Advertisement

شرح متن أبي شجاع محمد حسن عبد الغفار


الكتاب: شرح متن أبي شجاع
المؤلف: محمد حسن عبد الغفار
مصدر الكتاب: دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية

[ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 21 درسا] شرح متن أبي شجاع - المقدمة
علم الفقه من أشرف العلوم، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وقد قدر الله أن تحفظ الأمة فقه أربعة أئمة هم كالنجوم يهتدى بهم، وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وكل مذهب منها يتميز بميزات ليست في غيره، وقد جمع الشافعي بين مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي، وهو أول من أشاع علم أصول الفقه، فكان مذهبه من أقوى المذاهب وأوسعها.
(1/1)

أهمية علم الفقه
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: علم الفقه هو من أشرف العلوم، قال ابن الجوزي: العمر قصير والعلم كثير، فالأولى أن يتجه المرء إلى ما ينفعه، وأنفع العلوم في هذه العصور هو علم الفقه، ويكفيك أن الله جل في علاه ذكر في كتابه الكريم: {لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام:65]، والنبي صلى الله عليه وسلم أصل أصلاً أصيلاً في حفظ حديثه وفهمه فقال: (نضر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: الطريق الأول: إثبات السند.
الطريق الثاني: فهم المتن.
وفقه المتن هو رأس الأمر، لذلك على كل طالب علم أن ينشغل بعلم الفقه، وقد قال إمامنا في المذهب الذي سندرسه بإذن الله: من طلب الفقه رجح عقله، ومن طلب الحديث قويت حجته.
وقد قرر علماؤنا أن فقهاء المحدثين هم أعلم الناس على الإطلاق، وهم في أشرف المراتب على الإطلاق.
(1/2)

لمحة تاريخية عن نشأة الفقه
ظهر الفقه بعدما جلس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسول الله يطلبون حديثه ويعقلون ما يقول، ويتفقهون في الأحكام التي تدور على هذه الأحاديث، وبرع كثير من الصحابة في الفقه، وعلى رأسهم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وعمر الفقيه الملهم المحدث، وزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، وابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، وعبد الله بن مسعود الفقيه المقرئ الحافظ رضي الله عنه وأرضاه، وأبو موسى الأشعري وغيرهم.
وعمر بن الخطاب يبين لنا منزلة الفقه من الإسلام عندما بعث كتاباً إلى أبى موسى الأشعري يقول له فيه: الفهم الفهم فيما يأتيك، واحذ حذوا الكتاب والسنة.
والسنة مثل القرآن في الحجية، لكنها ليست مثله في المرتبة والرفعة، فالقرآن أعلى المراتب، ثم الحديث القدسي، ثم الحديث النبوي.
وكان الفقيه من الصحابة يكون قارئاً للقرآن وحافظاً للحديث.
وهؤلاء الصحابة العلماء ربوا على أيديهم فقهاء برعوا في علم الفقه، منهم فقهاء المدينة السبعة، وهم: الأول: سعيد بن المسيب الذي قال فيه أحمد: أعلم التابعين.
والثاني: عروة بن الزبير، والثالث: سليمان بن يسار، والرابع: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والخامس: خارجة بن زيد، والسادس: القاسم بن محمد، واختلف العلماء في السابع منهم: هل هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أو سالم بن عبد الله؟ فهؤلاء فقهاء المدينة السبعة كانوا إذا اتفقوا على مسألة انتهى بحثها، ولا أحد يبحث بعد ذلك عن هذه المسألة عند غير هؤلاء السبعة.
ثم بعد ذلك نبغ الفقهاء الذين كانوا في قرون الخيرية الأولى، مثل: الحسن البصري الذي كان واعظاً فقيهاً قاضياً مفتياً، قال بعض العلماء: كلام الحسن يشبه كلام الأنبياء، وقد اندثر مذهبه لأنه لم يحمله أصحابه، وما من مذهب اندثر إلا والعلة في أصحابه، وإلا فهم ملئوا الدنيا علماً وحكمة، ومنهم عامر بن شراحيل الشعبي، فهذا الرجل كان فقيهاً أثرياً حافظاً لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اندثر مذهبه لأن أصحابه لم يحملوه، ومن طرائف ما حدث مع الشعبي: أن قصاصاً افترى حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله سينفخ في صورين، فقام الشعبي وسط الحلقة فقال: اتق الله! كيف تكذب على رسول الله، من أين أتيت بهذا الحديث؟! فقال: أوترد علي يا ابن كذا! وسبه مسبة شديدة، ثم خلع نعله وضربه به فاقتدى به العامة، فما من أحد إلا وخلع نعله وضربه على وجهه، قال: فما عرفت وجهي من قفاي، فما تركوني حتى أقسمت بالله أن الله سينفخ في سبعين صوراً! ومن الفقهاء الذين اندثر مذهبهم: الأوزاعي فقيه الشام، وقد كان فقيهاً بارعاً أثرياً ينبذ الرأي، وكان قد انتشر مذهبه في الشام وفي الأندلس، ولكن لما انتشر مذهب مالك اندثر مذهب الأوزاعي ومذهب كثير من الفقهاء، مثل مذهب الليث بن سعد مفخرة المصريين الثقة الثبت الحافظ، وقد دخل الشافعي في آخر حياته مصر، فنظر في كتب وكلام الليث فقال: الليث أفقه من مالك، وهناك مناظرات طويلة بين الليث بن سعد وبين الإمام مالك، يراجعه في قوله بتقديم عمل أهل المدينة على أحاديث الآحاد.
ومن فقهاء السلف: داود الظاهري وهذا المذهب مذهب قوي جداً، وداود هذا ولد بعد الشافعي، وكان ينكب على كتب الشافعي، وينتصر لمذهب الشافعي، إلا أنه أخذ على الشافعي القول بالقياس، وهو ينكر القياس تماماً، وهذا الذي أضعف مذهب داود الظاهري، وهذا المذهب اندثر حتى قام من ينتصر له وهو ابن حزم فارس الميدان؛ ولذلك بقي إلى الآن مذهب الظاهرية في كتاب المحلى للإمام ابن حزم.
ومن الفقهاء الذين اندثر مذهبهم: الثوري، وكان قريناً للإمام أبي حنيفة، وهو ثقة ثبت حافظ للحديث فقيه دخل أبو حنيفة على الثوري وكان مجلسه يعج بطلبة الحديث، فقام الثوري من مكانه، فأجلس أبا حنيفة مكانه فاستاء أصحابه، ولأهل الحديث كلام فيه غمز في أبي حنيفة لضعف اعتنائه بالحديث، وأيضاً لمذهبه في الإيمان، فقال الثوري: إن لم أقم لعلمه، قمت لسنه، فكان يعرف له قدره، وكان أبو حنيفة يعرف لـ سفيان قدره، وسفيان كان يخالف أبا حنيفة في مسألة القياس والرأي، فكان كثيراً ما يأخذ بالأثر ويعض عليه بالنواجذ، والثوري لا ترى له كلاماً في الفقه إلا في بطون كتب الفقه، وليس له مذهب مستقل.
ثم بعد ذلك من الله على الأمة بأربعة فقهاء بقيت مذاهبهم، وبقي الناس يقتدون بهذه المذاهب.
(1/3)

مذهب أبي حنيفة
مذهب أبي حنيفة النعمان بن ثابت، هذا الفقيه قال فيه الشافعي: الفقهاء عيال على أبي حنيفة، يعني: ما من فقيه إلا ولا بد أن يشرب وينهل من بحر علم أبي حنيفة في الفقه، والشافعي قرأ كتبه وناظر أصحابه؛ لأنه لم يعاصره، فقد ولد في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة سنة 150هـ، وهذا فضل الله سبحانه وتعالى؛ فإنه لا يقبض عالماً إلا وفي العام نفسه يقدر أن يولد من يكون عالماً مثل شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد ولد بعد موت العز بن عبد السلام بسنة.
وقد أضعف مذهب أبي حنيفة أنه كان يأخذ كثيراً بالقياس وبالرأي، ولذلك سميت مدرسته بمدرسة الرأي، والذي جر أبا حنيفة إلى ذلك كثرة الرفض والتشيع في بلاده العراق وبلاد فارس، فكثرت النوازل والمسائل، وقد كان يتحرى الأحاديث لأن الكذبة على رسول الله كثيرون في بلده، فهذا الذي جره لأن ينتقل من علم الأثر إلى علم النظر، فتوسع في المدارك وقياس النظير بالنظير، فأصاب في كثير من المسائل لكنه أخطأ في أكثر المسائل، ولذلك ضعف مذهبه؛ لأنه أخذ بالرأي أكثر من الحديث.
(1/4)

مذهب مالك
المذهب الثاني الذي أبقاه الله جل في علاه وحمله أصحابه هو مذهب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، كان علماً لأهل المدينة، وكان فحلاً من أساطين أهل العلم ومن أئمة أهل الشأن، قال فيه الشافعي: إذا ذكر الحديث فـ مالك النجم، وما أحد يعلو على مالك، ولذلك ورد عن الشافعي أنه قال: أصح كتاب بعد كتاب الله هو الموطأ، وهذا قاله قبل أن يصنف صحيح البخاري.
والإمام مالك وإن كان مذهبه قوياً لكن تؤخذ على مذهبه أمور من أشد ما تكون، ألا وهي: التوسع في مسألة سد الذرائع، وأيضاً مسألة المصالح المرسلة، فكثيراً ما يحتج بالمصالح المرسلة، ويأخذ بقاعدة سد الذرائع، وأيضاً مما أخذ عليه: أنه كان كثيراً ما يقدم عمل أهل المدينة على أحاديث الآحاد، مع أنه كان معظماً جداً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ووجهة نظر الإمام مالك في تقديمه عمل أهل المدينة أنهم خيرة الناس، وهم الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أجمعوا على عمل يخالف سنة آحاد، فغالب ظني أنه لا يمكن أن يكون هذا الحديث صحيحاً أو أنه منسوخ؛ فلذلك رد بعض أحاديث الآحاد ولم يأخذ بها لعمل أهل المدينة، فتراه يقول بجواز أكل القرد والأسد، وأيضاً يقول بطهارة الكلب، وهذه كلها من المفردات التي انفرد بها الإمام مالك.
(1/5)

مذهب الشافعي
المذهب الثالث: مذهب إمامنا الإمام الشافعي، وهذا المذهب إن لم يكن هو أقوى المذاهب على الإطلاق فهو من أقوى المذاهب، والمحققون من أهل العلم عندما يرتبون المذاهب في القوة يقدمون مذهب الشافعي ويقولون: إن أكثر فقهاء المحدثين من الشافعية، فيقدمون الشافعية ثم الحنابلة، أو يقدمون المذهب الحنبلي ثم المذهب الشافعي.
قال مفخرة المصريين محقق كتاب الرسالة الشيخ أحمد شاكر: لو أمرت مجتهداً أن يقلد مجتهداً لأمرته أن يقلد الشافعي؛ فإن الله حباه نظراً ثاقباً في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ومعنى كلام الشيخ أحمد شاكر: أنه لا يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهداً، فلو جاز لي أن آمره لأمرته أن يقلد الشافعي، والدليل على أن المجتهد لا يقلد المجتهد قول ابن مسعود: لا يكن أحدكم إمعة، والله يقول: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء:83]، فالذي يستنبط يرجع إليه ولا يرجع هو لأحد، وأيضاً يحرم عليه أن يقلد من جهة النظر، فهذا ازدراء منه لنعمة الله جلا في علاه، لأن الله حباه فهماً في الكتاب وأمره أن يكون من حملة الكتاب، وأمر الناس أن يرجعوا إليه، فلا يجوز له أن يزدري نعمة الله عليه وينزل من هذه الطبقة، قال الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، ومفهوم الشرط من الآية: أنه لا يجوز لك أن تسأل إن كنت تعلم.
وقوة مذهب الشافعي تتجلى في تأصيله وأصول مذهبه، فقد جمع بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، فأخذ علم الحديث من الإمام مالك وتشبع به حتى لقبه أهل العراق بناصر السنة، وذهب إلى محمد بن الحسن الشيباني وناظره وأخذ منه فقه مدرسة الرأي، فجمع بين علم الحديث وعلم الرأي، فكان فقيهاً ينزل النوازل في منازلها وكان يقدر الأمور كما سنبين في أصوله.
وهذا المذهب كتب الله له الانتشار في جميع أنحاء الأرض، أولاً: في العراق عندما كتب كتابه القديم، وهو المذهب القديم، وقد رحل إلى اليمن فانتشر مذهبه في اليمن، وقد كان أهل اليمن على مذهب مالك وبعدما ذهب الشافعي إلى اليمن صار أكثر اليمنيين شافعية، ومنهم زيدية، ومن أحسن كتب الفقه الشافعي: كتاب البيان للعمراني، وهو شرح آخر للمهذب غير المجموع، وهذا العالم يمني، وقد ظهرت في كتابه قوة أهل اليمن في مذهب الشافعية، ولما رجع الشافعي إلى مصر انتشر المذهب الشافعي في مصر، وتوفي الشافعي في مصر وهو مدفون في القاهرة، وتشرفت مصر بهذا الإمام المطلبي الذي هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء حديث فيه كلام لكن أحمد كان يأخذ به وهو: (يخرج على الدنيا عالم من قريش يملأ الدنيا علماً) قال أحمد: ما أراه إلا الشافعي.
(1/6)

مذهب أحمد
المذهب الرابع: مذهب الإمام أحمد، والمحققون يرون أن أصول هذا المذهب ترجع لأصول الشافعية، ومذهب الإمام أحمد مذهب فقهي أثري، يعني: ليس له رأي فقهي منفرد، لأن الإمام أحمد كانت أصوله الكتاب والسنة وآثار الصحابة، ويأخذ بالحديث الحسن لغيره، وإذا وجد في المسألة قولاً لصحابي أخذ به، وقال: هذا إجماع سكوتي، وإن اختلفت الأقوال عن الصحابة أخذ بها كلها، ولذلك تجد أصحابه يقولون: أحمد له في هذه المسألة أربعة أقوال، وأكثر مذهب فيه أقوال كثيرة لإمامه هو المذهب الحنبلي؛ لأنه كان يرى أثراً عن عمر فيقول به، ثم يجد أثراً آخر بسند صحيح عن زيد فيقول به، وهكذا فتكثر أقواله؛ لأنه يجمع هذه الآثار ولا يرجح بينها، وهو مذهب متين أصيل لأنه يعتمد على الأثر.
(1/7)

قوة المذهب الشافعي
الله جل وعلا حبا هذه الأمة بأربعة مذاهب لفحول أربعة انتشرت مذاهبهم: المذهب الحنفي والمذهب المالكي والمذهب الشافعي والمذهب الحنبلي، والمذهب الشافعي هو أقوى المذاهب على الإطلاق، وقد سألت شيخي حفظه الله أبا إسحاق الحويني -وهو من خيرة الناس- عن أقوى المذاهب، وكان هو قد سأل الشيخ الألباني عن أقوى المذاهب التي يمكن أن يتأصل عليه طالب العلم، والألباني جبل شامخ لا يستطيع أحد أن يصل إلى درجة هذا الجبل، وهو فحل من الفحول، جمع علم الحديث والأصول والفقه، وكان من أقوى الناس مناظرة، وقوة الجدل والمناظرة لا تكون إلا عند إتقان أصول الفقه والقواعد الفقهية، فالرجل كان فحلاً بحق، ولا يصح أن يقال عن الشيخ الألباني ظاهري، وقد يقال: قوله في هذه المسألة يشابه قول الظاهرية، لكن لا يقال: هو ظاهري، أو يقال: ليس بفقيه، فهذا لا يصح مع فحل من فحول الأمة، ولا بد أن نتأدب ونتعلم أن ننزل الناس منازلهم، وهو ينتصر دائماً للكتاب، ولا يأخذ بمذهب معين، فعندما سأله الشيخ أبو إسحاق قال له: الكتاب والسنة، فقال: يا شيخنا! الناس يقولون: لا بد أن يتأصل الطالب على مذهب -وهذا صحيح فلا بد أن يتأصل طالب العلم على مذهب، وليس كل طالب علم يستطيع أن يستنبط الحكم من الكتاب والسنة، فالناس يتفاوتون في العقول والأفهام، وفضل الله يؤتيه من يشاء- فقال الألباني: إن كان لابد فالمذهب الشافعي ثم الحنبلي، قال: وأكثر المحدثين من الشافعية.
فهذا المذهب قوته تظهر في أنه جمع بين علمي الحديث والفقه.
(1/8)

ترجمة الشافعي
إمام هذا المذهب هو: الإمام محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، نشأ يتيماً، وهذا هو دأب العلماء، فقد يكون أحدهم فقيراً، وما ترى عالماً كان غنياً، بل قال الإمام مالك: لن يصل أحد لهذا العلم إلا من أدقعه الفقر.
وقد ولد بغزة ثم ارتحل مع أمه إلى مكة، فاشتغل بالأدب والبلاغة والشعر، وقابل مسلماً بن خالد الزنجي وهو ليس زنجياً، بل كان شديد البياض، فلقبوه بالعكس، كما هو دأب العرب، فنظر إلى الشافعي وقال له: من أين أنت؟ فقال: أنا مطلبي، فقال: بخ بخ! هلا جعلت فهمك هذا في الفقه؛ فانشغل بعلم الفقه، فأخذ الفقه على يد مفتي مكة مسلم بن خالد الزنجي، ثم ذهب بعد ذلك إلى المدينة فسمع من مالك الموطأ، وكان الإمام مالك ذو هيبة عظيمة، وكان إذا أراد أن يحدث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل أولاً ثم تطيب بأحسن طيب ثم جلس وطلبة العلم جالسون أمامه كأن على رءوسهم الطير، والإمام الشافعي حضر مجلسه وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وجلس في آخر المجلس يستمع للإمام مالك، ولم يكن معه قلم ولا أوراق، وكان الإمام مالك يقرأ عليهم الحديث؛ لأن المحدث أما أن يملي وأما أن يُقرأ عليه فيقر، فكان يملي الأحاديث والشافعي يسمع الحديث ويضع أصبعه في فمه، فتعجب مالك منه، وكان الإمام مالك من أشد الناس تعظيماً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي عنه أنه كان لا يمشي في المدينة إلا حافياً، فلما سئل عن ذلك قال: احتراماً لصاحب القبر، فلما عظم سنة النبي صلى الله عليه وسلم عظمه الله جل في علاه، وأصبح مذهبه منتشراً في كل البلاد والأمصار والأعصار، وهذا هو الذي رفعه على كثير من الفقهاء الذين يتقدمونه فقهاً، فبعد أن انتهى المجلس قال للشافعي: تعال، فجاءه فأغلظ له مالك في القول، وقال له: مالي أراك سيئ الأدب! فقال الشافعي: وما رأيت من سوء أدبي؟ قال: ألا تراني أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تضع أصبعك في فمك؟ قال: كنت أكتب الحديث عنك، فسرد كل الأحاديث التي سردها الإمام مالك، وكان الشافعي صاعقة في الحفظ، وكان إذا قرأ القرآن ونظر إلى صفحة وضع يده في الصفحة الأخرى حتى لا يقرأ الصفحتين، فكان صاعقة في الحفظ، فلما سرد له الأحاديث أعجب به مالك، ودأب العلماء والفقهاء أنهم يميزون طلبة العلم الأذكياء عن غيرهم فأخذه إلى بيته، فقرأ عليه الموطأ في عشرة أيام من حفظه غيباً، فأعجب مالك به كثيراً وكان يقول له: زد في القراءة؛ لأنه كان فحلاً في اللغة، فلما قرأ على مالك الموطأ قال له الإمام مالك: إنه سيكون لك شأن، فعليك بتقوى الله واجتنب المعاصي، ثم قال: أريد أن أرحل إلى العراق، فجاءت هدية إلى الإمام مالك فقسمها بينه وبين الشافعي، وودعه وذهب الإمام الشافعي إلى العراق، وصار يتعلم من فقهاء مدرسة الرأي، وكان يناظرهم، فعندما دخل المسجد أول مرة بدأ يبين مذهبه، وكان إذا رأى خطأ تكلم ولم يسكت، فقام القوم عليه وكادوا يقتلونه، وقالوا لـ محمد بن الحسن: هناك رجل يشوش علينا فناظره، وهو من مكة، وكان المحدثون في العراق يهابون أهل الرأي؛ لأن أهل الرأي إذا تكلم المحدث بالحديث قالوا له: هل هذا الحديث عام أم خاص؟ هل هذا الحديث مطلق أم مقيد؟ فما يعرف، فكانوا يغلبونهم مع أن الآثار معهم؛ لأنهم كانوا يحملون الأحاديث فقط: (رب حامل فقه ليس بفقيه)، فكانوا يخافون من أهل الرأي، فلما ناظروا الشافعي سألوه: كيف تدخل في الصلاة؟ فقال: بركنين وسنة، فلما سمعه محمد بن الحسن علم أن له قسطاً من العلم فأخذه إلى بيته، فلما ناظر الشافعي ما استطاع أن يغلبه، وعلم أن له مكانة في العلم، فانتشر مذهب الشافعي والتف حوله أهل الحديث لما علموا أنه ينصر سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولأنه الوحيد الذي يستطيع أن يجابه أهل الرأي، فالتفوا جميعاً حوله، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل ينهى عنه، ويحسب أنه من أهل الرأي، فلما علم أنه ناصر للحديث لازم الشافعي، فكان أحمد يعرف قدر الشافعي، ولما عاتبه يحيى بن معين على مجالسته للشافعي رد عليه، وقد كان يحيى يتكلم في الشافعي.
ألف الشافعي المذهب القديم في العراق ثم بعد ذلك رحل إلى مصر فنظر في كلام الليث ونظر في الآثار، فغير كثيراً من أقواله من المذهب القديم إلى المذهب الجديد الذي كتبه في مصر، وأخرج كتاباً يخالف فيه مالكاً مع أنه شيخه، لكنه خالفه في مسائل كان الأثر والحجة بخلاف قول مالك، وقد ورد عن الشافعي بسند صحيح أنه قال: أجمعت الأمة على أنه من استبانت له سنة رسول الله فلا يحل له أن يحيد عنها لقول قائل كائناً من كان.
(1/9)

أصول مذهب الشافعي
ارتكز الشافعي في مذهبه على كتاب الله جل في علاه، فهو مصدر التشريع الأول، وهو الكتاب المعجز الذي تكلم به جل في علاه وسمعه جبريل ونزل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الكتاب نبراس كل من يريد النجاة، فكان الشافعي يأخذ بظاهر القرآن ما لم تأت قرينة تصرف الظاهر إلى المؤول، وهذا يظهر جلياً في مسألة نقض الوضوء من لمس المرأة، فقد قال الله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء:43]، قال ابن عباس: هو الجماع، وهي كناية وهذا من أدب القرآن، لكن الشافعي قال: هذا خلاف الظاهر، وأصولنا أننا نأخذ بالظاهر، وعضد هذا الظاهر بالقراءة السبعية: (أو لمستم النساء)، فكان يأخذ بظاهر القرآن ما لم تأت قرينة تصرفه، هذا هو الأصل الأول عند الشافعي.
الأصل الثاني: السنة، وهي قرينة للأصل الأول، فكان يأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وقد اشتهر عن الإمام الشافعي أنه كان يقول: كل قول لي رأيتم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالفه فاضربوا بقولي عرض الحائط، وخذوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم.
واشتهر عنه أيضاً أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
فأي حديث يخالف ما تبناه الشافعي فإن البيهقي يقول: وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
الأصل الثالث: إجماع الأمة؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلال، والإجماع فيه نظر عند الشافعي وعند الإمام أحمد، والشيخ الألباني مجدد السنة في عصرنا ومحدث الديار الشامية عندما قال: إن الذهب المحلق لا يجوز لبسه، فعارضوه بالإجماع، فقال بقول أحمد المشهور الذي استقاه من الشافعي: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا؟! فالإجماع نادر جداً، لكن الإمام الشافعي يقول: إذا وجد أخذنا به، والإجماع عزيز جداً إلا في عصر الصحابة وعصر التابعين، فبعدهم تشعبت السبل وكثر الفقهاء والعلماء فصعب نقل الإجماع.
الأصل الرابع: القياس، والقياس عنده مثل أكل المضطر للميتة، فهو ليس بواسع الخطوة في القياس، والقياس لا يدخل فيه الاستحسان عند الإمام الشافعي، وبعض العلماء يدخل الاستحسان في باب القياس، فـ الشافعي لا يقول بالاستحسان، وهو الاستحسان المطلق، فقد قال الشافعي: من استحسن فقد شرع.
وأيضاً: فالشافعي يقول بقول الصاحب على خلاف في اعتباره من أصول المذهب، والراجح: أن قول الصاحب حجة إن لم يخالفه أحد؛ ولذلك كان يقول الشافعي: هذا إجماع سكوتي.
فهذه أصول مذهب الشافعي، وتظهر قوة هذا المذهب في أصوله.
(1/10)

مصطلحات في الفقه الشافعي
توجد مصطلحات في مذهب الشافعي لا بد لكل طالب علم أن يتقنها وهي: المصطلح الأول: في المسألة قولان، أي: لصاحب المذهب الشافعي قولان: قول قديم وقول جديد، فالقول القديم هو: قوله في المذهب القديم الذي ألفه في العراق، والجديد هو: الذي ألفه في مصر، والمحققون في المذهب الشافعي يرون أن المذهب الجديد المتأخر ينسخ المتقدم، فعندهم الفتوى على المذهب الجديد إلا في عشرين مسألة فقط يفتون فيها على المذهب القديم.
المصطلح الثاني: في المسألة وجهان، فالمراد بالوجه: تخريج الأصحاب على أصول الشافعي، وأبرع الناس الذين يخرجون على أصل الشافعي: القفال وطبقته، فكيف يخرجون على أصل الشافعي؟ مثلاً: توجد مسألة لم يرد فيها قول عن الشافعي، فيأتي القفال فينظر في أصول الشافعي التي أصلها في كتابه الرسالة مثلاً، والتي كان الشافعي يمشي عليها، فيخرج له قولاً في هذه المسألة على أصول الشافعي، فيسمى هذا في المذهب: وجهاً ولا يسمى قولاً، فالقول هو ما ينسب للشافعي بلسانه، والوجه هو: ما ينسبه المخرج المجتهد في المذهب، ويعتبر وجهاً معتمداً للشافعي ولو لم يقله الشافعي.
المصطلح الثالث: الصحيح، أي: هذا هو قول الشافعي، وغيره ليس بقول الشافعي، فإذا وجدت النووي مثلاً يقول في المجموع: الصحيح، فالمقصود أن هذا هو قول الشافعي، وغيره ليس بقول الشافعي.
المصطلح الرابع: الأظهر، معناه: أن في المسألة خلافاً قوياً، فدليل القول الأول قوي، ودليل القول الثاني قوي، فهما على درجة قوية لكن الأول أقوى بشيء ظهر عند مجتهد الفتوى، ومجتهد الفتوى مثل: الرافعي والنووي، أما القفال وطبقته فهم مجتهدون في التخريج، فـ القفال أقوى مكانة من النووي.
وقولهم: الأظهر هو: ترجيح الأصحاب، وليس ترجيح الشافعي؛ لأنه ورد عنه قولان، فيرى المجتهد أن القول الأظهر في المذهب كذا، فيقول: هذا هو الأظهر الذي يدل عليه الدليل، وهو أشبه بقول الشافعي.
المصطلح الخامس: المشهور، وهذا المصطلح فيه دلالة على أن في المسألة خلافاً ضعيفاً، ففي المسألة قولان ولكن القول الثاني مهجور، وما يهجره أحد إلا لضعفه.
المصطلح السادس: الأصح، وهذه الكلمة تدل على أن هذا هو الأصح من أقوال الشافعي، فتكون قد وردت له أقوال، لكن الأصح هو هذا القول الذي رجحه مفتي المذهب، وقد يكون هذا هو الأصح من الأوجه.
المصطلح السابع: أصح الأوجه، وهذا يكون في الأصحاب، فيأتي مجتهد الفتوى فينظر في هذه التخريجات، فمثلاً أبو حامد الإسفراييني خرج قولاً، والقفال خرج قولاً، فيأتي النووي أو الرافعي فيميز بينهما فيرجح وجهاً على وجه، فيكون ما رجحه هو الأصح.
المصطلح الثامن: الأشبه، يعني: أن هذا هو الأشبه بقول الشافعي، فقد ترد أقوال مختلفة تنسب للشافعي، فينظرون إلى تقعيد وتأصيل الشافعي فيقولون: هذا القول أشبه بقول الشافعي.
(1/11)

مختصر المزني في فقه الشافعي
مختصر المزني مجلد واحد كبير، شرحه الماوردي في أربعة وعشرين مجلداً، قال بعضهم: في مختصر المزني: ما رأت عيني ولا سمعت أذني بأفضل من مختصر المزني، والمزني كان صاعقة، قال فيه الشافعي وهو يموت: لو خاصمك الشيطان لخصمته، لقوة حجته، ولذلك العلماء يجعلونه في الطبقة الأولى من طبقات الشافعية، فهو مجتهد مطلق منتسب، والفرق بين المجتهد المطلق المنتسب والمجتهد المطلق غير المنتسب: أن الثاني ليس له مذهب محدد، مثل الشوكاني والصنعاني، أما ابن حزم فهو يلتزم بالظاهرية، وشيخ الإسلام ابن تيمية مجتهد مطلق منتسب للحنابلة، وأحياناً يميل للشافعية.
فـ المزني قد يخرج قولاً ويقول: هذا أشبه بقول الشافعي عندي، وهذا كثير في مختصره.
وينبغي لطالب العلم أن يرتقي بعد ذلك فيقرأ مغني المحتاج للشربيني أو يقرأ روضة الطالبين للنووي، أو يقرأ شرح مختصر المزني للماوردي، أو يقرأ المجموع للنووي.
(1/12)

أقوال العلماء في الشافعي
مكانة الشافعي بين علماء الإسلام عظيمة، وسأختصر أقوال أهل العلم فيه، والشافعي له منة على كثير من أهل الإسلام، فمن هذه الأقوال: قال الحميدي: سمعت مسلماً بن خالد يقول للشافعي: قد والله آن لك أن تفتي، والشافعي ابن خمس عشرة سنة.
وهذا يحيى بن سعيد القطان الذي هو نقاد فحل من أساطين أهل الحديث، الذي كان يجلس أمامه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل كالتلاميذ، وقد كان شديداً في الجرح والتعديل، قالوا: إذا وثق أحداً فعض عليه بالنواجذ، قال يحيى بن سعيد القطان: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ أربع سنين، وقال حين عرض عليه كتاب الرسالة: ما رأيت أعقل ولا أفقه من الشافعي، وعبد الرحمن بن مهدي هو الذي طلب من الشافعي أن يكتب الرسالة، وكان من أئمة أهل الحديث، قال العلماء: إذا اتفق ابن مهدي والقطان على توثيق رجل فلا تسأل عنه أحداً بعد ذلك؛ لأنه قد مر وجاوز القنطرة، يقول ابن مهدي إمام عصره في الفقه والحديث حين جاءته رسالة الشافعي: ما أصلي صلاة إلا وأدعو للشافعي؛ لأنه بين له العام من الخاص والمطلق من المقيد والمجمل من المفسر، وبين له كيف يجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض.
وقتيبة بن سعيد ثقة ثبت من رجال الصحيحين قال: مات الثوري ومات الورع، ومات الشافعي وماتت السنن، والثوري كان بحراً في الحديث، بل كان أوسع حفظاً من الشافعي بالإجماع، وبموت أحمد بن حنبل تظهر البدع، فهو إمام أهل السنة، قال بعضهم: إن الله حفظ الدين بـ أبي بكر في الردة، وبـ أحمد بن حنبل في المحنة، وهي محنة خلق القرآن.
ومعنى قول قتيبة: مات الشافعي وماتت السنن، مع أن السنن برمتها عند الثوري، أنه يوصف العالم بما غلب عليه، فمثلاً شيخ الإسلام ابن تيمية غلب عليه الفقه، والترجيح بين الأقوال، فيجعل في طبقات الفقهاء، مع أنه بارع وإمام في الحديث، ويصح أن يطلق عليه أنه الحاكم، لكن غلب عليه الفقه، وهكذا الشافعي الغالب عليه الفقه، وأحمد الغالب عليه الحديث، فيوصف العالم بالغالب عليه.
أيضاً الشافعي خص بذلك لأنه الذي ناظر أهل البدع لتثبيت السنن، فـ الشافعي ناظر مدرسة الرأي ليظهر قوة مدرسة الحديث، وما أحد استطاع أن يقف أمامهم إلا هو، فـ الثوري وهو من أهل الكوفة ما استطاع أن يقف هذا الموقف الذي وقفه الشافعي؛ ولذا لقبوه: ناصر السنة.
قال أحمد بن حنبل: إذا جاءت المسألة ليس فيها أثر فقل فيها بقول الشافعي، وقد جاء في الأثر: أنه يخرج عالم من قريش يملأ الدنيا علماً، قال أحمد: ما أراه إلا الشافعي.
أيضاً قال أحمد في الشافعي: ما أرى أحداً أعظم منة على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، ولا شك أن المنة لله أولاً وآخراً، فالله من عليه بالإسلام ومن عليه بالعلم، لكنه يقصد أنه أجلى روعة الإسلام وروح الشريعة بعلمه.
وقال الإمام أحمد أيضاً: كان الفقه مقفلاً على أهله حتى فتحه الله بـ الشافعي.
وقال: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بينها لهم الشافعي.
وقال لابنه: يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل ترى لهذين من عوض؟ وأبو ثور الكلبي كان من أصحاب الرأي، فلما رحل الشافعي إلى العراق جلس أبو ثور ينظر في كتبه فانتحل مذهب الشافعي ونصره، قال: كنت أنا وإسحاق بن راهويه والكرابيسي وجماعة من العراقيين لا نترك بدعتنا -يقصد التمسك بالرأي دون حديث- حتى رأينا الشافعي.
وقال الكرابيسي: ما كنا ندري ما الكتاب ولا السنة ولا الإجماع حتى سمعناه من الشافعي.
وقال أيضاً: ما رأيت مجلساً قط أنبل من مجلس الشافعي، كان يحضره أهل الحديث وأهل الفقه وأهل الشعر، فكل يأخذ وينهل من علمه، وهذا العلم الواسع ما آتاه الله إلا لـ {ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ} [الواقعة:13 - 14].
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الخير في أمتي كالمطر لا يدري في أوله أو في آخره)، فطلب العلم كان كثيراً في الزمن الأول، لكن العلماء المقتدى بهم قلة، فقد نظر شعبة إلى مجلس أهل الحديث وهو يكتظ بطلبة الحديث، فقال: لو يخرج منهم ثلاثة.
وأبو داود الطيالسي يقول: فرأيت فما خرج منهم ثلاثة! والثوري كان يقول: الذين يتعلمون العلم ثلث تشغلهم الدنيا، وثلث يتزوجون، وكان يقول: من تزوج فقد ركب البحر! قال: وثلث يكتبون ولا يعقلون، ولا يخرج منهم إلا قليل.
هذا كلام الثوري وقد كان في القرون الثلاثة الأولى، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يسير على الدرب، فنسير بطاقتنا وبما نستطيع، فلا نحسب أننا من طلبة العلم، بل نتشبه بهم، ونسير خلفهم سير النمل، لكن من سار على الدرب وصل، فنسأل الله أن يجعلنا ممن يتفقه في دينه.
(1/13)

من أقوال الشافعي
كان الشافعي يقول: العلم أفضل من صلاة النافلة؛ وذلك لأن صلاة النافلة نفعها ذاتي، والقاعدة عند العلماء: أن النفع المتعدي أفضل من النفع الذاتي، والدليل على ذلك: حديث: (الدال على الخير كفاعله)، فله مثل أجور من تبعه، ولذلك المبتدع الذي ينشر بدعته أشر عند الله من المبتدع الذي يخفي بدعته ويتعبد بها فقط.
وقال الشافعي أيضاً: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ذهب أهل العلم بشرف الدنيا والآخرة.
وقال أيضاً: زينة العلم الورع والحلم.
وقال: من أراد أن تقوى حجته فعليه بالحديث، ومن أراد أن يرجح عقله فعليه بالفقه.
وقيل للشافعي: مالك تدمن إمساك العصا ولست بضعيف؟ فقال: لأذكر نفسي أني مسافر، يعني: من الدنيا، ففي الحديث: (كن في الدنيا كأنك غريب)، وأخذ العصا سنة في الخطبة.
وقال الشافعي: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.
وقال أيضاً: للمروءة أربعة أركان: الأول: حسن الخلق، والثاني: السخاء، والثالث: التواضع، والرابع: النسك.
نسأل الله جل في علاه أن يجمعنا بكم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا.
(1/14)

شرح متن أبي شجاع - شرح مقدمة المؤلف
يجب على المسلم أن يتفقه في أمور دينه، حتى يعبد ربه على علم وبصيرة، وقد ألف العلماء قديماً وحديثاً في الفقه مؤلفات كثيرة، في جميع المذاهب الإسلامية، وهناك المطولات والمختصرات، ومن المختصرات المفيدة متن أبي شجاع، وهو في فقه الإمام الشافعي رحمه الله.
(2/1)

شرح مقدمة المؤلف
(2/2)

معنى الفقه وأهميته
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين, وصحابته أجمعين.
قال القاضي أبو شجاع أحمد بن الحسن بن أحمد الأصفهاني رحمه الله تعالى: سألني بعض الأصدقاء حفظهم الله تعالى أن أعمل مختصراً في الفقه على مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى, في غاية الاختصار ونهاية الإيجاز؛ ليقرب على المتعلم درسه, ويسهل على المبتدئ حفظه, وأن أكثر فيه من التقسيمات, وحصر الخصال, فأجبته إلى ذلك طالباً للثواب، راغباً إلى الله سبحانه وتعالى في التوفيق للصواب, إنه على ما يشاء قدير, وبعباده لطيف خبير].
هذا المتن في الفقه, والفقه لغةً هو: الفهم أو دقة الفهم كما قاله المحققون.
وفي الاصطلاح هو: معرفة الأحكام المستنبطة من أدلتها التفصيلية.
والضوابط والقواعد التي يصل بها الفقيه إلى الأحكام من أدلتها التفصيلية إما أن تكون نصاً أو استنباطاً, نصاً يعني: بالآثار, أو استنباطاً يعني بالقياس وغيرها من الأدلة الأصولية.
وعلم الفقه من أفضل العلوم, وأعزها, والفقهاء قلة, فإذا تصفحت التراجم وجدت المحدثين كثرة كاثرة, وهبهم الله حفظاً بالغاً وضبطاً وإتقاناً في حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم, لكن الفقهاء الذين يتفقهون ويعقلون الأحكام من هذه الأحاديث النبوية قلة, والله جل وعلا يصطفي من يشاء من عباده, ولذلك كان كثير من علمائنا يقولون: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه, فالمتن هو: رأس الأمر, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رب حامل فقه ليس بفقيه)، وقد أخذ على كثير من المحدثين أنهم لم ينشغلوا بفقه ما يحملون, فمثلاً ابن صاعد الذي قال عن البخاري: الكبش النطاح, كان رجلاً محدثاً بارعاً حافظاً متقناً, جلس يوماً في مجلس التحديث, فدخلت عليه امرأة فسألته فقالت: عندنا بئر, وقعت فيه دجاجة فماتت فما الحكم؟ فقال لها: ويحك يا امرأة! لمَ لم تغط البئر؟! ولم يجد لها إلا هذا الجواب, وهي قد جاءت تسأل عن هذا الماء الذي وقعت فيه الدجاجة فماتت, هل هو طهور أو نجس؟ فالفقه علم عزيز, وأعلى طبقات الفقهاء هم: فقهاء المحدثين، وهذا المتن الماتع ليس معتمداً في مذهب الشافعية، لكنه متن سهل يسير يقرب لطالب العلم المذهب الشافعي، لا سيما وأننا سنترك ذكر الخلافات حتى نتأصل على هذا المذهب.
(2/3)

مشروعية بدء الكتب البسملة
ابتدأ المصنف رحمه الله تصنيفه بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم, والبدائة ببسم الله الرحمن الرحيم من روائع البيان, لأنه يقتدي بكتاب الله جل في علاه, ويقتدي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم, فالله ابتدأ كتابه بالبسملة, والبسملة آية من آيات الفاتحة, وهي آية مستقلة تفصل بين السور، وهي بعض آية من سورة النمل.
وقد ورد فيها حديث اختلف العلماء في تحسينه وتضعيفه، ومعناه صحيح , وله شواهد كثيرة تقويه, وهو: (كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر) , هذا من القول, أما من الفعل فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالرسائل ويكتب: [بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى فلان].
(2/4)

إعراب البسملة وشرحها
أما إعراب (بسم الله الرحمن الرحيم): فالباء: حرف جر.
واسم الله مجرور بالباء، والجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: أستعين ببسم الله، أو أبتدئ أو أفتتح أو أصنف أو أكتب ببسم الله, وهذه البسملة للاستعانة, أي: أستعين ببسم الله، وأيضاً تكون للتبرك، وقد بدأ بذكر اسم الله؛ لأن اسم الله يتقدم ولا يتقدم عليه شيء.
واسم: مشتق من السمو وهو العلو، والعلو في حق الله حق, فالله له العلو المطلق, علو القهر وعلو الشأن وعلو الذات, وقيل: مشتق من السمة وهي العلامة, وهذا أيضاً حق، فإن كل اسم من أسماء الله هو من الأسماء الحسنى؛ لأنه علامة على ذات الله جل في علاه, ويتضمن صفة كمال.
والله هو: الاسم الأعظم كما رجح ذلك كثير من المحققين؛ لأن أكثر اسم ذكر في القرآن هو الله, فقد ذكر أكثر من ألفي مرة، وأيضاً فالله تضاف إليه كل الأسماء وهو لا يضاف للأسماء, فكل اسم أضيف إلى الله يكون صفة لاسم الله جل في علاه، وهو علم على ذات الله, وكل اسم يضاف إليه يكون صفة, تقول: الله الكريم، فالكريم صفة لله, الله الرحيم، فالرحيم صفة لله, الله الرحمن فالرحمن صفة لله جل في علاه.
والله هو الاسم الأعظم لله جل في علاه, ويتضمن صفة كمال وهي صفة الإلهية، فالله هو الذي تألهه القلوب وتحبه تذللاً وخضوعاً, وإذا ذكر اسم الله في كثير زاده بركة, وإذا ذكر في قليل كثره، وبذكره تغفر الزلات، وترفع الدرجات، وتنال الحسنات, وترفع البليات.
والرحمن: اسم من أسماء الله، وهو علم على ذات الله، ويتضمن صفة الرحمة، وهذه صفة ذات، والرحيم صفة فعل, ويمكن أن نقول: الرحمن ذو الرحمة الواسعة العامة, والرحيم ذو الرحمة الخاصة، فصفة الرحمة في الرحمن تعم الكافر والمؤمن, وأما في الرحيم فتخص المؤمن؛ لقول الله تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43].
(2/5)

معنى الحمد
قال: (الحمد لله رب العالمين) الحمد هو: الثناء الحسن على الذات الإلهية؛ لأنه متصف بصفات الجلال وصفات الكمال الذاتية اللازمة, والصفات المتعدية, فالعبد يثني على الله بما هو أهل له.
والحمد يحبه الله, وهو من أجل العبادات, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أحب إليه المدح من الله جل في علاه)، فأفضل ما تتقدم به بين يدي خطبتك أو تصنيفك أو كلامك هو حمد الله والثناء عليه بما هو أهل له, وأفضل ما تثني على الله بما هو أهل له توحيد الله جل في علاه, كأن تقول: وأشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك, لك الملك ولك الحمد, تحيي وتميت, وأنت على كل شيء قدير, أو تقول: أشهد أن لا إله الله, وأن محمداً عبده ورسوله, وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق إلى آخره، فهذا من أبلغ الثناء على الله جل في علاه, وهو إفراد الله جل في علاه بالتوحيد.
(الحمد لله رب العالمين) الرب هو: الخالق الرازق المدبر سبحانه جل في علاه, يملك كل شيء, وما من شيء في الكون إلا يقول له: كن فيكون.
(2/6)

معنى الصلاة على النبي
قوله: (وصلى الله على سيدنا محمد النبي) هذا من أدب المصنف، فإنه ابتدأ التصنيف أولاً بالثناء على الله جل في علاه, ثم أثنى على ناقل الشرع وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والصلاة على أقسام ثلاثة: الصلاة من العبد, والصلاة من الملائكة, والصلاة من الله جل في علاه, فالصلاة من العبد: الدعاء، كحديث: (كم أجعل لك من صلاتي؟ أجعل لك الثلث الشطر, ثم قال: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً تكفى همك، ويغفر ذنبك) وفي الحديث الآخر: (من دعي إلى طعام وكان صائماً فليأكل أو ليصل) يعني: يدعو.
والصلاة من الملائكة: الاستغفار، كقوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:7]، والجمهور يرون أن الصلاة من الله: الرحمة, والصحيح: أن الصلاة من الله ليست الرحمة، بل الصلاة تغاير الرحمة, وإنما هي الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى, وهي تستلزم الرحمة، إذ أن الله جل في علاه لو أثنى على أحد في الملأ الأعلى فلازم هذا الثناء أن يرحمه ويجزل له العطاء , قال أبو العالية: صلاة الله على العبد هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى, وهذا قول أهل التحقيق، ودليل المغايرة بين الرحمة وبين الصلاة: قول الله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة:157]، فغاير بين الصلاة وبين الرحمة، والأصل في العطف المغايرة.
إذاً: قوله: وصلى الله على سيدنا محمد أي: اللهم أثني على محمد صلى الله عليه وسلم ثناءً حسناً في الملأ الأعلى.
(2/7)

فوائد الصلاة على النبي وحكمها
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها فوائد كثيرة منها: إذا صليت عليه مرة صلى الله عليك بها عشراً.
أيضاً: إذا أكثرت من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تكفى همك ويغفر لك ذنبك.
قال: (صلى الله على سيدنا) هل يصح أن يسيد الإنسان النبي صلى الله عليه وسلم في مصنفاته وكتاباته؟ نعم، ولم لا؟! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه أنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) فالسيادة للنبي صلى الله عليه وسلم ثابتة في الدنيا بهذا الحديث، وفي الآخرة في مقام الشفاعة عندما يذهبون إلى كل نبي ويقول: لست لها, فيأتي الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: (أنا لها أنا لها) , فتظهر سيادة النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة.
وهل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة أم هي سنة؟

الجواب
واجبة، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، فقال: صلوا، وهذا فعل أمر، والأصوليون يقولون: ظاهر الأمر الوجوب مالم تأت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، وقد اتفق العلماء على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, لكن اختلفوا في مواضع الوجوب, وهذا الخلاف مبني على مسألة أصولية وهي: هل الأمر الذي يدل على الوجوب يدل على التكرار أم لا بد من قرينة؟ فمن قال: يدل على التكرار قال: يجب على المسلم أن يكرر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم, وقيل: موضع الوجوب في الخمس الصلوات بعد التشهد الأخير، وهذا قول الشافعي وانفرد به عن الجمهور, فإنه يرى بطلان صلاة الذي لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير خلافاً للجمهور, وقول الشافعي هذا هو الأصح وهو الأحق, والقول الثالث: يجب مرة واحدة , والقول الرابع: يجب كلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف امرئ) إلى آخر الحديث, وأيضاً حديث: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل عليّ).
والراجح الصحيح: أنها تكفي مرة واحدة، لكن لو ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه فهو من أبخل البخلاء، بل يكون عند ربه مذموماً, لكنه لا يأثم إذا أتى بها مرة واحدة، أما الصلاة عليه في الصلوات فالراجح: الوجوب.
(2/8)

أسماء النبي عليه الصلاة والسلام
قوله: (وصلى الله على سيدنا محمد) محمد اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم, والنبي صلى الله عليه وسلم له أسماء عديدة أوصلها بعضهم إلى ثلاثة وتسعين اسماً, هذه الأسماء كلها نسبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فيها المحامد والخصال الحسنة, ولكن لم تثبت كلها، فمثلاً جعلوا من أسمائه طه، وهو ليس اسماً للنبي صلى الله عليه وسلم!! ومن أسمائه الثابتة: محمد وأحمد، وهما يدلان على امتلاء الحمد, وقد ذكر في السير: أن عبد المطلب لما سماه محمداً سألوه عن ذلك فقال: أرجو أن يحمد في الأرض وأن يحمد في السماء, وقد كان ذلك، فالله جل في علاه كرم رسوله صلى الله عليه وسلم, فهو يثنى عليه في الملأ الأعلى كما يثنى عليه في الأرض, فهو كثير خصال الحمد، ويحمد من قبل الناس، فيكثرون من حمده، ويحمد من قبل الملائكة, وهو محمود عند ربه جل في علاه.
(2/9)

الفرق بين الرسول والنبي
قوله: (محمد النبي الأمي) ذكر النبي وما ذكر الرسول؛ والرسول أعم من النبي، فالنبي مشتق من النبأ وهو الخبر، والنبي مخبر من قبل الله، وهو مخبِر عن الله جل في علاه, وأما الرسول فقيل: هو كل من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بالتبليغ، والراجح عند أهل التحقيق: أن النبي كل من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بالتبليغ, والرسول كل من أوحي إليه بوحي وأمر بتبليغه.
إذاً: يتفقان في الوحي, ويفترقان في التبليغ, فكل رسول نبي ولا عكس.
(2/10)

جميع الأنبياء رجال
والرسل رجال وليسوا بإناث بحال من الأحوال، وشذ ابن حزم فقال: مريم لها نبوة، وهذا كلام باطل مصادم مصادمة صريحة لكلام الله جل في علاه ولكلام النبي صلى الله عليه وسلم, قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [يوسف:109]، وجه الدلالة: أسلوب الحصر بما وإلا، فالنفي والإثبات من أساليب الحصر، فالله حصر النبوة والرسالة في الرجال, فكأنه يقول: خرج كل أحد يوحى إليه إلا الرجال.
(2/11)

