العلم، وهذه من باب تحصيل الحاصل، ولا يحتاج الطالب إلى أن يتصورها وأن ينظر فيها أو يبحثها ويحفظها، نقول: هذا ليس من العلم الذي يكون مركزًا في الأصول، إذا عرف الأصل حينئذٍ يكفيه، (وَلاَ مِنَ الإِخْوَةِ جَمْعٌ ذُوْ عَدَدْ) يكفيه، أيًّا كان الإخوة سواء كانوا خُلّص أو غير خلّص ذكور فقط أو إناث، أو كوكتيل مع بعض، فحينئذٍ نقول: هذا كله يكفي (حُكْمُ الذُّكُوْرِ فِيْهِ كَالإِنَاثِ) أي حكم الذكور من الإخوة في جمع المذكور كحكم الإناث، فالضمير في قوله: (فِيْهِ). راجع إلى الجمع لأنه المخبر عنه. إذًا (حُكْمُ الذُّكُوْرِ فِيْهِ) يعني في الجمع كالإناث ولو احتمالاً، لماذا؟ ليشمل الخنثى، لأن الخنثى محتمل هو ذكر احتمالاً، أو أنثى احتمالاً يحتمل هذا ويحتمل ذاك، وذكرنا هذا فيما إذا كان لم يتبين يعني لم تأت قرينة أنه ذكر حينئذٍ يتمحض أو أنه أنثى وحينئذٍ تتمحض، وإن وجد قرينة حكمنا عليه، إما ذكر وإما أنثى إذا لم توجد صار خنثى مشكل، (حُكْمُ الذُّكُوْرِ فِيْهِ كَالإِنَاثِ) ولا فرق في الإخوة بين كونهم أشقاء أو لأب أو لأم أو مختلفين يعني اثنان مثلاً أشقاء وواحد لأب، أو واحد لأب والثاني شقيق، أو واحد لأم والثاني شقيق أو الثاني لأب .. وهلم جرا، يعني المراد صدق الأصل وهو وجود جمع اثنان فأكثر من الإخوة مطلقًا، سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم أو مختلفين ولا بين كونهم وارثين أو محجوبين وهذا هو الصحيح من المذهب، فيه خلاف ابن تيمية له رأي خاص فيه لكن الصحيح من المذهب ولو كانوا محجوبين، يعني لو حجبوا هؤلاء الإخوة مثلاً بالأب حينئذٍ هل عدمهم من حيث الحجب لهم تأثير في الأم أولاً؟ نقول: الصواب أنه الحكم عام سواء كانوا وارثين أو كانوا محجوبين أو بعضهم حجب بشخص، والمحجوب القاعدة عند الفرضيين المحجوب بالوصف من الأولاد والإخوة وجوده كالعدم، الحجب كما سيأتي في بابه نوعان:
حجب بشخص.
وحجب بوصف.
الشخص واضح ابن الابن لا يرث مع الابن مع أبيه لا يرث. إذًا ابنُ الابن محجوب ممنوع يعني بماذا؟ بشخص إنسان وُجِدَ منعه من الإرث، كذلك الجدة مثلاً مع وجود الأم لا ترث الجدة مع وجود الأم، فهي محجوبة بشخص.
(9/6)

(بوصف) الأوصاف الثلاثة التي مرت معنا في الموانع: أن يكون قاتلاً، أن يكون رقيقًا، أن يكون غير مسلم .. ونحو ذلك. هذا حجب يكون بماذا؟ بوصف، المحجوب بشخص كالموجود، فهو وارث، معتبر بخلاف المحجوب بوصف، المحجوب بوصف كالعدم وجوده كالعدم، إذًا نص الناظم في هذا البيت والذي قبله على أن الأم ترث الثلث حيث لا ولد وهذا شرط يعني عدم الفرع الوارث وهو الولد، ولا من الإخوة جمع ذو عدد، وهذا هو الشرط الثاني عدم الجمع من الإخوة مطلقًا اثنان فأكثر، ثم مثّل بالبيت الثاني لبعض الصور أو شئت قل: للصور التي يمكن أن يجتمع فيها الإخوة، وهي: ست عشرة صورة، ستة داخلة في قولك: اثنين أو ثنتين. وزدنا عليه، وكذلك أخٌ وأخت هذه صورة ثالثة، أو ثلاث ويدخل تحت قوله: ثلاث عشر صور (حُكْمُ الذُّكُوْرِ فِيْهِ كَالإِنَاثِ) فلا فرق بينهما البتة، والأصل في ذلك قوله تعالى - يعني في توريث الأم الثلث -: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} كاملاً هذا دليل على أي شرط؟ عدم الفرع الوارث {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ} والحال أن أبويه ورثاه فلأمه الثلث، مفهومه إن كان له ولد حينئذٍ الأم لا تأخذ الثلث بل تنتقل إلى السدس، مع مفهوم قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} الأم وارثة إما ثلث وإما سدس إما هذا وإما ذاك، فقوله: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] هذا يُستدل به على أن الأم تُعطى الثلث إذا لم يوجد الإخوة لأنه قال: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ}. وُجد الإخوة الأم حينئذٍ وارثة بالفرض لكنها لا ترث الثلث، لماذا؟ لأن الإخوة حجبوها حجب نقصان من الثلث إلى السدس، عند عدمهم ترجع إلى أصلها، فبهاتين الآيتين الأول بالمنطوق والثاني بالمفهوم دلا على أن الأم تأخذ الثلث بشرطين عدميين وهما عدم الفرع الوارث، والذي دل عليه قوله: {فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ}. هذا دل على انتفاء الفرع الوارث بالمنطوق {فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ}، {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} دل على أن الأم تأخذ الثلث عند عدم وجود الإخوة، وهذا دل على الشرط الثاني عدم جمع من الإخوة لكن بالمفهوم لا بالمنطوق، وهذا يدل على أن المفهوم حجة تثبت به الأحكام الشرعية، ولذلك هذا لا يكاد أن يقع بين الأصوليين خلاف باعتبار المفهوم الشرط، ولذلك الشوكاني في ((إرشاد الفحول)) يقول: ولا ينكره إلا العجمي. يعني هذا النوع لأن ذوق اللسان العرب يدل على أنه مقصود لذاته مقصود بالخطاب. ثم قال المصنف: (وَلاَ أبْنُ ابْنٍ)، (ابْنُ) همزة في الأصل همزة وصل لكن تقطع هنا من أجل الوزن و (ابْنُ أبْنٍ مَعَهَا) أي مع الأم (أَوْ بِنْتُهُ ** فَفَرْضُهَا الثُّلْثُ كَمَا بَيَّنْتُهُ) هذا أراد أن يعمم قوله: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ).
(9/7)

هل هو خاص بالولد؟ أم يشمل ولد الولد؟ الثاني، ولذلك قال الشارح: ولما كان أولاد الابن كالأولاد، الذكر كالذكر والأنثى كالأنثى، يعني بنت الابن كالبنت، وابن الابن كالابن، حينئذٍ أولاد الأولاد كالأَولاد إرثًا وحجبًا، ذكرهم مؤخرًا لهم عن الإخوة، لأن اشتراط عدم الإخوة في إرثها الثلث بالنص بخلاف أولاد الابن فبالقياس، قوله: بالقياس. فيه شيء من النظر، لأنه إذا دخل في قوله ولد: {فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ}. ولد إذا كان في لسان العرب يطلق على الولد الصلب وعلى ابنه حينئذٍ لا نقول بالقياس، فيكون قوله ولد في لسان العرب له فردان.
الفرد الأول الولد الصلب الابن، وهذا وأصح بيِّن.
والفرد الثاني ابنه فيطلق عليه أنه ولد حقيقة على القول الشائع المشهور عند أهل اللسان، فإذا كان كذلك فحينئذٍ لا قياس ليس عندنا قياس، وإنما هو بدلالة الوضع، فاللفظ وضع في لسان العرب وله مفردان: المفرد الأول الابن ولد الصلب، والثاني ابنه. فلا نحتاج إلى أن نقول أنه بالقياس، ولو قيل بأنه لا يشمله نقول: أجمع أهل العلم على أن ابن الابن كأبيه إرثًا وحجبًا، وهذا محل إجماع، يعني المسألة الخلاف في تناول اللفظ، وأما في الحكم فهو مجمع عليه، الحكم في كون ولد الولد كأبيه إرثًا وحجبًا متفق عليه، لكن هل هو داخل في الحكم باللفظ أو بالقياس كما ذكره المصنف. نقول: باللفظ على الصواب. (وَلاَ أبْنُ ابْنٍ) الإضافة هنا للجنس الصادق بالواحد والمتعدّد (وَلاَ أبْنُ ابْنٍ) يعني ليس واحدًا ابنُ ابنٍ واحدًا كان أو اثنين أو أكثر من ذلك، يعني إذا لم يوجد إلا أبناء ابنٍ نقول: أبناء هذا جمع، فيصدق قوله: ولا ابن ابنٍ، يصدق على الواحد وعلى الأكثر، (مَعَهَا) الضمير يعود على الأم، يعني قوله: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ). لو انتقى الولد الصلب ووجد ابن ابنه [ها]؟ يحجبها أو لا؟ يحجبها، لماذا؟ لأنه لم يُعدم الفرع الوارث، والشرط كما قال: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ)، فإن وجد ولد الولد، حينئذٍ صار مانعًا لها حاجبًا من الإرث من الثلث إلى السدس، (مَعَهَا) أي الأم (أَوْ بِنْتُهُ) هذا تنصيص، أي بنت الابن كذلك الإضافة هنا للجنس، تصدق بالواحد وبالمتعدد، يعني أو بنات بنت واحدة أو بنات، (فَفَرْضُهَا الثُّلْثُ كَمَا بَيَّنْتُهُ) في الأول (وَالثُّلْثُ فَرْضُ الأُمِّ حَيْثُ لاَ وَلَدْ)، (فَفَرْضُهَا) يعني: إذا علمت ذلك ففرضها، فالفاء هذه للفصيحة (فَفَرْضُهَا) أي: فرض الأم الثلث كاملاً كما بينته كما يعني كالذي بينته لك في السابق، فدل هذا البيت على التنصيص بالمفهوم الذي دل عليه قوله: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ). إذا جعلناه من باب القياس أو هو تصريح بما تضمنه قوله: (وَلَدْ). إما هذا وإما ذاك، كما بينته قال هنا بهذه العبارة، ولذلك ابن باز في شرحه رحمه الله قال: وهذا البيت داخل في قوله: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ) هذا البيت كله داخل في قوله: (حَيْثُ لاَ وَلَدْ)، بالوضع العربي كما ذكرناه لأن هذا المشهور عند النحاة.
ثم قال:
وَإِنْ يَكُنْ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَبُ ... فَثُلُثُ الْبَاقِيْ لَهَا مُرَتَّبُ
وَهَكَذَا مَعْ زَوْجَةٍ فَصَاعِدَا ... فَلاَ تَكُنْ عَنِ الْعُلُوْمِ قَاعِدَا
(9/8)

الرحبية اشتملت على نصائح توجيهات رحمه الله، هذا هو تحقيق الشرط الثالث، قلنا: الشرط الثالث في توريث الأم الثلث كاملاً هو أن لا تكون المسألة إحدى العمريتين، فإن كانت المسألة إحدى العمريتين حينئذٍ لا ترث الثلث بالإجماع، وإنما ترث ثلث الباقي بالاجتهاد، وهذا مجمعٌ عليه يعني الأئمة الأربعة على ذلك. قال الشارح: ولما كانت الأم قد لا ترث الثلث وليس هناك فرع وارث ولا عدد من الإخوة والأخوات في المسألتين تسميان بالغرّاوين وبالعمريتين، يعني سميت غرّاوين، قيل: سميت بذلك لاشتهارهما كالكوكب الأغرّ، لذلك سميت بالغراوين نسبة إلى الكوكب الأغر، الكوكب الأغر مشهور وهاتان المسألتان مشهورتان عند الفرضيين، وتسمى بالعمريتين نسبة إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الخليفة الراشد أول من قضى [فيها أو] فيهما للأم بثلث الباقي، ووافقه جمهور الصحابة ومن بعدهم ومنهم الأئمة الأربعة فصار كالإجماع إن لم يكن إجماعًا، أول من قضى في هذه المسألة هو عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ويسميان بالغريبتين لغرابتهما في مسائل الفرائض، وبالغريمتين لأن كلاً من الزوجين كالغريم الصاحب الدين، والأبوين كالورثة يأخذان ما تبقى بحسب ميراثهما، على كلٍّ المسألة مراد بها اجتماع من ذكر سميت بتلك أو بتلك هذه ألقاب لا تغير حقيقة الشيء. قال: (وَإِنْ يَكُنْ). زوجٌ وأمٌ وأبٌ، يعني لو هلكت امرأة زوجة عن هذه الصورة لم تترك إلا زوج وأم وأب فقط دون غيرهم، ولذلك (وَإِنْ يَكُنْ) وإن يوجد كان هنا مضارع يكن مضارع كان التامة، يعني تفسر بماذا؟ بالوجود {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة: 280] يعني وُجد ذو عسرة،
(وَإِنْ يَكُنْ) أي يوجد (زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَبُ) فقط دون غيرهم، فثلث الباقي ليس الثلث كاملاً الذي هو الفرض، وإنما هو ثلث الباقي، لها لمن؟ للأم (مُرَتَّبُ) يعني رتبه الشرع، بمعنى أثبته وبينه، لكن الشرع هنا ليس المراد نصوص الكتاب والسنة لأننا كما ذكرنا أن أول من قضى فيها عمر، وعمر - رضي الله عنه - من الخلفاء الراشدين قد أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنته «عليكم بسنتي وسنت الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». وإجماع العلماء على ذلك وصار الإجماع مع قول الصحابي دليلاً ومستندًا لا إثبات هذه المسألة، (وَإِنْ يَكُنْ) أي يوجد (زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَبُ) في فريضة (فَثُلُثُ الْبَاقِيْ) بعد فرض الزوج لها، أي: أم ثابت مرتب، وهذه إحدى الغراويين.
(9/9)

والثانية ذكرها بقوله: (وَهَكَذَا مَعْ زَوْجَةٍ). إذًا الصورة الأولى للغراويين أو العمريتين زوج وأم وأب، (وَهَكَذَا) إذا كان الأب والأم مع زوجة فصاعدًا يعني زوجتين ثلاث أربع، [نعم] (وَهَكَذَا) أي والأمر مثل هذا في أن للأم ثلث الباقي إذا كان الأب والأم مع زوجة فصاعدًا، أي مرتفعًا، فذهب عددها أي الزوجة إلى حالة الصعود يعني على الواحدة إلى أربع، يعني صورة المسألة أب وأم وزوجة، أب وأم وزوجتان، أب وأم وثلاث زوجات، أب وأم وأربع زوجات، كلها مسألة واحدة، (فَصَاعِدَا) أي مرتفقًا، وصاعدًا هذا اسم فاعل من صعد إذا ارتفع فهو حالٌ من محذوف والعامل فيه محذوف أيضًا، أي فذهب العدد على كونه صاعدًا ولا يجوز ذكر هذا الفعل لجريان تلك الحال مجرى الأمثال، فلا تغير عما وردت عليه فإنها لم تُسمع إلا مع حذف عامله، وهذه فيها تفصيل ولها أمثلة ذكرناها في شرح ((الملحة)) في باب الحال هناك فليرجح إليه. (مَعْ زَوْجَةٍ فَصَاعِدَا) أي فذهب عددها أي عدد الزوجة إلى حالة الصعود على الواحدة إلى أربع. قال: هنا فهو منصوب بالحالية من العدد، ولا يجوز فيه غير النصب يعني لا يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف وهو صاعدٌ، هذا لا يجوز، لأنه لا يسمع إلا بالنصب، ولا يستعمل بغير الفاء أو ثُمّ وهما عاطفان على محذوف، (فَلاَ تَكُنْ عَنِ الْعُلُوْمِ قَاعِدَا) لا تكن هذا نهي عن العلوم مطلقًا، المراد به العلوم الشرعية وما يكون موصلاً للعلوم الشرعية، (قَاعِدَا) بل شَمِّر لها عن ساعد الجدِّ والاجتهاد لأن العلوم تحتاج إلى جهد وإلى اجتهاد، وقم لها على قدم العناية والسداد لأن ذلك من سبيل الرشاد.
إذًا هاتان صورتان تسميان بالعمريتين الأولى: زوج وأم وأب، والثانية: زوجة وأم وأب.
(9/10)

المسألة الأولى: زوج وأم وأب. هذه قالوا: أصلها من ستة، كما سيأتي في موضعه، إذا كان من ستة حينئذٍ الزوج له النصف، ونصف الستة كم؟ ثلاثة، وللأم ثلث الباقي، كم الذي بقي عن ثلاث؟ أربعة؟ ستة ثلاث للزوج كم بقي؟ ثلاثة، ثلثه واحد، إذًا هو ثلث لكنه ليس ثلث كل التركة المال، وإنما بعد إعطاء الزوج يبقى معنا الأب والأم، صارت التركة موزعة على ثلاثة حينئذٍ نعطي الأم ثلث الباقي، لماذا؟ لأننا لو أعطيناها الثلث كاملاً من الباقي صار كم؟ اثنين، وبقي للأب واحدًا. والقاعدة عندنا الفرضيين أن الذكر والأنثى إذا كانا في درجة واحدة حينئذٍ لا بد أن يكون الذكر له مثل حظ الأنثيين، وهنا عكست، الأم أخذت اثنين والأب أخذ واحد، إذًا ماذا نفعل؟ ماذا فعل عمر؟ نظر إلى الباقي بعد إعطاء الزوج فرضه وهو ثلاثة، وأخذ الثلث وهو في الحقيقة كم؟ سدس، لأن المسألة من ستة، واحد للأم سدس، وإنما سمي ثُلُثًا تأدبًا مع القرآن {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ} سُمِّيَ الثلث كما هو، لكنه ليس ثلث التركة المال كامل، وإنما هو ثلث للباقي بعد إعطاء الزوج نصيبه، فرارًا من الوقوع في مخالفة أصل مجمع عليه عند الفقهاء، وهو أن الذكر والأنثى إذا كانا في درجة واحدة حينئذٍ للذكر مثل حظ الأنثيين، لا يمكن أن تأخذ الأنثى ضعف الرجل، ففي زوج وأم وأب يعني تموت زوجة عن هؤلاء، حينئذٍ أصلها من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم ثلث الباقي يعني ثلث الثلاثة واحد، وهو في الحقيقة سُدُس، وللأب الباقي اثنان. إذًا صار للأب ضِعْف ما للأنثى.
(9/11)

وفي الصورة الثانية: (زَوْجٌ وَأُمٌّ وَأَبُ)، يعني يموت زوج ويترك زوجة واحدة أو أكثر، (وَأُمٌّ وَأَبُ) حينئذٍ يكون أصلها من أربعة: للزوجة الربع وهو واحد، وللأم ثلث الباقي، كم؟ واحد، وهو في الحقيقة ربع لأن المسألة من أربعة، وللأب الباقي وهو اثنان، وأبقى لفظ الثلث في الصوتين، يعني عمر رضي الله تعالى عنه وإن كان في الحقيقة سُدُسًا في الصورة الأولى، أو ربعًا في الصورة الثانية تأدبًا مع القرآن العزيز، والأصل المطرد عند الفقهاء إذا اجتمعا ذكر وأنثى من درجة واحدة أن يكون للذكر ضعف ما للأنثى، فلو جعل لها الثلث مع الزوج لفضلت على الأب، المسألة الأولى. ولو جُعل لها مع الزوجة لم يفضل عليها بالتضعيف، لأننا قلنا في مسألة الزوجة، المسألة من كم؟ من أربعة: للزوج الربع واحد، بقي كم؟ بقي ثلاثة، حينئذٍ ماذا حصل؟ أعطيت الأم ثلث الباقي، والباقي كم؟ ثلاثة ثُلُثُهُ واحد. وهو في الحقيقة ربع، وللأب الباقي وهو اثنان. ولو جعل لها مع الزوجة لم يفضل عليها بالتضعيف لأنه لو جعل مع الزوجة لصارت المسألة من اثني عشرة، حينئذٍ الزوجة لها كم؟ لها الربع، ربع الاثني عشر ثلاثة، والأم لها الثلث [ها]؟ أربعة، أربعة وثلاث سبعة، حينئذٍ الباقي خمسة يكون للأب، هل أخذ ضعف ما للأنثى؟ هو أخذ أكثر منها ما في شك لكن لم يأخذ الضعف، فصورة المسألة في الثانية الزوجة لا تكن من أربعة إذا أردنا أن نعطي الأم الثلث كاملاً حينئذٍ انتقلت من أربعة إلى اثني عشر، فعندنا الربع أربعة، والثلث ثلاثة، ثلاثة في أربعة باثني عشر، صار أصله اثني عشر، حينئذٍ يكون التقسيم اثني عشر، لكن إذا لم تعتبر الأم لها الثلث الكامل حينئذٍ تجعل المسألة من أربعة، حينئذٍ لو أعطيناها الثلث كاملاً في مسألة الزوجة، الأب أكثر من الأم، لأنه أخذ خمسة وهي أخذت كم؟ أربعة، حينئذٍ أخذ أكثر منها، لكن لم يكن ضعفها، ولذلك قال: ولو جعل لها مع الزوجة لم يفضل عليها بالتضعيف وإن كان أكثر منها، لكن ليس هذا المراد أن يكون أكثر منها ولو بواحد، لا، أن يكون ضعفًا لها، وهذا ما قضى به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ووافقه الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة، وذلك لأننا لو أعطينا الأم الثلث كاملاً لزم إما تفضيل الأم على الأب في صورة الزوج، وإما أنه لا يفضل عليها التفضيل المعهود في صورة الزوجة، مع أن الأم والأب في درجة واحدة.
ثم قال شروعًا في بيان الصنف الثاني، إذًا الصنف الأول الأبيات كلها فيما يتعلق بالأم وإرثها للثلث، (وَالثُّلْثُ فَرْضُ الأُمِّ) بشرطين عدميَّيْنِ وهما حيث لا ولد، ويدخل فيه قوله: (وَلاَ ابْنُ ابْنٍ مَعَهَا أَوْ بِنْتُهُ)، (وَلاَ مِنَ الإِخْوَةِ جَمْعٌ). يعني اثنان فأكثر من الإخوة مطلقًا. ثم مثَّل وذكر بعضًا للصور، ثم ذكر الشرط الثالث وهو لم يذكره شرطًا، وإنما جعل مستثنى والأولى أن يجعل شرطًا فلا تستحق الأم الثلث إلا بثلاثة شروط منها ألا تكون المسألة إحدى العمريتين، فإن كانت إحدى العمريتين فليس لها الثلث كاملاً، وإنما لها الثلث الباقي إما الربع وإما السدس. ثم قال:
وَهْوَ لِلإِِثْنَيْنِ أَوِ الثِّنْتَيْنِ ... مِنْ وَلَدِ الأُمِّ بِغَيْرِ مَيْنِ
(9/12)

وَهَكَذَا إِنْ كَثُرُوْا أَوْ زَادُوا ... فَمَا لَهُمْ فِيْمَا سِوَاهُ زَادُ
وَيَسْتَوِي الإِنَاثُ وَالذُّكُوْرُ ... فِيْهِ كَمَا قَدْ أَوْضَحَ الْمَسْطُوْرُ

(وَهْوَ) بإسكان الهاء، (لِلإِثْنَيْنِ) بهمزة الوصل في الأصل للوزن لا بد من القطع، للإثنين بإثبات الهمزة إن سكنت هاء هُوَ، فإن قلت: وهو بالتحريك، وهو للاثنين بهمزة الوصل، وهو للاثنين يعني إن حركتها هُو بالضم لم تحتج إلى القطع، إن سكنته حينئذٍ تحتاج إلى همزة القطع، وكلّه من أجل الوزن (وَهْوَ لِلاِثْنَيْنِ أَوِ الثِّنْتَيْنِ) هذا الإخوة للأم (من ولد الأم) من جنس ولد الأم، لأنه قال ماذا؟ ولد الأم إذا نظرنا إلى ظاهره يحتمل أنه ماذا؟ أنه أراد به واحد، ولكن ليس الأمر كذلك، بل المراد به جنس ولد الأم، شامل للاثنين فصاعدًا. ولذلك قال:
وَهْوَ لِلإِِثْنَيْنِ أَوِ الثِّنْتَيْنِ ... مِنْ وَلَدِ الأُمِّ بِغَيْرِ مَيْنِ

(بِغَيْرِ مَيْنِ) بغير كذب (بِغَيْرِ مَيْنِ) أي حالة كون ما ذكر متلبسًا بغير مين، والمين المراد به الكذب، بغير مين يعني بغير كذب. إذًا الصنف الثاني الذي يرث الثلث هو الإخوة لأم ويستحقون الثلث بثلاثة شروط.
الشرط الأول: أن يكونوا اثنين فأكثر تعدد جمع، أما الواحد فله السدس كما سيأتي على تفصيل، أن يكونوا اثنين فأكثر، ذكرين كانوا أو أنثيين، أو ذكرًا وأنثى، أو أكثر من ذلك يعني مطلقًا دون تفصيل، ما دام أنهم إخوة لأم حينئذٍ سواء استووا في الذكورية أو الأنثوية أو كانوا خليطًا فكلّه لا يضر، المهم أن يكون اثنين فأكثر إذ هو أقل أقل الجمع.
الثاني: عدم الفرع الوارث من الأولاد وأولاد البنين وإن نزلوا.
(9/13)

الشرط الثالث: عدم الأصل من الذكور الوارث. يعني الأب يحجبه مطلقًا والجد مثله كذلك الإخوة لأم كما سيأتي. إذًا لا يرثون مع الأب لأنه أصل وهو ذكر وهو وارث، وكذلك عند فقده إذا وُجد الجد الوارث كذلك يحجبهم كما سيأتي، والدليل على استحقاقهم الثلث لهذه الشروط قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} [النساء: 12]. يعني من أم كما قري في الشاذ، القراءة الشاذة يُجعل حكمها حكم الخبر، يعني يؤخذ منها حكم الشرع، وهذا محل إجماع، أجمع أهل العلم على أنه المراد بالإخوة هنا هم الإخوة لأم {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ} [النساء: 12]، يعني: الإخوة لأم {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} إن كان واحدًا فله السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك يعني اثنان فأكثر فهم شركاء بالتسوية ولذلك عبر هنا بالشركة، والشركة تقتضي التسوية، ولذلك لا يقال في شأن الإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين، وإنما يستوون تسوية كما هو شأن الشريك مع شريكه، وإنما ذلك يكون في شأن الأشقاء أو لأب {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، هذا مخصوص بما دون الإخوة لأم، والمراد بهذه الآية الأخ والأخت من الأم بالإجماع، إن كانوا مفردين أو كانوا مجتمعين، إن كانوا مفردين حينئذٍ يعني ذكر أو أنثى حينئذٍ لهم السدس، وإن كانوا مجتمعين حينئذٍ لهم الثلث، (وَهْوَ لِلاِثْنَيْنِ) وهو أي الثلث (لِلاِثْنَيْنِ) يعني الذكرين، ولو احتمالاً فيدخل فيه الخنثيين (أَوِ الثِّنْتَيْنِ) أي أنثيين، وكذلك ذكر وأنثى ولو احتمالاً في أحدهما فيشمل الذكر والأنثى، ويشمل أيضًا الأنثى والخنثى، (مِنْ وَلَدِ الأُمِّ) فقط. قلنا: من جنس ولد الأم ليعم ما سبق فقط دون الأب، وهم الإخوة للأم أي أولاد الأم فقط هم الإخوة للأم (بِغَيْرِ مَيْنِ) أي بغير كذب.
وَهَكَذَا إِنْ كَثُرُوْا أَوْ زَادُوا ... فَمَا لَهُمْ فِيْمَا سِوَاهُ زَادُ
(9/14)

أراد أن يعمم معنى الكثرة من ولد الأم قلنا: من جنس. فيشمل إذًا لا نحتاج لهذا البيت، إذا قلنا قوله: (مِنْ وَلَدِ الأُمِّ) من جنس ولد الأم، الجنس يصدق على ماذا؟ على الاثنين والثلاث والأربع لو وجدوا ألف، حينئذٍ فهم شركاء في الثلث لأن قوله تعالى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} [النساء: 12]. لو وجدوا ألف حينئذٍ نقول: هؤلاء شركاء في الثلث. (وَهَكَذَا) أي مثل هذا يكون لهم الثلث إن كثروا أو زادوا زيادة بمعنى الكثرة، أليس كذلك؟ إن كثروا أو زادوا ما الفرق بينهما؟ الكثرة هي الزيادة، والزيادة هي الكثرة، فتكون أو هنا بمعنى الواو، (إِنْ كَثُرُوْا أَوْ زَادُوا) فالثلث لهم فجواب الشرط محذوف، (وَهَكَذَا) أي: مثل ذاك يكون لهم الثلث، (إِنْ) هذه إن شرطية (كَثُرُوْا) وَ (زَادُوا) (أَوْ) بمعنى الواو، أين جواب الشرط؟ محذوف، فالثلث لهم، فجواب الشرط محذوف ويحتمل أنه المذكور هذا قدره البيجوري، ويحتمل أن يكون قوله: (فَمَا لَهُمْ فِيْمَا سِوَاهُ زَادُ). هو الجواب ولا مانع من هذا. (فَمَا لَهُمْ) فليس لهم (فِيْمَا سِوَاهُ) يعني في الذي سواه ما هو؟ سواه سوى ماذا؟ سوى الثلث (فَمَا لَهُمْ) يعني للإخوة للأم، ليس للإخوة للأم زيادة فيما سوى الثلث البتة لأنه منصوص عليه بالكتاب، فلا زيادة، فليس لهم أي للإخوة زيادة فيما سوى الثلث. قال هنا: إن كثروا أو زادوا عن اثنين وأو هنا بمعنى الواو إذ المتعاطفان مترادفان، وإنما يعطف بها المتباينان، والمقصود بالجمع بين لفظة الكثرة والزيادة التأكيد، يعني لماذا؟ جمع بين هذين اللفظين؟ كثر وزادوا هما بمعنى واحد؟ المراد به التأكيد، ومثله (فَمَا لَهُمْ فِيْمَا سِوَاهُ زَادُ) كذلك هذا أراد به التأكيد لأننا علمنا فيما سبق أن الفرض معين، معنى ثلث يعني لا يزاد ولا ينقص، هذا الأصل، سدس، نصف، ربع .. إلى آخره، فرض معناه معين من السماء ليس من صنع البشر، ليست بالآراء ولا بالاجتهادات، وإنما هو فرض محتوم من السماء. إذًا (فَمَا لَهُمْ فِيْمَا سِوَاهُ) في الثلث زادُوا لأنهم لا يستحقون أكثر منه، ما أعطاهم الله عز وجل لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}. والزاد هو الطعام في السفر هذا الأصل لكن المراد به هنا الشيء الزائد، فالمعنى ليس لهم شيء زائد فيما سواه، وليس المراد بالطعام في السفر ليس عندنا طعام هنا، وإنما هو في الأصل. والمراد هنا به ليس لهم شيء زائد، شيء نكرة فيصدق على الثلث، لأن الثلث قد يكون مال ورق، وقد يكون عقار، وقد يكون غير ذلك، فنطلق الزاد هنا بمعنى الشيء.
(9/15)

(وَيَسْتَوِي الإِنَاثُ وَالذُّكُوْرُ ** فِيْهِ) يعني في الثلث [نعم خليكم معي]، (كَمَا قَدْ أَوْضَحَ الْمَسْطُوْرُ) يعني كالذي قد ما هنا موصولة بمعنى الذي، و (قَدْ) للتحقيق، و (أَوْضَحَ) هذا فعل ماضي أوضحه (الْمَسْطُوْرُ)، (الْمَسْطُوْرُ) فاعل، والمراد به المكتوب الكتاب يعني القرآن، هو الذي أوضح هذا (أَوْضَحَ الْمَسْطُوْرُ) المسطور فاعل أوضح يعني بيَّنَه وزاده إيضاحًا بالنص عليه والمفعول به محذوف، تقديره أوضحه المسطور أي المكتوب أي القرآن فهو عام أريد به خاص بقرينة المقام، لأن المسطور عام، لا يصدق على القرآن فقط ليس خاصًا بالقرآن، إنما كل كتاب هو مسطور، حينئذٍ من باب إطلاق العام إرادة الخاص (كَمَا قَدْ أَوْضَحَ الْمَسْطُوْرُ) أي المكتوب وهو القرآن العزيز في قوله: {فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} والشركة إذا أُطلقت تقتضي المساواة، حينئذٍ لا نقول إذا قيل بأنه لهم الثلث {فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} إن وُجد إناث وذكور حينئذٍ لا نقول بأن {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} بل يستوون كلهم، يعني لو كان الثلث مثلاً ثمانية، وهم ثمانية أربعة ذكور وأربعة إناث فلكل واحد سهم واحد، ولا نقول: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} وهذه من المسائل التي يخالف الإخوة لأم غيرهم من الورثة، فإن التشريك إذا أُطلق يقتضي المساواة، وهذا مما خالف فيه أولا الأم غيرهم، فإنهم خالفوا غيرهم في أشياء خمسة أشياء:
الأول: ما ذكرناه سابقًا أن ذكرهم لا يعصب أنثاهم، لا يعصب يعني؟ - إيش معنى لا يعصب؟ -، معذورون ما جئنا للتعصيب، يعني لا يأخذ الذكر ضعف ما للأنثى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} هذا جزء من التعصيب، حينئذٍ الذكر يأخذ مثل حظ الأنثيين، كانت المرأة البنت تأخذ مثلاً الواحد وهو يأخذ اثنين، هذا يسمى تعصيبًا، تأتي في محله، أن ذكرهم لا يعصب أنثاهم، هذا الأول.
الثانية: لا يفضل ذكرهم على أنثاهم في الإرث اجتماعًا ولا انفرادًا، يعني يستوون من حيث الاجتماع ومن حيث الانفراد، أخٌ لأم بشرطه يأخذ السدس، أخت لأم تأخذ السدس، مجتمعون يأخذون السدس بالسوية، لا فضل لذكر على أنثى البتة بخلاف ما هو الشأن في غيرهم.
ثالثًا: يرثون مع من أدلوا به، والقاعدة في الباب المواريث أن كل من أدلى بشيء حجبته تلك الواسطة، فهنا أدلوا بالأم، والأصل أن الأم تحجبهم، ولذلك ابن الابن مثلاً ما الواسطة بينه وبين الميت؟ نقول: الابن، ابن الابن أبوه هو الواسطة لا يجتمع معه أحد البتة في الإرث، لا بد أن يكون الأب غير موجود، حينئذٍ إذا وُجد أبوه منعه يعني حجبه. هنا قال: ويرثون مع من أدلوا به ابنُ الابن لا يرث مع أبيه البتة لا يجتمعون، لأنه أدلى بالأب حينئذٍ يكون مانعًا له، إلا الإخوة لأم، فهم يرثون معها أدلوا بالأم ويرثون معها هذه ميزة خاصة لهم.
رابعًا: وتحجب بهم أي الأم، يعني حجب نقصان لأنهم يحجبونها من الثلث إلى السدس يرثون معها ويحجبونها كذلك، لكن إذا كانوا جمعًا كما سبق في الآية السابقة، وتحجب بهم أي الأم لأنهم يردونها إلى السدس.
(9/16)

خامسًا: وذكرهم أدلى بأنثى ويرث، وكما سبق كل من أدلى بأنثى الأصل فيه أنه لا يرث، وهنا أخ لأم أدلى بأنثى فالأصل أنه لا يرث، هذه خمسة مسائل خالف الإخوة لأم غيرهم من الورثة.
قال فائدة هنا: بقي مما يرث الثلث الجد في بعض أحواله مع الإخوة، هذا سيأتي في محله.
ثم قال: (باب) من يرث (السُّدُس)
ذُكر السُّدُس في القرآن في ثلاثة مواضع، وأصحابه سبعة أكثر أصحاب الفروض، أصحابه سبعة عدهم أولاً إجمالاً ثم ذكرهم تفصيلاً، وهذا فهي تشويق للنفس البشرية لأنه إذا ذكر الشيء لها إجمالاً ثم فصل يعني تشوقت حين ذلك، يعني إذا أُجمل قيل: اعطنا التفصيل، اعطنا الخبر عطنا كذا .. إلى آخره:
وَالسُّدْسُ فَرْضُ سَبْعَةٍ مِنَ الْعَدَدْ ... أَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ بِنْتِ ابْنٍ وَجَدّْ
وَالأُخْتُ بِنْتُ الأَبِ ثُمَّ الْجَدَّةْ ... وَوَلَدُ الأُمِّ تَمَامُ الْعِدَّةْ
فَالأَبُ يَسْتَحِقُّهُ مَعَ الْوَلَدْ ... وَهَكَذَا الأُمُّ بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ

(وَالسُّدْسُ) بسكون الدال للوزن (فَرْضُ سَبْعَةٍ) نص هنا يعني مفروض لسبعة، (فَرْضُ) هذا خبر المبتدأ (السُّدْسُ) مبتدأ، و (فَرْضُ) خبره، وهو مصدر بمعنى اسم المفعول والإضافة لامية يعني فرض لسبعة (سَبْعَةٍ مِنَ الْعَدَدْ) إذا قال: (سَبْعَةٍ) معلوم أنها من العدد، من ماذا إذًا. إذًا قوله: (مِنَ الْعَدَدْ) تكملة ليس فيها فائدة، أشبه ما يكون بحشو من أجل النظم فقط، (مِنَ الْعَدَدْ) هذه تكملة ولا فائدة فيه إلا تكملة النظم فحسب (أَبٍ) هذا بدل مفصل من مجمل، (سبعةٍ أبٍ) أب هذا بدل من سبعة، والبدل من المجرور مجرور، ويصح أن تقول: أبٌ على أنه خبر لمبتدأ محذوف أولها أبٌ، (وَأُمٍّ) وثانيها أمٌ ليس معطوف على سابقه، وإنما هو خبر لمبتدأ محذوف يعني هذه السبعة كلها إما أن تجعلها معطوفة على ما سبق، وإما بالجر، وإما أن ترفعها حينئذٍ تكون قد قطعتها، وتقدر لكل واحد منها تعربه خبرًا والمبتدأ محذوف أبٌ أولها (أَبٍ وَأُمٍّ)، يعني ثانيها أمّ (ثُمَّ بِنْتِ ابْنٍ وَجَدّْ) ثم ثالثها و .. إلى آخره، إذًا أبٍ بالجر بدل مفصل من مجمل، يجوز فيه الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أولها أبٌ، وأم معطوف على أبٍ إذا كان جرًّا والمعطوف على المجرور مجرور، أو وأمٌّ بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وثانيها أم (ثُمَّ) ليست على بابها، وإنما هي بمعنى الواو لأن التعداد هنا لا مزية لواحد منها على الآخر بشيء البتة، إنما المراد أن يعدد إجمالاً ولا يمتاز أحدها على الآخر بشيء للبتة، (ثُمَّ) يعني و (بِنْتِ ابْنٍ) هذا الثالث بنت ابن، (بِنْتِ) بالرفع والجر، (وَجَدّْ) يعني جد الوارث، (وَالأُخْتُ بِنْتُ الأَبِ) يعني الأخت لأب، (ثُمَّ الْجَدَّةْ) يعني والجدة، (وَوَلَدُ الأُمِّ) بالرفع، (تَمَامُ الْعِدَّةْ) مبتدأ وخبر، أو (وَوَلَدُ الأُمِّ).
(9/17)

إذًا (وَالأُخْتُ بِنْتُ الأَبِ) هذا معطوفًا على (أَبٍ) لأن العطف بالواو يرجع إلى الأول، (وَالأُخْتُ) بالخفض عطف على الأب، (بِنْتُ الأَبِ) هذا تقييد، يعني ليس الشقيقة ولا غيرها، (ثُمَّ الْجَدَّةْ) ثم بمعنى الواو، (وَوَلَدُ الأُمِّ تَمَامُ الْعِدَّةْ) هذا يحتمل ولد على أنه مبتدأ وتمام على أنه خبر، ولا بأس به، والبيجوري ما يرى هذا، يقول: لا، هذا غلط. لكن الظاهر أنه يجوز لأنه وإن كان معطوفًا على ما سبق إلا أنه فصله وجعله لجملة مستقلة، وهذا لا إشكال فيه لأنه إذا قال: (وَوَلَدُ الأُمِّ تَمَامُ الْعِدَّةْ) ما أخرجه، لأنه أراد أن يفصل إجمالاً، وقوله: (تَمَامُ الْعِدَّةْ) دليل على أنه أراد به أنه داخل في مفهوم السبعة التي عدها إجمالاً، وهذا واضح بَيّن فلا إشكال فيه، حينئذٍ لا يكون ذلك يعني بانكار (وَوَلَدُ الأُمِّ) بالجرّ يكون تابعًا لما سبق، (وَوَلَدُ) هذا يحتمل سابعها ولد على أنه خبر لمبتدأ محذوف، وسابعها يعني سابع العدد (وَلَدُ الأُمِّ) ويحتمل وجه ثالث يعني يزيد عما سبق يحتمل وجهًا ثالثًا وهو أن يكون مبتدأ وقول: (تَمَامُ الْعِدَّةْ) خبر المبتدأ، وهذا لا إشكال فيه وإن أنكره البيجوري. (وَوَلَدُ الأُمِّ) يعني الأخ أو الأخت من الأم فقط، لذا خصه (وَلَدُ) أخ أو أخت من الأم فقط، (تَمَامُ) قال هناك في إذا جعله تابعًا لما سبق على قول البيجوري (وَوَلَدُ) تابع لما سبق (تَمَامُ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأٍ محذوف وليس خبرًا عن (وَلَدُ الأُمِّ) لأنه معطوف على ما سبق، أي هو متمم (وَلَدُ الأُمِّ) هو متمم العدة، لأن تمام هذا بمعنى متمم، وهذا فيه تكلف، والأولى أن يجعل (وَلَدُ) مبتدأ وقول (تَمَامُ) أي متمم العدة يعني السبعة يكون خبرًا للمبتدأ.
ثم قال:
فَالأَبُ يَسْتَحِقُّهُ مَعَ الْوَلَدْ ... وَهَكَذَا الأُمُّ بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ
(9/18)

(فَالأَبُ) الفاء هذه فصيحة يعني أفصحت عن جواب شرط مقدر بعد ما أجمل لك عدَّ السبعة شرع في بيان من يرث السدس على جهة التفصيل، يعني بيان الشروط التي يستحق بها أن يرث السدس. فقال: (فَالأَبُ) أي إذا أردت بيان ذلك تفصيلاً فأقول لك الأب (فَالأَبُ) يستحقه يعني يستحق السدس، الضمير يعود على السدس بشرط واحد وهو قوله: (مَعَ الْوَلَدْ). يعني حال كونه مع الولد، أي مع وجود الفرع الوارث، (فَالأَبُ) يأخذ السدس مع وجود الفرع الوارث واحدًا كان أو أكثر ذكرًا كان أو أنثى قريبًا كان أو بعيدًا مطلقًا، ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو متعددًا، قريبًا ابن ابن أو ابن أو بعيدًا ابن ابن ابن .. إلى آخره، يرث السدس مع وجود الفرع الوارث، لكن فيه تفصيل من حيث أن الأب قد يجمع بين التعصيب وبين الفرض كما سبق أن الورثة باعتبار التعصيب والإرث أربعة، منهم قسم يجمع بين الفرض والتعصيب في وقت واحد، ومنهم قسم يجمع بين الفرض والتعصيب لا في مسالة واحدة، الأب ممن يجمع بين النوعين الفرض والتعصيب في وقت واحد، فإن كان هذا الفرع الوارث ذكرًا ليس للأب إلا السدس فقط، إن كان أنثى فأخذ السدس ولم يبق شيء كسابقه، ليس له إلا السدس، إن بقي شيء فحينئذٍ رجع إليه بعد السدس، فيأخذ السدس فرضًا والباقي تعصيبًا. إذًا يرث من جهتين، وهذا إذا انتهينا من باب السدس نأخذ عليه أمثله إن شاء الله، أمثلة تحلونها مسائل، فيرث الأب السدس فقط إذا كان الفرع الوارث ذكرًا أو أنثى ولم يبق شيء، فإن كان الفرع الوارث أنثى وبقي بعد الفرض يعني فرض الأنثى شيء حينئذٍ يأخذ الباقي من؟ الأب يأخذه تعصيبًا فله السدس فقط مع الفرع الوارث إن كان ذكرًا، وإن كان أنثى، وفضل بعد الفرض شيء أخذه الأب تعصيبًا مع السدس، ولذلك قال الشارح: فالأب يستحق وله السدس مع الولد ذكرًا كان أو أنثى، فإن كان الولد ذكرًا فلا شيء للأب غير السدس إن كان الولد ذكرًا. قالوا: لأن جهة البنوّة مقدمة على الأبوّة في الإرث بالتعصيب، فليس للأب إلا السدس فرضًا، وللابن الباقي، الابن أقوى في التعصيب من الأب كما سيأتي في محله وإن كان الولد أنثى وفضل بعد الفرض شيء فإن لم يفضل فلا يأخذ شيئًا سوى السدس، وإن فضل شيء أخذه أيضًا تعصيبًا فيجمع إذ ذاك يعني الفرض والتعصيب، وهذا سيأتي في محله مفصلاً.
(9/19)

