Advertisement

الأم للشافعي 008


[كِتَابُ الْقُرْعَةِ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] إلَى قَوْلِهِ يَخْتَصِمُونَ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ - إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ - فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات: 139 - 141] (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَأَصْلُ الْقُرْعَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي
قِصَّةِ الْمُقْتَرِعِينَ
عَلَى مَرْيَمَ وَالْمُقَارِعِي يُونُسَ مُجْتَمِعَةً، فَلَا تَكُونُ الْقُرْعَةُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَّا بَيْنَ قَوْمٍ مُسْتَوِينَ فِي الْحُجَّةِ وَلَا يَعْدُو - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - الْمُقْتَرِعُونَ عَلَى مَرْيَمَ أَنْ يَكُونُوا كَانُوا سَوَاءً فِي كَفَالَتِهَا فَتَنَافَسُوهَا، فَلَمَّا كَانَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْفَقُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ صُيِّرَتْ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَوْمًا، أَوْ أَكْثَرَ وَعِنْدَ غَيْرِهِ مِثْلُ ذَلِكَ كَانَ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ أَضَرَّ بِهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْكَافِلَ إذَا كَانَ وَاحِدًا كَانَ أَعْطَفَ لَهُ عَلَيْهَا وَأَعْلَمَ بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتِهَا لِلْعِلْمِ بِأَخْلَاقِهَا وَمَا تَقْبَلُ وَمَا تَرُدُّ وَمَا يَحْسُنُ بِهِ اغْتِذَاؤُهَا، فَكُلُّ مَنْ اعْتَنَفَ كَفَالَتَهَا كَفَلَهَا غَيْرَ خَابِرٍ بِمَا يُصْلِحُهَا، وَلَعَلَّهُ لَا يَقَعُ عَلَى صَلَاحِهَا حَتَّى تَصِيرَ إلَى غَيْرِهِ فَيَعْتَنِفَ مِنْ كَفَالَتِهَا مَا اعْتَنَفَ غَيْرُهُ.
وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ يَصِحُّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ وِلَايَةَ وَاحِدٍ إذَا كَانَتْ صَبِيَّةً غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ مِمَّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ مِنْ عَقْلٍ يَسْتُرُ مَا يَنْبَغِي سِتْرُهُ كَانَ أَكْرَمَ لَهَا وَأَسْتَرَ عَلَيْهَا أَنْ يَكْفُلَهَا وَاحِدٌ دُونَ الْجَمَاعَةِ (قَالَ) : وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ كَافِلٍ وَيَغْرَمُ مَنْ بَقِيَ مُؤْنَتَهَا بِالْحِصَصِ كَمَا تَكُونُ الصَّبِيَّةُ عِنْدَ خَالَتِهَا وَعِنْدَ أُمِّهَا وَمُؤْنَتُهَا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهَا (قَالَ) : وَلَا يَعْدُو الَّذِينَ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ أَنْ يَكُونُوا تَشَاحُّوا عَلَى كَفَالَتِهَا، وَهُوَ أَشْبَهُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - أَوْ يَكُونُوا تَدَافَعُوا كَفَالَتَهَا فَاقْتَرَعُوا أَيُّهُمْ تَلْزَمُهُ، فَإِذَا رَضِيَ مَنْ شَحَّ عَلَى كَفَالَتِهَا أَنْ يُمَوِّنَهَا لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ مُؤْنَتِهَا شَيْئًا بِرِضَاهُ بِالتَّطَوُّعِ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ (قَالَ) : وَأَيُّ الْمَعْنَيَيْنِ كَانَ فَالْقُرْعَةُ تُلْزِمُ أَحَدَهُمْ مَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَتُخَلِّصُ لَهُ مَا يَرْغَبُ فِيهِ لِنَفْسِهِ وَتَقْطَعُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ (قَالَ) : وَهَكَذَا مَعْنَى قُرْعَةِ يُونُسَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَقَفَتْ بِهِمْ السَّفِينَةُ، فَقَالُوا: مَا يَمْنَعُهَا مِنْ أَنْ تَجْرِيَ إلَّا عِلَّةٌ بِهَا، وَمَا عِلَّتُهَا إلَّا ذُو ذَنْبٍ فِيهَا، فَتَعَالَوْا نَقْتَرِعُ فَاقْتَرَعُوا فَوَقَعَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونُسَ، - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا وَأَقَامُوا فِيهَا.
وَهَذَا مِثْلُ مَعْنَى الْقُرْعَةِ فِي الَّذِينَ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّ حَالَ الرُّكْبَانِ كَانَتْ مُسْتَوِيَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حُكْمٌ يُلْزِمُ أَحَدَهُمْ فِي مَالِهِ شَيْئًا لَمْ يَلْزَمْهُ قَبْلَ الْقُرْعَةِ وَيُزِيلُ عَنْ آخَرَ شَيْئًا كَانَ يَلْزَمُهُ، فَهُوَ يُثْبِتُ عَلَى بَعْضٍ حَقًّا وَيُبَيِّنُ فِي بَعْضٍ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُ، كَمَا كَانَ فِي الَّذِينَ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ غُرْمٌ وَسُقُوطُ غُرْمٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُرْعَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَقْرَعَ فِيهِ فِي مِثْلِ مَعْنَى الَّذِينَ اقْتَرَعُوا عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ سَوَاءٌ لَا يُخَالِفُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَقْرَعَ بَيْنَ مَمَالِيكَ أُعْتِقُوا مَعًا، فَجَعَلَ الْعِتْقَ تَامًّا لِثُلُثِهِمْ، وَأَسْقَطَ عَنْ ثُلُثَيْهِمْ بِالْقُرْعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتِقَ فِي مَرَضِهِ أَعْتَقَ مَالَهُ وَمَالَ غَيْرِهِ، فَجَازَ عِتْقُهُ فِي مَالِهِ وَلَمْ يَجُزْ فِي مَالِ غَيْرِهِ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِتْقَ فِي ثُلُثِهِ وَلَمْ يُبَعِّضْهُ كَمَا يَجْمَعُ الْقَسْمَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوَارِيثِ وَلَا يُبَعِّضُ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ كَانَ إقْرَاعُهُ لِنِسَائِهِ أَنْ يَقْسِمَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي الْحَضَرِ فَلَمَّا
(8/3)

كَانَ السَّفَرُ كَانَ مَنْزِلَةً يَضِيقُ فِيهَا الْخُرُوجُ بِكُلِّهِنَّ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وَسَقَطَ حَقُّ غَيْرِهَا فِي غَيْبَتِهِ بِهَا، فَإِذَا حَضَرَ عَادَ لِلْقَسْمِ لِغَيْرِهَا، وَلَمْ يَحْسِبْ عَلَيْهَا أَيَّامَ سَفَرِهَا.
وَكَذَلِكَ قَسَّمَ خَيْبَرَ فَكَانَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ حَضَرَ، ثُمَّ أَقْرَعَ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى جُزْءٍ مُجْتَمِعٍ كَانَ لَهُ بِكَمَالِهِ وَانْقَطَعَ مِنْهُ حَقُّ غَيْرِهِ وَانْقَطَعَ حَقُّهُ عَنْ غَيْرِهِ (أَخْبَرَنَا) ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَأَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ إمَّا قَالَ: أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ غَيْرَهُمْ وَإِمَّا قَالَ: أَعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» ، (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ» فَذَكَر الْحَدِيثَ (أَخْبَرَنَا) ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَضَى فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِعِتْقِ رَقِيقِهِ وَفِيهِمْ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ رِجَالًا مِنْهُمْ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» .
(قَالَ الرَّبِيعُ) : أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِأَعْلَى الْقِيمَةِ وَيَعْتِقُ» ، وَرُبَّمَا قَالَ: «قِيمَةٌ لَا وَكْسَ فِيهَا وَلَا شَطَطَ» ، (أَخْبَرَنَا) ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ ثُلُثَ رَقِيقِهِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، (أَخْبَرَنَا) مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا فِي زَمَانِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ، فَأَمَرَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بِذَلِكَ الرَّقِيقِ فَقُسِمُوا أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَسْهَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَيِّهِمْ خَرَجَ سَهْمُ الْمَيِّتِ فَيَعْتِقُ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى أَحَدِ الْأَثْلَاثِ فَعَتَقَ، قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وَحَدِيثُ الْقُرْعَةِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ مُوَافِقٌ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْعِتْقِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ حُكِيَ فِيهِمَا وَلَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتِقَ أَعْتَقَ رَقِيقَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ إنْ كَانَ أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ بَتَاتٍ فِي حَيَاتِهِ فَهَكَذَا فِيمَا أَرَى الْحَدِيثَ، فَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا أَنَّ عِتْقَ الْبَتَاتِ عِنْدَ الْمَوْتِ إذَا لَمْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ قَبْلَ الْمَوْتِ فَهُوَ وَصِيَّةٌ كَعِتْقِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَمَّا أَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ الثُّلُثَ وَأَرَقَّ الثُّلُثَيْنِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ الْمُعْتِقَ أَعْتَقَ مَالَهُ وَمَالَ غَيْرِهِ، فَأَجَازَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَالَهُ، وَرَدَّ مَالَ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الرَّقِيقُ لِرَجُلٍ فَبَاعَ ثُلُثَهُمْ، أَوْ وَهَبَهُ، فَقَسَمْنَاهُمْ ثُمَّ أَقْرَعْنَا، فَأَعْطَيْنَا الْمُشْتَرِيَ إذَا رَضِيَ الثُّلُثَ بِحِصَصِهِمْ أَوْ الْمَوْهُوبَ لَهُ الثُّلُثَ وَالشَّرِيكَ الثُّلُثَيْنِ بِالْقُرْعَةِ إذَا خَرَجَ سَهْمُ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمَوْهُوبِ، كَانَ لَهُ مَا خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُهُ وَمَا بَقِيَ لِشَرِيكِهِ، فَكَانَ الْعِتْقُ إذَا كَانَ فِيمَا يُتَحَرَّى خُرُوجًا مِنْ مِلْكٍ - كَمَا كَانَتْ الْهِبَةُ وَالْبَيْعُ خُرُوجًا مِنْ مِلْكٍ - فَكَانَ سَبِيلُهُمْ إذَا اشْتَرَكَ فِيهِمْ الْقَسْمُ (قَالَ) : وَلَوْ صَحَّ الْمُعْتِقُ مِنْ مَرَضِهِ عَتَقُوا كُلُّهُمْ حِينَ صَارَ مَالِكًا لَهُمْ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ مَرَضٌ لَا يَدْرِي أَيَمُوتُ مِنْهُ أَوْ يَعِيشُ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ وَهُمْ يُخْرَجُونَ مِنْ ثُلُثِهِ - عَتَقُوا كُلُّهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ وَأَعْتَقَ ثُلُثَهُمْ وَأَرَقَّ الثُّلُثَيْنِ كَانَ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَا يُخَالِفُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «
(8/4)

مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» ، فَإِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ الشِّقْصَ لَهُ فِي الْعَبْدِ إذَا كَانَ مُوسِرًا فَدَفَعَ الْعِوَضَ مِنْ مَالِهِ إلَى شَرِيكِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا لَمْ يَدْفَعْ الْعِوَضَ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ، وَكَانَ الْمَالِكُ الشَّرِيكُ مَعَهُ عَلَى مِلْكِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ مُوَافِقٌ لِصَاحِبِهِ، إذَا أَعْسَرَ الْمُعْتِقُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِ شَرِيكِهِ مَالُهُ بِلَا عِوَضٍ يَأْخُذُهُ، وَإِذَا أَيْسَرَ الْمُعْتِقُ تَمَّ الْعِتْقُ، وَكَانَ لِشَرِيكِهِ الْعِوَضُ، فَأُعْطِيَ مِثْلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَتَمَّ الْعِتْقُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ يُبْطِلُ الِاسْتِسْعَاءَ بِكُلِّ حَالٍ، وَيَتَّفِقَانِ فِي ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: إبْطَالُ الِاسْتِسْعَاءِ، وَثُبُوتُ الرِّقِّ بَعْدَ الْعِتْقِ فِي حَالِ عُسْرَةِ الْمُعْتِقِ، وَنَفَاذُ الْعِتْقِ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا، ثُمَّ يَنْفَرِدُ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ بِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ عِتْقَ الْبَتَاتِ عِنْدَ الْمَوْتِ إذَا لَمْ يَصِحَّ صَاحِبُهُ وَصِيَّةٌ، وَأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَجُوزُ لِغَيْرِ الْقَرَابَةِ، وَلَك أَنَّ الْمَمَالِيكَ لَيْسُوا بِذَوِي قَرَابَةٍ لِلْمُعْتِقِ، وَالْمُعْتِقُ عَرَبِيٌّ وَالْمَمَالِيكُ عَجَمٌ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] مَنْسُوخَةٌ بِالْمَوَارِيثِ وَالْآخَرُ، أَنَّ الْوَصَايَا إذَا جُوِّزَ بِهَا الثُّلُثُ رُدَّتْ إلَى الثُّلُثِ، وَهَذِهِ الْحُجَّةُ فِي أَنْ لَا يُجَاوَزَ بِالْوَصَايَا الثُّلُثُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ رَجُلٌ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَعْدٍ وَلَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لَنَا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدَعْ وَارِثًا يُعْرَفُ أَوْصَى بِمَالِهِ كُلِّهِ، فَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَدُلُّ عَلَى خَمْسَةِ مَعَانٍ، وَحَدِيثُ نَافِعٍ يَدُلُّ عَلَى ثَلَاثَةٍ كُلُّهَا فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ.

[بَاب الْقُرْعَةِ فِي الْمَمَالِيكِ وَغَيْرِهِمْ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَتْ قُرْعَةُ الْعَرَبِ قِدَاحًا يَعْمَلُونَهَا مَنْحُوتَةً مُسْتَوِيَةً ثُمَّ يَضَعُونَ عَلَى كُلِّ قَدَحٍ مِنْهَا عَلَامَةَ رَجُلٍ ثُمَّ يُحَرِّكُونَهَا ثُمَّ يَقْبِضُونَ بِهَا عَلَى جُزْءٍ مَعْلُومٍ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ (قَالَ) : وَأَحَبُّ الْقُرْعَةِ إلَيَّ وَأَبْعَدُهَا مِنْ أَنْ يَقْدِرَ الْمُقْرِعُ فِيهَا عَلَى الْحَيْفِ فِيمَا أَرَى أَنْ يَقْطَعَ رِقَاعًا صِغَارًا مُسْتَوِيَةً، فَيَكْتُبُ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمَ ذِي السَّهْمِ، حَتَّى يَسْتَوْظِفَ أَسْمَاءَهُمْ، ثُمَّ تُجْعَلُ فِي بَنَادِقَ طِينٍ مُسْتَوِيَةٍ لَا تَفَاوُتَ بَيْنَهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِوَزْنٍ وُزِنَتْ، ثُمَّ تُسْتَجَف قَلِيلًا ثُمَّ تُلْقَى فِي ثَوْبِ رَجُلٍ لَمْ يَحْضُرْ الْكِتَابَ وَلَا إدْخَالَهَا فِي الْبَنَادِقِ وَيُغَطَّى عَلَيْهَا ثَوْبُهُ ثُمَّ يُقَالُ: أَدْخِلْ يَدَك فَأَخْرِجْ بُنْدُقَةً، فَإِذَا أَخْرَجَهَا فُضَّتْ وَقَرَأَ اسْمَ صَاحِبِهَا ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ الْجُزْءَ الَّذِي أَقْرَعَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُقَالُ: أُقْرِعَ عَلَى السَّهْمِ الَّذِي يَلِيه، ثُمَّ هَكَذَا مَا بَقِيَ مِنْ السُّهْمَانِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْفَدَ.
وَهَكَذَا فِي الرَّقِيقِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ، فَإِذَا مَاتَ مَيِّتٌ وَتَرَكَ رَقِيقًا قَدْ أَعْتَقَهُمْ كُلَّهُمْ، أَوْاقْتَصَرَ بِعِتْقِهِ عَلَى الثُّلُثِ، أَوْ أَعْتَقَ ثُلُثَيْهِمْ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ وَقِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ، جُزِّئُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَكَتَبَ سَهْمَ الْعِتْقِ فِي وَاحِدٍ وَسَهْمَا الرِّقِّ فِي اثْنَيْنِ ثُمَّ أَمَرَ الَّذِي يُخْرِجُ السِّهَامَ فَقِيلَ: أَخْرِجْ عَلَى هَذَا الْجُزْءِ وَيُعَرَّفُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَيْهِ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ الْجُزْءُ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَيْهِ وَبَقِيَ الْجُزْءَانِ الْآخَرَانِ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَكَانَا اثْنَيْنِ كَتَبْنَا اسْمَيْهِمَا ثُمَّ قُلْنَا: أَخْرِجْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ فَهُوَ لَهُ وَالْبَاقِي لِلثَّانِي، فَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ اثْنَيْنِ كَتَبْنَا اسْمَيْهِمَا، فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى الرَّقِيقِ أَخَذَ جُزْأَهُ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ وَكَانَتْ حُقُوقُهُمْ مُخْتَلِفَةً أَخَذْنَا الثُّلُثَيْنِ اللَّذَيْنِ بَقِيَا رَقِيقَيْنِ وَاسْتَأْنَفْنَا فَأَقْرَعْنَا ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ قُرْعَةً جَدِيدَةً مُسْتَأْنَفَةً، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ أَوَّلًا عَلَى جُزْءٍ رَقُّوا، ثُمَّ قِيلَ أَخْرِجْ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي عَتَقُوا وَرَقَّ الثَّالِثُ، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي عَتَقَ الْجُزْءُ
(8/5)

الثَّالِثُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ جَهَدَ قَاسِمُهُمْ عَلَى تَعْدِيلِهِمْ، فَضَمَّ الْقَلِيلَ الثَّمَنِ إلَى الْكَثِيرِ الثَّمَنِ حَتَّى يَعْتَدِلُوا، فَإِنْ لَمْ يَعْتَدِلُوا لِتَفَاوُتِ قِيَمِهِمْ فَكَانُوا سِتَّةَ مَمَالِيكَ قِيمَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِائَةٌ وَقِيمَةُ ثَلَاثَةٍ مِائَةٌ، جَعَلَ الْوَاحِدَ جُزْءًا وَالِاثْنَيْنِ جُزْءًا وَالثَّلَاثَةَ جُزْءًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ فِي الْعِتْقِ عَتَقَ.
وَكَذَلِكَ إنْ خَرَجَ سَهْمُ الِاثْنَيْنِ، أَوْ الثَّلَاثَةِ وَإِنَّمَا التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ بِالْقِيَمِ اسْتَوَتْ قِيَمُهُمْ، أَوْ اخْتَلَفَتْ، وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ قِيمَتُهُ مِائَتَانِ وَالِاثْنَانِ قِيمَتُهُمَا خَمْسُونَ وَالثَّلَاثَةُ قِيمَتُهُمْ خَمْسُونَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْوَاحِدِ عَتَقَ مِنْهُ الثُّلُثُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَذَلِكَ نِصْفُ الْعَبْدِ وَبَقِيَ نِصْفُهُ وَالْجُزْءَانِ رَقِيقًا، فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ عَتَقَا، ثُمَّ أُعِيدَتْ الْقُرْعَةُ، أَقْرَعَ بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثَةِ يَبْدَأُ تَجْزِئَتُهُمْ أَثْلَاثًا فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ بِالْعِتْقِ عَتَقَ مِنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ وَرَقَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ يَسِيرٌ فَخَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى الْوَاحِدِ عَتَقَ مِنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ حِصَّةِ الْعِتْقِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَكَانُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعًا جُزِّئُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ كُلُّهُ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى وَاحِدٍ عَتَقَ كُلُّهُ، أَوْ مَا حَمَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِتْقِ مِنْهُ، فَإِنْ عَتَقَ كُلُّهُ وَفَضَلَ فَضْلٌ أَقْرَعَ بَيْنَ الَّذِينَ بَقُوا مَعَهُ فِي جُزْئِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ قَدْ صَارَ فِيهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ وَلَا تَخْرُجُ الْقُرْعَةُ أَبَدًا مِنْ سَهْمِ الَّذِينَ خَرَجَ لَهُمْ سَهْمُ الْعِتْقِ أَوَّلًا حَتَّى تَكْمُلَ فِيهِمْ الْحُرِّيَّةُ فَإِنْ عَتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَقَرَعَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى اثْنَيْنِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ فِي الْعِتْقِ عَتَقَ، أَوْ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثَ فَإِنْ عَتَقَ كُلُّهُ وَبَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَتَقَ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْ الْبَاقِي مِنْهُمَا وَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفِي الْقِيَمِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَخَرَجَ سَهْمُ الْقُرْعَةِ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ عَدَدٌ لَا يَحْتَمِلُهُمْ الثُّلُثُ أَقْرَعَ بَيْنَ الْجُزْءِ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِمْ سَهْمُ الْعِتْقِ فَأُعْتِقَ مَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ مِنْهُمْ.
فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الْعِتْقِ شَيْءٌ أَقْرَعَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْجُزْءِ خَاصَّةً لِأَنَّ الْجُزْءَ مِنْ الِاثْنَيْنِ عَادَ رَقِيقًا وَلَا تَخْرُجُ الْقُرْعَةُ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي خَرَجَ لَهُ أَوَّلًا سَهْمُ الْعِتْقِ حَتَّى يَسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ، أَوْ يَفْضُلَ فَضْلٌ مِنْ الْعِتْقِ فَيَكُونُ الْجُزْءَانِ الْبَاقِيَانِ فِيهِ سَوَاءً تُبْتَدَأُ الْقُرْعَةُ بَيْنَهُمْ فَيُجَزَّءُونَ أَثْلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَاقُونَ رَقِيقًا إلَّا اثْنَيْنِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِتْقِ وَأَرَقَّ مَا بَقِيَ وَلَا تُبْتَدَأُ الْقُرْعَةُ بَيْنَهُمْ أَبَدًا إلَّا عَلَى تَجْزِئَةِ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقَانِ اثْنَيْنِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمَا فَهَذَانِ لَا يُمْكِنُ فِيهِمَا التَّجْزِئَةُ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ ثُلُثَ الْمَالِ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَى قَلِيلِ الْقِيمَةِ فَأُعْتِقُ كُلُّهُ وَبَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَتَقَ مِنْ الْبَاقِي مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ وَرَقَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ فَفِيهِمْ قَوْلَانِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَنْ يُجْعَلُوا أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْوَاحِدِ، أَوْ الِاثْنَيْنِ عَتَقَ، ثُمَّ جُزِّئَ الْبَاقُونَ كَذَلِكَ فَأُعِيدَ فِيهِمْ الْقُرْعَةُ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثَ.
فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ اثْنَيْنِ وَلَا يَحْمِلُهُمْ الثُّلُثُ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ عَتَقَ وَرَقَّ الْبَاقِي فَإِنْ عَتَقَ وَبَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَتَقَ مِنْ الْبَاقِي بِقَدْرِ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهُ وَكَانَ مَا بَقِيَ رَقِيقًا، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ كَانَتْ قِيَمُ الَّذِينَ جَزَّأَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتِقُ اثْنَيْنِ وَيُرِقُّ أَرْبَعَةً إلَّا وَالِاثْنَانِ الثُّلُثُ كَامِلًا لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نَقْصَ وَإِنْ كَانُوا سَبْعَةً جَعَلَهُمْ سَبْعَةَ أَسْهُمٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي، أَنْ يُجَزِّئَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كَانُوا سَبْعَةً قِيَمُهُمْ سَوَاءٌ ضُمَّ الْوَاحِدُ إلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْعِتْقِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ بِكَمَالِهِ وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الْعِتْقِ فِيمَنْ لَمْ يَخْرُجْ سَهْمُهُ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ وَأَشْبَهُ بِمَعْنَى السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ، أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ وَذَلِكَ أَنِّي جَعَلْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّةً مِنْ الْقُرْعَةِ فَإِذَا صَارَتْ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَعَدْتُ عَلَيْهِمْ الْقُرْعَةَ فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الِاثْنَيْنِ عَتَقَا
(8/6)

وَاسْتَأْنَفْت الْقُرْعَةَ عَلَى الْخَمْسَةِ الْبَاقِينَ مِنْ السَّبْعَةِ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ، أَوْ اتَّفَقَتْ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً، أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدِي أَبَدًا أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَ الرَّقِيقِ قَلُّوا، أَوْ كَثُرُوا إلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْدُو الرَّقِيقُ الَّذِينَ أُقْرِعُ بَيْنَهُمْ أَنْ تَكُونَ قِيَمُهُمْ سَوَاءً أَوْ ضُمَّ الْأَقَلُّ ثَمَنًا إلَى الْأَكْثَرِ حَتَّى إذَا اعْتَدَلَتْ قِيَمُهُمْ فَهُوَ كَمَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ فِيهِمْ كَانَتْ قِيَمُهُمْ سَوَاءً أَوْ مُخْتَلِفَةً أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ كَمَا يُقْرَعُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُ وَاحِدٍ أَعْتَقَهُ.
ثُمَّ أَعَادَ الْقُرْعَةَ عَلَى مَنْ بَقِيَ حَتَّى يَسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ وَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَى الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ إنْ يُقْرَعَ عَلَى الْخَمْسَةِ الْبَاقِينَ مَرَّتَيْنِ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ مَرَّةً وَقُرْعَةً مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَلَا ضَرَرَ فِيهَا عَلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ فِي مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثٍ إلَّا الثُّلُثُ، فَلَمَّا أَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ وَعَدَدُهُمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَلَوْ جَازَ إذَا اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ جَازَ إذَا اتَّفَقَتْ قِيَمُهُمْ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الرَّقِيقِ كَمَا يُقْرَعُ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ الْوَرَثَةِ، وَلَكِنَّ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الرَّقِيقِ لِلْعِتْقِ وَالْوَرَثَةِ لِلْقَسْمِ قَدْ تَخْتَلِفُ فِي مَوْضِعٍ وَإِنْ اتَّفَقَتْ فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يُقْسَمُ الرَّقِيقُ بِالْقِيمَةِ، ثُمَّ يُضَمُّ الْقَلِيلُ الثَّمَنِ إلَى كَثِيرِهِ؟ أَفَرَأَيْت إذَا فَعَلَتْ هَذَا فِي الْعِتْقِ كَيْفَ تَصْنَعُ فِيمَا يُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ؟ قُلْنَا بِالْقِيمَةِ، قِيلَ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ قِيَمُهُمْ فَكَانَ مَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُتَبَايِنُ الْقِيمَةِ، فَفِي عَبْدٍ ثَمَنٌ أَلْفٌ وَعَبْدَيْنِ ثَمَنٌ خَمْسُمِائَةٍ وَالْوَرَثَةُ رَجُلَانِ؟ قِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْأَوَّلِ عَلَى الْوَاحِدِ رَدَّ عَلَى أَخِيهِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَإِنْ خَرَجَ عَلَى اثْنَيْنِ أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَإِنْ قَالَ صَاحِبُهُ لَيْسَ عِنْدِي أَخَذَ الْعَبْدَيْنِ وَكَانَ شَرِيكُهُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ فِي يَدِهِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ لَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ نِصْفَ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ.
وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ رُبْعُ الْعَبْدِ وَلِلْآخِرِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَهَكَذَا قِيمَةُ كُلِّ مَا اخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهُ مِنْ أَرْضٍ وَثِيَابٍ وَدَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ يَصِحُّ أَنْ تَنْظُرَ قِيَمَهُمْ فَإِذَا كَانَتْ كَمَا وَصَفْتُ قِيلَ لِلْوَرَثَةِ: إنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ يُقْرَعَ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَأَيُّكُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى كَثِيرِ الثَّمَنِ رُدَّ مَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ الْقِيمَةِ، وَأَيُّكُمْ خَرَجَ عَلَى قَلِيلِ الثَّمَنِ أَخَذَهُ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْقِيمَةِ، فَإِنْ رَضُوا مَعًا بِهَذَا فَأَقْرَعْنَا، وَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا قُلْنَا: أَنْتُمْ قَوْمٌ لَكُمْ مَا لَا يَعْتَدِلُ فِي الْقَسْمِ، فَكَأَنَّكُمْ وَرِثْتُمْ مَا لَا يَنْقَسِمُ فَأَنْتُمْ عَلَى مَوَارِيثِكُمْ فِيهِ حَتَّى تَصْطَلِحُوا عَلَى مَا أَحْبَبْتُمْ، أَوْ تَبِيعُوا فَتَقْسِمُوا الثَّمَنَ وَلَا نُكْرِهُكُمْ عَلَى الْبَيْعِ، وَبِهَذَا أَقُولُ: فَإِنْ قِيلَ وَكَيْفَ لَمْ تَقُلْ بِالْقِيمَةِ عَلَى الرَّقِيقِ، فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُ الْكَثِيرِ الثَّمَنِ عَتَقَ كُلُّهُ وَصَارَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ دَيْنًا لِلْوَرَثَةِ إنْ رَضِيَ ذَلِكَ الْعَبْدُ، قِيلَ: لَا يُشْبِهُ الرَّقِيقُ الْوَرَثَةَ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا مَالَ لَهُمْ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ كَانَ لِمَالِكِيهِمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ أُخْرِجَ عَبْدًا بَقِيَ فِيهِ نِصْفُهُ رَقِيقًا إلَى الْحُرِّيَّةِ وَأُحِيلُ عَلَيْهِ وَارِثًا مَالِكًا لَهُ بِدَيْنٍ لَعَلَّهُ لَا يَأْخُذُهُ أَبَدًا بِغَيْرِ رِضَاهُ وَأَنَا لَوْ خَالَفْتُ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَخَلَتْ فِي الِاسْتِسْعَاءِ أَخْطَأْت الْقِيَاسَ عَلَى مَا أَقْسِمْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يُخْطِئُهُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ؟ قِيلَ: إنَّمَا يَقْسِمُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِالْقِيَمِ وَتُزَادُ عَلَيْهِمْ وَيَزْدَادُونَ بِرِضَاهُمْ فَإِذَا أَسْخَطُوا أُشْرِكَ بَيْنَهُمْ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقَسْمَ وَقُسِمَ بَيْنَهُمْ مَا احْتَمَلَهُ بِالْقِيمَةِ وَالْعَبِيدُ لَا أَمْوَالَ لَهُمْ يَرْضَوْنَ بِأَنْ يُعْطُوهَا وَنَحْنُ لَا نُجْبِرُ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي مِيرَاثٍ مِنْ رَقِيقٍ وَلَا غَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا وَيُعْطِيَ مَعَهُ، أَوْ يُعْطِيَ إلَّا بِرِضَاهُ وَإِنَّمَا يُقْسَمُ الرَّقِيقُ بِالْقِيمَةِ مَا اعْتَدَلَتْ الْقِيمَةُ بِالْقِيمَةِ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أُعْتِقَ بِالْقِيمَةِ حَتَّى يَسْتَوْظِفَ الثُّلُثَ.
فَإِنْ كَانُوا سِتَّةً قِيَمُهُمْ سَوَاءٌ وَكَانَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِمْ يَخْرُجُونَ أَحْرَارًا جُزِّئُوا ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ وَأُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُ الْحُرِّ عَلَى حُرٍّ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَخْرُجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَى وَاحِدٍ وَيَعْتِقَ الْبَاقُونَ وَالْجُزْءَانِ اللَّذَانِ لَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِمَا سَهْمُ الرِّقِّ حُرَّانِ، وَسَوَاءٌ فِي الْقُرْعَةِ الرَّقِيقُ الَّذِي أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ بَتَاتٍ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَاَلَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ إذَا كَانَ الرَّقِيقُ
(8/7)

مُعْتَقِينَ عِتْقَ بَتَاتٍ مَعًا، أَوْ كَانُوا مُعْتَقِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَعًا، وَلَوْ كَانَ لَهُ رَقِيقٌ قَدْ أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ بَتَاتٍ فِي مَرَضِهِ وَآخَرِينَ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ بُدِئَ بِاَلَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ الْبَتَاتِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ لَمْ يَعْتِقْ مِنْ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ أَحَدٌ، وَسَوَاءٌ كَانُوا مُدَبَّرِينَ، أَوْ مُوصًى بِعِتْقِهِمْ وَإِنْ فَضَلَ عَنْ الْمُعْتَقِينَ عِتْقَ بَتَاتٍ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ أُقْرِعَ بَيْنَ الْمُدَبَّرِينَ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ فَأُعْتِقَ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الْعِتْقِ كَمَا وَصَفْت فِي الْقُرْعَةِ قَبْلَ هَذَا وَإِنَّمَا سَوَّيْنَا بَيْنَ الْمُدَبَّرِينَ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِي الْمُدَبَّرِينَ الرُّجُوعُ وَأَنَّهُ لَا تَجْرِي فِيهِمْ حُرِّيَّةٌ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ وَخُرُوجُهُمْ مِنْ الثُّلُثِ وَكَانَتْ حَالُ الْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَالْمُدَبِّرَيْنِ حَالُهُمْ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفُونَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا يَعْتِقُ بِالْمَوْتِ وَيَرِقُّ إنْ أَحَبَّ صَاحِبُهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَوْ رَجَعَ فِي الْمُدَبَّرِينَ وَالْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ قَبْلَ يَمُوتُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.

[بَاب عِتْق الْمَمَالِيكِ مَعَ الدَّيْنِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَإِذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ بِيعَ الرَّقِيقُ وَلَا يَعْتِقُ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِبَعْضِ مَالِهِ جُزِّئَ الرَّقِيقُ أَجْزَاءً، ثُمَّ كُتِبَ سَهْمُ الْعِتْقِ وَسَهْمُ الرِّقِّ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ ثُلُثًا كُتِبَ الدَّيْنُ سَهْمًا وَالْعِتْقُ سَهْمَيْنِ، ثُمَّ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الدَّيْنِ فَهُوَ سَهْمُ الرِّقِّ فَيُبَاعُونَ فَيُوَفَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى جُزْءٍ وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ بِالْعِتْقِ وَالرِّقِّ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ بِيعَ فِيهِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ جُزِّئَ الْبَاقِي مِنْهُمْ مَعَ الْبَاقِينَ، ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ بَيْنَهُمْ الْقُرْعَةُ، كَأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ غَيْرَهُمْ، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَى جُزْءٍ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ بِيعُوا، ثُمَّ أُعِيدَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ بَقِيَ حَتَّى يُبَاعَ لَهُ بِقَدْرِ دَيْنِهِ وَهَكَذَا إنْ كَانَ دَيْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ زِيدَ لَهُ فِي سِهَامِ الرِّقِّ وَالْقُرْعَةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ وَيُبْدَأُ أَبَدًا بِسَهْمِ الرِّقِّ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ أَقْرَعْت بِالْعِتْقِ وَالرِّقِّ، ثُمَّ بِعْت مَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ وَلَمْ تَعْتِقْ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ؟ قِيلَ لَهُ إنَّ الدَّيْنَ أَوْلَى مِنْ الْعِتْقِ، فَلَمَّا كَانُوا مُسْتَوِينَ فِي الْعِتْقِ وَالرِّقِّ لَمْ أُمَيِّزْ بَيْنَهُمْ إلَّا بِالْقُرْعَةِ.
فَإِذَا خَرَجْت قُرْعَةُ الرِّقِّ بَرِئَ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ بِثُبُوتِ الرِّقِّ مِنْ الْعِتْقِ فَبِعْته، وَكَانَ مَنْ بَقِيَ مُسْتَوِينَ فِي الْعِتْقِ وَالرِّقِّ لِلْوَرَثَةِ فَأَعَدْت الْقُرْعَةَ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ عَتَقَ وَمَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ قُرْعَةُ الرِّقِّ رَقَّ فَإِنْ تَرَكَ عَبْدًا وَاحِدًا أَعْتَقَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، ثُمَّ عَتَقَ ثُلُثُ مَا يَبْقَى مِنْهُ وَرَقَّ ثُلُثَاهُ وَلَوْ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَلَمْ أَعْلَمْ عَلَيْهِ دَيْنًا غَيْرَ الَّذِي قَضَيْت بِهِ فَأَعْتَقْت ثُلُثَهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِهِمْ رَدَدْت عِتْقَهُمْ وَبِعْتُهُمْ فِي الدَّيْنِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ أَبِيعُ مَنْ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ مِنْهُمْ وَأَخَذْت كُلَّ مَالٍ فِي أَيْدِيهمْ إذَا اغْتَرَقَهُ الدَّيْنُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَرُدُّ الْحُكْمَ وَقَدْ كَانَ صَوَابًا؟ قُلْت: كَانَ صَوَابًا عَلَى الظَّاهِرِ عِنْدَنَا، فَلَمَّا صَارَ الظَّاهِرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَا حَكَمْنَا أَوَّلًا بِهِ عَلَى غَيْرِ مَا حَكَمْنَا بِهِ رَدَدْنَاهُ وَلَمْ نَرُدَّ ظَاهِرًا لِبَاطِنٍ مُغَيَّبٍ، وَإِنَّمَا رَدَدْنَا الْحُكْمَ بِالظَّاهِرِ لِظَاهِرِ حُكْمٍ أَحَقَّ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ لَا يُحِيطُ بِرَقِيقِهِ كُلِّهِمْ عُدْتُ فَأَقْرَعْتُ بَيْنَهُمْ قُرْعَةَ الرِّقِّ وَقُرْعَةَ الْعِتْقِ وَبَدَأْتُ بِقُرْعَةِ الْعِتْقِ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ رَدَدْت عِتْقَهُ وَبِعْتُهُ، أَوْ بِعْت مِنْهُ مَا يُقْضَى بِهِ دَيْنُ الْمَيِّتِ، فَإِذَا فَعَلْتَ حَالَ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِمْ كَأَنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَ اثْنَيْنِ قِيمَتُهُمَا مِائَةٌ وَدَفَعْت إلَى الْوَرَثَةِ أَرْبَعَةً قِيمَتُهُمْ مِائَتَانِ، ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةُ دِينَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا فَاخْتَارَ إخْرَاجَ الْمِائَةِ فَأَخْرَجَهَا نَقَصَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ وَنَقَصْتَ مِنْ عِتْقِ اللَّذَيْنِ عَتَقَا مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، ثُمَّ أَقْرَعْت بَيْنَهُمَا بِسَهْمِ الرِّقِّ وَسَهْمِ الْعِتْقِ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ أَرْقَقْت مِنْهُ مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا عَتَقَا وَثُلُثُ الْمَيِّتِ فِي الظَّاهِرِ مِائَةُ
(8/8)

دِينَارٍ، ثُمَّ صَارَ ثُلُثُ الْمَيِّتِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثَيْ دِينَارٍ، وَاَلَّذِينَ لَهُمْ الدَّيْنُ خَرَجَ لَهُمْ سَهْمُ الْعِتْقِ بِكَمَالِهِ حُرًّا، وَصَارَ بَعْضُ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ حُرًّا وَبَعْضُهُ مَمْلُوكًا فَأَعْتَقْنَا مِنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا وَثُلُثَا سَهْمٍ مِنْ خَمْسِينَ سَهْمًا، وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا نَقَصْنَا قَسْمَ الْأَرْبَعَةِ الْأَسْهُمِ وَبِعْنَا مِنْهُمْ حَتَّى يُوَفَّى الْغَرِيمُ حَقَّهُ، ثُمَّ عُدْنَا بِالْقُرْعَةِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَمَا وَصَفْت، ثُمَّ اسْتَأْنَفْنَا الْقَسْمَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِمَّنْ كَانَ فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الرَّقِيقِ وَعَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ الْعَبِيدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُمْ الْمُرَقِّ بَعْضُهُمْ، فَقَسَمْنَاهُمْ قَسْمًا مُسْتَأْنَفًا بِالْقِيمَةِ، وَكُلَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَنَعْنَا بِهِ كَمَا وَصَفْت مِنْ نَقْضِ الْقَسْمِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ هَذَا وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَكِنْ اسْتَحَقَّ أَحَدُ الْعَبِيدِ الَّذِينَ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ نَقَضْنَا الْقَسْمَ وَعُدْنَا عَلَى الْعِتْقِ فَنَقَصْنَا بَعْضَهُ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ نُقِصَ وَلَوْ اسْتَحَقَّ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ عَتَقَا بَقِيَ الْآخَرُ حُرًّا وَأَقْرَعنَا بَيْنَ اللَّذَيْنِ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ فَأَعْتَقْنَا مِمَّنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْعِتْقِ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ وَنَقَضْنَا الْقَسْمَ بَيْنَهُمْ فَاسْتَأْنَفْنَاهُ جَدِيدًا.

[بَابُ الْعِتْقِ ثُمَّ يَظْهَرُ لِلْمَيِّتِ مَالٌ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَلَوْ أَرْقَقْنَا ثُلُثَيْهِمْ وَأَعْتَقْنَا الثُّلُثَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يُخْرَجُونَ مَعًا فِيهِ مِنْ الثُّلُثِ أَعْتَقْنَا مَنْ أَرْقَقْنَا مِنْهُمْ وَدَفَعْنَا إلَى الْوَرَثَةِ مَالَهُمْ كَانَ قَبْلَ الْمُعْتَقِ وَدَفَعْنَا إلَى الْمَمَالِيكِ مَا اكْتَسَبُوا بَعْدَ عِتْقِ الْمَالِكِ إيَّاهُمْ، وَمَا كَانَ لِلرَّقِيقِ الْمُعْتَقِينَ مِنْ مَالٍ فِي أَيْدِيهمْ وَأَيْدِي غَيْرِهِمْ قَبْلَ عِتْقِ الْمَيِّتِ عِتْقَ بَتَاتٍ أَوْ قَبْلَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ عِتْقَ تَدْبِيرٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ كُلُّهُ كَأَنَّ الْمَيِّتَ تَرَكَهُ وَيُحْسَبُ الرَّقِيقُ وَمَا أُخِذَ مِمَّا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الْمَالِ، ثُمَّ يُعْتَقُ مِنْهُمْ ثُلُثُ جَمِيعِ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ، فَإِنْ اكْتَسَبَ الرَّقِيقُ الْمُعْتَقُونَ عِتْقَ بَتَاتٍ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ الْقُرْعَةِ مَالًا، أَوْ وُهِبَ لَهُمْ، أَوْ أَفَادُوهُ بِوَجْهٍ، أَوْ الرَّقِيقُ الْمُوصَى بِعِتْقِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ بِتَدْبِيرٍ، أَوْ غَيْرِهِ أُحْصِيَ جَمِيعُ مَا اكْتَسَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ نُظِرَ إلَى مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ، فَإِنْ تَرَكَ مِنْ الْمَالِ مَا يُخْرِجُ جَمِيعَ الرَّقِيقِ مِنْ ثُلُثِهِ عَتَقُوا كُلُّهُمْ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَفَادَ وَاكْتَسَبَ لَا يُحْسَبُ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ لَمْ يُحْسَبْ فَكَانَ الرَّقِيقُ لَا يَخْرُجُونَ مَعًا مِنْ ثُلُثِ مَال الْمَيِّتِ فَأُحْصِيَ مَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَوُقِفَ، ثُمَّ حَسَبَ قِيمَةَ الرَّقِيقِ وَالْمُعْتَقِينَ وَجَمِيعُ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ فَكَانَ الْمَيِّتُ تَرَكَ أَلْفًا وَرَقِيقًا يُسَوُّونَ أَلْفًا، وَكَانَ مَنْ يَعْتِقُ مِنْ الرَّقِيقِ ثُلُثَيْهِمْ، وَذَلِكَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ كَامِلًا، فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقْنَا ثُلُثَيْهِمْ وَخَلَّيْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ؛ لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ اكْتَسَبُوهَا وَهُمْ أَحْرَارٌ وَأَرْقَقْنَا ثُلُثَ الرَّقِيقِ وَاسْتَخْرَجْنَا مَا فِي أَيْدِيهمْ مِمَّا أَفَادُوا وَاكْتَسَبُوا فَكَانَ مِائَةً اكْتَسَبَهَا مَمْلُوكَانِ، فَزَادَ مَالُ الْمَيِّتِ، فَأَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمَمَالِيكِ الْبَاقِينَ حَتَّى نستوظف ثُلُثَ مَالِ الْمَيِّتِ، فَأَيُّ مَمَالِيكِهِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ سَهْمُ الْعِتْقِ عَتَقَ كُلُّهُ، أَوْ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِذَا عَتَقَ كُلُّهُ انْبَغَى أَنْ أُرْجِعَ إلَيْهِ مَالَهُ الَّذِي دَفَعْتُهُ إلَى الْوَرَثَةِ، وَإِذَا دَفَعْت ذَلِكَ إلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ يُنْقِصُ مَالَ الْمَيِّتِ حَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ حَسَبْت مَالَهُ وَقِيمَتَهُ، ثُمَّ أُعْتِقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ وَدَفَعْت إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ، فَإِنْ عَتَقَ نِصْفُهُ أَعْطَيْته نِصْفَ مَالِهِ، أَوْ ثُلُثَهُ أَعْطَيْته ثُلُثَ مَالِهِ فَكَانَ مَوْقُوفًا فِي يَدَيْهِ يَأْكُلُهُ فِي يَوْمِهِ الَّذِي يَفْرُغُ فِيهِ لِنَفْسِهِ مِنْ خِدْمَةِ مَالِكِهِ وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ حِسَابُ مَا زَادَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَنَقَصَ. .
(8/9)

[بَابُ كَيْفَ قِيَمُ الرَّقِيقُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَإِذَا كَانَ الرَّقِيقُ أُعْتِقُوا عِتْقَ بَتَاتٍ فِي مَرَضِ الْمُعْتِقِ، أَوْ رَقِيقٌ أُعْتِقُوا بِتَدْبِيرٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ فَمَاتَ الْمُدَبِّرُ، أَوْ الْمُوصِي وَلَمْ يَرْفَعْ إلَى الْحَاكِم حَتَّى تَغَيَّرَتْ قِيَمُ الرَّقِيقِ بِزِيَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ فَالْقَوْلُ فِي قِيَمِ الرَّقِيقِ أَنَّهُمْ يُقَوَّمُونَ فِي يَوْمٍ وَقَعَ لَهُمْ الْعِتْقُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى زِيَادَتِهِمْ وَلَا نُقْصَانِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّقِيقَ الَّذِينَ عَتَقُوا عِتْقَ بَتَاتٍ كَانَ الْعِتْقُ لَهُمْ تَامًّا لَوْ عَاشَ وَتَامًّا لَوْ مَاتَ فَخَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ، وَوَاقِعٌ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ إنَّمَا يُرَدُّونَ بِأَنْ لَا يَدَعَ الْمَيِّتُ مَالًا يَخْرُجُونَ بِهِ فَيُرَدُّونَ، أَوْ يُرَدُّ مِنْهُمْ مَنْ رُدَّ فَإِذَا تَمَّ عِتْقُ بَعْضِهِمْ وَرُدَّ فِي بَعْضٍ فَإِنَّمَا أُعْتِقُوا بِالْعِتْقِ الْمُتَقَدِّمِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ لَا أَنَّ أَيَّهمْ يَعْتِقُ بِالْحُكْمِ بِالْقُرْعَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْقُرْعَةِ حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ كَأَنَّهُمْ عَتَقُوا يَوْمئِذٍ وَلَا أَنَّ الْقُرْعَةَ أَوْقَعَتْ لِمُعْتَقٍ عِتْقًا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا زَادَتْهُ مَا لَمْ يَسْتَوْجِبْ، إنَّمَا فَرَّقَتْ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالرِّقِّ، فَأَمَّا زِيَادَةٌ فِي شَيْءٍ بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ فَلَا وَلَكِنَّهُ تَمْيِيزٌ بَيْنَ مِنْ يَرِقُّ وَيَعْتِقُ مِمَّنْ وَقَعَ لَهُ الْعِتْقُ بِالْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا انْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ يَوْمَ يَقَعُ الْعِتْقُ لَا يَوْمَ يَقَعُ الْحُكْمُ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرُونَ وَالْمُعْتَقُونَ بِوَصِيَّةٍ فَقِيمَتُهُمْ يَوْمَ يَمُوتُ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ لَهُمْ يَوْمئِذٍ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ إنْ كَانَ الْمُعْتَقُونَ إمَاءً، أَوْ كَانَ فِيهِمْ إمَاءٌ حَبَالَى قَوَّمَهُنَّ حَبَالَى، فَإِنْ اسْتَأْخَرَتْ قِيَمُهُنَّ إلَى أَنْ يَلِدْنَ فَقِيمَتُهُنَّ حَبَالَى وَأَيَّتُهُنَّ عَتَقَتْ فَوَلَدُهَا حُرٌّ مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَقَعَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ وَهِيَ حَامِلٌ فَكَانَ حُكْمُ حَمْلِهَا حُكْمُهَا يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا وَيَرِقُّ بِرِقِّهَا، وَلَوْ كَانَ زَايَلَهَا قَبْلَ الْعِتْقِ كَانَ حُكْمُهُ غَيْرَ حُكْمِهَا، وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ رَقَّ مِنْهُنَّ رَقَّ مَعَهَا وَلَدُهَا، لَا حُكْمَ لِلْوَلَدِ إلَّا حُكْمُ أُمَّهَاتِهِمْ وَلَوْ وَلَدَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ الْقُرْعَةِ ثُمَّ عَتَقَتْ كَانَ وَلَدُهَا أَحْرَارًا مِثْلَهَا، وَلَوْ وَلَدَتْ قَبْلَ أَنْ تَعْتِقَ عِتْقَ بَتَاتٍ كَانَ وَلَدُهَا كَغَيْرِهِ مِنْ رَقِيقِ سَيِّدِهَا، وَمَا كَانَ فِي أَيْدِي هَؤُلَاءِ الرَّقِيقِ الْمُعْتَقِينَ عِتْقَ بَتَاتٍ عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ الْمُعْتَقِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مَالٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ الْعِتْقُ عَلَى الْمُعْتَقِينَ فَهُوَ كُلُّهُ مَالٌ تَرَكَهُ الْمَيِّتُ، فَيُؤْخَذُ فَيَكُونُ مِيرَاثًا كَمَا تَرَكَ مِنْ مَالٍ سِوَاهُ، وَكَذَلِكَ أَرْشُ كُلِّ جِنَايَةٍ جُنِيَتْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَبْلَ وُقُوعِ الْعِتْقِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ وَكُلُّ مَا وُهِبَ لَهُمْ، أَوْ صَارَ لَهُمْ مِنْ أُجْرَةٍ وَمَهْرِ جَارِيَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مَالٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ قَبْلَ وُقُوعِ الْعِتْقِ لَهُمْ وَهُمْ رَقِيقٌ وَمَالُ الرَّقِيقِ لِمَالِكِهِ، وَلَوْ زَوَّجَ أَمَةً مِنْهُمْ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا الزَّوْجُ حَتَّى أَعْتَقَهَا فَالْمِائَةُ لِلسَّيِّدِ إذَا دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَالْمِائَةُ وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ كَامِلَةً، وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ إلَّا أَنْ يُطَلِّقَ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِ الْمِائَةِ، وَيَكُونُ الْخَمْسُونَ لِلسَّيِّدِ (قَالَ) : وَمَا أَفَادَ الْعَبِيدُ الْمُعْتَقُونَ وَالْإِمَاءُ بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ مِنْ كَسْبٍ وَهِبَةٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وُقِفَ وَمَنَعُوهُ، فَإِنْ خَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَأَمْوَالُهُمْ الَّتِي كَسَبُوا وَأَفَادُوا، أَوْ صَارَتْ لَهُمْ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَتْ أَمْوَالَ أَحْرَارٍ لَمْ يَمْلِكْهَا الْمَيِّتُ قَطُّ فَيُدْفَعُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا كُلُّهُمْ مِنْ الثُّلُثِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ وَقَعَتْ لَهُ الْحُرِّيَّةُ عَتَقَ وَصُيِّرَ إلَيْهِ مَالُهُ الَّذِي صَارَ لَهُ بَعْدَ وُقُوعِ الْحُرِّيَّةِ بِالْكَلَامِ بِهَا فِي عِتْقِ الْبَتَاتِ، أَوْ مَوْتِ الْمُعْتِقِ بِمَوْتِهِ وَصَارَ مَنْ مَعَهُ رَقِيقًا فَأَخَذَ مَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَمَا وَجَبَ لَهُمْ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَمَهْرِ الْمَنْكُوحَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا مَلَكُوهُ، فَإِذَا أُخِذَ فَقَدْ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ وَإِذَا زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتِقَ مَا حَمَلَ ثُلُثُ الزِّيَادَةِ مِنْ الرَّقِيقِ، فَعَلَيْنَا نَقْضُ قَسْمِ الرَّقِيقِ الَّذِينَ قَسَمْنَاهُمْ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالِاقْتِرَاعُ بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الْعِتْقِ أَعْتَقْنَاهُ، أَوْ مَا حَمَلَ مَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ وَصَارَ مَا بَقِيَ مِنْ الرَّقِيقِ وَمَا بَقِيَ مِنْ أَحَدِهِمْ إنْ عَتَقَ بَعْضُهُ مَمَالِيكَ، فَإِنْ أَرَادُوا الْوَرَثَةُ أَنْ
(8/10)

يَقْتَسِمُوهَا أَعَدْنَا قِسْمَتَهُمْ مُسْتَقْبَلًا كَأَنَّا وَجَدْنَا مَالَ الْمَيِّتِ زَادَ بِمَا فِي أَيْدِي الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ الَّذِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ الرِّقُّ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ، فَكَانَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ مِنْهَا أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ وَقِيمَةُ الرَّقِيقِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ الْمَيِّتُ أَلْفًا فَصَارَ لَهُمْ مِنْ الْعِتْقِ الْخُمُسَانِ عَلَى مَعْنًى، وَذَلِكَ أَنَّا نُقْرِعُ بَيْنَهُمْ فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ مِنْ الرَّقِيقِ عَلَى وَاحِدٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةٍ وَلَمْ يَكُنْ كَسَبَ شَيْئًا نَأْخُذُهُ مِنْ يَدِهِ عَتَقَ وَرَقَّ مَنْ بَقِيَ وَصَحَّ الْمَعْنَى، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى وَاحِدٍ قِيمَتُهُ أَرْبَعُمِائَةٍ أَوْقَعنَا لَهُ الْعِتْقَ، وَإِذَا نَظَرْنَا فَكُنَّا قَدْ أَخَذْنَا مِنْ مَالِهِ شَيْئًا كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْهِ فَكَأَنَّا أَخَذْنَا مِنْ كَسْبِهِ أَرْبَعَمِائَةٍ، فَإِذَا أَرَدْنَا رَدَّهَا عَلَيْهِ وَجَدْنَا مَالَ الْمَيِّتِ يَنْقُصُ فَيَنْقُصُ عِتْقُهُمْ فَنَقِفُ الْأَرْبَعَمِائَةِ وَنَعْتِقُ مِنْهُ ثُلُثَ ثَمَانِمِائَةٍ فَيَكُون ثُلُثَاهُ حُرًّا وَثُلُثُهُ مَمْلُوكًا، ثُمَّ يَكُونُ لَهُ ثُلُثَا أَرْبَعِمِائَةٍ، ثُمَّ نَزِيدُهُ فِي الْعِتْقِ بِقَدْرِ ثُلُثَيْ أَرْبَعِمِائَةٍ، فَإِذَا تَمَّ زِدْنَاهُ فِي الْعِتْقِ شَيْئًا، ثُمَّ زِدْنَاهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِهِ حَتَّى يَصِيرَ إلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ وَمَالِهِ بِقَدْرِ مَا يَعْتِقُ مِنْهُ إنْ عَتَقَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ صَيَّرْنَا إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مَالِهِ، ثُمَّ رَدَدْنَا مَا بَقِيَ مِنْ كَسْبِهِ مِيرَاثًا لِلْوَارِثِ وَهَذَا مِنْ الدُّورِ، وَأَصْلُ هَذَا أَنْ تَنْظُرَ أَبَدًا إلَى الرَّقِيقِ إذَا عَجَزَ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ فَأَعْتَقْتَ نِصْفَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، ثُمَّ زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ فَأَحْسِبُ ثُلُثَ الزِّيَادَةِ ثُمَّ أُعْتِقُ مِمَّنْ يَبْقَى مِنْ الرَّقِيقِ الْمُعْتَقِينَ بِقَدْرِ مَا زَادَ مَالُ الْمَيِّتِ.

[بَابُ تَبْدِئَةِ بَعْضِ الرَّقِيقِ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعِتْقِ فِي الْحَيَاةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ فِي مَرَضِهِ غُلَامِي هَذَا حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ وَغُلَامِي هَذَا حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ لِآخَر ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ وَقَفْنَا أَمْرَهُمْ فَإِنْ مَاتَ أَعْتَقْنَا الْأَوَّلَ، فَإِنْ كَانَ الثُّلُثَ كَامِلًا عَتَقَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثَ دُونَ مَا بَقِيَ وَالْعَبْدَانِ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ كُلُّهُ وَعَتَقَ مِنْ الثَّانِي مَا حَمَلَ الثُّلُثَ فَإِنْ خَرَجَ الثَّانِي مِنْ الثُّلُثِ فَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَبَقِيَ فَضْلٌ فِي الثُّلُثِ عَتَقَ الْفَضْلُ مِنْ الثَّالِثِ وَلَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَأَكْثَرَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ الْقَوْلُ كَمَا وَصَفْت، فَإِنْ قَالَ مَعَهُمْ وَأَعْتِقُوا الرَّابِعَ وَصِيَّةً، أَوْ إذَا مِتُّ، أَوْ كَانَ الرَّابِعُ مُدَبَّرًا كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا كَمَا وَصَفْت وَبُدِئَ عِتْقُ الْبَتَاتِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي الْحَيَاةِ عَلَى كُلِّ عِتْقٍ بَعْدَ الْمَوْتِ بِتَدْبِيرٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، وَالتَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ مَا كَانَ حَيًّا، وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ فَضَلَ عَنْ ثُلُثِهِ فَضْلٌ عَنْ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ عِتْقَ بَتَاتٍ عَتَقَ مِنْ الْمُدَبَّرِ أَوْ مِمَّنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَرَقَّ مَا بَقِيَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: سَالِمٌ حُرٌّ وَغَانِمٌ حُرٌّ وَزِيَادٌ حُرٌّ وَقَفْنَا عِتْقَهُمْ، فَإِذَا مَاتَ بَدَأْنَا بِسَالِمٍ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ قَدْ كَانَتْ وَقَعَتْ لَهُ قَبْلَ غَانِمٍ إنْ عَاشَ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَتَقَ غَانِمٌ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَتَقَ زِيَادٌ، أَوْ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهُ وَإِذَا بُدِئَ عِتْقُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عِتْقَ الْبَتَاتُ كَانَ كَمَا وَصَفْت لَك لَا قُرْعَةَ إذَا كَانَ تَبْدِئَةً؛ لِأَنَّ عِتْقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقَعُ بِالْكَمَالِ عَلَى مَعْنَى إنْ عَاشَ الْمُعْتِقُ أَوْ يَخْرُجُ الْمُعْتَقُ مِنْ الثُّلُثِ إنْ مَاتَ الْمُعْتِقُ، وَمَا جَنَى عَلَى الرَّقِيقِ بَعْدَ وُقُوعِ الْعِتْقِ وَقَبْلَ الْقُرْعَةِ مِنْ جِنَايَةِ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ حَتَّى يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ كَانَ حُرًّا وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحُرِّ، وَمَوْقُوفَةٌ وَمَا أَصَابَ فِي تِلْكَ الْحَالِ مِنْ حَدٍّ، فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُهُ حُدَّ فِيهِ حَدُّ الْأَحْرَارِ، فَإِذَا شَهِدَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وُقِفَتْ شَهَادَتُهُ، فَإِذَا عَتَقَ جَازَتْ، وَمَا وَرِثَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وُقِفَ، فَإِذَا خَرَجَ سَهْمُهُ فَكَالْحُرِّ لَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُهُ وَيَجْرِي الْوَلَاءُ وَيَرِثُ وَيُورَثُ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَقَعَتْ بِالْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي عِتْقِ الْبَتَاتِ، وَالْقَوْلُ الْمُتَقَدِّمُ فِي مَوْتِ الْمُعْتَقِ فِي التَّدْبِيرِ وَعِتْقِ الْوَصِيَّةِ وَهَكَذَا إنْ جَنَوْا وُقِفَتْ جِنَايَتُهُمْ، فَأَيُّهُمْ عَتَقَ عَقَلَتْ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ مِنْ قَرَابَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلُوا فَمَوَالِيه، وَأَيُّهُمْ رَقَّ فَجِنَايَتُهُ جِنَايَةُ
(8/11)

عَبْدٍ يُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ، أَوْ يُبَاعَ مِنْهُ فِي الْجِنَايَةِ مَا تُؤَدَّى بِهِ، أَوْ تَأْتِي عَلَى جَمِيعِ ثَمَنِهِ (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ الْجَانِي بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَقِينَ، فَعَتَقَ بِالْقُرْعَةِ نِصْفُهُ قِيلَ لِمَالِكِهِ إنْ شِئْت فَاقْتَدِ النِّصْفَ الَّذِي تَمْلِكُ بِنِصْفِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ تَامًّا وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْك مَا تَمْلِكُ مِنْهُ حَتَّى تُؤَدِّيَ نِصْفَ جَمِيعِ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي نِصْفِهِ فَضْلٌ عَنْ نِصْفِ الْجِنَايَةِ بِيعَ بِقَدْرِ نِصْفِ الْجِنَايَةِ إلَّا أَنْ تَشَاءَ أَنْ يُبَاعَ كُلُّهُ وَيُرَدَّ عَلَيْك الْفَضْلُ مِنْ ثَمَنِهِ وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ نِصْفِ الْجِنَايَةِ فِي مَالٍ إنْ اكْتَسَبَهُ فِي يَوْمِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ لِنَفْسِهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْفَضْلُ عَنْ مَصْلَحَتِهِ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَا بَقِيَ دَيْنٌ عَلَيْهِ مَتَى عَتَقَ اُتُّبِعَ بِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ مَمَالِيكَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُمْ وَمَاتَ فَلَمْ يُقْرِعْ بَيْنَهُمْ حَتَّى مَاتَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، أَوْ اثْنَانِ أُقْرِعَ عَلَى الْمَوْتَى وَالْأَحْيَاءِ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْحَيِّ حُرًّا عَتَقَ وَأَعْطَى كُلَّ مَالٍ أَفَادَهُ مِنْ يَوْمِ تَكَلَّمَ سَيِّدُهُ بِالْعِتْقِ وَكَانَ الْمَيِّتَانِ رَقِيقَيْنِ إنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً، فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتَيْنِ مَالٌ أُحْصِيَ، فَكَأَنَّهُمَا تَرَكَا أَلْفًا كَسَبَاهَا بَعْدَ كَلَامِ السَّيِّدِ بِالْعِتْقِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةٍ، فَزَادَ مَالُ الْمَيِّتِ، فَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا فَخَرَجَ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَحَسَبْنَا كَمْ يَعْتِقُ مِنْهُ بِتِلْكَ الْخَمْسِمِائَةِ الَّتِي كَانَتْ لِلْمُسْتَفِيدِ كَأَنَّهُ قِيمَةُ خَمْسِمِائَةٍ فَوَجَدْنَاهُ ثُلُثَهُ، ثُمَّ نَظَرْنَا إلَى الْخَمْسِمِائَةِ الدِّرْهَمِ الَّتِي كَسَبَهَا بَعْدَ عِتْقِ سَيِّدِهِ فَأَعْطَيْنَاهُ ثُلُثَهَا وَهُوَ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَا دِرْهَمٍ وَبَقِيَ ثُلُثَاهَا وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، فَزِدْنَاهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ فَكُنَّا إذَا زِدْنَاهُ فِي الْعِتْقِ رَجَعَ عَلَيْنَا بِفَضْلِ مَا أَخَذْنَا مِنْ مَالِهِ فَانْتَقَصْنَاهُ مِنْ الْعِتْقِ قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ يُقَدَّرُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ مِنْهُ مَا يَكُونُ لَهُ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ ذَلِكَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا تَحْسِبُهُ نَصِيبَ حُرٍّ فَهُوَ لَهُ دُونَ السَّيِّدِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ فِي الرَّقِيقِ يُعْتَقُونَ فَلَا يَحْمِلُهُمْ الثُّلُثُ يُقَوَّمُونَ يَوْمَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَلَا أَنْظُرُ إلَى قِيَمِهِمْ يَوْمَ يَكُونُ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا يَقَعُ بِالْقُرْعَةِ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْرِ أَيَّهمْ عَتَقَ وَلَا أَيَّهمْ رَقَّ وَلَيْسَتْ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ حُرِّيَّةٌ تَامَّةٌ إنَّمَا تَتِمُّ بِالْقُرْعَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ لَمْ يَعْتِقْ وَمَاتَ رَقِيقًا وَأَخَذَ مَالَهُ وَرَثَةُ سَيِّدِهِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ كَأَنَّهُ لَمْ يَدَعْ رَقِيقًا غَيْرَهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ وَهُوَ مُوسِرٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُوقَفُ عِتْقُهُ فَإِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَتَهُ دَفَعَ إلَى شَرِيكِهِ مِنْ مَالِهِ أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ قِيمَتَهُ وَبِأَنَّ عِتْقَهُ بِالدَّفْعِ (قَالَ) : وَسَوَاءٌ فِي الْعِتْقِ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَالْمُرْتَفِعُ وَالْمُتَّضِعُ مِنْ الرَّقِيقِ وَالْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ لَا افْتِرَاقَ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ لَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قَوَّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ فَبَيَّنَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَعْتِقُ بِالْقَوْلِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَالْقِيمَةُ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ شُرَكَاؤُهُ بِالْعِتْقِ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ عِتْقَهُ إذَا كَانَ ذَا مَالٍ وَدُفِعَتْ قِيمَتُهُ إخْرَاجًا لَهُ مِنْ أَيْدِي مَالِكِيهِ مَعَهُ أَحَبُّوا أَوْ كَرِهُوا، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا وَقَعَ الْعِتْقُ وَالْوَلَاءُ ثَابِتٌ لِلْمُعْتِقِ وَالْغُرْمُ لَازِمٌ لَهُ فِي قِيمَةِ مِلْكِ شُرَكَائِهِ مِنْ الْعَبْدِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَلَوْ أَعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْ شُرَكَائِهِ أَوْ كُلُّهُمْ بَعْدَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ عِتْقُهُ بِالْقَوْلِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ مِلْكِهِ تَامُّ الْعِتْقِ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْت مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ، وَيُقَالُ لَك: الثَّمَنُ فَإِنْ شِئْت فَخُذْهُ وَإِنْ شِئْت فَدَعْهُ، وَالْوَلَاءُ لِلَّذَيْنِ سَبَقَا بِالْعِتْقِ وَلَوْ أَعْتَقَا جَمِيعًا مَعًا لَزِمَهُمَا الْعِتْقُ وَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُمَا، وَالْغُرْمُ لِشَرِيكٍ إنْ كَانَ مَعَهُمَا عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ، فَأَمَّا إذَا تَقَدَّمَ أَحَدُ الْمُعْتِقِينَ مِنْ مُوسِرٍ فَالْعِتْقُ تَامٌّ وَالْوَلَاءُ لَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ عِتْقٍ بَعْدَهُ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ، وَهُوَ عِتْقُ مَا لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ شُرَكَائِهِ غَائِبًا تَمَّ الْعِتْقُ وَوُقِفَ حَقُّهُ لَهُ حَتَّى يَقْدَمَ أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبِضُهُ، فَإِنْ أَقَامَ الْغَائِبُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي وَقْتٍ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي أَعْتَقَهُ الْحَاضِرُ وَكَانَ هُوَ مُوسِرًا، فَهُوَ حُرٌّ وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَيَبْطُلُ عِتْقُ الْحَاضِرِ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ حُرًّا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُ وَلَهُ وَلَاؤُهُ وَعَتَقَ الْبَاقِيَ عَلَى الْحَاضِرِ وَضَمِنَ
(8/12)

لِشَرِيكِهِ قِيمَتَهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ وَاحِدٌ، ثُمَّ آخَرُ وُقِفَ الْعِتْقُ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا دَفَعَ ثَمَنَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ وَكَانَ عِتْقُ الْآخَرِ بَاطِلًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ عَلَى الثَّانِي نَصِيبُهُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ عَلَيْهِ نَصِيبُ صَاحِبِهِ وَأَعْطَاهُ قِيمَتَهُ وَكَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَا أَعْتَقَ، لِلْأَوَّلِ الثُّلُثُ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَانِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَعَلَ عَلَى الَّذِي يُعْتِقُ نَصِيبًا لَهُ فِي عَبْدٍ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا مَدْفُوعًا مِنْ مَالِهِ إلَى شُرَكَائِهِ قَضَى عَلَى الْمُعْتِقِ الْآخَرِ بِذَلِكَ، وَالْقَضَاءُ بِقَلِيلِ الْغُرْمِ إذَا أَعْتَقَ أَوْلَى مِنْ الْقَضَاءِ بِكَثِيرِهِ، أَوْ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ وَفِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ قُوِّمَ عَلَيْهِ» : دَلَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا، إنَّ عَلَى الْمَرْءِ إذَا فَعَلَ فِعْلًا يُوجِبُ لِغَيْرِهِ إخْرَاجَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُ قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَأَمَّا فِي مَالِ النَّاسِ فَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ مَالِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنِّي أَنْظُرُ إلَى الْمُعْتِقِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَإِذَا كَانَ حِينَئِذٍ مُوسِرًا ثُمَّ قُوِّمَ عَلَيْهِ بَعْدَمَا أَعْسَرَ كَانَ حُرًّا وَأُتْبِعَ بِمَا ضَمِنَ مِنْهُ وَلَمْ أَلْتَفِتْ إلَى تَغَيُّرِ حَالِهِ، إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى الْحَالِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا فِيهَا الْحُكْمُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَضْمَنُ ضَمِنَ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الْقِيَاسُ، وَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا قِيمَتُهُ أَلْفٌ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ حِينَ أَعْتَقَ إلَّا مِائَةً أَعْتَقْنَا مِنْهُ خُمُسَ النِّصْفِ، فَعَتَقَ نِصْفُهُ وَعُشْرُهُ وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْهُ رَقِيقًا.
وَهَكَذَا كُلَّمَا قَصُرَ عَنْ مَبْلَغِ قِيمَةِ شَرِيكِهِ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا وُجِدَ لِلْمُعْتِقِ وَرَقَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ مِمَّا لَمْ يَحْتَمِلْهُ مَالُهُ، وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ إذَا كَانَ الْعِتْقُ وَهُوَ مُوسِرٌ لَأَنْ يُخْرَجَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ مُوسِرًا وَاجِدَ الْمَالِ يَدْفَعُ يَوْمَ أَعْتَقَ وَلَا يَمْنَعُهُ الْمَوْتُ مِنْ حُرٍّ لَزِمَهُ فِي الصِّحَّةِ كَمَا لَوْ جَنَى جِنَايَةً، ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَمْنَعْهُ الْمَوْتُ مِنْ أَنْ يُحْكَمَ بِهَا فِي مَالِهِ، أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَسَوَاءٌ أَخَّرَ ذَلِكَ أَوْ قَدَّمَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لَهُ خَالِصًا فَأَعْتَقَ بَعْضَهُ، ثُمَّ مَاتَ كَانَ حُرًّا كُلُّهُ بِالْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَدَعْ مَالًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ فِي الصِّحَّةِ وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَنْ مَالِهِ وَمَتَى أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَعْتِقُ مِنْهُ قُوِّمَ عَلَيْهِ يَوْمئِذٍ وَدَفَعَ إلَيْهِ قِيمَتَهُ وَعَتَقَ كُلُّهُ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ وَلَا مَالَ لَهُ فَالْعَبْدُ رَقِيقٌ وَيَعْتِقُ مِنْهُ مَا يَمْلِكُ الْمُعْتِقَ، وَإِنْ أَيْسَر بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَيْسَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَوْ قَبْلَهُ، إنَّمَا اُنْظُرْ إلَى الْحَالِ الَّتِي يُعْتِقُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا دَافِعًا عَتَقَ فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى الْعِتْقَ، إنَّمَا يَقَعُ بِالْيُسْرِ وَالدَّفْعِ، وَيُعْتِقُ فِي قَوْلِ مَنْ يَرَى الْعِتْقَ إنَّمَا يَقَعُ بِالْيُسْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَافِعًا إذَا كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ أَعْتَقَ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوسِرٍ دَافِعٍ لَمْ يُعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ يَوْمئِذٍ وَقَعَ الْحُكْمُ وَإِنْ أَيْسَر بَعْدَهُ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ فِي الْمُعْتِقِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ إنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ عَدْلٍ فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ بِعِتْقِ شَرِيكِهِ بِأَنْ يَكُونَ شَرِيكُهُ مُوسِرًا دَافِعًا لِقِيمَتِهِ، وَهَذَا فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ لَا يُعْتِقُ إلَّا بِالدَّفْعِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ يُعْتِقُ بِالْيُسْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَافِعًا بِأَنْ يَكُونَ مُوسِرًا غَيْرَ دَافِعٍ، وَإِذَا أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِ الْمُعْتَقِ عَلَيْهِ بِأَمْرَيْنِ: الْيُسْرُ وَالدَّفْعُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مِلْكِهِ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ قَوْلٌ يَجِدُ مَنْ قَالَهُ مَذْهَبًا، وَأَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمُعْتِقِ حِينَ يَقَعُ الْعِتْقُ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا بِقِيمَتِهِ فَقَدْ وَقَعَ الْعِتْقُ وَضَمِنَ الْقِيمَةَ، وَإِنْ أَعْدَمَ بَعْدُ أُتْبِعَ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُعْتَقَةُ جَارِيَةً حُبْلَى يَوْمَ أُعْتِقَ بَعْضُهَا فَلَمْ تُقَوَّمْ حَتَّى وَلَدَتْ قُوِّمَتْ حُبْلَى وَعَتَقَ وَلَدُهَا مَعَهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حُبْلَى يَوْمَ أُعْتِقَتْ، فَيَعْتِقُ وَلَدُهَا بِعِتْقِهَا وَيَرِقُّونَ بِرِقِّهَا لَيْسَ بِمُنْفَصِلٍ عَنْهَا وَلَوْ زَعَمْت أَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا يَقَعُ يَوْمَ يَكُونُ الْحُكْمُ، انْبَغَى أَنْ لَا يَعْتِقَ الْوَلَدُ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْ الْوَلَدَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ جَارِيَةً سَاعَةَ وَلَدَتْ لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا مَعَهَا إنَّمَا يَعْتِقُ وَلَدُهَا بِعِتْقِهَا إذَا كَانَتْ حُبْلَى، فَأَمَّا إذَا وَلَدَتْ فَحُكْمُ وَلَدِهَا حُكْمُ وَلَدِ غَيْرِهَا. .
(8/13)

[عِتْقُ الشِّرْكِ فِي الْمَرَضِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عِتْقَ بَتَاتٍ، ثُمَّ مَاتَ كَانَ فِي ثُلُثِهِ مَا أَعْتَقَ مِنْهُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ، فَأَمْرُهُ فِي ثُلُثِهِ كَأَمْرِ الصَّحِيحِ فِي كُلِّ مَالِهِ لَا يَخْتَلِفُ إذَا أَعْتَقَهُ عِتْقَ بَتَاتٍ، وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ مِنْ عَبْدٍ لَهُ سَهْمًا مِنْ مِائَةِ سَهْمٍ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ وَثُلُثُهُ يَحْمِلُهُ عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَيْهِ وَهُوَ حَيٌّ مَالِكٌ لِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ كُلِّهِ، وَكَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ كُلَّهُ، وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ ثُلُثِ مَمْلُوكٍ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ إلَّا مَا عَتَقَ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ بِالْمَوْتِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا يَوْمَ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ فِيهِ كُلُّهُ وَمَالُهُ كُلُّهُ لِوَارِثِهِ إلَّا مَا أُخِذَ مِنْ ثُلُثِهِ، فَلَمَّا لَمْ يَأْخُذْ مِنْ عَبْدِهِ إلَّا ثُلُثَهُ كَانَ لَا مَالَ لَهُ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ فِيهِ الْعَبْدُ فَيَعْتِقُ بِالْقِيمَةِ وَالدَّفْعِ.