المقصود بآل النبي عليه الصلاة والسلام
قوله: (على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين) , اختلف العلماء في آل النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال ثلاثة: القول الأول: كل مؤمن تقي بار, وبعضهم قال: كل الأمة هم آل النبي صلى الله عليه وسلم, والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن آل فلان ليسوا بأوليائي إنما أوليائي المتقون)، فالآل هو: الولي الذي يناصر ويظاهر وينشر سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
القول الثاني: قال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب, وهما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يتفرقا في الجاهلية ولا في الإسلام) لم يفترقا بحال من الأحوال, لذلك رجح الشافعي أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم: بنو هاشم وبنو عبد المطلب.
القول الثالث: آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم هم عترته فقط.
والتحقيق أن نقول: آل النبي يذكرون على الانفراد ويذكرون مع غيرهم, فإذا ذكروا على الانفراد فالمقصود بهم: كل تقي بار, وإذا ذكروا على الاجتماع فالمقصود بهم: عترة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر المصنف الباعث له على تصنيف هذه الرسالة، وقد كان العلماء ليسوا مثلنا تعج الأسواق بالكتابات، فالإمام أحمد نفسه عندما سئل أن يكتب أو يصنف قال: أكتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
فالمصنف يبين الباعث لكتابته لهذا المتن المختصر, وهو أنه سأله بعض الأصحاب أن يكتب لهم مختصراً في فقه الإمام الشافعي، ويقرب لهم هذا الفقه وأصول هذا المذهب الذي تبنوه, فالباعث له كان حاجة الناس لأن يكتب, وكثير من الناس شرحوا هذا المختصر، وهذا علامة ودلالة وإشارة على إخلاصه في تصنيفه، لأنه ما صنفه لنفسه ولا لذاته, ولكن صنفه من أجل حاجة الناس, ومثل ذلك البخاري في صحيحه الذي جمع فيه حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأحوال النبي صلى الله عليه وسلم, وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم, وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم, فقد قال: وجدت الناس في حاجة ماسة لأن يعرفوا أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكان هذا الباعث له لكتابة الصحيح، والشافعي في مرض موته قال: تمنيت من الله أن يتعلم الناس علومي ولا ينسبوا لي حرفاً واحداً, فهذه دلالة على الإخلاص, نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من المخلصين المخلَصين الذين يعملون لله جل في علاه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
(2/12)

شرح متن أبي شجاع - بداية كتاب الطهارة
الطهارة هي رفع الحدث وإزالة النجس، والأصل في التطهير أن يكون بالماء، ولا ينجس الماء إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، وقد بين الفقهاء أقسام المياه وأحكامها بالتفصيل.
(3/1)

معنى الطهارة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة].
افتتح المصنف كتابه بكتاب الطهارة، والصلاة هي الصلة بين العبد وبين ربه, والصلاة هي عمود الدين, وهي أم أركان الإسلام, فلعظم حق الصلاة يبدأ بها, فلما جاء المصنفون ليبتدئوا بأهم أركان الإسلام قالوا: هذا الركن المهم الركين في هذا الدين له شروط وله أداة تتقدم بين يديه, وهي: الطهارة؛ فلذلك ابتدأ بكتاب الطهارة؛ توطئة ومقدمة بين يدي الركن الركين في هذا الدين وهو: الصلاة.
والكتاب لغة: هو ضم الشيء للشيء، وكأنه يقول: هناك مسائل كثيرة في الطهارة ضممت بعضها لبعض حتى يسهل على طالب العلم أن يمحص النظر في هذه المسائل, والكتاب فاعل بمعنى مفعول يعني: المكتوب الذي سيأتيك عن مسائل الطهارة.
والطهارة لغةً: النظافة، فيتطهرون أي: يتنزهون ويتنظفون.
وفي الاصطلاح: هي طهارة مخصوصة، لأعضاء مخصوصة، بصفات مخصوصة.
والطهارة تنقسم إلى قسمين: طهارة حسية, وطهارة معنوية.
أما الطهارة الحسية: فسيأتي تفصيلها, والطهارة المعنوية: هي المقصود الأسمى، وهي أهم ما يجب أن يسارع إليه المرء من طهارة القلب من الحقد ومن الحسد, والله جل في علاه لا يقيس الناس إلا بطهارة القلوب, وطالب العلم إذا أراد أن يفهم مسائل العلم الدقيقة فعليه بطهارة القلب, وهذه تؤخذ من قول ابن عباس: يؤتى المرء الفهم بنيته, يعني: بطهارة قلبه, وقد قال الله تعالى: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:25]، وفي الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم, ولكن ينظر إلى قلوبكم)، وأيضاً يقول الله تعالى: {قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ} [الأنفال:70]، وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه ما تقدم على البشر أجمعين إلا بنقاء القلب واليقين والصدق الذي كان في قلبه, ولذلك جاء بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: ما تقدم أبو بكر الصحابة بكثير صلاة ولا صيام, ولكن بشيء قد وقر في القلب.
فطهارة القلب هي أهم ما ينشغل به المرء، والذي يشغله عيب قلبه عن عيب الناس يطهر قلبه، فيتقرب من الله جل في علاه, وأي طاعة وإن كانت دقيقة يطهر بها الله القلب طهارة عظيمة, وأوضح مثال على ذلك: امرأة كانت زانية تضاجع كل ليلة رجلاً، ولما بلغ بها العطش مبلغه وجدت بئراً فنزلت فشربت ثم وجدت كلباً يلهث منه العطش، فأخذت موقها -أي: خفها- فملأته فسقت الكلب فشكر الله لها, فسقي الكلب عمل جليل تقاطرت حسناته على جبال المعاصي والسيئات فهدمتها! والطهارة الحسية هي: رفع الحدث وإزالة النجس, أما الحدث فهو: الحال القائم بالإنسان الذي يمنعه من استباحة الصلاة, والحدث حدثان: حدث أكبر, وحدث أصغر, فالحدث الأكبر هو: الجنابة, والحيض, والنفاس, قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)) إلى أن قال: ((وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا)) وهذا الحدث الأكبر {فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] إلى آخر الآيات, وأيضاً قال الله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222].
والحدث الأصغر: قد يكون بخساً وقد يكون غير بخس، فالريح الخارج من الدبر ليس بنجس، فلا أحد يستنجي من الريح وهو من الحدث الأصغر، إلا أنه ينقض الوضوء، ومن الحدث الأصغر: خروج البول والمذي والودي, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وفي الصحيح عن علي بن أبي طالب قال: كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسل ذكرك) أو قال: (فيه الوضوء).
ومن معنى الطهارة: إزالة النجس، والنجس هو: الجرم الذي يكون على الثوب أو على البدن أو على المكان أو المحل.
والحدث ينافي الطهارة، فبانتفاء الحدث تثبت الطهارة، وبوجود الحدث تنتفي الطهارة, ولا يمكن أن يستبيح أحد الصلاة إلا بالطهارة، فرفع الحدث هو لاستباحة الصلاة, وكذلك إزالة النجس لاستباحة الصلاة.
والأدلة على إزالة النجس كثيرة، فالشرع قد حث على إزالة النجس أولاً في الثوب قال الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] , وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم -كما صح عنه- صلى بالناس منتعلاً كما هو من السنة أن تصلي في نعليك خلافاً لأهل الكتاب, فصلى بالناس منتعلاً وفي أثناء الصلاة جاءه جبريل فخلع نعله, فخلع القوم نعالهم, فبعدما صلى النبي صلى الله عليه وسلم سألهم: (لم خلعتم نعالكم؟! قالوا: يا رسول الله! رأيناك قد خلعت نعليك ففعلنا ذلك, فقال: جاءني جبريل وقال: إن في نعلي أذى) , وهذا فيه دلالة على أن أي نجاسة على الثوب أو على النعل فمن الواجب على المرء أن يزيل هذه النجاسة بالماء.
وجاء في الصحيح: (أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن الطهر من الحيض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: تطهري! قالت: وكيف أتطهر؟ قال: سبحان الله! تطهري! قالت: كيف أتطهر؟ قالت عائشة: فجذبتها فقلت لها: تتبعي أثر الدم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتطهر من هذا الأثر بأن تتبع أثر دم الحيض بقطنة)، وهذا دليل على وجوب إزالة النجس من على البدن.
وأيضاً فالنبي صلى الله عليه وسلم بين نجاسته لأنه أمر بغسل المحل إذا أصابه, وإذا أصاب الثوب فلابد أن ينضح الماء على الثوب.
وفي حديث الرجلين اللذين يعذبان في قبريهما: قال عليه الصلاة والسلام: (أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله) , وفي رواية: (كان لا يستتر من بوله) , ولا منافاة بين أنه يعذب لأنه لم يستنزه, ويعذب لأنه لم يستتر, فهذه أدلة على وجوب إزالة النجس من البدن.
ودليل تطهير المحل -يعني: المكان- وأنه لا يصح لأحد أن يصلي في مكان فيه نجاسة: حديث في الصحيحين عن الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد فهم به الصحابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله, قال: (وأهريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من ماء) , فهذا دليل على أنه يجب إزالة النجس من المحل الذي يصلي فيه المرء.
ومن الأدلة: قوله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125]، وهذا أمر من الله جل في علاه يدل على الوجوب.
إذاً: الطهارة طهارتان: طهارة حسية ومعنوية, والطهارة الحسية: رفع الحدث وإزالة النجس, والحدث حدثان: حدث أكبر وحدث أصغر, وهذا كله يرفع لاستباحة الصلاة, وإزالة النجس، إما من الثوب أو البدن أو المحل الذي سيصلي عليه.
(3/2)

أقسام المياه
قال المصنف: (باب المياه)، الباب هو: الموصل للشيء, فباب المسجد هو الذي يصل بك إلى داخل المسجد، وباب الدار هو الذي تصل منه إلى الدار, فباب المياه هو الباب الموصل إلى مسائل المياه.
قال: (المياه التي يجوز التطهير بها سبع مياه).
هذه السبع يمكن أن نقسمها إلى قسمين: مياه من السماء ومياه من الأرض, ثلاثة من السماء وأربعة من الأرض فيسهل حفظها، وماء السماء طاهر، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره كما سنبين أن أقسام المياه ثلاثة: طهور وطاهر ونجس, وبعض العلماء قال: أقسام المياه طاهر ونجس، وهذا قول الأحناف وترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية.
إذاً: الطهور: هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره, وماء السماء ماء طهور، وهو المطر والبرد والثلج, والدليل على طهارة المطر: قول الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، وقال: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} [الأنفال:11] , وقال النبي صلى الله عليه وسلم في استفتاح الصلاة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي - إلى أن قال:- واغسلني بالماء والثلج والبرد)، فيصح للإنسان أن يتوضأ بالثلج إذا كان الثلج في الشمس فتتساقط منه القطرات, فيغسل به العضو، وإن لم يستطع أن يغسل العضو فلا يصح الوضوء؛ لأن أصل الثلج ماء متجمد، والماء هو أصل الطهارة، فيصح لك أن تغسل به, فإن استطعت الغسل من الثلج صح الوضوء, وإن لم تستطع لم يصح الوضوء, وإذا قلنا: لا يصح فليس لأمر في ذات الثلج، بل لأمر خارج عن الثلج؛ لأن الثلج طاهر في نفسه مطهر لغيره, إذا أمكن غسل أعضاء الوضوء به.
والنوع الثاني: الماء الأرضي وهو أربعة: مياه الأنهار والآبار والعيون والبحار، قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن بئر بضاعة: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)، وإذا صح الوضوء من البحر فمن باب أولى النهر, وإذا صح الوضوء من البئر فمن باب أولى العين, وعندنا دليل صريح في الأنهار وهو حديث: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات الخ)، فهذه أقسام المياه التي يمكن للإنسان أن يتوضأ بها ويتقدم بين يدي صلاته بهذه الطهارة.
(3/3)

مسائل في الطهارة
رجل كان في سفر، فدخل وقت الصلاة وليس عنده ماء، فوجد بئراً فيها ماء، فيجب عليه أن ينظر في ماء البئر، فإن كان طاهراً توضأ به، وإن كان نجساً تيمم وصلى.
مثال آخر: رجل أراد أن يصلي ولم يجد ماء، ووجد ثلجاً جامداً، فإن استطاع أن يغسل أعضاءه بهذا الثلج وجب عليه أن يتوضأ به، وإن لم يستطع لم يصح وضوءه بهذا الثلج.
(3/4)

شرح متن أبي شجاع - القول في أنواع المياه
الماء ثلاثة أقسام: طهور، وهو طاهر في نفسه مطهر لغيره، وهو الماء المطلق.
وطاهر في نفسه غير مطهر لغيره، وهو الماء المستعمل والمتغير بما خالطه من الطاهرات، فهذا الماء لا يصح استعماله في رفع الحدث أو إزالة النجاسة، كما هو مذهب الشافعي خلافاً لمذهب أبي حنيفة.
وماء نجس، وهو الذي حلت فيه نجاسة، وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير.
(4/1)

إثبات الفرق بين الماء الطهور والطاهر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة: فصل أنواع المياه وأقسامها: المياه التي يجوز التطهير بها سبع مياه: ماء السماء وماء البحر وماء النهر وماء البئر وماء العين وماء الثلج وماء البرد.
ثم المياه على أربعة أقسام: طاهر مطهر غير مكروه استعماله وهو الماء المطلق.
وطاهر مطهر مكروه استعماله وهو الماء المشمس.
وطاهر غير مطهر وهو الماء المستعمل والمتغير بما خالطه من الطاهرات.
وماء نجس وهو الذي حلت فيه نجاسة وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير.
والقلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].
أقسام المياه ثلاثة: الماء الطهور, والطاهر, والنجس, وهذا على المذهب وهو مذهب الجماهير وقد خالف في ذلك الأحناف ورجح قولهم شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب مرجوح.
والطهور عند الشافعية نوعان: طهور يجوز استعماله بلا كراهة, وطهور يجوز استعماله مع الكراهة.
والأدلة على أن الطهور غير الطاهر كثيرة منها: أن الله جل في علاه لما بين أنواع المياه ذكر الطهور صراحةً ولم يذكر الطاهر، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، ولم يقل: طاهراً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو هذه الآية على أصحابه، ولو كان الطهور بمعنى الطاهر لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت الآثار تؤكد أن هذا المعنى هو المراد, فعندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه) موافقاً لكلام الله جل في علاه, ولم يقل: هو الطاهر، فهذه الآثار تثبت لنا اسم الطهور لا الطاهر, ولم يرد عن واحد من الصحابة أن الماء نوعان فقط: طاهر أو نجس, وإذا اعترض معترض وقال: هذه التقسيمات لم تعرف في عصر الصحابة قلنا: نعم، فالتفصيلات عرفت في القرن الثالث تيسيراً على طالب العلم, لكن لم يذكر الصحابة رضوان الله عليهم هذه المسألة ولم يثبتوا الطهورية أو الطهارة, فنبقى على أصل الآثار التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (طهور) وقال: (نجس)، ونفرق بين الطهور والطاهر.
(4/2)

الماء المطلق والمقيد
الطهور الذي يجوز استعماله دون كراهة هو: الماء المطلق, وهو الماء العاري عن التقييد, والتقييد نوعان: تقييد بإضافة, وتقييد بوصف, فالماء المطلق هو الذي لم يتغير ولم يضف لشيء، كماء السماء وماء البحر وماء البئر وماء النهر.
والقيد نوعان: إما قيد بالإضافة أو قيد بالوصف، قيد الإضافة مثل: ماء ورد, وماء كافور، فقد اختلط الكافور مع الماء فغيره وسلبه اسم الإطلاق وجعله ماء كافور.
والنوع الثاني: مقيد بالوصف, كقول الله تعالى: {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [السجدة:8]، وقوله: {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق:6]، فهذا وصف له أنه يتدفق أو أنه مهين.
إذاً: الماء المطلق الذي يصح التطهر به هو الماء الذي لم يضف إلى غيره ولم يوصف بوصف مقيد له, كالماء الدافق وغيره.
والماء المعهود المقترن بألف ولام العهد لا يسمى ماءً مطلقاً، كما قالت أم سليم كما في الصحيح: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا رأت الماء)، فالماء المراد به هنا: ماء المني.
إذاً: الماء الطهور الذي يصح الوضوء به هو: الماء المطلق العاري عن الإضافة أو عن الوصف أو لام العهد, فيستطيع الإنسان أن يتطهر ويتوضأ بماء السماء، قال الله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، وقال: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال:11]، فهو طاهر في نفسه مطهر لغيره.
ومن الماء المطلق: ماء البحر، فيجوز التطهر به عند جماهير العلماء خلافاً لأعلم التابعين سعيد بن المسيب فإنه قال: أحب إلي أن يتيمم ولا يتوضأ بماء البحر، واستدل بحديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: (إن تحت البحر ناراً)، وهذا القول يصادم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه)، وحديث: (تحت البحر نار) يحتمل تأويلات: التأويل الأول: كأنه يشبه سرعة جريان الماء في البحر وتلاطم الأمواج بسرعة النار, وهناك تأويل آخر: أن البحر مآله إلى النار، والدليل على ذلك قوله تعالى {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير:6]، فيوم القيامة يحدث ذلك، ونحن الآن بصدد الطهارة من أجل الصلاة.
(4/3)

حكم الماء المشمس
عند الشافعية ماء طهور يكره استعماله, فهو مطلق لم تسلب منه الطهورية, لكن يكره استعماله، وهو الماء المشمس, وجماهير العلماء أنه لا يكره استعمال الماء المشمس.
والمشمس عند الشافعية له ضوابط منها: أولاً: أن يجمع في إناء وتتسلط عليه الشمس وهو في الآنية، فيخرج بذلك ماء البحار وماء الأنهار والآبار؛ لأنها كبيرة وواسعة لا تتأثر, فقالوا: أن تكون متجمعة في أواني.
ثانياً: أن يكون هذا في البلاد الحارة وليس في البلاد الباردة.
ثالثاً: أن يكون استعماله على البدن لا على الثوب.
فهذا الماء حكمه عند علماء الشافعية الكراهة، والكراهة هي: طلب الكف لا على وجه اللزوم بل على وجه الاستعلاء، وحكمه: يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله, فمن توضأ بالماء المشمس لم يأثم, وتصح طهارته، وإن صلى تصح صلاته.
وقد استدل الشافعية على كراهة الماء المشمس من الأثر ومن النظر، أما الأثر: فحديث في السنن عن عائشة رضي الله عنها وأرضاه: أنها سخنت ماءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتوضأ به، فلما علم أنه قد سخن قال: (يا حميراء! لا تفعلي فإنه يورث البرص).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التطهر بالماء المشمس).
وعن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ بالماء المشمس فأصابه الوضح -أي: البرص- فلا يلومن إلا نفسه).
وفي مسند الشافعي عن عمر بن الخطاب أنه نهى عن التوضؤ بالماء المشمس، وقال: إنه يورث البرص.
ومن النظر قالوا: القاعدة أنه لا ضرر ولا ضرار, والله يقول: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] , فلا يجوز استخدام الماء المشمس إلا على سبيل الكراهة.
وقالوا: الماء المشمس إذا سقطت عليه أشعة الشمس وكان في آنية نحاس أو غيرها فإنها تحدث زهومة تعلو على الماء, فإذا وضع الرجل يده ليتوضأ كانت هذه الزهومة على جلد الإنسان، فيحدث احتباس الدم في جلد الإنسان فيحدث البرص, قالوا: والإنسان مأمور شرعاً أن يتجنب ما يضره.
والتحقيق: أن الماء المشمس لا يكره استعماله، والأحاديث التي استدلوا بها لا تصح، فحديث عائشة فيه خالد بن إسماعيل قال فيه يحيى بن معين: كذاب وضاع، والحديث الموضوع لا حجة فيه بحال من الأحوال.
وحديث أنس إسناده أظلم من الأول.
وحديث ابن عباس فيه عمر بن صبح وهو كذاب، وفي سنده أيضاً انقطاع بين سماك وابن عباس , ففيه علتان.
أما قولهم: الماء المشمس يورث البرص، فنقول: المسألة تدور على الطب, ولا تدور على الأثر, والماء المشمس ماء طهور لم يسلب الطهورية, فيصح للإنسان أن يستخدم الماء المشمس ويتوضأ به؛ لأنه ماء مطلق, إلا إذا ثبت بالدليل أنه يضر الجسد، فتبقى المسألة دائرة على الضرر، وهذا الذي بينه الشافعي في الأم فقال: ولا أكره الماء المشمس إلا من أجل الطب.
فنقول: بحمد الله التقدم في الطب موجود, فإن أقر الأطباء بأن الماء المشمس يضر بالجسد ويورث البرص قلنا بالحرمة ولم نقل بالكراهة, فإن قال الأطباء: لا يؤثر الماء المشمس على البدن, فنقول بعدم الكراهة، والكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل, ولا دليل للشافعية، وإن ثبت الضرر طبياً فكان ينبغي أن يقولوا بالحرمة لا الكراهة, لأن الأصل عندكم: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] , لكن قالوا: هذا المرض مظنون وليس مقطوعاً به, والمظنون لا ينبني عليه الجزم في الأحكام, فلا نقول: حرام لأنه ليس يقيناً أنه يورث البرص, لكن يغلب على الظن أنه يورث البرص، والرد عليهم بأن كثيراً من الأحكام ينزل غالب الظن فيها منزلة اليقين.
(4/4)

أنواع من المياه يكره استعمالها
توجد أنواع من المياه يكره استعمالها مع أن الطهورية لم تسلب منها, وهي ماء بئر ثمود، وماء قوم لوط وهو البحر الميت، وماء بئر ذروان الذي وضع فيه السحر، وماء زمزم، فهذه المياه يكره استعمالها عند الشافعية, قالوا: وعندنا أدلة: أما ماء بئر ثمود فهم مغضوب عليهم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المرور على ديارهم إلا أن يكون الإنسان باكياً مسرعاً, فكيف يستخدم الآلات التي كانوا يستخدمونها؟! وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر مع أصحابه على ديار ثمود فأخذ الصحابة ماء من بئر ثمود ثم عجنوا به العجين ليأكلوا، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن استخدامه وقال: (اعلفوا هذا العجين بهائمكم، وأهريقوا هذا الماء) , ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإتلاف الماء، ولا يجوز في الأصل إتلاف الماء؛ لأنه مال ظاهر، فهذا في تحريم استعمال ماء ثمود، لكن صرف الشافعية الحكم من التحريم إلى الكراهة؛ لأن العلة من النهي عن استعماله أن يصيبهم ما أصابهم، وهذه علة مظنونة، فما دام الماء مطلقاً، والعلة مظنونة، فقد قالوا بالكراهة لا التحريم.
الثاني: ديار قوم لوط: وهو البحر الميت، فقوم لوط مثل ثمود جاءتهم اللعنة, واستخدام ماء البحر الميت للوضوء فيه تفصيل: إن استخدمه من الجانب الذي كان فيه قوم لوط فإنه مكروه ويصح الوضوء، وإن استخدمه من الجانب الآخر فلا كراهة.
والآن ظهرت مسألة استخراج المستحضرات التجميلية من البحر الميت، فالورع تركها، وقد قيل بحرمتها، والتدقيق هو التفصيل السابق، فإن استخرجت من الموضع الذي كان فيه قوم لوط حرم استعمالها، وإلا فالأصل الإباحة، وكما ذكرنا فالورع الترك.
وماء ذروان يدخل في نفس المسألة التي تكلمنا عليها وهي حكم بئر ثمود.
أما ماء زمزم فأصول المذهب على أنه يصح الاغتسال به, ويصح التطهر به, وتوجد أدلة كثيرة على ذلك منها: قول الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء) , وهو ماء مطلق، فيصح استعماله إلا أن يدل الدليل على المنع.
والحنابلة يمنعون من التوضؤ والاغتسال بماء زمزم، ويستدلون على ذلك بأثر عن العباس أنه قال: لا أحله لمغتسل، وعضدوا هذا الأثر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له)، فقالوا: هذا ماء مبارك فلا يصح استعماله في الغسل ولا في الوضوء ولا رفع الحدث ولا إزالة النجس.
فنقول: أولاً: قول العباس الصحيح أنه: قول عبد المطلب وليس قول العباس، فلا يصح الاستدلال به.
الأمر الثاني: هذا القول خالف التأصيل الشرعي العام وهو: أن الماء الطهور المطلق يصح استعماله ما لم يدل دليل على المنع، ولم يدل لنا دليل على المنع.
الأمر الثالث: قالوا: هو ماء مبارك، فنقول: أعظم بركة منه الماء الذي نبع من بين يدي أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، وشرب منه القوم وتوضئوا واغتسلوا منه.
إذاً: ماء زمزم ماء مبارك ويصح الاغتسال به ويصح الوضوء به, لكن يكره إزالة النجاسة بماء زمزم لما عرف من تعظيمه والبركة التي تلحقه.
(4/5)

أقسام المياه
أقسام المياه ثلاثة: طهور، وطاهر, ونجس.
فالطاهر هو: المستعمل أو الماء المطلق المتغير بما خالطه من الطاهرات, والتغيير له ثلاث حالات: تغيير بما كان في المقر, وتغيير بالمجاورة, وتغيير بالمخالطة.
فالمتغير بما في مقره كالطحلب الذي في البحر أو البئر أو العين، فهذا التغير لا يؤثر، ولا يجعله مسلوب الطهورية, والمتغير بالمجاورة مثل بحيرة بجانبها ميتة وتغير الماء، فيصح التوضؤ بهذا الماء.
والمتغير بالمخالطة مثل دق الكافور في الماء, وهذا التغير يؤثر في الطهورية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وفي راوية زاد: (إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه) وهذه الزيادة ضعيفة، لكن أجمع أهل العلم: على أن التغير في اللون أو في الطعم أو في الرائحة يؤثر في طهورية الماء، كما سنبين في الدرس القادم.
(4/6)

شرح متن أبي شجاع - أنواع المياه - الماء الطهور والطاهر
الماء ينقسم إلى: طاهر وطهور ونجس، خلافاً للأحناف وابن تيمية، فهم يرون أن الماء لا يخرج عن كونه طاهراً أو نجساً، ومن المسائل التي كثر الجدل فيها بين الفقهاء: مسألة الماء المستعمل، ففي مذهب الإمام الشافعي أن الماء المستعمل طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، واستدلوا على ذلك بالأثر والنظر، وللماء المستعمل حالات وصور كثيرة لا ينبغي للفقيه أن يجهلها.
(5/1)

أقسام المياه عند الشافعية
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم المياه على أربعة أقسام: طاهر غير مطهر، وهو الماء المستعمل، والمتغير بما خالطه من الطهارات، وماء نجس، وهو الذي حلت فيه نجاسة، وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير، والقلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].
تكلمنا فيما سبق عن أقسام المياه، وبينا أن تقسيم المذهب هو التقسيم الراجح والصحيح، وما خالف في ذلك إلا الأحناف، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وبينا أن هذا فيه ضعف، وقلنا: إن المياه على ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس.
(5/2)

الأدلة من الأثر والنظر على الماء الطهور
وهذا يؤيده الأثر والنظر، أما من الأثر: فقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، ولم يذكر: (طاهراً)، وقوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن ماء البحر فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، ولم يذكر (طاهراً).
وقلنا: إن الطهور لا بد فيه من بيان معناه؛ حيث وأن الأدلة جاءت مجملة، غير مبينة لمعنى (الطهور)، ولعل سائلاً يسأل: ما معنى الطهور المذكور في الآية والحديث؟ فيجاب بأن الطهور يطلق على أمرين: الأول: الطاهر في نفسه.
والثاني: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وعند ذلك يتضح لنا معنى الإجمال في قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} [الأنفال:11]، فإنه قد جاء بيان هذا المجمل بقوله: {لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال:11]، فتعدى الطهارة ليصبح طاهراً مطهراً لغيره.
وأما من النظر: فإنك إذا نظرت إلى الماء وجدته باقياً على أصل خلقته لم يتغير منه أحد أوصافه الثلاثة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة في الحديث، وإن كانت ضعيفة، إلا أن الإجماع وقع عليها، فإذا تغير أحد أوصاف الماء بشيء طاهر خالطه فعند ذلك قد يسأل سائل: تحت أي قسم من أقسام المياه يندرج هذا لدى الأحناف وابن تيمية، فمثلاً: ماء اختلط به كافور، أو ورد، أو مسك؟ ف

الجواب
أنه يندرج تحت قسم الطهور).
(5/3)

الماء الطهور، وأقسامه
والصحيح أن الماء: طهور، وطاهر، ونجس، وقد قلنا: بأن الطهور على قسمين: الأول: طاهر في نفسه مطهر لغيره بلا كراهة.
الثاني: طاهر في نفسه مطهر لغيره مع الكراهة.
وذكرنا أصنافاً وأقساماً أخرى، وآخرها الماء المشمس.
(5/4)

أحوال الماء المشمس
الحالة الأولى: إذا كان شديد الحرارة.
الحالة الثانية: إذا كان معتدل الحرارة، وعند ذلك يستطيع المكلف أن يسبغ الوضوء، وأن يوصل الماء إلى كل عضو من أعضاء الوضوء.
وإسباغ الوضوء محل خلاف بين العلماء، فالقول الأول: إن كان الإسباغ هو للعضو نفسه، أي: للجزء المفترض على المكلف، فإن إسباغ الوضوء هو إتمامه على وجهه المفترض الذي أمر به الشارع الحكيم.
القول الثاني: الزيادة في غسل الأعضاء، بأن يشرع في الغسل إلى العضد والساق، وبهذين القولين للعلماء في الإسباغ فقد نظروا إلى الماء المسخن، فقالوا: إن استطاع بهذا الماء إسباغ الوضوء صح وضوءه دون كراهة، وإن لم يستطع إسباغ الوضوء صح وضوءه مع الكراهة، والقول بالكراهة متفرع عن تفسير العلماء للإسباغ، وقد جاءت السنة النبوية بالزيادة في غسل الأعضاء، وقد ورد ذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يتوضأ فيشرع في الغسل إلى العضد والساق.
وقد قرر الحافظ ابن حجر أن هذا من المرفوع، وليس من المدرج، وعلى ذلك قال بعض العلماء: إن الإسباغ هو: الزيادة في موضع الزيادة، وتفرع عن هذا القول قولان لأهل العلم، القول الأول: الحرمة، والقول الثاني: الكراهة.
فإذا ترك مستحباً فهو مكروه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إذا توضأ شرع إلى العضد والساق، ويحرم بناءً على من قال بأن الإسباغ هو: وصول الماء للعضو نفسه فقط بدون زيادة؛ لأنه يكمل غسل الفرض كما جاء في حديث أبي هريرة السابق، والصلاة تكون عند ذلك صحيحة، لكن الوضوء غير كامل.
(5/5)

الماء الطاهر، وأقسامه عند الشافعية
والخلاصة: أن الشافعية جعلوا الماء المشمس -المسخن- في مصف المياه المكروه استعمالها، وإن كانت طاهرة مطهرة لغيرها.
القسم الثاني الذي قسمه العلماء: وهو الماء الطاهر، والماء الطاهر عند الشافعية أقسام: ماء طهور باق على أصل خلقته، ثم تغير بالاستعمال أو سلبت طهوريته بالاستعمال، ويسمى بـ: الماء المستعمل، وماء طهور باقٍ على أصل خلقته، وتغيرت أحد أوصافه الثلاثة بمخالطة الطاهرات له.
(5/6)

الماء المستعمل
القسم الأول: الماء المستعمل، فالكلام عليه عند الشافعية من وجوه، الوجه الأول: ضبط تعريف الماء المستعمل، الثاني: أقسام الماء المستعمل، الثالث: حكمُ استعمال الماء المستعمل.
(5/7)

ضابط الماء المستعمل
والماء لا يكون مستعملاً إلا بقيدين عند الشافعية: القيد الأول: أن يكون منفصلاً عن العضو مستخدماً في الطهارة، فخرج بذلك: الماء المتردد على العضو، وقد جاء من حديث رقية وغيرها: (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأ فلم يمسح على رأسه فوجد بللاً في لحيته، فأخذ البلل ومسح به رأسه)، فهذا الماء الباقي على اللحية يُسمَّى عند الشافعية، بـ (الماء المتردد على العضو)، ولا يسمى (مستعملاً) عند الشافعية، فقد يقال: كيف يقول الشافعية بأن الماء المستعمل غير طاهر وعندهم حديث ظاهر في هذه المسألة، وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أبق لي أبق لي، ويقول: أبق لي أبق لي).
ففي هذا الحديث دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الماء المستعمل، وعائشة كذلك استعملت الماء المستعمل؟ ف

الجواب
أن هذا التفسير غير صحيح للحديث؛ لأن هذا الدليل أجنبي عن النزاع، ولأن ما في الإناء لا يسمى مستعملاً.
والقيد الثاني: أن يستعمله في طهارة فرض، فخرج بذلك: الطهارة للنفل.
فلو أن رجلاً توضأ لصلاة الفجر، وبقي على الوضوء إلى صلاة الظهر، ثم توضأ لصلاة الظهر، وهو لا يزال على طهارة من الفجر، فجاء رجلٌ آخر وأراد أن يتوضأ بهذا الماء المستعمل (من طهارة نفلٍ) فإن هذا الماء لا يكون مستعملاً؛ لأنه لم يُستعمل في الطهارة للغرض، وإنما استُعمل في الطهارة للنفل.
وهذا القيد صراحة فيه ضعف؛ لأنك لو دققت النظر فيه لوجدت أن النية هي التي تفرق بين أن تكون هذه الطهارة لفرض أو نفل.
أيضاً قالوا: إن النية للفرض تسلب الطهورية عن الماء، وهذا ليس بتقعيد صحيح في المياه؛ لأن النية لا تسلب الطهورية عن الماء، فيبقى القيد الأول هو السالم والصحيح لأن يكون قيداً للماء المستعمل.
(5/8)

أقسام الماء المستعمل، وآراء العلماء فيه
أقسام الماء المستعمل: القسم الأول: ماء استعمل لإزالة النجس؛ لأن الطهارة الحسية طهارتان: طهارة لإزالة النجس، وطهارة لرفع الحدث، ولذلك جاء في حديث المغيرة بن شعبة في الصحيح قال: (ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأشجار -يعني ذهب فأبعد- وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد قضاء الحاجة أبعد فقضى حاجته، فأتاه بإداوة فيها ماء فأخذ الماء فاستنجى به، ثم توضأ ومسح على الخفين)، فالاستنجاء بالماء هو: استعمال الماء، ويسمى: (الاستطابة).
القسم الثاني: ماء استعمل لرفع الحدث.
فأما القسم الأول المستعمل في إزالة النجس فهو نجس بالاتفاق، ولا تصح الطهارة به ولا استعماله، والدليل على ذلك: أنه ماء قليل لاقى نجاسة، سواء تغير أم لم يتغير، وهذا على المذهب وهو الراجح.
والخلاصة: أن الماء المستعمل لإزالة النجس، غير طاهر وغير طهور.
وأما القسم الثاني -وهو الذي وقع فيه الخلاف- فهو الماء المستعمل في رفع الحدث، بشرط أن ينفصل عن العضو، وشرط آخر: أن يستعمل في طهارة فرض لا نفل.
وسبق أن قلنا بترجيح القيد الأول أو الشرط الأول.
وهذه المسألة في المذهب لها قولان، وقبل أن أدخل في هذه المسألة فإنه إذا قال الشافعية: في المسألة قولان، فالمراد بذلك قولان لإمام المذهب، وإذا قالوا: في المسألة وجهان، فالمراد بذلك: تخريج الأصحاب على قول للشافعي، فهو لم يرد القول للشافعي، وإنما أخذوا أصول الشافعي وخرجوا له منها قولاً.
إذاً: في المسألة قولان ينقل عن الشافعي: القول الأول: عدم استعمال هذا الماء؛ لأنه مسلوب الطهورية، فهو طاهر في نفسه وليس بطهور، ورجحه النووي.
والقول الثاني: قاله أبو ثور، -وأبو ثور من أصحاب الإمام الشافعي - والصحيح أنه قول للشافعي بأنه: طهور، ويترك تعبداً، ورجحه الرافعي.
وأدلة الفريقين على النحو الآتي: فالفريق الأول لهم أدلة من الأثر والنظر: أما من الأثر: فاستدلوا بحديث في سنن أبي داود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)، وقد حسنه بعض العلماء، وضعفه آخرون.
فقالوا: نحن نتفق جميعاً على أن المتبقي في الإناء من فضل طهور المرأة يصح للإنسان أن يتوضأ به ويستعمله؛ لأنه ليس بمستعمل، ولم ينفصل عن العضو، ثم يبقى لنا توجيه هذا الحديث الذي نهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن التطهر والوضوء بفضل طهور المرأة، فنقول: توجيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بفضل طهور المرأة محمول على الماء المستعمل.
ومما استدلوا به كذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح، قال النبي: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) وتوجيه الحديث: أن الماء هذا لا يصير نجساً بالاغتسال فيه، فلو انغمس الجنب في البئر، فإنه يرفع الحدث الأكبر عنه، ولا يصير الماء نجساً بذلك، قالوا: فنهي النبي صلى الله عليه وسلم هنا يتوجه على أن الماء يصير مستعملاً، فيأتي المكلف فيريد أن يستعمل الماء، فيعلم أن من الناس مَنْ قد استعمله، فلا يصح له استعماله؛ لأنه قد سلبت طهوريته بالاستعمال.
وأما دليلهم من النظر: فهو القياس على الماء الذي اتفقنا عليه؛ لأن هناك قاعدة عند العلماء تقول: عند التنازع نرد المختلف فيه إلى المتفق عليه، ونحن معاشر الشافعية متفقون على أن الماء الذي استعمل في إزالة النجاسة نجس، فعند ذلك نقيس هذا الماء على الماء المستعمل في إزالة النجاسة، فبالقياس ينبني لنا أن هذا الماء لا يصح استعماله.
وأما الفريق الثاني فلهم أدلة من الأثر والنظر: فأما من الأثر: فقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، قالوا: وتفسير الطهور بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة وقع الإجماع عليها كما ذكرنا وهذا الماء لم يتغيَّر منه أحد أوصافه الثلاثة، فلم تسلب منه الطهورية، ولم يتغير منه شيء.
أيضاً استدلوا بحديث، أنه صلى الله عليه وسلم عندما دخل على ميمونة، وكان قد بقي ماء من طهورها، فأراد صلى الله عليه وسلم استعماله فقالت: يا رسول الله! إني كنت جنباً، يعني: اغتسلت من هذا الماء وأنا جنب، فقال لها: (سبحان الله! إن الماء لا يجنب)، وهذا فيه دلالة على أن الماء باقٍ على أصل خلقته.
وأما دليلهم من النظر: فقالوا: نحن وأنتم متفقون على أن الماء الطهور: هو الماء الذي بقي على أصل خلقته، فلم يتغير منه طعم أو لون أو رائحة، وهذا الماء قد بقي على أصل خلقته، ولم نر فيه تغييراً في الطعم ولا في اللون ولا في الرائحة، فهذه أدلة من الأثر والنظر تبين لنا أن الماء المستعمل لم تسلب طهوريته، فلما قال ذلك الرافعي، اعترض النووي، وقال: أنت وأنا نتفق على المنع من استعماله، فلم تمنع من استعماله مع أنك قلت بطهوريته؟ قال الرافعي: قلت ذلك تعبداً، قال النووي: أنا ألجئك بالقول بسلب طهوريته، فقال له: وكيف ذلك؟ قال: إن أصحاب رسول الله عندما كانوا يسافرون ومعهم الماء، فكانوا يتوضؤون، فإذا احتاجوا إلى الماء لشربهم أو غيره تيمموا، ولا يجمعون الباقي من المستعمل في طهارتهم، فدل ذلك على أنه لو كان على الطهورية، لفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ولاستعملوه، فقال له الرافعي: ألزمتني الحجة، وأنا أوافقك على أن الصحابة كانوا يتوضؤون ولا يجمعون هذا الماء ليستعملوه مرة ثانية، لكن ليس لعدم الطهورية، بل تعبداً أو استقذاراً، وهذا كلام المالكية.
والخلاصة: أن الراجح والصحيح: أن الماء المستعمل لرفع حدث باق على أصل خلقته، وهو على الطهورية، فلم تسلب الطهورية منه، وهو الراجح من المذهب، لكنه لم يستعمل إما استقذاراً وإما تعبداً.
وأما الرد على ما استدل به الفريق الأول فإننا نقول: أما الحديث الذي استدلوا به (أنه صلى الله عليه وسلم: نهى الرجل أن يتوضأ بفضل طهور المرأة)، فهو حديث متكلم فيه، أي: حديث ضعيف، وقد صححه الإمام النووي رحمه الله تعالى، وعلى فرض القول بصحته، فإن لنا فيه توجيهاً، وهو: أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يتوضأ الإنسان بفضل طهور المرأة، فنقول: إن هذا النهي هو للاستحباب، وليس للوجوب، ويكون لعلة الاستقذار فالإنسان عندما يرى امرأة تتوضأ أمامه يستقذر أن يستعمل هذا الماء المنفصل عن عضوها، فالنهي هنا ليس لأنه سُلِبَ منه الطهورية، ولكن للاستقذار أو للتعبد، فإذا قلنا فرضاً لصحة هذا الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ الماء الذي استعملته ميمونة، واغتسل به، فبطل الاستدلال به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد استعمل الماء الذي بقي من استعمال ميمونة له.
والحديث عام في المتبقي من الماء وفي المستعمل، ولا يوجد دليل على الخصوصية، ومن زعم ذلك فعليه بالدليل، وأما بالنسبة للحديث الصحيح، (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغتسل الجنب في الماء الدائم)، فنقول لأصحاب القول الأول: نحن نتفق معكم على هذا النهي، لكن لا نتفق معكم على توجيهكم لهذا النهي، بأن الماء سيصير مستعملاً بل لا يصير مستعملاً، ولو صار مستعملاً فلن تسلب الطهورية منه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن ذلك سداً للذريعة، حتى لا يأتي المكلف فينظر إليك، فيجدك قد وقعت أو غصت في هذا الماء، فيستقذر الماء فلا يستعمله، وأيضاً لا يوجد دليل صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تغتسل في الماء الدائم وأنت جنب؛ لأنه سيصير مستعملاً فيسلب طهوريته، بل إن الماء إذا وقع فيه أحد، ثم خرج منه، فإنه لم يتغير منه أحد أوصافه الثلاثة، فدل ذلك على أن هذا الماء باق على أصل خلقته، وهذا الرد عليهم من جهة الأثر.
والرد عليهم من جهة النظر: أنهم قاسوا الماء المستعمل في النجاسة على الماء المستعمل في الطهارة، فنقول: إن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وهذه قوادح في العلة، والأصل هنا لا يساوي الفرع في العلة، فلا يمكن أن تقيس؛ لأن الأصل لا يساوي الفرع؛ لعدم المطابقة بينهما فالماء الذي استعمل لإزالة النجاسة قد لاقى نجساً، أما الآخر فقد لاقى محلاً طاهراً.
وعند ذلك اختلف المحلان، فالمحل الأول نجس، والآخر طاهر، فلا يصح قياس المحل الطاهر على المحل النجس.
وأما الاستدلال بأن الصحابة لم يستخدموا هذا الماء، فنقول أيضاً: توجيهكم بعدم استخدام الصحابة في أسفارهم للماء المتبقي توجيه غير سديد، بل التوجيه الصحيح: أن لهذا الدليل توجيهان: التوجيه الأول: أن هذا الماء كان قليلاً، ولا يمكن جمعه؛ لأنه يتناثر على التراب، فلا يبقى منه ماء كثير يُمكن أن يُتطهر به.
فمثلاً: لو أن رجلاً في صحراء ومعه زجاجة ماء، فاستعمل نصف الزجاجة في الشرب، ثم أخذ الشطر الآخر، وقال: أتوضأ لأصلي، وبينما يتوضأ يتناثر ويتساقط الماء على الرمال فلا يمكن أن يجمعه ليستخدمه في طهارة أخر.
التوجيه الثاني: أنه للاستقذار، أي: استقذر هذا الماء لا أنه سلب منه الطهورية.
والخلاصة: أن الماء المستعمل في (طهارة الحدث) بقي على أصل خلقته، لم يتغير منه طعم أو لون أو رائحة، فينزل تحت عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، ويصح استعماله أيضاً خلافاً للشافعية، لا تقذراً أو تعبداً كما قال المالكية.
والراجح في ذلك: أن الماء المستعمل لو بقي مدة طويلة، فله استعماله.
(5/9)

حكم الماء الطاهر إذا اختلط بغيره من الطاهرات
النوع الثاني: الطاهر الذي خالطه طاهر، وهو قول واحدٌ عند الشافعية، فهو طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، كماء القطران، وماء الورد، وماء الزعفران، وماء السدر، وماء الكافور.
(5/10)

أنواع المتغير من المياه
المتغيِّر أنواع: منها: المتغير بالطاهرات وهو أقسام: القسم الأول: المتغير بالإضافة، والإضافة إضافتان: إضافة تسلب الطهورية، وإضافة لا تسلب الطهورية.
أولاً: الإضافة التي لا تسلب الطهورية: كإضافة مقر، كأن تقول: ماء بئر، وماء بحر، وماء نهر، فهذه تسمى إضافة مقر، وهي لا تسلب الطهورية، مع أنه ماء مقيد، فهي ليست إضافة لازمة.
مثاله: أن تقول عن ماء البحر وأنت واقف على الشاطئ: هذا ماء فتتوضأ منه، فيمكن أن يتخلى عن هذه الإضافة.
الثانية: إضافة وصف، كأن تقول: ماء زلال، وماء عذب، وماء أجاج، فهذه لا تسلب الطهورية منه.
ثانياً: إضافة تسلب الطهورية، وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: إضافة جنس، وإضافة حكم، وإضافة غلبة.
فأما القسم الأول: إضافة غلبة، فهو الذي يحدث فيه التغيير، والتغيير هنا تغيير بالمخالطة، وتغيير بالمجاورة.
فأما المتغير بالمخالطة فهو: الذي ذابت فيه جزيئات المخالط في الماء مثل: ذوبان جزيئات السكر في الماء، وذوبان جزيئات القطران في الماء، وهكذا.
وأما المتغير بالمجاورة: فهو إما أن يكون تغيير مقر، أو تغيير جوار.
فالتغيير بالمقر مثل: الطحلب الذي يكون في الماء، والتغيير بالجوار، مثل الميتة توضع على حافة البئر، والأشجار التي تتساقط أوراقها في الماء، فتؤدي إلى تغيُّر الماء؛ بسبب المجاورة.
ومن المتغير ما يكون بسبب طول المكث.
والخلاصة: أن المتغير بالمخالطة طاهر، لكن لا يصح استعماله، وأما المتغير بالمجاورة فلا تسلب الطهورية منه، بل يبقى على أصل خلقته ويتوضأ به عند الشافعية، ويقولون: للضرورة، والصحيح أنه على الطهورية؛ لأنه يشق صون الماء عنه.
(5/11)

الرد على شيخ الإسلام، ومن وافقه في تقسيمه للمياه
أختم هذا الباب بالرد على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، في تقسيمه المياه إلى قسمين: طاهر، ونجس، وأقول: ليس عندهم إلا أثران في ذلك، الأثر الأول: حديث في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اغسلنها بماء وسدر)، ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي أنه قال: وهذه فيه دلالة على أن الماء المتغير بما خالطه من الطاهرات، طاهر يصح استعماله؛ لأنه قال: (اغسلنها)، وهذا الغسل هو للميت، وقد صح بماء وسدر، بل وقال: (واجعلن في الآخرة كافوراً)، فهذا أيضاً ماء مخلوط بكافور، ففيه دلالة: على أنه يصح استعمال الماء المتغير بالطاهر.
الأثر الثاني: حديث عند أبي داود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: توضأ هو وميمونة من قصعة كان فيها أثر العجين).
فأما الرد على الأثر الأول: فإنه قد يعتريه بعض الاحتمالات، الاحتمال الأول: أنه إذا غُسِلَ الميت بماء وسدرٍ، ثم غسل بماء فقط، فهل يصح أن نقول: بأننا قد ائتمرنا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: أننا قد غسلنا الميت بالماء الذي خالطه سدر، ثم غسلناه بالماء فقط؟

الجواب
قد يحتمل هذا وقد لا يحتمل.
الإجابة الثانية: أن الماء كان كثيراً، وكان السدر قليلاً، فائتونا بالدليل على أن السدر قد غير الماء؛ لأنه قال: (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً إن رأيتن ذلك)، فإذاً لا بد أن يكون الماء كثيراً، والسدر قليلاً، وعند ذلك يكون عندنا احتمال آخر، وهو: أن السدر لم يغير الماء، فالماء لا تسلب طهوريته إلا إذا تغير، فهو غير متغير، وهذا الاحتمال قائم، والدليل إذا تتطرق إليه الاحتمال كساه الإجمال وسقط الاستدلال به.
وأما الأثر الثاني الذي استدلوا به: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ من قصعة فيها أثر عجين).
فـ ابن قدامة يقول: وأما الإجابة عن هذا الأثر، بأن الماء الذي توضأ منه صلى الله عليه وسلم كان فيه أثر العجين فلم يؤثر في الماء بالتغيير؛ فالعجين كان قليلاً فبقي الماء على أصل خلقته، لم تسلب طهوريته؛ فيصح الوضوء والتطهر به.
والإجابة الثانية: أن نقول: كانت صلبة، يعني: لم تذب جزئياتها في الماء، ولو أننا سلَّمنا جدلاً: بأن الماء قد تأثر بهذا العجين وتغيَّر فإن هذا التغيير يكون بالمجاورة وليس بالمخالطة، وعندنا التغيير بالمجاورة يصح التطهر به؛ لأنه لا يسلب الطهورية؛ لأننا نتفق جميعاً على أنه إذا وقع ورق الشجر على الماء فغيَّره، فيجوز لنا التطهر به؛ لأن التغيير لم يكن بالمخالطة، فمازالت جزئيات الماء كما هي لم تتحد مع جزئيات أخرى.
الخلاصة: أن المسألة تبقى على الأثر النبوي واللفظ النبوي دون تغيير، قال صلى الله عليه وسلم: (الطهور ماؤه)، وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48]، إذاً طهورٌ وليس بطاهر، حتى نقف عند الآثار النبوية، والألفاظ النبوية التي جاءت عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، وبهذا تسلم الأدلة لنا، فنقول: بأن الماء طهور وطاهر ونجس.
(5/12)

شرح متن أبي شجاع - الماء المتغير بما خالطه من الطاهرات
الماء المتغير بما خالطه من الطاهرات أنواع، وله أحكام فصلها أهل العلم، والماء النجس هو الذي تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه، واختلف الفقهاء في الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم يتغير، فمذهب الشافعي أنه نجس، ومذهب مالك أنه طاهر.
(6/1)