الثاني ممن يرث السدس: الأم (وَهَكَذَا الأُمُّ) أي والأم مثل هذا، والإشارة تكون للأب، والأب يستحقه ماذا؟ يستحقه مع الولد، كذلك الأم تستحق السدس مع الولد مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو متعددًا، قريبًا أو بعيدًا. إذًا قوله: (وَهَكَذَا الأُمُّ) يعني الأم مثل هذا، مثل ذا الذي هو الأب، فالأب يستحق السدس مع الولد، وكذلك الأم تستحق السدس مع الولد، وله زيادة سيأتي توضيحها. (وَهَكَذَا الأُمُّ) تستحق السدس بشرط واحد وهو وجود الفرع الوارث، وسيزيد عليه وجود الجمع من الإخوة، (مَعَ الْوَلَدْ) ذكرًا كان أو أنثى واحد أو متعددًا. قال: (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ). هذا في المسألتين يعني الأب يستحق السدس (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ) والأم تستحق السدس (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ)، (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ) ما هو؟ القرآن، الصمد اسم من أسمائه جل وعلا (تَنْزِيْلِ) هذا مصدر نَزَّلَ يُنَزِّلُ تَنْزِيلاً، وهو مضاف، والصمد مضاف إليه وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، تنزيل الصمد من الذي نزل الحكم؟ الله عز وجل، حينئذٍ نقول: هذا من إضافة المصدر إلى فاعله (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ) أي حال كون استحقاق كل من الأب والأم للسدس مع الولد ثابتًا (بِتَنْزِيْلِ) هذا حال، وهو متعلق بمحذوف حال ثابتًا (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ) فهو راجع لهما في المسألتين الأب والأم. و (الصَّمَدْ) من أسمائه جل وعلا ومعناه: الذي لا جوف له، أو الذي يقصد في الحوائج ونحو ذلك مما ذكره السلف، وهي معاني خمسة أو ست كلها ثابتة، كلها يشملها هذا اللفظ. (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ) جل وعلا في كتابه العزيز، هذا دليل استحقاق الأبوين للسدس بشرط المذكور. قال تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 11]. {وَلِأَبَوَيْهِ} المراد بهما الأم والأب، وإنما غلب الأب على الأم لشرفه، أبوبين يعين أبوان أب وأب هذا إذا جرينا على الظاهر، ولكنه ملحق بالمثنى وليس بمثنى، كالقمرين المراد بها الشمس والقمر، إذًا ليس قمر وقمر. إذًا أبوين ليس المراد بهما أب وأب، لأن الشخص لا يكون له أبوان، وإنما هو أب واحد حينئذٍ نقول: {وَلِأَبَوَيْهِ} يعني لأبيه وأمه، الأب والأم، وثناه تغليبًا يعني الأب على الأم لشرفه {وَلِأَبَوَيْهِ} إيش إعراب {وَلِأَبَوَيْهِ} السدس لأبويه، لأَبويه السدس خبر مقدم لأبويه جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر كائن ثابت لأبويه {السُّدُسُ} هذا مبتدأ مؤخر، السدس لأبويه قوله: {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} لأبويه لكل هذا جار ومجرور بدل من الجار والمجرور لأن قوله: {وَلِأَبَوَيْهِ}، {السُّدُسُ} هذا يحتمل ماذا؟ يحتمل أنهما شركاء في سدس واحد، إذا قيل لأبويه السدس {فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ} كما سبق فيحتمل أن السدس واحد، والأب والأم شركاء وليس المراد ذلك، وإنما المراد الأب له سدس مستقل، والأم لها سدس مستقل، ولذلك قال: {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا}. هذا دفع لإيهام الاشتراك في السدس لقوله: {وَلِأَبَوَيْهِ}.
(9/20)

انظر البدل له فائدة هذا، إذًا لكل واحد منهما الأبوين السدس فإعراب لأبويه خبر متعلق بمحذوف خبر وهو جار ومجرور، {لِكُلِّ} نقول: هذا جار ومجرور بدل مما قبله، والفائدة فيه دفع إيهام أن يكون قوله: لأبويه يدل على اشتراك الأبوين في السدس، وليس الأمر كذلك، بل لكل واحد منهما السدس {مِمَّا تَرَكَ} هذا متعلق بقوله: {السُّدُسُ}. {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} إن وجد الولد فللأب كم؟ السدس، إن وجد الولد فللأم السدس، إذًا إن كان له ولد هذا الشرط لا يعود للأبوين معًا، كل واحد منهما. إذًا قوله: (فَالأَبُ يَسْتَحِقُّهُ مَعَ الْوَلَدْ). هذا منطوق قوله: {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} وهو شرط، فإن لم يكن له ولد فالحكم يختلف، ولذلك قال هنا: وما أحسن هذا الترتيب الحسن في هذه المنظومة فإنه أعقب الأب الأم مؤخرًا للجد عنهما، يعني أتى بالأب أولاً، ثم الأم، ثم أتى بالجد، مع أن المناسب بالعقل والعادة أن يأتي بالجد قبل الأم لأنه أب الأب، ثم يأتي بعد ذلك بالأم، لكن هذا فيه تأدب مع القرآن، لأنه قال: لأبويه، أتى بالأب والأم معًا فذكرهما معًا تأدبًا مع القرآن. ثم قال:
وَهَكَذَا مَعْ وَلَدِ الاِبْنِ الَّذِي ... مَا زَالَ يَقْفُوا إِثْرَهُ وَيَحْتَذِي

يعني قوله: (مَعَ الْوَلَدْ). ليس خاصًّا بالولد الصلب، وإنما يدخل فيه ولد الولد، كما قال هناك (وَلاَ ابْنُ ابْنٍ مَعَهَا) فالتنصيص هنا تنصيص على ما أُلْحِقَ قياسًا بالولد على قول، أو تأكيد لما دخل في قوله: الولد. فهو وارث لأن ولد الولد يرث، الأولاد أولاد كالأولاد إرثًا وحجبًا، الابن هذا يرث ويحجب، ابنه مثله في الإرث والحجب فلا خلاف بينهم، وإنما الخلاف لا خلاف بين أهل العلم في الحكم، وإنما الخلاف هل يشمله باللفظ أو بالقياس. (وَهَكَذَا) أي وحال الأب والأم مع ولد الابن مثل حالهما مع الولد في استحقاق السدس، (وَهَكَذَا مَعْ) بإسكان العين يجوز فيه لغة أخرى لكن هنا من أجل الوزن، (مَعْ وَلَدِ الإبْنِ) بالهمز قطع الهمز من أجل الوزن (مَعْ وَلَدِ الإبْنِ الَّذِي) هذا صفة لولد الابن، (مَا زَالَ يَقْفُوا) يقفوا قفا يقفو، يعني يتبع، ومنه قَفْوُ الأثر (إِثْرَهُ) أي حكمه، يقال: جاءني في إثره. أي في عقبه، وقَفَا الشيء أو الأثر تبعه، وفي القرآن {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] إذًا (مَا زَالَ يَقْفُوا) أي يتبع إثره يعني عقبه، والمراد به هنا الحكم يعني ولد الابن يتبع أباه في الحكم إرثًا وحجبًا، (وَيَحْتَذِي) يقال: حذا فلان حذو فلان فعل مثل ما يفعل، واحتذى مثال فلان أو على مثاله أو به سار على مثاله. إذًا أراد الناظم بهذه البيت أن ينص على أن شرط استحقاق السدس للأب أو الأم مع وجود الولد وولد الولد مثله، فيستحق مع عدم الأول
وَهَكَذَا مَعْ وَلَدِ الاِبْنِ الَّذِي ... مَا زَالَ يَقْفُوا .............

أي هذا الابن ولد الابن يقفوا إثره، يعني إثر أبيه (وَيَحْتَذِي) يعني تبعه.
(9/21)

قال هنا: (وَيَحْتَذِي) بالذال المعجمة أي يقتدي به في الإرث والحجب قياسًا عليه، الذكر كالذكر والأنثى كالأنثى. قال الشارح هنا: فتلخص من هذا كله أن الأب يرث السدس مع واحد من أربعة: الابن أو ابن الابن أو البنت أو بنت ابن، لأن قوله: (وَلَدِ). قلنا في لسان العرب: يشمل الذكر والأنثى. إذًا ابن وبنت. ثم قال هنا:
وَهَكَذَا مَعْ وَلَدِ الاِبْنِ الَّذِي ... مَا زَالَ يَقْفُوا .............

إذًا ابن الابن وكذلك بنت الابن فهما أربعة، وأن الأم ترث السدس كذلك مع واحد من أربعة على ما ذكره في البيت الأول: الابن، أو ابن الأب، أو البنت، أو بنت الابن. حينئذٍ صار في هذه المسائل الأربعة سيان، لكن تزيد الأم على الأب بأنها ترث السدس مع العدد من الإخوة مطلقًا، بمعنى أنها ترث السدس بشرط وجود الفرع الوارث، وهو الذي عناه بقوله: (مَعَ الْوَلَدْ). أو بجمع من الإخوة، إما هذا وإما ذاك، فإن انتفى الولد ووجد جمع من الإخوة مطلقًا سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم ذكورًا أو إناثًا أو مختلطين، حينئذٍ استحقت الأم السدس. ولذلك قال:
وَهْوَ لَهَا أَيْضًا مَعَ الاثْنَيْنِ ... مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ ...........

(وَهْوَ) أي السدس (لَهَا) أي للأم أيضًا كما هو لها مع الولد، وولد الابن (مَعَ الاثْنَيْنِ) أي حال كونهما مع الاثنين من إخوة الْمَيْت. هذا يشمل الأخوات ففيه تغليب، والْمَيْت هنا بالتخفيف وهو فرع المشدد، وهو بمعنى واحد. وخرج بالإخوة بنوهم، وليس المراد هنا إلا الإخوة بخلاف ما سبق. ويأتي تفصيل لهذا البيت فيما يأتي، والله أعلم.
وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(9/22)

عناصر الدرس
* تتمة أصحاب السدس وشروطهم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
لا زال الحديث في قوله أو في باب من يرث السدس، وقد ذكرنا أن هذا الباب هو الباب الأخير من أصحاب الفروض، وقد ذكر الناظم هنا أنهم سبعة وهذا محل إجماع.
بابُ من يرث السدس، ذُكر السدس في القرآن في ثلاثة مواضع، وأصحابه سبعة بالإجماع، جمع الناظم في البيتين الأولين الْعِدة فقال:
وَالسُّدْسُ فَرْضُ سَبْعَةٍ مِنَ الْعَدَدْ ... أَبٍ وَأُمٍّ ثُمَّ بِنْتِ ابْنٍ وَجَدّْ
وَالأُخْتُ بِنْتُ الأَبِ ثُمَّ الْجَدَّةْ ... وَوَلَدُ الأُمِّ تَمَامُ الْعِدَّةْ

فهذان البيتان اشتملا على السبعة، ثم شرع في بيان كل واحدٍ من هؤلاء السبعة وما يشترط في شأنه أو ما يستحق به السدس، فقال:
فَالأَبُ يَسْتَحِقُّهُ مَعَ الْوَلَدْ ... وَهَكَذَا الأُمُّ بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ

ذكر في هذا البيت الأول والثاني وهما: الأب، والأم.
(فَالأَبُ) الفاء هذه كما ذكرنا فاء الصيحة، (فَالأَبُ يَسْتَحِقُّهُ)، يعني: يستحق السدس بشرطٍ واحد، وهو: شرط الوجود، (مَعَ الْوَلَدْ)، يعني مع وجود الولد، ولد الصلب الابن، الصلب أو البنت الصلب، أو ولد الولد، لأنه داخل فيه من جهة اللغة كما ذكرنا أو من باب القياس، وعلى هذا وذاك هو مجمعٌ عليه، فالأب يستحق السدس مع الولد، ولد الصلب وكذلك ولده، يعني: الابن وابنه، وكذلك البنت وابنها، (فَالأَبُ يَسْتَحِقُّهُ)، يعني: يستحق السدس بشرط واحد قال: (مَعَ الْوَلَدْ). (مَعَ) هذا ظرف متعلق بمحذوف حال كونه مع الولد، يعني: مع وجود الفرع الوارث واحدًا كان أو أكثر، ذكرًا كان أو أنثى، قريبًا كان أو بعيدًا، ولذلك أطلقه الناظم قال: (مَعَ الْوَلَدْ). فيعم الواحد والاثنين، ويعم الذكر والأنثى، لكن مع الذكر يرث الأب السدس فقط، يعني: بالفرض، وأما مع الأنثى فإن فَضُلَ شيء بعد السدس حينئذٍ أخذه تعصيبًا، فيرث مع الذكر بجهة واحدة بنوعٍ واحد من نوعي الإرث وهو بالفرض فحسب، وأما مع الأنثى فحينئذٍ إذا بقي شيء بعد الأخذ الفروض إذا بقي شيء يرثه الأب بالتعصيب فيجمع بين الفرض وهو السدس وما زاد على ذلك وهو بالتعصيب.
(وَهَكَذَا الأُمُّ) هذا النوع الثاني وهو الأم، يعني: أم الميت، (وَهَكَذَا)، أي: والأم مثل هذا، هكذَا هكذا هذا خبر مقدم، والأم مبتدأ مؤخر، يعني: والأم مثل هذا، مثل الأب، فتستحق السدس بشرطٍ وهو: وجود الفرع الوارث، ويقال هنا ما قيل هناك، (وَهَكَذَا الأُمُّ)، يعني: تستحق السدس مع الولد، بشرطٍ واحد وهو وجود الفرع الوارث، أو وجود العدد من الإخوة، يعني: الجمع من الإخوة كما سيذكره فيما يأتي.
(10/1)

قال: (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ). يعني: السدس يستحقه الأب، وتستحقه الأم مع الولد وولد الولد، متى؟ (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ) بمعنى أنه جاء في القرآن ما ينص على ذلك، وهو قوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} [النساء: 11]. وهذا شرط وله مفهوم، {إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} حينئذٍ لأبويه، أبويه مَنْ؟ الأب والأم، إذًا لأبويه يشتركان في السدس، أو كل واحد له سدس مستقل عن الآخر؟ كل واحد له سدس مستقل عن الآخر، ولذلك لما كان هذا موهمًا في قوله: {وَلِأَبَوَيْهِ}. قال: {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ}. لأنه لو قال ولأبويه السدس، حينئذٍ يظن الظان أنهما اشتركا في سدس واحد، وليس الأمر كذلك، بل الأب له سدس خاص مستقل به، والأم كذلك لها سدس خاص واستقلت به، ولذلك قال: {لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا}. إذًا {وَلِأَبَوَيْهِ} كما ذكرنا خبر مقدم، و {السُّدُسُ} هذا مبتدأ مؤخر، {لِكُلِّ وَاحِدٍ} هذا جار ومجرور بدل من الجار والمجرور السابق، {مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ} هذا الشرط، إن كان له ولد لأبويه السدس، فإن لم يكن ولد فلهما حكم آخر، وهنا شرط منصوص يعني قوله: (مَعَ الْوَلَدْ)، (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ). في النوعيين الأب والأم منصوص عليه في القرآن، ولذلك قال: (بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ). إذًا نص الرب جل وعلا على استحقاق الأبوين للسدس، ونص على الشرط الذي يستحق به كل منهما السدس، (وَهَكَذَا الأُمُّ بِتَنْزِيْلِ الصَّمَدْ) لما كان قوله: (مَعَ الْوَلَدْ). يوهم أن ولد الولد ليس كالولد، قد يوهم ذلك نص الناظم كغيره على ولد الابن، ولذلك قال:
وَهَكَذَا مَعْ وَلَدِ الاِبْنِ الَّذِي ... مَا زَالَ يَقْفُوا إِثْرَهُ وَيَحْتَذِي

يعني الابن يقفوا إثر أبيه إرثًا وحجبًا، فيرث متى ما ورث أبوه، ويحجب من حجبه أبوه، حينئذٍ يرث، إذا كان يحجب الأم من الثلث إلى السدس وجود الولد حينئذٍ الابن كذلك، وهذا محل إجماع، وإنما الخلاف في وجه دخول ابن الابن في الابن فقط، هل بطريق اللغة الحقيقة أو أنه مجاز أو بالقياس؟ الظاهر والله أعلم أنه داخل من جهة اللغة فيعمه، الولد يعم الذكر والأنثى ويعم كذلك ولديهما، (وَهَكَذَا) أي وحال الأب والأم مع ولد الابن مثل حالهما مع الولد في استحقاق السدس، (مَعْ وَلَدِ الإِبْنِ) قلنا: بالهمزة هنا همزة القطع، يعني تقطع الهمزة من أجل الوزن (الَّذِي) يعني هذا الابن، ابنُ الابنِ (الَّذِي ** مَا زَالَ يَقْفُوا) يعني يتّبع (إِثْرَهُ) إثرَ أبيه، أي حكمه، (وَيَحْتَذِي) ويقتدي به في الإرث والحجب. ثم قال:
وَهْوَ لَهَا أَيْضًا مَعَ الاثْنَيْنِ ... مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ فَقِسْ هَذَيْنِ
(10/2)

(وَهْوَ) أي السدس، (لَهَا) أي للأم، (أَيْضًا) أَضَ يَئِيضُ أَيْضًا، أي كما هو لها مع الولد، وولد الابن مع الاثنين أي: حالة كونها مع الاثنين، فمع هذا ظرف متعلق بمحذوف حال، (وَهْوَ)، أي: السدس، (لَهَا) للأم، (مَعَ الاثْنَيْنِ)، أي: حالة كونها مع الاثنين، ممن؟ (مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ)، هذا شرط أو قيد آخر داخل في الشرط، هو شرط واحد إما وجود الولد، أو ولده، أو جمع من الإخوة، يعني: من إخوة الميت، حينئذٍ تستحق ماذا؟ تستحق السدس، إما هذا وإما ذاك، على البدلية إما هذا وإما ذاك فلا يشترطان معًا، فإما أن يكون ثَمَّ ولدٌ للميت، أو أن لا يكون ولد وإنما يكون إخوة جمعٌ من الإخوة، أقل الجمع في باب الفرائض اثنان فأكثر، ولذلك نص الناظم هنا فقال: (مَعَ الاثْنَيْنِ ** مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ). ميْت بالتخفيف، (وَهْوَ لَهَا أَيْضًا) كما هو مع الولد وولد الابن مع الاثنين (مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ) وإخوة هنا يشمل الأخوات ففيه تغليب، تغليب الذكور على الإناث، لأن إخوة هذا جمع أخ وليس جمع أخت، لأن جمع أخت إنما هو أخوات، ويطلق الجمع ويراد به التذكير والتأنيث من باب التغليب كما قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة: 43]. ما قال وأقمن الصلاة خطاب يكون من باب تغليب الذكور على الإناث، لو قال قائل: هنا الخطاب ليس للإناث المرأة جاءت في سورة {وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ} [الأحزاب: 33]. هذا الخطاب خاص، لكن في سائر القرآن لم يأتِ إلا {وَأَقِيمُواْ}، {وَآتُواْ} .. إلى آخره، حينئذٍ نقول: هذا خطاب للرجال، ويشمل الإناث من جهة ماذا؟ من جهة الإلحاق الشرعي، أما في اللغة فلا {وَأَقِيمُواْ} الواو هنا واو الجماعة تدل على الفاعل وهو خاص بالذكور، وهذا محل وفاق، فشموله للإناث من باب تعميم الحكم الشرعي لا من باب اللغة، وأما هنا (مِنْ إِخْوَةِ) هذا جمع وهو خاص بالذكور، حينئذٍ نقول: يشمل الأخوات ففيه تغليب، (مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ) بالتخفيف وهو فرع المشدد، وهما بمعنى واحد، قوله: (مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ). سبق هناك (مَعَ الْوَلَدْ) قلنا: ولد الولد كأبيه، وهنا قال: (مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ). هل ابنُ الأخِ كأبيه؟ الجواب: لا، هناك عممنا وهنا خصصنا، هناك نعمم للنص، وهنا نخصص لعدم النص، يعني: لعدم النص نص إلحاق الابن بأبيه، فابن الأخ ليس كالأخ، إذًا بنو الإخوة هل هم [مثل أبيهم] مثل آبائهم؟ الجواب: لا، وهنا خرج بالإخوة بنوه، فلا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، فإن قيل لم حجبها ولد الابن كأبيه ولم يحجبها ابن الأخ كأبيه لماذا فرقنا؟ قلنا هناك: (وَهَكَذَا مَعْ وَلَدِ الاِبْنِ الَّذِي).
(10/3)

وهنا ما قلنا مع ابن الأخ ففرق بين المسألتين، هناك عامٌ الولد وابنه، وهنا خاص بالإخوة ولا يشمل الابن، أُجيبَ بأن الأخ لا يطلق على ابنه لا يطلق في لسان العرب ولا كذلك في الشرع، يعني: الأخ المراد به الأخ، وأما الابن فهذا يطلق عليه ابن الأخ فلا يشمله لا لغةً ولا شرعًا، وأما الابن فلا، جاء إطلاق لفظ الابن على ابنه، والولد على ولد الولد، وهذا في لسان العرب وكذلك قلنا في الشرع فهو محل وِفاق، وأما الأخ فلا يطلق على ابنه بلفظ الأخ، وإنما نحتاج إلى دليل منفصل وليس عندنا دليل، أُجيبَ بأن الأخ لا يطلق على ابنه بخلاف الابن، فإنه يطلق على ابنه مجازًا شائعًا وقيل حقيقةً، إما من جهة المجاز وإما من جهة الحقيقة، وأيضًا أولاد الابن أقوى من أولاد الأخ، لا شك في هذا البنوّة كما سيأتي في باب التعصيب أقوى من جهة الميت باعتبار الأخوة، يعني: بمقابلة الأخوة، (وَهْوَ لَهَا أَيْضًا) السدس يعني، (لَهَا) للأم، (أَيْضًا مَعَ الاثْنَيْنِ ** مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ)، (مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ) قلنا: هذا يشمل الأخوات وكذلك هو شامل للاثنين فأكثر، ولذلك نص الناظم على ذلك بقوله: (مَعَ الاثْنَيْنِ). فأكثر من باب أولى وأحرى مطلقًا كما قال الشارح هنا، يعني: سواء كان الإخوة إخوة لأبٍ أو لأمٍ أو أشقاء، ولذلك أطلقه كذلك الناظم (مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ) فيشمل الأشقاء ويشمل الإخوة لأب والإخوة لأم، المراد جمعٌ من الإخوة بقطع النظر عن نوعهم، هل هم أشقاء؟ هل هم لأب؟ هل هم لأم؟ لو كان من كل واحدٍ وَاحدًا كفى في استحقاق الأم للسدس، وجود الجمع من الإخوة أو الأخوات أو منهما، والجمع اثنان فأكثر لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11].
(10/4)

{إِخْوَةٌ} أطلق هنا الشرع، وإذا قيل بأن الجمع أقله ثلاثة جاء هنا قول ابن عباس بأن الاثنين لا يحجبون الأم من ثلث إلى السدس، لكن محل إجماع صار إجماعًا ولم يراعَ الخلاف بأن الإخوة المراد بهم هنا الاثنان فأكثر، {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} لا تشمل بحسب ظاهرها نحو الأختين، وإنما تشمل ذلك بعد حمل الجمع على ما فوق الواحد، الأخوين فأكثر، يعني: إذا نظرنا إلى لسان العرب ودائمًا نكرر بأن أقل الجمع ثلاثة فكيف نطبق هذا هنا؟ حينئذٍ نقول: المرَدُّ إلى الشرع، وهذا محل وفاق، لا تشمل بحسب ظاهرها، يعني: المعنى اللغوي إخوة لا يشمل إلا ثلاثة فأكثر، وهذا واضح بين، لكن في باب الفرائض استقر الاصطلاح الشرعي والعرفي عند الفرضيين بأن أقل الجمع اثنان، فيكون حينئذٍ هذه حقيقة عرفية وليست حقيقة لغوية، وإنما هي حقيقة عرفية وزد عليها كذلك حقيقة شرعية، لا تشمل بحسب ظاهرها نحو الأختين، وإنما تشمل بعد حمل الجمع على ما فوق الواحد الأخوين فأكثر، وهذا واضح بين، والأخ والأخت فأكثر إن راعينا التغلب فيكون نحو الأختين مقيسًا على نحو الأخوين، لأن كما ذكرنا إخوة هذا مذكر، والأختين الأخوات هذا من باب القياس، وأما اللفظ حينئذٍ نقول: لا يشمل الإناث، لأنه جمعٌ والجمع هنا جمع مفرده أخ وهو مذكر، حينئذٍ هذا الجمع جمع تكسير لمذكر، والأخوات هذا جمع لمؤنث، حينئذٍ لا يدخل هذا تحت ذاك كما في قوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} [الأحزاب: 35] ... إلى آخر، فكل جمع مستقل بمعناه، هذا هو الأصل، لكن هنا يستثنى من هذه قواعد فكل قاعدة لها استثناءات منها ما يذكر هنا في هذا المقام، إذًا {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} اثنان فأكثر والإخوة هنا مذكر من باب التغليب فيدخل فيه الأختان فأكثر، هذا تقرير هذه نهاية {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} إِخوة اثنان فأكثر ذكرين، أو أختين فأكثر فيكون حينئذٍ أطلق الجمع المذكر هنا فيشمل الإناث من باب التغليب أما باعتبار ظاهره دون نظرٍ إلى الفن أصول الفن نفس الفرائض ودون نظر إلى وسائل الأحكام الشرعية المتعلقة بالفرائض فالأصل أنه خاص بالمذكر وكذلك ثلاثة فأكثر، ولكن هذا لم يقل به إلا ابن عباس من حيث العدد اثنين فأكثر، قال هنا: (فَقِسْ هَذَيْنِ).
(10/5)

الفاء هذه فصيحة، يعني: إذا علمت هذا الحكم السابق أن الأم مع الاثنين ترث السدس، حينئذٍ إذا علمت هذا (فَقِسْ هَذَيْنِ) قس هذين، قس هذا فعل أمر، وهذين يحتمل أن يكون مفعول قِسْ، فيكون هو المقيس وأما المقيس عليه فهو محذوف، قسْ هذين، يعني: المذكورين الاثنين، حينئذٍ هو المقيس، والمقيس عليه يكون محذوفًا، والتقدير (فَقِسْ هَذَيْنِ)، أي: الاثنين على ما زاد عليهما كالثلاثة، قس الاثنين على الثلاثة مع أن النص جاء في ماذا؟ جاء في الثلاثة فأكثر، لأن الظاهر {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} ثلاثة فأكثر هذا ظاهر النص، قس هذين هو لم ينص على الاثنين، وإنما ذكر الثلاثة فأكثر، الأصل أن نقيس الاثنين على الثلاثة لكن هو يقول: لا، قس الاثنين هذين المقيس على المقيس عليه على اثنين نعم على ظاهره، قس هذين، أي: الاثنين على الثلاثة، لأن الثلاثة هو الذي جاء به النص، هذا واضح بين.
إذًا (هَذَيْنِ) هو المقيس، وأما المقيس عليه فهو محذوف، والتقدير (فَقِسْ هَذَيْنِ)، أي: الاثنين على ما زاد عليهما كالثلاثة فأكثر، أربعة وخمسة إلى عشرة وأكثر، ووجه ذلك أن الثلاثة لم يختلف في أنها تحجبها بخلاف الاثنين، يعني: الثلاثة لا خلاف بين الفرضيين بين الفقهاء أنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس لا خلاف فيه، فقد قال ابن عباس بخلاف الاثنين فهذا فيه خلاف، فقد قال ابن عباس بعدم حجبها بهما لظاهر النص، لأن الله تعالى قال: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ}. وقوفًا مع ظاهر النص ابن عباس قال: لا بد من الثلاثة، نحتاج إلى دليل واضح بين والفقهاء يحكون إجماعًا في هذه المسألة نحتاج إلى دليل واضح بين يصرف هذا الظاهر اللغوي إلى معنًى شرعي فيكون حينئذٍ لفظ إخوة من حيث اللغة ثلاثة فأقل، نريد أن نصرفه إلى اثنين فأكثر، ثلاثة فأكثر نريد أن نصرفه إلى اثنين فأكثر نحتاج إلى دليل قوي يخالف هذا الظاهر وإلا فلا، ولذلك ابن عباس جرى على ظاهر النص، بخلاف الاثنين فقد قال ابن عباس بعدم حجبها بهما، والجمهور يقيسون الاثنين على الثلاثة في حجبها، والله أعلم.
(10/6)

ويحتمل أن (هَذَيْنِ) منصوب بنزع الخافض، ومفعوله محذوف والتقدير فقس على هذين أي الاثنين الواقعين في نظمي ما زاد عليهما كالثلاثة، يعني قلب فجعل المقيس عليه هو الاثنين كأنه مسلَّمٌ به، والثلاثة هذا كأنه مختلفٌ فيه، يعني كأنه لا خلاف في الأمرين لا في الاثنين ولا في الثلاثة، بدليل أنه جعل الاثنين وهو مختلف فيه جعله أصلاً مقيسًا عليه، والأصل إنما يقاس على المتفق عليه لا على المختلف فيه، على كلٍّ هذا بقوة المسألة عنده جعل المختلف فيه كأنه أصل والمتفق عليه كأنه فرع فلا فرق بينهما البتة (فَقِسْ هَذَيْنِ) قال الشارح: أي عليهما في كلام ما زاد قس عليهم، يعني: اجعله في القول الأول، هو ذكر القولين، جعله في القول الأول على حذف حرف الجر، يعني: منصوب بنزع الخافض، فالمقيس عليه هو الاثنان، والمقيس هو ما زاد، والمراد أنهما مقيس في التصوير والذكر لا في الحكم لأنه ثابت بالنص، فالمصنف صرح بالاثنين ولم يصرح بما زاد على ذلك، فلذلك أمرك بأن تقيس على الاثنين ما زاد عليهما، أو فقس بعض أفراد الاثنين مما لم تشمله الآية على ما شملته منها، الذي لم تشمله الآية باعتبار ماذا؟ باعتبار ظاهرها اللغوي، لأن الاثنين لم تشملهما الآية، {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} في الظاهر هذا جمع وأقل الجمع ثلاثة، أما على قول مالك ونحوه أقل الجمع اثنين لا إشكال فيه، الإشكال فيما إذا صححنا أن أقل الجمع ثلاثة يرد الإشكال، قال هنا: أو فقس بعض أفراد الاثنين، يعني أو هذين مفعول على حذف مضافين، (فَقِسْ) بعض أفراد الاثنين، (هَذَيْنِ) مما لم تشمله الآية على ما شملته منها، كأنه يقول: أن الاثنين لم يرد بهما نص، وإنما ورد النص ... {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} في الثلاثة فأكثر وألحقنا الاثنين من باب القياس، على كلٍّ الاثنان فيهما خلاف بين أهل العلم ويحكى أنه إجماع وقول ابن عباس مشهور في أنه لا يحجبها من الثلث إلى السدس.
إذًا:
وَهْوَ لَهَا أَيْضًا مَعَ الاثْنَيْنِ ... مِنْ إِخْوَةِ الْمَيْتِ فَقِسْ هَذَيْنِ

إذًا الأم هو النوع الثاني ممن يستحق السدس بشرط وهو وجود الفرع الوارث، أو وجود عددٍ جمع من الإخوة مطلقًا سواء كانوا أشقاء أو لأبٍ أو لأم اثنان فأكثر على قول الجمهور، وعلى قول ابن عباس لا بد من ثلاثة فأكثر، والله أعلم.
الثالث الجدُّ قال رحمه الله:
وَالْجَدُّ مِثْلُ الأَبِ عِنْدَ فَقْدِهِ ... في حَوْزِ مَا يُصِيبُهُ وَمَدِّهْ

(وَالْجَدُّ) إذا أطلق الجد انصرف إلى الجد الوارث، يعني: الذي يرث، وهكذا عندهم الأخت الشقيقة، والأخت لأب، إنما إذا أطلق هذا اللفظ حينئذٍ ينصرف إلى من يرث، وأما من لا يرث وهذا لا إشكال فيه أنه لا يشمله الإطلاق، (وَالْجَدُّ) عند الإطلاق لا ينصرف إلا للوارث (وَالْجَدُّ) هو أبُ الأب قال: (مِثْلُ الأَبِ) هنا تشبيه، الجد مثل الأب، يعني يستحق السدس مثل الأب بشرط الولد، (عِنْدَ فَقْدِهِ) عند فقد الأب هذا شرط ثاني، كأنه قال لك: الجد يستحق السدس بشرطين:
الشرط الأول: وجود الفرع الوارث كالأب لأنه مقيس عليه.
الشرط الثاني: عدم الأب لأنه أدلى بالأب.
(10/7)

الجد أدلى بالأب، أليس كذلك؟ بابنه، حينئذٍ كل من أدلى بشيء إذا وُجد ذلك الشيء حجبه، هذا الأصل إلا الإخوة لأم كما سبق الاستثناء، فالجد يستحق السدس بشرطين.
الأول: وجود الفرع الوارث.
الثاني: عدم الأب.
ويأخذ السدس قياسًا على الأب في إرثه السدس مع الفرع الوارث فهو كالأب إلا في مسائل، ولذلك شبهه هنا قال: (مِثْلُ الأَبِ). والمثلية ليست تامة من كل وجه بل في الجملة، يعني: أنه يستحق السدس مع وجود الفرع الوارث، وعند فقد الأب، وليس كالأب مطلقًا في الإرث والحجب، بل ثَمَّ مسائل ذكر منها الناظم ثلاثة لا يكون الجد كالأب بل هو مخالفٌ له، (وَالْجَدُّ) الذي لم يدخل في نسبته للميت أنثى، هكذا فسره الشارح، بمعنى أنه يريد الجد الوارث، وأما إذا كان ثَمَّ أنثى بينهما حينئذٍ صار من ذوي الأرحام فلا يكون له فرض وهل يرث أو لا؟ مسألة أخرى، والجد الذي لم يدخل في نسبته للميت أنثى، وهذا أخذه من إطلاق الجد، لأن الجد إذا أُطلق انصرف إلى الوارث (مِثْلُ الأَبِ)، الجد مبتدأ وقوله: (مِثْلُ). هذا خبره وهو مضاف والأب مضاف إليه، يعني: مثله في أخذه للسدس بالشرط السابق، فالإحالة على ما سبق، ولما كان ثَمَّ شرط لم يذكر قال: (عِنْدَ فَقْدِهِ). يعني: فقد من؟ الضمير يعود على الأب، هذا شرطٌ ثاني (عِنْدَ فَقْدِهِ)، يعني: عند عدم الأب، عند عدمه، وأما عند وجوده فهو محجوب به، فلا يرث الجد مع وجود ابنه الأب وهو محجوب به كما سيأتي في باب الحجب، إذًا هذا له مفهوم (عِنْدَ فَقْدِهِ)، يعني: عند عدمه، فإن وجد حينئذٍ صار الجد ساقطًا ولا يرث مع وجود الأب.
(10/8)

(في حَوْزِ مَا يُصِيبُهُ وَمَدِّهْ) (في حَوْزِ) يقال: حاز فلان الشيء حيازةً ضمّه وملكَهُ، (في حَوْزِ مَا يُصِيبُهُ) (يُصِيبُهُ) الذي أصابه السدس المال، (في حَوْزِ) يعني: في جمع ما يصيبه، (في حَوْزِ) يقال: حاز فلان الشيء حيازةً ضمه وملكه، (في حَوْزِ مَا)، أي: الذي، (يُصِيبُهُ) صاب السهم من باب باع لغةٌ في أصاب، ولذلك قال: يُصِيبُ. بضم الياء دل على أنه أخذه من أصاب، (وَمَدِّهْ)، (في حَوْزِ مَا يُصِيبُهُ) قال الشارح: من السدس مع الفرع الوارث، جامعًا بينه وبين التعصيب أو غير جامع، هذا يأتي في موضعه في باب الجد مع الإخوة، (في حَوْزِ مَا يُصِيبُهُ) يعني ما يأخذه، (وَمَدِّهْ) وفي مدّه، قدره الشارح على حذف في، على تقدير في، (وَمَدِّهْ) هذا مصدر بمعنى ممدود، بمعنى اسم المفعول، أطلق المصدر وأراد به اسم المفعول، أي: ممدوده، أي: رزقه الموسع من قوله: مد الله في رزقه. أي: وسِّعَهُ، حينئذٍ يكون تأكيدًا لقوله: (في حَوْزِ مَا يُصِيبُهُ). لأن الذي أصابه رزق وهو السدس، (وَمَدِّهْ) هو الرزق كذلك، إذًا يكون من باب التوكيد، حينئذٍ يُسلط العامل (حَوْزِ) على الأول ويسلط على الثاني كأنه قال: في حوز ما يصيبه وحوز مده. فهو معطوف على قوله: (مَا يُصِيبُهُ). ويسلط عليه حوز، فالتقدير وحوز مده، أي: ممدوده، أي: رزقه الموسّع، ويصح أن يكون المراد بقوله: (وَمَدِّهْ). أي: حجبه، من قولهم: رجل مديد القامة. طويل، أي: طويل الباع، فكأن الحاجب لقوته مديد القامة، الحاجب نقول: الأب يحجب الجد، كأنه يحجبه حسًّا، عندما يكون الرجل طويل ما ترى الذي واره حجبه، هذا مثله شبهه به، (وَمَدِّهْ)، أي: حجبه، من قولهم: رجل مديد القامة. يعني: طويل القامة، أي: طويل الباع، فكأن الحاجب معنًى هنا ليس حسًّا كأن الحاجب معنًى لقوته مديد القامة طويل الباع، ففيه استعارة تصريحية فهو معطوف على حوز، وتسلط عليه في، لفظ في يعني تقدير، فالتقدير وفي مده، أي: حجبه، حينئذٍ لا يكون معطوفًا على ما سبق من حيث العامل، يعني: لا يكون معطوفًا على (حَوْزِ)، وإنما يقدر له حرف جر، وهو في، أي: في مده، أي: حجبه، فتقدير الشارح في يناسب الحل الثاني، والمناسب الحل الأول تقدير (حَوْزِ)، إذًا المراد هنا أن الجد مثل الأب فيما يصيبه فيما يناله من السدس ونحو ذلك، والسدس لا شك أنه رزق موسع، (إِلا إِذَا كَانَ هُنَاكَ إِخْوَةْ)، ثَمَّ استثناءات لأن قوله: (مِثْلُ الأَبِ). هذا يُفهم منه أن الجد والأب مستويان مطلقًا في جميع الأحكام إرثًا وحجبًا، وليس الأمر كذلك، بل ثَمَّ مسائل يكون الجد ليس مساويًا للأب مخالف له، ذكر الناظم منها ثلاث مسائل، (إِلا) هذا استثناء، والمستثنى منه قول: (مِثْلُ الأَبِ).
(10/9)

لأن المثلية هناك إذا نظرنا إليها أنها مثلية تامة استوى من جميع الوجوه، وليس الأمر كذلك، بل الجد يخالف الأب في بعض المسائل، (إِلا إِذَا كَانَ هُنَاكَ) مع الجد (إِخْوَةْ)، الأب سيأتي أنه يحجب الإخوة مطلقًا لا يرث أخ لا شقيق ولا لأب ولا أم مع الأب أبدًا، هل الجد مثل الأب في أنه يحجب الإخوة أو لا؟ سيأتي باب كبير عويص (بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) ثَمَّ مسائل سيأتي أنه يرث الجد مع الإخوة، إذًا خالف الجد الأب في كونه لم يحجب الإخوة الأشقاء أو لأب، أما الأم فيحجبه كالأب، أما الأشقاء أو لأب فالجد يرث معهم على قول، (إِلا إِذَا كَانَ هُنَاكَ) مع الجد (إِخْوَةٌ)، (إِذَا كَانَ هُنَاكَ إِخْوَةٌ) (إِخْوَةً) يجوز الوجهان، (إِذَا كَانَ هُنَاكَ إِخْوَةٌ) حال، إذا وُجد هناك إخوةً حال، أو وُجد إخوةٌ هناك يكون ظرف، أشقاء أو لأب، فليس الجد كالأب في ذلك، (لِكَوْنِهِمْ في الْقُرْبِ وَهْوَ أُسْوَةْ)، (لِكَوْنِهِمْ) هذا علة للاستثناء اللام هنا للتعليل، لماذا استثنينا هذه المسألة وهي كون الأب يحجب الإخوة؟ قلنا: الجد مثل الأب، وأما هذه المسألة فهي مستثناه، لماذا؟ قال: (لِكَوْنِهِمْ). يعني: لكون الإخوة (في الْقُرْبِ وَهْوَ أُسْوَةْ)، يعني: مع الجد، (أُسْوَةْ) كل منهما في درجة واحدة باعتبار الميت، (لِكَوْنِهِمْ) قلنا اللام هنا للتعليل وهو علة الاستثناء، (لِكَوْنِهِمْ)، أي: الإخوة، (في الْقُرْبِ) هذا جار ومجرور متعلق بقوله: (أُسْوَةْ). (وَهْوَ)، يعني: الجد، (أُسْوَةْ)، أي: مستوي، يعني: سواءٌ في جهة واحدة كل منهما يُدْلِي إلى الميت بجهة واحدة، قوله: (لِكَوْنِهِمْ). هنا الضمير يعود على الإخوة، فهو في محل رفع باعتبار، وفي محل خفض باعتبار، في محل رفع باعتبار ماذا؟ باعتبار أنه اسمٌ للكون، وفي محل خفض باعتبار أنه مضاف إليه، (لِكَوْنِهِمْ) وكونك إياه عليك يسير مثله، (لِكَوْنِهِمْ) يعني لكون الإخوة، والإخوة هنا اسمُ الكون، حينئذٍ له إعرابان، الخفض من حيث كونه مضاف إليه، كون مضاف والهاء مضاف إليه، وله معنى آخر هو اعتبار آخر وهو أنه مرفوع لأنه اسم للكون، ينبني على هذا قول: (وَهْوَ). (وَهْوَ) ضمير رفع لا شك فيه معطوف على الضمير باعتبار الرفع، (وَهْوَ) نقول: أين مرجع الضمير؟ (وَهْوَ) هذا معطوف على (لِكَوْنِهِمْ) الهاء المضاف إليه، كيف هو مرفوع وهذا مضاف إليه؟ نقول: نعم عُطف عليه باعتبار الرفع، لأن الضمير هنا له محلان رفع لأنه اسم الكون وخفض لأنه مضاف إليه، إذًا عرفنا قوله: (وَهْوَ). لماذا رفعه.
(10/10)

(لِكَوْنِهِمْ في الْقُرْبِ) (في الْقُرْبِ) قلنا: جار ومجرور متعلق بقوله: (أُسْوَةْ). (لِكَوْنِهِمْ) (وَهْوَ)، يعني: الجد أسوة في القرب، وقوله: (أُسْوَةْ). هذا خبر الكون (وَهْوَ) [نعم] هذا المعطوف على الضمير (أُسْوَةً) أو (أُسْوَةٌ)؟ بالرفع أو بالنصب؟ بالنصب، لأن كون مثل كان ترفع الاسم وتنصب الخبر، قلنا: الاسم هو الضمير، أين خبرها؟ أسوةً، إذًا بالنصب يكون، (وَهْوَ أُسْوَةٌ) لا يكون هذا، لماذا؟ لأنك تجعل هو مبتدأ وأسوةٌ خبره وليس الأمر كذلك، بل المراد لكونهم وهو، لكونهم والجد أسوةً بالنصب على أنه خبر لكون، إذًا (لِكَوْنِهِمْ) الضمير اسم الكون وقوله: (أُسْوَةً). هذا بالنصب يقف عليه من أجل الوزن، (وَهْوَ) هذا عطف على الضمير باعتبار الرفع، (في الْقُرْبِ) إلى الميت، (وَهْوَ)، أي: الجد، (أُسْوَةْ)، أي: سواء في جهة واحدة فهو بمعنى مستوي، لأنه فرع الأب والجد أصله، وهذا واضح، فيرثون معه على تفصيل سيأتي في بابه، ولذلك أحال عليه الناظم قال: (وَحُكْمُهُمْ سَيَأتِي ** مُكَمَّلَ الْبَيَانِ في الْحَالاَتِ). يعني حكم الجد مع حكم الإخوة كله سيأتي في باب خاص يعنون له بباب الجد والإخوة، وليته قدم هذا البيت بعد البيت السابق.
(10/11)