[اخْتِلَافُ الْمُعْتِقِ وَشَرِيكِهِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا أَعْتَقَ رَجُلٌ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَلَمْ يَتَرَافَعَا إلَى السُّلْطَانِ إلَّا بَعْدَ أَشْهُرٍ فَحَكَمَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ أَعْتَقَ فَاخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ يَوْمَ وَقَعَ الْعِتْقُ فَقَالَ الْمُعْتِقُ: كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثِينَ وَقَالَ الْمُعْتَقُ عَلَيْهِ: كَانَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ مُوسِرٌ وَاجِدٌ دَافِعٌ، فَإِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ بِهَذَا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا زَعَمَ هُوَ أَنَّهُ لَزِمَهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْعَبْدِ وَلَا يَخْرُجُ مِلْكُهُ مِنْ يَدِهِ إلَّا بِمَا رَضِيَ كَمَا يَكُونُ إذَا اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْمَالِ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ، وَفِي هَذَا سُنَّةٌ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ قَائِمًا فَلِلْمُبْتَاعِ رَدُّ الْعَبْدِ، أَوْ أَخْذُهُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ، وَلَيْسَ لِلْمُعْتِقِ هَا هُنَا رَدُّ الْعِتْقِ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ قَائِلٌ فِي هَذَا إذَا اخْتَلَفَا تَحَالَفَا وَكَانَ عَلَى الْمُعْتِقِ قِيمَةُ الْعَبْدِ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الْفَائِتِ إذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِهِ كَانَ مَذْهَبًا، وَلَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ الْعَبْدُ خَبَّازٌ، أَوْ كَاتِبٌ، أَوْ يَصْنَعُ صِنَاعَةً تَزِيدُ فِي عَمَلِهِ. وَقَالَ الْمُعْتِقُ: لَيْسَ كَذَلِكَ نُظِرَ فَإِنْ وُجِدَ كَانَ يَصْنَعُ تِلْكَ الصِّنَاعَةَ أُقِيمَ بِصِنَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يُؤْخَذْ بِقَوْلِ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعَى عَلَيْهِ زِيَادَةُ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ مِمَّا يَحْدُثُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي تَرَافَعَا فِيهَا مِنْ يَوْمِ وَقَعَ الْعِتْقُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ، وَلَوْ قَالَ الْمُعْتِقُ: أَعْتَقْتُ هَذَا الْعَبْدَ وَهُوَ آبِقٌ، أَوْ سَارِقٌ، أَوْ مَعِيبٌ عَيْبًا لَا يُرَى فِي بَدَنِهِ. وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ: لَيْسَ بِآبِقٍ وَلَا سَارِقٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَهُوَ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ حَتَّى يَعْلَمَ الْعَيْبَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ لَا يُرَى فِيهِ عَيْبٌ وَهُوَ يَدَّعِي فِيهِ عَيْبًا يَطْرَحُ عَنْهُ بَعْضَ مَا لَزِمَهُ وَمَنْ قُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ، فَقَالَ الَّذِي يُخَالِفُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ: إنَّ مَا قُلْت كَمَا قُلْت فَأَحْلَفُوهُ، أَحَلَفْنَاهُ عَلَى دَعْوَاهُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ رَدَدْنَا الْيَمِينَ عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَبْطَلْنَا حَقَّهُ فِي الْيَمِينِ وَلَمْ نُعْطِهِ إذَا تَرَكَهَا عَلَى مَا ادَّعَى، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: أَعْتَقْت الْعَبْدَ وَهُوَ آبِقٌ، فَقُلْنَا الْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ، فَإِنْ قَالَ الْمُعْتِقُ: هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ آبِقٌ أُحْلِفَ كَمَا وَصَفْت، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ يَعْلَمُ مَا لَا يُوجَدُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ مَيِّتًا، أَوْ غَائِبًا فَاخْتَلَفَا فِيهِ فَقَالَ الْمُعْتِقُ: هُوَ عَبْدٌ أَسْوَدُ زِنْجِيٌّ يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَقَالَ الْمُعْتَقُ عَلَيْهِ: هُوَ عَبْدٌ بَرْبَرِيٌّ، أَوْ فَارِسِيٌّ يُسَاوِي أَلْفَ دِينَارٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ الَّذِي يَغْرَمُ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى مَا قَالَ، أَوْ يَحْلِفَ لَهُ الْمُعْتِقُ إنْ أَرَادَهُ وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ بَرْبَرِيٌّ وَاخْتَلَفَا فِي ثَمَنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّهُ بَرْبَرِيٌّ
(8/14)

قِيمَتُهُ أَلْفٌ لَوْ كَانَ ظَاهِرًا، وَخَمْسُمِائَةٍ لَوْ كَانَ غَيْرَ ظَاهِرٍ، وَادَّعَى الْمُعْتِقُ أَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي لَهُ الْغُرْمُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْمُعْتِقُ بِبَيِّنَةٍ عَلَى مَا ادَّعَى. وَإِنْ شَاءَ أَحَلَفْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرَ إنْ قَالَ هُوَ يَعْلَمُ مَا قُلْت إنَّمَا يُصَدِّقُ الْمُعْتِقُ عَلَى الْقِيمَةِ إذَا لَمْ يَذْكُرْ عَيْبًا وَقَالَ قِيمَةُ السِّلْعَةِ كَذَا لِمَا يَكُونُ مِثْلُهُ قِيمَةً لِمِثْلِ الْعَبْدِ بِلَا عَيْبٍ، فَأَمَّا إذَا ذَكَرَ عَيْبًا فَالْغُرْمُ لَازِمٌ وَهُوَ مُدَّعٍ طَرْحَهُ أَوْ طَرْحَ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ حَتَّى يَعْلَمَ عَيْبًا.

[بَابُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا عَلِمَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَنْ مَلَكَ أَبَاهُ أَوْ جَدَّهُ، أَوْ ابْنَهُ، أَوْ ابْنَ ابْنِهِ وَإِنْ تَبَاعَدَ أَوْ جَدًّا مِنْ قِبَلِ أَبٍ، أَوْ أُمٍّ، أَوْ وَلَدًا مِنْ ابْنٍ أَوْ بِنْتٍ وَإِنْ تَبَاعَدَ مِمَّنْ يَصِيرُ إلَيْهِ نَسَبُ الْمَالِكِ مِنْ أَبٍ، أَوْ أُمٍّ، أَوْ يَصِيرُ إلَى الْمَالِكِ نَسَبُهُ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ حَتَّى يَكُونَ الْمَالِكُ وَلَدًا، أَوْ وَالِدًا بِوَجْهٍ عَتَقَ عَلَيْهِ حِينَ يَصِحُّ مِلْكُهُ لَهُ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَنْ سَمَّيْت لَا أَخٌ وَلَا أُخْتٌ وَلَا زَوْجَةٌ وَلَا غَيْرُهُمْ مِنْ ذَوِي الْقَرَابَةِ، وَمَنْ مَلَكَ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ شِقْصًا بِهِبَةٍ، أَوْ شِرَاءٍ، أَوْ أَيِّ وَجْهٍ مَا مَلَكَهُ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ سِوَى الْمِيرَاثِ عَتَقَ عَلَيْهِ الشِّقْصُ الَّذِي مَلَكَهُ وَقُوِّمَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ مَا مَلَكَ وَرَقَّ مَا بَقِيَ لِغَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ إذَا مَلَكَ أَحَدًا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ فَكَانَ حُكْمُهُ أَبَدًا إذَا مَلَكَهُ كَمَنْ أَعْتَقَ وَهُوَ إذَا مَلَكَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ لَا يَمْلِكَهُ فِي حُكْمِ الْمُعْتِقِ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ لَا يَخْتَلِفَانِ، وَهُوَ إذَا وَهَبَ لَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ وَالْوَصِيَّةَ وَكُلَّ مَا مَلَكَ غَيْرَ الْمِيرَاثِ، فَقَبُولُهُ فِي الْحَالِ الَّتِي لَهُ رَدُّهُ فِيهَا كَاشْتِرَائِهِ شِقْصًا مِنْهُ وَشِرَاؤُهُ وَقَبُولُهُ كَعِتْقِهِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ وَرِثَ بَعْضَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ الْمِيرَاثِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ أَنْ أَلْزَمَ الْأَحْيَاءَ مِلْكَ الْمَوْتَى عَلَى مَا فَرَضَ لَهُمْ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرُدَّ مِلْكَ الْمِيرَاثِ وَلَوْ وَرِثَ عَبْدًا زَمِنًا، أَوْ أَعْمَى كَانَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَلَيْسَ هَكَذَا مِلْكٌ غَيْرُ الْمِيرَاثِ، مَا سِوَى الْمِيرَاثِ يَدْفَعُ فِيهِ الْمَرْءُ الْمِلْكَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَإِذَا مَلَكَ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ شِقْصًا عَتَقَ عَلَيْهِ مَا مَلَكَ مِنْهُ وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ مِلْكُهُ بِنَفْسِهِ إنَّمَا مَلَكَهُ مِنْ حَيْثُ لَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الَّذِي يَمْلِكُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا، أَوْ صَغِيرًا، أَوْ كَبِيرًا لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَلَوْ وَرِثَ صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغْ، أَوْ مَعْتُوهٌ لَا يَعْقِلُ، أَوْ مُولِي عَلَيْهِ أَبًا، أَوْ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ عَتَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ مَلَكَ بِالْمِيرَاثِ، وَإِنْ مَلَكَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ شِقْصًا بِالْمِيرَاثِ عَتَقَ عَلَيْهِمْ الشِّقْصُ وَلَمْ يَعْتِقْ غَيْرُهُ بِقِيمَتِهِ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَقْدِرُونَ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ الْمِلْكِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا أَوْ مَعْتُوهًا وُهِبَ لَهُ أَبُوهُ، أَوْ ابْنُهُ، أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهِ، أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَا مَالَ لِلصَّبِيِّ وَلَهُ وَلِيٌّ كَانَ عَلَى وَلِيِّهِ قَبُولُ هَذَا كُلِّهِ لَهُ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ حِينَ يَقْبَلُهُ، وَلَوْ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ، أَوْ ثُلُثِهِ، أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهِ، أَوْ وُهِبَ لَهُ وَالصَّبِيُّ، أَوْ الْمَعْتُوهُ مُعْسِرَانِ كَانَ لِوَلِيِّهِ قَبُولُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَتَقَ مِنْهُ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ أَوْ وَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَوُهِبَ لَهُ نِصْفُ ابْنِهِ أَوْ نِصْفُ أَبِيهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ النِّصْفُ وَيَكُونُ مُوسِرًا فَيَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُوسِرِ عِتْقَ مَا يَبْقَى وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْبَلَ هَذَا كُلَّهُ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ قَبُولَهُ ضَرَرٌ عَلَى مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ وَلَا مَنْفَعَةَ لَهُمَا فِيهِ عَاجِلَةٌ وَمَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْبَلَهُ لَهُ، فَإِنْ قَبِلَهُ فَقَبُولُهُ مَرْدُودٌ عَنْهُ؛ لِأَنَّ فِي قَبُولِهِ ضَرَرًا عَلَى الصَّبِيِّ، أَوْ ضَرَرًا عَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتِقَ عَلَى الْمَالِكِ الشَّرِيكِ بِقِيمَةٍ يَأْخُذُهَا، فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ الْقِيمَةَ عَتَقَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ حَتَّى يَصِحَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ. .
(8/15)

[أَحْكَامُ التَّدْبِيرِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -؛ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَعَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ «إنَّ أَبَا مَذْكُورٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ كَانَ لَهُ غُلَامٌ قِبْطِيٌّ فَأَعْتَقَهُ عَنْ دَبْرٍ مِنْهُ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ بِذَلِكَ الْعَبْدِ فَبَاعَ الْعَبْدَ، وَقَالَ: إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ فَلْيَبْدَأْ مَعَ نَفْسِهِ بِمَنْ يَعُولُ، ثُمَّ إنْ وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فَضْلًا فَلْيَتَصَدَّقْ عَلَى غَيْرِهِمْ» وَقَدْ زَادَ مُسْلِمٌ فِي الْحَدِيثِ شَيْئًا هُوَ نَحْوٌ مِنْ سِيَاقِ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَبْدًا لَهُ عَنْ دَبْرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ يَشْتَرِيه مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَجَاءَ بِهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَفَعَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقَ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ نَفْسِك شَيْءٌ فَلِأَهْلِك. فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِذَوِي قَرَابَتِك، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذَوِي قَرَابَتِك شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا» يُرِيدُ عَنْ يَمِينِك وَشِمَالِك (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُ جَابِرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يَعْنِي حُلَفَاءَ، أَوْ جِيرَانًا فِي عِدَادِهِمْ فِي الْأَنْصَارِ وَقَالَ مَرَّةً رَجُلًا مِنَّا يَعْنِي بِالْحَلِفِ وَهُوَ أَيْضًا مِنْهُمْ بِالنَّسَبِ وَنَسَبَهُ أُخْرَى إلَى قَبِيلَةٍ كَمَا سَمَّاهُ مَرَّةً وَلَمْ يُسَمِّهِ أُخْرَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دَبْرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ يَشْتَرِيه مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَعْطَاهُ الثَّمَنَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَحْوِ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ سَمِعَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: «دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَّا غُلَامًا لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ فَقَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يَشْتَرِيه مِنِّي؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ قَالَ عَمْرٌو وَسَمِعَتْ جَابِرًا يَقُولُ: عَبْدًا قِبْطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلٍ فِي إمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَزَادَ أَبُو الزُّبَيْرِ يُقَالُ لَهُ: يَعْقُوب» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَكَذَا سَمِعْت مِنْهُ عَامَّةَ دَهْرِي، ثُمَّ وَجَدْت فِي كِتَابِي: دَبَّرَ رَجُلٌ مِنَّا غُلَامًا لَهُ، فَمَاتَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً مِنْ كِتَابِي، أَوْ خَطَأً مِنْ سُفْيَانَ فَإِنْ كَانَ مِنْ سُفْيَانَ فَابْنُ جُرَيْجٍ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ مِنْ سُفْيَانَ وَمَعَ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدِيثُ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَحُدُّ الْحَدِيثَ تَحْدِيدًا يُخْبِرُ فِيهِ حَيَاةَ الَّذِي دَبَّرَهُ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ مَعَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِ أَحْفَظُ لِحَدِيثِ عَمْرٍو مِنْ سُفْيَانَ وَحْدَهُ.
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى حِفْظِ الْحَدِيثِ مِنْ خَطَئِهِ بِأَقَلَّ مِمَّا وَجَدْت فِي حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَاللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَفِي حَدِيث حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَغَيْرِ حَمَّادٍ يَرْوِيهِ عَنْ عَمْرٍو كَمَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ لَقِيَ سُفْيَانَ قَدِيمًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُدْخِلُ فِي حَدِيثِهِ مَاتَ، وَعَجِبَ بَعْضُهُمْ حِينَ أَخْبَرْته أَنِّي وَجَدَتْ فِي كِتَابِي مَاتَ، فَقَالَ: لَعَلَّ هَذَا خَطَأٌ مِنْهُ، أَوْ زِلَّةٌ مِنْهُ حَفِظْتهَا عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا بَاعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَبَّرًا وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ دَيْنًا وَلَا حَاجَةً؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ثَمَنِهِ، فَالْمُدَبَّرُ وَمَنْ لَمْ يُدَبَّرْ مِنْ الْعَبِيدِ سَوَاءٌ يَجُوزُ بَيْعُهُمْ مَتَى شَاءَ مَالِكُهُمْ وَفِي كُلِّ حَقٍّ لَزِمَ مَالِكَهُمْ
(8/16)

يَجُوزُ بَيْعُهُمْ مَتَى شَاءَ مَالِكُهُمْ، وَفِي كُلِّ مَا يُبَاعُ فِيهِ مَالُ سَيِّدِهِمْ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ وَفَاءٌ إلَّا بِبَيْعِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَعْدُو مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنْ لَا يَكُونَ حَائِلًا دُونَ الْبَيْعِ فَقَدْ جَاءَتْ بِذَلِكَ دَلَالَةُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ يَكُونَ حَائِلًا فَنَحْنُ لَا نَبِيعُ الْمُكَاتَبَ فِي دَيْنِ سَيِّدِهِ لِلْحَائِلِ مِنْ الْكِتَابَةِ، فَقَدْ يَؤُولُ إلَى أَنْ يَكُونَ عَبْدًا إذَا عَجَزَ، فَإِذَا مَنَعْنَاهُ، وَقَدْ يَؤُولُ إلَى أَنْ يَكُونَ عَبْدًا يُبَاعُ إذَا عَجَزَ مِنْ الْبَيْعِ وَبِعْنَا الْمُدَبَّرَ، فَذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ كَمَا وَصَفْنَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ لَمْ يَبِعْ أُمَّ الْوَلَدِ لَمْ يَبِعْهَا بِحَالٍ وَأَعْتَقَهَا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَارِغَةً مِنْ الْمَالِ وَكُلُّ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ بَاعَ مُدَبَّرًا احْتَاجَ صَاحِبُهُ إلَى ثَمَنِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ يَعُودُ الرَّجُلُ فِي مُدَبَّرِهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ الْمُدَبَّرُ وَصِيَّةٌ يَرْجِعُ صَاحِبُهُ فِيهِ مَتَى شَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ قَالَ: سَأَلَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: كَيْفَ كَانَ أَبُوك يَقُولُ فِي الْمُدَبَّرِ أَيَبِيعُهُ صَاحِبُهُ؟ قَالَ: قُلْت: كَانَ يَقُولُ: يَبِيعُهُ إذَا احْتَاجَ صَاحِبُهُ إلَى ثَمَنِهِ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ وَيَبِيعُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَاعَ مُدَبَّرًا فِي دَيْنِ صَاحِبِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ النَّاسِ اخْتِلَافًا فِي أَنَّ تَدْبِيرَ الْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ لَهُ سَيِّدُهُ صَحِيحًا، أَوْ مَرِيضًا: أَنْتَ مُدَبَّرٌ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ وَقَالَ: أَرَدْت عِتْقَهُ بِكُلِّ حَالٍ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ أَنْتَ عَتِيقِي، أَوْ أَنْتَ مُحَرَّرٌ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ إذَا مِتّ، أَوْ مَتَى مِتّ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْكَلَامِ فَهَذَا كُلُّهُ تَدْبِيرٌ.
وَسَوَاءٌ عِنْدِي قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ مَتَى مِتّ إنْ لَمْ أُحْدِثْ فِيك حَدَثًا، أَوْ تَرَكَ اسْتِثْنَاءَ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ حَدَثًا؛ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ فِيهِ نَقْضَ التَّدْبِيرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إذَا مَضَتْ سَنَةٌ، أَوْ سَنَتَانِ، أَوْ شَهْرُ كَذَا أَوْ سَنَةُ كَذَا، أَوْ يَوْمُ كَذَا، فَجَاءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ، وَهُوَ فِي مِلْكِهِ، فَهُوَ حُرٌّ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هَذَا كُلِّهِ بِأَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا كَمَا رَجَعَ فِي بَيْعِهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ إنْ كَانَ قَالَ: هَذَا لِأَمَةٍ فَالْقَوْلُ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَائِنٌ لَا يَخْتَلِفُ بِحَالٍ فَهُوَ كَالتَّدْبِيرِ وَوَلَدُهَا فِيهِ كَوَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ، وَحَالُهَا حَالُ الْمُدَبَّرَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا أَنَّهَا تَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَهَذَا قَوْلُ يَحْتَمِلُ الْقِيَاسَ وَبِهِ نَقُولُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ وَيَعْتِقُ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ وَوَلَدُ هَذِهِ بِعِتْقِهَا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا تُخَالِفُ الْمُدَبَّرَةَ لَا يَكُونُ وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا تَعْتِقُ هِيَ دُونَ وَلَدِهَا الَّذِينَ وُلِدُوا بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ فِي صِحَّتِهِ لِعَبْدِهِ أَوْ لِأَمَتِهِ مَتَى مَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ مَتَى مَا بَرِئَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِأَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ مَقْدِمِ فُلَانٍ، أَوْ بُرْءِ فُلَانٍ وَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَوْ بَرِئَ فُلَانٌ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ عَتَقَ عَلَيْهِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ إذَا كَانَ قَدِمَ فُلَانٌ، أَوْ كَانَ الَّذِي أَوْقَعَ الْعِتْقَ عَلَيْهِ وَالْقَائِلُ مَالِكٌ حَيٌّ مَرِيضًا كَانَ أَوْ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِي الْمَرَضِ شَيْئًا، وَهَذَا مَوْضِعٌ يُوَافِقُنَا فِيهِ جَمِيعُ مَنْ خَالَفْنَا مِنْ النَّاسِ فِي أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الرُّجُوعَ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ فُلَانٌ أَوْ يَبْرَأَ فُلَانٌ، وَإِذَا سُئِلُوا عَنْ الْحُجَّةِ قَالُوا: إنَّ هَذَا قَدْ يَكُونُ وَلَا يَكُونُ: فَلَيْسَ كَمَا هُوَ كَائِنٌ فَقِيلَ لَهُمْ: أَوَلَيْسَ إنَّمَا يَعْتِقُ الْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ إلَى سَنَةٍ إذَا كَانَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ حَيًّا وَالسَّيِّدُ مَيِّتًا، وَقَدْ مَضَتْ السَّنَةُ؟ ، أَوَلَيْسَ قَدْ يَمُوتُ هُوَ قَبْلَ يَمُوتُ السَّيِّدُ، وَتَكُونَ السَّنَةُ وَلَيْسَ لَهُ يَقِينُ حُكْمٍ يَعْتِقُ بِهِ؟ وَقَدْ يُفْقَدُ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ فَلَا يُعْرَفُ مَوْتُهُ وَلَا يَعْتِقُ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَاتَ وَلَكِنْ لَمْ يُسْتَيْقَنْ مَعْرِفَتُهُ إنَّمَا يَعْتِقُ بِالْيَقِينِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ وَلَدِ الْأَمَةِ يُقَالُ لَهَا إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَبَيْنَ وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ وَالْمُعْتَقَةِ إلَى سَنَةٍ فَرْقًا يَبِينُ، بَلْ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونُوا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ قَالَ: إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ، مَتَى مِتّ، أَوْ إذَا جَاءَتْ السَّنَةُ فَأَنْتَ حُرٌّ، مَتَى مِتّ فَمَاتَ كَانَ مُدَبَّرًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ فِي سَفَرِي هَذَا، أَوْ فِي عَامِي.
(8/17)

هَذَا، فَلَيْسَ هَذَا بِتَدْبِيرٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صَحَّ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ غَيْرِ مَرَضِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حُرًّا، وَالتَّدْبِيرُ مَا أَثْبَتَ السَّيِّدُ التَّدْبِيرَ فِيهِ لِلْمُدَبَّرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِعَشْرِ سِنِينَ، فَهُوَ حُرٌّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا إذَا عَتَقَتْ، وَهَذِهِ أَقْوَى عِتْقًا مِنْ الْمُدَبَّرَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَا يَرْجِعُ فِيهَا إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا وَمَا كَانَ سَيِّدُهَا حَيًّا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُدَبَّرَةِ.

[الْمَشِيئَةُ فِي الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: إنْ شِئْت فَأَنْتَ حُرٌّ مَتَى مِتّ فَشَاءَ فَهُوَ مُدَبَّرٌ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ إذَا مِتّ فَشِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنْ شَاءَ إذَا مَاتَ فَهُوَ حُرٌّ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ حُرًّا، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ إذَا مِتّ إنْ شِئْتَ، وَكَذَلِكَ إنْ قَدَّمَ الْحُرِّيَّةَ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ أَوْ أَخَّرَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ شِئْت لَمْ يَكُنْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا بَالُك تَقُولُ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِالْعِتْقِ، أَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِالتَّدْبِيرِ أَنَفَذْتَ الْعِتْقَ وَالتَّدْبِيرَ، وَلَمْ تَجْعَلْ الْمَشِيئَةَ إلَى الْعَبْدِ وَجَعَلَتْ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إنْ شِئْت (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنَّ الْعِتْقَ الْبَتَاتَ وَالتَّدْبِيرَ الْبَتَاتَ شَيْءٌ تَمَّ بِقَوْلِهِ دُونَ رِضَا الْمُعْتَقِ وَالْمُدَبَّرِ، وَيَلْزَمُهُ إخْرَاجُ الْمُعْتَقِ مِنْ مَالِهِ، وَالْمُدَبَّرِ فِي هَذِهِ الْحَالِ إذَا مَاتَ سَيِّدُهُ فَوَقَعَ لَهُ عِتْقُ بَتَاتٍ، أَوْ عِتْقُ تَدْبِيرٍ لَزِمَهُمَا مَعًا حُقُوقٌ وَفَرَائِضُ لَمْ تَكُنْ تَلْزَمُهُمَا قَبْلَ الْعِتْقِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعِتْقِ مَثْنَوِيَّةٌ فَيُنْتَظَرُ كَمَالُ الْمَثْنَوِيَّةِ، بَلْ ابْتَدَأَ هَذَا الْعِتْقُ كَامِلًا وَلَا نَقْصَ وَلَا مَثْنَوِيَّةَ فِيهِ، فَأَمْضَيْنَاهُ كَامِلًا بِإِمْضَائِهِ كَامِلًا، وَلَمْ أَجْعَل الْمَشِيئَةَ فِيهِ إلَى الْعَبْدِ كَأَنَّ عِتْقَهُ وَتَدْبِيرَهُ بِمَثْنَوِيَّةٍ، فَلَا يَنْفُذُ إلَّا بِكَمَالِهَا.
وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَدُّ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ كَامِلٌ وَيَخْرُجُ مِنْ يَدَيْهِ مَا كَانَ لَهُ وَيَلْزَمُهَا شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهَا قَبْلَهُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت، أَوْ إنْ شِئْت فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَكُنْ أَكْمَلَ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ فِيهِ مَثْنَوِيَّةً فَلَا يَكُونُ إلَّا بِأَنْ تَجْتَمِعَ الْمَثْنَوِيَّةُ مَعَ الطَّلَاقِ فَيَتِمُّ الطَّلَاقُ بِاللَّفْظِ بِهِ، وَكَمَالُ الْمَثْنَوِيَّةِ وَكَمَالُهَا أَنْ تَشَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ شَاءَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَغُلَامِي حُرٌّ عِتْقُ بَتَاتٍ، أَوْ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَإِنْ شَاءَ أَكَانَ حُرًّا، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ مُدَبَّرًا وَإِنْ شَاءَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَشَأْ الْآخَرُ، أَوْ مَاتَ الْآخَرُ أَوْ غَابَ لَمْ يَكُنْ حُرًّا حَتَّى يَجْتَمِعَا فَيَشَاءَا بِالْقَوْلِ مَعًا وَلَوْ قَالَ: لِرَجُلَيْنِ أَعْتِقَا غُلَامِي إنْ شِئْتُمَا فَاجْتُمِعَا عَلَى الْعِتْقِ عَتَقَ، وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَعْتِقْ وَلَوْ قَالَ لَهُمَا: دَبِّرَاهُ إنْ شِئْتُمَا فَأَعْتَقَاهُ عِتْقَ بَتَاتٍ كَانَ الْعِتْقُ بَاطِلًا وَلَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا إلَّا بِأَنْ يُدَبِّرَاهُ إنَّمَا تَنْفُذُ مَشِيئَتُهُمَا بِمَا جَعَلَ إلَيْهِمَا لَا بِمَا تَعَدَّيَا فِيهِ، وَسَوَاءٌ التَّدْبِيرُ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالتَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ الْوَصَايَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي تَدْبِيرِهِ مَرِيضًا، أَوْ صَحِيحًا بِأَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِعَبْدِهِ لِرَجُلٍ، أَوْ دَارِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي وَصِيَّتِهِ مَرِيضًا أَوْ صَحِيحًا.
وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فِي تَدْبِيرِهِ حَتَّى مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فَالْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ مِنْ الْوَصَايَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ كُنْت أَخَذْته مَرْفُوعًا فَقَالَ لِي أَصْحَابِي: لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَوَقَفْته (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْحُفَّاظُ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَهُ يَقِفُونَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَلَا أَعْلَمُ مَنْ أَدْرَكْت مِنْ الْمُفْتِينَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَصِيَّةٌ مِنْ الثُّلُثِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمُدَبَّرِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا، إنَّهُ إذَا دَبَّرَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فِيهِ بِاللِّسَانِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ التَّدْبِيرِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْرَجَ الْمُدَبَّرَ مِنْ مِلْكِ
(8/18)

صَاحِبِهِ وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ تَدْبِيرِهِ حَتَّى يُخْرِجَهُ كَمَا أَخْرَجَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهُ وَصِيَّةٌ مِنْ الْوَصَايَا يَرْجِعُ فِيهِ بِاللِّسَانِ كَمَا يَرْجِعُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي.

[إخْرَاجُ الْمُدَبَّرِ مِنْ التَّدْبِيرِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهِ بِأَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَإِنْ قَالَ لَهُ الْمُدَبَّرُ عَجِّلْ لِي الْعِتْقَ وَلَك عَلَيَّ خَمْسُونَ دِينَارًا قَبْلَ يَقُولُ السَّيِّدُ قَدْ رَجَعَتْ فِي تَدْبِيرِي فَقَالَ السَّيِّدُ: نَعَمْ فَأَعْتَقَهُ، فَهَذَا عِتْقٌ عَلَى مَالٍ وَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ وَعَلَيْهِ الْخَمْسُونَ وَقَدْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ، وَإِذَا لَزِمَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ بِيعَ الْمُدَبَّرُ فِي دَيْنِهِ كَمَا يُبَاعُ مَنْ لَيْسَ بِمُدَبَّرٍ مِنْ رَقِيقِهِ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ إذَا كَانَ مُسَلَّطًا عَلَى إبْطَالِ تَدْبِيرِهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ فِيهِ حُرِّيَّةٌ حَائِلَةٌ دُونَ بَيْعِهِ فِي دَيْنِ سَيِّدِهِ وَبَيْعِهِ فِي حَيَاتِهِ نَفْسِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُبَاعُ فِيهِ الْعَبْدُ غَيْرُ الْمُدَبَّرِ، وَلَوْ لَزِمَ سَيِّدَهُ دَيْنٌ بُدِئَ بِغَيْرِ الْمُدَبَّرِ مِنْ مَالِهِ فَبِيعَ عَلَيْهِ وَلَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ حَتَّى لَا يُوجَدَ لَهُ قَضَاءٌ إلَّا بِبَيْعِهِ، أَوْ بِقَوْلِ السَّيِّدِ قَدْ أَبْطَلْت تَدْبِيرَهُ وَهُوَ عَلَى التَّدْبِيرِ حَتَّى يَرْجِعَ فِيهِ، أَوْ لَا يُوجَدَ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّي دَيْنَهُ غَيْرُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يَلْزَمْ سَيِّدَهُ دَيْنٌ كَانَ لَهُ إبْطَالُ تَدْبِيرِهِ فَإِنْ قَالَ سَيِّدُهُ: قَدْ رَجَعْت فِي تَدْبِيرِ هَذَا الْعَبْدِ، أَوْ أَبْطَلْته، أَوْ نَقَضْته، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ مِثْلُهُ رُجُوعًا فِي وَصِيَّتِهِ لِرَجُلٍ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّدْبِيرِ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ يُخَالِفُ الْوَصِيَّةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَيُجَامِعُ مَرَّةً الْإِيمَانَ وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِرَجُلٍ هِبَةَ بَتَاتٍ قَبَضَهُ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ، أَوْ رَجَعَ فِي الْهِبَةِ، أَوْ نَدِمَ عَلَيْهَا أَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ قَالَ: إنْ أَدَّى بَعْدَ مَوْتِي كَذَا فَهُوَ حُرٌّ فَهَذَا كُلُّهُ رُجُوعٌ فِي التَّدْبِيرِ بِاتِّصَالِهِ وَلَوْ دَبَّرَ نِصْفَهُ كَانَ نِصْفُهُ مُدَبَّرًا وَلَمْ يَعْتِقْ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْهُ إلَّا النِّصْفُ الَّذِي دَبَّرَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَهُ مِنْ ثُلُثِهِ مَا أَخَذَ وَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ إلَّا نِصْفَهُ فَلَا مَالَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَقُومُ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَقَلَ مِلْكَهُ إلَى مِلْكِ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ وَرَّثَهُمْ فَلَا مَالَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَقُومُ عَلَيْهِ وَلَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ أَوْصَى بِنِصْفِهِ لِرَجُلٍ كَانَ النِّصْفُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ وَكَانَ النِّصْفُ مُدَبَّرًا.
فَإِنْ رَدَّ صَاحِبُ الْوَصِيَّةِ الْوَصِيَّةَ وَمَاتَ السَّيِّدُ الْمُدَبِّرُ لَمْ يَعْتِقْ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا النِّصْفُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ قَدْ أَبْطَلَ التَّدْبِيرَ فِي النِّصْفِ الَّذِي أَوْصَى بِهِ كَذَلِكَ وَلَوْ وَهَبَ نِصْفَهُ وَهُوَ حَيٌّ، أَوْ بَاعَ نِصْفَهُ وَهُوَ حَيٌّ كَانَ قَدْ أَبْطَلَ التَّدْبِيرَ فِي النِّصْفِ الَّذِي بَاعَ، أَوْ وَهَبَ وَالنِّصْفُ الثَّانِي مُدَبَّرًا مَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُدَبِّرَ عَلَى الِابْتِدَاءِ نِصْفَ عَبْدِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نِصْفَهُ وَيُقِرَّ النِّصْفَ مُدَبَّرًا بِحَالِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ رَجَعْت فِي تَدْبِيرِي ثُلُثَك، أَوْ رُبُعَك، أَوْ نِصْفَك فَأَبْطَلْته كَانَ مَا رَجَعَ فِيهِ مِنْهُ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلْكِهِ خَارِجًا مِنْ التَّدْبِيرِ وَمَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ فَهُوَ عَلَى تَدْبِيرِهِ بِحَالِهِ فَإِذَا دَبَّرَهُ، ثُمَّ كَاتَبَهُ فَلَيْسَ الْكِتَابَةُ إبْطَالًا لِلتَّدْبِيرِ إنَّمَا الْكِتَابَةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَنْزِلَةِ الْخَرَاجِ وَالْخَرَاجُ بَدَلٌ مِنْ الْخِدْمَةِ وَلَهُ أَنْ يَخْتَدِمَهُ وَأَنْ يُخَارِجَهُ وَكَذَلِكَ يُكَاتِبُهُ إذَا رَضِيَ فَإِنْ أَدَّى قَبْلَ مَوْتِهِ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ وَإِنْ مَاتَ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ وَبَطَلَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهُ وَبَطَلَ عَنْهُ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ وَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ إلَّا أَنْ يَعْجِزَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ تَعَجُّلَهُ الْعِتْقَ وَيُرِيدُ الْعَبْدُ تَعْجِيلَ الْعِتْقِ فَيُكَاتِبُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ دَبَّرَ رَجُلٌ عَبْدَهُ، ثُمَّ قَالَ اخْدِمْ فُلَانًا لِرَجُلٍ حُرٍّ ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنْ غَابَ الْمُدَبِّرُ الْقَائِلُ هَذَا، أَوْ خَرِسَ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ لَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ أَبَدًا إلَّا بِأَنْ يَمُوتَ السَّيِّدُ الْمُدَبِّرُ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ وَيَخْدِمُ فُلَانًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِ الْعَبْدِ، أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَخْدِمْهُ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يَعْتِقْ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ
(8/19)

بِشَرْطَيْنِ فَبَطَل أَحَدُهُمَا، وَإِنْ سُئِلَ السَّيِّدُ فَقَالَ: أَرَدْت إبْطَالَ التَّدْبِيرِ وَأَنْ يَخْدِمَ فُلَانًا ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَالتَّدْبِيرُ بَاطِلٌ وَإِنْ خَدَمَ فُلَانًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَهُوَ حُرٌّ وَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ أَنْ يَخْدِمَهُ أَوْ وَهُوَ يَخْدِمُهُ الْعَبْدُ لَمْ يَعْتِقْ، وَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ الرُّجُوعَ فِي الْإِخْدَامِ رَجَعَ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ حُرًّا، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنْ يَكُونَ مُدَبَّرًا بَعْدَ خِدْمَةِ فُلَانٍ ثَلَاثَ سِنِينَ وَالتَّدْبِيرُ بِحَالِهِ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِهِمَا مَعًا كَمَا قُلْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ: إنْ أَدَّى مِائَةً بَعْدَ مَوْتِي فَهُوَ حُرٌّ، أَوْ عَلَيْهِ خِدْمَةُ عَشْرِ سِنِينَ بَعْدَ مَوْتِي، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ، أَوْ قَالَ: هُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِسَنَةٍ فَإِنْ أَدَّى مِائَةً، أَوْ خَدَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ عَشْرَ سِنِينَ، أَوْ أَتَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ سَنَةٌ فَهُوَ حُرٌّ وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ وَكَانَ هَذَا كُلُّهُ وَصِيَّةٌ أَحْدَثَهَا لَهُ، وَعَلَيْهِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ شَيْءٌ أَوْلَى مِنْ التَّدْبِيرِ كَمَا يَكُونُ لَوْ قَالَ: عَبْدِي هَذَا لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ نِصْفُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا نِصْفُهُ وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: عَبْدِي لِفُلَانٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: عَبْدِي لِفُلَانٍ إذَا دَفَعَ إلَى وَرَثَتِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، أَوْ إلَى غَيْرِ وَرَثَتِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَإِنْ دَفَعَ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَهُوَ لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إحْدَاثُ وَصِيَّةٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ بَعْدَ الْأُولَى يَنْتَقِضُ الشَّرْطُ فِي الْأُولَى، وَالْآخِرَةُ إذَا نُقِضَتْ أَحَقُّ مِنْ الْأُولَى.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى الْمُدَبَّرُ جِنَايَةً فَلَمْ يَتَطَوَّعْ السَّيِّدُ أَنْ يَفْدِيَهُ فَبَاعَهُ السُّلْطَانُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ ثَانِيَةً لَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَكَانَ بَيْعُ السُّلْطَانِ عَلَيْهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ كَبَيْعِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ إبْطَالًا لِلتَّدْبِيرِ وَلَوْ افْتَدَاهُ سَيِّدُهُ مُتَطَوِّعًا كَانَ عَلَى التَّدْبِيرِ، وَلَوْ ارْتَدَّ الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ بِالْمِلْكِ الْأَوَّلِ كَانَ عَلَى تَدْبِيرِهِ وَلَا تَنْقُضُ الرِّدَّةُ وَلَا الْإِبَاقُ لَوْ أَبَقَ تَدْبِيرَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْجَفَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذَهُ سَيِّدُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ، أَوْ بَعْدَ مَا يُقْسَمُ كَانَ مُدَبَّرًا فَكَانَ عَلَى الْمِلْكِ الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَرْجِعْ سَيِّدُهُ فِي تَدْبِيرِهِ بِأَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ كَانَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِكُلِّ حَالٍ وَكَانَ عَلَى التَّدْبِيرِ، وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْمُرْتَدُّ فَوُقِفَ مَالُهُ لِيَمُوتَ أَوْ يُقْتَلَ، أَوْ يَرْجِعَ ثَانِيًا فَيَكُونَ عَلَى مِلْكِ مَالِهِ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ لَمْ يَلْحَقْ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى مِلْكِ مَالِهِ وَالْعَبْدُ مُدَبَّرٌ بِحَالِهِ وَلَوْ مَاتَ كَانَ مَالُهُ فَيْئًا وَكَانَ الْمُدَبَّرُ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا مَلَكُوا مَالَ الْمُرْتَدِّ السَّيِّدِ الْمُدَبِّرِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَمْلِكُوا بِالْمِيرَاثِ شَيْئًا وَدِينُهُمْ غَيْرُ دِينِهِ إلَّا أَنَّهُمْ إنَّمَا مَلَكُوا فِي الْحَيَاةِ وَكَانَ التَّدْبِيرُ وَهُوَ جَائِزُ الْأَمْرِ فِي مَالِهِ وَلَوْ قَالَ الْمُدَبَّرُ: قَدْ رَدَدْتُ التَّدْبِيرَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ مَا يَعْتِقُ بِهِ الْعَبْدُ كَمَا يُوصِي بِهِ الْحُرُّ مِنْ غَيْرِ نَفْسِهِ كُلُّ مَنْ أَوْصَى لَهُ بِمَالٍ يَمْلِكُهُ عَنْ نَفْسِهِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْوَصِيَّةِ وَكُلُّ مَنْ أَعْتَقَ عِتْقَ بَتَاتٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ أُخْرِجَ مِنْ يَدَيْ الْمُعْتَقِ تَامًّا فَتَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُعْتَقِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحُقُوقُ وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ إلَى وَقْتٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ دَبَّرَ أَمَتَهُ فَوَطِئَهَا فَوَلَدَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ تَعْتِقُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَوْ دَبَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ كَاتَبَهُ كَانَ مُكَاتَبًا وَغَيْرَ خَارِجٍ مِنْ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ كَذَا وَكَذَا كَانَ حُرًّا عَلَى الشَّرْطِ الْآخَرِ إذَا قَالَ: أَرَدْت بِهَذَا رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ عَتَقَ إنْ أَدَّى، فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهَذَا رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ فَهُوَ رُجُوعٌ فِي التَّدْبِيرِ وَلَا يَكُونُ هَذَا رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ إلَّا بِقَوْلِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ أَرَادَ رُجُوعًا فِي التَّدْبِيرِ غَيْرِ هَذَا الْقَوْلِ، فَإِنْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ قَاطَعَهُ عَلَى شَيْءٍ وَتَعَجَّلَهُ الْعِتْقُ فَلَيْسَ هَذَا نَقْضًا لِلتَّدْبِيرِ وَالْمُقَاطَعَةُ عَلَى مَا تقطاعا عَلَيْهِ فَإِنْ أَدَّاهُ عَتَقَ فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ الْمُدَبَّرُ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذْ دَبَّرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، ثُمَّ لَمْ يُحْدِثْ رُجُوعًا فِي تَدْبِيرِهِ وَلَا نَقْضًا لَهُ وَلَمْ يَلْحَقْ فِي عِتْقِ.
(8/20)

الْمُدَبَّرِ شَيْءٌ يُبَاعُ بِهِ فَهُوَ عَلَى تَدْبِيرِهِ وَلَوْ
دَبَّرَ السَّيِّدُ، ثُمَّ خَرِسَ فَلَمْ يَنْطِقْ حَتَّى مَاتَ كَانَ عَلَى تَدْبِيرِهِ وَلَا يُنْقَضُ التَّدْبِيرُ إلَّا بِإِبْطَالِهِ إيَّاهُ فِي حَيَاتِهِ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ يَدَيْهِ، أَوْ مَا وَصَفْت مِنْ حَقٍّ يَلْزَمُهُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ، أَوْ ذِمَّةِ السَّيِّدِ وَلَوْ دَبَّرَهُ، ثُمَّ خَرِسَ وَكَانَ يَكْتُبُ، أَوْ يُشِيرُ إشَارَةً تُفْهَمُ فَرَجَعَ فِي تَدْبِيرِهِ بِإِشَارَةٍ، أَوْ كِتَابٍ كَانَ رُجُوعُهُ كَرُجُوعٍ بِالْكَلَامِ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ وَلَوْ دَبَّرَهُ صَحِيحًا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فِي التَّدْبِيرِ وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا وَكَذَلِكَ لَوْ دَبَّرَهُ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ، ثُمَّ ثَابَ إلَيْهِ عَقْلُهُ فَلَمْ يُحْدِثْ لَهُ تَدْبِيرًا كَانَ التَّدْبِيرُ وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ بَاطِلًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ.

[جِنَايَةُ الْمُدَبَّرِ وَمَا يُخْرِجُ بَعْضَهُ مِنْ التَّدْبِيرِ وَمَا لَا يُخْرِجُهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا جَنَى الْمُدَبَّرُ جِنَايَةً فَهُوَ كَالْعَبْدِ الَّذِي لَمْ يُدَبَّرْ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ تَطَوَّعَ عَنْهُ بِإِخْرَاجِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَيْسَ ذَلِكَ يَنْقُضُ التَّدْبِيرَ وَهُوَ عَلَى تَدْبِيرِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَكَانَتْ الْجِنَايَةُ تَسْتَغْرِقُ عِتْقَهُ بِيعَ فِيهَا فَدُفِعَ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ نَقَصَ ثَمَنُهُ عَنْ الْجِنَايَةِ فَلَا غُرْمَ عَلَى سَيِّدِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَلِيلَةً وَثَمَنُ الْمُدَبَّرِ كَثِيرًا قِيلَ لِسَيِّدِهِ إنْ أَحْبَبْت أَنْ يُبَاعَ كُلَّهُ وَيُدْفَعَ إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ وَيُدْفَعَ إلَيْك بَقِيَّةُ ثَمَنِهِ بِعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَك بَيْعُهُ بِلَا جِنَايَةٍ وَإِنْ أَحْبَبْت أَنْ لَا يُبَاعَ كُلُّهُ بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَكَانَ مَا بَقِيَ لَك رَقِيقًا مُدَبَّرًا كَانَ الَّذِي بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ الثُّلُثُ، أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، ثُمَّ لَك فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ مَا كَانَ لَك فِي كُلِّهِ مِنْ إبْطَالِ تَدْبِيرِهِ وَبَيْعِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَدْبِيرِ ذَلِكَ الثُّلُثِ ابْتِدَاءً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَيْمَان لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْ تَدْبِيرِهِ فَجَنَى بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ وَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْهُ عَلَى التَّدْبِيرِ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي بَاعَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى عَلَى الْمُدَبِّرِ فَهُوَ كَعَبْدٍ غَيْرِ مُدَبَّرٍ جَنَى عَلَيْهِ وَهُوَ عَبْدٌ فِي كُلِّ جِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ لَمْ يُدَبَّرْ مَا لَمْ يَمُتْ سَيِّدُهُ فَيُعْتِقُهُ فَتَتِمُّ شَهَادَتُهُ وَحُدُودُهُ وَجِنَايَتُهُ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ وَسَهْمُهُ إذَا حَضَرَ الْحَرْبَ وَمِيرَاثُهُ كُلُّ هَذَا هُوَ فِيهِ عَبْدٌ وَكَذَلِكَ طَلَاقُهُ وَنِكَاحُهُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ حُرٌّ جِنَايَةً تُتْلِفُهُ، أَوْ تُتْلِفُ بَعْضَهُ فَأَخَذَ سَيِّدُهُ قِيمَتَهُ أَوْ أَرْشَ مَا أُصِيبَ مِنْهُ كَانَ مَالًا مِنْ مَالِهِ إنْ شَاءَ جَعَلَهُ فِي مِثْلِهِ وَإِنْ شَاءَ لَا، فَهُوَ لَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ وَإِنْ كَانَ الْجَانِي عَلَيْهِ عَبْدًا فَأَسْلَمَ إلَيْهِ وَالْمُدَبَّرُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَيٌّ فَهُوَ عَلَى تَدْبِيرِهِ، وَالْقَوْلُ فِي الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ فِي خُرُوجِ الْمُدَبَّرِ إلَى سَيِّدِهِ الْمُدَبِّرِ كَالْقَوْلِ فِيمَا أَخَذَ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ مِنْ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ، فَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ مُدَبَّرًا مَعَهُ وَإِنْ شَاءَ كَانَ مَالًا مِنْ مَالِهِ يتموله إنْ شَاءَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَخَذَ الْعَبْدُ بِمَا لَزِمَ الْجَانِي لَهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى مُدَبَّرَةٍ، ثُمَّ سَكَتَ فَلَمْ يَقُلْ هُوَ مُدَبَّرٌ مَعَ الْعَبْدِ وَلَا هُوَ رَقِيقٌ فَلَيْسَ بِمُدَبَّرٍ إلَّا بِأَنْ يُحْدِثَ لَهُ تَدْبِيرًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَ مُدَبَّرًا فَأُسْلِمَ إلَيْهِ عَبْدٌ، أَوْ عَبْدَانِ قَتَلَاهُ لَمْ يَكُونَا مُدَبَّرَيْنِ إلَّا بِأَنْ يُحْدِثَ لَهُمَا تَدْبِيرًا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَلِمَ زَعَمْت أَنَّ الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ إذَا جَنَى عَلَيْهِ فَكَانَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ عَبْدًا، أَوْ مَالًا كَانَا كَمَا كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ وَلَا تَزْعُمُ أَنَّ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ فِي
(8/21)

أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُدَبَّرِ وَالْعَبْدُ الْمَأْخُوذُ فِي ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْمُدَبَّرِ فَيَكُونُ مُدَبَّرًا وَالْمَالُ مَوْضُوعًا فِي مُدَبَّرٍ أَوْ مُعْتَقٍ؟ قِيلَ: لَهُ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا لِافْتِرَاقِهِمَا، فَإِنْ قَالَ: فَأَيْنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قِيلَ أَرَأَيْت الْعَبْدَ الْمَرْهُونَ لِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ، أَوْ هِبَتُهُ، أَوْ الصَّدَقَةُ بِهِ أَوْ إبْطَالُ الرَّهْنِ فِيهِ، فَإِنْ قَالَ: لَا، قِيلَ: أَلِأَنَّ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ فِي عُنُقِهِ حَقًّا لَا يَبْطُلُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: وَمَالِكُ الرَّهْنِ مَالِكٌ لِشَيْءٍ فِي عُنُقِهِ، فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ لِمَالِكِهِ إبْطَالُهُ؛ لِأَنَّ لِغَيْرِهِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ فِيهِ مِلْكُ شَيْءٍ دُونَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَفَتَجِدُ مَعَ مَالِكِ الْمُدَبَّرِ فِيهِ مِلْكُ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ غَيْرِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قِيلَ: أَفَتَجِدُ مَالِكَ الْمُدَبَّرِ يَقْدِرُ عَلَى بَيْعِهِ وَإِبْطَالِ تَدْبِيرِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَمَّا فِي قَوْلِك فَنَعَمْ، قِيلَ: فَقَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا أَعْطَيْت أَنَّ لِي أَنْ أَبِيعَ الْمُدَبَّرَ فَقَدْ زَعَمْت أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عِتْقٌ لَازِمٌ بِكُلِّ حَالٍ إنَّمَا فِيهِ عِتْقٌ إنْ كَانَ كَوَصِيَّتِك لِعَبْدِك إنْ مِتَّ مِنْ مَرَضِكَ، أَوْ سَفَرِكَ فَهُوَ حُرٌّ فَإِنْ مِتّ كَانَ حُرًّا وَإِنْ شِئْت رَجَعْت وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ حُرِّيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِي الْحِينِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ هَذَا فِيهِ لَمْ يَرِقَّ بِحَالٍ أَبَدًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُقَالُ لِأَحَدٍ: إنْ قَالَ: هَذَا أَرَأَيْت أُمَّ الْوَلَدِ أَلَيْسَ تَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَلَا يَكُونُ لِسَيِّدِهَا بَيْعُهَا وَلَا إخْرَاجُهَا إلَى مِلْكِ أَحَدٍ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَهِيَ أَوْكَدُ عِتْقًا مِنْ الْمُدَبَّرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك، فَإِنْ قَتَلَهَا عَبْدٌ وَأَسْلَمَ إلَى سَيِّدِهَا، أَوْ أَمَةٌ فَأَسْلَمَتْ أَوْ حُرٌّ فَدَفَعَ ثَمَنُهَا أَيَقُومُ الثَّمَنُ مَقَامَ أُمِّ الْوَلَدِ، أَوْ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ بِهَا؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قِيلَ: لِأَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَمْ تَعْتِقْ وَمَاتَتْ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ، وَالْوَلَدُ الَّذِي كَانَ مِنْهَا إنَّمَا عَتَقْت بِهِ إذَا كَانَتْ وَلَدَتْهُ مِنْ سَيِّدِهَا إذَا مَاتَ سَيِّدُهَا وَاَلَّذِي دَفَعَ أَوْ دَفَعَتْ فِي جِنَايَتِهَا لَمْ تَلِدْ مِنْ سَيِّدِهَا فَتَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْوَلَدِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ هُوَ الْمَشْرُوطُ لَهُ الْعِتْقُ بِوَصِيَّتِهِ فَلَمْ يَبْلُغْ شَرْطُهُ وَقُتِلَ مَمْلُوكًا وَلَيْسَ أَحَدٌ بَدَلَهُ فِي ذَلِكَ الشَّرْطِ بِتِلْكَ الْوَصِيَّةِ فَيَعْتِقُ بِهَا، (قَالَ) : وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ الْجَانِيَةُ حُبْلَى فَحُكْمُ وَلَدِهَا حُكْمُ عُضْوٍ مِنْهَا مَا لَمْ يُزَايِلُهَا إذَا بِيعَتْ، فَهُوَ كَعُضْوٍ مِنْهَا لَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَيْعِ، فَإِنْ وَلَدْنَ قَبْلَ أَنْ تُبَاعَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ، أَوْ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ لَا يَدْخُلُ وَلَدُهَا فِي الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَارَقَهَا فَارَقَ حُكْمَهَا فِي الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَانٍ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَمَةٍ جَنَتْ وَلَهَا وَلَدٌ، فَمَنْ رَأَى بَيْعَهَا وَالتَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا بَاعَهَا، وَمَنْ لَمْ يَرَ بَيْعَهَا إلَّا مَعَ وَلَدِهَا فَلَمْ يَتَطَوَّعْ السَّيِّدُ بِفِدَائِهَا بَاعَهُمَا وَرَدَّ عَلَى السَّيِّدِ حِصَّةَ الْوَلَدِ مِنْ الثَّمَنِ وَأَعْطَى الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ ثَمَنَهَا إنْ كَانَ قَدْرَ جِنَايَتِهِ، أَوْ أَقَلَّ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَشَدُّ الْقَوْلَيْنِ اسْتِقَامَةً عَلَى الْقِيَاسِ عَلَى السُّنَّةِ وَمَعْنَاهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَبِهِ أَقُولُ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ بَيْعَ وَلَدِ امْرَأَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ لِلصِّغَرِ، وَلَيْسَ بَيْعُ الْمَالِكِ لِلْبَيْعِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ بَيْعِ الصَّغِيرِ بِمَا لَزِمَ الْأُمَّ الْبَيْعُ فِيهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى الْمُدَبَّرُ، أَوْ الْمُدَبَّرَةُ جِنَايَةً يَبْلُغُ أَرْشُهَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَلَمْ تَكُنْ قِيمَةُ الْجَانِي خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ وَلِلْمُدَبَّرِ مَالٌ وَوَلَدٌ فَمَالُهُ مَالُ سَيِّدِهِ لَا حَقَّ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ وَلَا وَلَدُ الْمَمْلُوكَةِ غَيْرِ الْمُدَبَّرَةِ فِي جِنَايَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْنُوا فَيَدْخُلُوا فِي جِنَايَتِهِ وَهُمْ كَمَالِ سَيِّدِهِ سِوَاهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى عَلَى الْمُدَبَّرِ، أَوْ الْمُدَبَّرَةِ جِنَايَةً فَعَلَى الْجَانِي عَلَيْهِمَا أَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ قِيمَتِهِمَا مَمْلُوكِينَ لَا تَدْبِيرَ فِيهِمَا إنْ جَنَى عَلَيْهِمَا بِقَطْعِ أَيْدِيهمَا، فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُدْفَعُ إلَى سَيِّدِهِمَا، وَيُقَالُ لَهُ: هُوَ كَمَالٍ مِنْ مَالِك لَك أَنْ تَمْلِكَهُ كَمَالِكِ مِلْكِ الْمُدَبَّرِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَبَيْعِهِمَا وَلَك أَنْ تَصْنَعَ فِيهِ مَا شِئْت وَعَلَى الْجَانِي عَلَى الْمُدَبَّرِ، أَوْ الْمُدَبَّرَةِ إنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ نَفْسًا قِيمَتُهُمَا مَمْلُوكِينَ يَوْمَ تَقَعُ الْجِنَايَةُ صَحِيحَيْنِ، أَوْ مَرِيضَيْنِ كَانَا وَإِنْ كَانَتْ الْمُدَبَّرَةُ حُبْلَى فَقَتَلَهَا، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا حُبْلَى وَلَا شَيْءَ فِي وَلَدِهَا وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ فَفِي الْجَنِينِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ يَوْمَ يُجْنَى عَلَيْهِ، وَفِي الْأَمَةِ قِيمَتُهَا وَقِيمَةُ جَنِينِهَا لِسَيِّدِهَا يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ كَمَا وَصَفْت قَبْلَ هَذَا وَإِنْ أَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ وَمَاتَتْ فَفِيهَا قِيمَتُهَا وَفِي الْجَنِينِ قِيمَتُهُ إذَا كَانَ حَيًّا فَحُكْمُهُ حُكْمُ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ أُمِّهِ. .
(8/22)

[كِتَابَةُ الْمُدَبَّرِ وَتَدْبِيرُ الْمُكَاتَبِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، ثُمَّ كَاتَبَهُ فَلَيْسَ الْكِتَابَةُ بِإِبْطَالٍ لِلتَّدْبِيرِ إنَّمَا إبْطَالُهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ وَيُسْأَلُ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت إثْبَاتَهُ عَلَى التَّدْبِيرِ غَيْرَ أَنِّي أَرَدْت أَنْ أَتَعَجَّلَ الْعِتْقَ، فَهُوَ مُدَبَّرٌ مُكَاتَبٌ، وَهَكَذَا إنْ كَاتَبَ أَمَةً فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا فَهُوَ مُكَاتَبٌ مَعَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً مُكَاتَبَةً فَوَلَدُهَا مُكَاتَبٌ مُدَبَّرٌ، (قَالَ) : وَإِذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ، ثُمَّ دَبَّرَهُ قَبْلَ الْعَجْزِ، ثُمَّ عَجَزَ كَانَ مُدَبَّرًا، وَإِنْ شَاءَ الثَّبَاتَ عَلَى الْكِتَابَةِ ثَبَّتْنَاهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَدَّى عَتَقَ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَبَطَلَ عَنْهُ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الرُّجُوعَ فِي التَّدْبِيرِ، فَلَا يَكُونُ رُجُوعًا إلَّا بِأَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، فَهُوَ مُدَبَّرٌ وَهُوَ مُكَاتَبٌ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُسْأَلُ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الرُّجُوعَ فِي التَّدْبِيرِ، فَهُوَ رُجُوعٌ وَهُوَ مُكَاتَبٌ لَا تَدْبِيرَ لَهُ، وَإِنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ ثُمَّ دَبَّرَهُ قَبْلَ الْعَجْزِ، ثُمَّ عَجَزَ، كَانَ مُدَبَّرًا، فَإِنْ شَاءَ الثَّبَاتَ عَلَى الْكِتَابَةِ ثَبَتَ عَلَيْهَا وَلَهُ الْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ، وَإِنْ دَبَّرَ عَبْدَهُ، ثُمَّ كَاتَبَهُ فَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى مَاتَ عَتَقَ مِنْ الثُّلُثِ وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَكُونُ إبْطَالًا لِلتَّدْبِيرِ إنَّمَا يَكُونُ إبْطَالُهُ بِأَنْ يَقُولَ مَالِكُهُ: أَرَدْت إبْطَالَهُ وَيُخْرِجُهُ مِنْ مِلْكِهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ.

[جَامِعُ التَّدْبِيرِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: يَوْمَ تَدْخُلُ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، فَذَهَبَ عَقْلُ السَّيِّدِ، وَدَخَلَ الْعَبْدُ الدَّارَ كَانَ مُدَبَّرًا، وَلَوْ أَعْتَقَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ صَحِيحُ الْعَقْلِ، ثُمَّ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَدَخَلَ الْعَبْدُ الدَّارَ وَالسَّيِّدُ ذَاهِبُ الْعَقْلِ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ قَالَ هَذَا وَهُوَ ذَاهِبُ الْعَقْلِ، ثُمَّ دَخَلَ الْعَبْدُ الدَّارَ وَالسَّيِّدُ صَحِيحُ الْعَقْلِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ الْمَقَالَةَ وَهُوَ ذَاهِبُ الْعَقْلِ لَوْ أَعْتَقَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَلَوْ أَوْصَى لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْقِلْ عِتْقًا وَلَا وَصِيَّةً وَلَا غَيْرَهُمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ يَوْمَ تَدْخُلُ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَلَمْ يَدْخُلْ الْعَبْدُ الدَّارَ حَتَّى مَاتَ السَّيِّدُ، ثُمَّ دَخَلَهَا لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ خَرَجَ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ وَصَارَ لِغَيْرِهِ مَمْلُوكًا، وَلَوْ قَالَ: مَتَى دَخَلَتْ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَاتَ السَّيِّدُ، ثُمَّ دَخَلَ الْعَبْدُ الدَّارَ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ وَهُوَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ.

وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ: مَتَى مِتّ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ غَيْرُ حُرٍّ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ حُرًّا، وَلَوْ قَالَ: مَتَى مِتّ أَنَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَلَهُ عَبِيدٌ لَمْ يُدْرَ أَيُّهُمْ عَنَى بِهَذَا، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَقْرَعنَا بَيْنَهُمْ فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ أَعْتَقْنَاهُ.

وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: لِعَبْدٍ لَهُ مَتَى مِتّ وَأَنْتَ بِمَكَّةَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَمَتَى مِتّ وَقَدْ قَرَأْت الْقُرْآنَ كُلَّهُ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَمَاتَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ بِمَكَّةَ وَقَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ مَاتَ وَلَيْسَ الْعَبْدُ بِمَكَّةَ، أَوْ مَاتَ وَلَمْ يَقْرَأْ الْقُرْآنَ كُلَّهُ لَمْ يَعْتِقْ وَلَوْ قَالَ لَهُ: مَتَى مَا مِتّ وَقَدْ قَرَأْتَ قُرْآنًا فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِذَا قَرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَقَدْ قَرَأَ قُرْآنًا فَهُوَ حُرٌّ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: مَتَى مِتّ فَأَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ ابْنِي فُلَانٌ فَإِنْ شَاءَ ابْنُهُ فُلَانٌ فَهُوَ حُرٌّ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ فَلَيْسَ بِحُرٍّ، وَإِنْ مَاتَ ابْنُهُ فُلَانٌ قَبْلَ أَنْ يَشَاءَ، أَوْ خَرِسَ، أَوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَشَاءَ لَمْ يَكُنْ حُرًّا إلَّا أَنْ يَبْرَأَ مِنْ خَرَسِهِ، أَوْ يَرْجِعَ عَقْلُهُ فَيَشَاءُ فَيَكُونُ حُرًّا إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَجِمَاعُ هَذَا أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهُ عَلَى شَرْطٍ، أَوْ اثْنَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِأَنَّ تَكْمُلَ الشُّرُوطُ الَّتِي أَعْتَقَهُ عَلَيْهَا، أَوْ الصِّفَةُ، أَوْ الصِّفَاتُ وَلَا أُعْتِقُهُ بِأَقَلَّ مِمَّا شَرَطَ أَنَّهُ يَعْتِقُ بِهِ أَبَدًا، وَمِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ يَقُولُ لِجَارِيَتِهِ، أَوْ عَبْدِهِ فِي وَصِيَّتِهِ: إنْ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَنْتِ حُرَّةٌ، وَيُوصِي لِنَاسٍ بِوَصَايَا، ثُمَّ يُفِيقُ مِنْ مَرَضِهِ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يَنْقُضْ وَصِيَّتَهُ فَلَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ وَلَا الْأَمَةُ
(8/23)

وَلَا يَنْفُذُ لِوَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْوَصَايَا وَصِيَّةٌ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ إيَّاهُ فِي حَالٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ فِي غَيْرِهَا فَعَلَى هَذَا، هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ وَقِيَاسِهِ.

[الْعَبْدُ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيُدَبِّرُهُ أَحَدُهُمَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَيُدَبِّرُهُ أَحَدُهُمَا فَنَصِيبُهُ مُدَبَّرٌ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْصَى لِعَبْدِهِ فِي نَفْسِهِ بِوَصِيَّةٍ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، فَلَمَّا لَمْ يُوقِعْ الْعِتْقَ بِكُلِّ حَالٍ لَمْ يَكُنْ ضَامِنًا لِشَرِيكِهِ وَلَوْ مَاتَ فَعَتَقَ نِصْفُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَلَوْ أَوْصَى بِعِتْقِ نِصْفِهِ ثُمَّ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ النِّصْفُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ إلَّا مَا أَخَذَ مِنْ ثُلُثِهِ وَهُوَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ ثُلُثِهِ شَيْئًا غَيْرَ مَا وَصَّى بِهِ وَشَرِيكُهُ عَلَى شَرِكَتِهِ مِنْ عَبْدِهِ لَا يَعْتِقُ إنْ مَاتَ شَرِيكُهُ الَّذِي دَبَّرَهُ، أَوْ عَاشَ وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: مَتَى مِتّ وَمَاتَ فُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِمَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَا مَعًا، أَوْ مُتَفَرِّقَيْنِ: مَتَى مُتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِمَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا، أَوْ قَالَا: أَنْتَ حَبْسٌ عَلَى الْآخَرِ مِنَّا حَتَّى يَمُوتَ، ثُمَّ أَنْتَ حُرٌّ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَوْصَى لِصَاحِبِهِ بِنِصْفِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ هُوَ حُرٌّ، فَيَكُونُ وَصِيَّةً فِي الثُّلُثِ جَائِزَةً وَيَعْتِقُ بِمَوْتِ الْآخَر مِنْهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[مَال السَّيِّدِ الْمُدَبِّرِ]
فِي مَالِ السَّيِّدِ الْمُدَبِّرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ وَتَرَكَ مَالًا غَائِبًا وَحَاضِرًا لَمْ يَعْتِقْ مِنْ الْمُدَبِّرِ شَيْءٌ إلَّا بِمَا حَضَرَ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ وَعَتَقَ فِي ثُلُثِ مَا وَصَلَ إلَى الْوَرَثَةِ وَلَمْ يَعْتِقْ فِي الْغَائِبِ حَتَّى يَحْضُرَ فَيَأْخُذَ الْوَرَثَةُ سَهْمَيْنِ وَيَعْتِقَ مِنْهُ سَهْمٌ، وَإِنْ حَضَرَ فَهَلَكَ قَبْلَ أَخْذِ الْوَرَثَةِ لَهُ كَانَ كَمَا لَمْ يَتْرُكْ وَيَعْتِقْ فِيمَا عَلِمَ لِلسَّيِّدِ مِنْ مَالِهِ دُونَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَكَانَ لِلْوَرَثَةِ أَخْذُ جَمِيعِ مَا فِي يَدِ الْمُدَبَّرِ مِنْ مَالٍ أَفَادَهُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَإِذَا مَاتَ وَأَفَادَ مَالًا بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ سُلِّمَ إلَيْهِ مَالُهُ كُلُّهُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ سُلِّمَ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ الَّذِي اكْتَسَبَ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ بِقَدْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ الثُّلُثِ وَسَلَّمَ الْبَقِيَّةُ إلَى وَرَثَةِ سَيِّدِهِ وَلَا مَالَ لِمُدَبَّرٍ وَلَا أُمِّ وَلَدٍ وَلَا عَبْدٍ أَمْوَالُ هَؤُلَاءِ لِسَادَاتِهِمْ إذَا أُعْتِقُوا أُخِذَتْ أَمْوَالُهُمْ مِنْ أَيْدِيهمْ لَا تَكُونُ الْأَمْوَالُ إلَّا لِلْأَحْرَارِ وَالْمُكَاتَبِ إذَا عَتَقَ، وَكَانَ أَفَادَ مَالًا فِي كِتَابَتِهِ.

[تَدْبِيرُ النَّصْرَانِيِّ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا دَبَّرَ النَّصْرَانِيُّ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ النَّصْرَانِيُّ قِيلَ لِلنَّصْرَانِيِّ: إنْ أَرَدْت الرُّجُوعَ فِي التَّدْبِيرِ بِعْنَاهُ عَلَيْك، وَإِنْ لَمْ تُرِدْهُ قِيلَ لِلنَّصْرَانِيِّ: نَحُولُ بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَنُخَارِجُهُ وَنَدْفَعُ إلَيْك خَرَاجَهُ حَتَّى تَمُوتَ فَيَعْتِقَ عَلَيْك وَيَكُونَ لَك وَلَاؤُهُ، أَوْ تَرْجِعَ فَنَبِيعَهُ، وَهَكَذَا يُصْنَعُ فِي الْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَمَنْعُهُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ حَتَّى يَمُوتَ فَتَعْتِقَ وَعَنْ الْمُكَاتَبِ حَتَّى يَعْجَزَ فَنَبِيعَهُ أَوْ يُؤَدِّيَ فَيَعْتِقَ، وَفِي النَّصْرَانِيِّ الْمُدَبَّرِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلِلنَّصْرَانِيِّ مِنْ مَالِ مُدَبَّرِهِ وَعَبْدِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ مُسْلِمِينَ مَا لِلْمُسْلِمِ مِنْ أَخْذِهِ. .
(8/24)

[تَدْبِيرُ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا قَدِمَ الْحَرْبِيُّ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَدَبَّرَ عَبْدًا لَهُ فَالتَّدْبِيرُ جَائِزٌ، فَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ نَمْنَعْهُمَا، وَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ قُلْنَا لِلْحَرْبَيَّ: إنْ رَجَعَتْ فِي التَّدْبِيرِ لَمْ نَمْنَعْك الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِك وَبِعْنَا عَلَيْك الْعَبْدَ أَبَيْت أَمْ أَطَعْت؛ لِأَنَّا لَا نَدَعُك تَمْلِكُ مُسْلِمًا لَنَا بَيْعُهُ عَلَيْك، وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ فَأَرَدْت الْمَقَامَ خَارَجْنَاهُ لَك وَمَنَعْنَاك خِدْمَتَهُ لَك، وَإِنْ أَرَدْت الرُّجُوعَ إلَى بِلَادِك فَإِنْ رَجَعْت فِي تَدْبِيرِهِ بِعْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ تَرْجِعْ خَارَجْنَاهُ وَوَكَّلَتْ بِخَرَاجِهِ إنْ شِئْت مَنْ يَقْبِضُهُ لَك، فَإِذَا مِتّ فَهُوَ حُرٌّ وَلَوْ دَبَّرَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنَا مُقِيمًا عَلَى التَّدْبِيرِ كَانَ مُدَبَّرًا مَا لَمْ يَرْجِعْ فِي التَّدْبِيرِ بِأَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُبَاعُ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُعْتِقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُحْدِثْ مِلْكًا لَهُ بِغَصْبٍ يَغْصِبُهُ إيَّاهُ يَسْتَرِقُّهُ بِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ الْعِتْقِ كَانَ حُرًّا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَكُونُ الْعِتْقُ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَائِزًا؟ قِيلَ: الْعِتْقُ إخْرَاجُ مِلْكٍ إلَى صَاحِبِهِ فَهُوَ إذَا أَخْرَجَ مَالَهُ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ بِبَيْعٍ أَوْ مِلْكٍ يَصِحُّ، ثُمَّ أَسْلَمَا لَمْ يَرُدَّ إلَيْهِ مَا أَخْرَجَ مِنْ مِلْكِهِ إلَى مِثْلِهِ، الْحُكْمُ فِيهِ أَنْ لَا يُرَدَّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَ مِنْهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَخْذًا لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ أَحْدَثَ أَخْذًا لَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ يَدَيْهِ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْعِتْقُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ يَدَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ فَيَأْخُذْهُ بَعْدَ إخْرَاجِهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَخْذُهُ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَالْحُجَّةُ فِي هَذَا مَكْتُوبٌ فِي كِتَابٍ غَيْرِ هَذَا.