ضابط الماء الذي تغير بالطاهرات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم المياه على أربعة أقسام وطاهر غير مطهر وهو: الماء المستعمل، والمتغير بما خالطه من الطاهرات، وماء نجس وهو الذي حلت فيه نجاسة وهو دون القلتين أو كان قلتين فتغير، والقلتان: خمسمائة رطل بغدادي تقريباً في الأصح].
عندنا أصل أصيل وهو: أن الماء يبقى على أصل خلقته، والماء المطلق هو الطهور الطاهر في نفسه المطهر لغيره، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، وهذه الزيادة ضعيفة، لكن إجماع أهل العلم على العمل بها، فالإجماع هنا هو المعتمد لا هذه الزيادة.
والماء إن لم يبق على أصل خلقته وتغير، وخرج عن الإطلاق سلب الطهورية، وصار مضافاً وليس ماء مطلقاً، والإضافة إضافتان: إضافة تسلب الطهورية، وإضافة لا تسلب الطهورية، فالإضافة التي لا تسلب الطهورية: إضافة مقر أو ممر أو إضافة وصف، فإضافة مقر مثل: ماء البحر، وماء النهر، والمتغير بالطحلب، فهذه إضافة لا تسلب الطهورية، وإن غيرت الصفة.
وإضافة الوصف: كأن تقول: ماء أجاج، أو ماء عذب كنهر النيل، ومعنى ماء أجاج يعني: ماء ملح، أو مالح على اللغة الصحيحة، فهذه الإضافة لا تسلب الطهورية، وهذه الإضافة لا نتكلم عنها الآن؛ لأن القسم الذي سنتكلم عنه هو الإضافة التي تسلب الطهورية، وهي ثلاثة أنواع: إضافة غلبة، وإضافة حكم، وإضافة جنس.
فإضافة غلبة هي: إضافة تغلب على الماء فتغير صفة الماء، مثلاً: عندك إناء فيه ماء وأردت أن تغتسل به، وجاء ابنك فوضع الكافور في الماء، فتغير لون الماء، والكافور غير نجس، فهذا الماء تغير بملاقاة الطاهرات، وكذلك لو وقع طيب في الماء فغيره.
إذاً: الإضافة إضافتان: إضافة تسلب الطهورية، وهي إضافة تغير وتؤثر، وإضافة لا تؤثر ولا تغير.
والإضافة التي تغير -وهي محل الكلام- أنواع: تغير بالمخالطة، وتغير بالمجاورة، وتغير بطول المكث.
النوع الأول: التغير بالمخالطة: مثل ذوبان جزئيات الطاهر في جزئيات الماء، مثل: وضع ملعقة سكر في كوب من الماء فتغير طعمه.
فهذا التغير حصل بالمخالطة، ولا يصح التطهر به؛ لأن الماء سلب طهوريته، وخرج من أصل خلقته إلى نوع آخر، فهو طاهر في نفسه غير مطهر لغيره.
النوع الثاني: تغير بالمجاورة: مثل ميتة ملقاة بجانب بئر، فبعد مدة تغيرت رائحة ماء البئر بسبب هذه الميتة المجاورة لها.
والفارق الدقيق بين المتغير بالمجاورة والمتغير بالمخالطة: أن المتغير بالمخالطة أصبح الشيئان فيه شيئاً واحداً، وإذا كان الكافور صلباً فوضع في ماء ثم أخرجته ولم يذب فيه، لم يتفتت منه شيء في الماء، فهذا الصلب الموجود لا يؤثر في الماء ولو حصل التغير، وهذا يسمى تغيراً بالمجاورة؛ لأن الجزيئات لم تتحلل في الماء.
والماء المتغير بالمجاورة يصح التطهر به، وخالف ابن سيرين، فقال: الماء المتغير بالمجاورة يصح التطهر به مع الكراهة، فنرد عليه ونقول: الكراهة حكم شرعي، ولا دليل على ذلك.
إذاً: حكم الماء المتغير بالمجاورة أنه طهور ولا يسلب الطهورية، وعندنا قاعدة: المشقة تجلب التيسير، وقد قال الشافعي: إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق، والمشقة تجلب التيسير، والماء القليل يستطيع الناس أن يحفظوه ويصونوه من أي شيء يختلط به، وإن كان كثيراً كالقلتين أو أكثر يشق على الناس صونه، فسنسهل في الأحكام، وإن كان لا يشق شددنا في الأحكام؛ لأن الأحكام عندنا تدور على أنه إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق.
فإن قيل: الماء المتغير بالمخالطة هو ماء متغير، والمتغير بالمجاورة هو ماء متغير، فلماذا فرقتم بين الماءين مع أن هذا ماء قد تغير، وهذا ماء قد تغير، لكنكم سميتم الأول متغيراً بالمخالطة، وسميتم الثاني متغيراً بالمجاورة، والاثنان في النظر متغيران؟ قلنا: فرقنا في الحكم في هذه المسألة بسبب وما لا يشق صونه، ولما يشق صونه، فإن كان يشق صونه قلنا: سهل الشرع الحكم؛ لأن الله جل وعلا ما أمر المكلف بأي تكاليف إلا وهو يسهل عليه، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16].
إذاً: الماء المتغير بالمجاورة غير الماء المتغير بالمخالطة، وإن تشابها في التغير، فالمتغير بالمجاورة ماء طاهر في نفسه مطهر لغيره.
الثالث: المتغير بطول المكث، وهذا التغير بطول المكث أيضاً يشق صون الماء عنه، فإذا كان يشق صون الماء عنه فلا بد أن نقول: حكمه التيسير، وهو طاهر في نفسه مطهر لغيره.
إذاً: تغير الماء على أقسام ثلاثة: متغير بالمجاورة، ومتغير بالمخالطة، ومتغير بطول المكث، والفرق بينهما: أن المتغير بالمخالطة تحللت أجزاء هذا الطاهر في أجزاء الماء، والمتغير بالمجاورة يبقى الطاهر كما هو صلباً ما تغير وما تحلل، لكنه عكر الماء، والفرق ظاهر؛ لأن الأول تحللت فيه الجزئيات، والثاني: بقي على ما هو عليه، والثالث: متغير بطول المكث.
والحكم: أنه يجوز للإنسان أن يتوضأ من الماء المتغير بالمجاورة، ولا يستطيع أن يتوضأ بالمتغير بالمخالطة؛ لأن المتغير بالمخالطة سلبت طهوريته، والمتغير بالمجاورة لم تسلب طهوريته.
(6/2)

مسائل في المياه
رجل كان في الصحراء، فدخل وقت الصلاة، فوجد بئراً، فأراد أن يتوضأ منها، فرأى الماء معكراً، فما الحكم؟ ننظر في سبب هذا التغير، فإن كان التغير بمخالط فلا يصح الوضوء من هذه البئر، وإن كان التغير بمجاور أو بطول المكث جاز الوضوء منها.
مثال آخر: البنت الصغيرة أخذت الصابون ووضعته في الحوض فتحلل الصابون، وتغير الماء، فهذا تغير بالمخالطة، فلا يصح أن يتوضأ به.
وتوجد إضافة قليلة لا تؤثر وليس لها تغيير، كحبيبات سكر قليلة تقع في إناء الماء فلا تؤثر فيها ولا تغيره، أو قليل من الزعفران، أو الطيب، أو العود، أو الزيت، أو الدهن، فإما أن تطفو، وإما ألا ترى لها أثراً، فالشيء القليل معفو عنه إذا لم يتغير طعم أو لون أو رائحة؛ لأن هذا لم يتغير، فهو باق على أصل خلقته، فيصح التطهر به.
وإضافة الكافور للماء عند غسل الميت لها حالتان: أن تدق الكافور حتى يصبح حبيبات صغيرة جداً.
جاء رجل ليغسل رجلاً ميتاً، فأخذ الكافور فجعله في الماء الكثير، فنظر إلى الماء فوجده قد تغير، فغسل الميت، فلما غسل الميت جاءني فسألني وقال لي: أنا غسلته بماء وكافور، قلت: ماذا فعلت بالكافور؟ قال: جعلته حبيبات صغيرة، قلت: هل رأيت منها شيئاً؟ قال: لم أر منها شيئاً، وغسلت الرجل، هل أكفنه الآن في كفنه أم أغسله مرة أخرى بماء مطلق غير متغير؟ فأجيبه: بأن هذا الماء تغير بالمخالطة وهذا ماء طاهر وليس بطهور، فعليك أن تغسله بعد ذلك بماء صاف غير مختلط بكافور حتى نقول: إنك غسلته بماء طهور بقي على أصل خلقته.
مثال آخر: مات رجل، وجاءت زوجته تغسله، فأخذت قطعة صلبة من الكافور فوضعتها في الإناء، والكافور له رائحة طيبة، وطعمه مر كالحنظل، قالت: هو قطع صلبة جداً لم أستطع دق هذه القطعة، فوضعتها فاشتممت الماء فوجدت له رائحة طيبة جداً، فالماء أصبح متغيراً برائحة كافور نفاذة، فهذا التغير بالرائحة النفاذة تغير بالمجاورة، فيصح الغسل به.
مثال آخر: وضع رجل دهن الطيب في خزان الماء، فطفا الدهن على الماء، وصار للماء رائحة طيبة، فهل يجوز الوضوء منه؟

الجواب
نعم؛ لأن هذا تغير بالمجاورة وليس تغيراً بالمخالطة.
مثال آخر: وقعت أوراق شجرة على ماء البئر فغيرته، فهذا الماء يجوز الوضوء به؛ لأن هذا تغير بالمجاورة لا بالمخالطة.
(6/3)

الماء النجس
إذا وقعت النجاسة في الماء فغيرت وصفاً من أوصافه الثلاثة، طعمه أو رائحته أو لونه، سواء كان قليلاً أو كثيراً؛ فبالإجماع أنه يصير نجساً لا يصح رفع الحدث به، ولا إزالة النجس.
وعند الشافعية في المذهب التفريق بين الماء القليل والماء الكثير، وضابط التفريق بين الماء القليل والكثير هو: مقدار القلتين، فلو كان عندنا إناء فيه ماء، فوقعت فيه قطرة من النجاسة ولم تغيره، فهو نجس عند الشافعية؛ لأنه ماء قليل.
وإذا كان الماء أكثر من قلتين فوقعت فيه نجاسة ولم تغيره فهو طهور.
ودليل الشافعية على التفريق بين القليل والكثير حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وهذا الحديث صحيح على الراجح، ولهذا الحديث منطوق ومفهوم، فمنطوق الحديث: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، وإن وقعت فيه أي نجاسة لم تنجسه على الإطلاق، لكن الإجماع على أنه لو تغير أحد أوصافه يكون نجساً.
ومفهوم الحديث: إذا كان الماء أقل من قلتين فالحكم يختلف، الأول: لم يحمل الخبث، وهذا يحمل الخبث، فإذا كان الماء أقل من قلتين ووقعت النجاسة فيه ولو قطرة بول، فعند الشافعية ينجس.
الدليل الثاني: الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً)، ثم علل وبين الحكمة فقال: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، قال الشيخ أحمد شاكر: إذا كان الخلاف في اللغة فقول الشافعي حجة، فقد كان من العرب الأقحاح، قال الشافعي: العلة أنهم كانوا يستطيبون بالحجارة، أي: كانوا يستجمرون بالحجارة، والاستجمار بالحجارة ينقي المحل من العين ويبقى الأثر، فإذا نام تعرق لأن بلادهم حارة، فإذا حك بإصبعه محل النجاسة فإنه سيعلق بإصبعه شيء من النجاسات، وهذه النجاسة يسيرة جداً لا يمكن للإنسان أن يراها، فإذا قام وقد علقت بأصابعه النجاسة، ووضع يده في الإناء، فإن هذا الماء الذي في الإناء سيكون حكمه النجاسة، ووجه الدلالة من الحديث: عدم التفصيل، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما قال في حديثه: فإن تغير الماء فلا يجوز استعماله، وإن لم يتغير فيجوز استعماله، بل أطلق وقال: (لا يضع يده)، سواء تغير، أو لم يتغير، فيكون حكمه واحداً وهو: النجاسة.
الدليل الثالث: قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً)، وفي رواية: (إحداهن بالتراب)، أو قال: (طهارة إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً) وفي رواية: (فأهرقه) فأمر بإلقاء الماء لأنه قد فسد بالنجاسة، وهذه النجاسة جاءت من ولوغ الكلب في الإناء، فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لم يقل: لو تغير الماء فألقوه، وإن لم يتغير فأبقوه، ما فصل، فهذا وجه استدلالهم بهذا الحديث.
الدليل الرابع: حديث الهرة، فقد كان أحد الصحابة يتوضأ من الإناء، فجاءت هرة لتشرب فقرب لها الإناء، فدخلت زوجة ابنه فاندهشت ونظرت إليه، فقال لها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم)، فوجه الدلالة عند الشافعية من هذا الحديث: أن ولوغ القط في الإناء القليل لا ينجسه، ولو كان نجساً لنجسه، بدليل قوله: (إنها ليست بنجس)، فمفهوم المخالفة أنه لو كان سؤر القط نجساً، وشربت من الإناء فإنه ينجس سواء تغير أو لم تغير.
قالوا: هذه أدلة من الأثر، أما من النظر: فإن يجعلنا نفرق بين الماء القليل والماء الكثير أن المشقة تجلب التيسير، فلما كان حفظ وصون الماء القليل يسير على الناس شددنا عليهم في الأحكام، فقد قال الشرع: لا بد أن تحفظوا ماءكم من النجاسات، فإن لم تحفظوا فقد فرطتم، فيكون الحكم عليكم شديداً، وهذا الماء ينجس، وإن كان كثيراً يشق عليكم حفظه يسرنا عليكم في الأحكام.
والمالكية خالفوا في هذا، وعندهم أدلة قوية جداً، حتى إن الغزالي وهو من الشافعية قال: ليت الشافعي قال بقول مالك في المياه، وهذا الكلام لا يؤخذ به ولا يعتبر، بل فحول الشافعية يرون أن مذهب الشافعي هو الصحيح، والدليل معه، والمالكية يستدلون بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور)، يعني سواء كان قليلاً أو كثيراً (لا ينجسه شيء) قالوا: هذا عام في القليل والكثير، واستدلوا أيضاً بحديث الأعرابي الذي بال في ناحية المسجد، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزرموه، وأهريقوا عليه ذنوباً من ماء) وذنوب الماء قليل، وهو يطهر النجاسة، فكيف تفرقون بين القليل والكثير؟! قالوا: ولو التقى الماء القليل مع البول سينجس؛ لأن عندكم أن الماء القليل لو لاقى نجاسة ينجس، وسنبين الرد على هذا نزولاً عند رغبة الإخوة، ففي هذه المسألة سنتوسع بذكر الخلاف فيها، وسنبين الرد على المخالف إن شاء الله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
(6/4)

شرح متن أبي شجاع - الماء النجس
لقد اشتد النزاع بين الفقهاء في مسألة ملاقاة الماء للنجاسة، فمن قائل بالتفريق بين القليل والكثير، ومن قائل بالبقاء على الأصل وهو الطهارة ما لم يتغير، ومن قائل بغير ذلك، والناظر في هذا الاختلاف يجده اختلافاً مبنياً على الأدلة وبعضه على التعصب والهوى، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
(7/1)

الماء النجس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد.
حديثنا عن القسم الثالث، وسنتحدث عنه باستفاضة، ونتعرض للخلاف مع المالكية والترجيح في ذلك.
القسم الثالث: الماء النجس، وهو الماء الذي لاقته نجاسة سواء كانت دقيقة أم جليلة.
وقد أجمع أهل العلم كما نقل ابن المنذر: أن الماء الطهور إذا لاقى نجاسة فغيرت وصفاً من أوصافه: طعماً أو رائحة أو لوناً فإن هذا الماء يصير نجساً بالتغيير.
وهذه أدلة وآثار وإن كانت ضعيفة، لكن الإجماع انعقد على صحة معناها: حديث ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير من طعمه أو لونه أو ريحه) فهذه الزيادة: (إلا ما غير من طعمه أو لونه أو ريحه) اتفق المحدثون على ضعفها، لكن أجمع أهل العلم على صحة مقتضى هذا الكلام: أن الماء إذا تغير وصف من أوصافه فإن هذا التغير يؤثر فيه سلباً وإيجاباً، فهو نجس، فإذا لاقى الماء الطهور الباقي على أصل خلقته طاهراً كالصابون أو الزعفران أو الورد وأثر فيه فغير طعماً أو لوناً أو ريحاً فإنه يصير طاهراً، وإذا لاقى نجاسة صار نجساً، والفرق بينهما: أن الماء النجس ينجس غيره إذا استعمل، بمعنى: أن الرجل إذا أراد أن يتوضأ بماء وظهر أن هذا الماء نجس قلنا له: إنه لا بد في مواضع الوضوء أن تمرر عليها ماءً مطلقاً حتى تزيل هذه النجاسة؛ لأنك تلبست بنجاسة.
أما إذا كان ماء وصابوناً فتوضأ بالماء والصابون عند من يقول: إن هذا الماء طاهر وليس بطهور، فإنا لا نقول شيئاً غير أنه يعيد الوضوء، فإذا ارتقى الماء مثلاً إلى ثيابك أو شعرك أو جسمك أو رجلك أو موضع من مواضع جسمك فلا تمرر عليه الماء فلست مطالباً بذلك؛ لأن الطاهر مر على جسدك ولك أن تصلي.
أما الثاني: وهو الماء النجس: فإنه إذا أصاب ثوبه وصلى وهو يعلم أن ثوبه قد انصبغ بالماء النجس فإن صلاته لا تصح وهذه ثمرة الخلاف، حيث نقول: يتفقان ويفترقان، فيتفقان في أن الماء الطاهر يتفق مع الماء النجس في عدم صحة الطهارة به لا في رفع الحدث ولا في إزالة النجس، بل لا بد من ماء مطلق خلاف الأحناف، فالأحناف يقولون: بأن المائعات تزيل الأنجاس، فالصحيح: أنهما يتفقان في إزالة النجاسة، في أن النجس إذا أصاب ثوباً أو أصاب موضعاً وجب غسل هذا الموضع؛ لأنه أصابته نجاسة فلا يصح الصلاة به، وأما إذا أصاب الماء الطاهر الجسد أو الثوب صحت الصلاة لو كان متوضئاً.
والغرض المقصود هو: هل تصح إزالة النجاسة بالماء أم لا؟ لأن هذا قول الأحناف، وقد رجحه أيضًا شيخ الإسلام، والخلاف ضعيف جداً، والقول الحق هو قول الجمهور: أنه لا تصح إزالة النجاسة إلا بالماء حتى ولو كان بالشمس، يعني: لو وجد النجاسة على ثوب والشمس كانت عليه فاستحالت النجاسة، يعني: إذا كانت النجاسة تتحول من النجاسة إلى شيء آخر فهل تصح أم لا؟ وهذا بحث قوي جداً في استحالة النجاسة: فهل تبقى النجاسة على ما هي عليه بعد تحول العين إلى عين أخرى؟ مثال ذلك: خنزير مات في مكان فيه ماء أو مكان فيه ملح فتحولت عين الخنزير من الخنزير إلى ملح فصار ملحاً، وهذا التحول ممكن في الواقع، وهو سهل جداً، فهل يصير بهذه الاستحالة طاهراً أم نجساً؟ وهي مسألة وعرة وليست بالهينة والخلاف فيها شديد.
(7/2)

مذهب الشافعية في الماء إذا لاقى نجاسة وأقوال مخالفيهم
وفي موضع الكلام على النجاسة إذا لاقت الماء الطهور كأن تقول: وقعت قطرة خمر -عند من يقول بنجاسة الخمر- على ماء، فمذهب الشافعي: أن الماء إذا لاقى نجاسة -سواء كان حوضاً كبيراً أم إناءً صغيراً- فغيرت وصفاً من أوصافه طعماً أو لوناً أو ريحاً صار الماء نجساً وهذا بالإجماع كما قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بملاقاة النجاسة صار نجساً، واستند بذلك على الإجماع وليس على الحديث، فالحديث ضعيف ولا حجة في الأحاديث الضعاف بأي حال من الأحوال.
أما إذا كان الماء قليلاً فهذا هو موضع المعترك بمعنى: لو أن ولداً صغيراً مثلاً دخل إلى حوض لرجل أراد أن يغتسل فبال في هذا الحوض، وهذا الماء كما هو لم يتغير، ودخل الرجل يريد الاغتسال وما عنده إلا هذا الماء المخزون فهل يصح أن يغتسل من هذا الماء وهو لم يتغير مع أن النجاسة لاقته؟ المذهب الشافعي يقول: الماء القليل إذا لاقته نجاسة غيرت أو لم تغير فيه فإنه نجس، أي: أنه لا يصح رفع الحدث به، ولا تصح إزالة النجاسة، بل ولا يصح استعماله بحال من الأحوال، وعليه إراقة هذا الماء، ودليلهم: حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) قالوا: وهذا منطوق، والمفهوم: أنه إذا كان أقل من قلتين حمل الخبث: أي: ما استطاع أن يدفع الخبث عن نفسه إذا لاقته النجاسة فاستقرت فيه، وذابت جزيئاتها في جزئيات الماء فصار حكمه نجساً.
لكن الأحناف شددوا الوطأة عليهم وقالوا: المنطوق الذي تستندون إليه ليس لكم فيه ناقة ولا جمل، فمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) يعني: لم يتحمل، أي: لو كان قلتين فوقعت فيه نجاسة لم يتحمل النجاسة وأثرت فيه ونجسته، فكيف تفرقون بين قلتين وبين غيره؟ فهم يطعنون في الشافعية من أجل القلتين وإلا فهم يقولون أيضًا بالقليل والكثير، لكنهم قالوا: إن هذا الماء لا يمكن أن يتحمل النجاسة، ولا يمكن أن تؤثر فيه فقلنا لهم: هذا الكلام وإن كان له احتمال لكن احتماله ضعيف جداً، وعندنا عمدة من الأدلة التي نعتز بها أو نعض عليها بالنواجذ منها: الرواية الأخرى التي جاءت عن النبي قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) وهذا صريح في المقام وهو رد قاطع على الأحناف، والحديث يفسر الحديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم ينجس) فقول الأحناف لم يتحمل الخبث قولٌ خطأ؛ فقد فسره الحديث الثاني، فقال: (لم ينجس)، أي: لم يحمل النجاسة أو لم تؤثر فيه النجاسة.
قالوا: والدليل الثاني في التفريق بين القليل والكثير: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما أو حتى يغسلها ثلاثاً) قالوا: وهذا ليس تعبدياً بل هو معلل، والعلة قالها النبي صلى الله عليه وسلم إشارة: (لأنه لا يدري أين باتت يده) وهذا فيه إشارة وتلميح من النبي صلى الله عليه وسلم على أن الحديث له علة، والعلة: أن يده من الممكن أن تمس أثر النجاسة لأنهم كانوا يستطيبون بالأحجار، فيزيلون العين ويبقى الأثر، فمن الممكن أن تحتك الأصابع أو اليد بالجسد فتؤثر، أو يعرق المرء فتلمس النجاسة، وهذه النجاسة ستكون غير ظاهرة، فلو وضع يده في الإناء الذي ماؤه ليس كماء البحر، وإنما هو ماء قليل، فإذا وضع يده في ماء قليل فإنه سيتغير وصف من أوصافه؛ فسيضع يده التي تحمل النجاسة فتنجسه.
فإذاً: -قالوا: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بألا يضع يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، وبيان العلة أو الإشارة إلى العلة في آخر الحديث: (لأنه لا يدري أين باتت يده) يدل على التفريق بين القليل وبين الكثير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل بلغ أو لم يبلغ، تغير أو لم يتغير، قال: (في الإناء) والإناء هذا إشارة إلى أن الماء قليل، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: إذا غير فهو نجس، وإن لم يغير فليس بنجس، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم قولاً، فدل على أن الحكم واحد سواء غير أم لم يغير.
فقوله: (لأنه لا يدري أين باتت يده) فيه: إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم أنها لو باتت في مكان نجس فستنجس هذا الماء، لكن المالكية لم يجدوا قولاً قوياً يردوا به إلا أن قالوا: لا نوافق على أن الحديث معلل، بل الحديث تعبدي، وهذه الأعمال تعبدية كالأربع ركعات في الظهر والثلاث ركعات في المغرب، قلنا: القاعدة عند علمائنا: إذا دار الحكم على التعليل أو على التعبد وجب حمله على التعليل لا التعبد؛ لأن الله في أكثر من حكم يخاطب العقول (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، فدل ذلك على أن الله يخاطب العقول ويعلل الأحكام، وهذه حكمة من الله جل في علاه حتى تزداد الإيمانيات، فإذا دار حكم الحديث على التعبد أو على التعليل وجب حمله على التعليل، هذا هو الأولى والصحيح، فإذاً نقول لهم: إذا قلتم: يحمل على التعبد قلنا لكم: قد أشار النبي صلى الله عليه وسلم بالتعليل عندما قال: (لا يدري أين باتت يده)، قالوا: وهذا تفريق بين القليل والكثير.
قالوا: الدليل الثالث: حديث (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) في رواية قال: (فليرق هذا الماء لما يصيبه)، فيريقه مع أن إتلاف المال لا يجوز، لكن يريقه؛ لأنه تنجس، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فتغيرت أحد أوصافه فليرق هذا الماء، أو قال: إن لم تتغير أحد أوصافه فعليكم بالماء واستخدموه، بل قالها مطلقاً، فدل على استواء كلا الحالتين، قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعاً ويعفره الثامنة بالتراب -أو قال: أولاهن بالتراب، أو قال: عفروه الثامنة بالتراب أو آخرهن بالتراب-)، ففيه دليل: على أن الماء القليل تنجس لما ولغ فيه الكلب، وهذا تعضيد لمن يقول بالتفريق بين القليل والكثير.
أيضًا الحديث الرابع وهو: حديث الهرة: (عندما قرب صاحب الهرة الإناء لها لتشرب منه فنظرت زوجة ابنه مندهشة، فقال: لم تندهشين؟ أو قال: لا تعجبين يا بنيتي! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، أي: أنها ليست بنجس، وهذا ظاهر الدلالة، إذاً: يبقى مفهوم المخالفة: فلو كانت الهرة نجسة لكان لعابها نجساً، ولو كان نجساً لنجس الإناء، فهذه دلالة واضحة أيضًا لهم في التفريق بين القليل والكثير.
ومن الأحناف طائفة تقول: نحن نفرق كما تفرقون، لكنا لا نقول بقولكم، فنحن نقول إن التحديد في القليل والكثير بتحريك الماء، بمعنى أننا إذا وقفنا على حافة البئر حركنا طرف البئر من هنا فإذا تحرك في آخره فهذا ماء قليل، فإذا وقعت النجاسة فيه فقد نجس، وإن لم يتحرك فهذا ماء كثير، فإن النجاسة لو وقعت فيه لم تنجسه، وهذا الخلاف لا نريد أن ندخل فيه حتى لا نشوش عليكم، فنبقى في الخلاف القوي أفضل.
أما قول المالكية في ذلك فقد جاءوا بأدلتهم وهي من القوة بمكان، فقالوا: لا نقبل قولكم، بل عندكم من قبل قولنا وتمنى أن الشافعي قال بقولنا، كما قال الغزالي: تمنيت لو أنه رجع الشافعي إلى قول مالك في هذه المسألة، وما ذلك إلا للتأثير القوي والنظر الدقيق في هذه المسألة، ودليلهم هو قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث بئر بضاعة) (عندما سألوه: يا رسول الله! بئر بضاعة يلقى فيه الكلاب والنتن والحيض أو قالوا: المحايض؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شيء) فالماء: اسم جنس معرف بالأل واللام يطلق على الماء القليل والماء الكثير، ورد الشافعية عليهم وقالوا لهم: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الماء ليس على العموم؛ لأن هذه القصة حدثت في بئر بلغ القلتين وأكثر من القلتين، كما قال أبو داود: إنه طاف على بئر بضاعة فألقى رداءه فكان ذراعاً وربعاً عمقاً وذراعاً وربعاً طولاً وذراعاً وربعاً عرضاً؛ ولذلك قيد الشافعية القلتين: بخمسمائة رطل عراقي أو خمس قرب، وقالوا: هذا مخصوص، وقد رد عليهم المالكية بقولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يهمنا بئر بضاعة أو غيره فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الماء عموماً، أي: كل الماء قليلاً كان أو كثيراً، واجتمعنا نحن وأنتم على ما غيّر طعماً أو لوناً أو رائحة، وهذا أول دليل.
أما الدليل الثاني للمالكية -وهذا الدليل أقوى من الأول- ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: (دخل أعرابي المسجد فبال في ناحية المسجد فهم الصحابة بقتله، وقام الصحابة عليه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزرموه -أي: لا تقطعوا عليه بوله، اتقوا الله وكونوا رفقاء بأصحابي -ثم قال: أهريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو قال: ذنوباً من ماء)، والذنوب هذا: إناء فيه قليل من الماء، فقوله: أهريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من الماء، قالوا: وهذا واضح الدلالة بأن الماء القليل إذا لاقى النجاسة فحكمه حكم ماء الطهارة إلا إذا تغير طعم أو لون أو رائحة، ووجه الدلالة عند المالكية قالوا: فقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بطهارة المحل، وطهارة المحل هذه جاءت بملاقاة الماء القليل لهذا البول الكثير، فلاقى الماء القليل الكثير من البول، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بطهارة المحل؛ لأنه أباح لهم الصلاة بعد ذلك، فلما حكم بطهارة المحل دل على أن الماء القليل إن لم يتغير أوصافه ولاقى نجاسةً فإنه لا يصير حكمه حكم النجاسة.
وقد رد المالكية على أدلة الشافعية في ذلك فقالوا: أنتم تحتجون أولاً بحديث: إذا بلغ الماء قلتين، وهذا عمدة أدلتكم، فالرد عليكم من وجهين: (الوجه الأول: هذا الحديث ضعيف ولسنا
(7/3)

الرد على أدلة المالكية في قولهم بعدم تنجس الماء
لكن انتصاراً للمذهب لا تقليداً فالصحيح الراجح هو القول الأول: قول الشافعية؛ لأن هذا الذي تلتئم به شمل الأحاديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بين القليل وبين الكثير في قوله: (لا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) فيه تفريق بين القليل وبين الكثير، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).
أيضًا تفريق بين القليل وبين الكثير وهذا ظاهر جداً.
وأما الأدلة الثانية التي جاءت عامة كقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فسنرد عليها ثم نرد على الأدلة الأخرى، فأما قولكم بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء) وافقناكم على ذلك وقلنا هذا حديث عام، وحديثنا: إذا بلغ الماء القلتين خاص فالمفهوم الخاص هذا يخصص العموم في حديث الماء، فهو لا ينجسه شيء بمعنى: أن الماء كل الماء قليلاً كان أو كثيراً (الماء طهور لا ينجسه شيء) ويأتي مفهوم المخالفة بحديث (إذا بلغ الماء قلتين) فنقول: عندنا قاعدة أصولية: وهي أنه إذا تعارض عام مع خاص فلا بد أن يتقدم الخاص على العام، فنقول: معنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور) يعني: إن كان فوق القلتين فهو طهور لا ينجسه شيء، فإذا وقعت النجاسة في الماء الذي بلغ القلتين فلم تغير أحد أوصافه فهو طهور لا ينجسه شيء، فقد خصصنا هذا العموم بمفهوم (إذا بلغ الماء قلتين)، وهذا صحيح أصولياً: إذ العام لا يتعارض مع الخاص ويقدم الخاص على العام.
قلنا: وقد رددتم على أدلتنا بتعارض المنطوق مع المفهوم، وقلنا: هذا جيد، إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدم المنطوق على المفهوم، لكن هناك شيء آخر لا بد أن تدركوه ألا وهو: أن المنطوق والمفهوم لهما تعامل أولاً، فإذا استطعنا الجمع بين المنطوق والمفهوم فالجمع مقدم على الترجيح؛ لأن القاعدة عند العلماء: إعمال الكلام أولى من إهماله؛ لأنك لو قلت بعموم هذا الحديث طرحت خصوص الحديث الثاني، وإذا قلت بالخصوص طرحت العموم، فأنت تجمع بين الاثنين، فتقول: يعمل العام في مجاله، ويعمل الخاص في مجاله، فنحن نقول: إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدمنا المنطوق إلا إذا استطعنا التوفيق بين المنطوق وبين المفهوم، وبذلك يمكن جمعه بأن يعمل العام في عمومه، فيقال: الماء طهور لا ينجسه شيء إذا كان فوق القلتين فوقعت فيه النجاسة فلا نحكم بنجاسته حتى يتغير وصف من أوصافه، ونعمل بالخصوص أيضًا إن كان أقل من القلتين فإننا نحكم بنجاسته إذا لاقى نجاسة.
والرد على الحديث الثاني وهو حديث بول الأعرابي هو من القوة بمكان، فنقول: الحمد لله أننا من أهل الإسلام، وندور مع الإسلام حيث دار، وندور مع الآثار حيث دارت، والشرع هو الذي قال: لا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً خوفاً من ملاقاة النجاسة؛ لأنه لا يدري أين باتت يده، والشرع هو الذي أمر بصب ذنوب الماء على البول، فنحن نقول لكم: نحن مع الرسول حيث ما اتجه، فقد اتجه أولاً: بألا نضع أيدينا في الإناء حتى لا ينجس الإناء وقلنا به، واتجه ثانياً عندما كان البول في الأرض أن تصب عليه الماء، ونحن قلنا بهذا، فإذا كنا نحن نفرق بين القليل وبين الكثير فنحن نفرق كذلك بين ورود النجاسة على الماء وبين ورود الماء على النجاسة، فإذا قالوا: هل الورود مؤثر؟ قلنا: لا ليس الورود هو المؤثر، بل النجاسة إذا وردت على الماء، أو سقطت على الماء كان لها قوة على زج جزيئاتها في جزيئات الماء فتؤثر في الماء حكماً، فلو أن الماء في إبريق فصببناه النجاسة فإنه سينزل دفعة واحدة فيتدفق تباعاً، فإذا ورد الماء على النجاسة تباعاً فإن الدفعة الأولى ستفتت جزيئات النجاسة، والدفعة الثانية تضيع هذه العين أو الأثر، ثم تأتي الثالثة فتنهي أو تغمر هذه الجزيئات القليلة في الدفعات التي تتوالى فيبقى المكان أو المحل طاهراً، فإذا ورد الماء على النجاسة كانت له قوة دفع، ولذلك قال العلماء: إن الماء يغير الماء بطرائق كثيرة منها: أن الماء يتغير بالمكاثرة؛ لأن له قوة يدفع بها النجاسة عن نفسه، أما رأيت أنه يدفع النجاسة عن نفسه إذا بلغ القلتين، فهذه قوة في الماء، فالماء إذا انصب أو ورد على النجاسة كانت له قوة دفع النجاسة وتفتيتها، فتنغمر ولا تظهر أبداً في الماء، أما إذا سقطت النجاسة في الماء فقبعت في القاع فقد تحللت جزيئاتها في جزيئات الماء، فإذاً: نحن أسعد الناس بالأدلة والآثار، وندور مع الآثار حيث دارت، أولاً: مع أثر النبي في ألا يضع يده في الإناء؛ لأن النجاسة لو سقطت فستتحلل وتحول حكم الماء، وأيضًا مع الرسول حينما قال صبوا عليه ذنوباً من الماء؛ لأن الماء له قوة دفع، فسيدفع هذه النجاسة ويفتتها فلا تتحلل جزيئاتها إلا في الدفعة الأولى، ثم يأتي والباقي على محل طاهر فيبقى المحل طاهراً، إذاً هذا الحديث هو عمدة أدلتهم وقد انهار بفضل الله، فتسلم لنا الأدلة ويسلم لنا قول المذهب بالتفريق بين القليل وبين الكثير، وإن كان بعض الحنابلة قد قال بعدم التفريق، وقال بقول مالك، لكن المحققين في مذهب الإمام أحمد يقولون بقول الشافعي في التفريق بين القلتين وبين غيره، وانظر في المغني وغيره في الإنصاف فستجد أن المحققين من الحنابلة يرجعون لهذا القول؛ لأن هذا القول أقوى من ناحية الأثر والنظر، فنحن نقول لهم: إن ناحية النظر أيضًا معنا؛ لأن القاعدة عندنا وعندكم: أن الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق، والمشقة تجلب التيسير، فقلنا لهم: لما كانت المشقة في مسألة القلتين تصب على البول الذي باله الأعرابي فإن الناس لن يصلوا على الأرض، بل سيصلون وهم يسبحون، فنقول: هذه مشقة على الناس أن يفعلوا ذلك، فجاء الحكم بالتخفيف، وقال: أوردوا الماء على النجاسة فإن ورود الماء على النجاسة له قوة دفع يدفع النجاسة والعكس بالعكس، فلما كان الإناء يمكن حفظه قيل له: سقطت فيه النجاسة وأثرت فيه؛ لأنه يمكن أن يحفظه، والمشقة تجلب التيسير، فتسلم بذلك الأدلة، ويبقى لنا الدليل ناصع البياض ظاهراً لا تشويش عليه، فإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث في التفريق بين القليل وبين الكثير.
(7/4)

شرح متن أبي شجاع - النجاسة المؤثرة وغير المؤثرة
النجاسة نوعان: مؤثرة وغير مؤثرة، ومن النجاسة غير المؤثرة: ما لا ترى بالعين لصغرها، فهذه يعفى عنها، والقول بوجوب غسلها فيه حرج، والقاعدة الشرعية: أن المشقة تجلب التيسير.
(8/1)

مذهب الشافعية في الماء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد ذكرنا أن المياه ثلاثة أقسام: قسم طهور طاهر في نفسه مطهر لغيره, وقسم طاهر في نفسه غير مطهر لغيره, وقسم نجس.
وذكرنا أن المذهب هو التفريق بين الماء القليل والكثير, وحد القلة والكثرة عند الشافعية هو: القلتان.
فمذهب الشافعية: أن الماء إن كان قليلاً ووقعت فيه نجاسة تنجس, سواء تغير أم لم يتغير, فلا نظر إلى التغير, بل النظر إلى القلة والكثرة، وإذا بلغ الماء قلتين فالنظر للتغيير, فإن تغير أحد أوصاف الماء من طعم أو لون أو رائحة بخس وإلا لم ينجس.
(8/2)

النجاسة المؤثرة وغير المؤثرة
كل نجاسة وقعت في الماء الكثير وغيرت له طعماً أو لوناً أو رائحة فقد نجسته, وإن كان قليلاً ولم تغيره فقد نجسته أيضاً, إلا النجاسة اليسيرة المعفو عنها, فإذا وقع الذباب على شيء نجس ثم طار ووقع على ثوب فإنه لا بد أن يكون قد حمل من النجاسة على الثوب، فإذا دقق المرء النظر في الثوب لن يجد علامة للنجاسة, وهذه نجاسة غير مرئية، فهل يصير الثوب بذلك نجساً لا بد من غسله؟ أيضاً هل الماء إن كان أقل من قلتين ووقعت الذبابة على هذا الماء فهل يصير بذلك نجساً أم لا؟ ففي المذهب ستة أقوال في هذه المسألة، فمنهم من يفرق بين الماء والثوب, ومنهم من يقول بالنجاسة على الإطلاق، ومنهم من يقول بالطهارة على الإطلاق.
والقول الراجح من المذهب هو أن الذباب إذا وقع على الماء أو وقع على الثوب فالثوب طاهر والماء طهور، والدليل على ذلك أدلة كلها نظرية تستقى من أدلة أثرية منها: قاعدة اليسير يعفى عنه, وهذه القاعدة مستقاة من مقاصد الشريعة، فلو أمرناه بغسل الثوب الذي وقع عليه الذباب، فقد ألحقنا به المشقة، لا سيما والذباب يقع في الثوب في كل وقت، والله عز وجل يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286].
وأيضاً المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع، ولو أمرنا المكلف بإلقاء الماء الذي وقع عليه الذباب أتلفنا الماء وإن أمرناه بغسل الثوب شققنا عليه، والله جل وعلا يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج:78]، وهذا مما عمت به البلوى, فالمسألة كلها دائرة على رفع الحرج، وعلى أن المشقة تجلب التيسير، ولذلك قال العلماء: يغتفر في الفرع ما لا يغتفر في الأصل، واليسير يغتفر، فمثلاً وجد 1% من الكحول في الطيب والباقي كله روائح فنقول: هذه النسبة تغمر في هذه الكثرة، بل تتفتت في هذه الكثرة، فيغتفر اليسير، فالصحيح الراجح أن نقول: هذه النجاسة نجاسة يسيرة تغتفر، وهذا ما مال إليه النووي وغيره، فاليسير من النجاسات التي لا يراها الإنسان بطرف عينه تغتفر، ولا يكلف المرء بغسل المحل.
(8/3)

حكم ما لا نفس له سائلة إذا وقع في الماء
الحيوان ضربان: الضرب الأول: ما له نفس سائلة كبهيمة الأنعام، وما لا نفس له سائلة كالبراغيث والنحل والنمل والذباب، فهذه لا نفس لها سائلة، أي: لا دماء لها سائلة, والراجح عند الشافعية: أنه إذا وقع الذباب في الإناء فغمسته فإنه لا ينجس الماء؛ لأن المشقة تجلب التيسير، ونحن نقول: الذباب ليس بنجس، والأدلة على ذلك: الحديث الذي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) وفي سنن أبي داود قال: (فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) أي: يقدم جناح الداء, والأبحاث الطبية أظهرت أنه يقدم جناح الداء، فوجب عليك أن تغمسه، ومن لم يفعل ذلك أثم، ولو مات من ذلك الداء فحكمه حكم قاتل النفس؛ لأنه قد خالف شريعة الله جل في علاه, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فليغمسه فإن في أحد جناحيه الداء وفي الآخر الدواء وإنه يتقي بالداء)، وإذا غمس الذباب في الإناء فالذباب لا بد أن يموت، قال الشافعي: هو ميتة، وقد قال الله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145]، والرجس عائد على كل ما ذكر، فالميتة نجسة، لكن نقول: هذا الكلام خطأ؛ لأنه مخالف لصريح إباحة النبي صلى الله عليه وسلم بأن يغمس الذباب في الإناء، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم بأنه إذا غمس الذباب في الماء فإنه سيكون ميتة، وهذا الماء لا يصير نجساً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه يباح أن تأكل هذا الطعام أو أن تشرب هذا الشراب, فدل على أن هذه الميتة لا تنجس الماء لأنها ليست بنجس, وهل يصح أن يؤكل الذباب؟ لا يصح؛ لأنه مستقذر، وبعض العلماء فصل فقال: الحيوان الذي لا نفس له سائلة ضربان: ضرب يكون أجنبياً عن الطعام والشراب كالذباب والنحل والنمل, وضرب يكون من الطعام كدود التمر مثلاً، فإذا أكل مع الطعام يجوز وهو ليس بنجس، أما بالنسبة للنمل والنحل ونحوهما فنقول: هذه مستقذرة لا تؤكل، لكن الراجح أنها ليست بنجس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم) , فأباح الغمس وهو يعلم أنها ستموت.
(8/4)

حكم تغير الماء بوقوع الذباب فيه
إذا وقع الذباب الذي يحمل النجاسة على الماء فغمسه المرء فتغير فما حكم هذا الماء؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه)، وقد رجحنا أن الذباب ميتة وهو ليس بنجس, ومثله الدود الذي في الجبن أو في التمر، فهذا ليس بنجس، بل يجوز أن يؤكل مع ذلك الطعام تبعاً.
والإمام النووي وغيره يقول في هذه المسألة: ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، فإذا تغير الماء تغير بنجس، فإذاً لا يصح استعماله، ونحن رجحنا أن ما لا نفس له سائلة ميتة طاهرة، فيكون الماء تغير بطاهر، فيصير الماء طاهراً, ووقوع النجاسة من الذباب في الإناء له ثلاث حالات: الحالة الأولى: مرت الذبابة على نجاسة وهذه النجاسة يسيرة، فوقعت على الماء وكادت تموت ثم طارت، فنظر الناظر فوجد الماء قد تغير, هذه الحالة الأولى.
الحالة الثانية: لم تقع الذبابة على النجاسة، ثم سقطت في الماء فماتت فيه فغيرته.
الحالة الثالثة: وقعت في النجاسة ثم وقعت في الماء فماتت فلم تغيره.
حكم الحالة الأولى: ينجس الماء؛ لأنه تغير بنجاسة، وهذا بالاتفاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته).
حكم الحالة الثانية: إن لم يتغير الماء فالراجح في المذهب أن الماء طهور, يصح استعماله؛ لأن هذه نجاسة لم تر بالطرف فهي يسيرة، واليسير معفو عنه، أما إن غيرت الماء فالمسألة على قولين في المذهب: القول الأول: أن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، فلما غيرت الماء صار الماء نجساً, والراجح: أن ميتة الذبابة طاهرة وليست نجسة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح غمس الذباب في الماء وشرب الماء، فهي طاهرة وليست بنجسة, فيكون الماء قد تغير بطاهر، فينتقل من الطهور إلى الطاهر، فصار ماء طاهراً لا يمكن استعماله في رفع الحدث أو إزالة النجاسة، لكن يمكن استعماله في أمور أخرى, في اغتسال تبرد أو الشرب، وهذا هو الراجح.
حكم الحالة الثالثة: إذا ماتت ولم تغيره فهو باق على أصل خلقته، فحكمه الطهورية.
(8/5)

أدلة الشافعية في نجاسة ما لا نفس له سائلة والرد عليها
في المذهب أن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، لقول الله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:145]، ولحديث: (أحلت لنا ميتتان الجراد والحوت)، ولم يذكر ما لا نفس له سائلة.
والجواب عن قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام:145]: أن هذا ميتة ما له نفس سائلة، والجواب عن حديث: (أحلت لنا ميتتان الجراد والحوت) أن المعنى: أحلت لنا ميتتان في المأكول الذي له نفس سائلة، وليس فيما لا نفس له سائلة.
(8/6)

الماء المتنجس يطهر بالمكاثرة
الماء يطهر بالمكاثرة، وهذه مسألة تطهير الماء, فالماء قسمان: ماء قليل، وماء كثير، وحد القلة والكثرة عندنا القلتان, فإذا وقعت نجاسة في ماء أقل من القلتين فإنه ينجس، فإذا أردنا أن نطهر هذا الماء فإننا نطهره بالمكاثرة، فنزيد فيه من الماء حتى يبلغ ذراعاً وربع ذراع عمقاً وطولاً وعرضاً، فإذا بلغ القلتين وصار صافياً لا نرى فيه تغيراً فهو طهور؛ لأنه لم يتغير أحد أوصافه, وإذا وجدناه متغيراً بعد ما بلغ القلتين فما زال نجساً، فإذا زدنا فيه من الماء حتى زال التغيير فإنه يكون طهوراً.
قال الماوردي في الحاوي: والفارق بين الماء والمائع: أن الماء يطهر بالمكاثرة، والمائع لا يطهر بالمكاثرة.
وأما شيخ الإسلام وغيره فلا يفرق بين الماء والمائع في المكاثرة، فلو وقعت النجاسة في السمن أو الزيت فيجوز عنده أن يزيد الزيت بزيت آخر حتى يزيل تغيره فيطهر، والصحيح: أن المائعات تختلف عن الماء، فإن الماء له قوة دفع النجاسة عن نفسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، فهو يدفع الخبث عن نفسه.
وأيضاً: الماء يطهر غيره، والمائعات ليست كذلك، فالماء يطهر غيره وله قوة تطهير نفسه بالمكاثرة.
والماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغيره فحكمه الطهورية فيصح استعماله في رفع الحدث وإزالة النجس.
ويمكن أن يطهر الماء الذي وقعت فيه النجاسة فغيرته بالنزح، فينزح منه حتى تزول النجاسة، مثاله: وقعت نجاسة في بئر فغيرته، فننزح بالدلو من هذا البئر حتى نرى الماء لم يعد متغيراً، فيطهر إن كان أكثر من قلتين، ويكون طاهراً مطهراً، وإن كان أقل من قلتين فلا يطهر.
ويمكن أن يطهر الماء الذي وقعت فيه نجاسة فغيرته بطول المكث، فإن له قوة دفع النجاسة عن نفسه.
(8/7)

حكم الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة
الماء الراكد إما أن يكون أقل من قلتين أو أكثر من قلتين، فإن كان أقل من قلتين ووقعت فيه النجاسة فهو نجس سواء غيرته النجاسة أم لم تغيره، فلا يصح استعماله، وإذا كان فوق القلتين ووقعت فيه نجاسة فإننا ننظر فإن غيرت فيه وصفاً من الأوصاف الثلاثة فهو نجس، وإن لم يتغير فهو طهور يصح استعماله.
وإذا كان الماء الراكد فوق القلتين, ووقعت فيه نجاسة فغيرت طرفاً منه والطرف الآخر لم يتغير, فما حكمه؟ هذا فيه تفصيل: ننظر الطرف المتغير والطرف الغير متغير، فإن كان بين الطرف الذي تغير والآخر قلتان أو هو نفسه قلتان فنقول: إن لم يتغير فهو باق على الطهورية؛ لأن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث, وإن كان أقل من القلتين والمسافة أقل من القلتين فنحن لا نعتبر في الأقل من القلتين التغيير، فإذا وقعت فيه النجاسة نجس كله.
(8/8)

حكم الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة
الجرية في الماء الجاري تصل إلى القلتين وقد لا تصل إلى القلتين, فالقليل إذا وقعت فيه نجاسة فغيرته أو لم تغيره فهو نجس، والكثير إن لم تغيره النجاسة فهو على أصل خلقته وحكمه الطهورية، وهذا إذا كانت الجرية نفسها تبلغ قلتين طولاً وعمقاً.
(8/9)

شرح متن أبي شجاع - الأعيان المتنجسة وما يطهر منها [1]
تنقسم الأعيان إلى: أعيان طاهرة، وأخرى نجسة، والأعيان النجسة إلى: أعيان نجسة بذاتها، وأعيان متنجسة، فمن الأعيان النجسة بذاتها: الكلب والخنزير، ومن الأعيان المتنجسة: النجاسة الواقعة في الثوب أو السمن ونحوهما، ومن أساليب التطهير الدباغ الخاص بالجلود، وقد اختلف العلماء في الجلد هل يطهر بالدباغ؟ وهل يمكن الانتفاع بالجلود في البيع والشراء والأكل؟ وجواب ذلك تجده في هذه المادة.
(9/1)

حكم الأعيان المتنجسة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد.
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل الأعيان المتنجسة وما يطهر منها.
وجلود الميتة تطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي].
(9/2)