(أَوْ) هذه المسألة الثانية مما خالف فيها الجد الأب، يعني: ليس مثله، هذا البيت الذي يليه في مسألة العُمَريتين سبق هنا زوج وأم وأب، حينئذٍ الأم ترث الثلث ثلث الباقي، ليس هو الثلث حقيقةً، وإنما هو ثلث الباقي وهو سدس لأن المسالة أو مع زوجة وهو الربع، حينئذٍ نقول: هل إذا كان بدل الأب الجد أم وجد وزوج، هل هي مثل أب وأم وزوج؟ هي العمرية الثانية، هل هذا مثلها؟ الجواب: لا، حينئذٍ الأم ترث الثلث كاملاً، إذًا قوله: (وَالْجَدُّ مِثْلُ الأَبِ). ليس مطلقًا، لأن الأب في العمريتين يحجب الأم تكون آخذةً للثلث الباقي وليس لثلث التركة كاملاً، وهل الجد مثل الأب؟ نقول: لا. ولذلك قال: (أَوْ أَبَوَانِ مَعْهُمَا زَوْجٌ وَرِثْ). (أَوْ) بمعنى الواو هنا، (أَبَوَانِ)، يعني: أب وأم، (مَعْهُمَا زَوْجٌ وَرِثْ)، ما الجديد في هذا الشطر؟ ليس فيه جديد، هذا حكى لك العمرية وهي زوج وأبوان، فالأم للثلث مع الجد ترث، ترث الثلث كاملاً وليس هو الشأن كشأن الأب، حينئذٍ لا يكون حاجبًا لها، إذًا هذه المسألة خالف الجد الأب، حينئذٍ ترث الأم معه في العمريتين الثلث كاملاً ولا ينقص من حقها شيء البتة، لأنه ثَمَّ فرق بين الجد والأب، (أَوْ أَبَوَانِ) أم وأب (مَعْهُمَا زَوْجٌ)، يعني: زوج معهما، (وَرِثْ) هذه صفة لزوج، (فَالأُمُّ لِلثُّلْثِ) فالأم ترث للثلث، (لِلثُّلْثِ) اللام هذه زائدة للتقوية، (تَرِثْ) هذا فعل ما نوعه؟ وَرِثَ تَرِثُ يَرِثُ فعل مضارع متعدٍّ يتعدى بنفسه، هذا الأصل، يعني: ينصب مفعول به بنفسه دون واسطة، لكن ثَمَّ قاعدة أنه إذا تقدم المعمول المفعول به على الفعل المتعدي جاز أن يُعدا إليه بحرف، وهو اللام التي ذكرها هنا وهي تسمي لام التقوية، حينئذٍ قوله: (لِلثُّلْثِ). أصله فالأم مع الجد ترث الثلثَ بالنصب مفعول به، لو أخره لما جاز دخول اللام على المفعول به، لكن لما قدمه ضعف العامل من تسلطه على المعمول حينئذٍ احتاج إلى تقوية {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43] تعبرون الرؤيا تعدى بنفسه، لكن لما تقدم المعمول المفعول به حينئذٍ ضعف العامل، فهو يعمل فيما بعده لا يعمل فيما قبله هذا الأصل، ولكن لما تقدم لنكته حينئذٍ تسلط أو توصل إليه بحرف، على كلٍّ قوله: (لِلثُّلْثِ). هذا ليست اللام هنا حرف جر، هي حرف جر من حيث هي، لكن من حيث العمل (لِلثُّلْثِ) نقول: الثلث مفعول به منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وهو زائد هنا لتقوية العامل، (فَالأُمُّ) لأن الأم، الفاء هذه للتعليل، لأن الأم فهو علة للاستثناء، (لِلثُّلْثِ) بسكون اللام، ولام الجر فيه للتقوية، لأن العامل ضعف بالتأخير، (مَعَ الْجَدِّ تَرِثْ) (تَرِثْ) هذا عامل متعدٍّ وهو العامل في الثلث لكنه ضَعُفَ بالتأخير فعدي باللام للتقوية، إذًا لا يستثنى الجد مع الأم والزوج، وكذلك مع الزوج، قال هنا الشارح: (أَوْ) بمعنى الواو، أي: وإلا إذا كان هناك أبوان.
(10/12)

هنا لم يجعلها على بابها (أَوْ)، لئلا يتوهم أن المستثنى إحدى الصورتين مع أن كلاً منهما مستثنى، لأنك إذا قلت ماذا؟ (إِلا إِذَا كَانَ هُنَاكَ إِخْوَةْ) (أَوْ أَبَوَانِ) إما هذا أو ذاك هذا الظاهر، لكن ليس الأمر كذلك بل الثانية بعد (أَوْ)، (أَوْ) هنا بمعنى الواو، ويصح جعلها بمعنى أو على بابها وتكون للتنويع، حينئذٍ نوّع لك المسائل، لكن الشارح ذهب أنها بمعنى الواو لئلا يتوهم أنها مترددة بين المستثنى السابق وهذه، (أَبَوَانِ)، أي: أب وأم، (مَعْهُمَا)، أي: الأب والأم (زَوْجٌ وَرِثْ) فليس الجد كالأب في ذلك، فإن للأم مع الأب ثلث الباقي كما تقدم، ومع الجد لو كان بدل ثلث جمع المال كما صرح به في قوله: (فَالأُمُّ لِلثُّلْثِ مَعَ الْجَدِّ). لو كان بدل الأب (تَرِثْ)، وتكون المسألة زوجًا وأمًا وجدًّا هكذا، لا تقل: هذه عمرية. ليست عمرية، عمرية تكون الأم أخذت ثلث الباقي، وهذه أخذت الثلث كاملاً، إذًا ليست عمرية، زوجًا وأمًا وجدًّا فهذه تكون من ستة، فللزوج النصف ثلاثة، وللأم الثلث كاملاً اثنان من ستة، وللجد الباقي واحد، وهذا لا يضر، لأن الشرط متى؟ {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} عند استوائهم في درجة، والأم ليس بدرجتها الجد، وإنما بدرجتها الأب وهي أقرب إلى الميت منه، حينئذٍ اختلفا فتأخذ حقها كاملاً ولا ينقصها الجد شيئًا، ولم ننظر إلى كونها تأخذ أكثر منه، لأنها أقرب منه بخلافها مع الأب لأنهما في درجة واحدة، والمسألة الثالثة التي لا يكون الجد مثل الأب أشار إليه بقوله:
وَهَكَذَا لَيْسَ شَبِيهًا بِالأَبِ ... في زَوْجَةِ الْمَيْتِ وَأُمٍّ وَأَبِ

المسألة الثانية عمرية، يعني أب، وأم، وزوجة. الزوجة تأخذ نصيبها، الأم حينئذٍ لها ثلث الباقي، إذا جاء بدل الأب الجد حينئذٍ أخذت الأم الثلث الكامل وتأخذ الثلث ثلث الباقي، (وَهَكَذَا لَيْسَ شَبِيْهًا) وهكذا ليس الجد شبيهًا، أي وليس الجد شبيهًا بالأب في هذه المسألة، مثل هذا، أي مثل ما سبق من المسألتين، فهذه المسألة مثلها في الاستثناء، وليس (وَهَكَذَا لَيْسَ) الجد (شَبِيْهًا)، الشبيه هو المثل، (بِالأَبِ ** في زَوْجَةِ الْمَيْتِ وَأُمٍّ وَأَبِ)، يعني: مثل هذه المسألة، كالمسألة السابقة، [نعم] فإن لها مع الأب ثلث الباقي كما تقدم، ولو كان الجد بدل الأب كانت المسألة زوجةً وأمًّا وجدًّا، يعني: تكون من ثنتي عشر، فيكون للأم الثلث كامل، ثلث الثنتي عشر كم؟ أربعة، وللزوجة الربع ثلاثة، والباقي للجد خمسة، لأن الجد وإن لم يفضل عليها التفضيل المعهود {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} إلا أنه لا محظور في ذلك لكونها أقرب منهم بخلافها مع الأب، إذًا في هذه المسائل الثلاث زادوا عليها لكن الذي ذكره الناظم نقف معه، هذه المسائل الثلاث هي التي تستثنى من قوله: (وَالْجَدُّ مِثْلُ الأَبِ). لأن فيه إيهامًا أن الجدة مع الأب في جميع الأحكام إرثًا وحجبًا، وليس الأمر كذلك، بل هو هذا الأصل ويستثنى منه ماذا؟ يستثنى منه مسائل ذكر الناظم منها ثلاثة مسائل يمكن حصرها في ثنتين:
(10/13)

أولاً: الجد مع الإخوة ليس كالأب مع الإخوة، الأب مع الإخوة يحجبهم مطلقًا، والجد مع الإخوة يحجب الإخوة لأم فقط، وأما الإخوة لأب وأشقاء فيرثون معه، وسيأتي تفصله على خلافٍ، وبعضهم يرى أنه كالأب في مثل هذه المسألة.
المسألة الثانية: أنه لا يكون كالأب في العمريتين، فترث الأم معه الثلث كاملاً هاتان الصورتان.
وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ سَيَاتِي ... مُكَمَّلَ الْبَيَانِ في الْحَالاَتِ

يعني لما ذكر أن الجد مخالف الأب في مشاركته، يعني الإخوة، وكان الكلام في تفاصيل أحوال ذلك مما يطول أخر حكمهم، يعني الجد والإخوة إلى أن يعقد لهم باب يخصهم، ولذلك وعد أنه سيأتي ذلك (وَحُكْمُهُ)، يعني حكم الجد (وَحُكْمُهُمْ) مجتمعين، وأما منفردين فَكُلاً يؤخذ من موطنه، فالإخوة إذا انفردوا يؤخذ حكمهم من الأبواب السابقة مثل هذا الباب، وكذلك الجد إذا انفرد حكمه مأخوذ من هذا الموضع، وأما مجتمعين فهذا الذي أحال عليه في الباب الآتي، ولذلك لو قدم هذا البيت على قوله: (أَوْ أَبَوَانِ). لكان أنسب لأنه متعلق به.
إِلا إِذَا كَانَ هُنَاكَ إِخْوَةْ ... لِكَوْنِهِمْ في الْقُرْبِ وَهْوَ أُسْوَةْ
وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ سَيَاتِي ... ...........................

هذا طيب، يعني: سيأتي في موضعه، (مُكَمَّلَ الْبَيَانِ في الْحَالاَتِ)، البيان أبان الشيء أظهره ووضحه (مُكَمَّلَ) أي: حال كونه مكمل البيان، أي حال، ولذلك نصبه، أي حال كونه مكمل البيان، كَمَلَ الشَّيْءُ كُمُولاً تمت أجزاؤه أو صفاته، ويقال: كَمَلَ الشهر تم دوره فهو كامل، وَكَمَّلَ الشيء أكمله، وَأَكْمَلَ الشيء أتمه، يعني: سيأتي تامًا في محله، (في الْحَالاَتِ)، حالات يعني في جميع الحالات، فهو جمع حالة، وهي الحال أو من حال الشيء، أي: صفته، وحال الإنسان ما يختص به من أموره المتغيرة الحسية والمعنوية، وهذا سيأتي في موضعه.
الرابع ممن يرث السدس، إذًا عرفنا الأب والأم والجد، هؤلاء ثلاثة.
الرابع ممن يرث السدس: بنت الابن، وقد ذكرها بقوله:
وَبِنْتُ الابْنِ تَأْخُذُ السُّدْسَ إِذَا ... كَانَتْ مَعَ الْبِنْتِ مِثَالاً يُحْتَذَى

يعني هذا شرط إذا كانت مع البنت، (وَبِنْتُ الابْنِ) قال الشارح: أو بنات الابن، وعليه تكون الإضافة للجنس، قوله: (وَبِنْتُ الابْنِ). أو بنات الابن الشرَّاح دائمًا يشيرون بالإشارات ولا يصرحون، أو بنات الابن، لماذا قال أو بنات هو قال: (وَبِنْتُ الابْنِ). إذا نظرنا إلى الظاهر واحدة، إذًا يشترط أن تكون واحدة؟ لا ليس الشرط أن تكون واحدة، بل بنت الابن واحدةً فأكثر، من أين أخذنا فأكثر؟ تقول: إضافة للجنس، وإذا كانت الإضافة للجنس حينئذٍ تصدق بالواحد والاثنين والمائة والألف.
(10/14)

(وَبِنْتُ الابْنِ) أو بنات الابن الإضافة للجنس، قال: المتحاذيات. يعني المتساويات في الدرجة، متساويات في الدرجة، الدرجة ونحوها هذا يأتي بحثه في التعصيب، (تَأْخُذُ السُّدْسَ) تأخذ أو يأخذن إذا كُنَّ جمعًا (تَأْخُذُ السُّدْسَ) متى؟ إذا كانت أو كُنَّ مع البنت الواحدة، بنت ليس عندنا إضافة، حينئذٍ تبقى على ظاهرها، إذا كانت مع البنت، لأنه تكملة للثلثين، لو كانوا بنات أخذوا ثلثين وسقطت بنت الابن، وإنما تأخذ السدس هنا إذا كان ثَمَّ من هو فرعٌ أعلى منها يحتاج إلى تكملة الثلثين، والبنت هنا تأخذ النصف حينئذٍ تكملها بنات الابن بالسدس، فيكون ثلثين، (إِذَا ** كَانَتْ مَعَ الْبِنْتِ) يعني الواحدة تكملة الثلثين للإجماع والنص الآتي في ذكر قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، إذًا بنت الابن ممن يأخذ السدس وتستحقه بشرطين:
الأول: عدم المُعَصِّب وهو ابن الابن المساوي لها في الدرجة سواء كان أخًا أو ابن عمٍّ، وهذا يأتي شرحه في التعصيب، المراد هنا أن لا يكون معها معصب، بنت الابن إن وُجد ابن الابن قضى عليها، حينئذٍ يأخذ ماذا؟ معها تعصيب، لا تأخذ فرضًا تأخذ {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}، إذًا تستحق السدس عند عدم وجود المعصب، لأنه إن وجد المعصب حينئذٍ انتقلت من الفرض إلى التعصيب {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}.
عدم المعصب وهو ابن الابن مساوٍ لها في الدرجة، سواء كان أخًا أو ابن عم.
الثاني: عدم الفرع الوارث الذي هو أعلى منها سوى صاحبة النصف الذي نص عليه الناظم هنا، من بنت الصلب أو بنت ابنٍ أعلى منها، فإنها لا تأخذ السدس إلا معها، يعني: يشترط عدم الفرع الوارث إلا البنت، وهي لا تأخذ السدس بنت الابن إلا مع وجود البنت، البنت لها النصف من أصحاب النصف كما سبق، حينئذٍ بنت الابن واحدة كانت أو ثنتين أو أكثر تأخذ السدس، سدس ونصف حينئذٍ كَمَّلَتْ الثلثين، لو كان البنت عدد سقطت بنت الابن، لماذا؟ لأنها إنما أخذت تكملة للثلثين، فإذا استوفى البنات الثلثين حينئذٍ سقطت بنت الابن.
(10/15)

قال هنا: للإجماع، ولقول ابن مسعود. إذًا ثَمَّ نص وإجماع، ولا شك أن النص سابق على الإجماع إذ هو دليله ومستنده، للإجماع، يعني: أجمع الفقهاء على أن بنت الابن تأخذ السدس مع البنت الصلب تكملةً للثلثين، دليلٌ ثاني لقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في بنت، يعني: في مسألة عرضت عليه، وهي بنت وبنت ابن وأخت قال فيها: لأقضين فيها بقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم -. إذًا هذا رفع، رفع الحكم الشرعي، فهو حديث مرفوع، لأقضين فيها بقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين. هكذا قال ابن مسعود، وما بقي فللأخت. رواه البخاري، وقس على ذلك كل بنت ابن نازلة فأكثر مع بنت ابن واحدة أعلى منها، شرط أن يكون ماذا؟ بنت واحدة ترث النصف، ثم بنت الابن واحدة فأكثر وإن نزلن، وإن نزلن من باب القياس، كذلك هذا القياس مجمع عليه، الذي لا بد من تحققه أن يكون الذي أخذ من الفرع الوارث أعلى من [بنت البنت]، من بنت الابن أن تكون صاحبة نصف، فإن كُن جمعًا أسقطن بنات الابن، وبنات الابن المراد به وإِن وإن نزلن كما قال هنا الشارح.
وقد أشار إلى ذلك بقوله: (مِثَالاً يُحْتَذَى). (مِثَالاً) هذا مفعول ثاني لفعل محذوف، جُعل ذلك مثالاً، قدَّره الشارح اجعل ذلك مثالاً، (يُحْتَذَى) بالبناء للمفعول صفة لمثالاً، أي يقتدى به، يقتدى به في ماذا؟ في النزول، يعني بنت الابن وإن نزلن، هذا المراد به، لأن النص ورد نص ابن مسعود بنت وبنت ابن، طيب بنت بِنت بنت الابن إذا وُجدت مع البنت كذلك تأخذ السدس تكملةً للثلثين، ما جاء فيها النص، تقول: هذا من باب القياس. ولذلك أشار إليه الناظم بقوله: (مِثَالاً يُحْتَذَى) يعني يقتدى به.
الخامس ممن يرث السدس: الأخت للأب، قال الناظم:
وَهَكَذَا الأُخْتُ مَعَ الأُخْتِ الَّتِي ... بِالأَبَوَيْنِ يَا أُخَيَّ أَدْلَتِ
(10/16)

(وَهَكَذَا الأُخْتُ) يعني أخت لأب فقط فأكثر، واحدة فأكثر (مَعَ الأُخْتِ) يعني تأخذ السدس (مَعَ الأُخْتِ) يعني الواحدة التي أدلت بالأبوين، يعني مع الشقيقة، سيأتي (وَوَلَدُ الأُمِّ يَنَالُ السُّدْسَا)، حينئذٍ (وَهَكَذَا الأُخْتُ) المراد بها الأخت لأب، (مَعَ الأُخْتِ الَّتِي ** بِالأَبَوَيْنِ .. أَدْلَتِ)، (الَّتِي) هذا نعت للأخت، وقوله: (بِالأَبَوَيْنِ). جار ومجرور متعلق بقوله: (أَدْلَتِ). وأدلت هنا صلة الموصول التي، وتقدم متعلق الصلة على الصلة، هذا فيه خلاف، لكن للضرورة هنا لا بأس به، الأصل التي أدلت بالأبوين، يعني: الشقيقة، بالأبوين أدلت هذا ممنوع لا يجوز عندهم كثير على منعه، لكن نقول: هنا في باب النظم يتوسع ما لا يتوسع في غيره، (وَهَكَذَا)، أي: ومثل هذا الأخت في كونها تأخذ السدس تكملة الثلثين، وهكذا الأخت التي أدلت بالأب فقط فأكثر تأخذ السدس مع الأخت الواحدة الشقيقة، إن كُنَّ شقائق أسقطن الأخت لأب، لأن العلة هنا في أخذ السدس لبنت الابن هي نفسها التي أو في هذا الموضع هي العلة التي سبقت، حينئذٍ لا بد أن يكون الأعلى الذي ألحق به أو كُمَّل لا بد وأن يكون صاحبة نصف، فإن أخذن الثلثين بأن كُنَّ جمعًا أسقطن الملحق، حينئذٍ لا ترث الأخت لأب السدس، لماذا؟ لأنها إنما ترث السدس تكملة للثلثين وقد ذهب الثلثان ليس لها شيء.
(وَهَكَذَا الأُخْتُ مَعَ الأُخْتِ الَّتِي ** بِالأَبَوَيْنِ .. أَدْلَتِ)
يعني: اتصلت بالميت بواسطة الأبوين وهي الشقيقة، إذًا الأخت للأب تأخذ السدس بشرطين:
الأول: أن تكون هذه إذا كانت مفردة أو يُكُنَّ مع أخت شقيقة واحدة، وارثة النصف فرضًا سيأتي أن الأخت الشقيقة قد ترث النصف لا فرضًا إنما هو تعصيبًا، ويشترط هنا أن تكون وارثة النصف فرضًا، فلو تعددت الشقيقات بأن كُنَّ اثنتين فأكثر أسقطن الأخت أو الأخوات من الأب عن الإرث، لو كُنَّ الشقيقات متعددات أخذن الثلثين فأسقطن الأخت لأب سواء كانت واحدة أو أكثر، لأنهن إنما أو لأنها أو أنهن أخذت أو أخذن السدس تكملةً للثلثين، فإذا استوفى الشقائق الثلثين حينئذٍ لا شيء لها، فلو تعددت الشقيقات بأن كُنَّ اثنتين فأكثر أسقطن الأخت أو الأخوات من الأب عن الإرث بالفرضية لاستكمالهن الثلثين، لأن الأخت من الأب فأكثر إنما تأخذ السدس مع الشقيقة لتكملة الثلثين كبنت الابن مع النبت، هذا كما سبق وقولهم: وارثة النصف فرضًا. يُخْرِجُ به أو يَخْرُجُ به ما لو أخذت الشقيقة النصف تعصيبًا مع الغير، قد تأخذه تعصيبًا مع الغير فلا شيء للأخت لأب كما في بنت وأخت شقيقة وأخت لأب، البنت تأخذ النصف فرضًا، الأخت الشقيقة كما سيأتي في محله تأخذ النصف تعصيبًا لا فرضًا سقطت الأخت لأب لا ترث السدس، لماذا؟ لأن الشرط أن ترث مع صاحبة نصف فرضًا لا تعصيبًا، فإن أخذته تعصيبًا حينئذٍ سقطت، وهذا سيأتي مزيد بحث فيه، الشرط الثاني. إذًا الشرط الأول أن تكون مع أخت شقيقة وارثة النصف فرضًا واحدة، فإن تعددت الشقائق أسقطن الأخت لأب سواء كانت واحدة أو جمعًا.
الثاني: عدم المعصب لها
(10/17)

وهو أخوها، الأخت لأب لو وُجد الأخ لأب عَصَّبها، وسيأتي الأخ المشئوم والأخ المبارك في محله، عدم المعصب لها وهو أخوها، فإن كان معها أخوها فالباقي بعد الشقيقة لهما تعصيبًا {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}، (وَهَكَذَا الأُخْتُ مَعَ الأُخْتِ الَّتِي) الأخت الواحدة، (وَهَكَذَا الأُخْتُ) الواحدة فأكثر، (مَعَ الأُخْتِ) الشقيقة الواحدة فقط إن كُنَّ اثنين فأكثر أسقطن الأخت لأب، (يَا أُخَيَّ) هذه جملة معترضة أتى بها للاستعطاف، وأخ هنا تصغير، أُخَيَّ أصله أُخَيّوٌ اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقبلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء هكذا قيل، يا أُخَيَّ ثم أضيف إلى ياء المتكلم مثل يا غلام زيد لذلك نصبه، قال هنا: (مَعَ الأُخْتِ الَّتِي ** بِالأَبَوَيْنِ يَا أُخَيَّ) تصغير أخ (أَدْلَتِ) تكملة الثلثين بالإجماع قياسًا على بنت الابن فأكثر مع بنت الصلب.
السادس ممن يرث السدس: الجدة فأكثر، جدة واحدة انفردت بالسدس أو ثنتين فأكثر إلى آخره يشتركن في السدس على تفصيل فيما إذا تعددن، أما الواحدة فلا إشكال فيه تأخذ وتنفرد بالسدس، وأما إذا كُنَّ أكثر فهذا سيأتي تفصيله فيما يأتي، (وَالسُّدْسُ) بالسكون للوزن، (وَالسُّدْسُ) لغة ويتأكد أنه للوزن، (وَالسُّدْسُ) هذا مبتدأ، قوله: (فَرْضُ جَدَّةٍ). أي: مفروض لها كما سبق وهو خبر، فالفرض هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، والإضافة تكون لامية، (فَرْضُ جَدَّةٍ) قال: صحيحة. بمعنى أنها وارثة، لأن الجدة قسمان: جدة فاسدة لا ترث، وجدة صحيحة وهي التي تحقق فيها الشرط كما سيأتي. (وَالسُّدْسُ فَرْضُ جَدَّةٍ) وارثة (في النَّسَبِ)، (في) هنا للسببية، يعني: فرض جدة بسبب النسب، قال: لا ولاء. لأنه قد تكون الجدة بالولاء، وهذا واضح بين، إذًا في النسب هذا متعلق بقوله: (فَرْضُ). لأنه مصدر، والمصدر يتعلق به الجار والمجرور كما يتعلق به الظرف، وفي هنا للسببية، يعني: فرض جدة بسبب النسب لا في الولاء، (وَاحِدَةٍ) بالجر هذا صفة لجدة، (وَاحِدَةٍ كَانَتْ لأُمٍّ أو لأَبِ) واحدةٍ أو أكثر، لكن نص على الواحدة هنا لأن الأكثر سينص عليه، ولذلك قال: (وَإِنْ تَسَاوَى نَسَبُ الْجَدَّاتِ) ... إلى آخره، دل على أن الجمع جمع الجدات فيه تفصيل، قد يرثن مع بعضهن، قد يشتركن في السدس، قد يتوزعن في السدس ونحو ذلك، (وَاحِدَةٍ) صفة لجدة، ومفهومه وهو الأكثر من الواحدة فيه تفصيل سيأتي، (كَانَتْ لأُمٍّ أو لأَبِ)، (لأُمٍّ)، يعني: جدة من جهة الأم، وجدة من جهة الأب، هذا مراده، من جهة الأم ومن جهة الأب، ولذلك قال هنا: اللام بمعنى من. اللام، يعني: من أم على حذف مضاف، يعني: من جهة الأم (أو لأَبِ) أو للتنويع، أو جدة من جهة الأب.
(10/18)

قال هنا: سواء كانت لأم أو كانت لأب. أي: من قبل الأم، فالكلام على حذف مضاف، أو من قبل الأب، انظر هنا الشارح صرف ظاهر النظم، ظاهر النظم تخصيص جدة لأم وجدة لأب، يعني: أم الأم وأم الأب فقط، وليس الأمر كذلك، لأن الجدات أكثر من هذا، قد يصلن إلى ثمانية، بعضهم أوصلهم إلى ستة عشر، حينئذٍ يختلف الحكم، إذًا قوله: (كَانَتْ لأُمٍّ). يعني أُم أم، (أو لأَبِ) يعني أم أب، هذا الظاهر، لكن ليس المراد، لا بد من صرفه، فنجعل اللام هنا بمعنى من، ثم من قِبل الأم، يعني: من جهة الأم، حينئذٍ أُم أم الأم دخلت معنا، والأول أم الأم فقط، حينئذٍ لا بد من توسيع العبارة من أجل إدخال ما لا يشمله الظاهر، لذلك قال هنا: أي من قِبل الأم. فالكلام على حذف مضاف، أو من قبل الأب، لأن ظاهر المتن لا يصدق إلا بالجدة للأم والجدة للأب دون أم الأم وأم لأب، والمراد جدة الميت من جهة الأم ومن جهة الأب وإن عَلَوْنَ، فجعلن الكلام بمعنى من وفي الكلام محذوفًا ليشمل من ذكر، وسواء كان معهما ولدٌ أو لا، وسواء كان له إخوة أو لم يكن لما ورد في ذلك، وهو قضاؤه - صلى الله عليه وسلم - للجدة جدة أم الأم السدس، هذا واضح، أم لأم مجمع عليها أنها ترث، وقضاء أبي بكر رضي الله تعالى عنه لها كذلك بالسدس أم الأم، وقضى عمر لأم الأب، أم الأم وأم الأب بالإجماع أنهما وارثات.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للجدة السدس إذا لم تكن هناك أم للميت. يعني: الأم أم الأم، كالجد مع الأب عند فقده الجد لأم لا ترث عند وجود الأم، وكذلك الجدة لأب لا ترث عند عند وجود الأب، لأنها أدلت بالأب وتلك أدلت بالأم، والقاعدة أن من أدلى بشيء حجبه، واضح؟ ولذلك قال ابن المنذر: إذا لم تكن هناك أمٌّ للميت. وأجمعوا أنها تحجبها من جميع الجهات، يعني: الأم تحجب الأم من جميع الجهات، قال الشارح هنا: سواء كانت لأم أو كانت لأب. سواءٌ قدر سواء ليجعل قول الناظم: (كَانَتْ). خبرًا لمبتدأٍ محذوف، ليجعله ماذا؟ مبتدأ وخبره محذوف [نعم] سواء هو الخبر، وكانت هذه مُؤول مع الهمزة المحذوفة المقدرة همزة التسوية مثل قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6]. هناك سواءٌ عليهم إنذارك وعدمه، هنا كذلك قدر سواء إشارة إلى أن قوله: (كَانَتْ). في تأويل مصدر مبتدأ محذوف الخبر وهو سواء، والتقدير سواءٌ كونها كذا وكذا، كونها كذا وكذا سواء، سواء كونها كذا وكذا، ولكن هذا فيه نظر لأن شرط همزة التسوية أن يكون بعدها أم وليست أو هذا أولاً، حينئذٍ التقدير هذا ليس في محله، كذلك همزة التسوية إنما يحذف الخبر إذا كان معلومًا، وأما إذا لم يكن معلومًا فلا يجوز حذفه، والظاهر أنها صفة لجدة.
(10/19)

إذًا (وَالسُّدْسُ فَرْضُ جَدَّةٍ) صحيحة وارثة (في النَّسَبِ)، يعني: بسبب النسب، (وَاحِدَةٍ كَانَتْ لأُمٍّ)، يعني: من قبل الأم، أو من قبل الأب، هذا ما يتعلق بالجدة، والجدة ليست كالأم فترث السدس مطلقًا بشرط عدم الأم، أو جدة أقرب منها، يعني: بشرط واحد عدمي أو نعم بشرط عدمي، وهو عدم الأم أو جدة أقرب منها، إن وُجد جدة أقرب منها حينئذٍ حجبتها على المذهب مطلقًا سواء كان من جهة الأم، أو من جهة الأب والشافعية على تفصيل عندهم.
السابع ممن يرث السدس: الواحد من ولد الأم.
وَوَلَدُ الأُمِّ يَنَالُ السُّدْسَا ... وَالشَّرْطُ في إِفْرَادِهِ لاَ يُنْسَى

(وَوَلَدُ الأُمِّ)، يعني: الأخ لأم، (وَوَلَدُ) يدخل فيه كذلك الأخت، إذًا شمل الاثنين الذكر والأنثى، ولذلك قال الشارح: ذكرًا كان أو أثنى. (وَوَلَدُ الأُمِّ) سواء كان أخًا لأم، أو أختًا لأم، (يَنَالُ) يعني يأخذ، نَالَ الشيء نَيْلاً أدركه وبلغه، ويقال: نَالَ الشيء فلانًا وصل إليه، إذًا (يَنَالُ) بمعنى يأخذ (السُّدْسَا) والألف هذه للإطلاق بشرط ذكر واحدًا الناظم ... (وَالشَّرْطُ في إِفْرَادِهِ)، (وَالشَّرْطُ) لاستحقاق الولد ولد الأم السدس أن يكون واحدًا، فإن تعدد حينئذٍ ذهب إلى الثلث، ولذلك ولد الأم وارث بالفرض إما ثلث وإما سدس، إن كانوا جمعًا الثلث، وإن كان فردًا حينئذٍ أخذ السدس، (وَالشَّرْطُ في إِفْرَادِهِ لاَ يُنْسَى)، يعني: لا ينبغي نسيانه، هذا الشرط الأول: أن يكون فردًا.
الشرط الثاني: عدم الفرع الوارث.
والشرط الثالث: عدم الأصل من الذكور الوارث.
لأن ولد الأم يحجبه الأب والجد، والدليل على ذلك أنه يأخذ السدس الإجماع في الشرح عندكم إجمالاً غلط، هذا ينال السدس [إجمالاً] إجماعًا، لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12]. والمراد بالأخ والأخت للأم كما قُرِئَ في الشواذ، (وَالشَّرْطُ في إِفْرَادِهِ لاَ يُنْسَى) للآية الكريمة المذكورة، إذًا محل إجماع، محل إجماع أنه إذا أُفرد مع الشرطين المذكورين أخذ السدس، كل واحد منهما السدس، وأما إذا كانوا متعددين فلهم الثلث {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ} إذا لم يكن له أخ بل كان أخوات وإخوة حينئذٍ اختلف الحكم، في بعض النسخ بدل هذا البيت:
وولد الأم له إذا انفرد ... سدس جميع المال نصًّا قد ورد

قد ورد نصًّا، يعني: بالنص منصوص عليه في القرآن، وهذا عام في كل ما ذُكر، قال: وهو بمعناه بل هو أصرح. لأن فيه تصريح بأن ذلك قد ورد بالنص، أي: في القرآن العزيز، وقوله: (وَالشَّرْطُ في إِفْرَادِهِ). (في) هنا من ظرفية العام في الخاص، أو تجعل في بمعنى من البيانية، فالمعنى والشرط الذي هو إفراده فلم يلزم ظرفية شيء في نفسه.
إذًا السادس والأخير أو السابع ممن يرث السدس وهو الأخير: الواحد من ولد الأم، بشرط أن يكون فردًا مع الشرطين المذكورين.
وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(10/20)

عناصر الدرس
* الجدات وأحوالهن.
* الوارثات من الجدات.
* التعصيب لغة واصطلاحا.
* أنواع العصبة.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
لا زال الحديث في باب أصحاب السدس أو من يرث السدس، وهو آخر الأبواب التي ذكرها الناظم رحمه الله تعالى، وأصحاب السدس سبعة، وسبق عدّهم وبيان شروط كلّ واحدٍ منهم، متى يأخذ السدس؟ وختم بالسابع وهو الواحد من ولد الأم:
وَوَلَدُ الأُمِّ يَنَالُ السُّدْسَا ... وَالشَّرْطُ في إِفْرَادِهِ لاَ يُنْسَى

بمعنى أنه يُشترط أن يكون فردًا يعني واحدًا ولا يكون متعددًا، فإن كان ولد الأم متعددًا حينئذٍ انتقل إلى الثلث، فصار من أصحاب الفرض الثاني. ثم لما انتهى الكلام على من يرث السدس في نفس الباب المعقود لمن يرث السدس شرح يتكلم في شيء من أحوال الجدات، وسبق أن الجدة ترث السدس، حيث قال فيما سبق ماذا قال؟
وَالسُّدْسُ فَرْضُ جَدَّةٍ في النَّسَبِ ... وَاحِدَةً كَانَتْ لأُمٍّ أو أَبِ

وهذه الجدة تختلف قد تكون واحدة وقد تكون متعددة، قد تكون متساوية إذا كن متعددات أو قد يكن متباينات، ولذلك استطرد الناظم رحمه الله تعالى في بيان أحوال الجدات، استطردًا قال هنا على وجه الاستطراد وهو ذكر الشيء في غير محله لمناسبة. قبل الشروع في ذلك قدم الشارع مقدمة قال: واعلم قبله - يعني قبل التكلم في شيء من أحوال الجدات - أنه إذا اجتمع جدات عدة جدات ثنتان فأكثر يعني من جدتين فأكثر أما الواحدة فتأخذ السدس ولا إشكال.
أنه إذا اجتمع جدات فتارةً يكن في درجة واحدة يعني متساويات في درجة واحدة وقد ذكر الناظم بقوله:
وَإِنْ تَسَاوَى نَسَبُ الْجَدَّاتِ ... وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ
فَالسُّدْسُ ................. ... ......................

الخ البيت الثاني ... . هذا تارة يكن في درجة واحدة متساويات، وتارة يكونوا بعضهن أقرب من بعض، وهذا ذكره الشارح في قوله:
وَإِنْ تَكُنْ قُرْبَى لأُمٍّ حَجَبَتْ ... أَمَّ أَبٍ بُعْدَى وَسُدْسًا سَلَبَتْ

إذًا تارة تكون في درجة واحدة، وتارة يكونوا بعضهن أقرب من بعضٍ، وعلى كلٍّ من التقديرين السابقَيْنِ فتارة يكن من جهة واحدة، يعني من جهة الأب فقط، أو من جهة الأم فقط، وتارة يكن من جهتين يعني من جهة الأب ومن جهة الأم، فالصور حينئذٍ يكون أربعة، وقد شرع أول ما شرع في بيان حكم المتساويات في قوله:
وَإِنْ تَسَاوَى نَسَبُ الْجَدَّاتِ ... وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ
فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ ... في الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ الشَّرْعِيَّةْ

المذاهب تختلف في جدات، ثَمَّ ما هو متفق عليه مجمعٌ عليه، وثَمَّ ما هو مختلف فيه، وقد قررنا فيما سبق أن نذكر مذهب الحنابلة ولكن بعد أن نذكر الأبيات نلخص مذهب الحنابلة في الجدات.
(وَإِنْ تَسَاوَى) المساواة معلومة (نَسَبُ) أي قرابة الجدات بأن كن في درجة واحدة. وقوله: (الْجَدَّاتِ). كما سبق مرارًا أن الجمع في هذا الباب يعني في هذا الفن يراد به اثنان فأكثر، حينئذٍ إذا اجتمع جدتان فأكثر، والكلام فيما إذا تعدد الجدات، والمراد بالجمع ما فوق الواحدة فيشمل اثنتين فأكثر، وذلك قال الشارح: الجدات حيث كن ثنتين فأكثر، وتحته صورتان:
(11/1)

كونهن من جهة واحدة يعني من جهة الأب فقط، كلا الجدتين من جهة الأب هذا يعبر عنه بأنه من جهة واحدة، أو كونهن من جهتين يعني من جهة أب جدة أو نم جهة الأم جدة حينئذٍ ليستا من جهة واحدة، هذا يعبر عنه باختلاف الجهتين مع التساوي. إذًا إذا تساوى نسب الجدات حينئذٍ ينظر فيهن من هذه الجهتين، هل هن من جهة واحدة كأم أم الأب وأم أب الأب، انظروا الخاتمة بماذا؟ بالأب إذًا هاتان جدتان من جهة الأب أم أم الأب وأم أب الأب، أو كونهن من جهتين كأم أم وأم أب، أم الأم جدة وهي من قبل الأم، وأم الأب جدة وهي من قبل الأب، انظر أم أم، أم أب، جهتهم واحدة يعني التقارب العدد واحد، لو كان أم أم أم، أم أب ليسا في درجة واحدة، يعني تنظر العدد بين الأم وبين من ترث به.
(وَإِنْ تَسَاوَى نَسَبُ الْجَدَّاتِ) حيث كن ثنتين فأكثر قلنا: وتحته صورتان كونهن من جهة واحدة يعني من جهة الأب فقط كأم أم الأب، وأم أب الأب، أو كونهن من جهتين كأم الأم وأم الأب.
(وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ) هذا قيد لأنه ليس كل جدة ترث، ثَمَّ جدة محجوبة، وثَمَّ جدة فاسدة، جدة محجوبة وجدة فاسدة، فاحترز بقوله: ... (وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ). أن لا يكون من بين الجدات جدة محجوبة أو جدة فاسدة، هذا واضح بيِّن مما سبق ومما سيأتي في باب الحجب. (وَكُنَّ) الواو هذه واو الحال، كنّ الضمير هنا نون الإناث اسم كان، وكلهنّ هذا توكيد لنون الإناث، (وَكُنَّ كُلُّهُنَّ) هذا توكيد، توكيد المرفوع مرفوع، ونون الإناث هذه [مرفوع] مرفوعة محلاً لأنها مبنية (وَارِثَاتِ) بالخفض، لماذا بالكسر؟ لماذا كُسِرت (وَارِثَاتِ)؟ لماذا خفضتْ؟
لم تخفض نعم هذا الجواب، إذًا هذه الكسرة ليست كسرة خفض، وإنما هي كسرة نصبٍ، لماذا؟ لأنه خبر كان، لماذا كان بالكسرة لا بالفتحة؟
.
ولدليل؟
[أي نعم أحسنت]
وما بتا وألف قد جمعا ... يكسر في الجر وفي النصب معا

هكذا، نقول الدليل؟ تأتي بهذا، ليس عندنا قال الله وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، المقام ليس مقام تشريع، ما الدليل؟ تقول: قال ابن مالك. لأن قاعدة متفق عليها وهذا استناده.
إذًا (وَارِثَاتِ) هذا خبر كان بأن لا يكون فيهن جدة محجوبة كأم الأب معه، أم الأب معه عند الشافعية نشرح ما عند الشافعية أنها محجوبة، وعند الحنابلة لا، الأب لا يحجب أمه، لكن عند الشافعية هكذا، لئلا يكون فيهن جدة محجوبة كأم الأب معه، يعني إذا وُجدَ جدة أم الأب والأب كذلك موجود، حينئذٍ أدلت بماذا؟ أدلت بالأب وهو موجود، إذًا يحجبها على القاعدة، والمذهب عندنا لا، لا يحجبها كما سيأتي، ولا فاسدة وهي التي تُدْلِي بذكر بين أنثيين كأم أب الأم، إذا وقع الذكر بين أنثيين حينئذٍ لم تكون وارثةً. إذًا قوله: (وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ). هذه الجملة في محل نصب حال، والمراد به الاحتراز عن الجدة المحجوبة على كلام الناظم لأنه شافعي، والجدة الفاسدة وهي التي لا تكون وارثة وضابطها التي تُدْلِي بذكر بين أنثيين.
(11/2)

(فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ) إن تساوى نسب الجدات ما الحكم؟ كلهن يأخذن السدس، يقتسمن السدس بالسوية، يعني يشتركن الثنتان فأكثر في ماذا؟ في السدس، ليس لكل واحدة سدس {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 11] لا، هنا الكل يجتمع في السدس، ففرض المجموع أو الجميع السدس يقتسمن بينهن بالسوية، يعني إذا كان عندنا السدس، وعندنا جدتان حينئذٍ ينتصف السدس بينهن، نصف السدس ونصف السدس. (فَالسُّدْسُ) الفاء واقعة في جواب الشرط (فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ) يعني بالاستواء في القسمة العادلة الشرعية حال كون ذلك ثابتًا (في الْقِسْمَةِ)، (في الْقِسْمَةِ) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، حال كون ذلك أي التسوية بينهن في السدس ثابتًا في القسمة العادلة، هذا لا شك أنها قسمة عادلة، لأن مدلول النصوص هو هذا الذي ذكره الناظم، العادلة أي غير الجائرة، إذ العدل الإنصاف وهو إعطاء المرء ما له يعني الذي له، وأخذ ما عليه، ولا شك أنها قسمة عادلة وهي مأخوذة من الشرع، ولذلك قال: (الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ الشَّرْعِيَّةْ). يعني المنسوبة إلى الشرع.
إذًا بين الناظم في هذا البيت أو هذين البيتين الحالة لأولى للجدات، وهن أو] هي إذا اجتمع الجدات اثنتان فأكثر فإن كن متساويات حينئذٍ اشتركن في السدس ولذلك قوله هنا: (في الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ الشَّرْعِيَّةْ). في بعض النسخ (المرضية) يعني التي ارتضاها الفرضيون، أما إذا كنَّ غير متساويات في الدرجة فإن الجدة القربى تسقط الجدة البعدى، إذا لم يكن متساويات في الدرجة فإن الجدة القربى تسقط الجدة البعدى سواءٌ كانت من جهة الأم أو من جهة الأب خلافًا للمالكية والشافعية، هذا عندنا معاشر الحنابلة، فالقربى عندهم من جهة الأم تسقط البعدى من جهة الأب إلى العكس، وهذا سيأتي بيانه.
الدليل على التساوي ما روى الحاكم على شرط الشيخين أنه - صلى الله عليه وسلم - قضى للجدتين في الميراث بالسدس، وقيس الأكثر منهما عليهما، بل ثبت بالنص توريث ثلاث جدات وفي مراسيل أبي داوود أنه - صلى الله عليه وسلم - ورث ثلاث جدات، أي وهن [أم الأم] أم أم الأم، وأم أم الأب، وأم أبي الأب كما فسرهن الراوي، وذلك ما سيأتي تقديره لأن المذهب عند الحنابلة لا يرث إلا ثلاث جدات فقط. إذًا هذه الحالة الأولى.
ثم ذكر حكم ما إذا كان إحداهما أقرب من الأخرى، وهما من جهتين، وأما إذا كانت من جهة واحدة فسيذكره فيما يأتي:
وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ ... في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى فَقُلْ لِي حَسْبِي

يعني لم يذكر ما ذكره هنا أولاً بأنه إذا تساوى نسب الجدات من جهة واحدة، طيب إذا كانت إحداهما قربى والأخرى بعدى، لا شك أن القربى تسقط البُعدى، لكنه أخرَّه في آخر النظم وشرع فيما يتعلق باجتماع الجدتين إذا كن من جهتين ونحو ذلك. فقال رحمه الله:
وَإِنْ تَكُنْ قُرْبَى لأُمٍّ حَجَبَتْ ... أَمَّ أَبٍ بُعْدَى وَسُدْسًا سَلَبَتْ
(11/3)

