Advertisement

الأم للشافعي 006


[كِتَابُ جِرَاحِ الْعَمْدِ] [أَصْلُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ مِنْ الْقُرْآنِ]
ِ أَصْلُ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ مِنْ الْقُرْآنِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ} [الأنعام: 151] الْآيَةَ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا} [الإسراء: 33] الْآيَةَ وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} [الفرقان: 68] وَقَالَ {أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 32] الْآيَةَ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ} [المائدة: 27] إِلَى {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة: 31] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] الْآيَةَ.

[قَتْلُ الْوِلْدَانِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] الْآيَةَ وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ - بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8 - 9] وَقَالَ {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} [الأنعام: 137] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ تَقْتُلُ الْإِنَاثَ مِنْ وَلَدِهَا صِغَارًا خَوْفَ الْعَيْلَةِ عَلَيْهِمْ، وَالْعَارِ بِهِمْ فَلَمَّا نَهَى اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ دَلَّ عَلَى تَثْبِيتِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَذَلِكَ دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ مَعَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 140] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَمْرٍو النَّخَعِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ «ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْكَبَائِرِ أَكْبَرُ؟ فَقَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَك» .

[تَحْرِيمُ الْقَتْلِ مِنْ السُّنَّةِ]
ِ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَحِلُّ قَتْلُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَاَلَّذِي يَحِلُّ أَنْ يَعْمِدَ مُسْلِمٌ بِالْقَتْلِ
(6/3)

ثَلَاثٌ: كُفْرٌ ثَبَتَ عَلَيْهِ بَعْدَ إيمَانِهِ أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانِهِ أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَهَذَا مَوْضُوعٌ فِي مَوَاضِعِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ «عَنْ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنْ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقَالَ أَسْلَمْتُ لِلَّهِ أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقْتُلْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ قَطَعَ يَدِيَ ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا أَفَأَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ» (قَالَ الرَّبِيعُ) مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فَإِنَّكَ إنْ قَتَلْته فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ " يُرِيدُ أَنَّهُ حَرَامُ الدَّمِ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ وَإِنَّك بِمَنْزِلَتِهِ مُبَاحُ الدَّمِ يُرِيدُ بِقَتْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ إذْ كَانَ مُبَاحَ الدَّمِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا لَا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا مِثْلَهُ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي ذِكْرُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِقَتِيلٍ فَقَالَ مَنْ بِهِ فَلَمْ يُذْكَرُ لَهُ أَحَدٌ فَغَضِبَ ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ لَأَكَبَّهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ» وَأَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ لَا أَحْفَظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «قَتْلُ الْمُؤْمِنِ يَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ زَوَالَ الدُّنْيَا» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» مَعَ التَّشْدِيدِ فِي الْقَتْلِ.

[جِمَاعُ إيجَابِ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] لَا يَقْتُلُ غَيْرَ قَاتِلِهِ وَهَذَا يُشْبِهُ مَا قِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] فَالْقِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ مِمَّنْ فَعَلَ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ لَا مِمَّنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَأَحْكَمَ اللَّهُ - عَزَّ ذِكْرُهُ - فَرْضَ الْقِصَاصِ فِي كِتَابِهِ وَأَبَانَتْ السُّنَّةُ لِمَنْ هُوَ وَعَلَى مَنْ هُوَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «وُجِدَ فِي قَائِمِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِتَابٌ إنَّ أَعْدَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ الْقَاتِلُ غَيْرَ قَاتِلِهِ وَالضَّارِبُ غَيْرَ ضَارِبِهِ وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا كَانَ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي قِرَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ: كَانَ فِيهَا
(6/4)

«لَعَنَ اللَّهُ الْقَاتِلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ وَالضَّارِبَ غَيْرَ ضَارِبِهِ وَمَنْ تَوَلَّى غَيْرَ وَلِيِّ نِعْمَتِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ أَوْ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا بِقَتْلٍ فَهُوَ قَوَدٌ بِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبْجَرَ عَنْ إيَادِ بْنِ لَقِيطٍ «عَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى أَبِي الَّذِي بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: دَعْنِي أُعَالِجُ هَذَا الَّذِي بِظَهْرِك فَإِنِّي طَبِيبٌ فَقَالَ: أَنْتَ رَفِيقٌ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ هَذَا مَعَكَ فَقَالَ: ابْنِي أَشْهَدُ بِهِ فَقَالَ أَمَا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» . .

[مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلِ وَمَا دُونَهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَا قِصَاصَ عَلَى مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ، وَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَحْتَلِمْ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ تَحِضْ مِنْ النِّسَاءِ أَوْ يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكُلُّ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَتْ الْغَلَبَةُ إلَّا بِالسُّكْرِ فَإِنَّ الْقِصَاصَ وَالْحُدُودَ عَلَى السَّكْرَانِ كَهِيَ عَلَى الصَّحِيحِ وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَهُوَ بَالِغٌ غَيْرُ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ وَالْمَغْلُوبُ عَلَى عَقْلِهِ مِنْ السُّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ الْبَالِغُ وَهُوَ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بَالِغٌ يَجُوزُ إقْرَارُهُ أَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً عَمْدًا وَوَصَفَ الْجِنَايَةَ فَأَثْبَتَهَا، ثُمَّ جُنَّ أَوْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ مِنْهَا وَأَرْشُ الْخَطَأِ فِي مَالِهِ وَلَا يَحُولُ ذَهَابُ عَقْلِهِ دُونَ أَخْذِ الْحَقِّ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَقَرَّ بِحَقٍّ لِلَّهِ مِنْ زِنًا أَوْ ارْتَدَّ، ثُمَّ ذَهَبَ عَقْلُهُ لَمْ أُقِمْ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا وَلَمْ أَقْتُلْهُ بِالرِّدَّةِ؛ لِأَنِّي أَحْتَاجُ إلَى ثُبُوتِهِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا وَهُوَ يَعْقِلُ.
وَكَذَلِكَ أَحْتَاجُ إلَى أَنْ أَقُولَ لَهُ وَهُوَ يَعْقِلُ: إنْ لَمْ تَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ قَتَلْتُكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَقَرَّ وَهُوَ بَالِغٌ أَنَّهُ جَنَى عَلَى رَجُلٍ جِنَايَةً عَمْدًا وَقَالَ كُنْت يَوْمَ جَنَيْت عَلَيْهِ صَغِيرًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَرْشُهَا فِي مَالِهِ خَطَأً فَإِنْ أَقَرَّ بِهَا خَطَأً لَمْ يَضْمَنْ الْعَاقِلَةُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَضَمِنَهُ هُوَ فِي مَالِهِ وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ جَنَيْتهَا عَلَيْهِ ذَاهِبَ الْعَقْلِ بَالِغًا فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ذَهَبَ عَقْلُهُ قُبِلَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أُقِيدَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَحَيْثُ قُبِلَتْ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ طَلَبَهَا الْمُدَّعِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ جَنَى عَلَى رَجُلٍ جِنَايَةً عَمْدًا سَأَلْتُهُمْ أَكَانَ بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا؟ . فَإِنْ لَمْ يُثْبِتُوهُ بَالِغًا وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يُنْكِرُ الْجِنَايَةَ أَوْ يَقُولُ: كَانَتْ وَأَنَا صَغِيرٌ جَعَلْتُهَا جِنَايَةَ صَغِيرٍ وَجَعَلْتُ أَرْشَهَا فِي مَالِهِ وَلَمْ أَقُدْ مِنْهُ.
(قَالَ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَنُّ وَيُفِيقُ جَنَى عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ جَنَيْتُ عَلَيْهِ فِي حَالِ جُنُونِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ وَلَمْ يُثْبِتُوا كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ جُنُونِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ كَانَ هَكَذَا وَإِنْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ كَانَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَهَكَذَا مَنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ بِمَرَضٍ أَيَّ مَرَضٍ كَانَ أَوْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مَا كَانَ غَيْرَ السُّكْرِ وَلَوْ أَثْبَتُوا أَنَّ مَجْنُونًا جَنَى وَهُوَ سَكْرَانُ وَقَالُوا: لَا نَدْرِي ذَهَابَ عَقْلِهِ مِنْ السُّكْرِ أَوْ مِنْ الْعَارِضِ الَّذِي بِهِ؟ جَعَلْتُ الْقَوْلَ قَوْلَهُ، وَلَوْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ كَانَ مُفِيقًا مِنْ الْجُنُونِ وَأَنَّ السُّكْرَ كَانَ أَذْهَبَ عَقْلَهُ جَعَلْت عَلَيْهِ الْقَوَدَ وَلَوْ شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى أَنَّهُ جَنَى مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ، وَآخَرُونَ أَنَّهُ جَنَى هَذِهِ الْجِنَايَةَ غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ أَلْغَيْتُ الْبَيِّنَتَيْنِ لِتَكَافُئِهِمَا وَجَعَلْت الْقَوْلَ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَشَهِدَ لَهُ شُهُودٌ بِأَنَّهُ جَنَى مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ وَقَالَ هُوَ بَلْ جَنَيْتُ وَأَنَا أَعْقِلُ قَبِلْتُ قَوْلَهُ وَجَعَلْت عَلَيْهِ الْقَوَدَ.
(6/5)

[بَابُ الْعَمْدِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْقِصَاصُ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: جِمَاعُ الْقَتْلِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ: عَمْدٌ فِيهِ قِصَاصٌ فَلِوَلِيِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَمْدُ الْقِصَاصِ إنْ شَاءَ وَعَمْدٌ بِمَا لَيْسَ فِيهِ قِصَاصٌ وَخَطَأٌ فَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ قِصَاصٌ (قَالَ) : فَالْعَمْدُ فِي النَّفْسِ بِمَا فِيهِ الْقِصَاصُ أَنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيُصِيبَهُ بِالسِّلَاحِ الَّذِي يُتَّخَذُ لِيَنْهَرَ الدَّمَ وَيَذْهَبَ فِي اللَّحْمِ، وَذَلِكَ الَّذِي يَعْقِلُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُ السِّلَاحُ الْمُتَّخَذُ لِلْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ وَهُوَ الْحَدِيدُ الْمُحَدَّدُ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَالْخِنْجَرِ وَسِنَانِ الرُّمْحِ وَالْمِخْيَطِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يُشَقُّ بِحَدِّهِ إذَا ضُرِبَ أَوْ رُمِيَ بِهِ الْجِلْدُ وَاللَّحْمُ دُونَ ثِقْلِهِ فَيَجْرَحُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُوَ السِّلَاحُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ شَيْءٍ لَهُ صَلَابَةٌ فَحُدِّدَ حَتَّى صَارَ إذَا وُجِئَ بِهِ أَوْ رُمِيَ بِهِ يَخْرِقُ حَدُّهُ قَبْلَ ثِقْلِهِ مِثْلُ الْعُودِ يُحَدَّدُ وَالنُّحَاسِ وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِهِ فَكُلُّ مَنْ أَصَابَ أَحَدًا بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا جَرَحَهُ فَمَاتَ مِنْ الْجُرْحِ فَفِيهِ الْقِصَاصُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ ضَرَبَهُ بِعَرْضِ سَيْفٍ أَوْ عَرْضِ خِنْجَرٍ أَوْ مِخْيَطٍ فَلَمْ يَجْرَحْهُ فَمَاتَ فَلَا قَوَدَ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ الْحَدِيدُ جَارِحًا أَوْ شَادِخًا مِثْلَ الْحَجَرِ الثَّقِيلِ يَفْضَخُ بِهِ رَأْسَهُ وَعَمُودِ الْحَدِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَهُ بِعَمُودِ حَدِيدٍ خَفِيفٍ لَا يَشْدَخُ مِثْلُهُ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الْحَدِيدِ لَا يَشْدَخُ وَمَا كَانَ لَا يَجْرَحُ أَوْ كَانَ خَفِيفًا لَا يَشْدَخُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَهُ بِحَدِّ السَّيْفِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَمْ يَجْرَحْهُ وَمَاتَ فَفِيهِ الْعَقْلُ وَلَا قَوَدَ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْحَدِيدِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى عَصًا خَفِيفَةٍ شَبِيهَةٍ بِالنَّصِيبِ فَضُرِبَ بِهِ الضَّرْبَةَ الْوَاحِدَةَ فَمِيتَ مِنْهُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُتَّخَذُ لِيَنْهَرَ دَمًا وَلَا يُتَّخَذُ يُمَاتُ بِهِ وَإِنْ قُتِلَ قُتِلَ بِالثِّقْلِ لَا بِالْحَدِّ (قَالَ) : وَكَذَلِكَ الْمِعْرَاضُ يَرْمِي بِهِ فَلَا يَجْرَحُ وَيُصِيبُ بِعَرْضِهِ فَيَمُوتُ أَوْ يُصِيبُ بِنَصْلِهِ فَلَا يَجْرَحُ فَيَمُوتُ (قَالَ) : وَهَكَذَا لَوْ ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ لَا حَدَّ لَهُ خَفِيفٍ فَرَضَخَهُ فَمَاتَ فَلَا قَوَدَ وَلَوْ شَجَّهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ فَبُضِعَ فِيهِ أَوْ ضَرَبَهُ أَسْوَاطًا يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَمُوتُ مِنْ مِثْلِهَا فَلَا قَوَدَ وَلَوْ كَانَ نِضْوًا فَضَرَبَهُ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ وَمِثْلُهُ يَمُوتُ فِيمَا يَرَى مِنْ مِثْلِهَا فَمَاتَ فَفِيهِ الْقَوَدُ وَلَوْ كَانَ مُحْتَمِلًا فَضَرَبَهُ مِائَةً وَالْأَغْلَبُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَمُوتُ مِنْ مِثْلِهَا فَمَاتَ فَلَا قَوَدَ وَكُلُّ حَدِيدٍ لَهُ حَدٌّ يَجْرَحُ فَجَرَحَ بِهِ جَرْحًا صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا فَمَاتَ مِنْهُ فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ يَجْرَحُ بِحَدِّهِ وَالْحَجَرُ يَجْرَحُ بِثِقَلِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْمَرْوِ أَوْ مِنْ الْحِجَارَةِ شَيْءٌ يُحَدَّدُ حَتَّى يَمُورَ مَوْرَ الْحَدِيدِ فَجُرِحَ بِهِ فَفِيهِ الْقَوَدُ إنْ مَاتَ الْمَجْرُوحُ وَإِنْ مَا جَاوَزَ هَذَا فَكَانَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ ضُرِبَ بِهِ أَوْ أُلْقِيَ فِيهِ أَوْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَعِشْ، فَضَرَبَ بِهِ رَجُلٌ رَجُلًا أَوْ أَلْقَاهُ فِيهِ وَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهُ أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْهِ فَمَاتَ الرَّجُلُ فَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلَ بِالْخَشَبَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَشْدَخُ رَأْسَهُ أَوْ صَدْرَهُ فَيَشْدَخُهُ أَوْ خَاصِرَتَهُ فَيَقْتُلُهُ مَكَانَهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ بِالْعَصَا الْخَفِيفَةِ فَيُتَابِعُ عَلَيْهِ الضَّرْبَ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْ عَدَدِ الضَّرْبِ مَا يَكُونُ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ السِّيَاطُ وَمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنْ يَضْرِبَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ أَوْ فِي بَطْنِهِ أَوْ عَلَى ثَدْيَيْهِ ضَرْبًا مُتَتَابِعًا أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ الْمِائَتَيْنِ أَوْ الثَّلَثَمِائَةِ أَوْ عَلَى أَلْيَتَيْهِ فَإِذَا فَعَلَ هَذَا فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ إلَّا مَيِّتًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ، ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ الْقَوَدُ وَفِي أَنْ يُسَعِّرَ الْحُفْرَةَ حَتَّى إذَا انجحمت أَلْقَاهُ فِيهَا أَوْ يُسَعِّرَ النَّارَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ثُمَّ يُلْقِيَهُ فِيهَا مَرْبُوطًا أَوْ
(6/6)

يَرْبِطَهُ لِيُغْرِقَهُ فِي الْمَاءِ فَإِنْ فَعَلَ هَذَا فَمَاتَ فِي مَكَانِهِ أَوْ مَاتَ بَعْدُ مِنْ أَلَمِ مَا أَصَابَهُ فَفِيهِ الْقَوَدُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا سَعَّرَ النَّارَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَأَلْقَاهُ فِيهَا وَهُوَ زَمِنٌ أَوْ صَغِيرٌ فَكَذَلِكَ وَإِنْ أَلْقَاهُ فِيهَا صَحِيحًا فَكَانَ يُحِيطُ الْعِلْمُ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهَا فَتَرَكَ التَّخَلُّصَ فَمَاتَ فَلَا قَوَدَ وَإِنْ عَالَجَ التَّخَلُّصَ فَغَلَبَهُ كَثْرَتُهَا أَوْ الْتِهَابُهَا، فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَكَذَلِكَ إنْ أُلْقِيَ فِيهَا فَلَمْ يَزَلْ يَتَحَرَّكُ يُعَالِجُ الْخُرُوجَ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَاتَ أَوْ أُخْرِجَ وَبِهِ مِنْهَا حَرْقٌ، الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يُعَاشُ مِنْهُ فَمَاتَ مِنْهُ فَفِيهِ الْقَوَدُ وَإِنْ كَانَ بَعْضَ هَذَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ بِأَنْ يَكُونَ إلَى جَنْبِ أَرْضٍ لَا نَارَ عَلَيْهَا فَإِنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَنْقَلِبَ فَيَصِيرَ عَلَيْهَا أَوْ يَقُولَ أُقِمْتُ وَأَنَا عَلَى التَّخَلُّصِ قَادِرٌ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِمَّا عَلَيْهِ الدَّلَالَةُ بِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ وَقَدْ قِيلَ: يَكُونُ فِيهِ الْعَقْلُ.
وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ قَرِيبٍ مِنْ سَاحِلٍ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَوْمَ وَلَمْ تَغْلِبْهُ جَرْيَةُ الْمَاءِ فَمَاتَ فَلَا قَوَدَ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَوْمَ وَأَلْقَاهُ قَرِيبًا مِنْ نَجْوَةِ أَرْضٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ سَفِينَةٍ مُقِيمَةٍ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَوْمَ فَتَرَكَ التَّخَلُّصَ فَلَا قَوَدَ وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ لَا يُتَخَلَّصُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْهُ فَمَاتَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَلَوْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَتَخَلَّص مِنْهُ فَأَخَذَهُ حُوتٌ فَلَا قَوَدَ وَعَلَيْهِ الْعَقْلُ (قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) وَقَدْ قِيلَ: يَتَخَلَّصُ أَوْ لَا يَتَخَلَّصُ سَوَاءٌ أَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْعَقْلُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنْ لَا عَقْلَ فِي النَّفْسِ وَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ إذَا كَانَ يَقْدِرُ أَنْ يَتَخَلَّصَ فَيَسْلَمَ مِنْ الْمَوْتِ فَتَرَكَ التَّخَلُّصَ وَعَلَى الطَّارِحِ أَرْشُ مَا أَحْرَقَتْ النَّارُ مِنْهُ أَوَّلَ مَا طُرِحَ قَبْلَ أَنْ يُمْكِنَهُ التَّخَلُّصُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ خَنَقَهُ فَتَابَعَ عَلَيْهِ الْخَنْقَ حَتَّى يَقْتُلَهُ فَفِيهِ الْقَوَدُ.
، وَكَذَلِكَ إنْ غَمَّهُ بِثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَتَابَعَ عَلَيْهِ الْغَمَّ حَتَّى يَمُوتَ فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ تَرَكَهُ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ بَعْدُ فَلَا قَوَدَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَنْقُ أَوْ الْغَمُّ قَدْ أَوْرَثَهُ مَا لَا يَجْرِي مَعَهُ نَفَسُهُ فَيَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَوَدُ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَقَدْ قِيلَ يَتَخَلَّصُ أَوْ لَا يَتَخَلَّصُ أَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ مِنْ الْيَدِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَجِمَاعُ هَذَا أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَنْ قُتِلَ بِشَيْءٍ مِمَّا وَصَفْتُ غَيْرِ السِّلَاحِ الْمُحَدَّدِ فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّ مَنْ نِيلَ مِنْهُ يَقْتُلُهُ وَيُقْتَلُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِ سِنِّهِ وَصِحَّتِهِ وَقُوَّتِهِ أَوْ حَالِهِ إنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِذَلِكَ قَتْلًا وَحَيًّا كَقَتْلِ السِّلَاحِ أَوْ أَوْحَى فَفِيهِ الْقَوَدُ. وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّ مَنْ نِيلَ مِنْهُ بِمِثْلِ مَا نِيلَ مِنْهُ يَسْلَمُ وَلَا يَأْتِي ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَضَرْبُ الْقَلِيلِ عَلَى الْخَاصِرَةِ يَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ وَلَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ لَوْ كَانَ فِي ظَهْرٍ أَوْ أَلْيَتَيْنِ أَوْ فَخِذَيْنِ أَوْ رِجْلَيْنِ وَالضَّرْبُ الْقَلِيلُ يَقْتُلُ النِّضْوَ الْخَلَق الضَّعِيفَةِ فِي الْأَغْلَبِ وَالْأَغْلَبُ أَنْ لَا يَقْتُلَ قَوِيَّهُ، وَيَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ وَلَا يَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ فِي غَيْرِهِمَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ نَالَ مِنْ امْرِئٍ شَيْئًا فَأَنْظُرُ إلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي نَالَهُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّ مَا نَالَهُ بِهِ يَقْتُلُهُ فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّ مَا نَالَهُ بِهِ لَا يَقْتُلُهُ فَلَا قَوَدَ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ طَيَّنَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بَيْتًا وَلَمْ يَدَعْهُ يَصِلُ إلَيْهِ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ أَوْ حَبَسَهُ فِي مَوْضِعٍ وَإِنْ لَمْ يُطَيِّنْ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ مُدَّةً الْأَغْلَبُ مِنْ مِثْلِهَا أَنَّهُ يَقْتُلُهُ فَمَاتَ قُتِلَ بِهِ وَإِنْ مَاتَ فِي مُدَّةٍ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهَا فَفِيهَا الْعَقْلُ وَلَا قَوَدَ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ حَبَسَهُ فَجَاءَهُ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ فَلَمْ يُشَرِّبْهُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ تَأْتِ عَلَيْهِ مُدَّةٌ يَمُوتُ أَحَدٌ مُنِعَ الطَّعَامَ فِي مِثْلِهَا
(6/7)

فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ أَنْ يَشْرَبَ فَأَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الطَّعَامَ مُدَّةً الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَمُوتُ أَحَدٌ مُنِعَهَا الطَّعَامَ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُدَّةُ الَّتِي مَنَعَهُ فِيهَا الطَّعَامَ مُدَّةً الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَمُوتُ أَحَدٌ مِنْ مِثْلِهَا قُتِلَ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهَا ضَمِنَ الْعَقْلَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَقَدْته بِمَا صَنَعَ بِهِ حُبِسَ وَمُنِعَ كَمَا حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ فَإِنْ مَاتَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ.

[بَابُ الْعَمْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَا دُونَ النَّفْسِ مُخَالِفٌ لِلنَّفْسِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ فِي الْعَمْدِ فَلَوْ عَمَدَ رَجُلٌ عَيْنَ رَجُلٍ بِأُصْبُعِهِ فَفَقَأَهَا كَانَ فِيهَا الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّ الْأُصْبُعَ تَأْتِي فِيهَا عَلَى مَا يَأْتِي عَلَيْهِ السِّلَاحُ فِي النَّفْسِ، وَرُبَّمَا جَاءَتْ عَلَى أَكْثَرَ وَهَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ الرَّجُلُ أُصْبُعَهُ فِي عَيْنِهِ فَاعْتَلَّتْ فَلَمْ تَبْرَأَ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا أَوْ اُنْتُجِفَتْ كَانَ فِيهَا الْقِصَاصُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَطَمَهُ لَطْمَةً فِي رَأْسِهِ فَوَرِمَتْ، ثُمَّ اتَّسَعَتْ حَتَّى أُوضِحَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِصَاصٌ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ اللَّطْمَةِ أَنَّهَا قَلَّمَا يَكُونُ مِنْهَا هَكَذَا فَتَكُونُ فِي حُكْمِ الْخَطَأِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ بِحَجَرٍ مُحَدَّدٍ أَوْ حَجَرٍ لَهُ ثِقَلٌ غَيْرُ مُحَدَّدٍ فَأَوْضَحَهُ أَوْ أَدْمَاهُ، ثُمَّ صَارَتْ مُوضِحَةً كَانَ فِيهَا الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِمَّا وَصَفْتُ مِنْ الْحِجَارَةِ أَنَّهَا تَصْنَعُ هَذَا، وَلَوْ كَانَتْ حَصَاةٌ فَرَمَاهُ بِهَا فَوَرِمَتْ ثُمَّ أُوضِحَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِصَاصٌ وَكَانَ فِيهَا عَقْلُهَا تَامًّا؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّهَا لَا تَصْنَعُ هَذَا فَعَلَى هَذَا مَا دُونَ النَّفْسِ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ كُلُّهُ يُنْظَرُ إذَا أَصَابَهُ بِالشَّيْءِ فَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَصْنَعُ بِهِ مِثْلَ مَا يُصْنَعُ بِشَيْءٍ مِنْ الْحَدِيدِ فِي النَّفْسِ فَأَصَابَهُ فِيهِ فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إلَّا قَلِيلًا إنْ كَانَ فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَفِيهِ الْعَقْلُ وَهَذَا عَلَى مِثَالِ مَا يُصْنَعُ فِي النَّفْسِ فِي إثْبَاتِ الْقِصَاصِ وَتَرْكِهِ وَأَخْذِ الْعَقْلِ فِيهِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَجِمَاعُ مَعْرِفَةِ قَتْلِ الْعَمْدِ مِنْ الْخَطَأِ أَنْ يَعْمِدَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ بِالْعَصَا الْخَفِيفَةِ، أَوْ قَالَ عَصًا فِي أَلْيَتَيْهِ أَوْ بِالسِّيَاطِ فِي ظَهْرِهِ - الضَّرْبَ الَّذِي الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ اللَّطْمِ وَالْوَجْءِ وَالصَّكِّ وَالضَّرْبَةِ بِالشِّرَاكِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَكُلُّ هَذَا مِنْ الْعَمْدِ الْخَطَأِ الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ وَفِيهِ الْعَقْلُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ أَوْ الْعَصَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةً مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَالدِّيَةُ فِي هَذَا عَلَى الْعَاقِلَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ خَطَأٌ فِي الْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ عَمْدًا فِي الْفِعْلِ يُسْتَطَاعُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَلَا يَكُونُ فِيهِ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ فِي مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا مَعْنَى مَا وَصَفْتُ مِنْ الضَّرْبِ الَّذِي الْأَغْلَبُ فِيهِ أَنَّهُ يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ، وَلَمْ أَلْقَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ يُخَالِفُ فِي أَنَّ هَذَا مَعْنَاهُ، فَأَمَّا أَنْ يَشْدَخَ الرَّجُلُ رَأْسَ الرَّجُلِ بِالْحَجَرِ أَوْ يُتَابِعَ عَلَيْهِ ضَرْبَ الْعَصَا أَوْ السِّيَاطِ مُتَابَعَةً الْأَغْلَبُ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهَا فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ بِالضَّرْبَةِ بِالسِّكِّينِ وَالْحَدِيدَةِ الْخَفِيفَةِ فِي الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَأَعْجَلُ قَتْلًا وَأَحْرَى أَنْ لَا يَعِيشَ أَحَدٌ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ. .
(6/8)

[الْحُكْمُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: مِنْ الْعِلْمِ الْعَامِّ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ لَقِيَتْهُ فَحَدَّثَنِيهِ وَبَلَغَنِي عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَرَبِ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبَايُنٌ فِي الْفَضْلِ وَيَكُونُ بَيْنَهَا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْجِيرَانِ مِنْ قَتْلِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فَكَانَ بَعْضُهَا يَعْرِفُ لِبَعْضٍ الْفَضْلَ فِي الدِّيَاتِ حَتَّى تَكُونَ دِيَةُ الرَّجُلِ الشَّرِيفِ أَضْعَافَ دِيَةِ الرَّجُلِ دُونَهُ، فَأَخَذَ بِذَلِكَ بَعْضٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهَا بِأَقْصَدَ مِمَّا كَانَتْ تَأْخُذُ بِهِ فَكَانَتْ دِيَةُ النَّضِيرِي ضِعْفَ دِيَةِ الْقُرَظِيِّ، وَكَانَ الشَّرِيفُ مِنْ الْعَرَبِ إذَا قُتِلَ يُجَاوَزُ قَاتِلُهُ إلَى مَنْ لَمْ يَقْتُلْهُ مِنْ أَشْرَافِ الْقَبِيلَةِ الَّتِي قَتَلَهُ أَحَدُهَا وَرُبَّمَا لَمْ يَرْضَوْا إلَّا بِعَدَدٍ يَقْتُلُونَهُمْ فَقَتَلَ بَعْضُ غَنِيٍّ شَأْسِ بْنِ زُهَيْرٍ فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ أَبُوهُ زُهَيْرُ بْنُ جَذِيمَةَ فَقَالُوا لَهُ أَوْ بَعْضُ مَنْ نُدِبَ عَنْهُمْ: سَلْ فِي قَتْلِ شَأْسٍ فَقَالَ: إحْدَى ثَلَاثٍ لَا يُغْنِينِي غَيْرُهَا، قَالُوا: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تُحْيُونَ لِي شَأْسًا أَوْ تَمْلَئُونَ رِدَائِي مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ أَوْ تَدْفَعُونَ إلَيَّ غَنِيًّا بِأَسْرِهَا فَأَقْتُلَهَا، ثُمَّ لَا أَرَى أَنِّي أَخَذْت مِنْهُ عِوَضًا.
وَقُتِلَ كُلَيْبُ وَائِلٍ فَاقْتَتَلُوا دَهْرًا طَوِيلًا وَاعْتَزَلَهُمْ بَعْضُهُمْ فَأَصَابُوا ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ بُجَيْرٍ فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُمْ عُزْلَتِي فَبُجَيْرٌ بِكُلَيْبٍ وَكُفُّوا عَنْ الْحَرْبِ فَقَالُوا: بُجَيْرٍ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ فَقَاتَلَهُمْ وَكَانَ مُعْتَزِلًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ: إنَّهُ نَزَلَ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ مِمَّا كَانُوا يَحْكُمُونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِي أَحْكِيهِ كُلَّهُ بَعْدَ هَذَا وَحَكَمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْعَدْلِ فَسَوَّى فِي الْحُكْمِ بَيْنَ عِبَادِهِ الشَّرِيفِ مِنْهُمْ وَالْوَضِيعِ {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] فَقَالَ: إنَّ الْإِسْلَامَ نَزَلَ وَبَعْضُ الْعَرَبِ يَطْلُبُ بَعْضًا بِدِمَاءٍ وَجِرَاحٍ فَنَزَلَ فِيهِمْ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] إلَى قَوْلِهِ {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] الْآيَةَ وَالْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ مُوسَى عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ مُعَاذٌ قَالَ مُقَاتِلٌ أَخَذْت هَذَا التَّفْسِيرَ عَنْ نَفَرٍ حَفِظَ مُعَاذٌ مِنْهُمْ مُجَاهِدًا وَالْحَسَنَ وَالضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] الْآيَةَ.
(قَالَ) : كَانَ كُتِبَ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ حُقَّ لَهُ أَنْ يُقَادَ بِهَا وَلَا يُعْفَى عَنْهُ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ الدِّيَةُ وَفُرِضَ عَلَى أَهْلِ الْإِنْجِيلِ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ وَلَا يُقْتَلَ وَرُخِّصَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ شَاءَ قَتَلَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] يَقُولُ: الدِّيَةُ تَخْفِيفٌ مِنْ اللَّهِ إذْ جَعَلَ الدِّيَةَ وَلَا يُقْتَلُ، ثُمَّ قَالَ {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِهِ الدِّيَةَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] يَقُولُ: لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَنْتَهِي بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ أَنْ يُصِيبَ مَخَافَةَ أَنْ يُقْتَلَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] قَالَ الْعَفْوُ أَنْ تُقْبَلَ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذَا كَمَا قَالَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَكَذَلِكَ مَا قَالَ مُقَاتِلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إذْ ذَكَرَ الْقِصَاصَ، ثُمَّ
(6/9)

قَالَ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] لَمْ يَجُزْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُقَالَ: إنْ عُفِيَ بِأَنْ صُولِحَ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ تَرْكُ حَقٍّ بِلَا عِوَضٍ. فَلَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ إنْ عُفِيَ عَنْ الْقَتْلِ فَإِذَا عَفَا لَمْ يَكُنْ إلَيْهِ سَبِيلٌ وَصَارَ لِلْعَافِي الْقَتْلِ مَالٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ وَهُوَ دِيَةُ قَتِيلِهِ فَيَتَّبِعُهُ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّي إلَيْهِ الْقَاتِلُ بِإِحْسَانٍ، فَلَوْ كَانَ إذَا عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ لِلْعَافِي يَتَّبِعُهُ وَلَا عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ يُؤَدِّيهِ بِإِحْسَانٍ.
(وَقَالَ) وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ مَعَ بَيَانِ الْقُرْآنِ فِي مِثْلِ مَعْنَى الْقُرْآنِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا فَإِنْ ارْتَخَصَ أَحَدٌ فَقَالَ: أُحِلَّتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ اللَّهَ أَحَلَّهَا لِي وَلَمْ يُحِلَّهَا لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، ثُمَّ إنَّكُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ. مِنْ هُذَيْلٍ وَأَنَا وَاَللَّهِ عَاقِلُهُ فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] فَيُقَالُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي قَوْلِهِ {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] لَا يَقْتُلْ غَيْرَ قَاتِلِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فِي قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] إنَّهَا خَاصَّةٌ فِي الْحَيَّيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ حَكَيْتُ قَوْلَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، ثُمَّ أَدَبُهَا أَنْ يُقْتَلَ الْحُرُّ بِالْحُرِّ إذَا قَتَلَهُ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى إذَا قَتَلَهَا وَلَا يُقْتَلَ غَيْرُ قَاتِلِهَا إبْطَالًا لَأَنْ يُجَاوِزَ الْقَاتِلَ إلَى غَيْرِهِ إذَا كَانَ الْمَقْتُولُ أَفْضَلَ مِنْ الْقَاتِلِ كَمَا وَصَفْت لَيْسَ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ ذَكَرٌ بِالْأُنْثَى إذَا كَانَا حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَلَا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ إنَّمَا يُتْرَكُ قَتْلُهُ مِنْ جِهَةٍ غَيْرُهَا، وَإِذَا كَانَتْ هَكَذَا أَشْبَهَ أَنْ تَكُونَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ يُقْتَلُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إذَا كَانَا قَاتِلَيْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهِيَ عَامَّةٌ فِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَوْجَبَ بِهَا الْقِصَاصَ إذَا تَكَافَأَ دَمَانِ وَإِنَّمَا يَتَكَافَآنِ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَعَلَى كُلِّ مَا وَصَفْتُ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَخُصُوصِهَا دَلَالَةٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَتَلَ قَتِيلًا فَوَلِيُّ الْمَقْتُولِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَتَلَ الْقَاتِلَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهُ الدِّيَةَ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ بِلَا دِيَةٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَخْذُ الْمَالِ وَتَرْكُ الْقِصَاصِ كَرِهَ ذَلِكَ الْقَاتِلُ أَوْ أَحَبَّهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا جَعَلَ السُّلْطَانَ لِلْوَلِيِّ وَالسُّلْطَانُ عَلَى الْقَاتِلِ فَكُلُّ وَارِثٍ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا سَوَاءٌ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يَقْتُلَ حَتَّى يَجْتَمِعَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ عَلَى الْقَتْلِ وَيُنْتَظَرَ غَائِبُهُمْ حَتَّى يَحْضُرَ أَوْ يُوَكِّلَ وَصَغِيرُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ إلَى اجْتِمَاعِ غَائِبِهِمْ وَبُلُوغِ صَغِيرِهِمْ: فَإِنْ مَاتَ غَائِبُهُمْ أَوْ صَغِيرُهُمْ أَوْ بَالِغُهُمْ قَبْلَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْقَتْلِ فَلِوَارِثِ الْمَيِّتِ مِنْهُمْ فِي الدَّمِ وَالْمَالِ مِثْلُ مَا كَانَ لِلْمَيِّتِ مِنْ أَنْ يَعْفُوَ أَوْ يَقْتُلَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ الدِّيَةِ فَذَلِكَ لَهُ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الدَّمِ إذَا أَخَذَ الدِّيَةَ أَوْ عَفَا بِلَا دِيَةٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَقْتُولِ دَيْنٌ وَكَانَتْ لَهُ وَصَايَا لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الدَّيْنِ وَلَا الْوَصَايَا الْعِوَضُ فِي الْقَتْلِ إنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ، فَإِنْ عَفَا الْوَرَثَةُ وَأَخَذُوا الدِّيَةَ أَوْ عَفَا أَحَدُهُمْ كَانَتْ الدِّيَةُ حِينَئِذٍ مَالًا مِنْ مَالِهِ يَكُونُ أَهْلُ الدَّيْنِ أَحَقَّ بِهَا وَلِأَهْلِ الْوَصَايَا حَقُّهُمْ مِنْهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ تَخْتَرْ الْوَرَثَةُ الْقَتْلَ وَلَا الْمَالَ حَتَّى مَاتَ الْقَاتِلُ كَانَتْ لَهُمْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ يُحَاصُّونَ بِهَا غُرَمَاءَهُ كَدَيْنٍ مِنْ دَيْنِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ اخْتَارُوا الْقَتْلَ فَمَاتَ الْقَاتِلُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ كَانَتْ لَهُمْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَبْطُلُ عَنْهُمْ بِأَنْ يَخْتَارُوا الْقَتْلَ وَيَقْتُلُونَ فَيَكُونُونَ مُسْتَوْفِينَ لِحَقِّهِمْ مِنْ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَضَى لَهُمْ بِالْقِصَاصِ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ فَمَاتَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ كَانَتْ لَهُمْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يَمُتْ الْقَاتِلُ وَلَكِنْ رَجُلٌ قَتَلَهُ خَطَأً فَأُخِذَتْ لَهُ
(6/10)

دِيَةٌ كَانَتْ الدِّيَةُ مَالًا مِنْ مَالِهِ لَا يَكُونُ أَهْلُ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ أَحَقَّ بِهَا مِنْ غُرَمَائِهِ كَمَا لَا يَكُونُونَ أَحَقَّ بِمَا سِوَاهَا مِنْ مَالِهِ وَلَهُمْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ يَكُونُونَ بِهَا أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَرَحَهُ رَجُلٌ عَمْدًا، ثُمَّ عَفَا الْمَجْرُوحُ عَنْ الْجُرْحِ وَمَا حَدَثَ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ لَمْ يَكُنْ إلَى قَتْلِ الْجَارِحِ سَبِيلٌ بِأَنَّ الْمَجْرُوحَ قَدْ عَفَا الْقَتْلَ فَإِنْ كَانَ عَفَا عَنْهُ لِيَأْخُذَ عَقْلَ الْجُرْحِ أُخِذَتْ مِنْهُ الدِّيَةُ تَامَّةً؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ قَدْ صَارَ نَفْسًا وَإِنْ كَانَ عَفَا عَنْ الْعَقْلِ وَالْقِصَاصِ فِي الْجُرْحِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجُرْحِ فَمَنْ لَمْ يُجِزْ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ أَبْطَلَ الْعَفْوَ وَجَعَلَ الدِّيَةَ تَامَّةً لِلْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ وَمَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ لِلْقَاتِلِ جَعَلَ عَفَوْهُ عَنْ الْجُرْحِ وَصِيَّةً يُضْرَبُ بِهَا الْقَاتِلُ فِي الثُّلُثِ مَعَ أَهْلِ الْوَصَايَا وَقَالَ فِيمَا زَادَ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى عَقْلِ الْجُرْحِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَهُ مِثْلُ عَقْلِ الْجُرْحِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِهِ مُلِكَ عَنْهُ وَالْآخَرُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ عَنْهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَتَلَ نَفَرٌ رَجُلًا عَمْدًا كَانَ لِوَلِيِّ الْقَتْلِ أَنْ يَقْتُلَ فِي قَوْلِ مَنْ قَتَلَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ - أَيَّهُمْ أَرَادَ وَيَأْخُذَ مِمَّنْ أَرَادَ مِنْهُمْ الدِّيَةَ بِقَدْرِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا كَأَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَعَفَا عَنْ وَاحِدٍ فَيَأْخُذَ مِنْ الِاثْنَيْنِ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ أَوْ يَقْتُلَهُمَا إنْ شَاءَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانُوا نَفَرًا فَضَرَبُوهُ مَعًا فَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِمْ، وَأَحَدُهُمْ ضَارِبٌ بِحَدِيدَةٍ وَالْآخَرُ بِعَصًا خَفِيفَةٍ وَالْآخَرُ بِحَجَرٍ أَوْ سَوْطٍ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَكُلُّهُمْ عَامِدٌ لِلضَّرْبِ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنِّي لَا أَعْلَمُ بِأَيِّ الضَّرْبِ كَانَ الْمَوْتُ وَفِي بَعْضِ الضَّرْبِ مَا لَا قَوَدَ فِيهِ بِحَالٍ وَعَلَى الْعَامِدِ بِالْحَدِيدِ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ وَعَلَى الْآخَرِينَ حِصَّتُهُمَا عَلَى عَاقِلَتِهِمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِمْ وَاحِدٌ رَمَى شَيْئًا فَأَخْطَأَ بِهِ فَأَصَابَهُ مَعَهُمْ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِ الْعَامِدِينَ بِالْحَدِيدِ - الدِّيَةُ فِي حِصَصِهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ حَالَّةً وَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ بِالْحَدِيدَةِ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ كَمَا تَكُونُ دِيَةُ الْخَطَأِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ عَفَا الْمَقْتُولُ عَنْ هَؤُلَاءِ.
كُلِّهِمْ كَانَ الْقَوْلُ فِيمَنْ لَا يُجِيزُ لِلْقَاتِلِ وَصِيَّةً أَوْ مَنْ يُجِيزُهَا كَمَا وَصَفْتُ، وَقَالَ فِي الَّذِي يُشْرِكُهُمْ بِخَطَأٍ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْعَاقِلَةِ لَا لِلْقَاتِلِ فَجَمِيعُ مَا أَصَابَ الْعَاقِلَةُ مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِهِمْ مِنْ الدِّيَةِ وَصِيَّةٌ لَهُمْ جَائِزَةٌ مِنْ الثُّلُثِ وَالْآخَرُ أَنْ لَا تَجُوزَ لَهُ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ عَنْ الْعَاقِلَةِ إلَّا بِسُقُوطِهَا عَنْهُ فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِلْقَاتِلِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) الْقَوْلُ الثَّانِي أَصَحُّ عِنْدِي.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ فِي الرَّجُلِ يَجْرَحُ الرَّجُلَ جُرْحًا يَكُونُ فِي مِثْلِهِ قِصَاصٌ فَيَبْرَأُ الْمَجْرُوحُ مِنْهُ أَنَّ لِلْمَجْرُوحِ فِي جُرْحِهِ مِثْلَ مَا كَانَ لِأَوْلِيَائِهِ فِي قَتْلِهِ مِنْ الْخِيَارِ فَإِنْ شَاءَ اسْتَقَادَ مِنْ جُرْحِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ عَقْلَ الْجُرْحِ مِنْ مَالِ الْجَارِحِ حَالًّا يَكُونُ غَرِيمًا مِنْ الْغُرَمَاءِ يُحَاصُّ أَهْلَ الدَّيْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَصَابَهُ مِنْ جُرْحٍ عَمْدًا لَا قِصَاصَ فِيهِ فَعَقْلُهُ فِي مَالِ الْجَارِحِ حَالٌّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ جِنَايَاتٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِمَّا أَرَادَ وَيَأْخُذَ الْعَقْلَ مِمَّا أَرَادَ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى عَلَيْهِ نَفَرٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْ بَعْضِهِمْ وَيَأْخُذَ مِنْ بَعْضٍ الْعَقْلَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ أَوْ الْجَارِحُ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ حُرًّا مُسْلِمًا كَانَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ وَلِلْمَجْرُوحِ فِي نَفْسِهِ عَلَى الْجَانِي الْقِصَاصُ أَوْ اخْتِيَارُ الْعَقْلِ مِنْ الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ فَإِنْ اخْتَارُوهُ أَوْ اخْتَارَهُ فَاقْتَصُّوا أَوْ اقْتَصَّ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ غَيْرُ الْقِصَاصِ فَإِنْ اخْتَارُوا أَوْ اخْتَارَ الْعَقْلَ فَذَلِكَ فِي مَالِ الذِّمِّيِّ حَالَ يَكُونُونَ فِي مَالِهِ غُرَمَاءَ لَهُ وَفِي عِتْقِ الْعَبْدِ كَامِلًا يُبَاعُ فِيهِ فَإِنْ بَلَغَ الْعَقْلَ كَامِلًا فَذَلِكَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَوْ الْمَجْرُوحِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ لَمْ يَلْزَمْ سَيِّدَهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ زَادَ ثَمَنُ الْعَبْدِ عَلَى الْعَقْلِ رُدَّ إلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ وَإِنْ شَاءَ سَيِّدُ الْعَبْدِ قَبْلَ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَقْلَ النَّفْسِ أَوْ الْجُرْحَ مُتَطَوِّعًا غَيْرَ مَجْبُورٍ عَلَيْهِ لَمْ يُبَعْ عَلَيْهِ عَبْدُهُ وَقَدْ أَدَّى جَمِيعَ مَا فِي عُنُقِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ.
(6/11)

الْجَانِي عَبْدًا عَلَى عَبْدٍ كَانَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْخِيَارُ فِي الْقِصَاصِ أَوْ الْعَقْلِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ جُرْحًا بَرِئَ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا أَوْ غَيْرَ مَرْهُونٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَخَذَ لَهُ عَقْلًا وَهُوَ مَرْهُونٌ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مَا أَخَذَ لَهُ مِنْ الْعَقْلِ رَهْنًا إلَى الْمُرْتَهِنِ أَوْ يَجْعَلَهُ قِصَاصًا مِنْ دَيْنِهِ وَلَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إنَّمَا جَعَلْتُ عَلَيْهِ إذَا أَخَذَ الْعَقْلَ أَنْ يَجْعَلَهُ رَهْنًا أَوْ قِصَاصًا؛ لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ بَدَنِ الْعَبْدِ إنْ مَاتَ أَوْ نَقَصَ بَدَنُهُ لِنَقْصِ الْجِرَاحِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَمُتْ وَسَوَاءٌ هَذَا فِي الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ لِمَالِكَ الْمَمْلُوكِ فِي هَذَا كُلِّهِ فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَذَلِكَ إلَيْهِ دُونَ سَيِّدِهِ يَقْتَصُّ إنْ شَاءَ أَوْ يَأْخُذُ الدِّيَةَ فَإِنْ أَخَذَ الدِّيَةَ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَمَا يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ.
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّبِيعُ) وَفِي الْمُكَاتَبِ يُجْنَى عَلَيْهِ جِنَايَةٌ فِيهَا قِصَاصٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ فَيَصِيرُ رَقِيقًا فَيَكُونُ قَدْ أَتْلَفَ عَلَى سَيِّدِهِ الْمَالَ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنْ الْقِصَاصِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ وَيَكُونَ أَوْلَى بِهِ مِنْ السَّيِّدِ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي كِتَابَتِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اخْتَارَ الْعَقْلَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الَّذِي فِيهِ الْقِصَاصُ فَهُوَ حَالٌّ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا وَكُلُّ عَمْدٍ وَإِنْ كَانَ دِيَاتٍ فِي مَالِ الْجَانِي مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مِنْ قَتْلِ الْعَمْدِ شَيْئًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَحَبَّ الْوُلَاةُ أَوْ الْمَجْرُوحُ الْعَفْوَ فِي الْقَتْلِ بِلَا مَالٍ وَلَا قَوَدٍ فَذَلِكَ لَهُمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ الْعَفْوَ فِي الْقَتْلِ بِلَا مَالٍ وَلَا قَوَدٍ؟ قِيلَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] وَمِنْ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَنَّ فِي الْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ كَفَّارَةً أَوْ قَالَ شَيْئًا يَرْغَبُ بِهِ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إنْ أَحَبُّوا فَالْقَوَدُ وَإِنْ أَحَبُّوا فَالْعَقْلُ» قِيلَ لَهُ: نَعَمْ هُوَ فِيمَا يَأْخُذُونَ مِنْ الْقَاتِلِ مِنْ الْقَتْلِ، وَالْعَفْوُ بِالدِّيَةِ وَالْعَفْوُ بِلَا وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِأَخْذٍ مِنْ الْقَاتِلِ إنَّمَا هُوَ تَرْكٌ لَهُ كَمَا قَالَ «وَمَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ مُعْدَمٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» لَيْسَ أَنْ لَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ وَلَا تَرْكُ شَيْءٍ يُوجِبُ لَهُ إنَّمَا يُقَالُ هُوَ لَهُ، وَكُلُّ مَا قِيلَ لَهُ أَخْذُهُ فَلَهُ تَرْكُهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا، ثُمَّ مَاتَ الْقَاتِلُ فَالدِّيَةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَأْخُذُوا أَيَّهُمَا شَاءُوا إلَّا أَنَّ حَقَّهُمْ فِي وَاحِدٍ دُونَ وَاحِدٍ فَإِذَا فَاتَ وَاحِدٌ فَحَقُّهُمْ ثَابِتٌ فِي الَّذِي كَانَ حَقَّهُمْ فِيهِ إنْ شَاءُوا وَهُوَ حَيٌّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لِلرَّجُلِ إذَا جَرَحَهُ الرَّجُلُ الْخِيَارُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْجُرْحِ فَإِنْ مَاتَ الْجَارِحُ فَلَهُ عَقْلُ الْجُرْحِ إنْ شَاءَ حَالًّا كَمَا وَصَفْتُ فِي مَالِ الْجَارِحِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ أَيُّ مِيتَةٍ مَاتَ الْقَاتِلُ وَالْجَارِحُ بِقَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ فَدِيَةُ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ، وَجُرْحُهُ فِي مَالِهِ.

فَإِنْ جُرِحَ رَجُلٌ جِرَاحَاتٍ فِي كُلِّهَا قِصَاصٌ فَلِلْمَجْرُوحِ الْخِيَارُ فِي كُلِّ جُرْحٍ مِنْهَا كَمَا يَكُونُ فِي جُرْحٍ وَاحِدٍ لَوْ جَرَحَهُ إيَّاهُ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ مِنْ بَعْضِهَا وَأَخَذَ الدِّيَةَ مِنْ بَعْضِهَا وَإِنْ شَاءَ ذَلِكَ فِي كُلِّهَا فَهُوَ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : كَأَنَّهُ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَأَوْضَحَهُ فَإِنْ شَاءَ قَطَعَ لَهُ يَدًا وَرِجْلًا وَأَخَذَ عَقْلَ يَدٍ وَرِجْلٍ وَإِنْ شَاءَ أَوْضَحَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ إذَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي كُلٍّ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي بَعْضٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ وَالْمَجْرُوحِ بَعْدَ مَوْتِهِ إنْ أَحَبُّوا اقْتَصُّوا لِلْمَيِّتِ مِنْ النَّفْسِ أَوْ الْجُرْحِ إنْ لَمْ يَكُنْ نَفْسَهُ وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ وَإِنْ أَحَبُّوا إذَا كَانَتْ جِرَاحٌ وَلَمْ يَكُنْ نَفْسٌ أَنْ يَأْخُذُوا أَرْشَ بَعْضِ الْجِرَاحِ وَيَقْتَصُّوا مِنْ بَعْضٍ كَانَ لَهُمْ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ قَتَلَ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرُ بِوَاحِدٍ فَقَتَلَ عَشَرَةٌ رَجُلًا عَمْدًا فَلِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ شَاءُوا مِنْهُمْ وَأَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ مِمَّنْ شَاءُوا فَإِذَا أَخَذُوا الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ وَاحِدٍ إلَّا عُشْرَ الدِّيَةِ وَإِذَا كَانَتْ الدِّيَةُ فَإِنَّمَا يَغْرَمُهَا الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ مَنْ شَرِكَهُ فِيهَا وَهِيَ خِلَافُ الْقِصَاصِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ مَاتَ الْمَقْطُوعَةُ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحِ فَأَرَادَ وَرَثَتُهُ الْقِصَاصَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَصْنَعُوا مَا صَنَعَ بِصَاحِبِهِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ وَيَأْخُذُوا أَرْشًا فِيمَا صَنَعَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَإِذَا كَانَتْ.
(6/12)

النَّفْسَ فَلَا أَرْشَ لِلْجِرَاحِ لِدُخُولِ الْجِرَاحِ فِي النَّفْسِ وَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا دِيَةَ النَّفْسِ كُلَّهَا وَيَدَعُوا الْقِصَاصَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْ يَدَيْهِ دُونَ رِجْلَيْهِ أَوْ بَعْضَ أَطْرَافِهِ الَّتِي قَطَعَ مِنْهُ وَيَدَعُوا قَتْلَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ إذَا قَضَيْت لَهُمْ بِأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَيَقْتُلُوهُ قَضَيْت لَهُمْ بِأَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَيَدَعُوا قَتْلَهُ فَإِنْ قَالُوا نَقْطَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ نَأْخُذُ مِنْهُ دِيَةً أَوْ بَعْضَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ وَقِيلَ إذَا قَطَعْتُمْ يَدَيْهِ فَقَدْ أَخَذْتُمْ مِنْهُ مَا فِيهِ الدِّيَةُ فَلَا يَكُونُ لَكُمْ عَلَيْهِ زِيَادَةٌ إلَّا الْقَطْعُ أَوْ الْقَتْلُ فَأَمَّا مَالٌ فَلَا وَلَوْ قَطَعُوا لَهُ يَدًا أَوْ رِجْلًا ثُمَّ قَالُوا نَأْخُذُ نِصْفَ الدِّيَةِ كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ فَأَرَادُوا أَخْذَ الْقَوَدِ مِنْ يَدٍ وَالْأَرْشِ مِنْ أُخْرَى كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَبْرَأَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَجَرَحَهُ جَائِفَةً مَعَ قَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ: نَجْرَحُهُ جَائِفَةً وَنَقْتُلُهُ لَمْ يُمْنَعُوا ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادُوا تَرْكَهُ بَعْدَهَا تَرَكُوهُ وَلَوْ قَالُوا عَلَى الِابْتِدَاءِ: نَجْرَحُهُ جَائِفَةً وَلَا نَقْتُلُهُ لَمْ يُتْرَكُوا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يُتْرَكُونَ إذَا قَالُوا نَقْتُلُهُ بِمَا يُقَادُ مِنْهُ فِي الْجِنَايَةِ وَأَمَّا مَا لَا يُقَادُ مِنْهُ فَلَا يُتْرَكُونَ وَإِيَّاهُ.

[وُلَاةُ الْقِصَاصِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِيرَاثًا مِنْهُ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إنْ أَحَبُّوا فَالْقَوَدُ وَإِنْ أَحَبُّوا فَالْعَقْلُ» وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ فِيمَا عَلِمْتُهُ فِي أَنَّ الْعَقْلَ مَوْرُوثٌ كَمَا يُورَثُ الْمَالُ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَكُلُّ وَارِثٍ وَلِيُّ الدَّمِ كَمَا كَانَ لِكُلِّ وَارِثٍ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ زَوْجَةً كَانَتْ لَهُ أَوْ ابْنَةً أَوْ أُمًّا أَوْ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ وِلَايَةِ الدَّمِ إذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا بِالدَّمِ مَالًا كَمَا لَا يُخْرِجُونَ مَنْ سِوَاهُ مِنْ مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقِصَاصِ إلَّا بِأَنْ يُجْمِعَ جَمِيعُ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا عَلَى الْقِصَاصِ فَإِذَا فَعَلُوا فَلَهُمْ الْقِصَاصُ وَإِذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ وَلَا مَالَ لَهُ أَوْ كَانَتْ لَهُ وَصَايَا كَانَ لِلْوَرَثَةِ الْقَتْلُ وَإِنْ كَرِهَ أَهْلُ الدَّيْنِ وَالْوَصَايَا؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَأَنَّ الْوَرَثَةَ إنْ شَاءُوا مَلَكُوا الْمَالَ بِسَبَبِهِ وَإِنْ شَاءُوا مَلَكُوا الْقَوَدَ، وَكَذَلِكَ إنْ شَاءُوا عَفَوْا عَلَى غَيْرِ مَالٍ وَلَا قَوَدٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يُمْلَكُ بِالْعَمْدِ إلَّا بِمَشِيئَةِ الْوَرَثَةِ أَوْ بِمَشِيئَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ حَيًّا وَإِذَا كَانَ فِي وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ صِغَارٌ أَوْ غُيَّبٌ لَمْ يَكُنْ إلَى الْقِصَاصِ سَبِيلٌ حَتَّى يَحْضُرَ الْغُيَّبُ وَيَبْلُغَ الصِّغَارُ فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى الْقِصَاصِ فَذَلِكَ لَهُمْ وَإِذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَعْتُوهٌ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقِصَاصِ حَتَّى يُفِيقَ أَوْ يَمُوتَ فَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ وَأَيُّ الْوَرَثَةِ كَانَ بَالِغًا فَعَفَا بِمَالٍ أَوْ بِلَا مَالٍ سَقَطَ الْقِصَاصُ وَكَانَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْ الْوَرَثَةِ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَإِذَا سَقَطَ الْقِصَاصُ صَارَتْ لَهُمْ الدِّيَةُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِلدَّمِ وَلِيَّانِ فَحُكِمَ لَهُمَا بِالْقِصَاصِ أَوْ لَمْ يُحْكَمْ حَتَّى قَالَ أَحَدُهُمَا: قَدْ عَفَوْتُ الْقَتْلَ لِلَّهِ أَوْ قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ أَوْ قَدْ تَرَكْتُ الِاقْتِصَاصَ مِنْهُ أَوْ قَالَ الْقَاتِلُ: اُعْفُ عَنِّي فَقَالَ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ فَقَدْ بَطَلَ الْقِصَاصُ عَنْهُ وَهُوَ عَلَى حَقِّهِ مِنْ الدِّيَةِ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهِ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ عَفْوَهُ عَنْ الْقِصَاصِ غَيْرُ عَفْوِهِ عَنْ الْمَالِ إنَّمَا هُوَ عَفْوُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ قَالَ اللَّه تَعَالَى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 178] يَعْنِي مَنْ عُفِيَ لَهُ
(6/13)

عَنْ الْقِصَاصِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِصَاصٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ الدِّيَةِ وَلَوْ قَالَ قَدْ عَفَوْتُ مَا لَزِمَكَ لِي لَمْ يَكُنْ هَذَا عَفْوًا لِلدِّيَةِ وَكَانَ عَفْوًا لِلْقِصَاصِ وَإِنَّمَا كَانَ عَفْوًا لِلْقِصَاصِ دُونَ الْمَالِ وَلَمْ يَكُنْ عَفْوًا لِلْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ وَلَا لَهُمَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ بِالْقِصَاصِ، ثُمَّ قَالَ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 178] فَاعْلَمْ أَنَّ الْعَفْوَ مُطْلَقًا إنَّمَا هُوَ تَرْكُ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ الْأَمْرَيْنِ وَحَكَمَ بِأَنْ يَتَّبِعَ بِالْمَعْرُوفِ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ الْمَعْفُوُّ لَهُ بِإِحْسَانٍ وَقَوْلُهُ مَا يَلْزَمُكَ لِي عَلَى الْقِصَاصِ اللَّازِمِ كَانَ لَهُ وَهُوَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إذَا عُفِيَ لَهُ عَنْ الْقِصَاصِ بِأَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهِ الدِّيَةَ حَتَّى يَعْفُوَهَا صَاحِبُهَا وَلَوْ قَالَ قَدْ عَفَوْتُ عَنْك الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ هَذَا عَفْوًا لَهُ عَنْ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ مُقِيمًا عَلَى الْقِصَاصِ فَالْقِصَاصُ لَهُ دُونَ الدِّيَةِ وَهُوَ لَا يَأْخُذُ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَدْ عَفَوْتُ عَنْ الدِّيَةِ، ثُمَّ مَاتَ الْقَاتِلُ فَإِنَّ لَهُ أَخْذَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْهَا وَلَيْسَتْ لَهُ إنَّمَا تَكُونُ لَهُ بَعْدَ عَفْوِهِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَإِنْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنْ الدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ جَازَ عَفْوُهُ، وَلَوْ عَفَاهُمَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَانَ عَفْوُهُ جَائِزًا وَكَانَ عَفْوُهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ وَصِيَّةً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ فَعَفَا أَحَدُهُمَا الْقِصَاصَ لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِي إلَّا الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا فَعَفَاهَا فَعَفْوُهُ بَاطِلٌ وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ إلَّا أَخْذُهَا مِنْ الْقَاتِلِ، وَلَوْ عَفَاهَا وَلِيُّهُ كَانَ عَفْوُهُ بَاطِلًا، وَكَذَلِكَ لَوْ صَالَحَ وَلِيُّهُ مِنْهَا عَلَى شَيْءٍ لَيْسَ بِنَظَرٍ لَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا يَجُوزُ لَهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا عَفَا الْمَحْجُورُ عَنْ الْقِصَاصِ جَازَ عَفْوُهُ عَنْهُ وَكَانَتْ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مَعَهُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ فِي عَفْوِهِ عَنْ الْقِصَاصِ زِيَادَةً فِي مَالِهِ وَعَفْوُهُ الْمَالَ نَقْصٌ فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُ الْمَالَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ جَازَ لَهُ عَفْوُ مَالِهِ سِوَى الدِّيَةِ جَازَ ذَلِكَ لَهُ فِي الدِّيَةِ وَمَنْ لَمْ يَجُزْ عَفْوُ مَالِهِ سِوَى الدِّيَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ عَفْوُ الدِّيَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ قَدْ عَفَوْت عَنْ الْقَاتِلِ أَوْ قَدْ عَفَوْت حَقِّي عَنْ الْقَاتِلِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَخْذُ حَقِّهِ مِنْ الدِّيَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْقِصَاصُ فَإِنْ ادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّهُ قَدْ عَفَا الدِّيَةَ وَالْقَوَدَ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَإِنْ أَرَادَ إحْلَافَ الْوَرَثَةِ مَا يَعْلَمُونَهُ عَفَاهُمَا أَحَلَفُوهُمْ وَأَخَذُوا بِحَقِّهِمْ مِنْ الدِّيَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْعَافِي حَيًّا فَادَّعَى عَلَيْهِ الْقَاتِلُ أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ الدَّمَ وَالْمَالَ أُحْلِفَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ جِنَايَةٍ عَلَى أَحَدٍ فِيهَا الْقِصَاصُ دُونَ النَّفْسِ كَالنَّفْسِ، لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا أَرَادَ أَوْ أَخْذُ الْمَالِ أَوْ الْعَفْوُ بِلَا مَالٍ فَإِنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ الْجِرَاحِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ فَوَلِيُّهُ يَقُومُ فِي الِاقْتِصَاصِ وَالْعَفْوِ مَقَامَهُ وَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي النَّفْسِ لَا يَخْتَلِفَانِ.

[بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْعَفْوِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ أَوْ غَيْرِهَا فَشَهِدَ أَحَدُ وَرَثَتِهِ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَفَا الْقِصَاصَ أَوْ عَفَا الْمَالَ وَالْقِصَاصَ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقِصَاصِ كَانَ الشَّاهِدُ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَوْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ بَالِغًا وَارِثًا لِلْمَقْتُولِ؛ لِأَنَّ فِي شَهَادَتِهِ إقْرَارًا أَنَّ دَمَ الْقَاتِلِ مَمْنُوعٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أُحَلِّفُ الشُّهُودَ عَلَيْهِ مَا عَفَا الْمَالَ وَكَانَتْ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ وَلَا يَحْلِفُ مَا عَفَا الْقِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى الْقِصَاصِ وَلَا أُحَلِّفُهُ عَلَى مَا إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ أَطْرَحْ عَنْهُ بِيَمِينِهِ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ.
(قَالَ
(6/14)

الشَّافِعِيُّ) وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ حَلَفَ الْقَاتِلُ مَعَ شَهَادَتِهِ لَهُ أَنَّهُ عَفَا عَنْهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِالْمَالِ وَبَرِئَ مِنْ حِصَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ وَأَخَذَ مَنْ بَقِيَ مِنْ الْوَرَثَةِ مِنْهُمْ حِصَصَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ.

وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى الْوَارِثِ أَنَّهُ قَالَ قَدْ عَفَوْتُ عَنْ دَمِ أَبِي أَوْ عَفَوْتُ عَنْ فُلَانٍ دَمَ أَبِي أَوْ عَفَوْتُ عَنْ فُلَانٍ تَبَاعَتِي فِي دَمِ أَبِي أَوْ عَفَوْتُ عَنْ فُلَانٍ مَا يَلْزَمُهُ لِأَبِي أَوْ مَا يَلْزَمُهُ لِي مِنْ قِبَلِ أَبِي كَانَ هَذَا كُلُّهُ عَفْوًا لِلدَّمِ وَلَمْ يَكُنْ عَفْوًا لِحِصَّتِهِ مِنْ الدِّيَةِ حَتَّى يُبَيِّنَ فَيَقُولَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ الدَّمَ وَالدِّيَةَ أَوْ الدَّمَ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَالِ وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ فَقَالَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْعُقُوبَةِ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَكُنْ هَذَا عَفْوًا لِلْمَالِ حَتَّى يَقُولَ: قَدْ عَفَوْت عَنْهُ الدَّمَ وَالْمَالَ الَّذِي يَلْزَمُهُ لِأَبِي، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَدْ عَفَوْت عَنْهُ دَمًا وَمَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى الْعُقُوبَةَ تَلْزَمُهُ وَلَيْسَ هَذَا عَفْوًا لِلْمَالِ حَتَّى يُسَمِّيَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ وَصَلَ فَقَالَ: قَدْ عَفَوْت عَنْهُ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي دَمِ أَبِي مِنْ قِصَاصٍ وَعُقُوبَةٍ فِي مَالٍ لَمْ يَكُنْ عَفْوًا عَنْ الدِّيَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا يَلْزَمُهُ لِي مِنْ الْمَالِ أَوْ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجْهَلُ فَيَرَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرَقَ لَهُ مَالٌ أَوْ يُقْطَعَ أَوْ يُعَاقَبَ فِيهِ فَالدِّيَةُ لَيْسَتْ عُقُوبَةً وَعَلَيْهِ فِي هَذَا كُلِّهِ الْيَمِينُ مَا عَفَا الدِّيَةَ وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَشَهِدَ الِاثْنَانِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا عَلَى الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِمَا أَنَّهُمْ عَفَوْا الدِّيَةَ وَالْقِصَاصَ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ جَائِزَةً وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ شَهَادَتِهِمْ مَا يَجُرُّونَ بِهِ إلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَدْفَعُونَ بِهِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَفْوُ الدَّمِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَهُ صَاحِبُهُ وَلَيْسَتْ تَصِيرُ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَفْوًا إلَى صَاحِبِهِ فَيَكُونُ جَارًّا بِهَا إلَى نَفْسِهِ شَيْئًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لِلدَّمِ وَلِيَّانِ: أَحَدُهُمَا غَائِبٌ أَوْ صَغِيرٌ أَوْ حَاضِرٌ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْقَتْلِ وَلَمْ يُخَيِّرْهُ فَعَدَا أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ فَقَتَلَ قَاتِلَ أَبِيهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا قِصَاصَ بِحَالٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا يُسْقِطُ مَنْ قَالَ هَذَا - الْقَوَدَ عَنْهُ إذَا لَمْ يُجْمِعْ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ وَإِنَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] يَحْتَمِلُ أَيَّ وَلِيٍّ قَتَلَ كَانَ أَحَقَّ بِالْقَتْلِ وَقَدْ كَانَ يَذْهَبُ إلَى هَذَا أَكْثَرُ مُفْتِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَقُولُونَ لَوْ قُتِلَ رَجُلٌ لَهُ مِائَةُ وَلِيٍّ فَعَفَا تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ كَانَ لِلْبَاقِي الَّذِي لَمْ يَعْفُ الْقَوَدُ وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْحَدِّ يَكُونُ لِلرَّجُلِ فَيَمُوتُ فَيَعْفُو أَحَدُ بَنِيهِ أَنَّ لِلْآخَرِ الْقِيَامَ بِهِ فَبِهَذَا أَسْقَطَ مَنْ قَالَ هَذَا الْقِصَاصَ عَنْ الْقَاتِلِ وَالتَّعْزِيرَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُ عُزِّرَ بِالتَّعَدِّي بِالْقَتْلِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ، ثُمَّ قِيلَ لِوُلَاةِ الدَّمِ مَعَهُ لَكُمْ حِصَّةٌ مِنْ الدِّيَةِ فَإِنْ عَفَوْتُمُوهَا تَرَكْتُمْ حَقَّكُمْ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَخْذَهَا فَهِيَ لَكُمْ وَالْقَوْلُ مِمَّنْ يَأْخُذُونَهَا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا لَهُمْ فِي مَالِ الْقَاتِلِ وَيَرْجِعُ بِهَا وَرَثَةُ الْقَاتِلِ فِي مَالِ قَاتِلِهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ إنْ عَفَوْا عَنْ الْقَاتِلِ الدِّيَةَ رَجَعَ وَرَثَةُ قَاتِلِ الْمَقْتُولِ عَلَى قَاتِلِ صَاحِبِهِمْ بِحِصَّةِ الْوَرَثَةِ مَعَهُ مِنْ الدِّيَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا لِلْوَرَثَةِ فِي مَالِ أَخِيهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلُ أَبِيهِمْ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا كَانَتْ تَلْزَمُهُ لَوْ كَانَ لَمْ يَقْتُلْهُ وَلِيٌّ فَإِذَا قَتَلَهُ وَلِيٌّ يُدْرَأُ عَنْهُ الْقِصَاصُ فَلَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَيُوجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ قَاتِلَ أَبِيهِ الْقِصَاصَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى الْقَتْلِ وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَقَالَ قَتَلَ ابْنِي أَوْ رَجُلًا أَنَا وَلِيُّهُ طُلِبَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَقَامَهَا بِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا عُزِّرَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ وَلَا كَفَّارَةٌ وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا اُقْتُصَّ مِنْهُ.

وَلَوْ قُتِلَ رَجُلٌ لَهُ وَلِيَّانِ فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا قَاتِلَ أَبِيهِ وَادَّعَى أَنَّ الْوَلِيَّ مَعَهُ أَذِنَ لَهُ أُحَلِّفُ الْوَلِيَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ كَانَ لَهُ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ عَلَى مَا وَصَفْت وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ الدِّيَةِ.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ وَلِيَّانِ أَوْ أَوْلِيَاءُ فَعَفَا أَحَدُ
(6/15)

أَوْلِيَائِهِ الْقِصَاصَ، ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ فَقَتَلَهُ وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ عَفْوَ مَنْ مَعِي فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ فَإِذَا اقْتَصَّ مِنْهُ فَنَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ الْمَقْتُولِ الَّذِي اُقْتُصَّ مِنْهُ وَالْآخَرُ أَنْ يَحْلِفَ مَا عَلِمَ عَفْوَهُ، ثُمَّ عُوقِبَ وَلَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ وَأُغَرِّمُ دِيَتَهُ حَالَّةً فِي مَالِهِ يُرْفَعُ عَنْهُ مِنْهَا بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ دِيَةِ الْمَقْتُولِ الَّذِي هُوَ وَارِثُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَلَفَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الْآخَرِ لَقَدْ عَلِمَ، ثُمَّ فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ وَالْآخَرُ لَا قِصَاصَ مِنْهُ وَمَنْ قَالَ يُقْتَصُّ مِنْهُ جَعَلَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ نَصِيبَهُمْ مِنْ الدِّيَةِ وَلِلَّذِي قُتِلَ بِهِ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ لَمَّا أَخَذَ مِنْهُ الْقِصَاصَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا عَفَا أَحَدُ الْوَرَثَةِ الْقِصَاصَ فَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَهُمْ بِالدِّيَةِ فَأَيُّهُمْ قَتَلَ الْقَاتِلَ قُتِلَ بِهِ إلَّا أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ وَرَثَتُهُ.

[بَابُ عَفْوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْجِنَايَةَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ الْجِنَايَةَ فِيهَا قِصَاصٌ فَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَدْ عَفَوْت عَنْ الْجَانِي جِنَايَتَهُ عَلَيَّ وَبَرَّأَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ الْجِنَايَةِ سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْ الْجَانِي وَسَأَلَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ قَدْ عَفَوْت لَهُ الْقِصَاصَ وَالْمَالَ جَازَ عَفْوُهُ لِلْمَالِ إنْ كَانَ يَلِي مَالَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَلِي مَالَهُ جَازَ عَفْوُهُ لِلْقِصَاصِ وَأُخِذَ لَهُ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا وَهَكَذَا إنْ مَاتَ مِنْ جِنَايَةِ الْجَانِي وَهُوَ يَلِي مَالَهُ سُئِلَ وَرَثَتُهُ فَإِنْ قَالُوا: لَا نَعْلَمُهُ عَفَا الْمَالَ، أُحْلِفُوا: مَا عَلِمُوهُ عَفَا الْمَالَ وَأَخَذُوا الْمَالَ مِنْ مَالِ الْجَانِي إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْجَانِي بِبَيِّنَةٍ عَلَى عَفْوِهِ الْمَالَ وَالْقِصَاصَ مَعًا فَيَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ، وَلَوْ جَاءَ الْجَانِي بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ قَالَ قَدْ عَفَوْت عَنْهُ مَا يَلْزَمُهُ فِي جِنَايَتِهِ عَلَيَّ لَمْ يَكُنْ هَذَا عَفْوَ الْمَالِ حَتَّى يُبَيِّنَ فَيَقُولَ مِنْ قِصَاصٍ وَأَرْشٍ فَيَجُوزَ عَفْوُ الْمَالِ وَلَوْ مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مِنْ جِنَايَةِ الْجَانِي بَعْدَ قَوْلِهِ قَدْ عَفَوْت عَنْ الْجَانِي جِنَايَتَهُ عَلَيَّ سَقَطُ الْقِصَاصُ وَكَانَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ دِيَةُ النَّفْسِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ قَدْ عَفَوْت عَنْهُ مَا لَزِمَهُ فِي جِنَايَتِهِ عَلَيَّ مِنْ عَقْلٍ وَقَوَدٍ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا كَانَ هَكَذَا.
وَلَوْ قَالَ: قَدْ عَفَوْت عَنْهُ مَا لَزِمَهُ فِي جِنَايَتِهِ عَلَيَّ مِنْ عَقْلٍ وَقَوَدٍ فَلَمْ يَمُتْ مِنْ الْجِنَايَةِ وَصَحَّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِهَا جَازَ الْعَفْوُ فِيمَا لَزِمَهُ بِالْجِنَايَةِ نَفْسِهَا وَلَمْ يَجُزْ فِيمَا لَزِمَهُ بِزِيَادَتِهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ تَكُنْ وَجَبَتْ لَهُ يَوْمَ عَفَا، وَلَمْ تَكُنْ وَصِيَّةً بِحَالٍ وَكَانَتْ كَهِبَةٍ وَهَبَهَا مَرِيضًا، ثُمَّ صَحَّ فَتَجُوزُ جَوَازَ هِبَةِ الصَّحِيحِ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَلَمْ يَصِحَّ حَتَّى جَرَحَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَخَرَجَ الْأَوَّلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا كَانَ أَرْشُ الْجُرْحِ كُلِّهِ وَصِيَّةً جَائِزَةً يُضْرَبُ بِهَا مَعَ أَهْلِ الْوَصَايَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ.
(قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ) وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ قَاتِلٌ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَارِحُ الثَّانِي قَدْ ذَبَحَهُ أَوْ قَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ فَيَكُونُ هُوَ الْقَاتِلَ وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْقَاتِلُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَقَالَ قَدْ عَفَوْت عَنْهُ الْجِنَايَةَ وَمَا يَحْدُثُ فِيهَا وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا مِنْ عَقْلٍ وَقَوَدٍ ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوَدِ بِحَالِ الْعَفْوِ عَنْهُ وَالنَّظَرِ إلَى أَرْشِ الْجِنَايَةِ نَفْسِهَا فَكَانَ فِيهَا قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَائِزُ الْعَفْوِ عَنْهُ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْعَافِي عَنْهُ كَأَنْ كَانَ شَجَّهُ مُوضِحَةً فَعَفَا عَقْلَهَا وَقَوَدَهَا فَيُرْفَعُ عَنْهُ مِنْ الدِّيَةِ نِصْفُ عُشْرِهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْجِنَايَةِ وَيَأْخُذُ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّهُ عَفَا عَمَّا لَمْ يَجِبْ لَهُ فَلَا يَجُوزُ عَفْوُهُ فِيهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يُؤْخَذَ بِجَمِيعِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَفْسًا وَهَذَا قَاتِلٌ لَا تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّةٌ بِحَالٍ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ يَدَيْنِ وَرِجْلَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْهَا وَعَفَا جَازَ لَهُ الْعَفْوُ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ وَجَبَتْ لَهُ أَكْثَرَ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ نَقَصَ بِالْمَوْتِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ نَفْسًا وَهَذَا قَاتِلٌ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ قَدْ عَفَوْت عَنْكَ الْعَقْلَ وَالْقَوَدَ فِي كُلِّ مَا
(6/16)

جَنَيْت عَلَيَّ فَجَنَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْقَوْلِ لَمْ يَكُنْ هَذَا عَفْوًا وَكَانَ لَهُ الْعَقْلُ وَالْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْهُ مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى أَبِي الرَّجُلِ جُرْحًا فَقَالَ ابْنُهُ وَهُوَ وَارِثُهُ: قَدْ عَفَوْت عَنْ جِنَايَتِك عَلَى أَبِي فِي الْعَقْلِ وَالْقَوَدِ مَعًا لَمْ يَكُنْ هَذَا عَفْوًا؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لِأَبِيهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ الْقِيَامُ بِهَا إلَّا أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ وَلَهُ إذَا مَاتَ أَبُوهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ أَوْ الْقَوَدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْفُ بَعْدَ مَا وَجَبَ لَهُ وَلَوْ عَفَاهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ إذَا عَفَاهُمَا مَعًا.

[جِنَايَة الْعَبْد عَلَى الْحُرّ فَيَبْتَاعُهُ الحر وَالْعَفْو عَنْهُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ جِنَايَةً فِيهَا قِصَاصٌ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوْ الْأَرْشُ وَالْجِنَايَةُ وَالدِّيَةُ كُلُّهَا فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ فَإِنْ عَفَا الْقِصَاصَ وَالْأَرْشَ جَازَ الْعَفْوُ إنْ صَحَّ مِنْهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ جَازَ الْعَفْوُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الثُّلُثِ يَضْرِبُ بِهِ سَيِّدُ الْعَبْدِ فِي ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ مَعَ أَهْلِ الْوَصَايَا بِالْأَقَلِّ مِنْ الدِّيَةِ وَالْأَرْشِ مَا كَانَ أَوْ قِيمَةِ رَقَبَةِ عَبْدِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا أَجَزْنَاهَا هُنَا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ وَسَيِّدُهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ، وَلَوْ كَانَتْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى الْحُرِّ مُوضِحَةً فَقَالَ: قَدْ عَفَوْت عَنْهُ الْقِصَاصَ وَالْعَقْلَ وَمَا يَحْدُثُ فِي الْجِنَايَةِ جَازَ لَهُ الْعَفْوُ عَنْ الْمُوضِحَةِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّهُ عَفَا عَمَّا لَمْ يَجِبْ لَهُ وَلَمْ يُوصِ إنْ وَجَبَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ إنْ مِتُّ مِنْ الْمُوضِحَةِ أَوْ ازْدَادَتْ فَزِيَادَتُهَا بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ وَصِيَّةٌ لَهُ جَازَ الْعَفْوُ مِنْ الثُّلُثِ، أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ كَانَ لَهُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ مَالٌ فَقَالَ: مَا رَبِحَ فِيهِ فُلَانٌ فَهُوَ هِبَةٌ لِفُلَانٍ لَمْ يَجُزْ وَلَوْ قَالَ وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ جَازَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ جَنَى عَلَى الْحُرِّ جِنَايَةً أَقَرَّ بِهَا الْعَبْدُ وَلَمْ تَقُمْ بِهَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ الْحُرُّ: قَدْ عَفَوْت الْجِنَايَةَ وَعَقْلَهَا أَوْ مَا يَحْدُثُ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِصَاصٌ بِحَالِ الْعَفْوِ وَكَانَ الْعَقْلُ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ إذَا عَتَقَ فَكَانَ عَفْوُهُ عَنْهُ الْعَقْلَ كَعَفْوِهِ عَنْ الْحَدِّ يَجُوزُ لِلْعَبْدِ مِنْهُ إذَا عَتَقَ مَا يَجُوزُ لِلْجَانِي الْحُرِّ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَيُرَدُّ عَنْهُ مَا يُرَدُّ عَنْ الْحُرِّ.

وَلَوْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى حُرٍّ مُوضِحَةً عَمْدًا فَابْتَاعَ الْحُرُّ الْعَبْدَ مِنْ سَيِّدِهِ بِالْمُوضِحَةِ كَانَ هَذَا عَفْوًا لِلْقِصَاصِ فِيهَا وَلَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَا مَعًا أَرْشَ الْمُوضِحَةِ فَيَبْتَاعُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْعَبْدَ فَيَكُونُ الْبَيْعُ جَائِزًا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ مُوضِحَةٍ أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّ الْأَثْمَانَ لَا تَجُوزُ إلَّا مَعْلُومَةً عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْعَبْدِ عَيْبًا كَانَ لَهُ رَدُّهُ وَكَانَ لَهُ فِي عُنُقِهِ أَرْشُ الْجِنَايَةِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلَوْ أَخَذَهُ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ فَمَاتَ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي كَانَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَتُهُ يُحَاصُّ بِهَا مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ فِي عُنُقِهِ.

وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا جَنَى عَلَى حُرٍّ عَمْدًا فَأَعْتَقَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْعَبْدَ وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْجِنَايَةِ أَوْ لَا يَعْلَمُ فَسَوَاءٌ وَلِلْحُرِّ الْقَوَدُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْعَقْلَ فَإِنْ شَاءَ فَعَلَى السَّيِّدِ الْمُعْتِقِ الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ الْعَقْلِ أَوْ قِيمَةِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَجِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى الْحُرِّ عَمْدًا وَخَطَأً سَوَاءٌ.

[جِنَايَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ فَيَنْكِحُهَا بِالْجِنَايَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ مُوضِحَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَنَكَحَهَا عَلَى الْمُوضِحَةِ فَالنِّكَاحُ عَلَيْهَا عَفْوٌ لِلْجِنَايَةِ وَلَا سَبِيلَ إلَى الْقَوَدِ، وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ وَإِنْ كَانَا قَدْ عَلِمَا أَرْشَ الْجِنَايَةِ كَانَ مَهْرُهَا أَرْشَ الْجِنَايَةِ فِي الْعَمْدِ خَاصَّةً فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ
(6/17)

وَإِنْ نَكَحَهَا عَلَى أَرْشِ مُوضِحَةٍ خَطَأً كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا وَكَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَهُ عَلَى عَاقِلَتِهَا أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَكَحَهَا بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى غَيْرِهَا وَلَا يَجُوزُ صَدَاقُ دَيْنٍ عَلَى غَيْرِ الْمُصَدَّقِ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا عَاشَ مِنْ الْجِنَايَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَمَاتَ مِنْهَا فَكَانَ الصَّدَاقُ جَائِزًا وَزَادَهَا فِيهِ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا رُدَّتْ إلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا وَرَجَعَ عَلَيْهَا بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ فَلَا تَجُوزُ، وَلَوْ جَنَتْ عَلَى عَبْدٍ لَهُ جِنَايَةً فَنَكَحَهَا عَلَيْهَا جَازَ كَنِكَاحِهِ إيَّاهَا عَلَى جِنَايَةِ نَفْسِهِ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا إلَّا فِي أَنَّ الصَّدَاقَ إذَا كَانَ جَائِزًا وَكَانَ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَمَاتَ الْعَبْدُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجْنِ عَلَى السَّيِّدِ فَيَكُونُ قَابِلًا وَلَمْ يَكُنْ صَدَاقُهَا فِي مَعْنَى الْوَصَايَا بِحَالٍ فَلَا يَجُوزُ مِنْهُ مَا جَاوَزَ صَدَاقَ مِثْلِهَا. .

[الشَّهَادَةُ فِي الْجِنَايَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيُقْبَلُ فِي الْقَتْلِ وَالْحُدُودِ سِوَى الزِّنَا شَاهِدَانِ. وَإِذَا كَانَ الْجُرْحُ وَالْقَتْلُ عَمْدًا لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ إلَّا شَاهِدَانِ وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا يَمِينٌ وَشَاهِدٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجُرْحُ عَمْدًا مِمَّا لَا قِصَاصَ فِيهِ بِحَالٍ، مِثْلُ الْجَائِفَةِ وَمِثْلُ جِنَايَةِ مَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْتُوهٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ أَوْ حُرٍّ عَلَى عَبْدٍ أَوْ أَبٍ عَلَى ابْنِهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا قُبِلَ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٌ وَشَاهِدٌ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ بِكُلِّ حَالٍ فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ هَاشِمَةً أَوْ مَأْمُومَةً لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ شَاهِدَيْنِ؛ لِأَنَّ الَّذِي شُجَّ هَاشِمَةً أَوْ مَأْمُومَةً إنْ أَرَادَ أَنْ آخُذَ لَهُ الْقِصَاصَ مِنْ مُوضِحَةٍ فَعَلْت؛ لِأَنَّهَا مُوضِحَةٌ وَزِيَادَةٌ فَإِذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ الْأَدْنَى إنْ أَرَادَ أَنْ آخُذَ لَهُ فِيهَا قَوَدًا أَخَذْتهَا لَمْ أَقْبَلْ فِيهَا شَهَادَةَ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَلَا شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَإِذَا كَانَتْ لَا قِصَاصَ فِي أَدْنَى شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا أَعْلَاهُ قَبِلْت فِيهَا شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ وَشَاهِدًا وَيَمِينًا.

وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ قَتْلَ عَمْدٍ وَقَالَ قَدْ عَفَوْت الْقَوَدَ أَوْ قَالَ لِي الْقَوَدُ أَوْ الْمَالُ وَأَنَا آخُذُ الْمَالَ وَسَأَلَ أَنْ يُقْبَلَ لَهُ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ يَمِينٌ وَشَاهِدٌ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ مَالٌ حَتَّى يَجِبَ لَهُ قَوَدٌ.

وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ جُرْحًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَمْ أَقْبَلْ لَهُ شَهَادَةَ وَارِثٍ لَهُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَفْسًا فَيَسْتَوْجِبُ بِشَهَادَتِهِ الدِّيَةَ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ ابْنٌ وَابْنُ عَمٍّ فَادَّعَى جُرْحًا فَشَهِدَ لَهُ ابْنُ عَمِّهِ قَبِلْت شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِثٍ لَهُ فَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِهَا حَتَّى مَاتَ ابْنُهُ طَرَحْت شَهَادَةَ ابْنِ عَمِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ وَارِثًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ وَرِثَهُ وَإِنْ حُكِمَ بِهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهُ فَصَارَ ابْنُ عَمِّهِ الْوَارِثَ لَمْ تُرَدَّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ مَضَى بِهَا فِي حِينِ لَا يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ بِهَا شَيْئًا.

[الشَّهَادَةُ فِي الْأَقْضِيَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَامَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ شَاهِدَيْنِ بِقَتْلٍ عَمْدًا وَهُوَ مِمَّنْ يُسْتَقَادُ مِنْهُ لِلْمَقْتُولِ فَأَتَى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِرَجُلَيْنِ مِنْ عَاقِلَتِهِ غَيْرِ وَلَدِهِ أَوْ وَالِدِهِ يَشْهَدَانِ لَهُ عَلَى جَرْحِ الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا عَلَيْهِ قَبِلْت شَهَادَتَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْقِلَانِ عَنْهُ فِي الْعَمْدِ فَيَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا بِشَهَادَتِهِمَا عَقْلًا وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ قَتْلَ خَطَأٍ وَأَقَامَ بِهِ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ فَجَاءَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِرَجُلَيْنِ مِنْ عَاقِلَتِهِ يَجْرَحَانِ الشَّاهِدَيْنِ
(6/18)

لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَا يَلْزَمُهُمَا مِنْ الْعَقْلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَا مِنْ عَاقِلَتِهِ فَقِيرَيْنِ لَا يَلْزَمُهُمَا لِذَلِكَ عَقْلٌ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُمَا مَالٌ فِي وَقْتِ الْعَقْلِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمَا الْعَقْلُ فَيَكُونَا دَافِعَيْنِ بِشَهَادَتِهِمَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِقَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ خَطَأً فَجَاءَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِرِجَالٍ مِنْ عَصَبَتِهِ يَجْرَحُونَهُمَا انْبَغَى لِلْحَاكِمِ أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ الَّذِينَ جَرَحُوهُمَا مِمَّنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْقِلَ عَنْ الشُّهُودِ عَلَيْهِ حِينَ شَهِدُوا إنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، وَذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ نَسَبًا مِنْهُمَا يَحْمِلُ الْعَقْلَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ نَسَبًا مِنْهُمَا يَحْمِلُ الْعَقْلَ عَنْهُ حَتَّى لَا يَخْلُصَ إلَى أَنْ يَعْقِلَ الشَّاهِدَانِ عَنْهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَقْلَ عَنْهُ مِنْ الْعَاقِلَةِ أَوْ حَاجَتِهِمْ قَبِلْتُ شَهَادَتَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا حِينَ شَهِدَا مِنْ غَيْرِ عَاقِلَتِهِ.

[مَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ فِي الْجِنَايَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا أَقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْجِنَايَةِ إلَّا مَا أَقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحُقُوقِ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ وَقَّفْتُهُمَا فَإِنْ قَالَا: أَنْهَرَ دَمَهُ وَمَاتَ مَكَانَهُ مِنْ ضَرْبِهِ قَبِلْت شَهَادَتَهُمَا وَإِنْ قَالَا مَا نَدْرِي أَنَهَرَ دَمَهُ أَوْ لَمْ يَنْهَرْ. لَمْ أَجْعَلْهُ بِهَا جَارِحًا وَلَوْ قَالَا: ضَرَبَهُ فِي رَأْسِهِ فَرَأَيْنَا دَمًا سَائِلًا لَمْ أَجْعَلْهُ جَارِحًا إلَّا بِأَنْ يَقُولَا سَالَ مِنْ ضَرْبَتِهِ، ثُمَّ لَمْ أَجْعَلْهَا دَامِيَةً حَتَّى يَقُولَا وَأَوْضَحَهَا وَهَذِهِ هِيَ نَفْسُهَا أَوْ هِيَ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ بَرَأَ مِنْهَا فَأَرَادَ الْقِصَاصَ لَمْ أَقْضِهِ إلَّا بِأَنْ يَقُولَا هِيَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا أَوْ يَصِفَاهَا طُولَهَا وَعَرْضَهَا فَإِنْ قَالَا أَوْضَحَهُ وَلَا نَدْرِي كَمْ طُولُ الْمُوضِحَةِ لَمْ أَقْضِهِ مِنْهُ وَإِنْ قَالَا أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَلَا نُثْبِتُ أَيْنَ مَوْضِعُ الْمُوضِحَةِ لَمْ أَقْضِهِ؛ لِأَنِّي لَا أَدْرِي أَيْنَ آخُذُ مِنْهُ الْقِصَاصَ مِنْ رَأْسِهِ وَجَعَلْت عَلَيْهِ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ أَثْبَتَا عَلَى أَنَّهُ أَوْضَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَلَوْ قَالَا ضَرَبَهُ فَقَطَعَ إحْدَى يَدَيْهِ، وَالْمَقْطُوعُ إحْدَى يَدَيْهِ مَقْطُوعُ الْيَدِ الْأُخْرَى، قِصَاصٌ إذَا لَمْ يُثْبِتَا الْيَدَ الَّتِي قَطَعَ وَعَلَى الْجَانِي الْأَرْشُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَثْبَتَا قَطْعَ يَدِهِ وَلَوْ قَالَا قَطَعَ إحْدَى يَدَيْهِ وَلَمْ يُثْبِتَا أَيَّ الْيَدَيْنِ هِيَ أَيَدُهُ الْمَقْطُوعَةُ هِيَ أَمْ يَدُهُ الْأُخْرَى قِيلَ أَنْتُمْ ضُعَفَاءُ لَيْسَتْ لَهُ إلَّا يَدَانِ بَيِّنُوا فَإِنْ فَعَلُوا قَبِلْت وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَبِلْت وَقُضِيَ عَلَيْهِ وَكَانَ هَؤُلَاءِ ضُعَفَاءَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا فِي رِجْلَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَكُلِّ مَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ إلَّا اثْنَانِ فَقُطِعَ أَحَدُهُمَا وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا قَطَعَ يَدَ هَذَا وَقَالَ هَذَا يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ هَذَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا إنْ كَانَ عَمْدًا لِاخْتِلَافِهِمَا فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُبَرِّئُ الْجَانِيَ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي زَعَمَ الْآخَرُ أَنَّهُ فَعَلَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَتَلَ بِمَكَّةَ يَوْمَ كَذَا وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ قَتَلَ بِمِصْرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَوْ أَنَّهُ قَتَلَ إنْسَانًا بِمِصْرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ جَرَحَهُ أَوْ أَصَابَ حَدًّا سَقَطَ كُلُّ هَذَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ تُبَرِّئُهُ مِمَّا شَهِدَتْ بِهِ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَهَذَا فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ سَوَاءٌ إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ كَانَ وَالْآخَرُ لَمْ يَكُنْ وَبَطَلَتَا مَعًا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِإِحْدَاهُمَا لَيْسَ بِأَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْأُخْرَى وَأُحَلِّفُ كَمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَيْسَ كَاَلَّذِي يُظَاهِرُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي تُقَرُّ فِي نَفْسِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ كَمَا قَالُوا لَا يَبْرَأُ مِنْ تِلْكَ الشَّهَادَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَاطِعَةً بِمَعْنَى غَيْرِهِمْ فَيَكُونُ فِي
(6/19)

هَذَا الْقَسَامَةُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُكَذِّبُ الْآخَرَ وَلَا يَكُونُ قَاتِلًا لَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَكَذَا لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ بُكْرَةً وَالْآخَرُ أَنَّهُ عَشِيَّةً وَالْآخَرُ أَنَّهُ خَنَقَهُ حَتَّى مَاتَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ حَتَّى مَاتَ كَانَتْ هَذِهِ شَهَادَةً مُتَضَادَّةً لَا تَلْزَمُهُ.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَا رَجُلًا وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَيْهِمَا أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ قَتَلَاهُ وَكَانَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ فَإِنْ صَدَّقَهُمَا أَوْلِيَاءُ الدَّمِ مَعًا فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ وَكَذَلِكَ إنْ كَذَّبُوهُمَا وَإِنْ ادَّعَوْا شَهَادَتَهُمَا فَشَهِدَا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ الْآخَرُ إنْ قَبِلْت شَهَادَتَهُمَا وَجَعَلْت الْمَشْهُودَ عَلَيْهِمَا اللَّذَيْنِ شَهِدَا بَعْدَ مَا شَهِدَ عَلَيْهِمَا بِالْقَتْلِ دَافِعَيْنِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا بِشَهَادَتِهِمَا وَأَبْطَلْت شَهَادَتَهُمَا وَإِنْ ادَّعَوْا شَهَادَةَ اللَّذَيْنِ شَهِدَا آخِرًا أَبْطَلْت الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ قَدْ شَهِدَا عَلَيْهِمَا فَدَفَعَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِمَا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَا وَإِنْ لَمْ يَدَّعُوا شَيْئًا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى يَدَّعُوا كَمَا وَصَفْت لَكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَإِنْ جَاءُوا جَمِيعًا مَعًا لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَهَادَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ إلَّا فِي شَهَادَةِ الْآخَرِ مِثْلُهَا فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْلَى بِالرَّدِّ وَلَا الْقَبُولِ مِنْ الْآخَرِ.

وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا خَطَأً فِي يَوْمٍ غَيْرِ الْيَوْمِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ كَانَ قَوْلُ الْعَامَّةِ إنَّ هَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلٍ وَهَكَذَا إقْرَارُ النَّاسِ فِي يَوْمٍ بَعْدَ يَوْمٍ وَمَجْلِسٍ بَعْدَ مَجْلِسٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْفِعْلِ وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا وَلَا خَطَأً جَعَلْته قَاتِلًا وَجَعَلْت الْقَوْلَ قَوْلَ الْقَاتِلِ فَإِنْ قَالَ عَمْدًا فَفِيهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ قَالَ خَطَأً حَلَفَ مَا قَتَلَهُ عَمْدًا وَكَانَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ فِي مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً سَأَلْتُهُ وَجَعَلْت الْقَوْلَ قَوْلَهُ فَإِنْ قَالَ خَطَأً أَحَلَفَتْهُ عَلَى الْعَمْدِ وَجَعَلْته عَلَيْهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا يَشْهَدُ بِالْإِقْرَارِ بِالْقَتْلِ أَحَدُهُمَا عَمْدًا وَالْآخَرُ خَطَأً وَقَدْ يَكُونَانِ صَادِقَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى قَوْلٍ بِلَا فِعْلٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَا شَهِدَا عَلَى قَتْلٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ بِحَدِيدَةٍ وَقَالَ الْآخَرُ بِعَصًا كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةً؛ لِأَنَّهُمَا مُتَضَادَّانِ وَلَا يَكُونُ قَاتِلُهُ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى نَفْسِهِ وَبِعَصًا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهَا وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ وَشَهِدَ الْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ شَهَادَةً مُتَضَادَّةً يُكَذِّبُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَلَكِنِّي لَمْ أُجْزِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُجْتَمِعَةٍ عَلَى شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَوْ الْمُقَرُّ بِهِ خَطَأً أُحَلِّفُ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ مَعَ شَاهِدِهِمْ وَاسْتَحَقُّوا الدِّيَةَ بِمَا تُسْتَحَقُّ بِهِ الْحُقُوقُ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا أُحْلِفُوا أَيْضًا قَسَامَةً؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ فِي الدَّمِ وَاسْتَحَقُّوا الدِّيَةَ بِالْقَسَامَةِ.

وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذَا قَتَلَ فُلَانًا أَوْ هَذَا قَدْ أَثْبَتَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ شَهَادَةً قَاطِعَةً وَكَانَتْ فِي هَذَا قَسَامَةً عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا تَكُونُ عَلَى أَهْلِ الْقَرْيَةِ قَتَلَهُ بَعْضُهُمْ وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ بِعَيْنِهِ قَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ أَوْ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَا يَدْرِي أَيَّهُمَا قُتِلَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ شَهَادَةً وَلَا فِي هَذَا قَسَامَةً؛ لِأَنَّ أَوْلِيَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا طَلَبُوا لَمْ يَكُونُوا بِأَحَقَّ مِنْ غَيْرِهِمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَقْبَلُ الشَّهَادَةَ حَتَّى يُثْبِتُوهَا فَإِنْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ فِي رَأْسِهِ ضَرْبَةً بِسَيْفٍ أَوْ حَدِيدَةٍ أَوْ عَصًا فَرَأَيْنَاهُ مَشْجُوجًا هَذِهِ الشَّجَّةَ لَمْ أَقُصَّ مِنْهُ حَتَّى يَقُولُوا فَشَجَّهُ بِهَا هَذِهِ الشَّجَّةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّهُ ضَرَبَهُ وَهُوَ مُلَفَّفٌ فَقَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ أَوْ جَرَحَهُ هَذَا الْجُرْحَ وَلَمْ يُبَيِّنُوا أَنَّهُ كَانَ حَيًّا حِينَ ضَرَبَهُ لَمْ أَجْعَلْهُ قَاتِلًا وَلَا جَارِحًا حَتَّى يَقُولُوا ضَرَبَهُ وَهُوَ حَيٌّ أَوْ تَثْبُتُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ حِينَ ضَرَبَهُ كَانَ حَيًّا أَوْ كَانَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ بَعْدَ ضَرْبِهِ إيَّاهُ فَيُعْلَمُ أَنَّ الضَّرْبَةَ كَانَتْ وَهُوَ حَيٌّ وَأَقْبَلُ قَوْلَ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ هَذِهِ الشَّجَّةَ لَمْ تَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ وَأَنَّهُ ضَرَبَهُ مَيِّتًا وَهَكَذَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّ قَوْمًا دَخَلُوا بَيْتًا فَغَابُوا، ثُمَّ هَدَمَهُ هَذَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ هَدَمْتُهُ بَعْدَ مَا مَاتُوا جَعَلْت الْقَوْلَ قَوْلَهُ حَتَّى تُثْبِتَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْحَيَاةَ كَانَتْ
(6/20)

فِيهِمْ حِينَ هَدَمَ هَذَا الْبَيْتَ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ يُشْبِهُ هَذَا أَنَّ الْمَلْفُوفَ بِالثَّوْبِ وَالْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْبَيْتِ فَهَدَمَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى الْحَيَاةِ حَتَّى يُعْلَمَ أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمْ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَهْدِمَ الْبَيْتَ عَلَيْهِمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ أَقَرَّ فَقَالَ ضَرَبْته فَقَطَعْته وَهَدَمْت الْبَيْتَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَهُمْ مَوْتَى أَوْ ضَرَبْت فَمَ هَذَا الرَّجُلِ وَأَسْنَانُهُ سَاقِطَةٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِ مَا قَالَ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ ضَرَبَ هَذَا الرَّجُلَ ضَرْبَةً أَثْبَتْنَاهَا فَلَمْ يَبْرَأْ جُرْحُهَا حَتَّى مَاتَ الْمَضْرُوبُ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ إلَّا بِأَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ مَاتَ أَوْ يُثْبِتَ الشُّهُودُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ رَأَى الضَّرْبَةَ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ حِينَ ضَرَبَهُ أَوْ يُثْبِتَ الشُّهُودُ الَّذِينَ رَأَوْا الضَّرْبَةَ أَوْ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى أَصْلِ الضَّرْبَةِ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لَازِمًا لِلْفِرَاشِ مِنْهَا حَتَّى مَاتَ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهَا وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ هَذَا وَاحِدٌ حَلَفَ الْجَانِي مَا مَاتَ مِنْهَا وَضَمِنَ أَرْشَ الْجُرْحِ فَإِنْ نَكَلَ حُلِّفُوا وَكَانَ لَهُمْ الدِّيَةُ أَوْ الْقِصَاصُ فِيهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَصُّ مِنْهُ.

[تَشَاحِّ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى الْقِصَاصِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا بِسَيْفٍ وَلَهُ وُلَاةٌ، رِجَالٌ وَنِسَاءٌ تَشَاحَّ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى الْقِصَاصِ فَطَلَبَ كُلُّهُمْ تَوَلِّيَ قَتْلِهِ قِيلَ: لَا يَقْتُلُهُ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنْ سَلَّمْتُمُوهُ لِرَجُلٍ مِنْكُمْ وَلِيَ قَتْلَهُ وَإِنْ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ يَقْتُلُهُ خُلِّيَ وَقَتْلَهُ وَإِنْ تَشَاحَحْتُمْ أَقْرَعْنَا بَيْنَكُمْ فَأَيُّكُمْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ خَلَّيْنَاهُ وَقَتْلَهُ وَلَا يُقْرَعُ لِامْرَأَةٍ وَلَا يَدَعُهَا وَقَتْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ إلَّا بِتَعْذِيبِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِمْ أَشَلُّ الْيُمْنَى أَوْ ضَعِيفٌ أَوْ مَرِيضٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ إلَّا بِتَعْذِيبِهِ أُقْرِعَ بَيْنَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ وَلَا يَدَعْ يُعَذِّبُهُ بِالْقَتْلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا وَلِيٌّ وَاحِدٌ مَرِيضٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ إلَّا بِتَعْذِيبِهِ قِيلَ لَهُ: وَكِّلْ مَنْ يَقْتُلُهُ وَلَا يُتْرَكُ وَقَتْلَهُ يُعَذِّبُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ وُلَاتُهُ نِسَاءً لَمْ تَقْتُلْهُ امْرَأَةٌ بِقُرْعَةٍ.
(قَالَ) : وَيُنْظَرُ إلَى السَّيْفِ الَّذِي يَقْتُلُهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ صَارِمًا وَإِلَّا أُعْطِيَ صَارِمًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْوَلِيُّ صَحِيحًا فَخَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَكَانَ لَا يُحْسِنُ يَضْرِبُ أُعْطِيَهُ وَلِيَّ غَيْرِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ قَتْلًا وَحَيًّا.
(قَالَ) : فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ وُلَاتُهُ الضَّرْبَ أَمَرَ الْوَالِي ضَارِبًا بِضَرْبِ عُنُقِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ ضَرَبَ الْقَاتِلُ ضَرْبَةً فَلَمْ يَمُتْ فِي ضَرْبَةٍ أُعِيدَ عَلَيْهِ الضَّرْبُ حَتَّى يَمُوتَ بِأَصْرَمِ سَيْفٍ وَأَشَدِّ ضَرْبٍ قَدَرَ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ لِلْقَتِيلِ وُلَاةٌ فَاجْتَمَعُوا عَلَى الْقَتْلِ فَلَمْ يُقْتَلْ الْقَاتِلُ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمْ كُفَّ عَنْ قَتْلِهِ حَتَّى يُجْمِعَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ عَلَى الْقَتْلِ وَلَوْ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يُفِيقَ أَوْ يَمُوتَ فَتَقُومَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ وَسَوَاءٌ أَذِنَ فِي قَتْلِهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْذَنُ، ثُمَّ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ الْإِذْنِ فَإِنْ تَفَوَّتَ أَحَدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ فَقَتَلَهُ كَانَ كَمَا وَصَفْت فِي الرَّجُلَيْنِ يُقْتَلُ أَبُوهُمَا فَيُفَوَّتُ أَحَدُهُمَا بِالْقَتْلِ وَغَرِمَ نَصِيبَ الْمَيِّتِ وَالْمَعْتُوهِ مِنْ الدِّيَةِ، وَالْوَلِيُّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَغَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي وِلَايَةِ الدَّمِ وَالْقِيَامِ بِالْقِصَاصِ وَعَفْوِ الدَّمِ عَلَى الْمَالِ سَوَاءٌ، وَإِنْ عَفَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ فَالْعَفْوُ عَنْ الدَّمِ جَائِزٌ لَا سَبِيلَ مَعَهُ إلَى الْقَوَدِ وَلَهُ نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ إتْلَافُ الْمَالِ وَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْقَوَدِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا اقْتَرَعَ الْوُلَاةُ فَخَرَجَتْ قُرْعَةُ أَحَدِهِمْ وَهُوَ يَضْعُفُ عَنْ قَتْلِهِ أُعِيدَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى الْبَاقِينَ وَهَكَذَا تُعَادُ أَبَدًا حَتَّى تَخْرُجَ عَلَى مَنْ يَقْوَى عَلَى قَتْلِهِ.

[تَعَدِّي الْوَكِيلِ وَالْوَلِيِّ فِي الْقَتْلِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ضَرْبَةً فَمَاتَ مِنْهَا فَخُلِّيَ الْوَلِيُّ وَقَتْلَهُ فَقَطَعَ
(6/21)

يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ أَوْ ضَرَبَ وَسَطَهُ أَوْ مَثَّلَ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ وَلَا كَفَّارَةٌ وَأُوجِعَ عُقُوبَةً بِالْعُدْوَانِ فِي الْمُثْلَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَاءَ يَضْرِبُ عُنُقَهُ فَضَرَبَ رَأْسَهُ مِمَّا يَلِي الْعُنُقَ أَوْ كَتِفَيْهِ وَقَالَ أَخْطَأْت أُحَلِّفُ مَا عَمَدَ مَا صَنَعَ وَلَمْ يُعَاقَبْ وَقِيلَ: اضْرِبْ عُنُقَهُ وَلَوْ ضَرَبَ مَفْرِقَ رَأْسِهِ أَوْ وَسَطَهُ أَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً، الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يُخْطِئُ بِمِثْلِهَا مَنْ أَرَادَ ضَرْبَ الْعُنُقِ عُوقِبَ وَلَمْ يُحَلَّفْ إنَّمَا يُحَلَّفُ مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يُصَدَّقَ عَلَى مَا حُلِّفَ عَلَيْهِ وَيُقَالُ: اضْرِبْ عُنُقَهُ وَإِنْ قَالَ لَا أُحْسِنُ إلَّا هَذَا قُبِلَ مِنْهُ وَوَكَّلَ مَنْ يُحْسِنُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَتَوَكَّلُ لَهُ وَكَّلَ الْإِمَامُ لَهُ مَنْ يَقْتُلُهُ وَلَا يَقْتُلُهُ حَتَّى يَسْتَأْمِرَ الْوَلِيَّ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ قَتَلَهُ.

فَلَوْ أَنَّ الْوَالِيَ أَذِنَ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ بِقَتْلِ رَجُلٍ قَضَى لَهُ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ فَذَهَبَ لِيَقْتُلَهُ، ثُمَّ قَالَ الْوَلِيُّ قَدْ عَفَوْت عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ الْعَفْوَ عَنْهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا عَلِمَهُ عَفَا عَنْهُ وَلَا عَلَى الَّذِي قَالَ قَدْ عَفَوْت عَنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ يَغْرَمُ الدِّيَةَ وَيُكَفِّرُ إنْ حَلَفَ وَأَقَلُّ حَالَاتِهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ بِقَتْلِهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ وَلَوْ وَكَّلَ الْوُلَاةُ رَجُلًا بِقَتْلِ رَجُلٍ لَهُمْ عَلَيْهِ قَوَدٌ فَتَنَحَّى بِهِ وَكِيلُهُمْ لِيَقْتُلَهُ فَعَفَا كُلُّهُمْ أَوْ أَحَدُهُمْ وَأَشْهَدَ عَلَى الْعَفْوِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ الَّذِي عَلَيْهِ الْقَوَدُ لَمْ يَصِلْ الْعَفْوُ إلَى الْوَكِيلِ حَتَّى قَتَلَ الَّذِي عَلَيْهِ الْقَوَدُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَكِيلِ الَّذِي قَتَلَ قِصَاصٌ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ خَاصَّةً وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْوَلِيِّ الَّذِي أَمَرَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ لَهُ بِالْقَتْلِ وَيُحَلَّفُ الْوَكِيلُ مَا عَلِمَ الْعَفْوَ فَإِنْ حَلَفَ لَمْ يُقْتَلْ وَوَدَاهُ وَإِلَّا حُلِّفَ الْوَلِيُّ لَقَدْ عَلِمَهُ وَقَتَلَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : هَذَا الْقَوْلُ أَحْسَنُهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ صَارَ مَمْنُوعًا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ عَنْهُ الْقَتْلَ وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْعَبْدِ يُعْتَقُ وَلَا يَعْلَمُ الرَّجُلُ بِعِتْقِهِ فَيَقْتُلَهُ فَيَغْرَمُ دِيَةَ حُرٍّ وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ وَلَا يَعْلَمُ الرَّجُلُ بِإِسْلَامِهِ فَيَقْتُلَهُ فَتَكُونُ دِيَتُهُ دِيَةَ مُسْلِمٍ قَالَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُمَا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) يُرِيدُ بِهِ قَتْلَ الْعَبْدِ وَهُوَ يَعْرِفُهُ حُرًّا مُسْلِمًا.

[الْوَكَالَةُ فِي الْقِصَاص]
الْوَكَالَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِتَثْبِيتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَتْلِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِذَا كَانَ الْقَوَدُ لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ وَلِيُّ الْقَتِيلِ أَوْ يُوَكِّلَهُ بِقَتْلِهِ.
(قَالَ) : وَإِنْ وَكَّلَهُ بِقَتْلِهِ كَانَ لَهُ قَتْلُهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ عَمْدًا فَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ قَاتِلَهُ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ الدِّيَةَ وَيَدْفَعَهَا إلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيَدَعَ الْقَاتِلَ مِنْ الْقَتْلِ وَلَيْسَ لَهُ عَفْوُ الْقَتْلِ وَالدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا دُونَ الْمُسْلِمِينَ فَيَعْفُوَ مَا يَمْلِكُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قُتِلَ رَجُلٌ لَهُ أَوْلِيَاءُ صِغَارٌ فُقَرَاءُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِي عَفْوُ دَمِهِ عَلَى الدِّيَةِ وَكَانَ عَلَيْهِ حَبْسُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْوُلَاةُ فَيَخْتَارُوا الْقَتْلَ أَوْ الدِّيَةَ أَوْ يَخْتَارَ الدِّيَةَ بَالِغٌ مِنْهُمْ فَإِنْ اخْتَارَهَا لَمْ يَكُنْ إلَى النَّفْسِ سَبِيلٌ وَكَانَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الصِّغَارِ أَنْ يَأْخُذُوا لَهُمْ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ صَارَتْ مَمْنُوعَةً وَلِلْمَوْلَى عَلَيْهِ عَفْوُ الدَّمِ وَلَيْسَ لَهُ عَفْوُ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يُتْلِفُ بِعَفْوِ الْمَالِ مَالَهُ وَلَا يُتْلِفُ بِعَفْوِ الدَّمِ مِلْكًا لَهُ.

[قَتْلُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَمْ أَعْلَمْ مِمَّنْ لَقِيت مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ الدَّمَيْنِ مُتَكَافِئَانِ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ عَمْدًا قُتِلَ بِهَا وَإِذَا قَتَلَتْهُ قُتِلَتْ بِهِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَا مِنْ أَوْلِيَائِهَا شَيْءٌ لِلرَّجُلِ إذَا قُتِلَتْ بِهِ وَلَا إذَا قُتِلَ بِهَا وَهِيَ كَالرَّجُلِ يَقْتُلُ الرَّجُلَ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهَا إذَا
(6/22)

اُقْتُصَّ لَهَا أَوْ اُقْتُصَّ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ النَّفَرُ يَقْتُلُونَ الْمَرْأَةَ وَالنِّسْوَةُ يَقْتُلْنَ الرَّجُلَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ جِرَاحُهُ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ كُلُّهَا بِجِرَاحِهَا إذَا أَقَدْتهَا فِي النَّفْسِ أَقَدْتهَا فِي الْجِرَاحِ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ مِنْ النَّفْسِ وَلَا يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي الدِّيَةِ فَإِذَا أَرَادَ أَوْلِيَاؤُهَا الدِّيَةَ فَدِيَتُهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ وَإِنْ أَرَادَ أَوْلِيَاءُ الرَّجُلِ دِيَتَهُ مِنْ مَالِهَا فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ لَا تُنْقَصُ لِقَتْلِ الْمَرْأَةِ لَهُ وَحُكْمُ الْقِصَاصِ مُخَالِفٌ حُكْمَ الْعَقْلِ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوُلَاةُ الْمَرْأَةِ وَوَرَثَتُهَا كَوُلَاةِ الرَّجُلِ وَوَرَثَتِهِ لَا يَخْتَلِفَانِ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي الدِّيَةِ.

وَإِذَا قُتِلَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا يَتَحَرَّكُ وَلَدُهَا أَوْ لَا يَتَحَرَّكُ فَفِيهَا الْقَوَدُ وَلَا شَيْءَ فِي جَنِينِهَا حَتَّى يُزَايِلَهَا، فَإِذَا زَايَلَهَا مَيِّتًا قَبْلَ مَوْتِهَا أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ وَفِيهِ غُرَّةٌ، قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ زَايَلَهَا حَيًّا قَبْلَ مَوْتِهَا أَوْ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ إنْ مَاتَ وَفِيهِ دِيَتُهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَمِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَخَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَسَوَاءٌ قَتَلَهَا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ مَنْ عَلَيْهَا فِي قَتْلِهِ الْقَوَدُ فَذَكَرَتْ حَمْلًا حُبِسَتْ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، ثُمَّ أُقِيدَ مِنْهَا حِينَ تَضَعُ حَمْلَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا مُرْضِعٌ.
فَأَحَبُّ إلَيَّ لَوْ تَرَكَتْ بِطِيبِ نَفْسٍ وَلِيَّ الدَّمِ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا حَتَّى يُوجَدَ لَهُ مُرْضِعٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَتْ لَهُ، وَإِنْ وَلَدَتْ، ثُمَّ وَجَدَتْ تَحَرُّكًا انْتَظَرَتْ حَتَّى تَضَعَ الْمُتَحَرِّكَ أَوْ يُعْلَمَ أَنْ لَيْسَ بِهَا حَمْلٌ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ بِهَا حَمْلٌ فَادَّعَتْهُ.
اُنْتُظِرَ بِالْقَوَدِ مِنْهَا حَتَّى تُسْتَبْرَأَ أَوْ يُعْلَمَ أَنْ لَا حَمْلَ بِهَا، وَلَوْ عَجَّلَ الْإِمَامُ فَاقْتَصَّ مِنْهَا حَامِلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا الْمَأْثَمُ حَتَّى تُلْقِيَ جَنِينًا، فَإِنْ أَلْقَتْهُ ضَمِنَهُ الْإِمَامُ دُونَ الْمُقْتَصِّ لَهُ. وَكَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ لَا بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَضَى بِأَنْ يُقْتَصَّ مِنْهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَبْلُغْ وَلِيَّ الدَّمِ حَتَّى يَقْتَصَّ مِنْهَا ضَمِنَ الْإِمَامُ جَنِينَهَا.

[قَتْلُ الرَّجُلِ النَّفَرَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إذَا قَتَلَ رَجُلٌ نَفَرًا فَأَتَى أَوْلِيَاؤُهُمْ جَمِيعًا يَطْلُبُونَ الْقَوَدَ وَتَصَادَقُوا عَلَى أَنَّهُ قَتَلَ بَعْضَهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ أَوْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ اُقْتُصَّ لِلَّذِي قَتَلَهُ أَوَّلًا وَكَانَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لِمَنْ بَقِيَ مِمَّنْ قُتِلَ آخِرًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ أَحْبَبْت لِلْإِمَامِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَتَلَ غَيْرَ الَّذِي جَاءَهُ أَنْ يَبْعَثَ إلَى وَلِيِّهِ، فَإِنْ طَلَبَ الْقَوَدَ قَتَلَهُ بِمَنْ قُتِلَ أَوَّلًا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَاقْتَصَّ مِنْهُ فِي قَتْلِ آخَرَ أَوْ أَوْسَطَ أَوْ أَوَّلٍ كَرِهْتُهُ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ لِأَنَّ لِكُلِّهِمْ عَلَيْهِ الْقَوَدَ، وَأَيُّهُمْ جَاءَ فَأَثْبَتَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِقَتْلِ وَلِيٍّ لَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ فَلَمْ يَقْتُلْهُ حَتَّى جَاءَ آخَرُ فَأَثْبَتَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِقَتْلِ وَلِيّ لَهُ قَتْلُهُ دَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ أَوَّلًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَثْبَتُوا عَلَيْهِ مَعًا الْبَيِّنَةَ أَيُّهُمْ قُتِلَ أَوَّلًا: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ، فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ أَحْبَبْت لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمْ أَيُّهُمْ قَتَلَ وَلِيَّهُ أَوَّلًا فَأَيُّهُمْ خَرَجَ سَهْمُهُ قَتَلَهُ لَهُ وَأَعْطَى الْبَاقِينَ الدِّيَاتِ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَهُمْ مَعًا أَحْبَبْت لَهُ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قُتِلَ رَجُلٌ عَمْدًا وَوَرَثَتُهُ كِبَارٌ وَفِيهِمْ صَغِيرٌ أَوْ غَائِبٌ وَقُتِلَ آخَرُ عَمْدًا وَوَرَثَتُهُ بَالِغُونَ فَسَأَلُوا الْقَوَدَ لَمْ يُعْطُوهُ وَحُبِسَ عَلَى صَغِيرِهِمْ حَتَّى يَبْلُغَ وَغَائِبِهِمْ حَتَّى يَحْضُرَ فَلَعَلَّ الصَّغِيرَ وَالْغَائِبَ يَدَعَانِ الْقَوَدَ فَيَبْطُلُ الْقَوَدُ وَيُعْطَوْنَ دِيَتَهُ فِي مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ دَفَعَهُ الْإِمَامُ إلَى وَلِيِّ الَّذِي قُتِلَ آخِرًا وَتَرَكَ الَّذِي قَتَلَهُ أَوَّلًا فَقَتَلَهُ كَانَ عِنْدِي مُسِيئًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمْ اسْتَوْجَبَ دَمَهُ عَلَى الْكَمَالِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وَرِجْلَ آخَرَ وَقَتَلَ آخَرَ ثُمَّ جَاءُوا يَطْلُبُونَ الْقِصَاصَ مَعًا اُقْتُصَّ مِنْهُ الْيَدُ وَالرِّجْلُ، ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ الْيُمْنَى وَكَفَّ آخَرَ الْيُمْنَى، ثُمَّ جَاءُوا مَعًا يَطْلُبُونَ الْقَوَدَ أَقَصَصْت مِنْ الْأُصْبُعِ وَخَيَّرْت صَاحِبَ الْكَفِّ بَيْنَ أَنْ أَقُصَّهُ وَآخُذَ لَهُ أَرْشَ الْأُصْبُعِ أَوْ آخُذَ لَهُ أَرْشَ الْكَفِّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَدَأَ فَأَقَصَّهُ مِنْ الْكَفِّ أُعْطِي صَاحِبَ
(6/23)

الْأُصْبُعِ أَرْشَهَا وَلَوْ قَطَعَ كَفَّيْ رَجُلَيْنِ الْيُمْنَى كَانَ كَقَتْلِهِ النَّفْسَيْنِ يُقْتَصُّ لِأَيِّهِمَا جَاءَ أَوَّلًا وَإِنْ جَاءَا مَعًا اُقْتُصَّ لِلْمَقْطُوعِ بَدِيًّا. وَإِنْ اُقْتُصَّ لِلْآخَرِ أَخَذَ الْأَوَّلُ دِيَةَ يَدِهِ. وَهَكَذَا كُلُّ مَا أَصَابَ مِمَّا عَلَيْهِ فِيهِ الْقِصَاصُ فَمَاتَ مِنْهُ بِقَوَدٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَرْشُهُ فِي مَالِهِ.

[الثَّلَاثَةُ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ يُصِيبُونَهُ بِجُرْحٍ]
ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَتَلَ نَفَرًا خَمْسَةً أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ. وَقَالَ عُمَرُ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ سَمِعْت عَدَدًا مِنْ الْمُفْتِينَ وَبَلَغَنِي عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا قَتَلَ الرَّجُلَانِ أَوْ الثَّلَاثَةُ أَوْ أَكْثَرُ الرَّجُلَ عَمْدًا فَلِوَلِيِّهِ قَتْلُهُمْ مَعًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ بَنَيْت جَمِيعَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَيَنْبَغِي - عِنْدِي - لِمَنْ قَالَ: يُقْتَلُ الِاثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ بِالرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ فَإِذَا قَطَعَ الِاثْنَانِ يَدَ رَجُلٍ مَعًا قُطِعَتْ أَيْدِيهِمَا مَعًا، وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَمَا جَازَ فِي الِاثْنَيْنِ جَازَ فِي الْمِائَةِ وَأَكْثَرَ وَإِنَّمَا تُقْطَعُ أَيْدِيهِمَا مَعًا إذَا حَمَلَا شَيْئًا فَضَرَبَاهُ مَعًا ضَرْبَةً وَاحِدَةً أَوْ حَزَّاهُ مَعًا حَزًّا وَاحِدًا فَأَمَّا إنْ قَطَعَ هَذَا يَدَهُ مِنْ أَعْلَاهَا إلَى نِصْفِهَا وَهَذَا يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا حَتَّى أَبَانَهَا فَلَا تُقْطَعُ أَيْدِيهِمَا وَيُحَزُّ مِنْ هَذَا بِقَدْرِ مَا حَزَّ مِنْ يَدِهِ وَمِنْ هَذَا بِقَدْرِ مَا حَزَّ مِنْ يَدِهِ إنْ كَانَ هَذَا يُسْتَطَاعُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا هَكَذَا فِي الْجُرْحِ وَالشَّجَّةِ الَّتِي يُسْتَطَاعُ فِيهَا الْقِصَاصُ وَغَيْرُهَا لَا يَخْتَلِفُ. وَلَا يُخَالِفُ النَّفْسَ إلَّا فِي أَنَّهُ يَكُونُ الْجُرْحُ يَتَبَعَّضُ وَالنَّفْسُ لَا تَتَبَعَّضُ، فَإِذَا لَمْ يَتَبَعَّضْ بِأَنْ يَكُونَا جَانِيَيْنِ عَلَيْهِ مَعًا جُرْحًا كَمَا وَصَفْت لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِشَيْءٍ مِنْهُ دُونَ الْآخَرِ فَهُوَ كَالنَّفْسِ فِي الْقِيَاسِ وَإِذَا تَبَعَّضَ خَالَفَ النَّفْسَ. وَإِذَا ضَرَبَ رَجُلَانِ أَوْ أَكْثَرُ رَجُلًا بِمَا يَكُونُ فِي مِثْلِهِ الْقَوَدُ فَلَمْ يَبْرَحْ مَكَانَهُ حَتَّى مَاتَ. وَذَلِكَ أَنْ يَجْرَحُوهُ مَعًا بِسُيُوفٍ أَوْ زُجَاجِ رِمَاحٍ أَوْ نِصَالِ نَبْلٍ أَوْ بِشَيْءٍ صُلْبٍ مُحَدَّدٍ يَخْرِقُ مِثْلُهُ فَلَمْ يَزَلْ ضَمِنَا مِنْ الْجِرَاحِ حَتَّى مَاتَ فَلِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ إنْ شَاءُوا أَنْ يَقْتُلُوهُمْ مَعًا قَتَلُوهُمْ وَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُمْ الدِّيَةَ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ مَعًا إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ إنْ كَانُوا اثْنَيْنِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الثُّلُثُ. وَهَكَذَا إنْ كَانُوا أَكْثَرَ وَإِنْ أَرَادُوا قَتْلَ بَعْضِهِمْ وَأَخْذَ الدِّيَةِ مِنْ بَعْضٍ كَانَ ذَلِكَ لَهُمْ. وَإِنْ أَرَادُوا أَخْذَ الدِّيَةِ أَخَذُوا مِنْهُ بِحِسَابِ مَنْ قَتَلَ مَعَهُ كَأَنْ قَتَلَهُ ثَلَاثَةٌ فَقَتَلُوا اثْنَيْنِ وَأَرَادُوا أَخْذَ الدِّيَةِ مِنْ وَاحِدٍ فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ ثُلُثَهَا؛ لِأَنَّ ثُلُثَهُ بِثُلُثِهِ وَإِنْ كَانُوا عَشْرَةً أَخَذُوا مِنْهُ عُشْرَهُ وَإِنْ كَانُوا مِائَةً أَخَذُوا مِنْهُ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِنْ دِيَتِهِ وَلَوْ قَتَلَهُ ثَلَاثَةٌ فَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا الِاثْنَيْنِ وَيَأْخُذُوا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَقْتُولِ. .

وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَمْدًا وَقَتَلَهُ مَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ مَعْتُوهٌ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا الرَّجُلَ وَيَأْخُذُوا مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ أَيُّهُمَا كَانَ الْقَاتِلَ نِصْفَ الدِّيَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ أَنَّ حُرًّا وَعَبْدًا قَتَلَا عَبْدًا عَمْدًا كَانَ عَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ وَعَلَى الْعَبْدِ الْقَتْلُ. وَهَكَذَا لَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ نَصْرَانِيًّا كَانَ عَلَى الْمُسْلِمِ نِصْفُ دِيَةِ النَّصْرَانِيِّ وَعَلَى النَّصْرَانِيِّ الْقَوَدُ وَهَكَذَا لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ ابْنَهُ وَقَتَلَهُ مَعَهُ أَجْنَبِيٌّ كَانَ عَلَى أَبِيهِ نِصْفُ دِيَتِهِ وَالْعُقُوبَةُ وَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ الضَّرْبُ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ كُلِّهَا عَمْدًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى اثْنَانِ عَلَى رَجُلٍ عَمْدًا وَآخَرَ خَطَأً أَوْ بِمَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَطَأِ مِنْ أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَصًا خَفِيفَةٍ أَوْ بِحَجَرٍ خَفِيفٍ فَمَاتَ فَلَا قَوَدَ فِيهِ لِشِرْكِ الْخَطَأِ الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ وَفِيهِ الدِّيَةُ عَلَى صَاحِبِ الْخَطَأِ فِي مَالِ عَاقِلَتِهِ وَعَلَى صَاحِبِ الْعَمْدِ فِي
(6/24)

أَمْوَالِهِمَا.

وَلَوْ شَهِدَ شُهُودٌ أَنَّ رَجُلَيْنِ ضَرَبَا رَجُلًا فَرَاغَا عَنْهُ وَتَرَكَاهُ مُضْطَجِعًا مِنْ ضَرْبَتِهِمَا ثُمَّ مَرَّ بِهِ آخَرُ فَقَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ، فَإِنْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ قَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ وَفِيهِ الْحَيَاةُ وَلَمْ يَدْرِ لَعَلَّ الضَّرْبَ قَدْ بَلَغَ بِهِ الذَّبْحَ أَوْ نَزْعَ حَشْوَتِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِصَاصٌ. وَكَانَ لِأَوْلِيَائِهِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى أَيِّهِمَا شَاءُوا وَيَلْزَمُهُ دِيَتُهُ وَيُعَزَّرَانِ مَعًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يُثْبِتُوا أَنَّهُ كَانَتْ فِيهِ حَيَاةٌ. وَقَالُوا: لَا نَدْرِي لَعَلَّهُ كَانَ حَيًّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ وَلَا يُغَرَّمُهُمَا حَتَّى يُقْسِمَ أَوْلِيَاؤُهُ فَيَأْخُذُونَ دِيَتَهُ مِنْ الَّذِينَ أَقْسَمُوا عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ أَوْلِيَاؤُهُ نُقْسِمُ عَلَيْهِمَا مَعًا قِيلَ إنْ أَقْسَمْتُمْ عَلَى جِرَاحِ الْأَوَّلَيْنِ وَقَطْعِ الْآخَرِ فَذَلِكَ لَكُمْ وَإِنْ أَقْسَمْتُمْ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الضَّرْبَتَيْنِ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَكُمْ إذَا قَطَعَهُ الْآخَرُ بِاثْنَيْنِ أَوْ ذَبَحَهُ الْآخَرُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا أَبْطَلْت الْقِصَاصَ أَوَّلًا أَنَّ الضَّارِبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إذَا كَانُوا بَلَغُوا مِنْهُ مَا لَا حَيَاةَ مَعَهُ إلَّا بَقِيَّةَ حَيَاةِ الذَّكِيِّ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْآخَرِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ. وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَبْلُغُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَالْقَوَدُ عَلَى الْآخَرِ وَعَلَى الْأَوَّلَيْنِ الْجِرَاحُ فَجَعَلَتْهَا قَسَامَةً بِدِيَةٍ؛ لِأَنَّ كُلًّا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا أَجْعَلُ فِيهَا قِصَاصًا لِهَذَا الْمَعْنَى.

وَلَوْ شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ضَرَبَهُ بِعَصًا فِي طَرَفِهَا حَدِيدَةٌ مُحَدَّدَةٌ وَلَمْ يُثْبِتُوا بِالْحَدِيدَةِ قَتَلَهُ أَمْ بِالْعَصَا قَتَلَهُ فَلَا قَوَدَ إذَا كَانَتْ الْعَصَا لَوْ انْفَرَدَتْ مِمَّا لَا قَوَدَ فِيهِ وَفِيهِ الدِّيَةُ بِكُلِّ حَالٍ. وَإِنْ حَلَفَ أَوْلِيَاؤُهُ أَنَّهُ مَاتَ بِالْحَدِيدَةِ فَهِيَ حَالَّةٌ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا فَهِيَ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْقَتْلَ فَأَقَلُّهُ الْخَطَأُ وَلَا تَغْرَمُهُ الْعَاقِلَةُ وَلَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ خَطَأٌ.

وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ أُصْبُعَ الرَّجُلِ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَطَعَ كَفَّهُ أَوْ قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَ الرَّجُلِ مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ، ثُمَّ قَطَعَهَا آخَرُ مِنْ الْمَرْفِقِ ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِمَا مَعًا الْقَوَدُ يُقْطَعُ أُصْبُعُ هَذَا وَكَفُّ قَاطِعِ الْكَفِّ وَيَدُ الرَّجُلِ مِنْ الْمَرْفِقِ، ثُمَّ يُقْتَلَانِ، وَسَوَاءٌ قَطَعَا مِنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ أَوْ قَطَعَاهَا مِنْ يَدَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ سَوَاءٌ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ قَطْعِ الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَهُ بِسَاعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا لَمْ تَذْهَبْ الْجِنَايَةُ الْأُولَى بِالْبُرْءِ؛ لِأَنَّ بَاقِيَ أَلَمِهَا وَاصِلٌ إلَى الْجَسَدِ كُلِّهِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: ذَهَبَتْ الْجِنَايَةُ الْأُولَى حِينَ كَانَتْ الْجِنَايَةُ الْآخِرَةُ قَاطِعَةً بَاقِي الْمَفْصِلِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ وَأَعْظَمُ مِنْهَا جَازَ إذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَيْ رَجُلٍ وَرِجْلَيْهِ وَشَجَّهُ آخَرُ مُوضِحَةً فَمَاتَ أَنْ يُقَالَ لَا يُقَادُ مِنْ صَاحِبِ الْمُوضِحَةِ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّ أَلَمَ الْجِرَاحِ الْكَثِيرَةِ قَدْ عَمَّ الْبَدَنَ قَبْلَ الْمُوضِحَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَمَنْ أَجَازَ أَنْ يُقْتَلَ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَكَانَ الْأَلَمُ يَأْتِي عَلَى بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ حَتَّى يَكُونَ رَجُلَانِ لَوْ قَطَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَ رَجُلٍ مَعًا فَمَاتَ لَمْ يُقَدْ مِنْهُمَا فِي النَّفْسِ؛ لِأَنَّ أَلَمَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا فِي شَقِّ يَدِهِ الَّذِي قَطَعَ وَلَكِنَّ الْأَلَمَ يَخْلُصُ مِنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَيَخْلُصُ إلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ فَيَكُونُ مَنْ قَتَلَ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَحْكُمُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْقَوَدِ حُكْمَهُ عَلَى قَاتِلِ النَّفْسِ مُنْفَرِدًا فَإِذَا أَخَذَ الْعَقْلَ حَكَمَ عَلَى كُلِّ مَنْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً عَلَى الْعَدَدِ مِنْ عَقْلِ النَّفْسِ كَأَنَّهُمْ عَشْرَةٌ جَنَوْا عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُ الدِّيَةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178] هَلْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ حُرَّانِ بِحُرٍّ وَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ نَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ فَإِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ فِي هَذَا فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ خَاصَّةٌ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فِيمَ نَزَلَتْ؟ قِيلَ: أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ مُوسَى عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ مُقَاتِلٌ أَخَذْت هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ نَفَرٍ حَفِظَ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ قَالُوا قَوْله تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ بَدْءُ ذَلِكَ فِي حَيَّيْنِ مِنْ الْعَرَبِ اقْتَتَلُوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِقَلِيلٍ وَكَانَ لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ فَضْلٌ عَلَى الْآخَرِ فَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ لِيَقْتُلُنَّ بِالْأُنْثَى الذَّكَرَ وَبِالْعَبْدِ مِنْهُمْ الْحُرَّ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ رَضُوا وَسَلَّمُوا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالُوا مِنْ هَذَا بِمَا قَالُوا؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا
(6/25)

أَلْزَمَ كُلَّ مُذْنِبٍ ذَنْبَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ جُرْمَ أَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ فَقَالَ {الْحُرُّ بِالْحُرِّ} [البقرة: 178] إذَا كَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَاتِلًا لَهُ {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: 178] إذَا كَانَ قَاتِلًا لَهُ {وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى} [البقرة: 178] إذَا كَانَتْ قَاتِلَةً لَهَا لَا أَنْ يُقْتَلَ بِأَحَدٍ مِمَّنْ لَمْ يَقْتُلْهُ لِفَضْلِ الْمَقْتُولِ عَلَى الْقَاتِلِ وَقَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّى لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنْ يُقْتَلَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ غَيْرَ خَاصَّةٍ كَمَا قَالَ مَنْ وَصَفْت قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ لَمْ يُقْتَلْ ذَكَرٌ بِأُنْثَى وَلَمْ يَجْعَلْ عَوَامُّ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا لِهَذَا مَعْنَاهَا وَلَمْ يُقْتَلْ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى.

[قَتْلُ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَهْلِ التَّوْرَاةِ {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] الْآيَةَ.
(قَالَ) : وَلَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَيْنَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ إنْ كَانَ حُكْمًا بَيِّنًا إلَّا مَا جَازَ فِي قَوْلِهِ {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] وَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ كُلُّ نَفْسٍ مُحَرَّمَةَ الْقَتْلِ فَعَلَى مَنْ قَتَلَهَا الْقَوَدُ فَيَلْزَمُ فِي هَذَا أَنْ يُقْتَلَ الْمُؤْمِنُ بِالْكَافِرِ الْمُعَاهَدِ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَالرَّجُلُ بِعَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا وَالرَّجُلُ بِوَلَدِهِ إذَا قَتَلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَوْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا} [الإسراء: 33] مِمَّنْ دَمُهُ مُكَافِئٌ دَمَ مَنْ قَتَلَهُ وَكُلُّ نَفْسٍ كَانَتْ تُقَادُ بِنَفْسٍ بِدَلَالَةِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ كَمَا كَانَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى} [البقرة: 178] إذَا كَانَتْ قَاتِلَةً خَاصَّةً لَا أَنَّ ذَكَرًا لَا يُقْتَلُ بِأُنْثَى.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَذَا أَوْلَى مَعَانِيهُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ دَلَائِلَ: مِنْهَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ الْمَرْءُ بِابْنِهِ إذَا قَتَلَهُ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ الرَّجُلُ بِعَبْدِهِ وَلَا بِمُسْتَأْمَنٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ وَلَا بِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ وَلَا صَبِيٍّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ بِحَالٍ، وَلَوْ قَتَلَ حُرٌّ ذِمِّيٌّ عَبْدًا مُؤْمِنًا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَلَى الْحُرِّ إذَا قَتَلَ الْعَبْدَ قِيمَتُهُ كَامِلًا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ كَانَتْ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَتَاعٍ لَهُ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ وَبَعِيرٍ لَهُ لَوْ قَتَلَهُ وَعَلَيْهِ فِي الْعَبْدِ إذَا قَتَلَهُ عَمْدًا مَا وَصَفْت فِي مَالِهِ؛ وَإِذَا قَتَلَهُ خَطَأً مَا وَصَفْت عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَعَلَيْهِ مَعَ قِيمَتِهِمَا مَعًا عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ يَقْتُلُهَا الْحُرُّ وَيُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ كَمَا تُقْتَلُ بِالرَّجُلِ وَسَوَاءٌ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً.

[قَتْلُ الْخُنْثَى]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلَ عَمْدًا فَلِأَوْلِيَاءِ الْخُنْثَى الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَيَكُونُ لَهُمْ الْقِصَاصُ إذَا كَانَ خُنْثَى وَلَوْ سَأَلُوا الدِّيَةَ قَضَى لَهُمْ بِدِيَتِهِ عَلَى دِيَةِ امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَلَمْ يُقْضَ لَهُمْ بِدِيَةِ رَجُلٍ وَلَا زِيَادَةٍ عَلَى دِيَةِ امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْخُنْثَى بَيِّنًا أَنَّهُ ذَكَرٌ قَضَى لَهُمْ بِدِيَةِ رَجُلٍ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ مِنْ الرِّجَالِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَإِذَا طَلَبَ الدِّيَةَ فَلَهُ دِيَةُ امْرَأَةٍ فَإِنْ بَانَ بَعْدُ أَنَّهُ رَجُلٌ أَلْحَقْتُهُ بِدِيَةِ رَجُلٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ أَوَّلًا يَبُولُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ وَكَانَتْ عَلَامَاتُ الرَّجُلِ فِيهِ أَغْلَبَ قَضَيْت لَهُ بِدِيَةِ رَجُلٍ ثُمَّ أُشْكِلَ فَحَاضَ أَوْ جَاءَ مِنْهُ مَا يُشْكَلُ غَرَّمْته الْفَضْلَ مِنْ دِيَةِ امْرَأَةٍ (قَالَ الرَّبِيعُ) الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ
(6/26)

الَّذِي لَهُ فَرْجٌ وَذَكَرٌ إذَا بَالَ مِنْهُمَا لَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَانْقِطَاعُهُمَا مَعًا، وَإِذَا كَانَ يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَالْحُكْمُ لِلَّذِي يَسْبِقُ، وَإِنْ كَانَا يَسْتَبِقَانِ مَعًا فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَنْقَطِعُ قَبْلَ الْآخَرِ فَالْحُكْمُ لِلَّذِي يَبْقَى.

[الْعَبْدُ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} [البقرة: 178] .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَحَكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ الْعَبِيدِ بِالْقِصَاصِ فِي الْآيَةِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا بَيْنَ الْأَحْرَارِ بِالْقِصَاصِ وَلَمْ أَعْلَمْ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي النَّفْسِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ الْعَبْدَ أَوْ الْأَمَةُ الْأَمَةَ أَوْ الْعَبْدُ الْأَمَةَ أَوْ الْأَمَةُ الْعَبْدَ عَمْدًا فَهُمْ كَالْأَحْرَارِ تُقْتَلُ الْحُرَّةُ بِالْحُرَّةِ وَالْحُرُّ بِالْحُرَّةِ وَالْحُرَّةُ بِالْحُرِّ فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ مَعًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَتُقْتَلُ الْأَعْبُدُ بِالْعَبْدِ يَقْتُلُونَهُ عَمْدًا، وَكَذَلِكَ الْإِمَاءُ بِالْعَبْدِ يَقْتُلْنَهُ عَمْدًا وَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَالْقَوْلِ فِي الْأَحْرَارِ، وَأَوْلِيَاءُ الْعَبِيدِ مَالِكُوهُمْ فَيُخَيَّرُ مَالِكُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ أَوْ الْأَمَةِ الْمَقْتُولَةِ بَيْنَ قَتْلِ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ مِنْ الْعَبِيدِ أَوْ أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ الْمَقْتُولِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ مِنْ رَقَبَةِ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ فَهُوَ لَهُ، وَإِذَا قُتِلَ الْعَبْدُ عَمْدًا خُيِّرَ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ وَهُوَ وَلِيُّ دَمِهِ دُونَ قَرَابَةٍ لَوْ كَانَتْ لِعَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ فَإِنْ شَاءَ الْقِصَاصَ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ قِيمَةَ عَبْدِهِ بِيعَ الْعَبْدُ الْقَاتِلُ فَأُعْطِيَ الْمَقْتُولُ عَبْدُهُ قِيمَةَ عَبْدِهِ وَرُدَّ فَضْلٌ إنْ كَانَ فِيهَا عَلَى مَالِكِ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِهِ فَضْلٌ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَيْءٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ فَإِنْ نَقَصَ ثَمَنُهُ عَنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ فَحَقٌّ ذَهَبَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ وَلَا تَبَاعَةَ فِيهِ عَلَى رَبِّ الْعَبْدِ الْقَاتِلِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ اخْتَارَ وَلِيُّ الْعَبْدِ الْمَقْتُولِ قَتْلَ بَعْضِ الْعَبِيدِ وَأَخْذَ قِيمَةِ عَبْدِهِ مِنْ الْبَاقِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ مِنْ قِيمَةِ عَبْدِهِ إلَّا بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ إنْ كَانُوا عَشْرَةً فَلَهُ فِي رَقَبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُ قِيمَةُ عَبْدِهِ.
(قَالَ) : وَإِنْ قَتَلَ عَبِيدٌ عَشْرَةٌ عَبْدًا عَمْدًا خُيِّرَ سَيِّدُ الْمَقْتُولِ بَيْنَ قَتْلِهِمْ أَوْ أَخْذِ قِيمَةِ عَبْدِهِ مِنْ رِقَابِهِمْ فَإِنْ اخْتَارَ قَتْلَهُمْ فَذَلِكَ لَهُ وَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ ثَمَنِ عَبْدِهِ فَلَهُ فِي رَقَبَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ عُشْرُ قِيمَةِ عَبْدِهِ فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَلَهُ فِي رَقَبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ قِيمَةِ عَبْدِهِ، وَأَيُّ الْعَبِيدِ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ أَوْ يُبَاعَ لَهُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَلَهُ فِي الْبَاقِينَ الْقَتْلُ أَوْ أَخْذُ الْأَرْشِ مِنْهُمْ بِقَدْرِ عَدَدِهِمْ كَمَا وَصَفْت.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَتَلَ حُرٌّ وَعَبْدٌ عَبْدًا فَعَلَى الْحُرِّ الْعُقُوبَةُ وَنِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَلِلسَّيِّدِ فِي الْعَبْدِ الْقِصَاصُ أَوْ إتْبَاعُهُ بِنِصْفِ قِيمَةِ عَبْدِهِ فِي عُنُقِهِ كَمَا وَصَفْت.

وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ الْحُرَّ قُتِلَ بِهِ وَيُقَادُ مِنْهُ فِي الْجِرَاحِ إنْ شَاءَ الْحُرُّ وَإِنْ شَاءَ وَرَثَتُهُ فِي الْقَتْلِ وَهُوَ فِي الْجِرَاحِ يَجْرَحُهَا عَمْدًا كَهُوَ فِي الْقَتْلِ فِي أَنَّ ذَلِكَ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ كَمَا وَصَفْت.

وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَتَلَهُ عَبْدٌ عَمْدًا فَلَا قَوَدَ حَتَّى يَجْتَمِعَ مَالِكَاهُ مَعًا عَلَى الْقَوَدِ وَأَيُّهُمَا شَاءَ أَخْذَ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهِ كَانَ لِلْآخَرِ مِثْلُهُ وَلَا قَوَدَ لَهُ إذَا لَمْ يُجْمِعْ مَعَهُ شَرِيكُهُ عَلَى الْقَوَدِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقُتِلَ فَأَعْتَقَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْقَتْلِ كَانَ عَلَى مِلْكِهِمَا قَبْلَ يُعْتِقَانِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَقَعُ عَلَى مَيِّتٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَعْتَقَاهُ مَعًا فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ وَكَّلَا مَنْ أَعْتَقَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ فَهُوَ حُرٌّ وَوُلَاةُ دَمِهِ مَوَالِيهِ إنْ كَانَ مَوَالِيهِ هُمْ وَرَثَتَهُ وَإِنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ أَحْرَارٌ كَانُوا أَوْلَى بِمِيرَاثِهِ مِنْ مَوَالِيهِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا فَقَتَلَهُ عَبْدٌ عَمْدًا فَلِسَيِّدِهِ أَخْذُ الْقَوَدِ وَلَيْسَ الْمُرْتَهِنُ بِسَبِيلٍ مِنْ دَمِهِ لَوْ عَفَاهُ أَوْ أَخَذَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ سَيِّدَهُ إنْ أَرَادَ الْقَوَدَ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَ ثَمَنِهِ أَخَذَهُ وَثَمَنُهُ رَهْنٌ مَكَانَهُ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ الْقَوَدَ وَثَمَنَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا أَنْ يَدَعَ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا إنْ كَانَ رَهْنًا إلَّا بِأَنْ يَقْضِيَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ أَوْ
(6/27)

يُعْطِيَهُ مِثْلَ ثَمَنِهِ رَهْنًا مَكَانَهُ أَوْ يَرْضَى ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ. وَإِذَا قَتَلَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ أَوْ قُتِلَ فَسَيِّدُهُ وَلِيُّ دَمِهِ وَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ لَهُ إذَا كَانَ مَقْتُولًا وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ وَلَا يَأْخُذَ بِأَنْ يُعْطِيَهُ رَهْنًا مَكَانَهُ وَكَذَلِكَ إنْ جَنَى الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَسَيِّدُهُ الْخَصْمُ وَيُبَاعُ مِنْهُ فِي الْجِنَايَةِ بِقَدْرِ أَرْشِهَا إلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ مُتَطَوِّعًا فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ عَلَى الرَّهْنِ. وَإِنْ فَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ لَا يَرْجِعُ بِمَا فَدَاهُ بِهِ عَلَى سَيِّدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قُتِلَ الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ عَمْدًا فَلِسَيِّدِهِ الْقَتْلُ وَالْعَفْوُ بِلَا مَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمَالَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَلَوْ قَتَلَ خَطَأً أَوْ قَتَلَ مَنْ يَلْزَمُهُ لَهُ قِصَاصٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ ثَمَنَهُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَ الْمُرْتَهِنَ حَقَّهُ أَوْ مِثْلَ ثَمَنِهِ رَهْنًا مَكَانَهُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَرْهُونًا فَقُتِلَ عَمْدًا فَلِسَيِّدِهِ الْقِصَاصُ إنْ عَفَا الْقِصَاصَ وَجَبَ لَهُ مَالٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَهُ؛ لِأَنَّ قِيمَتَهُ ثَمَنٌ لِبَدَنِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مَا كَانَ ثَمَنًا لِبَدَنِ الْمَرْهُونِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا الْمُدَبَّرُ وَالْأَمَةُ قَدْ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَمَمَالِيكُ حَالُهُمْ فِي جِنَايَتِهِمْ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِمْ حَالُ مَمَالِيكَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى عَلَى الْمُكَاتَبِ فَأَتَى عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ مَاتَ رَقِيقًا وَهُوَ كَعَبْدِ الرَّجُلِ غَيْرَ مُكَاتَبٍ جُنِيَ عَلَيْهِ وَإِذَا جُنِيَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدًا فَلَهُ الْقِصَاصُ إنْ جَنَى عَلَيْهِ عَبْدٌ وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَ الْقِصَاصِ وَأَخْذَ الْمَالِ كَانَ لَهُ وَإِنْ أَرَادَ تَرْكَ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسَلَّطٍ عَلَى مَالِهِ تَسْلِيطَ الْحُرِّ عَلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ لَهُ عَفْوُ الْمَالِ فِي الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ بِالْجِنَايَةِ قِصَاصًا مِثْلُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ أَوْ صَغِيرٌ فَلَيْسَ لَهُ عَفْوُ الْجِنَايَةِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يَمْلِكُهُ وَلَيْسَ لَهُ إتْلَافُ مَالِهِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَلَوْ جُنِيَ عَلَى الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَلَا قِصَاصَ.

[الْحُرُّ يَقْتُلُ الْعَبْدَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا جَنَى الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ عَمْدًا فَلَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ أَتَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِهِ فَفِيهِ قِيمَتُهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي جَنَى فِيهَا عَلَيْهِ مَعَ وُقُوعِ الْجِنَايَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ كَانَتْ دِيَاتِ أَحْرَارٍ وَقِيمَتُهُ فِي مَالِ الْجَانِي دُونَ عَاقِلَتِهِ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ خَطَأً فَقِيمَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي وَإِذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى أَمَةٍ أَوْ عَبْدٍ فَكَذَلِكَ، وَالْقَوْلُ فِي قِيمَتِهِمْ قَوْلُ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُ يَغْرَمُ ثَمَنَهُ وَعَلَى السَّيِّدِ الْبَيِّنَةُ بِفَضْلٍ إنْ ادَّعَاهُ وَإِذَا كَانَتْ خَطَأً فَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ قَوْلُ عَاقِلَةِ الْجَانِي؛ لِأَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ قِيمَتَهُ فَإِنْ قَالُوا قِيمَتُهُ أَلْفٌ وَقَالَ الْقَاتِلُ: قِيمَتُهُ أَلْفَانِ ضَمِنَتْ الْعَاقِلَةُ أَلْفًا وَالْقَاتِلُ فِي مَالِهِ أَلْفًا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُ مَا أَقَرَّ أَنَّهُ جِنَايَتُهُ وَلَا يَلْزَمُهُمْ إقْرَارُهُ إذَا أَكْذَبُوهُ.

وَلَوْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى عَبْدٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً كَانَ الْقِصَاصُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ فِي الْعَمْدِ وَلَا أَنْظُرُ إلَى فَضْلِ قِيمَةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَيُخَيَّرُ سَيِّدُ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا وَبَيْنَ الْأَرْشِ فَإِنْ اخْتَارَ الْأَرْشَ فَهُوَ لَهُ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ الْجَانِي وَقِيمَتُهُ لِسَيِّدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَوْلُ سَيِّدِ الْعَبْدِ الْجَانِي وَلَا أَنْظُرُ إلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الْجَانِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ رَقَبَتِهِ وَرَقَبَتُهُ مَالٌ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ سَيِّدِ الْجَانِي وَإِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِأَنَّ قِيمَتَهُ الْأَكْثَرُ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَكْثَرُ فِي عُبُودِيَّتِهِ وَإِنْ عَتَقَ لَزِمَهُ الْفَضْلُ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ سَيِّدُهُ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الْعَبْدُ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْجَانِي عَلَى الْعَبْدِ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ لَا يَخْتَلِفَانِ هُمَا، وَالْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ الْجَانِي عَلَى الْعَبْدِ مُكَاتَبًا فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْقَوَدُ فَإِنْ اخْتَارَ سَيِّدُ الْعَبْدِ تَرْكَ الْقَوَدِ لِلْمَالِ أَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَسَوَاءٌ فَإِنْ أَقَرَّ الْمُكَاتَبُ بِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَلْفَانِ وَقِيمَةَ الْمُكَاتَبِ أَلْفَانِ أَوْ أَكْثَرُ وَقَالَ سَيِّدُهُ أَلْفٌ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ إقْرَارَهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْجِزَ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ إبْطَالُ شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ يُوَفِّيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ أَدَّى مِنْ الْجِنَايَةِ مَا أَقَرَّ السَّيِّدُ
(6/28)

أَنَّهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَمْ يُتْبَعْ الْعَبْدُ فِي شَيْءٍ مِنْ جِنَايَتِهِ وَإِذَا أُعْتِقَ أُتْبِعَ بِالْفَضْلِ وَإِنْ أَدَّى فَضْلًا عَمَّا أَقَرَّ بِهِ السَّيِّدُ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَدَّى أَقَلَّ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ السَّيِّدُ خُيِّرَ السَّيِّدُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِالْفَضْلِ مُتَطَوِّعًا أَوْ يُبَاعَ مِنْ الْعَبْدِ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ السَّيِّدُ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَإِذَا أَدَّى الْمُكَاتَبُ أَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ السَّيِّدُ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ رَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الَّذِي دُفِعَتْ إلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمُكَاتَبِ فَيَكُونُ فِي يَدِهِ كَسَائِرِ مَالِهِ فَإِذَا عَتَقَ رَجَعَ عَلَيْهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ وَإِنْ عَجَزَ كَانَ الْمَالُ كُلُّهُ لِسَيِّدِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِلْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ وَهُوَ يَجُوزُ لَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَالِهِ وَيَلْزَمُهُ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ بِيعَ الْمُكَاتَبُ فِيهِ إنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ بِأَدَائِهِ عَنْهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَ الْمُكَاتَبُ عَبِيدًا عَمْدًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَاشْتَجَرُوا فَسَيِّدُ الْعَبْدِ الَّذِي قُتِلَ أَوَّلًا أَوْلَى بِالْقِصَاصِ وَلَوْ دَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الَّذِي قُتِلَ أَوَّلًا فَعَفَا عَنْهُ عَلَى مَالٍ أَوْ غَيْرِ مَالٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الَّذِي قُتِلَ عَبْدُهُ بَعْدَهُ فَإِنْ عَفَا عَنْهُ دَفَعَهُ إلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ بَعْدَهُ وَهَكَذَا حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا عَفَا عَنْهُ أَوْ يَقْتُلَهُ أَحَدُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَكُونُ قَضَاؤُهُ بِهِ لِلَّذِي قُتِلَ أَوَّلًا وَعَفْوُهُ عَنْهُ - مُزِيلًا لِلْقَوَدِ عَنْهُ مِمَّنْ قُتِلَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمْ يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ قَتْلَهُ بِمَنْ قُتِلَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ كَمَا يَكُونُ لِلْقَوْمِ عَلَى رَجُلٍ حُدُودٌ فَيَعْفُو بَعْضُهُمْ فَيَكُونُ لِلْبَاقِينَ أَخْذُ حُدُودِهِمْ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخْذُ حَدِّهِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ غَيْرُ حَقِّ صَاحِبِهِ وَهَكَذَا لَوْ قَطَعَ أَيْمَانَ رِجَالٍ أَوْ مَالَهُمْ فِيهِ الْقِصَاصُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ النَّفَرَ عَمْدًا أَوْ الْوَاحِدَ ثُمَّ مَاتَ فَدِيَاتُ مَنْ قُتِلَ حَالَّةٌ فِي مَالِهِ بِكَمَالِهَا وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ النَّفَرَ عَمْدًا، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقُتِلَ أَوْ زَنَى فَرُجِمَ فَدِيَاتُهُمْ فِي مَالِهِ كَمَا وَصَفْت فِي مَوْتِهِ، وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ النَّفَرَ عَمْدًا فَعَدَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ عَلَى الْقَاتِلِ فَقَتَلَهُ عَمْدًا فَلِأَوْلِيَائِهِ الْقَوَدُ، إلَّا أَنْ يَشَاءُوا أَنْ يَعْفُوا الْقَوَدَ عَلَى مَالٍ وَإِنْ عَفَوْهُ عَلَى مَالٍ فَالدِّيَةُ مَالٌ مِنْ مَالِ الْمَقْتُولِ يَأْخُذُهَا أَوْلِيَاءُ الَّذِينَ قُتِلُوا كَمَا يَأْخُذُونَ سَائِرَ مَالِهِ وَهُمْ فِيهِ أُسْوَةٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ عَفَا أَوْلِيَاؤُهُ الدَّمَ وَالْمَالَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ لِلْقَاتِلِ مَالٌ يُخْرِجُ دِيَاتِ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ فَعَفْوُهُمْ جَائِزٌ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ حِينَ عَفَوْا الدَّمَ صَارَ لَهُ بِالْقَتْلِ مَالٌ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ عَفْوُ مَالِهِ حَتَّى يُؤَدُّوا دَيْنَهُ كُلَّهُ وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ النَّفَرَ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَجَاءَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِينَ يَطْلُبُونَ الْقَوَدَ اُسْتُتِيبَ فَإِنْ تَابَ قُتِلَ لَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قِيلَ لَهُمْ إنْ شِئْتُمْ أَخَذْتُمْ الدِّيَاتِ وَتَرَكْتُمْ الدَّمَ وَقَتَلْنَاهُ بِالرِّدَّةِ وَغَنِمْنَا مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ فَعَلُوا فَذَلِكَ لَهُمْ وَإِنْ تَابَ بَعْدَ مَا يَأْخُذُونَ الدِّيَاتِ أَوْ يَقُولُونَ قَدْ عَفَوْنَا الْقَوَدَ عَلَى الْمَالِ أَوْ لَمْ يَتُبْ فَسَأَلُوا الْقَوَدَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ إذَا تَرَكُوهُ مَرَّةً لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِي تَرْكِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا سَأَلُوا الْقَوَدَ وَامْتَنَعُوا مِنْ الْعَفْوِ أَعْطَيْنَاهُمْ الْقَوَدَ بِاَلَّذِي قُتِلَ أَوَّلًا وَجَعَلْنَا لِلْبَاقِينَ الدِّيَةَ وَمَا فَضَلَ مِنْ مَالِهِ غَنِمَ عَلَيْهِ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ وَاجِبًا عَلَيْنَا إعْطَاءُ الْآدَمِيِّينَ الْقَوَدَ وَالْقَوَدُ يَأْتِي عَلَى قَتْلِهِ بِالْقَوَدِ وَالرِّدَّةِ، وَلَوْ مَاتَ مُرْتَدًّا قَاتِلًا أَوْ قَاتِلًا غَيْرَ مُرْتَدٍّ أَعْطَيْنَا مِنْ مَالِهِ الدِّيَةَ وَبِذَلِكَ قَدَّمْنَا فِي هَذَا حَقَّ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قَتْلِ الْآدَمِيِّينَ عَلَى الْقَتْلِ فِي الرِّدَّةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ وَقَتَلَ قَبْلَ الزِّنَا أَوْ بَعْدَهُ بَدَأْنَا بِالْقَتْلِ، فَإِنْ تَرَكَ أَوْلِيَاؤُهُ رُجِمَ.

[جِرَاحُ النَّفَرِ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ فَيَمُوتُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَ الرَّجُلِ وَقَطَعَ آخَرُ رِجْلَهُ وَشَجَّهُ الْآخَرُ مُوضِحَةً وَأَصَابَهُ الْآخَرُ بِجَائِفَةٍ وَكُلُّ ذَلِكَ بِحَدِيدٍ أَوْ بِشَيْءٍ يُحَدَّدُ فَيَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ فَلَمْ يَبْرَأْ شَيْءٌ مِنْ جِرَاحَتِهِ حَتَّى مَاتَ فَكُلُّهُمْ
(6/29)

قَاتِلٌ وَعَلَى كُلِّهِمْ الْقَوَدُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَرَحَهُ رَجُلٌ مِائَةَ جُرْحٍ وَآخَرُ جُرْحًا وَاحِدًا كَانَ عَلَيْهِمَا مَعًا الْقَوَدُ وَكَانَ لِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ أَنْ يَجْرَحُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدَدَ مَا جَرَحَهُ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا ضَرَبُوا عُنُقَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَرَحَهُ جُرْحًا جَائِفَةً غَيْرَ نَافِذَةٍ أَوْ جَائِفَةً نَافِذَةً كَانَ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ أَنْ يَجْرَحَهُ جَائِفَةً غَيْرَ نَافِذَةٍ أَوْ جَائِفَةً نَافِذَةً. وَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ بِالْقَتْلِ لَمْ أَمْنَعْهُ أَنْ يَصْنَعَ هَذَا وَلَا آمُرُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا وَلِيَّ الْقَتِيلِ أَنْ يَلِيَهُ بِنَفْسِهِ إنَّمَا آمُرُ بِهِ مَنْ يُبْصِرُ كَيْفَ جَرَحَهُ فَأَقُولُ: اجْرَحْهُ كَمَا جَرَحَهُ فَإِذَا بَقِيَ ضَرْبُ الْعُنُقِ خَلَّيْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلِيِّ الْقَتِيلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ قَطَعَ يَدَهُ بِنِصْفِ الذِّرَاعِ لَمْ أَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ مَكَانَهُ وَإِنَّمَا أَمْنَعُهُ إذَا كَانَ جُرْحًا لَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا يَكُونُ فِيهِ قِصَاصٌ. وَالثَّانِي أَنَّ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهِ كُلَّ مَا كَانَ لَوْ جَرَحَهُ اقْتَصَّ بِهِ مِنْهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلَا يَصْنَعَ بِهِ مَا لَوْ كَانَ جَرَحَهُ بِهِ دُونَ النَّفْسِ لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَعَلَّهُ يَدَعُ قَتْلَهُ فَيَكُونُ قَدْ عَذَّبَهُ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ مَا صَنَعَ بِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يُقْتَصُّ مِنْهَا وَيُقَالُ لَهُ الْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ.

وَإِذَا جَرَحَ الثَّلَاثَةُ رَجُلًا جِرَاحَ عَمْدٍ بِسِلَاحٍ وَكَانَ ضَمِنَا حَتَّى مَاتَ وَقَدْ بَرَأَتْ جِرَاحُ أَحَدِهِمْ وَلَمْ تَبْرَأْ جِرَاحُ الْبَاقِينَ فَعَلَى الْبَاقِينَ الْقِصَاصُ وَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ عَلَى الَّذِي بَرَأَتْ جِرَاحُهُ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ إنْ كَانَ مِمَّا يُقْتَصُّ مِنْهُ أَوْ الْعَقْلُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فَعَلَيْهِ عَقْلُ ذَلِكَ الْجُرْحِ بَالِغًا مَا بَلَغَ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ جِرَاحُهُ تَبْلُغُ دِيَةً أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّهُ جَانِي جِرَاحٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَفْسٌ. وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّهُ جَرَحَهُ مَرَّاتٍ وَصَدَّقَهُ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ فَهَكَذَا، وَلَوْ كَذَّبَهُ الْقَتَلَةُ مَعَهُ لَمْ يُقْبَلْ تَكْذِيبُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَاتِلًا مَعَهُمْ لَمْ يَدْرَأْ عَنْهُمْ الْقَتْلَ فَلَا مَعْنَى لتكذيبهموه إذَا أَرَادَ أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَوْ صَدَّقَهُ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ وَكَذَّبَهُ الْقَتَلَةُ مَعَهُ وَقَالَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ: نَحْنُ نَأْخُذُ الدِّيَةَ كَامِلَةً مِنْ الْقَاتِلِينَ الَّذِينَ جَرَحْت مَعَهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يُقِرُّوا أَنَّ جِرَاحَهُ قَدْ بَرَأَتْ أَوْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُمَا ثُلُثَا الدِّيَةِ إذَا كَانَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ فَإِذَا بَرَأَتْ جِرَاحُهُ لَزِمَهُمَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَلَا يَلْزَمُهُمَا إلَّا بِإِقْرَارِهِمَا الدِّيَةَ تَامَّةً؛ لِأَنَّهُمَا قَاتِلَانِ دُونَهُ أَوْ بَيِّنَةٌ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ فَيَخْرُجُ الثَّالِثُ مِنْ الْقَتْلِ مَعَهُمَا فَتَكُونُ عَلَيْهِمَا.

وَلَوْ جَرَحَهُ ثَلَاثَةٌ فَأَقَرَّ اثْنَانِ أَنَّ جِرَاحَ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ بَرَأَتْ وَمَاتَ مِنْ جِرَاحِهِمَا وَادَّعَى ذَلِكَ الْجَانِي الَّذِي أَقَرَّا لَهُ بِهِ وَصَدَّقَهُمْ أَوْلِيَاءُ الْقَتْلِ، وَأَرَادُوا أَخْذَ الدِّيَةِ مِنْ الِاثْنَيْنِ الْمُقِرَّيْنِ أَنَّ جِرَاحَ الْجَارِحِ مَعَهُمَا بَرَأَتْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمَا إلَّا ثُلُثَا الدِّيَةِ فَبُرْؤُهُمَا مِمَّا سِوَاهُ إذَا سَأَلَ ذَلِكَ الْقَاتِلَانِ.

وَلَوْ قَتَلَهُ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهُمْ عَبْدٌ وَأَرَادُوا أَخْذَ الدِّيَةِ كَانَ ثُلُثُهَا فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَثُلُثَاهَا عَلَى الْحُرَّيْنِ، وَإِذَا أَفْلَسَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا أَتْبَعُوهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَحْرَارِ وَسَيِّدِ الْعَبْدِ مِنْ دِيَةِ الْعَمْدِ - شَيْءٌ بِحَالٍ. وَقَدْ قِيلَ: هَكَذَا لَوْ كَانَتْ الْقِتْلَةُ عَمْدًا وَفِيهِمْ مَجْنُونٌ أَوْ صِبْيَانٌ أَوْ فِيهِمْ صَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ رَجُلٌ ابْنَهُ فَالدِّيَةُ كُلُّهَا فِي أَمْوَالِهِمْ لَيْسَ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ مِنْهَا شَيْءٌ. وَقَدْ قِيلَ: تَحْمِلُ عَاقِلَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ عَمْدَهُ كَمَا يَحْمِلُونَ خَطَأَهُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -، وَإِذَا جَرَحَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ جِرَاحًا كَثِيرَةً وَالْآخَرُ جُرْحًا وَاحِدًا فَأَرَادَ أَوْلِيَاؤُهُ الْقَوَدَ فَهُوَ لَهُمْ وَإِنْ أَرَادُوا الْعَقْلَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ إذَا كَانَتْ نَفْسًا فَسَوَاءٌ فِي الْغَرَامَةِ الَّذِي جَرَحَ الْجِرَاحَ الْقَلِيلَةَ وَاَلَّذِي جَرَحَ الْجِرَاحَ الْكَثِيرَةَ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَهُوَ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا فَدَيْنٌ عَلَيْهِ.
(6/30)

[مَا يَسْقُطُ فِيهِ الْقِصَاصُ مِنْ الْعَمْدِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ " قَالَ الرَّبِيعُ " أَظُنُّهُ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ غَزَوْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزْوَةً قَالَ وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ وَكَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ أَوْثَقَ عَمَلٍ فِي نَفْسِي قَالَ عَطَاءٌ قَالَ صَفْوَانُ «قَالَ يَعْلَى كَانَ لِي أَجِيرٌ فَقَاتَلَ إنْسَانًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الْآخَرِ فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ فَذَهَبَتْ يَعْنِي إحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ» قَالَ عَطَاءٌ وَحَسِبْت أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ فَتَقْضِمُهَا كَأَنَّهَا فِي فِي فَحْلٍ يَقْضِمُهَا؟» أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ إنْسَانًا جَاءَ إلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَضَّهُ إنْسَانٌ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْهُ فَذَهَبَتْ ثَنِيَّتُهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعُدَتْ ثَنِيَّتُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ فَإِذَا عَضَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ الْعُضْوَ الَّذِي عُضَّ مِنْهُ يَدًا أَوْ رِجْلًا أَوْ رَأْسًا مِنْ فِي الْعَاضِّ فَأَذْهَبَتْ ثَنَايَا الْعَاضِّ وَمَاتَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَمُتْ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْمُنْتَزِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْعَضُّ بِحَالٍ وَلَوْ كَانَ الْعَاضُّ بَدَأَ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ فَضَرَبَ وَظَلَمَ أَوْ بُدِئَ فَضُرِبَ وَظُلِمَ كَانَ سَوَاءً؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْعَضِّ لَيْسَ لَهُ وَإِنَّ لِلْمَعْضُوضِ مَنْعَ الْعَضِّ فَإِذَا كَانَ لَهُ مَنْعُهُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِيمَا أَحْدَثَ مَا يَمْنَعُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَنْعِ عُدْوَانٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا عُدْوَانَ فِي إخْرَاجِ الْعُضْوِ مِنْ فِي الْعَاضِّ وَلَوْ رَامَ إخْرَاجَ الْعُضْوِ مِنْ فِي الْعَاضِّ فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ وَغَلَبَهُ إخْرَاجُهَا كَانَ لَهُ فَكُّ لَحْيَيْهِ بِيَدِهِ الْأُخْرَى إنْ كَانَ عَضَّ إحْدَى يَدَيْهِ وَبِيَدَيْهِ مَعًا إنْ كَانَ عَضَّ رِجْلَهُ فَإِنْ كَانَ عَضَّ قَفَاهُ فَلَمْ تَنَلْهُ يَدَاهُ كَانَ لَهُ نَزْعُ رَأْسِهِ مِنْ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إخْرَاجِهِ فَلَهُ التَّحَامُلُ عَلَيْهِ بِرَأْسِهِ إلَى وَرَاءٍ مُصْعِدًا أَوْ مُنْحَدِرًا وَإِنْ قَدَرَ بِيَدَيْهِ فَغَلَبَهُ ضَبْطًا بِفِيهِ كَانَ لَهُ ضَرْبُ فِيهِ بِيَدَيْهِ أَوْ بَدَنِهِ أَبَدًا حَتَّى يُرْسِلَهُ فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِمَّا وَصَفْنَا لَهُ وَبَعَجَ بَطْنَهُ بِسِكِّينٍ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ بِيَدَيْهِ أَوْ ضَرَبَهُ فِي بَعْضِ جَسَدِهِ ضَمِنَ فِي هَذَا كُلِّهِ الْجِنَايَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ لَهُ وَلَا يَضْمَنُ فِيمَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى هَدْمِ فِيهِ كُلِّهِ وَكَانَتْ مِنْهُ مَنِيَّتُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَصَابَ بِهِ الْعَاضُّ الْمَعْضُوضَ مِنْ جُرْحٍ فَصَارَ نَفْسًا أَوْ صَارَ جُرْحًا عَظِيمًا ضَمِنَهُ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ.

[الرَّجُل يَجِد مَعَ امْرَأَته رَجُلًا فَيَقْتُلهُ أَوْ يَدْخُل عَلَيْهِ بَيْته فَيَقْتُلهُ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ سَعْدًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَأُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ خَيْبَرِيٍّ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، أَوْ قَتَلَهُمَا فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ الْقَضَاءُ فِيهِ فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ يَسْأَلُ لَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ إنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا هُوَ بِأَرْضِنَا عَزَمْت عَلَيْك لَتُخْبِرَنِّي فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: كَتَبَ إلَيَّ فِي ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ عَلِيٌّ أَنَا أَبُو حَسَنٍ إنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَبِهَذَا نَقُولُ فَإِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَادَّعَى أَنَّهُ يَنَالُ مِنْهَا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَهُمَا ثَيِّبَانِ مَعًا فَقَتَلَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا لَمْ يُصَدَّقْ وَكَانَ
(6/31)

عَلَيْهِ الْقَوَدُ أَيَّهُمَا قَتَلَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَوْلِيَاؤُهُ أَخْذَ الدِّيَةِ أَوْ الْعَفْوَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ادَّعَى عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ مِنْهُمَا أَنَّهُمْ عَلِمُوهُ قَدْ نَالَ مِنْهَا مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلَ إنْ كَانَ الرَّجُلَ أَوْ نِيلَ مِنْ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ الْمَقْتُولَةُ كَانَ عَلَى أَيِّهِمَا ادَّعَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ مَا عَلِمَ فَإِنْ حَلَفَ فَلَهُ الْقَوَدُ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حُلِّفَ الْقَاتِلُ وَبَرِئَ مِنْ الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ لِلرَّجُلِ وَلِيَّانِ فَادَّعَى عَلَيْهِمَا الْعِلْمَ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا مَا عَلِمَ وَنَكَلَ الْآخَرُ عَنْ الْيَمِينِ وَحَلَفَ الْقَاتِلُ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَتِهِ وَوَصَفَ الزِّنَا الَّذِي يُوجِبُ الْحَدَّ فَكَانَ بَيِّنًا فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ حَالَّةً فِي مَالِهِ لِلَّذِي حَلَفَ مَا عَلِمَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ لَهُ وَلِيَّانِ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ فَحَلَفَ الْكَبِيرُ مَا عَلِمَ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ فَيَحْلِفَ أَوْ يَمُوتَ فَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ إنْ شَاءَ الْكَبِيرُ أَخَذَ نِصْفَ الدِّيَةِ فَإِنْ أَخَذَهَا أَخَذَ لِلصَّغِيرِ نِصْفَ الدِّيَةِ، ثُمَّ يَنْتَظِرُ بِهِ أَنْ يَحْلِفَ فَإِذَا كَبِرَ حَلَفَ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ وَحَلَفَ الْقَاتِلُ رَدَّ مَا أَخَذَ لَهُ، وَلَوْ أَقَرَّ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ مِنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ مَعَهَا فِي الثَّوْبِ وَتَحَرَّكَ تَحَرُّكَ الْمُجَامِعِ وَأَنْزَلَ وَلَمْ يُقِرُّوا بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَوَدُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَقَرُّوا بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَكَانَ الْمَقْتُولُ بِكْرًا بِدَعْوَى أَوْلِيَائِهِ إخْوَتِهِ أَوْ ابْنِهِ فَادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّهُ ثَيِّبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ أَوْلِيَائِهِ وَعَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْبِكْرِ قَتْلٌ فِي الزِّنَا فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ كَانَ ثَيِّبًا سَقَطَ عَنْهُ الْعَقْلُ وَالْقَوَدُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَيَسَعُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَتْلُ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ إذَا كَانَا ثَيِّبَيْنِ وَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ نَالَ مِنْهَا مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ وَلَا يُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ فِيمَا يُسْقِطُ عَنْهُ الْقَوَدَ وَهَكَذَا لَوْ وَجَدَهُ يتلوط بِابْنِهِ أَوْ يَزْنِي بِجَارِيَتِهِ لَا يَخْتَلِفُ، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَوَدُ وَالْعَقْلُ وَالْقَوَدُ فِي الْقَتْلِ إلَّا بِأَنْ يَفْعَلَ مَا يُحِلُّ دَمَهُ. وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ وَأَنْ يَعْمِدَ قَتْلَهُ إلَّا بِكُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ. .

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنَالُ مِنْهَا مَا يُحَدُّ بِهِ الزَّانِي فَقَتَلَهُمَا وَالرَّجُلُ ثَيِّبٌ وَالْمَرْأَةُ غَيْرُ ثَيِّبٍ فَلَا شَيْءَ فِي الرَّجُلِ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الْمَرْأَةِ، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ غَيْرَ ثَيِّبٍ وَالْمَرْأَةُ ثَيِّبًا كَانَ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ الْقَوَدُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْمَرْأَةِ.

[الرَّجُلُ يُحْبَسُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا حَبَسَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ رَجُلًا أَيَّ حَبْسٍ مَا كَانَ بِكِتَافٍ أَوْ رَبْطِ الْيَدَيْنِ أَوْ إمْسَاكِهِمَا أَوْ إضْجَاعِهِ لَهُ وَرَفَعَ لِحْيَتَهُ عَنْ حَلْقِهِ فَقَتَلَهُ الْآخَرُ قُتِلَ بِهِ الْقَاتِلُ وَلَا قَتْلَ عَلَى الَّذِي حَبَسَهُ وَلَا عَقْلَ وَيُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَقْتُلْ وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِالْقَتْلِ عَلَى الْقَاتِلِينَ وَهَذَا غَيْرُ قَاتِلٍ.

[مَنْعُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ وَحَرِيمَهُ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَوْ بَعْضَ الْوُلَاةِ بَعَثَ إلَى الْوَهْطِ لِيَقْبِضَهُ فَلَبِسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو
(6/32)

السِّلَاحَ وَجَمَعَ مَنْ أَطَاعَهُ وَجَلَسَ عَلَى بَابِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَتُقَاتِلُ؟ فَقَالَ وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُقَاتِلَ وَقَدْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ؟» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَمَنْ أُرِيدَ مَالُهُ فِي مَصْرِفَيْهِ غَوْثٌ أَوْ صَحْرَاءُ لَا غَوْثَ فِيهَا أَوْ أُرِيدَ وَحَرِيمُهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يُكَلِّمَ مَنْ يُرِيدُهُ وَيَسْتَغِيثَ فَإِنْ مُنِعَ أَوْ امْتَنَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِتَالُهُ وَإِنْ أَبَى أَنْ يَمْتَنِعَ مَنْ أَرَادَ مَالَهُ أَوْ قَتْلَهُ أَوْ قَتْلَ بَعْضِ أَهْلِهِ أَوْ دُخُولًا عَلَى حَرِيمِهِ أَوْ قَتْلَ الْحَامِيَةِ حَتَّى يَدْخُلَ الْحَرِيمَ أَوْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَالِ أَوْ يُرِيدَهُ الْإِرَادَةَ الَّتِي يَخَافُ الْمَرْءُ أَنْ يَنَالَهُ أَوْ بَعْضَ أَهْلِهِ فِيهَا بِجِنَايَةٍ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُلِّ مَالِهِ دَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ عَنْهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ إلَّا بِضَرْبِهِ بِيَدٍ أَوْ عَصًا أَوْ سِلَاحِ حَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَهُ ضَرْبُهُ وَلَيْسَ لَهُ عَمْدُ قَتْلِهِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ ضَرْبُهُ فَإِنْ أَتَى الضَّرْبُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا عَقْلَ فِيهِ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَوْ لَمْ يَضْرِبْهُ حَتَّى رَجَعَ عَنْهُ تَارِكًا لِقِتَالِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِ بِضَرْبٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَاتَلَهُ وَهُوَ مُوَلٍّ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ يَرْمِيهِ أَوْ يَطْعَنُهُ أَوْ يُوهِقُهُ كَانَ لَهُ عِنْدَ توهيقه إيَّاهُ أَوْ انْحِرَافِهِ لِرَمْيِهِ ضَرْبُهُ وَرَمْيُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ تَرْكِهِ ذَلِكَ ضَرْبُهُ وَلَا رَمْيُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَرَادَهُ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ وَبَيْنَهُمَا نَهْرٌ أَوْ خَنْدَقٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ مَا لَا يَصِلُ مَعَهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ ضَرْبُهُ حَتَّى يَكُونَ بَارِزًا لَهُ مُرِيدًا لَهُ. فَإِذَا كَانَ بَارِزًا لَهُ مُرِيدًا لَهُ كَانَ لَهُ ضَرْبُهُ حِينَئِذٍ إذَا لَمْ يَرَ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ عَنْهُ إلَّا بِالضَّرْبِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ لَهُ مُرِيدًا فَانْكَسَرَتْ يَدُ الْمُرِيدِ أَوْ رِجْلُهُ حَتَّى يَصِيرَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تُحِلُّ ضَرْبَهُ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ يُطِيقُ الضَّرْبَ فَأَمَّا إذَا صَارَ إلَى حَالٍ لَا يَقْوَى عَلَى ضَرْبِ الْمُرَادِ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُرَادِ ضَرْبُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ فِي جَبَلٍ أَوْ حِصْنٍ أَوْ خَنْدَقٍ فَأَرَادَهُ رَجُلٌ لَا يَصِلُ إلَيْهِ بِضَرْبٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ فَإِنْ رَمَاهُ الرَّجُلُ. وَمِثْلُ الرَّمْيِ يَصِلُ إلَيْهِ لِقُرْبِهِ مِنْهُ كَانَ لَهُ رَمْيُهُ وَضَرْبُهُ، وَإِنْ بَرَزَ الرَّجُلُ مِنْ الْحِصْنِ حَتَّى يَصِيرَ الرَّجُلُ يَقْدِرُ عَلَى ضَرْبِهِ بِحَالٍ فَأَرَادَهُ فَلَهُ ضَرْبُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِيمَا يَحِلُّ بِالْإِرَادَةِ وَأَنْ يَكُونَ يَبْلُغُ الضَّرْبُ وَالرَّمْيُ مَعَهَا وَيَحْرُمُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالْجَمَلِ الصَّئُولِ وَالدَّابَّةِ الصَّئُولَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحِلُّ ضَرْبُهُ لَأَنْ يَقْتُلَ الْمُرَادَ أَوْ يَجْرَحَهُ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ سَوَاءٌ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُ بِالْإِرَادَةِ إذَا كَانَ الْمُرِيدُ يَقْدِرُ عَلَى الْقَتْلِ وَلِلْمُرَادِ أَنْ يَبْدُرَ الْمُرِيدَ بِالضَّرْبِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إذَا أَقْبَلَ الرَّجُلُ بِالسَّيْفِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ السِّلَاحِ إلَى الرَّجُلِ فَإِنَّمَا لَهُ ضَرْبُهُ عَلَى مَا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يَضْرِبُهُ وَإِنْ لَمْ يَبْدَأْهُ الْمُقْبِلُ إلَيْهِ بِالضَّرْبِ فَلْيَضْرِبْهُ. وَإِنْ لَمْ يَقَعْ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ وَكَانَ لَهُ الْقَوَدُ فِيمَا نَالَ مِنْهُ بِالضَّرْبِ أَوْ الْأَرْشِ؛ وَإِذَا أَبَحْتُ لِلرَّجُلِ دَمَ رَجُلٍ أَوْ ضَرْبَهُ فَمَاتَ مِمَّا أَبَحْت لَهُ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَإِذَا قُلْت لَيْسَ لَهُ رَمْيُهُ وَلَا ضَرْبُهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَالْعَقْلُ وَالْكَفَّارَةُ فِيمَا نَالَ مِنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَوْ عَرَضَ لَهُ فَضَرَبَهُ وَلَهُ الضَّرْبُ ضَرَبَهُ، ثُمَّ وَلَّى أَوْ جُرِحَ فَسَقَطَ ثُمَّ عَادَ فَضَرَبَهُ أُخْرَى فَمَاتَ مِنْهُمَا ضَمِنَ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ وَالْكَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ ضَرْبِ مُبَاحٍ وَضَرْبٍ مَمْنُوعٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ضَرَبَهُ مُقْبِلًا فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ ضَرَبَهُ مُوَلِّيًا فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ بَرَأَ مِنْهُمَا فَلَهُ الْقَوَدُ فِي الْيُسْرَى وَالْيُمْنَى هَدَرٌ وَلَوْ مَاتَ مِنْهُمَا فَأَرَادَ وَرَثَتُهُ الدِّيَةَ فَلَهُمْ نِصْفُ الدِّيَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَقْبَلَ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ مَاتَ ضَمِنَ ثُلُثَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِرَاحَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ مُبَاحَةٍ. وَثَانِيَةٍ غَيْرِ مُبَاحَةٍ وَثَالِثَةٍ مُبَاحَةٍ فَلَمَّا تَفَرَّقَ حُكْمُ جِنَايَتِهِ فَرَّقْت بَيْنَهُ وَجَعَلْته كَجِنَايَةِ ثَلَاثَةٍ، وَلَوْ جَرَحَهُ أَوَّلًا وَهُوَ مُبَاحٌ جِرَاحَاتٍ، ثُمَّ وَلَّى فَجَرَحَهُ جِرَاحَاتٍ كَانَتْ جِنَايَتَيْنِ مَاتَ مِنْهُمَا فَسَوَاءٌ قَلِيلُ الْجِرَاحِ فِي الْحَالِ الْوَاحِدَةِ وَكَثِيرِهَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ. فَإِنْ عَادَ فَأَقْبَلَ فَجَرَحَهُ جِرَاحَةً قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً فَمَاتَ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ كَمَا قُلْتُ
(6/33)

أَوَّلًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَا أَصَابَ الْمُرِيدُ لِنَفْسِ الرَّجُلِ أَوْ مَالِهِ أَوْ حَرِيمِهِ مِنْ الرَّجُلِ فِي إقْبَالِهِ أَوْ نَالَهُ بِهِ فِي تَوْلِيَتِهِ عَنْهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِيمَا فِيهِ الْقَوَدُ وَالْعَقْلُ فِيمَا فِيهِ الْعَقْلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَإِنْ كَانَ الْمُرِيدُ مَعْتُوهًا أَوْ مِمَّنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَفِيمَا أَصَابَ الْعَقْلَ وَإِنْ كَانَ الْمُرِيدُ بَهِيمَةً فِي نَهَارٍ فَلَا شَيْءَ عَلَى مَالِكِهَا كَانَتْ مِمَّا يَصُولُ وَيَعْقِرُ أَوْ مِمَّا لَا يَصُولُ وَلَا يَعْقِرُ بِحَالٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا قَائِدٌ أَوْ سَائِقٌ أَوْ رَاكِبٌ.

[التَّعَدِّي فِي الِاطِّلَاع وَدُخُولِ الْمَنْزِلِ]
ِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأَتْ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ سَمِعْت سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي بَيْتِهِ رَأَى رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْهِ فَأَهْوَى إلَيْهِ بِمِشْقَصٍ كَانَ فِي يَدِهِ كَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ لَمْ يُبَالِ أَنْ يَطْعَنَهُ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمَدَ أَنْ يَأْتِيَ نَقْبًا أَوْ كُوَّةً أَوْ جَوْبَةً فِي مَنْزِلِ رَجُلٍ يَطَّلِعُ عَلَى حَرَمِهِ مِنْ النِّسَاءِ كَانَ ذَلِكَ الْمُطَّلِعُ مِنْ مَنْزِلِ الْمُطَّلَعِ أَوْ مِنْ مَنْزِلٍ لِغَيْرِهِ أَوْ طَرِيقٍ أَوْ رَحْبَةٍ فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَهُوَ آثِمٌ بِعَمْدِ الِاطِّلَاعِ. وَلَوْ أَنَّ الرَّجُلَ الْمُطَلَّعَ عَلَيْهِ خَذَفَهُ بِحَصَاةٍ أَوْ وَخَزَهُ بِعُودٍ صَغِيرٍ أَوْ مِدْرًى أَوْ مَا يَعْمَلُ عَمَلَهُ فِي أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ جُرْحٌ يَخَافُ قَتْلَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُذْهِبُ الْبَصَرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ فِيمَا يَنَالُ مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ وَلَوْ مَاتَ الْمُطَّلِعُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَلَا إثْمٌ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَا كَانَ الْمُطَّلِع مُقِيمًا عَلَى الِاطِّلَاعِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ النُّزُوعِ فَإِذَا نَزَعَ عَنْ الِاطِّلَاعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنَالَهُ بِشَيْءٍ وَمَا نَالَهُ بِهِ فَعَلَيْهِ فِيهِ قَوَدٌ أَوْ عَقْلٌ إذَا كَانَ فِيهِ عَقْلٌ وَلَوْ طَعَنَهُ عِنْدَ أَوَّلِ اطِّلَاعِهِ بِحَدِيدَةٍ تَجْرَحُ الْجُرْحَ الَّذِي يَقْتُلُ أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ يَقْتُلُ مِثْلُهُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِيمَا فِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُذِنَ لَهُ الَّذِي يَنَالُهُ بِالشَّيْءِ الْخَفِيفِ الَّذِي يَرْدَعُ بَصَرَهُ لَا يَقْتُلُ نَفْسَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ثَبَتَ مُطَّلِعًا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الرُّجُوعِ بَعْدَ مَسْأَلَتِهِ أَنْ يَرْجِعَ أَوْ بَعْدَ رَمْيِهِ بِالشَّيْءِ الْخَفِيفِ اسْتَغَاثَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِ غَوْثٍ أَحْبَبْت أَنْ يَنْشُدَهُ فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ فِي مَوْضِعِ الْغَوْثِ وَغَيْرِهِ مِنْ النُّزُوعِ عَنْ الِاطِّلَاعِ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسِّلَاحِ وَأَنْ يَنَالَهُ بِمَا يَرْدَعُهُ. فَإِنْ جَاءَ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ جَرَحَهُ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا يُجَاوِزُ بِمَا يَرْمِيه بِهِ مَا أَمَرْته بِهِ أَوَّلًا حَتَّى يَمْتَنِعَ فَإِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ نَالَهُ بِالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَكَانٌ يَرَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ يَنَلْ هَذَا مِنْهُ كَانَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُعَاقِبَهُ وَلَوْ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي الِاطِّلَاعِ لَمْ يَكُنْ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنَالَهُ بِشَيْءٍ إذَا اطَّلَعَ فَنَزَعَ مِنْ الِاطِّلَاعِ أَوْ رَآهُ مُطَّلِعًا فَقَالَ مَا عَمَدْت وَلَا رَأَيْت وَإِنْ نَالَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ بِشَيْءٍ فَقَالَ مَا عَمَدْت وَلَا رَأَيْت لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ ظَاهِرٌ وَلَا يُعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ وَلَوْ كَانَ أَعْمَى فَنَالَهُ بِشَيْءٍ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يُبْصِرُ بِالِاطِّلَاعِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ الْمُطَلِّعُ ذَا مَحْرَمٍ مِنْ نِسَاءِ الْمُطَّلَعِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنَالَهُ بِشَيْءٍ بِحَالٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَطَّلِعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَرَى مِنْهُمْ عَوْرَةً لَيْسَتْ لَهُ رُؤْيَتُهَا. وَإِنْ نَالَهُ بِشَيْءٍ فِي الِاطِّلَاعِ ضَمِنَهُ عَقْلًا وَقَوَدًا إلَّا أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْهُمْ مُتَجَرِّدَةً فَيُقَالُ لَهُ فَلَا يَنْزِعُ فَيَكُونُ لَهُ حِينَئِذٍ فِيهِ مَا يَكُونُ لَهُ فِي الْأَجْنَبِيِّينَ إذَا اطَّلَعُوا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنَّمَا فَرَّقْت بَيْنَ الْمُطَّلِعِ أَوَّلَ مَا يَطَّلِعُ وَبَيْنَ الْمُرِيدِ مَالَ
(6/34)

الرَّجُلِ أَوْ نَفْسَهُ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّ الْبَصَرَ قَدْ يُمْتَنَعُ مِنْهُ بِالتَّوَارِي عَنْهُ بِالسِّتْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّجُلُ يُصْحِرُ لِلرَّجُلِ فَيَخَافُ قَتْلَهُ وَأَبَحْت رَدْعَ الْبَصَرِ بِالْحَصَاةِ وَمَا أَشْبَهَهَا بِمَا حَكَيْت مِنْ الْخَبَرِ وَبِأَنَّ الْمُبْصِرَ لِلْعَوْرَةِ مُتَعَدٍّ وَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ مِنْ التَّعَدِّي أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقْدِرُ الْمُرَادُ عَلَى أَنْ يَهْرُبَ عَلَى قَدَمَيْهِ مِنْ الْمُرِيدِ فَأَجْعَلُ لَهُ أَنْ يَثْبُتَ وَلَا يَهْرُبَ وَأَنْ يَدْفَعَ إرَادَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالضَّرْبِ بِالسِّلَاحِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِ الْمَدْفُوعِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ مَنْزِلَ الرَّجُلِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا بِسِلَاحٍ فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ وَإِنْ أَتَى الضَّرْبُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا وَلَّى رَاجِعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ إذَا دَخَلَ فُسْطَاطَهُ فِي بَادِيَةٍ وَفِيهِ حَرَمُهُ أَوْ لَا حَرَمَ لَهُ فِيهِ أَوْ خِزَانَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا حُرْمَةٌ إذَا رَأَى أَنَّهُ يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ أَوْ الْفِسْقَ، وَهَكَذَا إنْ أَرَادَ دُخُولَ مَنْزِلِهِ أَوْ كَابَرَهُ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّاخِلُ يُعْرَفُ بِسَرِقَةٍ أَوْ فِسْقٍ أَوْ لَا يُعْرَفُ بِهِ.
(قَالَ) : وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاتِلُ إنْ قَتَلَ وَلَا الْجَارِحُ إنْ جَرَحَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً أُعْطِيَ مِنْهُ الْقَوَدُ وَلَوْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا هَذَا مُقْبِلًا إلَى هَذَا بِسِلَاحٍ شَاهِرُهُ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ فَضَرَبَهُ هَذَا فَقَتَلَهُ أَهْدَرْتُهُ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ دَاخِلًا دَارِهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا مَعَهُ سِلَاحًا أَوْ ذَكَرُوا سِلَاحًا غَيْرَ شَاهِرِهِ فَقَتَلَهُ أَقَدْتُ مِنْهُ لَا أَطْرَحُ الْقَوَدَ إلَّا بِمُكَابَرَتِهِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ وَأَنْ يُشْهَرَ عَلَيْهِ سِلَاحٌ وَتَقُومُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا هَذَا مُقْبِلًا إلَى هَذَا فِي صَحْرَاءَ لَا سِلَاحَ مَعَهُ فَقَتَلَهُ الرَّجُلُ أَقَدْته بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقْبِلُ الْإِقْبَالَ غَيْرَ الْمَخُوفِ مُرِيدًا لَهُ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّهُ أَقْبَلَ إلَيْهِ الْإِقْبَالَ الْمَخُوفَ فَأَيُّ سِلَاحٍ شَهِدُوا أَنَّهُ أَقْبَلَ بِهِ إلَيْهِ الْعَصَا أَوْ وَهَقٌ أَوْ قَوْسٌ أَوْ سَيْفٌ أَوْ غَيْرُهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ إلَيْهِ شَاهِرُهُ أَهْدَرْته.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَقْبَلَ إلَيْهِ فِي صَحْرَاءَ بِسِلَاحٍ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَدَيْ الَّذِي أُرِيدَ، ثُمَّ وَلَّى عَنْهُ فَأَدْرَكَهُ فَذَبَحَهُ أَقَدْته مِنْهُ وَضَمَّنْت الْمَقْتُولَ دِيَةَ يَدَيْ الْقَاتِلِ وَلَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً فِي إقْبَالِهِ وَضَرْبَةً أُخْرَى فِي إدْبَارِهِ فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَوَدٌ وَجَعَلْت عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ؛ لِأَنِّي جَعَلْته مَيِّتًا مِنْ الضَّرْبَةِ الَّتِي كَانَتْ مُبَاحَةً وَالضَّرْبَةِ الَّتِي كَانَتْ مَمْنُوعَةً فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا لَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَهُمْ أَوْ غَشُوهُمْ فِي حَرِيمِهِمْ فَتَصَافُّوا فَقُتِلَ الْمَظْلُومُونَ فَمَنْ قُتِلُوا هَدَرٌ وَمَنْ قَتَلَ الظَّالِمُونَ لَزِمَهُمْ فِيهِ الْقَوَدُ وَالْعَقْلُ وَمَا ذَهَبُوا بِهِ لَهُمْ لَا يَسْقُطُ عَنْ الظَّالِمِينَ شَيْءٌ نَالُوهُ حَتَّى يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حُكْمَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ مَعَ الظَّالِمِينَ قَوْمٌ مُسْتَكْرَهُونَ أَوْ أَسْرَى فَاقْتَتَلُوا فَقَتَلَ الْمُسْتَكْرَهُونَ بِضَرْبٍ أَوْ رَمْيٍ لَمْ يَعْمِدُوا بِهِ أَوْ عَمَدُوا وَهُمْ لَا يُعْرَفُونَ مُكْرَهِينَ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ عَلَى الْمَظْلُومِينَ الَّذِينَ نَالُوهُمْ وَعَلَيْهِمْ فِيهِمْ الْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى الْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِ الْعَدُوِّ يُنَالُونَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَنْ عَمَدَهُمْ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُمْ مُسْتَكْرَهُونَ أَوْ أَسْرَى فَعَلَيْهِ فِيهِمْ الْقَوَدُ إنْ نَالَ مِنْهُمْ مَا فِيهِ الْقَوَدُ وَالْعَقْلُ إنْ نَالَ مِنْهُمْ مَا فِيهِ الْعَقْلُ لَا يَبْطُلُ ذَلِكَ عَنْهُ إلَّا بِأَنْ يَجْهَلَ حَالَهُمْ أَوْ يَعْرِفَهُمْ فَيُصِيبَهُمْ مِنْهُ فِي الْقِتَالِ مَا لَا يَعْمِدُهُمْ بِهِ خَاصَّةً أَوْ يَعْمِدُ الْجَمْعَ الَّذِينَ هُمْ فِيهِ أَوْ يُشْهِرُ عَلَيْهِ سِلَاحًا فَيَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُهُ. (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الزَّحْفَانِ ظَالِمَيْنِ، مِثْلُ أَنْ يَقْتَتِلُوا عَلَى نَهْبٍ أَوْ عَصَبِيَّةٍ وَيَغْشَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي حَرِيمِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فِيمَا أَصَابَ مِنْ صَاحِبِهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ إلَّا أَنْ يَقِفَ رَجُلٌ فَيَعْمِدَهُ رَجُلٌ بِضَرْبٍ فَيَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ لَهُ دَفْعَهُ عَنْهَا وَمَا قُلْت إنَّ لِلرَّجُلِ فِيهِ أَنْ يَضْرِبَ الْمُرِيدَ عَلَى مَا يَقَعُ فِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ الْمُرِيدُ مُقْبِلًا إلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرَادِ مَعَ يَمِينِهِ كَانَ الْمُرَادُ شُجَاعًا أَوْ جَبَانًا أَوْ الْمُرِيدُ مَأْمُونًا أَوْ مَخُوفًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا غَشِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ فِي حَرِيمِهِمْ أَوْ غَيْرِ حَرِيمِهِمْ لِيُقَاتِلُوهُمْ فَدَفَعَ الْمَغْشِيُّونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَا أَصَابُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا مُقْبِلِينَ فَهُوَ هَدَرٌ وَمَا أَصَابَ مِنْهُمْ الْغَاشُونَ لَزِمَهُمْ حُكْمُهُ عَقْلًا وَقَوَدًا
(6/35)

[مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَقْتُلُ ابْنَهُ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ (أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ) قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يُقَالُ لَهُ قَتَادَةُ حَذَفَ ابْنَهُ بِسَيْفٍ فَأَصَابَ سَاقَهُ فَنَزَّى فِي جُرْحِهِ فَمَاتَ فَقَدِمَ بِهِ سُرَاقَةُ بْنُ جَعْشَمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ اُعْدُدْ عَلَى مَاءِ قُدَيْدٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَعِيرٍ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكَ فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، ثُمَّ قَالَ أَيْنَ أَخُو الْمَقْتُولِ؟ فَقَالَ هَا أَنَا ذَا قَالَ خُذْهَا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَدْ حَفِظْت عَنْ عَدَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَقِيتُهُمْ أَنْ لَا يُقْتَلَ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَبِذَلِكَ أَقُولُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالُوا هَكَذَا فَكَذَلِكَ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ وَالْجَدُّ أَبْعَدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمْ وَالِدُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ الْجَدُّ أَبُو الْأُمِّ وَاَلَّذِي أَبْعَدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ كُلَّهُمْ وَالِدُهُ.
(قَالَ) : وَكَذَلِكَ لَا نَقْصَ مِنْهُمْ فِي جُرْحٍ نَالُوهُ بِهِ وَهَكَذَا إذَا قَتَلَ الْوَلَدُ الْوَالِدَ قُتِلَ بِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَ أُمَّهُ، وَكَذَلِكَ إذَا قَتَلَ أَيَّ أَجْدَادِهِ أَوْ جَدَّاتِهِ كَانَ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ قُتِلَ بِهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ مِنْهُمْ أَنْ يَعْفُوا، وَإِذَا كَانَ الِابْنُ قَاتِلًا خَرَجَ مِنْ الْوِلَايَةِ وَلِوَرَثَةِ أَبِيهِ - غَيْرَهُ - أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَكَذَلِكَ لَا أُقِيدُ الْوَلَدَ مِنْ الْوَالِدِ فِي جِرَاحٍ دُونَ النَّفْسِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَعَلَى أَبِي الرَّجُلِ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ دِيَتُهُ مُغَلَّظَةً فِي مَالِهِ وَالْعُقُوبَةُ وَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إلَى بَازِلٍ عَامُهَا كُلُّهَا خَلِفَةٌ إنْ جَاءَ ثَنِيَّاتُهَا كُلُّهَا أَوْ بَزَلَ أَوْ مَا بَيْنَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دُونَ ثَنِيَّةٍ وَلَا فَوْقَ خَلِفَةٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِيهَا بَازِلٌ أَكْثَرُ مِنْ سَنَةٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مِنْ دِيَةِ الْمَقْتُولِ وَلَا مِنْ مَالِهِ شَيْئًا قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْأَبُ عَبْدًا وَالِابْنُ حُرًّا فَقَتَلَهُ الْأَبُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَكَانَتْ دِيَتُهُ فِي عُنُقِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الِابْنُ عَبْدًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَ الْوَلَدُ الْوَالِدَ أُقِيدَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إذَا جَرَحَهُ أُقِيدَ مِنْهُ إذَا كَانَ دَمَاهمَا مُتَكَافِئَيْنِ. فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الْقَاتِلُ حُرًّا وَالْأَبُ عَبْدًا فَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ وَيُعَاقَبُ أَكْثَرَ مِنْ عُقُوبَةِ الَّذِي قَتَلَ الْأَجْنَبِيَّ.
(قَالَ) : وَيُقَادُ الرَّجُلُ مِنْ عَمِّهِ وَخَالِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا فِي مَعْنَى الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُمَا وَالِدَانِ بِمَعْنَى قَرَابَتِهِمَا مِنْ الْوَالِدَيْنِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُقَادُ الرَّجُلُ مِنْ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَلَيْسَ كَابْنِهِ مِنْ النَّسَبِ.
(قَالَ) : وَإِذَا تَدَاعَى الرَّجُلَانِ وَلَدًا فَقَتَلَهُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبُ إلَى أَحَدِهِمَا أَوْ يَرَاهُ الْقَافَةُ دَرَأْتُ عَنْهُ الْقَوَدَ لِلشُّبْهَةِ وَجَعَلْت الدِّيَةَ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَتَلَاهُ جَمِيعًا.
(قَالَ) : وَإِذَا أَكْذَبَا أَنْفُسَهُمَا إذَا كَانَا قَاتِلَيْنِ بِالدَّعْوَةِ لَمْ أَقْتُلْهُمَا؛ لِأَنِّي أُلْزِمُهُ أَحَدَهُمَا وَإِنْ أَكْذَبَ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ بِالدَّعْوَةِ قَتَلْته بِهِ؛ لِأَنَّ ثَمَّ أَبًا أَنْسُبُهُ إلَيْهِ إذَا كَانَ قَبْلَ يَخْتَارَهُ أَوْ يُلْحِقَهُ الْقَافَةُ بِأَحَدِهِمَا وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ امْرَأَةً لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ لَمْ يُقْتَلْ بِهَا وَلَيْسَ لِابْنِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ قَوَدًا وَلَا لِأَحَدٍ مَعَ ابْنِهِ ذَلِكَ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يُقْتَلْ بِابْنِهِ قَوَدًا لَمْ يُقْتَلْ بِقَوَدٍ يَقَعُ لِابْنِهِ بَعْضُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ابْنُهُ حَيًّا يَوْمَ قَتَلَهَا، ثُمَّ مَاتَ، ثُمَّ طَلَبَ وَرَثَةُ ابْنِهَا الْقَوَدَ لَمْ يُقَدْ مِنْهُ لِشِرْكِ ابْنِهِ كَانَ فِي الدَّمِ، وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ عَمَّهُ أَوْ مَوْلَاهُ وَهُوَ وَارِثُهُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ.

[قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِبِلَادِ الْحَرْبِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]
(6/36)

الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : قَوْلُهُ {مِنْ قَوْمٍ} [النساء: 92] يَعْنِي فِي قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ «لَجَأَ قَوْمٌ إلَى خَثْعَمَ فَلَمَّا غَشِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ اسْتَعْصَمُوا بِالسُّجُودِ فَقَتَلُوا بَعْضَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَعْطُوهُمْ نِصْفَ الْعَقْلِ لِصَلَاتِهِمْ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ أَلَا إنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : إنْ كَانَ هَذَا يَثْبُتُ فَأَحْسِبُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى مَنْ أَعْطَى مِنْهُمْ مُتَطَوِّعًا وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي دَارِ الشِّرْكِ لِيُعْلِمَهُمْ أَنْ لَا دِيَاتِ لَهُمْ وَلَا قَوَدَ وَقَدْ يَكُونُ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ بَعْدُ وَيَكُونُ إنَّمَا قَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ بِنُزُولِ الْآيَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِي التَّنْزِيلِ كِفَايَةٌ عَنْ التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إذْ حَكَمَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى فِي الْمُؤْمِنِ يُقْتَلُ خَطَأً بِالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَحَكَمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا فِي الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِيثَاقٌ وَقَالَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] وَلَمْ يَذْكُرْ دِيَةً وَلَمْ تَحْتَمِلْ الْآيَةُ مَعْنًى إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ {مِنْ قَوْمٍ} [النساء: 92] يَعْنِي فِي قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنَا دَارُهُمْ دَارُ حَرْبٍ مُبَاحَةٌ فَلَمَّا كَانَتْ مُبَاحَةً وَكَانَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ إذَا بَلَغَتْ النَّاسَ الدَّعْوَةُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ غَارِّينَ كَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُبِيحُ الْغَارَةَ عَلَى دَارٍ وَفِيهَا مَنْ لَهُ إنْ قُتِلَ عَقْلٌ أَوْ قَوَدٌ فَكَانَ هَذَا حُكْمَ اللَّهِ - عَزَّ ذِكْرُهُ -.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ إلَّا فِي قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ عَامَّةَ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا مِنْ قُرَيْشٍ وَقُرَيْشٌ عَامَّةُ أَهْلِ مَكَّةَ وَقُرَيْشٌ عَدُوٌّ لَنَا، وَكَذَلِكَ كَانُوا مِنْ طَوَائِفِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَقَبَائِلِهِمْ أَعْدَاءً لِلْمُسْلِمِينَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ فِي دَارِ حَرْبٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَلَا عَقْلَ لَهُ إذَا قَتَلَهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ مُسْلِمًا، وَكَذَلِكَ أَنْ يُغِيرَ فَيَقْتُلَ مَنْ لَقِيَ أَوْ يَلْقَى مُنْفَرِدًا بِهَيْئَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي دَارِهِمْ فَيَقْتُلَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ فِي سَرِيَّةٍ مِنْهُمْ أَوْ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِهِمْ الَّتِي يُلْقَوْنَ بِهَا فَكُلُّ هَذَا عَمْدٌ خَطَأٌ يَلْزَمُهُ اسْمُ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْمِدْ قَتْلَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا بِالْقَتْلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ قَتَلَهُ أَسِيرًا أَوْ مَحْبُوسًا أَوْ نَائِمًا أَوْ بِهَيْئَةٍ لَا تُشْبِهُ هَيْئَةَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَتُشْبِهُ هَيْئَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ قَدْ يَتَهَيَّأُ بِهَيْئَةِ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلِمَ بِهَيْئَةِ الْمُشْرِكِ بِبِلَادِ الشِّرْكِ وَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ فَإِنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِ الْمَقْتُولِ وُلَاةٌ فَادَّعَوْا أَنَّهُ قَتَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا أُحَلِّفُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ حُلِّفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا لَقَدْ قَتَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا وَكَانَ لَهُمْ الْقَوَدُ إنْ كَانَ قَتَلَهُ عَامِدًا لِقَتْلِهِ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ غَيْرَهُ وَأَصَابَهُ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ قَتَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا مِنْهُمْ أَوْ أَسِيرًا فِيهِمْ أَوْ مُسْتَأْمَنًا عِنْدَهُمْ لِتِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَفِي الْخَطَأِ الْكَفَّارَةُ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَسْرَى يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَجْرَحُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يُقْتَلُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ الْجِرَاحِ، وَكَذَلِكَ تُقَامُ الْحُدُودُ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَتَوْا إذَا كَانُوا أَسْلَمُوا وَهُمْ يَعْرِفُونَ مَا عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ أَوْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ يُؤْخَذُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ الْحُقُوقُ فِي الْأَمْوَالِ إذَا أَسْلَمُوا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَا عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَسْلَمَ الْقَوْمُ بِبِلَادِ الْحَرْبِ فَأَصَابُوا حَدَّ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَادَّعَوْا الْجَهَالَةَ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِمْ وَإِذَا عَلِمُوا فَعَادُوا أُقِيمَ عَلَيْهِمْ وَإِذَا وَصَفَ الْحَرْبِيُّ الْإِيمَانَ وَلَمْ يَبْلُغْ أَوْ وَصَفَهُ وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ فَلَقِيَهُ بَعْدَ إيمَانِهِ مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ صِفَتَهُ لِلْإِيمَانِ لَمْ يُقَدْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِهَذَا مِمَّنْ لَهُ كَمَالُ الْإِيمَانِ وَحُكْمُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَصِفَهُ بَالِغًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ وَلَهُ وَلَدٌ صِغَارٌ وَأُمُّهُمْ كَافِرَةٌ أَوْ أَسْلَمَتْ أُمُّهُمْ وَهُوَ كَافِرٌ فَلِلْوَلَدِ حُكْمُ الْإِيمَانِ بِأَيِّ الْأَبَوَيْنِ أَسْلَمَ فَيُقَادُ قَاتِلُهُ وَيَكُونُ لَهُ دِيَةُ مُسْلِمٍ وَلَا يُعَذَّرُ أَحَدٌ إنْ قَالَ لَمْ
(6/37)

أَعْلَمْهُ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ إلَّا بِإِسْلَامِ أَبَوَيْهِ مَعًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَغَارَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَوْ لَقُوهُمْ بِلَا غَارَةٍ أَوْ أَغَارَ عَلَيْهِمْ الْمُشْرِكُونَ فَاخْتَلَطُوا فِي الْقِتَالِ فَقَتَلَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضًا أَوْ جَرَحَهُ فَادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ الْمَقْتُولَ أَوَالْمَجْرُوحَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَيَدْفَعُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ دِيَتَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ صَفًّا وَالْمُشْرِكُونَ صَفًّا لَمْ يَتَحَامَلُوا فَقَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ ظَنَنْتُهُ مُشْرِكًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إنَّمَا يُقْبَلُ مِنْهُ إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّ مَا ادَّعَى كَمَا ادَّعَى.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قِيلَ لِمُسْلِمٍ: قَدْ حَمَلَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْنَا أَوْ حَمَلَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ أَوْ رَأَوْا وَاحِدًا قَدْ حَمَلَ فَقَتَلَ مُسْلِمًا فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ ظَنَنْته الَّذِي حَمَلَ أَوْ بَعْضَ مَنْ حَمَلَ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَكَانَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَتَلَهُ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَعَمَدْتُهُ قُتِلَ بِهِ.

(قَالَ) : وَلَوْ حَمَلَ مُسْلِمٌ عَلَى مُشْرِكٍ فَاسْتَتَرَ مِنْهُ بِالْمُسْلِمِ فَعَمَدَ الْمُسْلِمُ قَتْلَ الْمُسْلِمِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَلَوْ قَالَ عَمَدْت قَتْلَ الْمُشْرِكِ فَأَخْطَأْت بِالْمُسْلِمِ كَانَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ (قَالَ) : وَلَوْ قَالَ لَمْ أَعْرِفْهُ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ وَكَانَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْكَافِرُ الْحَامِلُ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ كَانَ الْمُسْلِمُ مُلْتَحِمًا فَضَرَبَهُ وَهُوَ مُتَتَرِّسٌ بِمُسْلِمٍ وَقَالَ عَمَدْت الْكَافِرَ كَانَ هَكَذَا، وَلَوْ قَالَ عَمَدْت الْمُؤْمِنَ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَمْدُ الْمُؤْمِنِ فِي حَالٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ ضَرْبُ الْكَافِرِ إلَّا بِضَرْبِهِ الْمُسْلِمَ بِحَالٍ فَضَرَبَ الْمُسْلِمَ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ وَقَالَ أَرَدْت الْكَافِرَ أُقِيدَ بِالْمُسْلِمِ وَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ أَرَدْت الْكَافِرَ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِرَادَةُ إلَّا بِأَنْ يَقَعَ الضَّرْبُ بِالْمُسْلِمِ. (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ.
(أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ) قَالَ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ: «كَانَ الْيَمَانُ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ الْيَمَانِ شَيْخًا كَبِيرًا فَوَقَعَ فِي الْآطَامِ مَعَ النِّسَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ فَخَرَجَ يَتَعَرَّضُ الشَّهَادَةَ فَجَاءَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشْرِكِينَ فَابْتَدَرَهُ الْمُسْلِمُونَ فتوشقوه بِأَسْيَافِهِمْ وَحُذَيْفَةُ يَقُولُ: أَبِي أَبِي فَلَا يَسْمَعُونَهُ مِنْ شُغْلِ الْحَرْبِ حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ بِدِيَتِهِ» .

[مَا قَتَلَ أَهْل دَار الْحَرْب مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَصَابُوا مِنْ أَمْوَالهمْ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَا نَالَ أَهْلُ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يَضْمَنُوا مِنْهُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُوجَدَ مَالٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُسْتَأْمَنٍ فِي أَيْدِيهِمْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ أَسْلَمُوا عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُسْلِمُوا، وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلُوا وُحْدَانًا أَوْ جَمَاعَةً أَوْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ دَاخِلَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ مُسْتَتِرًا أَوْ مُكَابِرًا لَمْ يُتْبَعْ إذَا أَسْلَمَ بِمَا أَصَابَ وَلَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ عَلَيْهِ قِصَاصٌ وَلَا أَرْشٌ وَلَا يُتْبَعُ أَهْلُ دَارِ الْحَرْبِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِغُرْمِ مَالٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَالُ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت؟ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وَمَا قَدْ سَلَفَ تَقْضِي وَذَهَبَ وَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ يُطْرَحُ عَنْهُمْ مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَالْعِبَادِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْإِيمَانُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ» وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278] وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِرَدِّ مَا مَضَى مِنْهُ وَقَتَلَ وَحْشِيٌّ حَمْزَةَ فَأَسْلَمَ فَلَمْ يُقَدْ مِنْهُ وَلَمْ يُتْبَعْ لَهُ بِعَقْلٍ وَلَمْ يُؤْمَرْ لَهُ بِكَفَّارَةٍ لِطَرْحِ الْإِسْلَامِ مَا فَاتَ فِي الشِّرْكِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ بِجُرْحٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [التوبة: 29] إلَى قَوْلِهِ
(6/38)

{وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» يَعْنِي بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْزَمُهُمْ لَوْ كَفَرُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ الْقَتْلُ وَالْحُدُودُ وَلَا يَلْزَمُهُمْ مَا مَضَى قَبْلَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ مَا أَصَابَ لَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ مُعَاهَدٌ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالْعَهْدِ فَهُوَ هَدَرٌ وَلَوْ وَجَدُوا مَالًا لَهُمْ فِي يَدَيْ رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَخْذُهُ وَلَوْ تَخَوَّلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَحَدًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَوْ الْعَهْدِ لَهُمْ وَهُمْ مُخَالِفُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ فِيمَا وُجِدَ فِي أَيْدِيهِمْ لِمُسْلِمٍ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَضَى فِي رَدِّ الرِّبَا بِرَدِّ مَا بَقِيَ مِنْهُ وَلَمْ يَقْضِ بِرَدِّ مَا قُبِضَ فَهَلَكَ فِي الشِّرْكِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَصَابَ الْحَرْبِيُّ الْمُسْتَأْمَنُ أَوْ الذِّمِّيُّ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ أُتْبِعَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَمْنُوعًا أَنْ يَنَالَ أَوْ يُنَالَ مِنْهُ.

[مَا أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ فِي يَد أَهْل الرِّدَّة مِنْ مَتَاع الْمُسْلِمِينَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا أَسْلَمَ الْقَوْمُ، ثُمَّ ارْتَدُّوا عَنْ الْإِسْلَامِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَهُمْ مَقْهُورُونَ أَوْ قَاهِرُونَ فِي مَوْضِعِهِمْ الَّذِي ارْتَدُّوا فِيهِ وَادَّعَوْا نُبُوَّةَ رَجُلٍ تَبِعُوهُ عَلَيْهَا أَوْ رَجَعُوا إلَى يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ أَوْ تَعْطِيلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْكُفْرِ فَسَوَاءٌ ذَلِكَ كُلُّهُ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَبْدَءُوا بِجِهَادِهِمْ قَبْلَ جِهَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا قَطُّ فَإِذَا ظَفِرُوا بِهِمْ اسْتَتَابُوهُمْ فَمَنْ تَابَ حَقَنُوا دَمَهُ بِالتَّوْبَةِ وَإِظْهَارِ الرُّجُوعِ إلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ قَتَلُوهُ بِالرِّدَّةِ وَسَوَاءٌ ذَلِكَ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا أَصَابَ أَهْلُ الرِّدَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَالِ الرِّدَّةِ أَوْ بَعْدَ إظْهَارِ التَّوْبَةِ فِي قِتَالٍ وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ أَوْ غَيْرِ قِتَالٍ أَوْ عَلَى نَائِرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَسَوَاءٌ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِمْ كَالْحُكْمِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْعَقْلِ وَالْقَوَدِ وَضَمَانِ مَا يُصِيبُونَ وَسَوَاءٌ ذَلِكَ قَبْلَ يُقْهَرُونَ أَوْ بَعْدَ مَا قُهِرُوا فَتَابُوا أَوْ لَمْ يَتُوبُوا لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قِيلَ: فَمَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ؟ قِيلَ: قَالَ لِقَوْمٍ جَاءُوهُ تَائِبِينَ تَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ فَقَالَ عُمَرُ لَا نَأْخُذُ لِقَتْلَانَا دِيَةً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قِيلَ: فَمَا قَوْلُهُ تَدُونَ قَتْلَانَا؟ قِيلَ: إذَا أَصَابُوا غَيْرَ مُتَعَمِّدِينَ وُدُوا وَإِذَا ضَمِنُوا الدِّيَةَ فِي قَتْلٍ غَيْرَ مُتَعَمِّدِينَ كَانَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ فِي قَتْلِهِمْ مُتَعَمِّدِينَ وَهَذَا خِلَافُ حُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ قُتِلَ بِأَحَدٍ؟ قِيلَ: وَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَتْلُ أَحَدٍ بِشَهَادَةٍ وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ نَعْلَمْ حَاكِمَا أَبْطَلَ لِوَلِيٍّ دَمَ قَتِيلٍ أَنْ يَقْتُلَ لَهُ لَوْ طَلَبَهُ وَالرِّدَّةُ لَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ عَقْلًا وَلَا قَوَدًا وَلَا تَزِيدُهُمْ خَيْرًا إنْ لَمْ تَزِدْهُمْ شَرًّا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا قَامَتْ لِمُرْتَدٍّ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ قَتَلَهُ رَجُلٌ يَعْلَمُ تَوْبَتَهُ أَوْ لَا يَعْلَمُهَا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ كَمَا عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي كَافِرٍ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ فَلَا يَعْلَمُ إيمَانَهُ وَعَبْدٌ عَتَقَ وَلَا يَعْلَمُ عِتْقَهُ ثُمَّ قَتَلَهُمَا فَيُقْتَلُ بِهِمَا فِي الْحَالَيْنِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ فَأَغَارَ قَوْمٌ فَقَتَلُوهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ دِيَةٌ وَكَانَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ عَمَدَ رَجُلٌ قَتْلَهُ فِي غَيْرِ غَارَةٍ وَقَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ قَبْلَ الْقَتْلِ وَعَلِمَهُ الْقَاتِلُ قُتِلَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ وَدَاهُ؛ لِأَنَّهُ عَمَدَهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْقَتْلِ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْعَقْلُ وَالْقَوَدُ إذَا قَتَلَهُ غَيْرَ عَامِدٍ لِقَتْلِهِ بِعَيْنِهِ كَأَنَّهُ قَتَلَهُ فِي غَارَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِي قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ.
(6/39)

[مَنْ لَا قِصَاصَ بَيْنَهُ لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] الْآيَةَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَكَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: أَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا كُتِبَ عَلَى الْبَالِغِينَ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُمْ الْمُخَاطَبُونَ بِالْفَرَائِضِ إذَا قَتَلُوا الْمُؤْمِنِينَ بِابْتِدَاءِ الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178] ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأُخُوَّةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] وَقَطَعَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ. وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مِثْلِ ظَاهِرِ الْآيَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَمِعْت عَدَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي وَبَلَغَنِي عَنْ عَدَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ فِي خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» وَبَلَغَنِي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ رَوَى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَأَحْسِبُ طَاوُسًا وَالْحَسَنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ الْفَتْحِ «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ سَأَلْت عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ لَا وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إلَّا أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا فِي الْقُرْآنِ وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ قُلْت وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ فَقَالَ «الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ وَلَا امْرَأَةٌ بِكَافِرٍ فِي حَالٍ أَبَدًا، وَكُلُّ مَنْ وَصَفَ الْإِيمَانَ مِنْ أَعْجَمِيٍّ وَأَبْكَمَ يَعْقِلُ وَيُشِيرُ بِالْإِيمَانِ وَيُصَلِّي فَقَتَلَ كَافِرًا فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ دِيَتُهُ فِي مَالِهِ حَالَّةً وَسَوَاءٌ أَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي الْكُفَّارِ أَوْ لَمْ يُكْثِرْ، وَسَوَاءٌ قَتَلَ كَافِرًا عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ أَوْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ، لَا يَحِلُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَتْلُ مُؤْمِنٍ بِكَافِرٍ بِحَالٍ فِي قَطْعِ طَرِيقٍ وَلَا غَيْرِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ عُزِّرَ وَحُبِسَ وَلَا يُبْلَغُ بِتَعْزِيرِهِ فِي قَتْلٍ وَلَا غَيْرِهِ حَدٌّ وَلَا يُبْلَغُ بِحَبْسِهِ سَنَةٌ وَلَكِنْ حَبْسٌ يُبْتَلَى بِهِ وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ التَّعْزِيرِ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ قُتِلَ بِهِ ذِمِّيًّا كَانَ الْقَاتِلُ أَوْ حَرْبِيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا. وَإِذَا أَبَاحَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ دَمَ الْمُؤْمِنِ بِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ كَانَ دَمُ الْكَافِرِ بِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ أَوْلَى أَنْ يُبَاحَ وَفِيمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْت. قَوْلُهُ «مَنْ اعْتَبَطَ مُسْلِمًا بِقَتْلٍ فَهُوَ بِهِ قَوَدٌ» فَهَذِهِ جَامِعَةٌ لِكُلِّ مَنْ قُتِلَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَقَالَ الْقَاتِلُ: الْمَقْتُولُ كَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ فَعَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ حُرٌّ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ الْحَقَّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا الْإِيمَانُ فِعْلٌ يُحْدِثُهُ الْمُؤْمِنُ الْبَالِغُ أَوْ يَكُونُ غَيْرَ بَالِغٍ فَيَكُونُ مُؤْمِنًا بِإِيمَانِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ أَبَوَا الْمَوْلُودِ مُسْلِمَيْنِ وَكَانَ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يَصِفْهُ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ قُتِلَ بِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ الْإِسْلَامِ يَرِثُ بِهِ وَيُحْجَبُ مَعَ مَا سِوَى هَذَا مِمَّا لَهُ مِنْ حُكْمِ الْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَبَوَا الْمَوْلُودِ كَافِرَيْنِ فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَالْمَوْلُودُ صَغِيرٌ كَانَ حُكْمُ الْمَوْلُودِ حُكْمَ مُسْلِمٍ بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ وَمَنْ قَتَلَهُ بَعْدَ إسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ كَانَ عَلَيْهِ قَوَدٌ. وَمَنْ قَتَلَهُ قَبْلَ إسْلَامِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مُسْلِمٍ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وُلِدَ الْمَوْلُودُ عَلَى الشِّرْكِ فَأَسْلَمَ أَبَوَاهُ وَلَمْ يَصِفْ الْإِيمَانَ فَقَتَلَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ قُتِلَ بِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ مُؤْمِنٌ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مُسْلِمٍ بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْفَرْضُ فَإِذَا لَزِمَهُ الْفَرْضُ فَدِينُهُ دِينُ نَفْسِهِ كَمَا يَكُونُ مُؤْمِنًا وَأَبَوَاهُ كَافِرَانِ فَلَا يَضُرُّهُ كُفْرُهُمَا أَوْ كَافِرًا وَأَبَوَاهُ مُؤْمِنَانِ فَلَا يَنْفَعُهُ إيمَانُهُمَا، وَإِنْ ادَّعَى أَبَوَاهُ بَعْدَ مَا يُقْتَلُ أَنَّهُ وَصَفَ الْإِيمَانَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْقَاتِلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَيْهِمَا الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ وَصَفَ الْإِسْلَامَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَادَّعَى الْقَاتِلُ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ مُرْتَدًّا عَنْ الْإِسْلَامِ وَقَالَ
(6/40)

وَرَثَتُهُ: بَلْ قَتَلَهُ وَهُوَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا قُتِلَ بِهِ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَحَلَفَ أَبُوهُ أَنَّهُ مَا عَلِمَهُ ارْتَدَّ بَعْدَ مَا وَصَفَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ جَاءَ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا قَبِلْت ذَلِكَ مِنْهُمْ وَكَانَ عَلَى قَاتِلِهِ الْقَوَدُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ الْقَاتِلَ حِينَ قَالَ فِي هَذِهِ: ارْتَدَّ كَانَ قَدْ أَقَرَّ بِإِسْلَامِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَادَّعَى الرِّدَّةَ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي فَوْقَهَا لَمْ يُقَرَّ لَهُ بِالْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَا صِفَةِ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْإِيمَانِ بِإِيمَانِ أَبَوَيْهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ صِفَةَ الْإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا قَتَلَ نَصْرَانِيًّا، ثُمَّ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ فَسَأَلَ وَرَثَةُ النَّصْرَانِيِّ أَنْ يُقَادُوا مِنْهُ، وَقَالُوا هَذَا كَافِرٌ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ وَالتَّعْزِيرُ فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ وَإِلَّا قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ. وَهَكَذَا لَوْ ضَرَبَ مُسْلِمٌ نَصْرَانِيًّا فَجَرَحَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ، ثُمَّ مَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَالْقَاتِلُ مُرْتَدٌّ لَمْ يُقَدْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ كَانَ بِالضَّرْبَةِ، وَالضَّرْبَةُ كَانَتْ وَهُوَ مُسْلِمٌ.

وَلَوْ أَنَّ مُسْلِمًا ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَتَلَ ذِمِّيًّا فَسَأَلَ أَهْلُهُ الْقَوَدَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَسَوَاءٌ، وَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ وَهَذَا أَوْلَاهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ وَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَالثَّانِي لَا قَوَدَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى دِينِهِ حَتَّى يَرْجِعَ أَوْ يُقْتَلَ.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرْسَلَ سَهْمًا عَلَى نَصْرَانِيٍّ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى أَسْلَمَ أَوْ عَلَى عَبْدٍ فَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ بِهِ حَتَّى عَتَقَ فَقَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ السَّهْمِ كَانَتْ بِالْإِرْسَالِ الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ كَانَ وُقُوعُهُ بِهِ وَهُوَ بِحَالِهِ حِينَ أَرْسَلَ السَّهْمَ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُقَصَّ مِنْهُ وَعَلَيْهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ حُرٍّ فِي الْحَالَتَيْنِ وَالْكَفَّارَةُ، وَلَا يَكُونُ هَذَا فِي أَقَلَّ مِنْ حَالِ مَنْ أَرْسَلَ سَهْمًا عَلَى غَرَضٍ فَأَصَابَ إنْسَانًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَضْمَنُ مَا جَنَتْ رَمْيَتُهُ وَكِلَا هَذَيْنِ مَمْنُوعٌ مِنْ أَنْ يَقْصِدَ قَصْدَهُ بِرَمْيٍ.

(قَالَ) : وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى مُرْتَدٍّ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى أَسْلَمَ أَوْ عَلَى حَرْبِيٍّ فَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى أَسْلَمَ كَانَ خِلَافًا لِلْمَسَائِلِ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ أَرْسَلَ عَلَيْهِمَا وَهُمَا مُبَاحَا الدَّمِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَوَدٌ بِحَالٍ لِمَا أَصَابَهُمَا مِنْ رَمْيَتِهِ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَدِيَةُ حُرَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ بِتَحْوِيلِ حَالِهِمَا قَبْلَ وُقُوعِ الرَّمْيَةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَضْرُوبُ عَنْ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ الضَّرْبَةِ ضَمِنَ الضَّارِبُ الْأَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الضَّرْبَةِ أَوْ الدِّيَةِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) أَظُنُّهُ قَالَ دِيَةُ مُسْلِمٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : مِنْ قِبَلِ أَنَّ الضَّرْبَةَ كَانَتْ وَفِيهَا قَوَدٌ أَوْ عَقْلٌ فَإِذَا مَاتَ مُرْتَدًّا سَقَطَ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْرَأْ وَجَعَلْت فِيهَا الْعَقْلَ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ مُبَاحَةٍ وَلَوْ بَرَأَتْ وَسَأَلَ أَوْلِيَاؤُهُ الْقِصَاصَ مِنْ الْجُرْحِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْتَصُّوا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَهُوَ مُسْلِمٌ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ضَرَبَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ، ثُمَّ مَاتَ مُسْلِمًا ضَمِنَ الْقَاتِلُ الدِّيَةَ كُلَّهَا فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ كَانَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَالْمَوْتَ كَانَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَلَا تَسْقُطُ الدِّيَةُ بِحَالٍ حَدَثَتْ بَيْنَهُمَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهَا الضَّارِبُ شَيْئًا وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِلْحَالِ الْحَادِثَةِ بَيْنَهُمَا وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.

[شِرْكُ مَنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا وَقَتَلَهُ مَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ حَرْبِيٌّ أَوْ مَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ بِحَالٍ فَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِمَا مَعًا فَإِنْ كَانَ ضَرْبُهُمَا مَعًا بِمَا يَكُونُ فِيهِ الْقَوَدُ قُتِلَ الْبَالِغُ وَكَانَ عَلَى الصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ.
(قَالَ) : وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ ابْنَهُ وَقَتَلَهُ مَعَهُ أَجْنَبِيٌّ وَلَمْ يُقْتَلْ الْأَبُ
(6/41)

وَأَخَذْت نِصْفَ الدِّيَةِ مِنْ مَالِهِ حَالَّةً، وَلَوْ قَتَلَ حُرٌّ وَعَبْدٌ عَبْدًا قُتِلَ بِهِ الْعَبْدُ وَكَانَتْ عَلَى الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ كَانَتْ دِيَاتٍ وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ كَافِرًا قُتِلَ الْكَافِرُ وَكَانَتْ عَلَى الْمُسْلِمِ نِصْفُ دِيَتِهِ وَلَوْ ضَرَبَ رَجُلَانِ رَجُلًا أَحَدُهُمَا بِعَصًا خَفِيفَةٍ وَالْآخَرُ بِسَيْفٍ فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِصَاصٌ؛ لِأَنَّ إحْدَى الْجِنَايَتَيْنِ كَانَتْ مِمَّا لَا قِصَاصَ فِيهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْقَوَدُ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ كُلُّهَا بِشَيْءٍ يُقْتَصُّ مِنْهُ إذَا مِيَتٌ مِنْهُ، وَلَوْ ضَرَبَ رَجُلٌ رَجُلًا بِسَيْفٍ وَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ وَعَلَى الضَّارِبِ نِصْفُ دِيَتِهِ حَالَّةً فِي مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ضَرَبَهُ رَجُلٌ بِسَيْفٍ وَضَرَبَهُ أَسَدٌ أَوْ نَمِرٌ أَوْ خِنْزِيرٌ أَوْ سَبُعٌ مَا كَانَ ضَرْبَةً فَإِنْ كَانَتْ ضَرْبَةُ السَّبُعِ تَقَعُ مَوْقِعَ الْجُرْحِ فِي أَنْ يُشَقَّ جُرْحُهَا فَيَكُونُ الْأَغْلَبُ أَنَّ الْجُرْحَ قَتَلَ دُونَ الثِّقَلِ فَعَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَرَثَتُهُ الدِّيَةَ فَيَكُونُ لَهُمْ نِصْفُهَا وَإِنْ كَانَتْ ضَرْبَةً لَا تَلْهَدُ وَلَا تَقْتُلُ ثِقَلًا كَمَا يَقْتُلُ الشَّدْخُ أَوْ الْخَشَبَةُ الثَّقِيلَةُ أَوْ الْحَجَرُ الثَّقِيلُ فَلَا يَجْرَحُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إنْسَانًا إنْ ضَرَبَهُ مَعَهُ تِلْكَ الضَّرْبَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا قَوَدٌ وَإِنَّمَا أَجْعَلُهُ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَتْ إحْدَى الضَّرْبَتَيْنِ إنَّمَا تَقْتُلُ لَا ثِقَلًا وَلَا جُرْحًا وَكَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّ مِثْلَهَا لَا يَقْتُلُ مُفْرَدًا سَقَطَ الْقَوَدُ فَلَمَّا لَمْ يَمْحُضَا بِمَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ فَلَا قَوَدَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ جَرَحَتْ جُرْحًا خَفِيفًا كَالْخَدْشِ وَالْأَغْلَبُ أَنَّ الْقَتْلَ مِنْهَا لَا يَقْتُلُ بِاللَّهْدِ وَلَا الثِّقَلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا قِصَاصٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ السَّبُعَ قَطَعَ حُلْقُومَهُ وَوَدَجَهُ أَوْ قَصَفَ عُنُقَهُ أَوْ شَقَّ بَطْنَهُ فَأَلْقَى حَشْوَتَهُ كَانَ هُوَ الْقَاتِلَ وَعَلَى الْأَوَّلِ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ إنْ كَانَ فِيهَا الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَرَثَتُهُ الْعَقْلَ، وَالْعَقْلُ إنْ كَانَتْ جِرَاحُهُ مِمَّا لَا قِصَاصَ فِيهَا.

[الزَّحْفَانِ يَلْتَقِيَانِ وَأَحَدُهُمَا ظَالِمٌ]
الزَّحْفَانِ يَلْتَقِيَانِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا الْتَقَى زَحْفَانِ وَأَحَدُهُمَا ظَالِمٌ، فَقُتِلَ رَجُلٌ مِنْ الصَّفِّ الْمَظْلُومِ فَسَأَلَ أَوْلِيَاؤُهُ الْعَقْلَ، أَوْ الْقَوَدَ قِيلَ: ادَّعُوهُ عَلَى مَنْ شِئْتُمْ فَإِنْ ادَّعَوْهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ نَفَرٍ بِأَعْيَانِهِمْ كُلِّفُوا الْبَيِّنَةَ فَإِنْ جَاءُوا بِهَا فَلَهُمْ الْقَوَدُ إنْ كَانَ فِيهِ قَوَدٌ أَوْ الْعَقْلُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَوَدٌ، وَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِبَيِّنَةٍ قِيلَ: إنْ شِئْتُمْ فَأَقْسِمُوا خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى رَجُلٍ أَوْ نَفَرٍ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَكُمْ الدِّيَةُ وَلَا قَوَدَ إنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، وَإِنْ أَقْسَمَ الَّذِينَ ادَّعَيْتُمْ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا بَرِئُوا مِنْ الدِّيَةِ وَالْقَوَدِ إذَا حَلَفُوا إنْ امْتَنَعْتُمْ مِنْ الْإِيمَانِ وَإِنْ تُحَلِّفُوهُمْ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَإِنْ قُلْتُمْ قَتَلُوهُ جَمِيعًا فَكَانَ يُمْكِنُ لِمِثْلِهِمْ أَنْ يَشْتَرِكُوا فِيهِ أَقْسَمْتُمْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ وَكَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ نَحْوَهَا فَقَدْ قِيلَ: إنْ اقْتَصَرْتُمْ بِالدَّعْوَى عَلَى مَنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَرِكَ فِيهِ وَأَقْسَمْتُمْ جَعَلْنَا ذَلِكَ لَكُمْ. وَإِلَّا لَمْ نَدَعْكُمْ تُقْسِمُوا عَلَى مَا نَعْلَمُكُمْ فِيهِ كَاذِبِينَ وَإِذَا جَاءُوا بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّ رَجُلًا قَتَلَهُ لَا يُثْبِتُونَ الرَّجُلَ الْقَاتِلَ فَلَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ وَقِيلَ: أَقْسِمُوا عَلَى وَاحِدٍ إنْ شِئْتُمْ، ثُمَّ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَإِنْ أَقْسَمُوا عَلَى وَاحِدٍ فَأَثْبَتَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ سَقَطَتْ الْقَسَامَةُ فَلَمْ يُعْطَوْا بِهَا وَلَا بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ سَأَلُوا بَعْدَ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَبْرَءُوا غَيْرَهُ بِالدَّعْوَى عَلَيْهِ دُونَهُ، وَبِأَنْ كَذَبُوا فِي الْقَسَامَةِ وَلَسْت أَقْتُلُ بِالْقَسَامَةِ بِحَالٍ أَبَدًا وَلَوْ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: نُقْسِمُ عَلَى كُلِّهِمْ لَمْ أَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنِّي إنْ أَغْرَمْت كُلَّهُمْ فَقَدْ عَلِمْت أَنِّي أَغْرَمْت مِنْهُمْ قَوْمًا بُرَآءُ، وَإِنْ أَرَدْت أَنْ أُغَرِّمَ بَعْضَهُمْ لَمْ أَعْرِفْ مَنْ أُغَرِّمُ فَلَا
(6/42)

تَكُونُ الْقَسَامَةُ إلَّا عَلَى مَعْرُوفٍ بِعَيْنِهِ وَمَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ كَمَا لَا تَكُونُ الْحُقُوقُ إلَّا عَلَى مَعْرُوفٍ بِعَيْنِهِ.

فَإِذَا الْتَقَى الرَّجُلَانِ فَأَضْرَبَا بِأَيِّ سِلَاحٍ اضْطَرَبَا فِيهِ فَيَكُونُ فِيمَنْ أُصِيبَ بِهِ الْقَوَدُ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ رَأَوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْرِعًا إلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ يُثْبِتُوا أَيَّهُمَا بَدَأَ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ بِهِ صَاحِبَهُ إنْ كَانَ فِيهِ عَقْلٌ أَوْ كَانَ فِيهِ قَوَدٌ وَلَوْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ صَاحِبَهُ بَدَأَهُ وَأَنَّهُ إنَّمَا ضَرَبَهُ لِيَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْيَمِينُ لِصَاحِبِهِ مَا بَدَأَ فَإِذَا حَلَفَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَ بِهِ صَاحِبَهُ فَإِنْ كَانَ فِيهِ عَقْلٌ تَقَاصَّا وَأَخَذَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ الْفَضْلَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قِصَاصٌ اُقْتُصَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَمْدًا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ قِصَاصٌ وَلَا تَبَاعَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُقَادُ مِنْهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرُ وَبِهِ جِرَاحَاتٌ كَانَتْ جِرَاحَاتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَتْ دِيَةً قِيلَ: لِأَهْلِ الْمَيِّتِ إنْ أَرَدْتُمْ الْقَوَدَ فَلَكُمْ الْقَوَدُ وَعَلَى صَاحِبِكُمْ دِيَةُ جِرَاحِ الْمَجْرُوحِ وَإِنْ أَرَدْتُمْ الدِّيَةَ فَلَكُمْ الدِّيَةُ وَلِلْمَجْرُوحِ دِيَةٌ فَإِحْدَاهُمَا قِصَاصٌ بِالْأُخْرَى إنْ كَانَ ضَرْبُهُمَا عَمْدًا كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ رَجَعَ الْمَجْرُوحُ بِالْفَضْلِ عَنْ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ وَإِنْ أَرَدْتُمْ الْقَوَدَ فَلِلْمُقَادِ مِنْهُ مَا لَزِمَ الْمَيِّتَ مِنْ جِرَاحَةِ الْحَيِّ وَلَكُمْ الْقَوَدُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ فِي الْحَرْبِ فَلَقِيَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُقْبِلًا مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلَهُ فَإِنْ قَالَ قَدْ عَرَفْتُهُ مُسْلِمًا قُتِلَ بِهِ وَإِنْ قَالَ ظَنَنْتُهُ كَافِرًا أُحْلِفَ مَا قَتَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُهُ مُؤْمِنًا، ثُمَّ فِيهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَلَا قَوَدَ فِيهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَقِيَهُ فِي مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ بِغَيْرِ حَرْبٍ فَقَالَ ظَنَنْته كَافِرًا لَمْ يُعْذَرْ وَقُتِلَ بِهِ وَإِنَّمَا يُعْذَرُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ كَمَا قَالَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي صَفٍّ وَالْمُشْرِكُونَ بِإِزَائِهِمْ لَمْ يَلْتَقُوا وَلَمْ يَتَحَامَلُوا فَقَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ ظَنَنْته كَافِرًا وَالْمَقْتُولُ مُؤْمِنٌ أُقِيدَ مِنْهُ وَإِنْ تَحَامَلُوا وَكَانَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ وَقَتَلَهُ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ «أَنَّ الْيَمَانَ أَبَا حُذَيْفَةَ جَاءَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ أُطُمٍ مِنْ الْآطَامِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشْرِكِينَ فَظَنَّهُ الْمُسْلِمُونَ مُشْرِكًا فَالْتَفُّوا عَلَيْهِ بِأَسْيَافِهِمْ حَتَّى قَتَلُوهُ وَحُذَيْفَةُ يَقُولُ: أَبِي أَبِي وَلَا يَسْمَعُونَهُ لِشُغْلِ الْحَرْبِ فَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ بِدِيَةٍ» . وَقَالَ فِيمَا أَحْسِبُ عَفَاهَا حُذَيْفَةُ، وَقَالَ فِيمَا أَحْسِبُ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَزَادَهُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَقْبَلَ إلَى نَاحِيَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَامِدًا فَقَالَ وَرَثَةُ الْمُشْرِكِ إنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ، فَإِنْ أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ وَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ فَلَهُمْ الْعَقْلُ وَلَا قَوَدَ إذَا قَالَ الْمُسْلِمُ قَتَلْتُهُ وَأَنَا أَظُنُّهُ عَلَى الشِّرْكِ إذَا جَعَلْت لَهُ هَذَا فِي الْمُسْلِمِ يَعْرِفُ إسْلَامَهُ جَعَلْته لَهُ فِيمَنْ لَمْ يُشْهَرْ إسْلَامُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَقْبَلَ كَمَا وَصَفْت فَقَتَلَهُ مُسْلِمٌ لَمْ يُودَ حَتَّى يُقِيمَ وَرَثَتُهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ، وَلَوْ ضُرِبَ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ ضُرِبَ فَمَاتَ فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ.

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ضَرَبَ مُسْلِمًا فَجَرَحَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَقَتَلَهُ الْمُسْلِمُ الْمَضْرُوبُ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَعِلْمِهِ بِهِ قُتِلَ بِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ. وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ وَالْكَفَّارَةُ.

[قَتْلُ الْإِمَامِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَّى رَجُلًا عَلَى الْيَمَنِ فَأَتَاهُ
(6/43)

رَجُلٌ أَقْطَعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فَذَكَرَ أَنَّ وَالِيَ الْيَمَنِ ظَلَمَهُ فَقَالَ إنْ كَانَ ظَلَمَكَ لَأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَأْخُذُ إنْ قَتَلَ الْإِمَامُ هَكَذَا.
(قَالَ) : وَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ الرَّجُلَ بِقَتْلِ الرَّجُلِ فَقَتَلَهُ الْمَأْمُورُ فَعَلَى الْإِمَامِ الْقَوَدُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ أَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُورِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُكَفِّرَ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّ الْقَتْلِ، وَإِنَّمَا أَزَلْت عَنْهُ الْقَوَدَ أَنَّ الْوَالِيَ يَحْكُمُ بِالْقَتْلِ فِي الْحَقِّ فِي الرِّدَّةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْقَتْلِ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ ظُلْمًا كَانَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْإِمَامِ الْقَوَدُ وَكَانَا كَقَاتِلَيْنِ مَعًا، وَإِنَّمَا أُزِيلُ الْقَوَدَ عَنْهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِحَقٍّ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ ظُلْمًا وَلَكِنَّ الْوَالِيَ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَزُلْ عَنْ الْإِمَامِ الْقَوَدُ بِكُلِّ حَالٍ وَفِي الْمَأْمُورِ الْمُكْرَهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا ظُلْمًا إنَّمَا يَبْطُلُ الْكَرْهُ عَنْهُ فِيمَا لَا يَضُرُّ غَيْرَهُ وَالْآخَرُ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْوَالِي الْمُتَغَلِّبُ وَالْمُسْتَعْمِلُ إذَا قُهِرَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَحْكُمُ فِيهِ عَلَيْهِ هَذَا سَوَاءٌ طَالَ قَهْرُهُ لَهُ أَوْ قَصُرَ.

وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الْمُتَغَلِّبُ عَلَى اللُّصُوصِيَّةِ أَوْ الْعَصَبِيَّةِ فَأَمَرَ رَجُلًا بِقَتْلِ الرَّجُلِ فَعَلَى الْمَأْمُورِ الْقَوَدُ وَعَلَى الْآمِرِ إذَا كَانَ قَاهِرًا لِلْمَأْمُورِ لَا يَسْتَطِيعُ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ بِحَالٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي مِصْرٍ أَوْ فِي قَرْيَةٍ لَمْ يُقْهَرْ أَهْلُهَا كُلُّهُمْ فَأَمَرَ رَجُلًا بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ وَالْمَأْمُورُ مَقْهُورٌ فَعَلَى الْمَأْمُورِ الْقَوَدُ فِي هَذَا دُونَ الْآمِرِ وَعَلَى الْآمِرِ الْعُقُوبَةُ إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ بِجَمَاعَةٍ يَمْنَعُونَهُ مِنْهُ أَوْ بِنَفْسِهِ أَوْ أَنْ يَهْرُبَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي هَذَا دُونَ الْآمِرِ وَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْهُ بِحَالٍ فَعَلَيْهِمَا الْقَوَدُ مَعًا.

[أَمْرُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا وَالْعَبْدُ أَعْجَمِيٌّ أَوْ صَبِيٌّ فَقَتَلَهُ]
أَمْرُ السَّيِّدِ عَبْدَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَمَرَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا وَالْعَبْدُ أَعْجَمِيٌّ أَوْ صَبِيٌّ فَقَتَلَهُ فَعَلَى السَّيِّدِ الْقَوَدُ دُونَ الْأَعْجَمِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالصَّبِيِّ وَإِذَا أَمَرَ بِذَلِكَ عَبْدًا لَهُ رَجُلًا بَالِغًا يَعْقِلُ فَعَلَى عَبْدِهِ الْقَوَدُ وَعَلَى السَّيِّدِ الْعُقُوبَةُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَمَرَ عَبْدَ غَيْرِهِ أَوْ صَبِيَّ غَيْرِهِ بِقَتْلِ رَجُلٍ فَقَتَلَهُ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ يُمَيِّزَانِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ وَأَبِيهِ وَيَرَيَانِ لِسَيِّدِهِ وَأَبِيهِ طَاعَةً وَلَا يَرَيَانِهَا لِهَذَا عُوقِبَ الْآمِرُ وَكَانَ الصَّغِيرُ وَالْعَبْدُ قَاتِلَيْنِ دُونَ الْآمِرِ وَإِنْ كَانَا لَا يُمَيِّزَانِ ذَلِكَ فَالْقَاتِلُ الْآمِرُ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ إنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَمَرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ أَوْ عَبْدَ غَيْرِهِ الْأَعْجَمِيَّ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَتَلَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ؛ لِأَنِّي لَا أَجْعَلُ جِنَايَتَهُمَا بِأَمْرِهِ كَجِنَايَتِهِ وَلَوْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَفْعَلَا بِأَنْفُسِهِمَا فِعْلًا لَا يَعْقِلَانِهِ فَفَعَلَاهُ فَقَتَلَهُمَا ذَلِكَ الْفِعْلُ ضَمِنَهُمَا مَعًا كَمَا يَضْمَنُهُمَا لَوْ فَعَلَهُ بِهِمَا فَقَتَلَهُمَا كَأَنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَقْطَعَا عِرْقًا أَوْ يُفَجِّرَا قُرْحَةً عَلَى مَقْتَلٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ وَلَوْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَذْبَحَا أَنْفُسَهُمَا فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ لَمْ يَعْقِلْ وَالْعَبْدُ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ فَفَعَلَا ضَمِنَهُمَا كَمَا يَضْمَنُهُمَا لَوْ ذَبَحَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَعْقِلُ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتُلُهُ فَفَعَلَ فَمَاتَ فَهُوَ مُسِيءٌ آثِمٌ وَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ وَلَا يَكُونُ كَالْقَاتِلِ.

وَإِذَا أَمَرَ الرَّجُلُ ابْنَهُ الْبَالِغَ أَوْ عَبْدَهُ الَّذِي يَعْقِلُ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ عُوقِبَ السَّيِّدُ الْآمِرُ وَعَلَى الْعَبْدِ وَالِابْنِ الْقَاتِلَيْنِ الْقَوَدُ دُونَهُ.

وَإِذَا أَمَرَ سَيِّدُ الْعَشِيرَةِ رَجُلًا مِنْ الْعَشِيرَةِ أَنْ يَقْتُلَ رَجُلًا وَلَيْسَ بِبَلَدٍ لَهُ فِيهَا سُلْطَانٌ فَالْقَتْلُ عَلَى الْقَاتِلِ دُونَ الْآمِرِ.
(6/44)

[الرَّجُلُ يَسْقِي الرَّجُلَ السُّمَّ أَوْ يَضْطَرُّهُ إلَى سَبُعٍ]
ٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اسْتَكْرَهَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَسَقَاهُ سُمًّا وَوَصَفَ السَّاقِي السُّمَّ سُئِلَ السَّاقِي فَإِنْ قَالَ سَقَيْته إيَّاهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ وَأَنَّهُ قَلَّ مَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَضُرَّهُ ضَرَرًا شَدِيدًا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْقَتْلَ وَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَقْتُلُ فَمَاتَ الْمَسْقِيُّ فَعَلَى السَّاقِي الْقَوَدُ يُسْقَى مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنْ مَاتَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَيْتَةِ فَذَلِكَ وَإِلَّا ضَرَبْت عُنُقَهُ فَإِنْ قَالَ سَقَيْتُهُ وَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ وَقَدْ يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ قَلِيلًا قِيلَ: لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ إنْ كَانَتْ لَكُمْ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ السُّمِّ إذَا سُقِيَ فَالْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَقْتُلُ أُقِيدَ مِنْهُ وَإِنْ جَهِلُوا ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاقِي مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى السَّاقِي الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَدِيَتُهُ دِيَةُ خَطَأِ الْعَمْدِ وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ وَقَدْ يَقْتُلُ مِثْلُهُ وَسَوَاءٌ عَلِمَ السُّمَّ السَّاقِي فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهُ كُلَّمَا يَسْأَلُ أَهْلَ الْعِلْمِ بِهِ عَنْهُ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ مِمَّنْ يَعْلَمُهُ عَلَى رُؤْيَتِهِ، وَإِنْ كَانَا رَأَيَاهُ يَسْقِيهِ السُّمَّ بِدَوَاءٍ مَعَهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ فَإِنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ وَيَتْرُكُ الْقَوَدَ وَيَضْمَنُ الدِّيَةَ إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يُعَاشُ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ إنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَسْقِيِّ لِضَعْفِ بَدَنِهِ أَوْ خَلْقِهِ أَوْ سَقَمِهِ لَا يَعِيشُ مِنْ مِثْلِ هَذَا السُّمِّ وَالْأَغْلَبُ أَنَّ الْقَوِيَّ يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ لَمْ يُقَدْ فِي الْقَوِيِّ الَّذِي الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ وَأُقِيدَ فِي الضَّعِيفِ الَّذِي الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِ كَمَا لَوْ ضَرَبَ رَجُلًا نِضْوَ الْخَلْقِ أَوْ سَقِيمًا أَوْ ضَعِيفًا ضَرْبًا لَيْسَ بِالْكَثِيرِ بِالسَّوْطِ أَوْ عَصًا خَفِيفَةٍ فَقِيلَ: إنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ هَذَا لَا يَعِيشُ مِنْ مِثْلِ هَذَا أُقِيدَ مِنْهُ وَلَوْ ضَرَبَ مِثْلَهُنَّ رَجُلًا الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَعِيشُ مِنْ مِثْلِهِنَّ لَمْ يُقَدْ مِنْهُ.

(قَالَ) : وَلَوْ كَانَ السَّاقِي لِلسُّمِّ الَّذِي أُقِيدَ مِنْ سَاقِيهِ لَمْ يُكْرِهْ الْمَسْقِيَّ وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُ لَهُ فِي طَعَامٍ أَوْ خَاصَ لَهُ عَسَلًا أَوْ شَرَابًا غَيْرَهُ فَأَطْعَمَهُ إيَّاهُ أَوْ سَقَاهُ إيَّاهُ غَيْرَ مُكْرِهٍ عَلَيْهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ إذَا لَمْ يُعْلِمْهُ أَنَّ فِيهِ سُمًّا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هَذَا دَوَاءٌ فَاشْرَبْهُ وَهَذَا أَشْبَهُمَا وَالثَّانِي أَنْ لَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَهُوَ آثِمٌ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ شَرِبَهُ وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ السُّمِّ يُعْطِيهِ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَأْكُلُهُ فِي التَّمْرَةِ وَالْحَرِيرَةِ يَصْنَعُهَا لَهُ فَيَمُوتُ فَلَا أُقِيدُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُبْصِرُ السُّمَّ فِي الْحَرِيرَةِ يُبَصِّرُهَا غَيْرُهُ لَهُ فَيَتَوَقَّاهَا وَقَدْ يَعْرِفُ السُّمَّ أَنَّهُ مَخْلُوطٌ بِغَيْرِهِ وَلَا يَعْرِفُ غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِغَيْرِهِ وَأَنَّهُ الَّذِي وَلِيَ شُرْبَهُ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ فِي هَذَا سُمٌّ وَقَدْ بَيَّنَ لَهُ وَلَا يَلْتَفِتُ صَاحِبُهُ قَلَّمَا يُخْطِئُهُ أَنْ يَتْلَفَ بِهِ فَشَرِبَ الرَّجُلُ فَمَاتَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الَّذِي خَلَطَهُ لَهُ وَلَا الَّذِي أَعْطَاهُ إيَّاهُ لَهُ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ وَلَوْ سَقَاهُ مَعْتُوهًا أَوْ أَعْجَمِيًّا لَا يَعْقِلُ عَنْهُ أَوْ صَبِيًّا فَبَيَّنَ لَهُ أَوْ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ فَسَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ أَوْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ فَشَرِبَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ حَيْثُ أَقَدْت مِنْهُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ السُّمِّ الْقَاتِلِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ خَلَطَهُ فَوَضَعَهُ وَلَمْ يَقُلْ لِلرَّجُلِ كُلْهُ فَأَكَلَهُ الرَّجُلُ أَوْ شَرِبَهُ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ جَعَلَهُ فِي طَعَامٍ لِنَفْسِهِ أَوْ شَرَابٍ أَوْ لِرَجُلٍ فَأَكَلَهُ إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ وَأَرَى أَنْ يُكَفِّرَ إذَا خَلَطَهُ فِي طَعَامِ رَجُلٍ وَيَضْمَنُ مِثْلَ الطَّعَامِ الَّذِي خَلَطَهُ بِهِ وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ إذَا خَلَطَهُ بِطَعَامٍ فَأَكَلَهُ الرَّجُلُ فَمَاتَ ضَمِنَ كَمَا يَضْمَنُ لَوْ أَطْعَمَهُ إيَّاهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ سَقَاهُ سُمًّا وَقَالَ لَمْ أَعْلَمْهُ سُمًّا فَشَهِدَ بَعْدُ عَلَى أَنَّهُ سُمٌّ ضَمِنَ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ وَلَا يَبِينُ لِي أَنْ أَجْعَلَ عَلَيْهِ الْقَوَدَ كَمَا جَعَلْتُهُ عَلَيْهِ لَوْ عَلِمَهُ فَسَقَاهُ إيَّاهُ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ مَا عَلِمَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا دَرَأْت
(6/45)

عَنْهُ الْقَوَدَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجْهَلُ السُّمَّ فَيَكُونُ سُمًّا قَاتِلًا وَلَا قَاتِلًا وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لَمْ أَعْلَمْهُ سُمًّا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَخَذَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ حَيَّةً فَأَنْهَشَهُ إيَّاهَا أَوْ عَقْرَبًا فَمَاتَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الَّذِي أَنْهَشَهُ إنْ كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ بِالْبَلَدِ الَّذِي أَنْهَشَهُ بِهِ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ مِثْلُ الْحَيَّاتِ بِالسَّرَاةِ أَوْ حَيَّاتِ الأصحر بِنَاحِيَةِ الطَّائِفِ وَالْأَفَاعِي بِمَكَّةَ وَدُونَهَا وَالْقُرَّةِ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهَا لَا تَقْتُلُ مِثْلَ الثُّعْبَانِ بِالْحِجَازِ وَالْعَقْرَبِ الصَّغِيرَةِ فَقَدْ قِيلَ: لَا قَوَدَ وَعَلَيْهِ الْعَقْلُ بِهِ مِثْلُ خَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ، ثُمَّ يَصْنَعُ هَذَا بِكُلِّ بِلَادٍ فَإِنْ أَلْدَغَهُ بِنَصِيبِينَ عَقْرَبًا أَوْ أَنْهَشَهُ بِمِصْرَ ثُعْبَانًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ هَذَا يُقْتَلُ بِهَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا أَلْدَغَهُ حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا فَمَاتَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ وَسَوَاءٌ قِيلَ: هَذِهِ حَيَّةٌ لَا يَقْتُلُ مِثْلُهَا أَوْ يَقْتُلُ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَقْتُلُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ عَقْرَبًا أَوْ حَيَّةً فَنَهَشَتْهُ الْحَيَّةُ أَوْ ضَرَبَتْهُ الْعَقْرَبُ لَكَانَ آثِمًا عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ وَلَا قَوَدَ وَلَا عَقْلَ لَوْ قَتَلَتْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ فِي فِعْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ وَأَنَّهُمَا يُحْدِثَانِ فِعْلًا بَعْدَ الْإِرْسَالِ لَيْسَ هُوَ الْإِرْسَالَ وَلَا هُوَ كَأَخْذِهِ إيَّاهُمَا وَإِدْنَائِهِمَا حَتَّى يُمَكِّنَهُمَا وَيَنْهَشَا فَهَذَا فِعْلُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُمَا نَهَشَا بِضَغْطِهِ إيَّاهُمَا، وَكَذَلِكَ بِأَخْذِهِ وَإِنْ لَمْ يُضْغَطَا؛ لِأَنَّ مَعْقُولًا أَنَّ مِنْ طِبَاعِهِمَا أَنَّهُمَا يَعْبَثَانِ إذَا أُخِذَتَا فَتَنْهَشُ هَذِهِ وَتَضْرِبُ هَذِهِ فَتَكُونَانِ كَالْمُضْطَرَّيْنِ إلَى أَنْ تَضْرِبَ هَذِهِ وَتَنْهَشَ هَذِهِ مِنْهُ وَكَذَا الْأَسَدُ وَالذِّئْبُ وَالنَّمِرُ وَالْعَوَادِي كُلُّهَا بِأَسْرِهَا مَنْ يَضْغَطُهَا فَتَضْرِبُ أَوْ تَعْقِرُ فَتَقْتُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ فِيمَا صَنَعَهُ بِمَا الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ فَفِيهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ نَالَهُ بِمَا الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ قَوَدٌ وَفِيهِ الدِّيَةُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَرْسَلَ الْكَلْبَ وَالْحَيَّةَ وَالْأَسَدَ وَالنَّمِرَ وَالذِّئْبَ عَلَى رَجُلٍ فَأَخَذَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَتَلَهُ فَهُوَ آثِمٌ وَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ.
(قَالَ) : وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَهْرُبُ فَيَعْجِزُ وَيَهْرُبُ عَنْهُ بَعْضُهَا أَوْ يَقُومُ مَعَهُ فَلَا يَنَالُهُ بِشَيْءٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ حَبَسَ بَعْضَ القواتل فِي مَجْلِسٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ رَجُلًا وَالْأَغْلَبُ مِمَّنْ يُلْقِي عَلَيْكُمْ هَذَا أَنَّهُ إذَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَتَلَهُ: مِثْلُ الْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ فَقَتَلَهُ بِفَرْسٍ لَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ حَتَّى قَتَلَهُ أَوْ شَقَّ لِبَطْنِهِ أَوْ غُمَّ لَا يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهِ قُتِلَ بِهِ فَأَمَّا الْحَيَّةُ فَلَيْسَتْ هَكَذَا فَإِنْ أَصَابَتْهُ الْحَيَّةُ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ كَانَ مِنْ السِّبَاعِ مَا يَكُونُ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يَفْرِسُ مَنْ أَلْقَى عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَوَدٌ وَلَا عَقْلٌ وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ يَفْرِسُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ إذَا حَبَسَ السَّبُعَ ثُمَّ أَلْقَاهُ أَوْ حَبَسَهُ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِ السَّبُعَ فِي مَجْلِسٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ السَّبُعُ وَلَوْ قَيَّدَهُ أَوْ أَوْثَقَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ عَلَيْهِ فِي صَحْرَاءَ كَانَ مُسِيئًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ إنْ أَصَابَهُ؛ لِأَنَّ السَّبُعَ غَيْرُ مُضْطَرٍّ بِمَحْبِسِهِ إلَى أَنْ يَقْتُلَهُ وَإِذَا أَصَابَهُ السَّبُعُ بِالشَّيْءِ الْخَفِيفِ الَّذِي لَوْ أَصَابَهُ إنْسَانٌ فِي الْحِينِ الَّذِي أَجْعَلُ عَلَى الْمُلْقِي جِنَايَةَ السَّبُعِ فَمَاتَ فَعَلَى مُلْقِيهِ الدِّيَةُ وَالْعُقُوبَةُ وَلَا قَوَدَ.

[الْمَرْأَةُ تَقْتُلُ حُبْلَى وَتُقْتَلُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا قُتِلَتْ الْمَرْأَةُ حَامِلًا يَتَحَرَّكُ وَلَدُهَا أَوْ لَا يَتَحَرَّكُ فَفِيهَا الْقَوَدُ وَلَا شَيْءَ فِي جَنِينِهَا حَتَّى يَزُولَ مِنْهَا فَإِذَا زَايَلَهَا قَبْلَ مَوْتِهَا أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ فِيهِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ فَإِذَا زَايَلَهَا حَيًّا قَبْلَ مَوْتِهَا أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَسَوَاءٌ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ إذَا مَاتَ وَفِيهِ دِيَتُهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَمِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَخَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ قَتَلَهَا رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ.

وَإِذَا قَتَلَتْ الْمَرْأَةُ مَنْ عَلَيْهَا فِي قَتْلِهِ
(6/46)

الْقَوَدُ فَذَكَرَتْ حَمْلًا أَوْ رِيبَةً مِنْ حَمْلٍ حُبِسَتْ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا، ثُمَّ أُقِيدَ مِنْهَا حِينَ تَضَعُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا مُرْضِعٌ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَوْ تَرَكَتْ بِطِيبِ نَفْسٍ وَلِيَّ الدَّمِ يَوْمًا أَوْ أَيَّامًا حَتَّى يُوجَدَ لَهُ مُرْضِعٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قُتِلَتْ لَهُ وَإِنْ وَلَدَتْ وَجَدَتْ تَحَرُّكًا انْتَظَرَتْ حَتَّى تَضَعَ التَّحَرُّكَ أَوْ يُعْلَمَ أَنْ لَيْسَ بِهَا حَمْلٌ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ بِهَا حَمْلًا فَادَّعَتْهُ اُنْتُظِرَ بِالْقَوَدِ مِنْهَا حَتَّى تُسْتَبْرَأَ وَيُعْلَمَ أَنْ لَا حَبَلَ بِهَا وَلَوْ عَجَّلَ الْإِمَامُ فَأَقَصَّ مِنْهَا حَامِلًا فَقَدْ أَثِمَ وَلَا عَقْلَ عَلَيْهِ حَتَّى تُلْقِيَ جَنِينَهَا فَإِنْ أَلْقَتْهُ ضَمِنَهُ الْإِمَامُ دُونَ الْمُقْتَصِّ وَكَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ لَا بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَضَى بِأَنْ يُقْتَصَّ مِنْهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يُبَلِّغْ الْمَأْمُورَ حَتَّى اقْتَصَّ مِنْهَا ضَمِنَ الْإِمَامُ جَنِينَهَا وَأَحَبُّ إلَيَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُكَفِّرَ.

[تَحَوّل حَال الْمُشْرِك يُجْرَح حَتَّى إذَا جُنِيَ عَلَيْهِ وَحَال الْجَانِي]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا جَرَحَ نَصْرَانِيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ مِنْ جِرَاحِهِ بَعْدَ إسْلَامِ الْجَارِحِ كَانَ لِوَرَثَةِ النَّصْرَانِيِّ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَلَيْسَ هَذَا قَتْلَ مُؤْمِنٍ بِكَافِرٍ مَنْهِيًّا عَنْهُ إنَّمَا هَذَا قَتْلُ كَافِرٍ بِكَافِرٍ إلَّا أَنَّ الْمَوْتَ اسْتَأْخَرَ حَتَّى تَحَوَّلَتْ حَالُ الْقَاتِلِ وَإِنَّمَا يُحْكَمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى الْجَانِي وَإِنْ تَحَوَّلَتْ حَالُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَحَوُّلِ حَالِ الْجَانِي بِحَالٍ وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ دُونَ الْجَارِحِ أَوْ الْمَجْرُوحُ وَالْجَارِحُ مَعًا كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.

وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا جَرَحَ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا، ثُمَّ تَحَوَّلَ الْحَرْبِيُّ إلَى دَارِ الْحَرْبِ وَتَرَكَ الْأَمَانَ فَمَاتَ فَجَاءَ وَرَثَتُهُ يَطْلُبُونَ الْحُكْمَ خُيِّرُوا بَيْنَ الْقِصَاصِ مِنْ الْجَارِحِ أَوْ أَرْشِهِ إذَا كَانَ الْجُرْحُ أَقَلَّ مِنْ الدِّيَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْقَتْلُ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جُرْحٍ فِي حَالٍ لَوْ اُبْتُدِئَ فِيهَا قَتْلُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِيهَا قَوَدٌ فَأَبْطَلْنَا زِيَادَةَ الْمَوْتِ لِتَحَوُّلِ حَالِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ الدَّمِ وَهُوَ خِلَافٌ لِلْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ تَحَوَّلَتْ حَالُهُ دُونَ الْجَانِي وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَالْجِرَاحُ أَكْثَرُ مِنْ النَّفْسِ كَأَنْ فَقَأَ عَيْنَهُ وَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَسَأَلُوا الْقِصَاصَ مِنْ الْجَانِي فَذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ أَوْ ذَلِكَ وَزِيَادَةَ الْمَوْتِ فَلَا أُبْطِلُ الْقِصَاصَ بِسُقُوطِ زِيَادَةِ الْمَوْتِ عَلَى الْجَانِي، وَإِنْ سَأَلُوا الْأَرْشَ جَعَلْت لَهُمْ عَلَى الْجَانِي فِي كُلِّ حَالٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْأَقَلَّ مِنْ دِيَةِ جِرَاحِهِ أَوْ دِيَةِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ دِيَةَ جِرَاحِهِ قَدْ نَقَصَتْ بِذَهَابِ النَّفْسِ لَوْ مَاتَ مِنْهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَمَانِهِ فَإِذَا أَرَادُوا الدِّيَةَ لَمْ أَزِدْهُمْ عَلَى دِيَةِ النَّفْسِ فَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ عَهْدَهُ زَائِدًا لَهُ فِي أَرْشِهِ، وَلَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فِي أَمَانِهِ كَمَا هُوَ حَتَّى يَقْدُمَ وَتَأْتِيَ لَهُ مُدَّةٌ فَمَاتَ بِهَا كَانَ كَمَوْتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ جِرَاحَهُ عَمْدٌ وَلَمْ يَكُنْ كَمَنْ مَاتَ تَارِكًا لِلْعَهْدِ؛ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ قَتَلَهُ عَامِدًا بِبِلَادِ الْحَرْبِ وَلَهُ أَمَانٌ يَعْرِفُهُ ضَمِنَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَرَحَهُ ذِمِّيٌّ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ فَمَاتَ مِنْ الْجِرَاحِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ الْقَوَدَ إنْ شَاءَ وَرَثَتُهُ أَوْ الدِّيَةَ تَامَّةً مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْجِنَايَةَ وَالْمَوْتَ كَانَا مَعًا وَلَهُ الْقَوَدُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا بَيْنَ الْحَالَيْنِ مِنْ تَرْكِهِ الْأَمَانَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ لَهُ الدِّيَةَ فِي النَّفْسِ وَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي حَالٍ لَوْ مَاتَ فِيهَا أَوْ قُتِلَ لَمْ تَكُنْ لَهُ دِيَةٌ وَلَا قَوَدٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَهُ الدِّيَةُ تَامَّةً فِي الْحَالَيْنِ لَا يُنْقِصُ مِنْهَا شَيْئًا.

وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا فَتَرَكَ الْأَمَانَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَأَغَارَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ.
(6/47)

فَسَبَوْهُ ثُمَّ مَاتَ
بَعْدَ مَا صَارَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ سَبِيًّا فَلَا قَوَدَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مَمْلُوكًا فَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِمَمْلُوكٍ وَعَلَى الذِّمِّيِّ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَوْ قِيمَةِ الْجِرَاحِ حُرًّا كَأَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ فَكَانَتْ فِيهِ إنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا سِتَّةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ وَثُلُثَا بَعِيرٍ وَهِيَ نِصْفُ دِيَتِهِ أَوْ كَانَ مَجُوسِيًّا أَوْ وَثَنِيًّا فَفِي يَدِهِ نِصْفُ دِيَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَقِيمَتُهُ مِثْلُ نِصْفِ دِيَتِهِ فَسَقَطَ الْمَوْتُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ بِهِ زِيَادَةً، وَجَمِيعُ الْأَرْشِ لِوَرَثَةِ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْجَبَهُ بِالْجُرْحِ وَهُوَ حُرٌّ فَكَانَ مَالًا لَهُ أَمَانٌ أَوْ كَأَنَّهُ قُطِعَتْ يَدُهُ وَدِيَتُهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، ثُمَّ مَاتَ مَمْلُوكًا وَقِيمَتُهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ فَعَلَى جَارِحِهِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ صَارَتْ تَبَعًا لِلنَّفْسِ كَمَا يُجْرَحُ الْمُسْلِمُ فَيَكُونُ فِيهِ دِيَاتٌ لَوْ عَاشَ وَلَوْ مَاتَ كَانَتْ دِيَتُهُ وَاحِدَةً وَيُجْرَحُ مُوضِحَةً فَيَمُوتُ فَيَكُونُ فِيهَا دِيَةٌ كَمَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْجَارِحِ بِزِيَادَةِ النَّفْسِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ النَّقْصُ بِذَهَابِهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا لَمْ تَكُنْ بِالنَّفْسِ زِيَادَةٌ فَجَمِيعُ الْأَرْشِ لِوَرَثَةِ الْمُسْتَأْمَنِ؛ لِمَا وَصَفْت أَنَّهُ اسْتَوْجَبَهُ وَهُوَ حُرٌّ لِمَا لَهُ أَمَانٌ يُعْطَاهُ وَرَثَتُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهَكَذَا لَوْ قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَفُقِئَتْ عَيْنَاهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ مَاتَ وَقِيمَتُهُ أَقَلُّ مِمَّا وَجَبَ لَهُ بِالْجِرَاحِ لَوْ عَاشَ كَانَ عَلَى جَارِحِهِ الْأَقَلُّ مِنْ الْجِرَاحِ وَالنَّفْسِ وَكَانَ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ بِبِلَادِ الْحَرْبِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ مُسْتَأْمَنًا فَأَوْضَحَهُ، ثُمَّ لَحِقَ الْمَجْرُوحُ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ سُبِيَ فَصَارَ رَقِيقًا، ثُمَّ مَاتَ وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَإِنَّمَا وَجَبَ لَهُ بِالْمُوضِحَةِ الَّتِي أُوضِحَ مِنْهَا ثُلُثُ مُوضِحَةِ مُسْلِمٍ كَانَ أَرْشُ مُوضِحَتِهِ لِوَرَثَتِهِ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ مِنْ قِيمَتِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الْجَانِي بِلُحُوقِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِبِلَادِ الْحَرْبِ، وَالْآخَرُ أَنَّ الزِّيَادَةَ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَالْمَوْتَ كَانَا وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْمَوْتِ، وَذَلِكَ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَسْلَمَ فِي يَدَيْ سَيِّدِهِ ثُمَّ مَاتَ كَانَتْ هَكَذَا؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَزِيدُ فِي قِيمَتِهِ فَتُحْسَبُ الزِّيَادَةُ فِي قَوْلِ مَنْ أَلْزَمَهُ إيَّاهَا وَتَسْقُطُ فِي قَوْلِ مَنْ أَسْقَطَهَا بِلُحُوقِهِ بِبِلَادِ الْحَرْبِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ مَاتَ حُرًّا كَانَ عَلَى جَارِحِهِ الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَدِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ جُنِيَ عَلَيْهِ حُرًّا وَمَاتَ حُرًّا فِي قَوْلِ مَنْ يُسْقِطُ الزِّيَادَةَ عَنْ الْجَانِي بِلُحُوقِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِبِلَادِ الْحَرْبِ وَيَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ إنْ كَانَ فِي الْمَوْتِ فِي قَوْلِ مَنْ يُبْطِلُ الزِّيَادَةَ بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَأَسْلَمَ وَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ فَمَاتَ مُسْلِمًا حُرًّا ضَمِنَ قَاتِلُهُ الْأَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَدِيَةِ حُرٍّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْجِنَايَةِ كَانَ مَمْنُوعًا فِي قَوْلِ مَنْ يُسْقِطُ الزِّيَادَةَ بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَضَمَّنَهُ زِيَادَةَ الْمَوْتِ فِي قَوْلِ مَنْ لَا يُسْقِطُهَا عَنْهُ بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ. وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ فِي نَصْرَانِيٍّ جُرِحَ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ فَفِيهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَكَانَ الْقَاتِلُ مُسْلِمًا كَانَ مِثْلَ هَذَا فِي الْجَوَابِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُقَادُ مُشْرِكٌ مِنْ مُسْلِمٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ رَجُلًا فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ بَرَأَ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَمَاتَ فَلِوَلِيِّهِ الْقِصَاصُ فِي الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْجِرَاحَةَ قَدْ وَجَبَتْ لِلضَّرْبِ وَالْبُرْءِ وَهُوَ مُسْلِمٌ.

[الْحُكْمُ بَيْنَ أَهْل الذِّمَّةِ فِي الْقَتْلِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا قَتَلَ الذِّمِّيُّ الذِّمِّيَّةَ أَوْ الذِّمِّيَّ أَوْ الْمُسْتَأْمَنَ أَوْ الْمُسْتَأْمَنَةَ أَوْ جَرَحَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ فَإِذَا طَلَبَ الْمَجْرُوحُ أَوْ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ حَكَمْنَا عَلَيْهِمْ بِحُكْمِنَا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا يَخْتَلِفُ فَنَجْعَلُ الْقَوَدَ بَيْنَهُمْ كَمَا نَجْعَلُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا وَنَجْعَلُ مَا كَانَ عَمْدًا لَا قَوَدَ فِيهِ فِي مَالِ الْجَانِي وَمَا كَانَ خَطَأً عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي إذَا كَانَتْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ وَلَمْ يَعْقِلْ عَنْهُ أَهْلُ دِينِهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَهُ وَلَا الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مَالَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَيْئًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَقْتَصُّ الْوَثَنِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالصَّابِئِيُّ وَالسَّامِرِيُّ مِنْ الْيَهُودِ
(6/48)

وَالنَّصَارَى، وَكَذَلِكَ يَقْتَصُّ نِسَاؤُهُمْ مِنْهُمْ وَنَجْعَلُ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةً وَكَذَلِكَ نُوَرِّثُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ لِلْقَرَابَةِ وَيَقْتَصُّ الْمُسْتَأْمَنُ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ الْمُعَاهَدِينَ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ ذِمَّةً وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فَنَمْنَعُ بِهِ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ بِالْقِصَاصِ كَفَوْتِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا يُحْكَمُ عَلَى الْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ إذَا جَنَى يُقْتَصُّ مِنْهُ وَيُحْكَمُ فِي مَالِهِ بِأَرْشِ الْعَمْدِ الَّذِي لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ إلَّا عَاقِلَةٌ حَرْبِيَّةٌ لَا يَنْفُذُ حُكْمُنَا عَلَيْهِمْ جَعَلْنَا الْخَطَأَ فِي مَالِهِ كَمَا نَجْعَلُهُ فِي مَالِ مَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَهَكَذَا نَحْكُمُ عَلَيْهِمْ إذَا أَصَابُوا مُسْلِمًا بِقَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَصَابَ أَهْلُ الذِّمَّةِ حَرْبِيًّا لَا أَمَانَ لَهُ لَمْ يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ فِيهِ بِشَيْءٍ وَلَوْ طَلَبَتْ وَرَثَتُهُ؛ لِأَنَّ دَمَهُ مُبَاحٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْقَاتِلُ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا إلَّا أَنَّا إذَا لَمْ تُودِ عَاقِلَةُ الْحَرْبِيِّ عَنْهُ أَرْشَ الْخَطَأِ كَمَا حَكَمْنَا بِهِ فِي مَالِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَحِقَ الْحَرْبِيُّ الْجَانِي بَعْدَ الْجِنَايَةِ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ رَجَعَ مُسْتَأْمَنًا حَكَمْنَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَزِمَهُ أَوَّلًا وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ مَاتَ بِبِلَادِ الْحَرْبِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ وَعِنْدَنَا لَهُ مَالٌ كَانَ لَهُ أَمَانٌ أَوْ وَرَدَ عَلَيْنَا وَهُوَ حَيٌّ مَالٌ لَهُ أَمَانٌ أَخَذْنَا مِنْ مَالِهِ أَرْشَ الْجِنَايَةِ لِوَلِيِّهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ فِي مَالِهِ فَمَتَى أَمْكَنَنَا أَعْطَيْنَا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ مِنْ مَالِهِ وَلَوْ أَمَّنَّا لَهُ مَالَهُ عَلَى أَنْ لَا نَأْخُذَ مِنْهُ مَا لَزِمَهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا لَزِمَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى وَهُوَ عِنْدَنَا جِنَايَاتٍ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ أَمَّنَّاهُ عَلَى أَنْ لَا نَحْكُمَ عَلَيْهِ حَكَمْنَا عَلَيْهِ وَكَانَ مَا أَعْطَيْنَاهُ مِنْ الْأَمَانِ عَلَى مَا وَصَفْنَا بَاطِلًا لَا يَحِلُّ وَهَكَذَا لَوْ سُبِيَ وَأُخِذَ مَالُهُ وَقَدْ كَانَ لَهُ عِنْدَنَا فِي الْأَمَانِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَمْ يُغْنَمْ إلَّا وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِيهِ حَقٌّ كَالدَّيْنِ وَسَوَاءٌ إنْ أُخِذَ مَالُهُ قَبْلَ أَنْ يُسْبَى أَوْ مَعَ السَّبْيِ أَوْ بَعْدَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَغُنِمَ مَالُهُ وَسُبِيَ أَوْ لَمْ يُسْبَ أَخَذْنَا الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْ الرَّجُلِ يُدَانُ الدَّيْنَ، ثُمَّ يَمُوتُ فَنَأْخُذُ الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ بِوُجُوبِهِ فَلَيْسَ الْغَنِيمَةُ لِمَالِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمِيرَاثِ لَوْ وَرِثَهُ الْمُسْلِمُ أَوْ ذِمِّيٌّ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِلْوَرَثَةِ مِلْكَ الْمَوْتَى بَعْدَ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ الْغَنَائِمُ؛ لِأَنَّهُمْ خَوَّلُوهَا بِأَنَّ أَهْلَهَا أَهْلُ دَارِ حَرْبٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى وَهُوَ مُسْتَأْمَنٌ، ثُمَّ لَحِقَ بِبِلَادِ الْحَرْبِ نَاقِضًا لِلْأَمَانِ، ثُمَّ أَسْلَمَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَأَحْرَزَ مَالَهُ وَنَفْسَهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ وَالدَّيْنِ الَّذِي لَزِمَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ هَذَا لَا يُخَالِفُ الْأَمَانَ يُمْلَكُ وَهُوَ رَقِيقٌ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُمْلَكُ إلَّا لِسَيِّدِهِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مَالِكٌ لِنَفْسِهِ وَيُخَالِفُ لَأَنْ يُجْنَى عَلَيْهِ وَهُوَ مُحَارَبٌ غَيْرُ مُسْتَأْمَنٍ بِبِلَادِ الْحَرْبِ وَجِنَايَتُهُ كُلُّهَا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ هَدَرٌ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى مُسْلِمٌ جِنَايَةً فَلَزِمَتْهُ فِي مَالِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَكَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي مَالِهِ وَلَمْ يُغْنَمْ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ حَتَّى تُؤَدَّى جِنَايَتُهُ وَمَا لَزِمَهُ فِي مَالِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى الذِّمِّيُّ عَلَى نَصْرَانِيٍّ فَتَمَجَّسَ النَّصْرَانِيُّ بَعْدَ مَا يُجْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ مَاتَ مَجُوسِيًّا فَقَدْ قِيلَ: فَعَلَى الْجَانِي الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ جِرَاحِ النَّصْرَانِيِّ وَمِنْ دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ وَقِيلَ: عَلَيْهِ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ أَوْ الْقَوَدُ مِنْ الذِّمِّيِّ الَّذِي جَنَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، وَإِنْ تَمَجَّسَ فَهُوَ مَمْنُوعُ الدَّمِ بِالْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَيْسَ كَالْمُسْلِمِ يَرْتَدُّ؛ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ قَتَلَ الْمُسْلِمَ مُرْتَدًّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهَذَا لَوْ قَتَلَ مُرْتَدًّا عَنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ كَانَ عَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةُ إنْ كَانَ مُسْلِمًا وَالْقَوَدُ إنْ كَانَ كَافِرًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ جَنَى نَصْرَانِيٌّ فَتَزَنْدَقَ أَوْ دَانَ دِينًا لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ أَهْلِهِ وَقَدْ قِيلَ عَلَى الْجَانِي عَلَيْهِ إذَا غَرِمَ
(6/49)

الدِّيَةَ: الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ مَا أَصَابَهُ نَصْرَانِيًّا وَدِيَةِ مَجُوسِيٍّ وَقِيلَ عَلَيْهِ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ نَصْرَانِيًّا فَتَهَوَّدَ أَوْ يَهُودِيًّا فَتَمَجَّسَ فَقَدْ قِيلَ: عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ جُرْحِهِ نَصْرَانِيًّا أَوْ دِيَتِهِ مَجُوسِيًّا وَقِيلَ: عَلَيْهِ دِيَةُ مَجُوسِيٍّ وَكَانَ كَرُجُوعِهِ إلَى الْمَجُوسِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ الَّذِي كَانَ يُقَرُّ عَلَيْهِ إلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى النَّصْرَانِيُّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ أَوْ الْمُشْرِكِ الْمَمْنُوعِ الدَّمِ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَتِهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، وَإِنْ ارْتَدَّ النَّصْرَانِيُّ الْجَانِي عَنْ النَّصْرَانِيَّةِ إلَى مَجُوسِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ غَرِمَتْ عَاقِلَةُ الْجَانِي الْأَقَلَّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ دِيَةِ مَجُوسِيٍّ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا ضَمِنُوا أَرْشَ الْجُرْحِ وَهُوَ عَلَى دِينِهِمْ فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ مُوضِحَةً فَمَاتَ مِنْهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَرْتَدَّ الْجَانِي إلَى غَيْرِ النَّصْرَانِيَّةِ ضَمِنَتْ عَاقِلَتُهُ أَرْشَ مُوضِحَةٍ وَضَمِنَ فِي مَالِهِ زِيَادَةَ النَّفْسِ عَلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ النَّفْسُ عَلَى الْمُوضِحَةِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَحَوَّلَ حَالُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ دِينِهِ ضَمِنَتْ الْعَاقِلَةُ كَمَا هِيَ أَرْشَ الْمُوضِحَةِ لِلُزُومِهَا لَهَا يَوْمَ جَنَى صَاحِبُهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى نَصْرَانِيٌّ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ مُوضِحَةً، ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَانِي وَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ضَمِنَتْ عَاقِلَتُهُ مِنْ النَّصَارَى أَرْشَ الْمُوضِحَةِ وَضَمِنَ الْجَانِي فِي مَالِهِ الزِّيَادَةَ عَلَى أَرْشِ الْمُوضِحَةِ لَا يَعْقِلُ عَاقِلَةُ النَّصْرَانِيِّ مَا زَادَتْ جِنَايَتُهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ لِقَطْعِ الْوِلَايَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَتَغْرَمُ مَا لَزِمَهَا مِنْ جِرَاحِهِ وَهُوَ عَلَى دِينِهَا وَلَا يَعْقِلُ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُ زِيَادَةَ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ وَهُوَ مُشْرِكٌ وَالْمَوْتَ بِالْجِنَايَةِ كَانَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ هُوَ وَعَاقِلَتُهُ لَمْ يَعْقِلُوا إلَّا مَا لَزِمَهُمْ وَهُوَ عَلَى دِينِهِمْ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى نَصْرَانِيٌّ عَلَى رَجُلٍ خَطَأً، ثُمَّ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ الْجَانِي فَلَمْ يَطْلُبْ الرَّجُلُ جِنَايَتَهُ إلَّا وَالْجَانِي مُسْلِمٌ فَإِنْ قَالَتْ لَهُ عَاقِلَتُهُ مِنْ النَّصَارَى جَنَى عَلَيْكَ مُسْلِمًا وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: جَنَى عَلَيْكَ مُشْرِكًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ مَعًا فِي أَنْ لَا يَضْمَنُوا عَنْهُ مَعَ إيمَانِهِمْ وَكَانَتْ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْجَانِي إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِحَالِهِ يَوْمَ جَنَى فَتَعْقِلُ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ مِنْ النَّصَارَى إنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا مَا لَزِمَهُ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَيَكُونَ مَا بَقِيَ فِي مَالِهِ أَوْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ جَنَى مُسْلِمًا فَيَعْقِلُ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ إنْ كَانَ لَهُ فِيهِمْ عَاقِلَةٌ.

وَإِذَا رَمَى النَّصْرَانِيُّ إنْسَانًا فَلَمْ تَقَعْ رَمْيَتُهُ حَتَّى أَسْلَمَ فَمَاتَ الْمَرْمِيُّ لَمْ تَعْقِلْ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ مِنْ النَّصَارَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْنِ جِنَايَةً لَهَا أَرْشٌ حَتَّى أَسْلَمَ وَلَا الْمُسْلِمُونَ؛ لِأَنَّ الرَّمْيَةَ كَانَتْ وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ فِي مَالِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا تَهَوَّدَ أَوْ تَمَجَّسَ، ثُمَّ جَنَى لَمْ تَعْقِلْ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ مِنْ النَّصَارَى؛ لِأَنَّهُ عَلَى دِينٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ وَلَا الْيَهُودَ وَلَا الْمَجُوسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَلَا الْمَجُوسِيَّةِ مَعَهُمْ وَكَانَ الْعَقْلُ فِي مَالِهِ، وَهَكَذَا لَوْ رَجَعَ إلَى دِينٍ غَيْرِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ مَجُوسِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا تَعْقِلُ عَنْهُ إذَا بَدَّلَ دِينَهُ عَاقِلَةُ وَاحِدٍ مِنْ النِّصْفَيْنِ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ ثَانِيَةً، ثُمَّ يَجْنِيَ فَيَعْقِلَ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْوِلَايَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ مَجُوسِيًّا فَقُتِلَ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَانِي بَعْدَ الْقَتْلِ وَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ضَمِنَ عَنْهُ الْمَجُوسُ الْجِنَايَةَ؛ لِأَنَّهَا عَاقِلَتُهُ مِنْ الْمَجُوسِ كَانَتْ وَهُوَ مَجُوسِيٌّ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَهِيَ فِي مَالِ الْجَانِي وَلَا تَضْمَنُ عَاقِلَةُ مَجُوسِيٍّ وَلَا مُسْلِمٍ إلَّا مَا جَنَى خَطَأً تَقُومُ بِهِ بَيِّنَةٌ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ إذَا قَتَلَ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ فَقَتَلَ نَصْرَانِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ الْمَقْتُولَةَ كَانَتْ مُكَافِئَةً بِنَفْسِ الْقَاتِلِ حِينَ قَتَلَ وَلَيْسَ إسْلَامُهُ الَّذِي يُزِيلُ عَنْهُ مَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوَدُ بَيْنَ كُلِّ كَافِرَيْنِ لَهُمَا عَهْدٌ سَوَاءٌ كَانَا مِمَّنْ يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْتَأْمَنٌ أَوْ كِلَاهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا لَهُ عَهْدٌ وَيُقَادُ الْمَجُوسِيُّ مِنْ النَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَمْنُوعُ الدَّمِ يُقَادُ مِنْ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ دِيَةً مِنْهُ كَمَا يُقَادُ الرَّجُلُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ مِنْ الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ أَكْثَرُ دِيَةً مِنْهَا وَالْعَبْدُ مِنْ الْعَبْدِ وَهُوَ أَكْثَرُ ثَمَنًا مِنْهُ.
(6/50)

[رِدَّة الْمُسْلِم قَبْل يَجْنِي وَبَعْد مَا يَجْنِي وَرَدَّة الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ بَعْد مَا يُجْنَى عَلَيْهِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَى الْمُسْلِمُ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ عَمْدًا فَقَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْجَانِي وَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ قَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْقَاتِلُ بَعْدَ قَتْلِهِ لَمْ تُسْقِطْ الرِّدَّةُ عَنْهُ شَيْئًا وَيُقَالُ لِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ: أَنْتُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ فَإِنْ اخْتَارُوا الدِّيَةَ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ حَالَّةً وَإِنْ اخْتَارُوا الْقِصَاصَ اُسْتُتِيبَ الْمُرْتَدُّ فَإِنْ تَابَ قُتِلَ بِالْقِصَاصِ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قِيلَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ: إنْ اخْتَرْتُمْ الدِّيَةَ فَهِيَ لَكُمْ وَهُوَ يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ وَإِنْ أَبَوْا إلَّا الْقَتْلَ قُتِلَ بِالْقِصَاصِ وَغُنِمَ مَالُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ قَتَلَهُ الرَّجُلُ قَبْلَ يَرْتَدُّ الْجَانِي خَطَأً كَانَ عَلَى عَاقِلَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ جَرَحَهُ مُسْلِمًا، ثُمَّ ارْتَدَّ الْجَانِي فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَعْدَ رِدَّةِ الْجَانِي ضَمِنَتْ الْعَاقِلَةُ نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَمْ تَضْمَنْ الزِّيَادَةَ الَّتِي كَانَتْ بِالْمَوْتِ بَعْدَ رِدَّةِ الْجَانِي فَكَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ مُوضِحَةً ضَمِنَتْ الْعَاقِلَةُ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ وَضَمِنَ الْمُرْتَدُّ مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ الدِّيَةَ فَأَكْثَرَ، ثُمَّ ارْتَدَّ فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ضَمِنَتْ الْعَاقِلَةُ الدِّيَةَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ ضَمِنَتْهَا وَالْجَانِي مُسْلِمٌ وَلَمْ يَزِدْ الْمَوْتُ بَعْدَ رِدَّةِ صَاحِبِهَا عَلَيْهَا شَيْئًا إنَّمَا يَغْرَمُ بِالْمَوْتِ مَا كَانَ يَغْرَمُ بِالْحَيَاةِ أَوْ أَقَلَّ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى وَهُوَ مُسْلِمٌ فَقَطَعَ يَدًا، ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ، ثُمَّ مَاتَ وَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ضَمِنَتْ الْعَاقِلَةُ نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَمْ يَضْمَنُوا الْمَوْتَ؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ ارْتَدَّ فَسَقَطَ عَنْهُمْ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ مُرْتَدًّا فَجَنَى لَمْ يَعْقِلُوا عَنْهُ مَا جَنَى. فَأَمَّا مَا تَوَلَّدَ مِنْ جِنَايَتِهِ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَفِي مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ: أَنْ يَعْقِلُوا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ وَالْمَوْتَ كَانَ وَهُوَ مُسْلِمٌ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَصَحُّهُمَا عِنْدِي.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ عُرِفَ إسْلَامُهُ جِنَايَةً فَادَّعَتْ عَاقِلَتُهُ أَنَّهُ جَنَى مُرْتَدًّا فَعَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ أَقَامُوهَا سَقَطَ عَنْهُمْ الْعَقْلُ وَكَانَ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يُقِيمُوهَا لَزِمَهُمْ الْعَقْلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ حِينَ رَفَعَ الْجِنَايَةَ إلَى الْحَاكِمِ مُرْتَدًّا فَمَاتَ فَقَالَتْ الْعَاقِلَةُ: جَنَى وَهُوَ مُرْتَدٌّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَلَوْ جَنَى جِنَايَةً، ثُمَّ قَامَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ ارْتَدَّ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُوَقِّتْ وَقْتًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْعَاقِلَةِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ جَنَى وَهُوَ مُسْلِمٌ.

وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَمَى بِسَهْمٍ فَأَصَابَ بِهِ رَجُلًا خَطَأً وَلَمْ يَقَعْ بِهِ السَّهْمُ حَتَّى رَجَعَ الْمُرْتَدُّ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ تَعْقِلْ الْعَاقِلَةُ عَنْهُ شَيْئًا وَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الرَّمْيَةِ كَانَ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُعْقَلُ عَنْهُ وَإِنَّمَا يُقْضَى بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ إذَا كَانَ مَخْرَجُهَا وَمَوْقِعُهَا وَالرَّجُلُ يَعْقِلُ.

[رِدَّةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَتَحَوُّلُ حَالِهِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ارْتَدَّ الرَّجُلُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَرَمَاهُ رَجُلٌ وَلَمْ تَقَعْ الرَّمْيَةُ بِهِ حَتَّى أَسْلَمَ فَمَاتَ مِنْهَا أَوْ جَرَحَهُ بِالرَّمْيَةِ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الرَّامِي؛ لِأَنَّ الرَّمْيَةَ كَانَتْ وَهُوَ مِمَّنْ لَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ حَالَّةً إنْ مَاتَ وَأَرْشُ الْجُرْحِ إنْ لَمْ يَمُتْ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ عَمْدٌ وَلَا تَسْقُطُ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الرَّمْيَةِ كَانَتْ وَهُوَ مُرْتَدٌّ كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا، ثُمَّ أَحْرَمَ فَأَصَابَتْ الرَّمْيَةُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ صَيْدًا ضَمِنَهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي أَقَلَّ مِنْ
(6/51)

مَعْنَى أَنْ يَرْمِيَ غَرَضًا فَيُصِيبَ رَجُلًا وَهَكَذَا لَوْ رَمَى نَصْرَانِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا فَأَسْلَمَ الْمَرْمِيُّ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الرَّمْيَةُ لَمْ يُقَدْ لِخُرُوجِ الرَّمْيَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ وَكَانَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ إنْ مَاتَ مِنْ الرَّمْيَةِ أَوْ أَرْشُ مُسْلِمٍ إنْ جَرَحَتْ وَلَمْ يَمُتْ مِنْهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَمَاهُ مُرْتَدًّا أَوْ ضَرَبَهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ بَعْدَ وُقُوعِ الرَّمْيَةِ أَوْ الضَّرْبَةِ، ثُمَّ مَاتَ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ وُقُوعَ الْجِنَايَةِ كَانَتْ وَهِيَ مُبَاحَةٌ وَلَمْ يُحْدِثْ الْجَانِي عَلَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ الْجِنَايَةِ غَيْرِ الْمَمْنُوعَةِ فَيَضْمَنُ، وَكَذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَخْتِنَهُ أَوْ يَشُقَّ جُرْحَهُ أَوْ يَقْطَعَ عُضْوًا لَهُ لِدَوَاءٍ فَيَمُوتُ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا وَكَمَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الرَّجُلِ فَيَمُوتُ فَلَا يَضْمَنُ الْحَاكِمُ شَيْئًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ، ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ فَجَرَحَهُ جُرْحًا فَمَاتَ مِنْ الْجُرْحَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَوَدٌ إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَرَثَتُهُ إبْطَالَ حَقِّهِمْ مِنْ الدِّيَةِ وَطَلَبَ الْقَوَدِ مِنْ الْجُرْحِ الَّذِي كَانَ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَيَكُونُ لَهُمْ وَكَانَ عَلَيْهِ إنْ أَرَادُوا الْأَرْشَ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ إذَا كَانَ الْجُرْحُ عَمْدًا وَأَبْطَلْنَا النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ فَجَعَلْنَا الْمَوْتَ مِنْ جِنَايَةٍ غَيْرِ مَمْنُوعَةٍ وَجِنَايَةٍ مَمْنُوعَةٍ فَضَمَّنَّاهُ النِّصْفَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْجَانِي عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ غَيْرَ الْجَانِي عَلَيْهِ قَبْلَهُ ضَمَّنَهُ نِصْفَ دِيَتِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى نَصْرَانِيٍّ فَقَطَعَ يَدَهُ عَمْدًا ثُمَّ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ وَهُوَ مِمَّنْ لَا قَوَدَ لَهُ وَكَانَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ مُسْلِمٍ تَامَّةً حَالَّةً فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً كَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ دِيَةُ مُسْلِمٍ تَامَّةً.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ فَرَّقْت بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّ يُجْنَى عَلَيْهِ مُرْتَدًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ يَمُوتُ؟ فَقُلْت: الْمَوْتُ كَانَ مِنْ الْجِنَايَةِ الْأُولَى لَمْ يُحْدِثْ الْجَانِي بَعْدَهَا شَيْئًا فَيَغْرَمُ بِهِ وَلَمْ تَقُلْ فِي هَذَا الْمَوْتِ مِنْ الْجِنَايَةِ الْأُولَى فَتُغَرِّمُهُ دِيَةَ نَصْرَانِيٍّ قِيلَ لَهُ: إنَّ جِنَايَتَهُ عَلَى الْمُرْتَدِّ كَانَتْ غَيْرَ مَمْنُوعَةٍ بِحَالٍ فَكَانَتْ كَمَا وَصَفْت مِنْ حَدٍّ لَزِمَ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَمَاتَ أَوْ رَجُلٌ أَمَرَ طَبِيبًا فَدَاوَاهُ بِحَدِيدٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مَمْنُوعٍ بِكُلِّ حَالٍ مِنْ أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ فَخَالَفَ النَّصْرَانِيَّ وَلَمَّا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ مُحَرَّمَةً مَمْنُوعَةً بِالذِّمَّةِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ وَحُكِمَ بِالْقَوَدِ مِنْ مِثْلِهِ وَتُرِكَ الْقَوَدَ مِنْ الْمُسْلِمِ وَيَلْزَمُهُ بِهَا عَقْلٌ مَعْلُومٌ لَمْ يَجُزْ فِي الْجَانِي إلَّا أَنْ يَضْمَنَ الْجِنَايَةَ وَمَا تَسَبَّبَ مِنْهَا وَكَانَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى الرَّجُلِ يُعَزَّرُ فِي غَيْرِ حَدٍّ فَيَمُوتُ فَيَضْمَنُ الْحَاكِمُ دِيَتَهُ وَيَمُوتُ بِأَنْ يُضْرَبَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ فَيَغْرَمُ الْحَاكِمُ دِيَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ.

[تَحَوّل حَال الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ وَالْجَانِي يُعْتَقُ بَعْد رَقِّ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى الْعَبْدِ جِنَايَةً عَمْدًا ثُمَّ أُعْتِقَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ ثُمَّ مَاتَ فَلَا قَوَدَ عَلَى الْجَانِي إذَا كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا، وَعَلَى الْقَاتِلِ دِيَةُ حُرٍّ حَالَّةً فِي مَالِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَطْعَ يَدٍ فَمَاتَ مِنْهَا غَرِمَ الْقَاطِعُ دِيَةَ الْعَبْدِ تَامًّا فَكَانَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ مِنْهَا نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ يَوْمَ جُنِيَ عَلَيْهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَالْبَقِيَّةُ مِنْ الدِّيَةِ لِوَرَثَةِ الْعَبْدِ الْأَحْرَارِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ أُعْتِقَ قَبْلَ الْمَوْتِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ مُوضِحَةً أَوْ غَيْرَهَا جَعَلْت لَهُ مَا مَلَكَ بِالْجِنَايَةِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ وَلَمْ أَجْعَلْ لَهُ مَا مَلَكَ بِالْجِنَايَةِ بِالْمَوْتِ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ مِلْكِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ فَقْءَ عَيْنَيْ الْعَبْدِ أَوْ إحْدَاهُمَا وَكَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ أَلْفَيْ دِينَارٍ تُسَوِّي مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا دِيَةُ حُرٍّ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَتِمُّ بِمَوْتِهِ مِنْهَا إذَا مَاتَ حُرًّا لَا مَمْلُوكًا وَكَانَتْ الدِّيَةُ كُلُّهَا لِسَيِّدِهِ دُونَ وَرَثَتِهِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ مَلَكَ الدِّيَةَ كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا بِالْجِنَايَةِ دُونَ الْمَوْتِ إلَّا أَنَّ الْأَكْثَرَ سَقَطَ بِمَوْتِ الْعَبْدِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حُرًّا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا ضَمَّنْت الْجَانِيَ دِيَةَ حُرٍّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كَانَ مَمْنُوعًا بِكُلِّ حَالٍ مِنْ أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ فَضَمَّنْته
(6/52)

مَا حَدَثَ فِي الْجِنَايَةِ الْمَمْنُوعَةِ كَمَا وَصَفْت فِي الْبَابِ قَبْلَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى عَبْدٍ فَقَطَعَ يَدَهُ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ، ثُمَّ عَتَقَ فَجَنَى عَلَيْهِ وَهُوَ حُرٌّ أَوْ غَيْرُهُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَتَيْنِ ضَمِنَا مَعًا إنْ كَانَا اثْنَيْنِ دِيَةَ حُرٍّ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْجَانِي وَاحِدًا ضَمِنَ دِيَةَ حُرٍّ فَنِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ مِنْهَا لِسَيِّدِهِ الَّذِي أَعْتَقَهُ وَمَا بَقِيَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الْمُعْتَقِ مَا كَانَتْ نِصْفُ قِيمَتِهِ مَمْلُوكًا مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ أَوْ أَقَلَّ فَإِنْ زَادَتْ عَلَى نِصْفِ دِيَتِهِ لَمْ يَجُزْ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَّا أَنْ يُرَدَّ إلَى نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ مِنْ قِبَلِ أَنَّا لَوْ أَعْطَيْنَاهُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ دِيَتِهِ حُرًّا أَبْطَلْنَا الْجِنَايَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْعَبْدِ بَعْد أَنْ صَارَ حُرًّا أَوْ بَعْضَهَا وَهُوَ إنَّمَا مَاتَ مِنْهُمَا مَعًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلسَّيِّدِ مِنْهَا إلَّا نِصْفُ دِيَةِ حُرٍّ أَوْ أَقَلُّ إذَا كَانَتْ جِنَايَتَيْنِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ وَاحِدٌ قَبْلَ الْحُرِّيَّةِ فَقَطَعَ يَدَهُ وَثَانٍ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَثَالِثٌ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ كَانَ عَلَى الْجَانِي الْأَوَّلِ ثُلُثُ دِيَتِهِ حُرًّا؛ لِأَنِّي أُضَمِّنُهُ دِيَةَ حُرٍّ وَلَوْ كَانَ مَنْ جُنِيَ عَلَيْهِ عَبْدًا ثُمَّ أُعْتِقَ فَمَاتَ وَهُوَ قَاتِلٌ مَعَ اثْنَيْنِ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَفِيمَا لِسَيِّدِهِ مِنْ الدِّيَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَوْ ثُلُثِ الدِّيَةِ لَا أَجْعَلُ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ عَبْدًا وَلَوْ كَانَتْ لَا تَبْلُغُ بَعِيرًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ جِنَايَةٌ غَيْرُهَا وَلَا أُجَاوِزُ بِهِ ثُلُثَ دِيَتِهِ حُرًّا لَوْ كَانَتْ نِصْفُ قِيمَتِهِ عَبْدًا تَبْلُغُ مِائَةَ بَعِيرٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا قَدْ تَنْقُصُ بِالْمَوْتِ وَأَنَّ حَظَّ الْجَانِي عَلَيْهِ عَبْدًا مِنْ دِيَتِهِ ثُلُثُهَا، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ لِسَيِّدِهِ الْأَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ قِيمَتِهِ عَبْدًا أَوْ ثُلُثِ دِيَتِهِ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَةِ ثَلَاثَةٍ وَإِنَّمَا قُلْت ثُلُثُ دِيَتِهِ حُرًّا عَلَى قَاطِعِ يَدِهِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ صَارَتْ دِيَةَ حُرٍّ وَكَانَ الْجَانُونَ ثَلَاثَةً عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ دِيَتِهِ وَلَا يَخْتَلِفُ، وَلَوْ كَانَ مَاتَ مَمْلُوكًا كَانَ الْجَوَابُ فِيهَا مُخَالِفًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ أَوْ عَشْرَةٌ أَوْ أَكْثَرُ جَعَلْت عَلَى الْجَانِي عَلَيْهِ عَبْدًا إذَا مَاتَ حُرًّا حِصَّتَهُ مِنْ دِيَةِ حُرٍّ وَلِسَيِّدِهِ الْأَقَلَّ مِمَّا لَزِمَ الْجَانِيَ عَلَيْهِ عَبْدًا مِنْ الدِّيَةِ أَوْ أَرْشِ جُرْحِهِ عَبْدًا إذَا مَاتَ كَأَنْ جَرَحَهُ جُرْحًا فِيهِ حُكُومَةُ بَعِيرٍ وَهُوَ عَبْدٌ وَلَزِمَهُ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ أَكْثَرُ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْمَوْتِ مِنْ الْجُرْحِ وَمَنْ جَرَحَ غَيْرَهُ فَلَا يَأْخُذُ سَيِّدُهُ إلَّا الْبَعِيرَ الَّذِي لَزِمَ بِالْجُرْحِ وَهُوَ عَبْدُهُ (قَالَ) : وَلَوْ جَرَحَهُ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ عَبْدًا وَمَنْ بَقِيَ حُرًّا كَانَ هَكَذَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ عَبْدٍ ثُمَّ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْعَبْدُ الْمَقْطُوعُ عَنْ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ مَاتَ ضَمِنَ الْجَانِي عَلَيْهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ عَبْدًا إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ نِصْفُ قِيمَتِهِ عَبْدًا دِيَتَهُ حُرًّا مُسْلِمًا فَيُرَدُّ إلَى دِيَةِ حُرٍّ مُسْلِمٍ وَيُعْطَى ذَلِكَ كُلُّهُ سَيِّدَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا أَعْطَيْت ذَلِكَ سَيِّدَهُ؛ لِأَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ كَانَتْ لِسَيِّدِهِ تَامَّةً وَهُوَ مَمْلُوكٌ مُسْلِمٌ مَمْنُوعٌ بِالْإِسْلَامِ فَلَمَّا عَتَقَ كَانَتْ زِيَادَةً لَوْ كَانَتْ عَلَى الْأَرْشِ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ لَوْ كَانَ الْمَوْتُ يَوْمَ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا دِيَةُ حُرٍّ فَكَانَتْ دِيَةُ حُرٍّ تَنْقُصُ مِنْ أَرْشِ الْيَدِ مَمْلُوكًا نَقْصَ سَيِّدِهِ فَلَمَّا مَاتَ مُرْتَدًّا أُبْطِلَ حَقُّهُ فِي الْمَوْتِ بِالرِّدَّةِ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ نُبْطِلَ الْجِنَايَةَ الثَّانِيَةَ بِالرِّدَّةِ وَلَا نُجَاوِزَ بِهَا دِيَةَ حُرٍّ وَهُوَ لَوْ مَاتَ مُسْلِمًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْهُ.

[جِمَاعُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ اللَّهُ مَا فَرَضَ عَلَى أَهْلِ التَّوْرَاةِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] إلَى قَوْلِهِ {فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] وَرُوِيَ فِي حَدِيثٍ «عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِي الْقَوَدَ مِنْ نَفْسِهِ وَأَبَا بَكْرٍ يُعْطِي الْقَوَدَ مِنْ نَفْسِهِ وَأَنَا أُعْطِي الْقَوَدَ مِنْ نَفْسِي» .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْقِصَاصَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا حَكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْقِصَاصَ بَيْنَ الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا مِنْ الْجِرَاحِ الَّتِي يُسْتَطَاعُ فِيهَا الْقِصَاصُ بِلَا تَلَفٍ يُخَافُ عَلَى الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ مِنْ مَوْضِعِ الْقَوَدِ (قَالَ) : وَالْقِصَاصُ مِمَّا دُونَ النَّفْسِ
(6/53)

شَيْئَانِ: جُرْحٌ يُشَقُّ بِجُرْحٍ وَطَرَفٌ يُقْطَعُ بِطَرَفٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِذَا شَجَّ رَجُلٌ رَجُلًا مُوضِحَةً أُخِذَتْ مَا بَيْنَ قَرْنَيْ الْمَشْجُوجِ وَالْمَشْجُوجُ - أَوْسَعُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْنِ مِنْ الشَّاجِّ فَكَانَتْ أُخِذَتْ مَا بَيْنَ أُذُنَيْ الشَّاجِّ فَيَكُونُ بِقِيَاسِ طُولِهَا أُخِذَ لِلْمَشْجُوجِ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إلَى مُنْتَهَى الْأُذُنَيْنِ وَالرَّأْسُ عُضْوٌ كُلُّهُ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ لَا يَخْرُجُ الْقَوَدُ إلَى غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ كُلُّ عُضْوٍ يُؤْخَذُ بِطُولِ السَّيْرِ فِيهِ وَلَا يَخْرُجُ إلَى غَيْرِهِ.
(قَالَ) : وَإِنْ كَانَ الشَّاجُّ أَوْسَعَ مَا بَيْنَ قَرْنَيْنِ مِنْ الْمَشْجُوجِ وَقَدْ أَخَذَتْ الشَّجَّةُ قَرْنَيْ الْمَشْجُوجِ خُيِّرَ الْمَشْجُوجُ بَيْنَ أَنْ يُوضَعَ لَهُ السِّكِّينُ مِنْ قِبَلِ أَيِّ قَرْنَيْهِ شَاءَ، ثُمَّ يَشُقُّ لَهُ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى قَدْرِ طُولِهَا بَالِغًا ذَلِكَ مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ مَا بَلَغَ نِصْفَهَا أَوْ ثُلُثَهَا أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ لَا يُزَادُ عَلَى طُولِ شَجَّتِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ شَجَّ رَجُلٌ رَجُلًا مُوضِحَةً أُخِذَتْ مَا بَيْنَ مُنْتَهَى مَنَابِتِ رَأْسِ الْمَشْجُوجِ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ إلَى مُنْتَهَى مَنَابِتِ رَأْسِهِ مِنْ قَفَاهُ وَهِيَ نِصْفُ ذَلِكَ مِنْ الشَّاجِّ أُخِذَ لَهُ نِصْفُ رَأْسِهِ وَخُيِّرَ الْمَشْجُوجُ فَبُدِئَ لَهُ إنْ شَاءَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ وَإِنْ شَاءَ فَمِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَإِنْ كَانَ الشَّاجُّ أَصْغَرَ رَأْسًا مِنْ الْمَشْجُوجِ أُخِذَ لَهُ مَا بَيْنَ وَجْهِهِ إلَى قَفَاهُ وَأُخِذَ لَهُ بِفَضْلِ أَرْشِ الشَّجَّةِ وَكَانَ كَرَجُلٍ شَجَّ اثْنَيْنِ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا الْقِصَاصَ وَالْآخَرُ الْأَرْشَ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعًا لِلْقِصَاصِ وَإِنْ سَأَلَ الْمَشْجُوجُ أَنْ يُعَادَ لَهُ الشَّقُّ فِي رَأْسِهِ حَتَّى يَسْتَوْظِفَ لَهُ طُولُ شَجَّتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّا قَدْ استوظفنا لَهُ طُولَ الْعُضْوِ الَّذِي شُجَّ مِنْهُ وِجْهَةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يُفَرِّقُهَا عَلَى الشَّاجِّ فِي مَوْضِعَيْنِ وَلَا يُزِيلُهَا عَنْ مَوْضِعِ نَظِيرِهَا وَهَذَا هَكَذَا فِي الْوَجْهِ وَلَا يَدْخُلُ الرَّأْسُ مَعَ الْوَجْهِ وَلَا يَدْخُلُ الْعَضُدُ وَلَا الْكَفُّ مَعَ الذِّرَاعِ ويستوظف الذِّرَاعُ حَتَّى يُسْتَوْفَى لِلْمَجْرُوحِ قَدْرُ جُرْحِهِ مِنْهَا فَإِنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ أُخِذَ لَهُ أَرْشُ الْجِنَايَةِ وَهَكَذَا السَّاقُ لَا يَدْخُلُ مَعَهَا قَدَمٌ وَلَا فَخِذٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهُ غَيْرُ الْآخَرِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ بَرَأَ جُرْحُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا غَيْرَ حَسَنِ الْبُرْءِ أَوْ غَيْرَ مُلْتَئِمِ الْجِلْدِ وَبَرَأَ الْمُسْتَفَادُ مِنْهُ حَسَنًا مُلْتَئِمًا فَلَا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إذَا أُخِذَ لَهُ الْقِصَاصُ غَيْرَ الْقِصَاصِ.

(قَالَ) : وَإِنْ شَجَّهُ شَجَّةً مُتَشَعِّبَةً شُجَّ مِثْلَهَا كَمَا لَوْ شَجَّهُ شَجَّةً مُسْتَوِيَةً شُجَّ مِثْلَهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِكُلِّ قِصَاصٍ غَايَةٌ بِمَا وَصَفْت وَإِنْ شَجَّ رَجُلٌ رَجُلًا مُوضِحَةً فَقِيَاسُهَا أَنْ يَشُقَّ مَا بَيْنَ الْجِلْدِ وَالْعَظْمِ فَإِنْ هَشَّمْت الْعَظْمَ أَوْ كَسَّرْته حَتَّى يَنْتَقِلَ أَوْ أَدَمْته فَسَأَلَ الْمَشْجُوجُ أَنْ يُقَصَّ لَهُ لَمْ يُقَصَّ لَهُ مِنْ هَاشِمَةٍ وَلَا مُنَقِّلَةٍ وَلَا مَأْمُومَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُؤْتَى بِالْقَطْعِ مِنْهُ بِكَسْرِ الْعَظْمِ وَلَا هَشَمَهُ كَمَا يُؤْتَى بِالشَّقِّ فِي جِلْدٍ وَلَحْمٍ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكَذَلِكَ لَا يُقَادُ مِنْ كَسْرِ أُصْبُعٍ وَلَا يَدٍ وَلَا رِجْلٍ لِمَا دُونَهُ مِنْ جِلْدٍ وَلَحْمٍ وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُؤْتَى بِالْكَسْرِ كَالْكَسْرِ بِحَالٍ وَأَنَّ الْمُسْتَقَادَ مِنْهُ يُنَالُ مِنْ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ خِلَافُ مَا يُنَالُ مِنْ لَحْمِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَجِلْدِهِ، وَكَذَلِكَ لَا قِصَاصَ مِمَّنْ نَتَفَ شَعْرًا مِنْ لِحْيَةٍ وَلَا رَأْسٍ وَلَا حَاجِبٍ وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ وَإِنْ قَطَعَ مِنْ هَذَا شَيْئًا بِجِلْدِهِ قِيلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقِصَاصِ: إنْ كُنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَقْطَعُوا لَهُ مِثْلَهُ بِجِلْدَتِهِ فَاقْطَعُوهُ وَإِلَّا فَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَفِيهِ الْأَرْشُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا شَجَّ رَجُلٌ رَجُلًا مُوضِحَةً وَهَاشِمَةً أَوْ مَأْمُومَةً فَسَأَلَ الْمَشْجُوجُ الْقِصَاصَ مِنْ الْمُوضِحَةِ وَأَرْشَ مَا بَيْنَ الْمُوضِحَةِ وَالْهَاشِمَةِ إنْ كَانَ شَجَّهَا أَوْ الْمُنَقِّلَةِ أَوْ الْمَأْمُومَةِ إنْ كَانَ شَجَّهَا فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ شَجَّهُ مُوضِحَةً أَوْ أَكْثَرَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا شَجَّ رَجُلٌ رَجُلًا مَا دُونَ مُوضِحَةٍ فَلَا قِصَاصَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحْدُودَةٍ لَوْ أَخَذَ بِهَا بِعُمْقِ شَجَّةِ
(6/54)

الْمَشْجُوجِ وَكَانَتْ تُوضِحُ مِنْ الشَّاجِّ لِاخْتِلَافِ غِلَظِ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ أَوْ رِقَّتِهِمَا مِنْ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ مَرَّةً مِثْلُ نِصْفِ عُمْقِ الرَّأْسِ مِنْ الشَّاجِّ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ وَقَدْ أَخَذْت مِنْ الْآخَرِ قَرِيبًا مِنْ مُوضِحَةٍ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْأَرْشُ وَإِذَا أَصَابَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِجُرْحٍ دُونَ النَّفْسِ فِيهِ قَوَدٌ أَوْ قَطَعَ لَهُ طَرَفًا فَسَوَاءٌ بِأَيِّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مِنْ حَدِيدَةٍ أَوْ حَجَرٍ وَقَطَعَ بِيَدِهِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ لَوَى أُذُنَهُ حَتَّى يَقْطَعَهَا أَوْ جَبَذَهَا بِيَدِهِ حَتَّى يَقْطَعَهَا أَوْ لَطَمَ عَيْنَهُ فَفَقَأَهَا أَوْ وَخَزَهُ فِيهَا بِعُودٍ فَفَقَأَهَا أَوْ ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ خَفِيفٍ أَوْ عَصًا خَفِيفَةٍ فَأَوْضَحَهُ فَعَلَيْهِ فِي هَذَا كُلِّهِ الْقِصَاصُ وَلَا يُشْبِهُ هَذَا النَّفْسَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَطَمَ عَيْنَ رَجُلٍ فَذَهَبَ بَصَرُهَا لُطِمَتْ عَيْنُ الْجَانِي فَإِنْ ذَهَبَ بَصَرُهَا وَإِلَّا دُعِيَ لَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِمَا يُذْهِبُ الْبَصَرَ فَعَالَجُوهُ بِأَخَفَّ مَا عَلَيْهِ فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُهُ.
(قَالَ) : وَلَوْ لَطَمَ رَجُلٌ عَيْنَ رَجُلٍ فَأَذْهَبَ بَصَرَهَا أَوْ ابْيَضَّتْ أَوْ ذَهَبَ بَصَرُهَا وَنَدَرَتْ حَتَّى كَانَتْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهِ قِيلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ: إنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تُذْهِبُوا بَصَرَ عَيْنِ الْجَانِي وَتَبْيَضَّ أَوْ تُذْهِبُوا بَصَرَهَا وَتَصِيرَ خَارِجَةً كَعَيْنِ هَذَا فَافْعَلُوا وَإِلَّا فَابْلُغُوا ذَهَابَ الْبَصَرِ وَمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ هَذَا وَلَا يُجْعَلُ عَلَيْهِ لِلشَّيْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى بِذَهَابِ الْبَصَرِ كُلَّ مَا فِي الْعَيْنِ مِمَّا يُسْتَطَاعُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ أُصْبُعًا فَشَانَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ أَوْ قَبُحَ بَعْدَ الْبُرْءِ أُقِيدَ مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا قَبُحَ شَيْءٌ وَهَكَذَا لَوْ كَانَ هَذَا فِي أُذُنٍ أَوْ غَيْرِهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ضَرَبَ رَجُلٌ رَجُلًا ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَأَخَذَتْ فَتَرًا مِنْ رَأْسِهِ فَأَوْضَحَ طَرَفَاهَا وَلَمْ يُوضَحْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَكِنَّهُ شَقَّ اللَّحْمَ أَوْ الْجِلْدَ أَوْ أَوْضَحَ وَسَطَهَا وَلَمْ يُوضِحْ طَرَفَهَا أُقِيدَ مِمَّا أُوضِحَ بِقَدْرِهِ وَجُعِلَتْ لَهُ الْحُكُومَةُ فِيمَا لَمْ يُوضَحْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[تَفْرِيعُ الْقِصَاصِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ الْأَطْرَافِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقِصَاصُ وَجْهَانِ: طَرَفٌ يُقْطَعُ وَجُرْحٌ يُبَطُّ وَلَا قِصَاصَ فِي طَرَفٍ مِنْ الْأَطْرَافِ يُقْطَعُ مِنْ مَفْصِلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ الْمَفَاصِلِ حَتَّى يَكُونَ قَطَعَ كَقَطْعٍ بِلَا تَلَفٍ يُفْضِي بِهِ الْقَاطِعُ إلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ نَفْسٍ قَتَلْتهَا بِنَفْسٍ، لَوْ كَانَتْ قَاتِلَتُهَا أَقَصَصْتُ بَيْنَهُمَا مَا دُونَ النَّفْسِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَقُصُّ لِلرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَلِلْمَرْأَةِ مِنْ الرَّجُلِ بِلَا فَضْلِ مَالٍ بَيْنَهُمَا، وَالْعَبِيدِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَثْمَانُهُمْ، وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا أَوْ حُرًّا أَوْ كَافِرًا جَرَحَ مُسْلِمًا أَقَصَصْتُ الْمَجْرُوحَ مِنْهُ إنْ شَاءَ؛ لِأَنِّي أَقْتُلُهُ لَوْ قَتَلَهُ، وَلَوْ كَانَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ قَتَلَ كَافِرًا أَوْ جَرَحَهُ أَوْ عَبْدًا أَوْ جَرَحَهُ لَمْ أَقُصُّهُ مِنْهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقِصَاصُ مِنْ الْأَطْرَافِ بِاسْمٍ لَا بِقِيَاسٍ مِنْ الْأَطْرَافِ فَتُقْطَعُ الْيَدُ بِالْيَدِ وَالرِّجْلُ بِالرِّجْلِ وَالْأُذُنُ بِالْأُذُنِ وَالْأَنْفُ بِالْأَنْفِ وَتُفْقَأُ الْعَيْنُ بِالْعَيْنِ وَتُقْلَعُ السِّنُّ بِالسِّنِّ؛ لِأَنَّهَا أَطْرَافٌ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ الْقَاطِعُ أَفْضَلَ طَرَفًا مِنْ الْمَقْطُوعِ أَوْ الْمَقْطُوعُ أَفْضَلَ طَرَفًا مِنْ الْقَاطِعِ؛ لِأَنَّهَا إفَاتَةُ شَيْءٍ كَإِفَاتَةِ النَّفْسِ الَّتِي تُسَاوِي النَّفْسَ بِالْحَيَاةِ وَالِاسْمِ وَهَذِهِ تَسْتَوِي بِالْأَسْمَاءِ وَالْعَدَدِ لَا بِقِيَاسٍ بَيْنَهُمَا وَلَا بِفَضْلٍ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ.

وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ أَنْفَ رَجُلٍ أَوْ أُذُنَهُ أَوْ قَلَعَ سِنَّهُ فَأَبَانَهُ، ثُمَّ إنَّ الْمَقْطُوعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَلْصَقَهُ بِدَمِهِ أَوْ خَاطَ الْأَنْفَ أَوْ الْأُذُنَ أَوْ رَبَطَ السِّنَّ بِذَهَبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَثَبَتَ وَسَأَلَ الْقَوَدَ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ بِإِبَانَتِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، أَوْ أَرَادَ إثْبَاتَهُ
(6/55)

فَلَمْ يَثْبُتْ وَأَقُصُّ مِنْ الْجَانِي عَلَيْهِ فَأُثْبِتُهُ فَثَبَتَ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجَانِي أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُبَانَ مِنْهُ مَرَّةً، وَإِنْ سَأَلَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْوَالِيَ أَنْ يَقْطَعَهُ مِنْ الْجَانِي ثَانِيَةً لَمْ يَقْطَعْهُ الْوَالِي لِلْقَوَدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْقَوَدِ مَرَّةً إلَّا أَنْ يَقْطَعَهُ؛ لِأَنَّهُ أَلْصَقَ بِهِ مَيْتَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ شَقَّ شَيْئًا مِنْ هَذَا فَأَلْصَقَهُ بِدَمِهِ لَمْ أَكْرَهْ ذَلِكَ لَهُ وَيُشَقُّ مِنْ الشَّاقِّ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ وَيَقُولَ: يُلْصِقُهُ فَإِنْ لَصِقَ مِنْ الشَّاجِّ وَلَمْ يَلْصَقْ مِنْ الْمَشْجُوجِ أَوْ مِنْ الْمَشْجُوجِ، وَلَمْ يَلْصَقْ مِنْ الشَّاجِّ، فَلَا تَبَاعَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الْقِصَاصِ الْجِرَاحُ بِالشَّقِّ فَإِذَا كَانَ الشَّقَّ فَهُوَ كَالْجِرَاحِ يُؤْخَذُ بِالطُّولِ لَا باستيظاف طَرَفٍ.

فَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ طَرَفًا فِيهِ شَيْءٌ مَيِّتٌ بِشَلَلٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ شَيْءٌ مَقْطُوعٌ كَأَنْ قَطَعَ يَدَهُ وَفِيهَا أُصْبُعَانِ شُلَّا وَإِنْ لَمْ تُقْطَعْ يَدُ الْجَانِي بِهَا وَفِيهَا أُصْبُعَانِ شَلَّاوَانِ وَلَوْ رَضِيَ ذَلِكَ الْقَاطِعُ وَإِنْ سَأَلَ الْمُقْتَصُّ لَهُ أَنْ يُقْطَعَ لَهُ أَصَابِعُ الْقَاطِعِ الثَّلَاثُ وَيُؤْخَذَ لَهُ حُكُومَةُ الْكَفِّ وَالْأُصْبُعَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْقَاطِعُ هُوَ أَشَلَّ الْأُصْبُعَيْنِ وَالْمَقْطُوعُ تَامَّ الْيَدِ خُيِّرَ الْمُقْتَصُّ لَهُ بَيْنَ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ بِيَدِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ تُقْطَعَ لَهُ أَصَابِعُهُ الثَّلَاثُ وَيَأْخُذَ أَرْشَ أُصْبُعَيْنِ وَإِنَّمَا لَمْ أَجْعَلْ لَهُ إذَا قَطَعَ كَفَّهُ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَقِيَ جَمَالُ الْأُصْبُعَيْنِ الشَّلَّاوَيْنِ وَسَدَّهُمَا مَوْضِعَهُمَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الْقَاطِعُ مَقْطُوعَ الْأُصْبُعَيْنِ قَطَعْت كَفَّهُ وَأَخَذْت لِلْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ أَرْشَ أُصْبُعَيْنِ تَامَّيْنِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقْطَعَ أَصَابِعَ الْيَدِ إلَّا إصْبَعًا وَاحِدَةً قَطَعَ إصْبَعَ رَجُلٍ أُقِيدَ مِنْهُ، وَلَوْ قَطَعَ كَفَّ رَجُلٍ كَانَ لَهُ الْقَوَدُ فِي الْكَفِّ وَأَرْشُ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ.

وَلَوْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَقْطَعَ أَصَابِعَ الْكَفِّ إلَّا أُصْبُعًا فَقَطَعَ يَدَهُ رَجُلٌ صَحِيحُ الْيَدِ فَسَأَلَ الْقَوَدَ أَقُصُّ مِنْهُ مِنْ الْأُصْبُعِ وَأُعْطِي حُكُومَةً فِي الْكَفِّ، وَلَوْ كَانَ أَقْطَعَ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ فَقُطِعَتْ كَفُّهُ أَقُصُّ مِنْ أَرْبَعِ أَصَابِعَ وَأَخَذْتُ لَهُ حُكُومَةً فِي كَفِّهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أَبْلُغُ بِحُكُومَةِ كَفِّهِ دِيَةَ أُصْبُعٍ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ فِي الْأَصَابِعِ كُلِّهَا وَكُلُّهَا مُسْتَوِيَةٌ فَلَا يَكُونُ أَرْشُهَا كَأَرْشِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ خَمْسُ أَصَابِعَ فِي يَدِهِ فَقَطَعَ تِلْكَ الْيَدَ رَجُلٌ لَهُ سِتُّ أَصَابِعَ فَسَأَلَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ الْقَوَدَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ لِزِيَادَةِ أُصْبُعِ الْقَاطِعِ عَلَى أُصْبُعِ الْمَقْطُوعِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ الَّذِي لَهُ سِتَّةُ أَصَابِعَ هُوَ الْمَقْطُوعَ، وَاَلَّذِي لَهُ الْخَمْسُ هُوَ الْقَاطِعَ أَقْتَصُّ لَهُ مِنْهُ وَأَخَذْتُ لَهُ فِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةً لَا أَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ أُصْبُعٍ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي الْخَلْقِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَمْسُ أَصَابِعَ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا إبْهَامٌ وَمُسَبِّحَةٌ وَوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَكَانَتْ خِنْصَرُهُ عَدَمًا وَكَانَتْ لَهُ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْخِنْصَرِ فَقَطَعَ رَجُلٌ تَامُّ الْيَدِ يَدَهُ فَسَأَلَ الْقَوَدَ لَمْ يُقَدْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَدَدَ أَصَابِعِهِمَا وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَإِنَّ لِلْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ أُصْبُعًا زَائِدَة وَهُوَ عَدِمَ أُصْبُعًا مِنْ نَفْسِ كَمَالِ الْخَلْقِ هُوَ الْقَاطِعُ وَسَأَلَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ الْقَوَدَ كَانَ لَهُ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُؤْخَذُ لَهُ أَقَلُّ مِنْ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ وَإِنْ سَأَلَ الْأَرْشَ مَعَ الْقَوَدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُخِذَ لَهُ عَدَدٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَقَلَّ مِمَّا أُخِذَ مِنْهُ

وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مَقْطُوعَ أُنْمُلَةِ أُصْبُعٍ وَأَنَامِلَ أَصَابِعَ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ تَامِّ الْأَصَابِعِ فَسَأَلَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ الْقَوَدَ مَعَ الْأَرْشِ أَوْ الْأَرْشَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَنَقْصُ الْأُنْمُلَةِ وَالْأَنَامِلِ كَنَقْصِ الْأُصْبُعِ وَالْأَصَابِعِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ الْأُنْمُلَةِ وَالْأَنَامِلِ هُوَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ وَسَأَلَ الْقَوَدَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ لِنَقْصِ أَصَابِعِهِ عَنْ أَصَابِعِ الْقَاطِعِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَقْطُوعَ أُنْمُلَةٍ وَلَا الْأَنَامِلِ وَلَكِنْ كَانَ أَسْوَدَ أَظْفَارِ الْأَصَابِعِ وَمُسْتَحْشِفَهَا أَوْ كَانَ بِيَدِهِ قُرْح جُذَامٍ أَوْ قُرْحُ أَكَلَةٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مِنْ الْأَطْرَافِ شَيْءٌ وَلَمْ يَشْلُلْ كَانَ بَيْنَهُمَا
(6/56)

الْقِصَاصُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مَا لَمْ يَكُنْ الطَّرَفُ مَقْطُوعًا أَوْ أَشَلَّ مَيِّتًا فَأَمَّا الْعَيْبُ سِوَاهُ إذَا كَانَتْ الْأَطْرَافُ حَيَّةً غَيْرَ مَقْطُوعَةٍ فَلَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ وَلَا يَنْقُصُ الْعَقْلُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَهَكَذَا الْفَتْحُ فِي الْأَصَابِعِ وَضَعْفُ خِلْقَتِهَا أَوْ أُصُولِهَا وَتَكَرُّشُهَا وَقِصَرُهَا وَطُولُهَا وَاضْطِرَابُهَا وَكُلُّ عَيْبٍ مِنْهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَوْتٍ بِهَا وَلَا قَطْعٍ فَلَا فَضْلَ فِي بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّيَةِ وَالْقَوَدِ إذَا كَانَتْ نِسْبَتُهَا كَنِسْبَةِ أَيْدِي النَّاسِ.

فَإِذَا ضَرَبَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ يَدَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فَقَطَعَهَا مِنْ الْكُوعِ فَطَلَبَ الْمَضْرُوبَةُ يَدُهُ الْقِصَاصَ أَحْبَبْت أَنْ لَا أَقُصَّ مِنْهُ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحَةً؛ لِأَنَّهَا لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ نَفْسًا. فَإِنْ سَأَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْبُرْءِ أَعْطَيْتُهُ ذَلِكَ وَلَمْ أَقُصَّ مِنْهُ بِضَرْبَةٍ وَدَعَوْت لَهُ مَنْ يَحْذِقُ الْقَطْعَ فَأَمَرْته أَنْ يَقْطَعَهَا لَهُ بِأَيْسَرَ مَا يَكُونُ بِهِ الْقَطْعُ ثُمَّ تُحْسَمُ يَدُ الْمَقْطُوعِ إنْ شَاءَ وَهَكَذَا إنْ قَطَعَهَا مِنْ الْمَرْفِقِ أَوْ الْمَنْكِبِ لَا يَخْتَلِفُ، وَهَكَذَا إنْ قَطَعَ لَهُ أُصْبُعًا أَوْ أُنْمُلَةَ أُصْبُعٍ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا أُقِيدُ يُمْنَى مِنْ يُسْرَى وَلَا خِنْصَرًا مِنْ غَيْرِ خِنْصَرِ يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، وَهَكَذَا فِي هَذَا أَنْ يَقْطَعَ رِجْلَهُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ أَوْ مَفْصِلِ الرُّكْبَةِ. فَإِنْ قَطَعَهَا مِنْ مَفْصِلِ الْوَرِكِ سَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْقَطْعِ هَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِقَطْعِهَا مِنْ مَفْصِلِ الْوَرِكِ بِلَا أَنْ يَكُونَ جَائِفَةً؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ أَقَصَصْت مِنْهُ وَهَكَذَا إنْ نَزَعَ يَدَهُ بِكَتِفِهِ أَقَدْته مِنْهُ إنْ قَدَرُوا عَلَى نَزْعِ الْكَتِفِ بِلَا أَنْ يَحِيفَهُ، فَإِنْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ فَوْقِ الْمَفْصِلِ أَوْ رِجْلَهُ أَوْ أُصْبُعًا مِنْ أَصَابِعِهِ فَسَأَلَ الْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ الْقَوَدَ قِيلَ لَهُ إنْ سَأَلْت مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي قَطَعَكَ مِنْهُ فَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَفْصِلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْطَعُ إلَّا بِضَرْبَةٍ جَامِعَةٍ يَرْفَعُ بِهَا الضَّارِبُ يَدَهُ. وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى إحَاطَةٍ مِنْ أَنْ يَقَعَ مَوْقِعَ ضَرْبَتِهِ لَكَ وَلَوْ قُلْت يَنْخَفِضُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيَّ فِي أَقَلَّ مِنْ حَقِّي قِيلَ قَدْ لَا تَقْطَعُ الضَّرْبَةُ فِي مَرَّةٍ وَلَا مِرَارٍ؛ لِأَنَّ الْعَظْمَ يَنْكَسِرُ فَيَصِيرُ إلَى أَكْثَرَ مِمَّا نَالَكَ بِهِ أَوْ يُحَزَّ وَالْحَزُّ إنَّمَا يَكُونُ فِي جِلْدٍ وَلَحْمٍ. وَلَوْ حَزَّ فِي الْعَظْمِ كَانَ عَذَابًا غَيْرَ مُقَارِبٍ لِمَا أَصَابَكَ بِهِ وَزِيَادَةَ انْكِسَارِ الْعَظْمِ كَمَا وَصَفْت، وَيُقَالُ لَهُ إنْ سَأَلْت أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ لَكَ مِنْ الْمَفْصِلِ أَوْ رِجْلُهُ وَتُعْطَى حُكُومَةً بِقَدْرِ مَا زَادَ عَلَى الْيَدِ وَالرِّجْلِ فَعَلْنَا. فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتَ تَضَعُ لَهُ السِّكِّينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهَا بِهِ قُلْت نَعَمْ هِيَ أَيْسَرُ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهَا بِهِ مِنْ الْمُقْتَصِّ لَهُ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعِ تَلَفٍ وَلَمْ أُتْلِفْ بِهَا إلَّا مَا أَتْلَفَ الْجَانِي عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ. وَهَكَذَا فِي الرِّجْلِ وَالْأُصْبُعِ إذَا قَطَعَهَا مِنْ فَوْقِ الْأُنْمُلَةِ فَإِنْ قَطَعَ أُصْبُعًا مِنْ دُونِ الْأُنْمُلَةِ فَلَا قَوَدَ بِحَالٍ وَفِيهَا حِسَابُ مَا ذَهَبَ مِنْ الْأُنْمُلَةِ، وَإِنْ قَطَعَ يَدًا مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ أَوْ رِجْلًا، كَذَلِكَ فَقَطَعَ مَعَهَا الْأَصَابِعَ فَإِنْ سَأَلَ الْقِصَاصَ مِنْ الْأَصَابِعِ أَقَصَصْت بِهِ، وَإِنْ سَأَلَهَا مِنْ الْعَظْمِ الَّذِي أَصَابَ فَوْقَ الْأَصَابِعِ لَمْ أُعْطِهِ كَمَا وَصَفْت قَبْلَ هَذَا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ شَقَّ الْكَفَّ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْمَفْصِلِ فَسَأَلَ الْقِصَاصَ سَأَلْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ فَإِنْ قَالُوا نَقْدِرُ عَلَى شَقِّهَا، كَذَلِكَ أَقَصَصْنَاهُ وَجَعَلْنَا ذَلِكَ كَشَقٍّ فِي رَأْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ شَقَّهَا حَتَّى الْمَفْصِلَ، ثُمَّ قَطَعَهَا مِنْ الْمَفْصِلِ فَبَقِيَ بَعْضُهَا وَقُطِعَ بَعْضُهَا شَقَّ قَوَدًا إنْ قَدَرَ وَقَطَعَ مِنْ حَيْثُ قُطِعَ.

وَإِنْ قَطَعَ لَهُ أُصْبُعًا فَائْتَكَلَتْ الْكَفُّ حَتَّى سَقَطَتْ كُلُّهَا فَسَأَلَ الْقِصَاصَ قِيلَ إنَّ الْقِصَاصَ أَنْ يُقْطَعَ مِنْ حَيْثُ قَطَعَ أَوْ أَقَلُّ مِنْهُ فَأَمَّا أَكْثَرُ فَلَا - فَإِنْ شِئْت أَقَدْنَاكَ مِنْ الْأُصْبُعِ وَأَعْطَيْنَاكَ أَرْشَ الْكَفِّ يُرْفَعُ مِنْهَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ وَهِيَ حِصَّةُ الْأُصْبُعِ وَإِلَّا فَلَكَ دِيَةُ الْكَفِّ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَطَعَ لَهُ أُصْبُعًا كَمَا وَصَفْت فَسَأَلَ الْقَوَدَ مِنْهَا وَقَدْ ذَهَبَتْ كَفُّهُ أَوْ لَمْ تَذْهَبْ وَسَأَلَ الْقَوَدَ مِنْ سَاعَتِهِ أَقَدْته فَإِنْ ذَهَبَتْ كَفُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ جَعَلْت عَلَى الْجَانِي أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ دِيَتِهَا؛ لِأَنِّي رَفَعْت الْخُمُسَ لِلْأُصْبُعِ الَّتِي أَقَصَصْتهَا بِهَا، فَإِنْ ذَهَبَتْ كَفُّ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ وَنَفْسُهُ لَمْ أَرْفَعْ عَنْهُ مِنْ أَرْشِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ ضَامِنٌ مَا جَنَى وَحَدَثَ مِنْهُ وَالْمُسْتَقَادَ مِنْهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ لَهُ مَا حَدَثَ مِنْ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّهُ تَلَفٌ بِسَبَبِ الْحَقِّ فِي الْقِصَاصِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ نِصْفَ كَفِّ رَجُلٍ مِنْ الْمَفْصِلِ
(6/57)

فَائْتَكَلَتْ حَتَّى سَقَطَتْ الْكَفُّ كُلُّهَا فَسَأَلَ الْقَوَدَ قِيلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقَوَدِ هَلْ تَقْدِرُونَ عَلَى قَطْعِ نِصْفِ كَفٍّ مِنْ مَفْصِلِ كَفِّهِ لَا تَزِيدُونَ عَلَيْهِ؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ قُلْنَا: اقْطَعُوهَا مِنْ الشَّقِّ الَّذِي قَطَعَهَا مِنْهُ، ثُمَّ دَعُوهَا وَأَخَذْنَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ بَعِيرًا نِصْفَ أَرْشِ الْكَفِّ مَعَ قَطْعِ نِصْفِهَا، وَهَكَذَا إنْ قَطَعَهَا حَتَّى تَبْقَى مُعَلَّقَةً بِجَلْدَةٍ أُقِيدَ مِنْهُ وَتُرِكَتْ لَهُ مُعَلَّقَةً بِجَلْدَةٍ فَإِنْ قَالَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ اقْطَعُوهَا لَمْ يُمْنَعْ الْمُتَطَبِّبُ قَطْعَهَا عَلَى النَّظَرِ لَهُ.

وَإِذَا قَطَعَ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ فَأَقَدْنَاهُ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ الْمُسْتَقِيدُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ وَشَهِدَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحِ وَسَأَلَ وَرَثَتُهُ الْقَوَدَ أَقَدْنَاهُ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ قَاطِعٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ أَوْ ذَبَحَهُ خَلَّيْنَا بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَأْتُوا بِمَنْ يَقْطَعُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَخَلَّيْنَاهُمْ وَذَبْحَهُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ إتْلَافُ حَيٍّ.

(قَالَ) : وَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَ رَجُلٍ مِنْ أَصْلِهِ فَسَأَلَ الْقَوَدَ قُطِعَ لَهُ ذَكَرُهُ مِنْ أَصْلِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُقَادُ مِنْ ذَكَرِ الرَّجُلِ إذَا قَطَعَ ذَكَرَ الصَّبِيِّ أَوْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ أَوْ ذَكَرَ الْخَصِيِّ وَيُقْطَعُ أُنْثَى الْفَحْلِ إذَا قَطَعَ أُنْثَى الْخَصِيِّ الَّذِي لَا عَسِيبَ لَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ طَرَفٌ لِصَاحِبِهِ كَامِلٌ وَيُقْطَعُ ذَكَرُ الْأَغْلَفِ بِذَكَرِ الْمُخْتَتَنِ وَذَكَرُ الْمُخْتَتَنِ بِذَكَرِ الْأَغْلَفِ.

فَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ إحْدَى أُنْثَيَيْهِ وَبَقِيَتْ الْأُخْرَى وَسَأَلَ الْقَوَدَ سَأَلْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ فَإِنْ قَدَرُوا عَلَى قَطْعِهَا بِلَا ذَهَابِ الْأُخْرَى أُقِيدَ مِنْهُ فَإِنَّ قَطَعَهَا بِجِلْدِهَا قُطِعَتْ بِجِلْدِهَا وَإِنَّ سَلَّهَا سُلَّتْ مِنْهُ.

وَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ نِصْفَ ذَكَرِ رَجُلٍ وَلِذَلِكَ فَشُبِرَ ذَكَرُ الْقَاطِعِ فَوُجِدَ أَقَلَّ شِبْرًا مِنْ نِصْفِ ذَكَرِ الْمَقْطُوعِ أَوْ ضِعْفَ ذَكَرِ الْمَقْطُوعِ فَسَوَاءٌ وَأَقْطَعُ لَهُ نِصْفَ ذَكَرِهِ كَانَ أَقَلَّ شِبْرًا مِنْ نِصْفِ ذَكَرِهِ أَوْ أَكْثَرَ إنْ كَانَ يُسْتَطَاعُ قَطْعُهُ بِلَا تَلَفٍ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ وَهَذَا طَرَفٌ لَيْسَ هَذَا كَشَقِّ الْجِرَاحِ الَّتِي تُؤْخَذُ بِشِبْرٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْطَعُ طَرَفًا وَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ أَحَدَ شِقَّيْ ذَكَرِ رَجُلٍ قُطِعَ مِنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ إنْ قُدِرَ عَلَيْهِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَأُقِيدُ مِنْ ذَكَرِ الَّذِي يَنْتَشِرُ بِذَكَرِ الَّذِي لَا يَنْتَشِرُ مَا لَمْ يَكُنْ بِذَكَرِ الْمَقْطُوعِ ذَكَرُهُ نَقْصٌ مِنْ شَلَلٍ يُوبِسُهُ وَلَا يَكُونُ يَنْقَبِضُ وَلَا يَنْبَسِطُ أَوْ يَكُونُ الذَّكَرُ مَكْسُورًا إنْ كَانَ كَسْرُ الذَّكَرِ يَمْنَعُهُ مِنْ الِانْتِشَارِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ يُقَدْ بِهِ ذَكَرٌ صَحِيحٌ.

وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ أَنْفَ الرَّجُلِ مِنْ الْمَارِنِ قُطِعَ أَنْفُهُ مِنْ الْمَارِنِ وَسَوَاءٌ كَانَ أَنْفُ الْقَاطِعِ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ مِنْ أَنْفِ الْمَقْطُوعِ؛ لِأَنَّهُ طَرَفٌ، وَإِنْ قَطَعَهُ مِنْ دُونِ الْمَارِنِ قُدِّرَ مَا ذَهَبَ مِنْ أَنْفِ الْمَقْطُوعِ ثُمَّ أُخِذَ لَهُ مِنْ أَنْفِ الْقَاطِعِ بِقَدْرِهِ مِنْ الْكُلِّ إنْ كَانَ قَدْرَ مَارِنِ الْمَقْطُوعِ قُطِعَ قَدْرُ نِصْفِ مَارِنِهِ وَلَا يُقَدَّرُ بِالشِّبْرِ كَمَا وَصَفْت فِي الْأَطْرَافِ الذَّكَرُ وَغَيْرُهُ، وَإِنْ قَطَعَ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْ الْأَنْفِ قُطِعَ مِنْ إحْدَى شِقَّيْهِ كَمَا وَصَفْت، وَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ أَنْفَ رَجُلٍ مِنْ الْعَظْمِ فَلَا قَوَدَ فِي الْعَظْمِ وَإِنْ أَرَادَ قَطَعْنَا لَهُ الْمَارِنَ وَأَعْطَيْنَاهُ زِيَادَةَ حُكُومَةٍ فِيمَا قَطَعَ مِنْ الْعَظْمِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُقْطَعُ أَنْفُ الصَّحِيحِ بِأَنْفِ الْأَجْذَمِ وَإِنْ ظَهَرَ بِأَنْفِهِ قُرْحُ الْجُذَامِ مَا لَمْ يَسْقُطْ أَنْفُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ يَدُهُ بِيَدِهِ وَإِنْ ظَهَرَ فِيهَا قُرْح الْجُذَامِ مَا لَمْ تَسْقُطْ أَصَابِعُهَا أَوْ بَعْضُهَا.

وَتُقْطَعُ الْأُذُنُ بِالْأُذُنِ وَأُذُنُ الصَّحِيحِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُمَا طَرَفَانِ لَيْسَ فِيهِمَا سَمْعٌ وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ الْأُذُنِ قُطِعَتْ مِنْهُ بَعْضُ أُذُنِهِ كَمَا وَصَفْت إنْ قَطَعَ نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا قَطَعَ مِنْهُ نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا وَسَوَاءٌ كَانَتْ أُذُنُهُ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ مِنْ أُذُنِ الْمَقْطُوعَةِ أُذُنُهُ؛ لِأَنَّهَا طَرَفٌ وَتُقْطَعُ الْأُذُنُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا ثُقْبَ فِيهَا بِالْأُذُنِ الْمَثْقُوبَةِ ثَقْبًا لِقُرْطٍ وَشَنْفٍ وَخُرْبَةٍ مَا لَمْ تَكُنْ الْخُرْبَةُ قَدْ خَرَمَتْهَا فَإِنْ كَانَتْ الْخُرْبَةُ قَدْ خَرَمَتْهَا لَمْ تُقْطَعْ بِهَا الْأُذُنُ. وَقِيلَ لِلْأَخْرَمِ إنْ شِئْتَ قَطَعْنَا لَكَ أُذُنَهُ إلَى مَوْضِعِ خُرْبَتِكَ مِنْ قَدْرِ أُذُنِهِ
(6/58)

وَأَعْطَيْنَاكَ فِيمَا بَقِيَ الْعَقْلَ وَإِنْ شِئْت فَلَكَ الْعَقْلُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا قَطَعَهَا وَهِيَ مُخَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ زَيْنٌ عِنْدَهُمْ كَالثَّقْبِ لَا عَيْبَ فِيهِ وَلَا جِنَايَةَ.

وَإِذَا قَلَعَ رَجُلٌ سِنَّ رَجُلٍ قَدْ ثُغِرَ قُلِعَتْ سِنُّهُ فَإِنْ كَانَ الْمَقْلُوعَةُ سِنُّهُ لَمْ يُثْغَرْ فَلَا قَوَدَ حَتَّى يُثْغَرَ فيتتام طَرْحُ أَسْنَانِهِ وَنَبَاتُهَا فَإِذَا تَتَامَّ وَلَمْ تَنْبُتْ سِنُّهُ سُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَنْ الْأَجَلِ الَّذِي إذَا بَلَغَهُ وَلَمْ تَنْبُتْ سِنُّهُ لَمْ تَنْبُتْ فَبَلَغَهُ فَإِذَا بَلَغْنَاهُ وَلَمْ تَنْبُتْ أَقَدْنَاهُ مِنْهُ فَإِذَا بَلَغْنَاهُ وَقَدْ نَبَتَ بَعْضُهَا أَوْ لَمْ يَنْبُتْ فَلَا قَوَدَ، وَلَهُ مِنْ الْعَقْلِ بِقَدْرِ مَا قَصُرَ نَبَاتُهَا يُقَدَّرُ إنْ كَانَتْ ثَنِيَّةً بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ بَلَغَتْ نِصْفَهَا أُخِذَ لَهُ بَعِيرَانِ وَنِصْفٌ وَإِنْ بَلَغَتْ ثُلُثَهَا أُخِذَ لَهُ ثُلُثُ عَقْلِ سِنٍّ وَإِنْ قَلَعَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ سِنًّا زَائِدَةً أَوْ قَطَعَ لَهُ أُصْبُعًا زَائِدَةً أَوْ كَانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ تَحْتَ أُذُنِهِ زَائِدَةٌ فَقَطَعَهَا رَجُلٌ فَسَأَلَ الْقَوَدَ فَلَا قَوَدَ وَفِيهَا حُكُومَةٌ وَإِنْ كَانَ لِلْقَاطِعِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا مِثْلُهُ فَفِيهِ الْقَوَدُ سِنًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ سِنٍّ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ زَنَمَةٍ وَهَكَذَا لَوْ خُلِقَتْ لَهُ أُصْبُعٌ لَهَا طَرَفَانِ فَقُطِعَ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ فَلَا قَوَدَ وَفِيهَا حُكُومَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ أُصْبُعٌ مِثْلُهَا فَيُقَادَ مِنْهُ: وَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ أُصْبُعَ رَجُلٍ وَلَهَا طَرَفَانِ أَوْ أُنْمُلَةٌ وَلَهَا طَرَفَانِ وَلَمْ يُخْلَقْ لِلْقَاطِعِ تِلْكَ الْخِلْقَةَ فَسَأَلَ الْمَقْطُوعُ الْقَوَدَ فَهُوَ لَهُ وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ طَرَفَاهَا أَشَلَّاهَا فَأَذْهَبَا مَنْفَعَتَهَا فَلَا قَوَدَ.
وَإِنْ كَانَ لِلْقَاطِعِ مِثْلُهَا وَلَيْسَتْ شَلَّاءَ أُقِيدَ وَلَا حُكُومَةَ، وَلَوْ كَانَتْ لِأُصْبُعِ الْقَاطِعِ طَرَفَانِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأُصْبُعِ الْمَقْطُوعِ فَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّ أُصْبُعَ الْقَاطِعِ كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ أُصْبُعِ الْمَقْطُوعِ ا. هـ

[أَمْرُ الْحَاكِمِ بِالْقَوَدِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَعْرِفَ مَوْضِعَ رَجُلٍ مَأْمُونٍ عَلَى الْقَوَدِ وَإِذَا أَمَرَهُ بِهِ أَحْضَرَ عَدْلَيْنِ عَاقِلَيْنِ فَأَمَرَهُمَا أَنْ يَتَعَاهَدَا حَدِيدَهُ وَلَا يَسْتَقِيدُ إلَّا وَحَدِيدُهُ حَدِيدٌ مُسْقَى لِئَلَّا يُعَذَّبَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَ الْمُسْتَقِيدَ أَنْ يَخْتِمَ عَلَى حَدِيدِهِ لِئَلَّا يَحْتَالَ فَيُسَمَّ فَيَقْتُلَ الْمُسْتَقَادَ مِنْهُ أَوْ يُزْمِنَهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِحَدِيدِهِ عِلَّةٌ مِنْ ثَلَم وَلَا وَهَنٍ فَيُبْطِئُ فِي رَأْسٍ وَلَا وَجْهٍ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ عَذَابًا، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْمُرَ الْعَدْلَيْنِ إذَا أَقَادَ تَحْتَ شَعْرٍ فِي وَجْهٍ أَوْ رَأْسٍ أَنْ يَأْمُرَ بِحِلَاقِ الرَّأْسِ أَوْ مَوْضِعِ الْقَوَدِ مِنْهُ ثُمَّ يَأْخُذُ قِيَاسَ شَجَّةَ الْمُسْتَقَادِ لَهُ وَيُقَدِّرُ رَأْسَهُ ثُمَّ يَضَعُ مِقْيَاسَهَا فِي مَوْضِعِهِ مِنْ رَأْسِ الشَّاجِّ ثُمَّ يُعَلِّمُهُ بِسَوَادٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمُسْتَقِيدُ بِشِقِّ مَا شَرَطَ فِي الْعَلَامَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَوْظِفَ الشَّجَّةَ وَيَأْخُذَانِهِ بِذَلِكَ فِي عَرْضِهَا وَعُمْقِهَا وَيَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ شَقًّا وَاحِدًا أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَعَلَ وَإِنْ كَانَ شَقُّهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَعَلَ، وَإِنْ قِيلَ شَقُّهُ وَاحِدَةً أَيْسَرَ عَلَيْهِ أَجْرَى يَدَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِذَا خِيفَتْ زِيَادَتُهُ أَمَرَ أَنْ يُحَرِّفَهَا مِنْ الطَّرَفِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْهُ إلَى مَوْضِعٍ لَا يُخَافُ فَعَلَهُ فَإِذَا قَارَبَ مُنْتَهَاهَا أَبْطَأَ بِيَدِهِ لِئَلَّا يَزِيدَ شَيْئًا. فَإِنْ أَقَادَ وَعَلَى الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ شَعْرٌ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَعْنِي بِذَلِكَ شَعْرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَأَمَّا إنْ كَانَ الْقَوَدُ فِي جَسَدٍ وَكَانَ شَعْرُ الْجَسَدِ خَفِيفًا لَا يَحُولُ دُونَ النَّظَرِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَحْلِقَهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا حَلَقَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُؤْمَرُ بِالْمُقْتَصِّ مِنْهُ فَيُضْبَطُ لِئَلَّا يَضْطَرِبَ فَتَذْهَبَ الْحَدِيدَةُ حَيْثُ لَا يُرِيدُ الْمُقْتَصُّ فَإِنْ أَغْفَلَ ضَبْطَهُ أَوْ ضَبَطَهُ مَنْ لَا يَقْوَى مِنْهُ عَلَى الِاضْطِرَابِ فِي يَدَيْهِ فَاضْطَرَبَ وَالْحَدِيدَةُ مَوْضُوعَةٌ فِي رَأْسِهِ فِي مَوْضِعِ الْقَوَدِ فَذَهَبَتْ الْحَدِيدَةُ مَوْضِعًا آخَرَ فَهُوَ هَدَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَصَّ لَهُ لَمْ يَتَعَدَّ مَوْضِعَ الْقِصَاصِ، وَإِنَّ ذَهَابَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بِفِعْلِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ
(6/59)

بِنَفْسِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيُعَادُ لِلْمُقْتَصِّ فَيَشُقُّ فِي مَوْضِعِ الْقَوَدِ أَوْ يُقْطَعَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ كَانَ الْقَوَدُ قَطْعًا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى مَوْضِعِ الْقِصَاصِ فَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ جِرَاحًا أُقِصَّ مِنْهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ جُرْحٌ بَعْدَ جُرْحٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ جَرَحَهَا هُوَ مُتَفَرِّقَةً أَوْ جَرَحَهَا مِنْ نَفَرٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقِصَاصُ قَطْعًا أَوْ جِرَاحًا وَقَطْعًا لَيْسَ فِيهِ نَفْسٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ شَيْءٌ إذَا نِيلَ مِنْهُ كَثِيرٌ خِيفَ عَلَيْهِ التَّلَفُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَبْرَأَ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْبَاقِي فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ فَعَقْلُ الْبَاقِي فِي مَالِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ أَصَابَ جِرَاحًا وَنَفْسًا مِنْ رَجُلٍ أُقِيدَ مِنْهُ فِي الْجِرَاحِ، الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فِي مَقَامٍ مَا كَانَتْ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُتَخَوَّفُ بِهِ التَّلَفُ أُخِذَتْ ثُمَّ أُقِيدَ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقَوَدِ فَقَدْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ وَلَا حَقَّ لِوَرَثَةِ الْمُسْتَقَادِ لَهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْجِرَاحُ لِرَجُلٍ وَالنَّفْسُ لِآخَرَ بُدِئَ بِالْجِرَاحِ فَأُقِصَّ مِنْهَا كَمَا وَصَفْت مِنْ الْجِرَاحِ إذَا كَانَتْ لَا نَفْسَ مَعَهَا يُؤْخَذُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ مَا لَيْسَ فِيهِ تَلَفٌ حَاضِرٌ وَيُحْبَسُ حَتَّى يَبْرَأَ ثُمَّ يُؤْخَذُ الْبَاقِي إذَا كَانَ الْبَاقِي لَيْسَ فِيهِ تَلَفٌ فَإِنْ مَاتَ فَقَدْ قِيلَ يَضْمَنُ أَرْشَ مَا بَقِيَ مِنْ الْجِرَاحِ وَالنَّفْسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجِرَاحِ تَلَفٌ أُخِذَتْ كُلُّهَا ثُمَّ دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَقَتَلُوهُ إنْ شَاءُوا (قَالَ) : وَلَوْ دُفِعَ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَقَتَلُوهُ ضَمِنَ الْجِرَاحَ فِي مَالِهِ وَلَا يُبْطِلُ عَنْهُ الْقَتْلُ جِرَاحَ مَنْ يُقْتَلُ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ جِرَاحًا لَا نَفْسَ فِيهَا لِرَجُلٍ فَاقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ مِنْهَا فَمَاتَ ضَمِنَ الْجَارِحُ الْمَيِّتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَرْشِ الْجِرَاحِ الَّتِي لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فِيهَا وَإِنْ اجْتَمَعَتْ عَلَى رَجُلٍ حُدُودٌ: حَدُّ بِكْرٍ فِي الزِّنَا وَحَدٌّ فِي الْقَذْفِ وَحَدٌّ فِي سَرِقَةٍ يُقْطَعُ فِيهَا، وَقَطْعُ طَرِيقٍ يُقْطَعُ فِيهِ أَوْ يُقْتَلُ وَقَتْلُ رَجُلٍ: بُدِئَ بِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ قَتْلٌ ثُمَّ حَقُّ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيمَا لَا نَفْسَ فِيهِ ثُمَّ كَانَ الْقَتْلُ مِنْ وَرَائِهَا يُحَدُّ أَوَّلًا فِي الْقَذْفِ ثُمَّ حَبْسٌ فَإِذَا بَرِئَ حُدَّ فِي الزِّنَا ثُمَّ حُبِسَ حَتَّى يَبْرَأَ، ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ خِلَافٍ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى لِلسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ مَعًا، وَرِجْلُهُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ مَعَ يَدِهِ ثُمَّ قُتِلَ قَوَدًا أَوْ بِرِدَّةٍ فَإِنْ مَاتَ فِي الْحَدِّ الْأَوَّلِ أَوْ الَّذِي بَعْدَهُ أَوْ قُتِلَ بِحَدٍّ سَقَطَتْ عَنْهُ الْحُدُودُ الَّتِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كُلُّهَا.
وَإِنْ كَانَ قَاتِلًا لِرَجُلٍ فَمَاتَ قَبْلُ يُقْتَلُ قَوَدًا كَانَ عَلَيْهِ دِيَةُ النَّفْسِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ جُرْحًا لَمْ يَسْقُطْ أَرْشُ الْجُرْحِ؛ لِأَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْجُرْحِ وَالنَّفْسِ مَالٌ وَلَا يُمْلَكُ بِحَدِّ الْقَذْفِ وَلَا حَدِّ السَّرِقَةِ مَالٌ بِحَالٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَتَلَهُ الْإِمَامُ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَوْ رِدَّةٍ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَبْطُلُ عَنْهُ الْحُدُودُ الَّتِي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ وَلَا مَالَ فِيهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنَّمَا حَدَدْتُهُ بِالْحُدُودِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا وَاحِدٌ إلَّا وَاجِبٌ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ بِأَخْذِهِ فَلَا يَجُوزُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ أُعَطِّلَ مَأْمُورًا بِهِ لِمَأْمُورٍ بِهِ أَعْظَمَ وَلَا أَصْغَرَ مِنْهُ وَأَنَا أَجِدُ السَّبِيلَ إلَى أَخْذِهِ كَمَا تَكُونُ عَلَيْهِ الْحُقُوقُ لِلْآدَمِيِّينَ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ كُلُّهَا إذَا قَدَرَ عَلَى أَخْذِهَا. وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ مَرِيضًا وَلَا نَفْسَ عَلَيْهِ لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ حَتَّى يَبْرَأَ فَإِذَا بَرِئَ اُقْتُصَّ مِنْهُ.
، وَكَذَلِكَ كُلُّ حَدٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ أَوْجَبَهُ اللَّهُ لِلْآدَمِيِّينَ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَرِيضِ نَفْسٌ قُتِلَ مَرِيضًا أَوْ صَحِيحًا. وَإِنْ كَانَ جُرْحٌ فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ مِنْ الْجُرْحِ أُقِيدَ مِنْهُ مِنْ الْجُرْحِ وَالنَّفْسِ مَعًا فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنِّي إنَّمَا أُؤَخِّرُهُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لِئَلَّا يَتْلَفَ بِالْقَوَدِ مَعَ الْمَرَضِ وَإِذَا كُنْت أَقِيدُ بِالْقَتْلِ لَمْ أُؤَخِّرْهُ بِالْمَرَضِ وَهَكَذَا إذَا كَانَ الْقَوَدُ فِي بِلَادٍ بَارِدَةٍ وَسَاعَةٍ بَارِدَةٍ أَوْ بِلَادٍ حَارَّةٍ وَسَاعَةٍ حَارَّةٍ فَإِذَا كَانَ مَا دُونَ النَّفْسِ أُخِّرَ حَتَّى يَذْهَبَ حَدُّ الْبَرْدِ وَحَدُّ الْحَرِّ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْحَالِ الَّتِي لَيْسَتْ بِحَالِ تَلَفٍ وَلَا شَدِيدَةِ الْمُبَايَنَةِ لِمَا سِوَاهَا مِنْ الْأَحْوَالِ وَكَانَ حُكْمُ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ حُكْمُ مَرَضِهِ يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي النَّفْسِ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِيمَا دُونَهَا. وَالْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ فِي هَذَا سَوَاءٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَامِلًا فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهَا وَلَا تُحَدُّ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ الْقِصَاصُ فِي رَجُلٍ فِي جَمِيعِ أَصَابِعِ كَفِّهِ أَوْ بَعْضِهَا فَقَالَ اقْطَعُوا يَدِي
(6/60)

وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْمُقْتَصُّ لَهُ قِيلَ لَا يُقْطَعُ إلَّا مِنْ حَيْثُ قَطَعَ وَلَا أَقْبَلُ فِي هَذَا اجْتِمَاعَهُمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَ الرَّجُلِ الشَّلَّاءَ، وَيَدُ الْقَاطِعِ صَحِيحَةٌ فَتَرَاضَيَا بِأَنْ يُقْتَصَّ مِنْ الْقَاطِعِ فَيُقْطَعُ يَدُهُ الصَّحِيحَةُ لَمْ أَقْطَعْ يَدَهُ الصَّحِيحَةَ بِرِضَاهُ وَرِضَا صَاحِبِهِ وَجَعَلْتُ عَلَيْهِ حُكُومَةً. وَإِذَا كَانَتْ يَدُ الْمَقْطُوعِ الْأَوَّلِ صَحِيحَةً وَيَدُ الْقَاطِعِ هِيَ الشَّلَّاءُ فَفِي يَدِ الْمَقْطُوعِ الْأَرْشُ لِنَقْصِ يَدِ الْقَاطِعِ عَنْهَا فَإِنْ رَضِيَ الْمُقْتَصُّ لَهُ بِأَنْ يُقْطَعَ وَلَمْ يَرْضَ ذَلِكَ الْقَاطِعُ سَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْقَطْعِ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْيَدَ الشَّلَّاءَ إذَا قُطِعَتْ كَانَتْ أَقْرَبَ مِنْ التَّلَفِ عَلَى مَنْ قُطِعَتْ مِنْهُ مِنْ يَدِ الصَّحِيحِ لَوْ قَطَعْتُهُ لَمْ أَقْطَعْهَا بِحَالٍ وَإِنْ قَالُوا لَيْسَ فِيهَا مِنْ التَّلَفِ إلَّا مَا فِي يَدِ الصَّحِيحِ قَطَعْتُهَا وَلَمْ أَلْتَفِتْ إلَى مَشَقَّةِ الْقَطْعِ عَلَى الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ وَلَا الْمُسْتَقَادِ لَهُ إذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُؤْتَى بِالْقَطْعِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ رَضِيَ الْأَشَلُّ أَنْ يُقْطَعَ لَمْ أَلْتَفِتْ إلَى رِضَاهُ وَكَانَ رِضَاهُ وَسُخْطُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً وَهَذَا هَكَذَا فِي الْأَصَابِعِ وَالرِّجْلِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يُشَلُّ وَإِذَا قَطَعَ الْأَشَلُّ يَدَ الصَّحِيحِ فَسَأَلَ الصَّحِيحُ الْقَوَدَ وَأَرْشَ فَضْلِ مَا بَيْنَ الْيَدَيْنِ قِيلَ إنْ شِئْت أَقْتَصُّ لَكَ وَإِذَا اخْتَرْت الْقِصَاصَ فَلَا أَرْشَ وَإِنْ شِئْت فَلَكَ الْأَرْشُ وَلَا قِصَاصَ. وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَرْشٌ وَقِصَاصٌ إذَا كَانَ الْقَطْعُ عَلَى أَطْرَافٍ تُعَدَّدُ فَقُطِعَ بَعْضُهَا وَبَقِيَ بَعْضٌ كَأَنْ يُقْطَعَ ثَلَاثَةُ أَصَابِعَ فَوُجِدَ لَهُ أُصْبُعَيْنِ وَلَا يَجِدُ لَهُ ثَالِثَةً فَنَقْطَعُ أُصْبُعَيْنِ وَنَجْعَلُ فِي الثَّالِثَةِ الْأَرْشَ وَإِنْ كَانَتْ الثَّلَاثَةُ شَلَّا فَسَأَلَ أَنْ يَقْطَعَ وَيَأْخُذَ لَهُ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَقَطَعْت لَهُ إنْ شَاءَ أَوْ آخُذُ لَهُ الْأَرْشَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يُصْلَبُ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ وَلَا الْمَقْتُولِ فِي الزِّنَا وَلَا الرِّدَّةِ بِحَالٍ لَا يَصْلُبُ أَحَدٌ أَحَدًا إلَّا قَاطِعَ الطَّرِيقِ الَّذِي أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ ثُمَّ يُصْلَبُ ثَلَاثًا، ثُمَّ يُنْزَلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ إلَّا الْمُرْتَدَّ فَإِنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى كَافِرٍ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَى رَجُلٍ قِصَاصٌ فِي نَفْسٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ مَرِيضًا وَفِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ يَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا كَانَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ جِرَاحًا لَا يَأْتِي عَلَى النَّفْسِ لَمْ يُؤْخَذْ ذَلِكَ مِنْهُ مَرِيضًا وَلَا فِي حَرٍّ شَدِيدٍ وَبَرْدٍ شَدِيدٍ وَحُبِسَ حَتَّى تَذْهَبَ تِلْكَ الْحَالُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُ. وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحُبْلَى حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا فِي حَالٍ. وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ رَجْمٌ بِبَيِّنَةٍ أُخِذَ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَأُخِذَ وَهُوَ مَرِيضٌ، وَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِاعْتِرَافٍ لَمْ يُؤْخَذْ مَرِيضًا وَلَا فِي حَرٍّ وَلَا بَرْد؛ لِأَنَّهُ مَتَى رَجَعَ قَبْلَ الرَّجْمِ وَبَعْدَهُ تَرَكْتُهُ.

[زِيَادَةُ الْجِنَايَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا شَجَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مُوضِحَةً عَمْدًا فَتَآكَلَتْ الْمُوضِحَةُ حَتَّى صَارَتْ مُنَقِّلَةً أَوْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ فَتَآكَلَتْ الْكَفُّ حَتَّى ذَهَبَتْ الْكَفُّ فَسَأَلَ الْقَوَدَ قِيلَ إنْ شِئْت أَقَدْنَاكَ مِنْ الْمُوضِحَةِ وَأَعْطَيْنَاكَ مَا بَيْنَ الْمُنَقِّلَةِ وَالْمُوضِحَةِ مِنْ أَرْشٍ. فَأَمَّا الْمُنَقِّلَةُ فَلَا قَوَدَ فِيهَا بِحَالٍ. وَقِيلَ: إنْ شِئْت أَقَدْنَاكَ مِنْ الْأُصْبُعِ وَأَعْطَيْنَاكَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْيَدِ وَإِنْ شِئْت فَلَكَ أَرْشُ الْيَدِ وَلَا قَوَدَ لَكَ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الضَّارِبَ لَمْ يَجْنِ بِقَطْعِ الْكَفِّ وَإِنْ كَانَتْ ذَهَبَتْ بِجِنَايَتِهِ وَإِنَّمَا يَقْطَعُ لَهُ أَوْ يَشُقُّ لَهُ مَا شَقَّ وَقَطَعَ، وَأَرْشُ هَذَا كُلِّهِ فِي مَالِ الْجَانِي حَالًّا دُونَ عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ، وَإِذَا أَنْكَرَ الشَّاجُّ وَقَاطِعُ الْأُصْبُعِ وَالْكَفِّ أَنْ يَكُونَ تَأَكُّلُهَا مِنْ جِنَايَتِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي حَتَّى يَأْتِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِمَنْ يَشْهَدُ أَنَّ الشَّجَّةَ وَالْكَفَّ لَمْ تَزَلْ مَرِيضَةً مِنْ جِنَايَةِ الْجَانِي لَمْ تَبْرَأْ حَتَّى ذَهَبَتْ فَإِذَا جَاءَ بِهَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ وَحَكَمْت أَنْ تَأَكُّلَهَا
(6/61)

مِنْ جِنَايَتِهِ مَا لَمْ تَبْرَأْ الْجِنَايَةُ. وَلَوْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ قَالَتْ بَرَأَتْ الْجِرَاحَةُ وَأَجْلَبَتْ، ثُمَّ انْتَقَضَتْ فَذَهَبَتْ الْكَفُّ أَوْ زَادَتْ الشَّجَّةُ فَقَالَ الْجَانِي: انْتَقَضْت أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ نَكَأَهَا أَوْ أَنَّ غَيْرَهُ أَحْدَثَ عَلَيْهَا جِنَايَةً كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَانِي فِي أَنْ تَسْقُطَ الزِّيَادَةُ إلَّا أَنْ تُثْبِتَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا انْتَقَضَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْكَأَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوْ يُحْدِثَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ جِنَايَةً مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ أَنَّ الْجِنَايَةَ قَدْ ذَهَبَتْ، وَإِنْ قَالُوا انْتَقَضَتْ وَقَدْ يَكُونُ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا يَحْدُثُ عَلَيْهَا (قَالَ الرَّبِيعُ) قُلْت أَنَا وَأَبُو يَعْقُوبَ وَإِذَا قَطَعَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا انْتَقَضَتْ مِنْ جِنَايَتِهِ الْأُولَى كَانَ عَلَى الْجَانِي تَأَكُّلُهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ ذَلِكَ الِانْتِقَاضَ مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِهِ. .

[دَوَاءُ الْجُرْحِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَرَحَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِشَقٍّ لَا يَقْطَعُ طَرَفًا انْبَغَى لِلْوَالِي أَنْ يَقِيسَ الْجُرْحَ نَفْسَهُ وَلِلْمَجْرُوحِ أَنْ يُدَاوِيَهُ بِمَا يَرَى أَنَّهُ يَنْفَعَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا دَاوَاهُ بِمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالدَّوَاءِ الَّذِي يُدَاوَى بِهِ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ الْحَيَّ فَتَأَكَّلَ الْجُرْحُ فَالْجَارِحُ ضَامِنٌ لِأَرْشِ تَأَكُّلِهِ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ جِنَايَتِهِ وَلَوْ قَالَ الْجَارِحُ: دَاوَاهُ بِمَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ الْحَيَّ وَأَنْكَرَ الْمَجْرُوحُ ذَلِكَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَجْرُوحِ وَعَلَى الْجَارِحِ الْبَيِّنَةُ بِمَا ادَّعَاهُ وَلَوْ دَاوَاهُ بِمَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ لَمْ يَضْمَنْ الْجَانِي إلَّا أَرْشَ الْجُرْحِ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْهُ وَجُعِلَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّا دَاوَاهُ. .

[جِنَايَةُ الْمَجْرُوحِ عَلَى نَفْسِهِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ قَطَعَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ قَطَعَ لَحْمًا مَيِّتًا فَذَلِكَ دَوَاءٌ وَالْجَارِحُ ضَامِنٌ بَعْدُ لِمَا زَادَتْ الْجِرَاحُ، وَإِنْ كَانَ قَطَعَ مَيِّتًا وَحَيًّا لَمْ يَضْمَنْ الْجَارِحُ إلَّا الْجُرْحَ نَفْسَهُ وَإِذَا قُلْت: الْجَارِحُ ضَامِنٌ لِلزِّيَادَةِ فِي الْجِرَاحِ فَإِنْ مَاتَ مِنْهَا الْمَجْرُوحُ فَعَلَى الْجَارِحِ الْقَوَدُ عَمْدًا إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَرَثَتُهُ الدِّيَةَ فَتَكُونُ فِي مَالِهِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ إنْ كَانَتْ خَطَأً، وَإِذَا قُلْت لَيْسَ الْجَارِحُ بِضَامِنٍ لِلزِّيَادَةِ فَمَاتَ الْمَجْرُوحُ جَعَلْت عَلَى الْجَارِحِ نِصْفَ دِيَتِهِ وَلَمْ أَجْعَلْ لَهُ فِي النَّفْسِ قَوَدًا، وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا وَجَعَلْته شَيْئًا مِنْ جِنَايَةِ الْجَانِي وَجِنَايَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَى نَفْسِهِ أَبْطَلْت جِنَايَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَضَمَّنْت الْجَانِي جِنَايَتَهُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ فِي طَرَفٍ فَإِنْ كَانَ الْكَفُّ فَتَآكَلَتْ فَسَقَطَتْ أَصَابِعُهَا أَوْ الْكَفُّ كُلُّهَا فَالْجَانِي ضَامِنٌ لِزِيَادَتِهَا فِي مَالِهِ إنْ كَانَتْ عَمْدًا وَإِنْ قَطَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْكَفَّ أَوْ الْأَصَابِعَ لَمْ يَضْمَنْ الْجَانِي مِمَّا قَطَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْمَقْطُوعَ كَانَ مَيِّتًا فَيَضْمَنُ أَرْشَهَا فَإِنْ لَمْ تُثْبِت الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ مَيِّتًا أَوْ قَالَتْ كَانَ حَيًّا وَكَانَ خَيْرًا لَهُ أَنْ يُقْطَعَ فَقَطَعَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ الْجَانِي.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مِنْهُ أَكَلَةٌ وَكَانَ خَيْرًا لَهُ أَنْ يَقْطَعَ الْكَفَّ لِئَلَّا تَمْشِيَ الْأَكَلَةُ فِي جَسَدِهِ فَقَطَعَهَا، وَالْأَطْرَافُ حَيَّةٌ لَمْ يَضْمَنْ الْجَانِي شَيْئًا مِنْ قَطْعِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنْ مَاتَ جَعَلْت عَلَى الْجَانِي نِصْفَ دِيَتِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَةِ الْجَانِي وَجِنَايَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِذَا دَاوَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ جِرَاحَهُ بِسُمٍّ فَمَاتَ فَعَلَى الْجَانِي نِصْفُ
(6/62)

أَرْشِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ السُّمِّ وَالْجِنَايَةِ فَإِنْ كَانَ السُّمُّ يُوحِي مَكَانَهُ كَمَا يُوحِ الذَّبْحُ فَالسُّمُّ قَاتِلٌ وَعَلَى الْجَانِي أَرْشُ الْجُرْحِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ مِمَّا يَقْتُلُ وَلَا يَقْتُلُ فَالْجِنَايَةُ مِنْ السُّمِّ وَالْجِرَاحِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ دَاوَى جُرْحَهُ بِشَيْءٍ لَا يُعْرَفُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنَّهُ شَيْءٌ لَا يَضُرُّ مَعَ يَمِينِهِ وَقَوْلُ وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ وَالْجَانِي ضَامِنٌ لِمَا حَدَثَ فِي الْجِنَايَةِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَرَحَ رَجُلًا جُرْحًا فَخَاطَ الْمَجْرُوحُ عَلَيْهِ الْجُرْحَ لِيَلْتَئِمَ فَإِنْ كَانَتْ الْخِيَاطَةُ فِي جِلْدٍ حَيٍّ فَالْجَارِحُ ضَامِنٌ لِلْجُرْحِ وَإِنْ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بَعْدَ الْخِيَاطَةِ فَعَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَأَجْعَلُ الْجِنَايَةَ مِنْ جُرْحِ الْجَانِي وَخِيَاطَةِ الْمَجْرُوحِ؛ لِأَنَّ الْخِيَاطَةَ ثُقْبٌ فِي جِلْدٍ حَيٍّ وَإِنْ كَانَتْ الْخِيَاطَةُ فِي جِلْدٍ مَيِّتٍ فَالدِّيَةُ كُلُّهَا عَلَى الْجَارِحِ وَلَا يُعْلَمُ مَوْتُ الْجِلْدِ وَلَا اللَّحْمِ إلَّا بِإِقْرَارِ الْجَانِي أَوْ بَيِّنَةٍ تَقُومُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ حَيٌّ حَتَّى يُعْلَمَ مَوْتُهُ وَلَوْ لَمْ يُزِدْ الْمَجْرُوحَ عَلَى أَنْ رَبَطَ الْجُرْحَ رِبَاطًا بِلَا خِيَاطَةٍ وَلَاحَمَ بَيْنَهُ بِدَمِهِ أَوْ بِدَوَاءٍ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ الْحَيَّ وَلَيْسَ بِسُمٍّ فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَانَ الْجَانِي ضَامِنًا لِجَمِيعِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَمْ يُحْدِثْ فِيهَا جِنَايَةً إنَّمَا أَحْدَثَ فِيهَا مَنْفَعَةً وَغَيْرَ ضَرَرٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ كَوَى الْجُرْحَ كَانَ كَيُّهُ إيَّاهُ تَكْمِيدًا بِصُوفٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ: إنَّ هَذَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ مَنْ بَلَغَ هَذَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ ضَمِنَ الْجَارِحُ الْجِنَايَةَ وَمَا زَادَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ بَلَغَ كَيَّهَا أَنْ أَحْرَقَ مَعَهَا صَحِيحًا أَوْ قِيلَ: قَدْ كَوَاهَا كَيًّا يَنْفَعُ مَرَّةً وَيَضُرُّ أُخْرَى أَوْ يُدْخِلُ بِدَاخِلِهِ حَالٌ فَهُوَ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا وَصَفْت فِي الْبَابِ قَبْلَهُ يَسْقُطُ نِصْفُ النَّفْسِ بِجِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَيَلْزَمُ الْجَانِي نِصْفَهَا إنْ صَارَتْ الْجِنَايَةُ نَفْسًا. .

[مَنْ يَلِي الْقِصَاصَ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قُطِعَ الرَّجُلُ أَوْ جُرِحَ فَسَأَلَ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ لِنَفْسِهِ لَمْ يُخَلَّ وَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا يُخَلَّى وَذَلِكَ وَلِيٌّ لَهُ وَلَا عَدُوَّ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ وَلَا يَقْتَصُّ إلَّا عَالَمٌ بِالْقِصَاصِ عَدْلٌ فِيهِ وَيَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَصُّ الِاثْنَانِ وَيَأْمُرُ الْوَاحِدُ مَنْ يُعِينُهُ وَلَا يَسْتَعِينُ بِظَنِينٍ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ بِحَالٍ. وَعَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَرْزُقَ مَنْ يَأْخُذُ الْقِصَاصَ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْخُمُسِ كَمَا يُرْزَقُ الْحُكَّامُ وَلَا يُكَلِّفُ ذَلِكَ النَّاسَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْحَاكِمُ فَأَجْرُ الْمُقْتَصِّ عَلَى الْمُقْتَصِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا يَكْمُلُ إعْطَاؤُهُ إيَّاهُ إلَّا بِأَنْ يُسْقِطَ الْمُؤْنَةَ عَنْ أَخْذِهِ كَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ أَجْرَ الْكَيَّالِ لِلْحِنْطَةِ وَالْوَزَّانِ لِلدَّنَانِيرِ وَهَكَذَا كُلُّ قِصَاصٍ دُونَ النَّفْسِ يَلِيهِ غَيْرُ الْمُقْتَصِّ لَهُ وَوَلِيُّهُ. وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا فَسَأَلَ أَوْلِيَاؤُهُ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ الْقَاتِلِ يَضْرِبُ عُنُقَهُ أُمْكِنَ مِنْهُ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَحَفَّظَ فَيَأْمُرَ مَنْ يَنْظُرُ إلَى سَيْفِهِ فَإِنْ كَانَ صَارِمًا وَإِلَّا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ سَيْفًا صَارِمًا لِئَلَّا يُعَذِّبَهُ، ثُمَّ يَدَعَهُ وَضَرْبَهُ فَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ فَقَدْ أَتَى عَلَى الْقَوَدِ وَإِنْ ضَرَبَهُ عَلَى كَتِفَيْهِ أَوْ فِي رَأْسِهِ مَنَعَهُ الْعَوْدَةَ وَأَحْلَفَهُ مَا عَمَدَ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى ذَلِكَ عَاقَبَهُ وَإِنْ حَلَفَ تَرَكَهُ وَلَا أَرْشَ فِيهَا وَأَمَرَ هُوَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ بِأَمْرِ الْوَلِيِّ وَجَبَرَ الْوَلِيَّ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ضَرَبَ الْمَقْتُولَ ضَرَبَاتٍ فِي عُنُقِهِ تَرَكَهُ يَضْرِبُهُ حَتَّى يَبْلُغَ عَدَدَ الضَّرَبَاتِ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِقَتْلِهِ، وَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ الرَّجُلَ غَيْرَ الظَّنِينِ
(6/63)

عَلَى الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَضَرَبَهُ ضَرَبَاتٍ فَلَمْ يَقْتُلْهُ أَعَادَ الضَّرْبَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى نَفْسِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَ بِسَيْفٍ أَصْرَمَ مِنْ سَيْفِهِ وَيَأْمُرَ رَجُلًا أَضْرَبَ مِنْهُ لِيُوَحِّيَهُ فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ قَطَعَ يَدَيْ الْمَقْتُولِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ شَجَّهُ أَوْ أَجَافَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ أَوْ نَالَ مِنْهُ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فَسَأَلَ الْوَلِيَّ أَنْ يَصْنَعَ ذَلِكَ بِهِ وَلَّيْنَا مَنْ يُحْسِنُ تِلْكَ الْجِرَاحَ كُلَّهَا كَمَا تَوَلَّى الْجَارِحُ دُونَ النَّفْسِ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا وَلَّيْنَا الْوَلِيَّ ضَرْبَ عُنُقِهِ لَا يَلِي الْوَلِيُّ إلَّا قِتْلَةً وَحِيَّةً مِنْ ضَرْبِ عُنُقٍ أَوْ ذَبْحٍ إنْ كَانَ الْقَاتِلُ ذَبَحَهُ أَوْ خَنَقَهُ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْمَيْتَاتِ الْوَحِيَّةِ. فَإِذَا بَلَغَ مِنْ خَنْقِهِ بِقَدْرِ مَا مَاتَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَمُتْ مَنَعْنَاهُ الْخَنْقُ وَأَمَرْنَاهُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ ضَرَبَ وَسَطَ الْمَقْتُولِ ضَرْبَةً فَأَبَانَهُ خَلَّيْنَا بَيْنَ وَلِيِّهِ وَبَيْنَ أَنْ يَضْرِبَهُ حَيْثُ ضَرَبَهُ فَإِنْ أَبَانَهُ وَإِلَّا أَمَرْنَاهُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَلَوْ كَانَ لَمْ يُبِنْهُ إلَّا بِضَرَبَاتٍ خَلَّيْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَدِ ضَرَبَاتٍ فَإِنْ لَمْ يُبِنْهُ قَتَلْنَاهُ بِأَيْسَرَ الْقِتْلَتَيْنِ ضَرْبَةً تُبِينُ مَا بَقِيَ مِنْهُ أَوْ ضَرْبَةَ عُنُقٍ. .