أقسام الأعيان
الأعيان على أقسام ثلاثة: أعيان طاهرة، وهذه الأعيان كبهيمة الأنعام والآدمي.
وأعيان نجسة، وهي قسمان: أعيان نجسة بذاتها، وأعيان متنجسة يعني: أن النجاسة طارئة عليها، فالأعيان النجسة بذاتها: كالخمر والخنزير والكلب على خلاف بين العلماء، فهناك خلاف عريض بين العلماء في الخمر والكلب، لكنهم اتفقوا على نجاسة الميتة والخنزير.
والقسم الثاني: أعيان متنجسة، والأعيان المتنجسة نوعان: متنجسة بنجاسة طارئة نستطيع تطهيرها، ومتنجسة بنجاسة طارئة لا نستطيع أن نطهرها.
أما النوع الأول الذي نستطيع تطهيره: فهي النجاسة التي تقع على الثوب، أو النجاسة التي تقع على السمن الجامد، فلو وقعت فأرة على السمن وهو جامد فإننا نستطيع أن نطهره، بأن نأخذها وما حولها ويبقى الباقي على الطهارة بفضل الله.
وأدخل بعضهم جلد الميتة إذا دبغ، يعني: تجوزاً أن هذا أصل الميتة، فيدخل أيضاً في النجاسة التي يمكن تطهيرها؛ لأن جلد الميتة نجس بالموت، فيطهر بالدباغ كما سنبين.
والنوع الثاني: هو النجاسة التي لا يمكن تطهيرها: كوقوع النجاسة في اللبن أو في الزيت أو في الخل، فلا نستطيع الفصل فيها، فهذه أعيان متنجسة نجاسة طارئة لا تخلو عنها ولا نستطيع تطهيرها.
(9/3)

حكم استخدام الميتة والانتفاع بها عند الشافعية
والذي يخصنا من هذه الأعيان التي تكلمنا عنها هو الأعيان المتنجسة نجاسة طارئة يمكن تطهيرها، والذي يخصنا منها هو الكلام على جسم الميتة، فالإنسان في الصحراء له سقاء وله أوعية يشرب فيها العسل، ويشرب فيها الماء، ويشرب فيها اللبن، ويشرب ما يشرب، وهذه الأوعية تعتبر في محل الأواني، وهذه يمكن أن تتخذ من الحديد، لكن العرب كانوا يستخدمون الجلد فيجعلون منه قربة يشربون بها، فهذه القربة هل يمكن للإنسان أن يستخدمها من كل شيء من المأكول أو غير المأكول؟ من الميتة أو من الحي أو من غير ذلك؟ فهذا موضوع فقهنا اليوم: وهو الكلام على هذه الجلود التي تستخدم كأوانٍ، كقرب، أو أشنان للشرب، وكيف يمكن أن ننتفع بجلود الميتة؟ أقول: في المذهب الشافعي يقعدون لنا قاعدة مهمة جداً وهي: الحياة لازمها الطهارة في المأكول وفي غير المأكول، ويقصدون بالمأكول: بهيمة الأنعام، كالماعز والضأن والبعير والبقر، وغير المأكول: كالأسد والذئب والنمر.
وهل الضبع مأكول أم غير مأكول؟ من العلماء من جعله غير مأكول بدليل: أنه ذو ناب، والنبي نهى عن كل ذي ناب.
ومنهم من جعله مأكولاً بدليل: أنه لما قتل في الحج اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم صيداً وجعل فيه الكبش، فلما اعتبره صيداً علمنا أنه مأكول، قال الشافعي: ما زال الناس يأكلونه بين الصفا والمروة، ولا ينكر أحد عليهم، فهو كإجماع السكوت، وقالوا: المقصود بالناب في الحديث أي: الذي يعدو بنابه على الإنسان.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم، وذكر منها الكلب)، والمقصود: الكلب العقور الذي يعدو بنابه على الناس.
(9/4)

تقعيد الشافعية لطهارة الجلد بالدباغ
نقول: إن الشافعية قعدوا لنا قاعدة وهي: الحياة لازمة للطهارة في المأكول وغير المأكول، والموت لازم للنجاسة في المأكول وغير المأكول، ولذلك قالوا: إذا كانت الحياة تقوى على تطهير الحيوان والموت ينجسه فإننا نقول: بأن الدباغ -وهذه تكملة القاعدة- ينزل منزلة الحياة بالنسبة للجلد، وعليه فالجلد يطهر، كما كانت الحياة لازمة للطهارة فإذاً الدباغ لازم للطهارة، وقالوا: وهذا ليس من بنات أفكارنا ولا من كيسنا بل هو من الأثر والنظر.
(9/5)

الدليل على طهارة الجلد بالدباغ
أما الآثار: فحديث السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه أنه مر عليهم وماتت شاة لـ ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، فقال: (هلا انتفعتم بها؟ قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة) يعني الميتة لا ينتفع بها، فقال: (إنما يحرم من الميتة أكلها -ثم قال- إيما إهاب دبغ فقد طهر، ومعنى الإهاب: الجلد قبل الدباغ، فقال: (أيما أهاب) يعني: أيما جلد قبل الدباغ دبغ فقد تحول من النجاسة إلى الطهارة، قال: إيما إهاب دبغ فقد طهر، وهذا دليله على عموم الطهارة في جلود كل مأكول وغير مأكول؛ لأن الأسماء المبهمة تدل على العموم، سواء كان مأكولاً أم غير مأكول، ويستثنى من ذلك: الكلب والخنزير، فلا تطهر جلودهما لأدلة ستأتي، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: وجلد الضبع، وجلد الذئب، وجلد الأسد، وجلد بهيمة الأنعام، وجلد الضأن، وجلد الماعز إذا دبغ وهو ميتة فهو طاهر، وأقرب مثال يضرب في ذلك: الحمار الوحشي والحمار الأهلي، فالحمال الأهلي لا يؤكل بالإجماع، والحمار الوحشي يؤكل بالإجماع، إذاً: لو كان الحمار الوحشي ميتة والحمار الأهلي ميتة، فنحن نقول: هل يمكن بالدباغ أن يطهر الجلد ويمكن استخدامه أم لا؟ فعند الشافعية قالوا: بالعموم، قلنا لم؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما)، وأيما هذه للعموم، يعني: المأكول وغير المأكول، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (طهور جلد الميتة دباغه)، أو قال: (طهور الميتة دباغه)، فجعل الدباغ هو المطهر، فهذا من الأثر.
ومن النظر أن نقول: إن كانت الحياة دالة على طهارته فما من أحد وضع يده مثلاً على الحمار الوحشي، أو وضع يده على البعير وقيل له: اغسل يدك حتى تصح صلاتك، لأنها ليست نجسة بل هي طاهرة، قالوا: فكما أن الحياة لازمة للطهارة وأن الموت لازم للنجاسة فإن الدباغ يساوي الحياة في هذه المسألة، فألحقوا الدباغ بالحياة؛ لأنه فعل ما تفعل الحياة، فالحياة تدل على طهارة البعير، والدباغ بعد الموت إن كان ميتاً يدل على طهارة الجلد، قالوا: وهذا إلحاق الدباغ بالميتة، وهذا من النظر.
(9/6)

حكم الانتفاع بجلود الميتة المدبوغة في البيع والشراء
إذاً: الشافعية يرون أن جلود الميتة كلها إلا الكلب والخنزير يمكن أن ينتفع بها، لكن بشرط وقيد وهو الدباغ، والدباغ هو التنظيف، أي: تنظيف الجلد، فتأخذ الجلد وتنظفه من بقايا اللحم وغيره، وبعد أن تنظفه وتمرر عليه الماء تضع عليه الملح أو الأشنان أو غير ذلك، ثم تضعه عدة أيام في الشمس، من أجل أن يتصلب في الشمس فلا تجد منه الرائحة المنتنة، فيصير الجلد هنا طاهراً ظاهراً وباطناً، فإن كان طاهراً فينتفع به في الصلاة، وينتفع به في السقاء، بحيث يكون قربة للسقاء، وينتفع به كفرش، وينتفع به في كل شيء، إلا البيع والشراء فهنا محل نظر.
(9/7)

خلاف الشافعية في الانتفاع بالجلد بالبيع
وهناك قولان في المذهب: أي قول قديم وقول جديد، فالقول القديم في العراق والجديد في مصر.
(9/8)

القول القديم المنع وأدلته
أما القول القديم فقالوا: لا ينتفع بالميتة ببيع ولا شراء، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ} [المائدة:3] إلى آخر الآيات، فقوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) أي: حرمت عليكم أكلاً وشراباً وسقاءً وفرشاً وجلداً وعصباً وعظماً وشعراً وكل شيء، فالميتة اسم جنس فيه ألف ولام، فيعم كل أجزاء الميتة، وعندنا دليل خاص في المسألة، فقد جاء في الحديث الصحيح عن جابر رضي الله عنه وأرضاه (أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم بيع الخمر والأصنام والخنزير، قال: والميتة)، فحرم بيع الميتة، وهذا على العموم يعني: حرم كل شيء يخص الميتة، فحرم بيع لحمها وشحمها وعظمها وعصبها وشعرها، وأيضاً جلدها حتى ولو دبغ؛ لأن الدليل المخصص لم يأت حتى الآن، وهذا بالأثر وبالنظر، قالوا: حتى لو قلتم لنا: يجوز البيع لأنه يجوز الانتفاع، فإن القاعدة عندنا وعندكم: أنه لا يستلزم جواز الانتفاع جواز البيع، ولا يلزم من إجازة الشرع للانتفاع جواز البيع، وهناك أمثلة من الشرع على ذلك: فالكلاب حرم الشرع بيعها بعد أن أجاز الانتفاع بها، فأجاز الانتفاع بالكلاب في الحراسة، وهذه مسألة خلافية أيضاً، فبعض العلماء قال: إن كلب الحراسة يجوز بيعه، وأنا لا أرجح هذا، والصحيح الراجح: أنه لا يجوز بيع الكلاب بحال من الأحوال، لكن يجوز الانتفاع بها.
مثال آخر: عسب الفحل، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه مع أنه جوز الانتفاع به.
إذاً القول القديم: لا يجوز البيع ولا الشراء، واستدلوا بهذه الأدلة التي سقناها.
(9/9)

القول الجديد الجواز وأدلته
ثانياً: القول الجديد: وكثير في أقوال الشافعية القول القديم والجديد، فالجديد هو الراجح إلا في حوالي ثمانية عشر مسألة أو أكثر أو أقل، قالوا: يجوز البيع والشراء، واستدلوا على ذلك بعموم الأدلة مع خصوص النظر.
أما عموم الأدلة: فقول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275]، فالربا هو المحرم فقط وهذا حلال البيع، فيدخل تحت العموم.
قالوا: وخصوص النظر: أنه لما حرم الله بيع الميتة، إنما حرمها للنجاسة، فالعلة النجاسة، والحكم عندنا يدور مع علته حيث دارت وجوداً وعدماً، فإذا وجدت النجاسة حرم البيع وإذا انتفت النجاسة أحل البيع وصح، قالوا: وهنا الجلد نجس بالموت وقد طهر بالدباغ، فهنا العلة انتفت، فرجع الحل على ما هو عليه بعموم قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة:275].
ونحن بعنا الطاهر وما بعنا النجس، فيصح البيع أو تصح المعاملة بالبيع والشراء، هذا القول الجديد وهو الراجح الصحيح.
(9/10)

الرد على أدلة القول القديم
والرد على أدلة القول القديم ما يلي: الدليل الأول: قولهم: قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة:3]، قلنا: هذه الآية عامة في تحريم الميتة في كل شيء، ولما حلل النبي صلى الله عليه وسلم جلدها بعد الدباغ فقد خص بذلك، والقاعدة عند العلماء: لا يتعارض عام مع خاص، بل يقدم الخاص على العام لاسيما وأن الخاص قطعي في الدلالة والدليل العام ظني الدلالة، وأيضاً: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
إذاً: الآية عامة ودليلنا خاص ولا يتعارض عام مع خاص، بل يقدم الخاص على العام.
الأمر الثاني: لما قالوا لنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم حرم بيع الخمر والأصنام وحرم بيع الميتة، قلنا لهم: نوافقكم على العموم، وهو أنه حرم بيع الميتة، لكن العلة النجاسة، إذ أن كل ميتة نجسة، والجلد إن طهر بالدباغ فقد انتفت العلة، فهذا الحديث عام في كل الميتة، في الجلد والعصب والشعر والعظم، ثم خص الجلد المدبوغ لأنه صار من النجاسة إلى الطهارة بالدباغ فيصح بيعه.
إذاً: الصحيح الراجح في ذلك: الانتفاع مطلقاً، وأصول المذهب تقول: الحياة لازمة للطهارة، والموت لازم للنجاسة، والدباغ لجلد الميتة التي هي نجسة يجعلها طاهرة، فيؤول إلى الانتفاع به مطلقاً، فينتفع به صلاة وفرشاً، بيعاً وشراءً، سواء في ذلك المأكول وغير المأكول على المذهب إلا ما استثني.
(9/11)

حكم الانتفاع بالميتة عند الحنابلة وأدلتهم
وقال الحنابلة: لا يجوز الانتفاع بأي شيء من الميتة، لا جلد، ولا عصب، ولا عظم، ولا شعر، حتى ولو دبغ الجلد، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ} [المائدة:3]، فقوله: حرمت عليكم الميتة، الألف واللام استغراقية، فتستغرق كل الميتة، جلداً، وعصباً، وعظماً، ولحماً، وشحماً، وكل شيء فيها، والتحريم هنا عام في كل شيء، يعني: تحريم الانتفاع أو البيع والشراء، أو تحريم الأكل وغيره، فهذا تحريم كل شيء؛ لأن هذا الدليل عام.
قالوا: والدليل الخاص: حديث السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، قالوا: وهذا فاصل للنزاع، وأيضاً هذا الدليل فيه حظر، وكل الأدلة التي عندكم تدل على الإباحة، والحظر يقدم على الإباحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تنتفعوا)، و (لا) ناهية، والأصل في النهي: التحريم، إذاً يكون المعنى: حرم عليكم الانتفاع بأي شيء، لا جلد مدبوغ ولا غير مدبوغ، قالوا: وهذه هي الأدلة، وهذه رواية عن أحمد ورواية عن بعض المالكية أيضاً.
(9/12)

حكم الانتفاع بالميتة عند المالكية وأدلتهم
وقال المالكية: نقول بالانتفاع بكل شيء، سواء في ذلك جلد الكلب والخنزير أو غيرهما.
فقال الشافعية: إنما استثنينا الكلب والخنزير لأدلة، أما الخنزير فبالنص من كتاب الله، قال الله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145]، فقال: (فإنه)، والضمير عائد على أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الخنزير، فإذاً الخنزير بالتنصيص يحرم، وألحقنا الكلب بالخنزير لدليل من السنة وهو حديث في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ولغ الكب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً)، وفي رواية: (ليرق هذا الماء وليغسله سبعاً) وذلك لأن لعابه نجس، قالوا: واللعاب أشرف ما يكون في الكلب، فإن كان أشرف ما يكون في الكلب نجس فإذاً باقي ما في الكلب يأخذ الحكم، فيكون الجلد والشعر نجس وكل شيء فيه نجس، وهذا من الأثر.
أما بالنظر فقد قالوا: إن كانت الحياة فيهما لا تقوى على الطهارة لهما فمن باب أولى أن يضعف الدباغ عن تطهيره؛ لأن الحياة هي أصل، وقلنا: إن الدباغ يلحق بها.
إذاً: يقول المالكية: أي جلد ينتفع به، لكن بقيد وشرط، وهو أن ينتفع به ظاهراً لا باطناً؛ لأن باطنه احتك بالجلد؛ والجلد احتك باللحم، وهذا حكم بالمجاورة، وأيضاً الحنابلة في استدلالهم بالنظر قالوا: الحكم بالمجاورة،؛ لأن الباطن جاور جلد الميتة، وجلد الميتة جاور اللحم، واللحم بالإجماع نجس، فإذاً المجاور يأخذ حكم ما جاوره.
فالمالكية فرقوا تفريقاً لطيفاً ألطف من قول الحنابلة، وقالوا: الظاهر لم يجاور لكن الباطن جاور، فالمجاور يأخذ حكم المجاور له، وقالوا: الباطن لا يصح الانتفاع به للنجاسة.
إذاً: المالكية قالوا: ينتفع بكل شيء حتى الكلب والخنزير، لكن بقيد وشرط وهو: الانتفاع به ظاهراً لا باطناً.
(9/13)

حكم الانتفاع بالميتة عند الأحناف
أما الأحناف فقالوا بقول الشافعية، إلا في الكلب فيجوز عندهم الانتفاع بجلده، قالوا: لأن النص جاءنا في الخنزير بالآية ولم يأتنا نص آخر في الكلب.
(9/14)

حكم الانتفاع بالميتة عند الأوزاعي وابن تيمية وأدلتهما
وقال الأوزاعي: ينتفع بجلد الميتة المأكول لا غير المأكول، وشيخ الإسلام ابن تيمية يرجح هذا القول، قالوا: دليلنا على التفريق: أثر ونظر، أما الأثر: فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس: (أنه مر على شاة ميتة فقال: هلا انتفعتم بها؟) فقالوا: العبرة بخصوص السبب؛ لأنه لما مر مر على شاة وهذه الشاة مأكولة فتبقى على حالها، والشاة الميتة هذه كانت مأكولة، يجوز أكلها بالزكاة فقال: انتفعوا بها؛ لأنه يمكن الانتفاع بها في حال حياتها بالأكل بعد الذبح، فقالوا: هذه خاصة في المأكول، وهذه واقعة حال أو واقعة عين لا يقاس عليها إلا مثلها.
قالوا: والدليل الفاصل لنا أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات: (دباغه ذكاته) يعني: دباغ الجلد ذكاته، قالوا: فنستدل بهذا الحديث على أنه لا يجوز الانتفاع بجلد ميتة إلا المأكول.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (دباغه ذكاته)، والذكاة لا تكون إلا في المأكول وألحق النبي صلى الله عليه وسلم الدباغ بالذكاة فحكمه حكم الذكاة، يعني لا يكون إلا في المأكول، وهذا وجه الدلالة عندهم، فهذا من الأثر.
أما من النظر: فحديث: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن افتراش جلود النمر)، قالوا: وهذا النهي للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان ثمة تفصيل لفصل، فلما قال: أنهاكم عن افتراش جلود النمر، ولم يقل: أنهاكم عن افتراش جلود النمر التي لم تدبغ، فإذا دبغت فافترشوها، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل، ولما لم يفصل بقيت على العموم، والعلة هنا: النجاسة، والنجاسة عامة سواء دبغ أم لم يدبغ.
فتبقى هذه الدلالة على أن المأكول يخالف غير المأكول في الحكم.
إذاً: قالوا: عندنا أدلة كثيرة تثبت لنا التفريق بين المأكول وغير المأكول في الأثر وفي النظر، أما في الأثر: فحادثة ميمونة التي كانت في الشاة والشاة مأكولة، فإذاً: المأكول حكمه يخالف حكم غير المأكول، قالوا: والفاصل في النزاع: حديث النبي صلى الله عليه وسلم (دباغه ذكاته) فألحق الدباغ بالذكاة، والذكاة لا تكون إلا في المأكول، فالدباغ حكمه أنه لا يكون إلا في المأكول.
قالوا: ومن النظر: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن افتراش جلود النمر، ولم يفصل سواء كانت مدبوغة أم غير مدبوغة، والعلة في ذلك: النجاسة، فإن دبغت فهي نجسة وإن لم تدبغ فهي نجسة.
(9/15)

الراجح من الأقوال في الانتفاع بالميتة
فإذاً: هذه الأقوال للمخالفين، فأقول: قول الأوزاعي وشيخ الإسلام ابن تيمية هو من القوة بمكان، لكن الراجح الصحيح هو: قول الشافعية، وأنه على العموم في جلد المأكول وغير المأكول، فيصح الانتفاع به بعد الدباغ ويصير طاهراً للأدلة التي سردناها.
(9/16)

الرد على الحنابلة فيما استدلوا به
أولاً: الرد على الحنابلة؛ لأن هذا أضعف الأقوال، قالوا: لا ينتفع بها واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: (حرمت)، قلنا هذا عام مخصوص، وأيضاً استدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تنتفعوا بإهاب ولا عصب)، وهذا قول: الحنابلة مع بعض المالكية.
قلنا: الرد عليه من وجهين: الوجه الأول: أن هذا حديث مضطرب، فهو معل، كما أعله البيهقي وكثير من المحدثين، والقاعدة عندنا وعندكم: أن الأحكام فرع على التصحيح، فإذا ضعف الدليل فلا استدلال لكم، ولا حجة معكم.
ولو تنزلنا مع الخصم وقلنا: بأن الحديث الصحيح، فالرد عليه من وجه آخر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا بعصب) والحديث ليس في محل النزاع؛ لأن الإهاب هو الجلد قبل الدباغ ونحن معكم في هذا، وإنما النزاع في الجلد بعد الدباغ.
(9/17)

الرد على المالكية فيما استدلوا به
ثانياً: الرد على المالكية، قالوا: ينتفع بكل شيء ظاهر دون الباطن، فنرد عليهم ونقول: قد نص الله جل وعلا على نجاسة الخنزير، وعمم نجاسته بعد الدباغ وقبل الدباغ، وبين النبي صلى الله عليه وسلم نجاسة أشرف شيء في الكلب وهو اللعاب فهو نجس، فلم أدخلتموه؟ وهذا الرد عليهم من أول وجه.
الوجه الثاني: نقول لهم: قد فرقتم بين الظاهر وبين الباطن بلا مفرق، فإن قالوا: عندنا المفرق، وهو قياس المجاورة، فنلحق الجلد باللحم لأنه مجاور، لكن نقول: هذا قياس مع الفارق أولاً وقياس فاسد؛ لأنه صادم نصاً وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، فهذا القياس أولاً مع الفارق؛ لأن الجلد يخالف اللحم، فالجلد لا يؤكل واللحم يؤكل، وهناك فوارق كثيرة بين الجلد واللحم.
والثاني: أن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه صادم نصاً فقد جاء النص يفرق بين اللحم وبين الجلد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، فهذا تفريق من النبي صلى الله عليه وسلم فأنتم الآن سويتم بين ما فرق الشرع بينه، وهذا خطأ فاحش.
(9/18)

الرد على الأحناف فيما استدلوا به
الرد على القائلين بالقول الثالث وهم الأحناف، فالأحناف قالوا: نخرج الخنزير فقط ولا نخرج الكلب؛ لأن الآية نصت على نجاسة الخنزير، قلنا: والكلب قد جاء الدليل على نجاسته، وهو حديث ولوغ الكلب، فلعاب الكلب نجس وهذا أشرف ما يكون فيه، فمن باب أولى الجلد والعظم والعصب.
(9/19)

الرد على ابن تيمية والأوزاعي
الرد على قول شيخ الإسلام ابن تيمية سيكون من الأثر، إذ أن الرد عليه بالنظر صعب، وسنبين ذلك.
الرد عليهم من الأثر: أما قولكم بأن مرور النبي صلى الله عليه وسلم كان على شاة والشاة مذكاة فنقول: القاعدة التي نتفق عليها هي: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولو كان السبب الشاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عمم وقال: (أيما إهاب) سواء ميتة مأكول أو ميتة غير مأكول، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا رد قاطع.
أما الدليل الذي استدل به وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (دباغه ذكاته) قلنا: نحن نوافقكم على هذا اللفظ، فدباغه ذكاته ولا نوافقكم على الإلحاق بل نقول: إن الإلحاق هنا إلحاق الانتفاع لا إلحاق الحكم، ومعنى الحديث أي: كما أنكم تنتفعون بالشاة في ذكاتها -وهذه الشاة كانت حية، فهذه الشاة إن ماتت فلكم أن تنتفعوا أيضاً بجلدها بالدباغ، فهنا الحكم حكم الانتفاع لا حكم الإلحاق بالتفريق بين المأكول وغير المأكول.
فالإلحاق هنا إلحاق في الانتفاع فقط، يعني: يجوز أن تنتفعوا بالشاة الميتة بالدباغ كما كان يجوز لكم أن تنتفعوا بالشاة الحية بالذكاة، وليس ثم قرب ولا بعد من المأكول ولا غير المأكول، فالكلام كله على الانتفاع، والدليل على أن الحديث يدور على الانتفاع فقط هو: السياق.
فالقاعدة تقول: السياق والسباق من المفسرات والموضحات والمقيدات، ففي حديث ابن عباس قال لهم: (هلا انتفعتم) فالكلام كله على الانتفاع، فقلنا له: المسألة كانت تدور على الانتفاع، وعليه فقوله: (فدباغه ذكاته) يعني: إذا انتفعتم بالذكاة فلكم أن تنتفعوا بالدباغ.
أما الرد على النظر، فإنهم قالوا: تتفقون معنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن افتراش جلود النمر، والعلة عندنا النجاسة، فنقول: أنتم الآن قلتم بأن العلة في النهي عن افتراش النمر هي النجاسة ولا نوافقكم على المقدمة، بل نقول: النهي لأمر آخر وليس للنجاسة، فالنهي لم يتعرض للنجاسة، بل النهي لأمر آخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أيضاً عن افتراش سجاد الحرير لا للنجاسة وإنما للمفاخرة والمباهاة.
فنحن نقول: إن افتراش جلود النمر نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أجل المفاخرة والمباهاة وليس من أجل النجاسة، وما دامت المقدمة خاطئة، فالنتيجة خاطئة.
نخلص من ذلك على أن الميتة لا ينتفع بها بأكل ولا شرب ولا أي شيء إلا الجلد، فيمكن أن ينتفع بجلد البقر وجلد الشاة وجلد الأسد، وذلك بأن يدبغ فيطهر فينتفع به في صلاة عليه أو سقاية، يعني: تكون قربة نشرب منها، أو بيعاً أو شراءً لتجارة الجلود، وهذا الحكم في المأكول وفي غير المأكول إلا الكلب والخنزير.
وهناك مسألة خلافية بين العلماء وهي: هل يؤكل الجلد بعد دبغه أم لا يؤكل؟ ففي المسألة خلاف عريض بين الشافعية أنفسهم على هذا الحكم.
ولو اعترض معترض على ردنا على ابن تيمية وقال: لماذا منعنا من افتراش جلد الكلب؟ قلنا: لأنه نجس، ولكن ليس هناك دليل على أن الأسد والنمر نجس، فلعاب الأسد طاهر، وهذه مسألة خلافية جداً، أعني: آثار البهائم، وهل هي طاهرة أم نجسة؟ والصحيح الذي أدين الله به كما يدين به الشافعية: أن آثار البهائم كلها طاهرة إلا ما دل الدليل على نجاسته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
(9/20)

شرح متن أبي شجاع - الأعيان المتنجسة وما يطهر منها [2]
الأعيان المتنجسة تطهر بالماء إن كانت تطهر به، أو بالدباغ إن كانت جلداً ونحوه، والميتة بشعرها وعصبها وعظمها نجسة عند الجمهور، باستثناء الشعر فإنه طاهر عند المالكية والحنابلة، وخالف الحنفية فقالوا بطهارة الميتة بشعرها وعصبها وعظمها، والراجح في هذا هو قول الشافعية: أن الميتة نجسة عموماً بشعرها وعظمها وعصبها، واختلف العلماء كذلك في نجاسة رطوبة فرج المرأة والراجح طهارتها والله أعلم.
(10/1)

حكم الأعيان المتنجسة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: الأعيان المتنجسة وما يطهر منها.
وجلود الميتة تطهر بالدباغ إلا جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما، وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي.
] تكلمنا عن الانتفاع بجلود الميتة، وبينا الخلاف بين العلماء فيها، ونختم هذا الباب في الكلام على عظم الميتة، ثم سنتكلم على أواني الذهب والفضة وكنزها أو استعمالها في الأكل والشراب وفي غير ذلك.
(10/2)

أقوال الشافعية في شعر الميتة وعظمها وعصبها
قال: [وعظم الميتة وشعرها نجس إلا الآدمي] للشافعية في عظم الميتة وشعرها وعصبها ثلاثة أقوال: الأول: عموم النجاسة للعظم والشعر والعصب، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ} [المائدة:3]، فتحريم ما لا حرمة فيه دال على نجاسته، قلنا: الآدمي أيضاً له حرمة، فقالوا: وعموم قول الله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} [البقرة:173] فالآدمي يسمى ميتة فيدخل تحت عموم الآية، واستدلوا بحديث جابر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الأصنام والخمر والميتة)، قالوا: والعلة في نهيه عن البيع: النجاسة.
القول الثاني: قالوا: كل العظم والشعر والعصب نجس في كل ميتة سوى الآدمي، واستدلوا بعموم الأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول، وخصصوا الآدمي بقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [الإسراء:70]، فقالوا: التكريم دلالة على عدم النجاسة؛ لأن النجس غير مكرم.
فإذاً: التكريم دلالة على الطهارة.
واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه الذي فيه: (أنه مر على النبي صلى الله عليه وسلم وكان جنباً فانخنس، فبعد أن ذهب واغتسل رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: أين كنت يا أبا هر؟ فقال له أبو هريرة: كنت جنباً فاستحييت أن أجلس معك وأنا على جنابة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، ووجه الدلالة: عموم لفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس)، وابن حزم فقط هو الذي أخذ بالمفهوم وقال: إن أهل الكتاب أو الكفار كلهم أنجاس حسياً ومعنوياً.
فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن لا ينجس)، يعني: حياً كان أو ميتاً، فاستدلوا بهذا الحديث على أن الآدمي لا ينجس عظماً وشعراً وجلداً ولحماً وكل شيء.
القول الثالث: إن عظم الميتة وشعرها وعصبها على الطهارة كلها، واستدلوا بأدلة ستأتي، لكن الصحيح الراجح في المذهب: أن عظم الميتة وشعرها وعصبها نجس وليس بطاهر، سوى ميتة الآدمي؛ لقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70]، ومن تمام التكريم أن يكون طاهراً حياً وميتاً، وأيضاً عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، فهذا فيه دلالة أنه طاهر ميتاً كان أو حياً.
وثمرة هذه المسألة: أنك لو وجدت ميتة ووجدت فيها شعراً؛ فإنه يجوز لك أن تستخدم هذا الشعر في حشو لرداء أو جاكت، هذا على القول بأن شعر الميتة طاهر، لكن نقول: الشعر لا يجوز استعماله لعموم الأدلة بنجاسة الميتة، أما الجلد فلا يصح استعماله إلا بعد الدباغ.
(10/3)

رأي المالكية والحنابلة في الميتة
خالف بذلك الأئمة الثلاثة مالك وأحمد وأبو حنيفة، أما الحنابلة والمالكية: فاتفقوا على أن العظم والعصب نجس، وهذا الاتفاق مع الشافعية واختلفوا معهم في الشعر فقالوا: الشعر طاهر وليس بنجس، واستدلوا على ذلك بأدلة من الأثر والنظر، وقبل أن أدخل في أدلتهم قلنا: أدلة الشافعية على أن النجاسة في الشعر هي قوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3]، ووجه الدلالة: عموم اللفظ، فيشمل العظم والجلد والعصب والشعر.
أما دليلهم من النظر فقالوا: العظم والشعر تحله الحياة، وما تحله الحياة فبموته يصير نجساً؛ لأنه ميتة، وخالف بذلك المالكية والحنابلة، فقالوا نوافق الشافعية على العظم والعصب في أدلتهم جميعاً ونخالفهم في الشعر، واستدلوا على ذلك من الأثر ومن النظر، أما الأثر: فقول الله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل:80]، ووجه الدلالة: أنه أباح لهم الانتفاع بالشعر أن يجعلوه أثاثاً ومتاعاً عند الظعن وعند الإقامة، فلما أباح لهم الانتفاع والتمتع بها دل ذلك على الطهارة؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بالنجس، هذا دليل من الكتاب، أما من السنة فحديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها الذي في السنن، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا بأس أن تنتفعوا من إهاب الميتة بالدبغ، ومن الشعر بالغسل)، يعني: انتفعوا بإهاب الميتة بعد الدبغ، وانتفعوا بشعر الميتة بعد الغسل، فكما أن الدباغ يطهر الجلد فإن الغسل يطهر الشعر.
والدليل الثالث أيضاً من الأثر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميتة لـ ميمونة فقال: ألا انتفعتم بإهابها؟ قالوا: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: إنما حرم أكلها)، ووجه الدلالة: أنه إنما حرم أكلها، فيدل هذا على حل كل شيء غير الأكل، ويسمى مفهوم المخالفة فهذا من الأثر.
أما من النظر فقالوا: الشعر لا تحله الحياة، واستدلوا على ذلك أنك لو أخذت شعرة صغيرة من ظفائر النساء فشددتها من الوسط فإنها لا تؤثر ولا يتألم المرء بذلك، فهذه دلالة على أنه لا حياة في الشعر، فلا تطبق قاعدة: أن ما حلت فيه الحياة فبالموت يكون نجساً هذا من النظر.
(10/4)

رأي الأحناف في الميتة
أما الأحناف فقالوا: العظم والجلد والعصب والشعر على الطهارة واستدلوا على ذلك من الأثر ومن النظر، أما من الأثر: فقد ورد في الحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم امتشط بمشط من عاج) والعاج: عظم، وأيضاً: (أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثوبان مولاه أن يشتري لـ فاطمة سوارين من عاج)، ووجه الدلالة من الحديثين! أنه لو مس بالنجاسة يده وشعره لتنجس، ولما لم يأتنا من الدليل أنه غسل يديه بعد استعماله وغسل رأسه بعد استعماله دل على أنه طاهر.
الوجه الثاني: استخدمت فاطمة السوارين، وحصل فيهما بيع وشراء، فعلى القول بنجاستهما لا يجوز شراء وبيع النجس، وهذا فيه خلاف بين العلماء، كذلك كون فاطمة رضي الله عنها صلت بهما وعلى القول بنجاستهما لا يجوز أصلاً أن تحمل النجاسة في الصلاة والصلاة تبطل بهذا، فلما صح أن تحمل السوارين دل على طهارتهما، هذا قول الأحناف من الأثر.
أما من النظر: فإن العظم والشعر والعصب لا تحل فيه الحياة، فإذاً لا نطبق عليها قاعدة: أن ما حلت فيه الحياة فبالموت يكون نجساً؛ لأن الحياة لازمة للطهارة والموت لازم للنجاسة.
إذاً: هناك أقوال ثلاثة: قول الشافعية وهو قول المذهب: أن الشعر والعظم والعصب على النجاسة إلا الآدمي، وخالف في ذلك الحنابلة والمالكية فقالوا: نتفق على إخراج الآدمي ونتفق على العظم والعصب، ونخالف في الشعر والأحناف قالوا: نخالف في الجميع، فالآدمي طاهر، والشعر والعظم والعصب من أي حيوان كله طاهر.
(10/5)

الراجح من أقوال أصحاب المذاهب في شعر وعظم وعصب الميتة والرد على من خالف الراجح
الراجح من هذه الأقوال هو: قول الشافعي وهو أن الشعر والعظم والعصب على النجاسة للأدلة القاطعة بذلك، منها: عموم قول الله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} [البقرة:173]، وحديث: (حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الميتة)، وعلة التحريم في ذلك باتفاق الفقهاء هي: النجاسة، وخرج الآدمي بالأدلة التي سردناها.
(10/6)

الرد على الحنابلة والمالكية
أما الرد على الحنابلة والمالكية فيما استدلوا به، فإنهم استدلوا بالأثر بقول الله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل:80]، وقالوا: هذه دلالة على عموم الانتفاع بشعر الميتة، فنقول: هذه دلالة على الطاهرة وليست على النجسة، وقالوا للشافعية: وأنتم تستدلون بقول الله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ} [البقرة:173]، ووجه الدلالة منها العموم، ونحن دليلنا قوله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل:80]، والآية خاصة في الأشعار، وإذا تعارض العام والخاص قدم الخاص على العام، فقال الشافعية: الآية ليست عامة على الإطلاق، بل الآية عامة من وجه وخاصة من وجه، وأيضاً الآية عندنا عامة من وجه وخاصة من وجه، فلم نحمل خصوص وجهكم على عموم الآية التي نستدل بها؟ ولا نحمل خصوص وجهنا على عموم ما استدللتم به؟ فهم يستدلون بعمومها بقول الله تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا} [النحل:80]، ونقول: هذه الآية عامة، وهي مخصوصة بأدلة أخرى، من هذه الأدلة: قول جابر: (حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الأصنام والخمر والميتة)، وباتفاق العلماء على النجاسة فإنها تصير مخصوصة بهذا اللفظ، والمقصود: كل الميتة شعراً وعظماً وعصباً.
الثاني: تخصص الآية بمتصل، وأما هم فمخصوصها بمنفصل، فالآية تقول: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} [النحل:80]، و (من) يمكن أن تكون للابتداء وممكن تكون للتبعيض، ونحن نرجح هنا: أنها للتبعيض بالقرائن المحتفة وبالدليل المنفصل الذي أتينا به.
إذاً: من أشعارها في حال كونها حية لا ميتة، ونزاعنا في الميتة، فخصصنا عموم الآية بالحي وأنتم أردتم عمومها بالحي والميت.
إذاً: الآية مخصصة بمخصصين: مخصص متصل، ومخصص منفصل، فالمخصص المنفصل هو حديث: (حرم النبي صلى الله عليه وسلم بيع الميتة)، والعلة: النجاسة باتفاق العلماء، وأيضاً قول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة:3]، أيضاً هذا مخصص منفصل.
أما المخصص المتصل فهو: قول الله تعالى: ((وَمِنْ أصوافها))، فـ (من) هنا للتبعيض، فنحمل الآية على أن معنى (وأشعارها) كونها حية وليست ميتة.
إذاً: الآية ليست في النزاع.
والدليل الأثري الثاني الذي استدلوا به: حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا بأس أن تنتفعوا بإهاب الميتة إذا دبغ وبالشعر إذا غسل)، فنقول لهم: الرد عليكم في هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: هذا الحديث ضعيف؛ ففيه راويان مجهولان، والقاعدة تقول: الأحكام فرع على التصحيح، والحديث ضعيف.
الوجه الثاني: أنه وإن كان صحيحاً فالرد على الاستدلال به من وجهين: الوجه الأول: نقول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (انتفعوا بالجلد بعد الدبغ وبالشعر بعد الغسل) دال على أن الشعر فيه نجاسة ويطهر بالغسل، فيكون هذا لنا وليس علينا، لكن يمكن أن يطهر بالغسل.
وهذا الأصل إلا ما دل الدليل على خلافه، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اغسلوا الإناء الذي ولغ فيه الكلب)، وقال: (اغسلوا بول الأعرابي)؟ فلما أمر بالغسل دل على النجاسة.
الوجه الثاني في الرد عليهم: نقول: إذا قلتم بالحديث: (فانتفعوا بالشعر بالغسل)، فأنتم أبطلتم الاستدلال بعموم آية: ((وَأَشْعَارِهَا)) فهي عامة في الغسل أو بدون غسل، بعموم الآية وأنه يمكن أن ينتفع بالشعر دون الغسل، فإما أن تأخذوا بالآية، أو تأخذوا بالحديث، ويمكن أن يردوا علينا برد ثان، ويقولون: نحن نأخذ بالآية والحديث، نأخذ بظاهر الآية، فهي تصرف الأمر في الحديث من الوجوب إلى الاستحباب، فإذا صرف الأمر إلى الاستحباب رجع الأمر على أنه على تأكيد الطهارة، لكن نحن نقول لهم: الحديث ضعيف فلا دلالة لكم فيه، والأمر الثاني: الغسل يدل على النجاسة وهذا هو الأصل.
أما الرد على الحديث الثالث: الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما حرم أكلها)، فنقول: الرد عليكم في هذا الحديث من وجوه: الوجه الأول: استدلالكم بمفهوم المخالفة في حل الانتفاع والعظم والعصب سوى الأكل، نقول: المفهوم خالفه المنطوق وهو أنه حرم بيع الميتة للنجاسة، قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ} [البقرة:173].
وإذا خالف المنطوق المفهوم قدم المنطوق على المفهوم باتفاق علماء الأصول.
الوجه الثاني من الرد عليه: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما حرم أكلها)، السياق والسباق من المفسرات والمقيدات، قال علماؤنا: السياق محكم، يعني: السياق هو الذي يبين لنا مراد النبي من الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم مر فوجد الميتة فقال لهم: (انتفعوا بها، فقالوا: هذه ميتة، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: إنما حرم أكلها -ثم بين بعد ذلك- قال: هلا انتفعتم بإهابها)، أي بعد الدبغ، وقال: (دباغه زكاته).
إذاً: هذه دلالة من النبي صلى الله عليه وسلم في السياق نفسه أنه تكلم عن طهارة الجلد بالدباغ، فالسياق هنا محكم، وسياق حديث ابن عباس كان في الدباغ ولم يتكلم لا على عظم ولا على شعر ولا على عصب، ولذلك يكون الأكل محرماً عموماً في الجلد وفي غيره فكأنه يقول: الجلد لا يؤكل، لكن يمكن أن تنتفع به بعد أن تطهره بالدباغ.
إذاً الحديث سياقه في دباغ الجلد ولم يتكلم بإشارة ولا بتلميح عن شعر ولا عن عصب.
فإذاً: النتيجة أن نقول: هذا الحديث ليس نصاً في محل النزاع، وليس لكم أن تستدلوا به.
ومن أدلتهم أنهم قالوا: الشعر جزء من الميتة، وأنتم اتفقتم على أن الميتة نجسة، فالجزء يأخذ حكم الكل، فقالوا: نعم، نحن معكم على التأصيل الكلي بأن الشعر جزء من الكل، والجزء يأخذ الحكم العام، لكن نقول تقييداً لهذه القاعدة: إلا ما دل الدليل النظري على التفريق، ألا وهو أن الشعر لا تحل فيه الحياة؛ لأنه لا يشعر بألم إذا قص، قلنا: إن الحياة تعرف بوجهين: الوجه الأول: الألم، والوجه الثاني: النمو، والشعر ينمو، والنمو علامة الحياة، فلما سمعوا ذلك سكتوا، فقلنا: هذا رد عليكم، إذاً: الشعر تحله الحياة، والدلالة على ذلك النماء، فإن كانت تحله الحياة فبالممات يكون نجساً؛ لأن الحياة لازمة للطهارة والممات لازم للنجاسة، وهذا الرد على الحنابلة والمالكية.
وقال ابن رشد في بداية المجتهد: أما الميتة فهي لا تحرم إلا بالدم.
وهذا كلام مردود عليه فلو سكبت هذا الدم ونظفت الميتة كلها فيمكن أن تأكل اللحم؟ والعظم إذا نظف من الدم فهل تستخدمه أو لا؟ فهذا باطل لا يصح؛ للأدلة التي سردناها كلها.
(10/7)

الرد على الأحناف
أما الأحناف فاستدلوا بالأثر والنظر، أما الأثر: فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم العاج، فلما استخدمه دل على طهارته، قلنا: الرد عليكم من وجوه: الأول: هذه الآثار كلها ضعيفة، حديث (امتشط النبي صلى الله عليه وسلم بمشط من عاج)، حديث ضعيف؛ لأن سنده مظلم.
الثاني: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ثوبان أن يأتي لـ فاطمة بسوارين من عاج)، حديث ضعيف أيضاً، والحجة في الصحيح وليس في الضعيف.
أما الرد على الدليل النظري: أن العظم لا تحل فيه الحياة، فهو قولنا: الواقع يكذب ذلك فالعظم تحل فيه الحياة، فالعظم يتألم وينمو؛ فإن الصغير يكبر، ويكبر معه عظامه.
فإذاً: العظم تحل فيه الحياة من وجهين: الأول: أن العظم ينمو، والثاني: كون الإنسان يتألم ويتأثر به، فهذه فيها دلالة واضحة على أن العظم تحل فيه الحياة، وهذا رد على الأحناف، فنقول بأن كلام الشافعية في مسألة العظم والشعر والعصب كل ذلك على النجاسة هو الراجح الصحيح للأدلة.
(10/8)

حكم البول والغائط
ذكر المصنف أموراً أخرى تمس الآدمي، فقال: إذا قلنا بأن شعر الآدمي وجلده وعظمه وعصبه على الطهارة فلا ينسحب الحكم على شيء آخر، فإن بول الآدمي وغائطه ودمه نجس، أما المني فعند الأحناف أنه نجس، وعند الشافعية طاهر، والدليل على أن بول الآدمي نجس: حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فقاموا ليضربوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه، لا تقطعوا عليه بوله، أهريقوا على بوله دلواً من ماء)، ووجه الدلالة: أنه لما أمر بصب الماء دل على نجاسة البول.
الدليل الثاني: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم نضح من بول الغلام) والنضح دليل على النجاسة، لكنها نجاسة مخففة، وأما بول الجارية فأمر بغسله؛ لأنها نجاسة مغلظة.
وهناك دليل ثالث: وهو حديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله) وهناك رواية أخرى في سنن أبي داود بسند صحيح قال: (لم يستتر من بوله)، فالعذاب إما لأنه لم يستر عورته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: (استر عورتك قال: أرأيت أحدنا يكون وحده، قال: الله أحق أن تستحي منه) فلا يمنع ذلك أن يعذب من أجل أنه لم يستنزه من بوله أو لم يستتر، ولا يمنع أن يكون العقاب مرتباً على العلتين.
والدليل على ذلك: القياس الجلي أو قياس الأولى، فإذا ثبتت بالدليل نجاسة البول فمن باب أولى نجاسة الغائط؛ لأنه أغلظ نجاسة.
الدليل الثاني: الحديث الذي فيه: (نهى أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار إلا بثلاث).
والأوضح من ذلك: حديث ابن مسعود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأتي له بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هي رجس)، والخلاصة: أن بول الآدمي وغائطه نجس.
يبقى لنا الكلام على الدم وعلى المني ونرجئ الكلام على الدم والمني؛ لأن فيهما شبهاً قوية جداً، وسأفرد لهما باباً حتى ننهي المسألة نهاية تامة كما هو عملنا في كل مسألة، وذلك بأن نأتي بقول الموافق والمخالف والرد على المنازع وبيان هذه المسائل، لا سيما وأن المتنازعين ليس عندهم دليل يترنمون به وتظهر كلمتهم فوق السطح إلا الإجماع، وسنبين لهم أنه لا إجماع في المسألة.
(10/9)

حكم الودي والمذي
أما المذي والودي: فالمذي نجس بالاتفاق، ودليل ذلك حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: (قال: كنت رجلاً مذاء فاستحييت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المذي) وفي رواية أخرى قال: (كنت رجلاً مذاء فجعلت أغتسل حتى تشقق ظهري) يعني: اجتهد علي فكان يغتسل حتى تشقق ظهره، ففي هذه الرواية: أن علياً بن أبي طالب هو الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الرواية الأولى أنه استحى، فأمر المقداد أن يسأل ويأتيه بالجواب، وهناك رواية ثالثة: أن غيرهما سأل النبي صلى الله عليه وسلم، والجمع بين سؤال علي وأمره للمقداد: أن علياً رضي الله عنه أراد التأكد فسأل بنفسه، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم.
وخلاصة الكلام: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجابه بقوله: (اغسل ذكرك أو مذاكيرك)، وسيأتي التفصيل في مسألة: هل غسل المذاكير على الوجوب أم ليس على الوجوب؟ لكن نحن الآن في صدد الكلام على الدلالة على النجاسة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسل ذكرك أو مذاكيرك)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (منه الوضوء)، فدل ذلك على أنه من النواقض وأنه نجس.
والمذي: سائل أبيض رقيق يأتي للرجل القوي الشهوة أو عند المداعبة أو الملاطفة مع الزوجة، والودي ثخين مكدر، يعني: ليس أبيض، وهو يخرج بعد البول أو بعد مشقة عمل معين، وهو نجس؛ لأن مخرجه مخرج البول فهذا من النظر.
وأما من الأثر: فقد ورد بسند صحيح عن ابن عمر وعن ابن عباس أنهما قالا: الودي نجس.
(10/10)

حكم رطوبة فرج المرأة
أما مسألة رطوبة فرج المرأة، فمعلوم أن المرأة لو جلست على ركبتيها فإنها تنزل منها الرطوبة، وعند بعضهن تنزل الرطوبة بكثرة، ورطوبة فرج المرأة كثيراً ما تحدث لكل امرأة.
ولقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: قول الجماهير من أهل العلم، فقد قالوا بنجاسة رطوبة فرج المرأة، واستدلوا على ذلك: بأن المخرج نفس مخرج النجس، وهذا من النظر، أما من الأثر: فرطوبة فرج المرأة نجسة، وذلك أن الصحابة في أول الإسلام كان الرجل منهم إذا جامع أهله فأكسل أي: لم ينزل، فإنه لا غسل عليه، ومنه الوضوء فقط؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء)، أي: إنما الاغتسال من الإنزال، لكن قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فاغسل ما أصابك منها)، لأنه يبعد أن يجامع الرجل امرأته ولا تنزل الرطوبة، وهذا دليل قوي صراحة على نجاسة رطوبة فرج المرأة.
القول الثاني: طهارة رطوبة فرج المرأة، أي السائل الذي ينزل من فرج المرأة، والدليل على ذلك ما استدل به ابن عبد البر كما نقله الحافظ في الفتح: وهو حديث عائشة أنها قالت: (يصيب المني ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان يابساً أفركه وإن كان رطباً أنضحه)، قالوا: وهذا دليل على أن رطوبة فرج المرأة طاهرة وليست بنجسة، والاستدلال بهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أنه يصعب أن يجامع الرجل أهله ويصيب ثوبه المني إلا وقد أصابت ثوبه أيضاً رطوبة فرج المرأة، وهذا معهود بين المتزوجين، فيكون ثوب الرسول صلى الله عليه وسلم قد أصابه المني وأصابه رطوبة فرج المرأة، فلما فركت المني فركت أيضاً ما أصاب الثوب من الرطوبة، والفرك ليس مطهراً، إذ لا بد من الماء، فهذا دليل على طهارة المني وطهارة رطوبة فرج المرأة.
وهي دلالة ظاهرة جداً، لا سيما وأن الأصل في هذه الأمور الطهارة ما لم يدل الدليل على النجاسة فنقول: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اغسل ما أصابك منها)، معناه: اغسل ما أصابك منها استحباباً وليس وجوباً؛ لأن عائشة كانت تفركها ولم تكن تغسلها، والأصل الطهارة ولم يدل دليل قاطع ولا حتى دليل ظني على نجاسة رطوبة فرج المرأة.
إذاً: الصحيح الراجح: أن رطوبة فرج المرأة على الطهارة وليست على النجاسة، ولكن هناك أمر مهم جداً بالنسبة للنساء وهو إن قلنا: إنها على الطهارة فهل تتوضأ منها أم لا؟ الصحيح: أنها تتوضأ منها؛ لأنه لا يلزم من النواقض أن تكون نجسة وإلا فالريح طاهر، ومع ذلك فإن منه الوضوء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، قالوا لـ أبي هريرة: يا أبا هريرة! ما الحدث؟ قال: فساء أو ضراط).
إذاً: فرطوبة فرج المرأة تنقض طهارتها، ولكن ليست بنجسة، وثمرة ذلك: أنها لا تكلف بأن تغسل المحل إن شعرت برطوبة الفرج، بل لها أن تتوضأ فقط.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
(10/11)