[تَدْبِير الْمُرْتَدِّ]
فِي تَدْبِيرِ الْمُرْتَدِّ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا دَبَّرَ الْمُرْتَدُّ فَفِيهِ أَقَاوِيلُ: أَحَدُهَا، أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ كَانَ عَلَى تَدْبِيرِهِ حَتَّى يَرْجِعَ فِيهِ وَهُوَ عَلَى أَصْلِ مِلْكِهِ، وَإِنْ قُتِلَ فَالتَّدْبِيرُ بَاطِلٌ، وَمَالُهُ فَيْءٌ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ: إنَّمَا وَقَفْنَا مَالَهُ عِنْدَ ارْتِدَادِهِ لِيَكُونَ فَيْئًا إنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ وَرَاجِعًا إلَيْهِ إنْ رَجَعَ، فَلَمَّا مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ عَلِمْت أَنَّ رِدَّتَهُ نَفْسَهَا صَيَّرَتْ مَالَهُ فَيْئًا، وَالثَّانِي أَنَّ التَّدْبِيرَ بَاطِلٌ لِأَنَّ مَالَهُ مَوْقُوفٌ يَكُون فَيْئًا وَمَالُهُ خَارِجٌ إلَّا بِأَنْ يَعُودَ إلَيْهِ فَالتَّدْبِيرُ وَالْعِتْقُ بَاطِلٌ كُلُّهُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ: إنَّ مَالَهُ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ إلَّا أَنْ يَعُودَ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ بِالْعَوْدَةِ كَمَا حَقَنَ دَمَهُ بِالْعَوْدَةِ، فَتَدْبِيرُهُ كَانَ وَهُوَ غَيْرُ مَالِكٍ وَهَذَا أَشْبَهُ الْأَقَاوِيلِ بِأَنْ يَكُونَ صَحِيحًا وَبِهِ أَقُولُ، وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ التَّدْبِيرُ مَاضِيًا عَاشَ أَوْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَالَهُ إلَّا بِمَوْتِهِ وَبِمَوْتِهِ يَقَعُ الْعِتْقُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا أَجَازَ عِتْقَهُ وَجَمِيعَ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ: أَصَحُّهَا: أَنَّ التَّدْبِيرَ بَاطِلٌ.

[تَدْبِيرُ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا دَبَّرَ الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَعْقِلْ وَلَمْ يَبْلُغْ، ثُمَّ مَاتَ فَالتَّدْبِيرُ جَائِزٌ فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَلِوَلِيِّهِ فِي حَيَاتِهِ بَيْعُ مُدَبَّرِهِ فِي النَّظَرِ لَهُ كَمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ لِعَبْدِهِ فَيَبِيعَهُ وَإِنْ مَاتَ جَازَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الْبَالِغُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَمَنْ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ (قَالَ) : وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ فَتَدْبِيرُهُ بَاطِلٌ وَلَوْ بَلَغَ، ثُمَّ مَاتَ كَانَ بَاطِلًا حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ تَدْبِيرًا بَعْدَ الْبُلُوغِ فِي حَيَاتِهِ، وَإِذَا دَبَّرَ الْمَعْتُوهُ أَوْ الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَجُزْ تَدْبِيرُهُ وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَدَبَّرَ فِي حَالَةِ الْإِفَاقَةِ جَازَ، وَإِنْ دَبَّرَ فِي غَيْرِ حَالِ الْإِفَاقَةِ لَمْ يَجُزْ.
(8/25)

[تَدْبِيرُ الْمَكَاتِبِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ مُكَاتَبَهُ فَإِنْ أَدَّى قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ عَتَقَ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يُؤَدِّ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ وَبَطَلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ النُّجُومِ إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ عَتَقَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ، وَإِنْ شَاءَ إذَا دَبَّرَ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ أَنْ يَعْجَزَ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْجَزَ وَكَانَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُ مَا كَانَ لَهُ مِنْ مَالِ، وَلَا تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ بِالتَّدْبِيرِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنَّمَا زَادَهُ خَيْرًا وَلَمْ يَنْقُصْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ جَازَ عِتْقُهُ وَسَقَطَتْ الْكِتَابَةُ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ التَّدْبِيرُ مُنْقِصًا لِشَيْءٍ مِنْ الْكِتَابَةِ عَنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ بِالتَّدْبِيرِ عِتْقٌ بَعْدُ، وَمَتَى وَقَعَ سَقَطَ مَا يَبْقَى مِنْ الْكِتَابَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ وَلَهُ مُكَاتَبٌ لَمْ يُبَعْ الْمُكَاتَبُ وَلَا كِتَابَتَهُ فِي دَيْنِهِ وَيُؤْخَذُ بِنُجُومِهِ فِي دَيْنِهِ، فَإِذَا عَجَزَ بِيعَ فِي الدَّيْنِ وَكَانَ رَقِيقًا، وَالْمُكَاتَبُ يُخَالِفُ الْمُدَبَّرَ، الْمُدَبَّرُ يُبَاعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَيَبِيعُهُ سَيِّدُهُ فِي حَيَاتِهِ وَالْمُكَاتَبُ لَا يَبِيعُهُ سَيِّدُهُ فِي دَيْنٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ حَتَّى يَعْجَزَ، وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَدَبَّرَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ وَهُوَ مُوسِرٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ حُرٌّ كُلُّهُ وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ وَلَهُ وَلَاؤُهُ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ بِعِتْقِ بَتَاتٍ وَلَا يَحُولُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ، وَبِهِ أَقُولُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ الْآخَرُ مُدَبَّرٌ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إلَّا مَا عَتَقَ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مُدَبَّرٌ بِحَالِهِ يَرْجِعُ فِيهِ صَاحِبُهُ مَتَى شَاءَ.

[مَالُ الْمُدَبَّرِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَا اكْتَسَبَ الْمُدَبَّرُ فِي تَدْبِيرِهِ مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَهُوَ مَالٌ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا إلَّا شَيْئًا كَسَبَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَمَا يَمْلِكُ الْمَمْلُوكُ مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ لِسَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ لِسَيِّدٍ قَبَضَ جَمِيعَ مَالِهِ قَبْلَ الرُّجُوعِ فِي تَدْبِيرِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ الْمِلْكُ بِكَسْبٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ جِنَايَةٍ جُنِيَتْ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ ثَبَتَ الْمُدَبَّرُ عَلَى تَدْبِيرِهِ حَتَّى مَاتَ سَيِّدُهُ فَعَتَقَ وَبِيَدِهِ مَالٌ يُقِرُّ أَنَّهُ إنَّمَا أَفَادَهُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ كَانَ مِيرَاثًا لِسَيِّدِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَفَدْته بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْوَرَثَةِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ مَلَكَهُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ جَاءُوا بِهَا عَلَى الْمَالِ، أَوْ بَعْضِهِ أَخَذُوا مَا أَقَامُوا عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ وَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِهَا كَانَ مَا فِي يَدَيْهِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ بِسَاعَةٍ؛ لِأَنَّ كَثِيرَ الْمَالِ قَدْ يُفَادُ فِي سَاعَةٍ وَيَتَعَذَّرُ قَلِيلُهُ فِي الزَّمَانِ الطَّوِيلِ، فَإِذَا أَمْكَنَ بِوَجْهٍ أَنْ يَمْلِكَ مِثْلَ ذَلِكَ الْمَالِ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُدَبَّرُ وَوَرَثَةُ مَنْ دَبَّرَهُ فِي مَالٍ فِي يَدِهِ، فَأَقَامَ الْمُدَبَّرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَفَادَهُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، وَالْوَرَثَةُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَفَادَ ذَلِكَ الْمَالَ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ الْمُدَبَّرِ وَالْقَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُمْ مُسْتَوُونَ فِي الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ فَضَلَ فِي كَيْنُونَتِهِ فِي يَدِهِ فَهُوَ أَرْجَحُ مِنْهُمْ سَبَبًا، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ فَأَقَامَ الْوَرَثَةُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدَيْهِ وَسَيِّدُهُ حَيٌّ، وَقَالَ الْمُدَبَّرُ: كَانَ فِي يَدَيْ لِغَيْرِي وَإِنَّمَا مَلَكْته بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا أُخْرِجُهُ مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى يَقُولَ الشُّهُودُ: كَانَ فِي يَدَيْهِ يَمْلِكُهُ، أَوْ هُوَ يَمْلِكُهُ، فَإِذَا أَثْبَتُوا عَلَيْهِ هَذَا أَخْرَجْته مِنْ يَدَيْهِ، وَسَوَاءٌ جَمِيعُ حُكْمِ الْمُدَبَّرِ كَانَ الْمُدَبَّرُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ رَجُلًا. .
(8/26)

[وَلَدُ الْمُدَبَّرِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِمُدَبَّرِهِ فَنَكَحَ قَبْلَ التَّدْبِيرِ، أَوْ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ، وَمَا وَلَدَ لَهُ فَحُكْمُ الْمَوْلُودِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ حُكْمُ الْأُمِّ الَّتِي وَلَدَتْهُ إنْ كَانَتْ حُرَّةً كَانَ حُرًّا وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً كَانَ عَبْدًا، كَمَا يَكُونُ هَذَا فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ غَيْرِ الْمُدَبَّرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ وَلَا لِلْمُدَبَّرِ وَلَا مَنْ لَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ أَنْ يَنْكِحَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَسَرَّى بِحَالٍ وَإِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ بِالتَّسَرِّي فَتَسَرَّى دَرَأْنَا عَنْهُ الْحَدَّ بِالشُّبْهَةِ وَأَلْحَقْنَا بِهِ الْوَلَدَ وَفَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا مَتَى عَلِمْنَا، فَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ حَتَّى مَاتَ السَّيِّدُ وَمَلَكَ الْمُدَبِّرُ الْأَمَةَ لَمْ تَكُنْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ بِذَلِكَ الْوَلَدِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ فَاسِدٌ لَا وَطْءَ مِلْكٍ صَحِيحٍ وَلَا تَكُونُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ حَتَّى يَكُونَ الْوَلَدُ وَالْوَطْءُ مِنْ مَالِكٍ لَهَا حُرٍّ كَامِلِ الْحُرِّيَّةِ.

[وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ وَوَطْؤُهَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلِسَيِّدِ الْمُدَبَّرَةِ أَنْ يَطَأَهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى الرِّقِّ (قَالَ) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ دَبَّرَ جَارِيَتَيْنِ لَهُ، فَكَانَ يَطَؤُهُمَا وَهُمَا مُدَبَّرَتَانِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ أَمَةً فَوَلَدَتْ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا فِي بَقِيَّةِ عُمُرِهَا وَهِيَ مُدَبَّرَةٌ فَسَوَاءٌ، وَالْقَوْلُ فِيهِمْ وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ كِلَاهُمَا لَهُ مَذْهَبٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ سَيِّدَ الْمُدَبَّرَةِ لَمَّا دَبَّرَهَا وَلَمْ يَرْجِعْ فِي التَّدْبِيرِ فَكَانَتْ مَمْلُوكَةً مَوْقُوفَةَ الْعِتْقِ مَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهَا مُدَبِّرُهَا بِأَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ مِلْكِهِ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِي أَنَّ وَلَدَ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ بِمَنْزِلَتِهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً كَانَ حُرًّا وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً كَانَ عَبْدًا لَا وَقْفَ فِيهَا غَيْرُ الْمِلْكِ كَانَ مَمْلُوكًا كَانَ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ بِمَنْزِلَتِهَا يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهَا وَيَرِقُّونَ بِرِقِّهَا، وَقَدْ قَالَ هَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ انْبَغَى أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ رَجَعَ السَّيِّدُ فِي وَلَدِهَا كَانَ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رُجُوعًا فِي تَدْبِيرِ أُمِّهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا فِي تَدْبِيرِ مَنْ وَلَدَتْ وَهِيَ مُدَبَّرَةٌ، وَالرُّجُوعُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي تَدْبِيرِهَا وَلَا يَكُونُ رُجُوعُهُ فِي تَدْبِيرِهَا رُجُوعًا فِي تَدْبِيرِ وَلَدِهَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهُمْ التَّدْبِيرُ بِأَنَّ أُمَّهُمْ مُدَبَّرَةٌ فَحَكَمْنَا أَنَّهُمْ كَمَنْ اُبْتُدِئَ تَدْبِيرُهُ وَلَمْ يُحْكَمْ لَهُمْ أَنَّهُمْ كَعُضْوٍ مِنْهَا، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ؟ قِيلَ: أَلَا تَرَى أَنَّ قِيمَتَهُمْ لَوْ كَانَتْ مِثْلَ قِيمَتِهَا أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ قُوِّمُوا كَمَا تُقَوَّمُ أُمُّهُمْ وَلَمْ يَعْتِقُوا بِغَيْرِ قِيمَةٍ كَمَا لَا تَعْتِقُ أُمُّهُمْ بِغَيْرِ قِيمَةٍ، فَإِذَا حَكَمْنَا بِهَذَا جَعَلْنَا حُكْمَهُمْ كَحُكْمِ أَنْفُسِهِمْ وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِهَا وَلَوْ جَعَلْت حُكْمَهُمْ حُكْمَ أُمِّهِمْ وَجَعَلْت الْقِيمَةَ لَهَا دُونَهُمْ وَلَمْ أَجْعَلْ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهِمْ دُونَهَا وَجَعَلْنَاهُ إذَا رَجَعَ فِيهَا رَاجِعًا فِيهِمْ وَجَعَلْنَاهُمْ رَقِيقًا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهَا وَأَبْطَلْنَا تَدْبِيرَهُمْ إذَا لَمْ تَعْتِقْ أُمُّهُمْ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَنْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ كَانَ وَلَدُهَا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا، فَإِنْ وَلَدَتْ ذُكُورًا، أَوْ إنَاثًا فَأَوْلَادُ الْإِنَاثِ بِمَنْزِلَةِ أُمَّهَاتِهِمْ سَوَاءٌ، وَالْقَوْلُ فِي الرُّجُوعِ فِيهَا وَفِيهِمْ وَتَرْكِ الرُّجُوعِ وَالرُّجُوعِ فِي أُمَّهَاتِهِمْ دُونَهُمْ وَفِيهِمْ دُونَ أُمَّهَاتِهِمْ كَالْقَوْلِ فِي بَنَاتِ الْمُدَبَّرَةِ نَفْسِهَا، وَوَلَدُ الذُّكُورِ بِمَنْزِلَةِ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ كُنَّ حَرَائِرَ كَانُوا أَحْرَارًا وَإِنْ كُنَّ إمَاءً كَانُوا إمَاءً لِمَنْ مَلَكَ أُمَّهَاتِهِمْ (قَالَ) : وَإِذَا دَبَّرَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا بَعْدَ التَّدْبِيرِ فَالْقَوْلُ فِيهَا وَفِيهِمْ كَمَا وَصَفْت، فَإِنْ رَجَعَ فِي تَدْبِيرِهَا، ثُمَّ وَلَدَتْ أَوْلَادًا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ رَجَعَ فَالْوَلَدُ فِي مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ مُدَبَّرٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ أَحَاطَ أَنَّ التَّدْبِيرَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا بَعْدَ الرُّجُوعِ فَالْوَلَدُ وَلَدٌ مَمْلُوكٌ لَا تَدْبِيرَ لَهُ إلَّا أَنْ يُحْدِثَ لَهُ السَّيِّدُ تَدْبِيرًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) :
(8/27)

وَإِذَا دَبَّرَ جَارِيَةً لَهُ، ثُمَّ قَالَ: تَدْبِيرُهَا ثَابِتٌ وَقَدْ رَجَعْت فِي تَدْبِيرِ كُلِّ وَلَدٍ تَلِدُهُ وَلَا وَلَدَ لَهَا فَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَّا فِيمَا وَقَعَ لَهُ تَدْبِيرٌ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَمْلِكْ وَلَمْ يَقَعْ لَهُ تَدْبِيرٌ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَرْجِعُ لَا شَيْءَ لَهُ يَرْجِعُ فِيهِ، وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُدَبَّرَةُ وَلَدًا فَاخْتَلَفَ السَّيِّدُ فِيهِ وَالْمُدَبَّرَةُ، أَوْ الْمُدَبَّرَةُ وَوَرَثَةُ السَّيِّدِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَقَالَ السَّيِّدُ، أَوْ الْوَرَثَةُ: وَلَدْتِيهِ قَبْلَ التَّدْبِيرِ وَقَالَتْ الْمُدَبَّرَةُ: بَلْ وَلَدْته بَعْدَ التَّدْبِيرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ أَوْ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُمْ مَالِكُونَ وَهِيَ مُدَّعِيَةٌ إخْرَاجَ مِلْكِهِمْ مِنْ أَيْدِيهمْ، وَعَلَى مَنْ قُلْت الْقَوْلُ قَوْلُهُ الْيَمِينُ بِمَا قَالَ، فَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً بِمَا قَالَتْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَوْلَى مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، وَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً وَأَقَامَ السَّيِّدُ أَوْ وَرَثَتُهُ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُمْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُمْ أَوْلَى وَكَانَ وَلَدُهَا رَقِيقًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ مَمْلُوكُونَ فِي أَيْدِيهمْ فَضْلُ كَيْنُونَتِهِمْ فِي أَيْدِيهمْ بِالْمِلْكِ فَهِيَ وَهُمْ مُدَّعُونَ وَمُقِيمُونَ بَيِّنَةً وَلَوْ كَانَتْ أَمَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَدَبَّرَاهَا، ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا كَانَ ابْنَهُ وَضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَنِصْفَ قِيمَتِهَا وَنِصْفَ عُقْرِهَا لِشَرِيكِهِ إنْ شَاءَ شَرِيكُهُ؛ لِأَنَّ مَشِيئَتَهُ أَخْذُ قِيمَتِهَا رُجُوعً فِي تَدْبِيرِهَا وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَلَوْ أَلْقَتْ الْوَلَدَ الَّذِي ادَّعَى مَيِّتًا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ، وَلَوْ جَنَى إنْسَانٌ جِنَايَةً فَأَخَذَ لَهَا أَرْشًا كَانَ الْأَرْشُ بَيْنَهُمَا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَبَّرَ أَمَتَهُ فَوَلَدَتْ بَعْدَ التَّدْبِيرِ أَوْلَادًا فَهُمْ مَمْلُوكُونَ وَذَلِكَ أَنَّهَا إنَّمَا هِيَ أَمَتُهُ مُوصًى لَهَا بِعِتْقِهَا لِصَاحِبِهَا الرُّجُوعُ فِي عِتْقِهَا وَبَيْعِهَا، فَلَيْسَتْ هَذِهِ حُرِّيَّةً ثَابِتَةً، وَهَذِهِ أَمَةٌ مُوصًى لَهَا وَالْوَصِيَّةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ لَازِمٍ هُوَ شَيْءٌ يَرْجِعُ فِيهِ صَاحِبُهُ وَأَوْلَادُهَا مَمْلُوكُونَ وَقَدْ قَالَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: أَوْلَادُ الْمُدَبَّرَةِ مَمْلُوكُونَ وَقَالَ هَذَا غَيْرُ أَبِي الشَّعْثَاءِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْعِتْقُ مُخَالِفٌ لِلتَّدْبِيرِ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ وَلَوْ أَعْتَقَ رَجُلٌ أَمَةً لَهَا وَلَدٌ لَمْ يَعْتِقْ وَلَدُهَا بِعِتْقِهَا بِحَالٍ إلَّا أَنْ يُعْتِقَهُمْ.

[تَدْبِير مَا فِي الْبَطْنِ]
فِي تَدْبِيرِ مَا فِي الْبَطْنِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَإِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ فَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِبَيْعِهَا الرُّجُوعَ عَنْ التَّدْبِيرِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَكُونُ لَهُ بَيْعُهَا لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْأَمَةَ إذَا بِيعَتْ أَوْ وُهِبَتْ، أَوْ أُعْتِقَتْ حَامِلًا كَانَ مَا فِي بَطْنِهَا تَبَعًا لَهَا مَا لَمْ يُزَايِلُهَا كَبَعْضِ بَدَنِهَا يَمْلِكُهُ مَنْ يَمْلِكُهَا وَيَعْتِقُ بِعِتْقِهَا فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ عُضْوٍ مِنْهَا مَا لَمْ يُزَايِلْهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَاعَ أَمَةٌ حَامِلٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ حَمْلِهَا كَحُكْمِهَا وَلَوْ بَاعَ الَّذِي دَبَّرَ وَلَدَهَا أُمَّهُ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ فَقَالَ: أَرَدْت الرُّجُوعَ فِي تَدْبِيرِي الْوَلَدَ كَانَ الْبَيْعُ جَائِزًا، أَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْهُ كَانَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا وَلَوْ بَاعَ أَمَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا، فَإِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَالْوَلَدُ مُدَبَّرٌ إنْ كَانَ دَبَّرَهُ وَحُرٌّ إنْ كَانَ أَعْتَقَهُ، وَإِنْ لَمْ تَلِدْ إلَّا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ يَوْمِ كَانَ التَّدْبِيرُ، أَوْ الْعِتْقُ لَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا وَلَا حُرًّا، وَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَالْآخَرُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَهُوَ مِنْ حَمْلٍ وَاحِدٍ وَحُكْمُهُ حُكْمُ وَاحِدٍ فَإِذَا كَانَ بَعْضُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ مُعْتَقًا، أَوْ مُدَبَّرًا وَكُلُّ مَنْ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْحَمْلُ، وَلَوْ دَبَّرَ مَا فِي بَطْنِهَا، أَوْ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ بَاعَهَا فَوَلَدَتْ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ الْوَلَدُ مُعْتَقًا، أَوْ مُدَبَّرًا وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الْبَيْعِ لِيَعْرِفَ حَالَ الْحَمْلِ فَيُبَاعُ فِي تِلْكَ الْحَالِ كَانَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ فِي وَقْتٍ كَانَ فِيهِ مَمْنُوعًا. وَالْآخَرُ: أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: وَلَدُك وَلَدٌ مُدَبَّرٌ لَمْ يَكُنْ هَذَا تَدْبِيرًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَدْبِيرًا. .
(8/28)

[تَدْبِير الرَّقِيقِ بَعْضِهِمْ قَبْلَ بَعْضٍ]
فِي تَدْبِيرِ الرَّقِيقِ بَعْضِهِمْ قَبْلَ بَعْضٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ رَقِيقًا، أَوْ بَعْضَهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ وَفِي مَرَضِهِ آخَرِينَ كَذَلِكَ وَأَوْصَى بِعِتْقِ آخَرِينَ بِأَعْيَانِهِمْ فَلَا يُبَدَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى وَاحِدٍ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ صَحِيحًا وَلِآخَرَ مَرِيضًا لَمْ يَبْدَأْ قَدِيمُ الْوَصِيَّةِ عَلَى حَدِيثِهَا؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ أَوْقَعَهُ لَهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَكَانُوا إنَّمَا يُدْلُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعًا بِحُجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ وَاقِعَةٌ لَهُمْ يَوْمَ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ، فَإِنْ خَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ عَتَقُوا مَعًا، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَأُعْتِقَ مَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْعِتْقِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ ثُلُثَ الْمَيِّتِ قِيَاسًا عَلَى الَّذِينَ أَقْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ حِينَ أَعْتَقَهُمْ الْمَرِيضُ فَأَعْتَقَ ثُلُثَ الْمَيِّتِ وَأَرَقَّ ثُلُثَيْ الْوَرَثَةِ.

[الْخِلَافُ فِي التَّدْبِيرِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فَخَالَفَنَا بَعْضُ النَّاسِ وَأَجْرَى فِي الْمُدَبَّرِ خِلَافًا سَأَحْكِي بَعْضَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ لِي بَعْضُ مَنْ خَالَفَنَا فِيهِ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ اعْتَمَدْت فِي قَوْلِك: الْمُدَبَّرُ وَصِيَّةٌ يَرْجِعُ فِيهِ صَاحِبُهُ مَتَى شَاءَ؟ قُلْت: عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي قَطَعَ اللَّهُ بِهَا عُذْرَ مَنْ عَلِمَهَا: قَالَ فَعِنْدَنَا فِيهِ حُجَّةٌ، قُلْنَا: فَاذْكُرْهَا. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِكُمْ بَاعَهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ صَاحِبُهُ بَيْعَهُ؟ قُلْت: الْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَبِيعُ عَلَى أَحَدٍ مَالَهُ إلَّا فِيمَا لَزِمَهُ أَوْ بِأَمْرِهِ؟ قَالَ: فَبِأَيِّهِمَا بَاعَهُ؟ قُلْت: أَمَّا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ الْحَدِيثِ فِي دَفْعِهِ إيَّاهُ إلَى صَاحِبِهِ الَّذِي دَبَّرَهُ فَإِنَّهُ دَبَّرَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ حِينَ دَبَّرَهُ وَكَانَ يُرِيدُ بَيْعَهُ إمَّا مُحْتَاجًا وَإِمَّا غَيْرَ مُحْتَاجٍ، فَأَرَادَ الرُّجُوعَ فَذَكَر النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَاعَهُ، وَكَانَ فِي بَيْعِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ لَهُ إذَا شَاءَ، وَأَمَرَهُ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ فَيُمْسِكَ عَلَيْهَا يَرَى ذَلِكَ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى النَّاسِ، قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّا رَوَيْنَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا بَاعَ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَقُلْت لَهُ: مَا رَوَى هَذَا أَحَدٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ فِيمَا عَلِمْت يَثْبُتُ حَدِيثُهُ، وَلَوْ رَوَاهُ مَنْ يَثْبُتُ حَدِيثُهُ مَا كَانَ لَك فِيهِ حُجَّةٌ مِنْ وُجُوهٍ. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قُلْت: أَنْتَ لَا تُثْبِتُ الْمُنْقَطِعَ لَوْ لَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ، فَكَيْفَ تُثْبِتُ الْمُنْقَطِعَ يُخَالِفُهُ الْمُتَّصِلُ الثَّابِتُ؟ قَالَ: فَهَلْ يُخَالِفُهُ؟ قُلْت: لَيْسَ بِحَدِيثٍ، وَأَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ فَأَذْكُرُهُ عَلَى مَا فِيهِ، قَالَ: لَوْ ثَبَتَ كَانَ يَجُوزُ أَنْ أَقُولَ: بَاعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَقَبَةَ مُدَبَّرٍ كَمَا حَدَّثَ جَابِرٌ وَخِدْمَةَ مُدَبَّرٍ كَمَا حَدَّثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قُلْت: إنَّهُ يُخَالِفُهُ، قُلْت: هُوَ أَدَلُّ لَك عَلَى أَنَّ حَدِيثَك حُجَّةٌ عَلَيْك، قَالَ: وَكَيْفَ؟ قُلْت: إنْ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ لِلْمُدَبَّرِ الَّذِي رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ رَقَبَتَهُ إنَّمَا بَاعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خِدْمَتَهُ كَمَا قُلْت فَغَلِطَ مَنْ قَالَ بَاعَ رَقَبَتَهُ بِمَا بَيْنَ الْخِدْمَةِ وَالرَّقَبَةِ كُنْت خَالَفْت حَدِيثَنَا وَحَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قُلْت: أَتَقُولُ: إنَّ بَيْعَهُ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ جَائِزٌ، قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهَا غَرَرٌ فَقُلْت: فَقَدْ خَالَفْت مَا رَوَيْت عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَلَعَلَّهُ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ قُلْت: جَابِرٌ سَمَّى بَاعَهُ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ نُعَيْمٍ النَّحَّامِ، وَيَقُولُ: عَبْدٌ قِبْطِيٌّ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ مَاتَ عَامَ أَوَّلٍ فِي إمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَيْفَ يُوهَمُ أَنَّهُ بَاعَهُ مِنْ نَفْسِهِ؟ وَقُلْت لَهُ: رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» فَقُلْت: مُرْسَلًا، وَقَدْ رَوَاهُ مَعَهُ عَدَدٌ فَطَرَحْته وَرِوَايَتُهُ يُوَافِقُهُ عَلَيْهَا عَدَدٌ
(8/29)

فِيهَا حَدِيثَانِ مُتَّصِلَانِ، أَوْ ثَلَاثَةٌ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ وَهُوَ لَا يُخَالِفُهُ فِيهِ أَحَدٌ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ وَأَرَدْت تُثْبِتُ حَدِيثًا رَوَيْته عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ يُخَالِفُهُ فِيهِ جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَبْعَدَ مَا بَيْنَ أَقَاوِيلِك، وَقُلْت لَهُ: وَأَصْلُ قَوْلِك أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا لَا يُخَالِفُهُ فِيهِ غَيْرُهُ لَزِمَك، وَقَدْ بَاعَتْ عَائِشَةُ مُدَبَّرَةً لَهَا فَكَيْفَ خَالَفْتهَا مَعَ حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْتُمْ رَاوُونَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ امْرَأَتِهِ عَنْ عَائِشَةَ شَيْئًا فِي الْبُيُوعِ تَزْعُمُ وَأَصْحَابُك أَنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُهُ وَتَقُولُ: لَا أُخَالِفُ عَائِشَةَ، ثُمَّ تُخَالِفُهَا وَمَعَهَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْقِيَاسُ وَالْمَعْقُولُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقُلْت لَهُ: وَأَنْتَ مَحْجُوجٌ بِمَا وَصَفْنَا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِهَا وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِيمَا نُثْبِتُهُ مَحْجُوجًا كُنْت مَحْجُوجًا بِقَوْلِ عَائِشَةَ فِيمَا تَزْعُمُ أَنَّك تَذْهَبُ إلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِعَائِشَةَ فِيهِ قَوْلٌ كُنْت مَحْجُوجًا بِالْقِيَاسِ وَمَحْجُوجًا بِحُجَّةٍ أُخْرَى، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قُلْت: هَلْ يَكُونُ لَك أَنْ تَقُولَ إلَّا عَلَى أَصْلٍ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى أَصْلٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: وَالْأَصْلُ كِتَابٌ، أَوْ سُنَّةٌ، أَوْ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إجْمَاعُ النَّاسِ، قَالَ: لَا يَكُونُ أَصْلٌ أَبَدًا إلَّا وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ، قُلْت: وَقَوْلُك فِي الْمُدَبَّرِ دَاخِلٌ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: أَفَقِيَاسٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا، قَالَ: أَمَّا قِيَاسًا فِي كُلِّ شَيْءٍ فَلَا، قُلْت: فَمَعَ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ قِيَاسٌ؟ قَالَ: إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ وَمَاتَ سَيِّدُهُ عَتَقَ، قُلْت: نَعَمْ بِوَصِيَّتِهِ كَعِتْقِ غَيْرِ الْمُدَبَّرِ، قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، قُلْت: بَلْ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُبَاعَ، قَالَ: لَسْنَا نَقُولُهُ وَلَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ، قُلْت جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ وَغَيْرُهُمْ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمَكِّيِّينَ وَعِنْدَك بِالْعِرَاقِ مَنْ يَبِيعُهُ وَقَوْلُ أَكْثَرِ التَّابِعِينَ يَبِيعُهُ، فَكَيْفَ ادَّعَيْت فِيهِ الْأَكْثَرَ وَالْأَكْثَرُ مَنْ مَضَى عَلَيْك مَعَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ مَعَ السُّنَّةِ وَإِنْ كُنْت مَحْجُوجًا بِكُلِّ مَا ادَّعَيْت وَبِقَوْلِ نَفْسِك، قَالَ: وَأَيْنَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ نَفْسِي؟ فَقُلْت: أَرَأَيْت الْمُدَبَّرَ لَمْ أَعْتِقْهُ مِنْ الثُّلُثِ وَأَسْتَسْعِيهِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ الْعِتْقُ لَهُ ثَابِتًا كَهُوَ لِأُمِّ الْوَلَدِ أَلَمْ تُعْتِقْهُ فَارِغًا مِنْ الْمَالِ وَلَا تَسْتَسْعِيه أَبَدًا، قَالَ: إنَّمَا فَعَلْت هَذَا؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ، قُلْت: أَرَأَيْت وَصِيَّةً لَا يَكُونُ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، قَالَ: لَا، غَيْرُ الْمُدَبَّرِ، قُلْت: أَفَيَجُوزُ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الْوَصَايَا فَتَجْعَلَ لِصَاحِبِهَا فِي بَعْضِهَا الرُّجُوعَ وَلَا تَجْعَلَ لَهُ فِي بَعْضٍ بِلَا خَبَرٍ يَلْزَمُ فَيَجُوزُ عَلَيْك أَنْ يَرْجِعَ الْمُوصِي فِي الْمُدَبَّرِ وَلَا يَرْجِعُ فِي عَبْدٍ لَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ غَيْرَ مُدَبِّرٍ، قَالَ: النَّاسُ مُجْتَمَعُونَ عَلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْوَصَايَا وَمُتَفَرِّقُونَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي الْمُدَبَّرِ، قُلْت: فَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّدْبِيرُ وَصِيَّةً عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي جَمِيعِ الْوَصَايَا غَيْرَهُ وَافْتَرَقُوا فِيهِ فَكَيْفَ لَمْ تَجْعَلْ الْقَوْلَ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا يَرْجِعُ فِيهِ فَتَسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لَا يَرْجِعُ فِيهِ قَدْ تَرَكَ أَصْلَ قَوْلِهِ فِي أَنَّهُ وَصِيَّةٌ إذَا كَانَ يَرُدُّهُ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْوَصَايَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ثُمَّ ذَكَرْت أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ: لَوْ قَالَ لِعَبْدٍ إذَا مِتّ أَنَا وَفُلَانٌ فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، وَلَوْ قَالَ: إذَا جَاءَتْ السَّنَةُ فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، فَقُلْت: فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي هَذَا وَلَا يَرْجِعَ فِي قَوْلِهِ: إذَا مِتّ فَأَنْتَ حُرٌّ؟ فَقَالَ: مَا هُمَا فِي الْقِيَاسِ إلَّا سَوَاءٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ فِيهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ مَمَالِيكُ لَهُ أَوْصَى لَهُمْ بِالْعِتْقِ فِي وَقْتٍ لَمْ يَقَعْ فَنُثْبِتُ لَهُمْ بِهِ حُرِّيَّةٌ، قُلْنَا: فَهَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْك فِي الْمُدَبَّرِ قَالَ: وَأَخْرَجْت الْمُدَبَّرَ اتِّبَاعًا، وَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، قُلْنَا: فَمَنْ اتَّبَعْت فِيهِ إنْ كَانَ قَالَ قَوْلَك أَحَدٌ أَكْثَرُ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَاذْكُرْهُ، فَقَدْ خَالَفْت الْقِيَاسَ كَمَا زَعَمْت وَخَالَفَتْ السُّنَّةَ وَالْأَثَرَ وَأَنْتَ تَتْرُكُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَقَاوِيلَ لَهُ لَا يُخَالِفُهُ فِيهَا أَحَدٌ وَتَزْعُمُ أَنْ لَيْسَتْ عَلَيْك فِيهِ حُجَّةٌ وَاَلَّذِينَ احْتَجَجْت بِمُوَافَقَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا يُخَالِفُونَك فِي
(8/30)

الْمُدَبَّرِ نَفْسِهِ فَيَبِيعُونَهُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ إذَا كَانَ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَدَعْ مَالًا، قَالَ: هَؤُلَاءِ بَاعُوهُ فِي الْحِينِ الَّذِي صَارَ فِيهِ حُرًّا وَمَنَعُوهُ مِنْ الْبَيْعِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ حُرًّا، قُلْت: وَيَقُولُونَ أَيْضًا إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَدَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا تَقَاوَمَاهُ، فَإِنْ صَارَ لِلَّذِي لَمْ يُدَبِّرْ بَطَلَ التَّدْبِيرُ، فَقَالَ: وَهَذَا أَعْجَبُ مِنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُمْ أَبْطَلُوا التَّدْبِيرَ وَالسَّيِّدُ لَا يُرِيدُ إبْطَالَهُ وَجَبَرُوا الْمَالِكِينَ عَلَى التَّقَاوُمِ وَهُمَا لَا يُرِيدَانِهِ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَهَذَانِ أَبْعَدُ قَوْلَيْنِ قَالَهُمَا أَحَدٌ مِنْ الصَّوَابِ، قُلْت: فَإِذَا كَانَتْ حُجَّتُك بِأَنْ وَافَقَك هَؤُلَاءِ فِي مَعْنًى مِنْ قَوْلِك وَأَنْتَ تَسْتَدْرِكُ فِي قَوْلِهِمْ مَا تَقُولُ فِيهِ هَذَا الْقَوْلَ، أَفَتَرَى فِيك وَفِيهِمْ حُجَّةً عَلَى أَحَدٍ لَوْ خَالَفَكُمْ؟ قَالَ: مَا فِينَا حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ، قُلْت: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَ مَنْ خَالَفَكُمْ سُنَّةٌ وَلَا أَثَرٌ، قَالَ: وَلَوْ قُلْت: فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِي السُّنَّةِ، قَالَ: الْحُجَّةُ مَعَ مَنْ مَعَهُ السُّنَّةُ، قُلْت: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَ مَنْ خَالَفَكُمْ سُنَّةٌ كَانَتْ الْحُجَّةُ مَعَ مَنْ مَعَهُ الْأَثَرُ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: فَهُمَا مَعًا مَعَنَا، قُلْت: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَثَرٌ كَانَتْ الْحُجَّةُ مَعَ مَنْ مَعَهُ الْقِيَاسُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: وَأَنْتَ وَغَيْرُك تَشْهَدُ لَنَا أَنَّ السُّنَّةَ وَالْأَثَرَ وَالْقِيَاسَ مَعَنَا، فَكَيْفَ ذَهَبْت عَنْ هَذَا كُلِّهِ؟ فَرَجَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ عِنْدَهُمْ إلَى قَوْلِنَا فِي الْمُدَبَّرِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ وَالْأَثَرُ وَالْقِيَاسُ وَالْمَعْقُولُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ، وَمَا رَأَيْت أَشَدَّ تَنَاقُضًا مِنْ قَوْلِنَا فِيهِ وَلَكِنْ أَصْحَابُنَا غَلَبُونَا، وَكَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ قَوْلِهِ الْأَكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ مَعَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَقَدْ حُكِيَ لِي عَنْهُ أَنَّهُ اشْتَرَى مُدَبَّرًا وَبَاعَهُ وَقَالَ: هَذِهِ السُّنَّةُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ لِي قَائِلٌ مِنْهُمْ: لَا يَشُكُّ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ إدْخَالَ سُفْيَانَ فِي حَدِيثِ عَمْرٍو وَأَبِي الزُّبَيْرِ فَمَاتَ فَبَاعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُدَبَّرَهُ غَلَطٌ، إلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ كَمَا قُلْت حَفِظُوهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ بِسِيَاقٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَيِّدَهُ كَانَ حَيًّا وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا غَلَطٌ لَمْ نَعْرِفْ غَلَطًا وَلَا أَمْرًا صَحِيحًا أَبَدًا، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَا يُخَالِفُهُ غَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ الْمُدَبَّرَ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ الَّذِي دَبَّرَهُ مَا كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ إلَّا وَاحِدًا مِنْ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّدْبِيرَ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَنَّهُ بَاعَهُ فِي دَيْنٍ عَلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ أَمْرِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك إذَا كَانَ التَّدْبِيرُ جَائِزًا أَنْ يَعْتِقَ ثُلُثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَيِّدِهِ دَيْنٌ وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الثَّانِي أَنَّ النَّاسَ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى إجَازَةِ التَّدْبِيرِ فَلَا يَكُونُ أَنْ يَجْهَلَ عَامَّتُهُمْ سُنَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَبِعْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَيْءٌ مِنْهُ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُؤَدًّى فِي الْحَدِيثِ، قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ فِي الْمُدَبَّرِ إلَّا هَذَا وَكَانَ صَحِيحًا أَكَانَتْ لَك الْحُجَّةُ؟ فَقُلْت: نَعَمْ، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قُلْت: لَوْ بَاعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْمَوْتِ اسْتَدْلَلْت عَلَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَمْ تَتِمَّ فِيهِ وَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ وَأَنَّ الْوَصَايَا تَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْت أُمَّ الْوَلَدِ تَعْتِقُ فَارِغَةً مِنْ الْمَالِ.
وَالْمُكَاتَبُ لَا تَبْطُلُ كِتَابَتُهُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، فَلِمَا بَطَلَتْ وَصِيَّةُ هَذَا وَجَازَ بَيْعُهُ اسْتَدْلَلْت عَلَى أَنَّ بَيْعَهُ فِي الْحَيَاةِ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ مِنْ الْوَصَايَا لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا كَمَا يَرْجِعُ فِي الْوَصَايَا وَأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مَعْنَى مَنْ يَثْبُتُ لَهُ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَرِقُّ إذَا عَجَزَ فَلَا تَبْطُلُ كِتَابَتُهُ حَتَّى يَكُونَ يُبْطِلَهَا هُوَ فَتَبْطُلَ بِالْعَجْزِ وَكَانَ بِسَبَبٍ مِنْ حُرِّيَّةٍ فَلَمْ تَبْطُلْ حَتَّى يُبْطِلَهَا هُوَ وَيَبْطُلَ تَدْبِيرُ الْمُدَبَّرِ وَاسْتَدْلَلْت عَلَى أَنَّ الْمُدَبَّرَ وَصِيَّةٌ وَإِنْ صَارَ إلَيْهِ عِتْقٌ فَبِالْوَصِيَّةِ لَا بِمَعْنَى حُرِّيَّةٍ ثَابِتَةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَزَعَمَ آخَرُ قَالَ: فَجُمْلَةُ قَوْلِهِ لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ؛ لِأَنَّ سَيِّدَ الْمُدَبَّرِ إذَا ادَّانَ دَيْنًا يُحِيطُ بِمَالِهِ لَمْ يُبَعْ مُدَبَّرُهُ فِي دَيْنِهِ وَلَا فِي جِنَايَةٍ لَوْ جَنَاهَا الْمُدَبَّرُ؛ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ عَلَى أَنْ يَمُوتَ سَيِّدُهُ يَعْتِقُ بِمَوْتِهِ، فَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بِيعَ فِي دَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ عَلَى الْمُدَبَّرِ جِنَايَةٌ لَمْ يُبَعْ فِي جِنَايَتِهِ، فَمَنَعَهُ مِنْ أَنْ يُبَاعَ وَسَيِّدُهُ حَيٌّ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ لَهُ الْعِتْقُ وَقَدْ يَمُوتُ الْمُدَبَّرُ قَبْلَ سَيِّدِهِ فَيَمُوتُ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ عِنْدَهُ إلَّا بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، فَلَمَّا مَاتَ سَيِّدُهُ وَانْقَضَى عَنْهُ الرِّقُّ عِنْدَهُ وَوَقَعَ عِتْقُهُ بَاعَهُ فِي جِنَايَةِ نَفْسِهِ وَدَيْنِ سَيِّدِهِ، فَبَاعَهُ فِي أَوْلَى حَالَةٍ أَنْ يَمْنَعَهُ فِيهَا مِنْ الْبَيْعِ وَمَنَعَهُ الْبَيْعَ
(8/31)

فِي أَوْلَى حَالَةٍ أَنْ يَبِيعَهُ فِيهَا، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَإِيَّاهُ أَسْأَلُ التَّوْفِيقَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قَالَ: فَإِنِّي إنَّمَا بِعْته بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةٌ، وَلَا تَكُونُ الْوَصَايَا إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، قِيلَ: فَذَلِكَ الْحُجَّةُ عَلَيْك أَنْ تَجْعَلَهُ كَالْوَصَايَا فِي أَنْ تُرِقَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ وَتَمْنَعَ مِنْ أَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ الْوَصَايَا فَتَجْعَلَ لِصَاحِبِهِ الرُّجُوعَ فِيهِ كَمَا يَرْجِعُ فِي الْوَصَايَا، فَإِنْ قُلْت: إنَّ فِيهِ حُرِّيَّةً وَالْحُرِّيَّةُ لَا تُرَدُّ؟ قُلْت: فَقَدْ رَدَدْتهَا حِينَ وَقَعَتْ وَإِنْ اعْتَلَلْت بِإِفْلَاسِ سَيِّدِهِ فَقَدْ يُفْلِسُ وَلَهُ أُمُّ وَلَدٍ فَلَا يَرُدُّهَا وَيَنْفُذُ عِتْقُهَا، وَقَدْ يُفْلِسُ وَلَهُ مُكَاتَبٌ قَدْ كَاتَبَهُ عَلَى نُجُومٍ مُتَبَاعِدَةٍ فَلَا تُنْقَضُ كِتَابَتُهُ وَلَا يُرِقُّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا بِمَا يُرِقُّهُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَقَدْ قُلْت فِي أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ تُسْلِمُ وَهِيَ حُرَّةٌ وَلَمْ يَمُتْ سَيِّدُهَا فَيَأْتِي الْوَقْتُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ عِتْقُهَا حِينَ صَارَ فَرْجُهَا مِنْ سَيِّدِهَا مَمْنُوعًا وَأَنْتَ لَا تَرْعَى الِاسْتِسْعَاءَ بِالدَّيْنِ، قَالُوا: مُطْلَقًا لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ، قَالُوا: هُوَ حُرٌّ وَيَسْعَى فِي قِيمَتِهِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ، فَقَوْلُهُمْ عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِهِمْ أَشَدُّ اسْتِقَامَةً مِنْ قَوْلِك عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِك، أَفَرَأَيْت الرَّجُلَ إنْ كَانَ إذَا أَفْلَسَ عَبْدُهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ يُبَاعُ مَالُهُ وَيَحِلُّ مَا لَمْ يَكُنْ حَلَّ مِنْ دُيُونِهِ، فَكَيْفَ لَمْ يُبَعْ مُدَبَّرُهُ كَمَا بَاعَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَحَلَّ دُيُونَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ يُفِيدُ مَالًا، قِيلَ: فَلَمْ أَرَك انْتَظَرْت بِدَيْنٍ عَلَيْهِ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ وَجَعَلْتَهُ حَالًّا بِمَوْتِهِ.
فَإِنْ قُلْت: إنَّمَا أَحْكُمُ عَلَيْهِ حُكْمَ سَاعَتِهِ وَذَلِكَ حُكْمُ الْمَوْتِ فَكَذَلِكَ بَيْعُ مُدَبَّرِهِ بِإِفْلَاسِهِ وَقَدْ يُمْكِنُ فِي الْمَوْتِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَالٌ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ عُرِفَ فَلَسْت أَرَاهُ تَرَكَ إرْقَاقَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِمَا يُمْكِنُ وَلَا بَيْعَهُ فِي الْحَيَاةِ فِي إفْلَاسِ صَاحِبِهِ بِحُكْمِ سَاعَتِهِ وَلَا سَوَّى بَيْنَ حُكْمِهِ فِي مَوْتٍ وَلَا حَيَاةٍ وَقَدْ أَرَقَّهُ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ إفْلَاسٍ وَلَا رُجُوعٍ مِنْ صَاحِبِهِ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يُرِقَّهُ مَنْ أَرَقَّ الْمُدَبَّرَ وَلَا أَحَدٌ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ أَرَقَّهُ فِي الْحَيَاةِ إنَّمَا أَرَقَّهُ إذَا رَجَعَ فِيهِ صَاحِبُهُ، وَقَالَ: إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَدَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا تَقَاوَمَاهُ، فَإِنْ صَارَ لِلَّذِي دَبَّرَهُ كَانَ مُدَبَّرًا كُلُّهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ الَّذِي دَبَّرَهُ انْتَقَضَ التَّدْبِيرُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الَّذِي لَهُ فِيهِ الرِّقُّ أَنْ يُعْطِيَهُ الَّذِي دَبَّرَهُ بِقِيمَتِهِ فَيَلْزَمُهُ وَيَكُونُ مُدَبَّرًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ مَا عَاشَ سَيِّدُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَبَّرًا كُلُّهُ وَيَضْمَنُ الَّذِي دَبَّرَهُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عِنْدَهُ عِتْقٌ، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَهُ لَوْ أَعْتَقَهُ، وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ أَنْ يُنْتَقَضَ التَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَ لِسَيِّدِهِ الْمُدَبِّرَ نَقْضَ التَّدْبِيرِ فَكَيْفَ جَعَلَ لَهُ نَقْضَ التَّدْبِيرِ إذَا لَمْ يَشْتَرِ الْمُدَبَّرَ إنْ كَانَ إذَا نَقَضَ التَّدْبِيرَ فَقَدْ جَعَلَهُ لَهُ فَأَثْبَتَ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرِدْ نَقْضُهُ فَقَدْ جَعَلَ لَهُ نَقْضَهُ وَهُوَ لَا يُرِيدُهُ، وَمَا مَعْنَى يَتَقَاوَمَانِهِ وَهُمَا لَا يُرِيدَانِ التَّقَاوُمَ وَلَا وَاحِدَ مِنْهُمَا؟ مَا أَعْرِفُ لِ " يَتَقَاوَمَانِهِ " وَجْهًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِلْمِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَالْقَوْلُ فِيهِ فِي قَوْلِ مَنْ لَا يَبِيعُهُ مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ مُدَبَّرٌ كُلُّهُ وَعَلَى الْمُدَبِّرِ السَّيِّدِ نِصْفُ قِيمَتِهِ.
وَهَكَذَا قَالَ مَنْ قَالَ لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ فَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّا إذَا جَعَلْنَا لِسَيِّدِهِ نَقْضَ تَدْبِيرِهِ وَبَيْعَهُ فَتَدْبِيرُهُ وَصِيَّةٌ، وَهُوَ بِحَالَةِ مُدَبَّرِ النِّصْفِ مَرْقُوقِ النِّصْفِ لَلشَّرِيك؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهُ فَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ.

[الْمُكَاتَبُ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَطَاءٍ: مَا الْخَيْرُ؟ الْمَالُ، أَوْ الصَّلَاحُ، أَوْ كُلُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَا نَرَاهُ إلَّا الْمَالَ، قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ وَكَانَ رَجُلَ صِدْقٍ؟ قَالَ: مَا أَحْسَبُ خَيْرًا إلَّا.
(8/32)

ذَلِكَ الْمَالَ قَالَ مُجَاهِدٌ {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] الْمَالُ كَائِنَةٌ أَخْلَاقُهُمْ وَأَدْيَانُهُمْ مَا كَانَتْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْخَيْرُ كَلِمَةٌ يُعْرَفُ مَا أُرِيدَ مِنْهَا بِالْمُخَاطَبَةِ بِهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 7] فَعَقْلنَا أَنَّهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بِالْإِيمَانِ وَعَمَلِ الصَّالِحَاتِ لَا بِالْمَالِ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} [الحج: 36] فَعَقَلْنَا أَنَّ الْخَيْرَ الْمَنْفَعَةُ بِالْأَجْرِ لَا أَنَّ لَهُمْ فِي الْبُدْنِ مَالًا.
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: 180] فَعَقَلْنَا أَنَّهُ إنْ تَرَكَ مَالًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ الْمَتْرُوكَ وَبِقَوْلِهِ {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] قَالَ: فَلَمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] كَانَ أَظْهَرُ مَعَانِيهَا بِدَلَالَةِ مَا اسْتَدْلَلْنَا بِهِ مِنْ الْكِتَابِ قُوَّةً عَلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ وَأَمَانَةً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ قَوِيًّا فَيَكْسِبُ فَلَا يُؤَدِّي إذَا لَمْ يَكُنْ ذَا أَمَانَةٍ، وَأَمِينًا فَلَا يَكُونُ قَوِيًّا عَلَى الْكَسْبِ فَلَا يُؤَدِّي، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ عِنْدِي، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، فِي قَوْلِهِ {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] إلَّا هَذَا وَلَيْسَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ إنْ عَلِمْت فِي عَبْدِك مَالًا بِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَالَ لَا يَكُونُ فِيهِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَهُ لَا فِيهِ، وَلَكِنْ يَكُونُ فِيهِ الِاكْتِسَابُ الَّذِي يُفِيدُ الْمَالَ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ لِسَيِّدِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ أَنْ يُكَاتِبَهُ بِمَالِهِ إنَّمَا يُكَاتِبُهُ بِمَا يُفِيدُ الْعَبْدُ بَعْدُ بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْنَعُ مَا أَفَادَ الْعَبْدَ لِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ، قَالَ: وَلَعَلَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْخَيْرَ الْمَالُ أَنَّهُ أَفَادَ بِكَسْبِهِ مَالًا لِلسَّيِّدِ، فَيُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ كَمْ يَقْدِرُ مَالًا يَعْتِقُ بِهِ كَمَا أَفَادَ أَوَّلًا، وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ الْبَالِغَانِ فِي هَذَا سَوَاءٌ، كَانَا ذَوِي صَنْعَةٍ أَوْ غَيْرَ ذَوِي صَنْعَةٍ، إذَا كَانَ فِيهِمَا قُوَّةٌ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَالْأَمَانَةِ. مَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ قَوِيًّا أَمِينًا
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إذَا عَلِمْت أَنَّ فِيهِ خَيْرًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أَرَاهُ إلَّا وَاجِبًا وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقُلْت لِعَطَاءٍ: أَتَأْثُرُهَا عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَمَّا إذَا كَانَ الْمَمْلُوكُ قَوِيًّا عَلَى الِاكْتِسَابِ غَيْرَ أَمِينٍ، أَوْ أَمِينًا غَيْرَ قَوِيٍّ فَلَا شَكَّ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فِي أَنْ لَا تَجِبَ مُكَاتَبَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَإِذَا جَمَعَ الْقُوَّةَ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَالْأَمَانَةَ فَأَحَبُّ إلَيَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُكَاتِبَهُ وَلَمْ أَكُنْ أَمْتَنِعُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - مِنْ كِتَابَةِ مَمْلُوكٍ لِي جَمَعَ الْقُوَّةَ وَالْأَمَانَةَ وَلَا لِأَحَدٍ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ يُجْبِرَ الْحَاكِمُ أَحَدًا عَلَى كِتَابَةِ مَمْلُوكَةٍ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ أَنْ تَكُونَ إرْشَادًا وَإِبَاحَةً لِكِتَابَةٍ يَتَحَوَّلُ بِهَا حُكْمُ الْعَبْدِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ لَا حَتْمًا كَمَا أُبِيحَ الصَّيْدُ الْمَحْظُورُ فِي الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَالْبَيْعُ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا أَنَّهُ حَتْمٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَصِيدُوا وَيَبِيعُوا، وَقَدْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ عَدَدٌ مِمَّنْ لَقِيَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنْ قِيلَ: فَهَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ غَيْرُ مَا وَصَفْت؟ قِيلَ: أَرَأَيْت إذَا قِيلَ فَكَاتِبُوهُمْ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَوْجَبَ كَمَا وَجَبَتْ الْمُتْعَةُ إلَّا وَهُوَ مَحْدُودٌ بِأَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكِتَابَةِ، أَوْ لِغَايَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَإِنْ قِيلَ: لَا فَلَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ عَلِمْته فِي أَنَّ عَبْدًا لِرَجُلٍ ثَمَنُهُ أَلْفٌ لَوْ قَالَ لَهُ: كَاتِبْنِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى هَذَا، فَإِذَا قِيلَ: فَعَلَى كَمْ؟ فَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ: أُكَاتِبُك عَلَى أَلْفٍ فَأَبَى الْعَبْدُ، أَيَخْرُجُ السَّيِّدُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَالَفَ أَنْ يُكَاتِبَهُ؟ فَإِنْ قِيلَ: نَعَمْ، قِيلَ: فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى قِيمَتِهِ، قِيلَ: فَالْكِتَابَةُ إنَّمَا تَكُونُ دَيْنًا وَالْقِيمَةُ لَا تَكُونُ بِالدَّيْنِ وَلَوْ كَانَتْ
(8/33)

بِدَيْنٍ لَمْ تَكُنْ إلَّا عَلَى مَنْ لَهُ ذِمَّةٌ تَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَالْعَبْدُ لَيْسَتْ لَهُ ذِمَّةٌ تَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَلَّكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْعِبَادَ رَقِيقَهُمْ وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنْ لَا يَخْرُجَ الْعَبْدُ مِنْ يَدَيْ سَيِّدِهِ إلَّا بِطَاعَتِهِ فَهَلْ هَذَا لَمْ يُبِنْ أَنْ أَوْجَبَ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ كُلًّا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ قَالَ: وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ وَلَوْ آجَرَ رَجُلٌ عَبْدَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ الْعَبْدُ أَنْ يُكَاتِبَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ مِنْ قَبْلِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ فِي إجَارَتِهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْكَسْبِ بِخَدْمَةِ مُسْتَأْجِرِهِ وَلَوْ كَاتَبَهُ وَهُوَ أَجِيرٌ كَانَتْ الْكِتَابَةُ مُنْفَسِخَةً، وَلَوْ فَسَخَ الْمُسْتَأْجِرُ الْإِجَارَةَ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ حَتَّى يُجَدِّدَ السَّيِّدُ كِتَابَتَهُ بِرِضَا الْعَبْدِ، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33] دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ أَنْ يُكَاتِبَ مَنْ يَعْقِلُ لَا مَنْ لَا يَعْقِلُ فَأُبْطِلَتْ أَنْ تُبْتَغَى الْكِتَابَةُ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مَعْتُوهٍ وَلَا غَيْرِ بَالِغٍ بِحَالٍ وَإِنَّمَا أَبْطَلْنَا كِتَابَةَ غَيْرِ الْبَالِغِينَ وَالْمَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمْ كَاتَبُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، أَوْ كَانَتْ عَنْهُمْ غَيْرُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ. وَإِنَّمَا أَبْطَلْنَا أَنْ يُكَاتِبَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا أَمْرَ لَهُ فِي مَالِهِ وَأَنْ يُكَاتِبَ عَنْهُ وَلِيُّهُ؛ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ فِي الْكِتَابَةِ لَهُ وَإِنَّهُ عَتَقَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتِقَ.

[هَلْ فِي الْكِتَابَةُ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ كِتَابَةَ عَبْدِهِ غَيْرَ قَوِيٍّ وَلَا أَمِينٍ، أَوْ لَا أَمِينَةٍ كَذَلِكَ أَوْ غَيْرِ ذَاتِ صَنْعَةٍ لَمْ أَكْرَهُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ تَطَوُّعِهِ بِالْكِتَابَةِ، وَهِيَ مُبَاحَةٌ إذَا أُبِيحَتْ فِي الْقَوِيِّ الْأَمِينِ أُبِيحَتْ فِي غَيْرِهِ. وَالثَّانِي مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ قَدْ يَكُونُ قَوِيًّا بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فِي الصَّدَقَاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرَضَ فِيهَا لِلرِّقَابِ وَهُمْ عِنْدَنَا الْمُكَاتَبُونَ، وَلِهَذَا لَمْ أَكْرَهْ كِتَابَةَ الْأَمَةِ غَيْرِ ذَاتِ الصَّنْعَةِ لِرَغْبَةِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ مُتَطَوِّعِينَ عَلَى الْمُكَاتَبِينَ، قَالَ: وَلَمْ يُشْبِهْ الْكِتَابَةُ أَنْ تُكَلَّفَ الْأَمَةُ الْكَسْبَ؛ لِأَنَّهَا لَا حَقَّ لَهَا إذَا كُلِّفَتْ كَسْبًا بِلَا كِتَابَةٍ فِي الصَّدَقَاتِ وَلَا رَغْبَةِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهَا مُتَطَوِّعِينَ كَرَغْبَتِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَيْهَا مُكَاتَبَةً (قَالَ) : وَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَمْنَعَ الرَّجُلَ أَنْ يُخَارِجَ عَبْدَهُ إذَا كَانَ ذَا صَنْعَةٍ مُكْتَسِبًا إذَا كَرِهَ ذَلِكَ الْعَبْدُ، وَلَكِنْ يُؤَاجِرُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ وَلَا أَكْرَهُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ صَدَقَاتِ النَّاسِ فَرِيضَةً وَنَافِلَةً، فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ فَهِيَ كَمَا مَلَكَ الْمُكَاتَبُ، وَأَمَّا النَّافِلَةُ فَشَيْءٌ صَارَ لَهُ بِالْعَطَاءِ وَالْقَبْضِ، وَقَدْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَأَكَلَ مِنْ صَدَقَةٍ تُصُدِّقَ بِهَا عَلَى بَرِيرَةَ، وَقَالَ: هِيَ لَنَا هَدِيَّةٌ وَعَلَيْهَا صَدَقَةٌ» ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَهِيَ لِلسَّيِّدِ تَحِقُّ كَحَقِّ الْغَرِيمِ عَلَى رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ (قَالَ) : وَمِنْ أَيْنَ أَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَى سَيِّدِهِ حَلَالًا لَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَهُ وَيُجْبَرَ عَلَى قَبُولِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ أَدَّى إلَيْهِ مِنْ حَرَامٍ فَلَا يَحِلُّ قَبُولُ الْحَرَامِ (قَالَ) : فَإِنْ قَالَ الْمُكَاتَبُ: كَسَبْته مِنْ حَلَالٍ جَبَرَ الْحَاكِمُ سَيِّدَهُ عَلَى أَخْذِهِ، أَوْ إبْرَائِهِ مِنْهُ وَلَا يَحِلُّ لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ إذَا عَلِمَهُ مِنْ حَرَامٍ، فَإِنْ سَأَلَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْحَاكِمَ إحْلَافَ مُكَاتَبِهِ مَا أَصَابَهُ مِنْ حَرَامٍ فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُحَلِّفَهُ، فَإِنْ نَكَلَ وَحَلَفَ السَّيِّدُ لَقَدْ أَصَابَهُ مِنْ حَرَامٍ لَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى أَخْذِهِ وَقَالَ لِلْمُكَاتَبِ: أَدِّ إلَيْهِ مِنْ حَلَالٍ، أَوْ مِنْ شَيْءٍ لَا نَعْرِفُهُ حَرَامًا فَإِنْ فَعَلَ جَبَرَهُ عَلَى أَخْذِهِ وَإِلَّا عَجَّزَهُ إنْ شَاءَ سَيِّدُهُ (قَالَ) : وَلَا يُجْبِرُهُ إلَّا عَلَى أَخْذِ الَّذِي كَاتَبَهُ
(8/34)

عَلَيْهِ إنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ لَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى أَخْذِ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى عَرَضٍ لَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى أَخْذِ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى عِوَضٍ لَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى أَخْذِ قِيمَتِهِ وَلَكِنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ جِيَادٍ فَأَدَّى إلَيْهِ مِنْ رَأْسِهِ مَثَاقِيلَ جِيَادٍ أَجْبَرَهُ عَلَى أَخْذِهَا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجَوْدَةِ يَقَعُ عَلَيْهَا وَعَلَى مَا دُونَهَا وَهِيَ تَصْلُحُ لِمَا لَا تَصْلُحُ لَهُ الْجِيَادُ غَيْرُهَا مِنْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَوْدَةِ وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ جُدُدٍ جِيَادٍ مِنْ ضَرْبِ سَنَةِ كَذَا فَأَدَّى إلَيْهِ خَيْرًا مِنْهَا مِنْ ضَرْبِ غَيْرِ تِلْكَ السَّنَةِ فَإِنْ كَانَتْ الدَّنَانِيرُ الَّتِي شَرَطَ تُنْفَقُ بِبَلَدِهِ وَلَا يُنْفِقُ بِهَا الَّذِي أَعْطَاهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ خَيْرًا وَهَكَذَا هَذَا فِي التَّمْرِ وَالْعُرُوضِ وَلَوْ كَاتَبَهُ بِتَمْرِ عَجْوَةٍ فَأَدَّى إلَيْهِ صَيْحَانِيًّا وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الْعَجْوَةِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَخْذِهِ وَيُجْبَرُ عَلَى عَجْوَةٍ أَجْوَدَ مِنْ شَرْطِهِ بِجَمِيعِ صِفَتِهِ وَيَزِيدُ الْفَضْلُ عَلَى مَا بِيعَ عَلَيْهِ صِفَتَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَصْلُحُ شَرْطُهُ لِغَيْرِ مَا يَصْلُحُ لَهُ مَا أَعْطَاهُ أَوْ يُنْفِقُ بِبَلَدِهِ وَلَا يُنْفِقُ بِهِ مَا أَعْطَاهُ.

[تَفْسِيرُ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ]
ْ} [النور: 33]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا وَوَضَعَ عَنْهُ خَمْسَةَ آلَافٍ أَحْسَبُهُ قَالَ: مِنْ آخِرِ نُجُومِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ عِنْدِي مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241] فَيُجْبَرُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ مِمَّا عَقَدَ عَلَيْهِ الْكِتَابَةَ شَيْئًا وَإِذَا وَضَعَ عَنْهُ شَيْئًا مَا كَانَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ جُبِرَ وَرَثَتُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا وَضَعَ عَنْهُ الْحَاكِمُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ مِنْ كِتَابَتِهِ وَمَا زَادَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ أَوْ وَرَثَتُهُ إذَا كَانَتْ أُمُورُهُمْ جَائِزَةً فَهُمْ مُتَطَوِّعُونَ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ جَبَرْت سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَنْ يَضَعَ عَنْهُ وَلَمْ تُجْبِرْهُ عَلَى أَنْ يُكَاتِبَهُ؟ قِيلَ: لِبَيَانِ اخْتِلَافِهِمَا، فَإِنَّهُ إذَا كَاتَبَهُ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ وَمَا أَعْطَاهُ لَهُ دُونَ مَا كَانَ مُكَاتِبًا وَهُوَ إذَا كَانَ رَقِيقًا لَا يُمْنَعُ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ رِقِّهِ، وَمَا مَلَكَ الْعَبْدُ فَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ لِسَيِّدِهِ وَمَا مَلَكَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ مَلَكَهُ الْعَبْدُ دُونَهُ (قَالَ) : وَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْكِتَابَةَ كُلَّهَا فَعَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْئًا، فَإِنْ مَاتَ فَعَلَى وَرَثَتِهِ، وَإِنْ كَانَ وَارِثُهُ مُولِيًا، أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي مَالِهِ أَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، أَوْ وَصِيَّةٌ جَعَلَ لِلْمُكَاتَبِ أَدْنَى الْأَشْيَاءِ يُحَاصِصُهُم بِهِ.
وَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ كِتَابَتَهُ، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ وَأَوْصَى إلَى أَحَدٍ دَفَعَهُ إلَى الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَنْ رَضِيَهُ لَهُ وَيُجْبِرُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَقَلَّ الْأَشْيَاءِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَسَيِّدُهُ وَقَدْ أَدَّى فَعَلَى الْوَرَثَةِ مِنْ هَذَا مَا كَانَ عَلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ حَتَّى يُؤَدُّوهُ مِنْ مَالِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُحَاصُّوا أَهْلَ الدَّيْنِ إلَّا بِأَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ.
وَإِنْ كَانُوا مُتَطَوِّعِينَ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يُحَاصَّ بِهِ الْمُكَاتَبُ وَلَمْ يُخْرِجُوهُ مِنْ مَالِ أَبِيهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ إلَّا أَقَلُّ الْأَشْيَاءِ، فَإِذًا أَخْرَجُوا الْأَقَلَّ لَمْ يَضْمَنُوا؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ فَأَعْطَى وَارِثُهُ الْمُكَاتَبَ أَكْثَرَ مِنْ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ كَانَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ الْوَرَثَةِ رَدُّهُ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ لِأَهْلِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ لَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ مِنْ مَالٍ لَيْسَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهَكَذَا سَيِّدُهُ لَوْ فَلَّسَ، فَأَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ سَيِّدُهُ شَيْئًا وَلَمْ يُفَلِّسْ أَوْ وَضَعَهُ عَنْهُ فَهُوَ جَائِزٌ لَهُ وَالشَّيْءُ كُلُّ مَالِهِ ثَمَنٌ وَإِنْ قَلَّ ثَمَنُهُ فَكَانَ أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَنَانِيرَ فَأَعْطَاهُ حَبَّةَ ذَهَبٍ، أَوْ أَقَلَّ مِمَّا لَهُ ثَمَنٌ جَازَ، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ فَكَذَلِكَ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ وَرِقًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقًا مِنْ شَيْءٍ كَاتَبَهُ عَلَيْهِ لَمْ يُجْبَرْ الْعَبْدُ عَلَى قَبُولِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَيُعْطِيَهُ مِمَّا أَخَذَ مِنْهُ لِأَنَّ
(8/35)

قَوْلَهُ {مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] يُشْبِهُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - آتَاكُمْ مِنْهُ، فَإِذَا أَعْطَاهُ شَيْئًا غَيْرَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ مِنْ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلَا تَرَى أَنِّي لَا أُجْبِرُ أَحَدًا لَهُ حَقٌّ فِي شَيْءٍ أَنْ يُعْطَاهُ مِنْ غَيْرِهِ؟

[مَنْ تَجُوزُ كِتَابَتُهُ مِنْ الْمَالِكِينَ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - بِالْفِعْلِ فِي الْمَمَالِيكِ مَنْ كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا فِي الْمَمَالِيكِ وَكَانَ غَيْرَ مَحْجُورٍ، فَلَيْسَ يَكُونُ هَكَذَا إلَّا حُرٌّ بَالِغٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ وَإِذَا كَاتَبَ الْحُرُّ الْمَحْجُورُ عَبْدَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَنْهُ الْحَجَرَ فَإِنَّ كِتَابَتَهُ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَدَّدَهَا بَعْدَ إطْلَاقِ الْحَجْرِ، وَالْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ فِي الرُّشْدِ وَالْحَجْرِ كَالْحُرِّ لَا يَخْتَلِفَانِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْطَلِقَ عَنْهُ الْحَجْرُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَنْهُ الْحَجْرُ، ثُمَّ تأداه الْكِتَابَةَ كُلَّهَا لَمْ يَعْتِقْ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَدَّدَ الْكِتَابَةَ بَعْدَ إطْلَاقِ الْحَجْرِ، أَوْ قَالَ بَعْدَ إطْلَاقِ الْحَجْرِ: إذَا أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ فَيَعْتِقُ بِهَذَا الْقَوْلِ لَا بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ كُلِّهَا، كَمَا لَوْ قَالَ هَذَا - لِعَبْدٍ لَهُ - إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَدَخَلَهَا بَعْدَ إطْلَاقِ الْحَجْرِ عَنْ السَّيِّدِ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يُجَدِّدَ يَمِينًا، أَوْ عِتْقًا بَعْدَ إطْلَاقِ الْحَجْرِ وَلَوْ ادَّعَى عَبْدٌ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ فَقَالَ: كَاتَبْتُك وَأَنَا مَحْجُورٌ، وَقَالَ الْعَبْدُ: كَاتَبَتْنِي وَأَنْتَ غَيْرُ مَحْجُورٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ وَعَلَى السَّيِّدِ الْبَيِّنَةُ، وَإِذَا كَاتَبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ، ثُمَّ حُجِرَ عَلَى السَّيِّدِ، أَوْ عَبْدِهِ كَانَتْ الْكِتَابَةُ عَلَى السَّيِّدِ ثَابِتَةً وَيَسْتَأْدِي وَلِيُّهُ الْكِتَابَةَ، وَإِذَا أَدَّى الْعَبْدُ فَهُوَ حُرٌّ (قَالَ) : وَلَوْ كَاتَبَ رَجُلٌ عَبْدَهُ وَهُوَ مُبَرْسَمٌ، أَوْ بِهِ أَلَمٌ، أَوْ عَارِضٌ غَالِبٌ عَلَى عَقْلِهِ، أَوْ مُزِيلٌ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ حِينَ كَاتَبَهُ فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ فَإِنْ أَفَاقَ فَأَثْبَتَهُ عَلَيْهَا فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ حَتَّى يُجَدِّدَهَا لَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَوْ أَعْتَقَهُ فِيهِ جَازَ عِتْقُهُ، أَوْ بَاعَهُ جَازَ بَيْعُهُ، وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى عَقْلِهِ فَالْكِتَابَةُ ثَابِتَةٌ إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى عَقْدِهَا فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا أُثْبِتُهُ وَإِذَا كَانَ غَيْرَ صَحِيحٍ لَمْ أُثْبِتْهُ بِحَالٍ يَأْتِي بَعْدَهُ.