[خَطَأِ الْمُقْتَصِّ]
ِّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا أَمَرَ الْمُقْتَصُّ أَنْ يَقْتَصَّ فَوَضَعَ الْحَدِيدَةَ فِي مَوْضِعِ الْقِصَاصِ ثُمَّ جَرَّهَا جَرًّا فَزَادَ عَلَى قَدْرِ الْقِصَاصِ سُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ يَخْطَأُ بِمِثْلِ هَذَا سُئِلَ فَإِنْ قَالَ أَخْطَأْت أُحْلِفَ وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَعَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ عَاقِلَتُهُ، وَإِنْ قَالُوا لَا يَخْطَأُ بِمِثْلِ هَذَا فَلِلْمُسْتَقَادِ مِنْهُ الْقِصَاصُ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ مِنْهُ الْأَرْشَ فَيَأْخُذَهُ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالُوا: قَدْ يَخْطَأُ بِمِثْلِهِ وَقِيلَ لِلْمُقْتَصِّ احْلِفْ لَقَدْ أَخْطَأْت بِهِ فَإِنْ أَقَرَّ أَقَصَّ مِنْهُ أَوْ أَخَذَ مِنْ مَالِهِ الْأَرْشَ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ وَنَكَلَ قِيلَ: لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ احْلِفْ لَقَدْ عَمَدَ فَإِنْ حَلَفَ فَلَهُ الْقَوَدُ وَإِنْ نَكَلَ فَلَا شَيْءَ لَهُ حَتَّى يَحْلِفَ فَيَسْتَقِيدُ أَوْ يَأْخُذُ الْمَالَ.
وَهَكَذَا إذَا وَضَعَ الْحَدِيدَةَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِ الْقَوَدِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْجَوَابُ فِيمَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ خَطَأً وَمَا لَمْ يُمْكِنْ، وَإِذَا وَضَعَ الْحَدِيدَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا أَعَدْتُهُ حَتَّى يَضَعَهَا فِي مَوْضِعِهَا حَتَّى يَسْتَقِيدَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ وَلَا يَتَّخِذُ إلَّا أَمِينًا لِخَطَئِهِ وَعَمْدِهِ فَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ عَلَى يَمِينٍ فَأَخْطَأَ الْمُقْتَصُّ فَقَطَعَ يَسَارًا أَوْ كَانَ عَلَى أُصْبُعٍ فَأَخْطَأَ فَقَطَعَ غَيْرَهَا فَإِنْ كَانَ يُخْطَأُ بِمِثْلِ هَذَا دُرِئَ عَنْهُ الْحَدُّ وَكَانَ الْعَقْلُ عَلَى عَاقِلَتِهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ وَلَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؛ لِأَنَّهُ عَمَدَ أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ وَلَكِنَّا دَرَأْنَا عَنْهُ الْقَوَدَ لِظَنِّهِ أَنَّهَا الْيَدُ الَّتِي وَجَبَ فِيهَا الْقِصَاصُ فَأَمَّا قَطْعُهُ إيَّاهَا فَعَمْدٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ لَا يَخْطَأُ بِهِ اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِذَا بَرَأَتْ جِرَاحَتُهُ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا الْمُقْتَصُّ اقْتَصَّ الْأَوَّلُ، وَلَوْ قَالَ الْمُقْتَصُّ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ: أَخْرِجْ يَسَارَكَ فَقَطَعَهَا وَأَقَرَّ أَنَّهُ عَمَدَ إخْرَاجَ يَسَارِهِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى يَمِينِهِ وَأَنَّ الْمُقْتَصَّ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ يَمِينِهِ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ عَلَى الْمُقْتَصِّ، وَإِذَا بَرِئَ اُقْتُصَّ مِنْهُ لِلْيُمْنَى، وَإِنْ قَالَ: أَخْرَجْتهَا لَهُ وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ قَالَ: أَخْرِجْ يَمِينَكَ وَلَا أَنَّ الْقِصَاصَ عَلَى الْيُمْنَى. أَوْ رَأَيْت أَنِّي إذَا أَخْرَجْتهَا فَاقْتُصَّ مِنْهَا سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنِّي أُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَلَزِمَتْ دِيَةُ يَدِهِ الْمُقْتَصَّ وَلَا قَوَدَ وَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْعَقْلُ وَالْقَوَدُ إذَا أَقَرَّ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنَّهُ دَلَّسَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْقَوَدَ عَلَى غَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ فَأَخْطَأَ الْمُقْتَصُّ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْطَأُ بِمِثْلِهِ فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَخْطَأُ بِمِثْلِهِ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ إلَّا إذَا أَفَاقَ الَّذِي نَالَ ذَلِكَ مِنْهُ وَسَوَاءٌ إذَا كَانَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَذِنَ لَهُ أَوْ دَلَّسَ لَهُ أَوْ لَمْ يُدَلِّسْ؛ لِأَنَّهُ لَا أَمْرَ لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَإِذَا أَمَرَ أَبُو الصَّبِيِّ أَوْ سَيِّدُ الْمَمْلُوكِ الْخِتَان بِخَتْنِهِمَا فَفَعَلَ فَمَاتَا فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْخِتَان وَإِنْ خَتَنَهُمَا بِغَيْرِ أَمْرِ أَبِي الصَّبِيِّ أَوْ أَمْرِ الْحَاكِمِ وَلَا
(6/64)

سَيِّدِ الْمَمْلُوكِ وَمَاتَا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الصَّبِيِّ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ وَلَوْ كَانَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَخْتِنَهُمَا أَخْطَأَ فَقَطَعَ طَرَفَ الْحَشَفَةِ وَذَلِكَ مِمَّا يُخْطِئُ مِثْلُهُ بِمِثْلِهِ فَلَا قِصَاصَ وَعَلَيْهِ مِنْ دِيَةِ الصَّبِيِّ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ بِحِسَابِ مَا بَقِيَ وَيَضْمَنُ ذَلِكَ الْعَاقِلَةُ.
وَلَوْ قَطَعَ الذَّكَرَ مِنْ أَصْلِهِ وَذَلِكَ لَا يَخْطَأُ بِمِثْلِهِ حُبِسَ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ فَيَكُونُ لَهُ الْقَوَدُ أَوْ أَخْذُ الدِّيَةِ أَوْ يَمُوتُ فَيَكُونُ لِوَارِثِهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ تَامَّةٌ، وَلَوْ كَانَتْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكَلَةٌ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِهِ فَأَمَرَهُ أَبُو الصَّبِيِّ وَسَيِّدُ الْعَبْدِ بِقَطْعِ الطَّرَفِ وَلَيْسَ مِثْلُهَا يُتْلِفُ فَتَلِفَ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ وَإِنْ أَمَرَهُ بِقَطْعِ رَأْسِ الصَّبِيِّ فَقَطَعَهُ أَوْ وَسَطِ الصَّبِيِّ فَقَطَعَهُ أَوْ بِقَطْعِ حُلْقُومِهِ فَقَطَعَهُ عُوقِبَ الْأَبُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى الْقَاطِعِ الْقَوَدُ إذَا مَاتَ مِنْهُ الصَّبِيُّ، وَإِذَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي مَمْلُوكِهِ فَفَعَلَهُ فَمَاتَ الْمَمْلُوكُ فَعَلَى الْقَاطِعِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) لَيْسَ عَلَى قَاطِعِ مَمْلُوكٍ قِيمَةٌ؛ لِأَنَّ سَيِّدَهُ الَّذِي أَمَرَهُ وَإِذَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي دَابَّةٍ لَهُ فَفَعَلَهُ فَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا بِأَمْرِ مَالِكِهَا.
(قَالَ الرَّبِيعُ) وَالْعَبْدُ عِنْدِي فِي هَذَا مِثْلُ الدَّابَّةِ هُوَ مَالٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ بِصَبِيٍّ لَيْسَ بِابْنِهِ وَلَا مَمْلُوكِهِ وَلَيْسَ لَهُ بِوَلِيٍّ إلَى خَتَّانٍ أَوْ طَبِيبٍ فَقَالَ: اخْتِنْ هَذَا أَوْ بُطَّ هَذَا الْجُرْحَ لَهُ أَوْ اقْطَعْ هَذَا الطَّرَفَ لَهُ مِنْ قُرْحَةٍ بِهِ فَتَلِفَ كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ الطَّبِيبِ وَالْخَتَّانَ دِيَتُهُ وَعَلَيْهِ رَقَبَةٌ وَلَا يَرْجِعُ عَاقِلَتُهُ عَلَى الْآمِرِ بِشَيْءٍ وَهُوَ كَمَنْ أَمَرَ رَجُلًا بِقَتْلٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَكُلُّ قِصَاصٍ وَجَبَ لِصَبِيٍّ أَوْ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ فَلَيْسَ لِأَبِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا وَلِيِّهِ مَنْ كَانَ أَخْذُ الْقِصَاصِ وَلَا عَفْوُهُ وَيُحْبَس الْجَانِي حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ أَوْ يُفِيقَ الْمَعْتُوهُ فَيُقْتَصَّا أَوْ يَدَعَا أَوْ يَمُوتَا فَتَقُومُ وَرَثَتُهُمَا مَقَامَهُمَا (قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ: وَلَوْ أَمَرَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنْ يَفْعَلَ بِرَجُلٍ حُرٍّ بَالِغٍ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ فِعْلًا - الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَتْلَفُ بِهِ فَفَعَلَهُ فَتَلِفَ ضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الْفَاعِلِ دُونَ الْآمِرِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَانَ قَالَ لَهُ: هَذَا ابْنِي أَوْ غُلَامِي فَافْعَلْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَفَعَلَ بِهِ فَتَلِفَ ضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الْفَاعِلِ دِيَةَ الْحُرِّ وَقِيمَةَ الْعَبْدِ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فِي مَالِهِ.
(قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ: وَإِنْ كَانَ ابْنَهُ أَوْ غُلَامَهُ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ فِي غُلَامِهِ شَيْءٌ إلَّا الْكَفَّارَةُ إذَا فَعَلَ بِهِ مَا لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ فِعْلُهُ بِهِ وَأَمَّا ابْنُهُ فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا مَعْتُوهًا فَفَعَلَ بِهِ بِأَمْرِ أَبِيهِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فَعَلَ بِهِمَا مَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ الْكَبِيرُ يَعْقِلُ الِامْتِنَاعَ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ إلَّا أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا لَا يَجُوزُ لِلِابْنِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ فَتَكُونُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ جَاءَهُ بِدَابَّةٍ فَقَالَ لَهُ: شُقَّ وَدَجَهَا أَوْ شُقَّ بَطْنَهَا أَوْ عَالِجْهَا فَفَعَلَ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ قِيمَتَهَا إنْ لَمْ تَكُنْ لِلْآمِرِ وَلَا يَضْمَنُ إنْ كَانَتْ لِلْآمِرِ شَيْئًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَمَرَ الْحَاكِمُ وَلِيَّ الدَّمِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ رَجُلٍ فِي قَتْلٍ فَقَطَعَ يَدَهُ أَوْ يَدْيَهُ وَرِجْلَيْهِ وَفَقَأَ عَيْنَهُ وَجَرَحَهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ أَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ عَاقَبَهُ الْحَاكِمُ وَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ كُلَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً لَهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ الْقِصَاصِ إلَّا وَبِحَضْرَتِهِ عَدْلَانِ أَوْ أَكْثَرَ يَمْنَعَانِهِ مِنْ أَنْ يَتَعَدَّى فِي الْقِصَاصِ، وَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَقَدْ أَخْطَأَ الْحَاكِمُ وَإِنْ اقْتَصَّ فَقَدْ مَضَى الْقِصَاصُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ يُسْرَى يَدَيْهِ فَقَطَعَ يُمْنَاهَا أَوْ أَمْكَنَهُ مِنْ أَنْ يَشُجَّهُ فِي رَأْسِهِ مُوضِحَةً فَشَجَّهُ مُنَقِّلَةً أَوْ شَجَّهُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي شَجَّهُ فِيهِ فَادَّعَى الْخَطَأَ فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَخْطَأُ بِمِثْلِهِ أُحْلِفَ عَلَيْهِ وَغَرِمَ أَرْشَهُ وَإِنْ مَاتَ مِنْهُ ضَمِنَ دِيَتَهُ وَإِنْ بَرِئَ مِنْهُ غَرِمَ أَرْشَ مَا نَالَ مِنْهُ وَكَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِيمَا نَالَ مِنْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْطُلْ قِصَاصُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِأَنْ يَتَعَدَّى فِي الِاقْتِصَاصِ عَلَى الْجَانِي وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَخْطَأُ بِمِثْلِهِ أَوْ أَقَرَّ فِيمَا يَخْطَأُ بِمِثْلِهِ أَنَّهُ عَمَدَ فِيهَا مَا لَيْسَ لَهُ اُقْتُصَّ مِنْهُ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الَّذِي نَالَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الْعَقْلَ.
وَإِذَا عَدَا الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ أَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَتَلَ ابْنَهُ وَهُوَ وَلِيُّ ابْنِهِ لَا
(6/65)

وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَيُعَزَّزُ بِأَخْذِهِ حَقَّهُ لِنَفْسِهِ. .

[مَا يَكُونُ بِهِ الْقِصَاصُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَمَا قُلْت إنِّي أَقْتَصُّ بِهِ مِنْ الْقَاتِلِ إذَا صَنَعَهُ بِالْمَقْتُولِ فَلِوُلَاةِ الْمَقْتُولِ أَنْ يَفْعَلُوا بِالْقَاتِلِ مِثْلَهُ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَشْدَخَ رَأْسَهُ بِصَخْرَةٍ فَيُخَلَّى بَيْنَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ وَبَيْنَ صَخْرَةٍ مِثْلِهَا وَيُصَيِّرُ لَهُ الْقَاتِلَ حَتَّى يَضْرِبَهُ بِهَا عَدَدَ مَا ضَرَبَهُ الْقَاتِلُ إنْ كَانَتْ ضَرْبَةً فَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ اثْنَتَيْنِ فَاثْنَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَكْثَرَ فَإِذَا بَلَغَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ عَدَدَ الضَّرْبِ الَّذِي نَالَهُ الْقَاتِلُ مِنْ الْمَقْتُولِ فَلَمْ يَمُتْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ وَلَمْ يُتْرَكْ وَضَرَبَهُ بِمِثْلِ مَا ضَرَبَهُ بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَيْفٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ بِغَيْرِ السَّيْفِ إنَّمَا يَكُونُ بِمِثْلِ الْعَدَدِ فَإِذَا جَاوَزَ الْعَدَدُ كَانَ تَعَدِّيًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الْقَتْلِ وَإِنَّمَا أَمْكَنْتُهُ مِنْ قَتْلِهِ بِالسَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ إفَاتَةُ نَفْسِهِ مَعَ مَا نَالَهُ بِهِ مِنْ ضَرْبٍ فَإِذَا لَمْ تَفُتْ نَفْسُهُ بِعَدَدِ الضَّرْبِ أَفَتُّهَا بِالسَّيْفِ الَّذِي هُوَ أَوْحَى الْقَتْلِ.
وَهَكَذَا إذَا كَانَ قَتَلَهُ بِخَشَبَةٍ ثَقِيلَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ شَدِيدَةٍ عَلَى رَأْسِهِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الدَّامِغِ أَوْ الشَّادِخِ أَمْكَنْت مِنْهُ وَلِيَّ الْقَتِيلِ فَإِنْ كَانَ الضَّرْبُ بِعَصًا خَفِيفَةٍ أَوْ سِيَاطٍ رَدَّدَهَا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ أُمَكِّنْ مِنْهُ وَلِيَّ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَةَ بِالْخَفِيفِ تَكُونُ أَشَدُّ مِنْ الضَّرْبَةِ بِالثَّقِيلِ وَلَيْسَ هَذِهِ مَيْتَةٌ وَحِيَّةٌ فِي الظَّاهِرِ وَقُلْت لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ: إنْ شِئْت أَنْ تَأْمُرَ مَنْ يَرْفُقُ بِهِ فَيُقَالُ لَهُ تَحَرَّ مِثْلَ ضَرْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنْ قَدْ جِئْت بِمِثْلِ ضَرْبِهِ وَأَخَفَّ حَتَّى تَبْلُغَ الْعَدَدَ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا خُلِيَتْ وَضَرْبَ عُنُقِهِ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ كَانَ رَبَطَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي نَارٍ أُحْمِيَتْ لَهُ نَارٌ كَتِلْكَ النَّارِ لَا أَكْثَرَ مِنْهَا وَخَلَّى وَلِيُّ الْقَتِيلِ بَيْنَ رَبْطِهِ بِذَلِكَ الرِّبَاطِ وَإِلْقَائِهِ فِي النَّارِ قَدْرَ الْمُدَّةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا الْمُلْقَى فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا أُخْرِجَ مِنْهَا وَخُلِّيَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَهَكَذَا إذَا رَبَطَهُ وَأَلْقَاهُ فِي مَاءٍ فَغَرَّقَهُ أَوْ رَبَطَ بِرِجْلِهِ رَحَا فَغَرَّقَهُ خُلِّيَ بَيْنَ وَلِيِّ الْقَتِيلِ وَبَيْنَهُ فَأَلْقَاهُ فِي مَاءٍ قَدْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا أُخْرِجَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ.
وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي مَهْوَاةٍ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلِيِّ الْقَتِيلِ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَهْوَاة بِعَيْنِهَا أَوْ فِي مِثْلِهَا فِي الْبُعْدِ وَشِدَّةِ الْأَرْضِ لَا فِي أَرْضٍ أَشَدَّ مِنْهَا فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ خَنَقَهُ بِحَبْلٍ حَتَّى قَتَلَهُ خُلِّيَ بَيْنَ وَلِيِّ الْقَتِيلِ وَخَنْقِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْحَبْلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ إذَا كَانَ مَا صَنَعَ بِهِ مِنْ الْقَتْلِ الْمُوحِي خَلَّيْت بَيْنَ وَلِيِّ الْقَتِيلِ وَبَيْنَهُ، وَإِذَا كَانَ مِمَّا يَتَطَاوَلُ بِهِ التَّلَفُ لَمْ أُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَقَتَلْتُهُ بأوحى الْمِيتَةِ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ مِنْ الْمَفْصِلِ أَوْ جَرَحَهُ جَائِفَةً أَوْ مُوضِحَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْجِرَاحِ لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ وَلِيُّ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَكُونُ تَلَفًا وَحِيًّا وَخُلِّيَ بَيْنَ مَنْ يَقْطَعُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلَ إنْ أَرَادَ ذَلِكَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ.
وَمَنْ يَقْتَصُّ مِنْ الْجِرَاحِ فَاقْتَصَّ مِنْهُ فِي الْجِرَاحِ فَإِنْ مَاتَ مَكَانَهُ وَإِلَّا خُلِّيَ بَيْنَ وَلِيِّ الْقَتِيلِ وَضَرْبِ عُنُقِهِ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ ضَرَبَ وَسَطَ الْمَقْتُولِ بِسَيْفٍ ضَرْبَةً فَأَبَانَهُ بِاثْنَيْنِ خُلِّيَ بَيْنَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ وَبَيْنَ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبَةً بِسَيْفٍ فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ بَدَأَهَا مِنْ قِبَلِ الْبَطْنِ خُلِّيَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ فَبَدَأَهَا مِنْ قِبَلِ الْبَطْنِ فَإِنْ أَبَانَهُ وَإِلَّا أُمِرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَمَا خُلِّيَ بَيْنَ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ وَبَيْنَهُ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ فَضَرَبَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِهِ مُنِعَ الضَّرْبَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ وَأُمِرَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ بِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي ضَرْبِ عُنُقِهِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ أُمِرَ بِأَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ فَضَرَبَ كَتِفَيْهِ أَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَوْقَ عُنُقِهِ لِيَطُولَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَيْ الرَّجُلِ وَرِجْلَيْهِ وَجَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً فَمَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِنَايَاتِ أَوْ بَعْضِهَا فَلِأَوْلِيَائِهِ الْخِيَارُ بَيْنَ
(6/66)

الْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ فَإِنْ اخْتَارُوا الدِّيَةَ وَسَأَلُوا أَنْ يُعْطُوا أَرْشَ الْجِرَاحَاتِ كُلِّهَا وَالنَّفْسِ أَوْ أَرْشَ الْجِرَاحَاتِ دُونَ النَّفْسِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ وَكَانَتْ لَهُمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ تَكُونُ الْجِرَاحَاتُ سَاقِطَةٌ بِالنَّفْسِ إذَا كَانَتْ النَّفْسُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ أَوْ بَعْضِهَا.
وَهَكَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فَلَمْ تَلْتَئِمْ الْجِرَاحَةُ حَتَّى مَاتَ فَاخْتَارُوا الدِّيَةَ كَانَتْ لَهُمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ بَرِئَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مَعًا أَوْ كَانَ غَيْرَ ضُمِّنَ مِنْ الْجِرَاحِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَلْتَئِمَ الْجِرَاحُ أَوْ بَعْدَ الْتِئَامِهَا فَسَأَلَ وَرَثَتُهُ الْقِصَاصَ مِنْ الْجِرَاحِ أَوْ أَرْشَهَا كُلَّهَا أُخِذَ الْجَانِي بِالْقِصَاصِ أَوْ أَرْشِهَا كُلِّهَا وَإِنْ كَانَتْ دِيَاتٌ كَثِيرَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَصِرْ نَفْسًا وَإِنَّمَا هِيَ جِرَاحٌ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَوَرَثَةَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَالَ: الْجَانِي مَاتَ مِنْهَا وَقَالَ وَرَثَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ: لَمْ يَمُتْ مِنْهَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ وَرَثَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ وَعَلَى الْجَانِي الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِنْهَا ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَثْبُتُ مَوْتُهُ مِنْهَا وَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يَدَهُ وَآخَرُ رِجْلَهُ وَجَرَحَهُ آخَرُ، ثُمَّ مَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ: بَرِئَ مِنْ جِرَاحِ أَحَدِهِمْ وَمَاتَ مِنْ جِرَاحِ الْآخَرِ فَإِنْ صَدَّقَهُمْ الْجَانُونَ فَالْقَوْلُ مَا قَالُوا وَعَلَى الَّذِي مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ أَوْ الْأَرْشُ وَعَلَى الَّذِي بَرَأَتْ جِرَاحَتُهُ الْقِصَاصُ مِنْ الْجِرَاحِ أَوْ دِيَةُ الْجِرَاحِ وَإِنْ صَدَّقَهُمْ الَّذِي قَالَ إنَّ جِرَاحَهُ بَرَأَتْ وَكَذَّبَهُمْ الَّذِي قَالَ إنَّ جِرَاحَهُ لَمْ تَبْرَأْ فَقَالَ بَلْ مَاتَ مِنْ جِرَاحِ الَّذِي زَعَمْت أَنَّ جِرَاحَهُ بَرَأَتْ وَبَرَأْت جِرَاحِي فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَتْلُ أَبَدًا وَلَا النَّفْسُ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّ الْمَجْرُوحَ لَمْ يَزَلْ مَرِيضًا مِنْ جِرَاحِ الْجَارِحِ حَتَّى مَاتَ وَلَوْ قَالَ مَاتَ مِنْ جِرَاحِنَا مَعًا فَمَنْ قَتَلَ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ جَعَلَ عَلَى الَّذِي أَقَرَّ الْقَتْلَ فَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهُ الدِّيَةَ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفَهَا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّهُ مَاتَ مِنْ جِرَاحِنَا مَعًا. .

[الْعِلَلُ فِي الْقَوَدِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَسَرَ الرَّجُلُ سِنَّ الرَّجُلِ مِنْ نِصْفِهَا سَأَلْت أَهْلَ الْعِلْمِ فَإِنْ قَالُوا نَقْدِرُ عَلَى كَسْرِهَا مِنْ نِصْفِهَا بِلَا إتْلَافٍ لِبَقِيَّتِهَا وَلَا صَدْعٍ أَقَدْته وَإِنْ قَالُوا: لَا نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ نُقِدْهُ لِتَفَتُّتِهَا وَإِذَا قَلَعَ رَجُلٌ ظُفُرَ رَجُلٍ فَسَأَلَ الْقَوَدَ قِيلَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ: تَقْدِرُونَ عَلَى قَلْعِ ظُفُرِهِ بِلَا تَلَفٍ عَلَى غَيْرِهِ؟ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ أُقِيدَ، وَإِنْ قَالُوا لَا فَفِي الظُّفُرِ حُكُومَةٌ وَإِنْ قَطَعَ الرَّجُلُ أُنْمُلَةَ رَجُلٍ وَلَا ظُفُرَ لِلْمَقْطُوعَةِ أُنْمُلَتُهُ فَسَأَلَ الْقِصَاصَ لَمْ يَكُنْ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ ظُفُرُهَا مَقْطُوعًا قَطْعًا لَا يَثْبُتُ لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا لِنَقْصِهَا عَنْ أُنْمُلَةِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ وَمَا كَانَ فِي سِنٍّ أَوْ ظُفُرٍ مِنْ عَوَارٍ لَا يُفْسِدُ الظُّفُرَ وَإِنْ كَانَ يَعِيبُهُ وَكَانَ لَا يُفْسِدُ السِّنَّ بِقَطْعٍ وَلَا سَوَادَ يَنْقُصُ الْمَنْفَعَةَ أَوْ كَانَ أَثَرُ قُرْحَةٍ خَفِيفًا كَانَ لَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ مَقْطُوعَ أُنْمُلَةٍ فَقَطَعَ رَجُلٌ أُنْمُلَتَهُ الْوُسْطَى، وَالْقَاطِعُ وَافِرُ تِلْكَ الْأُصْبُعِ فَسَأَلَ الْمَقْطُوعَةُ أُنْمُلَتُهُ الْوُسْطَى الْقِصَاصَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْطَعَ لَهُ الْأُنْمُلَةَ الَّتِي مِنْ طَرَفٍ بِوُسْطَى وَلَا الْوُسْطَى فَتُقْطَعَ بِأُنْمُلَتِهِ الَّتِي قَطَعَ مِنْ طَرَفٍ وَلَمْ يَقْطَعْهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَطَعَ أُنْمُلَةَ خِنْصَرٍ مِنْ طَرَفٍ مِنْ رَجُلٍ وَأُنْمُلَةَ خِنْصَرِ الْوُسْطَى مِنْ آخَرَ مِنْ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ جَاءَا مَعًا اقْتَصَّ مِنْهُ لِأُنْمُلَةِ الطَّرَفِ ثُمَّ اقْتَصَّ مِنْهُ أُنْمُلَةَ الْخِنْصَرِ الْوُسْطَى وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ الْوُسْطَى قَبْلَ صَاحِبِ الطَّرَفِ قِيلَ: لَا قِصَاصَ لَكَ وَقُضِيَ لَهُ بِالدِّيَةِ وَإِنْ جَاءَ صَاحِبُ الطَّرَفِ فَقَطَعَ لَهُ الطَّرَفَ فَسَأَلَ الْمَقْضِيَّ لَهُ بِالدِّيَةِ رَدَّهَا إنْ كَانَ أَخَذَهَا أَوْ إبْطَالَهَا إنْ كَانَ لَمْ يَأْخُذْهَا، وَيَقْطَعُ لَهُ أُنْمُلَةَ الْوُسْطَى قِصَاصًا لَمْ يُجَبْ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ الْقِصَاصَ وَجَعَلَ أَرْشًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَطَعَ وَسَطَ أُنْمُلَةِ رَجُلٍ الْوُسْطَى فَقُضِيَ لَهُ بِالْأَرْشِ، ثُمَّ انْقَطَعَ طَرَفُ أُنْمُلَتِهِ، فَسَأَلَ الْقِصَاصَ لَمْ يُقَصَّ لَهُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُ الْوُسْطَى حَتَّى انْقَطَعَ طَرَفُ أُنْمُلَتِهِ أَوْ قُطِعَ بِقِصَاصٍ كَانَ لَهُ الْقِصَاصُ. وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَ الرَّجُلِ
(6/67)

وَالْمَقْطُوعَةُ يَدُهُ نِضْوُ الْخَلْقِ ضَعِيفُ الْأَصَابِعِ قَصِيرُهَا أَوْ قَبِيحُهَا أَوْ مَعِيبٌ بَعْضُهَا عَيْبًا لَيْسَ بِشَلَلٍ وَالْقَاطِعُ تَامُّ الْيَدِ وَالْأَصَابِعِ حَسَنُهَا قُطِعَتْ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ هُوَ التَّامُّ الْيَدِ وَالْقَاطِعُ هُوَ الناقصها كَانَتْ لَهُ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا فِي الْقِصَاصِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَ الرَّجُلِ وَفِيهَا أُصْبُعٌ شَلَّاءُ أَوْ مَقْطُوعَةُ أُنْمُلَةٍ وَالْقَاطِعُ تَامُّ الْأَصَابِعِ لَمْ يُقَدْ مِنْهُ لِلْمَقْطُوعِ لِنَقْصِ يَدِهِ عَنْ يَدِهِ وَلَوْ قَالَ: اقْطَعُوا لِي مِنْ أَصَابِعِهِ بِقَدْرِ أَصَابِعِي وَأُبْطِلُ حَقِّي فِي الْكَفِّ قُطِعَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَهْوَنُ مِنْ قَطْعِ الْكَفِّ كُلِّهَا. وَإِذَا كَانَتْ فِي الرَّجُلِ الْحَيَاةُ وَإِنْ كَانَ أَعْمَى أَصَمَّ فَقَتَلَهُ صَحِيحٌ قُتِلَ بِهِ لَيْسَ فِي النَّفْسِ نَقْصُ حُكْمٍ عَنْ النَّفْسِ وَفِيمَا سِوَى النَّفْسِ نَقْصٌ عَنْ مِثْلِهِ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ إذَا كَانَ النَّقْصُ عَدَمًا أَوْ شَلَلًا أَوْ فِي مَوْضِعِ شَجَّةٍ وَغَيْرِهَا. فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا شَجَّ رَجُلًا فِي قَرْنِهِ وَالشَّاجُّ أَسْلَخُ الْقَرْنِ فَلِلْمَشْجُوجِ الْخِيَارُ فِي الْقِصَاصِ أَوْ أَخْذُ الْأَرْشِ. وَلَوْ كَانَ الْمَشْجُوجُ أَسْلَخَ الْقَرْنِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَشْجُوجِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ أَنْقَصُ الشَّعْرِ عَنْ الشَّاجِّ.
وَلَوْ كَانَ خَفِيفَ الشَّعْرِ أَوْ فِيهِ قَرَعٌ قَلِيلٌ يَكْتَسِي بِالشَّعْرِ إنْ طَالَ شَيْءٌ كَانَ لَهُ الْقِصَاصُ (قَالَ الرَّبِيعُ) قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ: لَا تُقْطَعُ أُصْبُعٌ صَحِيحَةٌ بِشَلَّاءَ وَلَا نَاقِصَةُ أُنْمُلَةٍ وَلَهُ حُكُومَةٌ فِي الشَّلَّاءِ وَأَرْشُ الْمَقْطُوعَةِ الْأُنْمُلَةِ. .

[ذَهَابُ الْبَصَرِ بِالْجِنَايَةِ]
ذَهَابُ الْبَصَرِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى عَيْنِ الرَّجُلِ فَفَقَأَهَا فَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ وَإِنْ سَأَلَ أَنْ يُمْتَحَنَ فَيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُبْصِرُ بِهَا فَلَيْسَ فِي هَذَا مُثْلَةٌ وَفِي هَذِهِ الْقَوَدُ إنْ كَانَ عَمْدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْعَقْلَ فَإِذَا شَاءَ الْعَقْلَ فَفِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ حَالَّةً فِي مَالِ الْجَانِي دُونَ عَاقِلَتِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَفِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى عَاقِلَتِهِ ثُلُثَا الْخَمْسِينَ فِي مُضِيِّ سَنَةٍ، وَثُلُثُ الْخَمْسِينَ فِي مُضِيِّ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ: فَإِنْ جُرِحَتْ عَيْنُ رَجُلٍ أَوْ ضُرِبَتْ وَابْيَضَّتْ فَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهَا سُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهَا فَإِنْ قَالُوا قَدْ نُحِيطُ بِذَهَابِ الْبَصَرِ عِلْمًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ عَلَى ذَهَابِ الْبَصَرِ إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا فَفِيهَا الْقَوَدُ إلَّا شَاهِدَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ عَدْلَانِ. وَقُبِلَ إنْ كَانَتْ خَطَأً لَا قَوَدَ فِيهَا شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَشَاهِدٌ وَيَمِينُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَيَسْأَلُ مَنْ يَقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْبَصَرِ فَإِنْ قَالُوا إذَا ذَهَبَ الْبَصَرُ لَمْ يَعُدْ وَقَالُوا: نَحْنُ نَعْلَمُ ذَهَابَهُ وَمَكَانَهُ قُضِيَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْأَرْشَ أَوْ الْأَرْشَ فِي الْخَطَأِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَصَرِ فَقَالُوا مَا يَكُونُ عِلْمُنَا بِذَهَابِ الْبَصَرِ عِلْمًا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُدَّةٌ، ثُمَّ نَنْظُرُ إلَى بَصَرِهِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ عَلَى مَا نَرَاهُ فَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ لَمْ يُقْضَ لَهُ حَتَّى تَأْتِيَ تِلْكَ الْمُدَّةُ مَا لَمْ يَحْدُثْ عَلَيْهِ حَادِثٌ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ هَكَذَا عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ لَمْ أَقْضِ لَهُ حَتَّى تَأْتِيَ تِلْكَ الْمُدَّةُ الَّتِي يُجْمَعُونَ عَلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ وَلَمْ يُبْصِرْ فَقَدْ ذَهَبَ الْبَصَرُ وَإِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْبَصَرِ فِي أَنَّهَا لَا تَعُودُ لِيُبْصِرَ بِهَا أَحَلَفْت الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مَعَ شَاهِدِهِ فِي الْخَطَأِ وَقَضَيْت بِذَهَابِ بَصَرِهِ فَإِذَا شَهِدَ مَنْ أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَنَّ بَصَرَهُ قَدْ ذَهَبَ وَأَخَّرْته إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي وَصَفُوا أَنَّهُ إذَا بَلَغَهَا قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ لَا يَعُودُ بَصَرُهُ فَمَاتَ قَبْلَهَا أَوْ أَصَابَ عَيْنَهُ شَيْءٌ بَخَقَهَا فَذَهَابُهَا مِنْ الْجَانِي الْأَوَّلِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّ ذَهَابَ بَصَرِهَا مِنْ وَجَعٍ أَوْ جِنَايَةٍ وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي الْآخَرِ إلَّا حُكُومَةٌ: وَكَانَ عَلَى الْجَانِي الْأَوَّلِ الْقَوَدُ إنْ كَانَ عَمْدًا وَالْعَقْلُ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً. وَإِنْ قَالَ الْجَانِي الْأَوَّلُ أَحْلِفُوا لِي الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مَا عَادَ بَصَرُهُ مُنْذُ جَنَيْت عَلَيْهِ إلَى أَنْ جَنَى هَذَا عَلَيْهِ فَعَلْنَاهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ أَحْلِفُوا وَرَثَتَهُ أَحَلَفْنَاهُمْ
(6/68)

عَلَى عِلْمِهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ بَصَرُهُ ذَهَبَ، أُحْلِفُوا لَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ وَلَوْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَأَقَرَّ أَنْ قَدْ أَبْصَرَ أَوْ جَاءَ قَوْمٌ فَقَالُوا قَدْ ذَكَرَ أَنَّ بَصَرَهُ عَادَ عَلَيْهِ أَوْ رَأَيْنَاهُ يُبْصِرُ بِعَيْنِهِ أَبْطَلْنَا جِنَايَةَ الْأَوَّلِ وَجَعَلْنَا الْجِنَايَةَ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ لَمْ نَجِدْ مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْهُ إلَّا بَعْدَ جِنَايَةِ الْآخَرِ بَطَلَتْ جِنَايَةُ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَلَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى بَصَرِهِ وَهُوَ ذَاهِبٌ وَلَا يَعْلَمُ ذِكْرُهُ رُجُوعَ بَصَرِهِ قَبْلَ الْجِنَايَةِ.
أَوْ أُحْلِفَ الْجَانِي الْآخَرُ لَقَدْ جَنَى عَلَيْهِ وَمَا يُبْصِرُ مِنْ جِنَايَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ وَغَيْرِ جِنَايَتِهِ. وَهَكَذَا وَرَثَتُهُ لَوْ قَالُوا قَوْلَهُ وَإِنَّمَا أَقْبَلُ قَوْلَ أَهْلِ الْبَصَرِ إذَا ادَّعَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَا قَالُوا.
فَإِنْ قَالَ هُوَ: أَنَا أُبْصِرُ أَوْ قَدْ عَادَ إلَيَّ بَصَرِي أَوْ قَالَ ذَلِكَ وَرَثَتُهُ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ سَاقِطَةٌ عَنْ الْجَانِي، وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْعُيُونِ قَدْ يَذْهَبُ الْبَصَرُ لِعِلَّةٍ فِيهِ، ثُمَّ يُعَالَجُ فَيَعُودُ أَوْ يَعُودُ بِلَا عِلَاجٍ وَلَا يُؤَيَّسُ مِنْ عَوْدَتِهِ أَبَدًا إلَّا بِأَنْ تُبْخَقَ الْعَيْنُ أَوْ تُقْلَعَ وَقَالُوا قَدْ ذَهَبَ بَصَرُ هَذَا وَالطَّمَعُ بِهِ السَّاعَةَ وَبَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ وَالْيَأْسُ مِنْهُ سَوَاءٌ فَإِنِّي أَقْضِي لَهُ مَكَانَهُ بِالْأَرْشِ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً وَالْقَوَدِ إنْ كَانَتْ عَمْدًا، وَكَذَلِكَ أَقْضِي لِلرَّجُلِ الَّذِي قَدْ ثُغِرَ بِقَلْعِ سِنِّهِ وَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَعُودُ وَلَا يَعُودُ، وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْعُيُونِ: مَا عِنْدَنَا مِنْ هَذَا عِلْمٌ صَحِيحٌ بِحَالٍ إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ قَائِمَةً أَحَلَفْت الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ لَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، ثُمَّ قَضَيْت لَهُ بِالْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْعَقْلَ فِيهِ وَقَضَيْت لَهُ بِالْعَقْلِ فِي الْخَطَأِ فَإِذَا قَضَيْت لَهُ بِقَوَدٍ أَوْ عَقْلٍ، ثُمَّ عَادَ بَصَرُ الْمُسْتَقَادِ لَهُ فَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ الْعَدْلِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ أَنَّ الْبَصَرَ قَدْ يَعُودُ بَعْدَ ذَهَابِهِ بِعِلَاجٍ أَوْ غَيْرِ عِلَاجٍ لَمْ أَجْعَلْ لِلْمُسْتَقَادِ مِنْهُ شَيْئًا وَلَمْ أَرُدَّهُ بِشَيْءٍ أَخَذَهُ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَادَ بَصَرُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ لَمْ أَعْدُ عَلَيْهِ بِفَقْءِ بَصَرِهِ وَلَا سَمْلِهِ وَلَا بِعَقْلٍ. وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ: لَا يَكُونُ أَنْ يَذْهَبَ الْبَصَرُ بِحَالٍ، ثُمَّ يَعُودُ بِعِلَاجٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَكِنْ قَدْ تَعْرِضُ لَهُ الْعِلَّةُ تَمْنَعُهُ الْبَصَرَ ثُمَّ تَذْهَبُ الْعِلَّةُ فَيَعُودُ الْبَصَرُ فَاسْتُقِيدَ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ عَادَ بَصَرُ الْمُسْتَقَادِ لَهُ لَمْ يُرْجَعْ عَلَى الْمُسْتَقَادِ لَهُ بِعَوْدِ الْبَصَرِ وَلَا عَلَى الْوَالِي بِشَيْءٍ وَأُعْطِيَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ أَرْشَ عَيْنِهِ مِنْ عَاقِلَةِ الْحَاكِمِ، وَقَدْ قِيلَ: يُعْطَاهُ مِمَّا يَرْزُقُ السُّلْطَانُ وَيُصْلِحُ أَمْرَ رِعَايَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْخُمُسِ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَخَذَ مِنْ الْجَانِي أَوْ عَاقِلَتِهِ أَرْشَ الْعَقْلِ، ثُمَّ عَادَ بَصَرُهُ رَجَعَ الْجَانِي أَوْ عَاقِلَتُهُ عَلَيْهِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُمْ وَلَا يُتْرَكُ لَهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ لَمْ يَعُدْ بَصَرُ الْمُسْتَقَادِ لَهُ وَعَادَ بَصَرُ الْمُسْتَقَادِ مِنْهُ عِيدَ لَهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ بِمَا يُذْهِبُ بَصَرُهُ، ثُمَّ كُلَّمَا عَادَ بَصَرُهُ عِيدَ لَهُ فَأُذْهِبَ قَوَدًا أَوْ أَخَذَ مِنْهُ الْعَقْلَ إنْ شَاءَ ذَلِكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ الْمُصَابَةُ عَيْنُهُ مَغْلُوبًا أَوْ صَبِيًّا لَا يَعْقِلُ فَإِذَا قَبِلْت قَوْلَ أَهْلِ الْبَصَرِ جَعَلْت عَلَى الْجَانِي عَلَيْهِ الْأَرْشَ فِي الْخَطَأِ.
وَكَذَلِكَ أَجْعَلُهُ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجَانِي قَوَدٌ. وَلَمْ أَنْتَظِرْ بِهِ شَيْئًا فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَقْضِي بِهِ فِيهِ لِلَّذِي يَعْقِلُ وَيَدَّعِي ذَهَابَ بَصَرِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ أَهْلُ الْبَصَرِ بِذَهَابِهِ، وَإِذَا لَمْ أَقْبَلْ قَوْلَ أَهْلِ الْبَصَرِ لَمْ أَقْضِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عَيْنِهِ الْقَائِمَةِ بِشَيْءٍ بِحَالٍ حَتَّى يُفِيقَ الْمَعْتُوهُ أَوْ يَبْلُغَ الصَّبِيُّ فَيَدَّعِي ذَهَابَ بَصَرِهِ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَمُوتَا فَيُقْضَى بِذَلِكَ لِوَرَثَتِهِمَا وَتَحْلِفُ وَرَثَتُهُ لَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَإِذَا كَانَ مَا لَا شَكَّ فِيهِ مِنْ بَخْقِ الْبَصَرِ أَوْ إخْرَاجِ الْعَيْنِ فِي الْخَطَأِ قُضِيَ لِلْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ وَغَيْرِهِمَا مَكَانَهُمْ بِالْعَقْلِ، وَلِلْبَالِغِ بِالْقَوَدِ فِي الْعَمْدِ إذَا طَلَبَهُ. وَيُحْبَسُ الْجَانِي فِي الْعَمْدِ عَلَى الْمَعْتُوهِ وَالصَّبِيِّ أَبَدًا حَتَّى يُفِيقَ هَذَا وَيَبْلُغَ هَذَا فَيَلِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ أَوْ يَمُوتُ فَتَقُومُ وَرَثَتُهُ فِيهِ مَقَامَهُ وَمَتَى مَا بَلَغَ هَذَا أَوْ أَفَاقَ هَذَا جَبَرْته مَكَانَهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْعَقْلِ أَوْ الْقَوَدِ أَوْ الْعَفْوِ وَلَمْ أَحْبِسْ الْجَانِي أَكْثَرَ مِنْ بُلُوغِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ.
وَكَذَلِكَ أُجْبِرُ وَارِثَهُ إنْ مَاتَ إنْ كَانَ بَالِغًا، وَإِذَا اُبْتُلِيَ بَصَرُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَقَبِلْت قَوْلَ أَهْلِ الْبَصَرِ فَقَالُوا لَمْ يَذْهَبْ الْآنَ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ بِهِ إلَى وَقْتِ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَقَدْ سَلِمَ أَنْتَظِرَ بِهِ وَقَبِلَ قَوْلُهُمْ وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ الْجَانِي. وَإِذَا قَبِلْت قَوْلَهُمْ فَقَالُوا: إذْ لَمْ يَذْهَبْ الْآنَ إلَى هَذَا الْوَقْتِ فَلَا يَذْهَبُ إلَّا مِنْ حَادِثٍ بَعْدَهُ أَبْطَلْت الْجِنَايَةَ، وَإِذَا لَمْ أَقْبَلْ قَوْلَهُمْ وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنَا أَجِدُ فِي بَصَرِي ظُلْمَةً فَأُبْصِرُ بِهِ دُونَ مَا كُنْت أُبْصِرُ أَوْ أَجِدُ فِيهِ ثِقَلًا وَأَلَمًا. ثُمَّ جَاءَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ فَقَالَ ذَهَبَ وَلَمْ يَذْهَبْ مِنْهُ الْوَجَعُ أَوْ مَا كُنْت أَجِدُ فِيهِ حَتَّى ذَهَبَ أَحَلَفْته لَقَدْ ذَهَبَ مِنْ الْجِنَايَةِ
(6/69)

وَجَعَلْت الْقَوْلَ قَوْلَهُ وَجَعَلْت لَهُ الْقِصَاصَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْعَقْلَ وَلَمْ أَقْبَلْ قَوْلَ الْجَانِي إذَا عَلِمْت الْجِنَايَةَ كَمَا أَصْنَعُ فِيهِ إذَا جَرَحَهُ فَلَمْ يَزَلْ ضَمِنًا حَتَّى مَاتَ. وَلَوْ قَالَ قَدْ ذَهَبَ جَمِيعُ مَا كُنْت أَجِدُ فِيهِ وَصَحَّ، ثُمَّ ذَهَبَ بَعْدُ بَصَرُهُ جَعَلْته ذَاهِبًا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ لَا شَيْءَ فِيهِ وَسَوَاءٌ عَيْنُ الْأَعْوَرِ وَعَيْنُ الصَّحِيحِ فِي الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ لَا يَخْتَلِفَانِ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ ضَعِيفَ الْبَصَرِ غَيْرَ ذَاهِبِهِ فَفِيهِ كَعَيْنِ الصَّحِيحِ الْبَصَرِ فِي الْعَقْلِ وَالْقَوَدِ كَمَا يَكُونُ ضَعِيفَ الْيَدِ فَتَكُونُ يَدُهُ كَيَدِ الْقَوِيِّ.
وَإِنْ كَانَ بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ وَكَانَ عَلَى النَّاظِرِ وَكَانَ بَصَرُهُ بِهَا أَقَلَّ مِنْ بَصَرِهِ بِالصَّحِيحَةِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ نِصْفُ الْبَصَرِ أَوْ ثُلُثُهُ قُضِيَ لَهُ بِأَرْشٍ مَا عَلِمَ أَنَّهُ بَصَرُهُ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَدْ مِنْ صَحِيحِ الْبَصَرِ وَكَانَ ذَلِكَ كَالْقَطْعِ وَالشَّلَلِ فِي بَعْضِ الْأَصَابِعِ دُونَ بَعْضٍ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا نَقْصَ الْبَصَرِ مِنْ نَفْسِ الْخِلْقَةِ أَوْ الْعَارِضِ وَلَا عِلَّتَهُ دُونَ الْبَصَرِ وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ عَلَى غَيْرِ النَّاظِرِ فَهِيَ كَعَيْنِ الصَّحِيحِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ عَيْبٍ فِيهَا لَا يُنْقِصُ بَصَرَهَا بِتَغْطِيَةٍ لَهُ أَوْ لِبَعْضِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ عَلَى النَّاظِرِ وَكَانَ رَقِيقًا يُبْصِرُ مِنْ تَحْتِهِ بَصَرًا دُونَ بَصَرِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْبَيَاضُ فَفِيهِ حُكُومَةٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ قَدْرَ بَصَرِهِ بِالْعَيْنِ الَّتِي فِيهَا الْبَيَاضُ وَبَصَرُهُ بِالْعَيْنِ الَّتِي لَا بَيَاضَ فِيهَا فَيُجْعَلُ لَهُ قَدْرُهُ كَأَنْ كَانَ يُبْصِرُ مِنْ تَحْتِ الْبَيَاضِ نِصْفَ بَصَرِهِ بِالصَّحِيحَةِ فَأُطْفِئَتْ عَيْنُهُ فَفِيهَا نِصْفُ عَقْلِ الْبَصَرِ وَلَا قَوَدَ بِحَالٍ عَمْدًا كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهَا أَوْ خَطَأً. .

[النَّقْصُ فِي الْبَصَرِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ عَيْنَ الرَّجُلِ فَقَبِلْت قَوْلَ أَهْلِ الْبَصَرِ بِالْعُيُونِ أَنَّ بَصَرَهَا نَقَصَ وَلَمْ يُحِدُّوا نَقْصَهُ وَلَا أَحْسَبُهُمْ يُحِدُّونَهُ أَوْ قَبِلْت قَوْلَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إنَّهُ نَقَصَ اخْتَبَرْته بِأَنْ أَعْصِبَ عَلَى عَيْنِهِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَنْصِبُ لَهُ شَخْصًا عَلَى رَبْوَةٍ أَوْ مُسْتَوًى، فَإِذَا أَثْبَتَهُ بِعِدَّتِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ بَصَرُهُ فَلَا يُثْبِتهُ، ثُمَّ أَعْصِبُ عَيْنَهُ الصَّحِيحَةَ وَأُطْلِقُ عَيْنَهُ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهَا فَأَنْصِبُ لَهُ شَخْصًا فَإِذَا أَثْبَتَهُ بِعِدَّتِهِ حَتَّى يَنْتَهِيَ بَصَرُهَا، ثُمَّ أَذْرَعُ مُنْتَهَى بَصَرِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا وَالْعَيْنِ الصَّحِيحَةِ، فَإِنْ كَانَ يُبْصِرُ بِهَا نِصْفَ بَصَرِ عَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ جَعَلْت لَهُ نِصْفَ أَرْشِ الْعَيْنِ وَلَا قَوَدَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَوَدٍ مِنْ نِصْفِ بَصَرٍ، وَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْعُيُونِ: إنَّ الْبَصَرَ كُلَّمَا أَبْعَدْته كَانَ أَكَلَّ لَهُ وَكَانُوا يَعْرِفُونَ بِالذَّرْعِ قَدْرَ مَا ذَهَبَ مِنْ الْبَصَرِ مَعْرِفَةَ إحَاطَةٍ قَبِلْتُ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا مَعْرِفَةَ إحَاطَةٍ أَوْ اخْتَلَفُوا جَعَلْته بِالذَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ وَلَمْ أَزِدْ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ عَلَى حِصَّةِ مَا نَقَصَ بَصَرُهُ بِالذَّرْعِ، وَإِنْ قَالَ الْجَانِي أَحْلِفْ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ مَا يَثْبُتُ الشَّخْصُ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُهُ أَحَلَفْته لَهُ وَلَمْ أَقْضِ لَهُ حَتَّى يَحْلِفَ، وَإِنَّمَا قُلْت لَا أَسْأَلُ أَهْلَ الْعِلْمِ عَنْ حَدِّ نَقْصِ الْبَصَرِ أَوْ لَا أَنِّي سَمِعْت بَعْضَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الصِّدْقِ وَالْبَصَرِ يَقُولُ: لَا يُحَدُّ أَبَدًا نَقْصُ الْعَيْنِ إذَا بَقِيَ فِيهَا مِنْ الْبَصَرِ شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ إلَّا بِمَا وَصَفْت مِنْ نَصْبِ الشَّخْصِ لَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى بَصَرِ الرَّجُلِ عَمْدًا فَنَقَصَ بَصَرُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلَا قَوَدَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْقِصَ مِنْ بَصَرِ الْجَانِي بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ بَصَرِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَلَا يُجَاوِزُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي عَيْنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بَيَاضٌ فَأَذْهَبَهَا الْجَانِي فَلَا قِصَاصَ، وَلَا قِصَاصَ فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ حَتَّى يَذْهَبَ بَصَرُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِذَا ذَهَبَ كُلُّهُ فَإِنْ كَانَ بَخَقَ عَيْنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بُخِقَتْ عَيْنُهُ وَإِذَا كَانَ قَلَعَهَا قُلِعَتْ عَيْنُهُ وَإِنْ كَانَ ضَرَبَهَا حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُ بَصَرِهَا أَوْ أَشْخَصَهَا عَنْ مَوْضِعِهَا وَلَمْ يُنْدِرْهَا مِنْ مَوْضِعِهَا قِيلَ: لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَصْنَعَ بِعَيْنِهِ هَذَا، فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْعُيُونِ: إنَّ الْبَصَرَ كُلَّمَا أَبْعَدَ كَانَ أَكَّلَ لَهُ وَكَانُوا يَعْرِفُونَ بِالذَّرْعِ قَدْرَ مَا ذَهَبَ مِنْ
(6/70)

الْبَصَرِ مَعْرِفَةَ إحَاطَةٍ قَبِلْت مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوهُ مَعْرِفَةَ إحَاطَةٍ وَاخْتَلَفُوا جَعَلْته بِالذَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ وَلَمْ أَزِدْ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ عَلَى حِصَّةِ مَا نَقَصَ بَصَرُهُ بِالذَّرْعِ، وَإِنْ ذَهَبَ بَصَرُهَا كُلُّهُ وَأَشْخَصَهَا عَنْ مَوْضِعِهَا قِيلَ: لَهُ إنْ شِئْت أَذْهَبْنَا لَكَ بَصَرَهُ وَلَا شَيْءَ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَإِنْ شِئْت فَالْعَقْلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ ضَرَبَهَا فَأَنْدَرَهَا وَلَمْ تُثْبِتْ أَنَدَرَتْ عَيْنُهُ بِهَا وَإِنْ قَالَ ضَرَبَهَا فَأَنْدَرَهَا فَرُدَّتْ وَذَهَبَ بَصَرُهَا أَنَدَرَتْ عَيْنُهُ، وَقِيلَ لَهُ إنْ شِئْت فَرُدَّهَا وَإِنْ شِئْت فَدَعْ وَلَمْ تُعْطَ عَقْلًا بِمَا صَنَعَ بِكَ إذَا أَقَدْت فَإِنْ كَانَتْ لَا تَعُودُ، ثُمَّ ثَبَتَتْ فَلَمْ تَثْبُتْ إلَّا وَقَدْ بَقِيَ لَهَا عِرْقٌ فَرُدَّتْ فَثَبَتَتْ لَمْ تُنْدَرُ عَيْنُهُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَنْدُرَ ثُمَّ تَعُودُ وَيَبْقَى لَهَا عِرْقٌ، وَقِيلَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ: إنْ شِئْت أَذْهَبْنَا لَكَ بَصَرَهُ وَإِنْ شِئْت فَالْعَقْلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ ضَرَبَ عَيْنَهُ فَأَدْمَاهَا وَلَمْ يَذْهَبْ بَصَرُهَا فَلَا قِصَاصَ وَلَا أَرْشَ مَعْلُومٌ وَفِيهَا حُكُومَةٌ وَيُعَاقَبُ الضَّارِبُ. .

[اخْتِلَافُ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْبَصَرِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى بَصَرِ الرَّجُلِ فَقَالَ جَنَيْت عَلَيْهِ وَبَصَرُهُ ذَاهِبٌ فَعَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ يُبْصِرُ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِ وَيَسَعُ الْبَيِّنَةَ الشَّهَادَةُ عَلَى ذَلِكَ إذَا رَأَوْهُ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْبَصِيرِ وَيَتَّقِي مَا يَتَّقِي وَهَكَذَا إذَا جَنَى عَلَى بَصَرِ صَبِيٍّ أَوْ مَعْتُوهٍ فَقَالَ جَنَيْت عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِمَا الْبَيِّنَةُ أَنَّهُمَا كَانَا يُبْصِرَانِ قَبْلَ أَنْ يَجْنِيَ عَلَيْهِمَا وَيَسَعُ الْبَيِّنَةَ الشَّهَادَةُ إنْ كَانَا يَرَيَانِهِمَا يَتَّقِيَانِ بِهِ اتِّقَاءَ الْبَصِيرِ وَيَتَصَرَّفَانِ تَصْرِفَهُ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي فِيمَا جَنَى عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ جَنَيْت عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ كَأَنْ قَطَعَ أُذُنَهُ فَقَالَ ضَرَبْتهَا وَهِيَ مَقْطُوعَةٌ قَبْلَ ضَرْبَتِهَا، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَقْطُوعَةِ أُذُنُهُ بِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ أُذُنٌ صَحِيحَةٌ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ مُسَجًّى بِثَوْبٍ فَقَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ فَقَالَ قَطَعْته وَهُوَ مَيِّتٌ أَوْ جَاءَ قَوْمًا فِي بَيْتٍ فَهَدَمَهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ هَدَمْته وَهُمْ مَوْتَى كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَانِي مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِمْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْحَيَاةَ كَانَتْ فِيهِمْ قَبْلَ الْجِنَايَةِ، فَإِذَا أَقَامُوهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْجَانِي حَتَّى تَثْبُتَ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ لَهُمْ مَوْتٌ قَبْلَ الْجِنَايَةِ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الَّذِينَ هُدِمَ عَلَيْهِمْ الْبَيْتُ عَلَى الْحَيَاةِ الَّتِي قَدْ عَرَفْت مِنْهُمْ حَتَّى يُقِيمَ الَّذِي هَدَمَ عَلَيْهِمْ الْبَيْتَ أَنَّهُمْ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَهْدِمَهُ. .

[الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا لَقِيتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْيَدِ الشَّلَّاءِ وَلَا الْمُنْبَسِطَةِ غَيْرِ الشَّلَّاءِ إذَا كَانَتْ لَا تَنْقَبِضُ وَلَا تَنْبَسِطُ أَوْ كَانَ انْبِسَاطُهَا بِلَا انْقِبَاضٍ أَوْ انْقِبَاضُهَا بِغَيْرِ انْبِسَاطٍ عَقْلٌ مَعْلُومٌ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ عَقْلُهَا إذَا جَنَى عَلَيْهَا صَحِيحَةً تَنْقَبِضُ وَتَنْبَسِطُ فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْ هَذَا فَكَانَتْ لَا تَنْقَبِضُ وَلَا تَنْبَسِطُ فَإِنَّمَا فِيهَا حُكُومَةٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا فَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولُوا فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ وَلَا يَكُونُ فِيهَا عَقْلٌ مَعْلُومٌ وَأَنَا أَحْفَظُ عَنْ عَدَدٍ مِنْهُمْ فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ هَذَا وَبِهِ أَقُولُ وَيَكُونُ فِيهَا حُكُومَةٌ، وَكُلُّ مَا قُلْت فِيهِ حُكُومَةٌ فَأَحْسَبُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَانَ حُكُومَةٌ إلَّا بِأَنْ يُقَالَ اُنْظُرُوا كَأَنَّهَا جَارِيَةٌ فُقِئَتْ عَيْنٌ لَهَا قَائِمَةٌ كَمْ كَانَتْ قِيمَتُهَا وَعَيْنُهَا قَائِمَةٌ بِبَيَاضٍ أَوْ ظُفْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا قِيمَتُهَا وَعَيْنُهَا قَائِمَةٌ هَكَذَا خَمْسُونَ دِينَارًا، قِيلَ فَكَمْ قِيمَتُهَا الْآنَ حِينَ بُخِقَتْ عَيْنُهَا فَصَارَتْ إلَى هَذَا وَبَرَأَتْ؟ فَإِنْ قَالُوا أَرْبَعُونَ
(6/71)

دِينَارًا جَعَلْت فِي عَيْنِ الرَّجُلِ الْقَائِمَةِ خُمْسَ دِيَتِهِ، وَإِنْ قَالُوا خَمْسَةً وَثَلَاثُونَ دِينَارًا جَعَلْت فِي عَيْنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ خُمْسًا وَنِصْفَ خُمْسٍ وَهُوَ خُمْسٌ وَعُشْرُ دِيَتِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا كُلُّ مَا سِوَى هَذَا فَإِنْ قَالُوا بَلْ نَقَصَهَا هَذَا الْبَخْقُ نِصْفَ قِيمَتِهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ قَائِمَةَ الْعَيْنِ فَلَا أَحْسَبُ هَذَا إلَّا خَطَأً وَلَا أَحْسَبُهُمْ يَقُولُونَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَيَنْقُصُ مِنْ النِّصْفِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا جَعَلَ فِي الْعَيْنِ الصَّحِيحَةِ نِصْفَ الدِّيَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْقَائِمَةُ كَالْعَيْنِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ قَضَى زَيْدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَعَلَّهُ قَضَى بِهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. .

[ذَهَاب السَّمْعِ]
فِي السَّمْعِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا قَوَدَ فِي ذَهَابِ السَّمْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوَصِّلُ إلَى الْقَوَدِ فِيهِ فَإِذَا ذَهَبَ السَّمْعُ كُلُّهُ فَفِيهِ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَقَالَ قَدْ صَمَمْت سُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالصَّمَمِ فَإِنْ قَالُوا لَهُ مُدَّةٌ إنْ بَلَغَهَا وَلَمْ يَسْمَعْ تَمَّ صَمَمُهُ لَمْ أَقْضِ لَهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَبْلُغَ تِلْكَ الْمُدَّةَ فَإِنْ قَالُوا مَالَهُ غَايَةٌ تُغُفِّلَ وَصِيحَ بِهِ فَإِنْ أَجَابَ فِي بَعْضِ مَا تُغُفِّلَ بِهِ جَوَابَ مَنْ يَسْمَعُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَأُحْلِفَ الْجَانِي مَا ذَهَبَ سَمْعُهُ فَإِنْ لَمْ يُجِبْ عِنْدَ مَا غُفِّلَ بِهِ أَوْ عِنْدَ وُقُوعِ جَوَابِ مَنْ يَسْمَعُ أُحْلِفَ لَقَدْ ذَهَبَ سَمْعُهُ فَإِذَا حَلَفَ فَلَهُ الدِّيَةُ كَامِلَةٌ وَإِنْ أَحَطْنَا أَنَّ سَمْعَ إحْدَى الْأُذُنَيْنِ يَذْهَبُ وَيَبْقَى سَمْعُ الْأُذُنِ الْأُخْرَى فَفِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ نِصْفُ السَّمْعِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ نَقَصَ سَمْعُهُ كُلُّهُ فَكَانَ يُحَدُّ نَقْصُهُ بِحَدٍّ مِثْلُ أَنْ يَعْرِفَ آخَرَ حَدٍّ يُدْعَى مِنْهُ فَيُجِيبُ كَانَ لَهُ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يُحَدُّ فَفِيهِ حُكُومَةٌ وَلَا أَحْسَبُهُ يُحَدُّ بِحَالٍ وَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ بِإِحْدَى أُذُنَيْهِ وَكَانَتْ الْأُذُنُ الصَّحِيحَةُ إذَا سُدَّتْ بِشَيْءٍ عُرِفَ ذَهَابُ سَمْعِ الْأُذُنِ الْأُخْرَى أَمْ لَا سُدَّتْ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ قُبِلَ قَوْلِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّ سَمْعَهُ ذَهَبَ مَعَ يَمِينِهِ وَقُضِيَ لَهُ بِنِصْفِ الدِّيَةِ وَالْأُذُنَانِ غَيْرُ السَّمْعِ فَإِذَا قُطِعَتَا فَفِيهِمَا الْقَوَدُ وَفِي السَّمْعِ إذَا ذَهَبَ الدِّيَةُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَاحِبِهِ.

[الرَّجُلُ يَعْمِدُ الرَّجُلَيْنِ بِالضَّرْبَةِ أَوْ الرَّمْيَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا عَمَدَ الرَّجُلُ الرَّجُلَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ مُصْطَفَّيْنِ قَائِمَيْنِ أَوْ قَاعِدَيْنِ أَوْ مُضْطَجِعَيْنِ بِضَرْبَةٍ تَعَمَّدَهُمَا بِهَا بِسَيْفٍ أَوْ بِمَا يَعْمَلُ بِهِ عَمَلَهُ فَقَتَلَهُمَا فَعَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَوَدُ، وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَعْمِدْ إلَّا أَحَدَهُمَا فَسَبَقَ السَّيْفُ إلَى الْآخَرِ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ إنَّمَا يَقَعُ بِهِمَا وُقُوعًا وَاحِدًا، وَلَوْ عَمَدَ أَنْ يَطْعَنَهُمَا بِرُمْحٍ وَالرُّمْحُ لَا يَصِلُ إلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْآخَرِ أَوْ ضَرَبَهُمَا بِسَيْفٍ، وَأَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ فَقَالَ عَمَدْتهمَا مَعًا وَقَتَلْتُهُمَا مَعًا كَانَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَوَدُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ حِينَ رَمَى أَوْ طَعَنَ أَوْ ضَرَبَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَصِلُ مَا صَنَعَ بِأَحَدِهِمَا إلَى الَّذِي مَعَهُ إلَّا بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى الْأَوَّلِ عَمَدْت الْأَوَّلَ الَّذِي طَعَنْته أَوْ رَمَيْته أَوْ ضَرَبَتْهُ وَلَمْ أَعْمِدْ الْآخَرَ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الْأَوَّلِ وَكَانَتْ عَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُ بِمَا ادَّعَى يُمْكِنُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ عَمَدْت الَّذِي نَفَذَتْ إلَيْهِ الرَّمْيَةُ أَوْ الطَّعْنَةُ آخِرًا وَلَمْ أَعْمَدْ الْأَوَّلَ وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَمَاهُ أَوْ طَعَنَهُ أَوْ ضَرَبَهُ وَهُوَ يَرَاهُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِيهِمَا فِي الْأَوَّلِ بِالْعَمْدِ وَأَنَّهُ ادَّعَى مَا لَا يَصَدَّقُ بِمِثْلِهِ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الْآخَرِ بِقَوْلِهِ عَمَدْته (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَيْهِ الْبَيْضَةُ وَالدِّرْعُ فَقَتَلَهُ بَعْدَ قَطْعِ جُنَّتِهِ أُقِيدَ مِنْهُ، وَإِنْ قَالَ لَمْ أُرِدْ إلَّا الْبَيْضَةَ وَالدِّرْعَ لَمْ يَصْدُقْ إذَا كَانَ عَلَيْهِ سِلَاحٌ فَهُوَ كَبَدَنِهِ. .
(6/72)

[النَّقْصُ فِي الْجَانِي الْمُقْتَصِّ مِنْهُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ رَجُلًا وَالْمَقْتُولُ صَحِيحٌ وَالْقَاتِلُ مَرِيضٌ أَوْ أَقْطَعُ الْيَدَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ أَوْ أُعْمِي أَوْ بِهِ ضَرْبٌ مِنْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ فَقَالَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ هَذَا نَاقِصٌ عَنْ صَاحِبِنَا قِيلَ إذَا كَانَ حَيًّا فَأَرَدْتُمْ الْقِصَاصَ فَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالْجَوَارِحُ تَبَعٌ لِلنَّفْسِ لَا نُبَالِي بِجَذْمِهَا وَسَلَامَتِهَا كَمَا لَوْ قُتِلَ صَاحِبُكُمْ وَهُوَ سَالِمٌ وَصَاحِبُكُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا أَقَدْنَاكُمْ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ بِنَفْسٍ وَلَا يُنْظَرُ فِيهَا إلَى أَطْرَافٍ ذَاهِبَةٍ وَلَا قَائِمَةٍ فَإِنْ قَالَ وُلَاةُ الدَّمِ قَدْ قَطَعَ هَذَا يَدَيْ صَاحِبِنَا وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ وَلَا يَدَ وَلَا رِجْلَ لَهُ فَأَعْطِنَا عِوَضًا مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذْ لَمْ يَكُونَا قِيلَ: إنَّكُمْ إذَا قَتَلْتُمْ فَقَدْ أَتَيْتُمْ عَلَى إفَاتَتِهِ كُلِّهِ وَهَذِهِ الْأَطْرَافُ تَبَعٌ لِنَفْسِهِ وَلَا عِوَضَ لَكُمْ مِمَّا فَاتَ مِنْ أَطْرَافِهِ كَمَا لَا نَقْصَ عَلَيْكُمْ لَوْ كَانَ صَاحِبُكُمْ الْمَقْطُوعَ، وَالْقَاتِلُ صَحِيحًا قُتِلَ بِهِ وَقَتْلُهُ إتْلَافٌ لِجَمِيعِ أَطْرَافِهِ.
وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا فَعَدَا أَجْنَبِيٌّ عَلَى الْقَاتِلِ فَقَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ عَمْدًا كَانَ لَهُ الْقِصَاصُ أَوْ أَخْذُ الْمَالِ إنْ شَاءَ وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ فَلَا سَبِيلَ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ عَلَى الْمَالِ فِي حَالِهِ تِلْكَ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الْقِصَاصِ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الدِّيَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى عَلَيْهِ خَطَأً لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ سَبِيلٌ عَلَى الْمَالِ وَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْت فَاقْتُلْ وَإِنْ شِئْت فَاخْتَرْ أَخْذَ الدِّيَةِ فَإِنْ اخْتَارَ أَخْذَ الدِّيَةِ أَخَذَهَا مِنْ أَيِّ مَالِهِ وَجَدَ دِيَاتٍ أَوْ غَيْرَهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا، ثُمَّ عَدَا أَجْنَبِيٌّ عَلَى الْقَاتِلِ فَجَرَحَهُ جِرَاحَةً مَا كَانَتْ خُيِّرَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ بَيْنَ قَتْلِهِ بِحَالِهِ تِلْكَ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا يَمُوتُ أَوْ أَخَذَ الدِّيَةَ فَإِنْ اخْتَارَ قَتْلَهُ فَلَهُ قَتْلُهُ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقَتْلِ بِالْمَرَضِ وَلَا الْعِلَّةِ مَا كَانَتْ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ وَحِيٌّ وَيَمْنَعُ مِنْ الْقِصَاصِ وَالْحُدُودُ غَيْرُ الْقَتْلِ بِالْمَرَضِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا قَتْلٌ بِالْمَرَضِ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْهُ وَإِذَا قَتَلَهُ مَرِيضًا فَلِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ عَلَى الْجَانِي عَلَيْهِ مَا فِيهِ الْقَوَدُ مِنْ الْجِرَاحِ إنْ شَاءُوا الْقَوَدَ وَإِنْ شَاءُوا الْعَقْلَ وَإِنْ اخْتَارَ وَلِيُّ الدَّمِ قَتْلَهُ فَلَمْ يَقْتُلْهُ حَتَّى مَاتَ مِنْ الْجِرَاحِ الَّتِي أَصَابَهُ بِهَا الْأَجْنَبِيُّ فَلِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ الدِّيَةُ فِي مَالِ الَّذِي قَتَلَهُ وَلِأَوْلِيَاءِ الَّذِي قَتَلَ الْقَتِيلَ الْأَوَّلَ وَقَتَلَهُ الْأَجْنَبِيُّ آخِرًا عَلَى قَاتِلِهِ الْقِصَاصُ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ فَإِنْ اقْتَصُّوا مِنْهُ فَدِيَةُ الْأَوَّلِ فِي مَالِ قَاتِلِهِ الْمَقْتُولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِقَاتِلِهِ الْمَقْتُولِ مَالٌ فَسَأَلَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ وَرَثَةَ الْمَقْتُولِ الْآخِرِ الَّذِي قَتَلَ صَاحِبَهُمْ أَخْذَ دِيَتِهِ لِيَأْخُذُوهَا لِصَاحِبِهِمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ قَاتِلَهُ مُتَعَدٍّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ مِنْهُ بِأَنْ يُفْلِسَ لِأَهْلِ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ بِدِيَةِ قَتِيلِهِمْ.
وَهَذَا هَكَذَا فِي الْجِرَاحِ لَوْ قَطَعَ رَجُلٌ يُمْنَى رَجُلٍ فَقَطَعَ آخَرُ يُمْنَى الْقَاطِعِ وَلَا مَالَ لِلْقَاطِعِ الْمَقْطُوعَةِ يُمْنَاهُ فَقَالَ الْمَقْطُوعَةُ يُمْنَاهُ الْأَوَّلُ قَدْ كَانَتْ يَمِينُ هَذَا لِي أَقْتَصُّ مِنْهَا وَلَا مَالَ لَهُ آخُذُهُ بِيَمِينِي وَلَهُ إنْ شَاءَ مَالٌ عَلَى قَاطِعِهِ فَاقْضُوا لَهُ بِهِ عَلَى قَاطِعِهِ لِآخُذَهُ مِنْهُ وَلَا تَقْتَصُّوا لَهُ بِهِ فَيَبْطُلَ حَقِّي مِنْ الدِّيَةِ وَهُوَ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا مَالَ لَهُ قِيلَ: إنَّمَا جُعِلَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْقِصَاصِ أَوْ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَحَدَهُمَا لَمْ نُجْبِرْهُ عَلَى مَا أَرَدْت مِنْ الْمَالِ وَأَبِيعُهُ يَدَيْهِ بَدَلَ فَمَتَى مَا كَانَ لَهُ مَالٌ فَخُذْهُ وَإِلَّا فَهُوَ حَقٌّ أَفْلَسَ لَكَ بِهِ، وَلَوْ قَالَ قَدْ عَفَوْت الْقِصَاصَ وَالْمَالَ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ وَلَا الْقِصَاصِ إنَّمَا يَكُونُ لَهُ إنْ شَاءَ لَا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إذَا قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ أَنْ يَشْهَدَ لِلْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ
(6/73)

الْأُولَى أَنَّهُ قَدْ وَقَفَ لَهُ مَالَ الْقَاطِعِ الْمَقْطُوعِ آخِرًا فَإِذَا أُشْهِدَ بِذَلِكَ فَلِلْمَقْطُوعِ آخِرًا الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ تَرَكَهُ فَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَتَرَكَ الْمَالَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّي مِنْهُ دِيَةَ يَدِ الَّذِي قُطِعَ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ دِيَةُ يَدِهِ وَجَازَ عَفْوُهُ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ الْمَالَ، وَمَالُهُ مَوْقُوفٌ لِغُرَمَائِهِ.

[الْحَالُ الَّتِي إذَا قَتَلَ بِهَا الرَّجُلُ أُقِيدَ مِنْهُ]
ُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : مَنْ جَنَى عَلَى رَجُلٍ يَسُوقُ يَرَى مَنْ حَضَرَهُ أَنَّهُ فِي السِّيَاقِ وَأَنَّهُ يُقْبَضُ مَكَانُهُ فَضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ فَمَاتَ مَكَانَهُ فَقَتَلَهُ فَفِيهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعِيشُ بَعْدَمَا يُرَى أَنَّهُ يَمُوتُ وَإِذَا رَأَى مَنْ حَضَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَشَهِدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ ذَبَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ عُوقِبَ وَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ رَجُلٌ قَدْ جَرَحَهُ رَجُلٌ جِرَاحَاتٍ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ يُرَى أَنَّهُ يُعَاشُ مِنْ مِثْلِهَا أَوْ لَا يُرَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجْهِزَةً عَلَيْهِ فَذَبَحَهُ مَكَانَهُ أَوْ قَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ أَوْ شَدَخَ رَأْسَهُ مَكَانَهُ أَوْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ بِسِكِّينٍ فَمَاتَ مَكَانَهُ فَهُوَ قَاتِلٌ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَعَقْلُ النَّفْسِ تَامًّا إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ وَعَلَى مَنْ جَرَحَهُ قَبْلَهُ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ أَوْ الْأَرْشُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْقَتْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَطَعَ حُلْقُومَهُ وَمَرِيئَهُ فَإِنَّ مَنْ قُطِعَ حُلْقُومُهُ وَمَرِيئُهُ لَمْ يَعِشْ، وَإِنْ رَأَى أَنَّ فِيهِ بَقِيَّةَ رُوحٍ فَهُوَ كَمَا يَبْقَى مِنْ بَقَايَا الرُّوحِ فِي الذَّبِيحَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ ضَرَبَ عُنُقَهُ فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ، وَكَذَلِكَ إنْ قَطَعَهُ بِاثْنَيْنِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِجِلْدَةٍ أَوْ قَطَعَ حَشْوَتَهُ فَأَبَانَهَا أَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ جَوْفِهِ فَقَطَعَهَا عُوقِبَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَالْقَاتِلُ الَّذِي نَالَهُ بِالْجِرَاحِ قَبْلَهُ لَا يَمْنَعُهُ مَا صَنَعَ هَذَا بِهِ مِنْ الْقَوَدِ إنْ كَانَ قَوَدًا أَوْ الْعَقْلِ وَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ قَدْ قُطِعَ حُلْقُومُهُ دُونَ مَرِيئِهِ أَوْ مَرِيئُهُ دُونَ حُلْقُومِهِ سُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ يَعِيشُ مِثْلُ هَذَا بِدَوَاءٍ أَوْ غَيْرِ دَوَاءٍ نِصْفَ يَوْمٍ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ أَكْثَرَ فَهَذَا قَاتِلٌ وَبُرِّئَ الْأَوَّلُ الْجَارِحُ مِنْ الْقَتْلِ، وَإِنْ قَالُوا لَيْسَ يَعِيشُ مِثْلُ هَذَا إنَّمَا فِيهِ بَقِيَّةُ رُوحٍ إلَّا سَاعَةً أَوْ أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ حَتَّى يَطْغَى فَالْقَاتِلُ الْأَوَّلُ وَهَذَا بَرِيءٌ مِنْ الْقَتْلِ، وَهَكَذَا إذَا أَجَافَهُ فَخَرَقَ أَمْعَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعِيشُ بَعْدَ خَرْقِ الْمِعَى مَا لَمْ يَقْطَعْ الْمِعَى فَيُخْرِجُهُ مِنْ جَوْفِهِ قَدْ خُرِقَ مِعَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ مَوْضِعَيْنِ وَعَاشَ ثَلَاثًا، وَلَوْ قَتَلَهُ أَحَدٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ كَانَ قَاتِلًا وَبُرِّئَ الَّذِي جَرَحَهُ مِنْ الْقَتْلِ فِي الْحُكْمِ وَمَتَى جَعَلْت الْآخَرَ قَاتِلًا فَالْجَارِحُ الْأَوَّلُ بَرِيءٌ مِنْ الْقَتْلِ وَعَلَيْهِ الْجِرَاحُ خَطَأً كَانَتْ أَوْ عَمْدًا فَالْخَطَأُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَالْعَمْدُ فِي مَالِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءُوا أَنْ يَقْتَصُّوا مِنْهُ إنْ كَانَتْ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ وَمَتَى جَعَلْت الْأَوَّلَ الْقَاتِلَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْآخَرِ إلَّا الْعُقُوبَةُ وَالنَّفْسُ عَلَى الْأَوَّلِ. وَسَوَاءٌ فِي هَذَا عَمْدُ الْآخَرِ وَخَطَؤُهُ إنْ كَانَ عَمْدًا وَجَعَلْته قَاتِلًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِنْ كَانَ خَطَأً وَجَعَلْته قَاتِلًا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ، وَإِذَا جَرَحَ رَجُلَانِ رَجُلًا جِرَاحَةً لَمْ يُعَدَّ بِهَا فِي الْقَتْلَى كَمَا وَصَفْت مِنْ الذَّبْحِ وَقَطْعِ الْحَشْوَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَضَرَبَهُ رَجُلٌ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ فَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ بِإِجْهَازٍ عَلَيْهِ فَمَاتَ مِنْهَا مَكَانَهُ قَبْلَ يَرْفَعَهَا فَهُوَ قَاتِلُهُ دُونَ الْجَارِحَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَإِنْ عَاشَ بَعْدَ هَذَا مُدَّةً قَصِيرَةً أَوْ طَوِيلَةً فَهُوَ شَرِيكٌ فِي قَتْلِهِ لِلَّذِينَ جَرَحَاهُ أَوَّلًا وَلَا يَكُونُ مُنْفَرِدًا بِالْقَتْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا نَالَهُ بِهِ إجْهَازًا عَلَيْهِ بِذَبْحٍ أَوْ قَطْعِ حَشْوَةٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ أَوْ بِضَرْبَةٍ يَمُوتُ مِنْهَا مَكَانَهُ وَلَا يَعِيشُ طَرْفُهُ بَعْدَهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا جُرْح رَجُلٌ جِرَاحَاتٍ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا، ثُمَّ جَرَحَهُ آخَرُ بَعْدَهَا فَمَاتَ فَقَالَ أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ مَاتَ مَكَانَهُ مِنْ جِرَاحِ الْآخَرِ دُونَ جِرَاحِ الْأَوَّلَيْنِ وَأَنْكَرَ الْقَاتِلُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى وُلَاةُ الدَّمِ الْأَوَّلِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ لَمْ يَأْتُوا بِهَا فَهُوَ شَرِيكٌ فِي النَّفْسِ لَهُمْ قَتْلُهُ بِالشِّرْكِ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُمْ قَتْلُ اللَّذَيْنِ
(6/74)

جَرَحَاهُ قَبْلُ بإبرائهموه أَنْ يَكُونَ مَاتَ إلَّا مِنْ جِنَايَةِ الْآخَرِ مَكَانَهُ دُونَ جِنَايَتِهِمْ وَلَهُمْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الْجِرَاحِ أَوْ أَرْشُهَا إنْ شَاءُوهُ وَإِذَا صَدَّقَهُمْ الضَّارِبُونَ الْأَوَّلُونَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَةِ الْآخَرِ دُونَ جِنَايَتِهِمْ. .

[الْجِرَاحُ بَعْدَ الْجِرَاحِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ يَدَيْ الرَّجُلِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ بَلَغَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، ثُمَّ قَتَلَهُ أَوْ بَلَغَ مِنْهُ مَا وَصَفْت أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحِ حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ فَذَبَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ فَإِنْ أَرَادَ وُلَاتُهُ الدِّيَةَ فَإِنَّمَا لَهُمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا صَارَتْ نَفْسًا كَانَتْ الْجِرَاحُ كُلُّهَا تَبَعًا لَهَا وَإِنْ أَرَادُوا الْقَوَدَ فَلَهُمْ الْقَوَدُ إنْ كَانَ عَمْدًا كَمَا وَصَفْت، وَفِعْلُ الْجَارِحِ إذَا كَانَ وَاحِدًا فِي هَذَا مُخَالِفٌ لِفِعْلِهِ لَوْ كَانَا اثْنَيْنِ، وَلَوْ كَانَ اللَّذَانِ جَرَحَاهُ الْجِرَاحَ الْأُولَى اثْنَيْنِ، ثُمَّ أَتَى أَحَدُهُمَا فَقَتَلَهُ كَانَ الْآخَرُ قَاتِلًا عَلَيْهِ الْقَتْلُ أَوْ الْعَقْلُ تَامًّا وَكَانَ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ أَرْشِ الْجِرَاحِ إنْ شَاءَ وَرَثَتُهُ إنْ كَانَا جَرَحَاهُ جَمِيعًا، وَإِنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِجِرَاحٍ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي جِرَاحِهِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا أَوْ أَرْشُهَا تَامًّا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ صَارَتْ مُتْلَفَةً بِفِعْلِ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ جِرَاحُهُ كَامِلَةً بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ جَرَحَهُ رَجُلَانِ، ثُمَّ ذَبَحَهُ ثَالِثٌ فَالثَّالِثُ الْقَاتِلُ وَعَلَى الْأَوَّلَيْنِ مَا فِي الْجِرَاحِ مِنْ عَقْلٍ وَقَوَدٍ فَلَوْ جَرَحَهُ رَجُلٌ جِرَاحَةً فَبَرِئَتْ وَقَتَلَهُ بَعْدَ بُرْئِهَا كَانَ عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ مَا عَلَى الْقَاتِلِ مِنْ جَمِيعِ الْعَقْلِ أَوْ الْقِصَاصِ وَفِي الْجِرَاحِ مَا عَلَى الْجَارِحِ مِنْ عَقْلٍ أَوْ قِصَاصٍ إذَا بَرَأَتْ الْجِرَاحُ فَهِيَ جِنَايَةٌ غَيْرُ جِنَايَةِ الْقَتْلِ كَأَنْ قَطَعَ يَدَيْهِ فَبَرَأَ ثُمَّ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ وَأَرْشُ الْيَدَيْنِ وَإِنْ شَاءُوا الْقِصَاصَ فِي الْيَدَيْنِ، ثُمَّ دِيَةُ النَّفْسِ وَإِنْ شَاءُوا الْقِصَاصَ فِي الْيَدَيْنِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَلَوْ كَانَتْ الْيَدَانِ لَمْ تَبْرَآ حَتَّى قَتَلَهُ كَانَتْ دِيَةً وَاحِدَةً إنْ أَرَادُوا الدِّيَةَ أَوْ قِصَاصٌ فِي النَّفْسِ وَالْيَدَيْنِ يَقْطَعُونَ الْيَدَيْنِ، ثُمَّ يَقْتُلُونَهُ وَإِنْ قَتَلُوهُ وَلَمْ يَقْطَعُوا يَدَيْهِ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ فِي الْيَدَيْنِ إذَا لَمْ تَبْرَأْ الْجِرَاحُ فَالْجِرَاحُ تَبَعٌ لِلنَّفْسِ تَبْطُلُ إذَا قَتَلَ الْوَرَثَةُ الْقَاتِلَ وَإِذَا أَخَذُوا دِيَةَ النَّفْسِ تَامَّةً وَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَقْطَعُوا يَدَيْهِ وَيَأْخُذُوا دِيَةَ النَّفْسِ إنَّمَا لَهُمْ قَطْعُ يَدَيْهِ إذَا كَانُوا يُمِيتُونَهُ مَكَانَهُمْ بِالْقَتْلِ قِصَاصًا وَلَوْ قَالَ الْجَانِي: قَطَعْت يَدَيْهِ فَلَمْ تَبْرَأْ حَتَّى قَتَلْته وَقَالَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ: بَلْ بَرَأَتْ يَدَاهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ حِينَئِذٍ دِيَتَانِ إنْ شَاءَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بَيِّنَةٌ تَقُومُ عَلَيْهِ وَلَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ يَدَيْهِ قَدْ بَرَأَتَا لَمْ يُقْبَلْ هَذَا مِنْهُ حَتَّى يَصِفُوا الْبُرْءَ فَإِذَا أَثْبَتُوهُ بِمَا يَعْلَمُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ بُرْءٌ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ سَكَبَتْ مُدَّتُهُمَا أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا لَمْ يُقْبَلْ وَإِذَا قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْبُرْءِ فَقَالَ الْجَانِي قَدْ انْتَقَضَتَا بَعْدَ الْبُرْءِ وَأَكْذَبَهُ الْوَرَثَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ وَعَلَى الْجَانِي الْبَيِّنَةُ أَنَّهُمَا انْتَقَضَتَا مِنْ جِنَايَتِهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ شَهِدَ لَهُمْ بِالْبُرْءِ فَلَا يُدْفَعُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ. .

[الرَّجُل يَقْتُل الرَّجُلَ فَيَعْدُو عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَيَقْتُلُهُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَمْدًا فَعَدَا عَلَيْهِ غَيْرُ وَارِثِ الْمَقْتُولِ فَقَتَلَهُ قِيلَ: يَثْبُتُ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ يُقِرُّ وَبَعْدَمَا أَقَرَّ أَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ وَقِيلَ: يُدْفَعُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ لِيَقْتُلُوهُ أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ
(6/75)

أَوْ يَعْفُوَ أَوْ بَعْدَ مَا دُفِعَ إلَيْهِمْ لِيَقْتُلُوهُ فَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَعَلَى قَاتِلِهِ الْأَجْنَبِيِّ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَرَثَةُ الْمَقْتُولِ أَخْذَ الدِّيَةِ أَوْ الْعَفْوَ وَلَوْ ادَّعَى الْجَهَالَةَ وَقَالَ كُنْت أَرَى دَمَهُ مُبَاحًا لَمْ يُدْرَأْ بِهَا عَنْهُ الْقَوَدُ وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ الَّذِي لَهُ الْقِصَاصُ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ فَأَقَرَّ بِذَلِكَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ وَلَا أَدَبٌ؛ لِأَنَّهُ مُعِينٌ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ وَلَوْ ادَّعَى عَلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ الَّذِي لَهُ الْقِصَاصُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِقَتْلِهِ وَكَذَّبَهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ أُحْلِفَ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ مَا أَمَرَهُ فَإِنْ حَلَفَ فَعَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ وَلِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ الدِّيَةُ فِي مَالِ قَاتِلِ صَاحِبِهِ الْمَقْتُولِ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ لَقَدْ أَمَرَهُ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا حَقَّ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ فِي مَالِهِ وَلَا مَالِ قَاتِلِ صَاحِبِهِ الْمَقْتُولِ وَلَوْ كَانَ لِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ فَأَمَرَهُ أَحَدُهُمَا بِقَتْلِهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ الْآخَرُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وَكَانَ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الْقَاتِلِ أَنْ يَأْخُذُوا نِصْفَ دِيَتِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوَرَثَةِ كُلِّهِمْ وَلِلْوَارِثِ أَخْذُهَا مِنْ مَالِ الْمَقْتُولِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَهَا، وَلَا تَرْجِعُ وَرَثَتُهُ عَلَى الْآمِرِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ إلَّا بِأَمْرِهِ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ وَاحِدٌ فَقُضِيَ لَهُ بِالْقِصَاصِ فَقَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَلِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الْقَاتِلِ عَلَى قَاتِلِ صَاحِبِهِمْ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ وَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ الدِّيَةُ فِي مَالِ قَاتِلِ صَاحِبِهِ دُونَ قَاتِلِ قَاتِلِ صَاحِبِهِ وَلَوْ أَنَّ إمَامًا أَقَرَّ عِنْدَهُ رَجُلٌ بِقَتْلِ رَجُلٍ بِلَا قَطْعِ طَرِيقٍ عَلَيْهِ فَعَجَّلَ فَقَتَلَهُ كَانَ عَلَى الْإِمَامِ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَرَثَتُهُ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَجْعَلْ لِلْإِمَامِ قَتْلَهُ وَإِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ لِوَلِيِّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} [الإسراء: 33] الْآيَةَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : الْإِسْرَافُ فِي الْقَتْلِ أَنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَكَذَلِكَ لَوْ قَضَى عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ وَدَفَعَهُ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَقَالُوا: نَحْنُ نَقْتُلُهُ فَقَتَلَهُ الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ تَرْكُهُ مِنْ الْقَوَدِ وَأَيُّهُمْ شَاءَ تَرَكَهُ فَلَا يَكُونُ إلَى قَتْلِهِ سَبِيلٌ وَالْإِمَامُ فِي هَذَا مُخَالِفٌ أَحَدَ وُلَاةِ الْمَيِّتِ يَقْتُلُهُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّهِمْ حَقًّا فِي دَمِهِ وَلَا حَقَّ لِلْإِمَامِ وَلَا غَيْرِهِ فِي دَمِهِ وَهَذَا مُخَالِفٌ الرَّجُلَ يَقْضِي عَلَيْهِ الْإِمَامُ بِالرَّجْمِ فِي الزِّنَا فَيَقْتُلُهُ الْإِمَامُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ هَذَا لَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَقْنُ دَمِ هَذَا أَبَدًا حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِكَلَامٍ إنْ كَانَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ يَرْجِعَ الشُّهُودُ عَنْ الشَّهَادَةِ إنْ كَانَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ، وَكَذَلِكَ يُخَالِفُ الْمُرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ يَقْتُلُهُ الْإِمَامُ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ؛ لِأَنَّ دَمَ هَؤُلَاءِ مُبَاحٌ لِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا حَقَّ لِآدَمِيٍّ فِيهِ يُحَدُّ عَلَيْهِمْ كَحَقِّ أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ فِي أَخْذِ الدِّيَةِ مِنْ قَاتِلِ وَلِيِّهِمْ وَلَا سَبِيلَ إلَى الْعَفْوِ عَنْهُ كَسَبِيلِ وُلَاةِ الْقَتِيلِ إلَى الْعَفْوِ عَنْ قَاتِلِ صَاحِبِهِمْ.
وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَمْدًا فَعَدَا عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ فَقَتَلَهُ وَالْأَجْنَبِيُّ مِمَّنْ لَا يُقْتَلُ بِالْمَقْتُولِ إمَّا بِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ أَوْ صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغْ وَإِمَّا بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَالْمَقْتُولُ كَافِرٌ فَعَلَى الْقَاتِلِ إذَا كَانَ هَكَذَا دِيَةُ الْمَقْتُولِ وَلِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ أَخْذُ الدِّيَةِ مِنْ قَاتِلِ قَاتِلِهِمْ فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ دِيَةِ صَاحِبِهِمْ فَهِيَ لَهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ دِيَةِ صَاحِبِهِمْ رُدَّ عَلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ كَانَتْ تَنْقُصُ أَخَذُوا مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْقَاتِلِ الْمَقْتُولِ الَّذِي أُخِذَتْ دِيَتُهُ دُيُونٌ مِنْ جِنَايَاتٍ وَغَيْرِهَا فَأَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ شُرَكَاؤُهُمْ فِي دِيَتِهِ وَغَيْرِهَا وَلَيْسُوا بِأَحَقَّ بِدِيَتِهِ مِنْ أَهْلِ الدُّيُونِ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ دِيَتَهُ غَيْرُ دِيَتِهِ وَهُوَ مَالٌ مِنْ مَالِهِ لَيْسُوا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. .

[الْجِنَايَةُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ فَفِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَإِنْ قُطِعَتْ مِنْ السَّاعِدِ أَوْ الْمِرْفَقِ أَوْ مَا بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْمِرْفَقِ فَفِيهَا نِصْفٌ لِلدِّيَةِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْكَفِّ حُكُومَةٌ يُزَادُ فِي الْحُكُومَةِ بِقَدْرِ مَا يُزَادُ عَلَى الْكَفِّ وَلَا يَبْلُغُ بِالزِّيَادَةِ وَإِنْ أَتَتْ عَلَى الْمَنْكِبِ دِيَةُ كَفٍّ تَامَّةٌ وَسَوَاءٌ الْيَدُ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى وَيَدُ الْأَعْسَرِ وَيَدُ غَيْرِهِ وَهَكَذَا الرِّجْلَانِ إذَا قُطِعَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ فَفِيهَا
(6/76)

نِصْفُ الدِّيَةِ فَإِنْ قُطِعَتْ مِنْ السَّاقِ أَوْ الرُّكْبَةِ أَوْ الْفَخِذِ حَتَّى يَسْتَوْعِبَ الْفَخِذَ فَفِيهَا نِصْفُ دِيَةٍ وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ كَمَا وَصَفْت فِي الْيَدَيْنِ وَيُزَادُ فِيهَا بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَوْضِعِ الْقَدَمِ لَا تَبْلُغُ الزِّيَادَةَ، وَإِنْ جَاءَتْ عَلَى الْوَرِكِ دِيَةُ رِجْلٍ تَامَّةٍ.
وَإِنْ قُطِعَتْ الْيَدُ بِالْمَنْكِبِ أَوْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ بِالْوَرِكِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الْقَطْعَيْنِ جَائِفَةٌ فَهُوَ كَمَا وَصَفْت وَإِنْ كَانَتْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَائِفَةٌ فَفِيهَا دِيَةُ الرِّجْلِ وَالْيَدِ وَالْحُكُومَةُ فِي الزِّيَادَةِ وَدِيَةُ جَائِفَةٍ، وَسَوَاءٌ رِجْلُ الْأَعْرَجِ إذَا كَانَتْ الْقَدَمُ سَالِمَةً فَقُطِعَتْ وَيَدُ الْأَعْسَرِ إذَا كَانَتْ الْكَفُّ سَالِمَةً وَرِجْلُ الصَّحِيحِ وَيَدُ غَيْرِ الْأَعْسَرِ وَإِنَّمَا تَكُونُ فِيهَا الدِّيَةُ إذَا كَانَتْ أَصَابِعُهَا الْخَمْسُ سَالِمَةً فَإِنْ كَانَتْ الْكَفُّ سَالِمَةً وَرِجْلُ الصَّحِيحِ وَيَدُ غَيْرِ الْأَعْسَرِ وَإِنَّمَا تَكُونُ فِيهَا الدِّيَةُ إذَا كَانَتْ أَصَابِعُهَا الْخَمْسُ سَالِمَةً فَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُهَا أَرْبَعًا فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ دِيَةٍ وَحُكُومَةُ الْكَفِّ لَا يَبْلُغُ بِهَا دِيَةُ أُصْبُعٍ.
وَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُهَا خَمْسًا إحْدَاهَا شَلَّاءُ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ دِيَةٍ وَحُكُومَةُ الْكَفِّ وَالْأُصْبُعِ الشَّلَّاءِ أَكْثَرُ مِنْ الْحُكُومَةِ فِي الْكَفِّ لَيْسَ لَهَا إلَّا أَرْبَعَةُ أَصَابِعَ وَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُهَا سِتًّا فَفِيهَا دِيَتُهَا وَهِيَ نِصْفُ الدِّيَةِ وَحُكُومَةٌ فِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ فِيهَا أُصْبُعَانِ زَائِدَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ يُزَادُ فِي الْحُكُومَةِ بِقَدْرِ زِيَادَةِ الْأَصَابِعِ الزَّوَائِدِ وَلَا تَخْتَلِفُ رِجْلُ الْأَعْرَجِ وَالصَّحِيحِ إلَّا فِي أَنْ يَجْنِيَ عَلَى رِجْلَيْهِمَا فَيَزِيدُ عَرَجَ الْعَرْجَاءِ وَتَعْرَجُ الصَّحِيحَةُ فَتَكُونُ الْحُكُومَةُ فِي الصَّحِيحَةِ أَكْثَرُ فَأَمَّا إذَا قُطِعَتَا أَوْ شُلَّتَا فَلَا تَخْتَلِفَانِ وَإِذَا كَانَتْ الْيَدُ الشَّلَّاءُ فَقُطِعْت فَفِيهَا حُكُومَةٌ وَالشَّلَلُ الْيُبْسُ فِي الْكَفِّ فَتَيْبَسُ الْأَصَابِعُ أَوْ فِي الْأَصَابِعِ وَإِنْ لَمْ تَيْبَسْ الْكَفُّ فَإِذَا كَانَتْ الْأَصَابِعُ مُنْقَبِضَةً لَا تَنْبَسِطُ بِحَالٍ أَوْ تَنْبَسِطُ إنْ مُدَّتْ فَإِنْ أُرْسِلَتْ رَجَعَتْ إلَى الِانْقِبَاضِ بِغَيْرِ أَنْ تُقْبَضَ أَوْ مُنْبَسِطَةً لَا تَنْقَبِضُ بِحَالٍ أَوْ لَا تَنْقَبِضُ إلَّا أَنْ تُقْبَضَ فَإِنْ أُرْسِلَتْ رَجَعَتْ إلَى الِانْبِسَاطِ بِغَيْرِ أَنْ تَنْبَسِطَ فَهِيَ شَلَّاءُ.
وَسَوَاءٌ فِي الْعَقْلِ كَانَ الشَّلَلُ مِنْ اسْتِرْخَاءِ مَفْصِلِ الْكَفِّ أَوْ الْأَصَابِعِ وَإِنْ كَانَ الشَّلَلُ مِنْ اسْتِرْخَاءِ الذِّرَاعِ أَوْ الْعَضُدِ أَوْ الْمَنْكِبِ فَفِي شَلَلِ الْكَفِّ الدِّيَةُ وَفِي اسْتِرْخَاءِ مَا فَوْقَهَا حُكُومَةٌ وَإِذَا أُصِيبَتْ الْأَصَابِعُ فَكَانَتْ عَوْجَاءَ أَوْ الْكَفُّ وَكَانَتْ عَوْجَاءَ وَأَصَابِعُهَا تَنْقَبِضُ وَتَنْبَسِطُ فَفِيهَا حُكُومَةٌ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا بَعْدَمَا أُصِيبَتْ فَفِيهَا دِيَةٌ تَامَّةٌ وَهَكَذَا إنْ رُضِخَتْ الْأَصَابِعُ فَجُبِرَتْ تَنْقَبِضُ وَتَنْبَسِطُ غَيْرَ أَنَّ أَثَرَ الرَّضْخِ فِيهَا كَالْحَفْرِ فَفِيهَا حُكُومَةٌ وَيُزَادُ فِيهَا بِقَدْرِ الشَّيْنِ وَالْأَلَمِ وَإِنْ جَنَى عَلَيْهَا بَعْدُ فَأُصِيبَتْ فَفِيهَا دِيَتُهَا تَامَّةٌ وَسَوَاءٌ يَدُ الرَّجُلِ التَّامَّةُ الْبَاطِشَةُ الْقَوِيَّةُ وَيَدُ الرَّجُلِ الضَّعِيفَةُ الْقَبِيحَةُ الْمَكْرُوهَةُ الْأَطْرَافِ إذَا كَانَتْ الْأَصَابِعُ سَالِمَةً مِنْ الشَّلَلِ وَسَوَاءٌ الْكَفُّ الْمُتَعَجِّرَةُ مِنْ خِلْقَتِهَا أَوْ الْمُتَعَجِّرَةِ مِنْ مُصِيبَةٍ بِهَا وَالْأَصَابِعُ إذَا سَلِمَتْ مِنْ الْيُبْسِ لَمْ يُنْقِصْ أَرْشَهَا الشَّيْنُ.
وَالْقَوْلُ فِي الرِّجْلِ كَالْقَوْلِ فِي الْيَدِ سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ إذَا قُطِعَتْ رِجْلُ مَنْ لَا رِجْلَ لَهُ إلَّا وَاحِدَةٌ أَوْ يَدُ مَنْ لَا يَدَ لَهُ إلَّا وَاحِدَةٌ أَوْ مَنْ لَهُ يَدَانِ فَفِي الرِّجْلِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْيَدِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا خُلِقَتْ لَهُ فِي يُمْنَاهُ كَفَّانِ أَوْ يَدَانِ مُنْفَصِلَتَانِ أَوْ خُلِقَتَا فِي يُسْرَاهُ أَوْ فِي يُمْنَاهُ وَيُسْرَاهُ مَعًا حَتَّى تَكُونَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَيْدٍ نُظِرَ إلَيْهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ الْعَضُدُ وَالذِّرَاعُ وَاحِدَةً وَالْكَفَّانِ مُفْتَرِقَتَانِ فِي مَفْصِلٍ فَقَطَعَ الَّتِي لَا يَبْطِشُ بِهَا فَفِيهَا الدِّيَةُ وَالْقِصَاصُ إنْ كَانَ قَطَعَهَا عَمْدًا وَلَوْ قُطِعَتْ الْأُخْرَى الَّتِي لَا يَبْطِشُ بِهَا كَانَتْ فِيهَا حُكُومَةٌ وَجَعَلَتْهَا كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ مَعَ الْأَصَابِعِ مِنْ تَمَامِ الْخِلْقَةِ.
وَإِنْ كَانَ يَبْطِشُ بِهِمَا جَمِيعًا جُعِلَتْ الْيَدُ التَّامَّةُ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُهُمَا بَطْشًا إنْ كَانَ مَوْضِعُهَا مِنْ مَفْصِلِ الذِّرَاعِ، مُسْتَقِيمًا عَلَى مَفْصِلٍ أَوْ زَائِلًا عَنْهُ وَجَعَلْت الْأُخْرَى الزَّائِدَةَ إنْ كَانَ مَوْضِعُهَا مِنْ مَفْصِلِ الذِّرَاعِ مُسْتَقِيمًا عَلَيْهِ أَوْ زَائِلًا عَنْهُ وَإِنْ كَانَ بَطْشُهُمَا سَوَاءً وَكَانَتْ إحْدَاهُمَا مُسْتَقِيمَةً عَلَى مَفْصِلِ الذِّرَاعِ جَعَلْت الْمُسْتَقِيمَةَ الْيَدَ الَّتِي لَهَا الْقَوَدُ وَتَمَامُ الْأَرْشِ وَجَعَلْت الْأُخْرَى
(6/77)

الزَّائِدَةُ وَإِنْ كَانَ مَوْضِعُهُمَا مِنْ مَفْصِلِ الذِّرَاعِ وَاحِدًا لَيْسَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَشَدَّ اسْتِقَامَة عَلَى مَفْصِلِ الذِّرَاعِ مِنْ الْأُخْرَى وَلَا يَبْطِشُ بِإِحْدَاهُمَا إلَّا كَبَطْشِهِ بِالْأُخْرَى فَهَاتَانِ كَفَّانِ نَاقِصَتَانِ فَأَيُّهُمَا قُطِعَتْ عَلَى الِانْفِرَادِ فَلَا يَبْلُغُ بِهَا دِيَةُ كَفٍّ تَامَّةٌ وَيُجْعَلُ فِيهَا حُكُومَةٌ يُجَاوِزُ بِهَا نِصْفَ دِيَةِ كَفٍّ وَإِنْ قُطِعَتَا مَعًا فَفِيهِمَا دِيَةُ كَفٍّ وَيُجَاوِزُ فِيهَا دِيَةَ كَفٍّ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ تُزَادَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى نِصْفِ دِيَةِ كَفٍّ وَهَكَذَا إذَا قُطِعَتْ أُصْبُعٌ مِنْ أَصَابِعِهِمَا أَوْ شُلَّتْ الْكَفُّ أَوْ أُصْبُعٌ مِنْ أَصَابِعِهَا وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ لَهُمَا ذِرَاعَانِ وَعَضُدَانِ وَأَصْلُ مَنْكِبٍ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِمَا كَالْقَوْلِ فِيهِمَا إذَا كَانَتْ لَهُمَا كَفَّانِ فِي ذِرَاعٍ وَاحِدَةٍ لَا يَخْتَلِفُ إلَّا بِزِيَادَةِ الْحُكُومَةِ فِي قَطْعِ الذِّرَاعَيْنِ أَوْ الْعَضُدَيْنِ أَوْ الذِّرَاعَيْنِ مَعَ الْكَفَّيْنِ فَيُزَادُ فِي حُكُومَةِ ذَلِكَ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ فِي أَلَمِهِ وَشَيْنِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ كَفَّانِ فِي ذِرَاعٍ إحْدَاهُمَا نَاقِصَةُ الْأَصَابِعِ وَالْأُخْرَى تَامَّتُهَا أَوْ إحْدَاهُمَا زَائِدَةُ الْأَصَابِعِ وَالْأُخْرَى تَامَّتُهَا أَوْ نَاقِصَتُهَا كَانَتْ الْكَفُّ مِنْهُمَا الْعَامِلَةُ دُونَ الَّتِي لَا تَعْمَلُ فَإِنْ كَانَتَا تَعْمَلَانِ فَالْكَفُّ مِنْهُمَا أَقْوَاهُمَا عَمَلًا فَإِنْ اسْتَوَتَا فِي الْعَمَلِ فَالْكَفُّ مِنْهُمَا الْمُسْتَقِيمَةُ الْمَخْرَجِ عَلَى الذِّرَاعِ وَإِنْ كَانَتَا سَوَاءً فَالْكَفُّ مِنْهُمَا التَّامَّةُ دُونَ النَّاقِصَةِ وَالْأُخْرَى زَائِدَةٌ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا زَائِدَةً وَالْأُخْرَى غَيْرَ زَائِدَةٍ فَهُمَا سَوَاءٌ وَلَيْسَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِالْكَفِّ مِنْ الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتَا زَائِدَتَيْنِ مَعًا وَلَوْ خُلِقَتْ لِرَجُلٍ كَفَّانِ فِي ذِرَاعٍ إحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى مُنْفَصِلَةٌ مِنْهَا فَكَانَ يَبْطِشُ بِالسُّفْلَى الَّتِي تَلِي الْعَمَلَ بَطْشًا ضَعِيفًا أَوْ قَوِيًّا وَكَانَتْ سَالِمَةً وَلَا يَبْطِشُ بِالْعُلْيَا كَانَتْ السُّفْلَى هِيَ الْكَفُّ الَّتِي فِيهَا الْقَوَدُ وَالْعَقْلُ تَامًّا وَالْعُلْيَا الزَّائِدَةُ فَإِنْ كَانَ لَا يَبْطِشُ بِالسُّفْلَى بِحَالٍ فَهِيَ كَالشَّلَّاءِ وَلَا تَكُونُ سَالِمَةَ الْأَصَابِعِ إلَّا وَهُوَ يَتَنَاوَلُ بِهَا وَإِنْ ضَعُفَ تَنَاوُلُهُ وَإِنْ كَانَ يَبْطِشُ بِالْعُلْيَا مِنْهُمَا كَانَتْ الْكَفُّ.
وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْبَطْشِ بِهَا وَهِيَ فِيمَا تَرَى سَالِمَةٌ فَقُطِعَتْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَوَدٌ وَلَا دِيَةُ كَفٍّ تَامَّةٌ. وَلَا تَكُونُ أَبَدًا بَاطِشَةً بِالرُّؤْيَةِ دُونَ أَنْ يُشْهَدَ لَهَا عَلَى بَطْشٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَى الْبَطْشِ، مِنْ قَبْضٍ وَبَسْطٍ وَتَنَاوُلِ شَيْءٍ.

الرِّجْلَيْنِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَوْ خُلِقَتْ لِرَجُلٍ قَدَمَانِ فِي سَاقٍ فَكَانَ يَطَأُ بِهِمَا مَعًا وَكَانَتْ أَصَابِعُهُمَا مَعًا سَالِمَةً لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَوْلَى بِاسْمِ الْقَدَمِ مِنْ الْأُخْرَى، وَأَيَّتُهُمَا قُطِعَتْ عَلَى الِانْفِرَادِ فَلَا قَوَدَ فِيهَا، وَفِيهَا حُكُومَةٌ يُجَاوِزُ بِهَا نِصْفَ أَرْشِ الْقَدَمِ وَإِنْ قُطِعَتَا مَعًا فَعَلَى قَاطِعِهِمَا الْقَوَدُ وَحُكُومَةٌ، وَلَوْ قُطِعَتْ الْأُولَى كَانَتْ فِيهَا حُكُومَةٌ، فَإِنْ قَطَعَ قَاطِعُ الْأُولَى الثَّانِيَةَ وَهِيَ سَالِمَةٌ يَمْشِي عَلَيْهَا حِينَ انْفَرَدَتْ كَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَعَ حُكُومَةِ الْأُولَى وَإِنْ قَطَعَهَا غَيْرُهُ فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ حُكُومَةٌ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ أَرْشِ الرِّجْلِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ قَالَ الَّذِي قُطِعَتْ إحْدَى رِجْلَيْهِ اللَّتَيْنِ هُمَا هَكَذَا أَقِدْنِي مِنْ بَعْضِ أَصَابِعِي لَمْ أَقِدْهُ؛ لِأَنَّ أَصَابِعَهُ لَيْسَتْ كَأَصَابِعِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْقَدَمَانِ فِي سَاقٍ فَكَانَتْ إحْدَاهُمَا مُسْتَقِيمَةَ الْخِلْقَةِ عَلَى مَخْرَجِ السَّاقِ وَفِي الْأُخْرَى جَنَفٌ أَوْ عِوَجٌ لِلْمَخْرَجِ عَنْ عَظْمِ السَّاقِ فَكَانَ يَطَأُ بِهِمَا مَعًا فَالْقَدَمُ الْمُسْتَقِيمَةُ عَلَى مَخْرَجِ السَّاقِ وَفِيهَا الْقِصَاصُ، وَالْأُخْرَى الزَّائِدَةُ لَا قِصَاصَ فِيهَا، وَفِيهَا حُكُومَةٌ وَلَوْ كَانَتْ الْمُسْتَقِيمَةُ عَلَى مَخْرَجِ السَّاقِ أُقْصَرَ مِنْ الْخَارِجَةِ زَائِلَةً عَنْ مَخْرَجِ السَّاقِ وَكَانَ يَطَأُ عَلَى الزَّائِلَةِ كُلِّهَا وَطْئًا مُسْتَقِيمًا فَقُطِعَتْ لَمْ أُعَجِّلْ بِالْقَوَدِ فِيهَا حَتَّى أَنْظُرَ فَإِنْ وَطِئَ عَلَى الْأُخْرَى الْمُسْتَقِيمَةِ وَطْئًا مُسْتَقِيمًا كَانَتْ هِيَ الْقَدَمُ وَكَانَتْ الْأُخْرَى هِيَ الْمَانِعَةُ لَهَا بِطُولِهَا فَلَمَّا ذَهَبَتْ وَطِئَ
(6/78)

عَلَى هَذِهِ فَفِي الْأُولَى حُكُومَةٌ وَلَا قَوَدَ وَفِي هَذِهِ إنْ قُطِعَتْ بَعْدَ قَوَدٍ وَالدِّيَةُ تَامَّةٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يَطَأْ عَلَى هَذِهِ بِحَالٍ كَانَتْ الْأُولَى الْقَدَمُ وَكَانَ فِيهَا الْقَوَدُ إنْ أُصِيبَتْ وَدِيَةُ الْقَدَمِ تَامَّةٌ وَفِي هَذِهِ إنْ أُصِيبَتْ بَعْدُ حُكُومَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ لَمْ تُقْطَعْ وَلَكِنْ جَنَى عَلَيْهَا فَأَشَلَّتْ فَصَارَ لَا يَطَأُ عَلَيْهَا جَعَلْتُ فِيهَا دِيَةَ الْقَدَمِ تَامَّةً فَإِنْ قُطِعَتْ فَقَضَيْت فِيهَا بِدِيَةِ الْقَدَمِ فَوَطِئَ عَلَى الْأُخْرَى بَعْدَ قَطْعِ الَّتِي جَعَلْت فِيهَا الدِّيَةَ نَقَضْت الْحُكْمَ فِي الْأُولَى وَرَدَدْته بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الْحُكُومَةِ وَالدِّيَةِ فَأَخَذَتْ مِنْهُمْ حُكُومَةٌ وَرَدَدْت عَلَيْهِ مَا بَقِيَ وَعَلِمْت حِينَئِذٍ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْقَدَمُ وَجَعَلْت فِي هَذِهِ الْقَوَدُ تَامًّا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ فِيهَا إذَا قُطِعَتْ مِنْ السَّاقِ وَالْفَخِذِ كَالْقَوْلِ فِي الْيَدِ إذَا قُطِعَتْ مِنْ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ لَا يَخْتَلِفُ. .

[الْجِنَايَة عَلَى الْأَلْيَتَيْنِ]
الْأَلْيَتَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قُطِعَتْ أَلْيَتَا الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَكَذَلِكَ أَلْيَتَا الصَّبِيِّ فَأَيُّهُمْ قُطِعَتْ أَلْيَتَاهُ عَظِيمُ الْأَلْيَتَيْنِ أَوْ صَغِيرُهُمَا فَسَوَاءٌ وَالْأَلْيَتَانِ كُلُّ مَا أَشْرَفَ عَلَى الظَّهْرِ مِنْ الْمَأْكَمَتَيْنِ إلَى مَا أَشْرَفَ عَلَى اسْتِوَاءِ الْفَخِذَيْنِ وَمَا قُطِعَ مِنْهُمَا فَبِحِسَابٍ وَإِذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِصَاصِ مِنْهُمَا فَفِيهِمَا الْقِصَاصُ إنْ كَانَ قَطَعَهُمَا عَمْدًا وَمَا قُطِعَ مِنْ الْأَلْيَتَيْنِ فَفِيهِ بِحِسَابِ الْأَلْيَتَيْنِ وَمَا شُقَّ مِنْهُمَا فَفِيهِ حُكُومَةٌ وَمَا قُطِعَ مِنْ الْأَلْيَتَيْنِ فَبَانَ، ثُمَّ نَبَتَ وَاسْتَخْلَفَ أَوْ لَمْ يَنْبُتْ فَسَوَاءٌ وَفِيمَا قُطِعَ فَأُبِينَ مِنْهُمَا بِحِسَابِ الْأَلْيَتَيْنِ وَلَوْ قُطِعَ فَلَمْ يُبَنْ، ثُمَّ أُعِيدَ فَالْتَحَمَ كَانَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ وَهَذَا كَالشِّقِّ فِيهِ يَلْتَئِمُ وَمُخَالِفٌ لِمَا بَانَ، ثُمَّ نَبَتَ غَيْرُهُ وَمَا بَانَ، ثُمَّ أُعِيدَ بِنَفْسِهِ فَثَبَتَ فَالْتَأَمَ.

[الْجِنَايَة عَلَى الْأُنْثَيَيْنِ]
الْأُنْثَيَيْنِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قُطِعَتْ أُنْثَيَا الرَّجُلِ أَوْ الصَّبِيِّ أَوْ الْخَصِيّ فَفِيهِمَا الْقَوَدُ إنْ كَانَ الْقَطْعُ عَمْدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ فَيَكُونُ لَهُ فِيهِمَا الدِّيَةُ وَإِذَا قُطِعَتْ إحْدَاهُمَا فَفِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَسَوَاءٌ الْيُسْرَى أَوْ الْيُمْنَى وَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ إحْدَى الْأُنْثَيَيْنِ فَسَقَطَتْ الْأُخْرَى عَمْدًا كَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْ كَانَ يُسْتَطَاعُ الْقِصَاصُ مِنْ إحْدَاهُمَا وَتَثْبُتُ الْأُخْرَى وَعَقْلُ الَّتِي سَقَطَتْ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَأَ رَجُلًا كَمَا تُوجَأُ الْبَهَائِمُ فَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ عِلْمَ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وُجِئَ كَانَ ذَلِكَ كَالشَّلَلِ فِي الْأُنْثَيَيْنِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ كَمَا تَكُونُ عَلَى الْجَانِي دِيَةُ يَدٍ لَوْ ضُرِبَتْ يَدُ رَجُلٍ فَشُلَّتْ، وَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُ عِلْمَهُ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا بِقَوْلِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْجَانِي الدِّيَةُ إنْ كَانَ أَدْرَكَ عِلْمَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ قَطُّ، وَإِذَا سُلَّتْ الْبَيْضَتَانِ وَبَقِيَتْ الْجِلْدَةُ تَمَّ عَقْلُهُمَا وَالْقِصَاصُ فِيهِمَا، وَإِنْ قَطَعَهُمَا بِالْجِلْدَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلْجِلْدَةِ وَفِيهِمَا الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ تَامَّةٌ وَإِذَا سُلَّتْ الْبَيْضَتَانِ، ثُمَّ قُطِعَتْ الْجِلْدَةُ فَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الْجِلْدَةِ الْحُكُومَةُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَقَالَ الْجَانِي: جَنَيْت عَلَيْهِ وَهُوَ مَوْجُوءٌ وَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَلْ صَحِيحٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِ النَّاسِ وَلَا يَجُوزُ كَشْفُهُ لَهُمْ. .
(6/79)

[الْجِنَايَةُ عَلَى رَكَبِ الْمَرْأَةِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا قُطِعَتْ إسكتا الْمَرْأَةِ وَهُمَا شَفْرَاهَا، فَإِنْ قَطَعَهُ رَجُلٌ فَلَا قِصَاصَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْلُهُ فَإِنْ قَطَعَتْهُ امْرَأَةٌ فَعَلَيْهَا الْقِصَاصُ إنْ كَانَ يُقْدَرُ عَلَى الْقِصَاصِ مِنْهُ إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْعَقْلَ فَإِنْ شَاءَتْهُ فَلَهَا الدِّيَةُ تَامَّةٌ وَفِي أَحَدِ شَفْرَيْهَا إذَا أُوعِبَ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الشَّفْرَيْنِ الدِّيَةُ فَإِنْ قُطِعَ الشَّفْرَانِ وَأَعْلَى الرَّكَبِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي الْأَعْلَى حُكُومَةٌ وَإِنْ قُطِعَ الْأَعْلَى فَكَانَ الشَّفْرَانِ بِحَالِهِمَا فَفِي الْأَعْلَى حُكُومَةٌ وَإِنْ انْقَطَعَ الشَّفْرَانِ مَعَهُمَا أَوْ مَاتَا حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ فِيهِمَا كَالشَّلَلِ فِي الْيَدِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي الْأَعْلَى حُكُومَةٌ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَخْفُوضَةُ وَغَيْرُ الْمَخْفُوضَةِ، فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ مَقْطُوعَةَ الشَّفْرَيْنِ قَدْ الْتَحَمَا فَقَطَعَ إنْسَانٌ مَا الْتَحَمَ مِنْهُمَا فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا شَفْرُ الصَّغِيرَةِ وَالْعَجُوزِ وَالشَّابَّةِ لَا يَخْتَلِفُ وَسَوَاءٌ شَفْرُ الرَّتْقَاءِ الَّتِي لَا تُؤْتَى وَالْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ تُؤْتَى وَكَذَلِكَ أَرْكَابهنَّ كُلُّهُنَّ سَوَاءٌ لَا تَخْتَلِفُ.

[عَقْلُ الْأَصَابِعِ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ» ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَبِهَذَا نَقُولُ فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ قُطِعَتْ مِنْ رَجُلٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْخِنْصَرُ وَالْإِبْهَامُ وَالْوُسْطَى إنَّمَا الْعَقْلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَصَابِعُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ وَأَصَابِعُ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الْفَانِي وَالشَّابِّ سَوَاءٌ، وَالْإِبْهَامُ مِنْ أَصَابِعِ الْقَدَمِ مَفْصِلَانِ فَإِذَا قُطِعَ مِنْهُمَا مَفْصِلٌ فَفِيهِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَلِمَا سِوَاهَا مِنْ الْأَصَابِعِ ثَلَاثَةُ مَفَاصِلَ فَإِذَا قُطِعَ مِنْهَا مِفْصَلٌ فَفِيهِ ثَلَاثٌ مِنْ الْإِبِلِ وَثُلُثٌ وَإِنْ خُلِقَ لِأَحَدٍ مَفَاصِلُ أَصَابِعِهِ، سَوَاءٌ لِكُلِّ أُصْبُعٍ مَفْصِلَانِ وَكَانَتْ أَصَابِعُهُ سَالِمَةً يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا وَيَبْطِشُ بِهَا فَفِي كُلِّ مَفْصِلٍ نِصْفُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُشِلُّهَا فَفِي أُصْبُعِهِ إذَا قُطِعَتْ حُكُومَةٌ وَإِذَا كَانَ لِأُصْبُعِ هَذَا مَفْصِلَانِ وَكَانَتْ سَالِمَةً فَقَطَعَهَا إنْسَانٌ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فَإِنْ قَطَعَ إحْدَى أُنْمُلَتَيْهَا فَلَهُ إنْ شَاءَ الْقِصَاصُ مِنْ أُنْمُلَةِ أُصْبُعِ الْقَاطِعِ فَإِنْ كَانَ فِي أُصْبُعِ الْقَاطِعِ ثَلَاثُ أَنَامِلَ أَخَذَ مَعَ الْقِصَاصِ سُدُسَ عَقْلِ الْأُصْبُعِ وَلَوْ خُلِقَ إنْسَانٌ لَهُ فِي أُصْبُعٍ أَرْبَعُ أَنَامِلَ كَانَتْ فِي كُلِّ أُنْمُلَةٍ رُبُعُ دِيَةِ الْأُصْبُعِ بَعِيرَانِ وَنِصْفٌ إنْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ سَالِمَةً وَإِذَا خُلِقْت لَهُ فِي أُصْبُعٍ أَرْبَعُ أَنَامِلَ فَقَطَعَ رَجُلٌ مِنْهَا أُنْمُلَةً عَمْدًا وَلَهُ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ ثَلَاثُ أَنَامِلَ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أُنْمُلَتَهُ أَزْيَدُ مِنْ أُنْمُلَةِ الْمُقْتَصِّ لَهُ وَلَوْ كَانَ الْقَاطِعُ هُوَ الَّذِي لَهُ أَرْبَعُ أَنَامِلَ وَالْمَقْطُوعُ لَهُ ثَلَاثُ أَنَامِلَ فَلَهُ الْقِصَاصُ وَأَرْشُ مَا بَيْنَ رُبُعِ أُنْمُلَةٍ وَثُلُثِهَا وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أُصْبُعٌ فِيهَا أَرْبَعُ أَنَامِلَ أَوْ فِيهَا أُنْمُلَتَانِ فَكَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ الْأَصَابِعِ مَعَهَا أَوْ أَقْصَرَ مِنْهَا وَهِيَ سَالِمَةٌ فَفِيهَا عَقْلُهَا تَامًّا وَلَيْسَتْ كَالسِّنِّ تَسْقُطُ فَيَسْتَخْلِفُ أَقْصَرَ مِنْ
(6/80)

الْأَسْنَانِ؛ لِأَنَّ الْأَصَابِعَ هَكَذَا تُخْلَقُ وَلَا تَسْقُطُ فَتُسْتَخْلَفُ وَالْأَسْنَانُ تَسْقُطُ فَتُسْتَخْلَفُ.
وَإِذَا بَقِيَتْ فِي الْكَفِّ أُصْبُعٌ أَوْ أُصْبُعَانِ أَوْ ثَلَاثٌ أَوْ أَرْبَعٌ فَقُطِعَتْ الْكَفُّ وَالْأَصَابِعُ فَعَلَى الْقَاطِعِ أَرْشُ الْأَصَابِعِ تَامًّا وَحُكُومَةٌ تَامَّةٌ فِي الْكَفِّ لَا يَبْلُغُ بِهَا أَرْشَ أُصْبُعٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْكَفُّ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ لَا يَبْلُغُ بِحُكُومَتِهَا أَرْشَ أُصْبُعٍ إذَا كَانَتْ مَعَ أَصَابِعَ وَلَا يَسْقُطُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا حُكُومَةٌ إلَّا بِأَنْ يُؤْخَذَ أَرْشُ الْيَدِ تَامًّا فَتَدْخُلُ الْكَفُّ مَعَ الْأَصَابِعِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ يَدٌ تَامَّةٌ، وَإِذَا قُطِعَتْ الْأَصَابِعُ وَأَخَذَ أَرْشَهَا أَوْ عَفَا أَوْ اُقْتُصَّ مِنْهَا، ثُمَّ قُطِعَتْ الْكَفُّ فَفِيهَا حُكُومَةٌ عَلَى مَا وَصَفْت الْحُكُومَاتِ، وَسَوَاءٌ قَطَعَ الْكَفَّ وَالْأَصَابِعَ أَوْ غَيْرَهُ، وَلَوْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى الْأَصَابِعِ عَمْدًا فَقَطَعَهَا، ثُمَّ قَطَعَ الْكَفَّ اُقْتُصَّ مِنْهُ كَمَا صَنَعَ فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ، ثُمَّ كَفُّهُ، وَإِنْ شَاءَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَقَطَعَ أَصَابِعَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ أَرْشَ كَفِّهِ وَقَالَ فِي الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ.
وَلَوْ خُلِقَتْ لِرَجُلٍ أُصْبُعٌ أُنْمُلَتُهَا الَّتِي فِيهَا الظُّفُرِ أُنْمُلَتَانِ مُفْتَرِقَتَانِ فِي كِلْتَيْهِمَا ظُفُرٌ وَلَيْسَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَشَدَّ اسْتِقَامَةٍ عَلَى خِلْقَةِ الْأَصَابِعِ مِنْ الْأُخْرَى وَلَا أَحْسَنَ حَرَكَةٍ مِنْ الْأُخْرَى فَقَطَعَ إنْسَانٌ إحْدَاهُمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ وَكَانَتْ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ تُجَاوِزُ نِصْفَ أَرْشِ أُنْمُلَةٍ وَإِنْ قَطَعَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ الثَّانِيَةَ كَانَتْ فِيهَا حُكُومَةُ الْأُولَى وَكَذَلِكَ إنْ قَطَعَهُمَا مَعًا فَعَلَيْهِ دِيَةُ أُصْبُعٍ وَحُكُومَةٌ فِي الزِّيَادَةِ فَلَوْ خُلِقَتْ لَهُ أَصَابِعُ عَشْرٌ فِي كَفٍّ كَانَ الْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِيهِ لَوْ خُلِقَتْ لَهُ كَفَّانِ الْأَصَابِعُ الْمُسْتَقِيمَةُ عَلَى الْأَكْثَرِ مِنْ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّينَ أَصَابِعُهُ إذَا كَانَتْ سَالِمَةً كُلُّهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ خُلِقَتْ لَهُ أُصْبُعَانِ فَكَانَتْ إحْدَاهُمَا بَاطِشَةً وَالْأُخْرَى غَيْرَ بَاطِشَةٍ كَانَتْ الْبَاطِشَةُ أَوْلَى بِاسْمِ الْأُصْبُعِ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي الرِّجْلَيْنِ كَانَ هَذَا هَكَذَا إذَا كَانَ يَطَأُ عَلَيْهَا كُلِّهَا فَإِنْ كَانَ يَطَأُ عَلَى بَعْضِهَا وَلَا يَطَأُ عَلَى بَعْضٍ، فَإِنَّ الْأَصَابِعَ الَّتِي فِيهَا عَشْرٌ عَشْرٌ هِيَ الَّتِي يَطَأُ عَلَيْهَا، وَاَلَّتِي لَا يَطَأُ عَلَيْهَا زَوَائِدُ إذَا قُطِعَ مِنْهَا شَيْءٌ كَانَتْ فِيهَا حُكُومَةٌ، وَلَوْ خُلِقَتْ لِرَجُلٍ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ وَلِآخَرَ مِثْلُهَا فِي مِثْلِ مَوْضِعِهَا فَجَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ عَمْدًا فَقَطَعَ أُصْبُعَهُ الزَّائِدَةَ قَطَعْت بِهَا أُصْبُعَهُ الزَّائِدَةَ إنْ شَاءَ إذَا كَانَتْ فِي مِثْلِ مَوْضِعِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مِثْلِ مَوْضِعِهَا لَمْ تُقْطَعْ، وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الزَّائِدَتَانِ فَكَانَتْ مِنْ الْقَاطِعِ أَوْ الْمَقْطُوعِ أَتَمَّ كَانَتْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى إذَا كَانَتْ مَفَاصِلُهُمَا وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَتْ الزَّائِدَةُ مِنْ الْقَاطِعِ بِثَلَاثَةِ مَفَاصِلَ وَالزَّائِدَةُ مِنْ الْمَقْطُوعِ بِمَفْصِلٍ وَاحِدٍ أَوْ مِثْلِ الثُّؤْلُولِ وَمَا أَشْبَهَهُ لَمْ يُقْدَ وَكَانَتْ لَهُ حُكُومَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْمَقْطُوعِ مِثْلُهَا مِنْ الْقَاطِعِ أَوْ مِنْ الْقَاطِعِ مِثْلُهَا مِنْ الْمَقْطُوعِ فَلِلْمَقْطُوعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الْقَوَدِ أَوْ حُكُومَةٍ وَبَيْنَ الْأَرْشِ لِنَقْصِ أُصْبُعِ الْمَقْطُوعِ عَنْ أُصْبُعِهِ وَالْحُكُومَةُ أَقَلُّ مِنْ حُكُومَتِهَا لَوْ لَمْ يَسْتَقِدْ.

[أَرْشُ الْمُوضِحَةِ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ» أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَذَلِكَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُوضِحَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ. كُلُّهُ
(6/81)

سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ مُقَدَّمُ الرَّأْسِ وَمُؤَخَّرُهُ فِيهَا وَأَعْلَى الْوَجْهِ وَأَسْفَلُهُ وَاللِّحَى الْأَسْفَلِ بَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ وَمَا تَحْتَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ مِنْهَا وَمَا بَرَزَ مِنْ الْوَجْهِ، كُلُّهَا سَوَاءٌ مَا تَحْتَ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ مِنْ الْمُوضِحَةِ وَمَا يَخْرُجُ مِمَّا بَيْنَ الْأُذُنِ وَمَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَوَاضِحِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ إلَّا فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ؛ لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ يَبْدُوَانِ مِنْ الرَّجُلِ فَأَمَّا مُوضِحَةٌ فِي ذِرَاعٍ أَوْ عُنُقٍ أَوْ عَضُدٍ أَوْ ضِلْعٍ أَوْ صَدْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ فِيهَا إلَّا حُكُومَةٌ. وَالْمُوضِحَةُ عَلَى الِاسْمِ فَمَا أُوضِحَ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ عَنْ الْعَظْمِ فَفِيهِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ لَا يُزَادُ فِي كَبِيرٍ مِنْهَا وَلَوْ أَخَذَتْ قُطْرَيْ الرَّأْسِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا قَدْرٌ مُحِيطٌ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى كُلٍّ اسْمُ مُوضِحَةٍ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا فِي الرَّأْسِ مِنْ الشِّجَاجِ فَهُوَ عَلَى الْأَسْمَاءِ وَلَوْ ضَرَبَ رَجُلٌ رَجُلًا بِشَيْءٍ فَشَجَّهُ شَجَّةً موتصلة فَأُوضِحَ بَعْضُهَا وَلَمْ يُوضَحْ بَعْضٌ كَانَ فِيهَا أَرْشُ مُوضِحَةٍ فَقَطْ وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أَنْ خُرِقَ الْجِلْدُ مِنْ مُوضِحٍ وَبُضِعَ مِنْ آخَرَ وَأُوضِحَ مِنْ آخَرَ فَفِيهَا أَرْشُ مُوضِحَةٍ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّجَّةَ موتصلة (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْجِلْدِ شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَمْ يَنْخَرِقْ وَإِنْ وَرِمَ فَاخْضَرَّ وَأُوضِحَ مِنْ مَوْضِعَيْنِ وَالْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يَنْخَرِقْ حَاجِزٌ بَيْنَهُمَا كَانَ مُوضِحَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مَوَاضِحُ بَيْنَهُمَا فُصُولٌ لَمْ تَنْخَرِقْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ شَجَّهُ فَأَوْضَحَهُ مُوضِحَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا مِنْ الْجِلْدِ شَيْءٌ لَمْ يَنْخَرِقْ، ثُمَّ تَأَكَّلَ فَانْخَرَقَ كَانَتْ مُوضِحَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الشَّجَّةَ اتَّصَلَتْ مِنْ الْجِنَايَةِ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَقَالَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ: أَنْتَ شَقَقْت الْمَوْضِعَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ انْشَقَّ مِنْ رَأْسِي فَلِي مُوضِحَتَانِ وَقَالَ الْجَانِي: بَلْ تَأَكَّلَ مِنْ جِنَايَتِي فَانْشَقَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ مُوضِحَتَانِ فَلَا يُبْطِلُهُمَا إلَّا إقْرَارُهُ أَوْ بَيِّنَةٌ تَقُومُ عَلَيْهِ وَلَا يُقَصُّ بِمُوضِحَةٍ إلَّا بِإِقْرَارِ الْجَانِي أَوْ بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّ الْعَظْمَ قَدْ بَرَزَ حَتَّى قَرَعَهُ الْمِرْوَدُ وَإِنْ لَمْ يَرَ الْعَظْمَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ قَدْ يَحُولُ دُونَهُ أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَيْنِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُرَى، أَوْ شَاهِدٌ يَشْهَدُ عَلَى هَذَا وَيَمِينُ الْمُدَّعِي إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا لَمْ يُقْبَلْ فِيهَا شَاهِدٌ وَيَمِينٌ وَلَا شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَا يَجِبُ إلَّا بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي الْمُوضِحَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي أَنَّهَا لَمْ تُوضَحْ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ.

[أرش الْهَاشِمَةُ]
الْهَاشِمَةُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَقَدْ حَفِظْت عَنْ عَدَدٍ لَقِيتُهُمْ وَذُكِرَ لِي عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ وَبِهَذَا أَقُولُ (قَالَ) : وَالْهَاشِمَةُ الَّتِي تُوضِحُ ثُمَّ تَهْشِمُ الْعَظْمَ وَلَا يَلْزَمُ الْجَانِي هَاشِمَةً إلَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِمَا وَصَفْت مِنْ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّ الْعَظْمَ انْهَشَمَ فَإِذَا قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَزِمَتْهُ هَاشِمَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ الشَّجَّةُ كَبِيرَةٌ فَهَشَّمَتْ مَوْضِعًا أَوْ مَوَاضِعَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الْعَظْمِ لَمْ يَنْهَشِمْ كَانَتْ هَاشِمَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ الرَّأْسِ لَمْ تَشْقُقْهُ، وَالضَّرْبَةُ وَاحِدَةٌ فَهَشَّمَتْ مَوَاضِعَ كَانَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا انْفَصَلَ حَتَّى لَا يَصِلَ بِهِ غَيْرُهُ مَجْرُوحًا بِتِلْكَ الضَّرْبَةِ هَاشِمَةٌ وَهَذَا هَكَذَا فِي الْمُنَقِّلَةِ وَالْمَأْمُومَةِ. .
(6/82)

[أرش الْمُنَقِّلَةُ]
الْمُنَقِّلَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) لَسْت أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ فِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَبِهَذَا أَقُولُ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ حَفِظْت عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيَتْ لَا أَعْلَمُ فِيهَا بَيْنَهُمْ اخْتِلَافًا، وَالْمُنَقِّلَةُ الَّتِي تَكْسِرُ عَظْمَ الرَّأْسِ حَتَّى يَتَشَظَّى فَتُسْتَخْرَجُ عِظَامُهُ مِنْ الرَّأْسِ لِيَلْتَئِمَ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا الْمُنَقِّلَةُ لِأَنَّ عِظَامَهَا تُنَقَّلُ وَقَدْ يُقَالُ لَهَا الْمَنْقُولَةُ وَإِذَا نُقِلَ مِنْ عِظَامِهَا شَيْءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَذَلِكَ عُشْرٌ وَنِصْفُ عُشْرِ دِيَةٍ، وَلَا يُجَاوِزُ الْهَاشِمَةَ حَتَّى يُنْقَلَ بَعْضُ عِظَامِهَا كَمَا وَصَفْت. .

[أرش الْمَأْمُومَةُ]
الْمَأْمُومَةُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَسْت أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَبِهَذَا نَقُولُ فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ وَذَلِكَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَثُلُثٌ. وَالْآمَّةُ الَّتِي تَخْرِقُ عَظْمَ الرَّأْسِ حَتَّى تَصِلَ إلَى الدِّمَاغِ وَسَوَاءٌ قَلِيلٌ مَا خَرَقَتْ مِنْهُ أَوْ كَثِيرَةٌ كَمَا وَصَفْت فِي الْمُوضِحَةِ، وَلَا نُثْبِتُ مَأْمُومَةً إلَّا بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ عَلَيْهَا كَمَا وَصَفْت بِأَنَّهَا قَدْ خَرَقَتْ الْعَظْمَ فَإِذَا أَثْبَتُوا أَنَّهَا قَدْ خَرَقَتْ الْعَظْمَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ دُونَ الدِّمَاغِ حَائِلٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ جَلْدَةَ دِمَاغٍ فَهِيَ آمَّةٌ وَإِنْ لَمْ يُثْبِتُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الدِّمَاغَ.

[مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الشِّجَاجِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَمْ أَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِنْ الشِّجَاجِ بِشَيْءٍ وَأَكْثَرُ قَوْلِ مَنْ لَقِيت أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ أَرْشٌ مَعْلُومٌ وَأَنَّ فِي جَمِيعِ مَا دُونَهَا حُكُومَةٌ قَالَ وَبِهَذَا نَقُولُ. .

[الشِّجَاجُ فِي الْوَجْهِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْمُوضِحَةُ فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ سَوَاءٌ لَا يُزَادُ إنْ شَانَتْ الْوَجْهَ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ الْعَقْلُ مُسَمًّى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْهَاشِمَةُ وَالْمُنَقِّلَةُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ سَوَاءٌ وَفِي اللِّحَى الْأَسْفَلِ وَجَمِيعِ الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ هِيَ فِي اللَّحْيَيْنِ وَحَيْثُ يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ سَوَاءٌ وَلَوْ كَانَتْ فِي الاحسة فَخَرَقَتْ إلَى الْفَمِ أَوْ كَانَتْ فِي اللِّحَى فَخَرَقَتْ حَتَّى تُنْفِذَ الْعَظْمَ وَاللَّحْمَ وَالْجِلْدَ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فِيهِ ثُلُثَ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ خَرَقَتْ خَرْقَ الْآمَّةِ وَأَنَّهَا كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ كَالرَّأْسِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، وَفِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْهَاشِمَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرِقْ إلَى الدِّمَاغِ وَلَا جَوْفٍ فَتَكُونُ فِي مَعْنَى الْمَأْمُومَةِ أَوْ الْجَائِفَةِ. وَإِذَا شَانَتْ الشِّجَاجُ الَّتِي فِيهَا أَرْشٌ مَعْلُومٌ بِالْوَجْهِ لَمْ يَزِدْ فِي شَيْنِ الْوَجْهِ شَيْءٌ. وَإِذَا كَانَتْ الشِّجَاجُ الَّتِي دُونَ الْمُوضِحَةِ كَانَتْ
(6/83)

فِيهَا حُكُومَةٌ لَا يَبْلُغُ بِهَا بِحَالٍ قَدْرَ مُوضِحَةٍ وَإِنْ كَانَ الشَّيْنُ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ مُوضِحَةٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا وَقَّتَ فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْخَمْسُ فِيمَا هُوَ أَقَلَّ مِنْهَا، وَكُلُّ جُرْحٍ عَدَا الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فَإِنَّمَا فِيهِ حُكُومَةٌ إلَّا الْجَائِفَةُ فَقَطْ. .

[أرش الْجَائِفَةُ]
الْجَائِفَةُ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَسْت أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» وَبِهَذَا نَقُولُ وَفِي الْجَائِفَةِ الثُّلُثُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْبَطْنِ أَوْ فِي الصَّدْرِ أَوْ فِي الظَّهْرِ إذَا وَصَلَتْ الطَّعْنَةُ أَوْ الْجِنَايَةُ مَا كَانَتْ إلَى الْجَوْفِ مِنْ أَيِّ نَاحِيَةٍ كَانَتْ مِنْ جَنْبٍ أَوْ ظَهْرٍ أَوْ بَطْنٍ فَفِيهَا ثُلُثُ دِيَةِ النَّفْسِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَثُلُثٌ. وَلَوْ طُعِنَ فِي وَرِكِهِ فَجَافَتْهُ كَانَتْ فِيهَا جَائِفَةٌ. وَلَوْ طُعِنَ فِي ثُغْرَةُ نَحْرِهِ فَجَافَتْهُ كَانَتْ فِيهَا جَائِفَةٌ. وَلَوْ طُعِنَ فِي فَخِذِهِ فَمَضَتْ الطَّعْنَةُ حَتَّى جَافَتْهُ كَانَتْ فِيهَا جَائِفَةٌ وَحُكُومَةٌ بِزِيَادَةِ الطَّعْنَةِ فِي الْفَخِذِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ جِنَايَةٌ جَمَعَتْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً فِي رَأْسِهِ فَمَضَتْ فِي رَقَبَتِهِ كَانَتْ فِيهَا مُوضِحَةٌ وَحُكُومَةٌ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ فِي مَوْضِعِ الْجُرْحَيْنِ. وَلَوْ طَعَنَ رَجُلٌ رَجُلًا فِي حَلْقِهِ أَوْ فِي مَرِيئِهِ فَخَرَقَهُ كَانَتْ فِيهَا جَائِفَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ.
، وَكَذَلِكَ لَوْ طَعَنَهُ فِي الشَّرَجِ فَخَرَقَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ. .

[مَا لَا يَكُونُ جَائِفَةً]
ً (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً عَدَتْ عَلَى امْرَأَةٍ عَذْرَاءَ فَافْتَضَّتْهَا فَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَيْهَا مَا نَقَصَهَا ذَهَابُ الْعُذْرَةِ. وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعَلَيْهَا حُكُومَةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى: فَيُقَالُ: أَرَأَيْت لَوْ كَانَتْ أَمَةً تَسْوَى خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ كَمْ يُنْقِصُهَا ذَهَابُ الْعُذْرَةِ فِي الْقِيمَةِ؟ فَإِنْ قِيلَ: الْعُشْرُ، كَانَتْ عَلَيْهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَإِنْ قِيلَ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ، كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ افْتَضَّهَا رَجُلٌ بِأُصْبُعِهِ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ فَرْجِهِ فَإِنْ افْتَضَّهَا بِفَرْجِهِ فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا بِالْإِصَابَةِ وَحُكُومَةٌ عَلَى مَا وَصَفْت لَا تَدْخُلُ فِي مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَصَابَهَا ثَيِّبًا كَانَ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا عِوَضًا مِنْ الْجِمَاعِ الَّذِي لَمْ تَكُنْ هِيَ بِهِ زَانِيَةً وَلَا تُبْطِلُ الْمَعْصِيَةُ عَنْهُ الْجِنَايَةَ إذَا كَانَتْ مَعَ الْجِمَاعِ وَلَوْ افْتَضَّهَا فَأَفْضَاهَا أَوْ أَفْضَاهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ كَانَتْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَوْ افْتَضَّتْهَا امْرَأَةٌ أَوْ رَجُلٌ يَعُودُ بِلَا جِمَاعٍ كَانَتْ عَلَيْهِمَا دِيَتُهَا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَعْنَى الْجَائِفَةِ بِسَبِيلٍ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَدْخَلَتْ فِي فَرْجِ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ أَوْ دُبُرِهَا عُودًا أَوْ عَصَرَتْ بَطْنَهَا فَخَرَجَ مِنْهَا خَلَاءٌ أَوْ مِنْ فَرْجِهَا دَمٌ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي مَعَانِي الْجَائِفَةِ وَتُعَزَّرُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ صَنَعَ هَذَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ وَهَكَذَا لَوْ أَدْخَلَ فِي حَلْقِهِ أَوْ حَلْقِ امْرَأَةٍ شَيْئًا حَتَّى يَصِلَ إلَى جَوْفِهِ عُزِّرَ وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا مَا فِي الْجَائِفَةِ، وَلَوْ كَانَتْ بِرَجُلٍ جَائِفَةٌ فَأَدْخَلَ رَجُلٌ فِيهَا أُصْبُعَهُ أَوْ عَصَا أَوْ جَرِيدًا حَتَّى وَصَلَتْ إلَى الْجَوْفِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَادَ فِي الْجَائِفَةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَرْشٌ وَإِنْ كَانَ زَادَ فِيهَا ضَمِنَ مَا زَادَ وَإِنْ أَدْخَلَ السِّكِّينَ جَائِفَتَهُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنَايَتِهِ، ثُمَّ شَقَّ فِي بَطْنِهِ شَقًّا إلَى الْجَوْفِ فَعَلَيْهِ دِيَةُ جَائِفَةٍ، وَإِنْ شَقَّ مَا لَا يَبْلُغُ إلَى الْجَوْفِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ وَإِنْ نَكَأَ فِي الْجَوْفِ شَيْئًا فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَإِنْ خَرَقَ بِالسِّكِّينِ الْأَمْعَاءَ ضَمِنَ النَّفْسَ
(6/84)

كُلَّهَا إنْ مَاتَ وَلَا أَحْسِبُهُ يَعِيشُ إذَا خَرَقَ أَمْعَاءَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَعِيشُ بِخَرْقِ الْأَمْعَاءِ كَالذَّبْحِ وَإِنْ لَمْ يَخْرِقْهُ وَنَكَأَ فَمَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ضَمِنَ نِصْفَ دِيَةِ النَّفْسِ وَجَعَلْت الْمَوْتَ مِنْ الْجِنَايَةِ الْأُولَى وَجِنَايَتِهِ الثَّانِيَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ عُودًا فِي حَلْقِهِ أَوْ مَوْضِعًا مِنْهُ فَلَا يَكُونُ فِيهِ مَا فِي الْجَائِفَةِ، وَإِذَا لَمْ يَزَلْ مَرِيضًا ضَمِنًا مِمَّا صَنَعَ بِهِ فَهُوَ قَاتِلٌ يَضْمَنُ دِيَةَ النَّفْسِ، وَإِذَا طَعَنَهُ جَائِفَةً فَأَنْفَذَهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ أَوْ رَدَّ الرُّمْحَ فِيهَا فَجَافَهُ إلَى جَنْبِهَا وَبَيْنَهُمَا شَيْءٌ لَمْ يَخْرِقْهُ فَهِيَ جَائِفَتَانِ، وَهَكَذَا لَوْ طَعَنَهُ بِرُمْحٍ فِيهِ سِنَّانِ مُفْتَرِقٍ فَخَرَقَهُ خَرْقَيْنِ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ وَلَمْ يَخْرِقْ مَا بَيْنَ الْجَائِفَتَيْنِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أُصِيبَ بَطْنُ رَجُلٍ فَخِيطَ فَلَمْ يَلْتَئِمْ حَتَّى طَعَنَهُ رَجُلٌ فَفَتَقَ الْخِيَاطَةَ وَجَافَهُ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ وَإِنْ الْتَأَمَ فَطَعَنَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي طُعِنَ فِيهِ فَالْتَأَمَ فَعَلَيْهِ جَائِفَةٌ. وَهَذَا هَكَذَا فِي كُلِّ الْجِرَاحِ فَلَوْ شَجَّ رَجُلٌ رَجُلًا مُوضِحَةً فَلَمْ تَلْتَئِمْ حَتَّى شَجَّهُ رَجُلٌ عَلَيْهَا مُوضِحَةً كَانَتْ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ، وَلَوْ بَرَأَتْ وَالْتَأَمَتْ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً فَعَلَيْهِ أَرْشُ مُوضِحَةٍ تَامٌّ وَالْقَوَدُ إنْ كَانَتْ الشَّجَّةُ عَمْدًا وَالِالْتِئَامُ يَلْتَصِقُ اللَّحْمُ وَيَعْلُوهُ الْجِلْدُ وَإِنْ ذَهَبَ شَعْرُ الْجِلْدِ أَوْ كَانَ الْجِلْدُ فِي الْبَطْنِ أَوْ الرَّأْسِ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْجِنَايَةِ وَعَمَّا عَلَيْهِ سَائِرُ الْجَسَدِ إذَا كَانَ جِلْدًا مُلْتَئِمًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أَصَابَهُ بِجَائِفَةٍ فَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: قَدْ نَكَأَ مَا فِي بَطْنِهِ مِنْ مِعًى أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ جَائِفَةٌ وَحُكُومَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ مَا نَالَهُ بِهِ فَصَارَ جَائِفَةً مِنْ حَدِيدٍ أَوْ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ يُشْبِهُ الْحَدِيدَ فَأَنْفَذَهُ مَكَانَهُ أَوْ قَرْحٍ وَأَلَمٍ حَتَّى يَصِيرَ جَائِفَةً فَعَلَيْهِ فِي هَذَا كُلِّهِ أَرْشُ جَائِفَةٍ وَلَوْ كَانَ لَمْ يَزِدْهُ عَلَى أُكْرَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا إذَا أَثَّرَتْ، ثُمَّ أَلَمٍ مِنْ مَوْضِعِ الْأَثَرِ حَتَّى تَصِيرَ جَائِفَةً.

[كَسْرُ الْعِظَامِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي التَّرْقُوَةِ جَمَلٌ وَفِي الضِّلْعِ جَمَلٌ وَيُشْبِهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ مَا حُكِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِيمَا وَصَفْت حُكُومَةً لَا تَوْقِيتَ عَقْلٍ فَفِي كُلِّ عَظْمٍ كُسِرَ مِنْ إنْسَانٍ غَيْرُ السِّنِّ حُكُومَةٌ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَرْشٌ مَعْلُومٌ وَمَا يُؤْخَذُ فِي الْحُكُومَاتِ كُلِّهَا بِسَبَبِ الدِّيَاتِ فِي الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ سَبَبِ الْجِنَايَاتِ وَالدِّيَاتِ وَإِذَا جُبِرَ الْعَظْمُ مُسْتَقِيمًا لَا عَيْبَ فِيهِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ وَإِذَا جُبِرَ مَعِيبًا فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ بِقَدْرِ شَيْنِهِ وَضَرَرِهِ وَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ إذَا جُبِرَ صَحِيحًا لَا عَتْمَ فِيهِ. .

[الْعِوَجُ وَالْعَرَجُ فِي كَسْرِ الْعِظَامِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَسَرَ الرَّجُلُ أُصْبُعَ الرَّجُلِ فَشُلَّتْ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا وَلَوْ لَمْ تَشْلُلْ وَبَرَأَتْ مُعْوَجَّةً أَوْ نَاقِصَةً أَوْ مَعِيبَةً فَفِيهَا حُكُومَةٌ لَا يَبْلُغُ بِهَا دِيَةُ الْأُصْبُعِ وَهَذَا هَكَذَا فِي الْكَفِّ إنْ بَرَأَتْ مُعْوَجَّةً فَفِيهَا حُكُومَةٌ، وَإِنْ شُلَّ شَيْءٌ مِنْ الْأَصَابِعِ فَفِيمَا شَلَّ مِنْ الْأَصَابِعِ عَقْلُهُ تَامًّا وَفِي الْكَفِّ إنْ عِيبَتْ بِعِوَجٍ أَوْ
(6/85)

غَيْرِهِ حُكُومَةٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَانَ هَذَا فِي الذِّرَاعِ فَبَرَأَتْ مُتَعَوِّجَةً فَقَالَ الْجَانِي: خَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَسْرِهَا لِتُجْبَرَ مُسْتَقِيمَةً لَمْ يُكْرَهْ عَلَى ذَلِكَ الْمَكْسُورَةُ ذِرَاعُهُ وَجُعِلَتْ عَلَى الْجَانِي أَوْ عَاقِلَتِهِ حُكُومَةٌ فِي جِنَايَتِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ كَسَرَهَا بَعْدَمَا بَرِئَتْ مُتَعَوِّجَةً فَبَرَأَتْ مُسْتَقِيمَةً كَانَتْ لَهُ الْحُكُومَةُ بِحَالِهَا الْأُولَى مُتَعَوِّجَةً؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْعِوَجِ مِنْ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ بَعْدُ وَهَذَا هَكَذَا فِي كَسْرِ الْعِظَامِ كُلِّهَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ كَسَرَ يَدًا فَعُصِبَتْ غَيْرَ أَنَّ الْيَدَ تَبْطِشُ نَاقِصَةَ الْبَطْشِ أَوْ تَامَّتَهُ فَفِيهَا حُكُومَةٌ يُزَادُ فِيهَا بِقَدْرِ الشَّيْنِ وَنَقْصِ الْبَطْشِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ مِنْ الْأَصَابِعِ شَيْءٌ أَوْ يُشَلَّ فَيَكُونُ فِيهِ عَقْلُهُ تَامًّا، وَكَذَلِكَ الْعِوَجُ وَكُلُّ عَيْبٍ كَانَ مَعَ هَذَا. وَإِنْ كَسَرَ سَاقَهُ أَوْ فَخِذَهُ فَبَرَأَتْ عَوْجَاءَ أَوْ نَاقِصَةً يَبِينُ الْعِوَجُ فِيهَا فَفِيهَا حُكُومَةٌ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ الْعِوَجُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَسَرَ الْقَدَمَ أَوْ شُلَّتْ أَصَابِعُ الْقَدَمِ فَقَدْ تَمَّ عَقْلُهَا وَفِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَإِذَا سَلِمَتْ الْأَصَابِعُ وَعِيبَتْ الْقَدَمُ فَفِيهَا حُكُومَةٌ بِقَدْرِ الْعَيْبِ وَنَقْصِ الْمَنْفَعَةِ مِنْهُ، وَإِنْ كَسَرَ الْقَدَمَ أَوْ مَا فَوْقَهَا إلَى الْفَخِذِ أَوْ الْوَرِكِ وَبَرَأَتْ يَطَأُ عَلَيْهَا وَطْئًا ضَعِيفًا فَفِيهَا حُكُومَةٌ فَيُزَادُ فِيهَا بِقَدْرِ زِيَادَةِ الْأَلَمِ وَالنَّقْصِ وَالْعَيْبِ، وَهَكَذَا إنْ قَصُرَتْ وَأَصَابِعُ الرَّجُلِ سَالِمَةً حَتَّى لَا يَطَأَ بِهَا الْأَرْضَ إلَّا مُعْتَمِدًا عَلَى شِقٍّ مُعَلِّقًا الرِّجْلَ الْأُخْرَى فَفِيهَا حُكُومَةٌ بِقَدْرِ مَا نَالَهُ، وَلَوْ أَصَابَهَا مِنْ هَذَا شَيْءٌ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَهُ وَيَبْسُطَهَا فَكَانَتْ مُنْقَبِضَةً لَا تَنْبَسِطُ أَوْ مُنْبَسِطَةً لَا تَنْقَبِضُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ عَلَيْهَا مُعْتَمِدًا عَلَى عَصًا وَلَا عَلَى شَيْءٍ بِحَالٍ، ثُمَّ عَقَلَهَا وَكَانَ فِيهَا خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا مِنْ وَرِكٍ أَوْ سَاقٍ أَوْ قَدَمٍ أَوْ فَخِذٍ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوَطْءِ بِحَالٍ تَمَّ عَقَلَهَا وَلَوْ جَنَى عَلَيْهَا بَعْدَ تَمَامِ عَقْلِهَا جَانٍ فَقَطَعَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ وَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ دِيَةُ رِجْلٍ تَامَّةٌ وَلَا قَوَدَ إنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَيْهَا عَمْدًا، وَلَوْ جَنَى جَانٍ عَلَى رَجُلٍ أَعْرَجَ، وَرِجْلُهُ سَالِمَةُ الْأَصَابِعِ يَطَأُ عَلَيْهَا فَقَطَعَهَا مِنْ الْمَفْصِلِ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ إنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَمْدًا فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً فَفِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ إنْ شَاءَ فِي الْعَمْدِ فِي مَالِ الْجَانِي وَنِصْفُهَا خَطَأٌ فِي أَمْوَالِ عَاقِلَةِ الْجَانِي. وَهَكَذَا الْأَعْسَرُ يُجْنَى عَلَى يَدِهِ سَالِمَةَ الْأَصَابِعِ وَالْبَطْشِ، وَلَوْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فَضَرَبَ بَيْنَ وَرِكَيْهِ أَوْ ظَهْرِهِ أَوْ رِجْلَيْهِ فَمَنَعَهُ الْمَشْيَ وَرِجْلَاهُ تَنْقَبِضَانِ وَتَنْبَسِطَانِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ تَامَّةٌ وَمَتَى أَعْطَيْته الدِّيَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي بِهَا أَعْطَيْته الدِّيَةَ، ثُمَّ عَادَ إلَى حَالِهِ رَدَدْت بِهَا مَا أَخَذْت مِمَّنْ أَخَذْت مِنْهُ الدِّيَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ الْمَشْيَ وَلَكِنَّهُ مَنَعَهُ الْمَشْيَ إلَّا مُعْتَمِدًا أَعْرَجَ أَوْ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ فَعَلَى الْجَانِي حُكُومَةٌ لَا دِيَةٌ فَإِذَا قُطِعَتْ رِجْلُ هَذَا فَفِيهَا الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ تَامَّةٌ لِسَلَامَةِ الْأَصَابِعِ وَالرِّجْلِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مُعْتَمِدًا أَوْ كَانَ ضَعِيفًا كَمَا تَكُونُ الدِّيَةُ تَامَّةٌ فِي الْعَيْنِ يُبْصِرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعْفٌ. .

[كَسْرُ الصُّلْبِ وَالْعُنُقِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِنْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فَالْتَوَتْ عُنُقُهُ مِنْ جِنَايَتِهِ حَتَّى يُقْلَبَ وَجْهُهُ فَيَصِيرَ كَالْمُلْتَفِتِ أَوْ أَصَابَ ذَلِكَ رَقَبَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْوَجَّ وَجْهُهُ أَوْ يَبِسَتْ رَقَبَتُهُ فَصَارَ لَا يَلْتَفِتُ أَوْ يَلْفِتُ الْتِفَاتًا ضَعِيفًا وَهُوَ يُسِيغُ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ وَالرِّيقَ وَيَتَكَلَّمُ فَفِيهَا حُكُومَةٌ يُزَادُ فِيهَا بِقَدْرِ الْأَلَمِ وَالشَّيْنِ وَمَبْلَغِ نَقْصِ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ نَقَصَ ذَلِكَ كَلَامَهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ مَعَهُ إسَاغَةُ الْمَاءِ زِيدَ فِي الْحُكُومَةِ فَإِنْ مَنَعَهُ ذَلِكَ إسَاغَةَ الطَّعَامِ إلَّا أَنْ يُوجِرَهُ أَوْ الْمَضْغَ إلَّا نُغَبًا نُغَبًا زِيدَ فِي الْحُكُومَةِ وَلَا يَبْلُغُ بِهَا بِحَالٍ دِيَةً تَامَّةً وَلَوْ نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ حَتَّى صَارَ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْكَلَامِ كَانَتْ فِيهِ مِنْ الدِّيَةِ بِحِسَابِ مَا نَقَصَ مِنْ كَلَامِهِ وَحُكُومَةٌ لِمَا أَصَابَهُ سِوَاهُ
(6/86)

لِأَنَّ مَا أَصَابَهُ غَيْرُ الْكَلَامِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ ذَهَبَ كَلَامُهُ كَانَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ تَامَّةٌ وَحُكُومَةٌ فِيمَا صَارَ إلَى عُنُقِهِ مِنْ الْجِنَايَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ صَارَ لَا يَسِيغُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا كَانَ هَذَا لَا يَعِيشُ فِيمَا أَرَى فَيُتَرَبَّصُ بِهِ فَإِنْ مَاتَ فَفِيهِ الدِّيَةُ وَإِنْ عَاشَ وَأَسَاغَ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ فَفِيهِ حُكُومَةٌ.

كَسْرُ الصُّلْبِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَسَرَ الرَّجُلُ صُلْبَ الرَّجُلِ فَمَنَعَهُ أَنْ يَمْشِيَ بِحَالٍ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فَإِنْ مَشَى مُعْتَمِدًا فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ مِشْيَتُهُ وَبَرَأَ مُسْتَقِيمًا فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ وَإِنْ بَرَأَ مُعْوَجًّا فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ وَيُزَادُ عَلَيْهِ فِي الْحُكُومَةِ بِقَدْرِ الْعِوَجِ وَإِنْ ادَّعَى أَنْ قَدْ أَذْهَبَ الْكَسْرُ جِمَاعَهُ فَإِنْ كَانَتْ لِذَلِكَ عَلَامَةٌ تُعْرَفُ بِوَصْفِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْجَانِي الدِّيَةُ تَامَّةٌ لَا حُكُومَةَ مَعَهَا؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْجِمَاعِ إنَّمَا كَانَ فِي الْعَيْبِ بِالصُّلْبِ وَالْجِمَاعُ لَيْسَ بِشَيْءٍ قَائِمٍ كَالْكَلَامِ بِاللِّسَانِ مَعَ الرَّقَبَةِ وَلَكِنْ لَوْ أَشَلَّ ذَكَرُهُ بِالْكَسْرِ أَوْ قَطَعَهُ بِهِ كَانَتْ عَلَيْهِ دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ جِنَايَةٌ عَلَى صُلْبٍ فَوَلَدَتْ عَلَى شَيْءٍ قَائِمٍ غَيْرِ الصُّلْبِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ عَلَامَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ: إنَّ مَعْلُومًا أَنَّ الْجِمَاعَ قَدْ يَذْهَبُ مِنْ كَسْرِ الصُّلْبِ وَكَانَ إنْ تَرَبَّصَ وَقْتًا مِنْ الْأَوْقَاتِ فَلَمْ تَنْتَشِرْ آلَتُهُ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ لَا تَنْتَشِرُ تُرِكَ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنْ قَالَ لَمْ تَنْتَشِرْ حَلَفَ وَأَخَذَ الدِّيَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْتٌ وَقِيلَ: هَذَا قَدْ يَذْهَبُ وَيَأْتِي حَلَفَ مَا انْتَشَرَ وَأَخَذَ الدِّيَةَ فِي ذَهَابِ الْجِمَاعِ وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الدِّيَةُ فِي ذَهَابِ الْجِمَاعِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَهَابَ الْجِمَاعِ يَكُونُ مِنْ كَسْرِ الصُّلْبِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَهُ حُكُومَةٌ لَازِمَةٌ وَلَوْ كُسِرَ الصُّلْبُ قَبْلَ الذَّكَرِ حَتَّى يَصِيرَ لَا يُجَامِعُ بِحَالٍ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ فِي الذَّكَرِ وَحُكُومَةٌ فِي الصُّلْبِ إنْ لَمْ يَمْنَعْهُ الْمَشْيَ بِحَالٍ. .

[النَّوَافِذُ فِي الْعِظَامِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَأَنْفَذَ لَحْمَهُ وَعَظْمَهُ حَتَّى بَلَغَتْ ضَرْبَتُهُ الْمُخَّ أَوْ خَرَقَتْ الْعَظْمَ حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ الشِّقِّ الْآخَرِ فَفِيهَا حُكُومَةٌ لَا ثُلُثُ عَقْلِ الْعُضْوِ وَلَا ثُلُثَاهُ كَانَتْ الْحُكُومَةُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَسَرَ الْعَظْمَ حَتَّى يَسِيلَ مُخُّهُ أَوْ أَشْظَاهُ حَتَّى يَخْرُجَ مُخُّهُ وَيَنْكَسِرَ فَيَنْبُتَ مَكَانَهُ عَظْمٌ غَيْرُهُ كَانَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ. .

[ذَهَابُ الْعَقْلِ مِنْ الْجِنَايَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِنْ كَسَرَ رَجُلٌ عَظْمًا مِنْ عِظَامِ رَجُلٍ أَوْ جَنَى جِنَايَةً عَلَيْهِ مَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فَأَذْهَبَ عَقْلَهُ كَانَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ الَّتِي كَانَتْ سَبَبُ ذَهَابِ الْعَقْلِ أَرْشٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْشُهَا أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ فَيَكُونُ فِيهَا الْأَكْثَرُ مِنْ الدِّيَةِ وَأَرْشُهَا وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَيَشُجَّهُ مَأْمُومَةً أَوْ يَنَالَ بِجَائِفَةٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ دِيَةٌ وَثُلُثٌ وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً فَنَقَصَتْ عَقْلَهُ وَلَمْ تُذْهِبْهُ أَوْ أَضْعَفَتْ لِسَانَهُ أَوْ أَوْرَثَتْهُ فَزَعًا كَانَ فِيهَا حُكُومَةٌ يُزَادُ فِيهَا بِقَدْرِ مَا نَالَهُ وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً فِي غَيْرِ يَدِهِ فَأَشَلَّتْ يَدَهُ كَانَ فِيهَا نِصْفُ الدِّيَةِ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ كَأَنَّهَا كَانَتْ مَأْمُومَةً فَيُجْعَلُ فِيهَا الثُّلُثُ وَفِي إشْلَالِ الْيَدِ النِّصْفُ وَإِنْ شُلَّتْ
(6/87)

رِجْلُهُ مَعَ يَدِهِ كَانَتْ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ الدِّيَةُ وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ لَهَا حُكْمٌ مَعْلُومٌ أَهْلَكَتْ عُضْوَيْنِ لَهُمَا حُكْمٌ مَعْلُومٌ وَلَوْ أَصَابَهُ بِمَأْمُومَةٍ فَأَوْرَثَتْهُ جُبْنًا أَوْ فَزَعًا أَوْ غَشْيًا إذَا فَزِعَ مِنْ رَعْدٍ أَوْ غَيْرِهِ كَانَتْ فِيهَا مَعَ الْمَأْمُومَةِ حُكُومَةٌ لَا دِيَةٌ وَإِذَا جَنَى عَلَيْهِ فَذَهَبَ عَقْلُهُ فَفِي ذَهَابِ عَقْلِهِ الدِّيَةُ وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَهَابِ عَقْلِهِ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً لَهَا أَرْشٌ مَعْلُومٌ فَعَلَيْهِ أَرْشُ تِلْكَ الْجِنَايَةِ مَعَ الدِّيَةِ فِي ذَهَابِ الْعَقْلِ وَلَوْ صَاحَ عَلَيْهِ أَوْ ذَعَرَهُ بِشَيْءٍ فَذَهَبَ عَقْلُهُ لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّ عَلَيْهِ شَيْئًا إذَا كَانَ الْمَصِيحُ عَلَيْهِ بَالِغًا يَعْقِلُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ لَوْ صَاحَ عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكِبٌ دَابَّةً أَوْ جِدَارًا فَسَقَطَ فَمَاتَ أَوْ أَصَابَهُ شَيْءٌ لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّ عَلَى الصَّائِحِ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَوْ صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَعْتُوهٍ لَا يَعْقِلُ أَوْ فَزَّعَهُ فَسَقَطَ مِنْ صَيْحَتِهِ ضَمِنَ مَا أَصَابَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ذَهَبَ عَقْلُ الصَّبِيِّ ضَمِنَ دِيَتَهُ وَالصِّيَاحُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَعْتُوهِ إذَا كَانَتْ مِنْهُ جِنَايَةً يَضْمَنُهَا الصَّائِحُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُفَرِّقَانِ بَيْنَ الصِّيَاحِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ عَدَا رَجُلٌ عَلَى بَالِغٍ يَعْقِلُ بِسَيْفٍ فَلَمْ يَضْرِبْهُ بِهِ وَذَعَرَهُ ذُعْرًا أَذْهَبَ عَقْلَهُ لَمْ يَبِنْ لِي أَنَّ عَلَيْهِ دِيَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا لَمْ تَقَعْ بِهِ جِنَايَةٌ وَأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ الْبَالِغِينَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُذْهِبُ الْعَقْلَ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَدَا عَلَى رَجُلٍ بِسَيْفٍ وَلَمْ يَنَلْهُ بِهِ وَجَعَلَ يَطْلُبُهُ وَالْمَطْلُوبُ يَهْرُبُ مِنْهُ فَوَقَعَ مِنْ ظَهْرِ بَيْتٍ يَرَاهُ فَمَاتَ لَمْ يَبِنْ لِي أَنْ يَضْمَنَ هَذَا دِيَتَهُ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَى نَفْسَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَاءٍ فَغَرِقَ أَوْ نَارٍ فَاحْتَرَقَ أَوْ بِئْرٍ فَمَاتَ وَإِنْ كَانَ أَعْمَى أَوْ بَصِيرًا فَوَقَعَ فِيمَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُ حُفْرَةٍ خَفِيَّةٍ أَوْ شَيْءٍ خَفِيٍّ أَوْ مِنْ ظَهْرِ بَيْتٍ فَانْخَسَفَ بِهِ فَمَاتَ ضَمِنْت عَاقِلَةُ الطَّالِبِ دِيَتَهُ؛ لِأَنَّهُ اضْطَرَّهُ إلَى هَذَا وَلَمْ يُحْدِثْ الْمَيِّتُ عَلَى نَفْسِهِ مَا تَسْقُطُ بِهِ الْجِنَايَةُ عَنْ الْجَانِي عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَضَ لَهُ بِدُبٍّ يَطْلُبُهُ إيَّاهُ أَوْ أَسَدٍ فَأَكَلَهُ أَوْ فَحْلٍ فَقَتَلَهُ أَوْ لِصٍّ فَقَتَلَهُ لَمْ يَضْمَنْ الطَّالِبُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْجَانِي عَلَيْهِ غَيْرُهُ. .

[أرش سَلْخُ الْجِلْدِ]
سَلْخُ الْجِلْدِ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَلَخَ شَيْئًا مِنْ جِلْدِ بَدَنِ رَجُلٍ فَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ جَائِفَةً وَعَادَ الْجِلْدُ فَالْتَأَمَ أَوْ سَقَطَ الْجِلْدُ فَنَبَتَ جِلْدٌ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ فَإِنْ كَانَ عَمْدًا فَاسْتُطِيعَ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَإِلَّا فَدِيَتُهُ فِي مَالِهِ وَإِذَا بَرَأَ الْجِلْدُ مَعِيبًا زِيدَ فِي الْحُكُومَةِ بِقَدْرِ عَيْبِ الْجِلْدِ مَعَ مَا نَالَهُ مِنْ الْأَلَمِ وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي رَأْسِهِ أَوْ الْجَسَدِ أَوْ فِيهِمَا مَعًا أَوْ فِي بَعْضِهِمَا فَنَبَتَ الشَّعْرُ كَانَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ إنْ كَانَ خَطَأً لَا يُبْلَغُ بِهَا دِيَةٌ وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ الشَّعْرُ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْبُتْ الشَّعْرُ زِيدَ فِي الْحُكُومَةِ بِقَدْرِ الشَّيْنِ مَعَ الْأَلَمِ وَلَوْ أَفْرَغَ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ رَجُلٍ أَوْ لِحْيَتِهِ حَمِيمًا أَوْ نَتْفَهُمَا وَلَمْ تَنْبُتَا كَانَتْ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ يُزَادُ فِيهَا بِقَدْرِ الشَّيْنِ وَلَوْ نَبَتَا أَرَقَّ مِمَّا كَانَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ نَبَتَا وَافِرَيْنِ كَانَتْ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ يُنْقَصُ مِنْهَا إذَا كَانَتْ أَقَلَّ شَيْئًا وَيُزَادُ فِيهَا إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ شَيْئًا وَلَوْ حَلَقَهُ حَلَّاقٌ فَنَبَتَ شَعْرُهُ كَمَا كَانَ أَوْ أَجْوَدَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَالْحِلَاقُ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ نُسُكًا فِي الرَّأْسِ وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ أَلَمٍ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فِي اللِّحْيَةِ لَا يَجُوزُ فَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ أَلَمٍ وَلَا ذَهَابُ شَعْرٍ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ وَلَوْ اسْتَخْلَفَ الشَّعْرُ نَاقِصًا أَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ كَانَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَقَ غَيْرَ شَعْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فَلَمْ يَنْبُتْ أَيَّ مَوْضِعٍ كَانَ الشَّعْرُ أَوْ مِنْ امْرَأَةٍ كَانَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ بِقَدْرِ قِلَّةِ شَيْنِهِ وَسَوَاءٌ مَا ظَهَرَ مِنْ النَّبَاتِ مِنْ شَعْرِ الْجَسَدِ أَوْ بَطْنٍ إلَّا أَنَّهُ آثِمٌ إنْ كَانَ أَفْضَى إلَى أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنْ امْرَأَةٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَمَسَّ ذَلِكَ مِنْ امْرَأَةٍ وَلَا يَرَاهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ.
وَكَذَلِكَ مَا حَلَقَ مِنْ رِقَابِهِمَا مِنْ دُونِ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَشَعْرِ اللِّحْيَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَتْ لِحْيَةُ رَجُلٍ مُنْتَشِرَةٌ فِي حَلْقِهِ
(6/88)

فَحَلَقَهَا رَجُلٌ فَلَمْ تَنْبُتْ كَانَتْ عَلَيْهِ فِيهَا حُكُومَةٌ وَمَا قُلْت مِنْ هَذَا فِيهِ حُكُومَةٌ فَلَيْسَتْ فِيهِ حُكُومَةٌ أَكْثَرَ مِنْ الْحُكُومَةِ فِي خِلَافِهِ وَإِنَّمَا قُلْت إنَّ فِي شَعْرِ الْبَدَنِ إذَا لَمْ يَنْبُتْ حُكُومَةٌ دُونَ الْحُكُومَاتِ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ إذَا ذَهَبَ الشَّعْرُ؛ لِأَنَّ أَثَرَ شَيْنِهِ عَلَى الرَّجُلِ دُونَ شَيْنِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَجُعِلَتْ فِي ذَهَابِهِ بِلَا أَثَرٍ فِي الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ نَبَاتَ الشَّعْرِ أَصَحُّ وَأَتَمُّ لَهُ وَإِذَا ضَرَبَ رَجُلٌ رَجُلًا ضَرْبًا لَمْ يُذْهِبْ لَهُ شَعْرًا أَوْ لَمْ يُغَيِّرْ لَهُ بَشَرًا غَيْرَ أَنَّهُ آلَمَهُ فَلَا حُكُومَةَ عَلَيْهِ فِيهِ وَيُعَزَّرُ الضَّارِبُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ غَيَّرَ جِلْدَهُ أَوْ أَثَّرَ بِهِ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ قَائِمَةٌ.
وَلَوْ خُلِقَتْ لِامْرَأَةٍ لِحْيَةٌ وَشَارِبَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَحَلَقَهُمَا رَجُلٌ أُدِّبَ وَكَانَتْ عَلَيْهِ حُكُومَةٌ أَقَلَّ مِنْهَا فِي لِحْيَةِ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ مِنْ تَمَامِ خِلْقَةِ الرَّجُلِ وَهِيَ فِي الْمَرْأَةِ عَيْبٌ إلَّا أَنِّي جَعَلْت فِيهَا حُكُومَةً لِلتَّعَدِّي وَالْأَلَمِ (قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ) هَذَا إذَا لَمْ يَنْبُتُ أَوْ نَبَتَ نَاقِصًا فَأَمَّا إذَا نَبَتَ وَلَمْ يَكُنْ قُطِعَ مِنْ جُلُودِهِمَا شَيْءٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا التَّعْزِيرُ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَأَنَا أَقُولُ بِهِ. .

[قَطْعُ الْأَظْفَارِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا قَطَعَ الرَّجُلُ ظُفُرَ رَجُلٍ عَمْدًا فَإِنْ كَانَ يُسْتَطَاعُ فِيهِ الْقِصَاصُ اُقْتُصَّ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْهُ الْقِصَاصَ فَفِيهِ حُكُومَةٌ فَإِنْ نَبَتَ صَحِيحًا غَيْرَ مَشِينٍ فَفِيهِ حُكُومَةٌ وَإِنْ نَبَتَ مَشِينًا فَفِيهِ حُكُومَةٌ أَكْثَرُ مِنْ الْحُكُومَةِ فِيهِ إذَا نَبَتَ غَيْرُ نَاقِصٍ وَلَا مَشِينٍ وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ أَكْثَرُ مِنْ الْحُكُومَةِ قَبْلَهُ وَلَا يَبْلُغُ بِالْحُكُومَةِ دِيَةُ أُنْمُلَةٍ وَلَا دِيَةٌ قَدْرُ مَا تَحْتَ الظُّفُرِ مِنْ الْأُنْمُلَةِ؛ لِأَنَّ الظُّفُرَ لَا يَسْتَوْظِفُ الْأُنْمُلَةَ فَلَا يَبْلُغُ بِحُكُومَتِهِ أَرْشَهُ لَوْ قَطَعَ مَا تَحْتَهُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الْأُنْمُلَةِ. .

[غَمُّ الرَّجُلِ وَخَنْقُهُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَوْ خَنَقَ رَجُلٌ رَجُلًا أَوْ غَمَّهُ ثُمَّ أَرْسَلَهُ وَلَا أَثَرَ بِهِ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ غُرْمٌ وَعُزِّرَ وَلَوْ حَبَسَهُ فَقَطَعَ بِهِ فِي ضِيقَتِهِ وَلَمْ يَنَلْهُ فِي يَدَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا فَقَدْ أَثِمَ وَيُعَزَّرُ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَا نَالَهُ مِنْ خَدْشٍ أَوْ أَثَرٍ فِي يَدَيْهِ يَبْقَى فَفِيهِ حُكُومَةٌ وَإِنْ كَانَ أَثَرًا يَذْهَبُ، مِثْلُ الْخَضِرَةِ مِنْ اللَّطْمَةِ فَلَا حُكُومَةَ. .

[الْحُكُومَةُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْجِنَايَاتُ الَّتِي فِيهَا الْحُكُومَةُ كُلُّ جِنَايَةٍ كَانَ لَهَا أَثَرٌ بَاقٍ: جُرْحٌ أَوْ خَدْشٌ أَوْ كَسْرُ عَظْمٍ أَوْ وَرَمٌ بَاقٍ أَوْ لَوْنٌ بَاقٍ فَأَمَّا كُلُّ ضَرْبٍ وَرِمَ أَوْ لَمْ يُورَمْ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ فَلَا حُكُومَةَ فِيهِ، وَكُلُّ مَا قُلْت فِيهِ حُكُومَةٌ فَالْحُكُومَةُ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا أَنْ يَجْرَحَهُ فِي رَأْسِهِ أَوْ فِي وَجْهِهِ جُرْحًا دُونَ الْمُوضِحَةِ فَيَبْرَأُ كَلْمُ الْمَجْرُوحِ فَأُقَدِّرُهُ مِنْ الْمُوضِحَةِ، ثُمَّ أَنْظُرُ كَمْ قَدْرُ الْجُرْحِ الَّذِي فِيهِ الْحُكُومَةُ مِنْ الْمُوضِحَةِ، فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ: جُرْحُهُ قَدْرُ نِصْفِ مُوضِحَةٍ جُعِلَ فِيهِ مَا فِي نِصْفِ مُوضِحَةٍ فَإِنْ قَالُوا: أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ جُعِلَ فِيهِ بِقَدْرِ مَا قَالُوا إنَّهُ مَوْقِعُهُ مِنْ الْمُوضِحَةِ فِي الْأَلَمِ وَبُطْءِ الْبُرْءِ وَمَا أَشْبَهَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ قَالُوا لَا نَدْرِي لِمَغِيبِ الْعَظْمِ وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ دُونَهُ لَحْمٌ كَثِيرٌ وَقَلِيلٌ كَمْ قَدْرُهَا مِنْ الْمُوضِحَةِ قِيلَ: احْتَاطُوا فَإِنْ قُلْتُمْ لَا شَكَّ
(6/89)

فِي أَنَّهَا نِصْفُ مُوضِحَةٍ وَقَدْ نَشُكُّ فِي أَنْ تَكُونَ ثُلُثَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ ذَلِكَ قِيلَ: فَهِيَ النِّصْفُ الَّذِي لَا تَشُكُّونَ فِيهِ وَلَا يُعْطَى مِنْهُ بِالشَّكِّ شَيْءٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا شَانَ الْوَجْهَ أَوْ الرَّأْسَ جُرْحٌ نُظِرَ فِي الْجُرْحِ كَمَا وَصَفْت وَنُظِرَ فِي الشَّيْنِ مَعَ الْجُرْحِ فَإِنْ كَانَ الشَّيْنُ أَكْثَرَ أَرْشًا مِنْ الْجُرْحِ أُخِذَ بِالشَّيْنِ وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ أَكْثَرَ أَرْشًا مِنْ الشَّيْنِ أُخِذَ بِالْجُرْحِ وَلَمْ يُزَدْ لِلشَّيْنِ شَيْءٌ وَإِنْ قِيلَ: الشَّيْنُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهُ نَقَصَ مِنْ مُوضِحَةٍ شَيْئًا مَا كَانَ الشَّيْنُ وَإِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَبْلُغَ بِهِ مُوضِحَةً أَنَّ الْمُوضِحَةَ لَوْ كَانَتْ فَشَانَتْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْشِ مُوضِحَةٍ، إذَا كَانَ الشَّيْنُ مَعَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْ مُوضِحَةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْلُغَ الشَّيْنُ مَعَ الْجُرْحِ دُونَ مُوضِحَةٍ أَرْشَ مُوضِحَةٍ، وَإِنْ كَانَ الضَّرْبُ لَمْ يَجْرَحْ وَبَقِيَ مِنْهُ شَيْنٌ فَهَكَذَا أَوَّلًا يُؤْخَذُ لِلشَّيْنِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْنٌ لَا يَذْهَبُ بِحَالٍ أَوْ يَنَالُ اللَّحْمَ بِمَا يُحَشِّفُهُ أَوْ يُفَجِّرُ مِنْهُ شَيْئًا أَوْ يَجْرَحُهُ فَإِنْ جَرَحَهُ فِي الرَّأْسِ أَوْ الْوَجْهِ جُرْحًا دُونَ الْمُوضِحَةِ قِيلَ لِأَهْلِ الْبَصَرِ بِذَلِكَ قَدِّرُوا لِذَلِكَ بِقَدْرِهِ مِنْ الْمُوضِحَةِ وَاحْتَاطُوا فَإِنْ قُلْتُمْ لَا نَشُكُّ فِي أَنَّهَا نِصْفُ مُوضِحَةٍ وَقَدْ نَشُكُّ فِي أَنْ تَكُونَ ثُلُثَيْنِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُ ذَلِكَ قِيلَ فَهِيَ النِّصْفُ الَّذِي لَا تَشُكُّونَ فِيهِ وَلَا يُعْطَى مِنْهُ بِالشَّكِّ شَيْءٌ وَإِذَا كَانَ هَكَذَا أُخِذَ لَهُ أَرْشٌ وَإِنْ سَوَّدَ اللَّوْنَ أَوْ خَضَّرَهُ سَوَادًا يَبْقَى أَوْ خُضْرَةً كَذَلِكَ فَشَانَ الْوَجْهَ سُئِلَ أَهْلُ الْعِلْمِ فَإِنْ قَالُوا: صَارَ إلَى هَذَا بِمَوْتٍ مِنْ اللَّحْمِ أُخِذَ لِلشَّيْنِ فِيهِ أَرْشٌ وَإِنْ قَالُوا هَذَا مُشْكِلٌ وَإِنْ بَلَغَ مُدَّةَ كَذَا وَلَمْ يَذْهَبْ أَبَدًا تُرِكَ إلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أُخِذَ لَهُ أَرْشٌ وَمَتَى أُخِذَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا وَصَفْت غَيْرُ أَثَرِ الْجُرْحِ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ أَرْشًا، ثُمَّ ذَهَبَ رَدَّ الْأَرْشَ الَّذِي أُخِذَ لَهُ وَمَا قُلْت مِنْ الْجِرَاحِ الَّتِي لَا قَدْرَ فِيهَا وَكَسْرِ الْعِظَامِ وَالشَّيْنِ سَوَاءٌ فِي الْحُرِّ وَالْحُرَّةِ وَالْمَمْلُوكِ وَالْمَمْلُوكَةِ وَالذِّمِّيِّ وَالذِّمِّيَّةِ يَقُومُ فِي دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا يَقُومُ فِي ثَمَنِ الْمَمْلُوكِ وَيُحَدُّ فِي دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَحْرَارِ بِقَدْرِهَا، فَيُحَدُّ فِي دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ بِقَدْرِ الْمُوضِحَةِ وَفِي دِيَةِ الْمَرْأَةِ بِقَدْرِ مُوضِحَتِهَا، وَكَذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ، وَكَذَلِكَ الْحُرُّ فَيَكُونُ فِي مُوضِحَتِهِ وَمَا دُونَ مُوضِحَتِهِ بِقَدْرِ دِيَتِهِ كَانَ دِيَتُهُ ثَمَنًا لَهُ كَمَا تَكُونُ قِيمَةُ الْمَمْلُوكِ ثَمَنًا لَهُ، وَإِذَا كَانَ الْجُرْحُ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ فِي عُضْوٍ فِيهِ أَرْشٌ مَعْلُومٌ فَلَيْسَ فِي جُرْحِهِ إذَا الْتَأَمَ إلَّا قَدْرُ الشَّيْنِ الْبَاقِي بَعْدَ الْتِئَامِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي جِرَاحِ الْجَسَدِ قَدْرٌ مَعْلُومٌ إلَّا الْجَائِفَةَ لِخَوْفِ تَلَفِهَا وَإِذَا بَلَغَ شَيْنُ الْجُرْحِ الَّذِي فِي الْعُضْوِ الَّذِي فِيهِ قَدْرٌ مَعْلُومٌ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ نَقَصَتْ الْحُكُومَةُ عَلَى قَدْرِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُجْرَحَ فِي أُنْمُلَةٍ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ أَوْ يَنْزِعُ لَهُ ظُفُرًا فَيَكُونُ أَرْشُ الشَّيْنِ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ الْأُنْمُلَةِ فَلَا يَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ أُنْمُلَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُطِعَتْ أُنْمُلَتُهُ وَشَانَتْهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى قَدْرِهَا فَلَا يَبْلُغُ بِمَا هُوَ دُونَهَا مِنْ شَيْنِهَا قَدْرَهَا وَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ فِي وَسَطِ الْأَنَامِلِ أَوْ أَسَافِلِهَا وَكَانَ قَدْرُ شَيْنِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ أُنْمُلَةٍ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَرْشَ أُنْمُلَةٍ كَمَا وَصَفْت وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي الْكَفِّ أَوْ الْقَدَمِ فَشَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ أَرْشِ الْكَفِّ أَوْ الْقَدَمِ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ أَرْشَ كَفٍّ وَلَا قَدَمٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ قُطِعَتَا فَشَانَتَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْشِهِمَا بِالشَّيْنِ شَيْئًا فَلَا يَبْلُغُ بِمَا دُونَ قَطْعِهِمَا مِنْ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِمَا أَرْشَ قَطْعِهِمَا وَلَا شَلَلِهِمَا وَهَكَذَا إنْ كَانَ فِي الذِّرَاعِ أَوْ الْعَضُدِ أَوْ السَّاقِ أَوْ الْقَدَمِ لَمْ يَبْلُغْ بِشَيْنِهِ قَدْرَ دِيَةِ يَدٍ تَامَّةٍ وَلَا رِجْلٍ تَامَّةٍ وَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ وَالشَّيْنُ أَوْ أَحَدُهُمَا فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ كُلِّهِ كَانَ فِيهِ مَا شَانَ الْمَجْرُوحَ لَا يَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْمَجْرُوحِ لِلشَّيْنِ إنْ كَانَ حُرًّا لَا قِيمَتَهُ إنْ كَانَ عَبْدًا؛ لِأَنَّ فِي قَطْعِ الْيَدَيْنِ الدِّيَةَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ حَدَّدْت فِي الشَّيْنِ الَّذِي تُوَارِيهِ الثِّيَابُ فَقُلْت يَبْلُغُ بِهِ مَا دُونَ الدِّيَةِ فَجَعَلْته فِي الْوَجْهِ الَّذِي يَبْدُو الشَّيْنُ فِيهِ أَقْبَحَ مَحْدُودًا بِمُوضِحَةٍ وَهِيَ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ؟ قُلْت: لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ شَيْنٌ لَا جُرْحَ فِيهِ أَرْشَ جُرْحٍ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ لَا يَبْلُغُ بِمُوضِحَةٍ مَا أَبْلُغُ فِيهِ شَيْنَ مُوضِحَةٍ وَهِيَ أَكْثَرُ مِمَّا دُونَهَا فَحَدَّدْت لَوْ كَانَ فِي مَوْضِعِهَا أَقَلَّ مِنْهَا بِأَنْ لَا أَبْلُغَ بِهِ قَدْرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهَا مَا لَمْ يَبْلُغْهَا مِنْ الشَّيْنِ، وَكَذَلِكَ قُلْت فِي كُلِّ جُرْحٍ وَشَيْنٍ بِعُضْوٍ لَهُ قَدْرٌ
(6/90)

وَلَمْ أَحُدُّ الدِّيَاتِ عَلَى شَيْنِ مُوضِحَةٍ وَلَا أَلَمٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْأُذُنِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَفِي الْيَدِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَيْسَتْ مَنْفَعَةُ الْأُذُنِ وَالشَّيْنُ ذَهَابُهَا قَرِيبًا مِنْ مَنْفَعَةِ الْيَدِ وَالشَّيْنُ ذَهَابُهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْأُنْمُلَةِ ثَلَاثًا مِنْ الْإِبِلِ وَثُلُثًا وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ وَذَهَابُ الْأُنْمُلَةِ أَشْيَن وَأَضَرُّ مِنْ مُوضِحَةٍ وَهَاشِمَةٍ ومواضح وهواشم وَلَوْلَا مَا وَصَفْت كَانَ فِي الشَّيْنِ أَبَدًا مَا نَقَصَ الشَّيْنُ كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَتَاعٍ جَنَى عَلَيْهِ فَنَقَصَ بِهِ بِعَيْبٍ دَخَلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كُسِرَ عَظْمٌ مِنْ الْعِظَامِ، ثُمَّ جُبِرَ عَلَى غَيْرِ عَتَمٍ فَفِيهِ حُكُومَةٌ بِقَدْرِ أَلَمٍ أَوْ جُرْحٍ أَوْ ضَعْفٍ إنْ كَانَ فِيهِ وَإِنْ جُبِرَ عَلَى عَثْمٍ أَوْ شَيْنٍ غَيْرِ الْعَثْمِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ عَلَى مَا وَصَفْت لَا يَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ الْعَظْمِ لَوْ قُطِعَ، كَانَ بِكَسْرِ أُنْمُلَةٍ أَوْ بِكَسْرِ ذِرَاعٍ وَلَا يَبْلُغُ بِحُكُومَةِ شَيْنِ الْأُنْمُلَةِ أَرْشَ أُنْمُلَةٍ وَلَا بِحُكُومَةٍ لِلذِّرَاعِ أَرْشَ يَدٍ وَهَذَا هَكَذَا فِي الْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَالْقَدَمِ وَالْأَنْفِ وَالْفَخِذِ، فَأَمَّا الضِّلَعُ إذَا كُسِرَ وَجُبِرَ فَلَا يَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ جَائِفَةٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنْ يَصِيرَ مِنْهُ الْجَائِفَةُ. .

[الْتِقَاءُ الْفَارِسَيْنِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَإِذَا اصْطَدَمَ الرَّاكِبَانِ عَلَى أَيِّ دَابَّةٍ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَمَاتَا مَعًا فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ صَاحِبِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ صَدْمَتِهِ وَصَدْمَةِ غَيْرِهِ فَتَبْطُلُ جِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيُؤْخَذُ لَهُ جِنَايَةُ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ كَانَ عَلَى الْجَارِحِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ وَجِنَايَةِ غَيْرِهِ وَهَكَذَا الْقَوْمُ يَرْمُونَ بِالْمَنْجَنِيقِ مَعًا فَيَرْجِعُ الْحَجَرُ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُ مِنْهُمْ رَجُلًا فَإِنْ كَانُوا عَشْرَةً فَقَدْ مَاتَ مِنْ جِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَجِنَايَةِ التِّسْعَةِ مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فَتُرْفَعُ حِصَّتُهُ مِنْ جِنَايَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَتُؤْخَذُ لَهُ جِنَايَةُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَيُؤْخَذُ لِوَرَثَتِهِ تِسْعَةُ أَعْشَارِ دِيَتِهِ مِنْ الَّذِينَ رَمَوْا بِالْمَنْجَنِيقِ مَعَهُ مِنْ عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عُشْرُ دِيَتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الرَّاكِبَيْنِ عَلَى فِيلٍ وَالْآخَرُ عَلَى كَبْشٍ أَوْ كَانَا عَلَى دَابَّتَيْنِ سَوَاءٌ وَمُتَفَاوِتَيْنِ وَإِنْ مَاتَتْ دَابَّتَاهُمَا ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَالِهِ نِصْفَ قِيمَةِ دَابَّةِ صَاحِبِهِ وَلَوْ اصْطَدَمَ الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ كَانَا كَالْفَارِسَيْنِ يَصْطَدِمَانِ.
وَكَذَلِكَ الرَّاجِلَانِ يَصْطَدِمَانِ وَسَوَاءٌ كَانَا أَعْمَيَيْنِ أَوْ صَحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَعْمَى وَالْآخَرُ صَحِيحٌ يَضْمَنُ الْأَعْمَى مِنْ جِنَايَتِهِ مَا يَضْمَنُ الْبَصِيرُ وَسَوَاءٌ غَلَبَتْهُمَا دَابَّتَاهُمَا أَوْ غَلَبَتْ إحْدَاهُمَا أَوْ لَمْ تَغْلِبْهُمَا وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَقَهْقَرَتْ بِهِمَا دَابَّتَاهُمَا فَرَجَّعَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى عَقِبَيْهَا فَاصْطَدَمَا فَمَاتَا، أَوْ فَعَلَتْ هَذَا دَابَّةُ أَحَدِهِمَا وَكَانَ الْآخَرُ مُقْبِلًا عَلَى دَابَّتِهِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا وَالْآخَرُ حُرًّا ضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الْحُرِّ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَبْدِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَكَانَ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ فِي نِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَضْلٌ عَنْ نِصْفِ دِيَةِ حُرٍّ دُفِعَ إلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ وَفَاءٌ فَهُوَ قِصَاصٌ وَلَا شَيْءَ لِسَيِّدِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْصٌ أُقِصَّ بِقَدْرِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ (قَالَ الرَّبِيعُ) إذَا كَانَا حَيَّيْنِ فَأَمَّا إذَا مَاتَ الْعَبْدُ فَإِنَّ الْجِنَايَةَ فِي رَقَبَتِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَى سَيِّدِهِ وَعَلَى عَاقِلَةِ الْحُرِّ نِصْفُ قِيمَةِ الْعَبْدِ تُؤْخَذُ مِنْ عَاقِلَةِ الْحُرِّ وَتُرَدُّ عَلَى وَرَثَةِ الْحُرِّ إنْ كَانَ مِثْلَ نِصْفِ دِيَتِهِ أَوْ أَقَلَّ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ تَقُومُ مَقَامَ بَدَنِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا فَيُتْبَعُ بِالْجِنَايَةِ فَأَمَّا
(6/91)

إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى نِصْفِ قِيمَةِ الْحُرِّ فَهُوَ رَدٌّ عَلَى سَيِّدِهِ وَمَتَى أُخِذَ مِنْ نِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ رَجَعَ وَرَثَةُ الْحُرِّ وَأَخَذُوا نِصْفَ دِيَةِ قَتِيلِهِمْ فَإِنْ عَجَزَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْمُصْطَدِمَانِ عَبْدَيْنِ كَانَ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي عُنُقِ صَاحِبِهِ وَبَطَلَتْ الْجِنَايَةُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْجَانِيَيْنِ جَمِيعًا قَدْ مَاتَا وَلَا يَضْمَنُ عَنْهُمَا عَاقِلَةٌ وَلَا مَالَ لَهُمَا وَسَوَاءٌ فِي الِاصْطِدَامِ الْفَارِسَانِ اللَّذَانِ يَعْقِلَانِ وَالْمَعْتُوهَانِ والأعميان وَالْبَصِيرَانِ وَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَعْتُوهًا وَالْآخَرُ عَاقِلًا أَوْ أَحَدُهُمَا صَبِيًّا وَالْآخَرُ بَالِغًا إذَا كَانَا رَاكِبَيْ الدَّابَّتَيْنِ بِأَنْفُسِهِمَا أَوْ حَمَلَهُمَا عَلَيْهِمَا أَبَوَاهُمَا أَوْ وَلِيَّاهُمَا فِي النَّسَبِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَبٌ فَإِنْ كَانَ حَمَلَهُمَا أَجْنَبِيَّانِ، وَمِثْلُهُمَا لَا يَضْبِطُ الدَّابَّةَ فَدِيَةُ مَنْ أَصَابَا عَلَى عَاقِلَةِ الَّذِي حَمَلَهُمَا؛ لِأَنَّ حَمْلَهُمَا عُدْوَانٌ عَلَيْهِمَا فَيَضْمَنُ مَا أَصَابَا فِي حَمْلِهِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَاصْطِدَامُ الرَّجُلَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً سَوَاءٌ إلَّا فِي الْمَأْثَمِ وَلَا قَوَدَ فِي الصَّدْمَةِ وَهِيَ خَطَأُ عَمْدٍ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، وَالدِّيَةُ فِيهَا إذَا كَانَا مُقْبِلَيْنِ مُغَلَّظَةٌ وَإِذَا كَانَا مُدْبِرَيْنِ وَحَرَنَتْ بِهِمَا دَابَّتَاهُمَا فَاصْطَدَمَا مُدْبِرَيْنِ غَيْرَ مُقْبِلَيْنِ عَامِدَيْ الصَّدْمَةَ فَنِصْفُ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُقْبِلًا فَنِصْفُ دِيَةِ الَّذِي أَقْبَلَ مُغَلَّظَةٌ وَنِصْفُ دِيَتِهِ إذَا كَانَ مَاتَ مِنْ صَدْمَتِهِ، وَصَدْمُهُ مُدْبِرٌ غَيْرُ مُغَلَّظَةٍ. .

[صَدْمَةُ الرَّجُلِ الْآخَرَ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا كَانَ الْفَارِسُ أَوْ الرَّاجِلُ وَاقِفًا فِي مِلْكِهِ أَوْ غَيْرِ مِلْكِهِ أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ رَاقِدًا فَصَدَمَهُ رَجُلٌ فَقَتَلَهُ وَالْمَصْدُومُ يُبْصِرُ وَيَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْحَرِفَ أَوْ لَا يُبْصِرُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَنْحَرِفَ أَوْ أَعْمَى لَا يُبْصِرُ فَسَوَاءٌ وَدِيَةُ الْمَصْدُومِ مُغَلَّظَةٌ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّادِمِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ مَاتَ الصَّادِمُ كَانَتْ دِيَتُهُ هَدَرًا؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ أَنَّ الْوَاقِفَ انْحَرَفَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَالْتَقَى هُوَ وَآخَرُ مُقْبِلَيْنِ فَصَدَمَهُ فَمَاتَا مُصْطَدِمَيْنِ فَنِصْفُ دِيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى عَاقِلَةِ صَادِمِهِ؛ لِأَنَّ لَهُ فِعْلًا فِي التَّحَرُّفِ وَلَوْ كَانَ تَحَرُّفُهُ مُوَلِّيًا عَنْهُ فَكَانَ الْفَارِسُ أَوْ الرَّاجِلُ الصَّادِمُ لَهُ كَانَ كَهُوَ لَوْ كَانَ وَاقِفًا فَتَضْمَنُ عَاقِلَةُ الصَّادِمِ دِيَتَهُ، وَلَوْ مَاتَ الصَّادِمُ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا مَاتَتْ الدَّابَّتَانِ مِنْ الِاصْطِدَامِ فَنِصْفُ ثَمَنِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى الصَّادِمِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَضْمَنُ ثَمَنَ دَابَّةٍ.