شرح متن أبي شجاع - ما يحرم استعماله من الأواني وما يجوز
يحرم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويجوز استعمال غيرهما من الأواني، وقد اختلف الفقهاء في حكم استعمال أواني الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، كما اختلفوا في استعمال الإناء المضبب بالذهب والمطلي به.
(11/1)

أحكام استعمال أواني الذهب والفضة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: ولا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة، ويجوز استعمال غيرهما من الأواني].
بعدما بين المصنف مسألة استخدام الجلود كقرب السقاية، تكلم عن الأواني التي يستعملها الناس، وقسمها إلى قسمين: قسم ممنوع، وقسم جائز مباح.
فأواني الذهب والفضة لها حالات ثلاث: الحالة الأولى: استعمالها في الطعام والشراب خاصة.
الحالة الثانية: استعمالها مطلقاً لغير الطعام والشراب، كمفتاح، كسلسلة، كآنية فخار يجمل بها البيت.
الحالة الثالثة: استعمالها للقنية (كنز) يعني: يستخدمونها عند الحاجة، فيبيعونها ويستفيدون من ثمنها.
(11/2)

حكم استعمالها في الطعام والشراب
الأول: استعمالها في الطعام والشراب، ففي المذهب قولان، ومعنى في المذهب قولان: أنه يوجد قول قديم وقول جديد، وإذا قيل: في المسألة وجهان، فالمعنى: أن كبار الأصحاب يخرجون على قول الشافعي، يعني: ينظرون في أصول الشافعي ويخرجون عليها الوجوه.
إذاً: يوجد قولان في المذهب في حكم استعمال آنية الذهب والفضة في الطعام والشراب: القول الأول: الكراهة، مع أن الشافعي أصل في الرسالة: أن الأصل في النهي التحريم، قالوا: نحن نقول بالكراهة لوجود الصارف الذي صرف النهي من التحريم إلى الكراهة وهو العلة، فإن العلة هي: الترف والخيلاء أو التشبه بالأعاجم، وهذا كلام ليس بوجيه.
القول الثاني في المذهب وهو القول الراجح الذي رجحه المحققون: تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الطعام والشراب، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة من الأثر والنظر.
أما من الأثر: ففي الصحيحين عن حذيفة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة).
واستدلوا أيضاً بحديث مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، وهذا وعيد أكيد شديد عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن هذه الفعلة من الكبائر.
ومن النظر قالوا: فيه الترف والخيلاء، وهو محرم عموماً، وفيه كسر قلوب الفقراء أيضاً، وأصول الشريعة تأبى ذلك.
وقد اتفق الأئمة الأربعة على أنه لا يجوز الأكل أو الشرب في آنية الذهب والفضة، ومن فعل ذلك فهو آثم، وعدوا هذه الفعلة من الكبائر، فالذي يأكل بملعقة من الذهب، أو بملعقة من الفضة، فقد أتى كبيرة، وهذه الكبيرة تسقط بها عدالته، ويفسق بها، واستدلوا على أنها كبيرة: بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كأنما يجرجر في بطنه نار جهنم)، ووجه الشاهد: أن هذا الوعيد الشديد بأنه يستحق ناراً تلظى يدل على أنها من الكبائر؛ لأن العلماء ضبطوا الكبائر بضوابط منها: نفي الإيمان أو إثبات العقاب أو النار أو الحد.
وخالف الجماهير أهل الظاهر في حرمة الأكل فيهما، واتفقوا مع الجماهير على حرمة الشراب من آنية الذهب والفضة؛ لأنهم يأخذون بالنصوص فقط، ولم يبلغهم حديث حذيفة الذي فيه: (ولا تأكلوا من صحافها)، فأخذوا بظاهر حديث أم سلمة الذي لم يذكر فيه الأكل، وإنما ذكر فيه الشراب؛ فلذلك قالوا: يجوز الأكل فيهما دون الشراب.
وهم محجوجون بالأثر وبالنظر، أما بالأثر: فحديث حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تأكلوا من صحافها)، وبالأثر نقول: إذا حرم الشراب فالأكل من باب أولى إلا إذا دل الدليل على التخصيص، فالأكل أشد من الشرب، إلا فيما خصه الدليل كحديث: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يشرب قائماً فقال: أتحب أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه الشيطان)، لكن خص الدليل الأكل بجوازه قائماً؛ وذلك أن ابن عمر قال: كنا نأكل ونحن نمشي، وأنس أخذ بالأصل، فعندما سألوه عن الأكل قائماً قال: الطعام أشد منه، فـ أنس أخذ على التأصيل العام، لكن ابن عمر نقل عن الصحابة أنهم كانوا يأكلون وهم يمشون، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم.
(11/3)

حكم استعمالها في غير الطعام والشراب
الثاني: استعمال آنية الذهب والفضة في غير الشراب والطعام، مثل رجل عنده طبق ذهب أخذه جائزة على السباق، وكتب اسمه عليه، وكتبت مهارته، وأراد أن يفتخر به ويعلقه على الحائط، أو مثل بعض الناس الذين يجعلون نجفة من ذهب فيعلقونها في السقف، أو يزينون الغرفة بسلاسل فضة، أو يجعل المفتاح من ذهب أو فضة أو الميدالية التي تعلق في المفتاح.
فهذا كله يدخل في باب الاستعمال، فهل نقول: التحريم يتعدى إلى هذا الاستعمال، ونضيق عليه ونقول: هذا لا يجوز، أم يحل؟ في المذهب: التحريم أصالة في الشراب والطعام، ويتعدى التحريم مطلقاً إلى استعمال الذهب والفضة كمفتاح أو ميدالية أو سلسلة، أو كزينة في الباب، أو زينة في الحائط، ولو استعمل هذه الآنية من الذهب أو من الفضة كزينة فقد وقع في الإثم، بل وقع في كبيرة تسقط بها عدالته.
وأدلتهم على ذلك هي نفس الآثار التي استدلوا بها على تحريم الشراب والطعام في الآنية من الذهب والفضة، لكن من وجوه نظرية، قالوا: الوجه الأول: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة)، فقوله: إنها لهم في الدنيا، أي: للكفار في الدنيا عموماً يستخدمونها ويستعملونها استعمالاً مطلقاً في الطعام والشراب واللباس وغير ذلك، وهذا استنباط دقيق جداً.
وبالمقابل قال: (ولكم في الآخرة)، وهذه دلالة على عموم الاستعمال، قال الله تعالى: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان:19 - 21]، وقال تعالى: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج:23].
إذاً: قال: (ولكم في الآخرة) يعني: كما أنها لهم في الدنيا على العموم، فهي لكم في الآخرة على العموم، وهذا يدل على حرمة الاستعمال في أي شيء دلالة على أن المسألة تعم ولا يختص النهي بالطعام والشراب.
الوجه الثاني: حرم النبي صلى الله عليه وسلم الطعام والشراب في آنية الذهب والفضة، وهم يحتاجون إلى الطعام والشراب، فمنعهم مما لهم فيه حاجة، فلأن يمنعهم مما لا حاجة لهم فيه من باب أولى.
وجه ثالث -وهذا فيه نظر- قالوا: العلة في المنع من استخدام آنية الذهب والفضة في الشراب والطعام الترف والخيلاء، لكن هذه العلة موجودة في الزينة في البيت، والزينة في الباب، والزينة في السيارة.
والقاعدة عند العلماء أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، والأصل في هذه الزينة الإباحة والجواز.
هذه أدلة ثلاثة استدل بها الشافعية على تحريم الاستعمال لأواني الذهب والفضة مطلقاً، ووافقهم كثير من المالكية والحنابلة، وخالف في ذلك الظاهرية والأحناف وبعض الحنابلة، واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: قالوا: الأصل في كل شيء الإباحة، لقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة:29]، قالوا: فالأصل إذاً في استعمال أواني الذهب والفضة الإباحة إلا ما خصه الدليل، وقد دل الدليل على تحريم الشراب والطعام فيها فقط، فنقف عند الدليل.
الدليل الثاني: قالوا: كلام النبي صلى الله عليه وسلم ظاهر، والنبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلام، فخص التحريم بالشراب والطعام، ولو كان التحريم يتعدى لغيره لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
الدليل الثالث: قالوا: أم سلمة التي روت أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الشرب في آنية الذهب أو الفضة كان عندها جلجل -كأنه قارورة صغيرة- من فضة، جعلت فيه شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم كانت تتبرك بها، قالوا: والراوي أعلم بما روى، فلو كان الاستعمال يحرم في غير الشراب والطعام لامتنعت أم سلمة من هذا الفعل، وهذا الدليل من القوة بمكان، لأن أم سلمة هي راوية الحديث، والراوي أعلم بما روى، والأسلم الخروج من الخلاف؛ لأن القاعدة عند العلماء: الخروج من الخلاف مستحب، لكني أميل لقول الجمهور، لأن هذا هو الأسلم، وأدلته ظاهرة، لا سيما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها لهم في الدنيا)، وهذا عموم، (ولكم في الآخرة)، وهذا عموم، وأيضاً: لما فيه من الترف والخيلاء، والرد على دليل المخالف بأن الأصل في الأشياء الإباحة أن نقول: نعم الأصل الإباحة إلا أن يأتي دليل ينقلنا من الأصل إلى غيره، وقد جاء الناقل الذي ينقلنا من الإباحة إلى عدم الإباحة وهو القياس الجلي، وهو ناقل قوي جداً؛ لأن العلماء يرون أن القياس الجلي مثل النص، وكأنه يقول: هذا أولى بالاعتبار، خلافاً للظاهرية، فهم لا يقولون: بقياس الأولى ولا بأي قياس، ولذلك ابن حزم يقول: لا يجوز للمرء أن يقول لأمه: أف، أما ضربها فإنه لا يدخل عنده في نص الآية: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء:23]، وهذا جمود عند النص لا يليق بالعلماء الذين يغوصون في المعاني.
إذاً: قياس الأولى ناقل من الإباحة، فلا حجة لهم في هذا.
أما دليلهم الثاني بأن النبي صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يحرم كل الاستعمالات لذكر ذلك للناس، فنقول: النبي صلى الله عليه وسلم أصل لنا أصولاً عامة، وقعد قواعد كلية تبين لنا أن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، والنبي صلى الله عليه وسلم يترك بيان بعض الأحكام حتى يصل إليها المجتهد فيصيب فيكون له أجران، قال الله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ} [النساء:83] أي: أولي العلم، {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} [النساء:83]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران)، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك بيان ذلك للعلماء المجتهدين، ثم التأصيل العام لا يفرق بين المتماثلين، وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قد علق الحكم بوصف، وتعليق الحكم بوصف يشير إلى أنه إذا وجد هذا الوصف فلا بد أن يوجد الحكم، فهو قال: (إنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)، أيضاً: هذا الحكم معلل بأنه من الترف والخيلاء، أما دليلهم الثالث فهو من القوة بمكان، لأن أم سلمة أعلم بما روت، لكن يمكن أن يرد عليه من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن اللفظة حرفت على الراوي، كانت (من قصة) فحرفها (من فضة)، لكن هذا الكلام غير مرضي، لأنه لا بد في إثباته من دليل.
- الوجه الثاني: قالوا: هذا اجتهاد من أم سلمة، وقد صادم عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)، فنأخذ بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرد ليس قوياً؛ لأن أم سلمة خصصت هذا العموم بفعلها، وهي أفهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثالث: وهو أولى الإجابات، أن هذا الجلجل كان مموهاً بفضة، وليس هو فضة، وهذا فيه إحسان الظن بـ أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها؛ لأنها الذي روت الحديث، والذي قال: كان لها جلجل من فضة هو الراوي، وليس من كلام أم سلمة، فقد يدخل الاحتمال على الراوي، فـ أم سلمة ما قالت: استعملت الفضة، بل الراوي عنها قال: كان عندها جلجل من فضة، فيحتمل أنه رآه وهو مموه بالفضة فحسبه من الفضة.
فإن قيل: ما الذي جعلكم تقولون بهذا الاحتمال؟ قلنا: الأدلة القوية الصريحة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنها لهم في الدنيا)، وهذا عموم، (ولكم في الآخرة)، وأيضاً حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها.
والحق أن هذا الخلاف له حظ من النظر، وقول الجمهور أسلم وأحوط، فالذي يدل عليه ظاهر الأدلة هو تحريم استعمال الذهب والفضة مطلقاً، فلا يستعملها الإنسان في زينة كتعليق السلاسل، أو تعليق الطبق من فضة أو من ذهب، ولا يجعل المفتاح من ذهب أو من فضة، فلا يجوز ذلك بحال من الأحوال إلا ما خصه الدليل، وهو للنساء بالذهب والفضة عموماً وإطلاقاً، وتحلي الرجل بخاتم الفضة فقط، فلا يلبس حزام فضة أو أسورة فضة؛ لأن الدليل أباح الخاتم فقط، والقاعدة عند العلماء: أن ما خرج عن القياس فغيره عليه لا ينقاس، فالأصل العام حرمة استعمال الذهب والفضة مطلقاً كما رجحنا، وخرج عن ذلك للرجل الخاتم من فضة فقط، فنقف كما أوقفنا النبي صلى الله عليه وسلم.
وأيضاً: تزين الرجل بالفضة مطلقاً من باب التشبه بالنساء، ولعن الله الرجال المتشبهين بالنساء.
(11/4)

حكم استعمالها ككنز
الثالث: استعمال الذهب والفضة ككنز، وإذا احتاج إلى المال يبيعه، فهذا يجوز بشرط وقيد، وهو أن يكون كنزاً مباحاً لا كنز محرماً، وإذا بلغ النصاب وحال عليه الحول أخرج زكاته.
(11/5)

حكم تضبيب الإناء بالذهب والفضة
هل يحل استعمال ما ضبب بشيء من الذهب والفضة، مثلاً: كسر إناء من معدن أو من نحاس، فضببه بالفضة أو بالذهب يعني: جعل فيه جزءاً من الذهب أو من الفضة ليصلح الكسر، فإن كان من الذهب فلا يجوز قولاً واحداً في المذهب، وإن كان من الفضة فيجوز، والأصل هو المنع في الذهب والفضة، لكن جاء دليل يخص الفضة فقط، وهو حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: (انكسر قدح النبي صلى الله عليه وسلم فجعل فيه سلسلة من فضة) فهذا يدل على أن تضبيب الإناء بالفضة يباح، والذهب لم يأت الدليل على جواز التضبيب به، فيبقى على الأصل، وهو التحريم.
إذاً نقول: إذا ضبب الإناء المكسور بالذهب فهو حرام قولاً واحداً، وإذا ضببه بالفضة فله أحوال: الحالة الأولى: أن يفعل ذلك لا لحاجة.
الحالة الثانية: أن يفعل ذلك لحاجة، والفضة قليلة جداً.
الحالة الثالثة: أن يفعل ذلك لحاجة والفضة كثيرة.
فحكم الحالة الأولى: فيها قولان في المذهب: القول الأول: كراهة استعمالها، والقول الثاني: وهو الراجح الصحيح: التحريم؛ لأنه قد يجعل نصف الإناء من فضة ويخالف نهي النبي صلى الله عليه وسلم وهو: (الذي يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم).
الحالة الثانية: أن يكون لحاجة وقليل، فهذا يباح للحاجة: ومعنى الحاجة أن غيره قد يغني عنه، فإناء الزجاج يغني عنه، لكن يحتاج إليه الناس، فأباح الشرع من أجل حاجة الناس أن يضبب الإناء المكسور بالفضة.
إذاً: إن كان قليلاً لحاجة جاز، والدليل على ذلك حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه: (انكسر قدح النبي صلى الله عليه وسلم فجعل له سلسلة من فضة).
الحالة الثالثة: أن تكون الضبة كبيرة للحاجة، فهذا لا يجوز، وبعض الشافعية قال بالكراهة، والصحيح أنه لا يجوز.
إذاً: يجوز استخدام الفضة فقط في التضبيب للحاجة، وأما للضرورة فيجوز استعمال الذهب والفضة، والدليل على ذلك حديث عرفجة بن أسد رضي الله عنه وأرضاه حينما قطعت أنفه في المعركة، فصنع له أنفاً من فضة فكانت له رائحة منتنة، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصنع له أنفاً من ذهب فصنع له أنفاً من ذهب.
فالضرورات تبيح المحظورات، لكن إذا جاء ما يغني عنها فلا يجوز استعمالها، فمثلاً الآن الأسنان اللبنية تغني عن الذهب والفضة، فلا يجوز تركيب الأسنان الذهبية؛ لأنه يمكنه الاستغناء عنها بالمباح.
إذاً: يباح استعمال الفضة للحاجة إن كانت قليلة، ويباح استعمال الذهب والفضة عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها.
(11/6)

حكم المموه بماء الذهب
بعض الأشياء قد يطليها الناس بماء الذهب مثل النظارات والساعات، فما حكم المطلي بماء الذهب؟ المطلي بماء الذهب له حالات: الحالة الأولى: إذا مررنا به على النار انفصل منه جرم الذهب وظهر، فيحرم هذا ولو كان قليلاً.
الحالة الثانية: إذا مررنا به على النار لا ينفصل منه شيء، فهذا يجوز؛ لأنه غير مستقل بل تابع، والقاعدة عند العلماء: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل؛ ولهذا فإن بيع ما لا يرى غرر لا يجوز، لكن يغتفر في التوابع وإن لم يرها المشتري، مثل أن تشتري جاكتاً محشواً بالقطن، فهذا القطن أنت لا تراه، لكنه تابع، فيجوز شراؤه، ومثل جواز شراء الدار مع عدم معرفة أساسها؛ لأن الأساس تابع.
إذاً: المطلي بماء الذهب حكمه فيه تفصيل: إن كان لا ينفصل منه شيء بعرضه على النار فيصح استعماله؛ لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، وإن انفصل منه شيء حرم استعماله.
(11/7)

علة تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
اختلف العلماء في علة تحريم استعمال آنية الذهب والفضة، والراجح: أن العلة: الترف والخيلاء.
والثمرة التي نستفيدها من معرفة أن العلة هي الترف والخيلاء: إمكانية القياس، فلو طلي الذهب والفضة بالقطران أو بالنحاس أو بأي معدن آخر، فالرائي عندما يراه فسيظنه قطراناً أو نحاساً، ولا يقال: هذا الرجل واقع في مخيلة، ولن يكسر قلوب الفقراء بذلك، فإذا كانت العلة في الذهب الترف والخيلاء ولو طلاه بمعدن آخر فيجوز استعماله على أن العلة الترف والخيلاء، ولو كانت العلة الذهب والفضة نفسها ولو غير شكلها بطين أو بفخار أو بنحاس فلا يجوز استعماله؛ لأنه في الحقيقة ذهب وفضة، والأولى أن نقول: إن أغلب الأحكام معللة، والتعليل هنا هو من أجل الترف والخيلاء، فإن انتفى الترف والخيلاء انتفى الحكم.
(11/8)

حكم الوضوء من إناء الذهب
اختلف العلماء في حكم صلاة من توضأ بماء كان في إناء ذهب، فالحنابلة يرون أن صلاته باطلة، والجمهور يقولون: صلاته صحيحة، وهذا الاستعمال محرم، لكن هذا الاستعمال غير مؤثر في العبادة، والنهي لا يقتضي الفساد إلا أن يكون النهي منصباً على ذات الفعل، أو منصباً على وصف ملازم للفعل، وهنا النهي يعود إلى جهة منفكة؛ لأن الوضوء لا يشترط فيه أن يكون من إناء، فنقول: قد استعمل الإناء الذي من الذهب استعمالاً محرماً يأثم عليه، ولكن وضوءه كان وضوءً صحيحاً، فتصح صلاته، أما أكثر الحنابلة فيقولون: الوضوء باطل والصلاة باطلة، قالوا: لأنه استعمل إناء الذهب استعمالاً محرماً، ومطلق النهي يقتضي الفساد، فنقول لهم: هذا النهي لا يقتضي الفساد؛ لأن النهي هنا ليس عن ذات الشيء، ولا عن وصف ملازم للشيء.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
(11/9)

شرح متن أبي شجاع - استعمال آلة السواك
السواك من سنن الفطرة، وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام عليه، ويتأكد استحبابه عند القيام إلى الصلاة وعند القيام من النوم، وعند تغير الفم، وللسواك آداب ينبغي مراعاتها.
(12/1)

الحث على طلب العلم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويظهر الجهل، وإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْق عالم -وفي رواية: لم يُبْق عالماً- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسألوهم فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)،وقد كان ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه بحراً في العلوم والتفسير والفرائض، وكان يجل زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، فقد وقف على قبر زيد وبكى كثيراً وقال: اليوم دفن علم كثير، ثم قال: أيها الناس! إن أردتم أن تعلموا كيف يذهب العلم، فهكذا يذهب العلم.
بمعنى: أنه إذا مات العلماء ذهب العلم مع العلماء، لا سيما إذا لم يخلفوا بعدهم طلبة يأخذون العلم من أفواههم، ويجثون على الركب، ويصبرون على هذا العلم فينشرونه بين الناس، فإن الدنيا تؤذن بخراب إذا مات العلماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً)، نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من الذين يعلمون ويعملون وينشرون دين الله جل في علاه في مشارق الأرض ومغاربها.
والحرص على الطلب هو دأب السلف، فقد كان وكيع بن الجراح إذا نزل مكة تركوا كل المجالس حتى يذهبوا إلى مجلس وكيع، حرصاً منهم على الطلب، وكانوا يعرفون للعلم عظمته، ويعرفون لمن يحمل العلم حقه، فكانوا يجلسون بهيبة ووقار وسكينة حتى يعظموا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيرفع قدرهم عند الله جل في علاه، ويعظم العلم في أعين الناس.
وعبد الرحمن بن مهدي له على الدنيا منة ليست بعدها منة؛ لأنه الذي طلب من الشافعي أن يكتب الرسالة، فكتب له هذه الرسالة الممتعة في أصول الفقه.
وقد كان يجلس عبد الرحمن بن مهدي في مجلس التحديث فكان إذا سمع صوتاً قال: لا أحدثكم؛ تعظيماً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذات مرة كان يحدث فوجد طالباً للعلم يكتب الحديث وهو يبتسم، فقال: تضحك وأنا أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا أحدثكم شهراً، وامتنع عن التحديث شهراً كاملاً حتى يعلم طلبة العلم كيف يعظمون حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم إذا عظموه في قلوبهم عظم عند الناس.
(12/2)

فضل السواك
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل: والسواك مستحب في كل حال إلا بعد الزوال للصائم، وهو في ثلاثة مواضع أشد استحباباً: أولاً: عند تغيير الفم من أزم ونحوه، ثانياً: وعند القيام من النوم.
ثالثاً وعند القيام إلى الصلاة].
السواك لغة: يطلق على الآلة ويطلق على الفعل، فالسواك بمعنى: الدلك، وهو تحريك الآلة على اللسان والأسنان وما حول ذلك.
ويطلق أيضاً على الآلة، مثل عود الأراك أو المنديل أو الإصبع عند من يصحح الحديث الوارد في ذلك، وهو ضعيف كما سنبين.
أما شرعاً: فهو دلك الأسنان وما حولها بعود الأراك ونحوه.
والسواك من سنن الفطرة، وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت أن تسقط أسناني)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على رسول الله في مرض موته وهو على حجري، وفي يده سواك يستن به، فأبد النبي صلى الله عليه وسلم بصره إلى السواك) يريد السواك وهو على فراش الموت، فهذه إشارة عظيمه جداً لفضل السواك، فمد بصره إلى السواك ففهمت وفطنت عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد السواك فأخذته من عبد الرحمن بن أبي بكر ثم لينته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فاضت روحه بأبي هو وأمي.
والسواك له فضل عظيم، فقد علق البخاري عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السواك مرضاة للرب مطهرة للفم)، ووصله أحمد بسند صحيح.
(12/3)

حكم السواك
وحكم السواك في المذهب الاستحباب، والمستحب عند الفقهاء: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
وقد قال بوجوب السواك داود الظاهري ونسب ذلك لـ إسحاق ابن رهويه.
إذاً: فالشافعية يرون استحباب السواك، ودليلهم من الأثر: الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)، فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر الأمة به وجوباً لوجود المشقة، فلذلك الشافعي يستدل بهذا الحديث على أن ظاهر الأمر الوجوب، قال: لو كان واجباً لأمرهم به سواء شق أم لم يشق.
وورد الأمر به في بعض الأحاديث المرسلة وأسانيدها ضعيفة لكن لها شواهد تقويها، مثل (تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم) وأيضاً علق البخاري كما بينا عن عائشة رضي الله عنها وأرضاه أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، هذا بالنسبة للأثر القولي.
أما الأثر الفعلي: فديمومة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل في الفعل عند الأصوليين أنه يدل على الاستحباب، ولا يدل على الوجوب، ودليلهم: أنه عندما صلى بهم التراويح ثم امتنع قال: (خشيت أن تفرض عليكم) فهذا فيه دلالة على أن الأصل في الفعل الاستحباب، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك السواك، حتى إنه في مرض موته كان يهتم بأن يستعمل السواك، وهذا فيه دلالة على استحباب السواك.
أما النظر: فإن صاحب الهمة العالية يحب أن يصل إلى الكمالات وهو في أحسن هيئة، وفي أحسن مقام، وعندما يقابل السلاطين، أو الملوك، أو يقابل من يحب، أو يقابل من يعظم يكون في أحسن هيئة، وهذا يكون بالسواك، فالسواك مطهرة للفم، مرضاة للرب جل في علاه.
(12/4)

أوقات استحباب السواك
يستحب استعمال السواك في كل الأوقات، لكن هناك أوقات يتأكد فيها استحباب استعمال السواك، من هذه الأوقات: عندما يقوم إلى الصلاة، فقبل أن يكبر للإحرام يتسوك.
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل السواك، وطلبة العلم والفقهاء لا يستعملون السواك! فيا حسرة على العباد! ويتأكد السواك عند الصلاة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام بالسواك فقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)، وفي السنن: أن بعض الصحابة يجعل السواك على الأذن موضع القلم، فكانوا لا يدخلون إلى الصلاة إلا ومعهم السواك حرصاً على هذه السنة النبوية، والسواك يدخل في عموم قول الله: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31]، والإنسان إذا زار عظيماً يحب أن يكون في أحسن هيئة، ومن حسن الهيئة استخدام السواك، فالإنسان إذا قام يصلي أمام ربه قام مقاماً عظيماً، فلا بد أن يكون في أحسن هيئة، ومن حسن الهيئة أن يستخدم السواك، وابن دقيق العيد رحمة الله عليه قال: ولعل أمر النبي باستخدام السواك في الصلاة لأن المصلي يقرأ القرآن ويقترب منه الملك؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يبصق عن يمينه أو قبل وجه.
إذاً: أول الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: الصلاة.
الوقت الثاني الذي يتأكد فيه استحباب السواك: عند الوضوء، قال العلماء: محله عند التسمية، وقال بعضهم: محله بعد غسل اليدين، فيستعمل السواك ثم يعقبه بعد ذلك غسل الفم، والأمر واسع.
قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وهذا تصريح باستحباب السواك عند الوضوء.
الوقت الثالث الذي يتأكد فيه استحباب السواك: بعد القيام من النوم، أو بعد الطعام، أو بعد طول سكوت، أو بعد كثرة كلام؛ لأن هذه كلها تقتضي تغير الفم، وفي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قال النبي صلى الله عليه وسلم (السواك مطهرة للفم).
وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم والسواك على طرف لسانه)، وفيه دلالة -كما قال الحافظ ابن حجر - على أن السواك لا يقتصر استخدامه على الأسنان بل حتى على اللثة وعلى اللسان، قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت السواك على طرف لسانه يستاك به كأنه يتهوع يقول: أع، أع).
وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه وأرضاه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)، لأن النوم يقتضي تغير الفم، وكذلك إذا أكل أو طال سكوته أو كثر كلامه فهذا كله يغير رائحة الفم، وهذه سنة نبوية لا بد للإنسان أن يعمل بها، وسأسأل طلبة العلم: هل منكم من يجهز سواكه بجانبه عند النوم ثم عندما يستيقظ يستخدم السواك؟ هذه سنة نبوية إن فعلت ذلك تعبداً أجرت عليه، وأيضاً أنت ترضي ربك، وتطهر فمك.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك هذه السنة قط، حتى إنه لم يترك السواك عند موته.
ومن الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند دخول البيت، فشرعنا ما ترك شيئاً أبداً، ولنعم هذا الشرع، فمن محاسن شرعنا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله)، وسئلت عائشة رضي الله عنها وأرضاها ما كان أول ما يبتدئ به الرسول صلى الله عليه وسلم عند دخوله البيت؟ قالت: (كان يتسوك) والسواك له حكم عظيمة، فالرائحة الطيبة تجذب المرأة، فالسواك يزيد الألفة بين الرجل والمرأة، والرائحة الكريهة تؤدي إلى النفرة بين الرجل وبين امرأته، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً جداً ألا تشم منه إلا رائحة طيبة، ولما أرادت عائشة أن تكيد للنبي صلى الله عليه وسلم ليترك الجلوس عند زينب بعد العصر، حيث كان يشرب عندها عسلاً، قالت: يا رسول الله! أجد منك ريح مغافير! فحرم على نفسه شرب ذلك العسل، فعاتبه الله.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن تشم منه الرائحة الطيبة، وهذا دأب الصالحين، والنبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يكون صاحباً للبشر، فإنه صاحب لجبريل عليه السلام الذي يأتيه كثيراً.
أيضاً من الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند قراءة القرآن، والقرآن أفضل الذكر، وغذاء الروح هو ذكر الله جل في علاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، فاقرءوا القرآن، فإن لكم بكل حرف منه حسنة، ولا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، وإذا قرأ المرء القرآن أتى الملك فاقترب من قارئ القرآن، ويا لها من فضيلة! يقترب منه حتى يضع فاه على فم القارئ، فينبغي ويتأكد أن تكون رائحة فم القارئ طيبة؛ لأن الملك يضع فاه على في ابن آدم، وفي الحديث: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).
أيضاً من المواضع التي يستحب فيها السواك: عند اجتماع الناس، فعندما يكون الصاحب قريباً من صاحبه يتكلمان فإن كانت الرائحة طيبة انشرح الصدر، وإن لم تكن طيبة نفر من كان بجانبه أو تأذى بذلك.
أيضاً من الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند الاحتضار، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حجر عائشة حيث طلب السواك فاستاك صلى الله عليه وسلم، والإمام الخطيب الشربيني ذكر فوائد كثيرة جداً للسواك عند الاحتضار، منها أنه يسهل خروج الروح، ويثبت الجنان، ويذكر بلا إله إلا الله، ولا طائل تحت هذه الكلمات، ونحن دائماً ندور مع الأثر حيث دار، ويكفينا الاتساء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث استاك عند الاحتضار، فيستحب للمحتضر أن يتسوك أو يسوكه من كان قائماً عليه.
5)] حكم السواك بعد الزوال للصائم:- عند الشافعية والحنابلة خلافاً للجمهور وقت من الأوقات يكره فيه استعمال السواك، وهو بعد الزوال للصائم، فالقيد الأول: أن يكون صائماً، والقيد الثاني: أن يكون بعد الزوال، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، وهذا الحديث فيه دلالة واضحة جداً على أن خلوف فم الصائم التي تكون نتيجة خلو المعدة أطيب عند الله من رائحة المسك، قالوا: فهذه الرائحة مستطابة عند الله فيكره إزالة المستطاب عند الله جل في علاه.
واستدلوا أيضاً بقول عمر بن الخطاب: [يكره للصائم أن يستخدم السواك بعد الزوال].
واستدلوا بأدلة أخرى منها حديث: (إذا يبست شفة الصائم تكون له نوراً يوم القيامة)، وهذا الحديث ضعيف جداً لا يجوز الاستدلال به.
واستدلوا أيضاً من ناحية النظر بأن خلوف فم الصائم أثر عبادة، وقد ورد في الشرع أن أثر العبادة يكره إزالته، ولذا النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما اغتسل وأتي بالمنديل رده وما أخذه، فاستدل به العلماء على أن أثر العبادة يكره إزالته، وفي هذا الاستدلال نظر، لكن يستدل على ذلك بأن الشرع جاء بدفن الشهداء في دمائهم وثيابهم، وهذه دلالة على أن أثر العبادة يكره إزالته، قالوا: وخلوف فم الصائم هو أثر الصوم، فيكره إزالته باستخدام السواك، والجماهير، الجماهير يرون إطلاق استحباب استخدام السواك للصائم قبل الزوال وبعد الزوال في أي وقت، وأخذ بقول الجمهور المحققون في المذهب مثل النووي وابن عبد السلام والمزني، فيرون أن الاستحباب على الإطلاق، واستدلوا على ذلك بعمومات الأدلة، مثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ووجه الدلالة العموم، فقوله: (كل صلاة) يدخل منه صلاة الظهر وصلاة العصر، وأيضاً عموم حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وهو على العموم سواء قبل الزوال أو بعد الزوال للصائم وغير الصائم، وأيضاً استدلوا بحدث ضعيف عن عمر بن ربيعة قال: (أكثر ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم السواك وهو صائم)، وعمومات الأحاديث التي سبقت فيها الغنية عن هذا، واستدلوا من النظر فقالوا: السواك مرضاة للرب، فاستخدامه فيه رضا الرب جل في علاه حتى لو كان فيه إزالة أثر عبادة.
والشافعية اعتمدوا على الكراهة بحديث: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من رائحة المسك)، والرد عليهم من وجهين: الأول: هذا الحديث مجمل، وحديثنا العام محكم وهو (مطهرة للفم، مرضاة للرب)، وأيضاً حديث: (عند كل صلاة)، فهذا العموم محكم، وهذا الحديث لا نستطيع أن نخصص به هذا العموم.
الوجه الثاني وهو الأقوى: هذه الرائحة تكون من خلو المعدة، فالسواك يزيل هذه الرائحة.
(12/5)

حكم السواك بعد الزوال للصائم
عند الشافعية والحنابلة خلافاً للجمهور وقت من الأوقات يكره فيه استعمال السواك وهو: بعد الزوال للصائم، فالقيد الأول: أن يكون صائماً، والقيد الثاني: أن يكون بعد الزوال، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، وهذا الحديث فيه دلالة واضحة جداً على أن خلوف فم الصائم التي تكون نتيجة خلو المعدة أطيب عند الله من رائحة المسك، قالوا: فهذه الرائحة مستطابة عند الله فيكره إزالة المستطاب عند الله جل في علاه.
واستدلوا أيضاً بقول عمر بن الخطاب: [يكره للصائم أن يستخدم السواك بعد الزوال].
واستدلوا بأدلة أخرى منها حديث: (إذا يبست شفة الصائم تكون له نوراً يوم القيامة)، وهذا الحديث ضعيف جداً لا يجوز الاستدلال به.
واستدلوا أيضاً من ناحية النظر: بأن خلوف فم الصائم أثر عبادة، وقد وردت في الشرع كراهية إزالة أثر العبادة؛ ولذا فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما اغتسل وأتي بالمنديل رده وما أخذه، فاستدل به العلماء على كراهية إزالة أثر العبادة؛ وفي هذا الاستدلال نظر، لكن يستدل على ذلك بأن الشرع جاء بدفن الشهداء في دمائهم وثيابهم، وهذه دلالة على أن أثر العبادة يكره إزالته، قالوا: وخلوف فم الصائم هو أثر الصوم، فيكره إزالته باستخدام السواك، والجماهير يرون إطلاق استحباب استخدام السواك للصائم قبل الزوال وبعد الزوال في أي وقت، وأخذ بقول الجمهور المحققون في المذهب مثل النووي، وابن عبد السلام، والمزني، فيرون أن الاستحباب على الإطلاق، واستدلوا على ذلك بعمومات الأدلة، مثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ووجه الدلالة العموم، فقوله: (كل صلاة) تدخل فيه صلاة الظهر وصلاة العصر، وأيضاً عموم حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وهو على العموم سواء قبل الزوال أم بعد الزوال للصائم وغير الصائم، وأيضاً: استدلوا بحديث ضعيف عن عامر بن ربيعة قال: (أكثر ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم السواك وهو صائم)، وعمومات الأحاديث التي سبقت فيها الغنية عن هذا، واستدلوا من النظر فقالوا: السواك مرضاة للرب، فاستخدامه فيه رضا الرب جل في علاه حتى لو كان فيه إزالة أثر عبادة.
والشافعية اعتمدوا في الكراهة على حديث: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من رائحة المسك)، والرد عليهم من وجهين: الأول: هذا الحديث مجمل، وحديثنا العام محكم وهو (مطهرة للفم، مرضاة للرب)، وأيضاً حديث: (عند كل صلاة)، فهذا العموم محكم، وهذا الحديث لا نستطيع أن نخصص به هذا العموم.
الوجه الثاني وهو الأقوى: هذه الرائحة تكون من خلو المعدة، والسواك لا يزيل هذه الرائحة.
(12/6)

آداب استعمال السواك
يستحب أن يكون السواك من عود أراك.
ويستحب استعمال السواك باليمين، لإطلاق حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء في ترجله، وتنعله وفي شأنه كله)، فقولها: (وفي شأنه كله) يدخل تحته السواك، فعموم هذا الحديث يدل على استحباب استعمال السواك باليمين، وبعض العلماء قال: يستحب أن يكون باليسار إذا كان مطهرة للفم يعني بعد النوم، وبعد أكل الطعام، وإن كان مرضاة للرب فالأفضل أن يكون باليمين يعني عند القيام إلى الصلاة مثلاً.
ومن الآداب عند استعمال السواك: أن يكون للسان طولاً، وأن يكون للأسنان عرضاً، وهذا يستنبط من حديث أبي موسى (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم والسواك على طرف لسانه وهو يستاك ويقول: أع، أع، كأنه يتهوع).
ومن الآداب أن يبدأ بالجانب الأيمن للأسنان لإطلاق حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في شأنه كله.
ومن الآداب: أن يلين السواك، فلا يستاك به وهو يابس فيضر نفسه، فيلين السواك بماء أو بأسنانه وهذا ورد في سنن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يستاك تأخذ عائشة السواك فتلينه وتعطيه للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الذي في الصحيح أنها أخذت السواك من عبد الرحمن فلينته للنبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الآداب عند استخدام السواك: ألا يؤذي اللثة.
(12/7)

حكم إعارة السواك
يجوز إعارة السواك واستخدامه من فم لفم، لكن لهذا آداب، ودليل إعارة السواك حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على حجرها ونظر إلى السواك الذي في يد عبد الرحمن، فأخذته منه فلينته فاستخدمه النبي صلى الله عليه وسلم.
ودليل آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسوك ثم يعطي عائشة فتتسوك بعده، وتصيب منه بركة ريق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كانت تأخذه وتلينه وتغسله وتعطيه للنبي صلى الله عليه وسلم.
فإذاً: يجوز للمرء أن يستعير السواك من أخيه، وينبغي أن يغسله بالماء قبل أن يتسوك وبعد أن يتسوك، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، ومن أعار السواك لأخيه وجعله يعمل بالسنة فخيره تعدى لغيره، فله الأجر مضاعف.
(12/8)

هل يعطى السواك الصغير الذي عن اليمين أم الكبير الذي عن اليسار؟
إذا أردت أن تعطي السواك لصغير عن يمينك وآخر كبير عن يسارك، فمن تعطيه أولاً؟ جاء في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه على يساره، وعلى يمينه ابن عباس، وجاء الساقي وأعطى الشراب للنبي صلى الله عليه وسلم، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أعطى فضله ابن عباس، فقال عمر: يا رسول الله! هذا أبو بكر يعني: لا تعطي ابن عباس الصغير وتترك سيد القوم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـ ابن عباس: (أتأذن للشيخ؟ فقال: لا) واستنبط العلماء من ذلك أن الإيثار في القرب مكروه، فقدم رسول الله من على يمينه ولو كان صغيراً، وهذا يعضده حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (وكان يحب التيامن في شأنه كله)، وفي حديث القسامة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كبر، كبر)، وفي حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم: رأى رؤيا وهي أن معه سواكاً، فأراد أن يعطي السواك لصغير، فقال له الملك: (كبر كبر)، وهذا نص على أنك إذا أعطيت السواك تعطيه للكبير.
والكبر هنا ليس المقصود به كبير السن فقط، بل يدخل منه كبير العلم، وكبير المقام، وكبير الوجاهة، وكبير العلم يقدم على كبير السن، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر أبا بكر بثلاث سنوات فقط.
والراجح في هذه المسألة: أن التيامن في كل شيء، في الشراب، وفي اللباس، وفي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في شأنه كله، لكن في السواك خاصة يبدأ بالكبير ولا يبدأ باليمين.
(12/9)

شرح متن أبي شجاع - فصل فروض الوضوء وسننه [1]
من شروط صحة الصلاة: الوضوء، والوضوء له شروط وفروض وسنن مبسوطة عند أهل العلم، مع اختلافٍ في بعضها، ومن فروض الوضوء: النية، والنية محلها القلب، ولها وقت وصفة، وهي تختلف بحسب أحوال الناس من الصحة والمرض ونحو ذلك.
(13/1)

أحكام الوضوء
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: فروض الوضوء وسننه.
وفروض الوضوء ستة أشياء: النية عند غسل الوجه، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب على ما ذكرناه].
(13/2)

تعريف الوضوء
أما الوضوء فهو: مصدر توضأ يتوضأ وُضوءاً ووَضوءاً.
والوَضوء بالفتح هو: اسم للماء المستعمل أو الماء المطلق في الطهارة لرفع الحدث أو استباحة الصلاة أو إزالة النجس.
والوُضوء: اسم للفعل، أي: غسل اليدين، وغسل الوجه، والمضمضة والاستنشاق، ومسح الرأس، وغسل الرجلين.
إذاً: الفارق بين الوَضوء والوُضوء المصدر والفعل، فالمصدر يدل على الآلة المستخدمة، أي: الماء المستخدم.
وأما بالضم: فهو اسم لفعل الوضوء وهو غسل اليدين وغسل الوجه ومسح الرأس إلى آخر أفعال أو أركان الوضوء ومستحبات الوضوء.
هذا تعريف الوضوء.
(13/3)

موجبات الوضوء
موجبات الوضوء ثلاثة: وهي الأسباب الداعية للوضوء، وقد ذكرها صاحب الإقناع الخطيب الشربيني، فذكر منها الأول: الحدث.
الثاني: القيام إلى الصلاة.
الثالث: هما معاً.
أما الحدث فنستدل له على أنه موجب للوضوء بحديث في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).
إذا: من أخرج ريحاً، أو قضى حاجته، أو بال واستنجى، فإنه قد أوجب على نفسه الوضوء إذا قام إلى الصلاة، ويكون واجباً مضيقاً إذا قام إلى الصلاة، وواجباً موسعاً إذا لم يدخل وقت الصلاة.
أما الموجب الثاني للوضوء: فهو القيام إلى الصلاة، فإذا دخل وقت الصلاة فنقول: يجب عليك أن تتوضأ، لأن الله جل في علاه قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] إلى آخر الآية، فهذا أيضاً من موجبات الوضوء؛ لأن المرء لا يستطيع أن يقف أمام ربه إلا متطهراً مصلياً على طهارة تامة كاملة، فإذا أحدث المرء وقام وصلى وهو يعلم أنه يصلي بغير وضوء فهذا متلاعب، بل الأحناف ارتقوا مرتقى صعباً وقالوا: هذا كفر؛ لأنه استهزاء بالله جل في علاه، وهذا كلام فيه ضعف.
فالغرض المقصود: أن من موجبات الوضوء إذا قمت إلى ربك جل في علاه في الصلاة وأنت تستقبل القبلة فعليك الوضوء، بموجب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6].
(13/4)

الوضوء عبادة
القاعدة عند العلماء تقول: إن أي عبادة توفرت فيها الشروط وانتفت عنها الموانع فهي صحيحة.
والوضوء عبادة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحافظ على الوضوء إلا المؤمن) والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، والله جل وعلا قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة:6] فقد أمر بالوضوء، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله ينزل تحت شمولية العبادة.
كذلك لا يقبل الله الوضوء إلا بالنية، والنية شرط في قبول العبادة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر الإيمان) وأوضح من ذلك كله على أنها عبادة هو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222]، والوضوء ينزل تحت عموم الآية.
إذاً: فكل عبادة لها شروط تتوافر لقبولها، وموانع تنتفي.
(13/5)

شروط الوضوء
من شروط الوضوء: الإسلام، والدلالة على ذلك: أن الله جل في علاه قال: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء:124].
فاشترط الإيمان حتى يقبل هذا العمل الصالح، والنبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الإسلام أو الإيمان شرط في قبول الأعمال كما في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها سألته عن عبد الله بن زيد بن جدعان، فذكرت أنه كان يكرم الضيف ويعين ذا الحاجة ويعطي ويكرم، فقالت: يا رسول الله! ما له عند الله جل في علاه؟ قال: (لا شيء له، إنه ما قال يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) فكل هذه الحسنات التي فعلها تعجل له في الدنيا، وليس له شيءٌ عند الله جل في علاه؛ لأنه لم يأت بالإسلام، قال الله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} [التوبة:54] إذاً: الكفر كان حائلاً مانعاً من أن تقبل هذه الأعمال.
الشرط الثاني: التمييز وليس البلوغ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (علموا أولادكم الصلاة لسبع) فالسبع هنا محل التمييز، وقد استنبط بعض العلماء من هذا أن التمييز سن السبع، إذاً: تعليم الصلاة يكون في سن السابعة، فلا تصل إلا إذا أتيت بشروطها، ومن شروطها التمييز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر).
الشرط الثالث: وجود الماء المطلق، والماء المطلق: هو الماء العاري عن كل قيد، وهو الماء الطهور الطاهر في نفسه المطهر لغيره، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] فإذاً: شرط صحة الوضوء: ألا يتوضأ العبد بماء اختلط بطاهر، فإن الوضوء بماء مختلط بطاهر لا يصح، فمن شروط الوضوء: أن تتوضأ بماءٍ مطلق، والماء المطلق: العاري عن كل قيد، وهو الماء الباقي على أصل خلقته.
الشرط الرابع: معرفة كيفية الوضوء، كما كان الحسن والحسين يعلمان الرجل كيف يتوضأ.
الشرط الخامس: عدم الحائل، وأكثر من يفعل ذلك النساء، وعدم الحائل هذا نقصد به: طلاء الأظافر ووضع الحناء على الرأس، وكذلك النقاش وغيره، فإذا شكل طبقة على اليد فإنه أيضاً يكون حائلاً لا يصح الوضوء مع وجوده، فإذا جاءت امرأة وقالت: توضأت للفجر، فصليت وقرأت القرآن، وجلست في مجلسي أو في مسجدي فذكرت الله جل في علاه حتى طلعت الشمس.
ثم جاء وقت صلاة الظهر فتوضأت فصليت، ثم جاء العصر فصليت، ثم المغرب فنظرت وأنا أتوضأ فوجدت طلاء الأظافر على أظافري، فماذا أفعل؟ ف

الجواب
تعلمنا في الفقه أن الوضوء الصحيح لا بد فيه من توافر شروط، ومن هذه الشروط حتى يصح الوضوء: عدم الحائل، وقد وجد الحائل وهو طلاء الأظافر، حال بين أن يمس الماء البشرة، وبين أن يمر وجه الماء على البشرة فكان حائلاً، فعلى ذلك اختل شرط من شروط الوضوء، فلا يصح الوضوء.
الشرط السادس: جريان الماء على العضو وإن لم يحدث الدلك، خلافاً للمالكية، بمعنى: لو قام رجل وقال: أريد أن أتوضأ، فقام آخر فعلمه وقال: اغسل يديك ثلاثاً، وتمضمض واستنشق ثلاثاً، واغسل وجهك ثلاثاً واغسل يديك ويفعل ذلك أمامه، ويعمل بالدلك، ويغسل يديه إلى المرفق ثلاثاً، ومسح رأسه ثلاثاً على مذهب الشافعية وسنبين أن من السنة مسح الرأس ثلاثاً، ثم غسل رجليه ثلاثاً، فقام الرجل، فهذا الوضوء صحيح.
وأيضاً لو وجد الماء ينزل من الميزاب فجاء تحت الميزاب، وجعل الماء يجري على وجهه، ولا يضع يديه عليه، وجعل الماء يجري على يديه، وأيضاً يجري على رأسه ومسح على رأسه حتى يكون مسحاً لا غسلاً، ثم وضع رجله اليمنى فجعل الماء يجري على رجله دون الدلك، ثم قام فصلى، وجريان الماء على العضو هذا شرط من شروط الوضوء، فإذا توفر ذلك صح الوضوء به.
إذاً: الصحيح جريان الماء على العضو حتى يغلب على ظنك أن الماء قد وصل إلى البشرة.
أيضاً من شروط الوضوء: انتفاء المانع، فلا بد من توافر الشروط وانتفاء الموانع.
ومن الموانع التي تمنع صحة الوضوء: الجنابة، والحيض، والنفاس، أو رجل كان يغتسل وبعدما اغتسل أراد أن يتوضأ فمس ذكره.
الشرط الثامن: عدم الصارف، فلابد من استحضار النية أو دوام النية وهو يتوضأ.
الشرط التاسع: وهذا الشرط خاص بأصحاب الأعذار، كالذي يعاني من سلس البول، أو انفلات الريح، أو المرأة المستحاضة، وهي المرأة التي ينزل منها الدم باستمرار، فمن شروط صحة الوضوء: أنها لا تتوضأ إلا بعد دخول الوقت، أما قبل ذلك فلابد من غسل المحل، أي: الاستنجاء، ولا بد من غسل المحل مع التحفظ.
فمن الشروط الخاصة بأصحاب الأعذار: الاستنجاء، ثمَّ الوضوء بعد ذلك مباشرة حتى يصح الوضوء، فإذا جاءت امرأة فسمعت ذلك فقالت: أنا مستحاضة، أي: ينزل مني الدم ولا ينقطع، ماذا أفعل حتى أصلي؟ فالجواب: لا بد أن تتوضئي وترفعين حدثك، وذلك أن تنتظري حتى يدخل الوقت ثم تغسلي المحل ثم تتحفظي، ثم تتوضئين وتصلين بعد ذلك الصلاة والنافلة بعدها وهذا في كل الصلاة.
إذاً: أصحاب الأعذار لهم شروط خاصة فلا يتوضأ إلا بعد دخول الوقت، وقبل أن يتوضأ لا بد أن يستنجي، وأيضاً يتحفظ أو يلف لفافة على الفرج، ثم يتوضأ موالاة، ثم بعد ذلك يصلي الصلاة.
(13/6)