[كِتَابَةُ الصَّبِيِّ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا كَاتَبَ الصَّبِيُّ عَبْدَهُ لَمْ تَجُزْ كِتَابَتُهُ بِإِذْنِ أَبِيهِ كَانَتْ الْكِتَابَةُ، أَوْ قَاضٍ، أَوْ وَلِيِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهُ عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ، وَإِذَا كَاتَبَ الصَّبِيُّ عَبْدَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ بَلَغَ فَأَثْبَتَهُ عَلَى الْكِتَابَةِ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ إلَّا أَنْ يُجَدِّدَهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ.

[مَوْتُ السَّيِّدِ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا، وَإِذَا كَاتَبَهُ، ثُمَّ أَفْلَسَ فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا، وَلَوْ كَاتَبَتْ أُمُّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرٌ مَمْلُوكًا لَهُمَا لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ وَلَوْ أَخَذَا جَمِيعَهَا لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُمَا مِمَّا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا عِتْقُهُ، وَإِذَا كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ عَبْدَهُ لَمْ تَجُزْ كِتَابَتُهُ وَلَوْ أَخَذَ الْكِتَابَةَ لَمْ يَعْتِقْ لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ وَلَا يَثْبُتُ لَهُ وَلَاءٌ كَانَ ذَلِكَ نَظَرًا مِنْهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ مِنْ الْعَبْدِ عَاجِلًا فِي أَوَّلِ كِتَابَتِهِ مِثْلَ قِيمَتِهِ مِرَارًا؛ لِأَنَّ كَسْبَ عَبْدِهِ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَبْدُهُ مِنْهُ بِعِتْقٍ وَلَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ مَالَهُ.
(8/36)

[كِتَابَةُ الْوَصِيِّ وَالْأَبِ وَالْوَلِيِّ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَيْسَ لِأَبٍ الصَّبِيِّ وَلَا لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ وَصِيًّا كَانَ، أَوْ مَوْلًى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا نَظَرَ فِيهَا لِلصَّغِيرِ وَلَا لِلْكَبِيرِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمُكَاتَبَ إذَا كَانَ ذَا مَالٍ، أَوْ أَمَانَةٍ وَاكْتِسَابٍ كَانَتْ رَقَبَتُهُ وَمَالُهُ وَاكْتِسَابُهُ لِلصَّبِيِّ وَالْمَوْلَى وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذِي أَمَانَةٍ لَمْ يَكُنْ النَّظَرُ أَنْ يَمْنَعَ بَيْعَهُ وَإِجَارَتَهُ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَيُكَاتِبُ عَلَى نُجُومِ تَمْنَعُ فِي مُدَّتِهَا لَهَا مِنْ مَنْفَعَتِهِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ، وَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يَنْصَحُ وَيَكْتَسِبُ إذَا كُوتِبَ نَصِيحَةً لَا يَنْصَحُهَا عَبْدًا، قِيلَ: فَإِنْ كَانَتْ نَصِيحَتُهُ بِمَالٍ يُؤَدِّيه عِنْدَهُ فأتطلبه فَهُوَ لِلصَّبِيِّ وَالْمَوْلَى عَلَيْهِ وَلَا يَمْنَعُ رَقَبَةَ الْعَبْدِ وَلَا مَنْفَعَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ نَصِيحَتُهُ اكْتِسَابًا فَأَجْرُهُ فَإِنْ خَبُثَ أَدَّبَهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يُخَالِفُ أَنْ يَأْبَقَ إنْ لَمْ يُكَاتَبْ، قِيلَ: وَلَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ إذَا كُوتِبَ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى إذَا تَقَارَبَ حُلُولُ نَجْمِهِ أَبَقَ، فَلَيْسَتْ الْكِتَابَةُ نَظَرًا بِحَالٍ، وَإِنَّمَا أَجَزْنَاهَا عَلَى مَنْ يَلِي مَالَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ جَازَ، فَإِنْ كَاتَبَ أَبُو الصَّبِيِّ، أَوْ وَلِيُّ الْيَتِيمِ، أَوْ الْمَوْلَى فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ أَدَّى الْعَبْدُ، أَوْ أَعْتَقَهُ فَالْعَبْدُ رَقِيقٌ بِحَالٍ، وَمَا يُؤَدِّي مِنْهُ حَلَالٌ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ أُعْطِيَ مِنْ سَهْمِ الرِّقَابِ رَجَعَ الْوَالِي عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مِمَّنْ صَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الرِّقَابِ، وَإِذَا بَاعَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَاسْتَوْفَى قِيمَتَهُ، أَوْ ازْدَادَ، أَوْ بَاعَهُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي نَظَرِ الْمَوْلَى لِعِتْقٍ، أَوْ غَيْرِهِ جَازَ الْبَيْعُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنْ مَالِهِ بِالْعَبْدِ لِلْمَوْلَى مَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْلِكَ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ عَلَى الْمُكَاتَبِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ الْمَوْلَى يَمْلِكُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ وَمَالِهِ وَكَسْبِهِ فِيمَا يَسْتَأْنِفُ وَاحِدٌ وَهَكَذَا لَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ أَبًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ أَنْ يَعْتِقَ عَبْدَهُ عَلَى مَالٍ يُعْطِيهِ إيَّاهُ الْعَبْدُ إنْ أَعْطَاهُ وَقَبَضَ الْمَالَ مِنْ الْعَبْدِ، أَوْ أَعْتَقَهُ عَلَيْهِ فَالْمَالُ لِلْمَوْلَى وَالْعِتْقُ بَاطِلٌ وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الْمَوْلَى أَيًّا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ أَحَدٍ بِدَيْنٍ فَإِنْ بَاعَهُ بِدَيْنٍ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ وَلَوْ أَعْتَقَهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ كَانَ الْعِتْقُ مَرْدُودًا وَفِي عِتْقِ الْأَبِ وَالْوَلِيِّ عَبْدَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ عَلَى مَالٍ، أَوْ مُكَاتَبَتِهِ مَعْنًى بِأَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ إلَّا لِلْمُعْتِقِ وَالْمَوْلَى غَيْرَ مُعْتَقٍ وَالْمُعْتِقُ غَيْرُ مَالِكٍ وَلَا يَجُوزُ الْعِتْقُ لِغَيْرِ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى بَالِغًا فَأَذِنَ بِذَلِكَ لِوَلِيِّهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّغِيرِ فِي أَنْ لَا يَجُوزَ أَمْرُهُ فِي مَالِهِ حَتَّى يَجْمَعَ الْبُلُوغَ وَالرُّشْدَ وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بَالِغٍ أَوْ صَبِيٍّ وَبَيْنَ رَجُلٍ يَلِي نَفْسَهُ لَمْ تَجُزْ كِتَابَتُهُ أَذِنَ فِيهَا الْمَحْجُورُ وَوَلِيُّهُ أَمْ لَمْ يَأْذَنَا وَإِذَا أَدَّى عَتَقَ نَصِيبُ غَيْرِ الْمَحْجُورِ وَيُرَاجَعُ هُوَ وَالْعَبْدُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَعَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَضُمِنَ لِلْمَحْجُورِ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ مَمْلُوكًا وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَحْجُورِ بِشَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ عَبْدِهِ.

[مَنْ تَجُوزُ كِتَابَتُهُ مِنْ الْمَمَالِيكِ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ عَبْدًا لَهُ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ وَلَا عَبْدًا لَهُ غَيْرَ بَالِغٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْقُولًا عَنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ إنَّمَا خَاطَبَ بِالْفَرَائِضِ الْبَالِغِينَ غَيْرَ الْمَغْلُوبِينَ عَلَى عُقُولِهِمْ، فَالْكِتَابَةُ إذَا كَانَتْ فَرِيضَةً لِلْعَبْدِ لَازِمَةً عَلَى سَيِّدِهِ وَلِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ فِيهَا أَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَالْوَفَاءُ وَلَيْسَ الصَّغِيرُ وَلَا الْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ فَرْضٌ بِقَوْلِهِ كَمَا لَا يُحَدُّ بِقَوْلِهِ وَلَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي شَيْءٍ لِلَّهِ وَلَا لِلنَّاسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ أَبُو الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ
(8/37)

عَنْهُمَا وَلَا أُمِّهِمَا إنْ كَانَا مَمْلُوكَيْنِ وَكَاتَبَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ عَلَيْهِمَا دُونَ أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ بِشَيْءٍ خَلَا الْكِتَابَةِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا الَّتِي هِيَ سَبَبُ فِكَاكِ رِقِّهِ فَأَمَّا أَنْ يَحْمِلَ عَنْ غَيْرِهِ فَلَا وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَبَوَاهُمَا حُرَّيْنِ فَكَاتَبَا عَنْهُمَا عَلَى نُجُومٍ وَضَمِنَهَا الْأَبَوَانِ فَشَرَطَ السَّيِّدُ أَنَّهُمَا مَمْلُوكَانِ حَتَّى يُؤَدِّيَا إلَيْهِ هَذَا الْمَالَ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ وَإِنْ أَدَّيَا إلَيْهِ عَنْهُمَا عَتَقَا كَمَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ وَيَأْخُذُ السَّيِّدُ قِيمَةَ الْمُعْتَقِ مِنْهُمَا وَيَتَرَاجَعُونَ كَمَا وَصَفْت فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ فِي الْيَمِينِ وَلَيْسَ لِأَبَوَيْهِمَا إذَا أَعْتَقَا أَنْ يَرْجِعَا عَلَى السَّيِّدِ بِمَا أَعْطَيَاهُ عَلَى عِتْقِهِمَا كَمَا لَيْسَ لَهُمَا لَوْ قَالَا أَعْتِقْ عَبْدَك عَلَى مِائَةِ فَأَعْتَقَهُ أَنْ يَرْجِعَا كَمَا لَوْ أَعْطَيَاهُ مِائَةً، أَوْ ضَمِنَاهَا لَهُ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهُ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا وَلَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا فِي الضَّمَانِ لَهُ مَا لَمْ يَعْتِقْهُ وَكَذَلِكَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ يَرْجِعَانِ مَا لَمْ يَعْتِقَا (قَالَ) : وَإِذَا أَرَادَ أَبَوَاهُمَا أَنْ يَجُوزَ هَذَا اشْتَرَيَاهُمَا بِنَقْدٍ، أَوْ دَيْنٍ إلَى أَجَلٍ، أَوْ حَالٍّ فَإِذَا فَعَلَا لَزِمَهُمَا الْمَالُ وَكَانَ الِابْنَانِ حُرَّيْنِ بِمُلْكِ الْأَبَوَيْنِ لَهُمَا وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّونَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا إلَّا أَنَّ الْأَجْنَبِيَّيْنِ إذَا اشْتَرَوْهُمَا لَمْ يَعْتِقَا حَتَّى يُحْدِثُوا لَهُمَا عِتْقًا، وَلَوْ كَاتَبَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ وَابْنٌ لَهُ صَغِيرٌ كَانَتْ الْكِتَابَةُ بَاطِلَةً وَكَذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَابْنٌ لَهُ مَعْتُوهٌ، أَوْ بَالِغٌ غَيْرُ مَعْتُوهٍ غَائِبٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا وَلَدَ لَهُ مِنْ غَيْرِ أَمَةٍ لَهُ لَمْ يَجُزْ هَذَا، وَإِذَا كَاتَبَ الْعَبْدُ بَالِغًا صَحِيحًا، ثُمَّ غَلَبَ الْعَبْدُ عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُعْجِزَهُ حَتَّى يَحِلَّ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِهِ فَإِذَا حَلَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْجِيزُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ بِحَالٍ حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمُ وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُعَجِّزَهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ مَالِهِ فَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا يُؤَدِّي إلَى سَيِّدِهِ مِنْهُ الْكِتَابَةَ أَدَّاهَا وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَا يُؤَدِّي عَنْهُ الْكِتَابَةَ، أَوْ النَّجْمَ الَّذِي حَلَّ عَلَيْهِ مِنْهَا عَجَّزَهُ فَإِنْ عَجَّزَهُ، ثُمَّ أَفَاقَ فَدَلَّ عَلَى مَالٍ لَهُ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ قَبْلَ إفَاقَتِهِ أُبْطِلَ التَّعْجِيزَ عَنْهُ وَجَعَلَهُ مُكَاتَبًا بِحَالِهِ إذَا كَانَ الْمَالُ لَهُ قَبْلَ التَّعْجِيزِ وَادَّعَى ذَلِكَ الْمُكَاتَبُ فَإِنْ كَانَ مَالًا أَفَادَهُ بَعْدَ التَّعْجِيزِ جَعَلَهُ لِسَيِّدِهِ وَلَمْ يُرَدَّ التَّعْجِيزُ وَلَوْ وَجَدَ الْحَاكِمُ لَهُ فِي ذَهَابِ عَقْلِهِ مَا يُؤَدِّي عَنْهُ كِتَابَتَهُ فَأَدَّاهُ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا وَلَمْ يَجِدْ لَهُ نَفَقَةً وَلَا أَحَدًا يَتَطَوَّعُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ عَجَّزَهُ وَأَلْزَمَ السَّيِّدَ نَفَقَتَهُ وَلَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَتُهُ بِحَالٍ حَتَّى يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالْعَجْزِ
فَإِذَا وَجَدَ لَهُ مَالًا كَانَ قَبْلَ التَّعْجِيزِ فُكَّ التَّعْجِيزُ عَنْهُ وَيَرُدُّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهِ فِي ذَلِكَ الْمَالِ مَعَ كِتَابَتِهِ
(قَالَ) : وَيُبَيِّنُ مَا وَصَفْت فِي كِتَابِ تَعْجِيزِهِ إيَّاهُ، وَلَوْ غُلِبَ الْمُكَاتَبُ عَلَى عَقْلِهِ وَأَدَّى عَنْهُ السُّلْطَانُ كَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنْهُ مِنْ حَقِّهِ، فَإِذَا أَدَّى عَنْهُ رَجُلٌ مُتَطَوِّعًا فَعَلَى الْحَاكِمِ قَبُولُ ذَلِكَ لِلْمُكَاتَبِ حَتَّى يَصِيرَ مَالًا لَهُ ثُمَّ يُعْطِيه سَيِّدَهُ وَلَيْسَ عَلَى السَّيِّدِ قَبُولٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُتَطَوِّعُ عَنْهُ قَدْ مَلَّكْته إيَّاهُ فَيَلْزَمُ السَّيِّدَ قَبُولُهُ عَنْ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَبَى السَّيِّدُ أَنْ يَقْبَلَهُ عَنْهُ وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَى الْقَاضِي فَعَجَّزَهُ، ثُمَّ عَلِمَهُ رَدَّ تَعْجِيزَهُ وَأَخَذَ بِمَا تُطُوِّعَ بِهِ عَلَيْهِ إنْ أَعْطَاهُ الْمُتَطَوِّعُ فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.

[كِتَابَةُ النَّصْرَانِيِّ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ النَّصْرَانِيُّ عَبْدَهُ عَلَى مَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ عَلَيْهِ فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ وَإِنْ تَرَافَعَا إلَيْنَا أَنَفَذْنَاهَا.
فَإِنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُعَجِّزَهُ فَإِنْ شَاءَ الْعَجْزَ بِعْنَاهُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ أَمَتُهُ يُكَاتِبُهَا، ثُمَّ تُسْلِمُ إنْ شَاءَتْ الْعَجْزَ بِعْنَاهَا وَإِنْ لَمْ تَشَأْهُ أَثْبَتْنَا الْكِتَابَةَ.
وَإِنْ أَسْلَمَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ نَصْرَانِيٌّ بِحَالِهِ فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَا جَمِيعًا.
وَلَوْ كَاتَبَ نَصْرَانِيٌّ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا عَلَى خَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ شَيْءٍ لَهُ ثَمَنٌ عِنْدَهُمْ مُحَرَّمٌ عِنْدَنَا فَجَاءَنَا السَّيِّدُ يُرِيدُ إبْطَالَ الْكِتَابَةِ وَالْعَبْدُ يُرِيدُ إثْبَاتَهَا أَوْ الْعَبْدُ يُرِيدُ إبْطَالَهَا وَالسَّيِّدُ يُرِيدُ إثْبَاتَهَا
(8/38)

أَبْطَلْنَاهَا؛ لِأَنَّهُمَا جَاءَانَا (قَالَ) : وَنُبْطِلُهَا مَا لَمْ يُؤَدِّ الْمُكَاتَبُ الْخَمْرَ، أَوْ الْخِنْزِيرَ وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، فَإِذَا أَدَّى الْخَمْرَ، أَوْ الْخِنْزِيرَ وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، ثُمَّ تَرَافَعَا إلَيْنَا، أَوْ جَاءَنَا أَحَدُهُمَا فَقَدْ عَتَقَ وَلَا يُزَادُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَضَى فِي النَّصْرَانِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ ثَمَنِ خَمْرٍ بِيعَ عِنْدَهُمْ، وَلَوْ كَاتَبَهُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ بِخَمْرٍ فَأَدَّاهَا إلَّا قَلِيلًا، ثُمَّ أَسْلَمَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ بِحَالِهِ فَجَاءَانَا أَبْطَلْنَا الْمُكَاتَبَةَ كَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ خَمْرًا وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ، ثُمَّ جَاءَنَا السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ أَبْطَلْنَا الْمُكَاتَبَةَ، كَأَنَّهُ لَيْسَ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُؤَدِّيَ خَمْرًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَمْنَا جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُسْلَمْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَجَاءَنَا أَحَدُهُمَا أَبْطَلْنَا الْمُكَاتَبَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقْتَضِيَ خَمْرًا (قَالَ) : وَلَوْ أَسْلَمَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ، أَوْ أَحَدُهُمَا وَقَدْ بَقِيَ عَلَى الْعَبْدِ رِطْلُ خَمْرٍ فَقَبَضَ السَّيِّدُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ عَتَقَ الْعَبْدُ بِقَبْضِهِ آخِرَ كِتَابَتِهِ وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الْعَبْدِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا وَلَيْسَ لَهُ مِلْكُهَا إنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمَ فَلَيْسَ لَهُ قَبْضُهَا مِنْهُ وَلَا لِمُسْلِمٍ تَأْدِيَتُهَا إلَيْهِ.
وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا ابْتَاعَ عَبْدًا مُسْلِمًا، أَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ نَصْرَانِيٌّ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ كَاتَبَهُ بَعْدَ إسْلَامِ الْعَبْدِ عَلَى دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ شَيْءٍ تَحِلُّ كِتَابَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ أَوْ لَا تَحِلُّ فَفِيهَا قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْكِتَابَةَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِإِخْرَاجٍ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ تَامٍّ، وَمَتَى تَرَافَعُوا إلَيْنَا رَدَدْنَاهَا وَمَا أَخَذَ النَّصْرَانِيُّ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ عَبْدِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا الْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ عَتَقَ وَتَرَاجَعَا بِفَضْلِ قِيمَةِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ مَا قَبَضَ مِنْهُ النَّصْرَانِيُّ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِالْفَضْلِ وَإِنْ كَانَ مَا أَدَّى إلَيْهِ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ رَجَعَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ بِالْفَضْلِ عَنْ قِيمَتِهِ
وَلَوْ كَاتَبَهُ بِخَمْرٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ شَيْءٍ لَا ثَمَنَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَمَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً فَإِنْ أَدَّاهَا الْعَبْدُ عَتَقَ بِهَا وَرَجَعَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيُّ بِقِيمَةٍ تَامَّةٍ لِأَنَّهُ لَا ثَمَنَ لِلْخَمْرِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ لِلنَّصْرَانِيِّ جَارِيَةً كَانَتْ هَكَذَا فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ مَا لَمْ يَطَأْهَا فَإِنْ وَطِئَهَا فَلَمْ تَحْمِلْ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَإِنْ وَطِئَهَا فَحَمَلَتْ فَأَصْلُ كِتَابَتِهَا صَحِيحٌ وَهِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْعَجْزِ وَبَيْنَ أَنْ تَمْضِيَ عَلَى الْكِتَابَةِ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْمُضِيَّ عَلَى الْكِتَابَةِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ مَا لَمْ تَعْجَزْ، وَإِنْ اخْتَارَتْ الْعَجْزَ أَوْ عَجَزَتْ جُبِرَ عَلَى بَيْعِهَا مَا لَمْ تَلِدْ، فَإِنْ وَلَدَتْ لَهُ فَالْوَلَدُ مُسْلِمٌ حُرٌّ بِإِسْلَامِهَا لَا سَبِيلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِكِهَا وَإِنْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ فَمَاتَ النَّصْرَانِيُّ فَهِيَ حُرَّةٌ بِمَوْتِهِ وَيَبْطُلُ عَنْهَا مَا بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ الْكِتَابَةِ وَلَهَا مَالُهَا لَيْسَ لِوَرَثَتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ مَالِهَا بِالْكِتَابَةِ، ثُمَّ صَارَتْ حُرَّةً فَصَارُوا مَمْنُوعِينَ مِنْهُ بِحُرِّيَّتِهَا، وَإِنْ وَلَدَتْ وَعَجَزَتْ أَخَذَ بِنَفَقَتِهَا وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إصَابَتِهَا، فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ وَتَعْمَلُ لَهُ مَا تُطِيقُ وَلَهُ مَا اكْتَسَبَتْ وَجَنَى عَلَيْهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ النَّصْرَانِيَّ إذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ بِشَيْءٍ يَحِلُّ فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ، فَإِنْ عَجَزَ بِيعَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَارَ الْعَجْزَ بِيعَ عَلَيْهِ، وَإِذَا أَدَّى عَتَقَ وَكَانَ لِلنَّصْرَانِيِّ وَلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ مُعْتِقٌ وَإِذَا كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً بِيعَ مَا لَمْ يُؤَدِّ فَيَعْتِقْ، فَإِنْ أَدَّى فَعَتَقَ بِالْأَدَاءِ فَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلنَّصْرَانِيِّ وَيَتَرَاجَعَانِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ مَمْلُوكًا وَتَكُونُ لِلنَّصْرَانِيِّ عَلَيْهِ دَيْنًا.
(قَالَ) : وَجِنَايَةُ عَبْدِ النَّصْرَانِيِّ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ مُكَاتَبَتِهِ فِي الْحُكْمِ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا مِثْلُ جِنَايَةِ مُكَاتَبِ الْمُسْلِمِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ وَوَلَدِهِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْحُكْمِ.

[كِتَابَةُ الْحَرْبِيِّ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَإِذَا كَاتَبَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَا مُسْتَأْمَنَيْنِ أَثْبَتَ الْكِتَابَةَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ أَحْدَثَ لِعَبْدِهِ قَهْرًا عَلَى اسْتِعْبَادِهِ وَإِبْطَالِ الْكِتَابَةِ، فَإِذَا فَعَلَ
(8/39)

فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ وَلَوْ كَاتَبَ مُسْلِمٌ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ وَالْعَبْدُ مُسْلِمٌ، أَوْ كَافِرٌ كَانَتْ الْكِتَابَةُ ثَابِتَةً كَهِيَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ أَحْدَثَ لَهُ الْمُسْلِمُ قَهْرًا بَطَلَ بِهِ الْكِتَابَةُ، أَوْ أَدَّى إلَى الْمُسْلِمِ فَأُعْتِقَ وَالْعَبْدُ مُسْلِمٌ، أَوْ كَافِرٌ، ثُمَّ قَهَرَهُ الْمُسْلِمُ فَسَبَاهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَكَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ أَمَانٌ لَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ كَافِرًا وَعِتْقٌ تَامٌّ إنْ كَانَ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ كَافِرًا فَيَعْتِقُ بِكِتَابَةِ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ سَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَكُنْ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ لَهُ أَمَانًا مِنْ مُسْلِمٍ بِعِتْقِهِ إيَّاهُ وَلَوْ كَانَ أَعْتَقَهُ كَافِرٌ بِكِتَابَةٍ، أَوْ غَيْرِ كِتَابَةٍ فَسَبَاهُ الْمُسْلِمُونَ كَانَ رَقِيقًا؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُ مِنْ مُسْلِمٍ فَاَلَّذِي أَعْتَقَهُ نَفْسُهُ يُسْتَرَقُّ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ أَنَّ حَرْبِيًّا دَخَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَكَاتَبَ عَبْدَهُ عِنْدَنَا وَالْعَبْدُ كَافِرٌ فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ إلَى بِلَادِ الْحَرْبِ وَتَحَاكَمَا إلَيْنَا مَنَعْتُهُ مِنْ إخْرَاجِهِ وَوَكَّلَ مَنْ يَقْبِضُ نُجُومَهُ، فَإِذَا أَدَّى عَتَقَ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْحَرْبِيِّ وَقِيلَ: لَهُ إنْ أَرَدْتُ الْمُقَامَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَأَسْلِمْ، أَوْ أَدِّ الْجِزْيَةَ إنْ كُنْتَ مِمَّنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَإِنَّمَا تَرَكْنَاك تُقِيمُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ لِلْأَمَانِ لَك وَإِنَّك مَالٌ لَا جِزْيَةَ عَلَيْك.
وَلَوْ كَاتَبَ الْحَرْبِيُّ عَبْدًا لَهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَوْ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَا مُسْتَأْمَنَيْنِ، ثُمَّ لَحِقَ السَّيِّدُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَقُتِلَ أَوْ مَاتَ فَالْمُكَاتَبُ بِحَالٍ يُؤَدِّي نُجُومَهُ، فَإِذَا قُبِضَتْ دُفِعَتْ إلَى وَرَثَةِ الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَهُ كَانَ لَهُ أَمَانٌ وَلَوْ لَمْ يَمُتْ السَّيِّدُ وَلَمْ يُقْتَلْ وَلَكِنَّهُ سُبِيَ وَالْمُكَاتَبُ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَعْتِقْ الْمُكَاتَبُ وَلَمْ تَبْطُلْ كِتَابَتُهُ بِسَبْيِ السَّيِّدِ وَلَوْ سُبِيَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ لَمْ تَبْطُلْ الْكِتَابَةُ وَكَانَ الْمُكَاتَبُ مُكَاتَبًا بِحَالِهِ، فَإِنْ أَدَّى فَعَتَقَ نَظَرْت إلَى سَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ، فَإِنْ كَانَ قُتِلَ حِينَ سُبِيَ أَوْ مَنْ عَلَيْهِ، أَوْ فُودِيَ بِهِ فَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ وَإِنْ كَانَ اُسْتُرِقَّ فَمَاتَ رَقِيقًا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَاؤُهُ وَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَكَانَ لَا وَلَاءَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ أَجْعَلَ الْوَلَاءَ لِرَقِيقٍ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِأَحَدٍ بِسَبَبِهِ وَلَدٌ وَلَا سَيِّدَ لَهُ وَلَوْ أَعْتَقَ سَيِّدٌ الْمُكَاتَبَ بَعْدَ مَا اُسْتُرِقَّ كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَعْتَقَهُ وَصَارَ مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَاءٌ بِالْحُرِّيَّةِ، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَجْعَلُ الْوَلَاءَ إذَا أَعْتَقَ سَيِّدُهُ لِسَيِّدٍ لَهُ وَقَدْ رَقَّ؟ قِيلَ بِابْتِدَاءِ كِتَابَتِهِ، كَمَا أَجْعَلُ وَلَاءَ الْمُكَاتَبِ يُكَاتِبُهُ الرَّجُلُ، ثُمَّ يَمُوتُ السَّيِّدُ فَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ بِسِنِينَ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ كِتَابَتَهُ وَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَدَعْ الْمَيِّتُ شَيْئًا غَيْرَهُ وَالْمَيِّتُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ لَمْ تَبْطُلْ كِتَابَتُهُ حِينَ اُسْتُرِقَّ سَيِّدُهُ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ كَاتَبَهُ وَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ وَلَا يُبْطِلُهَا حَادِثٌ كَانَ مِنْ سَيِّدِهِ كَمَا لَا تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَلَا إفْلَاسِهِ وَلَا الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَاتَبَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَرَجَعَ السَّيِّدُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَسُبِيَ وَأَدَّى الْمُكَاتَبُ الْكِتَابَةَ وَالْحَرْبِيُّ رَقِيقٌ، أَوْ قَدْ مَاتَ رَقِيقًا، فَالْكِتَابَةُ لِجَمَاعَةِ أَهْلِ الْفَيْءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لَهَا إذَا بَطَلَ أَنْ يَمْلِكَ سَيِّدٌ الْمُكَاتَبَ، وَإِذَا لَمْ يَجُزْ بِأَنْ صَارَ رَقِيقًا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ أَنْ يَمْلِكَ مَالًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَمْلِكَهُ عَبْدُ سَيِّدِهِ لَهُ وَلَا قَرَابَةٌ لَهُ وَلَوْ قُتِلَ السَّيِّدُ، أَوْ سُبِيَ فَمَنَّ عَلَيْهِ قَبْلَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ رِقٌّ، أَوْ فُودِيَ بِهِ لَمْ يَكُنْ رَقِيقًا فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَرُدَّ مَالَهُ إلَى سَيِّدِهِ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ كَانَ، أَوْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ مَاتَ رُدَّ عَلَى وَرَثَتِهِ.
وَإِنْ اُسْتُرِقَّ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ، ثُمَّ عَتَقَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ إذًا مُكَاتَبَتُهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ يَدْفَعَ إلَيْهِ دَفَعَ إلَى وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَالًا مَوْقُوفًا لَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ مَالِكُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَالٌ كَانَ لَهُ أَمَانٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ نُبْطِلَ أَمَانَهُ وَلَا مِلْكَهُ مَا كَانَ رَقِيقًا وَلَا سَيِّدَ دُونَهُ إذَا لَمْ يَمْلِكْهُ هُوَ فَلَمَّا عَتَقَ كَانَتْ الْأَمَانَةُ مُؤَدَّاةً إلَيْهِ إذَا كَانَ مَالِكًا فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهَا إذَا كَانَ إذَا ضَرَبَ إلَيْهِ مَلَكَهَا غَيْرُهُ عَلَيْهِ كَمَا وَرَّثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْأَبَوَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ الْأَبَوَانِ مَمْلُوكِينَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُوَرَّثَا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ مَالَهُمَا مَالِكُهُمَا وَلَوْ عَتَقَ الْأَبَوَانِ قَبْلَ مَوْتِ الْوَلَدِ وَرِثَا، فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ مَلَكَ بَعْضَ هَذَا الْمَالِ قَبْلَ عِتْقِ السَّيِّدِ، قِيلَ: كَانَ مَوْقُوفًا لَيْسَ لِأَحَدٍ بِعَيْنِهِ مِلْكُهُ كَمَا يُوقَفُ مَالُ الْمُرْتَدِّ لِيَمْلِكَهُ هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ إذَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا جَرَى عَلَيْهِ الرِّقُّ فَمَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ لِأَهْلِ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا مَالَهُ بِأَنْ صَارَ غَيْرُهُ مَالِكًا لَهُ إذَا صَارَ رَقِيقًا. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَلَمْ يُحْدِثْ لَهُ
(8/40)

السَّيِّدُ قَهْرًا يَسْتَرِقُّهُ بِهِ حَتَّى خَرَجَا إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ وَلَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَأَدَّى الْمُكَاتَبُ بِهَا وَلَمْ يُحْدِثْ لَهُ السَّيِّدُ قَهْرًا وَخَرَجَا إلَيْنَا كَانَ حُرًّا.
وَلَوْ دَخَلَ إلَيْنَا حَرْبِيٌّ وَعَبْدُهُ بِأَمَانٍ فَكَاتَبَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ إلَى بِلَادِ الْحَرْبِ، ثُمَّ خَرَجَ عَبْدُهُ وَرَاءَهُ أَوْ مَعَهُ فَأَحْدَثَ لَهُ قَهْرًا بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَدَّى إلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَعْبَدَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَا مَعًا فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ عَبْدًا لَهُ كَمَا يَحْدُثُ قَهْرُ الْحُرِّ بِبِلَادٍ فَيَكُونُ لَهُ عَبْدًا.
وَلَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ إلَيْنَا بِأَمَانٍ، ثُمَّ كَاتَبَ عَبْدَهُ، ثُمَّ خَرَجَ الْحَرْبِيُّ إلَى بِلَادِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَسَبَوْا عَبْدًا لِحَرْبِيٍّ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ الْمُسْلِمُونَ كَانَ عَلَى مِلْكِ الْحَرْبِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَمَانٌ كَمَا لَوْ أَغَارُوا عَلَى نَصْرَانِيٍّ فَاسْتَعْبَدُوهُ ثُمَّ اسْتَنْقَذَهُ الْمُسْلِمُونَ كَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَمَانٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَغَارُوا عَلَى الْحَرْبِيِّ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ دَخَلَ بِأَمَانٍ فَسَبَوْهُ فَاسْتَنْقَذَهُ الْمُسْلِمُونَ كَانَ لَهُ أَمَانُهُ، وَلَوْ أَقَامَ مُكَاتَبُ الْحَرْبِيِّ فِي أَيْدِيهمْ حَتَّى يَمُرَّ بِهِ نَجْمٌ لَا يُؤَدِّيه كَانَ لِلْحَرْبِيِّ إنْ كَانَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَوْ بِلَادِ الْحَرْبِ أَنْ يُعَجِّزَهُ، فَإِنْ عَجَّزَهُ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، وَإِنْ لَمْ يُعَجِّزْهُ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ كِتَابَتُهُ صَحِيحَةً، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ كِتَابَتُهُ فَاسِدَةً بِشَرْطٍ فِيهَا أَوْ كَاتَبَهُ عَلَى حَرَامٍ مِثْلَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، فَإِذَا صَارَ إلَى الْمُسْلِمِينَ فَرَدَّهُ مَوْلَاهُ أَفْسَدُوا الْكِتَابَةَ.

[كِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ مِنْ الْمَالِكِينَ وَالْمَمْلُوكِينَ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَكَاتَبَ عَبْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الْحَاكِمُ مَالَهُ فَكِتَابَتُهُ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ فَأَمْرُهُ فِيهِ جَائِزٌ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الرِّدَّةِ، فَإِذَا وَقَفَ الْحَاكِمُ مَالَهُ حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يُقْتَلَ عَلَى الرِّدَّةِ فَيَصِيرَ مَالُهُ يَوْمئِذٍ فَيْئًا، أَوْ يَتُوبَ فَيَكُونَ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ تَجُزْ كِتَابَتُهُ، وَإِذَا كَاتَبَ الْمُرْتَدُّ عَبْدَهُ أَوْ كَاتَبَهُ قَبْلَ يَرْتَدَّ ثُمَّ ارْتَدَّ فَالْكِتَابَةُ ثَابِتَةٌ، قَالَ: وَلَا أُجِيزُ كِتَابَةَ السَّيِّدِ الْمُرْتَدِّ وَلَا الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ عَنْ الْإِسْلَامِ إلَّا عَلَى مَا أُجِيزُ كِتَابَةَ الْمُسْلِمِ وَلَيْسَ وَلَاءُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَالنَّصْرَانِيِّينَ.
وَمَنْ لَمْ يُسْلِمْ قَطُّ فَيُتْرَكُ عَلَى مَا اسْتَحَلَّ فِي دِينِهِ مَا لَمْ يَتَحَاكَمْ إلَيْنَا وَلَوْ تَأَدَّى السَّيِّدُ الْمُرْتَدُّ مِنْ مُكَاتَبِهِ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُرْتَدِّ كِتَابَةً حَرَامًا عَتَقَ بِهَا وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ تأداها مِنْهُ عَتَقَ بِهَا وَتَرَاجَعَا بِالْقِيمَةِ كَمَا وَصَفْت فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ وَلَوْ لَحِقَ السَّيِّدُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَقَفَ الْحَاكِمُ مَالَهُ وَتَأَدَّى مُكَاتَبَتَهُ فَمَتَى عَجَزَ، فَلِلْحَاكِمِ رَدُّهُ فِي الرِّقِّ.
وَمَتَى أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي كَاتَبَهُ، وَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْعَاقِدُ لِلْكِتَابَةِ وَإِذَا عَجَّزَ الْحَاكِمُ الْمُكَاتَبَ فَجَاءَ سَيِّدَهُ تَائِبًا فَالتَّعْجِيزُ تَامٌّ عَلَى الْمُكَاتَبِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ أَنْ يُجَدِّدَا الْكِتَابَةَ.
وَإِذَا وَقَفَ الْحَاكِمُ مَالَهُ نَهَى مُكَاتَبَهُ عَنْ أَنْ يَدْفَعَ إلَى سَيِّدِهِ شَيْئًا مِنْ نُجُومِهِ، فَإِذَا دَفَعَهَا إلَيْهِ لَمْ يُبْرِئْهُ مِنْهَا وَأَخَذَهُ بِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ فَارْتَدَّ الْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ وَهُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ بِحَالِهَا لَا تُبْطِلُهَا الرِّدَّةُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ ارْتَدَّ أَوَّلًا، ثُمَّ كَاتَبَهُ السَّيِّدُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ كَانَتْ الْكِتَابَةُ جَائِزَةً أَقَامَ الْعَبْدُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَمَتَى أَدَّى الْكِتَابَةَ فَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ وَمَتَى حَلَّ نَجْمٌ مِنْهَا وَهُوَ حَاضِرٌ أَوْ غَائِبٌ وَلَمْ يُؤَدِّهِ فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ، كَمَا يَكُونُ لَهُ فِي الْمُكَاتَبِ غَيْرُ الْمُرْتَدِّ، وَإِذَا قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ وَلَا يَكُونُ مَالُ الْمُكَاتَبِ فَيْئًا بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَتِمَّ عَلَيْهِ وَمَا مَلَكَ الْمُكَاتَبُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ فَيَكُونَ لَهُ أَوْ يَمُوتَ فَيَكُونَ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ وَسَوَاءٌ مَا اكْتَسَبَ بِبِلَادِ الْحَرْبِ، أَوْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ وَهُوَ مُكَاتَبٌ فَهُوَ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ
(8/41)

الْمُسْلِمِ الَّذِي كَاتَبَهُ لَا يَكُونُ فَيْئًا وَلَا غَنِيمَةً وَلَوْ أُوجِفَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ، أَوْ رِكَابٍ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ الْمُسْلِمِ وَلَوْ ارْتَدَّ الْمُكَاتَبُ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بِشَيْءٍ فَوَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ، أَوْ لَمْ يَقَعْ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ وَمَالُهُ كُلُّهُ وَكَذَلِكَ لَوْ أُسِرَ، ثُمَّ سُبِيَ كَانَ لِسَيِّدِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ أَدَّى فَعَتَقَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ بِبِلَادِ الْحَرْبِ فَسُبِيَ فَهُوَ وَمَالُهُ غَنِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ مِلْكُهُ عَلَى مَالِهِ غَيْرَ أَنَّهُ إنْ ظُفِرَ بِهِ وَهُوَ مُكَاتَبٌ، أَوْ حُرٌّ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ مُكَاتَبًا وَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ عَرَضَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ أَنْ يَدْفَعَ إلَى سَيِّدِهِ مَالَهُ مَكَانَهُ أُجْبِرَ سَيِّدُهُ عَلَى قَبْضِهِ وَعَتَقَ وَقُتِلَ وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ حَتَّى يُقْتَلَ فَمَالُهُ كُلُّهُ لِسَيِّدِهِ إذَا كَانَ سَيِّدُهُ مُسْلِمًا.
وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ الْمُرْتَدَّ وَالْمُكَاتَبُ الْمُسْلِمَ فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَقُتِلَ السَّيِّدُ، أَوْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ فَالْمُكَاتَبُ وَمَالُهُ فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِلْمُرْتَدِّ وَإِذَا أَدَّى فَعَتَقَ فَمَا أَدَّى مِنْ الْكِتَابَةِ فَمَالُ الْمُرْتَدِّ يَكُونُ فَيْئًا، وَمَا بَقِيَ فِي يَدِهِ فَمَالُ الْعَبْدِ الَّذِي عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ لَا يَعْرِضُ لَهُ.
وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَمَا قَبَضَ فِي رِدَّتِهِ مِنْ كِتَابَتِهِ قَبْلَ يُحْجَرَ عَلَيْهِ فَالْمُكَاتَبُ مِنْهُ بَرِيءٌ، وَمَا قَبَضَ بَعْد الْحَجْرِ مِنْهُ فَلِلْوَالِي أَخْذُهُ بِنُجُومِهِ وَلَا يُبَرِّئُهُ مِنْهُ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمَوْلَى وَقَدْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ مِنْهُ أَبْرَأَهُ الْوَالِي فَمَا قَبَضَ الْمَوْلَى مِنْهُ إنْ كَانَ قَبَضَ مِنْهُ فِي الرِّدَّةِ نَجْمًا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْوَالِي ذَلِكَ النَّجْمَ فَلَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ فَعَجَّزَهُ وَأَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ أَلْغَى التَّعْجِيزَ عَنْ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا حَيْثُ دَفَعَ إلَى سَيِّدِهِ وَهُوَ يُخَالِفُ الْمَحْجُورَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ وَقْفَ الْحَاكِمِ مَالَهُ إنَّمَا كَانَ تَوْفِيرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إنْ مَلَكُوهُ عَنْهُ بِأَنْ يَمُوتَ قَبْلَ يَتُوبَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ وَتَابَ فِي وَقْفِهِ عَنْهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ وَيَقْضِي مِنْهُ دَيْنَهُ وَتُعْطَى مِنْهُ جِنَايَتُهُ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ.
وَإِذَا ارْتَدَّ الْعَبْدُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَكَاتَبَهُ سَيِّدُهُ جَازَتْ كِتَابَتُهُ، فَإِنْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَمَعَهُ عَبْدٌ آخَرُ فِي الْكِتَابَةِ أُخِذَتْ مِنْ الْآخَرِ حِصَّتُهُ وَعَتَقَ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِهِ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ حِصَّةِ الْمُرْتَدِّ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الْمُرْتَدَّةُ تُكَاتِبُ فَإِنْ وَلَدَتْ فِي الْكِتَابَةِ فَمَتَى عَجَزَتْ فَوَلَدُهَا رَقِيقٌ وَمَتَى عَتَقَتْ عَتَقُوا.
وَإِذَا سُبِيَ مُكَاتَبٌ مُسْلِمٌ فَسَيِّدُهُ أَحَقُّ بِهِ وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ بِإِذْنِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا اشْتَرَاهُ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
وَإِذَا كَاتَبَ الْعَبْدَ وَهُوَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَخَرَجَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا وَتَرَكَ مَوْلَاهُ بِهَا مُشْرِكًا فَهُوَ حُرٌّ وَلَا كِتَابَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ مُسْلِمًا وَهُوَ مُكَاتَبٌ فَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ مُسْلِمًا فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَلَا يَعْتِقُ بِخُرُوجِهِ، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ وَلَوْ خَرَجَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ بَعْدَهُ بِسَاعَةٍ لَمْ يُرَدَّ فِي الرِّقِّ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ وَلَوْ كَاتَبَ مُسْلِمٌ عَبْدًا لَهُ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ قَبْلَ السَّيِّدِ، ثُمَّ ارْتَدَّ السَّيِّدُ، أَوْ ارْتَدَّ السَّيِّدُ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْعَبْدُ، أَوْ ارْتَدَّا مَعًا فَسَوَاءٌ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَى السَّيِّدِ قَبْلَ أَنْ يُوقَفَ مَالُهُ عَتَقَ، وَسَوَاءٌ رَجَعَ الْمُكَاتَبُ إلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ إذَا أَدَّى إلَى السَّيِّدِ فِي أَنْ يَعْتِقَ الْعَبْدُ بِالْأَدَاءِ وَكُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ سَوَاءٌ رَجَعَ السَّيِّدُ إلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ فِي أَنْ يَعْتِقَ الْعَبْدُ بِالْأَدَاءِ وَلَوْ جَاءَ الْعَبْدُ إلَى الْحَاكِمِ فَقَالَ: هَذِهِ كِتَابَتِي فَاقْبِضْهَا، فَإِنْ سَيِّدِي قَدْ ارْتَدَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ بِقَبْضِهَا حَتَّى يَنْظُرَ، فَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا قَبَضَهَا وَأَعْتَقَهُ وَوَقَفَهَا، فَإِنْ رَجَعَ سَيِّدُهُ إلَى الْإِسْلَامِ إلَيْهِ الْكِتَابَةُ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى مَاتَ، أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَيْئًا كَسَائِرِ مَالِهِ.

[الْعَبْدُ يَكُونُ لِلرَّجُلِ نِصْفُهُ فَيُكَاتِبُهُ وَيَكُونُ لَهُ كُلُّهُ فَيُكَاتِبُ نِصْفَهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ لِرَجُلٍ فَكَاتَبَ الرَّجُلُ نِصْفَهُ فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَمْلِكُهُ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ نِصْفُ عَبْدٍ.
(8/42)

وَنِصْفُهُ حُرٌّ فَكَاتَبَ الْعَبْدَ عَلَى كُلِّهِ كَانَتْ الْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ وَكَانَ شَبِيهًا بِمَعْنَى لَوْ بَاعَهُ كُلَّهُ مِنْ رَجُلٍ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ مَا يَمْلِكُ وَمَا لَا يَمْلِكُ، فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْكِتَابَةَ عَلَى هَذِهِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ عَتَقَ وَتَرَاجَعَا فِي نِصْفِهِ كَمَا وَصَفْت فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ نِصْفُهُ فَكَاتَبَهُ عَلَى ثُلُثَيْهِ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُ مِنْهُ، فَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مَا يَمْلِكُ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ مِنْهُ حُرٌّ بِأَنْ عَتَقَ جَازَ نِصْفًا كَانَ أَوْ ثُلُثًا، أَوْ أَكْثَرَ، فَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مَا هُوَ أَقَلُّ مِمَّا يَمْلِكُ مِنْهُ فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ كَالرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْعَبْدُ فَيُكَاتِبُ نِصْفُهُ (قَالَ) : وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ نِصْفُ الْعَبْدِ وَلِرَجُلٍ نِصْفُهُ قَدْ دَبَّرَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ إلَى أَجَلٍ، أَوْ أَخْدَمَهُ، أَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ شَيْئًا فَكَاتَبَهُ شَرِيكُهُ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي إذَا كَانَ الْعَبْدُ بِكَمَالِهِ لِرَجُلٍ فَكَاتَبَ نِصْفَهُ، أَوْ جُزْءًا مِنْهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِعِتْقِ بَتَاتٍ فَأَعْتَقَهُ كُلُّهُ عَلَيْهِ بِالسُّنَّةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ أَجْعَلَهُ مُكَاتَبًا كُلَّهُ، وَإِنَّمَا أُكَاتِبُ نِصْفَهُ فَلَيْسَ الْعَبْدُ فِي مِلْكِهِ بِحَالٍ فَأُنَفِّذُ الْكِتَابَةَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا كُوتِبَ مَنَعَ سَيِّدَهُ مِنْ مَالِهِ وَخِدْمَتِهِ، وَإِذَا كَاتَبَ نِصْفَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ مَنْعَهُ مِنْ مَالِهِ وَخِدْمَتِهِ وَنِصْفُهُ غَيْرُ مُكَاتَبٍ، وَإِذَا قَاسَمَهُ الْخِدْمَةَ لَمْ يَتِمَّ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ وَلَمْ يُبِنْ مَا اكْتَسَبَ فِي يَوْمِ سَيِّدِهِ الَّذِي يَخْدُمُهُ فِيهِ، وَفِي يَوْمِهِ الَّذِي يُتْرَكُ فِيهِ لِكَسْبِهِ، وَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ سَيِّدَهُ يَوْمَهُ، فَلَا يَكُونُ كَسْبُهُ تَامًّا فَلِذَلِكَ أُبْطِلَتْ الْكِتَابَةُ فِيهِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا تَرَافَعَا إلَيْنَا قَبْلَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ أَبْطَلْنَا الْكِتَابَةَ، وَإِذَا أَبْطَلْنَاهَا فَمَا أَدَّى مِنْهَا إلَى سَيِّدِهِ فَهُوَ مَالٌ، وَإِذَا لَمْ يَتَرَافَعَا إلَيْنَا حَتَّى يُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبُ عَتَقَ كُلُّهُ وَرَجَعَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْرَجَ مِنْهُ النِّصْفَ عَلَى الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ فَلَا يَرْجِعُ بِأَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ الثَّانِيَ عَتَقَ عَلَيْهِ بِإِيقَاعِهِ الْعِتْقَ عَلَى النِّصْفِ بِالْكِتَابَةِ فَكَانَ كَرَجُلٍ قَالَ لِعَبْدٍ لَهُ: نِصْفُك حُرٌّ إذَا أَعْطَيْتنِي مِائَةَ دِينَارٍ فَأَعْطَاهُ إيَّاهَا عَتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ وَإِذَا أَعْتَقَ مِنْهُ شَيْئًا عَتَقَ كُلُّهُ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَمَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ يَتَأَدَّى مِنْهُ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، وَلَوْ تَأَدَّى مِنْهُ الْوَرَثَةُ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَالِكِهِ الَّذِي قَالَ لَهُ إذَا أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ قَبْضِهَا فَقَبَضَهَا الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَعْتِقْ الْمُكَاتَبُ بِهَا لِمَا وَصَفْت، وَمَا أَخَذُوا مِنْهُ فَهُوَ مَالٌ لَهُمَا وَهَذَا كَعَبْدٍ قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَلَمْ يَدْخُلْهَا حَتَّى مَاتَ السَّيِّدُ، ثُمَّ دَخَلَهَا فَلَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ بَعْدَ مَا خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ.
وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ كِتَابَةً غَيْرَ جَائِزَةٍ، ثُمَّ بَاعَهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ إذَا وَهَبَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَجَرَهُ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ إذَا جَنَى فَهُوَ كَعَبْدٍ لَمْ يُكَاتِبْ يُخَيَّرُ فِي أَنْ يَفْدِيَهُ مُتَطَوِّعًا، أَوْ يُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ.

[الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُكَاتِبُهُ أَحَدُهُمَا]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُكَاتِبَهُ دُونَ صَاحِبِهِ أَذِنَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَشَرْطُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ فِي النِّصْفِ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَى خَمْسِينَ إبِلًا يَعْتِقُ بِأَدَائِهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخَمْسِينَ حَتَّى يَأْخُذَ شَرِيكُهُ مِثْلَهَا فَتَكُونَ كِتَابَتُهُ عَلَى خَمْسِينَ وَلَا يَعْتِقُ إلَّا بِمِائَةٍ. وَإِذَا أَخَذَ الْخَمْسِينَ فَلِشَرِيكِهِ نِصْفُهَا وَلَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ بِخَمْسَةِ وَعِشْرِينَ، وَإِنَّمَا أُعْتِقَ بِخَمْسِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتِقَ بِأَدَاءِ خَمْسِينَ لَمْ تُسَلَّمْ لِسَيِّدِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ (قَالَ) : وَإِذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَهُ فَهُوَ مِثْلُ أَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ إرَادَتَهُ أَنْ يُكَاتِبَ نِصْفَهُ لَا تُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْ نِصْفِهِ هُوَ، وَإِذَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْ نِصْفِهِ هُوَ فَلَيْسَ لِلَّذِي كَاتَبَهُ أَنْ يَتَأَدَّى مِنْهُ شَيْئًا إلَّا وَلَهُ نِصْفُهُ وَلَوْ قَالَ لَهُ: تأداه مَا شِئْت
(8/43)

وَلَا شَيْء لِي مِنْهُ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مَالًا يَمْلِكُ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ فَإِذَا كَسَبَهُ الْعَبْدُ فَإِنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ حِينَئِذٍ بِعِلْمِ شَرِيكِهِ وَكَمْ هُوَ وَإِذْنُهُ جَازَ لَهُ، وَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ شَرِيكُهُ، فَأَمَّا قَبْلَ كَسْبِهِ أَوْ قَبْلَ عِلْمِ الشَّرِيكِ وَتَسْلِيمِهِ فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَهُ بِإِذْنِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي كِتَابَةِ الْعَبْدِ كُلِّهِ فَيَكُونَ الشَّرِيكُ وَكِيلًا لِشَرِيكِهِ فِي كِتَابَتِهِ فَيُكَاتِبُهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَتَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَإِنْ كَاتَبَ رَجُلٌ عَبْدًا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ عَلَى خَمْسِينَ فَأَدَّاهَا إلَيْهِ فَلِشَرِيكِهِ نِصْفُهَا وَلَا يَعْتِقُ، وَإِنْ أَدَّاهَا إلَى سَيِّده الَّذِي كَاتَبَهُ وَأَدَّى إلَى سَيِّدِهِ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبُهُ مِثْلَهَا عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى إلَيْهِ خَمْسِينَ سُلِّمَتْ وَيَتَرَاجَعُ السَّيِّدُ الَّذِي كَاتَبَهُ وَالْمُكَاتَبُ بِقِيمَةِ نِصْفِهِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِكِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ فَإِنْ كَانَ ثَمَنُ نِصْفِهِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ بِالْفَضْلِ عَلَى الْخَمْسِينَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ رَجَعَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ بِالزَّائِدِ عَلَى الْخَمْسِينَ، وَلَوْ أَرَادَ شَرِيكُهُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ أَنْ يَمْنَعَ عِتْقَهُ بِأَنْ يَقُولَ: لَا أَقْبِضُ الْخَمْسِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَقَبَضْت عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى إلَيْهِ مِثْلَ مَا أَدَّى إلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُوسِرًا ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَكَانَ الْعَبْدُ حُرًّا كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا مَلَكَ مِنْ عَبْدٍ وَلِآخَرَ فِيهِ شِرْكٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُ وَكَانَ الْمَالِكُ عَلَى نَصِيبِهِ مِنْهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ وَلَوْ أَنَّ شَرِيكَهُ حِينَ أَعْتَقَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ كَانَ الْعِتْقُ مَوْقُوفًا، فَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ الْأَوَّلُ مُوسِرًا فَأَدَّى قِيمَتَهُ إلَيْهِ عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ وَكَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا عَتَقَ عَلَى الشَّرِيكِ مَا أَعْتَقَ مِنْهُ وَكَانَ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَرْبَعَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ. وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكَاتَبَهُ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، ثُمَّ كَاتَبَهُ الْآخَرُ، فَالْكِتَابَةُ كُلُّهَا فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ فَاسِدٌ فَكَذَلِكَ الْعَقْدُ الثَّانِي، وَلَا تَجُوزُ كِتَابَةُ الْعَبْدِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ حَتَّى يَجْتَمِعَا جَمِيعًا عَلَى كِتَابَتِهِ يَجْعَلَانِهَا عَقْدًا وَاحِدًا وَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهَا مُسْتَوِي الشَّرِكَةِ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا فِي الْكِتَابَةِ أَكْثَرُ مِمَّا لِلْآخَرِ.

[الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُكَاتِبَانِهِ مَعًا]
، (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: مُكَاتَبٌ بَيْنَ قَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يُقَاطِعَ بَعْضَهُمْ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مِثْلُ مَا قَاطَعَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِي الْمُكَاتَبِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ أَخَذَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِنُصِيبَ صَاحِبِهِ مِنْهُ، وَشَرِيكُهُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ يَتْبَعَ الْمَكَاتِبَ وَيَتْبَعَ الْمُكَاتَبَ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ، أَوْ يَتْبَعَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ وَلَا يَبْرَأُ الْمُكَاتَبُ حَتَّى يَقْبِضَ كُلُّ مَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ جَمِيعَ حِصَّتِهِ فِي كِتَابَتِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَكَاتَبَاهُ مَعًا كِتَابَةً وَاحِدَةً فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا دُونَ صَاحِبِهِ وَمَا أَخَذَ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ أَدَّى إلَى أَحَدِهِمَا جَمِيعَ نَصِيبِهِ دُونَ صَاحِبِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ مَا أَدَّى إلَيْهِ حَتَّى يَقْبِضَ صَاحِبَهُ مِثْلَهُ، أَوْ يُبْرِئَ الْمَكَاتِبُ مِنْ مِثْلِهِ، فَإِنْ فَعَلَ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَلَوْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ الْمُكَاتَبِ دُونَهُ فَقَبَضَ جَمِيعَ حِصَّتِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَعْتِقَ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ لِشَرِيكِهِ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ، وَإِذْنُهُ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدَيْ السَّيِّدِ فَيُعْطِيه إيَّاهُ إذْنَهُ بِمَا
(8/44)

لَيْسَ يَمْلِكُ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ. وَالْآخَرُ: يَعْتِقُ وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَعَجَزَ عَنْ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا إنْظَارَهُ وَأَنْ لَا يُعَجِّزَهُ وَأَرَادَ الْآخَرُ تَعْجِيزَهُ فَعَجَّزَهُ فَهُوَ عَاجِزٌ وَالْكِتَابَةُ كُلُّهَا مَفْسُوخَةٌ وَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا إثْبَاتُ الْكِتَابَةِ وَلِلْآخِرِ أَنْ يَفْسَخَهَا بِالْعَجْزِ، كَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ نَصِيبَهُ مِنْهُ دُونَ صَاحِبِهِ.
وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَكَاتَبَاهُ مَعًا عَلَى نُجُومٍ مُخْتَلِفَةٍ فَحَلَّ بَعْضُهَا قَبْلَ بَعْضٍ، أَوْ عَلَى نُجُومٍ وَاحِدَةٍ بَعْضُهَا أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً، وَلَوْ أَجَزْت هَذَا أَجَزْت أَنْ يُكَاتِبَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا فِي كَسْبِهِ سَوَاءٌ، فَإِذَا لَمْ يَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يَأْخُذُ صَاحِبُهُ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ وَإِذَا أَدَّى إلَيْهِمَا عَلَى هَذَا فَعَتَقَ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ وَرُدَّ إلَيْهِ فَضْلًا إنْ كَانَ أَخَذَهُ وَتَرَاجَعَا فِي فَضْلِ مَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْعَبْدِ دُونَ صَاحِبِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: كَاتَبْنَاهُ مَعًا عَلَى أَلْفِ وَقَالَ الْآخَرُ: عَلَى أَلْفَيْنِ وَادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَلْفًا تَحَالَفَ الْمُكَاتَبُ وَمُدَّعِي الْكِتَابَةِ عَلَى أَلْفَيْنِ وَفُسِخَتْ الْكِتَابَةُ، وَلَوْ صَدَقَ الْمَكَاتِبُ صَاحِبُ الْأَلْفَيْنِ وَالْأَلْفِ فَقَالَ: كَاتَبَنِي أَحَدُهُمَا عَلَى أَلْفٍ وَالْآخَرُ عَلَى أَلْفَيْنِ فُسِخَتْ الْكِتَابَةُ بِلَا يَمِينٍ، وَلَوْ قَالَ الْمُكَاتَبُ: بَلْ كَاتَبَانِي جَمِيعًا عَلَى أَلْفَيْنِ فَإِنْ صَدَّقَهُ صَاحِبُ الْأَلْفِ فَالْكِتَابَةُ ثَابِتَةٌ، وَإِنْ قَالَ: بَلْ عَلَى أَلْفٍ وَحَلَفَ الَّذِي ادَّعَى أَلْفَيْنِ، فَالْكِتَابَةُ مَفْسُوخَةٌ، وَلَوْ كَاتَبَاهُ مَعًا عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ: قَدْ أَدَّيْتهَا إلَى أَحَدِكُمَا وَصَدَّقَاهُ مَعًا لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَقْبِضَ الَّذِي لَمْ يُؤَدَّ إلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ مِنْ شَرِيكِهِ، أَوْ يُبْرِئَهُ مِنْهَا، فَإِذَا قَبَضَهَا أَوْ أَبْرَأهُ مِنْهَا بَرِئَ وَعَتَقَ الْعَبْدُ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَابِضَ الْأَلْفَ مُسْتَوْفٍ لِنَفْسِهِ خَمْسَمِائَةٍ لَا تُسَلَّمُ لَهُ إلَّا بِأَنْ يَسْتَوْفِيَ صَاحِبُهُ مِثْلَهَا وَهُوَ فِي الْخَمْسِ الْمِائَةِ الْبَاقِيَةِ كَالرَّسُولِ لِلْمُكَاتَبِ لَا يَبْرَأُ الْمُكَاتَبُ إلَّا بِوُصُولِهَا إلَى سَيِّدِهِ، وَلَوْ كَاتَبَاهُ عَلَى أَلْفٍ فَادَّعَى أَنَّهُ دَفَعَهَا إلَيْهِمَا مَعًا وَأَقَرَّ لَهُ أَحَدُهُمَا بِجَمِيعِ الْمَالِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ أُحْلِفَ الْمُنْكِرُ، فَإِذَا حَلَفَ عَتَقَ نَصِيبُ الَّذِي أَقَرَّ مِنْ الْعَبْدِ وَرَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ الْخَمْسِمِائَةِ وَلَمْ يَرْجِعَ بِهَا هُوَ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ أَدَّى إلَى صَاحِبِهِ مَا عَلَيْهِ وَأَنَّ صَاحِبَهُ يَأْخُذُهَا مِنْهُ بِظُلْمٍ وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ النِّصْفُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يُقِرُّ أَنَّهُ بَرِيءَ مِنْ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ بِدَعْوَاهُ أَنَّهُ عَتَقَ عَلَى صَاحِبِهِ وَإِنْ أَدَّى إلَى صَاحِبِهِ النِّصْفَ الْبَاقِيَ عَتَقَ وَإِنْ عَجَزَ رَدَّ نِصْفَهُ رَقِيقًا وَكَانَ كَعَبْدٍ لِصَاحِبِهِ نِصْفُهُ فَكَاتَبَهُ فَعَجَزَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ دَفَعَ إلَيْهِمَا نُصِيبَهُمَا فَعَتَقَ وَأَنْكَرَ شَرِيكُهُ حَلَفَ شَرِيكُهُ وَرَجَعَ عَلَى الَّذِي أَقَرَّ فَأَخَذَ نِصْفَ مَا فِي يَدَيْهِ وتأداه الْآخِذُ مَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ كَمَا وَصَفْت فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فَإِنْ أَنْكَرَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَى الْمُنْكِرِ شَيْئًا لَمْ يَحْلِفْ وَرَجَعَ الْمُنْكِرُ عَلَى الْمُقِرِّ فَأَخَذَ نِصْفَ مَا أَقَرَّ بِقَبْضِهِ مِنْهُ، وَلَوْ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ مَعَ هَذَا أَنَّهُ دَفَعَ الْكُلَّ إلَى أَحَدِهِمَا فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: بَلْ دَفَعْته إلَيْنَا مَعًا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَشَرَكَهُ صَاحِبُهُ فِيمَا أَخَذَ وَأَحْلَفْت الَّذِي يُبَرِّئُهُ الْمَكَاتِبُ لِشَرِيكِهِ لَا لِلْمُكَاتَبِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَذِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِأَنْ يَقْبِضَ نَصِيبَهُ مِنْهُ فَقَبَضَ مِنْهُ، ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، أَوْ مَاتَ، فَسَوَاءٌ، وَلَهُمَا مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الْمَالِ نِصْفَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَوْفَى الْمَأْذُونُ لَهُ جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ الْكِتَابَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنْ كَانَ الْمَأْذُونُ لَهُ اسْتَوْفَى جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ الْكِتَابَةِ فَفِيهَا قَوْلَانِ، فَمَنْ قَالَ يَجُوزُ مَا قَبَضَ وَلَا يَكُونُ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيُشْرِكَهُ فِيهِ فَنَصِيبُ شَرِيكِهِ مِنْهُ حُرٌّ وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنَصِيبُهُ مِنْهُ حُرٌّ، فَإِنْ عَجَزَ فَجَمِيعُ مَا فِي يَدَيْهِ لِلَّذِي بَقِيَ لَهُ فِيهِ الرِّقُّ، وَإِنَّمَا جَعَلْت ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ عَتَقَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ أَخَذَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ وَعَجَّزَهُ بِالْبَاقِي مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ يَرِثُهُ رَبُّهُ بِقَدْرِ الْجِزْيَةِ الَّتِي فِيهَا وَيَأْخُذُ هَذَا مَالَهُ بِقَدْرِ الْعُبُودِيَّةِ فِيهِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَعْتِقُ وَيَكُونُ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرْجِعَ
(8/45)

فَيُشْرِكَهُ فِيمَا أَذِنَ لَهُ بِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُهُ فَأَخَذَ الَّذِي لَهُ عَلَى الْحُرِّ، وَإِذْنُهُ لَهُ بِالْقَبْضِ وَغَيْرُ إذْنِهِ سَوَاءٌ، فَإِنْ قَبَضَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ فَإِنَّمَا هِيَ هِبَةٌ وَهَبَهَا لَهُ تَجُوزُ إذَا قَبَضَهَا.