انظر هنا اجتمعت جدة لأم وجدة لأب، إذًا من جهتين، من جهة واحدة يعنون بها من قبل الأم فقط جدتان فأكثر، الحكم السابق فيهما إن كن متساويات اشتركن في السدس، إن كانت إحداها قربى والثانية بعدى حينئذٍ القربى أسقطت البعدى، وإذا اجتمعت وكنّ من جهتين إحداهما من قبل الأم، والأخرى من قبل الأب حينئذٍ فيه التفصيل الذي ذكره عند الشافعية. (وَإِنْ تَكُنْ قُرْبَى لأُمٍّ حَجَبَتْ ** أَمَّ أَبٍ)
(وَإِنْ تَكُنْ) تكن اسم تكن هنا ضمير يعود على الجدة، (وَإِنْ تَكُنْ) أي الجدة (قُرْبَى) هذا خبر تكن (قُرْبَى لأُمٍّ) اللام هنا بمعنى من كما نخرجه دائمًا للناظم لأن التنصيص على شيء قد يُفهم أن غيره ليس بداخلٍ فيه وليس الأمر كذلك، (وَإِنْ تَكُنْ) أي الجدة (قُرْبَى) هذا خبر تكن (لأُمٍّ) يعني من أم وعلى حذف مضاف يعني من قبل الأم، حينئذٍ يشمل أم الأم، وأم أم الأم .. وهلمّ جرّا، لماذا؟ لأنه لو نص على الظاهر الذي أُخِذَ من اللفظ حينئذٍ اختص الحكم بأم الأم، وليس الأم كذلك، حينئذٍ لا بد من جعل اللام بمعنى من ثم على حذف مضاف، ولذلك قال الشارح: أي من جهة الأم، انظر من جهة الأم، جعل اللام بمعنى من ثم جعل الأم مضاف إليه والمضاف محذوف وهو تقديره من جهة الأم من قبل الأم، (حَجَبَتْ) أي منعت (أَمَّ أَبٍ بُعْدَى) حجبت أي القربى لأم من قبل لأم (أَمَّ أَبٍ بُعْدَى) أم هذه مفعولاً لقوله: (حَجَبَتْ) و (بُعْدَى) صفة له، (حَجَبَتْ ** أَمَّ أَبٍ) أي من جهة الأب، القول فيها كالقول فيما سبق، فليس قاصرةً على أم الأب كما هو ظاهر العبارة. (وَسُدْسًا سَلَبَتْ) يعني وسلبت سدسًا يعني أخذت السدس كاملاً، لأنها لو اشتركت معها لكان نصف السدس لها، هو حقها ولكن الناظم هنا عبر بأنها سلبت السدس كاملاً لانفرادها، وإلا الظاهر أنه ليس ثم سدس كامل في الأصل لها، هي لا تستحق إلا النصف، وكونها حجبتها أخذت نصف السدس الآخر، حينئذٍ لم تسلب السدس كله، وإنما سلبت نصف السدس هذا هو في الحققة، ولكن لما كان السدس معطيًا على جهة الاستقلال عبر الناظم بذلك، و (وَسُدْسًا سَلَبَتْ) أي سلبت سدسًا، السلب في الحقيقة لنصف السدس لأنها لو لم تحجب الأخرى لاشتركتا ولكن نظر [المصنف] (1) الناظم هنا لكونها أخذت سدس بكامله.
قال الشارح هنا: وإن تكن الجدة قربى لأم أي من جهة الأم كأم أم حجبت أم أب أي من جهة الأب بُعدى، كأم أم الأب، انظر أم الأم قريبة يعني ليس بينها وبين الميت إلا واحد، وهنا البعدى أم أم أب، أيهما أقرب؟ هذه باثنين وهذه بواحد وصلت، إذًا القريبة تحجب البعيدة لكن بشرط أن تكون القريبة من جهة الأم والبعيدة من جهة الأب، وكأم أب أبٍ أشار بتعدد المثال إلى أنه لا فرق بين أن تدلي للأب بأنثى أو بذكر، العكس لو كانت القربى أم أبٍ والبعدى أم الأم هذا فيه خلافٌ بين الشافعي. إذًا عندنا صورتان:
أن تكون القربى أم أم من جهة الأم، والبعدى من جهة الأب حجبتها لا إشكال فيه، لو كانت بالعكس بأن كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم فالقولان منصوصان، يعني في كتب أهل العلم، ففيهما خلاف أيهما يسقط الأخرى.
ثم ذكر ما كانت القربى من جهة الأب فقال:
__________
(1) سبق.
(11/4)

وَإِنْ تَكُنْ قُرْبَى لأُمٍّ حَجَبَتْ ... أَمَّ أَبٍ بُعْدَى وَسُدْسًا سَلَبَتْ

(وَإِنْ تَكُنْ) أي الجدة القربى (فَالْقَوْلاَنِ)، (وَإِنْ تَكُنْ بِالْعَكْسِ) متلبسة بالعكس يعني من المسألة الأولى بأن كانت القريبة من جهة الأب والبعدى من جهة الأم، أيهما يحجب الآخر؟ هل نعمم القاعدة فنقول: القربى مطلقًا تحجب البعدى سواء كنت القربى من جهة الأم أو من جهة الأب أم نفصل؟
فنقول: القربى إن كانت من جهة الأم حجبت البعدى، وأما بالعكس ففيه خلاف فنرجح بأنه لا تسقط البعدى التي هي من قبل الأم بالقربى من جهة الأب، هذا الذي يعنيه الناظم هنا (وَإِنْ تَكُنْ بِالْعَكْسِ) إن تكن الجدة القربى بالعكس مما سبق يعني من المسألة السابقة المخالفة للصورة السابقة بأن كانت القربى من جهة الأب والبعدى من جهة الأم، قال: (فَالْقَوْلاَنِ) الفاء واقعة في جواب الشرط والقولان مبتدأ (مَنْصُوْصَانِ) خبر المبتدأ (في كُتْبِ أَهْلِ الْعِلْمِ) يعني منهم من قال بأنها تَطرد القاعدة القربى مطلقًا تحجب البعدى مطلقًا، ومنهم من فصل قال: إن كانت القربى من جهة الأم حجبت البعدى من جهة الأب، وإن كانت القربى من جهة الأب لم تحجب البعدى من جهة الأم، بل تحجبها تلك أو يشتركان على خلاف، (في كُتْبِ)، (كُتْبِ) بإسكان التاء وهو لغة وللوزن كذلك، (أَهْلِ الْعِلْمِ) أي الفقهاء الفرضيين (مَنْصُوْصَانِ) قلنا: هذا خبر المبتدأ، نصّ على الشيء نصًّا عينه وحدده، وصيغة الكلام الأصلية التي وردت من المؤلف. قال: (بِالْعَكْسِ) من المسألة الأولى بأن كانت القربى من جهة الأب كأم أب والبعدى من جهة الأم كأم أم أم، (فَالْقَوْلاَنِ) فيهما في هاتين الصورتين مذكوران في كتب أهل العلم من الشافعية وغيرهم منصوصان للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهما روايتان عن زيد بن ثابت رضي الله عنه. (لاَ تَسْقُطُ الْبُعْدَى) هذا القول الأول:
لاَ تَسْقُطُ الْبُعْدَى عَلَى الصَّحِيحِ ... وَاتَّفَقَ الْجُلُّ عَلَى التَّصْحِيحِ
(11/5)

(لاَ تَسْقُطُ الْبُعْدَى) هذا خبرًا لمحذوف يعني أحد القولين (لاَ تَسْقُطُ الْبُعْدَى)، أي بُعدى؟ التي من جهة الأم لا تسقط تبقى مع التي من جهة الأب وهي القربى، (لاَ تَسْقُطُ) أي الجدة، (الْبُعْدَى ** عَلَى الصَّحِيحِ) يعني على القول الصحيح، صحيح فعليل بمعنى مفعول، يعني على القول المصحح، وصح الشيء صحة بَرِءَ من كل عيب أو ريب فهو صحيح. ... (عَلَى الصَّحِيحِ) أي على القول الصحيح (وَاتَّفَقَ الْجُلُّ) يعني الجل معظم الشافعية، وكذلك المالكية على التصحيح. يقال: صححه أي زال خطأه أو عيبه. إذًا رجح المصنف هنا بأن البعدى لا تسقط، (لا تَسْقُطُ الْبُعْدَى) من جهة الأم بالقربى من جهة الأب، بل يشتركان في السدس، على الصحيح عندهم وبه قال مالك رحمه الله تعالى، وعلة عدم السقوط قالوا: لأن التي من جهة الأم وإن كانت أبعد فهي أقوى، التي من جهة الأم وإن كانت بعيدة فهي أقوى من القريبة أتي من جهة الأب لكون الأم أصلاً في إرث الجدات، لأن إرث الجدات بطريق الأمومة، فعدل قرب التي من قبل الأب قوة التي من قبل الأم فاعتدلتا واشتركتا، هو يقول: فاعتدلا فاشتركا. لا، هنا التأنيث واجب فاعتدلتا واشتركتا.
القول الثاني: تحجبها يعني القربى تحجب البعدى، ولو كانت القربى من قبل الأب تحجب البعدى من جهة الأم، وهذا هو الصحيح، للقاعدة المطردة وهو مذهب الحنابلة كما سيأتي. والقول الثاني تحجبها أي أن القربى تحجب البعدى جريًا على الأصل والقاعدة من أن القربى تحجب البعدى، هذا هو الأصل المطرد في علم الفرائض، أن القريب يحجب البعيد لا يرث معه. وبه قال أبي حنيفة وهو المفتى به عند الحنابلة، وهو الأولى بالقبول لموافقته للأصول. (وَاتَّفَقَ الْجُلُّ) يعني المعظم من الشافعية والمالكية كذلك على التصحيح لهذا القول الأول.
إذًا إذا كان من جهتين فحينئذٍ إذا كانت القربى من جهة الأم أو كانت القربى من جهة الأب حينئذٍ حجبت البعدى مطلقًا على الصحيح، وعند الشافعية فيه تفصيل: إن كانت القربى من جهة الأم حجبت البعدى من جهة الأب، وإن كانت القربى من جهة الأب لم تحجب البعدى من جهة الأم، بل ترث معها وتشترك في السدس، والصحيح هو الحجب.
إذًا قوله: (وَإِنْ تَكُنْ). هذا ذكرٌ للجدات إذا كانت إحداهما أقرب من الأخرى وهما من جهتين ثم قال:
وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ ... فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ

هذا تصريح بمفهوم قوله: (وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ). صرح بالمفهوم أن التي تكون فاسدة هي من وُجد فيها هذا الضابط فلا تكون وارثةً، لأنه بين لك بقوله: (وَإِنْ تَسَاوَى) ... إلى آخره الجدة الوارثة، طيب من هي التي لا ترث؟ حينئذٍ نحتاج إلى بيان لأنك قيدت الحكم قلت: (وَكُنَّ كُلُّهُنَّ وَارِثَاتِ) نفهم منه أن من الجدات من ترث، ومن الجدات من لا ترث، إذًا ما الضابط بينهما قال:
وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ ... فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ
(11/6)

إذا أدلت ووصلت إلى الميت بشخص لا يرث ليس من أصحاب الفروض وليس من أصحاب التعصيب فحينئذٍ نقول: هذه جدة فاسدة غير صحيحة، لماذا؟ لأنها لا ترث. (وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ) من الجدات (بِغَيْرِ وَارِثِ) وهي كل من أدلت بذكر بين أنثيين هذا ضابطها، كل من دلت بذكر بين أنثيين (فَمَا لَهَا) الفاء واقعة [في جواب] واقعة في خبر المبتدأ ليست في جواب، لأن كل مبتدأ وهو من صيغ العموم حينئذٍ يُستحسن أن تدخل الفاء على الخبر، (وَكُلُّ) هذا ضابط كل (مَنْ أَدْلَتْ) من الجدات (بِغَيْرِ وَارِثِ) يعني وصلت إلى الميت بغير وارث، شخص لا يرث (فَمَا لَهَا حَظٌّ) أي نصيب من الموارث، (فَمَا لَهَا حَظٌّ) فليس لها حظ من الموارث، أي من الأمور الموروثة فهو جمع ميراث بمعنى الموروث.
قال الشارح هنا: (وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ) وكل من أدلت من الجدات (بِغَيْرِ وَارِثِ) كأم أب الأم، أب الأم من الأرحام من ذوي الأرحام، فإن أب الأم غير وارث، ويعبر عنها بالتي تدلي بذكر بين أنثيين، كلاهما مختلفان في الصيغة والمؤدي واحدٌ، (فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ) لأنها من ذوي الأرحام فلا ترث إلا عند من قال بتوريث ذوي الأرحام، وهم الحنابلة وغيرهم، في المذهب عندنا الضابط هنا: لا يسقط الجدة إلا الأم، وأما الأب والجد فلا يسقطان الجدة المدلية بهما عند الحنابلة خلافًا للأئمة الثلاثة، يعني أم الأب ترث مع الأب، وأم أب الأب ترث مع الجد، لأن أبا الأب هو الجد فترث معه ولا يحجبها، هذا يضاف إلى ما ذكرناه هناك من الإخوة الأم، الإخوة لأم قلنا القاعدة: أن كل من أدلى بوارث حينئذٍ حجبه. هذه قاعدة استثنينا فيما سبق بالاتفاق الإخوة لأم، لأنهم أدلوا بالأم ويرثون معها، يضاف إليه عند الحنابلة الجدة مع الأب، والجدة مع الجد، الذي هو أبو الأب [نعم]، لا يُسقط الجدة إلا الأم، الأم هي التي تسقطها، وأما الأب والجد فلا يسقطان الجدة المدلية بهما عند الحنابلة خلافًا للأئمة الثلاثة، والجدة الفاسدة هي الجدة المدلية بذكر بين أنثيين كأم أب الأم. قال هنا فائدة عند الشارح:
حاصل القول أن الجدات عند الفرضيين على أربعة أقسام:
القسم الأول: من أدلت بمحض إناث، يعني بإناث خلّص، أم أم أم ليس بينهما ذكر ولا تنتهي بذاك. كأم الأم وأمهاتها المدليات بإناث خُلّص، بخلاف ما لو كان هناك ذكر بين الإناث، فإنها لا ترث حينئذٍ على هذا القسم الأول من أدلت بمحض الإناث، جدة تدلي للميت بمحض الإناث أم أم، أم أم الأم .. وهلم جرا وإن علون، حينئذٍ نقول: هذه السلسلة كلها إناث حينئذٍ ترث، وهذه محل إجماع بين أهل العلم، ترث بإجماع الأئمة الأربعة، لكن بهذا الشرط بمحض الإناث بخلاف ما لو كان هناك ذكر بين الإناث فإنها لا ترث حينئذٍ.
إذًا القسم الأول لا خلاف فيه المجمع عليه إذا عرفته يسير لك للأمر كثيرًا.
(11/7)

والقسم الثاني: من الجدات: من أدلت بمحض ذكور، يعني ذكور خُلّص ليس بينهم إناث، كأم الأب، وأم أبي الأب، وأم أب أب الأب. ذكر لك ثلاثة أنواع انتبه أم الأب هذه وارثة بالإجماع، يعني الإجماع الأئمة الأربعة لا خلاف في أن أم الأب وارثة، واضح؟ [وأم أبي] وكذلك أمهاتها المدليات بمحض الإناث يعني وإن علون أم أم أم أب، أم أم أم الأب ... إلى آخره كلهنّ وارثات بشرط أن لا يكون ثم فاصل بين الإناث بذكرٍ. وأما الثانية وهي أم أبي الأب وهذه ترث عند الأئمة الثلاثة عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد حتى المذهب عندنا ترث خلافًا للمالكية فلا ترث عندهم، أم أبي الأب هذه قلنا: ترث عند الأئمة الثلاثة ولا ترث عند المالكية، ومثلها في ذلك أمهاتها المدليات بإناث خُلّص، هذا النوع الثاني.
الثالث ليس القسم الثاني النوع الثالث في الجدات المذكورات في القسم الثاني: أم أبي أبي الأب هذه ترث عند الشافعية والحنفية، دون المالكية والحنابلة، الحنابلة لا ترث وهكذا بمحض الذكور، يعني كأم أبي أبي أبي أبٍ إذًا القسم الثاني من أدلت بمحض ذكور يعني بذكور خُلّص وذكر الناظم ثلاث أنواع لهذا القسم:
- أم الأب، وترث بإجماع.
- أم أبي الأب ترث عند الثلاثة خلافًا للمالكية.
- أم أبي أبي الأب هذه ترث عند الشافعية والحنفية، دون المالكية والحنابلة.
القسم الثالث من أحوال الجدات: من أدلت بإناث إلى ذكور، يعني إناث والخاتمة بذكور، أي لا بإناث خلص، ولا بذكور خُلص مثل ماذا؟
أم أم أبي انظر أدلت بإناث أم أم إلى ذكور أب، كأم أمي أبي وكأم أم أبي أبٍ وهكذا، أم أم الأب هذه مجمع على إرثها، وأم أم أبي أبٍ هذه وارثة عند غير المالكية يعني عند ثلاثة ترث إلا المالكية.
القسم الرابع: عكس الثالث يعني من أدلت بذكور إلى إناث، أم أبي الأم وهذه هي التي احترز عنها بقوله:
وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ ... فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ

يعني جدة فاسدة، ليس لها حظ من الإرث، وهي غير وارثة عندنا كالحنيفة والمالكية والحنابلة، إلا على القول بتوريث ذوي الأرحام.
إذًا هذه أربعة أقسام على ما ذكرناه في اختلاف المذاهب الأربعة، وسيأتي خلاصة المذهب إن شاء الله تعالى.
وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ ... في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى فَقُلْ لِي حَسْبِي

هذا البيت لو جعله فيما يتعلق بقوله:
فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ ... في الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ الشَّرْعِيَّةْ
(11/8)

(وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى) لأنه هو متعلق به، الجدات إذا كن من جهة واحدة من جهة الأم فقط واجتمعن ليسا في درجة واحدة، إحداهما قربى والثانية بعدى، إذًا البعدى تسقط بالقربى هذا الذي عناه هنا. (وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى) يعني من الورثة الجدة (الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ)، (وَتَسْقُطُ) من الورثة ... (الْبُعْدَى) هذه صفة لموصوف محذوف أي الجدة البعدى، وتسقط الجدة (الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ) يعني بالجدة صاحبة القربي، ذات بمعنى صاحبة، سواءٌ كانتا من جهة الأم كأم أم وأمها إتفاقًا لأنها مُدلية بها بأم الأم فتسقط بها، أو كانتا من جهة الأب والبعدى مدلية بالقربى كأم أب وأمها اتفاقًا أيضًا لأنها أدلت بها فتسقط بها، أو كانتا من جهة الأب والبعدى لا تدلي بالقربى أم الأب وأم أبي الأب على الأصح المنصوص في زوائد الروضة. إذًا:
وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى بِذَاتِ الْقُرْبِ ... في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى .........

عند الثلاثة لا إشكال فيه اتفاقًا، وإنما في المذهب الأولى يعني الخلاف عند الشافعية، وأما عند الحنابلة قولاً واحدًا أنها تسقط، وكذلك عند المالكية وعند الحنفية، وإنما في المذهب الأولى يعني في القول الأول عند الشافعية لأن في هذه المسألة قولين: تسقط، لا تسقط. والمرجح عندهم أنها تسقط اتفاقًا للثلاثة. إذًا قوله: (في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى). يعني في القول الأرجح عند الشافعية، وأما عند الأئمة الثلاثة فمحل وفاق لا خلاف بينهم في أن البعدى تسقط بذات القرب، وهذا فيما إذا كان من جهة واحدة، أن قربى كل جهة تحجب بعداها، هذا الضابط في باب الفرائد، قربى كل جهة تحجب بعدها. وأما الوجه الثاني عندهم أنها لا تحجبها بل يشتركان في السدس، لأنها قال هنا: أنها لا تحجبها أي بعدم إدلائها بها بل يشتركان في السدس. (في الْمَذْهَبِ الأَوْلَى) يعني الأرجح المفتى به في بعض هذه المسائل، وأما في بعضها فاتفاقًا فتسقط البعدى بالقربى اتفاقًا كما قررتُ لك فجريان الخلاف في هذه المسائل باعتبار المجموع لا باعتبار الجميع (فَقُلْ لِيْ حَسْبِيْ) يعني يكفي كأنه استشعر أنه أطال في هذا الباب فيكفي هذه المسائل، فقل: أيها الناظر في هذا النظم (لِيْ حَسْبِيْ) يعني يكفيني ما حصل من ذكر المسائل في أصحاب الفروض أو في الجدات فـ (حسب) اسم فعل بمعنى يكفي، (ففيما ذكرته لي) كفاية للمبتدئ، ولا يقصر عن إفادة المنتهي ومن أراد التبحّر في ذلك فعليه بالكتب المطوّلة:
وَقَد تَّنَاهَتْ قِسْمَةُ الْفُرُوضِ ... مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ وَلاَ غُمُوضِ
(11/9)

(وَقَد تَّنَاهَتْ) قد للتحقيق (تَّنَاهَتْ) تفاعل هنا ليس على بابه كما أشار الشارح إلى ذلك بقوله: أي انتهت، (تَّنَاهَتْ) يعني بلغت الغاية في النهاية ليس هذا المراد، وإنما المراد أنها انتهت (وَقَد تَّنَاهَتْ قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي ما يؤخذ منه قسمة الفروض. فالذي انتهى بيان الفروض ومستحقيها لا قسمة الفروض، قسمة الفروض هذا يكون عمليًّا وإنما بيان الفروض وبيان مستحقي الفروض هو الذي انتهى، فمراده (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي ما يؤخذ منه (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) وهو معرفة من يرث ومن لا يرث، ومعرفة الفروض وأصحابها ... إلى آخره هذا الذي يكون أصلاً، ثم بعد ذلك تقسم، هذا كم له وهذا كم له؟
إذًا (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي ما يؤخذ منه (قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) حال كونها (مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ) يعني من غير التباس، يقال: أشكل الأمر التبس، (وَلاَ غُمُوضِ) هذا لازم لما قبله غمض الشيء والكلام غموضًا خَفِيَ يعني من غير التباس ومن غير خفاء (وَقَد تَّنَاهَتْ قِسْمَةُ الْفُرُوضِ) أي: انتهت (مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ وَلاَ غُمُوضِ)، وهو كذلك لأن الرحبية من المنظومات الواضحة البيّنة التي لا تحتاج إلى كثرة كلام.
مَن يرث من الجدات عند الحنابلة ثلاثة فقط:
- الأولى: أم الأم وإن علت بمحض الإناث، وقلنا: هذا مجمع على توريثها.
- الثانية: أم الأب كذلك يعني وإن علت بمحض الإناث، وهذه مجمع على توريثها.
- الثالثة: أم أبي الأب.
عند الحنابلة غير هذه الثلاثة لا ترث فقط، وهذا هو ظاهر السنة، أن غير هذه الثلاثة لا يرثن البتة، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أما أم أبي أم فإنها من ذوي الأرحام، وكذا كل جدة تُدلي بغير وارث إجماعًا لا ترث، وأما أم أبي أم فإنها من ذوي الأرحام، والخلاف في ذوي الأرحام هذا معلوم، ولا خلاف بين العلماء في توريث أم الأم، وأم الأب، وإنما الخلاف في الثالث فقط وهي أم أبي الأب والصحيح أنها ترث، ودليل الحصر في الثلاثة لماذا حصرنَّ في ثلاثة ما رواه سعيدٌ في سننه عن ابن عيينة عن منصور عن إبراهيم النخعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورّث ثلاث جدّات.
قول ثلاث يدل على ماذا؟ على الحصر.
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورّث ثلاث جدات، ثنتين من قبل الأب، وواحدة من قبل الأم، أم الأم هذه واحدة، أم الأب وأم أبي الأب ثنتين من قبل الأب، وأخرجه [أبو عبيد، والدارقطني] (1) قال في الإرواء: وإسناده صحيح مرسل. وأخرجه البيهقي والمرسل مختلف فيه، لكن عند كثير من الأوائل السلف أنه معمول به قبل وجود فتنة الكذب ونحو ذلك، لكن يؤيده الإجماع الآتي.
__________
(1) هكذا في الإرواء (6/ 127).
(11/10)

وأخرج البيهقي من مرسل الحسن البصري أيضًا قال الحافظ يعني أخرجه البيهقي من مرسل الحسن البصري أيضًا. إذًا من ومرسل إبراهيم النخعي ومن مرسل الحسن البصري أن الوارثات من الجدات ثلاثة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وذكر البيهقي عن محمد بن نصر أنه نقل اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك. ما هو ذلك؟ أنه لا يرث إلا ثلاث جدات: أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب، إلا ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه أنكر ذلك ولا يصح إسناده عنه. يعني ما روي عن إنكار سعد بن أبي وقاص لا يثبت عنه البتة، فالمذهب عندنا يرث الجدات الثلاث، وإن علون أمومة السدس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ولا يرث غير ثلاث جدات، أم الأم، وأم الأب، وأم أبي الأب وإن علون أمومةً وأبوةً إلا المدلية بغير وارث كأم أبي الأم. ووجه الاستدلال من الأثر السابق قوله: ورَّث ثلاث جدات. وقال: كذلك في الأثر: كانوا يورثون ثلاث جدات. فدل على التحديد بثلاث وأنه لا يرث أكثر منهن وأن المدلية بأبٍ بين أمين غير وارثة، من أدلت بأبٍ بين أمَّين يعني بين أنثيين، ذكر بين أنثيين هذه ليست وارثة ونص عليها الناظم:
وَكُلُّ مَنْ أَدْلَتْ بِغَيْرِ وَارِثِ ... فَمَا لَهَا حَظٌّ مِنَ الْمَوَارِثِ

حالات الجدة تلخيصًا لما سبقه، وقلنا: هذا في المذهب.
إن انفردت واحدة من الثلاث أخذت السدس كاملاً بلا نزاع إذًا إذا لم يكن ثَمَّ أم، فإن وُجدت الأم حجبتها، إن انفردت واحدة يعني لم يوجد إلا جدة واحدة ومن الأم أو أم الأب، أو أم أبي الأب حينئذٍ انفردت أخذت السدس، إلا إذا وُجدت الأم بتحجبها، فإن وُجدت الأم حينئذٍ لا ترث، وإن اجتمع اثنتان أو ثلاث فننظر فإما أن يتحاذين بمعنى أن يتساوين في درجة القرب من الميت كأم أم أم، وأم أم أب، وأم أبي أبٍ انظر كلهن في درجة واحدة، ثلاث ثلاث، يعني تعد الدرجة تعرف تعد كم بينهم أم أم أم ثلاث، أم أم أبٍ ثلاث، أم أبي أبٍ تقول: هؤلاء استوين في الدرجة حينئذٍ الحكم يأخذن السدس يشتركن في السدس كاملاً. يعني (فَالسُّدْسُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةْ) كما ذكر الناظم أو تساوين في درجة البعد من الميت فالسدس بينهن لخبر قضى للجدتين في الميراث بالسدس، وقس الأكثر منهما عليهما، ولعدم المرجح لإحداهن على الأخرى، ولأنهن ذوات عدد، واستوى كثيرهن وواحدتهن كالزوجات، جاء النص في الزوجة والزوجات مثلهن، فكذلك الجدات إذا كن وارثات فكل واحدة منهن حينئذٍ تستحق تطلب السدس لكن لما لم تكن منفردة حينئذٍ تُشَرَّك مع غيرها، وإن لم يتساوين فمن قربت من الجدات فالسدس لها وحدها مطلقًا، سواء كانت من جهة الأم، أو من جهة الأب لأنهن أمهات يرثن ميراثًا واحدًا من جهة واحدة، فإذا اجتمعن فالميراث لأقربهن كالآباء والأبناء والإخوة، (وَتَسْقُطُ الْبُعْدَى) من كل جهة للقربى، سواء كانت القربى من جهة الأم والبعدى من جهة الأب أو بالعكس.
إذًا هذا هو المذهب دون تفصيل على ما ذكره الناظم رحمه الله تعالى.
ثم قال رحمه الله تعالى بعد أن انتهى من بيان ما يتعلق بالإرث أو النوع الأول وهو الفرض:
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ هُمَا ... فَرْضٌ وَتَعْصِيْبٌ عَلَى مَا قُسِّمَا
(11/11)

بين لك الفرض وأصحابه، ثم انتقل إلى بيان النوع الثاني وهو التعصيب فقال: (بَابُ التَّعْصِيب)
لما أنهى الكلام على الفروض ومستحقيها شرع في بيان العصبات فقال: (بَابُ التَّعْصِيب) أي هذا باب بيان التعصيب، وما يتعلق به من حيث التعريف ومن حيث الأحكام.
التعصيب مصدر عَصَّبَ يُعصِّبُ تَعْصِيبًا لأنه فعَّل، وفعّل كَلَّّمَ يُكَلِّمُ تَكْلِيمًا، عَلَّمَ يُعَلِّمُ تَعْلِيمًا. إذًا التعصيب هذا مصدر، وعَصَّبَ بتشديد الصاد فعَّل يُعَصِّبُ تَعْصِيبًا، تَعْصِيبًا هذا لا حاجة لأن يذكره الشارح لأنه هو المحدث عنه كان الأولى حذفه فهو عاصب، هل اتفقا عَصَّبَ يُعَصِّبُ تَعْصِيبًا فهو عَاصِب؟ يتفق؟ فهو مُعَصِّب [نعم أحسنت] هذا الذي يتفق، لكن عَاصِب هذا مصدر عَصَبَ كضَرَبَ فهو عَاصِب، وإن كان هذا المشهور عن ألسنة الفرضيين، يقولون: عاصب ويقولون باب التعصيب حينئذٍ أخذوا التعصيب من عصّب وأخذوا عاصب، عاصب. ويقولون: باب التعصيب، حينئذٍ أخذوا التعصيب من عصّب، وأخذوا عاصب من عَصَبَ، وهذا لا إشكال فيه. لكن قوله: فهو عاصبٌ قد يوحي أو يشير إلى أنه عاصب اسم فاعل مأخوذ من عَصَّبَ وليس الأمر كذلك، بل هو مُعَصِّب، فهو عاصب بيان لاسم الفاعل وكان حق العبير مُعَصِّب لأنه هو اسم فاعل لعَصَّبَ، وأما عَاصِب فهو اسم فاعل لعَصَبَ كضَرَبَ عَاصِب، مثل قَتَلَ فهو قاتل، وضَرَبَ فهو ضارب عَصَبَ فهو عَاصِب، أما مُكَلِّم ومُعَلِّم ومُعَصِّب هذا لفعّل، يأتي على وزن مُفَعِّل لأنه من غير ثلاثي، كل ما كان ليس أصله ثلاثيًّا حينئذٍ يأتي على مُفْعلْ هذا هو الأصل، ويجمع العاصب على عَصَبَة، عاصب اسم فاعل يُجمع على عَصَبَة هذه يبين لك اصطلاحات الفرضيين، يجمع العَاصِبُ على عَصَبَة مثل طَالِبُ وطَلَبَة، عَاصِب عَصَبَة، والعَصَبَة جمع يجمع كذلك على عَصَبَات، فعصبات جمع الجمع، مثل قَصَبَة وقَصَبَات، وجمع الجمع هذا سماعي ليس قياسيًا، جمع الأول عَصَبَة هذا لا إشكال فيه أنه قياسي، وأما جمع الجمع كله في لسان العرب كله سماعي يعني ليس له ضوابط، بل قيل: بأن جمع التكسير كله سماعي، وقيل بعضه قياسي، ثم اختلفوا فيه على كلام طويل عريض، ويجمع الْعَصَبَة وهو جمع على عَصَبَات كقَصَبَة وقَصَبَات، وعَصَبَات جمع الجمع، ويسمى بالعصبة الواحد وغيره، يقال زيد عصبة والزيدان عصبة والزيدون عصبة، واحد، مثل قولك زيدٌ عدلٌ والزيدان عدل والزيدون عدل هل بينهما فرق؟ نعم بينهما فرق، زيدٌ عدلٌ الزيدان عدلٌ مصدر والمصدر يخبره عن الواحد والاثنين والجمع، وأما عصبة قلنا: هذا جمع فكيف يستوي؟ هذا قد يقال: بأن له استعمالين يعني ثَمَّ تعارض بين ما بدأ به الشارح وبين قوله الأخير، ويسمى بالعصبة الواحد وغيره، يعني يطلق على الواحد عصبة فيقال: زيد عصبة، وعلى الاثنين الزيدان عصبة وعلى الجمع فيقال الزيدون عصبة، كما نقول: زيد عدل والزيدان عدلٌ والزيدون عدلٌ. وظاهر هذا أنه اسم جنس إفرادي، وهذا يخالف قوله ما سبق أنه جمع لعاصب إلا أن يقال: إن فيه استعمالين يستعمل جمعًا، ويستعمل اسم جنس إفرادي.
(11/12)

إذًا ليس هو السابق وإنما هكذا ابتداءً عصبة نوعان: عصبة جمع لعاصب، وعصبة اسم جنس إفرادي. من أجل أن يصح التعبير لأن الذي يخبر به عن الواحد والاثنين والجمع ويستوي اللفظ دون تغيير له بإلحاق علامة التثنية أو إلحاق علامة جمع هو الجنس الإفرادي، وأما الذي يكون جمعًا فلا يصح هذا، إنما نقول: زيد عصبة والزيدان عصبتان والزيدون عصبات. هذا الذي يناسبه، وأما اتحاد اللفظ فحينئذٍ لا بد أن يكون اسم جنس إفرادي.
إذًا عصبة له استعملان جمع وليس بجمع، وهذا لا إشكال فيه مثل فُلك يكون جمعًا ويكون مفردًا، والأمر واضح، وقُفُل ونحوها، قُفُل وقُفل، لا، قُفُل هذا مفرد وقفل جمع ثم يتحدان إذا خُفِّفَ الثاني قُفُل قُفْل يُنْظَر فيه.
والعصبة في اللغة قرابة الرجل لأبيه، العصبة عرفنا أنه اسم لذوات، وقرابة في الأصل أنها مصدر فهي معنىً، حينئذٍ لا يصح الإخبار عن المبتدأ بذي المعنى، أي ذوو قرابة الرجل فلا بد من حذف المضاف، العصبة لغة قرابة الرجل ذوو قرابة الرجل، لا بد من الإتيان بذو وجمعها، أي ذوو قرابة الرجل، فهو على تقدير مضاف ليصح الإخبار به عن العصبة، فإن القرابة معنى من المعاني، والعصبة اسم للذوات فلا يصح الإخبار إلا بتقدير هذا المضاف، ويصح أن تكون القرابة بمعنى الأقارب، وحينئذٍ اتحدا من حيث إطلاقه على الذوات. إذًا القرابة مصدر ولا يصح الإخبار به عن الذوات وهو العصبة، حينئذٍ لا بد من حذف مضاف ذوو قرابة، أو نجعل القرابة هنا ليس المراد بها المصدر وإنما أطلق وأريد بها الأقارب وهم ذوات. قرابة الرجل لأبيه. هذا تقييد احترازًا من قرابة الرجل لأمه لأنه ليس عصبات إنما هو خاص بالرجل، أي دون أمه لضعف قرابتها حيث أدلوا برحم أنثى، وأيضًا في الغالب أنه من قبيلة أخرى منفكة عن الميت. إذًا العصبة في اللغة قرابة الرجل لأبيه سمّو بها يعني سمي أقارب الرجل بالعصبة، لأنهم عصبوا به أي أحاطوا به، فالعصبة حينئذٍ مأخوذة من العصْب بمعنى الإحاطة، وعَصَبَ بمعنى أحاط يتعدّى بالباء، وبمعنى شدّ يتعدى بنفسه، وكل ما استدل حول شيء فقد عصب به أي أحاط به، ومنه العصائب أي العمائم يعني منه، من العصب بمعنى الإحاطة العصائب أي العمائم، سميت بذلك لإحاطتها بالرأس، وقيل: سمو بها يعني بهذا اللفظ أقارب الرجل بالعصبة لتَقَوِّي بعضهم ببعض، يعني بعض الأقارب يتقوى بالبعض الآخر على القديم، من العصب وهو من الشدِّ والمنع، بعضهم يشدّ بعضًا، يقال: عصبت الشيء عصبًا شددته، والرأس بالعمامة شددته، ومنه العصابة يُشَدُّ الرأس بها، وقيل غير ذلك. إذًا لماذا سمو عصبة؟
فيه قولان:
- إما من الإحاطة من عصب بمعنى الإحاطة لأنهم أحاطوا بالميت.
- أو مأخوذ من الشد والمنع.
ومدار هذه المادة وهي العين والصاد والباء على الشدِّ والقوة والإحاطة والمنع، وكلها لا مانع أن يقال: بأنهم سمو عصبة لهذه المعاني.
(11/13)

إذًا عرّف المصنف هنا الشارح العصبة لغة قرابة الرجل لأبيه، أورِدَ على هذا أُعتُرض على هذا التعريف بأن فيه قصورًا لأنه لا يشمل الآباء ولا الأبناء مع أن الإحاطة لا تتم لا بهم، فالأبناء من تحت والآباء من فوق والإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم في الجوانب القريبة والبعيدة، ولذلك قيل: العصبة - تعريف آخر - من يرثُ بلا تقدير. لأن الإرث على نوعين: إرث بالفرض وهو مقدر، وإرث بالتعصيب وهو غير مقدر. وهذان الحدان مذكوران في كتب الفرائض وكل من عرّف التعصيب ففي حده خلل، والأولى أن يُعدّىَ فيقال العصبة أو من يرث بالعصبة ثلاثة أقسام النوع الأول وهم كذا وكذا، والنوع الثاني وهم كذا وكذا ... لذلك قال قائل:
وليس يخلو حدّه من نقد ... فينبغي تعريفه بالعدِّ

فيقال: العصبة بالنفس اثنا عشر، والعصبة بالغير، والعصبة مع الغير، أما محاولة أن تضع له تعريف هذا لا يسلم منه اعتراض.
والعصبة اصطلاحًا:
قال الناظم هنا:
وَحُقَّ أَنْ نَشْرَعَ في التَّعْصِيبِ ... بِكُلِّ قَوْلٍ مُوْجَزٍ مُصِيبِ

هذا تقدمة.
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ
(11/14)

وحَقَّ وحُقّ يجوز فيه الوجهان حَقَّ بالفتح أي وجب صناعةً، وفحَقَّ بفتح الحاء مبنيًّا للفاعل بمعنى وجب، حقّ الشيء يَحِقُّ بالكسر أي وجب، حَقَّ يَحِقُّ من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ أي وَجَبَ، وإنما وجب صناعةً أن نشرع في التعصيب لماذا؟ لأن العادة عند الفرضيين جرت بذلك يقسمون الإرث إلى نوعين (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ) ثم يشرعون في الفرض، ثم بعد الانتهاء من الفرض يبدؤون بالتعصيب، حينئذٍ صار الواجب هنا واجب صناعة كما نذكره في مقدمات البسملة وغيرها، وإنما وجب صناعة أن نشرع في التعصيب لأن العادة جرت بذلك بذكر التعصيب بعد ذكر الفروض، ويصح أن يقرأ بضم الحاء مبنيًّا للمفعول لأنه يستعمل متعدِّيًا فيصح بناؤه للمفعول كما في قول النحاة تقدير زيدٌ أبوك عطوفًا أي أُحِقُُّهُ عطوفًا إذًا يجوز فيه الوجهان حَقَّ حُقَّ ولا إشكال فيه. (أَنْ نَشْرَعَ) أن وما دخلت عليه تأويل مصدر فاعل أو نائب فاعل، إذا قيل حُق فهو نائب فاعل، وإذا قيل حَقّ فهو فاعل، أن نشرع ونبدأ في التعصيب، يعني في بيان التعصيب وحينئذٍ يكون حذف المضاف، في بيان ذي التعصيب، يعني أصحاب الإرث بالتعصيب، ولذلك قال الشارح في الإرث به، وعليه ففي النظم توسُع بحذف الجار مع الباء (به) حذفها (بِكُلِّ قَوْلٍ مُوْجَزٍ مُصِيبِ) نشرع بكلّ. إذًا بكل جار ومجرور متعلق بقوله: نشرع، (بِكُلِّ) هل الاستغراق هنا مراد بمعنى أنه لا يترك شيئًا البتة، أو عرفي يعني بالمجموع؟ لا شك أنه الثاني، فحينئذٍ الاستغراق هنا الذي أفادته كلّ استغراق عرفي لأنه بحسب ما تيسر له، وإلا فالاستغراق الحقيقي غير ممكن (بِكُلِّ قَوْلٍ) قول مصدر بمعنى مقول بمعنى اسم المفعول، بكلّ مقول تيسر له، حينئذٍ نجعل الكلية هنا عرفية لا حقيقية، وصف هذا القول بأنه موجَز بفتح الجيم أي موجَز فيه، فهو من باب الحذف والإيصال، ويصح كسر الجيم موجِز على أنه اسم فاعل لكن يكون الإسناد مجازيًّا أي من موجِزٍ قولٍ موجزٍ صاحبه، يعني الصاحب هو الذي يوجِز، وأما موجَز فهو وصف للقول، وموجِز بالكسر فهو وصف للناظم نفسه، والموجَز المراد به المختصر، وهذا بناءً على أنّ الإيجاز والاختصار مترادفان كما سبق في أول النظم. (مُصِيبِ) اسم فاعل من أصاب، وأصله مُصْوِب بوزن مُكْرِم نُقلت حركة الواو للساكن قبلها، ثم قلبت الواو ياء لسكونها إثر كسرة، مُصِيب من الصواب ضد الخطأ، ولذلك قال الشارح: ليس بخطأ.
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي
(11/15)

(فَكُلُّ) يعني إذا أردت بيان العصبة فأقول كل مَن حينئذٍ تكون الفاء فصيحة، فالفاء فاء الفصيحة، ويصح أن تكون استئنافية قاله البيجوري، واعترض إتيانه في التعريف هنا لأنه أراد أن يعرف العصبة اصطلاحًا جاء بكلّ، ومعلوم أن كلّ ليست من [ها] لا تدخل الحدود، لأن الحدود يراد بها الماهية، والماهية تكون في الذهن، وكلّ تكون لضبط الأفراد، وإفراد تكون في الخارج، كيف يعرف ما في الذهن بشيء في الخارج؟! هذا فيه اعتراض، واعترض إتيانه بكلّ لأن التعريف لبيان الماهية وكل للأفراد فلا يصح الإتيان بها في التعريف، فأجيب أنه ضابط لا تعريف. كلّ ما صُدِّر بلفظ كلّ فهو ضابط، وهذا ضابط نفسه. إذًا ضابط كل ما صدر بلفظ كل فهو ضابط، واضح وليس بتعريف، ولذلك يسمى بعض الكتب الكليات وليست من القواعد كما سبق في شرح الفرائد. وأجيب بأنه ضابط لا تعريف، وقيل: التعريف ما بعد كلّ. نعم أجاب بعضهم بأن التعريف ما بعد كلّ. وإنما دخلت عليه للدلالة على أن التعريف محيط بأفراد المعرف، لأنها مفيدة للإحاطة فتدل على أنها لم يخرج عن هذا التعريف شيء من أفراد المعرف. ... (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ) كلّ مضاف ومَن مضاف إليه، كلّ مبتدأ أليس كذلك؟ أين خبره؟ [أحسنت] البيت الثاني.
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... .......................

إلى هنا انتقى الحدّ (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ) الجملة هنا (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ) حينئذٍ يكون جوابًا للمبتدأ، والفاء واقعة في الخبر (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ) أحرز يعني حاز بمعنى جمع، أحرز كلّ المال، وهذا التعريف إنما يصدق على العصبة بالنفس لأنه هو الذي يصدق عليه أنه إذا انفرد جمع كل المال أخذ كل المال، ولذلك قيده الشارح هنا عند الانفراد، فكل من جمع وأحرز وحاز كل المال عند الانفراد عن الفروض يعني لا يكون ثَمَّ صاحب فرض معه، إذا لم يكن من الورثة إلا ابنٌ فقط، نقول: الابن هذا ليس من أصحاب الفروض التي سبقت معنا، حينئذٍ يجوز كل المال نقول: هذا عصبة بالنفس.
بيّن من أحرز من القرابات أو الموالي لأن العصبة نوعان:
- عصبة بنسب.
- وعصبة بسبب
الأول منه القرابات، والثاني الذي هو بسبب الموالي، جمع مولى كما سبق معنا أن المعتِق وكذلك المعتِقة ممن يرث سبب وهو [ها] العتق، ماذا قال في الأسباب؟
.................. ... كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَهْ
وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... .......................