تعريف الشرط والأمثلة على ذلك
الشرط: هو ما كان خارج ماهية الشيء، أي: أنه مرتبط به وليس بداخله، وعند الأصوليين: الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، مثال ذلك: الوضوء، فالوضوء شرط في صحة الصلاة، فإذا طبقنا القاعدة: ما يلزم من عدمه العدم: رجل دخل الخلاء ثم خرج فأذن المؤذن فقام فصلى، فبعدما سلم فلا بد أن نسأله: توضأت أم لم تتوضأ؟ فإذا قال: توضأت، فصلاته صحيحة، وإذا قال: لم أتوضأ، قلنا: صلاتك باطلة، فلا نستطيع أن نحكم عليه ببطلان صلاته مباشرة؛ لأنه قد يكون قضى حاجته داخل الخلاء ثم توضأ داخل الخلاء.
فالغرض المقصود: أن الوضوء شرط في الصلاة، فإذا صلى بغير وضوء فقد اختل شرط من شروط الصلاة، فالصلاة غير موجودة، أي: هي موجودة بالحركات، لكنها لا تقبل ولا تجزئ، فعليه الإعادة.
إذاً: هذا معنى: ما يلزم من عدمه العدم، ومعنى: ولا يلزم من وجوده الوجود: كأن يقول رجل: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي- يقول: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، ولذلك لا تجدني دائماً إلا متوضئاً، فذهب فتوضأ، فلا يلزمنا أن نقول له: إذا وجد الوضوء فلابد أن توجد الصلاة؛ لأنه لا يلزم من وجوده الوجود، بل له أن يتوضأ وينام على سريره متوضئاً، وليس في ذلك حرج.
إذاً: الشرط لا يلزم من وجوده الوجود، لكن يلزم من عدمه العدم.
(13/7)

أركان الوضوء
أركان الوضوء -وفروض الوضوء- ذكر منها المصنف أربعة، وهي خمسة، بل بعض العلماء قال: هي سبعة بجعله الماء المطلق ركناً، والصحيح: أنه من الشروط وليس من الأركان.
وفروض الوضوء هي: النية، وهذا الراجح في المذهب، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين أي: مع المرفقين كما سنبين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب على الصحيح الراجح.
(13/8)

تعريف الركن
الركن: داخل الدائرة، أي داخل ماهية الشيء، وهو ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم.
مثال ذلك: السجدتان من أركان الصلاة، قام رجل فاستقبل القبلة وكبر وقرأ الفاتحة وقرأ السورة، وركع ورفع وسجد السجدة الأولى، ثم قام للركعة الثانية ولم يسجد السجدة الثانية، فعلى ذلك اختل ركن وهو السجود، فيلزم من عدمه العدم، فالركعة الأولى تبطل ولا تصح.
والركن يلزم من وجوده الوجود، كأن أراد الصلاة، فاستقبل القبلة، وقرأ وركع ورفع وسجد ثم جلس بين السجدتين ثم سجد ثم قام، فالسجود ركن من أركان الركعة، وقد توافر، فيلزم من وجوده الوجود، فهذا قطعاً مجزئ، والركعة صحيحة.
فهذه أركان الوضوء أو فرائض الوضوء، ويصح أن تقول: واجبات الوضوء عند جمهور العلماء، خلافاً للأحناف، إلا في الحج؛ لأن في مذهب الشافعية التفريق في الحج بين الركن وبين الواجب، أو بين الفرض وبين الواجب، والأحناف يفرقون بين الفرض والواجب.
(13/9)

الركن الأول: النية
(13/10)

تعريف النية لغة واصطلاحاً
النية في اللغة: هي القصد أو الإرادة والعزم.
وفي الاصطلاح: هو القصد المقترن بالفعل، مثلاً: قام الرجل يصلي الظهر، فاقترن فعله عند قيامه بعزم القلب وإرادته، وهو أن يصلي الظهر، فقام فاستقبل القبلة، ثم رفع يديه ناوياً في قلبه أن يصلي الظهر.
إذاً: اصطلاحاً: هي عزم القلب المقترن بالفعل.
(13/11)

محل النية
محل النية هو القلب، والإمام الماوردي يرى أن محل النية القلب واللسان، فعنده لا يجزئ المرء إلا أن ينوي بالقلب ويتلفظ باللسان، فإذا قام رجل وأراد أن يصلي الظهر، فتوضأ واستقبل القبلة، وقام يصلي، ونيته في قلبه أنه سيصلي الظهر مأموماً، فقال: الله أكبر وصلى أربع ركعات، ففي رأي الإمام الماوردي أن هذه الصلاة لا تجزئ؛ لأنه لم يتلفظ بالنية؛ فهو يرى أن النية حتى تجزئ لابد أن ينوي بالقلب ويتلفظ باللسان، ويمكن أن يستدل له بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما لم تعمل أو تتكلم) وهذا الرأي شاذ في المذهب.
والصحيح: أن محل النية في المذهب هو القلب، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى) فالنية محلها القلب؛ لأن النية هي هم القلب أو فعل القلب، والنية عزم، والعزم من أفعال القلوب، وقد قال الله تعالى: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة:225] وهذا الكسب هو الذي يؤاخذ عليه المرء.
فالصحيح: أن محل النية هو القلب، لكن المذهب يستحب التلفظ بالنية، فمن قام ليتوضأ فأخذ السواك، فتسوك وسمى الله ثم قال: نويت أن أتوضأ رفعاً للحدث، أو نويت أن أتوضأ لصلاة الظهر، قالوا: يستحب له ذلك، وإذا قام يصلي المغرب ثم قال: نويت أن أصلي المغرب ثلاث ركعات وكبر، فهذا مستحب في المذهب، ونسبوا ذلك للإمام الشافعي؛ لأنه لما سئل كيف يبدأ المرء الصلاة؟ قال: بالذكر.
فأولوا الذكر بالتلفظ بالنية.
والصحيح الراجح في ذلك: أننا ندور مع شرعنا حيث دار، وأنه ليس ثم دليل على التلفظ بالنية، وأما توجيه كلام الشافعي أن الصلاة يبدأ فيها بالذكر، فإنه يعني: تكبيرة الإحرام، وليس التلفظ بالنية، وإلا فرسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهر الصحابة والهمة متوافرة متظافرة، والصحابة ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فما من شاردة ولا واردة ولا شاذة ولا فاذة يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم نوماً أو استيقاظاً إلا نقلوها لنا، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد تلفظ بالنية وقت الصلاة لنقلوه لنا، ولو كان خيراً لفعله أبو بكر، ولو كان خيراً لفعله عمر، ولو كان خيراً لفعله عثمان، فلو كان خيراً لسبقونا إليه.
فلما لم ينقل ذلك لنا من فعل الصحابة، أو بالأحرى من فعل النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: ليس بسنة وليس بمستحب، والصحيح: أن النية محلها القلب، ولا يتلفظ بها.
(13/12)

خروج المرء من بيته إلى المسجد لأداء الصلاة هي نية للصلاة على الصحيح
نقول: إذا خرج المرء من بيته وجلس في المسجد، فهو نية للصلاة، فلا نحرج ونقول: لا بد أن تكبر وتستحضر النية، بل الصحيح أن نقول: إن خروج الإنسان من بيته نية وعزم على الصلاة.
(13/13)

أوقات النية
للنية ثلاثة أوقات: الوقت الأول: وقت الإجزاء.
الوقت الثاني: وقت الاستحباب.
الوقت الثالث: متنازع فيه، تتجاذبه أقوال العلماء.
أما وقت الإجزاء -وهو الأهم- فلا تجزئ النية إلا عندما تغسل أول ركن من أركان الوضوء، وقد جعلوا في المذهب أول ركن من أركان الوضوء: الوجه، لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله).
وفي رواية أخرى بسند صحيح قال: (توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك) فأول الأركان: الوجه.
إذاً: وقت النية الذي يجزئ والذي يصح به الوضوء هي: عندما يأخذ غرفة ماء ويغسل بها وجهه، فلو غسل يديه ولم ينو، ثم تمضمض واستنشق فلم ينو، لكن لما أخذ غرفة الماء وغسل وجهه نوى الوضوء لرفع الحدث، أو نوى استباحة الصلاة، فنقول: هذا الوقت وقت إجزاء، أجزأتك النية عندما قارنت الركن الأول من أركان الوضوء.
إذاً: أول الوقت الذي يكون فيه الإجزاء: عند غسل أول ركن من أركان الوضوء وهو الوجه.
الوقت الثاني: الاستحباب، وذلك عند غسل اليدين، فإذا جاء ليغسل يديه ثلاثاً ونوى رفع الحدث، أو نوى استباحة الصلاة فنقول: هذا وقت يستحب أن ينوي فيه.
الوقت الثالث: وقت متنازع فيه، وهو: أن ينوي عند المضمضة والاستنشاق، ثم لم ينوِ عند غسل الوجه، أو نقول: عدمت النية عند غسل الوجه، فهل يصح الوضوء أم أنه لا يصح؟ هذا متنازع فيه في المذهب.
ومعلوم أن المضمضة والاستنشاق في المذهب سنة، فبعضهم قال: إن الأنف والفم من الوجه، فهو عند غسل بعض الوجه نوى فيصح وضوءه على ذلك، أو يجزئه؛ لأنه نوى عند الركن.
والقول الثاني: أنه لا يجزئه؛ لأنه لم ينو عند الركن، والصحيح: أنه لا يجزئه، بل لابد أن ينوي عند غسل أول ركن من الأركان، أو نقول: هذا إذا عزفت النية، أما إذا استمر في النية كالمستحب الأول فإنه يصح ذلك.
نقول: رجل غسل يديه ولم ينو، فجاء عند المضمضة والاستنشاق ونوى، وقبل أن يغسل الوجه ذهل عن النية وغسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، فهو لم ينو الوضوء عند أول ركن، فقد تنازع العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إنه نوى عند غسل بعض الركن، وهو الأنف إذاً: يجزئه.
والآخرون قالوا: لا يجزئه؛ لأنه لم ينو عند الركن، وهذا الأحوط والأرجح.
(13/14)

مسائل في مفهوم وقت النية على المذهب
فإذا قلنا: هذا وقت النية فعلينا أن نصوره فقهياً ونثبته، رجل جاء يتوضأ فغسل يديه قبل أن ينوي وتمضمض ثلاثاً ولم ينو ثم استنشق ثلاثاً فنوى، ثم أكمل وضوءه، فما حكم الوضوء؟ وما هو وقت النية عنده هنا: وقت إجزاء أم استحباب أم متنازع فيه؟

الجواب
ليس متنازعاً فيه؛ لأنه ابتدأ النية في وقت الاستحباب وهو عند الاستنشاق.
رجل توضأ وعند غسل اليد في المرة الأولى لم ينو، وفي الثانية لم ينوِ، وفي الثالثة نوى رفع الحدث ثم تمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثم أكمل الوضوء فهل يجزئه الوضوء أم لا يجزئه؟ الجواب: يجزئه؛ لأن وقت النية الاستحباب.
رجل غسل يديه ولم ينو، ثم تمضمض واستنشق ولم ينو، ثم أخذته الغفلة، ثم غسل الوجه ونوى، هل يجزئه الوضوء أم لا؟ الجواب: إن نوى عند غسل الوجه رفع الحدث أو استباحة الصلاة وأكمل الوضوء فإن هذا الوضوء يجزئه؛ لأن وقت النية الإجزاء.
رجل توضأ، فغسل يديه ولم ينو، ثم تمضمض واستنشق ولم ينو، ثم غسل وجهه ولم ينو، ثم غسل يديه إلى المرفقين، ثم قال: النية ركن من أركان الوضوء فمسح رأسه ونوى، ثم غسل رجليه، فما حكم وضوئه؟ الجواب: ليس بوضوء؛ لأن النية غير مصاحبة في وقت إجزاء، ولا في وقت استحباب، ولا في وقت متنازع فيه، فهذا الوضوء لا يصح، ويلزمه الإعادة، فهو رجل طاهر القلب وليس بطاهر الوضوء.
(13/15)

صفة النية والأمثلة عليها
للنية صفتان: نية رفع الحدث، ونية استباحة الصلاة.
فأما نية الحدث: فكأن يبول رجل ثم يستنجي، فنقول له: إذا توضأت فانو رفع الحدث.
أو نقول: رجل أخرج ريحاً وأراد أن يتوضأ فنقول: انو رفع الحدث.
وأما الصفة الثانية: فهي استباحة الصلاة، وصورتها: أن يذهب بعدما أخرج الريح يريد الصلاة، فيتوضأ، فنقول له: إن نويت استباحة الصلاة فقد رفعت الحدث، والعلاقة بين الصفتين علاقة تنازل، أو نقول: عموم وخصوص، أو هذا يتضمن هذا، فإن استباحة الصلاة تتضمن رفع الحدث؛ إذ لا يمكن أن تجزئه صلاته إلا برفع الحدث، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فقبول الصلاة لا بد فيه من رفع الحدث، ونية استباحة الصلاة تتضمن رفع الحدث، ورفع الحدث يستلزم استباحة الصلاة، أما إذا رفع حدثه فإن صلاته بهذه الصفة تكون صحيحة لهذا الحديث.
(13/16)

أقسام الناس في صفة النية
بالنسبة لهذه الصفة الناس على أقسام ثلاثة: القسم الأول: من ليسوا من أهل الرخصة، فهم قسم عافاهم الله من المرض.
القسم الثاني: قسم يأخذون بالرخصة، كلبس الخفين والمسح عليها.
القسم الثالث: أصحاب الأعذار.
فالقسم الأول: عامة الناس الذين لا يأخذون بالرخصة، وهم الذين عافاهم الله من المرض، فهؤلاء تجزئهم نية استباحة الصلاة أو رفع الحدث.
فإذا قام رجل فتوضأ ونوى رفع الحدث وصلى فإن صلاته صحيحة ووضوءه صحيح، ونيّته تجزئ في ذلك.
فإذا كان ممن جامع أهله وكان جنباً، فدخل واغتسل ونوى استباحة الصلاة، فقد أجزأته هذه النية، وصلاته صحيحة.
إذاً: الذي عافاه الله من المرض إما أن ينوي استباحة الصلاة أو ينوي رفع حدث، فإن نوى رفع الحدث أجزأه، وإن نوى استباحة الصلاة أجزأه، فأي النيتين تصح بها الصلاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، ولقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة:6]، أي: إذا أردتم استباحة الصلاة: ((فَاغْسِلُوا)) أي: توضئوا، والنية هنا استباحة الصلاة.
القسم الثاني من الناس: أهل مسح الخفين، وللعلماء في المذهب قولان في هذه المسألة: القول الأول: لا يجزئه رفع الحدث، بل لا بد أن ينوي استباحة الصلاة، بمعنى: إذا قام الرجل في البرد القارس ليصلي الفجر فقام وكان لابساً لخفيه لبسها على طهارة، فتوضأ ومسح على خفيه، لكنه نوى رفع الحدث، فصلى، فلما سأل قال له كثير من علماء المذهب: صلاتك لا تصح، لأن نيتك لم تجزئك في ذلك؛ لأن المسح على الخف لا يرفع الحدث.
والقول الثاني في المذهب وهو الراجح الصحيح: أن المسح على الخفين يرفع الحدث، فله أن ينوي استباحة الصلاة أو ينوي رفع الحدث، وهذا الذي رجحه النووي، وبين أن القول الأول هو الضعيف في المذهب.
إذاً: الصحيح في المذهب الشافعي: أنه لو مسح على خفيه ونوى استباحة الصلاة أو نوى رفع الحدث فصلاته صحيحة، ووضوءه أصبح صحيحاً.
أما القسم الثالث: فهم المرضى أصحاب الأعذار، كسلس البول، والاستحاضة، وانفلات الريح، فعلماء المذهب لهم ثلاثة أقوال: القول الأول: يجزئه إذا نوى استباحة الصلاة، مثاله: امرأة ينزل منها الدم باستمرار وعندما سألت قلنا: أنت مستحاضة، والدم هذا دم عرق، دم فساد، دم علة، ليس دم حيض، فلما أرادت أن تصلي دخلت فتوضأت وقالت: كيف أنوي؟ ف

الجواب
أنها تنوي هنا استباحة الصلاة.
القول الثاني في المذهب: يجزئها نية رفع الحدث واستباحة الصلاة، فإذا نوت استباحة الصلاة أجزأتها، وإذا نوت رفع الحدث أجزأتها، ويستحب لها أن تجمع بين النيتين، ومثلها: رجل عنده سلس البول، فبعد أن استنجى ولف لفافة على فرجه، قام فتوضأ ناوياً رفع الحدث، فإنه يجزئه على القول الثاني، وإن نوى استباحة الصلاة أجزأته النية، وقلنا له: يستحب لك -لتخرج من خلاف المذهب- أن تجمع بين النيتين: رفع الحدث واستباحة الصلاة.
القول الثالث: وجوب الجمع بين النيتين، نية رفع الحدث ونية استباحة الصلاة، والراجح في المذهب: هو القول الأول وهو: أن ينوي استباحة الصلاة؛ لأن الحدث مستمر، والدم لا ينقطع، وسلس البول لا ينقطع.
(13/17)

مسائل في أقسام الناس في صفة النية
رجل قال: إني رجل ألبس الخفين، وأريد أن أصلي، فدخلت فتوضأت، فلما توضأت مسحت على الخفين، وكنت قد نويت استباحة الصلاة فصليت، فهل هذه النية مجزئه أم غير مجزئه؟

الجواب
أنها مجزئه.
وقال آخر: توضأت ومسحت على الخفين، وأول ما توضأت نويت رفع الحدث، فهل هذه النية مجزئة؟ الجواب: إنها مجزئة على الراجح؛ لأن المسح على الخفين يرفع الحدث.
مستحاضة قالت: غسلت المحل ثم تحفظت، ثم توضأت ونويت في وضوئي رفع الحدث، فصليت الظهر، فهل هذه النية مجزئة؟ الجواب: على القول الأول والثالث لا يجزئها، لكن يجزئها على القول الثاني.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(13/18)

شرح متن أبي شجاع - فصل فروض الوضوء وسننه [2]
يجب على المسلم أن يتوضأ كما أمره الله تعالى، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بسنته القولية والفعلية، فصل الفقهاء أحكام الوضوء، وبينوا فرائضه وما يتعلق بها من المسائل.
(14/1)

غسل الوجه في الوضوء
(14/2)

دليل فرضية غسل الوجه
أول فروض الوضوء: غسل الوجه أو استيعاب غسل الوجه، وقد دل على فرضية غسل الوجه في الوضوء الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.
أما الكتاب فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب.
وجاءت الأدلة والآثار قولاً وفعلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث الأعرابي، قال: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله)، وفي رواية أخرى تفسيرية قال: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك)، فهذا من القول.
ومن الفعل: حديث عبد الله بن زيد وحديث عبد الله بن عباس وحديث علي بن أبي طالب وحديث أبي هريرة فكلها أثبتت أن النبي صلى الله عليه وسلم غرف غرفة وأخذ الماء وغسل به وجهه بأبي هو وأمي.
وأجمعت الأمة على أن غسل الوجه من أركان الوضوء، فمن توضأ ولم يستوعب غسل الوجه فوضوءه غير صحيح لا يجزئه، وصلاته باطلة؛ لأن الوضوء لم يكتمل.
(14/3)

حد الوجه
حد الوجه: من منابت شعر الرأس إلى الذقن، والذقن هو ملتقى اللحيين، وحده عرضاً من أصل الأذن اليمنى إلى أصل اليسرى، والوجه: كل ما واجه به.
(14/4)

هل الأذن من الوجه؟
هل الأذن من الوجه أم لا؟ قيل: من الوجه، وقيل: ليس من الوجه، وقبل أن نرجح بين القولين لا بد أن نعلم ما هي الفائدة التي تترتب على هذين القولين؟ فإن كانت من الوجه يجب أن يغسلها، وإن لم يغسلها لم يصح وضوءه.
والمذهب: أن الأذن ليست من الوجه للأثر واللغة، أما الأثر فالحديث الذي تكلم فيه بعض العلماء وصححه الشيخ الألباني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأذنان من الرأس)، وما قال: من الوجه، فحكمها حكم الرأس.
أيضاً: من جهة اللغة: فالوجه ما واجه، والأذن لا تواجه.
وجاء عن الزهري أنه قال: الأذن من الوجه، وما الدليل على أنها من الوجه؟ قال: حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد ويقول: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره)، فجعل السمع والبصر مفردات للوجه.
لكن عند تدقيق النظر نرجح أنهما ليستا من الوجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأذنان من الرأس)، ولو كانت من الوجه لقال: الأذنان من الوجه.
والدليل المذكور لا يدل على هذه الجزئية، بل يدل على ربوبية الله جل في علاه، وعلى قدرة الله جل في علاه، وأن الله لما خلق الوجه شق له السمع وشق له البصر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله ويبين مظاهر ربوبية الله جل في علاه، وقدرة الله أنه لما خلق الوجه شق له السمع والبصر.
(14/5)

حكم غسل الشعور النابتة في الوجه
الشعور النابتة في الوجه هي: شعر الحاجب، والشارب، والعنفقة، والعذار الذي في أصل الوجه الذي هو قريب من أصل الأذن، فنقول: هذه الشعور يجب غسلها ظاهراً وباطناً، يعني: لا بد من إرواء البشرة عند الغسل، فلو غسلها دون أن يروي البشرة التي تحتها لم يصح الوضوء، فلا بد أن تغسل وجهك وتدلك حتى تروي البشرة التي تحت هذه الشعور؛ لأن الله جل في علاه قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة:6]، والغسل هو: من غسل الظاهر والباطن إلا ما دل الدليل على خلافه.
وأيضاً: النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته)، فلا بد من إمساس الماء البشرة.
أما اللحية، فالناس فيها على ثلاثة أقسام: حليق، والعلماء يقولون: أمرد، ولا يقولون: حليق حتى لا يقروا بذلك، فيقولون: الناس بالنسبة لشعر اللحية ثلاثة: الأول: أمرد، والأمرد: هو الذي لا ينبت شعر وجهه.
الثاني: صاحب لحية خفيفة.
الثالث: صاحب لحية كثيفة.
أما الأمرد: فباتفاق أنه لا بد أن يروي البشرة لما سبق من الأدلة.
وأما صاحب اللحية الخفيفة فقالوا: يجب عليه غسل هذه اللحية ظاهراً وباطناً، وتخليلها في حقه واجب، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ غرفة بيده ويخلل اللحية ويقول: (هكذا أمرني ربي) كما في سنن أبي داود.
إذاً: تخليل اللحية له حالتان: إذا كانت لحية خفيفة فيجب تخليلها؛ لأنه من تمام الغسل إرواء البشرة.
وإذا كانت اللحية كثيفة فلا يجب تخليلها بل يستحب.
فإن قيل في اللحية الكثيفة: لم لا أستوعب الغسل وأروي البشرة، والله قال: (فاغسلوا) والغسل يكون ظاهراً وباطناً؟ وقد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أنهم صلوا خلف النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة سرية قال: فكنا نعلم قراءة النبي صلى الله عليه وسلم باهتزاز لحيته، فبهذا علم أنها كانت كثيفة.
وورد في البخاري (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً)، فقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، والمرة الواحدة لا يمكن أن تستوعب غسل البشرة في اللحية الكثيفة، ففيه دلالة: على استحباب تخليل اللحية الكثيفة ولا يجب تخليلها، والمشقة تجلب التيسير، فكلما عظمت المشقة جاء التيسير، وكلما جاء العسر جاء اليسر.
(14/6)

مراتب غسل الوجه
غسل الوجه له مراتب: الأولى: ما يجزئ في غسل الوجه.
الثانية: ما يستحب.
الثالثة: ما كان كمالاً، وفوق الكمال نقصان.
والدليل على المرتبة الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (توضأ مرة واحدة)، وهذا فيه دلالة على أن هذا هو أقل الواجب، وهناك حديث ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به).
المرتبة الثانية: الاستحباب، فيستحب أن يغسل وجهه مرتين مرتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين.
أما المرتبة الثالثة وهي مرتبة الكمال: فهي أن يغسل وجهه ثلاثاً ثلاثاً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفوق الكمال نقصان كما قال عمر: ما اكتمل شيء إلا وعاد إلى النقصان؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن زاد فقد أساء وظلم) يعني: من زاد على الثلاث، وهل الزيادة تبطل الوضوء أم لا تبطل؟ لا تبطله، لكنه أثم بذلك، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، فترد الزيادة ولا يرد أصل الوضوء.
(14/7)

حكم غسل المسترسل من اللحية
اللحية المسترسلة التي تخرج عن منطقه الوجه في غسلها قولان في المذهب: القول الأول: أنه يستحب أن يغسلها ولا يجب، ووجهة نظر هذا القول في المذهب: أن اللحية كلما واجه الوجه، وهذه ليست من الوجه، بل هي نازلة تحت الوجه، فقالوا: يستحب أن يغسلها المتوضئ.
القول الثاني عند المحققين كـ الرافعي والنووي قالوا: يجب غسلها.
والفرق بين القولين: أنه لو لم يغسل المسترسل من اللحية فوضوءه ليس بصحيح على القول الثاني، وعلى القول الأول الوضوء صحيح لكن إن غسل فقد أخذ بالأحوط.
ووجهة نظر القول الثاني: قاعدة علمية عظيمة جداً وهي: أن المجاور يأخذ حكم ما جاوره، والمسترسل تحت الوجه متصل به، فيأخذ حكم ما اتصل به.
(14/8)

حكم غسل باطن العين
الوجه من المنابت إلى أسفل الذقن، والوجه ما واجه، فخرج عن حد الوجه: باطن الأنف، وباطن الفم، وباطن العين، ولا نوجب على من يغسل وجهه أن يغسل عينيه كما كان يفعل ابن عمر، وقد أنكر العلماء على ابن عمر ما فعله حتى أنه عمي بسبب ذلك.
(14/9)

غسل اليدين إلى المرفقين
(14/10)

دليل فرضية غسل اليدين إلى المرفقين
الفرض الثاني في الوضوء: غسل اليدين إلى المرفقين.
وقد ثبت وجوب غسل اليدين إلى المرفقين بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6].
وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم الأعرابي كيف يتوضأ قال: (توضأ كما أمرك الله -ثم فسرها، وقال:- اغسل وجهك ويديك إلى المرفقين).
ومن السنة الفعلية: حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ غرفة وغسل يديه إلى المرفقين، وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه (أنه صلى الله عليه وسلم غسل يديه حتى أشرع في العضد)، وأجمعت الأمة على أن الوضوء لا يجزئ حتى يغسل المتوضئ يديه إلى المرفقين.
(14/11)

حد اليدين
حد اليدين من أطراف الأصابع -وليس من الكوع- إلى المرفق، قال الله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6]، و (إلى) هنا بمعنى: (مع)، قال الله تعالى حاكياً عن عيسى أنه قال: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران:52]، يعني: من أنصاري مع الله، وقال الله تعالى: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود:52] يعني: مع قوتكم، وهذه فيها دلالة: على أن (إلى) تأتي بمعنى: (مع)، فقول الله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] يعني: مع المرفقين.
(14/12)

حكم غسل العضو الزائد
إن كان في اليد عضو زائد وجب أن يغسله مع ذلك العضو، مثل الإصبع الزائدة تغسل مع اليد.
وإن كانت اليد مقطوعة من الكوع وجب أن تغسل اليد من الكوع إلى المرفق، وإن كانت مقطوعة من المرفق والمرفق ظاهر وجب غسل المرفق الظاهر، وخذ هذه القاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور.
(14/13)

حكم غسل العضد
يجزئ المتوضئ أن يغسل اليدين مرة واحدة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث توضأ مرة مرة، والمستحب أن يغسلها مرتين مرتين، والكمال أن يغسلها ثلاثاً كما ورد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزيادة في الاستحباب أن يزيد في الغسل إلى أن يصل العضد؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه فعل ذلك ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا من السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
(14/14)

حكم تحريك الخاتم عند غسل اليد
الخاتم له أحوال ثلاثة: الأولى: أن يكون ضيقاً.
الثانية: أن يكون واسعاً.
الثالثة: أن يكون وسطاً.
فإن كان الخاتم ضيقاً وجب تحريكه عند غسل اليد أو الكف، وهذا الحكم يعم النساء والرجال، فيجب تحريكه للتأكد من وصول الماء إلى العضو، وإن لم يحرك الخاتم لم يصح الوضوء؛ لأن الماء لم يصل إلى جزء من هذا العضو.
وإذا كان الخاتم وسطاً فلا يجب التحريك لكن يستحب؛ لأنه يغلب على الظن أن الماء يصل إلى العضو إن كان الخاتم وسطاً، أما الخاتم الواسع فلا يجب التحريك كما هو ظاهر.
(14/15)

البداءة بغسل اليمين قبل اليسار
في غسل اليدين يبدأ باليمين قبل اليسار، والدلالة على ذلك: ديمومة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان إذا توضأ بدأ باليمين، بل وقال: (أبدأ بما بدأ الله به)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(14/16)

مسح الرأس
(14/17)

دليل فرضية مسح الرأس
الفرض الثالث في الوضوء: مسح الرأس، وقد ثبت ذلك في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، والسنة هنا: سنة قولية، وسنة فعلية، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6].
وعن عبد الله بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه مسح بيده رأسه فأقبل بهما وأدبر).
ومن حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه (أنه مسح رأسه)، هذا الفعل، أما القول: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (توضأ كما أمرك الله ثم قال: وامسح رأسك) وهذا أمر من النبي صلى الله عليه وسلم.
وأجمعت الأمة على أن مسح الرأس من فرائض الوضوء.
(14/18)

حكم مسح بعض الرأس
مسح الرأس في المذهب يجزئ بشعرة واحدة أو ثلاث شعرات، فيجزئ أقل ما يقع به مسح الرأس، واستدلوا على ذلك بالكتاب وبالسنة: أما بالكتاب فقد قال الله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] وقالوا: الباء هنا للتبعيض، والدلالة على أنها للتبعيض أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث المغيرة في الصحيح- مسح على الناصية ثم أكمل المسح على العمامة، ولذلك في المذهب: لا يجوز المسح على العمامة إلا بمسح جزء من الرأس مثل مقدم الرأس، قالوا: فاكتفى بهذا المسح، وهذا فيه دلالة على أن الباء للتبعيض، والصحيح: خلاف المذهب، فلا يجزئ الماسح في الوضوء إلا أن يمسح كل الرأس، حتى لو قلنا: الباء للتبعيض، فإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيه بيان الواجب، والقاعدة عند العلماء: بيان الواجب واجب.
إذاً: الراجح الصحيح خلاف المذهب الشافعي، وأنا قلت: لن أخرج عن المذهب إلا إذا خالف الدليل، فالأدلة الصحيحة الصريحة تدل على أنه لا يجزئ في مسح الرأس إلا كل الرأس، فمن مسح على ثلاث شعرات أو مسح على بعض الرأس فلا يجزئه هذا الوضوء خلافاً للشافعية.
(14/19)

مراتب مسح الرأس
الصحيح: أن مسح الرأس له مراتب، فالمرتبة الأولى: مسحه مرة واحدة، وفي المذهب: يجوز أن يمسح الرأس ثلاثاً، بل من السنة أن يمسح ثلاثاً، لحديث ورد عن عثمان بن عفان خارج الصحيحين (أن النبي عليه الصلاة والسلام مسح رأسه ثلاثاً)، وصححه الألباني.
وأيضاً: ورد حديث عن علي بن أبي طالب أنه توضأ ورفع الوضوء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومسح رأسه ثلاثاً.
ونحن ندور مع الآثار حيث دارت، وقد صح الحديث عن عثمان وعن علي، وزيادة الثقة مقبولة.
(14/20)

حكم المسح على العمامة
العمامة في عهد السلف كانت محنكة -أي: يجعل بعضها تحت ذقنه- فكانوا يتعممون بهذه الطريقة، فمن أراد أن ينزع العمامة كلما توضأ لحقته في ذلك مشقة، فالمسح على هذه العمامة يصح في المذهب، بشرط: أن يمسح على مقدمة الرأس، والدليل على ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على مقدم الرأس ثم أكمل على العمامة.
هذا الحكم في المذهب ولم نذكر خلاف العلماء.
(14/21)

حكم مسح خمار المرأة
هل يلحق بالعمامة خمار المرأة أو لا يحلق بالعمامة؟ فيه قولان في المذهب: القول الأول: إن الخمار ينزل منزلة العمامة، فللمرأة أن تمسح على مقدمة الرأس ثم تمسح بعد ذلك على الخمار.
القول الثاني في المذهب: أن الخمار لا ينزل منزلة العمامة.
والراجح الصحيح: أن الخمار لا ينزل منزلة العمامة، وهذا الذي أدين الله به، لأنه لا يشق على المرأة أن تنزع خمارها، أما العمامة فيشق على الرجل أن ينزعها ثم يلبسها في كل وضوء، والأصل في المرأة: أن تكون في بيتها، فالصحيح: أن الخمار لا ينزل منزلة العمامة، والقاعدة عند العلماء: أن ما خرج عن القياس فغيره لا يقاس عليه.
أما غسل الرأس بدل مسحه فلا يصح؛ لأنه يعتبر زيادة وإساءة، والمسح بدل الغسل هو المشروع.
(14/22)

غسل الرجلين
(14/23)

دليل فرضية غسل الرجلين
الفرض الرابع: غسل الرجلين إلى الكعبين، والدليل على أنه ركن من أركان الوضوء الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة.
قال الله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، (وأرجلكم) معطوفة على المغسول لا على الممسوح، هذا هو الدليل من الكتاب.
والدليل من السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضأ كما أمرك الله) ثم قال: (اغسل رجليك إلى الكعبين).
وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا توضأ غسل رجليه إلى الكعبين، وقال عثمان: (توضأ النبي صلى الله عليه وسلم نحو وضوئي هذا)، وكذلك ثبت في حديث عبد الله بن زيد وحديث علي بن أبي طالب كما بينا.
وأجمعت الأمة على أن غسل الرجلين إلى الكعبين من فروض الوضوء، ولا يعتد بخلاف الشيعة في هذه المسألة كما ذكر ذلك النووي.
(14/24)

حد الرجلين
حد الرجلين إلى العظمين الناتئين عند مفصل الساق، وهما الكعبان، فيجب غسل القدمين مع العرقوب إلى الكعبين، والكعبان يدخلان في القدم؛ لأن معنى قوله تعالى: ((إِلَى الْكَعْبَيْنِ)) أي: مع الكعبين كما تقدم.
(14/25)

مراتب غسل الرجلين
يجوز أن يغسل المتوضئ الرجلين مرة أو مرتين أو ثلاثاً.
إذاً: الواجب غسلها مرة، والمستحب أن يغسلها مرتين، والكمال: أن يغسلها ثلاثاً، وزيادة في الكمال يشرع في غسل الساق كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.
(14/26)

الترتيب
(14/27)

دليل فرضية الترتيب
الفرض الأخير في الوضوء: الترتيب، ومعنى الترتيب: أن تتوضأ وتبدأ بما بدأ الله به، وتنتهي بما انتهى به، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] وهذا ترتيب رتبه الله جل في علاه، وهذا الترتيب رتبه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله.
والدلالة على أن الترتيب فرض أدلة ثلاثة: الدليل الأول: ديمومة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فلا أحد وصف لنا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم إلا وذكر في وصفه أنه غسل يديه ثم مضمض واستنشق ثم غسل الوجه ثم غسل اليدين، ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين، فديمومة فعل النبي صلى الله عليه وسلم تدل على الوجوب.
فإن قال قائل: الأصل في الفعل الاستحباب، ف

الجواب
أن القاعدة أن بيان الواجب واجب، فالنبي يبين لنا أمر الله جل في علاه، في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، والنبي صلى الله عليه وسلم يترجم لنا هذه الأوامر فعلاً، والاستدلال بالفعل هنا بقرينة أنه بيان للواجب، ولم نستدل بأصل الفعل، بل استدللنا بأن هذا الفعل بيان لأمر من أوامر الله، والأمر واجب وبيان الواجب واجب.
الدليل الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم في النسك عندما صعد على الصفا وقرأ قول الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة:158] قال: (أبدأ بما بدأ الله به)، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والله بدأ بغسل اليد وانتهى بالرجل، فنبدأ بما بدأ الله به.
الدليل الثالث: أن الله جل في علاه أدخل ممسوحاً بين مغسولين، وفي لغة العرب أن هذا لا يمكن أن يأتي إلا لأمر مهم، والأمر المهم هنا هو الترتيب، فالرأس ممسوح ذكر بين مغسولين وهما اليد والرجل، وهذه دلالة واضحة جداً على أن الترتيب فرض من فروض الوضوء.
(14/28)

شرح متن أبي شجاع - الموالاة وسنن الوضوء
للوضوء سنن أخذها الفقهاء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، وبعض هذه السنن اختلفوا في حكمها كالموالاة في الوضوء، فقيل بسنيتها، وقيل بوجوبها، ومن جمع الأدلة في هذه المسألة فعسى أن يوفق للقول الراجح فيها.
(15/1)

تعريف الموالاة في الوضوء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: الموالاة معناها: ألا تفصل بين غسل الأعضاء بوقت طويل، وضابط ذلك عند العلماء: ألا يجف العضو، إذا كان المزاج غير متغير؛ لأنه في وقت الغضب قد يجف العضو بسرعة، ولا في وقت حار جداً.
(15/2)

حكم الموالاة
يوجد قولان في المذهب في حكم الموالاة: القول الأول في القديم وهو قول الحنابلة: أن الموالاة شرط في صحة الوضوء، فإذا توضأ فغسل وجهه ومكث مدة طويلة حتى جف العضو ثم غسل يديه ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثم صلى فصلاته باطلة؛ لأنه اختل شرط من شروط الوضوء وهو الموالاة.
القول الثاني في المذهب وهو القول الجديد: أن الموالاة سنة، فإذا فعل ذلك فقد خالف الأولى، وصلاته صحيحة.
وهذان قولان للشافعي، فالقديم هو ما قبل دخوله مصر، والجديد هو بعد دخوله مصر.
والوجه في المذهب غير القول، فهو قول لصاحب من الأصحاب يخرج هذا الوجه على تأصيل الإمام الشافعي.
دليل المذهب القديم من الأثر: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6]، (فاغسلوا) أمر، وظاهر الأمر الوجوب، وهو يقتضي الفورية، والفورية معناها: التعجيل، يعني لا نفصل بينهما بوقت طويل، واستدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبد الله بن زيد وحديث عثمان بن عفان وحديث علي وحديث ابن عمر رضي الله عنهم (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ووالى بين أعضائه)، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم بيان للواجب، والقاعدة عند العلماء: أن الواجب واجب.
وفي حديث خالد بن معدان أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي رجله قدر اللمعة -كالدرهم- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (توضأ وأعد الصلاة)، وهذا الحديث فيه كلام، إذ الحديث أرسله خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، والمرسل عند علماء الحديث ضعيف.
وأيضاً في سند الحديث بقية بن الوليد، وهو يدلس شر التدليس: تدليس التسوية، وقد قيل فيه: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية.
ووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه توضأ وجفت الأعضاء وصلى، فلما وجد قدر اللمعة أمره بإعادة الوضوء، ولو كانت الموالاة ليست بشرط لغسل القدم فقط، لكنه أمره بإعادة الوضوء، فهذه دلالة على أنه اعتبر الموالاة شرطاً للوضوء.
واستدلوا من حيث النظر: فقاسوا الوضوء على الصلاة، فقالوا: كما أن الموالاة شرط لصحة الصلاة وهي عبادة، والوضوء شرط لهذه العبادة، فتكون الموالاة شرطاً فيها.
ووجه الشبه بين الوضوء وبين الصلاة: أن الوضوء يفسده الحدث والصلاة أيضاً، فمن أحدث وهو يصلي توضأ واستأنف صلاته، ولا يبني على ما سبق، هذا الراجح الصحيح، ولو توضأ الرجل فمضمض واستنشق وغسل وجهه وغسل يديه ومسح برأسه ثم قبل أن يغسل رجليه أخرج ريحاً فسد وضوءه واستأنفه من جديد.
والموالاة شرط في الصلاة، فلو رفع من الركوع فلا بد أن ينزل بعدما يقول الدعاء والذكر، ولو أطال طولاً يعرف منه الناظر أنه ليس من الصلاة بطلت صلاته.
قالوا: فإذا كانت الموالاة بين أركان الصلاة واجبة وهي عبادة، فالوضوء عبادة كالصلاة، فتكون الموالاة فيه واجبة أيضاً.
ودليل القول الثاني -وهو الجديد- على أن الموالاة ليست شرطاً في الوضوء قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [المائدة:6]، والآية لم تصرح بشرطية الموالاة، فهذه دلالة على أن الموالاة ليست بشرط.
واستدلوا من السنة بأثر ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: أنه توضأ في السوق ولم يمسح على الخفين حتى ذهب إلى المسجد، رواه البيهقي بسند صحيح، وفيه: حتى جف العضو، وفيه أنه دخل المسجد فوجد جنازة يريدون الصلاة عليها، فأراد ابن عمر أن يصلي فقال: ائتوني بماء فأتوه بماء فمسح على الخفين بعدما جف العضو من الوضوء، وهذا أثر صحيح عن ابن عمر فهو يرى أن الموالاة ليست شرطاً، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
والصحيح الراجح عند المحققين من الشافعية: القول الجديد، لكن عندما نأخذ بالقاعدة التي قعدها الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فإننا نقول: الصحيح الراجح هو القول القديم، لا سيما مع تصحيح حديث خالد بن معدان؛ لأن بقية صرح بالتحديث في بعض الروايات، وكونه أرسله عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا يضعف الحديث؛ لأن كل الصحابة عدول لا سيما المؤمنات الفضليات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحيح الراجح: أن الموالاة تعتبر شرطاً وليست سنة، لأن الدليل واضح جداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (توضأ وأعد الصلاة).
(15/3)

من سنن الوضوء
(15/4)

السواك
من سنن الوضوء التسوك قبل الوضوء أو عند الوضوء، والدلالة على ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء).
وإن لم تجد سواكاً وعندك منديل فمن الممكن أن تستخدمه، وهو يقوم ببعض ما يقوم به السواك من تنظيف الأسنان، ومن الممكن كذلك أن تدلك أسنانك بإصبعك، وإن كان الحديث الوارد فيه ضعيفاً.
(15/5)

التسمية عند الوضوء
ومن سنن الوضوء: التسمية عند غسل اليدين، والأدلة على ذلك كثيرة، منها حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما فقدوا الماء فطلب إناء فيه القليل من الماء فوضع يده في الماء فخرج الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (توضئوا باسم الله)، وكذلك الحديث الذي ضعفه الشيخ الألباني وصححه بعض المحدثين: (كل أمر ذي بال لم يذكر فيه اسم الله فهو أقطع)، وأيضاً حديث صريح جداً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا ضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، وهذا الحديث مختلف فيه، وقد صححه الشيخ الألباني وغيره.
وقوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) أي: لا وضوء كامل، ولا يمكن أن ينصب النفي على الوجود؛ لأن الرجل غسل الأعضاء، ولا ينصب على الصحة؛ لأن الله جل في علاه قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6]، ولم يذكر التسمية، والنبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن قال للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله)، ولم يقل: سم الله جل في علاه.
وإذا توضأ الرجل فنسي التسمية بعدما غسل وجهه ويديه، فنقول له: افعل كما تفعل في الطعام، فإذا نسيت التسمية فقل: باسم الله أوله وآخره.
أما إذا انتهيت من غسل الرجلين فلا تسم بخلاف الطعام؛ لأن التسمية بعد انتهاء الطعام تجعل الشيطان يتقيأ، أما هنا فلا توجد هذه العلة.
وقد ذكر الغزالي رحمه الله وكثير من الشافعية دعاء لغسل كل عضو من أعضاء الوضوء، ولا دليل عليه، والأصل في العبادات التوقيف.
(15/6)

غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء
من السنة قبل الوضوء: أن يغسل يديه إلى الكوعين لحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه أنه صب الماء على يمينه ثم غسل يديه ثلاثاً ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وحديث عبد الله بن زيد وحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل يديه قبل الوضوء، أما من قام من النوم فيكره أن يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً، أما إذا استيقن من وجود النجاسة فيحرم عليه أن يضع يده في الماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً)، وصرف النهي من التحريم إلى الكراهة: العلة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (فإنه لا يدري أين باتت يده)، فالعلة: أنه يخشى أن يكون علق بيديه شيء من النجاسة؛ ولذا قلنا بالكراهة إن لم يتأكد من وجود النجاسة، أما إذا استيقن منها فلا يجوز أن يضع يديه في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً؛ لأنه لو وضع يده في الإناء نجس الماء، فإذا نجس الماء يحرم عليه أن يتوضأ به، لا سيما إن كان في صحراء ولم يكن عنده سوى هذا الماء.
(15/7)

المضمضة والاستنشاق
من سنن الوضوء: المضمضة والاستنشاق، والدليل على السنية قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] ولم يقل: تمضمضوا واستنشقوا، ويوجد حديث خاص فاصل في النزاع وهو في مقام التبيين، والقاعدة عند العلماء: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك)، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، وكان الرجل لا يعرف كيف يصلي ولا كيف يتوضأ، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم كيف يصلي وعلمه كيف يتوضأ فقال له: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك ويديك إلى المرفقين، وامسح برأسك واغسل رجليك)، ولم يذكر المضمضة ولا الاستنشاق، ففيه دلالة واضحة جداً على أنهما سنة، أما حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (مضمض واستنشق)، فالراجح أنه صحيح، لكن الأمر هنا للاستحباب جمعاً بين الأدلة، وقول المخالف: الأنف والفم من الوجه فلا بد من المضمضة والاستنشاق فالجواب عليه: والعين من الرأس، ولها ظاهر ولها باطن، ونحن نقول بوجوب غسل ظاهر الأنف لا غسل الباطن، وإلا لكان يجب أن يفتح الإنسان عينيه ويدخل الماء في عينيه؛ لأنها من الوجه ولا بد أن تغسل، لكن نحن متفقون أنه لا يغسل باطنها بل ظاهرها، وكذلك الأنف.
وللمضمضة والاستنشاق صورتان: الصورة الأولى: أن تكون المضمضة منفصلة عن الاستنشاق، فيدخل الماء في فمه، ويكرر هذا ثلاث مرات بثلاث غرفات، ثم يغسل الأنف بعد الفم ثلاث مرات، وهذه الكيفية وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ضعفها النووي، لكن الحافظ ابن حجر صححها، ونحن نأخذ بتصحيح الحافظ ابن حجر، فحديث فصل المضمضة عن الاستنشاق صحيح، لكن الأولى والأفضل: أن تجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة ثلاث مرات كما في حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه هي الصورة الثانية، وهي غالب أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، فيأخذ غرفة ثم يدخل بعض الماء في فمه ويدخل البعض الآخر في أنفه، ويفعل هذا ثلاث مرات.
(15/8)

سنية مسح جميع شعر الرأس في الوضوء عند الشافعية
المذهب أنه يكفي في الوضوء مسح ثلاث شعرات أو مسح جزء من الرأس، وهذا مخالف للأثر، والصحيح: أنه لا بد أن يستوعب مسح كل الرأس.
ومن السنة مسح الأذنين، وهذه السنة دلت عليها الأدلة الكثيرة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمسح أذنيه، وقال: (الأذنان من الرأس) ومن السنة أن يأخذ ماء جديداً لهما، وفي الحديث الصحيح في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظاهر الأذنين وباطن الأذنين)، وكيفية المسح أن يدخل الإصبعين في صماخي الأذنين، وهي الفتحة التي توصل إلى داخل الأذن، ثم النبي صلى الله عليه وسلم ما مسح أذنيه إلا مرة واحدة.
فإن قيل: هل الأذن من الرأس أم من الوجه؟ ف

الجواب
قال الزهري: الأذن من الوجه، واستدل بحديث: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره) وأما الجماهير فقالوا: الأذن من الرأس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الأذنان من الرأس)، وهذا الحديث ضعيف، وقد صححه الشيخ الألباني، وحتى لو قلنا بتصحيح هذا الحديث فإنه يحمل على الاستحباب، وليس للوجوب، كما أن التحلل من الإحرام يكون بحلق الشعر أو تقصيره، وليس بأخذ شيء من الأذن، ولا يقول بذلك أحد، فالصحيح أن معنى: (الأذنان من الرأس) يعني حكمهما حكم الرأس، فإذا كان حكم الرأس هو الغسل فحكم الأذن الغسل مثل الرأس، وإذا كان حكمه المسح فيمسحان كما يمسح الرأس، فالراجح الصحيح أن من السنن مسح الأذنين.
(15/9)

تخليل الأصابع في الوضوء
من سنن الوضوء تخليل أصابع اليدين والرجلين، لحديث لقيط بن صبرة قال له النبي صلى الله عليه وسلم (وخلل الأصابع)، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، لكن يحمل على الاستحباب بدليل الآية والأحاديث الأخرى، فالراجح الصحيح أن تخليل الأصابع ليس بواجب بل هو من السنة، والأكمل أن يخللها ثلاثاً حتى يبالغ في الإسباغ، وأول مراتب التخليل أن يخلل الأصابع مرة واحدة.
ويجب تخليل الأصابع في حالة واحدة وهي إذا كانت الأصابع ملتصقة وغلب على ظنه عدم وصول الماء للبشرة، فيجب عليه حينئذ أن يخلل الأصابع حتى يتأكد من وصول الماء، أو إذا كانت الأظافر طويلة وفيها وسخ يمنع وصول الماء فإن عليه التخليل حتى يصل الماء إلى العضو.
(15/10)