[مَا تَجُوزُ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْمُكَاتَبَةِ، وَإِذْنُهُ كُلُّهُ عَلَى مَا يَحِلَّ، فَلَمَّا كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ مُخَالِفَةً حَالَ الرِّقِّ فِي أَنَّ السَّيِّدَ يَمْنَعُ مَالَ مُكَاتَبِهِ وَأَنَّ مُكَاتَبَهُ يَعْتِقُ بِمَا شَرَطَ لَهُ سَيِّدُهُ إذَا أَدَّاهُ كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى مَا تَجُوزُ عَلَيْهِ الْبُيُوعُ وَالْإِجَارَاتُ بِأَنْ تَكُونَ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَبِعَمَلٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَمَا جَازَ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ جَازَ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ وَمَا رُدَّ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ رُدَّ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ فِيمَا يُمْلَكُ بِالْكِتَابَةِ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مَوْصُوفَةِ الْوَزْنِ وَالْأَعْيَانِ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، وَأَوَّلُ السِّنِينَ سَنَةُ كَذَا وَآخِرُهَا سَنَةُ كَذَا تُؤَدِّي فِي انْقِضَاءِ كُلِّ سَنَةٍ مِنْ هَذِهِ الْعَشْرِ السِّنِينَ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا، وَلَا بَأْسَ أَنْ تَجْعَلَ الدَّنَانِيرَ فِي السِّنِينَ مُخْتَلِفَةً، فَيُؤَدِّي فِي سَنَةٍ دِينَارًا وَفِي سَنَةٍ خَمْسِينَ وَفِي سَنَةٍ مَا بَيْنَ ذَلِكَ إذَا سَمَّى كَمْ يُؤَدِّي فِي كُلِّ سَنَةٍ وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَقُولَ: أُكَاتِبُك عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ تُؤَدِّيهَا فِي عَشْرِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ تَحِلُّ بِانْقِضَاءِ الْعَشْرِ السِّنِينَ فَتَكُونُ نَجْمًا وَاحِدًا، وَالْكِتَابَةُ لَا تَصْلُحُ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ، أَوْ تَكُونُ تَحِلُّ فِي الْعَشْرِ السِّنِينَ فَلَا يَدْرِي فِي أَوَّلِهَا تَحِلُّ أَوْ فِي آخِرِهَا، وَكَذَلِكَ لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَقُولَ: أُكَاتِبُك عَلَى أَنْ لَا تَمْضِيَ عَشْرُ سِنِينَ حَتَّى تُؤَدِّيَ إلَيَّ مِائَةَ دِينَارٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: تُؤَدِّيَ إلَيَّ فِي عَشْرِ سِنِينَ مِائَةَ دِينَارٍ كَيْفَ يَخْفَ عَلَيْك، غَيْرَ أَنَّ الْعَشْرَ السِّنِينَ لَا تَنْقَضِي حَتَّى تُؤَدِّيَهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا لَا يَدْرِيَانِ حِينَئِذٍ كَمْ يُؤَدِّي فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَكَذَلِكَ لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَقُولَ: أُكَاتِبُك عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَإِنْ سَمَّى لَهَا آجَالًا مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي حِينَئِذٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ الْكِتَابَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أُكَاتِبُك عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ تُؤَدِّيهَا إلَيَّ كُلُّ سَنَةٍ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَنَّكَ تَدْفَعُ إلَيَّ عِنْدَ رَأْسِ كُلِّ سَنَةِ بِالْعَشَرَةِ الدَّنَانِيرَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ عَرَضَ كَذَا لَمْ يَجُزْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ وَقَعَتْ بِعَشْرِ دَنَانِيرَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَأَنَّهُ ابْتَاعَ بِالْعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَالْعَشَرَةُ دَيْنٌ فَابْتَاعَ دَرَاهِمَ دَيْنًا بِدَنَانِيرَ دَيْنٍ، وَهَذَا حَرَامٌ مِنْ جِهَاتِهِ كُلِّهَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: ابْتَعْت مِنْك إذَا حَلَّتْ عَرَضًا؛ لِأَنَّ هَذَا دَيْنٌ بِدَيْنٍ وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ لَا يَصْلُحُ وَزِيَادَةُ فَسَادٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَهُ بِعَرَضٍ وَحْدَهُ وَنَقْدٍ، وَإِذَا كَاتَبَهُ بِعَرَضٍ لَمْ يَجُرْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَرَضُ مَوْصُوفًا وَالْأَجَلُ مَعْلُومًا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ إلَى أَجَلٍ إلَّا إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ يُقَام عَلَيْهِمَا، وَإِذَا كَانَ الْعَرَضُ فِي الْكِتَابَةِ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا يَكُونُ فِي أَنْ يُسْلِفَ فِي الْعَرَضِ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفَانِ فَإِنْ كَانَ الْعَرَضُ ثِيَابًا قَالَ: ثَوْبٌ مَرْوِيٌّ طُولُهُ كَذَا وَكَذَا وَعَرْضُهُ كَذَا وَصَفِيقٌ، أَوْ رَقِيقٌ جَيِّدٌ يُوَفِّيه إيَّاهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا، فَإِنْ تَرَكَ مِنْ هَذَا شَيْئًا لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِفَ فِيهِ إلَّا هَكَذَا.
وَهَكَذَا إنْ كَانَ الْعَرَضُ طَعَامًا أَوْ حَيَوَانًا، أَوْ رَقِيقًا، أَوْ مَا كَانَ الْعَرْضُ فَإِنْ كَانَ مِنْ الرَّقِيقِ قَالَ: عَبْدٌ أَسْوَدُ فَرَّانِي مِنْ جِنْسِ كَذَا أَسْوَدَ حَالِكِ السَّوَادِ أَمْرَدَ مَرْبُوعٍ، أَوْ طِوَالٍ، أَوْ قَصِيرٍ بَرِيءٍ مِنْ الْعُيُوب، وَإِذَا كَانَ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ: جَمَلٌ ثَنِيٍّ، أَوْ رُبَاعَ مِنْ نَعَمِ بَنَى فُلَانٍ أَحْمَرَ، أَوْ جَوْنٍ غَيْرِ مُودِنٍ بَرِيءٍ مِنْ الْعُيُوبِ وَيُوفِيه إيَّاهُ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَقْتَ كَذَا، فَإِنْ تَرَكَ مِنْ هَذَا شَيْئًا لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ قَوْلَهُ بَرِئَ مِنْ الْعُيُوبِ، فَإِنَّمَا لَهُ بَرِئَ مِنْ الْعُيُوبِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَاتَبَهُ عَلَى عُرُوضٍ مُنْفَرِدَةٍ أَوْ عُرُوضٍ وَنَقْدٍ يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ دَارًا بِعَرَضٍ وَنَقْدٍ إذَا كَانَ كُلُّ مَا بَاعَهُ مَعْلُومًا وَإِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. .
(8/46)

[الْكِتَابَةُ عَلَى الْإِجَارَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَالْإِجَارَةُ تَمَلُّكُ مَا تُمَلَّكُ بِهِ الْبُيُوعُ إذَا شُرِعَ فِيهَا مَعَ الْإِجَارَةِ، فَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا بِيَدِهِ مَعْلُومًا فَأَخَذَ فِيهِ حِينَ يُكَاتِبُهُ وَيَجْعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَعَهُ، أَوْ بَعْدَهُ فِي نَجْمٍ آخَرَ مَالًا مَا كَانَ كَانَتْ الْكِتَابَةُ جَائِزَةً، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا مَا كَانَ الْعَمَلُ وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَمَلِ مَالًا يَأْخُذُهُ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَمَلَ إنْ كَانَ وَاحِدًا، فَهُوَ نَجْمٌ وَاحِدٌ.
وَالْكِتَابَةُ لَا تَجُوزُ عَلَى نَجْمٍ وَاحِدٍ فِي مَالٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ مِنْ يَوْمِهِ عَمَلًا وَبَعْدَ شَهْرٍ عَمَلًا آخَرَ لَمْ تَجُزْ الْإِجَارَةُ بَعْدَ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ، وَنَحْنُ لَا نُجِيزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ شَهْرٍ عَمَلًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ عَلَيْهِ بَعْدَ الشَّهْرِ مَا يَمْنَعُهُ الْعَمَلَ مِنْ مَرَضٍ وَمَوْتٍ وَحَبْسٍ وَغَيْرِهِ، وَالْعَمَلُ بِالْيَدِ لَيْسَ بِمَالٍ مَضْمُونٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ، وَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَالِ مَرِيضٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ لَهُ دَارًا وَعَلَى الْمُكَاتَبِ جَمِيعُ عِمَارَتِهَا وَسَمَّى لَهُ دِرْعًا مَعْلُومَ الِارْتِفَاعِ وَالْعَرْضِ وَالْمَوْضِعِ مِنْ الدَّارِ، وَسَمَّى مَا يَدْخُلُ فِيهَا مِنْ اللَّبِنِ وَقَدْرِ اللَّبِنِ وَالْحِجَارَةِ كَانَ كَعَمَلِهِ بِيَدِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَأْخُذُهُ فِي ذَلِكَ حِينَ يُكَاتِبُهُ وَيَكُونُ بَعْدَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ يُؤَدِّيه إلَيْهِ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ اسْتِئْخَارَ الْعَمَلِ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ شَهْرًا، فَأَخَذَ فِيهِ حِينَ يُكَاتِبُهُ وَيُؤَدِّيَ إلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ الشَّهْرِ جَازَ.
وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ شَهْرًا حِينَ كَاتَبَهُ وَشَهْرًا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ ضَرَبَ لِلْخِدْمَةِ أَجَلًا لَا يَكُونُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِيهِ خِدْمَةٌ، وَهَذَا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ حُرًّا عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَ الْخِدْمَةَ شَهْرًا، ثُمَّ يَخْدُمَهُ، وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ شَهْرًا حَتَّى يُكَاتِبَهُ، ثُمَّ يُوفِيَهُ لَبِنًا، أَوْ حِجَارَةً، أَوْ طِينًا مَعْلُومًا بَعْدَ شَهْرٍ كَانَ هَذَا جَائِزًا وَكَانَ هَذَا كَالْمَالِ.
وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ شَهْرًا، ثُمَّ يُعْطِيَهُ مَالًا بَعْدُ فَمَرِضَ ذَلِكَ الشَّهْرَ انْتَقَضَتْ الْكِتَابَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَحَدًا يَخْدُمَهُ مَكَانَهُ وَلَا عَلَيْهِ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ السَّيِّدُ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ حُرًّا عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ شَهْرًا فَمَرِضَ فِي الشَّهْرِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ أَنْ يُخْدِمَهُ غَيْرُهُ وَانْتَقَضَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى نُجُومٍ مُسَمَّاةٍ عَلَى أَنْ يَخْدُمَهُ بَعْدَ النُّجُومِ شَهْرًا أَوْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا بَعْدَ ذَلِكَ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً، فَإِنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَخَدَمَ، أَوْ عَمِلَ عَتَقَ وَتَرَاجَعَا بِقِيمَةِ الْمُكَاتَبِ وَحَسَبَ لِلْمُكَاتَبِ مَا أَعْطَاهُ وَأَجْرَ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ لَهُ وَتَرَاجَعَا بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةً وَيَعْمَلَ لَهُ عِنْدَ أَدَاءِ كُلِّ نَجْمٍ يَوْمًا، أَوْ سَاعَةً شَيْئًا مَعْلُومًا كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً لِتَأْخِيرِ الْعَمَلِ، وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةٍ يُؤَدِّي إلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَشْرَةً وَيُعْطِيه ضَحِيَّةً، فَإِنْ وَصَفَ الضَّحِيَّةَ فَقَالَ: مَاعِزَةٌ ثَنِيَّةٌ مِنْ شِيَاهِ بَلَدِ كَذَا، أَوْ شِيَاهِ بَنِي فُلَانٍ يَدْفَعُهَا إلَيْهِ يَوْمِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، فَهُوَ جَائِزٌ وَالشَّاةُ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ قَالَ أُضْحِيَّةً فَلَمْ يَصِفْهَا فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ لِأَنَّ الضَّحِيَّةَ تَكُون جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ وَثَنِيَّةٍ مِنْ الْمَعْزِ وَمَا فَوْقَهُمَا فَلَا يَجُوزُ هَذَا كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ، وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ فِي عَشْرِ سِنِينَ وَعِشْرِينَ ضَحِيَّةً بَعْدَهَا كُلُّ ضَحِيَّةٍ فِي سَنَةٍ وَوَصَفَ الضَّحَايَا لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِأَدَاءِ آخِرِ الْكِتَابَةِ الضَّحَايَا، وَالضَّحَايَا نُجُومٌ مِنْ نُجُومِ كِتَابَتِهِ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَنْ يُؤَدِّيَهَا قَالَ: وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ وَضَحَايَا أَهْلِهِ مَا بَلَغَ أَهْلُهُ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ ضَحِيَّةً مَوْصُوفَةً، وَإِنْ زَادُوا زَادَتْ عَلَيْهِ الضَّحَايَا وَإِنْ نَقَصُوا نَقَصَتْ الضَّحَايَا، فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ عَلَى غَيْر شَيْءٍ مَعْلُومٍ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ: ابْنِ لِي هَذِهِ الدَّارَ بِنَاءً مَوْصُوفًا، أَوْ عَلِّمْ لِي هَذَا الْغُلَامَ، أَوْ اخْدِمْنِي شَهْرًا أَوْ اخْدِمْ فُلَانًا شَهْرًا، أَوْ اُبْلُغْ بَلَدَ كَذَا أَوْ انْسِجْ ثَوْبَ كَذَا وَأَنْتَ حُرٌّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ حُرٌّ وَلَيْسَ بِمُكَاتَبٍ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُ الْعَبْدِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ فَالْعَبْدُ مَمْلُوكٌ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ كَلَّمْت فُلَانًا
(8/47)

فَأَنْتَ حُرٌّ، وَهَكَذَا إنْ قَالَ لَهُ: أَعْطِنِي مِائَةَ دِينَارٍ وَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنْ أَعْطَاهُ إيَّاهَا فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَهُ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهَا فَذَلِكَ لَهُ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا كِتَابَةً، إنَّمَا الْكِتَابَةُ النُّجُومُ بَعْضُهَا بَعْدَ بَعْضٍ وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَنْ ضَمِنَ لَهُ بِنَاءَ دَارٍ وَيُحَاطُ بِصِفَةِ بِنَائِهَا عَلَيْهِ عِمَارَتُهَا حَتَّى يُوَفِّيَهُ إيَّاهَا قَائِمَةً عَلَى صِفَتِهِ وَسَمَّى مَعَهَا دَنَانِيرَ يُعْطِيه إيَّاهَا قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا كَانَ هَذَا جَائِزًا؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ عَمَلٍ عَمِلَهُ بَعْدَهُ، أَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ يُكَلَّفُ كَمَا يُكَلَّفُ الْمَالَ وَمَعَهُ نَجْمٌ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَاتَبَهُ عَلَى ضَمَانِ بِنَاءِ دَارَيْنِ يَبْنِي إحْدَاهُمَا فِي وَقْتِ كَذَا وَالْأُخْرَى فِي وَقْتِ كَذَا كَانَتْ هَذِهِ كِتَابَةً جَائِزَةً، وَلَيْسَ هَذَا كَالْعَمَلِ بِيَدِهِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَهُوَ إذَا كَاتَبَهُ، أَوْ اسْتَأْجَرَ حُرًّا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ بِيَدِهِ لَمْ يُكَلَّفْ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهِ يَعْمَلُ لَهُ وَإِذَا ضَمِنَ عَمَلًا كُلِّفَ أَنْ يُوَفِّيَهُ إيَّاهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[الْكِتَابَةُ عَلَى الْبَيْعِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا عَقَدَ الرَّجُلُ كِتَابَةَ عَبْدِهِ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مُنَجَّمَةٍ فِي عَشْرِ سِنِينَ عَلَى أَنْ بَاعَهُ السَّيِّدُ عَبْدًا لَهُ مَعْرُوفًا فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيْعَ مَعَهَا وَهَكَذَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةٍ عَلَى أَنْ يَهَبَ لَهُ الرَّجُلُ عَبْدًا كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً، وَكَانَ هَذَا كَالْبَيْعِ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا أَنْ يُكَاتِبَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ الْمُكَاتَبُ عَمَلًا، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ شَيْءٌ يُعْطِيه إيَّاهُ الْمُكَاتَبُ مِنْ الْكِتَابَةِ كَكِتَابَتِهِ عَلَى دَنَانِيرَ وَعَبْدٍ وَمَاشِيَةٍ، وَهَذَا بَيْعٌ وَكِتَابَةٌ وَالْبَيْعُ لَازِمٌ لَا يُشْبِهُ الْكِتَابَةَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَلْزَمُ الْعَبْدَ لُزُومَ الدَّيْنِ الْكِتَابَةُ مَتَى شَاءَ الْعَبْدُ تَرَكَهَا وَفِيهِ أَنْ كَانَ لِثَمَنِ الْعَبْدِ حِصَّةٌ مِنْ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ وَغَيْرُ لَازِمَةٍ لِكُلِّ حَالٍ وَلِلْكِتَابَةِ حِصَّةٌ مَعْلُومَةٌ؛ لِأَنَّ لَهَا مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ نَصِيبًا فَلَمْ يَجُزْ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْجِهَاتِ وَلَوْ كَانَ فِي يَدَيْ عَبْدٍ عَبْدٌ فَكَاتَبَهُ سَيِّدُهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ مُنَجِّمَةٍ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ ذَلِكَ الْعَبْدَ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمَّا بَاعَهُ الْعَبْدَ عَلَى أَنْ يُكَاتِبَهُ كَانَ الْعَبْدُ مَالًا مِنْ مَالِ السَّيِّدِ لَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاؤُهُ وَلَوْ أَبْطَلْت عَلَى السَّيِّدِ ثَمَنَهُ، كَمَا كُنْت مُبْطِلَهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِلَا شَرْطٍ كِتَابَةً كُنْت زِدْت عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ أَنْ يُكَاتِبَ عَلَى مِائَةٍ إلَّا وَلَهُ عَلَى السَّيِّدِ عَشَرَةٌ وَلَوْ أَثْبَتَ ثَمَنَهُ عَلَى السَّيِّدِ كُنْت قَدْ أَثْبَتّ عَلَيْهِ أَنْ اشْتَرَى مَالَهُ بِمَالِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِحَالٍ وَلَوْ كَانَ كَاتَبَهُ كِتَابَةً صَحِيحَةً، ثُمَّ اشْتَرَى السَّيِّدُ مِنْ مُكَاتَبِهِ وَالْمُكَاتَبُ مِنْ سَيِّدِهِ كَانَ الشِّرَاءُ جَائِزًا لِأَنَّ السَّيِّدَ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِ مُكَاتَبِهِ وَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ مِنْ مَالِ عَبْدِهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ يُكَاتِبُ سَيِّدَهُ فَيَأْخُذُ سَيِّدُهُ مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ. وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

[كِتَابَةُ الْعَبِيدِ كِتَابَةٌ وَاحِدَةٌ صَحِيحَةٌ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: إنْ كَاتَبْت عَبْدًا لَك وَلَهُ بَنُونَ يَوْمئِذٍ فَكَاتَبَك عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَيْهِمْ فَمَاتَ أَبُوهُمْ، أَوْ مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ، فَقِيمَتُهُ يَوْمَ يَمُوتُ تُوضَعُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَإِنْ أَعْتَقْته، أَوْ بَعْضَ بَنِيهِ فَكَذَلِكَ، وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَطَاءٌ إذَا كَانَ الْبَنُونَ كِبَارًا
(8/48)

فَكَاتَبَ عَلَيْهِمْ أَبُوهُمْ بِأَمْرِهِمْ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَأَيُّهُمْ مَاتَ أَوْ عَتَقَ وَضَعَ عَنْ الْبَاقِينَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَقَعُ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ لَا يَوْمَ يَمُوتُ وَلَا قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَ الْكِتَابَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ ثَلَاثَةُ أَعْبُدَ فَكَاتَبَهُمْ عَلَى مِائَةٍ مُنَجَّمَةٍ فِي سِنِينَ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا أَدُّوا عَتَقُوا، فَالْكِتَابَةُ جَائِزَةٌ وَالْمِائَةُ مَقْسُومَةٌ عَلَى قِيمَةِ الثَّلَاثَةِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَالْآخَرَانِ قِيمَةُ خَمْسِينَ خَمْسِينَ فَنِصْفُ الْمِائَةِ مِنْ الْكِتَابَةِ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَةٌ وَنِصْفُهَا الْبَاقِي عَلَى الْعَبْدَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا خَمْسُونَ خَمْسُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، فَأَيُّهُمْ أَدَّى حِصَّتَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ عَتَقَ وَأَيُّهُمْ عَجَزَ رَدَّ رَقِيقًا وَلَمْ تَنْتَقِضْ كِتَابَةُ الْبَاقِينَ، وَإِنْ قَالَ الْبَاقُونَ: نَحْنُ نَسْتَعْمِلُهُ وَنُؤَدِّي عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَأَيُّهُمْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ حِصَّتَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ مَاتَ رَقِيقًا وَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ دُونَ الَّذِينَ كَاتَبُوا مَعَهُ وَدُونَ وَرَثَتِهِ لَوْ كَانُوا أَحْرَارًا وَدُونَ وَلَدِهِ لَوْ كَانُوا مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا وَإِذَا أَدُّوا إلَى السَّيِّدِ نَجْمَيْنِ فِيهِمَا سِتُّونَ دِينَارًا، فَقَالُوا: أَدَّيْنَا إلَيْكَ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ عِشْرِينَ فَهُوَ كَمَا قَالُوا وَيَبْقَى عَلَى اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا خَمْسُونَ عَشَرَةٌ دَنَانِيرَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةٌ وَعَلَى الَّذِي عَلَيْهِ خَمْسُونَ ثَلَاثُونَ دِينَارًا، وَإِنْ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ خَمْسُونَ: أَدَّيْنَاهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُصِيبُنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ: بَلْ عَلَى الْعَدَدِ دُونَ مَا يُصِيبُنَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا الْخَمْسُونَ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُهُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ، أَوْ يَتَصَادَقُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ، أَوْ اثْنَانِ مِنْهُمْ كَانَ الْأَدَاءُ عَلَى الْعَدَدِ لَا عَلَى مَا يُصِيبُهُمَا إذَا اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمْ، وَإِذَا كَاتَبَهُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا أَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مَا يُصِيبُهُ. فَإِنْ أَدُّوا عَلَى الْعَدَدِ فَأَرَادَ اللَّذَانِ أَدَّيَا أَكْثَرَ مِمَّا يُصِيبُهُمَا الرُّجُوعَ فِيمَا أَدَّيَا وَقَالَا: تَطَوَّعْنَا بِالْفَضْلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا لَا رُجُوعَ إذَا قَبَضَهُ السَّيِّدُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ فَلَهُمَا أَنْ يَحْبِسَا عَنْهُ مَا لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِمَا وَإِنْ تَصَادَقَ الْعَبِيدُ وَالسَّيِّدُ عَلَى أَنَّهُمَا أَدَّيَا عَنْ صَاحِبِهِمَا كَانَ لَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا بِهِ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا عَلَى غَيْرِ أَنْفُسِهِمَا، وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُمَا شَيْئًا هَهُنَا عَنْ غَيْرِهِمَا، وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ فِي كُلِّ نَجْمٍ ثَلَاثِينَ دِينَارًا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ كَانَ جَائِزًا وَكَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوهَا كَذَلِكَ فَيُؤَدِّيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةً نَجْمَيْنِ، ثُمَّ يَبْقَى عَلَى اللَّذَيْنِ قِيمَتُهُمَا خَمْسُونَ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي شَرَطَهَا إلَيْهِ وَعَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَةٌ ثَلَاثُونَ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي شَرَطَهَا إلَيْهَا فَإِنْ جَعَلَ مَحَلَّ النُّجُومِ وَاحِدًا كَانَ مَحَلُّ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ مَحَلَّ الثَّلَاثِينَ التَّامَّةِ عَلَى الْآخَرِ كَأَنَّهُ جَعَلَ النُّجُومَ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ يُؤَدُّونَ إلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةٌ فِي السَّنَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَمَا بَقِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَدَّاهُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ إذَا بَيَّنَ هَذَا فِي أَصْلِ الْكِتَابَةِ.
وَلَوْ أَدُّوا إلَيْهِ عَلَى الْعَدَدِ فَقَالَ اللَّذَانِ أَدَّيَا أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُهُمَا: نَحْنُ نَرْجِعُ بِالْفَضْلِ عَنْ نَجْمِنَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا وَكَانَ لَهُمَا أَنْ يَحْسِبَ ذَلِكَ لَهُمَا مِنْ النَّجْمِ الَّذِي يَلِي النَّجْمَ الَّذِي أَدَّيَا فِيهِ إنْ شَاءَا وَكَانَ عَلَى الَّذِي أَدَّى أَقَلُّ مِمَّا يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا يَلْزَمُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ عَاجِزٌ وَإِنْ عَجَزَ فَلِسَيِّدِهِ إبْطَالُ كِتَابَتِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِ الْحَاكِمِ إذَا أَحْضَرَهُ فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ أَنَّ نَجْمًا حَلَّ وَسَأَلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَيْهِ فَقَالَ: لَا أَجِدُهُ فَأَشْهَدَ أَنَّهُ أَبْطَلَ كِتَابَتَهُ، فَكِتَابَتُهُ مَفْسُوخَةٌ وَتُرْفَعُ عَنْ اللَّذَيْنِ مَعَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَيَكُونُ عَلَيْهِمَا حِصَّتُهُمَا، فَإِنْ سَأَلَا أَنْ يَحْسِبَ لَهُمَا أَدَاؤُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا عَنْهُمَا وَمَا أَخَذَ السَّيِّدُ مِنْهُ حَلَالٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ عَنْ الْكِتَابَةِ فَلَمَّا عَجَزَ كَانَ مَالًا مِنْ مَالِ عَبْدِهِ وَمَالُ عَبْدِهِ مَالُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْجَزْ وَلَكِنَّهُ أَعْتَقَهُ رُفِعَتْ عَنْهُمَا حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَعْتِقَا بِعِتْقِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهُ بِحِنْثٍ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهُ يَصِحُّ لَهُ لَمْ يُفْسِدْ ذَلِكَ كِتَابَتَهُمَا وَلَمْ يَضَعْ عَنْهُمَا
(8/49)

مِنْ حِصَّتِهِمَا مِنْهَا شَيْئًا، وَسَوَاءٌ كَاتَبَ الْعَبِيدَ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَسَمُّوا مَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَوْ لَمْ يُسَمُّوا، كَمَا سَوَاءٌ أَنْ يُبَاعُوا صَفْقَةً فَيُسَمِّي كَمْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ لَا يُسَمِّي فَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمْ يَوْمَ يُكَاتَبُونَ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِمْ قَبْلَ الْكِتَابَةِ وَلَا بَعْدَهَا، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كَانَ الْعَبِيدُ ذَوِي رَحِمٍ، أَوْ غَيْرَ ذِي رَحِمٍ، أَوْ رَجُلًا وَوَلَدَهُ، أَوْ رَجُلًا وَأَجْنَبِيَّيْنِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْكِتَابَةِ.
فَإِنْ كَاتَبَ رَجُلٌ وَابْنَانِ لَهُ بَالِغَانِ فَمَاتَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ وَتَرَكَ مَالًا، أَوْ الْأَبُ وَبَقِيَ الِابْنَانِ وَتَرَكَ مَالًا قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ وَيَرْفَعُ عَنْ الْمُكَاتَبِينَ مَعَهُ حِصَّتَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَأَيُّهُمْ عَجَزَ فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ وَأَيُّهُمْ شَاءَ أَنْ يَعْجَزَ فَذَلِكَ لَهُ، وَأَيُّهُمْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ فَالْعِتْقُ جَائِزٌ، وَأَيُّهُمْ أَبْرَأهُ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ فَهُوَ حُرٌّ، وَتُرْفَعُ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ عَنْ شُرَكَائِهِ، وَأَيُّهُمْ أَدَّى عَنْ أَصْحَابِهِ مُتَطَوِّعًا فَيَعْتِقُوا مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَدَّى عَنْهُمْ، فَإِنْ أَدَّى عَنْهُمْ بِإِذْنِهِمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَدَّى عَنْهُمْ فَإِنْ أَدَّى عَنْ اثْنَيْنِ بِأَمْرِ أَحَدِهِمَا وَغَيْرِ أَمْرِ الْآخَرِ رَجَعَ عَلَى الَّذِي أَدَّى عَنْهُ بِأَمْرِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ.

[مَا يَعْتِقُ بِهِ الْمُكَاتَبُ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَجِمَاعُ الْكِتَابَةِ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ أَوْ عَبِيدَهُ عَلَى نَجْمَيْنِ فَأَكْثَرَ بِمَالٍ صَحِيحٍ يَحِلُّ بَيْعُهُ وَمِلْكُهُ، كَمَا تَكُونُ الْبُيُوعُ الصَّحِيحَةُ بِالْحَلَالِ إلَى الْآجَالِ الْمَعْلُومَةِ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا وَكَانَ مِمَّنْ تَجُوزُ كِتَابَتُهُ مِنْ الْمَالِكِينَ وَمِمَّنْ تَجُوزُ كِتَابَتُهُ مِنْ الْمَمْلُوكِينَ كَانَتْ الْكِتَابَةُ صَحِيحَةً وَلَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ حَتَّى يَقُولَ فِي الْمُكَاتَبَةِ: فَإِذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ هَذَا وَيَصِفُهُ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ مَا شَرَطَ عَلَيْهِ، فَهُوَ حُرٌّ بِالْأَدَاءِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَبْرَأهُ السَّيِّدُ مِمَّا شَرَطَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عَجْزٍ مِنْ الْمُكَاتَبِ فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ مَانِعَهُ مِنْ الْعِتْقِ أَنْ يَبْقَى لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ كَاتَبْتُكَ عَلَى كَذَا وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: إذَا أَدَّيْتَهُ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَعْتِقْ إنْ أَدَّاهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] قِيلَ: هَذَا مِمَّا أَحْكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جُمْلَتَهُ إبَاحَةَ الْكِتَابَةِ بِالتَّنْزِيلِ فِيهِ وَأَبَانَ فِي كِتَابِهِ أَنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ إنَّمَا يَكُونُ بِإِعْتَاقِ سَيِّدِهِ إيَّاهُ فَقَالَ {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] فَكَانَ بَيِّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ تَحْرِيرَهَا إعْتَاقُهَا، وَأَنَّ عِتْقَهَا إنَّمَا هُوَ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمَمْلُوكِ: أَنْتَ حُرٌّ كَمَا كَانَ بَيِّنًا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ} [الأحزاب: 49] أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا هُوَ بِإِيقَاعِهِ بِكَلَامِ الطَّلَاقِ الْمُصَرِّحِ لَا التَّعْرِيضِ وَلَا مَا يُشْبِهُ الطَّلَاقَ هَكَذَا عَامَّةً مِنْ جُمَلِ الْفَرَائِضِ أُحْكِمَتْ جُمَلُهَا فِي آيَةٍ وَأُبِينَتْ أَحْكَامُهَا فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إجْمَاعٍ، فَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ وَلَمْ يَقُلْ: إنْ أَدَّيْتَ إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ وَأَدَّى فَلَا يَعْتِقُ، وَذَلِكَ خَرَاجٌ أَدَّاهُ إلَيْهِ، وَكُلُّ هَذَا إذَا مَاتَ السَّيِّدُ، أَوْ خَرِسَ وَلَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَلَا مَعَهَا قَوْلًا، إنَّ قَوْلِي قَدْ كَاتَبْتُكَ إنَّمَا كَانَ مَعْقُودًا عَلَى أَنَّك إذَا أَدَّيْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِذَا قَالَ: هَذَا فَأَدَّى فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ يُشْبِهُ الْعِتْقَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ، أَوْ اعْتِقْ نَفْسَك يَعْنِي بِهِ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اذْهَبِي أَوْ تَقَنَّعِي يُعْنَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَا يَقَعُ فِي التَّعْرِيضِ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ إلَّا بِأَنْ يَقُولَ: قَدْ عَقَدْت الْقَوْلَ عَلَى نِيَّةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. .
(8/50)

[حَمَالَةُ الْعَبِيدِ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: كَتَبْتُ عَلَى رَجُلَيْنِ فِي بَيْعِ إنَّ حَيَّكُمَا مِنْ مَيِّتِكُمَا وَمَلِيَّكُمَا عَنْ مُعْدِمِكُمَا قَالَ: يَجُوزُ، وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى وَقَالَ زَعَامَةٌ: يَعْنِي حَمَالَةً، (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: فَقُلْت لِعَطَاءٍ: كَاتَبْت عَبْدَيْنِ لِي وَكَتَبْت ذَلِكَ عَلَيْهِمَا قَالَ: لَا يَجُوزُ فِي عَبِيدك وَقَالَهَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لِعَطَاءٍ لِمَ لَا يَجُوزُ؟ قَالَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ أَفْلَسَ رَجَعَ عَبْدًا لَمْ يَمْلِكْ مِنْك شَيْئًا فَهُوَ مَغْرَمٌ لَكَ، هَذَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سِلْعَةً يَخْرُجُ مِنْكَ فِيهَا مَالٌ قَالَ: قُلْت لَهُ: فَقَالَ لِي رَجُلٌ: كَاتِبْ غُلَامَك هَذَا وَعَلَيَّ كِتَابَتُهُ فَفَعَلَتْ، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ عَجَزَ قَالَ: لَا يَغْرَمُ لَك عَنْهُ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْعَبْدَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ فِي كُلِّ مَا قَالَ مِنْ هَذَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ عَبِيدَهُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتِبِ أَنْ يُثْبِتَ عَلَى نَفْسِهِ دَيْنًا عَلَى غَيْرِهِ لِسَيِّدِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ فِي الْحَمَالَةِ شَيْءٌ يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ، وَلَا شَيْءَ يَخْرُجُ مِنْ أَيْدِيهمَا بِإِذْنِهِمَا وَيَقْبِضُ، فَإِنْ كَاتَبُوا عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ فَأَدُّوا عَتَقُوا بِكِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ وَرَجَعَ السَّيِّدُ بِفَضْلٍ إنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِمْ، فَأَيُّهُمْ أَدَّى مُتَطَوِّعًا عَنْ أَصْحَابِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ، وَأَيُّهُمْ أَدَّى بِإِذْنِهِمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ رَجُلٌ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ حُرًّا كَانَ الرَّجُلُ، أَوْ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ، أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلسَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ بِالْكِتَابَةِ دَيْنٌ يَثْبُتُ كَثُبُوتِ دُيُونِ النَّاسِ، وَإِنَّ الْكِتَابَةَ شَيْءٌ إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَائِهِ بَطَلَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذِمَّةٌ يَرْتَجِعُ بِهَا الْحَمِيلِ عَلَيْهِ.
(قَالَ) : وَإِنْ عَقَدَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ كِتَابَةً عَلَى أَنَّ فُلَانًا حَمِيلٌ بِهَا وَفُلَانٌ حَاضِرٌ رَاضٍ، أَوْ غَائِبٌ، أَوْ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ بِهِ حَمِيلًا يَرْضَاهُ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ الْكِتَابَةَ فَالْمُكَاتَبُ حُرٌّ، كَمَا يَعْتِقُ بِالْحِنْثِ وَالْيَمِينِ إلَّا أَنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُكَاتَبُ أَدَاءَهَا فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبُولِهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا فَاسِدَةٌ، وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ الْحَمِيلُ أَدَاءَهَا فَلِلسَّيِّدِ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِهَا، فَإِذَا قَبِلَهَا فَالْعَبْدُ حُرٌّ وَإِذَا أَدَّاهَا الْحَمِيلُ عَنْ الْحَمَّالَةِ لَهُ إلَى السَّيِّدِ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ بِهَا عَلَى السَّيِّدِ فَلَهُ الرُّجُوعُ بِهَا وَإِذَا رَجَعَ بِهَا، أَوْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَى الْمُكَاتَبِ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِكِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ وَيَجْعَلُ مَا أَخَذَ مِنْهُ قِصَاصًا مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَهَكَذَا كُلَّمَا أَعْتَقْت الْعَبْدَ بِكِتَابَةٍ فَاسِدَةٍ جَعَلْت عَلَى الْعَبْدِ قِيمَتَهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَحَسَبْتَ لِلْعَبْدِ مِنْ يَوْمِ كَاتَبَ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ مَا أَخَذَ مِنْهُ سَيِّدُهُ وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ عَبْدٌ لَهُ عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ لَهُ عَبْدُهُ عَنْ عَبْدٍ لَهُ وَلَا عَنْ عَبْدِهِ لِغَيْرِهِ وَلَا عَنْ عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ ثَابِتٌ بِكِتَابَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَ الْعَبِيدُ كِتَابَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ وَلَا أَنْ يُكَاتِبَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ عَلَى مِائَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يُؤَدُّوا الْمِائَةَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ كَالْحَمَالَةِ مِنْ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، فَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَيْهِ، أَوْ عَبِيدَهُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ، أَوْ كَاتَبَ اثْنَيْنِ عَلَى مِائَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ السَّيِّدُ الْمِائَةَ كُلَّهَا فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ تَرَافَعَاهَا نُقِضَتْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعَاهَا فَهِيَ مُنْتَقَضَةٌ، وَإِنْ جَاءَ الْعَبْدَانِ بِالْمَالِ فَلِلسَّيِّدِ رَدُّهُ إلَيْهِمَا وَالْإِشْهَادُ عَلَى نَقْضِ الْكِتَابَةِ وَتَرْكِ الرِّضَا بِهَا، فَإِذَا أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ أَخْذُ الْمَالِ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ عَلَى غَيْرِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ عَبْدِهِ، أَوْ عَبْدَيْهِ وَأَصَحُّ لَهُ أَنْ يُبْطِلَ
(8/51)

الْحَاكِمُ تِلْكَ الْكِتَابَةِ وَإِنْ أَخَذَ مِنْ عَبِيدِهِ مَا كَاتَبُوهُ عَلَيْهِ عَلَى الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ عَتَقُوا وَكَانَتْ عَلَيْهِمْ قِيمَتُهُمْ لَهُ يُحَاصُّهُمْ بِمَا أَخَذَ مِنْهُمْ فِي قِيمَتِهِمْ وَلَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ، أَوْ عَبِيدَهُ عَلَى أَرْطَالِ خَمْرٍ، أَوْ مَيْتَةٍ أَوْ شَيْءٍ مُحَرَّمٍ فَأَدُّوهُ إلَيْهِ عَتَقُوا إذَا كَانَ قَالَ لَهُمْ: فَإِنْ أَدَّيْتُمْ إلَيَّ كَذَا وَكَذَا فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ، وَرَجَعَ عَلَيْهِمْ بِقِيمَتِهِمْ حَالَّةً، وَإِنَّمَا خَالَفْنَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْتُمْ الدَّارَ أَوْ فَعَلْتُمْ كَذَا فَأَنْتُمْ أَحْرَارٌ إنَّ هَذِهِ يَمِينٌ لَا بَيْعَ فِيهَا بِحَالٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ كَاتَبَهُمْ عَلَى الْخَمْرِ وَمَا يَحْرُمُ، وَكُلُّ شَرْطٍ فَاسِدٍ فِي بَيْعٍ يَقَعُ الْعِتْقُ بِشَرْطِهِ أَنَّ الْعِتْقَ وَاقِعٌ بِهِ وَإِذَا وَقَعَ بِهِ الْعِتْقُ لَمْ يَسْتَطِعْ رَدُّهُ وَكَانَ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَقْبِضُهُ مُشْتَرِيه وَيَفُوتُ فِي يَدَيْهِ فَيَرْجِعُ عَلَى مُشْتَرِيه بِقِيمَتِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَيَكُونُ شَيْءٌ إنْ أَخَذَهُ مِنْ مُشْتَرِيه حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ لَا يُقَاصُّ بِهِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ شَيْئًا يَحِلُّ مِلْكُهُ قَاصَّ بِهِ مِنْ ثَمَنِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.

[الْحُكْمُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) : قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَكُلُّ كِتَابَةٍ قُلْت إنَّهَا فَاسِدَةٌ فَأَشْهَدَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ عَلَى إبْطَالِهَا فَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ إنْ رَفَعَهَا إلَى الْحَاكِمِ أَبْطَلَهَا وَإِنْ أَشْهَدَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ عَلَى إبْطَالِهَا، أَوْ أَبْطَلَهَا الْحَاكِمُ، ثُمَّ أَدَّى الْمُكَاتَبُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ لَمْ يَعْتِقْ كَمَا يَعْتِقُ لَوْ لَمْ تَبْطُلْ، فَإِنْ قَالَ لَهُ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَبْطَلْت هَذَا لَمْ يَبْطُلْ وَالْكِتَابَةُ بَيْعٌ يَبْطُلُ، فَإِذَا بَطَل فَأَدَّى مَا جَعَلَ عَلَيْهِ فَقَدْ أَدَّاهُ عَلَى غَيْرِ الْكِتَابَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَأَنْتَ لَابِسٌ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ دَخَلْت الدَّارَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِأَنْ يَدْخُلَهَا لَابِسًا مَا قَالَ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَكَذَلِكَ لَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَأَدَّ إذَا أَبْطَلَهَا مِنْهُ عَلَى مَا شَرَطَ لَهُ مِنْ الْعِتْقِ إذَا أَبْطَلَهُ، وَمَنْ أَعْتَقَ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُعْتِقْ إلَّا بِكَمَالِ الشَّرْطِ. وَإِنْ كَانَ كَاتَبَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَلَمْ يُبْطِلْهَا حَتَّى أَدَّى مَا كَاتَبَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ عَلَى شَرْطٍ عَلَيْهِ أَدَّاهُ، فَإِنْ كَانَ مَا دَفَعَ إلَيْهِ الْمُكَاتَبُ حَرَامًا لَا ثَمَنَ لَهُ رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ عَبْدًا يَوْمَ عَتَقَ لَا يَوْمَ كَاتَبَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ يَوْمَ عَتَقَ، وَإِنْ كَانَ مَا أَدَّى إلَيْهِ مِمَّا يَحِلُّ وَكَانَ مَعَهُ شَرْطٌ يُفْسِدُ الْكِتَابَةَ أُقِيمَ جَمِيعُ مَا أَدَّى إلَيْهِ وَالْمُكَاتَبُ يَوْمَ يَقَعُ الْعِتْقُ عَلَيْهِ بِأَيِّ حَالٍ كَانَ الْمُكَاتَبُ لَا يَوْمَ الْحُكْمِ وَلَا يَوْمَ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ تَرَاجَعَا بِالْفَضْلِ كَأَنْ تَأَدَّى مِنْهُ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهَا، وَهُوَ كَتَأَدِّي عِشْرِينَ دِينَارًا وَقِيمَةُ الْمُكَاتَبِ مِائَةُ دِينَارٍ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ السَّيِّدُ بِثَمَانِينَ دِينَارًا يَكُونُ بِهَا غَرِيمًا مِنْ الْغُرَمَاءِ يُحَاصُّ غُرَمَاءَهُ بِهَا لَا يُقَدِّمُ عَلَيْهَا وَلَا هُمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ عَلَى حُرٍّ لَا كِتَابَةَ. وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُكَاتَبِ عِشْرِينَ دِينَارًا فَأَدَّى إلَى السَّيِّدِ مِائَةً رَجَعَ الْمُكَاتَبُ عَلَى السَّيِّدِ بِثَمَانِينَ وَكَانَ بِهَا غَرِيمًا، وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، فَمَاتَ السَّيِّدُ فَتَأَدَّى وَرَثَتُهُ الْكِتَابَةَ عَالِمِينَ بِفَسَادِ الْكِتَابَةِ، أَوْ جَاهِلِينَ لَمْ يَعْتِقْ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا الَّذِينَ قَالُوا: أَنْتَ حُرٌّ بِأَدَاءِ كَذَا فَيَعْتِقُ بِقَوْلِهِمْ وَبِأَنَّ الْكِتَابَةَ فَاسِدَةٌ فَمَا أَدَّى إلَيْهِمْ عَبْدُهُمْ وَهُوَ غَيْرُ مُكَاتَبٍ فَهُوَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِلَا شَرْطٍ يَعْتِقُ بِهِ عَلَيْهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ تأداها السَّيِّدُ بَعْدَ مَا حُجِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنَّمَا يَعْتِقُ بِقَوْلِ السَّيِّدِ أَدَّاهَا فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى كَذَا فَإِذَا كَانَ مَحْجُورًا لَمْ يَعْتِقْ بِهَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الْأَوَّلَ فِي الْكِتَابَةِ فَاسِدٌ، وَلَوْ كَانَ صَحِيحًا لَزِمَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ وَذَهَابِ الْعَقْلِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ خَبِلَ السَّيِّدُ.
(8/52)

فَتَأَدَّاهَا مِنْهُ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ لَمْ يَعْتِقْ. وَلَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مَخْبُولًا فَتَأَدَّاهَا السَّيِّدُ وَالسَّيِّدُ صَحِيحٌ عَتَقَ بِالْكِتَابَةِ وَوَكَّلَ لَهُ الْقَاضِي وَلِيًّا يَتَرَاجَعَانِ بِالْقِيمَةِ كَمَا كَانَ الْمُكَاتَبُ رَاجِعًا بِهَا لِأَنَّ كِتَابَةَ الْعَبْدِ الْمَخْبُولِ فَاسِدَةٌ فَمَا تَأَدَّى مِنْهُ السَّيِّدُ فَإِنَّمَا يَتَأَدَّى مِنْ عَبْدِهِ وَإِيقَاعُهُ الْعِتْقَ لَهُ وَاقِعٌ.

[الشَّرْطُ الَّذِي يُفْسِدُ الْكِتَابَةَ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا شَرَطَ الرَّجُلُ عَلَى مُكَاتَبَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبِهِ أَنَّهُ إذَا أَدَّى إلَيْهِ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ عَتَقَ أَوْ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِمَا طَابَتْ بِهِ فِي نَفْسِ سَيِّدِهِ، فَالْكِتَابَةُ فِي هَذَا كُلِّهِ فَاسِدَةٌ وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى نُجُومٍ بِأَعْيَانِهَا عَلَى أَنَّهُ إذَا أَدَّى فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَأَدَّاهَا كَانَ مُدَبَّرًا، وَكَانَ لِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ وَلَيْسَتْ هَذِهِ كِتَابَةً إنَّمَا هَذَا كَقَوْلِهِ: إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَلَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ أَدَائِهَا وَبَعْدَهُ، وَإِذَا كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ يُؤَدِّيهَا فِي عَشْرِ سِنِينَ فَإِنْ أَدَّى مِنْهَا خَمْسِينَ مُعَجَّلَةً فِي سَنَةٍ، فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ وَلَوْ أَدَّى الْخَمْسِينَ الْأُخْرَى لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فَإِنْ أَدَّيْت فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِنْ شَاءَ السَّيِّدُ أَعْتَقَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُعْتِقْهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا كِتَابَةً، فَإِنْ أَدَّى الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ لَمْ يَعْتِقْ الْعَبْدُ عَلَى بَنِي سَيِّدِهِ، وَكَانَ هَذَا كَالْخَرَاجِ، وَلِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ فِي هَذَا وَفِي كُلِّ كِتَابَةٍ قُلْت: إنَّهَا فَاسِدَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ يُؤَدِّيهَا فِي عَشْرِ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا وَلَمْ يَقُلْ فَإِذَا أَدَّيْتهَا فَأَنْتَ حُرٌّ كَانَ هَذَا خَرَاجًا، فَإِنْ أَدَّاهَا فَلَيْسَ بِحُرٍّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ مِائَةَ دِينَارٍ فَأَنْتَ مُكَاتَبٌ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ قَالَ: إذَا أَدَّيْت عَتَقْت، أَوْ لَمْ يَقُلْهُ، فَإِنْ أَدَّى الْمِائَةَ الدِّينَارِ فَلَيْسَ بِمُكَاتَبٍ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ مُكَاتَبًا بَعْدَ أَدَاءِ الْمِائَةِ وَلَمْ يُسَمِّ كِتَابَةً فَكَانَ هَذَا لَيْسَ بِكِتَابَةٍ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ مِائَةَ دِينَارٍ فَأَنْتَ مُكَاتَبٌ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ تُؤَدِّيهَا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا فَأَدَّى إلَيْهِ مِائَةَ دِينَارٍ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَإِنْ أَدَّيْت إلَيَّ مِائَةَ دِينَارٍ فَأَنْتَ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ بِبَيْعِ السَّيِّدِ الْعَبْدَ نَفْسَهُ أَشْبَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: إنْ أَعْطَيْتنِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ فَقَدْ بِعْتُك دَارِي بِمِائَةٍ، فَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لَمْ تَكُنْ دَارُهُ بَيْعًا لَهُ بِمِائَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ حَتَّى يُحْدِثَا بَيْعًا مُسْتَقْبَلًا يَتَرَاضَيَانِ بِهِ، فَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا حَتَّى يُحْدِثَا كِتَابَةً يَتَرَاضَيَانِ بِهَا.

[الْخِيَارُ فِي الْكِتَابَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَفْسَخَ الْكِتَابَةَ مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يُؤَدِّ الْعَبْدُ كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً وَلَوْ شَرَطَ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ فَسْخَ الْكِتَابَةِ مَتَى شَاءَ كَانَتْ الْكِتَابَةُ جَائِزَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِيَدِ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْعَبْدُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْتِقُ بِالْكِتَابَةِ دُونَ الْأَدَاءِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِ السَّيِّدِ خُرُوجًا تَامًّا، فَمَتَى شَاءَ تَرَكَ الْكِتَابَةَ. أَوْ لَا تَرَى أَنَّ الْكِتَابَةَ شَرْطٌ أَثْبَتَهُ السَّيِّدُ عَلَى نَفْسِهِ لِعَبْدِهِ دُونَهُ فَلَا يَكُونُ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ.
(8/53)

[اخْتِلَافُ السَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا تَصَادَقَ السَّيِّدُ وَعَبْدُهُ عَلَى أَنَّهُ كَاتَبَهُ كِتَابَةً صَحِيحَةً فَاخْتَلَفَا فِي الْكِتَابَةِ فَقَالَ السَّيِّدُ: كَاتَبْتُك عَلَى أَلْفَيْنِ، وَقَالَ الْعَبْدُ: عَلَى أَلْفٍ تَحَالَفَا كَمَا يَتَحَالَفُ الْمُتَبَايِعَانِ الْحُرَّانِ وَيَتَرَادَّانِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَصَادَقَا عَلَى الْكِتَابَةِ وَاخْتَلَفَا فِي الْأَجَلِ فَقَالَ السَّيِّدُ: تُؤَدِّيهَا فِي شَهْرٍ، وَقَالَ الْعَبْدُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُكَاتَبُ أَدَّى مِنْ الْكِتَابَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، أَوْ قَلِيلًا، أَوْ لَمْ يُؤَدِّهِ وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَتَدَاعَيَانِ، وَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ تَشْهَدُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَتَصَادَقَ الْمُكَاتَبُ وَالسَّيِّدُ أَنْ لَمْ تَكُنْ إلَّا كِتَابَةٌ وَاحِدَةٌ أَبْطَلْتُ الْبَيِّنَةَ وَأَحْلَفْتُهُمَا كَمَا ذَكَرْت، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ فَأَدَّاهَا وَشَهِدَتْ بَيِّنَةُ سَيِّدِهِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ فَأَدَّى أَلْفًا لَمْ يَعْتِقْ الْمُكَاتَبُ، وَتَحَالَفَا وَتَرَادَّا الْكِتَابَةَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ تُكَذِّبُ الْأُخْرَى، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى أَنْ تُقْبَلَ مِنْ الْأُخْرَى، وَلَوْ شَهِدَا مَعًا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَاجْتَمَعَا عَلَى أَنَّ السَّيِّدَ عَجَّلَ لَهُ الْعِتْقَ، وَقَالَتْ بَيِّنَةُ السَّيِّدِ: أَخِّرْ عَنْهُ أَلْفًا فَجَعَلَهَا دَيْنًا عَلَيْهِ أَنْفَذْت لَهُ الْعِتْقَ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ وَأَحْلَفْت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، ثُمَّ جَعَلْت عَلَى الْمُكَاتَبِ قِيمَتَهُ لِسَيِّدِهِ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْنِ، أَوْ أَقَلَّ مِنْ الْأَلْفِ لِأَنِّي طَرَحْتُهُمَا حَيْثُ تَصَادَقَا وَأَنْفَذْتُهُمَا حَيْثُ اجْتَمَعَا.

قَالَ وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ أَلْفٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا مِائَةٌ فَمَرَّتْ سُنُونَ فَقَالَ السَّيِّدُ: لَمْ تُؤَدِّ إلَيَّ شَيْئًا، وَقَالَ الْعَبْدُ: قَدْ أَدَّيْت إلَيْك جَمِيعَ النُّجُومِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمُكَاتَبِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَحَلَفَ السَّيِّدُ قِيلَ لِلْمُكَاتَبِ: إنْ أَدَّيْت جَمِيعَ مَا مَضَى مِنْ نُجُومِكَ الْآنَ، وَإِلَّا فَلِسَيِّدِكَ تَعْجِيزُك، وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ قَدْ عَجَّزْته وَفَسَخْت كِتَابَتَهُ وَأَنْكَرَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَكُونَ فَسَخَ كِتَابَتَهُ وَأَقَرَّ بِمَالٍ، أَوْ لَمْ يُقِرَّ بِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكَاتَبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ السَّيِّدُ عَلَى تَعْجِيزِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى حُلُولِ نَجْمٍ، أَوْ نُجُومٍ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَيَقُولُ: لَيْسَ عِنْدِي أَدَاءٌ، وَيُشْهِدُ السَّيِّدُ أَنَّهُ قَدْ فَسَخَ كِتَابَتَهُ فَتَكُونُ مَفْسُوخَةً وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا عِنْدَ حَاكِمٍ، أَوْ غَيْرِ حَاكِمٍ.

وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ فَمَتَى قَالَ السَّيِّدُ قَدْ كُنْت قَبَضْت مِنْ عَبْدِي الْمُكَاتَبَةَ كُلَّهَا وَالسَّيِّدُ صَحِيحٌ، أَوْ مَرِيضٌ فَالْعَبْدُ حُرٌّ وَيَجُرُّ الْمُكَاتَبُ وَلَاءَ وَلَدِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَمَاتَ الْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ فَقَالَ السَّيِّدُ: قَدْ كُنْت قَبَضْت نُجُومَهُ كُلَّهَا لِيُثْبِتَ عِتْقَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَكَذَّبَهُ مَوَالِي الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ وَصَدَّقَهُ وَلَدُ الْمُكَاتِبِ الْأَحْرَارُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَوَالِي فِي أَنْ لَمْ يُعْتِقْهُ حَتَّى مَاتَ، وَيَثْبُتُ لَهُمْ الْوَلَاءُ عَلَى وَلَدِ مَوْلَاتِهِمْ، وَأَخْذُ مَالٍ إنْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ يُدْفَعُ إلَى وَرَثَتِهِ الْأَحْرَارِ بِإِقْرَارِ سَيِّدِهِ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ حُرًّا، وَهَكَذَا لَوْ قَذَفَ الْمُكَاتَبَ رَجُلٌ لَمْ يُصَدَّقْ مَوْلَاهُ عَلَى عِتْقِهِ وَلَا يُحَدُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَى أَنَّهُ عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيُصَدَّقُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ عَلَى مَا عَلَيْهِ وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى مَالِهِ.

وَإِذَا أَقَرَّ السَّيِّدُ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ قَبَضَ مَا عَلَى مُكَاتَبِهِ حَالًّا كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبِ، أَوْ دَيْنًا صُدِّقَ وَلَيْسَ هَذَا بِوَصِيَّةٍ وَلَا عِتْقٍ هَذَا إقْرَارٌ لَهُ بِبَرَاءَةٍ مِنْ دَيْنٍ عَلَيْهِ كَمَا يُصَدَّقُ عَلَى إقْرَارِهِ لِحُرٍّ بِبَرَاءَةٍ مِنْ دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ.

وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ مُكَاتَبَانِ فَأَقَرَّ أَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى مَا عَلَى أَحَدِهِمَا، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَيَّهُمَا الَّذِي قَبَضَ مَا عَلَيْهِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَ سَهْمُهُ عَتَقَ وَكَانَتْ عَلَى الْآخَرِ نُجُومُهُ إلَّا مَا أَثْبَتَ أَنَّهُ أَدَّاهُ مِنْهَا.

وَلَوْ كَاتَبَ رَجُلٌ عَبْدَهُ عَلَى نُجُومٍ يُؤَدِّي كُلَّ سَنَةٍ نَجْمًا فَمَرَّتْ بِهِ سُنُونَ فَقَالَ: قَدْ أَدَّيْت نُجُومَ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى الْمُكَاتَبِ أَنْ يُؤَدِّيَ النُّجُومَ الْمَاضِيَةَ مَكَانَهُ وَإِلَّا فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ وَهَكَذَا لَوْ مَاتَ سَيِّدُهُ فَادَّعَى وَرَثَتُهُ أَنَّ نُجُومَهُ بِحَالِهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ كَمَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ أَبِيهِمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ كَمَا تَكُونُ أَيْمَانُهُمْ عَلَى حَقٍّ لِأَبِيهِمْ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ أَبِيهِمْ لَا يُبْطِلُهُ حُلُولُ أَجَلِ الْمُكَاتَبِ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِاسْتِيفَائِهِ إيَّاهُ، وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِاسْتِيفَاءِ سَيِّدِهِ نَجْمًا فِي سَنَةٍ لَمْ
(8/54)

يُبْطِلْ ذَلِكَ نُجُومَهُ فِي السِّنِينَ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَوْفِي نَجْمَ سَنَةٍ وَلَا يَسْتَوْفِي مَا قَبْلَهَا وَيَحْلِفُ لَهُ وَتَبْطُلُ دَعْوَاهُ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَهُ أُحْلِفَ الْعَبْدُ عَلَى مَا ادَّعَى وَلَزِمَ ذَلِكَ السَّيِّدَ.

وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ سَيِّدَهُ كَاتَبَهُ وَقَدْ مَاتَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً حَلَفَ الْوَرَثَةُ مَا عَلِمُوا أَبَاهُمْ كَاتَبَهُ وَبَطَلَتْ دَعْوَاهُ، وَلَوْ كَانَ الْوَارِثَانِ ابْنَيْنِ فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَاهُ كَاتَبَهُ، أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَحَلَفَ الْمُكَاتَبُ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، وَحَلَفَ مَا عَلِمَ أَبَاهُ كَاتَبَهُ كَانَ نِصْفُهُ مُكَاتَبًا وَنِصْفُهُ مَمْلُوكًا، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ أَفَادَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ أَخَذَ الْوَارِثُ الَّذِي لَمْ يُقِرَّ بِالْكِتَابَةِ نِصْفَهُ، وَكَانَ نِصْفُهُ لِلْمُكَاتَبِ وَكَانَ لِلَّذِي لَمْ يُقِرَّ بِالْكِتَابَةِ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ وَيُؤَاجِرَهُ يَوْمًا، وَلِلَّذِي أَقَرَّ بِالْكِتَابَةِ أَنْ يَتَأَدَّى مِنْهُ نِصْفَ النَّجْمِ الَّذِي أَقَرَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ أَخُوهُ عَلَيْهِ وَإِذَا عَتَقَ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ أَنَّهُ عَتَقَ بِشَيْءٍ فَعَلَهُ الْأَبُ كَمَا لَوْ وَرِثَا عَبْدًا فَادَّعَى عِتْقًا فَأَقَرَّ أَحَدُ الِابْنَيْنِ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَهُ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَقَرَّ بِعِتْقِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَوَلَاءُ نِصْفِهِ إذَا عَتَقَ لِأَبِيهِ، وَلَا يُقَوَّمُ فِي مَالِ أَبِيهِ وَلَا مَالِ ابْنِهِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْعَبْدِ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَبْتَدِئُ أَحَدُهُمَا كِتَابَتَهُ دُونَ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا يُقِرُّ أَنَّهُ لَمْ يَرِثْهُ قَطُّ إلَّا مُكَاتَبًا وَذَانِكَ مَالِكَا عَبْدٍ يَبْتَدِئُ أَحَدُهُمَا كِتَابَتَهُ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ دُونَ شَرِيكِهِ وَلَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ أَحَدُهُمَا رَجَعَ رَقِيقًا بَيْنَهُمَا كَمَا كَانَ أَوَّلًا فَإِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ كَانَ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ اقْتَسَمَاهُ فَإِنْ وُجِدَ لَهُ مَالٌ كَانَ بَعْدَ إثْبَاتِ نِصْفِ الْكِتَابَةِ وَإِبْطَالِ نِصْفِهَا كَانَ لِلَّذِي أَقَرَّ بِالْكِتَابَةِ دُونَ أَخِيهِ إذَا كَانَ أَخُوهُ يَسْتَخْدِمُهُ يَوْمَهُ قَالَ: وَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا أَنَّ مَالَهُ فِي يَدَيْهِ، وَلَوْ أَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّ نِصْفَهُ مُكَاتَبٌ، وَأَعْطَيْنَا الَّذِي جَحَدَهُ نِصْفَ الْكِتَابَةِ وَقُلْنَا لَهُ: اسْتَخْدِمْهُ يَوْمًا، وَدَعْهُ لِلْكَسْبِ فِي كِتَابَتِهِ يَوْمًا فَتَرَكَ سَيِّدُهُ اسْتِيفَاءَ يَوْمِهِ وَاكْتَسَبَ مَالًا فَطَلَبَهُ السَّيِّدُ، وَقَالَ: كَسَبْته فِي يَوْمِي وَقَالَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِالْكِتَابَةِ بَلْ فِي يَوْمِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الَّذِي لَهُ فِيهِ الْكِتَابَةُ وَلِلَّذِي لَمْ يُقِرَّ لَهُ بِالْكِتَابَةِ عَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يَسْتَوْفِهَا مِنْهُ يُرْفَعُ مِنْهَا بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْعَبْدِ فِيهَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا أَلْزَمْنَاهُ الْعَجْزَ مَكَانَهُ، وَتَبْطُلُ كِتَابَتُهُ كَمَا إذَا عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ عَجَّزْنَاهُ، وَأَبْطَلْنَا كِتَابَتَهُ.

وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا ادَّعَى عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ، أَوْ عَلَى ابْنِ رَجُلٍ أَنَّ أَبَاهُ كَاتَبَهُ وَإِنَّمَا وَرِثَهُ عَنْهُ فَقَالَ السَّيِّدُ: كَاتَبْتُك وَأَنَا مَحْجُورٌ أَوْ كَاتَبَك أَبِي وَهُوَ مَحْجُورٌ، أَوْ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: مَا كَانَ وَلَا كُنْت مَحْجُورًا وَلَا مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِك حِينَ كَاتَبْتنِي فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي حَالٍ مَحْجُورًا، أَوْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَمَا ادَّعَى مِنْ الْكِتَابَةِ بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ كَانَ مُكَاتَبًا وَكَانَتْ دَعْوَاهُ أَنَّهُ مَحْجُورٌ وَمَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ بَاطِلًا، وَيَحْلِفُ الْمُكَاتَبُ لَقَدْ كَاتَبَهُ وَهُوَ جَائِزُ الْأَمْرِ.

وَلَوْ ادَّعَى مُكَاتَبٌ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ فَأَدَّاهَا وَعَتَقَ وَقَالَ مَوْلَاهُ: كَاتَبْتُكَ عَلَى أَلْفَيْنِ وَأَدَّيْت أَلْفًا وَلَا تَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ الْأَلْفِ الثَّانِيَةِ فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ وَقَالَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ: كَاتَبَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَقَالَتْ بَيِّنَةُ السَّيِّدِ: كَاتَبَهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ كَذَا كَانَ هَذَا إكْذَابًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ لِلْأُخْرَى، وَتَحَالَفَا وَهُوَ مَمْلُوكٌ بِحَالِهِ إنْ زَعَمَا مَعًا إنْ لَمْ تَكُنْ كِتَابَةٌ إلَّا وَاحِدَةٌ.

وَلَوْ قَالَتْ بَيِّنَةُ السَّيِّدِ: كَاتَبَهُ فِي رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ كَذَا، وَقَالَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ: كَاتَبَهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ تِلْكَ جُعِلَتْ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَكُونَانِ صَادِقَيْنِ فَيَكُونُ كَاتَبَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ اُنْتُقِضَتْ الْكِتَابَةُ وَأُحْدِثَتْ لَهُ كِتَابَةٌ أُخْرَى.

(قَالَ) : وَلَوْ قَالَتْ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ كَاتَبَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سَنَةِ كَذَا عَلَى أَلْفٍ وَلَمْ تَقُلْ عَتَقَ وَلَا أَدَّى، وَقَالَتْ بَيِّنَةُ السَّيِّدِ: كَاتَبَهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ عَلَى أَلْفَيْنِ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ السَّيِّدِ وَجُعِلَتْ الْكِتَابَةُ الْأُولَى مُنْتَقَضَةً؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَا صَادِقَيْنِ، وَإِذَا قَالَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى: عَتَقَ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَكَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ بَاطِلَتَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا بِحَالٍ.

وَلَوْ أَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ، وَالسَّيِّدُ أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ وَلَمْ تُوَقَّتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَحَلَفْتهمَا مَعًا وَنَقَضْت الْكِتَابَةَ، وَحَيْثُ قُلْت أُحَلِّفُهُمَا فَإِنْ نَكَلَ السَّيِّدُ وَحَلَفَ الْعَبْدُ فَهُوَ مُكَاتَبٌ عَلَى مَا ادَّعَى، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ كَانَ عَبْدًا وَإِنْ
(8/55)

نَكَلَ السَّيِّدُ وَالْعَبْدُ كَانَ عَبْدًا لَا يَكُونُ مُكَاتَبًا حَتَّى يَنْكُلَ السَّيِّدُ وَيَحْلِفَ الْعَبْدُ مَعَ نُكُولِ سَيِّدِهِ.

وَلَوْ ادَّعَى عَبْدٌ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِكِتَابَتِهِ وَلَمْ تَقُلْ الْبَيِّنَةُ: عَلَى كَذَا وَإِلَى وَقْتِ كَذَا لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ: كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَلَمْ تُثْبِتْ فِي كَمْ يُؤَدِّيهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَتْ: كَاتَبَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مُنَجَّمَةٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَلَمْ تَقُلْ فِي كُلِّ سَنَةٍ ثُلُثُهَا أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ حَتَّى تُوَقِّتَ الْمَالَ وَالسِّنِينَ وَمَا يُؤَدَّى فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَإِذَا نَقَصَتْ الْبَيِّنَةُ مِنْ هَذَا شَيْئًا سَقَطَتْ وَحَلَفَ السَّيِّدُ، وَكَانَ الْعَبْدُ مَمْلُوكًا، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْعَبْدُ، وَكَانَ مُكَاتَبًا عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.

وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَاتَبَهُ فَأَدَّى إلَيْهِ فَعَتَقَ، فَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ سَيِّدَهُ أَقَرَّ أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَدَّى فَهُوَ حُرٌّ وَأَنَّهُ أَدَّى إلَيْهِ وَجَحَدَ السَّيِّدُ، أَوْ ادَّعَى أَنَّ الْكِتَابَةَ فَاسِدَةٌ أَعْتَقْته عَلَيْهِ وَأَحْلَفْت الْعَبْدَ عَلَى فَسَادِ الْكِتَابَةِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِلَّا حَلَفَ السَّيِّدُ وَتَرَادَّا الْقِيمَةَ

[جِمَاعُ أَحْكَامِ الْمُكَاتَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُرْوَى أَنَّ مَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مِائَةِ أُوقِيَّةٍ فَأَدَّاهَا إلَّا عَشْرَ أَوَاقٍ فَهُوَ رَقِيقٌ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فِي الْمُكَاتَبِ هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ مَنْ لَقِيت، وَهُوَ كَلَامُ جُمْلَةٍ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -: عَبْدٌ فِي شَهَادَتِهِ وَمِيرَاثِهِ وَحُدُودِهِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ وَجُمْلَةِ جِنَايَتِهِ بِأَنْ لَا تَعْقِلَهَا عَاقِلَةُ مَوْلَاهُ، وَلَا قَرَابَةُ الْعَبْدِ وَلَا يَضْمَنَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ فِي جِنَايَتِهِ مَا بَلَغَتْ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَهُوَ عَبْدٌ فِي الْأَكْثَرِ مِنْ أَحْكَامِهِ وَلَيْسَ كَالْعَبْدِ فِي أَنَّ لِسَيِّدِهِ بَيْعَهُ، وَلَا أَخْذَ مَالِهِ مَا كَانَ قَائِمًا بِالْكِتَابَةِ.

وَلَا يَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ إلَّا بِأَدَاءِ آخِرِ نُجُومِهِ فَلَوْ كَاتَبَ رَجُلٌ عَبْدَهُ عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مُنَجَّمَةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى أَنَّك مَتَى أَدَّيْت نَجْمًا عَتَقَ مِنْك بِقَدْرِهِ فَأَدَّى نَجْمًا عَتَقَ كُلُّهُ وَرَجَعَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً.

وَمَنْ قَذَفَ مُكَاتَبًا كَانَ كَمَنْ قَذَفَ عَبْدًا، وَإِذَا قَذَفَ الْمُكَاتَبُ حُدَّ حَدَّ عَبْدٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَتَى الْمُكَاتَبُ مِمَّا عَلَيْهِ فِيهِ حَدٌّ فَحَدُّهُ حَدُّ عَبْدٍ.

وَلَا يَرِثُ الْمُكَاتَبُ، وَلَا يُورَثُ بِالنَّسَبِ وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَرِثَ هُوَ بِالرِّقِّ وَمِثْلُ أَنْ يَرِثَ الْمُكَاتَبُ بِالرِّقِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَبْدٌ فَيَمُوتَ فَيَأْخُذَ الْمُكَاتَبُ مَالَ عَبْدِهِ كَمَا كَانَ يَبِيعُ رَقَبَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ.

وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ قَلَّ، أَوْ كَثُرَ فَقَدْ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، وَإِذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ إذَا قَالَ فِي حَيَاتِهِ: قَدْ عَجَزْت بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّهُ اخْتَارَ تَرْكَهَا أَوْ عَجَزَ فَعَجَّزَهُ السَّيِّدُ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ كَانَ إذَا مَاتَ أَوْلَى أَنْ تَبْطُلَ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَيْسَ بِحَيٍّ فَيُؤَدِّيَ إلَى السَّيِّدِ دَيْنَهُ عَلَيْهِ وَمَوْتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَجْزِهِ وَلَا مَزِيَّةَ لِلْمُكَاتَبِ تَفْضُلُ بَيْنَ الْمُقَامِ عَلَى كِتَابَتِهِ وَالْعِتْقِ.

وَإِذَا مَاتَ فَخَرَجَ مِنْ الْكِتَابَةِ أَحَطْنَا أَنَّهُ عَبْدٌ وَصَارَ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ كُلُّهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ بَنُونَ وُلِدُوا مِنْ جَارِيَةٍ لَهُ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ، أَوْ بَنُونَ بَلَغُوا يَوْمَ كَاتَبَ وَكَاتَبُوا مَعَهُ وَقَرَابَةٌ لَهُ كَاتَبُوا مَعَهُ فَجَمِيعُ مَالِهِ لِسَيِّدِهِ.

وَلَوْ قَالَ سَيِّدُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ قَدْ وَضَعْت الْكِتَابَةَ عَنْهُ، أَوْ وَهَبْتهَا لَهُ أَوْ أَعْتَقْته لَمْ يَكُنْ حُرًّا، وَكَانَ الْمَالُ مَالَهُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَ لِمَيِّتٍ مَالَ نَفْسِهِ.

وَلَوْ قَذَفَهُ رَجُلٌ وَقَدْ مَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ لَمْ يُحَدَّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ وَلَمْ يَعْتِقْ.

فَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ فَعَلَى سَيِّدِهِ كَفَنُهُ وَقَبْرُهُ؛ لِأَنَّهُ عَبْدُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَحْضَرَ الْمَالَ
(8/56)

لِيَدْفَعَهُ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ سَيِّدُهُ، أَوْ دَفَعَ الْمَالَ إلَى رَسُولٍ لِيَدْفَعَهُ إلَى سَيِّدِهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ سَيِّدُهُ حَتَّى مَاتَ عَبْدًا وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْضَرَ الْمَالَ لِيَدْفَعَهُ فَمَرَّ بِهِ أَجْنَبِيٌّ، أَوْ ابْنٌ لِسَيِّدِهِ فَقَتَلَهُ كَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ عَبْدًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ سَيِّدُهُ قَتَلَهُ كَانَ ظَالِمًا لِنَفْسِهِ، وَمَاتَ عَبْدًا فَلِسَيِّدِهِ مَالُهُ وَيُعَزَّرُ سَيِّدُهُ فِي قَتْلِهِ.

وَلَوْ وَكَّلَ الْمُكَاتَبُ مَنْ يَدْفَعُ إلَى السَّيِّدِ آخِرَ نُجُومِهِ وَمَاتَ الْمُكَاتَبُ فَقَالَ وَلَدُ الْمُكَاتَبِ الْأَحْرَارُ قَدْ دَفَعَهَا إلَيْك الْوَكِيلُ وَأَبُونَا حَيٌّ وَقَالَ السَّيِّدُ مَا دَفَعَهَا إلَيَّ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيكُمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ الْمُكَاتِبِ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ، وَلَوْ أَقَامُوا بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ دَفَعَهَا إلَيْهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَمَاتَ أَبُوهُمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ السَّيِّدِ حَتَّى تَقْطَعَ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ دَفَعَهَا إلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ أَوْ تُوَقِّتَ فَتَقُولَ: دَفَعَهَا إلَيْك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَيُقِرُّ السَّيِّدُ أَنَّ الْعَبْدَ مَاتَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، أَوْ تَقُومُ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ فَيَكُونُ قَدْ عَتَقَ وَلَوْ شَهِدَ وَكِيلُ الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى السَّيِّدِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُكَاتَبِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ.

وَلَكِنْ لَوْ وَكَّلَ السَّيِّدُ رَجُلًا بِأَنْ يَقْبِضَ مِنْ الْمُكَاتَبِ آخِرَ نُجُومِهِ فَشَهِدَ وَكِيلُ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ قَبَضَهَا مِنْهُ قَبْلَ يَمُوتَ، وَقَالَ السَّيِّدُ: قَبَضَهَا بَعْدَ مَا مَاتَ جَازَتْ شَهَادَةُ وَكِيلِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ وَحَلَفَ وَرَثَةُ الْمُكَاتَبِ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَكَانَ أَبُوهُمْ حُرًّا وَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ الْأَحْرَارُ وَمَنْ يَعْتِقُ بِعِتْقِهِ

[وَلَدُ الْمُكَاتَبِ وَمَالُهُ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ وَقَاطَعَهُ فَكَتَمَهُ مَالًا لَهُ وَعَبِيدًا وَمَالًا غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ هُوَ لِلسَّيِّدِ وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ قَدْ سَأَلَهُ مَالَهُ فَكَتَمَهُ إيَّاهُ فَقَالَ هُوَ لِسَيِّدِهِ فَقُلْت لِعَطَاءٍ فَكَتَمَهُ وَلَدًا مِنْ أَمَةٍ وَلَمْ يُعْلِمْهُ قَالَ هُوَ لِسَيِّدِهِ، وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْت لَهُ أَرَأَيْت إنْ كَانَ سَيِّدُهُ قَدْ عَلِمَ بِوَلَدِ الْعَبْدِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ السَّيِّدُ وَلَا الْعَبْدُ عِنْدَ الْكِتَابَةِ؟ قَالَ فَلَيْسَ فِي كِتَابَتِهِ هُوَ مَالٌ لِسَيِّدِهِمَا وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : الْقَوْلُ مَا قَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي وَلَدِ الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ سَوَاءٌ عَلِمَهُ السَّيِّدُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ هُوَ مَالٌ لِلسَّيِّدِ، وَكَذَلِكَ مَالُ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ وَلَا مَالَ لِلْعَبْدِ، وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، وَلَهُ مَالٌ فَلِلسَّيِّدِ أَخْذُ كُلِّ مَالٍ كَانَ لِلْعَبْدِ قَبْلَ مُكَاتَبَتِهِ

[مَالُ الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ تَاجِرًا، أَوْ غَيْرَ تَاجِرٍ فِي يَدَيْهِ مَالٌ فَكَاتَبَهُ سَيِّدُهُ فَالْمَالُ لِلسَّيِّدِ، وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ شَيْءٌ مِنْهُ وَمَا اكْتَسَبَ الْمُكَاتَبُ فِي كِتَابَتِهِ فَلَا سَبِيلَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْجِزَ فَإِذَا اخْتَلَفَ الْعَبْدُ وَالسَّيِّدُ، وَقَدْ تَدَاعَيَا الْكِتَابَةَ، وَلَمْ يُكَاتِبَا أَوْ لَمْ يَتَدَاعَيَاهَا فِي مَالٍ فِي يَدَيْ الْعَبْدِ فَالْمَالُ لِلسَّيِّدِ وَلَا مَوْضِعَ لِلْمَسْأَلَةِ فِي هَذَا، وَلَكِنْ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِ الْعَبْدِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ فَقَالَ الْعَبْدُ: أَفَدْته بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَقَالَ السَّيِّدُ: أَفَدْته قَبْلَهَا، أَوْ قَالَ: هُوَ مَالٌ لِي أَوْدَعْتُكَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى السَّيِّدِ الْبَيِّنَةُ فَمَا أَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ، أَوْ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَاهِدًا وَحَلَفَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدَيْ الْعَبْدِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ
(8/57)

فَهُوَ لِلسَّيِّدِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ لِلسَّيِّدِ وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ فِي يَدَيْ الْعَبْدِ وَلَمْ يَحُدُّوا حَدًّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي يَدَيْ الْعَبْدِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَبْدِ حَتَّى يَحُدُّوا وَقْتًا يُعْلَمُ فِيهِ أَنَّ الْمَالَ كَانَ بِيَدَيْ الْعَبْدِ قَبْلَ الْكِتَابَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالُوا: كَانَ فِي يَدَيْهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِغُرَّةِ شَهْرِ كَذَا، وَكَانَتْ الْكِتَابَةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَبْدِ حَتَّى تَحُدَّ الْبَيِّنَةُ حَدًّا يُعْلِمُ أَنَّ الْمَالَ كَانَ فِي يَدَيْهِ قَبْلُ تَصِحُّ الْكِتَابَةِ.
وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ فِي يَدَيْهِ فِي رَجَبٍ وَشَهِدُوا لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فِي شَعْبَانَ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ الْعَبْدُ: قَدْ كَاتَبْتنِي بِلَا بَيِّنَةٍ قَبْلَ رَجَبٍ، أَوْ فِي رَجَبٍ، أَوْ فِي وَقْتٍ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا قُلْت هَذَا أَنَّ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ إنَّمَا كَاتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالُهُ مَالُ سَيِّدِهِ لَا مَالٌ لَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ عَلِمَ الْمَالَ وَأَحْضَرَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ كِتَابَةٌ وَبَيْعٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ حِصَّةُ الْكِتَابَةِ مِنْ حِصَّةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّةً مِنْ الْكِتَابَةِ غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ، وَأَنَّهُ يَعْجِزُ فَيَكُونُ رَقِيقًا وَيَفُوتُ الْمَالُ فَإِنْ أَدَّى فَعَتَقَ تَرَاجَعَا بِقِيمَةِ الْعَبْدِ فَتَكُونُ يَوْمَ كُوتِبَ وَرَجَعَ سَيِّدُهُ بِمَالِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَيْهِ، أَوْ مِثْلِهِ، أَوْ قِيمَتِهِ إنْ فَاتَ فِي يَدَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُكَاتِبَهُ، ثُمَّ يَبِيعَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ مَا فِي يَدَيْهِ، أَوْ يَهَبَهُ، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَأَمَّا أَنْ يَعْقِدَ الْكِتَابَةَ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ حُجَّةٌ أُخْرَى أَنَّهُ إذَا كَاتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَالْمَالُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ لِسَيِّدِهِ لَيْسَ لِلْعَبْدِ

[مَا اكْتَسَبَ الْمُكَاتَبُ]
ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : مَا أَفَادَ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَهُوَ لَهُ مَالٌ عَلَى مَعْنًى، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ، وَلَا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ لَا يَأْخُذُ مَالَهُ وَهُوَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ؟ قِيلَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِالْكِتَابَةِ وَكَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ مَالًا يُؤَدِّيهِ الْعَبْدُ وَيَعْتِقُ بِهِ فَلَوْ سَلَّطَ لِلسَّيِّدِ عَلَى أَخْذِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبَةِ مَعْنًى إذَا كَانَ السَّيِّدُ يَأْخُذُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ بِهِ مُؤَدِّيًا كَانَ الْعَبْدُ لِلْأَدَاءِ مُطِيقًا وَمِنْهُ مَمْنُوعًا بِالسَّيِّدِ، أَوْ كَانَ لَهُ غَيْرَ مُطِيقٍ فَبَطَلَ مَعْنَى الْكِتَابَةِ بِالْمَعْنَيَيْنِ مَعًا، وَيَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ فِي مَالِهِ مَا كَانَ عَلَى النَّظَرِ وَغَيْرِ الِاسْتِهْلَاكِ لِمَالِهِ وَلَا يَجُوزُ مَا كَانَ اسْتِهْلَاكًا لِمَالِهِ فَلَوْ وَهَبَ دِرْهَمًا مِنْ مَالِهِ كَانَ مَرْدُودًا، وَلَوْ اشْتَرَى بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ كَانَ مَرْدُودًا، أَوْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ كَانَ مَرْدُودًا وَكَذَلِكَ لَوْ جُنِيَتْ عَلَيْهِ جِنَايَةٌ فَعَفَا الْجِنَايَةَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ كَانَ عَفْوُهُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إهْلَاكٌ مِنْهُ لِمَالِهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِالنَّظَرِ، وَإِقْرَارُهُ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنْ نَكَحَ فَأَصَابَ الْمَرْأَةَ فُسِخَ النِّكَاحُ، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا إذَا عَتَقَ وَلَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ بِهِ قَبْلَ يَعْتِقَ؛ لِأَنَّهَا نَكَحَتْهُ وَهِيَ طَائِعَةٌ، وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً شِرَاءً فَاسِدًا فَمَاتَتْ فِي يَدَيْهِ كَانَ لِقِيمَتِهَا ضَامِنًا؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُ وَبَيْعَهُ جَائِزٌ فَمَا لَزِمَهُ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ لَزِمَهُ فِي مَالِهِ.

وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَأَصَابَهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ عَلَيْهِ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ مِنْهُ مَهْرَ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا بِسَبَبِ بَيْعٍ، وَأَصْلُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لَهُ جَائِزٌ، وَأَصْلُ النِّكَاحِ لَهُ غَيْرُ جَائِزٍ فَلِذَلِكَ لَمْ أُلْزِمْهُ فِي مَالِهِ - مَا كَانَ مُكَاتَبًا - صَدَاقَ الْمَرْأَةِ وألزمهوه بَعْدَ عِتْقِهِ فَإِذَا تَحَمَّلَ عَنْهُ الرَّجُلِ بِحَمَالَةٍ، وَضَمِنَ عَنْ آخَرَ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ هَذَا تَطَوُّعٌ بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ نَفْسَهُ فِي مَالِهِ فَهُوَ مِثْلُ الْهِبَةِ يَهَبُهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ زَمِنٌ مُحْتَاجٌ، أَوْ أَبٌ زَمِنٌ مُحْتَاجٌ لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ، وَتَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي نِكَاحِهَا قَبْلَ الْكِتَابَةِ وَبَعْدَهَا.

وَلَوْ نَكَحَ فِي الْكِتَابَةِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ سَيِّدُهُ حَتَّى عَتَقَ فَأَصَابَهَا أَوْ أَصَابَهَا قَبْلَ الْعِتْقِ، ثُمَّ عَتَقَ كَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَالَيْنِ مَهْرُ مِثْلِهَا بِأَنَّهُ حُرٌّ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.

وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَمَاتَ كَانَ عَلَيْهِ كَفَنُهُ مَيِّتًا وَنَفَقَتُهُ
(8/58)

مَرِيضًا.

وَلَوْ بِيعَ مِنْ قَرَابَتِهِ مَنْ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ حُرًّا كَانَ لَهُ شِرَاؤُهُ عَلَى النَّظَرِ كَمَا أَنَّ لَهُ شِرَاءَ غَيْرِهِمْ عَلَى النَّظَرِ، وَإِذَا بَاعَ مِنْهُمْ عَبْدًا عَلَى غَيْرِ النَّظَرِ فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ فَالْعِتْقُ بَاطِلٌ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ بَعْدَ بَيْعِهِمْ الَّذِي وَصَفْته - مَرْدُودًا - وَعَتَقَ مَنْ مِلْكِهِمْ لَهُمْ فَعِتْقُهُمْ بَاطِلٌ حَتَّى يُجَدِّدَ فِيهِمْ بَيْعًا فَإِذَا جَدَّدَ فَهُمْ مَمَالِيكُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الَّذِي اشْتَرَاهُمْ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُمْ عِتْقًا، وَلَوْ بَاعَ هَذَا الْبَيْعَ الْفَاسِدَ فَأَعْتَقَ الْعَبْدَ، ثُمَّ جَنَى فَقَضَى الْإِمَامُ عَلَى مَوَالِيهِ بِالْعَقْلِ، ثُمَّ عَلِمَ فَسَادَ الْبَيْعِ رَدَّ وَرَدَّ الْعَاقِلَةَ بِالْعَقْلِ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَقَضَى بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ جِنَايَةَ حُرٍّ فَقَبَضَهَا، أَوْ قُبِضَتْ لَهُ رُدَّتْ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ.

وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدًا يَعْتِقُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ حُرًّا وَلَدًا وَلَا وَالِدًا وَمَتَى اشْتَرَاهُمْ فَالشِّرَاءُ فِيهِمْ مَفْسُوخٌ فَإِنْ مَاتُوا فِي يَدَيْهِ قَبْلَ رَدِّهِمْ ضَمِنَ قِيمَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ الشِّرَاءِ فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُمْ حَتَّى يَعْتِقَ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ وَلَا يَعْتِقُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُمْ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ حَتَّى يُجَدِّدَ لَهُمْ شِرَاءً بَعْدَ الْعِتْقِ فَإِذَا جَدَّدَهُ عَتَقُوا عَلَيْهِ قَالَ: وَإِنَّمَا أَبْطَلْت شِرَاءَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُمْ.

وَإِذَا اشْتَرَى مَا لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ فَلَيْسَ لَهُ بِشِرَاءِ نَظَرٍ إنَّمَا هُوَ إتْلَافٌ لِأَثْمَانِهِمْ وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَسَرَّى، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَإِنْ تَسَرَّى فَوُلِدَ لَهُ فَلَهُ بَيْعُ سُرِّيَّتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ إيَّاهَا بِالْمِلْكِ لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا فَتَلِدُ بِأَكْثَرَ مِنْ قَوْلِهِ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ، وَهُوَ إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ لَمْ تَعْتِقْ. وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَشْتَرِيَ جَارِيَةً قَدْ كَانَتْ وَلَدَتْ لَهُ بِنِكَاحٍ وَيَبِيعَهَا، وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ وَغَيْرِهِمْ إذَا كَانَ شِرَاؤُهُ إيَّاهُمْ نَظَرًا.

قَالَ: وَلَهُ إنْ أُوصِيَ لَهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ أَوْ وُهِبُوا لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهِمْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقْبَلَهُمْ وَإِذَا قَبِلَهُمْ أَمَرَهُمْ بِالِاكْتِسَابِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَأَخَذَ فَضْلَ كَسْبِهِمْ وَمَا أَفَادُوا مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُمْ مِلْكٌ لَهُ فَاسْتَعَانَ بِهِ فِي كِتَابَتِهِ فَمَنْ أَدَّى عَتَقَ، وَكَانُوا أَحْرَارًا بِعِتْقِهِ.

وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ، أَوْ جُنِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِنَايَةٍ، أَوْ مَلَكُوهُ وَهُمْ فِي مِلْكِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَهُوَ لِلْمُكَاتَبِ وَمَا مَلَكُوهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَهُوَ لَهُمْ دُونَهُ، وَإِذَا جُنِيَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ عِتْقٍ فَهُوَ جِنَايَةٌ عَلَى مَمَالِيكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ يَقْدِرُونَ عَلَى الْكَسْبِ وَيَدَعَهُمْ مِنْ أَنْ يَكْتَسِبُوا كَمَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي عَبِيدٍ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا إتْلَافُ مَالِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ إنْ مَرِضُوا، أَوْ عَجَزُوا عَنْ الْكَسْبِ، وَلَوْ خَافَ الْعَجْزَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَعْتِقُ وَذَلِكَ الْوَالِدُونَ وَالْوَلَدُ (قَالَ) : وَإِنْ عَجَزَ رُدَّ رَقِيقًا وَكَانُوا مَعًا مَمَالِيكَ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ عَبْدَهُ كَانَ مَلَكَهُمْ عَلَى مَا وَصَفْت، وَإِنْ جَنَى وَاحِدٌ مِنْهُمْ جِنَايَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِشَيْءٍ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ مَا قَدْ بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْهُ يَعْتِقُ بِعِتْقِهِ إذَا عَتَقَ، وَإِذَا اشْتَرَى أَحَدًا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ شِرَاؤُهُ، أَوْ بَاعَ أَحَدًا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ كَانَ الشِّرَاءُ وَالْبَيْعُ مُنْتَقَضًا فِيهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ صَفْقَتَهُ كَانَتْ فَاسِدَةً.

[وَلَدُ الْمُكَاتَبِ مِنْ غَيْرِ سُرِّيَّتِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ، وَلَهُ وَلَدٌ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُهُ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ، وَإِنْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ صِغَارًا كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ عَنْ غَيْرِهِ لِسَيِّدِهِ، وَلَا غَيْرِ سَيِّدِهِ وَلَا تَجُوزُ كِتَابَةُ الصِّغَارِ وَإِذَا وُلِدُوا بَعْدَ كِتَابَتِهِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أُمِّهِمْ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَلَدِ فِي الرِّقِّ حُكْمُ أُمِّهِ فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُمْ حُرَّةً فَهُمْ أَحْرَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً فَهُمْ مَمَالِيكُ لِمَالِكِ أُمِّهِمْ كَانَ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ، أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً لِغَيْرِ سَيِّدِهِ فَلَيْسَ لِلْأَبِ فِيهِمْ سَبِيلٌ إمَّا أَنْ يَكُونُوا مَوْقُوفِينَ عَلَى مَا تَصِيرُ إلَيْهِ أُمُّهُمْ فَإِنْ عَتَقَتْ
(8/59)

عَتَقُوا، وَإِنْ رَقَّتْ رَقُّوا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا رَقِيقًا، وَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً لِسَيِّدَةٍ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ، أَوْ غَيْرِ الْكِتَابَةِ فَسَوَاءٌ وَحُكْمُهُمْ بِأُمِّهِمْ دُونَهُ، وَكِتَابَةُ أُمِّهِمْ غَيْرُ كِتَابَتِهِ إنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ، وَإِنْ أَدَّى دُونَهَا عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ حَمِيلًا عَنْهَا وَلَا هِيَ عَنْهُ.

[تَسَرِّي الْمُكَاتَبِ وَوَلَدِهِ مِنْ سُرِّيَّتِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَسَرَّى بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَ فَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فِي كِتَابَتِهِ، ثُمَّ عَتَقَ لَمْ تَكُنْ أُمُّ وَلَدِهِ الَّتِي وَلَدَتْ بِوَطْءِ الْمُكَاتَبِ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا تَكُونُ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ حَتَّى تَلِدَ مِنْهُ بِوَطْءٍ بَعْدَ عِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ لِمَالِهِ حَتَّى يَعْتِقَ فَإِذَا عَتَقَ فَوَلَدَتْ بَعْدَ عِتْقِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا كَانَتْ بِهِ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَإِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَمْ تَكُنْ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ.

وَإِذَا وَلَدَتْ لِلْمُكَاتَبِ جَارِيَتُهُ فِي الْكِتَابَةِ، أَوْ امْرَأَتُهُ اشْتَرَاهَا فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا؛ لِأَنَّ امْرَأَتَهُ الَّتِي وَلَدَتْ بِالنِّكَاحِ لَا تَكُونُ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَاَلَّتِي بِوَطْءٍ فَاسِدٍ بِكُلِّ حَالٍ لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِالْوَطْءِ الْفَاسِدِ كُلِّهِ، وَلَا تَكُونُ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ أَمَةٌ إلَّا أَمَةً وُطِئَتْ بِمِلْكٍ صَحِيحٍ لِلْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ وَلَوْ وَلَدَتْ بِوَطْءِ الْمُكَاتَبَةِ، ثُمَّ وَلَدَتْ بِوَطْءِ الْحُرِّيَّةِ كَانَ بَعْدَ عِتْقِ سَيِّدِهَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ لَا بِالْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَإِذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ لَوْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهَا، وَلَمْ تَعْتِقْ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ إيَّاهَا، وَهُوَ مُكَاتَبٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ يُمْنَعُ بَيْعُهَا، وَحُكْمُ أُمِّ الْوَلَدِ أَضْعَفُ مِنْ الْعِتْقِ، وَلَيْسَ كَالْحُرِّ يَطَأُ الْأَمَةَ يَمْلِكُ بَعْضَهَا مِلْكًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ هَذِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ نَصِيبُهُ وَنَصِيبُ صَاحِبِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِذَا جَنَتْ أُمُّ وَلَدِ الْمُكَاتَبِ فَهِيَ كَأَمَةٍ مِنْ إمَائِهِ يَبِيعُهَا إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ فَدَاهَا كَمَا يَفْدِي رَقِيقَهُ

[وَلَدُ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَاذَا وُلِدَ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ جَارِيَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَلَدَهُ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أَمَتَهُ مَتَى شَاءَ، فَإِذَا عَتَقَ عَتَقَ وَلَدُهُ مَعَهُ. وَإِذَا عَتَقَ لَمْ تَكُنْ أُمُّ وَلَدِهِ فِي حُكْمِ أُمِّ وَلَدٍ بِذَلِكَ كَمَا وَصَفْت فَكَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَمَا جُنِيَ عَلَى الْمَوْلُودِ، أَوْ كَسَبَ أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَاسْتَعَانَ بِهِ الْأَبُ فِي كِتَابَتِهِ إنْ شَاءَ.

وَإِذَا اشْتَرَى وَلَدَهُ أَوْ وَالِدَهُ أَوْ وَالِدَتَهُ الَّذِينَ يَعْتِقُونَ عَلَى مَنْ يَمْلِكُهُمْ مِنْ الْأَحْرَارِ لَمْ يَجُزْ شِرَاؤُهُمْ؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُمْ إتْلَافٌ لِمَالِهِ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ شِرَاءُ مَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، وَلَوْ وُهِبُوا لَهُ، أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهِمْ، أَوْ تُصُدِّقَ بِهِمْ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَوُقِفُوا مَعَهُ فَإِنْ عَتَقَ عَتَقُوا يَوْمَ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَئِذٍ يَصِحُّ لَهُ مِلْكُهُمْ، وَإِنْ رَقَّ فَهُمْ رَقِيقٌ لِسَيِّدِهِ وَلَا يُبَاعُونَ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ عَجَزَ عَنْهُ، ثُمَّ مَاتَ رُدُّوا رَقِيقًا، وَإِنْ قَالُوا: نَحْنُ نُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ لَوْ مَاتَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ، وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَأْخُذَ مَالًا إنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ فَيُؤَدِّيَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ جُنِيَتْ عَلَيْهِمْ جِنَايَةٌ لَهَا أَرْشٌ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، وَلَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُمْ، وَيَأْخُذَ أُجُورَ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مِثْلِ مَعْنَى مَالِهِ حَتَّى يَعْتِقَ، فَإِذَا عَتَقَ عَتَقُوا حِينَ يَتِمُّ عِتْقُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُعْتِقَ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدًا؛ لِأَنَّهُمْ مَوْقُوفُونَ عَلَى أَنْ يَعْجِزَ فَيَكُونُوا رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ، وَلَا لِلسَّيِّدِ أَنْ يُعْتِقَ وَاحِدًا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ جُنِيَ عَلَيْهِمْ أَوْ كَسَبُوا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ، فَإِنْ أَجْمَعَا مَعًا عَلَى عِتْقِهِمْ جَازَ عِتْقُهُمْ.

وَإِذَا وُلِدَ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ فَقَالَ السَّيِّدُ: وُلِدَ لَهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَقَالَ الْمُكَاتَبُ: وُلِدَ بَعْدَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ مَا
(8/60)

أَمْكَنَ أَنْ يُصَدَّقَ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ مُنْذُ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ، وَالْمَوْلُودُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ وُلِدَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ لِسَنَةٍ، وَالْمَوْلُودُ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ سَنَةٍ، وَيُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهُ ابْنُ أَكْثَرَ مِنْهَا إحَاطَةً بَيِّنَةً فَلَا يُصَدَّقُ الْمُكَاتَبُ عَلَى مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِيهِ كَاذِبٌ، وَإِنْ أَشْكَلَ فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ صَدَقَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ السَّيِّدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَيَكُونُ رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ، وَلَوْ أَقَامَ السَّيِّدُ، وَالْمُكَاتَبُ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُمَا أَبْطَلْت الْبَيِّنَةَ وَجَعَلْتهمَا كَالْمُتَدَاعَيَيْنِ لَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَلَوْ أَقَامَ السَّيِّدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى وَلَدَيْنِ وُلِدَا لِلْمُكَاتَبِ فِي بَطْنٍ أَحَدُهُمَا وُلِدَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ وَالْآخَرُ بَعْدَهَا كَانَا مَمْلُوكِينَ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا رَقَّ لَهُ أَحَدُهُمَا رَقَّ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَلَدَيْنِ فِي الْبَطْنِ حُكْمُ وَاحِدٍ، وَكُلُّ مَا قَبِلْت فِيهِ بَيِّنَةَ السَّيِّدِ فَجَعَلْت وَلَدَ الْمُكَاتَبِ لَهُ رَقِيقًا فَأَقَرَّ بِهِ الْمُكَاتَبُ لِلسَّيِّدِ قَبِلْت إقْرَارَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى أَحَدٍ عَتَقَ، وَلَوْ أَقَامَ السَّيِّدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى وَلَدٍ وُلِدُوا فِي مِلْكِهِ لَمْ أَقْبَلْهَا حَتَّى يَقُولُوا وُلِدُوا قَبْلَ كِتَابَةِ الْعَبْدِ، أَوْ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْكِتَابَةِ وَإِنْ أَحْدَثَ كِتَابَةً بَعْدَهَا

[كِتَابَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى وَلَدِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدٍ لَهُ كِبَارٍ حَاضِرِينَ بِرِضَاهُمْ فَالْمُكَاتَبَةُ جَائِزَةٌ كَمَا يَجُوزُ إذَا كَاتَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَبْدَيْنِ مَعَهُ وَأَكْثَرَ فَإِنْ كَاتَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَابْنَيْنِ لَهُ بِأَلْفٍ فَالْأَلْفُ مَقْسُومَةٌ عَلَى قِيمَةِ الْأَبِ وَالِابْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَبِ مِائَةً، وَقِيمَةُ الِابْنَيْنِ مِائَةً فَعَلَى الْأَبِ نِصْفُ الْأَلْفِ، وَعَلَى الِابْنَيْنِ نِصْفُهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً فَإِنْ مَاتَ الْأَبُ رُفِعَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الْمُكَاتَبَةِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ رُفِعَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَهِيَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَبَقِيَتْ عَلَى الْآخَرِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَإِذَا مَاتَ الْأَبُ، وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ، وَلَا شَيْءَ لِابْنَيْهِ فِيهِ وَهُمَا مِنْ مَالٍ كَأَجْنَبِيَّيْنِ كَاتَبَا مَعًا، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الِابْنَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلسَّيِّدِ؛ لِأَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ مَاتَ عَبْدًا فَإِنْ أَدَّى أَحَدُهُمْ عَنْهُمْ فَعَتَقُوا بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى عَنْهُمْ بِإِذْنِهِمْ رَجَعَ عَلَيْهِمْ، وَأَيُّهُمْ عَجَزَ سَقَطَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَكَانَ رَقِيقًا، وَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَالْقَوْلِ فِي الْعَبِيدِ الثَّلَاثَةِ الْأَجْنَبِيِّينَ يُكَاتِبُونَ لَا يُخْتَلَفُ وَلَوْ أَدَّى الْأَبُ حِصَّتَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ عَتَقَ، وَكَانَ مَنْ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ مُكَاتَبِينَ إذَا أَدَّيَا عَتَقَا، وَإِنْ عَجَزَا رَقَّا، وَلَيْسَ لِلْأَبِ مِنْ اسْتِعْمَالِ بَنِيهِ فِي الْمُكَاتَبَةِ شَيْءٌ، وَلَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لِلْأَبِ مِنْ جِنَايَةٍ جُنِيَتْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَا عَلَيْهِ مِنْ جِنَايَةٍ جَنَاهَا وَاحِدٌ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي الْمُكَاتَبَةِ شَيْءٌ، وَجِنَايَتُهُ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ لَهُ وَعَلَيْهِ دُونَ أَبِيهِ وَوَلَدِهِ وَلَوْ كَانُوا مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ، وَجِمَاعُ هَذَا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَاتَبَ هُوَ وَوَلَدُهُ وَإِخْوَتُهُ، أَوْ كَاتَبَ هُوَ وأجنبيون فَسَوَاءٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ دُونَ أَصْحَابِهِ وَلَهُ أَنْ يُعَجِّزَ وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُعَجِّزَهُ إذَا عَجَزَ وَهُوَ كَالْمُكَاتَبِ وَحْدَهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَدَاءَ فَيَعْتِقَ إذَا كَانَ مِمَّا يَجُوزُ تَعْجِيلُهُ، وَإِذَا كَاتَبَ وَالِدًا وَوَلَدَهُ، أَوْ إخْوَةً فَمَاتَ الْأَبُ، أَوْ الْوَلَدُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ مَاتَ مَمْلُوكًا، وَأَخَذَ سَيِّدُهُ مَالَهُ وَرُفِعَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ عَنْ شُرَكَائِهِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُعْتِقَ أَيَّهُمْ شَاءَ، وَإِذَا أَعْتَقَهُ رُفِعَتْ عَنْهُمْ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّةُ نَفْسِهِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَاتِبَ عَلَى نَفْسِهِ وَابْنٍ لَهُ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا صَبِيٍّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَمَالَةُ مُكَاتَبٍ، وَحَمَالَتُهُ لَا تَجُوزُ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَاتَبَ عَلَى هَذَا فَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ
(8/61)

[وَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَتَجُوزُ كِتَابَةُ الْمَرْأَةِ فَإِذَا كَاتَبَهَا سَيِّدُهَا وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ، أَوْ تَزَوَّجَتْ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا فَوَلَدَتْ، أَوْ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ فِي الْمُكَاتَبَةِ فَوَلَدُهَا مَوْقُوفٌ، فَإِنْ أَدَّتْ فَعَتَقَتْ عَتَقَ، وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ، وَلَهَا مَالٌ تُؤَدِّي مِنْهُ مُكَاتَبَتَهَا أَوْ يَفْضُلُ أَوْ لَا مَالَ لَهَا فَقَدْ مَاتَتْ رَقِيقًا، وَمَالُهَا إنْ كَانَ لَهَا لِسَيِّدِهَا، وَوَلَدُهَا رَقِيقٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَقْدُ مُكَاتَبَةٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِمْ حِصَّةٌ يُؤَدُّونَهَا فَيَعْتِقُونَ لَوْ لَمْ تُؤَدِّ أُمُّهُمْ وَلَيْسُوا كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ الَّتِي لَا تَرِقُّ بِحَالٍ فَالْمُكَاتَبَةُ قَدْ تَرِقُّ بِحَالٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا تَرِقُّ أُمُّ الْوَلَدِ، وَقَدْ قِيلَ: مَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ فَهُمْ رَقِيقٌ؛ لِأَنَّ أُمَّهُمْ لَمْ تَكُنْ حُرَّةً، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ.

وَإِذَا جُنِيَ عَلَى الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْهُ فِي الْمُكَاتَبَةِ جِنَايَةٌ تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ تُؤَدِّيَ أُمُّهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ قِيمَتَهُ لِسَيِّدِهِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: لَيْسَتْ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ وَلَدَهَا، فَلَا يَكُونُ سَبَبَ مِلْكٍ لَهَا كَمَا يَمْلِكُ الْمُكَاتَبُ وَلَدَ أَمَتِهِ، وَإِنْ كَانَ وَلَدَهُ كَانَ سَبَبَ مِلْكٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ مَا اكْتَسَبَ أَوْ صَارَ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ يَعْتِقُ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا، وَلَيْسَ لِأُمِّهِ مِنْ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرَقِيقٍ لَهَا، مَنْ قَالَ هَذَا أَخَذَ سَيِّدَهُ بِنَفَقَتِهِ صَغِيرًا، لَا يَأْخُذُ بِهِ أُمَّهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ، وَإِنْ عَتَقَتْ عَتَقَ، وَإِذَا اكْتَسَبَ مَالًا، أَوْ صَارَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَوُقِفَ وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ، فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلُودُ قَبْلَ تَعْتِقَ فَهُوَ مَالٌ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ عَتَقَ الْمَوْلُودُ بِعِتْقِ أُمِّهِ فَهُوَ مَالٌ لِلْمَوْلُودِ، وَإِنَّمَا فَرَّقْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَمَتِهِ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ لَا تَمْلِكُهُ وَلَكِنْ يَكُونُ حُكْمُهُ بِهَا، وَلَيْسَ مِلْكًا لَهَا، وَمِلْكُ الْمُكَاتَبِ إذَا وَلَدَتْ جَارِيَتُهُ فَمَا وَلَدَتْ جَارِيَتُهُ مَمْلُوكٌ لَهُ لَوْ كَانَ يَجْرِي عَلَى وَلَدِهِ رِقٌّ كَرِقِّ غَيْرِ وَلَدِهِ، وَلَوْ أَنَّ مُكَاتَبَتَهُ وَلَدَتْ وَلَدًا فَأَعْتَقَهُمْ السَّيِّدُ جَازَ الْعِتْقُ لِمَا وَصَفْت، وَلَوْ وُلِدَ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ جَارِيَتِهِ وَلَدٌ فَأَعْتَقَ السَّيِّدُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ مُكَاتَبٌ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَوَلَدَهُ فَأَعْتَقَهُمْ السَّيِّدُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ مُكَاتَبِهِ وَمَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ بَعْدَ كِتَابَتِهَا بِسَاعَةٍ، أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا فَهُوَ كَمَا وَصَفْت، وَمَا وَلَدَتْ قَبْلَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ مَمْلُوكٌ لِسَيِّدِهِ خَارِجٌ مِمَّا وَصَفْت.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ أُمَّهُمْ أَحَقُّ بِمَا مَلَكُوا تَسْتَعِينُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُهُمَا.

وَإِذَا كَانَ مَعَ الْمُكَاتَبَةِ وَلَدٌ فَاخْتَلَفَتْ هِيَ وَالسَّيِّدُ فِيهِ فَقَالَ: وَلَدَتْهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَقَالَتْ: هِيَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ فَإِنْ جَاءَتْ بِهَا قُبِلَتْ وَإِنْ جَاءَتْ هِيَ وَسَيِّدُهَا بِبَيِّنَةٍ طَرَحْت الْبَيِّنَتَيْنِ، وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ السَّيِّدِ مَا لَمْ تَكُنْ الْكِتَابَةُ مُتَقَادِمَةً، وَالْمَوْلُودُ صَغِيرٌ لَا يُولَدُ مِثْلُهُ قَبْلَ الْمُكَاتَبَةِ، وَإِنَّمَا يُصَدَّقُ السَّيِّدُ عَلَى مَا يُمْكِنُ مِثْلُهُ، وَأَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مِثْلُهُ فَلَا يُصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَمَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ مِنْ ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى فَسَوَاءٌ فَإِنْ وُلِدَ لِوَلَدِهَا فِي الْكِتَابَةِ فَوَلَدُ بَنَاتِهَا بِمَنْزِلَةِ بَنَاتِهَا، وَوَلَدُ بَنِيهَا بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِمْ فَأُمُّهُمْ إنْ كَانَتْ أَمَةً فَهُمْ لِسَيِّدِ الْأُمِّ وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَهُمْ أَحْرَارٌ وَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِمْ وَهَكَذَا وَلَدُ وَلَدِهَا مَا تَنَاسَلُوا وَبَقِيَتْ الْمُكَاتَبَةُ.

وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا فَإِنْ فَعَلَتْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا فَوَلَدَتْ، أَوْ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَسَوَاءٌ مَا كَانُوا حَلَالًا بِنِكَاحٍ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، أَوْ حَرَامًا بِفُجُورٍ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ.
(8/62)

[مَالُ الْمُكَاتَبَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَالسَّيِّدُ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبَةِ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ كَمَا وَصَفْت وَمَمْنُوعٌ مِنْ وَطْئِهَا كَمَا يُمْنَعُ مِنْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تُمْلَكُ بِوَطْئِهَا عَلَى غَيْرِ حَرَامٍ عِوَضًا كَمَا تَمْلِكُ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهَا، وَمَا اُسْتُهْلِكَ مِنْ مَالِهَا قَالَ: فَإِنْ وَطِئَهَا الَّذِي كَاتَبَهَا طَائِعَةً أَوْ كَارِهَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا، وَيُعَزَّرُ وَهِيَ إنْ طَاوَعَتْ بِالْوَطْءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا جَاهِلًا فَيُدْرَأَ عَنْهُ التَّعْزِيرُ بِالْجَهَالَةِ أَوْ تَكُونَ مُسْتَكْرَهَةً فَلَا يَكُونَ عَلَيْهَا هِيَ تَعْزِيرٌ، وَعَلَيْهِ فِي إصَابَتِهِ إيَّاهَا مَهْرُ مِثْلِهَا يُؤْخَذُ بِهِ يَدْفَعُهُ إلَيْهَا فَإِنْ حَلَّ عَلَيْهَا مِمَّا عَلَيْهَا نَجْمٌ جُعِلَ النَّجْمُ قِصَاصًا مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهَا نَجْمٌ، وَكَانَ مُفْلِسَا جُعِلَ قِصَاصًا مِمَّا عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يُوسِرَ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ نَجْمٌ فَيَكُونَ لَهَا أَخْذُهُ بِهِ، وَسَوَاءٌ فِي أَنَّ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا طَائِعَةً وَطِئَهَا أَوْ كَارِهَةً؛ لِأَنَّهُ لَا حَدَّ فِي الْوَطْءِ كَمَا تُوطَأُ طَائِعَةً بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ فَيَكُونُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَتُغْصَبُ فَيَكُونُ لَهَا مَهْرٌ؛ لِأَنَّهَا لَا حَدَّ عَلَيْهَا.

فَإِنْ حَمَلَتْ الْمُكَاتَبَةُ فَوَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَالْمُكَاتَبَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ الْمَهْرِ، وَتَكُونُ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْعَجْزِ فَإِنْ اخْتَارَتْ ذَلِكَ فَلَهَا الْمَهْرُ، وَكَانَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْأَدَاءِ عَتَقَتْ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدِهِ فِي قَوْلِ مَنْ يُعْتِقُ أُمَّ الْوَلَدِ، وَبَطَلَتْ عَنْهَا الْكِتَابَةُ وَمَالُهَا لَهَا؛ لِأَنَّ مَالَهَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ سَيِّدِهَا بِالْكِتَابَةِ، وَلَيْسَ مَالُهَا كَمَالِ أُمِّ الْوَلَدِ غَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ مَمْلُوكَةٌ وَأَنَّ سَيِّدَهَا غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ مَالِهَا وَإِنْ اخْتَارَتْ الْعَجْزَ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَكَانَ مَالُهَا لِسَيِّدِهَا، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا كَانَ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَبَطَلَ عَنْ سَيِّدِهَا مَهْرُهَا؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوا مِنْ مَالِهَا مَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ بِتَعْجِيزِهَا نَفْسَهَا.

وَإِنْ أَصَابَ السَّيِّدُ مُكَاتَبَتَهُ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا لَمْ يَكُنْ لَهَا إلَّا صَدَاقٌ وَاحِدٌ حَتَّى تُخَيَّرَ فَتَخْتَارَ الصَّدَاقَ أَوْ الْعَجْزَ فَإِنْ خُيِّرَتْ فَعَادَ فَأَصَابَهَا السَّيِّدُ فَلَهَا صَدَاقٌ آخَرُ، فَإِذَا خُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ الصَّدَاقَ، ثُمَّ أَصَابَهَا فَلَهَا صَدَاقٌ آخَرُ وَكُلَّمَا خُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ الصَّدَاقَ، ثُمَّ أَصَابَهَا فَلَهَا صَدَاقٌ آخَرُ كَنَاكِحِ الْمَرْأَةِ نِكَاحًا فَاسِدًا فَإِصَابَةُ مَرَّةٍ أَوْ مِرَارٍ تُوجِبُ صَدَاقًا وَاحِدًا؛ فَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَقُضِيَ بِالصَّدَاقِ، ثُمَّ نَكَحَهَا نِكَاحًا آخَرَ فَلَهَا صَدَاقٌ آخَرُ.

وَإِنْ وَلَدَتْ مُكَاتَبَةُ رَجُلٍ جَارِيَةً فَأَصَابَ الْجَارِيَةَ بِنْتَ الْمُكَاتَبَةِ فَلَهَا مَهْرُهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ حَبِلَتْ فَلَيْسَتْ كَأُمِّهَا إذَا حَبِلَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا حِصَّةَ لَهَا فِي الْكِتَابَةِ إنَّمَا تَعْتِقُ أُمُّهَا فَتَعْتِقُ بِعِتْقِهَا، أَوْ يَمُوتُ السَّيِّدُ فَتَعْتِقُ بِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ أَوْ تَعْجِزُ الْأُمُّ فَتَكُونُ رَقِيقًا وَتَكُونُ هِيَ أُمَّ وَلَدٍ وَلَا تُخَيَّرُ فِي ذَلِكَ.

وَإِذَا وَطِئَ أَمَةً لِلْمُكَاتَبَةِ فَلِلْمُكَاتَبَةِ عَلَيْهِ مَهْرُ الْأَمَةِ كَمَا يَكُونُ لَهَا عَلَيْهِ جِنَايَةٌ لَوْ جَنَاهَا عَلَى الْأَمَةِ وَإِنْ حَمَلَتْ الْأَمَةُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا وَقِيمَتُهَا لِلْمُكَاتَبَةِ حَالًّا فِي مَالِهِ تَأْخُذُهُ بِهِ إلَّا أَنْ تَشَاءَ أَنْ تَجْعَلَهُ قِصَاصًا مِنْ كِتَابَتِهَا.

وَلَوْ وَطِئَ أَمَةً لِوَلَدِ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ فِي الْكِتَابَةِ لَزِمَهُ مَا وَصَفْت مِنْ الْمَهْرِ إنْ لَمْ تَحْمِلْ وَالْمَهْرُ وَالْقِيمَةُ إنْ حَمَلَتْ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَالٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ

[الْمُكَاتَبَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَطَؤُهَا أَحَدُهُمَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمَا فَلَمْ تَحْبَلْ فَعَلَى الْوَاطِئِ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَيْسَ لِلَّذِي لَمْ يَطَأْهَا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ مَا كَانَتْ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فَإِنْ عَجَزَتْ أَوْ اخْتَارَتْ الْعَجْزَ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَ الْمَهْرَ كَانَ لِلَّذِي لَمْ يَطَأْهَا أَخْذُ نِصْفِ الْمَهْرِ مِنْ شَرِيكِهِ الْوَاطِئِ وَإِنْ دَفَعَهُ شَرِيكُهُ
(8/63)

الْوَاطِئُ إلَى الْمُكَاتَبَةِ، ثُمَّ عَجَزَتْ أَوْ اخْتَارَتْ الْعَجْزَ بَعْدَ دَفْعِهِ إيَّاهُ إلَيْهَا لَمْ يَرْجِعْ الشَّرِيكُ عَلَى الْوَاطِئِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَعْطَاهَا الْمَهْرَ، وَهِيَ تَمْلِكُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِأَمْرِ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِذَا عَجَزَتْ، وَقَدْ دَفَعَ إلَيْهَا الْمَهْرَ فَوَجَدَا فِي يَدِهَا مَالًا الْمَهْرَ وَغَيْرَهُ فَأَرَادَ الَّذِي لَمْ يَطَأْ أَنْ يَأْخُذَ الْمَهْرَ دُونَ شَرِيكِهِ الْوَاطِئِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لَهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَكُلُّ مَا كَانَ مِلْكًا لَهَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَوْ حَبِلَتْ فَاخْتَارَتْ الْعَجْزَ كَانَ لِسَيِّدِهَا الَّذِي لَمْ يَطَأْ نِصْفُ الْمَهْرِ وَنِصْفُ قِيمَتِهَا عَلَى الْوَاطِئِ، وَلَوْ حَبِلَتْ فَاخْتَارَتْ الْمُضِيَّ عَلَى الْكِتَابَةِ مَضَتْ عَلَيْهَا، وَأَخَذَتْ الْمَهْرَ مِنْ وَاطِئِهَا، وَكَانَ لَهَا فَإِذَا أَخَذَتْهُ، ثُمَّ عَجَزَتْ لَمْ يَرْجِعْ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَهْرِ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهَا، وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْوَاطِئِ، وَهَكَذَا لَوْ حَبِلَتْ فَاخْتَارَتْ الْمُضِيَّ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَأَخَذَتْ الْمَهْرَ مِنْ وَاطِئِهَا، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ فِي قَوْلِ مَنْ يُعْتِقُ أُمَّ الْوَلَدِ وَرَجَعَ الشَّرِيكُ عَلَى الْمَيِّتِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْأَمَةِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ بَطَلَتْ بِوَطْئِهِ.

وَلَوْ أَنَّ مُكَاتَبَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَطِئَهَا الرَّجُلَانِ مَعًا كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا فَإِنْ عَجَزَتْ أَوْ اخْتَارَتْ الْعَجْزَ، وَالْمَهْرَانِ سَوَاءٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِصَاصٌ بِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَهْرَانِ مُخْتَلِفَيْنِ كَأَنْ أَحَدُهُمَا وَطِئَهَا فِي سَنَةٍ أَوْ بَلَدٍ مَهْرُ مِثْلِهَا فِيهِ مِائَةٌ، ثُمَّ وَطِئَهَا الْآخَرُ فِي سَنَةٍ أَوْ بَلَدٍ مَهْرُ مِثْلِهَا فِيهِ مِائَتَانِ فَمِائَةٌ بِمِائَةٍ وَيَرْجِعُ الَّذِي لَزِمَهُ مَهْرُ مِائَةٍ عَلَى الَّذِي لَزِمَهُ مَهْرُ مِائَتَيْنِ بِخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهَا نِصْفُ الْمِائَةِ وَحَقُّهُ مِمَّا لِلْجَارِيَةِ النِّصْفُ، وَيَبْطُلُ نِصْفُ الْوَاطِئِ عَنْهُ بِعَجْزِهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلَيْنِ مُكَاتَبَةٌ فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمَا، ثُمَّ وَطِئَهَا الْآخَرُ كَانَ لَهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَإِنْ عَجَزَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَهْرٌ بِالْإِصَابَةِ، وَكَانَ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الْمَهْرِ كَرَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا جَارِيَةٌ فَوَطِئَاهَا مَعًا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ يَكُونُ أَحَدُ النِّصْفَيْنِ قِصَاصًا مِنْ الْآخَرِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تَحْبَلْ، وَلَوْ أَصَابَهَا مِنْ إصَابَةِ أَحَدِهِمَا نَقْصٌ ضَمِنَ أَرْشَ نَقْصِهَا مَعَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَهْرِ، وَلَوْ أَفْضَاهَا أَحَدُهُمَا ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَنِصْفَ مَهْرِهَا، وَلَوْ أُفْضِيَتْ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَفْضَاهَا تَحَالَفَا، وَلَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي الْإِفْضَاءِ شَيْءٌ، وَلَوْ تَنَاكَرَا الْوَطْءَ لَمْ يَلْزَمْ أَحَدَهُمَا بِالْوَطْءِ شَيْءٌ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ أَوْ تَقُومَ بِهِ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ (قَالَ الرَّبِيعُ) : أَفْضَاهَا يَعْنِي شَقَّ الْفَرْجَ إلَى الدُّبُرِ وَفِيهِ الدِّيَةُ إذَا كَانَتْ حُرَّةً، وَهِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَذَلِكَ عَمْدُ الْخَطَأِ، وَكَذَلِكَ السَّوْطُ وَالْعَصَا مُغَلَّظَةٌ مِنْهَا ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا.

وَإِذَا أَفْضَى الرَّجُلُ أَمَةً لِرَجُلٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا فِي مَالِهِ وَالشَّافِعِيُّ يَجْعَلُ قِيمَتَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَوَطِئَهَا أَحَدُهُمَا ثُمَّ وَطِئَهَا الْآخَرُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَطْءِ الْآخَرِ مِنْهُمَا فَتَدَاعَيَاهُ مَعًا أَوْ دَفَعَاهُ مَعًا، وَكِلَاهُمَا يُقِرُّ بِالْوَطْءِ، وَلَا يَدَّعِي الِاسْتِبْرَاءَ خُيِّرَتْ الْمُكَاتَبَةُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَتَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ وَالْمُضِيِّ عَلَى الْكِتَابَةِ، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْعَجْزَ أُرِيَ الْوَلَدَ الْقَافَةُ، فَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِهِمَا لَمْ يَكُنْ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحِيلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ وَطْءِ الْأَمَةِ، وَأَخَذَا بِنَفَقَتِهَا، وَكَانَ لَهُمَا أَنْ يُؤَجِّرَاهَا، وَالْإِجَارَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِمَا فِيهَا، وَيُحْصَى ذَلِكَ كُلُّهُ فَإِذَا كَبِرَ الْمَوْلُودُ فَانْتَسَبَ إلَى أَحَدِهِمَا قُطِعَتْ أُبُوَّةُ الْآخَرِ عَنْهُ، وَكَانَ ابْنًا لِلَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَةِ الْأَمَةِ وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فِي قَوْلِ مَنْ لَا يَبِيعُ أُمَّ الْوَلَدِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَنِصْفُهَا بِحَالِهِ لِشَرِيكِهِ وَلَيْسَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَهَا، وَهُوَ مُعْسِرٌ، وَيَرْجِعُ الَّذِي لَهُ فِيهَا الرِّقُّ عَلَى الَّذِي لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَيَكُونُ الصَّدَاقَانِ سَاقِطَيْنِ عَنْهُمَا إنْ كَانَا مُسْتَوِيَيْنِ، وَيَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِفَضْلٍ إنْ كَانَ فِي أَحَدِ الصَّدَاقَيْنِ فَيَكُونُ لَهُ نِصْفُهُ كَمَا وَصَفْت (قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ وَيَرْجِعُ الَّذِي لَمْ يَنْتَسِبْ إلَيْهِ عَلَى الَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ
(8/64)

وَاخْتَارَتْ الْعَجْزَ فَكَانَتْ إصَابَةُ الَّذِي لَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ قَبْلَ إصَابَةِ الَّذِي لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ، وَلَمْ تَأْخُذْ الصَّدَاقَ مِنْهُ كَانَ لِلَّذِي لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ نِصْفُ ذَلِكَ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ عَلَى الَّذِي لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ، وَنِصْفُ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ، وَفِي نِصْفِ قِيمَةِ الْوَلَدِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَهُ يَوْمَ سَقَطَ.
وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ لَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ الْعِتْقُ، وَلَوْ كَانَ وَطْءُ الَّذِي لَمْ يَلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ بَعْدَ وَطْءِ الَّذِي لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ فَفِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ صَاحِبَهُ الَّذِي لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ يَضْمَنُ لَهُ نِصْفَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أَمَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَيَضْمَنُ هُوَ لِصَاحِبِهِ الْمَهْرَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أَمَةَ آخَرَ دُونَهُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا نِصْفَ الْمَهْرِ كَمَا ضَمِنَ لَهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ أَمَةً لَهُ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ نِصْفِ قِيمَتِهَا إلَيْهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ، ثُمَّ وَطِئَهَا الْآخَرُ بَعْدَهُ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ وَكِلَاهُمَا ادَّعَى وَلَدَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ وَلَدَ صَاحِبِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا وَأَدَّى نِصْفَ قِيمَتِهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا لِشَرِيكِهِ، وَالْقَوْلُ فِي نِصْفِ قِيمَةِ وَلَدِهَا مِنْهُ مَا وَصَفْت، وَيَلْحَقُ الْوَلَدُ بِالْوَاطِئِ الْآخَرِ، وَعَلَيْهِ مَهْرُهَا كُلُّهُ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ كُلِّهِ يَوْمَ سَقَطَ تَكُونُ قِصَاصًا مِنْ نِصْفِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أُمَّ وَلَدِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا لَحِقَ بِهِ الْوَلَدُ لِلشُّبْهَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ وَطِئَاهَا مَعًا أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، وَجَاءَتْ بِوَلَدَيْنِ فَتَصَادَقَا فِي الْوَلَدَيْنِ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ وَلَدَهُ قَبْلَ وَلَدِ صَاحِبِهِ أُلْحِقَ بِهِمَا الْوَلَدَانِ وَأُوقِفَ أَمْرُ أُمِّ الْوَلَدِ، وَأَخَذَا بِنَفَقَتِهَا فَإِذَا مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا عَتَقَ نَصِيبُهُ، وَأَخَذَ الْآخَرُ بِالنَّفَقَةِ عَلَى نَصِيبِ نَفْسِهِ، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَتْ وَوَلَاؤُهَا مَوْقُوفٌ إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ فِي قَوْلِ مَنْ يُعْتِقُ أُمَّ الْوَلَدِ وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُعْسِرٌ وَالْآخَرُ مُوسِرٌ فَوَلَاؤُهَا مَوْقُوفٌ بِكُلِّ حَالٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -

[تَعْجِيلُ الْكِتَابَةِ]
ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ كِتَابَةً مَعْلُومَةً إلَى سِنِينَ مَعْلُومَةٍ فَأَرَادَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يُعَجِّلَ لِلسَّيِّدِ الْكِتَابَةَ قَبْلَ مَحِلِّ السِّنِينَ، وَامْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ قَبُولِهَا فَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ جُبِرَ السَّيِّدُ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ وَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ، وَهَكَذَا إنْ كَاتَبَهُ بِبَلَدٍ وَلَقِيَهُ بِبَلَدٍ غَيْرِهِ فَقَالَ لَا أَقْبِضُ مِنْك فِي هَذَا الْبَلَدِ جُبِرَ عَلَى الْقَبْضِ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي طَرِيقٍ فِيهِ حِرَابَةٌ أَوْ فِي بَلَدٍ فِيهِ نَهْبٌ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ إذَا لَمْ يَكُونَا بِالْبَلَدِ الَّذِي كَاتَبَهُ فِيهِ فَإِذَا كَانَا بِالْبَلَدِ الَّذِي كَاتَبَهُ فِيهِ جُبِرَ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَلَا يُكَلَّفُ الْمُكَاتَبُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي كَاتَبَهُ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا وَرَثَةُ الرَّجُلِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ فَيَمُوتُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِيمَا لَزِمَ الْمُكَاتَبَ لَهُ وَلَزِمَهُ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ الْأَدَاءِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فَإِنْ كَانَ لَا يَتَغَيَّرُ عَلَى طُولِ الْحَبْسِ كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحِجَارَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ عَلَى طُولِ الْحَبْسِ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ يَلْزَمُ السَّيِّدَ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ بِالْبَلَدِ الَّذِي كَاتَبَهُ فِيهِ أَوْ شَرَطَ دَفْعَهُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَهُ بِبَلَدٍ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ لِحُمُولَتِهِ مُؤْنَةً وَلَيْسَ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي لَا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهَا فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَمَا كُنْت جَابِرًا عَلَيْهِ الرَّجُلَ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ الدَّيْنُ أَنْ يَأْخُذَهُ جَبَرْت عَلَيْهِ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ، وَمَا لَمْ أُجْبِرْ عَلَيْهِ الرَّجُلَ لَمْ أُجْبِرْ عَلَيْهِ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ عَلَى قَبْضِهِ وَكُلُّ مَا شَكَكْت فِيهِ أَيَتَغَيَّرُ أَمْ لَا يُسْأَلُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنْ كَانَ لَا يَتَغَيَّرُ مِنْ طُولِ الْحَبْسِ فَهُوَ كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَمَا وَصَفْت وَإِنْ كَانَ يَتَغَيَّرُ لَمْ يَلْزَمْ السَّيِّدَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ مَا يَحِلُّ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالْأُرْزُ وَالْحَيَوَانُ كُلُّهُ مِمَّا يَتَغَيَّرُ فِي نَفْسِهِ
(8/65)

بِالنَّقْصِ فَمَتَى حَلَّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ فَتَأَخَّرَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يُعَجِّزْ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ، ثُمَّ قَالَ سَيِّدُهُ: لَا أَقْبِضُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ جُبِرَ عَلَى قَبْضِهِ إلَّا أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ حَالٌّ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ قَضَاءً قَالَ: هَذَا مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ إلَى الْآجَالِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ بَلَغَك فِي أَنْ يَلْزَمَ سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَعَجَّلَ مِنْهُ الْكِتَابَةَ إذَا تَطَوَّعَ بِهَا الْمُكَاتَبُ قَبْلَ مَحَلِّهَا؟ قِيلَ: نَعَمْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ مُكَاتَبًا لِأَنَسٍ جَاءَهُ فَقَالَ إنِّي أَتَيْت بِمُكَاتَبَتِي إلَى أَنَسٍ فَأَبَى يَقْبَلَهَا فَقَالَ: إنَّ أَنَسًا يُرِيدُ الْمِيرَاثَ، ثُمَّ أَمَرَ أَنَسًا أَنْ يَقْبَلَهَا أَحْسِبُهُ قَالَ فَأَبَى فَقَالَ: آخُذُهَا فَأَضَعُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ فَقَبِلَهَا أَنَسٌ وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ رَوَى شَبِيهًا بِهَذَا عَنْ بَعْضِ الْوُلَاةِ وَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ.

وَالْمُكَاتَبُ الصَّحِيحُ وَالْمَعْتُوهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ إذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، ثُمَّ عَتَقَ جُبِرَ وَلِيُّهُ عَلَى أَخْذِ مَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ نُجْبِرُ وَرَثَةَ السَّيِّدِ الْبَالِغِينَ عَلَى مَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ السَّيِّدُ، وَأَوْلِيَاءُ الْمَحْجُورِينَ عَلَى ذَلِكَ.

وَإِذَا تَدَاوَلَ عَلَى الْمُكَاتَبِ نَجْمَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَمْ يُعَجِّزْهُ السَّيِّدُ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا أُعَجِّزُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى يُقَالَ لِلْمُكَاتَبِ: أَدِّ جَمِيعَ مَا حَلَّ عَلَيْك قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَدِيمٍ أَوْ حَدِيثٍ فَهُوَ عَاجِزٌ

[بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَشِرَاؤُهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا بَاعَ السَّيِّدُ شِقْصًا فِي دَارٍ لِلْمُكَاتَبِ فِيهَا شَيْءٌ فَلِلْمُكَاتَبِ فِيهِ الشُّفْعَةُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ مَا كَانَ حَيًّا مُكَاتَبًا كَمَا يُمْنَعُ مِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ أَنَّ الْمُكَاتَبَ كَانَ الْبَائِعَ كَانَ لِسَيِّدِهِ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُكَاتَبُ بَاعَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إذَا بَاعَ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ.

(قَالَ) : وَإِذَا بَاعَ الْمُكَاتَبُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ الشِّقْصَ فَقَالَ الَّذِي اشْتَرَى بِإِذْنِهِ: إنَّ السَّيِّدَ قَدْ سَلَّمَ لِي الشُّفْعَةَ لَمْ يَكُنْ تَسْلِيمًا لِلشُّفْعَةِ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا كَانَ لَهُ فِي الدَّارِ شِقْصٌ فَأَذِنَ لَهُ شَرِيكٌ لَهُ فِي الدَّارِ أَنْ يَبِيعَ شِقْصَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْلِيمًا لِلشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ وَصَمْتَهُ سَوَاءٌ، وَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ، وَلَوْ أَذِنَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ شِقْصَهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَبَاعَ بِهِ الْمُكَاتَبُ جَازَ الْبَيْعُ وَكَانَ لِلسَّيِّدِ الشُّفْعَةُ فِي الْبَيْعِ وَلَا يَكُونُ هَذَا تَسْلِيمًا لِلشُّفْعَةِ فَإِنْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: أَحْلِفْهُ لِي مَا كَانَ إذْنُهُ تَسْلِيمًا لِلشُّفْعَةِ لَمْ نُحَلِّفْهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الْبَيْعِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَشْفِعَ، وَإِنَّمَا نُحَلِّفُهُ إذَا قَالَ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ الْبَيْعِ.

وَلَوْ بَاعَ الْمُكَاتَبُ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ سَيِّدُهُ: أَنَا آخُذُهُ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي شَيْءٍ بَاعَهُ مُكَاتَبُهُ إلَّا كَمَا تَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا بَاعَ الْأَجْنَبِيُّ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ إلَّا بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ إتْلَافٌ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِ قَلِيلِ مَالِهِ وَكَثِيرِهِ إذَا بَاعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَالْبَيْعُ فِيهِ فَاسِدٌ، فَإِنْ وُجِدَ بِعَيْنِهِ رُدَّ فَإِنْ فَلَتَ فَعَلَى مُشْتَرِيهِ مِثْلُهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ فَقِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي بَاعَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي فَالْعِتْقُ فِيهِ بَاطِلٌ وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ أَمَةً فَوَلَدَتْ لِلْمُشْتَرِي فَالْأَمَةُ مَرْدُودَةٌ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي عُقْرُهَا، وَقِيمَةُ وَلَدِهَا يَوْمَ سَقَطَ وَلَدُهَا وَوَلَدُهَا حُرٌّ، وَإِنْ مَاتَتْ فَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهَا وَعُقْرُهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَلَدَتْ فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي فَعَلَيْهِ عُقْرُهَا وَرَدُّهَا، وَإِنْ نَقَصَتْ فَعَلَيْهِ رَدُّهَا وَرَدُّ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا، وَلَوْ أَرَادَ السَّيِّدُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ إنْفَاذَ الْبَيْعِ لَمْ يَجُزْ وَلَا يَجُوزُ إذَا عَقَدَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ بِحَالِهِ حَتَّى يُحَدِّدَ الْمُكَاتَبُ بَيْعًا بِإِذْنِ السَّيِّدِ مُسْتَأْنَفًا فَيَجُوزُ إذَا كَانَ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ أَوْ يُجَدِّدَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ بَيْعًا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ قَدْ عَفَوْت لِلْمُكَاتَبِ الْبَيْعَ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ لَا
(8/66)

أَرُدَّهُ لَمْ يَجُزْ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ السَّيِّدُ: قَدْ عَفَوْت رُدَّ الْبَيْعُ وَعَفَوْت مَا لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ عُقْرٍ وَقِيمَةِ وَلَدٍ وَقِيمَةِ شَيْءٍ إنْ فَاتَ مِنْ الْبَيْعِ فَقَالَ الْمُكَاتَبُ: لَا أَعْفُوهُ كَانَ ذَلِكَ لِلْمُكَاتَبِ إذَا قَالَ: لَا أَفْعَلُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ الْأَوَّلَ كَانَ فِيهِ غَيْرَ جَائِزٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمُكَاتَبُ: قَدْ عَفَوْته وَقَالَ السَّيِّدُ: لَا أَعْفُوهُ لَمْ يُجْبَرَا جَمِيعًا عَلَى عَفْوِ شَيْءٍ مِنْهُ فَإِذَا اجْتَمَعَا عَلَى إحْدَاثِ بَيْعٍ فِيهِ جَازَ بَيْعُهُمَا مُسْتَأْنَفًا، وَلَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ عَتِيقًا، وَلَا أُمُّ الْوَلَدِ فِي حُكْمِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى بَيْعٍ جَدِيدٍ أَوْ يَبِيعَهُ الْمُكَاتَبُ وَحْدَهُ بَيْعًا جَائِزًا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَحْدَثَ الْمُشْتَرِي لِلْعَبْدِ عِتْقًا عَتَقَ وَلِأُمِّ الْوَلَدِ وَطْئًا تَلِدُ مِنْهُ كَانَتْ فِي حُكْمِ أُمِّ الْوَلَدِ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ ذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْعِ الْجَائِزِ فَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ مَمْلُوكَانِ لِسَيِّدِهِمَا يَبِيعُهُمَا وَلِوَرَثَتِهِ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ ذَلِكَ لَهُمَا مَالِكُهُمَا، وَهَكَذَا كُلُّ مَا بَاعَ الْمُكَاتَبُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي هَذَا لَا يَخْتَلِفُ فَإِذَا ابْتَدَأَ الْمُكَاتَبُ الْبَيْعَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ وَإِنْ أَرَادَ السَّيِّدُ رَدَّ الْبَيْعِ بَعْدَ إذْنِهِ لَهُ أَوْ أَرَادَاهُ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ جَائِزًا فَلَا يُرَدُّ.

وَإِنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِالْإِذْنِ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ رَجَعْت فِي إذْنِي بَعْدُ، وَصَدَّقَهُ الْمُكَاتَبُ أَوْ كَذَّبَهُ فَسَوَاءٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْبَيْعِ وَيَلْزَمُهُمَا الْبَيْعُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِرُجُوعِهِ عَنْ الْإِذْنِ بِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَيُرَدُّ الْبَيْعُ وَإِنْ بَاعَ الْمُكَاتَبُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي: كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ فَعَلَى الْمُشْتَرِي الْبَيِّنَةُ، وَعَلَى السَّيِّدِ الْيَمِينُ.

وَإِنْ وَهَبَ الْمُكَاتَبُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ فَإِنْ أَجَازَهُ السَّيِّدُ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَلَا تَجُوزُ هِبَةُ الْمُكَاتَبِ حَتَّى يَبْتَدِئَهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَإِذَا ابْتَدَأَهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ جَازَتْ كَمَا تَجُوزُ هِبَةُ الْحُرِّ، وَإِنَّمَا قُلْت هَذَا أَنَّ مَالَ الْمُكَاتَبِ لَا يَكُونُ إلَّا لَهُ أَوْ لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا مَعًا عَلَى هِبَتِهِ جَازَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ مَا بَاعَ الْمُكَاتَبُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ الْهِبَةِ.

قَالَ: وَشِرَاءُ الْمُكَاتَبِ كَبَيْعِهِ لَا يَخْتَلِفَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَإِنْ هَلَكَ فِي يَدَيْ الْمُكَاتَبِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَمَا قُلْنَا فِي بَيْعِهِ، فَإِنْ كَانَ شِرَاؤُهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ جَازَ عَلَيْهِ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.

(قَالَ) : وَلَوْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ شَيْئًا أَوْ بَاعَهُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَعَلِمَ بِهِ السَّيِّدُ فَلَمْ يَرُدَّهُ السَّيِّدُ وَسَلَّمَهُ، أَوْ لَمْ يُسَلِّمْهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى عَتَقَ الْمُكَاتَبُ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَخْذُهُ مِمَّنْ بَاعَهُ فَإِنْ فَاتَ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ اتِّبَاعُهُ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ أَوْ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ.

وَلَوْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ جَارِيَةً بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَأَحْبَلَهَا أَوْ عَتَقَ فَوَلَدَتْ فَالْبَيْعُ فِيهَا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ عُقْرُهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا حِينَ وُلِدَ وَوَلَدُهَا حُرٌّ لَا يُمْلَكُ كَمَا كَانَ ذَلِكَ يَكُونُ لَهُ فِي بَيْعِ الْجَارِيَةِ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَهَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَلَمْ يَرُدَّ الْبَيْعَ حَتَّى عَتَقَ الْمُكَاتَبُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ كَانَ الْعِتْقُ غَيْرَ مُجِيزٍ لِلْبَيْعِ لِأَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ كَانَ مَرْدُودًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ بَاعَ الْمُكَاتَبُ أَوْ اشْتَرَى بَيْعًا وَشِرَاءً جَائِزًا عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ بِالْخِيَارِ أَوْ الْمُكَاتَبَ وَمُبَايِعَهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا أَوْ أَقَلَّ فَلَمْ تَمْضِ أَيَّامُ الْخِيَارِ حَتَّى مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَامَ السَّيِّدُ فِي الْخِيَارِ مَقَامَ الْمُكَاتَبِ فَإِذَا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ الْخِيَارُ فَلَهُ الرَّدُّ وَإِمْضَاءُ الْبَيْعِ.

(قَالَ) : وَلَوْ بَاعَ الْمُكَاتَبُ أَوْ اشْتَرَى شِرَاءً جَائِزًا بِلَا شَرْطِ خِيَارٍ فَلَمْ يَتَفَرَّقْ الْمُكَاتَبُ وَبَيِّعُهُ عَنْ مُقَامِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ حَتَّى مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَجَبَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ الرَّدَّ حَتَّى مَاتَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَهَبَ لِلثَّوَابِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَجَازَ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ فَأُثِيبَ الْوَاهِبُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ هِبَتِهِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ فِي هِبَتِهِ وَجَعَلَهَا كَالرِّضَا مِنْهُمْ يَلْزَمُهُمْ مِنْهُ مَا رَضُوا بِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقَلِيلٍ، وَلَا بِكَثِيرٍ مِنْ مَالِهِ، وَلَا أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَلَا كَفَّارَةَ ظِهَارٍ وَلَا قَتْلٍ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْكَفَّارَاتِ فِي الْحَجِّ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ سَيِّدُهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ، وَلَا يُكَفِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَّا بِالصَّوْمِ مَا كَانَ مُكَاتَبًا، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ حَتَّى يَعْتِقَ جَازَ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ
(8/67)

مَالِكٌ لِمَالِهِ، وَالْكَفَّارَاتُ خِلَافُ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَاتِ تَكُونُ صِيَامًا فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، وَغَيْرُهُ يَجْزِيهِ، وَالْجِنَايَاتُ وَمَا اسْتَهْلَكَ لِلْآدَمِيِّينَ لَا يَكُونُ فِيهِ إلَّا مَالٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَكُلُّ مَا قُلْت لَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي مَالِهِ فَفَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ فَلَمْ يَرُدَّهُ السَّيِّدُ حَتَّى عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَأَجَازَهُ السَّيِّدُ، أَوْ لَمْ يُجِزْهُ لَمْ يَجُزْ لِأَنِّي إنَّمَا أُجِيزُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأُفْسِدُهُ بِالْعَقْدِ لَا بِحَالٍ تَأْتِي بَعْدَ الْعَقْدِ، وَإِذَا اسْتَأْنَفَ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ هِبَةً أَوْ شَيْئًا يَجُوزُ، أَوْ أَمْرًا لِمَنْ هُوَ فِي يَدَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بَعْدَ عِتْقِهِ جَازَ ذَلِكَ.

وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبُ عَبْدًا لَهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ كَاتَبَهُ فَأَدَّى إلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ السَّيِّدُ حَتَّى عَتَقَ الْمُكَاتَبُ فَلَمْ يُحْدِثْ الْمُكَاتَبُ لِلْعَبْدِ عِتْقًا حَتَّى مَاتَ الْعَبْدُ الْمُعْتَقُ فَأَرَادَ تَجْدِيدَ الْعِتْقِ لِلْمَيِّتِ لَمْ يَكُنْ عِتْقًا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَقَعُ عَلَى مَيِّتٍ.

وَمَا ابْتَدَأَ الْمُكَاتَبُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ مِنْ هِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَهُوَ لَهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ إتْلَافِ مَالِهِ لِئَلَّا يَعْجِزَ فَيَرْجِعَ إلَى سَيِّدِهِ ذَاهِبَ الْمَالِ، فَإِذَا سَلَّمَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ قَبْلَ يَفْعَلَهُ، ثُمَّ فَعَلَهُ فَمَا صَنَعَ فِيهِ مِمَّا يَجُوزُ لِلْحُرِّ جَازَ لَهُ.

(قَالَ) : وَإِذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِمُكَاتَبِهِ أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ فَأَعْتَقَهُ أَوْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ عَلَى شَيْءٍ فَكَاتَبَهُ وَأَدَّى الْمُكَاتَبُ الْآخَرُ قَبْلَ الْأَوَّلِ الَّذِي كَاتَبَهُ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ فَلَا يَجُوزُ فِي هَذَا إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعِتْقَ وَالْكِتَابَةَ بَاطِلٌ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَلَمَّا كَانَ الْمُكَاتَبُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَاءٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْتِقَ وَلَا يُكَاتِبَ مَنْ يُعْتَقُ بِكِتَابَتِهِ، وَهُوَ لَا وَلَاءَ لَهُ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: لَيْسَ هَذَا كَالْبُيُوعِ وَلَا الْهِبَاتِ ذَلِكَ شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ لَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ بِحَالٍ، وَالْعِتْقُ بِالْكِتَابَةِ شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ مَالِهِ فِيهِ عَلَى الْمُعْتَقِ حَقُّ وَلَاءٍ فَلَمَّا لَمْ نَعْلَمْ مُخَالِفًا أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا لِحُرٍّ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ بِحَالٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ، وَفِي الْوَلَاءِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إذَا عَتَقَ عَبْدُ الْمُكَاتَبِ أَوْ مُكَاتَبُهُ قَبْلَهُ فَالْوَلَاءُ مَوْقُوفٌ أَبَدًا عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ فَالْوَلَاءُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْمُعْتِقُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَمُوتَ فَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ عَبْدُ عَبْدِهِ عَتَقَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ بِإِذْنِهِ فِي حِينٍ لَا يَكُونُ لَهُ بِعِتْقِهِ وَلَاؤُهُ.

فَإِنْ مَاتَ عَبْدُ الْمُكَاتَبِ الْمُعْتَقِ أَوْ مُكَاتَبُهُ بَعْدَمَا يُعْتِقُ وُقِفَ مِيرَاثُهُ فِي قَوْلِ مَنْ وَقَّفَ الْمِيرَاثَ كَمَا وَصَفْت يُوقَفُ وَلَاؤُهُ فَإِنْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ الَّذِي أَعْتَقَهُ فَهُوَ لَهُ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ يُعْتَقَ أَوْ عَجَزَ فَالْمَالُ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ الْمُعْتَقِ إذَا كَانَ حَيًّا يَوْمَ يَمُوتُ مُعْتِقُ مُكَاتَبِهِ، فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَلِوَرَثَتِهِ مِنْ الرِّجَالِ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ مِمَّنْ أَعْتَقَهُ بِنَفْسِهِ، وَمِيرَاثُهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ لَهُ وَلَاءَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَأَمَّا مَا أَعْطَى الْمُكَاتَبُ سَيِّدَهُ الَّذِي كَاتَبَهُ بِبَيْعٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ لِسَيِّدِهِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ مِنْ حُرٍّ لَوْ صَنَعَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لِعَبْدِهِ فَيَأْخُذُهُ كَيْفَ شَاءَ.

وَإِذَا بَاعَ لِلسَّيِّدِ مُكَاتَبُهُ لَمْ يَحِلَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا إلَّا كَمَا يَحِلُّ بَيْنَ سَيِّدِهِ وَبَيْنَ حُرٍّ أَجْنَبِيٍّ لَا يَخْتَلِفُ فِي مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنْ بَاعَهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَكَذَلِكَ مَا أَخَذَ مِنْهُ فِي مُكَاتَبَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَا بَاعَ السَّيِّدُ لِمُكَاتَبِهِ لَمْ يَحِلَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِمَا يَحِلُّ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَيَجُوزُ بَيْنَهُمَا التَّغَابُنُ فِيمَا السَّيِّدُ مِنْ الْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتَبُ مِنْ السَّيِّدِ وَإِنْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ مَالًا لِأَحَدِهِمَا، وَكَمَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ يَتَبَايَعَانِ بِرِضَاهُمَا وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِدَيْنٍ، وَإِنْ كَثُرَ فَضْلُهُ فِيهِ بِحَالٍ وَرَهَنَ فِيهِ رَهْنًا وَأَخَذَ بِهِ حَمِيلًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَهْلِكُ وَالْغَرِيمُ وَالْحَمِيلُ يُفْلِسُ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ فِي الدَّيْنِ إلَّا مَا يَجُوزُ لِلْمُضَارِبِ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُضَارِبَ أَحَدًا وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ بِخِيَارِ ثَلَاثٍ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مَضْمُونٌ عَلَى قَابِضِهِ إمَّا بِالثَّمَنِ وَإِمَّا بِالْقِيمَةِ.

وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ لَهُ، وَغَيْرُ نَظَرٍ لِلَّذِي أَدَانَهُ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِفَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ فِي سَلَفٍ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ؛ وَلِأَنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُسْلِفَ فِي طَعَامٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَيْنٌ قَدْ يَتْلَفُ، وَلَهُ أَنْ يَتَسَلَّفَ فِي طَعَامٍ؛ لِأَنَّ
(8/68)

التَّلَفَ عَلَى الَّذِي يُسَلِّفُ، وَمَا كَرِهْت مِنْ شِرَاءِ الْمُكَاتَبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ عَلَى غَيْرِ النَّظَرِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِ سَيِّدِهِ وَوَالِدِهِ وَلَا أَكْرَهُهُ لِسَيِّدِهِ

[قُطَاعَةُ الْمُكَاتَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ يَجُوزُ لَهُ فَإِنْ أَتَاهُ قَبْلَ تَحِلَّ نُجُومُهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَهُ أَوْ يَضَعَ عَنْهُ مِنْهُ شَيْئًا وَيُعَجِّلَ لَهُ الْعِتْقَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ نُجُومُهُ غَيْرَ حَالَّةٍ فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَهَا حَالًّا عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْ الْبَاقِي فَيَعْتِقَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لَهُ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي دَيْنٍ إلَى أَجَلٍ عَلَى حُرٍّ أَنْ يَتَعَجَّلَ بَعْضَهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَضَعَ لَهُ بَعْضًا فَإِنْ فَعَلَ هَذَا فِي الْمُكَاتَبِ رَدَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ مَا أَخَذَ مِنْهُ وَلَمْ يَعْتِقْ الْمُكَاتَبُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبْرِئَهُ مِنْهُ، وَإِنْ فَعَلَ هَذَا عَلَى أَنْ يُحْدِثَ لِلْمُكَاتَبِ عِتْقًا فَأَحْدَثَهُ لَهُ فَالْمُكَاتَبُ حُرٌّ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ كَمَا قُلْت فِي أَصْلِ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، وَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ الْكِتَابَةِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهَا بَطَلَتْ بِالْعِتْقِ وَيَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ كَمَا وَصَفْت.
فَإِنْ أَرَادَا أَنْ يَصِحَّ هَذَا لَهُمَا فَلْيَرْضَ الْمُكَاتَبُ بِالْعَجْزِ وَيَرْضَ السَّيِّدُ مِنْهُ بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ فَإِنْ فَعَلَ فَالْكِتَابَةُ بَاطِلَةٌ، وَالْعِتْقُ عَلَى مَا أَخَذَ مِنْهُ جَائِزٌ لَا يَتَرَاجَعَانِ فِيهِ بِشَيْءٍ.