ضيعتم .. #59.18، نكاح السبب الأول، وولاء هذا السبب الثاني.
(11/16)

إذًا يرث بسبب هو الولاء. إذًا قوله: (مِنَ الْقَرَابَاتِ) هذا بيان لمن أحرز بأنه يرث بالعصبة وهو من القرابات، أو من الموالي يعني بسببه. قوله: (الْقَرَابَاتِ). قيل: ليس بعربي، لأنه جمع قرابة هي في الأصل مصدر، ولا يثنى ولا يجمع، المصدر لا يثنى ولا يجمع، ما يقال: عدلان وعدول هذا الأصل فيه إلا إذا أُوِّل باسم الفاعل، إذا أوّل باسم الفاعل جُمِعَ، إذا أوّل باسم المفعول جُمِعَ، وأما باعتباره مصدر كما هو للدلالة على المعنى فلا يثنى ولا يجمع، حينئذٍ قرابات جمع قرابة، وقلنا: قرابة هذا مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع كيف جمع؟ قالوا: هذا ليس بعربي. إلا إذا تنوع بأنواع صح جمعها، فحينئذٍ نقول: هذا عربي، وصح تنوعه وصح جمعه. وأجيب: بأن القرابة أنواع فلذلك جمعت. نعم هو هذا، وبأن محل المنع إذا يعني المصدر على مصدرية، و (ما) هنا بمعنى اسم الفاعل فالقرابة بمعنى القريب، والقرابات بمعنى الأقارب، نعم المصدر على معناه يعني بالدلالة على المصدرية لا يثنى ولا يجمع، ولكن إذا ضُمِّن معنى شيء آخر أو فسر أو أوّل بشيء آخر كاسم الفاعل واسم المفعول حينئذٍ جُمع ومنه القرابة، من القرابات جمع قرابة أي الأقارب، لذلك قال الشارح هكذا.
(أَوِ الْمَوَالِي) من المعتِقِين وعصبتهم إجماعًا، وهذا محل إجماع أن العصبة بالنفس قد يكون بنسب وقد يكون بسبب. لقوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} [النساء: 176]. بمعنى ماذا؟ {وَهُوَ} يعود على الأخ {يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} قالوا: وغير الأخ كالأخ. يعني من باب القياس. وهذه الآية استدل بها أهل العلم وأجمعوا على مدلولها ولذلك قال: إجماعًا. لقوله تعالى قوله تعالى هذا بيانًا لمستند الإجماع ليس هو دليل آخر من حيث هو، إنما هو جماع لمدلول الآية، فورّث في هذه الآية الأخ جميع ما للأخت {إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ}، {إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ} حينئذٍ ورث الأخ كل ما للأخت، وهذا هو حقيقة التعصيب بأنه أحرز كل المال إذا لم يكن ثم وارث {إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ}، والابن وابنه والأب والجد أولى من الأخ لقرابته، وقيس عليه بنو الإخوة والأعمام وبنو هم والموالي بجامع التعصيب، وهذا كله مجمع عليه، يعني منهم من نص عليه الدليل، ومنهم من أُلحق بالقياس، ثم القياس مجمع عليه.
إذًا هذا جزء من العصبة بأن من أحرز كل المال من القرابات أو الموالي عند انفراده بمعنى إذا لم يكن ثَمَّ صاحب فرض فهو عاصب:
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوْبَةِ الْمُفَضَّلَةْ

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(11/17)

عناصر الدرس
* تابع أنواع العصبة وأحوال إرثهن.
* تعداد العصبة بالنفس وأحكامهن.
* حكم اجتماع عاصبين فأكثر.
* جهات العصبة بالنفس.
* العصبة بالغير وعددهن.
* العصبة مع الغير وعددهن.
* العصبة مع النساء.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
شرحنا الدرس الماضي في التعصيب وعرفنا أنه النوع الثاني من أنواع الإرث، ويرث الوارث إما من جهة الفرض، وقد سبق بيان أصحاب الفروض وشروط مستحقيها، ونحو ذلك. وشرع الناظم رحمه الله تعالى في بيان النوع الثاني من أنواع الإرث وهو التعصيب:
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الإِرْثَ نَوْعَانِ هُمَا ... فَرْضٌ وَتَعْصِيبٌ عَلَى مَا قُسِّمَا

(بَابُ التَّعْصِيب) عرفنا أنه مصدر .. إلى آخره
ثم قال الناظم:
وَحُقَّ أَنْ نَشْرَعَ في التَّعْصِيبِ ... بِكُلِّ قَوْلٍ مُوجَزٍ مُصِيبِ

ثم عرف التعصيب بأنه.
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ الْمُفَضَّلَةْ

ذكرنا أن التعصيب عرفه في اللغة بأنه قرابة الرجل لأبيه، وعرفه بعضهم من يرث بلا تقدير وكلا التعريفين كغيرها من التعريف فهي منتقدة.
وليس يخلو حده من نقد ... فينبغي تعريفه بالعدّ

وعليه نقول أقسام العصبة، العصبة تنقسم إلى قسمين:
- عصبة بنسب.
- عصبة بسبب. نوعان:
سبب هذا محصور فيه الولاء، يعني السيد المعتِق والمعتِقة.
وأما عصبة بنسب هذه هي التي يندرج تحتها الأنواع الثلاثة عند الفرضيين وهي:
- عصبة بالنفس.
- وعصبة بالغير.
- وعصبة مع الغير.
الناظم رحمه الله تعالى عرّف أو بدأ بالنوع الأول وهو العاصب بنفسه، يعني الذي لا يحتاج إلى واسطة، متى ما وجد حينئذٍ أخذ المال بالتعصيب، كالابن مثلاً حينئذٍ لا يفتقر إلى غيره، فلو هلك هالك عن ابن لا يوجد إلا ابن واحد فقط، حينئذٍ ليس له فرض وإنما يرث بالتعصيب، فكل المال يكون له وهذا الذي عناه بقوله:
فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ ... مِنَ الْقَرَابَاتِ ..............

يعني كل من جمع المال إذا انفرد، يعني إذا لم يكن معه صاحب فرض، لأن أحوال العصبة نوعان:
- عصبة منفردة بأنه لا يوجد معه صاحب فرض البتة، فهذا يحرز كل المال إذا لم يكن معه صاحب فرض.
- النوع الثاني: أن يكون معه صاحب فرض. حينئذٍ له حالان: إما أن يبقى شيء بعد أصحاب الفروض حينئذٍ يكون له، وهو الذي عناه بقوله: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ).
الحالة الثاثلة من الحالة الثانية: أن ألا يبقى له شيء بعد الفروض. حينئذٍ يسقط ليس له شيء إلا الابن، الابن لا يسقط البتة وإنما يعصب غيره كما سيأتي. إذًا قوله:
(فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ). هذا مقيد بكونه عند الإنفراد، والمارد بكونه عند الإنفراد ألا يوجد معه صاحب فرض البتة، يعني لا يوجد من يرث بالنصف أو الثلث أو الثلثين ونحو ذلك فإن وجد حينئذٍ انتقل إلى الحالة الثانية وهي إن بقي له شيء أخذه وإلا سقط إلا الابن (مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي) عرفنا أن المراد بالقرابات هنا جمع قرابة، والمراد به الأقارب أو من الموالي جمع مولى وهذا يُعَصِّبُ بسبب ليس بنسب، فرق بين النسب والسبب، وسبق أن السيد المعتِق إنما يرث بسبب وهو الولاء:
(12/1)

أَسْبَابُ مِيرَاثِ الْوَرَى ثَلاَثَةْ ... كُلٌّ يُفِيْدُ رَبَّهُ الْوِرَاثَةْ

وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... ...............................

هذه ثلاثة أسباب لا إرث.
وَهْيَ نِكَاحٌ وَوَلاَءٌ وَنَسَبْ ... مَا بَعْدَهُنَّ لِلْمَوَارِيْثِ سَبَبْ

يعني ما بعد هن من الأسباب المتفق عليها، وإلا ثَمّ أسباب مختلف فيها. إذًا (مِنَ الْقَرَابَاتِ أَوِ الْمَوَالِي) أشار إلى نوعين بنسب أو سبب وعرفنا دليله فيما سبق (أَوْ [كَانَ مَا] يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) هذا ما يتعلق بالعاصب بنفسه (أَوْ كَانَ) أو عطف على أحرز فالمعنى حينئذٍ أو لم يحرز كل المال بل (كَانَ مَا يَفْضُلُ) إما أن يحرز كل المال يجمع كل المال وذلك عند الإنفراد (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) يعني إن معه كان صاحب فرض وبقي شيء آخذه حينئذٍ يكون عاصبًا بنفسه، (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) يفضل يقال فضل الشيء فضلاً زاد على الحاجة وبقي يعني أو كان ما يبقى (بَعْدَ الْفَرْضِ) يعني بعد جنسه، والمراد بالفرض الفرائض لأنه قد يكون صاحب فرض، قد يكون اثنين، قد يكون متعددين، ولذلك قال الشارح: الشامل للواحد وما زاد عليه لأن (أل) هنا للجنس للجنسية حينئذٍ يصدق بالواحد وبالمتعدِّد (لَهْ) هذا يعود على من (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ)، (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) يعني للعاصب بنفسه.
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ الْمُفَضَّلَةْ

(فَهْوَ) هذا راجع لكل، كل من أحرز (أَخُو الْعُصُوبَةِ) أي ملازمها والمتصف بها كما في قولهم أخو الحِلْم يعني صاحب الحِلْم والملازم والمتصف بالحلم، وكذلك شأن الأخ يصاحب أخاه ويلازمه. إذًا (فَهْوَ) نقول الضمير هنا راجع لقوله: (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ). (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ) يعني صاحبها صاحب العصوبة، أي نوع من العصبة؟ نقول: العصوبة بنفسه، العاصب بنفسه وفي اصطلاح الفرضيين العاصب إذا أطلق انصرف إلى العاصب بنفسه، ولا يدخل معه لا بالغير ولا مع الغير (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ) بالنفس، والمراد بالبيت العصوبة بالنفس أي بنفسه لا بغيره ولا مع غيره لأن الحكم الأول وهو إحراز كل المال عند الإنفراد مخصوص بالعصبة بالنفس، لأنه يرد السؤال لماذا قلنا فهو أخو العصوبة يعني بنفسه؟ لماذا لا يكون بغيره ومعه؟ نقول الحكم الأول وهو قوله: (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ). هذا لا يكون في العصبة بالغير ولا العصبة مع الغير، فدل على أن هذا الحكم خاص بالعصبة بالنفس، لأن الحكم الأول وهو إحراز كل المال عند الإنفراد مخصوص بالعصبة بالنفس، (أَخُو الْعُصُوبَةِ)، بالنفس (الْمُفَضَّلَةْ) مُفَضَّلَة مُفَعَّلَة أي التي فضّلها الفرضيون على غيرها من أنواع العصوبة أو المفضلة على الفرض لأن بعضهم يرى كما سبق أيهما أقوى هل الفرض أم التعصيب؟ ذكرنا الخلاف فيما سبق:
أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ ... فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ الْمُفَضَّلَةْ
(12/2)

إذًا عرّف لنا الناظم العاصب أو العصبة بالنفس بأنه ما اشتمل على حكمين أو من وجد فيه أمران، أولاً يعني ضابطه متى نحكم عليه بأنه عاصب بنفسه؟
إذا أحرز كل المال عند عدم وجود صاحب فرض. ثُمَّ إن وجد صاحب فرض وبقي شيء أخذه هذا العاصب، حينئذٍ يكون قد ذكر حكمين من أحكام العصبة بالنفس، بقي واحد سيأتي نصه.
الدليل على ذلك قوله: - صلى الله عليه وسلم - «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». وهذا مجمع عليه، ولذلك قال الشارح إجماعًا لقوله، دليل الحكم المستفاد مما تقدم وهو كونه يحرز كل المال عند الإنفراد أو كونه يأخذ ما فضل بعد الفروض، وسنده قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألحقوا». هذا أمر والأمر للوجوب «ألحقوا الفرائض». يعني جنس الفرائض السدس والنصف والثلث والثلثين «بأهلها». يعني بأصحابها مع استيفاء الشروط السابقة «فما بقي». يعني بعد الفرض إن زاد شيء «فهو لأولى رجل ذكر». لأولى يعني لأقرب رجل حينئذٍ التقسيم هنا «فما بقي فهو». هذا دليل على أن القسمة ثنائية صاحب فرض، ثم من يأخذ ما بقي بعد أصحاب الفروض، وهذا النوع الثاني هو التعصيب «فهو لأولى رجل». أي لأقرب رجل فالمراد بالأولى الأقرب لا الأحق لأنه لو قال: «فهو لأولى رجل». يعني: أحق رجل من الذي يحدد؟ أحق قد يصدق على البعيد قد يصدق على القريب من الذي يميز؟ ولم يأت شيء من الشرع ولذلك يفسر قوله: «فهو لأولى». يعني لأقرب وهذا متميز إذا اجتمع قريب وبعيد حينئذٍ النص دل على أنه يعطى القريب، فالمراد «بالأولى». الأقرب لا الأحق إذ لو كان بمعنى الأحق لخلا من الفائدة أو عن الفائدة، لأنا لا ندري من هو الأحق بخلاف الأقرب فإنه معروف، والتقييد بالرجل هنا للأغلب وإلا فالمعتِقة عصبة:
وَلَيْسَ في النِّسَاءِ طُرًّا عَصَبَهْ ... إِلا الَّتِي مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ
(12/3)

إذًا يوجد التعصيب في النساء وهو خاص بالمعتقة، إذًا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «رجل». أخرج المرأة، والمعتِقة؟ نقول: هنا ذكر من باب الأغلب، فحينئذٍ ما ذُكر من باب الأغلب لا حكم له لا مفهوم له ليس له مفهوم، فليس تعليق الحكم بالرجل هنا للإخراج فالأنثى حينئذٍ لا تكون معصبة البتة، نقول: الأنثى تكون معصبة بالإجماع كالمعتِقة، بل هو خاص بالمعتقة وحينئذٍ يكون قوله: «رجل». هنا لا مفهوم له، فالتقييد بالرجل للأغلب وإلا فالمعتقة عصبة. قوله: «فهو لأولى رجل ذكر». ذكر هذا بدل من قوله رجل، لماذا ذكره؟ لأن الرجل في الأصل إنما يكون في مقابلة المرأة البالغة أو يطلق على الذكر البالغ من بني آدم، حينئذٍ أيهما أخص وأيهما أعم؟ رجل أمر ذكر؟ الذكر أعم لأنه يشمل البالغ ومن هو دونه، لو قال: «فهو لأولى رجل». أختص الحكم بماذا؟ بالبالغ دون من هو دونه، لكن لما فهم أو قد يفهم ويتوهم هذا الحكم بأن الحكم خاصٍ بالبالغ حينئذٍ أردفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «ذكر». حينئذٍ يكون عامًا (فَهْوَ أَخُو الْعُصُوبَةِ) بالنفس (الْمُفَضَّلَةْ) على غيرها من أنواع العصوبة وعلى الفرض كما اختار هو. قال الشارح: وهذا تعريف للعاصب بالحكم، والتعريف بالحكم دوريٌ كما هو معلوم عند العقلاء. يعني قوله: (مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ). (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) هذا حكمٌ حكم العاصب وليس هو العاصب، ونحن نريد معرفة العاصب، والتعريف بالحكم يلزم منه الدور كما يقول هناك النحاة الفاعل هو الاسم المرفوع، ما هو الاسم المرفوع؟ هو الفاعل نقول: حينئذٍ إذا إدخال للحكم في الحد:
وعندهم من جملة المردود ... أن تدخل الأحكام في الحدود

على كلٍّ هذا المقام مقام تعريف للشرع حينئذٍ لا تنطبق الحدود التي يذكرها المنطقيون على مثل هذه المواضع، فكل ما يسّر وذكر فيه أحكام وفُهِم منه المراد بأن العاصب هو كذا وكذا حينئذٍ استوفى الحد ولا تقف مع هذه التنطعات، وهذا تعريف للعاصب بالحكم والعاصب إذا أطلق كما ذكرنا المراد به العاصب بنفسه. بالحكم الذي هو إحراز كل المال عند الإنفراد وكون ما يفضل بعد الفرض له والتعريف بالحكم دوري كما هو معلوم عند العقلاء، يعني: المناطقة.
وأجيب بأنه تعريف لفظي فهو لمن يعرف الحكم ويجهل التسمية بلفظ عاصب يعرف الحكم ولكن يجهل التسمية بكونه عاصب يعني يعرف أن زيد ابن وإذا لم يكن معه فرض فحينئذٍ أخذ كل المال، يعرف الحكم لكن ما يدري أنه يرث بالتعصيب وأن هذا عاصب، على كلٍّ فيه بعد، وأحكام العاصب بنفسه ثلاثًا ذكر الناظم منها اثنين:
الأول: أنه إذا انفرد حاز جميع المال.
والثاني: إذا اجتمع مع أصحاب الفروض أخذ ما أبقت الفروض.
وترك الثالث وهو أنه إذا لم يبق شيء سقط وهذا معلوم من قوله: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ). يعني: له ما يفضل بعد الفرض إذا لم يبق شيء ليس له شيء، إذًا الحكم الثالث داخل في الحكم الثاني فهو معلوم منه.
(12/4)

والحكم الثالث وهو أنه إذا استغرقت الفروض التركة سقطت إلا الإخوة الأشقاء في المشركة وهذا استثناء بحسب الظاهر وإلا فالأشقاء في المشركة كما سيأتي انتقلوا للفرض فليسوا حينئذٍ عصبة، وإلا لأخت في الأكدرية، والأكدرية هذه ستأتي إن شاء الله بعد باب الجد والإخوة وكذلك ليست هي عاصبة بالنفس وإنما هي عاصبة بالغير، لأن الجد يكون معها. وهاتان المسألتان ستأتيان. وإنما ترك المصنف هذا الثالث للعلم به من الثاني ما هو الثاني؟ يعني من مفهومه قوله: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ). إذًا ترك الحكم الثالث لأنه مفهوم من الحكم الثاني أي من مفهومه فإنه قال: ... (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ). ويفهم منه أنه إذا لم يفضل بعد الفرض شيء سقط وهذا واضح بين، والعاصب بغيره النوع الثاني، والعاصب مع غيره في النوع الثالث من العصبة كالعاصب بالنفس في هذه الأحكام، يعني إذا انفرد أخذ كل المال، وإذا بقي شيء مع أصحاب الفرائض أخذ الباقي، وإذا لم يبق شيء سقط هكذا يقول. ومع غيره كالعاصب بالنفس في هذه الأحكام.
استثنى الحكم الأول وهو أنه إذا انفرد أخذ كل المال لماذا؟
لأن العاصب بالغير لا بد من التعدّد، عاصب بالغير، عاصب مع الغير إذًا لابد من التعدد، لا يتصور فيه الإنفراد، وأما العاصب بالنفس فهذا يتصور فيه الإنفراد، كالجد لوحده، والابن لوحده، والأخ الشقيق وابن الأخ الشقيق لوحده، حينئذٍ يتصور فيه الإنفراد، وأما العاصب بالغير الباء للإلصاق والعاصب مع الغير مع هنا للمعية فلا بد من وجود شخص آخر يعصبه، ولذلك قال هنا: كالعاصب بالنفس في هذه الأحكام إلا الحكم الأول. قال زكريا الأنصاري: وفي كون الحكم الثاني يشترك فيه أقسام العصبة نظر، لأن العاصب بغيره لا يأخذ الباقي وحده لأنه يقول: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) يعني يأخذ أصحاب الفرائض حقوقهم، وما بقي آخذه، هل العاصب بالغير يأخذ الباقي كله أو جزء الباقي؟
جزء الباقي، وكذلك العاصب مع الغير هل يأخذ كل الباقي أو جزء الباقي؟ جزء الباقي.
إذًا كيف يقال بأنه يأخذ كل الباقي، وهذا فيه تأويل يعني من باب إطلاق الكل مرادًا به الجزء. واعترضه زكريا الأنصاري كما أورده البيجوري هنا وفي كون الحكم الثاني يشترك فيه أقسام العصبة نظر لأن العاصب بغيره لا يأخذ الباقي وحده، بل مع العاصب بنفسه، ويمكن تصحيح ذلك بتأويل، يعني لا بد من التأويل. قال الباجوري: أي بأن يقال المراد أنه يأخذ الباقي وحده ولو في الجملة، فإن العاصب بغيره يأخذ جزاءً من الباقي. على كلٍّ هما مشتركان في الباقي، والمراد الباقي الذي له حق فيه، حينئذٍ سواء كله أو كان جزءًا منه. كلا العبارتين متقاربتان. ثم شرع الناظم رحمه الله تعالى في تعداد العصبة بالنفس، والعصبة بالنفس لا يكون إلا من الذكور كما أن الشأن في العصبة بالغير والعصبة مع الغير لا يكنّ إلا إناثًا، إذًا عرفنا أن العصبة بالنسب ثلاثة أقسام:
- عصبة بالنفس.
- وعصبة بالغير.
- وعصبة مع الغير.
(12/5)

العصبة بالنفس تعدادهم أولى من التعريف، وإنما نعددهم نقول: هو الابن، وابنه .. إلى آخره، ثم نقول: وأحكام العاصب بالنفس ثلاثًا. وهذا أولى ما يقال في هذا المقام، لأن كما ذكرنا المقام مقام بيان أحكام الشرعية، وأما التعريف وما ينتقد به من التعريفات السابقة فهذا شأنه الطرح، العصبة بالنفس مَنْ هُم؟
هم المجمع على إرثهم من الرجال إلا الزوج والأخ من الأم، الزوج صاحب فرض، والأخ من الأم صاحب فرض. إذًا لا يكون الزوج معصبًا، ولا يكون الأخ من الأم معصبًا. إذًا من عداهم قد يكون صاحب فرض ويكون معصبًا، وقد لا يكون إلا معصبًا، وقد سبق معنا أقسام الورثة باعتبار التعصيب وعدمه، قلنا: أربعة:
- منهم من قد ينفرد بالفرض ولا يكون معصبًا.
- ومنهم من يكون معصبًا دون فرض.
- ومنهم من يكون تارة يرث بالفرض وتارة بالتعصيب ويجمع بينهما، كالأب والجد، وتارة لا يجمع بينهما، فالأقسام حينئذٍ تكون أربعة، خرج الزوج والأخ من الأم بقي ماذا؟ بقي ثلاثة عشر، أليس كذلك؟
وَالْوَارِثُوْنَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةْ ... أَسْمَاؤُهُمْ مَعْرُوفَةٌ مُشْتَهِرَةْ

قلنا: أسماؤهم عشرة بالإجمال، وخمسة عشر بالبسط، أخرج الزوج والأخ للأم، بقي ثلاثة عشر وهم: الابن: وابن الابن وإن نزلا، والأب، والجد من قبل الأب وإن علا والأخ الشقيق، والأخ لأب، وابن الأخ الشقيق وإن نزل، وابن الأخ لأب وإن نزل، والعم الشقيق، والعم لأب وإن علو، وابن العم الشقيق، وابن العم لأب وإن نزل، وذو الولاء. فجملة الذكور هؤلاء.
أحكام العصبة بالنفس ثلاثة:
الأول: على ما ذكرناه سابقًا، أن من انفرد منهم حاز جميع المال لقوله تعالى: {وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ} [النساء: 176]. فورَّث في هذه الآية الأخ جمع مال الأخت {وَهُوَ} أي الأخ {يَرِثُهَا} يعني الأخت ورثه كل المال، {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} والابن وابنه والأب والجد أولى من الأخ لقربهم، وقيس عليه بنو الأخوة والأعمام وبنوهم والموالي بجامع التعصيب.
- على كلٍّ هؤلاء الثلاثة عشر مجمع على أنهم معصبون بالنفس، والحديث السابق «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». قال فلأقرب رجل، فالمراد بالأولى الأقرب، والتقييد بالرجل للأغلب وإلا فالمعتقة عصبة، وقوله: «ذكر». بدل من رجل، وفائدته أن الرجل يطلق في مقابلة المرأة وفي مقابلة الصبي، قيل «ذكر». إشارة إلى أنه في مقابلة المرأة فالمراد به الذكر لا البالغ، إذًا «رجل». ليس له مفهوم فهو مبين للمراد، وظاهر الحديث اشتراط الذكورة في العصبة المستحقة للباقي يعني قوله: «فهو لأولى رجل ذكر». والمرأة نقول: ليست بداخلة. والصواب أنه لا مفهوم له، قيل كما أجاب البيجوري هناك: أن عموم هذا المفهوم مخصوص بالنص والإجماع الدالين على أن العصبة بالغير ومع الغير تستحق الباقي، فحينئذٍ لا يكون خاصًا بالمعتٍق كما ذكرت بل داخل فيه العصبة بالغير والعصبة مع الغير.
الحكم الثالث: أنه إذا استغرق الفروض يعني أصحاب الفروض التركة سقط إلا الأخوة الأشقاء في الْمُشَرَّكة وإلا الأخت الواحدة لغير أم في الأكدرية.
شرع الناظم في عدّهم ولكن لم يستوف ما ذكر لأنه أراد التمثيل، قال:
(12/6)

كَالأَبِ وَالْجَدِّ وَجَدِّ الْجَدِّ ... وَالاِبْنِ عِنْدَ قُرْبِهِ وَالْبُعْدِ

(كَالأَبِ) الكاف التمثيل لأنه لم يستوف لم يستقص، بل ذكر بعضًا وترك آخرين، (كَالأَبِ) واضح أنه مُعَصّب هو يرث بالفرض ويرث بالتعصيب، (وَالْجَدِّ) أب الأب وجد الأب، يعني أبي أبي الأب، وجد الجد وهو أبو أبي أبي الأب وإن علا (وَالاِبْنِ) كذلك ابنه لأنه قال: (عِنْدَ قُرْبِهِ) يعني بلا واسطة، وهو الابن الصلب الابن فقط (وَالْبُعْدِ) يعني وعند بعده يعني وإن نزل ابن ابن الابن حينئذٍ يكون معصِّبًا، فالابن وإن نزل فهو من العصبات، (وَالاِبْنِ عِنْدَ قُرْبِهِ) الابن أخره هنا عن الأب والجد مع كونه أقوى سيأتي في الجهات أن البنوة مقدمة على الأبوة، وهنا أخر الابن لماذا؟ لأنه قيل: بأنه ليس بعصبة، يعني مختلف فيه، وهذا الخلاف ضعيف لا يلتفت إليه، (وَالاِبْنِ) وأخره عن الأب والجد مع أنه أقوى منهما لأنه قيل إنه ليس بعاصب. (عِنْدَ قُرْبِهِ) يعني من الميت، يعني قرب الابن من الميت وهو الابن الصلب يعني الابن فقط ابن الميت، (وَالْبُعْدِ) وهو ابن الابن بعده يعني بعده عن الميت، وهو ابن الابن وإن سفل بمحض الذكور فخرج ابن بنت الابن كما تقدم.
قال هنا:
كَالأَبِ وَالْجَدِّ وَجَدِّ الْجَدِّ ... وَالاِبْنِ عِنْدَ قُرْبِهِ وَالْبُعْدِ

ثم قال:
وَالأَخِ وَابْنِ الأَخِ وَالأَعْمَامِ ... وَالسَّيِّدِ الْمُعْتِقِ ذِي الإِنْعَامِ
(12/7)

(وَالأَخِ) أطلقه الناظم فحينئذٍ هل يشمل الأخ لأم؟ نقول: لا، لماذا؟ لأنه مقيد بما سبق، لأنه ذكر الأخ لأم من الورثة للسدس، أليس كذلك؟ (وَوَلَدُ الأُمِّ يَنَالُ السُّدْسَا) إذًا هو من أصحاب الفروض، وهنا ذكر أصحاب العصبات يعني الذين يعصبون بأنفسهم إذًا يكون ذاك مقيدًا لما ذكر هنا، فحينئذٍ يختص الأخ هنا بالأخ الشقيق، والأخ لأب دون الأخ لأم، (وَالأَخِ) أطلقه الناظم لكن أراد به الأخ الشقيق أو لأب بقرينة ذكره الأخ لأم في أصحاب الفروض. (وَابْنِ الأَخِ) كذلك أطلقه الناظم لكنه مقيد بما ذكره سابقًا كذلك فابن الأخ حينئذٍ يقيد بالأخ الشقيق والأخ لأب. ابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب، (وَالأَعْمَامِ) وأما ابن الأخ لأم فهو من ذوي الأرحام [أحسنت] (وَالأَعْمَامِ) يقال فيه ما تقدم يعني أطلقه لكنه مقيد بالأعمام لأبوين أو لأب، لا لأم لأن الأعمام لأم وهم إخوة أبيه هؤلاء من ذوي الأرحام [نعم أحسنت]. قال: وكأعمام الميت أعمام أبيه وأعمام جده (وَالسَّيِّدِ الْمُعْتِقِ) المراد به ما يشمل السيدة المعتقة (وَالسَّيِّدِ الْمُعْتِقِ ذِي الإِنْعَامِ) يعني صاحب الإنعام، المراد بالإنعام هنا العتق. ولذلك ذكرناه فيما سبق (وَهَكَذَا بَنُوْهُمُ جَمِيعَا) أي ومثل هذا المذكور السابق في كون من ذُكِر من العصبات بالنفس (بَنُوْهُمُ) بإشباع الميم (جَمِيعَا) أي حال كون بنيهم جميعًا، فهو حال في اللفظ لكنه توكيد في المعنى، كأنه قال: بنوهم أجمعون. ولا يستدعي أن يكون المراد مجتمعين بنوهم أجمعون [بالرفع] حينئذٍ لا بد أن يكونوا مجتمعين؟ أو يشمل النوعين مجتمعين ومنفردين؟ لا، لا يستدعي أن يكون المراد مجتمعين، لأن كل واحد عصبة عند انفراده وكذا عند اجتماعه مع غيره ولو حجب به، لأن كلامنا في مجرد تسمية العصبة.
إذًا قوله: (بَنُوْهُمُ جَمِيعَا). أي: أجمعون، هل يستدعي ذلك أن يكونوا مجتمعين من أجل أن يكونوا عصبة أو لو كانوا منفردين؟ ولو كانوا منفردين.
إذًا قوله: (جَمِيعَا). هذا حال لكنه في معنى التوكيد (فَكُنْ لِمَا أَذْكُرُهُ سَمِيعَا)، (فَكُنْ) الفاء فاء الفصيحة يعني إذا علمت ما ذكرته لك (فَكُنْ لِمَا أَذْكُرُهُ) من الأحكام السابقة (سَمِيعَا) سميعًا فعيل بمعنى فاعل أي سامعًا لكن السمع هنا مقيد ليس مجرد وصول المعلومة إلى الأذن فحسب. وإنما لا بد أن يكون سمع تفهم وإذعان وقبول.
إذًا ذكر في هذه الأبيات الثلاثة بعضًا مما يكون عصبة بالنفس، ولا يعترض عليه بأنه ترك شيئًا لأنه أراد التمثيل، وإن كان الأولى للاستيعاب، لكن من تركه حينئذٍ هو داخل في قوله: (فَكُلُّ مَنْ أَحْرَزَ كُلَّ الْمَالِ) ... إلى قوله: (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ). فينطبق عليه الحد أو الضابط السابق، فحينئذٍ يكون عصبة بنفسه، فإما أن يعرف بالحد أو الحكم، وإما أن يعرف بعده وذكر بنفسه وهذا واضح بَيِّن.
(12/8)

قال هنا: (وَهَكَذَا بَنُوهُمُ جَمِيعَا) أي بنو الأعمام وبنو المعتِقين وإن نزلوا بمحض الذكور. قال المرديني في شرح ((المنظومة)): وفيه نوع تصور حيث اقتصر على ابن المعتِق وسكت عن باقي عصبته المتعصبين بأنفسهم. إذا قال: (وَهَكَذَا بَنُوهُمُ). أي: ما ذكر السابق وذكر سيد المعتق، إذًا ابن المعتق، طيب عصبته المعصبون بأنفسهم؟ هل هم داخلون أم هو خاص بابن المعتق فقط؟ قال فيه: الظاهر أنه خاص بابن المعتق. وليس لأمر كذلك ففيه قصور. قلنا: لا، ليس فيه قصور، لماذا؟ لأن المصنف لم يقصد الاستيعاب، وإنما ذكر بعضًا وترك آخرين، حينئذٍ لا اعتراض. قال الشارح: ويمكن الجواب عنه بأنهم دخلوا في قوله سابقًا (أَوِ الْمَوَالِي). نعم قد يقال، لكن الأولى من هذا أن يقال بأن الكاف في قوله: (كَالأَبِ). للتمثيل ليس استقصائية وإنما هي تمثيلية فلا اعتراض على الناظم رحمه الله تعالى.
ثم قال:
وَمَا لِذِي الْبُعْدَى مَعَ الْقَرِيبِ ... في الإِرْثِ مِنْ حَظٍّ وَلاَ نَصِيبِ

إذًا عرفنا العصبة بالنفس وعرفنا أحكامهم الثلاثة، قال هنا: ثم أعلم أنه إذا اجتمع عاصبان فأكثر فتارة يستويان، إذا لم يكن إلا عاصب واحد واضح حكمه واضح، إما أنه يأخذ كل المال، أو يأخذ ما بقي بعد الفروض، ولكن الإشكال يبقى متى؟ يبقى إذا اجتمع عندنا عاصبان فأكثر، ثم أعلم أنه إذا اجتمع عاصبان فأكثر فتارة يستويا أو يستوون إذا كانوا جماعة ثلاثة فأكثر في الجهة والدرجة والقوة، الجهة جهات العصبة بالنفس عند الحنابلة ست جهات:
الأولى: البنوة على الترتيب، يعني المقدم يُسقط الذي يليه، البنوة أولاً، ثم الأبوة، ثم الجدودة مع الإخوة، ثم بنو الإخوة، ثم العمومة، ثم الولاء، المتقدم يُسقط ما بعده، فلو وجد ابن مع أب الابن يحجب الأب على الأصل وسيأتي، لو وجد أب مع جدٍّ حجبه، كذلك إخوة مع بني الإخوة، بنو الإخوة مع العم، العم مع ذي الولاء، حينئذٍ كل متقدم يحجب ما بعده، فتحفظ هذه الجهات لأنها تفيد في الإسقاط، وباب الحجب مبني على هذه الجهات، هذا عند الحنابلة ست فقط، وعند المالكية والشافعية سبع جهات هي ما سبق نفسها لكن يزيدون السابعة بيت المال، وعند أبي حنيفة خمس جهات فقط البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة، ثم العمومة، ثم الولاء. بإدخال الجد وإن علا في الأبوة، وإدخال بني الأخوة وإن نزلوا بمحض الذكور في الأخوة. إذًا على مذهب الحنابلة الجهات ست بإسقاط بيت المال فلا اعتبار له. قال: إذا اجتمع عاصبان فأكثر فتارة يستويان أو يستوون في جهة كل منهما ابن، أو كلِّ مهما جد، أو كل إخوة .. إلى آخره.
والدرجة المراد بالدرجة القرب من الميت، والقوة المراد بالقوة هنا ما كان ذا قرابتين يعني من جهتين كالأخ الشقيق فهو أقوى من الأخ لأب لأن الأخ لأب هذا قريب للميت لكنه من جهة واحدة فهو أضعف، وكذلك الأخ الشقيق من جهتين فهو أقوى، إذًا علاقة هذا الوارث العاصب بالميت من كونه من جهة واحدة أو من جهتين هو المراد بالقوة، فيشتركان أو يشتركون في المال إذا كانوا مستوين في هذه الجهات في الجهة والدرجة والقوة حينئذٍ استووا في المال، فلو هلك هالك عن ثلاثة أبناء كلهم استووا في المال، لماذا؟
(12/9)

أولاً: لكونهم عصبة بالنفس، ثم تعددوا، ثم لم يختلفوا بل استووا في الدرجة والجهة والقوة، فكل منهم ابن، إذًا داخل في الجهة الأولى البنوة الدرجة واحدة يعني لم يوجد ابن وابن ابن، لو وجد ابن وابن ابن ابن الابن هذا محجوب بالأول، كذلك بالقوة كل منهما صلتهم واحدة بالميت، إذًا لو وجد ثلاثة أبناء حينئذٍ ورثوا المال بالتساوي، ولذلك قال: فيشتركان أو يشتركون في المال، وهذا معلوم أنه إذا لم يكن ثَمَّ صاحب فرض، أما إن وجد صاحب فرض حينئذٍ ما بقي بعد الفرض، أو ما أبقت الفروض. وتارة يختلفون في شيء من ذلك إما في الجهة وإما في الدرجة وإما في القوة، يحصل خلاف إذًا إذا أنفقوا في الجهة والدرجة والقوة اشتركوا في المال مناصفة ن يعني إذا كانوا ثلاثة أبناء لكل واحد منهما الثلث، وإذا اختلفوا مثال الاختلاف في الجهة ما لو اجتمع ابن وأخ هذا اختلاف في ماذا؟ في الجهة، لأن البنوة مقدمة على الأخوة، أليس كذلك؟ ابن وأخ هلك هالك وترك ابنًا وأخًا شقيقًا مثلاً أو أخ لأب حينئذٍ نقول: يشتركان في المال؟ لا، نقول: الابن يحجب الأخ. لماذا؟ لأنه مقدم عليه في الجهة، إذ جهة البنوة مقدمة على الأخوة، ومعنى هذا أنه يحجبه يعني يسقطه ليس له شيء البتة، هذا مثال في اختلاف الجهة.
مثال الاختلاف في الدرجة، ما لو اجتمع ابن وابن ابن، هلك هالك وترك ابنًا ومعه ابنه حينئذٍ اجتمع عندنا اثنان في جهة واحدة استويا في الجهة بمعنى أن كلاً منهما داخل في القسم الأول وهو البنوة لأن الابن وإن نزل، لكن اختلفا في الدرجة يعني الواسطة بينهم وبين الميت إن تعددت الواسطة حينئذٍ ما تعددت الواسطة فيه فهو مؤخر عما لم تعدد الواسطة فالابن الابن الصلب هذا مباشر وابن ابنه هذا بينهما واسطة، إذًا يسقط الثاني، لماذا؟ مع كونهم اشتركا في الجهة إلا أنهم اختلفا في الدرجة، فالابن مقدم على ابن الابن فيحجبه يسقطه يعني ليس له شيء. ومثال الاختلاف في القوة مثل ماذا؟ أنتم [أحسنتم] الأخ الشقيق مع الأخ لأب، هلك هالك وترك أخوين أحدهما أخ شقيق والثاني أخ لأب لأخ لأب كم له؟ ليس له شيء يسقط، لماذا؟ هل استويا في الجهة؟ نعم، هل استويا في الدرجة؟ نعم، أخ، أخ، هل استويا في القوة؟ لا، هذا ذو قرابتين شقيق أقوى من جهتين، وهذاك شطر النسب - كما سيأتي - حينئذٍ يسقط طيب إذا اختلفوا ما الحكم؟
قال: وتارة يختلفون في شيء من ذلك فيحجب بعضهم بعضًا - فما كان مقدمًا في الجهة حجب من بعده، ومن كان مقدمًا في الدرجة حجب من بعد، والأقوى يحجب الضعيف - فيحجب بعضهم بعضًا وذلك مبني على قاعدة عند الفرضيين يكاد أن يكون ثم إجماع عليها وهي ما جمعه الناظم بقوله:
فبالجهة التقديم ثم بقربه ... وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا

(فبالجهة التقديم) يعني التقديم بالجهة، فالتقديم بالجهة يعني أول ما يُراعى في المنع وعدمه الجهة تنظر إلى الجهة، (فبالجهة التقديم) أي فالتقديم في الإرث بالجهة عند الاختلاف فيها، إذا اختلفوا في الجهة حينئذٍ تقدم ما حقه التقديم وتسقط ما حقه التأخير، واضح هذا؟
(12/10)

(فبالجهة التقديم) عند الاختلاف في الجهة المقدم يُسقط ما بعد، أي فالتقديم في الأرث بالجهة عند الاختلاف فيها (ثم) - للترتيب هذه مراده - ثم إن حصل اتفاق في الجهة (بقربه) يعني بقرب العاصب - الضمير هنا معلوم من المقام - (بقربه) أي ثم التقديم بقرب العاصب في الدرجة عند الاختلاف فيها، فإن استووا حينئذٍ نأتي إلى الحالة الثالثة (وبعدهما) يعني بعد الجهة والقرب (اجعلن التقديم بالقوة) عند الاختلاف فيها التقديم هذا مفعول ويش إعرابه؟ (اجعلن التقديم) مفعول لأجله؟ تنصب مفعولين، اين الأول وأين الثاني؟ اجعل أنت هذا فاعل، .. نون التوكيد نعم .. اجعلن التقديم بالقوة، بالقوة هو المفعول الثاني متعلق بمحذوف، والتقديم هو المفعول الأول، (اجعلن التقديم بالقوة) يعني عند الاختلاف فيها.
وحاصل القاعدة: أنه عند الاختلاف في الجهة كما لو اجتمع ابن وأخ يقدم بالجهة، وعند الاتحاد فيها مع الاختلاف في الدرجة كما لو اجتمع ابن وابنه يقدم بقرب الدرجة، وعند الاتحاد في الجهة والدرجة مع الاختلاف في القوة كما لو اجتمع أخ شقيق وأخ لأب يقدم بالقوة على ما ذكرناه سابقًا.
فبالجهة التقديم ثم بقربه ... وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا

الناظم رحمه الله تعالى أشار إلى هذه المراتب الثلاثة بالجهة أولاً، ثم القرب، ثم القوة، لكن الشارح لم يرض بأنه أتى بالأحوال الثلاثة أو المراتب الثلاث، قال: وذكر المصنف بعضها الذي هو التقديم بالدرجة، وهذا بناءً على خلافهم في هذا البيت، هل المراد به الدرجة فقط أو الدرجة والجهة. من قال بأن المراد بهذا البيت الدرجة فقط كالشارح حينئذٍ ترك الجهة، ومن حمله على الجهة والدرجة حينئذٍ لم يترك شيئًا من الأحوال الثلاثة. على كلٍّ اختلاف لفظي:
وَمَا لِذِي الْبُعْدَى مَعَ الْقَرِيبِ ... في الإِرْثِ مِنْ حَظٍّ وَلاَ نَصِيبِ

(وَمَا لِذِي) وما هذه نافية ملغاة، يعني لا تعمل عمل ليس هي ملغاة، لأن الخبر تقدم على اسمها، وقوله: (مِنْ حَظٍّ). وما حظ من هذه زائدة، و (حَظٍّ) بالجر هذا مبتدأ، أليس كذلك؟
مبتدأ مرفوع بالابتداء ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهروها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة، و (مِنْ) هذه للتنصيص تنصيص في العموم، والعموم مفهوم من كون النكرة في سياق النفي، زيدت من لتنصيص على العموم، كقوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3]. خالق هذا مبتدأ، لكنه مجرور في اللفظ ومن هذه زائدة، سمها صله سمها توكيد .. إلى آخر ما نذكره دائمًا. إذًا (ما) هذه نافية ملغاة لأن الخبر هنا تقدم على اسمها حينئذٍ تكون ملغاة، (وَمَا الذِي الْبُعْدَى) يعني (وَمَا الذِي الْبُعْدَى) وما لدرجة البعدى مع الدرجة القريبة في الإرث من حظ ولا نصيب، واضج؟
(12/11)

وما لذي الجهة البعدى من الجهة القريبة في الإرث من حظ ولا نصيب، إذًا الجهة القريبة تُسقط الجهة البعيدة، والدرجة القريبة تُسقط الدرجة البعيدة، وهذا الذي عناه بهذا البيت كما ذكرناه (وَمَا الذِي) يعني لصاحب الدرجة البعدى وإن كانا في الدرجة البعدى قوية فلا ينظر حينئذٍ للقوة، يعني لا ينظر إلى ما بعده مع الوارث القريب، مع هذا حال متعلق بمحذوف حال، حال كونه مع القريب - يعني مع الوارث القريب فهو صفة لموصوف محذوف - (الْقَرِيبِ) درجة أو جهة، يحتمل النوعين، والبعدى يحتمل الجهة والدرجة، و (في الإِرْثِ) يعني في الموروث (مِنْ حَظٍّ) عرفنا إعرابه (وَلا نَصِيبِ)، النصيب هو الحظ والعطف هنا عطف تفسير. إذًا مراده بهذا البيت أنه يُقدم بالجهة القربى على ما كان في الجهة البعدى، وكذلك الدرجة القربى مقدمة على الدرجة البعدى، على ما ذكرناه في البيت السابق. (وَمَا الذِي) الدرجة (وَمَا الذِي) قلنا: هذا خبر مقدم، والأولى جعله شاملاً للجهة أيضًا لأن الشارح هنا قيده بالدرجة، (وَمَا الذِي) الدرجة (الْبُعْدَى) مع الدرجة الوارث القريب في الإرث من حظ ولا نصيب. إذًا أسقط الجهة والأولى جعله شاملاً للجهة أيضًا وقصره الشارح على الدرجة لأن القربى والبعدى في الاصطلاح إنما يقال في درجات جهة واحدة، نعم هو هذا، البعدى والقريب والقربى هذا الوصف إنما يتعلق بالدرجات في اصطلاح الفرضيين، إما أن ننظر إلى الاصطلاح، وإما أن ننظر إلى المعنى اللغوي، إذا نظرنا إلى الاصطلاح حينئذٍ خصصنا البيت بالدرجة، وإذا نظرنا إلى المعنى اللغوي عممنا حينئذٍ من أجل تعميم الفائدة هنا ننظر إلى المعنى اللغوي فنقول: (وَمَا الذِي الْبُعْدَى) جهة أو درجة (مَعَ الْقَرِيبِ) درجة أو جهة (في الإِرْثِ مِنْ حَظٍّ وَلاَ نَصِيبِ) لحجبه بالأقرب منه درجة، وإن كان الأقرب درجة ضعيفًا، مثل ماذا؟ ابن أخ لأب، وابن وابن أخ شقيق الجهة متحدة، أليس كذلك؟ والقوة مختلفة، لكن أيهما أقرب درجة؟ ابن أخ لأب أقرب درجة من ابن ابن أخ شقيق يحجبه أو لا؟ يحجبه، ولو كان الثاني أقوى من الأول؟ ولو كان الثاني أقوى من الأول، لماذا؟ لأن المراعاة هنا للجهة أولاً، ثم للدرجة، ثم للقوة.
(12/12)

فمن كان أقرب درجة من الميت حجب من بعده ولو كان المحجوب أقوى من الأول، كالمثال الذي ذكره الشارح ابن أخ لأب مع ابن ابن أخ شقيق استويا في الجهة، فالجهة واحدة، إذًا اتحدت جمعتهم ننتقل إلى الثاني وهو الدرجة، بقطع النظر عن القوة، فنقول: درجة ابن أخ لأب أقرب من درجة ابن ابن أخ شقيق، حينئذٍ الثاني ليس له شيء ولو كان أقوى إجماعًا، وهذا محل إجماع، لكونه أبعد منه درجة وإن كان أقوى من الأول، وكابن وابن ابن، الأول يحجب الثاني، اشتركا في الجهة واختلفا في الدرجة، وأيهما أقوى؟ الابن أقوى من ابن الابن، وإن لم يدل به، وكأب وجدّ، الأب يحجب الجد، لأنه أقرب من الجد، وكابن أخ شقيق وابن ابن أخ شقيق أو لأب، ابن أخ شقيق وابن ابن أخ شقيق استويا في الجهة وفي القوة واختلفا في الدرجة، إذًا يقدم الأقرب على الأبعد، وكعم شقيق أو لأب وابن عم شقيق أو لأب، العلم الشقيق مقدم على ابن العم سواء كان شقيقًا أو غيره، لو عندنا عم لأب وابن عم شقيق أيها أقوى؟ الثاني ابن عم شقيق هذا أقوى من الأول لكن يحجبه؟ لا، فعم لأب يحجب ابن العم الشقيق ولو كان الثاني المحجوب أقوى من الأول، فلا شيء للثاني مع الأول في جميع الصور.
وَالأَخُ وَالْعَمُّ لأُمٍّ وَأَبِ ... أَوْلَى مِنَ الْمُدْلِي بِشَطْرِ النَّسَبِ
(12/13)