تقديم اليمنى على اليسرى
من السنن تقديم اليمنى على اليسرى، والأدلة على أنها من السنة ديمومة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم)، وهذا الحديث صححه النووي والحافظ والشيخ الألباني، وأيضاً حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في شأنه كله).
والأئمة الأربعة قالوا بالسنية، أما فقهاء المدينة السبعة فقد قالوا بوجوب الابتداء باليمين، بمعنى: أنه لو توضأ الرجل فغسل يده اليسرى ثم غسل اليد اليمنى، فوضوءه لا يصح.
وقول الفقهاء السبعة بالوجوب قوي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأتم فابدءوا بالميامن)، وهذا أمر وظاهره الوجوب، وأيضاً ديمومة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في شأنه كله في وضوئه وترجله وتنعله).
لكن النووي صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب بحديث صححه عن علي بن أبي طالب أنه توضأ أمام الناس فابتدأ باليسرى ولم يبتدئ باليمنى، ثم صلى ليظهر للناس أن هذا على الجواز، وهذا هو قول الأئمة الأربعة، والله أعلم.
(15/11)

عدم نفض الأعضاء من ماء الوضوء
من السنن عدم نفض اليد من الماء ليبقى أثر العبادة على جسده، ففي المذهب يكره إزالة أثر العبادة، مثل الشهيد يدفن في ثيابه ودمه، وقالوا: من السنة عدم تنشيف الأعضاء، وهذه المسألة فيها أقوال ثلاثة، الأول: عدم جواز تنشيف الأعضاء، والثاني: جواز التنشيف، والثالث: وهو قول ابن عباس وهو القول الصحيح الراجح: جواز التنشيف أو تركه، أما حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نفض يديه من الماء بعدما اغتسل وأتته ميمونة بالمنديل فرده، فله تأويلات واحتمالات، والصحيح الجواز.
ويستحب بعد الفراغ من الوضوء أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله كما في حديث عمر بن الخطاب، وفي رواية الترمذي زيادة: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وهذه الزيادة صححها بعض العلماء وضعفها كثير من العلماء، وفي حديث آخر مختلف في صحته أن يقول بعد الفراغ من الوضوء: (سبحانك اللهم وبحمدك, أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).
(15/12)

حكم الشك في مسح الرأس في الوضوء

السؤال
رجل توضأ وفعل جميع الواجبات والسنن، وبعد أن فرغ من الوضوء وجفت الأعضاء، شك هل مسح رأسه أم لا، فماذا عليه؟

الجواب
القاعدة عند العلماء: أن كل شك جاء بعد العبادة فلا عبرة به، فهذا وضوءه صحيح، ولا يلتفت إلى هذه الوسوسة، والأصل: أن وضوءه كامل، والأصل بقاء ما كان على ما كان إلا بدليل ينقل عن الأصل، والمشكوك كالمعدوم حتى يتبين بالقرائن صدق هذا الشك.
(15/13)

شرح متن أبي شجاع - فصل الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة [1]
امتدح الله الأنصار بأنهم كانوا يلحقون بالحجارة الماء في الاستنجاء، وهذا هو الذي يفضل في الاستنجاء وهو الدرجة الأعلى، ثم يأتي بعد ذلك الاقتصار على الماء، ثم الحجارة، وللاستنجاء آداب وتفاصيل تكلم عنها الفقهاء وفصلوا فيها، فحري بالمسلم أن يتفقه في دينه، فإنه من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.
(16/1)

حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: نحن مع هذا العلم الشريف علم الفقه، وقد قال الشافعي: من أراد رجاحة العقل فعليه بالفقه، ومن أراد قوة الحجة فعليه بالحديث.
وأقول: قد جمع الخير كله من جمع الله له الفقه والحديث؛ لذلك كان كثيراً ما يقول شيخ الإسلام: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفقه متنه، وفهم المتن هو ضبط الأمر، وقد ذكرنا الكلام على الوضوء واجباته أو أركانه ومستحباته ويبقى لنا شيء واحد وهو الترتيب بالنسبة للوضوء.
والترتيب: أن تبدأ بما بدأ الله به، وتنتهي بما انتهى الله به.
فتبدأ بالوجه وتنتهي بالرجل إلى الكعبين.
والترتيب واجب من واجبات الوضوء، والوجوب بالنسبة للترتيب في الأركان، فتخرج بذلك السنن فليس الترتيب واجباً فيها.
وهذا فيه رد على ما استدل به الشيخ الألباني على مسألة عدم وجوب الترتيب: على أنه تمضمض واستنشق بعد أن غسل رجليه، فنقول: إن المضمضة والاستنشاق الراجح أنها من السنن وليست من الواجبات، والترتيب ركن أو واجب في الواجبات.
(16/2)

حكم الوضوء مع وجود النجاسة
قال المؤلف رحمه الله: فصل في الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة: الاستنجاء واجب من البول والغائط، والأفضل أن يستنجي بالأحجار ثم يتبعها بالماء، ويجوز أن يقتصر على الماء أو على ثلاثة أحجار ينقي بهن المحل، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل.
ويجتنب استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء، ويجتنب البول والغائط في الماء الراكد وتحت الشجرة المثمرة وفي الطريق والظل والثقب، ولا يتكلم على البول والغائط، ولا يستقبل الشمس والقمر ولا يستدبرهما].
أتى المصنف بباب جديد، وهو باب الاستطابة أو الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة، وهذا أمر محير؛ لأنه كان الأولى بالترتيب أن يبدأ بالاستطابة أو الاستنجاء ثم يأتي بالوضوء، لكنه لما تكلم عن الاستنجاء بعد الوضوء كأنه يشير لنا إشارة مهمة جداً ألا وهي أن الاستنجاء أو الاستطابة ليست شرطاً في صحة الوضوء.
يعني: يصح الوضوء مع وجود النجاسة على الجسد أو على العموم، وهذه إشارة من المصنف، وكأنه يقول: ولو توضأ قبل أن يستنجي بالأحجار أو بالماء صح وضوءه، لكن إذا أراد أن يصلي لا تصح الصلاة بحال النجاسة ولكن له أن يستنجي بعد الوضوء دون أن يمس الذكر ودون أن يمس الفرج حتى لا ينتقض الوضوء بعد ذلك.
والصحيح أن في المذهب أخباراً ثلاثة في مسألة صحة الوضوء مع وجود النجاسة أي: قبل الاستنجاء: القول الأول: يصح الوضوء والتيمم مع وجود النجاسة، والقول الثاني في المذهب: لا يصح الوضوء ولا التيمم مع وجود النجاسة، ومن ثم فلازم هذا القول: أن الاستنجاء شرط في صحة الوضوء.
الثالث: يصح الوضوء مع وجود النجاسة ولا يصح التيمم، أما وجهة نظر القول الثالث فهو: أن التيمم ليس برافع للحدث، أما الوضوء فهو رافع للحدث.
وقالوا: التيمم مبيح، فإذاً لا يصح مع وجود النجاسة؛ ولذلك هم يقولون: صاحب الأعذار غير متوضئ، والله جل وعلا يسر عليه العبادة فقط بأن تستباح له الصلاة؛ لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16].
والصحيح الراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو القول الأخير، فهذه أول إشارة من إشارات المصنف أنه أتى بهذا الباب بعد الوضوء، وكأنه يقول: يصح الوضوء وإن لم يستنج، لكن إذا أراد أن يصلي فلابد أن يستنجي على الراجح من كلام العلماء في مسألة حمل النجاسة في الصلاة.
والاستنجاء، والاستطابة، والاستجمار، بمعنى واحد فهن مترادفات.
فالاستطابة: طلب الطيب، وكأن الإنسان يطيب نفسه بإزالة النجس منه، وأيضاً الاستنجاء: طلب النجاة، وكأن الإنسان ينجي نفسه من هذه القاذورات، والاستجمار: نفس الأمر باستخدام الحجارة.
لكن الاستطابة والاستنجاء تطلق على الماء والحجارة، وأما الاستجمار فهو خاص بالحجارة.
(16/3)

حكم الاستنجاء
وسننظر في هذا الباب من أكثر من وجه، الوجه الأول: هل الاستطابة أو الاستنجاء واجب أم هو سنة كما قالت الأحناف؟ وثمرة الخلاف: أننا إذا قلنا بوجوب الاستنجاء فيأثم إن لم يستنج، وإذا قلنا: بأنه مستحب فنقول: لا يأثم، لكنه ترك الأولى بالنسبة للوجوب.
وأما الأدلة على وجوب الاستنجاء -خلافاً للأحناف- ووجوب الاستطابة أولاً: حديث السنن بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عاذراً المكلف: (وليستنج بثلاثة أحجار).
فقال: (وليستنج)، وهذا فعل أمر، وظاهر الأمر الوجوب ما لم تأت صارفة تصرفه إلى الاستحباب، فيبقى الأمر على ذاته أنه على الوجوب، وأيضاً حديث سلمان في السنن وهذا سنستخدمه كثيراً: (ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).
فإذا نهى عن العدد فالأولى أن يكون الأمر بالاستنجاء وإنقاء المحل على الوجوب، فهذه الدلالات من الأثر ترجح لنا وجوب الاستنجاء، أما الأدلة السلبية: فانظر إلى حديث الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن مر بقبرين قال: (يعذبان وما يعذبان بكبير)، يبين أنه كبير، بمعنى: بل هو كبير، (أما الأول فكان لا يستنزه من بوله)، في رواية: (لا يستتر)، والشاهد الذي نريده، قال: (كان لا يستنزه من البول)، أي: كان لا يستنجي، فسبب العذاب أنه لم يكن يستنج للبول، ولا يرد فيقال: لا، بل سبب ذلك: أن الصلاة لا تصح فعذب على مسألة الصلاة.
نقول إذاً: الوسائل لها أحكام المقاصد وهذه وسيلة فلها حكم المقصد.
(16/4)

مراتب الاستنجاء
الاستنجاء له مراتب ثلاثة: مرتبة أعلى، ومرتبة وسط، ومرتبة دنيا كما بين المصنف.
أما المرتبة الأعلى: فهي استخدام الأحجار مع استخدام الماء، ويستأنس هذا من الأثر ومن النظر، فمن الأثر: أن الله جل في علاه عندما قال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222]، بأن سبب نزول هذه الآية في أهل قباء: أنهم كانوا يستعملون الحجارة أولاً لإنقاء المحل ثم يستخدمون الماء، فنزلت هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222].
وهذه دلالة على استحباب هذه الدرجة وهي درجة الكمال، وهذا الحديث فيه ضعف، لكن نستأنس به.
ومن النظر: أن الحجر ينقي المحل من العين، ويأتي الماء على الأثر فيزيل الأثر، وهذه قوة، فهو يزيل أولاً العين ويزيل بعد ذلك الأثر، فهذه مرتبة أعلى وقد فعلها من الصحابة كثير.
وفي المذهب يقولون: إذا كانت المسألة أن القوي إنقاء المحل ثم إزالة الأثر بالماء، فيمكن للإنسان أن يستخدم حجراً واحداً لإنقاء المحل، فهل إذا استخدم حجراً واحداً صح أن نقول: إنه اعتلى هذه المرتبة أو استلزم هذه المرتبة الأعلى؟ وسبب وجهة النظر عند الشافعية في ذلك أنهم يرون أنه لا يجزئ إلا ثلاثة أحجار كما سنبين.
لكن ضعف العلماء صحة هذه المسألة وقالوا: المقصود الأدنى: إزالة العين، فإذا زالت بحجر ثم أتبع ذلك بالماء فقد اعتلى هذه أو استلزم هذه المرتبة الأعلى دون الوسطية ودون الأدنى.
وهذه المسألة هي درجة أو مرتبة الكمال، ثم مرتبة أخرى: مرتبة الماء، وهي المرتبة الوسطى؛ لأن الماء أقوى ما يكون في إزالة النجاسة، بل لا يستخدم في إزالة النجاسة في المذهب إلا الماء؛ لأن الله جل وعلا قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48].
والنبي صلى الله عليه وسلم من قوله ومن فعله قد استخدم الماء كثيراً كما دل على ذلك الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج لحاجته فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة فيها ماء، وهذا الماء يستنجي به النبي صلى الله عليه وسلم).
وأيضاً المغيرة بن شعبة وهو يصف النبي صلى الله عليه وسلم عندما يقضي حاجته يقول: (فبعد حتى توارى عني) ثم آتاه بماء يستنجي به -بأبي هو وأمي- فأكثر ما استخدم النبي صلى الله عليه وسلم الماء؛ ولذلك قالت عائشة: (لو أمرتن أزواجكن أن أن يستخدموا الماء فأكثر ما استخدم النبي صلى الله عليه وسلم الماء في الإنقاء)، فهذه المرتبة الثانية.
لكن البخاري والمحدثين: أن سعيد بن المسيب وهذا قول عبد الله بن الزبير وبعض الصحابة قالوا: لا يصح ولا يجزئ استخدام الماء إلا للنساء، والرجال لا يصلح أن يستخدموا الماء في الإنقاء؛ لأن الرائحة النتنة تبقى في اليد، والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم الماء، واستخدم الصحابة الماء، فالمرتبة الثانية استخدام الماء للإنقاء.
المرتبة الأدنى هي: استخدام الحجارة لإنقاء المحل ويعفى عن الأثر، وهذه دلالتها كثيرة من السنة فعلاً وقولاً، أما فعلاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه فقال: (ائتني بثلاثة أحجار فأتى ابن مسعود بحجرين وروثة فألقى الروثة)، وهذا في الصحيحين.
وفي السنن: (وأمره أن يأتي بالحجر الثالث)، فاستخدم النبي صلى الله عليه وسلم الإنقاء أو الاستنجاء بالحجارة وهذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
أما من قول النبي صلى الله عليه وسلم فحديث سلمان عندما جاء اليهودي يحسد أهل الإسلام على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك لهم شيئاً إلا علمهم إياه قال: نعم حتى كيفية قضاء الحاجة أو كما قال في التصريح بالكلمة المشهورة في سنن أبي داود.
فهذه دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أمر باستخدام الحجارة وفعلاً بأن فعل ذلك، وهذه كما قلت: مرتبة دنيا.
(16/5)

أحكام أحجار الاستنجاء
إذا قلنا بأن الطهارة والاستنجاء والاستطابة تصح بالأحجار فلابد أن ننظر في صفة هذا الحجر وما يصح منه، وما لا يصح استخدامه، ثم ننظر هل يتعدى الأمر إلى غيره أم لا؟ فإذا قلنا: المرتبة الدنيا أن يستخدم الرجل حجارة إن كان في سفر مثلاً ولم يجد ماءً فله أن يبعد المنزل كما سنبين في الآداب ويأخذ الحجارة ويستنجي بهذه الحجارة.
وهل لهذه الحجارة التي يصح بها الاستنجاء مواصفات؟ وهل هناك عدد محدود لهذه الحجارة التي تستخدم؟ هذا الذي نبحثه الآن.
(16/6)

صفة حجر الاستنجاء
أولاً: الحجارة المستخدمة لابد أن تزيل العين وإن أبقت الأثر.
ثانياً: هذه الحجارة يشترط فيها: أن تكون ثلاثة أحجار، فلو أنقى المحل بحجر واحد ثم توضأ وصلى فصلاته باطلة، ولو استخدم حجراً ثم استخدم حجراً ثانياً وتوضأ وصلى فصلاته باطلة؛ لأن النجاسة لم تزل موجودة، ولابد أن يستخدم الحجر الثالث.
فإذاً يشترط الاستنجاء بثلاثة أحجار، والدلالة على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه كما في السنن قال: (ونهانا أن نستطيب بأقل من ثلاثة أحجار)، وأيضاً في حديث سلمان رضي الله عنه وأرضاه قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار).
والنهي أصله التحريم، يعني: حرام أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، فلو استنجى بحجر أو حجرين لقلنا له: وقعت في الحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تستنجي إلا بثلاثة أحجار، وفي المقابل فإنه لا يجزئه أن يستنجي إلا بثلاثة أحجار، وهذا من القول، ومن الفعل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ الحجرين ما استخدمهما، بل أمر ابن مسعود كما في السنن فقال له: (ائتني بحجر ثالث).
وهذا دلالة واضحة جداً على: أن العدد يشترط في مسألة الاستنجاء ولا يصح الاستنجاء إلا بثلاثة أحجار، وفي المذهب نظروا نظراً دقيقاً وقالوا: هل العدد متعبد فيه، أم له حكمة؟ وفي الصحيح الراجح: أن له حكمة؛ لأن الثلاثة يغلب على الظن أو يتأكد منها إزالة العين.
قالوا: إذاً العدد هو المطلوب للتأكد من إزالة العين، فلو كان حجراً واحداً له ثلاثة أطراف صح استخدامه بثلاث مسحات، فقالوا: العدد المفترض هنا المسحات وليست الأحجار.
فلو أتى بحجر كبير وهذا الحجر له أطراف ثلاثة فمسح الأولى بالطرف الأول ومسح الثانية بالطرف الثاني ومسح الثالثة بالطرف الثالث وأنقى المحل أجزأه؛ لأن الشرط في ذلك ليس بثلاثة أحجار ولكن بثلاث مسحات، هذا أول ما يبحث في مسألة الحجارة.
الأمر الثاني: الوتر في الأحجار، وهذا ليس بشرط لكنه مستحب، ولو أن رجلاً استخدم حجراً واحداً ثم استخدم الثاني ثم استخدم الثالث ولم ينق المحل ثم قام فتوضأ وصلى فصلاته باطلة.
إذ لابد من إنقاء المحل، فإن أنق المحل وتوضأ وصلى فصلاته صحيحة، لكن نقول له: الأولى أن تستخدم الحجر الخامس، فمن السنة: الإيتار، واستدل على ذلك بعموم وخصوص، أما العموم: فحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إن الله وتر يحب الوتر).
وفي سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج)، وهذا الحديث ظاهر جداً في سنية واستحباب الإيتار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من فعل)، يعني: من استخدم ثلاثة أحجار: (من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج).
ثالثاً: مسألة هل يتعدى الحكم لغيره أم لا؟ يعني هل الأمر مشترط بالأحجار، أم يمكن أن تقوم مقامه خرقة مثلاً أو أخشاب أو مناديل أو زجاج أو غير ذلك؟ فالعلماء نظروا فوجدوا أن الغالب في الاستخدام هي الأحجار، قالوا: ننظر في مواصفات الأحجار فإن وجدنا هذه المواصفات تتعدى لغير الأحجار استخدمناها؛ لأن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، بل يفرق بين المختلفين، فإذا قام مقام الحجر شيء يزيل العين أو ينقي المحل كما يفعل الحجر فإنه ينزل منزلة الحجر في الحكم، فنظر العلماء ودققوا النظر في الأحجار فوجدوا في الأحجار بعض الصفات، منها أولاً: أنها مزيلة للعين.
الثاني: الثالث: أنها طاهرة.
الرابع: أنها غير محترمة.
الخامس: أنها لسيت بعظم.
السادس: أنها غير متصلة بحيوان.
فقولنا في صفة الحجر: مزيل للعين، يخرج من ذلك الذي لا يزيل العين: كالزجاج أو الحديد أو أي شيء أملس، فالصحيح أنه لا يستخدم الزجاج ولا الحديد لأنه ليس بصالح، وإن كان الخشب صالحاً نزل منزلة الحجر، وكثيراً ما تجد هذه في الصحراء أو في مكان وليس عندك ماء ولا ترى حجارة فالمناديل تقوم مقام الحجارة، وهذا من تيسير الشريعة الغراء؛ لأنها صالحة تزيل العين، فإذا أزالت العين قامت مقام الحجر.
وقولنا: (جامد) احتراز من المائعات، فالجامد ضد المائع، فالمائع لا يستطيع أن يزيل النجاسات كالزيت؛ لأنه لا يزيل العين لكن يمكن أن يرد علينا إيراد قوي جداً وهو: أن الماء من المائعات ونحن نستخدمه، ف

الجواب
أن ما أمرنا به نستخدمه، فنحن ندور مع الشرع حيث دار، بل الماء له قوة في دفع النجاسات ليست لغيره في حال من الأحوال، بل من قوة الماء في دفع النجاسات أنه يدفع عن نفسه النجاسة بالتكاثر.
ونحن قلنا: الماء القليل إن كان به نجاسة أو وقعت فيه نجاسة نجس، لكن بالتكاثر إذا وصل إلى قلتين قلنا: إذا لم يتغير طعم ولا لون ولا رائحة، وصل إلى الطهارة ودفع عن نفسه النجاسة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).
وقولنا: (أن يكون طاهراً) فلا تستخدم المجلات، والدلالة على ذلك من الأثر والنظر، أما من الأثر فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر ابن مسعود وقال: (ائتني بثلاثة أحجار فأتاه بحجر وآتاه بحجر آخر وآتاه بروثة فألقاها وقال: إنها رجس).
فالعلة: في أنه لم يستخدمها النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصفها بأنها رجس، وأيضاً: ففي بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ ممن يستخدم ذلك في إزالة النجاسة، فالصحيح في ذلك أن نقول: يشترط أن يكون طاهراً، فلا يمكن للمرء أن يستخدم الخمر في إزالة النجاسة.
ولو أن رجلاً أراد أن يستنجي وبحث عن الماء فما وجد بعد أن قضى بوله ووجد خمراً فقال: أستخدمها فيما هو أنفع فأزيل النجاسة وأتوضأ بها.
فنقول: لا يصح هذا من وجهين: لأنه من المائعات والمائعات لا تستخدم في طهارة المحل، والثاني: لأنه عند الجمهور من النجاسة، إذاً لابد من الطهارة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها رجس).
وقولنا: (غير محترم) يحترز به من المحترم، فالمحترم لا يجوز أن يستخدمه الإنسان، والمحترم: كأن يأتي بخرقة مكتوب فيها باللغة العربية، أو يكون مكتوباً فيها حديث أو آية.
فلا يصح له أن يأخذ منديلاً مكتوب فيه باللغة العربية؛ لأن اللغة العربية محترمة، والعلماء في المذهب فسروا تفسيرات وتفريعات، منها: أنهم قالوا: إن كان كتب في الورقة فلسفة فليفعل ما شاء فليس فيها شيء؛ لأن الفلسفة غير محترمة، وقالوا: حتى إن كانت فلسفة أو منطقاً أو شيئاً من هذه الأمور فهذه غير محترمة فلا تدخل معه.
وبحثوا بحثاً في مسألة التوراة والإنجيل وليس لنا أن ندخل في هذا الباب، والصحيح أن نقول: إنها غير محترمة حتى لو كتب فيها باللغة العربية، بشرط: ألا يكون اسم الله فيها ولا اسم الرسول صلى الله عليه وسلم ولا آية من الآيات فيمكن أن تستخدم هذه المناديل وإن كتب فيها؛ لأنها غير محترمة وليست هذه من اللغة العربية.
الخامس: أن يكون غير مطعوم يعني: غير مأكول، وإذا قلنا غير مطعوم فلا يجوز له أن يستخدم أي طعام خبزاً أو غير خبز أعوذ بالله من ذلك، فمن فعل ذلك فقد أهان نعمة الله جل في علاه، ولهذا أدلة كثيرة ومنها: قول الله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [الحج:30].
وأيضاً ورد في السنن عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستنجاء بالعظم وقال: لأنه طعام إخوانكم من الجن فمن باب أولى إن كان طعام المكلف فلا يستخدم مثل هذا.
الشرط السادس: أن يكون غير متصل بحيوان، فمثلاً رجل قضى حاجته وأراد أن يستنجي فأخذ بذيل الحمار فاستنجى، بأن كان في محل فيه حمير أو بعير فأراد أن يستنجي فاستنجى بذيل الحمار نقول: قد أثمت بذلك ولا يصح لك؛ لأن الحجارة منفصلة، وعليه فلو توضأ فوضوءه باطل.
فإن قال قائل: كيف يشترط الانفصال ويد الإنسان لازمة غير منفصلة عنه؟ قلنا له: أما بالنسبة لليد فلنا قاعدتان تقرر لنا استخدام اليد؛ لأنه لابد لنا من ذلك وما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، وأيضاً مباشرة اليد للنجاسات ليست مخصوصة بذاتها بل هي تابعة والتابع تابع، أو قل: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل.
وخلاصة القول أنه لا يقوم مقام الحجارة إلا من اتصف بهذه المواصفات: أن يكون جامداً، خالعاً، مزيلاً للنجاسة، طاهراً غير نجس، ولا يكون مائعاً وأن يكون الطاهر غير مطعوم وغير عظم وغير متصل بحيوان.
(16/7)

آداب قضاء الحاجة
هناك آداب لا بد أن يتأدب بها الذي يقضي حاجته.
أولاً: إذا أراد أن يقضي حاجته فإن كان في الكنف فله آداب وإن لم يكن في الكنف كأن يكون في الصحراء فلابد أن يبعد المنزل، وإبعاد المنزل هذا من السنن التي ماتت، فلا يأتِ أمام الناس.
وهذا يحدث في كثير من العوام في الطرق والطرقات يفعلون هذا ولا يستحون من الله جل في علاه ولا من عباد الله، فأقول: قد جاء في سنن أبي داود وثبت في الصحيح (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يقضي حاجته أبعد المنزل).
وفي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وأرضاه قال: (بعد عني النبي صلى الله عليه وسلم حتى توارى)، يعني: حتى توارى عن عيني ونظري فلم أر النبي صلى الله عليه وسلم.
والحكمة من ذلك: حتى لا يسمع أحد صوتاً أو يشتم رائحة، فإن هذه تؤذي الإنسان وغير الإنسان.
فأول الآداب: أن يبعد المنزل حتى لا يؤذي غيره وهو مأخوذ شرعاً.
وإذا دخل الكنف، وهذا هو الكثير والمشهور عندنا الآن، فأول ما يدخل إن كان في يده خاتم مكتوب فيه اسم الله أو اسم الرسول صلى الله عليه وسلم أو آية من القرآن وهذا كثير عند النساء فلابد من خلع هذه الأسورة أو هذا الحلق أو هذه الخواتم.
والدليل على ذلك قاله الشافعية في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء خلع الخاتم، وكان الخاتم قد نقش فيه محمد رسول الله، وهذا الحديث فيه ضعف، لكننا نستأنس به ونستدل بما يغنينا عن ذلك: وهو قول الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج:32] إلى آخر الآيات.
وهذا دليل عام، أما الدليل الخاص فحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان يبول فمر عليه رجل فقال: السلام عليك يا رسول الله، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فبعد أن قضى حاجته قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن رأيتني على هذه الحال فلا تسلم علي فإن فعلت فلن أرد عليك).
ورد السلام واجب، فأسقط النبي صلى الله عليه وسلم الواجب لمحل النجاسة وهذه دلالة واضحة جداً على أن ذكر الله لا يصح في هذا المحل، ومن باب أولى الدخول بأي شيء فيه ذكر الله.
الثاني من الآداب: أن يدخل بشماله ويخرج بيمينه، أما الدخول بالشمال والخروج باليمين فأصله الأصيل بعد فعل النبي صلى الله عليه وسلم: حديث عائشة رضي الله عنه وأرضاها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في شأنه كله)، في التردد، وفي التنعم في الطعام، وفي الصلاة، وفي أي شيء (وكانت الأخرى لقلائل)، أو قالت: (كانت الأخرى لقضاء الحاجة).
فإذاً إذا دخل إلى الخلاء دخل باليسار وقبل أن يدخل باليسار يسمي باسم الله، وهذا له أدلة كثيرة منها: حديث في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستر ما بين عورات بني آدم وأعين الجن تسمية الله)، أو قال: (باسم الله)، فإذا دخل سمى الله لعلتين: الأولى: أنه إذا دخل يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم إن صح الحديث.
والثاني: أن هذا هو ستر ما بين عورات ابن آدم وبين نظر الجن؛ ولذلك إذا أراد الرجل أن يجامع أهله فإنه يسمي الله، أو أراد أن يخلع ثيابه أن يسمي الله، أو أراد أن يرتدي ثيابه فليسم الله، حتى يستر ما بين عروته وبين أعين الجن.
وهذا الحديث وإن كان السند فيه ضعف لكن بالشواهد يقوى الاحتجاج به، وفي حديث أنس قال: (إذا دخل الخلاء قال بسم الله)، ومعنى (إذا دخل): أي إذا أراد أن يدخل كقول الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ} [النحل:98] فليس المعنى: بعد أن تنتهي تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذا خطأ وهذا هو الظاهر، والصحيح أن معناها: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
فإذاً: الأول: أن يسمي الله جل في علاه لستر عورات بني آدم من أعين الجن، والثاني: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن يدخل بشماله، فإذا خرج قال: غفرانك، وفي رواية: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني).
أما (غفرانك) فهي ثابتة وسنبين تأويله، وأما حديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)، فهذا الحديث ضعيف وإن كان المعنى صحيح؛ لأن الله جل وعلا أنعم على العبد ألا تحتبس هذه الفضلات في جسده فيموت وهذا من فضل الله علينا.
لكن الحديث ضعيف والحديث الصحيح هو أن تقول: غفرانك، واحتار العلماء لم يقول: غفرانك، فقال: بعضهم يقول: غفرانك؛ لأنه لم يذكر الله في هذا المحل أو هذا المكان، وفيه إشارة أيضاً على عدم ذكر الله وأنت تقضي حاجتك.
لكن يقال: هو سكت عن ذكر الله بأمر الله، فهو مطيع في هذا الوقت، فكيف يقول: غفرانك لمسألة هو لم يأثم فيها؟ والصحيح أن المعنى في ذلك: غفرانك أني مكثت مدة من الوقت لم يتلفظ لساني بذكرك، وإن كان القلب يذكر الله جل في علاه.
ولذلك بحث النووي بحثاً عظيماً جداً وهو: إذا كان المرء يقضي حاجته وأذن المؤذن فهل يردد أم لا يردد؟ فقال: يردد بقلبه بأن يمرره على قلبه، وإذا سمع رجلاً يقول: اللهم صل على محمد، فيقول: صلى الله عليه وسلم بقلبه دون أن يتلفظ بلسانه.
فإذا خرج قال: غفرانك.
ومن آداب قضاء الحاجة: ألا يستقبل القبلة بقضاء الحاجة ولا يستدبرها، وهذه فيها أدلة كثيرة جداً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي أيوب الأنصاري في الصحيحين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها)، وقال أبو أيوب: قدمنا الشام فوجدنا المراحيض تستقبل القبلة وتستدبر بيت المقدس فكنا نستدير ونستغفر الله جل في علاه.
وفي الحديث الثاني أيضاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول ولا غائط)، وأيضاً في حديث سلمان: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تستقبل القبلة ببول أو غائط).
أما المذهب ففصلوا في هذه المسألة فقالوا: يحصل استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء والخلاء والفضاء، أما في الكنف فقالوا بالجواز ولم يقولوا بالكراهة بل قالوا: يجوز إن كان في الكنف مستقبلاً أو مستدبراً فلا شيء عليه.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (ارتقيت على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته يستقبل الشام ويستدبر القبلة).
ومن هنا قال الشافعية: يجوز الاستقبال والاستدبار والحديث لا يساعدهم، فإننا نقول: أنتم قلتم: بأنه يحرم استقبال واستدبار القبلة عند قضاء الحاجة في الخلاء ولكم حق في هذا فحديث أبي أيوب وحديث سلمان وحديث أبي هريرة حجة لكم، فأنتم تستدلون به على ذلك ولكم الحق في هذا.
وبعد ذلك قلتم: يباح في الكنف أن يستقبل أو يستدبر قالوا: والدليل حديث ابن عمر: (استقبل النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس واستدبر الكعبة)، قلنا: هذا الدليل فيه استدبار الكعبة لا استقبالها فمن أين أتيتم بأنه يجوز الاستقبال والاستدبار؟ قالوا: قسنا الاستقبال على الاستدبار، وإن كان الاستقبال أغلظ فقد ورد عن جابر الاستقبال، وهذا الاستقبال مؤول على أن هناك جداراً بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكعبة.
والذي يعضد ذلك فعل الصاحب، والراوي أعلم بما روى فإن ابن عمر كان في الصحراء فأناخ ناقته ثم استدبر الكعبة واستقبل بيت المقدس وقضى حاجته فقيل له: ألم تنته عن ذلك؟ فقال: إنما نهانا في الصحراء.
إذاً: في المذهب يجوز الاستقبال والاستدبار دون كراهة إن كان في البنيان، أما إن كان في الصحراء فلا يجوز الاستقبال والاستدبار.
ومن الآداب: عدم تطويل الوقت في قضاء الحاجة، وهذا من ناحية الطب وليس عليه دليل، وقد ورد بأن لقمان كان ينصح ابنه بذلك؛ ولأن الكبد يمكن أن يتعرض للمرض لطول المقام في قضاء الحاجة، فنهاه عن ذلك.
وأيضاً لها شيء من الأثر: وهو أنك مخلوق وتذكر الله جل في علاه، ولما جاء الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! انصحني نصيحة أعمل بها ولا تكثر علي قال: (اجعل لسانك رطباً بذكر الله)، فالأوقات إذا ضاعت في قضاء الحاجة فقد أضعت على نفسك ذكر الله جل في علاه الذي به رفعة الدرجات.
وكان العلماء أحرص ما يكونون في هذا الباب، ولذلك كان جد ابن تيمية إذا دخل الخلاء يقضي حاجته أتى بابنه وأعطاه الكتاب يقرأ عليه وهو يقضي حاجته، فهو وإن لم يستخدم اللسان فقد استخدم القلب والأذن ليسمع مسائل العلم وهو يقضي حاجته حتى لا يضيع وقته في ذلك.
وهذه الآداب التي أشار إليها المصنف رحمه الله بهذا الكلام العظيم في باب آداب التخلي.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
(16/8)

شرح متن أبي شجاع - فصل الاستنجاء وآداب قضاء الحاجة [2]
علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته كل شيء حتى إن علمهم آداب قضاء الحاجة، وقد فصل العلماء تلك الآداب وذكروا أدلتها وأحكامها.
(17/1)

المنهيات في قضاء الحاجة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إن هذا الدين الخاتم قد اصطفى الله له أقواماً يحملون رايته وينشرونه بين الناس، ومكن لهم ورفعهم على عباد الله أجمعين، حيث دخل ربعي بن عامر على رستم وهو يسأله: من أنتم؟ وماذا تريدون؟ فيرد عليه بكل يقين وإيمان: نحن عباد لله ابتعثنا الله؛ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ونشروا دين الله جل في علاه في مشارق الأرض ومغاربها، فيا له من دين لو أن له رجالاً! فرجل بأمة، ورجل بقبيلة، ورجل بقوم هو الذي يستطيع أن يحمل راية هذا الدين فينشرها بين الناس.
ولا أرى في هذه العصور أفضل من يحمل هذا الدين من أهل العلم وطلبة العلم، فهم أشرف الناس، وأخلق الناس، وأصدق الناس، وأعلم الناس بمراد الله ومراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد قيل للشافعي: أيمكن المرء أم يبتلى؟ قال: لن يمكن حتى يبتلى، وإن المشقات تجلب بعد ذلك المسرات، وإن الأقوياء لا تظهر قوتهم إلا بعد الطحن في عظامهم.
وقد قالوا قديماً: الضربات التي لا تقصم الظهر تقويه.
انتهينا من آداب التخلي أو آداب قضاء الحاجة وهي التي تمثل الإيجابيات، ونأخذ السلبيات أو المنهيات التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.
من تلك المنهيات: أنه لا ينبغي للمرء أن يستنجي بيمينه، بل لا يصح له أن يفعل ذلك، ويكره أن يستنجي بيمينه، والدلالة على ذلك: ما صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله، كما قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل شماله لقضاء الحاجة)، أو قالت: (للقلائل)، أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها.
وفي حديث سلمان رضي الله عنه قال: (ونهانا رسول الله أن نستنجي باليمين)، وفي حديث أبي هريرة أيضاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرء أن يستنجي بيمينه)، أو قال: (نهى أن يمس ذكره بيمينه).
وحمل الجماهير وعلماء المذهب هذا النهي على الكراهة وليس على التحريم، فمن استنجى بيمينه صح استنجاؤه وقد وقع في الكراهة، والذي جعل النهي -الذي الأصل فيه التحريم- للتنزيه والكراهة هو أن هذا من باب الأدب، وأن هذا ليس فيه تكليف، فليس فيه افعل أو لا تفعل.
فالقاعدة عندهم أن الآداب تصرف الأوامر من الوجوب إلى الاستحباب، وتصرف النواهي من التحريم إلى الكراهة، والصحيح الراجح أن هذه المسألة على ظاهرها -وإن كان ما قاله الجمهور له اعتبار قوي جداً، لكن ندور مع الشرع حيث دار، فالنهي يقتضي التحريم ما لم يرد الفعل أو القول أو الإشارة من النبي صلى الله عليه وسلم على الكراهة.
ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرن المرء تمرتين، وصرح الشافعي في الرسالة: أنه يحرم أن يقرن بين التمرتين، وهذا التفصيل يدل على أن الغرض في النهي التحريم سواء كان في الآداب أو في غير الآداب؛ لأن هذه الآداب آداب طعام.
وعند ابن حزم: لا يصح وضوء من فعل هذا؛ لأنه على التحريم.
ومن الآداب: أن يبعد عن المنزل، ويستتر عن الناس، ويحفظ عورته، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظ عورتك إلا من أهلك)، وورد في الآثار الصحيحة والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يقضي حاجته أبعد المنزل، وهذا من حديث المغيرة حيث قال: (فتوارى عني)، أي: أبعد المنزل، وكذلك الحديث الصريح جداً في الصحيحين وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير -بل يعذبان في كبير- قال: وأما أحدهما فكان لا يستتر من بوله)، والرواية الثانية في السنن قال: (لا يستنزه من بوله)، ففيها دلالة: على أنه كان يظهر عورته، والمفروض أن يحفظ المرء عورته إلا من أهله.
ومن الآداب: ألا ينظر إلى عورته، وهذا حدث من فعل الصحابة الكرام أبي بكر وعثمان وعلي فما كان أحد ينظر إلى سوءته بحال من الأحوال، حتى أنه ورد أن أبا بكر كان إذا دخل الخلاء غطى رأسه حتى لا ينظر إلى عورته، فهذه من الآداب التي لابد للإنسان أن يستعملها.
من الآداب أيضاً: ألاّ يبول في المساجد، فالمساجد لم تبن للبول ولا للغائط، بل ولا لللغط من الكلام، وإنما بنيت لذكر الله، وإقامة الصلاة، وتعليم الناس، والحديث الصريح في ذلك كما في الصحيحين: (أنه قام أعرابي فبال في ناحية المسجد فقام الصحابة وهموا به ليقتلوه).
ففيه دلالة: على أنه فعل حراماً، فلما هموا به قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم بشفقته ورحمته على أمته: (لا تزرموه أو لا تقطعوا عليه بوله، ثم أمر بذنوب من ماء يراق على هذا البول)، ثم علمه بلطف وبرفق فقال: (إن هذه المساجد لم تبن لذلك، وإنما بنيت لذكر الله ولتعليم الناس).
فبين له أن هذه المساجد ليست خاصة لهذا الأمر، ويتفرع على ذلك قول العلماء: إذا اعتكف المرء وأراد أن يبول وليس هناك حمامات في المسجد، كما كانت المساجد في الرعيل الأول، فقال بعضهم: إنه يجوز للمعتكف في المسجد أن يتخذ إناءً يبول فيه، وهذه المسألة فيها تفصيل، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح من عيدان يبول فيه، وكان هذا القدح تحت سريره، فكان يبول فيه إذا قام من الليل، فله أن يتخذ إناءً يبول فيه، وبعد ذلك يصرفه حيثما شاء.
لكن العلماء دققوا النظر وقالوا: إن قلنا بجواز البول في الإناء فلابد أن تشترط شروطاً وقيوداً، فالقيد الأول: أن يتوارى عن الناس، بأن يكون في مكان ينأى بنفسه عن أعين الناس؛ حتى لا تظهر عورته، وقلنا: ستر العورة من الوجوب بمكان.
والقيد الثاني: ألا يصيب الرذاذ أو الرشاش الصادر من البول المسجد فيلوثه، فإن لم يأمن أو لم يتوفر هذين الشرطين فلا يجوز له أن يفعل ذلك.
لكن انظروا إلى حرص أهل العلم: فقد كان بعضهم إذا جاء وقت مجلس التحديث لـ أبي نعيم أو لـ وكيع أو لغيرهما من المحدثين، يحرص على أن يكون هو في مقدمة الصف حتى يسمع الحديث ويضبطه ولا يهم في كتابته الحديث، فكان أحدهم يجعل له إناء يخصصه للبول فيه لكي لا يتحرك من مكانه؛ لأنه يخشى أن يأتي أحد فيأخذ مكانه وهو حريص على مسألة الطلب والتحديث؛ ولذلك رفعهم الله جل في علاه وانتقل الدين على أكتافهم رطباً طرياً ليناً؛ لأنهم حرصوا كل الحرص على ألا يضيعوا حرفاً واحداً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن المنهيات: ألا يبول في مستحمه، وفيه حديث ضعيف: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى أن يبول المرء في مستحمه).
فالأولى للمرء ألا يتوضأ في المكان الذي يقضي حاجته فيه؛ لأنه إذا توضأ في نفس المكان فلعل الرذاذ أو الرشاش يرجع على ثوبه فيتنجس، والاستقذار تعافه النفس فلا يفعل ذلك.
ومن المنهيات أيضاً: ألا يبول في الماء الراكد، والفرق بين الماء الراكد والماء الجاري من حيث التعريف: أن الماء الراكد: هو الذي لا يجري، والماء الجاري: هو الذي يجري.
والدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم -ثم فسره بقوله- الذي لا يجري)، أما الفرق بينهما من حيث الحكم، فقالوا: إن الماء الراكد الذي حدثت فيه النجاسة ولم يتغير يصبح نجساً إذا كان قليلاً، وأما إن كان كثيراً فإنه ينجس إذا تغير.
أما الماء الجاري فالجرية التي فيها نجاسة -حتى لو كانت أقل من قلتين- ولحقت بها الجرية الثانية فبلغ الماء قلتين فإنه يدفع عنه الخبث.
ففي السنن (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبول المرء في الماء الراكد)؛ لأمرين اثنين: إن كان قليلاً فإنه سيفسده على الناس ولا يصلح لأحد أن يستعمله، وإن كان كثيراً وإن لم يتغير وبقي على أصل طهارته فإنه يستقذر ولا يستعمل، فإنه إذا علم الناس أن أحداً بال في هذا الماء فلا يمكن أن يستخدمه أحد، فيفسد على الناس هذا الماء فيقع في مسألة الإضرار، والتأصيل العام الكلي: أنه لا ضرر ولا ضرار، وهذا إضرار بالآخرين.
ومن المنهيات أيضاً: عدم البول والتبرز في الموارد، والظل، والجحر، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يبول المرء في الجحور، وفسرها أبو قتادة بأنها مساكن الجن، وهناك رواية ضعيفة: أن سعد بن عبادة فعل ذلك فخرج الجن فقتلوه وأنشدوا الأبيات المشهورة، لكنها ضعيفة وليست بصحيحة، والمقصود: أنه لا ينبغي للإنسان أن يبول في الجحور؛ لأنها مساكن الهوام، فإن لم
(17/2)

شرح متن أبي شجاع- نواقض الوضوء
بين الفقهاء النواقض التي تنقض الوضوء، والتي استقوها من كتاب الله وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمور من العلم الذي لابد لكل مسلم أن يعلمه؛ لأنه يمس أعظم العبادات وأشرفها وهي الصلاة.
(18/1)

نواقض الوضوء
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في نواقض الوضوء].
نواقض الوضوء هي: الأحداث التي تنقض الوضوء، والمعنى: أن المرء إذا توضأ استباح الصلاة وصحت صلاته بهذا الوضوء، إلا إذا انتقض وضوءه.
وكأن المصنف قال: انتبه فقد بينت لك آداب قضاء الحاجة بعد الوضوء إشارة إلى أنها ليست بشرط في صحة الوضوء، وأقول لك بعد ذلك: إن صح وضوءك فتجنب الأحداث التي ينتقض بها وضوءك، وعليك أن تحافظ على وضوئك كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، والحفاظ على الوضوء لا يكون إلا بتجنب الأحداث التي ينتقض بها الوضوء، وفي المذهب خمس نواقص: الأول: كل خارج من السبيلين.
الثاني: زوال العقل.
الثالث: النوم.
الرابع: لمس المرأة الأجنبية وهذا قليل.
الخامس: مس الفرج.
ويقصد بالفرج: القبل والدبر كما سنبين.
(18/2)

الناقض الأول: الخارج من السبيلين
وهو كل ما خرج من القبل والدبر، وإذا قلنا السبيلين فهو على الغالب؛ لأن المرأة لها ثلاث مخارج، والرجل له مخرجان القبل والدبر، والمرأة في القبل لها مخرجان ومخرج الدبر، وفي هذا دلالة على التغليظ.
والذي يخرج من السبيلين على قسمين: القسم الأول: غالب.
والقسم الثاني: نادر.
مع أن النادر لا حكم له، لكن سنبين ونفصل في هذا، أما الذي يكون غالباً فهو: البول والغائط والودي والمذي والريح والمني والحيض.
أما النادر: فكالحصى، والدود، والدماء التي ليست دماء الحيض، والتأصيل في المذهب: أنهم ينظرون في الغالب للمخرج لا للخارج، أما الحنابلة فينتقض عندهم الوضوء بالخارج لا بالمخرج، يعني: أي شيء نص الشرع على أنه ينقض حتى لو خرج من الأذن فإنه ينتقض به الوضوء، ولو خرج من الاحتجام بالحجامة فإنه ينتقض به الوضوء.
وقد بينا أكثر من مرة: أن أحمد يرى أن الرعاف ينقض الوضوء، فإن الدم إذا خرج من الأنف أو الفم انتقض به الوضوء، والتأصيل الصحيح في المذهب هو: النظر إلى المخرج لا للخارج.
فالذي جعل الشافعية يقرروا بأن المخرج هو المتحكم أو هو الفصل المؤثر هو حديث: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، قالوا: والحدث فسره أبو هريرة بأنه: الريح أو قال: فساء أو ضراط، والريح طاهر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حتى يتوضأ) ولم يقل: حتى يستنجي ثم يتوضأ، ولما احتاج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر في مسألة المذي بالاستنجاء قال: (اغسل ذكرك وتوضأ)، فأمره بالاستنجاء، فلو كان الريح كالمذي لقال: اغسل، أو قال: استنج ثم توضأ، وهذه فيه دلالة واضحة على التفريق بين الريح وبين غيره، فالريح طاهر وليس بنجس، والمحل هو الذي جعله ناقضاً مما يدل على أن النظر للمخرج لا إلى الخارج، ولذلك إذا خرج الريح من السبيلين انتقض الوضوء به، وإذا خرج من غير السبيلين كالتجشؤ مثلاً فإنه لا ينتقض به الوضوء.
(18/3)

البول والغائط
والذي يخرج من السبيلين: بول وغائط، فيكون البول والغائط من نواقض الوضوء، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة:6]، وهذا دليل على أن الغائط من نواقض الوضوء، والحديث الصحيح في السنن عن صفوان رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله فقال: (أمرنا صلى الله عليه وسلم ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، فقد عدد قائلاً: لكن من بول أو غائط أو نوم، يعني: أمرنا أن نتوضأ من ذلك، فالدلالة هنا دلالة الاقتران.
أيضاً: حديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذهب يقضي حاجته توارى عنه ثم قضى حاجته، فأتاه بالماء فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم وهي قصة مشهورة جداً في مسح الخفين ثم قال: (أهويت لأنزع الخفين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم بعدما بال.
وحديث أنس رضي الله عنه وأرضاه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فأخرج أنا وغلام معي العنزة، والعنزة: إما أن يركزها النبي صلى الله عليه وسلم ليستتر بها أو ليجعلها سترة بعد ذلك في الصلاة، قال: ومعي إداوة من ماء فيتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذه أدلة تثبت لنا أن البول والغائط من النواقض، فمن انتقض وضوءه فعليه أن يتوضأ إن كان من بول أو من غائط.
(18/4)

الريح
الثاني: الريح، وهذا مما يخرج من السبيلين، فالريح ينتقض الوضوء به، وهذا له أدلة كثيرة من القول والفعل.
أما من القول: فهي أحاديث نبوية كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فهذا أصح الأدلة على أن الحدث هو: الريح، كما فسره أبو هريرة، وهو يستلزم الوضوء.
وأيضاً: حديث عن أبي هريرة: (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل إذا أشكلت ببطن الإنسان أشياء أخرج منه الريح أم لا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينفتل عن صلاته حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، ووجه الدلالة: أن الإنسان يحرم عليه أن يخرج من الصلاة، فلما أمر النبي من سمع صوتاً أو شم ريحاً أن يخرج دل ذلك على أنه قد اختل شرط من هذه الشروط، وجاءت الأحاديث الأخرى التي بينت لنا أن اختلال شرط من شروط الوضوء هو انتقاض للوضوء.
أما بالفعل: فإن عمر بن الخطاب خطب بالناس ثم قال: أيها الناس! إن الله لا يستحي من الحق، إني قد فسوت، ثم نزل من على المنبر فذهب وتوضأ ثم رجع فأكمل خطبته للناس.
وهذه فيها دلالة: أن الصحابة استقر في نفوسهم أن الريح ينقض الوضوء.
(18/5)