[اصْطِدَامُ السَّفِينَتَيْنِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا اصْطَدَمَ السَّفِينَتَانِ فَكَسَرَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَمَاتَ مَنْ فِيهِمَا وَتَلِفَتْ حُمُولَتُهُمَا أَوْ مَا تَلِفَ مِنْهُمَا أَوْ مِمَّا فِيهِمَا أَوْ مِنْ إحْدَاهُمَا فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ: إمَّا أَنْ يَضْمَنَ الْقَائِمُ فِي حَالِهِ تِلْكَ بِأَمْرِ السَّفِينَةِ نِصْفَ كُلِّ مَا أَصَابَتْ سَفِينَتُهُ لِغَيْرِهِ أَوْ لَا يَضْمَنُ بِحَالٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَقْدِرُ أَنْ يَصْرِفَهَا بِنَفْسِهِ وَمِنْ يُطِيعُهُ فَلَا يَصْرِفُهَا، فَأَمَّا إذَا غَلَبَتْهُ فَلَا يَضْمَنُ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي يَصْرِفُهَا فِي أَنَّهَا غَلَبَتْهُ وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْرِفَهَا أَوْ غَلَبَتْهَا رِيحٌ أَوْ مَوْجٌ وَإِذَا ضَمِنَ ضَمِنَ غَيْرَ النَّفْسِ فِي مَالِهِ وَضَمِنَتْ النُّفُوسَ عَاقِلَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَيَكُونَ ذَلِكَ فِي عُنُقِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الَّذِي يَلِي
(6/92)

تَصْرِيفَهَا مَالِكًا لَهَا أَوْ مُوَكَّلًا فِيهَا أَوْ مُتَعَدِّيًا فِي ضَمَانِ مَا أَصَابَتْ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِيهَا ضَمِنَ مَا أَصَابَهَا هِيَ وَأَصَابَتْ.
وَهَكَذَا إنْ صَدَمَتْ وَلَمْ تُصْدَمْ أَوْ صَدَمَتْ وَصُدِمَتْ فَأَصَابَتْ وَأُصِيبَتْ فَسَوَاءٌ مِنْ ضِمْنِ رَاكِبِهَا بِكُلِّ حَالٍ ضَمِنَهَا وَإِنْ غُلِبَ أَوْ غُلِبَا وَمَنْ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا مَنْ قَدَرَ عَلَى تَصْرِيفِهَا فَتَرَكَهَا ضَمِنَ الَّذِي لَمْ يُغْلَبْ عَلَى تَصْرِيفِهَا وَجَعَلَهُ كَعَامِدِ الصَّدْمِ وَلَمْ يَضْمَنْ الْمَغْلُوبُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا صُدِمَتْ سَفِينَةٌ بِغَيْرِ أَنْ يَعْمِدَ بِهَا الصَّدْمَ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا مِمَّا فِي سَفِينَتِهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الَّذِينَ فِيهَا دَخَلُوا غَيْرَ مُتَعَدَّى عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَإِذَا عَرَضَ لِرَاكِبِي السَّفِينَةِ مَا يَخَافُونَ بِهِ التَّلَفَ عَلَيْهَا وَعَلَى مَنْ فِيهَا وَمَا فِيهَا أَوْ بَعْضُ ذَلِكَ فَأَلْقَى أَحَدُهُمْ بَعْضَ مَا فِيهَا رَجَاءَ أَنْ تَخِفَّ فَتَسْلَمَ فَإِنْ كَانَ مَا أَلْقَى لِنَفْسِهِ فَمَالَهُ أَتْلَفَ فَلَا يَعُودُ بِشَيْءٍ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَا أَلْقَى لِغَيْرِهِ ضَمِنَ مَا أَلْقَى لِغَيْرِهِ دُونَ أَهْلِ السَّفِينَةِ فَإِنْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ السَّفِينَةِ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ: أَلْقِ مَتَاعَكَ فَأَلْقَاهُ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ هُوَ أَلْقَاهُ وَإِنْ قَالَ أَلْقِهِ عَلَى أَنْ أَضْمَنَهُ فَأَذِنَ لَهُ فَأَلْقَاهُ ضَمِنَهُ.
وَإِنْ قَالَ: أَلْقِهِ عَلَى أَنْ أَضْمَنَهُ وَرُكَّابُ السَّفِينَةِ فَأَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ فَأَلْقَاهُ ضَمِنَهُ لَهُ دُونَ رُكَّابِ السَّفِينَةِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعُوا بِضَمَانِهِ مَعَهُ فَإِنْ خَرَقَ رَجُلٌ مِنْ السَّفِينَةِ شَيْئًا أَوْ ضَرَبَهُ فَانْخَرَقَ أَوْ انْشَقَّ فَغَرَقَ أَهْلُ السَّفِينَةِ وَمَا فِيهَا ضَمِنَ مَا فِيهَا فِي مَالِهِ وَضَمِنَ دِيَاتِ رُكْبَانِهَا عَاقِلَتُهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْفَاعِلُ هَذَا بِهَا مَالِكًا لِلسَّفِينَةِ أَوْ الْقَائِمَ بِأَمْرِهَا أَوْ رَاكِبًا لَهَا أَوْ أَجْنَبِيًّا مَرَّ بِهَا. .

[جِنَايَةُ السُّلْطَان]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَامَ السُّلْطَانُ حَدًّا مِنْ قَطْعٍ أَوْ حَدَّ قَذْفٍ أَوْ حَدَّ زِنًا لَيْسَ بِرَجْمٍ عَلَى رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَالْحَقُّ قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ بِهِ مَا لَزِمَهُ وَكَذَلِكَ إنْ اقْتَصَّ مِنْهُ فِي جُرْحٍ يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ مِثْلِهِ وَإِذَا ضَرَبَ فِي خَمْرٍ أَوْ سُكْرٍ مِنْ شَرَابٍ بِنَعْلَيْنِ أَوْ طَرَفِ ثَوْبٍ أَوْ يَدٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ ضَرْبًا يُحِيطُ بِهِ الْعِلْمُ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ أَرْبَعِينَ أَوْ يَبْلُغُهَا وَلَا يُجَاوِزُهَا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَالْحَقُّ قَتَلَهُ وَمَا قُلْت الْحَقَّ قَتَلَهُ فَلَا عَقْلَ فِيهِ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى الَّذِي يَلِي ذَلِكَ مِنْ الْمَضْرُوبِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ بِمَا وَصَفْت أَرْبَعِينَ أَوْ نَحْوَهُ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا فَكَذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ سَأَلَ مَنْ حَضَرَ ضَرْبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا لَهُ فَكَانَ فِيمَا ذَكَرُوا عِنْدَهُ أَرْبَعِينَ أَوْ نَحْوَهَا فَإِنْ ضَرَبَهُ أَرْبَعِينَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا بِسَوْطٍ أَوْ ضَرَبَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ بِالنِّعَالِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَمَاتَ فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ دُونَ بَيْتِ الْمَالِ.
أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى عَنْ الْحَسَنِ أَنْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ مَا أَحَدٌ يَمُوتُ فِي حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا إلَّا الَّذِي يَمُوتُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ شَيْءٌ أَحْدَثْنَاهُ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنْ مَاتَ مِنْهُ فَدِيَتُهُ إمَّا قَالَ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَإِمَّا عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ الشَّكُّ مِنْ الشَّافِعِيُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَبَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إلَى امْرَأَةٍ فَفَزِعَتْ فَأَجْهَضَتْ ذَا بَطْنِهَا فَاسْتَشَارَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِدِيَةٍ وَأَمَرَ عُمَرُ عَلِيًّا فَقَالَ عَزَمْت عَلَيْكَ لِتُقَسِّمَنَّهَا فِي قَوْمِكَ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا وَقَعَ عَلَى الرَّجُلِ حَدٌّ فَضَرَبَهُ الْإِمَامُ وَهُوَ مَرِيضٌ أَوْ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ أَوْ حَرٍّ شَدِيدٍ كَرِهْت ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ الضَّرْبِ فَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ وَلَوْ كَانَتْ الْمَحْدُودَةُ امْرَأَةً كَانَتْ هَكَذَا إلَّا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَدُّهَا لِمَا فِي بَطْنِهَا فَإِنْ حَدَّهَا فَأَجْهَضَتْ ضَمِنَ مَا فِي بَطْنِهَا وَإِنْ مَاتَتْ فَأَجْهَضَتْ لَمْ يَضْمَنْهَا وَضَمِنَ مَا فِي بَطْنِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا قُلْت لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحُدَّهَا لِلَّذِي فِي بَطْنِهَا فَضَمَّنْته الْجَنِينَ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ وَلَمْ أُضَمِّنْهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَتَلَهَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا حَدَّ الْإِمَامُ
(6/93)

رَجُلًا بِشَهَادَةِ عَبْدَيْنِ أَوْ عَبْدٍ وَحُرٍّ أَوْ ذِمِّيٍّ وَمُسْلِمٍ أَوْ شَهَادَةِ غَيْرِ عَدْلَيْنِ فِي أَنْفُسِهِمَا أَوْ غَيْرِ عَدْلَيْنِ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حِينَ شَهِدَا فَمَاتَ ضَمِنَتْهُ عَاقِلَتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا كُلَّهُ خَطَأٌ فِي الْحُكْمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ عِنْدَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَعْتُوهٌ بِحَدٍّ فَحَدَّهُ ضَمِنَهُمَا إنْ مَاتَا وَمَنْ قُلْت يَضْمَنُهُ إنْ مَاتَ ضَمِنَ الْحُكُومَةَ فِي جَلْدِهِ أَوْ أَثَرٍ إنْ بَقِيَ بِهِ وَعَاشَ، وَكَذَلِكَ يَضْمَنُ دِيَةَ يَدِهِ إنْ قَطَعَهُ، وَكُلُّ مَا قُلْت يَضْمَنُهُ مِنْ خَطَئِهِ فَالدِّيَةُ فِيهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِذَا أَمَرَ الْجَالِدَ بِجَلْدِ الرَّجُلِ وَلَمْ يُوَقِّتْ لَهُ ضَرْبًا فَضَرَبَهُ الْجَالِدُ أَكْثَرَ مِنْ الْحَدِّ فَمَاتَ ضَمِنَ الْإِمَامُ دُونَ الْجَالِدِ فَإِنْ كَانَ حَدُّهُ ثَمَانِينَ فَزَادَ سَوْطًا فَمَاتَ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضْمَنَ الْإِمَامُ نِصْفَ دِيَتِهِ كَمَا لَوْ جَنَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَحَدُهُمَا ضَرْبَةً وَالْآخَرُ ثَمَانِينَ ضَرْبَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ضَمِنَا الدِّيَةَ نِصْفَيْنِ، أَوْ يَضْمَنُ سَهْمًا مِنْ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ سَهْمًا مِنْ دِيَتِهِ وَيَكُونُ كَوَاحِدٍ وَثَمَانِينَ قَتَلُوهُ فَيَغْرَمُ حِصَّتَهُ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: اضْرِبْهُ ثَمَانِينَ فَأَخْطَأَ الْجَالِدُ فَزَادَهُ وَاحِدَةً ضَمِنَ الْجَالِدُ دُونَ الْإِمَامِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ اجْلِدْهُ مَا شِئْت أَوْ مَا رَأَيْت أَوْ مَا أَحْبَبْت أَوْ مَا لَزِمَهُ عِنْدَكَ فَتَعَدَّى عَلَيْهِ ضَمِنَ الْجَالِدُ الْعُدْوَانَ وَلَيْسَ كَاَلَّذِي يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَضْرِبَهُ أَمَامَهُ وَلَا يُسَمِّي لَهُ عَدَدًا وَهُوَ يُحْصِي عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ لِلْمَضْرُوبِ ظَالِمًا ضَمِنَ مَا أَصَابَهُ مِنْ الضَّرْبِ بِأَمْرِهِ وَلَمْ يَضْمَنْهُ الْجَالِدُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْجَالِدُ أَنَّ الْإِمَامَ ظَالِمٌ بِأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ: أَنَا أَضْرِبُ هَذَا ظَالِمًا أَوْ يَقُولَ الْجَالِدُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَضْرِبُهُ ظَالِمًا بِلَا شُبْهَةٍ فَيَضْمَنُ الْجَالِدُ وَالْإِمَامُ مَعًا، وَلَوْ قَالَ الْجَالِدُ: ضَرَبْته وَأَنَا أَرَى الْإِمَامَ مُخْطِئًا عَلَيْهِ وَعَلِمْت أَنَّ ذَلِكَ رَأْيَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ ضَمِنَ الْجَالِدُ وَلَيْسَ لِلضَّارِبِ أَنْ يَضْرِبَ إلَّا أَنْ يَرَى أَنَّ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْإِمَامُ حَقٌّ أَوْ مُغَيَّبٌ عَنْهُ سَبَبُ ضَرْبِهِ أَوْ يَأْمُرُهُ بِضَرْبِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ إلَّا بِمَا لَزِمَ الْمَضْرُوبَ، وَإِذَا ضَرَبَ الْإِمَامُ فِيمَا دُونَ الْحَدِّ تَعْزِيرًا فَمَاتَ الْمَضْرُوبُ ضَمِنَتْ عَاقِلَةُ الْإِمَامِ دِيَتَهُ، وَهَكَذَا إنْ خَافَ الرَّجُلُ نُشُوزَ امْرَأَتِهِ فَضَرَبَهَا فَمَاتَتْ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهَا خَطَأً ضَمِنَتْ عَاقِلَتُهُ نَفْسَهَا وَعَيْنَهَا، فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ؟ قُلْت لَهُ: أَنْ يُعَزِّرَ وَلِمَ زَعَمْت أَنَّهُ إنْ مَاتَ مِمَّا جَعَلْت لَهُ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الدِّيَةُ؟ .
قُلْت: إنِّي قُلْت لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إبَاحَةً مِنْ جِهَةِ الرَّأْيِ وَكَانَ لَهُ فِي بَعْضِ التَّعْزِيرِ أَنْ يَتْرُكَ وَعَلَيْهِ فِي الْحَدِّ أَنْ يُقِيمَهُ وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ بِحَالٍ وَإِذَا بَعَثَ السُّلْطَانُ إلَى امْرَأَةٍ أَوْ رَجُلٍ عِنْدَ امْرَأَةٍ فَفَزِعَتْ الْمَرْأَةُ لِدُخُولِ الرُّسُلِ أَوْ غَلَبَتِهِمْ أَوْ انْتِهَارِهِمْ أَوْ الذُّعْرِ مِنْ السُّلْطَانِ فَأَجْهَضَتْ فَعَلَى عَاقِلَةِ السُّلْطَانِ دِيَةُ جَنِينِهَا إذَا كَانَ مَا أَحْدَثَهُ الرُّسُلُ بِأَمْرِهِ فَإِنْ كَانَ الرُّسُلُ أَحْدَثُوا شَيْئًا بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ فَذَلِكَ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ دُونَ عَاقِلَةِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ مَعْرُوفًا أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسْقِطُ مِنْ الْفَزَعِ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا بَعَثَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ فَمَاتَ فَزَعًا لَمْ تَضْمَنْ عَاقِلَةُ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَمُوتُ مِنْ فَزَعِ رَسُولِ السُّلْطَانِ وَلَوْ سَجَنَ السُّلْطَانُ رَجُلًا فَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَوْ أَحَدَهُمَا فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُقِرَّ السُّلْطَانُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ فَقْدِ مَا مَنَعَهُ.
وَإِنْ حَبَسَهُ مُدَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَمُوتَ فِيهَا مَنْ حَبَسَهَا عَطَشًا أَوْ جُوعًا فَمَاتَ ضَمِنَهُ إذَا ادَّعَى وَرَثَتُهُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ فَقْدِ مَا مَنَعَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَهُ فَذَكَرَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا فَحَبَسَهُ مُدَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَمُوتَ مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ فِيهَا مَنْ ذَكَرَ مِثْلَ جُوعِهِ أَوْ عَطَشِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَبَسَهُ فَجَرَّدَهُ وَمَنَعَهُ الأدفية فِي بَرْدٍ أَوْ حَرٍّ فَإِنْ كَانَ الْبَرْدُ وَالْحَرُّ مِمَّا يَقْتُلُ مِثْلُهُ فَمَاتَ ضَمِنَهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ لَمْ يَضْمَنْهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ فَجْأَةً مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ يُعْرَفُ وَلَا يَضْمَنُهُ حَتَّى يَكُونَ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ مَاتَ بِمَنْعِهِ إيَّاهُ مُدَّةً يَمُوتُ مَنْ مُنِعَ مِثْلَ مَا مَنَعَهُ فِيهَا. فَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سَلْعَةٌ فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَطْعِهَا أَوْ أَكِلَةٌ فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِقَطْعِ عُضْوِهِ الَّذِي
(6/94)

هِيَ فِيهِ، وَاَلَّذِي هِيَ بِهِ لَا يَعْقِلُ إمَّا صَبِيٌّ وَإِمَّا مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ أَوْ عَاقِلٌ فَأَكْرَهَهُ عَلَى ذَلِكَ فَمَاتَ فَعَلَى السُّلْطَانِ الْقَوَدُ فِي الْمُكْرَهِ إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَرَثَتُهُ أَنْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ وَقَدْ قِيلَ: عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الَّذِي لَا يَعْقِلُ، وَقِيلَ: لَا قَوَدَ عَلَى السُّلْطَانِ فِي الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ.
(قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ) وَالصَّبِيُّ مِثْلُ الْمَعْتُوهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَأَمَّا غَيْرُ السُّلْطَانِ يَفْعَلُ هَذَا فَيُقَادُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَبَا صَبِيٍّ أَوْ مَعْتُوهٍ لَا يَعْقِلُ أَوْ وَلِيَّهُ فَيَضْمَنُ الدِّيَةَ وَيُدْرَأُ عَنْهُ الْقَوَدُ بِالشُّبْهَةِ، وَلَوْ كَانَ رَجُلٌ أَغْلَفُ أَوْ امْرَأَةٌ لَمْ تُخْفَضْ فَأَمَرَ السُّلْطَانُ بِهِمَا فَعُذِرَا فَمَاتَا لَمْ يَضْمَنْ السُّلْطَانُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْعَلَا إلَّا أَنْ يُعْذِرَهُمَا فِي حَرٍّ شَدِيدٍ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدٍ يَكُونُ الْأَغْلَبُ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مَنْ عُذِرَ فِي مِثْلِهِ فَيَضْمَنُ عَاقِلَتُهُ دِيَتَهُمَا، وَلَوْ أَكْرَهَ السُّلْطَانُ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَرْقَى نَخْلَةً أَوْ يَنْزِلَ فِي بِئْرٍ فَرَقَى أَوْ نَزَلَ فَسَقَطَ فَمَاتَ ضَمِنَهُ السُّلْطَانُ وَعَقَلَتْهُ عَاقِلَتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَلَّفَهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا قَدْ يَتْلَفُ مَنْ فَعَلَ مِثْلَهُ وَلَوْ كَانَ كَلَّفَهُ أَنْ يَمْشِيَ قَلِيلًا فِي أَمْرٍ يَسْتَعِينُ السُّلْطَانُ فِي مِثْلِهِ فَمَشَى فَمَاتَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ هَذَا لَا يُمَاتُ مِنْ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يُقِرَّ السُّلْطَانُ بِأَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ فَيَضْمَنُهُ فِي مَالِهِ أَوْ يَكُونُ مَعْلُومًا أَنَّهُ إذَا فَعَلَ مِثْلَ مَا كَلَّفَهُ كَانَ الْأَغْلَبُ أَنَّ ذَلِكَ يُتْلِفُهُ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا ضَمِنَهُ السُّلْطَانُ وَقَدْ قِيلَ: يَضْمَنُ السُّلْطَانُ مِنْ هَذَا مَا يَضْمَنُ مَنْ اسْتَعْمَلَ عَبْدًا مَحْجُورًا فَأَمَّا كُلُّ أَمْرٍ لَيْسَ مِنْ صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ أَكْرَهَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ رَجُلًا فَمَاتَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ فَالسُّلْطَانُ ضَامِنٌ لَدَيْهِ مَنْ مَاتَ فِيهِ. .

[مِيرَاثُ الدِّيَةِ]
ِ (أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ (أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ) قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَقُولُ: الدِّيَةُ لِلْعَاقِلَةِ وَلَا تَرِثُ الْمَرْأَةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا حَتَّى أَخْبَرَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا فَرَجَعَ إلَيْهِ عُمَرُ.
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ (أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ) قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إلَى الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ أَنْ يُوَرِّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَتِهِ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ أَشْيَمُ قُتِلَ خَطَأً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ فِي أَنْ يَرِثَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مَنْ وَرِثَ مَا سِوَاهَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ عَنْ الْمَيِّتِ. وَبِهَذَا نَأْخُذُ فَنُوَرِّثُ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ مَنْ وَرِثَ مَا سِوَاهَا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَإِذَا مَاتَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ وَقَدْ وَجَبَتْ دِيَتُهُ فَمَنْ مَاتَ مِنْ وَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَانَتْ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ دِيَتِهِ كَأَنَّ رَجُلًا جَنَى عَلَيْهِ فِي صَدْرِ النَّهَارِ فَمَاتَ وَمَاتَ ابْنٌ لَهُ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فَأُخِذَتْ دِيَةُ أَبِيهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ فَمِيرَاثُ الِابْنِ الَّذِي عَاشَ بَعْدَهُ سَاعَةً قَائِمٌ فِي دِيَتِهِ كَمَا يَثْبُتُ فِي دَيْنٍ لَوْ كَانَ لِأَبِيهِ.
وَكَذَلِكَ امْرَأَتُهُ وَغَيْرُهَا مِمَّنْ يَرِثُهُ إذَا مَاتَ، وَلَوْ مَاتَ وَلَهُ ابْنٌ كَافِرٌ فَأَسْلَمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِقَلِيلٍ لَمْ يَرِثْ مِنْهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ أَبَاهُ مَاتَ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَبْدًا فَعَتَقَ أَوْ كَانَتْ امْرَأَتُهُ كَذَلِكَ وَلَوْ نَكَحَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ، ثُمَّ مَاتَ وَرِثَتْهُ امْرَأَتُهُ. .

[عَفْوُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ]
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ (أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ) قَالَ: إذَا جَنَى الرَّجُلُ جِنَايَةً خَطَأً فَعَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَرْشَ الْجِنَايَةِ فَإِنْ لَمْ يَمُتْ مِنْ الْجِنَايَةِ فَالْعَفْوُ جَائِزٌ وَإِنْ مَاتَ فَالْعَفْوُ وَصِيَّةٌ تَجُوزُ مِنْ الثُّلُثِ وَهِيَ وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ قَاتِلٍ
(6/95)

لِأَنَّهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَوْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِمًا مِمَّنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ كَانَ الْعَفْوُ جَائِزًا؛ لِأَنَّهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ كَانَ الْجَانِي نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ كَانَ الْعَفْوُ جَائِزًا مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ فَإِنْ كَانَ الْجَانِي ذِمِّيًّا لَا يَجْرِي عَلَى عَاقِلَتِهِ الْحُكْمُ أَوْ مُسْلِمًا أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ خَطَأٍ فَالدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمَا مَعًا وَالْعَفْوُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ وَلِلْوَرَثَةِ أَخْذُهُمَا بِهَا، وَلَوْ كَانَ الْجَانِي عَبْدًا فَعَفَا عَنْهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَاتَ جَازَ الْعَفْوُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ لِلْعَبْدِ إنَّمَا هِيَ وَصِيَّةٌ لِمَوْلَاهُ.
وَلَوْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ خَطَأً فَقَالَ: قَدْ عَفَوْت عَنْ الْجَانِي الْقِصَاصَ لَمْ يَكُنْ عَفْوًا عَنْ الْمَالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ أَرَادَ بِعَفْوِهِ الْجِنَايَةَ الْعَفْوَ عَنْ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى أَنَّ لَهُ قِصَاصًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: قَدْ عَفَوْت عَنْهُ الْجِنَايَةَ وَمَا يَحْدُثُ مِنْهَا وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ كَانَ حَيًّا مَا عَفَا الْمَالَ الَّذِي يَلْزَمُ بِالْجِنَايَةِ وَعَلَى وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا الْيَمِينُ هَكَذَا عَلَى عِلْمِهِمْ، وَلَوْ قَالَ: قَدْ عَفَوْت عَنْهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَرْشِ وَالْجِنَايَةِ كَانَ عَفْوًا عَنْ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ عَاقِلَةٌ يَجْرِي عَلَيْهَا الْحُكْمُ وَعَمَّنْ أَقَرَّ بِالْجِنَايَةِ خَطَأً وَلَمْ يَكُنْ عَفْوًا عَنْ الْعَاقِلَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ قَدْ عَفَوْت عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَرْشٍ قَدْ عَفَوْت ذَلِكَ عَنْ عَاقِلَتِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ شَيْءٌ فَإِذَا عَفَا مَا لَا يَلْزَمُهُ لَمْ يَكُنْ عَفْوًا وَلَا يَكُونُ عَفْوًا فِي هَذَا خَاصَّةً إلَّا بِمَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يَقُولَ قَدْ عَفَوْت مَا يَلْزَمُ لِي عَلَى عَاقِلَتِهِ فِي أَرْشِ جِنَايَتِي أَوْ مَا يَلْزَمُ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِي إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ جُرْحًا فَعَفَا أَرْشَهُ عَفْوًا صَحِيحًا ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْجِرَاحِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَفْوُ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْجُرْحِ بِالْمَوْتِ عَلَى أَرْشِ الْجُرْحِ كَأَنَّ الْجُرْحَ كَانَ يَدًا فَعَفَا أَرْشَهَا، ثُمَّ مَاتَ فَيَجُوزُ الْعَفْوُ فِي نِصْفِ الدِّيَةِ مِنْ الثُّلُثِ وَيُؤْخَذُ نِصْفُهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْعَقْلُ يَلْزَمُ الْقَاتِلَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ الْبَتَاتَ فِي مَعَانِي الْوَصَايَا فَلَا تَجُوزُ لِقَاتِلٍ فَإِنْ كَانَتْ الْجِرَاحُ خَطَأً تَبْلُغُ دِيَةَ نَفْسٍ أَوْ أَكْثَرَ فَعَفَا أَرْشَهَا، ثُمَّ مَاتَ جَازَ الْعَفْوُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَفَا الَّذِي وَجَبَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ.
(قَالَ) : وَإِذَا جُرِحَ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بَالِغًا أَوْ مَعْتُوهًا أَوْ صَبِيًّا فَعَفَا أَرْشَ الْجُرْحِ فِي الْخَطَأِ لَمْ يَجُزْ عَفْوُهُ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَمْدِ الَّذِي لَا يَكُونُ فِيهِ الْقَوَدُ وَإِنْ عَفَا الْقَوَدَ جَازَ عَفْوُهُ فِيهِ فَإِنْ عَفَا دِيَتَهُ فِي الْخَطَأِ عَنْ عَاقِلَةِ قَاتِلِهِ فَهِيَ وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ قَاتِلٍ فَمَنْ أَجَازَ وَصِيَّتَهُ أَجَازَ هَذَا الْعَفْوَ فِي وَصِيَّتِهِ وَمَنْ لَمْ يُجِزْهَا لَمْ يُجِزْ هَذَا الْعَفْوَ بِحَالٍ. .

[الْقَسَامَةُ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رِجَالٌ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمَا فَتَفَرَّقَا فِي حَوَائِجِهِمَا فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ وَطُرِحَ فِي فَقِيرٍ أَوْ عَيْنٍ فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ أَنْتُمْ وَاَللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ. فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ أَخُو الْمَقْتُولِ فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ يَتَكَلَّمُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُحَيَّصَةَ كَبِّرْ كَبِّرْ يُرِيدُ السِّنَّ فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ وَإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ فَكَتَبُوا إلَيْهِ إنَّا وَاَللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَتَحْلِفُ يَهُودُ قَالُوا لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ بِمِائَةِ نَاقَةٍ
(6/96)

حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمْ الدَّارَ قَالَ سَهْلٌ لَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ» قَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ إلَّا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ لَا يُثْبِت أَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَنْصَارِيِّينَ فِي الْأَيْمَانِ أَمْ يَهُودَ؟ فَيُقَالُ فِي الْحَدِيثِ إنَّهُ قَدَّمَ الْأَنْصَارِيِّينَ فَنَقُولُ فَهُوَ ذَاكَ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا نَقُولُ فَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا السَّبَبِ الَّذِي حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ بِالْقَسَامَةِ حَكَمْنَا بِهَا وَجَعَلْنَا فِيهَا الدِّيَةَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ ذَلِكَ السَّبَبِ لَمْ نَحْكُمْ بِهَا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مِثْلُ السَّبَبِ الَّذِي حَكَمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قِيلَ كَانَتْ خَيْبَرُ دَارَ يَهُودَ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ مَحْضَةً لَا يَخْلِطُهُمْ غَيْرُهُمْ وَكَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْن الْأَنْصَارِ وَالْيَهُودِ ظَاهِرَةً وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ بَعْدَ الْعَصْرِ وَوُجِدَ قَتِيلًا قَبْلَ اللَّيْلِ فَكَادَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى مَنْ عَلِمَ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ إلَّا بَعْضُ يَهُودَ وَإِذَا كَانَتْ دَارُ قَوْمٍ مُجْتَمِعَةً لَا يَخْلِطُهُمْ غَيْرُهُمْ وَكَانُوا أَعْدَاءً لِلْمَقْتُولِ أَوْ قَبِيلَتِهِ وَوُجِدَ الْقَتِيلُ فِيهِمْ فَادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ قَتْلَهُ فِيهِمْ فَلَهُمْ الْقَسَامَةُ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنَّهُ كَمَا يَدَّعِي الْمُدَّعِي عَلَى جَمَاعَةٍ أَوْ وَاحِدٍ.
وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَدْخُلَ نَفَرٌ بَيْتًا فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهُ إلَّا وَبَيْنَهُمْ قَتِيلٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا فِي دَارٍ وَحْدَهُمْ أَوْ فِي صَحْرَاءَ وَحْدَهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ أَوْ بَعْضُهُمْ، وَكَذَلِكَ أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ بِصَحْرَاءَ أَوْ نَاحِيَةٍ لَيْسَ إلَى جَنْبِهِ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ مُخْتَضِبٌ بِدَمِهِ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ أَوْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فَتَأْتِيَ بَيِّنَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَوَاحٍ لَمْ يَجْتَمِعُوا فَيُثْبِتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَتَتَوَاطَأُ شَهَادَتُهُمْ وَلَمْ يَسْمَعْ بَعْضُهُمْ شَهَادَةَ بَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَعْدِلُ فِي الشَّهَادَةِ أَوْ يَشْهَدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَدْلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مِنْ هَذَا يَغْلِبُ عَلَى عَقْلِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ كَمَا ادَّعَى وَلِيُّ الدَّمِ أَوْ شَهِدَ مَنْ وَصَفْت وَادَّعَى وَلِيُّ الدَّمِ، وَلَهُمْ إذَا كَانَ مَا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ الْقَرْيَةِ أَوْ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَ.
فَإِذَا أَمْكَنَ فِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ فِي جُمْلَةِ الْقَتَلَةِ جَازَ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَعَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ فِي جُمْلَتِهِمْ مَعَهُ دَعْوَى إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا وَصَفْت لَا يَجِبُ بِهَا الْقَسَامَةُ، وَكَذَلِكَ لَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ فِي أَنْ يُوجَدَ قَتِيلٌ فِي قَرْيَةٍ يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ أَوْ يَمُرُّ بِهِمْ الْمَارَّةُ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَقْتُلَهُ بَعْضُ مَنْ يَمُرُّ وَيُلْقِيَهُ: وَإِذَا وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ فَلِأَهْلِ الْقَتِيلِ أَنْ يُقْسِمُوا وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا عَنْ مَوْضِعِ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِاعْتِرَافِ الْقَاتِلِ أَوْ بَيِّنَةٍ تَقُومُ عِنْدَهُمْ لَا يَقْبَلُ الْحَاكِمُ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْعِلْمِ الَّتِي لَا تَكُونُ شَهَادَةٌ بِقَطْعٍ وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ اتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَحْلِفُوا إلَّا بَعْدَ الِاسْتِثْبَاتِ. وَيَقْبَلُ أَيْمَانَهُمْ مَتَى حَلَفُوا. .

[مَنْ يُقْسِمُ وَيُقْسَمُ فِيهِ وَعَلَيْهِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: يَحْلِفُ فِي الْقَسَامَةِ الْوَارِثُ الْبَالِغُ غَيْرُ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَمَحْجُورًا عَلَيْهِ. وَالْقَسَامَةُ فِي الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى
(6/97)

الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَمَا بَيْنَهُمْ مِثْلُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لَا تَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّ كُلًّا وَلِيُّ دَمِهِ وَوَارِثُ دِيَةِ الْمَقْتُولِ وَمَالِهِ إلَّا أَنَّا لَا نَقْبَلُ شَهَادَةَ مُشْرِكٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِسْلَامِ إبْطَالُ أَخْذِ الْحُقُوقِ بِشَهَادَةِ الْمُشْرِكِينَ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِسَيِّدِ الْعَبْدِ الْقَسَامَةُ فِي الْعَبْدِ وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ لَهُ عَلَى الْأَحْرَارِ أَوْ عَبِيدِهِمْ غَيْرَ أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْأَحْرَارِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَعَوَاقِلِهِمْ، وَالدِّيَاتِ فِي رِقَابِ الْعَبِيدِ وَدِيَةُ الْعَبْدِ ثَمَنُهُ مَا كَانَ، وَإِذَا وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ فِي عَبْدٍ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهَا سَوَاءٌ، وَالْقَسَامَةُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ قَسَامَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ لَا يَمْلِكُ؛ وَالْقَسَامَةُ لِسَادَاتِهِمْ دُونَهُمْ. وَإِنْ كَانَ لِلْمَكَاتِبِ عَبْدٌ فَوَجَبَتْ لَهُ قَسَامَةٌ أَقْسَمَ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ فَإِنْ لَمْ يُقْسِمْ حَتَّى يَعْجِزَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ وَكَانَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يُقْسِمَ وَعَجْزُهُ كَمَوْتِهِ، وَيَصِيرُ الْعَبْدُ الَّذِي يُقْسَمُ فِيهِ لِسَيِّدِهِ بِالْمِيرَاثِ فَحَالُهُ كَحَالِ رَجُلٍ فِي هَذَا وَجَبَتْ لَهُ فِي عَبْدٍ لَهُ أَوْ ابْنٍ أَوْ غَيْرِهِ قَسَامَةٌ فَلَمْ يُقْسِمْ حَتَّى مَاتَ فَتُقْسِمُ وَرَثَتُهُ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ وَيَمْلِكُونَ مَا مَلَكَ، وَمَنْ قَتَلَ عَبْدًا لِأُمِّ وَلَدٍ فَلَمْ يُقْسِمْ سَيِّدُهَا حَتَّى مَاتَ وَأَوْصَى بِثَمَنِ الْعَبْدِ لَهَا لَمْ تُقْسِمْ وَأَقْسَمَ وَرَثَتُهُ وَكَانَ لَهَا ثَمَنُ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ تُقْسِمْ الْوَرَثَةُ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَا لَهُمْ شَيْءٌ إلَّا أَيْمَانُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَلَوْ وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ لِرَجُلٍ فِي عَبْدٍ لَهُ فَلَمْ يُقْسِمْ حَتَّى ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَكَفَّ الْحَاكِمُ عَنْ أَمْرِهِ بِالْقَسَامَةِ فَإِنْ تَابَ أَقْسَمَ وَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ مَالُهُ فَيْئًا. وَلَوْ أَمَرَهُ مُرْتَدًّا فَأَقْسَمَ اسْتَحَقَّ الدِّيَةَ فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَتْ لَهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ قُبِضَتْ فَيْئًا عَنْهُ: وَلَوْ كَانَتْ الْقَسَامَةُ وَجَبَتْ لَهُ فِي ابْنِهِ، ثُمَّ ارْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ كَانَ الْجَوَابُ فِيهَا كَالْجَوَابِ فِي الْعَبْدِ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَهُ يُقْسِمَ وَتَثْبُتُ الدِّيَةُ فَإِنْ تَابَ دَفَعَهَا إلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى الرِّدَّةِ قَبَضَهَا فَيْئًا عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ ابْنُهُ جُرِحَ فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى ارْتَدَّ أَبُوهُ ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ بَعْدَ رِدَّةِ الْأَبِ لَمْ يَكُنْ الْأَبُ لَهُ وَارِثًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ وَأَقْسَمَ وَرَثَةُ الِابْنِ سِوَى الْأَبِ، وَلَوْ رَجَعَ الْأَبُ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ مِيرَاثِ الِابْنِ شَيْءٌ، وَلَوْ جُرِحَ رَجُلٌ ثُمَّ ارْتَدَّ فَمَاتَ مُرْتَدًّا وَوَجَبَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ بَطَلَتْ الْقَسَامَةُ؛ لِأَنَّهُ وَارِثٌ لَهُ، وَلَوْ جُرِحَ ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، ثُمَّ مَاتَ كَانَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ؛ لِأَنَّهُ مَوْرُوثٌ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ جُرِحَ عَبْدٌ فَأُعْتِقَ، ثُمَّ مَاتَ حُرًّا وَجَبَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ لِوَرَثَتِهِ الْأَحْرَارِ وَسَيِّدِهِ الْمُعْتِقِ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ الْمُعْتِقُ مِمَّا وَجَبَ فِي جِرَاحِهِ وَقَدْرَ مَا يَمْلِكُ الْوَرَثَةُ سُهْمَانَهُمْ مِنْ مِيرَاثِهِ كَأَنَّ سَيِّدَهُ مَلَكَ بِجِرَاحِهِ ثُلُثَ دِيَةِ حُرٍّ فَيَحْلِفُ ثُلُثَ الْأَيْمَانِ وَالْوَرَثَةُ ثُلُثَيْهَا بِقَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فِيهَا وَلَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَإِذَا أُصِيبَ رَجُلٌ بِمَوْضِعٍ تَجِبُ فِيهِ الْقَسَامَةُ فَمَاتَ مَكَانَهُ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ، وَإِنْ أُصِيبَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِجُرْحٍ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ الْجُرْحِ مُدَّةً طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ فَفِيهِ الْقَسَامَةُ وَإِنْ كَانَتْ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَإِنْ لَمْ يَلْتَئِمْ الْجُرْحُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَسَامَةٌ وَإِنْ مَاتَ وَقَالَ وَرَثَتُهُ لَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ وَقَالَ الَّذِي يُقْسِمُ بَلْ كَانَ يُقْبِلُ وَيُدْبِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَتِهِ وَلَهُمْ الْقَسَامَةُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْجَانِي بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُقْبِلُ وَيُدْبِرُ بَعْدَ الْجُرْحِ فَتَسْقُطُ الْقَسَامَةُ، وَإِنَّمَا جَعَلْت الْقَوْلَ قَوْلَ الْوَرَثَةِ فِي أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بُدٌّ مِنْ الْقَسَامَةِ عَلَى النَّفْسِ إنْ فُلَانًا قَتَلَهَا إذَا كَانَ لَهَا سَبَبٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَلَوْ قَالَ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ لَمْ يَزَلْ مَرِيضًا مِنْ الْجُرْحِ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنَّهُ مَاتَ مِنْ غَيْرِ الْجُرْحِ أَوْ قَالُوا ذَلِكَ فِي رَجُلٍ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَوْ اعْتِرَافٍ رَجُلٍ بِأَنَّهُ جَرَحَهُ جُرْحًا عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَقَامَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ فِي هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ جَعَلَتْ عَلَيْهِمْ الْأَيْمَانُ فِي الْأَوَّلِ وَالْآخَرِ لَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ وَجَعَلْت لَهُمْ فِي الْقَسَامَةِ الدِّيَةَ وَفِي الْجِنَايَةِ الْعَمْدِ الَّتِي قَامَتْ بِهَا الْبَيِّنَةُ أَوْ أَقَرَّ بِهَا الْجَانِي الْقَوَدَ إذَا أَقْسَمُوا
(6/98)

لَمَاتَ مِنْهَا وَمَنْ أَوْجَبْت لَهُ دِيَةَ نَفْسٍ بِيَمِينٍ أَوْ أَوْجَبْت لَهُ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ نَفْسٍ بِيَمِينٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ هَذَا وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ هَذَا بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَالْأَيْمَانُ فِي الدِّمَاءِ خِلَافُ الْأَيْمَانِ فِي الْحُقُوقِ وَهِيَ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ يَمِينٌ يَمِينٌ، وَفِي الدِّمَاءِ خَمْسُونَ يَمِينًا بِمَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَسَامَةِ فَلَمْ تَجُزْ فِي يَمِينِ دَمٍ يَبْرَأُ بِهَا الْمُحَلَّفُ وَلَا يَأْخُذُ بِهَا الْمُدَّعِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

[الْوَرَثَةُ يُقْسِمُونَ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قُتِلَ الرَّجُلُ فَوَجَبَتْ فِيهِ الْقَسَامَةُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا كَأَنْ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَمْلِكُ النَّفْسُ بِالْقَسَامَةِ إلَّا دِيَةَ الْمَقْتُولِ وَلَا يَمْلِكُ دِيَةَ الْمَقْتُولِ إلَّا وَارِثٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَى مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مَنْ لَهُ الْمَالُ بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْمَالَ مِنْ الْوَرَثَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ وَجَبَتْ فِي رَجُلٍ قَسَامَةٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ وَصَايَا فَامْتَنَعَ الْوَرَثَةُ مِنْ الْقَسَامَةِ فَسَأَلَ أَهْلَ الدَّيْنِ أَوْ الْمُوصَى لَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَى الْجَانِينَ الْمَالُ وَلَا الْوَرَثَةُ الَّذِينَ أَقَامَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي مَالِهِ بِقَدْرِ مَا فُرِضَ لَهُ مِنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ تَرَكَ الْقَتِيلُ وَارِثَيْنِ فَأَقْسَمَ أَحَدُهُمَا فَاسْتَحَقَّ بِهِ نِصْفَ الدِّيَةِ أَخَذَهَا الْغُرَمَاءُ مِنْ يَدِهِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلٌ أَخَذَ أَهْلُ الْوَصَايَا ثُلُثَهَا مِنْ يَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا وَيَأْخُذُوا النِّصْفَ الْآخَرَ فَإِنْ أَقْسَمَ الْوَارِثُ الْآخَرُ أَخَذَ الْغُرَمَاءُ مِنْ يَدِهِ مَا فِي يَدِهِ حَتَّى يَسْتَوْفُوا دُيُونَهُمْ وَإِنْ اسْتَوْفُوهَا أَخَذَ أَهْلُ الْوَصَايَا الثُّلُثَ مِمَّا فِي يَدِهِ وَإِنْ كَانَ لِلْغُرَمَاءِ مِائَةُ دِينَارٍ فَاسْتَوْفُوهَا مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ الَّذِي وَجَبَ لِلَّذِي أَقْسَمَ أَوَّلًا، ثُمَّ أَقْسَمَ الْآخَرُ رَجَعَ الْأَوَّلُ عَلَى الْآخَرِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي الْوَصَايَا؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْوَصَايَا إنَّمَا يَأْخُذُونَ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ لَا كُلَّهُ كَمَا يَأْخُذُهُ الْغُرَمَاءُ وَلَا يُقْسِمُ ذُو قَرَابَةٍ لَيْسَ بِوَارِثٍ وَلَا وَلِيُّ يَتِيمٍ مِنْ وَلَدِ الْمَيِّتِ حَتَّى يَبْلُغَ الْيَتِيمُ فَإِنْ مَاتَ الْيَتِيمُ قَامَ وَرَثَتُهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَهُ وَإِنْ طَلَبَ ذُو قَرَابَةٍ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ الْقَتِيلَ أَنْ يُقْسِمَ جَمِيعَ الْقَسَامَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ فَإِنْ مَاتَ ابْنُ الْقَتِيلِ أَوْ زَوْجَةٌ لَهُ أَوْ أُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ فَوَرِثَهُ ذُو الْقَرَابَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ وَارِثًا وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الْقَسَامَةُ وَهُوَ غَائِبٌ أَوْ مَخْبُولٌ أَوْ صَبِيٌّ فَلَمْ يَحْضُرْ الْغَائِبُ أَوْ حَضَرَ فَلَمْ يُقْسِمْ وَلَمْ يَبْلُغْ الصَّبِيُّ وَلَمْ يُفِقْ الْمَعْتُوهُ أَوْ بَلَغَ هَذَا وَأَفَاقَ هَذَا فَلَمْ يُقْسِمُوا وَلَمْ يُبْطِلُوا حُقُوقَهُمْ فِي الْقَسَامَةِ حَتَّى مَاتُوا قَامَ وَرَثَتُهُمْ مَقَامَهُمْ فِي أَنْ يُقْسِمُوا بِقَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهُمْ وَذَلِكَ أَنْ يَرِثَ ابْنٌ عُشْرَ مَالِ أَبِيهِ، ثُمَّ يَمُوتَ فَيَرِثُهُ عَشْرَةٌ فَيَكُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ لَهُ عُشْرَ الْعَشْرِ مِنْ مِيرَاثِ الْقَتِيلِ، وَعُشْرُ الْعُشْرِ وَاحِدٌ وَهَكَذَا هَذَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ يُقْسِمُونَ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ذِكْرُ أَخِي الْمَقْتُولِ وَرَجُلَيْنِ مَعَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُمْ تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ فَكَيْفَ لَا يَحْلِفُ إلَّا وَارِثٌ؟ قُلْت قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ لِوَارِثِ الْمَقْتُولِ هُوَ وَغَيْرُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ لِوَارِثِهِ وَحْدَهُ تَحْلِفُونَ لِوَاحِدٍ أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِجَمَاعَتِهِمْ يَعْنِي بِهِ يَحْلِفُ الْوَرَثَةُ إنْ كَانَ مَعَ أَخِيهِ الَّذِي حَكَى أَنَّهُ حَضَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَارِثٌ غَيْرُهُ أَوْ كَانَ أَخُوهُ غَيْرَ وَارِثٍ لَهُ وَهُوَ يَعْنِي بِذَلِكَ الْوَرَثَةَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الدَّلَالَةُ عَلَى هَذَا؟ فَإِنَّ جَمِيعَ حُكْمِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا سِوَى الْقَسَامَةِ أَنَّ يَمِينَ الْمَرْءِ لَا تَكُونُ إلَّا فِيمَا يَدْفَعُ بِهَا الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ
(6/99)

كَمَا يَدْفَعُ قَاذِفُ امْرَأَتِهِ الْحَدَّ عَنْ نَفْسِهِ وَيَنْفِي بِهَا الْوَلَدَ وَكَمَا يَدْفَعُ بِهَا الْحَقَّ عَنْ نَفْسِهِ وَالْحَدَّ وَغَيْرَهُ وَفِيمَا يَأْخُذُ بِهَا الرَّجُلُ مَعَ شَاهِدٍ وَيَدَّعِي الْمَالَ فَيَنْكُلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتُرَدُّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيَأْخُذُ بِيَمِينِهِ وَنُكُولُ صَاحِبِهِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ لَا أَنَّ الرَّجُلَ يَحْلِفُ فَيَبْرَأُ غَيْرُهُ وَلَا يَحْلِفُ فَيَمْلِكُ غَيْرُهُ بِيَمِينِهِ شَيْئًا فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِهَا لِغَيْرِ وَارِثٍ وَيَسْتَحِقُّ بِهَا الْوَارِثُ لَمْ يَجُزْ فِيهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي مَعَانِي مَا حَكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ رَسُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ بِيَمِينِ غَيْرِهِ شَيْئًا.

[بَيَانُ مَا يُحْلِفُ عَلَيْهِ الْقَسَامَةَ]
َ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ الْقَسَامَةُ مَنْ صَاحِبُكَ؟ فَإِذَا قَالَ: فُلَانٌ، قَالَ: فُلَانٌ وَحْدَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: عَمْدًا أَوْ خَطَأً؟ فَإِنْ قَالَ عَمْدًا سَأَلَهُ مَا الْعَمْدُ؟ فَإِنْ وَصَفَ مَا يَجِبُ بِمِثْلِهِ قِصَاصٌ لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَحْلَفَهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ وَصَفَ مِنْ الْعَمْدِ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ قِصَاصٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِيهِ الْعَقْلُ أَحْلَفَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ إثْبَاتِهِ وَإِنْ قَالَ قَتَلَهُ فُلَانٌ وَنَفَرٌ مَعَهُ لَمْ يُحْلِفْهُ حَتَّى يُسَمِّيَ النَّفَرَ فَإِنْ قَالَ لَا أَعْرِفُهُمْ وَأَنَا أَحْلِفُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ فِيمَنْ قَتَلَهُ لَمْ يُحْلِفْهُ حَتَّى يُسَمِّيَ عَدَدَ النَّفَرِ مَعَهُ فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً أَحْلَفَهُ عَلَى الَّذِي أَثْبَتَهُ وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَرُبُعُهَا وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ عَدَدَهُمْ لَمْ يَحْلِفْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ يَلْزَمُ هَذَا الَّذِي يَثْبُتُ وَلَا عَاقِلَتُهُ مِنْ الدِّيَةِ لَوْ حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَوْ عَجَّلَ الْحَاكِمُ فَأَحْلَفَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ هَذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ إذَا أَثْبَتَ كَمْ عَدَدُ مَنْ قَتَلَ مَعَهُ وَلَوْ عَجَّلَ الْحَاكِمُ فَأَحْلَفَهُ لِقَتْلِ فُلَانٍ فُلَانًا وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا وَلَا خَطَأً أَعَادَ عَلَيْهِ عَدَدَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ أَنَّهَا فِي مَالِهِ وَفِي الْخَطَأِ أَنَّهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ وَلَوْ عَجَّلَ فَأَحْلَفَهُ لِقَتْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ عَمْدًا وَلَمْ يَقُلْ قَتَلَهُ وَحْدَهُ أَعَادَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ لِقَتْلِهِ وَحْدَهُ وَلَوْ عَجَّلَ فَأَحْلَفَهُ لِقَتْلِهِ مَعَ غَيْرِهِ وَلَمْ يُسَمِّ عَدَدَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ مَعَهُ أَعَادَ عَلَيْهِ الْأَيْمَانَ إذَا عَرَفَ الْعَدَدَ وَلَوْ أَحْلَفَهُ لِقَتْلِهِ وَثَلَاثَةٍ مَعَهُ لَمْ يُسَمِّهِمْ قَضَى عَلَيْهِ بِرُبُعِ الدِّيَةِ أَوْ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَإِنْ جَاءَ بِوَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَقَالَ قَدْ أَثْبَتَ هَذَا أَحْلَفَهُ أَيْضًا عَلَيْهِ عِدَّةَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْوَارِثُ وَحْدَهُ أَحْلَفَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا لِقَتْلِهِ مَعَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ فَإِنْ كَانَ يَرِثُ النِّصْفَ فَنِصْفُ الْأَيْمَانِ وَلَمْ تُعَدَّ عَلَيْهِ الْأَيْمَانُ الْأُولَى، ثُمَّ كُلَّمَا أَثْبَتَ وَاحِدًا مَعَهُ أَعَادَ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ كَمَا يَبْتَدِئُ اسْتِحْلَافَهُ عَلَى وَاحِدٍ لَوْ كَانَتْ دَعْوَاهُ عَلَيْهِ مُنْفَرِدَةً وَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثَانِ فَأَغْفَلَ الْحَاكِمُ بَعْضَ مَا وَصَفْت أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْلِفَهُ عَلَيْهِ أَوْ أَحْلَفَهُ مُغْفِلًا خَمْسِينَ يَمِينًا، ثُمَّ جَاءَ الْوَارِثُ الْآخَرُ فَحَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا أَعَادَ عَلَى الْأَوَّلِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ هِيَ الَّتِي تَلْزَمُهُ مَعَ الْوَارِثِ مَعَهُ وَإِنَّمَا أَحْلَفَهُ أَوَّلًا خَمْسِينَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا بِهَا إذَا لَمْ تَتِمَّ أَيْمَانُ الْوَرَثَةِ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا. .

[عَدَدُ الْأَيْمَانِ عَلَى كُلِّ حَالِفٍ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ حَقٌّ فِي الْقَسَامَةِ حَتَّى تَكْمُلَ أَيْمَانُ الْوَرَثَةِ
(6/100)

خَمْسِينَ يَمِينًا وَسَوَاءٌ كَثُرَ الْوَرَثَةُ أَوْ قَلُّوا وَإِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ وَتَرَكَ وَارِثًا وَاحِدًا أَقْسَمَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقَّ الدِّيَةَ وَإِنْ تَرَكَ وَارِثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَكَانَ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا أَوْ غَائِبًا أَوْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَوْ حَاضِرًا بَالِغًا فَلَمْ يَحْلِفْ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الْيَمِينَ لَمْ يُحْبَسْ عَلَى غَائِبٍ وَلَا صَغِيرٍ وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْ دَمِهِ بِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ مِنْ الْيَمِينِ وَلَا إكْذَابِهِ دَعْوَى أَخِيهِ وَلَا صِغَرِهِ وَقِيلَ لِلَّذِي يُرِيدُ الْيَمِينَ: أَنْتَ لَا تَسْتَوْجِبُ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى عَوَاقِلِهِمْ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا فَإِنْ شِئْت أَنْ تُعَجِّلَ فَتَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَأْخُذُ نُصِيبَكَ مِنْ الْمِيرَاثِ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ قَبِلْت مِنْكَ وَإِنْ امْتَنَعْت فَدَعْ هَذَا حَتَّى يَحْضُرَ مَعَكَ وَارِثٌ تُقْبَلُ يَمِينُهُ فَتَحْلِفَانِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ وَرَثَتُهُ فَتَكْمُلَ أَيْمَانُكُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَيْمَانِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ عَلَى وَارِثٍ فِي الْأَيْمَانِ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يَغِيبَ وَارِثٌ أَوْ يَصْغُرَ أَوْ يَنْكُلَ فَيُرِيدُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ الْيَمِينَ فَلَا يَأْخُذُ حَقَّهُ إلَّا بِكَمَالِ خَمْسِينَ يَمِينًا فَيُزَادُ عَلَيْهِ فِي الْأَيْمَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الْأَيْمَانِ أَوْ يَدَعَ الْمَيِّتُ ثَلَاثَ بَنِينَ فَتَكُونُ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا إلَّا ثُلُثَ يَمِينٍ فَلَا يَجُوزُ فِي الْيَمِينِ كَسْرٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ وَاحِدٌ سِتَّةَ عَشَرَ يَمِينًا وَعَلَيْهِ ثُلُثَا يَمِينٍ وَيَحْلِفُ آخَرُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَلَا سَبْعَةَ عَشَرَ وَزِيَادَةً وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا فَيَكُونُ عَلَيْهِمْ زِيَادَةُ يَمِينٍ بَيْنَهُمْ، وَهَكَذَا مَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ كَسْرُ يَمِينٍ جَبَرَهَا وَإِنْ لَمْ يَدَعْ الْقَتِيلُ وَارِثًا إلَّا ابْنَهُ أَوْ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ أَجْزَأَهُ أَنْ يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ الْمَالَ كُلَّهُ وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا حَلَفَ عَلَيْهِ وَهَكَذَا لَوْ لَمْ يَدَعْ إلَّا ابْنَتَهُ وَهِيَ مَوْلَاتُهُ حَلَفَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ الْكُلَّ: النِّصْفَ بِالنَّسَبِ وَالنِّصْفَ بِالْوَلَاءِ، وَهَكَذَا لَوْ لَمْ يَدَعْ إلَّا زَوْجَةً وَهِيَ مَوْلَاتُه وَإِذَا تَرَكَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ وَارِثًا سَوَاءٌ فِي مِيرَاثِهِ كَأَنَّهُمْ بَنُونَ مَعًا أَوْ إخْوَةٌ مَعًا أَوْ عُصْبَةٌ فِي الْقُعْدَدِ إلَيْهِ سَوَاءٌ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَإِنْ جَازُوا خَمْسِينَ أَضْعَافًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مَالًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا إقْرَارٍ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ مِنْهُ وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ بِيَمِينِ غَيْرِهِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَتْ فِيهِمْ زَوْجَةٌ فَوَرِثَتْ الرُّبُعَ أَوْ الثُّمُنَ حَلَفَتْ رُبُعَ الْأَيْمَانِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا يُزَادُ عَلَيْهَا كَسْرُ يَمِينٍ أَوْ ثُمُنَ الْأَيْمَانِ سَبْعَةَ أَيْمَانٍ يُزَادُ عَلَيْهَا كَسْرُ يَمِينٍ؛ لِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إذَا كَانَ عَلَى وَارِثٍ كَسْرُ يَمِينٍ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِيَمِينٍ تَامَّةٍ. .

[نُكُولُ الْوَرَثَةِ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْقَسَامَةِ]
ِ وَمَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِمْ
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَإِذَا كَانَ لِلْقَتِيلِ وَارِثَانِ فَامْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْقَسَامَةِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْآخَرَ مِنْ أَنْ يُقْسِمَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقَّ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْوَرَثَةُ عَدَدًا كَثِيرًا فَنَكَلُوا إلَّا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ عَدْلًا وَالْمُقْسِمُ غَيْرُ عَدْلٍ قُبِلَتْ قَسَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ يَأْخُذُهُ بِيَمِينِهِ فَالْعَدْلُ وَغَيْرُ الْعَدْلِ سَوَاءٌ كَمَا يَكُونُ لِلرَّجُلَيْنِ شَاهِدٌ وَلِلرِّجَالِ شَاهِدٌ فَيَمْتَنِعُ أَحَدُهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ مِنْ الْيَمِينِ وَيَحْلِفُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ فَيَكُونُ لِلْحَالِفِ أَخْذُ حَقِّهِ، كَمَا يُدَّعَى عَلَى الرِّجَالِ حَقٌّ فَيُقِرُّ بِهِ بَعْضُهُمْ وَيُنْكِرُ بَعْضٌ فَيَحْلِفُ الْمُنْكِرُ وَيَبْرَأُ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُقِرِّ مَا أَقَرَّ بِهِ فَإِذَا كَانَتْ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْقَسَامَةِ أَيْمَانٌ فَلَمْ يُكْمِلْهَا حَتَّى مَاتَ كَانَ عَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَبْتَدِئُوا الْأَيْمَانَ الَّتِي كَانَتْ عَلَى أَبِيهِمْ وَلَا يُحَاسَبُونَ بِأَيْمَانِهِ؛ لِأَنَّ أَيْمَانَهُ غَيْرُ أَيْمَانِهِمْ
(6/101)

وَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ بِأَيْمَانِهِ شَيْئًا حَتَّى يُكْمِلَ مَا عَلَيْهِ فِيهِ وَلَوْ كَانَ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ أَيْمَانَهُ حَتَّى غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ فَإِذَا أَفَاقَ احْتَسَبَ بِمَا بَقِيَ مِنْ أَيْمَانِهِ وَلَمْ يَسْقُطْ مِنْ أَيْمَانِهِ الْمَاضِيَةِ شَيْءٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ عَلَيْهِ عَدَدَ شَيْءٍ فَإِذَا أَتَى بِهِ مَجْمُوعًا أَوْ مُفَرَّقًا عِنْدَ حَاكِمٍ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَلَوْ جَاءَ بِهِ عِنْدَ حَاكِمَيْنِ وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُثْبِتَ لَهُ عَدَدَ مَا حَلَفَ عِنْدَهُ قَبْلَ يَغْلِبَ عَلَى عَقْلِهِ وَمَا حَلَفَ عِنْدَ غَيْرِهِ وَلَوْ حَلَفَ عَلَى بَعْضِ الْأَيْمَانِ، ثُمَّ سَأَلَ الْحَاكِمَ أَنْ يُنْظَرَ أَنْظَرَهُ فَإِذَا جَاءَ لِيَسْتَكْمِلَ الْأَيْمَانَ حُسِبَتْ لَهُ مَا مَضَى مِنْهَا عِنْدَهُ وَإِذَا كَانَ لِلْقَتِيلِ تَجِبُ فِيهِ الْقَسَامَةُ وَارِثَانِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنَّهُ قَتَلَهُ وَحْدَهُ وَأَبْرَأَهُ صَاحِبُهُ بِأَنْ قَالَ مَا قَتَلَهُ كَانَ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ الْمُدَّعِي الَّذِي لَمْ يُبْرِئْ أَنْ يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقَّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ إنْ كَانَ عَمْدًا فِي مَالِهِ وَعَلَى الْعَاقِلَةِ إنْ كَانَ خَطَأً وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ لَوْ كَانَ عَدْلًا فَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ وَهُمْ يَتَصَادَقُونَ عَلَى الْوَقْتِ غَائِبًا بِبَلَدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَا فِي يَوْمٍ إلَى مَوْضِعِ الْقَتِيلِ لَمْ يُبَرَّأْ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلُوكَانِ الْوَارِثَانِ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ فَشَهِدَا لَهُ بِهَذَا أَوْ شَهِدَا عَلَى آخَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ أَجَزْنَا شَهَادَتَهُمَا وَلَمْ نَجْعَلْ فِيهِ قَسَامَةٌ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُقْسِمُوا عَلَى رَجُلٍ يُبَرِّئُهُ أَحَدُهُمْ إذَا كَانَ الَّذِي يُبَرِّئُهُ يَعْقِلُ فَإِنْ أَبْرَأَهُ مِنْهُمْ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ أَوْ صَبِيٌّ لَمْ يَبْلُغْ كَانَ لِلْبَاقِينَ مِنْهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا. .

[مَا يُسْقِطُ حُقُوقَ أَهْلِ الْقَسَامَةِ]
ِ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَمَا لَا يُسْقِطُهَا
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَارِثَانِ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ فَكَانَتْ دَعْوَاهُمَا مَعًا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُصَدَّقَا فِيهِ بِحَالٍ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُمَا فِي الْقَسَامَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا قَتَلَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ وَرَجُلٍ لَا أَعْرِفُهُ وَيَقُولُ الْآخَرُ: قَتَلَ أَبِي زَيْدٍ بْنِ عَامِرٍ وَرَجُلٍ لَا أَعْرِفُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَيْدُ بْنُ عَامِرٍ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي عَرَفَهُ الَّذِي جَهِلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدٍ وَأَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدٍ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي جَهِلَهُ الَّذِي عَرَفَ زَيْدَ بْنَ عَامِرٍ وَلَوْ قَالَ الَّذِي ادَّعَى عَلَى عَبْدِ اللَّهِ قَدْ عَرَفْت زَيْدًا وَلَيْسَ بِاَلَّذِي قَتَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ الَّذِي عَرَفَ زَيْدًا قَدْ عَرَفْت عَبْدَ اللَّهِ وَلَيْسَ بِاَلَّذِي قَتَلَ مَعَ زَيْدٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُقْسِمَ عَلَى الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ رُبُعَ الدِّيَةِ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ حَقِّ صَاحِبِهِ كَرَجُلَيْنِ لَهُمَا حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ فَأَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا بِإِكْذَابِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ فِي كُلِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمَا الْقَتْلُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَارِثِينَ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْوَهْمُ أَوْ يُثْبِتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ مَعَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ قَاتِلًا غَيْرَهُ وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِ الَّذِي أَبْرَأَهُ أَنَّهُ قَاتِلٌ مَعَ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُقْسِمَ وَيَأْخُذَ مِنْهُ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُقْسِمَ حَتَّى تَجْتَمِعَ دَعْوَاهُمَا عَلَى وَاحِدٍ فَيُقْسِمَانِ عَلَيْهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ هَذَانِ لَيْسَا كَرَجُلَيْنِ لَهُمَا حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ فَأَكْذَبَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَتَهُ فَبَطَلَ حَقُّهُ وَصَدَّقَ الْآخَرُ بَيِّنَتَهُ فَأَخَذَ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ أُخِذَ بِغَيْرِ قَوْلِ الْمُدَّعِي وَحْدَهُ وَأَخَذَهُ بِشَهَادَةٍ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ مَقْبُولٌ مِثْلُهَا وَالْقَسَامَةُ حَقٌّ أُخِذَ بِدَلَالَةٍ، وَأَيْمَانُهُمَا بِهَا؛ لِأَنَّهُمَا وَارِثَانِ لَهُ وَلَا يَأْخُذَانِهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُكَذِّبُ صَاحِبَهُ وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: لَوْ أَنَّ وَارِثِينَ وَجَبَتْ لَهُمَا الْقَسَامَةُ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُقْسِمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الَّذِي اُدُّعِيَا عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْرَأَ غَيْرَهُ بِدَعْوَاهُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَا صَادِقَيْنِ بِحَالٍ وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا قَتَلَهُ وَحْدَهُ وَالْآخَرُ قَتَلَهُ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهُ مَعَهُمَا وَارِثٌ ثَالِثٌ فَادَّعَى عَلَى
(6/102)

الَّذِي ادَّعَيَا عَلَيْهِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَلَوْ وَجَبَتْ لَهُمَا فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ وَقَالَ الْآخَرُ: لَا أَعْرِفُهُ وَامْتَنَعَ مِنْ الْقَسَامَةِ كَانَ لِلَّذِي أَثْبَتَ الْقَسَامَةَ عَلَيْهِ أَنْ يُقْسِمَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَأْخُذَ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ أَخِيهِ مِنْ الْيَمِينِ لَيْسَ بِإِكْذَابٍ لَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إكْذَابًا لَهُ فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى وَارِثَانِ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَتَلَهُ وَحْدَهُ وَقَالَ الْآخَرُ: قَتَلَهُ وَآخَرُ مَعَهُ كَانَ لِلَّذِي أَفْرَدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ مِنْهُ رُبُعَ الدِّيَةِ وَالْآخَرُ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُ رُبُعَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ وَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِأَنَّهَا عَلَيْهِ كُلَّهَا وَلَا يُؤْخَذُ فِي هَذَا الْقَوْلِ إلَّا بِمَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ لِلَّذِي ادَّعَى عَلَى الْبَاقِي أَنْ يَحْلِفَ؛ لِأَنَّ أَخَاهُ يُكَذِّبُهُ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا فَعَلَى هَذَا، هَذَا الْبَابُ كُلُّهُ. .

[الْخَطَأُ وَالْعَمْدُ فِي الْقَسَامَةِ]
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ لَمْ أُحَلِّفْ الْوَرَثَةَ حَتَّى أَسْأَلَهُمْ أَعَمْدًا قَتَلَ صَاحِبُهُمْ أَوْ خَطَأً؟ فَإِنْ قَالُوا عَمْدًا أَحْلَفْتُهُمْ عَلَى الْعَمْدِ وَجَعَلْت لَهُمْ الدِّيَةَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ حَالَّةً مُغَلَّظَةً كَدِيَةِ الْعَمْدِ وَإِنْ قَالُوا خَطَأً أَحْلَفْتُهُمْ لِقَتْلِهِ خَطَأً، ثُمَّ جَعَلْت الدِّيَةَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ فِي مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ كَدِيَةِ الْخَطَأِ وَهَكَذَا إذَا كَانَتْ لِمُسْلِمِينَ عَلَى مُشْرِكِينَ أَوْ لِمُشْرِكِينَ عَلَى مُسْلِمِينَ أَوْ لِمُشْرِكِينَ عَلَى مُشْرِكِينَ أَحْرَارٍ لَا تَخْتَلِفُ فَإِذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ عَلَى عَبْدٍ أَوْ قَوْمٍ فِيهِمْ عَبْدٌ كَانَتْ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي عُنُقِ الْعَبْدِ دُونَ مَالِ سَيِّدِهِ وَعَاقِلَتِهِ وَلَا تَكُونُ الْقَسَامَةُ إلَّا عِنْدَ حَاكِمٍ وَإِذَا أَقْسَمُوا أَبِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ؟ أَعَادَ عَلَيْهِمْ الْحَاكِمُ الْأَيْمَانَ وَلَمْ يَحْسِبْ لَهُمْ مِنْ أَيْمَانِهِمْ قَبْلَ اسْتِحْلَافِهِ لَهُمْ شَيْئًا. .

[الْقَسَامَةُ بِالْبَيِّنَةِ وَغَيْرِهَا]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا حَلَفَ وُلَاةُ الدَّمِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ لَهُمْ قَتِيلًا وَحْدَهُ وَأَخَذُوا مِنْهُ الدِّيَةَ أَوْ مِنْ عَاقِلَتِهِ، ثُمَّ جَاءَ شَاهِدَانِ بِمَا فِيهِ الْبَرَاءَةُ لِلَّذِي أَقْسَمُوا عَلَيْهِ مِنْ قَتْلِ قَتِيلِهِمْ رَدَّ وُلَاةُ الْقَتِيلِ مَا أَخَذُوا مِنْ الدِّيَةِ عَلَى مَنْ أَخَذُوهَا مِنْهُ وَذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَقْسَمُوا عَلَيْهِ كَانَ يَوْمَ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا وَذَلِكَ الْقَاتِلُ بِمَكَّةَ وَالْقَتِيلُ بِالْمَدِينَةِ أَوْ كَانَ بِبَلَدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَ مَوْضِعَ الْقَتِيلِ فِي يَوْمٍ وَلَا أَكْثَرَ أَوْ يَشْهَدُونَ عَلَى أَنَّ فُلَانًا الَّذِي أَقْسَمُوا عَلَيْهِ كَانَ مَعَهُمْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ وَإِنَّمَا قُتِلَ الْقَتِيلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَوْ مَا فِي مَعْنَى هَذَا مِمَّا يُثْبِتُ الشَّاهِدَانِ أَنَّ هَذَا الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ بَرِيءٌ مِنْ قَتْلِ صَاحِبِهِمْ فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ فُلَانًا رَجُلًا آخَرَ قَتَلَ صَاحِبَهُمْ لَمْ تُخْرَجْ الدِّيَةُ حَتَّى يُنْظَرَ فَإِنْ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى فُلَانٍ أُخْرِجَتْ الدِّيَةُ الَّتِي أُخِذَتْ بِالْقَسَامَةِ فَرُدَّتْ إلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ وَإِنْ رُدَّتْ عَنْ فُلَانٍ لَمْ تُخْرَجْ الَّتِي أُخِذَتْ بِالْقَسَامَةِ بِشَهَادَةِ مَنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ عَلَى رَجُلٍ بِعَدَاوَةٍ وَلَا بِأَنْ يَعْدِلَهُمْ مَنْ يَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ أَوْ يَدْفَعُ عَنْهَا وَلَا يُقْبَلُ شَاهِدَانِ مِنْ عَاقِلَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا ادَّعَى الْقَتْلَ خَطَأً أَنْ يَبْتَدِئُوهَا بِمَا يُبَرِّئُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ بَرَاءَةً لَهُمْ مِمَّا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إبْرَاءٌ لَهُ مِنْ اسْمِ الْقَتْلِ وَلَا إنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ يَكُونَانِ إذَا شَهِدَا أَبْرَآ أَنْفُسَهُمَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ أَوْ جَرَّا إلَى أَنْفُسِهِمَا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِنْ لَمْ يَقْطَعُوا الشَّهَادَةَ بِمَا يُبَيِّنُ بَرَاءَتَهُ لَمْ يَكُنْ بَرِيئًا، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْقَتِيلُ بِبَلَدٍ فَيُقْتَلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يُدْرَى أَيُّ وَقْتٍ قُتِلَ فِيهِ فَيَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ أَنَّ
(6/103)

هَذَا كَانَ مَعَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ طُولَ النَّهَارِ أَوْ فِي بَعْضِ النَّهَارِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ فِي حَبْسٍ وَحَدِيدٍ أَوْ مَرِيضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَقْتُلَهُ فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِيهِ وَيَنْفَلِتُ مِنْ السِّجْنِ وَالْحَدِيدِ وَيَقْتُلُهُ فِي الْحَدِيدِ وَيَقْتُلُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى الْوَرَثَةِ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا أَنَّ هَذَا الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ لَمْ يَقْتُلْ أَبَاهُمْ أَوْ أَنَّهُ كَانَ غَيْرُ حَاضِرٍ قَتْلَ أَبِيهِمْ أَوْ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ أَبُوهُمْ كَانَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَ حَيْثُ قُتِلَ أَبُوهُمْ أَوْ أَنَّهُمْ أَقْسَمُوا عَلَيْهِ عَارِفِينَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ أَحَدٌ أُخِذَتْ الدِّيَةُ مِنْهُمْ وَلِلْإِمَامِ تَعْزِيرُهُمْ بِإِقْرَارِهِمْ وَأَخْذِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، وَلَوْ كَانُوا شَهِدُوا عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا إنْ كُنَّا لَغُيَّبًا عَنْ قَتْلِهِ قَبْلَ الْقَسَامَةِ وَبَعْدَهَا لَمْ يَرُدُّوا شَيْئًا؛ لِأَنِّي أَحْلَفْتُهُمْ وَأَنَا أَعْلَمُهُمْ غُيَّبًا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا قَبْلَ الْقَسَامَةِ وَبَعْدَهَا أَنَّهُمْ قَالُوا مَا نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ قَتْلِهِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُقْسِمُوا؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُصَدِّقُونَ الشُّهُودَ بِمَا لَا يَسْتَيْقِنُونَ وَإِنَّمَا الْيَقِينُ الْعِيَانُ لَا الشَّهَادَةُ وَلَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا قَدْ أَخَذْنَا مِنْهُ الدِّيَةَ أَوْ مِنْ عَاقِلَتِهِ الدِّيَةَ بِظُلْمٍ سُئِلُوا فَإِنْ قَالُوا: قُلْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تُوجِبُ لَنَا دِيَةً حَلَفُوا بِاَللَّهِ مَا أَرَادُوا غَيْرَ هَذَا وَقِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ هَذَا بِظُلْمٍ وَإِنْ سَمَّيْتُمُوهُ ظُلْمًا وَإِنْ لَمْ يَحْلِفُوا عَلَى هَذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا قَتَلَ صَاحِبَهُمْ وَرَدُّوا الدِّيَةَ فَإِنْ قَالُوا: أَرَدْنَا بِقَوْلِنَا أَخَذْنَا الدِّيَةَ بِظُلْمٍ بِأَنَّا كَذَبْنَا عَلَيْهِ رَدُّوا الدِّيَةَ وَعُزِّرُوا وَلَوْ أَقْسَمَ الْوَرَثَةُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُمْ وَحْدَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُمْ فَادَّعَى الْوَرَثَةُ عَلَى الْقَاتِلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دَمَ أَبِيهِمْ وَسَأَلُوا الْقَوَدَ بِهِ أَوْ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ زَعَمُوا أَنَّ قَاتِلَ أَبِيهِمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَأَبْرَءُوا مِنْهُ غَيْرَهُ وَرَدُّوا مَا أَخَذُوا مِنْ الدِّيَةِ بِالْقَسَامَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شُهِدَ لِمَنْ أَخَذُوا مِنْهُ الدِّيَةَ بِالْبَرَاءَةِ وَأَبْرَءُوهُ بِدَعْوَاهُمْ عَلَى غَيْرِهِ وَلَوْ ثَبَتُوا أَيْضًا عَلَى دَعْوَاهُمْ عَلَى الْأَوَّلِ وَكَذَّبُوا الْبَيِّنَةَ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْ الْآخَرِ عَقْلًا وَلَا قَوَدًا؛ لِأَنَّهُمْ أَبْرَءُوهُ وَرَدُّوا مَا أَخَذُوا مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ قَدْ شَهِدَا لَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَلَوْ أَنَّ شَاهِدَيْنِ شَهِدَا لِرَجُلٍ بِمَا يُبَرِّئُهُ مِنْ دَمِ رَجُلٍ كَمَا وَصَفْت، ثُمَّ أَقَرَّ الْمَشْهُودُ لَهُ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً لَزِمَهُ الدَّمُ كَمَا أَقَرَّ بِهِ.
وَإِذَا أَقَرَّ بِهِ خَطَأً لَزِمَهُ فِي مَالِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ دُونَ عَاقِلَتِهِ وَلَوْ أَنَّ وُلَاةَ الدَّمِ أَقَرُّوا أَنَّ رَجُلًا لَمْ يَقْتُلْ أَبَاهُمْ وَادَّعُوهُ عَلَى غَيْرِهِ وَأَقَرَّ الَّذِي أَبْرَءُوهُ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُمْ مُنْفَرِدًا فَقَدْ قِيلَ: يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ وَيَكُونُ أَصْدَقُ عَلَيْهِ مِنْ إبْرَائِهِمْ لَهُ كَشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ بِالْبَرَاءَةِ وَقِيلَ: لَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ وُلَاةَ الدَّمِ قَدْ أَبْرَءُوهُ مِنْ دَمِهِ وَسَوَاءٌ ادَّعَوْا الْوَهْمَ فِي إبْرَائِهِ، ثُمَّ قَالُوا أَثْبَتْنَا أَنَّكَ قَتَلْته أَوْ لَمْ يَدَّعُوهُ. .

[اخْتِلَافُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الدَّمِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ أَبَاهُ عَمْدًا بِمَا فِيهِ الْقَوَدُ وَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً فَالْقَتْلُ خَطَأٌ وَالدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ مَا قَتَلَهُ إلَّا خَطَأً فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي لِقَتْلِهِ عَمْدًا وَكَانَ لَهُ الْقَوَدُ وَهَكَذَا إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا بِالشَّيْءِ الَّذِي إذَا قَتَلَهُ بِهِ لَمْ يُقَدْ مِنْهُ وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ وَحْدَهُ خَطَأً فَأَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مَعَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ وَلَمْ يَغْرَمْ إلَّا نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ قَتَلَهُ مَعَهُ.
وَلَوْ قَالَ قَتَلْته وَحْدِي عَمْدًا وَأَنَا مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِي بِمَرَضٍ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ وَلِيُّ الدَّمِ لَقَتَلَهُ غَيْرُ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ وَهَكَذَا لَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ فَقَالَ: قَتَلْته وَأَنَا مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِي (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي مَحَلَّةِ قَوْمٍ يَخْتَلِطُ بِهِمْ غَيْرُهُمْ أَوْ صَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ مَوْضِعِ مَسِيرٍ إلَى دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا قَسَامَةَ فِيهِ فَإِنْ ادَّعَى أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لَمْ يَحْلِفْ لَهُمْ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ أَثْبَتُوا بِعَيْنِهِ فَقَالُوا نَحْنُ نَدَّعِي أَنَّهُ قَتَلَهُ فَإِنْ أَثْبَتُوهُمْ كُلَّهُمْ وَادَّعَوْا
(6/104)

عَلَيْهِمْ وَهُمْ مِائَةٌ أَوْ أَكْثَرُ وَفِيهِمْ نِسَاءٌ وَرِجَالٌ وَعَبِيدٌ مُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ أَوْ مُشْرِكُونَ كُلُّهُمْ أَوْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ وَمُشْرِكٌ أُحْلِفُوا كُلُّهُمْ يَمِينًا يَمِينًا؛ لِأَنَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى خَمْسِينَ وَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمْ فَإِنْ كَانُوا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ حَلَفُوا يَمِينَيْنِ يَمِينَيْنِ وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثِينَ حَلَفُوا يَمِينَيْنِ يَمِينَيْنِ؛ لِأَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينًا وَكَسْرَ يَمِينٍ وَمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ كَسْرُ يَمِينٍ حَلَفَ يَمِينًا تَامَّةً وَلَيْسَ الْأَحْرَارُ الْمُسْلِمُونَ بِأَحَقَّ بِالْأَيْمَانِ مِنْ الْعَبِيدِ وَلَا الْعَبِيدُ مِنْ الْأَحْرَارِ وَلَا الرِّجَالُ مِنْ النِّسَاءِ وَلَا النِّسَاءُ مِنْ الرِّجَالِ كُلُّ بَالِغٍ فِيهَا سَوَاءٌ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ صَبِيٌّ ادَّعَوْا عَلَيْهِ لَمْ يَحْلِفْ وَإِذَا بَلَغَ حَلَفَ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبُلُوغِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يَحْلِفُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدًا ادَّعَوْا عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَإِذَا حَلَفُوا بَرِئُوا وَإِذَا نَكَلُوا عَنْ الْأَيْمَانِ حَلَفَ وُلَاةُ الدَّمِ خَمْسِينَ يَمِينًا وَاسْتَحَقُّوا الدِّيَةَ إنْ كَانَتْ عَمْدًا فَفِي أَمْوَالِهِمْ وَرِقَابِ الْعَبِيدِ مِنْهُمْ بِقَدْرِ حِصَصِهِمْ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً فَعَلَى عَوَاقِلِهِمْ وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْقَتِيلِ ادَّعَى عَلَى اثْنَيْنِ مِنْهُمْ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا وَامْتَنَعَ الْآخَرُ مِنْ الْيَمِينِ بَرِيءَ الَّذِي حَلَفَ وَحَلَفَ وُلَاةُ الدَّمِ عَلَى الَّذِي نَكَلَ، ثُمَّ لَزِمَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ عَمْدًا وَعَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَ خَطَأً؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا ادَّعَوْا أَنَّهُ قَاتِلٌ مَعَ غَيْرِهِ وَسَوَاءٌ فِي النُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَغَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الْإِقْرَارِ إذَا أَقَرَّ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ وَغَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِالْجِنَايَةِ لَزِمَهُ مِنْهَا مَا يَلْزَمُ غَيْرَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَالْجِنَايَةُ خِلَافُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَقَدْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا بِجِنَايَةِ الْعَمْدِ فِي الْإِقْرَارِ وَالنُّكُولِ.

[بَابُ الْإِقْرَارِ وَالنُّكُولِ وَالدَّعْوَى فِي الدَّمِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ سَوَاءٌ فِي الْإِقْرَارِ بِالْجِنَايَةِ وَالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ فِيهَا إلَّا فِي خَصْلَةٍ بِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَقَرَّ بِجِنَايَةٍ لَا قِصَاصَ فِيهَا لَمْ يُتْبَعْ فِيهَا وَأُشْهِدَ الْحَاكِمُ بِإِقْرَارِهِ بِهَا فَمَتَى عَتَقَ أَلْزَمَهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَقَرَّ أَقَرَّ بِمَالٍ لِغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُهُ فِي مَالِ غَيْرِهِ وَإِذَا صَارَ لَهُ مَالٌ كَانَ إقْرَارُهُ فِيهِ وَإِذَا ادَّعَوْا عَلَى عَشَرَةٍ فِيهِمْ صَبِيٌّ رُفِعَتْ حِصَّةُ الصَّبِيِّ عَنْهُمْ مِنْ الدِّيَةِ إنْ اُسْتُحِقَّتْ وَإِنْ نَكَلُوا حَلَفَ وُلَاةُ الدَّمِ وَأَخَذُوا مِنْهُمْ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الدِّيَةِ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ حَلَفَ فَبَرِيءَ أَوْ نَكَلَ فَحَلَفَ الْوَلِيُّ وَأَخَذَ مِنْهُ الْعُشْرَ إذَا كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ادَّعَوْا عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ مَعْتُوهٌ فَهُوَ كَالصَّبِيِّ لَا يَحْلِفُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنْ أَفَاقَ مِنْ الْعَتَهِ أُحْلِفَ، وَتَسَعُهُ الْيَمِينُ بَعْدَ مَسْأَلَتِهِ عَمَّا ادَّعَوْا عَلَيْهِ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وُلَاةُ الدَّمِ وَاسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ وَإِنْ ادَّعَوْا عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ سَكْرَانُ لَمْ يَحْلِفْ السَّكْرَانُ حَتَّى يُفِيقَ، ثُمَّ يَحْلِفُ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وَاسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ حِصَّتَهُ مِنْ الدِّيَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا وُجِدَ الْقَتِيلُ فِي دَارِ رَجُلٍ وَحْدَهُ فَقَدْ قِيلَ: لَا يَبْرَأُ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ.

[قَتْلُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ فِي مَسْجِدٍ أَوْ مَجْمَعٍ غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَازْدَحَمُوا فَمَاتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِي الزِّحَامِ قِيلَ لِوَلِيِّهِ: ادَّعِ عَلَى مَنْ شِئْت مِنْهُمْ فَإِنْ ادَّعَى عَلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ أَوْ جَمَاعَةٍ كَانَتْ فِي الْمَجْمَعِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ أَوْ جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قَاتِلَتَهُ بِزِحَامٍ قُبِلَتْ دَعْوَاهُ وَحَلَفَ وَاسْتَحَقَّ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ الدِّيَةَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. وَإِنْ ادَّعَاهُ عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ زَحَمَهُ بِالْكَثْرَةِ كَأَنْ يَكُونَ فِي
(6/105)

الْمَسْجِدِ أَلْفٌ فَيَدَّعِيهِ عَلَيْهِمْ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهُمْ زَحَمَهُ فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ عَلَى أَحَدٍ بِعَيْنِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ زَحَمَهُ لَمْ يُعَرَّضْ لَهُمْ فِيهِ وَلَمْ نَجْعَلْ فِيهِ عَقْلًا وَلَا قَوَدًا (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهَكَذَا إنْ قُتِلَ بَيْنَ صَفَّيْنِ لَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ، وَهَكَذَا قَتْلُ الْجَمَاعَاتِ فِي هَذَا كُلِّهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْقَتِيلُ لَمْ يُقْسِمْ وَلِيُّ الدَّمِ عَلَيْهِ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِذَا أَقَرَّ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ فَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الْقَسَامَةُ كَانَ بِالْمَيِّتِ أَثَرُ سِلَاحٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ. فَإِنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ: إنَّمَا مَاتَ مَيِّتُكَ مِنْ مَرَضٍ كَانَ بِهِ أَوْ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ بِصَاعِقَةٍ أَوْ مِيتَةٌ مَا كَانَتْ كَانَ لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْقَسَامَةُ بِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ قَدْ يُقْتَلُ بِمَا لَا أَثَرَ لَهُ وَلَوْ دَفَعْت الْقَسَامَةَ بِهَذَا دَفَعْتهَا بِأَنْ يَقُولَ: جَاءَنَا جَرِيحًا فَمَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ عِنْدَنَا. .

[نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ بِالدَّمِ عَنْ الْأَيْمَانِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا لَمْ أَجْعَلْ لِوُلَاةِ الدَّمِ الْأَيْمَانَ فَادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ عَمْدًا أُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا مَا قَتَلَهُ فَإِذَا حَلَفَ بَرِيءَ مِنْ دَمِهِ وَلَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ قُتِلَ بِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَارِثُ الْعَقْلَ وَيَأْخُذَهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ الْعَفْوَ عَنْ الْعَقْلِ وَالْقَوَدِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قِيلَ لِلْوَارِثِ احْلِفْ خَمْسِينَ يَمِينًا لَقَتَلَهُ وَلَكَ الْقَوَدُ كَهُوَ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقَتْلُ مَعْتُوهًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يَحْلِفْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ فِي حَالِهِ تِلْكَ لَمْ أُلْزِمْهُ إقْرَارَهُ فَإِنْ أَفَاقَ الْمَعْتُوهُ وَبَلَغَ الصَّبِيُّ أَحَلَفْتَهُ عَلَى دَعْوَى وَلِيِّ الدَّمِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ أَقَرَّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَكَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ حَالَّةً إنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَلَا تَضْمَنُ عَاقِلَتُهُ بِإِقْرَارِهِ وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّمَ عَنْ الْيَمِينِ وَامْتَنَعَ الْوَارِثُ مِنْ الْيَمِينِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَكَذَا الدَّعْوَى فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنْ جِرَاحِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ لَا تَخْتَلِفُ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَاهُ خَطَأً حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ الْوَلِيُّ خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى النَّاكِلِ وَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدِّيَةِ عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا وَيُرَدِّدُ الْأَيْمَانَ عَلَى الَّذِي حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ خَمْسُونَ يَمِينًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ تَمَامَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَقَدْ قِيلَ: لَا يَبْرَأُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَوْ حَلَفَا مَعًا إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا وَلَا يُحْسَبُ لَهُ يَمِينُ غَيْرِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَلَمْ يَنْكُلْ وَلَمْ يَحْلِفْ أَوْ حَلَفَ فَلَمْ يُتِمَّ الْأَيْمَانَ الَّتِي يَبْرَأُ بِهَا حَتَّى يَمُوتَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ الدَّمَ وَلَوْ نَكَلَ فِي حَيَاتِهِ عَنْ الْيَمِينِ كَانَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَحْلِفَ وَيَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ الدَّمَ. .

[بَابُ دَعْوَى الدَّمِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا وَحْدَهُ أَوْ قَتَلَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ عَمْدًا فَقَدْ قِيلَ: لَا يَبْرَأُ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا. وَقِيلَ: يَبْرَأُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَيْمَانِ وَهِيَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَمِينًا إذَا
(6/106)

حَلَفَ مَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ جُرْحٌ أَوْ جِرَاحٌ دُونَ النَّفْسِ فَقَدْ قِيلَ يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَيْمَانِ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ فَلَوْ اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ يَدٌ حَلَفَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَلَوْ اُدُّعِيَتْ عَلَيْهِ مُوضِحَةٌ حَلَفَ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ. .

[بَابُ كَيْفَ الْيَمِينُ عَلَى الدَّمِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَوْ اُدُّعِيَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا عَمْدًا حَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ مَا قَتَلَ فُلَانًا وَلَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ وَلَا نَالَهُ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا بِسَبَبِ فِعْلِهِ شَيْءٌ جَرَحَهُ وَلَا وَصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ وَلَا مِنْ فِعْلِهِ، وَإِنَّمَا زِدْت هَذَا فِي الْيَمِينِ عَلَيْهِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْمِي وَلَا يُرِيدُهُ فَتُصِيبُهُ الرَّمِيَّةُ أَوْ يَرْمِي الشَّيْءَ فَيُصِيبُ رَمْيُهُ شَيْئًا فَيَطِيرُ الَّذِي أَصَابَتْهُ رَمْيَتُهُ عَلَيْهِ فَيَقْتُلَهُ وَقَدْ يَجْرَحُهُ فَيَرَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ لَا يَقْتُلُهُ وَكَذَلِكَ يَضْرِبُهُ بِالشَّيْءِ فَلَا يَجْرَحُهُ وَلَا يَرَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَقْتُلُهُ فَأُحَلِّفُهُ لِيَنْكُلَ فَيَلْزَمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيُبَرِّئَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا ادَّعَى خَطَأً حَلَفَ هَكَذَا وَزَادَ وَلَا أَحْدَثَ شَيْئًا عَطِبَ بِهِ فُلَانٌ، وَإِنَّمَا أَدْخَلْت هَذَا فِي يَمِينِهِ أَنَّهُ يُحْدِثُ الْبِئْرَ فَيَمُوتُ فِيهَا الرَّجُلُ وَيُحْدِثُ الْحَجَرَ فِي الطَّرِيقِ فَيَعْطَبُ بِهَا الرَّجُلُ. وَإِنَّمَا مَنَعَنِي عَنْ الْيَمِينَيْنِ مَعًا أَنْ أُحَلِّفَهُ مَا كَانَ سَبَبًا لِقَتْلِهِ مُطْلَقًا أَنَّهُ قَدْ يُحْدِثُ غَيْرُهُ فِي الْمَقْتُولِ الشَّيْءَ فَيَأْتَنِفُ هُوَ الْمُحْدِثُ فَيَقْتُلُهُ فَيَكُونَ سَبَبًا لِقَتْلِهِ وَعَلَيْهِ الْعَقْلُ وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ. .

[يَمِينُ الْمُدَّعِي عَلَى الْقَتْلِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا وَجَبَتْ لِرَجُلٍ قَسَامَةٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالَمِ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ لَقَدْ قَتَلَ فُلَانٌ فُلَانًا مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ مَا شَرَكَهُ فِي قَتْلِهِ غَيْرُهُ. وَإِنْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ مَعَهُ حَلَفَ لَقَتَلَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فُلَانًا مُنْفَرِدَيْنِ بِقَتْلِهِ مَا شَرَكَهُمَا فِيهِ غَيْرُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْحَالِفُ الَّذِي قَتَلَهُ مَعَهُ حَلَفَ لَقَتَلَ فُلَانٌ فُلَانًا وَآخَرُ مَعَهُ لَمْ يُشْرِكْهُمَا فِي قَتْلِهِ غَيْرُهُمَا، فَإِذَا أَثْبَتَ الْآخَرَ أَعَادَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ وَلَمْ تُجْزِئْهُ الْيَمِينُ الْأُولَى. وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ عَلَى الْقَسَامَةِ يَحْلِفُ عَلَى رَجُلٍ جُرِحَ، ثُمَّ عَاشَ مُدَّةً بَعْدَ الْجُرْحِ، ثُمَّ مَاتَ حَلَفَ كَمَا وَصَفْت لَقَتَلَ فُلَانٌ فُلَانًا مُنْفَرِدًا بِقَتْلِهِ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَإِنْ ادَّعَى الْجَانِي أَنَّهُ بَرَأَ مِنْ الْجِرَاحَةِ أَوْ مَاتَ مِنْ شَيْءٍ غَيْرِ جِرَاحَتِهِ الَّتِي جَرَحَهُ إيَّاهَا حَلَفَ مَا بَرَأَ مِنْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ مِنْهَا. .

[يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إقْرَارِهِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ قَتَلَ رَجُلًا هُوَ وَآخَرُ مَعَهُ خَطَأً حَلَفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالَمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَا قَتَلْت فُلَانًا وَحْدِي وَلَقَدْ ضَرَبَهُ مَعِي فُلَانٌ فَكَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ ضَرْبِنَا مَعًا، وَإِنَّمَا مَنَعَنِي مِنْ أَنْ أُحَلِّفَهُ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِكُمَا مَعًا أَنَّهُ قَدْ يَمُوتُ مِنْ ضَرْبِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَالْحُكْمُ أَنَّهُمَا إذَا ضَرَبَاهُ فَمَاتَ فَمِنْ ضَرْبِهِمَا مَاتَ، وَإِذَا ادَّعَى وَلِيُّ الْقَتِيلِ أَنَّ فُلَانًا ضَرَبَهُ وَهَذَا ذَبَحَهُ أَوْ فَعَلَ بِهِ فِعْلًا لَا يَعِيشُ بَعْدَهُ إلَّا كَحَيَاةِ الذَّبِيحِ أَحَلَفْتَهُ عَلَى مَا ادَّعَى وَلِيُّ الْقَتِيلِ. .
(6/107)

[يَمِينُ مُدَّعِي الدَّمِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا ادَّعَى الْجَانِي عَلَى وَلِيِّ الدَّمِ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مِنْ غَيْرِ ضَرْبِهِ أَحَلَفْتُهُ عَلَى دَعْوَاهُ فَإِنْ قَالَ أُحَلِّفَهُ مَا زَالَ أَبُوهُ ضَمِنًا مِنْ ضَرْبِ فُلَانٍ لَازِمًا لِلْفِرَاشِ حَتَّى مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ أَحَلَفْتَهُ وَإِنَّمَا أَحَلَفْتَهُ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِ فُلَانٍ أَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ الْفِرَاشَ حَتَّى يَمُوتَ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَيَلْزَمُ حَتَّى يَمُوتَ بِحَدَثٍ يُحْدِثُ عَلَيْهِ آخَرُ أَوْ جِنَايَةٍ يُحْدِثُهَا عَلَى نَفْسِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَتَسَعُهُ الْيَمِينُ عَلَى مَا أَحَلَفْتَهُ عَلَيْهِ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَوْ حَلَفَ لَمَاتَ مِنْ ضَرْبِهِ، ثُمَّ قَالَ قَدْ كَانَ بَعْدَ ضَرْبِهِ بَرَأَ لَمْ أَقْضِ لَهُ بِعَقْلٍ وَلَا قَوَدٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا يَحْدُثُ عَلَيْهِ مَوْتٌ مِنْ غَيْرِ ضَرْبِهِ إذَا أَقْبَلَ أَوْ أَدْبَرَ. وَلَوْ لَمْ يَزِدْهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ لَا يَحْلِفَ إلَّا بِاَللَّهِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا وَصَفْت مِنْ صِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْيَمِينَ بِاسْمِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَافِيَةٌ، وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَى الْمُتَلَاعِنَيْنِ الْأَيْمَانَ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي اللِّعَانِ. .

[التَّحَفُّظُ فِي الْيَمِينِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلْيَتَحَفَّظْ الَّذِي يُحَلِّفُ فَيَقُولُ لِلْحَالِفِ: " وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا أَوْ مَا كَانَ كَذَا " فَإِنْ قَالَ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ كَانَ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُمَا مَعًا يَمِينٌ. وَلَوْ لَحَنَ الْحَالِفُ فَقَالَ وَاَللَّهُ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَحْبَبْت أَنْ يُعِيدَ الْقَوْلَ حَتَّى يُضْجِعَ وَلَوْ مَضَى عَلَى الْيَمِينِ بِغَيْرِ إضْجَاعٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ. وَإِنْ قَالَ يَاللَّهِ بِالْيَاءِ لَكَانَ كَذَا لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَأَعَادَ عَلَيْهِ حَتَّى يُدْخِلَ الْوَاوَ أَوْ الْبَاءَ أَوْ التَّاءَ.
وَإِذَا نَسَّقَ الْيَمِينَ ثُمَّ وَقَفَ لِغَيْرِ عِيٍّ وَلَا نَفَسٍ قَبْلَ أَنْ يُكْمِلَهَا ابْتَدَأَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَفَ لِنَفَسٍ أَوْ لِعِيٍّ لَمْ يُعِدْ عَلَيْهِ مَا مَضَى مِنْهَا فَإِنْ حَلَفَ فَأَدْخَلَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ نَسَّقَ الْيَمِينَ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ أَعَادَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى يُنَسِّقَهَا كُلَّهَا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ. .

[عِتْقُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِنَّ]
َّ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا وَطِئَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ بِالْمِلْكِ فَوَلَدَتْ لَهُ فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ بِحَالِهَا لَا تَرِثُ وَلَا تُورَثُ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهَا وَجِنَايَتُهَا وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا جِنَايَةُ مَمْلُوكٍ، وَكَذَلِكَ حُدُودُهَا وَلَا حَجَّ عَلَيْهَا فَإِنْ حَجَّتْ، ثُمَّ عَتَقَتْ فَعَلَيْهَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَلَا تُخَالِفُ الْمَمْلُوكَ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِسَيِّدِهَا بَيْعُهَا وَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْعِتْقِ، وَأَنَّهَا حُرَّةٌ إذَا مَاتَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَكَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَبِيعُوهَا عَلَيْهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَالْوَلَدُ الَّذِي تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ كُلُّ مَا بَانَ لَهُ خَلْقٌ مِنْ سِقْطٍ مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّينَ عَيْنٌ أَوْ ظُفُرٌ أَوْ إصْبَعٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَسْقَطَتْ شَيْئًا مُجْتَمِعًا لَا يَبِينُ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَلْقٌ سَأَلْنَا عُدُولًا مِنْ النِّسَاءِ فَإِنْ زَعَمْنَ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ خَلْقِ الْآدَمِيِّينَ كَانَتْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَإِنْ شَكَكْنَ لَمْ تَكُنْ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ بِهَذَا الْحُكْمِ بِأَنْ يَنْكِحَهَا وَهِيَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَتَلِدُ، ثُمَّ يَمْلِكُهَا وَوَلَدَهَا، وَلَا بِحَبَلٍ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ تَلِدُ فِي مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ قَدْ جَرَى عَلَى وَلَدِهَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إذَا نَكَحَهَا مَمْلُوكَةً فَوَلَدَتْ لَهُ فَمَتَى مَلَكَهَا فَلَهَا
(6/108)

هَذَا الْحُكْمُ؛ لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ، وَلَوْ مَلَكَ ابْنَهَا عَتَقَ بِالنَّسَبِ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَعْتَقَهَا بِأَنَّ ابْنَهَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَتَى مَلَكَهُ فَقَدْ عَتَقَ عَلَيْهِ ابْنُهَا وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ جَرَى عَلَيْهَا الرِّقُّ لِغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا مَا قُلْنَا فِيهَا، وَهُوَ تَقْلِيدٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفِيهِ أَنَّ الْمَوْلُودَ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ رِقٌّ وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ هُوَ مُخَالِفٌ لِلْأَثَرِ وَالْقِيَاسِ فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: قَوْلُنَا إذَا وَلَدَتْ مِنْهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ يَقُولُ: لَوْ حَبَلَتْ مِنْهُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَوَلَدَتْ بَعْدَ شِرَائِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. فَهَذَا لَا عَلَى اسْمِ أَنَّهَا قَدْ وَلَدَتْ لَهُ وَمَلَكَهَا كَمَا قَالَ مَنْ حَكَيْت قَوْلَهُ وَلَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْوَلَدَ الَّذِي تَكُونُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ لَهَا بِهِ هَذَا الْحُكْمُ كَانَ حَمْلُهُ فِي مِلْكِ سَيِّدِهَا الْوَاطِئِ لَهَا وَيُزَوِّجُهَا مَنْ شَاءَ وَيُؤَاجِرُهَا غُرَمَاؤُهُ إنْ كَانَتْ لَهَا صَنْعَةٌ.
فَأَمَّا إنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا صَنْعَةٌ فَلَا، وَلَيْسَ لِلْمَكَاتِبِ أَنْ يَتَسَرَّى. وَلَوْ فَعَلَ مُنِعَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَامِّ الْمِلْكِ وَلَوْ وَلَدَتْ لَهُ لَمْ تَكُنْ أُمَّ وَلَدٍ بِهَذَا الْوَلَدِ حَتَّى يُعْتَقَ، ثُمَّ يُحْدِثُ لَهَا وَطْئًا تَلِدُ مِنْهُ بَعْدَ الْمِلْكِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلِلْمُكَاتِبِ أَنْ يَبِيعَ أُمَّ وَلَدِهِ وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْزِعَ أُمَّ وَلَدٍ مُدَبَّرِهِ وَعَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَتَسَرَّيَا وَلَيْسَ لِلْمَمْلُوكِ مَالٌ إنَّمَا الْمَالُ لِلسَّيِّدِ وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ كُلِّ مَمْلُوكٍ لَهُ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مَا خَلَا الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ مَحُولٌ دُونَ رَقَبَتِهِ وَمَالِهِ. وَمَا كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَلِغُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ وَيَأْخُذَهُ السَّيِّدُ مَرِيضًا وَصَحِيحًا، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ كَانَ مَالًا مِنْ مَالِهِ مَوْرُوثًا عَنْهُ، إذَا عَقَلْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَهُمْ أَحْيَاءً فَقَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إلَّا مَا كَانَ مَالِكًا وَمَا كَانَ مَالِكًا فَهُوَ مَوْرُوثٌ عَنْهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ لِأُمِّ وَلَدِهِ جَائِزَةٌ أَنَّهَا إنَّمَا تَمْلِكُهَا بَعْدَمَا تُعْتَقُ، وَكَذَلِكَ وَصِيَّتُهُ لِمُدَبَّرِهِ إنْ خَرَجَ الْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الْمُدَبَّرُ كُلُّهُ مِنْ الثُّلُثِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِوَرَثَتِهِ.

[الْجِنَايَةُ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ فَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا جِنَايَةٌ عَلَى أَمَةٍ تُقَوَّمُ أَمَةً مَمْلُوكَةً، ثُمَّ يَكُونُ سَيِّدُهَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا دُونَهَا يَعْفُوهَا إنْ شَاءَ أَوْ يَسْتَقِيدُ إنْ كَانَ فِيهَا قَوَدٌ أَوْ يَأْخُذُ الْأَرْشَ وَإِذَا كَانَتْ هِيَ الْجَانِيَةُ ضَمِنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ الْجِنَايَةَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنْ عَادَتْ فَجَنَتْ أُخْرَى وَقَدْ أَخْرَجَ قِيمَتَهَا كُلَّهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: إسْلَامُهُ بَدَنَهَا فَيَرْجِعُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الثَّانِي بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهَا بِقَدْرِ جِنَايَتِهِمَا، ثُمَّ هَكَذَا إنْ جَنَتْ جِنَايَةً أُخْرَى رَجَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الثَّالِثُ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ فَكَانُوا شُرَكَاءَ فِي قِيمَتِهَا بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِمْ وَهَذَا قَوْلٌ يُتَوَجَّهُ وَيَدْخُلُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَسْلَمَ بَدَنَهَا إلَى الْأَوَّلِ أَخْرَجَهَا مِنْ يَدَيْ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي وَلَمْ يَجْعَلْهُمَا شَرِيكَيْنِ فَإِذَا قَامَ قِيمَتَهَا مَقَامَ بَدَنِهَا فَكَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا إلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الثَّانِي إذَا كَانَ ذَلِكَ أَرْشُ جِنَايَتِهَا، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِهَا كُلَّمَا جَنَتْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يَدْفَعَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا أَوْ الْجِنَايَةَ فَإِذَا عَادَتْ فَجَنَتْ وَقَدْ دَفَعَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا لَمْ يَرْجِعْ الْآخَرُ عَلَى الْأَوَّلِ بِشَيْءٍ وَرَجَعَ الْآخَرُ عَلَى سَيِّدِهَا فَأَخَذَ مِنْهُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا وَالْجِنَايَةَ.
وَهَكَذَا كُلَّمَا جَنَتْ وَهَذَا قَوْلٌ
(6/109)

يَدْخُلُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ إنْ كَانَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى الْعَبْدِ يَجْنِي فَيُعْتِقُهُ سَيِّدُهُ أَنْ يَضْمَنَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ الْجِنَايَةَ فَهَذِهِ لَمْ يَعْتِقْهَا سَيِّدُهَا وَذَلِكَ إذَا عَادَ عَقَلَتْ عَنْهُ الْعَاقِلَةُ وَلَمْ يَعْقِلْ هُوَ عَنْهُ وَهُوَ يَجْعَلُهُ يَعْقِلُ عَنْ هَذِهِ (قَالَ الرَّبِيعُ) (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَحَبُّ إلَيْنَا.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى عَلَيْهَا جِنَايَةً فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا الْحَاكِمُ حَتَّى مَاتَ سَيِّدُهَا فَهِيَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ سَيِّدَهَا قَدْ مَلَكَهَا بِالْجِنَايَةِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلَتِهَا يَعْتِقُونَ بِعِتْقِهَا إذَا عَتَقَتْ كَانَ مِنْ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ وَلَوْ مَاتَتْ أُمُّ الْوَلَدِ قَبْلَ سَيِّدِهَا كَانَ أَوْلَادُهَا فِي يَدِ سَيِّدِهَا فَإِذَا مَاتَ عَتَقُوا بِمَوْتِهِ كَمَا كَانَتْ أُمُّهُمْ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ.
وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأُخِذَ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا وَأَنْ تَعْمَلَ لَهُ مَا يَعْمَلُ مِثْلُهَا لِمِثْلِهِ فَمَتَى أَسْلَمَ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ فَهِيَ حُرَّةٌ بِمَوْتِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ فَهِيَ حُرَّةٌ وَعَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا وَرُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مِثْلُ قَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ تَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا وَقَالَ غَيْرُهُمَا هِيَ حُرَّةٌ وَلَا تَسْعَى فِي شَيْءٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَإِنْ كَانَ إنَّمَا ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا إلَّا أَنْ يُصِيبَهَا فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ الْإِصَابَةُ بِإِسْلَامِهَا فَهُوَ يَجْعَلُ لِلرَّجُلِ مِنْ أُمِّ وَلَدِهِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَهَا بِأَيِّ وَجْهٍ مَلَكَتْهُ وُهِبَ لَهَا أَوْ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا أَوْ وَجَدَتْ كَنْزًا أَوْ اكْتَسَبَتْهُ وَيَجْعَلُ لَهُ خِدْمَتَهَا وَبَعْضُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ رَقَبَتِهَا فَكَيْفَ أَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ وَهَذَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَهُوَ لَا يَبِيعُ أُمَّ الْوَلَدِ، وَإِذَا لَمْ يُبَعْ مُدَبَّرُ النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ فَكَيْفَ بَاعَ أُمَّ وَلَدِهِ؟ .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَسَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ أَوْ الْمُسْلِمُ يَرْتَدُّ (قَالَ الرَّبِيعُ لَا تُبَاعُ) أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ كَمَا لَا تُبَاعُ أُمُّ وَلَدِ الْمُسْلِمِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَلَيْسَ لِلنَّصْرَانِيِّ أَنْ يَبِيعَ أُمَّ وَلَدِهِ النَّصْرَانِيَّةِ إذَا حَكَمْنَا أَنَّهُ مَحُولٌ دُونَهَا لَمْ يُخَلَّ وَبَيْعَهَا كَمَا لَا يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْعِ ابْنِهِ وَلَا بَيْنَ بَيْعِ مُكَاتَبِهِ، وَإِذَا تُوُفِّيَ الرَّجُلُ عَنْ أُمِّ وَلَدِهِ أَوْ أَعْتَقَهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا وَتُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ فَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أَحَبُّ إلَيْنَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْحَيْضَةَ إذَا كَانَتْ بَرَاءَةً فِي الظَّاهِرِ فَالْحَمْلُ يَبِينُ فِي الَّتِي لَا تَحِيضُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ عَلَيْهَا شَهْرًا بَدَلًا مِنْ الْحَيْضَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَقَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مَقَامَ ثَلَاثِ حِيَضٍ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَإِذَا كَانَتْ لِلرَّجُلِ أُمُّ وَلَدٍ فَخُصِيَ أَوْ انْقَطَعَ عَنْهُ الْجِمَاعُ فَلَيْسَ لَهَا خِيَارٌ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالزَّوْجَةِ فِي حَالٍ. .

[مَسْأَلَةُ دِيَة الْجَنِينِ]
مَسْأَلَةُ الْجَنِينِ
(أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ) قَالَ (حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ) إمْلَاءً قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَتِهَا» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَبَيِّنٌ فِي قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ قَضَى عَلَى امْرَأَةٍ أَصَابَتْ جَنِينًا بِغُرَّةٍ وَقَضَى عَلَى عَصَبَتِهَا بِأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا أَصَابَتْ وَأَنَّ مِيرَاثَهَا لِوَلَدِهَا وَزَوْجِهَا أَنَّ الْعَقْلَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَرِثُوا وَأَنَّ الْمِيرَاثَ لِمَنْ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ وَبَيِّنٌ إذْ قَضَى عَلَى عَصَبَتِهَا بِعَقْلِ الْجَنِينِ وَإِنَّمَا فِيهِ غُرَّةٌ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ أَنَّ قِيمَتَهَا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ
(6/110)

وَفِي قَوْلِ غَيْرِنَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ خَمْسُونَ دِينَارًا وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ أَنَّ الْعَاقِلَةَ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعْقِلُ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ خَمْسًا مِنْ الْإِبِلِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ وَقَدْ رَوَى هَذَا إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَقَضَى بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِيَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ» (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَعْقِلُ نِصْفَ الْعُشْرِ فَصَاعِدًا وَلَا تَعْقِلُ مَا دُونَهُ. وَقَوْلُ غَيْرِهِمْ تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ أَرْشٌ وَإِذَا قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَعْقِلُ خَطَأَ الْحُرِّ فِي الْأَكْثَرِ قَضَيْنَا بِهِ فِي الْأَقَلِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنْ يَقْضِيَ بِهِ فِيمَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً وَلَا يُجْعَلُ شَيْئًا قِيَاسًا عَلَيْهِ وَهَذَا يَلْزَمُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ قَدْ بُيِّنَ فِي مَوْضِعِهِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَقَالَ غَيْرُ أَبِي حَنِيفَةَ تَعْقِلُ الْعَاقِلَةُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا وَلَا تَعْقِلُ مَا دُونَهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذَا إلَّا مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ جِنَايَةَ الْحُرِّ إذَا كَانَتْ خَطَأً فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّفْسِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَجَعَلَهَا فِي الْجَنِينِ وَهُوَ نِصْفُ عُشْرِ النَّفْسِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَفَرْقٌ بَيْنَ حُكْمِهَا وَحُكْمِ الْعَمْدِ وَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ فَجَعَلُوا عَمْدَ الْحُرِّ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا وَفِيمَا اُسْتُهْلِكَ مِنْ مَالٍ فِي مَالِ نَفْسِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ وَحُكْمُ مَا أَصَابَ مِنْ حُرٍّ خَطَأً فِي نَفْسٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَصَابَ مِنْ حُرٍّ مِنْ شَيْءٍ لَهُ أَرْشٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا حَمَلْت الْأَكْثَرَ حَمَلْت الْأَقَلَّ إذَا كَانَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهُ يَقْضِي عَلَى الْعَاقِلَةِ بِمَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَقْضِي عَلَيْهَا بِغَيْرِهِ. فَأَمَّا أَنَّهَا تَعْقِلُ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا فَلَمْ نَعْلَمْ عِنْدَ مَنْ قَالَهُ فِيهِ خَبَرًا يَثْبُتُ إلَّا رَأْيَ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَا يَكُونُ رَأْيُهُمْ حُجَّةً فِيمَا لَا خَبَرَ فِيهِ أَوْ خَبَرٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَهُمْ فِيمَا لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَقُولُوا بِهِ وَالسُّنَّةُ الثَّابِتَةُ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُ قَضَى بِنِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ» فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ فَلْيَنْظُرْ مَنْ خَالَفَ.
فَإِنْ قَالَ فَقَدْ أُثْبِتَ الْمُنْقَطِعَ كَمَا قَدْ أَثْبَتَّ الثَّابِتَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» وَهُوَ يَعْرِفُ فَضْلَ الزُّهْرِيِّ فِي الْحِفْظِ عَلَى مَنْ رُوِيَ هَذَا عَنْهُ. وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّ لِي مَالًا وَعِيَالًا وَإِنَّ لِأَبِي مَالًا وَعِيَالًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِي فَيُطْعِمَهُ عِيَالَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَهُوَ يُخَالِفُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مِمَّا لَعَلَّهُ لَوْ جُمِعَ لَكَانَ كَثِيرًا مِنْ الْمُنْقَطِعِ فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ أَخْطَأَ بِتَرْكِ تَثْبِيتِ الْمُنْقَطِعِ فَقَدْ شَرَكَهُ فِي الْخَطَإِ وَتَفَرَّدَ دُونَهُ بِرَدِّ الْمُتَّصِلِ إنَّهُ لِيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّصِلًا كَثِيرًا عَنْ الثِّقَاتِ، ثُمَّ يَدَعُهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّصِلُ مَرْدُودًا وَيَكُونُ الْمُنْقَطِعُ مَرْدُودًا حَيْثُ أَرَادَ ثَابِتًا حَيْثُ أَرَادَ الْعِلْمَ أَدَّى فِي هَذَا إلَى الَّذِي يَزْعُمُ هَذَا إلَّا فِي الْحَدِيثِ. .

[الْجِنَايَةُ عَلَى الْعَبْدِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ عَقْلُ الْعَبْدِ فِي
(6/111)

ثَمَنِهِ وَأَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ عَقْلُ الْعَبْدِ فِي ثَمَنِهِ كَجِرَاحِ الْحُرِّ فِي دِيَتِهِ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَكَانَ رِجَالٌ سِوَاهُ يَقُولُونَ يُقَوَّمُ سِلْعَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَخَالَفَ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ مِنْ النَّاسِ الَّذِينَ قَالُوا هُوَ سِلْعَةٌ وَخَالَفَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالزُّهْرِيُّ لَمْ يَحْكِ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ إلَّا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا قَطُّ قَالَ غَيْرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ قَبْلَهُ فَزَعَمَ فِي مُوضِحَةِ الْعَبْدِ وَمُنَقِّلَتِهِ وَمَأْمُومَتِهِ وَجَائِفَتِهِ أَنَّهَا فِي ثَمَنِهِ مِثْلُ جِرَاحِ الْحُرِّ فِي دِيَتِهِ وَزَعَمَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ جِرَاحِهِ أَنَّهَا مِثْلُ جِرَاحِ الْبَعِيرِ فِيهِ مَا نَقَصَهُ فَلَا بِقَوْلِ سَعِيدٍ وَلَا بِقَوْلِ النَّاسِ الَّذِينَ حَكَى عَنْهُمْ الزُّهْرِيُّ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ ابْنَ شِهَابٍ وَمِثْلَهُ حُجَّةً عَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَجْعَلَ قَوْلَ ابْنِ شِهَابٍ وَلَا قَوْلَ الْقَاسِمِ وَلَا قَوْلَ عَامَّةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُجَّةً عَلَى رَأْيِ نَفْسِهِ مَعَ مَا لَوْ جُمِعَ مِنْ الْحَدِيثِ مَوْصُولًا كَانَ كَثِيرًا فَإِذَا جَازَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَرْدُودًا بِأَنَّ الْوَهْمَ قَدْ يُمْكِنُ عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ يَرْوُونَ أَحَادِيثَ كُلُّهُمْ يُحِيلُهَا عَلَى الثِّقَةِ حَتَّى يَبْلُغَ بِهَا إلَى مَنْ سَمِعَهَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَعِيبَ مَنْ رَدَّ الْحَدِيثَ الْمُنْقَطِعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي عَمَّنْ رَوَاهُ صَاحِبُهُ وَقَدْ خُبِّرَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ يَقْبَلُونَ الْأَحَادِيثَ مِمَّنْ أَحْسَنُوا الظَّنَّ بِهِ وَيَقْبَلُونَهَا مِمَّنْ لَعَلَّهُمْ لَا يَكُونُونَ خَابِرِينَ بِهِ وَيَقْبَلُونَهَا مِنْ الثِّقَةِ وَلَا يَدْرُونَ عَمَّنْ قَبِلَهَا مَنْ قَبِلَهَا عَنْهُ وَمَا زَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ يُثْبِتُونَ فَلَا يَقْبَلُونَ الرِّوَايَةَ الَّتِي يَحْتَجُّونَ بِهَا وَيُحِلُّونَ بِهَا وَيُحَرِّمُونَ بِهَا إلَّا عَمَّنْ أَمِنُوا وَأَنْ يُحَدِّثُوا بِهَا هَكَذَا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوهَا مِنْ ثَبْتٍ. كَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ فَيَرْوِيهِ عَمَّنْ قَبِلَهُ وَيَقُولُ سَمِعْته وَمَا سَمِعْته مِنْ ثَبْتٍ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ وَسَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ هَذَا فِي غَيْرِ قَوْلٍ وَكَانَ طَاوُسٌ إذَا حَدَّثَهُ رَجُلٌ حَدِيثًا قَالَ إنْ كَانَ الَّذِي حَدَّثَكَ مَلِيًّا وَإِلَّا فَدَعْهُ يَعْنِي حَافِظًا ثِقَةً (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ إنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ أَسْتَحْسِنُهُ فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذِكْرِهِ إلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ يَسْمَعَهُ سَامِعٌ فَيَقْتَدِي بِهِ أَسْمَعُهُ مِنْ الرَّجُلِ لَا أَثِقُ بِهِ قَدْ حُدِّثَهُ عَمَّنْ أَثِقُ بِهِ وَأَسْمَعُهُ مِنْ الرَّجُلِ أَثِقُ بِهِ حُدِّثَهُ عَمَّنْ لَا أَثِقُ بِهِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ لَا يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا الثِّقَاتُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَأَلْت ابْنًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلَمْ يَقُلْ فِيهَا شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ إنَّا لَنُعْظِمُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُكَ ابْنُ إمَامِ هُدًى تُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ؟ ، فَقَالَ أَعْظَمُ وَاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنْ اللَّهِ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ فِي أَنْ لَا يَقْبَلَ إلَّا عَمَّنْ عَرَفَ وَمَا لَقِيت وَلَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يُخَالِفُ هَذَا الْمَذْهَبَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[دِيَاتُ الْخَطَأِ]
[دِيَاتُ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ]
دِيَاتُ الْخَطَأِ دِيَاتُ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ
أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] فَأَحْكَمَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي تَنْزِيلِ كِتَابِهِ أَنَّ عَلَى قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَأَبَانَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمْ الدِّيَةُ
(6/112)

فَكَانَ نَقْلُ عَدَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ عَدَدٍ لَا تَنَازُعَ بَيْنَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِدِيَةِ الْمُسْلِمِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَكَانَ هَذَا أَقْوَى مِنْ نَقْلِ الْخَاصَّةِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْخَاصَّةِ وَبِهِ نَأْخُذُ فَفِي الْمُسْلِمِ يُقْتَلُ خَطَأً مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ الْعَمْدِ الْخَطَأَ بِالسَّوْطِ أَوْ الْعَصَا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مُغَلَّظَةً مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَلَا «إنَّ فِي قَتِيلِ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ قَتِيلِ السَّوْطِ أَوْ الْعَصَا الدِّيَةَ مُغَلَّظَةً مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم عَنْ أَبِيهِ أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي الدِّيَاتِ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «فِي النَّفْسِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَفِي شَكٍّ أَنْتُمْ مِنْ أَنَّهُ كِتَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ لَا أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَعَنْ مَكْحُولٍ وَعَطَاءٍ قَالُوا أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ فَقَوَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تِلْكَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَلْفَ دِينَارٍ أَوْ اثْنَيْ عَشْرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْ الْأَعْرَابِ فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ لَا يُكَلَّفُ الْأَعْرَابِيُّ الذَّهَبَ وَلَا الْوَرِقَ، وَدِيَةُ الْأَعْرَابِيِّ إذَا أَصَابَهُ أَعْرَابِيٌّ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَدِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ لَا دِيَةَ غَيْرَهَا كَمَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ) : فَإِنْ أَعْوَزَتْ الْإِبِلُ فَقِيمَتُهَا وَقَدْ وُضِعَ هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. .

[دِيَةُ الْمُعَاهَدِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُعَاهَدِ يُقْتَلُ خَطَأً بِدِيَةٍ مُسَلَّمَةٍ إلَى أَهْلِهِ وَدَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ مَعَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ عَلَى قَاتِلِ الْكَافِرِ إلَّا بِدِيَةٍ وَلَا أَنْ يُنْقَصَ مِنْهَا إلَّا بِخَبَرٍ لَازِمٍ فَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ بِثُلُثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَقَضَى عُمَرُ فِي دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَذَلِكَ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ تُقَوَّمُ الدِّيَةُ اثْنَيْ عَشْرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا قَالَ فِي دِيَاتِهِمْ أَقَلَّ مِنْ هَذَا وَقَدْ قِيلَ: إنَّ دِيَاتِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فَأَلْزَمْنَا قَاتِلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَقَلَّ مِمَّا اُجْتُمِعَ عَلَيْهِ فَمَنْ قَتَلَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا خَطَأً، وَلِلْمَقْتُولِ ذِمَّةٌ بِأَمَانٍ إلَى مُدَّةٍ أَوْ ذِمَّةٌ بِإِعْطَاءِ جِزْيَةٍ أَوْ أَمَانِ سَاعَةٍ فَقَتَلَهُ فِي وَقْتِ أَمَانِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَذَلِكَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَثُلُثٌ، وَمَنْ قَتَلَ مَجُوسِيًّا أَوْ وَثَنِيًّا لَهُ أَمَانٌ فَعَلَيْهِ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ مُسْلِمٍ وَذَلِكَ سِتُّ فَرَائِضَ وَثُلُثَا فَرِيضَةِ مُسْلِمٍ وَأَسْنَانُ الْإِبِلِ فِيهِمْ كَهِيَ فِي دِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ قَتَلَهُمْ عَمْدًا أَوْ عَمْدَ خَطَأٍ فَخُمُسَا دِيَةِ الْمَقْتُولِ خَلِفَتَانِ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ نِصْفَيْنِ: نِصْفٌ حِقَاقٌ وَنِصْفٌ جِذَاعٌ فَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً مَحْضًا فَالدِّيَةُ أَخْمَاسٌ: خَمْسٌ بَنَاتُ مَخَاضٍ وَخَمْسٌ بَنَاتُ لَبُونٍ وَخَمْسٌ بَنُو لَبُونٍ ذُكُورٍ وَخَمْسٌ حِقَاقٌ وَخَمْسٌ جِذَاعٌ، وَدِيَاتُ نِسَائِهِمْ عَلَى أَنْصَافِ دِيَاتِ رِجَالِهِمْ كَمَا تَكُونُ دِيَاتُ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْصَافِ دِيَاتِ رِجَالِهِمْ وَإِذَا قَتَلَ بَعْضُهُمْ
(6/113)

بَعْضًا قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِمَا وَصَفْت يُقْضَى بِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى عَوَاقِلِ مَنْ جَرَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَقَدْ وَصَفْت هَذَا فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَإِذَا قُتِلَ لَهُمْ عَبْدٌ عَلَى دِينِهِمْ فَدِيَتُهُ ثَمَنُهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَإِنْ بَلَغَ دِيَاتِ مُسْلِمٍ (قَالَ) : وَإِذَا كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَاتِلًا لِمُسْلِمٍ قَتْلًا لَا قِصَاصَ فِيهِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِدِيَةِ مُسْلِمٍ كَامِلَةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ إنْ كَانَ قَتْلُهُ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ كَمَا يُقْضَى عَلَى عَاقِلَةِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ يَجْرِي عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ فَفِي مَالِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ عَمْدًا فَاخْتَارَ وَرَثَتُهُ الْعَقْلَ فَفِي مَالِ الْجَانِي كَمَا قُلْنَا فِي الْمُسْلِمِينَ الْإِبِلُ أَوْ قِيمَتُهَا إنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الْجِنَايَةِ وَالدِّيَةُ وَالْإِبِلُ لَا غَيْرُهَا مَا كَانَتْ الْإِبِلُ مَوْجُودَةً حَيْثُ كَانَتْ عَاقِلَةُ الْجَانِي وَالْمَحْكُومِ لَهُمْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : يَعْقِلُ عَوَاقِلُ الذِّمِّيِّينَ إذَا كَانُوا مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِمْ الْحُكْمُ الْعَقْلَ عَنْ جِنَايَتِهِمْ الْخَطَأَ كَمَا تَعْقِلُ عَوَاقِلُ الْمُسْلِمِينَ.

[دِيَةُ الْمَرْأَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا فِي أَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ وَذَلِكَ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَإِذَا قَضَى فِي الْمَرْأَةِ بِدِيَةٍ فَهِيَ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَإِذَا قُتِلَتْ عَمْدًا فَاخْتَارَ أَهْلُهَا دِيَتَهَا فَدِيَتُهَا خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ أَسْنَانُهَا أَسْنَانُ دِيَةِ عَمْدٍ وَسَوَاءٌ قَتَلَهَا رَجُلٌ أَوْ نَفَرٌ أَوْ امْرَأَةٌ لَا يُزَادُ فِي دِيَتِهَا عَلَى خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ وَجِرَاحُ الْمَرْأَةِ فِي دِيَتِهَا كَجِرَاحِ الرَّجُلِ فِي دِيَتِهِ لَا تَخْتَلِفُ، فَفِي مُوضِحَتِهَا نِصْفُ مَا فِي مُوضِحَةِ الرَّجُلِ وَفِي جَمِيعِ جِرَاحِهَا بِهَذَا الْحِسَابِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَهَلْ فِي دِيَةِ الْمَرْأَةِ سِوَى مَا وَصَفْت مِنْ الْإِجْمَاعِ أَمْرٌ مُتَقَدِّمٌ؟ فَنَعَمْ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَعَنْ مَكْحُولٍ وَعَطَاءٍ قَالُوا أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى أَنَّ «دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ» فَقَوَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ تِلْكَ الدِّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَلْفَ دِينَارٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَدِيَةُ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ فَإِذَا كَانَ الَّذِي أَصَابَهَا مِنْ الْأَعْرَابِ فَدِيَتُهَا خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَدِيَةُ الْأَعْرَابِيَّةِ إذَا أَصَابَهَا الْأَعْرَابِيُّ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَوْطَأَ امْرَأَةً بِمَكَّةَ فَقَضَى فِيهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَثُلُثٍ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : ذَهَبَ عُثْمَانُ إلَى التَّغْلِيظِ لِقَتْلِهَا فِي الْحَرَمِ. .

[دِيَةُ الْخُنْثَى]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : إذَا بَانَ الْخُنْثَى ذَكَرًا حُكِمَ لَهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ يُحْكَمْ فَدِيَتُهُ دِيَةُ الرَّجُلِ وَإِذَا بَانَ أُنْثَى فَدِيَتُهُ دِيَةُ امْرَأَةٍ وَإِذَا كَانَ مُشْكِلًا فَدِيَتُهُ دِيَةُ امْرَأَةٍ فَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى بَانَ ذَكَرًا فَدِيَتُهُ دِيَةُ رَجُلٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى عَلَيْهِ جُرْحٌ فَبَرَأَ مِنْهُ فَأُعْطِيَ أَرْشَهُ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى ثُمَّ بَانَ ذَكَرًا أُتِمَّ لَهُ أَرْشَ جُرْحِ رَجُلٍ وَإِذَا اخْتَلَفَ وَرَثَةُ الْخُنْثَى وَالْجَانِي فَقَالَ الْجَانِي: هُوَ امْرَأَةٌ أَوْ مُشْكِلٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْخُنْثَى أَوْ وَرَثَتِهِ الْبَيِّنَةُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ وَلَوْ مَاتَ الْخُنْثَى فَاخْتَلَفَتْ وَرَثَتُهُ وَالْجَانِي فَأَقَامَ وَرَثَتُهُ الْبَيِّنَةَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ وَالْجَانِي الْبَيِّنَةَ بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ أُنْثَى طُرِحَتْ الْبَيِّنَتَانِ مَعًا فِي قَوْلِ مَنْ طَرَحَ الْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَكَافَأَتَا وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْجَانِي، وَلَوْ كَانَ هَذَا وَالْخُنْثَى حَيٌّ ثُمَّ
(6/114)

عَايَنَهُ الْحَاكِمُ فَرَآهُ ذَكَرًا قَضَى لَهُ بِأَرْشِ ذَكَرٍ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ أَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ كَمَا تُقْبَلُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَلَيْسَ مَا أَدْرَكَ الْحَاكِمُ عِيَانَهُ وَأَدْرَكَهُ الشُّهُودُ وَكَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ يَوْمَ يَشْهَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَّى يَكُونَ يُمْكِنُ الْحَاكِمُ أَنْ يَبْتَدِئَ أَنْ يُرِيَهُ الشُّهُودَ فَيَشْهَدُونَ مِنْهُ عَلَى عِيَانٍ ثُمَّ آخَرِينَ بَعْدُ فَتَتَوَاطَأُ شَهَادَاتُهُمْ عَلَيْهِ وَيُدْرِكُ الْحَاكِمُ الْعِيَانَ فِيهِ كَشَهَادَةٍ فِي أَمْرٍ غَائِبٍ عَنْ الْحَاكِمِ لَا يُدْرِكُ فِيهِ مِثْلَ هَذَا وَلَا يَشْهَدُ مِنْهَا إلَّا عَلَى أَمْرٍ مُنْقِضٍ لَا يَسْتَأْنِفُ الشُّهُودُ عِلْمَهُ وَلَا غَيْرُهُمْ.

[دِيَةُ الْجَنِينِ]
ِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ» أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فَقَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ كَيْفَ أَغْرَمُ مَا لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا هَذَا مِنْ إخْوَانِ الْكُهَّانِ» أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَالْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا» ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ أَذْكَرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجَنِينِ شَيْئًا فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ فَقَالَ «كُنْت بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي فَضَرَبَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِمُسَطَّحٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ بِغُرَّةٍ» فَقَالَ عُمَرُ " إنْ كِدْنَا أَنْ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ هَذَا بِآرَائِنَا ".
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فِي الْجَنِينِ وَالْمَرْأَةِ الَّتِي قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَنِينِهَا بِغُرَّةِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ فَإِذَا كَانَ الْجَنِينُ حُرًّا مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ أَوْ هُمَا فَفِيهِ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ فَإِنْ كَانَ جَنِينَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ مِنْ مُشْرِكٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا أَوْ جَنِينَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ لَقِيطٍ مِنْ زَوْجٍ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ أَوْ زِنًا فَفِيهِ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ؛ لِإِسْلَامِهِ وَحُرِّيَّتِهِ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ وَحُرِّيَّتِهَا، وَكَذَلِكَ جَنِينُ الْأَمَةِ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا بِمِلْكٍ صَحِيحٍ أَوْ مِلْكٍ فَاسِدٍ أَوْ يَمْلِكُ شِقْصًا مِنْهَا، وَكَذَلِكَ جَنِينُ الْأَمَةِ يَنْكِحُهَا وَيَغُرُّ بِأَنَّهَا حُرَّةٌ؛ لِأَنَّ مَنْ سَمَّيْت لَا يُرَقُّ بِحَالٍ وَمَا قُلْت لَا يُرَقُّ بِحَالٍ فَفِيهِ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ، وَأَيُّ جَنِينٍ جَعَلْته مُسْلِمًا بِكُلِّ حَالٍ بِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ جَعَلْته جَنِينَ مُسْلِمٍ.
وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ بِهِ السِّقْطُ جَنِينًا فِيهِ غُرَّةٌ أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ يُفَارِقُ الْمُضْغَةَ أَوْ الْعَلَقَةَ أُصْبُعٌ أَوْ ظُفْرٌ أَوْ عَيْنٌ أَوْ مَا بَانَ مِنْ خَلْقِ ابْنِ آدَمَ سِوَى هَذَا كُلِّهِ فَفِيهِ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ وَإِنْ جَنَى جَانٍ عَلَى امْرَأَةٍ فَجَاءَتْ مَكَانَهَا أَوْ بَعْدُ بِجَنِينٍ فَقَالَتْ هَذَا الَّذِي أَلْقَيْت وَأَنْكَرَ الْجَانِي لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بِيَمِينِهِ وَلَا تَلْزَمُهُ الْجِنَايَةُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِأَنَّهَا أَلْقَتْ هَذَا أَوْ أَلْقَتْ جَنِينًا فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهَا أَلْقَتْ شَيْئًا وَلَمْ يُثْبِتُوا الشَّيْءَ وَجَاءَتْ بِجَنِينٍ فَقَالَتْ: هَذَا هُوَ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَلْقَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي عَلَيْهَا مَعَ يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَلْقَتْهُ فَدَفَنَتْهُ وَلَمْ تُثْبِتْهُ الشُّهُودُ جَنِينًا بِأَنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقُ آدَمِيٍّ وَلَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ الْجَنِينِ ذَكَرٌ هُوَ أَوْ أُنْثَى فَإِذَا أَلْقَتْهُ الْمَرْأَةُ مَيِّتًا فَسَوَاءٌ ذُكْرَانُ الْأَجِنَّةِ وَإِنَاثُهُمْ
(6/115)

فِي أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غُرَّةَ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، وَفِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْجَنِينِ غَيْرُ الْحُكْمِ فِي أُمِّهِ وَإِذَا أَلْقَتْ الْمَرْأَةُ جَنِينًا مَيِّتًا وَعَاشَتْ أُمُّهُ فَدِيَةُ الْجَنِينِ مَوْرُوثَةٌ كَمَا يُورَثُ لَوْ أَلْقَتْهُ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ يَرِثُهُ أَبَوَاهُ مَعًا أَوْ أُمُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ تَرِثُهُ مَعَ مَنْ وَرِثَهُ مَعَهَا وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا مِنْ الضَّرْبِ الَّذِي سَقَطَ بِهِ الْجَنِينُ فَلَا شَيْءَ لَهَا فِي الضَّرْبِ؛ لِأَنَّ الْأَلَمَ وَإِنْ وَقَعَ عَلَيْهَا فَالتَّلَفُ وَقَعَ عَلَى جَنِينِهَا فِي جَوْفِهَا.
وَإِنْ جَرَحَهَا جُرْحًا لَهُ أَرْشٌ أَوْ فِيهِ حُكُومَةٌ فَلَهَا أَرْشُ الْجِرَاحِ وَالْحُكُومَةِ فِيهِ دُونَ مَا فِي الْجَنِينِ؛ لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ عَلَيْهَا، وَدِيَةُ الْجَنِينِ مَوْرُوثَةٌ لَهَا وَلِأَبِيهِ أَوْ وَرَثَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَبُوهُ حَيًّا مَعَهَا (قَالَ) : وَبِهَذَا قُلْنَا إذَا أَلْقَتْ الْمَرْأَةُ أَجِنَّةً مَوْتَى قَبْلَ مَوْتِهَا وَبَعْدَهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَفِي كُلِّ جَنِينٍ مِنْهُمْ غُرَّةٌ وَلَهَا مِيرَاثُهَا مِمَّا أَلْقَتْهُ وَهِيَ حَيَّةٌ وَمَا أَلْقَتْهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ تَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ وَهِيَ تَرِثُهُ وَلَمْ يَرِثْهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ حَيًّا فَيَرِثُهَا وَإِنَّمَا يَرِثُ الْأَحْيَاءُ وَإِذَا أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ يَجْمَعُهُمَا شَيْءٌ مِنْ خِلْقَةِ الْإِنْسَانِ لَمْ يَلْزَمْ عَاقِلَتَهُ إلَّا دِيَةُ جَنِينٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ أَنْ تُلْقِيَ بَدَنَيْنِ مُفْتَرَقَيْنِ فِي رَأْسٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي رَقَبَتَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْ الصَّدْرَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَيَجْمَعُهُمَا رِجْلَانِ أَوْ أَرْبَعَةُ أَرْجُلٍ إلَّا أَنَّهُمَا لَا يُفَرَّقَانِ بِأَنْ خُلِقَا فِي الْجِلْدَةِ الْعُلْيَا أَوْ فِيهَا أَوْ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا فَإِنْ خَرَجَا فِي جِلْدَةِ بَطْنٍ فَشُقَّتْ عَنْهُمَا وَبَقِيَا بِبَدَنَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ فَهُمَا جَنِينَانِ فِيهِمَا غُرَّتَانِ وَلَوْ كَانَا نَاقِصَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا إذَا بَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ خِلْقَةِ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ فَهُمَا جَنِينَانِ إذَا خُلِقَا مُتَفَرِّقَيْنِ.
وَإِذَا أَلْقَتْ الْجَنِينَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ مَكَانَهُ فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ كَامِلَةٌ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَمِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَخَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ وَلَا تُعْرَفُ حَيَاةُ الْجَنِينِ إلَّا بِرَضَاعٍ أَوْ اسْتِهْلَالٍ أَوْ نَفَسٍ أَوْ حَرَكَةٍ لَا تَكُونُ إلَّا حَرَكَةَ حَيٍّ، وَإِذَا أَلْقَتْهُ فَادَّعَتْ حَيَاتَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي فِي أَنَّهَا أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَعَلَى وَارِثِ الْجَنِينِ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ أَقَرَّ الْجَانِي عَلَى الْجَنِينِ أَنَّهُ خَرَجَ حَيًّا وَأَنْكَرَتْ عَاقِلَتُهُ خُرُوجَهُ حَيًّا وَأَقَرَّتْ بِخُرُوجِهِ مَيِّتًا أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِخُرُوجِهِ وَلَمْ تُثْبِتْ لَهُ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً ضَمِنَتْ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْجَنِينِ مَيِّتًا وَضَمِنَ الْجَانِي تَمَامَ دِيَةِ نَفْسٍ حَيَّةٍ إنْ كَانَ ذَكَرًا ضَمِنَ تِسْعَةَ أَعْشَارٍ وَنِصْفِ عُشْرِ دِيَةِ رَجُلٍ وَذَلِكَ خَمْسٌ وَتِسْعُونَ مِنْ الْإِبِلِ فَإِذَا كَانَ أُنْثَى فَتِسْعَةُ أَعْشَارِ دِيَةِ أُنْثَى وَذَلِكَ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ مِنْ الْإِبِلِ.
(قَالَ) : وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ خَرَجَ حَيًّا وَبَيِّنَةٌ أَنَّهُ سَقَطَ مَيِّتًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَيِّنَةِ الَّتِي شَهِدَتْ عَلَى الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ قَدْ تَكُونُ فَلَا يَعْلَمُهَا شُهُودٌ حَاضِرُونَ وَيَعْلَمُهَا آخَرُونَ فَيَشْهَدُونَ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَيِّتًا بِأَنَّهُمْ رَأَوْهُ خَارِجًا لَمْ يَعْلَمُوا حَيَاتَهُ، وَلَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ قَامَتْ عَلَى الْجَانِي بِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ خَرَجَ حَيًّا وَقَامَتْ أُخْرَى بِأَنَّهُ قَالَ خَرَجَ مَيِّتًا وَلَيْسَ هَذَا وَلَا الْبَابُ قَبْلَهُ تَضَادًّا فِي الشَّهَادَةِ يَسْقُطُ بِهِ كُلَّهَا (قَالَ) : وَإِذَا أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ أَوْ مَعًا فَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى أَنَّهُمْ سَمِعُوا لِأَحَدِ الْجَنِينَيْنِ صَوْتًا أَوْ رَأَوْا لَهُ حَرَكَةَ حَيَاةٍ وَلَمْ يُثْبِتُوا أَيَّهُمَا كَانَ الْحَيَّ قُبِلَتْ شَهَادَاتُهُمْ وَلَزِمَ عَاقِلَةَ الْجَانِي دِيَةُ جَنِينٍ حَيٍّ وَدِيَةُ جَنِينٍ مَيِّتٍ، فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ لَزِمَتْ الْعَاقِلَةُ فِي الْحَيِّ دِيَةُ نَفْسِ رَجُلٍ، وَإِنْ كَانَتَا أُنْثَيَيْنِ لَزِمَتْ الْعَاقِلَةَ دِيَةُ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَا ذَكَرًا وَأُنْثَى لَزِمَتْ الْعَاقِلَةَ دِيَةُ أُنْثَى؛ لِأَنَّهَا الْيَقِينُ وَلَمْ أُعْطِ وَارِثَ الْجَنِينِ الْفَضْلَ بَيْنَ دِيَةِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ بِالشَّكِّ (قَالَ) : وَإِنْ أَقَرَّ الْجَانِي أَنَّ الَّذِي خَرَجَ حَيًّا ذَكَرٌ أَعْطَتْ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ أُنْثَى وَالْجَانِي تَمَامَ دِيَةِ رَجُلٍ وَهُوَ نِصْفُ دِيَةِ رَجُلٍ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ وَيَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ دِيَةُ جَنِينٍ غُرَّةٌ مَعَ دِيَةِ الْحَيِّ، وَلَوْ ضَرَبَ رَجُلٌ بَطْنَ امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ وَأَلْقَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَرِثَتْ الْمَرْأَةُ
(6/116)

الْجَنِينَ الَّذِي خَرَجَ قَبْلَ مَوْتِهَا وَوَرِثَهَا الْجَنِينُ الَّذِي خَرَجَ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهَا وَوَرِثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَرَثَتُهُ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرِثْهُ.
وَلَوْ أَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَتْ وَمَاتَ فَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهَا وَوَرَثَةُ الْجَنِينِ فَقَالَ وَرَثَةُ الْجَنِينِ: مَاتَتْ قَبْلَ مَوْتِ الْجَنِينِ فَوَرِثَهَا وَقَالَ: وَرَثَتُهَا مَاتَتْ بَعْدَ الْجَنِينِ فَوَرِثَتْهُ لَمْ يَرِثْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَكَانُوا كَالْقَوْمِ يَمُوتُونَ لَا يُدْرَى أَيُّهُمْ مَاتَ أَوَّلًا وَيَرِثُهُمْ وَرَثَتُهُمْ الْأَحْيَاءُ بَعْدَ يَمِينِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى دَعْوَى صَاحِبِهِ (قَالَ) : وَإِذَا أَلْقَتْ الْمَرْأَةُ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي عَلَيْهِ حِينَ أُجْهِضَتْ أُمُّهُ دِيَةُ جَنِينٍ وَفِيهِ حُكُومَةٌ لِأُمِّهِ خَاصَّةً بِقَدْرِ الْأَلَمِ عَلَيْهَا فِي الْإِجْهَاضِ الَّذِي هُوَ شَبِيهٌ بِالْجُرْحِ (قَالَ) : وَلَوْ قَتَلَهُ الْجَانِي عَلَيْهِ عَمْدًا أَوْ جَرَحَ أُمَّهُ جُرْحًا لَا أَرْشَ لَهُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَفِي مَالِهِ حُكُومَةٌ لِأُمِّهِ وَلَوْ قَتَلَهُ خَطَأً كَانَتْ دِيَةُ النَّفْسِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَكَذَلِكَ أُمُّهُ إنْ كَانَتْ هِيَ الْقَاتِلَةُ خَطَأً فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ قَتَلَتْهُ عَمْدًا فَدِيَتُهُ فِي مَالِهَا.
وَكَذَلِكَ أَبُوهُ وَآبَاؤُهُ وَأُمَّهَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَادُ وَلَدٌ مِنْ وَالِدٍ وَلَا يَرِثُ الْجَنِينَ وَاحِدٌ مِنْ الْقَاتِلِينَ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَسَوَاءٌ فِي أَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ دِيَةُ نَفْسٍ حَيَّةٍ إذَا عَرَفَ حَيَاةَ الْجَنِينِ خَرَجَ لِتَمَامٍ أَوْ أُجْهِضَ قَبْلَ التَّمَامِ (قَالَ) : وَالْمَرْأَةُ الَّتِي قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدِيَةِ الْجَنِينِ عَلَى عَاقِلَتِهَا عَمَدَتْ ضَرْبَ الْمَرْأَةِ بِعَمُودِ بَيْتِهَا فَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ أَوْ الْمَرْأَةُ عَلَى حَامِلٍ فَأَجْهَضَتْ جَنِينًا مَيِّتًا أَوْ حَيًّا فَمَاتَ وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ بِسَيْفٍ أَوْ بِمَا يَكُونُ بِمِثْلِهِ الْقَوَدُ فَلَا قَوَدَ فِي الْجَنِينِ، وَإِنْ خَلَصَ أَلَمُ الْجِنَايَةِ إلَى الْجَنِينِ فَأَجْهَضَتْهُ فَجِنَايَتُهُ فِي غَيْرِ حُكْمِ الْعَمْدِ الْمَقْصُودِ بِهِ قَصْدُ مَنْ يُقَادُ لَا حَائِلَ دُونَهُ وَإِذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ فَلَهَا الْقَوَدُ.
وَإِنْ أَرَادَ وَرَثَتُهَا الدِّيَةَ فَفِي مَالِ الْجَانِي إذَا كَانَ ضَرَبَهَا بِمَا يُقَادُ مِنْ مِثْلِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يُقَادُ مِنْ مِثْلِهِ فَعَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا يُشْبِهُ الْخَطَأَ الْعَمْدَ الَّذِي حَكَمَ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَوَاءٌ فِيمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْ الْجَانِي عَلَى أُمِّ الْجَنِينِ لِيُجْهِضَ الْجَنِينَ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتَ الْجَنِينُ عَمْدَ بَطْنِهَا أَوْ فَرْجِهَا أَوْ ظَهْرِهَا بِضَرْبٍ لِيَقْتُلَ وَلَدَهَا أَوْ أَرَادَهُمَا عَمْدًا؛ لِأَنَّ وَقْعَ الْجِنَايَةِ بِالْأُمِّ دُونَ الْجَنِينِ.

[جَنِينُ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا جَنَى رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَعَلَى عَاقِلَتِهِ غُرَّةُ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ يُؤَدُّونَ أَيَّهُمَا شَاءُوا مِنْ أَيِّ جِنْسٍ شَاءُوا وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا مَا فِيهِ عَيْبٌ يَرُدُّ مِنْهُ لَوْ بِيعَ وَلَا خَصِيًّا؛ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ عَنْ غُرَّةٍ وَإِنْ زَادَ ثَمَنُهُ بِالْخِصَاءِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكَمَ بِالْغُرَّةِ مِنْ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ وَلَا خُصْيَانِ نَعْلَمُهُمْ بِبِلَادِهِ.
وَلَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْغُرَّةَ مُسْتَغْنِيَةً بِنْتَ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ وَلَا يُؤَدُّونَهَا فِي سِنٍّ دُونَ هَذَا السِّنِّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَغْنِي بِنَفْسِهَا دُونَ هَذِهِ السِّنِّ وَلَا يُخَيَّرُ الْمَوْلُودُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ إلَّا فِي هَذِهِ السِّنِّ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهَا صَغِيرَةٌ إلَّا بِهَذِهِ السِّنِّ وَقِيمَةُ الْغُرَّةِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ وَذَلِكَ فِي الْعَمْدِ وَعَمْدِ الْخَطَأِ قِيمَةُ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ خُمُسَاهَا وَهُوَ بَعِيرَانِ قِيمَةُ خَلِفَتَيْنِ أَقَلَّ الْخَلِفَاتِ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهَا وَهُوَ قِيمَةُ ثَلَاثِ جِذَاعٍ وَحِقَاقٍ نِصْفَيْنِ مِنْ إبِلِ عَاقِلَةِ الْجَانِي فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ إبِلٌ فَمِنْ إبِلِ بَلَدِهِ أَوْ أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ مِنْهُ.

وَإِذَا كَانَتْ جِنَايَةُ الرَّجُلِ عَلَى جَنِينِ الْمَرْأَةِ وَرَمَى غَيْرَ أُمِّهِ فَأَصَابَ أُمَّهُ فَدِيَةُ الْجَنِينِ عَلَى عَاقِلَتِهِ غُرَّةٌ، تُؤَدِّي عَاقِلَتُهُ أَيَّ غُرَّةٍ شَاءُوا غَيْرَ مَا وَصَفْت أَنْ لَيْسَ لَهُمْ أَدَاؤُهُ وَقِيمَتُهَا نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ رَجُلٍ مِنْ دِيَاتِ الْخَطَأِ (قَالَ) : وَهَذَا هَكَذَا فِي جَنِينِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ أَوْ الْكِتَابِيَّةِ مِنْ سَيِّدِهَا يَجْنِي عَلَيْهَا الْحَرْبِيُّ الَّذِي لَهُ أَمَانٌ وَجَنِينُ الذِّمِّيَّةِ يُجْنَى عَلَيْهَا مِنْ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ وَفِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إذَا جَنَى عَلَى بَعْضِ أَجِنَّةِ مَنْ سَمَّيْت لَا يَخْتَلِفُ فِي الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ.
(قَالَ) : فَيُؤَدِّي فِي الْخَطَأِ عَلَى أُمِّ الْجَنِينِ غُرَّةً، قِيمَتُهَا قِيمَةُ خَمْسٍ
(6/117)

مِنْ الْإِبِلِ أَخْمَاسِ قِيمَةِ بِنْتِ مَخَاضٍ وَقِيمَةُ بِنْتِ لَبُونٍ وَقِيمَةُ ابْنِ لَبُونٍ ذَكَرٍ وَقِيمَةُ حِقَّةٍ وَقِيمَةُ جَذَعَةٍ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا غُرَّةَ هَرِمَةٍ وَلَا ضَعِيفَةٍ عَنْ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُرَادُ لَهُ الرَّقِيقُ الْعَمَلُ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ لِلنَّاسِ بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لَا بِمَا لَا يَنْفَعُهُمْ ضَعِيفُهُ وَإِذَا مُنِعَتْ مِنْ أَنْ تُؤَدِّيَ غُرَّةً مَعِيبَةً عَيْبًا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ فَالْعَيْبُ بِالْكِبَرِ أَكْبَرُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا.

وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى جَنِينٍ فَخَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَقَالَ مَاتَ مِنْ حَادِثٍ كَانَ بَعْدَ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِي وَقَالَ وَرَثَتُهُ: مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ فَإِنْ كَانَ مَاتَ مَكَانَهُ مَوْتًا يُعْلَمُ فِي الظَّاهِرِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْجِنَايَةِ فَفِيهِ دِيَةُ نَفْسٍ حَيَّةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَإِنْ قِيلَ قَدْ عَاشَ مُدَّةً وَإِنْ قَلَّتْ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَاتَ مِنْ غَيْرِ الْجِنَايَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي وَعَاقِلَتِهِ.
وَعَلَى وَرَثَةِ الْجَنِينِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ الْجِنَايَةِ، وَأَقْبَلُ عَلَى مَوْتِهِ مَا أَقْبَلُ عَلَى أَنَّهُ وَلَدٌ فَأَقْبَلُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ وَرَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ إذَا كَانُوا عُدُولًا وَلَا أَقْبَلُ فِيهِمْ وَارِثًا لَهُ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنِّي لَا أَقْبَلُ عَلَيْهِ إلَّا شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ يَجُوزُ لِلرِّجَالِ النَّظَرُ إلَيْهِ إذَا أَمْكَنَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهُ حَيًّا بَعْدَ مَا يُولَدُ فَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهُ لِسُرْعَةِ مَوْتِهِ قَبِلْت عَلَيْهِ شَهَادَةَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَيَشْهَدْنَ عَلَى مَوْتِهِ بَعْدَ الْحَيَاةِ.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا أُجْهِضَ الْجَنِينُ حَيًّا حَيَاةً لَمْ تَتِمَّ لِجَنِينٍ أُجْهِضَ فِي مِثْلِهَا حَيَاةً قَطُّ كَأَنْ أُجْهِضَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ مَاتَ فَفِيهِ دِيَةُ حُرٍّ تَامَّةٌ.
وَإِنْ أُجْهِضَ فِي حَالٍ يَتِمُّ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَجِنَّةِ حَيَاةٌ بِحَالٍ فَهُوَ كَالْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا

وَإِذَا خَرَجَ حَيًّا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا فَقَتَلَهُ رَجُلٌ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ كَيْفَ خَرَجَ إذَا عُرِفَتْ حَيَاتُهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا مُفْرِطًا وَإِنْ خَرَجَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَقَتَلَهُ إنْسَانٌ عَمْدًا فَأَرَادَ وَرَثَتُهُ الْقَوَدَ فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَعِيشُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ أَوْ الْيَوْمَ فَفِيهِ الْقَوَدُ.

وَإِذَا شَهِدَ رِجَالٌ أَنَّهُ جَنَى عَلَى امْرَأَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا وَلَمْ يُثْبِتُوا أَحَيًّا أَمْ مَيِّتًا فَقَالَ الْجَانِي: أَلْقَتْهُ مَيِّتًا وَغَيَّبَتْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَلَوْ أَقَرَّ هُوَ بِأَنَّهُ خَرَجَ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا فَمَاتَ لَزِمَهُ فِي مَالِهِ دُونَ عَاقِلَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا اعْتِرَافٌ إذَا لَمْ تُصَدِّقْهُ عَاقِلَتُهُ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ.

وَلَوْ جَنَى جَانٍ عَلَى امْرَأَةٍ فَقَالَتْ: أَلْقَيْت جَنِينًا وَقَالَ الْجَانِي: لَمْ تُلْقِ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَاءَتْ بِجَنِينٍ مَكَانَهَا مَيِّتًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ تَأْتِيَ بِجَنِينِ غَيْرِهَا.

وَلَوْ خَرَجَ الْجَنِينُ حَيًّا فَقَتَلَهُ غَيْرُ الْجَانِي عَلَى أُمِّهِ عَمْدًا قُتِلَ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْجَانِي عَلَى أُمِّهِ شَيْءٌ وَلَوْ قَتَلَهُ الْجَانِي عَلَى أُمِّهِ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ أَوْ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ وَحُكُومَةٌ فِي مَالِهِ بِجُرْحٍ إنْ أَصَابَ أُمَّهُ لَا أَرْشَ لَهُ مَعْلُومٌ لِأُمِّهِ دُونَ وَرَثَةِ الْجَنِينِ

وَإِذَا جَنَى عَلَى الْمَرْأَةِ فَأَلْقَتْ مَكَانَهَا جَنِينًا مَيِّتًا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي دِيَتُهُ وَلَا يُصَدَّقُ وَلَا يُصَدَّقُونَ أَنَّ إجْهَاضَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا مِنْ جِنَايَتِهِ

وَلَوْ كَانَتْ تُطْلَقُ فَجَنَى عَلَيْهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَقَالَ أَلْقَتْهُ مِنْ غَيْرِ جِنَايَتِي لَزِمَ عَاقِلَتَهُ دِيَةُ الْجَنِينِ كَمَا لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي السِّيَاقِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ لَزِمَهُ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعِيشُ وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَمُوتُ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُطْلَقُ ثُمَّ يَذْهَبُ الطَّلْقُ عَنْهَا فَتُقِيمُ أَيَّامًا لَا تَلِدُ.

وَلَوْ كَانَتْ تُطْلِقُ فَجَنَى عَلَيْهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ مَكَانَهُ فَقَالَ لَمْ تُلْقِهِ مِنْ جِنَايَتِي وَقَالَتْ: أَسْقَطْتُهُ مِنْ جِنَايَتِك فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَضَمِنَتْ عَاقِلَتُهُ دِيَةَ الْجَنِينِ حَيًّا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.

وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْقَوَابِلُ عِنْدَهَا أَوْ لَسْنَ عِنْدَهَا وَهِيَ تُرَى تُطْلِقُ أَوْ لَا تُطْلِقُ وَالْحَبَلُ بِهَا ظَاهِرٌ فَمَاتَتْ وَسَكَنَتْ حَرَكَةُ مَا فِي بَطْنِهَا ضَمِنَ الْأُمَّ وَلَمْ يَضْمَنْ الْجَنِينَ مِنْ قِبَلِ أَنِّي عَلَى غَيْرِ إحَاطَةٍ بِهِ أَنَّهُ جَنِينٌ مَاتَ بِجِنَايَتِهِ.

وَلَوْ خَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ يَبِينُ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ مِنْ رَأْسٍ أَوْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَتْ أُمُّ الْجَنِينِ وَلَمْ تُخْرِجُ بَقِيَّةُ الْجَنِينِ ضَمِنَ الْأُمَّ وَالْجَنِينَ؛ لِأَنِّي قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ جَنَى عَلَى جَنِينٍ فِي بَطْنِهَا بِخُرُوجِ بَعْضِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ خُرُوجِ بَعْضِهِ وَكُلِّهِ فِي عِلْمِي بِأَنَّهُ جَنَى عَلَى جَنِينٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ أَلْقَتْ كَالْمُضْغَةِ يَبِينُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ضَمَّنْتُهُ جِنَايَتُهُ عَلَى جَنِينٍ كَامِلٍ وَيَضْمَنُ مَتَى خَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ يَبِينُ بِهِ أَنَّهُ جَنَى عَلَى جَنِينٍ قَبْلَ مَوْتِهَا أَوْ بَعْدَهُ.

وَلَوْ خَرَجَ مِنْ فَرْجِ امْرَأَةٍ رَأْسَا جَنِينَيْنِ أَوْ
(6/118)

أَرْبَعَةُ أَيْدٍ لِجَنِينَيْنِ وَلَمْ يَخْرُجْ مَا بَقِيَ أَغْرَمْته جِنَايَةً عَلَى جَنِينٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ يَجْمَعُ الرَّأْسَيْنِ شَيْءٌ مِنْ خِلْقَةِ الْإِنْسَانِ فَيَكُونَانِ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْهُمَا كَجَنِينٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ فِيهِمَا وَإِذَا قَضَيْتُ بِدِيَةٍ فِي جَنِينٍ خَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ أَوْ خَرَجَ مَيِّتًا فَعَلَى الْجَانِي عَلَيْهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.

(قَالَ) : وَإِذَا جَنَى عَلَى امْرَأَةٍ فَخَرَجَ مِنْهَا بَدَنَانِ فِي رَأْسٍ أَوْ جَمَعَ جَنِينَيْنِ شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنْ خِلْقَةِ آدَمِيٍّ فَاللَّازِمُ لَهُ فِيهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يُعْتِقَ اثْنَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ رَأْسَانِ مِنْ فَرْجِ امْرَأَةٍ ثُمَّ مَاتَتْ وَلَمْ يَتَتَامَّ خُرُوجُهُمَا فَيُعْرَفَانِ لَمْ أَقْضِ فِيهِمَا إلَّا بِدِيَةِ جَنِينٍ وَاحِدٍ وَلَزِمَ الْجَانِي عِتْقُ رَقَبَةٍ وَكَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَوْكَدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ الرَّأْسَيْنِ مِنْ بَدَنَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ مَا لَمْ يَعْلَمْ اجْتِمَاعَهُمَا بِمُعَايَنَتِهِ

وَلَوْ اضْطَرَبَ شَيْءٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَمَاتَتْ أَحْبَبْتُ لِلْجَانِي أَنْ لَا يَدَعَ أَنْ يُعْتِقَ وَيَحْتَاطَ فَيُعْتِقَ رَقَبَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَلَا يَبِينُ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهُ وَلَدًا وَإِذَا مَاتَتْ الْأُمُّ وَجَنِينُهَا أَعْتَقَ بِمَوْتِ الْأُمِّ رَقَبَةً وَبِمَوْتِ جَنِينِهَا أُخْرَى.

[جَنِينُ الذِّمِّيَّةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَإِذَا كَانَ الذِّمِّيَّانِ الزَّوْجَانِ الْحُرَّانِ عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ فَجَنَى عَلَى جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَوْجُهَا عَلَى دِينِهَا فَخَرَجَ مَيِّتًا فَدِيَتُهُ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْ الدِّينِ فَحُكْمُهُ لِأَكْثَرِهِمَا دِيَةً أَجْعَلُ دِيَتَهُ أَبَدًا لِخَيْرِ أَبَوَيْهِ وَأَجْعَلُ دِيَتَهُ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَبَوَيْهِ إنْ كَانَ مِنْهُمَا مُسْلِمٌ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ ذِمِّيَّةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَتَكُونَ دِيَةُ جَنِينٍ مُسْلِمٍ، وَمِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمُسْلِمَةُ أَسْلَمَتْ عِنْدَ ذِمِّيٍّ فَتُجْعَلُ دِيَةُ جَنِينِهَا دِيَةُ جَنِينِ مُسْلِمَةٍ، وَمِثْلَ أَنْ تَكُونَ أَمَةً تُوطَأُ بِمِلْكِ سَيِّدِهَا فَتَكُونَ دِيَةُ جَنِينِهَا نِصْفَ عُشْرِ دِيَةِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ حُرٌّ بَحْرِيَّة أَبِيهِ وَلَا يَكُونَ مِلْكًا لِأَبِيهِ.

وَلَوْ كَانَ أَبُوهُ مَمْلُوكًا أَوْ مُكَاتَبًا وَطِئَ أَمَةً لَهُ فَجَنَى عَلَى جَنِينِهِ مِنْ أَمَةٍ لَهُ قَبْلَ عِتْقِ أَبِيهِ كَانَ فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لَا فَضْلَ فِي الْحُكْمِ فِي الدِّيَةِ لِأَبِيهِ عَلَى أُمِّهِ بِالْحُرِّيَّةِ. وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةٌ أَوْ وَثَنِيَّةٌ عِنْدَ نَصْرَانِيٍّ جَعَلْتُ فِي جَنِينِهَا مَا فِي جَنِينِ النَّصْرَانِيَّةِ تَحْتَ النَّصْرَانِيِّ؛ لِمَا وَصَفْتُ وَسَوَاءٌ جَنَى عَلَى جَنِينِ الذِّمِّيَّةِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ يُحْكَمُ عَلَى عَاقِلَتِهِ بِدِيَتِهِ إنْ كَانَتْ عَاقِلَتُهُ مِمَّنْ يَجْرِي عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَإِلَّا حُكِمَ بِدِيَتِهِ فِي مَالِ الْجَانِي (قَالَ) : وَهَكَذَا جَنِينُ الْأَمَةِ الْكَافِرَةِ يَطَؤُهَا سَيِّدُهَا بِمِلْكٍ أَوْ يَنْكِحُهَا مُسْلِمٌ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ وَتَقُولُ إنَّهَا حُرَّةٌ فَفِيهِ دِيَةُ جَنِينِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ.

وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيَّةً حَمَلَتْ فَجَنَى عَلَيْهَا جَانٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ زِنًا بِمُسْلِمٍ كَانَتْ فِيهِ دِيَةُ جَنِينِ نَصْرَانِيَّةِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِالزِّنَا نَسَبُهُ

وَلَوْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى نَصْرَانِيَّةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَقَالَتْ: كَانَ أَبُوهُ مُسْلِمًا وَقَالَ الْجَانِي: بَلْ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ لَا نَعْرِفُ لَهُ أَبًا لَزِمَهُ جَنِينُ نَصْرَانِيَّةٍ وَيَحْلِفُ مَا كَانَ أَبُوهُ مُسْلِمًا.

(قَالَ) : وَلَوْ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فِي ظَهْرِ حُرَّةٍ بِنِكَاحِ شُبْهَةٍ فَجَنَى رَجُلٌ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا جَعَلْتُ عَلَى الْقَاتِلِ جَنِينَ ذِمِّيَّةٍ مِنْ ذِمِّيٍّ فَإِنْ أُلْحِقَ الْجَنِينُ بِمُسْلِمٍ أَتْمَمْتُ عَلَيْهِ جَنِينَ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ وَإِنْ هُوَ أُشْكِلَ فَلَمْ يَبِنْ لِأَيِّهِمَا هُوَ لَمْ أَجْعَلْ عَلَيْهِ إلَّا الْأَقَلَّ حَتَّى أَعْرِفَ الْأَكْثَرَ. .

[جَنِينُ الْأَمَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَالْأَمَةُ الْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُعْتَقَةُ إلَى أَجَلٍ وَغَيْرُ الْمُعْتَقَةِ سَوَاءٌ أَجِنَّتُهُنَّ أَجِنَّةُ إمَاءٍ إذَا لَمْ تَكُنْ أَجِنَّتُهُنَّ أَحْرَارًا بِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنْ يَطَأَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ مَالِكٌ لَهَا حُرٌّ أَوْ زَوْجٌ حُرٌّ غَرَّتْهُ
(6/119)

بِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَفِي جَنِينِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ يَوْمَ جَنَى عَلَيْهَا (قَالَ) : وَإِنَّمَا قُلْتُ هَذَا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا كَانَ فِي قَضَائِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ الْأَجِنَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْ الْمَمَالِيكِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ الْحُكْمُ فِيهِمَا بِحَالٍ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ وَمَنْ قَالَ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إذَا كَانَ ذَكَرًا نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا وَإِذَا كَانَ أُنْثَى عُشْرُ قِيمَتِهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ بَيْنَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ) : وَإِذَا جَنَى عَلَى الْأَمَةِ فَأَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا ثُمَّ مَاتَ مِنْ الْإِجْهَاضِ فَفِيهِ قِيمَتُهُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى كَمَا يُقْتَلُ فَيَكُونُ فِيهِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. .

[جَنِينُ الْأَمَةِ تَعْتِقُ وَالذِّمِّيَّةُ تُسْلِمُ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى الْأَمَةِ الْحَامِلِ جِنَايَةً فَلَمْ تُلْقِ جَنِينَهَا حَتَّى عَتَقَتْ أَوْ عَلَى الذِّمِّيَّةِ جِنَايَةً فَلَمْ تُلْقِ جَنِينَهَا حَتَّى أَسْلَمَتْ فَفِي جَنِينِهَا مَا فِي جَنِينِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَيْهَا كَانَتْ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ فَيَضْمَنُ الْأَكْثَرَ مِمَّا فِي جِنَايَتِهِ عَلَيْهَا.

وَإِذَا ضَرَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَأَقَامَتْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينًا فَقَالَتْ: أَلْقَيْته مِنْ الضَّرْبَةِ وَقَالَ: لَمْ تُلْقِهِ مِنْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا لَمْ تَزَلْ ضَمِنَةً مِنْ الضَّرْبَةِ أَوْ لَمْ تَزَلْ تَجِدُ الْأَلَمَ مِنْ الضَّرْبَةِ حَتَّى أَلْقَتْ الْجَنِينَ فَإِذَا جَاءَتْ بِهَذَا أُلْزِمَتْ عَاقِلَتُهُ عَقْلَ الْجَنِينِ وَإِذَا ضَرَبَهَا فَأَقَامَتْ عَلَى ذَلِكَ لَا تَجِدُ شَيْئًا ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينًا لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تُلْقِيهِ بِلَا جِنَايَةٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ جَانِيًا عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهَا أَلَمُ الْجِنَايَةِ حَتَّى تُلْقِيَهُ وَلَوْ أَقَامَتْ بِذَلِكَ أَيَّامًا.

وَإِذَا كَانَتْ الْأَمَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَجَنَى عَلَيْهَا أَحَدُهُمَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا ثُمَّ أَلْقَتْ مِنْ الْجِنَايَةِ جَنِينًا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا لِأَدَاءِ قِيمَتِهَا ضَمِنَ جَنِينَ حُرَّةٍ وَكَانَتْ مَوْلَاتُهُ وَكَانَ لِشَرِيكِهِ فِيهَا نِصْفُ قِيمَةِ الْأُمِّ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْجَنِينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَاؤُهُ وَوَرِثَتْ أُمُّهُ ثُلُثَ دِيَتِهِ وَقَرَابَةُ مَوْلَاهُ الَّذِي جَنَى عَلَيْهِ الثُّلُثَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ يَرِثُهُ وَلَا يَرِثُ مِنْهُ الْمَوْلَى شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَجْنِي عَلَى جَنِينِ امْرَأَتِهِ تَضْمَنُ عَاقِلَتُهُ دِيَتَهُ وَتَرِثُ أُمُّهُ الثُّلُثَ وَإِخْوَتُهُ مَا بَقِيَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْوَةٌ فَقَرَابَةُ أَبِيهِ وَلَا يَرِثُهُ أَبُوهُ؛ لِأَنَّهُ قَاتِلٌ وَإِذَا أَلْقَتْ الْجَنِينَ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَلِشَرِيكِهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمَّةِ؛ لِأَنَّهُ جَنِينُ أَمَةٍ.

وَإِذَا جَنَى الرَّجُلُ عَلَى أَمَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا ثُمَّ عَتَقَتْ فَأَلْقَتْ جَنِينًا ثَانِيًا فَفِي الْأَوَّلِ عُشْرُ قِيمَةِ أَمَةٍ لِسَيِّدِهَا وَفِي الْآخَرِ مَا فِي جَنِينِ حُرٍّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مَعَهَا.

[حُلُولُ الدِّيَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : فَالْقَتْلُ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ: عَمْدٌ مَحْضٌ، وَعَمْدٌ خَطَأٌ، وَخَطَأٌ مَحْضٌ، فَأَمَّا الْخَطَأُ فَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ عَلِمْتُهُ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِيهِ بِالدِّيَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ (قَالَ) : وَذَلِكَ فِي مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ يَوْمِ مَاتَ الْقَتِيلُ فَإِذَا مَاتَ الْقَتِيلُ وَمَضَتْ سَنَةٌ حَلَّ ثُلُثُ الدِّيَةِ ثُمَّ إذَا مَضَتْ سَنَةٌ ثَانِيَةٌ حَلَّ الثُّلُثُ الثَّانِي ثُمَّ إذَا مَضَتْ سَنَةٌ ثَالِثَةٌ حَلَّ الثُّلُثُ الثَّالِثُ وَلَا يُنْظَرُ فِي
(6/120)

ذَلِكَ إلَى يَوْمِ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ وَلَا إبْطَاءٍ بِبَيِّنَةٍ إنْ لَمْ تُثْبِتْ زَمَانًا وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ الْقَتِيلِ أَخَذُوا مَكَانَهُمْ بِثُلُثَيْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ عَلَيْهِمْ (قَالَ) : وَاَلَّذِي أَحْفَظُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْخَطَأِ الْعَمْدِ هَكَذَا وَذَلِكَ أَنَّهُمَا مَعًا مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ بِحَالٍ فَأَمَّا الْعَمْدُ إذَا قُبِلَتْ فِيهِ الدِّيَةُ وَعُفِيَ عَنْ الْقَتْلِ فَالدِّيَةُ كُلُّهَا حَالَّةٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَكَذَلِكَ الْعَمْدُ الَّذِي لَا قَوَدَ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ ابْنَهُ الْمُسْلِمَ أَوْ غَيْرَ الْمُسْلِمِ عَمْدًا وَهَكَذَا صَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي ابْنِ قَتَادَةَ الْمُدْلِجِيِّ أَخَذَ مِنْهُ الدِّيَةَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ وَالدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ فِي مَالِ الْجَانِي وَفِي الْخَطَأِ الْمَحْضِ وَالْخَطَأِ الْعَمْدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي مُضِيِّ ثَلَاثِ سِنِينَ كَمَا وَصَفْتُ وَمَا لَزِمَ الْعَاقِلَةَ مِنْ دِيَةِ جُرْحٍ وَكَانَ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ فَعَلَيْهَا أَنْ تُؤَدِّيَهُ فِي مُضِيِّ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ جُرِحَ الْمَجْرُوحُ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَعَلَيْهَا أَنْ تُؤَدِّيَ الثُّلُثَ فِي مُضِيِّ سَنَةٍ وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ أَدَّتْهُ فِي فِي مُضِيِّ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إلَى الثُّلُثَيْنِ فَمَا جَاوَزَ الثُّلُثَيْنِ فَهُوَ فِي مُضِيِّ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَهَذَا مَعْنَى السَّنَةِ وَمَا لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِيهِ فِي أَصْلِ الدِّيَةِ. .

[أَسْنَانُ الْإِبِلِ فِي الْعَمْدِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : نَصُّ السُّنَّةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا وَالْخَلِفَةُ هِيَ الْحَامِلُ مِنْ الْإِبِلِ وَقَلَّمَا تَحْمِلُ الْأَثْنِيَةُ فَصَاعِدًا فَأَيُّ نَاقَةٍ مِنْ إبِلِ الْعَاقِلَةِ حَمَلَتْ فَهِيَ خَلِفَةٌ وَهِيَ تُجْزِي فِي الدِّيَةِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعِيبَةً (قَالَ) : وَلَا يُجْزِي فِي الْأَرْبَعِينَ إلَّا الْخَلِفَةُ وَإِذَا رَآهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فَقَالُوا هَذِهِ خَلِفَةٌ ثَنِيَّةٌ أَجْزَأَتْ فِي الدِّيَةِ وَجُبِرَ مَنْ لَهُ الدِّيَةُ عَلَى قَبُولِهَا فَإِنْ أَزَلَقَتْ قَبْلُ تُقْبَضُ لَمْ تَجُزْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُدْفَعْ خَلِفَةً فَإِنْ أُجْهِضَتْ بَعْدَمَا تُقْبَضُ فَقَدْ أَجْزَأَتْ وَإِنْ دُفِعَتْ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: هِيَ خَلِفَةٌ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ خَلِفَةٍ فَلِأَهْلِ الْقَتِيلِ رَدُّهَا وَأَخْذُهُمْ بِخَلِفَةٍ غَيْرِهَا وَإِنْ غَابَ أَهْلُ الْقَتِيلِ عَلَيْهَا فَقَالُوا: لَمْ تَكُنْ خَلِفَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ مَعَ أَيْمَانِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا خَلِفَةٌ إلَّا بِالظَّاهِرِ (قَالَ الرَّبِيعُ) وَهَذَا عِنْدِي إذَا قَبَضُوهَا بِغَيْرِ رُؤْيَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَإِذَا قَالُوا فِي الْبُدُنِ: لَيْسَتْ خَلِفَةً فَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: هِيَ خَلِفَةٌ أَلْزَمُوهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ خَلِفَةً وَالسِّتُّونَ الَّتِي مَعَ الْأَرْبَعِينَ الْخَلِفَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَوْلُ عَدَدٍ مِمَّنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُفْتِينَ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ تَغْلِيظُ الْإِبِلِ فَقَالَ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثُلُثُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَالتَّغْلِيظُ كَمَا قَالَ عَطَاءٌ فَيُؤْخَذُ فِي مُضِيِّ كُلِّ سَنَةٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَثُلُثُ خَلِفَةٍ وَعَشْرُ جِذَاعٍ وَعَشْرُ حِقَاقٍ وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ ثُلُثَ نَاقَةٍ يَكُونُ شَرِيكًا لَهُ بِهَا لَا يُجْبَرُ عَلَى قِيمَةٍ إنْ كَانَ يَجِدُ الْإِبِلَ. وَمِثْلُ هَذَا أَسْنَانُ دِيَةِ الْعَمْدِ إذَا زَالَ فِيهِ الْقِصَاصُ بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْقَاتِلِ قِصَاصٌ وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يَقْتُلُ ابْنَهُ أَوْ يَقْتُلُ وَهُوَ مَغْلُوبٌ عَلَى عَقْلِهِ بِغَيْرِ سُكْرٍ أَوْ صَبِيٍّ، وَهَكَذَا أَسْنَانُ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَذِي الرَّحِمِ، وَمَنْ غَلُظَتْ فِيهِ الدِّيَةُ لَا يُزَادُ عَلَى هَذَا فِي عَدَدِ الْإِبِلِ إنَّمَا الزِّيَادَةُ فِي أَسْنَانِهَا وَدِيَةُ الْعَمْدِ حَالَّةٌ كُلُّهَا فِي مَالِ الْقَاتِلِ. .
(6/121)

[سِنَانُ الْإِبِلِ فِي الْخَطَأِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ مُغَلَّظَةٌ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بَعْضِهَا أَوْلَادُهَا فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ الَّذِي لَا يَخْلِطُهُ عَمْدٌ مُخَالَفَةٌ هَذِهِ الدِّيَةَ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا فَأُلْزِمَ الْقَاتِلُ عَدَدَ مِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ مَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ وَلَا أُلْزِمُهُ مِنْ أَسْنَانِ الْإِبِلِ إلَّا أَقَلَّ مَا قَالُوا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ الْإِبِلِ يَلْزَمُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ فَدِيَةُ الْخَطَأِ أَخْمَاسٌ - عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ وَبَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ دِيَةُ الْخَطَأِ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً. .

[فِي تَغْلِيظِ الدِّيَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَتَغْلِيظُ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ وَالْعَمْدِ الْخَطَأِ وَالْقَتْلِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَقَتْلِ ذِي الرَّحِمِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَمْدِ غَيْرِ الْخَطَأِ لَا تَخْتَلِفُ وَلَا تُغَلَّظُ فِيمَا سِوَى هَؤُلَاءِ. وَإِذَا أَصَابَ ذَا رَحِمٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ وَهِيَ مَكَّةُ دُونَ الْبُلْدَانِ لَمْ يَزِدْ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى مَا وَصَفْتُ قَلِيلُ التَّغْلِيظِ وَكَثِيرُهُ فِي الدِّيَةِ سَوَاءٌ فَإِذَا قُوِّمَتْ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ قُوِّمَتْ عَلَى مَا يَجِبُ مِنْ تَغْلِيظِهَا (قَالَ) : وَتُغَلَّظُ فِي الْجِرَاحِ دُونَ النَّفْسِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا بِقَدْرِهَا فِي السِّنِّ كَمَا تُغَلَّظُ فِي النَّفْسِ فَلَوْ شَجَّ رَجُلٌ رَجُلًا مُوضِحَةً عَمْدًا فَأَرَادَ الْمَشْجُوجُ الدِّيَةَ أَخَذَ مِنْ الشَّاجِّ خَلِفَتَيْنِ وَجَذَعَةً وَنِصْفَ جَذَعَةٍ وَحِقَّةً وَنِصْفَ حِقَّةٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ نِصْفُ حِقَّةٍ؟ قُلْتُ يَكُونُ شَرِيكًا فِيهَا عَلَى نِصْفِهَا وَلِلْجَانِي النِّصْفُ كَمَا يَكُونُ الْبَعِيرُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا هَكَذَا فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ مِمَّا لَهُ أَرْشٌ بِاجْتِهَادٍ لَا يَخْتَلِفُ فَلَوْ شَجَّهُ هَاشِمَةً كَانَتْ لَهُ فِيهَا عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُ خَلِفَاتٍ وَثَلَاثُ حِقَاقٍ وَثَلَاثُ جِذَاعٍ، وَلَوْ شَجَّهُ مُنَقِّلَةً كَانَتْ لَهُ فِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سِتُّ خَلِفَاتٍ وَأَرْبَعُ جِذَاعٍ وَنِصْفٍ وَأَرْبَعُ حِقَاقٍ وَنِصْفٍ، وَلَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ كَانَتْ لَهُ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ عِشْرُونَ خَلِفَةً وَخَمْسَ عَشْرَةَ جَذَعَةً وَخَمْسَ عَشَرَ حِقَّةً، وَإِذَا وَجَبَتْ لَهُ الدِّيَةُ خَطَأً فَكَانَ أَرْشُ شَجَّةٍ مُوضِحَةٍ أُخِذَتْ مِنْهُ عَلَى حِسَابِ أَصْلِ الدِّيَةِ كَمَا وَصَفْتُ فِي الْعَمْدِ فَتُؤْخَذُ فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ وَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ وَحِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ. .

[أَيُّ الْإِبِلِ عَلَى الْعَاقِلَةِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَدْ حَفِظْتُ عَنْ عَدَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ غَيْرَ إبِلِهِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دُونَهَا كَانَ مَذْهَبُهُمْ أَنَّ إبِلَهُ إنْ كَانَتْ حِجَازِيَّةً لَمْ يُكَلَّفْ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَإِنْ كَانَتْ مُهْرِيَّةً لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهَا ثُمَّ هَكَذَا مَا كَانَ بَيْنَ الْحِجَازِيَّةِ وَالْمُهْرِيَّةِ مِنْ مُرْتَفِعِ الْإِبِلِ وَمُنْخَفِضِهَا وَبِهَذَا
(6/122)

أَقُولُ. وَهَكَذَا إنْ كَانَتْ إبِلُهُ عَوَادِيَ أَوْ أَوْرَاكَ أَوْ خَمِيصَةً، وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ وَلَا إبِلَ لَهُ كُلِّفَ إبِلَ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ إبِلٌ كُلِّفَ إبِلَ أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ بِهِ مِمَّا يَلِيهِ وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْإِبِلَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى عَلَيْهِ بِهَا فَإِذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً بِحَالٍ كَلِفَهَا كَمَا يُكَلَّفُ مَا سِوَاهَا مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُهُ إذَا وُجِدَتْ وَإِذَا سَأَلَ الَّذِي لَهُ الدِّيَةُ غَيْرَ الْإِبِلِ أَوْ سَأَلَهَا الَّذِي عَلَيْهِ الدِّيَةُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُجْبَرَانِ عَلَى الْإِبِلِ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى الرِّضَا بِغَيْرِ الْإِبِلِ فَيَجُوزُ لَهُمَا صَرْفُهَا إلَى مَا تَرَاضَيَا بِهِ كَمَا يَجُوزُ صَرْفُ الْحُقُوقِ إلَى مَا يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَتْ إبِلُ الْجَانِي وَإِبِلُ عَاقِلَتِهِ هِيَ مُبَايِنَةٌ لِإِبِلِ غَيْرِهِمْ فَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهَا السَّنَةُ فَتَبْقَى عِجَافًا أَوْ مَرْضَى أَوْ جُرْبًا فَإِذَا كَانَ هَكَذَا قِيلَ لِلْجَانِي إنْ أَدَّيْتَ إلَيْهِ إبِلًا صِحَاحًا شَرْوَى إبِلِكَ أَوْ خَيْرًا مِنْهَا جُبِرَ عَلَى قَبُولِهَا مِنْكَ وَأَنْتَ مُتَطَوِّعٌ بِالْفَضْلِ عَنْ إبِلِكَ وَإِبِلِ عَاقِلَتِكَ وَإِنْ أَرَدْت أَنْ تُؤَدِّيَ شَرًّا مِنْ إبِلِكَ وَإِبِلِ عَاقِلَتِكَ لَمْ يَكُنْ لَك وَلَا لَهُمْ أَنْ تُؤَدُّوا إلَّا شَرْوَاهَا مَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قِيلَ أَدِّ قِيَمَ صِحَاحٍ غَيْرِ مَعِيبَةٍ مِثْلَ إبِلِكَ وَإِذَا حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ حَكَمْنَا بِهَا عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ الْجَانِي إنْ كَانَ دَرَاهِمَ فَدَرَاهِمَ وَإِنْ كَانَ دَنَانِيرَ فَدَنَانِيرَ وَلَمْ يَحْكُمْ بِقِيمَةِ نَجْمٍ مِنْهَا إلَّا بَعْدَمَا يَحِلُّ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِذَا قَوَّمْنَاهُ أَخَذْنَاهُ بِهِ مَكَانَهُ فَإِنْ أَعْسَرَ بِهِ أَوْ مَطَلَ حَتَّى يَجِدَ إبِلًا دَفَعَ الْإِبِلَ وَأُبْطِلَتْ الْقِيمَةُ فَإِذَا حَلَّ نَجْمٌ آخَرُ قُوِّمَتْ الْإِبِلُ قِيمَةَ يَوْمِهَا. .

[إعْوَازُ الْإِبِلِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَعَامٌّ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَضَ الدِّيَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ» ثُمَّ قَوَّمَهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَالْعِلْمُ مُحِيطٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عُمَرَ لَا يُقَوِّمُهَا إلَّا قِيمَةَ يَوْمِهَا وَلَعَلَّهُ قَوَّمَ الدِّيَةَ الْحَالَّةَ كُلَّهَا فِي الْعَمْدِ، وَإِذَا قَوَّمَهَا عُمَرُ قِيمَةَ يَوْمِهَا فَاتِّبَاعُهُ أَنْ تُقَوَّمَ كُلَّمَا وَجَبَتْ عَلَى إنْسَانٍ قِيمَةَ يَوْمِهَا كَمَا لَوْ قُوِّمَتْ إبِلُ رَجُلٍ أَتْلَفَهَا رَجُلٌ شَيْئًا ثُمَّ أَتْلَفَ آخَرُ بَعْدَهَا مِثْلَهَا قُوِّمَتْ بِسُوقِ يَوْمِهَا وَلَوْ قُوِّمَتْ سَرِقَةً لِيَقْطَعَ صَاحِبُهَا شَيْئًا ثُمَّ سَرَقَ بَعْدَهَا آخَرُ مِثْلَهَا قُوِّمَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ يَوْمِهَا وَلَعَلَّ عُمَرَ أَنْ لَا يَكُونَ قَوَّمَهَا إلَّا فِي حِينٍ وَبَلَدٍ هَكَذَا قِيمَتُهَا فِيهِ حِينَ أَعْوَزَتْ وَلَا يَكُونُ قَوَّمَهَا إلَّا بِرِضًا مِنْ الْجَانِي وَوَلِيِّ الْجِنَايَةِ كَمَا يُقَوِّمُ مَا أَعْوَزَ مِنْ الْحُقُوقِ اللَّازِمَةِ غَيْرَهَا وَمَا تَرَاضَى بِهِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ وَعَلَيْهِ. أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَمَكْحُولٍ وَعَطَاءٍ. قَالُوا: أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ الْحُرِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ فَقَوَّمَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَلْفَ دِينَارٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهُ مِنْ الْأَعْرَابِ فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ لَا يُكَلَّفُ الْأَعْرَابِيُّ الذَّهَبَ وَلَا الْوَرِقَ.
(قَالَ) : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يُقَوِّمْ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ يَجِدُ الْإِبِلَ وَلَمْ يُقَوِّمْهَا إلَّا عِنْدَ الْإِعْوَازِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْأَعْرَابِيَّ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا لِوُجُودِ الْإِبِلِ وَأَخَذَ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ مِنْ الْقَرَوِيِّ لِإِعْوَازِ الْإِبِلِ فِيمَا أَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْتَلِفُ فِي الدِّيَةِ. أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَوِّمُ الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ وَعَدْلَهَا مِنْ الْوَرِقِ وَيَقْسِمُهَا عَلَى أَثْمَانِ الْإِبِلِ فَإِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا وَإِذَا هَانَتْ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَالثَّمَنُ مَا كَانَ» . أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ قَضَى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَهْلِ الْقُرَى حِينَ كَثُرَ الْمَالُ وَغَلَتْ الْإِبِلُ فَأَقَامَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ بِسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ إلَى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ
(6/123)

عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ أَهْلِ الْقُرَى وَأَهْلِ الْبَادِيَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ عَلَى الْأَعْرَابِيُّ وَالْقَرَوِيُّ أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِعَطَاءٍ الدِّيَةُ الْمَاشِيَةُ أَوْ الذَّهَبُ؟ قَالَ كَانَتْ الْإِبِلَ حَتَّى كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَوَّمَ الْإِبِلَ بِعِشْرِينَ وَمِائَةٍ كُلِّ بَعِيرٍ فَإِنْ شَاءَ الْقَرَوِيُّ أَعْطَى مِائَةَ نَاقَةٍ وَلَمْ يُعْطِ ذَهَبًا كَذَلِكَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَتُؤْخَذُ الْإِبِلُ مَا وُجِدَتْ وَتُقَوَّمُ عِنْدَ الْإِعْوَازِ عَلَى مَا وَصَفْت؛ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ شَيْءٌ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ وَهُوَ يُوجَدُ مِثْلُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ لَزِمَهُ صِنْفٌ مِنْ الْعُرُوضِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ إلَّا هُوَ فَإِنْ أَعْوَزَ مَا لَزِمَهُ مِنْ الصِّنْفِ أُخِذَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ يَلْزَمُ صَاحِبَهُ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ تَقْوِيمَ الْإِبِلِ أَنْ يَكُونَ أَعْوَزَ مِنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فَقُوِّمَتْ عَلَيْهِ أَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ غَيْرِهِ بِبَلَدِهِ فَقُوِّمَتْ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. وَمَا رُوِيَ مِمَّا وَصَفْتُ مِنْ تَقْوِيمِ مَنْ قَوَّمَ الدِّيَةَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى مَا ذَهَبْت إلَيْهِ (قَالَ) : وَالدِّيَةُ لَا تُقَوَّمُ إلَّا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ كَمَا لَا يُقَوَّمُ غَيْرُهَا إلَّا بِهِمَا. وَلَوْ جَازَ أَنْ نُقَوِّمَهَا بِغَيْرِهَا جَعَلْنَا عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ الْبَقَرَ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ الشَّاةَ فَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ كَمَا رُوِيَتْ عَنْهُ قِيمَةُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَجَعَلْنَا عَلَى أَهْلِ الطَّعَامِ الطَّعَامَ وَعَلَى الْخَيْلِ الْخَيْلَ وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ الْحُلَلَ بِقِيمَةِ الْإِبِلِ وَلَكِنَّ الْأَصْلَ كَمَا وَصَفْتُ الْإِبِلَ فَإِذَا أَعْوَزَ فَالْقِيمَةُ قِيمَةُ مَا لَا يُوجَدُ مِمَّا وَجَبَ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ (قَالَ) : وَإِنْ وَجَدَتْ الْعَاقِلَةُ بَعْضَ الْإِبِلِ أَخَذَ مِنْهَا مَا وُجِدَ وَقِيمَةُ مَا لَمْ تَجِدْ إذَا لَمْ تَجِدْ الْوَفَاءَ مِنْهُ بِحَالٍ. وَإِنَّمَا تُقَوَّمُ إبِلُ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ مِمَّا تَعْقِلُهَا الْعَاقِلَةُ قُوِّمَتْ إبِلُهَا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَعْقِلُهَا الْجَانِي قُوِّمَتْ إبِلُهُ إنْ اخْتَلَفَتْ إبِلُهُ وَإِبِلُ الْعَاقِلَةِ.

[الْعَيْبُ فِي الْإِبِلِ]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا يَكُونُ لِلَّذِي عَلَيْهِ الدِّيَةُ أَنْ يُعْطِيَ فِيهَا بَعِيرًا مَعِيبًا عَيْبًا يُرَدُّ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ بِصِفَةٍ فَبَيَّنَ أَنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ فِيهِ مَعِيبًا كَمَا يَقْضِي عَلَيْهِ بِدِينَارٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ مَعِيبًا. وَكَذَلِكَ الطَّعَامُ يَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ مَعِيبًا.

(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ حَدِيثِ الْخَاصَّةِ وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْعَاقِلَةَ الْعَصَبَةُ وَهُمْ الْقَرَابَةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَقَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِأَنْ يَعْقِلَ عَنْ مَوَالِي صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَضَى لِلزُّبَيْرِ بِمِيرَاثِهِمْ؛ لِأَنَّهُ ابْنُهَا.
(قَالَ) : وَعِلْمُ الْعَاقِلَةِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى الْقَاتِلِ وَالْجَانِي مَا دُونَ الْقَتْلِ مِمَّا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ مِنْ الْخَطَأِ فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ لِأَبِيهِ حَمَلَ عَلَيْهِمْ جِنَايَتَهُمْ عَلَى مَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ فَإِنْ احْتَمَلُوهَا لَمْ تُرْفَعْ إلَى بَنِي جَدِّهِ وَهُمْ عُمُومَتُهُ فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلُوهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي جَدِّهِ فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلُوهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي جَدِّ أَبِيهِ ثُمَّ هَكَذَا تُرْفَعُ إذَا عَجَزَ عَنْهَا أَقَارِبُهُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِهِ وَلَا تُرْفَعُ إلَى بَنِي أَبٍ وَدُونَهُمْ أَقْرَبُ مِنْهُمْ حَتَّى يَعْجِزَ عَنْهَا مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُمْ كَأَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ جَنَى فَحَمَلَتْ جِنَايَتَهُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَلَمْ تَحْمِلْهَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَتُرْفَعُ إلَى بَنِي قُصَيٍّ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي كِلَابٍ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي مُرَّةَ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي كَعْبٍ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي لُؤَيٍّ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي غَالِبٍ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي مَالِكٍ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي النَّضْرِ فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْهَا رُفِعَتْ إلَى بَنِي كِنَانَةَ كُلِّهَا ثُمَّ هَكَذَا حَتَّى تَنْفَدَ قَرَابَتُهُ أَوْ تُحْتَمَلُ الدِّيَةُ (قَالَ) : وَمَنْ فِي الدِّيوَانِ، وَمَنْ لَيْسَ فِيهِ مِنْ الْعَاقِلَةِ سَوَاءٌ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَا دِيوَانَ حَتَّى كَانَ الدِّيوَانُ حِينَ كَثُرَ الْمَالُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. .
(6/124)

[مَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَةِ وَمَنْ يَحْمِلُهَا مِنْهُمْ]
ْ (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) : وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ لَا يَحْمِلَانِ مِنْ الْعَقْلِ شَيْئًا وَكَذَلِكَ الْمَعْتُوهُ عِنْدِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَا يَحْمِلُ الْعَقْلَ إلَّا حُرٌّ بَالِغٌ وَلَا يَحْمِلُهَا مِنْ الْبَالِغِينَ فَقِيرٌ فَإِذَا قَضَى بِهَا وَرَجُلٌ فَقِيرٌ فَلَمْ يَحِلَّ نَجْمٌ مِنْهَا حَتَّى أَيْسَرَ أُخِذَ بِهَا وَإِنْ قَضَى بِهَا وَهُوَ غَنِيٌّ ثُمَّ حَلَّتْ وَهُوَ فَقِيرٌ طُرِحَتْ عَنْهُ إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى حَالِهِ يَوْمَ يَحِلُّ. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكْتُبَ إذَا حَكَمَ أَنَّهَا عَلَى مَنْ احْتَمَلَ مِنْ عَاقِلَتِهِ يَوْمَ يَحِلُّ كُلُّ نَجْمٍ مِنْهَا. فَإِنْ عَقَلَ رَجُلٌ نَجْمًا ثُمَّ أَفْلَسَ فِي الثَّانِي تُرِكَ مِنْ أَنْ يَعْقِلَ ثُمَّ إنْ أَيْسَرَ فِي الثَّالِثِ أَخَذَ بِذَلِكَ النَّجْمَ وَإِنْ حَلَّ النَّجْمُ وَهُوَ مِمَّنْ يَعْقِلُ ثُمَّ مَاتَ أُخِذَ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْحُلُولِ وَالْيُسْرِ وَالْحَيَاةِ. وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنْ لَا يَحْمِلَ أَحَدٌ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا قَلِيلًا وَأَرَى عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ كَثُرَ مَالُهُ وَشُهِرَ مِنْ الْعَاقِلَةِ إذَا قُوِّمَتْ الدِّيَةُ نِصْفَ دِينَارٍ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُ رُبُعَ دِينَارٍ وَلَا يُزَادُ عَلَى هَذَا وَلَا يُنْقَصُ عَنْ هَذَا يَحْمِلُونَ إذَا عَقَلُوا الْإِبِلَ عَلَى قَدْرِ هَذَا حَتَّى يَشْتَرِكَ النَّفَرُ فِي بَعِيرٍ فَيَقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ أَحَدٌ بِأَكْثَرَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ. .

[عَقْلُ الْمَوَالِي]
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَلَا تَعْقِلُ الْمَوَالِي مَنْ أَعْلَى وَهُمْ الْمُعْتَقُونَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْمَوَالِي وَلِلْمُعْتَقِينَ قَرَابَةٌ تَحْتَمِلُ الْعَقْلَ. وَإِنْ كَانَتْ لَهُ قَرَابَةٌ تَحْتَمِلُ بَعْضَ