هذا الشروع في التقديم بالقوة مع الاتحاد في الجهة والدرجة، (وَالأَخُ) لأم وأب (وَالْعَمُّ) لأم وأب، فقوله: (لأُمٍّ وَأَبِ) قيد للاثنين (وَالأَخُ) لأم وأب يعني الشقيق (والعلم) الأم والأب (أَوْلَى) يعني أحق (مِنَ الْمُدْلِي) بالميت (بِشَطْرِ النَّسَبِ) يعني بنصف النسب من العصبات فلا يرد الأخ لأم، لأنه خرج بما سبق. إذًا العم الشقيق أوى من العم لأب مقدم عليه، والأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب باعتبار ماذا؟ باعتبار القوة لأن الأول أقوى من الثاني، والمارد بالقوة والضعف هنا من كان ذا قرابتين من جهتين أقوى ممن كان بشطر النسب، فالثاني الذي عبر عنه الناظم بشطر النسب المراد به نصف النسب، وهذا لا يرد الأم وإن كان ظاهر العبارة يرد الأخ لأم يصدق عليه بأنه مدلي بشطر النسب لأنه من جهة الأم، لكن هذا كما ذكرنا سابقًا خرج بقوله: (بَابُ التَّعْصِيب). والذي يُذكر هنا هم العصبة، كلام المصنف يقتضي أن المدلي بشطر النسب له حق وليس كذلك لأنه لا حق له بالكلية مع المدلي بالجهتين، ولذلك قيل أفعل التفضيل على غير بابها (أَوْلَى مِنَ الْمُدْلِي بِشَطْرِ النَّسَبِ) إذًا يشتركان من باب زيد أعلم من عمرو، كلٌّ منهما عنده علم إلا أن هذا أكثر من هذا، فقوله: (أَوْلَى مِنَ الْمُدْلِي بِشَطْرِ النَّسَبِ). إذا جعلنا أفعل التفضيل على بابها حينئذٍ يرث المدلي بشطر النسب وليس مراد، وهذا من التنطع في اللفظ فقط، لأنه لا حق له بالكلية مع المدلي بالجهتين، ولذلك قيل أفعل التفصيل على غير بابها، لكن يرد عليه قول من قال: إن أفعل التفضيل متى اقترن بمن لا يكون إلا على بابه. على كلٍّ من أدلى بشطر النسب إذا وُجِدَ مع من أدلى بالشطرين لاحظ له بالإجماع، وهذا من باب التدقيق كما ذكرناه. (وَالأَخُ وَالْعَمُّ لأُمٍّ وَأَبِ)، (أَوْلَى) يعني أحق (مِنَ الْمُدْلِي) للميت (بِشَطْرِ النَّسَبِ)، (وَالْعَمُّ لأُمٍّ وَأَبِ). قال الشارح: وابن الأخ لأم وأب، وابن العم لأم وأب بمعنى أن الحكم في الأخ الشقيق كذلك الحكم لابنه، والحكم في العم الشقيق كذلك الحكم لابنه، فإذا اجتمع ابن أخ شقيق مع ابن عم شقيق حينئذٍ الأول مقدم على الثاني، هكذا؟ ابن أخ الشقيق مع ابن أخ لأب، ابن الأخ الشقيق مقدم، طيب ابن عم شقيق مع ابن عم لأب الأول، أما ابن العم الشقيق مع ابن الأخ الشقيق حينئذٍ ابن الأخ مقدم لأن الأخوة مقدمة على العمومة فالجهة مقدمة هنا، (أَوْلَى مِنَ الْمُدْلِي بِشَطْرِ النَّسَبِ) وهو الأخ لأب في الأولى، والعم لأب في الثانية .. إلى آخر ما ذكره. قال هنا تلخيصًا لما سبق: إذا علمت ذلك فإذا اجتمع عاصبان فمن كانت جهته مقدمة يعني عند الاختلاف في الجهة فهو مقدم وإن بعد، يعني فلا ينظر لقرب ولا بعد بل للجهة عند الاختلاف فيها، إن اتحدا في الجهة نظرنا إلى الدرجة والقوة، وأما إن حصل اختلاف في الجهة فالنظر حينئذٍ يكون للجهة لا نلتفت إلى درجة ولا إلى قوة، وإنما النظر يكون للجهة، إن اختلفا في الجهة فالحكم بالجهة، فمن كانت جهته مقدمة حجب من بعده.
(12/14)

ولذلك قال هنا: فإذا اجتمع عاصبان فمن كانت جهته مقدمة عند الاختلاف في الجهة فهو مقدم وإن بَعُدَ على من كانت جهته مؤخرة، فلا ينظر لقرب ولا بعد بل للجهة عند الاختلاف فيها، فابن ابن ابن أخ شقيق أو [لأب] مقدم على العم لأن جهة الأخوة مطلقًا والبنوة مقدمة على العمومة، فحينئذٍ كل اختلاف في الجهة أخ أو ابن أخ شقيق أو لأب مقدم على العم بجميع تفاصيله شقيق لأب ابن عم شقيق ابن عم لأب مقدم لماذا؟ لكون جهة الأخوة وبني الأخوة هذه مقدمة على العمومة وبنيها، فإن اتحدت جهتهما حينئذٍ نظرنا إلى الدرجة فالقريب درجة أي عند الاختلاف في الدرجة وإن كان ضعيفًا وإن كان القريب من جهة الدرجة ضعيفًا في القرابة كما ذكرناه مقدم على البعيد من جهة الدرجة وإن كان قويًّا، يعني لا يلتفت إلى القوة لو قال: من كان أقربهم درجة مقدم على البعيد مطلقًا سواء كان البعيد ضعيفًا أو قويًّا فلا نظر إلى القوة، فإن اتحدت درجتها أيضًا كما اتحدت جهتهما، فالقوي وهو ذو القرابتين كما الأخ الشقيق وابنه، مقدم على الضعيف وهو ذو القرابة الواحدة. سماه ضعيفًا لأنه لا يفعل شيء مع ذاك هو ضعيف، مقدم على الضعيف وهو ذو القرابة الواحدة كما سبق تمثيله، وذلك معنى قوله .. إلى آخره.
بعبارة أخرى وبقاعدة أخرى تضبط لك المسألة نقول: إذا اجتمع عاصبان فأكثر فلهما حالات:
- فتارة يستويان.
- أو يستوون في الجهة والدرجة والقوة. وحينئذٍ يشتركان أو يشتركون في المال أو فيما أبقت الفروض.
- وتارة يختلفان أو يختلفون في الجهة والدرجة والقوة فيُسقط بعضهم بعضًا، وذلك مبني على أصلين يعني كل ما سبق مبني على أصلين:
الأول: أن كل من أدلى إلى الميت بواسطة حجبته تلك الواسطة. فابن الأخ الشقيق أو لأب لا يرث مع الأخ الشقيق أو الأخ لأب، لماذا؟ لأن ابن الأخ الشقيق أدلى بالأخ الشقيق فلا يرث معه، وكذلك ابن الأخ لأب لا يرث مع الأخ لأب، ابن الأخ لأب لا يرث مع الأخ لأب، لماذا؟ لأنه أدلى به يعني هو الواسطة بينه وبين الميت، وابن الابن وإن نزل لا يرث مع الابن وهكذا .. كل من أدلى إلى الميت بواسطة حجبته تلك الواسطة إلا ولد الأم بالاتفاق وليس بوارد هنا لأن الكلام هنا في العصبات، والجدة لأب فإنها ترث عند الإمام أحمد مع الأب والجد أيضًا كما ذكرناه سابقًا.
الأصل الثاني: إذا اجتمع عاصبان فأكثر قُدِّمَ من كانت جهته مقدمة وإن تراخى على من كانت جهته مؤخرة، فابن الابن وإن نزل مثلاً مقدم على الأب، فلولا أن له فرضًا لسقط، هذا الذي ذكرناه. الابن مقدم على الأب يحجبه هذا الأصل، لكن الأب له فرض فإذا حجبه من جهة التعصيب رجع إلى الفرض فلا يسقط، لولا أن له فرضًا لسقط فإن كانوا أو كانا من جهة واحدة فالقريب وإن كان ضعيفًا مقدم على البعيد وإن كن قويًّا، فابن الأخ لأب مقدم على ابن ابن الأخ الشقيق لأنه أقرب درجة، وإن تساويا أو تساووا في القرب فالقوي مقدم على الضعيف، فالأخ الشقيق مقدم على الأخ من الأب، والقوي هو ذو القربتين، والضعيف هو ذو القرابة الواحدة كما ذكرناه في البيت الذي سبق.
(12/15)

ثم قال الناظم أو المصنف منبهًا لقاعدة هذه القاعدة هي في العصبات قد تأتي في أصحاب الفروض، يعني ليس خاصة بالعصبات، بل قد تأتي في أصحاب الفروض فقط، فحينئذٍ يقدم فيهم بالجهة، ثم بالقرب، ثم بالقوة. يعني على ما سبق فمثال التقديم فيهم بالجهة تقديم البنت أو بنت الابن على ولد الأم، هذا تقديم بالجهة، البنت أو بنت الابن على ولد الأم، ومثال التقديم فيه بالقرب تقديم البنتين على بنتي ابن لم يعصبا، ومثال التقديم فيه بالقوة تقديم الأختين الشقيقتين على الأختين لأب لم يعصبا، أما إذا عصبا حينئذٍ انتقل إلى النوع الثاني العصبة بالغير أو مع الغير. إذًا هذه القاعدة وهي التقديم بالجهة ثم بالدرجة بالقوة توجد بين العصبات، كذلك توجد بين أصحاب الفروض فقط، وفي أصحاب الفروض مع العصبات كذلك حينئذٍ تكون معه كما قال هنا: أي فيقدم فيهم بالجهة، ثم بالقرب، ثم بالقوة، فمثال التقديم بالجهة تقديم لأب أو الجد على الأخوة لأم، ومثال التقديم بالقرب تقديم الابن على بنت الابن، ومثال التقديم بالقوة تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب.
إذًا إذا تأملت هذه كلها لا تختلف عن المسائل السابقة وعليها - يعني على هذه القاعدة مع قاعدة أخرى ينبني باب الحجب - باب الحجب الآتي ينبني على هذه القاعدة يعني أصحاب الجهة مقدمة على الدرجة مقدمة على القوة أن كلّ من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة إلا ولد الأم، ينبني باب الحجب على هذه القاعدة مع القاعدة السابقة، كل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة إلا ولد الأم، أي كابن الابن مع الابن، وكأم الأم مع الأم فلا فرق بين أن يكون كل من المدلي والمدلى به عصبة أو صاحب فرض أو صاحب فرض مع عصبته. إذًا قواعد عامة هذه ليست خاصة بباب التعصيب هذا المراد، يعني تطبق في باب التعصيب وهي كذلك في باب الفروض، وهي كذلك في باب الحجب.
ثم قال: ولما أنهى الكلام عن القسم الأول من العصبة انتقل إلى النوع الثاني وهو العصبة بالغير. ثم قال:
وَالاِبْنُ وَالأَخُ مَعَ الإِنَاثِ ... يُعَصِّبَانِهِنَّ في الْمِيرَاثِ

(وَالاِبْنُ) ومثله ابن الابن مع الإناث يعصبانهن في الميراث، (وَالأَخُ) مع الإناث يعصبانهن في الميراث، هذا النوع الثاني وهو المسمى العصبة بالغير، والعاصب بغيره كل أنثى عصبها ذكر، هكذا أضبطها الفرضيون كل أنثى عصبها ذكر. إذًا لا يتصور فيه الإنفراد، وهذا كما ضبطه بعضهم بأنه خاص بذوات النصف والثلثين.
(12/16)

والعصبة بالغير أربعة كما سيأتي (وَالاِبْنُ) ومثله ابن الابن هكذا قال الشارح، ومثله ابن الابن دليل على أنه لم يدخله فيه حقيقة، وقيل إنه يدخل فيه مجازًا، فالابن يشمل الابن الصلب ويشمل ابن ابنه كذلك، لكن دخوله فيه إما من جهة اللغة أو من جهة القياس، ومن جهة اللغة إما حقيقة أو مجازًا على خلاف ذكرناه فيما سبق. لكن ذاك الخلاف في الولد أليس كذلك؟ هل يشمل ولد الولد أو لا؟ أما الابن هنا هذا قال مثله ابن الابن، حمل الابن على الابن الحقيقي، ويحتمل أن المصنف أراد ما يشمل الابن المجازي وهو ابن الابن، والأخ شقيقًا كان أو لأب، لأن الأخ لأم لا يرد هنا (مَعَ الإِنَاثِ) حال كونهما الابن والأخ مع الإناث، يعني ابن مع أنثى، وأخ شقيق مع أنثى. وقوله: (الإِنَاثِ). (أل) هذه للجنس حينئذٍ تصدق بالواحدة والمتعددة (مَعَ الإِنَاثِ) الواحدة فأكثر المساوية أو المساويات للذكر في الدرجة والقوة والجهة أيضًا، يعني قد تكون هذه الأنثى مساوية للابن أو مختلفة معه، ولذلك قال: المساوية والمساويات للذكر في الدرجة والقوة والجهة أيضًا، إن وجد هذا القيد بكون هذا الأخ وهذا الابن مساوٍ للأنثى في هذه الأحوال الثلاثة الدرجة والجهة - واضحة - والقوة حينئذٍ يعصبها، فلا ترث بالنصف ولا ترث بالثلث، وإنما تحال إل النوع الثاني وهو التعصيب.
(يُعَصِّبَانِهِنَّ في الْمِيرَاثِ) فتكون الأنثى منهن مع الذكر المساوي لها عصبة بالغير. انظر هنا قول الشارح: أو المساويات للذكر. لم يقل للأخ لأن المعصب قد يكون غير أخ، المعصب قد يكون ابن الابن، ابن العم ولذلك قال: للذكر ولم يقل للأخ. إذًا العصبة بالغير أربعة أنواع، العصبة بالغير يعني بواسطة الغير ليس بالنفس، يعني ذاك الابن يعصب نفسه بنفسه يرث الباقي أو يرث كل المال ليس معه أحد، فلا يشترط لإرثه بالعصبة أن يكون معه غيره واضح هذا؟ العصبة بالنفس يعني بذاته دون اشتراط آخر يكون معه، وأما بالغير فلا بد عن غيره، وشرط في الغير أن يكون معينًا ليس على إطلاقه. إذًا العصبة بالغير أربعة:
(12/17)

ذوات النصف والثلثين، البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب. كل واحدة منهن مع أخيها يعني إن وجد بنت مع أخيها عصبها لا ترث النصف وإنما ترث بالتعصيب {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} فالبنت بنت الصلب واحدة فأكثر تعصب بالابن واحد فأكثر لقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]. حينئذٍ يرث بالتعصيب، إذًا البنت يعصبها أخوها الذي يكون في درجتها، وبنت الابن فأكثر يعني واحدة فأكثر بابن الابن فأكثر سواء كان أخاها وابن عمها المساوي لها في الدرجة أو النازل عنها إذا احتاجت إليه يعني لولا لسقطت كما سيأتي في الحجب، وذلك كما لو أخذت بنات الصلب الثلثين، فإن وجدت بنت الابن سقطت، لكن ولو وجد أخوها عَصَّبَهَا، يعني لو عندنا بنات الابن ثلاث فأكثر، ثنتين فأكثر على قول الجمهور حينئذٍ أخذن الثلثين، وبنت الابن تسقط ليس لها شيء، لأنها إنما ترث السدس تكملة للثلثين، وهذا إنما تأخذه مع البنت إذا أخذت النصف تأخذ السدس تكملة للثلثين، لكن لو وجد جمع وأخذن الثلثين سقطت إلا إذا وجد أخوها، ويسمى الأخ المبارك، يعني لولاه لسقطت فجاءه هو حظ ونصيب وكذلك من على أخته بحظ ونصيب من المال. إذًا بنت الابن هذه واحدة فأكثر بابن الابن فأكثر سواء كان أخها أو ابن عمها المساوي لها في درجة أو النازل عنها إذ احتاجت إليه، يعني لولاه لسقطت. والأخت الشقيقة فأكثر بالأخ الشقيق فأكثر. لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 176]. ولا يعصب الأخ من الأب الأخت الشقيقة يعني الأخت الشقيقة والأخ لأب كل منهما يعصب الآخر لكن الأخت الشقيقة لا يعصبها الأخ لأب إجماعًا لأنه لا يساويها في النسب لكونها أقوى منه، والأخت لأب فأكثر بالأخ لأب فأكثر للآية المتقدمة.
إذًا كل واحد من هذه الأنواع الأربعة البنت وهي صاحبة النصف، وبنت الابن كذلك، والأخت الشقيقة، والأخت لأب كل واحدة منهن مع أخيها إن وجد أخوها عصبها فلا ترث بالفرض، وإنما تنتقل إلى التعصب. إذًا العصبة بالغير أربعة أنواع:
البنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب.
(12/18)

كل واحدة منهن مع أخيها الموازي المساوي لها في الدرجة، وتزيد بنت الابن عليهن يعني كونها يعصبها أخوها بأنه يعصبها ابن ابن في درجتها، والمراد بابن الابن هنا في كلام الشارح ابن عمها المراد به ابن العم، لأنها ماذا؟ بنت الابن ابن الابن أخوها، لو جعل على ظاهرة، ابن الابن وهي بنت ابن إذًا صار أخاها، وهو يقول: تزيد على البقية بأنه يعصبها مع كون أخيها يعصبها، حينئذٍ تزيد بابن الابن وهو ليس كذلك صار تكرارًا، وإنما مراده بابن الابن هنا ابن عمها فقوله: وتزيد بنت الابن عليهن في التعصيب بالغير بأنه يعصبها ابن ابن في درجتها بأن كان ابن عمها لأنه هو الذي تزيد بتعصيبه على الباقي، وأما إن كان أخاها فقد تقدم ولا تزيد به. مطلقًا سواء كان لها شيء من الثلثين أو لا، ويُعَصِّبُها ابن ابن أنزل منها بأن كانت عمته أو عمة أبيه أو جدة إذا لم يكن لها شيء من الثلثين، وتزيد الأخت الشقيقة يعني في التعصيب بالغير يعصبها أخوها الأخ الشقيق، وتزيد الأخت الشقيقة وكذلك الأخت لأب مع كون الشقيقة يُعَصِّبُها أخوها الشقيق والأخت لأب يعصبها أخوها الأخ الأب كذلك يعصب الثنتين الجدّ كما سيأتي في باب الجد والإخوة، لأنه بمنزلة الأخ في الإدلاء بالأب. وهذا سيأتي كذلك في .. .
قال الشارح: والأصل في ذلك، يعني الدليل على ذلك كله العصبة بالغير البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب كل واحدة منهن مع أخيها وتزيد بنت الابن بابن عمها وتزيد الأخت الشقيقة أو لأب بأن يعصبها الجد الدليل على ذلك كله قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}. هذا دليل لتعصيب الابن فأكثر البنت فأكثر وقوله تعالى: {وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}. هذا دليل لتعصيب الأخ فأكثر الأخت فأكثر، الأول الابن وبنت الابن، والثاني الأخت فأكثر الأخ فأكثر، وقياس أولاد الابن على أولاد الصلب هذا دليل لتعصيب ابن الابن فأكثر بنت الابن فأكثر. على كلٍّ المسألة هذه كلها مجمع عليها كلها محل وفاق.
ثم انتقل إلى بيان النوع الثالث وهو العصبة مع الغير. وقيل بأن هذا اصطلاح عصبة بغير وعصبة مع غير مجرد اصطلاح فقط للتفريق، وإلا يقال بأن العصبة بغير إناث ويعدون بالأربعة، وكذلك يقال العصبة مع الغير وهما صنفان كذلك من الإناث، وهذا من المزايا بين النوعين، العاصب بنفسه لا يكون إلا ذكرًا، والعاصب مع الغير أو بالغير لا يكون إلا أنثى.
(12/19)


والعاصب مع الغير ضبطوه كل أنثى تصير عصبة باجتماعها مع أخرى، وهذا نوعان العصبة مع الغير صنفان نوعان فقط، وهما الأخت الشقيقة فأكثر، والأخت لأب فأكثر، أخت شقيقة فأكثر يعني ثنتين فأكثر، والأخت لأب فأكثر مع البنت فأكثر أو بنت الابن فأكثر. وهذا الذي عناه الناظم بقوله: (وَالأَخَوَاتُ). مطلقًا شقائق أو لأب (إِنْ تَكُنْ بَنَاتُ) إن وجد بنات فهن معهن مُعَصَّبَات، حينئذٍ لا ترث البنت النصف ولا ترث السدس، وكذلك الأخت الشقيقة أو الأخوات الشقائق لا يأخذن النصف ولا يأخذن الثلثين بل ينتقلن إلى الإرث بالتعصيب. (وَالأَخَوَاتُ) هذا مبتدأ قوله: (إِنْ تَكُنْ). إن شرطية وتكن هذه تامة بمعنى توجد (بَنَاتُ) يعني جنس البنات ليس الجمع شرطًا هنا بل بنتًا واحدة فأكثر (فَهُنَّ) الفاء واقعة في جواب الشرط هن (مَعْهُنَّ) الضمير الأول يعود إلى الأخوات، والضمير الثاني معهن يعود على البنات (مُعَصَّبَاتُ) بفتح الصاد حينئذٍ يكون ذكر الأخوات أولاً ثم البنات ثم ذكر ضميرين أعاد الضمير الأول للأول والثاني للثاني، لف ونشر مرتب [نعم أحسنت] ويجوز أن يكون قوله: ... (فَهُنَّ) أي البنات (مَعْهُنَّ) أي الأخوات (مُعَصَّبَاتُ) بالكسر حينئذٍ يكون فيه لف ونشر مشوش ليس مرتبًا.
(12/20)

إذًا قوله: والعصبة مع الغير وهو اثنان فقط يعني باعتبار كون الأخوات الشقيقات أو لأب وهو الذي عناه الناظر بقوله: (وَالأَخَوَاتُ) أي جنس الأخوات الصادق بالواحدة فأكثر وأطلق الناظم هنا الأخوات فشمل الشقيقات أو لأب، والمراد كما ذكرنا الواحدة فأكثر (إِنْ تَكُنْ) يعني توجد بالإسكان (بَنَاتُ) واحدة فأكثر، أو بنات ابن كذلك واحدة فأكثر (فَهُنَّ) أي الأخوات، (مَعْهُنَّ) أي البنات هكذا فسرها الشارح ويجوز العكس (مُعَصَّبَاتُ) بفتح الصاد وهذا معنى قول الفرضيين الأخوات مع البنات، فحينئذٍ لا فرض البتة. (وَالأَخَوَاتُ) أي جنس الأخوات الصادق بالواحدة مع جنس البنات الصادق بالواحدة عصبة والأصل في ذلك الدليل حديث ابن مسعود وهذا سبق معنا هناك رضي الله عنه السابق في باب السدس حيث قال: (وما بقي فلا أخت). فدل ذلك على أنها عصبة لأن الذي يرث الباقي هو العصبة (أَوْ كَانَ مَا يَفْضُلُ بَعْدَ الْفَرْضِ لَهْ) قلنا: هذا حكم وبه يميز العاصب عن غيره، وأما الذي يرث بالتحديد سدس ثلث ... الخ فهذا فرض، وأما إذا قيل: والباقي للأب. حينئذٍ ورث الأب بالتعصيب فما بقي فللأخت دل ذلك على أنها عصبة، وهذا بشرط ألا يكون مع الأخت أخوها إن كان معهم حينئذٍ انتقلت إلى العصبة بالغير. أخت شقيقة أخت أخ شقيق حينئذٍ يُعَصِّب الأخ الشقيق أخته {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} وهذا بشرط أن لا يكون مع الأخت أخوها، فإن كان معها أخوها فهو عصبة بالغير لا مع الغير، لأن الأخ أقوى من البنت فيعصب أخته. قال هنا تتمةَ: حيث صارت الأخت الشقيقة عصبة مع الغير بأن كانت مع البنت أو بنت الابن، متى تكون الأخت الشقيقة عصبة مع الغير؟ إذا اجتمعت في مسألة مع البنت أو مع بنت الابن، صارت كالأخ الشقيق يعني بمنزلته، فحينئذٍ الأخ الشقيق يحجب، وكذلك الأخت الشقيقة صارت بمنزلته فتحجب ما يحجب الأخ الشقيق، ولذلك قال هنا: فتحجب الإخوة لأب ذكورًا كانوا أو إناثًا، إذًا الأخت الشقيقة إذا ورثت تعصيبًا مع الغير بأن وجد معها بنت أو بنت ابن حينئذٍ حجبت الإخوة للأب ذكورًا كانوا أو إناثًا، لأنها بمنزلة الأخ الشقيق والأخ الشقيق يحجب الإخوة لأب. ومن بعدهم من العصبات كبني الإخوة والأعمام وبينهم يعني لأنه جهته مقدمة على جهة من بعده، وحيث صارت الأخت للأب عصبة مع الغير صارت كالأخ لأب، متى تكون عصبة مع الغير الأخت لأب؟ إذا كانت مع بنت أو بنت ابن صارت عصبة بالغير، كذلك تعامل معاملة الأخ .. لا، صارت بمنزلة الأخ للأب، نحن الآن نتحدث عن الأخت للأب، إذا ورثت بالتعصيب مع الغير بأن وجدت مع بنت أو بنت ابن حينئذٍ صارت بمنزلة الأخ لأب ليس الأخ الشقيق، فتحجب بني الإخوة ومن بعدهم من العصبات كالأعمام وبني الأعمام، هذا ما يتعلق بالنوع الثالث، وهو العصبة مع الغير، وهو صنفان: الأخت الشقيقة فأكثر، والأخت لأب فأكثر مع البنت فأكثر أو بنت ابن فأكثر.
ثم قال:
وَلَيْسَ في النِّسَاءِ طُرًّا عَصَبَهْ ... إِلا الَّتِي مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ
(12/21)

يعني لما فهم مما سبق أن جميع الذكور عصبات إلا الزوج والأخ لأم، وهو لم يذكر الزوج وإنما ذكر المصنف بالتمثيل لم يذكر إلا ذكرًا، كالأب والجد وجد الجدّ والابن عند القرب والبعد، الخ لم يذكر إناثًا هل يفهم منه بكونه لم يذكر أنثى أن التعصيب مقصور على الذكور فقط؟
لا، لا يفهم منه، قد يفهم منه حينئذٍ احتاج على أن ينص على النساء قد يكن فيهن من ترث بالتعصيب، لما فهم مما سبق أن جميع الذكور بذكر المصنف لهم بالتمثيل للعاصب إلا الزوج والأخ لأم فليس عصبة لذكر المصنف لهما في أصحاب الفروض مع كونه لم يذكر الزوج في باب التعصيب وأن جميع النساء صاحبات فرض إلا المعتِقة فهي عصبة لذكر المصنف لهن في أصحاب الفروض مع كونه عد في التعصيب الذكور فقط يعني يفهم من عد الذكور فقط أن النساء كلهن أصحاب فروض، وليس الأمر كذلك لأن المعتقة صاحبة تعصيب صرح بذلك في النساء فقال:
(وَلَيْسَ في النِّسَاءِ طُرًّا عَصَبَهْ ** - طُرًّا طَرًّا - إِلا الَّتِي مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ)
(وَلَيْسَ في النِّسَاءِ) النساء هذا اسم جمع لا واحد له من لفظه له واحد من معناه وهو امرأة و (في) هنا بمعنى من (وَلَيْسَ في النِّسَاءِ) ليس من النساء، كلهن (طُرًّا)، طَرًّا بفتح الطاء يكون مفعول مطلعًا عامله محذوف يقدر من المعنى لأن طَرًّا بمعنى قطعًا، أقطع قطعًا، حينئذٍ صار مفعولاً مطلقًا، والعامل محذوف يقدر من المعنى، أي أقطع بذلك قطعًا يعني بلا خلاف، وبضمها (طُرًّا) فهي حال في اللفظ توكيد في المعنى فكأنه قال في النساء: جميعهن طُرًّا بمعنى جميعًا (طَرًّا) بمعنى قطعًا ففرق بينهما، وبضمها أي جميعها، (وَلَيْسَ في النِّسَاءِ - طُرًّا، طرًّا عَصَبَهْ يعني بنفسها، أما مع الغير وبالغير فهو كما سبق (إِلا الَّتِي مَنَّتْ) إلا الأنثى (الَّتِي) التي صفة لموصوف محذوف، إلا الأنثى (الَّتِي مَنَّتْ) من المن وهو الإنعام، يعني أنعمت بعتق الرقبة، أي الذات ليست الرقبة فقط وإنما هو من إطلاق الجزء مرادًا به الكل، فهو مجاز مرسل علاقته الجزئية والكلية، (إِلا الَّتِي مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَةْ)، أي: أنعمت بعتق الرقبة الرقيقة من ذكر أو أنثى، فهي عصبة للعتيق لثبوت الولاء عليه بالمباشرة، ولمن انتهى إليه بنسب أو ولاء على تفصيل مذكور في الولاء، وسيأتي بعضه في آخر الباب. نص الشارح هنا على أقسام الورثة الأربعة.
الورثة أربعة أقسام:
1 - قسم يرث بالفرض وحده من الجهة التي ينتمي بها وهو سبعة: الأم، وولداها، والجدتان، والزوجان.
2 - قسم يرث بالتعصيب وحده كذلك، وهم جميع العصبة بالنفس غير الأب والجد.
3 - وقسم يرث بالفرض مرة، وبالتعصيب أخرى، ولا يجمع بينهما مرة، وهن ذوات النصف والثلثين. كما سلف.
4 - وقسم يرث بالفرض مرة، وبالتعصيب مرة ويجمع بينهما مرة وهو الأب والجد. وقد سبق شرحه في أول أصحاب الفروض.
والله أعلم وصلِّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
(12/22)

عناصر الدرس
* الحجب لغة واصطلاحا.
* أنواع الحجب ومن يحجب غيره.
* القريب المبارك والقريب المشؤوم.
* باب المُشَرَّكة.
* أركان المشركة وحكمها.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
انتهينا من باب التعصيب، وما يتعلق بالعصبة بأنواعها الثلاث.
ثم قال الناظم رحمه الله تعالى: (بَابُ الْحَجْب). أي: هذا باب بيان ما يتعلق بمسائل الحجب. والحجب هنا المراد به ذو الحجب، يعني: صاحب الحجب، باب بيان الحجب يعني: باب بيان ذي الحجب وهو المحجوب، وهو باب عظيم في الفرائض يحرم على من لم يعرف الحجب أن يُفتي في الفرائض هكذا قال الفقهاء: من لم يتقن هذا لا يحل له الفتوى في باب الفرائض. مع غيره يعني: من الأبواب السابقة لكن لعظم هذا الباب وشدة ما يتعلق به حينئذٍ خصَّه بهذه العبارة، وإلا الحكم عام.
باب الحجب. الحجب لغةً المنع، الحاجب حينئذٍ يكون في اللغة هو المانع، إذا كان الحجب هو المنع فحينئذٍ الحاجب هو المانع، ولذلك قلنا: باب الحجب، ليس المراد الحجب نفسه، وإنما المراد الحاجب. من الذي يحجب غيره، ومن الذي يكون محجوبًا بغيره. من الذي يَحْجِب، ومن الذي يُحْجَب. فالورثة على نوعين منهم من يَحْجِب ويُحْجَب .. إلى آخر ما سيأتي في الأقسام الأربعة.
إذا الحجب في اللغة المنع، فالحاجب حينئذٍ يكون في اللغة هو المانع.
واصطلاحًا عند أرباب الفرائض الحجب هو: منع من قام به سبب الإرث من الإرث بالكلية أو من أوفر حظيه. أو هنا للتنويع، أراد بهذا الحدّ أن يجمع بين النوعين، لأن الحجب نوعان:
- حجب حرمان.
- وحجب نقصان.
وثَمَّ حجب مضي معنا في أول النظم وهو حجب الأوصاف، الذي يُعبر عنه بـ موانع الإرث [أحسنت] يسمى موانع الإرث، وهو الذي يُعبر عنه في هذا المقام بـ حجب الأوصاف لكنه ليس هو المراد، وإنما المراد به نوع أخص.
منع من قام به سبب الإرث، منع، أخذ في الحدّ المنع لأنه هو المعنى اللغوي لمادة حجب، من قام به سبب الإرث كالقرابة، فمنع من لم يقم به سبب الإرث لا يُسمى حجبًا اصطلاحًا، يعني: الشخص الذي يصح أن يوصف بأنه مُنع أو حُجب من الإرث هو الذي وُجد فيه سبب مقتضي للإرث، يعني: إما قرابة، وإما نكاح وإما .. . إما قرابة، قرابة هي النسب، ولاء هي الثاني.
إما قرابة وهي النسب، أو نكاح، أو ولاء. إن وجد سبب من هذه الأسباب الثلاث، ثم اتصف أو مُنع من الإرث هذا الذي يُسمى محجوبًا، وأما من لم يقم به واحد من الأسباب الثلاثة لا يُسمى محجوبًا لأنه ليس بوارثٍ، وإنما حجبه يكون متعلقًا بالورثة الذين مضوا معنا، ولذلك قال: من قام به سبب الإرث. يعني: من اتصف بسببه من الأسباب الثلاثة السابقة، إما أن يمنع من الإرث بالكلية الإرث المراد به هنا الموروث بالكلية، يعني: لا حظ له في الإرث البتة، وهذا يُسمى حجب حرمان. يعني يحرمه ويمنعه من الإرث بالكلية، كالابن مع ابن الابن، أيهما يرث؟ الابن يرث، وابن الابن يسقط، لماذا؟ لأنه محجوب، هكذا تعبر، لأنه محجوبٌ بأبيه فلا يرث مع من أدلى به كما سبق.
ابن الابن هل هو من الورثة؟ نعم قام به سبب وهو النسب القرابة. إذا قام به سبب الإرث ومع ذلك هو ممنوعٌ ومحجوبٌ من الإرث بالكلية ليس له نصيب البتة، هذا يُسمى حجب حرمان.
(13/1)

أو هذا نوع ثاني من نوعين الحجب من أوفر حظيه. أي: من أعظم نصيبيه، وهذا يسمى حجب نقصان، وهذا يكون فيما إذا كان للشخص فرضان مثلاً، سيأتي التعصيب إلى آخره، وهو أنواع. مثلاً الزوج أو الأم ترث الثلث، وترث السدس. متى ترث الثلث؟ إذا لم يوجد فرع وارث ولا عدد من الإخوة جمع من الإخوة. إذا ترث الثلث، إذا وُجد جمع من الإخوة انتقلت إلى السدس، حُجِبَتْ أو لا؟ حُجِبَتْ من أوفر حظيها من أعظم .. ، أي الحظين أعظم الثلث أم السدس؟ الثلث أعظم من السدس. [كيف السدس] الثلث أعظم من السدس حينئذٍ حجبوها من الثلث ونزلت إلى السدس. فنقول: هذا حجب نقصان، لم يمنعوها من الإرث بالكلية كما هو الشأن في ابن الابن منع بأبيه، لا حظ له البتة لا قليل ولا كثير، ما شم رائحة الإرث. وأما الأم هنا حينئذٍ تنزل من الثلث وهو الكثير إلى القليل وهو السدس بسبب وجود جمع من الإخوة. حينئذٍ نقول: الجمع من الإخوة حجبوا الأم من الثلث إلى السدس. وهذا هو النوع الذي أشار إليه بقوله: أو للتنويع من أوفر حظيه. أي: من أعظم نصيبيه وهذا يسمى حجب نقصان. إذا اشتمل هذا الحد على النوعين، الحجب وهو حجب الحرمان وحجب النقصان.
قال الشارح: وهو قسمان يعني: الحجب من حيث هو بالمعنى الأعم لأن ذكرنا أن الموانع تسمى ماذا؟ حجب أوصاف. إذا ثم معنى عام ومعنًى خاص، المعنى العام يشمل الموانع وما ذكره من الحجب: حجب الحرمان والنقصان. وثَمَّ حجم بمعنى الخاص الذي عرفه الشارح معنا هنا وهو الذي أراده الناظم بباب الحجب هو النوع الخاص، وأما الحجب من حيث هو بالمعنى الأعم فهو قسمان حجب بالأوصاف أي: بسببها وهي الموانع السابقة الرق والقتل واختلاف الدين، وحجبٌِ بالأشخاص يعني بسبب الأشخاص، وهو المراد عند الإطلاق. يعني فمتى أطلق الحجب فالمراد به الحجبُ بالأشخاص نقصانًا لا حرمانًا، وهو المقصود بالترجمة هنا، لأن ما سبق عنون له الناظم هناك في الموانع حينئذٍ لا داع إلى إعادتها مرة أُخرى.
وهو قسمان - أي حجب الأشخاص -. حجب الأشخاص قسمان:
- حجب نقصان.
- وحجب حرمان.
إذًا قولنا في تعريف الحجب منع من قام به سبب الإرث من الإرث بالكلية أو من أوفر حظيه. هذا تعريف لحجب الأشخاص، وأما الأوصاف فقد مضى معنا. وهو قسمان - أي: الحجب بالأشخاص - حجب نقصان، حجبٌ يترتب عليه النقصان حينئذٍ نقول: هو من قام، أو هو منع من قام به سبب الإرث من أوفر حظيه.
حجب النقصان: منع من قام به سبب الإرث من أوفر حظيه، ويدخل على جميع الورثة، وهو سبعة أنواع. عند الفرضيين حجب النقصان سبعة أنواع، يعني: من باب التقسيم العام فقط، قد لا ينبني عليه شيء من حيث العمل لكن من باب ترتيب المسائل فقط يقال هو سبعة أقسام منها أربعة انتقالات، ومنها ثلاثة ازدحمات.
أما الانتقالات الأربعة فهي:
الأول: انتقال من فرضٍ إلى فرضٍ أقل منه. كما ذكرنا شأن الأم من الثلث إلى السدس، هذا فيه حجب نقصان وهو انتقال من فرضٍ إلى فرضٍ أقل منه، وهذا يكون في حق من له فرضان نعم وهو كذلك، يكون في حق من له فرضان، يعني من ثبت له في الشريعة الفرضان، وهم خمسة: (الزوجان، والأم، وبنت الابن، والأخت من الأب).
(13/2)

الزوجان، الزوجة لها فرضان الزوجة الربع والثمن، والزوج النصف والربع، والأم ... وبنت الابن ... [أحسنتم] بنت الابن واحدة النصف والسدس.
وَبِنْتُ الاِبْنِ تَأْخُذُ السُّدْسَ إذا ... كَانَتْ مَعَ الْبِنْتِ مِثَالاً يُحْتَذَى

مضى معنا، والأخت من الأب النصف؟ السدس، [أحسنتم].
الثاني: انتقال من تعصيب إلى تعصيب أقل منه. وهذا يكون في حق العصبة مع الغير كانتقال الأخت من النصف بالتعصيب إذا كانت مع البنت إلى الثلث بالتعصيب إذا كانت مع أخيها إذ لو كان معها أخوها كان الباقي بينهما {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء: 11] وهذا سبق البارحة معنا.
الثالث: انتقال من فرضٍ إلى تعصيب أقل منه وهذا في حق ذوات النصف فإن لكل واحدةٍ منهن عند الإنفراد النصف، وإذا كان معها مُعَصِّبُها #10.07 نعم بنت الابن تؤخذ النصف عند عدم المعصب وهو أخوها، إن وجد أخوها انتقلت من الفرض إلى التعصيب. وهذا في حق ذوات النصف فإن لكل واحدةٍ منهن عند الإنفراد النصف، وإذا كان معها مُعَصِّبُها اقتسما {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} فانتقلت من النصف فرضًا إلى الثلث بالتعصيب مع ابنٍ، إلى الثلث بالتعصيب ليس فرضًا لأن نقول: إذا وجد أخوها حينئذٍ صار بثلاث رؤوس {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} ثلاثة لأن له سهمان. إذا صار لها كم؟ الثلث من بين الثلاثة، هذا مرادهم به.
الرابع: انتقاله من تعصيب إلى فرضٍ أقل منه، عكس ما قبله. وهذا يكون في حق الأب والجد فقط، كانتقال الأب والجد مع الابن من أرث جميع المال تعصيبًا إلى السدس فرضًا، إذا وجد الابن حينئذٍ انتقل الأب والجد من الإرث بالتعصيب لجميع المال إلى سدس فرضًا.
أما الازدحامات فهي ثلاثة:
مزاحمةٌ في الفرض، وهذا يكون في حق سبعةٍ من الورثة، وهم: (الجدة، والزوجة، والعدد من البنات، وبنات الابن، والأخوات من الأب، والعدد من أولاد الأم).
مزاحمة يعنى ما يشترط فيه العدد، أو ما قد يكون فيه العدد، إذا قيل: لكل إخوة لأم لهم الثلث ليس واحد قد يكونوا عشرة، إذا زاحموا بعضهم، قد يكون ثلاثة لهم الثلث كل واحد له نصيب أكثر، إذا كانوا خمسة قل نصيبهم، عشرة قل نصيبهم، وهلم جرا فصارت فيه مزاحمة.
ثانيًا: فمثلاً البنات فإن بعضهن يزاحم بعضهن في الثلثي.
الثاني: مزاحمة في التعصيب، وهذا يكون في حق كل عاصبٍ، كما في البنتين فإن بعضهم يزاحم بعضًا في التعصيب.
ثالثًا: مزاحمةٌ في العول. العول سيأتي في آخر المنظومة، هو لم ينظم ذلك لأنه ليس قائلاً به، بالعول وهذا يكون في حق أصحاب الفروض إذا تزاحموا في الفريضة الواحدة لأنه ليس بعضهم أحق بالإرث من بعضٍ فيلحق النقص جميعهم حتى يتمكن من قسمتها. زوج وأم وأخت لغير أم، الزوج كم له؟ النصف، والأم؟ الثلث، وأخت لغير أم إما شقيقة أو لأب؟ النصف نعم صارت المسألة من ست. النصف للزوج كم؟ ثلاثة، والثلث للأم الثلث للأم كم، كيف نأتي في باب الحساب؟ ستة على ثلاثة؟ نعم إذا الثلث للأم اثنان، ثلاث واثنين خمسة، الأخت لأب أو الشقيقة لها النصف كم ثلاثة، ثلاث وخمسة صار عول، هذا سيأتينا في آخر الباب.
إذا حجب النقصان سبعة أنواع؛ أربع انتقالات، وثلاث مزاحمات.
(13/3)

وحجب الحرمان وقد سبق بعضه في العصبات وذكر هنا شيئًا منه مقدمًا حجب الأصول فقال:
وَالْجَدُّ مَحْجُوْبٌ عَنِ الْمِيْرَاثِ ... بِالأَبِ في أَحْوَالِهِ الثَّلاَثِ

(وَالْجَدُّ) معلوم، الجد الوارث، وأما غير الوارث فليس بوارث لأنه كما سبق إذا أُطلق الجد أو الابن إلى آخره من الورثة فالمراد به من اتصف بالورث، يعني من قام به سبب ولم يأت له مانع. (وَالْجَدُّ مَحْجُوْبٌ) يعني ممنوعٌ مع قيام سبب الإرث (عَنِ الْمِيْرَاثِ) يعني عن الإرث (بِالأَبِ) فالأب يحجب الجدّ، إذا وُجد في مسألة أبٌ وجد مباشرة تقول: الجد يسقط محجوب، لماذا؟ لأن الأب أقرب منه (بِالأَبِ) الباء سببية هنا يعني بسببه لأنه أدلى به، أي لأن الجد انتسب إلى الميت بواسطة الأب، والقاعدة السابقة التي ذكرنا أن باب الحجب يقوم عليها مع القاعدة التي معها أن كلّ من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، فالجد أدلى بالأب يعني توسط إلى الميت ما عرفه إلا عن طريق الأب، حينئذٍ لو وُجد الأب والجد سقط الجد.
(في أَحْوَالِهِ) الضمير يحتمل أنه يعود على الأب أو على الجد (أَحْوَالِهِ الثَّلاَثِ) التي ذكرناها سابقًا:
[أنه قد يرث بالإرث] (1) أنه قد يرث بالفرض فقط.
أو بالتعصيب فقط.
أو بهما معًا.
فالأحوال الثلاثة ثابتة للأب هي ثابت للجد، فكما أن الأب يرث بالفرض فقط أو بالتعصيب فقط وقد يجمع بينهما في بعض المسائل، كذلك الجد يرث بهذه الأحوال الثلاثة.
إذا أول من ذكر من الأصول الجد فهو محجوب بالأب لأنه أدلى به.
__________
(1) سبق.
(13/4)