خروج المذي والودي والمني
ومن الخارج من السبيلين أيضاً: المذي والمني، وهو: سائل أبيض ليس برقيق، ولا يتدفق، وهذا هو الفرق بينه وبين المني، فهو لا يتدفق لكن تلزمه الشهوة يعني: يخرج مع الشهوة، إما بالتفكير في الجماع، أو الملاطفة والمداعبة.
ولنا في المذي أمران: الأمر الأول: غسل المحل، بل وغسل الثوب الذي يصيبه المذي؛ لأن المذي نجس، والدلالة على نجاسته أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستنجاء منه، بل أمر بغسله وغسل الموضع الذي يصيبه المذي.
والأمر الثاني: أنه يستلزم الوضوء؛ لأنه ناقض للوضوء، قال علي بن أبي طالب كما في الصحيح: (كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت المقداد فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعد الوضوء)، وفي رواية قال: (اغسل ذكرك وتوضأ).
في الرواية الثالثة: (اغسل ذكرك ومذاكيرك وتوضأ)، وفي رواية رابعة قال: (انضح فرجك)، أما النضح فلابد جمعاً بين الأدلة: أن يحمل على الغسل، أو الغسل بشدة في المياه؛ لأن هذه نجاسة لا تزول إلا بالمياه.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسل ذكرك ومذاكيرك)، حمله الحنابلة على وجوب غسل الخصيتين، والصحيح الراجح أنه لا يغسل إلا الموضع الذي أصابه المذي، كما في الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسل ذكرك وتوضأ)، وقال ابن مسعود: (يغسل ذكره ويتوضأ).
ومما يخرج من السبيلين وهو ناقض أيضاً: الودي، والودي: سائل لا يخرج بشهوة لكنه يخرج عقب البول، وهو نجس أيضاً ومنه الوضوء، والدلالة على ذلك ما رواه البيهقي في السنن عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: (سئل عن الودي فقال: منه الوضوء).
ووجه الدلالة من هذا الأثر على وجوب الوضوء من خروج الودي: أنه قول لصحابيين ولم نجد لهما مخالفاً، فلذلك نقول: هذه الحجة، بل يمكن أن نرتقي ونقول: هذا يعتبر من الإجماع، فالسكوت من الإجماع.
وأيضاً من النظر في المذهب: أن هذا قد خرج من السبيلين، وكل خارج من السبيلين فمنه الوضوء، وهذا على الغالب، وليس على النادر مثل الحصى، أو البول، ومثلوا له مثلاً إذا أدخل شيئاً في الإحليل أو أدخل في دبره شيئاً وأخرجه فهذا يعتبر ناقضاً للوضوء.
فكل ما دخل وخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء كان نادراً أم كان غالباً، ومن ذلك: الدم، فإنه إذا خرج من الدبر فهو ناقض للوضوء وإذا خرج من غير الدبر فلا ينقض الوضوء، ومثلوا لذلك بالفرق بين الناسور والباسور: على أن الناسور يكون من داخل الدبر، فالدماء التي تخرج من السبيل هي التي تنقض الوضوء، وأما الباسور فهو من خارج الدبر فإذا خرج الدم منه فلا ينقض الوضوء؛ لأنه لم يخرج من السبيل.
والدم كما قلت: إذا خرج من الأنف أو الفم أو اللثة أو الشفة أو الأذن فلا ينقض الوضوء، وأما عند الحنابلة فإنه ينقض الوضوء.
(18/6)

حكم من انسد عليه أحد السبيلين
وهنا مسألة مهمة وهي: إذا انسدَّ المخرج وخرج البول أو الغائط من غير المخرج بسبب مرض أو غيره فهل ينتقض الوضوء أم لا؟ فنقول: إذا انسد المخرج فله حالتان: أن يفتح له مخرج آخر، وهذا المخرج إما أن يكون فوق المعدة، وإما أن يكون تحت المعدة، فإذا كان فوق المعدة وخرج منه قيح أو صديد أو أي شيء، فإنه لا ينقض الوضوء على الراجح؛ لأنه لم يتحلل إلى فضلات، وإن كان المخرج تحت المعدة، -فهو معروف في المستشفيات عند أصحاب غسل الكلى- إن كان تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء على الراجح في المذهب؛ لأن الخارج من تحت المعدة قد تحول وحدث له التحلل.
أما الدماء والقيح والصديد فقد فصلنا فيها القول، وقلنا: إذا خرجت من غير السبيلين فهي ليست بناقضة للوضوء، لكن أشكل علينا بعض العلماء الذين استدلوا بقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (من أصابه رعاف أو قلس فليتوضأ)، فهذا الحديث ضعيف، ومن أشكل علينا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (قاء فتوضأ)، فهذا الحديث مجرد فعل، ومجرد الفعل بحديث لا يستلزم الوجوب بل يستحب أن يتوضأ المرء منه.
(18/7)

الناقض الثاني: النوم
الصحيح الراجح والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام ولا يتوضأ، ولو كان حدثاً لقام وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم.
والحديث الصحيح عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نام نفخ وقام فصلى ولم يتوضأ)، وفي هذا دلالة واضحة على أن النوم أصالة ليس بحدث، لكنه مظنة الحدث، والقاعدة عند علمائنا تقول: إن لم يستطع المرء أن يصل إلى اليقين فعليه أن ينزل غلبة الظن منزلة اليقين.
(18/8)

الشروط التي تجعل النوم ناقضاً
وحتى نقول بأن النوم ناقض للوضوء فلابد أن نشترط شرطين: الشرط الأول: وصف النوم بأن يكون مستغرقاً، فالإخفاق والإغفاء لا ينقض الوضوء، والدلالة على ذلك ما جاء في الأثر: كان الصحابة يجلسون تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون.
كذلك الحديث الصحيح في السنن عن ابن عباس لما صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كانت تصيبه الإغفاءة)، أي: من طول القراءة، قال: (فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بشحمة أذني فأنتبه).
ففيه دلالة: على أن الإغفاءة أو الإخفاقة البسيطة لا تؤثر؛ لأن النوم نفسه ليس بناقض للوضوء، ويؤخذ من ذلك: لو أن رجلاً اضطجع وأغمض عينيه، ثم جلس يسرح فيما يتمناه، لكنه يسمع كلام الناس من حوله، ويسمع صوت الأقدام تسير من حوله، لكن الانتباه ليس كاملاً وتأخذه السنة وهو مضطجع، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ إذ لابد من الاستغراق.
والشرط الثاني: هيئة النوم، فإذا اضطجع انتقض الوضوء، وإذا كان راكعاً انتقض الوضوء، وإن كان ساجداً انتقض الوضوء، وهيئة واحدة لا ينتقض معها الوضوء وهو أن يجلس ممكن المقعدة.
والدليل على ذلك ظاهر من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (كان الصحابة يجلسون ينتظرون العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ينامون تخفق رؤوسهم)، وهذا الوصف لا يكون إلا بالجلوس الممكن للمقعدة.
(18/9)

الأدلة على نقض الوضوء بالنوم
أما من الكتاب: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6] والآية مطلقة، فالمقصود إذا قمتم من النوم أو من الجلوس أو من الأعمال وقد ذكر أهل التفسير أن هذه الآية نزلت عندما تأخرت عائشة في البحث عن العقد، وكانوا في سفر وما كان معهم ماء، عندما ناموا واستيقظوا الفجر وليس معهم ماء واحتاروا ماذا يفعلون، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية الكريمة إلى قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6].
فيكون التقدير: إذا قمتم من النوم فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، فهذا يدل على أن النوم ناقض للوضوء من الكتاب إشارة، أما تصريحاً فقد جاء الحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ).
ويعني بالسه: الدبر، فكأن العين هي الحافظة للدبر، وأيضاً حديث صفوان بن عباس رضي الله عنه وأرضاه: (أمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن -يعني في السفر- إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، ووجه الدلالة من هذا الحديث: هي دلالة الاقتران، فهم يستدلون بدلالة الاقتران وإن كانت هذه الاقترانة ضعيفة، لكن هناك أدلة أخرى قوت هذا الكلام، ومعنى الاقتران: أنه كما قرن النوم مع البول والبول ناقض دل على أن النوم ناقض أيضاً.
فهذه هي دلالة الاقتران، ودلت عليها الأحاديث الأخرى، فهم يستدلون بذلك على أن النوم ناقض من نواقض الوضوء، وهذه أدلة عامة، أما الأدلة التي تقيد وتبين لنا الوصف الذي ذكرناه فهو حديث ابن عباس: (أنه كانت تأتيه الإغفاءة وهو يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذ بشحمة أذنه فينتبه).
والثاني: حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه في الصحيحين: (أنهم كانوا ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فينامون حتى تخفق رءوسهم)، وخفقان الرأس لا يكون إلا من الجلوس الممكن للمقعدة.
وهذا هو التأصيل في المذهب، بل هذا الذي تشتمل عليه كل الأدلة، والأقوال في النوم بلغت تسعة أقوال.
(18/10)

الناقض الثالث: زوال العقل
(18/11)

حالات زوال العقل
وزوال العقل له أحوال: فزوال العقل بالنوم يبطل الوضوء، كما قال الغزالي: النوم يبطل العقل، وزوال العقل بالجنون كذلك يبطل الوضوء، وزوال عقل بسكر وهذا يخفيه، والفرق بين زوال العقل بالنوم، وزوال العقل بالسكر هو أن النائم ينتبه إذا نبهته، وأما السكران إذا نبهته فلا ينتبه، وزوال العقل بالجنون ناقض من نواقض الوضوء بالإجماع، لكن الشافعي يوجب عليه الغسل أيضاً، فقد اختطب الإمام الشافعي وقال: قل من جن ولم يثبت، والنظر في ذلك إلى طبيب أو مختص أو إلى الغالب، فإن صح أن المجنون يخرج منه مني حكمنا عليه بوجوب الاغتسال بعد الإفاقة، وإن كان خلافه فليس عليه إلا الوضوء.
الحالة الثانية: زوال العقل بالإغماء وهذا ناقض بالإجماع، كأن يغمى على رجل خمس دقائق أو ساعة أو ساعتين ثم يفيق، فنقول: انتقض وضوءك بهذا الإغماء.
والمستند في الإجماع هنا: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان في مرض موته -بأبي هو وأمي- تأخذه الإغماءة فإذا أفاق أمر بماء فتوضأ، أو قل: فاغتسل حتى يقوم فيصلي.
الثالث: زوال العقل بالسكر له أحوال، الحالة الأولى: أن يكون عقله حاضراً في بداية السكر، أي: أنك إذا نبهته تنبه، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ لعدم وجود مظنة الحدث.
أما من تعمق في السكر بحيث أنه لا ينتبه إذا نبه -وهذه حالة نهائية كما يقولون- فهذا ينتقض وضوءه بالسكر فعليه الوضوء.
ووجهة نظر الفقهاء في انتقاض الوضوء بالسكر هي: أن زوال العقل مظنة الحدث، فهو لا ينتبه إذا خرج منه ريح، ولذلك أنزلوا مظنة الحدث منزلة الحدث وقالوا: بأن زوال العقل ناقض من النواقض.
(18/12)

لمس المرأة من نواقض الوضوء
ولكي يكون ناقضاً للوضوء لابد من شرطين: الشرط الأول: أن تكون البشرة على البشرة، يعني: لو مس المرأة بحائل لا ينتقض الوضوء، فلو مس على الشال أو الغترة لم ينتقض الوضوء، ولو مست المرأة من الرجل الأظافر لم ينتقض الوضوء.
الشرط الثاني: ألا يكون محرماً لها، يعني: أن مس المحارم لا ينقض الوضوء، ولا ينتقض إلا إذا مس بشرة المرأة الأجنبية، وضابط المرأة الأجنبية هي: التي يحل نكاحها، كابنة خالته، أو ابنة عمته وغيرهما.
واستدل الشافعي على أن لمس النساء ينقض الوضوء بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] إلى أن قال: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة:6]، والأصل في الملامسة: أن تباشر البشرة البشرة.
أما تفسير حبر الأمة ابن عباس لقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ} [النساء:43] بأن معناه: الجماع، فقد استدل الشافعي بذلك على ما دلت عليه اللغة.
فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في البيوع عن الملامسة، والملامسة باتفاق أهل العلم معناها: لمس النوع أو لمس السلعة، ومما يزيد الأمر إيضاحاً وجود قراءة متواترة في: ((لامَسْتُمُ)) وهي: (أو لمستم النساء) وهذا أوضح ما يكون.
وفي الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واليد تزني وزناها اللمس)، فقوله: (أو لمستم)، (وزنا اليد اللمس)، دلالة على أن البشرة تمس البشرة فهذا ينتقض به الوضوء.
والحق أن هذه الأدلة من القوة بمكان، لولا أننا ندور مع الحديث حيث دار، والشافعي بعد أن قال هذا المذهب القوي علق القول على صحة حديث عروة وهو حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض نسائه ويذهب فيصلي ولا يتوضأ)، وهذه دلالة واضحة جداً على: أن اللمس حتى ولو بشهوة لا ينقض الوضوء؛ لأن القبلة مظنة الشهوة، فقال الشافعي: علماء الحديث لا يثبتون مثل هذا ولو ثبت لقلت به، فلي أن أزعم أن الشافعي يرى أن اللمس لا ينقض الوضوء؛ لأن الشافعي كما قال البيهقي: علق القول بأن اللمس لا ينقض الوضوء على صحة حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها.
وهذا الحديث فيه معترك سهل بين المحدثين في مسألة إعلان البخاري مسألة اللقاء والمعاصرة، لكن الصحيح أن نقول: الهيثمي والحافظ ابن حجر وقبله النووي وأيضاً كثير من المحدثين صححوا الحديث، وآخرهم مفخرة المصريين الشيخ أحمد شاكر فقد صحح هذا الحديث.
وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ويخرج فيصلي ولا يتوضأ)، فهذا الحديث قاصم لظهر هذه الأدلة بأسرها، ويجعلنا نقول: إن اللمس لا ينقض الوضوء، وهو الراجح الصحيح، ومن قال: إن التقبيل بشهوة أو بغير شهوة ينقض فليس لهم ثمة دليل على ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.
(18/13)

شرح متن أبي شجاع - فصل موجب الغسل [1]
للغسل موجبات ذكرتها الأحاديث النبوية، ووضحها العلماء والفقهاء، واتفقوا على بعضها واختلفوا في بعضها، ومرد اختلافهم هو اختلافهم في فهم النصوص الشرعية، فعلى المرء أن يتفقه في دينه حتى يعلم ما يجب عليه، وحتى يعلم ما تصح به العبادة وما لا تصح به، وحتى يعبد الله على بصيرة وعلى علم.
(19/1)

موجبات الغسل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فسنتكلم عن موجبات الغسل بعد أن انتهينا من الكلام على الوضوء, وفرائض الوضوء وسنن الوضوء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل في موجبات الغسل والذي يوجب الغسل ستة أشياء, ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء, وهي: التقاء الختانين, وإنزال المني, والموت.
وثلاثة تختص بها النساء وهي: الحيض، والنفاس، والولادة].
هذا فصل يفصل هذا الباب على الباب الذي سبق, وكأنه يقول في هذا الفصل: سأذكر لك جملاً متتابعة في الكلام على الطهارة الكبرى، بعد أن فصلت لكم الطهارة الصغرى.
(19/2)

معنى الغسل وصفته المجزئة
فالغَسل أو الغُسل, كما قال النووي: موجبات الغَسل أو الغُسل.
فالغَسل بالفتح هو: تعميم الجسد بالماء, ولا يشترط في ذلك الدلك كما اشترط المالكية, أما الغُسل بالضم فهو: تعميم الجسد بالماء, فمثلاً: لو نزل رجل وسط البحر وعمم جسده بالماء بنية رفع الحدث فله أن يصلي؛ لأنه قد ارتفع عنه الحدث, سواء قدم الرجل أم قدم الرأس؛ لأننا قلنا: في غسل أعضاء الغسل أو أعضاء الغسل كلها كعضو واحد, والترتيب ساقط في مسألة الاغتسال.
فإذاً: الغَسل أو الغُسل هو: تعميم الجسد بالماء ولا يشترط في ذلك الدلك، والدلالة على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم (عندما رأى رجلاً يجلس في مؤخرة المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم لم تصل؟ قال: يا رسول الله! أصبحت جنباً ولا ماء) فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يتيمم, وأنه يكفيه عن الماء؛ لأن التيمم فرع عن أصل، (ثم أتي النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب أو بدلو من الماء فقال: قم فأفرغه على جسمك) ولم يشترط الدلك.
وأيضاً لما سألته أم سلمة رضي الله عنها عن اغتسال المرأة (أفتنقض ضفائرها؟ قال: لا, إنما يكفيك أن تحثي ثلاث حثيات على رأسك, ثم أفيضي الماء على جسدك، بذلك تكونين قد طهرت).
وهذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم فيه دلالة واضحة جداً: أن الدلك غير واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط على الرجل ولم يشترط على أم سلمة الدلك في الاغتسال.
(19/3)

بيان ما يشترك فيه الرجال والنساء من موجبات الغسل وما تختص النساء منها
الذي يوجب الاغتسال لرفع الحدث الأكبر: ستة أشياء, ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء, وتختص النساء بثلاثة, وهذه المسألة, لابد أن نتكلم فيها بوضوح.
نقول: هذه أحكام انفردت بها النساء عن الرجال، وقلنا: إن الأصل في الأحكام المساواة بين الرجل والمرأة, لكن لا مساواة بين الذكر والأنثى في الخلقة، وكذلك في بعض الأحكام قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء:34] والدليل على اشتراك النساء مع الرجال في الأحكام, حديث أبي داود: (النساء شقائق الرجال).
فإذاً: تشترك النساء مع الرجال في ثلاثة أحكام من موجبات الغسل: التقاء الختانين, وإنزال المني, والموت، وتختص النساء بثلاثة أحكام من موجبات الغسل، وهي: الحيض، والنفاس، والولادة, والولادة هنا هي التي لا يعقبها دم.
فأقول: اتفق الأئمة الأربعة على أربعة أحكام من موجبات الغسل وهي: التقاء الختانين, وإنزال المني, والحيض، والنفاس.
(19/4)

التقاء الختانين من موجبات الغسل
أول موجبات الغسل: التقاء الختانين, والمقصود به الجماع, والختان معروف بالنسبة للرجل ومعروف بالنسبة للمرأة, فالتقاء الختانين معناه: تغييب الحشفة في فرج المرأة, والتقاء الختانين يعني: المحاذاة, كما قال الشافعي في اللغة: التقى الفارسان يعني: تحاذيا, وهذا لا يكون إلا بدخول الحشفة في فرج المرأة, وهذا موجب من موجبات الغسل.
أما إذا حدثت مباشرة ومناوشة بين الرجل والمرأة بالالتصاق دون ولوج, فكل ذلك ليس بموجب للاغتسال.
والدليل على أن التقاء الختانين يوجب الغسل: حديث صريح جداً عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها, قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) ففيه مقدمة ونتيجة, فالمقدمة ((إذا التقى الختانان) والنتيجة: (وجب الغسل).
وقالت عائشة بعد رواية هذا الحديث: (وكنت أفعله أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم) فاجتمع قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وهذا أيضاً فيه دلالة على أنه سواءً أنزل أم لم ينزل؛ لأنه قال: (إذا التقى الختانان) سواء كان هناك إنزال أم لم يكن هناك إنزال, فإننا نقول بوجوب الغسل لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا التقى الختانان وجب الغسل) وقالت عائشة رضي الله عنها: (كنت أفعله أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم).
وأيضاً يوجد حديث آخر وهو: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في الصحيح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها -ولا يمكن أن يكون هذا الأمر ولا يتصور إلا بالإدخال- فقد وجب الغسل) وفي رواية أخرى قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع فألصق الختان بالختان) هذا تفسير لقوله: (ثم جهدها) وفي رواية: (فألزق الختان بالختا) وهذا لا يكون إلا بالمحاذاة ولا يكون إلا بإدخال الحشفة، (فقد وجب الغسل) هذا من الأثر.
أما من اللغة: فقد قال الشافعي: قول الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] قال: العرب يعرفون الجنابة بالجماع، قالوا: إذا أجنب أي: جامع, قالوا: هذه فيها أيضاً دلالة على أن من موجبات الغسل أن يجامع الرجل أهله, فهذه من الدلالة الأثرية, وأيضاً من النظر من حيث اللغة.
(19/5)

حكم إتيان المرأة في دبرها
إذا كان الإدخال أو الجماع موجباً للغسل, فلنا فيها مسائل: منها: إذا جامع الرجل امرأته في دبرها فعليه أمران: الأمر الأول: لابد أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً؛ لأنه أتى محرماً، وإن كانت الأحاديث التي وردت في تحريم إتيان المرأة في الدبر فيها ما فيها من الكلام عند المحدثين, لكن القياس قوله: إن الله جل في علاه حرم على الرجل أن يأتي المرأة حال حيضها؛ لقوله جل في علاه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222]، فمنع أن يأتي الرجل امرأته وهي في حيضها للأذى، فإتيان المرأة في دبرها يحرم من باب أولى بجامع الأذى.
فإذاً: إذا أتى الرجل المرأة في دبرها وجب عليه التوبة أولاً, ثم بعد ذلك وجب عليه الاغتسال, وأنت حين تنظر إلى الفقهاء وهم يفرعون هذه الفروع على هذا التأصيل تعرف أن الفقهاء من أرحم الناس بالأمة, فعلماؤنا هم أرحم الناس بالناس.
ففي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتى امرأته في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) فالعلماء يقولون: ليس بكافر كفراً أكبر, وهذه من رحمة الفقهاء بالأمة, بل يرون أن الذي يأتي الكبيرة لا نمنعه من العبادة, بل نقول له: ارجع وتب إلى ربك جل في علاه, فلابد أن تتوب وأن تئوب إلى ربك جل في علاه, وعليك أن تحافظ على عبادتك التي فرضها الله عليك, وسنيسر عليك الباب فنجعلك تعبد ربك وأنت عاصٍ؛ لأنك ما زلت على خط الإسلام, وما زلت عبداً لله جل في علاه, فعليك أن تغتسل لتصح صلاتك بعد ذلك, حتى ترجح كفة الحسنات على كفة السيئات, ومن تمام رحمة الله على الأمة أن نصب لها هؤلاء العلماء الذين ييسرون عليهم أمر العبادات التي يتقربون بها إلى الله جل في علاه.
فالغرض المقصود: أنه لو أتى رجل امرأته في دبرها وجب عليه الغسل, ووجه النظر في ذلك: أن الدبر يسمى بمسمى القبل, فالدبر يطلق عليه الفرج, كما أن القبل يطلق عليه الفرج, وهذا مثلها.
فإذاً: الصحيح الراجح في ذلك: أنه لو أولج في دبر امرأته فعليها الغسل وعليه الغسل.
(19/6)

حكم إتيان البهيمة
من الفروع أيضاً على هذه المسألة: إذا أدخل فرجه في دبر بهيمة, هناك قولان في المذهب: القول الأول: لا غسل عليه, لأنه ليس بفرج.
القول الثاني وهو الراجح الصحيح: أن عليه غسلاً بتغييب الحشفة في دبر البهيمة, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أتى البهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) فجعل عليه الحد, فإذا كان عليه حد وجب عليه الغسل من باب أولى.
(19/7)

حكم من أولج ذكراً في ميت
الفرع الثالث على ذلك: من أولج في ميت, فالنباش يمكن أن يفعل ذلك نعوذ بالله من الخذلان, فإذا كان المرء قد تعرى عن التقوى وعن الورع يتجرأ على حرمات الله جل في علاه، فقد يرى امرأة ميتة فيأتيها, فإذا أدخل فرجه في فرجها فهذا عليه الغسل.
هذه المسألة فيها وجوه في المذهب: فمنهم من يرون أن الجماع لازمه التلذذ والإنزال أيضاً؛ لأنه في غالب الأحوال أنه ينزل, فهل إذا جامع ميتاً يحس بالتلذذ أم لا؟ فبعضهم قال: لا غسل عليه.
والصحيح الراجح في المذهب: أن عليه الغسل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان وجب الغسل) وهذا على العموم, فإذا حاذى الختان الختان فقد وجب الغسل, فمن أولج في بهيمة عليه الغسل, ومن أولج في ميت أو في ميتة أيضاً عليه الغسل.
(19/8)

حكم الغسل على من جامع وعلى ذكره لفافة ولم ينزل
أيضاً من الفروع التي فرعها العلماء على هذا الأمر: إذا لف ذكره بلفافة، إذا كانت المرأة لا تريد الولادة بأن نصحتها طبيبة مختصة ثقة, وقالت: الولادة مضرة بالأم, فهو إذا أراد العزل فلا يستطيع أن يعزل.
والعزل هو: الإنزال خارج الفرج، فقد لا يستطيع المرء إلى ذلك سبيلاً, فيتخذ هذا الواقي، فلو أدخل الفرج في الفرج وعليه واقٍ, فهل عليه الغسل أم لا؟ هذا فرع فرعه العلماء, وأيضاً فيه الوجوه في المذهب, فبعضهم قال: لا غسل عليه؛ لأنه لم يتلذذ, والوجه الثاني وهو الراجح الصحيح: أن عليه الغسل؛ لأن الختان حاذى الختان، وسواء تلذذ أم لم يتلذذ.
(19/9)

حكم إدخال الفرج في الفرج حال النوم أو النسيان
من الفروع أيضاً التي فرعوها: إذا جاءت المرأة إلى رجل نائم فاستدخلت فرجه في فرجها فهل عليه الغسل أم لا؟ نقول: وجب الغسل عليها بالاتفاق, أما هو فالراجح الصحيح أن عليه الغسل؛ لأن هذه المسألة يستوي فيها النسيان والسهو والعمد، فإذا التقى الختانان ناسياً أو عامداً أو خاطئاً فقد وجب الغسل.
فهذه وجهة النظر عند العلماء، فقد سووا فيها بين السهو وبين العمد وبين النسيان في هذه المسألة.
كذلك لو جاء رجل فرأى امرأته نائمة فجامعها, وهي لم تشعر بذلك حتى طلع الفجر, فقال لها: أنا قد جامعتك، فهل يجب عليها الغسل أم لا يجب عليها الغسل؟ فنقول: الصحيح الراجح: أنه يجب عليها الغسل؛ لأنه يستوي في ذلك الخطأ والعمد والنسيان, حتى لو اعترض معترض وقال: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) فنقول: حتى ولو قلت بهذا الاعتراض, فنقول: وجوب الغسل في هذا يستوي فيه الخطأ والعمد والنسيان والنوم وكل ذلك, ووجهة النظر عند الفقهاء الذين لم يسمعوا بهذا الاعتراض وقالوا بوجوب الاغتسال, سواء كانت نائمة أو ناسية أو عامدة، أو مستكرهة: عموم حديث: (إذا التقى الختانان) فهذا العموم يستوي في ذلك من كان نائماً أو ناسياً أو خاطئاً أو عامداً.
(19/10)

شرح متن أبي شجاع - فصل موجب الغسل [2]
موجبات الغسل تشترك بين الرجال والنساء في ثلاثة أمور: الموت ونزول المني والجماع، وتفترق المرأة عن الرجل في الحيض والنفاس والولادة.
(20/1)

موجبات الغسل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصل موجب الغسل والذي يوجب الغسل ستة أشياء، ثلاثة تشترك فيها النساء والرجال وهي: التقاء الختانين، وإنزال المني، والموت، وثلاثة تختص بها النساء وهي: الحيض، والنفاس، والولادة].
(20/2)

التقاء الختانين
التقاء الختانين، حتى وإن كان بدون إنزال مني فهو يوجب الغسل.
والدليل هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان وجب الغسل).
مقدمة ونتيجة، ووجه الدلالة: الوجود، أي: أن التقاء الختانين موجب من موجبات الاغتسال أو الغسل.
والدليل الثاني: حديث أبي هريرة (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل)، وطبعاً لا يجهدها إلا عند محاذاة الختان، يعني: بالولوج.
(20/3)

إنزال المني
الموجب الثاني: الإنزال سواءً حدث جماع أم لم يحدث الجماع، والدليل: حديث عثمان: (إنما الماء من الماء).
مسألة: رجل قام من النوم فوجد بللاً فاحتار فيه هل هو مني أو ودي فهل يغتسل أم لا؟ الإجابة له حالتان: الحالة الأولى: إذا وجد بللاً ولم يتذكر احتلاماً، الحالة الثانية: وجد بللاً وتذكر احتلاماً، فعليه أن ينزل غلبة الظن منزلة اليقين، فإن عده منياً يغتسل، ويغسل الثوب، وإن عده مذياً فيغسل الثوب ويتوضأ.
الصورة الثالثة: لم ير احتلاماً ووجد بللاً وما استطاع أن يفرق بين إذا كان منياً أو مذياً أو ودياً، فالأصل عدم الإنزال، فيكون هو على أصله، فيغسل الثوب على أنه مذي، وإن اغتسل احتياطاً فهذا هو الأفضل.
مسألة: امرأة كانت حاملة في ستة أشهر، وفي السابع ولدت ولداً، لكن لم يعقب هذا الولد دم نفاس، فهل عليها اغتسال أم لا؟ في هذه المسألة وجهان في المذهب: الوجه الأول: عليها الاغتسال وإن لم يعقب الولد دم؛ قالوا: لأنه انعقد الولد من منيها ومني الرجل فكأنها أنزلت منياً، فوجب الغسل بهذا الإنجاب.
الوجه الثاني: أن موجب الغسل هو نزول دم النفاس، فحيثما وجد دم النفاس وجب الاغتسال وإلا فلا.
(20/4)

حكم اغتسال الكافر عند إسلامه
الموجب الخامس: إسلام الكافر.
في المذهب قولان: القول الصحيح الراجح هو أنه لا اغتسال عليه، والدليل على ذلك: أن كثيراً من أهل الكفر دخلوا الإسلام ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال، فمثلاً: عمرو بن العاص -كما في الصحيح- جاء يبايع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قبض يده، فقال له: علامَ يا عمرو؟! فقال له عمرو بن العاص: أشترط، قال: وما تشترط؟ قال: أشترط أن يغفر لي ما سبق، يعني: من الذنوب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله)، ولم يأمره بالاغتسال وقد دخل في الإسلام وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهاً لوجه وكذلك أبو قحافة؟ فـ أبو بكر أتى بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بالاغتسال، فهذه أمثلة كثيرة تثبت لنا أن كثيراً من أهل الكفر دخلوا الإسلام ولم يؤمروا بالاغتسال، فالغسل بالنسبة لإسلام الكافر على الاستحباب وليس على الوجوب فلا يصح أن نقول: هو موجب للغسل، بل نقول: يستحب للكافر إذا أسلم أن يغتسل، وهذا الراجح الصحيح.
وإذا أسلم الكافر وكان جنباً أي أنه جامع امرأته، أو كان نائماً فاحتلم، وفي الصباح أدخل الله الإسلام وحب الإسلام في قلبه، فدخل الإسلام وأراد أن يصلي الفجر فله حالتان: الحالة الأولى: أن يكون قد أسلم ولم يغتسل من الجنابة، فله وجهان في المذهب الشافعي! الوجه الأول قالوا: عليه الاغتسال، واستدلوا على ذلك بعموم قول الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6].
وهو قد أسلم حال كونه جنباً، فينزل تحت الآية.
الوجه الثاني: أنه لا اغتسال عليه، واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (التوبة تجب ما قبلها)، و (الإسلام يجب ما قبله) والراجح في المذهب: هو الوجه الأول؛ لأنه قد أسلم حالة كونه جنباً فإذاً الآية تخاطبه.
الحالة الثانية: أن يكون قد اغتسل ولكن ليس بنية إزالة الجنابة، وهذا أيضاً فيه وجهان: الوجه الأول: أن يعتد باغتساله، والصحيح الراجح: أنه لا يعتد بهذا الاغتسال؛ لأن الاغتسال له شروط وهي: النية فلابد من وجودها لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
(20/5)

تغسيل الميت
الموجب السادس: تغسيل الميت، فإذا مات الميت أوجبنا عليه الاغتسال، وحكم تغسيل الميت على وجهين: الوجه الأول: أنه على سبيل الوجوب، واستدلوا على ذلك بأدلة فقالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته ناقته في الحج: (اغسلوه بماء وسدر ولا تحنطوه)، أو قال: (لا تخمروا رأسه)، وفي رواية شاذة، قالوا: (ولا تخمروا وجهه) فالشاهد قوله: (اغسلوه بماء وسدر).
وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب.
إذاً: يجب تغسيل الميت، وتغسيل الميت فرض كفاية، فلو مات ميت وعنده ناس فلم يغسلوه فإنهم يأثمون جيمعاً، فإن غسله أحدهم سقط الإثم عن الجميع.
أيضاً: استدلوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما ماتت ابنته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسلنها ثلاثاً).
الوجه الثاني في المذهب: قالوا: يستحب تغسيل الميت ولا يجب؛ لأن تغسيل الميت على سبيل التنظيف، والتنظيف لا يجب، بل يكون للاستحباب.
والوجه الأول هو الراجح الصحيح، فتغسيل الميت بسبب علتين، الأولى: التعبد، والثانية: التنظيف، ولذلك نقول: الأصح أو الراجح في الميت الذي يموت في الصحراء ولم يجدوا ماءً ليغسلوه: أنه يجب عليهم أن ييمموه.
(20/6)

ما يحرم على الجنب
أول الأمور التي يحرم على الجنب فعلها: الصلاة، فلا يجوز بحال من الأحوال للجنب أن يصلي أو يقف أمام ربه جل في علاه، والدلالة على ذلك الكتاب والسنة، والنظر، أما من الكتاب: فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6].
ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] أي: فاطهروا أولاً، ثم قوموا إلى الصلاة.
أيضاً: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء:43].
فلا تقرب موضع الصلاة، فالصلاة من باب أولى فأنت ممنوع عنها.
من الأحاديث أيضاً والآثار والسنن الفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما جاء عن أبي هريرة كما في أبي داود بسند صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي فلما كبر تذكر أنه كان جنباً فقال لهم: مكانكم، ثم ذهب فاغتسل، قال أبو هريرة فجاء ورأسه يقطر ماءً ودخل الصلاة، وأكمل بهم الصلاة.
الحديث الثاني: حديث عمر بن الخطاب أنه صلى بالناس وكان غير مبالٍ، وكان جنباً فتذكر بعد الصلاة أنه كان جنباً فاغتسل وأعاد الصلاة.
أيضاً يحرم على الجنب أن يجلس في المسجد، فقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا} [النساء:43].
والسياق يفسر المراد، فالمراد مكان الصلاة، وموضع الصلاة، فلا تقربوا الصلاة أي: لا تقربوا المسجد.
وقد ورد عن جابر بسند صحيح أنه قال: كان أحدنا يمر في المسجد جنباً مجتازاً.
وهذه دلالة على أنهم أولوا الآية: أنه لا يجوز المكث في المسجد.
ويستدل من السنة بأحاديث ضعيفة منها: حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: (لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) وهذا الحديث ضعيف.
ومن الأدلة أيضاً على ذلك: القياس الجلي، فهم يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم منع الذي يأكل البصل من دخول المسجد فكيف بالذي تلبس بالجنابة أو بالحدث الأكبر؟ ويعضدون ذلك بالحديث المشهور: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة أو جنب) وزيادة الجنب زيادة ضعيفة.
الثالث: يحرم عليه قراءة القرآن.
ومن ذلك: قول علي وهو حديث في السنن عن علي بن أبي طالب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن في كل أحواله سوى الجنابة)، والحافظ ابن حجر في فتح الباري مال إلى صحته.
ثم العلماء قد قعدوا لنا القاعدة: الراوي أعلم بما روى، فهو أعلم بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ورد أيضاً بسند صحيح عن عمر بن الخطاب أنه منع الجنب من القراءة.
وعن عمر بسند صحيح كان يقول: إني لآكل وأنا جنب، وأشرب وأنا جنب، ولا أقرأ القرآن وأنا جنب.
فـ عمر بن الخطاب يرى أن الجنابة تمنع من قراءة القرآن.
الأمر الرابع مما يحرم على الجنب: مس المصحف، فإذا منع من قراءة القرآن لم يمنع من الذكر، ولا من الاستغفار ولا من الذكر الذي هو يتضمن آية.
والدلالة على ذلك واضحة جداً من قول الله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79].
(20/7)

ما يحرم على الحائض
ويحرم على الحائض ما يحرم على الجنب، فيحرم عليها الصلاة والصوم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل منكن) فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما نقصان العقل والدين عند المرأة؟ فقال: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم).
وهذا تشريع يبين للأمة أنه قد أمرهم قبل ذلك أن المرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم.
أيضاً حديث فاطمة بنت حبيش رضي الله عنها وأرضاها، قال: (فإذا جاءت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا ولت فاغسلي عنك الدم وصلي)، وفي الحديث الذي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن قضاء الصلاة بعد الحيض بعد الطهور من الحيض فقالت: أحرورية أنت؟ فقالت: لا إنما أنا أتعلم، أو قالت: إنما أنا تائبة، فقالت: كنا نحيض على عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نصلي ولا نصوم، ونؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
أيضاً: يحرم على المرأة الحائض الطواف بالبيت، والدلالة على ذلك: في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وكانت تبكي وكانت قد أهلت بعمرة، فقال لها: (ما لك؟ أنفست؟ فقالت: نعم، فقال: هذا أمر قد قدر على بنات آدم، فاغتسلي وافعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت).
أيضاً يحرم على الحائض: دخول المسجد، لحديث: (ألا تطوفي بالبيت).
(20/8)

شرح متن أبي شجاع - فروض الغسل وسننه وفصل الأغسال المسنونة
للغسل فروض لابد منها لصحته، وله سنن وآداب ينبغي مراعاتها ليحصل كمال الطهارة، والغسل يجب لأمور، ويستحب لأمور، وقد بين الفقهاء ذلك بالتفصيل.
(21/1)

فرائض الغسل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل: وفرائض الغسل ثلاثة أشياء: النية، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه، وإيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة.
وسننه خمسة أشياء: التسمية، والوضوء قبله، وإمرار اليد على الجسد، والموالاة، وتقديم اليمنى على اليسرى].
الركن الأول: النية شرط أو ركن على الخلاف المشهور الذي تقدم الكلام عليه.
الركن الثاني: تعميم الجسد بالماء.
الركن الثالث: إزالة النجاسة، وهذا ليس ركناً مستقلاً، بل هو ركن معلق بوجود النجاسة.
(21/2)

الغسل المجزئ وغسل الكمال
تعميم الجسد بالماء، وهو إفاضة الماء على كل عضو وإرواء البشرة بالماء، فلو قام الرجل من نومه جنباً، فدخل البحر مثلاً ونوى رفع الحدث وعمم جسده بالماء وأروى بشرته بالماء، فله أن يخرج فيصلي، وقد رفع حدثه.
والأدلة على ذلك كثيرة، فمن السنة القولية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أما أنا فيكفيني أن أفيض الماء على رأسي ثلاثاً) وهذا فيه دلالة واضحة على أن إفاضة الماء دون الدلك تكفي، والدلك مستحب ولكنه لا يشترط.
أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم (رأى رجلاً في المؤخرة فسأله: لم لم تصل معنا؟ ألست مسلماً؟! فقال: يا رسول الله! كنت على جنابة ولا ماء، فعلمه كيف يتيمم، ثم أتي بماء فقال له: أفرغ هذا على جسدك) فهذه دلالة واضحة جداً من الشرع على أن تعميم الجسد بالماء يكفي لرفع الحدث.
والاغتسال في اللغة: هو تعميم الجسد بالماء، وهذا الذي يجزئ، وأقل من ذلك لا يجزئ، ويستحب أن يسمي الله إذا توضأ، وإن لم يتوضأ فلا دليل على الاستحباب في الغسل، فالتسمية ثبتت في الوضوء لا في الغسل، ولا قياس في كل العبادات، وهذا فيه خلاف بين العلماء، وبعضهم يقيس النظير بالنظير في مسألة العبادات كالاغتسال والوضوء، ولذا نقول: له أن يسمي إذا عمم الجسد، والأحوط ألا يسمي إلا إذا توضأ؛ لأن التسمية جاءت في الوضوء فقط.
وغسل الكمال لمن أراد أن يأتسي ويستن برسول الله صلى الله عليه وسلم موجود في حديثين عن عائشة وميمونة، فيهما كيفية غسل النبي صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة وميمونة رضي الله عنهما: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل يديه ثم يغسل فرجه ثم يضرب بيده على الحائط) والضرب على الحائط هذا للتنظيف، فإن استطاع أن يستعمل الأشنان أو يستعمل الصابون كفاه، وإن أراد أن يأتسي ويضرب الحائط فله أن يضرب الحائط، ثم بعد ذلك يتوضأ وضوءه للصلاة وضوءاً كاملاً، وهذا هو الأكمل، أو وضوءاً كاملاً سوى الرجلين، ففي حديث ميمونة: (أنه ما غسل الرجلين إلا بعد الاغتسال).
قالت عائشة: (ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثاً، ويدخل أصابعه في أصول الرأس حتى يرى أنه أروى بشرته، فيغسل الجانب الأيمن ثلاثاً، ثم يغسل الجانب الأيسر ثلاثاً، ثم يغسل سائر جسده)، وله أن يستخدم المنديل أو لا يستخدمه، وفي حديث ميمونة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رد المنديل)، وفي أدلة أخرى استخدام المنديل، وفي غسل الكمال يسمي قبل أن يتوضأ، ويبدأ بالشق الأيمن قبل الأيسر.
(21/3)

آداب الاغتسال
الآداب التي تتقدم بين يدي الاغتسال كثيرة منها: ألا يغتسل المرء عرياناً إذا كان في خلاء كحمام، أما بين الناس فيجب ستر العورة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظ عورتك)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير) وفي رواية: (أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله)، وفي رواية أخرى: (لا يستتر من بوله) يعني: ما حفظ عورته عن الناس.
فيجب حفظ العورة بين الناس، أما إن كان خالياً فيستحب أن يستتر بسراويل أو بإزار أو بملحفة، والدليل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظ عورتك، قيل: إذا كان أحدنا خالياً؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله أحق أن تستحي منه).
أما دليل جواز أن الإنسان يغتسل عارياً دون أن يستتر الحديث الذي في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (أن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى عورة بعض، وكان موسى عليه السلام لا يغتسل معهم حتى لا ترى عورته، فكان يغتسل وحده عرياناً، وأنه خلع ثوبه ووضعه على الحجر فاغتسل عرياناً) ثم ذكر: أن الحجر هرب بثوب موسى، وكان لله جل في علاه حكمة في ذلك؛ ليري بني إسرائيل براءة موسى عليه السلام مما اتهموه به، فكان يقول: (ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى نظر إليه بنو إسرائيل)، فهم كانون يعيبون عليه أنه آدر، فلما نظروا إليه قالوا: والله ما به من عيب، فأراد الله أن يبين لهم أنه ليس فيه ثمة عيب.
فهذا دليل يدل على الجواز، لكن الأولى والأكمل والأحسن أن يغتسل المرء وهو مستتر بثوبه، وهذا كان فعل كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من الأدب أيضاً: ألا يسرف بالماء فالإسراف مذموم في كل شيء قال الله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} [الأعراف:31].
وهناك حديث ضعفه المحدثون ولكن صححه الشيخ الألباني: (لا تسرف ولو كنت على نهر جار)، وكان جابر رضي الله عنه وأرضاه إذا سئل عن اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) والصاع أربعة أمداد، وهذا روته أيضاً عائشة رضي الله عنها وأرضاها وأيضاً أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه.
ومن الآداب التي تكون بين يدي الاغتسال: أن يسمي الله عند الوضوء، وأن يقول في آخره دعاء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ لأنه قد توضأ خلال اغتساله، فيقول الدعاء على أنه الدعاء الخاص بالوضوء الذي كان داخلاً تحت الاغتسال.
(21/4)

اغتسال المرأة
النساء كالرجال في الاغتسال، ولها أن تغتسل على الكمال أو تغتسل بأقل ما يجزئ، فتعمم الجسد بالماء، ولا تلزم في المذهب بنقض الضفائر إذا غلب على ظنها أنها قد أروت بشرة رأسها، والدليل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (كانت تغتسل فتفيض الماء على جسدها)، وفي الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها: (أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا امرأة ذات ضفائر أفأنقض ضفائري في الغسل؟ فقال: لا، إنما يكفيك أن تحثي ثلاث حثيات)، وهذا إذا غلب على ظنها أنها أروت البشرة حتى لو كان شعرها طويلاً جداً، فالنساء شقائق الرجال في الأحكام.
(21/5)

حكم اغتسال الرجل مع زوجته
يجوز أن يغتسل الرجل مع امرأته، ولو كانوا عراة، فالنبي صلى الله عليه وسلم اغتسل مع عائشة كما في الصحيح قالت: (اغتسلت أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، أقول له: أبق لي، وهو يقول: أبق لي) وهذا يزيد الألفة بين الرجل وبين زوجه، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم مع عائشة.
وفي هذا دليل على جواز اغتسال أو وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة، ويخالف في ذلك الحنابلة، والدليل على جواز ذلك حديث عائشة المتقدم، وفيه: (أبق لي) وحديث ميمونة رضي الله عنها وأرضاها قالت: (أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل من الجنابة بماء قد اغتسلت منه -يعني متبقى-، فقلت له: قد اغتسلت بهذا الماء وأنا على جنابة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إن الماء لا يجنب) وهذا دليل من النبي صلى الله عليه وسلم على أنه يجوز للإنسان أن يغتسل بفضل طهور المرأة.
(21/6)

ارتفاع الحدث الأصغر برفع الحدث الأكبر
هل يجزئ للإنسان الذي أحدث حدثاً أصغر مع الحدث الأكبر الغسل فقط أم يلزمه الوضوء؟ بمعنى: أن رجلاً قضى حاجته ثم جامع أهله فصار جنباً، فتلبس بالحدث الأصغر ثم تلبس بالحدث الأكبر، فهل يكفيه الغسل فقط لو عمم جسده بالماء؟ هذه صورة.
الصورة الثانية: رجل أحدث وهو يغتسل فهل يصح غسله؟ الصورة الثالثة: أن يشك في الحدث الأصغر هل كان قبل الاغتسال أم بعد الاغتسال؟ أما الصورة الأولى فيكفيه تعميم الجسد بالماء، وهذا هو نص ما قاله الشافعي في الأم، فإنه قال: الأدنى يندرج تحت الأعلى، فمن أحدث حدثاً أصغر ثم تلبس بالحدث الأكبر فاغتسل فإن الحدث الأصغر يندرج تحت الحدث الأكبر، فإذا عمم جسده بالماء دون الوضوء ودون الدلك فله أن يصلي وتصح صلاته، وهذا الراجح الصحيح في المذهب.
أما الصورة الثانية: وهي من أحدث وقت الاغتسال، كأن أخرج ريحاً أو أفضى بكفه إلى فرجه، فالصحيح الراجح: أنه يصح الاغتسال، لكن يلزمه الوضوء؛ لأنه حال رفع الحدث الأكبر تلبس بالحدث الأصغر فيلزمه الوضوء.
أما الصورة الثالثة: وهي إذا شك هل أحدث قبل الاغتسال أم أحدث بعده؟ فنقول: الأصل عدم الحدث، فيصح له أن يعمم الجسد بالماء ويصلي ولا يلزم بالوضوء.
(21/7)

الأغسال المستحبة
هناك قاعدة مهمة جداً في الاغتسال، وهي: كل وقت يجتمع فيه الناس يستحب فيه الاغتسال، والدلالة على ذلك حديث: (كان أهل عوالي المدينة يأتون المسجد في الجمعة ويشم منهم ريح العرق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو اغتسلتم في هذا اليوم)، والحكمة من الاغتسال هنا: إزالة الرائحة؛ لأنه يتأذى الناس بهذه الرائحة، بل وتتأذى الملائكة بهذه الرائحة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم)، فإذاً: كل اجتماع يستحب له الاغتسال، فغسل الجمعة مستحب، وغسل صلاة العيدين مستحب، وغسل صلاة الكسوف مستحب، والوقوف في عرفة يستحب له الاغتسال، ودخول مكة فيه دليل خاص، وطواف الإفاضة يستحب له الاغتسال وهكذا.
(21/8)

غسل الجمعة حكمه ووقته
حكم غسل الجمعة الخلاف فيه قوي، قيل: يستحب، وقيل: يجب، والصحيح أنه مستحب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (إذا توضأ أحدكم ثم ذهب إلى الجمعة ماشياً فاستمع إلى الإمام وأنصت غفر له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام)، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا توضأ) ولم يذكر الاغتسال، هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني: حديث صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، والأفضلية تدل على وجود الفضل في الاثنين، بل جاء التصريح بقوله: (فبها ونعمت).
الدليل الثالث: أثر عثمان عندما توضأ ودخل المسجد وعمر يخطب.
واستدل من قال بوجوب غسل الجمعة: بحديث: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)، والجواب عن هذا: أن الواجب هنا بمعنى المتأكد، قالوا لنا: لم تقولون: المتأكد وهو يقول: (واجب) وهذا خلاف الظاهر، والأخذ بالظاهر هو اللازم؟! قلنا: الأدلة الأخرى هي التي جعلتنا نؤول الظاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فبها ونعمت)؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم يوم الجمعة)، وعمر بن الخطاب لا يرضى بمنكر وقد رأى عثمان رضي الله عنه وأرضاه دخل يوم الجمعة بعد الأذان وقال له: ما بال أقوام يأتون بعد الأذان؟! فقال: والله ما زدت على الوضوء، فقال: والوضوء أيضاً، ولو كان واجباً لقال له: اذهب فاغتسل، وقد قيل: لو اغتسل فستضيع عليه الصلاة، وهذا الكلام فيه نظر، وعلى كل فعندنا حديث صحيح صريح جداً في المسألة وهو قوله: (إذا توضأ أحدكم يوم الجمعة)، وقد قال بعض العلماء بوجوب الاغتسال يوم الجمعة لمن تظهر منه رائحة، وهذا القول هو أرجح الأقوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من وجد منهم الريح وقال: (لو اغتسلتم في هذا اليوم)، وهذا الذي تميل إليه عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فمن قال بهذا القول فما أبعد، لكن نحن الآن نتكلم على المذهب وأنه مستحب وهذا قول جماهير أهل العلم.
وهكذا غسل العيدين مستحب، والحكمة من ذلك: إزالة الرائحة في اجتماع الناس.
والاغتسال للجمعة يبدأ من بعد طلوع الفجر إلى آخر ساعة رواح إلى الجمعة، والأولى والمستحب والمتأكد: أن يغتسل قبل الذهاب إلى الجمعة حتى تحصل الحكمة من الغسل، وهي عدم وجود الرائحة.
(21/9)

الغسل لمن أراد دخول مكة وللإحرام
يستحب الاغتسال عند دخول مكة، وقد ورد من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه كان إذا أراد أن يدخل مكة يبيت بذي طوى، وإذا أصبح اغتسل ودخل مكة).
وأيضاً يستحب الاغتسال للإحرام وللحل من الإحرام عند طواف الإفاضة، قالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم حين إحرامه وحين حله).
وعرفة أيضاً يستحب الاغتسال لها لوجود الجمع الغفير حتى لا تظهر الرائحة التي يتأذى منها الناس.
(21/10)

الغسل من غسل الميت
من الأغسال المسنونة: الاغتسال من غسل الميت، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) وهذا الحديث ضعيف، وأيضاً حديث عائشة: (أربع كان يغتسل منها النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت منها: غسل الميت)، وهذا ضعيف أيضاً، ومع هذا فالصحيح أنه يستحب خروجاً من الخلاف، إذ القاعدة عند العلماء أن الخروج من الخلاف مستحب.
(21/11)