(قَالَ) : وَلَوْ كَاتَبَهُ بِعَرَضٍ فَأَرَادَ أَنْ يُعَجِّلُ دَنَانِيرَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَرَضِ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ لَمْ يَجُزْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَضَعَ عَنْهُ لِيُعَجِّلَهُ الْعِتْقَ فَكَانَ مَا يُعَجِّلُ مِنْهُ مَقْسُومًا عَلَى عِتْقِ مَنْ لَا يَمْلِكُهُ بِكَمَالِهِ، وَعَلَى شَيْءٍ مَوْصُوفٍ بِعَيْنِهِ فَلَمْ تُعْلَمْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْهُ شَيْئًا لَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ السَّيِّدُ مِنْهُ، وَهَكَذَا إنْ كَاتَبَهُ بِشَيْءٍ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِهِ شَيْئًا غَيْرَهُ لَا يَخْتَلِفُ، وَلَوْ حَلَّتْ نُجُومُهُ كُلُّهَا، وَهِيَ دَنَانِيرُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِهَا مِنْهُ دَرَاهِمَ أَوْ عَرَضًا يَتَرَاضَيَانِ بِهِ وَيَقْبِضُهُ السَّيِّدُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا كَانَ جَائِزًا وَكَانَ حُرًّا إذَا قَبَضَهُ عَلَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ بَرِيءٌ مِمَّا عَلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حُرٍّ دَنَانِيرُ حَالَّةٌ فَأَخَذَ بِهَا مِنْهُ عَرَضًا أَوْ دَرَاهِمَ يَتَرَاضَيَانِ بِهَا وَقَبَضَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا جَازَ، وَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَلَمْ يَتَرَاجَعَا بِشَيْءٍ وَلَوْ كَانَتْ لِلْمُكَاتَبِ عَلَى السَّيِّدِ مِائَةُ دِينَارٍ حَالَّةٌ وَلِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ نُجُومِهِ حَالَّةٌ فَأَرَادَ الْمُكَاتَبُ وَالسَّيِّدُ أَنْ تُجْعَلَ الْمِائَةُ الَّتِي لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ قِصَاصًا بِالْأَلْفِ الَّتِي عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ دَيْنُهُ عَلَيْهِ عَرَضًا وَكِتَابَتُهُ نَقْدًا وَلَوْ كَانَتْ كِتَابَتُهُ دَنَانِيرَ وَدَيْنُهُ عَلَى سَيِّدِهِ دَنَانِيرَ حَالَّةً فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ كِتَابَتَهُ قِصَاصًا بِمِثْلِهَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ بَيْعٍ إنَّمَا هُوَ مِثْلُ الْقَضَاءِ، وَلَوْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِينَارٍ، وَحَلَّتْ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ مِائَةُ دِينَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبِيعَهُ الْمِائَةَ الَّتِي عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ الَّتِي لَهُ عَلَى الرَّجُلِ لَمْ يَجُزْ، وَلَكِنْ إنْ أَحَالَهُ عَلَى الرَّجُلِ فَحَضَرَ الرَّجُلُ، وَرَضِيَ السَّيِّدُ أَنْ يَحْتَالَ عَلَيْهِ بِالْمِائَةِ جَازَ، وَيُبْرِئُهُ، وَلَيْسَ هَذَا بَيْعًا وَإِنَّمَا هُوَ حَوَالَةٌ، وَالْحَوَالَةُ غَيْرُ بَيْعٍ وَعَتَقَ الْعَبْدُ إذَا أَبْرَأهُ السَّيِّدُ، وَلَوْ أَعْطَاهُ بِهَا حَمِيلًا لَمْ تَجُزْ الْحَمَالَةُ عَنْ الْمُكَاتَبِ، وَلَوْ حَلَّتْ عَلَى الْمُكَاتَبِ نُجُومُهُ فَسَأَلَ سَيِّدَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ وَيُؤَخِّرَهُ بِمَا عَلَيْهِ فَأَعْتَقَهُ كَانَ الْعِتْقُ جَائِزًا وَتَبِعَهُ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ النُّجُومُ إلَى أَجَلٍ فَسَأَلَ أَنْ يُعْتِقَهُ وَيَكُونَ دَيْنُهُ فِي الْكِتَابَةِ عَلَيْهِ بِحَالِهِ جَازَ الْعِتْقُ وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنًا بِحَالِهِ وَهَذَا كَعَبْدٍ قَالَ لِلسَّيِّدِ أَعْتِقْنِي وَلَك عَلَيَّ كَذَا حَالَّةً أَوْ إلَى أَجَلٍ أَوْ آجَالٍ
(8/69)

[بَيْعُ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ وَرَقَبَتِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ عَلَى مُكَاتَبِهِ نُجُومٌ حَالَّةٌ، أَوْ لَمْ تَحِلَّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ نُجُومَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا حَالًّا أَوْ غَيْرَ حَالٍّ مِنْ أَحَدٍ فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ أَحَدٍ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ فِيهِ وَإِنْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي رَدَّهُ، فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ رَدَّ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَائِعُ الثَّمَنَ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ عَلَى مُكَاتَبِهِ نُجُومٌ، وَلَمْ تَحْلُلْ فَبَاعَهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ فَقَبَضَهَا الْأَجْنَبِيُّ مِنْ الْمُكَاتَبِ أَوْ مَا يَرْضَى بِهِ مِنْهَا لَمْ يَعْتِقْ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ بَاطِلٌ، وَلَيْسَ هَذَا كَرَجُلٍ وَكَّلَهُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ يُعْتِقَ الْمُكَاتَبَ عَتَقَ ذَلِكَ كَعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ بِأَمْرِ سَيِّدِهِ وَعَتَقَ هَذَا بِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ دُونَ السَّيِّدِ وَبَيْعُ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ يَبْطُلُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا: أَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ غَيْرِ ثَابِتٍ كَدَيْنِ الْحُرِّ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُكَاتَبَ يَعْجِزُ فَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ شَيْءٌ أَوَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَجَازَ بَيْعَ كِتَابَتِهِ فَقَدْ أَجَازَ غَيْرَ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ الْمُشْتَرِي، وَلَا ذِمَّةَ لَازِمَةٌ لِلْمُكَاتَبِ كَذِمَّةِ الْحُرِّ وَأَنَّهُ إنْ قَالَ إذَا عَجَزَ كَانَ لَهُ دَخْلٌ عَلَيْهِ أَقْبَحُ مِنْ الْأَوَّلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ بَيْعُ دَيْنٍ عَلَى مُكَاتَبٍ فَصَارَتْ لَهُ رَقَبَةُ الْمُكَاتَبِ مِلْكًا، وَلَمْ تُبَعْ الرَّقَبَةُ قَطُّ، فَإِنْ قَالَ: فِي عَقْدِ بَيْعِ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ: إنْ أَخَذَهَا الْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَالْعَبْدُ لَهُ، قِيلَ: هَذَا مُحَالٌ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قُلْت كَانَ حَرَامًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ بَيْعُ مَا لَا يَعْلَمُ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ هُوَ أَوْ فِي رَقَبَتِهِ أَرَأَيْت رَجُلًا قَالَ: أَبِيعُك دَيْنًا عَلَى حُرٍّ فَإِنْ أَفْلَسَ فَعَبْدِي فُلَانٌ لَك بَيْعٌ، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ فَقَدْ أَجَازَ بَيْعَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ فَبَيْعُ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ أَوْلَى أَنْ يُرَدَّ لِمَا وَصَفْت وَأَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمُشْتَرِي بِهَا رَقَبَةَ الْمُكَاتَبِ، وَلَوْ أَجَازَ هَذَا حَاكِمٌ فَعَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَجَعَلَهُ رَقِيقًا لِلَّذِي اشْتَرَى كِتَابَتَهُ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَكُنْ حُرًّا وَرُدَّ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ -.

[هِبَةُ الْمُكَاتَبِ وَبَيْعُهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَبِيعَ مُكَاتَبَهُ وَلَا يَهَبَهُ حَتَّى يَعْجِزَ فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ قَبْلَ يَعْجِزَ الْمُكَاتَبُ أَوْ يَخْتَارَ الْعَجْزَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ الَّذِي اشْتَرَاهُ كَانَ الْعِتْقُ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لَا يَمْلِكُ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ قَبْلَ يَعْجِزَ أَوْ يَرْضَى بِالْعَجْزِ، ثُمَّ رَضِيَ بَعْدَ الْبَيْعِ بِالْعَجْزِ كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ بَيْعًا بَعْدَ رِضَاهُ بِالْعَجْزِ وَإِذَا بَاعَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ الْمُكَاتَبَ قَبْلَ يَعْجِزَ أَوْ يَرْضَى بِالْعَجْزِ، وَأَخَذَ السَّيِّدُ مَالًا لَهُ فُسِخَ الْبَيْعُ وَرُدَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ مَالُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَلَّ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِهِ فَأَخَذَ مَا حَلَّ لَهُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ، وَمَالُهُ مِنْ رَجُلٍ نَزَعَ مَالَ الْمُكَاتَبِ مِنْ يَدَيْ الْمُشْتَرِي فَكَانَ عَلَى كِتَابَتِهِ، فَإِنْ فَاتَ الْمَالُ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ فِي مَالِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَلَّتْ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ، أَوْ بَعْضُهَا، فَإِنْ كَانَتْ حَلَّتْ أَوْ بَعْضُهَا كَانَ قِصَاصًا، وَكَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ وَإِنْ لَمْ يَفُتْ ضَمَّنَ الْمُكَاتَبُ أَيَّهُمَا شَاءَ، إنْ شَاءَ الَّذِي امْتَلَكَ مَالَهُ وَإِنْ شَاءَ سَيِّدَهُ، وَلَوْ بَاعَهُ، وَلَا مَالَ لِلْمُكَاتَبِ أَوْ لَهُ مَالٌ قَلِيلٌ فَأَقَامَ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي سَنَتَيْنِ وَحَلَّ عَلَيْهِ نَجْمَانِ مِنْ نُجُومِهِ، ثُمَّ رَدَدْنَا الْبَيْعَ فَسَأَلَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يُنْظَرَ سَنَتَيْنِ لِيَسْعَى فِي نَجْمَيْهِ اللَّذَيْنِ حَلَّا عَلَيْهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ كَمَا لَوْ حَبَسَهُ سُلْطَانٌ، أَوْ ظَالِمٌ لَمْ يُنْظِرْهُ بِالْحَبْسِ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَرِضَ أَوْ سُبِيَ لَمْ يُنْظِرْهُ بِالْمَرَضِ وَلَا السِّبَاءِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَحْسِبَ عَلَى سَيِّدِهِ قِيمَةَ إجَارَةِ السَّنَتَيْنِ اللَّتَيْنِ غَلَبَهُ فِيهِمَا عَلَى الْبَيْعِ مِنْ نُجُومِهِ، فَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ عَنْهُ كِتَابَتَهُ، وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ بِمَا بَقِيَ مِمَّا حَلَّ فَأَدَّاهُ، وَإِلَّا فَهُوَ عَاجِزٌ، وَإِنْ كَانَ فِي إجَارَتِهِ مِنْ السَّنَتَيْنِ فَضْلٌ عَنْ كِتَابَتِهِ عَتَقَ وَرَجَعَ بِالْفَضْلِ فَأَخَذَهُ وَسَوَاءٌ خَاصَمَ فِي ذَلِكَ الْعَبْدِ أَوْ
(8/70)

لَمْ يُخَاصِمْ إذَا وَقَعَ ذَلِكَ، وَكَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ يَعْجِزَ، أَوْ يَرْضَى بِالْعَجْزِ وَعَلَى هَذَا إذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ مُنَجَّمَةً، وَهَكَذَا لَوْ كَاتَبَهُ السَّيِّدُ، ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ فَحَبَسَهُ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ إجَارَةُ مِثْلِهِ فِي حَبْسِهِ، فَإِنْ كَانَ الْحَابِسُ لَهُ غَيْرَهُ رَجَعَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ مِنْهُ إجَارَتَهُ وَلَمْ يُنْظَرْ الْمُكَاتَبُ بِشَيْءٍ مِنْ نُجُومِهِ بَعْدَ مَحَلِّهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ سَيِّدُهُ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُنْظَرُ بِقَدْرِ حَبْسِ السَّيِّدِ لَهُ إنْ حَبَسَهُ، أَوْ حَبْسِهِ بِالْبَيْعِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ فَاسِدَةً فَهُوَ كَعَبْدٍ لَمْ يُكَاتَبْ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ شِرَائِهِ، وَبَيْعِهِ، وَغَيْرِهِ

[جِنَايَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ]
ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ عَمْدًا فَلِسَيِّدِهِ الْقَوَدُ فِيمَا فِيهِ الْقَوَدُ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ لِوَارِثِ سَيِّدِهِ إنْ مَاتَ سَيِّدُهُ مِنْ الْجِنَايَةِ وَلِسَيِّدِهِ وَوَارِثِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ الْقَوَدُ الْأَرْشُ حَالًّا عَلَى الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ أَدَّاهُ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَلَا تَبْطُلُ الْكِتَابَةُ مَاتَ سَيِّدُهُ مِنْ جِنَايَتِهِ أَوْ لَمْ يَمُتْ، فَإِنْ أَدَّاهَا فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا فَلَهُ تَعْجِيزُهُ إنْ شَاءَ فَإِذَا عَجَّزَهُ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ جِنَايَةً فِيهَا قَوَدٌ فَيَكُونَ لَهُمْ الْقَوَدُ أَمَّا الْأَرْشُ فَلَا يَلْزَمُ عَبْدًا لِسَيِّدِهِ أَرْشٌ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ لِسَيِّدِهِ أَرْشٌ لَمْ يَلْزَمْهُ لِوَارِثِ سَيِّدِهِ، وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ وَأَجْنَبِيَّيْنِ فَسَيِّدُهُ، والأجنبيون سَوَاءٌ فِي أَخْذِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ مِنْ الْمُكَاتَبِ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ مَا لَمْ يَعْجِزْ فَإِذَا عَجَزَ سَقَطَ أَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَزِمَتْهُ جِنَايَتُهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّينَ يُبَاعُ فِيهَا إذَا عَجَزَ أَوْ يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ مُتَطَوِّعًا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْجِنَايَتَيْنِ فَأَرَادَ سَيِّدُهُ تَرْكَهُ عَلَى الْكِتَابَةِ كَانَ لِلْأَجْنَبِيِّينَ تَعْجِيزُهُ وَبَيْعُهُ فِي جِنَايَتِهِ إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ مُتَطَوِّعًا.

وَلَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَجَنَى عَلَى أَحَدِهِمَا جِنَايَةً ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ قِيمَتَهُ فَإِنْ أَدَّاهَا فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا مَعَ الْكِتَابَةِ فَلِلْمَجْنِيِّ تَعْجِيزُهُ، فَإِذَا عَجَّزَهُ بَطَلَ عَنْهُ نِصْفُ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ نِصْفَهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ دَيْنٌ فِيمَا يَمْلِكُ مِنْهُ، وَكَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ نِصْفِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ مُتَطَوِّعًا أَوْ نِصْفِ قِيمَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِيعَ نِصْفُهُ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ جَنَى عَلَيْهِمَا مَعًا جِنَايَةً كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ فِي الْجِنَايَةِ مَا لِلْآخَرِ فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ أَوْ عَجَّزَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا فَهُوَ عَاجِزٌ وَيَسْقُطُ نِصْفُ أَرْشِ جِنَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ جَنَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُوضِحَةً وَقِيمَتُهُمَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ فَيُخَيَّرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَ نَصِيبَهُ مِنْهُ بِبَعِيرَيْنِ وَنِصْفٍ أَوْ يُسَلِّمَ نَصِيبَهُ مِنْهُ فَيُبَاعَ مِنْهُ بِبَعِيرَيْنِ وَنِصْفٍ فَيَأْخُذَهُ صَاحِبُهُ أَوْ يَكُونَ أَرْشُ مُوضِحَتِهِمَا قِصَاصًا فَيَكُونَ عَلَى الرِّقِّ، وَلَوْ جَنَى عَلَى أَحَدِهِمَا مُوضِحَةً، وَعَلَى الْآخَرِ مَأْمُومَةً كَانَ نِصْفُ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي نِصْفِ مَا يَمْلِكُ شَرِيكُهُ مِنْهُ، وَنِصْفُ أَرْشِ الْمَأْمُومَةِ فِيهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَأْمُومَةً فِيمَا يَمْلِكُ شَرِيكُهُ مِنْهُ فَعَلَى هَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ

[جِنَايَةُ الْمُكَاتَبِ وَرَقِيقِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَةً، أَوْ عَبْدٌ لِلْمُكَاتَبِ أَوْ الْمُكَاتَبَةُ جِنَايَةً فَلِذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَعَلَى الْمُكَاتَبَةِ أَوْ الْمُكَاتَبِ فِي جِنَايَتِهِمَا الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْجَانِي مِنْهُمَا يَوْمَ جَنَى أَوْ الْجِنَايَةِ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَدَائِهَا مَعَ الْمُكَاتَبَةِ فَهُوَ مُكَاتَبٌ بِحَالِهِ وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا قَبْلَ الْكِتَابَةِ إذَا كَانَتْ حَالَّةً فَإِنْ صَالَحَ عَلَيْهَا صُلْحًا صَحِيحًا إلَى أَجَلٍ فَلَيْسَ لَهُ تَأْدِيَتُهَا قَبْلَ مَحِلِّهَا؛ لِأَنَّ هَذَا زِيَادَةٌ مِنْ مَالِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَهُ مِنْ
(8/71)

مَالِهِ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الْكِتَابَةَ قَبْلَ الْجِنَايَةِ، وَقَبْلَ مَحَلِّ نُجُومِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَجِنَايَةٌ وَكِتَابَةٌ، وَالدَّيْنُ وَالْجِنَايَةُ حَالَّانِ كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُمَا قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ قَبْلَهُمَا حَالَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ حَالَّةٍ مَا لَمْ يَقُومُوا عَلَيْهِ، وَيَقِفْ الْحَاكِمُ مَالَهُ كَمَا يَكُونُ لِلْحُرِّ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضَ غُرَمَائِهِ دُونَ بَعْضٍ مَا لَمْ يَقِفْ الْحَاكِمُ مَالَهُ إلَّا أَنَّهُ يُخَالِفُ الْحُرَّ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ شَيْئًا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ مَحَلِّهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ مِنْ مَالِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَالُهُ، وَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْأَجْنَبِيِّ مَالَهُ غَيْرَ حَالٍّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَإِذَا وَقَفَ الْحَاكِمُ مَالَهُ أَدَّى عَنْهُ إلَى سَيِّدِهِ كِتَابَتَهُ، وَإِلَى النَّاسِ دُيُونَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ فِيهِ شَرْعًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي هَذَا كُلَّهُ عَجَّزَهُ فِي مَالِ الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ مَعًا إذَا شَاءَ ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّونَ، وَإِنْ شَاءَ سَيِّدُهُ أَنْ يَدَعَ حَقَّهُ عَلَيْهِ، وَيَأْخُذَ الْأَجْنَبِيُّونَ حُقُوقَهُمْ فَاسْتَوْفَوْا هُمْ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ مَا لَمْ يَعْجِزْ سَيِّدُهُ، وَإِنْ شَاءَ الْأَجْنَبِيُّونَ وَسَيِّدُهُ إنْظَارَهُ لَمْ يَعْجِزْ وَمَتَى أَنْظَرَهُ سَيِّدُهُ والأجنبيون فَشَاءَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، أَوْ يُعَجِّزَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِذَا عَجَّزَهُ السَّيِّدُ أَوْ رَضِيَ الْمُكَاتَبُ أَوْ عَجَّزَهُ الْحَاكِمُ خَيَّرَ الْحَاكِمُ سَيِّدَهُ بَيْنَ أَنْ يَتَطَوَّعَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ فِي حُكْمِ الْجِنَايَةِ مِنْ تَحْرِيقِ مَتَاعٍ أَوْ غَصْبِهِ أَوْ سَرِقَتِهِ أَوْ رَقَبَتِهِ فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ عَلَى رِقِّهِ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِيعَ عَلَيْهِ فَأَعْطَى أَهْلَ الْجِنَايَةِ وَجَمِيعَ مَا كَانَ فِي حُكْمِهَا مِنْهُ حِصَاصًا لَا يُقَدِّمُ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَدَانَهُ إيَّاهُ رَجُلٌ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يُحَاصُّهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ وَمَتَى عَتَقَ تَبِعَهُ بِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ فَعَلَهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُبَاعَ فِيهِ مُتَفَرِّقًا بَعْضُهُ قَبْلَ بَعْضٍ أَوْ مُجْتَمِعًا لَا يَبْدَأُ بِشَيْءٍ قَبْلَ شَيْءٍ.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى فِي كِتَابَتِهِ عَلَى رَجُلٍ وَبَعْدَ التَّعْجِيزِ عَلَى آخَرَ تَحَاصًّا جَمِيعًا فِي ثَمَنِهِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْجِنَايَةِ أَوْ صَالَحَ سَيِّدُهُ لَهُ، أَوْ قَضَى بَعْضُهُمْ كَانَ لِلْبَاقِينَ بَيْعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفُوا أَوْ يَأْتُوا هُمْ وَمَنْ قَابَضَ عَلَى ثَمَنِهِ، وَجِنَايَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى ابْنِ سَيِّدِهِ وَأَبِيهِ وَامْرَأَتِهِ وَكُلِّ مَا لَا يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ كَجِنَايَتِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لَا تَخْتَلِفُ، وَكَذَلِكَ جِنَايَتُهُ عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ، وَكَذَلِكَ جِنَايَتُهُ عَلَى أَيْتَامٍ لِسَيِّدِهِ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَعْفُوَ جِنَايَتَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا يَضَعَ عَنْهُ مِنْهَا شَيْئًا إنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَيًّا.

وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْمُكَاتَبِ نَفْسًا خَطَأً، وَكَانَ سَيِّدُهُ وَارِثَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ فَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ مُكَاتَبِهِ جِنَايَتَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُ مَعَهُ فَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ حِصَّتَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ حِصَّةَ غَيْرِهِ مِنْهُ.

وَإِنْ جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى مُكَاتَبٍ لِسَيِّدِهِ، وَكَانَ الْمُكَاتَبُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حَيًّا فَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ كَجِنَايَةٍ عَلَى الْأَجْنَبِيِّينَ يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ الْأَقَلَّ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ عَلَيْهِ أَوْ قِيمَتِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَدَائِهِ خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يُؤَدِّيَ سَيِّدُهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْجِنَايَةِ، أَوْ يَدَعَ فَيُبَاعَ وَيُعْطِيَ الْمُكَاتَبُ أَرْشَ جِنَايَتِهِ، وَمَا بَقِيَ رُدَّ عَلَى سَيِّدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ سَيِّدُهُ شَيْئًا، وَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ جِنَايَةٌ جَاءَتْ عَلَى نَفْسِهِ فَالْجِنَايَةُ لِسَيِّدِهِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِهَا أَوْ يُعَجِّزُهُ وَأُحْلِفَ رَقِيقًا، وَإِنْ شَاءَ عَفَاهَا فَإِنْ قَطَعَ الْمُكَاتَبُ يَدَ سَيِّدِهِ، ثُمَّ بَرَأَ السَّيِّدُ وَأَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَى سَيِّدِهِ فَعَتَقَ أَوْ أَبْرَأَهُ سَيِّدُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ أَوْ عَتَقَ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ تَبِعَ الْمُكَاتَبَ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ وَإِنْ بَرَّأَ مِنْهَا السَّيِّدُ وَلَمْ يُؤَدِّهَا الْمُكَاتَبُ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ كَانَ لِوَرَثَتِهِ مَا كَانَ لَهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ بِالْجِنَايَةِ أَوْ يُعَجِّزُونَهُ فَيُبَاعُ.

وَلَوْ كَاتَبَ عَبِيدَهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَجَنَى أَحَدُهُمْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ دُونَ الَّذِينَ كَاتَبُوا مَعَهُ
(8/72)

وَكَذَلِكَ مَا لَزِمَهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ حَقٍّ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَلَا تَلْزَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ وَحْدَهُ إنْ أَدَّى مَا يَلْزَمُهُ بِالْجِنَايَةِ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ وَإِنْ عَجَزَ كَانَ رَقِيقًا وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، ثُمَّ خُيِّرَ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ مُتَطَوِّعًا أَوْ يُبَاعَ عَلَيْهِ، وَيَرْفَعَ عَنْ أَصْحَابِهِ حِصَّتَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَهَكَذَا كُلُّ حَقٍّ لَزِمَهُ يُبَاعُ فِيهِ مِنْ تَحْرِيقِ مَتَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَأَمَّا مَا لَزِمَهُ مِنْ دَيْنٍ أَدَانَهُ بِهِ صَاحِبُ الدَّيْنِ طَائِعًا فَلَا يُبَاعُ فِيهِ، وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ مُكَاتَبًا، فَإِنْ أَدَّاهُ، وَإِلَّا لَزِمَهُ إذَا عَتَقَ.

وَإِنْ جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ جِنَايَةً تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ لَا تُبْطِلُ كِتَابَتَهُ فَإِنْ أَدَّى مَا لَزِمَهُ فِيهَا فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ عَجَزَ رُدَّ رَقِيقًا إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا كَانَ لَهُمْ عَلَيْهِ فِيهَا الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يَشَاءُوا الْعَقْلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَأْتِ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ كَانَ الْمُكَاتَبُ عَلَى كِتَابَتِهِ إنْ اُقْتُصَّ مِنْهُ فِي الْعَمْدِ، أَوْ أُخِذَ مِنْهُ الْأَرْشُ إنْ كَانَتْ خَطَأً.

فَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلَانِ عَبْدًا لَهُمَا فَجَنَى عَلَى أَحَدِهِمَا جِنَايَةً فَهُوَ كَعَبْدِ الرَّجُلِ يُكَاتِبُهُ ثُمَّ يَجْنِي فَإِنْ جَنَى عَلَى أَحَدِهِمَا فَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ مُكَاتَبِهِ عَلَيْهِ إنْ أَدَّى فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ فَهُوَ عَاجِزٌ، وَخُيِّرَ سَيِّدُهُ الشَّرِيكُ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَ نِصْفَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ، أَوْ يَدَعَهُ فَيُبَاعَ نِصْفُهُ فِي الْجِنَايَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي ثَمَنِ نِصْفِهِ فَضْلٌ عَنْ نِصْفِ الْجِنَايَةِ رُدَّ إلَى سَيِّدَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَضْمَنْ سَيِّدُهُ شَيْئًا وَسَقَطَ نِصْفُ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ الْجَانِي إلَى السَّيِّدِ مَمْلُوكًا وَصَنَعُوا بِالنِّصْفِ مَا شَاءُوا؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ لَهُمْ إذَا عَجَزَ، وَإِذَا جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً قِيمَتُهَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ قِيمَةُ مِائَةٍ فَقَالَ أُؤَدِّي خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ، وَأَكُونُ عَلَى الْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ كُلِّهَا إذَا كَانَتْ قِيمَتَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا وَلَا يَبْطُلُ عَنْهُ مِنْ الْجِنَايَةِ شَيْءٌ حَتَّى يَعْجِزَ فَإِذَا عَجَزَ بَطَلَ عَنْهُ نِصْفُهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -

[جِنَايَةُ عَبِيدِ الْمُكَاتَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَ لِلْمُكَاتَبِ عَبِيدٌ فَجَنَى أَحَدُهُمْ جِنَايَةً خُيِّرَ الْمُكَاتَبُ فِي عَبْدِهِ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ قِيمَةِ عَبْدِهِ يَوْمَ يَجْنِي عَبْدُهُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ يَوْمَ يَجْنِي غِبْطَةً لَوْ اشْتَرَاهُ الْمُكَاتَبُ بِمَا يَفْدِيهِ بِهِ أَوْ يَدَعُ فَيُبَاعُ فَيُوَفِّي صَاحِبَ الْجِنَايَةِ أَرْشَ جِنَايَتِهِ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ.

وَلَوْ جَنَى عَبْدُ الْمُكَاتَبِ عَلَى رَجُلٍ حُرٍّ، وَالْعَبْدُ الْجَانِي صَحِيحٌ قِيمَتُهُ مِائَةٌ، ثُمَّ مَرِضَ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ وَالْجِنَايَةُ قِيمَةُ مِائَةٍ وَأَكْثَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْتَكَّهُ بِمِائَةٍ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ حِينَئِذٍ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ لَمْ يَجُزْ الشِّرَاءُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْتَكَّهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ جَنَى بِمَا إذَا اشْتَرَاهُ بِهِ يَوْمَ يَفْتَكُّهُ جَازَ الشِّرَاءُ، وَبَاعَهُ الْحَاكِمُ فَأَدَّى إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُكَاتَبِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُخَالِفٌ لِلْحُرِّ يَجْنِي عَبْدُهُ.

وَلَوْ جَنَى عَبْدُ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ يَسْوَى مِائَةَ جِنَايَةٍ قِيمَتُهَا مِائَةٌ أَوْ أَكْثَرُ ثُمَّ أَبَقَ عَبْدُ الْمُكَاتَبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِشَيْءٍ، فَإِذَا وُجِدَ فَشَاءَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ يَفْدِيهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بِيعَ عَلَيْهِ وَأُدِّيَتْ الْجِنَايَةُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ رُدَّ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهَا وَمَا وُهِبَ لِلْمُكَاتَبِ أَوْ اشْتَرَاهُ مِمَّنْ لَهُ مِلْكُهُ لَوْ كَانَ حُرًّا مِنْ ذِي رَحِمٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا جَازَ شِرَاؤُهُ لَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ مَمْلُوكٌ لَهُ بَيْعُهُ.

وَلَوْ وُهِبَ لِلْمُكَاتَبِ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ لَوْ كَانَ حُرًّا فَجَنَى جِنَايَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَلَّ مِنْ الْجِنَايَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مِلْكَهُ لَيْسَ بِتَامٍّ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنِّي لَا أَجْعَلُ لَهُ بَيْعَهُ إذَا فَدَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ فِي غَيْرِ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ، وَهَكَذَا وَلَدٌ لَوْ وُلِدَ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ وَوَلَدِهِ الْمُكَاتَبَةِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُمْ، وَيُسَلِّمَهُمْ فَيُبَاعَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَمَا بَقِيَ بَقِيَ
(8/73)

بِحَالِهِ يَعْتِقُ بِعِتْقِ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَفْدِي أَحَدًا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ فَيَجُوزُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ.

وَلَوْ أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ بَيْعُهُ جَنَى عَلَى السَّيِّدِ أَوْ عَلَى مَالِ السَّيِّدِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَفْدِيَهُ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّينَ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ هُوَ وَالسَّيِّدُ عَلَى الرِّضَا بِأَنْ يَفْدِيَهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ السَّيِّدُ بِيعَ مِنْ الْجَانِي بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَأَقَرَّ مَا بَقِيَ بِحَالِهِ حَتَّى يَعْتِقَ بِعِتْقِ الْمُكَاتَبِ أَوْ يَرِقَّ بِرِقِّهِ.

وَإِذَا جَنَى بَعْضُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى الْمُكَاتَبِ عَلَى بَعْضٍ عَمْدًا فَلَهُ الْقَتْلُ، فَإِنْ جَنَى مَنْ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ بَيْعُهُ عَلَى رَقِيقِهِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ وَأَنْ يَعْفُوَ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَلَهُ الْقَوَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي جَنَى وَالِدًا لِلْمُكَاتَبِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ وَالِدَهُ بِرَقِيقِهِ، وَهُوَ لَا يُقْتَلُ بِهِ لَوْ قَتَلَهُ.

وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَةً فَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى عَجَزَ خُيِّرَ السَّيِّدُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ أَوْ يَبِيعَهُ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَهَكَذَا عَبْدُ الْمُكَاتَبِ يَجْنِي وَلَا يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ عَنْهُ حَتَّى يَعْجِزَ الْمُكَاتَبُ فَيَصِيرَ مَالُهُ لِسَيِّدِهِ يَكُونُ كَأَنَّهُ جَنَى، وَهُوَ فِي يَدَيْ سَيِّدِهِ، فَإِمَّا فَدَاهُ، وَإِمَّا بِيعَ عَلَيْهِ فِي الْجِنَايَةِ، وَإِذَا كَانَ فِي الْعَبْدِ فَضْلٌ عَنْ الْجِنَايَةِ خُيِّرَ السَّيِّدُ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهُ كُلَّهُ فَيَكُونَ لَهُ مَا فَضَلَ عَنْ الْجِنَايَةِ أَوْ يَبِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ.

وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَةً فَلَمْ يُؤَدِّهَا حَتَّى أَدَّى فَعَتَقَ مَضَى الْعِتْقُ، وَكَانَ عَلَيْهِ فِي الْجِنَايَةِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إذَا لَمْ يَعْجِزْ عَلَيْهِ دُونَ مَوْلَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَجَنَى فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ، وَلَمْ يُؤَدِّ فَيَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ ضَمِنَ سَيِّدُهُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْجِنَايَةِ، وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ جِنَايَةً أُخْرَى، ثُمَّ أَدَّى فَعَتَقَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ الْجِنَايَةِ يَشْتَرِكَانِ فِيهَا، وَالْآخَرُ أَنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْجِنَايَةِ، وَهَكَذَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ كَبِيرَةً.

[مَا جُنِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَلَهُ]
ُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطَاءٌ: إذَا أُصِيبَ الْمُكَاتَبُ لَهُ نَذْرُهُ وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَاتَبَهُ مِنْ مَالِهِ يُحْرِزُهُ كَمَا يُحْرِزُ مَالَهُ؟ قَالَ نَعَمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : هُوَ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ مَالٌ مِنْ مَالِهِ لَا يَكُونُ لِسَيِّدِهِ أَخْذُهَا بِحَالٍ، وَإِنْ أَزْمَنَتْهُ فَعَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي، وَهُوَ زَمِنٌ وَلَا يَكُونُ لِمَوْلَاهُ مِنْ الْجِنَايَةِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ يُؤَدِّيَ فَتَكُونَ الْجِنَايَةُ كُلُّهَا لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا

[جِنَايَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ وَالسَّيِّدِ عَلَى مُكَاتَبِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : كُلُّ جِنَايَةٍ جَنَاهَا السَّيِّدُ عَلَى مُكَاتَبِهِ لَا تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ فَهِيَ كَجِنَايَةِ أَجْنَبِيٍّ عَلَيْهِ يَأْخُذُهَا الْمُكَاتَبُ مِنْهُ كُلَّهَا كَمَا يَأْخُذُهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَالٌّ مِنْ كِتَابَتِهِ فَيُقَاصُّهُ بِهَا السَّيِّدُ وَلَكِنْ لَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، وَمَاتَ عَبْدًا إنْ مَاتَ قَبْلَ يُؤَدِّيَ، وَلَمْ يَتْبَعْ السَّيِّدَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَى عَبْدِهِ إنْ لَمْ يَعْتِقْ.

وَلَوْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ فَقَطَعَ يَدَهُ فَسَأَلَ الْمُكَاتَبُ الْوَالِيَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَرْشَ الْجِنَايَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأ نَظَرَ مَا يُصِيبُهُ بِأَدَاءِ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ كَانَ يَعْتِقُ بِهِ
(8/74)

قَالَ إنْ جَعَلْته قِصَاصًا بِمَا عَلَيْك وَكَانَتْ كِتَابَتُك كَمَا وَجَبَ لَك أُعْتِقُكَ وَأَخَذْت مِنْهُ فَضْلًا إنْ كَانَ لَك، فَإِنْ اخْتَارَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ ضَمِنَ السَّيِّدُ مِنْ دِيَتِهِ حَيًّا مَا ضَمِنَ هُوَ لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدِ غَيْرِهِ فَيَعْتِقُ قَبْلَ يَمُوتَ، ثُمَّ مَاتَ وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ، وَلَا قِصَاصَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا فَإِذَا بَقِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ فَجَنَى عَلَيْهِ السَّيِّدُ جِنَايَةً يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ مِثْلُهَا، وَالْكِتَابَةُ حَالَّةٌ فَشَاءَ أَنْ تَكُونَ قِصَاصًا فَهِيَ قِصَاصٌ أَيُّهُمَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ غَيْرَ حَالَّةٍ لَمْ تَكُنْ قِصَاصًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُكَاتَبُ ذَلِكَ دُونَ سَيِّدِهِ.

وَإِنْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ جِنَايَةً لَا يَجِبُ لَهُ بِهَا مَا يَعْتِقُ بِهِ فَقَالَ الْمُكَاتَبُ عَجِّلُوا بِهَا قَبْلَ بُرْءِ الْجِنَايَةِ أَعْطَيْنَاهُ جَمِيعَ الْجِنَايَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ تُجَاوِزُ ثَمَنَهُ لَوْ مَاتَ فَإِذَا جَاوَزَتْ ثَمَنَهُ لَوْ مَاتَ لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهَا حَتَّى يَبْرَأَ فَيُوَفِّيَهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّهُ يَمُوتُ فَتَنْتَقِضُ الْجِنَايَةُ عَنْ سَيِّدِهِ.

وَإِذَا جَنَى ابْنُ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ أَوْ أَبُوهُ أَوْ مَنْ عَدَا سَيِّدَ الْمُكَاتَبِ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ لَا تَخْتَلِفُ بِحَالٍ، وَلَا يَكُونُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَعْفُوَهَا إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ يَسْتَوْفِيَهَا فَيَكُونَ لَهُ حِينَئِذٍ عَفْوُهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ لَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

[الْجِنَايَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَرَقِيقِهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ عَبْدٌ جِنَايَةً عَمْدًا، فَأَرَادَ الْمُكَاتَبُ الْقِصَاصَ وَأَرَادَ سَيِّدُهُ الدِّيَةَ فَلِلْمُكَاتَبِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ وَبَدَنِهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ فَيَكُونُ الْمُكَاتَبُ قَدْ أَبْطَلَ الْأَرْشَ الَّذِي كَانَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهُ لَوْ لَمْ يَقْتَصَّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَيْسَ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ إنْ زَنَى يَحُدَّهُ وَلَا إنْ أَذْنَبَ أَنْ يَجْلِدَهُ وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُؤَدِّبَ عَبْدَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُدَّهُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَكُونُ إلَى غَيْرِ حُرٍّ، وَهَكَذَا إذَا جُنِيَ عَلَى عَبْدِ الْمُكَاتَبِ جِنَايَةٌ فِيهَا قِصَاصٌ فَإِنَّمَا لَهُمَا الْعَقْلُ، وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ وَلَا عَبْدِهِ بِأَنْ يَعْفُوَ مِنْ الْعَقْلِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَلَا يُصَالِحَ فِيهِ إلَّا عَلَى اسْتِيفَاءِ جَمِيعِ أَرْشِ مَا صَالَحَ بِهِ أَوْ الِازْدِيَادِ، وَإِذَا صَالَحَ فَازْدَادَ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَنْ يَضَعَ الزِّيَادَةَ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهَا، وَلَيْسَ لَهُ إتْلَافُ شَيْءٍ مَلَكَهُ.

وَإِذَا جُنِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ أَوْ عَبْدِهِ جِنَايَةٌ عَمْدًا فَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ الْأَرْشِ أَوْ الْقَوَدِ، فَإِنْ أَرَادَ الْعَفْوَ عَنْ الْقَوَدِ فِي نَفْسِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِلَا أَرْشٍ فَعَفْوُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْجِنَايَةِ الْعَمْدِ عَلَيْهِ، وَعَلَى عَبْدِهِ مَالًا أَوْ قِصَاصًا فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُهُمَا مَعًا إذَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ إتْلَافِ مَالِهِ، وَهَذَا إتْلَافٌ لِمَالِهِ وَلَوْ عَفَا، ثُمَّ عَتَقَ كَانَ لَهُ أَخْذُ الْمَالِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ عَفَا، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ إتْلَافَ الْمَالِ كَمَا لَوْ وَهَبَ شَيْئًا مُكَاتَبٌ، أَوْ وَضَعَهُ، ثُمَّ عَتَقَ كَانَ لَهُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَهَبَ، وَلَا سَبِيلَ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَنْ يَضَعَ جِنَايَةً عَلَى الْمُكَاتَبِ وَلَا يَأْخُذَ مِنْ يَدَيْ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى رَقِيقِهِ وَلَوْ بَقِيَ الْمُكَاتَبُ مِنْ الْجِنَايَةِ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ أَعْمَى أَصَمَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِمَّا صَارَ لَهُ حَتَّى يَعْجِزَ، وَلَهُ السَّبِيلُ إنْ ذَهَبَ عَقْلُ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ الْحَاكِمُ فَيَضَعَ مَالَ الْمُكَاتَبِ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ وَيُنْفِقَ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْهُ وَيُؤَدِّيَ عَنْهُ حَتَّى يَعْتِقَ أَوْ يَعْجِزَ، وَهَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ وَرَقِيقُهَا لَا يَخْتَلِفُ، فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ جَاءَتْ عَلَى نَفْسِ رَقِيقِ الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ فَهَكَذَا لَا يَخْتَلِفُ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ جَاءَتْ عَلَى نَفْسِ
(8/75)

الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ قَبْلَ أَدَائِهِمَا فَقَدْ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ وَصَارَ مَالُهُمَا لِسَيِّدِهِمَا فَلَهُ فِي مَالِهِمَا إنْ جُنِيَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَسْتَوْفِ، الْمُكَاتَبَانِ الْجِنَايَةَ، وَفِي أَنْفُسِهِمَا، وَمَا جُنِيَ عَلَيْهِمَا مَا لَمْ يَسْتَوْفِيَا مَالَهُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى رَقِيقٍ لَهُ غَيْرِ مُكَاتَبِينَ.

وَلَوْ جَنَى الْمُكَاتَبُ نَفْسُهُ جِنَايَةً فِيهَا قِصَاصٌ، فَبَرَأَ مِنْهَا، وَأَخَذَ نِصْفَ أَرْشِهَا، ثُمَّ مَاتَ أَخَذَ الْمَوْلَى النِّصْفَ الْبَاقِيَ وَمَالَ الْمُكَاتَبِ حَيْثُ كَانَ، وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ يَدًا فَصَالَحَ مِنْهَا الْمُكَاتَبُ عَلَى أَقَلِّ مِمَّا فِيهَا وَهُوَ النِّصْفُ قَبَضَ الْمَوْلَى الْفَضْلَ مِمَّا وَجَبَ فِي يَدِ مُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّ مُكَاتَبَهُ تَرَكَ الْفَضْلَ فَلِلْمَوْلَى أَخْذُهُ كَمَا لَوْ وَضَعَ عَنْ إنْسَانٍ دَيْنًا عَلَيْهِ أَوْ وَهَبَ لَهُ هِبَةً، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ يَعْتِقُ كَانَ لِمَوْلَاهُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْ الْمَوْضُوعِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ أَوْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ قَالَ: وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي قِيمَتِهِ وَقِيمَتُهُ عَبْدٌ غَيْرُ مُكَاتَبٍ يُقَوَّمُ يَوْمَ جُنِيَ عَلَيْهِ وَجِنَايَةُ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ وَعَلَى رَقِيقِهِ وَمَالِهِ وَجِنَايَةُ الْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ وَيَضْمَنُ لَهُمْ مَا يَضْمَنُ الْأَجْنَبِيُّ لَهُمْ فِيمَا دُونَ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ إنْ ضَمِنَهُ لَهُمْ فَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى يَعْجِزَ أَوْ يَمُوتَ سَقَطَ عَنْهُ لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا لَهُ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِمْ جِنَايَةً يَلْزَمُهُ فِيهَا مَا يُؤَدِّي عَنْ الْمُكَاتَبِ كِتَابَتَهُ فَشَاءَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا أُخِذَ بِهَا السَّيِّدُ إنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَالْمُكَاتَبَةُ حَالَّةٌ قَبْلَ يَجْعَلُهَا قِصَاصًا بِهِ مَاتَ عَبْدًا وَبَطَلَتْ عَنْهُ الْكِتَابَةُ وَصَارَ هَذَا مَالًا لِلسَّيِّدِ.

وَإِنْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَسْوَى أَلْفَ دِينَارٍ وَإِنَّمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِينَارٌ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَعْتِقْ الْمُكَاتَبُ مِمَّا وَجَبَ لَهُ وَيُعَجَّزُ وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى عَلَيْهِ فَقَطَعَ يَدَهُ فَوَجَبَتْ لَهُ خَمْسُمِائَةٍ بِصُلْحٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا دِينَارٌ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَقُولَ قَدْ جَعَلْت مَا وَجَبَ لِي قِصَاصًا فَإِذَا قَالَهُ قَبْلَ يَمُوتُ، ثُمَّ مَاتَ كَانَ حُرًّا حِينَ يَقُولُهُ، فَإِنْ لَمْ يَقُلْهُ حَتَّى مَاتَ كَانَ عَبْدًا وَهَكَذَا إنْ جَنَى سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ عَلَى مَالِ الْمُكَاتَبِ جِنَايَةً تَلْزَمُهُ أَلْفُ دِينَارٍ وَإِنَّمَا بَقِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ دِينَارٌ لَمْ يَحِلَّ فَلَمْ يَقُلْ الْمُكَاتَبُ قَدْ: جَعَلْتهَا قِصَاصًا حَتَّى مَاتَ، مَاتَ رَقِيقًا، وَإِنْ قَالَ قَدْ جَعَلْتهَا قِصَاصًا بِمَا عَلَيَّ مِنْ الْكِتَابَةِ كَانَ حُرًّا حِينَ يَقُولُهُ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: قَدْ جَعَلْت مَا بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ الْكِتَابَةِ قِصَاصًا مِمَّا لَزِمَ مَوْلَايَ كَانَ قِصَاصًا وَكَانَ حُرًّا وَاتَّبَعَهُ بِفَضْلِهِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَحِلَّ آخَرُ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَى الْمُكَاتَبِ إلَّا نَجْمٌ أَوْ بَعْضُ نَجْمٍ أَوْ أَكْثَرُ إلَّا أَنَّ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ قَدْ حَلَّ كُلُّهُ وَلَمْ يُعَجِّزْهُ سَيِّدُهُ حَتَّى جَنَى عَلَيْهِ سَيِّدُهُ جِنَايَةً فِيهَا وَفَاءٌ بِمَا بَقِيَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ فِيهَا وَفَاءٌ وَفَضْلٌ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ مُسْتَوْفٍ بِمَا لَزِمَهُ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ إذَا وَجَبَ لِلْمُكَاتَبِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِ فِي الْكِتَابَةِ أَلَا تَرَى أَنِّي لَا أُجْبِرُ السَّيِّدَ عَلَى دَفْعِ الْجِنَايَةِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ كِتَابَتِهِ فَأُجْبِرُهُ عَلَى دَفْعِ الْفَضْلِ إلَيْهِ وَإِنْ وَجَدْت لِلْمُكَاتَبِ مَالًا لَمْ أُجْبِرْهُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَى السَّيِّدِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ وَلَهُ عِنْدَ السَّيِّدِ مِثْلُهُ، أَوْ أَكْثَرُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَّ آخِرُ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ فَعَدَا السَّيِّدُ عَلَى مَالِ الْمُكَاتَبِ فَأَخَذَ مِنْهُ مَا بَقِيَ لَهُ بِلَا عِلْمٍ مِنْ الْمُكَاتَبِ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ إذَا كَانَتْ نُجُومُهُ حَالَّةً وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَضَى دَيْنًا بِوَكَالَةِ الْمُكَاتَبِ وَحَبَسَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِغَيْرِ إذْنِهِ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ.
وَإِنْ كَانَتْ نُجُومُهُ لَمْ تَحِلَّ فَرَدَّهُ السَّيِّدُ إلَيْهِ لَمْ يَعْتِقْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ قِصَاصًا وَيُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى إعْطَائِهِ إيَّاهُ إذَا لَمْ تَكُنْ نُجُومُهُ حَلَّتْ وَلَمْ يُجْبَرْ الْمُكَاتَبُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ جِنَايَةُ السَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي مِنْهُ كَاتَبَهُ كَانَتْ قِصَاصًا فَإِنْ كَانَ يَلْزَمُ السَّيِّدَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْمُكَاتَبِ غَيْرُ الصِّنْفِ الَّذِي مِنْهُ الْكِتَابَةُ لَمْ يَعْتِقْ بِهَا وَلَمْ تَكُنْ قِصَاصًا حَتَّى يَقْبِضَهَا وَيَدْفَعَ مِنْ ثَمَنِهَا إلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، أَوْ يَصْطَلِحَا صُلْحًا يَصْلُحُ عَلَى أَنَّهَا قِصَاصٌ وَذَلِكَ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَعَلَى الْمُكَاتَبِ مِائَةُ صَاعٍ حِنْطَةٍ لَمُكَاتَبٍ خَمْسِينَ دِينَارًا وَإِنَّمَا لَزِمَ السَّيِّدَ بِالْجِنَايَةِ ذَهَبٌ أَوْ وَرِقٌ أَوْ إبِلٌ هِيَ أَكْثَرُ ثَمَنًا مِمَّا عَلَى الْمُكَاتَبِ فَلَا يَكُونُ هَذَا قِصَاصًا وَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ حَالَّةً؛ لِأَنَّ الَّذِي عَلَى الْمُكَاتَبِ غَيْرُ الَّذِي وَجَبَ لَهُ وَلَكِنْ لَوْ حَرَقَ السَّيِّدُ لِلْمُكَاتَبِ مِائَةَ صَاعٍ مِثْلِ حِنْطَتِهِ وَالْحِنْطَةُ الَّتِي عَلَى الْمُكَاتَبِ حَالَّةٌ كَانَ قِصَاصًا وَإِنْ
(8/76)

كَرِهَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا مِنْ حِنْطَتِهِ لَمْ تَكُنْ قِصَاصًا حَتَّى يَرْضَى الْمُكَاتَبُ إذَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ الْمُحْرَقَةُ خَيْرًا مِنْ الْحِنْطَةِ الَّتِي عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا أَوْ يَرْضَى السَّيِّدُ أَنْ يَجْعَلَهَا قِصَاصًا إذَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ الَّتِي حَرَقَ شَرًّا مِنْ الْحِنْطَةِ الَّتِي لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَلَا تَكُونُ قِصَاصًا إلَّا بِأَنْ يَحْتَالَ بِهَا الْمُكَاتَبُ بِرِضَاهُ عَلَى السَّيِّدِ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ مَكَانَ الْحِنْطَةِ جِنَايَةٌ عَلَى الْمُكَاتَبِ لَمْ يَخْتَلِفْ هَذَا.

وَإِنْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَى الْمُكَاتَبِ جِنَايَةً لَزِمَهُ بِهَا أَرْشٌ فَجَعَلَهَا السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ قِصَاصًا تَأَخَّرَ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ أَوْ كَانَ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ حَالًّا يَلْزَمُ السَّيِّدَ بِهَا مِثْلُ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ، أَوْ أَكْثَرُ بِرِضَاهُمَا، ثُمَّ عَادَ السَّيِّدُ فَجَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ جِنَايَةً ثَانِيَةً كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى حُرٍّ فِيهَا قِصَاصٌ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَأَرْشُ الْحُرِّ إنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَإِنْ اعْتَلَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِأَنْ يَصِيرَ لِمُكَاتَبِهِ عَلَيْهِ مِثْلُ الَّذِي بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ فَيَكُونُ قِصَاصًا فَيَعْتِقُ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا لَا يُقْبَلُ مِنْ رَجُلٍ عَلِمَ رَجُلًا عَبْدًا فَقَتَلَهُ بَعْدَ مَا عَتَقَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِعِتْقِهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ دِيَةُ حُرٍّ وَلَا قَوَدَ لِمَوْضِعِ الشُّبْهَةِ كَمَا لَوْ قَتَلَ حَرْبِيًّا وَلَمْ يَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ فَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ وَلَا قَوَدَ وَهُوَ يُفَارِقُ الْحَرْبِيَّ؛ لِأَنَّهُ حَلَالٌ لَهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ قَتْلُ الْحَرْبِيِّ وَلَيْسَ حَلَالًا لَهُ عَلَى الِابْتِدَاءِ قَتْلُ الْعَبْدِ (قَالَ الرَّبِيعُ) : وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَصَحُّ. .

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَعَادَ السَّيِّدُ أَوْ غَيْرُهُ فَجَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً بَعْدَ عِتْقِهِ وَقَدْ عَلِمَ الْجَانِي عِتْقَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَسَوَاءٌ وَجِنَايَتُهُ عَلَيْهِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى حُرٍّ.

وَلَوْ جَنَى سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَقَطَعَ يَدَهُ فَلَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ، وَكَانَ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا لَزِمَهُ لَهُ وَكَانَ آخِرَ نُجُومِهِ عَتَقَ بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَحِلَّ فَجَعَلَهُ السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ قِصَاصًا عَتَقَ بِهِ، فَإِنْ عَادَ السَّيِّدُ فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى خَطَأً فَمَاتَ لَزِمَ عَاقِلَتَهُ نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْيَدِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَيْهِ وَهُوَ حُرٌّ.

وَإِذَا جَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ فَعَفَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ فَالْعَفْوُ جَائِزٌ.

وَإِذَا جَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ وَعَتَقَ فَقَالَ: كَانَتْ الْجِنَايَةُ وَأَنَا حُرٌّ وَقَالَ الْجَانِي: كَانَتْ وَأَنْتَ مُكَاتَبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي وَعَلَى الْمُكَاتَبِ الْبَيِّنَةُ وَسَوَاءٌ صَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ مَوْلَى الْمُكَاتَبِ أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنْ قَطَعَ مَوْلَاهُ لَهُ الشَّهَادَةَ أَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ وَهُوَ حُرٌّ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَهَادَتِهِ مَا يَجُرُّ بِهِ إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا وَكَلَّفْتُهُ شَاهِدًا مَعَهُ فَإِذَا أَثْبَتَهُ قَضَيْت لَهُ بِجِنَايَةِ حُرٍّ وَإِذَا مَلَكَ الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ وَجَنَى عَلَيْهِ أَبُوهُ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ.

وَإِذَا جَنَى مَنْ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ وَلَا يَبِيعُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا وَلَوْ جَنَى عَبْدُ الْمُكَاتَبِ عَلَى الْمُكَاتَبِ كَانَتْ الْجِنَايَةُ هَدَرًا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا قِصَاصٌ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ عَقْلًا أَوْ عَمْدًا فَأَرَادَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَلَكِنْ لَهُ بَيْعُهُ عَلَى النَّظَرِ كَمَا يَكُونُ لَهُ بَيْعُهُ بِلَا جِنَايَةٍ جَنَاهَا.

وَإِذَا جَنَى الْمُكَاتَبُ عَلَى عَبْدٍ لَهُ بَيْعُهُ فَجِنَايَتُهُ هَدَرٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فِيهَا قِصَاصٌ فَيَكُونُ لَهُ الْقِصَاصُ فَأَمَّا مَالٌ فَلَا يَكُونُ لِلْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ بِحَالٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ الْمُكَاتَبُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ فَجَنَى عَلَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ فِيهَا قِصَاصٌ فَلَهُمَا الْقِصَاصُ وَلَيْسَ لَهُمَا اخْتِيَارُ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَاهُ مِنْهُ وَهُمَا غَيْرُ خَارِجَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ وَلَا أَنْ يَأْخُذَا مِنْهُ مَالًا لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً، وَلَوْ عَتَقَا وَعَتَقَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَتْبَعَاهُ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَهُمَا غَيْرُ خَارِجَيْنِ مِنْ مِلْكِهِ.

وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ الْمُكَاتَبُ عَلَى ابْنٍ لَهُ كَاتَبَ مَعَهُ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ كَجِنَايَتِهِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ يَأْخُذُهُ بِهَا الِابْنُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَعْفُوَهَا لِأَنَّ الِابْنَ مَمْلُوكٌ لِغَيْرِهِ كَهُوَ، وَلَوْ كَانَتْ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ أَرْشَهَا وَلَيْسَ لِلِابْنِ تَرْكُ الْأَرْشِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ الْأَرْشَ حَتَّى عَتَقَ الِابْنُ قَبْلَ يَأْخُذُهَا مِنْهُ فَلَهُ عَفْوُهَا عَتَقَ الْأَبُ، أَوْ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ مَالٌ لَهُ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ فِيهِ
(8/77)

[عِتْقُ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ]
ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فَأَدَّى إلَيْهِ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى أَعْتَقَهُ فَالْعِتْقُ وَاقِعٌ وَقَدْ بَطَلَتْ عَنْهُ الْكِتَابَةُ وَمَالُهُ الَّذِي أَفَادَ فِي الْكِتَابَةِ كُلُّهُ لَهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ مِنْهُ شَيْءٌ.

وَلَوْ كَاتَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ وَضَعْت عَنْكَ كِتَابَتَك كُلَّهَا كَانَ حُرًّا وَكَانَ كَقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ أَعْتَقَهُ فِي أَصْلِ الْكِتَابَةِ بِالْبَرَاءَةِ إلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ، وَلَوْ قَالَ قَدْ وَضَعْت عَنْك الْكِتَابَةَ إلَّا دِينَارًا أَوْ إلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ كَانَ بَرِيئًا مِنْ الْكِتَابَةِ إلَّا مَا اسْتَثْنَى وَلَا يَعْتِقُ إلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ آخِرِ الْكِتَابَةِ وَالْقَوْلُ فِي أَصْلِ اسْتِثْنَاءِ السَّيِّدِ مِنْ الْكِتَابَةِ قَوْلُ السَّيِّدِ إنْ قَالَ الَّذِي وَضَعْت مِنْ الْمُؤَخَّرِ وَاَلَّذِي أَخَّرْتَ مِنْ الْوَضْعِ الْمُقَدَّمُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا يُعْرِبُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَلْزَمَ الْحَاكِمُ الْمُكَاتَبَ أَنْ يَكُونَ الْوَضْعُ مِنْ آخِرِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ بِذَلِكَ لِمَنْ صَارَ الْمَالُ لَهُ وَلَا يَضَعُ عَنْهُ إلَّا مَا يُحِيطُ أَنَّهُ وَضَعَ عَنْهُ بِحَالٍ وَهُوَ إذَا وَضَعَ عَنْهُ آخِرَهَا عَلَى إحَاطَةِ أَنَّهُ وَضَعَ الَّذِي وَضَعَ عَنْهُ أَوْ مَا قَبْلَهُ فَكَانَ الْآخِرُ بَدَلًا مِنْ الْأَوَّلِ.

وَإِذَا وَضَعَ السَّيِّدُ عَنْ الْمُكَاتَبِ أَوْ أَعْتَقَهُ فِي الْمَرَضِ فَالْعِتْقُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ فَهُوَ حُرٌّ وَإِلَّا عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ فَوُضِعَ عَنْهُ مِنْ الْكِتَابَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَكَانَ الْبَاقِي مِنْهُ عَلَى الْكِتَابَةِ.

وَمَتَى أَقَرَّ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ قَبَضَ نُجُومَ الْمُكَاتَبِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ أَوْ فِي صِحَّتِهِ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ بِقَبْضِ دَيْنٍ عَلَيْهِ.

وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى دَنَانِيرَ فَقَالَ قَدْ وَضَعْت عَنْك أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ كِتَابَتِك لَمْ يَكُنْ وَضَعَ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ دَرَاهِمُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى دَرَاهِمَ فَقَالَ قَدْ وَضَعْت عَنْك مِنْ كِتَابَتِك مِائَةَ دِينَارٍ وَإِنَّمَا قِيمَتُهَا مِثْلُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ لَمْ يَكُنْ وَضَعَ عَنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَضَعَ عَنْهُ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ صِنْفٍ كَاتَبَهُ عَلَيْهِ فَوَضَعَ عَنْهُ مِنْ صِنْفِ غَيْرِهِ.

وَلَوْ قَالَ السَّيِّدُ كَاتَبْته عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقُلْت قَدْ وَضَعْت عَنْك خَمْسِينَ دِينَارًا أَعْنِي وَضَعْت عَنْك الْأَلْفَ وَهِيَ قِيمَةُ خَمْسِينَ دِينَارًا كَانَ وَضْعًا وَكَانَ الْمُكَاتَبُ حُرًّا وَلَوْ لَمْ يَقُلْ هَذَا السَّيِّدُ فَادَّعَى الْمُكَاتَبُ عَلَى سَيِّدِهِ أَحَلَفْته مَا أَرَادَ هَذَا، وَلَوْ مَاتَ السَّيِّدُ وَلَمْ يُبَيِّنْ أَحَلَفْت الْوَرَثَةَ مَا عَلِمُوهُ أَرَادَ وَضْعَ الْأَلْفِ إنْ قَالَ: هِيَ قِيمَةُ خَمْسِينَ فَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ لِلْمُكَاتَبِ أَنَّ سَيِّدَهُ قَالَ قَدْ اسْتَوْفَيْت مِنْهُ أَوْ قَالَ لِسَيِّدِهِ: أَلَسْت قَدْ وَفَّيْتُك؟ فَقَالَ بَلَى فَقَالَ الْمُكَاتَبُ هَذَا آخِرُ نُجُومِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ السَّيِّدِ، فَإِنْ قَالَ لَمْ يُوَفِّنِي إلَّا دِرْهَمًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ - مَعَ يَمِينِهِ - وَقَوْلُ وَرَثَتِهِ إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ أَبَدًا حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ وَفَّاهُ جَمِيعَ كِتَابَتِهِ أَوْ كُلَّ كِتَابَتِهِ أَوْ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا فَيَلْزَمُهُ مَا أَثْبَتَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ وَإِنْ شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ اسْتَوْفَيْت آخِرَ كِتَابَتِك وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ فَالْقَوْلُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ قَوْلُ السَّيِّدِ فِي حَيَاتِهِ، وَوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ لَمْ تُثْبِتْهُ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ قَالَ: اسْتَوْفَيْت مِنْك آخِرَ كِتَابَتِك إنْ شَاءَ اللَّهُ أَوْ إنْ شَاءَ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ هَذَا اسْتِيفَاءً؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَثْنَى فِيهِ، وَلَوْ قَالَ: قَدْ اسْتَوْفَيْت آخِرَ كِتَابَتِك إنْ شِئْت لَمْ يَكُنْ اسْتِيفَاءً؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ

[الْمُكَاتَبُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُعْتِقُهُ أَحَدُهُمَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا كَاتَبَ الرَّجُلَانِ عَبْدًا لَهُمَا فَأَدَّى بَعْضَ نُجُومِهِ أَوْ لَمْ يُؤَدِّ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهُ فَنَصِيبُهُ مِنْهُ حُرٌّ كَمَا يَجُوزُ عِتْقُهُ أُمَّ وَلَدِهِ وَمُدَبَّرِهِ وَعَبْدَهُ الَّذِي لَا كِتَابَةَ لَهُ، فَإِنْ
(8/78)

كَانَ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبُ فَعَتَقَ كُلُّهُ كَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُعْتِقُهُ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَالنِّصْفُ الثَّانِي مُكَاتَبٌ بِحَالِهِ وَإِذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا بِأَدَاءِ قِيمَةِ نِصْفِهِ كَانَ الْمُكَاتَبُ حُرًّا وَكَانَ عَلَى الْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ نِصْفُ قِيمَتِهِ وَعِتْقُ الْآخَرِ بَاطِلٌ وَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتِقِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوسِرًا فَعِتْقُ الْآخَرِ جَائِزٌ وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا.

وَلَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَوَضَعَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَلَمْ يُعْتِقْهُ فَهُوَ كَعِتْقِهِ وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَكَذَلِكَ إذَا أَبْرَأَهُ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ وَإِنَّهُ إذَا أَعْتَقَ فَالْوَلَاءُ لَهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمُكَاتَبِ يُورَثُ

[مِيرَاثُ الْمُكَاتَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَنْكَحَ ابْنَةً لَهُ ثَيِّبًا بِرِضَاهَا مُكَاتَبَهُ أَوْ عَبْدَهُ، ثُمَّ كَاتَبَهُ كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا، فَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ وَابْنَتُهُ وَارِثَةٌ لَهُ فَسَدَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ مِنْ زَوْجِهَا شَيْئًا وَلَوْ مَاتَ وَلَيْسَتْ ابْنَتُهُ وَارِثَةً كَانَا عَلَى النِّكَاحِ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ فَنَصِيبُ الَّذِي أَعْتَقَهُ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي كَاتَبَهُ وَكَذَلِكَ إذَا أَبْرَأَهُ مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ فَنَصِيبُهُ حُرٌّ وَإِنْ عَجَزَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي رَقَبَتِهِ شَيْءٌ وَكَانَ نَصِيبُهُ حُرًّا بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ إيَّاهُ وَإِبْرَاءَهُ مِنْهُ عِتْقٌ لَا وَلَاءَ لَهُ بِهِ إنَّمَا الْوَلَاءُ لِلَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ تَقْوِيمِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْوَلَاءُ مَا لَمْ يَعْجِزْ فَيُعْتِقُهُ بَعْدَ الْعَجْزِ وَأُعْتِقُهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ رِقِّهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ رِقٌّ فَعَجَزَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ، وَلَوْ وَرِثَهُ وَآخَرُ فَأَعْتَقَاهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُمَا لَوْ كَانَا وَرِثَا مَالًا عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُمَا وَرِثَا رَقَبَتَهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمَا إذَا أَعْتَقَاهُ عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي عَقَدَ الْكِتَابَةَ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَمْنَعُك ذَلِكَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ وَلَمْ يَقُلْ عَنْ عَائِشَةَ وَذَلِكَ مُرْسَلٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: وَأَحْسِبُ حَدِيثَ نَافِعٍ أَثْبَتَهَا كُلَّهَا؛ لِأَنَّهُ مُسْنَدٌ وَأَنَّهُ أَشْبَهُ وَعَائِشَةُ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ كَانَتْ شَرَطَتْ لَهُمْ الْوَلَاءَ فَأَعْلَمَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا إنْ أَعْتَقَتْ فَالْوَلَاءُ لَهَا وَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ إنَّهَا شَرَطَتْ لَهُمْ الْوَلَاءَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَعَلَّ هِشَامًا أَوْ عُرْوَةَ حِينَ سَمِعَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ " لَا يَمْنَعُك ذَلِكَ " إنَّمَا رَأَى أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَشْرِطَ لَهُمْ الْوَلَاءَ فَلَمْ يَقِفْ مِنْ حِفْظِهِ عَلَى مَا وَقَفَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: فَالْأَحَادِيثُ الثَّلَاثَةُ مُتَّفِقَةٌ فِيمَا سِوَى هَذَا الْحَرْفِ الَّذِي قَدْ يَغْلَطُ فِيهِ مُنْتَهَى الْغَلَطِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، فَبِهَذَا نَأْخُذُ وَهُوَ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبَةِ إنْ لَمْ يَعْجِزُوا فَلَمَّا لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنْ لَا يُبَاعَ الْمُكَاتَبُ حَتَّى يَعْجِزَ أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ حَدِيثًا ثَابِتًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ عَرَفْت مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ عَلَى خِلَافِهِ فَكَانَ مَعْنَى الْحَدِيثِ غَيْرَ هَذَا وَهُوَ أَحْرَاهُمَا أَنْ يَكُونَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةً عَلَيْهِ هُوَ أَنَّ الْكِتَابَةَ شَرْطٌ لِلْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ فَمَتَى شَاءَ الْمُكَاتَبُ أَبْطَلَ الْكِتَابَةَ؛ لِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ لَهُ لَمْ نُخْرِجْهُ مِنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ وَلَا نُخْرِجُهُ إلَّا بِأَدَائِهَا وَهَذَا هُوَ أَوْلَى الْمَعْنَيَيْنِ بِهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِهِ أَقُولُ فَإِذَا رَضِيَتْ الْمُكَاتَبَةُ أَوْ الْمُكَاتَبُ إبْطَالَ الْكِتَابَةِ فَلَهَا وَلَهُ إبْطَالُهَا كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ إبْطَالُهُ وَكَمَا يُقَالُ لِلْعَبْدِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَتَرَكَ دُخُولَهَا وَيُقَالُ لَهُ: إنْ
(8/79)

تَكَلَّمْت بِكَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ فَتَرَك أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فَلَا يَعْتِقُ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ أَلَا تَرَى أَنَّ بَرِيرَةَ تَسْتَعِينُ فِي الْكِتَابَةِ وَتَعْرِضُ عَلَيْهَا عَائِشَةُ الشِّرَاءَ أَوْ الْعِتْقَ وَتَذْهَبُ بَرِيرَةُ إلَى أَهْلِهَا بِمَا عَرَضَتْ عَائِشَةُ وَتَرْجِعُ إلَى عَائِشَةَ بِمَا عَرَضَ أَهْلُهَا وَتَشْتَرِيهَا عَائِشَةُ فَتُعْتِقُهَا بِعِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكُلُّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ رِضَا بَرِيرَةَ بِتَرْكِ الْكِتَابَةِ أَوْ الْعَجْزِ فَمَتَى قَالَ الْمُكَاتَبُ قَدْ عَجَزْت أَوْ أَبْطَلْت الْكِتَابَةَ فَذَلِكَ إلَيْهِ عُلِمَ لَهُ مَالٌ أَوْ قُوَّةٌ عَلَى الْكِتَابَةِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ وَإِنْ قَالَ سَيِّدُهُ: لَا أَرْضَى بِعَجْزِهِ قِيلَ ذَلِكَ لَهُ وَإِلَيْهِ: دُونَك فَهُوَ لَك مَمْلُوكٌ فَخُذْ مَالَك حَيْثُ كَانَ وَاسْتَخْدِمْهُ وَأَجِّرْهُ فَخُذْ فَضْلَ قُوتِهِ وَحِرْفَتِهِ وَمَالِهِ خَيْرٌ مِنْ أَدَاءِ نُجُومِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَبْدَانِ أَوْ عَبِيدٌ فِي كِتَابَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَجَّزَ أَحَدُهُمْ نَفْسَهُ أَوْ رَضِيَ بِتَرْكِ الْكِتَابَةِ خَرَجَ مِنْهَا وَرُفِعَتْ عَمَّنْ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ حِصَّتُهُ كَمَا تُرْفَعُ لَوْ مَاتَ أَوْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَسَوَاءٌ عَجَّزَ الْمُكَاتَبُ نَفْسَهُ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ أَوْ قَبْلَهُ مَتَى عَجَّزَ نَفْسَهُ فَهُوَ عَاجِزٌ وَإِنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ وَأَبْطَلَ الْكِتَابَةَ، ثُمَّ قَالَ أَعُودُ عَلَى الْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إلَّا بِتَجْدِيدِ كِتَابَةٍ وَتَعْجِيزِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ سَيِّدِهِ وَفِي غَيْبَةِ سَيِّدِهِ سَوَاءٌ وَإِنْ عَجَّزَ نَفْسَهُ وَأَبْطَلَ الْكِتَابَةَ ثُمَّ أَدَّى إلَى سَيِّدِهِ فَعَتَقَ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ عَجَّزَ نَفْسَهُ أَوْ رَضِيَ بِفَسْخِ الْكِتَابَةِ كَانَ مَمْلُوكًا وَمَا أَخَذَ سَيِّدُهُ مِنْهُ حَلَالٌ لَهُ وَإِنْ أُحَبَّ أَنْ أُحَلِّفَ لَهُ سَيِّدَهُ مَا جَدَّدَ كِتَابَةً كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَدَفَعَ إلَى سَيِّدِهِ آخِرَ نُجُومِهِ وَقَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ وَلَا رِضَاهُ بِفَسْخِ الْكِتَابَةِ كَانَ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ وَعَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ وَيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ كُلِّهَا لَا نَحْسِبُ لَهُ مِمَّا أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ وَأَعْتَقَهُ بِسَبَبِ كِتَابَتِهِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ.