(وَتَسْقُطُ الْجَدَّاتُ مِنْ كُلِّ جِهَهْ بِالأُمِّ) الأم تحجب الجدات، كل جدة سواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم أو من جهة الأب والأم، إذا وجدت الأم فهي محجوبة بـ فالجدة محجوبة بالأم، وذلك قال: (وَتَسْقُطُ) يعني من الورثة (الْجَدَّاتُ) اثنان فأكثر فالجمع مراد (مِنْ كُلِّ جِهَهْ) أي من جهة الأم أو من جهة الأب أو من جهتهما، (بِالأُمِّ) يعني بسبب الأم فالباء سببية، أما التي من جهة الأم أم الأم تسقط بالأم هذا واضح لأنها اجتمعت معها، فكل من أدلى بواسطة حينئذٍ حجبتها، كما أن الجد أدلى بالأب حينئذٍ حجبه إذا وجد معه، كذلك أم الأم تحجبها الأم لأنها واسطتها وأدلت بها إلى الميت، أما التي هي من جهة الأم فلإدلائها بها، وأما التي من قبل الأب فلكون الأم أقرب من يرث بالأمومة، ووجه كون الأم أقرب من يرث بالأمومة أنها ترث بالأمومةِ بلا واسطة. يعني الأم ترث بلا واسطة، والجدات يرثن بالأمومة بواسطة، جد أنثى هي أم سواء كانت أم أب أو أم أم إذا هي أم ترث بالأمومة لكنها هل هي مثل الأم، ثَمَّ فرقٌ. الفرق هو أن الأم ترث بلا واسطة، أم الميت مباشرة، وأما أم الأم وأم الأب وأم أبي الأب هي أمومة لكنها بواسطة. إذا كل منهما اشتركا في الأمومة، الأم والجدة، حينئذٍ إذا وجدت أم الأم مع الأم حجبتها لأنها أدلت بها، كذلك إذا وجدت الأم مع أم الأب حجبتها لماذا؟ لأن أم الأب ترث بالأمومة، حينئذٍ أشبهت أم الأم، والفرق بينهما أن تلك أن هذه بواسطة وتلك بغير واسطة، أنها ترث بالأمومة بلا واسطة، والجدات يرثن بالأمومة بواسطة، فالتي من جهة الأب ترث بالأمومة بواسطة الأب، يعني: باعتبار كونها أم أب، والتي من جهة الأم ترث بالأمومة بواسطة الأم أي باعتبار كونها أم أم، على كلٍّ الجدات لا يرثن مع الأم، فالأم تحجبها كما أن الأب يحجب الجد. وتسقط الجدات يعني: من الورثة (مِنْ كُلِّ جِهَهْ) يعني من الجهات التي ذكرناها (بِالأم) يعني بسبب الأم، فمتى ما وجدت الأم حجبت الجدات، (فَافْهَمْهُ) إذا علمت ما ذكرته لك من الحكم السابق (فَافْهَمْهُ) الفاء فاء الفصيحة. (فَافْهَمْهُ) المراد به اعلمه، يعني أعلم الحكم الذي ذكرته لك مع فهمه، فعلمٌ وفهمٌ حينئذٍ لا بد من اجتماعهما. (فَافْهَمْهُ) أي ما ذكرته لك من حجب الجد بالأب وسقوط الجدات بالأم، يعني إذا رددناه على البيت السابق وهو على ما ذكره في هذا البيت. أو (فَافْهَمْهُ) يعني ما ذكر لك من سقوط الجدات بالأم. (وَقِسْ) هذا أمر من القياس (مَا أَشْبَهَه) لماذا؟ لأنه ذكر في هذا البيت والبيت السابق حجب الجد بالأب، وذكر في هذا البيت حجب الجدة بالأم.
(13/5)

إذا الرابط مشترك وهو أن كلَّ من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، وقس على ما ذُكر من [حجب الأب] (1) حجب الجد بالأب لكونه أدلى به قس عليه غيره، فكلّ من أدلى بواسطة فحينئذٍ تقيسه على ما ذكر فتحجبه بتلك الواسطة. (وَقِسْ مَا أَشْبَهَهْ) في حجب البعيد بالقريب. وقوله: (أَشْبَهَهْ) الضمير هنا لما ذُكر من حجب الجد بالأب وحجب الجدات بالأم. قال الشارح: فيحجب كل جدٍّ قريب كل جدٍّ أبعد منه لإدلائه به. كل جدٍّ قريب يحجب كل جدٍّ بعيد لإدلائه به، وتحجب الجدات بعضهن بعضًا على التفصيل الذي ذكرناه في آخر باب السدس. وتحجب الجدات بعضهن بعضًا على التفصيل السابق، ويحجب كل من الأب أو الجد الجدة التي تدلي به دون غيرها، هذا على المذاهب الثلاثة، وأما عند الحنابلة فلا، الحنابلة هذه المسألة مستسناة يحجب كل من الأب والجد الجدة، لا الأب لا يحجب الجدة، والجد لا يحجب الجدة، هذا في المذهب عند الحنابلة، وأما عند الأئمة الثلاثة فعلى ما ذكره الشارح.
وَهَكَذَا ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ فَلاَ ... تَبْغِ عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ
__________
(1) سبق.
(13/6)

(وَهَكَذَا) أي مثل ذا السابق في الحكم وهو أنه محجوب (ابْنُ الاِبْنِ) بسبب الابن واضح (ابْنُ الاِبْنِ) محجوب (بِالإِبْنِ) لماذا؟ للقاعدة لأنه أدلى، لأن (ابْنُ الاِبْنِ) أدلى (بِالإِبْنِ) بأبيه حينئذٍ إذا وُجد الأب حجبه، كل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، (وَهَكَذَا) أي مثل ذا السابق في الحكم، (هَكَذَا) هذا خبر و (ابْنُ الاِبْنِ) مبتدأ مؤخر، (ابْنُ الاِبْنِ)، (وَهَكَذَا) يسقط مثل ما سبق يسقط (ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ) الهمزة بالتحقيق لا بد من هذا أي بسبب الابن. قال الشارح: (وبنت الابن) لأنها مثله بنت الابن تُحْجَبُ بالابن أليس كذلك؟ يعني: بأبيها لأنها أدلت به (فَلاَ ** تَبْغِ عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ) إذا علمت ما ذُكر فلا تبغي فالفاء هنا فاء الفصيحة، و (تَبْغِ) يعني تطلب (فَلاَ ** تَبْغِ) تبغي بالياء أصله لكنه جُزم بلا الناهية. هذه لام ناهية تجزم وتبغ هذا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وجزمه حذف حرف العلة وهو الياء، لأنه من بغى، بغى الشيء بُغْيَةً طلبه. إذا لا تبغي يعني لا تطلب عن الحكم الذي هو حجب (ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ) (الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ) يعني ميلاً إلى حكمٍ آخر. يُقال: عَدَلَ عَدْلاً وعُدُولاً مَالَ، ويُقال عَدَلَ عن الطريق حَادَ يعني: لا تحد {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] يعدلون به غيره وهذا باطل، وهناك ذلك (لا ** تَبْغِ عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ مَعْدِلاَ) بالكسر على المشهور وإن كان القياس الفتح لأنه ليس مراد به اسم مكان واسم زمان، وإنما المراد به الحدث، فحينئذٍ الأصل فيه مَعْدَلاً القياس فيه الفتح، لكن المسموع الكسر مثل مسجِد ومسجَد، القياس مسجَد لكن المسموع والمشهور في لسان العرب هو الكسر. إذا (مَعْدِلاَ) المشهور بكسر الدال لكن القياس فتحها لأنه المراد منه الحدث، ولذلك فسره الشارح هنا أي: ميلاً إلى حكمٍ الباطل. إذا ابن الابن محجوب بالابن، بنت الابن محجوبة بالابن، بالقاعدة أن كل من أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، (فَلا ** تَبْغِ) لا تطلب (عَنِ الْحُكْمِ الصَّحِيْحِ) الذي هو حجب (ابْنُ الاِبْنِ بِالإِبْنِ) ويحتمل شموله لما سبق، ولذلك عبر عنه بالصحيح أي المصحح معدلاً يعني: ميلاً إلى غيره فيكون باطلاً بأن تورث ابن الابن مع الابن، هذا باطل، أو تورث بنت الابن مع أبيها الابن، نقول: هذا باطل لأنه بالإجماع أن ابن الابن لا يرث مع أبيه، وبالإجماع بنت الابن لا ترث مع أبيها، حينئذٍ يكون هذا من الباطل
وَتَسْقُطُ الإخوة بِالْبَنِيْنَا ... وَبِالأَبِ الأَدْنَى كَمَا رُوِّيْنَا
(13/7)

(وَتَسْقُطُ) الإخوة مطلقًا والمراد جنس الإخوة الصادق بالواحد والمتعدد، يعني: الإخوة جمع لكن ليس مرادًا الجمع يعني: إذا وُجد الجمع سقط الإخوة بالبنين، وإذا لم يكن جمع حينئذٍ لا يسقط؟ لا، مراد جنس الإخوة الصادق بالواحد وبالمتعدد. (وَتَسْقُطُ الإخوة) أي جنسهم مطلقًا يعني دون تفصيل، كلّ أخٍ ومثلها الأخت تسقط بالبنين، فالابن يُسقط الإخوة كلهم بمعنى أنهم سواء كانوا أشقاء أو لأبٍ أو لأم، أو كانوا ذكورًا وإناثًا. إذا تسقط الإخوة أطلق الناظم هنا فيشمل مطلق كلّ الإخوة سواء كانوا أشقاء أو كانوا لأب أو كانوا لأم، سواء كانوا ذكورًا كلهم أو كانوا إناثًا أو كانوا خليطًا ذكورًا وإناثًا، بل زاد الشارح أو كانوا خناثى. إذا الإخوة يسقطون بالبنين. بالبنين كذلك المراد به الجنس يعني: بالابن الواحد فما زاد، فكل ابنٍ سواء كان واحد أو متعدد أسقط الإخوة مطلقًا سواء كان واحدًا أو متعدِّدًا. إذا الأخ لا يرث مع الابن هذا المراد فيحجبه، ... (وَتَسْقُطُ الإخوة بِالْبَنِيْنَا) الألف هذه للإطلاق، وأل في البنين هذه للجنس فتُبطل معنى الجمعية ولذلك قال الشارح: والمراد الواحد فأكثر كما هو معلوم، وسوف يصرح به في بني الابن. (وَبِالأَبِ) يعني وتسقط الإخوة بالبنين أولاً، وكذلك تسقط الإخوة بالأب [فلا يرث الأب] (1) فلا يرث الإخوة مع الأب، (وَبِالأَبِ) أي وتسقط الإخوة بالأب الأدنى، من هو الأب الأدنى؟ الأب الحقيقي. وأما الجدّ فسيأتي في باب الجد والإخوة أنه يُسمى أبًا لكنه أعلى، فعندنا الأب على نوعين:
أبٌ أدنى الذي هو حقيقي. أبو الميت يعني: الوالد الذي ولده.
والأب الأعلى الذي هو الجدّ.
هنا قال: (وَبِالأَبِ الأَدْنَى) احتراز من الأب الأعلى وهو الجد لأنه فيه خلاف سيأتي في بابٍ مستقل (الجد مع الإخوة) هل يرثون أو لا يرثون فيه خلاف الجمهور على أنهم يرثون. إذا قوله: (الأَدْنَى) يعني الأقرب، وهو وصفٌ احترز به عن غيره احترازًا عن الأب الأعلى وهو الجد. (كَمَا رُوِّيْنَا) بالبناء للمجهول وحينئذٍ فأصله رُوِيَ لنا فدخله الحذف للجار والإيصال للضمير ويصح قراءته بالبناء للمعلوم كما رَوَيْنَا، كما روينا ذلك ما الذي رَوَيْناه سقوط الإخوة بالبنين وسقوط الإخوة بالأب الأدنى (كَمَا رُوِّيْنَا) ذلك في معنى ما ورد في القرآن العزيز فإن الكلالة من لم يُخَلِّفُ ولدًا ولا وَالدًا، الكلالة التي جاءت في سورة النساء من لم يُخَلِّفُ ولدًا ولا وَالدًا مفهومه أن من خَلَّفَ ولدًا أو وَالدًا فلا شيء لإخوته، فيُعلم من هذا سقوط الإخوة البنين وبالأب الأدنى، و (كَمَا رُوِّيْنَا) ما يؤدي إلى ذلك عن رسول الله ع في قوله: «فما بقي فلأولى رجل ذكر» ولا نشك أن كل من الابن والأب وكذا ابن الابن أولى من الإخوة، هم أولى من الإخوة لأنهم أقرب، الأب أولى من الإخوة، والابن وابن الابن أولى من الإخوة، أو (كَمَا رُوِّيْنَا) ذلك عن الفقهاء والفرضيين وغيرهم فإنه مجمع عليه.
__________
(1) سبق.
(13/8)

إذا هذا الحكم لا خلاف فيه، سواء كان مدلوله مأخوذًا من القرآن كما ذكره في آية الكلالة، أو من النص النبوي: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». أو بالإجماع ما دام أنه مجمع عليه حينئذٍ يكون أقوى، والمراد بأن الإجماع أقوى لأنه لا يحتمل إذا قيل بأنه ابن الابن لا يرث مع أبيه أو الإخوة يسقطون بالـ .. ، هذا نص لا يحتمل غيره، بخلاف مثلاً بعض نصوص القرآن أو بعض نصوص السنة النبوية، حينئذٍ يرد احتمال أن هذا غير مراد منطوق مفهوم غيره ناسخٍ إلى آخره فالاحتمال وارد، ولذلك عند الأصوليين أن دلالة الإجماع من حيث الدلالة لا من حيث السند دلالة الإجماع أقوى لأنها لا تحتمل لا تحتمل إلا شيء واحد ثم لا تحتمل النسخ، وأما النص لا فهو محتمل أن يكون منسوخًا وكذلك نص سواء كان من القرآن أو كان من سنة نبوية، وأما الإجماع فلا فلذلك يكون مقدمًا من حيث الدلالة، وإن كان مستند الإجماع إما كتاب وإما سنة وإما قياس، قد يُنقل المستند وقد لا ينقل، فلا يقال كيف حينئذٍ نقول: إجماع أقوى. نحن لا نقول إجماع أقوى من حيث الثبوت من حيث وصوله إلينا هذه مسألة، ووصول القرآن إلينا مسألة أخرى، وصول القرآن إلينا القراءة المتواترة متواتر قطعي، والإجماع وصوله إلينا قد يكون متواترًا وقد لا يكون. من حيث الثبوت فرق بين ثبوت القرآن وثبوت الإجماع، ثبوت القرآن لا يكون إلا متواترًا هذا الأصل فيه، وثبوت الإجماع قد يكون وقد لا يكون ففرق بينهما.
إذا المقصود أنه إذا أُجمع على مسألة حينئذٍ صارت هي المعتمدة.
أَوْ بِبَنِي الْبَنِيْنَ كَيْفَ كَانُوْا ... سِيَّانِ فِيْهِ الْجَمْعُ وَالْوِحْدَانُ

لما كان الابن حقيقةً خاصًا بابن الصلب، وكان ابن الابن كالابن في حجب الإخوة إجماعًا صرح بذلك، لأنه قال: (وَتَسْقُطُ الإخوة بِالْبَنِيْنَا) بالابن هل ابن الابن كالابن؟
هذا محل سؤال، فصرح الناظم بأن ابن الابن يحجب الإخوة كما أن الابن يحجب الإخوة، والمسألتان مجمع عليهما، بمعنى أن الإجماع انعقد، على أن ابن الابن يحجب الإخوة كما أن أباه يحجب الإخوة، ولذلك نص على ذلك.
(13/9)

و (بِبَنِي الْبَنِيْنَ) يعني وتسقط الإخوة بجنس بني البنين الصادق بالواحد والأكثر (كَيْفَ كَانُوْا)، (كَيْفَ) هذا اسم استفهام في محل نصب خبر لكان، إن كانت كان ناقصة حينئذ (كَيْفَ) في محل نصب خبر لكان، و (الواو) في كانوا تكون اسمها، أو على الحال إذا كانت تامة، كان يحتمل أنها ناقصة ويحتمل أنها تامة، إذا كانت ناقصة (الواو) اسم كان، أين خبرها؟ (كَيْفَ) إذا كانت تامة، فـ (الواو) فاعل، و (كَيْفَ) تكون في محل نصب حال، وعلى كلٍّ هي اسم استفهام، (كَيْفَ كَانُوْا) اسم استفهام في محل نصب، إما خبر لكان إن كانت ناقصة، أو في محل نصب على أنها حال إن كانت كان تامة، والواو إما أن تكون اسمها إذا كانت ناقصة، أو تكون فاعلاً لكان (سِيَّانِ فِيْهِ الْجَمْعُ وَالْوُحْدَانُ)، ... (وَالْوِحْدَانُ) بكسر الواو وضمها وِحْدَان وُحْدَان (سِيَّانِ) بكسر النون تثنية سي وهو خبر مقدم، و (الْجَمْعُ) وما عُطف عليه مبتدأ مؤخر. الجمع والوحدان سيان يعني سواء لا فرق بين الجمع والوحدان فيما ذكر وما سبق، يعني في بني البنين لا يُشترط أن يكون جمعًا بل الواحد والاثنين والثلاث في حكم واحد، وكذلك قوله: (بِالْبَنِيْنَا) لا يُشترط فيه الجمع، فليس شرطًا الجمع هنا، وإنما المراد به جنس البنين وجنس بني البنين.
إذًا (سِيَّانِ) نقول: بكسر النون تثنية سي وهو خبر مقدم، و (الْجَمْعُ) وما عطف عليه مبتدأ مؤخر. (فِيْهِ) متعلق بـ (سِيَّانِ) والضمير هنا يعود على ماذا؟ على الحكم السابق، يعني تسقط الإخوة ببني البنين، وتسقط الإخوة بالبنين (سِيَّانِ) يستويان في هذا الحكم (الْجَمْعُ) اثنان فأكثر (وَالْوِحْدَانُ) جمع واحد، حينئذ لا فرق بين الواحد وبين الجمع ... (الْوِحْدَانُ) بضم الواو جمع واحد، إذا كانت بضم الواو فهي جمع واحد، أو بكسر الواو (الْوِحْدَانُ) بكسر الواو فهو جمع أوحاد بمعنى واحد، إذًا كلاهما المؤدى والنتيجة أن المراد به الفرض الواحد. إذًا كما يحجب الفرد وكذلك يحجب الجمع فلا فرق حينئذ من حيث وصفهما بالحجب.
إذًا و (بِبَنِي الْبَنِيْنَ كَيْفَ كَانُوْا ** سِيَّانِ فِيْهِ) في هذا الحكم (الْجَمْعُ وَالْوِحْدَانُ) سيان أي: سواء، (فِيْهِ) أي الحكم المذكور وهو حجب الإخوة بهم (الْجَمْعُ) الصادق باثنين فما زاد [والمراد ما فوق الواحد [و (الْوِحْدَانُ) جمع واحد وليس الجمع هنا مراد، (الْوِحْدَانُ) جمع واحد أقل الجمع اثنان هل هذا المراد؟ لا، ليس المراد، إنما المراد به جمع واحد فالدلالة على ما انصب على المفرد، وليس الجمع مرادًا، بل المراد به الواحد مجازًا مرسلاً، من إطلاق الاسم الكلي مرادًا به الجزء، لأن المفرد جزء الجمع، وذلك لمقابلته بالجمع المراد به ما فوق الواحد، لما قوبل به الجمع علمنا أن المراد به الواحد، فأَطْلَقَ الجمع وأراد به الواحد. (الْوِحْدَانُ) جمع واحد لكن في النظم هنا ما المراد به؟ هل المراد به الجمع أقله اثنان أو المراد به الواحد؟ الواحد. إذًا هذا حقيقة أو مجاز؟ مجاز ليس بالحقيقة، هذا المراد. من أين أخذنا أنه مجاز؟ بمقابلته بالجمع، لأن الذي يقابل الجمع اثنان فأكثر، هو الواحد ففرق بين اللفظين.
(13/10)

إذًا الإخوة يحجبون بالابن والأب وابن الابن، كم؟ ثلاثة. لما كان للأم يحجبون بما يحجب به الأشقاء ولأب بالأب والابن وابن الابن، إلا أنهم يزيدون عليه بثلاثة كذلك زاد الناظم فقال:
(وَيَفْضُلُ) يعني يزيد
وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم بِالإِسْقَاطِ ... بِالْجَدِّ فَافْهَمْهُ عَلَى احْتِيَاطِ

إذًا هذا تعميم لما ذكر سابقًا لأنه قال: (وَتَسْقُطُ الإخوة). قلنا: هذا عام، يشمل الأشقاء ولأب ولأم يسقطون بهذه الثلاثة الأب والابن وابن الابن، استوي الثلاثة الأنواع الأشقاء أب أم، بقي أن الإخوة لأم يُسْقَطُون بما سقط به الإخوة الأشقاء ولأب إلا أنهم يزيدون بثلاثة أخرى، فالجد يحجب من؟ يحجب الإخوة لأم ولا يحجب الإخوة الأشقاء ولا لأب. إذًا هذا يسمى فضلاً وزيادة ولذلك عبر عنه بـ قول: (وَيَفْضُلُ).
قال الشارح هنا: (ولما كان الإخوة لأم يحجبون بما يحجب به الأشقاء). وهو ثلاثة الابن وابن الابن والأب، وزيادة على ذلك صرح بالزائد تم ما سبق. فقوله: (وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم)، (ابْنُ الأم) المراد به الأخ لأم ... (وَيَفْضُلُ) أي ويزيد الأخ للأم على من؟ على الأخ الشقيق والأخ لأب، فيعلم من ذلك أن الأخ لأم يسقط بما يسقط به الأخ الشقيق، يُعْلَم من هذا النص بقوله [يزيد]. وبقوله: (وَتَسْقُطُ الإخوة) لأنه عام أتى بـ (أل) فهي عامة، شَمِلَ الإخوة كلهم إذًا دخل الإخوة لأم في قوله (وَتَسْقُطُ الإخوة)، ثم خصهم بحكم زائد على ما سبق قال: (وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم بِالإِسْقَاطِ ** بِالْجَدِّ) فدل ذلك على أن الحكم كما يكون في الأخ الشقيق والأخ لأب وكذلك في الأخ لأم إلا أنه يزيد كما سيذكره الناظم رحمه الله تعالى، فيعلم بذلك أن الأخ للأم يسقط بما يسقط به الأخ الشقيق والأخ لأب، ويزيد عليهما بأنه يسقط بما سيذكره من الجد والبنت وبنت الابن فيسقط بستة، الثلاثة السابقون الابن وابن الابن والأب ويزيد عليه بالجد وبنت الابن والبنت. قال: (بِالْجَدِّ)، (وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم) قال:
(13/11)

(وكذلك بنت الأم، وهما الأخ والأخت للأم) إذًا ابن الأم المراد به الأخوات ذكرًا كان أو أنثى إنما المراد نسبته للأم، (وَيَفْضُلُ) يزيد (ابْنُ الأم) الأخ لأم (بِالإِسْقَاطِ) متعلق بقوله: (يَفْضُلُ) (بِالإِسْقَاطِ) يعني أنه يحجب (بِالْجَدِّ) يعني بسبب الجد (فَافْهَمْهُ) أي إذا علمت ما ذكرته لك مما ذكرت لك من الحكم السابق (فَافْهَمْهُ) يعني فاعلمه، اعلم الحكم المذكور (عَلَى احْتِيَاطِ) على تثبت، فلا تقل بأن الأخ لأم يُحجب بما يُحجب به الأشقاء ولأب فقط وتسكت، لا، بقي شيء آخر وإذا التبست عليك المسائل فيأتيك الجد مع الأخ لأم تقول: لا يحجبه، لأنه لا يحجب الشقيق، ولا الأخ لأب، لا، يحجبه وهذا استثناء مما سبق. (وَيَفْضُلُ ابْنُ الأم). قال هنا في الحاشية: (ولو قال ولد الأم ليشمل الذكر والأنثى لكان أصوب) لابن ابن هذا خاص بالذكر ابن الأم، فابن الأم ليس بقيد، (وهما الأخ والأخت للأم)، (بالإسقاط) أي الحجب (بِالْجَدِّ فَافْهَمْهُ) أي ذلك فهمًا صحيحًا مطابقًا للواقع (عَلَى احْتِيَاطِ) على تثبت، ويقين يعني على جزم لا على شك وتردد. وهذا شأن المسائل كلها، قالوا: لا بد أن يكون متيقنًا من المسائل، وهذا إنما يكون بكثرة التكرار، أما أظن، ومرت معي ... إلى آخره هذا ما يصلح في باب العلم، تأتيك مسألة فرضية: وأظن أنه يحجبه وأظن أنها ترث السدس [ها ها] وأظن أن لها كذا هذا ما يصلح لا بد أن تكون عندك المسائل يقينية، والوصول إلى هذه الرتبة يكون بكثرة مزاولة المسألة، يعني بعض الناس يظن المسألة، يعني إذا يقرأ شيء مفهوم يريد شيء آخر جديد، نقول: لا، تمر عليها من أجل تثبيت وتأكيد المعلومة، لأن الشيء لما يكون معلومًا مثلاً وأنت لك شهر عنه ليس كما لو كان لك إطلاع عليه قبل يوم أو يومين المسألة تختلف. [نعم]
(13/12)

(وَبِالْبَنَاتِ) يعني ويفضل ابن الأم بالإسقاط بالبنات، والمراد بالبنات هنا جنس البنات، الصادق للواحدة والمتعددة، إذًا ابن الأم ولد الأم الأخ للأم الأخت للأم، الأخ لأم يسقط بماذا؟ البيت الذي معنا (بِالْبَنَاتِ) يعني بالبنت الواحدة فأكثر هذا الذي أريده، بالبنت الواحدة فأكثر. إذًا البنت تحجب الأخ لأم، البنت تحجب الأخت للأم سواء كانوا واحدًا أو متعددين (وَبِالْبَنَاتِ) أي ويفضل ابن الأم بالإسقاط بالبنات، المراد به الجنس فيشمل الواحدة فأكثر (وَبَنَاتِ الاِبْنِ) هذا الثالث (بِالْجَدِّ)، (وَبِالْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الاِبْنِ) صاروا كم؟ ستة، فيسقط الأخ لأم أي يُحجب والأخت لأم كذلك بستة، الابن وابن الابن والأب والجد والبنت وبنت الابن كلها منصوصة في الأبيات فحفظها يساعدك على استحضارها، (وَبَنَاتِ الاِبْنِ) المراد به الجنس يعني الشامل للواحدة والصادق على الواحدة فأكثر (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً) أي سواء كنَّ جمعًا وهو ما فوق الواحدة فيصدق باثنتين فأكثر، أو وحدانًا بضم الواو أو كسرها كما سبق والمراد به الواحدة بدليل مقابلته لقوله: (جَمْعَاً) على ما سبق (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً)، (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً فَقُلْ لِيْ زِدْنِيْ)، (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً) هذا يرجع الى البنات وبنات الابن كأنه أراد أن ينص على أن (أل) في البنات للجنس، والإضافة في بنات الابن للجنس، الإضافة قد تكون للجنس و (أل) قد تكون للجنس، نص على هذا تصريحًا بقوله: (جَمْعَاً وَوِحْدَانَاً) يعني سواء كانت البنت واحدة أو كانت جمعًا فهي تُسقط الأخ لأم وسواء كانت بنات الابن واحدة جمعًا أو وحدانًا فهي تسقط الأخ أو ابن الأم (فَقُلْ لِيْ زِدْنِيْ) فقل إذا علمت ذلك (فَقُلْ لِيْ) الفاء هنا فاء الفصيحة إذا علمت هذا (قُلْ لِيْ) إذا علمت ما ذكر (فَقُلْ لِيْ زِدْنِيْ) يعني من هذا العلم المتفق عليه ومن غيره لأنه حذف المتعلَّق وهو يؤذن بالعموم {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} [طه: 114] هذا فيه استئناف لما ذكر، فينبغي لطالب العلم الزيادة من العلم.
فتلخص من كلام الناظم أن الإخوة للأم وهذا يشمل الأخوات يُحجبون بستة بالابن - وابن الابن - والبنت - وبنت الابن - والأب، والجدة إجماعًا، لآية الكلالة الأولى لمفهومها لأن الكلالة: من لم يخلف والدًا ولا ولدًا - مما ذكرناه فيما سبق - لكن خُصّ من الكلالة الأم والجدة فلا يَحْجُبان ولد الأم بالإجماع، يعني لم يذكرهم الناظم هنا، وإنما ذكر الجد ولم يذكر الجدة، وذكر البنات وبنات الابن ولم يذكر الأم، حينئذ ما لم يذكره الأصل فيه أنه لا يحجب.
ثُمَّ بَنَاتُ الاِبْنِ يَسْقُطْنَ مَتَى ... حَازَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ يَا فَتَى
إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ ... ..........................
(13/13)

هذا يسمى الأخ المبارك الذي وعدناكم به (ثُمَّ) يعني يأتي بعد المرتبة التي ذكرت السابقة (بَنَاتُ الاِبْنِ) يعني جنس بنات الابن الصادق بالواحدة فأكثر (يَسْقُطْنَ) يُحجبن (ثُمَّ بَنَاتُ الاِبْنِ) يعني جنسهن الصادق بالواحدة فأكثر (يَسْقُطْنَ) من عدد الورثة يعني يُحجبن بالبنات، متى؟ حاز البنات الثلثين لأن بنت الابن كما سبق في باب السدس تأخذ السدس، واحدة وأكثر متى؟ مع البنت صاحبة النصف لكن لو وجد بنات حينئذ انتقلن إلى الثلثين، وإذا أخذن الثلثين حينئذ لا شيء لبنات الابن، تسقط، ولذلك قال: (مَتَى ** حَازَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ)، أما لو كانت بنت واحدة فلها النصف وبنات الابن لهن السدس، واضح؟
ولذلك قيده متى؟
هذا [إطلاق] (1) تقييد، تقييد (ثُمَّ بَنَاتُ الاِبْنِ يَسْقُطْنَ) من عدد الورثة، ويُحجبن بالبنات عن حوزهن عند حوزهن بالثلثين كما قال الناظم: (مَتَى حَازَ) أي جمع (الْبَنَاتُ) اثنتان فأكثر الثلثين يعني متى استحق البنات الثلثين بأن كن اثنتين فأكثر، فالمراد من الحيازة الاستحقاق لا الأخذ، لأنه لا يتوقف سقوط بنات الابن عليه (مَتَى حَازَ) يعني أخذن أو استحققن، الحكم مقيد بماذا؟ بالأخذ بالفعل تستلم المال التركة الثلثين، أو تستحق ولو لم تستلم؟ الثاني الاستحقاق، إذًا ليس المراد به الأخذ إنما المراد به الاستحقاق، متى حاز لأن الأصل في الحوز هو الأخذ وليس هذا المراد، وإنما المراد به الاستحقاق (مَتَى حَازَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ) فإن لم يحزن الثلثين حينئذ ورثت بنت الابن وتأخذ السدس مع البنت. (يَا فَتَى) هذا في الأصل الفتى الشاب أو
الصغير، والمراد هنا من له تنبه في الفرائض، يعني ليس الفتى هكذا، إنما (يَا فَتَى) من له تنبه في الفرائض، لأن الفرائض تحتاج إلى فهم أكثر من كونها حفظ، نعم تحتاج إلى حفظ لكن الفهم لا بد أن يكون مستحضر. لمفهوم قول ابن مسعود رضي الله عنه السابق في بنت وبنت ابن وأخت حيث قال: (للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين). لما قال: تكملة الثلثين. إذا علمنا أنها أخذت السدس لأن البنات لم يأخذن الثلثين، وأما إذا أخذنا الثلثين فليس لها شيء البتة يسقطن. وأخبر أن ذلك بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم. فمفهوم قوله: أنه لو كمل الثلثان للبنات بأن كن اثنتين فأكثر لا شيء لبنات الابن. إذًا هنا للبنت النصف مثلاً، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، لو أخذنا البنات الثلثين حينئذ بنت الابن تسقط أليس كذلك؟ لو عندنا مثلاً مسألة ابن مسعود في بنت وبنت ابن وأخت، البنت لها النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين أليس كذلك؟ لو وجد بنات أخذن الثلثين بنت الابن تسقط إلا إذا وجد أخوها معها مُعَصِّبها، إلا إذا وجد أخوها حينئذ يُسمى هذا الأخ الأخ المبارك، يعني الذي لولاه لسقطت، صحيح، لولا وجود الأخ بنت الابن لا شيء لها لأنها إنما ورثت السدس تكملة الثلثين وقد أخذنا الثلثين، إذًا لا شيء لها إلا إذا وجد أخوها فإنه يُعَصِّبُهَا كما قال هنا: (إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ) أي إلا إذا قواهن الذكر أخًا كان أو لا فلا يسقطن.
إذًا:
__________
(1) سبق.
(13/14)

ثُمَّ بَنَاتُ الاِبْنِ يَسْقُطْنَ مَتَى ... حَازَ الْبَنَاتُ الثُّلُثَيْنِ .....

إذا لم يكن لهن أخ معصب، فإن كان لهن أخ حينئذ يرثن لا يسقطن، إذًا قوله: (إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ) هذا استثناء من قوله: (يَسْقُطْنَ) حينئذ إذا عصبهن الذكر فلا يسقطن، أي إلا إذا قواهن الذكر أخًا كان أو لا فلا يسقطن (إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ مِنْ وَلَدِ الإِبْنِ)، (الإِبْنِ) بالهمز همزة القطع من أجل الوزن (مِنْ وَلَدِ الإِبْنِ عَلَى مَا ذَكَرُوْا)، (مِنْ وَلَدِ)، (مِنْ) هنا بيانية مشوبة بالتبعيض أي الذي هو بعض ولد الابن (عَلَى مَا ذَكَرُوْا) يعني الفرضيون، أي حال كون ذلك جاء على ما ذكره الفرضيون. قال هنا الشارح: (وهو القريب المبارك). المشهور يُسمى الأخ المبارك لكن هذا من باب التغليب لأنه قد لا يكون أخًا قد يكون ابن عم لكن المشهور أنه يُسمى بالأخ المبارك، لكن تعميم المصنف هنا أدق (وهو القريب المبارك) أي الذي جعل الله فيه بركة (سواء كان في درجة بنت الابن أو أنزل منها لاحتياجها إليه) سواء كان هذا الذكر الذي عَصَّبَهَا في درجة بنت الابن، يعني سواء كان أخاها أو ابن عمها، بنت ابن، ابن ابن هذا بدرجها، (أو أنزل منها) ابن ابن ابن، إذا كانت هي عمته أو عمة أبيه أو جدته (لاحتياجها إليه) تحتاجه في ماذا؟ من أجل أن ترث، من أجل ماذا؟ من أجل أن ترث، إذ لولاه لسقطت أي لاحتياج بنت الابن إلى الذكر من ولد الابن وهو علة لتعصبه لها، فكأنه قال: وإنما عصبها لاحتياجها إليه، وإنما احتاجت إليه لأنه لم يفضل لها من الثلثين شيء، وهي إنما ورثت تكملة للثلثين، فإذا استوفى البنات الثلثين سقطت إلا إذا وجد أخوها فهي محتاجة إليه من أجل أخذ شيء من المال. (عَلَى مَا ذَكَرُوْا) أي الفرضيون، وقدمت في باب التعصيب خلافًا لابن مسعود رضي الله عنه حيث جعل الفاضل بعد فرض البنات للذكر خاصة، وأسقط بنات الابن.
وَمِثْلُهُنَّ الأَخَوَاتُ الَّلاَتِيْ ... يُدْلِيْنَ بِالْقُرْبِ مِن الْجِهَاتِ
إذا أَخَذْنَ فَرْضَهُنَّ وَافِيَا ... أَسْقَطْنَ أَوْلاَد الأَبِ الْبَوَاكِيَا
(13/15)

(الْبَوَاكِيَا) جمع باكية، لأن ليس لها إلا البكاء إذا سقطت (وَمِثْلُهُنَّ) الضمير يعود على من؟ أين القواعد، هناك بنات (وَمِثْلُهُنَّ) الأخوات، (وَمِثْلُهُنَّ) أي مثل البنات هناك بنات الابن والبنات من الذي يسقط الثاني؟ البنات يسقطن بنات الابن إذا أخذنا الثلثين ولم يوجد معصب لبنات الابن، واضح؟ بنات الابن والبنات، البنات يحجبن يسقطن بنات الابن متى؟ إذا أخذن الثلثين ولم يكن معصب لبنات الابن، (وَمِثْلُهُنَّ) مثل البنات (الأَخَوَاتُ الَّلاَتِيْ ** يُدْلِيْنَ بِالْقُرْبِ مِن الْجِهَاتِ) يعني الأخوات الشقائق تأخذ الثلثين ويبقى معها الأخت التي من الأب، وسبق أن الأخت من الأب تأخذ السدس متى؟ مع صاحبة النصف التي هي الأخت الشقيقة، فإن وجد عدد من الأخوات الشقائق يعني أخذن الثلثين حينئذ أسقطن الأخت لأب، فالحال في البنات مع بنات الابن هو الحال مع الأخوات الشقائق مع الأخت لأب، الأخت لأب تأخذ السدس مع صاحبة النصف وهي الأخت الشقيقة، أن وجد تكملة الثلثين، أن أخذن الأخوات الشقايق وكنَّ جمعًا أخذنَّ الثلثين أسقطن الأخوات لأب الأخت لأب، (وَمِثْلُهُنَّ) في إسقاط الأخوات أي ومثل البنات في إسقاط الأخوات لأب عند استغراقهن الثلثين إلا إذا كان هنالك الأخ لأب فيعصبهن، (وَمِثْلُهُنَّ الأَخَوَاتُ الَّلاَتِيْ) وهن الأخوات الشقائق (يُدْلِيْنَ) يعني ينتسبن بالقرب من الجهات ينتسبن إلى الميت بسبب قربهن من الجهات، هنا جمع الجهات وهما جهتان فقط أب وأم من الجهتين، والمراد بالجمع ما فوق الواحد، لأن لقرب الجهتين جهة الأب وجهة الأم (مِن الْجِهَاتِ) أي جهات الأب والأم، وهن الأخوات الشقيقات (إذا أَخَذْنَ) الشقيقات (فَرْضَهُنَّ وَافِيَا) كاملاً الشقيقات، جمع هنا فحينئذ إذا أخذن فرضهن وافيًا يعني الثلثين ... (أَسْقَطْنَ أَوْلادَ الأَبِ الْبَوَاكِيَا) أولاد الأب المراد بهم الأخوات لأب، لو قال: بنات الأب أحسن، لأن أولاد هذا يشمل الذكر والأنثى، والمراد به هنا الأنثى، ولذلك قال هنا: قوله: أولاد الأب الصواب بنات الأب بدليل قوله: (وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ لَهُنَّ حَاضِرَا) نعم (إذا أَخَذْنَ فَرْضَهُنَّ) يعني مفروضهنّ، فرض هنا بمعني مفروض كما سبق معنا مرارًا، (وَافِيَا) أي كاملاً وهو حال من (فَرْضَهُنَّ)، وهي حال لازمة لأن فرضهن لا يكون إلا كاملاً، إذ العدد منهن لا يرث أقل من الثلثين بالإجماع، (إذا أَخَذْنَ فَرْضَهُنَّ وَافِيَا) وهو الثلثان كما قال الشارح بأن كن اثنتين فأكثر أسقطن أولاد الأب وهن الأخوات لأب، فالشأن هنا الأخوات لأب مع الأخوات الشقائق كشأن بنت الابن مع البنات، فالحكم واحد، الأخت لأب تأخذ السدس مع صاحبة النصف الأخت الشقيقة تكملة للثلثين، فإن أخذن الشقائق الثلثين كاملاً أسقطن الأخت لأب إلا إذا وجد أخ لها يُعَصِّبُها فحينئذ ترث معه تَعْصِيبًا (أَسْقَطْنَ أَوْلادَ الأَبِ)، (وهن الأخوات للأب سواء الواحدة والأكثر) وقوله: (الْبَوَاكِيَا) جمع باكية، (الْبَوَاكِيَا) الألف هذه للإطلاق، جمع باكية، إيماء إلى أنهن لم يحصل لهن إلا البكاء على الميت فقط.
(13/16)

إذًا (وَمِثْلُهُنَّ) أي مثل البنات (الأَخَوَاتُ) وهذا مطلق فقيده الناظم بقوله: (الَّلاَتِيْ ** يُدْلِيْنَ بِالْقُرْبِ مِن الْجِهَاتِ) يعني الأخوات الشقايق، هذا تقييد واحتراز (إذا أَخَذْنَ) أولئك أو تلك الشقيقات (فَرْضَهُنَّ وَافِيَا) يعني مفروضهن كاملاً وهو الثلثان حينئذ أسقطن أولاد الأب البواكيا
وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ لَهُنَّ حَاضِرَا ... عَصَّبَهُنَّ بَاطِنَاً وَظَاهِرَا

هذا كقوله فيما سبق (إِلاَّ إذا عَصَّبَهُنَّ الذَّكَرُ) مسألتان مبناهما على شيء واحد (وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ لَهُنَّ حَاضِرَا ** عَصَّبَهُنَّ)، (وَإِنْ يَكُنْ) أي يوجد (أَخٌ لَهُنَّ) اللام هنا بمعنى معه، يعني معهن حاضرًا حالة كونه حاضرًا أي موجودًا، واحترز به عن المفقود، والمفقود سيأتي له كلام خاص (عَصَّبَهُنَّ) هذا جواب إن الشرطية، جواب الشرط (بَاطِنًا وَظَاهِرَا)، (بَاطِنًا) يقصدون به التدين يعني بينه وبين الله (بَاطِنَاً) عند الله، و (وَظَاهِرَا) عند القاضي والمفتي أراد به التعميم فقط (وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ لَهُنَّ) أي وإن يكن مع الأخوات للأب أخ لأب حاضرًا معهن (عَصَّبَهُنَّ) واقتسما، إذا كان واحدًا وهي واحدة أو اكتسبوا الباقي بعد الفرض {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (بَاطِنَاً وَظَاهِرَا) فيه إيماء إلى أن ذلك حكم بالحق لنفوذه (بَاطِنًا وَظَاهِرَا)
وَلَيْسَ ابْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ ... مَنْ مِثْلَهُ أَوْ فَوْقَهُ في النَّسَبِ

هذا استثناء لأنه قال: (وَإِنْ يَكُنْ أَخٌ) هل ابن الأخ مثل الأخ في التعصيب؟ الجواب: لا، فيما سبق البنات إلا إذا عصبهن الذكر، قلنا: لو كان أنزل منها لا إشكال فيه، هل هنا الحكم مثل الحكم السابق؟ الجواب: لا. ابن الأخ لأب لا يعصب الأخت لأب بل هي تسقط مباشرة، ولا يعتبر هذا أخًا مباركًا، لماذا؟ لأنه أنزل منها، ولذلك قال الشارح: (ولما كانت الأخوات للأب ليس كبنات الابن في جميع الأحكام لأن بنت الابن يعصبها من هو أنزل منها). كابن ابن الابن، إذا لم يكن لها في الثلثين شيء، ولا كذلك الأخت للأب فإنه لا يُعَصِّبُهَا إلا الأخ للأب فقط فلا يعصبها ابن الأخ وإن احتاجت إليه صرح بذلك في ضمن حكم عام فقال: (وَلَيْسَ إبْنُ الأخ)، (إبْنُ) بقطع الهمزة من أجل الوزن (وَلَيْسَ إبْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ) اسم فاعل من عصب ومفعوله ما بعده (بِالْمُعَصِّبِ مَنْ مِثْلَهُ). إذا هذه من الفوارق بين المسألتين، مبنى المسألة واحد، والأحكام تكاد تكون واحدة، إلا في هذه المسألة بنات الابن إذا أخذن البنات الثلثين حينئذ يسقطن إلا إذا وجد المعصب من هو المعصب، أخوها الابن أو ابن الابن وإن نزل فالحكم عام، هذه المسألة مثلها إلا إذا وجد المعصب للأخت لأب أو الأخوات لأب من هو المعصب؟ الأخ لأب فقط، هل من نزل كذلك حكمه؟ الجواب: لا، هذا من الفوارق بين المسألتين
وَلَيْسَ ابْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ ... مَنْ مِثْلَهُ أَوْ فَوْقَهُ
(13/17)

(وَلَيْسَ ابْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ ** مَنْ مِثْلَهُ أَوْ فَوْقَهُ)، (مَنْ مِثْلَهُ) يحتمل أن تكون من هنا نكرة موصوفة، و (مِثْلَهُ) بالنصب على أنه صفة بمعنى مماثلة أي أنثى مماثلة في الدرجة (بِالْمُعَصِّبِ) المعصب هذا اسم فاعل، والفاعل هو، و (مَنْ) إذا كانت نكرة حينئذ صارت في محل نصب مفعول به، أليس كذلك؟ والعامل فيه معصب لأنه يطلب مفعولاً به. (مِثْلَهُ) بالنصب صفة لـ (مَنْ) ويحتمل أنها موصولة و (مِثْلُهُ) بالرفع على أنه خبر لمبتدأٍ محذوف أي التي هي مثله، وحذف المصنف الصلة هنا لازم لعدم الطول يعني (مَنْ مِثْلَهُ)، (مَنْ مِثْلُهُ) يجوز الوجهان والنصب أحسن، (أَوْ فَوْقَهُ) عطف على مثله على الوجهين فيه، وهو معلوم بالأولى من المعطوف عليه (وَلَيْسَ ابْنُ الأخ بِالْمُعَصِّبِ مَنْ مِثْلَهُ). إذًا من باب أولى أن يُعَصِّبَ من فوقه، هذا تصريح بالأولوية (في النَّسَبِ) هذا تَنازعه كل من (مِثْلَهُ)، و (فَوْقَهُ). قال الشارح هنا: (وليس ابن الأخ وابنه) ابن ابن الأخ (وإن نزل سواء كان شقيقًا أو لأب (بِالْمُعَصِّبِ مَنْ مِثْلَهُ) هذا شامل لأخواته وبنات عمه (من بنات الأخ) بيان لمن (مِثْلَهُ) لأنهن من ذوي الأرحام (أَوْ فَوْقَهُ) في النسب من بنات الأخ يعني اللاتي فوقه أو من الأخوات للأب المحتاجات إليه (لأنه ليس لهن شيء في الثلثين) لأنه لَمَّا لم يُعَصّب من في درجته لم يُعَصِّبْ من فوقه بالأولى. قال الشارح: (فائدة) ذكر بعض المسائل، القريب المبارك هو من لولاه لسقطت الأنثى التي يَعْصِبُهَا، لولا وجوده سقطت، ولما وجد ورثت، هذه بركة، يعني وجوده صار فيه نوع بركة على أخته سواء كان أخاها مطلقًا أو ابن عمها، أو أنزل منها في أولاد الابن، وهذا كهالك عن: بنتين وبنت ابن، وابن ابن. قسِّموا؟ البنتان لهما الثلثان، والباقي لبنت الابن وابن الابن، {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} لو كانت المسألة هكذا: بنتان وبنت ابن؟ سقطت بنت الابن ليس لها شيء، وجد أخوها ابن الابن معها ورثت {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} فللبنتين الثلثان والباقي لابن الابن وبنت الابن تعصيبًا، وأما القريب المشؤوم: فهو الذي لولاه لورثت العكس، يعني وجوده حرم أخته - الله المستعان - الذي لولاه لورثت، ولا يكون ذلك إلا مساويًا للأنثى من أخ مطلقًا، وابن عم، كبنت الابن، ومَثَّلَ له هنا بصورة: زوج وأم وأب وبنت وبنت ابن؟
الزوج له الربع هنا، والأم السدس، والأب السدس، والبنت لها النصف، وبنت الابن السدس. حينئذ هنا تعول المسألة لخمسة عشر، فلو كان معهم ابن ابن سقط وسقطت معه بنت الابن لاستغراق الفروض وتكون إذ ذاك عائلة لثلاثة عشر، فلولاه لورثت كما بَيَّنَّا، فهو أخ مشؤوم عليها، والله أعلم).
وكهالك عن: زوج، وأخت شقيقة، وأخت لأب وأخ لأب؟
فللزوج النصف، وللشقيقة النصف، ولاشيء للأخت لأب ولا للأخ لأب لعدم وجود باق، ولولا وجود الأخ لأب لأخذت الأخت لأب السدس تكملة للثلثين فتزيد المسألة بالعول وهذا يتضح بالعول وسيأتي معنا إن شاء الله في محله.
(13/18)

(الفائدة الثانية: المحجوب بالوصف وجوده كالعدم). المحجوب بالوصف المراد به: القاتل والرقيق واختلاف الدين. يعني من اتصف بواحد من الموانع وجوده كالعدم لا أثر له البتة، المحجوب بالوصف وهو من قام به مانع من موانع الإرث كالعدم فلا يرث - وهذا معلوم - ولا يحجب أحدًا لا حرمانًا ولا نقصانًا، لا يتعلق بـ لا حرمانًا ولا نقصانًا، والمحجوب بالشخص لا يحجب أحدًا حرمانًا، وقد يحجب نقصانًا. يعني المحجوب بالشخص قد يكون له أثر فينتقل ذاك الذي تأثر من فرض إلى فرض أقل منه (وذلك في مسائل ذكر منها هنا أم وأب وإخوة). هل الإخوة محجوبون بالأب؟ نعم
(وتسقط الإخوة بالبنين وبالأب الأدنى) إذًا الإخوة محجوبون حجب ماذا؟ حجب شخص؟ حرمان طيب، الأم كم لها؟ السدس لماذا؟ لوجود جمع من الإخوة، هم محجوبون بالأب وأثَّروا حتى حجبوا الأم من فرض إلى فرض أقل منه، إذًا هو محجوب وأثَّر، حجب غيره حجب نقصان.
إذًا لا يضر فللأم السدس والباقي للأب، وأما الإخوة سقطوا.
(الفائدة الثالثة: الحجب بالوصف يتأتى دخوله على جميع الورثة) الخمسة عشر في الذكور والعشرة في النساء (والحجب بالشخص نقصانًا كذلك) يعني يتأتى في كل الورثة، كل وارث يتصور فيه أن يكون حاجبًا حجب نقصان، وأما الحجب بالشخص حرمانًا فلا يدخل على ستة، وهم: الأب والأم والابن والبنت والزوج والزوجة. وضابطهم كلمن أدلى بالميت بنفسه غير المعتق والمعتقة.
أقسام الورثة باعتبار الحجب وعدمه أربعة أقسام:
الأول: لا يُحْجَب ولا يَحْجِب وهم: الزوجان الزوج والزوجة، لا يَحْجِب غيره ولا يُحجب.
الثاني: يَحْجِب غيره ولا يُحجب، وهم: الأبوان والولدان.
الثالث: يُحْجُبُهم غيرهم ولا يُحْجِبُونهم، وهم: الإخوة لأم.
الرابع: يُحْجَب ويَحْجِب غيره وهم: بقية الورثة.
ولما أنهى الكلام بقي مسألة واحدة متعلقة بما ذكر وهي المشرِّكة أو المشرَّكة.
لما أنهى الكلام على العصبات والحجب وكان من أحكام العاصب - وإن لم يصرح به لكونه معلومًا - أنه إذا استغرق الفروض التركة سقط العاصب.
هذا قلنا: لم يصرح به لأنه معلوم من قوله: أو كان ما يفضل بعد الفرض له، قلنا هذا أو كان ما يفضل بعد الفرض له، إن بقي شيء من أصحاب الفروض بعد أخذ فروضهم أخذه، إذا لم يبق له شيء ليس له شيء سقط مباشرة. إذًا معلوم مما سبق لا نقول: لم يذكره. وإنما ذكره من باب الأولوية يعني نص على شي ودخل فيه شيء آخر أنه إذا استغرق الفروض التركة سقط العاصب إلا الأخت لغير أم كما في (الأكدرية) وإلا الإخوة الأشقاء في (المشرَّكة) هذه مسألة خاصة عُرِضَتْ على عمر رضي الله عنه وأفتى فيها بفتوتين مرة في عام قال بتشريكهم، ومرة قال بعدم تشريكهم.
(باب المشرِّكة)
(13/19)

أو (المشرَّكة) باب (المشرَّكة) بفتح الراء وهو المشهور، يعني (باب) بيان المسألة (المشرَّكة) هذه مسألة واحدة: زوج، وذو سدس، وإخوة لأم، وشقيق فأكثر، حينئذ سميت مشرَّكة بفتح الراء وهذا اختاره أو ضبطه به ابن الصلاح والنووي رحمهما الله تعالى، أي المشرَّك فيها، فدخله الحذف للجار والإيصال للضمير، ويجوز الكسر مشرِّكة على نسبة التشريك إليها مجازًا عقليًّا لأن المشرِّك حقيقة المجتهد ظاهرًا والشارع باطنًا، لكن لَمَّا كانت المسألة مشتملة على الأخ الشقيق المشارِك لأولاد الأم في قرابتها التي هي سبب في التشريك بينها وبينهم نسب إليها التشريك مجازًا يعني الذي شرَّك هو المجتهد أو الشرع، أما هو بنفسه لم يشرِّك نفسه مع الإخوة لأم. وكذلك يُسمِّيَ (المشترَكة) تُسمِّى (المشترَكة) بتاء بعد الشين مع فتح الراء على المشهور أي مشترك فيها وبكسرها مجازًا كما سبق: مشتَركة مشرِِّكة. وتسمّى (بالحِمارية) نسبة للحمار لأنهم قالوا: هب إن أبانا حمارًا ونسبت إلى ذلك، وتسمّى (الحجرية) هب إن أبانا حجرًا في اليمِّ، (واليَمِّية) نسبة إلى اليَمِّ. لها أسماء متعددة وتسمّى (المنبرية) لأنها عرضت على عمر وهو يخطب على المنبر، إذًا أسماؤها متعددة والمسمى مسألة واحدة وهي زوج، وذو سدس. [زوجة] زوج، وأم، وإخوة لأم شقيق فأكثر. ولذلك قال الناظم:
وَإِنْ تَجِدْ زَوْجًا وَأُمًّا وَرِثَا ... وَإِخْوَةً لِلأُمِّ حَازُوا الثُّلُثَا
وَإِخْوَةً أَيْضَاً لأُمٍّ وَأَبِ ... وَاسْتَغْرَقُوا الْمَالَ بِفَرْضِ النُّصُبِ
(13/20)

(وَإِنْ تَجِدْ زَوْجًا وَأُمًّا) يعني معهم في مسألة واحدة، أو جدة والمراد صاحب سدس، وإنما نص الناظم كغيره على الأم لأن المسألة هي التي عرضت على عمر رضي الله تعالى عنه فذكر له زوج وأم، ومثلها الجدة، فاقتصر هنا على الأم مع أن مثلها الجدة لأن المشرّكة التي وقعت لعمر فيها أم وجدة. لكن الجدة فأكثر كالأم في الحكم (وَرِثَا) هذا قيد احترز به عمَّا إذا قام بهما مانع من الإرث، يعني زوج قد ورث لم يقم به مانع من الإرث، وأم قد ورثت لم يقم بها مانع من الإرث، إذًا (وَرِثَا) الألف هذه للفاعل (وَإِخْوَةً لِلأُمِّ) أي وتجد أيضًا (إِخْوَةً لِلأُمِّ حَازُوا) يعني جمعوا، والمراد به الاستحقاق، إذًا الاستحقاق هو الذي يترتب عليه الحكم، أي استحقوه وورثوه والجملة وصف للأخوة وهو لبيان الواقع أو للاحتراز عمّا إذا قام بهم مانع من الإرث (حَازُوا الثُّلُثَا) الألف هذه للإطلاق، فورّث الزوج النصف والأم أو الجدة السدس (وَإِخْوَةً لِلأُمِّ) اثنين فأكثر (حَازُوا الثُّلُثَا) إذًا ماذا بقي؟ بقي الأشقاء ولذلك قال: (وَإِخْوَةً أَيْضًا لأُمٍّ وَأَبِ) أي وتجد مع من ذكر إخوةً أشقاء كما وجدت إخوة لأم (وَاسْتَغْرَقُوا الْمَالَ) من الذي استغرق؟ الزوج والأم والإخوة للأم، استغرقوا المال انتهى لم يبق شيء، وإذا لم يبق شيء حينئذ العاصب ما حكمه؟ سقط هذا الأصل، أنه يسقط ليس له شيء لماذا؟ لقاعدة: أن كل عاصب إنما يرث إذا لم يكن معه صاحب فرض يرث كل المال، أو يرث إذا كان معه صاحب فرض وبقي له شيء حينئذ يرث ذلك الباقي، وأما إذا كان معه صاحب فرض واستغرق أصحاب الفروض التركة لم يبق له شيء سقط ليس له شيء، وهنا استغرقت التركة الزوج له النصف والأم لها الثلث والإخوة لأم كم؟ نصَّ هو (حَازُوا الثُّلُثَا) لهم الثلث، حينئذ استغرقت التركة، لم يبق شيء للإخوة الأشقاء فالأصل فيهم أنه يسقطون
وَإِخْوَةً أَيْضَاً لأُمٍّ وَأَبِ ... وَاسْتَغْرَقُوا الْمَالَ بِفَرْضِ النُّصُبِ
(13/21)

والحال أنهم استغرقوا، الجملة حالية بتقدير قد، وهذا مجرد توضيح وإلا فقد عُلِمَ من المثال فلا حاجة إليه (بِفَرْضِ النُّصُبِ) فرض مصدر بمعنى مفروض، و (النُّصُبِ) جمع نصيب أي بالنصب المفروضة فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. قال هنا: (فالمسألة أصلها ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم أو الجدة السدس واحد، وللإخوة لأم الثلث اثنان، ومجموع الأنصبة ستة، فلم يبق للعصبة الشقيق شيء) ولا شيء للأشقاء لاستغراق الفروض والعاصب لا يأخذ إلا ما تبقى بعد الفروض، هذه عرضت على الخليفة الراشد عمر فأفتى بإسقاط الإخوة الأشقاء في مرة أخرى، وجاءوا إليه مرة أخرى فشرّكهم، والأولى المسألة التي ذكرها هنا هي القول الأول لعمر رضي الله تعالى عنه. (فلم يبق للعصبة الشقيق شيء فكان مقتضى الحكم السابق أن يسقط لاستغراق الفروض وذلك هو الذي قضى به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أولاً وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى، وهو أحد القولين عند الشافعية وإحدى الروايتين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه). وهذا هو الصحيح لقوله: {فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} حينئذ لا يشرّك معهم الأشقاء فيبقى على ظاهر النص، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». وهنا لم يبق شيء حينئذ يسقطون، فالصواب أن الإخوة الأشقاء لا يرثون شيء في هذه المسألة، ثم وقعت هذه المسألة نفسها: زوج وأم وإخوة لأم مع أشقاء لعمر رضي الله عنه، أوتي بمثلها فأراد أن يقضي بما قضى به أولاً، يعني: بأن يسقط الإخوة الأشقاء لكونه لم يبق شيء من التركة. فقال له بعض الإخوة لعمر: هب أنا أبانا كان حجرًا ملقى في اليم). وفي بعض الروايات: (هب أن أبانا كان حمارًا) ولذلك سميت (الحمارية) فلذلك سميت بما تقدم، فلما قيل له ذلك قضى بالتشريك بين الإخوة للأم والإخوة الأشقاء، يعني الإخوة الأشقاء من جهتين والإخوة للأم من جهة واحدة، اشتركا في ماذا؟ في الأم، إذًا اجعل الأب كأنه حجر اجعل الأب كأنه حمار كأنه غير موجود، والشبه هنا في لأنه ميت لا ينتفع به كما أنه لا ينتفع بالحجر ونحو ذلك. كأنهم يعني أولاد أم بالنسبة لقسمة الثلث بينهم فقط لا من كل الوجوه، بعد أن كان أسقطهم في العام الماضي فقيل له في ذلك، فقال: ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي. ووافقه على ذلك جماعة من الصحابة رضي الله عنهم. إذًا شرَّك عمر الأشقاء مع الإخوة للأم في الثلث، حينئذ يستوون في التوزيع كل منهم يأخذ نصيبه لا للذكر مثل حظ الأنثيين، إنما للذكر مساو لما هو الأنثى.
فَاجْعَلْهُمُ كُلُّهُمُ لأُمِّ ... وَاجْعَلْ أَبَاهُمْ حَجَرًا في الْيَمِّ
(13/22)

(فَاجْعَلْهُمُ) هذا بضم الميم مع الإشباع جواب شرط في قوله: تجد (وَإِنْ تَجِدْ زَوْجَاً) إلى آخره، (فَاجْعَلْهُمُ) أي الإخوة مطلقًا الأشقاء والإخوة للأم (كُلُّهُمُ) أيضًا بضم الميم مع الإشباع وهو توكيد للضمير في وقوله: (فَاجْعَلْهُمُ) العائد على الإخوة مطلقًا (لأُمِّ) هذا متعلق بمحذوف يعني إخوة لأم كأنهم إخوة لأم، والأب الذي افترقوا به أسقطه (وَاجْعَلْ أَبَاهُمْ)، (أَبَاهُمْ) بإسكان الميم (حَجَرَاً في الْيَمِّ) كأنه حجر فيه تشبيه بليغ بحذف أداة التشبيه ووجه الشبه عدم الانتفاع بكله، كما أن أباهم ميت فلا ينتفع به كذلك الحجر لا ينتفع به. إذًا شبَّهوا أباهم بالحجر في اليمّ يعني ملقى في اليمّ وهو البحر متعلق بمحذوف أي ملقى، وهذا كناية عن قطع النظر فيه بالكلية. إذًا (فَاجْعَلْهُمُ كُلُّهُمُ لأُمِّ) اجعل الإخوة الأشقاء بالنسبة إلى أنهم اشتركوا مع الإخوة للأم في الأم كأنهم إخوة لأم، حينئذ يشتركون في ماذا؟ يشتركون في الثلث، وهذا اجتهاد من عمر رضي الله عنه وهو مقابل للنص السابق الذي ذكرناه.
وَاقْسِمْ عَلَى الإِخْوَةِ ثُلْثَ التَّرِكَهْ ... فَهَذِهْ الْمَسْأَلَةُ الْمُشَرِّكَهْ

(وَاقْسِمْ عَلَى الإِخْوَةِ) الجميع الأشقاء والذين لأم فقط (ثُلْثَ التَّرِكَهْ)، (ثُلْثَ) بإسكان اللام يعني اقسم على الإخوة على عدد رؤوسهم بينهم بالسوية، فلو كانت مع الأشقاء فيها أنثى أخذت كواحد من الذكور، لأن الإخوة {فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ}، الإخوة الأشقاء يرثون فيما بينهم {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} وأما الإخوة لأم فلا نصيب الذكر كنصيب الأنثى، كذلك لو ادْخل معهم الأشقاء ولو كانوا إناثًا نصيب الذكر كنصيب الأنثى ولا نقول بأن الذكر له حظ الأنثيين، فلو كان مع الأشقاء فيهم أنثى أخذت كواحد من الذكور.
فهذه المسألة المشتركة المشهورة من زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى هذا الوقت ولا بد من تسميتها والحكم فيها بما ذكر من هذه الأركان الأربعة وهي: زوج، وذو سدس من أم أو جدة، واثنان فأكثر من أولاد الأم، وعصبة شقيق ومحترز أركانه معروف في موضعه، والصحيح أنها تجري على القاعدة أن الإخوة الأشقاء لا يرثون شيئًا في هذه المسألة للقاعدة السابقة وهو قول ابن عباس وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وأُبَيّ بن كعب ومذهب أبي حنيفة وأحمد وهو أنهم يسقطون بالإخوة لأم لعموم قوله تعالى {فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ} خصّ الثلث بالإخوة للأم، ولحديث «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر». وهؤلاء ليس لهم شيء لأنه لم يبق لهم شيء فيسقطون حينئذ.
هذه المسألة متعلقة بما ذكر، وهي ما وجد فيها الأصناف المذكورة، حينئذٍ فالقاعدة تكون عامة. والله أعلم.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
(13/23)

عناصر الدرس
* باب الجد والأخوة.
* أحوال الجد مع الأخوة.
* حال الأخوة بعد مقاسمة الجد.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد.
وقفنا عند قول الناظم رحمه الله تعالى:
(بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) بعد ما أنهى ما تعلق بأصحاب الفروض، وكذلك التعصيب، ثم أتبعه بالحجب، ثم أتبعه بالمشرِّكة أو المشرَّكة عقد بابًا فيما يتعلق بالجد والإخوة.
وقد ذكر بعضهم أن هذا الباب متعلق بالحجب، وإنما لكثرة مسائله أفرده الفرضيون بباب خاص به.
قال رحمه الله تعالى: (بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) أي بابُ بيان أحكامهما مجتمعين، أحكام الجد والإخوة مجتمعين، وأما على جهة الإنفراد فهذا سبق بحثه في ... ، أما بالنسبة للإخوة فسبق في باب الثلث، وسبق كذلك في باب السدس فيما إذا انفرد، وأما الجد فهذا سبق كذلك في باب السدس وفي باب التعصيب.
(بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) أي باب بيان أحكامهما مجتمعين، والجد هنا إذا أُطلق فينصرف إلى الجد الصحيح، يعني احترازًا عن الجد الفاسد، الجد الصحيح وهذا كما سبق الذي يُطلق في باب الفرائض لأنه هو الذي تترتب عليه الأحكام الشرعية وهو الجد الصحيح، وأما الجد الفاسد فهو كالجدة الفاسدة ليست بداخلة في الأحكام. حينئذٍ لما قال الناظم: (الجدّ) علمنا أن المراد به الجد الصحيح وإن علا، وهو حقيقة في الجد الأدنى الذي هو أبو الأب، ومجازًا في غيره أبو أبي الأب فهذا يعتبر مجازًا فيه، فإن قيل بالحقيقة فهذا هو الأصل، إن قيل بأنه حقيقة في الجد الذي هو أبو الأب وإن علا فنقول: هذا هو الأصل، ودعوى المجاز هذه تحتاج إلى قرينة واضحة بيِّنة ولم يكن ثمَّ قرينة صارفة، والْجَدُّ في الأصل من جَدَدّتُ الشيء إذا قطعته، ومأخذه كما قال بعضهم: أن الأب كان طرفًا للنسب فلما وُلِدَ لابنه ولدٌ خرج أبوه عن أن يكون طرفًا وصار هو الطرف فلما قُطِعَ عن ذلك سُميَ جَدًّا، بمعنى مجدودًا. هكذا قال البيجوري في الحاشية، والإخوة بكسر الهمزة الإخوة جمع أخٍ وهو جمع تكسير، والمشهور فيه كسر الهمزة، وحكى في ((شرح الفصيح)) بالضم أُخوة، والمشهورُ هو الكسر. إذًا الجد المراد به هنا هو الجدّ الصحيح وهو الذي لم يدخل في نسبته للميت أنثى، مثل أبي الأب.
والجد الفاسد هو ما كان في نسبته للميت أنثى، كأبي الأم، وأبي أم الأب فهذا جدٌّ يعتبر من ذوي الأرحام وليس من أرباب الفرائض. فالقاعدة كما سبق معنا مرارًا أنه متى دخل بين الذكور أنثى حينئذٍ يصير الجد فاسدًا، ومتى إذا لم تدخل أنثى فحينئذٍ يعتبر جدًّا صحيحًا مهما علت درجته وإن سمي مجازًا فيما هو أعلى، لكن الظاهر حقيقة كما ذكرناه كأبي أبي الأب، وأبي أبي أبي الأب إلى آدم عليه السلام كما قال بعضهم، هذا يُعتبر جدًّا لكنه يسمى جدًّا مجازًا لا حقيقة، وإنما الحقيقة ينصرف إلى أبي الأب.
(14/1)

قوله: (وَالإِخْوَة). أطلق الناظم هنا الإخوة ويشمل الثلاثة أنواع: الأشقاء، والإخوة لأب، والإخوة لأم. ولكن لما جَرَى العرف عند الفرضيين في هذا الباب بأن الإخوة لأم محجوبون بالجدِّ اتفاقًا حينئذٍ ينصرف إلى ما وُضع له هذا اللفظ في هذا المحل، والإخوة حينئذٍ لا يصدق إلا على الإخوة الأشقاء، أو من الأب فقط، لا من الأم، لأن الإخوة من الأم محجوبون بالجدّ اتفاقًا لا خلاف بين الفرضيين في أن الإخوة من الأم ذكورًا كانوا أو إناثًا متعددين أو واحدًا أنهم محجوبون بالجد كما أنهم محجوبون بالأب.
قوله: (وَالإِخْوَة). هذا يدخلُ فيه الإناث حينئذٍ يكون قد أطلق الجمع هنا جمع التكسير وأراد به التغليب، فيدخل فيه الإناث من باب التغليب.
(بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) الواو هنا للمعية كما ذكرناه أن المراد به باب الجدّ والإخوة في حال اجتماعها معًا، يعني في مسألة واحدة، وأما إذا وُجد الجدّ فقط في مسألة دون الإخوة، أو بالعكس، فلا إشكال أنه يطبق ما مضى من القواعد وليست المسألة داخلة فيما هو في بحثنا.
(بَابُ الْجَدِّ وَالإِخْوَة) أي من الأبوين أو من الأب فقط، سواء كان أحد الصنفين يعني الأبوين أو من الأب فقط منهما منفردًا عن الآخر أو كانا مجتمعين يعني قد يكون مع الجد إخوة أشقاء فقط، وقد يكون مع الجد إخوة لأب فقط، وقد يكون مع الجد إخوة من الجنسين من الصنفين أشقاء ولأب، وهذا مُتصوَّرٌ ولكن له أحكام خاصة فإذا انفرد أحد نوعي أو صنفي الإخوة مع الجد فله حكم، وإذا اجتمعوا الأشقاء ولأب فهذا في الحقيقة أن الأشقاء يحجبون الإخوة لأب، لكن يشركونهم كما سيأتي في المعادة، ثم يرجعون عليهم بالحجب. ولذلك قال هنا منفردًا عن الآخر أو كانا مجتمعين، والمراد الواحد فأكثر حينئذٍ الإخوة (أل) تكون للجنس الصادق بالواحد والمتعدّي، والمراد بالواحد فأكثر من الذكور أو من الإناث أو منهما، والمراد أيضًا حكمه معهم وحكمهم معهم مجتمعين، كما قال فيما سبق:
وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ سَيَاتِي ... مُكَمَّلَ الْبَيَانِ في الْحَالاَتِ
(14/2)

أما حكمه منفردًا عنهم وحكمهم منفردين عنه فقد تقدم في باب الثلث وباب السدس. ومسألة الجد والإخوة هذه مما - كما قال الشارح هنا - في حال كونهما مجتمعين لم يرد فيه شيء من كتاب ولا من سنة، يعني لم يرد نص تنصيص على أن الجد يرث مع الإخوة، أو أنه لا يرث، وإنما من أثبت أو نفى فالنظر يكون في الكتاب والسنة من حيث الاستنباط لا من حيث النص، لأنه كما سبق معنا أن دلالة النص على الحكم قد يكون بالتنصيص على الشيء نصًّا، وقد يكون بالظاهر، وقد يكون بالمنطوق، وقد يكون بالمفهوم. هل في مسألة الجد والإخوة المجتمعين نص بمعنى تعيين في الحكم الشرعي بأنهم يرثون أو لا يرثون؟ في الظاهر لا، وإنما يُنظر في النصوص على أصولها، إما أنها قواعد عامة فتعمم فتدخل هذه المسألة تحتها، وإما أنها استنباطات أو اجتهادات قد تخالف النصوص الواردة في الكتاب والسنة كما هو شأن القول الآخر، ولذلك قال الشارح كغيره من أهل العلم في هذا الموضع: وإنما ثبت حكمهم باجتهاد الصحابة رضي الله تعالى عنهم. حينئذٍ افترقوا إلى فريقين فمذهب الإمام أبي بكر الصديق الخليفة الراشد أمير المؤمنين، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجماعة من الصحابة والتابعين كابن الزبير من الصحابة وعبادة بن الصامت وأُبَيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وأبي موسى الأشعري وعمران بن حصين وكشريح وعطاء وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وطاووس إلى غير ذلك من جماهير السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، ذهبوا أن الجد كالأب فهو نازلٌ مُنَزَّلَته وكما أن الأب يحجب الإخوة كذلك الجد فيحجب الإخوة مطلقًا، الأب كما سبق أنه يحجب الإخوة مطلقًا سواء كانوا أشقاء أو وكانوا لأب أو كانوا لأم، وهذا محل وفاق، أن الأب يحجب الإخوة مطلقًا دون تفصيل، وهذا القول الأول المنسوب لأبي بكر رضي الله تعالى عنه تبعه سائر الصحابة أن الجد كالأب حينئذٍ يحجب الجد الإخوة مطلقًا سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم كما يحجبهم الأب، وعليه سقط هذا الباب من أصله فلا نظر فيه. فيحجب الإخوة مطلقًا وهذا هو المُفتى به عند الحنفية، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أخذ بها بعض أصحابه كابن تيمية وابن القيم، ابن القيم أطال في إعلام الموقعين في ترجيح هذا القول في أكثر من عشرين وجهًا. قال صاحب ((الفروع)): وهو أظهر. يعني هذه الرواية أظهر. أو هذا القول أظهر يعني من حيث الدليل ومن حيث النظر، وصوّبه في ((الإنصاف)) وهو اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعليه الفتوى عند أحفاده، وكذلك اختيار الشيخ ابن باز وابن عثيمين رحمةُ الله تعالى على الجميع.
إذًا القول الأول أن الجد كالأب حينئذٍ لا إشكال في كونه يحجب الإخوة مطلقًا، فلا فرق في كون الجد يحجب الإخوة لأم، وأما الإخوة الأشقاء أو لأب فيرثون معهم.
(14/3)

والمذهب الثاني: وهو مذهب الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وزيد بن ثابت وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما أنهم يرثون معه، يعني الجد لا يحجب الإخوة الأشقاء ولا الإخوة لأب، وذكر المصنف هنا ثلاثة وهم من مشاهير من ورَّث الجد مع الإخوة، أو الإخوة مع الجد ولكن لكل واحدٍ منهم مذهب خاص يختلف عن الآخر، فعليٌّ رضي الله تعالى عنه ورّث الإخوة مع الجد ولكن له طريقة خاصة في كيفية التوريث، وزيد بن ثابت رضي الله عنه كذلك ورّث الإخوة الأشقاء والإخوة لأب مع الجد ولكن له كيفية خاصة وهي المشهورة عند الفقهاء، وابن مسعود كذلك له طريقة خاصة في توريث الإخوة مع الجد وهي مخالفة لطريقة علي وطريقة زيد بن ثابت، هذا الاختلاف وإن كان مبناه على الاجتهاد إلا أنه يدل على ضعف هذا القول. إذ لو كان الإخوة يرثون مع الجد حينئذٍ لما اختلفت الكيفية لأن مرده إلى الشرع من حيث الاستنباط، والشرع لا يختلف حيث يورّث على طريقة في مذهب معيّن، ثم بعد ذلك يناقض تلك الطريقة في مذهب آخر نقول: الحق واحد ولا يتعدد، إما مذهب زيد، وإما مذهب علي، وإما مذهب ابن مسعود وحينئذٍ لابد من النظر والترجيح.
إذًا هؤلاء الأئمة الثلاثة ذهبوا إلى توريث الإخوة مع الجد، وهو مذهب جماهير الفقهاء من الأئمة الأربعة كما سبق أن القول الأول مذهب المفتى به عند الحنيفة، بقي المالكية والشافعية والحنابلة وهم على توريث الإخوة مع الجد، يعني ذهبوا إلى أن الراجح من هذين القولين في هذه المسألة أن الإخوة يرثون مع الجد، وأن الجد لا يحجب الإخوة، ولهم أدلة ولا يكاد أن يذكر فيها إلا وجوه استنباط فحسب، التشبيه بالنهر ... إلى آخره سنعرض عنها ونرجئها فيما يأتي. وأصح القولين والله أعلم أن الجد يحجب الإخوة مطلقًا دون تفصيل فلا استثناء للإخوة الأشقاء ولا لأب بأدلة منها:
أولاً: أن الله تعالى قد سمى الجد أبًا في قوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج: 78]. فسماه أبًا وهو جد قطعًا وجدٌّ أعلى، وحينئذٍ نقول: الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا ندعي المجاز إلا بقرينة واضحة وليس ثَمَّ هنا قرينة واضحة فلا مجاز، ويبقى الأصل على ظاهره فالجد يسمى أبًا كذلك قال يوسف - عليه السلام - {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38] كذلك أطلق على جده أو أجداده بأنهم آباء، والأصل في الإطلاق الحقيقة فلا ينصرف إلى المجاز إلا بقرينة ولا قرينة، وكذلك جاء «هذا أبوك آدم». كما جاء في حديث المعراج سماه أبًّا وهو جدّ قطعًا وجد أعلى أيضًا، بل هو أعلى جد لا بعده من الجدود البتة، حينئذٍ سماه أبًا والأصل في الإطلاق هو الحقيقة. إذًا سمى الله عز وجل الجد أبًّا حينئذٍ كل ما عُلِّق الحكم على لفظ الأب دخل فيه الجد، ولا انفصال إلا بدليل واضح بيِّن، حينئذٍ يحجب الإخوة كالأب الحقيقي المباشر.
(14/4)

ثانيًا: مما يدل على ترجيح مذهب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأن الجد يحجب الإخوة مطلقًا قوله - صلى الله عليه وسلم - وهو حديث أصلٌ في هذا الباب قوله عليه الصلاة والسلام: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجُلٍ ذكر». قلنا: هذا أصلٌ في باب التعصيب كما سبق معنا. والجد أولى من الأخ معنًى وحكمًا، فأما المعنى فإن له قرابة ميلاد بعضية كالأب هو بعضٌ منه، وأما حكمًا فإن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ، الفروض إذا ازدحمت الأخ حينئذٍ يسقط ولا شيء له، وأما الجد إذا ازدحمت الفروض هل يسقط الجد؟ الجواب: لا، يفرض له السدس حينئذٍ تعول المسألة. إذًا من حيث الحكم فرّق الرب جل وعلا وكذلك الشرع بين توريث الأخ والجد عند ازدحام الفروض، إذا ازدحمت الفروض سقط الأخ ولا تعول المسألة لأنه ليس بصاحب فرض، وأما الجد فله أحوال ثلاثة منها أنها يرث بالفرض فقط وهو السدس، حينئذٍ إذا ازدحمت الفروض يفرض له السدس وتعول المسألة. وأما حكمًا فإن الفروض إذا ازدحمت سقط الأخ بخلاف الجدّ فإنه لا يسقط عند ذلك بل يفرض له السدس. إذًا فرقٌ بين الجد والإخوة فلا يُشَرَّكُ الإخوة معه.
ثالثًا: أن ابن الابن بمنزلة الأب - ابنه الأب يعني - ابن الابن بمنزلة أبيه الابن، فيكون الجد بمنزلة الأب إذ لا فارق بينهما، ابن الابن بمنزلة الابن يعني بمنزلة أبيه فيكون الجد حينئذٍ بمنزلة الأب إذ لا فرق بينهما.
رابعًا: جمهور الصحابة موافقون للصديق رضي الله تعالى عنه في أن الجد كالأب يحجب الإخوة، وهو مروي عن بضعة عشرة من الصحابة. هكذا قال ابن تيمية وكذلك قال ابن باز في رسالته في الفرائض: مروي عن بضعة عشرة من الصحابة. قال البخاري في صحيحه: ولم يُذكر أن أحدًا خالف أبا بكرٍ في زمانه وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - متوافرون. وهذه حجة قاطعة في محل نزاع، ولم يذكر أن أحدًا مخالف أبا بكر في زمانه، خالف في قول أبي بكر بأن الجد يحجب الإخوة مطلقًا، فلا يرث معهم ولا يرثون معه، وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - متوافرون فلم يخالفوه إلا بعد ذهاب أبي بكر - رضي الله عنه -.
(14/5)

خامسًا: سلامة هذا القول من التناقض عند التطبيق، فهو قول مضبط لا تناقض فيه ولا غموض ولا إشكال، وأما من ورّث الإخوة مع الجد فعندهم اضطراب لا يعلمه إلا الله، سيأتي معنا وخاصة في باب المعادّة أنهم يفرضون أشياء للجد من حيث الثلث الباقي ولم يأت نص بثلث الباقي أو الثلث كاملاً أو أنه بالمقاسمة أو أن الإخوة لأب يُوَرِّثُون الأشقاء معهم أو بالعكس الإخوة الأشقاء يورثون الإخوة لأب معهم ثم يرجعون إليهم، فيقول: أنتم محجوبون كما سيأتي في المعادة، على كلٍّ: كل باب الجدّ والإخوة فيه اضطراب وفيه غموض وفيه إشكالات لا جواب عليها البتة إلا من حيث التعليلات وأكثرها تعليلات واهية لأن مبناها على الاستنباط. إذًا سلامته من التناقض عند التطبيق فهو قول مضبط لا تناقض فيه ولا غموض ولا إشكال، ولا يُشكل على هذا أن المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة على هذا، العبرة بماذا؟ العبرة بأي شيء؟ بالدليل، وإذا كان جمهور الصحابة على هذا لا يكون في قلبك شيء، وهذه تجعلها مع مسألة حكم تارك الصلاة، إذا كان جمهور الصحابة كما قال البخاري: لم يُذكر أن أحدًا خالف أبا بكر والصحابة متوافرون فحدث خلافًا بعد أبي بكر وبعد إجماع الصحابة، حينئذٍ هذا الخلاف لا عبرة به، ولو كان الأئمة الثلاثة وجماهير، بل لو كان الأئمة الأربعة وجمهورهم يعني أتباعهم على قول وهو مخالف لما صح عن الصحابة وقاومه الدليل أو وافقه الدليل حينئذٍ لا تأخذ بنفسك شيء البتة، وما يدعيه بعض المتأخرين بأن هذا مذهب جمهور الصحابة بأن توريث الإخوة مع الجد هذه دعوى لا يلتفت إليها.
سادسًا: سبق في التعصيب أن العصبة بالنفس إذا تعددت فيقدم جهة البنوة، ثم جهة الأبوة فيدخل فيها الجد، ثم جهة الإخوة، ثم بنو الإخوة، ثم العمومة، ثم الولاء. فلا ينتقل الإرث إلى الجهة أخرى حتى تعدم الجهة التي قبلها، هذا كما سبق في بابه التعصيب، والحجة في الدليل الأول والثاني بأن الجد يسمى في الشرع أبًّا حقيقة فحينئذٍ ينزل منزلته في جميع الأحكام إرثًا وحجبًا، وثانيًا حديث «ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجلٍ ذكر». ولا شك أن الجدّ أولى من الأخ حينئذٍ يعطى المال.
إذًا حاصل المذهبين هو ترجيح المذهب الأول: وهو أن الإخوة لا يرثون مع الجد، وأن الجد يحجبهم، ولكن نمشي مع ما ذكره الناظم من أجل أمرين:
أولاً: تتميم الكتاب ولا نشطحُهُ.
ثانيًا: من أجل التأكد من ضعف هذا القول، لأنك ستجد أنه ثَمَّ حصر لبعض الصور وادّعاء تأصيل ليس عليه دليل، يعني يقولون الأصل كذا في هذه المسألة، والأصل كذا وضابط هذه الصور كذا .. إلى آخره، ما الدليل على هذا الضابط؟ نحتاج إلى قول من الرب جل وعلا أو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أو إجماع وليس ثَمَّ هذا ولا ذاك، ولذلك يتأكد من دراسة هذا الباب على ترجيح القول الأول وأن ما فيه من اضطراب يجعل في النفس من قبوله شيء.
(14/6)

قال هنا: ومذهب الإمام زيد - رضي الله عنه - هو مذهب الأئمة الثلاثة، وكونه كما ذكرنا زيد في أول الدروس أنه إذا صح الحديث: «أفرضكم زيد». لا يلزم منه أن يُتابع في كل صغيرة وكبيرة بل يُتابع فيما ذكره زيدٌ بدليله، يعني إذا قال: هذا كذا ونقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلى العين والرأس، وإذا اجتهد فلم يُخالف حينئذٍ تأتي مسألة الإجماع السكوتي حجة أو ليس بحجة، وأما إذا خُولف فحينئذٍ لا تقف مع كونه أفرض الصحابة، وهذا إن صح الحديث، وإنما ننظر في القول وما استند عليه القول فإن وافقه فعلى العين والرأس، وإن خالف فحينئذٍ نعتذر له ولا نوبخ ولا نعاتب.
هو مذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم -، ووافقهم محمد بن يوسف والجمهور رحمهم الله، الجمهور هذا السياق كما يقول الشوكاني رحمه الله تعالى: فلا يهولنك سياط الجمهور. يعني لا يلسعك أحد بقول في مسألة من أجل أن تتابعه يقول: قول الجمهور كيف تخالف؟ نقول: لا الجمهور ليس بدليل، وإنما يستأنس به عند عدم الترجيح، يعني إذا لم يترجح إليك شيء في المسألة حينئذٍ لا بد من العمل، وإذا كنت مفتيًا لا بد من الفتوى فحينئذٍ تفتي بماذا؟ تفتي بما عليه الجمهور ولا شك لأن الأكثر وإن لم يكن مطردًا أقرب إلى الدليل من الإنفراد وليس بمطرد، لا، قد يكون الأقل معه الدليل وهو أسعد بالدليل لكن إذا لم يكن عندك ترجيح في مسألة وكنت أهلاً للنظر ولم تصل إلى شيء معين تطمئن نفسك إلى قول راجح حينئذٍ تفتي أو تأخذ أنت في نفسك بقول الجمهور، وأما أن يجعل سياطًا يُساط به طلاب العلم بأن هذا مخالف للجمهور وهذا مخالف للأئمة الثلاثة ونحو ذلك، نقول: هذه ليست جادة أهل العلم المحققين - إن صح التعبير - ولا الراسخين في العلم المتبعين للكتاب والسنة. وهو ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى في بيان مذهب زيد قال رحمه الله:
وَنَبْتَدِي الآنَ بِمَا أَرَدْنَا ... في الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ إِذْ وَعَدْنَا
فَأَلْقِ نَحْوَ مَا أَقُولُ السَّمْعَا ... وَاجْمَعْ حَوَاشِي الْكَلِمَاتِ جَمْعَا
وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْجَدَّ ذُو أَحْوَالِ ... أُنْبِيكَ عَنْهُنَّ عَلَى التَّوَالِي

كلها مقدمة ولم يدخل بعد في التفصيل.
(14/7)

(وَنَبْتَدِي) أي نشرع، والأصل نبتدئ بالهمزة، ولكنها أسقطت تخفيفًا وهو لغة، يعني: قد يكون موافقًا للوزن لكنه لغة بإسقاط الهمزة تخفيفًا هو لغة (وَنَبْتَدِي) ونبتدئ لأنه من بدأ يبدأ أين الهمزة التي بدأ الهمزة هي لام الكلمة، هنا أُسقطت تخفيضًا (وَنَبْتَدِي الآنَ) ظرف متعلق بقوله: ... (نَبْتَدِي). وعرفنا (نَبْتَدِي) بمعنى نشرع، (الآنَ) أي في هذا الوقت الحاضر يعني اسم زمان للوقت الحاضر، وقد يقع على قريب ماضٍ، والمستقبل تنزيلاً له منزلة الحاضر، (بِمَا أَرَدْنَا) بما نبتدي بالذي أردنا، الألف هذه للإطلاق في أردنا، و (ما) هذه اسم موصول يعني الذي واقعة على الأحكام، وهذا أظهر لكن يحتاج إلى تقدير مضاف، ويحتمل أنه يقع كما قال البيجوري على العبارات. يعني على الألفاظ، ولكن ليس بظاهر، لكن الأول هو الظاهر (بِمَا أَرَدْنَا) والذي أراده هو ماذا؟ هو بيان الأحكام، والأحكام إنما ذكرها بعباراته، حينئذٍ يكون ذكر العبارات تابعًا لذكر الأحكام، فالأصل هو الأحكام، لذلك يؤيد هذا قوله فيما سبق (وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ سَيَاتِي) إذًا وعد بماذا؟ وعد بذكر الأحكام لا بذكر العبارات، العبارات دالة على الأحكام. الحاصل أن قوله (ما) اسم موصول بمعنى الذي واقعة على الأحكام مع تقدير المضاف أي بالأحكام (وَنَبْتَدِي الآنَ) بالأحكام التي أردنا إيرادها أو إيراد دوالّها يعني العبارات، وجوّز البيجوري أن تكون (ما) هنا واقعة على العبارات، (وَنَبْتَدِي الآنَ) بالعبارات، وهذا بعيد فيه بُعد، أو بالعبارات التي أردنا إيرادها (بِمَا أَرَدْنَا) الألف هذه للإطلاق. قال الشارح: بما أردنا إيراده. يعني من ذكر الأحكام (في الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ) في الجدّ أي حال كون ذلك في بيان إرث الجد والإخوة، (في الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ) الواو هنا للمعية (وَالإِخْوَةِ) يعني لا من الأم لأنه صار مصطلح أو له حقيقة عرفية إذا أُطلق لفظ الإخوة في هذا الباب انصرف إلى الأشقاء أو الإخوة لأب فقط دون الإخوة لأم، ولذلك قال الشارح: لا من لأم فقط، لأنهم محجوبون بالإجماع، كما أنهم محجوبون بالأب كذلك محجوبون بالجد. (في الْجَدِّ وَالإِخْوَةِ إِذْ وَعَدْنَا) إذ للتعليل كأنه قال: نبتدي لأننا وعدنا بذلك، ووَعَدَ يكون للخير وأَوْعَدَ للشر هذا في الغالب، وقد يستعمل كل منهما مقام الآخر:
وإني وإن أَوْعَدتُه أو وَعدتُهُ ... لمخلف ميعادي ومنجزٌ موعدي

هذا كما سبق أنه أشار إليه بقوله:
وَحُكْمُهُ وَحُكْمُهُمْ سَيَاتِي ... مُكَمَّلَ الْبَيَانِ في الْحَالاَتِ

هنا وفّى بما قد وعد به، وبعض الشراح يقول: سيأتي ذكر هذه المسألة في موضعها، وقد لا يقول إن شاء الله كما صنع البهوتي في أول الروض، وإذا جاء في م