[عَجْزُ الْمُكَاتَبِ بِلَا رِضَاهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا رَضِيَ السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ بِالْمُكَاتَبَةِ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهَا حَتَّى يَعْجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ فَإِذَا عَجَزَ وَلَمْ يَقُلْ قَدْ فَسَخْت الْكِتَابَةَ فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا حَتَّى يَخْتَارَ السَّيِّدُ فَسْخَهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ دُونَ حَقِّ الْمُكَاتَبِ أَنْ لَا يَثْبُتَ عَلَى الْكِتَابَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُؤَدٍّ مَا عَلَيْهِ فِيهَا إلَّا أَنْ يَتْرُكَ السَّيِّدُ حَقَّهُ بِفَسْخِهَا فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُمَا مُجْتَمِعَانِ عَلَى الرِّضَا بِالْكِتَابَةِ فَمَتَى حَلَّ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ وَلَمْ يُؤَدِّهِ وَلَمْ يُبْطِلْ السَّيِّدُ الْكِتَابَةَ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فَإِنْ أَدَّى بَعْدَ حُلُولِ النَّجْمِ مِنْ مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ أَوْ طَوِيلَةٍ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ تَعْجِيزُهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ تَعْجِيزُهُ إلَّا وَنَجْمٌ أَوْ بَعْضٌ حَالٌّ عَلَيْهِ فَلَا يُؤَدِّيه وَإِذَا كَانَ الْمُكَاتَبُ حَاضِرًا بِالْبَلَدِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ تَعْجِيزُهُ إلَّا بِحَضْرَتِهِ فَإِذَا حَضَرَ فَسَأَلَهُ مَا حَلَّ عَلَيْهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَقَالَ لَيْسَ عِنْدِي فَأَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ عَجَّزَهُ أَوْ قَدْ أَبْطَلَ كِتَابَتَهُ أَوْ فَسَخَهَا فَقَدْ بَطَلَتْ وَلَوْ جَاءَ الْمُكَاتَبُ بِمَا عَلَيْهِ مَكَانَهُ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبًا وَكَانَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ مِنْهُ كَمَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ مَمْلُوكًا وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِذَا جَاءَ بِهِ السُّلْطَانُ فَسَأَلَهُ نَظْرَةَ مُدَّةٍ يُؤَدِّي إلَيْهِ نَجْمَهُ أَوْ سَأَلَ ذَلِكَ سَيِّدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى السَّيِّدِ وَلَا عَلَى السُّلْطَانِ إنْظَارُهُ إلَّا أَنْ يُحْضِرَ شَيْئًا يَبِيعُهُ مَكَانَهُ فَيُنْظِرَهُ قَدْرَ بَيْعِهِ.
فَإِنْ قَالَ لِي شَيْءٌ غَائِبٌ أُحْضِرُهُ لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُنْظِرَهُ إلَى قُدُومِ الْغَائِبِ لِأَنَّهُ قَدْ يُنْظِرُهُ فَيَفُوتُ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مَالَهُ وَلَيْسَ هَذَا كَالْحُرِّ يَسْأَلُ النَّظْرَةَ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ لَا سَبِيلَ عَلَى رَقَبَتِهِ وَهَذَا عَبْدٌ إنَّمَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ غَائِبًا فَحَلَّ نَجْمُهُ فَأَشْهَدَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ أَنَّهُ قَدْ عَجَّزَهُ أَوْ فَسَخَ كِتَابَتَهُ فَهُوَ عَاجِزٌ، فَإِنْ جَاءَ مِنْ غَيْبَتِهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ النَّجْمَ الَّذِي عَجَّزَهُ بِهِ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ أَوْ أَنْظَرَهُ بِهِ كَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ وَهَكَذَا لَوْ جَاءَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ
(8/80)

السُّلْطَانَ فَسَأَلَهُ تَعْجِيزَهُ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يُعَجِّزَهُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ عَلَى كِتَابَتِهِ وَحُلُولِ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ وَيُحَلِّفُهُ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ وَلَا قَبَضَهُ مِنْهُ وَلَا قَابَضَ لَهُ وَلَا أَنْظَرَهُ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ عَجَّزَهُ لَهُ وَجَعَلَ الْمُكَاتَبَ عَلَى حُجَّتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ حُجَّةٌ قَالَ: وَإِنْ جَاءَ إلَى السُّلْطَانِ فَقَالَ قَدْ أَنْظَرْته بِنَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ إلَى أَجَلٍ وَقَدْ مَضَى صَنَعَ فِيهِ مَا صَنَعَ فِي نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ حَلَّ قَالَ: وَإِنْ قَالَ: قَدْ أَنْظَرْته إلَى غَيْرِ أَجَلٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ فَبَدَا لِي أَنْ لَا أَنْظُرَهُ لَمْ يُعَجِّزْهُ وَكَتَبَ لَهُ إلَى حَاكِمِ بَلَدِهِ فَأَحْضَرَهُ وَأَعْلَمَهُ أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ رَجَعَ فِي نَظْرَتِهِ وَقَالَ إنْ أَدَّيْت إلَى وَكِيلِهِ أَوْ إلَيْهِ نَفْسِهِ وَإِلَّا أَبْطَلْت كِتَابَتَك وَبَعَثْت بِك إلَيْهِ.
فَإِنْ اسْتَنْظَرَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُنْظَرَ إنْ كَانَ لِسَيِّدِهِ وَكِيلٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ أَنْظَرَهُ قَدْرَ مَسِيرِهِ إلَى سَيِّدِهِ فَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا إنْ جَاءَ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ وَإِلَّا عَجَّزَهُ حَاكِمُ بَلَدِهِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُ مَكَانَهُ بِشَيْءٍ يَبِيعُهُ لَهُ مِنْ سَاعَتِهِ فَيُنْظِرُهُ قَدْرَ بَيْعِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِ ذَلِكَ، أَوْ يَأْتِيهِ بِغَرِيمٍ يَدْفَعُ إلَيْهِ مَكَانَهُ أَوْ يَبِيعُ عَلَى الْغَرِيمِ شَيْئًا حَاضِرًا أَيْضًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْغَرِيمِ شَيْءٌ حَاضِرٌ حَبَسَهُ لَهُ وَعَجَّزَهُ وَجَعَلَ مَا عَلَى الْغَرِيمِ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ عَبْدِهِ وَمَتَى قُلْت: لِلسَّيِّدِ تَعْجِيزُهُ أَوْ عَلَى السُّلْطَانِ تَعْجِيزُهُ فَعَجَّزَهُ السُّلْطَانُ أَوْ السَّيِّدُ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمَالَ لَمْ يُرَدَّ التَّعْجِيزُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ فِي قَوْلِك لِلسَّيِّدِ أَنْ يُعَجِّزَهُ دُونَ السُّلْطَانِ أَثَرٌ؟ قُلْت هُوَ مَعْقُولٌ بِمَا وَصَفْت (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَاتَبَ غُلَامَهُ لَهُ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: إنِّي قَدْ عَجَزْت فَقَالَ إذًا أَمْحُو كِتَابَتَك قَالَ: قَدْ عَجَزْت فَامْحُهَا أَنْتَ قَالَ نَافِعٌ فَأَشَرْت إلَيْهِ: اُمْحُهَا وَهُوَ يَطْمَعُ أَنْ يُعْتِقَهُ فَمَحَاهَا الْعَبْدُ وَلَهُ ابْنَانِ أَوْ ابْنٌ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَزِلْ جَارِيَتِي قَالَ: فَأَعْتَقَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَهُ بَعْدَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ قَالَ: شَهِدْت شُرَيْحًا رَدَّ مُكَاتَبًا عَجَزَ فِي الرِّقِّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يُعَجِّزُ السَّيِّدُ وَالسُّلْطَانُ الْمُكَاتَبَ فَإِذَا حَلَّ نَجْمُ الْمُكَاتَبِ فَسَأَلَهُ سَيِّدُهُ أَدَاءَهُ فَقَالَ قَدْ أَدَّيْته إلَيْك أَوْ أَدَّيْته إلَى وَكِيلِك أَوْ إلَى فُلَانٍ بِأَمْرِك فَأَنْكَرَ السَّيِّدُ لَمْ يُعَجِّلْ الْحَاكِمُ تَعْجِيزَهُ وَأَنْظَرَهُ يَوْمًا وَأَكْثَرُ مَا يُنْظِرُهُ ثَلَاثٌ، فَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ أَحْلَفَهُ مَعَهُ وَأَبْرَأَهُ مِمَّا شَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدُهُ وَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْحَاكِمُ لَمْ يُعَجِّلْ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ، فَإِنْ عَدَلَ أَحْلَفَهُ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ دَعَاهُ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ غَدِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَإِلَّا عَجَّزَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ بَيِّنَةً غَائِبَةً أَشْهَدَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَيِّنَةً غَائِبَةً وَأَنِّي قَدْ عَجَّزَتْهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ دَفْعِ نَجْمِهِ أَوْ إبْرَاءِ مَوْلَاهُ لَهُ مِنْهُ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا أَثْبَتَ كِتَابَتَهُ وَأَخَذَ سَيِّدَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْ خَرَاجِهِ وَقِيمَةِ خِدْمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا تَمَّ عَلَيْهِ التَّعْجِيزُ، وَإِنْ عَجَّزَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، ثُمَّ جَاءَتْ بَيِّنَةٌ بِإِبْرَائِهِ مِنْ ذَلِكَ النَّجْمِ وَهُوَ آخِرُ نُجُومِهِ وَمَاتَ الْمُكَاتَبُ جَعَلَ مَالَهُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ الْأَحْرَارِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ حُرًّا وَأَخَذَ السَّيِّدَ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ وَقِيمَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آخِرَ نُجُومِهِ فَقَدْ مَاتَ رَقِيقًا.

وَإِذَا عَجَّزَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ أَوْ السُّلْطَانُ فَقَالَ سَيِّدُهُ بَعْدَ التَّعْجِيزِ قَدْ أَقْرَرْتُك عَلَى الْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا حَتَّى يُجَدِّدَ لَهُ كِتَابَةً غَيْرَهَا، وَلَوْ تَأَدَّى مِنْهُ عَلَى الْكِتَابَةِ الْأُولَى وَقَالَ قَدْ أَثْبَتُّ لَك الْعِتْقَ عَتَقَ بِإِثْبَاتِ الْعِتْقِ وَتَرَاجَعَا بِقِيمَةِ الْمُكَاتَبِ كَمَا يَتَرَاجَعَانِ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَدْ أَثْبَتُّ لَك الْكِتَابَةَ الْأُولَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَثْبَتُّ لَك الْكِتَابَةَ الْأُولَى أَثْبَتُّ لَك الْعِتْقَ بِالْكِتَابَةِ الْأُولَى عَلَى الْأَدَاءِ وَلَوْ عَجَّزَهُ، ثُمَّ تَأَدَّى مِنْهُ كَمَا كَانَ يَتَأَدَّى وَلَمْ يَقُلْ قَدْ أَثْبَتّ لَك الْكِتَابَةَ لَمْ يَكُنْ حُرًّا بِالْأَدَاءِ وَكَانَ تَأْدِيَتُهُ كَالْخَرَاجِ يَأْخُذُهُ مِنْهُ.

وَإِذَا كَاتَبَ عَبِيدًا لَهُ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَعَجَزُوا كُلُّهُمْ عَنْ نَجْمٍ مِنْ النُّجُومِ فَلِسَيِّدِهِمْ أَنْ يُعَجِّزَ أَيَّهمْ شَاءَ وَيُنْظِرَ أَيَّهمْ شَاءَ فَيُقِرَّهُ عَلَى الْكِتَابَةِ وَيَأْخُذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا وَكَذَلِكَ إنْ أَدَّى بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُؤَدِّ بَعْضٌ فَمَنْ أَدَّى عَلَى الْكِتَابَةِ عَتَقَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَعْجِيزُهُ وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ وَهُمْ كَعَبِيدٍ كَاتَبُوا كِتَابَةً مُفَرَّقَةً فَعَجَزُوا فَلَهُ أَنْ يُعَجِّزَ أَيَّهمْ شَاءَ وَيُقِرَّ أَيَّهمْ شَاءَ عَلَى الْكِتَابَةِ وَلَيْسَ لَهُ تَعْجِيزُ مَنْ
(8/81)

يُؤَدِّي.

وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَنْ أَدَاءِ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ فَلَمْ يُعَجِّزْهُ سَيِّده وَأَنْظَرَهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ مَاتَ عَبْدًا وَلِسَيِّدِهِ مَالُهُ.

وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فَعَجَزَ عَنْ نَجْمٍ وَأَنْظَرَهُ السَّيِّدُ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِأَدَاءِ ذَلِكَ النَّجْمِ مَكَانَهُ، وَلَوْ أَنْظَرَهُ أَبُوهُمْ إلَى مُدَّةٍ فَلَمْ تَأْتِ أُخِذَ بِهِ حَالًّا كَمَا كَانَ لِأَبِيهِمْ أَنْ يَرْجِعَ فِي النَّظْرَةِ وَيَأْخُذَ بِهِ حَالًّا، فَإِنْ أَدَّاهُ وَإِلَّا فَلَهُمْ تَعْجِيزُهُ وَهُمْ يَقُومُونَ فِي تَعْجِيزِهِ مَقَامَ أَبِيهِمْ.

وَإِذَا وَرِثَ الْقَوْمُ مُكَاتَبًا فَعَجَزَ عَنْ نَجْمٍ فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ إنْظَارَهُ وَبَعْضُهُمْ تَعْجِيزَهُ كَانَ لِلَّذِي أَرَادَ تَعْجِيزَهُ تَعْجِيزُهُ، وَلِلَّذِي أَرَادَ إنْظَارَهُ إنْظَارُهُ، فَكَانَ نَصِيبُهُ مِنْهُ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدَيْهِ - يَوْمَ يُعَجِّزُهُ أَحَدُهُمْ - مَالٌ أَخَذَ مِنْهُ الَّذِي عَجَّزَهُ بِقَدْرِ مَا مَلَكَ مِنْهُ وَتَرَكَ لَهُ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ الَّذِي لَمْ يُعَجِّزْهُ وَقِيلَ لِلَّذِي عَجَّزَهُ لَك أَنْ تَأْخُذَهُ يَوْمًا بِقَدْرِ مَا تَمْلِكُ مِنْهُ فَتُؤَاجِرَهُ أَوْ تَخْتَدِمَهُ وَعَلَيْك أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَذَلِكَ لَوْ مَرِضَ كَانَ عَلَيْك أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَصِيبِك مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ كِتَابَتِهِ كَانَ صَحِيحًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ كَاتَبَهُ عَلَيْهِ فِي حِصَّتِهِ وَلَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي حِصَّتِهِ مَا لِلْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ وَلِلسَّيِّدِ عَلَى مُكَاتَبِهِ وَلَيْسَ هَذَا كَالْعَبْدِ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُرِيدُ أَحَدُهُمَا ابْتِدَاءَ كِتَابَتِهِ دُونَ صَاحِبِهِ أَصْلُ الْكِتَابَةِ فِي هَذَا بَاطِلٌ وَهِيَ فِي الْأَوَّلِ صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ كَاتَبَ رَجُلٌ عَبِيدًا كِتَابَةً وَاحِدَةً فَعَجَزُوا فَأَرَادَ تَعْجِيزَ بَعْضِهِمْ وَإِقْرَارَ بَعْضِهِمْ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَعَلَى كُلٍّ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ.

وَلَوْ كَاتَبَ رَجُلٌ عَبْدَهُ فَعَجَزَ فَقَالَ أُعَجِّزُ بَعْضَك وَأُقِرُّ بَعْضَك لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ بَعْضَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَأَدَّى عَلَى هَذَا عَتَقَ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ وَتَمَّ عِتْقُهُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَتَقَ نِصْفُهُ وَهُوَ مِلْكُهُ عَتَقَ كُلُّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَيْعُ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا نُجِيزُ بَيْعَ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ بِدَيْنٍ وَلَا بِنَقْدٍ وَلَا بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ مَتَى شَاءَ عَجَّزَ، فَإِنْ بِيعَتْ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ.

وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَى الْمُشْتَرِي كِتَابَتَهُ بِأَمْرِ السَّيِّدِ عَتَقَ كَمَا يُؤَدِّي إلَى وَكِيلِهِ فَيَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَبْرَأُ مِنْهَا بِأَمْرِ السَّيِّدِ فَمَتَى بَرِئَ مِنْهَا فَهُوَ حُرٌّ وَيَرُدُّ مُشْتَرِي الْكِتَابَةِ مَا أَخَذَ إنْ كَانَ قَائِمًا فِي يَدَيْهِ وَمِثْلَهُ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَوْ قِيمَتَهُ إنْ فَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ وَكَذَلِكَ يَرُدُّ الْبَائِعُ مَا أَخَذَ مِنْ ثَمَنِ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ.

[اسْتِحْقَاقُ الْكِتَابَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى عِوَضٍ أَوْ مَاشِيَةٍ بِصِفَةٍ أَوْ طَعَامٍ بِكَيْلٍ فَأَدَّى الْمُكَاتَبُ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ وَعَتَقَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ بَعْد مَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ فَإِنَّمَا مَاتَ رَقِيقًا وَلِلسَّيِّدِ أَخْذُ مَا كَانَ لَهُ وَمَا أَخَذَ وَرَثَتُهُ إنْ كَانُوا قَبَضُوهُ وَكَذَلِكَ لَوْ جُنِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَأَخَذَ أَرْشَ حُرٍّ رَجَعَ الَّذِينَ دَفَعُوا الْأَرْشَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ بِالْفَضْلِ مِنْ أَرْشِ عَبْدٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَاتَبَ عَلَى دَنَانِيرَ فَاسْتُحِقَّتْ بِأَعْيَانِهَا، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَاسْتُحِقَّ عَلَى الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ مِنْ صِنْفِ مَا أَدَّى وَعَلَى صِفَتِهِ كَانَ الْعِتْقُ مَاضِيًا وَاتُّبِعَ الْمُكَاتَبُ بِمَا اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدَيْ سَيِّدِهِ مَا أَخَذَ مِنْهُ، وَلَوْ اُسْتُحِقَّ مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ الْمُكَاتَبَ بَعْدَ مَا أَدَّاهُ وَهُوَ حَيٌّ أَخَذَهُ مَنْ اسْتَحَقَّهُ فَإِنْ كَانَتْ نُجُومُ الْمُكَاتَبِ كُلُّهَا قَدْ حَلَّتْ يَوْمَ اُسْتُحِقَّ مَا أَدَّى إلَى مَوْلَاهُ قِيلَ لِلْمُكَاتَبِ: إنْ أَدَّيْت جَمِيعَ كِتَابَتِك إلَى مَوْلَاك الْآنَ فَقَدْ عَتَقْت وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّهِ فَلَهُ تَعْجِيزُك، وَلَوْ اُسْتُحِقَّتْ وَالْمُكَاتَبُ غَائِبٌ وَلِلْمُكَاتَبِ مَالٌ أُوقِفَ مَالُهُ وَانْتُظِرَ كَمَا وَصَفْت فِي
(8/82)

الْمُكَاتَبِ تَحِلُّ نُجُومُهُ وَهُوَ غَائِبٌ، فَإِنْ أَدَّى وَإِلَّا فَلِسَيِّدِهِ تَعْجِيزُهُ وَمَتَى مَاتَ فِي غَيْبَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّي مَاتَ رَقِيقًا، وَهَكَذَا إذَا اُسْتُحِقَّ مَا أَدَّى مِنْ قِبَلِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنْ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ بِإِقْرَارٍ مِنْ سَيِّدِهِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَجَحَدَ الْمُكَاتَبُ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيْهِ السَّيِّدُ أَوْ إخْرَاجٍ لَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِحَالٍ فَالْمُكَاتَبُ حُرٌّ وَهَذَا إتْلَافٌ مِنْ سَيِّدِهِ لِمَالِهِ وَلَوْ اُسْتُحِقَّ مَا أَدَّى إلَى سَيِّدِهِ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَقَدْ أَتْلَفَهُ السَّيِّدُ كَانَ هَكَذَا، وَكَانَ لِلَّذِي اسْتَحَقَّهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى السَّيِّدِ إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَهُ، أَوْ عَلَى الْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ سَلَّطَ السَّيِّدَ عَلَى إتْلَافِهِ.

وَلَوْ شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى السَّيِّدِ حِينَ دَفَعَ الْمُكَاتَبُ إلَيْهِ كِتَابَتَهُ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ أَنَّهُ قَالَ لِلْمُكَاتَبِ: أَنْتَ حُرٌّ فَقَالَ السَّيِّدُ إنَّمَا قُلْت: أَنْتَ حُرٌّ بِأَنَّك قَدْ أَدَّيْت مَا عَلَيْك أُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا أَرَادَ إحْدَاثَ عِتْقٍ لَهُ عَلَى غَيْرِ الْكِتَابَةِ وَكَانَ مَمْلُوكًا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ وَقَبْلَ اسْتِحْقَاقِ الْمَتَاعِ أَنَّهُ قَالَ هَذَا حُرٌّ أَوْ قَدْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ، فَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ مَا أَدَّى إلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ أَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ كَانَ حُرًّا وَكَانَ هَذَا إحْدَاثَ عِتْقٍ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّي الْكِتَابَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ قَالَ هَذَا حُرٌّ حِينَ يُؤَدِّي الْكِتَابَةَ أَوْ بَعْدُ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذَا اُسْتُحِقَّتْ؟ قِيلَ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ حُرٌّ فِي الظَّاهِرِ وَأَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِأَنَّهُ حُرٌّ وَأَنَّ قَوْلَ السَّيِّدِ: أَنْتَ حُرٌّ، وَتَرْكُهُ سَوَاءٌ فَإِذَا قَالَ لَهُ: هَذَا حُرٌّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ، ثُمَّ بَطَلَ الْأَدَاءُ بَطَلَ الْعِتْقُ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ الَّذِي بِالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ هَذَا كَالْعَبْدِ يُكَاتِبُهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ مَيْتَةٍ فَيُؤَدِّيهِ إلَيْهِ فَيَعْتِقُ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ السَّيِّدُ بِقِيمَتِهِ هَذَا قَدْ سَلَّمَ لِلسَّيِّدِ وَلَمْ يَسْتَحِقَّهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ بِمِلْكٍ لَهُ دُونَهُ غَيْرَ أَنَّ حَرَامًا عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَمْلِكَهُ فَأَفْسَدْنَا الْكِتَابَةَ وَأَوْقَعْنَا الْعِتْقَ بِرِضَا السَّيِّدِ بِالْعِتْقِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَغُرَّهُ الْعَبْدُ مِنْهُ.

وَلَوْ اسْتَحَقَّ الْخَمْرَ أَحَدٌ بِمِلْكٍ عَلَى السَّيِّدِ لِمَ يَعْتِقْ الْعَبْدُ فِي الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهُ إلَّا عَلَى أَنْ يَمْلِكَ عَلَيْهِ فَلَمَّا عَتَقَ رَجَعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِقِيمَتِهِ.

وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ قَتَلْتَ فُلَانًا أَوْ ضَرَبْت فُلَانًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَقَتَلَ فُلَانًا، أَوْ ضَرَبَ فُلَانًا كَانَ حُرًّا وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ السَّيِّدُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتِقْهُ عَلَى شَيْءٍ يُمْلَكُ عَلَيْهِ فَكَانَ كَمَنْ ابْتَدَأَ عِتْقَ عَبْدِهِ، وَإِنْ كَانَ أَمَرَهُ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ لِمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ قَتْلُهُ وَلَا ضَرْبُهُ.

وَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَى سَيِّدِهِ مَا كَاتَبَهُ عَلَيْهِ فَأَعْتَقَهُ الْقَاضِي، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ رَدَّ الْقَاضِي عِتْقَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْتَقَهُ عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا يَقْضِي لِلرَّجُلِ بِالدَّارِ يَشْتَرِيهَا الرَّجُلُ بِالْعَبْدِ فَإِذَا اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ رَدَّ الدَّارَ إلَى مَالِكِهَا بِالْمِلْكِ الْأَوَّلِ.

وَلَوْ قَالَ لَهُ سَيِّدُهُ - عِنْدَ قَبْضِهِ مِنْهُ مَا كَاتَبَهُ عَلَيْهِ -: أَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ رُدَّ الْعَبْدُ رَقِيقًا وَأُحْلِفَ السَّيِّدُ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ إحْدَاثَ عِتْقٍ لَهُ عَلَى غَيْرِ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتَ حُرٌّ كَصَمْتِهِ هُوَ حُرٌّ فِي الْحُكْمِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ حَتَّى تُسْتَحَقَّ الْكِتَابَةُ.

وَلَوْ قَالَ سَيِّدُهُ أَنْتَ حُرٌّ عِنْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ مَاتَ فَاسْتُحِقَّ مَا أَدَّى رُدَّ رَقِيقًا وَحَلَفَ وَرَثَتُهُ مَا عَلِمُوهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ إحْدَاثَ عِتْقٍ لَهُ عَلَى غَيْرِ كِتَابَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِغُلَامِهِ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ عَبْدًا يَصِفُهُ فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَدَّى ذَلِكَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ رُدَّ رَقِيقًا، وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدَ أَدَائِهِ أَنْتَ حُرٌّ كَانَ كَمَا وَصَفْت فِي الْمُكَاتَبِ.

وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ أَعْطَيْتنِي هَذَا الْعَبْدَ وَهَذَا الثَّوْبَ فَأَعْطَاهُ مَا قَالَ فَعَتَقَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ رُدَّ رَقِيقًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ إنْ أَعْطَيْتنِي هَذَا الْعَبْدَ وَهَذَا الثَّوْبَ فَصَحَّ لِي مِلْكُهُ كَقَوْلِهِ لِلْمُكَاتَبِ إنْ أَدَّيْت إلَيَّ كَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِغُلَامِهِ إنْ زَوَّجْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَزَوَّجَهُ تَزْوِيجًا فَاسِدًا أَوْ قَالَ إنْ بِعْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ بِعْت فُلَانًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَاعَهُ أَوْ بَاعَ فُلَانًا بَيْعًا فَاسِدًا لَمْ يَكُنْ حُرًّا؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذَا هُوَ عَلَى الصِّحَّةِ.

وَلَوْ قَالَ لَهُ: إنْ ضَرَبْت فُلَانًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَضَرَبَهُ كَانَ حُرًّا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعِتْقٍ عَلَى شَيْءٍ يَمْلِكُهُ.

وَلَوْ قَالَ إنْ ضَرَبْت فُلَانًا فَأَنْتَ حُرٌّ فَضَرَبَ فُلَانًا بَعْدَ مَا مَاتَ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْأَحْيَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّ حَدًّا لَوْ وَقَعَ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَضْرِبَهُ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْأَحْيَاءِ.

وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَلَى شَيْئَيْنِ فِي نَجْمَيْنِ فَأَدَّاهُمَا فَعَتَقَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا رُدَّ رَقِيقًا
(8/83)

فَإِنْ كَانَا قَدْ حَلَّا قِيلَ إنْ أَدَّيْت مَكَانَك فَأَنْتَ حُرٌّ وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّهِ فَلِسَيِّدِك تَعْجِيزُك وَهَكَذَا لَوْ كَاتَبَ عَلَى أَشْيَاءَ فَأَدَّى بَعْضَهَا فَاسْتُحِقَّ مِنْهَا شَيْءٌ وَهَكَذَا لَوْ كَاتَبَ عَلَى دَنَانِيرَ وَازِنَةٍ فَأَدَّى نَقْصًا لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِمَا شُرِطَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا لَوْ كَاتَبَ عَلَى عَبِيدٍ فَأَدَّاهُمْ مَعِيبِينَ أَوْ بَعْضَهُمْ مَعِيبًا وَعَتَقَ، ثُمَّ عَلِمَ سَيِّدُهُ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ رَدُّ الْمَعِيبِ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ اخْتَارَ رَدَّهُ رَدَّ الْعِتْقَ وَإِنْ اخْتَارَ حَبْسَهُ تَمَّ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهَا كَالْبَيْعِ فَمَا كَانَ يَكُونُ لِمَنْ دَلَّسَ لَهُ بِعَيْبٍ رَدُّ الْمَعِيبِ وَنَقْضُ الْبَيْعِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ.

وَلَوْ كَاتَبَهُ عَلَى عَبْدَيْنِ فَأَدَّاهُمَا مَعِيبَيْنِ فَمَاتَا فِي يَدِهِ أَوْ أَعْتَقَهُمَا، ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُمَا عَلَى عَيْبٍ دَلَّسَهُ لَهُ الْمُكَاتَبُ عَلِمَ بِهِ الْمُكَاتَبُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قِيلَ لِلْمُكَاتَبِ إنْ أَدَّيْت قِيمَةَ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ صَحِيحًا وَمَعِيبًا عَتَقْت وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّهِ فَلِسَيِّدِك تَعْجِيزُك لِأَنَّك لَمْ تُؤَدِّ مَا كُوتِبْت عَلَيْهِ بِكَمَالِهِ كَمَا لَوْ أَدَّيْت إلَيْهِ دَنَانِيرَ نَقْصًا لَمْ تَعْتِقْ إلَّا بِأَنْ تُؤَدِّيَهَا وَازِنَةً أَوْ تُعْطِيَهُ نُقْصَانَهَا وَهَذَا هَكَذَا فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْعَرُوضِ كُلُّهَا يُكَاتِبُ عَلَيْهَا لَا يَخْتَلِفُ

[الْوَصِيَّةُ بِالْمُكَاتَبِ نَفْسِهِ]
ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِمُكَاتَبَةٍ لِرَجُلٍ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِحَالٍ مَا كَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ.

(قَالَ) : وَإِنْ قَالَ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ مَتَى مِتُّ فَفُلَانٌ لِمُكَاتَبِهِ لِفُلَانٍ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً، وَلَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَهُ لَمْ تَكُنْ الْوَصِيَّةُ جَائِزَةً؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ إخْرَاجَهُ إلَى مِلْكِ الْمُوصَى لَهُ بِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: مَتَى مِتُّ فَفُلَانٌ لِعَبْدٍ لَيْسَ لَهُ لِفُلَانٍ فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى مَلَكَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَتَّى يُحْدِثَ لَهُ بَعْدَ مِلْكِهِ وَعَجْزُ الْمُكَاتَبِ وَصِيَّةٌ بِهِ.

وَلَوْ وَهَبَ مُكَاتَبَةُ لِرَجُلٍ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ كَانَتْ الْهِبَةُ بَاطِلَةً وَلَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فِي يَدَيْ الَّذِي قَبَضَهُ كَانَتْ الْهِبَةُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّهُ وَهَبَهُ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ هِبَتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ إيَّاهُ وَرَضِيَ بِالْعَجْزِ فَعَجَّزَهُ وَلَكِنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِكِتَابَتِهِ لِرَجُلٍ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ مَا كَانَ مُكَاتَبًا وَكَانَ لَهُ إذَا حَمَلَهَا الثُّلُثُ أَنْ يتأداها كُلَّهَا وَالْمُكَاتَبُ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ.

وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِكِتَابَةِ مُكَاتَبِهِ فَعَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَهُوَ رَقِيقٌ لِوَرَثَتِهِ وَقَدْ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ.

وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ مَالِي عَلَى مُكَاتَبِي لِفُلَانٍ عَجْزٌ فَهُوَ لَهُ أَوْ هُوَ لِفُلَانٍ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ جَائِزَةً عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ فَمَا كَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ فَكِتَابَتُهُ لِلَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهَا وَإِذَا عَجَزَ فَهُوَ لِلَّذِي أَوْصَى لَهُ بِرَقَبَتِهِ كَانَ الْمُوصَى لَهُ بِكِتَابَتِهِ أَوْ غَيْرَهُ.

وَإِذَا أَوْصَى بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ فَحَلَّ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِهِ فَعَجَزَ عَنْهُ فَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ بِكِتَابَتِهِ أَنْ لَا يُعَجِّزَهُ وَيُؤَخِّرَهُ بِنَجْمِهِ ذَلِكَ وَأَرَادَ الْوَرَثَةُ تَعْجِيزَهُ فَذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ تَصِيرُ لَهُمْ، وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِكِتَابَةِ مُكَاتَبِهِ لِرَجُلٍ وَرَقَبَتِهِ لِآخَرَ إنْ عَجَزَ كَانَ لِلَّذِي أَوْصَى لَهُ بِرَقَبَتِهِ إنْ عَجَزَ أَنْ يُعَجِّزَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ رَقَبَتَهُ.

وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنَّ كِتَابَةَ مُكَاتَبِهِ لِرَجُلٍ إنْ عَجَّلَ نُجُومَهُ قَبْلَ مَحِلِّهَا، فَإِنْ عَجَّلَ نُجُومَهُ قَبْلَ مَحِلِّهَا فَكَاتَبَهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُجْبَرْ الْمُكَاتَبُ عَلَى تَعْجِيلِهَا وَلَمْ يُعَجَّزْ بِأَنْ لَا يُعَجِّلَهَا وَبَطَلَتْ وَصِيَّةُ الْمُوصَى لَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ بِمَعْنًى فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ.

وَلَوْ قَالَ: كُلُّ نَجْمٍ مِنْ كِتَابَةِ مُكَاتَبِي عَجَّلَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ لِفُلَانٍ كَانَ كَمَا قَالَ وَأَيُّ نَجْمٍ عَجَّلَهُ فَهُوَ لِفُلَانٍ وَأَيُّ نَجْمٍ لَمْ يُعَجِّلْهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ صَحِيحَةً.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا كَاتَبَ عَبْدَهُ كِتَابَةً فَاسِدَةً، ثُمَّ أَوْصَى بِكِتَابَةِ عَبْدِهِ لِرَجُلٍ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّهُ لَا كِتَابَةَ عَلَى عَبْدِهِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَوْصَى بِرَقَبَتِهِ لِرَجُلٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ بَاطِلَةٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَيْسَ بِمُكَاتَبٍ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ فَاسِدَةٌ وَأَمَّا إذَا أَوْصَى بِهِ وَهُوَ يَرَاهُ مُكَاتَبًا فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا، ثُمَّ أُوصَى بِهِ لِرَجُلٍ
(8/84)

كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى بِهِ وَهُوَ يَرَاهُ لِغَيْرِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ فِي الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَاتَبٍ، وَلَا خَارِجًا مِنْ مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ (قَالَ الرَّبِيعُ) الْقَوْلُ الثَّانِي عِنْدِي هُوَ الَّذِي يَقُولُ بِهِ

[الْوَصِيَّةُ لِلْمُكَاتَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ بِعِتْقِهِ عَتَقَ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ كَأَنَّ قِيمَتَهُ كَانَتْ أَلْفًا وَاَلَّذِي بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ خَمْسُمِائَةٍ فَأُعْتِقَ بِخَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِ فَقَدْ وَضَعَ كِتَابَتَهُ وَإِذَا أَوْصَى فَوَضَعَ كِتَابَتَهُ فَقَدْ عَتَقَ كَأَنَّهُ كَانَ قِيمَتُهُ أَلْفًا وَبَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ أَلْفَانِ فَيَعْتِقُ بِالْأَلْفِ وَإِذَا عَتَقَ سَقَطَتْ كِتَابَتُهُ، فَإِنْ قَالَ ضَعُوا عَنْهُ كِتَابَتَهُ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِكِتَابَتِهِ فَهِيَ كَوَصِيَّتِهِ بِعِتْقِهِ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ إذَا وُضِعَتْ عَنْهُ فَيَعْتِقُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْكِتَابَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْكِتَابَةُ دَيْنًا أَوْ حَالَّةً تُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ حَالَّةً.

وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِنَجْمٍ مِنْ كِتَابَتِهِ كَانَ ذَلِكَ لِلْوَرَثَةِ يُعْطُونَهُ أَيَّ نَجْمٍ شَاءُوا مُتَأَخِّرًا أَوْ مُتَقَدِّمًا وَإِنْ كَانَتْ نُجُومُهُ مُخْتَلِفَةً فَأَقَلُّهَا إنْ شَاءُوا، فَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَيَّ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ شِئْتُمْ فَهَكَذَا وَإِنْ قَالَ ضَعُوا عَنْهُ أَيَّ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ شَاءَ هُوَ فَذَلِكَ إلَى الْمُكَاتَبِ فَأَيُّ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ شَاءَ وُضِعَ عَنْهُ مِنْ الثُّلُثِ مُتَقَدِّمًا كَانَ أَوْ مُتَأَخِّرًا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ نُجُومٌ مُخْتَلِفَةٌ فَقَالَ ضَعُوا عَنْهُ أَوْسَطَ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ فَأَوْسَطُ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ يَحْتَمِلُ أَوْسَطَهَا فِي الْعَدَدِ وَأَوْسَطَهَا فِي الْأَجَلِ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِظَاهِرِهَا مِنْ الْآخَرِ فَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ ضَعُوا أَوْسَطَ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ إنْ شِئْتُمْ فَأَوْسَطَهَا فِي الْعَدَدِ وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَوْسَطَهَا فِي الْأَجَلِ، فَإِنْ ادَّعَى الْمُكَاتَبُ أَنَّ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ غَيْرُ الَّذِي وَضَعَ عَنْهُ أُحْلِفَ الْوَرَثَةُ مَا يَعْلَمُونَ مَا قَالَ وَوَضَعُوا عَنْهُ الْأَوْسَطَ مِنْ أَيُّهَا شَاءُوا وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَكَانَتْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ نُجُومٍ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا أَقَلُّ قِيلَ لَكُمْ أَنْ تَضَعُوا الْأَوْسَطَ مِنْ الْعَدَدِ أَوْ الْمَالِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ وَضْعَ الْأَوْسَطِ مِنْ الْآجَالِ فَضَعُوهُ وَهُوَ الثَّانِي الَّذِي قَبْلَهُ وَاحِدٌ وَبَعْدَهُ وَاحِدٌ، وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَنْجُمٍ فَأَرَادُوا وَضْعَ الْأَوْسَطِ مِنْ النُّجُومِ الْمُؤَجَّلَةِ وَضَعُوا عَنْهُ أَيَّ النَّجْمَيْنِ شَاءُوا الثَّانِيَ أَوْ الثَّالِثَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ أَوْلَى بِاسْمِ الْأَوْسَطِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَوْ كَانَتْ خَمْسَةً كَانَ لَهَا أَوْسَطُ وَهُوَ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ قَبْلَهُ نَجْمَيْنِ وَبَعْدَهُ نَجْمَيْنِ إذَا كَانَتْ نُجُومُهُ وِتْرًا فَلَهَا أَوْسَطُ نَجْمٍ وَاحِدٌ وَإِذَا كَانَتْ شَفْعًا فَلَهَا أَوْسَطَانِ، فَإِنْ كَانَتْ نُجُومُهُ مُخْتَلِفَةً عَدَدَ الْمَالِ فَكَانَ مِنْهَا عَشْرَةٌ وَمِنْهَا مِائَةٌ وَمِنْهَا ثَلَاثَةٌ فَقَالَ ضَعُوا عَنْهُ نَجْمًا مِنْ نُجُومِهِ وَضَعُوا عَنْهُ أَيَّهَا شَاءُوا، فَإِنْ قَالَ ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ نُجُومِهِ أَوْ أَقَلَّ نُجُومِهِ وَضَعُوا عَنْهُ مَا أَوْصَى بِهِ وَلَا يَحْتَمِلُ هَذَا إلَّا الْعَدَدَ فَيُوضَعُ عَنْهُ - إذَا قَالَ: أَكْثَرَ - أَكْثَرُهَا عَدَدًا، - وَإِذَا قَالَ أَقَلَّ - أَقَلُّهَا عَدَدًا.

وَإِذَا قَالَ أَوْسَطَ احْتَمَلَ مَوْضِعَ الْمَالِ وَمَوْضِعَ الْوَسَطِ وَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَوْسَطَ نُجُومِهِ مِنْ عَدَدِ الْمَالِ وَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَنْجُمٍ وُضِعَ عَنْهُ الْأَوْسَطُ الَّذِي لَا أَقَلُّهَا وَلَا أَكْثَرُهَا وَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَةً وَاحِدٌ عَشْرٌ وَوَاحِدٌ عِشْرُونَ وَوَاحِدٌ ثَلَاثُونَ وَوَاحِدٌ أَرْبَعُونَ فَقَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَوْسَطَ نُجُومِهِ عَدَدًا وَضَعُوا عَنْهُ إنْ شَاءُوا الْعِشْرِينَ وَإِنْ شَاءُوا الثَّلَاثِينَ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِاسْمِ الْأَوْسَطِ مِنْ الْآخَرِ فَعَلَى هَذَا هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ.

وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ ثُلُثَ كِتَابَتِهِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا عَنْهُ ثُلُثَ كِتَابَتِهِ فِي الْعَدَدِ إنْ شَاءُوا الْمُؤَخَّرَ مِنْهَا وَإِنْ شَاءُوا مَا قَبْلَهُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ نِصْفَهَا أَوْ رُبْعَهَا أَوْ عَشَرَةً مِنْهَا.

وَلَوْ أَوْصَى لِمُكَاتَبِهِ بِمَا وَصَفْت مِنْ نَجْمٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُكَاتَبُ الْوَصِيَّةَ كَانَ ذَلِكَ لِلْمُكَاتَبِ.

وَإِذَا أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ يُوضَعُ عَنْهُ فَعَجَزَ فَقَدْ صَارَ رَقِيقًا.

وَلَوْ أَوْصَى لِمُكَاتَبٍ بِمَالٍ بِعَيْنِهِ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ
(8/85)

أَنْ يَقْبِضَ الْوَصِيَّةَ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ لِعَبْدِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِلْكٌ لِوَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ فِيهِ.

وَلَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ مُكَاتَبِي فَبِيعُوهُ فَشَاءَ مُكَاتَبُهُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْكِتَابَةَ بِيعَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يُبَعْ.

وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ إنْ عَجَزَ مُكَاتَبِي فَهُوَ حُرٌّ فَقَالَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ حُلُولِ النَّجْمِ قَدْ عَجَزْت لَمْ يَكُنْ حُرًّا وَإِذَا حَلَّ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِهِ فَقَالَ قَدْ عَجَزْت وَقَالَ الْوَرَثَةُ لَيْسَ بِعَاجِزٍ طَلَبُوا مَالَهُ، فَإِنْ وَجَدُوا وَفَاءً بِنَجْمِهِ لَمْ يَكُنْ عَاجِزًا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ وَفَاءٌ أُحْلِفَ مَا يَجِدُ لَهُمْ وَفَاءً وَكَانَ عَاجِزًا.

وَإِذَا قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: إنْ شَاءَ مُكَاتَبِي فَبِيعُوهُ فَلَمْ يَعْجِزْ حَتَّى قَالَ: قَدْ شِئْت أَنْ تَبِيعُونِي قِيلَ لَا تُبَاعُ إلَّا بِرِضَاك بِالْعَجْزِ، فَإِنْ قَالَ: قَدْ رَضِيت بِهِ بِيعَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَا كَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ.

وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ ضَعُوا عَنْ مُكَاتَبِي بَعْضَ كِتَابَتِهِ أَوْ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ وَضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءُوا مِنْ كِتَابَتِهِ وَإِنْ قَلَّ وَلَهُمْ أَنْ يَضَعُوا ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ نُجُومِهِ وَأَوَّلِهَا كَمَا لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِشَيْءٍ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ حَالٍّ وَآجِلٍ وَضَعُوا عَنْهُ إنْ شَاءُوا مِنْ الْحَالِّ وَإِنْ شَاءُوا مِنْ الْآجِلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ وَدَيْنٌ مِنْ الدَّيْنِ.

وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ نَجْمًا مِنْ نُجُومِهِ أَوْ بَعْضَ نُجُومِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَضَعُوا عَنْهُ نَجْمًا وَذَلِكَ لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا أَيَّ نَجْمٍ شَاءُوا، وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مِنْ بَعْضِ نُجُومِهِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءُوا لِأَنَّ بَيِّنًا فِي قَوْلِهِ أَنْ يَضَعُوا عَنْهُ نَجْمًا أَنَّهُ وُضِعَ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهُ، فَإِنْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُ مِنْ كِتَابَتِهِ أَوْ ضَعُوا عَنْهُ جُزْءًا مِنْ كِتَابَتِهِ أَوْ ضَعُوا عَنْهُ كَثِيرًا مِنْ كِتَابَتِهِ، أَوْ قَلِيلًا مِنْ كِتَابَتِهِ أَوْ ذَا مَالٍ مِنْ كِتَابَتِهِ، أَوْ غَيْرَ ذِي مَالٍ مِنْ كِتَابَتِهِ كَانَ إلَيْهِمْ أَنْ يَضَعُوا مَا شَاءُوا؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ يُخَفِّفُ عَنْهُ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَكَذَلِكَ يُثْقِلُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ فِي كِتَابَتِهِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ كَثِيرًا وَقَلِيلًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ ضَعُوا عَنْهُ الْمِائَةَ الْبَاقِيَةَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ وَزِيَادَةً وُضِعَتْ الْمِائَةُ وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ وَزِيَادَةً شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَضَعُ عَنْهُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ.

وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ وَضَعُوا عَنْهُ النِّصْفَ وَزِيَادَةً مَا شَاءُوا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْثَرُ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ.

وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ وَمِثْلَ نِصْفِهِ وَضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ بِمَا شَاءُوا وَمِثْلَ نِصْفِ الَّذِي وَضَعُوا عَنْهُ، وَهَكَذَا إنْ قَالَ: وَمِثْلَ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ وُضِعَ عَنْهُ مَا قَالَ.

وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ أَكْثَرَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ وَمِثْلَهُ مَعَهُ وُضِعَتْ عَنْهُ الْكِتَابَةُ كُلُّهَا وَالْفَضْلُ عَنْ الْكِتَابَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ.

وَلَوْ قَالَ: ضَعُوا عَنْهُ مَا شَاءَ مِنْ كِتَابَتِهِ فَقَالَ: قَدْ شِئْت أَنْ يَضَعُوهَا كُلَّهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَعْقُولًا أَنَّ مَا يُوضَعُ مِنْ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ إلَّا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الشَّيْءِ الْمَوْضُوعِ مِنْهُ شَيْءٌ وَيُوضَعُ عَنْهُ كُلُّ مَا قَالَ إذَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْكِتَابَةِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْكِتَابَةِ.

[الْوَصِيَّةُ لِلْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدٌ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ حَاصَّ أَهْلُ الْوَصَايَا بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ نَقْدًا وَكُوتِبَ عَلَى كِتَابَةِ مِثْلِهِ لَا تُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَا وَصِيَّةَ لَمْ تُجْبَرْ الْوَرَثَةُ عَلَى كِتَابَتِهِ وَقِيلَ إنْ شِئْت كَاتَبْنَا فِي ثُلُثِك وَإِنْ شِئْت لَمْ تُكَاتِبْ فَإِنْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يُكَاتِبَ ثُلُثَهُ فَهُوَ رَقِيقٌ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُكَاتِبَ ثُلُثَهُ كُوتِبَ عَلَى مَا يُكَاتَبُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ لَا يُنْقَصُ مِنْ ذَلِكَ وَمَتَى عَتَقَ فَثُلُثُ وَلَائِهِ لِسَيِّدِهِ الَّذِي أَوْصَى بِكِتَابَتِهِ وَثُلُثَاهُ رَقِيقٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا
(8/86)

فَقَالَ أَنَا أُعَجِّلُ ثُلُثَيْ قِيمَتِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ رَجُلٌ لَهُ مَالًا كَانَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ: إنْ شِئْتُمْ عَجَّلْتُكُمْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ وَلَا يُعْتِقُوهُ عَاجِلًا وَلَا يُخْرِجُوا ثُلُثَيْهِ مِنْ أَيْدِيهِمْ بِكِتَابَةٍ وَثُلُثُهُ لَا يَحْتَمِلُهُ.

وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُكَاتَبَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً.

وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُكَاتَبَ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَقَالَ كَاتِبُوهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَهُوَ لَا يَسْوَى عَشَرَةً وَلَا يُكَاتَبُ مِثْلُهُ عَلَى خَمْسِينَ قِيلَ إنْ رَضِيت بِالْكِتَابَةِ الَّتِي أَوْصَى أَنْ تُكَاتَبَ بِهَا كُوتِبْت وَإِنْ لَمْ تَرْضَ أَوْ عَجَزْت فَأَنْتَ رَقِيقٌ.

وَإِذَا خُيِّرَ فِي الْكِتَابَةِ فَاخْتَارَ تَرْكَهَا، ثُمَّ سَأَلَ أَنْ يُكَاتَبَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَهَا كَمَا إذَا رَدَّ الرَّجُلُ الْوَصِيَّةَ يُوصَى لَهُ بِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَأْخُذَهَا.

وَلَوْ قَالَ كَاتِبُوا عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي كَانَ لَهُمْ أَنْ يُكَاتِبُوا أَيَّ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ شَاءُوا وَيُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُكَاتِبُوا أَمَةً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: كَاتِبُوا أَحَدَ عَبِيدِي، فَإِنْ قَالَ: كَاتِبُوا أَحَدَ رَقِيقِي كَانَ لَهُمْ أَنْ يُكَاتِبُوا عَبْدًا أَوْ أَمَةً إنْ شَاءُوا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِأَوْلَى بِاسْمِ الرَّقِيقِ مِنْ الْأَمَةِ.

وَلَوْ قَالَ: كَاتِبُوا إحْدَى إمَائِي لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُكَاتِبُوا عَبْدًا وَلَا خُنْثَى فِي هَذَا الْوَجْهِ وَلَا إنْ أَوْصَى أَنْ يُكَاتَبَ أَحَدُ رَقِيقِهِ إذَا كَانَ مُشْكِلًا

[الْكِتَابَةُ فِي الْمَرَضِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ فِي الْمَرَضِ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى شَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ جَازَ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ جَازَ وَعِتْقُهُ عِتْقُ بَتَاتٍ أَكْثَرُ مِنْ كِتَابَتِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَكِتَابَتُهُ مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ أَفَادَ السَّيِّدُ مَالًا يَخْرُجُ بِهِ الْمُكَاتَبُ مِنْ الثُّلُثِ جَازَتْ الْكِتَابَةُ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ لَمْ يَفْدِ مَالًا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الثُّلُثِ وَكَاتَبَهُ عَلَى كِتَابَةِ مِثْلِهِ لَمْ تَجُزْ الْكِتَابَةُ فِي الثُّلُثَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بَيْعَ بَتَاتٍ وَجَازَتْ فِي الثُّلُثِ وَهَكَذَا إذَا كَانَتْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ كِتَابَةِ مِثْلِهِ بَطَلَتْ فِي الثُّلُثَيْنِ وَكَانَتْ جَائِزَةً فِي الثُّلُثِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا وَصِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، فَإِنْ كَانَتْ مَعَهُ وَصَايَا حَاصَّ أَهْلَ الْوَصَايَا وَلَمْ يَبْدَأْ عَلَيْهِمْ.

[إفْلَاسُ سَيِّدِ الْعَبْدِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ ثُمَّ أَفْلَسَ لَمْ تَنْتَقِضْ الْكِتَابَةُ وَكَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَخْذُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ عِنْدَ مَحِلِّهِ، وَلَوْ عَجَّلَ الْمُكَاتَبُ مَا عَلَيْهِ قَبْلَ مَحِلِّهِ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ وَكَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَخْذُهُ مِنْهُ، وَلَوْ أَدَّاهُ إلَى سَيِّدِهِ عَتَقَ بِهِ وَكَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَخْذُهُ مِنْهُ، فَإِنْ فَاتَ فَهُوَ كَمَا فَاتَ مِنْ مَالِهِ وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ لَهُ حَتَّى يَقِفَ الْحَاكِمُ مَالَهُ وَإِذَا أَوْقَفَ الْحَاكِمُ مَالَهُ لَمْ تَجُزْ كِتَابَتُهُ، فَإِنْ كَاتَبَهُ بَعْدَ وَقْفِ الْقَاضِي مَالَهُ فَالْكِتَابَةُ مَرْدُودَةٌ، فَإِنْ أَدَّى لَمْ يَعْتِقْ وَأَخَذَ مَا أَدَّى وَالْعَبْدَ فَبِيعَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهُ لَمْ يَعْتِقْ وَبِيعَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ وَفَاءٌ بِدَيْنِهِ لَمْ يَعْتِقْ.

وَإِذَا اخْتَلَفَ السَّيِّدُ وَالْغُرَمَاءُ فَقَالُوا كَاتَبْته بَعْدَ وَقْفِ الْقَاضِي مَالَكَ وَقَالَ: بَلْ كَاتَبْته قَبْلَ وَقْفِ الْقَاضِي مَالِي وَلَا بَيِّنَةَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ السَّيِّدِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ يَجُرُّهُ إلَى نَفْسِهِ إنَّمَا هَذَا حَقٌّ أَقَرَّ بِهِ لِلْعَبْدِ إذَا ادَّعَاهُ الْعَبْدُ، وَكَذَلِكَ إذَا كَاتَبَهُ فَقَالَ السَّيِّدُ وَالْغُرَمَاءُ كَانَتْ الْكِتَابَةُ بَعْدَ الْوَقْفِ وَقَالَ الْعَبْدُ قَبْلَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ.

وَإِذَا كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً صَحِيحَةً فَأَقَرَّ السَّيِّدُ بَعْدَ التَّفْلِيسِ بِأَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا قَبْلَ وَقْفِ الْقَاضِي مَالَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْغَرِيمُ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ
(8/87)

فَهُوَ بَرَاءَةٌ لَهُ.

وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ وَقْفِ الْقَاضِي مَالَهُ لَمْ يَبْرَأْ الْعَبْدُ مِنْهُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ السَّيِّدُ أَوْ يَتَّبِعُوا بِهِ الْعَبْدَ دَيْنًا عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ إذَا أَدَّى إلَى الْغُرَمَاءِ حُقُوقَهُمْ

[مِيرَاثُ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا فَإِنْ أَدَّى إلَى الْوَرَثَةِ عَتَقَ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي كَاتَبَهُ وَإِنْ عَجَزَ فَهُوَ مِيرَاثٌ لَهُمْ.

وَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ تَزَوَّجَ بِنْتَ سَيِّدِهِ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ بِرِضَاهَا، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ وَالْبِنْتُ وَارِثَةٌ لِأَبِيهَا فَسَدَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ قَدْرَ مِيرَاثِهَا مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَرِثُ أَبَاهَا بِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ أَوْ لِأَنَّهَا قَاتِلَةٌ لِأَبِيهَا فَالْكِتَابَةُ بِحَالِهَا وَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، وَلَوْ أَسْلَمْت بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَرِثُهُ وَقَامَ الْوَرَثَةُ فِي الْمُكَاتَبِ مَقَامَ الْمَيِّتِ فَمَلَكُوا مِنْهُ مَا كَانَ يَمْلِكُ وَلَوْلَا مِلْكُ رَقَبَتِهِ بِعَجْزٍ لَمْ يُرَدَّ رَقِيقًا، فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَا يَبِيعُونَهُ؟ قِيلَ لَمْ يَكُنْ لِلَّذِي وَرِثُوهُ عَنْهُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ فَلَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُ أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْ حَالِهِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا مَلَكُوهُ عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَا يَكُونُ لَهُمْ وَلَاؤُهُ دُونَ الَّذِي كَاتَبَهُ؟ قِيلَ لِلْعَقْدِ الَّذِي يَلْزَمُ السَّيِّدَ وَالْعَبْدَ مَا قَامَ بِهِ الْمُكَاتَبُ وَهُوَ الْعَقْدُ الَّذِي حَالَ بَيْنَ سَيِّدِ الْعَبْدِ وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَمَالُهُ مَا أَدَّى وَكَانَ فِي الْعَقْدِ أَنَّ وَلَاؤُهُ إذَا أَدَّى لَهُ فَالْعِتْقُ وَالْوَلَاءُ لَزِمَهُ بِالشَّرْطِ وَلَزِمَ سَيِّدَهُ فَأَيُّ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْهُ مُعْتَقًا وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ وَلَاءَ مَا أُعْتِقَ مِنْهُ قَبْلَ يَعْجِزُ الْمُكَاتَبُ مَوْقُوفٌ لِلَّذِي كَاتَبَهُ فَلَوْ أَعْتَقُوهُ مَعًا كَانَ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي كَاتَبَهُ، فَإِنْ عَجَزَ لَمْ يَكُنْ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ مِنْ رَقَبَتِهِ شَيْءٌ وَكَانَ مَنْ بَقِيَ عَلَى نَصِيبِهِ مِنْ رَقَبَتِهِ وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ فَإِذَا عَجَزَ قُوِّمَ عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ أَوَّلًا بَطَلَتْ وَأَعْتَقَ هَذَا عَبْدَهُ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ بَعْضُهُمْ مِنْ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ نَصِيبِ مَنْ أَبْرَأَهُ وَيَعْتِقُ نَصِيبَهُ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ الَّذِي كَاتَبَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ.

وَإِذَا وَرِثَ الْقَوْمُ مُكَاتَبًا فَحَلَّ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِهِ فَلَمْ يُؤَدِّهِ فَأَرَادَ بَعْضُهُمْ تَعْجِيزَهُ وَأَرَادَ بَعْضٌ أَنْ لَا يُعَجِّزَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّهُمْ عَلَى نَصِيبِهِ فَمَنْ عَجَّزَ فَلَهُ تَعْجِيزُهُ وَنَصِيبُهُ رَقِيقٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يُعَجِّزْهُ فَهُوَ عَلَى الْكِتَابَةِ فَإِذَا عَتَقَ فَوَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْهُ لِلَّذِي كَاتَبَهُ وَلَا يُقَوَّمُ عَلَى الَّذِي لَمْ يُعَجِّزْهُ؛ لِأَنَّ وَلَاءَهُ لِغَيْرِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُمْ إنْ أَجْمَعُوا عَلَى تَرْكِ تَعْجِيزِهِ كَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ وَإِنْ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ تَعْجِيزَهُ كَانَ عَاجِزًا كُلُّهُ وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ تَرْكُ تَعْجِيزِهِ وَإِنَّمَا ذَهَبَ مَنْ قَالَ هَذَا إنْ قَالَ أَجْعَلُ هَذَا كَابْتِدَاءِ الْكِتَابَةِ وَكَانَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُكَاتِبَهُ دُونَ الْآخَرِ وَهُمْ إذَا كَاتَبُوا مَعًا فَيَعْتِقُ عَلَى الْمُعْتِقِ.
وَإِذَا وَرِثُوهُ فَوَلَاؤُهُ لِغَيْرِهِمْ وَهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي أَخْذِ الْكِتَابَةِ وَرِقِّهِ إنْ عَجَزَ وَلَا يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي أَنَّ لَهُمْ الْوَلَاءَ وَلَيْسُوا بِمُبْتَدِئِي كِتَابَتِهِ إذَا عَجَزَ إنَّمَا هُمْ تَارِكُونَ حَقًّا لَهُمْ فِي تَعْجِيزِهِ وَلَا يُمْنَعُ أَحَدٌ تَرْكَ حَقِّهِ فِي تَعْجِيزِهِ مَتَى أَرَادَ تَرْكَهُ.

وَإِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ وَرَثَةِ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ.

وَلَوْ مَاتَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ وَلَهُ ابْنَانِ فَشَهِدَا أَنَّ أَبَاهُمَا قَبَضَ مَا عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ أَوْ كَانُوا صِغَارًا أَوْ نِسَاءً كُلُّهُمْ، فَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا وَالْمُكَاتَبُ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلَّذِي كَاتَبَهُ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ عَدْلَيْنِ بَرِئَ الْمُكَاتَبُ مِنْ حِصَّتِهِمَا مِنْ الْكِتَابَةِ وَلَزِمَتْهُ حِصَّةُ مَنْ أَنْكَرَ وَحِصَّةُ الصِّغَارِ مِنْهَا وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَيْسَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا وَأَقَرَّا بِفِعْلِ غَيْرِهِمَا لَا أَعْلَمُهُمَا فَعَلَا شَيْئًا يَلْزَمُهُمَا بِهِ عِتْقٌ إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ.

وَإِذَا مَاتَ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ وَأَرَادَ الْمُكَاتَبُ الْوَثِيقَةَ مِنْ دَفْعِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ فَلَا يَدْفَعُهَا حَتَّى يَأْتِيَ الْحَاكِمُ فَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَرَثَةٌ صِغَارٌ وَكِبَارٌ أَمَرَ الْحَاكِمُ الْمُكَاتَبَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ الْكِتَابَةِ إلَى الْوَرَثَةِ الْكِبَارِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِمْ وَإِلَى الْوَالِي نَصِيبَ الصِّغَارِ وَأَعْتَقَهُ فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ
(8/88)

الْكِبَارُ غُيَّبًا فَسَأَلَ الْمُكَاتَبُ أَنْ يَدْفَعَ الْكِتَابَةَ إلَى عَدْلٍ يَقْبِضُهُ لَهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَكِيلٌ كَانَ ذَلِكَ لَهُ فَإِذَا دَفَعَهُ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَلَيْسَ هَذَا كَدَيْنٍ لَهُمْ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ غَابُوا عَنْهُ فَجَاءَ بِهِ إلَى الْحَاكِمِ لِيَدْفَعَهُ هَذَا لَا يُدْفَعُ إلَّا إلَيْهِمْ أَوْ وَكِيلٍ لَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلٌ تَرَكَهُ الْحَاكِمُ فَلَمْ يَأْمُرْ بِقَبْضِهِ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي الْكِتَابَةِ عِتْقًا لِلْعَبْدِ فَلَا يُحْبَسُ بِالْعِتْقِ وَلَيْسَ فِي الدَّيْنِ شَيْءٌ يُحْبَسُ عَنْهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ مَحْجُورِينَ فَدَفَعَ الْمُكَاتَبُ مَا عَلَيْهِ إلَى وَصِيِّهِمْ وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ أَوْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ وَصَايَا، أَوْ لَا وَصَايَا لَهُ فَالْمُكَاتَبُ حُرٌّ وَإِذَا هَلَكَ ذَلِكَ فِي يَدَيْ الْوَصِيِّ قَبْلَ يَصِلُ إلَى الْوَرَثَةِ الصِّغَارِ وَأَهْلِ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا مِنْهُ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَقُومُ مَقَامَ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ أَوْصَى إلَيْهِ بِدَيْنِهِ وَوَصَايَاهُ وَتَرِكَتِهِ وَلَيْسَ فِيهِمْ بَالِغٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ بَالِغٌ غَيْرُ مَحْجُورٍ أَوْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَصِيَّانِ فَدَفَعَ إلَى أَحَدِهِمَا لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْوَصِيَّيْنِ وَالْبَالِغِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَاتَ عَنْ وَرَثَةٍ كِبَارٍ وَلَيْسَ فِيهِمْ صَبِيٌّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ وَصَايَا لَمْ يَبْرَأْ الْمُكَاتَبُ بِالدَّفْعِ إلَى الْوَرَثَةِ حَتَّى يَصِلَ إلَى أَهْلِ الدَّيْنِ دَيْنُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ حَتَّى يُقْضَى الدَّيْنُ، فَإِنْ قُضِيَ الدَّيْنُ فَحَتَّى يَصِلَ إلَى أَهْلِ الْوَصَايَا وَصَايَاهُمْ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْوَصَايَا شُرَكَاءُ بِالثُّلُثِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا وَصَايَاهُمْ فَإِذَا صَارَ إلَى أَهْلِ الْوَصَايَا بَعْدَ قَبْضِ أَهْلِ الدَّيْنِ حُقُوقُهُمْ وَإِلَى أَهْلِ الْمَوَارِيثِ مَوَارِيثُهُمْ عَتَقَ الْمُكَاتَبُ وَإِذَا يَدْفَعُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ وَلَا وَصِيَّ جَمَاعَةٍ فَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يَصِلَ الْمَالُ إلَى كُلِّ مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ بِسَبَبِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ يَصِلُ ذَلِكَ إلَى آخِرِهِمْ مَاتَ عَبْدًا كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ رَجُلَانِ فَدَفَعَ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ إلَى أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَدْفَعْ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ إلَى شَرِيكِهِ حَقَّهُ مِنْهَا مَاتَ عَبْدًا وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ دَفْعِهِ إلَى شَرِيكِهِ حَقَّهُ مَاتَ حُرًّا وَكَانَ هَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَرَجُلٍ أَرْسَلَهُ الْمُكَاتَبُ بِمُكَاتَبَتِهِ إلَى سَيِّدِهِ، فَإِنْ دَفَعَهَا وَالْمُكَاتَبُ حَيٌّ عَتَقَ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهَا حَتَّى يَمُوتَ الْمُكَاتَبُ مَاتَ عَبْدًا، وَلَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا وَلَمْ يَمُتْ الْمُكَاتَبُ لَمْ يَكُنْ الْمُكَاتَبُ بَرِيئًا مِنْهَا وَلَا حُرًّا بِهَا، وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ وَكَّلَ رَجُلًا بِقَبْضِ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ الْمُكَاتَبُ عَتَقَ وَكَانَ كَدَفْعِهِ إلَى سَيِّدِهِ وَهَكَذَا إذَا دَفَعَ الْمُكَاتَبُ بِأَمْرِ حَاكِمٍ أَوْ إلَى وَصِيِّ جَمَاعَةٍ كُلُّهُمْ مَوْلًى عَلَيْهِ.

وَإِذَا دَفَعَ الْمُكَاتَبُ كِتَابَتَهُ إلَى قَوْمٍ أَثْبَتُوا عَلَى سَيِّدِهِ دُيُونَهُمْ عَتَقَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابَتِهِ فَضْلٌ عَلَى دَيْنِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ وَصَايَا فَدَفَعَ إلَى الْوَرَثَةِ وَإِلَى أَهْلِ الْوَصَايَا بِقَدْرِ مَا يُصِيبُهُمْ عَتَقَ وَإِنْ بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَقْبِضُوا كُلُّهُمْ، وَلَوْ تَعَدَّى فَدَفَعَ إلَى وَارِثٍ دُونِ الْوَرَثَةِ أَوْ إلَى صَاحِبِ دَيْنٍ دُونَ أَهْلِ الدَّيْنِ لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَصِيرَ إلَى كُلِّ وَارِثٍ حَقُّهُ وَإِلَى كُلِّ ذِي دَيْنٍ دَيْنُهُ

[مَوْتُ الْمُكَاتَبِ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لَهُ - يَعْنِي عَطَاءً: الْمُكَاتَبُ يَمُوتُ وَلَهُ وَلَدٌ أَحْرَارٌ وَيَدَعُ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ؟ قَالَ يُقْضَى عَنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ وَمَا كَانَ مِنْ فَضْلٍ فَلِبَنِيهِ قُلْت: أَبَلَغَك هَذَا عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَقْضِي بِهِ.
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يُقْضَى عَنْهُ مَا عَلَيْهِ، ثُمَّ لِبَنِيهِ مَا بَقِيَ قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: مَا أَرَاهُ لِبَنِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : يَعْنِي أَنَّهُ لِسَيِّدِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِقَوْلِ عَمْرٍو وَهُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَأْخُذُ وَأَمَّا مَا رَوَى عَطَاءٌ أَنَّهُ
(8/89)

بَلَغَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْمُكَاتَبِ يُعْتَقُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا أَدَّى فَلَا أَدْرِي أَثَبَتَ عَنْهُ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا نَقُولُ بِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَصْلُ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ أَوْ أَنْ يُبْرِئَهُ سَيِّدُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَاجِدًا فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِنَا إذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَلَهُ مَالٌ فِيهِ وَفَاءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ وَفَضْلٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ كِتَابَتُهُ قَدْ انْتَقَضَتْ وَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ وَقَدْ مَاتَ رَقِيقًا؛ لِأَنَّهُ مَنْ مَاتَ بِحَالٍّ لَمْ يَحِلَّ حَالُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ مَاتَ غَيْرَ حُرٍّ فَلَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ حُرًّا أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ عَبْدًا مَاتَ فَقَالَ سَيِّدُهُ هُوَ حُرٌّ لَمْ يَكُنْ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَقَعُ عَلَى الْمَوْتَى وَإِنْ قَذَفَهُ رَجُلٌ لَمْ يُحَدَّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْمُكَاتَبِ وَلَدٌ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ وَأُمُّ وَلَدِهِ لَمْ يُكَاتِبْ عَلَيْهَا فَهُمْ رَقِيقٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ وَلَدٌ كِبَارٌ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ فَهُمْ كَرَقِيقٍ كَاتَبُوا مَعًا فَيُرْفَعُ عَمَّنْ كَاتَبَ مَعَهُ حِصَّةُ الْمَيِّتِ مِنْ الْكِتَابَةِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ هُوَ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَلَا يَرِثُ الْمُكَاتَبَ الْمَيِّتَ قَبْلَ يُؤَدِّي وَلَدٌ أَحْرَارٌ وَلَا وَلَدٌ وُلِدُوا لَهُ فِي كِتَابَتِهِ، وَلَا كَاتَبُوا مَعَهُ بِحَالٍّ، فَإِنْ كَانَ فِي كِتَابَتِهِ وَلَدٌ بَالِغُونَ كَاتَبُوا مَعَهُ وأجنبيون فَسَوَاءٌ يَأْخُذُ سَيِّدُهُ مَالَهُ لِأَنَّهُ مَاتَ عَبْدًا وَيُرْفَعُ عَنْهُمْ حِصَّتَهُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَإِذَا كَانَ مَعَهُ وَلَدٌ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ مِنْ أَمَةِ مَنْ لَمْ يُكَاتِبْ عَلَيْهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ فَهُمْ وَأُمُّ وَلَدِهِ رَقِيقٌ وَمَالُهُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهِ لَوْ عَتَقَ وَإِذَا بَطَلَتْ كِتَابَتُهُ بِالْمَوْتِ لَمْ يَعْتِقُوا بِعِتْقِ مَنْ لَا يَعْتِقْ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، ثُمَّ مَاتَ أُرِقُّوا.
فَأَمَّا مَنْ كَاتَبَ عَلَيْهِ بِرِضَاءٍ فَعَلَى الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ لَهُ حِصَّةً مِنْ الْكِتَابَةِ.

وَلَوْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ مَمْلُوكَةٌ لِلسَّيِّدِ فَكَاتَبَ عَلَيْهَا بِرِضَاهَا فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فِي الْكِتَابَةِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ يُؤَدِّي رُفِعَتْ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِتَابَةِ وَبَقِيَتْ حِصَّةُ امْرَأَتِهِ وَوَقَفَ وَلَدُهُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْكِتَابَةِ مَعَ أُمِّهِمْ، فَإِنْ عَتَقَتْ عَتَقُوا وَإِنْ عَجَزَتْ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ رَقُّوا، وَلَوْ قَالُوا نُؤَدِّي عَلَيْهَا فَنَعْتِقُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الْكِتَابَةِ إنَّمَا كَانُوا يَعْتِقُونَ بِعِتْقِ أُمِّهِمْ فَلَمَّا بَطَلَ عِتْقُهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتِقُوا

[فِي إفْلَاسِ الْمُكَاتَبِ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لَهُ يَعْنِي لِعَطَاءٍ أَفْلَسَ مُكَاتَبِي وَتَرَكَ مَالًا وَتَرَكَ دَيْنًا لِلنَّاسِ عَلَيْهِ لَمْ يَدَعْ وَفَاءً أَبْتَدِئُ بِحَقِّ النَّاسِ قَبْلَ كِتَابَتِي؟ قَالَ نَعَمْ وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ أَمَا أَحَاصَهُمْ بِنَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ حَلَّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ عَمَلَهُ لِي سَنَةً؟ قَالَ: لَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ بُدِئَ بِدُيُونِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ رَقِيقًا وَبَطَلَتْ الْكِتَابَةُ وَلَا دَيْنَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ وَمَا بَقِيَ مَالُ السَّيِّدِ، وَكَذَلِكَ إذَا عَجَزَ وَقَوْلُهُمْ أَفْلَسَ عَجَزَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ إذَا عَجَزَ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ فَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْكِتَابَةِ فَيُؤَدِّي الدَّيْنَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ لِأَنَّ مَالَهُ لَيْسَ لِسَيِّدِهِ وَسَيِّدُهُ حِينَئِذٍ فِي مَالِهِ كَغَرِيمٍ غَيْرِهِ فَإِذَا بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ بَطَلَ كُلُّ مَا لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ أَوْ جِنَايَةٍ جَنَاهَا عَلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِسَيِّدٍ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنٌ وَإِذَا زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا عَجَزَ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ إلَّا مَا دَامَ مُكَاتَبًا فَمِثْلُهُ لَا يُخَالِفُهُ أَنْ يَمُوتَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ
(8/90)

[مِيرَاثُ الْمُكَاتَبِ وَوَلَاؤُهُ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ طَاوُسٍ كَيْفَ كَانَ أَبُوك يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يُكَاتِبُ الرَّجُلَ، ثُمَّ يَمُوتُ فَتَرِثُ ابْنَتُهُ ذَلِكَ الْمُكَاتَبَ فَيُؤَدِّي كِتَابَتَهُ، ثُمَّ يَعْتِقُ، ثُمَّ يَمُوتُ؟ قَالَ: كَانَ يَقُولُ وَلَاؤُهُ لَهَا وَيَقُولُ مَا كُنْت أَظُنُّ أَنْ يُخَالِفَ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ وَيَعْجَبُ مِنْ قَوْلِهِمْ لَيْسَ لَهَا وَلَاؤُهُ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ رَجُلٌ تُوُفِّيَ عَنْ ابْنَيْنِ لَهُ وَتَرَكَ مُكَاتَبًا فَصَارَ الْمُكَاتَبُ لِأَحَدِهِمَا ثُمَّ قَضَى كِتَابَتَهُ لِلَّذِي صَارَ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ، ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ مَنْ يَرِثُهُ؟ قَالَ يَرِثَانِهِ جَمِيعًا وَقَالَهَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَالَ عَطَاءٌ: رَجَعَ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي كَاتَبَهُ فَرَدَدْتهَا عَلَيْهِ فَقَالَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَقُولُ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: نَقُولُ فِي الْمُكَاتَبِ يُكَاتِبُهُ الرَّجُلُ، ثُمَّ يَمُوتُ السَّيِّدُ، ثُمَّ يُؤَدِّي الْمُكَاتَبُ فَيَعْتِقُ بِالْكِتَابَةِ: إنَّ وَلَاءَهُ لِلَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا عَقَدَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إرْقَاقُهُ مَا قَامَ الْمُكَاتَبُ بِالْكِتَابَةِ فَلَا يَكُونُ وَلَاؤُهُ إلَّا لَهُ وَلَا نَقُولُ بِقَوْلِ عَطَاءٍ فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وَيَدَعُ مُكَاتَبًا وَابْنَيْنِ: إنَّ لِلِابْنَيْنِ أَنْ يَقْتَسِمَا مَالَ الْمَيِّتِ حَتَّى يَصِيرَ الْمُكَاتَبُ لِأَحَدِهِمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْقَسْمَ بَيْعٌ وَبَيْعُ الْمُكَاتَبِ لَا يَجُوزُ وَتَقْتَسِمُ الْوَرَثَةُ مَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ فَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ صَارَ عَبْدًا لَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوهُ وَإِنْ اقْتَسَمُوا قَبْلَ عَجْزِ الْمُكَاتَبِ فَصَارَ الْمُكَاتَبُ إلَى حِصَّةِ أَحَدِهِمْ فَالْقَسْمُ بَاطِلٌ وَمَا أُخِذَ مِنْهُ فَهُوَ بَيْنَهُ وَبَيْنِ وَرَثَةِ أَبِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ الْوَلَاءِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَقُ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» قَالَ: وَقَالَ «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» فَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ وَلَاءٌ عَلَى أَحَدٍ إلَّا بِأَنْ يَتَقَدَّمَهُ عِتْقٌ وَمَنْ لَمْ يَعْتِقْ فَهُوَ حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ لَهُ وَعَقْلُهُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(8/91)